عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - كاظم حبيب

صفحات: [1] 2
1
كاظم حبيب
لتتوقف التحشيدات العسكرية المتبادلة، ليحتكم الجميع للعقل والحوار
في الوقت الذي يتعاظم قلق الناس بالعراق كله حين يرون ويسمعون عن تحشيدات عسكرية كبيرة ومتسارعة من جانب القوات العراقية وقوات الپيشمرگة الكردستانية، وتزداد الخشية من احتمال وقوع صدام عسكري في نقطة ما ليمتد لهيبها إلى كركوك كلها ثم إلى كل المناطق المتنازع عليها وإلى كردستان والشمال كله، تتعالى في الوقت ذاته الأصوات الخيرة والعاقلة الداعية إلى إعمال العقل والعودة إلى الحكمة ودروس الماضي من كون الحروب لا تعالج المشكلات بل تزيدها تعقيداً، وأن الحروب لا يمكن إلا أن تلد حروب أخرى، والدم ينزف دماً، على حد قول الشاعر الجواهري الذي تغنى بكردستان وشعبها.
في هذا الوقت بالذات ترتفع أصوات المتشددين والمتطرفين والشوفينيين الداعية إلى الحرب وتطويق كردستان وتجويعها وكسر شوكة الشعب الذي أعطى رأيه بالاستفتاء في 25/09/2017 2017. إن هذه الأصوات الجاعرة لا تختلف قطعاً عن تلك الأصوات التي كانت تبث سمومها في فترة حكم البعث والدكتاتور الأرعن صدام حسين وحديثه المخزي عن "الجيب العميل!". وها هي إذاعة العراقية تحشد كل من هب ودب من المناوئين للشعب الكردي ليتحدثوا عن ضرورات إنهاء المعركة بسرعة ونقد الحكام بسبب تساهلهم مع الكرد وما حصل بكركوك. 
علينا أن نعلم جميعاً بأن لا يمكن لأي طاغية أو عنصري بشع أن يمنع أي شعب عن الإدلاء برأيه أولاً أو المطالبة بحقه في تقرير المصير. ولكن والإدلاء بالرأي لا يعني نهاية المطاف وبدء الانفصال. وبالتالي فلا معنى من المطالبة بإلغاء أو تجميد الاستفتاء. فما حصل قد حصل، وعبر الشعب الكردي عن رأيه وكان الجميع يتوقع ذلك بالقطع. وعلى الحكومة العراقية أن تبتعد عن عمليات التصعيد ولا تتماثل مع ما تمارسها الحكومتان المستبدتان في كل من إيران وتركيا لخنق الشعب الكردي والانتقام منه لجرأته ونضاله وحصوله على الفيدرالية، والتي لم تكن هدية من الحكومة العراقية بل اكتسبت بنضال هذا الشعب وتضحياته الجسام وبمساندة الشعب العربي وبقية القوميات بالعراق.
إن مطالبة الشعب الكردي بالكف عن طرح مسألة حقه في تقرير المصير لا يجسد وعياً بالحق الدولي لكل الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها ودون وصاية من أحد. وعلى حكومات المنطقة التي فيها أجزاء من الأمة الكردية المقسمة أن تعترف للشعب الكردي في كل منها بحقه الثابت في تقرير مصيره.
صحيح إن طرح الاستفتاء في هذه الفترة وفي الظروف التي يمر بها العراق لم يكن مناسباً، وقد عبرت عن هذا الرأي مراراً وتكراراً لا من منطلق قومي أو شوفيني بل من مصلحة الشعبين وبقية القوميات في هذا الظرف العصيب الذي ما يزال يمر العراق كله بسبب الحرب ضد عصابات داعش المجرمة ولأسباب أخرى بينتها في أكثر من مقال ولقاء. ولم يكن هذا الاستفتاء المتعجل سوى هروبا إلى الأمام من تلك المشكلات الصعبة التي كانت تواجهها سياسات الحكم بالإقليم، وكان الأفضل اختيار وقت آخر لمثل هذه الخطوة وحين تكون كردستان قد وفّرت مستلزمات فعلية لتحقيق هذه الخطوة وما يفترض أن يأتي بعدها.
ومع ذلك فالاستفتاء قد حصل، وليس خاتمة المطاف، كما عبَّرت عن ذلك القيادات الكردية ذاتها، وعلى الحكومتين تقع مسؤولية البدء بالحوار والتفاوض السلمي والديمقراطي لمعالجة المشكلات القائمة التي ستحل مشكلة الاستفتاء من نفسها، فلم يكن قد وقع الاستفتاء لو كانت الحكومات العراقية المتعاقبة قد عالجت المشكلات القائمة، وخاصة مشكلة المناطق المتنازع عليها على وفق ما حدده الدستور العراقي، وعلى وفق الفترة الزمنية المحددة لذلك. إلا إن التسويف والمماطلة وتجاوز الفترة الزمنية والتعقيدات المتفاقمة التي نشأت في فترة حكم رئيس الوزراء السابق هي التي أوصلت الأمور إلى الطريق الراهن والذي يبدو وكأنه مسدود. ولكن ليس هناك من طريق مسدود وعلينا سلوكه، إنه طريق الحوار والحل السلمي الديمقراطي لكل المشكلات العالقة، ولا يمكن لطبول الحرب أن تعالج المشكلة بل لتدق أجراس السلام في كركوك وفي كل العراق.
لنرفع جميعاً شعار السلام وليس الحرب الطريق لحل المشكلات العالقة.
لتخرس كل الأصوات الناعقة والداعية للحرب والموت والدمار، ليخرس كل المتطرفين والمتشددين والشوفينيين في الطرفين.     
     

2
د. كاظم حبيب
هل شاخ الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني أم تخلى عن مبادئ الاشتراكية؟
لم يعد طرح هذا السؤال غريباً عن الأوساط السياسية والشعبية بألمانيا: هل شاخ الحزب الاشتراكي الألماني، أم أنه قد تخلى عن مبادئه الأساسية التي تشكل المضمون الأساسي للاشتراكية، أم شاخت قيادته وكوادره وخطابها السياسي؟ ولم تترك الصحف الألمانية الكبيرة والمعروفة عن نشر المقالات والنقد لهذا الحزب وطرح الكثير من الأسئلة التي تصب بنفس الوجهة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر جريدة الوقت الأسبوعية Die Zeit، أو جريدة برلينر تسايتونگ Berliner Zeitung ، أو جريدة نويس دويتشلاندNeues Deutschland   اليسارية، أو جريدة فرايتاگ. Freitag  كما إن هناك أسئلة أخرى تثار منها مثلاً: لماذا يطرح مثل هذا السؤال منذ سنوات؟ ولماذا لا يلقى صدى ورد فعل إيجابي من جانب قيادة هذا الحزب، وهم يرون كيف تتراجع شعبية حزبهم؟ نحاول في هذه المقالة تقديم رؤية اجتهادية للعوامل الكامنة وراء هذه الظاهرة وبشكل مكثف.
تشير المعطيات المتوفرة عن النتائج التي حققها الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني في عدد من الدورات الانتخابية للبرلمان الاتحادي منذ العام 1949 حتى العام 2017 إلى اللوحة الأتية لعدد منها:

Vgl.: Bundestag.de, Ergebnisse der Bundestagswahlen.
