عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - كاجو كاجو

صفحات: [1]
1
الجسد ...ايقونتنا الأجمل
الاّن ..وأنت تستحم , ما حاجتك الى الثرثرة الذهنية المصاحبة لك دوما  ... تلك الدوّامة ..ذلك الصخب الذي يحجبك عن متعة عيش حياتك , ويقودك كالمسرنم الى ظلمة اللاوعي ,  ويبرمجك في الجهل والشقاء .
انها فرصتك لتعود من الشتات وتختلي بنفسك .
أحبب جسدك , ايقونتك الأجمل وربما الأقدس , يمكنك أن تدخل الحمّام كما تلج محرابا , ومن ثم يصبح الجسد وحده موضوعا للذهن , مركزا للوعي والانتباه , يتحسس جلدك رذاذ الماء الدافيء المنعش , يتنقّل ذهنك مع يدك وهي تصوبن أو تليّف أعضاء جسدك عضوا عضوا , يمكنك أن تسمّيها .. ترددها كعبارات ابتهال مقدّس , ستندهش لروعة وتناسق ما تراه , وعذوبة ما تتلمّسه , ويغمرك الفرح بالاقامة في هذا الجرم المبارك ؛ لن تلعن فكرة (الخطيئة ) أو من يلصقها بالجسد وانما ستشفق عليهم , فقد يكون ابليس ذاته هو من سرّبها الى أذهاننا .
لا تبالي بما يثرثر به علم النفس عن النرجسية , فما لم تعشق جسدك أولا لن تتمكن من أن تحب أي شيء اّخر , فحضورك بهذه الاّلية  واستغراقك في الانتباه يتيح لوعيك الامتداد الى ما يتجاوز الجسد المادي .
تتابع استحمامك بكل المشاعر والأحاسيس , ولستُ أعلّمك قطعا كيف تستحمّ , وانما أدعوك أن تكون حاضرا , وان شرد ذهنك – وهذا يحصل – عُد مجددا وبلطف الى الحضور والاستمتاع بضغط يدك على جلدك وتحسس انسكاب الماء عليه.
_ بذات الاّلية – الحضور والانتباه – تستطيع أن تمشي وتأكل وتمارس الرياضة وغير ذلك ....
اذا شئنا أن نجمل نقول : ما دام ذهننا يولّد الأفكار فنحن نعيش الأفكار , بينما في الحضور والانتباه فاننا نعيش الحياة ذاتها ...نمارس فن العيش , والأمران مختلفان جدا , وكوننا نحتاج الفكر للمحافظة على البقاء لا يعني أن نمضي فيه الوقت كله , فلنتوقف قليلا لنسأل ... أي بقاء ؟ وأية حياة ؟.

2
هل أصبحت الثورة هواية شبابية ؟
هل نفهم أن بمقدور الأعزل أن ينجز نصرا , وأن الضعف يستبطن قوة خلّاقة ؟
هل يمكن أن تكون الثورة أشبه برحلة ترفيهية أو كرنفال ؟  ألم يفترشوا ساحة التحرير , ويعقدوا الرقصات , ويصدحوا بالغناء ويستمتعوا برجع صدى صخبهم في أرجاء المعمورة ؟
هل نفهم أن الثورة -  منذ الاّن - لا تحتاج قائدا فذا , رمزا , متفوّها , مُلهما , وذو كاريزما تستحوذ القلوب والمشاعر ,  واستغنت عن المناضلين ( الصناديد ) والدعاة المحنكين المجربين , ومحترفي السياسة  ؟
هل نفهم أن الثورة لم تعُد تؤسس على البنى الفلسفية والأنساق الفكرية والعقدية , والتكتيك والاستراتيجيا والمنشورات السرية وما شابهها من الطقوس الثورية ؟
هل نفهم أيضا أن الثورة ما عادت تخص ( طبقة ثورية ) بعينها , تستولي وتصادر وتؤمم وتلاحق وتسحق غيرها من الطبقات , واستغنت عن المصدّرين والممولين والمتعهدين , ولا يشرطها ظرف دولي أو اقليمي ؟
هل فكر الحكام أن يحرموا شعوبهم من هذه المتعة بالاستجابة لمطالبهم ؟

3
أخي نديم
أتشرف بصداقتك
أشكر مرورك على خاطرتي

4
الميلاد ..  2010
سيدي ..
ما دمت انت الله فهل يصح أن يكون لك خاصّتك ؟ وما دمت خالق الكون , لماذا يقيمون لك معابد في الأرض؟ أليست مقدسة  وهي  صنع يدك ؟ أيُعبد اِلّه المحبة ؟ وهل بمقدور العبد أن يحب ؟. هل يليق باٍلّه خلاصيّ محرر مثلك أن يُعبد ؟
تقول سيرتك , أنك , في الهيكل  طردّت الباعة والتجار واللصوص , وعادوا في اليوم التالي , فتخلّيت عنه لهم , ومذ ذاك , كرّزت في العراء , وأقمت عشاءك الربّاني في أحد الأكواخ . وطوال قرون , بسط محبيك تعاليم ملكوتك في الساحات  وعلى الأرصفة , وقدّسوك في الحقول وسفوح الجبال , في الغابات وعلى ضفاف الأنهار , وبعد أن استولوا على قلوب الناس في كل مكان , أعلنوا بفخر : كسبنا الجميع ولم نترك لكم سوى المعابد الفارغة  .
لم يكن لهم معبدا سوى ..ذلك الذي هدمته وأقمته في ظرف أيام ثلاثة ...لكن ..
بعد بضعة قرون , حشرهم الامبراطور – بقدرة قادر- في المعابد , فانفرط عقد المحبة , وتلاشت الروحانية , انسحب النور من العالم , وساد العماء كما في البدء .
يا للمأساة ...حررتنا من عبودية أحكام الشريعة  , فأعادتنا خاصّتك الى براثن العقيدة المميتة , فممَ خلّصتنا ؟ هل حقاَ منحتهم سلطان الحلّ والعقد على الأرض ؟ وهل يحتلج المخلّصون بنعمة الايمان بك الى مرشدين ومعلّمين وقضاة ؟ هل يحتاج المحب الى قوانين للتحريم والتكفير والطرد من الملكوت ؟ حتى الخلاص لم يعُد مرهونا بك وحدك اليوم , بل أشرطوه بنيل رضاهم وبركاتهم , والانحناء أمام هاماتهم , والتزلف لمقاماتهم !! ويدّعون : أن لا خلاص من دونهم !! .
ألم يقُل الرسول القدّيس , حبيبك : ( ان كل من يؤمن بأن يسوع هو المسيح يكون مولودا من الله ) ؟ فما كانت حاجتنا اليهم ؟
لماذا فوّضتهم بالتدبير ؟ أتراهم تفهّموا لم أطلقت الزانية , وأن الحب هو ما حملك الينا متجسّدا , لتعاني التشرد واّلام الصلب ؟
خاصّتك يا سيدي ...انحازت الى الفرّيسيين , واستبدلتك بداود , جدك المزعوم . نزعت عن جبهتك اكليل الشوك , ونصّبتك ملكا بصولجان , يقهر الشعوب ويفتح البلدان , لم يعُد حمل الله المذبوح منذ بداية الأزمان , يليق بسطوة الفاتحين الميامين . لطالما اجترحوا باسمك الحروب , فهل أذنت لهم ؟ .
هل تخليت عنّا يا سيدي , أم أنك ستعود ؟ ألا تعود ؟ ....
كل عام وأنتم بخير . 

5
الى حضرة الخادم المكرّس ...
هل يليق بخادم مبشّر بالمسيح – كما يدّعي – أن يدس أنفه في زواريب السيلسة , ويفخخ أشلاء شعب شتتته الطوائف منذ مئات السنين , ولا تزال تلاحق فلوله حتى في معسكرات اللجوء الأوربية ؟ اولئك الهاربون من أتون حروب (أديان الله) .
بأي حق يتدخل المصري في شأن شعب يبعد عنه اّلاف الأميال ؟ وهل تظن أن السريان سيسعدون بدسيستك ؟ أنت مخطيء يا سيد , لأننا جميعا شعب واحد , رغم الاختلافات المختلقة , أو النلشئة بفعل ظروف قاهرة تقترب من نهايتها .
تقول أنك ارثوذكسي , وتهرطق النساطرة , فاٍليك ما قاله المبجل مفريان السريان ( ابن العبري ) قبل سبعة قرون في الهاماته في كتاب ( الحمامة ) :
(( ألجأتني الضرورة أن أجادل ذوي المعتقدات المخالفة من مسيحيين وغرباء , مجادلات مبنية على القياس المنطقي , والاعتراضات , وبعد دراستي هذا الموضوع مدة كافية وتأملي فيه مليّا تاكد لدي أن خصام المسيحيين بعضهم مع بعض لا يستند الى حقيقة , بل الى ألفاظ واصطلاحات فقط , اٍذ أن جميعهم يؤمنون بأن سيدنا المسيح اٍلّه تام , واٍنسان تام , بدون اختلاط الطبيعتين , ولا امتزاجهما , ولا بلبلتهما , أما نوع الاتحاد , فهذا يدعوه طبيعة , وذاك يسميه اقنوما , والاّخر فرصوفا ( شخصا ) واٍذ رأيت الشعوب المسيحية كافة رغم اختلافها ظاهريا , متفقة اتفاقا لا يشوبه تغيير ( أو شك ) , لذلك استأصلت البغضة من أعماق قلبي , وأهملت الجدال العقائدي مع الناس )) . ص 148.
يقدم الباحثون ابن العبري على أنه : ( أكبر عالم في القرن الثالث عشر ) ويقول عنه المستشرق الهولندي الشهير (ونسنك ) ما يلي : ( يعتبر من أشهر علماء السريان وأدبائهم , طارت شهرته في الاّفاق , فانتزع اعجاب القاصي والداني به , وذاع صيته في أوربا , وفجر عصر عصر الاستشراق نقلت كتبه الى لغاتها , ولا غرو فمصنفاته النفيسة قد تناولت صنوف المعرفة , اٍذ وجد فيها طلبة العلم ونهلة الحكمة , على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم ما يطيب ويساغ ) .
وأنقل من تقديم الكتاب ( الحمامة ) هذه المقتطفات القصيرة :
_ ( بدأ حياته مجادلا وانتهى الى اليقين بأن اختلافات المسيحية سطحية , وكان أستاذه البعيد القديس اسحق أسقف نينوى النسطوري المذهب قد سما فوق الحزازات المذهبية السخيفة )
_ (من اسحق الى ابن العبري تأخذ الأمور مجرى جديدا ) .
_ ( القديس يوحنا الدمشقي أدرك سطحية الخلاف ...وأبرزنا عمق التلاقي والخطوط الكبرى للاتجاه السليم الحيادي النزيه . ) المقدمة
متى تستأصل البغضة  من أعماق قلبك أيها المبشر برسالة المحبة ؟ هل ترى الاّن أن طرد نسطور وتقسيم الكنيسة كان حاجة ايمانية أم فعلة شيطانية ومطلبا كيدياً لدى كيرلس ( عامود الكنيسة ) ؟ ألا ترى أن ابن العبري كان تحت النعمة حين استلهم ما فاه به في هذا المقطع , أم أن ابليس قد غرر به ؟ ألا تؤمن أن ابليس يفرّق ويقسّم , فمن قسّم ؟ ألا يحق لنا أن نستنتج أن كيرلس وحده تسبب بكل الاّلام التي نجمت عن( اصطياده للهراطقة ) و( تنظيف الكنيسة ) .
لست هنا لأدافع عن لاهوت نسطور , اٍ ذ ربما لو أتيح له أن ينتصر لفعل ما فعله كيرلّس , وليست المشكلة في الأفراد بل في البنية المؤسساتية السلطوية للكنيسة المتحالفة مع الامبراطور ( القائد العسكري ) ولاهوت التبرير لاستخدام الايمان والمؤمنين كأدوات لصيانة مصالح وأمجاد الامبراطورية , وربط مصير رسالة البشارة بما هو زائل .
بعد أقل من مائتي عام من الانقسام الكبير والبلبلة , قدم نبي من الصحراء , فسحق الكنيسة ( المطهّرة ) والامبراطورية ( العريقة ) معا , وقبل ثلاثمائة عام من الاّن , بدّد عصر الأنوار في أوربا قرونا طويلة من الظلام تسببت به سطوة الكنيسة المستقوية بجيوش النبلاء والملوك .
يقول الأب ابراهيم سروج , ناشر كتاب الحمامة : ( المحبة هي الطريق الذي يؤدي بنا الى الوحدة الحقيقية ولا سبيل غيرها , واذا بقي المسيحيون اليوم يتعثرون في هذا العالم بعد أن أضاعوا وحدتهم , فهذا دليل ساطع على ابتعادهم عن طريق المحبة , وأنهم صاروا على صورة هذا العالم وما عادوا يستحقون ( الاسم ) ....) ،نعم , ان المسيحية فقدت مصداقيتها منذ أن استمرأ قادتها رغد العيش في ظل السلطان , ورفدوا جيوشه بالجنود ( المؤمنين ) واستبدلوا ملكوت المسيح بتعظيم الألقاب وتفخيم المراتب .
أيها الأخ المكرّس
أنا لا أحاول تغيير قناعتك بما أكتبه , ولا أشك أنك قرأت ابن العبري قبلي , لكنك حسمت أمرك مع سيدك قيرلّس وضد سيد أعدائك نسطورس , لكنك أبدا لا تمت بصلة الى سيّد المحبة بدلالة سموم كرازتك بالحقد التاريخي الدفين في غرائزك , لأنك استبدلت مسيح القلب باللاهوت , بالثرثرة الذهنية , وعلامة مسيح القلب هي المحبة والرحمة والطيبة , وبالتالي علاقة ايجابية مع الجميع وبالأخص مع من نختلف معهم , وهذه لا يجلبها الذهن الثرثار , والبحث المزيف .
هل كنت عادلا في تقييمك للنساطرة ؟ لا أطلب منك أن تكون محبا لهم أو رحيما بهم , لأن الرحمة أرقى من العدل , وهذه ليس لها مكانا في قلب العقائدي المتزمت , او المكرس المتكسب , هل عرفتهم بعمق كما ادّعيت ؟ هل رصدتهم حقا أم أنك تسلحت  بفكرتك المسبّقة عن نساطرة القرون الغابرة , وأسقطتها على هؤلاء المهاجرين , فجرّدتهم بالجملة , ليس من المسيحية فحسب , بل من القيم الخلقية أيضا , واستثنيت عائلة واحدة ضممتها الى قطيعك , ما أتعسك من راع !!
تقول : ( فوجئت أمام فكر غريب يتخذ من المحبة ذريعة للتساهل مع الهراطقة والمقاومين للمسيح ) . وأقول لك : اذا أسقطت المحبة , تحت أية ذريعة , فقد أسقطت المسيح الذي ليس أي شيء اّخر سوى تلك ( المحبّة ) .
الاّشوريون , أيها السيد المتكرّس ..يأنفون تسمية ( النساطرة ) كشعب وكطائفة أيضا , ليس لنيل ترضيتك أو لخطب ود ( المعصوم ) , وانما لأن أمثالك فرضوه عليهم , كما أنهم لم يهرطقوا هذا القديس المبجّل بحسب الهامات الأعمدة الحقيقيين للكنيسة من أمثال ابن العبري وغيره من القديسين .
معظم الاّشوريين اليوم , بمن فيهم كهنتهم لا يعرفون عن نسطور أكثر من جملتان أو ثلاثة , ربما لا يضيعون الكثير من الوقت ليتسلحوا مثلك بقراطيس اللاهوت , وهم بذلك أقرب منك الى يسوع ذو الحمل الخفيف , وحتى اللادينيين منهم الذين وجدتهم في أوربا , هم أقل أذية للبشرية من المتكرسين , لأنهم لا يشحنون قلوب الناس بالبغض الطائفي ) .
كيف استطعت أن توفق بين استنتاجاتك المتناقضة عن النساطرة , فتارة هم متعصبون لنسطوريتهم , وطورا يتنقلون من هذه الطائفة الى تلك ؟ حتى كهنتهم ليسوا كذلك , اٍذ يمكن لأي أحد , ومن أية طائفة أن يحضر قدّاسهم ويتناول دون أن تُجدد معموديته كما تفعل أنت , أليس مثارا للسخرية أن يتهم القبطي النساطرة بالتعصب الطائفي ؟ !!!
الأشوريون النساطرة , وأنا منهم – كدنا نكفر بالطوائف , ولا أخفيك أن أكثرنا يلعنها علنا , لأنها , بوضعها اليوم , تُعتبر احدى أضخم الحجرات التي يتعثّر بها شعبنا في مسعاه الى الوحدة  .
هل فهمت أخي المكرس , حتى اذا ضممتنا كلنا الى قطيعك لن تستفيد منّا , فنحن طلاب وحدة شعب , أما المسيح , الاٍلّه المتجسّد , فلا نظنه ينتمي الى أيّ من الطوائف العظيمة , وليس بوسع أي مؤسسة مهما علا شأنها أن تستوعبه أو تحتكره , يستطيع المرء , بمفرده فحسب , أن يعثر عليه ..يتحسسه ..لأنه قريب ..والمتكرسون يبعدونه عنّا , فهلّلا تركتنا وشأننا أيها الأخ المصري , ففينا ما يكفينا ؟ . 

