عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - عبد الحسين شعبان

صفحات: [1] 2 3
1
المنبر الحر / الثقافة والذاكرة
« في: الأمس في 18:36 »

 

الثقافة والذاكرة
                     
عبد الحسين شعبان
ينطوي مفهوم الثقافة على بعدين أساسيين، أحدهما كوني عام، والآخر وطني، أو محلي خاص، ويتجسّد البعد العالمي بالمشترك الإنساني الجامع للبشر، أما البعد الوطني أو الفرعي فهو الذي يأخذ السمات الخاصة والمعتقدات وطرائق الحياة التي تمكّن مجموعة بشرية من الشعور المشترك بتميّزها عن الآخرين، بفعل الروابط الخاصة التي تجمعها، لأن الثقافة في نهاية المطاف تمثّل مجموعة السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميّز مجتمعاً بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها، وهي تشمل طرائق العيش من مأكل، وملبس، وعادات، وتقاليد، إضافة إلى الحقوق الأساسية للإنسان والنظم القيمية التي يعتمدها، علاوة على الفنون والآداب.
وذهب إعلان مكسيكو في 6 أغسطس/‏ آب 1982 بشأن السياسات الثقافية والتنوّع الثقافي، إلى تأكيد ذلك من خلال هويّات تُميّز الجماعات والمجتمعات الإنسانية، وهو ما يقرّه القانون الدولي لحقوق الإنسان، كما ورد في العهدين الدوليين الأول- الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والثاني - الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الصادرين في العام 1966 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، واللذين دخلا حيّز النفاذ في العام 1976، إضافة إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة الصادرة في العام 1979.
والثقافة ركن لا غنى عنه في عملية التنمية بجميع جوانبها، ولا يمكن الوصول إلى الهدف المنشود من التنمية من دون إعطاء الثقافة المكان الذي تستحقّه، فقد كانت في السابق والحاضر وستكون أكثر تأثيراً في المستقبل، عنصراً أساسياً لتقارب الشعوب، فالمجتمعات من دون ثقافة هي بلا ذاكرة، كما أن الثقافة عنصر جوهري للاستقرار الاجتماعي، مثلما هي محرّك أساسي للنشاط الاقتصادي، ولنتذّكر طريق الحرير في الماضي والحاضر، وما يمكن أن يبعثه اليوم من فرص جديدة للتقارب والتعاون على المستوى الكوني. وقد لعبت المسيحية، وبعدها الإسلام، دوراً مهماً وحيوياً في التقارب بين ثقافات الشعوب على المستوى العالمي.
وفي حوار مغاربي جمعني مع نخبة من المثقفين على هامش مهرجان الناظور السينمائي لمناقشة دور الثقافة في المشترك الإنساني، بما لها من تنوّع وتعدّد وتشعّب، ابتدأنا فيه من دور السينما، فهي ليست للمتعة من خلال الصورة والصوت والحركة، بل إنها أفكار ومشكلات تعبّر عن مضمون ومعنى اجتماعي أيضاً، وهذا الأخير يمكن أن يكون عنصراً للخير، أو عنصراً للشر، بحسب الجهات التي توظّفه. والشيء ذاته ينطبق على الموسيقى، فهي رسالة سلام وصداقة بين الشعوب يمكن تعميمها بالتذوق والتواصل والتفاعل، أما عن المسرح، فكثيراً ما ردّدنا القول الأثير « أعطني خبزاً ومسرحاً أعطك شعباً مثقفاً»، وفي الشعر كان أكتافيو باث، الشاعر المكسيكي الحائز على جائزة نوبل يقول: «إذا خلا رأس السياسي من الشعر تحوّل إلى طاغية»، وهكذا، فالبشر من دون فن سيتعرضون للصدأ سريعاً، وللعطب على نحو شديد بفقدان التخيّل وانحسار الرؤى والأحلام.
الثقافة من هذه الزاوية هي رافعة أساسية للقيم الإنسانية التي بإمكانها إذا ما تم نشرها وتعميقها رفع درجة الوعي، ولاسيّما بالمشترك الإنساني لما يمكن أن تقوم به من دور للتواصل بين الشعوب والبلدان على الرغم من شسوع المسافات، وبهذا المعنى فهي أداة صداقة وتعاون، وإحدى وسائل إنعاش الذاكرة المشتركة، خصوصاً إذا ما كُرّست للخير والعمران والجمال والسلام، بدلاً من نكء الجراح، والهدم، والحرب، والكراهية، والانتقام.
ولكي تكون الثقافة عادلة، فلا بدّ أن تكون شاملة ومن دون تمييز، خصوصاً في الموقف من المرأة، فلا حريّة حقيقية من دون تحرّر المرأة، وإلغاء جميع أشكال التمييز ضدها، ولا يمكن تحرير المجتمع من دون تحرير المرأة، وإلّا فإن نصفه سيبقى معطلاً وغير فاعل.
وقد حاول إعلان مكناس حول «حوار الثقافات وأسئلة الهويّة» الاستناد إلى هذا المفهوم والبنيان عليه في إطار مشروع للتواصل الثقافي من خلال التعبير عن رؤية جديدة تنطلق من الحوار والإقرار بالحق في الاختلاف.
ولا يمكن تحقيق ذلك من دون دور حقيقي للثقافة بشكل عام، وللفن بشكل خاص، سواء في السينما، أو المسرح، أو الموسيقى، أو الغناء، أو الرقص، أو الرسم، أو النحت، أو الكتابة، وستكون الحياة من دون ثقافة مملّة، بل غير ممكنة في العالم المعاصر، والإنسان يختلف عن الحيوان بثقافته، ولغته، وقدرته على التحكّم في عواطفه.
ومن تجارب الشعوب، فإن الاطلاع على ثقافة الغير هو الوسيلة الأولى للتواصل التي يمكن أن تغتني بالاختلاط والتبادل والتفاعل، أما العزلة والتصورات المسبقة عن الآخر، فإنها تقود إلى الاستعلاء من جهة، ومن الجهة الأخرى إلى ضيق الأفق، فضلاً عن ردود الفعل العدائية حدّ التناحر.
drhussainshaban21@gmail.com

2
 

«إسرائيل» خارج الـ «يونيسكو»

عبد الحسين شعبان
دخل انسحاب «إسرائيل» من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) حيّز التنفيذ ابتداءً من الأول من الشهر الجاري (2019)، وكانت هي أعلنت انسحابها يوم 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2018، بزعم انحياز «اليونيسكو» للفلسطينيين عبر تبنّيها قرارات لمصلحتهم. وكانت «اليونيسكو» في العام 2016 أدرجت 55 موقعاً تراثياً في العالم على قائمة المواقع المعرّضة للخطر، منها البلدة القديمة في القدس المحتلة، وأسوارها، ما خلّف غضباً «إسرائيلياً»، كما تبنّت في شهر أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه قراراً ينفي وجود ارتباط ديني لليهود بالمسجد الأقصى، وحائط البراق. كما صوّت المجلس التنفيذي «لليونيسكو» في العام 2017 لمصلحة قرار يؤكد قرارات المنظمة السابقة باعتبار «إسرائيل» محتلة للقدس، ويرفض سيادتها عليها.
وقال داني دانون سفير «إسرائيل» في الأمم المتحدة معلقاً على خلفية قرار «تل أبيب» بالانسحاب من «اليونيسكو»: «إن «اليونيسكو» تسعى لإعادة كتابة التاريخ، من خلال محاولات محو صلة اليهود بالقدس، وأضاف»: إن «إسرائيل» لن تكون عضواً في منظمة هدفها العمل ضدها، وتصبح أداة استغلالية يتلاعب بها أعداء «إسرائيل».
وكانت «اليونيسكو» تلقت بلاغاً في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2018 بشأن انسحاب «إسرائيل» من المنظمة وفقاً للقرار الذي اتخذته في أكتوبر الماضي، كما جاء على لسان أودري أزولاي، المديرة العامة «لليونيسكو».
جدير بالذكر أن «إسرائيل» انضمت إلى «اليونيسكو» في العام 1949 كجزء من محاولة إضفاء الشرعية على وجودها غير الشرعي، لاسيّما بتشريد نحو نصف الشعب العربي الفلسطيني، والاستيلاء على أكثر من نصف أراضي فلسطين، إضافة إلى توسعها بالتجاوز على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947 الخاص بالتقسيم، ورفضها، وتملّصها من القرار 194 لعام 1949 الخاص بحق العودة، فضلاً عن محاولاتها الاستيلاء على الممتلكات الثقافية الفلسطينية، والأماكن المقدّسة، وسعيّها المستمر لتغيير التركيب الديموغرافي والسكاني والطابع التعليمي للقدس، وبقية مناطق فلسطين.
وبسبب هذه المواقف دخلت في إشكالات ومشكلات مع منظمة «اليونيسكو»، وكان أول قرار «لليونيسكو» بخصوص القدس هو في العام 1956 الذي دعا لاتخاذ جميع التدابير لحماية الممتلكات الثقافية في المدينة في حال النزاع المسلّح. وفي العام 1968 دعا قرار «لليونيسكو» «إسرائيل» إلى الامتناع عن إجراء أي حفريّات في المدينة، أو نقل للممتلكات، أو تغيير لمعالمها، أو ميزاتها الثقافية.
وفي العام 1974 أصدرت «اليونيسكو» قرارين في مؤتمرها العام، 1- توجيه نداء عاجل إلى «إسرائيل» للامتناع عن الإجراءات التي تحول دون تمتع السكان العرب الفلسطينيين بحقوقهم في التعليم والحياة الثقافية والوطنية. 2- إدانة «إسرائيل» لتغيير معالم القدس. وقررت «اليونيسكو» في العام 2003، إرسال بعثة فنية إلى القدس لتقييم الوضع في البلدة القديمة، وواصلت ذلك في العامين 2005 و2006 بوضع القدس على لائحة التراث العالمي المهدّد بالخطر، مشيرة إلى العقبات التي تضعها «إسرائيل»، وطالبتها في العام 2007 بتقديم تقرير مفصل بشأن الحفريات في منحدر باب المغاربة المتاخم للمسجد الأقصى.
وأدرجت «اليونيسكو» هذه المواقع على قائمة التراث العالمي متبنية في العام 2016 قراراً ينفي وجود ارتباط ديني لليهود بالمسجد الأقصى، وحائط البراق، وصوّت المجلس التنفيذي في العام 2017 على قرار يعتبر القدس محتلة من جانب «إسرائيل»، ويرفض السيادة عليها، وكان مجلس الأمن الدولي اتخذ مثل هذا القرار العام 1980 بعد أن قرر الكنيست ضم القسم الشرقي من القدس بعد احتلالها العام 1967. وفي العام 2018 قررت «اليونيسكو» اعتبار البلدة القديمة وأسوارها ضمن قائمة مواقع التراث الديني. إن اتخاذ «اليونيسكو» مثل هذه القرارات إنما ينسجم مع ميثاقها الذي أكّد على رفض العنصرية والعنف، وتعزيز قيم السلام والتسامح والاعتراف بالآخر، وهو ما لم تفعله «إسرائيل» منذ تأسيسها، بل على العكس حاولت استغلال المنظمة لتمرير خططها، وحين فشلت بدأت مشاكلها مع «اليونسكو» متهمة إيّاها بالانحياز لمصلحة العرب والفلسطينيين.
وباستعادة تاريخ علاقة «إسرائيل» «باليونيسكو» فقد شهد توتراً مستمراً، ففي العام 1974 تم طرد «إسرائيل» من «اليونسكو» إثر قيامها بحفريات في منطقة الحرم المقدسي، لكنها عادت في العام 1979 بعد تهديدات من جانب الولايات المتحدة بوقف دعمها المالي للمنظمة الدولية، ولكن «إسرائيل» ومعها الولايات المتحدة وكندا، توقفت عن دفع حصّتها من ميزانية «اليونسكو» بعد قبول السلطة الفلسطينية دولة عضوة فيها (العام 2011)، وعُلِّق حقها في التصويت العام 2013، وكان ذلك تدهوراً جديداً في العلاقة التي انتهت بانسحابها الذي دخل حيّز التنفيذ مطلع العام الجاري.



3
والأمر يتطلّب تنقية المناهج الدراسية والتربوية عن كل ما من شأنه ازدراء الآخر أو تحقيره، لأن ذلك سيؤدي إلى إشاعة مناخ من الكراهية والأحقاد والكيدية، فالجميع بشر ومتساوون في الكرامة الإنسانية، وحسب قول الفاروق عمر: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" أو قول الإمام علي لعامله في مصر مالك بن الأشتر النخعي: "لا تكن عليهم (أي على الناس) سبعاً ضارياً لتأكلهم، فالناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".
   وعلى هذا الأساس ينبغي أن تكون مرجعية الدولة فوق جميع المرجعيات التي لا بدّ أن تخضع لها، سواء كانت سياسية أو حزبية أو دينية أو تربوية أو اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية أو مناطقية أو غير ذلك.
   ويحتاج الأمر إلى عمل طويل الأمد، ودون هوادة لإصلاح المجال الديني بما ينسجم مع سمة العصر والتطوّر وإدماج المناهج والمدارس الدينية مع المناهج والمدارس التي تعتمدها الدولة بهدف توحيدها وإشاعة الثقافة المدنية فيها، وجعل الدين في خدمة المجتمع مُيسّراً، وذلك بالعيش المشترك لأتباع الأديان في إطار دولة تقوم على المساواة وتحترم الجميع وتأخذ بمبادىء الكفاءة والإخلاص للوطن، في تولّي الوظائف العامة.
   الرابعة - الجبهة القانونية والقضائية،
   ولا بدّ من تأكيد مبادىء احترام القانون وعدم التجاوز عليه لأي سبب كان، وحسب مونتسكيو فـ"القانون مثل الموت الذي لا يستثني أحداً"، أي أنه ينطبق على الجميع، وبتأكيد استقلال القضاء ونزاهته وتنقية النصوص الدستورية والقانونية عن كل ما يتعلّق بالتطرف والتعصّب والتمييز.
   الخامسة - الجبهة الإعلامية والمدنية،
   وهنا ينبغي أن يلعب الإعلام دوراً مهماً ومعه المجتمع المدني في نشر ثقافة التسامح واللاّعنف والسلام المجتمعي واحترام الهويّات والخصوصيات التي هي جزء من تاريخنا بكل ما فيه من مشتركات، لا سيّما بتأكيد احترام الآخر.
   السادسة - الجبهة الأمنية والاستخبارية،
   وهي جبهة مهمّة وأساسية، وبقدر ما هي جبهة وقائية فهي جبهة حمائية ولا بد أن تكون جبهة رعائية، وإذا كان تحقيق الأمن مسألة جوهرية وأساسية لأي تقدم وتنمية، وهو الذي اعتبره سيجموند فرويد عالم النفس النمساوي، موازياً للكرامة، بل يتفوق عليها أحياناً، خصوصاً في ظل الحروب والنزاعات الأهلية وانفلات الفوضى، إذ لا كرامة مع غياب الأمن، مثلما لا أمن حقيقي دون كرامة. ومع استخدام الوسائل العسكرية والحربية ضد الجماعات الإرهابية، فينبغي في الوقت نفسه الحرص على حماية المدنيين وعدم تعريضهم للأذى واحترام الاتفاقيات والمعاهدات الدولية على هذا الصعيد، ولاسيّما اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملحقيها بروتوكولي جنيف لعام 1977، الأول - الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة ، والثاني - الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية.
   ويمكن القول إن تحقيق الأمن وحماية الحقوق الإنسانية والكرامة الفردية والجماعية هي مسؤولية متكاملة للدول والحكومات والقوى الفاعلة والحية في المجتمع، من أحزاب ونقابات ومؤسسات رأي عام ومنظمات مجتمع مدني وإعلام، خصوصاً بالبحث عن المشتركات ومحاولة فكّ الاشتباك الذي يحصل أحياناً بالممارسة، وبتقديري، فإن ذلك أحد أركان الخطاب الجديد لمواجهة التطرّف والإرهاب، خصوصاً بتوسيع دائرة الحقوق والحريّات وتعزيز الهويّة الوطنية المشتركة.
   ويعتمد نجاح الدول على قدرتها في الموازنة بين سبل المجابهة وسبل الحماية، إضافة إلى سبل الرعاية، ولا بدّ من اعتماد تشريعات وآليات جديدة أكثر قدرة على استقطاب الشباب وامتصاص طاقاتهم عبر نوادي أدبية وأنشطة ثقافية ورياضية وفنية من رسم وموسيقى وغناء ومسرح وغيرها.
   وهذا يعني إشراك مؤسسات المجتمع المدني في عملية التنمية باعتبارها مكمّلة ومتمّمة لاتخاذ القرارات وتنفيذها، وهي بهذا المعنى يمكن أن تكون "قوة اقتراح"، وليس "قوة احتجاج" فحسب.
   ويعتبر الحفاظ على الدولة الوطنية واحداً من المهمّات الجديدة، التي تواجه مجتمعاتنا، والتي تقع في صلب استراتيجيات مجابهة التطرّف، إذْ لا يمكن إحداث التنمية من دونها، فالدولة الوطنية وإن كانت هي نتاج اتفاقية سايكس بيكو (1916) أصبحت اليوم مهدّدة في ظلّ التطرّف ومحاولات التديين والتطييف والإثنية والتشظّي، والهدف هو تجزئة المجزّأ وتذرير المذرّر.
   إن حزمة الاستراتيجيات تلك التي تواجه التطرّف على المستوى الداخلي، يمكنها وفي ظل تعاون وطني شامل وإدارات سليمة مواجهة التحدّيات الخارجية، سواءً بالسعي مع غيرنا من شعوب الأرض وأممه لإعادة صياغة نظام العلاقات الدولية، ليصبح أكثر عدالة وأشد قرباً إلى التعبير عن المصالح المشتركة بين الدول والأمم والجماعات الثقافية، الأمر الذي يحتاج إلى توازن قوى دولي من نوع جديد، لا بدّ من العمل عليه.
   وإذا كان نظام القطبية الثنائية قد انتهى وبشكل خاص (1945 - 1989)، فإن نظام الأحادية القطبية بدأ يتفكّك ويتآكل، ولم تعد الولايات المتحدة المتحكّم الوحيد في نظام العلاقات الدولية، وهناك محاور إقليمية ودولية، وخصوصاً في ظل صعود روسيا وعودتها المؤثرة على النطاق العالمي والدور الجديد الذي تلعبه الصين بما لها من إمكانات، ناهيك عن دول البريكس الأخرى مثل: الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، ويمكن القول لا بدّ من إيجاد مواطن قدم للعرب فيها، خصوصاً حين يكون هناك حد أدنى من التنسيق والعمل المشترك، وبقدر ما للمسألة من أفق استراتيجي، فإن لها خطوات أولى تمهيدية يمكن الشروع بها والعمل في إطارها.
   ولا شكّ أن ثمة مشتركات إنسانية تجمعنا مع شعوب الأرض، وخصوصاً قوى التحرّر والتقدم في أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا، لا بدّ من تعزيز التعاون والتنسيق معها سواء في المحافل الدولية أو على الصعيد الميداني، والهدف هو توثيق عرى الصداقة والتفاعل الثقافي والتواصل الحضاري، لأن التطرّف الذي ينجبه التعصّب سيلد العنف والإرهاب وهذه مسألة تشمل جميع وشعوب البلدان النامية الأكثر تضرراً منه، إضافة إلى شعوب العالم أجمع.
   ولعلّ من المناسب أن نذكر هنا ما أورده كورت فالدهايم الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة في تقرير كتبه في أواسط السبعينات، عزا فيه أسباب الإرهاب إلى اختلال نظام العلاقات الدولية، خصوصاً بوجود "حق الفيتو وتهاون الدول الكبرى القيام بواجباتها واغتصاب حق الشعوب"، وقد قصد بذلك الأسباب العالمية.
   أما على الصعيد الداخلي، ولا سيّما في البلدان النامية فيمكن إضافة: ضعف البناء الديمقراطي وشحّ الحريّات وعدم احترام حقوق الإنسان وعدم الإقرار بالتعددية السياسية والفكرية والقومية وهضم أو تهميش حقوق المجاميع الثقافية ونشوء ظاهرة الهجرة، واتساع العمالة الخارجية، وبخاصة من بلدان الجنوب إلى الشمال، ومشاكل اللاجئين كل ذلك يساعد في إيجاد أجواء خصبة لبذرة التطرّف.

الخاتمة- دور الجامعات في مكافحة الإرهاب

   في خاتمة هذا البحث وبعد أن تناولنا قضايا التعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب والقرارات الدولية بخصوصها والإشكالات النظرية والعملية بشأنها، لاسيّما بعض الالتباسات التي تتعلّق بالدين واستخداماته ومحاولة الإرهابيين والتكفيريين التعكّز عليه، وبعد أن شخّصنا بعض المنطلقات النظرية للإرهاب الديني وحلّلنا البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودعونا إلى خطاب جديد وفكر جديد، بل واستراتيجية جديدة لمكافحة الإرهاب، نتوقّف عند دور الجامعات كخاتمة لهذا البحث مع بعض التوصيات :
   تمثّل الجامعات  فضاءً واسعاً ومهماً، خصوصاً وهي تمثّل أكبر التجمّعات البشرية من الفئات الشبابية المتعلّمة والمتطلّعة لأخذ مكانها في الحياة العامة. والشباب بطبيعته يمتاز بالحيوية والجرأة والإقدام والاندفاع، الأمر الذي يحتاج أن تولي الجامعات اهتماماً خاصاً واستثنائياً به لما له من تأثيرات كبرى بالإيجاب أو السلب على عموم المجتمع، خصوصاً وإن الشباب هم الفئة الأكثر استهدافاً وتعرّضاً للخطر، سواء محاولة تجنيدهم أو التلاعب بعقولهم، سيّما وإن بعضهم يعاني من اليأس والقنوط والانعزال.
   وفي الحالة الأخيرة فإن بعض  قطاعات من الشباب إذا ما تُركت عرضة للتيارات المتشدّدة والمتزمّتة فإن الجماعات التكفيرية والإرهابية ستجد الطريق إليها سالكاً، خصوصاً وإن الشباب حساس بطبعه ويتأثّر بما حوله سريعاً، لاعتبارات موضوعية وذاتية، مثل سوء الأوضاع الاقتصادية وتدهور مستوى المعيشة والاضطهاد والتمييز والاستلاب الخارجي ومحاولات فرض الهيمنة والاستتباع وغير ذلك، علماً بأن شعوره مضاعف إزاء عدم المساواة وشحّ الحريات ونقص فرص العدالة والمشاركة ، لذلك على الجامعات تقع مسؤوليات كبيرة للاضطلاع بمهمة مركّبة أساسها تحصين الشباب ووقايته من التأثر بالجماعات الإرهابية من جهة، ومن جهة ثانية دفعه بالاتجاه الإيجابي للوقوف ضد التطرّف والإرهاب بجميع صوره وأشكاله وضد جميع مبرّراته وحججه.
   وحسب تقرير منظمة اليونسكو فلا بدّ من النظر في الجهود الرامية إلى منع التطرّف العنيف ضمن إطار أعم وأشمل من مجرد المواجهات الأمنية والعسكرية، فلا شك في أن الاستجابات الأمنية مهمة، إلّا أنها غير كافية ولن تعالج الظروف العديدة الكامنة التي تولد التطرف العنيف وتدفع الشباب إلى الانضمام إلى المجموعات المتطرفة العنيفة.
   ويمضي تقرير اليونسكو لتأكيد الحاجة إلى:  قوة إقناع (كالتعليم)، وهذا الأخير ينبغي أن يكون جيداً ومجدياً، ويتطلب ذلك دعمه وتطوير المهارات وإيجاد فرص للتوظيف واحترام التنوّع وتحضير الشباب لدخول سوق العمل، إضافة إلى الاستثمار في البرامج التي تروّج للمواطنة وتوفير تعليم شامل من الابتدائية وحتى التعليم العالي
وهذا يتطلّب :
1- تنمية الوعي الفكري والثقافي وتطويرهما للقدرات الشبابية داخل الجامعات والتركيز على الأمن الفكري للطالب الجامعي، كأمن ذاتي وجزء من الأمن العام للبلد ككل، أي تقوية مناعة الشباب الجامعي ضد فايروسات التطرّف والعنف والإرهاب.
2- إمداد المجتمع بالكفاءات المؤهلة من الخريجين والتخصصات الملائمة لواقعه ومستقبله، خصوصاً تلك التي تكون مسلّحة بالعلم والمعرفة وبقيم السلام والتعايش والمشترك الإنساني، وذلك نقيضاً للتطرّف والعنف والإرهاب، وكلّما استطاعت الجامعات تخريج الطلبة طبقاً لهذه المعايير والقيم، كلّما استطاعت أن تضخّ المضادات الحيوية في المجتمع ضد الإرهاب.
3- تطوير البحث العلمي، سواء داخل الجامعات بالنسبة للطلبة، أو عبر المؤسسات الخاصة بالبحث العلمي، والذي لا يمكن إحراز التقدم الحقيقي من دونه، خصوصاً بتخصيص الموارد الكافية له وتوفير السبل الناجعة للاستفادة منه والكفيلة بتسهيل مهمته. ولابدّ من مواكبة التطورات على هذا الصعيد بالاستفادة من التجارب العالمية، آخذين بنظر الاعتبار المستجدات والمتغيّرات في الساحة الدولية، سواء إزاء قضايا الإرهاب والإرهاب الدولي أو بيئاته الحاضنة فكرياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً واستغلال الأديان وتوظيفها لإضفاء نوع من القدسية والشرعية على استخداماته.
   ويلاحظ إن جامعاتنا تعاني من أوجه قصور عديدة أهمها: ندرة البرامج المشتركة المعنية لمواجهة الجرائم الإرهابية  الخشنة والناعمة منها بما فيها الحرب النفسية، وغالبيتها لا تزال تدور في الإطار التقليدي للأدوار المتعارف عليها دون تطوير، إضافة إلى عدم وجود خطط مستقبلية متوسطة وطويلة المدى، واقتصار الأنشطة والفاعليات الخاصة لجهود الجامعات على بعض الأنشطة الداخلية وعدم انفتاحها على البيئة المجتمعية خارج الجامعة، وعدم وجود آليات وتشريعات محددة لتقويم مجموعة الجهود المبذولة لمواجهة الجرائم.
   ولعل نسبة كبيرة من الشباب ممن يتم تجنيدهم في المنظمات الإرهابية ويجري استغلالهم من جانب التكفيريين هم من العاطلين عن العمل، سواءً كانوا خريجين ومتعلمين، وفي أغلب الأحيان ممن لم يتموا تعليمهم، بل إن بعضهم من الأميين، وبسبب ظروفهم القاسية انساقوا وراء الأفكار المسمومة، لاسيّما لشعورهم بالاستلاب والتمييز وطغيان الكراهية والانتقام والثأر من المجتمع، خصوصاً بالتقصير الحاصل بإيجاد فرص عمل لهم وعيش كريم يوفّر الحد الأدنى، ناهيك عن الاستلاب الخارجي الواقع على مجتمعاتهم بسبب عدم عدالة العلاقات الدولية، واستمرار احتلال الأراضي ومحاولات التسيّد وغيرها.
   وفي الجامعات والمراحل التي تسبقها فيلاحظ الخلل في المناهج الدراسية التي تفتقر إلى إعلاء شأن القيم الإنسانية ونبذ التمييز، خصوصاً وإن قيم الحرية والمساواة بين البشر بغض النظر عن دينهم ولونهم وجنسهم ولغتهم وعرقهم وأصلهم الاجتماعي، وقيم العدالة ، ولاسيّما العدالة الاجتماعية ، وقيم الشراكة والمشاركة التي تنمّي روح العمل الجماعي وتقرّ بالتعددية والتنوّع والاعتراف بالآخر، ما تزال ضعيفة، وأحياناً غائبة عن المناهج الدراسية.
   تستطيع الجامعات أن تلعب دوراً مهماً في مواجهة الفكر الإرهابي التكفيري، بتشجيع قيم الحوار ورفض التعصّب ووليده التطرّف، وإعلاء شأن التسامح والسلام والمشترك الإنساني، الأمر الذي يضيّق الهوّة أمام التكفيريين، فالجامعة بهذا المعنى ليست مؤسسة لمنح الشهادات العلمية أو العليا فقط، بل هي مؤسسة للتواصل والتفاهم والتنمية والشراكة والمشاركة والمعرفة والتنوير لتعزيز القيم الوطنية والإنسانية وتحصين الطلبة ما يساعد على أن يكونوا سوراً أمام انتشار الفكر التكفيري وبهذا المعنى.
   يمكنني القول إن ينتظر أن تقوم به الجامعات على هذا الصعيد هو:
1- الدور الوقائي والحمائي- أي العمل على تحصين الجامعة والشباب الجامعي ومن خلاله والمجتمع من الوقوع ضحية الأفكار التفكيرية الإرهابية، من خلال بث الوعي الثقافي والفكري ونشر القيم البديلة وبالطبع فإن ذلك يحتاج إلى توفير أرضية مناسبة وبيئة صالحة لبذر القيم الوطنية والإنسانية وتعاليم الأديان الصحيحة التي تدعو للخير والسلام والمحبة والإيثار والصدق وحب العمل والإخلاص والوفاء كقيم معتمدة وأساسية فالبشر أخوة.
   وهناك وسائل متعددة لتحقيق ذلك، سواء عبر مؤتمرات أو ندوات أو حصص دراسية أو ورش عمل مع عرض التجارب العربية والعالمية والقوانين الدولية والإنسانية التي تجرّم الإرهاب وتحاسب على مرتكبيه.
   وقد يحتاج الأمر إلى ندوات وحوارات بشأن الوسطية والاعتدال وفريضة الّلاعنف والتسامح وتنمية الجانب الإنساني التكاملي لدى الطلبة وخصوصاً باحترام الرأي المخالف وتأكيد حق الاختلاف، ولاسيّما الاختلاف في الرأي أو الاختلاف في العرق أو اللغة أو الدين أو الجنس، إذْ لا تطور حقيقي دون نزع فتيل التعصب والقضاء على التطرّف والعنف ووضع حد لظاهرة الإرهاب، ودون الاعتراف بالآخر وحقه في التعبير عن آرائه ومعتقداته وممارسة شعائره وطقوسه بحرية. وهذا يستوجب المساواة أساساً، والنظر إلى المختلفات كأمر طبيعي، فالوحدة في الثوابت التي تخصّ البشر والتباين في الفروع.
   2- الدور العلاجي، ويتمثل بمعالجة بعض حالات الشباب الجامعي وغير الجامعي الذين انضموا إلى الجماعات التكفيرية الإرهابية، عن طريق احتضانهم لإعادة تأهيلهم، لاسيّما بإيجاد فرص عمل لهم وتحسين أوضاعهم المعيشية وتبصيرهم بحقيقة الأديان والقيم الإنسانية التي تنبثق عنها، وكلّما تسلّح الشباب بالعلم والعقلانية والمعرفة، وكلّما استطاعوا أن يكونوا سداً مانعاً وحامياً ضد الفكر الإرهابي التكفيري، فإنهم يستطيعون في الوقت نفسه احتواء بعض الحالات والتعامل معها بصورة إيجابية.
   إن دور الجامعة يقتضي التصدّي للإرهاب: كفكر وفلسفة وثقافة ودين وسلوك وواقع مفروض، لأنه يشكل تهديداً أمنياً وفكرياً وسياسياً واقتصادياً ومجتمعياً ودينياً وتربوياً وقانونياً، الأمر الذي يحتاج إلى تضافر جميع الجهود وفي المقدمة منها الجامعات باعتبارها مؤسسات علمية وساحات فكرية للجدل والنقاش لدحض الأفكار الخاطئة ومقارعة الحجة بالحجة والرأي بالرأي، سواء كانت باسم داعش أو تنظيم القاعدة قبلها أو أخواتهما.
   وتؤكد خطة اليونسكو العالمية بشأن التعليم كونه أداة لمنع التطرّف والعنف وتعزيز الائتلافات الإعلامية بما فيها شبكات الانترنت، ولاسيما التركيز على تمكين الشباب للمشاركة وتكريس التنوّع الثقافي وتطوير المناهج الدراسية وتدريب المعلمين ودعم وإصلاح بيئة المدرسة وتعزيز اختيار الطلبة لممثليهم بشكل حر وديمقراطي .
   وبالعودة إلى ظروف العراق ودور الجامعات، ولاسيّما بعد 10 حزيران/يونيو 2014 حين احتلّ داعش مدينة الموصل وتمددّ إلى محافظة صلاح الدين والأنبار وأجزاء من محافظتي كركوك وديالى ووصل إلى مشارف العاصمة بغداد، وكاد داعش أن يهدد إربيل عاصمة إقليم كردستان، وخلال وجوده الذي قارب ثلاث سنوات حاول تغيير الأنظمة القانونية والمناهج المدرسية وتدخل على نحو سافر في بعض المناهج الجامعية، كما فرض نظاماً شمولياً إسلاموياً مسيئاً لقيم الإسلام، ولاسيّما باستباحة الأديان الأخرى، وخصوصاً من المسيحيين والإيزيديين، وتعريض نسائهم للبيع في سوق النخاسة. وهكذا فإن المرأة والمجموعات الثقافية كانتا الأكثر استهدافاً وتضرراً من الحروب والنزاعات الدولية والأهلية.
    وحاول داعش تغيير التراكيب السكانية والديموغرافية منطلقاً من نظرة متعصّبة إزاء الآخر، أي آخر مختلف، أو مغاير، وكل مختلف غريب وكل غريب مريب، وعمل على غسل عقول وأدمغة الشباب بشكل عام والأطفال منهم بشكل خاص بهدف خلق بيئة خصبة لنشر أفكاره ومعتقداته، مساهماً في إيجاد أوضاع نفسية واجتماعية مشجعة على ذلك، الأمر الذي يحتاج إلى تعامل من نوع جديد مع هذه النتائج، لاسيّما بتفكيك الخلايا النائمة لإعادة بذر قيم السلام والتسامح والّلاعنف فيها.
    ولن يتحقق هذا وإن كان بحدّه الأدنى إلا بتحسين الأوضاع الاجتماعية وإعادة بناء ما خربته الحرب وإيجاد فرص عمل للعاطلين وتعويض السكان عمّا لحق بهم من غبن وأضرار. ولابدّ من إعادة تأهيل الأطفال دون سن الـ 18 وإعادة تأهيل الشباب، بمن فيهم الذين انتموا إلى داعش قناعة أو قسراً، بسبب ظروف الإرهاب والقمع والإكراه، ناهيك عن معالجة الآثار السايكولوجية لضحايا داعش، كي لا يندفعوا باتجاه الثأر والانتقام والعنف، ولا بدّ من إجراء حوار معرفي وثقافي ومجتمعي إزاء الظواهر العنفية والإرهابية بما فيها لبعض من تورطوا فيها.
   إن العمل على تأمين الأمن الفكري والأمن المجتمعي يقتضي وضع برامج عمل للجامعات والتعاون فيما بينها ومع أجهزة الدولة الأخرى بهدف تحقيق التنمية دون نسيان دور المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية ودور الإعلام والمثقفين بشكل خاص، ولا بدّ من تحديد الأولويات من الجانبين الفكري والثقافي إلى الجوانب القانونية والحقوقية، مع تأكيد الجوانب الإقتصادية والاجتماعية، وبالطبع الجوانب التعليمية والتربوية ، وتأكيد الجوانب الأمنية والاستخبارية والعسكرية التي ينبغي أن تكون آخر "العلاج الكي" مع ضرورة الحفاظ على الكرامة الإنسانية واحترام حقوق الإنسان.
   وعلينا تحديد تعريف علمي للإرهاب لكي لا يختلط مع مفاهيم أخرى، ولكي لا يتم التجاوز على الحريات وكرامات الناس بحجة مكافحة الإرهاب، ويمكن للجامعات أن تسهم في فتح قنوات للحوار وورش عمل بشأن ظواهر التعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب ، وهو الحوار الذي يمكن أن يبلور تعريفاً واضحاً للإرهاب لاعتماده من جانب الدولة في المحافل الدولية، سواء المنظمات  المدنية العالمية أم الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، ولا بدّ من العمل على تجفيف المنابع الفكرية والاقتصادية، لأن محاربة الإرهاب هي عملية متكاملة ومتداخلة ومركبة ومعقدة، ولا يمكن إهمال أي جانب منها، سواء كان الإرهاب على المستويات المحلية أم إرهاباً على مستوى الدول والحكومات.
    وحسبي هنا أن أشير إلى أن الجامعات والبحث العلمي يمكن أن يسهما في مكافحة الإرهاب من خلال: 1- الاستثمار في التربية 2- محاربة الجهل 3- تأمين الحقوق الأساسية للإنسان 4- نشر ثقافة المواطنة، وقيم المساواة والسلام والحرية والعدالة والمشاركة. 5- الاستفادة من مخرجات التعليم والبحث العلمي في الخطط التنموية للدولة، خصوصاً تلك التي تشكل المرتكز الأساسي في مكافحة الإرهاب.









Summary
Towards a New Counter-Terrorism Strategy
Dr Hussain A. Shaban*

   Extremism has become rampant in many societies, including some advanced societies, albeit in the old days of humanity. However, though “globalization,” the scientific revolution and tremendous development of information technology, communications, and digitalism, it is a global threat that could not have been measured a few decades ago, whether in the depth of its impact, its speed and vast outreach, until the whole world became a “space” for the virus of the terrorism. It is no longer just a danger to civil and community peace, but has become a global threat to international peace and security.
   Extremism becomes material when it moves from theory to practice, from thought to reality, let alone if religion is used as an excuse to abolish, exclude and impose opinion by force, violence and terrorism outside the rule of law and the judiciary. This is especially by expiation of the latter, for the other claiming to posses the truth and declares preferences.
   The phenomenon of extremism has spread the occurrence of violence and terrorism, which hit the Arab and Islamic countries at their core. It threatens fragmentation, if not division, which sometimes takes a social character, particularly when it finds a suitable environment for hatching eggs. Various groups of terrorist forces, from the organization of al-Qaeda and its branches to the Islamic state in Iraq and Syria, “Daesh” and its sister group the Front of Victory or “Fatah al-Sham” according to the new or other designation.
   It is worth mentioning that the emergence of extremism has escalated to an alarming degree, after the wave of the “Arab Spring” which began in early 2011, whose “side” symptoms were the outbreak of chaos, insecurity and the spread of financial and administrative corruption that weakened the national state, and attempts by armed groups outside the rule of law and the judiciary. Some of these groups undertook to destroy the elements of the state’s components, either by “voluntary” action or through behavior and conduct leading to the same result.
   If one of the essential functions of any State is the maintenance of public order and security and the protection of the lives and property of citizens, then extremist terrorist groups that have adopted violence as a means of resolving disputes between them and the State and have effectively led to a “civil war” dynamic, which contributed to the destruction of government institutions, economic and vital facilities, and the disruption of development. In addition, the process of accumulation and development, not to mention the absurdity and disregard of life, public and private property; whether paralyzing the organs of the State and lack of ability to carry out its tasks in part, most notably in chaos and insecurity.
   If the change is “imposing an eye” as it is “imposition of kefiyeh,” for example, it is an option and a choice, yet at the same time “forced,” because this is the nature of things. However, access to it also needs to provide objective and subjective conditions to achieve it, as well as gaining public opinion. Even in countries where change has a popular will, the collapse of the old “Sharia” has not yet been completed and has faced great problems and challenges for transition and transformation.
Antonio Gramsci said, “The old is dying and the new cannot be born.” The vast majority of the world’s experiences have confirmed that the change in power has quickly receded, and sometimes the reactions are stronger and more severe, which will ultimately delay the process of gradual natural evolution.
   This is because the degree of society’s development and the prevailing economic, social and cultural laws in addition to the level of awareness people and culture in general did not rise to achieve it, and vice versa. When development is consistent with the measure of public awareness, moving them from one stage to another, but without jumping on the stages or burning them, the more established, stable and successful they become, for the reason that it is a natural development and not imposed.

The research highlights a number of core topics, including:
1-   Trilateral extremism, fanaticism and terrorism
2-   Over 20 international resolutions and conventions:
-   13 of which were before the terrorist attacks of September 11, 2001, and 3 even more extreme after.
-   Most notable of these is from the UN Security Council: Resolution No. 1373 of September 28, 2001, which authorized a preemptive or preventive war, the right to war and invasion is in the interests of the nation-state.
-   International resolutions issued by the UN Security Council after the authoritative occupation of Mosul on June 10, 2014, and all seven of which were based on Chapter VII of the Charter of the United Nations.
3-   In contrast to extremism, the spread of a culture of non-violence, tolerance, peace, rejection of hatred, recognition of diversity, pluralism and recognition of the other.
4-   In advocating both new ideas and discourse, through approaches to dry out the ideological environment that incubates terrorism and confronts it intellectually, politically, legally, socially, educationally and religiously, in addition to the security and intelligence front without forgetting the media and civil front, especially the participation of civil society.




* Born in Al Najaf/Iraq in 21/3/1945 , has PhD(CSc) in International Law , he is an  Intellectual, Academic Researcher,  Thinker, Legal Consultant and Author of over 60 books within International Law, Constitution Law, Politics, Ideological conflict, In the Jurisprudence of Contemporary Religions, Nationalities and Ethnic Issues, Culture, Literature, Human Rights and Civil Society. A media expert within television, radio and current affairs.
Present, Vice President  of  The Non Violence University and Human rights, and Professor of Non- Violence and Human Rights subject, and The International Law and Humanitarian International Law.
 Awarded the most prominent human rights activist in the Arab world (Cairo, 2003)





4

وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إقليم كردستان

كردستان العراق 25-29/9/2018


البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهـــاب
ودور الجامعات في التصدي والمواجهة على المستويين الفكري والأكاديمي



د. عبد الحسين شعبان*


   
 
تـوطئــة   
   أصبح التطرّف Extreme ظاهرة متفشّية في العديد من المجتمعات، بما فيها بعض المجتمعات المتقدّمة، وإنْ كان قديماً قِدَم البشرية، إلاّ أنه وبفعل "العولمة"، والثورة العلمية - التقنية والتطوّر الهائل في تكنولوجيا الإعلام والاتصال والمواصلات والطفرة الرقمية "الديجيتيل" والمعلوماتية، بات أكثر خطورة وتهديداً على المستوى العالمي بما لا يمكن قياسه قبل بضعة عقود من الزمان، سواء بعمق تأثيره أم بسرعة انتقاله أم مساحة تحرّكه، حتى غدا العالم كلّه "مجالاً حيوياً" لفيروساته، الأمر الذي لم يعد تهديده للسلم الأهلي والمجتمعي فحسب، بل أصبح عالمياً بتهديده للسلم والأمن الدوليين.
   ويصبح التطرّف فعلاً مادياً حين ينتقل من التنظير إلى التنفيذ، ومن الفكر إلى الواقع، ومن النظرية إلى الممارسة، فما بالك إذا استخدم الدين ذريعة للإلغاء والإقصاء وفرض الرأي بالعنف والإرهاب خارج نطاق القانون والقضاء، لا سيّما من خلال التكفير Expiation للآخر بزعم امتلاك الحقيقة وادّعاء الأفضليات.
   التكفير حكم ليس بالضرورة أن يصدر عن محكمة، بل تصدره أحياناً جماعة سرّية خارج القانون والقضاء، بحق شخص أو مجموعة من الناس لا تتفق معها بزعم مخالفتها للدين أو العقيدة فتقوم بتأثيمها لفعل ما ومن ثم تحريمها وبالتالي تجريمها، والأمر يشمل الأفكار والأشخاص .
وكان من نتائج استشراء ظاهرة التطرّف انتشار ظاهرة العنف Violence والإرهاب Terrorism، وهو الأمر الذي تفشى في العديد  البلدان العربية والإسلامية وأخذ يهدّد الدولة الوطنية بالتشظّي والتفتّت، إنْ لم يكن بالانقسام، الذي يتّخذ في بعض الأحيان طابعاً مجتمعياً، خصوصاً حين يجد بيئة صالحة لتفقيس بيضه، وتفريخ مجموعات متنوّعة ومختلفة من القوى الإرهابية، ابتداءً من تنظيم القاعدة وفروعها ووصولاً إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" وأخواتها "جبهة النصرة" أو "فتح الشام" حسب التسمية الجديدة أو غيرها.
جدير بالذكر أن ظاهرة التطرّف استفحلت لدرجة مريعة، بعد موجة ما أطلق عليه "الربيع العربي" التي ابتدأت في مطلع العام 2011، والتي كان من أعراضها "الجانبية" تفشي الفوضى وانفلات الأمن واستشراء الفساد المالي والإداري وإضعاف الدولة الوطنية ومحاولة التغوّل عليها من جانب جماعات مسلّحة خارج حكم القانون والقضاء، وأخذت بعض تلك الجماعات على عاتقها تهديم مقوّمات الدولة، سواء بفعل "إرادي" أم عبر سلوك وتصرّف يؤدي من شأنه إلى النتيجة ذاتها.
وإذا كان من الوظائف الأساسية لأي دولة هي حفظ الأمن والنظام العام وحماية أرواح وممتلكات المواطنين، فإن الجماعات المتطرّفة والإرهابية التي اعتمدت الإرهاب والعنف وسيلتين لفض النزاعات بينها وبين الدولة في الغالب، وبينها وبين المجتمع، قادت من الناحية الفعلية إلى "حروب أهلية"، الأمر الذي أدى إلى تدمير المؤسسات الحكومية والمرافق الاقتصادية والحيوية، وعطّل التنمية وعملية التراكم والتطوّر،  ناهيك عن العبث والاستخفاف بالأرواح والممتلكات العامة والخاصة، سواء بشلّ أجهزة الدولة أم تعويمها وإفقادها القدرة على القيام بمهامها كلاًّ أو جزءًا، خصوصاً في ظل الفوضى وانعدام الأمن.
وإذا كان التغيير "فرض عين" مثلما هو "فرض كفاية" كما يُقال، أي أنه خيار واختيار، وفي الوقت نفسه "اضطرار"، لأن ذلك من طبيعة الأشياء، إذْ لا يمكن دوام الحال على ما هو عليه إلى ما لا نهاية، فذلك من المُحال، لكن الوصول إليه يحتاج هو الآخر إلى توفّر شروط موضوعية وأخرى ذاتية لإنجازه، وكسب للرأي العام، فحتى البلدان التي حصل فيها التغيير بإرادة شعبية، بانهيار أو تآكل "الشرعيات القديمة" لكن "الشرعيات الجديدة" لم تُبنَ بعد أو لم تستكمل، وواجهتها مشكلات جمّة وتحدّيات كبرى أمام عمليات الانتقال والتحوّل من طور إلى طور. وحسب أنطونيو غرامشي "فإن الماضي قد احتضر، أما الجديد فلم يولد بعد".
وقد أكّدت الغالبية الساحقة من التجارب العالمية أن التغيير الذي حصل بحكم القوة سرعان ما ارتدّ على أعقابه، وأحياناً تكون ردود الفعل أقوى وأقسى، الأمر الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى تأخير عملية التطوّر الطبيعي التدرّجي، لأن درجة تطوّر المجتمع والقوانين السائدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومستوى وعي الناس والثقافة عموماً لم ترتقِ لتحقيقه، والعكس صحيح، كلّما كان التطوّر منسجماً مع درجة تطوّر ووعي الناس، ناقلاً إيّاها من طور إلى آخر، ولكن دون قفز على المراحل أو حرق لها، كلّما كان أكثر رسوخاً وثباتاً ونجاحاً، لأنه تطوّر طبيعي وليس مفروضاً.
ثلاثية التعصّب والتطرّف والإرهاب
التطرّف ابن التعصّب Fanaticism ووليده العنف، وقد يقود هذا الأخير إلى الإرهاب. ويستهدف العنف في العادة ضحية أو ضحايا بعينهم، في حين أن الإرهاب هو استهداف مجموعة من السكان بهدف إحداث نوع من الرعب والفزع في المجتمع وإظهار الدولة بمظهر الضعيف والعاجز عن حماية الأمن، وإذا كان العنف يخضع للقانون الجنائي الوطني، فالإرهاب يخضع إليه أيضاً، إضافة إلى القوانين الدولية، خصوصاً إذا كان للأمر علاقة بجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الإبادة الجماعية أو جرائم الحرب.
وقد بات هذا الثلاثي (التعصّب والتطرّف والإرهاب) قضية دولية مطروحة على طاولة البحث والتشريح في الأمم المتحدة وعلى صعيد المجتمع الدولي كله، فلم يعد كافياً منذ  أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية التي حصلت في الولايات المتحدة وهزّت العالم، وجود قرارات تعالج قطاعياً وجزئياً بعض مظاهر التعصّب والتطرّف والإرهاب في العلاقات الدولية، وإنما استجدّت الحاجة الملحّة والماسّة إلى بحث شامل لهذه الظواهر بأبعادها ودلالاتها المختلفة.
للتعصّب سبب والتطرّف ثمرة لهذا السبب، أما الإرهاب فهو نتيجة، الأمر الذي سيبقي الحاجة ضرورية لمعالجة أسباب التعصّب والتطرّف، وليس معالجة النتائج فحسب، وحتى النتائج فهناك من يريد تحميل تسديد فواتيرها للآخرين، وإنْ كان الجميع مشمولين بها، لكن القوى المتنفذة والمتسيّدة في العلاقات الدولية تريد تعليقها على شماعة "البعض"، ولتلك الأسباب تتنصّل عن أي محاولة لوضع ضوابط ومعايير لإيجاد تعريف دولي جامع ومتفق عليه لظاهرة الإرهاب. وعلى الرغم من أن الحديث عن الإرهاب يرتفع بوتيرة متسارعة منذ ما يزيد على 5 عقود من الزمان، إلاّ أنه يتم الاتفاق على تعريفه، وبالتالي وضع الخطط والوسائل الكفيلة لمواجهته.
وقد كانت الأمم المتحدة قد أصدرت منذ العام 1963 ولغاية أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، نحو 13 اتفاقية وإعلاناً دولياً حول الإرهاب ، لكنها لم تتوصل إلى تعريف لماهيته بسبب التفسيرات والتأويلات الخاصة التي تريد القوى النافذة في العلاقات الدولية فرض مفهومها وإملاء استتباعها على الشعوب والأمم، خصوصاً حين تحاول دمغ المقاومة بالإرهاب وتغض النظر عن إرهاب الدولة والجماعات العنصرية الاستيطانية الاستعلائية، وخصوصاً في فلسطين المحتلّة، في حين تتحدّث أحياناً عن إرهاب فردي أو عمليات عنف محدودة ومعزولة.
وعلى الرغم من أن مجلس الأمن الدولي أصدر 3 قرارات بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، وفي ما بعد 4 قرارات بعد احتلال "داعش" للموصل في العام 2014، لكن الأمر لم يتغيّر، وظلّ تعريف الإرهاب عائماً، بل ازداد التباساً بحكم التفسيرات المختلفة بشأنه، باختلاف مصالح القوى الدولية ، لأن القوى المتنفّذة تحاول احتكار العدالة وفرض مفهومها الخاص للإرهاب، وكان مجلس الأمن الدولي قد أصدر بعد يوم واحد من أحداث 11 سبتمبر (أيلول) القرار 1368 في 12 (سبتمبر/أيلول) الذي اعتبر الحدث تهديداً للسلم والأمن الدوليين شأنه شأن أي عمل إرهابي وطالب الدول بعمل عاجل لتقديم المرتكبين ورعاتهم إلى العدالة .
ثم صدر القرار 1373 في 28 (سبتمبر/ أيلول) من الشهر ذاته والعام ذاته (2001)، وهو من أخطر القرارات بخصوص الإرهاب الدولي، لأنه أعطى المبرّرات للعودة إلى القانون الدولي التقليدي و"الحق في الغزو" و"شن الحرب"، أنّا شاءت الدولة تحت عنوان حماية مصالحها القومية، أو إذا شعرت أن ثمة خطر وشيك الوقوع يهدّدها أو من المحتمل تهديدها أو أن ذلك يلبي مصالحها القومية، وذلك حين رخّص القرار لما سمي بـ"الحرب الاستباقية"، أو "الحرب الوقائية"، الأمر الذي يثير إشكالات وتحفظّات فقهية وسياسية لتعارضاته مع ميثاق الأمم المتحدة.
والقرار يتجاوز أيضاً على مضمون المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تجيز للدول "حق الدفاع عن النفس" (فرادى أو جماعات) إلى أن تتم دعوة مجلس الأمن للانعقاد، وذلك حين سمح، لمجرد الشبهات شن الحرب ضدّ دولة أو جهة ما، تصنّف باعتبارها "إرهابية" (دول محور الشر وقائمة المنظمات الإرهابية مثلاً)، كما أهمل القرار الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والتربوية والقانونية التي تكمن وراء ظاهرة الإرهاب الدولي، وكذلك وراء ظواهر التعصّب والتطرّف والعنف، مثلما أغفل مبدأ حق تقرير المصير والحق في المقاومة .
وكان القرار الثالث هو القرار 1390 الذي صدر في 16 يناير (كانون الثاني) 2002 قد فرض التزامات ومسؤوليات على الدول بشأن مكافحة الإرهاب الدولي وتجفيف منابعه والقضاء على بؤر تمويله وغير ذلك، ودعا هذا القرار إلى تعاون الدول مع الأمم المتحدة وإلاّ اعتبرت متواطئة أو داعمة للإرهاب في حال عدم انضمامها للحملة الدولية لمكافحة الإرهاب . وقد صدر هذا القرار بالتوافق وليس بالتصويت، ويتلخص مضمونه وتفسيراته وتأويلاته في أنه أعطى للمرّة الأولى في تاريخ الأمم المتحدة: الحق في اتخاذ عقوبات خارج نطاق حدود الدول وأدرجها ضمن الفصل السابع، حيث نص على تجميد الأموال وحظر توريد الأسلحة ووضع أسماء أشخاص مطلوبين للعدالة ومنظمات كذلك، إضافة إلى ضرورة تعاون الدول وإلّا اعتبرت متواطئة أو داعمة للإرهاب في حال عدم انضمامها للحملة الدولية لمكافحته
أما القرارات ما بعد احتلال داعش للموصل فهي أربعة:
الأول - رقم 2170 وصدر في 15 أغسطس (آب) 2014 بشأن التهديدات التي يتعرّض لها السلم والأمن الدوليين نتيجة الأعمال الإرهابية وفيه إدانة للفكر المتطرّف وتنديد بتجنيد المقاتلين الأجانب.
الثاني - رقم 2178 الصادر في 24 سبتمبر (أيلول) 2014 وفيه أيضاً إدانة للتطرّف والعنف والإرهاب، ويستعيد القرار 1373.
الثالث - رقم 2185 والذي صدر في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) والذي أكّد على دور الشرطة كجزء من عمليات الأمم المتحدة لرفع درجة المهنية لمحاربة التطرّف والإرهاب.
الرابع - رقم 2195 في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2014 حثّ الدول على العمل الجماعي والتصديق على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة وشدّد على العلاقة بين مكافحة الإرهاب والتطرّف المقترن بالعنف ومنع تحويل الإرهاب
يمكن القول إن كل تطرّف ينجم عن تعصّب لفكرة أو رأي أو آيديولوجية أو دين أو طائفة أو قومية أو إثنية أو سلالية أو لغوية أو غيرها، ولكن مهما اختلفت الأسباب وتعدّدت الأهداف، فلا بدّ أن يكون التعصّب Fanaticism وراءها، وكلّ متطرّف في حبّه أو كرهه لا بدّ أن يكون متعصّباً، لا سيّما إزاء النظر للآخر وعدم تقبّله للاختلاف، وكل اختلاف حسب وجهة نظر المتعصّب يضع الآخر في خانة الارتياب، وسيكون غريباً، وكل غريب أجنبي، وبالتالي فهو مريب، بمعنى هو غير ما يكون عليه المتطرّف.
التطرّف يمكن أن يكون دينياً أو طائفياً أو قومياً أو لغوياً أو اجتماعياً أو ثقافياً أو سياسياً، والتطرّف الديني يمكن أن يكون إسلامياً أو مسيحياً أو يهودياً أو هندوسياً أو غيره، كما يمكن للتطرّف أن يكون علمانياً، حداثياً، مثلما يكون محافظاً وسلفياً، فلا فرق في ذلك سوى بالمبرّرات التي يتعكّز عليها لإلغاء الآخر، باعتباره مخالفاً للدين أو خارجاً عليه أو منحرفاً عن العقيدة السياسية أو غير ذلك.
أما الإرهاب فإنه يتجاوز التطرّف، أي أنه ينتقل من الفكر إلى الفعل، وكل إرهاب هو عنف جسدي أو نفسي، مادي أو معنوي، ولكن ليس كل عنف هو إرهاب، خصوصاً إذا ما كان دفاعاً عن النفس ومقاومة العدوان وحسب نعوم تشومسكي، فالإرهاب هو كل محاولة لإخضاع أو قسر السكان المدنيين أو حكومة ما في طريق الاغتيال والخطف وأعمال العنف، بهدف تحقيق أهداف سياسية، سواء كان الإرهاب فردياً أو تقوم به مجموعات أو تمارسه دولة، وهذا الأخير هو الإرهاب الأكثر خطورة .
وإذا كان هذا التعريف البسيط والعميق الذي يقول به مفكر أمريكي، فإن صعوبات جمّة تعترض المجتمع الدولي للاتفاق على تعريف المقصود بالإرهاب في القانون الدولي بسبب خلفية الجهات والقوى والبلدان التي تنظر إليه كل من زاويتها ومصالحها. وغالباً ما يحدث التسييس والخلط المتعمّد والمقصود بين الأعمال الإرهابية وأعمال المقاومة المسلحة.
وتحاول "إسرائيل" ومعها الولايات المتحدة وقوى متنفّذة في العلاقات الدولية اعتبار كل عمل عنفي حتى وإن كان اضطراراً ودفاعاً عن النفس ومن أجل التحرّر الوطني، وهو ما تقرّه المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، "إرهاباً"، علماً بأن القانون الدولي يعتبر اللجوء إلى الدفاع عن النفس واستخدام جميع الوسائل المشروعة بما فيها القوة، عملاً مشروعاً في حالات النضال من أجل الانعتاق وتحقيق الاستقلال وحق تقرير المصير .
وكلّ إرهاب تطرّف، وبالطبع كل متطرّف هو متعصّب ولا يصبح الشخص إرهابياً إلاّ إذا كان متطرّفاً، ولكن ليس كلّ متطرّف إرهابي، فالفعل سواء كان عنفياً أم إرهابياً  تتم معالجته قانونياً وقضائياً وأمنياً، لأن ثمة عمل إجرامي تعاقب عليه القوانين، أما التطرّف، ولا سيّما في الفكر، فله معالجات أخرى مختلفة، وهنا يمكن قرع الحجة بالحجة ومحاججة الفكرة بالفكرة، والرأي بالرأي، وإنْ كانت قضايا التطرّف عويصة ومتشعّبة وعميقة، وخصوصاً في المجتمعات المتخلّفة، كما أن بعض التطرّف الفكري قد يقود إلى العنف أو يحرّض على الإرهاب، بما فيه عن طريق الإعلام بمختلف أوجهه.
وإذا كان التطرّف يمثّل نموذجاً قائماً على مرّ العصور والأزمان، فإن نقيضه الاعتدال والوسطية والمشترك الإنساني بين الشعوب والأمم والأديان واللغات والسلالات المتنوّعة، لأن الاجتماع الإنساني من طبيعة البشر، حيث التنوّع والتعدّدية والاختلاف وهذه صفات لصيقة بالإنسان، وكلّها ينبغي الإقرار بها والتعامل معها كحقوق إنسانية توصلت إليها البشرية بعد عناء، وهي النقيض لفكر التطرّف والتكفير.
التطرّف يعني في ما يعنيه ادّعاء الأفضليات، فـ"الأنا" أفضل من "الأنت"، و"النحن" أفضل من "الأنتم"، وديني أفضل من الأديان الأخرى، وقومي فوق الأمم والقوميات الأخرى لدرجة الزعم بامتلاك الحقيقة، وتلك البذرة الأولى للتعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب.
في النقيض للتطرّف
لا يمكن القضاء على فكر التطرّف وجذوره، ما لم يتم القضاء على فكر التعصّب الذي يزعم امتلاك الحقيقة المطلقة، وما سواه إلاّ بطلان ووهم على أقل تقدير. وقد أثبتت التجارب أن الفكر المتطرّف والتكفيري لا يتمّ القضاء عليه بالعمل العسكري أو المسلح، كما لا يمكن القضاء على التطرّف بالتطرّف أو مواجهة الطائفية بالطائفية أو مجابهة الإرهاب بالإرهاب، وإنْ كان "آخر العلاج الكيّ" كما قالت العرب، لكن:
عنفان لا يولدان سلاماً،
وإرهابان لا يبنيان وطناً،
وظلمان لا ينتجان عدالة،
وطائفيتان لا تنتجان مواطنة،
الأمر الذي يحتاج إلى معالجة الظاهرة اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وتربوياً ودينياً وقانونياً ونفسياً، وهو علاج قد يكون طويلاً ومتشعّباً، ولا يقع على الدولة وحدها إنجازه بقدر ما تحتاج إلى طاقات جميع القوى الحيّة والفاعلة في المجتمع التي يهمّها إنجاز التغيير بوسائل سلميّة تدرجية وإحداث التراكم المطلوب.
ولعلَّ القضاء على الفقر والأمية والتخلّف ضمن استراتيجية بعيدة المدى يساعد في خلق بيئة مناسبة لنشر قيم السلام والتسامح واللاّعنف وقبول الآخر والإقرار بالتنوّع والتعدّدية، وذلك في إطار المواطنة التي تقوم على أركان متوازية ومتكاملة، تبدأ بالحرية وتمرّ بالمساواة والعدالة، لا سيّما الاجتماعية لتصل إلى الشراكة والمشاركة، وبذلك يمكن تجفيف منابع ومصادر القوى المتطرّفة والإرهابية، بالقضاء على أسباب التعصّب.
   التطرّف لا ينمو إلاّ إذا وجد بيئة صالحة لنموّه ومثل هذه البيئة بعضها ناجم عن أسباب داخلية وأخرى خارجية، وبهذا المعنى ثمّة دلالات لهذه الظاهرة:
   1 – أنها ظاهرة راهنة وإنْ كانت تعود إلى الماضي، لكن خطورتها أصبحت شديدة العمق والتأثير، ولها تجاذبات داخلية وخارجية، عربية وإقليمية ودولية، لأن التطرّف أصبح كونياً، وهو موجود في مجتمعات متعدّدة ولا ينحصر في دين أو دولة أو أمّة أو شعب أو لغة أو ثقافة أو هويّة أو منطقة جغرافية أو غير ذلك، وإنْ اختلفت الأسباب باختلاف الظروف والأوضاع، لكنه في جميع الحالات لا يقـبل الآخر ولا يعتـرف بالتـنوّع، ويسعى إلى فرض الرأي بالقـوة والعنـف والتـسيّد إن تطلّب الأمر ذلك.
   ومع أن منطقتنا وأممنا وشعوبنا الأكثر اتهاماً بالتطرّف، إلاّ أنها في واقع الحال الأكثر تضرّراً منه، حيث دفعت الثمن لعدّة مرّات ولعدّة أضعاف جرّاء تفشّي هذه الظاهرة، الأمر الذي لا ينبغي إلباس المنطقة ثوب التطرّف تعسفاً أو إلصاق تهمة الإرهاب بالعرب والمسلمين بشكل خاص، باعتبار دينهم أو تاريخهم يحضّ على التطرّف والإرهاب، علماً بأن المنطقة تعايشت فيها الأديان والقوميات والسلالات المختلفة، وكان ذلك الغالب الشائع، وليس النادر الضائع كما يُقال.
   وإذا كانت البلدان العربية والإسلامية تعاني اليوم من ظاهرتَي التطرّف والإرهاب، وتشهد نزاعات واحترابات دينية وطائفية وإثنية، فقد سبقتها أوروبا إلى ذلك وشهدت "حرب المئة عام" بين بريطانيا وفرنسا . مثلما شهدت "حرب الثلاثين عاماً" في العام 1618 - 1648 والتي انتهت بصلح وستفاليا . وهناك أشكال جديدة من حروب إبادة تعود لأسباب دينية أو طائفية أو عنصرية، يمكن أن نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما حدث في البوسنة والهرسك 1992 - 1995، وحرب كوسوفو 1998 - 1999، واحتلال أفغانستان العام 2001، واحتلال العراق العام 2003 وغيرها، وإن كانت أسباب الحروب مختلفة أساسها المصالح الاقتصادية ومحاولات التسيّد وفرض الهيمنة، لكنها تلبس لبوساً مختلفة.
   فخلال عقد من الزمان شنّت "إسرائيل" حرباً ضدّ لبنان العام 2006، وفرضت حصاراً على غزّة العام 2007، وقامت بثلاث حروب أوّلها - وأطلق عليها اسم "عمود السحاب" في أواخر العام 2008 وأوائل العام 2009، وثانيها – "عملية الرصاص المصبوب" في العام 2012، أما الثالثة – فهي "عملية الجرف الصامد" في العام 2014. وبهذا المعنى فالتطرّف والإرهاب  موجودان في جميع المجتمعات والبلدان، وليسا محصورين في منطقة أو دين أو أمة أو غير ذلك.
   2 - تثير ظاهرة التطرّف ومخرجاتها التباسات نظرية وعملية بعضها يعود إلى القوى الدولية الكبرى، والآخر إلى قوى التطرّف المحلية التي تستند إلى تفسيرات وتأويلات تنسبها إلى "الإسلام" لا سيّما بالعلاقة مع الآخر، بما يمكن تصنيفه بـ"الإسلاملوجيا" أي استخدام التعاليم الإسلامية ضد الإسلام، في حين يستخدم الغرب "الإسلامفوبيا" (الرهاب من الإسلام)، في محاولة لتعميم وربط بعض الأعمال الإرهابية والمتطرّفة، بالإسلام والمسلمين.
   ولهذا فإن البحث في موضوع التطرّف والإرهاب ينبغي أن يفكّك الظاهرة على المستويين النظري والعملي، ولا بدّ وأن يتناول موقف الجماعات والتيارات الفكرية المختلفة، الجديد منها والقديم، والديني وغير الديني، على النطاقين المحلي والدولي، وقد لعبت المصالح الدولية والتوظيف السياسي الإغراضي ومحاولات الهيمنة والتسيّد دوراً مهمّاً في انتشار ظاهرة التطرّف.
   3 - لم تعد الظاهرة تقتصر على جماعات محدّدة أو فئات محدودة كانت الدولة تغضّ الطرف عنها أحياناً، بل إن تهديدها وصل إلى أساسات الدولة والهويّة، وخصوصاً في مجتمعاتنا التي غالباً ما تلجأ إلى العنف في حل الخلافات، الأمر الذي يحتاج إلى حوار فكري وثقافي ومعرفي، ليس بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب فحسب، بل بين أتباع الديانات والثقافات المختلفة، داخل كل بلد وعلى مستوى إقليمي لتحديد ضوابط وأسس توافقية لمواجهة هذه الظاهرة، التي لا يمكن القضاء عليها أو محاصرتها إلاّ بنقيضها، ونعني بذلك أفكار التسامح واللاّعنف وقيم العدل والمساواة والتآخي والتضامن بين الأمم والشعوب، واحترام الهويّات الفرعية، وتلبية حقوقها.
   وبالطبع لن يتم ذلك دون التوصّل إلى تفاهمات واتفاقات في إطار التكامل والتفاعل والتواصل وتعظيم المشتركات والجوامع وتقليص المختلفات والفوارق، وجعل الحوار السلمي الوسيلة المناسبة والفعّالة لحل الخلافات، وصولاً لتحقيق المشترك الإنساني.
   وإذا كان الحوار مطلوباً على مستوى دول وأمم المنطقة التي هي بحاجة إلى حوار بينها وبين بعضها البعض، فإنها أيضاً بحاجة ماسة إلى حوار داخلي في إطار الدولة الوطنية، وهو الأساس الذي يمكن الانطلاق منه، ناهيك عن حوار مع المجتمع الدولي حول المشتركات الإنسانية.
الدين والإرهاب

أنطلقُ في هذه المقاربة التاريخية من تجربة عملية راهنة قامت بعد احتلال داعش لكل من مدينتي الرقة السورية والموصل العراقية وتمدّدت لنحو ثلث الأراضي السورية والعراقية، لأطرح عدّة أسئلة تتعلّق بالفكر الديني الحاضن للإرهاب، ولعلّ هذه المسألة بقدر قِدَمها  فهي جديدة أيضاً في شكلها ومضمونها وتنوّع أدواتها وأساليبها، فأيّ فكر هذا الذي يخرج فيه الإنسان عن سويّته الإنسانية ليُقدِمَ على قتل أبرياء بدم بارد وبجنون غير مألوف، ومثل هذا الأمر يتكرّر في أصقاع متباعدة من المعمورة، لدرجة أن المرء يتساءل بحيرة: ما الذي يربط إرهابياً في مانيلا وآخر في لندن وثالث في نيويورك ورابع في باريس أو بروكسل أو مدريد مع إرهابيين آخرين في بغداد أو دمشق أو القاهرة أو بيروت أو  الرياض أو صنعاء أو مقاديشو أو طرابلس أو الرباط أو تونس أو تشاد أو النيجر أو فلسطين أو سيناء  أو غيرها من المدن والمناطق والبلدان؟
وإذا كان الدين يُوظّف لخدمة الأهداف السياسية، فذلك لأنه يمثل فضاءً مقدساً يتعكّز عليه الإرهابيون لتمرير مشاريعهم السياسية واستغلال الآخرين تحت عناوين دينية أو طائفية، خصوصاً حين يتحكّم التعصّب بهم ويستبدّ التطرف بسلوكهم، فينخرطوا في العنف ويخوّضون بالإرهاب.
فهل ثمة علاقة للدين بمثل تلك الأعمال الإرهابية التي يقومون بها؟ ثم كيف نفرّق بين الدين والتديّن؟ وسؤالنا الآخر الذي سنخصص له حيّزاً في هذا البحث يتناول ظروف نشأة البيئة الحاضنة التي تساعد على انتشار الفكر الإرهابي باسم الدين، وسبل مواجهة الفكر الحاضن للإرهاب. 
وإذا كان هناك عدم معرفة مباشرة وشخصية بين الإرهابيين، فمن المؤكّد ثمة روابط ومشتركات تتعلّق بالتعصّب والتطرّف التي تجمع هؤلاء جميعاً، وقد وفّرت وسائل التكنولوجيا الحديثة وثورة الاتصالات والمواصلات والطفرة الرقمية " الديجيتل" سهولة الاتصال والتواصل فيما بينهم، مثلما أوجدت بيئات حاضنة مولّدة أو منتجة للإرهاب، كما ساعدت في الوقت نفسه على خلق وإنشاء بيئات مستعدة أو متقبّلة للتعاطي مع الإرهاب، وهي بيئات ضرورية يمكن للإرهابيين التنقّل فيها والانتقال إليها كلّما تضيق بهم السبل، وهكذا تنشأ علاقة بين البيئة المشغّلة والمصنّعة لفايروس الإرهاب والبيئة المتلقية والمستجيبة للفكر الإرهابي سلبياً أو إيجابياً، وذلك عبر ورش عمل وتهيئة ضرورية دينياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً وتربوياً وبالطبع نفسياً .
وإذا كانت الحضانة الدولية للإرهاب الديني في العالمين العربي والإسلامي غير مباشرة في السابق، فإن تطوّراً مهماً حصل في نهاية عقد السبعينات، ولاسيّما بعد الغزو السوفييتي لأفغانستان العام 1979 واستمرّ حتى بعد انهيار جدار برلين العام 1989 وتحلّل الكتلة الاشتراكية، حيث اشتغلت الآلة الآيديولوجية الغربية لاختراع عدو جديد لها وكان  "الإسلام" هو هذا العدو، فالهدف هو فرض الاستتباع والهيمنة على المنطقة والاستحواذ على ثرواتها، ومن جهة ثانية عملت القوى الغربية على دعم الجماعات "الإسلامية"، ولاسيّما المتطرّفة، بوسائل مختلفة خدمة لسياستها الخارجية وأهدافها الاستراتيجية وتاكتيكاتها المتغيّرة  .
وبالمقابل فإن القوى الإرهابية التي هاجر بعض قياداتها إلى الغرب عملت على استغلال أجواء التسامح وفضاء الحرّيات والديمقراطية، فقامت بتجنيد الشباب، وهو ما جاء دورهم بشكل خاص عقب احتلال أفغانستان العام 2001 والعراق  العام 2003 ، وذلك بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية الإجرامية التي حصلت في الولايات المتحدة.
وإذا كانت الحضانة الفكرية الأساس الذي تتمحور حوله الحواضن الأخرى، لما يشكّله الدين من عقيدة قويّة ومتماسكة ومؤثرة، فإن التطور التكنولوجي سهّل نشر أفكار التعصّب والتطرّف والإرهاب،  ووفّر أرضية مشتركة للإرهابيين ، ولاسيّما لدى الأجيال الشابة بحكم حماستها واندفاعها واستعدادها للتطرّف، سواء بحكم جهلها بصحيح الدين من جهة، فضلاً عن تقليدية العديد من رجال الدين وعدم مواكبتهم التطور العلمي، ناهيك عن عدم رغبتهم في تجديد أو إصلاح المنظومة الدينية التي تنتمي إلى عصور خلت، خصوصاً في ظل التفاوت الاجتماعي والفقر والتخلّف والأميّة والشعور بالاغتراب عن مجتمعاتها والاستلاب الروحي والنفسي.
وبعض هذه البيئات الحاضنة تطوّرت لتصبح منتجة للإرهاب ومصدّرة له، وكان لغياب قيم الحريّة والسلام والتسامح والعدل والمساواة في مجتمعاتنا عاملاً أساسياً في استنبات الإرهاب، لاسيّما في ارتفاع معدّلات البطالة واتّساع حجم الفئات المهمّشة وغياب الأفق المستقبلي لأجيال تشعر بالضياع.
   وقد شجّعت جهات رسمية ودينية بعض أفكار التعصّب والتطرّف، سواء  بسبب محافظتها وسلفيتها أم لأغراضها الأنانية ضد الحركة التقدمية العروبية واليسارية، وذلك عبر المبالغة في نشر مظاهر التديّن وفرض الحجاب على النساء ومنع الاختلاط بين الجنسين والدعوة لحملات إيمانية مصحوبة بالتكفير والتأثيم والتحريم والتجريم  إضافة إلى تنمية بعض  المشاعر الطائفية وسحبها على الصراع السياسي، لأنها مثيرة ومؤثرة ومستقطبة في الآن.
   كان تشكيل تنظيم القاعدة الذي انطلق منه "الأفغان العرب" وصولاً إلى انبثاق تنظيم داعش، التعبير المتطوّر للفكر الإرهابي المستند إلى التعاليم الدينية، الذي يقوم على فكرة أساسية ملخّصها استبدال "حكم الدولة" بـ"حكم الله"، ولعلّ الفارق بين القاعدة وداعش أن الأخير بنى استراتيجياته على احتلال الأراضي والاحتفاظ بها وإقامة كيان فيها مثّل نواة دولة "الخلافة" ولهذا قام بتمزيق الحدود "الاستعمارية" التي تشكّلت وفقاً لاتفاقية سايكس – بيكو العام 1916 في أعقاب انحلال الدولة العثمانية، ولاسيّما بين العراق وسوريا، وذلك  بعد احتلال الرقة والموصل.
وترتبط ظاهرة الإرهاب الديني الإسلاموي موضوعياً وذاتياً بصعود تيار الإسلام السياسي في السبعينيات، ولاسيّما الأثر الذي تركته الثورة الإيرانية العام 1979 على الصراع السنّي - الشيعي، إضافة إلى شحّ الحريات، ولاسيّما حرّية التعبير وشيوع مظاهر التسلّط والاستبداد في الحكم، وقد استغل التيار "الإسلامي" أو الإسلاموي صراعه مع السلطات الحاكمة، تحت منابر مختلفة ومتنوعة، بعضها علنية وأخرى شبه علنية أو حتى سرّية، ابتداءً من المساجد والجوامع ومروراً بالجمعيات الخيرية والاجتماعية والمناسبات الدينية إلى استخدام نصوص الدساتير والقوانين النافذة، مستفيداً من مهادنة السلطات ومداهمتها له بحجة عدم استفزازه وتجنّب التعرّض له، بل ومجاملته حدّ التزلف أحياناً ليرضى عنها.
وهكذا خاض هذا التيار حرباً ناعمة هي الأكثر مكراً، ولاسيّما التعارض بين الأقوال والأفعال لتصل إلى أشدّ الأساليب قوة وعنفاً، وقد استخدم الإرهابيون جزءًا من التاريخ  الإسلامي لتبرير الإرهاب، باستخدام بعض النصوص الفقهية التي قيلت في سياقها التاريخي، ومحاولة استعادتها وتطبيقها على الحاضر، بل إسقاطها عليه، وحتى لو كانت تصلح للماضي، فإنها لا تصلح للحاضر، فهل يمكن استعادة بعض الأحكام بشأن الخوارج  أو أحكام بن تيمية التي قيلت في  القرن الثامن  هجري  على نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين؟ وهل يمكن  تكفير فرق بكاملها  ومذاهب برمتها والزعم بامتلاك الحقيقة باعتبارهم وحدهم  "الفرقة الناجية" وهو ما مثل أساساً في أطروحات داعش.
      
   بعض المنطلقات النظرية للإرهاب الديني

لمعرفة منبع التكفير الديني الإرهابي يحتاج الباحث إلى الوقوف عند بعض منطلقاته النظرية، ليستطيع فهم تطوّره، لا سيّما بربط حلقاته التاريخية، إضافة إلى متابعة بعض شخصياته مثل أسامة بن لادن الذي تأثّر بمؤسس تنظيم القاعدة عبد الله عزّام والذي كان معلّمه الأول في أفغانستان، حيث التقيا في قاعدة بيشاور التي انطلقت منها تنظيمات القاعدة، والتي كان فيها أكبر معسكرات التدريب أيام الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، وكانت قد حظيت بدعم أميركي.
فما أن تأسّس تنظيم القاعدة حتى أخذ يتربّع على عرش التنظيمات الإرهابية، لا سيّما بعد أن لمع اسم أسامة بن لادن، حيث عمل الأخير جاهداً لإيصال المساعدات إلى "المجاهدين" في أفغانستان، وحسبما يقول أيمن الظواهري في إحدى تسجيلاته الصوتية، إنه كان على صلة بجماعة "الإخوان المسلمين" في جزيرة العرب، كما يسمّونها، وكانت التوجيهات التي صدرت له هي الاتصال بالجماعة الإسلامية في لاهور، لكن بن لادن تجاوز ذلك ووجد الطريق إلى "المجاهدين" في أفغانستان، الأمر الذي أدّى إلى فصله، وهو ما يذكره الظواهري.
جدير بالذكر أن المرجعية الفكرية الأولى لأسامة بن لادن كان أبو علي المودودي وسيّد قطب بالدرجة الأساس، وهو ما يتّضح من لغته، فقد كان يستخدم مصطلح "جاهلية المجتمع" و"ردّة المجتمع"، التي كثيراً ما تردّدت في كتاباتهما، وهو الأمر الذي أدّى به إلى استباحة دماء المسلمين، وتبرير قتلهم بزعم إقامته "المجتمع المسلم".
وإذا كان المودودي وسيد قطب مرجعين أساسيين لأسامة بن لادن، فإن شخصية مثيرة للجدل، ساهمت في تأطير الجانب النظري للفكر التكفيري ونعني بها سيد إمام الشريف المعروف باسم الدكتور فضل أو الدكتور عبد القادر عبد العزيز، وقد وضع "الشريف" كتابين مرجعيين لتنظيم القاعدة ولأي تنظيم إسلاموي إرهابي، يمكن أن يستقي منهما أفكاره، وجلّ أفكار هذين الكتابين يقوم على تحديد "أحكام الكفر" من جهة، و"الجهاد" من جهة أخرى، ولعلّ اسمَي الكتابين يدلّ عليهما، والمكتوب يُقرأ من عنوانه كما يُقال، فالكتاب الأول كان اسمه "الجامع في طلب العلم الشريف"تأليف  الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز ، 1994، أما الكتاب الثاني فهو الموسوم "العمدة في إعداد العدّة" تأليف الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز .
في الكتابين نعثر على أحكام مثيرة وخطرة في الآن، تمثّل اغتراب الجماعة الإرهابية عن الفكر السائد في مجتمعاتها، بل وعن مجتمعاتها، وخصوصاً عن التعامل الشعبي مع الإسلام من عموم المسلمين، وذلك بعيداً عن التأطير الآيديولوجي، حيث يحاول فيهما تأصيل التكفير، بجعل بلاد المسلمين "بلاد كفر" وجب الهجرة منها إلى حين يتم تطبيق "شرع الله"، ولعلّ ما قام به "داعش" من محاولة تأسيس "الدولة الإسلامية" بعد احتلال الموصل والتمدّد لنحو ثلث الأراضي العراقية، خصوصاً بربط ذلك باحتلال الرقة السورية، هي تطبيق عملي لفكر الشريف التدميري الإلغائي.
ويعتبر سيد إمام الشريف أن جميع البلدان الإسلامية كافرة وخارجة عن الملّة، ولذلك وجب الخروج عليها، واستوجب الأمر الجهاد ضدها، وهذا "فرض عين وليس فرض كفاية" كما يُقال، وهو واجب على المسلمين، لأن الحكم بغير ما أنزل الله من قوانين هو كفر، والمقصود بذلك جميع القوانين الوضعية.
وبهذا المعنى يضع الشريف والفكر التكفيري الجميع في خانة الخروج عن شرع الله، طالما ارتضوا بوجود قوانين تحكمهم هي من صنع البشر، لأن ذلك سيكون خروجاً على الإسلام، الأمر الذي يقتضي مواجهته وتحريمه وإبطال ما يتّخذ بخصوصه من أحكام، وصولاً إلى خلع الحكام وإقامة حكم الإسلام.
ووفقاً لذلك يضع الشريف وتنظيم القاعدة وربيبه "داعش" في خانة الكفر: حكام البلاد الإسلامية وقضاتها  . كما يقدّم أسبقية "الجهاد" على الاستحقاقات الأخرى، ويضع محاربة العدوّ القريب على العدوّ البعيد، أي أنه يستهدف المسلمين قبل المسيحيين والنصارى واليهود وغيرهم، وهكذا فإن مثال المرتدين هو الذي يحظى بالأفضلية من الكفار والوثنيين وأتباع الديانات الأخرى. ويعتبر الفكر التكفيري أن مجتمعاتنا تسبح في "جاهلية مطبقة" و"كفر سافر"، الأمر الذي اقتضى تقويمهما بالسيف.
أما كتاب "إدارة التوحش"  فهو لمؤلفه أبو بكر الناجي يمثل مرجعية فكرية للإرهاب، ويقصد بالإدارة " مرحلة ما بعد السلطة الحاكمة"،وقد حاول داعش بعد احتلاله للموصل والرقّة الحكم وفقها. وكان قد تدفق الآلاف من الإرهابيين المهاجرين الذين تم تجنيدهم بوسائل مختلفة في الغرب، وخصوصاً بتشجيع ما سمّي بالجهاد النكاحي، وقد ترك ذلك مشكلة اجتماعية خطيرة لأطفال الدواعش، فقسم كبير منهم لا يُعرف آباؤهم .
وكان الإرهاب المستند إلى نصوص فقهية والمتستّر وراء الدين هو الأخطر، ولاسيّما في العقود الأربعة الماضية، وأنتج هذا الإرهاب "مرجعية" من خلال منظومة فكرية يسّرت تجنيد الآلاف وزجّهم في عمليات قتل للأبرياء وبدم بارد مشفوعة بتفسيرات وتأويلات للدين وقراءات خاصة للنصوص الدينية، مثلما قامت هذه المرجعية عبر وسائل الاتصال الحديثة ببناء شبكة واسعة عبر وسائل الاتصال الحديثة ، علماً بأن التطرّف الديني ليس مقتصراً على دين واحد، بل ينطبق على أتباع الديانات المختلفة وأهل المذاهب المتنوعة داخل الدين الواحد، فلدى الشيعة متطرّفون ولدى السنّة كذلك، وفي المسيحية متطرفون أيضاً من مختلف المذاهب، وكذلك بالنسبة لمعتنقي اليهودية، سواء اليهود المقيمين على أرض فلسطين أم حيث يعيشون في بلدان أخرى، يوجد متطرفون ويبرّرون اغتصاب الأرض وانتهاك حقوق الإنسان.
وبتقديري إن الإرهاب الفكري يعتبر من أخطر أنواع الإرهاب، لماذا؟ لأن الإنسان إذا اقتنع بفكرة ما وتغلغلت في تلافيق دماغه تحوّلت هذه الأخيرة إلى قوة مادية يصعب اقتلاعها وهو ما تدفعه  للتضحية بالنفس في سبيلها، ولذلك يعتبر الإرهاب الفكري المنبع الحقيقي لجميع أنواع الإرهاب، حيث يتأسس عليه الإرهاب السياسي والديني وإرهاب السلطات والمعارضات وتنشأ وفقا له البيئات الفكرية والاجتماعية والثقافية والتربوية والنفسية الحاضنة له.
لقد سمّمت الأفكار التكفيرية عقول بعض الشباب، خصوصاً وقد أخضعوا في الكثير من الأحيان لعمليات غسل أدمغة، الأمر الذي قاد إلى تعكير حياة العديد من البلدان والشعوب، وجعلت الواقع على ما فيه من تحديات وآلام ومصاعب، أشد قسوة وعسفاً، وذلك بإشاعة الرعب والهلع بين الناس، من خلال المفخخات والتفجيرات والأحزمة الناسفة والمقابر الجماعية، وأعمال الانتقام وإشاعة روح الكراهية، والغريب أن شعار "الله أكبر" ظلّ يتصدّر أطروحات الإرهابيين وأعمالهم وأعلامهم وشعاراتهم، حتى إن الذبح وقطع الرؤوس بالسيف كان باسم " الله".
وإذا كانت "غزوة" 11 سبتمبر /أيلول العام 2001 كما يسمونها وقبلها تفجيرات نيروبي ودار السلام وبالي وتفجيرات أوروبا، ولا سيّما أنفاق إسبانيا ولندن وعدد من تفجيرات باريس وفرنسا عموماً وتفجيرات ألمانيا وغيرها، هي ضرب تكتيكي في الأطراف، فإن استراتيجية التنظيم، على الرغم من استخدامها الإرهاب الخارجي، فإن مهماتها الأساسية ظلّت داخلية عربية وإسلامية بامتياز، أي تقديم مواجهة العدوّ القريب على العدوّ البعيد، مع الاستمرار بمشاغله البعيد، لتنفيذ استراتيجية التصدي للقريب.
لقد كان لأسامة بن لادن والظواهري وما بعدهما أبو مصعب الزرقاوي وتنظيم الدولة الإسلامية للعراق والشام "داعش"، وخصوصاً أبو بكر البغدادي دوراً كبيراً في ضخّ الفكر التكفيري، لا سيّما بالاستراتيجية العسكرية للسيطرة على مناطق شاسعة وإخضاعها لقوانينها، وهو ما جعلها تتمدّد لفتح جبهات قتالية من أفغانستان مروراً بالعراق، ووصولاً إلى سوريا ولبنان واليمن وليبيا ومصر وتونس والمملكة العربية السعودية، وغيرها.
الإرهاب بالأصل أو بالفرع، هو واحد،
ولا دين له
ولا جنسية له
ولا وطن
ولا لغة
ولا منطقة جغرافية،
إنه فكر التعصّب والتطرّف والإلغاء.

البيئة الحاضنة للإرهاب

إذا كان مصطلح " البيئة الحاضنة" قد شاع استخدامه، وخصوصاً بعد احتلال داعش للرقة والموصل، إلّا أن مضامينه مختلفة ومتعدّدة. ولكن هزيمته العسكرية في كلتي المدينتين، في نهاية العام 2017 وربيع العام 2018، لا تعني انتهاء تأثيره، فما يزال الحديث عن "الخلايا النائمة" و"الذئاب المنفردة" قائماً، مما يعني أن هزيمته الفكرية لم تتحقّق، وهذه الأخيرة تحتاج إلى شروط معينة سنأتي على ذكرها خاتمة لهذا البحث.
ومن الناحية القانونية فالبيئة الحاضنة تعني سهولة تحرّك التنظيمات الإرهابية في بعض المناطق، التي توفّر حيّزاً يمنحها شروطاً وأسباباً ملائمة تسمح لها بالتحرك، يضاف إلى ذلك قدرتها على التغلغل فيها، فإمّا لعدم وجود ردّ فعل قوي إزاءها أو لعوامل مشجّعة لها على الاستمرار بما يعني وجود مشتركات بين الإرهاب القادم والإرهاب الكامن، أي بين الإرهاب المتحرّك والإرهاب الساكن، والأمر يتعلّق بالفكر والسلوك.
وتأسيساً على ما تقدّم  يمكن الحديث عن ثلاثة أنواع من البيئة الفكرية  الحاضنة للإرهاب، وهي التي تمثّل الحيّز الجيوبولتيكي:
النوع الأول- البيئة المصنّعة للإرهاب،
وهي البيئة المنتجة له وليست حاملة لفايروسه فحسب، وهذه البيئة تعتمد على نخب فكرية وسياسية وثقافية تعمل على بلورة المنطلقات الفكرية للإرهاب الديني، وذلك باستخدامها الدين كمرجعية لخطابها السياسي، وبالطبع وفقاً لتفسيراتها وتأويلاتها للنصوص الدينية. وتسعى هذه المجموعة حتى وإن كانت صغيرة لإنضاج العوامل الذاتية للقيام بالإرهاب: توفير أموال، حلقات نقاش، كتب ودراسة، مساعدات، تسهيلات وذلك بالاستفادة من إنضاج العوامل الموضوعية: اضطهاد طائفي، شعور الإقصاء أو التهميش أو التمييز، ضعف التنمية، عدم تلبية احتياجات المناطق المعنيّة، أحزمة الفقر ، العشوائيات.. الخ .
وتستفيد هذه البيئة من عوامل سياسية ثقافية مجتمعية مثل: مجاملة السلطات لرجال الدين ومحاولة التملّق لهم والسكوت على الخطاب الديني الصادم أحياناً لقيم العصر والتقدم والمبني على فكر ماضوي، وبقدر ما يرخّص لخطباء المساجد والجوامع، بل يتم تمويلهم وغضّ النظر عن أصحاب الفتاوى المجانية الذين يقولون ما يشاءون في التحريض الطائفي والاستعداء للأديان الأخرى، فإنه يتم التحريض على أصحاب الخطابات المضادة أو المغايرة ومنعهم أحياناً وملاحقتهم في أحيان أخرى، وذلك بوضع الديني - المقدس مقابل العلماني- الإلحادي.
كما أن أحد أسباب ظهور مثل هذه الخطابات هو ضعف الهويّات الوطنية أو نقص الوعي بأهميتها وتدنّي خطابها، والتباس مفهوم الدولة وتغوّل السلطة عليها وتغليب الهوّية الدينية والطائفية والفرعية على الهويّة الوطنية العامة.
النوع الثاني- البيئة المولّدة للإرهاب
تلك التي تتّسم بحضور مؤثر للتطرّف الديني وتغليبه على حساب مرجعية الدولة ومؤسساتها، ويلعب الفقر والجهل وضعف التنمية، ولاسيّما في المناطق البعيدة والنائية والريفية بشكل عام دوراً على هذا الصعيد، مثلما تكون  المدن والأحياء الفقيرة المكتظّة بالسكان مرتعاً خصباً للجماعات التكفيرية والإرهابية التي تقوم بالتغلغل في أوساط السكان، ولاسيّما الفقراء منهم، مستغلة معاناتهم واحتياجاتهم وقهرهم لتحوّلهم على طريق الفكر وغسل الأدمغة إلى قنابل موقوتة.
النوع الثالث - البيئة المستعدّة لقبوله
وقد يتحوّل الاستعداد إلى تعاطف تدريجي وربما لاحقاً إلى انقياد. وعلى أقل تقدير فالموقف غير السلبي من وجود التنظيمات الإرهابية يخلق مجالاً حيوياً لها للعمل، ويبني في هذه البيئات مرتكزات يمكن أن تشكل عناصر جذب مؤثرة في الحاضر أو في المستقبل، خصوصاً إذا كانت هذه البيئات تشعر بالهشاشة والضعف وعدم التماسك والوحدة، فما بالك إذا كان بعضها يشعر بالتهميش والتمييز وعدم المساواة والحيف والغبن.
وبالطبع فهناك فروق بين هذه الحواضن، فبعضها يحتضن الإرهاب ويسهم في توليده وإنتاجه، والبعض الآخر يضطر للتعامل معه كأمر واقع، لا يمكن ردّه أو الوقوف بوجهه، لاسيّما الخشية من إرهابه، والقسم الثالث انقاد له أو استسلم له، لأنه لا مجال للبقاء في مدينته أو قريته أو منزله دون التعامل معه، فما بالك حين لا يكون لديه بديلاً مناسباً، إضافة إلى ما يسمعه عن ظروف النزوح السيئة والمعاناة الإنسانية الباهرة التي عاشها النازحون، وهكذا ظلّ الكثيرون "أسرى" للإرهاب الديني التكفيري بل إن الإرهابيين أخذوا المدنيين دروعاً بشرية وفرضوا على أبنائهم الانخراط في صفوفهم .
ويبقى قسم قليل من الموالين له  أو المتعاطفين معه أو الذين اضطروا وتحت التهديد للتعاطي معه، فهؤلاء يختلف التعامل معهم عن غيرهم، مع ضرورة أخذ  الأمور بسياقها وظروفها باستثناء بعض العناصر القليلة التي ظلّت "خلايا نائمة" حاولت وتحاول الثأر والانتقام من هزيمة داعش .


خطاب جديد وفكر جديد
   لكي يتم تطويق ظاهرة التطرّف والقضاء عليها  ، لا بدّ من خطاب جديد، وقبل ذلك لا بدّ من تجديد الفكر، لكي يتم تجديد الخطاب، والأمر يحتاج إلى وضع معالجات طويلة الأمد تقوم على عدد من الدوائر والجبهات:
   الأولى - الجبهة الفكرية والحقوقية،
   باعتماد  مبادىء المواطنة والمساواة، وهما ركنان أساسيان من أركان الدولة العصرية التي يفترض فيها أن تكون "دولة الحق والقانون" وتستند إلى قواعد العدل والشراكة والمشاركة، إذْ لا يمكن القضاء على التطرّف والإرهاب بوسائل عسكرية أو أمنية فقط، بل لا بدّ من مجابهة فكرية راهنة مثلما هي متوسطة وطويلة المدى، فالنّصر الحقيقي على التطرّف هو في الجبهة الفكرية أولاً، خصوصاً حين يدير الشباب والناشئة ظهورهم للتطرّف ويبنون علاقات وجسور من الثقة والاحترام بينهم وبين الآخر، وفقاً للمشتركات الإنسانية، مع احترام الخصوصيات والهويّات الفرعية، بما ينسجم مع جوهر الحريّات العامة والخاصة وقيم حقوق الإنسان.
   والثانية - الجبهة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،
   وتلك التي تستوجب توفير ظروف مناسبة للعيش الكريم، وفرص عمل متكافئة، ودون تمييز لأي سبب كان وتهيئة فرص تعليم وضمان صحي واجتماعي، الأمر الذي سيقطع الطريق على الفكر التعصّبي المتطرّف والإرهابي.
   الثالثة - الجبهة التربوية والدينية،
   والأمر يتطلّب تنقية المناهج الدراسية والتربوية عن كل ما من شأنه ازدراء الآخر أو تحقيره، لأن ذلك سيؤدي إلى إشاعة مناخ من الكراهية والأحقاد والكيدية، فالجميع بشر ومتساوون في الكرامة الإنسانية، وحسب قول الفاروق عمر: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" أو قول الإمام علي لعامله في مصر ما

5
المفكر العراقي د.عبدالحسين شعبان ينتزع العرفان...
مسيرة فكرية وثقافية رائدة..
عكاب سالم الطاهر
المقالات الثقافية
في الثامن من شهر كانون اول 2018..وصلتُ العاصمة اللبنانية بيروت ، لحضور معرض الكتاب الدولي بدورته 62. وعلى هامش المعرض حصلتُ على كتاب « تونس والعرفان ..وقائع حفل تكريم ومسيرة فكرية وثقافية رائدة..».. الكتاب صدر عن جهات ثلاث : *المعهد العربي للديمقراطية.. *منتدى الجاحظ.. *الجامعة الخضراء.. من هو المحتفى به ؟ هو الدكتور عبدالحسين شعبان..دكتوراه فلسفة ( مرشح علوم ) في العلوم القانونية من اكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية، براغ ، معهد الدولة والقانون .أكاديمي ومفكر ، باحث في قضايا الانسانيات والحقوق والاديان والفكر السياسي. استاذ في القانون الدولي وفي فلسفة اللاعنف. له نحو 60 كتاباً في الفكر والقانون والسياسة والنقد والثقافة. نود الاشارة الى ان ما ذكرناه مختصر ومركز جداً من سيرة حافلة بالعطاء المتنوع. تونس..و..عرفانها.. الكتاب الذي بين ايدينا ، من اصدار « دار الفارابي » اللبنانية..ومن اعداد : المعهد العربي للديمقراطية. وغطى 366 صفحة من القطع الكبير. صدرت طبعتهُ الاولى في أيلول 2018... مشروع الحضارة وفي تقديمه للكتاب ، يقول الكاتب والصحفي التونسي ، خالد شوكات : « هذا الكتاب ، هو ديوان عرفان بالجميل ، تقدمه تونس للمفكر العربي العراقي الكبير الدكتور عبدالحسين شعبان ، الذي قدم للمشروع الحضاري العربي المعاصر ما يزيد عن نصف قرن من العطاء الفكري والحقوقي والسياسي والانساني. ...». ومضى يقول : « تعتبر رحلة الدكتور عبدالحسين شعبان ،مع الفكر العربي المعاصر ، رحلة احد المفكرين الكبار ، ممن آثر الجمع على الطرح ، وفضل المراكمة على القطيعة ، ودعا للبحث عن المشترك لا التركيز على المختلف، ومن هنا يصح القول بانه من بناة الجسور بين الروافد والتيارات والمدارس الفكرية....» . وقائع حفل التكريم... وعلى الصفحة 13 من الكتاب ، وتحت عنوان : وقائع حفل التكريم..ادرجت الكلمات التي القيت في حفل التكريم ، او التي ارسلت للمشاركة فيه لتعذر وصول اصحابها ، وقام الناشر بتثبيتها حسب الحروف الابجدية.. ساعمد الى الانتقاء كنماذج ، فهي تشترك بسمة الاشادة بالدكتور شعبان.. في كلمته ، قال الدكتور جورج جبور ، بروفسور في العلوم السياسة، ومحاضر للدراسات العليا بكلتي الحقوق والاداب بجامعة دمشق وحلب « عبدالحسين شعبان اسم مشرف في سوريا.لدى مثقفيها على تنوع آرائهم. ولدى قيادي دولتها ومسؤوليها عن الشؤون الثقافية...».. ومن المغرب ، قال الدكتور جمال بندحمان ، الاستاذ الجامعي في المملكة المغربية ان الدكتور عبدالحسين شعبان يمثل الفكر المركب والافق الانساني . عطر الكتب ومن الكويت ، قال الدكتور حامد حمود العجلان « تعرفت عليه أكثر من خلال كتبه والتي تزيد على خمسين كتاباً ومنشوراً . فمن خلال كتبه نتعرف الى رهافة احساسه وثقافته وتجربته السياسية وجرأته على نقد الذات بنقده للايديولوجيا التي تشرب بها منذ صغره..» . و قال الاستاذ حجاج نائل ، وهو مدير البرنامج العربي لنشطاء حقوق الانسان في مصر : « واذا كان لي شرف نيل صداقة هذه الشخصية الفذة في عشرات المناسبات والاحداث وحتى على المستوى الانساني ، فقد وجدتُه بحق ، الحقوقي الاول الذي يستحق التكريم ».. وقالت السيدة رندا سنيورة ، المديرة العامة لمركز المرأة للارشاد القانوني والاجتماعي، فلسطين -- القدس المحتلة « لقد جمع شعبان في عمله النضالي بين الفكر والممارسة ، فكان مفكراً جريئاً ، امتاز بالشجاعة في طرح افكاره والدفاع عنها..».. ومن الجزائر قال عالم الاجتماع في جامعة الجزائر الدكتور الزبير عروس : « حاول شعبان دون تكلف او افتئات على عصره ، ان يجعل من انتمائه الثقافي الاصل والمكتسب ، من معارفه العالمية المتعددة الجذور....».. العراقيون.. وادلى المثقفون العراقيون بدلوهم ، وهم : الاستاذ حميد الياسري..الدكتور المهندس خالد المعيني..الاستاذ زيد الحلي..الاستاذ شبيب المالكي..الدكتور شيرزاد احمد امين النجار.. الدكتور احمد عبدالمجيد...الدكتور صائب الكيلاني...الاستاذ ضياء السعدي..الاستاذ ليث الحمداني..الدكتور عامر حسن فياض... الدكتور عبدالحميد الصائح..الاستاذ عبدالرحمن مجيدالربيعي..الدكتور علي كاظم الرفيعي..الدكتور عمران القيسي..الاستاذ نصير شمة..الاستاذ وثاب شاكر.. تقييم... الشهادات بحق الدكتور عبدالحسين شعبان كثيرة..لا نستطيع الاحاطة بها جميعاً.. لكننا انتقينا عينات منها.. هذه الشهادات يجمعها قاسم مشترك ، وهو الاقرار بالسمات الايجابية العديدة للمفكر العراقي الانساني الدكتور عبدالحسين شعبان. وهو ما يجعلنا - كعراقيين - نفتخر ونعتز ونقيم عالياً ، عطاء الدكتور عبدالحسين شعبان.. تحية لتونس الخضراء ، وهي تفصح عن عرفانها.. العمر المديد للمفكر اليساري..الصديق الدكتور عبدالحسين شعبان..