وإذا كانت النتائج في الدورات الانتخابية خلال هذه الفترة الطويلة متقلبة من دورة إلى أخرى، إلا إنها لم تنخفض عن الثلاثين بالمئة إلا في العام 1949، ثم بدأت بالصعود والتقلب والتراجع المستمر منذ العام 2005 حتى الوقت الحاضر. وأسوأ النتاج ظهرت في الدورة الانتخابية لعام 2017. فما هي العوامل الكامنة وراء هذا الواقع بألمانيا؟ في ضوء الدراسات والمناقشات المنشورة يمكن تشخيص عوامل عدة عامة تشمل الأوضاع بألمانيا كلها، بل وأوروبا عموماً من جهة، وعوامل أخرى تخص أزمة الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني من جهة أخرى؟                                                 
فمنذ  منتصف الثمانينات من القرن الماضي، ولاسيما منذ انهيار النظام السياسي بالاتحاد السوفييتي ومعه النظم السياسية بأوروبا الشرقية، وكذلك ألمانيا الديمقراطية، وإقامة الوحدة الألمانية، تفاقم ممارسة الحكومات الألمانية المتعاقبة لاتجاه سياسي واقتصادي واجتماعي يميني، ووجد تعبيره في توجهات مماثلة داخل المجتمع الألماني. وإذا كان هذا التوجه قد بدأ منذ أوائل الثمانينيات من القرن الماضي بممارسة سياسات اللبرالية الجديدة التي انطلقت من الولايات المتحدة وبريطانيا وشملت العالم الرأسمالي كله ، تنامى أكثر فأكثر في العقد الأخير من القرن العشرين وفي أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وألمانيا الشرقية وتجلى في الانقضاض على المكاسب الاجتماعية التي تحققت خلال فترة الحرب الباردة بين المعسكرين وتقليصها، وفي التشدد مع طالبي اللجوء وإجراء تغييرات متشددة في القوانين والقواعد المنظمة للجوء، وكذلك في الموقف من وجود الأجانب بألمانيا. يضاف إلى ذلك بروز نهج متصاعد في الأوساط الشعبية مناهض للسامية أو لليهود، إذ بدا واضحاً في ارتفاع عدد الجنح والإساءات التي ترتكب في مقابر اليهود أو التحرش بهم.. الخ. "فبحسب التقرير الذي أعدته لجنة مكونة من خبراء عن معاداة السامية في ألمانيا، يساور اليهود في ألمانيا قلق على أمنهم بشكل متزايد بسبب التجارب اليومية المعادية للسامية. لذا طالبت مجموعة الخبراء الذين تم تعيينهم من جانب البرلمان الألماني "بوندستاج" بتحسين سبل تسجيل الجرائم المعادية للسامية والمعاقبة عليها وكذلك تعزيز خدمات تقديم المشورة لضحايا معاداة السامية، ولكن الخبراء حذروا في الوقت ذاته من التسرع في الاستنتاجات. وجاء في التقرير أنه على الرغم من أن معدل الآراء المعادية للسامية بين الشباب ذوي الخلفية المجتمعية المسلمة يزيد على ما هو عليه بين غير المسلمين، وعلى الرغم من أن المهاجرين الوافدين بصفة خاصة من دول عربية وشمال أفريقية يميلون لمعاداة السامية، فإن المسلمين الأكبر عمرا وغير المسلمين يختلفون عن ذلك قليلا. وأفترض الخبراء وجود نحو 20 بالمئة من معاداة السامية الكامنة داخل المواطنين الألمان بشكل إجمالي." (راجع: يهود ألمانيا يشعرون بالتهديد من تزايد العداء للسامية بين المسلمين، تقرير، نشر في موقع المصراوي في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2017). وجاء في تقرير عن معاداة اليهود في الحياة اليومية بألمانيا نشر على موقع دويتشة فيلة DW ما يلي: "وصف الحاخام دانييل ألتر تعرض اليهود لشتائم وإهانات وحتى لاستخدام العنف ضدهم، بأنه "أمر عادي كليا في ألمانيا"، مشيرا إلى أن حوالي ثلث الألمان معادون لليهود. ويضيف: "معاداة اليهود ظاهرة منتشرة في جميع فئات المجتمع". وأصبحت هذه الظاهرة "مقبولة اجتماعيا"، كما يقول ألتر الذي تولى في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي منصب مفوض الجماعة اليهودية في برلين لشؤون مكافحة معاداة السامية." (نشر بتاريخ 04/02/2017، وأخذ المقتطف بتاريخ 10/10/2017). 
أما بالنسبة لمعاداة الأجانب فقد أظهرت نتائج استطلاع للرأي أعده محاضرون في جامعة "لايبزيج" الألمانية، زيادة عداء الألمان تجاه المسلمين واللاجئين والغجر خلال العام الحالي (2016)، بنسبة تفوق نظيرتها خلال عامي 2011 و2014.  فتتراوح نسبة الرافضين للأجانب بألمانيا بين 40-45% في العام 2016." كما "أعرب 50% من المشاركين في الاستطلاع عن شعورهم بأنهم غرباء في بلدهم بسبب المسلمين في البلاد، في حين كانت النسبة 36،6%  عام 2014، و26،1% في 2011". (راجع: استطلاع: ارتفاع نسبة العداء ضد المسلمين واللاجئين بألمانيا خلال 2016، تقرير نشر في موقع فيتو Veto، في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2017).
تقترن هذه الظواهر السلبية، سواء أكانت بألمانيا أم بالاتحاد الأوروبي عموماً وخلال السنوات العشرين المنصرمة، بأزمة الديمقراطية التي تعاني منها ألمانيا وكذا الاتحاد الأوروبي، ولاسيما في العلاقة بين الفرد والمجتمع من جهة، والحكومة والأحزاب السياسية والبرلمان والحكومات المحلية ومجالسها من جهة أخرى، وتراجع شديد في مصداقيتها بين أوساط المجتمع. وفي ذات الوقت تنامي دور القوى والأحزاب اليمينية ونشاطاتها في المجتمع ودخولها في المجالس المحلية وفي مجلس النواب الألماني. وفي الانتخابات الأخيرة مثلاً فاز الحزب اليميني الراديكالي المسمى „البديل لألمانياAlternative für Deutschland " (AfD) بنسبة تصويتية عالية بلغت 12,6% في انتخابات عام 2017 في حين لم يحز في انتخابات عام 2013 أكثر من 4,7% والتي لم تؤهله الدخول في البرلمان الاتحادي الألماني، إذ لم يحصل على النسبة المحددة دستورياً، وهي 5%. وولكن ما هي أسباب هذه الظواهر السلبية؟ فيما يلي محاولة تشخيص بعض المشاكل التي تدفع بهذا الاتجاه اليميني في المجتمع الألماني:
** ضعف العلاقة بين الفرد والمجتمع من جهة، والسلطة السياسة والبرلمان الاتحادي والمجالس المحلية من جهة أخرى وتراجع في استشارة الشعب في معالجة مشكلاته واعتماد التمثيل النيابي مع تقلص شديد في العلاقة بين النائب وناخبيه خلال الدورة الانتخابية وعدم الانتباه لحاجاته والتغيرات الطارئة على المجتمع الألماني.
** اتساع الفجوة (المقص) بين الأغنياء والفقراء بألمانيا، بين أغنى الأغنياء وأفقر الفقراء، بحيث أصبحت الصحف الألمانية، حتى اليمينية والمحافظة منها، تشكو من هذه الظاهرة وتخشى من عواقبها. فقد أشار النائب اليساري گريگوري گيزي إلى أن 10% من السكان يملكون 61% من صافي الثروة لعام 2011 بألمانيا«، وأن عدد أصحاب اليورو المليارديرية بألمانيا بلغ 830 ألف في العام 2012 بعد أن كان 720 ألف في العام السابق له، أي بزيادة قدرها 110 ألف ملياردير في سنة واحدة رغم الأزمة التي تلف العالم الرأسمالي". والاتجاه في ارتفاع مستمر. ويؤكد ذلك ما يشار في الصحافة إلى ارتفاع في عدد المليارديرية والمليونيرية من جهة، وارتفاع مستمر في عدد الذين يقعون تحت خط الفقر المحدد لدول متقدمة مثل ألمانيا، وازدياد عدد الأطفال الذين يعانون من فقر عائلاتهم. فقد بلغت نسبة الفقراء في العام 2005 (14,7%) من مجموع السكان، وارتفعت هذه النسبة في الأعوام اللاحقة لتصل في العام 2017 إلى (15,7%)، أو ما يعادل 12,9 مليون نسمة في هذا العام. (راجع 2016 و2017(Zeit online. تعتبر العائلة الألمانية فقيرة حين يكون دخل المرأة أو الرجل مع طفل لا يزيد عن 970 يورو في الشهر، وعن 1097 يورو مع طفلين شهرياً، والفقير هو من يقل دخله الشهري 60% عن متوسط دخل الفرد. (ceco.de,Armutgrenze: (   
** اتساع الفجوة في مستوى معيشة الفئات الاجتماعية, وارتفاع نسبة التضخم السنوية، ولكن بشكل خاص ارتفاع إيجارات السكن، بسبب المضاربات بالعقار ودور السكن، ونقص كبير ف عرض الشقق المخصصة للعائلات التي تستحق المساعدة الاجتماعية، وضعف الاستثمارات الحكومية والخاصة الموجهة لهذا الغرض. وهذه الزيادة تجهز على نسبة ارتفاع المدخولات لذوي الدخل المحدود مما يقلص من صافي الدخل المتحقق لهم ويسمح بتراجع مستوى معيشة هذه الفئات الفقيرة ومحدود الدخل من المجتمع. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع في عدد المشردين وبدون مأوى والمحتاجين إلى المساعدة الاجتماعية.