6
أدب / رد: الميلاد
« في: 10:48 03/01/2010  »
     هل لنا أن نقرأ ونفهم يسوع في حرية، دون قيد أو أحكام مسبقة؟ وهل يستوعبه العقل المشروط أصلاً، أو الذهن الصخاب؟.
    أحببت في هذه الخاطرة، أن أستعيد ما يخصني منه، أحرره من أسره، أفكه من ضيقه، أعيده إلى أحبته.. الفقراء بالروح أو ما تبقى منهم.. والضالين والخطاة، والزناة، والمنبوذين.. وضحايا جنود ((الله)) في حروب الأديان.
     
          أشكر مرورك الطيب على خاطرتي
          تحيتي لك أخي المكنَّى..البغديدي

7
أدب / الميلاد
« في: 17:13 02/01/2010  »
الميلاد

سيدي...
أحببتك منذ يفاعتي، ربما لأنني كنت يتيماً فقيراً، أو متشرداً.. متمرداً مثلك، وقيل لي فيما بعد، أن أباك يملك منازل كثيرة في السماء، كما أن بيوتك على الأرض لا تُعد ولا تحصى، فخاب ظني بك، وهجرتك ردحاً من الزمن، بحثت عن مَرَدة حقيقيين، ووجدتهم كثر، ودهشت، لأن جميعهم يشيدون بك، ويعتبرونك معلمهم؛ أحدهم وهو هرطوقي من لبنان، يجزم أنك لست أنت من يسكن هذه المعابد، وإنما نسخة أخرى لا صلة لك بها، ويدَّعي أنك أوصيت أن لا يُشاد لك قصوراً تشمخ على الأكواخ، وقال أيضاً، أنك تسكن أعماق القلب فحسب، هي وحدها كاتدرائية تليق بك، ويستهويك المقام فيها.
زنديق آخر، وصف ما يُنسب لك أنه إفيوناً وليس ديناً، لكنه تكرس لتحرير الفقراء، من أحببتهم، وطوبت لهم ملكوتك، لكن سيد هذا العالم، كَمَنَ له بالمرصاد، كما اقتنص كنيستك الأولى.
وجدت معلمين وشيوخ وحكماء، منبوذين وهراطقة وثوار، من كل الأقاليم والثقافات والمناخات، يسعون في طريقك، دون أن ينتظموا في حلقة أو مؤسسة، أو يلتزمون نصوصاً، أو شريعة. شريعتهم هي قلوبهم، حيث هناك تزدهر مملكتك، ذلك هو عالمك وعالميتك.
ها أنذا، أمتثل لمشيئتك، أتمنطق بسيفك، أخوض حربك ضد سلام العالم، أنفخ في نارك الموقدة. تنكرت لأبي وأمي وإخوتي، أقربائي وعشيرتي، نأيت بروحي عنهم، نبذت تقاليدهم، سبوتهم وطقوسهم، قطعت حبال مراكبي، هجرت شواطئَ الأمان، وعند خفيك خلعت عقائدي، وازدردت ما لُقنت من تعاليم وأفكار. تخففت من أسمالي البالية وحمليَ الثقيل، فأنت لا تقبل المُرطنون بالأهداف والمثقلون بالغايات، آه.. لو خَبِر السلاطين عذوبة الخفة في رقصتك، لهجروا عروشهم، وأطاحوا بتيجانهم.
سيدي.. لا تعنيني ولادتك الأولى في بيت لحم، تفرحني ولادتك الجديدة، حين اختليت في البرية، وأُصعِدت الجبل، وخُيِّرت، فرفضت ممالك الأرض، وآثرت التشرد. هم لا يحتفلون بهذا الميلاد المبارك، لأنه عسير عليهم أن يرفضوا، بل يلهثون للاقتناء والاكتناز، إذ حين يفرغ القلب منك، تتفاقم شراهته، وتتلبد مشاعره.
أنت لم تولد في مكان ما، أو زمان، كنت النسمة التي أُودِعت الطينة الأولى، فكيف ننساك طيلة العام، ونتذكرك يوماً واحداً؟ حري بنا أن نحتفل مع كل شهقة، وكل خطوة، وكل نظرة، ألست ملء الزمان والمكان؟
كل يوم وأنتم بخير

8
                                                         البنية النفسية وقود العنف
      
