عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - Ameer Younan

صفحات: [1]
1
زريفة حنا مراد... شمعة تنير الجانب الآخر

اتقدم الى الخالة كلي خمرو، والدة المرحومة زريفة حنا مراد، والى جميع اخوة واخوات الفقيدة التي وافاها الأجل في التاسع عشر من تشرين الثاني 2012 بالتعازي الأخوية واشاركهم في مشاعرهم بهذا الحدث الجلل.

زريفة !! انتِ التي بذلت ما استطعت وضحيت من اجل الذين عرفوك وأحبوك وقضيت جل سنوات شبابك في تقديم الغالي والنفيس للقريب والبعيد واسديت العون والدعم الروحي لهم لأنك كنت دائماً تتقربين الى ربك وتطلبين رحمته وتحمديه من اجل ان تخدمي ذويك و محبيك. وكانت نفسك في مرتبة خاصة في مدرجة الايمان الذي لازمك طيلة حياتك. كنت رخية البال، عظيمة الطيبة، رائعة المعشر، كنت زرعاً حسن النوع والطلعة. لقد كان للحق نصيبه هو الآخر من تفكيرك الانساني، نعم، كنت مع الحق ولا تقبلين بالباطل وكنت دائماً تؤمنين بالمبدأ القائل "أرخ له الحبل" وعملت به طيلة حياتك، وبذا اظهرت خير ما يمكن ان يتعلمه الانسان في مسامحة القريب والبعيد في كل ما يخطر على البال من تصرفات غير مقبولة وسلوك غير حميد.

كانت الأفعال والآمال والنجاح والفشل في الحياة تشغل حيزا واسعاً من تفكيرك. ومن هنا كان انشغالك مستمراً  لأنك كنت تبحثين عن العلاقة العضوية الأبدية ما بين الفعل والأمل على اساس انهما عنصران جوهريان ضروريان لوجودك الانساني ونشاطك العملى من جهة، وما بين النجاح والفشل باعتبارهما خلاصة ما كنت تريديه وتنتظريه دائماً كمحصلة منطقية لما قدّمت للناس ولذويك على السواء بنزاهة وضمير حي وخلق رفيع ومسؤولية عظيمة من جهة ثانية. لم تنهزم آمالك من اصوات الحياة المزعجة، فكانت قمة في المثال لبني جيلك وما تلى ذلك من اجيال، وهكذا عرفت ودرست براءة الاطفال وعمق احاسيسهم البسيطة التي كانت دائما توجه السؤال الرئيسي: لماذا؟ وتضيفه الى الاسئلة الاخرى الكثيرة. كنت المستمعة الجيدة لمحبيك واهلك وذويك وتنتظرين بصبر لمعرفة إلامَ سينتهي حديث الطرف المقابل او رأيه، لأنك كنت تقدرين عالياً كل ما كانوا يقولون او يرغبون بمعرفته وتقدمين لهم دعمك وعونك من دون ان تبخلي، وكيف لا وانت الكريمة العزيزة المحبة للجميع. اجل، لقد كانت مكانة الانسان عالية في نظرك فكان بالنسبة لك بمقام المفخرة بحيث انك كنت تغوصين في الاعماق تفكيراً وتفكّراً، ولسان حالك يقول نائحاً:
 
حمامتي يا مهجتي     انت وقود شعلتي
بلقياك سعادتي         بجفاك كآبتي
انت عنوان فرحتي    وشراع سفينتي
تتركين رفيقك          والذنب ليس ذنبك
انا الذي رعيتك         ومن قلبي اطعمتك
من حناني وهبتك      ومن دمعي سقيتك

وكان طموحك أعلى وابعد من كل ذلك وكنت تعرفين ان النظرة لا تُشبع وان النوحة لا تكفي وان الزمن في مسيرته لا ينظر الى الوراء بل يسير هادءاً متكبراً الى حيث يقوده تفكير الإنسان. وكنت دوماً تفتشين عن الذي يشفي الغليل -  العمل ثم العمل مرة اخرى. نعم، لقد كان للعمل حصته هو الآخر من نزاهتك وخلقك الرفيع وكانت له قدسيته في قلبك. ان هذه المحبة نمت فيك لأن مثالك في الحياة كان المرحوم الخال حنا مراد الذي تعلمت منه الفباء الحياة واحببتيه من اعماقك وعرفت سر الثنائية الخالدة – الأمل والألم والعلاقة التي تربطهما.  فما بين ديربون وبغداد وثم كندا، التي في الجانب الآخر، آمال وآلام تقابلت وتصارعت كأضداد لا تقبل الوقوف في صف واحد، فكانت الغلبة دائماً للأولى لأنك لم تعرفي معنى الألم لا في اصعب ما مر بك من  معاناة وتجارب وتحديات وصراع مستمر من اجل الوجود ولا حتى في اللحظات الأخيرة قبل الفراق. ان الانسان لايمكن ان يمر بذلك إلا وينهار، ولكن ليس انت!! لأنك كنت تعرفين جيداً قوة الآصرة العضوية  التي تتحكم بهذه العلاقة الأزلية التي ربطت وستظل تربط هذا الانسان بهذه الحياة. وكنت تعرفين جيداً ان العزيمة والارادة القوية التي في الانسان لهما الغلبة على الدوام على مختلف انواع الصعاب التي تقف في طريقه.
اخذت النور معك الى هناك ومشيت وانت تقولين: ان النظرة لا تُشبع وان النوحة لا تكفي!

سلام على روحك الطاهرة
انت معنا في آمالنا وآلامنا
انت باقية في ضمائرنا

المخلص لكم  امير يوسف || تشرين الثاني - 2012

2
في اربعينية المرحومة كترينة يوحنا جودو

تفتفحت الازهار من بين صخور "دورنخ" الجميلة الصامتة لتداعب اجنحة الفراشات وانسام الهواء التي استفاقت لتصاحب جريان دجلة بانسيابيته الشاعرية واحتضان فيشخابور له كمحطة من محطات الحياة قبل الوصول الى بغداد. وكانت السنوات الاولى مليئة بالاحداث، كانت سنوات الكد الطويل والمرهق وترتيب الآمال ووضعها مقابل الآلام ومنح الدفء من اجل تجانس وتعايش الطبيعي مع اللاطبيعي ومن اجل خلق التوازن بين قوانين الطبيعة للسير بالمجهول صوب آفاق معلومة في ثنائية رائعة، غير مشوشة، تجمع ما بين الشئ ونقيضه وتعكس ارادة الانسان في العمل على تحقيق شبه المستحيل.

يا امي ... تعلمنا منك العناصر الاولية لروعة العقل والتفكير والجمال في حرية فهم واستيعاب هذا العالم. انت التي نظرت بعين صحيحة الى ما حوليك و من بقربك، فلم تحبي شيئاً اعشى بصرك، بل اعطيت جميع الاشياء نقاء النفس المرضية التي لم ترض إلا بصفات الكمال والحسن من الشمائل والرائع من الخلال. انت التي نظرت وعرفت حق المعرفة سر اختلاط الآلام بالآمال في هذه الدنيا الغرور التي رأيتِ على الدوام انها لم تبق لأحد ولن تبقى ابداً، فالانسان زائل وستنوب عنه ذريته من اجل ازالة كل خيوط الظلام المحيطة به والمقيدة لحرية ضميره.

وتعلمنا ايضاً نقاء النفس البشرية التي تشق طريقها من خلال الحب الذي منحتيه لذويك وللمحيطين بك من الذين عرفتيهم وعرفوك والغرباء على حد سواء. انت انسان العطاء والخدمة رغم محطات الترحال التي اتعبتك في العراق و الاردن وليبيا وتركيا وفرنسا. اعطيت كل ما تملكين من الحب الذي صنعتيه بنفسك ولم تأخذي شيئاً سوى حرارة تلك الغرفة الصغيرة في ذلك الحي الباريسي الجميل وانت مغمضة العينين، وبذا كانت خدمتك جليلة وعطاؤك كبيراً لا يحده حد.

انت انسان التضحية والتقديم لغاية بذل الذات إن تطلب الأمر، لأنك كنت تستعينين بربك وتستنصريه وتطلبين منه المعونة لأنك لم تكوني بحاجة الى هاد غيره يرشدك الى مكارم الاخلاق وفضائل الاعمال ويدلّك على مدرجة الحياة وكل غايات المجد والرفعة فكان لك، كما كنت تقولين دائماً، نعم المعين.

يا امي ... كنت تقبلين النور من الجميع ومن كل مكان وتأخذيه لتعيشي معه بانسجام كبير ومن ثم تمنحيه لذويك وللذين عرفوك عن قرب وعن بعد. وجاءك اخيراً نور من أبينا - المرحوم يوسف يونان – على حين غرة في اليوم الاخير قبل رحيلك رغم الغموض الذي اكتنف كلماته التي جاءتك بعيدة وغير مسموعة جيداً. وهكذا قررت في اللحظات الأخيرة وفي الطريق الى مثواك في هذه الأرض ان تعطي نورك للناس ولنا سوية مع قطرات المطر وابتهاج الورود التموزية الملونة في الطرقات الباريسية الملتوية في تناغم ارضي سماوي بين الروعة والبهاء والعفة والنقاء وبين الغيوم والشمس والنجوم في العلياء.

سلام لك،
سلام على روحك الطاهرة،
انت معنا دائما وابدا.
ابناؤك وذويك،
عنهم ابنك امير يوسف
25.08.2012

3
في اربعينية المرحومة كترينة يوحنا جودو

تفتفحت الازهار من بين صخور "دورنخ" الجميلة الصامتة لتداعب اجنحة الفراشات وانسام الهواء التي استفاقت لتصاحب جريان دجلة بانسيابيته الشاعرية واحتضان فيشخابور له كمحطة من محطات الحياة قبل الوصول الى بغداد. وكانت السنوات الاولى مليئة بالاحداث، كانت سنوات الكد الطويل والمرهق وترتيب الآمال ووضعها مقابل الآلام ومنح الدفء من اجل تجانس وتعايش الطبيعي مع اللاطبيعي ومن اجل خلق التوازن بين قوانين الطبيعة للسير بالمجهول صوب آفاق معلومة في ثنائية رائعة، غير مشوشة، تجمع ما بين الشئ ونقيضه وتعكس ارادة الانسان في العمل على تحقيق شبه المستحيل.