** ومع تقلص عدد العاطلين عن العمل خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغت في نيسان/أبريل من العام 2017 نسبة قدرها 5,8%، إلا إنها ما تزال عالية بين الأجانب، وبشكل خاص بين القادمين الجدد الذين لا يجدون عملاً لهم، مما يدفع بالبعض الكثير منهم إلى بيع جسده في سوق العهر الألماني غير الرسمي. فأخر تقرير نشر في جريدة برلينر تسايتونگ يوم 09/10/2017 أشار إلى ما يلي:" من يتمشى في البارك الكبير لمنطقة تيرگارتن ببرلين سيصطدم بظاهرة غريبة صبية قاصرين وشباب من اللاجئين يبيعون جسدهم بين أشجار البارك لقاء نقود قليلة. وأغلب هؤلاء اللاجئين جاءوا من أفغانستان وباكستان وإيران". (Berliner Zeitung, Nr. 235, Montag, 09.10.2017; S. 17)، علماً بأن هذه الظاهرة لا تقتصر في وجودها على برلين بل هناك تقارير تشير إلى انتشارها في محافظات ألمانية أخرى.
** ضعف سياسة الاندماج الاجتماعي للأجانب عموما ومنذ السبعينيات من القرن الماضي، ولم تتحسن كثيراً رغم النقد الموجه للحكومة بهذا الخصوص، ولكن وبشكل خاص أولئك الذين بدأوا يفدون إلى المانيا كلاجئين خلال الفترة 2015-2016 بسبب الحروب في الشرق الأوسط وغرب أسيا والأوضاع السيئة للكثير من المجتمعات في أفريقيا. وقد استقبلت ألمانيا مئات الآلاف من اللاجئين إليها خلال عامي 2015 و2016 بحيث عجزت أجهزة الإدارة تنظيم القادمين، وتوفير الظروف المناسبة لهم، مما أدى إلى ارتفاع مستوى التذمر في صفوف المجتمع واستخدم بنذالة من قبل القوى اليمينية واليمينية المتطرفة ضد السياسات الحكومية وضد الأجانب أيضاً.     
** التراجع الشديد في معالجة المشكلات الاجتماعية المتزايدة بألمانيا بسبب غياب برنامج على صعيدي أوروبا وألمانيا لهذا الغرض، مما ساهم في بروز فجوة متسعة في مستوى المعيشة والامتيازات وفي المعالجة الطبية وفي التعليم ورياض الأطفال ...الخ. وقد بدأت الصحافة تنشر معلومات غير قليلة عن غياب المساواة في مجالي التعليم والصحة ووجود مستويين متمايزين للأغنياء وللفقراء.   
** ومن الجدير بالإشارة إلى إن الأحزاب المحافظة واليمينية، في محاولة منها لوقف تقدم القوى اليمينية المتطرفة، تحاول أن تنافسها، بل وتتجاوزها في بعض الأحيان، في طرح الشعارات اليمينية التي لا تضعف التوجه اليميني في المجتمع بل تعززه، ويستفيد منه اليمين المتطرف.     
أما على صعيد الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني فأن الكثير من الدراسات والمقالات ومتابعتنا الشخصية لأوضاع هذا الحزب تؤكد تأثير عوامل مهمة تتسبب في ضعفه والتي يمكن بلورتها فيما يلي:
1. من حيث المبدأ لا يعتبر أي حزب سياسي هدفاً بذاته، بل هو وسيلة أو أداة لتحقيق أهداف الجماعة التي تشكل هذا الحزب أو ذاك، والتي بدورها تعبر أو تسعى للتعبير بهذا القدر أو ذاك عن مصالح فئة أو فئات اجتماعية بعينها. وبالتالي فالأحزاب كوسيلة لا تشيخ، بل بمرور السنين تتراكم لديها الخبرة والتجربة والدروس التي يمكن أن تنفع قيادات الأحزاب وأعضائها في وضع استراتيجياتها وتكتيكاتها. إلا إن من يشيخ في الأحزاب هي القيادات التي لا تتغير لسنوات طويلة ولا تتطعم باستمرار بدماء شابة جديدة ممتلئة حيوية ودفقاً جديداً وقادرة على تقديم مبادرات تسهم في تجديد وتوسيع وتطوير علاقة الأحزاب بالواقع وبالحداثة والمجتمع، ولاسيما الشباب من الذكور والإناث، وتحمل معها تطلعات الشباب وحاجاتهم، وتتخلص من خطابها القديم الذي ربما بلى وتخشب. وإذا حاولنا رؤية ما جرى ويجري في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني خلال العقود الثلاثة الأخيرة فيمكن القول بأن هذه القيادة لم تعرف التجديد الضروري في قوام القيادة وفي توزيع المسؤوليات في الحزب والبرلمان وفي المسؤوليات الحكومية على مستوى المركز والمحافظات، وبالتالي حافظ كبار السن على مواقعهم الأساسية ورفضوا بعناد التنازل عنها لمن هم من أصغر سناً منهم، دع عنك الشبيبة. وهذه المعاناة جعلت الحزب يبدو وكأنه قد شاخ فعلاً، في حين أن الشيخوخة قد شملت القيادة والكوادر وأساليب وأدوات العمل والخطاب السياسي.
2. والمسألة الأكثر تأثيراً على علاقة الحزب الديمقراطي الاجتماعي بأوساط الشعب وأصحاب الدخل المتوسط والمحدود وجمهرة المثقفين تبرز في تخلي الحزب عن عدد من المبادئ الأساسية التي التزمت بها أحزاب الأممية الثانية وميزتها عن الأحزاب البرجوازية بألمانيا وعموم أوروبا، رغم وجود تباين جوهري بين أحزاب الأممية الثانية في فترة تشكيلها ولسنوات طويلة لاحقة، وبين أحزاب الديمقراطية الاجتماعية للفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، ولاسيما في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومساوماتها مع البرجوازية الكبيرة في بلدانها. وأبرز ما لوحظ على هذا الحزب بألمانيا هو تراجعه عن الدعوة الجادة والعمل الفعلي لصالح مبدأ العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة، والعمل على تحقيق المساواة بين المواطنين، وضعف دور المرأة في الحزب وقياداتها والمساواة بينها وبين الرجل في الكثير من جوانب الحياة ومنها الأجر مقابل العمل نفسه. يضاف إلى ذلك استمرار التمايز بين شرق ألمانيا وغربها رغم مرور 30 عاماً على قيام الوحدة الألمانية والذي يبرز في الرواتب التقاعدية ورواتب الموظفين وفي الأجور وبين المرأة والرجل في غير صالح شرق ألمانيا، وكذلك في بطء تطور الشرق مما يؤدي إلى انتقال الكثير من الشبيبة إلى غرب ألمانيا لنقص في فرص العمل وارتفاع حجم البطالة.
3. كما برز بوضوح ضعف اهتمام الحزب الديمقراطي الاجتماعي بالمشكلات الاجتماعية التي تواجه المواطن والمواطنة بألمانيا وعلى المستوى الأوروبي، وضعف برنامجه في هذا المجال، وبشكل خاص بالنسبة للطبقة العاملة صغار المنتجين وأصحاب المحلات الفردية والفئات الأكثر فقراً في المجتمع. وبهذا ترك الحزب هذه الفئات تواجه استغلال متفاقم من جانب كبار الرأسماليين والاحتكارات الرأسمالية المحلية والدولية، ومضاعفة أرباحها، في حين تعاني الفئات الفقيرة من شظف العيش وتراجع مكاسبها الاجتماعية.
4. وفي فترة التحالف بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي وحزب الخضر برئاسة المستشار گيرهارد شرودر مستشاراً لألمانيا نفذ  ما أطلق عليه بـ "اجندا 2010" التي اعتبرت عملية إصلاح النظام الاجتماعي وسوق العمل بألمانيا والذي ألحق اضراراً فادحة بالفئات الفقيرة والعاملة وذوي الدخل المحدود ...الخ والتي رفضت من أغلب سكان المانيا ورحبت به الفئات المالكة لوسائل الإنتاج والاحتكارات الكبيرة، وكانت له عواقب سلبية على سمعة وشعبية الحزب الديمقراطي الاجتماعي وحزب الخضر في آن. 
5. إن التحالف بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني والحزبين الديمقراطي المسيحي والاجتماعي المسيحي منذ العام 2005، والذي استمر حتى انتخابات عام 2017، قد أضعف تأثير الحزب في سياسة الدولة الألمانية وأضعف مصداقيته لدى أوساط الشعب الألماني، وبالتالي كانت النتيجة رفض المجتمع لمثل هذا التحالف بين الحزبين الكبيرين الديمقراطي الاجتماعي والديمقراطي المسيحي المتحالف مع الحزب الاجتماعي المسيحي، من خلال تراجع القوة التصويتية لهذه الأحزاب في الدورة الانتخابية لعام 2017.     