      كان العنف هو المشهد الأبرز، والذي رافق الإنسان خلال الآلاف الخمسة أو الستة الأخيرة من الأعوام، وهو يشيد حضارته ومدنيته، أي منذ أن أسس (( الدولة )) مدشناً إياها بمملكة المدنية، ثم الامبراطوريات الواسعة، فالدولة الحديثة، ولا يخفى ما تتطلبه هذه المؤسسة من حروب، وأصبحت ضرورة حيوية، لاستمراريتها وتوسيعها والدفاع عنها، وحمايتها من مخاطر خارجية وأخرى داخلية .
     لقد وفًّر الإنسان كل المستلزمات التي تطلبها تمتين هذه المؤسسة من جنود، وبوليس، وأسلحة، وقوانين لحمايتها، وثقافة للتمسك بها، وسخرت الدين والنخب الذكية والمتميزة من أفراد المجتمع .
     بالرغم من الإنجازات المدنية الكثيرة، إلا أن الشغل الشاغل للإنسان كان ولازال هو العنف ممثلاً بالحروب . لقد رصد الباحثون أكثر من / 5000 / حرب منذ بداية التقويم الميلادي أي خلال ألفي عام الأخيرة . يمكننا أن ندعي أن الحروب كانت مستمرة منذ ظهور مؤسسة الدولة، تخللها استراحات قصيرة، أو هدنات مؤقتة، استُغلت للتحضير لحروب جديدة .
     لقد تأسست الدولة منذ البداية لحماية مصالح أقلية من المجتمع، فرضت عليه قوانينها الظالمة، وشرعّت العنف ضد مناوئيها في الداخل، واستخدمت مظلوميها وقوداً لحروبها وفتوحاتها وتوسيع مجال مصالحها الحيوية، فالدولة هي مؤسسة للعنف بامتياز، ولاتزال هي ذاتها رغم كل التعديلات التي طرأت عليها .
     السؤال الذي أسعى للإجابة عليه هو : كيف ؟ ولماذا ؟ تقبل غالبية الناس أن تكون وقوداً لقادتها، وتمتثل لظالميها، وتنتخبهم أحياناً بملء حريتها ؟
     تتطلب الإجابة مدخلاً وجيزاً إلى علم النفس وخاصة دراسات تشكل البنية النفسية للأفراد والجماعات والقادة . وقبل ذلك نلخص عجالاً الإجابات الأخيرة عن طبيعة الإنسان هل هي خيِّرة أم شريرة ؟ هل هو ذئب أم نعجة ؟ معظم الإجابات تقول بأنه ليس هذا أو ذاك، أو أنه كليهما معاً، والحسم هو للظروف، أي للتربية والثقافة والأوضاع الإجتماعية .
     ينفي معظم الدارسين أن يكون العنف غريزة أو طبع بل ثقافة، ودليلهم أن الدراسات على الحيوان، استبعدت أن تكون العدوانية غريزة لديه، وإنما آليات يستخدمها من أجل المحافظة على البقاء، فالإنسان وحده ينفرد بممارسة العنف، وبما أنه يشارك الحيوان في عدد غرائزه، فلا يمكن أن يكون لديه غريزة خاصة به، لذلك نقول بأن العنف ثقافة وليس غريزة، رغم أنه ممتد عميقاً في طبعه .
     كيف تتشكل ثقافة العنف ؟ أية ظروف تتحكم، وتحسم أو تقسم الناس إلى ذئاب أو خراف ؟..
     لنبدأ من البداية .. الجنين في الرحم .. الكائن في الفردوس .. كل ما يحتاجه يأتيه حالاً .. دون تأخير، طلباته مستجابة .. إنه ملك محاط بحاشية مطيعة . تحصل الولادة، يُقذف بـ (( آدم )) خارج فردوسه، من هنا تبدأ المسألة، عبَّر إريك فروم، عالم النفس والفيلسوف بالجمل التالية : (( فالإنسان يُلقى به في هذه الدنيا من دون إرادته، ويُقصى عنها دون إرادته كذلك، وخلافاً للحيوان الذي له في غرائزه آلية للتكيف مع بيئته هي جزء منه، ويعيش داخل الطبيعة كلياً . يفتقر الإنسان إلى هذه الآلية الغريزية، إن عليه أن يحيا حياته، وليست حياته هي التي تحياه، إنه في الطبيعة ومع ذلك يتجاوز الطبيعة، ولديه إدراك لذاته بوصفها وجوداً منفصلاً يجعله يشعر بأنه وحيد وضائع وعاجز على نحو لا يطاق )) . (( 1 ))
     إن مشاعر العجز والضياع، تدفعنا للإرتماء في حضن الأم، لأنه يهبنا دفء الأمان والطمأنينة، لقد أصبح الحضن بديلاً للرحم ( الفردوس )، وهو تعبير ساطع عن رغبة العودة إلى الرحم، بمعنى آخر، رغبة العودة إلى ما قبل الولادة، قبل الوجود ( الموت ) .
     حين نكبر، نجدد هذا الرفض للحياة، ونرتمي في أحضان العشيرة أو الطائفة أو الدولة القومية، أو عقيدة ما، ونحتمي بقائد سياسي أو حزب، وانتسابنا إل كل هذه الهويات، ليس سوى تعبيرات مختلفة عن رفض الولادة، رفض الاستقلال، رفض الحرية، متوهمين أننا عاجزين عن المتابعة دون التماهي مع هذه الانتماءات أو الهويات الثانوية أوالرديفة، والتي نغتني بها في حال تحقيق الهوية الأصيلة، وتُلبد عيشنا إن أخفقنا في ذلك .
    يتابع فروم : (( الحياة في لحظة الولادة، تسأل الإنسان سؤالاً، وعليه أن يجيب عن هذا السؤال في كل لحظة، ليس ذهنه، ليس جسمه، بل (( هو )) الشخص الذي يفكر ويحلم، ينام ويأكل ويضحك، (( الإنسان الكلي )) هو من يجب أن يجيب عنه، والسؤال هو : كيف نستطيع أن نتغلب على ما تحدثه تجربة الانفصال من الألم والسجن والخجل ؟ كيف يمكن لنا أن نجد اتحاداً داخل أنفسنا، ومع مثيلنا الإنسان ومع الطبيعة ؟ )) ((2))
     يرى فروم أن الإنسان قدم إجابتان على السؤال، إذ لا وجود لجواب ثالث، أحدهما يتمثل بالنكوص والإرتداد إلى ما قبل الولادة كما ألمحنا إليه تواً، والجواب الثاني : أن يولد تماماً، ويتابع نحو تحقيق هويته الأصيلة أي فرادته، أو تمايزه وبصمته الخاصة، وذلك يتم : (( بتنمية إدراكه، وذهنه، وقدرته على الحب، متجاوزاً تمركزه حول الأنا، ويصل إلى انسجام جديد، إلى وحدة جديدة مع العالم )) .
    حينذاك لا بأس من الدين الذي يتناغم مع هذه (( الوحدة الجديدة مع العالم ))، وكذلك القومية أو أي إنتماء آخر، آنذاك تقود الأنا البصيرة خطانا بعيداً عن النزاعات والتوترات وبيئات العنف، وترسخنا في ذاتنا الكلية .
     إن الإجابة الأولى على سؤال الحياة، هي ما يقدمه الأغلبية الساحقة من الناس ـ مع الأسف ـ ويتم بأشكال مختلفة، إلا أنها جميعاً يلازمها الألم والمعاناة والتوتر، وتنتهي بالإخفاق .
     بعض الإجابات تكون بالانتحار والجنون، وأخرى يُعبََّر عنها بالشغف في تدمير كل شيء وكل شخص ( بعض هؤلاء يصبحون قادة أو زعماء )، وآخرون عصابيون وهم كثر، يتخبطون في نرجسيتهم، يصرون على قسر الواقع ليتوافق مع رغباتهم، ولا يعترفون بالمستحيل، ويسببون الكثير من الألم والأذى لغيرهم، ويشعرون بالعجز والخيبة إن فشلوا في تحقيق المستحيل .
     يجب أن لا يغيب عن ذهننا، ونحن نتحدث عن العنف، أن الأقلية أحكمت سيطرتها على الأكثرية عبر التاريخ، وقد لا تتمكن دائماً أن تحكمها بالقوة، فقد لجأت إلى الإقناع، بترسيخها مفاهيم وقيم مناسبة شكلت الرأي العام واستخدمت الإعلام، وكل ما يستوجب ضرورتها وخطورة الخروج عليها .
     وبما أن معظم هذه المفاهيم والقيم والمحرمات تخالف طبيعة الكائن الجوهرية، هويته الأصيلة، يلجأ إلى الكبت خوفاً من العقاب، ما يسبب له مختلف أشكال العصاب النفسي، فيصبح مطيعاً، ومستعداً، للإستحواذ عليه، وأن يكون ما يُراد له أن يكون، سياسياً، دينياً، أيديولوجياً، ويرتدي بعضاً من هذه الأقنعة .
    حين يكف الكائن أن يكون ذاته، أو يُمنع من ذلك بمنطق المصلحة العامة، والتي هي مصلحة الأقلية المستبدة، سواء في مؤسسة الدولة أو المؤسسة الطائفية، حينئذ يصبح مثل قشة تتلاعب بها الأمواج المتلاطمة .
    لكي نجلي هذا الأمر، نقوم بزيارة إلى العيادات أو الأبحاث النفسية، ونطَّلع على ما حدث ولا يزال مستمراً إلى يومنا هذا .
    قبل أن نستعرض الحالة المرضية للنفس، ومن أجل المقارنة، نتعرف على الحالة الصحية المتمثلة بالأنا الأصيل .
     إن تحقيق الأنا الأصيلة هو في مجال الإمكانية ولكنه يتطلب ظروفاً وشروطٍ لا يتيحها نمط الدولة القائمة على تغليب مصالح فئة صغيرة على المجتمع، كذلك الأيديولوجيات والمؤسسات العقائدية، والتربية التلقينية العنفية، المؤسسة على الكبت المولد للعصاب، وقولبة الأطفال وأدلجة الشباب . وأعرض هنا خصائص الأنا الأصيلة : (( 3 ))
ـ التوق إلى الحياة والحب والفرح والسلام .
ـ التوق إلى الحرية والعدالة، ورفض الظلم .
ـ التوق إلى الإنتماء الإيجابي للعالم .
ـ التوق إلى الفاعلية، وتحقيق بصمة ذاتية .
ـ الثقة بالذات، والشعور بالكرامة الذاتية .
ـ الإستقلالية، وتحمل المسؤولية، والقرار الحر .
ـ التوق إلى التعاون والصداقة والتواصل .
    أعتقد أن الأديان والحكمة القديمة لم تكن سوى وسيلة لإنجاز هذه الأنا المباركة، إلا أنها أخفقت حين آثرت مصالح المؤسسة السلطوية على هدفها النبيل .
العقبات في وجه نمو الشخصية المتوازنة ( الذات الأصيلة ) والخوف من الحرية
أ ـ تربية الأهل القمعية، والتهديد بالحرمان، والعقاب، وقولبة الطفل ليكون مقبولاً اجتماعياً .
ب ـ التربية المدرسية السلطوية والأدلجة، وتقديم مناهج مناقضة للحاجات الحقيقية .
ج ـ الإعلام العنفي والنرجسي والاستهلاكي، التهبيل الإعلامي .
د ـ القمع السياسي والبوليسي .
هـ ـ التشريع المنحاز .
و ـ الفقر واستغلال طاقة العمل اليدوية من أجل مصلحة الأقلية .
النمو المرضي التعويضي ( لدى الجماهير ) : الهوية الرديفة
     تجاه العقبات المذكورة آنفاً يفشل الأفراد في تحقيق هويتهم الأصيلة، وينتابهم القلق العميق من جراء ذلك، مما يدفعهم للبحث عن هويات رديفة، عَرَضية ومزيفة، على شكل حاجات مرضية تعويضية :
أ ـ حاجة ونزعة إلى العنف .
ب ـ حاجة إلى السلطة والتملك، ونزعة إلى الشهرة والتملك .
ج ـ حاجة إلى مخلص في هيئة قائد أو زعيم يرعاهم ويقود مصيرهم ويحقق لهم نرجسيتهم الوطنية . (( 3 ))
العلاقة مع العالم  (( 3 ))
ـ عدائية وتنافسية مقترنة بالعنصرية والأنانية النفعية .
ـ التقوقع ضمن جماعة : عشيرة طائفة، والتماهي مع زعيم .
ـ حب الأقوياء واحتقار الضعفاء .
ـ الخضوع للأعلى، والسيطرة على الأدنى .
العلاقة بالذات (( 3 ))
ـ الشعور العميق بالعجز، باللامعنى .
ـ عدم الثقة بالنفس ( احتقار الذات )
ـ استبدال الكرامة الذاتية بالكرامة والشرف الوطني .
ـ الخوف من الحرية .
ـ التمسك بوهم الحرية : وهم القرار الحر، وهم حرية الرأي . (( 3 ))
    ما أود أن يُفهم هنا، أن هوية الجماهير الموصوفة أعلاه، وهي الحشود التي تنتظم خلف قائد أو ضمن عقيدة ما، يسهل قيادها إلى خيارات هي ضد حاجاتها الحقيقية، ومصالحها الحيوية، وهو ما يبدأ بالخوف ثم الكبت، يليه البحث عن تعويضات، ومن بينها الإستئناس إلى (( قائد )) فذ، تعتبره مخلصاً تاريخياً، فمن هو هذا القائد ؟ ولندخل إلى العيادة التشريحية للطب النفسي مجدداً .
     حيث أخفق هذا القائد في الاهتداء إلى هويته الأصيلة، مثله مثل غيره، يتجه إلى التعويض بالرغبات والحاجات التالية :
ـ حب الموت ( نكروفيليا ) وصولاً إلى الفناء التام (( 3 ))
ـ النرجسية الفردية والعنصرية .
ـ التعلق المرضي بالأم .
ـ الهوس الجامح للتدمير .
ـ الهوس المحموم للسلطة والتشبث بها .
ـ السعي المستمر لحروب جديدة .
ـ السعي للمجد .
ـ السادية : التحكم بمصير الناس وجعلهم يتعذبون تحت رحمته .
العلاقة مع الذات  (( 3 ))
ـ الشعور العميق بالعجز، بالصِغَر، باحتقار الذات .
ـ الشعور العميق بعدم الثقة بالنفس .
ـ الشعور بالوحدة والخوف الدائم، وعدم الثقة بالآخرين .
ـ التوتر، القلق، الملل الدائم
النشاط الحيوي (( 3 ))
ـ القيام بحروب، والتحضير لحروب جديدة .
ـ زيادة قوته التدميرية / التسلح .
ـ زيادة النفوذ السياسي والثروة .
ـ فبركة المؤامرات، تنفيذ اغتيالات .
ـ المبالغة في زيادة الأمن الشخصي .
العلاقة مع العالم (( 3 ))
ـ التدمير والتحكم بمصير الناس .
ـ التخويف / الترهيب / التعذيب .
ـ التحريض / التضليل .
ـ الأدلجة / فبركة الموافقة .
     إن تشكل البنية النفسية للقائد والجماهير، الملخصة أعلاه،  لها مدلولات كثيرة، ويهمنا منها دلالتان فحسب : أولاهما : ما هو مشترك أو متناغم في بنية القائد والجماهير، وهو ما يناقض إدعاءنا بأن الجماهير لا حيلة لها وخالية من مسؤولية ما يحل بها من مآسٍ يتسبب بها القادة بمفردهم، لقد أخفق كليهما معاً في تحقيق ذاته الأصيلة، وتفتحه للحياة والحب والفرح، فيختاران بملء إرادتيهما الإرتداد والنكوص، والذهاب سوياً إلى الهاوية، فيغتبط القائد المحبوب بدفء الحنان وهو محاط برعيته المطيعة، وتنتشي الجماهير بانتمائها إلى الأمة أو الطائفة التي أنجبت مثل هذا القائد الاستثنائي .
     والدلالة الثانية تؤكد مقولة أن الإنسان يعمل ضد مصالحه، فالتربية التلقينية في المنزل والمدرسة، وتقديس العادات والتقاليد والأعراف، تنتج كائناً مطيعاً لأوامر السلطات المختلفة، ويمتثل لقرارات الأقلية التي تشكل الرأي العام في بلده أو طائفته، ويصدق كل ما يقال له، حول ضرورة التضحية من أجل مصلحة الوطن وكرامة الأمة، أو التمسك بالطائفة، والصبر على مشقات الحياة، ليفوز بمغانم الفردوس بعد الموت .
      بعضهم يقطع آلاف الأميال ليموت في معارك وحروب لا يعرف أهدافها الحقيقية، وآخرون يستشهدون بملء إرادتهم، ليظفروا بحوريات مفترضة وذهنية، متناسين أن الأرض تعج بأجمل منها، ومن لحم ودم . تروي قصص شهداء بعض الطوائف، عن تدافع المؤمنين للموت بفرح عارم، طمعاً بالحياة بعد الموت مع القديسين والأبرار .
     كما تمكن الوعَّاظ أن يسوقوا حشود المؤمنين إلى محرقة الحروب لإعلاء كلمة الله، كذلك يفلح الإعلام المعاصر، بالتواطؤ مع السلطات وأصحاب المصالح الكبرى، في التلاعب بالمشاعر وإثارة الغرائز، وشحن الجماهير بالأحقاد، وطالما استسهل القادة العصابيون دفع شعوبهم لتسحق في أتون المعارك الضارية، فكانت رهن الإشارة لتلبي النداء (( نداء الواجب )) .
    في الغرب أو في الشرق، الأمر سيان هناك يختارون قادتهم بملء إرادتهم، ويطيعونهم، وهنا نتوارث قادتنا، فننصاع لهم ونلتصق بهم، والقائد في كل الأحوال مرتهن للأقلية صاحبة المصالح الكبرى، وتقديس القادة ليس سوى تعبيرٌ عن مشاعر الدونية لجماهير فاقدة الإرادة .

ــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
1 ـ مقالة بعنوان (( حسن الحال )) إريك فروم، موقع معابر
2 ـ نفس المصدر
3 ـ محاضرات في فلسفة اللاعنف .. د . وليد صليبي، جامعة حقوق الإنسان واللاعنف العربية .

   [/size] [/size]

9
منقول عن موقع معابر
www.maaber.org

صلاة وشعر ومجرات
أو
رحلة الأجزاء إلى الإيقاع الأول

 

ادوار موسى

 

صلاتيْ على لُثُم الليلِ.
بسمِ المهيمنِ
كَلّلتُ ترتيلتي عَرشَ ميْمنةِ الشمسِ
غمغَمَتِ الروحُ، رفَّ رفيفُ معارجها
سَكَبتْ سُدُمًا كانهمارِ حمائمها،
كزفافِ فلولِ مَجرّاتها.
أمامَ وراءٍ وراءَ أمامْ.