يا امي ... تعلمنا منك العناصر الاولية لروعة العقل والتفكير والجمال في حرية فهم واستيعاب هذا العالم. انت التي نظرت بعين صحيحة الى ما حوليك و من بقربك، فلم تحبي شيئاً اعشى بصرك، بل اعطيت جميع الاشياء نقاء النفس المرضية التي لم ترض إلا بصفات الكمال والحسن من الشمائل والرائع من الخلال. انت التي نظرت وعرفت حق المعرفة سر اختلاط الآلام بالآمال في هذه الدنيا الغرور التي رأيتِ على الدوام انها لم تبق لأحد ولن تبقى ابداً، فالانسان زائل وستنوب عنه ذريته من اجل ازالة كل خيوط الظلام المحيطة به والمقيدة لحرية ضميره.

وتعلمنا ايضاً نقاء النفس البشرية التي تشق طريقها من خلال الحب الذي منحتيه لذويك وللمحيطين بك من الذين عرفتيهم وعرفوك والغرباء على حد سواء. انت انسان العطاء والخدمة رغم محطات الترحال التي اتعبتك في العراق و الاردن وليبيا وتركيا وفرنسا. اعطيت كل ما تملكين من الحب الذي صنعتيه بنفسك ولم تأخذي شيئاً سوى حرارة تلك الغرفة الصغيرة في ذلك الحي الباريسي الجميل وانت مغمضة العينين، وبذا كانت خدمتك جليلة وعطاؤك كبيراً لا يحده حد.

انت انسان التضحية والتقديم لغاية بذل الذات إن تطلب الأمر، لأنك كنت تستعينين بربك وتستنصريه وتطلبين منه المعونة لأنك لم تكوني بحاجة الى هاد غيره يرشدك الى مكارم الاخلاق وفضائل الاعمال ويدلّك على مدرجة الحياة وكل غايات المجد والرفعة فكان لك، كما كنت تقولين دائماً، نعم المعين.

يا امي ... كنت تقبلين النور من الجميع ومن كل مكان وتأخذيه لتعيشي معه بانسجام كبير ومن ثم تمنحيه لذويك وللذين عرفوك عن قرب وعن بعد. وجاءك اخيراً نور من أبينا - المرحوم يوسف يونان – على حين غرة في اليوم الاخير قبل رحيلك رغم الغموض الذي اكتنف كلماته التي جاءتك بعيدة وغير مسموعة جيداً. وهكذا قررت في اللحظات الأخيرة وفي الطريق الى مثواك في هذه الأرض ان تعطي نورك للناس ولنا سوية مع قطرات المطر وابتهاج الورود التموزية الملونة في الطرقات الباريسية الملتوية في تناغم ارضي سماوي بين الروعة والبهاء والعفة والنقاء وبين الغيوم والشمس والنجوم في العلياء.

سلام لك،
سلام على روحك الطاهرة،
انت معنا دائما وابدا.
ابناؤك وذويك،
عنهم ابنك امير يوسف
25.08.2012

4
نداء الى جميع كنائسنا واحزابنا

الآباء البطاركة و الاساقفة والكهنة الأعزاء في كنائسنا
الأخوة الأعزاء قادة احزابنا السياسية

تحية واحترام

ادعو الآباء البطاركة و الأساقفة  وجميع الآباء الكهنة في الكنائس المختلفة الى الشروع في العمل ،كمرحلة اولى، على وضع الاسس العامة الكفيلة بتقريب الكنائس الى بعضها البعض . هذه الاسس العامة ستكون القاعدة المتينة والصحيحة للعمل ، كمرحلة ثانية وهذه قد تكون طويلة الأمد، على توحيد الكنائس في واحدة تجمع الكل بهدف لم الشمل والاستمرار في البقاء. كما ادعو الأخوة قادة الأحزاب السياسية الى اتخاذ الخطوات الاولى للعمل اولاً على تقريب وجهات النظر في مختلف القضايا والعمل على تعميق ذلك على المدى القريب، والعمل ثانياً على تجاوز جميع الخلافات الثانوية مهما كانت درجة شدتها وذلك بانتهاج مبدأ عدم تغليب التناقضات الثانوية، أياً كانت، على الخطر الرئيسي القائم ، الذي هو تهديد الوجود. إن السير بهذه المدرجة يضمن، على المدى البعيد، بشكل حقيقي عملية توحيد جميع التنظيمات وجعلها تنظيماً واحداً. 

ان اقامة الروابط المتينة فيما بين الكنائس من جهة، وما بين الأحزاب من جهة ثانية،  سيفتح آفاق العمل المنهجي المشترك بهدف تجاوز ما لم يكن تجاوزه ممكناً لحد اليوم، وكذلك الشروع ببناء كل ما له صلة وثيقة بتقريب وجهات النظر في مختلف الأمور، بما في ذلك اكثر القضايا الجوهرية ذات الأهمية البعيدة المدى. ان هذا التقارب سيعمل على تقوية وتعزيز العلاقات الأخوية ودفعها الى امام نحو تحقيق المزيد من بناء الذات وتطويرها وبالتالي خلق وترسيخ اعلى مستويات الثقة والطمأنينة في نفوس ابناء شعبنا.   

ان الحقيقة التي تستجذب الانتباه هي ان جميع كنائسنا وجميع القوى السياسية لشعبنا يجب ان تكون يقظة تجاه ترك العاطفة والانانية تكشف نقاط الخلاف والاختلاف وتعمقها، وتحجب نقاط التقارب و الالتقاء وتقلل من شأنها عندما تكون المسألة عظيمة الأهمية لدرجة تكفي لتبرير النظرة العقلانية والفحص الدقيق لأي دليل تستخدمه كبرهان على امر من الامور. ومن التأريخ درس وهو ان تغليب التناقضات الثانوية على التناقض الرئيس يعمل دائماً على إضعاف الكل كواحد متكامل وعلى إضعاف الجزء كقسم صغير من الكل الكبير.

ان ادراك الأشياء والظواهر عند ظهورها وتطورها، سواء اكان ذلك في الكنيسة او في الأحزاب ، ومعرفة كيفية نشوئها وتطورها لحين بلوغها المرحلة الحالية يسمى بمبدأ " التناول التأريخي " . ان العمل وفق هذا المبدأ ، من وجهة النظر العملية التحليلية الدقيقة، يعتبر احدى الطرق المنهجية والحاجة الأساسية الملحة جداً لمعالجة حالتنا المزمنة التي نعاني منها منذ قرون وهي امرنا الديني الذي يكمن في كنائسنا المتعددة، وكذلك امرنا القومي - السياسي ، الحديث العهد نسبياً، الكامن في تعدد احزاب شعبنا السياسية.

الدين واحد، إذاً لتكن كنيستنا واحدة، والشعب واحد، إذاً ليكن حزبنا واحداً !

تعتبر التعددية ظاهرة حضارية تسهم، عمقاً واتساعاً، في اي نشاط اجتماعي، ديني، قومي، وسياسي. فاذا كانت الأهداف الدينية و الروحية التي تسعى اليها كنائسنا متباينة من حيث الجوهر، والأهداف السياسية والقومية التي تعمل احزاب شعبنا على تحقيقها متباينة هي الاخرى، فان التعددية، سواء اكانت كنسية او حزبية، تصبح امراً ضرورياً ملحاً من الناحية المنطقية. غير ان واقع الحال هو غير ذلك، فجميع كنائسنا لها نفس الاهداف الدينية والروحية والانسانية، وكذلك تجمع  جميع احزابنا نفس الأهداف السياسية والقومية والاجتماعية. من هذا المنطلق تصبح مسألة توحيد صفوف كنائسنا واحزابنا ضرورة تأريخية حتمية للعمل سوية بنكران ذات ومسؤولية كبيرة. ان انتهاج اي نهج غير التوحيد يعني الاصرار على التشبث بالرأي الذي قد يعود الى الاسهام  ليس فقط في اضعاف ذاتنا، وانما ايضاً يفتح المجال لضرب كل واحد منا على حدة، وهذا امر في غاية الخطورة.

ان الخطر المحيط بالجميع يختلف كماً ونوعاً عن جميع الأخطار السابقة التي ظهرت منذ عهد سومر، وان وطننا يمر بواحدة من اصعب المراحل التأريخية واكثرها تعقيداً، وان مستقبل الدين والكنيسة  في خطر جسيم وشعبنا مهدد بالانقراض. ان منع ذلك هو امانة عظمى في اعناقنا جميعاً وعلى وجه التحديد الكنيسة والأحزاب.

د. امير يوسف   /شباط 2012




5
ورقة من الذاكرة   
القسم الأول ( مع صاحبي في الوادي )

بحفظ الله يا هاوري !
حرفا حرفا قسّمتها في حينها، يا نجاد، وجسمي على ذلك الفراش البارد في بيت ام احمد التميمية. قسمتها بقوة تلك الإرادة التي عرفتها فيك كهوية تلقي عليك التحية في نقطة عميقة من ملتوى واد عميق قبالة قمة "الأخوين". وحين نظرت مركّزا الى عينيك نأى بي بؤبؤك الى معادلة تشبه فرضية دقّت باب تفكيري حين رأيتك لأول مرة وهذا نصّها: إن كانت الروحانية مذهبا أزليا لمن يقول بان النفس غير مادية، فأنا، ودعني اخبرك بما يجول بخاطري وأقول: أي نفس جميلة ولدت في مدينة الآلهة الأربعة وتركت امّها لتقابل نفس خابور بعيدا عن الخابور. أي نفس ودّعت تلك الطرقات الضيقة في الحارات البسيطة وكانت متيقنة من أن الشرف هو العامل الوحيد الذي يجعلها تتوجّه الى الوديان، وأنّ الشرف هو الذي جعلك تفكّر مع نفسك وتكتشف حقيقة كون المسيرة، التي ستكون انت احد عناصرها، هي السعادة لك لأنك ستخدمها وتهبها اغلى ما عندك، وبأن الأرض، التي ستحتضن الثلج في الشتاء، هي التي ستعوضك عن نظرات الحبيبة. وهكذا قالت لك نفسك: إذهب! ..إذهب!  ترى هل هي ذات النفس التي قصت الثلج في ظروف قاسية جدا لتظهر في الألق الصادر عن مياه الروبار الجارية بحريتها من غير ان تكترث للصخور أو للأشجار، للوادي أو لمن فيه، بأقصى ما اتيح لها من سرعة لتكسر السكون الذي يسود الوادي؟ فإن كانت نفسك كذلك، فهي، عند خابور، تختلف كثيرا عن تلك التي يعتقد بها الروحانيون.
قسّمتها كلمة كلمة وانت مملوء من امل احمر على بساط اخضر. وسمعت فيك صوتين: الأول ذاتيّ يوحي بنوتة موسيقية توصي صاحبك ان يعي، قلبا وفكرا، خطورة ما قد لا يكون بعيدا وفق قياسات السليقة، وان يعمل جهده لايجاد ما هو ضده. ان الخطر هنا ليس اكثر من الارتماء في حضن نجاة وهمية بهدف امان وهمي. إنس ذلك ولا عليك، فصاحبك يعرف المسافة  بين الثرى وبنات نعش وله قوته النفسية التي يستنبط بها ما صعب عليه من المعاني. وكيف لا، فهو يدرك الصفة المميزة للأمان الحقيقي، وهو هناك وهنا وما بينهما، وفي حينها والآن وما بينهما، يمثل جميع النقاط الفاصلة بين طعم الحرية في الجانب الآخر،  حيث لا رقيب ولا تقارير، لا ظلم ولا قيود، لا جلاّد ولا مجلود، وبين مرارة هذا الجانب المملوء بالعذاب والتعذيب والدناءة والذلالة وكل خسائس الامور، وهذا اقل ما يمكن ان يوصف به. والصوت الثاني لا يبتعد كثيرا عن الفكرة التي تقول بان ليس من المعيب ان يكون الشعور بالاطمئنان نهج ينقل صاحبه الى دنيا العمل والانسانية ويجعله يطل على شتى مروج الحرية حيث لا سكوت ولا ساكتون. وخابور، وهو في حالته الخاصة، اطاع الصوت الثاني وطفق يعمل به، وصار ينعم، لسنوات تلت ذلك الفراق الأليم، بطعم الذكرى.