6. إن هذه الحقائق تؤكد بأن الحزب الديمقراطي الاجتماعي قد خضع لقوى الجناح اليميني في الحزب والمجتمع في صياغة أهدافه وشعاراته وفي ممارساته اليومية، مما أضعف القوى اليسارية فيه وفي المجتمع، وتجلى ذلك في استعداده للمساومة والموافقة على الكثير من سياسات الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الاجتماعي المسيحي التي لم تحظ بتأييد المجتمع وكانت سلبية، سواء أكان ذلك في موضوع الحد الأدنى للأجر، أم بصدد نسبة الضرائب التي يفترض أن تفرض على كبار الشركات الرأسمالية الاحتكارية وكبار الرأسماليين، أم بصدد زيادة الراتب التقاعدي للمتقاعدين وتحول الكثير منهم إلى حالة الفقر رغم عملهم الشاق لعقود عديدة، أو الموقف من تصدير المزيد من الأسلحة إلى الدول النامية ومناطق النزاع الساخنة وإلى النظم الرجعية والمعادية للديمقراطية ... الخ.
7. ورغم بروز فرصة تشكيل تحالف سياسي بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي وحزب اليسار وحزب الخضر لتشكيل الحكومة الاتحادية في ضوء نتائج انتخابات سنة 2013، رفض الحزب الديمقراطي الاجتماعي تشكيل الحكومة، ودخل في تحالف مع الحزبين المسيحيين، مما أفقد المجتمع الألماني فرصة تحقيق التغيير النسبي المنشود في السياسات الألمانية على الصعد المحلية الأوروبية والدولية. وقد عوقب هذا الحزب في العام 2017 بتراجع نسبة المصوتين له وبخسارة أكثر من خمس نقاط، في حين ارتفع رصيد حزب اليسار وحزب الخضر وعدد المصوتين لهما نسبياً.   
من هنا يمكن القول بأن الحزب الديمقراطي الاجتماعي لم يشخ، بل الشيخوخة شملت قيادته التي عشقت الكراسي على حساب مصالح المجتمع، ولاسيما الفقراء منهم، وتخليه عن الجوهري من المبادئ الاشتراكية ولاسيما العدالة الاجتماعية وفي تخشب خطابه السياسي والاجتماعي. ومن هنا حاول رئيس الحزب الجديد مارتين شولتزMartin Schulz ، الذي ورث القيادة من قائد الحزب اليميني سيغموند غابريل، أن يعيد الاعتبار لشعار الحزب المركزي "العدالة الاجتماعية" نظرياً، ولكنه أصبح رئيساً للحزب في وقت قصير قبل الانتخابات ولم يتسن له بلورة وطرح برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وبيئي متكامل يُظهر فيه الفوارق بين أهداف وسياسات حزبه الديمقراطي الاجتماعي وبين أهداف وسياسات اتحاد الحزبين المسيحيين المحافظ. كما بدأ بمحاولة تغيير في قيادة الحزب بعد ظهور نتائج الانتخابات مباشرة حين وضع وزيرة العمل السابقة ونائبة رئيس الحزب اندريا ناليس  Anderea Nahles رئيسة للكتلة البرلمانية الاتحادية للحزب في البرلمان الاتحادي الألماني، وهي السيدة التي تقود الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني، وبالتالي فهو بذلك أعطى دفعة أولي جديدة نحو اليسار، إذ ربما يتبلور بشكل أفضل في مؤتمر الحزب القادم. ولا بد من الإشارة بأنها ولأول مرة في تاريخ هذا الحزب تنتخب امرأة لقيادة الكتلة البرلمانية الديمقراطية الاجتماعية في البرلمان الاتحادي منذ تأسيس الدولة الألمانية الاتحادية عام 1949.     
وفي ضوء نتائج الانتخابات ومن أجل بذل محاولة استعادة الحزب الديمقراطي الاجتماعي لتوازنه وعلاقته بالمجتمع والطبقة العاملة والفئات المتوسطة والفقيرة من خلال تأكيد جوهر مبادئه الاشتراكية والسعي لاستعادة تأييد مزيد من بنات وأبناء الشعب الألماني له باعتباره حزب شعبي، ومن أجل تمييز نفسه عن الاتحاد المسيحي الديمقراطي، رفض الحزب المشاركة في الحكم التي جلبت للحزب والمجتمع الكثير من المشكلات، في تحالف مع الاتحاد المسيحي، وقرر البقاء في المعارضة إلى جانب حزب اليسار. وتحاول السيدة ميركل تأليف حكومة جديدة تتشكل من أربعة أحزاب هي الديمقراطي المسيحي والاجتماعي المسيحي والديمقراطي الألماني الحر (اللبرالي) وحزب الخضر. ويطلق على هكذا تشكيلة بتحالف جامايكا لأنه ألوان هذه الأحزاب هي الألوان التي يتشكل منها علم جامايكا: أسود وأصفر وأخضر. وسوف لمن يكون سهلاً تشكيل مثل هذه الحكومة، وستبذل الكثير من الجهود والمساومات المتابدلة لتشكيلها إذ بدون ذلك لا بد من إجراء انتخابات جديدة، إذ أعلن الحزب الديمقراطي الاجتماعية المشاركة مع الاتحاد المسيحي في تشكيل الحكومة بأي حال من الأحوال.   
ومن الممكن ان يبدأ تعاون جديد بين القوى اليسارية بألمانيا بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي والحزب اليساري لا في مواجهة الحكومة الجديدة من تحالف القوى المحافظة بشكل عام، بل وبمواجهة حزب البديل لألمانيا، وهو حزب يميني متطرف معادٍ للأجانب وضد قبول اللاجئين بألمانيا وشعاره "ألمانيا للألمان: وضد "أسلمة المانيا!"، وهو حزب شديد المحافظة ويجد التأييد من النازيين الجدد والقوى اليمينية المتطرفة المماثلة له، ومن تلك الحركة بگيدا ( PEGIDA) (Patriotische Europäer gegen die Islamisierung des Abendlandes) (مواطنو أوروبا ضد اسلمة الغرب) التي رفضت قبول اللاجئين بألمانيا وتظاهرت على مدى ثلاث سنوات ضد الأجانب. وقد حصل حزب البديل لألمانيا على عدد كبير من الأصوات أخذها من المصوتين السابقين لبقية الأحزاب باعتباره حزبا احتجاجيا ويمينياً متطرفاً، وحصل على أصوات بشكل خاص من اتحاد الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الاجتماعي المسيحي، ولكنه انتزع أيضاً جمهرة كبيرة من مؤيدي الحزب الديمقراطي الاجتماعي وحزب الخضر وحزب اليسار.
إن الفترة التي سيكون الحزب الديمقراطية الاجتماعي فيها في المعارضة سيبرز ما إذا كان قادراً على تجديد قيادته وتحديث أهدافه وسياساته والدفع باتجاه اليسار لمقاومة الدفع بالاتجاه الميني الذي سيحكم الحكومة الاتحادية القادمة ونشاط القوى اليمينية المتطرفة.
10/10/2017
       

3
كاظم حبيب
السياسات المحمومة لدول الجوار والوضع بكردستان العراق!!
يسعى النظامين التركي والإيراني إلى تصعيد التوتر على الحدود العراقية التركية والعراقية الإيرانية والتهديد باتخاذ إجراءات عقابية ضد الشعب الكردي بهدف خسيس هو تجويع هذا الشعب بغلق الحدود ومنع تصدير النفط أو إيصال شحنات الغذاء وغيرها إلى الإقليم بهدف محاصرته من كل الجهات. هذا الموقف العدواني الذي يحمل في طياته الكثير من الروح العنصرية والاستبداد والظلم يعبر عن طبيعة النظامين في البلدين الجارين وعن طبيعة الحكام في هذين البلدين الذين لا يرعون حرمة ويتدخلون في الشأن العراقي بوقاحة بالغة وكأنهم يتحدثون عن العراق أو كردستان وكأنهما أقضية ومحافظات تابعة لهما يعملون فيها وضدها ما يشاءان. هذا الموقف المتعجرف والعدواني ليس غريباً عمن يزج بعشرات الآلاف من الناس الأبرياء في المعتقلات ويسلط عليهم شتى أنواع التعذيب الهمجي، كما يحصل بتركيا منذ العام المنصرم حتى الآن، أو ما يضمه سجن إيفين وغيره من معتقلي الرأي والعقيدة والموقف السياسي منذ الثورة المسروقة في العام 1979 بإيران حتى الآن. وقد تناغم مع هذا الموقف العدواني مجلس النواب العراقي، لأنه لا يمتلك حريته بل هو خاضع في أكثريته "المسلمة!" لإرادة إيرانية شريرة، وإلا لما اتخذ المجلس النيابي تلك الإجراءات الشرسة التي طالبت حكومة بغداد بتنفيذها، والتي بدأ بعضها بالتنفيذ الفعلي كما جرى في غلق مطاري أربيل والسليمانية.