* * *

شَمَمْتُ خزامى خبايايْ
تصفّحتُ نهرَ هيولايَ
رفرفتُ شَطرَ سديمِ الضفافْ.
ثملتُ بأفيونِ زنبقتيْ
بساعةِ صفرِ اصفرارِ الجزيئاتِ
بالطّلقِ مسَّ سماءَ النفيرينْ.
ثمِلتُ وصَنْجينِ إهليلجين،
ونجمينِ مُزدلفينِ -
بمأوى المجرّاتِ
يومَ ارتجاجِ ضفافِ المبيضينِ
لاذَ اللّظى بفضاء الألوهة
لاذَ اللهيب بقَيّومه
امتشطَ النجمُ، فارتْ ضفائرُ
بثّ اللهيبُ المُشَـفَّـرُ:
في البدءِ صفّقَ نجمٌ،
ترنمَ بينَ يَبابينِ.
قال الودودُ لأفلاذهِ،
لـ "لا دَوَران" بـلابـله:
كان في البدءِ نجمٌ ...
يفورُ إلى عرشِ طلسمهِ.
تَقَـبَّـبْ كَـكـونِـك
تجلَّ انهمرْ
تـثـنَّ انتثرْ
تـَخطَّـطْ، أفِـقْ، دُرْ
تأبْجَدْ بحرفٍ
دعِ الأبجديةَ
شيّدْ هديل الألوهةِ من "صَـهْ"، وَصمتٍ،
يـُطَـوفِـنـُهُ الشــِّركُ
إن حلال الدّهور حرامْ.
صلاتيَ
في البدءِ كان هطولُ اللظى
غرّدَ القدُّ، مضمضَ أمشاجَه
يا اخضلال أمومتِـهِ،
يا عبيرَ خلودِ الألوهةِ
قـَهْـقِـهْ لـكركرةِ الكونِ في رحم الكون
أمَّ الخليُّ الخليةَ:
هيا ازدَرِدْ قمرينْ
وهيا إلى ....
ازدَرَدَتْ كَرَزًا يتصبّـبُ
سَـمَّـتْ عبور الخليِّ إلى العرشِ
عرسَ التهامْ.
صلاتي
وهل كان في "قبلَ في البدء" نجمٌ؟!
يبثُّ نميرَ نفيرينْ.
أقالَ الودودُ لأفلاذه؟
أمرحى للغز مباخِـرهِ؟
لزمرّد أمشاجهِ؟
تَـنمْـنَـمَ جينومهُ في انبساطٍ
تَـشَـيَّـدَ "اورغازمه" في انضمامْ.
أقالَ الودودُ:
يراعُ الألوهة بثَّ تماتمَ
مِن سُـدُمي والنـّفيرينِ،
من رحمي والعَـبيرينْ.
باسِـطْ نسيجيَ،
زعفِـرْ نشيدَ المخاضِ المغرّدِ في رَحمي.
تطايرْ إليكَ
انتـثـرْ منكَ
فـُه لأبابيلَ أزبَـدَ بَنْدرُها.
أغيضَ الفراغُ إلى قفصٍ؟!
أفراغي بريءٌ رجيمْ؟!
أم المُتجَبِّـر دَوَّمَ عملاقـَهُ
ففارَ، وبارَ، وعامْ.
أم النجمُ آل إلى ....
كيف بثَّ قلائدَ قلـّدها اللغزُ
يا للترنحِ ...  "بيغ بانغُ"،
أحْـببْ بـِسَيـْركِ أفلاذِهِ.
أشيّد آهينِ.
أنـَخـْتُ دويَّ انهيارينِ
لا زال من كان أضرمَ نارينِ
يزجي أبابيلَ، قالت على لـُجَجي،
يـُوشوشُ واوينِ غِـبَّ دَفـيفـَينِ،
غِـبَّ مُسلسلتين ومليارِ بدرٍ تمامْ.

* * *

صلاتي
أداوي رضوضًا على وجنة النجمِ:
هل هدهدَ النجمُ أفلاذه؟.
أداوي نسيجًا - تمزّقَ
في نـَجْـرِ ترتيلةِ الوجدِ،
فرَّ على صهوة النصِّ
- كان ارتتاقًا.
تفتتَ شطرَ يبابٍ ظلامْ.

* * *

صلاتي على كبد الليل
باسمِ هبوبِ الجزيئاتِ
ولـّهَـني اللغـزُ فجْـرَ نبيذينْ.
دونك لؤلؤتي بين "كن"، و"نشوءٍ"،
ترشَّـفَ من لاوجودٍ يهـَدْهِـدُ مهدًا:
أنا لاوجودك
- وا "لاوجوداه" -
سمِّ السليلَ وجودًا.
تسلـّقتَ حُـقبـيـنِ
غمْـغَـمْـتَ دهرًا على فـِلذتي
نِـمْـتَ جرمينِ
أهطَـلْتَ نهديْ.
دبَـبْـتَ تحِـنُّ:
حنانـَيْـكَ يا كونُ
عُـد بي إلى رَحِـمي
أين عرشيَ؟!
بئسَ اليبابُ، يبابيَ
بئسَ الفـَطامْ.

* * *

صلاتي إلى صيدلي يحاور عِـشتارهُ
يُـنَـمْـنِـمُ برشامَ أقمارِهِ
يتصفـّحُ شِفرَةَ سومرَ
مَن مِن منارات "أوروكَ"
زَمَّـلَ إنجيلَ تمّوزها؟.
مَن يُـؤَدْنِــسُ أسطورةَ النهرِ؟
أين أدوني؟!
وأين الإلهُ، ويَـمُّ الشقائق
مَنْ مرّ بالكدم بالثـَّلم بالزمهريرْ؟.
أُأَدْنِــسُ أسطورةَ النهرِ.
دارتْ دوائرُ
أين أدوني؟!.
ضفرتُ لجرحِ شقائقهِ:
رذاذًا ورفرفتينْ
ملاذًا وكربلتين
تلوتُ لـِ "لازمكانات" أسطورتي،
مَـيامِـرَ أضْـمِدتي،
ضموري وإقلاعَ لغزي
عبوري ونسرينَ نـَسليَ
رفـْرفتُ خلفَ بزوغِ الخليةِ
يا لازورد أخاديدها
يا مَـيامرَ أضمِدتي.
كـ "لا دورانيْ"
كنثر بلابلِ "لا لغتي".

* * *

صلاتي لِمَن مرّ بالكدم بالثلم.
قامتْ صلاتيَ
يا قرعَ بوّابة الفجرِ
أَذِّنْ ....
يُهَـيْـلِلْ نبـيّـانِ،
شَـفـّرْ فضاءَ ذهولـكَ
بَوصِـلْ
ترَ القطبَ نبرًا نبيّـًا
وومضًا منارًا لنجمٍ إمامْ.

* * *

رشقتُ ضجيجَ دمي
كـَمَـمتُ يَـباب فمي،
بوميضِ مرايايَ:
صه.
قيلَ باخَ اللهيبُ المشفـّرُ
فـَوِّرْ فـُلوليَ،
بَـدِّدْ سدودَ نديفي
تهافتْ على لغزِ إهليلجاتيَ
هِـلْ "دُررًا"
كُـن كَـكـونـك.
لو قيلَ ألـِّهْ إلهكَ،
لو قيل شاعرْ مدادَ مهاويكَ
هل قلتَ: منتقمًا؟
قلتَ صه، قـَعْ، تذلّـلْ.
تدثـّرْ بهفهاف طلسمهِ؟!
أمْ تسلقتَ لغزَ المخططِ:
منْ أغمدَ النصلَ؟!
مَنْ نسفَ النجم؟!
حدّقْ:
كأن المَهـيل غمامْ.
كأن الرذاذ هيامْ.

* * *

صلاتي على ضفتين
كجَـزرٍ على كوكبين
كـ "أطلسَ" أرسلَ إهليلجينْ
على قمرينِ، إلى نيزكينْ.
صلاتي سجودٌ على "اوميغا" بين كونينِ
إبّـان نهرينِ
بين مَـهيلينِ مـُرتـَتِـقين.
أكونٌ يشيع كونًا؟!

* * *

صلاتي إلى الكلِّ
لو صفـّق الكونُ
ساهَـرَني "سَهَـرُ الوردِ"
"أبجدُ هوّزه" مِن هيولى الألوهةِ،
حطـَّتْ على أنهُـرِ الكونِ:
سَـرْبِـلْ دبيبكَ
بَـلْبِـلْ مدادكَ
إن مدادَ انهماراتها،
إن سُـكْـرَ مُهـوَّسـِها،
قـُدَّ مِن لغزِ أفيونِ أكوانها.
إن لغز خفيرِ حدائقها خـُنَّـسٌ لا تنامْ.

* * *

صلاتي رفيفٌ
صلاتي عبورْ
صلاتي نشوءٌ ....
صلاتي ضمورْ
دبيبي إلى دورانِ المعارجِ.
كـَلـّلـْتُ زائرتي -
مِن عقيقِ مناجمها،
من رذاذ مساراتها – قمرين
وترنيمتينِ مُسَـوسَـنـَتينْ.
لآيٍ لنايٍ و نهرٍ هـُزامْ.

* * *

أنا شطرَ ميمنةِ الكون
جبتُ خبايايَ
باريتُ صهوة موكبه.
عبرتُ هيولايْ،
أَمِـمتُ محطة دلتاي.
كان الخفيران فرعينْ.
أنا شطرَ ميمنةِ النجمِ
حَـطـّتْ مُطَوَّقـَتي
أنا الوَمضُ واللا خلية
في برقِ أقراطها.
أنا شَطـْرَ ميمنةٍ، فارَ عملاقها
دال شلاّلُ طوفانها.
دبيبي إلى أرخبيلٍ تـَبـَرْمَـأَ:
هِـمْ كمطوّقة العنق،
حطـّتْ على لازورد نصوصيَ
أمَّ مرافىءَ صومعتي كروانْ.
تلا لملائكة اليمِّ جَـزْرَ جزائرها
اصطفقَ اليمُّ، قال الرذاذُ المقبب:
"لا".
شهَـق القوسُ، بث نصوصًا:
كفى!!
غيضَ ماءٌ سديمٌ لثامْ.

* * *

شهدتُ على قممِ الماء ثرثرةً.
دنا الغصنُ ....
حطّ سوارُ السماء على معصم اليـمّ.
مَن رقش القوسَ؟!
مَن قال يا فجر: "كـُن" ....
طار أرْقـَطـُهُ،
نـَجـَمَ الطورُ، كـَرَّتْ سلاسله،
على لـُجَجٍ، زجرَ الفجرُ شـلالها
قال:
في البدء كانت نصوصي سربَ حمامْ.

* * *

صلاتي .... شممتُ شذًا
صلاتي .... أمِـمْتُ المدارات
في فـَلَـكي مارجٌ كنبيذ المجرات:
لو كان غرّدَ غريدُ زائرتي،
لو سـمتْ سُـدُمي،
حط لؤلؤُ منجمها
على أعصر الـ "بـِليُـسين".
مذنـّبها، فرّ من أرخبيلٍ هجينْ.
إلى خِـدر مرضعةٍ، قال باسطُها
خَـنـَسَ النجمُ في كستناءِ جدائلها،
إلى نـَبْرِ راجفةٍ، خَسَفَ الحرفَ
أغرقَ باخرةَ الأبجديةِ
إن المتاريسَ سينٌ وجيمٌ ولامْ.

* * *

صلاتي أطَـلتُ صلاتيَ
أنهيتُها بِخريرِ عطوريْ
أشيّعُها بـ "سلامٍ على" بـ "هيامٍ"
بـ " نورٍ" "غفورٍ" "صبورٍ" "سلامْ".

* * *

نَكَسْتُ يراعي
نكستُ نصوصي
وداعًا أودّع حبري
براءٌ فمي،
مِن هرير نتوءاتِ نثري
شهدتُ الجنازة، كفـَّنتُ شعري.
مَخَـضْتُ دهورَ خبايايْ:
متى كان إقلاعُ نهر هيولايْ؟.
أنا أنتَ يا كونُ بَلـّلْ فمي.
إنَّ في كبدي كمجرات أسئلتي
صمدًا لا ينامْ.
دنا الكونُ
وا عرشَ صمتاهُ، أيْ كروانَ فمي!
قال قل لهرير حروفك ....
سَـنْبلْ كأهليلج الفجر عنقَ اليمامْ.

* * *

صلاتي وفي "لا اله" أناجيلها
عقيقُ حدائق قرآنها.
أعَـنْـبِـرُ نهر كراوينها،
بألوهة بَسْمَـلتي.
أشـَـيّدُ مِن مجد صمتي هديلاً،
لـيَمِّ الأمومةِ،
لعَـرشِ الألوهةِ،
لصمتِ نداءِ النوابغ في الصور
يُرهِصُ فوق هدير العُـصور:
شمَمْتُ الضراوةَ، يا كُـربة النسلِ
يا كوكبًا تتهارَشُ آفاقه
يا هريرًا سبى مجد "جينومَ".
يا خيبتي!
قل لنجل الخليل:
أأشفقُ؟
قال رعيلٌ غلام.

*** *** ***

10
أدب / حلم
« في: 13:35 03/04/2009  »
حلم

    منتفضاً على عتمة قبو بارد ، لملمت أطرافي ، استقمت عارياً ، صعدت سلالم ، ثمة أجفان لا ترف لحارس متضخم الجثة ، يسدّ علي منافذ النور والهواء ، امتشقت سيفي ، فتوارى مذعوراً .. غادرت المحرس الرطب .. تدافعت أمام الباب حشود هائلة ، بعيون غائرة ، أطفئ فيها النور ، تستنكر عريي ، تتوعد بالويل ، وتعترض سبيلي ، تقدمت بلا وجل ، اخترقت الحشود ، مشيت إلى فضاء رحبٍ ، يظلل سهلاً مشمساً ، يفضي إلى تلةٍ ناهدةٍ . في البعد القصي ، هناك .. على القمة .. ثمة منزلٍ ، مفَّوفٍ بقوس قزح ، أُعد لي قبل بداية الدهور ، لأستقر فيه بعد انقضاء الأزمنة ، مطلاً على الأكوان ، بلا نوافذ أو أبواب ، مشرّعاً على النجوم ، تغيب تخومه في السماء الفضية ، طريقه مظللٌ بأغصان السنديان ، مرصّع بحجر اليشب والياقوت ، يحف به الزنبق والاقحوان .
     تقدمت الجموع المندهشة .. واكبني سرب حمام وفراشات بيض ، وهدهد يتقافز على الدرب ، وبرفقة ملاك مجنح مشيت بخفة ، كان الطريق يجري تحت قدماي . حين بلغت شرفة مسكني الأبدي ، تناهت إلي همهمات وعويل ، التفت خلفي ، كان الحشد مسمّراً عند أسفل السفح ، يئن مثقلاً بجسده الأرضي . طالما هزأوا بي حين دعوتهم لنبذ التخمة واستبدال وجباتهم بالرقص والصلاة ، فوسموني بالجنون والعتهِ ، نبذوني وسفّهوا آلهتي ، ورموا علي الحَرَم .
     أحببتهم رغم قسوة قلوبهم ، غفرت لهم هفواتهم ، وصلّيت من أجلهم .
     الآن لم يعد في يدي حيلة .. تفاقمت حيرتي .. واختلطت علي الأمور ، هل ألج داري .. راحتي الأبدية .. حصاد آلامي وثمرة أتعابي وانتظاري ؟! أيقتضي العدل أن أتخلى عنهم ؟ ألست مديناً لهم ؟! هل كنت قادراً على الظفر بهذا المجد ، لو لم يكونوا هم موضوع محبتي ؟! وبدون تلك المحبة ، هل كان لجسدي السقيم أن يصعد إلى هنا ؟! هل كان متاحاً لي أن أبلغ هذا المقام دون اضطهادهم لي واستخفافهم بي ؟ كيف أهرب منهم وأنا مدين لهم ؟ أيستحق الراحة من لم يبريء ذمته تجاه المحسنين إليه ؟!..
     عدت أدراجي .. التحقت بالحشد .. تماهيت فيه ..
     استيقظت باكراً ، احتفيت بصباح مزهر .. استقبلت شعاعاً يداهم غرفتي .. تطلعت من النافذة ..
     كان الواقع الحي ، أجمل من الحلم ـ وليس كما يقال ـ حين نكتشف الزاوية الصحيحة للنظر إلى الأشياء .
1 نيسان 2009 

11
أدب / الدينونة
« في: 11:15 13/11/2008  »
( الدينونة )
  للكاتب كيوركيس أغاسي            قصة قصيرة     
                                 

لقد مرت ثلاثة سنين على التزامي بصوم نينوى ، تناولت حفنة من مسحوق الحبوب المملح ( البوخن ) ، كما جرت العادة ، ودخلت فراشي ، لعل أمنيتي تتحقق هذه المرة أيضاً ، وتمنيت أن ألتقي تلك التي انتظرتها طوال سني عمري ، ولكن ! يا لهول ما رأيت !.. وماذا فعلوا بي ؟!..