بحفظ الله يا هاوري !
ها انك تعود الى الوادي طوعا ومن غير ان ترتكب خطيئة تجاه ما يحيط بالواقع من سياج، كل ما يقع خارجه غير خاضع لقوانين المخطيء بحقك. انت عائد ليس بهدف تحقيق التناغم الطبيعي بين الذات والموضوع وتحسس كل ما يقع بين هذين المستويين، ولا لأن المسيرة تطلبت ان تفتخر الأرض برجال يسكنوها ويدكّوها. كما انك عائد ليس من اجل إشعار المخطئ بما ارتكبه بحقك وبحق صاحبك، ولا لتقول له انه لا يدري ولا يدري انه لا يدري ما فعل بك، بل لتثبت ان حجم الخطيئة مربوط مباشرة بطول بقاء الخاطئ وتشبثه العنيد باحتكار الوطن قبل وخلال وبعد تكبير الله على العلم، وكذلك مربوط بالوجود الاحتكاري، مع سبق الاصرار، فوق الرقاب. ولتثبت كذلك ان الفرق بين ضدين لا يقع خارج حدود الواقع الزماني لهذا الضد او الآخر، ولا خارج حدود الواقع المكاني لأي منهما، ولا خارج الخط الكامل لعناصر التباين بين الزائل والدائم، وانت احد عناصر الأخير. انت تعود الى الأرض لأنك لست بحاجة الى نداء لتنفيذ ذلك، ولأن الآصرة الممتدّة بين الأبيضين على الأرض وبين ابهرك تأريخية التكوين، عضوية الطبيعة، متينة القوة، ابدية الغاية. انت تعود لأنك كريم النفس وحسن الطواعية ولأن ما ارادت منك نفسك هو ان تعمل في المسيرة لا ان تتعامل معها، إذ انها النفس الجميلة المليئة بالعفة والعدل والتي ركّزت على ما هو بحاجة اليها وليس على ما هي بحاجة اليه. هذا، إذن، هو جوهر حياتك الحقيقية التي ينبض بها قلبك في كل ثانية، حياتك التي تستأديك كثرة العمل وقلة الكلام، طيبة الذات، والنزاهة والاخلاص. ومن المؤكد انك تعود لأن في نفسك ان تفعل ذلك، وان الذي بداخلك هو الذي يناديك لتسهم بقسطك في اكمال الجدارية الرائعة ولتضع في اوراق التأريخ النقطة الحقيقية البيضاء التي لا يمكن لقلم ان يضعها. وكذلك لأن الذي يصنع التأريخ في ارضك مضروب، مقيد، مخنوق، وهذه هي المعضلة، لأن القوة الوحيدة القائدة صار بوسعها ان تدوس على المكان وتحرف الزمان وان تضع كل ما فعلته انت في الظل دائما وتبرز قواها امامك وامام غيرك في كل ثانية ولسان حالها يقول: هيا بنا.. انا الدبابة وانت الرجل.

د. امير يوسف
كانون الثاني 2011

6
ورقة من الذاكرة ( مع صاحبي في الوادي)
القسم الثاني (الأخير)

لم انس حين امسكت يداك بكتفيّ وانت تركز بنظراتك الى وجهي وانا انظرالى وجهك الصادق لتقول من اعماقك العميقة:
بحفظ الله يا هاوري!
قلتها بصوت منخفض وكأنك متحير من شيء ما، او ربما كنت على عجلة من امرك، او ربما كنت خائفا من شيء اخافك. رحت اشك في إمكانية ذلك، واجتمع فيّ الضدان وهما يغليان، حيث صرت لا افكر إلا في استحالة هذا الأمر من ناحية، وفي كونه ممكنا في نفس الوقت، لكن بدرجة اقل بكثير، من ناحية اخرى، فنحن يا صاحبي ما عرفنا الخوف يوما.
قلتها بعينين، فيهما ألق فوسفوريّ، ترسمان تفاؤلا يستشأم به، ظاهرا على وجهك البرئ، ضاما في اطره صلابة مستترة. إنّها الذات الأصيلة الحرة، إنّها السياسة الذاتية التي ليس فيها ما يسوغ لأحد نقدها، إذ ان كل ما فيها هو طبيعي كطبيعتها البسيطة وصادق كصدقها اللامتناهي وحقيقي كحقيقتها الانسانية الرائعة.

تركتني من دون ان اراك مرّة اخرى. ذهبت طواعية الى الجانب الآخر لأنك ما استغريت بالمغريات ولا استغوتك هي بالوانها المختلفة. ذهبت طواعية الى الجانب الذي اجهله من هذه الحياة في هذا العالم، جانب  اختارته لك عزيمتك وبقيت انا في عالمي الصغير مع تفكيري البسيط ، لا يؤنسني فيه غير صورة حبيبتي واحلامي الصغيرة التي كنت احتضنها بتؤدة عندما انام، وآلامي من جرحي، وتفكيري الذي رفض، وسيظل يرفض، ان يكون الموت على موعد معه.
عالم صغير رأيته وعشت فيه وعرفت من طاقات موجاته بأنني آمنت به عميقا وكأنني كنت اؤمن به منذ صباي. وآمنت ايضا بأن القطرة الأخيرة من النبيذ في قدحي لها نفس طعم الجرعات الأولى منه، وقل هذا، إن شئت وانت الحر العزيز، شأن من شؤون الطبيعة. هذه الطبيعة ارادت ان تعرف إن كان ذلك لحفظ ما كان يستوجب الحفظ لأنه الضرورة القصوى حسب وصية الكبار، ام ترى انه جزء صغير لا يتجزأ من تفكير أحداثي خبر الحياة من طرفها الصحيح؟ أم انه عناصر أولية في غاية البساطة التركيبية المكونة لجوهر مكوناتك المعهودة؟

اردت في تلك اللحظة ان اخترق تلك العبرة التي خنقتك، عبرة التنبؤ بعدم اللقاء بعد هذا الفراق كاستطارة العزيز عن عزيزه. وددت لو أني عرفت قوة تلك الهزة العنيفة المشؤومة في الخامس من حزيران في زيوة 1987، التي جعلت صدرك الصغير- الكبير يهتزّ للكركرة التي تولد فيه كل لحظة، وجعلت دماغي يرتجّ لكل رمشة عين تحرق عيني كل رجل رفع يده لا للإستسلام وإنما  ليحجب نور الشمس المؤلم عن عينيه لغرض التمكن من  السير بحرّية بهدف تكملة المسيرة. ترى هل أنه ذلك المكروه: الوري الذي وقع – وهل لا يزال يقع – في قصب الرئتين؟ أم أنّه انعكاس طبيعي - وهذا حق مشروع- لآلام افرزتها الحقيقة المرّة لتلك البرهة اللعينة من الدهر التي استطالت اكثر مما يجب بسبب خطأ في التفكير وسوء في التقدير ووضعت الشجعان ما بين النهر والسند، ما بين "الأزرق" وما ارتفع من الصخور العظام وهي تطل على الصفوان الذي يحيط بالماء من جهتيه.
شرعت الروح الرجالية الرائعة تسمو عظيمة فوق القمم لتتعانق مع السديم الأبيض لتكوّن سديما فلكيا يرصّع الكرة السماوية بجمالية جوهرية تخلب القلب ابدا. إن هي إلا تجريد الوهم من عناصره وإعادة الجزيئات الى مركّبها الحقيقي ووضع الواقع في مكانه المحدّد. ها هي الروح تتألّق وساما غلى صدر المسافة التي شرع بها الأوائل من الشجعان في الوادي العميق الذي ران فيه سكون عميق عمق محبة عيني الحبيبة في قلب خابور المضطرب.
ها هي صرخة الزمان تزحم ضميرك وصرت تشعر أن لا صاحب لك لا يريد ان يعرف ما بنفسه وما بك من اخبار الامور. وها اني اراك تشعر انك عدت من فورك الى الأيام الاولى للقاء، وأرى انك وصاحبك مثل زحلولان ابتعدا وقت الغدوة في بيضة الحرّ عن الزحمة الأخوية ليطلا على بوح عريض من سند الجبل الذي اتياه طورا بعد طور. انه الجبل الذي ترصّعه بضعة فساطيط سوداء منتشرة بعفوية قروية تشفّ مما في قلب الحياة من هدوء دافئ، وتمثل الطبيعة التي تحته تماثيل رائعة لا تسامى، تراها العين وتسمعها الأذن ويحسّها العقل وتتذوقها النفس.
ها هي صرخة الزمان تقول انه لا يمكن ان يكون الانسان الصق بالطبيعة اكثر مما يكون رجال وهبوا شبابهم للعمل والمسيرة في الجبل، هم حياته وهو حياتهم.
ها هي الصرخة تفيد بانك وصاحبك احببتما الجبال لا لشئ إلا لأن نزولها ليس صعبا وصعودها ليس سهلا.
وبحفظ الله يا هاوري اينما كنت.

د. امير يوسف
كانون الثاني 2011

7
ورقة من الذاكرة   
القسم الأول ( مع صاحبي في الوادي )
بحفظ الله يا هاوري !