6
طريق حكومة عادل عبد المهدي
وألغام الدولة العميقة
عبد الحسين شعبان
باحث مفكر عربي

استأنف البرلمان العراقي جلساته الاعتيادية بهدف التوصل إلى تسمية  الوزراء المتبقين من التشكيلة الحكومية التي باشر بها رئيس الوزراء  عادل عبد المهدي، حيث وافق البرلمان على 14 وزيراً وظلّت العقدة قائمة بشأن وزارتين سياديتين هما وزارة الداخلية التي كانت كتلة الفتح برئاسة هادي العامري تصرّ على تسمية فالح الفياض رئيس هيئة الحشد الشعبي وزيراً للدفاع، في حين ترفض كتلة سائرون بقيادة السيد مقتدى الصدر تسميته.
أما الوزارة الثانية فهي وزارة الدفاع التي تقع ضمن حصة السنّية السياسية وفقاً لنظام المحاصصة الطائفية - الإثنية السائد منذ احتلال العراق العام 2003. وكان  رئيس كتلة  الوطنية إياد علاوي قد رشح فيصل الفنر الجربا وزيراً للدفاع وهو طيار مشمول بإجراءات هيئة المساءلة والعدالة الوريث لهيئة " اجتثاث البعث" التي تأسست في عهد الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر (13 مايو /أيار/2003- 28 يونيو/حزيران/2004) وكان قد اتهم بمشاركته بقمع الحركة الاحتجاجية المعروفة بالانتفاضة الشعبانية في المحافظات الجنوبية بعد حرب الخليج الثانية (مارس/آذار/1991) وعقب تحرير الكويت، لكن محكمة التمييز برّأته من تلك التهمة، ومع ذلك قرر البرلمان للمرّة الثانية تأجيل البت بالأمر وعُلّق اختيار وزيري الدفاع ووزارات  أخرى وإن تم لاحقا تسمية بعضهم بالأقساط
وحتى كتابة هذه المقالة ما تزال التجاذبات بشأن وزارتي الداخلية والدفاع مستمرة، على الرغم من تدهور الأوضاع الأمنية وارتفاع حوادث العنف السياسي كوسيلة لتصفية الخصوم، سواء عبر القتل أم التهديد أم محاولة الاغتيال السياسي والطعن بسير الوزراء الذين تم اختيارهم بأساليب شتى، وهو ما دعا ممثل السيد علي السيستاني الشخصية الدينية المتنفذة في النجف للتحذير من عواقب هذه الظواهر المجتمعية المذمومة على حد تعبير عبد المهدي الكربائي ممثله، لأنها أخذت تهدد المجتمع وتشكل خطراً على المنظومة الاجتماعية.
ويلاحظ أن ظاهرة العنف العشائري والاعتداء على الآخرين والاستقواء على بعض الضعفاء أصبح سائداً وهو ما أثار ردود فعل مختلفة في ظل أزمة سياسية حادة وضعف الدولة وتآكل هيبتها، علماً بأن خطورتها قد تنتقل من البرلمان والفاعلين السياسيين إلى الشارع، خصوصاً على مستوى التظاهرات وأعمال الاحتجاجات، تلك التي ما تزال مستمرة منذ أسابيع في  محافظة البصرة التي تعاني من شح المياه ومن تدهور الخدمات الصحية والتعليمية والبلدية والبيئية على نحو مريع مع احتمال انتقالها إلى محافظات أخرى، أو حتى اللجوء إلى لغة السلاح، لاسيّما بين جماعات مسلحة وفصائل شبه عسكرية بعضها يرتبط بالحشد الشعبي وله صلات وثيقة بإيران، وبعضها منفلت من عقاله في إطار ردود الأفعال وحالات الغضب الشعبي.
وكانت قد وصلت تهديدات إلى عدد من الناشطين عبر مواقع التواصل الاجتماعي الأمر الذي قد ينذر بخروج الأمور عن السيطرة واندلاع العنف والفوضى. وكان مجهولون قد اغتالوا مؤخراً عضواً قيادياً بارزاً في " سرايا السلام" التابعة للسيد الصدر وهو حسين الحجامي الذي قتل بهجوم مسلح في منطقة الشعلة ببغداد ذات النفوذ الصدري، بواسطة أسلحة كاتمة للصوت.
وعلى الرغم من  البرنامج الحكومي لوزارة عادل عبد المهدي الذي أكد على محاربة الدولة العميقة ، إلا أن اختياره لم يكن بعيداً عن توافقات حصلت في داخلها وفي جوارها وحولها، ومع ذلك كان هناك استبشار أولي في تكليفه لشخصيته المتوازنة ، لكن مثل هذا الارتياح تبدد سريعاً  وخيّم على المشهد السياسي منطق الدولة العميقة مجدداً ، لاسيّما حين تشبثت القوى السياسية والكتل البرلمانية بمواقفها واستحقاقاتها كما تقول، وهكذا ظلّت مشكلة رئيس الوزراء بالدرجة الأساسية ورئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان قائمة منذ الانتخابات التي جرت في 12 مايو/أيار الماضي.
وحتى الآن فإن نحو نصف الوزارة ما يزال شاغراً وبعض الوزارات معلقة وتحتاج إلى توافقات جديدة، يقدّم فيها كل طرف تنازلات للطرف الآخر.
والحديث عن الدولة العميقة يشمل بالدرجة الأساسية اليوم حزب الدعوة الذي حكم بالتحديد منذ العام 2005 ولغاية العام 2018، وتتهم بعض الأطراف السياسية نوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق لدورتين  بمحاولة عرقلة جهود عادل عبد المهدي من خلال زرعه عناصر خفيّة في أحشاء الدولة بحيث تمثل مراكز قوى، ولاسيّما داخل أجهزة الأمن والمخابرات والجيش وغيرها.
فالدولة خلال السنوات المنصرمة تعاني من فساد مالي وإداري وسياسي لدرجة أصبح العراق في أسفل السلم الكوني بسبب استشراء الفساد وهو ما ظلّت تؤكده سنوياً منظمة الشفافية الدولية، ففي ظلّ حكومة المالكي وحسب تقرير برلماني تبدد نحو 360 مليار دولار وضاع الكثير من الأموال على مشاريع وهمية، ناهيك عن التلاعب بالمال العام ونهب الثروة أو هدرها بطريقة لا مسؤولة ودون مساءلة تُذكر، وتعكس عملية احتلال الموصل في 10 يونيو/حزيران/2014 مدى تغلغل الفساد حتى داخل القوات المسلّحة التي ينبغي  أن يكون لها عقيدة عسكرية وانضباط كبير، ناهيك عمّا صُرف عليها من مبالغ طائلة لإعادة التأهيل، ولم تكن عملية تحرير الموصل ونحو ثلث الأراضي العراقية، لاسيّما محافظات صلاح الدين والأنبار أو أجزاء من محافظتي كركوك وديالى ومشارف بغداد (جرف الصخر)، بمعزل عن استنفار شعبي ودعم دولي عبر تحالف واسع.
إن وجود مراكز قوى وغياب وحدانية اتخاذ القرار والألغام الكثيرة التي احتواها الدستور العراقي والتعارض بين صلاحيات الدولة الاتحادية وصلاحيات إقليم كردستان فيما يتعلق بالبيشمركة والنفط وبعض التداخلات الخارجية ، جعل العراق دولة فاشلة بفعل نظام الزبائنية الذي يقوم على تقسيم الغنائم وفقاً لمصالح طائفية أو إثنية أو حتى امتدادات دولية وإقليمية والدولة الفاشلة ليس بإمكانها تلبية طموحات النخب الفكرية والثقافية ومطالب الناس الحيوية، لاسيّما الخدمات الصحية والتعليمية والتصدي للبطالة فضلاً عن استعادة هيبة الدولة وبسط سلطانها على جميع أراضيها وحماية سيادتها واستقلالها .
 والنخب ذاتها في مثل هذه الأوضاع  تصاب بالتصدّع في ظل حالة الخوف والاحتقان السياسي، لاسيّما إذا كان هناك سلطات سرّية وقوى نافذة وغير خاضعة للقانون، ولعلّ استمرار معاناة النازحين، سواء عدم عودة الكثير منهم أم الاختفاء القسري لأعداد من الشباب بحجة كونهم تعاونوا مع داعش خلال احتلاله للموصل وما بعدها.
ومقابل تراجع دور النخب الفكرية والثقافية، خصوصاً المستقلة ، نلاحظ تضخّم دور البيروقراطية الطفيلية الحزبية السياسية والدينية والإثنية وتغلغلها في جميع مفاصل الدولة لدرجة إن رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي كان قد صرّح بوجود عسكريين فضائيين زاد عددهم عن 50 ألف  يتقاضون رواتب تصل إلى 500-600 مليون دولار من خزينة الدولة، والأمر يشمل أعداداً كبيرة من المدنيين، فضلاً عن وسائل صرف عديدة في غير أوجه الصرف، تلك التي كلفت الميزانية مليارات الدولارات خلال السنوات الماضية والمثال الصارخ على ذلك استمرار أزمة الكهرباء منذ ما يزيد عن 15 عاماً، وهؤلاء إذا انضموا إلى القطط السمان المدعومة من مراكز القوى والاستقطابات الطائفية  والمذهبية والإثنية، فسيكون لهم القدرة على تعطيل سير عمل الدولة والعبث بأمنها الوطني ونهب الأموال والثروات، بما فيها تهريب النفط، سواء من جنوب العراق (البصرة) التي تعاني من شظف العيش أو كردستان التي تعرضت إلى هزّة كبيرة إثر ردود الفعل إزاء الاستفتاء الذي دعت إليه حكومة الإقليم في 25 سبتمبر/أيلول/2017.
وهكذا تبقى الدولة داخل الدولة والمقصود بذلك المنظمات السرّية ذات السطوة داخل الدولة أو المؤثرة في عملها، سواء أكانت دينية أم عشائرية أم حزبية، بعيدة عن الأنظار وخارج دائرة المساءلة لأن سلطتها سرّية وأذرعها طويلة، ومثل هذا الأمر ساهم في خلق طبقة سياسية جديدة تعتاش على الانقسام الطائفي - الإثني وتستغل غياب وحدانية القرار السياسي وهشاشة الوحدة الوطنية وضعف الهويّة الجامعة، وهكذا تكون الحكومة غير المرئية التي تدار بواسطة الأبناء والأصهار والأقارب والنافذين الحزبيين خفية وتمارس سياسة عميقة ولها ميزانيتها غير الخاضعة للمراقبة.
وإذا كانت الدول الشمولية تمارس دوراً سرياً بواسطة تنظيمات غير منظورة وبزعم حماية الأمن الوطني، فإن انهيار الدولة وحل بعض مؤسساتها العسكرية والأمنية واستشراء الفوضى، في ظل الانقسامات السياسية والمذهبية والإثنية، سيكون أكثر خطورة، وهذا ما فعله بول بريمر الذي قاد إلى تعويم الدولة وحتى الآن فإن محاولات إعادة البناء قد تستغرق زمناً طويلاً، لاسيّما في ظلّ تعدد المرجعيات التي تعلو على الدولة ذاتها أحياناً، وغياب الحد الأدنى من الوحدة الوطنية وحكم القانون واستقلال القضاء.
ويبدو إن سوء الحظ صادف عبد المهدي، فقد واجهت حكومته أزمة حادة إثر ارتفاع ملوحة مياه الشرب في البصرة والمحافظات الجنوبية، ورافقها أزمة بيئية وصحية خطيرة بسبب نفوق كميات ضخمة من أسماك الأنهار والبحيرات في محافظات بابل وواسط والديوانية، لأسباب مجهولة ، ناهيك عن التحديات التي ورثتها من الحكومات السابقة وما تزال العقد الرئيسية قائمة وأولها نظام المحاصصة والألغام التي احتواها الدستور ووجود جماعات مسلحة خارج القانون حتى وإن أُدمجت بالقوات المسلحة، لكن هناك استياء من أوساط واسعة من السكان من سلوكها وخشيتهم من بطشها، على الرغم من أن الجميع يقرّ بالدور المهم الذي لعبه الحشد الشعبي في تحرير الموصل والمناطق التي احتلها داعش.
ولعلّ هذا أول اختبار يواجهه عادل عبد المهدي، فإن استطاع تجاوزه وتوصل إلى توافقات ترضيه في اختيار بقية المرشحين، فالأمر سيكون خطوة مهمة أولى لتجاوز تدرجي وإن كان بطيئاً لما سارت عليه الحكومات السابقة، وإلّا  فإن رضوخه للقوى المتنفذة سيجعل منه أضعف من رئيسي الوزراء اللذين سبقاه، فالمالكي والعبادي كانا مدعومين من كتلة سياسية كبيرة ومهيمنة، أما عبد المهدي، فإنه لا يمثّل إلّا نفسه حتى وإن كانت كفاءته ومقدرته السياسية أوسع وأعمق وأكبر من غرمائه السابقين، لكن توازن القوى داخل البرلمان سيكون مؤثراً على توجه حكومته، ولعلّ التجاذبات حول وزارتي الداخلية والدفاع خير دليل على ذلك.
 والدولة العميقة التي تحدّث عنها ستكون له بالمرصاد لتعطيل أو تسويف أي قرار يتخذه إذا ما تعارض مع مصالحها، ناهيك عن أي اختلال في المعادلة الإيرانية- الأمريكية للنفوذ سيؤدي إلى خلخلة مواقعه، ولاشكّ فإنه والحالة هذه سيبقى محكوماً بمثل هذا التوازن وغير قادر على تجاوزه. وكان عليه أن يتعامل منذ البداية كرئيس لوزارة قوية ومؤثرة وهو ما يريده الشارع، وإلّا فالأفضل له تقديم استقالته ليحتفظ بهامش طالما ظلّ يبحث عنه في السنوات الماضية.
إن استشراف صورة الوضع العراقي مستقبلياً تكاد تكون ضبابية حتى الآن، فمنذ الاحتلال والعراق يعاني من خمسة تحديات أساسية:
أولها- الطائفية السياسية ونظام المحاصصة وليدها ، وقد قام على الزبائنية والغنائم، المر الذي أضعف الدولة وقوّض من عملية إعادة البناء بسبب التجاذبات المذهبية - الإثنية.
وثانيها- الميليشيات التي أخذت طابعاً " شرعياً أو شبه " شرعي" بعد إلحاق قوات الحشد الشعبي بالقوات المسلحة العراقية، واعتبارها جزءًا منه، والميليشيات بشكل عام تنتمي إلى القوى السياسية الشيعية التي شكّلت المشهد الأبرز في الوضع السياسي العراقي بعد الاحتلال.
وثالثها- العنف والإرهاب ، فقد استفحل في العراق على نحو لا مثيل له ، لاسيّما بعد تمكّن داعش من احتلال محافظة الموصل ومحافظتي صلاح الدين والأنبار وسيطرته على أجزاء من محافظتي كركوك وديالى، ووصوله إلى مشارف العاصمة بغداد. وعلى الرغم من هزيمته واندحاره إلّا أن بيئته ما تزال صالحة وبيضه يمكن أن يفقّس ، باستمرار سوء أوضاع النازحين وعدم عودتهم إلى بيوتهم، ناهيك عن تردي الخدمات الصحية والتعليمية والبيئية ، والأكثر من ذلك هو عدم استعادة الوحدة الوطنية في إطار مصالحة وطنية حقيقية.
ورابعها- الفساد المالي والإداري الضارب الأطناب في كيان الدولة العراقية والذي ينخر بجسدها وهو الوجه الثاني للإرهاب، فما زال أمام هيئة النزاهة أكثر من 13 حالة فساد كبرى، بينها أكثر من ألف حالة لوزراء ونوابهم وأصحاب الدرجات الخاصة وأعضاء في البرلمان وبعضهم من المتنفذين في الأحزاب القائمة، وغالباً ما يفلتون من العقاب، لأسباب تتعلق بدور القضاء ومحاولات التأثير عليه وبتواطؤ مع بعض المتسيّدين في الدولة ومفاصلها.
خامسها - هشاشة السيادة الوطنية، فالنفوذ الإيراني لا يزال قوياً ومؤثراً في العراق، سواء أكان بشكل مباشر أم غير مباشر، غبر القوى السياسية الحليفة لإيران أو عبر علاقات خاصة طائفية أم مصلحية أم أمنية، وكذلك فإن الولايات المتحدة لها نفوذ قوي سياسي واقتصادي وعسكري وأمني، وهو مكفول في إطار معاهدة الإطار الإستراتيجي بين بغداد - واشنطن، الأمر الذي يجعل السيادة العراقية معوّمة، وهو ما يعطّل إمكانية الخروج من المأزق الراهن، لذلك فالاعتقاد السائد إن العراق سيستمر يدور في أزمته ما لم تتوفر إرادة سياسية موحدّة، تستطيع أن تنهض به لتتجاوز نقاط ضعفه الحالية وتضعفه في إطار محيطه العربي، علماً بأنه يملك طاقات وكفاءات كبيرة ولديه موارد هائلة، ولكن ما يحتاجه هو اختيار الطريق السليم وبتعاون شامل عابر للطائفية والمحاصصة وإطار حكم القانون.



7
للمرة الأولى في الصحافة :
د. عبد الحسين شعبان يروي أسرار حياته
الأكاديمي  والمفكر المختص في القانون الدولي والخبير في ميدان حقوق الإنسان والاستشاري في عدد من المنظمات والدوريات الثقافية والإعلامية. د. عبد الحسين شعبان ، التقيته للحديث عن (كواليس الدنيا) .. فقلت له : عجزت سطوري عن الوصف، فأنتم مدرسة كبيرة لأجيال متعاقبة عراقية وعربية، تنهل منكم معارف عديدة.. لكن مجلة " دنيا" أحبت مرافقتكم في كواليس دنياكم بما لا يعرفه القارئ المتابع للدكتور عبد الحسين شعبان...
رنا خالد
•   حياتك الأسرية
      - تزوّجت عند بلوغي الـ 43 عاماً ولدي ابنتان (سوسن) حاصلة على شهادة ماجستير قانون، متزوجة وتعمل في دبي و(سنا) حاصلة على شهادة ماجستير في اللغة الانكليزية والثقافة وتعمل في الاسكوا " اللجنة الاقتصادية - الاجتماعية لغرب آسيا والباسك" التابعة للأمم المتحدة في بيروت. وقد "منحت بناتي كل ما كنتُ أتمنّاه لشخصي دون قيود ثقيلة وخاصة الحرّية".
* إذا نحن أمام حالة بوح عن جانب غير معروف عن المفكر والأديب والأكاديمي شعبان، وهو الذي يوصف دائماً بالصراحة وشجاعة الرأي والموقف، ولنبدأ من: لماذا تأخرت بالزواج ؟
      لم أتأخر أبداً والزواج محطّة حب أطول من المحطات الأخرى، بما سبقها وما    لحقها .
** هل تزوجت عن حب؟
      الحب هو حبل التواصل الدائم لديّ، والزواج من دون حب مثل شجرة دون ماء أو جسد بلا روح، وسيكون أقرب إلى بركة راكدة .
** وهل المرأة تمثّل نصف المجتمع من وجهة نظركم ؟؟
      المرأة كل المجتمع، ولك أن تتصوّر مجتمعاً دون نساء، إنه الخواء واليباس والجدب. ومثل هذا المجتمع، بلا أدنى شك، لا يطاق، ويغدو كئيباً وممّلاً وبائساً وبلا عطر.
** أول ما يلفت نظرك بالمرأة؟
      الروح حين تكون مشعّة تبعث فيك الأمل، وتضفي عليك البهجة والحبور والإشراق، وبالطبع هناك علاقة بين الشكل والمضمون.
** ما الذي حوّل حياتك ؟
      الحب،
      حيث نقلني من ضفة إلى أخرى، شعرت معه أنني غادرت عالم الطفولة إلى عالم الرجولة، وكنت قد سرت أولى خطوات اختياري الفكري مع أولى قبلات الحب التي تعلمّتها.
** هل كان ذلك  في فترة الجامعة ؟
      كلّا، قبلها بسنوات وتحديداً عندما كان عمري 14 سنة، وأول فتاة تواصلت معها جسدياً وعاطفياً كانت أكبر منّي بثلاثة أعوام . تعلّمنا الفنون بصورة مشتركة، أما قبل هذه الفترة فقد كانت العلاقات سطحية وعابرة وليست أكثر من تذوق أولي لمعنى الحب.
** هل هذا هو الحب الأول؟
      ليس هناك حب أول وحب آخر، فكل حب هو الأول، لأن الحياة مسار ومسيرة وحب دائم.
** هل الإعجاب مفتاح للحب ؟؟
       نعم ولا...فالإعجاب وحده لا يكفي، لكن الحوار والتواصل والصداقة، هي مفاتيح للقلب والعقل معاً، وبالتالي هي الطريق إلى الروح.
** المرأة الأولى في حياتك ؟
      كل النساء اللواتي عرفتهن هنّ امرأة أولى، ومع كل بداية هي أولى، ولا يمكن أن تسبح بماء النهر مرّتين، حسب "المثل الصيني" الشهير، لأن الحياة متجددة ومتغيّرة، وكل تغيير سيكون جديداً، وهذه سنّة الحياة .
** ماذا يعني لديك الجمال؟
      الجمال هو تناسق بين الشكل والمضمون، في إطار ديالكتيكي لا انفصال بينه ، والجمال يعني الاقتراب من الكمال حتى وإن كان متخيّلاً، وفضيلة الجمال في الروح أيضاً، وهي عكس رذيلة القبح في السلوك والعلاقة، والجمال هو أحد تجليات الأهداف السامية، أما الاستعباد فيمثل القبح. وهكذا ، الظلم يمثل الرذيلة والبشاعة، في حين أن العدل يمثل الجمال والخير.
** هل تحب السهر؟
      كلّا، أنام مبكراً جداً، فأنا "كائن صباحي" وتعلّقي بالصباح اكتسبته من فترة عيشي في الشام  التي أحببتها بشغف خاص: ياسمينها وطقسها وأهلها ومثقفيها ونسائها وتراثها وتاريخها وكتبت عنها نصاً أدبياً بعنوان: " علّمتني الشام حب الصباح"  وكنت قد كتبت بأنني سوراقي  بقدر عراقيتي فأنا سوري،  لا أستطيع وأنا العراقي إلاّ أن أفكر بطريقة أقرب إلى سوريا أو إلى الشام. ولا أستطيع كلّما اقتربت من سوريا إلاّ ان أفكّر عراقياً.
** وماذا يعني لك الشروق ؟
      الشروق يعني الانبثاق والجديد، وكثيراً ما تسحرني خيوط الشمس وهي تتسلّل من خلف النوافذ فتبعث في النفس دفئاً خاصاً.
** وماذا عن الجامعة ؟
      إنها فضاء حب وحوار وتواصل وصداقة، وقبل ذلك رواق علم وبيت معرفة.
** ألديك نستولوجيا (حنين) إلى الجامعة؟
      أشعر دائماً إنني منتمٍ إليها ويمكنني القول إنني أجد نفسي فيها ، على الرغم من الابتعاد عنها كان "...على الكراهة بين الحين والحين" كما يقول الجواهري الكبير في فراقه القسري عن دجلة ، وعندما أزور الجامعة أشعر بنفس الشعور حينما كنت طالباً فيها  وقضيت أجمل أيام حياتي وأكثرها حيوية.
** كيف غادرتها ردحاً من الزمان ؟
      أنا لم أغادرها إلّا مجبراً، ولكن صلتي بها ظلّت مستمرة، فقد درستُ في جامعة بغداد في  "كلية الاقتصاد والعلوم السياسية" وبعد تخرجي انتسبت إلى جامعات ثلاث هي (جامعة 17 نوفمبر) و"جامعة جارلس" (كلية القانون) حيث حصلت على ماجستير (علاقات دولية ثم قانون عام)  و"أكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية" (معهد الدولة والقانون) ونلت درجة الدكتوراه (مرشح علوم في فلسفة العلوم القانونية - اختصاص قانون دولي)، وعُينتُ لفترة قصيرة في جامعة بغداد (مركز الدراسات الفلسطينية) واضطررت إلى الانقطاع في العام 1980، ولكن بعد ذلك عدت إلى عملي بصورة متواصلة ومتقطّعة في "جامعة صلاح الدين" (إربيل) كلية القانون والسياسة حين سمحت الظروف بذلك في أواخر السبعينات، وبعد انتهاء فترة الفصل السياسي  في العام 2003 أكملت خدمتي فيها (2008-2010)، وعلى الرغم من تقاعدي الآن فأنا أدرّس في بيروت ، وأشرف على أطروحات لطلبة الدراسات العليا، كما أنني حالياً نائب رئيس جامعة اللّاعنف.
** أنت حالياً بصفة أستاذ زائر للعراق؟
      نعم، ألقيت محاضرات متخصّصة كأستاذ زائر للماجستير والدكتوراه ومحاضرات مشتركة لطلبة معهد العلمين في النجف، وهذا جزء من عملي كأستاذ زائر غير متفرّغ، ولديّ محاضرات في الشهر القادم في ميلانو وعدد من المؤسسات الأكاديمية الإيطالية. وكنت الشهر الماضي محاضراً في السليمانية (مركز الدراسات المستقبلية) بدعوة من وزير التعليم العالي لإقليم كردستان البروفسور يوسف كوران، ولديّ ارتباطات ومحاضرات مع جامعات عربية عديدة.
** لمن يسمع عبد الحسين شعبان؟
      فيروز الأولى بالنسبة لي ، كنت في فترة سابقة أستمع كثيراً لأم كلثوم وعبد الوهاب ونجاة الصغيرة وعفيفة اسكندر وناظم الغزالي ورضا علي وأحب الاستماع إلى المقام العراقي، وخصوصاً محمد الكبنجي، وأطرب لأغاني حسين نعمة وسعدون جابر وفاضل عواد والياس خضر وكاظم الساهر وأحبّ ألحان سامي كمال وكمال السيد وكوكب حمزة وطالب القرغولي، وأعجبت كثيراً بمنير بشير  ويسحرني سيّد العود العراقي نصير شمّا.
      أما على المستوى العالمي، ففي جيلنا كنّا نحب فرانك سيناترا  وألفس برسلي وأرمسترونغ وغلين ميلر وجيمس براون وسيفي ويندر وفرقة البيتلز وفرقة أبَا، وفي الموسيقى الكلاسيكية أحبّ بتهوفن وباخ وموزارت ونيقولاي ريمسكي كورساكوف ودفورجاك وكنت قد عشقت جايكوفسكي، كما انشغلت بمشاهدة شبه مزمنة للمسرح والسينما، وهما جزء مني بل إنني جزء منهما، وإذا كان أحد مفكري مطلع القرن العشرين هو القائل "أعطوني خبزاً ومسرحاً أعطيك شعباً مثقفاً"، لكنه لو عاش إلى الخمسينات من القرن الماضي ، لاستبدل المسرح بالسينما، والسينما الفن السابع، هي من أرقى الفنون والأكثر تأثيراً وانتشاراً.
** ما المدن التي أحببتها دائماً ؟
      دمشق وبراغ اللتان لن أنساهما أبداً، أما بيروت فتبقى في القلب، والنجف فإنها ما تزال "توشوشني" وبغداد تسكن روحي.
** ما هي أقسى لحظات ضعف الإنسان؟
      حين يفقد الثقة بنفسه!
      القوة، ليست مادية فحسب، بل هي روحية: نعم والقوة الروحية تستطيع أن تواجه العنف وتنتصر عليه، وهناك فارق بين القوة والعنف، وقد كتبت عن قوة اللّاعنف الخارقة.
** ماذا يعني لك السفر؟
      أنا في سفر دائم وذلك سفر الروح وأستعين بابن عربي هنا ، فأذكر :الأسفار ثلاثة ..سفر من عنده وسفر فيه وسفر إليه وهذا الأخير سفر التيه والحيرة، وسفر التيه والحيرة  لا معنى له . وعلى غرار حيرة ابن عربي : الهدى بالحيرة والحيرة حركة والحركة حياة.
** اللون الأصفر كما يراه د. شعبان؟
      الاعتدال والنشاط والطاقة والبهجة والمحبة والابتكار وهو لون الشمس.
** أليس اللون الأصفر له علاقة بالغيرة  كما هو شائع؟
      الغيرة أمرٌ ذميم ، خصوصاً إذا ما تحوّل إلى سلوك قد يصل إلى إيذاء الآخر، والمنافسة غير الغيرة، لأنها تدفع الإنسان للتحدي والمواجهة، وهذه ينبغي أن تكون شريفة مثل علاقة الوسيلة بالغاية، فلا غاية شريفة دون وسيلة شريفة، وحسب المهاتما غاندي، فإن العلاقة بين الوسيلة والغاية هي مثل العلاقة بين الشجرة والبذرة، لا انفصال بينهما، بل إن علاقتهما عضوية.
** الرياضة التي تحبّ ممارستها دوماً ؟
       المشي وبكل الأوقات.
** وبعد المشي؟
      الحمّام وقيل قديماً: ثلاثة أفضلهم العتيق: الخلّ وربما "الخمر" والحمّام والصديق.
** ما الوقت الذي لا تحب أن يشاركك فيه أحد؟
      النوم
** عندما تسترخي بماذا تفكر ؟
      شيئان يكادا يلازمانني هما: الفقراء وفلسطين.ولا أقول ذلك من باب الشعارات، ولكن عليك أن تفتش في كل ما كتبته طيلة نحو خمسة عقود من الزمان فستجد هناك حبلاً  سرّياً بيني وبين الفقراء وبيني وبين فلسطين، إذ لا أشعر بالطمأنينة على إنسانيتي إنْ لم أدافع عن الفقراء وعن فلسطين والفلسطينيين الذين عانوا ولا يزالون من ظلم مركّب.
** وماذا تتمنى لهما؟
      العيش الكريم والعدل والسلام مثلما أتمنى لمجتمعاتنا الحرية والمساواة وهذه القيم تمثّل محور تفكيري. 
** ثلاث صفات تحبّها؟
      الشجاعة والتسامح وعمل الخير.
** ثلاث صفات تكرهها؟
      الظلم والعنف والغدر.
** ماذا عن الكرم ؟
      كل شجاع كريم و"الجود بالنفس أسمى غاية الجود" ، وكل بخيل جبان وبالعكس.
** أين تضع الحسد ؟
      هناك فارق بين الحسد والغبطة، فالغبطة تعني أن تتمنى للنفس ما لدى الغير من نعمة، أما الحسد فيعني التمني بزوال نعمة الآخرين، والحسد صفة ذميمة وهادمة في حين أن الغبطة أمر يدفع المرء من خلال التحدي لنيل ما يتمناه الإنسان.
** أجمل محطات حياتك؟
      كلّها جميلة: الماضي والحاضر، والإنسان يمكنه أن يخلق الجمال مع نفسه وفيما حوله، ليشيع روح المحبة.

وما زال خلف الكواليس الكثير في حياة ضيفنا الكبير، لكن المساحة المخصصة في المجلة لا تسعها غير أنها ستكون أمام القراء  من جديد في أعداد لاحقة.



8
دولة مدنية.. هل هي إبداع عربي؟
عبد الحسين شعبان
إذا نصّ الدستور التونسي الصادر بعد الثورة (2014) في ديباجته، وفي الفصل الثاني، منه على «مدنيّة الدولة»، فإن مثل هذه النصوص فتحت الشهية لنقاش وجدل واسعين، ليس في تونس فحسب، بل في العالمين العربي والإسلامي. وكان مثل هذا الجدل والنقاش قد أثيرا واحتدما خلال العقدين ونيّف الماضيين، بحثاً عن جواب مقنع وتوافقي بين تيارين متصارعين لدرجة القطيعة أحياناً، وهما التيار الديني، والتيار العلماني، فما المقصود بالدولة المدنية، وكيف ينظر إليها الفرقاء، ولاسيّما الذين يريدون الإبحار كل إلى ضفته؟
المتشددون من التيارين يثيرون اعتراضات بشأن «هوية» الدولة، فأنصار الفريقين، بغض النظر عن اختلافاتهم، وتمايزاتهم، يبحث كل منهم عن «مرجعية» تطمئنه، الأمر الذي يحتاج إلى صيغة مناسبة، وابتداع إجابة مشتركة تجمع التيارات المتناقضة في إطارها، وتضع مسافة واحدة من الجميع، وليس ذلك سوى «الدولة المدنية».
إن إصرار التيار الإسلامي، بمدارسه المختلفة، على مرجعية الشريعة قاد أحياناً إلى انعزالية، خصوصاً بوضعها مبادئ الدولة في تعارض كامل مع فكرة الحداثة، والحرية، والعقلانية، والديمقراطية، ولعلّ أحد نماذجه المشوّهة والمزورة هو تنظيم « داعش»، وأخواته، ويقابل هذا التيار تيار علماني يرفض أي نص يسترشد بالمرجعية الإسلامية كمصدر من مصادر الدستور والقانون، حتى وإنْ تمت استجابتها لروح العصر، ويدعو البعض من أنصار هذا التيار إلى قطع الصلة مع الماضي، أو إحداث القطيعة الأبستمولوجية مع التراث، متجاوزاً على الخصوصية الثقافية لأنها تعيق تحقيق الحقوق والحريات بمرجعياتها الكونية ذات الشمولية والمعروفة باسم «الشرعة الدولية لحقوق الإنسان».
وبين هذا وذاك، كان لا بدّ من ابتداع إجابة عربية على قاعدة الاحترام المتبادل، وجاءت هذه المرّة من تونس بعد نجاح الثورة التي أطلق عليها ثورة الياسمين العام 2011 لتؤكد إمكانية الإبداع الفكري والحقوقي، وتقديم حلول ذاتية ومتميّزة لمشكلات كبرى مطروحة، مع الأخذ في الاعتبار ما وصل إليه الفكر الدستوري القانوني، والعقل الحقوقي الدولي.

وكان الدستور التونسي نصّ في ديباجته على الدولة المدنية، وأكد ذلك في الفصل الثاني: «تونس دولة مدنية تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلويّة القوانين»، وقد أعطى تميّزاً لهذا الفصل الذي يعتبر «جامداً» على بقية فصول الدستور، بحيث لا يمكن تعديله، لأنه يمثّل جوهر فكرة الدستور، وقواعده الأساسية التي قام عليها.
وبمناسبة الذكرى الثامنة للثورة السلمية - المدنية، فقد انعقدت حلقات أكاديمية حول الفكرة، وواقعها، وآفاقها المستقبلية، نظرياً وعملياً، شارك فيها مفكرون، وباحثون، وأكاديميون، ونشطاء من مختلف التيارات الفكرية التونسية والعربية، وحظيت بدعم من مؤسسة «هانز زايدل» الألمانية، وقام بتنظيم الفعالية «المعهد العربي للديمقراطية»، بالتعاون مع «الجامعة الخضراء»، و»المركز المغاربي للبحوث والدراسات».
جدير بالذكر أن تجربة الانتقال الديمقراطي التونسية، وإن واجهت تحدّيات كبرى، لكنها قياساً بالتجارب العربية الأخرى، مرّت بسلاسة زادها فاعلية الحوار المجتمعي، والتوافق السياسي بين الفرقاء، حيث ظلّت تونس دولة قائمة ومستمرة تحمل ملامح مدنية، جرى تثبيت أسسها في الدستور الجديد بديلاً عن النظام الاستبدادي، والدولة الدينية، أو العسكرية، أو الأمنية، وقد استتبعت ذلك تطبيقات وخطوات عدة في مؤسسات الدولة عبر قوانين، وتشريعات، وأنظمة، ما زالت تثير جدلاً واسعاً ومستمراً، وهو ما حصل بشأن الموقف من حقوق المرأة، ومساواتها مع الرجل في جميع الميادين. ولعلّ فكرة الدولة المدنية في تونس هي منزلة بين المنزلتين ، فلا هي دولة دينية، ولا هي دولة علمانية، الأمر الذي جعل التجربة محطّ اهتمام، ونقاش، وتنوير، ووسطية، لاسيّما بمحاولة امتصاص حساسيّة الأطراف المختلفة تاريخياً، عبر حوار ساهم فيه المجتمع المدني بدور كبير.
وإذا كانت ثمة عقبات تعانيها الدولة المدنية في المنطقة العربية، فالأمر ليس استثناءً عربياً، فحتى الدول الديمقراطية العريقة تعاني تحدّيات هي الأخرى، وما حصل في فرنسا من حراك قام به أصحاب «السترات الصفراء» يطرح أسئلة في غاية الأهمية حول «أزمة الديمقراطية»، وما بعدها، ومستقبلها، ارتباطاً «بالانتخابات»، ونتائجها، والدعوة المتسعة اليوم لتوسيع دوائر الحكم المحلي، واختصاصاته، وصلاحياته، ومباشرة اختيار ممثلين للإدارات والبلديات قريبين من جمهورهم، ويحظون بدور تنفيذي أكبر.
ولعلّ الحوار حول طبيعة الدولة وهويّتها هو جزء من الصراع الأيديولوجي العالمي، وإن كان جزءآه العربي والإسلامي أشد حدّة في ظلّ عوامل إحباط ونكوص عدة من جانب قوى مختلفة، ومتناحرة، بعضها يريد شدّها إلى الخلف، حيث أنظمة الاستبداد، وبعضها يريد جذبها إلى شاطئه الخاص، سواء كان إسلامياً أو علمانياً، فضلاً عن محاولات هيمنة واستتباع خارجية غربية قديمة، وجديدة.
وبتقديري، فقد وصلت الحلول الواحدية والإطلاقية، تلك التي تريد احتكار الحقيقة وتزعم أفضلياتها على الآخر، إلى طريق مسدود، وآن الأوان للتخلّي عن منطق المغالبة، والعودة إلى منطق المواصلة على أرضية مشتركة، بعيداً عن التناحر والتقاتل، بل بالتفاعل والتواصل.
drhussainshaban21@gmail.com




9


مقدمة لكتاب " يوميات أرمينيا"
أرمينيا وسمفونية المبارز!


أ.م.د.عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

حين قرأت باقة المقالات الموسومة:" الزمان تتجول في بلد الكنائس والمتاحف والمشاهير" للدكتور أحمد عبد المجيد المنشورة يوم 25 أيلول/سبتمبر2018 (الحلقة الأولى) و7 تشرين الأول /اكتوبر (الحلقة الثامنة) عن أرمينيا، غبطته كثيراً وذلك لخمسة أسباب:
أولها- لقلمه السيّال والنافذ، فقد كتب بلغة إعلامي متمرس وبأسلوب صحافي باهر، مقدماً نظرة عميقة وشاملة في بعدها التاريخي والسسيولوجي والثقافي والفني وبلغة سلسة وجملة أنيقة، لدرجة جعلنا نشاطره في تلك الرحلة الأثيرة وكأننا كنّا معه في الحدائق والساحات والشوارع والمعالم التاريخية.
وثانيها- كاميرته الدقيقة، فقد قدّم لنا مشاهداً رائعة وصوراً مؤثرة كانت قريبة منّا لدقة التفاصيل وعمق المعاني، بحيث كنّا نرى ما وراء الصور، خصوصاً عنايته باللون وكتلة الضوء والظلال، وتلك حرفة الروائي مثلما هي حرفة الفنان التشكيلي، فلم يهمل شاردة أو واردة إلّا وجاء عليها وتلك مُكنة إذا امتلكها الصحافي أصبح قادراً ليس على تقديم الحقائق والوقائع والأخبار، فحسب، بل امتلاك دربة  القص وأسلوب السرد والمخيال الذي يتمتع به الروائي مثلما يتميّز به الرسّام.
وثالثها- لطريقته الناعمة في عرض الحقائق التاريخية بما فيها من قسوة أحياناً، فقد كتب بعين المؤرخ وجاء على أهم التفاصيل وتوقّف عند بعض المحطات، فكشف لنا خفايا وخبايا لم نكن لنطلع عليها خلال زيارة سريعة أو قراءة لكتاب أو معرفة بصديق أو صديقة. ولم يكتفِ بالمشاهدة، بل رجع إلى المصادر والمراجع ليطعّم سرديته بمعلومات ليس من السهل الحصول عليها دون البحث المضني، ويعود ذلك لخلفيته الأكاديمية.
ورابعها- لعقله السسيولوجي، فهو لم يكتفِ بالسرد التاريخي والواقع العملي، بل نظر إلى المعطيات الاجتماعية والتناقضات الموضوعية والذاتية وأخضعها إلى مخبره السسيولوجي وتحليلاته الاجتماعية مستفيداً من ثقافته السياسية أيضاً، وهكذا عرض علينا تاريخ وحاضر أرمينيا وما تعرّض له الأرمن خلال القرن ونيّف الماضي ، ولاسيّما المجازر التي عاشوها، محاولاً قراءة الواقع والتاريخ من خلال النقد مركّزاً على المشترك الإنساني والتعايش والتكامل بين الأمم والشعوب. ولم ينسَ أن يتحدث عن بعض خصائص الأرمن وشجاعتهم ودقتهم ووفائهم وهو ما لمسناه في علاقاتنا معهم ، سواء في العراق أم في سوريا أم في لبنان أم في أوروبا.
وخامسها- لذوقه الفني والأدبي، حيث أطلّ على الفنون والآداب في أرمينيا، وكان ذلك جزءًا من سرديته وكأنه يكتب نوتة موسيقية من وحي المكان، فحيثما تذهب تسمع الموسيقى الأرمينية وخاجادوريان يصدح بسمفونياته الجميلة وكأنه يتسلل بين ثنايا سطور أحمد عبد المجيد.
لقد وضعت سردية الأستاذ أحمد عبد المجيد حول أرمينيا بصمة جديدة في أدب الرحلات حين عزز المشاهدة المباشرة والإطلاع بالاختلاط والتفاعل، بتوسيع مدارك القرّاء والتعرف على حياة شعوب وأمم من خلال الجسور والقنوات الإنسانية، وقد كانت رحلته ممتعة ومثيرة على نحو يجعل القارئ مستعداً للقراءة دون توقف، بل لا يريد لتلك السردية أن تنتهي.
*****
حين أتذكّر يريفان، أستعيد زيارتي إلى أرمينيا لحضور مؤتمر دولي في العام 2010 وكان بصحبتي طيلة أيام المؤتمر الصديق الليبي علي زيدان الذي كان أحد معارضي نظام معمر القذافي والذي شارك معنا في اجتماع للدفاع عن منصور الكيخيا وإجلاء مصيره حين اختطف العام 1993 في القاهرة، وبعد عام ونيّف من زيارتنا أصبح رئيساً لوزراء ليبيا بعد الإطاحة بالنظام، حيث تم الكشف عن مصير الكيخيا الذي اختطف من القاهرة ونقل إلى طرابلس وتوفي في العام 1997، وكنت قد كتبت عن تلك الحادثة المروعة كتاباً بعنوان:" الاختفاء القسري في القانون الدولي - الكيخيا نموذجاً"، لندن، 1998.
وبالعودة إلى أرمينيا فقد كنت قد كتبت عن زيارتي لها مقالة في صحيفة العرب القطرية ، الإثنين 19 أبريل/نيسان 2010 وأجد في هذه المقالة ما يمكن أن يفيد القارئ تعاشقاً مع سردية أحمد عبد المجيد البديعة، وهي مقاربة من ذات الأرضية التي انطلق منها وإن كانت بحبر آخر وتلك هي الرؤية الإنسانية المتعددة، وحين طلب مني تقديم كتابه الممتع والشائق هذا، أعدت قراءتها فوجدت فيها مادة يمكن إضافتها إلى سرديته.
*****
" يُطلق على أرمينيا وعاصمتها يريفان بلد الورد والشمس، فالزهور تنشر عطرها في كل مكان، والشمس لا تغيب عنها مدة 340 يوماً من السنة. وهذا البلد الذي كان ضمن السلطة السوفيتية منذ مطلع العشرينات تمكّن من إحراز الاستقلال في العام 1991، والانضمام إلى الأمم المتحدة العام 1992.
ورغم مآسي الأرمن والمجازر التي تعرّضوا لها تاريخياً، فبلدهم يجسّد الفرح والجمال ويُعرف بـ "المتحف في الهواء الطلق" لكثرة التماثيل التي تنتشر في الشوارع والساحات العامة والمنتزهات والحدائق التي تطوّق وتتغلغل فيها، كما ترسم صخور يرفان صورة المدينة الوردية، لاسيّما في مركزها الرئيسي. ويقرّ الأرمن ويعترفون بفضل الكاتب المعروف والمخلّد خاجادور أبوفيان لاكتشاف اللغة الأرمينية الجديدة، وذلك في القرن التاسع عشر.
كأن العالم كلّه قد تواطأ على إسدال الستار على المجازر التاريخية التي تعرّض لها الأرمن طيلة ما يزيد عن قرن من الزمان، ولعلّ مؤتمر ديربن (جنوب أفريقيا) العام 2001 حول العنصرية والذي كان لي شرف المشاركة فيه عضواً في اللجنة التحضيرية الخاصة بالعالم العربي، قد استعاد مسألة اعتذار المستعمرين عن ما تسبّبوه من آلام وأذى للشعوب المستعمَرة، ناهيكم عن أعمال الإبادة والقمع والاضطهاد، الأمر الذي شجع الأرمن وجهات دولية لأغراض مختلفة مطالبة تركيا بالاعتذار.
ورغم أن الأرمن في إطار الدولة العثمانية كانوا يعيشون مثل غيرهم من الشعوب والأمم والأديان، لاسيّما ما يصطلح عليه بـ "الأقليات"، والمقصود بذلك المجاميع الثقافية الإثنية والسلالية والدينية واللغوية ، وغيرها إلّاّ أن ما حصل لهم منذ العام 1895 على يد السلطان عبد الحميد ولاحقاً على يد طلعت باشا وأنور باشا وصولاً إلى المجزرة الكبرى في العام 1915، واستمراراً حتى العام 1922، يعتبر الأسوأ في تاريخ أرمينيا.
وإذا كان الحديث عن التاريخ ضرورياً فالهدف هو الاستفادة من عبره ودروسه وتقييمه، ولعلّ هذا الأمر لا يستهدف أي إساءة لتركيا، لاسيّما بعض مواقفها الايجابية من القضية الفلسطينية، فهذا الأمر شيء والبحث في التاريخ شيء آخر، وفي تاريخ كلّ أمة ثمة نواقص وثغرات وعيوب وارتكابات لا بدّ من الإقرار بها والاعتذار عنها.
كانت أولى المجازر ضد الأرمن هي المجزرة التي ارتكبت في العام 1895، وراح ضحيتها عشرات الآلاف منهم، وفي العام 1909 كانت مجزرة أدنه هي الأبشع حيث سقط فيها الآلاف أيضاً، أما مجزرة العام 1915 فقد كانت الأسوأ على الاطلاق، وقتل فيها على نحو جماعي مئات الألوف من الأرمن بعد أن تم تجنيد الرجال للحرب العام 1914 بدون سلاح، وللقيام بأعمال خدمية، ثم بوشر بقتل المتميّزين من العلماء والأطباء والكتاب والمثقفين وأصحاب الاختصاصات، والأكثر من ذلك كان كل شيء قد تم بصمت ودون احتجاجات تُذكر.
 وخلال الحرب وما بعدها حصلت مذابح كثيرة منها معركة الجزء الشرقي التي حصلت في 26/5/1918 وراح ضحيتها الآلاف أيضاً، واستمرت المجزرة حتى العام 1922، ولكن بتواطؤ أكبر هذه المرة، حين انضمت أرمينيا إلى الاتحاد السوفييتي الذي كان يرغب في تسوية علاقته مع تركيا، فتمّ التنازل للأخيرة عن جبال آرارات الشهيرة وأصبح نهر أراكس عند أقدام سلسلة الجبال هو الحدّ الفاصل لأرمينيا وتركيا، كما تقول الرواية الأرمنية.
وما تزال الحدود بين تركيا وأرمينيا مغلقة، إذْ لا يمكن الوصول إلى تركيا من أرمينيا إلاّ عبر جورجيا التي تربطها بأرمينيا علاقات متميّزة، وما تزال علاقة أرمينيا بروسيا جيدة جداً، مثلما هي علاقتها طيّبة مع إيران.
ظل الأرمن يعانون بصمت ويكبتون مشاعرهم، ولعلّ مشكلة الجيل الثالث ما تزال مستمرة حتى اليوم، حيث تراه يبحث في بطون التاريخ والكتب عن أقارب أو أجداد له وعن كل خيط يربطه بالماضي، إذْ أن السياسة والمصالح الدولية لعبت دورها، فلم يرخّص لهم باستعمال كلمة الجنيوسايد (الابادة الجماعية) الاّ في أواسط الستينات، رغم مجازر الاناضول وفان وأرضروم وساسون وديار بكر وغيرها، إلى أن تم بناء مجمع رمزي للضحايا في العام 1965 في يريفان، علماً بأن الأرمن ساهموا بتفان وإخلاص في "بناء الاشتراكية"، وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية أرسلوا نحو نصف مليون جندي دفاعاً عن "الاتحاد السوفيتي" السابق.
سألت مرافقتي الجميلة " أرمينه" هل لديكم نستالوجيا (حنين) إلى الماضي،  رغم أنها لا تتذكّر شيئاً عنه لأن عمرها 31 عاماً، فأجابت أن الكبار وحدهم هم من يعيش على الذكرى لأن حياتهم كانت سهلة وظروفهم الاجتماعية بسيطة وبعض المستلزمات مؤمنة، والغالبية أقرب إلى الكسل منها إلى الإبداع والمنافسة الفردية المشروعة، فضلاً عن شحّ الحريات والنظام الشمولي.
مرافقتي قالت بعد سؤالي عن الجمال الأرميني أن الأرمينيين بسبب الاختلاط والتزاوج اكتسبوا بعض الملامح الجديدة، فبعد أن كان الشكل الغالب للنساء قبل عقود من الزمان هو: الشعر الأجعد والقوام الأشقر والأنف الكبير والعنينين الزرقاوين، أصبح اليوم أقرب إلى خليط جميل ومتجانس من تعاشق ملامح وأمم وحضارات وثقافات متنوعة، ولعلّ ذلك ما أعطى هذه الملاحة للوجوه المشرقة.
*****

لا أدري لماذا تذكّرت شخصيتين عراقيتين أثيرتين الأولى هي الجواهري الشاعر الكبير الذي كان يتغزّل بالكونياك الأرميني (آرارات -وأصل الكلمة أشوري) وأتذكر أنه في كل مرّة يتذوقه كان يقارن ذلك بالكونياك الفرنسي (كورفازية أو نابليون)  ولم يكن قد عرف بعد أنواعاً أخرى مثل الريمي مارتين أو Hennessy X O أو غيرها . وكان الجواهري يعتبر الكونياك أرارات من نوع الـ 7 نجوم، في حين أن الأنواع الأخرى أحسنها برتبة 5 نجوم .
وكان يدعونا عامر عبدالله وأنا لتناول كأس صغير قبل الظهيرة لفتح الشهية كما يقول حيث اعتدنا القيام بزيارته مرات عديدة قبل الظهر، وبالمناسبة فالكونياك آرارات كان يفضّله رئيس الوزراء البريطاني الشهير ونستون تشرشل على غيره، وكان ستالين الزعيم الروسي قد أهداه عدّة صناديق منه. وبالمناسبة فمعمل آرارات تم بناؤه العام 1877 وهو أرميني – فرنسي. وكان مؤسسه نيرسين تايربان.
أما الشخصية الثانية فهو آرا خاجادور أحد ابرز القيادات العمالية النقابية الشيوعية في العراق، وظل بُعده الوطني متميّزاً رغم حنينه للماضي واعتزازه بقوميته الأرمنية، لكن أمميته جعلته يغضّ النظر عن ارتكابات السلطة السوفيتية، ناهيك عن اعتقاده أن قضية الأرمن لا يمكن حلّها الاّ بتحقيق الاشتراكية، وقد ظلّ هذا القائد الشيوعي العراقي الذي يعيش في براغ يرفض الاحتلال الأمريكي لبلده حتى وفاته في 4/12/2017.
ثمة أسماء أرمنية كانت مؤثرة عالمياً وذات شهرة كبيرة، من أبرزها وأهمها على الاطلاق هو الموسيقار آرام خاجودوريان، الذي ينتصب تمثاله أمام دار الاوبرا، ولا أدري لمَ قفزت الى ذاكرتي سمفونيته الشهيرة رقصة المبارز sword، وقد يعود الأمر الى مشاهدتي لتمثال أم ارمينيا (وهي تحمل سيفاً كبيراً دلالة على أنها أمٌ مقاتلة) حيث نُصب هذا التمثال في المكان الذي كان ينتصب فيه تمثال ستالين الذي أزيح العام 1956 بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي، بعد أن قدّم نيكتا خروشوف تقريره الشهير الذي كشف فيه عن المجازر التي ارتكبها ستالين.
أما الاسم الثاني فهو انستاس ميكويان نائب رئيس مجلس السوفيت الأعلى، وأتذكّر زيارته إلى العراق العام 1959 والاستقبال الذي حظي به من جموع غفيرة وهي تهتف: ميكويان أهلاً يا هلا بهاي جيّتك ... كل الشعوب حيّيتك.. أهلاً. وقد أخبرني آرا خاجادور إنه التقاه في مبنى السفارة بطلب خاص منه. وميكويان هو شقيق  آرام ميكويان مصمم طائرة الميغ الشهيرة مع اليهودي غوريان.
أرمينيا التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي السابق لم تسلم من المشاكل حتى الآن، ولم تتخطّ عتبة الماضي بسهولة، وما تزال الكثير من التحديات تواجهها، ففي الفندق الذي أقمت فيه وكانت الاجتماعات الأساسية للفيدرالية الدولية لحقوق الانسان تنعقد فيه، واجهتنا تظاهرة تندّد بأعمال القمع واغتيال عدة نشطاء في آذار (مارس) 2009، وقد بادرنا للمشاركة فيها، الأمر الذي أغضب بلدية مدينة يريفان التي ألغت حفل العشاء المقام على شرف المؤتمر. وبالمناسبة فالفيدرالية الدولية كانت تعقد مؤتمرها الـ 37 وهي منظمة حقوقية تأسست العام 1922 في باريس وتضم عضويتها 155 منظمة من 115 بلدا.
قبيل إعلان استقلال أرمينيا عانت من حروب وتعرّض الأرمن إلى عقاب جماعي قرب باكو (أذربيجان) ودامت الحرب 4 سنوات، حتى تم وقف إطلاق النار العام 1992 بين وأذربيجان وناغورا كاراباخ (الذي يتمتع باستقلال واقعي De facto ويبلغ عدد نفوسه 170 ألف نسمة).
الدولة الجديدة التي كانت جزءًا من الصراع العثماني - الفارسي أصبحت جزءًا من الدولة السوفييتية، وهناك أجزاء منها في تركيا، واجهت كوارث طبيعية غير قليلة، فبعد أن اشتهرت بالصناعات الكيماوية تعرّضت لزلزال ضخم راح ضحيته 25 ألف ارميني وذلك في 7/12/1988، مثلما عانت من حروب، وتعاني حالياً من بطالة ومن قلّة الأجور والموارد، إذ أن الحد الأدنى لا يتجاوز 200 دولار في الشهر، الأمر الذي يجعل التنمية تحت مخالب كثيرة منها الفساد المالي والإداري والتهديدات الخارجية والشعور بالقلق إزاء المستقبل. ولكن أما آن الأوان للاعتراف والاعتذار للأرمن لما تعرضوا له تاريخياً.
بيروت في 15/10/2018






مقدمة لكتاب الدكتور أحمد عبد المجيد المعنون : يوميات أرمينيا (بلد الكنائس والمتاحف والمشاهير )، الأنس للطباعة والنشر، بغداد ، 2018.



10
المنبر الحر / دين العقل
« في: 19:12 10/12/2018  »
 

دين العقل
عبد الحسين شعبان
على غرار هوبز، أفترض «أن أي إصلاح مفتاحه الفكر الديني»، ولا يمكن إصلاح الفكر الديني دون إصلاح الفكر السياسي والبيئة السياسية الحاضنة، وحين يتم إصلاح الفكر سيقود بالضرورة إلى «إصلاح الخطاب»، فمن يقرأ الدين أو التاريخ الديني والسياسي بطريقة خاطئة، لايتوصل إلى حاضر خاطئ فحسب؛ بل إلى مستقبل خاطئ أيضاً، والقيم الإنسانية النبيلة هي هدف الفلسفات والأديان وجوهر الرسالات التي جاء بها الأنبياء.
فالدين هو دين العقل، والعقل أساس الدين، أما الاجتهاد فهو أساس العقل، والأديان تعلّم الحب وحسب الإمام جعفر الصادق «وما الدين سوى الحب»، أو حسبما ورد على لسان السيد المسيح «أحبّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم»، وهكذا علينا الذهاب إلى الحقيقة بكل ما نملك من معرفة وعقل وروح وبهذا المعنى، فالدين ليس دين الخرافة والجهل والأنانية.
لكن الدين في وجهه الآخر، يُستخدم ذريعة للقتل والإرهاب والتسلّط من جانب الجماعات التكفيرية والإرهابية التي تستند إلى نصوص ماضوية تحاول توظيفها بما يخدم توجهاتها السياسية، ولهذا نقول إن ليس هناك فهم واحد وموحّد للدين، بل إن لكل مجموعة فكرية وثقافية ودينية «تدينّها» (طريقتها في التديّن)، حسب درجة تطوّرها وتفسيراتها الخاصة وتأويلاتها للنصوص الدينية، وهذا ما ستشمله خارطة التديّن من خلفيات متباينة، بل متناقضة، خصوصاً حين يتم ربطه بالسياسة والمصالح والإيديولوجيات. فهناك الدين الرسمي والدين الشعبي والدين السياسي والدين الاجتماعي ودين الأغنياء ودين الفقراء ودين المستغِلين ودين المستغَلين، وذلك حسب القراءات المختلفة.
وإذا كان الدين يمثّل قيماً عادلة وإنسانية، لكن سلوك بعض المتدينين والعامة من ورائهم وفهمهم الخاطئ للدين، يجعل البعض يراه «ظالماً» أو لا «إنسانياً»، بل وعنفياً وقاسياً كما تحاول بعض القراءات الغربية أن تصنّف الدين الإسلامي، باعتباره يحضّ على العنف والإرهاب، ولكن لنتأمل دعوة الأديان إلى التكافل الاجتماعي والمادي، والأخذ بيد الفقير والمريض والضعيف وإلى السلام والطمأنينة والتعايش، فحينها ندرك أن الكرامة الإنسانية والعدل هما الأساس في الدين، وليس من الدين في شيء إن امتلأت الجوامع والمساجد والكنائس والكُنس والمعابد بالمصلين أم فرغت، في الوقت الذي تزدحم فيه الشوارع بالأطفال المشردين والمتسولين وتكتظ الأحياء باليتامى والأرامل، لاسيّما تلك التي شهدت الحروب والنزاعات الأهلية، وتتفشى الأمية وينتشر المرض ويستشري الجهل على نحو مريع، ويعاني الملايين من شظف العيش وشحّ المياه الصافية للشرب ونقص الكهرباء والفقر المدقع. فأيّهما سيكون أسلم للدين؟.
لقد جرى استغلال ملايين البشر باسم الدين واستُلبت حقوقهم الأساسية، في حين أن الدين رسالة وأمانة، هدفه إنساني قبل كل اعتبار. وهكذا ترى من يشنّ «الحرب باسم الله» في الماضي والحاضر، وقد شهدت منطقتنا محاولة إخضاعها وفرض الاستتباع عليها، فيما أطلق على حروب الفرنجة مجازاً «الحروب الصليبية» وعانت أوروبا حروباً دينية وطائفية وما عُرف بحرب ال 100 عام وحرب الثلاثين عاماً والتي لم تنتهِ إلّا بإبرام صلح ويستفاليا العام 1648، واليوم فإن الحروب الناعمة أو الخشنة والتي تشن تارة باسم مكافحة الإرهاب من جانب القوى المتنفّذة وأخرى ضد الغرب «الصليبي» من جانب الجماعات التكفيرية، تبرّر استخدام جميع أنواع العنف والإرهاب، منطلقة من خلفيات التعصّب والتطرّف وعدم الاعتراف بالآخر وحقه بالاختلاف.
وهكذا تتمسك القوى «الإسلاموية» بقشور الدين وتهمل لبّه، وتستند في ذلك إلى قراءات ماضوية للنصوص الدينية التي عفا عليها الزمن متشبثة بالمظهر وتاركة الجوهر، مختزلة الدين: إلى الحلال والحرام والكفر والإيمان والحق والباطل والنجس والطاهر، وغير ذلك من الثنائيات، في حين أن جوهره يمثل قيماً إنسانية للمساواة والعدل والإخاء والسلام والتنوّع والتعددية، وحسب جلال الدين الرومي: إنك رأيت الصورة ولكنك غفلت عن المعنى.
وثمة فوارق كبيرة بين الدين، الذي هو منظومة قيمية إنسانية، وبين التديّن الذي هو ممارسات وشعائر وعادات بعضها أقرب إلى ميثولوجيات وخرافات يشترك فيها الكثير من الأديان، مثلما هناك فوارق بين القيم ومن يدعو إليها، وأحياناً يقف هو بالضد منها سرّاً أو علناً وتحت ذرائع مختلفة وطبقاً لقراءات مختلفة أيضاً، بعضها بحجة ما جاء به السلف وبعضها الآخر لحماية مصالحه، سواء كان في الحكم أم في خارجه، وأحياناً أخرى مجاملة للجمهور أو للعامة حتى وإن كان بعض الحكّام أو علماء الدين أو ما يطلق عليهم مجازاً «رجال الدين» غير مؤمنين بها، لكنهم يضطرون إلى المسايرة وعدم خدش ما استقر في الأذهان باعتباره طقوساً دينية أو من حيثيات الدين، وهي ليست كذلك.
لذلك أقول إن العلاقة مركّبة ومزدوجة ومتناقضة أحياناً بالحديث عن الإصلاح الديني، خصوصاً في ظل مفاهيم الحداثة ونقض القديم والتقليدي وغير الصالح لعصرنا، وكذلك إطلاق حرية التفكير وحرية العقل في إطار التقليل من سلطات المقدس وحسب الإمام الشافعي «رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب»، بمعنى الاحتكام للعقل، ولا دين إلّا بالعقل.
drshaban21@hotmail.com


12
منعطفات الواقع والفكر العربييْن: حوار مع عبد الحسين شعبان
27.11.18
حوار
المحاور:
عبد الحقّ لبيض وجمال بندحمان
 
 
 
أن تحاور قامةً في مكانة د. عبد الحسين شعبان، فأنت مطالَبٌ بسبر أغوار تاريخ تشكّل الفكر العربيّ، والوقوف عند أهمّ منعطفاته وقضاياه. والدكتور عبد الحسين شعبان باحث في القضايا الإستراتيجيّة العربيّة والدوليّة. وُلد في مدينة النجف. تخرّج من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة في جامعة بغداد. استكمل دراستَه العليا في براغ، حيث نال درجتي الماجستير والدكتوراه في القانون. خبير في ميدان حقوق الإنسان والقانون الدوليّ. رئيس المنظمة العربيّة لحقوق الإنسان في بريطانيا سابقًا. عمل أمينًا عامًّا لمنظّمة العدالة الدوليّة، وأمينًا عامًّا لمركز الدراسات العربيّ ــــ الأوروبيّ، وأمينًا لمنتدى حقوق الإنسان. من إصدراته: بانوراما حرب الخليج (1995)، العراق: الدستور والدولة ، من الاحتلال إلى الاحتلال (2004)، فقه التسامح في الفكر العربيّ الإسلاميّ ــــ الثقافة والدولة (2005).
الدكتور شعبان، العراقيُّ المولد، ماركسيُّ الهويّة الفكريّة، لكنْ من خارجِ ما تكلّسَ فيها من قوالب. وهو يساريٌّ متجدّد، حتى حين انهار اليسارُ العربيّ. وهو عروبيٌّ حتى الثمالة، لكنّه ناقدٌ للأطر القوميّة التي عرفتها التجربةُ التاريخيّةُ العربيّة. وهو ابنُ النجف، لكنّه ثائرٌ على الطائفيّة والتقوقع المذهبيّ.
حاصرناه، أثناء زيارةٍ علميّةٍ إلى المغرب، لنستكشفَ معه أهمَّ متغيّرات الواقع والفكر العربييْن، في زمنٍ عزّ فيه وضوحُ الفكر. وتنقّلنا بين محطّاتٍ عديدة، مسلّحين بالمادّة الفكريّة التي أنجزها.
***
لبيض: يظلّ سؤال "المشروع النهضويّ العربيّ" ملحًّا في سياق التحوّلات التي تعرفها المجتمعاتُ العربيّة من تخلّفٍ وتبعيّة. غير أنّ الحاجة إلى هذا المشروع تستدعي إعادةَ قراءة المنجز الفكريّ النهضويّ الذي بدأه العربُ منذ قرنٍ ونيّف، وتستدعي التساؤلَ عن أسباب توقّف المشاريع النهضويّة العربيّة وعدم بلورتها واقعيًّا في سياق بناء الدولة الوطنيّة العربيّة حينها، وعدمِ امتدادها داخل المجتمعات العربيّة.
 
شعبان: قبل الخوض في قراءة المشاريع النهضويّة العربيّة قراءةً ناقدةً، فلنطرح القضايا التي من شأنها أن تؤسِّس للمشروع النهضويّ العربيّ الراهن.
القضيّة الأولى هي "الوحدة،" خصوصًا أنّ الأمّة تعيش حالةً من التشظّي منذ اتفاقيّات سايكس ــــ بيكو. فلا حديث عن حاضر المشروع النهضويّ العربيّ أو مستقبله من دون لملمة المشتَّت على أسس الديمقراطيّة والتعدّديّة والحقّ في الاختلاف، وذلك في اتجاه كيانيّةٍ كبرى، مادام عالمُنا اليوم هو عالمَ الكيانات الكبرى.
القضيّة الثانية: الاستقلال. فلا يمْكن أمّةً أن تحقِّق نهضتَها إلّا باستقلالٍ تامّ، سياسيّ واقتصاديّ وثقافيّ، يَضمن بناءَ كيانيّةٍ حاضرة، تتفاعل وتتقارب، في إطار لعبة المصالح المشتركة مع الكيانات الكبرى. ولا ننسى أنّ بناءَ استقلال المشروع القوميّ تَحُول دونه مشاريعُ كيانيّةٌ منافسة: أ) المشروع الإيرانيّ، الذي  يشكّل استراتيجيّةً واضحةَ المعالم لمشروع مذهبيّ فارسيّ ــــ إيرانيّ يسعى إلى بناء أمّةٍ متمدّدةٍ على حساب مصالح جيرانها، أي الشعوب العربيّة. ب) المشروع التركيّ، الذي يُعدّ اليوم امتدادًا فعليًّا وحضاريًّا لمشروع "العثمنة،" ما يعني أنّه مشروعٌ إيديولوجيّ ومذهبيّ وطائفيّ يعبّر عن طموح أمّةٍ كان لها دور كبير في التاريخ البشريّ، ويسعى اليوم إلى التمدّد على حساب الأمّة العربيّة. ج) إضافةً إلى هذين المشروعين القوميين، اللذين يمكن التعاطي معهما في إطار الحوار الحضاريّ، لا الصراع والمواجهة، هناك مشروع ثالث يُعدّ من أخطر المشاريع التي تواجه مستقبلَ البناء الحضاريّ للأمّة العربيّة، وأعني به المشروعَ الصهيونيّ. وهذا المشروع يستمدّ وجودَه وامتدادَه من وهن المشروع العربيّ، ومن النكوص الحضاريّ للشعوب العربيّة، وبما يتوافر له من دعم خارجيّ وغطاء دوليّ.
القضيّة الثالثة: التنمية. وأقصد بها المفهومَ الجديدَ الذي يأخذ في الاعتبار البعدَ الإنسانيَّ الشامل والمستديم، أو ما يُعرف في أدبيّات الأمم المتحدة بـ"التنمية المستدامة،" وهي غير "النموّ" الذي كان يعني قديمًا تحقيقَ نوعٍ من التراكم الاقتصاديّ. والحقّ أنّ التجارب العربيّة التي اعتمدتْ نهجَ "النموّ" وصلتْ إلى الباب المسدود لأنّ "النموّ" لم يكن تنميةً شاملةً (سياسيّة واقتصاديّة وثقافيّة وقانونيّة وتربويّة ودينيّة...) تمسّ كلَّ مناحي الحياة لدى المواطن العربيّ.
القضيّة الرابعة: الديمقراطيّة، باعتبارها منظومةً متكاملةً من التشريعات والإجراءات ــ ــ إذْ إنّ جزءًا منها سياسيّ، وآخرَ يتعلّق بالقوانين، وثالثًا يرتبط بالقضاء وحياديّته، ورابعًا يتعلّق بالمجتمع المدنيّ وفضاء الحريّات العامّة.
القضيّة الخامسة: الانبعاث الحضاريّ. وأعني به ضرورةَ إحياء الأمة بحيث تستفيد من تراثها من دون أن يصيرَ عالةً عليها، فتعيدُ "استثمارَ" ما هو صالحٌ منه لبناء الحاضر والمستقبل، بعيدًا عن التخندق وراء قراءةٍ تمجيديّةٍ للتاريخ وللتراث.
القضيّة السادسة: العدالة الاجتماعيّة، التي تتلخّص في توفير العيش الكريم للمواطن العربيّ، وتحقيق الضمانات الاجتماعيّة له.
هذه  القضايا الستّ، في اعتقادي، تشكّل مدخلًا أساسًا لبناء المشروع النهضوي العربيّ الجديد. وهي عينها القضايا التي أثارها روّادُ حركة النهضة العربيّة منذ القرن التاسع عشر،  لكنّ "النخب" الحاكمة لم تتجاوبْ معها لتبنّيها مشروعًا بديلًا قائمًا على الاستبداد. وقد نوقشتْ مفرداتُ المشروع النهضويّ العربيّ على مدى عقديْن ونيّف من الزمان في إطار المشروع المستقبليّ الاستشرافيّ للأمّة العربيّة، الذي يعود الفضلُ في استكماله إلى مركز دراسات الوحدة العربيّة.
 
بندحمان: ألا تروْن أنّ جزءًا من أسباب فشل المشاريع النهضويّة السابقة هو ارتباطها بأشخاص محدّدين (الأفغاني، الكواكبي، ...)؟ ثمّ ألسنا في حاجة إلى جهات رسميّة تكون بمثابة "حاملٍ للمشروع" حتى يتحقّق له النجاح؟
لبيض: وهل العيب في هذه المشاريع التي ظلّت نخبويّة ضيّقة، أمْ في التشكّلات الاجتماعيّة التي لم ترْقَ إلى مستوى استيعاب اللحظة النهضويّة الإصلاحيّة؟
 
شعبان: لا نجاح لأيّ حركة تغيير فاعلة وحقيقيّة من دون قيادة أصحاب الفكر والثقافة، وبعد نضوج الشروط الثقافيّة والفكريّة. هل نتصوّرنّ الثورةَ الفرنسيّة من دون فولتير و"فكرة التسامح،" ومن دون روسّو ومفهوم "العقد الاجتماعيّ،" ومن دون مونتسكيو وكتاب روح القوانين؟! لقد نضجت الثورةُ الفرنسيّة عبر تهيئةٍ ثقافيّةٍ امتدّت سنين مديدةً، وهذا لم يحصل في سياقنا العربيّ. صحيح أننا كنّا، منذ القرن التاسع عشر، أمام تناسل اجتهاداتٍ فكريّةٍ ترمي إلى إحداث التغيير المنشود، غير أنّ شروطَ إنضاج المشروع الثقافيّ والفكريّ (من وضوحٍ في الرؤية، وفاعليّةٍ في أدوات الإنجاز،...) لم تكن متوافرةً، وهي ما تزال غيرَ متوافرة. ومن أجل إنضاج فكرة المشروع الحضاريّ النهضويّ العربيّ، فإنّنا نحتاج اليوم إلى إعادة قراءة المقاربات الإصلاحيّة السابقة كي لا نعيد إنتاجَ الأخطاء ذاتها. 
على المثقف أن يؤدّي دورًا في حركة التغيير هذه. لكنّه سيكون عاجزًا عن إنجازها ما لم يكن مُدعّمًا بقوًى اجتماعيّة تكون بمثابة "حامل شرعيّ" لتلك الحركة. غير أنّ ذلك يستوجب حصولَ نسبة كبيرة من الوعي لدى الشعوب ــ ــ الوعي بضرورة التغيير وتبنّي أفكاره والمقاومة من أجل تحويلها إلى ممكناتٍ ملموسة.
بندحمان: أشار عبد الحقّ إلى أنّ المشاريع النهضويّة ارتبطتْ بأسماء أصحابها ومريديها، ولم تتجاوزْهم إلى مرحلة التبنّي الرسميّ والجماهيريّ. لكنّ الواقع يدحض ذلك؛ مثلًا: تجربة الحكم الشيوعيّ في العراق، والتجربة القوميّة في مصر وسوريا، والتجربة اليساريّة في المغرب، والتجربة الإخوانيّة في مصر. ومع ذلك، فقد آلت هذه التجاربُ إلى الفشل. فأين الخلل؟ أفي حاملي المشروع، أمْ في البنية الاجتماعيّة التي بلورته وسهرتْ على تطبيقه، أمْ في العامل الخارجيّ؟
 
شعبان: العامل الخارجيّ كان وسيظلّ ضاغطًا على أيّ مشروع نهضويّ في العالم العربيّ، استنادًا إلى لغة المصالح. لكنْ لا بدّ من مراجعةٍ داخليّة، وعدمِ حصر المشكل فيه. فإذا كانت أفكارُ ذلك المشروع تصْلح لنهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، فإنّها لا تتساوق مع معطيات اللحظة، الحبلى بأسئلةٍ مغايرةٍ تستجيب لتحدّياتِ عالمٍ مغاير . لقد حاولنا في تجاربنا السابقة تكرارَ تجارب عالميّة، بدلًا من بنائها بأنفسنا عبر تهيئةٍ ثقافيّة ملائمة لعناصر التكوين المجتمعيّ العربيّ. فالتجربة القوميّة في مصر وسوريا والعراق والجزائر وليبيا واليمن فشلتْ بسبب تقليدها لتجاربَ قائمةٍ في سياقات مختلفة، ولم تضع الخصوصيّات الوطنيّة ضمن أولويّات اهتماماتها.
ثمّ إنّ فشل التجربة الاشتراكيّة، من الاتحاد السوفياتيّ إلى الصين، ومن كوبا إلى عدن، دليلٌ ناصع على أنّ هناك خللًا في النظريّة نفسها، لا في التطبيق وحده. لذلك تنبغي إعادةُ النظر في أسس كلّ نظريّة، ثم في تطبيقاتها. والشيء ذاتُه ينطبق على النظريّات والتطبيقات القوميّة والإسلاميّة. إنّ ما يجب أن يَحكم بناءَ المشروع النهضويّ العربيّ هو البعدُ الإنسانيّ المفتوح على التجارب المختلفة والمتنوّعة، والمستجيبة لحاجات المجتمعات العربيّة، من دون وصاية، ومن دون ادّعاء امتلاك الحقيقة الملهمة.
وبالعودة إلى العامل الخارجيّ المعوِّق لتجربة المشروع النهضويّ العربيّ، لا بدّ من ذكر أربع محطّات أساسيّة حالت دون المشروع المعادي للمشروع القوميّ النهضويّ: 1) اتفاقيّة سايكس ــــ بيكو (1916)، وما نتج عنها من تفاعلات، أهمُّها وعد بلفور (1917) الذي وعد بإقامة وطن قوميّ لليهود في فلسطين. 2) تأسيس دولة "إسرائيل" (1948). 3) هزيمة حزيران (1967)، وما نتج عنها من صدمة حضاريّة للعالم العربيّ كشفتْ عوراتِه وهشاشتَه في مقاومة المشروع الصهيونيّ. 4) صدمة "الربيع العربيّ" التي كشفتْ درجةَ توغّل العامل الخارجيّ في شؤوننا الداخليّة؛ فعلى الرغم من أنّ انطلاقة "الربيع" كانت عفويّة وذاتيّة، فإنّ الخارج استغلّها لخدمة أجندته الليبراليّة "الجديدة."
 
لبيض: لكنّ المثقف العربيّ لم يقدّم الدعمَ اللازم لهذا الحَراك. أضف إلى ذلك تخاذلَ النخب السياسيّة والمدنيّة...
 
شعبان: فعلًا، كانت الأحلام كبيرةً بحجم التضحيات التي قدّمتْها الشعوب. كنّا نعوِّل على دعاةٍ ومناضلين وحقوقيين ملأوا أسماعَنا ضجيجًا قبل الربيع العربيّ، لنفاجأ بأنّ الفساد ينبعث من مكاتبهم، وأنّ معظمَ المثقفين راحوا يلهثون وراء المناصب والامتيازات (بل إنّ بعضهم، في العراق مثلًا، يحتمي بالطائفيّة والمذهبيّة ويسترزق من غنائمها)! ومع ذلك نقول إنّ الربيع العربيّ مسارٌ طويلُ الأمد. وإذا كانت المرحلة الأولى قد اعترتها كبوةٌ أو انكسار، فإنّ الموجة ما تزال مستمرّة، وإنْ تباطأ زخمُها. لكنْ، على الرغم من كلّ خيبات الربيع العربيّ، فقد حقّق ثلاثة أمور أساسيّة هي: إسقاطُ فكرة وجود حاكم يملك كلَّ شيء؛ والإعلاءُ من شأن الحرّيّات (بما فيها حرّيّة التعبير)؛ والرفعُ من قيمة الديمقراطيّة.
 
بندحمان: اعتبرتم الربيعَ العربيّ مسارًا طويلًا، لا لحظةً موقّتة. إذا كان كذلك، فهو يحتاج إلى قيادة، وهذا ما لم يتحقّق حتى الآن . فهل يمكننا الحديثُ راهنًا عن "ثورات من دون قيادات" على غير عادة الثورات القديمة؟
 
شعبان: هذا يتضمّن وجهًا إيجابيًّا، وآخر سلبيًّا. غيابُ القيادة يحرِّر الحَراكَ من البعد الإيديولوجيّ، لكنّه يُدخله في عالم الفوضى، أو قد ترْكب موجتَه أطرافٌ تسيء إليه (مثلما حصل في تجربة مصر مع الإخوان).
 
بندحمان: أكيد. لكنّ سؤالي هو: كيف تقوّمون دورَ القوميين في المرحلة الراهنة؟ هل ما زال ممكنًا أن يؤدّوا دورًا في حركات التغيير العربيّ، خصوصًا بعد ما طرأ على لعبة الصراع مع "إسرائيل"؟
لبيض: قبل الإجابة على سؤال الأخ جمال، لا بدّ من أن أرجع بكم إلى مرحلة أساسيّة لم نتطرّق إليها في حديثنا، وأعني زلزال 11 أيلول 2001. فهذا الحدث خلق ارتباكًا داخليًّا، خصوصًا بعد إلصاق تهمة "الإرهاب" بالعرب والمسلمين، ما ولّد انبثاقَ مجموعةٍ من المشاريع "الإصلاحيّة" التي تبنّت المؤسّسةُ الرسميّة العربيّة مجموعةً منها (وثيقة الإصلاح السعوديّة، إعلان الجزائر، الوثيقة الإصلاحيّة اليمنيّة، إعلان الدوحة،...). أضف إلى ذلك مجموعةً من المبادرات "الإصلاحيّة" الغربية (مشروع كونداليسا رايس وبوش وباول، والمبادرة الإصلاحيّة الألمانيّة، ومثيلتها الفرنسيّة،...). فهل كان لهذه المشاريع والمبادرات دور في تهيئة الأجواء لانبعاث الحراك المجتمعيّ سنة 2011؟
 
شعبان: هناك ثلاثة عوامل تحكّمتْ في مسار الربيع العربيّ. الأول: وصولُ منطق الصراع بين الأنظمة وحركات التغيير إلى لحظةٍ مفصليّة. فقد كانت هناك رؤيتان متناقضتان: رؤية حركات التغيير (شبه الموحَّدة)، ورؤية الأنظمة الحاكمة التي سعت إلى احتواء الغضب الشعبيّ. في هذه اللحظة دخلتْ على الخطّ مشاريعُ عربيّةٌ وخارجيّة بغرض الحفاظ على استقرار الأنظمة واستيعاب حركات التغيير عبر تقديم "إصلاحات" شكليّة تُرضي (إلى حدٍّ ما) حركاتِ التغيير... لكنْ ضمن الوضع القائم الضامن "للاستقرار."
العامل الثاني: وقوفُ بعض القيادات التقليديّة كابحًا أمام الحَراك. ويعود ذلك إلى عجزها عن رؤية المتغيِّرات في الواقعيْن الدوليّ والعربيّ، وإلى خوفِها من انفلات الأمور منها (حركة الإخوان المسلمين، حتى 25 يناير 2011، لم تكن قد انخرطتْ كليًّا في الحراك المصريّ، وبعض اليساريين شكّكوا في نوايا حركة التغيير).
العامل الثالث: كونُ القيادات التي شكّلها الحراك شابّةً، وبعيدةً عن أيّ لونٍ إيديولوجيّ محدّد. وهو ما أعطى ذلك الحراكَ زخمًا. وهنا أعود إلى ما طرحه الأخ بندحمان. أعتقد أنّ الأحزاب ذاتَ النزعة الشموليّة تعاني اليوم تخشّبًا أصاب مفاصلَها الأساسيّة، على مستوى اللغة والخطابِ العامّ والممارسة. وتتساوى في ذلك الأحزابُ اليساريّةُ والقوميّةُ كافّةً، التي ينبغي أن تعيد النظرَ في واقع وجودها، وأن تجدِّد منظوراتِها وأدواتِ عملها. حتى القضيّة الفلسطينيّة تحتاج إلى مقاربة جديدة بعيدةٍ عن الشعارات الجوفاء التي حملها القوميون في سبعينيّات القرن الماضي.
 
بندحمان: دول عربيّة عديدة تتحدّث، في الآونة الأخيرة، عن "عدالة انتقاليّة" قبل تحقيق الانتقال الديمقراطيّ. هذا ما حدث في المغرب من خلال تأسيس "لجنة الإنصاف والمصالحة،" وفي تونس، وفي اليمن قبل الصراع الدامي الراهن. كيف تقوِّمون هذه التجربة؟ أهي مجرّدُ ترويج لمفاهيم برّاقة بلا مضامين فعليّة تؤسِّس لانتقال ديمقراطيّ حقيقيّ؟ ولماذا نجحتْ هذه التجربة في بعض الدول الأوروبيّة والأفريقيّة والأمريكيّة اللاتينيّة، وفشلتْ عندنا؟
 
شعبان: الأنظمة الملكيّة كانت أرحمَ من الأنظمة "الثوريّة" أو "التقدميّة." فانتهاكات الأنظمة الملكيّة وتجاوزاتُها كانت "مقنَّنةً" لا منفلتة. وأوّلُ دولة عربيّة أقرّت تجربةَ الانتقال الديمقراطيّ، بشكل سلسٍ وناجح، هي المملكة المغربيّة. وهذا يعود إلى عوامل عديدة، أهمُّها تحقّقُ نوعٍ من النضج السياسيّ لدى النظام والمعارضة معًا؛ فحين أدرك الفريقان أنّ التجربة الكونيّة متّجهة نحو التحوّل الديمقراطيّ بادرا إلى تأسيس مرحلة جديدة يمكن اليوم التأكيدُ أنّها جنّبت البلادَ مخاطرَ الاحتراب المفتوح.
تاريخيًّا، مرّت تجربةُ "العدالة الانتقالية" بأربع مراحل.
ــــ المرحلة الأولى في أوروبا الغربيّة، وشملت اليونان بعد الانقلاب على حكم العقداء (1974)، والبرتغال بعد انقلاب العام 1974 الذي قضى على الدكتاتور سالازار، وإسبانيا بعد وفاة الجنرال فرانكو (1978).
ــــ المرحلة الثانية شملتْ جنوبَ إفريقيا. فحين فاز المؤتمرُ الوطنيّ الأفريقيّ في العام 1994، قرّر المساءلة من دون ثأرٍ أو كيديّة، وكشْفَ الحقيقة، وجبْرَ الضرر، والتعويضَ. كما شملتْ جزءًا من أميركا اللاتينيّة (الأرجنتين وتشيلي ونيكاراغوا...).
ــــ المرحلة الثالثة شهدتْ أهمَّ التجارب في العدالة الانتقاليّة، ألا وهي تجربة أوروبا الشرقيّة. وهناك أربعُ تجارب تستحقّ أن نتوقّف عندها في هذه المرحلة. أ) التجربتان الأوليان كانتا في بولونيا وهنغاريا، وقد اتّسمتا بالسلميّة والسلاسة، وحققّتا ما أسمّيه "فقهَ التواصل،" إذ انتقل جزءٌ من السلطة إلى المعارضة، وأجريت انتخاباتٌ نزيهةٌ وشفّافة. ب) التجربة الثانية هي تجربة تشيكوسلوفاكيا، التي انجرّت في لحظاتٍ خلف ما أسمّيه "فقهَ القطيعة،" إلّا أنها استعادت الوعيَ بضرورة الاقتفاء بفقه التواصل، فحقّقتْ بذلك انتقالًا سلميًّا. ج) التجربة الثالثة كانت في رومانيا، التي شهدتْ فقهَ القطيعة في أشد صوره قتامةً. وهو ما حدث أيضًا إلى حدٍّ ما في ألمانيا الديقراطيّة. كما شهدتْ تجربةُ يوغسلافيا صراعاتٍ دمويّةً، سواء تعلّق الأمر بمجازر البوسنة والهرسك أو بكوسوفو ومناطقَ أخرى.
ــــ أمّا المرحلة الرابعة فهي تجربة المنطقة العربيّة. وباستثناء تجربة المغرب "الناجزة،" فإنّ تجربتيْ تونس ومصر ما تزالان تحتاجان إلى مراجعات جدّيّة.
أمّا لماذا نجح الانتقالُ الديمقراطيّ في بلدانٍ وفشل في أخرى، فهناك أربعةُ عوامل أساسيّة: أ) الفضاء الديمقراطيّ الإقليميّ المؤثّر في بعض البلدان الاشتراكيّة المذكورة. ب) المستوى الثقافيّ والتعليميّ العالي الذي تتمتّع به شعوبُ هذه الدول. ج) ضعفُ العامل الدينيّ في التدافع السياسيّ؛ ففي معظم هذه الدول لم يتحوّل الدينُ إلى إيديولوجيا دوغمائيّة، أو إلى حالة مذهبيّة وطائفيّة تسعى إلى إلغاء الآخر. د) إدراك السلطات في غالبيّة هذه البلدان أنّ التغيير أضحى حتميّةً تاريخيّةً، وأنّ عليها التنازلَ خضوعًا لاشتراطات التاريخ وحركيّته الدائبة. والبلَدان اللذان لم يحصلْ فيهما هذا النوعُ من "فقه التواصل" كما ذكرنا هما رومانيا (حيث تشبّث تشاوشيسكو بالكرسيّ، فكان على البلاد أن تدفعَ الثمنَ دماءً من أجل تحريرها من الطاغية) ويوغوسلافيا (التي تفكّكتْ بسبب النزاعات الدينيّة التي ورثتْها أصلًا من مرحلة الإدماج القهريّ عند تأسيس الاتحاد الفيدراليّ اليوغوسلافيّ).
إنّ العوامل التي أسّستْ لفقه التواصل لم تتحقّق بالشكل المطلوب في عالمنا العربيّ. أنظرْ إلى تجربة العراق التي عمّقت الشعورَ بالطائفيّة والمذهبيّة والمحاصصة، ما أدخل البلادَ في نفقٍ مظلم وغامض المسالك والمخارج. وقسْ على ذلك معظمَ تجارب الانتقال الديمقراطيّ العربيّ الأخرى، التي ظلّت شعاراتٍ جوفاءَ تخدم أجندةَ السلطات الحاكمة وتكرِّس نوعًا جديدًا من الهيمنة المقنّعة لفكر الاستبداد والتحكّم. فتونس قد تحتاج إلى فترة زمنيّة أخرى لقياس إمكانيّة التحوّل الديمقراطيّ الحقيقيّ، ومصر بحاجة إلى فترة انتقالٍ قد تكون طويلةً للتخلّص من ماضي الاستبداد.
لبيض: ذكرتم أنّ من أسباب نجاح تجارب الانتقال الديمقراطيّ في بعض الدول الأوروبيّة والأميركيّة اللاتينيّة ضعفَ توظيف الدين أداةً للصراع والتدافع في تدبير الشأن العامّ. والمتأمِّل في الساحة السياسيّة العربيّة يلحظ درجةَ حضور العامل الدينيّ في كلّ مناحي الحياة العامّة. فهل نحتاج اليوم، قبل أيّ إصلاح سياسيّ أو عدالة انتقاليّة، إلى عمليّة تصفية الحساب مع العامل الدينيّ من خلال نهج إصلاح دينيّ حقيقيّ؟
 
شعبان: ليس المطلوب إضعاف الدين. المطلوب إضعافُ استغلال الدين، وأضعافُ توظيفه من جانب الجماعات الدينيّة وبعضِ رجال الدين من أجل إحداثِ تفرقةٍ اجتماعيّة. ويتطلّب هذا الواقع إصلاحَ المجال الدينيّ بجميع مفرداته وحقوله، وإخضاعَ جميع المرجعيّات ــــ أكانت دينيّةً أمْ حزبيّةً أمْ عشائريّةً أمْ مناطقيّةً ــــ لمرجعيّة الدولة.
إنّ إصلاح المجال الدينيّ هو جوهرُ كلّ إصلاح؛ فبحسب تعبير هوبز، فإنّ كلّ إصلاح مفتاحُه الفكرُ الدينيّ. والإصلاح الدينيّ يحتاج إلى فتح الحوار على جميع الصعد، وجعلِ التديّن حقًّا شخصيًّا من دون إكراه. ومن شأن الإصلاح الدينيّ أن يؤدّي إلى تقليص التأثير السلبيّ لبعض رجال الدين والجماعات الدينيّة، ولاسيّما من يدعو إلى العنف.
 
لبيض: هل قدرُ أيّ إصلاح دينيّ أن يصطدمَ بمفهوم "العَلمانيّة" ذي الحمولة الثقافيّة الغربيّة المتعارضة مع سيروة تشكّل الوعي لدى الفرد العربيّ؟
 
شعبان:  بغضّ النظر عن التقاء أو تعارض فكرة إصلاح المجال الدينيّ مع التوجه العلمانيّ وحمولته الثقافيّة، فإنّ أساسَ ذلك الإصلاح هو تمكينُ الدولة من بسط سلطاتها على الجميع، انطلاقًا من حكم القانون، بما في ذلك حقُّها في احتكار العنف. ولعلّ تراكمَ ذلك، بالممارسة العمليّة، يؤدّي إلى وعي جديد لدى الفرد العربيّ. وقد حدث أن اتّجهت بعضُ الدول العربيّة بعد مرحلة الاستقلالات إلى قيام أنظمة مدنيّة بتوجّهات ليبراليّة، سواء في تشريع القوانين، أو في نظام التعليم والتربية، أو في جعل مرجعيّة الدولة تعلو على الجميع. لكنّ ذلك حمل منذ البداية بعضَ الخلل البنيويّ حين جرى تقديمُ تنازلات إلى بعض رجال الدين، أو أُقحم الدينُ في مرجعيّات الدولة، فعمدت بعضُ الجماعات الدينيّة إلى توسيع رقعة نفوذها السياسيّ باسم "المقدّس." وهذا أدّى إلى شحّ الحريّات، وإلى تطوّر أساليب القمع، وأدّى في النهاية إلى المأزق الذي تعانيه دولُنا إلى الآن. وهذا مأزق بنيويّ وعضويّ، إنْ لم تتمكّن دولُنا من إزالة "ازدواجيّة المرجعيّة" فيه فستكون معرّضة إلى الزوال، أو التفتّت في طوائف ومناطقيّات.
 
بندحمان: أيّ دور تبقّى لليسار العربيّ في مشاريع إصلاح حال الأمّة؟
شعبان: مثلُ هذا السؤال ينطلق من شقّيْن أساسين. الأوّل يتعلق بدور اليسار الذي انحسر على نحو ملحوظ منذ انهيار الكتلة الاشتراكيّة، بل قبلها أيضًا. والثاني غيابُه المؤثِّر عن أحداث "الربيع العربيّ،" بل وقوف بعضه ضدّ عمليّات التغيير تحت مبرِّرات مختلفة.
يعود نكوصُ اليسار الماركسيّ العربيّ إلى اتكاليّته الفكريّة. فقد كان يعوِّل، في الغالب، على مرجعيّة موسكو ويأتمر بأوامرها؛ ولئن تمرد بعضُ هذا اليسار عليها فسرعان ما يجد في بكين أو تيرانا ملاذَه. أما اليسار القوميّ العربيّ فهو لم يستطع تطويرَ أدواته، وظلّت شعاراتُه عموميّةً ورومانسيّة؛ يضاف إلى ذلك فشلُ تجربته في جميع البلدان التي حكم فيها، إذ قدّم نماذجَ أقربَ إلى الأنظمة الشموليّة في أوروبا الشرقيّة.
على اليسار العربيّ، بشقّيه الماركسيّ والقوميّ العربيّ، إعادةُ النظر في الكثير من أفكاره ولغته وخطابه، وتقديم نقد ذاتيّ صريح وواضح لممارساته وتعويليّته. فأمامه الكثير من الفرص، لاسيّما بعد فشل المشروع الإسلاميّ، ووصولِ الدول العربيّة إلى مفترق طرق. لكنْ على الشيوعيين، قبل غيرهم، إعادةُ النظر في النظريّة وفي بعض أركانها التي تآكلتْ. بل عليهم أيضًا إعادةُ النظر في بعض مواقفهم من العروبة والوحدة العربيّة وتقسيم فلسطين، والتخلّصُ من بعض الأوهام حيال ما يتعلّق بالقوميّات والسلالات والحريّات والحقوق الديمقراطيّة. وعليهم، بشكل خاصّ، ردُّ الاعتبار إلى فكرة المواطَنة، التي تقوم على مبادئ المساواة والعدالة والشراكة، في فضاء الحريّة التي لا تمْكن مقايضتُها بأيّ قيمةٍ أخرى.
 
لبيض: حدّثْنا قليلًا عن فكرة "أعمدة الأمّة الأربعة" التي تحملون مشعلَ التبشير بها. هل يمكن الاعتمادُ على هذه الأعمدة لبناء مشروع حضاريّ للأمّة العربيّة بعيدًا عن التنافس الإقليميّ أو فكر الهيمنة الذي يمكن أن تحمله أطرافٌ من هذه المبادرة؟
 
شعبان: كنتُ ولا أزال مؤمنًا بأنّ الحوار مسألةٌ لا غنى عنها لتطوير مجتمعاتنا وأممنا. وقد بدأتُ ذلك في ما يتعلّق بالمسألة الكرديّة، وكان لي شرفُ تنظيم أول حوار عربيّ ــــ كرديّ، وقد احتضنتْه المنظّمةُ العربيّةُ لحقوق الإنسان في لندن، التي كنتُ رئيسَها سنة 1992، وذلك بدعوة 25 مثقفًا عربيًّا و25 مثقفًا كرديًّا ليناقشوا القضايا التي ما تزال مطروحةً حتى الآن (الدولة، الحكم الذاتيّ، الفيدراليّة، حقّ تقرير المصير،...). وعلى مدى زاد عن خمسة عقود بقيتُ مدافعًا عن حقوق الأكراد، وكتبتُ عشرات الأبحاث في هذا الاتجاه، من دون أن يعني ذلك انحيازي إلى مواقف القيادات الكرديّة، التي تعرّضتْ إلى نقدي، شأن القيادات القوميّة العربيّة والإسلاميّة واليساريّة، سواء بسبب ما يتعلّق بحقوق الشعب الكرديّ، أو بقضايا أوسع تمسّ العلاقاتِ بالقوى الإمبرياليّة والصهيونيّة.
أما مشروع "أعمدة الأمّة الأربعة" فقد دعوتُ إليه منذ ما يزيد عن العقد، وتحقّقتْ فرصةٌ أولى لجمع نواةٍ للقاءٍ مهمّ في تونس، وذلك بدعوةٍ كريمة من "المعهد العربيّ للديمقراطيّة،" وُجّهتْ إلى عدد محدود من العرب والإيرانيين والترك والكرد سنة 2016. وفي تمّوز 2018 اتّخذ الأمير الحسن بن طلال مبادرةً بدعوةٍ أوسع إلى حوار أعمدة الأمّة الأربعة في عمّان، وذلك في إطار منتدى الفكر العربيّ، بعد نجاح تجربة جديدة في الحوار العربيّ ــــ الكرديّ (شباط 2018) في إطار المنتدى أيضًا.
وإذا كان لي شرفُ بلورة هذا التوجه، فإنّ مواصلتَه تحتاج إلى قناعات نخبةٍ مؤمنةٍ بالحوار باعتباره ضرورةً ملحّةً في ظلّ احتدام الصراعات الإثنيّة والطائفيّة التي تعيشها مجتمعاتُنا ودولُنا. وأعتقد أنّ بناء المشروع النهضويّ العربيّ الذي يستوعب المجموعات الثقافيّة المختلفة داخله، ويمنحها حقوقَها السياسيّة والثقافيّة والإداريّة كاملةً في إطار منظومة حقوق الإنسان والشرعيّة الدوليّة، كفيلٌ بإحداث نوعٍ من التوازن على مستوى الإقليم.
وإذا كان هناك مشروع تركيّ وآخر إيرانيّ في إطار " الدولة ــــ الأمّة،" فإنّ غيابَ مشروع عربيّ، أو غيابَ الحدّ الأدنى من التنسيق العربيّ، أدّى إلى اختلالات، وفسح المجالَ أمام تمدّد إقليميّ على حساب الأمّة العربيّة. وكان أحد أوجه الضعف هنا هو الصراعات العربيّة ــــ العربيّة، خصوصًا بعد غزو القوّات العراقيّة للكويت سنة 1990 وبداية انهيار الحدّ الأدنى من التضامن العربيّ، وما استتبع ذلك من معاناة العراق الحصارَ والاحتلالَ. وتؤكّد التجاربُ التاريخيّة أنّ العراق كلّما كان ضعيفًا، ازدادت شهيّةُ الصراع التركيّ ــــ الإيرانيّ عليه. واليوم، فإنّ نفوذ إيران فيه واسعٌ وكبير، مثلما أنّ هناك تدخّلًا تركيًّا واحتلالًا لأراضٍ في شماله.
إنّ الحوار بين نخبةٍ من المثقفين من "أعمدة الأمة الأربعة،" عربًا وتركًا وفرسًا وكردًا، يهدف إلى التعرّف إلى الثقافات المختلفة التي تمثّل جزءًا من حضارة إنسانيّة مشتركة. وقد يشجّع على القيام بدراساتٍ إثنوغرافيّة وسوسيوثقافيّة عن طبيعة المجتمعات المعنيّة ومشتركاتها ومختلفاتها، من أجل توظيف العناصر الإيجابيّة الخاصّة بالشعوب وعاداتها وتقاليدها ومصادر قوتها.
 