ظهر جدّي كالعادة ، لكن ظهوره كان مختلفاً هذه السنة ، بدا متجهم الوجه ! مقطب الجبين ، قليل الكلام ، متضايقاً .

سألته : لم أنت حزين يا جدي ؟

رد غاضبا : أنا كذلك بسببك ! إنني في دوامة .

سألته ثانية : ماذا فعلت لكي تغضب ؟ ما ذنبي ؟

ـ لقد قرر الجميع أن يرسلوك إلى جهنم ! كم نصحتك .. لكنك لم تنتصح !

ولا أعرف كيف أتدبر الأمر معهم ، كي لا ترمى في غياهب الجحيم !..

اقشعرّ بدني ! أظلمت الدنيا أمام عيني ! أمنيتي لن تتحقق .. وأعمالي .. لم أكتب وصيتي...

أجفلني صياح جدي : كفاك يا هذا .. أية ثروة تخلّف وراءك ؟ ماذا لديك كي تكتب وصية؟

قبل أن أجيبه ... نزلنا مقاما جديداً كان مبهراً !.

الجدران مغطاة بكتابات مميزة ، و بلغات مختلفة .

شرح جدي : هذه الكتابات تتحدث عن أعمال وسلوك الناس من بلدان شتّى ، هنا يُدوّن كل ما يقوم به المرء في حياته يوماً بيوم .

تنفست الصعداء .. فأنا لم أفعل شائنة طوال حياتي ، كي يطبلون بها ، من يستطيع أن يرسلني إلى جهنم ؟، مكاني وسط الفردوس هو ...

قاطعني جدي بازدراء ، وقال : الجميع هكذا يفكرون مثلك ...

فجأة وجدت نفسي في مدينة ، قال جدي إنها عاصمة إقليم الخالق ! كان الضياء مبهراً ، وبدا كأن النور ثابت ولن يزول بحلول الظلام . بعكس ما تعودنا ، نحن نعرف أن الظلام هو الأصل ، ويتسلط في المكان ، والنور متحرك ، عندما يحل تهرب الظلمة أمامه ، وحين ينقشع يعم السواد مجدداً .

فالظلام هو هناك دائماًً ، أما النور ، فيحل ويرحل ، تشرق الشمس فيصبح نهارا ، البارحة وغدا يُعرفان من تتالي النور والظلام ويتكون الزمن . أما في عاصمة إقليم الله . النور هو الثابت والدائم ، وما الظلمة سوى شبه الخطيئة ، تأتي وترحل .

شاهدت باباً كبيراً على شكل فتحة في السماء ، أول الأصوات كان كالنفير ، خاطبني قائلا : إصعد أيها الظلام !..

لمحت سريراً يضطجع عليه شيخ جليل ، بلا ملامح ، بسبب النور المشع من وجهه ، كان النور مزيجاً من الذهب والفضة ، والسرير محاط بقوس قزح ، ويحف به أربعة وعشرون شيخاً بلباس مشعشع بالنور ، وكل منهم يستلقي على سريره ، ورؤوسهم محاطة بهالة مضيئة ، وخصلات شعرهم من الذهب أيضاً .

صرت أرتجف ، لأنني فهمت في الحال ، ان وضعي أصبح صعباً . فقد نبذت وحاربت طوال حياتي مُلّاك الذهب ، والمرابين المنتفخين بثرواتهم .. لطمت رأسي بكلتا يدي .

أمام السرير أًوقدت سبع سراج ، وهي تمثل سبعة أرواح ، وأحاطتا بالدّيان أربعة ملائكة ، عينا كل منهم صوب أحد الجهات .

وملائكة صغارمجنحة تطوف كالفراشات حول العرش !.. هنا كل شئ من نور ، والظلام شَبَه خطايا الإنسان .

دوى صوت البوق ، إيذاناً بفتح ملف حياتي .. دمدم الكاتب قليلاً وهو شيخ جليل ، وأخيراً نطق بالقضاء :

بدون تأخير ، يرحَّل إلى جهنم !..

رفعت يداي عالياً ، ارتطمت بالأرض المتلألئة ، كانت مثل نور بارد ، سراج لا يحرق . قلت : أرجوكم ، بدون محاكمة ترسلونني إلى جهنم ، حيث الظلمة والنار ، إسمحوا لي أن أدافع عن نفسي ! بماذا تعللون حكمكم القاسي هذا ؟.

نظر الشيوخ إلى بعضهم ، وافترت شفاههم عن ضحكة ، رأيت أسنانهم تتلألأ ! نظرت إلى النور الأعظم ، لكنني لم أره ، فقط السرير المتلألئ كان هناك والملائكة ، وفهمت أن الجهد الأكبر يتحمله الملائكة ، وفكرت كيف سيكون الخالق ؟

جدي أفهمني أن الخالق هو نور الأنوار ،وخالق الكل ، ولا أستطيع بالكلمات والشروحات البشرية والفكر أن أوضّح كينونته .

صاح الكاتب : لماذا لا نرسلك إلى جهنم ؟

هل تستطيع أن تقدم سبباً يمنعنا من ذلك ؟

هل تظن أن أي أحد باستطاعته أن يسكن الفردوس ؟

وهل أنت أفضل من آدم ، بسبب حالة تمرد واحدة أخرجناه .

جفّ اللعاب في فمي ! عرفت أن هذا الكاتب كان قاسياً ، ويصعب علي إقناعه ! فلم يبق لي سوى الترجّي :

ـ أيها القديس ، لم أتخل عن الصلاة يوماً.

تبادل القضاة النظرات وقال :

ـ تُمننا بصلاتك ، كثيرون ممن لا يصلّون أفضل من آلاف المصلين ، الصلاة لتنقية الأفكار هي .

يوجد كهنة إسمياً ولكنهم أبالسة بتصرفاتهم .

قلت : طوال حياتي لم أؤذي نملة .

ـ لم تؤذي نملة ، لكنك نحرت خرافاً ونعاج ، وقدمت ذبائح وأكلت لحمها ، أصلاً لم يشرّع أحد أن لا تؤذي الآخرين ! أنت لم تكن قادراً ، ولو تمكنت لفعلت !

بدأت أتلعثم . نظرت حولي وقلت : لم أسرق ولم أز...

ـ لم تكن لديك وظيفة هامة مثل الآخرين كي تسرق ! أنت كاتب مسكين ، ماذا بإمكانك أن تسرق . ولكن ، إن حاسبناك على خطاياك ككاتب ومعلم ، ستكون عثراتك أكثر من الآخرين ، لست أنا أقول ذلك ، لكن بعض كتاباتك تقود الآخرين إلى التهلكة .


قهقه الشيوخ ! تابع القديس : أحد آخر غيرك قال :

زوجتي طلبت مني أن أسرق ، ولكنني لم أفعل ! هل تعرف ماذا كان عمله ؟ كان يعمل مترجماً في إحدى دور النشر ! ولكنه كان يسرق من معاشه ليسكر ويلعب القمار سارقاً زوجته وأطفاله !

تذكرت ثرياً جمع ثروته من السرقة والحشيش والدعارة وغيرها ...

وكنت أكرهه دائماً وسأسميه هنا : لام ...

دوزنت حنجرتي وقلت : ماذا بشأن السيد لام ، فقد سرق و...

ـ حسناً فعل ، لا تبت يداه ، يملك الملايين ! هنيئاً له وليس لغيره !

قلت مندهشاً !! لكن ما هو الصلاح ؟ إنه سارق وتاجر مخدرات ، وعملي لم يتيح لي فرصة الإثراء !، حسنا قد تكون هذه علة إنقسام الناس إلى طبقات ، غني وفقير ، محترم ومنبو...

ـ كل واحد سوف يدان بتصرفاته ! من قال لك بأننا لن نزج بصديقك لام في الجحيم ؟

توقفت أنفاسي ! فكرت أن أعثر على ما ينقذني مما أنا فيه وقلت : ولكنني لم أزن مثل ( فلان )!

ـ عدنا مجدداً إلى المقارنة والمقايسة !

ماذا يعني أنك لم تزن ؟ ما معنى الزنى ؟ إذا حسبت الزنى متعة ، ولم تستمتع به ، فضاعت عليك الفرصة ! وتحسبها منّة علينا ! فأنت أيضاً مثل أولئك الرهبان الذين قضوا حياتهم في الكهوف ، لا يعملون لا يتمتعون ، لا يأكلون ويشربون ، لا يغنون ويرقصون ، كل ذلك لكي يدخلوا الجنة ويعوضون عن السنين التي فاتتهم ! هه ! ضحك الشيوخ ! واستأنف الكاتب الكلام موضحاً :

ـ إن كان الزنى بسبب الفقر أو الحاجة ، فيغفر للمحتاج ، أما المستمتع فسوف يدان : فالزانية هنا يغفر لها ، أما الذي زنى بها فسوف يدان ، لأنه ربح من حاجتها إليه ، ولم يساعدها . لا تنسى قانون العطاء ، لكن إن أحد تمتع متعة خيّرة فحسناً عمل ، لأن الإنسان ولد للخير ، وليتمتع بالأكل والشرب ويقدمه للآخرين .

هذه المرة قاطعته : وان كان أحد قبيحا ولا يتسنى له المتعة ولا يجد من يحبه ...

ـ أسكت ! قبيح في عين قد يكون جميلاً في عيون الآخرين .

الجمال نسبي هو .. وأيضا لاتنسى أن الآباء يأكلون والأولاد يضرسون ، وان أصاب الوالدين مرض نجس ، أو عملوا شراً.. فيعاقب نسلهم .. وسيولد لهم أولاد قبيحين . فالكثير من البنون يولدون خطأة . ولكن إن كان شكلهم قبيحاً بسبب خطيئة الأهل ، وأصبحوا طيبين وخيرين .. فسيقدرهم الناس ويحترمونهم .

تدمعت عيناي وقلت : ما أغرب قضاءكم .

ـ لم تقل لنا ، ما هو مستندك لكي لا نرسلك إلى جهنم ؟ نحن ننتظرك تكلم .

ـ وأنتم علام تستندون لإرسالي إلى هناك ؟

تطلع الكاتب إلى السرير الكبير المضاء وقد تلألأ وظهر قوس القزح ، وبدأ يتلو أرشيف خطاياي :

1 ـ لم تعمل معروفاً لأحد ، لم تحمل بيد مُقعدٍ ( تذكرت الكثير من الفرص أتاحت لي مساعدة الآخرين ، ولكنني في الحقيقة لم أفعل) .

2 ـ لم تبشر ، ولم تسند قلباً كسيراً .

3 ـ لم تدعم الأعمال الخيرية ودور العبادة . ( تذكرت أيضاً بعض ذنوبي ، فإن كان الكهنة سيئين ، كان يجب أن أنبههم أو أنبه الناس ليغيروا كهنتهم ، ولم أفعل ذلك مداراة للطائفة (
.
4 ـ لم تنفع نفسك ولا الآخرين ، لم تستفد من بركات الرب الكثيرة على الأرض .

5 ـ كفرت مراراً وشتمت .

6 ـ لا مأوى لك ، ولا استقرار ، أليس عاراً ؟

وتتناول مسحوق ( البوخن ) لتتزوج بمن تحب ، سوف يموت أطفالك جوعاً .

7 ـ فتيات جميلات كثر ، خليقة الله ، لم ينلن إعجابك ، ولم ترضى بهن ، عدا واحدة أحببتها ، وتطالبها أن لا تحب غيرك .. هه ..

وتابع على هذا المنوال ، يوبخني ، وعدد مائة فقرة . كان يقصم ظهري ذكر كل خطيئة من خطاياي ، ذرفت الدموع ، وبكيت بحسرة .

بعد أن ختم ، تثائب بعض الشيوخ ( كان بينهم بعض القديسات ( انحنيت على السرير وقلت : أرجوكم ، إن كانت هذه تستوجب جهنم ، فماذا يكون من أمر السيد لام الزاني ... ضرب الكاتب مطرقته على الأرض وقال :

إنك تهين بناتنا عندما تنطق بهذه العبارة ، مالك أنت ؟ اسلك كما تريد ، وتحاش الوقوع في الحفرة .