حرفا حرفا قسّمتها في حينها، يا نجاد، وجسمي على ذلك الفراش البارد في بيت ام احمد التميمية. قسمتها بقوة تلك الإرادة التي عرفتها فيك كهوية تلقي عليك التحية في نقطة عميقة من ملتوى واد عميق قبالة قمة "الأخوين". وحين نظرت مركّزا الى عينيك نأى بي بؤبؤك الى معادلة تشبه فرضية دقّت باب تفكيري حين رأيتك لأول مرة وهذا نصّها: إن كانت الروحانية مذهبا أزليا لمن يقول بان النفس غير مادية، فأنا، ودعني اخبرك بما يجول بخاطري وأقول: أي نفس جميلة ولدت في مدينة الآلهة الأربعة وتركت امّها لتقابل نفس خابور بعيدا عن الخابور. أي نفس ودّعت تلك الطرقات الضيقة في الحارات البسيطة وكانت متيقنة من أن الشرف هو العامل الوحيد الذي يجعلها تتوجّه الى الوديان، وأنّ الشرف هو الذي جعلك تفكّر مع نفسك وتكتشف حقيقة كون المسيرة، التي ستكون انت احد عناصرها، هي السعادة لك لأنك ستخدمها وتهبها اغلى ما عندك، وبأن الأرض، التي ستحتضن الثلج في الشتاء، هي التي ستعوضك عن نظرات الحبيبة. وهكذا قالت لك نفسك: إذهب! ..إذهب!  ترى هل هي ذات النفس التي قصت الثلج في ظروف قاسية جدا لتظهر في الألق الصادر عن مياه الروبار الجارية بحريتها من غير ان تكترث للصخور أو للأشجار، للوادي أو لمن فيه، بأقصى ما اتيح لها من سرعة لتكسر السكون الذي يسود الوادي؟ فإن كانت نفسك كذلك، فهي، عند خابور، تختلف كثيرا عن تلك التي يعتقد بها الروحانيون.
قسّمتها كلمة كلمة وانت مملوء من امل احمر على بساط اخضر. وسمعت فيك صوتين: الأول ذاتيّ يوحي بنوتة موسيقية توصي صاحبك ان يعي، قلبا وفكرا، خطورة ما قد لا يكون بعيدا وفق قياسات السليقة، وان يعمل جهده لايجاد ما هو ضده. ان الخطر هنا ليس اكثر من الارتماء في حضن نجاة وهمية بهدف امان وهمي. إنس ذلك ولا عليك، فصاحبك يعرف المسافة  بين الثرى وبنات نعش وله قوته النفسية التي يستنبط بها ما صعب عليه من المعاني. وكيف لا، فهو يدرك الصفة المميزة للأمان الحقيقي، وهو هناك وهنا وما بينهما، وفي حينها والآن وما بينهما، يمثل جميع النقاط الفاصلة بين طعم الحرية في الجانب الآخر،  حيث لا رقيب ولا تقارير، لا ظلم ولا قيود، لا جلاّد ولا مجلود، وبين مرارة هذا الجانب المملوء بالعذاب والتعذيب والدناءة والذلالة وكل خسائس الامور، وهذا اقل ما يمكن ان يوصف به. والصوت الثاني لا يبتعد كثيرا عن الفكرة التي تقول بان ليس من المعيب ان يكون الشعور بالاطمئنان نهج ينقل صاحبه الى دنيا العمل والانسانية ويجعله يطل على شتى مروج الحرية حيث لا سكوت ولا ساكتون. وخابور، وهو في حالته الخاصة، اطاع الصوت الثاني وطفق يعمل به، وصار ينعم، لسنوات تلت ذلك الفراق الأليم، بطعم الذكرى.


بحفظ الله يا هاوري !
ها انك تعود الى الوادي طوعا ومن غير ان ترتكب خطيئة تجاه ما يحيط بالواقع من سياج، كل ما يقع خارجه غير خاضع لقوانين المخطيء بحقك. انت عائد ليس بهدف تحقيق التناغم الطبيعي بين الذات والموضوع وتحسس كل ما يقع بين هذين المستويين، ولا لأن المسيرة تطلبت ان تفتخر الأرض برجال يسكنوها ويدكّوها. كما انك عائد ليس من اجل إشعار المخطئ بما ارتكبه بحقك وبحق صاحبك، ولا لتقول له انه لا يدري ولا يدري انه لا يدري ما فعل بك، بل لتثبت ان حجم الخطيئة مربوط مباشرة بطول بقاء الخاطئ وتشبثه العنيد باحتكار الوطن قبل وخلال وبعد تكبير الله على العلم، وكذلك مربوط بالوجود الاحتكاري، مع سبق الاصرار، فوق الرقاب. ولتثبت كذلك ان الفرق بين ضدين لا يقع خارج حدود الواقع الزماني لهذا الضد او الآخر، ولا خارج حدود الواقع المكاني لأي منهما، ولا خارج الخط الكامل لعناصر التباين بين الزائل والدائم، وانت احد عناصر الأخير. انت تعود الى الأرض لأنك لست بحاجة الى نداء لتنفيذ ذلك، ولأن الآصرة الممتدّة بين الأبيضين على الأرض وبين ابهرك تأريخية التكوين، عضوية الطبيعة، متينة القوة، ابدية الغاية. انت تعود لأنك كريم النفس وحسن الطواعية ولأن ما ارادت منك نفسك هو ان تعمل في المسيرة لا ان تتعامل معها، إذ انها النفس الجميلة المليئة بالعفة والعدل والتي ركّزت على ما هو بحاجة اليها وليس على ما هي بحاجة اليه. هذا، إذن، هو جوهر حياتك الحقيقية التي ينبض بها قلبك في كل ثانية، حياتك التي تستأديك كثرة العمل وقلة الكلام، طيبة الذات، والنزاهة والاخلاص. ومن المؤكد انك تعود لأن في نفسك ان تفعل ذلك، وان الذي بداخلك هو الذي يناديك لتسهم بقسطك في اكمال الجدارية الرائعة ولتضع في اوراق التأريخ النقطة الحقيقية البيضاء التي لا يمكن لقلم ان يضعها. وكذلك لأن الذي يصنع التأريخ في ارضك مضروب، مقيد، مخنوق، وهذه هي المعضلة، لأن القوة الوحيدة القائدة صار بوسعها ان تدوس على المكان وتحرف الزمان وان تضع كل ما فعلته انت في الظل دائما وتبرز قواها امامك وامام غيرك في كل ثانية ولسان حالها يقول: هيا بنا.. انا الدبابة وانت الرجل.