بندحمان: قد نعيب على مبادرتكم أنّها مركزيّة إقصائيّة؛ فهي لم تنتبهْ إلى تشكّلات ثقافيّة وإثنيّة أخرى مثل الأمازيغيّة في المغرب العربيّ. ألا تشكّل هذه ركنًا أساسيًّا من أركان الأمّة؟
 
شعبان: المبادرة ركّزتْ على الأمم. أما الحديث عن التعايش بين الأديان أو الثقافات أو السلالات أو اللغات، فهناك في المنطقة تركمان وأرمن وآشوريون وسريان وأمازيغ،... وهذه المجموعات ينبغي الاعترافُ بها على قدم المساواة مع الآخرين على أساس المواطَنة الحرّة. كما ينبغي الاعترافُ على قدم المساواة بجميع الأديان، لأنّ الأمر يتعلق بحقٍّ أساسٍ من حقوق الإنسان، ألا وهو حقُّ الاعتقاد وحقُّ التعبير، وينبغي أن يكرَّس ذلك دستوريًّا.
 
 لبيض: كيف يمكن أن يتمتّع هذا النوعُ من الائتلاف الحضاريّ بالقوّة في مواجهة المشروع الصهيونيّ؟
 
شعبان: المشروع الصهيونيّ قام على ثلاثة أركان: احتلال الأرض، واحتلال العمل، واحتلال السوق. وإذا كان وعد بلفور (1917)، الذي جاء عقب اتفاقيّة سايكس ــــ بيكو، هو الحلقة الأولى في المشروع الصهيونيّ، فإنّ قرار التقسيم (1947) ومن ثم إعلان قيام دولة إسرائيل (15 أيّار 1948) كان الحلقة الثانية. ويمكن اعتبارُ عدوان 1967 هو الحلقة الثالثة، خصوصًا بعد ضمّ كامل أراضي فلسطين، بما فيها القدس. أما الحلقة الرابعة فهي هجرة اليهود السوفييت إلى الكيان الصهيونيّ عشيّة انهيار الاتحاد السوفييتيّ، وعودة العلاقات بين هذا الكيان والدول الاشتراكيّة السابقة.
كلّ ذلك هيّأ الفرصةَ لاتفاقيّة أوسلو في العام 1993. ولكنّ الكيان رفض تطبيقَ هذه الاتفاقيّة رغم إجحافها، وظلّت القضايا الأساسيّة معلّقةً مثل القدس والمياه والحدود واللاجئين. وتمادت "إسرائيل" في غيّها بإعلان صيغة الدولة اليهوديّة النقيّة (عبر قانون القوميّة في 19 تمّوز 2018)، وهدفُها النهائيّ طردُ الفلسطينيين العرب (حوالي 20% من مجموع فلسطين المحتلّة عام 48).
إنّ الحوار بين مثقّفين متنوّعين من الأمم الأربع يمكن أن يعزِّز مواقفَ شعوبها لنقض الأطروحة الإسرائيليّة، ولمقاومتها. فهذه الشعوب جميعها مهدّدة، ولن يتوقّف التفتيتُ على العرب وحدهم، بل سيشمل جميعَ شعوب المنطقة من عرب وفرس وترك وكرد. علينا جميعًا أن نعي حقيقة التحدّيات التي تواجهنا، خصوصًا إرهاب "إسرائيل،" إضافةً إلى إرهاب الجماعات المسلّحة والخارجة على القانون، تحت مبرّرات دينيّة أو غير ذلك.
الدار البيضاء
 


13
 

المتخيّل والواقعي في تجنيد الإرهابيين
عبد الحسين شعبان
حين عرفت أن كمبرلي مينرز عارضة الأزياء البريطانية انضمت إلى «داعش»، أصبتُ بالدهشة بل والحيرة؛ وذلك لسببين، الأول - ما الذي يجمع الفنانة البريطانية الجميلة بالإرهاب و«داعش» نموذجاً لها، والأمر ليس حادثة واحدة عابرة، بل كان لجيش «داعش» الإرهابي، علاقات مع آلاف النساء، إضافة إلى الرجال الذين ينتمون إلى ثقافات متناقضة مع «داعش»؟ والثاني - كيف يمكن تجنيد «داعش» للإرهابيين؟ أي ما هي الوسائل التي يستخدمها للوصول إليهم وإقناعهم، بل لغسل أدمغتهم، بحيث يصبحون أداة طيّعة بيده، حيث يأمرهم بتفجير أنفسهم وقتل العشرات والمئات من البشر بدم بارد وكأنهم يمارسون هواية يحبّونها ودون أدنى شعور بالذنب أو الارتكاب أحياناً؟
وأول ما خطر ببالي دور وسائل التواصل الاجتماعي، فهي بقدر ما تلعب من دور إيجابي، فلها أدوار سلبية بلا أدنى شك ولم تستطع المنظومة القانونية الحد منها؛ وذلك أحد وجوه العولمة المتوحشة، حيث تحوّلت من وسائل تعارف بين الناس لتسهيل حياتهم وطريقة عيشهم إلى وسائل دعاية لنشر الكراهية والانتقام والحقد، بل لتكون المسبّب في تدمير العديد من العائلات وهدم المجتمعات بعيداً عن أي قيم إنسانية أو أخلاقية، بحيث تتمكن جماعات إرهابية جاهلة من السيطرة على عقول نخب متعلمة وتعيش في مجتمعات متحضّرة، وتجرّها لارتكاب «الكبائر» باسم الدين.
فماذا يجمع الأوروبي ذو الثقافة الغربية الديمقراطية والليبرالية، المسيحية الأصول بتنظيم إرهابي؟ نبادر إلى القول إن مواقع التواصل الاجتماعي فتحت أبواب التعصب والتطرّف والعنف والإرهاب على مصراعيها للتأثير على عقول الشابات والشباب وتحويلهم إلى أداة إجرامية، حيث يتم تجنيد الأشخاص عبر وسائل جاسوسية إما ترغيباً أو ترهيباً للوصول إلى أكبر قدر من المعلومات الخاصة عن أشخاص ومؤسسات وأجهزة حكومية عدوة أو صديقة، سواء لقاء مبالغ أو عبر استدراج من خلال بعض نقاط الضعف.
وقد تطور مثل هذا الأمر خلال الانفجار الهائل في تكنولوجيا الإعلام والمعلومات وثورة الاتصالات والمواصلات والطفرة الرقمية - الديجيتال، عبر لقاءات مباشرة أو اتصالات هاتفية أو رسائل بالبريد الإلكتروني أو من خلال شيفرات خاصة وبلغات مختلفة في مواقع التواصل الاجتماعي، وهكذا استدرجت بعض أوساط الشباب إلى سلوك طريق العنف والقتل واستباحة الكرامات، من خلال أفكار وشعارات تم استزراعها في العقول، لتنقلهم من عالم التخلف والبؤس أحياناً، أو عدم الرضا عن مجتمعاتهم، إلى عالم الحقيقة الافتراضية والدين الافتراضي؛ وذلك من خلال متناقضات: منها مواجهة ما هو قائم بالقتل والتدمير والتفجير والأحزمة الناسفة، ليتم مقابله تصوّر الحياة الرغيدة بالجنس والوعد بالجنة والعدل المطلق، وهكذا يبقى المتخيّل والافتراضي في الحياة والآخرة.
لقد استغل «داعش» الشباب الذي يقضي ساعات طويلة يومياً على الأنترنت ليتحدث عن أوضاعهم ويسحبهم إلى طريق لم يرغبوا أن يكونوا جزءاً منه يوماً ما، وهكذا وفي لحظة ما يصبحون جزءاً من عالم الجريمة وسفك الدماء، وهذا ما يقوم به أيديولوجيو الجيش الإلكتروني الذي جنّد أرقاماً خيالية، حيث بلغ عدد المجندين في صفوفه حسب إحصائية ألمانية إلى 200 ألف مجنّد، سواء عبر الفيسبوك و تويتر واليوتيوب وغيرهما، وحسب بعض الأرقام هناك نحو 50 ألف فتاة بين 16-24 عاماً، ضمن حركة «داعش» العنكبوتية، حيث يستدرجن بوسائل ناعمة وخبيثة من خلال توجيه أسئلة وعبر نصائح تقدم لهن من مواقع خاصة وتسهيلات بعد اختبارات للانخراط في صفوف التنظيم وعبر اللغات التي يتحدثن بها. ويضم الجيش الإلكتروني خبراء متخصصين للاتصال بمجموعات مباشرة، سواء في المقاهي أم المدارس والجامعات أم المحلات العامة أم المساجد والجوامع والأماكن الدينية.
ويتم التجنيد في مرحلته الأولى بتأكيد الالتزام الديني وتأدية الفرائض الدينية، ثم يبدأ العمل بشكل تدرّجي وهادئ لضخ المفاهيم الخاصة بالتنظيم الإرهابي، وبعدها تزيّن لهم صورة ما سمّي ب«الجهاد»، ليرسلوا إلى سوريا أو العراق أو غيرهما.
وحين يلتحق الشباب والشابات في المواقع الأمامية للمواجهة، هناك يخضعون للمراتبية، يقف على رأسها الأمراء والمشايخ الذين لهم القرار، وعلى الآخرين الانصياع والتنفيذ.
وحسب اعترافات قيادي كبير في تنظيم «القاعدة» كان قد تم إلقاء القبض عليه في سوريا، قال: إن عملية التجنيد تحتاج إلى «تزكية» من أشخاص ثقة ومعروفين، وربما يحتاج البعض أكثر من تزكية لضمان المعلومات الصحيحة، ثم تبدأ التهيئة النفسية والتعليمات الأمنية من الملابس والشكل العام الذي ينبغي أن لا يجلب الانتباه، وعدم إعطاء أي دليل على التوجه الديني وصولاً إلى المواقع المتقدمة ليبدأ بعدها التدريب وضمن المواعظ المعروفة: الكتمان والسرّية واختيار الطرق الأكثر أماناً، وبالطبع تقتضي شروط العمل السري عدم الثرثرة والتزام الصمت أحياناً وعدم إخبار أحد والصبر وقبل كل ذلك إعطاء الضمير والقلب إجازة مفتوحة، أو ربما حفظه في ثلاّجة إلى الأبد.
drshaban21@hotmail.com



14
 

البرازيل بين ضفتي العرب و«إسرائيل»
عبد الحسين شعبان
ما إن أعلن فوز الرئيس جاير بولسونارو في الانتخابات البرازيلية التي جرت في 29 (أكتوبر) تشرين الأول 2018 حتى قرّر نقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة، وهو القرار الذي سبقه إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حين نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في 14 مايو /‏أيار 2018 اعترافاً منه بأنها عاصمة لدولة «إسرائيل»، فاتحاً الباب لمسلسل الاعتراف، وهو ما شجّع بعض من ينتظر اتخاذ مثل هذه الخطوة، لكنه كان يخشى ردود فعل عربية وإسلامية.
وكانت جواتيمالا قد قرّرت نقل سفارتها إلى القدس بعد يومين من قرار الرئيس الأمريكي، وتبعتها الباراجواي في خطوة مماثلة في سبتمبر/‏أيلول 2018، وإن ظلّت مترددة وكذلك هندوراس التي صادق برلمانها على نقل السفارة، لكن الإعلان لم يتم رسمياً، كما أن رئيس البرلمان الروماني عبّر عن رأي مماثل، إلّا أن المعارضة أتت من رئيس البلاد، كما قررت تشيكيا نقل سفارتها في 12 أيلول/‏ سبتمبر أيضاً.
فهل هذه خطوات منفردة ومعزولة أم أنها حلقات متواصلة، بحيث يصبح الأمر الواقع واقعاً، ويتم التطبيع الدبلوماسي والدولي بصورة هادئة وناعمة دون ضجة تُذكر؟ علماً بأن هذه القرارات والإجراءات القاضية بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة «إسرائيل» تعتبر مخالفة صريحة وواضحة لقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني ولاتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها 1977 وانتهاكاً سافراً لما يسمى ب«الشرعية الدولية»، لاسيّما أن المدينة، وفقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي، لا تزال محتلة، وخصوصاً قسمها الشرقي منذ العام 1967.
وحين قرر الكنيست «الإسرائيلي» ضمّها في العام 1980 كان قرار مجلس الأمن الدولي رقم 478 واضحاً وصريحاً بأن إجراء «إسرائيل» يعتبر باطلاً ولاغياً، علماً بأن مجلس الأمن منذ العام 1967 دعا إلى انسحاب «إسرائيل» من جميع الأراضي العربية المحتلة (بعد العدوان)، وفقاً لقراري مجلس الأمن رقم 242 لعام 1967 و338 لعام 1973 ولم يعترف بأي نتائج قامت على أساس استخدام القوة واحتلال الأراضي. وكان الاحتلال «الإسرائيلي» منذ العام 1967، قد باشر بإجراء تغييرات بنيوية وإدارية وقانونية لتحويلها بالتدريج إلى جزء من «إسرائيل».
ولهذا فإن خطوة رئيس البرازيل الجديد والحكومات التي اتخذت خطوات مماثلة، تعتبر تجاوزاً فظاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وستؤدي إلى تفاقم الأوضاع سوءاً، حين يتم تشجيع المعتدي على الاحتفاظ بالأراضي التي احتلها، بل منحه الشرعية لاحتلاله، وهو ما سيعقّد الوصول إلى حل سلمي وعادل.
وحتى الآن ليس هناك ردود فعل جادة وحازمة، لا من جامعة الدول العربية ولا من منظمة التعاون الإسلامي أو من بعض الدول فرادى، فإن ما صدر يعتبر دون الحد الأدنى من المستوى المطلوب، علماً بأن العالم الإسلامي الذي ينتمي إليه العرب بغالبيتهم الساحقة يزيد على مليار ونصف المليار إنسان، وهناك مجالات ودوائر مختلفة يمكن التحرّك فيها لمنع الدول والحكومات من التمادي في قرارها بنقل سفاراتها إلى القدس، لاسيّما في المجال الاقتصادي بدءاً من النفط والعلاقات الاقتصادية والتجارية إلى المجالات الأخرى، كما أن المجال القانوني مهم جداً، وعلى سبيل المثال يمكن الذهاب إلى محكمة العدل الدولية لإصدار رأي استشاري بشأن الإجراء الذي أقدمت عليه هذه البلدان، وغالباً ما كان للضغط الدبلوماسي والسياسي والإعلامي تأثيره، خصوصاً حين تكون البلدان العربية موحّدة، كما يمكن التحرك لتنشيط نظام المقاطعة على المستوى العالمي في الوسط الفني والإعلامي والتجاري والأكاديمي وغيرها، ونعلم كم هي مؤثرة المقاطعة الأكاديمية الأوروبية ضد «إسرائيل» والمعروفة Baycott BDS.
إن موازين القوى الدولية تحتاج إلى جهد طويل ومثابر لمعالجة الاختلال الحاصل فيه، خصوصاً في ظلّ تصدّع المواقف العربية، ومواقف بعض القوى الصديقة في أوروبا وإفريقيا وآسيا، حيث قام بعضها بنقل رحيله من ضفة الصداقة مع العرب إلى ضفة الصداقة مع «إسرائيل» التي منحها امتياز «الدولة الأكثر رعاية». في حين كان قد قطع العلاقات الدبلوماسية معها منذ العام 1967 وحتى نهاية الثمانينات.
ويتطلّب الأمر ضرورة تحقيق وحدة وطنية فلسطينية والانفتاح على العالم العربي والإسلامي بمواقف موحدة، ليتخذ الأخير إجراءات حازمة إزاء نقل السفارات الذي يمثّل تطوّراً خطراً. ويحتاج ذلك إلى الضغط على الحكومات وتنشيط الحركة الشعبية والرأي العام العربي والإسلامي ليدرك خطورة هذا الوضع، لاسيّما أنه يترافق مع ما يسمى «قانون القومية» الذي يمثّل إعلاناً مسبقاً عن طرد أكثر من 20% من سكان فلسطين الأصليين الموجودين حالياً في الأراضي المحتلة سنة 1948.
ولا بد من التوقّع أنه بدون ردود فعل حازمة، فإن الاعترافات بالقدس المحتلة «عاصمة» مزعومة ل«إسرائيل» ستتوالى، خصوصاً حين يكون العرب ضعفاء وغير موحّدين ومواقفهم متناقضة، وسنرى تسابقاً حد التهافت على ذلك.


15

16
بثينة شريف سلاماً للروح الحيّة

عبد الحسين شعبان

يبدو أن المصائب والنكبات لا تأتي إلينا فرادى، بل تدهمنا على نحو مفاجئ وكأنها جيش زاحف لا تحدّه حدود، ليس الأمر على المستوى العام، فقد بات الأمر معروفاً ما يعانيه العراقيون من محاصصة طائفية وإثنية، وفساد مالي وإداري مستشر وعنف ما زال مستفحلاً ظاهراً وكامناً وإرهاب لا تزال خلاياه النائمة والمتيقظة، تعمل بطاقة كبيرة، في ظلّ ضعف الدولة وانحسار هيبتها ووجود مرجعيات منافسة لها وأحياناً تتقدم عليها، سواء كانت دينية ومذهبية أم سياسية وحزبية وعشائرية وغيرها.  قال لي نوري عبد الرزاق حسين عبر الهاتف من القاهرة: ثمة خبر مزعج وهو رحيل فاروق عبد الجليل برتو في جنيف، وعلّق لقد أخذ جيلنا ينقرض ، واستعدت بعد هاتفه أسماء أصدقاء ورفاق وزملاء وأقارب كثر رحلوا في وقت قصير، وكأنهم كانوا على موعد مع القدر، فما إن ننتهي من تأبين وحتى قبل أن نتنفس الصعداء، وإذا بخبر مأسوي جديد يصلنا، حتى قبل أن نستفيق من أثر الصدمات السابقة والحزن العميق. بعد وصولي إلى بغداد بيوم واحد وصلني خبر رحيل الصديقة بثينة شريف ” أم سعد” وهي احدى  أعمدة الحركة النسوية في العراق، وقد عملت مع الدكتورة نزيهة الدليمي الرائدة الأولى التي اقترن اسم رابطة المرأة العراقية باسمها ومعها سافرة جميل حافظ وبشرى برتو وشخصيات نسوية أخرى ، وكان لوالدتها مقبولة أحمد دور كبير لرعاية ذوي المعتقلين بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 وهي عقيلة الدكتور حكيم شريف شقيق عزيز شريف الشخصية اليسارية المعروفة، وشقيقه الآخر المحامي عبد الرحيم شريف الذي استشهد تحت التعذيب في قصر النهاية العام 1963. في هذه الأجواء والمفعمة بالوطنية والإنسانية والتضحية نشأت وترعرعت بثينة، وقد وجدت طريقها للعمل العام أولاً عبر رابطة المرأة وثانياً من خلال تنظيمات الحزب الشيوعي حيث استمرت في عضويته نحو 6  عقود من الزمان وكانت حين رحيلها قد بلغت 80 عاماً حيث ولدت العام 1938  لعائلة دينية تعود أصولها إلى مدينة عانه، وأنهت دراستها الثانوية في الأعظمية وحصلت على بعثة دراسية هي الجامعة الأمريكية في بيروت وتخصصت في علوم الكيمياء وتخرجت العام 1957 وانتسبت إلى كلية الهندسة (معيدة) لتدريس الهندسة الكيماوية وانخرطت في تلك الفترة في جمعية الهلال الأحمر كمتطوعة . تزوجت من الدكتور محمد الجلبي في العام 1963 عشية الانقلاب البعثي ضد عبد الكريم قاسم، وذهبا لقضاء شهر العسل في البصرة، وعادا ليلة الانقلاب وقد اعتقل الجلبي وعذّب في قصر النهاية وفي مبنى الإدارة المحلية بالمنصور، حيث استشهد وبعد فترة اعتقلت بثينة أيضاً بعد اختفاء دام عدّة أسابيع، ولم تلتقِ شريك حياتها إلّا وهو على حافة الموت، وكانت بثينة قد تعرّضت للفصل السياسي لمدة 6 سنوات وأعيدت إلى الوظيفة العام 1969 ولوحقت مرّة أخرى في أواخر السبعينات عند اشتداد الحملة الحكومية ضد الشيوعيين واختفت لنحو عام ثم تمكّنت من الذهاب إلى الشام، وعملت هناك بكل نشاط وحيوية في المجال النسوي، وبعدها التحقت بقوات الأنصار الشيوعية . وأتذكر أنني قابلت بثينة شريف في كردستان وهي ترتدي الشروال والملابس الكردية وتجوب القرى والقصبات. وبقيت عدّة سنوات هناك ثم نسّبت لمهمات خارجية لرابطة المرأة التي مثلتها في مؤتمرات دولية، ثم انكبت على دراسة تاريخ الحركة النسوية الديمقراطية في بلغاريا لنيل الدكتوراه، وبعد تخرجها العام 1993 توجهت للتدريس في ليبيا في جامعة ناصر، وعادت بعد الاحتلال مباشرة لتسهم في إعادة بناء بلدها، لكنها اصطدمت بالموجة الطائفية وبنظام المحاصصة والتمييز، حيث تفشّى الإرهاب واستشرى الفساد المالي والإداري وانتشر العنف، لكن ذلك لم يفل من عزيمتها. كانت أسئلة بثينة تكبر يوماً بعد يوم وتدريجياً ، كانت أميل إلى التساؤلية العقلية الانفتاحية، فالحلم بالغد السعيد والوطن الحر يحتاج إلى المراجعة والنقد ولم يعد يكفي التبشير واليقينية الإيمانية، خصوصاً بعد انهيار النموذج الاشتراكي وانكشاف عورات الأنظمة الشمولية جميعها في بلدان الأصل والفرع. هكذا كانت الأقدار الغاشمة تواجه جيل الخمسينات والستينات الأكثر حلماً والأكثر تميّزاً.تحلّت بثينة بعلو شأن وكرم خلق وظلّت حتى آخر أيام حياتها مثل وردة ، وحتى وإن أخذت تذوي، لكن ألقها بقي مفعما ورائحتها زكية وروحها حيّة، وتركت أثراً طيباً ومثلاً جميلاً فسلاماً وألف سلام .


17
هل روسيا دولة عظمى؟
عبد الحسين شعبان
يجادل كثير من العرب وربما في العالم الثالث، كجزء من رغبة في استعادة التوازن في العلاقات الدولية، على أن روسيا اليوم أصبحت قوية وقادرة على مجابهة الولايات المتحدة، ويستند بعضهم على معطيات الصراع الأيديولوجي الذي غطى أكثر من سبعة عقود من الزمان بين المعسكرين «الاشتراكي والرأسمالي» وثمرته الحرب الباردة (1947-1989)، وإلى القدرات النووية التي كانت تمتلكها روسيا السوفييتية.
ولعل المثال الأقرب إلى مثل هذه التقديرات، هو الحضور الروسي في الأزمة السورية، من دون نسيان موقف روسيا الحاسم في أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، وقبل ذلك في الشيشان وغيرها، لكن ذلك شيء، وعودة روسيا كقوة عظمى على المستوى العالمي، شيء آخر، فقد كان سباق التسلّح وحرب النجوم من أسباب سقوط الاتحاد السوفييتي، إضافة إلى فشل خطط التنمية بسبب شحّ الحريات والبيروقراطية المستحكِمة.
وبالعودة إلى الأزمة السورية المندلعة منذ العام 2011، فقد أدركت روسيا أن موقفها من العراق وليبيا (2003 و2011)، أفقدها مواقعها التقليدية في البلدين، لذلك اندفعت للمشاركة في الأحداث المتسارعة في سوريا، إلى جانب نظام الرئيس الأسد، يضاف إلى ذلك شعورها بأن الأخطار باتت قريبة منها؛ بل عند حدودها الجنوبية، لاسيما مشاركة مئات الشيشانيين في المنظمات الإرهابية بمن فيهم عدد من قياداتها، وهذا سيعني أن قوات حلف شمالي الأطلسي «الناتو»، ستصبح قاب قوسين أو أدنى من حدودها؛ الأمر الذي يمثل تهديداً حقيقياً وليس افتراضياً لأمنها الجيوستراتيجي، ارتباطاً مع احتمالات امتداد الجماعات الإرهابية الإسلاموية إلى العمق الروسي، علماً أن الديانة الإسلامية هي الديانة الثانية في روسيا، حيث يزيد عدد المسلمين على 20 مليون مسلم.
وإذا ما أضفنا إلى ذلك احتمال استبدال صادرات الغاز الروسي المتوجه إلى أوروبا، وهو يمثل نسبة كبيرة من الدخل القومي، بالغاز القطري الذي يمكن أن يمرّ عبر الأراضي السورية، ومنها إلى تركيا وإلى جنوبي إيطاليا، فأوروبا، فسيكون ذلك بمثابة قطع أحد شرايين الحياة بالنسبة لها. وهذا كله سيكون «واقعاً» إذا خسر الروس مواقعهم في سوريا؛ لذلك بدت المعركة مصيرية لأنها معركة «كسر عظم». وكان رأي الكرملين في تبرير تلك الانعطافة، أو تفسيرها، هو أن المنظمات الإسلاموية المتطرّفة مثل «داعش» و«النصرة» (جبهة تحرير الشام لاحقاً)، تمثل خطراً كبيراً على روسيا أيضاً، وعلى السلم العالمي.
وقد اعتمد الرئيس بوتين منذ توليه الحكم في العام 2000، سياسة خارجية جديدة ورسم ملامحها وحدّد مرتكزاتها في ولايته الثانية؛ قوامها تطوير قدرات روسيا لتكون شريكاً فاعلاً للولايات المتحدة وأوروبا، لاسيما بعد نشوء حالة جديدة من العلاقات الدولية تتميز باستخدام القوة على نحو مباشر، عبر تحالف دولي بقيادة الدولة العظمى المتسيّدة للعالم، منذ انتهاء عهد الحرب الباردة وانهيار جدار برلين في 9 نوفمبر/تشرين الثاني1989.
واستهدفت السياسة الروسية الجديدة، العمل على تغيير موازين القوى على نحو هادئ، خصوصاً في إطار محيطها الإقليمي ونطاقها الحيوي، مستفيدة من مراجعة سياساتها وأخطائها مما حصل في أفغانستان والعراق وليبيا، وقد اختلف الأمر بالنسبة لسوريا على نحو جلي وواضح في مواقفها من قرارات مجلس الأمن الدولي، التي كانت واشنطن تريد فرضها، فعارضتها بشدة واستخدمت حق الفيتو (النقض)، وظلّت تستخدمه حتى وصل إلى 7 مرات في العام 2017 (منذ العام 2011)، والسبب في ذلك، كي لا تفقد مواقعها وتخسر معها مصالحها الحيوية، وكي لا يتكرّر المشهد الليبي الذي انعكس سلباً عليها، وعلى ليبيا والمنطقة والعالم، وقبل ذلك ما حصل في العراق.
ولكي تتضح معالم صورة روسيا من خلال سياساتها الخارجية المتعدّدة الاتجاهات، يمكن رصد ما عرضه بوتين في اجتماعه بالسفراء الروس بعد توليه الإدارة للمرّة الثانية (2004)، حين تناول عدداً من الدوائر ذات العلاقة بتوجهات السياسة الخارجية الروسية الجديدة.
أولها: أن السياسة الخارجية ينبغي أن تصبح أداة تحديث لروسيا.
وثانيها: أولوية علاقة روسيا مع الدول التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي السابق. والمقصود بذلك (الدول التي انسلخت عنه واستقلت).
وثالثها: إبقاء العلاقة مع أوروبا بذات الأولوية التقليدية.
ورابعها: السعي للشراكة مع واشنطن.
وخامسها: التعاون مع الدول الواقعة على الساحل الآسيوي من المحيط الهادئ، من أجل تطوير سيبيريا.
وكان بوتين وما يزال إلى حدود غير قليلة يتعامل بحذر شديد مع فكرة «الدولة العظمى»، على الرغم من محاولته العزف على «الوطنية الروسية» التي تبقى حاضرة في أذهان كثير من الروس، والتي يمكن الاستناد إليها في مرحلة الأزمات الحادة والاستعصاءات الوطنية، كما حصل في الحرب العالمية الثانية، وما يحصل اليوم؛ لمواجهة الحصار ونظام العقوبات المفروض على روسيا، لكن ذلك شيء، ومستلزمات الدولة العظمى شيء آخر.
drshaban21@hotmail.com



18
في ندوة عن سسيولوجيا الدين والتديّن
عصام نعمان وجورج جبور يرشحان عبد الحسين شعبان لجائزة نوبل
الشيخ حسين أحمد شحادة : شعبان رسم لنا خارطة طريق


بيروت- منتدى تحوّلات /خاص

   في ختام مداخلته الموسومة " الإسلام دين علماني " قال الدكتور عصام نعمان الوزير والنائب السابق إن اقتراحاً استثنائياً يود طرحه على منتدى تحوّلات والمحاضرين والمجتمعين، وهو قراءة السيرة الذاتية المتميّزة للدكتور شعبان التي أعدّتها الحركة الثقافية في انطلياس بمناسبة تكريمه العام 2017، وأردف: كم هو ثمين وغني ومشرق وليس كثير عليه أن نرشحه لنيل جائزة نوبل ، كونه مفكراً رائداً ومناضلاً ميدانياً من أجل حقوق الإنسان والسلام والعدل واللّاعنف والتسامح والجمال.
   وقد تفاعل معه الدكتور جورج جبور المستشار الأسبق لرئيس الجمهورية العربية السورية حافظ الأسد للأبحاث والدراسات، بتأييد الاقتراح والدعوة للمضي فيه وكان قد سبق له القول أن شعبان انتقل من الدائرة العراقية والعربية إلى الدائرة الإقليمية ومنها إلى الدائرة العالمية ليصبح شخصية كونية، وهو يستحق بما قدمه من جهد وفكر ونضال هذه الجائزة. جاء ذلك في ندوة نظمها منتدى تحوّلات في مركز " الألف" لمناسبة مناقشة كتاب "الإمام الحسني البغدادي - مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن".
   وقد افتتح الندوة سماحة الشيخ حسين شحادة، المفكر الإسلامي وأمين عام ملتقى الأديان والثقافات للتنمية والحوار الذي أشاد بدور المفكر شعبان وجهده وأهمية كتابه الذي توقف عنده من خلال ظلاميتين الأولى- الظلامية الدينية التي سبقت الاحتلال، والثانية- ظلامية التفسير الآحادي التي أصابت العرب بالجمود والتصحّر والجفاف في ظل صراع آيديولوجي محفوف بالإلغاء والإقصاء والتهميش. وقال إن كتاب شعبان لا يبحث في الماضي، بل يدعونا للتغيير "من قفا نبكي" إلى "قفا نفكّر"، وتوقّف عند النجف مدينة الجدل والحوار حيث يُطرح سؤال الحرية وسؤال الوحدة، لافتا النظر إلى الشخصية الإشكالية ونعني به الحسني البغدادي. وقال لقد رسم شعبان لنا خارطة طريق وأعاد طرح أسئلة النهضة الأولى التي ما تزال راهنة، خصوصاً بالاحتكام إلى مرجعية العقل، وضرورة المراجعة النقدية وتصحيح نظر الماركسية بالظاهرة الدينية.
 وأضاف الشيخ شحادة: أصافح شعبان ولا أكاد أختلف معه في ضرورة البحث عن موجبات تحرير الدين والماركسية من صنمية العلاقة، ورد الاعتبار للإنسان لأنه هو المقياس لكل نهضة أمة، وأضاف على إيقاعاته إن الحرية الدينية الأساس والمدخل الحقيقي لسسيولوجيا الدين والتديّن، وإن المشكلة هي مع الدين ومع التديّن، والصراع ليس حول قيم السماء، بل حول قيم الأرض.
وكان الدكتور عصام نعمان قد أشار إلى أنه " لا اكتم القارئ أنني شديد الإعجاب بأسلوب شعبان في التحرّي عن المشتركات في طروحات الإسلاميين وطروحات التقدميين، متدينين وغير متدينين، وأشاطره الرأي في معظم ما أبداه من آراء أو باشره من مقاربات، ولا أعتبر نفسي متطفلاً إن أفصحتُ بدوري عن مقاربات مماثلة في هذا السبيل، ولاسيّما لجهة العلاقة الإشكالية بين الإسلام والعلمانية."
   وجاء في كلمة الدكتور جورج جبور: لعلّ كتاب الدكتور شعبان الجديد هو الألصق، من بين عديد كتبه، بالتراث الفكري الذي تشربه في بيئته العائلية ... وكثيرا ما خاض في تفاصيل وضع اليسار في العراق،  أحبّ أن يسلط الضوء على الدين والتدين من خلال التأريخ للإمام الحسني البغدادي، والاهتمام بتراثه الفكري.
   وأشار الأستاذ سعد محيو الكاتب والإعلامي في كلمته، التي أرسلها مكتوبة حيث تعذر حضوره بسبب مرضه المفاجئ، إلى أن هذا الكتاب شكّل مفاجأة لنا. فها هو مفكّر ماركسي علماني كبير يتقدّم الصفوف للدعوة إلى إغلاق صفحة الشقاق والصراع بين الفكرين اليساري والديني، إنطلاقاً من الاعتراف بحاجة الناس الروحية إلى الدين، ومن مساهمة رجال دين، في مقدمهم الإمام الحسني البغدادي، وهو عنوان الكتاب، في النضالات  التحررية والقومية في المنطقة.
   وحين طُلِبَ من الدكتور شعبان اعتلاء المنصة قال بخجل شديد وتواضع جم : أشعر أنني محرج وقلق للغاية، بل إنني شديد الحيرة بكل ما لهذه الكلمة  من معاني ودلالات، وإذْ أشكر الزملاء في ما قدموني به استميحكم العذر بما أستحقّه ولا أستحقه ، وأشار إلى أنه يقتفي أثر ابن عربي: الهدى في الحيرة والحيرة حركة والحركة حياة.
   ثم تناول جدلية النجف بما فيها حوزتها الدينية مشيراً إلى أن مفتاح كل إصلاح هو الفكر الديني حسب هوبز، لافتاً النظر إلى أن كتابه عن الحسني البغدادي وحفيده  السيد أحمد الحسني البغدادي يسلط الضوء على العلاقة المركّبة والمزدوجة بين الديني والسياسي والديني والسلطوي والديني والديني، لأن ثمة فهم غير موحد للدين الذي اعتبره يمثل قيماً إنسانية مشتركة وهي الجامع مع فلسفات وأفكار ذات نزعة إنسانية، فهناك فوارق بين الدين الرسمي والدين الشعبي، مثلما هناك اختلافات جوهرية بين دين الفقراء دين الأغنياء وبين دين المستغِلين ودين المستغَلين ودين التعصّب والتطرّف  والعنف والإرهاب ودين التسامح والسلام والمحبة والإنسانية.
   وقال إن المراجعة ضرورية وهي فرض عين وليس فرض كفاية، والمهم هو الوصول إلى الحقيقة وحسب أفلاطون يجب أن تذهب إلى الحقيقة بكل روحك، وقال إن العقل أساس الدين ولذلك فهو يدعو لدين العقل وليس لدين الخرافة، والاجتهاد أساس العقل، وقد تتعدد الطرق إلى الحقيقة بتعدد السالكين حسب ابن عربي، وكلما كان الطريق إلى الله جميلاً ازداد الإنسان جمالاً وطمأنينة، والدين قناعة وراحة وأمان، وذلك هو الإيمان الحقيقي وليس القتل والإرهاب والعنف.
   وقارن شعبان  بيننا وبين اليابان حيث لا يوجد إله واحد، بل آلهة متعددة وهم ليسوا معنيين بالجنة والنار ولا يخشون من العقاب ولا ينتظرون مكافأة من الله، لكنهم مسالمون وأكثر احتراماً للقانون والنظام وأقل تعصباً وتطرّفاً وعنفاً وإرهاباً، وأبعد عن الفساد المستشري في العالمين العربي والإسلامي.
   وقد أدارت عالمة الاجتماع، الدكتورة رفيف صيداوي الأكاديمية والباحثة في مؤسسة الفكر العربي، الندوة التي ضمّت نخبة من المفكرين والباحثين والمختصين وجمهوراً مهتماً بقضايا الحوار والتواصل. وجاء في كلمتها التقديمية : في قراءتِه السوسيولوجيّةِ للدّين والتديّن، انطلق الدكتور عبد الحسين شعبان من مسار السيّد الحسني البغدادي، ولم يكُن ذلك بهدف دراسة سيرتِه الذاتيّة، بل بوصفه وجهاً من وجوه مرحلةٍ من تاريخ العراق، التي تعكس تداخُلَ الساحة السياسيّة والفكريّة والعقليّة والدينيّة، محاولاً كما يقول في مقدمة كِتابه: "تقديم قراءة للمشهد السائد في عهده من خلال النقد والنقد الذاتي للعلاقة المركّبة والمزدوجة والمتناقضة بين السياسي والديني وبين الديني والسلطوي".
 
 
 

20
المنبر الحر / روسيا "العربية"
« في: 18:33 24/10/2018  »
روسيا "العربية"
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
   بين روسيا الأمس وروسيا اليوم ثمة فوارق غير قليلة في الجوهر والمحتوى والدلالة، فروسيا السوفييتية هي ليست روسيا الاتحادية، مثلما روسيا الآيديولوجية هي غير روسيا البراغماتية، وروسيا السابقة كانت تقدّم المعيار الآيديولوجي وتضع الاشتراكية هدفاً  في إطار المصالح العليا للدولة السوفييتية ، أما اليوم فـ "المصالح الحيوية" هي ما تريد روسيا تأمينها  بغض النظر عن الآيديولوجيا، والمصالح قبل الصداقة وليس العكس.
   وعلى سبيل المثال تقف روسيا اليوم موقفاً وسطاً بين العرب و"إسرائيل"، وهي وإنْ ساهمت في تأسيس الأخيرة بتأييدها قرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1947، وكانت أول دولة اعترفت بها  في 15 مايو/أيار 1948، إلاّ أنها قطعت علاقاتها معها في العام 1967 وظلّت مقطوعة إلى أواخر الثمانينات، لكن أمس ليس اليوم وربما غير غد، وعلينا أن ندرك أن روسيا الحالية "دولة رأسمالية" بكل معنى الكلمة لا تختلف في البحث عن مصالحها عن الدول الرأسمالية الأخرى في الغرب. صحيح أنها تتناقض مع المصالح الرأسمالية الغربية، ولاسيّما الولايات المتحدة في الكثير من الأحيان والمواقع، لكن مصالحها الخاصة والحيوية تبقى هي الأساس في علاقتها مع العرب ومع أعدائهم في الآن ذاته.
   حين نتحدّث اليوم عن روسيا " العربية"، فإنما نقصدُ مضي قرن من الزمان على العلاقات العربية - الروسية، فبعد ثورة أكتوبر الاشتراكية العام 1917 التي تصادف ذكراها المئوية هذه الأيام، تلقّف العرب الدعوة لحق تقرير المصير التي أطلقتها بحماسة شديدة، خصوصاً بعد فضح اتفاقية سايكس - بيكو الاستعمارية 1916 بين بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية التي انسحبت منها. وهي دعوة سابقة لمناداة الرئيس الأمريكي ويلسون بحق تقرير المصير في العام 1918.
   وكانت روسيا قد وقفت ضد نظام الانتداب الاستعماري الذي اعتبره فلاديمير لينين "شكلاً من أشكال اللصوصية"، الأمر الذي انعكس إيجاباً على العالم العربي. أما النداء "إلى جميع الكادحين المسلمين في روسيا والشرق"، فقد ترك هو الآخر صدىً إيجابياً ، خصوصاً حين ناشد مسلمي الشرق من فرس وترك وعرب وهنود.
   وابتدأت أولى العلاقات  العربية مع الاتحاد السوفييتي الذي تأسس العام 1922 مع المملكة العربية السعودية في إبريل/نيسان/1924 واعترفت موسكو بالمملكة في العام 1926 وزار الأمير فيصل موسكو العام 1932، وتعكس رسائل حكيموف "القنصل العام" في جدّة مثل هذه العلاقات التي عملت الدوائر الغربية على تقطيع أوصالها. أما مع اليمن فقد تأسّست العلاقات في العام 1927 ووقع الإمام يحيى في العام 1928 على معاهدة صداقة وتجارة مع الاتحاد السوفييتي ودخلت حيز التنفيذ في العام 1929، وحاولت بريطانيا عرقلتها.
   وفي العراق أرسل الشيخ مهدي الخالصي رسالة إلى لينين لتأييد النداء الخاص بمسلمي روسيا والشرق، وكان زينوفيف قد رحّب بإرسال وفد إلى موسكو باسم الكومنترن الذي كان رئيسه، كما كان الشيخ محمود الحفيد في القسم الكردي من العراق قد كتب رسالة إلى قنصل روسيا في أذربيجان وتبريز (إيران) في العام 1923، واعترفت موسكو بحركة رشيد عالي الكيلاني العام 1941 وتم الاعتراف الرسمي بين البلدين العام 1944. وكان الاتحاد السوفييتي أول بلد اعترف بالثورة العراقية في 14 يوليو/تموز 1958 وتم توقيع معاهدة صداقة وتعاون العام 1972.
   وكذلك الحال في سوريا حيث حصل الاعتراف في العام 1944 وتعزّزت في سنوات الستينات والسبعينات وتم توقيع معاهدة صداقة وتعاون العام 1980، وكان دخول الروس على خط الأزمة السورية العام 2015 قد أعادهم إلى المنطقة ، حيث تم تأسيس قواعد عسكرية دائمة في اللاذقية وطرطوس، وقد يكون الاندفاع الروسي تعويضاً عن خسارة  نفوذهم في العراق وليبيا.
   أما في مصر فالعلاقات كانت حذرة ومعقدة منذ ثورة يوليو 1952 ، لكن الأمر تطور بعقد صفقة الأسلحة في العام 1955، وكان إنذار بولغانين العام 1956 وتأييد تأميم قناة السويس دوراً مهماً في التعاون الاقتصادي والفني والعسكري (1958-1960) بعد الوحدة المصرية- السورية، وفيما بعد في بناء السد العالي وحرب الاستنزاف، ولكن المرحلة من 1971-1975 شهدت انحساراً بعد طرد الخبراء السوفييت وإلغاء المعاهدة المصرية- السوفييتية، لاسيّما بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد ، حيث أخذت ترجح كفة العلاقة مع الغرب حتى انهيار نظام حسني مبارك، إلّا أنه بعد الإطاحة بحكم الأخوان العام 2013، اتسمت بحرارة جديدة نسبياً.
   وإذا كانت العلاقات العربية - الروسية قد شهدت محطات باردة وسلبية قبيل وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي أبرزها عودة العلاقات الروسية -"الإسرائيلية" وانكفاء الدور الروسي عموماً، ولاسيّما في العراق خلال الحصار وفيما بعد الاحتلال وكذلك في ليبيا التي تُرك أمرها للناتو، إضافة إلى ضعفه في مصر وبقية البلدان العربية، إلّا أن العودة الروسية إلى سوريا أكدت حقيقة لا بدّ من الإقرار بها والتعاطي معها هي أن روسيا اليوم ليست روسيا الأمس.

21
من الطرفين" ولا تخدم سوى الإمبريالية والصهيونية، ولابدّ من وقفها فوراً والجلوس إلى طاولة المفاوضات.
   وحين انتقلت الحرب إلى الأراضي العراقية أعلنت عن رفضي للمشروع الحربي والسياسي الإيراني، واعتبرت الحرب عدوانية هجومية من الجانب الإيراني في العام 1982 ودفاعية وطنية من الجانب العراقي، لذلك دعوت إلى الدفاع عن الوطن وعن الاستقلال الوطني وهو الموقف الذي بلورناه لاحقاً، دون أن يؤثر ذلك على دعوتنا لقيام حكم ديمقراطي ينهي الدكتاتورية ويشيع الحريات الديمقراطية ويقرّ بالتعددية والتنوّع ويتمتّع فيه الشعب الكردي بحقوقه ويعيد المهجرين العراقيين ويلغي القوانين الاستثنائية ويسنّ دستور جديد للبلاد ويجري انتخابات برلمانية حرّة، ويعيد العراق إلى موقعه الصحيح.
   محطة المؤتمر الرابع للحزب
   كانت محطة المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي (1985) نقطة انعطاف في العلاقة بين توجهين، وانعكس ذلك على صعيد الثقافة والمثقفين، حيث أصدرنا نداءً وقعه 75 مثقفاً ومثقفة وقرّرنا العمل المشترك بالتعاون مع عامر عبدالله وباقر ابراهيم ومجموعة من الرفاق الذين تم تنحيتهم بينهم حسين سلطان وعدنان عباس وماجد عبد الرضا وعشرات الكوادر الشيوعية، إضافة إلى حلقة من الأصدقاء داخل التنظيم وخارجه من الذين كانوا يتعاطفون معنا.
   وحين أُبلغ ماجد عبد الرضا بفصله من الحزب وقطع مخصصه، بما فيه علاج ابنته الراقدة في المستشفى وهي من ذوي الاحتياجات الخاصة، بادرنا مهدي الحافظ وكاتب السطور للاتصال بالدكتور جورج حبش لتأمين مخصصات أو إيجاد عمل لماجد، وساهم تيسير قبعة بتعيينه في "مجلة الهدف" التي كان رئيس تحريرها بعد بسام أبو شريف صديقنا "صابر محي الدين" وقرّر الحكيم حبش بعد العودة من سفره تخصيص أعلى راتب له وتقديم المساعدات لرفاقنا من ضحايا الاستبداد الحزبي .
   وقدّم لنا تيسير قبعة كما أشرت في مداخلتي الموسومة "غيمة فضيّة في فضاء الذاكرة" والمنشورة في صحيفة الزمان على حلقتين بتاريخ 29/6/ و2/7/2016، العديد من المساعدات المادية والمعنوية ، خصوصاً تأمين فرص عمل والحصول على جوازات سفر وتأشيرات دخول لبعض الدول الاشتراكية وغيرها.
   كيف أسّسنا حركة المنبر؟
   لم تنشأ الحركة الاعتراضية المسمّاة بالمنبر دفعة واحدة، فقد بدت أقرب إلى  الارهاصات والتململات التي شهدها الحزب الشيوعي، ولاسيّما بعد انفراط عقد الجبهة الوطنية مع حزب البعث في العام 1978 وما بعدها، وقد تفاعلت فيها ظروف المنفى وهجرة معظم قيادات الحزب وأعداد واسعة من كوادره وجمهور عريض من أعضائه، وخصوصاً من المثقفين.
وساهم في إشعال فتيل الصراع على نحو شديد الموقف من الحرب العراقية – الإيرانية وقضايا التحالفات وأساليب الكفاح، إضافة إلى مسائل فكرية مزمنة وعقد وحساسيات متراكمة ومشكلات يومية تتعلق بالبيروقراطية الحزبية التي رفعت من درجة حرارة الصراع التنظيمي والفكري وبدأت تتقارب بعض وجهات النظر لعدد غير قليل من الشيوعيين، وخاصة بعد الحرب العراقية - الإيرانية وفصولها المأساوية.
وإذا كان ثمة نوع من الانسجام والتقارب بين موقف كتلة المنبر الشيوعية وبين قيادة الحزب الرسمية، من إدانة الحرب باعتبارها لا تخدم سوى الامبريالية والصهيونية وتحميل المسؤولية الأساسية للنظام العراقي في شنّها واختراقه للحدود الدولية وتوغّله داخل إيران، فإن هناك اختلافات أخذت تتصاعد بشأن المشروع الحربي والسياسي الإيراني، لاسيّما بعد انتقال الحرب إلى  الأراضي العراقية، وخصوصاً في تموز (يوليو) العام 1982.
وفي مشروع الوثيقة التقويمية الأولى التي صدرت عن مجموعة من القيادات والكوادر الشيوعية والموسومة " من وحي اليوبيل الذهبي الخمسيني للحزب الشيوعي العراقي: حديث صريح في الهموم والآمال" وكان د. مهدي الحافظ قد كتبها بعد مداولات ومشاورات ومراسلات، في العام 1984 وأرسلها لي لإبداء ملاحظاتي بشأنها، وكان رأيي ضرورة النشر العلني على أوسع نطاق لتطوير الصراع الفكري من جهة والتنبيه إلى المخاطر التي تهدد العراق من جهة أخرى، حيث جاءت الإشارات واضحة إلى إدانة الخطط الحربية والسياسية الإيرانية الرامية إلى  فرض "بديل إسلامي" خارج حق تقرير المصير للشعب العراقي في اختيار نظام الحكم الذي يريده، والذي يسعى إليه، ناهيكم عن الأهداف الإيرانية الأخرى، لاسيّما بتصدير الثورة، وصدرت الوثيقة بتوقيع عدد من قادة وكوادر الحزب الشيوعي العراقي في 15/11/1984 وهم "نواة حركة المنبر".
وكانت المنبر قد نشرت هذه الوثيقة في وقت لاحق (كانون الأول/ ديسمبر/1987) بعنوان " معالم الأزمة في حزبنا الشيوعي العراقي"  وتعريفاً بالمنشورات وباسم هيئة تحرير المنبر أوضحت: أن المنبر تنشر مجموعة من الوثائق والدراسات التي تعالج جوانب الاختلاف الأساسية مع القيادة الرسمية، وتعكس وجهة نظر المعارضة الحزبية المتّسعة ضد النهج البيروقراطي، سواءً ما يتعلق بإطارها الفكري أو السياسي أو التنظيمي ... وهي تسعى لتقديم مساهمة في تقييم التجربة النضالية.
وعبّرت حركة المنبر عن نفسها بوضوح أكبر عندما أكّدت: أنها تتوخّى تقديم رؤيتها الجديدة للعملية الثورية التي تواجه الحركة الشيوعية والعمّالية العالمية بما ينسجم مع التطورات والمتغيّرات التي أفرزتها الحياة، سواء على الصعيد العراقي أم القومي أم الإقليمي أم الأممي، وهي بذلك تدخل حلبة الصراع المحتدم منذ سنوات، كتيار شيوعي متميّز، يسعى من خلال الحوار والجدل وإثارة النقاش إلى  خلق رؤية جديدة متطورة " وكان لي شرف كتابة المقدمة باسم هيئة التحرير والتوطئة للكرّاس في العام 1987.
ووردت في تقديم المنشورات والتوطئة تعريفات مهمة عن جوانب الصراع الحزبي، لاسيّما إزاء برنامج وسياسة القيادة الرسمية ومعالم الأزمة في الحزب ورأي المنبر بسبل حلّها والموقف منها، إضافة إلى  القضية الوطنية العراقية والاختلالات الخطيرة في المعايير الآيديولوجية والسياسية، فضلاً عن غياب الديمقراطية وتجميد النظام الداخلي عملياً، وبروز ظاهرة البيروقراطية والفردية والتسلّط... وتعطيل المبادئ التنظيمية السليمة في حياة الحزب الداخلية وابتداع أساليب وأشكال غريبة لتكريس النهج الانعزالي التصفوي المصحوب بـ "الجملة الثورية" والمتعكّز على أكثر الشعارات " يسارية" ورنيناً ولكنها الأكثر بُعداً عن الواقع وما تتطلّبه الحياة.
وقد انفجر الخلاف على نحو حاد عشية المؤتمر الرابع للحزب، وخصوصاً في العام 1984 وما بعده، وكانت عبارة عزيز محمد الأمين العام للحزب قد تم تداولها وذاع صيتها حين ردّد في المؤتمر وعشيته: اجتمعنا ليلغي نصفنا النصف الآخر، حيث كان نهج التفريط قد ساد، لدرجة أن أحد أعضاء اللجنة المركزية وهو ما تمت الإشارة إليه في إحدى أعداد جريدة المنبر قد قال: لا يهم إذا أبقينا 10% من أعضاء الحزب، لا سيّما إذا كانوا مطيعين، وهو أفضل من 90% مشاغبين حيث تم تفجير الموقف بالكامل بإجراءات تمهيدية لاستبعاد أعداد من كوادر وقادة الحزب من الحضور، بل فصل العديد منهم أو تم إبعادهم عن مواقع المسؤولية وعزلهم وتهميشهم.
وللاحاطة بنشاط حركة المنبر الذي كان مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق وماجد عبد الرضا وعبد الحسين شعبان من أبرز العاملين فيه يمكن الاعتماد على 3 مصادر أساسية.
   المصدر الأول: وثيقة معالم الأزمة في حزبنا الشيوعي العراقي التي كتبها د. مهدي الحافظ في العام 1984 وتمت الإشارة إليها وقدّم لها كاتب السطور حين تم طبعها بكراس العام 1987.
   والمصدر الثاني: وثيقة نشرت في "مجلة الغد" اللندنية وهي مقابلة أجرتها مجلة الغد اللندنية التي يرأس تحريرها الدكتور ابراهيم علاوي الأمين العام في حزب القيادة المركزية بعد عزيز الحاج، ونشرت في عددها رقم 21، تشرين الأول (اكتوبر) 1987، وقد نشرت مرّة أخرى في كتاب عبد الحسين شعبان – الصوت والصدى، من إعداد كاظم الموسوي  وجاء في هامشها ما يلي: صاغ نص الإجابات د.عبد الحسين شعبان، واطّلع عليها د.مهدي الحافظ وأبدى عليها بعض الملاحظات البسيطة، وأخذها كاتب النص بنظر الاعتبار، ووافق عليها نوري عبد الرزاق، الذي قدمها باسم المنبر إلى  مجلة الغد.
   أما المصدر الثالث فهو عشرة أعداد من جريدة المنبر وعدد من البيانات والكراريس التي أصدرتها الحركة و المقصود بأعداد المنبر هي من العدد صفر الذي صدر في فيينا  وهو عدد تجريبي (تحرير وإعداد د. مهدي الحافظ ) أما الأعداد المتبقيّة فقد صدرت بإشراف وتحرير د. عبد الحسين شعبان في بيروت، وصدر عدد واحد منها في براغ، أما العدد الأخير فقد صدر في لندن،  وقد امتدّت للفترة بين 1987-1990.
   إرهاصات التأسيس
   كنت مدعوّاً إلى بلغاريا من جانب وزارة الثقافة، وقد اضطررت للمكوث فيها لفترة أطول من الضيافة، حيث دخلت فيها المستشفى لمدة أربعة أسابيع، وكنتُ حينها مكلفاً من جانب "مجموعة الشام"، وخصوصاً عامر عبدالله وباقر ابراهيم (اللذان شرعا بكتابة مذكرات احتجاجية أوصلاها إلى السوفييت تعكس جوانب من الصراع الداخلي في الحزب الشيوعي)، للاتصال بحسين سلطان من جهة وبمهدي الحافظ من جهة أخرى، وتم تأمين اللقاء مع " أبو علي" الذي كان متحمّساً لإعلان موقف، وأطلعته على مسوّدة الوثيقة التي كتبتها بتكليف من عامر وباقر حول أزمة الحزب وسبل الخروج منها والمعالجات التي اقترحتها والأسباب التي دفعتنا للافتراق عن القيادة، وأبدى تأييداً لها، ثم اتفقت مع الحافظ للقاء، واقترحت عليه بدلاً من براغ أن يكون المكان في براتسلافا، لكي لا يتم رصد حركتنا، وهو ما حصل، ومن هناك تحدثنا مع نوري عبد الرزاق بالتلفون، وكان متفقاً مع الحافظ على اتخاذ مثل هذه الخطوة الضرورية، أي إبراز صوت المعارضة الحزبية العلنية، وقال أنها لأول مرّة يتم اللجوء إلى وسائل علنية للتعبير عن وجهة نظر المعارضة الحزبية، واتفقنا على تحديد موعد لاجتماع يضم نخبة من الكوادر والقيادات (بين 20-25 رفيقا)، بل حدّدنا بعض الأسماء المشتركة.
   وفي بلغاريا تم اجتذاب عناصر التنظيم الذين كان بعضهم على صلة بـ "أبو علي"، أما في براغ، فكان الجو مهيئاً، وحصل الأمر كذلك مع تنظيم هنغاريا أيضاً بوجود د. علي حنوش، حيث كان لدينا بحدود 10 رفاق في كل بلد من هذه البلدان. والأهم من ذلك هو توثيق صلتنا مع بعض الرفاق في كردستان، إضافة إلى اليمن والجزائر وليبيا، حيث قمت بزيارات خاصة لها، باستثمار بعض الندوات والاجتماعات العربية التي كنت أدعى لها بصفتي الأكاديمية، إضافة إلى دعم من منظمة التحرير الفلسطينية .
   وللأمانة فقد قدمت لنا م.ت.ف دعماً مادياً ، لكنه رمزياً، إذْ أن الدعم المعنوي والتفهم لموقفنا الوطني كان هو الأهم، وكان لدينا مراسلات مع ياسر عرفات "أبو عمّار" وسبق لنوري عبد الرزاق أن التقاه لهذا الغرض، كما قدّم لنا العديد من أطراف حركة التحرر في سوريا ولبنان مساعدات معنوية، وأودّ هنا أن أشيد بمجموعة الجبهة الشعبية (البحرين) بقيادة عبد الرحمن النعيمي " سعيد سيف" (الذي عاد إلى البحرين وأسس "وعد") ومجموعة جريدة الحقيقة "رابطة الشغيلة" بقيادة زاهرالخطيب وناصر قنديل وحميدي العبدالله،  إضافة إلى قيادات الجبهة الشعبية (جورج حبش وتيسير قبعة) والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين (نايف حواتمة وقيس السامرائي) وجبهة النضال الشعبي (خالد عبد المجيد ومحمد عادل) وفتح بشقيها (في براغ السفير سميح عبد الفتاح، وفي الشام عبد الهادي النشاش) وعاطف أبو بكر بصفته الشخصية والصداقية.
   وحين عدت إلى دمشق فوجئت بشيء من التردد  بل والتغيير في موقف باقر وعامر فقد أبديا بعض المحاذير بشأن اتخاذ موقف معارض معلن وأكّدا أنهما يفضلان البقاء في إطار ما هو قائم على الرغم من تنحيتهما واعتراضاتهما على الخط السياسي لاحقاً، وأبديا تحفظاً حول العمل في إطار مستقل وقال الرفيق باقر "أريد أن أبقى شيوعياً"، قاطعاً الطريق على عمل مشترك يعبّر بصورة علنية عن المعارضة الحزبية، وكانت تلك إحدى المفارقات، لكنه استمر في موقفه المتحفظ هذا إلى حين تم فصله في العام 1989 فبدأ بالكتابة والنشر والعلاقات على نطاق أوسع.
   وكان ماجد عبد الرضا قد فصل فاندفع باتجاه الإعلان ، وبعد مداولات مع مهدي تقرّر أن نجتمع 6 رفاق فقط هم : أحمد كريم، نوري عبد الرزاق، مهدي الحافظ، خالد السلام، ماجد عبد الرضا وعبد الحسين شعبان ، وأطلق بعض إدارات التنظيم الرسمي على هذا  التجمع "حزب الدكاترة " لوجود  4 منهم يحملون شهادة الدكتوراه، وكأن الشهادة الأكاديمية سبّة أو منقصة.
   وخلال عملنا عقدنا اجتماعين موسعين ، حضر في الأول نحو 16 رفيقاً وفي الثاني على ما أتذكر نحو 22 رفيقاً، وكان العديد من طلبات الانتساب والانضمام والائتلاف قد وصلتنا من مجاميع حزبية غير قليلة، ابتداء من بهاء الدين نوري الذي أجرينا معه مباحثات، إلى منظمات وتجمعات كانت قد اتخذت مواقف مقاربة من موقفنا، لكننا توخّينا الدقة وحرصنا على تماسك مجموعتنا، ولكنها  للأسف هي الأخرى تصدّعت، ولاسيّما بعد غزو الكويت العام 1990، فانسحب الرفيق ماجد  عبد الرضا وقرر العودة إلى العراق على مسؤوليته الشخصية.
   واجتمعنا نوري عبد الرزاق وكاتب السطور وأخذنا رأي مهدي الحافظ تلفونياً،  وأصدرنا تعميماً اعتبرنا فيه مسألة العودة شخصية، وليست باسم حركة المنبر، وبسبب التطورات الحاصلة لاحقاً إلتقينا في القاهرة (مهدي ونوري وكاتب السطور) وقرّرنا الإبقاء على علاقاتنا "الرفاقية" والكتابة إلى الرفاق لإبلاغهم "وقف العمل" في المنبر لاستنفاذ أغراضه كما قال مهدي، واتفقنا على المحافظة على علاقاتنا الصداقية بالأساس لتقديم نموذج رفاقي من نوع جديد يمتاز بالتسامح واحترام الاجتهادات دون تخوين أو اتهام، علماً بأن رأيين كانا قد سادا في داخلنا:
الأول- مثّله ماجد عبد الرضا: حين اعتبر الفرصة مواتية للعودة للعراق وكان صبره قد نفذ، خصوصاً بانقطاع مخصصه من منظمة التحرير الفلسطينية بعد غزو الكويت والضغوط التي تعرّض لها، إضافة إلى انهيار النظام الاشتراكي في تشيكوسلوفاكيا واحتمال عدم تمديد جواز سفره الخاص الممنوح له من اليمن الديمقراطية وقال بالحرف الواحد: إذا لم تقرّروا  العودة سأعود لوحدي وأتحمل نتائج عودتي.
   وبالمناسبة فقد ساد مثل هذا الرأي لدى العديد من الأطراف الكردية، فقد شكّلت "الجبهة الكردستانية" وفداً برئاسة محمود عثمان ووصل إلى براغ وطلب من السفير الفلسطيني (سميح عبد الفتاح - أبو هشام) التوسط لفتح حوار مع بغداد وقد التقيت به في منزل السفير الفلسطيني، وقام الأخير بتسهيل مهمة الوفد عبر السفير الفلسطيني في تونس الطيب عبد الرحيم  وانتظر الوفد في تونس أكثر من أسبوعين على أمل أن تنجح تدخلات ياسر عرفات أبو عمّار في فتح حوار مع الحكومة العراقية ولكن دون جدوى.
   وكانت الجبهة الكردستانية تعتقد أن بغداد ضعيفة وهي بحاجة إلى حلفاء داخليين وإنه يمكنها الحصول على بعض التنازلات منها، ولا بأس حتى وإنْ قدّمت هي تنازلات بخصوص الموقف تداخلات غزو الكويت، ولكن الجواب السلبي للحكومة العراقية " يمكن العودة كمواطنين صالحين" وعدم إبداء أي استعداد لاستقبال وفد للتفاوض، قطع الطريق على مثل تلك المحاولة ، الأمر الذي دفع الجبهة الكردستانية لاتخاذ موقف متشدّد ضد بغداد، على الرغم من عودتها لفتح باب المفاوضات بعد فشل الانتفاضة في ربيع العام 1991، وتلك حكاية أخرى.
والثاني- مثّله نوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ وعبد الحسين شعبان والغالبية الساحقة من الرفاق والأصدقاء الذين عوّلوا على إثارة النقاش العلني وتشجيع الصراع الفكري، مؤكدين أن السلطة لم تتراجع فلم تقدّم ما يمكن الاطمئنان إلى إمكانية إجراء تغيير في نهجها المعادي للديمقراطية على الرغم من كل ما حصل من نكبات وويلات وحروب وفشلت جميع مساعينا في نصحها أو محاولة إجبارها على التراجع، بل إن تقديراتنا ومعلوماتنا كانت تشير إلى  إن الوضع ازداد سوءًا، ووصل الغرور والعجرفة إلى مديات كبيرة لا يمكن بأي شكل من الأشكال التفكير بإعادة الأمور إلى ظروف ما قبل العام 1978،خصوصاً وإن النظام كان قد تورّط في مغامرة غزو الكويت (2 آب/أغسطس 1990). وكان مع هذا التوجه إلى حد ما عامر عبدالله وباقر ابراهيم وعدنان عباس وآرا خاجادور فيما بعد وعشرات من الكوادر الحزبية، علماً بأن رفاقاً آخرين من المجاميع الشيوعية المختلفة  بمن فيهم من التنظيم الرسمي عادت إلى العراق وإنْ كان العدد محدوداً جداً.
   صحيفة المنبر
   كان مهدي الحافظ أحد عناصر الحركة الأساسيين، وكان يتابع معي إصدار المنبر التي كُلّفت بالإشراف عليها وعلى تحريرها وطبعها، خصوصاً وإن حركة الاحتجاج كانت تتّسع، ويمكن رصد أبرز الشخصيات فيها : زكي خيري، عامر عبدالله، باقر ابراهيم، حسين سلطان، عدنان عباس، مهدي الحافظ، نوري عبد الرزاق، ناصر عبود، عبد الوهاب طاهر، ماجد عبد الرضا، خالد السلام، أحمد كريم، محمود البياتي، علي عبد الرزاق، عبد اللطيف الراوي، علي حنوش، محمود عبد الكريم، كاظم الموسوي، محمد جواد فارس، ساهرة القرغولي، فاطمة محمد تقي، رحيمة السلطاني، محمد السعدي، جهاد كاظم، عباس عبيدش، خليل الجزائري، عبد الباقي شنّان،كمال جعفر،عصام الحافظ الزند ، ليث حميد، ضياء خوجه نعمة، علي عرمش شوكت، صلاح مهدي، طلال شاكر، موسى السيد، فاضل الربيعي، جمعة الحلفي، خيرالله سعيد ، عبد الحسين شعبان ، إضافة إلى عشرات الرفاق الذين لم تحضرني أسماؤهم، مع وجود رفاق غير قليلين داخل التنظيم وقسم منهم لا يزال يعمل فيه، بل احتلّ مواقع قيادية، واستوعبت جريدة المنبر أقلاماً أدبية وفنية وثقافية كبيرة ومتميّزة وامتدت من المنافي البعيدة وحتى كردستان وتسربت إلى داخل الوطن. وكنّا نرسل بعض الأعداد المحدودة بواسطة تنظيم فلسطيني، كما كان لها نافذة عربية ودولية مهمة وعلاقات متشعبة.
   مهدي الحافظ ومتفرقات العلاقة
   أربع قضايا يمكن أن أستحضرها مع مهدي الحافظ على الرغم من تناقضاتها، ولكل منها وفي كل مرحلة دلالات قد تكون مختلفة :
الأولى- اجتماع كوادر تنظيمات الخارج (في فندق الحزب الشيوعي التشيكي القديم) لمناقشة مشروع ميثاق العمل الوطني الذي طرحه حزب البعث أواخر العام 1971 واحتمال قيام الجبهة حين تساءلت: هل أن السوفييت يريدون عقد الجبهة الوطنية أم أن قيادة الحزب مقتنعة بذلك؟ ثم ما هي الضمانات للحريّات والديمقراطية؟ عندها قامت الدنيا ولم تقعد وبعد أخذ الاستراحة جاءني حميد بخش (أبو زكي) وطلب منّي تقديم اعتذار في بداية الجلسة التالية ، لأن الأمر جد خطير والكثير من الرفاق أبدى امتعاضه (لأن حديثي كما قال فيه تعريض بالسوفييت) حاولت أن أناقشه ، لكن الأمر كان بلا جدوى، وطلبت الكلام عند بداية الجلسة اللاحقة ، ولكنني بدل "الاعتذار" ثبّت رأيي الأول وزدت عليه من خلال التوضيح، بأن هذا الموقف عرضه أحد أعضاء المكتب السياسي في اجتماع رسمي كنت أحضره، وكنت قد ناقشت الرفيق بوجهة نظري لضمان استمرار أي تحالف  لا بدّ من توفّر عنصري الثقة والحريات، إضافة إلى الحق في النقد، وقلت إن ذلك من مسؤوليتنا ونحن أعرف بظروفنا ولا بدّ من وضع ذلك في سلّم أولوياتنا .
جدير بالذكر أن مهدي الحافظ لم ينبس ببنت شفة واعتبر وجهات نظري رأياً يُحترم، سواء اختلفنا أم اتفقنا معه (علماً بأن مثل هذا الرأي كان يعتبر من الكبائر لدى البعض آنذاك).
وكان الاجتماع قد ضمَ: صفاء الحافظ وسعيد اسطيفان وجوهر شاويس وهناء أدور وحميد بخش وسهيلة السعدي وخليل الجزائري وكريم حسين وخالد السلام وحميد برتو ونوزاد نوري وعبد الحسين شعبان ومهدي الحافظ الذي كان قد أصبح عضواً في اللجنة المركزية وهو ما دوّنته في كتابي "المثقف وفقه الأزمة" الصادر عن دار بيسان، بيروت، 2016.
   الثانية كتب مهدي الحافظ مداخلة في مجلة اليسار العربي 1983 التي كان يصدرها من باريس ميشيل كامل ( الحزب الشيوعي المصري) وعدد من الشخصيات اليسارية المصرية، وهي تعقيب في إحدى الندوات على بحث مقدّم، وكان يعبّر بذلك عن وجهة نظر نقدية في الحديث عن أزمة اليسار العربي وبالدرجة الأساسية أزمة قيادته وبرامجه وعلاقته بالجمهور، وأتذكّر أنني كنت قد اطلعت على المقالة - المداخلة، بعد وصولي إلى الشام قادماً من كردستان لغرض العلاج، وكان قد نبّهني إليها أبو خيام "الحافظ" نفسه ووجدت فيها مادة أولية صالحة لإجراء حوار حول قضايا اليسار ومشكلاته وإشكالاته.
   وكان مثل هذا الرأي يلقى تطيّراً من إدارة الحزب التي كانت ومعها قيادات شيوعية ويسارية عراقية وعربية تنفي بمكابرة وجود أزمة في حركة اليسار التي هي جزء من حركة التحرّر العربي التي تمثلها أنظمة " صديقة"، فضلاً عن ذلك إنها جزء من الحركة اليسارية  والعمالية والشيوعية العالمية، الأمر الذي يعني أن الأزمة أبعد من ذلك، ويختصر هذا الرأي  الإشكالية المزمنة والمعتّقة بشأن الأزمة إلى مجرد صعوبات أو متاعب تواجهها حركة اليسار، وربّما هي صعوبات عارضة وليست جوهرية.
   وكان أن جرى نقاش محموم حول المقالة التي لم يتم مناقشتها، بقدر انتقاد كاتبها والتعريض به، وحانت فرصة لأحد الرفاق ليسألني إن كنت قد قرأت المقالة، فأجبت نعم، فقال إنها فرصة لترّد عليها وتفنّد ما ورد فيها، فقلت أرى أن المقالة معقولة وفيها وجهات نظر قابلة لإجراء حوار بخصوص مشكلات وإشكالات يعاني منها اليسار، فأزاد وهل ستذهب لدحض آراء الحافظ؟
   ضحكت وقلت له: إن رأيي هو أبعد مما ذهب إليه مهدي الحافظ لأنني أعتبر الأزمة بنيوية وعضوية، ولا يمكن حلّها دون اتخاذ تدابير وإجراءات حازمة وإعادة النظر بالمناهج والسياسات وأسس التنظيم ذاته، فالأزمة مركّبة ومتشابكة فكرياً وسياسياً وتنظيمياً، خصوصاً وقد جرى تحنيط الماركسية وتحويلها إلى مجرد مقولات أقرب إلى الأدعية والتعاويذ يتم تردادها في مواقع غير مناسبة وفي أزمنة مختلفة، في حين أننا نهمل المنهج ونتمسك ببعض النصوص، ونحاول أن نكيّفها على أوضاعنا وفي ظروف غير التي جاءت فيها، الأمر الذي أحدث انفصاماً بيننا وبين الواقع.
   وإذا كان منهج ماركس صحيحاً فإن علينا استنباط الأحكام الخاصة بنا، لا تكرار استنتاجات قال بها ماركس أو لينين أو غيرهما، لأنها قيلت في زمان غير زماننا وبعضها حتى لو كان صحيحاً، لكنه لا يصلح لبلداننا، ناهيك عن أن الحياة أثبتت خطاً الكثير منها، فما قاله هؤلاء الرواد المبدعين من استناجات يصلح لعصرهم، أما عصرنا حيث الثورة العلمية - التقنية والآفاق التي فتحتها والتي تنتظر أن تفتحها، فإنها تحتاج إلى استنتاجات أخرى تتناسب مع روح العصر ونبض المجتمع .
   وبدلاً من مناقشة آراء الحافظ ووجهة النظر هذه ، قال  محدثي في نوع من التخابث: لا تدع العلاقات الشخصية والارتياحات الصداقية تطغى على مواقفك من القضايا المبدئية، ولعلّ من الظواهر السائدة في العلاقات الحزبية هو النظر إلى الصداقة على نحو فيه الكثير من الانتقاص أو حتى الازدراء، فالكثير من "أدعياء المبدئية" اكتشفوا بعد عقود من الزمان أن ليس لهم " أصدقاء"، وقد اعترف أحد الشيوعيين المخضرمين الذي أمضى في الحزب ستة عقود من الزمان إنه كان بلا صديق وأخذ يكتشف الناس والبشر والمجتمع خارج منظار الحزب أو عدسة إدارته، لاسيّما بعد أن أعفي من مواقعه، وهو ما تلمسته لدى العديد منهم الأمر الذي عاظم من شعوري بالعطف على هؤلاء لدرجة الشفقة أحياناً، فالصداقة قيمة عليا  وكنز ثمين، علماً بأن الكنز لا يكون صديقاً على الدوام، ولكن الصديق يكون كنزاً في كل الأحوال، كما يقول المثل الروسي .
   القضية الثالثة هي العمل في ميدان حقوق الإنسان، فقد كان مهدي سبّاقاً حين حضر المؤتمر التأسيسي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليماسول (قبرص) العام 1983، وقام بتأسيس فرع لها في فيينا وعقد سلسلة من المؤتمرات والاجتماعات، تسنّى لي حضور بعضها ، وأصدر بعضها في كراريس، لكن المنظمة هي الأخرى كانت تعاني من أزمة، وانفجر الصراع في الرباط العام 1997 بعد أن قدّم أديب الجادر رئيس المنظمة استقالته من على منصّة المؤتمر والتي أحدثت ضجة وخلقت بلبلة.
   وبعدها انتخب د. علي أومليل رئيساً وهو الآخر قدّم استقالته بعد بضعة أشهر والأسباب هي ذاتها ولاسيّما محاولة الاستئثار بالقرار والتحكّم بمسار المنظمة، وبعد جدل ونقاش واسعين بدأ خارج المؤتمر وانتقل إلى داخله، وبهدف إيجاد تسوية لإخراج موحد، تقرّر أن يرشح من العراق اثنين ، مهدي الحافظ وكاتب السطور، وأتذكّر جيداً أنني قلت لمهدي الحافظ: أنا أفضل ألّا أرشح، ليبقى عن العراق شخص واحد، وحين يتم انتخابك يمكن أن ترشحني حسب ما يجيز النظام الأساسي كي لا يحصل الاستغناء عن أحدنا وأعرف أنه كان محسوباً على أديب الجادر وغيابه سيؤثر عليه، لكنه أصرّ على أن الاتفاق حصل لانتخاب اثنين.
   وحين جرت الانتخابات لم يحصل مهدي على النسبة المطلوبة من الأصوات حيث تمت الإطاحة به، وكانت تلك صدمة لمهدي الحافظ الذي لم يتوقّع ذلك، في حين أنني كنت أعرف الأجواء والمطبخ الذي يتم فيه ذلك، وقد حذّرته منه، وكان أكثر ما يؤلم الحافظ هو محاولة الغدر والخديعة والطعن من الخلف، وقد سبق له في مؤتمر المنظمة العام 1993 في القاهرة أن شعر باستمالة الجهات المتنفذة ترشيح آخرين ضده، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
   وبعد أن انفجر الصراع داخل المنظمة نقلتُ النقاش والتساؤلات حول مستقبل الحركة الحقوقية العربية إلى جريدة الحياة اللندنية (1998) بشأن مشكلاتها وإشكالياتها التي تعمّقت خلال السنوات المنصرمة، كما تم توسيعه في مجلة الضمير التي كنّا نصدرها في لندن فلم تعد القضية شأن داخلي، بل أصبحت قضية "رأي عام"، لكن تلك التجربة تركت مرارة جديدة لدى مهدي  الحافظ.
   القضية الرابعة هي الاتفاقية العراقية- الأمريكية واتفاقية الإطار الاستراتيجي،  وكان مركز كارينجي قد وجّه الدعوة لنخبة من المثقفين والسياسيين والاختصاصيين بينهم على ما أتذكر : فالح الفيّاض ومهدي الحافظ ورائد فهمي وهشام داوود، وممثلين عن الكرد والشبك ومجموعة طارق الهاشمي وعدد آخر، وفاجأني مهدي بأنه كان أول المتحدثين حين طلب تمديد أو تجديد الاتفاقية أو توقيع اتفاقية جديدة على غرار الاتفاقية الأمنية التي كان مفعولها ينتهي في أواخر العام 2011، وبرّر ذلك إن غياب الأمريكان سيعني إطلاق يد إيران وقدّم ورقة مكتوبة (صفحة واحدة)، ودارت مواقف الآخرين في ذلك الفلك ولم تكن بعيدة عنه.
أما موقف الفيّاض فقال: باسم دولة القانون في حينها نحن لسنا مع أو ضد، بل ننتظر فيما إذا كانت الأغلبية تريد تمديد أو تجديد الاتفاقية فسنأخذ بهذا الرأي أو على العكس إذا لم تكن الأغلبية مقتنعة فسوف نقف إلى جانبها وندعو لانسحاب القوات الأمريكية والأجنبية من العراق.
وأتذكّر إن  الشخصية الكردية الأكاديمية أبدت تحفظات منهجية حول قانونية الاتفاقية وشروط انعقادها، ويومها سألني الحافظ بحنق من يمثّل صاحبنا: أوك أم حدك؟ فقلت له ممازحاً إنه من جماعة "المنبر" وضحكنا بعد ذلك، وكنت قد قدمت مطالعة هي خلاصة لكتابين كنت قد أصدرتهما لتبيان عدم شرعية الاتفاقية ولا قانونيتها ، لاسيّما وهي اتفاقية غير متكافئة بين طرفين أحدهما قوي ومحتل والآخر ضعيف ومحتلة أراضيه، وفيها الكثير من عيوب الرضا التي تبطل مبدأ الإرادة الحرة Pacta Sunt servanda  (العقد شريعة المتعاقدين)، علماً بأن أطروحتي للدكتوراه كانت دراسة مقارنة حول الاتفاقيات المتكافئة وغير المتكافئة مع إشارة خاصة للمعاهدات العراقية- السوفييتية (الكتابان هما: الأول المعاهدة العراقية - الأمريكية: من الاحتلال العسكري إلى الاحتلال التعاقدي، إصدار المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية ، عمان، 2008. والثاني- بغداد - واشنطن : أي مقايضة للاحتلال العسكري؟ في حيثيات الاتفاقية العراقية - الأمريكية، إصدار، مركز العراق للدراسات، بغداد، 2011)
   وذكرت مثالاً كنت استشهدت به على لسان عبد الفتاح ابراهيم كان قد ردّده نوري السعيد العام 1924 في منتجع برمّانا خلال مجادلته بشأن اتفاقية العام 1922 المجحفة المذلة الاسترقاقية كما كان يصرّ ابراهيم على تسميتها.
 يقول عبد الفتاح ابراهيم عن لقائه بنوري السعيد كنّا وفداً  يمثّل جمعية طلابية في بيروت، حيث كان يدرس "علم الاجتماع" في الجامعة الأمريكية ويرافقه محمد زينل وصباح نجل نوري السعيد، وكان "الباشا" مسترخياً في المنتجع الصيفي ويلبس دشداشة بيضاء ويجلس على فرشة على الأرض وبيده كأس عرق أبيض زحلاوي وحاول عبثاً إقناعنا بتبريراته للتحالف مع طرف قوي هو بريطانيا وبأن العراق خرج لتوّه من سيطرة الدولة العثمانية وإن لديه مشاكل معلّقة معها (المقصود مشكلة الموصل ) ومشاكله مع إيران لم يتم تسويتها (وكانت إيران حتى ذلك الوقت ولغاية العام 1937 لم تعترف بالمملكة العراقية) وهنا تطلّع في وجوهنا وأخذ رشفة عرق قوية وخاطبنا: تكبرون وتعقلون وتتعلمون ، وإذا كنّا كبرنا جميعاً، لكننا لا ندري من منا عقِل وتعلّم، وخلال الجلسة ردّدتها على مسامع "أبو خيام" والحاضرين عدّة مرات .
اتفقنا على اللقاء وليس الوداع
   كان آخر لقاء لي مع مهدي الحافظ في نادي العلوية 2013 بعد حضوري لاحتفالية أقيمت في بغداد بعنوان " بغداد عاصمة الثقافة العربية" وهي المرّة الأولى التي التقيت فيها رئيس الوزراء نوري المالكي الذي كنت قد عرفته منذ الثمانينات ودار حوار بحضور نحو 12 مثقفاً أذكر منهم فاضل ثامر وياسين النصيّر ويحيى السماوي ومحمد مظلوم وكوكب حمزة وناجح المعموري وشوقي عبد الأمير وعالية طالب وآخرين، وأدار الحوار النائب حينها علي الشلاه، واستفسر مني عمّا دار في اللقاء وعن لقائي مع عمّار الحكيم الذي كنت قد عدتُ منه مباشرة إلى نادي العلوية وكنّا قد اتفقنا على اللقاء، لإجراء حوار صريح على أن أقوم بإعداده للنشر، وهو ما حاولنا وضع بعض المحطات الأولى له في بيروت، وحين زرت بغداد كان مهدي مسافراً، لذلك لم نتمكّن من إنجاز المشروع. وحين توفي محمود البياتي اتّصل بي مستفسراً ومعزياً لأنه يعرف عمق علاقتنا.
   كان مهدي الحافظ مُقلاً في كتاباته ، لكن إذا كتب أجاد وهو دقيق في اختيار كلماته وأنيق في إبراز جمال عبارته وعميق في الوصول إلى المعاني، ويمتلك نعمة القراءة وكان ملتزماً بمعايير العدل والأخلاق، متحضّراً ومسالماً وغير ميّال إلى العنف وبعيداً عن أي شكل من أشكال القسوة أو الإيذاء، وكان محبّاً للحياة ومقبلاً عليها مثل إقباله على الثقافة بألوانها المختلفة.
   رحل مهدي الحافظ ودفن في فيينا قرب نهر "الدانوب الأزرق" بناء على وصيته، وكان قد عاش فيها فترة من حياته كموظف في منظمة اليونيدو منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية.
   مهدي الحافظ المنسوج من خيوط نفيسة لا أقول وداعاً، بل اشتياقاً فالنبيذ المعتّق من تلك الخابية اللذيذة المذاق ما زال ينتظرك، أما كان عليك أن تؤجل الرحيل لكي ننجز مشروع الحوار.




22
مهدي الحافظ: يا له من زمن؟
لم يبقَ ما يحتجّ به سوى الموت

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
   توطئة
   رحل مهدي الحافظ بهدوء ودون أن تتبعه ضوضاء فارغة وجلبة مزعومة، (4/ تشرين الأول/اكتوبر/2017)، ونحن إذْ نستعيد الذكرى الأولى لوفاته، فإنّما نريد التوقّف عند بعض المحطّات الأساسية في مسيرته. وفي مثل هذه المناسبات غالباً ما تفتتح الكتابات فيها: بالقول رحل "الرفيق المناضل"، وحين خطرت الفكرة ببالي  وكتبت الشق الأول منها، لكنني سرعان ما حاولت طردها، فقد خشيت أن يحسبه البعض من صنف "المناضلين" الافتراضيين أو الهوائيين، حيث يبرع باعة الكلام المتجولين والباحثين عن الوجاهات من منتهزي الفرص ليقطعوا الماضي عن الحاضر، والكلمة عن الحلم والطموح المشروع، باللهاث وراء المكاسب.
   حين وصلني نبأ رحيله تجمّدت  أطرافي ولم أقوَ على الحركة لبضعة ثوان فقد مرّت خاطفة تلك العقود الخمسة التي حاولت استعادتها وكأنها شريط سينمائي.
   قالت لي د. منيرة البياتي وهي في ذروة انفعالها وحزنها ما الذي تبقى لنا : رحل الأحبّة سريعاً الواحد بعد الآخر...؟ ماذا نتذكّر يا عبد الحسين؟ فمهدي الحافظ جزء من تاريخنا وصداقتنا له تكاد تكون صداقة العمر كلّه بحلوّه ومرّه وبإيجابياته وسلبياته. كنت صامتاً وفي فمي طعم مرارة غامضة، فكيف يتحوّل شخص مثل مهدي الحافظ إلى مجرد مربع صغير في جريدة لا يكاد يلفت النظر، ولهذا فقد كان لموته نكهة حزن إضافية، ولعلّه موت يحرجنا بقدر ما يحزننا.
   كنتُ أفكّر بما خبّأه لنا الزمان، فمهدي الحافظ حتى عشيّة وفاته كان يطفح بالحيوية وحبّ الحياة والتمتّع بأطايبها، غاب هكذا فجأة مثل شهاب وحتى دون مؤشر بالمرض.. دخل المستشفى لبضعة أيام لإجراء فحوصات ولم يخرج منها إلّا إلى القبر.
   وظلّت منيرة البياتي تردّد على مسامعي: كان مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق قد شكّلا جزءًا من وعينا في مرحلته الأولى....   واستعادت هذا الكلام مرّة أخرى،  وهي تردّ على رسالتي بتعزيتها بوفاة نضال وصفي طاهر، ولم تنسَ في كل مرّة أن تتذكّر شقيقها القاص والروائي والصحافي محمود البياتي  ( توفي في 31/10/2014) انظر مقالتنا عنه: (محمود البياتي: سنّارة الحلم والذاكرة التي تأكلنا) وهي تعرف عمق علاقتنا، وكم تأثّرتْ لما كتبته عنه وما قلته في احتفاليته التأبينية التي أقيمت في عمان. وكلّما مرّ يوم جديد، يزداد شعوري بأن محمود كان " أخي الذي لم تلده أمي"  وقالت منيرة وقد أخذتها " العبرة" عبر التلفون وقد تغيّر صوتها: ليس للحياة من طعم فالموت يحيط بنا من كل جانب، وردّدنا معاً بيت شعر للجواهري عن الموت اللئيم حين يقول :
 ذئبٌ ترصّدني وفوق نيوبه / دم أخوتي وأقاربي وصحابي
وردّدت عليها بيت شعر للشريف الرضي الذي ينطبق على حالنا ويقول فيه :
ما أخطأتك النائباتُ       إذا أصابت من تحبّ