لم نخف عن القيادات الكردستانية، ولاسيما الحزبين الحاكمين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، رأينا في سياسات الإقليم منذ سنوات وتحالفاته السياسية، سواء تم ذلك عبر مقالات منشورة في الصحف والمواقع العراقية، أم عبر رسائل شخصية أم باسم التجمع العربي لنصرة القضية الكردية، حين كنت أمينها العام، أم عبر لقاءات مباشرة خاصة وعامة وانتقدنا بعض تلك السياسات التي وجدناها لا تنسجم مع أهمية دعم النضال في سبيل الديمقراطية على صعيد كردستان والعراق كله، أم بصدد القوانين التي تصدر عن مجلس النواب العراقي التي كان التحالف الكردستاني يؤيدها وهي في غاية السوء وفي غير مصلحة الدولة الديمقراطية وحرية الصحافة أو الأحزاب أو الانتخابات أو حتى حول العلاقات المتوترة بين القوى السياسية بكردستان العراق ذاتها. وغالباً ما اصطدمنا بأذن غير صاغية على أهمية ما كنا نورده كأصدقاء مخلصين للشعب الكردي ولحقه في تقرير مصيره. حتى شعرنا بأن الأخوة لم يعودوا يرتاحون لرسائلنا وملاحظاتنا أو لنقل بوضوح نقداتنا للوضع، علماً بأننا لم نقصر أبداً في نقد وتشريح سياسات الحكم ببغداد، ولاسيما رئيس الوزراء السابق الذي أغرق العراق بالدم والدموع، وخاصة محافظات الأنبار وصلاح الدين وديالى ومحافظة نينوى، بسبب سياساته الطائفية اللعينة. وحين دعينا إلى اجتماع بالسليمانية لإبداء الرأي حول الاستفتاء لم نبخل على المسؤولين الكرد برأينا حرصاً منّا على سلامة الفيدرالية وما تحقق فيها من منجزات عمرانية لم تعتمد التنمية والاستثمار والتشغيل الإنتاجيين، وحرصاً على تقدمها وتطورها وحذرنا من العواقب المحتملة لإجراءات بعينها لم ينضج ظرفها المناسب، رغم إنها حق من حقوق الشعب الكردي وكردستان العراق. وكانت خشيتنا تأتي من معرفتنا بطبيعة النظام العراقي الطائفي الذي يرفض في حقيقته حق تقرير المصير للشعب الكردي، وكذا الأحزاب الإسلامية السياسية، الشيعية منها والسنية، على حد سواء، أولاً وخشيتنا من دول الجوار التي تخشى من التجربة الكردستانية بالعراق وانتقالها إلى كردستان إيران وكردستان تركيا أو إلى الكرد بسوريا ثانياً. وهي لا تختلف كثيراً في طبيعتها عن النظام العراقي الطائفي، إذ لا ترفض الفيدرالية ببلدانها فحسب، بل وترتعش من ذكر كلمة الفيدرالية أو سماع كلمة حق الشعب الكردي في تقرير مصيره، وكأنها لسعت من حية سامة قاتلة. إنه الموقف القومي الشوفيني الذي يرى لأتباع قوميته كل الحقوق، ويرفض ذات الحقوق للشعوب الأخرى!
لقد طرحت سؤالاً منطقياً بالسليمانية بدا مزعجاً للبعض من الأخوة مفاده: وماذا بعد الاستفتاء؟ اشعر اليوم وأكثر من أي وقت مضى بأهمية وضرورة الإجابة العقلانية عن هذا السؤال من جانب حكومتي أربيل وبغداد، ولا بد من أخذ الواقع العراقي والإقليمي والدولي بنظر الاعتبار. علينا أن نعي إن دول العالم، ولاسيما الكبرى منها، لا تعرف الصداقة بين الدول، بل تعترف بالمصالح فقط، حتى لو كانت لديها قواعد عسكرية ومصالح معينة بالإقليم، فأن مصلحتها مع تركيا العضو في الأطلسي، رغم تحالفها مع إيران الذي لا ترتاح له دول حلف الأطلسي، أكبر بكثير من مصلحتها بالإقليم رغم جوار الإقليم لإيران وأهمية وجود قواتها على الحدود الكردستانية العراقية-الإيرانية. لقد خذلت الولايات المتحدة والدول الغربية وإسرائيل الشعب الكردي في العام 1975 حين تم توقيع اتفاقية العار في الجزائر من قبل نظام البعث والنظام الشاهنشاهي الإيراني وبمباركة تلك الدول. وحينها صدر قرار عن الحزب الديمقراطي الكردستاني أشار إلى أهمية التعلم من هذه التجربة القاسية وما حصل من نزع لسلاح البيشمركة وتسليمها لإيران وما اعتبر نكسة كبيرة للثورة الكردستانية. ومثل هذا الموقف يمكن أن يتكرر من جانب ذات الدول حين تجد مصلحتها في ذلك، وأتمنى ألَّا يحصل أبداً ما حصل في العام 1975 وسنناضل مع الشعب الكردي لكيلا يحصل ذلك. ولكن لا بد من التعلم من دروس الماضي في وضع السياسات الصائبة والمدروسة وغير المرتجلة أو العفوية في هذه المرحلة المعقدة من تاريخ الشعب الكردي بكردستان العراق وتاريخ العراق وقومياته عموماً.
أكرر مرة أخرى وأخرى بأن حل المشكلات القائمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، سواء أكان قبل أم بعد الاستفتاء، يجب ألَّا يعالج بالقوة والعنف والسلاح وسفك الدماء، بل بالحوار السلمي والديمقراطي وبالمرونة المطلوبة لصالح الشعبين وبقية القوميات بكردستان والعراق كله. إن التفاوض السلمي والديمقراطي هو الأداة الوحيدة والناجعة لحل كل ما هو عالق، مع قناعتنا بما يمكن أن يصاحب ذلك من عثرات وانقطاعات وتوترات بسبب من يسعى لإشعال النيران، كما يفعل اليوم رئيس الوزراء السابق ورهطه في تصريحاته وخطبه السيئة الصيت. وللعراق تجارب غنية ومريرة في حل المعضلات عبر الحروب وخاصة مع الشعب الكردي.               


4
كاظم حبيب
الموقف من الاستفتاء في إقليم كردستان العراق
لقد أجرى الكرد استفتاءً شعبياً في إقليم كردستان العراق، وكذلك في المناطق المتنازع عليها في كل من كركوك وديالى ونينوى. وكانت النتيجة واضحة إلى جانب الاستقلال. لم يكن يتوقع أي إنسان عاقل أن يكون التصويت بغير ذلك. ولكن عملية إجراء الاستفتاء وتوقيتها جرى الاختلاف بشأنهما بالعراق والعالم، عدا دولة إسرائيل التي أيدت الاستفتاء. كما اختلفت مواقف القوى السياسية العراقية بشأن الاستفتاء قبل البدء به وبعد النتيجة التي أظهرها الاستفتاء، بين من عمل بحقد وكراهية على التصعيد وإعلان الحرب الكلامية والدعوة لتجويع الشعب الكردي، وبين من أشار إلى خطأ هذا الاستفتاء وضرورة إلغاءه، كما طالبت قوى سياسية بحل المعضلة بالطرق السلمية والتفاوضية والعودة عن اعتبار الاستفتاء في المناطق المتنازع عليها أمراً محسوماً، لما يمكن أن يجر من مشكلات على العراق عموماً والمناطق المتنازع عليها وإقليم كردستان العراق. لقد حصل الاستفتاء وعلى المجتمع العراقي تلافي تداعياته وما يسعى إليه أعداء الشعوب التي يمكن أن تغرق العراق بالفوضى والدماء والدموع.
وكان أكثر النافخين ببوق الحرب والعدوان رئيس الوزراء السابق والقائد العام للقوات المسلحة حينذاك، السياسي الذي في فترة حكمه تسلمت عصابات داعش مدينة الموصل ومن ثم محافظة نينوى كلها على طبق من ذهب ودون قتال، بل باستسلام وهروب مريعين. إذ دعا إلى مقاطعة شاملة لكردستان والتنسيق مع تركيا وإيران ضد الإقليم لتجويع الشعب الكردي. كما كان وراء القرارات القاسية والظالمة التي صدرت عن مجلس النواب العراقي التي تطالب الحكومة العراقية ورئيسها بتنفيذ تلك القرارات المجحفة بحق الشعب الكردي، والتي تؤكد فرض الحصار جواً وبراً وغلق المطارات بأربيل والسلمانية ...الخ. وجرى التهديد باستخدام القوة والسلاح لكسر شوكة الشعب الكردي، وهو أمر مرفوض وشجبته الحوزة الدينية بالنجف في خطبة لوكيل السيد علي السيستاني، إذ دعا إلى الحوار والتهدئة لمعالجة المشكلة.