حككت رأسي وقلت : السنة الماضية السيد ( فاء ) أسلم !

ـ أسلم ؟ من قال بأن المسيحي وحده خليقة الله ؟ المسلم أيضاً يقول بأن فلاناً تحول إلى المسيحية ! هل أنت تعرف أكثر من ملايين الموسويين والمسلمين ؟ هذه مشيئة الخالق .

جف الريق من فمي ، رطبت شفتاي بلساني ، وقلت شاكياً : إنه مداهن ومنافق .

ـ وأنت شتّام ، وتنال من هيبة الآخرين ، هو قبل الكتب المقدسة ، أما أنت فقد خطّأت ابراهيم الخليل ! وجعلت موسى سارقاً من سركون وحمورابي ! واعتبرت دانيال ساحراً مشعوذاً !

رفعت يداي وقلت : لماذا لا تحسبني عضواً في الكنيسة ، أنا أيضاً من اتباع احدى الطوائف . هز الكاتب رأسه وقال : نعم .. نعم .. عضواً ! لو كنت عضواً حقيقياً لما انفصلت عن الكنيسة حين لم يختاروك رئيساً للجنة ! لماذا لم ترضخ لإرادة الطائفة أو الكاهن ؟

قلت : إنني أجلّ نوركم ، لست نعجة لأرضخ

ـ لم لا .. أنت قلت أنك تتبع طائفة .

التفت حولي ، كان جدي قد أحنى رأسه ! قلت : لم ألعب القمار مثل (لام .(

ـ عدنا مرة أخرى إلى لام وميم .. هم ساندوا الكنيسة دون أن يكونوا في اللجان .

أطرقت أفكر ! لقد فشلت مع هؤلاء الشيوخ ، وباءت جهودي بالفشل ، قلت متلعثماً : لماذا لا تلوموا السيد ( فاء ) والذي صنع صليب الرب من الذهب وعلّقه في رقبته ؟

ـ يا للملامه !.. بل هو يشكرعلى فعلته ولم لا يكون الصليب من الذهب فهل الذهب للإستعمالات البشرية فقط ؟

ـ ولكن لو أن يسوع كان قد علق بالحبل ، فهل كانوا سيعلقون الحبل في رقابهم ؟ أو لو قتل بالبندقية فهل كانوا سيحملونها ؟

قال الكاتب ممتعضاً : هل تستهون بعدد الذين علقوا بالحبل أو حمّلوا النير ؟ وكذلك من يحملون البنادق بهدف الحرية ، هنا أيضاً لا تخجل فتدين الآخرين ، الخشبة في عينيك لا تراها ، وتتكلم عن القشة في عين الآخر .؟ كفاك ثرثرة ! إلى وسط جهنم ! خذوه وزجوه مع الذين كان يكرههم ويمقتهم في دنياه ، وأطعموه ما كان لا يستمرئه من الطعام .

ركعت ! اهكذا يكون الجحيم ؟ ليست نارا ! ليست عذابات ومرارة ! ليست سوى العيش مع الذين لا تطيقهم ، واحترام الذين تكرههم ، السيد لام والسيد فاء ! أن تحلم بما لا ترغب ، أن تعيش في البغضاء ، وتموت فيها أيضاً !

بكيت ثم صرخت : لا .. لا ! أرجوكم ، لا أريد لا ، أرموني في النار ، أموت مرة واحدة وأخلص ، هكذا ، لا ، أنا أخطأت ، الحق معكم ، أيها القديسون والقديسات ، أعاهدكم بأنني سأتوب... مرحى للزاني !.. لا تبت يد السارق !.. مرحى لمن يخون شعبه .. أنا أخطأت ، سامحوني أو أحرقوني .

نهض جدي من مكانه ، مد يده على لحيته وقال :

لقد تاب الآن ، كرمى لهذه اللحية البيضاء ، دعوه يدخل الجنة .

حضنت قدميه من الفرح ، وجرت أدمعي مدراراً قال الكاتب : حسناً ...

ولكن بشرط أن يرافقه إلى الجنة كل من السادة لام وفاء والآخرين ... ويعيش معهم .

لطمت رأسي بكلتا يداي ! لم نستمتع بحياتنا على الأرض . ولا في السماء أيضا .


ترجمة كاجو كاجو

12
لماذا تم حذف ردود قصة إختيار رئيس للبلاد

وشكراً

كاجو كاجو

13
الإيمان بماذا ؟ وبمن ؟

     قال يسوع وهو يجترح المعجزات أمام جمهرة غفيرة ، لماذا تندهشوا لما يحدث ؟ أنتم أيضاً تستطيعوا أن تفعلوا مثلها ، بل أكثر منها .
تصوّر ثقة يسوع بقدرات الإنسان ، فنحن بكل بساطة مؤهلون أن نحاكيه في صنع المعجزة ، وأن نتدخّل ونتحكم بالقوانين والنواميس ، وأنت إن شككت بقدرتك على فعل ذلك ، فإنك بكل بساطة ، تشكك بيسوع !. لأن كلامه هنا كان ساطع الوضوح ، ولم يتكلم كعادته بأمثال ورموز ، إنما ببيان جلي ، ففعل المعجزة إذاً هو إمكانية بشرية ، وتفعيل هذه الإمكانية يتوقف على شرط واحد ووحيد هو (( الإيمان ))  كما قال (( إن آمنت ))  فأي إيمان هذا الذي طالبنا به لتتم المعجزة على أيدينا ؟
         الإيمان بماذا ؟ الإيمان بمن ؟
     دون أن ندخل في متاهات أجيب : الإيمان بالإنسان ، بمكنوناته ، بقواه الخاصة ومقدرته ، فكأن يسوع أراد أن يقول لنا ، إن إيمانك بما أفعله أنا ليس كافياً لك ، بل عليك أن تؤمن بقدراتك أنت أيضاً ، والتي تؤهلك على فعل ما أفعل . ويسوع هو أفضل من يعرف أن الإيمان بمعجزاته يظل محدود الفاعلية ، ما دام المؤمن يجهل ذاته ، جوهره هو ، فقد تخلّى عنه الكثيرون ممن رأوا بأعينهم معجزاته ، وسمعوا كلامه بآذانهم .
     سيظل الإيمان قاصراً ما دُمت لا أعرف من أنا ؟ ماذا أفعل هنا ؟ من أين أتيت ؟ إلى أين أذهب ؟ لقد أجاب الكثيرون عن هذه الأسئلة حقاً ، وكنتيجة لاختباراتهم العظيمة ، وتحقيقهم المبارك لذاتهم ، لكن إجاباتهم لن تنفعني ، لأن ما اختبروه ، هو حالة وعي فائق ، نفتقر نحن إليه ، وتعبيراتهم عنه بلغة الفكر تبقى قاصرة ، لأن الاختبار الروحي ـ الفوق عقلي ـ هو حالة تُعاش ولا تُنقل إلى الآخرين باللغة كما صرحوا هم بذلك .
     لقد آمن الإنسان بالخالق في السماء ، وبيسوع على الصليب ، آمن بالأنبياء ، وحفظ الوصايا ، وامتثل للشرائع ولا يزال ، وكل ذلك لم يؤهله لاكتساب قدرة (( صنع المعجزات ))  إلا القلة النادرة ، ممن آمنوا بقدراتهم هم ، وارتقوا إلى الإيمان الذي قصده (( السيد ))  .
     نحن لسنا بصدد نوعين من الإيمان ، إنما هو واحد لكن ذو مستويين ، الأول هو ما نحن عليه ، والثاني هو ما يسعى إليه المؤمن بالتحقق الذاتي للمضمون الأعمق للإيمان .
     لست أهدف من هذا الشرح ، أن أدفع المؤمنين ليصبح صنع المعجزات شغلهم الشاغل ، واهتمامهم اليومي ، بل أقصد التحقيق الداخلي ، تحقيق (( الإنسان )) والذي هو أهم من أية معجزة ، وهو الهدف النهائي من الإيمان والأديان ، ومن أجله تجسد الإله إنساناً ، وتشرد ، وتعذّب ، وصُلب ، وهو المحصلة الأخيرة للبشارة .
     المعجزة هي حالة خرق للقانون ، ولكنها لا تتم مالم نعرف القانون ، نحترمه ، نخضع لمشيئته ، وبمعرفتنا واحترامنا للقوانين الكونية ، ينزاح ركام الجهل عن قوانا ومواهبنا وقدراتنا اللا محدودة ، ومعرفتنا الشخصية بالقانون هو شرط الامتثال والإيمان به وليس العكس .
     إن تصديقنا لما يُملى علينا من قبل الآخرين عن الإيمان لا يفي بالغرض ، وليس هو المطلوب ، فالإيمان بحسب يسوع يؤدي إلى الاستنارة ، وعي الذات ، إنكشاف المسيح في داخلنا وليس استدعائه من الخارج ، فهو لم يغادرنا قط ، لنتوسل إليه ليأتي ، وإليه أشار يسوع بتصريحه أننا به قادرين على فعل ما هو أعظم من المعجزة ، إن آمنّا بما يسكن هيكلنا .
     من شاء من المؤمنين أن يتسع وعيه ، ويمتد إلى هذا العمق ، أن يبدأ لوحده ، ويعتمد على نفسه ، ويشحذ فطنته ، لأن الآخر يشوشه ويزيد اضطرابه ، ويثبته في الخارج المحيط ، وعليه البحث عن مرشده الداخلي ، هو وحده كفيل بالأخذ بيده ، ووضعه على الدرب الصحيح .
     في زمن يسوع ، كان صانعوا المعجزات كثر ، يجرونها في الشوارع ليثيروا إعجاب الناس ودهشتهم ، لكن ، لا أحد منهم قال لهم يوماً ، أنكم تستطيعون أن تفعلوا مثلي !. لقد تفرد


الناصري بهذا التصريح ، وبعد كل معجزة شفاء كان يقول للمريض : إيمانك شفاك ، فالشفاء من المرض هو فعل إيمان ، تعزز بوجود المسيح بجانب المريض ، أما وقد رحل عنا ، فلا مخرج لنا إلا البحث عنه ، وهذا الإنجاز هو فعل ذاتي فردي محض .
     اذا كان كلام ((  السيّد ))  وثقته بك لا تكفي لإقناعك بامتلاكك قدرات خارقة ، فهذا شأنك ، وهو حقك أيضاً ، ففي عصر العلم ، لم تعد الناس تؤمن بما لا يُرى ويُلمس ، وإنني أيضاً أحد هؤلاء ، فلنذهب إلى العلم ، والأبحاث العلمية ، المختصة بدراسة القوى الفائقة التي يمتلكها أو تكمن في الإنسان ، والمصنفة تحت اسم ((  علوم الباراسايكولوجي ))  بعد أن أخضعت للدراسة المخبرية ككل العلوم ، وبإشراف علماء مرموقين وفي مراكز الجامعات المحترمة ، وسترى أن هذه القدرات التي كانت تسمى ((  غيبية ))  أو خارقة لم تعد كذلك ، لأنها طبيعية وواقعية ، إذهب إلى نتائج هذه الدراسات المتوفرة في جميع مكتبات العالم ، وكلها تؤكد ما قصده يسوع حين أحالنا إلى أنفسنا ، لنؤمن بثرائنا الداخلي اللامحدود .
      لقد تخلينا عن هذه المواهب ، خلال سعينا إلى تحسين ظروف ووسائل عيشنا ، وبحثنا عن الأفضل ، وما رافق ذلك من صراعات مريرة للسيطرة والتفوق ، لتجميع الثروات وتحقيق رغباتنا الجامحة ، كأفراد وجماعات ، لقد حددنا خيارنا هذا وسلكنا فيه دون أن نعرف من نحن ؟
وفيما إذا كان هذا الخيار الوحيد هو الأنسب لنا ، وهو ما يحقق وجودنا ككائنات متميزة وفريدة على سطح الكوكب الجميل ، لقد ضحّينا بتراثنا الداخلي العميق من أجل تحقيق رغباتنا السطحية ، وما رافقها من تنافس وتوتر ومخاوف أنهكت أعصابنا .
     أخيراً ... لم يعد مقبولاً إدعائنا بأن الإيمان الحقيقي يناقض العلم .
                 كما أن الإيمان لم يعد مجرد اعتقاد وتصديق وكفى .