   الماضي الذي لا يمضي
   لقد تغيّرت الدنيا والناس ولم يبقَ من الأحلام سوى الأقل. نشعر بالخيبة أحياناً حين نقلّب أمانينا وأحلامنا، فقد كانت أجمل وأكبر، وهكذا لم يبقَ سوى أن نستعين بالذاكرة وهي التي لا تفارقنا، بل تكاد تطوّقنا مثل سياج يحيط بنا من كل جانب، وكأننا في دائرة.
   كلّما كنّا نلتقي: نوري ومهدي ومنيرة البياتي وسعد عبد الرزاق ومحمود البياتي وماجد عبد الرضا وموفق فتوحي وتيسير قبعة وبسام أبو شريف وصادق الشافعي وسالم المندلاوي وآخرين مجتمعين أو متفرّقين من شلّة أصدقاء أواخر الستينات وأوائل السبعينات وما بعدها نسارع دائماً لاستحضار الماضي وكأنه اليوم قد حدث  أو بالكاد بالأمس، وكنتُ قد استعدت مع السيد هاني فحص ذكرياته عن النجف لا باعتبارها ماضٍ، بل حاضر أكثره مستقبل، لأنه  لم يمضِ، وهو ما دوّنه بكتاب بالعنوان ذاته.
   ودائماً ما كنتُ استفزّه بالقول "أخرج  النجف التي في داخلك"، وكنت بذلك أخاطب نفسي أيضاً، عن تلك المدينة التي ظلّت "توشوشني"، هكذا ظلّ الماضي يعيش فينا ولا يريد أن يمضي، إنه  حاضرٌ وحيٌّ في ذواتنا، خصوصاً حين يكون أكثر طهرية وصدقاً وعفوية؛ إنه ماضينا الذي لا يمضي، بل لا نريده أن يمضي.
   بقي مهدي الحافظ على الرغم من جميع الخيبات والمرارات والآلام والخسائر التي حلّت به محافظاً على توازنه ورباطة جأشه، فما أن يرى أحد الرفاق والأصدقاء حتى يسارع إلى عناقه واحتضانه، وكان يمارس ذلك بعفوية وتلقائية ومحبّة، مع أن لديه الكثير إزاء بعض "الأعدقاء" على حدّ تعبير الشاعر وليد جمعة الذي نحت الكلمة في قصيدة له بالعنوان ذاته، حين يتحوّل الأصدقاء إلى أعداء وإنْ ظلّوا يرتدون جلباب الصداقة، فقد تحمّل مهدي الحافظ من هؤلاء إساءات كثيرة، بل بلا حدود.
   وكان أحد "أعدقائه" كما أخبرني يوزّع شكوكه واتهاماته به يساراً ويميناً بسبب اختلاف الرأي والموقف، وخصوصاً بصدد الحرب العراقية - الإيرانية، لكن مهدي الحافظ وهو يعرف كل ذلك ظلّ يعامله  بكل ترحاب وبأريحية، بل ولهفة أحياناً لاعتبارات قديمة، وكان يفعل ذلك دون تكلّف وربما بشيء من الشفقة أو الرحمة، مشفوعة بنوع من التسامح والترفّع، في زمن تشوّهت فيه العلاقات الإنسانية وساد النفاق الاجتماعي وتفشّى التكاذب "والصداقة" المصلحية.
   كان مهدي الحافظ بالرغم من فرحه الظاهري وابتسامته التلقائية حيث تلتمع عيناه ، ينزف من الداخل، خصوصاً حين يشعر أن القيم القديمة أخذت تتآكل والأماني علاها الغبار وأصابها الصدأ . وحتى حين يحاول إيجاد تفسير لبعض تلك المواقف لا يفعل ذلك مع الحقد، بل كان يقصد إبقاء الذاكرة في دائرة الضوء وكي لا يلفّها النسيان، ويتجنّب دائماً إصدار الأحكام.
   لم يكن مهدي الحافظ استعراضياً ولم يعرف كثيرون، لاسيّما من الساسة الجدد دوره الفعلي وكفاءاته ونضاله، فهو غالباً ما يحجم عن الكلام عن نفسه، وحين جاء عبداللطيف الشوّاف على ذكره في هامش مطوّل في كتابه "شخصيات نافذة" إعداد وتقديم الدكتور حمدي التكمجي، دار الورّاق للنشر، طبعة العام 2013،  استغرب كثيرون ممن كانوا يعتقدون أنه مجرد "موظف دولي" أو أحد " المترفين" أو "الارستقراطيين" الذين يستهويهم الحديث في السياسة، ولديه اطلاع على بعض قضايا العراق وتاريخه وليس ابن مدينة الشامية التي ولد فيها في العام 1937 وارتوى من " نهر الفرات الحزين".
   وعلى ذكر "قضاء الشامية" فقد خصّها الانتداب البريطاني بصفة "لواء" بضمّها إلى مدينة النجف، ولذلك كان يُقال " لواء عموم الشامية والنجف" ومقرّه مدينة النجف، ويضم عدداً من الأقضية والنواحي وينتهي بالحدود العراقية - السعودية وكان يتبع  ذلك اللواء: الكوفة والعباسية والكفل وأبو صخير والمشخاب (الفيصلية أو السوارية) ونواحي غماس والمهناوية والصلاحية وغيرها، وكان الزعيم عبد الكريم قاسم قد عيّن معلماً في مدينة الشامية (مدرسة القحطانية) وقضى فيها عاماً دراسياً واحداً (1931-1932) قبل أن يلتحق بالجيش حسبما تقول بعض الروايات، وينتسب مهدي الحافظ (مهدي أحمد حافظ) إلى عشيرة آل دعيبل النجفية وكانت عائلته قد هاجرت من النجف إلى الشامية في مطلع القرن العشرين وعمل والده مختاراً لعدّة سنوات وأعقبه شقيقه موسى.
النشاط السياسي
   كان مهدي الحافظ قد بدأ حياته السياسية عضواً في اتحاد الطلبة وقد اعتقل في العام 1954 إبان انتفاضة الفلاحين في الشامية مع عدنان عباس وصادق العطية وهديب الحاج حمود وحسن الحاج  ودّاي العطية وموجد الحاج حمود وآخرين، وكان يومها طالباً في المتوسطة ، وتم نقله إلى غمّاس، وتوّلت هيئة الدفاع عن العدالة برئاسة المحامي توفيق منير الدفاع عنه ( أسقطت الجنسية  عن توفيق منير إثر قيام حلف بغداد العام 1955 ونفي إلى تركيا، وعاد بعد ثورة 14 تموز/يوليو 1958 إلى العراق وكان أحد أبرز قيادات حركة السلم، ولكنه اعتقل وأعدم عام 1963 بعد الانقلاب الدموي). وبعدها انتمى مهدي الحافظ إلى الحزب الشيوعي في أواسط الخمسينات، وبعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 انتخب رئيساً لاتحاد الطلبة العام في المؤتمر الثالث (شباط/فبراير/1960).
   وفي السبعينات من القرن الماضي كان مهدي الحافظ عضواً مؤثراً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وعمل في سكرتارية الجبهة الوطنية التقدمية مع حزب البعث العربي الاشتراكي 1973-1978 وبعدها تم تعيينه كوزير مفوض العام  1978 في السفارة العراقية في جنيف، ثم استقال العام 1980 حيث كان قد انصرف للعمل في المعهد الأفرو- آسيوي الذي تأسس حينها، ثم التحق بعمل جديد في الأمم المتحدة في فيينا (اليونيدو) ونسّب في أواخر التسعينات مديراً لفرعها الإقليمي في بيروت حتى تقاعده.  وقد أسس في مطلع التسعينات الهيأة الاستشارية مع أديب الجادر وتولّى الأخير رئاستها وكان مهدي الحافظ أمينها العام، ونظمت أول اجتماع لها لمناقشة عراقية- عربية في فيينا عن نتائج حرب الخليج الثانية العام 1991، شارك فيها نخبة من المثقفين والاختصاصيين العراقيين والعرب، بينهم كاتب السطور.
   انتقالة خارج السياق
   ظلّ مهدي الحافظ حتى في ظلّ انتقالته السياسية الجديدة التي قد يكون فاجأ بها كثيرين يحمل همّاً كبيراً ورغبة حقيقية في الخدمة العامة والوظيفة الحكومية، وإذا ابتعدنا على بعض الاعتبارات الشخصية وإغراءات المواقع الرسمية،  فيمكنني القول إنه كان "حالماً" بإمكانية إحداث تغيير يضع البلاد على طريق الديمقراطية، وقد سبق لي أن اختلفت معه في إمكانية انجاز شيء يُذكر من تلك "الأحلام" التي هي أقرب إلى "الأوهام" منذ الأيام الأولى للاحتلال.
   وأتذكّر حوارنا بعمان في فندق الفورسيزون Four Seasons وكان قد حدثني عن فظاظة بول بريمر مع أعضاء مجلس الحكم الانتقالي  والوزارة المنبثقة عنه  وتعامله معهم بخشونة واستخفاف كبيرين، فقلت له "استقلْ" وهذه فرصة لك، وتحمّل نتائج استقالتك، ففي ذلك تكون أقرب إلى نفسك وأردفت : لقد فقد جرّبتم وأخفقتم.
   ولعلّ هذا الموقف المندفع نحو الوضع الجديد ما بعد الاحتلال  كان سبباً في الجفاء بينه وبين أديب الجادر الذي شعر بالخيبة والمرارة، فانسحب من المشهد واعتزل الحياة العامة (انظر مقالتنا: أديب الجادر - الحزين الذي لم تفارقه الابتسامة،  صحيفة الزمان العراقية، الثلاثاء 18/2/2014) ، في إطار ما سمّي بتجمّع الديمقراطيين المستقلين الذي تأسس في لندن عشية احتلال العراق، وترأسه عدنان الباججي، لكنه سرعان ما تبخّر أو ذاب كفصّ ملح في الماء سريعاً، وكانت العديد من التنظيمات قد أنشئت على عجالة عشيّة الاحتلال، ولم يكن بعضها بعيداً عن تشجيع بعض الدوائر الغربية والأمريكية. 
   وكنت قد حاورته بأن السبيل إلى الخدمة العامة ليس المشاركة أو الرفض والموالاة أو المعارضة، ففي بعض الأحيان وبغض النظر عن النظام السياسي، تتقدّم "شرعية الإنجاز" التي تسدّ جزءًا من النقص في شرعية النظام السياسي، طالما يحقّق بعض المكتسبات التي يستفيد منها الشعب، وبما أن هذه الأخيرة غير ممكنة التحقيق في ظل التقاسم الوظيفي ونظام المحاصصة الطائفي - الإثني ، فهذا سيعني إن إمكانية التغيير ستبقى معوّمة بفعل غياب الحدّ الأدنى من شروط تحقّق وحدة الإرادة والعمل، ناهيك عن تشظّي وانشطار مؤسسات الدولة، لاسيّما بتطييفها وأثننتها.
   ومع أنني كنت على خلاف شديد مع وجهة نظر مهدي الحافظ  بشأن محاولة الاستفادة من الظرف الجديد و"المشاركة" في العملية السياسية، لكنني احترمت اجتهاده واختياره وكلّما كنّا نلتقي  نواصل حوارنا وكأننا بدأنا الآن ولا يخلو ذلك من بعض النكت والقفشات، خصوصاً حين كان ينقل لي بعض ما يجري في المطبخ السياسي. وإذا كان لي من قول بشأن اجتهاده فإنه رغم  اختلال المشهد والتهافت من حوله و"القابلية على الاستتباع" لدى الغالبية الساحقة، من القوى والشخصيات الطامحة، باستعارة تعبير المفكر الجزائري مالك بن نبي "القابلية على الاستعمار" فإنه حاول تقديم  القول الصادق والفعل الملتزم والخلق الرفيع والنزاهة الشخصية والمعنوية، ولذلك بدا  مختلفاً، بل وغريباً عمّا هو سائد، لأنه في غير مكانه، خصوصاً وإن التلوث في البيئة السياسية العراقية انعكس على الجميع.
   وكنتُ قد استمعت إلى شكوى عدد من المسؤولين والوزراء من الذين انخرطوا في مشروع ما بعد الاحتلال، سواء بزعم عدم الانعزال أم رغبة في التغيير من الداخل أم عدم وجود بديل عن هذا الخيار أم عدم القدرة على مواجهة المشروع الأمريكي. وأتذكّر أنني خاطبت أحدهم : بما كان يردّده الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول " ليس من حق وزير أن يشكو ... فلا أحد أجبره على أن يكون وزيراً".
   وحسب قراءتي المتواضعة فإن الواقع كان مزدحماً بالكثير من الألغام النظرية والعملية، ابتداء من صيغة نيغروبونتي  - بول بريمر- زلماي خليل زاد، إلى دستور نوح فيلدمان وبيتر غالبريث، ناهيك عن الشحن الطائفي والإثني الذي يذكّر بعصر المداخن عقب الثورة الصناعية في أوروبا، حيث تتّجه جماهير غاضبة تملؤها الكراهية والحقد الذي تم تأجيجه بالصدور نحو أهداف ملتبسة وموهومة أحياناً تحت شعارات طائفية وإثنية بلا حدود.
   مشتركنا  الطلابي- اليساري
   كنت قد عرفت مهدي الحافظ قبل أن أتعرّف عليه، حين أصبح رئيساً لاتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية في أول انتخابات طلابية عامة بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 وذلك في المؤتمر الثالث العام الذي ضمّ قوى سياسية متعدّدة (شباط/فبراير 1960)، لاسيّما من القوميين العرب والكرد والبعثيين والوطنيين الديمقراطيين، وإنْ كانت الغلبة والمواقع الرئيسية للشيوعيين، ولكنه سافر بعدها للدراسة في براغ وانقطعت أخباره.
   وحين عاد سرًّا كانت النكبة قد حلّت بالحزب الشيوعي والتنظيم الطلابي المدعوم من جانبه إثر انقلاب شباط (فبراير) العام 1963، وجرت محاولات إعادة التنظيم ولحمة العلاقات، حيث بدأت الخيوط تلتقي وتتواصل وإنْ ببطء شديد وليس من دون إشكالات ومشاكل، خصوصاً بسبب الانتكاسة من جهة، ثم النكوص بعد خط آب (أغسطس) العام  1964 الذي عُرف بلغة تلك الأيام " اليميني التصفوي" وبعدها "الانقلاب السريع" في الخط السياسي العام 1965 من جهة أخرى.
   ولعب مهدي الحافظ  بعد عودته  دوراً كبيراً في إعادة بناء شبكة الكادر الطلابي الذي حقّق خطوة مهمة بلقاء موسع (الكونفرنس الثاني الذي ضم ممثلين عن 11 كلية ومعهداً في بغداد) في تشرين الثاني/نوفمبر العام 1965 مع استمرار عمله في مجال العلاقات الوطنية مع : عامر عبدالله وحسين جواد الكمر.
   وقد توّج العمل في الميدان الطلابي بنصر كبير حين استطاعت الحركة الطلابية فرض إجراء انتخابات مهنية عامة في ربيع العام 1967 إثر صدور قانون انتخابات تحت اسم "اتحاد طلبة الجامعة"، وكانت نتائجها  باهرة، بل ومفاجئة إلى حدود كبيرة حتى بالنسبة لنا، حيث فازت قوائم "اتحاد الطلبة العام" بنسبة 76 من المقاعد الانتخابية وحصلت على أكثر من 80% من الأصوات في جامعة بغداد.
   أما جامعة البصرة فقد فاز اتحاد الطلبة  بالمقاعد الانتخابية بنسبة 100% في حين حصل في جامعة الموصل على أكثر من 60% من المقاعد الانتخابية ونحو 75% من أصوات الناخبين، ولم يكن ذلك بمعزل عن ضغوطات رافقتها واعتداءات صاحبتها بما فيها تكسير بعض الصناديق الانتخابية، علماً بأنه تم إلغاء الانتخابات بعد يوم واحد من إعلان النتائج.
   وكتبت بعض الصحف الصادرة آنذاك تبريراً لإلغاء النتائج تقول: "أن القوى الشعوبية الحاقدة عادت ترفع رأسها من جديد". وكانت "جريدة المنار" قد كتبت افتتاحية شديدة اللهجة علّقت فيها على نتائج الانتخابات الطلابية تحت عنوان "جرس الخطر يدقّ في سماء العراق"، وهكذا يمكن القول إن الانتخابات الطلابية كانت معركة وطنية كبرى بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى.
   وحين حصل الانشطار في الحزب الشيوعي في 17 أيلول (سبتمبر) 1967 لم يكن مهدي الحافظ مع هذا التوجّه، ومثلما كان العديد منّا ضد خط آب (أغسطس) العام 1964 الذي وُصِفَ بأنه "يميني وذيلي" بلغة تلك الأيام، لكنه في الوقت نفسه كان ضد التوجه المتياسر الذي اتبعته القيادة المركزية بإدارة عزيز الحاج من جهة أخرى.
   ثلاث خصال
   ثلاث صفات أستطيع أن أدونها عن مهدي الحافظ بكل أريحية ودون أن أخشى من الممالئة أو الوقوع في المبالغة، وهي تلمستها حين تعرّفت عليه عن قرب طيلة خمسة عقود من الزمان وتوثقت علاقتي به مع مرور الأيام وشهدت علاقتنا تحدّيات كثيرة في ظروف وأوضاع مختلفة، فقد عملت في إدارة المنظمة الحزبية التي كان يتولى الحافظ مسؤوليتها لنحو 3 سنوات ويتناوب عليها آرا خاجادور ، وكثيراً ما اختلفتُ معه، ولكن ذلك لم يفسد في الود قضية كما يُقال.
   كما عملت بصحبته وإلى جانبه في إطار قيادة العمل الطلابي في الخارج لنحو ثلاث سنوات أيضاً، وحضّرنا سويّة مع آخرين لاجتماع موسّع لمنظمات الخارج في برلين الغربية العام 1972، حيث كنت رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين في تشيكوسلوفاكيا في الوقت نفسه، ونظّمنا مهرجاناً واسعاً في مدينة براتسلافا (سلوفاكيا) هو الأول في حينها وأصبح تقليداً سنوياً، ثم عملت معه في هيئة حزبية واحدة لمدة زادت على ثلاث سنوات ، ولاسيّما حين شكّلنا حركة المنبر الشيوعي، وكنّا باتصال مستمر ودائم طيلة فترة الثمانينات والتسعينات أيضاً واستمر هذا حتى  بعد انتقالي إلى لندن وانتقاله إلى بيروت .
   وكان مهدي الحافظ قد أُبعد عن إدارة الحزب منذ أواخر السبعينات واتخذ اجتماع اللجنة المركزية في العام 1980 قراراً بإعفائه ونوري عبد الرزاق من عضويتها، وحاولت مع عزيز محمد الأمين العام السابق للحزب  إعادة الصلة شبه المقطوعة وتلطيف الأجواء بينه وبين الحافظ، ونظّمت لهما لقاءً بعد جفوة كبيرة في دمشق في ربيع العام 1981 ولقاءً آخر بعده في خريفه، لكن الأمور كانت تسير بالاتجاه المعاكس بسرعة كبيرة، وخصوصاً بعد تطورات الحرب العراقية- الإيرانية، ولم أكن بعيداً عنها، وهو ما عبّرت عنه علناً بالكتابة أو النشاط أو المشاركة في الحملة العربية والدولية، وكان ذلك سبباً أساسياً في الاختلاف الذي حصل بين شبكة الكادر وعدد من المسؤولين في إدارة الحزب وبين الشق الثاني من الإدارات الحزبية، الذي كان موقفه أقرب إلى قيادة الحركة الكردية، لاسيّما برفع شعار " إسقاط الدكتاتورية وإنهاء الحرب" في حين كانت المجموعة المعترضة قد ركّزت على إنهاء الحرب كمهمة عاجلة وأساسية والإتيان بنظام ديمقراطي باعتباره تحصيل حاصل.
   أما عن صفاته فهي:
الأولى - شجاعته فقد  كان شجاعاً وغير هيّاب في قول الرأي. وأحتفظ بالعديد من الأمثلة، ولربّما كان رأيه سبباً في سوء علاقته مع ألمانيا الديمقراطية وكذلك مع السوفييت، الذين لم يرغبوا في تجديد موقعه سكرتيراً عاماً لاتحاد الطلاب العالمي، ولم تتّضح تفاصيل تلك الطبخة عشية المؤتمر العاشر إلّا بعد مجيء نوري عبد الرزاق من بغداد، حيث أبلغه المسؤول السوفييتي ساشا بحقيقة الأمر، وأكّد هذا الأخير ترشيحهم لفتحي الفضل من السودان سكرتيراً عاماً للاتحاد بدلاً من مهدي الحافظ.
   ولا أستبعد ثمة تأثير من جانب الدولة العراقية التي كان الألمان والسوفييت يراعون مصالحهم في العلاقة معهما، حتى وإن كان الأمر على حساب الحزب الشيوعي أو أحد كوادره  البارزة، وثمة أمر آخر حصل خلال انعقاد المؤتمر العاشر، ألا وهو حضور شخص غريب قال إن دعوة وجهت له من السكرتير العام لاتحاد الطلاب العالمي (المقصود مهدي الحافظ)، وقد أخبرني ناظم الجواهري الذي شارك في الوفد مع خليل الجزائري وعدنان الجلبي وكاتب السطور بأن الأجهزة الأمنية التشيكية قد استدعته للاستفسار عن هويّة الشخص الغريب الذي حضر المؤتمر، ولكن معظم الأسئلة كما قال كانت تدور حول مهدي الحافظ، وهي لعبة طالما تثيرها بعض الأجهزة الأمنية والمخابراتية لإثارة نوع من الشكوك بشأن بعض الشخصيات التي لا تتواءم معها أو لا تنفذ رغباتها أو رغبات "الأخ الأكبر" حسب رواية جورج أورويل.
الثانية- اجتهاده، فقد كان مجتهداً وله رأي خاص يحاول أن يستنبطه في ضوء ما هو قائم من أوضاع، وهو وإن يراعي "التوازنات" والحسابات الخاصة أحياناً وهو ما أصبح  أكثر ميلاً له في السنوات الأخيرة للحفاظ على المواقع، لكنه بشكل عام كان له رأي خاص طالما ظلّ يدافع عنه، سواء إزاء بعض الاندفاعات أيام الجبهة الوطنية والاضطرار بعدها إلى تقديم تنازلات لا مبرّر لها، أم في نقده للموقف الرسمي للحزب الشيوعي من الحرب العراقية- الإيرانية  أم من بعض القضايا العربية، وكانت الدعاية الحزبية قد روّجت ضدّه عدداً من الاتهامات بينها تفسير بعض مواقفه بالتأثّر بمواقف قيادة حزب البعث، كما تم تسريب ذلك إلى صحيفة السياسة الكويتية بُعيد انعقاد المؤتمر الرابع (تشرين الثاني/نوفمبر/1985) والذي عكس التباعد والانقسام بين رؤيتين داخل الحزب الشيوعي.
والثالثة -  كرمه وسخاءه، فقد كان معطاءً وبيته مفتوحاً ويده ممدودة وقد سبق لي أن قلت إن كل كريم شجاع وهما صفتان متلازمتان، وكان كثيراً ما يضغط على نفسه لكي يوفّر ما يريد الأصدقاء، وظلّ يستضيفنا في بيته، سواء في براغ أم في فيينا ويحاول أن يعمل كل ما يسعدنا ويوفّر لنا الإقامة الطيبة وسبل الراحة وهو ما كان يفعله مع العديد من الأصدقاء في بغداد أيضاً.وإذا كنت قد جئت على بعض الأمثلة لإضاءة هذه المسألة بالنسبة لمن لا يعرفه، إلّا أن الكثير من الأصدقاء يعرفون ذلك ويشهدون له.
   وهذه الصفات أصيلة لدى مهدي الحافظ ولذلك ظلّت لصيقة به، سواء في أوقات الضيق أم الرهاوة، بل وفي كل الأوقات، ولم يفقد بوصلته في هذه الميادين الثلاثة التي تمثّل جوهر شخصيته ذات الطابع المرح بقدر استقامتها وذات الأريحية والانفتاح بقدر نزاهتها ومرونتها وعدم تشدّدها.
   مؤتمر كراكوف
   أتذكّر أنني حين زرت براغ في طريقي إلى مدينة كراكوف (بولونيا) للمشاركة في الاجتماعات التحضيرية للذكرى المئوية لميلاد فلاديمير أليتش  لينين العام 1969 استقبلني مهدي الحافظ في المطار، وكنتُ قد كتبت له برقية من دمشق أبلغه فيها بقدومي وضرورة أن يتم ترتيب أمور الفيزا خارج جواز السفر، وذكرت له السبب لاحقاً بأن قراراً قد صدر حينها بمنع  السفر إلى أوروبا  إلّا بموافقات خاصة في ذلك العام.
   وزرت براغ وكراكوف ووارشو ثم عدت إلى براغ ومنها إلى بغداد عن طريق بيروت ومنها زرت الشام وعدت إلى بيروت قبل توجهي إلى بغداد، وكان مهدي الحافظ قد أرسل معي حقائب تعود إلى نوري عبد الرزاق، بعد أن كان نوري قد عاد إلى بغداد ليستقر فيها حيث حلّ مهدي الحافظ محلّه في سكرتارية اتحاد الطلاب العالمي. وحين وصلت  بغداد اتصلت بنوري  وزرته في بيته بالكرادة وأعطيته الحقائب المُرسلة من مهدي الحافظ، وتناقشنا حول موضوع الانتخابات الطلابية.
   وكان ذلك بمثابة استكمال لمناقشتي مع مهدي الحافظ، وخصوصاً حول مستقبل العمل الطلابي والشبابي في ظل الأوضاع الجديدة والمتغيّرات على الساحة السياسية بوصول حزب البعث إلى السلطة وعمله في المنظمات المهنية من موقعه الرسمي. وكان هذا النقاش قد ثار في صفوفنا، خصوصاً بعد عدم توصّلنا إلى اتفاق مع الاتحاد الوطني لطلبة العراق لعقد صيغة تحالف أو جبهة طلابية أو تعاون أو تنسيق، في حين كان الاتحاد الوطني يريد منّا الاندماج في تنظيم واحد والمقصود بذلك ذوباننا في ما هو سائد.
   وكان وفدنا مؤلفاً من لؤي أبو التمن وكاتب السطور، ومن جانب الاتحاد الوطني كريم الملّا ومحمد دبدب، وكان يحضر في اجتماعاتنا بشكل مستمر "حسن المطير" الذي  أُعطي اسماً مستعاراً " فيصل" وكان الجميع ينادونه بهذا الاسم وعرفنا لاحقاً  أن "الملازم فيصل" في قصر النهاية هو المقصود بحسن المطير الذي كان يعمل برفقة ناظم كزار مدير الأمن العام، وأعدم معه في الحركة الانقلابية ضد البكر - صدام يوم30 حزيران (يونيو) 1973.
   وقد تعرّفنا على حقيقته من الوفد الكردي المفاوض معنا والذي كان يمثل مجموعة (المكتب السياسي- جلال الطالباني) حيث ضمّ الوفد طيب محمد طيب ( أعيد إلى وزارة الخارجية بعد الاحتلال، وعيّن سفيراً في أرمينيا) وفاضل ملّا محمود رسول (انتقل من الحركة الكردية إلى القيادة المركزية للحزب الشيوعي ومنها بعد الثورة الإيرانية إلى التيار الإسلامي، وقتل مع عبد الرحمن قاسملو في فيينا حين كان يقوم بمهمة الوساطة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والحركة الكردية الإيرانية / الحزب الديمقراطي الكردي العام 1989)، كما كان يحضر عن القوميين العرب صباح عدّاي (عضو اللجنة المركزية للحركة الاشتراكية العربية ، توفّي مؤخراً). وقد رويت تفاصيل حوارنا مع الاتحاد الوطني في أكثر من مناسبة، وورد ذلك أيضاً في تفصيلات ذكرتها في كرّاس أصدرته في العام 1983 في بشتاشان (كردستان العراق) بعنوان "لمحات من تاريخ الحركة الطلابية في العراق".
   مهدي الحافظ والاتحاد الوطني
   كان الاتحاد الوطني لطلبة العراق متشدّداً ضد مهدي الحافظ ويعتبر وجوده سكرتيراً عاماً لاتحاد الطلاب العالمي، سبباً في المواقف السلبية من بعض المنظمات الطلابية المنضوية تحت لواء الاتحاد المذكور ضده، وذلك بفعل الحملات التي تم تنظيمها في الخارج حيث كان مهدي الحافظ في قيادة لجنة تنظيم الخارج للحزب الشيوعي. وحين قرّر الاتحاد الوطني بُعيد الانتخابات الطلابية العام  1969 وإثر عقد أول مؤتمر له بعد 17 تموز (يوليو) العام 1968 منح عضويات شرف لقادة الحركة الطلابية، بمن فيهم من الأطراف الأخرى، استثنى منّا مهدي الحافظ، وحاز على عضوية الشرف حينها كل من : نوري عبد الرزاق وماجد عبد الرضا ولؤي أبو التمن وكاتب السطور لدورهم التاريخي في الحركة الطلابية ومنح الاتحاد 20 شخصية محسوبة على حزب البعث و4 شخصيات محسوبة على الحركة الكردية عضويات شرف أيضاً، وكانت جريدة النور "الكردية" قد نشرتها والصحافة المحلية وقامت بتعميمها أجهزة الإعلام الرسمية.
   وبالعودة إلى العلاقة مع الاتحاد الوطني فقد كان مهدي الحافظ قد استمع لي وأنا استعرض علاقاتنا الوطنية وبالتحديد مفاوضاتنا مع الاتحاد الوطني عشية الانتخابات والاحتمالات المتوقّعة وتناقشنا طويلاً حول مهماتنا في خارج العراق وما يمكن أن تلعبه قوانا لدعم تحرّكنا في الداخل. وفي واحدة من المناقشات حضر معنا عيسى العزاوي أحد قيادات الحركة الطلابية في الأربعينات (المهندس الشيوعي العتيق وكان يعمل حينها مترجماً في مجلة قضايا السلم والاشتراكية).
   واستكملت الحوار بعد عودتي إلى بغداد مع  نوري عبد الرزاق  الذي طرح عليّ تساؤلات عديدة وفي غاية الذكاء والأهمية، وكان بعضها قد طرحته على نفسي: ما الذي يمكن عمله بعد أن وصلت مسألة التحالف مع الاتحاد الوطني إلى طريق مسدود؟ وهل تَشدّدنا أكثر من اللازم أم أن الاتحاد الوطني قطع علينا الطريق ببعض المطالب التعجيزية ؟
   وكنت منذ عقود من الزمان قد أجريت مراجعة انتقادية بهذا الشأن بما لنا وهو كثير وما علينا وهو غير قليل: فإذا كانت استراتيجيتنا ترجّح التعاون فكان عليها تقديم بعض التنازلات وإذا كانت استراتيجيتنا ليست معنية حقيقة بالتحالف ولا تريد التوصل إلى ما هو مشترك، فعلينا التصلّب في الموقف، وكان هذا هو رأي نوري عبد الرزاق الذي بلوره بشكل واضح وطرحه عليّ على صيغة تساؤلات، وأرى الآن أن ثمة تخبّط بين هذا وذاك وظلّ الاجتهاد الشخصي والتقدير لأهمية التحالف من عدمه هو الذي يحدّد الموقف، لاسيّما بغياب استراتيجية واضحة.
   تحالفات قلقة
   وإذا كان لي أن أشير إلى تجارب التحالف الأولى، فقد تمكّنا من الاتفاق مع قيادة حزب البعث  في إطار "الجمعية العراقية للعلوم السياسية" التي  كنت أترأس وفدها للحوار مع حزب البعث والتي انضوت لاحقاً في إطار "جمعية الحقوقيين العراقيين"، ثم عادت واستقلّت في وقت لاحق. وعلى الرغم من صعوبة المفاوضات لاسيّما مع حامد الجبوري ولاحقاً مع محمد محجوب، إلّا أن الذي رجّح قيام مثل هذا التحالف، هو الموقف الإيجابي من القيادي البعثي صديقي زهير يحيى المرشح للقيادة القطرية في المؤتمر القطري الثامن في العام 1974 والذي توفي في ظروف غامضة في وقت لاحق، وسبق لي وأن ذكرته في أكثر من موقع ولأكثر من مناسبة فقد كان مهذباً ومتواضعاً ومثقفاً ومخلصاً حقيقياً للتحالف، وكانت علاقتي به قد توثقت قبل 17 تموز (يوليو) 1968  بنحو سنتين وفيها الكثير من الخصوصيات والأسرار. ولا أريد أن أنسى الدور الإيجابي أيضاً للصديق مجبل السامرائي (الذي أعيد إلى وزارة الخارجية بعد الاحتلال وأصبح سفيراً للعراق في فنلندا قبل إحالته على التقاعد).
   ولم يكن ما تحقّق بمعزل عن مرونة من جانبنا أيضاً وكنت في هذه القضية أنسّق مع ماجد عبد الرضا، ولكنه على الرغم من النجاح الذي تحقّق إلّا أن عدداً من الفائزين في الانتخابات تمت ملاحقتهم واعتقل بعضهم، ولاسيّما من القوميين، الأمر الذي وضع علامات استفهام كبيرة حول جدوى مثل تلك التفاهمات التي حسبما  يبدو طارئة وظرفية، بل لا تعدو أحياناً أن تكون تكتيكية بغياب الثقة اللازمة والمتبادلة بين السلطة ومعارضتها، وأستطيع أن أضيف الآن إن ثمة تعارض كان بين التوجّه السياسي لعدد من القيادات وبين الدوافع الأمنية ومركز القوة الذي أخذ يهيمن بالتدريج على كل شيء، وكثيراً ما كانت هناك تعارضات بين ما يقوم به ناظم كزار و"جهاز حنين" و"العلاقات العامة" " النواة لجهاز المخابرات"وكانت بإشراف صدام حسين، وبين توجّهات العديد من قيادات البعث وكوادره، وهو التناقض الذي طالما يحصل في الأنظمة الشمولية، حيث يتم إخضاع كل شيء لضرورات  الأمن وتمنح الأجهزة الأمنية صلاحيات لا حدود لها في الكثير من الأحيان، بحيث تتغوّل على الدولة والحزب.
   مأزق الاحتواء والطريق المسدود
   أما بشأن الموقف الطلابي، فان حزب البعث تشدّد في موضوع الاسم والرئاسة والأغلبية والتمثيل الخارجي، وإن خفّف موقفه من المسألة الأخيرة لاحقاً لمصاعب عملية، مؤجلاً بحثها لحين آخر، ولكن نحن من الجهة الأخرى لم تكن لدينا المرونة المطلوبة، أو بالأحرى الوضوح الكافي للحدّ الذي نريد الوصول إليه من التحالف، ناهيك عن الثقة الكافية بسبب تجارب عديدة، فباستثناء الاسم حيث كان الرأي حاسماً بشأنه فإن الأمور الأخرى كانت قابلة للنقاش، لكن فريق الاتحاد الوطني المفاوض لنا أصرّ على قيام تنظيم واحد بحجة "وحدة الحركة الطلابية"، ولم يكن ذلك يعني سوى الانضواء تحت لواء " الاتحاد الوطني" وكان مجرد طرحه إحراج لنا، بل انتقاص من كرامتنا ولم أكن مقتنعاً به شخصياً، وهو ما أبلغت إدارة الحزب برفضه بالكامل.
   وكنّا اقترحنا اسماً وسطاً " الاتحاد العام لطلبة العراق" وكان هذا الاسم قد ورد  بالقانون رقم 97 لسنة 1969، واعتبرنا هذا الاسم  يعبّر عن الطرفين، ولكننا من جهة أخرى طرحنا موضوع المساواة في توزيع المقاعد بحيث يكون عدد مقاعدنا بقدر المقاعد التي يحصل عليها الاتحاد الوطني في المكتب التنفيذي والأمانة العامة، وبالمقابل لا بدّ من مساواة عدد ما يأخذه القوميون الكرد ، بما يأخذه القوميون العرب. وفيما يتعلّق الأمر بالرئاسة فهي إمّا دورية أو يتم تداول الرئاسة والأمانة العامة بينهم وبيننا، وبالطبع فتلك صيغة ليست مقبولة أو حتى ممكنة في ظلّ توازن القوى السائد، خصوصاً وكنّا قد توصلنا إلى اتفاق بشأن 80% من الأهداف النقابية المشتركة، وقد سبق وأن قدمت قراءة نقدية لموقفنا في وقت لاحق.
   لكن ما عاظم التباعد وشدّد الحملة ضدنا وسرّع في  اتخاذ إجراءات "عقابية" وملاحقات هو عدم اعترافنا بشرعية الانتخابات ونزاهتها والنتائج التي تمخضت عنها، حيث نظّمنا حملة عالمية وعربية بدعم من اتحاد الطلاب العالمي الذي كان مهدي الحافظ ممثلنا فيه.
   وحضر وفد من اتحاد  الطلاب العالمي كلجنة لتقصي الحقائق والتقينا به في بغداد  حميد برتو وأنا، وكان الوفد يضمّ كجمن من ألمانيا الديمقراطية (نائب السكرتير العام) وفتحي الفضل من السودان (نائب الرئيس) وأصبح لاحقاً سكرتيراً عاماً لاتحاد الطلاب العالمي خلفاً لمهدي الحافظ في مؤتمر براتسلافا (المؤتمر العاشر) الذي انعقد في يناير /كانون الثاني من العام 1971، وكان اجتماع اللجنة التنفيذية قد انعقد قبل ذلك بنحو أسبوع، وشاركت بالاجتماعين، وكنت قد وصلت من القاهرة، حيث شاركت بمؤتمر بمناسبة ميلاد الزعيم جمال عبد الناصر (بعد وفاته بنحو أربعة أشهر - 15 كانون الثاني /يناير /1971 حيث نُظم في جامعة القاهرة ) وقدّمت بحثاً بعنوان: عبد الناصر وحركة التحرّر العربي (نشرناه في نشرة لجنة التنسيق التي كنّا نصدرها خارج الوطن).
   في بغداد نظمنا لوفد IUS (اتحاد الطلاب العالمي) اجتماعاً مع سكرتارية اتحاد الطلبة (انعقد في بيت خاص في بغداد الجديدة) وحضر اللقاء على ما أتذكّر: لؤي أبو التمن، حميد برتو، محمد النهر، ناظم الجواهري، سعدي السعيد، فائز عبد الرزاق الصكَر وصبحي مبارك ولم تتمكّن رابحة الناشئ  من الحضور، وكانت قد حلّت محل الرفيقة رقيّة الخطيب في سكرتارية الاتحاد والأخيرة تزوجت من عزيز حميد الذي استشهد في العام 1970 في قصر النهاية، وهو شيوعي قديم عمل في فترة سلام عادل  مسؤولاً عن محلية العمارة في 1954.
   وكان قد حصل تداول في المسؤولية خلال السنوات الثلاث الأخيرة من عمل اتحاد الطلبة وإن بقي بعضهم في المسؤولية أو عاد إليها بطلب خاص من إدارة الحزب كما حصل مع لؤي أبو التمن وكاتب السطور، فقد شملت التغييرات غياب : حسن أسد وصلاح زنكنة ويوسف مجيد وطه صفوك وسعد الطائي وهادي صالح الكليباوي ونوزاد شاويس وحميد برتو وآخرين واقتصر الحضور على الأعضاء الفعليين في مكتب السكرتارية في الانتخابات التي أجريناها في الكونفرنس الرابع الذي انعقد في جزيرة " أم الخنازير" ببغداد بتاريخ  10/10/1969، وكنّا ننسق حينها مع ماجد عبد الرضا من إدارة الحزب وصاحب الحكيم المسؤول الحزبي حينها، أي عشية الانتخابات الطلابية العامة والتي اتخذنا قراراً بشأن المشاركة فيها سواءً عبر التحالف مع الاتحاد الوطني ، وهو ما كنّا نأمل تحقيقه على الرغم من الصعوبات والعقبات والاشتراطات، وإنْ فشلنا في الوصول إلى ذلك ، فيمكن أن نرشّح لوحدنا أو مع بعض القوى القريبة منّا مهما صغُر حجمها. وكان المؤتمر الرابع قد انعقد في جديدة الشط " الراشدية" ببغداد في 28 كانون الأول /ديسمبر العام 1968 في بساتين صفوك الجبوري، وكان التنسيق حينها مع د. كاظم حبيب من مكتب لجنة بغداد.
   والتقى وفد اتحاد الطلاب العالمي بممثلين عن القائمة المهنية الديمقراطية التي ضمّت ممثلين عنّا وعن القوميين (الحركة الاشتراكية)  واستمع إلى شهادات حيّة من بعض الذين تعرضوا للأذى أو الاعتقال أو الاحتجاز خلال الانتخابات. وعلى الرغم من تأييد وفد اتحاد الطلاب العالمي لمواقفنا واقتناعه بوجهات نظرنا وتأكيده في الاجتماعات العديدة واللقاءات الثنائية على أن الانتخابات حسب المعطيات التي عرضناها "غير شرعية" وشابها الكثير من العيوب التي أثرت على نتائجها، لكن كجمن الألماني غيّر رأيه لاحقاً وكتب تقريراً ممالئاً للاتحاد الوطني لطلبة العراق، بناء على طلب من السفارة الألمانية في بغداد وبتوجيه من القيادة الحزبية للحزب الاشتراكي الألماني الموحّد، حيث كان العراق أول دولة اعترفت بجمهورية ألمانيا الديمقراطية من خارج الكتلة الاشتراكية وأقامت علاقات دبلوماسية معها وجرى تبادل التمثيل الدبلوماسي بصفة "سفير".
    وبعد أن توثقت علاقتي بكجمن في الخارج من خلال مساهمتي في عدد من المؤتمرات والاجتماعات الدولية سألته عن سبب تغيير موقفه فأجاب " كما تعلم إنني حزبي ولا بدّ أن ألتزم بقرارات "القيادة" التي كان رأيها هو تقديم الأهم على المهم " حسبما قال، "والأهم هو العلاقات الثنائية بين البلدين"، أما تفاصيل تتعلق بانتخابات مهنية ، فلا يمكن مقارنتها بالعلاقات المختلفة والمتنوّعة بين البلدين.
   مهدي الحافظ في سكرتارية الجبهة الوطنية
   خلال وجود مهدي الحافظ في براغ لمهمته المهنية حاول الدراسة في مدرسة الاقتصاد العليا، وهي مدرسة تخرج الكادر الحكومي والحزبي المتقدم ، وتعتبر من المدارس الاقتصادية المتقدمة في العالم بعد كلية لندن للاقتصاد (London School of Economics) في  بريطانيا والكليات الاقتصادية الشهيرة في الهند وبولونيا ، ولكن بسبب قبول أحد الطلاب ممن لم ينهِ دراسته الثانوية سحبت الحكومة العراقية الاعتراف بها، وقد حاولنا عبر بيانات وإيضاحات تقديم ما يعزّز الثقة بالمدرسة الاقتصادية العليا حتى أعيد الاعتراف بها، وكنت قد حضرت مناقشة مهدي الحافظ ودفاعه عن أطروحته ، وأتذكر أن  هشام البعّاج الذي كان يدرس في المدرسة ذاتها حضر أيضاً، كما حضر حميد برتو وآخرين الاحتفالية التي أقيمت بعدها، وكان ذلك في العام 1973، وعاد مهدي الحافظ إلى بغداد حيث كان قد انتدب إلى العمل في سكرتارية الجبهة الوطنية، واستمر في إلقاء بعض المحاضرات في الجامعة المستنصرية ، وأساس وظيفته كان في وزارة النفط.
   وكان الحافظ قد تخرّج من كلية التربية في بغداد- قسم الكيمياء، ودرس من العام 1961 ولغاية العام 1964 في مدرسة الإعداد الحزبي في براغ مع عزيز الحاج وماجد عبد الرضا وخلال زياراته المتكررة إلى براغ كنت ألتقيه في كل مرّة ، سواء مع نعيم حداد أم مع آخرين في إطار مجلس السلم العالمي بصحبة عزيز شريف ونوري عبد الرزاق وآخرين، وسبق أن رويت في إحدى المرّات عن مناقشة بين الجواهري وعزيز شريف في فندق الانتركونتيننتال، وذلك في كتابي " الجواهري- جدل الشعر والحياة" دار الكنوز الأدبية ، بيروت، 1997، وط2 دار الآداب 2008.
   خلال عمله في سكرتارية الجبهة لم يتردد مهدي الحافظ في تبنّي الكثير من القضايا المتعلقة بحياة الناس، وأتذكّر أنني كتبت له بخصوص قضية هادي راضي الذي أعيد من براغ بقرار حزبي بيروقراطي خاطئ لتتسلّمه الأجهزة الأمنية، وقد بذل ما في وسعه ليس لإطلاق سراحه فحسب ، بل لاستحصال جواز سفر له بعد عدّة أشهر ليعود إلى براغ، وحين عدت إلى بغداد كان مهدي الحافظ قد أبعد من سكرتارية الجبهة بقرار من إدارة الحزب، ونسّب إلى مكتب العمل الآيديولوجي، والتقيت به عدة مرّات وأخبرته بأنني سأذهب إلى أداء الخدمة الإلزامية وبقينا على اتصال، ثم أخبرني بأنه سيغادر إلى الخارج وقد تطول إقامته، وعرفت إنه نسّب إلى العمل في السفارة العراقية في جنيف.
   تواصل جديد من دمشق
   وحين وصلت إلى دمشق في تموز /يوليو العام 1980، اتصلت به تلفونياً وأعطيته عنواني وتواصلت معه بالمراسلة، وجاء إلى دمشق والتقينا وشعرت إن قرار إبعاده ترك لديه حزناً شديداً، لاسيّما ما صاحب ذلك من محاولات للإساءة ، ساهم فيها بعض "أعدقائه"، وقد تردّت صحته واضطر لإجراء عملية جراحية لقرحة نازفة في المعدة.
   والتقينا في دمشق وبيروت مثلما التقينا لاحقاً في القاهرة وبراغ وفيينا وبغداد عدّة مرّات وكنت أشعر في كل مرّة إن ثمة تراكم حاصل في علاقته مع الحزب، وحاولت من جانبي تخفيفه، ولكن تباعد المواقف، ولاسيّما إزاء التطورات السريعة، لم يجعل أي منّا بعيداً عن التأثّر بها، ولاسيّما الموقف من الحرب العراقية - الإيرانية، وكنت قد أصدرت كرّاساً بعنوان " النزاع العراقي - الإيراني" في مطلع العام 1981 وكتبت قبل ذلك عدّة مقالات حول الموضوع لقيت ارتياحاً لديه، وأثّرت وجهات نظر غير تقليدية بخصوص الموقف من حقوق العراق المشروعة، خارج قرار اللجوء للحرب الذي كان خطأ بكل المعايير، لكن المطالبة بالحقوق ونقد اتفاقية 6 آذار  (مارس) 1975 وهو ثابت ينبغي التمسك به شيء،  في حين أن اللجوء إلى الحرب شيء آخر، وكان هذا موقفي ذاته حيث كتبت رسالة إلى المكتب السياسي(1975) أوضح فيها رأيي المستند إلى قواعد القانون الدولي والمنسجم مع المصلحة الوطنية العليا في حينها، وكانت الرسالة تتألف من 13 صفحة، وكانت إدارة الحزب قد عبّرت عن تأييدها غير المبرّر لاتفاقية 6 آذار/مارس 1975 المجحفة وغير المتكافئة.
*****
   اللجنة الوطنية العراقية للسلم
   حين كلّفتُ بإعادة تأسيس اللجنة الوطنية العراقية للسلم وليس المجلس الوطني للسلم والتضامن (وهي التسمية الرسمية التي احتفظت بها بغداد حيث بقي عزيز شريف رئيساً لها) تحرّكتُ على القوى السياسية والشخصيات الوطنية، وفاتحت بعض القوميين للانضمام، فوافق هاشم علي محسن ومحمد الحبوبي ومن البعثيين فاضل الأنصاري وباقر ياسين، ومن الأكراد مسعود البارزاني وآخرين واقترحت ثلاثة أسماء جديدة هي: الجواهري ومحمود صبري وعلي الشوك. كما اقترحت الإبقاء على جميع الأعضاء السابقين من طرفنا وهم : نوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ ورحيم عجينة وبشرى برتو وعامر عبدالله ونزيهة الدليمي وكريم أحمد وصفاء الحافظ، وأرسلت القائمة الجديدة إلى الرفيق باقر ابراهيم الذي كلّفني بالمهمة باسم المكتب السياسي  والتي استغرقت بضعة أسابيع لإنجازها وإجراء اتصالات بالشخصيات الجديدة، فأعادها لي وكان قد وضع اسمي من ضمن القائمة بقلمه وبخط يده، مؤشراً أن هذا قرار المكتب السياسي.
   وكان أولى مهمات اللجنة السفر إلى عدن لحضور المؤتمر الدولي لمجلس السلم العالمي، وكان الوفد برئاسة عامر عبدالله وعضوية د. نزيهة الدليمي وكاتب السطور، والتقينا بشاندرا رئيس مجلس السلم وبعلي ناصر محمد الرئيس اليمني وشرحنا لهما كل على انفراد وللوفود الأخرى ظروف عملنا وما أصاب المجلس القديم من تصدّع وعرضنا عليهم التشكيلة الجديدة شارحين لهم التعددية الفكرية والتنوّع السياسي الذي تحتويه ودون أن نطلب منهم شيئاً محدداً فيما يتعلق بالتركيبة الرسمية، والأكثر من ذلك قلنا لشاندرا: أننا لم ننتخب رئيساً لنا لأننا نعتبر عزيز شريف رئيسنا جميعاً حتى وإن بقي رسمياً مع " مجلس بغداد". وقد حصل احتكاك بين عامر عبدالله ود. عصام عبد علي الذي ترأس الوفد الحكومي بسبب الموقف من الحرب العراقية- الإيرانية.
   وبعد التحاقي بقوات الأنصار وخلال عودتي للعلاج عرفت بأنه تم تنحيتي من اللجنة المذكورة التي عملت على إعادة تأسيسها وكنت منسقاً لأعمالها لسبب رئيس أنني وضعت فيها اسمي مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق، وكان ذلك جزءًا من الصراع الفكري الذي اتخذ أبعاداً إقصائية وإلغائية مختلفة ، لا يتّسع المجال لذكرها.
   بعد أن تعرّض موقعنا للهجوم من جانب الاتحاد الوطني الكردستاني، في أحداث بشتاشان الإجرامية 1983ومقتل نحو 60 رفيقاً وما بعدها من تداعيات خلال عبورنا جبل قنديل الرحيب، الذي يبلغ ارتفاعه 7800 قدم والمكسو بالثلوج طيلة أيام السنة باستثناء شهري تموز /يوليو وآب/أغسطس، وصلنا إلى إيران حيث تقرّر ذهابي إلى العلاج وهو قرار سابق للجنة الطبية ووصلت  إلى طهران بعد معاناة شديدة لا يتسع المجال لذكرها. ومن هناك كتبت إلى مهدي الحافظ ، وعرفت أنه كان دائم الاستفسار عني، خصوصاً وثمة أخبار عن إبادة من كان في موقع الإعلام المركزي قد تم تناقلها، حيث كنت مستشاراً لفصيل الإعلام المركزي وسكرتيراً للمنظمة الحزبية، وفي الموقع ذاته ، كانت الإذاعة والجريدة ونشرة "مناضل الحزب" التي كنّا نصدرها باسم المكتب الآيديولوجي المركزي ومسؤوليات أخرى.
   تطورات الحرب العراقية- الإيرانية والافتراق مع إدارة الحزب
   كانت وجهات نظر العديد من الرفاق قد أخذت تتبلور وتنضج بشأن الحرب العراقية - الإيرانية، خصوصاً بعد انسحاب الجيش العراقي من الأراضي الإيرانية ، وذلك بعد معركة خرمشهر (المحمّرة) 1982، وكنت ممن بادر بالكتابة عن الحرب وتطوراتها كراساً وعدّة أبحاث ودراسات ، وشعرت إن  موقفي أصبح أكثر بُعداً من إدارة الحزب، بل أصبح أكثر عمقاً وحسماً وشمولاً بعد دخول الجيش الإيراني للأراضي العراقية، عبر عملية عسكرية في منطقة حاج عمران العام 1982، وكنت قد كتبت إن الحرب لم تعد عدوانية هجومية من الجانب العراقي ووطنية دفاعية من الجانب الإيراني، بل إن تغيير المواقع يفرض اعتبار استمرار "الحرب عدوانية من الطرفين" ولا تخدم سوى الإمبريالية والصهيونية، و

23
في استشكال «حوار الحضارات»
عبد الحسين شعبان
تعمدت الحديث عن «حوار الحضارات» مثلما «صراعها»، لاعتقادي أننا وإنْ كنّا من ثقافات مختلفة ومتنوّعة، لكننا ننتمي إلى حضارة واحدة وهي ما نعيشه اليوم مثلما عاشت البشرية في عهود أخرى حضارة مغايرة، وبقدر ما يمكن النظر إلى الحضارة باعتبارها «موحّدة»، فهناك تباين في فروعها المتعدّدة، وهي التي تمثّل الهويّات المختلفة لشعوب وأمم وثقافات ولغات وأديان اختلفت عن غيرها.
ويمتد الكلام ليشمل «حوار الأديان» وفي أحيان أخرى «حوار المذاهب»، تقاربها أو صراعها، وبالطبع فالقاسم المشترك هو اختلافها، لأن الأخيرة تمثّل اجتهادات إزاء قضايا فقهية وعملية، تكوّنت رؤى وتصورات إزاءها، عبر الزمن وبالتراكم والإضافة، تارة لتقريب الدين وأخرى بعيداً عنه، حيث دخلت عليه عادات وتقاليد ومثيولوجيات ورغبات حكام أو فقهاء أو غير ذلك، وقد يكون هناك بون شاسع بين المقاصد الأولى وبين ما وصل إلينا من تشوّهات.
ومن «حوار المذاهب» ننتقل أحياناً إلى حوار «الأقليّات» أو «القوميات» والمقصود المتحدرين منها من المجاميع الثقافية، والأساس في ذلك هو حوار الحقوق والحريات ومبادئ المساواة والعدالة والشراكة والمشاركة، وتلك أركان أساسية للمواطنة، تمثّل القيم الإنسانية المشتركة للأديان أو المذاهب أو القوميات أو الهويّات أو اللغات، بما فيها من مشتركات ومتداخلات وتمازج ثقافات في إطار الحضارة الإنسانية الجامعة.
والأمر له امتداد بعيد المدى، قديماً مثلما هو حديث بالطبع، خصوصاً في ظل العولمة والثورة العلمية - التقنية، ولاسيّما ثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والطفرة الرقمية، ووجدت الأفكار والمعتقدات طريقها إلى التلاقح منذ القدم؛ حيث يكثر الكلام عن طريق الحرير سابقاً أو راهناً ومستقبلاً، وكان الإسلام وقبله المسيحية قد لعبا أدواراً أساسية ومهمة في إطار امتزاج ثقافات الشعوب وتأثيراتها على الحضارة الكونية الموحّدة والمتنوّعة معاً.
الحوار اليوم أصبح «فرض عين وليس فرض كفاية» كما يقال، لأنه لا غنى عنه وهو اضطرار مثلما هو اختيار، لأن عكسه سيعني استمرار الصراع والاحتراب الذي قد يقود إلى نزاعات دولية أو أهلية، خصوصاً إذا ما دخل الدين والاختلاف الطائفي والقومي عليها، فستكون هذه الصراعات كارثية، لأنها تتعلق بقيم السماء وليس بالأرض، وهكذا تتخذ طابعاً إلغائياً وإقصائياً واستئصالياً.
ويمثّل الحوار بعداً إنسانياً مجتمعياً، أساسه الإقرار بالتنوّع وقبول التعددية والاعتراف بالآخر والحق في الاختلاف، ولا حوار متكافئ دون ذلك، وهذا يفترض إيجاد مساحة مشتركة للجميع ومحاربة التعصّب والتطرّف ونبذ الكراهية والعمل على توفير الفرص المناسبة للتسامح والسلام وبالتالي الانتقال من الاحتراب إلى التعاون، فالصراع سوف لا ينتهي، ويبقى قائماً ويأخذ أشكالاً متعدّدة، سلمية ولاعنفية، هدفها تعزيز القيم المشتركة وتطوير التنمية وتحقيق السلام والمشترك الإنساني، لاسيّما حين يعتمد على المنافسة الإنسانية الشريفة للأصلح والأفضل.
وتشكّل ظاهرتا العنف والإرهاب وهما نقيضا الحوار ومن الظواهر التي تواجه مجتمعاتنا، خطراً حقيقياً على البشرية والحضارة الإنسانية وثقافاتها، لأن الإرهاب لا دين له ولا جنسية ولا قومية ولا لغة ولا أصل اجتماعي؛ إنه يضرب في كل مكان، وقد ارتفع منسوبه بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.
وإذا كان العنف لاعتبارات شخصية ونفسية، سياسية أو فكرية أو قومية أو دينية أو مذهبية، يخضع للقانون الجنائي، باعتبار أن المرتكب يستهدف الضحية بعينها، فإن الإرهاب أشمل وأوسع، لأنه يستهدف خلق الرعب والذعر والهلع في عموم الدولة أو في المجتمع الدولي.
وعلينا التمييز بين إرهاب الدولة وإرهاب الجماعات أو الأفراد ف«إسرائيل» تمارس إرهاب الدولة بشكل صارخ وسافر لحقوق الشعب الفلسطيني منذ تأسيسها في العام 1948 ولغاية اليوم، كما يمكن إدراج قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل السفارة إلى القدس والامتناع عن مدّ منظمة الأونروا «غوث اللاجئين» بالمال الضروري لاستمرارها، ضمن أعمال إرهاب الدولة، مثلما هناك إرهاب الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون وخاصة إرهاب الجماعات التكفيرية مثل «داعش» والقاعدة وأخواتهما، إضافة إلى إرهاب الأفراد لاعتبارات سياسية في القتل والقنص والخطف وطلب الفدية وغير ذلك.
drshaban21@hotmail.com



24
المنبر الحر / روسيا «المسلمة»!!
« في: 18:48 01/10/2018  »
روسيا «المسلمة»!!

عبد الحسين شعبان
لم يخطر ببالي أن أحاضر في موسكو بالذات عن «الإسلام»، ولكن مجلس شورى المفتين لروسيا، هو الذي كان قد وجه الدعوة لنا، للمشاركة في ندوة فكرية تناولت قضايا السلام وحوار أتباع الأديان والثقافات في مواجهة التطرّف والإرهاب برعاية الشيخ رافيل عين الدين مفتي روسيا وبحضور مطران القدس عطا الله حنا، وقد ساهم في تنظيم الحوار، المنتدى الاجتماعي للثقافة العربية بالتعاون مع السفارة اللبنانية في موسكو.
وقد التأم الحوار الذي افتتحه الدكتور روشان عباسوف النائب الأول لرئيس المجلس ورئيس الإدارة الدينية لمسلمي روسيا الاتحادية، في «مسجد موسكو الجامع»، الذي هو تحفة معمارية فريدة ومنارة ومعلم في المدينة العريقة، وقد افتتحه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الفلسطيني محمود عباس في العام 2015 عند إعادة تشييده، وحضر الافتتاح كل من رئيسي قيرغيزستان وكازاخستان. وتعكس هندسة المسجد وفلسفته رسائل المحبة والسلام والوحدة والتآخي بين الشعوب، حيث يعيش في روسيا أكثر من 20 مليون مسلم، إضافة إلى البلدان الإسلامية المحيطة، والتي كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي السابق الذي تأسس في العام 1922.
وتقوم فلسفة مسلمي روسيا، على تعزيز الحوار والتعاون، لاسيّما على الصعيد المجتمعي وفي المجالات المختلفة لتأمين أوسع مشاركة وشراكة لمكافحة التطرّف ومواجهة الإرهاب، وكان هذا العنوان جوهر مضمون محاضرتي في هذا المحفل المتنوّع، المختلف والمؤتلف، لاسيّما بتعزيز القيم المشتركة للأديان والفلسفات ذات الأبعاد الإنسانية، خصوصاً وإن الإرهاب غالباً ما يتم تلوينه بألوان دينية أو مذهبية أو إيديولوجية، الأمر الذي يستوجب لمحاربته مواجهة التعصّب ووليده التطرّف، وإذا ما تحوّل هذا الأخير إلى فعل وسلوك سيؤدي إلى العنف، وقد يقود إلى الإرهاب الذي يضرب عشوائياً، والفارق بين العنف والإرهاب إن الأول يستهدف الضحية بعينها لأنه يعرفها ولأسباب سياسية أو اقتصادية أو دينية أو فكرية أو غيرها، أما الإرهاب فإنه يستهدف خلق نوع من الرعب والفزع لدى الناس وإضعاف هيبة الدولة وبالتالي تشكيك المواطن، بقدرتها على حمايته.
إن وضع حدٍّ لظواهر العنف والإرهاب يقتضي خلق بيئة مشجّعة بعيدة عن التعصّب والتطرّف ومثل هذه البيئة لا بدّ أن تعترف بالتنوّع وتقرّ بالتعدّدية والحق في الاختلاف، ولا شكّ أن ذلك يستلزم توفير ظروف مناسبة لنشر ثقافة التسامح واللّاعنف والسلام والاعتراف بالآخر ونبذ كل ما له علاقة بالكراهية والحقد والانتقام. ولن يكون ذلك ممكناً دون اعتماد الحوار سبيلاً لنزع فتيل التوترات وحل النزاعات ووقف الاحترابات، وتوفير السبل الكفيلة للقضاء على الجهل والأمية ونشر التعليم ومكافحة الفقر وتأمين فرص عمل والقضاء على البطالة، وخصوصاً في صفوف الشباب، وقد أثبتت التجارب أن الجهد الأمني والاستخباري والعسكري لوحده غير كافٍ في القضاء على الإرهاب، إنْ لم يتم تجفيف منابعه وقطع إمداداته المالية والاقتصادية وتفكيك مرتكزاته الفكرية.
ومنذ العام 1998 نوقشت مسألة الحوار بين الحضارات والثقافات، والمقصود بين أتباعها أو المنتسبين إليها، وتقرّر اعتبار العام 2001 «عام الحوار» في الأمم المتحدة، وتبنّى المؤتمر الإسلامي في العام 2005، اقتراح العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز بشأن مسألة حوار الحضارات. ولعلّ هذا التوجه كان نقيضاً للفكرة الرائجة في الغرب والولايات المتحدة بشكل خاص والتي نظّر لها فرانسيس فوكوياما بشأن «نهاية التاريخ» العام 1989 وصموئيل هنتجتون حول «صدام الحضارات» العام 1993 وفيما بعد «بيان المثقفين الأمريكان الستين» الذي صدر بُعيد أحداث سبتمبر/أيلول الإرهابية العام 2001 التي خلقت ردود فعلها، المزيد من الفوضى في العلاقات الدولية، ولاسيّما الدعوة إلى حروب وقائية أو استباقية كان من نتائجها غزو أفغانستان العام 2001 واحتلال العراق العام 2003، ورافق ذلك شنّ حروب إعلامية ونفسية خشنة وناعمة بشكل مباشر أو بالوكالة واستخدام جميع منجزات الثورة العلمية - التقنية بما فيها ثورة الاتصالات والمواصلات والطفرة الرقمية «الديجيتل».
المنتدى الحواري المنعقد في موسكو، شاركت فيه مؤسسات وشخصيات علمية وثقافية وفكرية وأدبية متنوعة من روسيا والعالم العربي ومن منابع متنوّعة ومناشئ مختلفة، وضمّ متدينين وعلمانيين، وكان هدفه الرئيسي، التأكيد على القيم الإنسانية الموحّدة لبني البشر بغض النظر عن أديانهم ومعتقداتهم وقومياتهم ولغاتهم، ولاسيّما قيم الحرّية والمساواة والعدالة والشراكة والمشاركة بين الشعوب والمجتمعات، كما نبّه إلى خطر الطائفية بالنسبة لروسيا والبلاد العربية ودعا إلى توسيع مجالات التعاون الإنساني والحوار البنّاء وتفعيل دور «الدبلوماسية الشعبية» لإثراء الثقافات وتلاقحها، على أساس من احترام الخصوصيات والهوّيات الفرعية.
روسيا «المسلمة» تبدو اليوم أكثر انسجاماً مع محيطها الأرثوذكسي على الرغم من التحديات التي تواجهها، بل أكثر انفتاحاً على المحيط الإنساني، وما التفاعل مع العالم العربي سوى حوار بصوت عالٍ يحمل أبعاداً متعددة أساسها المشترك الإنساني.
Email: drshaban21@hotmail.com


25
عن الاختفاء القسري مرّة أخرى
عبد الحسين شعبان
يحتفل العالم كل عام باليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري، وقد تقرّر الاحتفال بهذا اليوم عقب تبنّي الجمعية العامة للأمم المتحدة « الاتفاقية الدولية المتعلقة بحماية ضحايا الأشخاص من الاختفاء القسري» التي دخلت حيّز النفاذ في العام 2010.
وكنت انشغلت بهذا الملف منذ ربع قرن تماماً، حين اختفى زميلنا منصور الكيخيا، وزير الخارجية الليبي الأسبق في القاهرة، بعد أن حضرنا سويّة اجتماع الجمعية العمومية للمنظمة العربية لحقوق الإنسان الذي أنهى أعماله يوم 6 ديسمبر/ كانون الأول 1993، وفي العاشر من الشهر ذاته خرج منصور الكيخيا ولم يعد، وظلّت غرفته في فندق السفير بالدقي مغلقة إلى اليوم الثاني، حيث شاع خبر اختفائه قسرياً.
كان الإجراء الأول الذي اتخذه عدد من المثقفين العرب هو تشكيل لجنة في لندن لإجلاء مصيره ترأسها الشاعر بلند الحيدري، كما تشكلت لجنة قانونية في القاهرة من كبار الحقوقيين، والمحامين، وعدد من الشخصيات العامة لمتابعة قضيته. ولم يجل مصير الكيخيا الذي ظلّ غامضاً، ومبهماً، وملتبساً، إلّا بعد إطاحة نظام القذافي حيث بدأت بعض خيوطها تتكشف، لاسيّما بعد اعترافات مدير مخابراته، حيث تم اكتشاف قبره في العام 2012 ونظمت « الدولة» احتفالية تكريمية خاصة له.
وتلك قصة مثيرة روى كاتب هذه السطور فصولها على حلقات، سواء قبل إجلاء مصيره في كتابه الموسوم « الاختفاء القسري في القانون الدولي والواقع العربي»، أو بعده، حيث كان اختطف من القاهرة، ووضع في صندوق السيارة، ووصل إلى طرابلس، وتم التحقيق معه، وبقي سجيناً لمدة 4 أعوام حتى توفي في العام 1997، ولكنه لم يدفن، بل استبقي في «ثلّاجة» بناء على رأي إحدى العرّافات التي كان يستمع إليها الزعيم الليبي، كي لا يصيبه مكروه، والقضية تصلح أن تكون فيلماً سينمائياً درامياً مثيراً، ففيها الكثير من الحبكات الدرامية المتشابكة .
إن الاحتفال باليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري، له دلالات عدة، من أهمها أنه واحد من أبشع الجرائم التي عرفتها البشرية، وكان نظام المحكمة الجنائية الدولية، المعروف بنظام روما لعام 1998، نص على ذلك قبل إقرار اتفاقية الأمم المتحدة (2010). ولعل هذه الجريمة لا تسقط بالتقادم، خصوصاً بتأكيد مسؤولية الدولة عن هذا العمل الشنيع، والشائن، حيث تمتد آثارها إلى أبعد من حدود الضحية المباشرة التي تعاني فوق سلبها حريتها، الحرمان من الحماية القانونية التي هي حق أساسي للإنسان، وتشمل آثار عملية الاختفاء القسري، ذوي الضحية أيضاً.
وهكذا تتوّسع دائرة الفعل لتشمل ضحايا آخرين، لاسيّما وهم يجهلون مصير الضحايا المختفين، سواء أكانوا على قيد الحياة أم فارقوا الحياة، وقد تطول هذه الفترة فتترك آثاراً نفسية واجتماعية وقانونية ومادية في ذوي الضحية، خصوصاً إذا كان المختفي هو العائل الأساسي في العائلة، فضلاً عن أن العديد من البلدان التي تنتشر فيها ظاهرة الاختفاء القسري، وهي تزيد على 63 بلداً، لا توجد فيها تشريعات قانونية تنظّم الآثار المترتبة على هذا الفعل شديد القسوة، وإن وجدت فهي غير كافية ورادعة.
والدلالة الأخرى تشير إلى أن الاحتفال ينبّه إلى ضرورة الارتقاء بالوعي بخطورة هذه الظاهرة، وما تسبّبه من أضرار بالمجتمعات، وعلى مصير علاقة الفرد بالدولة، وبقضية الحرية والتنمية والسلام المجتمعي، وحكم القانون، الأمر الذي يتوجب على البلدان التي لم توقع، أو وقعت ولم تصادق على هذه الاتفاقية، ومنها العديد من البلدان العربية والإسلامية، أن تستكمل الإجراءات الخاصة على الصعيد الداخلي ، فحتى الآن صادقت على الاتفاقية 49 دولة وانضمت إليها 58 دولة، علماً بأن البلدان العربية هي أكثر البلدان حاجة إلى هذا المسار القانوني، خصوصاً وهي تعاني تفشي الإرهاب، والعنف، والنزاعات، والحروب الأهلية، واختفاء عشرات الآلاف من البشر، لاسيّما بعد هيمنة «داعش» على الموصل والرقة، كما لم يجل مصير عشرات الآلاف في ليبيا واليمن، الأمر الذي يقتضي التعاطي مع هذا الملف بجدية كبيرة.
وكانت الأمم المتحدة أولت اهتماماً مبكّراً بظاهرة الاختفاء القسري، ففي عام 1979 أصدرت قراراً بعنوان «الأشخاص المختفون»، أشارت فيه إلى القلق المتزايد بخصوص الاختفاء القسري، والتقارير الدولية المتّصلة بذلك. وفي العام 1980 أنشأت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة الفريق العامل المعني بمتابعة حالات الاختفاء القسري. وفي العام 1992 أقرّت الجمعية العامة «إعلاناً بشأن حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، غير الطوعي»، تضمن 21 مادة، واعتبر الإعلان أعمال الاختفاء القسري جريمة مستمرة باستمرار مرتكبيها التكتم على مصير الضحية، وكان المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان المنعقد في فيينا العام 1993 طلب من جميع الدول اتخاذ التدابير الفعّالة بغية الوقاية من الأفعال التي تسفر عن الاختفاء القسري.
ولعلّ الدلالة الأخيرة هي ضرورة إبقاء قضية الاختفاء القسري في دائرة الضوء، لأن الخاطفين يريدونها أن تدخل دائرة النسيان .
drshaban21@hotmail.com



26
المنبر الحر / المغطس العراقي
« في: 18:27 29/08/2018  »
المغطس العراقي
عبد الحسين شعبان
أثار تصريح رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بشأن موقف العراق من العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران، موجة واسعة من ردود الفعل الإيرانية الحادّة. وعلى الرغم من أن العبادي كان حذراً ومُحترساً إلى درجة كبيرة، بقوله: «من حيث المبدأ نحن ضد العقوبات في المنطقة (ويُفهم من كلامه أن الأمر يشمل تركيا أيضاً)... لكننا سنلتزم بها لحماية مصالح شعبنا».
ومع أن تصريح العبادي يندرج في خانة «النأي بالنفس»، لكن هناك من استخدمه ذريعة ليطالب العراق بدفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بإيران بسبب الحرب العراقية - الإيرانية، وحرب الخليج الثانية بعد غزو الكويت، وهي تقدّر بمليارات الدولارات، كما ذهبت إلى ذلك معصومة ابتكار نائبة الرئيس الإيراني.
أما مجتبى الحسيني، ممثل المرشد الإيراني علي خامنئي، الذي يقيم في النجف منذ العام 2015، فقد ندّد بموقف العبادي، واصفاً تصريحاته بأنها «لا مسؤولة» «ولا تنسجم مع الوفاء للمواقف المشرّفة للجمهورية الإسلامية الإيرانية»، بل اعتبر موقفه تعبيراً عن «انهزامه النفسي تجاه أمريكا التي ينخرط معها، ويخضع لها في مؤامراتها على جارة العراق، إيران»!.
وقد درج بعض رجال الدين الإيرانيين المقيمين في العراق، وهم «أجانب» بالطبع، حسب القانون الدولي، التدخّل على هذا النحو السافر بالشأن السياسي العراقي الداخلي منذ الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003. كل ذلك يحصل دون ردود فعل رسمية من جانب بغداد، سواء إزاء هذه التدخّلات التي تخصّ صميم السلطان الداخلي أم إزاء المطالبات غير المشروعة بالتعويضات من جانب مسؤولين إيرانيين.
وإذا كانت العقوبات ضد أي شعب مسألة لا إنسانية بغض النظر عن تصرّفات حكّامه، فلماذا كان الحصار المفروض على الشعب العراقي «محموداً» في حين أن الحصار على الشعب الإيراني «مذموم»؟ ونستطيع القول بثقة أيًّا كانت أسباب الحصار والعقوبات على الشعوب، فإنها لا تلحق الضرر بالأنظمة بقدر ما تفعل فعلها المميت في الشعوب، ولم يحدّثنا التاريخ أن حاكماً زهقت روحه بسبب الجوع، لكن الحصار بلا أدنى شك عرّض شعوباً للمجاعة، وأودى بحياة الآلاف والملايين من السكان المدنيين الأبرياء، وحدث خلال الحصار المفروض على العراق وفاة مليون و650 ألفاً من العراقيين، ولهذا فالموقف المبدئي وخارج سياسات الكيل بمكيالين أو الموقف ذو الطبيعة الازدواجية كان ولا يزال وسيبقى هو ضد فرض العقوبات على شعب بكامله بسبب سياسات حكّامه.
ونلاحظ حتى اليوم التشوّهات التي خلقتها إجراءات الحصار والعقوبات على المجتمع العراقي وعلى الشخصية العراقية، بما فيها الميل إلى العنف باستخداماته المختلفة تحت مبررات ومزاعم شتى، تارة طائفية أو مذهبية وأخرى إثنية، وثالثة بزعم الدفاع عن الهويّة والدين وغير ذلك.
لقد بلغت القرارات الدولية المفروضة على العراق بعد غزو الكويت في 2 أغسطس/آب 1990 وبعد حرب قوات التحالف الدولي ضده في 17 يناير /كانون الثاني/ 1991 نحو 75 قراراً، بما فيها القرارات التي صدرت بعد الاحتلال العام 2003، ولا يزال العراق حتى الآن يئن منها، بما فيها دفع التعويضات، ولذلك فإن موقف العبادي وغيره من الأطراف السياسية التي تتحفّظ على العقوبات على إيران وتركيا، حتى وإنْ كانت قراءاتها السابقة مخطئة ومتأخّرة، إلّا أنه يمكن النظر إليها اليوم من زاويتين: الأولى - لسبب مبدئي أساسه إن الحصار ضد الشعوب وليس ضد الحكام، والثانية - عدم توريط العراق بما لا طاقة له على تحمّله أعباء جديدة فوق ما عليه من أعباء، فضلاً عن ذلك، فالعراق لا يزال مكبّلاً باتفاقية «الإطار الاستراتيجي» مع الولايات المتحدة التي تفرض عليه التزامات سياسية واقتصادية وعسكرية وأمنية وغيرها، فقد حاول العبادي مراعاة ذلك وعدم الدخول في مجابهة غير متكافئة مع واشنطن، دون أن يعني الانخراط في مشروعها بشأن فرض العقوبات على المنطقة.
ولم تكن المواقف الإيرانية ضد تصريحات العبادي فحسب، بل إن بعض القوى العراقية لا تقلّ نقداً لها، حيث هدّدت بمهاجمة المصالح الأمريكية، إذا ما تمادت واشنطن في تطبيق الحصار على إيران. ولعلّ ذلك يثير تساؤلات جديدة حول مستقبل الدولة العراقية وما وصلته من حالة انشطار وتمزّق وتشظٍ. فهل المفروض تبنّي الموقف الإيراني برفض الحصار، وهو موقف لا يقوى عليه العراق، أم اعتماد الموقف الأمريكي في تنفيذ فرض العقوبات على طهران، وهو موقف لا إنساني قد لا يستطيع العبادي أو غيره المضي فيه دون دفع ثمن باهظ؟
ولعلّ هذا الأمر يعيدنا إلى أطروحة «القرار العراقي المستقل» التي يكثر الحديث عنها دون القدرة على تحقيقها، خصوصاً والبلد مجروح السيادة ومنقسم ويعاني إرهاباً وعنفاً وطائفية ومحاصصة وفساداً مالياً وإدارياً، ولا يزال مرتهناً، بما فيه تشكيل الحكومة الجديدة لإشارة من بريت ماكفورك الدبلوماسي الأمريكي، وإيعاز من قاسم سليماني قائد فيلق القدس، عرّابيّ الطبخة الجديدة. فمتى سيخرج العراق من المغطس؟
drshaban21@hotmail.com



27
قول ثان في الطائفية
عبد الحسين شعبان
هل الطائفية مُنتج محلي أم ثمة فعل خارجي حاضر فيها، لاسيّما ما يشهده العالم العربي من صراعات ؟ وإذا كان العامل الداخلي قويّاً في الأزمة الطائفية الراهنة موضوعياً وذاتياً، فإن العامل الخارجي مؤثر، خصوصاً على صعيد التداخل الإقليمي والدولي.
ويبدو أن هناك خلطاً أو التباساً أحياناً بين الطائفة والطائفية، في حين أن هناك فروقاً شاسعة بينهما، فقد يولد المرء ودون اختيار منه في طائفة معينة ومن دين معين وحتى من قومية وسلالة ومنطقة معيّنة، لكنه لا يصبح طائفياً إلاّ إذا تحزّب لطائفة وتعصّب لإثبات تفوقها وتطرّف لتأكيد أفضلياتها وتسيّدها.
وحين تصدّعت تجارب الدولة العربية المعاصرة وانتكست الحداثة الجنينية في بعضها وتعطلت خطط الإصلاح والتنمية بسبب شحّ الحرّيات من جهة والتهديدات الخارجية من جهة أخرى، خصوصاً بعد قيام «إسرائيل»، صعد الاحتقان الطائفي إلى الصدارة، ولاسيّما بنكوص المواطنة الحاضنة للتنوّع.
وكانت القوى الخارجية قد لعبت على هذا الوتر الحساس، وقد بلور المؤرخ برنارد لويس،الذي توفي قبل أشهر قليلة، فكرة تقسيم الوطن العربي إلى 41 كياناً، وذهب هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق ومستشار الأمن القومي للقول منذ العام 1975: «علينا أن نقيم وراء كل بئر نفط دويلة»، لأنه يرى في التقسيم والتفتيت خدمة للمشروع الصهيوني الذي سيجعل «إسرائيل» الدولة الأقوى بين دول تمثل «أقلّيات» في الشرق الأوسط، لكي تكون أكثر تقدماً علمياً وتكنولوجياً في محيطها.
وكشف إيغال آلون منذ العام 1982 عن الأهداف الاستعمارية الاستيطانية للعدوان «الإسرائيلي» بعد 5 يونيو/ حزيران العام 1967 الهادفة إلى تقسيم العالم العربي والتوسع على حسابه، حين قال (واجبنا استيطان «إسرائيل» الكبرى). وأضاف: إن من يشكّ في هذا يضع علامة استفهام حول «العقيدة الصهيونية»، وقد بلور المحافظون الجدد في الولايات المتحدة لاحقاً هذه الآراء باستراتيجيتهم إزاء الشرق الأوسط، وعلى أساسها نفّذوا عملية غزو أفغانستان العام 2001 واحتلال العراق 2003، حيث دمّروا الدولة العراقية وفتحوا الباب على مصراعيه لاندلاع الصراع الطائفي وانفلات العنف واستشراء الإرهاب الذي لم يتوقّف عند حدود العراق.
وهكذا امتدّ الصراع إلى سوريا واليمن واستمرّ وجوده في لبنان، بل تعدّى ذلك إلى بعض دول الخليج ودول الإقليم مثل إيران وتركيا والباكستان وأفغانستان، ووصلت شذرات منه إلى دول أخرى بما فيها المغرب العربي، الأمر الذي أصبح تهديداً واضحاً وخطيراً للأمن العربي ولاستقرار مجمل دول الإقليم.
وتعتبر الطائفية اليوم أكثر الأوراق المؤثرة في النزاعات القائمة وفي عدم الاستقرار الذي تشهده المنطقة، حيث يتم تغذيتها إقليمياً ودولياً، ناهيك عن ارتباط بعض أطرافها بأهداف ومصالح خارجية بما يساهم في إدامة الصراع وتعتيقه حتى أصبح كل ما له علاقة بالتاريخ البعيد سبباً في تأجيجه، وكأنه راهن.
ومن مظاهر هذا الصراع استنزاف طاقات البلدان العربية على حساب الصراع العربي - «الإسرائيلي» من جهة، وعلى حساب قضايا التنمية والإصلاح والديمقراطية والعدالة والمساواة من جهة أخرى، حيث لعب دوره في تمزيق الوحدة الوطنية وفي زرع عدم الثقة بين الفرقاء وبث روح الكراهية والعداء، ناهيك عن إضعاف روح المواطنة، حين يتقدّم الانتماء المذهبي والطائفي والهوّيات الفرعية على الانتماء للوطن وعلى الهوّيات العامة الجامعة.
ومن مظاهره الأخرى ظهور تنظيم «داعش» في أواخر العام 2013، في كل من العراق وسوريا حيث استطاع بسرعة خاطفة وبوقت قياسي فرض نفوذه العسكري والسياسي والميداني على مناطق واسعة تجاوزت على ثلث أراضي كل من العراق وسوريا، ولاسيّما باحتلال الموصل «العراقية» والرقة «السورية» التي جعلها عاصمة له.
وشكّل مثل هذا الحدث نقطة تحوّل مهمة في مجرى الصراع السياسي القائم على أساس المصالح والنفوذ، الأمر الذي طرح تساؤلاً كبيراً حول حقيقة هذا التنظيم ووجوده وصناعته ودعمه، وهو ما صدر في تقرير مكثّف عن «مركز دراسات الشرق الأوسط - الأردن» في العام 2017، كما وردت إشارات إليه في كتاب الدكتور فواز جرجس «داعش إلى أين؟: جهاديو ما بعد القاعدة؟» الصادر عن «مركز دراسات الوحدة العربية»، العام 2016.
واليوم بعد هزيمة داعش عسكرياً في العراق وسوريا، فهل سيتم تحويل هذا النصر إلى نصر سياسي، باستعادة الوحدة الوطنية وإعادة تأسيس الشرعية على أسس جديدة، قوامها تحريم الطائفية واعتماد المساواة والشراكة والمشاركة أساساً في تحقيق المواطنة المتكافئة وإطلاق دائرة الحرّيات وتوسيعها واحترام خيارات الناس وحقوقها في إطار عقد اجتماعي دستوري سياسي جديد يؤكد احترام الخصوصيات والهوّيات الفرعية، ويعمل على تعزيز التنوّع وحمايته؟
drshaban21@hotmail.com



28
روح العصر والعمل الحقوقي
عبد الحسين شعبان
تركت الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي الذي دار في أجوائها، بصماتها على العمل الثقافي، والحقوقي أيضاً، وليس العمل السياسي وحده من تأثر بها، سواء على مستوى العلاقة بين الدول والحكومات من جهة، أو على مستوى منظمات المجتمع المدني، وغير الحكومي، من جهة أخرى.
وإذا كان انهيار جدار برلين في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1989 إيذاناً بتحوّل كبير على الصعيد الدولي، تجلّى بإطاحة الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية، وتجربتها «الاشتراكية»، وامتداد ذلك لاحقاً إلى العديد من البلدان التي أطلقنا عليها «دول التحرر الوطني»، فإن انعكاساته كانت دراماتيكية على بلدان «الأصل»، و»الفرع»، وخصوصاً على المنظمات التي أسميناها «الجماهيرية»، مثل اتحادات العمال، والطلاب، والشباب، والنساء، إضافة إلى المنظمات المهنية مثل الصحفيين، والمحامين، والحقوقيين، وغيرها من منظمات السلم والتضامن التي كانت ذات خلفيات يسارية، أو قومية، الأمر الذي أضعف الكثير من إمكاناتها وقدراتها،فضلاً عن تأثيراتها في المشهد العام.
لقد حققت المنظمات «الشعبية» والمهنية الكثير من الإنجازات في الماضي، خصوصاً التصدّي للكثير من القضايا والتحدّيات ذات الطابع الدولي والوطني والقومي، إضافة إلى منجزها المهني في ظروف معقدة، ومملوءة بالإشكالات السياسية والفكرية، لكنها تراجعت لأسباب موضوعية خلال العقود الثلاثة الماضية، الأمر الذي يستوجب دراسة التطوّرات الحاصلة في الوضع الدولي، وامتداداته الإقليمية والداخلية، والتفاعل معها بهدف إيجاد صيغ جديدة وهيكليات مناسبة تستجيب لروح العصر، فضلاً عن استحداث وسائل عمل جديدة، وصولاً لتحقيق الأهداف، لاسيّما توسيع دائرة العمل، وتخفيض درجة المركزية التي عرفتها المنظمات المهنية والتقريب بين قمة الهرم وقاعدته، وبث روح الحيوية والانفتاح وإقرار التعددية، والتنوّع، والحق في الاختلاف.
ولعلّ هذه الإشكاليات تكاد تكون عامة وشاملة لجميع المنظمات المهنية والمدنية الدولية والعربية، وقد تنبه لها اتحاد الحقوقيين العرب مؤخراً، وكان درس منذ عدة سنوات سبل تجديد العمل والتوجه صوب عقد شراكات مع جهات ومنظمات ذات بعد دولي، كما حصل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي ساهمت في برامج تدريب وتأهيل، وندوات ومؤتمرات، ودعمت تأسيس مركز إقليمي للقانون الدولي الإنساني.
وكان على رأس أولويات الاتحاد الحفاظ على نفسه بعد تعرض مقرّه الرئيسي وممتلكاته في بغداد إلى العبث، حيث سيطرت عليها بعد الاحتلال الأمريكي العام 2003 جماعات مسلحة. علماً بأن الاتحاد تأسس في العام 1975 في بغداد، بعد سلسلة مشاورات وحوارات وزيارات واستطلاع رأي مع مجموعة من الشخصيات الحقوقية والقانونية العربية والدولية.
وعلى الرغم من الظروف العصيبة، فقد تمكّن الاتحاد من عقد اجتماع المكتب الدائم، مؤكداً حفاظه على استقلاله ومهنيته، لاسيّما إزاء ما واجهه من عواصف عاتية، وشد وجذب، مثلما حافظ على صفته الاستشارية في الأمم المتحدة في جنيف، وفي «اليونسكو». كما ساهم عبر فريق عمله في تونس ومصر والعراق واليمن والجزائر والمغرب وفلسطين والأردن ولبنان والسودان ودول الخليج، وغيرها، في تقديم قراءات جديدة بخصوص العديد من القضايا الحقوقية والدستورية، بما يملكه من خبرات على هذا الصعيد.
وانطلاقاً من كل ما تقدّم أقرّ المكتب الدائم ( الدورة 39 المنعقدة في عمان مؤخراً) مقترحات لتطوير عمله ورفع كفاءة أدائه، واتخذ قراراً باعتماد مبدأ التداولية في المواقع القيادية، بتحديد مسؤوليات الرئيس الذي استحدث موقعه بولايتين، وكذلك ولايتين للأمين العام غير قابلة للتجديد، كما استحدث منصب أمناء عامين مساعدين، مع نائب واحد للرئيس. وتقرّر أن يتم عقد المؤتمر العام لانتخاب الهيئات القيادية العام القادم (2019)، بعد أن أخّرت الظروف السياسية عقده ما يزيد على عقدين من الزمان، ولكي يتساوق ذلك مع الرغبة في التجديد تقرّر عقده بمن حضر مع مراعاة النظام الأساسي وتعديله، على أن يتم اختيار المندوبين في كل بلد من خلال الجمعيات العضوة بعدد أكبر من البلدان التي ليس فيها منظمات، تبعاً لقاعدة ديمقراطية في التمثيل.
لقد تابعت عمل الحقوقيين العرب منذ أن تأسس الاتحاد، وساهمت في العديد من أنشطته على مدى يزيد على عقد ونصف العقد من الزمان، وأرى أن الإعلان عن الرغبة في التجديد، وفي تداول المسؤوليات، وفي تحديدها وتوسيع دائرة اتخاذ القرار، هو سابقة إيجابية تسجلّ للاتحاد حتى إن تأخّرت، لكنها يمكن أن تفتح آفاقاً جديدة للعمل الحقوقي بشكل خاص، والعمل المهني بشكل عام.
وينبغي للعمل الحقوقي أن يضع مسافة واحدة من الحكومات والمعارضات، وألّا ينخرط في الصراع الأيديولوجي، وأن يحافظ على استقلاليته وأدائه المهني، فذلك وحده يكسبه الاحترام اللازم كي يكون جهة رقابية وراصدة غير منحازة تساهم في اتخاذ القرار من جهة، وتكون شريكة مع الدولة أيضاً في تنفيذه، وتتحمّل مسؤولية نجاحه، أو فشله، خصوصاً إذا تم الاعتراف بها قانونياً، واستطاعت ممارسة عملها على نحو علني، وشرعي، وسلمي.
drshaban21@hotmail.com



29
ثقافة التعايش وفقه الحوار
                     
عبد الحسين شعبان
حين يصبح التعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب، بجميع أشكاله وألوانه ومبرّراته ودوافعه، خطراً يهدّد البشرية برمّتها ، فإن هذا الخطر يكون مضاعفاً في المجتمعات والأمم النامية التي تعاني الاحترابات والنزاعات والصراعات، الأمر الذي سينعكس على تنميتها وتقدّمها، فما بالك بتعرّضها لتحدّيات خارجية أيضاً، تلك التي تحاول زرع الفتن، وإشعال الحروب الأهلية والإقليمية وتغذية كل ما من شأنه إثارة روح الكراهية والشقاق بينها، خصوصاً باستهداف المناطق الرخوة والخاصرات الهشّة التي تزيد الهوّة عمقاً بما يؤدي إلى التباعد والتنافر والتناحر، وحتى الحروب والنزاعات الإثنية، والدينية، والطائفية، تلك التي باتت منتشرة في شرقنا الأدنى والأوسط.
ولم تقتصر تلك الصراعات الدموية على فئة، أو مجموعة، أو شعب، أو أمة، أو قومية، أو دولة، أو جغرافيا، أو لغة، أو دين، أو طائفة، بل أصبح الجميع من ضحاياها، ووقوداً لها، أرادوا أم لم يريدوا، وهو ما حاولت قوى دولية وإقليمية توظيفه لمصالحها الخاصة، بما فيها «إسرائيل» المستفيد الأول منها، والتي وجدت الفرصة مناسبة لإعلان مشروع دولتها «القومية» اليهودية النقية.
من هنا تتأتّى أهمية ثقافة التعايش وفقه الحوار لتوثيق عرى المشترك الإنساني الذي أصبح اليوم ضرورة لا غنى عنها لاستمرار وتطوير العلاقات بين الأمم والشعوب، ومنها أمم الإقليم العربية والتركية والفارسية والكردية، لاسيّما، في ظلّ التناقضات والصراعات التي تعيشها، منذ قرن ونيّف من الزمان، حتى أصبح «فرض عين وليس فرض كفاية»، كما يُقال، وغدا هاجساً لدى نخبة من المثقفين والأكاديميين والناشطين المدنيين والممارسين العرب الذين دعوا إلى مواصلة مشروع حوار معرفي وثقافي لوضع أسس علاقات متكافئة ومتساوية لأمم الإقليم هدفها تعظيم القيم الإنسانية المشتركة، مثل قيم الحرية، والمساواة، والعدالة، والمشاركة والشراكة، والسلام، والتسامح، والعيش المشترك، وتقليص الفوارق كي لا تتحوّل الاختلافات والتنوّع والتعدّدية إلى خلافات إقصائية وإلغائية وتهميشية، خصوصاً حين يتم طمس الحقوق والتجاوز على ما يجمع البشر، ويوحّدهم، ويصون اختلافاتهم وهويّاتهم الفرعيّة ولغاتهم الخاصة، بل وخصوصيتهم بشكل عام.
وكان «منتدى الفكر العربي» احتضن حوارات عربية- تركية، وعربية - إيرانية، وعربية - كردية، وقد دعا إلى حوار شامل تحت عنوان «أعمدة الأمة الأربعة»، ورعاه في عمّان الأمير الحسن بن طلال، والفكرة تنطلق من كون الحوار وسيلة حضارية لتعزيز ثقافة التفاهم والتعاون والعمل المشترك، ولاسيّما بين المثقفين، وبين هؤلاء وأصحاب القرار، بهدف تجسير الفجوة من جهة، وتطوير التنمية والمشاركة في صنع القرار وتنفيذه من جهة ثانية. وتأتي هذه المبادرة تتويجاً لسلسلة لقاءات تمهيدية في تونس وبيروت، سعياً لبلورة مشروع مستقبلي يضمّ تحت لوائه «أعمدة الأمة الأربعة»، من عرب، وترك، وفرس، وكرد.
وحين خاطب الأمير الحسن النخبة التي شاركت في الحوار دعا إلى استخدام منطق العقل، وأدب الحوار، مشدّداً على المكوّنات الديموغرافية الأربعة التي تواجه تحدّيات كثيرة، فرغم الاختلافات فيما بينها، إلّا أنه لا ينبغي أن ندع الفوارق تسيطر على المشتركات. وكتب لاحقاً: إن هذا الحوار هو خطوة أولى تسعى لخلق المشتركات بين هذه الأعمدة، ووسيلة للتواصل والاتفاق على الهويّة الجامعة، واللغة الجامعة.. لاسيّما وأنها جميعها مستهدفة. ولهذا فإن إقامة إطار «شوروي» (استشاري) يتّسع للجميع، وسقف من الأمن والوعي المشترك، سيكون هدفه تجنّب ما يريده بنا من لا يحبّون حضارتنا، ولا لغتنا، ويسعون إلى تفتيتنا إلى هويّات فرعية ضعيفة مستضعفة.
إنّ قيمة مثل هذا الحوار تكمن في التواصل المعرفي والتفاعل الثقافي لما يتّصل بمجمل علاقات الأمم الأربع، خصوصاً في وضعه التعايش السلمي والمصالح المشتركة الآنية والمستقبلية في أولوية اهتماماته، لاسيّما بالتركيز على الإيجابيات، وما هو جامع من قيم إنسانية، بما فيها علاقات التآخي بين الأمم والشعوب، وحقها في تقرير مصيرها. وكان البيان الختامي تضمّن توصيات تتعلّق بالاستمرارية لتفعيل الرؤية المشتركة، وتشكيل فريق عمل لبحث جوانب العلاقات المختلفة، وكل ما له علاقة بالتنمية والتعاون بروح القيم الإنسانية السامية، والعمل على نقل الحوار إلى عواصم ومدن «أعمدة الأمة الأربعة»، مثلما وضع مسألة الاهتمام بالشباب وإعدادهم بروح التآخي والمشترك الإنساني ضمن برامجه.
وقد يكون مناسباً أن تسهم «جامعة الدول العربية» كمنظمة إقليمية، وكذلك «منظمة التعاون الإسلامي» في تأطير وبلورة مشروع حوار جامع استناداً إلى القيم الإنسانية، لتعزيز ثقافة التعايش وفقه الحوار، ولمواجهة ظواهر التعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب، خصوصاً بالتعاون بين الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني والفاعليات والأنشطة السياسية والفكرية والثقافية والمؤسسات الأكاديمية والتربوية.
drshaban21@hotmail.com



30
الإرهاب والدين.. علاقة آثمة
             
عبد الحسين شعبان
شهدت ندوة «الفكر الديني الحاضن للإرهاب»، ضمن فعاليات موسم أصيلة الثقافي الدولي في دورته الأربعين، نقاشاً واسعاً بخصوص علاقة الدين الإسلامي، أو الأديان بشكل عام، بالإرهاب، خصوصاً أن سبل المجابهة لا تزال قاصرة، أو غير فاعلة حتى الآن في تقليص، أو الحد من ظاهرة استخدام الدين وتوظيفه في قضايا الإرهاب.
وقد أثار مفهوم «الإرهاب الإسلامي» جدلاً كبيراً، خصوصاً وقد تم استخدامه لأغراض سياسية استهدفت إملاء الإرادة وفرض الهيمنة على دول المنطقة، وشعوبها التي دُمغت بالإرهاب، في حين إن العديد من المنظمات الإرهابية التي انطلقت من الغرب مثل «بايدر ماينهوف» الألمانية، و»الألوية الحمراء» الإيطالية، وغيرهما، لم تتهم بأنها تمارس إرهاباً مسيحياً، وكل ما كان يقال إنها منظمة إرهابية ألمانية، أو إيطالية، أو يابانية (الجيش الأحمر الياباني)، وكذلك بالنسبة لإيرلندا، والباسك وغيرهما، وكل هذه المنظمات لم تصبغ دينياً، بل نسبت إلى أوطانها .
وإذا كان الدين كمرجعية، مصدراً فكرياً من المصادر الأساسية التي تعتمد عليها الجماعات والديانات السماوية بشكل خاص، فإن هذا ينطبق على المنظمات الإرهابية التي تستخدم «الإسلام» كمرجعية نظرية، مثلما تعتمد منظمات أخرى على اليهودية، أو المسيحية، أو غيرهما. والأساس في كل ذلك هو أن التعصب أصبح متفشياً، والتطرّف مستشرياً، والعنف منتشراً، والإرهاب مستفحلاً، أي إن التشدّد والإلغاء والإقصاء والتهميش هي الظواهر السائدة، ولذلك فإن إلصاق اسم الدين بالإرهاب لا ينبغي أن يقتصر على ما يسمى بالإرهاب الإسلامي، إلّا إذا استخدمنا الإرهاب المسيحي، أو اليهودي، وعكس ذلك فإن إلصاق صفة الإرهاب بالإسلام وإعفاء الآخرين منها ستكون مقصودة ومغرضة، كما أن استخدام كلمة الجهاد والجهاديين على العمليات الإرهابية، هو الآخر أمر مقصود، ومفتعل، لأن للجهاد شروطه، والجهاد من أجل الحق هو غير الإرهاب، وهو جهاد دفاعي هدفه حماية البلاد والعباد من العدوان، والإرهاب، والظلم.
وحتى لو انتسب العديد من الإسلاميين لمنظمات إرهابية، بل وشاركوا في عمليات إرهابية، فلا يمكن دمغ المسلمين جميعاً والإسلام بالإرهاب. صحيح أن تنظيم «القاعدة» وزعيمه أسامة بن لادن، وتنظيم «داعش» وزعيمه أبو بكر البغدادي وغيرهما، نسبوا أنفسهم للإسلام، ونصّبوا أنفسهم أئمة له، واستندوا في أطروحاتهم على المفاهيم الإسلامية المتعصّبة والمتطرّفة التي لا علاقة لها بالحاضر، أو بسمة العصر الراهن، لكن مثل الانتساب بقدر ما ألحق ضرراً بالعالم، فإن ضرره كان أشد ضراوة بالمسلمين، والعالم الإسلامي، والدين الحنيف بشكل خاص، فكيف يمكن تصوّر أن نحو مليار ونصف المليار مسلم هم ينتسبون إلى هذه العقيدة الإرهابية لو اقتنعنا بمثل هذه الأطروحات، وكيف يمكن لدين أن يضم هذا القدر من الإرهابيين؟
الإرهاب ظاهرة كونية، وهو لا دين له، ولا لغة، أو أمة، أو قومية، أو هويّة، أو منطقة جغرافية، إنه موجود في جميع الديانات، واللغات، والأمم، والقوميات، والهويّات، وفي جميع أنحاء العالم، فحيثما يوجد التعصّب الديني يمكن أن يتحوّل بالسلوك إلى تطرّف، وهذا الأخير إلى عنف إذا أصبح فعلاً، والعنف يضرب الضحية باستهدافها لأنه يعرفها، سواء كان دينياً، أوطائفياً، أو غير ذلك، في حين أن الإرهاب يضرب عشوائياً، ويستهدف خلق الرعب والفزع في النفوس، والتأثير في المعنويات، وخلق عدم الثقة بالدولة وأجهزتها، لأهدافه السياسية الخاصة. ولعلّ المسلمين هنا هم أول ضحايا الإرهاب الذي يتم نعته بالإسلامي، حتى إن امتدّ خارج البلدان الإسلامية.
ولعل من الإشكاليات الأساسية التي لا تزال مصاحبة لظاهرة الإرهاب الدولي، هي غياب تعريف واضح للمفهوم، بالرغم من وجود أكثر من 13 اتفاقية وإعلان دولي منذ العام 1963 بخصوص الإرهاب، وقضاياه، ومتفرعاته، لكن لم يتم تحديد تعريف له، ومنذ أحداث 11 سبتمبر/‏ أيلول 2001 الإرهابية صدرت ثلاثة قرارات دولية مهمة، لعل أخطرها القرار 1373 في 28 سبتمبر/‏ أيلول من العام نفسه، لكنها لم تضع تعريفاً للإرهاب، وإن رخّصت بشن حرب وقائية، أو استباقية ضد خطر وشيك الوقوع، أو محتمل للقيام بعمل إرهابي، وفي ذلك عودة للقانون الدولي التقليدي الذي يعطي «الحق في الحرب»، و»الحق في الغزو»، لأسباب تتعلق بمصالح الدولة القومية.
وبعد احتلال «داعش» للموصل صدرت في العام 2014 والعام 2015 أربعة قرارات دولية مستندة إلى القرار 1373، لكنها جميعها لم تعط تعريفاً للإرهاب، علماً بأنها حددت عقوبات لمن لا يتعاون مع المجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب، وتجفيف منابعه الفكرية، وموارده الاقتصادية.
لقد أثارت ندوة أصيلة أسئلة حول فك الاشتباك بين الإرهاب والدين، وقدّمت مقاربات تحليلية، بعضها غير تقليدي وجريء بشأن ظاهرة الإرهاب الدولي، والبيئة الحاضنة له، سواء المنتجة والمصدّرة، أو المستقبِلة، وأكّدت على أهمية التربية ودور التعليم في تقديم نموذج معرفي جديد، وكذلك دور العامل الاقتصادي والاجتماعي في تطويق الظاهرة، ودعت إلى فكر ديني جديد يعتمد خطاباً عصرياً يعترف بالآخر، ويقوم على قبول التنوّع والتعددية، بما يتلاءم مع مستجدات العصر.
drshaban21@hotmail.com



31
مستقبل الإقليم.. تكامل أم تناحر؟
           
عبد الحسين شعبان
«عليك دائماً أن تعمل كرجل فكر، وأن تفكّر كرجل عمل»؛ ذلك ما قاله المفكر الفرنسي هنري برجسون. وأجِدُ ترابطاً عملياً لهذه العبارة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون في علاقات دول الإقليم وأممه بين بعضها، خصوصاً حين تصل الأمور إلى مفترق طرق، فإمّا استمرار التناحر وتبديد الطاقات البشرية والمادية وتعطيل التنمية، وإما التفاهم والتعاون وصولاً للتكامل والمشترك الإنساني.
وإذا كان حصاد الحروب والنزاعات والصراعات في الإقليم الذي نعيش فيه، والذي يضمّ الأتراك والفرس والكرد والعرب، عدّة ملايين من الضحايا وما يزيد على 12 تريليون دولار في التقديرات غير المبالغة خلال العشرين عاماً الماضية، فهذا يعني تعويم التنمية أو تعطيلها على أقل تقدير، وعرقلة خطط الإصلاح، التي لا يمكن الحديث عنها إلّا في ظل أجواء الاستقرار والسلام. ف«الحروب تولد في العقول»؛ ولذلك ينبغي «بناء حصون السلام في العقول أيضاً»، حسب دستور «اليونيسكو»؛ ولأن وظيفة النخب الفكرية والثقافية بشكل عام، التوجّه إلى الإنسان ومخاطبة عقله، فلا بدّ لها إذاً أن تتحرّك؛ لتقديم رؤية نقيضة للحرب على الرغم من الخراب والدمار وثقافة العنف.
خطر ذلك ببالي، وأنا أساهم في جلسة لإعلان منبر جديد للحوار باسم «منتدى التكامل الإقليمي»، أطلق من الجامعة اللبنانية. والفكرة وإنْ انطوت على تقدير إيجابي لمستقبل علاقة أمم الإقليم المشرقي، الذي اعتبره مجالاً حيوياً لاهتمامه، فهي في الوقت نفسه تمثّل جامعاً يسعى إلى تعظيمه، وأمّا ما هو مفرّق فقد نظر إليه بكونه طارئاً وعابراً وظرفياً ينبغي العمل على تقليصه.
ولعلّ هذه النظرة المستقبلية، شغلت مثقفين من بلدان عدّة تلمّسوا بتجاربهم وكلٌ من موقعه أهمية الحوار خارج دائرة الاشتباكات الإيديولوجية والاستقطابات الطائفية والاحترابات الإثنية والمصالح الأنانية الضيقة؛ لأنها تقوم باختصار على أن الأمم والشعوب، التي تعيش في المنطقة، والتي تعاني توتّرات وصراعات داخلية وإقليمية وخارجية، تحتاج إلى إعادة بناء علاقاتها مع بعضها؛ لتنميتها بروح القيم الإنسانية، التي تمثّل المشتركات بين البشر، وكان ذلك مدار بحث وحوار في تونس وما ينتظر أن ينطلق بصورة واسعة في منتدى الفكر العربي بعمّان.
وإذا توقّفنا عند الحروب والصراعات، التي تعيشها دول الإقليم، فسنراها حروباً مركّبة سياسية واقتصادية وإيديولوجية حتى وإنْ حملت في حقيقتها مصالح قوميّة جيوسياسية ونزعات للهيمنة وفرض الإرادة، سواء حدثت بصورة مباشرة أم بالواسطة، وبالتداخل والتناظر مع مصالح دولية أحياناً، ليس بعيداً عنها الدور «الإسرائيلي» العدواني المستمر.
فهل ثمة فرصة لأمم الإقليم؛ لتعزيز الروابط فيما بينها، والنهوض بمستلزمات التحدّي الذي يواجهها، خصوصاً وأن هناك استهدافاً شاملاً لها جميعاً دون استثناء؟ ثم كيف يمكنها استثمار اللحظة التاريخية والتقاط ما هو جوهري ومستقبلي؛ لبناء العلاقات وفقاً لقيم ومبادئ كونية جامعة قوامها: الحرية والسلام والتسامح والمساواة والعدالة والشراكة والمشاركة واحترام الخصوصيات والهوّيات الفرعية، وتلك جوامع إنسانية لبني البشر، فما بالك بالنسبة لشعوب المنطقة. وإذا كانت أوروبا قد سبقتنا بوضع حدٍّ لحروبها الطائفية، ولاسيّما بين البروتستانت والكاثوليك، وخصوصاً «حرب الثلاثين عاماً»؛ بإبرام معاهدة وستفاليا 1648، فسيكون جديراً بالإقليم المشرقي إعادة بناء علاقاته وفقاً لهذه الأسس الجيوسياسية الثقافية، وعلى قواعد القانون الدولي المعاصر، وميثاق الأمم المتحدة ووفقاً للمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، التي يمكن أن تضع حداً لحروب عبثية باسم السنّة والشيعة، وباسم «الإسلام» ضد الأديان الأخرى، وهذا ما كان قد طغى على خطاب «داعش»؛ بعد هيمنته على ثلث مساحة كل من العراق وسوريا، لاسيّما باستهداف المسيحيين والإيزيديين، وأتباع الأديان الأخرى، وجميع المسلمين وفقاً لاجتهاداته الجهنمية بتكفير الجميع.
وبتقديري، إن النخب الفكرية والثقافية والحقوقية ومن موقعها التنويري يمكن أن تكون «قوة اقتراح» وخصوصاً، حين تستطيع بناء جسور الثقة مع أصحاب القرار؛ بحيث تصبح شريكاً فاعلاً ومشاركاً لا غنى عنه في عملية التنمية المنشودة، سواء في صنع القرار أم في تنفيذه.
يمكننا تصوّر كم كان وجه الإقليم سيكون مختلفاً ومكانته كبيرة؛ لو اعتمد «تعاهداً» أو «ميثاقاً» عاماً للسلام؛ أساسه احترام مبادئ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وحق تقرير المصير وإنماء التعاون والشراكة ؟ وكم سيكون انعكاسه فاعلاً على كل بلد، وعلى مستوى الإقليم؛ بل على المستوى الكوني؛ بالاستثمار لمصلحة الإنسان وحقوقه وحرّياته وتعليمه وصحته وبيئته وتنميته؟ وبالطبع بالتكامل وليس بالتناحر!!
drshaban21@hotmail.com


32
مستقبل الإقليم.. تكامل أم تناحر؟
           
عبد الحسين شعبان
«عليك دائماً أن تعمل كرجل فكر، وأن تفكّر كرجل عمل»؛ ذلك ما قاله المفكر الفرنسي هنري برجسون. وأجِدُ ترابطاً عملياً لهذه العبارة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون في علاقات دول الإقليم وأممه بين بعضها، خصوصاً حين تصل الأمور إلى مفترق طرق، فإمّا استمرار التناحر وتبديد الطاقات البشرية والمادية وتعطيل التنمية، وإما التفاهم والتعاون وصولاً للتكامل والمشترك الإنساني.
وإذا كان حصاد الحروب والنزاعات والصراعات في الإقليم الذي نعيش فيه، والذي يضمّ الأتراك والفرس والكرد والعرب، عدّة ملايين من الضحايا وما يزيد على 12 تريليون دولار في التقديرات غير المبالغة خلال العشرين عاماً الماضية، فهذا يعني تعويم التنمية أو تعطيلها على أقل تقدير، وعرقلة خطط الإصلاح، التي لا يمكن الحديث عنها إلّا في ظل أجواء الاستقرار والسلام. ف«الحروب تولد في العقول»؛ ولذلك ينبغي «بناء حصون السلام في العقول أيضاً»، حسب دستور «اليونيسكو»؛ ولأن وظيفة النخب الفكرية والثقافية بشكل عام، التوجّه إلى الإنسان ومخاطبة عقله، فلا بدّ لها إذاً أن تتحرّك؛ لتقديم رؤية نقيضة للحرب على الرغم من الخراب والدمار وثقافة العنف.
خطر ذلك ببالي، وأنا أساهم في جلسة لإعلان منبر جديد للحوار باسم «منتدى التكامل الإقليمي»، أطلق من الجامعة اللبنانية. والفكرة وإنْ انطوت على تقدير إيجابي لمستقبل علاقة أمم الإقليم المشرقي، الذي اعتبره مجالاً حيوياً لاهتمامه، فهي في الوقت نفسه تمثّل جامعاً يسعى إلى تعظيمه، وأمّا ما هو مفرّق فقد نظر إليه بكونه طارئاً وعابراً وظرفياً ينبغي العمل على تقليصه.
ولعلّ هذه النظرة المستقبلية، شغلت مثقفين من بلدان عدّة تلمّسوا بتجاربهم وكلٌ من موقعه أهمية الحوار خارج دائرة الاشتباكات الإيديولوجية والاستقطابات الطائفية والاحترابات الإثنية والمصالح الأنانية الضيقة؛ لأنها تقوم باختصار على أن الأمم والشعوب، التي تعيش في المنطقة، والتي تعاني توتّرات وصراعات داخلية وإقليمية وخارجية، تحتاج إلى إعادة بناء علاقاتها مع بعضها؛ لتنميتها بروح القيم الإنسانية، التي تمثّل المشتركات بين البشر، وكان ذلك مدار بحث وحوار في تونس وما ينتظر أن ينطلق بصورة واسعة في منتدى الفكر العربي بعمّان.
وإذا توقّفنا عند الحروب والصراعات، التي تعيشها دول الإقليم، فسنراها حروباً مركّبة سياسية واقتصادية وإيديولوجية حتى وإنْ حملت في حقيقتها مصالح قوميّة جيوسياسية ونزعات للهيمنة وفرض الإرادة، سواء حدثت بصورة مباشرة أم بالواسطة، وبالتداخل والتناظر مع مصالح دولية أحياناً، ليس بعيداً عنها الدور «الإسرائيلي» العدواني المستمر.
فهل ثمة فرصة لأمم الإقليم؛ لتعزيز الروابط فيما بينها، والنهوض بمستلزمات التحدّي الذي يواجهها، خصوصاً وأن هناك استهدافاً شاملاً لها جميعاً دون استثناء؟ ثم كيف يمكنها استثمار اللحظة التاريخية والتقاط ما هو جوهري ومستقبلي؛ لبناء العلاقات وفقاً لقيم ومبادئ كونية جامعة قوامها: الحرية والسلام والتسامح والمساواة والعدالة والشراكة والمشاركة واحترام الخصوصيات والهوّيات الفرعية، وتلك جوامع إنسانية لبني البشر، فما بالك بالنسبة لشعوب المنطقة. وإذا كانت أوروبا قد سبقتنا بوضع حدٍّ لحروبها الطائفية، ولاسيّما بين البروتستانت والكاثوليك، وخصوصاً «حرب الثلاثين عاماً»؛ بإبرام معاهدة وستفاليا 1648، فسيكون جديراً بالإقليم المشرقي إعادة بناء علاقاته وفقاً لهذه الأسس الجيوسياسية الثقافية، وعلى قواعد القانون الدولي المعاصر، وميثاق الأمم المتحدة ووفقاً للمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، التي يمكن أن تضع حداً لحروب عبثية باسم السنّة والشيعة، وباسم «الإسلام» ضد الأديان الأخرى، وهذا ما كان قد طغى على خطاب «داعش»؛ بعد هيمنته على ثلث مساحة كل من العراق وسوريا، لاسيّما باستهداف المسيحيين والإيزيديين، وأتباع الأديان الأخرى، وجميع المسلمين وفقاً لاجتهاداته الجهنمية بتكفير الجميع.
وبتقديري، إن النخب الفكرية والثقافية والحقوقية ومن موقعها التنويري يمكن أن تكون «قوة اقتراح» وخصوصاً، حين تستطيع بناء جسور الثقة مع أصحاب القرار؛ بحيث تصبح شريكاً فاعلاً ومشاركاً لا غنى عنه في عملية التنمية المنشودة، سواء في صنع القرار أم في تنفيذه.
يمكننا تصوّر كم كان وجه الإقليم سيكون مختلفاً ومكانته كبيرة؛ لو اعتمد «تعاهداً» أو «ميثاقاً» عاماً للسلام؛ أساسه احترام مبادئ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وحق تقرير المصير وإنماء التعاون والشراكة ؟ وكم سيكون انعكاسه فاعلاً على كل بلد، وعلى مستوى الإقليم؛ بل على المستوى الكوني؛ بالاستثمار لمصلحة الإنسان وحقوقه وحرّياته وتعليمه وصحته وبيئته وتنميته؟ وبالطبع بالتكامل وليس بالتناحر!!
drshaban21@hotmail.com


33

55 عاماً على حركة معسكر الرشيد
استعادة شخصية


عبد الحسين شعبان

أعيد نشر هذه المادة مجدداً وذلك استجابة لطلب من رفيق قديم وصديقين لتسليط ضوء أقوى على انتفاضة معسكر الرشيد التي قادها حسن السريع وذلك إثر اطلاعهم على ما كتبته عن سلام عادل من دراسة نشرت في صحيفة الزمان العراقية على 8 حلقات والموسومة  " الدال والمدلول وما يمكث وما يزول" ، وانتهز فرصة ذكرى الستين لثورة 14 تموز وذكرى ال 55 لحركة معسكر الرشيد لأعيد نشر هذه المادة .