د. امير يوسف
كانون الثاني 2011

8
مناجاة شهداء كنيسة سيدة النجاة
في بياض نهار تشريني يسرق الزمان ورودا من حديقة الضمير
تحت خشبتين متعامدتين تسقط عشرات القتلى
تقتل البذور الأصليةالنقية، جوهر الأرض ولباب كل الأشياء
إنها صورة احياء توحي ببراءة بدائية
تغمر اطرها جزءا" من كياني
إنه انتم الذين اسمهم انا
انتم الغائبون في الوطن،
انا الغائب في البيت
انتم الغائبون في كل شئ،
انا الحاضر في لا شئ
فلا انا انا، ولا انا انتم
ليتني كنت لكم، ليتني كنت انتم
...      ...        ...
ما كنتم تجلسون في الكنيسة لانقاذ الهوية من خطر السقوط والتلاشي،
ولا كنتم هناك لأجل التضادّ مع الأفكار الأخرى،
ولا كنتم تنظرون الى رقعة ارض صغيرة لتحكموا فيها،
ولا كنتم تفكرون في اسباب التهميش والالغاء،
بل كنتم تتأملون في كيفية تنظيف الذاكرة المشوشة،
وتتهيأون للعيش مع الطبيعي، إن وجد، في محيط غير طبيعي
وكنتم تصلون بهدوء وخشوع وبراءة للاتصال بالرب
وحولكم امالكم وامانيكم ونظراتكم وأحلامكم
وهذا يذكرني ثانية بأن الحب موجود
وبأن الجمال يرفض العبث
 ويعدني بوضوح اختلافه عن القبح والشر والظلام
ففي وقت التقرب الى الله
لا يشعر الانسان بأنه يتألم إذا مات مقتولا"
ترى، أيمكن أن يكون القتل نعمة وحيدة قبل إكمال الصلاة؟
وهل يمكن أن يكون نعمة للوصول الى الله من غير صلاة؟
هاهي الكارثة البشعة تزحم ضميري وذاكرتي
هاهي تضربني في حبة قلبي وذاتي
هاهو الموت ينتقل من واحد الى اخر
طلقة بعد طلقة مع سبق الاصرار
ومن مكان الى مكان،
لامجال لوقف التنفيذ...
بثوان قليلة تنتهي حياة البررة
وفي قلب كل واحد منهم ذكرى،
فهذه ذكرى طيبة، وهذه ذكرى اغنية حب،
وتلك ذكرى عن شجرة برتقال، وتلك ذكرى عن تسامح ومحبة
وبثوان قليلة
تقتل الذكريات وتكسّر اشجار البرتقال
وتقتل الأزقة والطرقات
وتقتل الكنائس كما تقتل ناسها
وتقتل احلام الأشياء وتأملات الأطفال ولعبهم ونظراتهم امام المذبح
ويتمزق شغاف القلب
وتتمزق الستائر والملابس والأقمشة والأشرعة
وتتمزق الأعلام الرسمية وغير الرسمية والمرشحة
وتتمزق التشريعات القديمة الأصيلة والحديثة المصطنعة
وتصريحات الأمم والسادة المسؤولين وغير المسؤولين والعبيد والمنحرفين والمنحطّين
وتتمزق قلوب الامهات
وتتمزق الغيوم التي لم تتمكن من سكب مياهها
وتسقط كل الأقنعة والصور العشائرية والقومية والوطنية والأجنبية الرسمية
وكل الرموز المعلقة على جدران الصمت المخجل
...     ...       ...
اريد أن أسركم بانهم يريدون الطريقة ذاتها والظلام ذاته
يخافون منكم لأنكم ما مشيتم على طريق جانبي
ولا خنتم الطريق، ولا خنتم الوطن
فان رأيتم الأوراق صفراء في الربيع
قالوا: هل هذه جهنم؟
وتساءلوا: أين الروح الوطنية في أوراقكم؟
اريد أن اقول لكم:
لا تكتبوا على الأرض ولا تضعوا تواقيعكم عليها لأنها ارضكم
ولا تكتبوا على سطح الماء
ولا تكتبوا باصابعكم على جزيئات الهواء
فان كتبتم، قالوا:
حرّفوا وجهة المسيرة
وهاهم يعيدون السماء لتحتضن الأرض ثانية
ويعود التأريخ الى أيامه الأولى
وقد تعود قوة الملوك والمجد التالد
وقديقتل قابيل هابيل ثانية"...
وتسقط التفاحة على رأسه ويعطيها لأمه، فتقول:
هذه ليست تفاحتي
هذه تفاحة نيوتن !
...    ...    ...
هناك،  خلف الصحراء، وما بعد الآمال وقبل محاق القمر
حيث لا امال بدون رجال
ولا رجال بدون رجال
ولا رجال بدون امال
هناك، حيث لا صدى للصدى،
حيث يتساوى السبب والنتيجة
ترتفعون خارج  ذواتكم في نور بلا مصدر
إن كان في غفوة، أو من صحوة
وتشاهدون أشياء كثيرة
أشياء لا تنتظر أي شئ
وانتم تحيوها وتشكروها
وتسألكم: اين كنتم ؟
تقولون:  في ارض ما اردتم ان تهجروها
لأن اخر صفات الآرض هي كالأولى فيها
ولكنها كانت، ولا تزال، ضيقة
لا تتسع للحمام والصياد في ان واحد
ارض لا تتسع لوصية "لا تقتل"
ولا مجال لأنثى السنونو فيها أن تفتش عن ذكر السنونو
ارض صفراء جدباء تناجي السماء
ارض يحفر فيها الدم وجه الصخر
ارض جرداء تمشي فيها كل الألوان من غير حذر
فيستوي فيها الصيف والربيع والخريف والشتاء
...    ...     ...
اريد ان اقول لكم بأن التأريخ لا تترتب اعداده
فهي تملؤه وهو فارغ
فيه انس، جن، وحيوان يترنح كالبندول
حصان قوته الف قبل الكر
يجيد الصنع بنا، ولا يلاطفنا
يفاجئنا حين ننسى انفسنا
ويجئ مصادفة او صدفة او على حين غرة
بشعا"، حديديا"، متعددا"، جلادا"
فان وحّدنا، قال: لا يكفي!
وإن امنّا، قال: هذه تعددية
ياتي ويصطادنا ونحن حول الرب ومع الرب وفيه
يصطادنا واحدا" واحدا" ...ما عدا الرب
اقول لكم
سوف لن ابدل لون دمائكم بكل الوان الطبيعة   
وهل يقودني الدم وانا احتويه
ام اقوده وهو فيكم وقد سكبتموه على المذبح
فقدمتم ذبيحة حقيقية في يوم حقيقي
قدمتم نورا" لا ظل له
واصبحتم نورا" لا غبار عليه
صعدتم نورا" من دون سلالم ومن دون جواز سفر
...    ...    ...
لمست حنجرتي
خلت أنها لا زالت في مكانها
استجمعت كل قواي لأبين فحولتي واصرخ عاليا"
فاحسست ان لا احد استدار بوجهه نحوي
والصرخة هي الصرخة
كسراب من غير السماء
وهذا مستحيل في قوانين الفيزياء
صرخة ليس لها صوت
لا اسمع صوتي في الساحة حتى وإن كانت مملوءة من الهباء
لا اسمع صوتي حتى وإن مشى المجرم فوق رقبتي ضاحكا"
وأنا ائن من الألم
لا اسمع صوت صرختي حتى وإن كان صليبي معي
لا اسمع صوتي حتى وإن كان قومي في خط الأمام
لا اسمع صوتي حتى وإن قال لي:
هذا أنا، صوتك، انا منك
لن اسمع صوتي إلا إذا تكسرت جدران الصمت
فخلفها تقبع كل اجهزة تكبير الصوت
فان كبّرت، خلت أنها تقول لي:
لا تغير فصيلة دمك
...    ...    ...
إن الطفل الصغير ليس بحاجة الى من يؤرخ له
فهو لن يدرك مسيرة الثنائية القلقة منذ اليوم الأول – القتل و المحبة
فهي الشئ وضده
 الممتدان من فيشخابورالمبللة بمياه دجلة
وحتى السيبة المضاءة بتمور النخيل
وكرمانا" لكم اريد أن اقول:
بانني منذ الآن سيتغير اسمي
منذ اليوم سأصير واحدا"
ولست بحاجة الى اختام رسمية أو غير رسمية
أنا بحاجة الى ختم اسطواني واحد لا أكثر

د. امير يوسف  --  تشرين الثاني 2010                                             



9
في اربعينية المرحومة مريم توما يونان  " زاخو "


في بياض النهار يسرق الزمان وردة حمراء، في بياض النهار يخسر نيسان لونا" من الوانه.
اتقدم بتعازيّ الحارة الى الأخ صبحي هرمز بيداويد والعم توما يونان البازي واشد على ايديهما، كما اقدم التعازي الحارة
الى جميع ابناء المرحومة واهلها وذويها.

تركت اهلها وذويها ومحبيها وكانت قد وشجت  في قلبها امور وهموم مثلما تواشجت نظراتها بجمالية الطبيعة وصخورها
الثابتة واوراقها الخضراء في نيسان. نعم، كانت تحب الربيع والألوان الزاهية، وكانت كلمات الأبناء والذكريات منذ الطفولة،
وهموم المسافات والأحلام والآمال باللقاء المرتقب تختلج في صدرها كل ساعة وكل يوم. كانت ببساطتها المعهودة تعكس بكل
فخر ما في اعماق الأمومة من مودة وحنان. فقد كان من بين الأهل من يقول انه يعيش في الغربة وهي صعبة، فكانت تقول:
"ان الأنسان، احيانا" ، يشعر بالغربة وإن كان على ارضه وبين اهله وذويه".
ها هي شرمين تدأب النهار والليل وتنتظر اللحظة التي قد يقف فيها النهار لساعة واحدة فقط وتظهر فيها نفس مريم ليطمئن
قلبها ويهدأ بالها . انها تتأمل في مسألة غياب الذاتي الكبير في الموضوعي الأعظم مع إعطاء عامل الزمن اعتباره.

إن مريم لم تترك الانسان ونصه الأرضي، بل وضعت معه خيوطا" من روحها واعطت ما تبقى للطبيعة الأم. فراحت الى
الطريق الجبلية لتسلم عليها ولترى الوان الربيع والحشيش الأخضر الذي كانت تحبه وسلمت اخر ما كان لديها للصخور.
تشكر الأرض عطاء مريم، وتشكر الناس روحيتها الدافئة وطيبتها التي لا تنضب.
ترى هل تجمع الحومل في السماء متألما" على ما حصل؟ وهل انتظر اللحظة المناسبة ليعطي الأرض ما تحتاجه مثلما اعطت
مريم لعائلتها؟

نطلب من الله ان يسكنك  فسيح جناته
الف رحمة على روحك الطاهرة
سلام عليك وعلى قبرك
10.05.2010
د. امير يوسف


 
                 


10
التعازي / رثاء الى اختي مريم
« في: 16:50 08/04/2010  »
اختي مريم


ها هو وجه المصيبة يزحم فكري وروحي وضميري...

تلقيت نبأ ما لابد منه، وإن بكرة"، كرجوف الرعد في كبد السماء ليهز النجوم ويصيبني في فؤادي ليؤلمه كثيرا" سيما واني خسرت نيسانا" مؤخرا" والآن تتركني مريم وتترك محبيها الكثيرين.

جاءت الرزيئة فجاءة" لك وايامك لما تزل في منتصف الطريق، جاءت عاجلة" والعمرلم يحفر بعد اخاديده في مدرجة حياتك ولا انت قلت ما وددت ان تقوليه لمحبيك وهو شئ كثير وكبير.

من مدة شممت عطرك واحسست فيه صفاء النخوة ودفء المروءة، شممت عطرك وتعلمت ان الزمان مهما ابعدنا فان طيبة نفسك ورقة قلبك ازليتان كالجبل الذي يقف قبالتك يوميا"، وكالآمال التي ظلت مزروعة في قلبك...خالدة لا تبليها الأيام.

يوم قلت انا فخورة رأيت كل الخصال و المكارم من خلال كلماتك التي ترددت عبر الهاتف وعرفت روحي بأن الجمال يزين كل الذي حولي - وجوه واوراق وصخور ومياه. ورأت روحي انك في كل وجه لم تر قسماته حنانك منذ مدة، وفي كل وريقة كما اليخضور لحياتها، وفي كل  غصن وغصناته، وفي عيون جميع محبيك الذين هم صواد اليك .. اّه يا مريم .. لماذا؟

أي عصب  شلّ في ذاكرة الزمان وأي قلب توقف عن الخفقان... لن اقول لنفسي ولا لمحبيك "ما بالدار عين"، لأنك نقاء الجوهر وروعة الباطن، لأنك الأحد الذي لن يغادر محبيه.. انت باقية كأصالتك، طيبة القلب لينته، انت في الأعماق، انك تملأين الدار..ونعم المرأة يا مريم.



انت في قلوبنا دائما"
الف رحمة على روحك الطاهرة
تعازي الحارة الى عائلتك وجميع محبيك


اخوك امير يوسف   
الثامن من نيسان 2010






 

11
"من الواضح ان هناك من تمكن من اختراق بريدي الالكتروني وكلمة المرور وراح يطلب مبلغاَ قدره الف وخمسمائة باون استرليني وارسالها الى لندن. اتقدم بالاعتذار الشديد لجميع اخوتي الاعزاء، ودمتم".

اخوكم
امير يونان



12
المنبر الحر / اخي نيسان
« في: 22:36 24/11/2009  »
اخي نيسان


همساتك لبني جدك افلاك تدور في درب الروح النيسانية الصاعدة الى العلياء، روح من خير، روح من ابتسامة بيضاء، روح من حرارة تدفيء حبة القلب.