8/10/2008                                                                    كاجو كاجو     
         

14
أدب / (( اختيارُ.... رئيس للبلاد ))
« في: 13:21 08/10/2008  »
(( اختيارُ.... رئيس للبلاد ))

قصة قصيرة للكاتب كيوركيس أغاسي
 ترجمة : كاجو كاجو

      كانت الساعة الحادية عشرة ليلا عندما فتحت عيني ، لم أعرف إن كنت نائما و استيقظت ؟ أم كنت مستيقظا ونمت ؟ وان كان ما رأيته حلما أم حقيقة تخيلتها !.
     هذه الليلة رأيت جدي بلباس أحمر ، غمرني الفرح لأننا سنحلّق في رحلة أخرى الى عوالم جديدة . مهما يكن من أمر هذه الأسفار ، فقد جنيت منها المتعة والعبر.
     لقد انقضت سنة كاملة على جولتنا ـ أنا وجدي ـ في رحاب الحياة الأبدية ، كان ذلك الحلم مميزا و مؤثرا ، فقد أحدث تبدلا عميقا في حياتي ، اذ أصبحت مستقيما و عطوفا و محبا للآخرين .
     عندما استيقظت ، أو هكذا بدا لي ، ظهر جدي مثل هالة مضيئة ! لوّح بيده ، قلت له وقد نفذ صبري :
ـ كنت قد وعدتني أن نزور الدور ....
قاطعني قائلا : أنا المرشد والدليل وما عليك الا أن تطيعني .
أمسك بيدي ، وبرفة جفن أصبحنا نطير في الفضاء ، ولم يطل بنا الأمر حتى نزلنا بلادا مزدهرة ، دافئة ترابها ناعم مثل دقيق القمح ، أشجار الصفصاف تحيط كقلادة بضفاف نهر ماؤه صاف صلصال . كانت الشقوق تغطي قشرة الأرض الجافة كدليل على خصوبتها .. كنت مشدودا اليها بقوة . أشجار .. نهر مسرع و ملتو ، جبال متدرجة ، منازل مشادة بالأجر المشوي ، قصور و أوابد شاهقة ، آبار تتقيأ نارا .. لم أكن بحاجة أكثر من ذلك لأتيقن مما أرى .. لكن عندما شاهدت التماثيل المنحوتة .. والقاعات الملكية .. بدأ قلبي يرتطم بجدار قلبي ! هذا النهر ، تلك الآبار النفطية ، الأشجار ، وسنابل القمح الذهبية ، البيوت الجميلة و المزينة .
أجفلني صوت جدي :
ـ نعم يا بني .... تلك هي نينوى !
انهمرت الدموع غزيرة من عيني ، سقطت على الأرض الدافئة المتشققة،وبكيت .. بحرقة بكيت .
أشار جدي بسبابته جهة اليمين ، شاهدت هناك مطارا ، كانت الطائرات تحط بكثرة على أرضه ،
والناس بالمئات ، بل بالآلاف ينزلون حاملين حقائبهم وبنادقهم .
قال جدي : أنظر يسارك . شاهدت ميناء كبيرا توضعت فيه مواكب البواخر المحملة بآلاف العائدين .
أما القادمين من الشمال فقد ركبوا السيارات و القطارات والشاحنات والخيول . ومن جهة الجنوب فقد جاؤوا مشاة !!
فقدت القدرة على الكلام . قال جدي :
ـ هذه أرض آشور .. هذه هي نينوى الجديدة . التي أعطيت للآشوريين و البابليين .
سألت متلعثما :
- وطن واستقرار للآشوريين ؟ يا رب .. هل أنا أحلم أم ....؟
- نعم !. نعم !. ولم لا ؟ لا تستغرب ، أوضاع العالم متغيرة ومتبدلة ، وسيختارون اليوم رئيسا للبلاد ! نهضت من مكاني وأسرعت كمجنون ، كان المجتمعون في الساحة الكبيرة أكثر من مليون انسان .
تعالت أصوات الهلاهل والزغاريد ، والطبل والمزمار ، هزّتني أصوات الطلقات النارية ، بدأت عملية اختيار رئيس للبلاد . تطلعت حولي ، لم أر جدي . التقطت مسدسا من الأرض بدأت أشارك الآخرين فرحتهم .
قريبا منّا رأيت كاهنا يعتلي مصطبة ، ويتحدث الى الجمهور ، طلب منهم أن يختاروه لرئاسة الدولة ، قائلا : منذ ألفي سنة كانت السلطة بيدنا والآن أيضا سأتولّى هذا المنصب .
رفع شاب سلاحه بيده قائلا : منذ ألفي عام وأنت ترشدنا الى طريق الفردوس ! ماذا قدمت لنا ؟ وقد جعلت منا خرافا ، معتوهين ، وعميانا ، والآن بعد أن حصلنا على الحرية ، كفّ يدك عنا ، دع الأمور السياسية لنا ويكفيك الشؤون الروحية ، دعنا نعيش الحياة الرحبة مثل غيرنا من البشر !. صوت رصاصة أخرست ذلك الشاب ، سقط أرضا وتخبط في دمائه ، وللحظات قليلة حدث اضطراب عظيم ، بدأ الناس يطلقون العيارات النارية ،  ويصيحون : يحيا سيدنا ! يحيا سيدنا ، واشتد اطلاق الرصاص مصحوب بصرخات : عاش السيد ميلر ،عاش سيدنا .
هرولت كالمجنون مستغيثا .. يا اخوتي يا اخوتي ..أيها الآشوريون لا تقتلوا بعضكم بعضا ، اختاروا رئيسكم بهدوء ، اختاروه من القوميين وليكتف الروحانيون بتسيير أمور الكنيسة .
هزت يدٌ كتفي ، التفت .. رأيت جدي ، نزلت عند قدميه ، وبعيون دامعة وصوت مرتجف .. رجوته . أوقف هذا القتال .. لا تترك ...
قاطعني قائلا : أنظر هناك ... رأيت شخصا باللباس العسكري يخطب بين الناس ، فرحت لأن رئيس البلاد سيكون من الجيش ...
تعالت الأصوات من جديد ، صاح البعض ، هذا الشخص من أية عشيرة هو ؟ لماذا لا يكون من قبيلتنا ؟.
اضطرب الحشد  وتجددت الرمايات بين القرى العليا والسفلى و بين القرى الجنوبية و الشمالية ، سقط الناس بالآلاف صرعى ، البعض يطالب أن يكون الرئيس من المناطق الجبلية و آخرون يريدونه من القرى السهلية ، الجبليون يحددون اسم العشيرة و القرية ، و آخرون يقترحون اسم العائلة ، وكذلك اختلف سكان القرى السهلية ، كل يريده من قريته ، و أهل القرية الواحدة اختلفوا عليه فيما بينهم .
صرخ أحدهم : اختاروه مثقفا حكيما .
ظهر رجل أشعث الشعر اسمه يونشتاين ، قال جدي : هذا المحترم ليس له مثيل في العالم ، لا يوجد أكاديمي في الدنيا  لا يعرفه ، مؤلفاته تتجاوز السبعين ، من الذّرة حتى الكمبيوتر و يكتب في الفلسفة و السياسة .
قلت لجدي : أرجوك هذا أنسب شخص لتدبير أمور بلادنا في هذا العصر . و قبل أن أنهي كلامي مع جدي سمعت أشخاصا يرددون ..
ـ انه ليس مؤمنا .. لا دين له .. انه كافر !
     و تعالت الأصوات مطالبة بالموت للملحد الزنديق ... وأعدم يونشتاين بحبل نصب له توّا .             
     صاح رجل مسن : اختاروا رئيسا من أهل السياسة . ساد الصمت بين الحشد ، وبدا أن اتفاقا لاح في الافق . فرحت لأن رجلا سياسيا خبيرا سيحكم البلاد .
كانت الدماء قد غطّت قدماي ، وهذه المرة أيضا لم تطل فرحتي ! اذ رفع رجل سلاحه عاليا و قال : هذا السيد من أي حزب هو و من أي جناح و بالأحرى الى أية كنيسة ينتمي ؟ ثم لعلع صوت الرصاص ، و تساقط الناس مثل أوراق الشجر. نظرت حولي كانت قدماي قد غاصت حتى الركب في الدماء ، لمحت عدة أشخاص يحتمون بظل حائط يضحكون و يثرثرون !!... سحبت مسدسي و صوّبته الى ظلالهم .. لكن ظلالهم ......!!؟؟
صاح جدي : أحسنت يا بني لقد كشفت مثيري البلبلة و مسببي الفتنة !!
سحبت زناد مسدسي !... الا أن صوت جدي أيقظني ...!
كان نفسي مضطربا و فمي مفتوح .
هكذا اذا جرت الأمور ابان الامبراطورية .....
و كذلك ابان الحرب العالمية الأولى .....   


15
شعبنا والهويات البائسة
                                                                                                            كاجو كاجو

   

       إن الإنسان في بُعده العميق هو كائن بلا هوية ، وهو كجوهر مطلق ، لا يُحدّد ولا يُعيّن ، وهذا ما نجهله أو نتجاهله ، وبما أن هذا الكيان الداخلي الأصيل للإنسان ، لا زال محتجباً بالمحدودية وحس الإنفصال ، فنحن مضطرون للبحث عن هوية ، شأننا شأن كل الآخرين من أقوام وشعوب ، ولكن يجب أن لاننسى هذه الخلفية الشمولية ونحن نسعى في بحثنا ، لتحديد وتعيين هويتنا وانتمائنا القومي ، فبقدر ما ننفتح ويتسع وعينا ، ونستوعب غيرنا ، تكبر هويتنا ونكبر معها ، ونقترب من بُعدنا المبارك ذاك ، وبقدر ما نقلص مدى هذه الهوية ، بقدر ما نعاني العزلة والبؤس وضيق الأفق ، ولا يظنن أحد أن الإنسجام المفترض ، والتي تتمتع به الهوية الضيقة والصغيرة ، هو خير لها ، لأن واقع الحياة المعاش يُبطل هذا الإدعاء .
     إن صيرورة نشوء الأمم والشعوب ، ليست كما يتصور بعضنا ـ وأحياناً بعض مثقفينا ـ وسأختصر جداً : انطلقت العشائر والتجمعات القومية لتوسع مجالها الحيوي ، وتمتد على أراض وتجمعات جديدة مجاورة ، تفرض بعض ثقافتها ، وتغتني بما لدى التجمعات الأخرى نتيجة للتعايش ومبدأ التفاعل المتبادل ، تأثراً وتأثيراًً ، فيفقد كلا الطرفين بعضاً من خصوصيته ، وينشأ عبر الزمن ، مجتمع جديد وثقافة جديدة ، وهوية جديدة للجميع ، أكثر رحابة وشمولية .
     عندما قدم الآراميون من بواديهم إلى سوريا ، لم تكن هذه فارغة من السكان ، ولم تكن مدنها خالية منهم ، والسيطرة على المدن والأرياف يعني اندماجهم مع السكان الذين سبقوهم .كذلك فعلت القبائل الآشورية ، عنما هبطت من جبالها في شمال بلاد الرافدين ، ولأنهم وسّعوا رقعة الإمبراطورية كثيراً ، عمدوا لاتباع سياسة نقل الشعوب وإعادة توزيعها ديموغرافياً لدمجها وتلافي حركات التمرد على المركز ، وبغية الاستقرار ، لقد اعتبر معظم المؤرخين ،وخاصة ارنولد تويني ، وول ديورانت ، هذه السياسة ناجحة إلى حد بعيد ، وهؤلاء أيضاً لم يفرضوا طابعهم وكل معتقداتهم بالقوة ، بل تناغموا مع الشعوب القاطنة ، واندمجوا معها وشكلوا معاً حالة مجتمعية جديدة .
     لولا هذا الاندماج والتفاعل المتبادل ، لما كان بوسع الآرامي البدوي ، والآشوري الجبلي ، أن ينتج حضارته ومدنيته الراقية .
     يبدو أن الإنسان يتجه وبلاوعي منه ، إلى تحقيق كيانه الداخلي ، إتساعه ، عالميته ، بل بُعده الكوني ، وهو البرنامج الذي ينطوي عليه ، رغم ما يكابده من مرارة في صراعاته ، إرضاء لأنانيته الفردية والجمعية . إن القوانين الخفية للحياة ، هي التي تتحقق في المحصلة ، وليست رغبة الإنسان وإرادته المخالفة لتلك القوانين ، ولو أن ذلك يتم ببطء شديد ، لا يلبّي تطلعاتنا وطموحنا ، كأفراد تتحدد حياتهم ببضعة عشرات من السنين .
     لقد استهلك شعبنا القرن العشرين ، وهو أهم القرون في حياة المجتمع البشري ، في الصراع حول الاسم القومي الجامع له كشعب مفتت في بضعة طوائف دينية متناحرة منذ قرون طويلة ، وما زاد طيننا بٍلّة هو تفرد قادة الطوائف بالسيادة وتقرير مصيرنا ردحنا طويلاً من الزمن ، وهؤلاء لم يختلفوا على الاسم القومي فحسب ، بل على اسم الخالق وخصائصه أيضاً !..
     وتحت ضغط الأحداث ، ابان احتلال العراق ، تداعت قوى سياسية واجتماعية لمؤتمر بغداد ، تم الاتفاق فيه على الاسم القومي المركب من اسمين ، ثم من ثلاثة ، وقد استبشرت معظم جماهير شعبنا خيراً بهذا التوافق ، كدليل على توقهم للوحدة ، ورغم مقاومة المعترضين من الأقرباء والغرباء ، تتسع دائرة المباركين لهذا الإنجاز الكبير والتاريخي ، والقادم من الأيام ، كفيل بسحب البساط من تحت أقدام المتقوقعين في أحضان الطاثفة والعشيرة ، وهوياتهم البائسة . لقد تكونت النواة الجاذبة ، فلابد أن تستقطب وتتسع ، مادامت تنسجم مع واقع الأحداث ، وحركة التاريخ .
     لن أضيف جديداً إن قلت بأن أي اسم من الأسماء الثلاثة المركبّة ، يصح أن يكون وحده اسماً قومياً شاملاً لشعبنا كله ، إن القراءة المتأنية والمنفتحة لتاريخنا ، تؤكد أن ما تقدم هو حقيقة جليّة ، فنحن لم ندمج ثلاثة شعوب مختلفة ، بل ثبتنا ثلاثة أسماء لشعب واحد ، استُخدم كل منها في مرحلة زمنية مختلفة .
     فبم يعلل المعترضون انسلاخهم عن جسمهم الكبير ؟
     يعتقد بعض أبناء كنيسة المشرق الآشورية أنهم أمة لوحدهم لا شأن لها بغيرها من الطوائف ،
أو أنهم وحدهم ماتبقى من الآشوريين ، وهذه الدعوة خائبة ومرفوضة من جماهير أبناء كنيسة المشرق الآشورية والقديمة .
     ويذهب بعض السريان ذات المذهب ، بدعوى أن السريان هم كيان لوحدهم ، وينتمون إلى الآراميين ، والآشوريين شعب آخر .
     وبعض الأفراد يسهر الليالي ، ينبش الكتب والوثائق التاريخية ، ويقلّب الرقيمات ، ليحلل ويركب ، ويستنتج ويستقرئ ، متوخياً العلمية والميثاقية ، وكأن الهوية القومية تحتاج زمرة دموية ، وصفات سلالية ، وكأن الأعراق في منطقتنا لا تزال تحتفظ بنقائها العرقي ، والشعوب لم تختلط بعد ، وكأن الآراميين كلهم ، اختاروا طائفة كريمة واحدة ، وتحاشوا بقية الطواثف ، ومما يؤسف له ، أن هؤلاء ينسون أن الأمة تستند إلى مجموعة عناصر موحدة لأبنائها اليوم ، وأن العناصر التي توحد السريان ( الآراميين ) هي ذاتها ومشتركة بينهم وبين الكلدان والآثوريين ، ماعدا الطائفة ، فهي وحدها تجزئ مع أن المسيحية تجمع .
تلك العناصر هي : اللغة الواحدة ـ الأرض ـ العيش المشترك ـ العدو المشترك ووحدة المعاناة ـ العادات والتقاليد ـ الثقافة والتكوين النفسي وغيرها .. كلها عوامل جامعة وتوحّد ( الآشوري ـ السرياني ـ الكلداني ) .
     ليس بعض السريان وحدهم ينبشون ويبحثون ، بل يشاركهم البعض من مختلف الطوائف ، وليس ما يعيب هو البحث ، إنما الهدف من النبش .
     إن الكلام عن الأمة و القومية ، والإسم والهوية القومية ، هو كلام في السياسة ، وليس عملاً أكاديمياً يتم في المختبرات فحسب ، والسياسة تعبير عن مصالح حيوية وحياتية ، تتعلق بمصير شعب يعيش على مفترق طرق ، هل ينصحنا الأكاديميون الأعزاء أن ننتظر نيلهم لأطروحاتهم العلمية ؟ وهل يعدوننا بالإتفاق على ما يوحّدنا ؟ وقبل هذا وذاك ، هل يمكن أن يكون الباحث الطائفي أكاديمياً وموضوعياً ؟ إنني آسف ، وأقولها بألم ، إن معظم باحثينا غير موضوعيين ، وفاقدي المصداقية في طروحاتهم ، لأنهم ببساطة طائفيين تقسيميين ، إنهم انتقائيين ، يلتقطون جملة  من هنا ، وبحثاً من هناك ، لكي يدعموا دعواتهم التقسيمية ، ولكن إن عثر أحدهم خلال بحثه على ما يجمع ويناقض موقفه المسبق ، يتجاوزه إلى مكان آخر . والعجيب أنهم رغم اختلاف فرضياتهم وتناقضها مع بعضها ، يتمكنون من البرهان (( الأكاديمي ))  على صحتها !، واستناداً إلى (( الوثائق )) الدامغة ! .
     كفانا ادعاءاً بالعلمية ، أنتم سياسيون أيها السادة المحترمون ، وهذا ليس عيباً ، فالبحث عن صياغة للهوية القومية ، هو نشاط سياسي ، والسياسي لا يزاول عمله في مراكز الأبحاث ، ولا تهمه الحقائق العلمية بقدر ما تهمه مصلحة شعبه ، وكل حقيقة لا تخدم هدفه لا يعيرها انتباهاً ولا يتوقف عندها . وما دام الأمر كذلك ، أين تكمن مصلحة السريان أو الكلدان أو الآشوريين ؟ هل تتحقق هذه المصلحة بالتخندق والانفصال المؤبد والمدعّم بهويات من إخراج الباحثين وتصديق قادة الطوائف ؟.
     إلى الوحدة أيها ( السريان الكلدان الآشوريين ) ، وسّعوا هويتكم ، تمددوا أكثر ، ليرتفع شأنكم ،صرنا نخجل من عشائرنا ، و نختنق في محدوديتنا .