وجهت حركة 8 شباط (فبراير) 1963 (الانقلاب المعروف بإسم انقلاب 14 رمضان)، ضربة موجعة وقاسية للتنظيم الشيوعي في العراق، فتمزّقت وانهارت معظم تشكيلات الحزب الشيوعي ومنظماته الجماهيرية بسبب حملة القمع والتصفية، التي قام بها " الحرس القومي" وأجهزة الأمن.
لكن تلك الحملة التي قامت بها الحركة الانقلابية وجناحها الأساسي " حزب البعث" والحرس القومي، رغم إتسّاعها واستمرارها، لم تكن " ماحقة"، كما أراد لها منفذوّها، فلم تستطع رغم شراستها وانفلاتها من عقالها، القضاء على الحركة الشيوعية.
*   *   *
وبادرت نخبة متميزة في العاصمة بغداد ومدن الفرات الاوسط وريفه والجنوب إلى إعادة بناء التنظيمات وإعادة ربط وتجميع " الرفاق" المقطوعين والمختفين عن الانظار، في حين إتجهت منظمة الاقليم (فرع كردستان) إلى العمل المسلح، وكان هدف الجميع إشعار الرأي العام بأن " المقاومة" السلمية والمسلحة، سواءً الدفاع عن النفس، أو القيام بعمليات محدودة كما حصل في ريف الفرات ومناطق اخرى، لم تنتهِ. وساعد في إبراز وجود مقاومة وممانعة، الحملة الحكومية الدعائية والعسكرية ضد الحركة الكردية، التي إبتدأت في حزيران (يونيو) 1963، بعد ان إنقطع حبل الوصل، الذي ظل مرتخياً منذ القضاء على حكم الزعيم عبد الكريم قاسم وتبديد الوعود بإعطاء حقوق الشعب الكردي، خصوصاً بعد طرح مشروع " اللامركزية" الادارية بديلاً عن " الحكم الذاتي"، الذي كانت تطالب به الحركة الكردية وقوى يسارية بما فيها الحزب الشيوعي.
ورغم إتسّاع الحملة العالمية للتضامن ضد حكم البعث وممارسات الحرس القومي الدموية، ناهيك عن تمّزق تحالفاته الداخلية وبخاصة مع القوميين العرب والناصريين، الاّ انه لم يتراجع عن مواقفه، بل ازداد عنفاً في التعامل مع الآخرين، وقد ضاقت قاعدته السياسية تدريجياً، وبخاصة بعد شنّه هجوماً شديداً ضد التيار القومي العربي الناصري وحركة القوميين العرب وضد شخص القائد العربي جمال عبد الناصر والتجربة الناصرية بشكل عام، خصوصاً بعد اتهام القوميين العرب "بالمؤامرة السطحية"، كما سميّت في حينها، حيث اعتقل العشرات من قياداتهم والمئات من قواعدهم، وأرسل عدداً منهم إلى سجن نقرة السلمان الذي كان يضم بضعة آلاف من الشيوعيين، وهكذا بدأت بعض التململات داخل الجيش.

كما شنّ الحكم الانقلابي الجديد هجوماً (في حزيران/يونيو) العام 1963 أشدّ قسوة ضد الحركة الكردية وقيادتها بزعامة الملاّ مصطفى البارزاني وكان هذا الهجوم الأكثر شراسة، خصوصاً وقد وصف وزير الدفاع في حينها صالح مهدي عماش الحرب ضد الاكراد، بأنها ليست أكثر من "نزهة" وإنّ الحملة ستنتهي بنجاح، وسيتم القضاء على "المتمردين"! ولم تستثنِ الحملة المتلاحقة والمستمرة حتى تيار " الحزب الوطني الديمقراطي" بقيادة كامل الجادرجي، الذي فضّل الصمت والابتعاد عن الأضواء، إذ لم تجدِ الملاحظات والانتقادات التي وجهها مباشرة أو بطريق غير مباشر، إلى الحكم أية آذان صاغية  خصوصاً بتعمق نهج الاستئثار والانفراد ومعاداة الديمقراطية.

في ظل هذه الأوضاع حدثت إحدى المفاجآت أو المفارقات أو كليهما حين قاد العريف حسن سريع الشيوعي التوّجه، حركة انقلابية مضادة ضد الحكم الانقلابي في 3 تموز (يوليو) 1963. واستولى في حينها على معسكر الرشيد ومعدّات وأسلحة واعتقل وزراء ومسؤولين عسكريين وحزبيين على مستوى رفيع.
*   *   *
   كنت آنذاك قد خرجت من المعتقل، حيث إعتقلت في " خان الهنود"، مركز شرطة النجف بعد ثلاثة أيام من الانقلاب، وفيما بعد نقلت إلى " الموقف الجديد"  تحت الأرض، وأطلق سراحي بناءً على توسّطات قام بها عمي الدكتور عبد الامير شعبان، لدى الحاكم العسكري العام رشيد مصطلح وناجي طالب الشخصية القومية البارزة وأحد كبار الضباط الاحرار الذين خططوا لثورة 14 تموز (يوليو) 1958، وتوجهت منذ اليوم لاستعادة حريتي للبحث عن خيط يربطني بالحزب ويعيد صلتي، خصوصاً وقد كنت مفصولاً من الدراسة ووجدت ضالتي بجارنا وصديقنا عبد المنعم الجزائري ورفيقه شمسي الكرباسي صديقنا العتيق، الذي هُجّر فيما بعد إلى إيران في حملة السبعينيات ضد ما سميّ "بالتبعية الايرانية"،  وتوفي هناك في أواخر الثمانينيات أو أوائل التسعينيات. وكنت قد إلتقيته في دمشق في الثمانينيات.
وكان الجزائري والكرباسي قد اختفيا عن الانظار طيلة أشهر، وظلاّ على ارتباط مع بعضهما ومع رفاق محدودين وبعض الاصدقاء المقرّبين، لنقل بعض الأخبار والمعلومات. كنّا نلتقي ليلاً في دار الجزائري الملاصقة لدارنا وأخوه محمد حسن (صلة الوصل)، ونتبادل الاحاديث والأخبار، وأحياناً كنّا نخاطب بعضنا بعضاً من فوق السطوح، رغم الحذر الشديد وفي جنح الظلام، حيث كان يرمي رسالة على سطح المنزل ملفوفة بحجر وأفعل الشيء ذاته لتأمين الاتصال أحياناً.
   وكان ما يجري بيننا هو محاولة استذكار بعض الاصدقاء والرفاق والبحث عن مكان اختفاء ومعرفة مواقف المعتقلين والسعي للاتصال بمن يطلق سراحه ويكون موقفه جيداً أو غير منهار. وكنت من جانبي أنظمّ صلة خاصة مع المحامي حسن شعبان الذي كان قد أطلق سراحه بعد اعتقال دام بضعة أشهر في الموقف العام في بغداد، حيث كان عضواً في اللجنة التحضيرية لمهرجان هلسنكي للشباب والطلاب 1962، وكان شعبان قد تخرّج لتوّه وافتتح مكتباً للمحاماة، وظل مختفياً في النجف طيلة فترة حكم البعث، في زقاق معروف بإسم " عكد الخمايسي"، حيث كان لعائلته احدى الدور التي تؤجّر إلى زوار مرقد الامام علي، الذين يأتون للتبرك والزيارة، فإنتقلت إحدى المسنّات (العجائز) للسكن معه للتغطية أولاً ولرعايته واستقبال من كانوا يأتون إلى زيارته ثانياً، رغم إن عددهم لم يتجاوز 3 أشخاص كنت أحدهم.
ومن المفارقة إن بيت حسن شعبان (الذي يختفي فيه) كان مقابل بيت الشيخ عباس شعبان والد المناضل المعروف وهاب شعبان وأخيه عبدالإله شعبان، وكانت واحدة من الهموم التي تواجهنا هو كيفية التمويه على مكان الاختفاء، خوفاً من الثرثرة ونقل الأخبار، التي قد تصل إلى الطرف الآخر وبخاصة إلى الحرس القومي، ورغم استمرار اختفاء حسن شعبان (أبو مضاء) نحو ثمانية أشهر، فانه لم يعرف به أحد حتى من آل شعبان المقابلة بيوتهم لبيوت حسن شعبان أو القريبة منها!
كنّا نتبادل الرأي ونقوم بتحرّك محدود، وكنّا نراجع مواقف وردود أفعال السلطة والحزب وفيما بعد الحركة الانقلابية. (أي قبل وبعد الانقلاب). وبدأنا نسمع عن اختلافات داخل مجاميع الحكم والحزب.
وفي أحد الأيام داهمت قوات الحرس القومي بيت عبد المنعم الجزائري واعتقل الجزائري وكاد والدي أن يُقتل، حيث حاول بعض أفراد الحرس القومي أن يوجه رشاشته إليه، لمنعه من محاولة اقتحام الدار، لاعتقاده أنهم جاءوا لاعتقالي مرة أخرى، وليس لإعتقال جارنا الجزائري. وفوجئنا بأن الحرس القومي، تسلّق دورنا وقام بعملية أشبه بالانزال لإعتقال عبد المنعم الجزائري.
كهذا تفرقت الحلقة المصغّرة، وبقيت أتصل بحسن شعبان، الذي كاد هو الآخر أن يقع في الفخ، حيث داهم أفراد الحرس القومي داره وفتشوا عنه عدّة مرّات، لكنهم لم يعثروا عليه، فقد استطاع عبر السطوح القفز إلى سطوح دور متلاصقة وتمكّن بعد ذلك من الإختباء في مخبئه الذي أشرت إليه، في " بيت الزوار". وكنا نطلق عليه إسم بيت " الحاج شيخ". ولا أدري من أين جاءت التسمية، ولكن ذلك كان بمثابة إسم سري لمكان اختفاء حسن شعبان!؟
 حاولت بعدها الاستفسار عن عبد النبي حسن الدلال، فهو من الشيوعيين المعروفين في المدينة وكان مسؤولاً عن الخط الطلابي، فاضافة إلى كونه جارنا، فهو صديقنا أيضاً وكان لفترة قصيرة قد تناوب في الاشراف على خليتنا مع أنيس كاشف الغطاء، وكان المسؤول عن خليتنا  رحيم كاطع الغزالي.وكنت أعرف إن الصديق عبدالنبي " أبو فاروق" لم يعتقل، وحاولت الاتصال بأخيه حميد حسن الدلال، الذي زارنا إلى المعتقل أكثر من مرّة ونقل لنا الأخبار، وكنّا قلقين عليه مع إعجابنا بشجاعته في تلك الظروف، وكان يخبرنا إنه مرسلٌ لمعرفة أوضاعنا (حصل ذلك قبل منع المواجهات ومنع استلام الأغذية من خارج التوقيف)، وعرفت إن حميد الدلال اعتقل أيضاً، في حين هرب عبد النبي إلى إيران.
إتصل بي بعد ذلك أحد الرفاق الذين كنت على صلة بهم، وسبق وأن كنا في خلية واحدة عام 1962. وبعد أن تم جسّ النبض كما يقال، فاتحني للعمل في التنظيم الجديد، الذي قال إنه يعرف أحد " الرفاق"، الذي يريد الاتصال بي، لكنه بسبب عدم وجود معرفة سابقة، فضّل إرساله، وهو على علاقة خيطية كما أبلغني، وكان متحمساً للعمل.
ثم جاءني أحد " الرفاق" الذين لم أكن قد تعرفت عليه سابقاً، وأخبرني بأنه مندوب الفرات الاوسط، وأن صلته مع القيادة المتبقية وذلك لغرض تطميني من موضوع إحتمالات الاندساس أو التواطؤ، خصوصاً وإنه لمحّ لي بأن المرجع هو لجنة التنظيم المركزي، ولم أكن أفقه من ذلك سوى " الإسم"!
وعرفنا فيما بعد أنه مرسل أو بالتنسيق أو ضمن خطة جمع الرفاق من مركز الفرات الاوسط، الذي كان بقيادة الرفيق " باقر ابراهيم"، وكان بصحبته الرفيقين عدنان عباس وكاظم الجاسم، إضافة إلى زكي خيري (الذي كان معاقباً بسبب كتلة الأربعة التي ضمت خيري وعامر عبدالله وبهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس والاخير استشهد تحت التعذيب عام 1963، ضد سلام عادل، وكان زكي خيري يقضي فترة اعادة التأهيل في لجنة قضاء الشامية، ثم في لجنة الفرات بعد انتقاده لنفسه، كما تقضي التقاليد الحزبية الصارمة آنذاك). وهذا الامر عرفته لاحقاً بالطبع من خلال العلاقة مع بعض الرفاق وكذلك من خلال النشر وبخاصة من خلال: مذكرات زكي خيري وبهاء الدين نوري، وباقر ابراهيم الذي يذكره بالتفصيل مع بعض النوادر والتعليقات المثيرة!!
وبالمناسبة فقد حدثني عدنان عباس (عضو اللجنة المركزية سابقاً) عن وجوده في النجف خلال إنقلاب 8 شباط(فبراير) وكان حينهاعضواً في منطقة الفرات الاوسط ومن قياداتها التاريخية، وانه غادر النجف لآخر مرة بعد مرور نحو شهر على الانقلاب، وسار على الاقدام إلى ريف الكوفة بصحبة باقر ابراهيم وزكي خيري وكاظم الجاسم، وترك المسؤولية في تنظيم النجف إلى محمد موسى، وهو أحد الابطال الشعبيين، الذين لهم مكانة خاصة في النجف وكان يسكن في منطقة الجديدة في بيت حزبي، وفي اليوم نفسه الذي غادر به عدنان عباس (أبو ناديا) والرفاق الآخرين، البيت الحزبي فجراً، تمّ مداهمة الدار واعتقل محمد موسى بعد أن اعتقلت خالته، وكنت معتقلاً خلال تلك الفترة، ووقع عليّ الخبر وقع الصاعقة للعلاقة التاريخية بالرجل، منذ أن كنت طفلاً ثم فتىً، ولاعتقادي أن هناك حقداً دفيناًضده ومن المحتمل الاّ نراه ثانيةً. وكان محمد موسى قد قاد تظاهرة يوم 8 شباط (فبراير) وألقى خطاباً نارياً وتحريضياً ضد الانقلابيين بالقرب من الصحن الحيدري (باب القبلة- مدخل شارع الرسول المعروف بشارع موسكو) واستمر ظهوره في أزقة النجف لنحو ثلاثة أيام، ثم اختفى عن الأنظار وكان معه خلال تلك الفترة رفيق من الموصل يدعى فيكتور، ولا ادري أين حلّ به الدهر!!؟
بعد اعتقاله وتعذيبه في النجف، نُقل محمد موسى إلى الحلة وهناك تعرّض للتعذيب أيضاً، حيث كان سابقاً مسؤولاً حزبياً لقضاء الحلة باشراف من الصديق صاحب الحكيم الشخصية الشيوعية التاريخية في منطقة الفرات الاوسط، مسؤول محلية الحلة، الذي اعتقل عام 1962 في الحلة، ومن الحلّة أرسل محمد موسى إلى بغداد واختفى أثره في قصر النهاية. ولدى الباحث دراسة خاصة عن محمد موسى وشهادات لبعض من عرفه، سينشرها قريباً وكنت قد إلتقيت في المعتقل بآخر ثلاث أشخاص كانوا مع محمد موسى، وهم عامل المطبعة الكادر يحيى طربال وعضو اللجنة المحلية مجيد الحلوائي (اخ جاسم الحلوائي) ورفيق آخر إسمه محسن (عضو محلية)، وذلك بعد أسابيع من التحقيق والتعذيب معهم، حيث تم نقلهم إلى الموقف الجديد " تحت  الارض"، وهناك استفسرت منهم عن آخر تفاصيل اعتقال محمد موسى. وكان محمد الحياوي عامل النسيج والمتفرّغ الحزبي معتقلاً معنا، وهو على معرفة وثيقة مع محمد موسى، ونقل لي كيف استطاع الزوغان عام 1957 من الفخ المنصوب له، وانقاذ ما يمكن انقاذه، كما روى لي كيف تم كبس المطبعة!؟
قبيل هذه الفترة ذاتها تقريباً وصلنا خبر اعدام سلام عادل (أبو ايمان) أمين عام الحزب وحسن عوينه (أبو فلاح) ومحمد حسين أبو العيس، حين أذاع راديو بغداد النبأ يوم 7 أو 9 آذار (مارس)، وكان وقع هذا الخبر ثقيلاً ومؤلماً لدرجة الإحباط، حيث تبدّدت الكثير من الآمال، وشعر الكثير منّا بالقنوط، وترافق ذلك بنقل مسؤول السجن (المعتقل) صاحب الحكيم إلى جهة مجهولة وتعرّضه للتعذيب في مركز الحلة، ثم في بغداد (مركز المأمون). وكان الحكيم مربياً حقيقياً لنا لا ينام الاّ بعد أن ننام، ويسهر على كل صغيرة وكبيرة في المعتقل، إضافة إلى مكانته الحزبية كان مهاباً من المعتقلين العاديين، وظلّ يعمل بصمت وصبر وتواضع طيلة حياته، رغم تعرّضه لإجحاف وإساءات وجحود في الثمانينيات!
ولا يمكن لباحث منصف كتابة تاريخ النجف الشيوعي، إضافة إلى تاريخ الفرات الاوسط، دون أن يخصص حيّزاً مهمّاً لصاحب جليل الحكيم (وهو من عائلة دينية من سدنة الروضة الحيدرية)، عملت والدته منذ الخمسينات مراسلة حزبية مع سجن نقرة السلمان، واعتقل هو لأول مرة عام 1950، وقد فصل من الدراسة عام 1953 بعد أن اختفى عن الأنظار، وخلال هذه الفترة إحترف العمل الحزبي، وبعد ذلك، اعتقل عدّة مرّات في العهد الملكي وحُكم عليه بعد انتفاضة العام 1956 لمدة عام، وبعد عام 1958 كان عضواً في محلية النجف ورئيساً لاول اتحاد طلابي منتخب بعد اعادته إلى الدراسة، وكان مسؤول اللجنة المحلية يومها محمد حسن مبارك (أبو هشام)، ثم أصبح صاحب الحكيم مسؤولا للمحلية أواخر عام 1959 أو بداية العام 1960، وكانت يومها تضم: د.خليل جميل الجواد (الطبيب المعروف والشخصية الاجتماعية البارزة) عبدالسادة الخباز (أبو لميعة)، محمد موسى، المحامي حسين الرفيعي، علي النوري (من كربلاء)، ساجد حمادة!! (من الديوانية)  ومحمد رؤوف الجواهري ومحمد الجواهري، واستمر في ذلك حتى مطلع العام 1962، حيث سلّم مسؤوليتها إلى أنيس عباس ناجي. وانتقل ليكون مسؤولاً عن محلية الحلة(بابل) وقد اعتقل في أواخر العام 1962، ونقل بعدها إلى معتقل النجف وهناك إلتقينا به، ومنه بعد الانقلاب إلى الحلة ومن الحلة إلى بغداد " مركز المأمون" وبعد ذلك إلى سجن نقرة السلمان، وأطلق سراحه أواخر العام 1964 أو أوائل العام 1965 حيث عاد إلى صفوف الحزب.
كان حلقة الوصل بيننا وبين التنظيم الجديد هو عدنان الخزرجي، الذي عرفت إسمه فيما بعد وإلتقيت به أثناء اشراف لي على تنظيم ألمانيا الطلابي في العام 1973. اعتقل الخزرجي (الذي تخرّج من ألمانيا- دكتوراه في الفلسفة لاحقاً) خلال حملة جديدة مكثفة بعد مقتل محمد رضا الشيخ راضي، أحد ابرز المسؤولين البعثيين في النجف والذي اشتهر بقسوته، على أيدي فلاحين شيوعيين أثناء زركة من الحرس القومي على ريف منطقة العباسيات في الكوفة وبحثاً عن المحامي حسين الشعلان، وبعد أن تعرّض للتعذيب في مقر الحرس القومي نقل إلى الديوانية، ثم حُكم عليه وأودع في سجن الحلّة الشهير، وترافق ذلك أيضاً مع قيام حركة حسن سريع.
*   *   *
   شكّلنا لجنة للتنظيم الجديد، باسم لجنة النجف- للحزب الشيوعي العراقي وضمت بعض الرفاق من الكوفة وأبو صخر، وكانت امتداداتها واسعة وصلت حسب احصاءات آخر اجتماع لها نحو 60 رفيقاً وصديقاً وجمعنا تبرعات واشتراكات نحو 50 ديناراً آنذاك، حاولنا ارسالنا إلى مركز الحزب في الفرات.
   كانت اللجنة المسؤولة مؤلفة من عدنان الخزرجي ومحسن القهواتي، الذي كان عاملاً في احدى مطابع النجف (لا أتذكر ان كان مطبعة النعمان أو المطبعة الحيدرية). وكان يدرس في المدرسة الاعدادية (المسائية على ما أتذكر) وكفاح سميسم وصادق مطر وعبد الحسين شعبان وانضم إلينا علي الخرسان، الذي كان معتقلاً قبل انقلاب شباط (فبراير)، أي منذ أيام عبد الكريم قاسم الأخيرة، واطلق سراحه، وكان السبب في اعتقاله انه قام بتوزيع منشورات للحزب في مقاهي النجف بصورة علنية، كجزء من خطة الحزب آنذاك للفت الانتباه إلى مواقفه وبخاصة حركته الجماهيرية قبل سقوط قاسم، وكان علي الخرسان إسمه الحزبي (وائل)، في الخليّة ذاتها التي عملت فيها لبضعة أشهر، وكان فيها قبل ذلك جبار رضا عبدننه (العلي) (ناهض) وكوثر الواعظ (هيثم) (الدكتور- طبيب الاسنان)، الذي كانت عيادته في السبعينيات ملتقىً للشيوعيين واليساريين وكان قد اعتقل عام 1963 في النجف، ونقل بعدها إلى سجن أم عباسيات، وعندما أطلق سراحه أعيد إلى الدراسة بعد فصلنا جميعاً، ثم أكمل دراسته في الاتحاد السوفييتي، وهو أحد الوجوه الاجتماعية المعروفة، وطارق شكر الذي اعتقل معنا أيضاً، ثم هاجر إلى الكويت وعند هروبي العام 1970 بعد صدور أمر بإلقاء القبض عليّ، إلتقيته في الكويت، كما إلتقيت أحد الشيوعيين القدامى واسمه موسى مشكور، الذي كان يعمل كاتباً لدى جديّ في خان شعبان وهرب إلى الكويت العام 1963 وبقي هناك، وبعد الغزو الصدامي للكويت انتقل للعيش في ساندياغو (الولايات المتحدة) منذ العام 1990 وكان آخر لقاء لي مع طارق شكر في العراق العام 2003 بعد عودتي إلى بغداد.
وارتبط بهذه اللجنة أعضاء وأصدقاء كثيرون أتذكّر منهم محمد صادق الكويتي، عبد الامير السبتي، وهاب شعبان، طارق شكر (الصراف) ناجي الدباغ، وعبد علي الشرقي وعبد الامير الغرّاوي، باسم كمونة، حميد الدباغ (عامل) وعلاء عاتي ورواء مرتضى فرج الله وغيرهم، وكان لدى الشرقي وحده أكثر من 10 أصدقاء أو رفاق مقطوعين.
   كنت قد فصلت من الدراسة بعد اعتقالي، كما فصل آخرون. وكان التحرّك الأول للجنتنا هو المطالبة باعادتنا للدراسة أو اعتبار فصلنا بمثابة تأجيل سنة لأسباب طبية(صحية) ونجحنا في ذلك عشية الامتحانات النهائية. كما قمنا بفضح عملية تسريب الأسئلة الامتحانية للبكلوريا للجماعات المحسوبة على السلطة آنذاك، والتي كانت فضيحة صارخة، اضطرت السلطة والإتحاد الوطني المحسوب عليها إلى الاعتراف، بها ولكنها حاولت إلصاق التهمة بالشيوعيين والعناصر المندّسة حسبما جاء في بيان رسمي حول سرقة الأسئلة الامتحانية.
كنّا بشكل عام وهذا ما عرفناه نتلقى التعليمات من مركز باقر ابراهيم، أو شيء اسمه " منطقة الفرات الاوسط"، أو هكذا ركب الإسم في رؤوسنا، وكسبنا بعض الاصدقاء الجدد وأعدنا علاقات بعض المنقطعين بمن فيهم عامل الكهرباء عبد الحسين الشيباني، الذي كان يعيد كتابة البيانات بخطه الجميل. وكانت تحذيرات المركز بضرورة المحافظة على النفس واليقظة ازاء الاندساس. وأعتقد أنها كانت تمتاز ببعد نظر في تلك الفترة العصيبة وتحدّ من اندفاعاتنا، ولعلّ بعضها يقترب من التهوّر أحياناً.
   عقدنا 4 اجتماعات اثنان منها في بيت عبدالله الشمرتي صديقنا ورفيقنا، الذي فضّل تقديم جميع التسهيلات لنا دون أن يكون عضواً في الحزب (المقصود التنظيم الجديد) وظل على موقفه هذا، لكنه تعرّض فيما بعد للاعتقال وكاد أن يُرمى في السجن ويُقدّم إلى المحاكمة، حيث جلب لنا بيانات ووثائق من الحزب الشيوعي السوري، وألقي عليه القبض في الحدود، وأقتيد مخفوراً ولولا تدخلات أحمد الشمرتي المعروف بعلاقاته الواسعة لأودع السجن. وكان أنذاك يتردّد على دمشق للتسجيل في كلية الحقوق.
    لا أتذكر إنْ كان آخرون قد انضموا إلى اللجنة، ولكنني أتذكّر إننا كنّا في حالة توسع شديد. وعقدنا اجتماعاً في الكوفة في جامع الكوفة الشهير تمويهاً لرجال الحرس القومي وآخر في منطقة الجسر في بستان لاحد الفلاحين من اصدقائنا بواسطة تسهيلات من رفيقنا محمد الكويتي وسهام ماضي.

كانت حملة الاعتقالات سريعة ومكثفة، فقد اعتقل الخزرجي وبعده اعتقل محسن القهواتي، كما اعتقل كمونة وآخرون. واضطررنا إلى قطع الاتصالات والهرب حسب إتفاق كان بيننا، خصوصاً بعد أن عرفنا بواسطة رفيقنا علي الخرسان، عن طريق الحلاّق خضير الجزائري، الذي نقل له رزاق كشكول عضو قيادة منظمة البعث والحرس القومي اكتشافهم لحلقات من التنظيم الجديد واعتقالهم لبعض العناصر، وإنّ الحملة ستكون مركزة وخاطفة.
*   *   *
هربت إلى بغداد، التي كنّا نقضي فيها أوقاتاً طويلة ولدينا فيها الكثير من البيوت والعلاقات والأقارب والأصدقاء. إستأجر والدي سيارة تاكسي(أجرة). وكنت قد ذهبت مشياً على الأقدام إلى خارج المدينة وبعد نقطة التفتيش، التي هي في حي السعد، ركبت من هناك في السيارة، وكنت قد بت ليلة خارج البيت احتراساً من احتمالات الاعتقال. وفي بغداد اتصلت بلجنة الكاظمية أو بقاياها ومع بعض الأصدقاء والرفاق. وكان آخر تشكيلة لها بقيادة محمد أمين الاسدي (المحامي فيما بعد) الذي بادر مع نخبة لاعادة تشكيل التنظيم الجديد، لكنه اضطر إلى الهرب إلى إيران بعد انكشاف حركتها.
وبواسطة صديق خياط يدعى صادق وصيدلي إسمه عبد الأمير السعدي (كان طالباً آنذاك) وهما يسكنان في منطقة النواب حصلنا على صحيفة " طريق الشعب"، التي صدرت في حزيران (يونيو) العام 1963، وحرّرها في حينها عبد الجبار وهبي " أبو سعيد" وجمال الحيدري ومحمد صالح العبلي، قبل إلقاء القبض عليهم واعدامهم في تموز (يوليو) العام 1963، أي بعد شهر تقريباً من صدور أول عدد من صحيفة طريق الشعب، التي انعشت الكثير من الآمال، لكن تسارع الأحداث وفشل حركة سريع وفيما بعد اعدام العبلي والحيدري وأبو سعيد، سبّب بعض ردود الفعل السلبية وبخاصة في الجوانب المعنوية.
كنت " أختفي" أو هكذا يخيّل إليّ في منطقة الإنباريين في الكاظمية في بيت عمي شوقي شعبان، الذي كان معتقلاً في النادي الاولمبي وقبلها في الكاظمية واستقرّ به المقام في الموقف العام ببغداد (القلعة الخامسة). وأتحرّك بين بيت جدي التاجر المعروف الحاج حمود شعبان، في منطقة سوق حمّد (تانكي الماء)،  الذي دوهم بيته في أيام الانقلاب، حيث كانت المقاومة في المدرسة المقابلة له، وأصيب بعدها بأيام بجلطة قلبية وصاحبه مرض القلب، بضعة شهور لم تمهله طويلاً، وعلى أثرها توفي في بيروت آب (أغسطس) العام 1963، وكذلك في الأسواق التجارية حيث الكثير من أقاربي ووالدي يعملون في تجارة الأقمشة، وكانت السوق التجارية أرضاً خصبة لسماع الاخبار، من جهة ولمعرفة بعض توجّهات الحكم وخفاياه من جهة اخرى، حيث كانت ترد الكثير من المعلومات التي أسمعها وأدققها وأنقلها إلى الموقف العام عند زيارة  عمي شوقي.
ونقلت لهم في إناء خاص صحيفة الشعب بعد تمويهات كثيرة وكانت عمتي أمينة هي التي حملت " البريد" مع الكثير من المأكولات والحلويات دون أن تدري حقيقة ما يتضمنه. نقلت لهم بعد أول مواجهة في ذلك الصيف الساخن والملتهب  تداعيات حركة حسن سريع، وكان الرأي السائد عندهم وفي الشارع المؤيد للشيوعيين هو خطأ الانتظار طالما كانوا قد بدأوا بالتنفيذ، ولذلك كان لا بدّ من "تصفية" القيادات السياسية والعسكرية، التي وقعت في الفخ واعتقلت أثناء وصولها إلى معسكر الرشيد، لأن الأمر اقترب من التردّد وهو ما أوقع الحركة في عدم الحسم والحزم ازاء الخصم، في لحظة إقتضت اتخاذ قرار حازم وسريع والمبادرة لحسم المعركة، لأن الانتظار سيعني تمكين الطرف الآخر من تجميع صفوفه ومن ثم الانقضاض وهو الطرف الأقوى وهذا ما قاد الحركة إلى الفشل والى المزيد من التنكيل بالشيوعيين.
ولعل حادثة قطار الموت قد تمت بعد هذا التاريخ، حيث اقتيد بضعة مئات من الشيوعيين معظمهم من العسكريين في قطار خاص بالحمولة وفي ظروف مناخية سيئة وكانت أرضه عارية الاّ من الاسفلت وبدرجة حرارية عالية في صيف قائض، حين انعدمت التهوية بعد اغلاق الابواب وكاد الجميع يموتون، لولا السرعة الفائقة التي قاد بها سائق القطار" عبد العباس المفرجي" وهو والد الصديق مظهر، ووجود أطباء في القطار نفسه اضافة إلى اسعاف أهالي السماوة . ومن الطريف بالذكر ان عبد العباس المفرجي، الذي أنقذ المعتقلين اعتقل هو الآخر، ونقل معهم إلى سجن نقرة السلمان.
 كما إن عدم توزيع السلاح والتنسيق مع قطعات عسكرية أخرى وتنظيمات أخرى ساهم في تقوقع الحركة وانتهائها، رغم البطولة والشجاعة، التي تحلّى بها حسن السريع وزملائه سواءً عند الاقدام أو في المحاكمة فيما بعد وتحمّل التعذيب ومواجهة الموت ببسالة وثقة.
وهنا أريد أن أتوقف قليلاً فيما ساد في أوساطنا من ارهاصات وارتباكات وردود فعل سواءً كانت تنظيمية أو شبه تنظيمية أو فردية على شكل اجتهادات أو حالات من الجزع وعدم الصبر. وحتى هذا التاريخ لم أقرأ دراسة أو بحثاًً عن حركة السريع، باستثناء كتاب الصديق د. علي كريم، الذي ظل يدور في اطار كتابه الخاص بتدوين مذكرات طالب شبيب، والذي صدر بعنوان: من حوار المفاهيم إلى حوار الدم، ولعلّ هذا الحدث وأحداث أخرى لم يسلّط عليها الضوء الكافي لنقدها وبحثها من زاوية موضوعية، فالبطولة شيء والحدث ما ترّتب عليه وطريقة التفكير شيء آخر!!
قبل هروبي من النجف بأيام وصلنا ما يسمى بالانذار" ج"، تشبثاً بالانذارات العسكرية. وكان الأمر محصوراً كما قيل لنا بعدد محدود من الكوادر، ولا ندري ما هو دورنا وتأثيرنا لكي نبّلغ بمثل هكذا سرّ خطير (إنْ وجد)، اذ لا بدّ من الاستعداد لأحداث مهمة قد تجري سريعاً، وعلينا مراقبة الموقف والتهيؤ لأية إحتمالات. ولم نكن ندرك حقيقة الأمر، فنحن مجموعة قليلة أولاً وصغيرة السن ثانياً وتجربتنا بسيطة آنذاك ثالثا،ً ومعرفتنا وثقافتنا محدودة وبخاصة في الجوانب العملية والحياتية رابعاً، وخامساً ولم يكن لأي منّا معرفة في الامور الخاصة بالدولة والحكومة والجيش. فما معنى الانذار "ج"؟
كان السؤال الذي راودني كثيراً وأعتقد أنه راود الزملاء الآخرين " وماذا بعد!؟ " بعد يوم أو يومين ألغي الانذار، ثم تكرر الأمر مرة أخرى وأخرى. وفي بغداد تكرّر الأمر كذلك، وهو ما تكرّر على نحو أشد وأوضح بعد انقلاب 18 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1963. ربما كانت بروفات لإعادة الثقة بالنفس وقد تكون بصفتها توجهات فردية، ولكن رد الفعل كان عكسياً معي، فبعد مرّة أو مرتين بدأت أهمل هذه الانذارات " الخلبيّة" كما سميّت فيما بعد.
أما الهدف وبخاصة بعد الانقلاب الثاني بقيادة العقيد (المشير) عبد السلام عارف، فقد كان يسعى إلى بعث الثقة في النفس وشحذ الهّمة والروح الجهادية واختبار درجة الاستعداد والجاهزية. قد يكون الأمر من باب رفع المعنويات أو حتى المبالغات في القدرات الذاتية أو شيئا من الاجتهادات الشخصية أو العلاقة مع بعض العسكريين. ولكن الأمر لم يكن يخلو من مفارقات.
كنّا نسهر أحيانا أنا وعلي الخرسان بعد استكمال بناء بيتنا الجديد في حي السعد، في الحديقة أحياناً وفي السطح أحياناً وبجوارنا الراديو وننتظر حتى نمّل وتأتينا بعد أيام بعض الاخبار " المقنعة" وغير المقنعة، بأن أمراً ما كاد أن يحدث، لكن الظروف استوجبت التأجيل. وأخذ الأمر بُعداً آخر بعد العام 1965 أيام ما سمّي " بالعمل الحاسم". وهذا حصل بعد انهيارات كثيرة في المعنويات وفكّ ارتباط وزعل على الحزب بسبب خط آب في حينها، وضمن مستوى الوعي والادراك السائد آنذاك، إضافة إلى نزعات التشدّد و" التياسر" والارادوية، التي كانت سائدة وظلّت إلى حدود غير قليلة في أوساط الحزب، ناهيكم عن الذكريات المؤلمة للفترة السابقة.
لكنني بكل صراحة وأقولها للتاريخ لم أكن أدرك حقيقة ما يجري فعلياً رغم إن قناعتي كانت إن الحزب لا يستطيع أن يعمل شيئاً قبل أن يضمد جراحاته العميقة ويعيد لحمة ما تبقى ويصحح نهجه السياسي ويتخلّص من تردّده وحركته البندولية، وهي سمة ظلّت ملازمة لقيادته مع الأسف الشديد.
أتذكر مرة وكنّا ما نزال في المعتقل، كان هناك من يحاول أن يبعث الامل في نفوس البعض، عن طريق أخبار يبّثها بإحتمال قيام حركة مضادة للبعث، وإن فلان وفلان من الرفاق لم يعتقلا، وان الفرع الكردي يستعد للتحرك، واذا جرى التنسيق مع قيادة البارتي (بزعامة البارزاني) سيكون الأمر مضمونا تماماً، وإن الحركة الانقلابية بدأت تتآكل وربما تنهار، وعندما سمع انفجاراً حدث، وسمعنا دوّيه في يوم مولد النبي محمد (ص)، في احتفالية في الميدان الرئيسي للمدينة، حيث يوجد " خان الهنود" هتف قائلاً إنه الانذار "ج". وسترون من يكون في الواجهة!؟ وأخذ يذكر إسم العقيد غضبان السعد وسعيد مطر وآخرين.
واتّضح إن القضية هي مجرد سقوط كراسي حديدية وربما انفجار قنينة غاز، هاج على إثرها الجمع وردّد الفلاحون هوستهم الشهيرة " مليوصة يا حسين الصافي "، حيث كان متصرّفاً (محافظاً) للواء الديوانية (القادسية) وجلب الفلاحين في سيارات كبيرة للمشاركة في الاحتفال المذكور، الذي إنفض بفضيحة، ظلّ الجميع يتندّرون بها.
وحيث كنّا في " خان الهنود" استجلينا الأمر من كاكه حمه الشرطي المكلف بحراسة غرفتنا، بما حصل وعرفنا الحقيقة، واذا بصاحبنا ينطفئ فقد كانت حماسته تعويضاً عن شعور بالمرارة من جهة، وتشبثاً بالامل من جهة أخرى، وغالباً ما كانت تحدث قضايا ومواقف مماثلة ومتناقضة من هذا القبيل!!
*   *   *
كنت أتوجّه بسيارة خالي ومعي والدي وأحد أقاربنا إلى بغداد من الكاظمية وعبرنا جسر الأعظمية (جسر الأئمة) واذا بالحرس القومي يوقف سيارتنا في نقطة التفتيش. وطلبوا هوياتنا وعرفنا منهم أو هكذا قالوا: إن انقلابا شيوعياً " أبكَعاً " قد حدث ولكنه فشل. وكنت يومها أحمل " طريق الشعب" في جيبي (وهي مطبوعة على الآلة الكاتبة ومعها نسخة أو نسختين بخط اليد). وكاد يغمى عليّ، خصوصاً بأخبار "الانقلاب الفاشل" وقبلها "انتفاضة معسكر الرشيد" واحتمال اكتشاف أمري. بعد لحظات تنفسّت الصعداء فقد سمحوا لنا بالمرور وحمدت الله على انهم لم يفتشوا جيوبنا، والاّ سيكون مصيري في كف عفريت. فمن يدري ماذا سيكون رد الفعل المباشر؟
بعد وصولنا إلى سوق المرادية وفي خان شعبان الذي كان لجدي الحاج حمود شعبان، أطلعت نعمان شعبان على الجريدة، التي قرأها بخوف شديد فوق سطح الخان، ثم قمت برمي ما عندي في أطراف شارع المتنبي بعد ذلك وبالقرب من نقابة المحامين، ونعمان الذي توفي في أوائل التسعينيات هو صديقي وأقاربي وكنت صلته بالحزب، وقد مثلّ الحزب في الجمعية العراقية للعلوم السياسية العام 1969 في قائمة مشتركة مع حزب البعث والحركة الكردية والحركة الاشتراكية العربية، وكان ذلك من التحالفات الأولى بعد انقلاب 17 تموز (يوليو) بين الشيوعيين والبعثيين، كما كان عضواً في لجنة طلابية سابقة ضمّت حكمت سليمان(من الموصل) وعطية فاضل (الدكتورة في الاقتصاد لاحقاً) وعبد الامير صالح السعدي (انتمى إلى الحزب الحاكم لاحقاً وهو غير الذي ورد ذكره ) وزميل كان محسوباً على ملاك القيادة المركزية سابقاً إسمه (حسن).
عدنا إلى البيت سريعاً حيث كان الجو يميل إلى منع التجول واتصلت بأصدقائي والحلقة المصغرة في الكاظمية، لأستجلي الأمر منهم وأنتظر فيما إذا كانت هناك أية معلومات أو أخبار. واتفقنا على ضرورة اليقظة والحذر من الاندساس وانكار علاقتنا مع بعضنا في حالة اعتقال أحدنا.
علمت بان بقايا الحزب أو بعض منظماته المتقطعة، لم يكونوا يحبذوا قيام حركة في هذا الوقت بالذات ضمن وعينا آنذاك. ثم تأكد لي هذا الأمر بعد حوارات مع " أبو خولة" – باقر ابراهيم أحد قادة الحزب التاريخيين وعضو المكتب السياسي لسنوات طويلة والمسؤول عن منطقة الفرات الاوسط خلال أحداث العام 1963، الذي علّق على مذكرات زكي خيري (عضو المكتب السياسي) ومقترحاته في حينها (العام 1963)، حول المبادرة بالهجوم على حامية النجف (العسكرية) أو ركوب القطار المتوّجه من الديوانية إلى بغداد والزحف ببضعة مسلحين من الفلاحين من هناك، وهي آراء كثيراً ما كانت تتردّد من باب رد الفعل وربما اليأس أو عدم الصبر أو بمكابرات " ثورية"، وهو ما دوّنه باقر ابراهيم في مذكراته. ولعلّ في هذا الجزء من مذكرات باقر ابراهيم ملء لي العديد من الفراغات في معلوماتي وفي ذاكرتي أيضاً.
ومثل تلك الفنطاريات الثورية والمغامرات كانت تتردّد بين بعض أفراد مجموعتنا الصغيرة، وكانت تلاقي صدىً وتُشمّر السواعد لجمع السلاح أو الاعلان عن فشل العمل السياسي أو غير ذلك. وأعتقد إن نظرة باقر ابراهيم كانت أكثر بعداً وواقعية من مثل تلك الاطروحات الصبيانية المغامرة، وحمداً لله لم يبادر البعض بتوريطنا مغبة اندفاعات غير محسوبة.
عرفت إن " أبو سلام" الشخص الذي كان اسمه يتردد في المحكمة، التي انعقدت سريعاً لمحاكمة حسن سريع، ورفاقه ظل مجهولاً، وربما ظلّت تلك احدى أبرز الحلقات المفقودة في حركة حسن سريع وبخاصة علاقة التنظيم المدني بالتنظيم العسكري، وكان الصديق طلال شاكر  " أبو ميلاد" قد حدثني عن جوانب خفية من علاقة حسن السريع ببعض تنظيمات الحزب، وعلاقة بعض رفاق وتشكيلات بقايا الحزب بالحركة، خصوصاً وإن هناك تجمّعات غير قليلة وتشكيلات مستقلة عن بعضها عملت باسم الحزب الشيوعي آنذاك قبل تجميعه فيما بعد وبخاصة بعد انقلاب 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 الذي أطاح بحكم البعث.
وقد حدّثني الرفيق عباس قاسم (بولس مراد) الذي عمل معي في جمعية الطلبة في براغ عندما كنت رئيساً لها، وكان متهماً بأحداث الموصل وسجن في حينها، ولكن أطلق سراحه عشية إنقلاب 8 شباط (فبراير)، بأنه ساهم في تلك التشكيلات وكان على رأس بعضها، وربما اعتقد أنه المسؤول الأول، إذْ لم يكن يعرف بأن هناك تشكيلات أخرى. وكان ذلك اثناء وجوده في براغ في السبعينيات وبعد خروجه من بغداد في أواخر العام 1965، وهذا الأمر حصل معنا أيضاً، فقد اعتقدنا اننا الوحيدون الذين يمسكون بتلابيب التنظيم، ولكن حسبما أعتقد وكما اتضح الامر بعد سقوط حكم 8 شباط (فبراير)، كانت مجاميع أخرى، وربما تنظيمات أخرى، وهذا ما حصل في بغداد ومدن أخرى أيضاً.
وبخصوص التنظيم الجديد عدت إلى النجف بعد انقلاب 18 تشرين الثاني (نوفمبر) وحاولنا اعادة تشكيل هيئة جديدة للنجف مؤلفة من شقيق عبد الرزاق السبيّس (لا اتذكر اسمه) وعباس فيروز (خياط) وحسون (عامل في مقهى) وعلي الخرسان ورفيق آخر نسيت اسمه وكاتب هذه السطور (طلاّب أعيدوا للدراسة). ثم جرى اتصال بيننا وبين منظمة العاصمة بواسطة بريد لا أعرف أو لا أتذكر كيف وصلنا، واتضح إننا نواة لما سميّ باللجنة الثورية ووزعنا بياناتها وبخاصة من قبل عبد الحسين الشيباني(عامل الكهرباء) وعلي الخرسان، وكنّا نعيد كتابة البيانات في فندق يعود إلى السيد هادي الخرسان (شقيق علي الخرسان)، ولكننا عرفنا ان مركز الحزب استعاد نشاطه ووصلتنا أدبيات وبيانات، واتصل بنا بعض الرفاق القدامى الذين نعرفهم ونثق بهم، مما أدى إلى انقطاع اتصالنا مع ما سمي باللجنة الثورية أو مجموعة ثورية متمردة على القيادة (لم أعد أتذكر ذلك)، أو بالاحرى لم أكن أميّز ذلك كثيراً لاعتقاد بعضنا أن نهجاً جديداً ثورياً قد بدأ بأسماء ثورية أو هكذا تصوّرنا ويعود الأمر إلى قلّة تجربتنا ، ولظروف العمل السري القاسية وانعدام الحريات.
ولا أدري إنْ كان ذلك نواة للجنة الثورية التي قادها سليم الفخري الضابط الشيوعي ومدير الاذاعة والتلفزيون في زمن قاسم أم جهة أخرى؟ وبالمناسبة فقد استدرج الفخري ورفاقه خلال تخطيطهم لحركة انقلابية ليقعوا في الفخ ويحكم عليهم بأحكام ثقيلة، ولم يطلق سراحهم الاّ بعد العام 1968، ومات سليم الفخري في لندن عام 1990 وحضرت حفل تأبينه، وظلّ في السنوات الأخيرة من حياته داعية لحقوق الانسان وكانت له علاقات متميّزة وواسعة مع الكثير من الشخصيات الوطنية العراقية .
لم نكن نفكّر رغم قلة تجربتنا بشيء أبعد من الحزب أو بديلاً عنه أو بارتباط خارجه، رغم سخطنا على بعض توجهات القيادة ومرارتنا بسبب النكسة التي حلّت بالحزب وتمزق شمله، خصوصاً وإن الكثير من الأسئلة بدأت تواجهنا وتراود عقولنا وشكلت تلك ارهاصات أولية لاختلافات فكرية ونظرية وعملية فيما بعد.
بعد هرب صلتنا (السبيس) إلى البادية (منطقة عرعر) حسبما أتذكر، انفرطت علاقاتنا التنظيمية. واتضح لنا وجود تنظيمات أخرى في الفرات والنجف. كما قمت بمحاولة تنظيم اتصالات جديدة لمجموعتنا مع منظمة بغداد عن طريق أحمد سنجر  وهو صديق حسن شعبانالموظف في احدى سفارات الدول الاشتراكية.
ثم ارتحلت عن النجف كليّاً حين إلتحقت بعد ذلك بجامعة بغداد (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية) وداهمنا يومها خط آب، الذي صدمنا ورفضت تنظيمات النجف توزيع البيان الشهير، كما تم إتلاف حوالي 100 نسخة من صحيفة طريق الشعب، التي روّجت لخط آب الذي وصف " بالتصفوي والذيلي والانتهازي"، في محاكاته لسلطة عبد السلام عارف والسعي لتخفيض شعارات الحزب والدعوة المستترة والمعلنة لحل تنظيماته والانضواء في " الإتحاد الاشتراكي". ولم يكن ذلك بمعزل عن السياسة السوفيتيية، التي روّجت لفكرة "طريق التطور اللارأسمالي" وإمكان تحقيق التحول الإشتراكي عبر سلطة "الديمقراطيين الثوريين"، وهو ما جرى الحديث عنه في وقت لاحق خلال فترة التحالف مع حزب البعث في السبعينات، لكن رفض ومعارضة خالد بكداش لفكرة التطور اللارأسمالي وموضوع حلّ الاحزاب الشيوعية، مثلما حصل في مصر والجزائر، كان كفيلاً بإحداث نوع من الحراك في التيار الشيوعي العربي، ورغم ما يقال عن خالد بكداش من تبعية لموسكو، الاّ أن موقفه عام 1964 من هاتين المسألتين، كان شجاعاً ومبدئياً، رغم أن البعض يعتبر ذلك خطوة خارج السياق.
ولعلّ في تنصّل معظم قادة وأركان خط آب في الدفاع عنه فيما بعد خير دليل على فشله وعدم واقعيته، إذْ ليس من الممكن في أجواء الصراع وبخاصة بعد حركة حسن السريع، طرح مثل هذا الخط السياسي والفكري دون وجود مقدمات وتمهيدات، فضلاً عن مبررات موضوعية كافية، فقد كان غبار المعارك ما يزال يغطي الكثير من الزوايا، وأسئلة الضحايا كانت ما تزال تستفهم وتطالب بالعدالة، واذا كان بعض أقطاب خط آب قد اتجه إلى فكرة " العمل الحاسم" النقيضة، فإن باقر ابراهيم كان، استثناءً، حيث ظلّ أميناً لمواقفه  وهي مسألة تبعث على الاحترام بشأن الدفاع عن الرأي والثبات على المواقف، رغم الاختلاف في وجهات النظر في تقييم الحدث، وقراءة المستجدات التي أعقبته ، بما فيها المتغيّرات والتطورات وما أفرزته الحياة ذاتها!
أعتقد إنه آن الآوان لإجراء مراجعة انتقادية للتجرية بما لها وما عليها، خصوصاً ونحن نتعاطى معها الآن باعتبارها ماضياً لا يمكن استعادته، وليس من باب التنديد أو التمجيد، بقدر ما هي تجربة علينا إعادة قراءتها بالارتباط مع مجمل تاريخ الحركة الشيوعية، بما فيها ممارساتها السلبية والخاطئة وردود فعل الآخرين إزاءها، وبخاصة المجازر التي ارتكبت العام 1959 في الموصل، وفيما بعد في كركوك، وتشجيعنا وحثنا على إعدام العديد من القيادات القومية والبعثية، بمن فيهم من الضباط الاحرار الذين شاركوا في ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 وفي المقدمة منهم: رفعت الحاج سري وناظم الطبقجلي وغيرهما!! إضافة إلى محاولة الاستحواذ على الشارع وعزل وإبعاد الآخرين شركاء الأمس في جبهة الاتحاد الوطني، وما خلّف ذلك من احتكاكات بين تيارين متقاربين، لكنهما دفعا ثمن منافستهما غير المبدئية وغير الديمقراطية ومحاولات إلغاء كل منهما الآخر،  وهو الأمر الذي جلب الكثير من الكوارث على العراق، في العقود الأربعة الماضية، خصوصاً بتهميش الطبقة الوسطى وازدراء تيار الوسط الديمقراطي والسعي للاستئثار بالحكم وتصفية الهوامش الديمقراطية وتمجيد عبادة الفرد التي أوقعت البلاد في كوارث لا حدود لها، ابتداءً من الحرب العراقية- الإيرانية وغزو الكويت، وصولاً إلى ما تعرّض له العراق من حصار دولي ثم احتلال!!

34
ثلاثية التاريخ والسياسة والدين
في مقاربات عبد الحسين شعبان
   
د. محمد جواد فارس
طبيب وكاتب/ لندن

   أطلّ علينا الدكتور عبد الحسين شعبان في كتابه الجديد الموسوم  (الإمام الحسني البغدادي:مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن)  ليطرح بجرأة الترابط الجدلي بين التاريخ والسياسة والدين وهي مسائل مسكوت عنها أو غير مطروقة بالطريقة التي حاول بحثها من موقع النقد والنقد الذاتي مسلطاً الضوء على شخصية دينية ومن عائلة معروفة على المستوى الاجتماعي والديني في العراق وعموم الطائفة الشيعية في العالم الإسلامي .
   وتتسم هذه المقاربة النقدية بالأهمية، خصوصاً بعد ما تعرّضت له منطقتنا العربية وعلى وجه التحديد والعراق بوجه خاص من أحداث وتطورات في العقود والسنوات  الأخيرة من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، ولاسيّما احتلال العراق وتفشي الطائفية والعنف والإرهاب ، وذلك بعد حروب وحصار.
   وإذا كان الأجداد قد تركوا لنا الكثير من الإبداع الذي أنجبه أبناء الرافدين على مدى تاريخهم العريق  في مجالات متعددة مثل الهندسة والقانون والأدب كما هي الجنائن المعلقة ومسلّة حمورابي وملحمة جلجامش، والتي تناولها الكثير من المؤرخين العرب  وغير العرب،  فإن ما حلّ بهم أيضاً من ويلات ونكبات ومآسي وضع المؤرخون أمام حيرة ألا وهي قدرة العراقيين على اجتراح كل ذلك وتجاوز المحن والتطلع إلى مستقبل أفضل، وهو ما عكسته الأساطير والقصص والملاحم الشعرية التي عالجت قضايا الفلسفة والعلوم والفن والثقافة والوجود والخلود بشكل عام، وذلك ما ورد في الأديان السماوية الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام . 
                                                           
   وقد شرّعت هذه الأديان العبادة التي تربط الإنسان بالخالق، وهي موجهة بشكل عام إلى إرشاد الإنسان نحو الحرية الفردية وتطوّر المجتمع في الابتكار والإبداع وفق ما ينسجم مع تطورات الحياة.
   في كتابه ناقش الدكتور شعبان الجدل الدائر والمزمن بين التاريخ والسياسة والدين وهي ثلاثية حتى وإن تباعدت حقولها ووجدت حدود فيما بينها إلا أنه لا يمكن فصلها عن بعضها البعض بسبب تداخلات وتفاعلات تجري بالأساس داخل المجتمع. ولم يكتفِ الباحث بحديث التنظير، بل حاول أن يعرض ما استقر من مفاهيم حول هذه القضايا في أذهان عموم الناس خاصة في السنوات الأخيرة التي شهدت التعصب والتطرف والعنف والذي تجلّى مؤخراً بظهور ما سمي بالدولة الإسلامية (داعش) والممارسات المنكرة التي أقدمت عليها من الإساءة للدين والقيم الأخلاقية والإنسانية ، ومها الذبح والاغتصاب وهي أمور لا تمتّ إلى الإسلام بصلة .       
                                                                         
   وقد أحسن الدكتور شعبان في اختياره شخصية دينية معروفة في توجهها الوطني ومقاومة المحتل بتعريضها للنقد وبقدر  مواقفها الراديكالية في السياسة فهي محافظة دينياً لاسيّما في التوجّهات الخاصة في الشعائر الحسينية، لكنّه لم يتوقف في ذلك بل إنه قدّم نقداً ذاتياً إلى المعسكر الشيوعي الذي ينتمي إليه، خصوصاً لبعض المواقف الصبيانية المتطرّفة وبعض المبالغات والتقديرات التي أثبتت الحياة عدم صحتها فاستعرض بعض مواقفنا أواخر الخمسينات وبعض مواقفنا أيام الجبهة وفي الموقف من حركة خان النص . وأعتقد أن هذه التقييمات الشجاعة هي ضرورة لا غنى عنها للمراجعة في السياسة والتاريخ والدين ليس فقط من جانب العلمانيين والمدنيين ومن مختلف التوجهات بل من جانب الدينيين والحركات الدينية في الدرجة الأساسية، خصوصاً في موقفهم من اليسار والحركة الشيوعية.
   لقد عرّف شعبان القارئ بكتاب البغدادي" وجوب النهضة" الذي كان قد أعدّه لمقاومة المحتلين البريطانيين في الحرب العالمية الأولى ولم يتسنَ له إصداره إلا بعد عدوان حزيران على الأمة العربية العام 1967 ، وكما ذكر شعبان فهو مساهمة ودرس  في الكفاح ضد الاحتلال والصهيونية وتأكيد على مدى التمسّك بفكرة الدفاع عن الوطن والحق في مقاومة الاحتلال، وهي الخبرة التي استمدها حفيده السيد أحمد الحسني البغدادي في مقاومته للاحتلال الأمريكي ووقوفه ضد تشكيلاته اللاحقة.
   وإذا كان الكتاب قد ربط بين التاريخ والسياسة والدين  وناقش موضوعات مهمة في شرح وافٍ للدين والظاهرة الدينية بشكل عام كما تناول العلاقة بين الدين والسياسة من خلال جدليات الحوزة الدينية فإنه توقّف على نحوٍ منهجي لبحث موضوع فتاوى تحريم الشيوعية التي كانت قد صدرت عن عدد من كبار رجال الدين لكنها خلقت في الوقت نفسه انقساماً ليس في المجتمع العراقي فحسب بل داخل الوسط الديني والعلمائي ذاته ، ففي حين أصدر السيد محسن الحكيم فتواه باعتبار الشيوعية كفر وإلحاد وتبعه عدد من رجال الدين بينهم عبد الكريم الجزائري وأبو القاسم الخوئي وآخرين ، فإن عدداً آخر من علماء الدين امتنعوا عن إصدار هذه الفتوى حتى وإن كان لهم رأي بالشيوعية مثل الحسني البغدادي والقائني والزنجاني والحمّامي لاعتقادهم أن ذلك سيسبّب شرخاً اجتماعياً وانشطاراً مجتمعياً ولم يجدوا لذلك مبرراً والضرر سيكون  أكثر من النفع.       
   لقد كان اتهام الشيوعيين العراقيين بالكفر والإلحاد له دوافع سياسية وليس لأسباب دينية ، فهم ساهموا في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي في المواكب الحسينية واستغلوا جميع المناسبات لطرح المطالب الشعبية ولم يجدوا في ذلك ضيراً ولم يتهمهم أحد حينها بالإلحاد أو بالكفر، لكن نفوذهم وهيمنتهم على الشارع بعد العام 1959 دفعت بعض رجال الدين إلى استغلال بعض التصرفات العدائية منهم إلى اتهامهم ، وقد نجد في الكتاب   نقداً لمثل هذه المواقف من جميع الأطراف التي أدت إلى تمترسات وصدامات حادة دفعت الجميع ثمنها باهظاً، ولاسيّما بعد الاحتلال.                                                     
   أختتم بواقعة من ذاكرتي حين كنت لا أزال فتى في العاشرة من عمري حيث كانت الدعاية الانتخابية العام 1957، في مدينة الحلّة وأنا ابنها ، للشيخ عبد الكريم الماشطة تعبّر عن ضمير الناس حين جمعت بين الدفاع عن لقمة العيش والحرية والقضايا الخدمية . وكان الشعار: من  يريد الخبز والعمل والمدارس والمستشفيات والمعامل بدلاً من القنابل والمنشآت الحربية فليصوّت للشيخ عبد الكريم الماشطة. والماشطة رجل دين ونصير للسلم وداعية اجتماعية وشخصية عربية وإسلامية وعالمية، وفي ذلك دلالة على أن العديد من رجال الدين كان يقيمون علاقات طيبة مع الشيوعيين وتجمعهم أهداف مشتركة.
      إن كتاب شعبان هو مساهمة فكرية وثقافية في نقد الفكر السياسي العراقي الديني والمدني وفيه استفزاز واستثارة للذاكرة العراقية التي لا تعتمد عليها فقط بل إنها تذهب إلى الوثائق والمراجع لتدقيقها وتدوينها وذلك خدمة للتاريخ والسياسة والدين
 
محمد جواد فارس
طبيب وكاتب

لندن أواخر أيار -مايو 2018
 

 
 
 
 
 
 

35
مشكلة «أطفال الدواعش»!
عبد الحسين شعبان
أثارت مناقشة ملف الأطفال «مجهولي النسب»، انقساماً بين السوريين، بين من يعد الملف يتمثل ببعد إنساني ووطني، ومن ينظر إليه نظرة ازدراء وشك، وهناك من يعده ملفاً سياسياً، ويريد التعامل معه عبر إشراك أوروبا، وتشترك جهات اجتماعية ودينية وسياسية وبرلمانية ومدنية وحقوقية وقانونية بمناقشة هذا الملف المعقّد والشائك، ليس على صعيد أوضاع الماضي؛ بل على صعيد أوضاع المستقبل، والأمر بقدر ما يخصّ سوريا، فهو يعني بلداناً أخرى إقليمية أو أوروبية.
وعلى الرغم من أن قضية «مجهولي النسب» مشكلة قائمة في العديد من البلدان العربية، إلّا أن الملف السوري ل«مجهولي النسب» ينصرف إلى «داعش» و«عمليات السبي»، التي حلّلها «الداعشيون»، وبيع النساء في سوق النخاسة وغير ذلك، والأمر يشمل المتطوعين الأوروبيين، ولاسيّما من النساء، والولادات التي شهدتها مقرّات إقامة «الدواعش»، وخصوصاً حيث مقرّ ما سُمي ب«الخلافة» في الرقة وغيرها من المناطق.
و«مجهولو النسب»؛ هم الأطفال المولودون من أم معلومة وأب مجهول أو غير معلوم، سواء كان «أجنبياً» أم من ذات الجنسية، ولا تتيح معظم القوانين العربية منح الجنسية للأولاد من أب مجهول، وإن كان بعضها بما فيها القانون السوري يشترط توفر شروط وآليات قانونية وأحكام خاصة. وحسب بعض المعلومات المتوافرة، فإن عدد الأطفال من «مجهولي النسب» من زيجات أو علاقات جنسية ل«الدواعش» يبلغ 300 طفل، وهناك من يقول، إن عددهم قد يصل إلى نحو 2000، وهؤلاء يحتاجون إلى إيواء في دور أيتام أو إلى دور حضانة برعاية الأمهات، فضلاً عن خصوصية التعامل معهم، ولاسيّما في الكبرْ.
ومن الناحية القانونية، يختلف الأطفال من «مجهولي النسب» عن «المكتومي القيد» الذين يُعرف آباؤهم وأمهاتهم أو من آباء وأمهات معروفين؛ لكنهم لا يحملون الجنسية السورية، وإن ولدوا في سوريا مثل أبناء الجماعات «الداعشية» المسلحة.
وبعيداً عن الجوانب القانونية والحقوقية، فإن هناك جانباً إنسانياً واجتماعياً يحتاج إلى معالجة، ولاسيّما وأن هؤلاء الأطفال قد ولدوا في مناطق النزاع المسلح، ويحتاج هذا الملف إلى تسوية؛ لأنه من تداعيات الأزمة السورية. ويتوزع بعضهم على مخيّمات الرقّة أو قرب الحدود التركية، وأعمارهم لا تتجاوز ال 6 أعوام، وهم سيحتاجون إلى مدارس ورعاية صحية وكل ما يحتاج إليه الأطفال، علماً بأن بعض الأطفال لم يصرّح بهم، ولعل ذلك يحتاج إلى تدخل من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وخصوصاً من منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسيف».
طرحت موضوع الأطفال من «مجهولي النسب» لمناسبة اليوم العالمي للقضاء على العنف الجنسي، الذي يصادف هذا الشهر (يونيو/حزيران)، والذي يتعلّق بحالات النزاعات المسلحة، ومن المقرر الاحتفال هذا العام بهذا اليوم تحت عنوان «حقوق الأطفال المولودون في الحرب والمأزق الذي يتعرضون له».
جدير بالذكر أنه في 19 يونيو/حزيران العام 2015، كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد قرّرت اعتبار هذا اليوم من كل عام يوماً عالمياً للقضاء على العنف الجنسي في حالات النزاع، وقد خصصته للتوعية من أجل وضع حدٍّ للعنف الجنسي المرتبط بالنزاعات المسلحة، وتعويض وتكريم ضحاياه، ولعلّ أكثرهم ضرراً هم الأطفال الذين ستظل الحرب تلاحقهم؛ باعتبارهم من مجهولي النسب، وهو عنف معنوي وأدبي سيبقون يجترحونه طيلة حياتهم. وكان مجلس الأمن الدولي قد أصدر القرار رقم 1820 في 19 يونيو/حزيران العام 2008 وندّد فيه بالجماعات الإرهابية التي تستخدم العنف الجنسي كأسلوب من أساليب الحرب؛ لإذلال المدنيين وخصوصاً النساء والأطفال.
وحسب تعريفات الأمم المتحدة، فإن العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات المسلحة هو الذي يتخذ أشكالاً متعدّدة؛ مثل: الاغتصاب والاستعباد الجنسي والدعارة القسرية والحمل القسري والإجهاض القسري والتعقيم (من العقم) القسري والزواج القسري وأي شكل من أشكال العنف الجنسي المماثلة. ولعلّ مثل هذه الأساليب في ترويع السكان المدنيين كانت قد استخدمت في النزاعات المسلحة كجزء من الأعمال والتكتيكات العسكرية؛ لإخضاع الخصم أو العدو وتحت ذرائع عرقية أو دينية أو سياسية أو غير ذلك، بالضد من اتفاقات جنيف الأربع لعام 1949 وملحقيها بروتوكولي جنيف لعام 1977، الأول الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، والثاني حماية ضحايا المنازعات المسلّحة غير الدولية، علماً بأن آثار العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات المسلحة تمتد عبر الأجيال؛ حيث تشمل الأطفال ممن يسمّون ب«مجهولي النسب» أو «أصحاب الدماء الخبيثة» أو «أطفال العدو» وتنبذهم المجتمعات، فيتحولون إلى مادة للانتقام من وضعهم الاجتماعي ويكونون بؤرة للإرهاب؛ لذلك يقتضي احترام قواعد القانون الدولي الإنساني والاتفاقات والمعاهدات الدولية ذات الصلة، مع ضرورة توعية المجتمعات بمخاطر ذلك، ناهيك عن الجانب الإنساني، فهؤلاء لا ذنب لهم، ويتطلب الأمر ملاحقة المرتكبين، وإنزال أقسى العقوبات بهم؛ نظراً لفداحة الجرائم التي ارتكبوها.


drhussainshaban21@gmail.com


36
فيليتسيا لانغر شاهدة بأم العين

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

" أنا شخصياً ، أنا اليهودية ، أنا سليلة العائلة اليهودية التي فقدت عائلتها في المحرقة النازية، شاهدة على ما يرتكبه الاحتلال الإسرائيلي بأم عيني، شاهدت الفظائع التي يرتكبها هذا الاحتلال وجرائمه ضد الشعب الفلسطيني" هذا ما جاء في كتاب "بأم عيني" للمحامية اليهودية فيليتسيا لانغر المعادية للصهيونية والمدافعة عن حقوق الأسرى الفلسطينيين والعرب في السجون " الإسرائيلية" ، وهو شهادة عادلة ومنصفة على الانتهاكات السافرة لحقوق الإنسان التي يرتكبها الاحتلال "الإسرائيلي".
وكان اسم فيليتسيا لانغر قد ارتفع في المحافل الحقوقية الدولية بالتدرّج بعد نكسة 5 يونيو (حزيران) العام 1967، وارتبط حينها بأسماء عدد من المثقفين والأدباء الفلسطينيين الذين بدأ أدبهم وشعرهم ينتشر في العالم العربي الذي أخذ يقرأ محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وأميل حبيبي وغسان كنفاني وإميل توما وإدوارد سعيد وناجي العلي وغيرهم، في موجة من الإعجاب لدرجة الانبهار بالأدب الرفيع واللغة الأنيقة والكلمة المقاومة والريشة المحرّضة.
أطلق الأسرى الفلسطينيون على  فيليتسيا لانغر  لقب"الحاجة فولا" التي قامت بتمثيلهم أمام المحكمة العسكرية وكان مكتبها في القدس قد رفع دعاوى بالآلاف ضد الجيش "الإسرائيلي" و"المخابرات الإسرائيلية الداخلية - الشاباك"، وقد نجحت في الكثير من القضايا على إطلاق سراح الأسرى وحالت دون تنفيذ قرارات ترحيل آخرين أو إبعادهم، إلى جانب مساندتها نضالاتهم داخل السجون ودفاعها عن مطالبهم العادلة لتحسين ظروف اعتقالهم وتطبيق اتفاقيات جنيف لعام 1949 بشأن " معاملة الأسرى".
وعملت لانغر على فضح جهاز الشاباك بكشفها حقيقة ما يتعرّض له الأسرى من عمليات تعذيب وحشية جسدية ونفسية، ولاسيّما للنساء والأطفال، وساهمت بتزويد الإعلام والمنظمات الحقوقية الدولية بمعطيات وشهادات حيّة وحقيقية عن أساليب التعذيب التي تمارس في السجون والمعتقلات "الإسرائيلية" خلافاً للمواثيق والاتفاقيات الدولية وللقواعد القانونية العامة كاشفة حقيقة النظام العنصري الاستعلائي الاستيطاني ودعاواه "الديمقراطية" الزائفة.
وكان أهم ما تركّز عليه لانغر في دفاعها عن الأسرى مسألتين أساسيتين هما:
الأولى أن المعتقلين هم "أسرى حرب" ينبغي أن تطبّق عليهم اتفاقيات جنيف لعام 1949 وفيما بعد بروتوكولي جنيف لعام 1977 الأول - الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة والثاني- الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية.
والثانية- إن من حق الفلسطينيين مقاومة الاحتلال، وإن من يجب محاكمتهم هم قادة الاحتلال وذلك طبقاً للقانون الدولي المعاصر والقانون الإنساني الدولي والشرعة الدولية لحقوق الإنسان.
وكنت بسبب انشغالاتي بالقضية الفلسطينية قد قرأت بإعجاب  شديد،  في أواخر السبعينات، كتابين لفيليتسيا لانغر: الأول- بعنوان " بأم عيني" والثاني- الموسوم "أولئك أخواني".  وقد أدركت منذ ذلك الحين وعلى مرور نحو خمسة عقود أهمية "المقاومة القانونية" في مواجهة الاحتلال "الإسرائيلي"، لاسيّما في الدعوة لمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية  وجرائم الإبادة الجماعية، إضافة إلى جريمة شن الحرب وتشريد شعب واغتصاب وطنه، وأعتقد أن المعركة الفكرية والثقافية، سواء على المستوى الدبلوماسي والدولي، ولاسيّما في جانبها الحقوقي والقانوني لا تقلّ شأناً على المواجهة بمختلف جوانبها من أجل تمكين الشعب العربي الفلسطيني في حقه بتقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
وتتأكّد هذه الحقيقة يوماً بعد آخر أن "القوة الناعمة " يمكن أن تكون سلاحاً مؤثراً وفعّالاً استكمالاً متوازياً مع الأسلحة الأخرى ، علماً بأن الدبلوماسية والقانون وحقوق الإنسان تتداخل مع الحقول الأخرى السياسية والثقافية والاقتصادية إلى حدود كبيرة وهي في ديناميتها جزء من حركة  مقاومة سلمية مدنية ضرورية، وهو ما يحتاج إلى استراتيجية تكاملية بين وسائل الكفاح المختلفة، لتفنيد الرواية "الإسرائيلية" ومزاعمها الخرافية.
توفيت لانغر عن عمر ناهر الـ 88 عاماً، فقد ولدت في العام 1930 في بولونيا من أبوين يهوديين وهاجرت إلى فلسطين المحتلة العام 1950 برفقة زوجها ميستيو لانغر الناجي من معسكرات الاعتقال النازية، ودرست القانون وتخرجت من الجامعة العام 1965، وقد انضمت إلى الحزب الشيوعي، ولكنها تركت " إسرائيل" في العام 1990 وهاجرت إلى بلدها الأصلي ألمانيا، لأنها كما قالت لصحيفة الواشنطن بوست: لا تريد أن تكون "ورقة التين لتغطي على الاحتلال".
نالت في العام 1990 جائزة الحق في الحياة (المعروفة باسم جائزة نوبل البديلة) لدفاعها عن حقوق الشعب الفلسطيني. وحصلت على جائزة كرايسكي (النمسا) العام 1991 لانجازاتها في ميدان حقوق الإنسان ومنحها الرئيس الألماني هورست كولر في العام 2009 "وسام الصليب الفيدرالي لجمهورية ألمانيا الاتحادية"، كما منحتها السلطة الوطنية الفلسطينية "وساماً فلسطينياً" رفيع المستوى .
مارست لانغر قناعاتها الفكرية برفض الاحتلال بكل شجاعة وجرأة ولم تثنها الحملة الصهيونية ووصفها "بالخائنة" والإساءة إليها عن مواصلة كفاحها الحقوقي العادل، بل دفعها ذلك لتكريس حياتها كلّها للدفاع عن القضية الفلسطينية ومناهضة الصهيونية، ولم تمنعها رؤية المحرقة من وقوفها ضد اضطهاد شعب آخر تم وضعه تحت محرقة مستمرة.


37
عبدالحسين شعبان يستقرئ تجربة العراق ما بعد الاحتلال
الأكاديمي العراقي يؤكد أن التعصب استُزرِع بالتربة العراقية فأنتج تطرفًا قاد إلى الإرهاب.
محمد الحمامصي
ظواهر التعصب والتطرُّف والعنف والإرهاب لا تزال مستمرة
 حلّ الجيش العراقي وقوى الأمن الداخلي كان عاملًا أساسيًّا في إضعاف هيبة الدولة
 ثلاثة روافد تغذى الإرهاب في العراق
رأى الباحث الأكاديمي العراقي د.عبدالحسين شعبان أن ثلاثة روافد تغذى الإرهاب في العراق، وفقس في بيئتها بيض التطرُّف: أولها: الطائفية ونظام المحاصصة أحد مخرجاته، وثانيها: الفساد الذي كان الوجه الآخر للإرهاب والتطرُّف، وثالثها: ضعف وتدهور مكانة الدولة التي أجهز عليها الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003؛ الأمر الذي ساعد على بروز أنواع التطرُّف والإرهاب، وخصوصًا الطائفي المرتبط بتكفير الآخر و"شيطنته" ومحاولة إقصائه أو تهميشه والسعي للتسيُّد عليه، وكانت باكورة أعماله غير القانونية وغير الشرعية، حلّ الجيش وقوى الأمن الداخلي.
وقال شعبان في دراسته "التطرُّف والإرهاب.. إشكاليات نظرية وتحديات عملية" الصادرة سلسلة "مراصد" بمكتبة الاسكندرية أن صيغة المحاصصة الطائفية – الإثنية تكرَّست في مجلس الحكم الانتقالي الذي قسّم المجتمع العراقي إلى شيعة وسنّة وكرد، وخصّص نسبًا لكل منهم، وباشر بتأسيس نظام الزبائنية الذي يقوم على الامتيازات والمكاسب، ففتح بذلك الباب على مصراعيه أمام الفساد بمختلف أنواعه وأشكاله، لدرجة أصبحت الغنائمية سمة تطبع التشكيلات الحكومية اللاحقة وذيولها.
وكان بول بريمر الحاكم المدني الأميركي للعراق (13 مايو/آيار 2003 – 28  يونيو/حزيران 2004) بعد الجنرال جي غارنر، قد بدّد لوحده نحو 8 مليارات و800 مليون دولار، وأعقبته حكومتان بددتا نحو 20 مليار دولار، وهما حكومتان مؤقتتان. وكان الهدر الأكبر خلال فترة ما بعد انتخابات عام 2006 وعام 2010 (أي من عام 2006 إلى عام 2014)، لا سيّما وقد شهدت واردات العراق ارتفاعًا هائلًا؛ حيث بلغ ما وصل للحكومة العراقية نحو 700 مليار دولار، لكنها لم تـثمر عن شيء جدي في إعادة الإعمار أو إصلاح البنية التحتية أو الخدماتية من تعليم وصحة وخدمات بلدية وبيئية وغيرها؛ وذلك بسبب استشراء الفساد والرشوة وهدر المال العام، وكان ذلك وجهًا آخر للإرهاب.
ولفت د. شعبان أنه حتى الآن هناك نحو ألفٍ من كبار موظفي الدولة بمن فيهم وزراء ونواب ووكلاء وزارات ومدراء عامون ونوابهم متهمون بقضايا فساد، وإن كان نظام المحاصصة الغنائمي القائم على الزبائنية يعمل بكل طاقته للتملّص من المساءلة والمحاسبة القانونية في ظلّ قضاء عليه كثير من الضغوط والتأثيرات السياسية. فضلًا عن أنه - وأجهزة الرقابة الأخرى - قائم على نظام المحاصصة التي تجعل الإفلات من العقاب أمرًا مألوفًا، خصوصًا بوجود الميليشيات وضعف أجهزة إنفاذ القانون والدولة عمومًا.
وأكد أن حلّ الجيش العراقي وقوى الأمن الداخلي بما فيه شرطة النجدة وشرطة مكافحة الجريمة وحرس الحدود، كان عاملًا أساسيًّا في إضعاف هيبة الدولة، وانتشار الفوضى والعنف والإرهاب، لا سيّما بفرض الطائفية ونظام المحاصصة كصيغة معتمدة من قبل الاحتلال. الأمر الذي دفع العديد من الشرائح الاجتماعية إلى اللجوء لمرجعيات ما قبل الدولة: الدينية والإثنية والطائفية والعشائرية والمناطقية والجهوية والعائلية وغيرها، لتكون حامية وداعمة لها.
وإذا كانت نظرية "الصدمة والترويع" وفيما بعد نظرية "الفوضى الخلاقة" قد استهدفتا التفكيك وإعادة التركيب، إلاّ أنهما أفضيا إلى تفشِّي ظواهر التعصب والتطرُّف والعنف والإرهاب التي لا تزال مستمرة منذ أكثر من 13 عامًا وتتّخذ أشكالًا مختلفة ولها رءوس عديدة.
الأمر يتطلب خطوات ملموسة وجدية لتحقيق مصالحة وطنية حقيقية سياسية ومجتمعية في إطار قانوني وحقوقي.
وتساءل د. عبدالحسين شعبان هل الإرهاب الدولي صناعة عراقية أم أنه جزء من إنتاج كوني كانت سوقه العراقية رائجة؟ وأضاف "لقد ارتبط في أذهان كثير من العراقيين والعرب - بعد احتلال أفغانستان عام 2001 والعراق العام 2003 - محاولة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، إضفاء مسحة دينية على احتلاله للعراق، فتارة باسم الحرب الصليبية التي قيل عنها إنها زلّة لسان، وأخرى باسم الفاشية الإسلامية خلال العدوان على لبنان عام 2006، وثالثة بمحاولات السخرية من الإسلام والمسلمين برسم صور كاريكاتورية للرسول صلى الله عليه وسلم وإلصاق كل عمل إرهابي بهم في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير، والشرق الأوسط الجديد. الأمر الذي شجَّع القوى المتطرفة الداخلية لاعتبار كل ما هو غربي عنصريًّا واستعلائيًّا في ردة فعل لخطيئة بخطيئة أخرى لمجابهة الأولى.
وأضاف "اندفعت كثير من المجاميع الإرهابية والتكفيرية وتشكيلاتها القديمة والجديدة، في ظل استنفار طائفي، باتجاه سفك دماء العراقيين من مختلف الانتماءات الدينية والاثنية. الأمر الذي أصاب التنوُّع والتعددية الثقافية المجتمعية بالصميم ولحق الضرر الكبير بالنسيج الاجتماعي المتعايش، وخصوصًا لفئات المسيحيين والآشوريين والأرمن والكلدانيين والأيزيديين والصابئة المندائين والشبك والكاكائية وغيرهم. وإن كان الأمر يشمل الجميع دون استثناء، لكن هذه المجاميع الثقافية التي يطلق عليها مجازًا بـ "الأقليات" تعرّضت بكياناتها إلى عنف شديد، واضطرت أعداد واسعة منها إلى الهجرة بعد ما لحق بها من انتهاكات سافرة بالأرواح والمقدسات والممتلكات وغيرها. وقد تعرضت النساء الإيزيديات إلى عمليات السبي، وهو شكل من أشكال العبودية؛ حيث تم بيعهن بسوق النخاسة، الأمر الذي يندى له جبين الإنسانية".
وأكد شعبان أن التعصب استُزرِع بالتربة العراقية فأنتج تطرفًا، وهذا الأخير قاد إلى الإرهاب المنفلت من عقاله، خصوصًا بإشعال الصراعات المذهبية والاثنية التي اتخذت طابعًا استئصاليًّا أو تهميشيًّا بعد الاحتلال. ولكن ذلك لا يعني أنه أمر مستورد بقدر ما كانت هناك ظروف اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية ودينية وطائفية ونفسية ساعدت في انتشار فايروسه على نحو مريع، وذلك بالاستفادة من الحواضن التي شكَّلت بيئة صالحة لنموها، وأساسها غياب المصالحة الوطنية والشعور بالتمييز والإقصاء. وبدلًا من اعتماد الدستور على المواطنة والمساواة والمشاركة المجتمعية المستندة إلى الحرية والعدل باعتبارها ركائز للدولة العصرية الحديثة، فإنه ذهب إلى ما يسمى بـ "دولة المكوّنات" التي ورد ذكرها في الدستور ثماني مرات، وليس ذلك سوى تكريس لصيغة المحاصصة".
 ضرورة وضع حد للفساد
ولفت إلى أن الوضع الإقليمي أسهم بتداخلاته وأذرعه المختلفة في تعقيد التفاعلات الداخلية؛ بحيث أصبح الإرهاب مؤسسة ممولة خارجيًّا وداخليًّا، أي ذاتيًّا ولها هيكلياتها، وهي قائمة بذاتها، وتتغذى من كل ما حولها وتُغذِّي المحيط أيضًا. وإذا كانت شوكة الإرهاب التي انكسرت نسبيًّا في الأعوام من 2007 إلى2010، فإنها عادت وأصبحت أكثر حدّة بعد الأزمة السورية بحكم العامل الجغرافي والمتغير الجيوسياسي للقوى المتصارعة في المنطقة. وزاد تأثير ذلك بحكم الاختلاف السياسي الذي تكرّس بعد انتخابات عام 2014 الأمر الذي دفع بالقوى المتصارعة بما فيها الإقليمية إلى تكثيف جهودها لدعم هذا الفريق أو ذاك، والعمل على إضعاف هيبة الدولة العراقية التي ظلت معوَّمة ومفتتة. وزاد الأمر تعقيدًا بعد هيمنة داعش على الموصل في 10 يونيو/ حزيران عام 2014.
وخلص د. شعبان إلى أنه باستقراء تجربة ما بعد الاحتلال، فإنه يمكن استخلاص بعض الاستنتاجات الأولية:
أولا: لا يمكن القضاء على الإرهاب باستخدام القوّة المسلّحة وحدها في مواجهة الإرهابيين، وهو ما أفرزته التجارب العالمية جميعها.
ثانيا: القضاء على الإرهاب والتطرُّف يحتاج إلى وحدة وإرادة وطنية بغض النظر عن الخلافات السياسية، مثلما يحتاج إلى حفظ الكرامة وحقوق الإنسان؛ إذ لا ينبغي للإجراءات والتدابير الهادفة إلى ملاحقة الإرهاب والإرهابيين أن تفضي إلى الانتقاص من كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، فذلك سوف يؤدي إلى اختلال المعادلة لحساب الأمن ولغير صالح الحقوق، وهو الأمر الذي ثارت من أجله شعوب العديد من البلدان العربية فيما سُمِّيَ بـ "الربيع العربي"، بغض النظر عن مآلاته وملابساته وتعرجات مساراته.
ثالثا: تتطلب مكافحة الإرهاب والقضاء على التطرُّف وضع حد للتمييز الطائفي ولنظام المحاصصة.
رابعا: العمل على وضع حدٍّ للفساد وملاحقة المفسدين والمتسببين في هدر المال العام، وتلك كانت مطالب التظاهرات التي اندلعت منذ عام 2015 إلى الآن.
خامسا: إعلاء مرجعية الدولة وجعلها فوق جميع المرجعيات الدينية والطائفية والإثنية والحزبية والسياسية والعشائرية وغيرها.
سادسا: وضع الكفاءات العراقية، ولا سيّما من الشابات والشباب في المكان الصحيح والملائم لإدارات الدولة، وذلك خارج دائرة الولاء، باعتماد معايير الكفاءة والنزاهة.
سابعا: اعتماد استراتيجية علمية متكاملة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتربوية ودينية وإشراك المجتمع المدني فيها، تبدأ بالوقاية وتمر بالحماية وصولًا إلى الرعاية باتخاذ تدابير طويلة ومتوسطة المدى، وفي الوقت نفسه إجراءات آنية ضرورية، في إطار عمل مؤسسي، إضافة إلى الجوانب الأمنية والاستخبارية. وستكون ركيزتها الأساسية: إرادة سياسية جامعة وتوافق وطني عام لتجفيف منابع الإرهاب اقتصاديًّا وماليًّا، والعمل على خفض مستويات البطالة والفقر والتهميش، وكذلك خطة إعلامية وثقافية وتربوية مجتمعية لنشر ثقافة اللاّ عنف والتسامح والاعتراف بالآخر والإقرار بالتعددية والعيش المشترك والمواطنة المتساوية، ومعالجة مشكلات وقوانين الاجتثاث والإقصاء التي تركت مردودات سلبية على المجتمع وعلى الوحدة الوطنية. ومثل هذا الأمر يتطلب خطوات ملموسة وجدية لتحقيق مصالحة وطنية حقيقية سياسية ومجتمعية في إطار قانوني وحقوقي.

