1
المنبر الحر / زريفة حنا مراد... شمعة تنير الجانب الآخر
« في: 19:34 01/12/2012 »زريفة حنا مراد... شمعة تنير الجانب الآخر
اتقدم الى الخالة كلي خمرو، والدة المرحومة زريفة حنا مراد، والى جميع اخوة واخوات الفقيدة التي وافاها الأجل في التاسع عشر من تشرين الثاني 2012 بالتعازي الأخوية واشاركهم في مشاعرهم بهذا الحدث الجلل.
زريفة !! انتِ التي بذلت ما استطعت وضحيت من اجل الذين عرفوك وأحبوك وقضيت جل سنوات شبابك في تقديم الغالي والنفيس للقريب والبعيد واسديت العون والدعم الروحي لهم لأنك كنت دائماً تتقربين الى ربك وتطلبين رحمته وتحمديه من اجل ان تخدمي ذويك و محبيك. وكانت نفسك في مرتبة خاصة في مدرجة الايمان الذي لازمك طيلة حياتك. كنت رخية البال، عظيمة الطيبة، رائعة المعشر، كنت زرعاً حسن النوع والطلعة. لقد كان للحق نصيبه هو الآخر من تفكيرك الانساني، نعم، كنت مع الحق ولا تقبلين بالباطل وكنت دائماً تؤمنين بالمبدأ القائل "أرخ له الحبل" وعملت به طيلة حياتك، وبذا اظهرت خير ما يمكن ان يتعلمه الانسان في مسامحة القريب والبعيد في كل ما يخطر على البال من تصرفات غير مقبولة وسلوك غير حميد.
كانت الأفعال والآمال والنجاح والفشل في الحياة تشغل حيزا واسعاً من تفكيرك. ومن هنا كان انشغالك مستمراً لأنك كنت تبحثين عن العلاقة العضوية الأبدية ما بين الفعل والأمل على اساس انهما عنصران جوهريان ضروريان لوجودك الانساني ونشاطك العملى من جهة، وما بين النجاح والفشل باعتبارهما خلاصة ما كنت تريديه وتنتظريه دائماً كمحصلة منطقية لما قدّمت للناس ولذويك على السواء بنزاهة وضمير حي وخلق رفيع ومسؤولية عظيمة من جهة ثانية. لم تنهزم آمالك من اصوات الحياة المزعجة، فكانت قمة في المثال لبني جيلك وما تلى ذلك من اجيال، وهكذا عرفت ودرست براءة الاطفال وعمق احاسيسهم البسيطة التي كانت دائما توجه السؤال الرئيسي: لماذا؟ وتضيفه الى الاسئلة الاخرى الكثيرة. كنت المستمعة الجيدة لمحبيك واهلك وذويك وتنتظرين بصبر لمعرفة إلامَ سينتهي حديث الطرف المقابل او رأيه، لأنك كنت تقدرين عالياً كل ما كانوا يقولون او يرغبون بمعرفته وتقدمين لهم دعمك وعونك من دون ان تبخلي، وكيف لا وانت الكريمة العزيزة المحبة للجميع. اجل، لقد كانت مكانة الانسان عالية في نظرك فكان بالنسبة لك بمقام المفخرة بحيث انك كنت تغوصين في الاعماق تفكيراً وتفكّراً، ولسان حالك يقول نائحاً:
حمامتي يا مهجتي انت وقود شعلتي
بلقياك سعادتي بجفاك كآبتي
انت عنوان فرحتي وشراع سفينتي
تتركين رفيقك والذنب ليس ذنبك
انا الذي رعيتك ومن قلبي اطعمتك
من حناني وهبتك ومن دمعي سقيتك
وكان طموحك أعلى وابعد من كل ذلك وكنت تعرفين ان النظرة لا تُشبع وان النوحة لا تكفي وان الزمن في مسيرته لا ينظر الى الوراء بل يسير هادءاً متكبراً الى حيث يقوده تفكير الإنسان. وكنت دوماً تفتشين عن الذي يشفي الغليل - العمل ثم العمل مرة اخرى. نعم، لقد كان للعمل حصته هو الآخر من نزاهتك وخلقك الرفيع وكانت له قدسيته في قلبك. ان هذه المحبة نمت فيك لأن مثالك في الحياة كان المرحوم الخال حنا مراد الذي تعلمت منه الفباء الحياة واحببتيه من اعماقك وعرفت سر الثنائية الخالدة – الأمل والألم والعلاقة التي تربطهما. فما بين ديربون وبغداد وثم كندا، التي في الجانب الآخر، آمال وآلام تقابلت وتصارعت كأضداد لا تقبل الوقوف في صف واحد، فكانت الغلبة دائماً للأولى لأنك لم تعرفي معنى الألم لا في اصعب ما مر بك من معاناة وتجارب وتحديات وصراع مستمر من اجل الوجود ولا حتى في اللحظات الأخيرة قبل الفراق. ان الانسان لايمكن ان يمر بذلك إلا وينهار، ولكن ليس انت!! لأنك كنت تعرفين جيداً قوة الآصرة العضوية التي تتحكم بهذه العلاقة الأزلية التي ربطت وستظل تربط هذا الانسان بهذه الحياة. وكنت تعرفين جيداً ان العزيمة والارادة القوية التي في الانسان لهما الغلبة على الدوام على مختلف انواع الصعاب التي تقف في طريقه.
اخذت النور معك الى هناك ومشيت وانت تقولين: ان النظرة لا تُشبع وان النوحة لا تكفي!
سلام على روحك الطاهرة
انت معنا في آمالنا وآلامنا
انت باقية في ضمائرنا
المخلص لكم امير يوسف || تشرين الثاني - 2012