وعلى شاكلة نوري المالكي وتصعيده سار المماثل له في الشوفينية والتطرف الديني والمذهبي رجب طيب أردوغان، الذي هدد الكرد بقطع الأرزاق من خلال غلق صنبور النفط المصدر ومنع الشاحنات المحملة بالغذاء من الدخول إلى كردستان عبر تركيا، إذ قال بالحرف الواحد: "لحظة ما نقرر إغلاق الصنبور سينتهي الأمر، سيتم إزالة كل دخولهم، لن يجدوا أكل وشرب لحظة منع الشاحنات عن شمال العراق..". راجع فيديو خطاب أردوغان في موقع Yeni Safak)
ولم يكن موقف الحكومة الإيرانية بأفضل من ذلك، بل أقدمت، على المناورات العسكرية على الحدود العراقية الإيرانية، كما فعلت تركيا، وبدأ التهديد بممارسة ذات السياسة والنهج الشوفينيين والطائفيين المتطرفين. كل هؤلاء يقفون في صف المناوئين لحقوق الشعب الكردي وحقه في تقرير مصيره في أقاليمهم، وبعكس دول العالم التي تؤيد تلك الحقوق، ولكنها اختلفت في الموقف من وقت وأسلوب إجراء الاستفتاء حيث طالبت بتأجيله.
إن العقلاء والديمقراطيين العراقيين والعراقيات من العرب والكرد وغيرهم، وليس المجانين والمهوسين بالشوفينية والطائفية الذين اجتمعوا يوم أمس (04/10/2017) بطهران ليقرروا اتخاذ إجراءات قاسية مع بغداد ضد الشعب الكردي، سيعملون من أجل معالجة الموقف عن طريق التفاوض وحل المعضلات بالطرق السلمية والديمقراطية والعودة إلى اللحمة الاجتماعية التي تساعد على تطور العراق وتقدمه في ظل نظام سياسي مدني ديمقراطي علماني يرفض الشوفينية والعنصرية والطائفية السياسية، كما يرفض التمييز والتهميش والإقصاء ويعمل على تحقيق المصالحة الوطنية والتفاعل الإيجابي بين مكوناته القومية وأتباع دياناته ومذاهبه العديدة ويعترف بحق الشعب الكردي في تقرير مصيره بنفسه.
إن العراق يعيش تحت وطأة نظام سياسي طائفي محاصصي يرفض مبدأ المواطنة ويعتمد الهويات الفرعية المفرقة للصفوف والمعمقة لنهج التمييز والتهميش والإقصاء، تماماً كما حصل خلال السنوات الـ 14 المنصرمة والتي كانت ذروتها فترة حكم المصاب بالنرجسية المرضية والمهووس بالطائفية والكراهية لكل ما هو غير شيعي، رغم إن شيعيته تظهر في جيبه وليس في رأسه أو حبه لآل البيت، حيث أساء لأهل البيت أكثر من أي شخص آخر بالعراق بسبب السياسات التي انتهجها في فترة حكمه بين 2006-2014. لقد أصبح هذا الرجل دونكيشوت العراق بجدارة، فهو يحمل سيفه الخشبي ويمتطي دولة القانون ليجهز على كل العراقيين من غير الشيعة وكل الشيعة الذين يقفون بوجهه ويرفضون نهجه المدمر لوحدة العراق. وإذا كان ذلك الإسباني حالماً وواهماً بحرب ضد الطواحين الهوائية، فهذا الشوفيني والطائفي يحلم بحرب ضد كل المكونات الأخرى، وهو الأمر الذي يفترض أن ينتبه له كل من لم ينتبه لعواقب سياساته حتى الآن رغم الإبادة الجماعية التي تسبب بها بالموصل وسهل نينوى ضد الإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان وأهل الموصل السنة أيضاً الذين رفضوا التعامل مع عصابات داعش أو وجودها البغيض بمحافظة نينوى.     
إنها الدعوة لكل العراقيين الشرفاء العقلاء أن يمارسوا الضغط الكبير من أجل حل المشكلات القائمة مع رئاسة وحكومة الإقليم بالطرق السلمية والتفاوضية الديمقراطية وأن يمنحوا الوقت الضروري لتجاوز الوضع الراهن، والذي يتطلب حقاً إجراء تغيير جذري وحقيقي في حكم العراق لصالح الدولة المدنية الديمقراطية العلمانية وليس الدولة شبه الدينية المتطرفة القائمة حالياً. هذه الدولة التي كل حكامها لم يلتزموا دون استثناء لم يلتزموا حتى بالدستور الذي وضعه وأقسموا تنفيذه والدفاع عنه!!!


5
السيدة المصونة هيرو خان إبراهيم أحمد المحترمة
عائلة الفقيد المحترمة
السيدات والسادة أعضاء قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني المحترمون
أشارك الشعب الكردي الصديق خصوصاً والشعب العراقي عموماً الحزن والأسى بفداحة الخسارة الكبيرة التي أصيب بها بوفاة القائد الوطني الكردي والسياسي العراقي المتميز ورئيس الجمهورية العراقية السابق ورئيس الاتحاد الوطني الكردستاني السيد جلال حسام الدين الطالباني، الذي توفي يوم الثلاثاء المصادف 03/10/2017 بعد معاناة طويلة مع المرض، الذي أصيب به اثناء وجوده على رأس الدولة العراقية. إنها خسارة كبيرة وفي هذا الظرف العصيب الذي يمر بها العراق وإقليم كردستان العراق أن تفتقد البلاد شخصية محورية مثل السيد مام جلال الطالباني.
العزاء والسلوى لعائلة الفقيد الكبير ولشعبه الكردي والشعب العراقي الذي قدَّر فيه نهجه الوطني والتقدمي. كما إنه خسارة شخصية لي بسبب الصداقة الطيبة التي ربطتنا منذ العام 1956 حيث كنا موقفين في موقف السراي ببغداد. الذكر الطيب للفقيد الفاضل.
كاظم حبيب 


6
بلاغ صادر
عن اجتماع جمهرة من المثقفين العراقيين من العرب والكرد ببرلين في 30/09/2017
بتاريخ 30/09/2017 عقدت ببرلين ورشة عمل تداولية مفتوحة للجميع شاركت فيها مجموعة من المثقفات والمثقفين العراقيين من العرب والكرد المقيمين بألمانيا وممثلي تنسيقية التيار الديمقراطي ومنظمة الحزب الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي الكردستاني ومنسق لجنة المبادرة لتحريك ودعم التوجه صوب التعاون والتنسيق والتحالف بين القوى الديمقراطية العراقية ومن المستقلين، ناقشوا فيها مسألتين مهمتين تحظيان في المرحلة الراهنة باهتمام كبير في الساحة العراقية وبين عراقيي الخارج وهما:
1)   من أجل دعم جهود وحدة القوى المدنية والديمقراطية العراقية في النضال من أجل دولة مدنية ديمقراطية علمانية وضد نظام المحاصصة الطائفية في العراق.
2)   مناقشة ما ترتب من أوضاع سياسية وإجراءات في أعاقب انتهاء الاستفتاء في إقليم كردستان وفي المناطق المتنازع عليه.
وبعد مناقشات مستفيضة بشأن الفقرة الأولى اتفق المجتمعون برفع ما طرح من أفكار وملاحظات ومداخلات في ورشة العمل إلى المؤتمر الأول للقوى المدنية والديمقراطية والعلمانية العراقية المزمع عقده ببغداد في نهاية شهر تشرين الأول من هذا العام 2017. وهم يتمنون النجاح والتوفيق في الوصول إلى نتائج مهمة تشد لحمة القوى الديمقراطية في مواجهة الوضع الراهن والدفع باتجاه التغيير والخلاص من النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته التي ألحقت أضراراً فادحة بالوطن والمواطن.
وبصدد الفقرة الثانية بعد مناقشات مستفيضة وتبادل وجهات النظر بروح ديمقراطية واعية لأوضاع العراق والمنطقة والإقليم، توصل المجتمعون إلى النقاط التالية:
يرى المجتمعون ما يلي:
1.   للشعب الكردي الحق الكامل في تقرير مصيره بنفسه بما في ذلك حق الانفصال عن الدولة العراقية وإقامة دولته الوطنية المستقلة. كما من حقه ان يجري استفتاء حول الاستقلال ولا يتعارض ذلك مع الدستور العراقي أو القوانين الدولية.