 اريد ان اكلمك يا اخي عن القلب الذي سيبقى يضمك في ابهره الصغيرنوعاَ لانك جزء منه رغم انك كل كبير قائم بذاته. اريد ان اخبرك بانك ستظل فيه طالما بقت فيه عضلة واحدة قادرة على التقلص والانبساط ، وستظل فيه حتى وإن توقف عن الخفقان، فهو سيكون الحقيقة الحية لما ارادت نفسك - من غير ارادتك- ان تحققه. وهل يمكن ان تنسى نفسك معنى وعمق وجودك في الابهر؟   

اريد ان اكلمك عن السنين الخوالي، سنين كانت فيها امالك كالسنابل في سهول الحياة تستحيل الى رغيف يقتات  به الصعاليك والفقراء، سنين كانت فيها عيناك نجمتين خضراوين تمنحان المحبة للذين عرفوك. اريد ان اكلمك عن الايام القليلة الماضية حين انبجست كلماتك من قلبك ووجدت سبيلها في مدرج الحق الذي تمشي فيه بخطى واثقة. وعندها وجدت ذاتي ما يزين الربيع في كلماتك الرائعة التي طلبت فيها ان تطمئن نفسي ويهدأ فكري وتسكن انشغالات روحي ، ورأت ذاتي انك عنيت ان ينبت الاخضر حيث اليبيس اكثر وان يسكن الجوهر في النفوس التي تريد ان تترك الظاهر.

وها اني اراك تسير بطيئاَ، امد يدي اليك فتقابلها بقلبك الاروع ونظراتك الدافئة.. ما هذه الروعة؟ اطل عليك وارى مروجاَ ثرة واسعة تتكيء عليها لمسات الحياة الدنيا، وتطل علي فارى نوراَ عظيماَ واشعة يبحثون عن شيء ليس بوسعي ان اصفه.

اريد ان اكلمك يا اخي واقول: لا تتركني ولا تقل الوداع، فانا اخشى الوقوف عند محطة الحياة حين تشد الرحال للالتحاق بمن تركنا في السابق. انا لا اريد ان تقبلني قبلة الوداع لانك فيّ ، وكيف يمكن
ان يتركني من هو فيّ ؟ لاتتركني، عد ادراجك، لا ترفع يديك ولا تقل انك مغادر بابتسامتك المعهودة، ترى هل يجوز ان يتركني من هو فيّ ؟ وهل يمكن ان يفيدني النحب ؟ وهل تذبل العشقة اذا قطعت ؟ وهل يجوز ان تسقط الاوراق في نيسان ؟

نسيت ان اقول لك بان سالف الايام ما كان قد امهل نفسي كي تزور نفسك وهي تتهيأ للذهاب، اذ جاءت اللحظة الحاسمة سريعة من دون تحذير او صوت، جاءت النازلة فجاءةَ وقوية فاضطربت روحي وتالمت خلاياي. اه ، اخي نيسان، هل من العدل ان تاتي الرزيئة على حين غرة ؟ ام ان هذا عمل من اعمال الدنيا الغرور؟

           
                                                                                               اخوك
                                                                                           امير يوسف

13
إخترنا لكم / احزانك
« في: 11:53 25/09/2009  »
احزانك

حين يغلب سماءك الوسن
تدخل حروفي في حجر صغيرة لمعرفة العشق
واصير، حيناَ، غائباَ
فلا انا في سمائك
ولا انا في ترابك
ولا انا في تبرك
إذ تبدأ طاقتي تنخلق من مياهك
فما اروع ساعة التكوين في الماء العميق
°°°°
اتخيل حزنك
يتنفس من قلب الارض
يقفز من وردة الى اخرى
يتهامس معها
مثلما تفعل الحشرات
حين تمسح المرج بطيرانها
وتنشر في الظلام البريق
°°°°
احلامك مياسم تحلم بأسدية
كي تأخذ حقها بالتفاريق
رغباتك وخواطرك فرسي رهان
يستبقان الى غاية واحدة
روحك سحابة ماسية تسير من غير ظل
تكشف عن حب
مسافاته بين اكواخ وضحكة طفل
مسافات تركض من غير طريق
°°°°
ترك الجواهري احزاناَ مجروحة في بابل
وترك احزاناَ سليمة في تدمر
وصلتني منها نكهة خفيفة لاغير
وترك فرج رحو الامه قبالة الام الجواهري
وانا في غفلة من امري
وإذا كان للنوّاب  "حزن جميل جداَ"
فانا منه
انه جاري، يزورني، ازوره، اراه،
اتحسسه بين ضلوعي
واما احزانك،  فهي ملكي فقط
بأي مدرجة تكون سائرة أسير
نعم، انا، اناني كبير ا.ا.
عشقتها وعشقتك
ساخذها كلها
لاكشف بها عن نفسي
وادخلها في اقراصي الدموية
ثم انثرها بين صفوف النخيل وأعشاش الحمام
لأوقّع بها على جميع اعضائي
واقدمها قرباناَ
لأحلام رضيع فطمته امه قبل ايام
لطفل لا يرسم دبّابة ..
لطفلة ترسم زهرة لا تذبل..
لأمرأة كي تنسى ملوحة الدموع
وتتجنب رزايا الألم العميق

                                                                                                                                                                                               د. امير يوسف
            2009

14
موناليزا حقيقية ..ورقة من الذاكرة

وما موناليزا إلا جمال عقل وقلب لا يموت .ا.ا

   قرابة ربع قرن....صوت سابح في سماء "دوبرا" وقعته أنسام بعينيها لتجعل لون الغسق مضيئا بأمل على سفح جبل. جغرافيتان تتمتعان بموضوع الثنائية الجميلة وذاتها وهي تربط ما بين النهر و"الروبار" ، والنخلة وشجرة الجوز الباسقة، والرمضاء في الشهر المقدس والثلوج في شباط ، والرمل الذي هنا والجبل الذي هناك .  وما الثنائية التي جعلت الذات تسمو ما بين عشق الاحساسات الفراتية قلبا  وبين صانعي الخبز عقلا إلا جمالية الحلم الطفولي الذي غدا حقيقة = ارتقاء القمم.

   أصعدت في الارض، ارادت كنس الذاكرة المشوشة للذين تنقصهم المروءة للتفرغ لتشييد اواصر الإلفة بين الانسان وارضه، الطيروعشه، والفراشات واحلامها التي لا تدركها الحواس البشرية.
 
    جاء الرجال، انهم يصعدون بمشقة كدججان قوم اضاعوا قمرهم عند الغسق، في عيونهم بريق حزين قريب الى الغرابة؛ قل عددهم، كانوا اكثر، موناليزا لم تعد معهم .ا.ا
       
    من أنت؟ باقية في ذاكرة الرجال .... هذا هو اسمك.ا وهل غادرت النخيل حينا للوصول الى المثلث الذي تخبره عيون الرجال وقيلولة نجاد وجرح خابور؟  وهل وصل خابور من "دشت" موسكو = كما كان الرجال يقولون= ليشهد مسيرة موناليزا من الجنوب لأجل ارتقاء القمم. وها هي تترك الرمال .... "لقد عبرت قنديل".ا.ا  هكذا قال الاعلامي، ذو اللحية في حينها، لخابور. غير أن الوطن لم يعبرها ولا امال الرجال تركتها ولا احلام الاطفال نستها؛ في  روحها امل اضطرب وجرى يسابق مسيرة الزمن على جناحي سنونوة، فهي في روح الزائل ابدا ودم الدائم ابدا، سرمدية لا تبليها الايام، خالدة في صخور "خواكورك" ونخيل الفرات.

    هدوء روحاني في قلب موناليزا، سكون دافئ في روحها... أي جنوب عراقي نحت فنا رمزيا لم تسمع به اوروبا ولا ألبها عرفته، أي رمال تلطخت ولم تهدأ، وأي صخور جلامد تيتمت في "خواكورك" برحيل موناليزا.  ما كانت لتريد أن تترك هؤلاء الرجال ولا لتترك هذه الاشجارالتي شغفت بها.  ولم ترغب بترك " الروبار"  ولا  الفرات كان يعرف بأنه سيبكي يوما.

ان موناليزا طعم الحدود الواضحة لامتداد سهل الجنوب وصولا الى " دوبرا " الواقع شمال 
 شرق قلوب الرجال... وكانت نقطة العودة منه الى اقرب موجة لازوردية في الفرات، الى أقرب أثر سومري أكدي بابلي، الى اجمل نخلة في الجنوب.  ان أنسام موناليزا الجنوب التي لم تعرفها اوروبا، هي موناليزا الوطن الذي كان ليرى نفسه في مياه الفرات المترقرقة، طموح الصبايا الحالمات بتحرير الضميرمن سيطرة الجلاد. ان موناليزا انسام رافدينية عشقت تاخي اقوام الوطن
 تحت راية جميلة اللون، كبيرة المعنى، عظيمة العمق.

    وما موناليزا إلا جمال عقل وقلب لا يموت.ا.ا

اب   2009

                                                                                         د. امير يوسف
       
         

15
الاب المحترم البير ابونا والآباء الاساقفة ..
هل الكنيسة في ازمة؟

ايها الاب الفاضل

في نهاية اب من هذه السنة تناولتم موضوعا مقتضبا مهما للغاية، اتقدم بردي المتواضع والمختصروذلك لأن الموضوع بحاجة الى دراسة عميقة جدا ومتعددة الجوانب لمعالجته.

أولاَ: من هي الكنيسة؟    

   إن دور السلطة الكنسية يكمن في أنه واسطة بشرية ( ابتداء من الكاهن ووصولا الى الحبرالأعظم)  تقوم بتعبيد الطريق للناس للاتصال روحيا بالله والوصول الى ما تهدف اليه وفقا للرسالة الروحية التي عليها أن تنشرها بين الناس. غير أن ذلك لا يعني بالضرورة، ولا حتى بأي شكل من الأشكال، ان ارادة هؤلاء الاباء الأفاضل تتطابق بشكل اّلي ومشيئة الله.  إن الكنيسة تحمل امانة عظيمة الشأن، فهي تسترشد بالوصايا والاسرار كما هي في الانجيل وتسعى الى تثبيتها في المسيرة الفكرية والروحية لأبناء الرعية.  كما تحتضن من ضمن ما تحتضن جل تفكير الناس الروحي وجل اختباراتها في الحياة وحتى نمط تفكيرها اليومي وعاداتها واعتقاداتها.  ولهذا لو حاولت الكنيسة ان تعي ذلك بلغة سعة الصدر والمحبة ونكران الذات لأصبح الأمريشبه دلك الذي يسير، في الواقع، بالطريق الروحي المرسوم له، او الذي يختاره بإرادته من غير أن يضع نصب عينيه العوائق والعقبات المادية أو الشخصية وال (ماذا لو؟، إذا لم... بصيغة الجمع)  في الكيفية والاليات التي على الكنيسة أن تنتهجها كمبدأ يومي. إن كل ذلك هو للارتباط روحيا بما هو اعلى واسمى ومعرفة الذات كما هي عليه وبشكل صحيح ، واخيراَ الارتباط روحياَ واجتماعياَ بالذات وبالشعب. إن هذا هو جزء بسيط  لا غير من جوهر التعاليم المسيحية التي يعرفها رجل الدين حق المعرفة. وما الحالة التي وصلت اليها الكنيسة والتي ذكرتها في مقالتك ، ايها الأب الفاضل ، سوى نتيجة منطقية حتمية وبرهان ثابت على الابتعاد ، بدرجة لها اعتبارها ، عن هذا الجوهر.