16
أدب / رد: الحيـاة الأبديَّـة
« في: 10:09 29/09/2008  »
أخي dr.mathematics

     سرني إعجابك بالكاتب الموهوب كيوركيس أغاسي
     أعجبتني قراءتك الإبداعية بحسك المرهف للنص
     أتمنى أن أقرأ ملاحظاتك على هذه الترجمة وغيرها فإنني بحاجة إليها .
     أسعدني إطراؤك لترجمتي .
     وأشكر مرورك اللطيف .
           
         تقبل تحيات أهالي تل تمر .. ومحبتي

                     كاجو كاجو

17
أدب / الحيـاة الأبديَّـة
« في: 17:03 22/09/2008  »
الحيـاة الأبديَّـة

كيوركيس أغاسي

في ليلة صوم نينوى، كما جرت العادة، يتناول الصائم، قبل النوم، حفنةً من الطحين المملَّح، المكوَّن من دقيق سبعة أنواع من الحبوب والبقول، ثم يمتنع عن شرب الماء والكلام حتى ينام، لعلَّه يحلم بما يتمنَّى ويتحقَّق مبتغاه.
أنا لا أؤمن بمثل هذه الترهات، لكنني أعتقد أن الإنسان، لو حصر تفكيره وركَّز على موضوع ما، فقد يتمكن من أن يحلم بمضمون ذلك الموضوع.
في ليلة صوم نينوى تلك، أسندت رأسي إلى وسادتي بعد أن تناولتُ حفنةً من الوصفة المذكورة، ونمت... لكن ما حلمت به لم يكن بعيدًا عن تفكيري وحسب، بل كان غريبًا أيضًا. ما حلمت به تلك الليلة جعلني إنسانًا آخر مختلفًا عن الإنسان الذي كنتُه من قبل: فقد تخلَّيت عن الرذائل، ونبذت الأهواء والمشتهَيات الرديئة، صرت أحب الآخرين، أتودد إلى مَن كنت أكرههم، وأحترم حقوقهم ورغباتهم.
كان حلمي بسيطًا وجليًّا: رأيت روحي تخرج من جسمي! كانت تشبهني، كأنها نسخة أخرى من شخصي وملامحي! صعدتْ إلى الأعلى، ثم استقرتْ. بدت كأنها معلَّقة بحبل فضي بجسمي الممدد على الفراش. كان فمي فاغرًا كالقبر، شاحب اللون، وكنت أتنفس في صعوبة. مثل ظفر مقلَّم كان جسمي. نحن نحس بظفرنا مادام معلقًا بإصبعنا بسبب الأعصاب والأوتار الرابطة للجسم، لكننا بعد أن نقلِّمه لا نعود نحس به، حتى لو قطَّعناه نتفًا. كذلك الجسم عندما تغادره الروح. (بهذه المناسبة، تذكرت أن بعض الناس لا يشعرون، لا يتألمون لعذابات الآخرين من حولهم ولآلامهم، لأنهم قطعوا تلك الأواصر والوشائج الرابطة للجماعة.) فمادامت الروح معلَّقة بذاك الحبل النوراني يبقى الجسمُ حيًّا، ويموت حالما ينقطع الحبل، مثل ذاك الظفر المبتور، وترتحل الروح إلى مكان آخر، إلى عالم آخر. تستغرب الروح وتتساءل: "لماذا يبكي الناس موتاهم مادامت الروحُ خالدةً لا تموت؟!"
عندما خرجت روحي من جسمي، رأيت روحًا أخرى ساطعة الضياء تقف بحذائها. قالت تلك الروح:
-       "لا تخف، يا بني... ألم تعرفني؟! انظر إلي!" عندما تأملتها مليًّا، عرفتها: كانت روح جدي! قال لي:
-       الليلة سترافقني في رحلة إلى... السماء!
-       "إلى أين؟!" قلت مندهشًا. قال:
-       "يا بني، كل إنسان يُدان بحسب أعماله... لذلك توجد كواكب ونجوم وسموات كثيرات، تُرسَلُ إليها الأرواحُ بعد الموت، كما توجد حياةٌ أبديةٌ وموتٌ أبدي!" قلت:
-       "لست أفهم! ما الموت الأبدي وما الحياة الأبدية؟" ابتسم وقال:
-       "الحياة الأبدية للصالحين والبررة، بينما الأشرار تموت أرواحُهم معهم!.. وهؤلاء لن يُبعَثوا بعد مماتهم!.. فالقاتل لا يُبعَث من جديد، أما المقتولون من غير ذنب والشهداء فتسمو أرواحُهم إلى أعلى مراتب الحياة الأبدية." سألت:
-       "وهل المراتب كثيرة؟" أجابني:
-       نعم، كلَّما صغرت الخطيئة، أسرعت الروح صعودًا إلى الأعالي، وكلما كبرت، ثقلت الروح وهبطت إلى الهاوية حيث الموت الأبدي. الروح والجسم يهبطان معًا إلى أسفل سافلين!.. ورحلتنا اليوم ستكون إلى إحدى المقامات العليا للحياة الأبدية، تلك المرتبة التي أراد الرب الإله أن يخصَّ بها بني البشر عندما خلقهم على الأرض. ولكن ذلك لم يحصل، مع الأسف، لأن الشياطين والأبالسة لم يتيحوا ذلك، والأسياد محتكري أرض الله حرموا الإنسان منها، فحوَّلوا هبة الله ونعمته إلى نقمة، وعاثوا فيها فسادًا وظلمًا وفجورًا. لكن سيأتي يوم يقبض فيه الحاصدُ على منجله، فلا يحصد زرعًا، بل أسياد وأرباب. العبد بفأسه سيسحق رأسَ مستعبِده، والمظلوم سيسود على ظالمه. يا ولدي، بعد هذه الرحلة، وفي ظروف أفضل، سأصحبك إلى سموات أخرى لتكون شاهدًا على اختلاف الحياة بين الطيبين والأشرار، وسأريك منازل الخالق المُعَدة للأرواح السامية.
أحنيت رأسي موافقًا. أمسك بيدي، وتوًّا بدأنا نطير في الأعالي. وقال جدي:
-       يا بني، الزمن لا يعني للروح شيئًا... السفر عندها أسرع من التفكير... عندما تفكر في مكان ما سرعان ما تتخيله. كذلك تنتقل الروحُ إلى أيِّ مكان تتخيله، مهما كان بعيدًا.
عندما وصلنا إلى الوطن النوراني للحياة الأبدية، اختفى جدي عن ناظري. في ذلك المكان منازل من المرمر والبلور!.. وفرة لا مثيل لها!.. خصوبة مدهشة!.. لكن أغرب ما في الأمر لقائي بأول روح في أرض العلو!.. كانت تشبهني، كأنها نسخة مني!.. سلَّمتْ عليَّ وعبرت. ثم مرت واحدةٌ أخرى تحمل ملامحي وهيئتي وطولي نفسها!.. ثم ثالثة، ورابعة!.. جميع الناس في ذلك المكان كانوا أنا، أو أخي وأختي، أو أبي وأمي... بين تلك الآلاف المؤلَّفة لم أرَ أحدًا إلا شبيهي أو شبيه أحد أحبائي.
داخَلَني خوفٌ ورعب! كيف يمكن للجميع أن يكونوا أنا وأخي وأختي؟!. ولكن... مَن أنا؟!. التفتُّ حوالي كالممسوس! كنت أرتجف مثل قشة في مهبِّ الريح. سمعت صوت جدي يقول:
-       "ما بك، يا ولدي؟" أجبت متلعثمًا:
-       "هاهنا... الجميع أنا أو أحد أفراد عائلتي!" هزَّ رأسه مبتسمًا ليبدِّد رعبي:
-       "نعم، يا بني... في هذا الوطن المقدس، كل إنسان يرى الآخرين كأنهم هو نفسه أو أحد محبِّيه... هذا الرجل الذي مرَّ بجانبك وحسبتَه شبيهك يراك هو الآخر شبيهًا له، بل نسخة عنه... وكذلك الآخرون. توجد هنا ملايين الأرواح من بلدان شتَّى وأقوام وأجناس مختلفة، وكل منهم يرى الآخرين كما قلت لك." سألت:
-       "لماذا؟ هل المغزى من ذلك هو وحدة الجنس البشري؟" أجاب جدي:
-       كان هدف الخالق أن يكون الإنسان كونيًّا، وليس فردًا منفصلاً، لكي يشارك كلٌّ منَّا الآخرين بما يملك، فلا يظلم الآخرين أو يتعدى على حقوقهم."
توقف جدي عن الكلام، وساد صمت. تساءلت:
-       "هكذا إذن... الجميع مثله، وهو مثل الجميع... الآخرون إخوته وأهله... لكي يتشارك الجميع مائدةً واحدةً كعائلة واحدة!" قال الجد:
-       هو كذلك، لقد أصبت! والآن، بعد أن عرفتَ هذه الحقيقة، انظر حواليك.
نظرت إلى المارة. ولكن، هذه المرة، كان كل عابر يختلف عن الآخر، ولم أرَ أحدًا يشبهني أو يشبه أخي وأختي. قال جدي، كأنه يتابع حديثًا:
-       "نعم، يا ولدي، المغزى هو رؤية الآخرين مثل نفسك ومَن تحب... كل شيء للكل. إنها روح الإيثار والمشاركة التي دعا إليها المسيح. وهذه الحقيقة تؤكد بطلان الأنانية وزيفها، تؤكد أن بني البشر كلَّهم إخوة وأحباء، رغم تنوع أجناسهم وأوطانهم وقومياتهم وأديانهم. هذه المفاهيم كلها، وغيرها، مثل الغني والفقير، الجميل والقبيح، لن يكون لها أي معنى في هذه المرحلة من مراحل الحياة الأبدية." سألت:
-       "وهل توجد مراتب أخرى غير هذه؟" أجاب:
-       نعم، وسأريك إياها... لكن لا تتعجل الأمور!
 
مائية لجبران خليل جبران: "الذات الكبرى ترفع الذات الصغرى إليها".
استيقظت مذعورًا، والعرق ينضح من جسمي كلِّه وأنفاسي تكاد أن تنقطع. أسرعت إلى النافذة، نظرت إلى الزقاق، رأيت طفلاً متسولاً، حافي القدمين، رثَّ الثياب، منتفخ البطن... تأملته مليًّا... اجتاحتني قشعريرة!.. ذلك المتسكع الصغير هو... أنا! طفولتي، رداء ممزق، قدمان حافيتان. كانت يدُه ممدودةً نحوي...
تناولت أحد قمصاني، وسترةً دافئة، وحذاء، وكلَّ ما لدي من طعام، وقدَّمتُها له.
*** *** ***
الترجمة عن الآشورية: كاجو كاجو

 

صفحات: [1]