2.   إلا إن المجتمعين يرون بأن إجراء الاستفتاء في هذه الفترة وبالارتباط مع الأوضاع الداخلية والإقليمية وبالأساليب التي تم اعتمادها لم يكن مناسباً. إلا إن الاستفتاء قد حصل وعبر الشعب الكردي عن رأيه في ذلك.
3.   اتخذ مجلس النواب العراقي والحكومة العراقية مجموعة من الإجراءات التي نعتقد بأنها خاطئة وتساهم في تشديد التوتر على الساحة العراقية المتوترة أصلاً وتضعف النضال ضد عصابات داعش لتحرير الأرض العراقية من دنسهم.
4.   ويرى المجتمعون ضرورة الابتعاد الكلي والمطلق عن استخدام السلاح في معالجة المشكلات القائمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق.
5.   ويؤكد المجتمعون لزوم التخلي الكامل عن خطاب إثارة الأحقاد والكراهية من جانب الجميع، وبشكل خاص في وسائل الإعلام والتصريحات المتشنجة، والتزام الدعوة إلى التهدئة والبدء بالتحري عن حلول للمشكلات القائمة.
6.   إبعاد دول الجوار عن التدخل في الشأن العراقي أو طلب دعمها لهذا الطرف أو ذاك، وعلى القوميات بالعراق أن تحل مشكلاتها فيما بينها وبالطرق التفاوضية السلمية والاستفادة من تجارب الماضي السيئة والمدمرة عند استخدام السلاح.
7.   استثناء الاستفتاء في المناطق المتنازع عليها، سواء أكان تصويت الأغلبية بـ "نعم" أم "لا"، مناطق كردستانية أو عراقية، بل تخضع للحوار وإعادة التصويت في فترة لاحقة وفي ظروف أكثر عقلانية. ومثل هذه الخطوة من شأنها أن تنزع فتيل التصعيد والاحتقان الراهنين في تلك المناطق وفي عموم الوضع السياسي المتوتر، والتي تسعى بعض القوى المعادية للشعب الكردي وعموم الشعب العراقي إلى تشديده، والعودة الجادة لتنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي بشأن المناطق المتنازع عليها لمصلحة الجميع.
8.   تنشيط النضال من أجل التغيير الجذري للحكم بالعراق والخلاص من النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته المذلة ودوره في تفتيت النسيج الوطني والاجتماعي للشعب العراقي، ومحاربة الفساد المستشري في كل مفاصل الدولة والمجتمع، ومكافحة الإرهاب الذي ما يزال يقتل المزيد من البشر ببغداد وغيرها من المدن العراقية.
9.   توحيد مواقف القوى الديمقراطية والعلمانية على صعيد الدولة العراقية، ومنها إقليم كردستان العراق، لمواجهة احتمالات التصعيد وعواقبه على العراق كله.
10.   وفي حالات الضرورة يمكن الاستعانة بالأمم المتحدة لتقريب وجهات النظر والمساعدة في حل المشكلات القائمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم.
وأبدى بعض الأخوة في ورشة العمل موقفاً لا يرى صواب اعتبار الاستفتاء في المناطق المتنازع عليها ملغياً، بل ساري المفعول عليها أيضاً، مع البدء بالحوار غير المشروط لمعالجة المشكلات القائمة بين الطرفين.
برلين في 30/09/2017



7
كاظم حبيب
من يروج للحلول العسكرية والتجويع والتشدد بالعراق؟
لم أجد إجراء الاستفتاء ضرورياً، إذ وجدت فيه تصعيداً للخلافات الدائرة في العراق أولاً، وحرفاً فعلياً لمجرى الصراع المتنامي بين القوى والأحزاب الطائفية السياسية، التي مرغت كرامة العراقيين والعراقيات بالتراب وتسببت بمآسي وكوارث مريرة، التي يعاني منها العراق حالياً وبحصول إبادة جماعية بالموصل ونينوى، وبين القوى المدنية الديمقراطية واليسارية العراقية، إذ كان انحسار دور وتأثير القوى وأحزاب الإسلام السياسي الشيعية والسنية يلوح بالأفق قوياً من جراء نهجها وتدهور سمعتها وفسادها السائد. فبدأت تخسر مواقعها السابقة واتخذت، لتجاوز هذه الحالة اليائسة، إجراءات ثلاث هي:
1)   تبديل أسماء بعض أحزابها وتغيير تحالفاتها واعتقال صغار فاسديها وترك حيتان الفساد في الحكم؛
2)   ) العمل، وعبر الوساطة الإيرانية، خلق تحالف بين بعض الأحزاب الشيعية وبعض الأحزاب السنية، ولاسيما جماعة الإخوان المسلمين، ممثلة برئيس المجلس النيابي السني، ومتجاوزة بذلك على مصالح الجماهير الشيعية والسنية وكل الشعب؛
3)   شن حملة قذرة ضد القوى المدنية والديمقراطية والعلمانية والحداثوية بدعوى إلحادها، وهي تدرك إن الملحد الفعلي هو الذي أساء ويسيء للدين بتعميم الفساد في بنية الدولة والمجتمع ومن فرط بأجزاء من الوطن وتسبب في موت مئات الآلاف من العراقيات والعراقيين.
في مطالعتي في لقاء السليمانية بتاريخ 16 و17/09/2017 طرحت رأيي وبينّت المسائل التالية:
** نسبة مهمة من المجتمع العراقي اكتشفت طبيعة جميع الأحزاب السياسية الحاكمة بالعراق منذ إسقاط الدكتاتورية حتى الآن. وقد تجلى ذلك في رفع شعارين متلازمين في المظاهرات التي جرت خلال السنوات الثلاث المنصرمة، وهما: "باسم الدين باگونة الحرامية" و"باسم الله هتكونة الشلاتية". وكان هذا قبل الدعوة للاستفتاء.
** وعلى هذه الأرضية بدأ الصراع المحتدم يدور بين القوى المدنية والديمقراطية واليسارية من جهة والأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة من جهة أخرى، وبدأ الشارع يميل أكثر فأكثر وتدريجياً صوب القوى المدنية.
** وقد أجبرت، حتى المرجعية الشيعية المؤيدة للسياسات السابقة للأحزاب والقوى الدينية، على التخلي العلني عن تأييدها وتطالب بالدولة والمجتمع المدنيين!
** ولكن قرار الاستفتاء قد سهل على القوى الظلامية أن تحول دفة الصراع ليكون وكأنه بين العرب والكرد، وتعبئة كل القوى المناهضة للكرد، سواء في فترة حكم البعث، أم في الوقت الحاضر، ضد الشعب الكردي، رغم التحالف الذي نسجه الكرد والشيعية بين الأحزاب الشيعية والأحزاب الكردية، وتصدر هذا التحالف الحكم بالبلاد طوال السنوات المنصرمة، رغم تنبيهاتنا وتحذيراتنا بخطأ مثل هذا التحالف الكردي-  الشيعي الطائفي وأضراره الشديدة على مصالح المجتمع العراقي.   
** وأكدت، بما لا يقبل الشك، وبـتأييد غالبية المجتمعين في السليمانية، بأن القيادات السياسية الكردية كلها ومعها رئاسة وحكومة إقليم كردستان العراق، لم توفر مستلزمات إعلان الاستفتاء والاستقلال من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية، وهي أمور أساسية ومهمة لتأمين ضمانات استقلال كردستان.
** لم أكن في هذا اللقاء مجاملاً ولا محابياً بل كنت صادقاً ومخلصاً في هذا الموقف وصريحاً مع الشعب الكردي أولاً وقبل كل شيء، وهو الذي يهمني ويهم أصدقاء الشعب الكردي، وهو لا يتعارض أبداً بل يؤكد موقفي الثابت والمستمر من حق الشعب الكردي المطلق في تقرير مصيره بنفسه ودون وصاية من أحد حين تكون الظروف ملائمة وهو الذي يحدد ذلك مع الاستماع قدر الإمكان لنصيحة الأصدقاء، محلياً وعربياً ودولياً. كما كنت أميناً على مصالح شعب العراق بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه التي يمكن أن تتضرر من هذا الصراع الذي يراد فرضه على الساحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية العراقية!