38
سلام عادل ..  الدال والمدلول وما يمكث وما يزول
عبد الناصر يعيّن هويدي سفيراً في بغداد
ويرد السعدي بتعيين البزاز نظيراً له في القاهرة

الحلقة 7
عبد الحسين شعبان


   وبالعودة إلى حازم جواد حول "اللقاء" بسلام عادل فقد ذكر أنه تم برفقة طالب شبيب (وهذا يعني إن اللقاء حصل قبل سفر الوفد إلى القاهرة) حيث يقول أمين هويدي في كتابه (كنت سفيراً في العراق 1963-1965- الفرص الضائعة الوحدة العربية، تقديم خير الدين حسيب ، ط2، 2017، ص 18 وما بعدها) أنه تلقى مكالمة هاتفية قصيرة مفادها أن الرئيس جمال عبد الناصر عيّنه سفيراً في العراق، وذلك يوم 20 شباط ، وأن التعليمات التي صدرت له تقتضي أن يرافق وفداً عراقياً على مستوى عال سيصل القاهرة ظهر اليوم التالي لمشاركة الشعب المصري احتفالاته بأعياد الوحدة، وفعلا وصل الوفد في موعده في اليوم التالي: أي 21 شباط/فبراير.
   وفي يوم 22 شباط (فبراير) بدأت المباحثات كما يذكر هويدي، وبعد الانتهاء من الجولة الأولى سافر الوفد إلى الجزائر للقاء الرئيس أحمد بن بلّا وقادة الثورة الجزائرية وعاد مساء اليوم التالي، أي يوم 23 ، وعقدت الجولة الثانية للمباحثات في صباح يوم 25 شباط/ فبراير ويقول هويدي: وفي بداية الجلسة قدّمني الرئيس جمال عبد الناصر للوفد العراقي بصفتي مرشحاً كسفير للجمهورية العربية المتحدة في بغداد، ووافق وزير الخارجية  العراقي (طالب شبيب)على الترشيح بكلمات طيبة، ويقول عبد الستار الدوري إن علي صالح السعدي أجاب عبد الناصر، في حينها وفي دعوة لنقابة المحامين، إن سفيرنا في مصر سيكون "أستاذنا" عبد الرحمن البزاز.
   وهذا يعني أن الوفد لم يعد إلى العراق قبل يوم 25، فإما أن يكون قد عاد مساء 25 شباط /فبراير أو يوم 26 شباط/فبراير  (المصدر السابق أمين هويدي، ص 19 و20 ) وهذا يعني أن سلام عادل يكون قد فارق الحياة قبل يومين أو ثلاثة أيام على أقل تقدير وأن علي صالح السعدي لم يلتقه عند عودته ولا يتذكّر الدوري أنه سأل السعدي إن كان قد التقى سلام عادل أم إن السعدي اكتفى باللقاء " التحقيق" الذي قام به حازم جواد، الأمر الذي أعرض عنه السعدي وكنت قد سألت صلاح عمر العلي: هل إن علي صالح السعدي التقى سلام عادل، فقال لم يطرق سمعي ذلك، وأغلب الظن أ، حازم جواد هو الذي التقاه، وأضاف إن مسؤوليات علي صالح السعدي كأمين للسر، فضلاً عن مزاجه كانت غير ذلك، في حين إن حازم جواد كان منشغلاً بأمور التنظيم والحزب وما يتعلق بأمنه أيضاً.
    وحسب اعتقاد نوري عبد الرزاق إن الاحتمال الأرجح أن علي صالح السعدي لم يلتقِ سلام عادل وأنه لم يذكر ذلك أمامه مع العلم إن لسانه لم يكن معقوداً، وخصوصاً في السهرات الليلية.
   حوار أم تحقيق؟

   أما حكاية "الحوار- التحقيق" بين حازم جواد وسلام عادل فقد تم في غرفة مدحت ابراهيم جمعة وقد جرى الحديث التالي بينهما:
   سأل السجّان للسجين : لماذا طلبتني؟
   قال سلام عادل : للاحتجاج على التعذيب والمعاملة السيئة للمعتقلين.
   يقول حازم جواد طلبت منه الاعتراف لينتهي التعذيب... ثم سألته هل من دولة لا تمارس التعذيب فحتى الاتحاد السوفييتي يقوم بذلك؟ ثم أعطونا المعلومات وتفاصيل الخط العسكري للحزب لينتهي الأمر وخاطب جواد، سلام عادل: الأمر بيدك!!.
   لم يردّ سلام عادل على مقترح جواد، وطلب منه إصدار بيان سياسي مشترك يؤكد الحفاظ على سيادة الدولة والاستقلال الوطني والعمل الوطني المشترك ونسيان الماضي،  ولكن حازم جواد يقول: لاحظت أنه يريد أن يكسب الوقت، وقلت له " أنت سجين وأنا السجان" وأنصحك بإعطاء معلومات وما لديك وبعدها نبحث في اقتراحك.
   توقّفتُ عند رواية حازم جواد وتواريخها واكتشفت أنها غير متجانسة أو منسجمة، فإذا كان علي صالح السعدي في مصر فمعنى ذلك أن طالب شبيب كان معه، فهل يمكن أن يكون شبيب قد حضر اللقاء ولم يحضر السعدي؟ وإذا كان سلام عادل قد بقي تحت التعذيب طيلة الأيام الأربعة أي من يوم 19 ولغاية 23 حيث استشهد، فهذا يعني أن الوفد كان لا يزال موجوداً في القاهرة ولم يعد إلى بغداد، وهكذا يُستدل على أن علي صالح السعدي يمكن أن يكون قد التقاه قبل سفره ولكنه لم يخبر الدوري، لكنّ حازم جواد يؤكد في مقابلته مع غسّان شربل بشكل لا غموض فيه ولا لبس أن السعدي لم يلتقه لأنه كان في القاهرة وفي ذلك تناقض صارخ.
     وفي مقالة نشرت مؤخراً في جريدة المشرق (العراقية) (1 نيسان/ ابريل/ 2016) للسيد أمير الجنابي  وكان قد كتب مقالة أخرى بتاريخ 15/7/2005 في الحوار المتمدن بذات المضمون حيث نقل على لسان أحد الكتاب والروائيين الفلسطينيين محمد أبو عزّة (سكرتير تحرير مجلة دنيا العرب التي كانت تصدر في دمشق في الثمانينات) أنه كان ضمن طاقم الحرس القومي في مديرية الأمن العام ببغداد مع مجموعة من العرب والفلسطينيين، وفي فترة النهار وصلنا ضيف أقمنا له "وليمة دسمة" كما يقول تضمنت صنوف التعذيب والهتك الجسدي والنفسي على مدى ساعات، ولم يكن الضيف سوى سلام عادل .
   وتمضي الرواية وهي تستعيد الواقعة تلك وإنْ بمشاعر مختلفة وربما بشعور بالذنب حين يقول: وحاولنا قهره ولكن طاقته على الصمود والتماسك كانت لا توصف وجاءتنا الأوامر بالإبقاء على الرجل لأن شخصية مهمة في طريقها إلينا ولم تكن تلك سوى علي صالح السعدي الذي حين وصل حاول أن يقرّب فمه من سلام عادل وقال له : أنت منتهٍ وليس عليك إلّا الاعتراف وكرّر ذلك عدّة مرّات.
   لكن الدوري يعتقد إن ذلك قد يكون حصل مع حازم جواد وليس مع السعدي، مع ملاحظة مهمة هي أن سلام عادل لم يعتقل في الأمن العام. وتمضي الرواية المنشورة في المشرق فتقول : إن سلام عادل أجاب السعدي بتعجّب وبكلمات متقطعة ولكنها مفهومة وواضحة: أنت سكرتير حزب وتطلب مني الاعتراف؟... ثم سكت للحظات وبدا وكأنه يستجمع قواه، ثم فجأة بصق بوجه السعدي بصقة يخالطها الدم... وبعد أن مسح السعدي البصقة أشار إلينا بأن أجهزوا عليه وهذا ما حصل. وتقول الرواية أنه تم فقأ عينيه وكسر عظامه وقطع أصابع يديه ومن ثم ذبحه. وهناك رواية شفوية أخرى تصب بالاتجاه ذاته وتزيد عليه بأنه تم سحق جسده بسيارة ثم ذوّب بالأسيد.
    وبغض النظر عن الروايات المتناقضة والمتضاربة فإن المؤكد بالنسبة لي هو ما قاله حازم جواد في مقابلة له مع غسان شربل في العام 2004 المنشورة في جريدة الحياة والتي صدرت كجزء من كتاب بعنوان : العراق من حرب الى حرب - صدام مرّ من هنا، (دار رياض الريس ، بيروت ، 2009) إنه التقى سلام عادل ودار بينهما "حديث"، وقد أسميته "تحقيقاً" وليس حواراً، وقد عبّر عنه حازم جواد  نفسه حين خاطب سلام عادل مذكّراً إياه إنما يجري بينهما إنما هو علاقة " سجين بسجّان" وقد نفت ثمينة ناجي يوسف (أرملة سلام عادل) بشدّة ما ورد من افتراءات وإساءات حازم جواد لسلام عادل في ردها المنشور في جريدة الحياة بتاريخ 28  شباط/ فبراير/2004 وقد نفى زكي خيري في مذكراته "صدى السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم "، مركز الحرف العربي، السويد، ط2،  1996، وج 2 طبعة خاصة في السويد ، إعداد سعاد خيري الحديث عن "حوار" أو " لقاء" أو استعداد لذلك من جانب سلام عادل.
   وكما ذكر محسن الشيخ راضي  للباحث ، وهو المسؤول الأول عن الهيئة التحقيقية، "المكتب الخاص" إن ما سمّي "لقاء" بين حازم جواد وسلام عادل هو بمثابة تحقيق وهو بين طرفين غير متكافئين أحدهما معتقل والآخر بيده السلطة، وهذا يعني أن التحقيق الأساسي مع سلام عادل أجراه حازم جواد، بل أنه كان هنالك أكثر من جلسة ومنها أن "لقاء ثانياً" وربما "اللقاء" الأخير مع سلام عادل هو ما يذكره محسن الشيخ راضي الذي شاهد سلام عادل وهو بانتظار مقابلة حازم جواد، ولكنه كما نقل لي كان  قد شارف على الموت أو في ساعاته الأخيرة قبل أن يلفظ أنفاسه.
   وحسب رأي طالب شبيب: ما قيمة الحوار الذي دار إذا كان الأمر قد انتهى بموت هؤلاء " خطأ وجهلاً"  وقد تقدّم الطبيب صادق حميد علوش ليقرر كطبيب شرعي: أنهم ماتوا بالسكتة القلبية لأنهم ظلّوا حتى الصباح معلّقين وأرجلهم مرتفعة عن الأرض قليلاً. وقد أُبلغنا في صباح أحد الأيام بأن قادة الحزب الشيوعي قد ماتوا!! فغطينا نحن مع الأسف ذلك بقرارات رسمية (هكذا بكل بساطة ماتوا!!) (انظر: كتاب علي كريم - عراق 8  شباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم، مراجعات في ذاكرة طالب شبيب، مصدر سابق، ص 199).
   تشويه مقصود
   وبالعودة للقاء الأول الذي يذكره حازم جواد فقد حاول أن يقلل من قيمة سلام عادل وقال أنه لم يشعر إزاءه بالاحترام، ثم برّر ذلك ربما لأنه كان مكسور الجناح وسجيناً، لكن طالب شبيب قال للباحث: إن سلام عادل كان متماسكاً وبدا صلباً رغم ما تعرّض له من تعذيب ورغم الأجواء التي أحيط بها، وتعامل بكبرياء القائد وليس بمنطق من خارت عزيمته.
   ومع كل ما تعرّض له سلام عادل فقد كان ذهنه يقظاً ووطنيته فائضة حين طالب حازم جواد وهو في هذا الوضع كجزء من تحدّيه للانقلابيين الحفاظ على الاستقلال الوطني والسيادة الوطنية والوقوف ضد القوى الاستعمارية، وتلك معايير للوطنية التي ردّ بها سلام عادل خلال التحقيق معه ومطالبته بكشف الأسرار الحزبية.
    ولم تسفر جلسة "التحقيق" تلك عن شيء، لكن حازم جواد ينسب إلى سلام عادل أن قدّم 3 نصائح للانقلابيين وسلطتهم الفاشية وهي: عليكم عدم تأميم النفط وعدم المضي لعقد الوحدة مع مصر وعدم السير في طريق الإصلاح الزراعي، وحين ينقل حازم جواد تلك النصائح فإنما ينقلها مقطوعة عن أية مقدمات  أو دلالات ولا ندري كيف وردت وتحت أي صيغة؟ لكننا نستطيع أن نخمّن أن الهدف منها هو الإساءة إلى سلام عادل حين يشكّك به بقوله: "أهو عميل بريطاني؟"..
   جدير بالذكر إن ما حصل لإيران حين أممت النفط في عهد الدكتور محمد مصدق ظلّ هاجساً لدى بعض الشيوعيين، حيث ساهمت المخابرات المركزية الأمريكية CIA بتنظيم انقلاب للإطاحة بمصدق وإعادة شاه إيران محمد رضا بهلوي إلى السلطة وكان ذلك في العام 1953. ربما حاول حازم جواد الانتقاص من موقف الحزب الشيوعي من التأميم انطلاقاً من هذه المعلومة، لاسيّما مما أشيع عن موقف زكي خيري الذي كان من أشد معارضي تأميم النفط كما يقول ابراهيم علّاوي وكان قد جاء في تصريح له إن الحزب يدعو إلى فرض رقابة صارمة على شركات النفط" وهو موقف أثير حوله لغط كثير وغمز مستمر (انظر: جريدة الديلي تلغراف البريطانية، 20 نيسان/ابريل/1959) في حين كانت تصريحات سلام عادل في 30 آذار/مارس/1959 وقبله تحركات ابراهيم كبه وزير الاقتصاد قد أثارت مخاوف احتكارات النفط العالمية، وقد جاءت متساوقة مع موقف عبد الكريم قاسم (انظر: نجم محمود، المقايضة ، مصدر سابق، ص 182 وما بعدها).
   وكان زكي خيري قد نفى أي توجه للحزب لتأميم النفط العراقي بشكل كلّي أو جزئي، ويعتقد زكي خيري وهذا اجتهاده  أن مهمة تأميم النفط تخرج من مهمات الثورة الوطنية وتدخل في مهمات الثورة الاشتراكية ويعلق ابراهيم علّاوي على هذه الجزئية بقوله " وهذا تخريج طريف في بلادته" ويذكر بتأميمات حصلت في المكسيك وإيران ومصر لمصالح أجنبية (انظر: نجم محمود (ابراهيم علاوي- المقايضة، مصدر سابق، ص 185)



39
سلام عادل ..  الدال والمدلول وما يمكث وما يزول
الاستخبارات الأمريكية تنصب إذاعة في الكويت لبث أسماء
 الشيوعيين وعناوينهم غداة انقلاب شباط 1963
الحلقة 6
عبد الحسين شعبان


استشهاد سلام عادل: روايات وسرديات مختلفة
   ظلّ استشهاد سلام عادل لغزاً غامضاً وتعددّت الروايات بشأنه، وبعضها اقترب من اليقين حتى جاءت رواية أخيرة لآرا خاجادور لتثير أسئلة جديدة وربّما لتحرّك ما استقرّ في الذاكرة وفي الأذهان، بخصوص ما كُتب وما تم تناقله وتردّد كثيراً على الأفواه والألسن، ولأن بعض من كان في تلك الأيام في موقع المسؤولية ما يزال حيّاً فقد اقتضى البحث العلمي والكشف عن الحقيقة، بذل المزيد من الجهد لإجلاء واقع الأمر، والتوجّه بالسؤال خصوصاً حين يتم الإقرار بأن ما حصل كان "جريمة "بكل معنى الكلمة.
   ولأن ما كتبه حازم جواد وقبله طالب شبيب وقبلهما هاني الفكيكي، يحتاج إلى تدقيق وتوثيق، خصوصاً حين تكون هناك رواية أخرى مختلفة أو مغايرة أو غير متطابقة، ناهيك عن رواية نقيضة بالكامل، فإن الأمر يحتاج فحص كل ما تجمّع من معلومات ووثائق ومذكرات وشهادات وحوارات بما فيها ما ورد في كتاب حنّا بطاطو، خصوصاً الجزء الثاني الموسوم " الحزب الشيوعي" ط2 ، 1996 والجزء الثالث المعنون " الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار"، ط2 ، 1999،  وهو ترجمة عفيف الرزاز وصدر عن مؤسسة الأبحاث العربية، للتوصل إلى تقديم استنتاجات مشفوعة بتحليل ورؤية يفرضها المنهج البحثي لمقارنة الوقائع والسرديات وما تخفي الكلمات وراءها من معاني واستدلالات.
   ودائماً هناك وعلى مرّ التاريخ ميثولوجيات ترتبط بالبطولات وتحاول أن تضفي عليها شيئاً من عندياتها وخصوصاً بتقادم الزمن حيث تتكدّس تصوّرات ومعطيات وتراكمت رؤى ومنظورات قد لا تكون موجودة أصلاً، ولهذا السبب حاول الباحث أن يخصص هذا المبحث لرمزية الاستشهاد وما ارتبط به من حكايات وقصص وبعض خيالات أو توهّمات أو حتى مبالغات، ناهيك عن ضياع بعضها في غمرة تقديرات مسبقة.
   انقلاب ومقاومة

   حين وقع الانقلاب صبيحة يوم 8 شباط (فبراير) 1963، بادر سلام عادل إلى إصدار بيان شديد اللهجة يندّد بالانقلاب ويدعو إلى مقاومته ويحرّض على الاستيلاء على السلاح من مركز الشرطة لتوزيعه على الجماهير لمواجهة الانقلابيين، وما جاء في البيان " إلى السلاح .. اسحقوا المؤامرة الرجعية الإمبريالية".   وبالفعل بدأت أعمال المقاومة في الكاظمية وعكَد الأكراد ومناطق متفرّقة  من بغداد ولكن التظاهرات الحاشدة، ولاسيّما أمام وزارة الدفاع انفضّت بفعل إعلان منع التجوّل والبيانات التي بدأ الإنقلابيون بإذاعتها من إذاعة وتلفزيون بغداد.
   وإذا كان التحضير للانقلاب معروفاً، لكن المفاجأة بساعة الصفر أخذت قيادة الحزب الشيوعي على حين غرّة، خصوصاً في ظلّ السياسة الانتظارية والتراجع عن المواقع وحالة الخدر التي عاشها طيلة شهور وأسابيع كلّها. وهكذا بدأت القوى تخور بالتدريج، خصوصاً بعد استسلام عبد الكريم قاسم في اليوم الثاني، حيث أعدم وعُرضت صورته في التلفزيون للتأثير على معنويات المقاومة التي تراجعت وتكاد تكون انتهت بعد 3 أيام، حيث "استتبّت" الأمور للانقلابيين وكانت دوريات "الحرس القومي" تجوب المدن والشوارع وتفتش السيارات وتبحث عن الشيوعيين وتزجّ بهم في السجون والمعتقلات، ولاسيّما بعد صدور البيان رقم 13.
    وكان عبد الكريم قاسم قد أعدم في محاكمة صورية بدار الإذاعة العراقية وفي غرفة الموسيقيين، حيث كان قد التقاه عبد السلام عارف وحازم جواد وأحمد حسن البكر وعلي صالح السعدي وطالب شبيب وصالح مهدي عماش وحردان التكريتي وآخرون، وقد تشكّلت فرقة تنفيذ قرار الإعدام برئاسة عبد الغني الراوي والضابط منعم حميد والضابط عبد الحق، كما أعدم أيضاً فاضل عباس المهداوي رئيس محكمة الشعب وطه الشيخ أحمد مدير الحركات والخطوط العسكرية في الجيش والضابط كنعان حداد مرافق الزعيم، وكان وصفي طاهر قد قتل خلال مقاومته في وزارة الدفاع وقيل أنه انتحر.
   أما أحمد صالح العبدي الحاكم العسكري العام فقد ترك الزعيم عبد الكريم قاسم يتناقش مع المهداوي حيث اقترح الأخير الاتصال بالسفارة السوفييتية  والطلب منها القيام بإنزال جوي سوفييتي في بغداد لمساندته في دحر الانقلابيين، وهنا استأذن العبدي من الزعيم بالمغادرة قائلاً: يا سيادة الزعيم عندما تصل الحلول إلى استدعاء قوات سوفييتية، فهذا يعني أن الأمور انتهت، وأنا سأستسلم "للجماعة" وخرج هائماً في الليل وخاض في نهر دجلة وكان الجو بارداً وقد التقطته إحدى دوريات الحرس القومي وهو في حالة يرثى لها، وأرسل إلى سجن معسكر الرشيد كما يروي حازم جواد في حواراته مع غسان شربل، التي سنأتي على ذكرها.
   كان حازم جواد لولب انقلاب 8 شباط/فبراير وهو أمين سر القيادة القطرية قبل  علي صالح السعدي حيث عيّن في دمشق من القيادة القومية، ثم أرسل إلى العراق لقيادة التنظيم وذلك بعد قيادة فؤاد الركابي، ولكنه اعتقل في أواخر العام 1960 وبقي في السجن لنحو عام واحد وأطلق سراحه بعفو خاص نهاية العام 1961، وخلال وجوده في السجن تولّى علي صالح السعدي مهماته في أمانة السرّ، وفي العام 1962 أمسك حازم جواد وبأهم المواقع الحزبية وهو يعتبر من الناحية الفعلية القائد الحقيقي للانقلاب الدموي في 8 شباط (فبراير) العام 1963 وقد شغِلَ منصب وزير الدولة لرئاسة الجمهورية في البداية ثم منصب وزير الداخلية بعد علي صالح السعدي الذي أصبح وزيراً للإرشاد، علماً بأن السعدي كان قد اعتقل قبل أسبوع من انقلاب شباط (فبراير).
   بيان رقم 13

   واستمرّت إدارة حازم جواد في قيادة التنظيم، سواء في التحضير أو خلال حكم البعث، وقد أذاع بنفسه البيان رقم (1) يوم 8 شباط (فبراير) العام 1963. وحين اشتدّت أعمال المقاومة قبل إعلان الحكومة اقترح طالب شبيب وهو "أكثر المسؤولين وعياً وليبرالية" على حدّ تعبير حازم جواد، إصدار إنذار هو البيان رقم 13 القاضي "بإبادة الشيوعيين"، وحسبما يذكر حازم جواد أنه اعترض على ذكر الشيوعيين بالاسم واقترح بدلاً عنه تعبير "الفوضويون" فأصرّ شبيب "إصراراً" عجيباً، وقال لا بدّ أن نسمّيهم بالاسم حتى تفهم الناس، ولكنه ندم على ذلك ندماً شديداً، وهو ما أخبر به كاتب السطور حين التقاه في كردستان العام 1992 خلال مؤتمر صلاح الدين  للمعارضة أو في دمشق العام 1994 والعام 1995 وكذلك في لندن عندما جاء لتقديم طلب اللجوء السياسي العام 1997 ولكنه توفّي هناك بعد بضعة أشهر ، وبرّر للكاتب أن قصده كما قال إيقاف المقاومة وإخافة المقاومين وشلّ حركة الشيوعيين، لكن الأمور اتجهت باتجاه آخر.
   وكان حازم جواد يعتقد أن الحزب الشيوعي سيكتفي بإصدار بيان أو يقوم بإخراج تظاهرة محدودة ضد الانقلاب، ولم يكن يتصوّر استمرار المقاومة بين 8-10 شباط ويعتبر تلك المقاومة سبباً جديداً لتشدّد العسكريين الذين كانوا ينتقدونه على تقديره الخاطئ، الأمر الذي دفعهم إلى الميل إلى حملات الإعدام ، وخصوصاً أحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش وعبد السلام محمد عارف وغيرهم وهو ما أكّده للكاتب عبد الستار الدوري حين قال إن معظم أعضاء القيادة كانوا يميلون إلى الرأي الذي ذكره حازم جواد.
   ويضع حازم جواد في رقبة صالح مهدي عماش المذبحة التي ارتكبت بحق الشيوعيين والتي أيّدها البكر وحردان (المقصود بُعيد حركة انتفاضة حسن السريع في معسكر الرشيد وعشية تسفير عدد من كبار الضباط وشخصيات شيوعية ووطنية بارزة إلى سجن نقرة السلمان، فيما عُرف بقطار الموت) وقد روى للكاتب العقيد غضبان السعد المحلق العسكري السابق في موسكو العام 1959قصة قطار الموت كاملة، وكما حدثت كشاهد عيان وقد جئت على ذكرها في العديد من الكتابات، (حديث خاص مع غضبان السعد، براغ، 1976 وبغداد 1978 ودمشق 1981).
   اعتقال سلام عادل
   وبخصوص اعتقال سلام عادل يقول حازم جواد وهو ما كان قد دوّنه هاني الفكيكي في كتابه " أوكار الهزيمة" (دار رياض الريّس، لندن،1992) إن علي صالح السعدي (وزير الداخلية ونائب رئيس الوزراء حينها) أبلغهم بنبأ سار وهو اعتقال هادي هاشم الأعظمي (المسؤول الثاني بعد سلام عادل) وعضو المكتب السياسي وهو رجل كانت تُنسب الأساطير حول صموده في العهد الملكي وكان محكوماً لمدة 20 عاماً ولكن ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 أفرجت عنه.
   وكان الأعظمي قد اعتقل مصادفة في الأعظمية وعرّف بنفسه وطلب اللقاء مع علي صالح السعدي وقد  تطوّع بتحطيم تنظيمات هذا "الحزب القذر" على حد تعبيره، وأشار إلى أن سلام عادل يحضّر لانقلاب وباشر بإرشادهم إلى الدور الحزبية بما فيها الدار الحزبية التي كان يسكنها سلام عادل في الكرادة الشرقية ،  وكما يذكر حازم جواد أنه عرّفنا بنحو 35 مقرّاً سرّياً للحزب جميعها في مناطق الطبقة المتوسطة وما فوق في بغداد، حيث اعتقل نحو 100 قيادي وكادر وقمنا بتفكيك شبكات تابعة للحزب في مناطق العلوية والكرادة والسعدون وعرصات الهندية والمسبح ومناطق شعبية .
   وكان الملك حسين بن طلال ملك الأردن قد ذكر في مقابلة مع محمد حسنين هيكل رئيس تحرير جريدة الأهرام في باريس (فندق كريون) أن إذاعة سرية كانت قد نصبتها الاستخبارات الأمريكية في الكويت تبث أسماء الشيوعيين وعناوينهم للتمكّن من اعتقالهم وإعدامهم.
   ولا أدري كم استمرّ بث تلك الإذاعة أياماً أم أسابيعاً؟ ومن كان  يلتقطها ؟ وهل كانت تبثُّ بشيفرة أم بالأسماء الصريحة؟ وخلال العقود الماضية حاولت العثور على مصدر أو معلومة تدلّني على حقيقة الأمر فلم أجد ذلك، كما أنني لم أتعرّف على شخص قال أو كتب أنه استمع إلى الإذاعة وإلى الأسماء السرّية.
   وإذا كان المقصود بوجود علاقات واختراقات فتلك مسألة أخرى، ولعلّ علي صالح السعدي نفسه أشار إلى ذلك، سواء في أحاديث شفوية أم  في جلسات خاصة، وكان أن شاع هذا القول لعلي صالح السعدي، بعد دعوة خاصة في بيت لطفي الخولي في القاهرة، وكان الخولي قد وضع مسجلاً خاصاً لحديث السعدي، وقام بنشره في مجلة الطليعة "المصرية"  التي أعدته بطريقة أقرب إلى الحوار، حيث كان قد دعا الخولي بعض الصحفيين ووجّه هؤلاء أسئلة إلى السعدي، الذي أخذ "راحته" في الحديث، ومنها "جئنا بقطار أمريكي"، مشيراً إلى اختراقات من جانب الأجهزة الاستخبارية الأمريكية وقد تردّدت أسماء مثل صالح مهدي عمّاش وإيلي زغيب وعلي عبد السلام (أعدم بعد العام 1968) وآخرين.
   وشكّك عبد الستار الدوري بصحة الرواية المنسوبة إلى السعدي وقال إنه لم يسمعها منه، أما عن الاختراقات فهي موجودة في جميع الأحزاب، وهو ما سبق أن كرّره هاني الفكيكي أمام الباحث، كما أورده في كتابه " أوكار الهزيمة".
   وبغض النظر عن وجود تصريح أو عدم وجود تصريح للسعدي، فإن الانقلاب خدم المصالح الأمريكية بشكل مباشر وغير مباشر فيما يتعلق بإجهازه على ما تبقّى من منجزات ثورة 14 تموز/يوليو 1958 سواءً على الصعيد الداخلي أم على الصعيد الخارجي، ولاسيّما في الصراع بين الشرق والغرب.
   قصر النهاية

   يروي حازم جواد أن عليّ السعدي هو الذي اقترح الاستيلاء على مقر  قصر الرحاب لتحويله إلى المعتقل الأساسي للقيادات الشيوعية وهو الذي عُرف لاحقاً باسم "قصر النهاية" منذ أن تركته العائلة المالكة في يوم 14 تموز (يوليو) العام 1958، ثم أصبح مرفقاً تابعاً لمديرية المصايف وللسياحة وكان يديرها رشيد مطلك صديق عبد الكريم قاسم الذي أطلق عليه لقب "رسول الثورة" حيث كان صلة الوصل بين مجموعة الضباط الأحرار وقاسم تحديداً والأحزاب الوطنية . والهدف تحويل قصر الرحاب إلى معتقل خاص هو إخضاع المعتقلين لتحقيق مركزي، وكان يرأس جهاز التحقيق في قصر النهاية محسن الشيخ راضي ويعاونه هاني الفكيكي.
   يعترف حازم جواد ولكن بعد فوات الأوان أن قصر النهاية كان رمزاً للظلم، وأن شقيقه حامد اعتقل فيه وقال  بعد زيارته إلى ألمانيا: إن معسكر أوشفيتز للاعتقال والإبادة يعتبر فندقاً بخمس نجوم مقارنة بقصر النهاية، (الصحيح إن معسكر أوشفيتز بيركينو بنته ألمانيا خلال احتلالها النازي لبولونيا وهو يبعد حوالي 70 كم من مدينة كراكوف وقد تسنّى لكاتب السطور زيارته في خريف العام 1969 وهو معسكر اعتقال مرعب بكل معنى الكلمة).
   كان معتقل قصر النهاية تحت إشراف مدحت ابراهيم جمعة وهو من أكثر الذين أشرفوا على عمليات التعذيب، وحين سأل كاتب السطور محسن الشيخ راضي كيف استشهد سلام عادل ومن قام بتعذيبه أجاب: " كلّنا مسؤولون ومرتكبون وعلينا قول الحقيقة"  وكان الباحث قد أجرى حوارات مع الشيخ راضي على ثلاث مراحل وهي عبارة عن لقاءات واستفهامات واستفسارات، وأضاف الشيخ راضي: وتبدأ المسؤوليات من القيادة حتى أدنى المواقع ولا أحد يستطيع أن يعفي نفسه من المسؤولية، ولاسيّما القيادات العليا وكبار العسكريين.
   وكان حازم جواد يتردّد على قصر النهاية وكذلك بقية أعضاء القيادة باستثناء عبد الستار الدوري (مدير الإذاعة والتلفزيون) الذي أكّد للكاتب أنه لم يزر قصر النهاية مطلقاً ولم يحبّذ محاولة إذلال الآخرين حتى وإن كانوا " أعداء" أو "خصوماً"، ونقل للكاتب أنه حين جيء بعبد القادر اسماعيل وعدد من الكوادر الشيوعية للظهور في تلفزيون بغداد والإدلاء باعترافاتهم،  كان رأيه من سيصدق كلامهم ذلك طالما هم " أسرى" ومعتقلون، وذكر أن عبد الكريم الشيخلي تعامل معهم بقسوة خلال تهيئتهم للإدلاء باعترافاتهم.
   وحين اعتقل سلام عادل يقول الدوري إن علي صالح السعدي مرّ عليه لدار الإذاعة وطلب مرافقته للقاء سلام عادل فاعتذر عن ذلك، وحين سألته هل كان ذلك قبل زيارتهما للقاهرة أو بعد زيارتهما؟ فلم يتذكّر، لكنه يقول إن وكالة أنباء الشرق الأوسط ومختلف الإذاعات ووكالات الأنباء والصحف كانت قد نشرت خبر اعتقال سلام عادل حيث كنّا في القاهرة.
   وكان د.تحسين معلّه قد قال للباحث أنه زار قصر النهاية بحكم وظيفته كطبيب وتقتضي مهنته معالجة المعتقلين وكانت قيادة حزب البعث قد طلبت منه ذلك، وأنه لم يكن مرتاحاً مطلقاً عمّا يجري فيه وروى للباحث أنه تعرّف على سلام عادل في قصر النهاية وهو معصوب العينين، وكان كل جزء من جسده يئن من شدّة التعذيب، وروى طالب شبيب إلى علي كريم وهو ما قاله أمام الباحث أيضاً إنه اشمأز حين رأى حسن عوينة وهو محطّم ولكنه أشاد ببطولته، مثلما أشاد ببطولة سلام عادل ، وعن الحوار الذي دار بين حازم جواد وسلام عادل في قصر النهاية سخر شبيب ولو بعد نحو ثلاثة عقود من الزمان في لقاء مع الكاتب في كردستان (1992) كيف ينعقد الحوار بين سجّان وسجين. (انظر: علي كريم- عراق 8 شباط 1963، من حوار المفاهيم إلى حوار الدم، مراجعات في ذاكرة طالب شبيب، دار الكنوز الأدبية ، بيروت، 1999)
   جدير بالذكر أنه خلال فترة حكم البعث التي لم تزد عن 9 أشهر صدرت أحكاماً رسمية بإعدام نحو 150 شيوعياً أو مؤيداً لهم كما يوثقها حنا بطاطو (ج 3، ص 303) علماً بأن عشرات كانوا قد قضوا بالتعذيب ولم يتم الإعلان عن استشهادهم بينهم عدد من إدارات الحزب العليا مثل عبد الرحيم شريف وحمزة سلمان الجبوري ونافع يونس والملازم هشام اسماعيل صفوت وجورج تلو، وحسب توثيق حنّا بطاطو فإن المكتب الخاص بالتحقيق لدى الحرس القومي قتل وحده 104 أشخاص عثر على جثث 43 منهم خلال الفترة 1963-1964 مدفونة في منطقتي الجزيرة والحصوة قرب الحلّة، وعثر في أقبية قصر النهاية على أدوات التعذيب وأكوام صغيرة من الثياب الملطخة بالدماء منثورة هنا وهناك وبرك دم على الأرضية ولطخات على الجدران (انظر: حنا بطاطو- العراق، ج 3، المصدر السابق ، ص 304).
   وعلى الرغم من تأييد ميشال عفلق للانقلاب واستخدام القوة لقمع أية مقاومة والعمل على حماية النظام الجديد، إلاّ  أن فضائح التعذيب والحملة العالمية ضد الإجراءات القمعية التي اتخذها حزب البعث إزاء خصومه وحلفائه من القوميين اضطرّته إلى التحفظ عليها وعدم تأييده لها . وقد كشف عن ذلك في وقت لاحق في العام 1964 حين قال: في أيار/مايو 1963 أو قبله رجوت الرفيق حمدي عبد المجيد أن يذهب إلى بغداد وينبّه الزملاء الأعضاء هناك إلى مخاطر الارتجال... ويعرف الرفيق حمدي أني حذّرت باستمرار من سياسة سفك الدماء والتعذيب، كائنة من كانت الضحايا... لقد كان للثورة في أشهرها الأولى حقها المشروع في الدفاع عن نفسها ضد الذين وقفوا في وجهها بقوة السلاح، أما بعد ذلك، فلا يمرّ شهر أو أسبوع إلّا ونسمع أو نقرأ عن إعدام عشرات الرجال (انظر: كلمة ميشال عفلق في المؤتمر القطري السوري الاستثنائي، 1964) وقد أكّد لي صلاح عمر العلي ذلك، بقوله: صحيح إنه لم ينتقد أو يعارض استخدام جميع الأساليب لفلّ مقاومة الطرف الآخر، لكنه كان حساساً إزاء العنف والتعذيب فيما بعد.
   وقد شاعت الكثير من القصص والحكايات المأساوية عن التعذيب في بغداد والمحافظات وشملت الرجال والنساء، وحتى الأطفال وقد صدر ما سمّي بـ"الكتاب الأسود" بعد انقلاب 18 تشرين الثاني/نوفمبر 1963 الذي قاده عبد السلام عارف ضد حلفائه البعثيين،(انظر: كتاب المنحرفون، وهو كرّاس صدر بموافقة مديرية الاستخبارات العسكرية، هيئة الدليل الدولي، بغداد ، العدد 1، 1964).
   وقد تم توثيق بعض الانتهاكات والارتكابات باعترافات وصور ووثائق وشهادات نُشرت في كتاب "المنحرفون" ولكن أكثر ما هو مؤثر وكوموتراجيدي هو الطرفة التي وردت في مداخلة العقيد في الجيش السوري محمد عمران عضو القيادة القومية للحزب العام 1964 والتي تعبّر عن واقع حقيقي عاشه العراق في ظل انفلات الأوضاع . ولعلّ تلك الطرفة هي " سخرية سوداء" حين قال خلال مؤتمر حزبي في دمشق " بعد المؤامرة الشيوعية " يقصد حركة حسن السريع 3 تموز (يوليو) 1963 طُلب من أحد ضباط الجيش (العراقي) إعدام 12 شيوعياً، ولكنه أعلن أمام عدد كبير من الحاضرين أنه لن يتحرك إلّا لإعدام 500 شيوعي، ولن يزعج نفسه من أجل 12 فقط، وكان حديثه هذا أمام المؤتمر القطري الاستثنائي لحزب البعث العربي الاشتراكي (سوريا) العام 1964، وقد كانت مداخلته بعنوان: ملاحظات الرفيق محمد عمران أمام المؤتمر القطري الاستثنائي في 2 شباط/فبراير 1964، ص 3 (انظر كذلك: حنا بطاطو- العراق، ج 3، مصدر سابق، ص 304).
   منطق الجلاد ومنطق الضحية
   رغم مكابرة حازم جواد  ومحاولته النيل من سلام عادل  والتقليل من شأنه، بل والغمز من قناتة، لكنه يقر في نهاية المطاف  إن موقفه كان صلباً و"إنه لم يعترف"، ولكنه كما يقول كان يحاول إيجاد مخرج للورطة بأقل ما يمكن من الخسائر. ويكشف جواد عن مكنونات صدره وصدور بعض رفاقه بقوله: إن نار الحقد تأجّجت ضد الشيوعيين، خصوصاً بعد أن اكتشفنا أن الحزب يملك قوة كبيرة كنّا نستهين بها ، لاسيّما داخل القوات المسلحة، وهو بذلك "يبرّر" استخدام التعذيب.
   وعن الحوار المزعوم يقول حازم جواد أن سلام عادل أودع سجن قصر النهاية بعد إلقاء القبض عليه وكان قد طلب اللقاء به أو بعلي صالح السعدي الذي كان في مصر  في نهاية آذار (مارس) عن طريق مدحت ابراهيم جمعة (مدير المعتقل) (التواريخ ليست صحيحة فقد اعتقل سلام عادل يوم 19 شباط /فبراير واستشهد يوم 23 أي بعد أربعة أيام فقط على اعتقاله ، وأعلن عن استشهاده رسمياً من دار الإذاعة يوم 7 آذار (مارس).
   وهذا يعني أن علي صالح السعدي  عند اعتقال سلام عادل كان موجوداً في بغداد  لأن الوفد حسب التواريخ التي دققتها والاقتباسات التي سأنقلها عن أمين هويدي تشير إلى أن الوفد سافر يوم 21 شباط (فبراير) للقاء جمال عبد الناصر وكان برئاسة نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية علي صالح السعدي وضمن الوفد عبد الستار الدوري (مدير عام الإذاعة والتلفزيون) الذي التبس عليه يوم اعتقال سلام عادل ولكن ما يتذكّره جيداً إن الخبر نشر في القاهرة على نطاق واسع.
   وضمّ الوفد كلّ من : طالب شبيب (وزير الخارجية) وصالح مهدي عمّاش (وزير الدفاع) وفؤاد عارف (وزير الدولة) وحردان التكريتي (آمر القوة الجوية) وخالد مكي الهاشمي (آمر الدبابات) ووفد شعبي ضم حسين جميل وجلال الطالباني وأديب الجادر وعبدالله السلّوم السامرائي.



40
سلام عادل ..  الدال والمدلول وما يمكث وما يزول
أهم خدمة تقدم للعدو هو إخفاء أخطاء الحزب
 والزعم بصواب سياسة قياداته
الحلقة 5
عبد الحسين شعبان

   ويروي عبد اللطيف الشوّاف عن حالة قاسم بعد إعدام الطبقجلي والحاج سرّي، فيقول إنه من فرط حزنه وتأثّره أصيب بنوع من الانهيار والخلل العصبي ، وقد سمع أنه في إحدى المرّات في وزارة الدفاع طلب ثلاث أقداح للشاي وأمر بوضع واحد للحاج سرّي وآخر للطبقجلي والثالث له، لمشاركتهما في احتساء الشاي في جزء من توهماته وحالة الاضطراب النفسي  التي عاشها، على الرغم من أنه كان يردّد أنّهما دقّا اسفيناً في الثورة وهما وراء موقف عبد الوهاب الشوّاف، ولولا تحريضهما وإسنادهما له لما أقدم على ذلك، لكنها انسحبا بعد ذلك وتركا الشوّاف يلاقي مصيره وحده .
   ويقول عبد اللطيف الشوّاف الذي أصبح وزيراً لدى قاسم إن إعدام الطبقجلي والحاج سرّي كان مأساة حقيقية لعبد الكريم قاسم الذي استمر لبضعة أيام عصبياً وحزيناً وبائساً مثلما بقي الفريق محمد نجيب الربيعي رئيس مجلس السيادة في حالة حزن وتردّد وقرف من الوضع الذي آلت إليه الثورة .
    وكان تبرير قاسم بعد حين أنهما لم يتركا له خياراً إلّا تنفيذ حكم الإعدام. وكنت قد استمعت إلى روايته تلك لأول مرّة في القاهرة  في مطلع العام 1971 حينما كنت أحضر مؤتمراً بمناسبة ميلاد الزعيم العربي جمال عبد الناصر وذلك بعد وفاته بنحو 4 أشهر أقيم في جامعة القاهرة، وقدمت  فيه بحثاً بعنوان: "عبد الناصر وحركة التحرر الوطني العربية".
   (انظر: عبد اللطيف الشوّاف- عبد الكريم قاسم وعراقيون آخرون، ذكريات وانطباعات، دار الورّاق، لندن - بيروت، ط1، 2004، هامش ص 88 و89 ويمكن مراجعة كتابنا: عامر عبدالله - النار ومرارة الأمل، مصدر سابق، ص 64 و65 وما بعدهما).
   واستغل قاسم الصراعات الداخلية في الحزب الشيوعي، وخصوصاً بين سلام عادل وكتلة الأربعة المشار إليها، ووجود مشاكل أخرى مع عضوين من اللجنة المركزية هما سليم الجلبي ( الذي كان عضواًمركزياً في الخمسينات) وداوود الصائغ وهو أحد مثقفي الحزب وكان عضواً قيادياً وشارك في حركة تكتلية في الخمسينات عُرفت باسم "رابطة الشيوعيين" التي تم حلّها بعد توحيد الحزب أسوة بالمجموعات الأخرى ، حيث تم اعتراف متبادل بالأخطاء، بما فيها تخطئة إدارة بهاء الدين نوري وحميد عثمان التي اتخذت إجراءات متشدّدة بحق عدد من الرفاق القياديين وخطوات سياسية طائشة.
   أقول استغلّ قاسم الوضع الداخلي في الحزب فاستمال داوود الصائغ وأوحى له بالتقدّم بإجازة باسم الحزب الشيوعي واستجاب الأخير لهذا الإغراء مدفوعاً بمشاكله مع إدارة الحزب وشعوره بالغبن، وحين تقدّم الحزب الشيوعي (الأصل ) بطلب الحصول على الإجازة القانونية، على الرغم من استيفائه للشروط، رُفض طلبه بزعم وجود حزب آخر بالاسم ذاته، فاضطر الحزب إلى استبدال اسمه إلى " اتحاد الشعب" اسم جريدته المركزية، ولكن وزارة الداخلية رفضت طلبه مرّة أخرى بدعوى أن أهدافه قريبة من أهداف الحزب الشيوعي (جماعة المبدأ- داوود الصائغ) .
   وكان طلب الحزب الأصلي قد تقدّم به زكي خيري أكبر الأعضاء سناً، الذي كان حينها وبعض إدارات الحزب أكثر مقبولية لدى قاسم من سلام عادل، ولذلك لم يدرج اسمه ضمن الهيئة المؤسسة بسبب تشنجات قد حصلت بينه وبين قاسم إثر مقابلة نظمها له عامر عبدالله وهو ما ترويه ثمينة ناجي يوسف في كتابها (سلام عادل- سيرة مناضل، جزءان، مصدر سابق).
   وقد اتخذت قيادة سلام عادل سلسلة من الخطوات التكتيكية  لسحب ثقة  الجمهور بجماعة المبدأ وإظهاره بمظهر المؤسّس من السلطة ذاتها، وكانت عملية الاختراق قد حصلت بأن أرسلت إدارة الحزب إلى داود الصائغ عدداً من الكوادر للانضمام إليه، وحين أعلن عن أسماء الهيئة المؤسسة انسحب هؤلاء بصورة جماعية بحيث فقدت الهيئة المؤسسة شرعيتها المطلوبة ضمن إطار قانون تنظيم الحياة الحزبية، وحين تم استبدال الأعضاء المنسحبين بأعضاء جدد وأعلنت الأسماء مجدداً، انسحب هؤلاء مرّة أخرى لإحراج قاسم من جهة والصائغ من جهة أخرى، وهكذا أصبح الحزب الذي حظي بدعم السلطة مصدر تندّر وحينها ظهرت نكتة الحزب الشيوعي لصاحبه  (؟)
   لكن سلام عادل لم يكتفِ بهذا القدر من التكتيك، بل حاول فتح حوار مع الصائغ نفسه لإقناعه بخطأ توجهه ودعوته للتنسيق مع الحزب والاستفادة من منبره العلني، لاسيّما بعد أن زاد حجم التضييق على الحزب واعتقلت السلطات المئات من كوادره وأعضائه (قيل إن العدد كان عشية انقلاب 8 شباط/فبراير/1963 خمسة آلاف معتقل) وتم الاتفاق سرّاً معه على أن يدعم الحزب جريدته " المبدأ" ويقوم كادر من الحزب بتحرير موادها الرئيسية، وهكذا عمِلَ الحزب ظلّاً لجريدة المبدأ.
   أتذكّر هنا حدثاً شخصياً مؤثراً بالنسبة لي، فقد كان موسى مشكور أحد أعضاء الهيأة المؤسسة لحزب داود الصائغ موظفاً لدى جدي الحاج حمود شعبان (في خان شعبان  في سوق المرادية للتجار ببغداد) وقصته كالتالي : فقد كان قد خرج من السجن بعد استشهاد شقيقه مهدي مشكور في سجن بغداد العام 1953، ويروي عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)  في كتابه "من أعماق السجون في العراق" الذي نشره باسم مستعار (محمد راشد) في العام 1955 ، أن الرفيق مهدي ظلّ يردّد في اللحظات الأخيرة " أني ما أريد أروح ... ما أريد ... أنا شاب أريد أن أبقى معكم يا رفاق... أنا شاب عمري عشرين " لكنه فجأة بدأت تتغير ملامحه حيث كان مصاباً  بجرح إثر هجوم الشرطة على السجن، ثم توفى .
   كان والد موسى مشكور شيخ  معمم قد طلب من  جدي إيجاد عمل لموسى مشكور لديه  في الخان حيث كان يعمل في تجارة  الأقمشة بالجملة، ولاسيّما بالاستيراد ، لأنه من الصعب عليه الحصول على عمل، خصوصاً لعدم تمكّنه من الحصول على شهادة " عدم محكومية" التي عُرفت لاحقاً " تحقيق هوّية" ، ووافق جدي شريطة ألّا يقوم بأي نشاط سياسي خلال عمله في الخان، واستمر هو في العمل حتى الثورة، وظهر كمسؤول للأسواق التجارية، ثم برز ككادر قيادي  في الهيأة المؤسسة لجماعة الصائغ (العام 1960).
   لم يعرف أحد منّا خطة سلام عادل لتفليش " جماعة الصائغ" ولذلك تقاطر على الخان، في محاولة لثني موسى مشكور عن انضمامه إلى الصايغ،عدد من الأقارب بينهم  شوقي شعبان وحسن شعبان وناهض شعبان ووهاب شعبان ومعين شعبان ونعمان شعبان  وكان عدد من الأصدقاء يتساءل عن أبعاد تلك " الخطوة" مثل عبد الواحد الخلف والمحامي عبد الوهاب عباس وصادق الحسني وحسين خليفة ومنعم الصائغ  وحسين قويزي وعلي الغرباوي وآخرين . وكنّا جميعاً نحاول أن نقنعه بالانسحاب من الجماعة أو نفهم مبرراته على الأقل، ولم يكن يردّ علينا سوى بابتسامات مبهمة وأجوبة غامضة أكثر منها إفصاحاً عن موقف، حتى إن خالي ناصر شعبان  سأله مرّة وبحضور خالي رؤوف وخالي جليل ووالدي عزيز شعبان: ما سبب اختياره الصائغ وتفضيله على الحزب الأصلي الذي كان بعنفوانه وألقه، فلم يسمع منه سوى إجابات مبهمة وهي تنمّ عن اختيار له ظروفه وخصوصياته، وأن الأمر متروك للزمن!.
   وحين تم انسحاب الغالبية الساحقة من الهيأة المؤسسة في المرّتين الأولى  والثانية وانكشفت اللعبة فهمنا ذلك، وكنّا قد عرفنا في وقت لاحق خطة الحزب، وكان هو يضحك ويحمرّ وجهه ويردّد آن الأوان لتعرفوا الحقيقة.
   وبالمناسبة فقد كانت اللجنة المركزية أو المكتب السياسي تجتمع أحياناً في منزله بالكاظمية قرب الكورنيش، وقد اضطر إلى الهرب في اليوم الأول لانقلاب 8 شباط/فبراير وبعد عدّة أشهر ظهر في السعودية يؤدي فريضة الحج ويرتدي العمامة البيضاء، وقد التقاه هناك موسى شعبان وأبلغنا بذلك، ثم انتقل إلى الكويت وعاش فيها لغاية الغزو العام 1990، وكنت قد التقيته في الكويت أول مرّة العام 1965 مع خالي المحامي جليل شعبان، ومرّة أخرى في العام 1970 حين اضطررت الهرب إليها بعد ملاحقتي. وقد لاحظت اتساع أعماله، لاسيّما بعد أن تعرّف على أحوال السوق مثلما عرف التجار الكويتيون أمانته ودقة عمله، ولكنه خسر الكثير من أمواله وممتلكاته، بعد غزو القوات العراقية للكويت في العام 1990، وصادف أن كان حينها في لندن، وقد التقيته فيها، ثم في الولايات المتحدة حيث يعيش في ساندياغو واستضافني فيها وكان حين يسألونه عن العلاقة بيننا يردّد وبكل تواضع " أنني تعلمت التجارة في بيت شعبان" (حديث خاص مع موسى مشكور، ساندياغو،1998  وقد استعد معه بعض تفاصيل تلك الفترة).
   أعود إلى اتفاق للظل مع داود الصائغ لتحرير المبدأ التي كانت تصدر بصورة علنية، حيث أوكل سلام عادل الأمر إلى بديع عمر نظمي وهو أحد مثقفي الحزب حينها وقد نشر وترجم العديد من الكتب المهمة وعدنان البراك أحد المثقفين والإعلاميين البارزين في الحزب وقتذاك وقد استشهد العام 1963 ومجيد الراضي وهو شاعر ومثقف وابراهيم الحريري وكان يكتب عموداً في صحيفة اتحاد الشعب باسم " صديق حمدان" أو " حكايات حمدان" وتكفّل الحزب حسب رواية الحريري بكل شيء يتعلّق بمكتب جريدة المبدأ، عدا الحارس الذي كان موظفاً مرسلاً من الأمن (حديث خاص مع ابراهيم الحريري، دمشق، 1984).
   ولعلّ حكاية جريدة وحزب المبدأ تصلح وحدها للتأكيد على العقل الديناميكي لسلام عادل والحيوية البالغة التي يتمتع بها، وكذلك على المرونة العالية التي يتحلّى بها مع المبدئية وبُعد النظر، وخصوصاً في تشخيص الجوهري من الأشياء والقضايا.
النقد والنقد ثم النقد
للأسف لم يراجع تاريخنا بما فيه الكفاية، ولم تسلّط الأضواء على أخطائنا ونواقصنا، وغالباً ما زعمنا إن العدو سيستفاد منها، ولذلك حاولنا أن ندثّرها بأكثر من غطاء لكي لا يطّلع عليها المتربّصون بنا في ظل صراع محموم، وهكذا كانت تتكرّر وتتناسل تلك الأخطاء والنواقص، لأنه لم يتم كشفها ومساءلة المسؤولين، ولم يسهم النقد في كشف أخطاء الماضي، الاّ بحدود الصراعات الدائرة، بين هذا الطاقم القيادي أو ذاك، وتصفية حسابات بين الفرقاء، أما التاريخ فقد ظل "صامداً" ككتلة صمّاء، لا يمكن الاقتراب منها، وقد يكون بعضهم مسؤولاً عنها، والآخر لا يريد ذكر الحقيقة ويخشى الاقتراب منها، لأنها تتعلّق بفترة سكوته وصمته لسنوات طويلة، اعتاد فيها على تلقّي التعليمات وإعطاء الأذنين الصاغيتين دائماً.
لم نلحظ هناك من نقد حقيقي لتاريخنا، خصوصاً مسلّمات الماضي وعيوبه، لاسيّما إذا كان المعنيون قريبين من الطاقم الإداري أو من متفرّعاته، وحتى حين كُتبت الكثير من المذكرات، ظلّت الكثير من العقد الأساسية دون مساس، وإن جرى التعرّض لها، فمن باب إلقاء الحجة على الآخرين، وفي أحسن الأحوال سمعنا نقداً مثيراً للشفقة، لمن يقول أنه يتحمّل المسؤولية وهو بالطبع كذلك، لأنه كان على رأس الهرم أو من المحيطين به أو من حواشيه.
والغالب الأعم يتحدّث هؤلاء باستمرار عن  صواب سياستنا التي أثبتها التاريخ، والدفاع عن نقاوة النظرية وإن كان الأمر معكوساً، ففي تاريخنا بعض المطبّات والانحرافات التي علينا مراجعتها مثلما فيه الكثير من الإشراقات والإيجابيات التي يمكن استلهامها، كما لا يكفي الحديث عن إننا نمتلك "أعظم" نظرية في العالم، علماً بأنها لا ينبغي أن تكون بمعزل عن البراكسيس، وفي حين نحن تركنا المنهج، حوّلنا التعاليم النظرية إلى نصوص مقدسة وتشبثنا ببعض الأحكام والتطبيقات أو الممارسات التي كانت تصلح لعهود مضت، في حين علينا استنباط الأحكام التي تتلاءم مع ظروفنا ودرجة تطور مجتمعاتنا.
لاحظتُ إن جميع القوى السياسية " الشمولية" سارت بالاتجاه ذاته، فحزب البعث أو الجماعات المتبقّية منه تتحدّث عن كل شيء باستثناء صدام حسين، وغالباً ما ينزّه ويمجّد، وإنْ جرى الحديث عن الارتكابات والجرائم، فهي ليست سوى أخطاء هناك من يقوم بها، وقد لا يعرف بها "الرئيس" وإذا انتقدت توجّهاتهم وحاورت في الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، فإنك ستكون حاقداً أو مشبوهاً وفي أحسن الأحوال فإنك جاهلٌ.
أما القوميون العرب فلا يمكن المساس باسم جمال عبد الناصر أو حتى نقده، فالنقد سيضعك في خانة العداء للقومية العربية أو في صف "الشعوبية"، وحتى لو ذكرت مشروعه السياسي بملاحظات أو آراء، بخصوص قضية الحريات ووحدانية التنظيم السياسي وملاحقة اليسار وهزيمة 5 حزيران/يونيو/العام 1967، فإن ذلك ليس سوى تفاصيل بالنسبة لهم، إذْ لا يمكن المساس باسم الزعيم " الخالد" والأمر يتعلق بغياب النقد الذاتي، وعدم قبول نقد الآخر.
ولم نسمع نقداً للمشروع الإسلامي من داخله، باستثناء مناكفات في فترة المعارضة بين جماعات سياسية، وإلاّ فإن المرجعية "مقدسة" والتعرّض لها سيجعلك في عداد الملاحدة أو من يتنكّرون لدورها التاريخي، وأحياناً تعتبر من طائفة أخرى، حتى لو كنت من صلب الانتماء الديني أو المذهبي، ضمن التصنيفات السائدة. صحيح إن بعض الارهاصات النقدية قد بدأت، لكنها ظلّت أقرب إلى نقر في السطح وليس حفراً في العمق، حسب تعبير ياسين الحافظ بتوصيفه للثورة.
وإذا كانت الحركة الكردية قد عصفت بها رياح عاتية من داخلها، وواجهت نقداً حاداً وشديداً، وصل حدّ الاتهامات، فإن هذا النقد غالباً ما يطوى على حساب المصالحات السياسية الظرفية، وبذلك يضيع النقد الموضوعي الذي هو حاجة ماسّة وضرورية للتطوّر والتقدّم، وأحياناً تضيق بعض القوى الكردية بالنقد حتى إذا كان انحيازك لصالح الشعب الكردي وحقوقه العادلة والمشروعة، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره، مثلما هناك تواطؤ أحياناً بخصوص علاقاتها الخارجية مع القوى الدولية بما فيها المعادية لمصالح شعوبنا فما هي المصلحة من السكوت أو تبرير علاقة مع "إسرائيل" وبعض دعاة التفكيك في السابق والحاضر.
النقد فضيلة، ولاسيّما في السرديات الثقافية، وغيابه يجعلنا أمام حالة من الصدام والاحتدام المستمرين، خصوصاً في النظر إلى الآخر، أما على صعيد الآخر من الداخل فسيكون بديله الاستكانة والخنوع أو الاحتقان والاختناق حتى يحصل المحذور، لذلك فإن الكثير من التمرّدات والانشقاقات ليست بعيدة عن ذلك، إذْ أن الإلغاء والتهميش واحتكار الحقيقة وادعاء امتلاك الأفضليات ستقود إلى نتائج أخرى في ظل غياب النقد ، وهو ما حاول الباحث تسليط الضوء عليه باعتباره الأساس في فقْه الأزمة.
وإنْ كنتُ قد قدّمت قراءات انتقادية للحركة الشيوعية وتاريخها، فلأنني معني بها أكثر من غيرها وما أريده لها أن تكون معافاة وسليمة، كما إنني عندما أسترجع جزء من التاريخ، فلأنه يحتاج إلى إعادة نظر بروح رياضية ودون خشية من النقد والاعتراف بالأخطاء والاعتذار عنها، والأمر قد ينسحب على الإدارات المسؤولة التي ارتكبت الكثير من الأخطاء، وظلّت تنكر أو تتصرّف باعتبارها فوق النقد، خصوصاً في ظلّ غياب المساءلة والشفافية، الأمر الذي يحتاج إلى نقد شفاف وجريء دون تجريح أو إساءة، بقدر ما يهمّ تاريخنا وعلاقاتنا الرفاقية ونظرتنا المختلفة إلى الماضي وإلى الحاضر وإلى المستقبل، ناهيك إلى الحياة ذاتها بما فيها من مستجدّات ومتغيّرات، بما فيها محاولة قراءة الماركسية بروح القرن الحادي والعشرين وبمنهج ماركس الذي لا يزال يمتلك حيوية، لا بتعاليمه التي تصلح لعصره، وعفا الزمن على الكثير منها.
وأخيراً فالنقد لتاريخنا الشيوعي واليساري هو نقد  من الداخل، وهو نقد مسؤول للذات ونقد لمسار يعني جميع الشيوعيين والماركسيين، بل وعموم الوطنيين، وكل من هو حريص على المستقبل الشيوعي، إذْ لا يمكن الحديث عن تاريخ الدولة العراقية، دون المرور على تاريخ اليسار العراقي الذي لعب دوراً مهماً منذ تأسيسها.
والهدف من النقد تسليط الضوء على بعض النواقص والثغرات في مسيرة اليسار والحركة الشيوعية، لكي لا تتكرّر ولكي يتعرّف عليها الجيل الحالي والمستقبلي وينتفع منها، ونقد التاريخ هو أيضاً نقد للبرامج والسياسات والممارسات والشخصيات وما علق به من سلوكيات غريبة. ولعلّ أهم خدمة تقدّم إلى العدو هو إخفاء أخطائنا والزعم بصواب سياستنا على طول الخط، فتلك المهمة الإيمانية التبشيرية الاستكانية لا تصلح الاّ للدعاة والمروّجين المنحازين، وهي غير المهمة النقدية العقلانية التساؤلية، التي يضطلع بها من يبحث عن الحقيقة.
ولعلّ واحداً من أهداف هذه الاستعادة التاريخية في المسيرة البطولية لسلام عادل هو الحرص على الحقيقة كي لا تضيع بما فيها من آلام وعذابات ودروس وعِبَر، وهو ما حاول الباحث فيه تسليط الضوء على بعض الجزئيات التي يهتم بها بما فيها المنسي أو المُهمَل أو غير المرغوب استذكاره أو غير المسموح الحديث عنه، كي لا تندثر أو تتبدّد أو يطويها النسيان، وذلك استكمالاً لصورة المشهد من زواياه المختلفة.
لعلّ القراءة المفتوحة ودون عقد مسبقة كانت هي الأكثر استقبالاً وحفاوة للنصوص الجديدة التي تركت الآيديولوجيا جانباً والتشدق بالأفضليات وحاولت التفتيش عن الحقيقة من خلال النقد، ولا أحد يعفي نفسه منه.





41
سلام عادل .. الدال والمدلول وما يمكث وما يزول
الرجعية جزء من مذبحة كركوك وتراجع الحزب الشيوعي
عن المشاركة في حكومة تموز 1958 بإيعاز من السوفييت
الحلقة 4
عبد الحسين شعبان [/b]
علماً بأن جريدة الحزب" اتحاد الشعب" كانت قد مهّدت لهذا الشعار حين حملت مقالة باسم " هيئة التحرير" (يوم 28 نيسان/أبريل/1959) عنواناً " إشراك الحزب في الحكم ضرورة وطنية" ووردت فيه دعوة وإن كانت على استحياء لإعادة النظر في تركيب السلطة السياسية... على أساس مبدأ التمثيل الصادق لسائر القوى الوطنية المخلصة ونبذ الحساسية إزاء حزبنا . وتبعت هذه المقالة مقالتان في يومين متتاليين (انظر" نجم محمود (ابراهيم علّاوي)- المقايضة: برلين - بغداد، منشورات الغد، لندن، 1991، ص 305 و306) وهو الأمر الذي اضطّر الحزب للتراجع عنه في اجتماع أواسط تموز/يوليو العام 1959 . 
ولم يكن ذلك بمعزل عن تدخل موسكو كما تقول بعض التقديرات وينقل ابراهيم علّاوي (نجم مجمود) أن لغطاً كثيراً حصل حول دور جورج تلّو الذي كان يعالج في موسكو إثر إصابته في حادث غامض راح ضحيته غازي أبو التمن، وحين عاد إلى بغداد كلّف بنقل رأي السوفييت بضرورة التراجع عن هذا التوجه، وكان بهاء الدين نوري قد كتب في " جريدة صدى القاعدة، العدد 4، أيلول/سبتمبر/1989" عن التدخلات السوفييتية السافرة لحمل قيادة الحزب الشيوعي العراقي على اتباع نهج يميني خاطئ إزاء سلطة قاسم، ولاسيّما المطالبة بالمشاركة في الحكم (أيار/ مايو/1959) .
وكانت جريدة البرافدا قد نشرت تقرير الاجتماع الموسع (أواسط تموز/ يوليو/1959) على صفحاتها يوم 17 آب/أغسطس/1959 مشيدة بأهميته واستحسنت توجهاته، (انظر كذلك: ابراهيم علّاوي- المقايضة، مصدر سابق، ص 320-321) ولا شك أن السوفييت غيّروا رأيهم بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963، بل وحاولوا الظهور بمظهر الناصح لسلام عادل، ونقلاً عن أحد المنظّرين (العلماء) السوفييت المشارك في الحوار حول الصراع الداخلي في الحزب الشيوعي السوري، يذكر: قلنا لسلام عادل: لا تعلّقوا آمالكم على قاسم وهكذا جرى، مات قاسم وأضرّ بالحزب..." ولم يكن ذلك صحيحاً حسبما يؤكده العديد من الوثائق ومن عاصر تلك المرحلة من موقع المسؤولية (حديث خاص مع بهاء الدين نوري- نوكان/ ناوزنك/كردستان/آب/أغسطس/1982).
والسبب الثاني ما حدث في الموصل من أعمال قمع وتنكيل أعقبت حركة الشواف واتّهم بها الحزب الشيوعي لاسيما "محكمة الدملماجة" الشهيرة حين تردّد اسم "عبد الرحمن القصاب"، عضو اللجنة المحلية في الموصل الذي قيل أنه كان يستلم التعليمات من مهدي حميد وبإشراف من حمزة سلمان الجبوري (عضو اللجنة المركزية)الذي كان موفداً من المكتب السياسي لهذه المهمة والذي كان يحمل رسالة خطية من المكتب السياسي كتبها له جمال الحيدري بتوجيه من سلام عادل، مفادها إنزال الضربات بالخصم بأقسى ما يمكن، وقد عرضها في اجتماع اللجنة المركزية عندما أريد محاسبته على التشدّد وأعمال العنف، وقد ألقي القبض عليه لاحقاً في زمن قاسم وأرسل إلى  سجن نقرة السلمان، ثم استدعي بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 حيث قتل تحت التعذيب مثلما قتل مهدي حميد أيضاً بنفس الطريقة، انتقاماً وثأراً.
أما بخصوص محكمة الدملماجة التي تم تشكيلها بعد فشل حركة الشواف (آذار/مارس/1959) فقد تم إعدام 17 شخصاً دون محاكمة، ووفقاً لقرار محكمة صورية سمّيت ثورية، وتم تنفيذ حكم الاعدام بهم على الفور، ناهيك عن أعمال عنف واعتقالات وتعذيب، ثم إنقلب الأمر على الشيوعيين في الموصل وألحق بهم من الخسائر والاغتيالات الشيء الكثير، وقد يكون فاق ما لحق بالآخرين خلال حركة الشواف وتمرّده ضد حكم قاسم.
والسبب الثالث أحداث كركوك التي استفزّت عبد الكريم قاسم، فوصفها بالفوضوية في خطابه الشهير بكنيسة مار يوسف، ويومها قال قاسم (أن تلك الأعمال تذكّر  بأعمال هولاكو)، ولعلّ اندفاع الحزب الشيوعي مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، في صراع ضد التركمان، لم يكن له من مبرّر، الأمر الذي يعزوه البعض إلى  أن قيادة منظمة كركوك للحزب من الكرد، بما يضفي على الصراع بُعداً قومياً، لاسيّما في ظل بعض المشكلات والحساسيات في الماضي، تلك التي أصبحت تعبيراتها اليوم مختلفة، وإن كان جزء منها يعود إلى  الماضي.
وقد ذكرت العديد من المصادر أن عدد القتلى بلغ 31 تركمانياً وتجاوز عدد الجرحى نحو 130 وتم نهب 70 محلاً تجارياً وقد جاءت هذه المجزرة المروعة بعد الأحداث المأسوية التي حصلت في الموصل وفي ظلّ أجواء مشحونة لكن قيادة الحزب لم تعالج مثل هذه القضايا ببعد نظر ورؤية مستقبلية ونظرة حقوقية وإنسانية.
وعلى الرغم من التبريرات التي قيلت عن التدخلات الخارجية ودور مشبوه لشركات النفط ، وهو موجود فعلاً وليس مبالغة، لكن سقوط ضحايا والقيام بارتكابات ليست بمعزل عن مسؤولية القوى المتنفّذة، لاسيّما القريبة من الحكومة، دون استبعاد أن بعض القوى الرجعية كانت جزءًا من المشكلة،  لكن الأمر تجاوز ما حصل في تظاهرة 14 تموز (يوليو) العام 1959، الأمر الذي لم يتم التوقّف عنده ونقده على نحو جريء، وقد ساهمت أحداث كركوك الدموية في سوء العلاقة بين قاسم وبين الحزب الشيوعي وإلى حدّ ما بينه وبين الحركة الكردية. وكان ينبغي على قيادة سلام عادل اتخاذ موقف حازم إزاء المسؤولين ومحاسبتهم وعدم ترك الحبل على الغارب كما يقال.
وإذا كان اعتراف قيادة الحزب في العام 1959 وفي خضم الصراع وذروته أن ثمة "عناصر مندسّة استثمرت بعض الاندفاعات وساقتها في اتجاهات تدميرية أحياناً" وإن: "لجوء بعض الجماهير المتأخرة سياسياً إلى أساليب السحل وتعذيب الموقوفين ونهب الممتلكات والتجاوزات على حقوق وحرّيات بعض المواطنين الأبرياء هو أسلوب لا يجمعه جامع مع الكفاح الثوري" ، ولذلك كان عليها الاعتذار عمّا حصل للضحايا وعوائلهم وهو ما يزال مطلباً لدى التركمان تجدّدت الدعوة له في العام 2009 في ذكرى 14 تموز (يوليو). وما ينطبق على أحداث كركوك يمكن أن ينطبق على أحداث الموصل، لاسيّما في الموقف من الضحايا الأبرياء والقتل خارج القضاء.
   بداية حقبة الدماء وليس نهايتها
كان عبد الكريم قاسم بقدر وطنيته سياسياً فاشلاً، فقد اتّجه بالحكم نحو الفردية والارتجال وتدريجياً أصبح دكتاتوراً فردياً، وإذا كانت النزعة الثأرية، الانتقامية، الكيدية قد سادت بعد الثورة، لاسيّما من خلال محاكمات المهداوي لأقطاب العهد الملكي، لكن قاسم وخصوصاً بعد الأحداث الدموية في الموصل وكركوك بدى أقل دموية، بل أصبح ميّالاً إلى  التسامح " عفا الله عما سلف"، حيث أطلق سراح الرئيس عبد السلام عارف بعد الحكم عليه وأطلق سراح من شارك بمحاولة اغتياله وإطلاق الرصاص عليه في شارع الرشيد. لكن سياسته أدّت إلى  تقسيم الحركة الوطنية ودفعت بها إلى  التناحر بين أطرافها، وأظنّ أن الخطأ، بل والخطيئة التي وقع بها هي إعدام الجنرالين ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري، وهما من قادة الثورة، وذلك بعد حركة الشواف في الموصل، علماً بأنهما لم يكونا مشاركين في محاولة التمرد تلك، وقد يكون ذلك الأمر هو الذي دفعه للتفكير بطريقة مختلفة، لاسيّما إزاء العقوبات الغليظة .
باختصار لم يكن لقاسم أي مشروع للتغيير الداخلي فقد تنكّر لوعوده بانهاء فترة الانتقال وإجراء انتخابات وسن دستور دائم، لاسيّما بعد منجزات الثورة في العام الأول، وخصوصاً الخروج من حلف بغداد ونظام الكتلة الاسترلينية وإبرام معاهدات واتفاقيات اقتصادية مع الدول الاشتراكية، وحتى القوانين والقرارات التي اتّخذها بشأن مسألة النفط وغيرها ظلّت عائمة في ظلّ سياسة التفرّد بالحكم ومعاداة جميع القوى الوطنية، ناهيك عن التخبّط بخصوص قضية مطالبته بالكويت أوموقفه من الحركة الكردية وحقوق الشعب الكردي.
وأظنّ أن ما عاناه العراق من فترة حكم قاسم تركت انطباعاتها على العقود اللاحقة، حتى أن البعض ما يزال يفكّر ومن جميع الأطراف بعقلية العام 1959 وما بعده (لاحظ ما ينشر أحياناً)، لاسيما التناحر والانشقاق الذي حصل في صفوف الحركة الوطنية العراقية.
   لماذا سقط عبد الكريم قاسم؟
يمكنني القول أن هناك أربعة أسباب أساسية أدّت إلى  الإطاحة بنظام قاسم:
السبب الأول مطالبته بضمّ الكويت في العام 1961، وهذه أشبه بحكاية مشؤومة دفع العراق ثمنها لاحقاً بمغامرة صدام حسين العام 1990 بغزو الكويت، الأمر الذي ساهم في تدمير العراق وفرض حصار دولي عليه دام 13 عاماً، ومن ثم احتلاله في العام 2003، وقد كانت مطالبة قاسم تعني فيما تعنيه اللعب لتغيير الجيولوليتيك في منطقة ستراتيجية وغنيّة بالنفط وجزء من مناطق نفوذ القوى الغربية، وهو أمر غير مسموح به، بل محرّم في إطار السياسة الدولية.
السبب الثاني إصداره قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959 الذي منح المرأة بعض حقوقها فيما يتعلّق بقضايا الزواج والطلاق والنفقة والنسب والوصية والإيصاء والإرث وقد اعتبر عقد الزواج رضائياً بين رجل وامرأة تحلّ له شرعاً وغايته إنشاء رابطة مشتركة للحياة واعتبر كذلك كل شكل من أشكال الإكراه جريمة، وحدّد السن القانوني بالثامنة عشر من العمر واشترط تسجيل عقد الزواج لدى محاكم الأحوال الشخصية، وبخصوص الطلاق فيحق طلبه إذا كان الزوج قد تزوّج بامرأة أخرى دون إذن المحكمة أو تسبب في ضرر مستحكم أو حكم عليه بعقوبة تزيد عن ثلاث سنوات أو هجر زوجته لمدة سنتين أو بسبب المرض أو العنّة أو غير ذلك.
وجاء في الأسباب الموجبة في تشريعه هو: تعدّد مصادر القضاء واختلاف الأحكام ما يجعل حياة العائلة غير مستقرّة وحقوق الفرد غير مضمونة. وقصد من ذلك إنصاف المرأة، ليكون القانون واقعاً يجمع أهم الأحكام الشرعية المتفق عليها. فسخّرت الأوساط الدينية والتقليدية والرجعية كل قواها ضده وعملت للإطاحة به.
وقد استثمرت الجماعات القومية فتوى السيد محسن الحكيم "الشيوعية كفر وإلحاد" فحشدت القوى ضد نظام قاسم والشيوعيين، لاسيّما في إطار غطاء ديني. ومن الطريف أن محاولة جرت خلال مجلس الحكم الانتقالي للإطاحة بالقانون الذي جرى تسويف بعض مواده وتجميدها من الناحية العملية، وتم التصويت على إلغائه، لكن بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي في العراق لم يصدّق على ذلك، وطلب إعادة مناقشته والتصويت عليه، فكانت النتيجة الإبقاء عليه.
والسبب الثالث- إصدار القانون رقم 80 لعام 1961 بخصوص استعادة 99.5 % من الأراضي العراقية من شركات النفط الاحتكارية، بحجب "حقها" بالتصرف غير القانوني في التنقيب. وقد فتح هذا القرار معركة ضارية ضده وتآمراً لا حدود له على نظام قاسم من جانب القوى الاستعمارية، التي تلقّت ضربة أخرى عند تأميم النفط العام 1972، الأمر الذي جعلها لا تستكين ولا تستسلم حتى تم إلغاء نتائجه على الرغم من أن موارده ذهبت لمغامرات عسكرية وأجهزة أمنية وثم تبديدها بشكل لا عقلاني، وزاد الأمر عندما تعرضت بعد العام 2003 للسرقات وعمليات النهب والابتزاز.
والسبب الرابع حرب قاسم ضد الثورة الكردية التي بدأت في 11 أيلول (سبتمبر) 1961 بشروعه بقصف مناطق البارزانيين، الأمر الذي فتح معركة مع الأكراد، وقبلها بالطبع كانت معركته مع نظام عبد الناصر والقوميين والبعثيين، ناهيك عن تدهور علاقته مع الحزب الشيوعي وملاحقة قياداته وكوادره.
كل ذلك مهّد للإطاحة بقاسم في 8 شباط (فبراير) العام 1963 ومعه أطيح بما تبقى من مكتسبات الثورة. جدير بالذكر أن عدم حل المشكلة الكردية بشكل عادل ويلبي طموحات الكرد، كان أحد أسباب ضعف الدولة العراقية واختلالها منذ تأسيسها، وكان عامل هدر وإنهاك للأنظمة العراقية الملكية والجمهورية.
إن ما سمّي بفترة "المدّ الثوري" أو "المدّ الأحمر" أو "الهيمنة الشيوعية"، لم يكن المقصود منها أخطاء الحزب الشيوعي وما ارتكبه في الموصل وكركوك ومحاولته الانفراد بالشارع، ولاسيّما بعد القضاء على حركة الشوّاف وملاحقة القوى القومية والبعثية فحسب، بل لأن الفترة القصيرة من " شهر العسل" التي ذاق فيها الحزب السلطة أو شمّ رائحتها شهدت طائفة من الإجراءات  الثورية المهمة، فقد حققت خلال تلك الفترة القصيرة ما يلي:
1- انسحاب العراق رسمياً من حلف بغداد في 24 آذار (مارس) 1959.
2- إيقاف مفعول الاتفاقية العراقية- البريطانية في 4 نيسان (أبريل) 1959.
3- مغادرة آخر مجموعة من الجنود والضباط البريطانيين الأراضي العراقية في 30 أيار/مايو/1959.
4- ارتفاع علم العراق على قاعدتي الحبائية والشعيبة الجويتين.
5- فسخ الاتفاقيات الثلاث مع الولايات المتحدة التي وقعها العراق بين عامي 1954و1955 والمتعلقة بـ " المساعدة" العسكرية واستخدام العراق للأسلحة والمعدّات الأمريكية واستخدام " المساعدة الاقتصادية" على أساس مبدأ أيزنهاور.
6- خروج العراق من الكتلة الاسترلينية (منطقة الاسترليني) في حزيران/يونيو /1959.
(انظر: كتاب تاريخ الأقطار العربية المعاصر، أكاديمية العلوم في الاتحاد السوفييتي، معهد الاستشراق، دار التقدم، ج1، 1976، ص 329-331 ) محاولة تقييم حكم قاسم 1958-1963.
وبالطبع فثمة أسباب أخرى للإطاحة بحكم قاسم داخلية وخارجية كي لا يكون نقطة استقطاب وتأثير لبعض شعوب المنطقة، ولذلك سعت القوى الإمبريالية لإعادة حصان تموز الجامح إلى الحظيرة وعملت ما في وسعها لتفريق القوى الوطنية، خصوصاً وأن مصالحها تضرّرت بسبب الإجراءات التي اتبعتها حكومة الثورة فضلاً عن خطوات داخلية مثل الإصلاح الزراعي.
   سلام عادل وجماعة المبدأ
   شرع " الزعيم " عبد الكريم قاسم بإعلان رغبته في تنظيم الحياة الحزبية بعد انفجار الأزمة مع القوميين واستقالة وزرائهم في شباط/فبراير/1959 وهم:  ناجي طالب والدكتور عبد الجبار الجومرد وبابا علي الشيخ محمود والدكتور محمد صالح محمود ومن ثم محمد صديق شنشل وفؤاد الركابي  واتساع أزمة الحكم مع الشيوعيين بعد خطابه في كنيسة  مار يوسف ( 29/7/1959) الذي اتهم فيه الشيوعيين "بالفوضوية" ونسب إليهم ما حدث من أعمال إرهاب وقتل خارج القضاء بحقّ التركمان في كركوك (14-15 تموز/يوليو/1959)  وكان هذا الخطاب بمثابة إعلان عن نهاية ما سمّي بـ " المدّ الثوري" أو المدّ الأحمر"، الذي استمرّ 4 أشهر ونصف تقريباً.
   ولعلّ واحداً من تجلّيات التعبير عن الأزمة هو شعور الحزب الشيوعي بأنه غير ممثل بحكومة الثورة ومطالبته في مسيرة الأول من أيار/مايو/العام 1959 بالمشاركة في الحكم وتوجّس قاسم خيفة من تمدّد نفوذه، الأمر الذي زاد من حدّة التناقض بين قمة السلطة وقاعدتها.
   وكان قاسم قد فكّر بمخرج من أزمة الحكم بالدعوة إلى تنظيم الحياة الحزبية، وقام وزير الداخلية (أحمد محمد يحيى) بالطلب من الأحزاب السياسية التقدّم للحصول على الترخيص القانوني لممارسة العمل الحزبي بصورة شرعية (مطلع العام 1960) تمهيداً لإنهاء فترة الانتقال التي كرّر "الزعيم" عبد الكريم قاسم عدّة مرّات رغبته في إنهائها، ولم تنتهِ حتى انتهى حكمه بانقلاب 8 شباط (فبراير) 1963.
   لقد شهدت الفترة التي أعقبت حركة العقيد عبد الوهاب الشوّاف تصعيداً ضد القوميين والبعثيين، كما أصدرت محاكمة الشعب أحكاماً بالإعدام بحق مجموعة من الضباط والمشاركين بالحركة بينهم اثنين من قادة ثورة 14 تموز/يوليو/1958 وهما ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سرّي، على الرغم من أن التحقيقات والمحاكمات لم تثبت اشتراكهما المباشر بالحركة ، لكن الضغوط التي مورست على قاسم والأجواء المهيمنة على الشارع  دفعت الأمور بهذا الاتجاه، ويبدو أن قاسم ندِم على تنفيذ أحكام الإعدام، ولم يستطع حينها مقاومة الكتل البشرية التي كان يموج بها وتذكّر بعصر المداخن ، فاضطرّ نزولاً عند صخب الشعارات التي كانت أصداؤها تتصاعد في كل مكان: " لا تكول ما عندي وقت أعدمهم الليلة"، أي لا تبرّر تأخير حكم الإعدام بحق الذين صدرت أحكاماً بحقهم، بل أعدمهم هذا اليوم، فأقدم على تنفيذ الأحكام.




42
سلام عادل .. الدال والمدلول وما يمكث وما يزول
الترهل في جسد الحزب الشيوعي منعه من قرارات حاسمة ضد عبد الكريم قاسم

الحلقة 3

عبد الحسين شعبان

التقاط الجوهري من الأشياء
تتعدّى مزايا سلام عادل كونه شهيداً وبطلاً، فهذا أمرٌ مفروغ منه، لكن قيمته الحقيقية هي في مواهبه ومبادرته التنظيمية وعقله الستراتيجي في التقاط الجوهري من الأشياء وقدرته في الاستفادة من الكفاءات التي حوله، ولاسيّما قبل ثورة 14 تموز (يوليو) 1958.
كما حاول بعد الثورة ضم وإشراك الكثير من القيادات " التاريخية" و"الشابة" لاحقاً إلى قوام اللجنة المركزية وهيئات الحزب، لتوسيع دائرة اتخاذ القرار على الرغم من بعض تناقضاتها، وذلك يتجلّى بعمله الدؤوب في استعادة وحدة الحزب دون إقصاء أو إلغاء أو تهميش، بل بمشاركة واعية، وكذلك في إعداد الكونفرنس الثاني العام 1956.
أعتبر شخصياً وثائق الكونفرنس الثاني من أهم وثائق الحزب وأنضجها حتى الآن، آخذاً بنظر الاعتبار سياقها التاريخي، وهي الوثائق التي لم يتم الحديث عنها منذ أكثر من 6 عقود من الزمان وكأنها أصبحت نسياً منسيّاً، ثم في التحضير لجبهة الاتحاد الوطني العام 1957 وإقامة علاقة مع شبكة الضباط والجنود والأشراف من التنظيم العسكري، والإعداد للثورة بالعلاقة مع الضباط الأحرار العام 1958.
وحتى بعد الثورة فقد كان الترويج لأهم شعارات الحزب من صنع ومشاركة سلام عادل وقيادة الحزب، بحيث أصبحت قوة مادية في الشارع  وهي الخروج من حلف بغداد الاستعماري والتحلّل من الاتفاقيات والمعاهدات الاسترقاقية المذلّة والانسحاب من نظام الكتلة الاسترلينية والدعوة للإصلاح الزراعي والتوجه لاستعادة حقوقنا من شركات النفط الاحتكارية والانعطاف نحو المعسكر الاشتراكي والمطالبة بالحريات وإبراز أهمية حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل، لاسيّما في العام الأول من عمر الثورة. ولهذا لا يمكن اختزال سلام عادل إلى مجرد قيامه ببعض المهمات الحزبية أو إشرافه على الجريدة كما ورد في تعليق لكادر حزبي.
خلافات ومعوّقات
لكن الخلافات التي دبّت في الحزب الشيوعي، إضافة إلى نهج الغرور ومحاولة الانفراد بالشارع وتهميش دور الآخرين دفعت قيادته إلى ارتكاب أخطاء عديدة اعترف بها على نحو شجاع تقرير العام 1959 (اجتماع ل.م) وإن كان الأمر يحتاج إلى طائفة من التدابير لم يتم التوصل إليها أو لم تتخذ الإجراءات المناسبة التي تقتضيها، وهو ما أضعف محتوى سياسة الحزب وجوهرها، خصوصاً بعض الأطروحات العائمة التي طبعت السياسة العامة. فما معنى تضامن - كفاح ثم : "كفاح، تضامن، كفاح"، الذي يتم شرحه بتأييد الخطوات الإيجابية في سياسة عبد الكريم قاسم ونقد الخطوات السلبية، وتأييد السياسة الخارجية ذات الشحنات الإيجابية ونقد السياسة الداخلية ذات التوجّهات السلبية.
 كما أن شعار " السلم في كردستان" لم يكن شعاراً يليق بالحزب الشيوعي، فقد كان يمكن وضع شعارات أكثر تعبيراً عن الشعب الكردي من جهة على سبيل الحكم الذاتي، وخصوصاً بربطه بالديمقراطية لمعالجة مبدأية تتجاوز اللحظة الآنية ذات الاعتبار الأخلاقي العام والتي تتعلّق بقضية السلام إلى طرح حلول ذات أفق مستقبلي، وقد حاول سلام عادل تعديل ذلك بالتقرير الذي ساهم في إعداده جمال الحيدري بتوجيه منه وتحت إشرافه حول القضية الكردية، ولكن بعد فوات الأوان.
وكان على سلام عادل معالجة قضية "شرعية القيادة" ليس بالإنجاز فحسب، بل في الأطر الحزبية والديمقراطية ، خصوصاً وإن ظروف ما بعد الثورة كانت تسمح بذلك، ولعلّ من ذيول هذه القضية ظهرت ما عُرف "كتلة الرفاق الأربعة" (عامر عبدالله وزكي خيري وبهاء الدين نوري ومحمد حسين أو العيس) ولو كان قد تم عقد مؤتمر أو حتى كونفرنس حزبي في فترة كان الحزب "علنياً" أو "شبه علني" لكان قد اكتسب شرعية أكبر بل وشرعية حقيقية، لكن ذلك لم يحصل.
وقد أحدثت تلك الإجراءات وما رافقها ردود فعل سلبية، ليس هذا فحسب، بل إن العقوبات التي أنزلت بالرفاق المتكتّلين دفعت بعضهم إلى كتابة رسائل مذلّة بحق أنفسهم وتاريخهم وقد ناقشت هذا الموضوع في كتابي عن عامر عبدالله " النار ومرارة الأمل" وعكست تلك الرسائل التي تم تقديمها باسم " النقد الذاتي" (زكي خيري وأبو العيس) التشدّد في طلب تجريح الذات وليس نقدها والإساءة إلى النفس، الأمر الذي زاد من حدّة المشاكل حول الشرعية الحزبية في ظلّ عدم انعقاد مؤتمر للحزب، وهو ما كان ينبغي ألّا يسمح به أصلاً وألاّ يطلب منهم ذلك، لأن ذلك سيؤدي إلى التذلّل ويساعد على المداهنة والمراوغة.
ولم يدرس الحزب بشكل كاف موضوع السلطة والموقف منها بشكل كاف في عهد سلام عادل وقد يكون الانقسام الذي حصل في القيادة الحزبية وراء ذلك، واضطرّ سلام عادل إلى السفر إلى موسكو للدراسة الحزبية، برضاه أو بالرغم عنه، وسواءً كان ذلك تحت ضغط السوفييت أم بدونه، لكنه حين قرّر العودة إلى العراق وقطع دراسته كان ينوي اتخاذ خطوات جديدة أكثر تشدّداً إزاء قاسم ولكن الترهل الذي أصاب جسم الحزب وانقسام قيادته لم يساعده في ذلك، وظل الحزب يعاني من سياسة انتظارية، الأمر الذي بث روح الملل والروتينية حد القنوط في صفوفه، وكان هذا بحد ذاته بداية "هزيمة" قبل انقلاب 8 شباط (فبراير) الفاشي.
كان الحزب يتصرّف وفقا لرد الفعل وينتظر القدر " الغاشم" (المؤامرة المنتظرة ليتصدّى لها) وتدريجياً لم يكن لنا حلفاء يعتدّ بهم، أما ما أطلق عليه " النضال الجماهيري" فقد انحسر بالتدرّج حيث ضعفت مبادراتنا، وكانت أقرب إلى ردود فعل سواء إزاء سلطة قاسم أو بخصوص المسألة الكردية أو لمواجهة الإضراب الطلابي الذي فرضه البعثيون والقوميون والاتحاد الوطني لطلبة العراق تحضيراً لانقلاب 8 شباط (فبراير) الدموي العام 1963 وغيرها.
ولم يكن التراجع منظّماً واتّضح أننا واجهنا التحدّيات بخطة طوارئ فاشلة "وبمسدس مايثور" "لأنه تعرّض للصدأ" حسب وثيقة تقويم صدرت العام 1967 في غمرة الصراع الحزبي، كما أن مواجهة انقلاب 8  شباط (فبراير) كانت محدودة على الرغم من البطولة والبسالة، وكلّ ذلك حتى وإنْ كان يتحمل قسطه الأكبر الرفيق سلام عادل بصفته التنظيمية بنجاحاته وإخفاقاته، لكنه لا ينبغي نسيان خصاله الباهرة وسجاياه وشفافيته الإنسانية المتميّزة ، فضلاً عن بطولته النادرة، ونحن حين نتناول ذلك فإننا إزاء تقويم سياسي وعلينا أن نضع العواطف جانباً ونركن قدر الإمكان في البحث عن الحقيقة والتعامل مع المعطيات والمعلومات المتوفرة بروح موضوعية .
   الوحدة أم الاتحاد؟
   لقد أطاحت ثورة 14 تموز (يوليو) بالنظام الملكي وأعلنت العراق جمهورية ، وكان الحزب الشيوعي من الأحزاب التي هيّأت للثورة أو شاركت في التحضير لها مثله مثل الأحزاب الأخرى، على نحو مباشر أو غير مباشر وبدرجات متفاوتة بالطبع مع نفوذ كل حزب ودوره، وكان كادره القيادي قد اطّلع على بيان صدر عن الحزب يوم 12 تموز (يوليو) يوحي فيه إلى  احتمال قيام أحداث مهمة ويوصي بالاستعداد لها ورفع درجة اليقظة.
   وعندما اندلعت الثورة وجد الحزب نفسه سبّاقاً إلى  تأييدها في الشوارع والساحات ومعه الأحزاب الأخرى، على الرغم من درجة تعبئتها كانت أدنى كثيراً، وكان لمثل هذا التأييد الشعبي أن يؤدي إلى  قطع الطريق على رجالات العهد الملكي ومنعهم من القيام بحركة مضادّة، كما أنه يكون قد قطع الطريق أمام التدخلات الخارجية، على الرغم من إنزال القوات الأمريكية في لبنان والقوات البريطانية في الأردن، لكن التفاف الشعب وفيما بعد دعم حكومة الجمهورية العربية المتحدة وحكومات البلدان الاشتراكية، لاسيما الاتحاد السوفيتي أحبط أية إمكانية للانقضاض على الثورة.
ومنذ الأيام الأولى احتدم النقاش الداخلي، لاسيّما بين أطراف جبهة الاتحاد الوطني التي تأسست في 7 آذار (مارس) 1957، حول شعارات الوحدة والاتحاد، فحزب البعث إندفع باتجاه "الوحدة الفورية" وهو ما يذكره عدد من قادته مثلما هو خالد علي الصالح وهاني الفكيكي وعبد الستار الدوري وحازم جواد وعلي صالح السعدي وطالب شبيب، وتسنّى لي محاورة بعضهم بشكل مطوّل ومعمّق، وكان الرأي السائد أن ميشيل عفلق بعد زيارته إلى  بغداد وبقائه في فندق بغداد، حسم الأمر برفع شعار الوحدة العربية، في حين أن الشيوعيين، لاسيّما عامر عبدالله وعزيز الحاج وسلام عادل وجمال الحيدري وبهاء الدين نوري وآخرين ، كانوا قد رفعوا شعار الاتحاد الفيدرالي وروّجوا له، وتسنّى لي حوار عدداً منهم أيضاً، وكان الطرفان يستفزّ أحدهما الآخر بطريقة صبيانية أحياناً، أوعلى أقل تقدير غير عقلانية، واندفع داخل الطرفين تيار إستئصالي، إلغائي، تهميشي، ونسى الجميع ميثاق جبهة الاتحاد الوطني، ولعلّ ما كتبه العديد من قيادات أحزاب تلك المرحلة تعكس التوجهات السائدة ودرجة الاستقطاب والتنافر.
وأظن أن الحركة الوطنية بأطرافها الأساسية، انقسمت حول هذين الشعارين، فالحركة الكردية مالت إلى  شعار الاتحاد الفيدرالي ومعها أوساطاً من الحزب الوطني الديمقراطي، وما سمّي بالجناح اليساري الذي قيل أن كامل قزانجي يمثله وهو الذي استشهد العام 1959 في أحداث حركة الشواف في الموصل، كما مالت حركة القوميين العرب وبقايا حزب الاستقلال وبعض الشخصيات القومية الأخرى إلى  شعار الوحدة العربية مع الجمهورية العربية المتحدة، وهو ما كان حزب البعث يطرحه.
وكان هذا الانقسام عمودياً ومركزياً من القمّة إلى  القاعدة، وفي حين انحاز أحد قادة الثورة العقيد  عبد السلام عارف إلى  شعار الوحدة وألقى عدداً من خطبه الرنانة في عدد من المدن والمحافظات العراقية، كان الزعيم عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء أقرب إلى  شعار الاتحاد الفيدرالي، وقلْ إنه لم يكن مع شعار الوحدة الاندماجية المطروح.
وأستطيع القول من باب النقد الذاتي وليس افتئاتاً على أحد، أن الحركة الوطنية بقضّها وقضيضها لم تكن ناضجة في تلك الفترة، وعاشت مرحلة مراهقة سياسية، ولعل وعي الكثير من قياداتها كان متدنّياً، فضلاً عن التمترس والرغبة في كسب الشارع والحصول على المواقع في الجيش والسلطة والمؤسسات النقابية والمنظمات الاجتماعية، في وضع أشبه بالغليان، أو حركة سيرك بكل الاتجاهات.
   خصوم قاسم

لقد عشعش مرض الطفولة اليساري لدى غالبية أطراف الحركة الوطنية وأعني بذلك نهج التهميش والعزل والإقصاء والاستئصال، فالبعثيون والقوميون استقووا بالجمهورية العربية المتحدة وبالرئيس جمال عبد الناصر وببعض قادة الجيش وانضمّ إليهم بعض القوى المخلوعة والمتضرّرة من الثورة وحاولوا المرّة تلو أخرى الانقضاض على الحكم الجديد، سواءً بحركة العقيد عبد الوهاب الشواف أو بمحاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم في شارع الرشيد (رأس القرية) ببغداد وصولاً إلى  انقلاب 8 شباط (فبراير) الدموي العام 1963.
والشيوعيون ومن حولهم استقووا بالشارع وأصبحوا ينظرون للآخرين من خلال مواقعهم بغرور أحياناً وبعسف أحياناً أخرى، لاسيّما باختلال المعادلة بين قمة السلطة وقاعدتها، فعلى الرغم من تمثيل جميع القوى الوطنية بحكومة الجمهورية الأولى، إلاّ أن الحزب الشيوعي أستُثني منها، وهو الأطول عمراً، والأكثر تضحية والأصلب عوداً في محاربة النظام الملكي، لكن حصته من مناصب ما بعد الثورة كانت محدودة في السلطة، وإلى حين استيزار د. نزيهة الدليمي بعد احتدام الصراع مع القوميين والبعثيين، لم يكن أحد يمثّله في الوزارة، بما فيهم ابراهيم كبة أو غيره في حين كان حسين جميل وهديب الحاج حمود يمثّلان الحزب الوطني الديمقراطي وقبل ذلك محمد حديد، وكان محمد صدّيق شنشل يمثل حزب الاستقلال وكان فؤاد الركابي يمثل حزب البعث، أما الحزب الشيوعي فقد استبعد في بداية الأمر، ثم ضمّ لاحقاً.
جدير بالذكر أن مسألة الوحدة الفورية أم الاتحاد الفدرالي كانت قد واجهت ثورة 14 تموز ونالت من الجدل والصراع ما لم تنله مسألة أخرى، وقد تشبّث كل فريق بوجهة نظره وأحياناً ذهب بعيداً فيها، فالشيوعيون الذين لم يكونوا بعيدين عن موضوع الوحدة أو الاتحاد كما تبين وثائقهم راحوا يبالغون أحياناً في عرض مساوئ الوحدة، خصوصاً بتجربة الوحدة المصرية - السورية والموقف الرسمي من الحزب الشيوعي السوري الأمر الذي ساهم في التباعد مع الأطراف الوطنية العراقية، والبعثيون أنفسهم حين تشبثوا بالوحدة الفورية بالغوا فيها لدرجة ازدروا كل شكل من أشكال الاتحاد سواها، والهدف هو إحراج الشيوعيين وإظهارهم بمظهر أعداء الوحدة، علماً بأن الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان كان قد طرح موضوع الوحدة والاتحاد منذ العام 1931 ونادى مع الحزب الشيوعي الفلسطيني بـ"اتحاد عربي" وكانا يدعوان إلى وحدة طوعية وفدرالية تحفظ الاستقلال التام للدولة الوطنية ، بمعزل عن نفوذ الاستعمار.
وكان البيان الذي وزّعه فهد في الناصرية العام 1932 قد دعا إلى "اتحاد الجمهوريات العمّالية والفلاحية في البلدان العربية" وفي العام 1935 اتخذ كونفرنس الأحزاب الشيوعية العربية في المشرق قراراً في الدعوة للاتحاد العربي، ولهذا أقول بأن حماسة الشيوعيين للوحدة والاتحاد ليست أقل من القوى القومية ، لكنهم كانوا يراعون الفروق في تطور البلدان العربية وأنظمة الحكم والظروف الداخلية وغير ذلك، وهو ما كان قد تبنّاه الكونفرنس الثاني الذي جرت الإشارة إليه العام 1956 حين رفع شعار الوحدة العربية معتبراً الطريق إليها يقوم بزوال الاستعمار وتحقيق الاصلاحات الديمقراطية.
(انظر: عزيز سباهي - عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، ثلاثة أجزاء ، ج 2 ، دمشق، 2003، ص 333 وما بعدها. انظر كذلك: الحزب الشيوعي العراقي - خطتنا السياسية في سبيل التحرر الوطني والقومي ، 1956، ص 53).
   تناقضات وأخطاء

وكانت مواقف الحزب الشيوعي متناقضة أحياناً، فبدلاً من يفكّر بالاستيلاء على السلطة استولى على الشارع وحاول احتكار العمل السياسي والنقابي تحت شعارات "لا حرية لأعداء الشعب"، و"لا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية"، الأمر الذي جعله في تناقض آخر بينه وبين السلطة، متجهاً نحو اليسار إزاء الشارع، ومتوجهاً نحو اليمين إزاء الموقف من السلطة، باستعارة توصيفات الستينيات.
ومن جهة أخرى فقد جعلت تلك المواقف الحزب الشيوعي في تعارض مع غالبية قوى جبهة الاتحاد الوطني، وبالرغم من نفوذه الجماهيري الّا أن الشعور بالعزلة تسلّل إليه بالتدرّج إزاء علاقته بالقوى الوطنية الأخرى، بغض النظر عن مسؤولياتها هي أيضاً.
أعتقد، بقدر إخلاص قيادة الحزب الشيوعي للثورة وحرصها عليها، فإنها لم تكن على قدر من الوعي يؤهلها لرؤية متطلبات تطوير الثورة بالتعاون مع القوى الوطنية على برنامج حد أدنى، وعلى الرغم من اندفاعات القوى الأخرى وتكتّلها للإطاحة بحكم قاسم وفي فترة مبكرة زمنياً، لكن الممارسات السلبية للاستحواذ على الشارع وعزل الآخرين قادت إلى   أحادية ومحاولة تزعّم، بعد انفضاض جبهة الاتحاد الوطني، التي كان يمكن تجديد برنامجها بما يستوجب لمرحلة ما بعد الثورة، لكن جميع القوى لم تكن مدركة وواعية لما أقدمت عليه.
ومرّة أخرى أقول: إنه بقدر إخلاص قيادة الحزب الشيوعي ولاسيّما قيادة سلام عادل ونبله واستشهاده لاحقاً، فإن المرحلة السياسية وسياقها التاريخي، لم يؤهلاه ليتخذ مواقف أخرى، فذلك كان حدود مستوى التفكير السائد، فارتكب العديد من الأخطاء والممارسات السلبية وأعمال العنف والإرهاب، لاسيما ما حدث في الموصل وكركوك، وبقدر مسؤولية القوى الأخرى، كانت كبيرة جداً، إلاّ أنه لا ينبغي التقليل من المسؤولية التي تقع على الحكم والجماعات القريبة منه، لاسيّما الحزب الشيوعي، الذي كان عليه أن لا يلعب دور الشرطي لحكومة يمكنها أن تسائله على ارتكاباته حتى وإنْ سكتت عنها، ناهيك عن أن الارتكاب مدان بالأساس ومرفوض لإعتبارات سياسية وإنسانية وأخلاقية، وتحت أية مبررات، أوردت أمثلة كثيرة على ذلك في كتابي عن عامر عبدالله " النار ومرارة الأمل"، لاسيّما بعض الحوادث التي يمكن الرجوع إليها.
كانت قيادة الحزب الشيوعي قبيل الثورة قد تمرّست في النضال والتضحيات في ظروف العمل السري، وحقّقت إنجازات مهمة منها توحيد الحزب العام 1956 وقيادة انتفاضة العام ذاته تضامناً مع الشقيقة مصر ضد العدوان الثلاثي، ثم تشكيل جبهة الاتحاد الوطني التي كان للحزب دوراً فعّالاً فيها العام 1957، كما تم الاتصال بمنظمة الضباط الأحرار، ومع قيادة الثورة تحديداً من قبل رشيد مطلك (الوسيط) بين الحزب وقاسم، وعقد اتفاق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي)، بعد رفض أحزاب الجبهة قبوله عضواً فيها بسبب مواقف بعضهم من القضية الكردية.
لكن العمل العلني فاجأ قيادة سلام عادل، التي اعتادت على العمل السري، ولم يكن لديها خبرة في شؤون الدولة والإدارة، ناهيك عن الأعداد الغفيرة التي انخرطت في صفوف الحزب، وأحدثت نوعاً من الإرباك لدى القيادة، التي تصرّفت بطريقة غير موحّدة، وببرنامج غير موحّد أيضاً، بل يمكن القول دون برنامج واضح ومحدّد، وتقاذفتها اتجاهات شتى، فمن جهة هناك تيار أقرب إلى  قاسم مثّله عامر عبدالله وما سمّي "كتلة الاربعة" لاحقاً التي ضمت زكي خيري وبهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس الذي لم يكن فكرياً منسجماً مع الرفاق كما يقول آرا خاجادور في حواراتي المطوّلة معه، لكنه كان قد أبدى تحفّظات حول قيادة سلام عادل، وتيار آخر بقيادة الأمين العام سلام عادل وجمال الحيدري عضو المكتب السياسي والعدد الأكبر من اللجنة المركزية، الأمر الذي عطّل بعض قرارات اللجنة المركزية وأدخلها في صراعات جانبية كثيرة.
كان تشكيل قيادة الحزب ما بعد الثورة قد جاء من ثلاث روافد مهمة: الأول من السجون، حيث ضمّت سجناء قضوا سنوات طويلة في السجن مثل زكي خيري وعزيز الحاج وعزيز محمد وآرا خاجادور وهادي هاشم الأعظمي وبهاء الدين نوري وصادق الفلاحي وآخرين، والثاني من المنفيين الذين عادوا إلى  الوطن، مثل محمد حسين أبو العيس وعبد القادر اسماعيل وغيرهم، أما الثالث فمن المختفين عن الأنظار في "أوكار حزبية"، مثل سلام عادل وعامر عبدالله وناصر عبود وجمال الحيدري وآخرين، أي أن الجميع منقطع عن الحياة العامة، ولا علاقة له بتصريف شؤون الحكم أو الدولة، كما أن مستوى الثقافة كان متدنّياً إلى  حدود كبيرة، ناهيك عن نظرة ستالينية جامدة إلى  الحياة والمجتمع والتقدّم، كلّ ذلك أفرز تشدّداً وتطرّفاً مثلماً كان لدى القوى الأخرى، ولاسيّما من القوميين والبعثيين، بل أن الجميع شعروا أن المعركة هي معركة كسر عظم، وعليهم أن يتخلّصوا من الآخر قبل أن يتخلص منهم، أي أراد كل فريق أن يتغدّى بالفريق الأخر بدلاً من أن يتعشى به.
في هذه الأجواء لعب قاسم لعبته، فبعد تقريب الحزب الشيوعي واستثماره "ماشة نار" للقضاء على خصومه في الجيش، لاسيّما عبد السلام عارف، خصوصاً بحشوده المليونية وجماهيره الغفيرة وشعاراته الرنانة، لكنه استشعر الخوف وسعى لتحجيم دوره وإضعاف تأثيره منه لثلاثة أسباب:
السبب الأول هو تظاهرة الأول من أيار (مايو) 1959 والمطالبة: "الحزب الشيوعي بالحكم" للضغط على قاسم لتمثيل الحزب الشيوعي، ثم تنكّر واستنكر الحزب وقيادته بعد اجتماع موسع للّجنة المركزية هذه السياسة وشعاراتها. وقد رويت في مطالعتي عن آرا خاجادور ملابسات رفع شعار المطالبة بالحكم في المسيرة الشهيرة على الرغم من أن جريدة اتحاد الشعب كانت قد هيأت له منذ يوم 28 نيسان (إبريل)، ولكنه ظل شعاراً عاماً ولم تتخذ القيادة موقفاً موحداً بشأنه، بل أنها انساقت وراء الجماهير التي رفعته وبدلاً من توجيهها أصبحت تحت رحمتها (انظر : شعبان ، عبد الحسين - آرا خاجادور وزيارة التاريخ ، مقالة نشرت في صحيفة الزمان على ثلاث حلقات بين 28 و30/1/2016-  ورسالة مفتوحة إلى الراحل آرا خاجادور والمنشورة في صحيفة الزمان العراقية في 9/12/2017) .





43
سلام عادل .. الدال والمدلول وما يمكث وما يزول:
كلوا فالحزب يريدكم أقوياء
ح 2
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
من الخيار السلمي إلى الخيار العنفي
وبخصوص تغيير سياسة الحزب من الخيار السلمي إلى الخيار العنفي خلال بضعة أشهر لا تزيد على عدد أصابع اليد، سألتُ عامر عبد الله خلال مطارحتي معه في الثمانينات، إضافة إلى مقابلات عديدة معه نشرت بعضها وانتظر نشر بعضها الآخر أو ضمّه إلى الطبعة الجديدة من كتابي "عامر عبدالله - النار ومرارة الأمل - فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية"، دار ميزوبوتيميا، بغداد ، 2013، عمّا إذا كان اختيار الأسلوب الكفاحي العنفي قد تمخّض عن مؤتمر أو كونفرنس ((Conference ، علماً بأن الكونفرنس الثاني الذي عُقد العام 1956 كان قد اتخذ قراراً بالخيار السلمي، فأجاب: كانت الأمور أقلّ تعقيداً والثقة عالية وظروف العمل السري لا تسمح كثيراً بعقد مؤتمر أو اجتماع موسع لأخذ رأي القيادات والكوادر، بل إنني كنت قد كتبت رأياً بهذا الخصوص وعرضته على سلام عادل، فأبدى تأييداً وحماسةً، واقترح أن يتم تعميمه، ليصبح هذا الرأي بمثابة رأي الحزب وتوجيهاً للرفاق، وقد سعينا إلى تثقيف كادر الحزب الأساس وملاكاته المهمة بضرورة الاستعداد لكل طارئ جديد.
وكانت انتفاضة تشرين الثاني(نوفمبر) من العام 1956 بعد العدوان الثلاثي على مصر في 29 تشرين (اكتوبر) من العام ذاته ، التي شارك الحزب بقيادتها، بروفة جديدة لقياس استعداداتنا، لا سيّما الجماهيرية للنزول إلى الشوارع وقطع الطريق على القوى الرجعية فيما إذا تحرّك الجيش، وهو ما حصل يوم 14 تموز (يوليو) العام 1958، حيث كانت الكتل البشرية الهائلة، صمام الأمان لانتصار الثورة، وكان الحزب قد أصدر تعميماً داخلياً لكوادره للاستعداد للطوارئ يوم 12 تموز (يوليو)، أي قبل يومين من اندلاع الثورة.
لقد ساهم الكونفرنس الثاني 1956 في استعادة هوّية الحزب بعد توحيده، وكان التقرير الذي كتبه عامر عبدالله وبتوجيه سلام عادل وإشرافه، قد عكس ذلك، خصوصاً وقد ترافق مع جو الحماس العروبي والانتعاش القومي التحرّري وتلك كانت وراء القراءة الجديدة والتصحيحية للكونفرس الثاني للحزب الشيوعي، "المخالفة" من حيث التوجّه لسياسة الحزب عشية إعدام فهد وما بعدها، فالأمر يعود إلى أن العالم العربي شهد كلّه والعراق بشكل خاص انتعاشاً وطنياً وعروبياً، وخصوصاً قبيل وبُعيد العدوان الثلاثي على الشقيقة مصر، بتأميم قناة السويس وانطلاق أصوات تدعو لتأميم النفط وإسقاط الأنظمة القائمة.
الحزب والهوّية العروبية
 والجدير بالذكر أن الكونفرس الثاني الذي سبق انتفاضة العام 1956 ببضعة أشهر، كان قد أكّد  على هوّية الحزب العراقية في إطار محيطه العربي " لتحرير أرض العروبة من الإستعمار والتخلّف..."
ويلاحظ هنا أيضاً اللغة الجديدة  المستخدمة في الكونفرنس ووثائقه وهي لغة مختلفة عمّا ساد من خطاب طيلة الفترة الممتدة من العام 1948 ولغاية الكونفرنس الثاني العام 1956 ابتداءً من عنوان التقرير ومروراً بالعديد من مفاصله الأساسية التي أكدت على "أمّة العرب" و"الوحدة القومية" و"الوحدة العربية" و"وحدة العرب" و"ركب العروبة" و"حركة التحرّر العربي"  و"خطر الصهيونية والاستعمار" واعتبار " إسرائيل" قاعدة للاستعمار، وإن الحل العادل والجذري يكمن بالقضاء على الاستعمار وحكم عملائه وصنيعته الصهيونية المجرمة...
   بالعودة إلى التقرير الذي صدر عن الكونفرنس فقد كان عنوانه هو " خطتنا السياسية في سبيل التحرّر الوطني والقومي" فقد وردت فيه  دعوة صريحة إلى "تحقيق أمّة العرب أجمع في الوحدة القومية"، استناداً إلى أن هذا العصر هو عصر الشعوب والانبعاث القومي للأمم المستعمَرة والمضطهَدة، من أجل حق تقرير المصير.
أما أهم النقاط التي يمكن إضاءتها وهي تعكس العقل الستراتيجي لعامر عبدالله وبتوجيه من سكرتير الحزب سلام عادل وإشرافه فهي:
1-   تأييد السياسة السوفييتية بشأن مبدأ التعايش السلمي بين الدول بغضّ النظر عن نظامها الاجتماعي، حيث اعتبر الكونفرنس الثاني المؤتمر العشرين  (للحزب الشيوعي السوفييتي) "حدثاً خطيراً" فتح أمام البشرية جمعاء آفاقاً رحبة، و"علّمنا درساً ثميناً في توحيد الحركة الشيوعية والحرص على وحدة حزبنا وتعزيز قوى السلم في بلدنا..."
2-   إدانة حلف بغداد باعتباره أداة لاستبعاد الشعوب وأن هدف الغرب هو استرقاق بلدان الشرق العربي وأن نضال شعوب الشرق ضد الكتل الاستعمارية، إنما هو نضال من سبيل الاستقلال الوطني داعياً إلى الانسحاب من ميثاق بغداد الاستعبادي العدواني.
3-   أكّد التقرير على الوحدة العربية حيث جاء فيه: " إن وحدة العرب أصبحت باهرة بعد أن أزيحت السياسات الخاطئة"،  مؤكداً على " ركب العروبة الزاخر بالحيوية" معتبراً الحركة القومية العربية حركة تقدمية ديمقراطية بمحتواها وشكلها وإن الطريق إلى الوحدة التامة (المقصود الوحدة الشاملة) ينفتح على أساس زوال الاستعمار عن العالم العربي وتحقيق الإصلاحات الديمقراطية.
وفي ذلك نقد ذاتي واعتراف صريح بضرورة تصحيح مسار الحزب ومواقفه بشأن بعض الاتجاهات الانعزالية وضيقة الأفق والموقف الخاطئ من قيام "إسرائيل"، والشعارات والتكتيكات السلبية والضارة التي اتّخذها الحزب خلال تلك الفترة. وهو ما نشرته صحيفة "اتحاد الشعب" في أواسط تشرين الأول (اكتوبر) العام 1956.
4-   أكّد على ضرورة قيام الجهة الوطنية الموحّدة، باعتبارها سلاحاً في معركة التحرّر الوطني، وهي حقيقة قائمة تنشأ وتنمو وتتعزّز في نار المعارك الوطنية.
ولأول مرّة وبهذا الوضوح خاطب تقرير شيوعي رسمي "جماهير الضباط والجنود" كما دعا إلى اتحاد قوى الشعب،  مذكّراً بالشخصيات الوطنية مثل: شعلان أبو الجون ( أحد قادة ثورة العشرين) والزعيم الكردي الشيخ محمود الحفيد (الذي قاد ثورة العام 1919 في السليمانية) ومحمد جعفر أبو التمن الزعيم الوطني العراقي وحسن الأخرس وعبد المجيد كنّه من الشخصيات الوسطية العراقية ومصطفى خوشناو العسكري الكردي الذي أعدم في أواسط الأربعينيات.
5-   شدّد النقد ضد شركات النفط التي تنهب ثروة العراق.
6-   حيّا تأميم قناة السويس وانتقد حكومة نوري السعيد ومؤامراتها "السافلة" في الظلام لكسر عضد نصر القومية.
7-    شدّد الحزب في تقريره على: خطر الصهيونية والإستعمار وبعض العناصر المشبوهة.
وفي إطار نقد ذاتي جريء حذّر من " تسرّب المفاهيم الخاطئة إلى ملاكات الحزب بعد حرب عام 1948"  وذلك في إطار مراجعة أولية لم تستمر للأسف بشأن الموقف من الصهيونية و"إسرائيل". واعتبر "إسرائيل" قاعدة الإستعمار وأن الحل العادل والجذري يكمن "بالقضاء على الإستعمار وحكم عملائه وصنيعته الصهيونية المجرمة".
ولعلّ في ذلك ردًّا غير مباشر على الأطروحات الصادمة للمزاج الشعبي التي كتبها زكي خيري من السجن في مناقشة لعزيز شريف بخصوص القضية الفلسطينية وكان شريف قد انتقد مواقف الحزب والاعتراف بقرار التقسيم ونشر في جريدة الوطن التي كان يصدرها في حينها، وقد كان ردّ زكي خيري عليه بتبرير كون  " اليهود أمّة" ولهم " الحق في تقرير المصير" وأن إسرائيل " دولة ديمقراطية" مقارنة بالبلدان العربية الرجعية، لأن فيها حزباً شيوعياً علنياً ونقابات مرخّص بها.