   ما الكنيسة إلا رعية ورعاة يرعوها . الرعية تخضع بحكم الانتماء الديني لما يرسمه الراعي. كلا الطرفين قابل للخطأ لأنه بشر. غير ان خطأ الراعي يؤخذ بنظر الاعتبار والاهمية اكثر بحكم العلاقات الاجتماعية التي تحكم مجتمعنا . وما يؤدي الى ما لا تحمد عقباه هو ان الكنيسة بدلا من ان تؤلف بين ابناء الرعية الميئوسين والمساندين لكاهن ما بسبب الارتياحات الشخصية والاخرين الذين في الكفة المقابلة الواقفين الى جانب الكاهن الآخر (تكوين تكتلات) ، تراها تساهم بقصد او غير قصد في استمرار التباعد بين الطرفين . وبطبيعة الحال فان هذه الحالة-الحقيقة ، رغم مرارتها ، سوية مع ضعف الوعي الاجتماعي والديني عند ابناء الرعية والرعاة على حد سواء تؤدي بالامور للوصول الى موقف متوتر ومتشنج بين الطرفين قد ينتهي الى ما لا صلة له بالاخلاق المسيحية . إن المحصلة النهائية لهذه المسألة هي نتاج طبيعي للاصرا ر و التشبث الاعميين بالرأي والاعتقاد بان هذا هو الصحيح ولا يجب ان يتغير.

ثانياَ: هل الكنيسة في ازمة؟

   إذا كانت الكنيسة ، كما يعرف الشعب و الآباء على حد سواء ، هي جسد المسيح، فان عليهم ان يكونوا بحكم الضرورة اضلاع هذا الجسد وقلبه على التوالي إذا جاز التشبيه. إلا أن هذه الاضلاع
لا يحب ان تكون متناحرة فيما بينها لأنها من نفس القفص الصدري اولاَ ، ولأنها في الجسد الذي لا يعرف غير المحبة ثانياَ ( هذا هو ما يتعلمه الناس يومياَ من خلال قراءاتهم للعهد الجديد ) ؛ ولا القلب تكون دماؤه تجري بغير نظام متناسق يتزامن مع كل انبساط وانقباض من اجل الوصول الى ابعد الخلايا ليغذيها بشكل طبيعي لأنه يجري في نفس الجسد .  

    ايها الأب الفاضل ،ايها الاساقفة الاعزاء ، اقول لكم  بكل روح متألمة ، ان الاضلاع في اكثر من جسد قد وصلت الى درجة التضاد المتوتر وان الدماء تجري من غير نظام متناسق ولا تصل الى جميع الانسجة ، إذا تجاوزنا عن ذكر الخلايا .  ان السبب في هذا هو ان الجسد سقيم . وفيما يظهر بالاستدلال المنطقي ان هذه الحالة ليست وليدة فترة زمنية قصيرة ، بل هي نتاج تراكم واستفحال الامور لفترة زمنية طويلة. إن عدم وضع الحلول المناسبة في الوقت المناسب يفسر وصول الحال برعاة هذا الجسد الى تباين في الآراء حول الامور الجوهرية والاساسية لصحة الجسد وبالتالي الى ضعف في السيطرة المركزية على وظائفه الحيوية . ولذا ، وهذا هو المؤلم جداَ ، ليس من الخطأ القول بأن الكنيسة حقاَ في ازمة .  ومن المعروف ان الازمات (في اي مؤسسة كانت) لا تمر دون ان تجرح الجسد.  ولذا عليكم بالجسد ايها الآباء والأساقفة الأفاضل ا. ا. لأن الأمور قد تصل ، وهذا ليس من جانب التشاؤم،  الى حالة يندم عليها ، ولات ساعة مندم.  

ثالثاَ:  كلمة الشعب

   إذا كان في نية الشعب ، ولاسيما من الناحية الأخلاقية ، أن يساهم في دعم كل ايجابي وصالح لأجل تجاوز المحنة التي تمر بها الكنيسة ، فان ذلك يرقى الى مقام الشعور بالمسؤولية الكبرى . غير ان واقع الحال هو شكل اَخر، إذ ان البنية الهرمية (الادارية – الروحية) للكنيسة لا تقر بفتح المجال امام الشعب ليقول كلمته في الشؤون الكنسية، وان واجب الشعب هو التنفيذ ليس إلا.  وحتى إذا طرح فرد ما، او حتى مجموعة افراد، من ابناء أي رعية كانت (داخل الوطن او خارجه) رأياَ صحيحاَ في مجال معين، فان رجال الدين سوف  لن يأخذوا به .  ان هذه الحالة تضع الانسان امام الحقيقة التالية: انا انسان وامامي جدار متين من ( اللاءات ، هذا لايجوز ، و علينا ان نعمل بهذا الشكل) ، هل يستحق الامر ان اطرح رأيي في المستقبل؟ قد يكون هذا السؤال مشروعاَ. إن الملفت للنظرهو حينما
يجري العمل بنفس الرأي وعلى جناح السرعة اذا صدر من رجل الدين.

   هذا الواقع ليس بجديد، بل هو موجود منذ عقود من الزمن، والشعب يعرف ذلك حق المعرفة وفي نيته ان يغير هذا الواقع ولكنه مقيد. من جانب اخر، فان رجل الدين ايضاَ يعرف ذلك، ولكن الفرق هو ان رجل الدين غير قادر على تغيير هذه الحقيقة حتى وإن فكر في الامر مع ذاته.  وهنا، بدون اي شك ، رجل الدين محق لأنه يعمل ضمن الأطرالقانونية والادارية وينفذ حسبما تنص عليه   "مجموعة قوانين الكنائس الشرقية " وليس حسبما هو موجود في الانجيل . من غير الممكن فهم كلام يسوع المسيح خارج اطر الانجيل ، واذا حصل ذلك فانه يدل على تدخل بشري في الامر .

   خذوا ،  ايها الآباء و الاساقفة الاعزاء ، باَراء ابناء رعياتكم ، فهناك المئات من القابليات والامكانيات الفكرية الرائعة التي لا تقل بمستواها باي شكل من الاشكال عن القابليات و الامكانيات المتوفرة عند الآباء الكهنة والاساقفة  . خذو بما يختلج في عقل وقلب ابناء رعياتكم. إن الاستماع الى اخوانكم واخواتكم في الدين لا يعد خروجاَ عن مباديء المسيحية ، بل هو جزء اساسي ومتمم في ذات الوقت للتفاعل العضوي الذي يفترض ان تتميز به العلاقة بين الراعي ورعيته .

رابعاَ:  ما العمل؟

   من النظر الى الحالة نظرة تقييمية ،  و خاصة الى ما قامت به الكنيسة والرعية فيما يخص التربية المسيحية، على الاقل في العقود الاربعة الاخيرة ، يتضح ان الناس لم يصبحوا اكثر تديناَ ولا اكثر مسيحية من العقود التي سبقتها ، على سبيل المثال لا غير،  وانما تحولت العبادة الى عادة . من ناحية ثانية يمكن ملاحظة الحقيقة التي تكمن في ان الانسان يعاني من تدهور في الصفات البشرية وعلى وجه التحديد الاجتماعية والاخلاقية . ان هذا خيردليل على ان العامل الاجتماعي-المادي هو المتغلب في مجال التأثير في نفسية الانسان وان العامل الديني هو المتنحي . ان هذه الظاهرة سابقة خطيرة ولذلك فان الامر يحتاج الى وقفة جدية ومسؤولة ليس فقط من جانب راع ورعيته ، ولكن على المستوى البابوي العالمي لجميع الكنائس .

   ان ذلك يدعو بان تقوم الكيسة في العراق بالتفكير في النقاط التالية:

أ- بناء الانسان الجديد :  وهذا لن يكون إلا من خلال البدء بتغيير الانسان الحالي وذلك بالاسترشاد بالتعاليم  الواردة في العهد الجديد بعد فهمها علمياَ ومنهجياَ . ان الآلية التي يمكن الانطلاق  منها    هي وضع برنامج شامل عمقاَ واتساعاَ تقوم بتكوينه وبناء نموذجه مجموعة كبيرة من المتخصصين في مختلف حقول المعرفة بالتعاون على قدم المساواة مع رعاة الكنيسة . إن هذا العمل ضخم جداَ ومتعدد الجوانب وبحاجة الى بذل جهود جبارة يومياَ ولعقود كثيرة قادمة .

ب- القيام بمراجعة علمية شاملة واعادة دراسة و تقييم الكادرالتعليمي وكذلك  المنهج التعليمي للسنوات الدراسية في المعاهد الدراسية الدينية التابعة للكنيسة واجراء التعديلات حيث تلزم. إن الآباء العاملين في هذه المعاهد هم المصدر الوحيد الذي يقوم بتكوين وتخريج وسيامة اباء يقومون بمهمة التربية الدينية لابناء الرعيات. وعلى هذه المعاهد وهؤلاء الآباء و (العلمانيين من ذوي الكفاءات إذا اقتنعت الكنيسة بالاستفادة من قابلياتهم) تقع المسؤولية الحساسة الكبيرة الاهمية – بناء الانسان الجديد.

ج- العمل وفق التعاليم الواردة في العهد الجديد وليس ترجمتها كما يحلو للانسان فيحلل حيث يشاء ويحرم حيث لا يشاء .

د- العمل بنكران الذات (بالمعنى الحقيقي لكلمة نكران) .  

كلمة اخيرة :

 إن الرعاة والرعية يصلون منذ عقود طويلة ويرددون في كل قداس : (وننقي نياتنا من الخلافات والخصومات، فتكون نفوسنا صافية من كل حقد وعداء) ؛ وكذلك (قدّس اجسادنا بجسدك المقدس، واغفر ذنوبنا بدمك الكريم ، وطهّر ضمائرنا بحنانك ايها المسيح ، رجاؤنا الى الابد) . وهنا اضع خطاَ احمرتحت : "منذ عقود طويلة  و تنقية الذات  و  صفاء النفوس  و  تطهير الضمائر" واهديها الى نفسي اولاَ ، ومن ثم الى الآباء الرعاة جميعاَ واخوتي جميعاَ اينما كانوا مع محبتي الاخوية للجميع.

ameeryounan2004@yahoo.com.au

هذا عنواني الالكتروني وانا على اتم الاستعداد لتقديم خدماتي.