8-   شدّد على المهمات العاجلة التي تتلخّص في تحويل السياسة القائمة من سياسة تعاون مع الاستعمار وتوافق مع الصهيونية وانعزال عن حركة التحرّر العربي إلى سياسة مستقلة، مؤكداً على التضامن العربي.
9-   وعند حديثه عن الحركة التحرّرية العربية ربطها التقرير بالمسألة القومية الكردية بالقول: هاتان الحركتان التقدميتان ضد الاستعمار وأحلافه تتضافران في سبيل التحرّر الوطني والقومي " وليس ثمة طريق في الظرف الراهن سوى طريق الكفاح مع الحركة التحرّرية العربية الصاعدة، في سبيل التحرّر الوطني والقومي لجماهير الشعب العراقي، في سبيل الوحدة العربية وتأمين الاستقلال الذاتي لكردستان العراق وفق اتحاد اختياري كفاحي أخوي يفتح أمام الشعب الكردي طريق التحرر الشامل والوحدة القومية للأمة الكردية".
 وأكّد التقرير على أن الشعب الكردي في العراق هو جزء لا يتجزأ من الأمة الكردية في جميع أجزاء كردستان التي مزّقها الاستعمار.
ودعا التقرير إلى الاعتراف المتبادل بحق تقرير المصير وبمشروعية كفاح الشعبين العربي والكردي إلى التحرّر والوحدة القوميّة، مؤكداً الأخوة العربية- الكردية.
 وكان الحزب الشيوعي قد تبنّى موقفاً متقدماً بشأن المسألة الكردية، حين دعا منذ العام 1935 إلى مبدأ حق تقرير المصير، واعتمد قاعدة الاستقلال الذاتي لكردستان العراق في العام 1956 في كونفرنسه الثاني، تجسيداً لذلك المبدأ في الواقع العملي، داعياً إلى وحدة الأكراد القومية، مثل دعوته إلى الوحدة العربية، في إطار التحالف بين الحركتين التحرريتين العربية والكردية.
جدير بالذكر أن ناصر عبود عضو المكتب السياسي في حينها يستبعد الدور المنسوب لعامر عبدالله في كتابة تقرير الكونفرنس الثاني لأنه حسبما يقول: لم يكن لا جمال الحيدري ولا عامر عبدالله في عداد اللجنة المركزية آنذاك، بل هما شاركا في الكونفرنس  الذي انتخبهم من بين الحاضرين ليكونا عضوين في اللجنة المركزية. ولا شكّ أن سلام عادل كان له الدور البارز في الإعداد، سواء للكونفرنس الثاني أم للتقرير الذي سيقدّم فيه، لكن ذلك لا يمنع من أن يكون سلام عادل قد استعان بعامر عبدالله في كتابة التقرير، وهو ما كنتُ قد أشرت إليه في كتابي عن عامر عبدالله وفي مطالعاتي عنه.
ردود أفعال واختلالات
أعتقد أن لجان التثقيف الحزبي لم تضع يوماً في جدول عملها قراءة وثائق الكونفرنس الثاني، لا سيّما بعد محاولات "ازدراء" العروبة أو تبشيعها أو حتى "تنغيلها"، لدرجة أنها أصبحت كلمة "منبوذة" أو "مرذولة"، بل أن بعضهم حاول أن ينسبها إلى الأنظمة التسلطية التي حكمت العراق، ولاسيّما بعد انقلاب العام 1963، بل وإلى  صدام حسين وحزب البعث في ممارساتهم القمعية ضد الآخرين دون أن يدرك خطر ذلك على هوّية الحزب الوطنية والقومية، في حين أن التقرير الذي صدر العام 1956 يختلف في لغته وأفقه عن التوجهات اللاحقة، ولاسيّما في ظروف الصراع ما بعد ثورة تموز/يوليو 1958.
وقد دفعت في إطار المنافسة الضيقة الشيوعية- القومية وبعض ردود الفعل السلبية إزاء قيادة جمال عبد الناصر وتحالفاته مع القوى القومية واضطهاده لليسار المصري والسوري خلال فترة الوحدة المصرية- السورية وتحالفاته مع القوى القومية ضد حكم عبد الكريم قاسم، إلى أن تسود في صفوفنا وجهات نظر خاطئة إزاء "الفكرة القومية" التي نظرنا إليها بمنظار أوروبي، في حين إن تقرير الكونفرنس الثاني الذي كتب بتوجيه وإشراف من سلام عادل وبدور مميز لعامر عبدالله وصيغ بلغة متينة وبأسلوب رشيق، كان لديه تصوراً آخر حين تحدث عن العروبة والوحدة العربية، وهو تقرير مؤيد من أعضاء الكونفرنس جميعهم، بل وكان الحزب عموماً آنذاك  قد تبنّاها!.
وبتقديري أن العودة إلى قراءة هذه الوثائق بروح نقدية منفتحة سيسهم في التعريف بجزء مهم من تاريخ الحزب من جهة، وبمنهج جديد كان قد اعتمده وكان هذا المنهج يحتاج إلى تعميقه وتطويره من جهة ثانية، خصوصاً وأن أعداء الشيوعية حاولوا استغلال بعض الثغرات المفارقة لهذا التوجه لتشويه سمعة الحزب وإظهاره بمظهر المعادي للعروبة، ولعبت بعض التوجهات الضيقة الأفق دوراً في ذلك، سواء كانت باسم "الأممية" أو من انحدارات غير عربية دوراً في ذلك، لاسيّما بالضد من التوجهات الخاطئة لبعض الجماعات السياسية باسم "القومية" أو "العروبة" التي اتبعت في إطار منهج متعصب وشوفيني، وخصوصاً من المسألة الكردية.
وكنت قد اقترحت على لجنة العمل الآيديولوجي المركزي التي كنت عضواً فيها وكان سكرتيرها كريم أحمد الداوود عضو المكتب السياسي وضمّت عضويتها مهدي عبد الكريم عضو اللجنة المركزية وأبو سمير الذي استشهد في  بشتاشان"، أن تدرج وثائق الكونفرنس الثاني ضمن البرنامج التثقيفي لعموم هيئات الحزب، لكنه لم يتسنَ لنا الحصول عليها، وأبدى مهدي عبد الكريم (أبو كسرى) ملاحظة من احتمال التوسّع بمطالبتنا بوضع وثائق المؤتمرات الثلاثة للحزب بما فيها المؤتمر الثالث المؤيد للجبهة الوطنية مع حزب البعث ضمن البرنامج، الأمر الذي قد يثير بعض الإشكالات التي نحن في غنىً عنها.
وقد تمّت الموافقة على اقتراحي بإعادة طبع كرّاس" ردّ على مفاهيم برجوازية قومية وتصفوية" الذي صدر في العام 1957  ردّاً على بعض التيارات القومية الإنعزالية  في إقليم كردستان داخل الحزب الشيوعي . وكانت لجنة العمل الآيديولوجي المركزي تشرف على إصدار نشرة " مناضل الحزب" وهي نشرة داخلية صدر منها أربعة أعداد في حينها (1982-1983)، إضافة إلى إعدادها للبرنامج التثقيفي لعموم ملاكات الحزب.
نوادر سلام عادل
وعن بعض نوادر سلام عادل وشخصيته المرحة يروي عامر عبد الله عن قدرته في التعامل مع المتغيّرات: فيقول كنّا في دمشق قبل ثورة تموز (يوليو) العام 1958، وقد ذهبنا لتناول العشاء، في مطعم في شارع بغداد مبتهجين بحريّتنا وكأننا حمامتين انطلقتا من القفص لتوّهما، ويومها كان سلام عادل منشرحاً بعد أخبار سارة عن علاقات الضباط الأحرار والتئام الحزب وتوسّع نشاطه تحضيراً للثورة المنشودة، لا سيّما بوعود عربية واشتراكية بدعمها عند قيامها بعد جهود مضنية وشروحات مطوّلة قُدِّمت للأصدقاء والأشقاء، فاعتدل في جلسته ونادى على النادل ونقّده (أي منحه)" ليرة" سورية قائلاً" جيب أي (إجلب) لنا إضافي لما يريده الشباب، ونظر إلى عامر عبد الله  قائلا: أبو عبد الله  أكو فلوس (أي يوجد لدينا نقود).. نحن "زناكين" (أي أغنياء) وهي لفتة يحبّها عامر عبد الله ، وكان يقوم بتمثيلها كثيراً، خصوصاً وأن لقاءه مع أبو إيمان (حسين أحمد الرضي- سلام عادل، أمين عام الحزب آنذاك) كان حرّاً وبدون عوائق، سواء في دمشق أو في موسكو، في حين كان يلتقيه في بغداد متخفّياً لابساً العقال والكوفية أو متنكّراً بزي آخر أو في أحد البيوت الحزبية، ويتحدّثان بهمس في ظروف العمل السري والملاحقة.
ويذكر عامر عبد الله  أنه في أحد أيام عيد الحزب أو احتفاءً بإحدى مناسباته، أولمت السيدة ثمينة ناجي يوسف (زوجة سلام عادل) طعاماً إضافياً وبنوعيات أفضل، وأنها حضّرت لهم "طبقاً من الدولمة" ودجاجاً وما شابه، الأمر الذي يُعتبر بذخاً في تلك الأيام العصيبة وظروف الحزب المالية القاسية (العام 1956 أو ما بعده) وخاطب سلام عادل عامر عبد الله  والآخرين: كُلوا فالحزب يريدكم أقوياء!!
سلام عادل في ليلة الثورة
   في مطالعتي عن وميض عمر نظمي الموسومة " وميض عمر نظمي - حالم قتلته النزاهة" (انظر: جريدة الزمان   في 23 و24 و26/10/2016)  رويت تفاصيل كيف قضى سلام عادل ليلته عشيّة الثورة، وكنت قد أوردت بعض التفاصيل التي نقلها لي عامر عبدالله، ولكنني سمعت رواية أخرى نقلها لي ابراهيم الحريري، وعاد ودوّنها في خاطراته المثيرة.
   وتنصبُّ رواية الحريري التي سمعها من مهدي أحمد الرضي الموسوي شقيق سلام عادل نقلاً عن كمال عمر نظمي، الذي كان سجيناً معه في سجن " نقرة السلمان" بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963، أن سلام عادل جاء إلى بيت كمال نظمي مساء يوم 13 تموز/يوليو/1958 دون موعد مسبق، وطرق الباب وفتح له نظمي وبعد السلام والسؤال عن الأخبار والأحوال سأل سلام عادل ، نظمي : هل يوجد بانزين كاف في سيارتك؟ فأجابه نظمي نعم، ثم طلب منه اصطحابه في جولة بشوارع بغداد في الهزيع الأخير من ليلة 14 تموز/يوليو 1958، فانطلقت السيارة لتمرّ من أمام وزارة الدفاع وتوجّهت بعد ذلك إلى منطقة الصالحية، حيث محطة الإذاعة والتلفزيون، ثم المرور أمام منزل نوري السعيد في كرادة مريم وكانت الأنوار مطفأة، عدا مصباح واحد أو اثنين فوق الباب الخارجية، التي يوجد أمامها شرطي يغالبه النعاس.
    أراد سلام عادل أن يستكشف بنفسه الترتيبات الأخيرة قبيل ساعة التنفيذ وليتأكد أن الأمور سائرة كما هو مخطط لها ولا شيء يوحي بحركة غير اعتيادية، وفي طريق العودة مرّ أمام وزارة الدفاع أيضاً، وحين وصلا إلى المنزل حاول سلام عادل النوم، ولكنه لم يستطع وظلّ يصعد وينزل ويتحرّك طيلة الليل وحتى الصباح، وحين فتح الراديو عرف أن الثورة انطلقت بتحرّك الجيش .
   أما رواية عامر عبدالله فتقول إن سلام عادل وجمال الحيدري باتا ليلة 13 و14 تموز/يوليو/ 1958  في منزل ناظم الطبقجلي في منطقة الصليخ وعلى سطح الدار بانتظار الإعلان عن الثورة وكنتُ قد حاورت عامر عبدالله مشكّكاً تصديقي للرواية التي تقول أن الطبقجلي كان صديقاً للحزب كما كان يؤكد عامر عبدالله، فعاد وكرّر  على مسامعي نعم ودليله أن سلام عادل وجمال الحيدري باتا عنده ليلة الثورة.
   قد يكون عامر عبدالله قصد إنهما كانا عنده ليلة الثورة ولكن هل استمرّا حتى الصباح أم إن سلام عادل غادر المنزل حين خيّم الظلام ليتوجّه إلى منزل كمال نظمي (المقصود ليلة 14 /تموز). ويقول كمال نظمي في حديثه مع شقيق سلام عادل إنه وسلام عادل توجها إلى دائرة البريد لإرسال برقية إلى مجلس السيادة ورئاسة مجلس الوزراء الذي أُعلن عنهما تأييداً للثورة باسم الحزب الشيوعي  وكان عامل البريد قد تردّد وقتها وخشي أن يكون في الأمر ثمة مساءلة، لكنه استلم البرقية منهما.
   قد لا تتعارض الرواية الأولى مع الرواية الثانية، فقد يكون سلام عادل قضى جزءًا من الليل في بيت الطبقجلي وبصحبة جمال الحيدري أو أنهما كانا في ليلة 13 في منزل الطبقجلي ثم افترقا ليلة 14 أو أنهما كانا سويّة ليلة 14، وبعدها افترقا وقضى سلام عادل الجزء الأخير من تلك الليلة في منزل كمال عمر نظمي بعد أن ترك بيت الطبقجلي (انظر: عامر عبدالله - النار ومرارة الأمل، مصدر سابق)
   وكما أشرنا فقد كان أول عمل قام به سلام عادل صبيحة الثورة هو إرسال برقية تهنئة إلى قيادة الثورة وتقول ثمينة ناجي يوسف إن سلام عادل بعد أن سمع البيان الأول، ارتدى بدلته لأول مرّة بعد أن ظلّ يلبس الملابس العربية الشعبية (العباءة والدشداشة والكوفية والعقال) واصطحب معه الكادر الشيوعي دلّي مريوش (ولم تقل أن كمال مظمي كان معهما) واتجه صوب بريد الأعظمية ليرسل من هناك البرقية: وكان نصّها :
   بغداد - مجلس السيادة للجمهورية العراقية
   رئيس مجلس الوزراء السيد عبدالكريم قاسم

   نهنئكم من صميم قلوبنا على خطواتكم المباركة التي وضعت نهاية حاسمة لعهد طويل من المآسي والمحن التي قاسى منها شعبنا المجاهد النبيل على يد الاستعمار وأعوان الاستعمار.
   إننا نعبّر عن تفاؤلنا بأن هذه الخطوة الحاسمة ستكون فاتحة عهد جديد، عهد حرية وتطوّر عراقنا الحبيب، وتبوؤ شعبنا البطل مركزه في الموكب الظافر، موكب العروبة المتحرّرة الناهضة المحبّة للسلام، وموكب الإنسانية العاملة من أجل تحررها وإلى الأبد من أنيار الاضطهاد والاستعمار.
   إن شعبنا العراقي، بعربه وأكراده، سيسجّل لكم بفخر جرأتكم وتفانيكم من أجل تحقيق أهدافه الوطنية الكبرى، وهو يحمي ويصون بدمائه الغالية جمهوريته الوطنية الفتية. وإنه لعلى ثقة كبرى من قدرته على القيام بهذا الواجب المقدس، ومن مساندة القوى التحرّرية العربية في جميع ديارها وعلى رأسها الجمهورية العربية المتحدة، ومن قوى الحرية والسلام في جميع أنحاء العالم وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي.
   وإن اللجنة المركزية لحزبنا الشيوعي العراقي تضع قوى الحزب إلى جانب مؤازرتكم وللدفاع عن جمهوريتنا البطلة.
سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي
14 تموز/يوليو/ 1958
(انظر: ثمينة ناجي يوسف- سلام عادل، سيرة مناضل، مصدر سابق، ص 224.)
(وقارن: عزيز سباهي- عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، ثلاث أجزاء، ج 2، منشورات الثقافة الجديدة، دمشق ، 2003، ص 277-278)








44
سلام عادل ..
الدال والمدلول وما يمكث وما يزول: ح 1

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي


   مدخل شخصي

   حين أكتب عن سلام عادل فثمة اعتبارات شخصية وعائلية، إضافة إلى علاقات شيوعية وسياسية، فكلانا ينتمي إلى النجف المدينة المعطاء والمركز الحضاري الثقافي المفتوح للعلم والأدب والفقه والدين والسياسة والتنوّع العرقي واللغوي على الرغم من طابعها العروبي وحفاظها على لغتها العربية السليمة.
   وكان عمّي ضياء شعبان صديقاً لسلام عادل ويفتخر بصداقته، خصوصاً وأنه يعتبر نفسه من "أنصار السلام" لأنه وقّع على نداء ستوكهولم الشهير الذي استهلّه عالم الفيزياء الفرنسي فريدريك جوليو كوري في العام 1950 والذي وقّع عليه ما يزيد عن 273 مليون إنسان، والذي دعا إلى حظر الأسلحة الذرية.
   وبعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 وظهور سلام عادل إلى العلن، كان عمّي ضياء غالباً  ما يحاول استثارة حفيظتنا بقوله :" إنني صديق سكرتير حزبكم" وأحياناً يمازحنا بقوله أنه سيشتكينا عمّي شوقي وأنا إلى " أبو إيمان" إذا تأخّرنا في تلبية طلباته أو قصّرنا في تأدية واجباتنا المدرسية.
    وكنّا أيضاً نعرف والد سلام عادل  السيد أحمد الرضي، كما كان نجيب ناجي يوسف  شقيق زوجته "ثمينة" صديقاً مقرّباً جداً لخالي ناصر شعبان، إضافة إلى العلاقات العائلية ومعرفتي اللاحقة بشقيقه إبراهيم وبالدكتورة إيمان كريمة سلام عادل  التي عرفتها في موسكو أواسط السبعينات والتقيتها في دمشق وكردستان حين التحقت لفترة وجيزة بقوات الأنصار الشيوعية في مطلع الثمانينات ، وأم إيمان "ثمينة ناجي يوسف" التي التقيتها في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي في موسكو وأعتزّ بها وبشقيقتها نوال ناجي يوسف وشقيقها الصديق نزار ناجي يوسف الذي استشهد في العام 1983 في كردستان في معارك جانبية مع الاتحاد الوطني الكردستاني بعد جريمة بشتاشان.
   لهذه الأسباب وغيرها فإن الكتابة عن سلام عادل ليست سهلة، خصوصاً  حين يختلط العام بالخاص والوطني بالسياسي والحزبي بالمبدئي، لاسيّما وأن وقصة استشهاده وحدها والبطولة التي أبداها في مواجهة جلّاديه حسبما اعترفوا بذلك  تكفي لأن تجعل منه رمزاً كبيراً على مختلف المستويات، سواء في شجاعته وكبريائه أو دفاعه عن المثل والقيم التي آمن بها لدرجة أنه دفع حياته في سبيلها وقد رحل وهو لا يزال في أوج طاقته وحيويته وإبداعه حيث لم يتجاوز الأربعين إلّا ببضعة أشهر.

   وإذا كان الحزب قد خسر في العام 1949 قيادة فهد فإنه نُكب بغياب قيادة سلام عادل في العام 1963، وكلاهما كانا مشروعي زعامة شيوعية ، بل ويمكن القول زعامة وطنية عراقية، لكن النظام الملكي ومن خلفه الاستعمار البريطاني حصد زعامة فهد وهي في طريقها للاكتمال والتفتّح، مثلما اقتطعت الموجة الفاشية زعامة سلام عادل الشابة وهي في طريقها إلى النضج والاغتناء، وهما قيادتان من الوزن الثقيل سياسياً وعملياً وتنظيمياً، وهو الأمر الذي عانى منه الحزب في السنوات التي تلت استشهادهما، خصوصاً وأن غالبية من تولّى موقع القيادة والمسؤولية بعد سلام عادل كان أقرب إلى الإدارات الحزبية والمسؤولين التنفيذيين باستثناءات محدودة  كعامر عبدالله مثلاً، على الرغم من أن ذلك يثير ردود فعل الآخرين من أقرانه ومجايليه مع إقرارهم بمواهبه ومؤهلاته .

   القائد لا يصنع  بقرار ولا يتكوّن بناء لرغبة أو لإملاء فراغ أو استناداً لقرار حزبي أو سياسي، وإنما تُنجبه ظروف وأوضاع، بعضها موضوعي وآخر ذاتي، وهذا مهمّ جداً لجهة كارزميته وتجاربه ومعارفه والأدوار التي لعبها في حياته والخبرات التي اكتسبها وعلاقاته مع الآخرين وقدرته على التميّز، سواء برأي مستقل أو من خلال موقعه، ناهيك عن قدرته على التراجع والتقدّم حسبما يتطلّبه الموقف الذي يجمع بين المبدئية وبين إمكانية تحقيق الأهداف بمرونة عالية، أي حسن اتخاذه القرار وتنفيذه، وتحمّل نتائجه حتى لو كان خاطئاً، ومن متطلّبات القيادة الحسم وعدم التردّد.

   على طريق الشيوعية

   ولد سلام عادل في النجف العام 1922 وهناك من يقول إنه ولد في العام 1924 وهو ما نشرته جريدة البرافدا إثر استشهاده واسمه الحقيقي "حسين أحمد الرضي الموسوي" ووالده "سيّد" معمّم يعتمر العمامة السوداء في إطار الحوزة الدينية النجفية، تخرج من دار المعلمين الابتدائية في بغداد (الأعظمية) العام 1944 وعمل معلّماً في الديوانية وكان رياضياً ورساماً ومخرجاً مسرحياً ومتذوقاً للشعر، وخلال وجوده في دار المعلمين اقترب من تنظيمات الحزب الشيوعي ثم انتمى إلى الحزب في العام 1944 على يد محمد حسين فرج الله في الديوانية، والتقى بـ زكي بسيم في بغداد، الذي اصطحبه إلى أحد البيوت السرية في الكرادة الشرقية، وهناك التقى بفهد (يوسف سلمان يوسف) أمين عام الحزب الذي أبلغه بأنه أصبح "عضواً" في الحزب وكان قد تم اختيار "مختار" اسماً حركياً له، ثم عُرف لاحقاً باسم "عمّار" وما بينهما هناك من يقول أنه استخدم اسم " هاشم" بعد عودته من لندن، حيث شارك في مؤتمر للأحزاب الشيوعية لدول الكومنولث العام 1954، ودخل لندن وخرج منها دون أن يُكتشف أمره، ولكن الاسم الذي اشتهر به وظلّ ملازماً له حتى استشهاده هو"سلام عادل".

   وصادف أن كان بهجت العطيّة في العام 1946  قد أصبح مديراً لشرطة الديوانية حيث وضع خطة لمضايقة الشيوعيين وكان قد عرف النشطاء منهم بعد مراقبة دقيقة، وربّما هي التي أهّلته لكي يحتل موقع مدير التحقيقات الجنائية لاحقاً، بل أصبح أحد الأعمدة المهمّة للعهد الملكي، وكان العطية قد أرسل في طلب سلام عادل  وجرى بينهما حوار كانت نتيجته فصل سلام عادل من وظيفته.

   حوار سلام عادل مع بهجت العطية

   تروي ثمينة ناجي يوسف التي أصبحت لاحقاً زوجة لسلام عادل وأنجبت منه إيمان وعلي وشذى، أن بهجت العطية قال له : إن أمر فصلك وصل إليّ وهو الآن معي وبإمكاني إيقاف تنفيذه، وحاول توجيه النصح له بترك الشيوعية قائلاً  : لو كنت أنت وجماعتك من الـ"فابيين" أو "الاشتراكيين الديمقراطيين" لأمكن التساهل معكم ، لكنكم شيوعيون وأنتم مشكلة مثل "جرثومة السلّ" تتكاثر بالانقسام وليست هناك وسيلة لمقاومتكم غير القوة ، وطلب منه بنبرة لا تخلو من تهديد ، تخفيف حماسه واندفاعه مخاطباً إياه : إنك تحطّم نفسك نتيجة هذا الاندفاع.
   فماذا كان جواب سلام عادل؟ فبدلاً من أن يرد على أسئلته ومطالبه بادر هو بتوجيه  السؤال لبهجت العطية مخاطباً إياه: كيف يمكن أن نُصلح الوضع؟ فأجابه العطية: ليس أنتم بيدكم إصلاح الوضع ، واستمرّ بسياسة الإقناع والتهديد (العصا والجزرة) قائلاً: عليك أن تختار وأنت شاب ذكي بحيث تخط لنفسك طريقاً جيداً ومريحاً، وفهم سلام عادل مثل هذا القول المبطّن فردّ عليه بالقول: هل تريد أن تشتريني وتساومني على شرفي وأصبح جاسوساً؟ فأجابه العطية : أنت لم تفهمني، الأمر ليس كذلك، ثم خاطب سلام عادل قائلاً ماذا لو جاء قرار فصلك من الوظيفة ؟ كيف يمكنك العيش؟
   هنا تغيّر منطق الحوار بالنسبة لسلام عادل الذي استشاط غضباً وقال له: تسألني  ماذا أعمل؟  وأنا أجيبك: لدي يدان وتقول لي ماذا أعمل؟ أبيع لبناً على الجسر، سخر بهجت العطية وردّ عليه: نعم " بلي" كم من المعلّمين رأيناهم يبيعون اللبن على الجسر؟ وأضاف تذكّر يا حسين بعد أن تذوق الجوع أني حاولت أن أجنّبك نتائج هذا الطريق ، فأجابه سلام عادل : أنت لا تحميني، بل تريد أنت أن تدافع عن معاهدة 1930 وعن الاستعمار ، فردّ بهجت العطية على سلام عادل بغضب: أنت مفصول، (انتهى الحوار).
   وكانت حملة الفصل قد بلغت نحو 100 معلم ، هذا ما قاله سلام عادل لفهد الذي طلب منه الاحتراف الحزبي براتب 6 دنانير ، لكن سلام عادل كان له رأي آخر عبّر عنه للسكرتير العام بالتالي: لقد قلت لبهجت العطية بأنني سأبيع لبناً على الجسر وأريد أن أقدم نموذجاً للمعلمين المفصولين. وهكذا اختار عمله، فاشترى منقلة وفحماً وأسياخاً وبدأ ببيع الأكباد والقلوب (الفشافيش) على قارعة الطريق في منطقة "علاوي الحلة" بالقرب من "سينما الأرضروملي" أو "سينما قدري" كما كانت تُعرف أو "سينما بغداد" لاحقاً، وكاراج السيارات المزدحم بالسوّاق وكان ذلك بصحبة رفيقه محمد حسين فرج الله الذي كان هو الآخر مفصولاً، ثم عمل في عدة أماكن منها أنه فتح دكاناً لبيع الكبة لتحضير وجبات الإفطار والطعام للعمال في ساحة الوصي ( ساحة الوثبة لاحقا قرب سينما الفردوس) ثم عمل مفتشاً لباصات مصلحة نقل الركاب وهناك قاد إضراباً للعاملين وحينها قررت الحكومة فصله مرّة أخرى.
   بعدها عمل معلماً في مدرسة أهلية  للأكراد الفيلية بتوصية من ناجي يوسف وبدعم من الحاج علي حيدر والد عزيز الحاج ، كما عمل في المدرسة التطبيقية النموذجية (دار المعلمين الريفية) وكان مبنى هذه المدرسة في الرستمية بصحبة محمد شرارة ومهدي المخزومي ومدحت عبدالله، وخلال تلك الفترة كانت قد نشأت له علاقات مع بدر شاكر السياب  وكاظم السماوي ونازك الملائكة وكان يلتقيهم في بيت محمد شرارة ولكنه فُصل من التعليم مرة ثانية في نهاية العام 1948، وكما تقول ثمينة ناجي يوسف بأن سلام عادل تعرّف في تلك الفترة على حسين مروّة الذي كان صديقاً مقرّباً لوالدها.

   ثم أُلقي القبض عليه في 19 كانون الثاني (يناير) العام 1949 وحكم لمدة ثلاث سنوات وسنتين تحت الإقامة الجبرية، وانتهت محكوميته بداية العام 1953  وقد نقل إلى سجن نقرة السلمان الصحراوي ثم إلى الموقف العام في بغداد، وكان من المفترض أن يقضي مدة الإقامة الجبرية في مدينة الرمادي، ولكنه هرب منها في اليوم الثاني لوصوله.

   انتدبه الحزب ليكون مسؤولاً عن المنطقة الجنوبية وهي تضم الناصرية والعمارة والبصرة التي كان مقرّه فيها، كما يقول كريم أحمد الداوود الذي تسلّم مسؤولية القيادة في نيسان (إبريل) العام 1953 بعد اعتقال المسؤول الأول بهاء الدين نوري (في محلة السفينة بالأعظمية مع مادلين مير زوجته وصادق جعفر الفلاحي) وذلك بعد التشاور بينه وبين ناصر عبود (المسؤول الثاني) وارتقى بعدها لعضوية اللجنة المركزية.

   زواج سلام عادل

   تزوّج سلام عادل من ثمينة ناجي يوسف التي ارتبط مع عائلتها، وخصوصاً والدها بعلاقة طيبة حميمة، وكان ناجي يوسف (الطالقاني ) شخصية وطنية وتربوية وأصبح نقيباً للمحامين في الستينات وكان يعرف نشاط سلام عادل ويتعاطف معه ولكنه في الوقت نفسه حاول أن ينبّهه للمخاطر التي تهدّده.

   وكان سلام عادل قد خطب ثمينة قبل دخوله السجن حتى أنه حين ألقي عليه القبض ودخل السجن كان خاتم الخطوبة بإصبعه، وبعد خروجه منه ارتبط بها رسمياً في حزيران (يونيو) العام 1953 وبعدها بثلاثة أيام سافر إلى البصرة مقر علمه ، علماً بأن مقتضيات السكن في بيت حزبي تقتضي وجود عائلة دفعاً للشبهات، وكانت ثمينة قد أصبحت عضواً في الحزب منذ العام 1949، وقد تأثرّت بسلام عادل منذ أن تعرّفت عليه في الديوانية، عندما كان  معلماً خاصاً لها بتكليف من والدها، وقد وافقت على الزواج منه، وتمت إجراءات الزواج الأصولية المدنية وطبقا للتقاليد الدينية المعروفة، وسافرت مع زوجها سلام عادل إلى البصرة.

   وعن زواج سلام عادل واقترانه بثمينة تقول السيدة نوّار سعد صالح أن " خاله أم نجيب" عقيلة ناجي يوسف ووالدة ثمينة اتصلت بهم ودعتهم بإلحاح إلى زيارتها في موعد محدد "دون أن نعرف السبب وذهبنا إلى بيتهم أنا ووالدتي وكنت طفلة حينها في الصف الخامس ابتدائي، وعند وصولنا عرفنا أن المناسبة هي عقد قران ثمينة على سلام عادل (حسين أحمد الرضي) وكما عرفنا فإن الموضوع كان في غاية السرية وأنه كان سجيناً وهو لا يزال مطلوباً، لكن "خاله أم نجيب" اعتزازاً بنا أصرّت على حضورنا ومشاركتها الحفل الذي لم يضمّ سوانا، وكانت هذه هي المرّة الأولى التي رأيت فيها سلام عادل بملامحه الذكية الحادة" ( حوار خاص مع الباحث في براغ 8 كانون الأول/ديسمبر 1989 ولندن 1992 وعمان 2004- انظر كتابنا : سعد صالح: الضوء والظلّ - الوسطية والفرصة الضائعة، الدار العربية للعلوم، بيروت ، 2009، ص 146).

   وكنت قد وجّهت أسئلة إلى المحامي لؤي سعد صالح كما التقيته في عمّان العام 2007 في جلسات مطولة ودوّنت فيها بعض إجاباته واستكملتها من خلال مسوّدة مذكراته التي لم تنشر، حيث اقتبست منها بعض الفقرات التي أدرجتها في كتابي المذكور، ومن جملة ما يذكره لؤي سعد صالح أن والده كان يقيم كل يوم أربعاء منتدى أدبياً يعرف باسم "مجلس الأربعاء" يتم فيه استقبال عدد من الأدباء والفنانين والمثقفين والسياسيين وغالبيتهم الساحقة من الرجال، لكن الملفت أن امرأتين كانتا تحضران المجلس وكان والدي يحترم المرأة ويحب كثيراً مناقشتها وكانت ثمينة ناجي يوسف على صغر سنّها تناقش الوالد وتحاوره، وكما كنت ألاحظ ، فقد كان والدي معجباً بمنطقها وشخصيتها، وكذلك كانت الدكتورة فاطمة الخرسان (أعدمت العام 1969) تحضر مجلس الوالد وكان يجلس معها طويلا ًويحاورها في مسائل شتى .

   وتذكر نوار سعد صالح أن ناجي يوسف وزوجته كانوا الأقرب إلى والدها ووالدتها، وتقول: وكانت الزيارات مستمرة بين العائلتين واستمرت العلاقة حتى بعد وفاة والدي، ومن المفارقة أننا عرفنا بإعدام سلام عادل العام 1963، وذلك عبر الخالة أم نجيب وقد حدثتنا عن تعذيبه وإعدامه وعن مراسلاتها السرية مع ثمينة حين كانت في موسكو. وتذكر أن إيمان الابنة البكر لسلام عادل "وهي طفلة" كانت تهدد جدّتها(أم نجيب):  إذا لم يلبوا رغبتها فسوف تقوم بإخبار الآخرين عن والدها ووالدتها، كما تقول أن والدتها أي السيدة رباب زوجة سعد صالح ، أخفت ثمينة في إحدى المرّات وقامت بتغطيتها بعباءتها ونقلتها من مكان إلى آخر بسيارتهم الخاصة، لأن رقم سيارة سعد صالح "10 كربلاء" معروف للشرطة ولم يكن يتم تفتيش سيارتهم.

   ويروي ناصر عبود أن سلام عادل كان قد تزوج في بيته المتواضع في منطقة القاهرة ببغداد وبقي فيه لثلاثة أيام وقد تم إرساله بعدها إلى البصرة لقيادة العمل الحزبي في المنطقة الجنوبية، وأصبح بعدها عضواً في اللجنة المركزية في العام 1954 دون أن يمرّ بمرحلة ترشيح .(انظر: توفيق التميمي، مقابلة مع ناصر عبود، صحيفة التآخي، 4/8/2015)

   الدولة واليسار

   لا يمكن الكتابة عن سلام عادل دون الكتابة عن جزء مهم وحيوي من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، بل وتاريخ العراق المعاصر وحين نتحدث عن تاريخ الدولة العراقية الحديثة، فلا بدّ أن نتناول تاريخ اليسار العراقي والحركة الشيوعية ولن نمرّ عليها إلّا بالخط العريض وليس مروراً عابراً.
    ولعلّ ما هو بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى هو وقفة جدّية للمراجعة الجريئة بخصوص مسيرة اليسار النضالية ودور بعض شخصياته البارزة بما فيها الشيوعية ، بكل ما لها وهو كثير وكبير  جداً، وكل ما عليها وهو ليس بقليل، وذلك بعيداً عن التقديس والتمجيد، لاسيّما حين يكون الهدف هو البحث عن الحقيقة ومعالجة ما يستلزم إزاءها. ولأن الكثير من المياه جرت تحت الجسور وإن اللحظة التاريخية لا يمكن استعادتها، لكنه يمكن قراءتها حتى وإن كانت الزوايا مختلفة، الأمر الذي يحتاج إلى قراءة تأملية ونقد ذاتي ورؤية جديدة، خصوصاً بوجود حقائق ومعطيات جديدة.
   ولعلّنا حين نكتب فإننا نحاول قدر الإمكان تجنّب ادعاء الأفضليات والزعم بامتلاك الحقيقة وهدفنا هو البحث عنها ورؤيتها خارج نطاق الآيديولوجيا والتصورات المسبقة، لذلك ليس مهمتنا غضّ النظر عن النواقص والعيوب أو التعامل في نوع من المجاملة والارتياح، ولكن بالطبع دون نسيان البطولات والتضحيات الكبيرة.
   لقد اختزلت بعض الكتابات "الحزبوية" قيمة الجانب القيادي في شخصية سلام عادل  المتميّزة وانجازاته السياسية والتنظيمية وتعاملت معها بطريقة التلقي والتلقين وخارج دائرة النقد، دون أن تمعن النظر في مدى الحيوية الفائقة التي كان يتمتع بها والمبادرات التي أقدم عليها بشجاعة وثقة، فضلاً عن كفاءاته ومواهبه التنظيمية الإبداعية، تلك التي جعلت منه قائداً حقيقياً وليس مجرد مسؤول أو موظف إداري أو مسلكي يقوم بمهمات إدارية وروتينية، وبالطبع فإن القائد الحقيقي لا ينزّه عن الأخطاء أو النواقص وهي لا تنتقص منه أو تقلّل من شأن ما أنجزه، بل على العكس تُظهر حقيقة منجزه وعلى حد تعبير الجواهري الكبير في وصف عبد الناصر :
أكبرتُ يومَكَ أن يكون رثاء
الخالدون عهدتُهم أحياءَ
لا يعصم المجدُ الرجالَ ، وإنما
كان العظيم المجد والأخطاءَ
تُحْصَى عليه العاثرات ، وحسبه
ما فات من وثباته الإحصاء

   وحين سألته  لمن  كنت تتمنّى يا أبا فرات  أن تقول هذه القصيدة لو لم تقلها لعبد الناصر؟ فقال كنت أتمنى أن يقولها أحدٌ بحقي، فلديّ من النواقص والمثالب ما لا أخشاه ولا أخفيه ، وبالطبع كان مثل هذا الاعتراف الجريء يقوم على قاعدتين أساسيتين أولاً لأننا بشرٌ والبشر بطبعهم خطاؤون على حد تعبير فولتير، وثانياً ففي أي عمل ثمة ثغرات ونواقص، لكن ذلك لا ينفي ولا ينتقص من النجاحات والمنجزات، والأمر ينطبق على الجميع فما بالك حين يتعلق بشخصية رمزية كسلام عادل الذي ختم حياته المفعمة بالعطاء ببطولة استشهاده الأسطوري.
   ونحن إذْ نكتب فذلك لأننا جزء من هذه المسيرة الطويلة والعويصة، وساهم كل منّا بدوره فيها وكل من موقعه بغضّ النظر عمّن أصاب أو أخطأ أو اقترب أو ابتعد عن قيم الشيوعية ومثلها، وتاريخ الأشخاص والحركات مهما كَبُر وصَغُر ، فقد مضى ولا يمكن إعادته، والكلام عنه يبقى مجرد اجتهادات وتقديرات واستنتاجات وهي التي تُبقي التاريخ مفتوحاً وقابلاً للإضافة والحذف ، حسبما تقتضيه الحالة وطبيعة القوى المهيمنة، فالتاريخ مراوغٌ أو ماكرٌ أحياناً حسب هيغل، وقد يعيد التاريخ نفسه ففي المرّة الأولى يظهر على شكل "مأساة" مثلما قد يظهر في المرّة الثانية على شكل "ملهاة" حسب ماركس الذي استلهم عبارته من هيغل ذاته، وهو سجال مفتوح وبلا نهاية حسب المؤرخ بيتر جيل.
إنجازات سلام عادل
وكان من أهم إنجازات سلام عادل هي تمكّنه من استعادة وحدة الحزب وتجميع قواه، خصوصاً بقدرته على استيعاب التنظيمات المختلفة وضمّها إلى الحزب مشخّصاً النواقص والأخطاء لدى جميع الفرقاء، لاسيّما بانتهاج سياسة جديدة قوامها البحث عن الجوامع والمشتركات التي تقرّب ولا تُبعّد والسعي للبحث عن نقاط مشتركة وإيجابية لدى الجميع بعيداً عن التخوين والتأثيم، وذلك حين وضع نصب عينيه إنهاء نهج الإقصاء والتفريط والعزل، وهو الأمر الذي جعل من الحزب قوة أساسية برزت خلال الانتفاضة الشعبية التي حدثت عقب العدوان الثلاثي الأنكلو فرنسي - الإسرائيلي على مصر في العام 1956 إثر تأميم قناة السويس .
جدير بالذكر أن الحزب بقيادة سلام عادل (بعد تنحية حميد عثمان)، كان قد استجمع قواه وكتله وتنظيماته المنقسمة حيث اعترف الجميع بأخطائهم بهدف توحيد الحزب وكانت منظمة راية الشغيلة قد انشقّت عن الحزب في العام 1953 ومن أبرز قياداتها آنذاك جمال الحيدري وعزيز محمد، وقد وصفتها جريدة القاعدة بأنها زمرة بلاطية (نسبة إلى البلاط الملكي) وإنها انحطّت في المستنقع والقاذورات اليمينية، متهمة إيّاها  بالانتهازية.
أما "منظمة وحدة الشيوعيين" فكانت برئاسة عزيز شريف وعبد الرحيم شريف التي ساهم عامر عبد الله بحكم صلته الوطيدة معهما في إقناعهما، والبقية الباقية بحلّ المنظمة والالتحاق بالحزب. كما انضمت كتلة داوود الصائغ  "رابطة الشيوعيين " لاحقاً  إلى الحزب، واعترف الجميع بأخطائهم في لحظة تطّهر غير مسبوقة، بما فيها التنظيم الأصلي (القاعدة) الذي اعترف أن القيادة التي اتّخذت قرارات الفصل كانت جاهلة والمقصود بذلك  قيادة حميد عثمان الذي جرت محاولات لمحاسبته وتجميده فيما بعد، وكان قد هرب من السجن ليصبح المسؤول الأول، لكنه تصرف بفوقية وبيروقراطية، ونشر بيانا باسمه، فتقرّر مساءلته وتجميد عضويته بمبادرة شجاعة من سلام عادل ساهم في تنفيذها ناصر عبود وشارك فيها حكمت كوتاني مسؤول محلية الموصل.
وكان ناصر عبود قد اصطحب حميد عثمان كما يروي من الموصل إلى بغداد واستبقي في بيت حزبي لكنه قرر السفر إلى كردستان وهناك انتمى إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني (انظر: توفيق التميمي، مقابلة مع ناصر عبود ، صحيفة التآخي، مصدر سابق).
وهكذا تم استعادة وحدة الشيوعيين بتدخّل من خالد بكداش والحزب الشيوعي السوري الذي تم الاحتكام إليه، لا سيّما بإنهاء انشقاق راية الشغيلة، وصدرت حينها جريدة "اتحاد الشعب" (السرّية)( العام 1956) لتعلن عن قيام وحدة الحزب.
ولعلّ موقف سلام عادل من وحدة الحزب وحرصه على الرفاق بغض النظر عن الاختلافات والتباينات في اتجاهاتهم، لاسّيما في المنعطفات الحادة هو ما كان حاضراً ومتداولاً بين الرفاق كجزء من الثقافة الحزبية ما بعد الانقسامات والانشقاقات المتكررة. وقد كان باقر ابراهيم وحسين سلطان يردّدان مقولته الشهيرة " إن إخراج أي رفيق من الحزب إنما هو اقتلاع شعرة من عيوني" وقد استعاداها في الثمانينات حين جرت حملة تصفيات وفصل وتفريط بالجملة يوم احتدم الخلاف بشأن قضايا فكرية وسياسية وتنظيمية ، وأهمها الموقف من الحرب العراقية- الإيرانية.
وبالطبع لم تكن حياة سلام عادل الحزبية سهلة فقد سبق أن تعرّض هو ذاته لعقوبات وتنحيات من جانب عناصر بيروقراطية وانتهازية ، ففي فترة تولي مالك سيف إدارة الحزب بتوصية من فهد أُبعد سلام عادل في العام 1948 اثر اعتراضه على الموقف الحزبي من فلسطين وبقي بصلة فردية وسُحبت بعض مهماته كما تنقل ثمينة ناجي يوسف.
وفي فترة حميد عثمان الذي تولّى إدارة الحزب في العام 1954 بعد هروبه من السجن استبعد سلام عادل من اللجنة المركزية وكان عثمان قد اتهمه بالإنحراف اليميني، ونُقِل إلى منطقة الفرات الأوسط. وحين تبلور موقف جديد لأغلبية أعضاء اللجنة المركزية ضد حميد عثمان تم استدعاءه فتسلّم دفة القيادة  في حزيران/يونيو 1955 بعد أن تم وضع اليد على مطبعة الحزب كما يذكر حنا بطاطو في كتابه الثاني بعنوان : العراق - الحزب الشيوعي ، ص 342) . علماً بأن عمله في منطقة الفرات الأوسط كما نقل لكاتب السطور بعض من عاصره مثل حسين سلطان وعدنان عباس وصاحب الحكيم ومحمد الحياوي كان متميزأً، سواءً على الصعيد السياسي أم على الصعيد الحزبي والإعلامي، وخصوصاً في الريف. وفي مطارحات خاصة في بشتاشان خريف العام 1982 كان الباحث قد وجّه أسئلة إلى كل من مهدي عبد الكريم وعبد الرزاق الصافي حول شخصية سلام عادل ودوره القيادي وموقفه من القضية الكردية ارتباطاً بالتطور الذي حصل في الموقف من القضية العربية في العام 1956 وبالتحديد بعد الكونفرنس الثاني، وعقب انتعاش حركة التحرر الوطني العربية بُعيد تأميم مصر لقناة السويس ومقاومة العدوان الثلاثي.
إن ما تعرّض له سلام عادل من بيروقراطية حزبية تدلّ على أنه باستمرار كان له رأي متميز ومستقل ونقديٌّ بما فيه إزاء القيادات ، حيث اعتاد على التعبير عن وجهات نظره،  بكل وضوح حتى لو أدى ذلك إلى خسارة مواقعه الحزبية، وتلك إحدى سماته القيادية البارزة، حيث لم يعرف المهادنة والتزلّف واسترضاء المسؤولين كجزء من الأمراض التي تفشّت في الحزب في وقت لاحق .
جدير بالذكر أن سلوك حميد عثمان اتّسم بالتهور، وعلى حد تعبير حنّا بطاطو كان يمتاز بـ " حماسة كبيرة وحكمة ضئيلة" وقد ورط الحزب الشيوعي بمواجهات مكلّفة ولا معنى لها مع الشرطة، حيث دعا للإضراب السياسي العام ثم رفع شعار الكفاح المسلح وبناء "جيش شعبي ثوري" واعتبار الريف "قلاعاً ثورية"، ويبدو أنه تأثر بالمسيرة الكبرى التي قادها ماوتسي تونغ وبالثورة الصينية.
وهكذا بدّد قوى الحزب وفرط برفاقه ورفع شعارات لم يكن الحزب قادراً على تنفيذها، فضلاً عن قراراته الفردية وأوامره الهستيرية ومبادراته المغامرة ومعاركه الانتحارية، ولهذه الأسباب أزيح من موقعه وهو ما ورد في مقتبسات من كتاب حنّا بطاطو (ج2 ص 343، وج3 ،  ص 13 وما بعدها) .
وقد شكل سلام عادل لجنة مركزية جديدة عملت هذه اللجنة لنحو عام في التحضير للكونفرنس الثاني أي من (حزيران/يونيو 1955 ولغاية 1 حزيران/ يونيو 1956) وقد ضمّت الرفاق التالية أسماؤهم:
1- حسين أحمد الرضي (سكرتيراً عاماً)
2- عامر عبدالله
3- كريم أحمد الداوود
4- فرحان طعمه
5- جورج حنّا تلو
6- محمد صالح العبلّي
7- هادي هاشم الأعظمي
8- عطشان ضيّول الايزرجاوي
9- ناصر عبود
ومنذ أيلول أي بعد انعقاد الكونفرنس الثاني العام 1956 ولغاية أيلول/سبتمبر العام 1958 ضمّت قيادة الحزب  بعض الأعضاء إلى اللجنة المركزية وأصبح عددهم 12، والأعضاء الجدد هم : شريف الشيخ ومحمد بابلي - كاكا فلاح وجمال الحيدري والأعضاء الاحتياط هم : عزيز الشيخ وصالح الحيدري وعبد الرحيم شريف وحكمان فارس الربيعي  وداود الصائغ وصالح الرازقي (المصدر السابق - حنا بطاطو، ج3، ص 18-21).
الكونفرنس الثاني والتوجّه الجديد
ومن منجزاته في تلك الفترة أيضاً عقد الكونفرنس الثاني للحزب العام 1956 والذي أقرّ سياسة جديدة بقراءة المتغيّرات على الساحة الدولية والتي رجّحت الخيار السلمي الجماهيري تأثراً بنهج التعايش السلمي الذي اتبعه الاتحاد السوفييتي وكان التقرير الذي صدر عنه يفصح عن هذا التوجه البارز.
وقد انعقد الكونفرنس في بغداد الجديدة وحضره 28 كادراً حزبياً وانتخب لجنة مركزية جديدة مضفياً شرعية جديدة على القيادة الحزبية التي ظلّ اختيارها غالباً يتم بالتعيين،  فتحت ظروف القمع أحياناً يجري إملاء الفراغ  لمن يعتقل أو لمن يضطر للخروج من دائرة النضال، ولم تكن الاختيارات موفقة في الكثير من الأحيان بسبب الظروف غير الطبيعية، خصوصاً بضعف الكفاءة  ونقص المعرفة وقلّة التجربة، إضافة إلى الارتباطات الشخصية، ناهيك عن عدم قناعة الكادر أحياناً وهناك أمثلة كثيرة لا مجال لذكرها.
وقد كان انعقاد الكونفرنس والاحتكام إلى الشرعية الحزبية في الانتخاب تطوراً مهماً حصل في ظل قيادة سلام عادل التي حاولت أن تجميع ملاكات الكادر وتوحيدها في إطار قيادة جديدة متنوّعة المشارب والاتجاهات تجمعها وحدة الإرادة والعمل والانسجام، دون تمييز بسبب ماضيها سواءً كانت مع هذه الكتلة أو تلك، وسرعان ما اندمجت المجموعات والكتل والشخصيات ، بل وانصهرت في بوتقة حزب مديد وذا حيوية كبيرة.

45
في العنف ضد الأطفال
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
   في ذروة الاجتياح "الإسرائيلي" للبنان ومحاصرة العاصمة بيروت اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الطارئة (19 أغسطس/آب 1982) قراراً يقضي باعتبار الرابع من يونيو/حزيران، من كل عام يوماً عالمياً لضحايا العدوان، ولاسيّما من الأطفال الأبرياء، فقد روِّع العالم كثرة الضحايا من الأطفال اللبنانيين والفلسطينيين خلال العدوان المذكور.
   واليوم وبمناسبة مرور 70 عاماً على قيام "إسرائيل" (15 مايو/أيار 1948) والذي تزامن هذا العام مع قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، فقد اجتاحت موجات غضب واحتجاج فلسطين من أقصاها إلى أقصاها ، وهو ما واجهته "إسرائيل" بالقمع والإرهاب الذي راح ضحيته حتى الآن   أكثر من 20.000 ضحية (بين قتيل وجريح)  معظمهم من الأطفال ، علماً بأن الغالبية الساحقة مع حركة الاعتراض والرفض كانت خارج الجدار العنصري الذي بنته "إسرائيل" لتقطيع أوصال الأرض الفلسطينية  وفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة، وزرع مستوطنات وجزر ومناطق في قلب التجمّعات البشرية الفلسطينية.
   وكانت محكمة العدل الدولية  قد أصدرت فتوى استشارية (العام 2004) بعد أن لجأت إليها السلطة الوطنية الفلسطينية، قضت بموجبها ببطلان بناء الجدار ودعت إلى تفكيكه وهدمه، إضافة إلى تعويض الفلسطينيين جراء الأضرار التي لحقت بهم.
   حين حدّدت الأمم المتحدة أهداف التنمية المستدامة ووضعت إنهاء جميع أشكال العنف ضد الأطفال واستغلالهم وإهمالهم في صلب برنامجها (2030) وقد احتفلت منظمة الأمم المتحدة للطفولة " اليونسيف" هذا العام باليوم العالمي لضحايا العدوان على الأطفال تحت شعار " العنف ضد الأطفال صفر بحلول 2030" وهو ما يستوجب عملاً دؤوبا وشاملاً على جميع المستويات الدولية وغير الدولية، الحكومية وغير الحكومية  لوقف العنف بشكل عام وضد الأطفال بشكل خاص، وذلك بإعمال الاتفاقيات الدولية بهذا الخصوص، ولاسيّما اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 وكل ما يتعلّق بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان، لاسيّما العهدين الدوليين - الأول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والثاني - الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملحقيها (بروتوكولي جنيف) لعام 1977 الأول- المتعلّق بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، والثاني - المتعلّق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية.
   ولعلّ مسألة حماية الأطفال من العنف والعمل على تأمين مستلزمات القضاء عليه، مسؤولية كبرى لا تقع على عاتق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية وحدها، بل تتجاوزها لتشمل الحكومات والمنظمات المدنية والاجتماعية والتربوية والدينية، إضافة إلى الجامعات ومراكز الأبحاث، خصوصاً وإن للعنف أسبابه الاجتماعية والاقتصادية والأسرية والنفسية فضلاً عن عدم المساواة والتمييز ونظام العقوبات والمناهج الدراسية وغيرها، كما أن أنواعه متعدّدة، فهناك العنف الجسدي والعنف الجنسي والعنف النفسي، إضافة إلى أشكال جديدة من العنف عبر الانترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من وسائل العنف الحديثة وهي ظواهر منتشرة على الصعيد العالمي وفي جميع المجتمعات تقريباً وإنْ كانت بأشكال متفاوتة.
   ومن أولى دلالات الاحتفال باليوم العالمي بوقف العنف ضد الأطفال الأولى - هو اعتراف المجتمع الدولي باستمرار هذه الظاهرة اللّإنسانية  وما تتركه من تأثيرات نفسية وعقلية وبدنية على الأطفال في جميع أنحاء العالم. وثانيها - تأكيد الالتزام بحماية حقوق الأطفال، ولاسيّما اتفاقية حقوق الطفل المشار إليها، ولعلها مناسبة للتذكير بدعوة البلدان للإنضمام إليها، وثالثها- إن هذه المناسبة جديرة بالتأمل بوضع الأطفال ومعاناتهم، ولاسيّما في البلدان النامية، حيث يذهب العديد منهم ضحايا العنف والإرهاب والنزاعات المسلحة والحروب، إضافة إلى الحروب الأهلية الطائفية والدينية والإثنية، فضلاً عن معاناتهم بسبب العقوبات الاقتصادية والأوبئة والأمراض والفقر والأمية والجهل وانتشار المخدرات، ولاسيّما بين الأحداث منهم والإتجار بهم إناثاً وذكوراً أو استخدامهم دروعاً بشرية أو غير ذلك.
   لقد قرّرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1998 تعيين ممثل خاص يُعنى بأثر النزاع المسلح على الأطفال على أمل تقليص حالات العنف ضدهم وتحسين أوضاعهم، إلّا أن عددهم تضاعف في السنوات الأخيرة، كما ارتفعت نسبة الانتهاكات  المرتكبة ضدهم في معظم مناطق  الصراع، كما تذكر العديد من المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية وهو ما تؤكده منظمة اليونسف، سواء في اليمن أو الصومال أو فلسطين أو سوريا أو العراق وغيرها، وهناك نحو 250 مليون طفل يعيشون في بلدان ومناطق الصراع يحتاجون إلى المزيد من الحماية طبقاً للقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ولاسيّما في مجال حماية حقوق الطفل.
   جديرٌ بالذكر إن الجمعية العامة للأمم المتحدة كانت قد قرّرت يوم 20 نوفمبر/تشرين الثاني العام 1954  كيوم للطفل العالمي، وكان اتحاد النساء الديمقراطي العالمي قد قرر في وقت سابق العام 1949 يوم 1 يونيو (حزيران) يوماً للطفل العالمي، ومهما اختلف موعد الاحتفال  فهو مناسبة لكي نعتبر الأطفال رمزاً بوصفه يوماً للتسامح والتضامن والتكافل والتفاهم  والبراءة والسلام على النطاق العالمي. وفي الوقت نفسه لتجديد المطالبة باحترام حقوق الأطفال ورفع التحفظات التي وضعتها بعض الدول على حقوقهم التي قررتها الأمم المتحدة.

46
المنبر الحر / الاستبداد الناعم
« في: 20:24 14/06/2018  »
الاستبداد الناعم
عبد الحسين شعبان
ذكّرتني الأزمة العراقية ما بعد الانتخابات والطعون والاتهامات التي صاحبتها، بما سبق وراج في الفكر السياسي والقانوني، «مصطلح النهايات» الذي أخذ يتردّد خلال العقود الثلاثة الماضية «نهاية التاريخ» و«نهاية الفلسفة» و«نهاية الأيديولوجيا»، وأعقبها مباشرة دعوات لمصطلح «الما بعديّات»: «ما بعد التاريخ» و«ما بعد الماركسية» و«ما بعد العلمانية» و«ما بعد الحداثة» وأخيراً «ما بعد الديمقراطية».
واستعدتُ تحذيرات المفكر الفرنسي ألكسيس دوتوكفيل قبل نحو قرن وثلاثة أرباع القرن عن بعض مساوئ الديمقراطية، والخشية على الديمقراطية من الديمقراطية نفسها، وكلّ تلك الانتقادات الحصيفة التي تعتبر «الديمقراطية أحسن نظام حكم سيّئ»، خصوصاً حين يتحوّل «حكم الأغلبية» إلى نوع من الاستبداد أو الدكتاتورية.
والسؤال لا يتعلّق بالعراق أو ببعض البلدان التي انتقلت من أنظمة الاستبداد التقليدية إلى أنظمة انتقالية لم تتوضّح معالمها بعد، حتى وإن زعمت أنها على طريق الديمقراطية، وإنما يشمل الغرب ذاته معقل الديمقراطية، بما فيه الولايات المتحدة التي حاول دوتوكفيل دراسة تجربتها على نحو عميق، فوضع كتابين كبيرين بعنوان «الديمقراطية في أمريكا».
فالديمقراطية لا تتحقق إلّا عبر منظومة متفاعلة من القوانين والأنظمة والمؤسسات الدستورية والقضائية والممارسة والشفافية والتربية، وذلك في فضاء من الحرية والمساواة والمشاركة واعتراف بالتنوّع والتعددّية، فأين نحن من كل ذلك حين يتم اختزال «الديمقراطية» بصندوق اقتراع؟ وهذا الأخير يتم الالتفاف عليه وتجري محاولات مستميتة لتغيير نتائجه والتلاعب به بوسائل تبدأ من التضليل والوعود وتمرّ بالتحريم والتأثيم باسم الدين أو بغيره ولا تنتهي بالتزوير، حيث تعقد الصفقات بوسائل ناعمة أو خشنة، بما فيها التأثير في المؤسسات المسؤولة التي يفترض أن تكون هي الحامية والمحايدة، لا مشاركة ومتواطئة.
وكان صعود قوى شعبوية يمينية متطرّفة إلى قمة السلطة في الغرب بفعل «الديمقراطية» قد نبّه إلى مخاطر جديدة، وكان المثال الأشد تأثيراً هو دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة، الذي دشّن عهده بطائفة من القضايا الّلاديمقراطية والمعادية لحقوق الإنسان بدءاً من موقفه من اللاجئين، ووصولاً إلى نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، وما بينهما قضايا تخص حياة الناس من الصحة إلى التعليم، فهل انتهت «الديمقراطية التمثيلية؟
وإذا كان انهيار جدار برلين في العام 1989 قد دفع مفكراً مثل فرانسيس فوكوياما لينظّر عن «نهاية التاريخ» ويبّشر «بظفر الليبرالية»، فماذا سيقول بعد ثلاثة عقود من الزمان، حيث تبيّن التجربة أن الديمقراطية واجهت وتواجه مأزقاً كبيراً في موطنها، الأمر الذي فجّر الكثير من التناقضات، على الصعيد الداخلي في العديد من البلدان الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، فضلاً عن الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً بعد انسحاب بريطانيا منه.
ولم تستطع الديمقراطية كبح جماح الإرهاب الذي تفشّى في جميع بلدان العالم، وأحياناً قادت إلى خيارات سيئة وسلبية جداً، ولعلّ ذلك إحدى المفارقات التي سبق ل ألكسيس دو توكفيل أن طرحها منذ أواسط القرن التاسع عشر.
وإذا كان مثل هذا التحذير قد ورد على لسان «أبو الديمقراطية» أو حامل صليبها، كما يسمّى، وكانت حينها نظاماً واعداً، فماذا سنقول نحن إزاء تجربة ولدت عليلة منذ البداية وزادت اعتلالاً خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، في ظل استشراء الطائفية والإثنية كنظام للمحاصصة يقوم على الزبائنية، واستفحال الإرهاب والعنف وتفشّي الفساد المالي والإداري واستمرار ضعف الدولة ووجود مرجعيات تحاول تجاوزها؟
لقد تنبأ دوتوكفيل منذ وقت مبكر بخطر الديمقراطية نفسها على نفسها، محذّراً من «الاستبداد الديمقراطي» الذي هو نوع جديد من الاستبداد «أشدّ مكراً» أحياناً من الاستبداد التقليدي، لدرجة أنه يبدو «جذّاباً» لكنه «أكثر فتكاً» من الأول، وهو استبداد «خفي» أحياناً مقابل «الاستبداد المعلن»، وهو استبداد يحطّم قيم الناس، خصوصاً حين تشرعنه السلطات وتعطيه توصيفاً قانونياً «دستور»أو «قانون انتخابات» أو «برلمان»، وكل هذه توظّف لتكريس الامتيازات، ناهيك عن إسهامها في التدليس وسوء الأخلاق، ويتم التبرير أحياناً باسم «حكم الأغلبية» و«إرادة الشعب» وبمعزل عن قيم الديمقراطية نفسها وبلا ضوابط كافية تمنع الارتداد والتراجع عن جوهر الديمقراطية وفلسفتها في الغاية والوسيلة. ويزداد الجدل ويتعاظم أكثر من أي وقت مضى حول جوهر الديمقراطية ومحتواها، وخصوصاً في التجارب الناشئة وفي المجتمعات الانتقالية، فهل «رأي الأغلبية» وحده هو الفيصل في الحكم على الديمقراطية؟ أم ثمة معايير أخرى، تتعلق بالمضمون وليس بالشكل؟ دون إهمال الآليات والوسائل التي هي الأخرى ينبغي أن تكون ديمقراطية، فلا غاية عادلة دون وسيلة عادلة، ولا وسيلة ظالمة توصلك إلى هدف نبيل.
الديمقراطية الحقة لا تحمي المجتمعات من الدكتاتورية الفردية أو «الأقلويّة»، بل ينبغي أن تحميها من «دكتاتورية الأغلبية»، سواء كانت هذه الدكتاتورية سياسية أو مجتمعية باسم العادات والتقاليد طبقاً لاعتبارات دينية أو طائفية أو إثنية بزعم «الأغلبية»، ولا تتحقق الديمقراطية إلّا باحترام رأي «الأقلية»، وإلّا سيكون للديمقراطية الناعمة أسنان حادة وربّما قاطعة.
drhussainshaban21@gmail.com


47
المنبر الحر / كل عام وأنتم بخير
« في: 21:13 12/06/2018  »
كل عام وأنتم بخير
أنتهز فرصة حلول عبد الفطر المبارك لأرسل إليكم أعطر التحيات وأحر الأماني متمنياً لكم النجاح والتقدم في الحياة والعمل والصحة والسعادة على المستوى الشخصي.
مع خاص احترامي وتقديري.
ع. شعبان

48
الكونفوشيوسية والخصوصية
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

كان مجرد ذكر اسم كونفوشيوس إيجابياً في الصين يعني أنك ستصنّف في خانة "الأعداء"، لأنه حسب التوصيف السائد  يعتبر "عدواً رجعياً". وهو ما جاء عليه زعيم الصين "التاريخي" المعاصر ماوتسي تونغ، في أكثر من مناسبة، وخصوصاً خلال التجمّعات الطلاّبية الغاضبة في فترة الثورة الثقافية 1965-1976.
وقد تم طي صفحات تلك الحقبة المتشدّدة، واتّجهت الصين منذ أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات  لولوج مرحلة جديدة شهدت انفتاحاً تدرّجياً، ولاسيّما على التراث التاريخي ورموزه واستلهام ما هو إيجابي منه. وهكذا أعيد الاعتبار إلى الفيلسوف كونفوشيوس وأنتج فيلماً عنه، بصفته قائدا عسكرياً موهوباً ومعلماً كبيراً للقيم الإنسانية والمثل التقدمية.
وإذا كان ثمة تحوّل في الجانب الثقافي، فلأن الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والإنسانية بشكل عام شهدت تطوراً ملحوظاً ، وخصوصاً وأن مسألة التفكير بالمستقبل والتطلّع إليه بقراءة منفتحة للتراث التاريخي الفكري والثقافي والفلسفي، كانت حاضرة جداً.
وحتى وإن بدا أن الأمر يحتاج إلى زمن لمحو ما تركته عملية التشويه والاستعداء لكونفوشيوس والكونفوشيوسية والقطيعة الأبستمولوجية مع التراث، إلّا أن التوجّه الجديد كان بمثابة صحوة للصين ترافقت مع تقدّمها العلمي والتكنولوجي وسياسة الانفتاح الاقتصادي التي اتبعتها، إضافة إلى علاقاتها الدولية الجديدة.
لقد استخدم اسم كونفوشيوس أداة مغرضة لمهاجمة "أعداء" الشيوعية أيام ارتفاع أعلام الثورة الثقافية وصخبها الذي هزّ الشوارع والميادين، ولاسيّما بملاحقة الضمائر ومحاربة التفكير الحر، تلك التي كانت ذريعة لتصفية الخصوم والمنافسين، لكنه بدا اليوم أن الاسم ذاته يعمل كأداة  إيجابية ذات بعد أخلاقي في الصين الحالية. وكانت دورة الألعاب الأولمبية التي أقيمت العام 2008 في الصين مناسبة لتسليط الضوء على أفكار كونفوشيوس، وخلال حفل افتتاح الدورة الأولمبية تمت الإشارة إلى " المنتخبات الأدبية" لكونفوشيوس، وكانت مدرسة الكادر الحزبي في شنغهاي قد أقيمت على طاولة القراءة والكتابة الخاصة بكونفوشيوس كما تم تأسيس " المعهد الكونفوشيوسي"، وقد لاحظنا مثل هذا الاهتمام خلال زيارتنا للصين في إطار  ندوة فكرية لـ "الحوار العربي - الصيني" بدعوة من  المعهد الصيني للدراسات الدولية.
ولفت انتباهي الاهتمام الكبير، بل والشغف الخاص من جانب المنظمين حين جئت على ذكر كونفوشيوس في بحثي الموسوم: "الفلسفة التاوية وصنوها الفلسفة الصوفية: وحدة الوجود والحضور بالغياب" مع أنني تلمّستُ وجود بقايا تحفّظات لدى الجيل الأكبر الذي تأثّر بنقد "الماوية" لأفكار كونفوشيوس والفلسفة الكونفوشيوسية باعتبارها ضد النظريه الماركسية وتطبيقاتها الماوية أو ضد "تصيين الماركسية".
ويبدو أن الجيل الأكثر حداثة والأصغر سنّاً يميل أكثر من سابقه إلى التلاقح بين الفلسفة الصينية القديمة والفلسفة الماركسية، خصوصاً وإن القسم الأكبر من أعضاء الحزب الشيوعي الصيني الذي يربو عددهم على 80 مليون أخذ يتخلّى عن الفكر الماوي المتشدّد مع استمرار تقديره واحترامه لشخص الزعيم التاريخي ماوتسي تونغ. وقد شاهد كاتب السطور طوابير المصطفّين الذين يرغبون في زيارة ضريحه في العاصمة بكين في ساحة تيان آن من ، التي سبق وأن شهدت احتجاجات كبيرة وصدامات مع الشرطة العام 1989 بسبب المطالبة بالمزيد من الحرّيات .
ولم يكن الاهتمام بالفكر الكونفوشيوسي حكومياً فحسب، بل إن الاهتمام المجتمعي، وخصوصاً الأكاديمي كان  أكبر بكثير، ولاسيّما من جانب المجتمع المدني، وذلك في محاولة لإضفاء الطابع الإنساني على النظام السياسي الشيوعي في الصين، والذي لا يزال يحمل ثقله المركزي.
ويكمن أحد أسباب الاهتمام بالكونفوشيوسية هو الشعور بالاعتزاز للخصوصية الصينية والانتماء إلى تراث عريق، لاسيّما بعد مرحلة عاصفة من النقد والتبشيع والتغييب، ومثل تلك الخصوصية تعني ابتداع طريق خاص ليس بالضرورة يمرّ عبر التجربة الغربية باعتبارها التجربة الديمقراطية الوحيدة على المستوى العالمي، فقد كانت هناك محاولات خلال العقد الماضي لمزاوجة الديمقراطية بالكونفوشيوسية ، والأمر لا يقتصر على التنافس الانتخابي، بل القدرة على الأداء والأهلية وشرعية المنجز التاريخي، أما ما يتعلّق الأمر بالمرونة والتواضع والعاطفة، فهذه يمكن أن تضع إطاراً ومقاربة أخلاقية للإجراءات السياسية والممارسات العملية انطلاقاً من جوهر الكونفوشيوسية وروحها.
فهل مثل هذا التوجّه سيجعل الصين أكثر قرباً من الديمقراطية الغربية أم ثمة مراجعات في إطار الديمقراطيات الغربية ذاتها؟ وهذه تحتاج إلى إعادة قراءة لأدائها، وهي التي يطلق عليها مرحلة "ما بعد الديمقراطية"، ولاسيّما بصعود الشعبوية اليمينية في العديد من بلدان أوروبا والولايات المتحدة ورمزها الأكبر هو دونالد ترامب.
ربما سيكون التوقف عند التجربة الصينية بما تحمله من امتدادات "شرقانية" على الرغم من أنها لم تخلع معطفها الماركسي القديم بعد، مفيداً لجهة مقاربة التجارب الأخرى، ولكن النجاح الكبير الذي حققته خلال العقود الأربعة الماضية كفيل بقراءة جديدة للموديل الصيني، فمن يدري ماذا سيُنتج تفاعل التجارب الكونية الأخرى؟ لعله قواعد أكثر انسجاماً وعمقاً وتلبية لمصالح الناس وحقوقهم، والمهم هو أن الخصوصية يمكن أن تكون عاملاً إيجابياً في رفد الكونية، مثلما تعطي هذه الأخيرة نفحة منعشة للخصوصية.


49
«الهولوكوست» وما يخفيه النفاق
                     
عبد الحسين شعبان
لا شيء يُرضي «إسرائيل»، فلا إنكار أو التقليل من صدقية روايتها بشأن «الهولوكوست»، ولا حتى الإقرار بها يُشفي غليلها، إذْ لا بدّ من الاعتراف بفاتورة حساب تبقى مستمرة مع الزمن، وقد أقدمت ألمانيا منذ عقود من الزمان على دفع تعويضات بمليارات الدولارات، وفعلت سويسرا ذلك تحت بند ودائع ضحايا الهولوكوست «النائمة» في مصارفها.
وقد صوّت البرلمان البولوني مؤخراً بالأغلبية على قانون «يجرّم من يشير أو يحمّل بولونيا أية مسؤولية عن التخلّص من يهودها» (حوالي ثلاثة ملايين) خلال الاحتلال النازي لها. وقد أثار هذا القرار حملة ««إسرائيلية»» عنيفة للضغط على الرئيس البولوني أندري دودا لثنيه عن المضي في إقرار القانون، لأن «إسرائيل» تريد من الجميع الشعور بالذنب وتحميلهم المسؤولية، عن جرائم الإبادة الجماعية تلك، وفي الوقت نفسه الحصول على تواطئهم على ممارساتها العدوانية وانتهاكها لحقوق الشعب العربي الفلسطيني.
وكان إيغون ردليخ عضو المنظمة الصهيونية «ماكابي هاكير» قد كشف في مذكراته التي عُثر عليها في مدينة غودوالدوف (التشيكية) العام 1967 بعد إعدامه في العام 1944، حين كان معتقلاً في معسكر أوستفيز، عن تعاون اليهود مع النازية في إرسال بضع عشرات من المتموّلين اليهود والقيادات إلى فلسطين، مقابل إرسال مئات الآلاف من اليهود إلى معسكرات الموت. وقد تسنّى لكاتب السطور زيارة هذا المعسكر المُرعب في خريف العام 1969 والذي يبعد عن مدينة كراكوف البولونية نحو 70 كيلومترا، واستمع إلى بعض الشهادات وقرأ الكثير عنه وعن معسكرات الاعتقال تلك في وقت لاحق.
ولكن ما الذي حصل ليتّخذ البرلمان البولوني مثل هذا القرار في هذا الوقت بالذات، حيث تتوجّه الأنظار إلى قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الهادف نقل السفارة الأمريكية إلى القدس؟. ويبدو أن هناك دولاً بلقانية حاولت هي الأخرى التنصّل عن مسؤولياتها، بشأن «محرقة اليهود» وذلك في سعيها للحصول على «براءة ذمة» من «إسرائيل» وتحسين علاقتها معها.
فكرواتيا، وعلى الرغم من امتناعها عن التصويت على مشروع القرار الخاص بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، إلّا أنها أقدمت على التوقيع على صفقة سلاح مع «إسرائيل» للحصول على طائرات «أف 16»، علماً بأنه كان يوجد في كرواتيا معسكر اعتقال هو الأكبر خارج ألمانيا النازية هو معسكر «ياسنوفيتش» ويُعرف «أوستفيز البلقان». وكانت صربيا ذاتها قد احتفلت باليوم العالمي «للهولوكوست» باستذكار العلاقة التاريخية باليهود تملقاً واسترضاء ل «إسرائيل».
أما الحالة في ألبانيا وكوسوفو، فالأمر مختلف لكون المسلمين يشكّلون الأغلبية في البلدين، ومن المفارقة أن يكون عدد اليهود قد ازداد في ألبانيا في نهاية الحرب عمّا كان قبلها، وهو ما يوثقه الباحث السوري محمد الأرناؤوط الخبير بالشؤون البلقانية، ولكن الأمر مختلف بالنسبة لكوسوفو التي احتلتها إيطاليا الفاشية العام 1939. وحين يستذكر الكوسوفيون اليوم ما تعرّض له اليهود، فإنهم يربطون ذلك بحملة الإبادة التي تعرضوا لها من جانب صربيا عامي 1998-1999، وكم كان جديراً بهم لو استحضروا ما يتعرّض له الفلسطينيون يومياً من قمع وأعمال إبادة.
يمكن القول إن مواقف الكثير من القوى البلقانية في السلطة وخارجها، مثلما هي مواقف الدول الاشتراكية السابقة التي كانت متعاطفة مع العرب ومؤيدة لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، انقلبت رأساً على عقب عشية وبُعيد انهيار جدار برلين العام 1989، فأعادت علاقتها مع «إسرائيل» التي ظلّت مقطوعة منذ العام 1967، ومنحتها حظوة باعتبارها «الدولة الأكثر رعاية»، وهو ما يعكس حقيقة «اللوبي اليهودي» الذي عمل كقوة ناعمة في هذه البلدان.
وكان كاتباً يُدعى ييرجي بوهاتكا (واتّضح لي أنه اسم مستعار وظلّ لغزاً حتى الآن) قد كتب 4 حلقات في مجلة المنبر (المنصّة) في العام 1975 حول علاقة الصهيونية بالنازية، ولفتت إحدى المستشرقات نظري إليها، فقمت بترجمتها وإعدادها للنشر، في 5 حلقات في «مجلة الهدف» الفلسطينية، ثم نشرتها بكرّاس بعنوان «مذكرات صهيوني» في العام 1986، ورويت قصتها في مقالة نشرتها عن جورج حبش زعيم الجبهة الشعبية عند وفاته في العام 2008، حيث كان بوهاتكا قد أعدّ كتاباً للنشر في براغ، وقام باستلام مكافأته وأشرف على طبعه وتدقيقه، لكن الكتاب اختفى قبل يومين من إصداره، وكان بعنوان «النشاط الصهيوني في الدول الاشتراكية».
وخلال فترة البريسترويكا وما بعدها برز النشاط اليهودي، سواء بالهجرة اليهودية من الاتحاد السوفييتي السابق ودعم «إسرائيل» بالعنصر البشري، أو بحلّ اللجنة الاجتماعية السوفييتية لمناهضة الصهيونية التي أسسها الرئيس أندروبوف العام 1983، أو بالدور المريب في روسيا لاحقاً، وكان باكورة ذلك مقتل ي. يفسييف العالم السوفييتي المناهض للصهيونية في العام 1990 في ضواحي موسكو.
drhussainshaban21@gmail.com




50
حين تفعل الثقافة فعلها

عبد الحسين شعبان
لم تكن مدينة أصيلة، ذات الطراز الأندلسي قبل أربعة عقود من الزمان وبالتحديد في العام 1978، سوى إحدى «مدن» المغرب الساحلية المحدودة السكان والمساحة التي تستلقي بطريقة أقرب إلى العزلة على شواطئ المحيط الأطلسي، لكنها بفعل عمل مثابر وإصرار أكيد وإرادة واعية وعقل مستنير، أخذت تزهر مثل شجرة اللوز حين يلامسها هواء منعش، لدرجة أن أصيلة تنتظر موسمها الثقافي بفرح غامر مثلما تنتظر الأرض العطشى المطر في موسم الصيف، فتزهو به المدينة الممتزجة بألوان البحر والشمس الذهبية، حيث تكون مستعدة لاستقبال زوارها من مغرب الوطن العربي الكبير ومشرقه، ومن ضفتي المتوسط والمحيط الأطلسي وعلى امتداد أوروبا والعالم كلّه، وكأنها تدعو الجميع إلى وليمة شهيّة للفكر والفن والأدب والثقافة بكل أجناسها.
وبالتدرّج والتراكم اندغم الموسم الثقافي للمدينة المفتوحة ليتفاعل مع برنامج التنمية لها ولعموم البلاد، حيث تم تأسيس بنية تحتية وإنشاء مرافق عمرانية تكون قادرة على استيعاب هذا التطوّر، لترتدي المدينة حلّتها الموسمية، بما فيها من رمزية ثقافية ومدنيّة، وكأنها معرض مفتوح في الهواء الطلق يزورها عشرات الآلاف من المثقفين والسيّاح كل عام.
هكذا تحوّلت «المدينة» التي عُرفت قديماً باسم «أزيلا» أو «أرزيلا» أو «أصيلا»، لتستقر على اسم «أصيلة» إلى صرح حضاري جاذب وواعد. وكانت قد تأسست قبل ما يزيد على ألفي عام من الزمان، وشهدت ألواناً مختلفة من الهجرات والسلالات والأديان، حيث استعادت مجدها التاريخي والاستراتيجي والتجاري، مجددة ذلك بموسمها الثقافي، بفضل أحد أبرز رموز الثقافة والدبلوماسية والإدارة الذي كان لإصراره الدور الأكبر في أن تنتقل أصيلة من «قرية» معزولة وربما منسيّة إلى حاضرة مدنيّة يُشار إليها بالبنان.
حين عاد محمد بن عيسى إلى المغرب بعد انتهاء عمله في الولايات المتحدة، قرّر أن يخدم مدينته ومسقط رأسه، ففكّر بإنعاش العمران بالثقافة والثقافة بالعمران، وهكذا انعقد رباط وثيق بين الاثنين، فكلّما كانت المدينة تتطوّر عمرانياً، كانت مكانتها الثقافية والحضارية تزداد أهمية حتى غدت أحد معالم المغرب المهمة، وهي ملتقى سنوي للحوار وتبادل الرأي والاستئناس بوجهات النظر لنشر ثقافة السلام واللّاعنف وبحث وتحليل قضايا التعصّب والتطرّف والغلو والإرهاب، وفي الوقت نفسه التفكير في البدائل: التسامح والإقرار بالتنوّع والتعددية والاعتراف بالآخر وحقه بالاختلاف، وإحياء قيم العدل والجمال والخير، عبر التواصل والتفاعل والاجتماع الإنساني، لاسيّما بالفن والأدب والفكر والثقافة بكل فروعها وأغصانها، وتلك هي رسالة أصيلة «الأصيلة».
حين تتوغّل في «المدينة» وأنت قادم من مدينة طنجة التي لا تبعد عن أصيلة أكثر من 40 كيلومتراً يواجهك البحر بزرقته المميّزة، وكأن لون الفيروز انطبع عليه أو أنه انطبع على الفيروز ليأخذ لونه، وكما يقول الشاعر الجواهري في غزله ببراغ:
«أعلى الحسن ازدهاءً وقعت/ أم عليها الحسن زهواً وقعا؟»
ولعلّ أول ما يلفت انتباهك أن منازل المدينة متّشحة بالبياض وملفّحة بالزرقة هي أيضاً، وذلك في إطار تناسق جميل، يضاف إليه جداريتها المزيّنة برسوم فنانين تشكيليين من مدارس وأجيال مختلفة، وحين تسير في دروبها الضيقة وفي الأحياء القديمة تشاهد الأسوار العالية المحاطة بها، وفي كل ذلك ثمة أمر يدعوك للتأمل، وهو نظافة المدينة والهواء العذب حتى في أيام الصيف الحارة، علماً بأن مناخها معتدل ومطير باستثناء فصل الصيف، حيث يكون جافاً نسبياً. أما البيئة فغدت مصدر اهتمام المسؤولين والناس على حدّ سواء، حيث تتميّز البيوت والأزقة بواجهات جميلة مغروسة بالنباتات والورود، وتحرص بلدية «المدينة» ومهندس فكرة موسم أصيلة الثقافي رئيسها، على أن ترتدي ثوبها الأخضر.
وقد خلّدت المدينة أسماء زوارها ومريديها من كبار المثقفين، ومنهم الشاعر العراقي بلند الحيدري والروائي السوداني الطيب صالح وتشكايا أوتامسي الشاعر الكونغولي والشاعر الفلسطيني محمود درويش والمفكر المغربي محمد عابد الجابري والشاعر المغربي وابن أصيلة أحمد عبد السلام البقالي والشاعر والأديب المغربي محمد عزيز لحبابي وغيرهم.
منذ أربعة عقود من الزمان بدأت مكانة أصيلة تزداد أهمية بالترافق مع مهرجانها أو موسمها الثقافي المفتوح، حيث يحجّ إليها سنوياً عشرات من المثقفين الكبار، ويحرص مئات من الفنانين والأدباء الشباب على زيارتها. وفي هذا العام يطفئ موسم أصيلة السنوي 40 شمعة من عمره وهو عمر النضج، حيث يعتبر أحد أكثر وأهم المهرجانات الثقافية المعمّرة، إذا أخذنا بنظر الاعتبار «مهرجان المربد» (العراق) و«مهرجان الجنادرية» (المملكة العربية السعودية)، و«مهرجان البابطين» (الكويت)، وهو مثل كل عام مناسبة حيوية تنبض بالحياة، وخصوصاً في دينامكيتها الثقافية أدباً وموسيقى وغناءً وفنوناً: رسماً ونحتاً ومسرحاً في أجواء مشبعة بالحرّية وثقافة السلام والتنوّع والتعددّية.
drhussainshaban21@gmail.com



51
حين يختل العمل السياسي
عبد الحسين شعبان
غالباً ما تجنح الحركة السياسية حين تكون خارج السلطة في البلدان النامية، ومنها البلدان العربية، إلى رفع أكثر الشعارات جذرية، ورنيناً، فهي تبدأ من «إسقاط النظام»، من دون أن تأخذ في الاعتبار توازن القوى، أو تحسب حساباً للظرف الموضوعي، والذاتي، فإمّا أن تضخّم من إمكاناتها الذاتية، وإما تقلّل من إمكانات خصمها، وقد يقودها ذلك إلى «حرق المراحل»، لأن «التغيير» لن يتحقق من دون حصول التراكم المطلوب والتطوّر التدرّجي وتلبية المطالب التي تخصّ الناس وصولاً إلى الهدف الأساسي.
وإذا كان المبرّر أن الأنظمة لا تستجيب للمطالب الشعبية، وتدير ظهرها للإصلاح، وتعزف عن التغيير، وترفض الحوار مع الفاعليات والأنشطة السياسية غير الحاكمة، فإن ذلك لا ينبغي أن يدفعها إلى التشدّد، والتطرّف، والعنف، لأن اللجوء إليه يقود إلى العزل والعزلة حتى من لدن أوساط تتّفق معها حول قضايا الإصلاح والتغيير، كما أنه ليس مبرراً التعاون مع قوى خارجية، مهما كانت تسمياتها، بحجة عجزها عن تحقيق مطالبها وحدها.
إن ازدراء المطالب الاحتجاجية، واستصغارها، والاستخفاف بها، والقفز مرّة واحدة إلى القضايا الكبرى والأهداف الاستراتيجية، هي التي تجعل الخلل في العمل السياسي ظاهرة شائعة، لاسيّما في استسهال رفع الشعارات الصاخّبة، فتبليط شارع، أو بناء مدرسة، أو إنشاء مستوصف، أو مستشفى في حي، أو ضاحية، أو خفض الضرائب، أو توسيع مجالات الاستفادة من الضمان الاجتماعي والتقاعد والعناية بالمسنين وحماية الطفولة والأمومة، وتعزيز حقوق المرأة، وإيجاد فرص عمل للشباب، وكل ما يتعلق بتحسين مستوى المعيشة، هي هموم مطلبية وجزئية، ولكنها أساسية لسير عجلة الحياة، وهي التي ينبغي أن ينشغل بها العمل السياسي العربي في مختلف البلدان، بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي، لأن مهمة تحسين الحياة المادية والروحية للإنسان، تبقى مطالب يومية متراكبة، ومتخالقة، ومتطوّرة، تنمو باستمرار وتتشعّب وتتسع، وتحتاج من جانب السلطة ومعارضتها والمجتمع المدني وأصحاب الأعمال، إلى التعاون لتلبية ما هو ممكن منها ضمن خطط تنموية مستدامة.
إن أي تطوّر يحتاج إلى تراكم، حتى إنْ كان بطيئاً، لاسيّما في مجالات أساسية، مثل: التعليم، والصحة، والخدمات، والعمل، والضمان الاجتماعي، ومجال الحريات والحقوق، وعكس ذلك فإن البلدان التي حاولت اختزال التطوّر بانقلابات وثورات وتغييرات سريعة، وبالقوة، أو عبر الوسائل المسلحة والعنفية، بغض النظر عن اضطرارها بسبب تشبث الأنظمة السياسية، وصلت لاحقاً إلى طريق مسدود حتى إن حقّقت مكتسبات مرحلية لا يمكن الاستهانة بها، لكنها ارتدّت على أعقابها لاحقاً، الأمر الذي أضاع سنوات من التنمية، وعطّل المسار التدرّجي والتاريخي لها.
وإذا تمكّنت تلك البلدان عبر الثورات من إحداث نمو اقتصادي وتطور في مجالات صناعية وزراعية عدة، فإنها اصطدمت لاحقاً بعقبات كبرى، خصوصاً في الجوانب المدنية والسياسية والإنسانية، وتجربة البلدان الاشتراكية، وأنظمة ما أسميناه «حركة التحرر الوطني» خير دليل على ذلك.
إن الأهداف الكبرى هي أهداف عادلة ومشروعة، لكنها ليست يومية، أو آنية، أو راهنية، إلّا إذا استثنينا تحرير الأراضي، وصدّ العدوان، وتحقيق الاستقلال، وحق تقرير المصير، لكن ذلك لا يمنع من وضعها ضمن البرامج المستقبلية، فالملحّ والضروري الذي لا يقبل التأجيل، هو تحسين حياة الناس، وإيجاد فرص عمل، والقضاء على الأميّة، وتأمين المستلزمات الضرورية للصحة والبيئة، ومكافحة الفساد المالي والإداري، ومواجهة التعصّب والتطرّف، والعنف، وتحقيق التعايش السلمي والمجتمعي.
ويحتاج الأمر إلى إصلاح نظم الحكم والإدارة، وتعزيز وتطوير حكم القانون الذي يقول عنه مونتسكيو «إنه مثل الموت، لا يفرق بين الناس»، خصوصاً بوجود قضاء نزيه ومستقل، وإجراء مصالحة حقيقية بين السلطات الحاكمة وشعوبها، بضمان الحقوق الجماعية والفردية، وتلك مسؤولية مشتركة وإن كانت درجاتها متفاوتة، ولكن شراكة المجتمع المدني ورقابته مسألة في غاية الأهمية، لاسيّما مساهمته في صنع القرار، وفي تنفيذه، كما أن من واجبه أن يتحوّل إلى «قوة اقتراح»، وليس «قوة احتجاج»، فحسب.
ولعل مناسبة الحديث هذا هو انعقاد «مؤتمر فكر 16» الموسوم «تداعيات الفوضى وتحدّيات صناعة الاستقرار» الذي نظّمته «مؤسسة الفكر العربي» في دبي، والذي خصّص أحد جلساته لمناقشة «اختلال آليات العمل السياسي»، خصوصاً حين يتم اللجوء إلى العنف لحلّ الخلاف بين الحاكم والمحكوم، تلك التي ستلحق ضرراً بالمجتمع ككلّ، لاسيّما وإن دورات العنف، والفعل ورد الفعل إذا ما استحكمت بالمتصارعين فإنها ستزرع ألغاماً يمكن أن تنفجر في كل لحظة لتدمّر ما بنتّه سواعد الأجيال، وهو ما كان محط مراجعة مهمة من عدد من المسؤولين، وأصحاب القرار، وقادة الفكر والأكاديميين في هذا المؤتمر. تلك المراجعة التي تحتاج إلى حوار مجتمعي ومن موقع نقدي لرسم مشروع نهضوي عربي جديد لإنسان عربي جديد وثقافة جديدة، وهو العنوان الأساس لمؤتمر "فكر" هذا العام.


drhussainshaban21@gmail.com


52
سكريبال والحرب الدبلوماسية
                     
عبد الحسين شعبان
لم يشهد العالم منذ انهيار جدار برلين العام 1989 أزمة دبلوماسية كبرى مثلما هي أزمة تسميم الجاسوس الروسي المزدوج سيرجي سكريبال، وابنته يوليا، في مدينة سالزبري بجنوب بريطانيا. وتذكّر هذه الأزمة التي نشبت بين روسيا وبريطانيا، بأزمة الصواريخ الكوبية في العام 1962. ومثلما اصطف الغرب حينها مع واشنطن، فإنه يقف الآن خلف لندن، في حين تحاول روسيا مواجهته بمحور روسي - صيني - إيراني، وتسعى لاستمالة تركيا على خلفية ردود فعل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إزاء الانقلاب العسكري الفاشل في العام 2016، وتوتر العلاقة مع الغرب بشأن الموقف من الأكراد في سوريا.
سكريبال إذاً، هو «كلمة السر» لحملة جديدة من الحرب الباردة التي كانت تعتمل مثل النار تحت الرماد في إطار مواجهة غربية شاملة مع الكرملين، وزعيمه فلاديمير بوتين الذي فاز بولاية رابعة بعد أسبوعين من اندلاع الأزمة مع بريطانيا إثر حادث التسمّم في 4 مارس/ آذار 2018. وعلى الرغم من عقد منظمة حظر الأسلحة النووية التي مقرّها لاهاي جلسة في 4 إبريل/ نيسان الجاري لمناقشة القضية وعقد مجلس الأمن الدولي جلسة أخرى في اليوم التالي، لكن الادعاءات والاتهامات المتبادلة ظلّت مهيمنة على الموقف.
ثلاث تطورات جديدة تستحق التوقف عندها منذ اندلاع الأزمة:
أولها- مشاركة فرنسا في التحقيقات، حيث تساءلت موسكو على أي أساس تم إشراكها في الجانب التقني الذي أصيب به مواطنان روسيان، وما علاقتها بحادث وقع على الأراضي البريطانية؟ وما هي القواعد التشريعية الإجرائية التي تسمح لدولة أجنبية بالتدخل في تحقيق داخل المملكة المتحدة؟ في حين أن طلبها المشاركة في التحقيق لم يُلَب.
وثانيها، أن المختبر البريطاني لم يستطع التأكّد من المصدر الدقيق لغاز الأعصاب الذي أطلق عليه «نوفيتشوك»، لكنه قال إنه من الصنف الذي يستخدم عسكرياً، وإنه مادة سامة جداً، وحسب مركز الأبحاث الدفاعية (بورتون داون): لا يوجد دواء (ترياق) مضاد يمكن استخدامه لإلغاء تأثيرها.
وثالثها- مذكرة وزارة الخارجية الروسية المرسلة إلى نظيرتها البريطانية التي تضمنت 14 سؤالاً (31 مارس /آذار/2018)، بشأن توضيح سبب حرمان روسيا من حق وصول قنصلها إلى اثنين من مواطنيها المصابين على الأراضي البريطانية، كما طلبت توضيح الدواء الذي استخدم لمعالجتهما، وكيف حصل عليه الأطباء البريطانيون؟
وهكذا أخذت القضية تتدحرج مثل كرة الثلج، حيث ارتفع منسوب حدّة التوتر والصراع بين موسكو ولندن، وبين الأولى والغرب عموماً، وإنْ كانت أسباب أخرى لا يمكن إهمالها، منها: الدور الروسي الجديد في الشرق الأوسط، ولاسيّما في سوريا، إضافة إلى أوكرانيا ودول شرق أوروبا التي خلعت المعطف السوفييتي لترتدي طقم حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وكان سكريبال أدين في روسيا في العام 2006 بتهمة التجسس لمصلحة بريطانيا. وقد حُكم عليه لمدة 13 عاماً، ولكن أطلق سراحه بعد أربعة أعوام، ولجأ إلى بريطانيا في إطار صفقة لتبادل الجواسيس مع الولايات المتحدة. وقد حملت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، على روسيا واتّخذت طائفة من الإجراءات ضدّها، من أبرزها طرد 23 دبلوماسياً، وإعلانها عدم مشاركة وزراء، أو أفراد من العائلة الحاكمة، في كأس العالم الذي ستستضيفه روسيا في صيف العام الجاري 2018، فضلاً عن تجميد أصول الدولة الروسية في بريطانيا.
وردّت روسيا بالمثل، فقامت بطرد عدد مساوٍ لما أقدمت عليه بريطانيا (23 دبلوماسياً). لكن هذا الحادث لم يقتصر على الدولتين، بل امتدّ ليشمل الغرب، حيث قامت 29 دولة بطرد 145 مسؤولاً روسياً تضامناً مع بريطانيا، وكانت ردود فعل موسكو لا تختلف عن رد فعلها على بريطانيا فأعلن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف: إن بلاده قرّرت طرد 60 دبلوماسياً أمريكياً ردّاً على قرار واشنطن طرد الدبلوماسيين الروس، كما أقدمت موسكو على إغلاق القنصلية الأمريكية في مدينة سان بطرسبرج، وسلّمت موسكو خطاب احتجاج للسفير البريطاني لوري برستو، اعتبرت ما قامت به لندن يمثّل «إجراءات استفزازية».
جدير بالذكر أن روسيا نفت عن نفسها تهمة تصنيع المادة السامة وحاولت التقليل من أهمية الجاسوس المزدوج، وإلّا لما أطلقت سراحه، واتهم لافروف بريطانيا وشركاءها بممارسة «ألعاب صبيانية»، «تتجاهل كل قواعد السلوك المقبولة».
ولم يكتفِ الروس بذلك، بل روّجوا بضع مقولات من شأنها أن تُلقي الكرة في الملعب البريطاني، منها أن بريطانيا تعيش «وضعاً غير مريح» وجدت نفسها فيه بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، وأن هذه الحادثة ليست الأولى، فهناك عدد من الاختراقات للأمن البريطاني شملت عدداً من الروس، وأنه لا وجود لأدلة قاطعة تؤكد على التورّط، الأمر الذي يلقي بالمزيد من ظلال الشك والغموض على الحادث، فضلاً عن التباساته وتداعياته. وأخيراً أيمكن أن يكون طرفاً ثالثاً مستفيداً وراء هذه الجريمة، كما نقول في القانون الجنائي؟
drhussainshaban21@gmail.com



53
«ثقافة السلام» و«سلام الثقافة»
                     
عبد الحسين شعبان
مثلث مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين، وجهاً مشرقاً للثقافة العربية، فهي لم تقتصر على الشعر فحسب، بل ساهمت في الانفتاح على الثقافات العالمية، ولاسيّما حين عملت مع منظمات دولية مرموقة لنشر ثقافة السلام من خلال إيجاد أرضية مشتركة للحوار والتواصل الإنساني. وسعت باستمرار لتقديم الوجه الإيجابي للعرب والمسلمين، ولاسيّما الصورة المتسامحة والمعتدلة.
والمتتبع لحركة الثقافة الكويتية يشعر بالاعتزاز، فقد كانت الكويت حتى قبل استقلالها مهجوسة بالثقافة وبالحداثة، ومنذ أواسط الخمسينات اتجهت لاستقطاب أدباء ومفكرين ومثقفين عرب. وكان تأسيس «مجلة العربي» وفّر زاداً معرفياً مهماً تغذّى عليه جيل متلهف للمعرفة والعلم والثقافة، وعلى مدى عقود ساهمت هي ومجلات أخرى تختص بالفكر والثقافة العالمية والفنون والإبداعات والمسرح والترجمة في تخصيب أرضية ثقافية إيجابية، للتواصل والتفاعل بين المثقفين العرب.
مناسبة الحديث هذا هو انعقاد الدورة الحادية عشرة لمهرجان البابطين، حيث أعلن فيها تأسيس «مركز البابطين للثقافة العربية» في جامعة لايدن الهولندية التي تأسست في العام 1575 وتقرّر أن يعقد «منتدى البابطين العالمي للسلام» في العام المقبل 2019 بالتعاون مع الأمم المتحدة، في إحدى المدن العالمية التي ترمز للسلام، وذلك بحدّ ذاته إحدى رسائل السلام الثقافية للعالم.
جدير بالذكر إن عبد العزيز البابطين كان قد تقدّم بمبادرة للسلام، وصدرت في كرّاس بعنوان «تأملات من أجل السلام» قدّم له وزير خارجية مالطا الأسبق ورئيس برلمانها الفخري مايكل فريندو، وتضمنت سبع قواعد من أجل السلام ووسائل تحقيقه.
وتمثل المبادرة نداءً ضميرياً ووجدانياً باعتبار السلام قيمة إنسانية عليا، وهدفاً لا بدّ من العمل على تحقيقه وأسلوب حياة، في الوقت نفسه ينبغي اعتماده لنبذ العنف وكل ما يتعلّق بسياسات إملاء الإرادة واستخدام القوة أو التهديد بها لفرض الهيمنة أو الاستقواء على الآخرين تحقيقاً لرغبات أنانية ضيقة.
إن مبادرة السلام الثقافية العربية تعكس الاهتمام الحيوي والرغبة الصادقة في الإقرار بالتنوّع والتعددية والاعتراف بالآخر بغض النظر عن معتقده ودينه وقوميته وجنسه ولغته ولونه وأصله الاجتماعي، ولن يتحقق ذلك سوى من خلال الحوار الصريح والصادق على أمل تحقيق السلام بين الدول والشعوب، وفي داخلها أيضاً، فالسلام حاجة إنسانية ماسّة وضرورية لبني البشر، ولا يمكن لأي مجتمع أن يتطور أو يتقدم دونها.
و«لا سلام حقيقياً دون عدالة» ودون تعاون من جميع الفرقاء للوصول إليه، ولعلّ مقولة مهمة تتردّد دائماً على لسان الشيخ البابطين مضمونها: «عالم بلا سلام هو عالم مظلم» وهو مظلمٌ حقاً، فالحروب بغض النظر عن طبيعتها تلحق ضرراً بالغاً بالشعوب والأفراد على حد سواء، ولاسيّما ما يستقرّ ذلك بأذهانها، وخصوصاً ما تتركه من ضحايا ومآس وممارسات لا إنسانية تصاحبها عادة، حيث تزرع الكراهية والأحقاد والرغبة في الانتقام، سواء كانت حروباً دولية أم أهلية.
إن قواعد السلام السبع التي تطرحها المبادرة تقوم وترتبط بالثقافة فكراً ومحتوى، ذلك إن استمرار الحرب والزعم بادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة، لن يجرّ سوى المزيد من الويلات، وبالتالي فإن البحث عن السلام هو القيمة الحقيقية لوضع حدّ للحروب، وخصوصاً إذا كان مترافقاً مع العدالة، إذْ لا ينبغي أن تكون الغاية شريفة، بل لا بدّ أن تكون الوسيلة كذلك، والغاية إلى الوسيلة مثل البذرة إلى الشجرة حسب المهاتما غاندي قائد المقاومة اللّاعنفية، وليس مبرراً استخدام وسيلة غير شريفة بحجة أن الوسيلة شريفة، لأن الوسيلة جزء من الغاية ولا تنفصل عنها، و«رذيلتان لا تنجبان فضيلة» مثلما «جريمتان لا تنتجان عدالة».
واستلهمت القواعد السبع لصنع السلام من التاريخ الإنساني. أولها: هو الاحترام والصدق، وذلك أساس ثقافة السلام، لأن السلام ضرورة لا غنى عنها وهذه هي القاعدة الثانية التي تحتاج إلى تفاعل وتواصل وتبادل لاستمرار الوجود البشري، وثالثها: هي الإجماع في عملية بناء السلام، ورابعها: أن السلام حاجة وينبغي أن تكون شاملة ودائمة.وخامسها إن السلام مسار متواصل، أي سيرورة طويلة الأمد يحتاج إرساؤه إلى عمل مثابر ودائم وبناء مستمر، ومثلما يقول ميثاق اليونيسكو التأسيسي: «لما كانت الحروب تتولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تبنى حصون السلام». وسادسها: إن السلام ثقافة، أي أنها بحاجة إلى رعاية وترصين بالأدب والفن والفكر والدين والسلوك والعيش المشترك والوعي بأهمية ذلك ومن خلال الإعلام ووسائل الاتصال، لكي يترسخ ويتعزز باستمرار.وسابعها أن السلام تربية وتعليم، لا بدّ من إعداد الأجيال الحالية والقادمة عليها، ابتداء من الحضانة وحتى الجامعة.
والسلام ينبغي أن يكون درساً أصيلاً ومستمراً ودون انقطاع وعليه تدور القيم الأخرى مثل التسامح والتآزر والمساواة والعدالة والحرية والتضامن وغيرها، وذلك بوسائل عديدة منها فعل الخير وإصلاح ذات البين والوساطة وخريطة طريق وعمل مشترك وتفاعلي، خصوصاً بالمساواة بين البشر وعدم التمييز، لأن السلام مطلب جماعي إنساني شامل.
drhussainshaban21@gmail.com


54
القدس ومعركة القانون والدبلوماسية

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
I
   "إن أي نقاش أو تصويت أو قرار لن يغيّر من الحقيقة التاريخية، وهي إن القدس عاصمة الشعب اليهودي وعاصمة إسرائيل". بهذه اللغة الاستعلائية والاستفزازية واجه داني دانون مندوب "إسرائيل" في الأمم المتحدة قرار الجمعية العامة الصادر في 21 ديسمبر (كانون الأول) 2017، الخاص برفض قرار الإدارة الأمريكية بنقل سفارة واشنطن إلى القدس المحتلة. وأكثر من ذلك أنه اعتبر الفلسطينيين يواصلون تضليل المجتمع الدولي والاختباء خلف مداولات فارغة المضمون، بدلاً من الجلوس حول طاولة المفاوضات. فكيف يمكن النظر إلى القرار الأممي من زاويتنا كعرب ومعنيين بالفكر القانوني والحقوقي الدولي؟
   الملاحظة الأولى التي يمكن إدراجها على هذا الصعيد هو ما أثاره قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة حول القدس من جدل فقهي قانوني وسياسي واسع حول أهميته وتأثيره، ناهيكم عن إمكانية تطبيقه في الحال أو في المستقبل، لاسيّما لإصدار قرارات أخرى استناداً إليه لمنع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تنفيذ قراره بشأن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، وهو القرار الذي سبق للكونغرس الأمريكي أن اتخذه العام 1995 وكان الرؤساء الثلاثة بيل كلينتون وجورج دبليو بوش وباراك أوباما قد أجّلوا تنفيذه خلال عقدين ونيّف من الزمان.
   إما الملاحظة الثانية فهي التي تتجلّى بشبه الإجماع الدولي الذي حظي به القرار الذي نال تصويت 128 دولة داعمة له، مقابل تسعة أصوات رافضة وامتناع 35 دولة عن التصويت وانسحاب دولتين. ولعلّه من القرارات المهمة التي صدرت من الجمعية العامة بهذا القدر من الانحياز الأقرب إلى التضامن مع الشعب العربي الفلسطيني وهذا له أكثر من  دلالة وأعمق من معنى.
   الملاحظة الثالثة إن الجمعية العامة عقدت جلسة استثنائية لتصدر هذا القرار التاريخي وهي الجلسة العاشرة الاستثنائية في تاريخ تأسيس المنظمة الدولية منذ العام 1945 وحتى الآن، ولم يكن ذلك بمعزل عن معركة دبلوماسية دولية ينبغي على العرب مواصلتها، وعدم الإنكفاء بشأنها كما حصل عند إلغاء القرار 3379 الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية، والذي صدر في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) العام 1975 في عهد الأمين العام الأسبق كورت فالدهايم، وتم إلغاؤه في ديسمبر (كانون الأول) العام 1991، بسبب تراجع الحد الأدنى من التضامن العربي بعد غزو الكويت، واختلال موازين القوى على المستوى الدولي، إثر انهيار وتفكك الكتلة الاشتراكية.
   الملاحظة الرابعة تتعلّق بمضمون القرار فقد جاء واضحاً ويصبّ في قرارات دولية سابقة من المهم التذكير بها، وذلك برفضه أية إجراءات تهدف إلى تغيير الوضع القانوني لمدينة القدس المحتلّة واعتبار تلك الإجراءات ملغاة وباطلة، كما دعا إلى تكثيف الجهود لتحقيق السلام الشامل والعادل والدائم في الشرق الأوسط،  والتي لها وضع خاص بموجب القرار الأممي المعروف باسم قرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1947 والذي أنشئت وفقاً له دولة "إسرائيل" في 15 مايو (أيار) 1948.
    كما أن قرار الجمعية العامة  ينسجم مع العديد من القرارات التي اتّخذتها الأمم المتحدة، وخصوصاً القرار رقم 478 الصادر عن مجلس الأمن الدولي بتاريخ 20 أغسطس (آب)  1980 بخصوص عدم الاعتراف بضم "إسرائيل" القدس إليها وفقاً لقرار صادر من الكنيست بالضد من الشرعية الدولية، وذلك بعد احتلالها العام 1967، علماً بأنها حسب قرارات الأمم المتحدة ظلّت تتمتع بوضع خاص وهو ما جاء به القرار 181 لعام 1947. والقرار 478 واحد من سبع قرارات أدانت ضم القدس من جانب "إسرائيل" واعتبارها عاصمة لها.
   يُذكر أن "إسرائيل" ضمّت القدس الشرقية إليها العام 1980 بعد احتلالها العام 1967 وأعلنتها عاصمة موحدة لها ولم يعترف المجتمع الدولي بذلك. وكان قرار المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر العام 1988 قد اعتبر القدس عاصمة للدولة الفلسطينية التي يعترف بها العالم، وكان مثل هذا التطوّر حصل باعتراف الأمم المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل عن الشعب العربي الفلسطيني العام 1974 ثم قبولها كعضو العام 2012 في الأمم المتحدة ، وكذلك في العديد من المنظمات الدولية.
   الملاحظة الخامسة إن قرار الجمعية العامة جاء بعد قرار اتخذته منظمة اليونسكو يوم 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2016 بنفي ارتباط اليهود كدين بالمسجد الأقصى وحائط البراق ويعتبرهما تراثاً دينياً إسلامياً خالصاً. كما يتساوق مع قرار اتخذه مجلس الأمن الدولي في 23 ديسمبر (كانون الأول) من نفس العام، حيث طالب فيه "إسرائيل" بوقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأكّد على  عدم شرعية إنشائها للمستوطنات منذ عام 1967 بما فيها القدس الشرقية .
   وعلى الرغم من ردّة الفعل الواسعة الشعبية والرسمية، العربية والإسلامية والدولية، بشأن قرار الرئيس ترامب، فإن مشروع القرار المقدّم إلى مجلس الأمن الدولي من جانب مصر نيابة عن فلسطين، تحاشى الإشارة إلى الولايات المتحدة بالاسم، ولكنه دعا الدول لعدم الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة " إسرائيل" وطالبها بعدم نقل سفاراتها وبعثاتها الدبلوماسية إليها. ومع ذلك فإن الولايات المتحدة استخدمت "حق الفيتو" لمنع إصدار مثل هذا القرار.
   وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد ذهب أبعد من ذلك حين هدّد بمعاقبة الدول التي تصوّت في الجمعية العامة للأمم المتحدة، خصوصاً تلك التي تتلقّى مساعدات مالية من الولايات المتحدة. وكانت نيكي هيلي قد أعلنت عن إصرار بلادها المضي في هذا الطريق قائلة: أنه حقها كدولة ذات سيادة وأن قرار واشنطن يعكس رغبة الشعب الأمريكي.
II
   رأيان يتنازعان بشأن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة وهما يشتبكان بخصوص اختصاصات مجلس الأمن والجمعية العامة: الأول- يعتبر القرار إلتفاف على اختصاصات مجلس الأمن الدولي. أما الثاني- فيقرر عند فشل مجلس الأمن في اتخاذ قرار يتعلّق بالسلم والأمن الدوليين، فيمكن إحالة المسألة إلى الجمعية العامة، وهناك سوابق قانونية بذلك، من أولها القرار رقم 377 والمعروف باسم "الاتحاد من أجل السلام" لعام 1950 بشأن المسألة الكورية.
   وإذا كان هناك من يعتبر قرار الجمعية العامة هزيمة لواشنطن ، فهناك من يخفّف من القيمة القانونية لمثل هذا القرار ويهوّن من حجيته القانونية على الرغم من كونه يشكّل  سابقة قانونية دولية يمكن الاستناد إليها، والمقصود بذلك القرار 377 بشأن كوريا. وكان مجلس الأمن الدولي قد أخفق في التوصّل إلى قرار بشأن الوضع في كوريا، فلجأت واشنطن إلى الجمعية العامة لتحصل على الأغلبية فيه ولتمنع الاتحاد السوفييتي في حينها من استخدام "حق الفيتو".
   وكانت الولايات المتحدة تحاول إرسال قوات إلى كوريا بإصدار قرار من مجلس الأمن، ولكنها لم تفلح في ذلك، فلجأت إلى الجمعية العامة كمخرج مناسب، خصوصاً باحتمال لجوء الاتحاد السوفيتي إلى حق استخدام الفيتو، وكذلك لإمكانها الحصول على الأغلبية فيها حين كانت موازين القوى لصالحها في الجمعية العامة. والمفارقة أن واشنطن التي تبنّت مثل هذا الخيار آنذاك، نراها اليوم ترفض نتائجه.
   وعلى الرغم من أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بخصوص القدس يمثّل "توصية" هي أقل من حيث القوة القانونية التي تمتلكها قرارات مجلس الأمن الدولي، إلاّ أنه من ناحية أخرى يسمح بالذهاب لمحكمة العدل الدولية، التي من اختصاصاتها الفصل في النزاعات الدولية (بين الدول) التي تُعرض عليها وتفسير المعاهدات والاتفاقيات الدولية والنصوص والوثائق القانونية، وكذلك إصدار فتاوى استشارية، أي إصدار أحكام مدنية وليست جزائية بخصوص القضايا المعروضة عليها. ومحكمة العدل الدولية هي محكمة حقوقية تقضي بالمسؤولية المدنية والتعويض.
   واستناداً إلى هذه السابقة القانونية المهمة يمكن إقامة دعوى لطلب التعويض وهو ما حصل بعد المجازر المرتكبة من جانب صربيا، إذْ طلبت الجهات المتضرّرة من صربيا (البوسنة والهرسك من محكمة العدل الدولية العام 1993 وقف هذه المجازر وطلب التعويض). ولا ينبغي الاستخفاف بطلب التعويض أو بإصدار حكم مدني، لأن هذا الأخير لو صدر فإنه سيسهم لاحقاً بملاحقة المرتكبين عبر محكمة جنائية كأن تكون المحكمة الجنائية الدولية، والأمر يحتاج إلى طائفة من الإجراءات التي ينبغي اتباعها بما ينص عليه ميثاقها (ميثاق روما الذي صدر في العام 1998 ودخل حيز التنفيذ في العام 2002) لاتخاذ العقوبات اللازمة بموجب قواعد القانون الدولي المعاصر المعتمدة وقواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملحقيها بروتوكولي جنيف، الأول- الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية والثاني- الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية غير المسلحة والصادران عن المؤتمر الدبلوماسي 1974-1977.
   إن هذا القرار من شأنه حمل المعتدي على وقف جرائمه، وفي حالة القدس فالمقصود جرائم الاستيطان والعنصرية، ناهيك عن الاحتلال غير الشرعي وغير القانوني استناداً إلى القرار 181، باعتبار ما حصل بشأنها من جانب "إسرائيل" يعتبر انتهاكاً للقانون الدولي وتهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين، فكيف تُقدم الولايات المتحدة على مجاراة هذه المخالفة القانونية الدولية السافرة وتعترف بالقدس عاصمة لدولة "إسرائيل"، والأمر يمتد إلى من تستّر على هذه الجريمة أو تواطأ مع المعتدي، أو قام بالتدليس أو بالإكراه.
   وإذا كانت هذه جريمة دولية، فاستناداً إلى "كونية الحق" يمكن الملاحقة على الجرائم الدولية الأخرى الخاصة بالجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والعدوان.


55
«ثقافة السلام» و«سلام الثقافة»
                     
عبد الحسين شعبان
مثلث مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين، وجهاً مشرقاً للثقافة العربية، فهي لم تقتصر على الشعر فحسب، بل ساهمت في الانفتاح على الثقافات العالمية، ولاسيّما حين عملت مع منظمات دولية مرموقة لنشر ثقافة السلام من خلال إيجاد أرضية مشتركة للحوار والتواصل الإنساني. وسعت باستمرار لتقديم الوجه الإيجابي للعرب والمسلمين، ولاسيّما الصورة المتسامحة والمعتدلة.
والمتتبع لحركة الثقافة الكويتية يشعر بالاعتزاز، فقد كانت الكويت حتى قبل استقلالها مهجوسة بالثقافة وبالحداثة، ومنذ أواسط الخمسينات اتجهت لاستقطاب أدباء ومفكرين ومثقفين عرب. وكان تأسيس «مجلة العربي» وفّر زاداً معرفياً مهماً تغذّى عليه جيل متلهف للمعرفة والعلم والثقافة، وعلى مدى عقود ساهمت هي ومجلات أخرى تختص بالفكر والثقافة العالمية والفنون والإبداعات والمسرح والترجمة في تخصيب أرضية ثقافية إيجابية، للتواصل والتفاعل بين المثقفين العرب.
مناسبة الحديث هذا هو انعقاد الدورة الحادية عشرة لمهرجان البابطين، حيث أعلن فيها تأسيس «مركز البابطين للثقافة العربية» في جامعة لايدن الهولندية التي تأسست في العام 1575 وتقرّر أن يعقد «منتدى البابطين العالمي للسلام» في العام المقبل 2019 بالتعاون مع الأمم المتحدة، في إحدى المدن العالمية التي ترمز للسلام، وذلك بحدّ ذاته إحدى رسائل السلام الثقافية للعالم.
جدير بالذكر إن عبد العزيز البابطين كان قد تقدّم بمبادرة للسلام، وصدرت في كرّاس بعنوان «تأملات من أجل السلام» قدّم له وزير خارجية مالطا الأسبق ورئيس برلمانها الفخري مايكل فريندو، وتضمنت سبع قواعد من أجل السلام ووسائل تحقيقه.
وتمثل المبادرة نداءً ضميرياً ووجدانياً باعتبار السلام قيمة إنسانية عليا، وهدفاً لا بدّ من العمل على تحقيقه وأسلوب حياة، في الوقت نفسه ينبغي اعتماده لنبذ العنف وكل ما يتعلّق بسياسات إملاء الإرادة واستخدام القوة أو التهديد بها لفرض الهيمنة أو الاستقواء على الآخرين تحقيقاً لرغبات أنانية ضيقة.
إن مبادرة السلام الثقافية العربية تعكس الاهتمام الحيوي والرغبة الصادقة في الإقرار بالتنوّع والتعددية والاعتراف بالآخر بغض النظر عن معتقده ودينه وقوميته وجنسه ولغته ولونه وأصله الاجتماعي، ولن يتحقق ذلك سوى من خلال الحوار الصريح والصادق على أمل تحقيق السلام بين الدول والشعوب، وفي داخلها أيضاً، فالسلام حاجة إنسانية ماسّة وضرورية لبني البشر، ولا يمكن لأي مجتمع أن يتطور أو يتقدم دونها.
و«لا سلام حقيقياً دون عدالة» ودون تعاون من جميع الفرقاء للوصول إليه، ولعلّ مقولة مهمة تتردّد دائماً على لسان الشيخ البابطين مضمونها: «عالم بلا سلام هو عالم مظلم» وهو مظلمٌ حقاً، فالحروب بغض النظر عن طبيعتها تلحق ضرراً بالغاً بالشعوب والأفراد على حد سواء، ولاسيّما ما يستقرّ ذلك بأذهانها، وخصوصاً ما تتركه من ضحايا ومآس وممارسات لا إنسانية تصاحبها عادة، حيث تزرع الكراهية والأحقاد والرغبة في الانتقام، سواء كانت حروباً دولية أم أهلية.
إن قواعد السلام السبع التي تطرحها المبادرة تقوم وترتبط بالثقافة فكراً ومحتوى، ذلك إن استمرار الحرب والزعم بادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة، لن يجرّ سوى المزيد من الويلات، وبالتالي فإن البحث عن السلام هو القيمة الحقيقية لوضع حدّ للحروب، وخصوصاً إذا كان مترافقاً مع العدالة، إذْ لا ينبغي أن تكون الغاية شريفة، بل لا بدّ أن تكون الوسيلة كذلك، والغاية إلى الوسيلة مثل البذرة إلى الشجرة حسب المهاتما غاندي قائد المقاومة اللّاعنفية، وليس مبرراً استخدام وسيلة غير شريفة بحجة أن الوسيلة شريفة، لأن الوسيلة جزء من الغاية ولا تنفصل عنها، و«رذيلتان لا تنجبان فضيلة» مثلما «جريمتان لا تنتجان عدالة».
واستلهمت القواعد السبع لصنع السلام من التاريخ الإنساني. أولها: هو الاحترام والصدق، وذلك أساس ثقافة السلام، لأن السلام ضرورة لا غنى عنها وهذه هي القاعدة الثانية التي تحتاج إلى تفاعل وتواصل وتبادل لاستمرار الوجود البشري، وثالثها: هي الإجماع في عملية بناء السلام، ورابعها: أن السلام حاجة وينبغي أن تكون شاملة ودائمة.وخامسها إن السلام مسار متواصل، أي سيرورة طويلة الأمد يحتاج إرساؤه إلى عمل مثابر ودائم وبناء مستمر، ومثلما يقول ميثاق اليونيسكو التأسيسي: «لما كانت الحروب تتولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تبنى حصون السلام». وسادسها: إن السلام ثقافة، أي أنها بحاجة إلى رعاية وترصين بالأدب والفن والفكر والدين والسلوك والعيش المشترك والوعي بأهمية ذلك ومن خلال الإعلام ووسائل الاتصال، لكي يترسخ ويتعزز باستمرار.وسابعها أن السلام تربية وتعليم، لا بدّ من إعداد الأجيال الحالية والقادمة عليها، ابتداء من الحضانة وحتى الجامعة.
والسلام ينبغي أن يكون درساً أصيلاً ومستمراً ودون انقطاع وعليه تدور القيم الأخرى مثل التسامح والتآزر والمساواة والعدالة والحرية والتضامن وغيرها، وذلك بوسائل عديدة منها فعل الخير وإصلاح ذات البين والوساطة وخريطة طريق وعمل مشترك وتفاعلي، خصوصاً بالمساواة بين البشر وعدم التمييز، لأن السلام مطلب جماعي إنساني شامل.
drhussainshaban21@gmail.com




56
تيلرسون و«سحر» الدبلوماسية
عبد الحسين شعبان
كانت إقالة ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأمريكي 13 مارس/ آذار 2018، متوقّعة منذ بضعة شهور، حيث تردّد الكثير من التسريبات عن الخلاف بينه وبين الرئيس دونالد ترامب، لدرجة إحراجه خارج حدود اللياقة والبروتوكول لأكثر من مرّة. وفي الوقت الذي كان مهندس السياسة الخارجية الأمريكية يسعى إلى التهدئة، سواء بالنسبة للملف الكوري الشمالي، أو الملف النووي الإيراني، ويعمل جاهداً للتخفيف من حدّة التباعد في الموقف الأوروبي، كان الرئيس ترامب يحلّق عالياً ويتّجه بعيداً عن وزير خارجيته الذي يبحث في الملفات على الأرض، ويقوم بزيارات مكوكية للعديد من العواصم.
وإذا كان تيلرسون من مدرسة هنري كيسنجر، وزير الخارجية والأمن القومي الأسبق، وصاحب «الدبلوماسية الواقعية»، أو «الواقعية الدبلوماسية»، فهل ستكون إقالته آخر ما تبقى من طيف كيسنجر الذي تجوّل في أروقة البيت الأبيض سنوات، وترك سحره أثراً كبيراً في سياسات واشنطن؟ وهل ستكون إقالته آخر المسلسل للطاقم القيادي الذي جاء معه، أم ثمة استحقاقات أخرى؟
حسبما يبدو، فإن مسلسل الإقالات مستمر منذ أن تولّى ترامب الرئاسة، فقد شملت في اليوم ذاته الذي أقيل فيه ستيفن جولدستون، مساعد وزير الخارجية لشؤون الدبلوماسية والعلاقات العامة، وجون ماكينتْي كبير المستشارين لحملته الانتخابية القادمة لعام 2020، وفي وقت سابق استقال توم برايس، وزير الصحة، وقبله أقال ستيف بانون كبير المستشارين، والملقّب «أمير الظل، أو أمير الظلام»، وكان أنطوني سكارموتشي مدير الاتصالات في البيت الأبيض قد أقيل، كما أقال راينس بريبوس كبير موظفي البيت الأبيض، وشون سبايسر المتحدث باسم البيت الأبيض، وجيمس كومي مدير ال FBI، وإنجيلا ريد كبيرة فريق المراسم المنزلية في البيت الأبيض، كما استقال مايكل فلين من منصبه كمستشار للأمن القومي، وأقال سالي يايتيس، وزيرة العدل بالوكالة، ودانيال راجسديل، مسؤول إدارة الهجرة والجمارك، وغيرهم. كما أقال مؤخراً مستشار الأمن القومي ماكماستر، وعين جون بولتون بديلاً له.
صحيح أن النظام الدستوري الأمريكي يمنح الرئيس صلاحيات تكاد تكون مطلقة، في كلّ ما يتعلّق بالسلطة التنفيذية، ومهمة الوزراء تنفيذ قراراته، وتلبية رغباته، شريطة ألّا تتعارض مع الدستور، وإذا كان لهم حق الاعتراض، إلّا أن القرار الأخير للرئيس، فإذا أصرّ على رأيه، فللوزير الانصياع أو الاستقالة، أما الرقابة على الرئيس فهي من السلطة التشريعية، وهذه تتحدّد بمخالفة الدستور، أو الخيانة العظمى، وعندها يمكن أن تتحرّك لسحب الثقة منه، أو الضغط عليه لتقديم استقالته، وتتم المعالجة دستورياً.
وإذا كان تيلرسون قد جاء من خلفية نفطية، فإن خلفه وزير الخارجية الجديد مايك بومبيو جاء من خلفية أمنية، وفي حين كان الأول يسعى لامتصاص بعض هفوات الرئيس، واندفاعاته، وشطحاته، فإن الثاني، حسبما يبدو، كان من المعجبين والمؤيدين لسياساته، وبذلك يكون ترامب تخلّص من طاقمه الذي جاء معه، ومن الكثير ممن لم يؤيدوه الرأي.
لقد اعتمد تيلرسون على منهج كيسنجر، فأعلى من شأن الدبلوماسية واعتبرها «الأولوية في السياسة الأمريكية»، وحاول أن يهندس استراتيجية واشنطن وفقاً لنتائجها بسعيه لإدارة الأزمات على نحو هادئ، مخالفاً بذلك توجهات المؤسسة العسكرية، ومؤسسة الاستخبارات المركزية، اللتين حاولتا دفعها باتجاهات أكثر تشدداً.
وكان النفط في المقدمة من سياساته، حيث شغل تيلرسون منصب الرئيس السابق لكارتيل نفطي عالمي ضخم اسمه «إكسون - موبيل» الذي تمتّد جذوره إلى آل روكفلر، وقد كان اختياره لمنصبه بدعم من ديفيد روكفلر الذي توفى في العام الماضي (20 مارس/ آذار 2017) وهنري كيسنجر، لرغبتهما في أن يكون على رأس الدبلوماسية الأمريكية شخص قادم من خلفية نفطية، وهدفهما هو إعادة تنظيم عالمية لمجال الصناعات النفطية، عبر الحكمة الشهيرة التي تردّدت في الحرب العالمية الأولى «من يملك النفط يسيطر على العالم...» وهي التي كان كيسنجر يؤمن بها، ويحاول أن يعتمدها في علاقاته الدبلوماسية.
جدير بالذكر أن كيسنجر كان واحداً من السياسيين القلائل الذين أيّدوا انتخاب دونالد ترامب بحماسة شديدة، وكما قال إنه الأكثر تفرّداً من الذين شهدتهم استناداً إلى استراتيجية خاصة، ومن المفارقة أن الرئيس ترامب غرّد قبيل إقالة تيلرسون بثلاثة أسابيع (18 فبراير/ شباط 2018)، بقوله: إنه سيلتقي كيسنجر وسيبحث معه عدداً من الملفات منها: الملف الكوري الشمالي، والصيني، والشرق أوسطي، خصوصاً بعد قراره نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والحملة العالمية المندّدة له، بما فيها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 ديسمبر/ كانون الأول 2017.
ومع أن كيسنجر كان ميّالاً للواقعية السياسية وللدبلوماسية، إلّا أنه يعتقد: من الخطأ الافتراض أن الدبلوماسية وحدها تستطيع تسوية النزاعات الدولية دائماً، وهو ينظر إلى ذلك في إطار ما يطلق عليه «الواقعية السياسية» حين تكون تلك السياسة رديفة للتوجّهات المناوئة لأولوية الخيار الدبلوماسي، خصوصاً تفتيت جبهة الخصوم والمنافسين، وهم اليوم الصين وروسيا.
فهل سيكون العالم أمام تصعيد عسكري بتولّي بومبيو منصب وزير الخارجية، وهو الذي يؤمن «بأفضلية مفعول الغارات الجوية على الدبلوماسية»؟
drhussainshaban21@gmail.com



57
حصان طروادة الجديد في الانتخابات العراقية!

عبد الحسين شعبان
هل سيتكرّر مشهد انتخابات العام 2014 في انتخابات العام 2018، وخصوصاً الصراع داخل الطاقم الحاكم من «حزب الدعوة»؟ أم أن ثمة اتفاقات ستحصل في ربع الساعة الأخير، ولاسيما إذا كان الموقع الأول مهدداً أو معرّضاً للضياع.
وبتقديري أن مثل هذا الاحتمال يجعل الفريقين المتخاصمين داخل الحزب والمجموعات الشيعية الأخرى معهما، تعيد التفكير أكثر من مرة وهي تقرّر وجهة تحالفاتها النهائية، كيما يبقى «طير السعد» يحطّ في مزرعة الحزب.
وهنا قد تتداخل وتتفاعل عوامل شتى مأخوذة بالعصبيّة المذهبية من جهة، والمصلحة السياسية من جهة أخرى، للتوافق مجدداً على مرشح الوقت الضائع، مثلما كان الأمر بالنسبة لحيدر العبادي الذي وصل إلى رئاسة الوزارة بضربة حظ في ظلّ الصراع المحتدم آنذاك، فجيء به «مرشحاً للتسوية» من خارج الاحتمالات المتوقعة، خصوصاً بعد تكوّن رأي عام سياسي لغير صالح رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي أنهى حينها دورتين، وفاز في المقاعد التي تؤهله لتشكيل الوزارة في ولاية ثالثة، لكن المياه ذهبت باتجاه آخر.
ويجري الصراع اليوم بين حيدر العبادي ونوري المالكي، خصوصاً وقد تقرّر في «حزب الدعوة» أن ينزل كل فريق في قائمة مستقلة، بعد أن تعذّر عليهما الاتفاق على خوض الانتخابات في قائمة موحّدة، على أن يترك لأعضاء الحزب وجماهيره التصويت لمن تعتقد أنه أهلٌ لذلك.
وقد سعى كل فريق لجمع أكبر عدد من الحلفاء حوله لمنافسة غريمه أولاً، والفريق الآخر الشيعي المنافس ثانياً، وبالطبع لنيل أوسع قدر من المقاعد ليمكّنه وبعد صفقات محتملة لتشكيل الوزارة.
جديرٌ بالذكر أن نفوذ العبادي بدا كبيراً بفعل الانتصار الذي حققه الجيش العراقي بدعم التحالف الدولي للقضاء على «داعش»، وتحرير الأراضي العراقية، إضافة إلى سياسته الوسطية ونجاحه في تسوية الخلافات مع أربيل، بعد أزمة الاستفتاء الحادة في 25 سبتمبر/أيلول 2017، التي كادت تعصف بوحدة العراق، كما أن القوتين المؤثرتين في السياسة العراقية ونعني بهما واشنطن وطهران، قد ترغبان في استمراره.
لكن هذا السيناريو ليس نهائياً، إذ قد يستنزف الصراع على أصوات الناخبين الفريقين، فيُحدث اختراقاً من خارج الدائرة المنظورة، ولعلّ مشهد انتخابات العام 2010، غير بعيد عنّا، حين كان الصراع على أشدّه بين «حزب الدعوة» وجماعتين أساسيتين هما: «المجلس الإسلامي الأعلى» و«التيار الصدري» الذي كان بينه وبين المالكي «ما صنع الحداد»، بسبب «صولة الفرسان» البصرية ضدّه.
خلال تلك الانتخابات تسلّل فريق ثالث جمع عدداً من الأحزاب والكتل التي عملت باسم المجموعات السنّية، سواء على نحو مباشر أم غير مباشر، وكان حصان طروادة في هذا السباق هو رئيس الوزراء العراقي الأسبق إياد علاوي، ليحصل على 91 مقعداً، في حين حصل غريمه المالكي على 89 مقعداً، وكان تفسير المحكمة الدستورية العليا، للنص الدستوري بشأن الكتلة الأكبر لصالح المالكي، الذي تحالف مع آخرين في البرلمان لاستعادة الموقع الأول وتأليف الوزارة، خصوصاً بعد مساومات مع الحركة الكردية وحكومة الإقليم، وهي التي كانت بؤرة لخلافات لاحقة كادت أن تكون مستعصية.
فهل سيتكرر المشهد بانتخابات 12 مايو/أيار 2018، حيث الصراع بين المالكي (دولة القانون) والعبادي (النصر)، فتندفع كتل أخرى للتحالف منافسة لهما منها (الفتح)، التي يمثل ركنها الأساسي جماعات الحشد الشعبي: كتلة بدر (هادي العامري)، وعصائب أهل الحق (قيس الخزعلي)، وكتائب «حزب الله» وكتائب الإمام علي، وكتلة النجباء وآخرين، يقابلها ائتلاف «سائرون»، الذي أسسه السيد مقتدى الصدر بعد إنشاء حزب الاستقامة، وذلك بالتحالف مع قوى يسارية، وإن كانت صغيرة، لكن لديها نفوذ معنوي مثل الحزب الشيوعي، وحركات وتجمعات وكتل مختلفة ومتناقضة، تسعى كل منها للوصول إلى البرلمان، عبر التحالف مع قوى احتجاجية من جهة، ولها ثقل في الشارع من جهة أخرى، لاسيّما أنها تعلن عن محاربة الفساد والإثراء من المال العام.
وعلى الضفة الأخرى تعاد تحالفات قديمة جديدة بين كتلة ائتلاف الوطنية بزعامة علاوي، وبمشاركة من كتل سنّية مثل صالح المطلق، نائب رئيس الوزراء الأسبق، ورئيس البرلمان الحالي سليم الجبوري، ومجموعات أخرى، في حين استمر نائب رئيس الجمهورية الحالي أسامة النجيفي في تحالف «متّحدون»، بالتعاون مع رجال أعمال سنّة وقوى سنّية متفرقة، ولاسيّما في الموصل.
وإذا كانت تحالفات الحشد والجماعات الشيعية الأخرى تحظى بدعم إيران، فإن تحالفات علاوي والصدر والنجيفي تحظى بدعم عربي، دون إهمال الدعم الأمريكي، سواء كان مباشراً أم غير مباشر، وقد تكون النتائج والاصطفافات التي تترتّب عليها، لاسيّما إذا انحاز الصدر إلى مجموعة علاوي، مرجّحاً موضوع الكتلة الأكبر، خصوصاً حين يتم التحالف مع القوى الكردية ومجاميع شيعية أخرى، وهو الذي يجعل احتمال مشهد العام 2014 ماثلاً، وإن كان البديل ليس من حزب الدعوة هذه المرّة، إذا تعذّر بقاء العبادي.
drshaban21@hotmail.com



58
المنبر الحر / حوار عربي- كردي...
« في: 18:44 15/03/2018  »
حوار عربي- كردي...
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

تأتي مبادرة الحوار العربي - الكردي، التي دعا إليها سمو الأمير الحسن بن طلال في عمان، كجزء من جهد غير حكومي لنخب فكرية وثقافية وأكاديمية وكأنها عكس التيار السائد، ففي حين يرتفع منسوب العنف ويستشري الإرهاب ويتفشّى التعصب وينتشر التطرّف وتندلع حروب أهلية ونزاعات مسلحة في العديد من البلدان العربية ، هناك من لديه رؤية مغايرة استشرافية ونقدية.
وتنطلق الفكرة من رصد  إيجابي للعلاقة الاستراتيجية التاريخية البعيدة المدى بين العرب والكرد، تلك التي تحتاج إلى وعي ضروري لتعزيز "الجوامع" وتقليص "الفوارق" واحترامها، من خلال المصارحة وصولاً للمصالحة، سواء بما يتعلق بحلّ الخلافات بين بغداد وإربيل ، من جهة أم التنبيه إلى مخاطر التداخل الإقليمي ، التركي والإيراني من جهة ثانية، دون نسيان العامل الدولي المؤثر على الأحداث الراهنة ومستقبل المنطقة ، وخصوصاً النفوذ الأمريكي والروسي.
وفي الوقت الذي كان الحوار يحتدم حول القيم والمبادئ والمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، كانت الغوطة تتعرض لمأساة إنسانية، بالترافق مع توغل الجيش التركي في عفرين السورية  وجبل قنديل في العراق، بزعم ملاحقة حزب العمّال الكردستاني PPK، لكن ذلك لم يمنع مثقفون مؤمنون بالحوار من التصميم على مواصلته والانفتاح على الآخر والبحث عن المشترك الإنساني.
وتعود حكاية الحوار العربي - الكردي الذي انطلق قبل أكثر من ربع قرن إلى العام 1992 ، حيث تم تنظيم أول حوار في لندن من جانب المنظمة العربية لحقوق الإنسان، ولكنه تعثّر بسبب اندلاع القتال الكردي - الكردي 1994-1998، ثم بوشر به في العام 1998 في القاهرة، ونشأت تحت هذه المظلّة جمعيات ومنظمات دعت إلى استمراره، لكن الخلاف بين بغداد وإربيل، طغى على صوت الحوار والعقل، لاسيّما حين تأزمت العلاقة، التي نجمت عن إقدام إربيل على إجراء استفتاء للاستقلال في 25 سبتمبر (أيلول) 2017، اعتبرته بغداد مخالفاً للدستور واتّخذت خطوات عديدة للضغط عليها، أولاً لثنيها عن الاستمرار فيه، وثانياً لردعها من اعتماد نتائجه.
ولم يكن ذلك بمعزل عن التداخلات الإقليمية، حين انضمت طهران وأنقرة إلى بغداد في ردود فعلها العملية، سياسياً وإعلامياً واقتصادياً وتجارياً، فضلاً عن دعمهما لاستعادة المنافذ الحدودية والمطارات التي كانت بغداد تطالب بها ، إضافة إلى قضايا عُقدية معتّقة مثل كركوك وبعض المناطق التي تسمّى " متنازع عليها ". وامتنعت بغداد بسبب الخلافات من دفع رواتب الموظفين في إقليم كردستان، إلّا إذا أعادت إربيل واردات تصديرها للنفط البالغ 300 ألف برميل يومياً، أي نحو 10% من الإنتاج العراقي للنفط.
إن واحداً من تجلّيات الحوار هو التفكير بصوت عالٍ وتبادل الرأي والاستئناس بوجهات النظر، لتكوين تصوّر يمكن أن يفيد أصحاب القرار ويُسهم في تخفيف حدة  التوترات، وتلك إحدى أهداف "منتدى الفكر العربي"، منظّم هذا الحوار، الأمر الذي يُستحسن مأسسته وتوسيعه بإشراك نخب سياسية وثقافية عربية وكردية فاعلة فيه. كما أنّ الحوار يمكن أن يكون نواة لحوار مثقفين من دول الإقليم عرباً وتركاً وفرساً وكرداً، يأخذ بنظر الاعتبار حسن الجوار واحترام الخصوصيات وعدم التدخل بالشؤون الداخلية ، وعلى أساس المصالح المشتركة.
 لم يشعر المتحاورون أنهم فريقان متناحران، لكي يتشبث كل منهما برأيه على أساس المغالبة والمطاولة، بل اجتمعوا كمثقفين جمعتهم هموم إنسانية مشتركة أساسها الحرية والعدالة وحق تقرير المصير، دون أن يعني ذلك عدم وجود اختلاف بينهم حول التاريخ واللحظة الراهنة والمستقبل، وهذا أمر طبيعي ونكرانه هو الذي قاد إلى الاحتراب والاقتتال، سواء محاولات فرض الهيمنة والاستتباع بزعم الأغلبية والاستعلاء أحياناً، أو التفلت والانقسام بزعم المظلومية وضيق الأفق أحياناً أخرى.
وإذا كانت الدعوة قد وجّهت بالأساس إلى عدد محدود من العراقيين العرب والكرد، وعدد آخر من المثقفين من غير العراق، ومن البلد المضيف (الأردن) ، فإن الهدف منها أيضاً هو فتح قناة للتواصل، بحيث يكون الحوار مجسّاً من مجسّات العلاقة، يمكن تطويره للمعرفة الفعلية والمباشرة لما يفكّر به الطرفان، وهو العنوان الذي اجتمع تحت لوائه المتحاورون، والموسوم بسؤالين متقابلين: ماذا يريد العرب من الكرد؟ وماذا يريد الكرد من العرب؟ والأمر لا يتعلّق بالسياسة وتعقيداتها وتقاطعاتها فحسب، حتى وإن كانت محورية وأساسية، بل بالاقتصاد والتجارة والثقافة والأدب والفن والتراث والتاريخ واللغة وغيرها، بما يسمح بإقامة علاقات متكافئة أساسها الاحترام المتبادل للخصوصيات، مع مراعاة الهوّية العامة الجامعة والمواطنة المتكافئة والمتساوية، دون إقصاء أو تهميش.
إن القصد من الحوار المعرفي- الثقافي هو التواصل والتفاعل والترابط، وليس الترابح والتناحر والتدافع، وإنما التفكير بحلول عقلانية وسلمية وإنسانية لإدراك حقيقة إن أي احتراب سينعكس سلباً على الطرفين، ولن يستفيد منه سوى أعداء الأمتين العريقتين العربية والكردية وعلى أمم الإقليم، وهو ما حمل سمو الأمير إلى الدعوة للبحث عن كيفية استئناف المسار الذي يؤدي إلى "عصبة أمم مشرقية".



59
"المسيحيّون في المشرق العربي - نحو دولة المواطنة"*
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكـّر عربي

"آسف لم يكن لديّ الوقت لكتابة ملاحظات مكثّفة، فكتبتُ هذه المخطوطة"
   كان ذلك ما أجاب به فريدريك أنجلز رفيقه كارل ماركس، الذي طلب منه كتابة ملاحظات حول مخطوطة كان قد أرسلها له، فانتظر عدّة أشهر، ولكنه فوجئ حينما وصلته حزمة أوراق هي أقرب إلى "مخطوطة" مع رسالة من سطر واحد، لكنّها كثيرة الدّلالات وعميقة المعاني، ويتلخّص مضمونها باعتذار عن التّأخير، وكان السّببُ كما برّر هو "ضيق الوقت". هذا ما واجهته حين طُلب مني تقريظ كتاب الدكتور "نائل جرجس" القيّم، لأنّ التركيز يحتاج إلى تكثيف وتـأمّل وتأنٍّ، أي يحتاج إلى "وقت" كافٍ، وهو ما افتقدته.
   أستهلُّ كلامي من العنوان "المسيحيّون في المشرق العربي - نحو دولة المواطنة"، وهو يتضمّن فكرة الوجود المسيحي وفي الوقت نفسه الدعوة الحثيثة لإقامة دولة المواطنة، ولكن لماذا المسيحيّون؟ ألأنّ استهدافهم في المشرق العربي بات قضية وجود؟ أم لأنّ وجودهم بحدّ ذاته أصبح قضية تتعلّق باستهداف الدولة الوطنية ذاتها مثلما يتعلّق الأمر بمستقبلها؟
   فإلغاء الوجود المسيحي يعني هدم ركن أساس من أركان الدولة العصرية التي يُفترض بها أن تقوم على المواطنة، مثلما يعني حذف جزء مهم وأصيل من تاريخ مجتمعاتنا، ناهيك عن بتره من حاضرنا، "فالمسيحيّون ملح الأرض" كما قال السيد المسيح، وهم متجذّرون فيها وليسوا "أغراباً" أو "وافدين"، وهم أهل البلاد قبل مجيء الإسلام وبعده، بل شركاء فيها، كما ورد في القرآن الكريم: "ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يَـمْـتَـرون" (سورة مريم، الآية 34).
   أتـوقّـف عند ذلك لأنني لا أريد أن يستغرقنا التاريخ، وليس القصدُ في ذلك إهماله أو نسيانه أو الافتئات عليه، حتى وإنْ كان التاريخ "مراوغاً" على حدّ تعبير هيغل، وإنما أفضّل مناقشة واقع الحال، علماً بأن التاريخ لا يكتبه المؤرّخون وحدهم، بل يكتبه الأدباء والفنانون حسب غوركي، لأنهم يشتركون في هواية الغوص في التفاصيل، لكنّها غواية البحث عن الحقيقة دون أدنى شك.
- I -
   أنطلقُ في قراءتي لكتاب الدكتور جرجس من بعض الاستنتاجات التي خـلُصَ إليها وحاول أن يدرجَها في خاتمة كتابه، والتي تتناول عدداً من المفاهيم والأطروحات ذات الصّلة بالعنوان الفرعي الذي وضعه، والمقصود بذلك "دولة المواطنة"، وأهمّها: العلمانية التي يعتبرها "الحلّ الأمثل لتحرير المشرق العربي" واقْتَرحَ نموذجاً شبيهاً بالحالة التركية.
   والديمقراطية ودولة القانون، إذْ كان غيابهما سبباً في تدهور الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وفي تنامي "التطرّف الإسلامي والإرهاب والعنف، الذي يحصد أرواح المسيحيين وغيرهم من المواطنين..." وهي استنتاجات وردت في ثنايا الكتاب، وشكّلت خيطاً ناظماً لفصوله وهو ما يحتاج إلى إضاءات ترتبط بخصوصية كل حالة وتجربة.
   وهو يعتبر الديمقراطية "الضمانة المثلى لإرساء السّلام والعدالة..." إذْ أن "دمقرطة" الشرق الأوسط هي الأساس لتحقيق احترام حقوق "الأقلّيات" وضمان اندماجها في مجتمعاتها. كما يدعو إلى اعتماد "الديمقراطية التـوافقيّة" لأنّها "تمثيل فئات الشّــعب كافّــة وحتى تقاسم السّلطة بينها"، ويستبعد فكرة النظم البرلمانية ونظام الحكم الرئاسي لأنّهما لا يلبيّان ما يطمح إليه.
   ووفقاً للعديد من التجارب يمكن اختيار "الديمقراطية التوافقية" لفترة انتقالية محدودة، أي لتجاوز مراحل الانتقال والتحوّل الديمقراطي، التي غالباً ما تكون عسيرة، كما أنّها قد تؤدّي إلى المحاصصة والتقاسم الوظيفي، الديني أو المذهبي أو الإثني أو غير ذلك، في حين أنّ حقوق الإنسان وحدها تؤدّي إلى نوع من "التطامن" في تلبية حقوق المجموعات الثقافية المشروعة، وهي التي يمكن أن تؤمّن الضمانات الضرورية وخصوصاً في المجتمعات المتعدّدة الثقافات، لأنه حتى الديمقراطية التي هي في التعريف "المبسّط" حكم "الأغلبية" قد تقود إلى تهميش أو إقصاء مجاميع ثقافية، دينية أو سلالية أو لغوية أو غيرها.
   أمّا بخصوص الحالة التركية "صلُحت أم لم تصلح؟" فـإنّه لا يمكن تعميمها وإنْ كانت الاستفادة من التجارب جميعها ضرورية ولكن دون استنساخ أو تقليد، نظراً لاختلاف الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتاريخ تطوّر كل بلد.
   ويطرح المؤلّف موضوع الفيدرالية وإنْ كان بتردّد، فهو معها لأنّها يمكن أن تحدّ من انتهاك حقوق المسيحيّين والحفاظ على هويّتهم وتعزيز حقّهم في تقرير مصيرهم، لكنّ الطّابـع الدّيني يمكن أن يتحوّل إلى نوع من التقسيم أو إلى نظام طوائف (لبنان مثالاً) ويستبعد الانفصال أو الاستقلال وقد وجدتُ ذلك ملتبساً.
   وبعد أن يسلّط الضوء على عدد من العناوين الخاصة بحقوق الإنسان وتطبيقات الفكر الإسلامي المعاصر على غير المسلمين، والمساواة في دساتير دول المشرق العربي، يستعرض بعض الخلاصات المهـمّة منها: عدم تطوّر العقلية العربية المشرقية وانخفاض مستوى الوعي الحقوقي، وعدم تمـثّل مفاهيم الحداثة وطغيان الهـويّة الدينية على مبادىء المواطنة وعدم إقرار مبادىء المساواة، وهي خلاصات أجدُني متّفقاً معها.
   ويـركّز المـؤلّف على عدد من الحلول التي نشترك معه في خطوطها العريضة ومنها الإقرار بالتعدّدية وصياغة قوانين وتشريعات أحوال شخصية خالية من أشكال التّمييز مع مراعاة الاتفاقيات الدولية وسنّ قانون زواج مدني (والمقصود قانون موحّد)، وإنْ كانت الفكرة غير واضحة لأنّه ربطها مع إمكانية المحافظة على قوانين الأحوال الشّخصية لكلّ طائفة، ناهيك عن مراجعة المناهج التعليمية والتّربوية وتحريم الحضّ على الكراهية والعنف وهي مسألة جديرة بالاهتمام، ويمكن أن نضيف الدّور المهمّ والبارز الذي يمكن أن يقوم به المجتمع المدني كـ"قوّة اقتراح" و"مشاركة"، وليس "قوّة احتجاج" و"اعتراض" وحسب، إضافة إلى ضرورة "إصلاح الفكر الديني" وتنقيته من كل ما علق به من شوائب لا علاقة لها بالدين، كما ينبغي التمييز بين الدين والنصّ الإلهي والتفسير والتأويل الفقهي، فهذه الأخيرة من صنع البشر وهم خطّاؤون.
- II -
   أرى أنّ الباحث في جهده المضني قد نجح في مقاربة عدد من الأطروحات والمفاهيم ذات العلاقة بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان، مستخدماً - على نحو متقن ودقيق - مصادر ومراجع مـهمّة ومعتمدة، في إطار منهجيّة وضعها لنفسه بأسلوب سلس ولغة متماسكة، ما يفتح الشهيّة لنقاش حقوقي ومعرفي وثقافي، فيما يتـعلّق ببعض المفاهيم التي طرحها مثل "الأقـليّة" و"الأكثرية" وهي مصطلحات بحاجة إلى رؤية مـوحّدة إزاءها نظراً لما تحمله من إغراض وقصدية حتى وإن استخدمتها "الأمم المتحدة" في "إعلان حقوق الأقـليّات" الصادر العام 1992 و"إعـلان حقوق الشعـوب الأصلية" الصادر العام 2007، وهنا يمكن أن نُــدرج عدداً من التناظرات فيما يتعلّــق بالهويّة، بقدر ما يرتبط بالعنوان الذي نناقشه، فهناك هـويّة ثابتة وأخرى متحوّلة، وهناك هويّة ساكنة وثانية متحرّكة.
   لقد توّلدت عندي قناعة منذ نحو ثلاثة عقود من الزمان عن عدم استخدام مصطلح "الأقليّة" و"الأغلبيّة" إلاّ "مجازاً"، لا سيّما بخصوص المجموعات الثقافية ولا أقول "الأقلّيات" لأنّها تستبطن ضمنيّاً عدم المساواة والهيمنة من جهة، والاستتباع والرّضوخ من جهة أخرى. وأفترض أنّها مصطلحات تصلح لتوصيف القوى والتجمّعات السّياسية والحزبية والكتل البرلمانية وليس "المجتمعات المتعدّدة الثقافات"، لأنّ المسألة لا تـتعلّق بالعدد والحجم، إنّما لها علاقة بالحقوق المتساوية التي ينبغي أن تتـمتّع بها المجموعات الثقافية صغيرها وكبيرها، بغضّ النظر عن عددها.
   الأمر الذي توقّفتُ عنده باجتهاد حاولت أن أحاجج فيه بأكثر من محفل وبحث وكتاب، ويمكن الإشارة هنا إلى كتابين الأوّل بعنوان: "فقه التسامح في الفكر العربي - الإسلامي - المواطنة والدولة"، والثاني: "أغصان الكرمة - المسيحيّون العرب"، لما لتلك المصطلحات من دلالات وانعكاسات على مجمل النّظام السّياسي ومبادىء المواطنة التي تقوم على الحرّية والمساواة والعدالة والشّـراكـة والمشاركة.
   أضف إلى أن ثـمّة هـويّة عـامّة أو شاملة وهـويّة فرعية أو خاصة، والهويّة سواء أكانت "أقلّـويّة أو "أغلبـويّة"، فهي قد تكون مضطهَدة أو مضطهِدة!! مثلما يمكن أن تكون الهويّة مفتوحة أو مغلقة، وتتوزّع الهويّات الفرعية أحياناً بين الإثنيات والأديان والسلالات واللّغات والآيديولوجيات.
- III -
   سأحاول أن أضعَ سيناريوهات هي أقرب إلى الأوهام التي عاشت معنا بخصوص حلّ مسألة الهويّات، دينية كانت أو إثنية أو غيرها، إذْ لا أجد هناك حلولاً مطلقة أو نهائية أو سرمدية لهذه المسألة، لأنّها تشبه الكائن الحي في تطوّرها وتفاعلها، إذْ أنّها كالحقوق الإنسانية تتخالق على نحو لا محدود. وفي هذا المجال يطيب لي أن أشتبك ودّياً مع المنظومة المعرفية والحقوقية التي يتبنّاها المؤلّف اتّفاقاً وتمايزاً.
   السّيناريـو الأوّل أو الوهم الأوّل - إنّ الدول الصّناعية والمتقدّمة والدّيمقراطية والعلمانية والليبرالية حلّت مسألة الهويّة، بإقرار مبادئ المواطنة، لكنّ مثل هذا الحل كان مبتوراً وظرفياً وغير متكامل، لأنّ حاجات الإنسان في تطوّر دائم، الأمر الذي يتطلّب تعميقاً وتطويراً تلبية لاحتياجات جديدة تعبّر عن الهويّة في حقب زمنية لاحقة.
السّيناريو الثّاني أو الوهم الثّاني - إنّ تحقيق المواطنة الكاملة والمساواة التامّة في الدول الديمقراطية العلمانية المتقدّمة ذات التوجّه الليبرالي، يدفع صراع الهويّات إلى الخلف، لكنّ ذلك، مثلما تُبيّن التّجربة، لم ينهِ الصراع أو الجدل أو التفكير في خيارات وبدائل لانبعاث الهوّيات الفرعيّة.
وهناك نماذج كثيرة مثل الصّراع بين الوالانيين والفلامانيين في بلجيكا على الرّغم من أنها دولة ديمقراطية وفيدرالية وعلمانية والمواطنة المتساوية فيها محترمة، وكذلك رغبة كاتالونيا وإقليم الباسك بالانفصال عن إسبانيا ومقاطعة الكيبك عن كندا، واسكوتلاندا عن بريطانيا، وحساسيّات ومشاكل جنوب فرنسا وجنوب إيطاليا وغيرها، إذْ توجد نحو 20 مسألة تتعلّق بحقوق المجموعات الثقافية تنتظر حلولاً ومعالجات مُرضية في الغرب.
الفارق الأساسي بين مجتمعاتنا والمجتمعات الديمقراطية هي أنها تمتثل لحكم القانون في حلّ خلافاتها وهو ما سعى المؤلّف لإبرازه ونتّفق معه، أي أنهم يلجأون إلى السلم والاحتكام إلى الدستور وإلى التفاهم والتسويات الرّضائية، في حين أنّ النزاع لدينا ينتقل إلى الوسائل العسكرية والعنفية، وأحياناً يتمّ الاستقواء بأطراف خارجية تزيد اللوحة تعقيداً.
السّيناريو الثّالث أو الوهم الثّالث - اعتقادنا أنّ الدول الاشتراكية السّابقة حلّت مسألة الهويّة، حتى ظنّ البعض أنّ ألمانيا الديمقراطية أصبحت "أمّة منفصلة" عن الأمّة الألمانية، وهو ما تبنّاه دستورها في العام 1977 بحكم نظامها الاجتماعي، لكنّ هذا الوهم سرعان ما أثبت "قصر النظر"، وأدّى لدى فريق من الذين كانوا ينظرون إلى التجربة الاشتراكية باعتبارها "قوّة مثل" و"نموذج رائد"، إلى القنوط واليأس والإحباط، خصوصاً بعد أن اندلعت الموجة الدينية والطائفية، بكلّ بدائيّتها في العديد من الدول الاشتراكية السابقة، وقادت هذه إلى انقسامات وحروب طاحنة، فيوغسلافيا انشطرت إلى ستة أقسام والاتحاد السوفييتي إلى خمسة عشر قسماً، وانفصلت جمهورية تشيكوسلوفاكيا مخملياً إلى جمهورية التشيك وجمهورية السلوفاك، ولا تزال الحروب والصّراعات قائمة والحلول بعيدة المنال، كان آخرها بين روسيا وأوكرانيا، خصوصاً بشأن شبه جزيرة القرم.
السّيناريو الرّابع أو الوهم الرّابع - إنّ صراع الهويّات ينحصر في العالم الثالث، لكنّ ذلك ليس صحيحاً بالكامل، فقد استطاعت بلدان "عالمثالثية" أن تجد طريقها الخاص إلى الديمقراطية وتجد حلولاً لقوميات وأديان ولغات متعدّدة، مثل الهند وماليزيا، اللّتين لهما هويّات موحّدة، مع الهويّات المتعدّدة الدينية والطائفية والإثنية والسلالية واللّغوية، المختلفة والمتعايشة والمتصالحة في الآن، دون أن يختفي الصّراع أو الجدل المحتدم بينها، وهناك تجارب أخرى على هذا الصعيد، والمسألة مرهونة بنوع نظام الحكم من جهة، ومن جهة أخرى بالخيارات المجتمعيّة ودرجة التوافق الوطني والثّقافي، ووسائل التعبير عن الشعور بالتميّز والخصوصيّة.
السّيناريو الخامس أو الوهم الخامس – ترفُّعنا عن التخويض في المسألة الدينية وذيولها الطائفية، بزعم "علمانيّـتنا" وإيماننا بالهويّة الوطنية الجامعة، العابرة للطوائف والإثنيات، باعتباره الحلّ الأمثل، لكنّ ذلك لم يكنْ إلاّ هروباً إلى الأمام وعدم مواجهة المشكلة التي تعيش بيننا، حتى إذا ما استفحلت أصبحت الحلول المطروحة لمعالجتها شحيحةً ومحدودةً، خصوصاً وقد تمّ استثمارها من قوى خارجية إقليمية ودوليّة.
ويبقى النموذج "الداعشي" مثالاً صارخاً في استهداف المسيحيّين، لا سيّما بفرض "التأسلم" عليهم أو مطالبتهم بدفع الجزية أو الرحيل، وإلاّ فإنّ القبور المفتوحة تنتظرهم. وذلك جزء من مخطّط بعيد المدى يسعى منذ عقود لتفريغ المنطقة من أهلها الأصليّين ليتحكّم أصوليّوها، ابتداءً من فلسطين مروراً بلبنان والعراق وسوريا ومصر وغيرها. فداعش ودولة الخلافة "الخالصة" هي الوجه الآخر لدولة "إسرائيل" اليهودية "النقية".
- IV -
   والآن لماذا يُستهدف المسيحيّون وهل حقّاً هم "أقليّة"؟
   عدّة أسباب تقف خلف استهداف المسيحيّين وتتزامن مع نشوء تيار "أصوليّ" متطرّف ومتعصّب، سواء اتّخذ اسم تنظيمات "القاعدة" أو "داعش" أو "جبهة النصرة" (جبهة فتح الشام) أو أي مسمّى آخر، وواكبه احتلال العراق وما تركه من ردود أفعال على شعوب المنطقة.
   السّبـب الأوّل: دفع المسيحيّيـن للهجرة لترسيخ الاعتقاد السّائد - وخصوصاً لدى المجتمعات الغربية - على أنّ المسلمين لا يريدون العيش مع المسيحيّين في دول المشرق، وجوهر المشكلة هو تعـصّبهم وتطرّفهم حتى مع سكان البلاد الأصليّين. هذا ما تروّج له الصهيونيّة العالمية، وقد لقي صداه في الغرب لدرجة أنّ هناك "رُهاب" من الإسلام وهو ما يُطلق عليه "الإسلامفوبيا".
   السّبـب الثّانـي: تمزيق النّسيج الاجتماعي لمجتمعات وشعوب أصيلة ومتجذّرة في تعايشها وشراكتها، الأمر الذي سيؤدّي إلى مضاعفة أسباب الهجرة. وهنا تبرز مسألة معالجة "الاندماج والإدماج" التي تحدّث عنها الدكتور جرجس، والتي ربطها بفكرة المواطنة.
   السّبـب الثّالث: إظهار عدم التّعايش "الإسلامسيحي" في الشرق، مما يعني عدم رغبة المسلمين في التعايش مع الغرب المسيحي، حيث يوجد ما يزيد عن 15 مليون مسلم يعيش في أوروبا وأميركا وكندا وغيرها، وهو ما يثير مشكلات تتـعلّق بالهويّات وتفاعلها.
   السّبـب الرّابع: تشويه صورة العرب والمسلمين بشأن الأديان الأخرى، والدليل محاولة "استئصال" المسيحيين وهو ما تتعـكّز عليه "إسرائيل" مستفيدة في دعايتها السوداء من الأعمال الإجرامية لداعش والجماعات الإرهابية، لأنّها  تدّعي أنّ صراعها مع العرب والمسلمين هو صراع دينيّ تناحريّ إقصائيّ لا يمكن حـلّه. وبما أنّ المسلمين يزيد عددهم على مليار ونصف المليار إنسان، فهذا يعني أنّهم يريدون "استئصال" اليهود من الوجود.
   وتستهدف "إسرائيل" من وراء ذلك استدرار العطف من جهة وكسب الغرب والعالم إلى جانبها من جهة أخرى، باعتبارها "ضحية".
   وهكذا يختفي بطريقة مبرمجة ومدسوسة الجانب العنصري الصهيوني المتعصّب في الصراع مع العرب ليصبّ في مصلحة "إسرائيل"، التي تغتصب الأرض وتطرد سكانها الأصليين وتمارس العدوان منذ قيامها وحتى يومنا.
   السّبـب الخامس: ضيق هامش الاعتراف بالتنوّع والتعدّدية وادّعاء الأفضليات والزعم باحتكار الحقيقة، وبالطبع شحّ مساحة الديمقراطية في العالم العربي وتدنّي مستوى الحرّيات العـامّة والشخصية، ما شجّع خلق بيئة خصبة لنمو العنف والإرهاب والاستبداد، حيث تجد التنظيمات الإرهابية ضالّتها في استهداف الآخر، لا سيّما المسيحيين وأتباع الأديان الأخرى.
   السّبـب السّــادس: استنزاف طاقات علميّة وفكريّة وفنيّة وأدبيّة يمتلكها المسيحيون، فضلاً عن كفاءات اقتصادية واجتماعية هائلة تشكّل الموزاييك المجتمعيّ والتنوّع الطائفي. وفي ذلك خسارة كبرى لشعوب المنطقة وطاقاتها البشرية وإضعاف لدولها الوطنية.
   السّبـب السّابـع: إضعاف التضامن المسيحي الدولي مع شركائهم المسلمين في الشرق وتحديداً فيما يخصّ القضية الفلسطينيّة علماً أن مسيحيّي الشرق، خصوصاً الذين يعيشون في الفاتيكان قد دافعوا عن عروبة فلسطين بقوّة وجدارة، وقد رفض الفاتيكان حينها قرار التّقسيم رقم 181 الذي صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة العام 1947، وهو ما ورد على لسان رئيس أساقفة نيويورك سبلمان Spelman انطلاقاً من فكرة أنّ أرض فلسطين كلّها مقدّسة بالنّسبة للمسيحيّة، وذلك بعد إعلان بريطانيا انتدابها على فلسطين وإحالة القضية إلى الأمم المتحدة. وهنا أستحضر الموقف الريادي للمطران كبوجي.

- V -
   خلاصة القول: كان المسيحيّون وسيبقون جزءًا من النّسيج الاجتماعي والسّياسي والتاريخي لبلدان المنطقة وشعوبها، ولعلّ واحداً من سرّ جمال التكوينات الثقافية العربية، لا سيّما للمشرق العربي هو التنوّع والتعدّدية التي عرفها، لكنّ المنطقة ولأسباب موضوعية وأخرى ذاتية، شهدت هجرة مسيحيّة في العقود الأخيرة الماضية، وإذا كان المسيحيّون قبل نحو قرن من الزمان يشكّلون نحو 20% من سكان المنطقة، فإنّهم اليوم أقل من 5% وقد تتراجع نسبتهم كلّما ارتفعت موجة العنف والإرهاب التي تدفعهم للهجرة خصوصاً بازدياد درجة معاناتهم وشعورهم بالاستلاب.
   وقد حاولت "إسرائيل" منذ احتلالها فلسطين التركيز على تهجير المسيحيّين، وفصلهم عن المسلمين، بهدف تفريغ الوطن منهم بزعم أنّ الصراع ديني وهو بين المسلمين واليهود، وليس صراعاً كيانيّاً حقوقيّاً يـتعلّق بشعب احتُـلّت أراضيه، وبين مغتصب ومستعمر استيطاني إجلائي.
   وحين أقول إنّ المسيحيين ليسوا "أقليّة" فلأنّ أغلبيتهم عرب وهؤلاء بالطبع "أغلبية" في بلدانهم، كما أنّ الأكثرية السّاحقة منهم تعتبر الرابط العروبيّ وخصوصاً اللّغة العربية هي التي تجمعهم بأوطانهم وبشركائهم، ناهيك عن دورهم التنويري والحداثوي ومساهمتهم في نضال أمّتهـم وشعوبها من أجل انبعاثها الحضاري.
   "المسيحّيون في المشرق العربي" موضوع راهني ومستقبلي لأنّ معالجة قضايا التنوّع والتعدّدية وحقوق المجاميع الثقافية ترتبط بصميم المواطنة ودولة القانون والحقّ. وهو ما حاول الدكتور نائل جرجس عرضه بتقديم رؤى وتصوّرات وطرح حلول وإجابات ناجعة، وإن تغـلّب فيها السياسي أحياناً على الحقوقي، وهو ما يثير أسئلة متشابكة ومـعقّدة بقدر تعقيدات الواقع العربي بحاجة إلى حوار معرفي وموضوعي، بحيث تنسجم المقدّمات النظرية الحقوقية مع الاستنتاجات العملية ولا يترك للأحكام المسبقة أن تأخذ طريقها في إطار البحث العلمي. ويتطـلّب الأمر تكوين رأي عام مجتمعي يؤمن بالمشترك الإنساني ويقرّ بمبادىء المساواة والعدالة والشراكة في فضاء من الحرّية، كيما تصبح مبادىء المواطنة ملزمة على صعيد الدولة والمجتمع.

60
نقض «الرواية «الإسرائيلية»»
عبد الحسين شعبان
في الحلقة النقاشية التي نظّمها «منتدى الفكر العربي» في عمان، برعاية الأمير الحسن بن طلال، انصبّت المناقشات حول «مستقبل القضية الفلسطينية في إطار المشرق العربي» بمراجعة تاريخية، وصولاً للحاضر، واستشرافاً للمستقبل، مع شيء من التركيز على العلاقة العضوية «الأردنية - الفلسطينية» ومقوّماتها، ومحدّداتها، بما فيها مستقبلها المؤسسي العربي والإسلامي الذي يُعنى بالقدس تحديداً. وهو ما دعا الأمير الحسن إلى الحثّ على تأسيس مرصد متخصص بالشؤون الفلسطينية يعمل عليه فريق من الشباب العربي ل«إبراز ما يحدث في فلسطين من أحداث ووقائع، ويُسهم في إيجاد حالة متقدمة من التفاعل مع التحديات الحقيقية التي تواجه الفلسطينيين وتعزيز صمودهم».
كما اشتمل الحوار على قضايا اللاجئين والقرار 194 بخصوص «حق العودة»، وما يتعلّق بقضايا الطاقة والمياه والبيئة والمسار الخاص «بالأرض مقابل السلام»، لاسيّما وصول الحلول المطروحة إلى طريق مسدود، بما فيها اتفاق أوسلو الفلسطيني- «الإسرائيلي» لعام 1993.
وكانت «الدبلوماسية والثقافة» أحد المحاور التي شملتها الحلقة النقاشية، باعتبارها تمثّل «القوة الناعمة» التي على العرب والمسلمين وأصدقائهم استخدامها لنقض «الرّواية «الإسرائيلية»»، وهو ما تم إهماله على مدى عقود من الزمان، إذْ كان بالإمكان استخدامها كسلاح دولي مؤثر وفعّال لدعم قضيتهم استكمالاً متوازياً مع الأسلحة الأخرى، خصوصاً أن الدبلوماسية والثقافة تتداخل مع الحقول السياسية والاقتصادية والتجارية إلى حدود كبيرة.
وإذا أخذنا القدس نموذجاً، فبقدر ما هي «قضية خاصة» نظراً لرمزيتها الروحية والتاريخية للعرب، ولأتباع جميع الأديان، من يهود ومسيحيين ومسلمين، فإنها في الوقت نفسه تشكّل «لبّ القضية الفلسطينية» وجوهر الصراع العربي - «الإسرائيلي» التي لا يمكن الحديث عن أي حلّ من دون استعادتها باعتبارها عاصمة للدولة الفلسطينية المنشودة، وهو ما ذهب إليه المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في الجزائر العام 1988، الذي أعلن قيام الدولة الفلسطينية التي اعترفت بها حتى الآن أكثر من 140 دولة، خصوصاً بعد انضمامها للأمم المتحدة العام 2012.
وتعتبر الحلقتان الدبلوماسية والثقافية جزءاً من حركة مقاومة سلمية مدنية ضرورية لاستكمال سبل المواجهة الأخرى، خصوصاً باستخدام «القوة الناعمة» لمصلحة الحق في مواجهة الباطل. ولأن الأمر يحتاج إلى استراتيجية تكاملية تتجاوز ما هو طارئ ومؤقت، إلى ما هو مستمر وبعيد المدى، فلا بدّ من توظيفها وبالوسائل المتاحة تساوقاً مع الأهداف العامة التي يسعى إليها الشعب العربي الفلسطيني، سواء ما يتعلّق بالقدس أو بعموم القضية الفلسطينية بمفرداتها المختلفة انطلاقاً من مبدأ حق تقرير المصير.
لقد تمثّلت المعارك السياسية والعسكرية، طوال نحو قرن من الزمان، بطائفة من الاصطفافات والاستقطابات السياسية، والحروب، والنزاعات، تلك التي ابتدأت منذ وعد بلفور العام 1917 وقبله اتفاقية سايكس - بيكو السرية العام 1916 لتقسيم المنطقة إلى كيانات، وفي محاولة الالتفاف على مشروع «الثورة العربية» بقيادة الشريف حسين، وحروب «إسرائيل» العدوانية منذ قيامها في العام 1948، ولكن الحلقة الدبلوماسية من الصراع العربي - «الإسرائيلي» ووجهتها القانونية ظلّت بعيدة عن الاهتمام المطلوب. ولم تنل الحلقة الثقافية الاهتمام الذي تستحقه.
وكلاهما يمثّل جانباً حضارياً وسلمياً كجزء من «دبلوماسية القوة الناعمة» التي على العرب ومناصريهم استخدامها حيثما أمكن، لأنها كانت، ولا تزال شرطاً لا غنى عنه لخوض معركة ناجحة، وبوسائل متنوّعة، وأساليب متعدّدة، وحديثة ومقنعة، فضلاً عن ذلك فإن تأثيرها سيكون فعّالاً إذا أُحسِن استخدامها، لما له من انعكاسات على الجوانب الأخرى، بما فيها الموارد الأولية كالنفط والغاز مثلاً، واستخداماتهما التي يمكن أن تكون حيوية في إطار توازن المصالح، وتبادل المنافع والمشترك الإنساني.
إن استخدام الوسيلتين الدبلوماسية والثقافية يعني الضغط على المجتمع الدولي لاحترام قراراته، ومن ثم تطبيقها، خصوصاً القرار 2334 الصادر في 23 ديسمبر/ كانون الأول لعام 2016 بشأن إدانة الاستيطان «الإسرائيلي»، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يدعو واشنطن إلى سحب قرارها الاعتراف بالقدس عاصمة «لإسرائيل»، علماً بأن الاستيطان يعتبر جريمة دولية.
وإذا كانت إدانة الاستيطان هدفاً دبلوماسياً راهناً، فإن قرار «اليونيسكو» الصادر في 18 أكتوبر / تشرين الأول 2016 والقاضي باعتبار الأماكن المقدسة في القدس من تراث العرب والمسلمين تأكيد لقرار سابق لليونسكو صادر في 13 أكتوبر / تشرين الأول من العام نفسه يقضي بنفي «نظرية الهيكل» ويعتبر «المسجد الأقصى» و«الحرم القدسي» و«حائط البراق» جزءًا من التاريخ الفلسطيني، وبالأسماء العربية، وليس بالتسمية اليهودية «جبل المعبد».
إن واحداً من أهداف التحرّك الدبلوماسي والثقافي العربي هو إقناع المجتمع الدولي، ليس بصحة الرواية التاريخية العربية فحسب، بل بالحق العربي الفلسطيني من جهة، ومن جهة أخرى، التشكيك في صدقية الرواية «الإسرائيلية» ومزاعمها الخرافية، خصوصاً بالاستناد إلى قرارات منظمات دولية حقوقية وثقافية، وبوسائل القوة الناعمة، بما فيها الأدب والفن وكل ما له علاقة بالتأثير في الرأي العام لإقناعه أكثر فأكثر بالحقيقة العربية، سواء بشأن القدس خصوصاً، أو فلسطين عموماً.
drhussainshaban21@gmail.com


61
أزمة الهويات في سوريا والعراق ولبنان


شروق صابر
تعد أزمة الهوية من الأزمات المتشابكة والمتداخلة، سواء من حيث مسببات حدوثها، أو مخاطرها على ركائز الأمن القومي العربي، بعد أن أصبحت مدخلا للصراعات وبوابة للتدخلات الخارجية التي استغلت حالة المظلومية التي تعاني منها الأقليات، سواء كانت عرقية أو إثنية أو دينية. ومن هنا جاءت أهمية جلسة العصف الذهني التي عقدتها "وحدة الدراسات العربية والإقليمية" بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، فى 14 فبراير 2018، تحت عنوان "صراع الهويات في سوريا والعراق ولبنان"، والتي تحدث فيها د. عبد الحسين شعبان، أستاذ الاجتماع والمفكر العراقي، عن أزمات الهوية التي انفجرت داخل المجتمعات العربية، والتي تعود إلى سوء إدارة بعض نُظم الحكم للتنوع الثقافي والتعددية بأشكالها المختلفة، والتي لم تحظى بالاهتمام الكافي خلال الفترة الماضية.
وبدأ د. شعبان بطرح فكرتين. الأولى أنه رغم أن قضية الأقليات لم تكن مطروحة داخل المجتمعات العربية بشكل واضح، فقد ظهر على مسرح الأحداث استقطابات حادة ومثيرة انفجرت على نحو غير مسبوق. ويعود ذلك إلى اعتماد الدولة على المركزية الشديدة والصارمة فى إدارتها لذلك التنوع. وتكمن الإشكالية الرئيسية في معالجة وطرح تلك القضية فى تقديره إلى التركيز بشكل رئيسي على العامل الخارجي، ولم تحظ التكوينات المجتمعية بالقدر الكافي من الدراسة والبحث من أجل تقديم حلول جذرية لمشاكلها بدلا من الاكتفاء بوضع مسكنات وحلول شكلية.
الفكرة الثانية أن هناك الكثير من الممارسات الخاطئة في تاريخنا تستوجب الاعتراف بها. أي لابد من إعادة قراءة التاريخ وتقييمه لمعرفة ما هو إيجابي من أجل تطويره، وما هو سلبيفي معالجة تنوع  الهويات لمعرفة نقاط الضعف، والتي كانت من بين العوامل التي تسببت في التوترات التي تشهدها المنطقة والتي تدفع ثمنها بشكل رئيسي الشعوب العربية.
ورأى د. محمد السعيد إدريس، مستشار المركز، أن التجربة العراقية تنعكس على التجربة السورية، أي يوجد عوامل تأثر وتأثير بين الأحداث والتفاعلات بين البلدين. وأن هناك ضرورة لدراسة ما يحدث في العراق؛ فهل ينتج عن تطور تلقائي للأحداث أم أن هناك عوامل ومدخلات تسرع من تطورات الأزمة العراقية.
ولفت د. شعبان الانتباه إلى أن أزمة الهوية لا تقتصر فقط على منطقتنا العربية، لكن العالم أجمع يعيشها، حيث انفجرت مشكلة الهويات الفرعية في أوروبا الشرقية لاسيما بعد انهيار الاشتراكية في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، مع ملاحظة وجود فوارق بين ما يحدث داخل البيئة العربية وما يحدث داخل البيئة الأوروبية. كما أنه فى الدول الأوروبية أيضا هناك بعض الاختلافات من حالة إلى أخرى، حيث تم معالجة بعضها بهدوء نسبي إلى حد ما، وهناك أزمات أخرى في مناطق رخوة انفجر فيها الصراع وتحول إلى صراع دموي في الكثير من الأحيان.ففي أوروبا الشرقية كانت الدولة المركزية الشديدة الصرامة تغطي على التناقضات القائمة، حتى ظنت الشعوب أن الاشتراكية استطاعت حل واحتواء مشكلة القوميات، إلا أنه بعد مرور سنوات عديدة تجددت وانفجرت المشكلات القومية والإثنية على نحو غير مسبوق، حتى جرى تهجير العديد من سكان المناطق وأصحاب ديانات مختلفة بأكملهم إلى مناطق أخرى، وإحلال سكان آخرين محلهم، في إطار  استبدال هوية بأخرى بديلة، وتغيير سكاني ديموغرافي لهويات أخرى.
في هذا الإطار، أضاف د.عادل عبد الصادق،الخبير بوحدة الدراسات العسكرية والأمنية بالمركز، أن تجربة أوروبا الشرقية تختلف في الكثير من جوانبها عن تجربة مجتمعاتنا العربية، انطلاقًا من موقف الدول الأوروبية في ألمانيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية في دعمهم لعمليات التحول في أوروبا الشرقية، بخلاف ما حدث في المنطقة العربية من اضطهاد للأقليات والهويات الفرعية مما أدى إلى المزيد من الشحن الطائفي والاحتقان.
وأوضح د. شعبان أن حرمان تلك الأقليات من حقوقها وحرياتها يُعد انتهاكا صريحا وانتقاصا من حقوق المواطنة، التي يندرج ضمنها أربعة قضايا أساسية، هي: الحريات، والمساواة، والشراكة أو المشاركة، والعدالة. ولذلك فعندما يتم ذكر تعبير المواطنة يُقصد بها القضايا المركزية السابقة التي نستطيع في ظلها أن نحتكم إلى قواعد قانونية، يكون أساسها دستوريا، وتديرها مؤسسات، بالإضافة لوجود مؤسسات رقابية تشرف على أداء هذه المؤسسات، ويتم اللجوء إليها في حالة وجود اختلافات أو أي صورة من صور انتقاص حقوق المواطنة. لذلك فإن غياب الحقوق المرتبطة بالمواطنة كان من بين العوامل الرئيسية فيصعود أزمة الهويات الفرعية التي يضيع في ضوئها وحدة وتماسك الدولة.
وأكد د. أيمن عبد الوهاب، رئيس وحدة الدراسات المصرية بالمركز، أنه إذا أردنا الحديث عن دولة حديثة ينبغي أن ننطلق من المواطنة التي تقوم على أساس فكرة الحوار، سواء كان حوارًا ثقافيًا أو حوارا بين الأجيال والطوائف داخل المجتمع. لذلك نجد أن تنامي فكرة الهوية في العراق مرتبط بصعود الأيديولوجية أو إعادة النظر في مفهوم الدولة وسيادتها وعلاقاتها مع السلطة. أي أن الأمر يتطلب إعادة تقسيم السلطة بعيدًا عن المصالح، كخطوة أولية مهمة من أجل تعزيز المواطنة.
وطرح د. معتز سلامة، رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بالمركز، سؤال: هل موضوع الهوية نشأ على مدار العقود وكرسه نظام صدام حسين أم أنه دُفع به في غزو احتلال العراق؟
وأوضح د. عبد الحسين أن جميع المجتمعات مركبة، فليس هناك مجتمع بسيط؛ ففي العراق هناك قوميتان رئيسيتان، هما العرب (ويمثلون 80% من سكان البلاد)، والأكراد، إضافة إلى التركمان. وهناك وجود محدود للآشوريين الذين يتحدثون اللغة السريانية. أما دينيا، فهناك المسلمون، والمسيحيون والصابئة المنداريون، والصابئة غير المنداريين، واليزيديون، وهناك تكوينات أخرى أقل منها. أما إذا أردنا تقسيمها إلى طوائف فإن المسلمين في العراق ينقسمون إلى طائفتين رئيسيتين، هما الشيعة، والسنة.
وتحدث د.شعبان عن اضطهاد المسيحيين في المنطقة، حيث لاحظ استهدافًا من جانب إسرائيل للمسيحيين، بهدف تفريغ الدولة منهم وذلك من خلال اتباع كافة السبل من أجل حثهم على ترك فلسطين. ونتيجة لذلك، نجد بعد أن كانت نسبتهم إلى إجمالي السكان قبل الاحتلال ما يقرب من20%، تراجعت هذه النسبة إلى أقل من 1.25%، وكان عدد المسيحيين في القدس وحدها 50 ألف مواطن، اليوم مع الزيادة السكانية لمدة 70 عامًا أصبح لايزيد عددهم عن 5 آلاف مواطن.
ويتضح ذلك على نحو ملحوظ فيما يخص الاضطهاد والتهجير المتعمد الذي تعرض له مسيحيو الشرق، وبشكل خاص في العراق وسوريا ومن قبلهما لبنان. هذا بالإضافة  للصور المختلفة للتهميش والإقصاء الذي يتعرض له المسيحيون في بعض الدول العربية الأخرى، وهى إشكالية لا تزال قائمة في تلك البلدان، ومازالت بحاجة إلى حلول مبتكرة.
وفي سوريا في فترة أواخر الأربعينيات من القرن العشرين كانت نسبة السكان المسيحيين 18%، وبعد ما تعرضوا له من عمليات إجلاء وتهجير بجانب ما حدث من أعمال عنف واستهداف في السنوات الأخيرة تراجعت هذه النسبة إلى (6%- 8%). الأمر ذاته في حالة مسيحيي العراق، فقد بلغ عددهم قبل الاحتلال أكثر من مليون مواطن أما الآن لا يزيد عددهم عن 400 ألف مواطن، وذلك بسبب اضطرار نصفهم إلى الهجرة بسبب ما تعرضوا له من عمليات إبادة واستهداف مباشر.
حدث ذلك الأمر أيضًا في لبنان، ففي أثناء الحرب الأهلية التي شهدها لبنان هاجر حوالي 700 ألف مواطن كان أغلبهم من المسيحيين.
وتحدثت أ. شيماء منير، الباحثة بوحدة الدراسات العربية والإقليمية بالمركز، عن البعد الخارجي في تعزيز صراع الهويات في المنطقة، خاصة موضوع الصراع السني الشيعي، الذي يحقق المصالح الصهيونية في المنطقة من أجل تراجع الصراع العربي– الإسرائيلي.فعلى الرغم من المظلومية والتهميش الذي عانت منه الأقليات المختلفة، إلا أن إثارة تلك المشاكل ظهرت على نحو غير مسبوق مع الاحتلال الأمريكي للعراق، ومحاولة إحياء مشروع تقسيم المنطقة على أسس عرقية. ويتضح هنا المصالح الصهيونية في تهجير مسيحيي الشرق من أجل تعزيز فكرة الدولة اليهودية الخالصة، تحت ذريعة مواجهة  المسلمين وذلك بعد تفريغ دول المشرق من المكون المسيحي، خصوصا في سوريا والعراق والذي يعد العنصر المسيحي هناك داعما  للعروبة ومناهضا لمخططات التقسيم. كما أن لذلك الصراع على الهويات بعد آخر يتمثل في تراجع الهوية العربية لصالح الهوية الشرق أوسطية التيدعي إليها شيمون بيريز في كتابه الشرق الأوسط الجديد. 
وانتقل د. شعبان من ذلك إلى مسألة تحويل الدولة من دولة بسيطة إلى دولة مركبة، بحيث يتم تأسيسها على مبدأ الفيدرالية، والذي طالبت به الحركة الكردية وبعض القوى اليسارية في العراق.كان الحكم السابق في العام 1970 قد أقر بمبدأ الحكم الذاتي، وتم تشكيل مجلس تنفيذي (حكومة)، ومجلس تشريعي (برلمان)، وسلطة تشريعية، ولكن ظلت معظم الصلاحيات في أيدي السلطة المركزية. وبالرغم من اعتراف هذا الحكم ببعض حقوق الأكراد لكنه لا يرتقي إلى درجة الحكم الذاتي، حيث شابته الكثير من النواقص والثغرات التي أدت إلى اندلاع القتال بين الحركات الكردية من جهة، والحكومة، من الجهة الأخرى.
وبعد العام 2003 أسس برايمر لفكرة تقسيم العراق تحت عنوان "تحويل العراق من دولة بسيطة إلى دولة مركبة"، أي تحويله إلى دولة فيدرالية، من حيث توزيع المصالح بين السلطات خاصة إذا كان بالدولة مكونات. وورد في الدستور العراقي الذي شُرع عام 2005 ومن قبله قانون إدارة الدولة العراقية لعام 2004 ثمان مرات كلمة "المكونات" داخل الدستور، والتي شملت الشيعة، والسنة، والأكراد. كما تم تقسيم مقاعد البرلمان على أسس طائفية وعرقية، بواقع 13 مقعدا للشيعة، و5 مقاعد للسنة، و5 مقاعد للأكراد، ومقعد واحدًا للتركمان، ومقعدًا أيضًا للآشوريين.
هذا التقسيم لم يكن عادلا، حيث كان من المفترض أن يتم تخصيص 80% من المقاعد للعرب وللأكراد، و20% من المقاعد للآخرين. وذلك يؤكد أن الهدف كان هو تحقيق التقسيم التفتيتي التدريجي الذي يقوم بزرع الكراهية والعداء والتناقض بين الأكراد من جهة، وبين العرقيات والإثنيات والأديان من جهة أخرى، والذي أدى إلى انفجار شديد الخطورة كاد أن يقضي على مئات الآلاف من السكان إذا لم يجرى احتوائه وهو ما حدث من تفجير للإمامين الحسن العسكري وعلي الهادي في سامراء عام 2006.
وأشار د. شعبان  فى الوقت ذاته إلى أن الفيدرالية تظل شكل من أشكال نظم الحكم الإيجابية، التي تتضمن توزيع الصلاحيات بين الفئات والجماعات، فهناك أكثر من 40 فيدرالية في العالم، وجميعها ناجحة، ولكن تختلف الفيدرالية التي نتحدث عنها في العراق عن باقي الفيدراليات الأخرى. ففي النظام الفيدرالي الطبيعي إذا تعارض الدستوران الإقليمي والفيدرالي ستكون الغلبة للدستور الفيدرالي، أما في النظام الذي نتحدث عنه إذا تعارض الدستوران الفيدرالي والإقليمي فإن الغلبة تكون للدستور الإقليمي. ويحق للأقاليم أن تنشئ بعثات داخل السفارات العراقية تعني بالشئون الاجتماعية والثقافية وغيرها، وهو ما يشكل دويلة داخل دولة، وما ينتج عنه من تداعيات أخرى خاصة بموضوع الدفاع، فالبشمرجة صفتها داخل الدستور العراقي "حرس حدود" لا تخضع إداريًا للجيش العراقي والقوات المسلحة إلا بصرف الرواتب، أما قيادته وتشكيلاته وكل ما يتعلق بشئونه الخاصة فإنها تخضع لإدارة وطنية.
وأشارت د. أميرة محمد عبد الحليم، الخبير بوحدة الدراسات الدولية بالمركز، إلى "الفيدرالية" في التجربة الصومالية وأوضحت أنه في عام 2002 بدأ الحديث عن تكوين سلطة سياسية في الصومال وأن تصبح الصومال دولة فيدرالية بمعنى وجود حكومة مركزية وحكومات أقاليم، وحتى الآن يوجد صراع بين الحكومة المركزية وحكومات الأقاليم مؤخرًا. فعلى سبيل المثال، وأثناء الأزمة القطرية قامت حكومات الأقاليم بقطع العلاقات مع قطر أما الحكومة المركزية أبقت معها العلاقات ومن ثم نحن نتحدث عن دول داخل دولة واحدة تحت الرعاية الأمريكية.
وطرح د. معتز سلامة سؤالًا حول ما إذا كان الكشف عن بقاء الطائفية والهويات سوف يقضي إلى انهيار الدول فهل نمضي في هذا المسار أم لا؟
واستكمل د. عبد الحسين الحديث بالتأكيد على أهمية اعتراف الفرد بأنه داخل مجتمع يضم "مكونات"متعددة، وهو ما أوضحه د. وحيد عبد المجيد، مدير المركز،بالعودة إلى ما ورد في بعض كتابات "جان جاك روسو" والتى نفهم منها أن المجتمع مثله كمثل الحقل، من الممكن أن يصبح بستانًا أو غابة، وما يصنع الفرق الأساسي هو ما يطلق عليه "فكرة المعرفة المتبادلة"، بأن تعرف العناصر المكونة للمجتمع بعضها البعض، فعدم وجود المعرفة المتبادلة بهوية تلك العناصر يجعل كل عنصر يكون صورة خيالية للعنصر الآخر.ففي العراق، على سبيل المثال، تم تكوين صورة على أن اليزيديين يعبدون الشيطان، هذه الصور عندما يتم نقلها من جيل إلى آخر تخلق نوعًا من الكراهية والعداء تظل تحت الأرض غير واضحة للعيان في ظل وجود قبضة حاكمة؛ فمن يتولى حكم هذه المجتمعات يتخلى عن وظيفة التكامل الاجتماعي ويتحول إلى "لاصق اجتماعي" بأسلوب من القهر يقوم بلصق هذه المكونات فتبدو كوحدة كاملة رغم تفتيتها. وعندما يتم رفع هذه القبضة يتم اكتشاف ما تم ستره منذ عقود من الزمان، فالمجتمع المتعدد الثقافات والذي حظر فيه الحوار والنقاش للتعارف المتبادل هو السبب فى ظهور وتطور تلك الأزمات في المجتمعات ولذلك فإن توحيدهم يحتاج إلى عقود من الزمان.
وأشارت د. أميرة عبد الحليم إلى أن الشعور بالتمايز الداخلي هو ما يؤدي إلى سعي قومية أو جماعة إثنية معينة إلى تمييز نفسها عن الآخرين،حيث نرى أن  الشعور بالتمايز في أفريقيا على سبيل المثال خلق العديد من المشكلات منذ منتصف التسعينيات.فعندما اتجهت الدول إلى التحول نحو الديمقراطية، بدأت جماعة معينة السيطرة على السلطة والثروة مقابل تهميش للجماعات الأخرى. هذا الشعور بالتهميش هو ما أدى إلى تحرك تلك الجماعات للبحث عن انتمائها الأولي بعيدًا عن الانتماء الدولي، ومع صعود فكر الإرهاب خلال العقدين الأخيرين بدأت هذه الاجتماعات تمييز نفسها الآن على أساس ديني لكي تتمكن من رفع السلاح لمواجهة السلطة.
ورأى د. جمال عبد الجواد،مستشار المركز، إن فشل محاولة الانقسام الكردي عن جسد الدولة العراقية يعد مؤشرا إيجابيا لمحاولة إمكانية التعايش بين الأكراد والعرب على أرضية جديدة، نظرًا لحدها من التطرف والجموح الكردي نحو الاستقلال وخلق تعبيرات سياسية خاصة بالمطالب والطموحات التي يطالب بها الأكراد تكون أقل تطرفًا أو رفضًا للبقاء ضمن الدولة العراقية.

نشرت في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ، 1/3/2018، كما نشرت في صحيفة بوابة الأهرام يوم 24/2/2018. وكان مركز الأهرام قد استضاف الدكتور شعبان في جلسة عصف فكري ضمّت مسؤولي أقسام المركز ومدراء الوحدات وقام بتقديمه رئيس المركز الدكتور وحيد عبد المجيد واستغرقت الجلسة ثلاث ساعات ، وذلك في 13/2/2018.


62
التسلّح ونزع السلاح
عبد الحسين شعبان
«الحرب هي امتداد للسياسة لكن بوسائل أخرى»، بهذه المقولة الاستراتيجية التي تعود إلى المفكر النمساوي كلاوزفيتز، بدأت مداخلتي في ندوة «المعهد السويدي بالإسكندرية» التي نظّمت بالتعاون والشراكة مع «معهد استوكهولم لأبحاث السلام الدولي» Sipri و«مركز دراسات الوحدة العربية»، الذي تولّى إصدار الطبعة العربية من الكتاب السنوي، منذ العام 2003 والموسوم «التسلّح ونزع السلاح والأمن الدولي»، الذي يعدّه معهد استوكهولم.
وتكمن أهمية هذا الإصدار على ما يحتويه من معلومات ورصد للوقائع واستخلاصات لخبرات عسكرية وأمنية واستراتيجية متنوّعة، إضافة إلى تفاصيل دقيقة عن تطور حركة التسلح وتجارة السلاح ومسألة نزع السلاح والأمن الدولي.
يُذكر أن السويد لم تدخل أي حرب منذ أكثر من 200 عام، بل إنها اتّخذت موقفاً مناوئاً لها، ولاسيّما دعوتها إلى نزع السلاح وتحقيق السلم والأمن الدوليين، واتّبعت سياسة حيادية سلمية طوال القرنين المنصرمين لقناعتها أن هذا النهج يمكن أن يوصل إلى العدالة، وهو ما حمل رئيس وزرائها أولف بالما إلى الدعوة لتعويض شعوب البلدان النامية عمّا لحق بها من ظلم وإجحاف بسبب السياسات الاستعمارية الغربية، ولكنه راح ضحية دعوته الإنسانية تلك، حين تم اغتياله في 28 فبراير/شباط من العام 1986.
وبتقديري أن إصداراً بحثياً بهذا العمق والمشاركة الواسعة لإعداده من جانب نخبة متميّزة، يعتبر مرجعاً أساسياً ذا قيمة معرفية وعملية، سواء لأصحاب القرار والخبراء العسكريين والاستراتيجيين من جهة أم للسياسيين والدبلوماسيين والإعلاميين وجميع العاملين في الحقل العام من جهة أخرى.
وبغضّ النظر عن الاتفاق والاختلاف مع ما يذهب إليه هذا «الإصدار» الذي يتألف من 864 صفحة من القطع الكبير، فإن المعلومات التي يوفّرها للباحث تشكّل مادة استثنائية حتى وإن اختلفت التقييمات بشأنها، ولاسيّما فيما يخصّ بعض التقديرات التي تتعلق بمشاكل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وقضايا الصراع العربي- «الإسرائيلي»، لكنها تبقى معطيات أساسية ومفيدة ومهمة.
لا أدري من هو القائل «إن امتلاك السلاح يوازي استخدامه»، لأنه سيكون واحداً من مظاهر قوّة الدولة العسكرية، تلك التي تكتمل مع عناصر القوة الأخرى، الاقتصادية والعلمية والتقنية والثقافية والإدارية والقانونية والتربوية والإنسانية وغيرها. وكلّما ازدادت القوة، بل فاضت عن الحدّ يتولّد شعور، ربما أقرب إلى «الوهم» أحياناً، للتنفيس عن هاجس «فائض القوة» أو الامتلاك الذي يزيد عن الحاجة، سواء باستخدامها أو التهديد بها، وهكذا تنشأ الحروب بسبب تباين المصالح واختلافها ومحاولة البعض فرض الهيمنة على الآخر.
ويعرّف «برنامج أوبسالا» النزاعات المختلفة بناء على الاحتكام إلى القوة في النزاع الناشئ عن تباين، وعندما تبرز جماعة جديدة ويتغيّر التباين، يسجّل نزاع جديد، وحسب هذا البرنامج، فالنزاعات النشطة هي التي يزيد فيها عدد القتلى على 25 شخصاً ويصل إلى 1000، أما النزاعات المستأنفة، فهي تنام وتستيقظ وتوقع ضحايا أقل من 25 قتيلاً وما زاد عن الألف في عام واحد يعتبر حرباً.
فهل أن عدد القتلى وحده هو المعيار الصحيح، أم هناك جوانب إنسانية في النزاعات والحروب هي التي تحدد طبيعتها؟ والأمر يتعلق بحجم الدمار الذي تتركه، فضلاً عن تعطيلها للتنمية والتطور الديمقراطي والتأثير في حقوق الإنسان، سواء حقوق الأفراد أم المجموعات الثقافية: الإثنية والدينية واللغوية السلالية. ويضاف إلى ذلك، ولاسيّما في الحروب الحديثة استمرار الصراع ونوع السلاح المستخدم، وما له علاقة بتجارة السلاح وقضايا الاتجار بالبشر والمخدرات وغسل العملات والجريمة المنظمة، واندلاع العنف بأشكاله، وخصوصاً باستشراء ظاهرة الإرهاب الدولي.
وقد شكّل الإنفاق العسكري خلال الحرب الباردة 1947 -1989 عبئاً كبيراً على الدول في إطار «سباق التسلّح» الذي كان سائداً ووجهاً من وجوه الصراع الأيديولوجي المتعدّدة، بما فيها الحرب النفسية، ووسائل القوّة الناعمة، ولاسيّما الثقافية والإعلامية والأدبية والفنية، للتأثير في الخصوم أو الأعداء.
وعلى الرغم من جميع المحاولات لنزع السلاح وتوقيع اتفاقيات «سالت 1» العام 1972 و«سالت 2» العام 1979 ومعاهدات نزع السلاح النووي أو الأسلحة التدميرية الأخرى، بين المعسكرين المتناحرين (أمريكا والاتحاد السوفييتي)، فإن مجرد تخصيص الولايات المتحدة تريليوني دولار لبرنامج «حرب النجوم»، كان كفيلاً بإلحاق هزيمة بالطرف الآخر، الذي انهار تحت عبء التسلّح، إضافة إلى شحّ الحريات والاختناقات الاقتصادية وسوء الإدارة والبيروقراطية.
واحدة من القضايا التي لفتت انتباهي في إصدار هذا العام هو مصطلح «العصر الأنتروبوسيني» الذي أطلقه مدير معهد استوكهولم دان سميث، وقد استفسرت منه عمّا يعنيه، وحين دققت المعطيات التي يوفّرها بحثه اكتشفت أنه يعني «الحقبة الجيولوجية الراهنة»، تلك التي وردت الإشارة إليها في اجتماع المؤتمر الجيولوجي الدولي المنعقد في مدينة كيب تاون (جنوب إفريقيا) في شهر أغسطس/ آب/ 2016، حيث اتخذ قراراً بإطلاق اسم الأنتروبوسيني، وقصد بذلك أن الأنشطة البشرية هي القوى المؤثرة الحاسمة في الجيولوجيا والإيكولوجيا، الأمر الذي ينعكس على شروط الحياة في وقت السلم، فما بالك بالنزاعات والحروب؟
drhussainshaban21@gmail.com





63
كتاب جديد لعبد الحسين شعبان </