                                                                                   د. امير يوسف

16
المنبر الحر / الى اخوتي
« في: 16:31 25/08/2009  »
الى اخوتي

 
إن ما يهم الفرد من شؤون تتعلق بذاته هو ملكه كانسان حر. وهو غير مقيد في حريته الشخصية في اجواء ترتبط بما يعود له من حاجات وافكار وتأملات. إن هذا يضعه في موقع تملؤه النظرة الذاتية له طالما انه ما يزال في بيئته الشخصية وقائم ضمن اطرها قدر تعلق الامر بالنظرة التي يكونها والفكرة التي يحملها والفلسفة التي ينتهجها في حياته من اجل اهداف يحددها لنفسه على المديين القريب والبعيد. انه غير مقيد على الاطلاق وبأي شكل فيما يتعلق بعناصر جمة كالمأكل والمشرب والملبس وما الى ذلك من اشياء كثيرة، فهو يعرف نفسه وأولى بها من سواه.
     
 غير ان هدا الفرد حين يشرع بكتابة اول كلمة من مادته السياسية او غيرها فأنه بذلك يشرّع الطريق للاخرين و يزينه من خلال ما يكتبه لهم. إن كل كلمة يكتبها الكاتب، إن كانت على سبيل المثال، في الانتخابات الاخيرة، التسمية القومية، او في أي حقل اخر باختلاف درجة حساسيته، ما هي  إلا ايقاعات موجهة الى القارئ. إنها خلاصة وجوهر تفكيرالكاتب وتأملاته الشخصية في هذا المنحى أو ذاك.  بانتهاء مادته المكتوبة يكون هذا الاخ قد قال للقارئ : "أخي الكريم، هذا هو فكري ولك أن تفحصه، وليس فيه غير ما ينبع من قلبي وهو لفائدتك. انا الشمعة التي احترقت لتنير لك الطريق. هاك احساساتي، تقبّلها فهي من اخ لك ".
     
 وإذ ذاك يسوغ للقارئ أن يستخدم موازينه ومعاييره، مقاييسه وثوابته الفكرية والانسانية. كما انه سيمنح لنفسه الحق الشخصي والشرعي، اذا جاز التعبير، لتكوين وصياغة واخيرا طرح ما يراه مناسبا على شكل مقالة تمثل ردا على ما قرأه. إن هذا من حق القارئ كما كان من حق الكاتب ان يكتب ويوضح ما يريد أن يقول.  الى هذه النقطة والامر ما يزال عند حدوده من المعقولية البسيطة.
     
 أما عندما يتحاوز الامر اطره التي، منطقيا، لا يجب ان يتعداها بسبب عدم وجود الضرورة الى ذلك، فان الحماس يقود الكاتبين الى ان ينتهي الامرالى ارتفاع في [الادرينالين] مما يفضي الى تبادل التهم والتكذيب واستخدام اساليب غير حميدة وكذلك التجريح. ولهذا السبب ليس من الخطأ القول : "ان الاخ الكاتب يظهر درجة عالية من الذكاء حينما يتجنب استخدام الكلمات البعيدة الصلة بالموضوع والتي تكمن بشكل خاص في مختلف اساليب النقد اللاذع والتجريح وصولا الى استفزاز الذين يقصدهم بشكل مباشر أو غير مباشر في كتابته" .
     
إن الكتابة علم وفن. فهي علم لانها تهتم بطرق وأسس إظهار وايضاح ووصف ونقد اي حقيقة كانت بشكل بناء. وهي فن من حيث انها مهارة دقيقة وخطيرة وحساسة جدا في معرفة طريقة العزف بنزاهة على اوتار احساسات المتلقي لها.
 
إن الكاتب حر في تسليط الضوء على الموضوع الذي يكتب عنه. وهو حر كذلك في تناول اي جانب من هذا الموضوع والدخول في تفصيلاته عمقا واتساعا بهدف اعطاء القارئ صورة كاملة الوضوح. غير أن شجاعة الكاتب ستكون غير كاملة اذا اهمل الجانب الذي لا يحلو له من هذا الموضوع. لقد تجلى هذا للعيان بشكل واضح بعد الانتخابات الاخيرة، حيث لوحظ اهمال بعض الحقائق ذات العلاقة العضوية المباشرة بسيرالانتخابات. اذ ظهرت عدة مقالات ركزت كثيرا على النتائج، إلا انها، من ناحية ثانية، لم تتطرق الى السبب الذي ادى الى هذه النتائج. وكتب كتابها عن هذه او تلك من القوى على انها ليست جماهيرية ولا تمثل طموحات الجماهير. لابد هنا من التوقف قليلا والتركيز اكثرلاظهاررؤية دقيقة وواضحة لاجل المعرفة لا غير. إن الرؤية الواضحة تكمن في ضرورة ان يكون الاخ الكاتب امينا في طرحه، دقيقا في اختيار المفردات اللازمة، غير متحيز لفئة ما حتى وإن كان عضوا ملتزما او يشغل موقعا قياديا فيها.  إن الايقاعات الموجهة التي يطرحها الكاتب ليس من اللازم ان تمس بمشاعر القارئ او الجهة او الحزب الذي يعنيه ولا سيما اذا كانت تخص جزءا بسيطا من العملية الديمقراطية كخسارة او فوز فئة او اكثر. اذا تمكن الاخ الكاتب من تحقيق هذا الامرفانه، والحق يقال، سيكون قد اصاب في قصده ومقصده وتعمق في حكمته وتمنطق في بعد نظره.
 
إن الحقيقة التي تستجذب الانتباه الى ذاتها هي ان الكاتب يجب ان يكون يقظا تجاه ترك العاطفة العمياء تحجب نقاط الخلاف عندما تكون المسألة عظيمة الاهمية لدرجة تكفي لتبريرالنظرة العقلانية والفحص الدقيق لأي دليل او ادلة متوفرة. كما ان يتصف بالفهم الحذرلمختلف استخدامات اللغة وتقدير اهمية الدليل في تقرير مسائل الحقيقة والكذب والبت بها. ومن جهته، فان القارئ سيقبل هذا الاستنتاج او ذاك اذا اقتنع بالبرهان الذي يستخدمه الكاتب.  ورغم ان القارئ لا يملك ورق عباد الشمس [الكاشف] إلا انه  (ليعرف الاخ الكاتب هذه الحقيقة جيدا) يملك الطريقة التي تجعله يقظا تجاه البراهين المضللة.
 
مما تقدم يصح بالضرورة معرفة جوهرالكتابة وتأكيداتها، فهي اولا تربوية لان المادة المكتوبة تهدف الى ايقاظ وانماء روح المقدرة عند الناس لجعلهم عناصرتعمل على ايجاد نقاط الالتقاء وليس تعميق الخلاف، ليصبحوا في نهاية المطاف رسل سلام ووحدة على الدوام.  وهي ايضا تثقيفية حيث تعمل بحزم على انتشال نمط تفكير الناس من مستنقع التشاؤم واعادة إحيائه وشحذه لازالة الصدأ عنه؛ وكذلك تنوره بشتى خفايا المعرفة.  وهي ايضا إعلامية وذلك لانها تخترق لب القارئ من اجل ان تمكنه من تذوق طعم معرفة الفرق بين صورة الظاهر الخادعة والمعنى الحقيقي للمفهوم (العمل السياسي، الحرية، الديمقراطية، واخيرا وليس اخرا حق تقرير المصير).
 
إن ما اريده من هذه المادة ليس سوى توجيه الانظار الى ما هو جيد ورائع ومغذي لذهن الاخ القارئ اي المادة المكتوبة التي تسهم بفاعلية في اضافة صخرة اخرى الى البنيان الشامخ لتوطيده وإعلاء شأنه؛ وكذلك اضافة فضيلة اخرى لزيادة ما في البنيان من قيم سامية. 
 
اخوتي ...لن اكون قويا بكفاية إن فكرت في إرضاء فريق و إغضاب اخر. لست ضعيفا  الى درجة بحيث انسى ان هناك ما يرضي الناس وما يغضبهم. انا لا احفل بالقوة او الضعف لأنني اخدم غاية اكبر من رضى اخوتي وسخطهم. ولهذا السبب لست من الذين يودون رؤية قومهم على انهم قوم تجاذلوا، بل انا مع من يؤمن بالنهي عن القول بما لا يصح.
 
دعني، اخي الكاتب، اضع امامك ما يجعلني اجتذل حينا واتألم حينا اخر، انها كتابتك. أعد النظر فيها مرة ثالثة قبل ان تودعها للنشر، لأنك امام مسؤولية عظيمة جدا.
 
اشد على ايديكم جميعا واضمكم الى صدري بحرارة.             
 د. امير يوسف
ameeryounan2004@yahoo.com

17
في أربعينية المرحوم الشماس لويس منصور نيسان



أي قلب توقف عن الخفقان وأي قلم توقف عن الكتابة. أتت المنية فجاءة لمن لم يرسم العمر خطوطه على وجهه، للعازف عن ملذات الدنيا، فقال كل ما كان عنده: "يا إلهي" لتتحول أحلامه إلى حمامات بيضاء طارت لتقترب من عرى حقول فيشخابور – موطنه. شغفه كان يناء عن شغاف قلبه ليحلق في الأعالي ليعانق ذرات سامية تارة وينتشر على الأرض أتساعاً تارة أخرى ليدخل قلوب الناس لينحت ذكريات مازالت آثارها حيَّة. كان المرحوم إنساناً يستطيب جميع الناس، يجمع الأضداد في محاولة لجعلها تسير منسجمة لصنع ما فيه الخير لها وللآخرين، وغصناً صغيراً تحمل أنسجته ألف زهرة وابتسامة لتهبها لمن حوله، وحساً مشتركاً ظل وسيظل يجمع من عرفه عن كثب. ما أمنيات من عرفه إلا شعيرات ريشة سترسم له لوحة هادئة في كل قلب أحبه.

في ساعات الفراق عبقت المقبرة برائحة دمع السماء الذي أنسكب تسكاباً، أبى المطر والخريق إلا أن يسحباه إلى مثواه الأخير. تأتي النوائب على غير ميعاد، وهل يرد الموت الأبيض على أدراجه؟

ألف رحمة على روحك الطاهرة
أنت باق في القلب أبداً
تعازي الحارة إلى عائلتك وذويك 

صفحات: [1]