والآن انتهى الاستفتاء وعرفنا ما كنا نعرفه دون الاستفتاء، ولكن ربما عرفت الدول الإقليمية والدولية ما كانت تعرفه ولا تريد الاعتراف به قبل الاستفتاء، فما العمل؟
علينا أن نتابع باهتمام ردود فعل جهات داخلية مختلفة، منهم حلفاء الكرد من الأحزاب الشيعية التي راحت تقدم قائمة من الإجراءات لتجويع الشعب الكردي، (راجع موقع إيلاف بتاريخ 25/09/2017
http://elaph.com/Web/Opinion/2017/9/1169285.html)
وفيه المقترحات العدوانية لحنان فتلاوي، أو مقترحات مجلس النواب العراقي. وأغلب هؤلاء الذين وافقوا على تلك الإجراءات في مجلس النواب العراقي لهم أقنعة وجذور ومواقع سابقة في حزب البعث، أو لهم مواقف إسلامية متعصبة ترفض الاعتراف بالقوميات وحقوقها وترى المسلمين كلهم بغض النظر عن قوميتهم ولغتهم "أمة إسلامية! واحدة ذات رسالة خالدة!!! وهؤلاء هم الذين يعلمون بوقاحة لتصعيد المواقف والإساءة لكل المنجزات التي تحققت للشعب الكردي خلال الفترة السابقة، وهو الذي ينبغي رفضه. وهذا الموقف يتناغم تماماً مع القوى الحاكمة المستبدة في كل من إيران وتركيا، والتي تحاول اليوم التهديد بالتدخل العسكري لحسم الموقف ضد الشعب الكردي. هذا الموقف ليس مرفوضاً فحسب بل لا بد من شجبه ومنع وقوعه بكل السبل المتوفرة.
وهناك موقف القوى المدنية والديمقراطية واليسارية التي أنتمي إليها فكرياً وسياسياً، تجد في أن ما جرى لم يكن ضرورياً، ولكن حصل، إذ عبَّر الشعب الكردي عن رغبته في الاستقلال في وقت لاحق وليس الآن. ولكن أرى أيضاً بأن على القيادات الكردية أن تمتنع عن اعتبار التصويت في المناطق المتنازع عليها تصويتاً نهائياً وإنهاءً للخلاف على عائدية تلك المناطق, إن اتخاذ مثل هذا الموقف العقلاني سيساعد على تخفيف الأجواء المتوترة والمتصاعدة يوماً بعد أخر والتي تهدد بعواقب وخيمة على العراق كله، كما إنه يساعد على الدخول بمفاوضات جدية وسلمية وديمقراطية لمعالجة الأمر بصورة صحيحة وحكيمة، إذ أن هناك من ينتظر إصرار القيادات السياسية الكردية على ضم المناطق المتنازع عليها إلى الإقليم ليبدأ نزاعاً عسكرياً مدمراً ويتحول العراق إلى ما جرى ويجري اليوم في كل من سوريا واليمن! إن القيادة الكردية تتحمل اليوم مسؤولية رفع الفتيل من البرميل المليء بالديناميت والقابل للاشتعال في كل لحظة، كما على الحكم الاتحادي الابتعاد عن كل ما يساهم في تعقيد اللوحة، ومنها محاولة إشراك قوى خارجية في الصراع الجاري بالعراق. إن قوى شوفينية ودينية متطرفة في الطرفين تعمل على التخندق ورفض إيجاد حلول سلمية وديمقراطية للمشكلات العالقة ما بعد الاستفتاء وترتفع وتيرة المهاترات الكلامية بما لا يوفر التربة الصالحة لحلول سلمية وديمقراطية.
على الشعب العراقي كله وبكل قومياته أن يفرض على حكام العراق والإقليم كافة أن يجنحوا للسلم وأن يعاقبوا من يحاول دفع الأمور إلى نهاياتها الحزينة والمدمرة، إلى حرب تبدأ ولا يُعرف متى تنتهي، كما لا تعرف العواقب التي ستترتب عليها!
إن من يحاول صب المزيد من الزيت بعد انتهاء الاستفتاء المختلف بشأنه على النار المشتعلة، سوف لن يحصد غير الموت والخراب والدمار للعراق كله، وسيكون النهاية الفعلية لأولئك الذين أقاموا النظام الطائفي -الأثني السياسي بالعراق وروجوا للمحاصصة الطائفية المذلة وعملوا بها ولها ليصل العراق إلى هذه الحالة التعيسة الراهنة.   

8
إشكالية الهوية وحقوق المكونات
د. كاظم حبيب
نحن اليوم لسنا أمام إشكالية نظرية نتحرى عن حل لها أو إجابة عنها، بل نحن أمام حالة عملية ملموسة ومطروحة على بساط البحث والممارسة، إنها إشكالية هوية الشعب الكردي وحقه في تقرير مصيره بنفسه. فما هو مفهوم الهوية في هذا الإطار الذي حددته؟   
أرى إن الهوية بمفهومها الملموس هي التعبير عن، أو التجسيد لـ، وعي الفرد وادراكه لذاته وثقافته ضمن المجموعة الثقافية أو الحضارية التي هو منها ويعيش معها، إنه الوعي الذي يضع الإنسان أمام خياره ورغبته الملحة في اثبات ذاته، وفيما يسعى إليه. وهي باختصار إدراك معنى الحرية كضرورة، كرؤية فلسفية. والهوية بهذا المعنى لا تقتصر على عنصر واحد، فهي تجمع بين ماضي الفرد والجماعة وحاضرهما ورؤيتهما المشتركة للمستقبل، وهي تجمع بعض أو كل العناصر التي يمكن أن تشكل الهوية، ومنها: الثقافة، واللغة، والتاريخ، والذاكرة، والقومية، والوضع النفسي والتطلعات، والعادات والتقاليد، والجغرافية، أو المكان. والفرد الكردي له هويته المشتركة مع البشرية كلها، إنها إنسانيته، ولكن له خصوصيته في هويته، كما لبقية البشر، فهو كردي القومية، واللغة، والثقافة، والتاريخ، وكردستاني المكان، أو الجغرافية، وهو ميزوبوتامي التراث والحضارة، أو عراقي المشاركة في التاريخ والهموم، كما إنه شرق أوسطي وآسيوي في آن واحد. ومن هنا نرى أن ليست للإنسان، ومنهم الفرد الكردي، هوية واحدة، بل هوية مركبة من هويات فرعية، وتعددها لا يلغي الهوية التي يرى فيها شخصه أو شخصيته وثقافته ويركز عليها كفرد ضمن الجماعة التي هو منها. كما علينا أن نرى بأن الهوية ليست ثابتة بل متحركة ومتطورة بتطور وعي الإنسان وقدرته على وعي ذاته وحقوقه ولاسيما حريته باعتبارها وعي الضرورة.
ولكن الهوية قد تصبح قاتلة حين تكون ذات نزعة قومية شوفينية أو عنصرية، أو دينية متشددة أو طائفية متعصبة تميز بين أتباع الديانات والمذاهب، وتمارس التمييز بين الناس على إساس ذلك وتمارس قاعدة الـ "أنا" ضد الـ "آخر"! ويمكن أن تبرز هذه الهوية القاتلة لدى جميع الشعوب والقوميات دون استثناء!
الشعب الكردي يتمتع، كبقية شعوب العالم، بحقه الكامل والحر في تقرير مصيره بنفسه، ودون وصاية من أحد. وهذا الحق مضمون دولياً على وفق وثائق الأمم المتحدة التي نصَّت، على سبيل المثال لا الحصر، على ما يلي:
لـ"جميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها بحرية وإرادة واستقلال وفقاً لمْا تريدهُ، بعيداً عن أية قوة أو تدخل أجنبي. وبعيداً عن أية أعمال بربرية وخزتْ بآثارها الضمير الإنساني، لبزوّغ فجر جديد يتمتعون فيه بحرية القول والعقيدة والتحرر من الخوف والاضطهاد، والدفع بالرّقي الاجتماعي قدمًا، ولتحقيق مستوى أرفع للحياة في جوُ من الحرية الإنسانية والتسامح والأخوة والعيش المشترك، كأسمّى ما ترّنو إليه أيةُ نفس بشرية". [أنظر: حق الشعوب في تقرير مصيرها، تقرير، قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 421 الصادر في 4/ كانون الأول/1950، منظمة حمورابي لحقوق الإنسان. 06/08/2017]. فهل من حق الشعب الكردي أن يمارس بكل حرية هذا الحق؟ أطرح هذا السؤال الغريب لأن هناك حكاماً في الدول الأربع التي وزع عليها الشعب الكردي في كل من تركيا وإيران والعراق وسوريا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو التوزيع الثاني تاريخياً، يرفضون الاعتراف بهذا الحق بكل شراسة بل خاض بعضهم الحرب أو استخدم الإبادة الجماعية، وما زال بعضهم مستعداً لارتكاب مثل هذه الجريمة، إضافة إلى القوى القومية والدينية اليمينية والمتطرفة التي لا ترى في ممارسة هذا الحق أي شرعية، وهي بذلك تبرهن على إنها ليست حرة، أو لا تفهم معنى الحرية لها وللآخرين.   
لم تكن النظم السياسية العراقية كلها ولا الحكومات التي أقيمت في العهد الملكي، ولا العهود الخمسة للجمهوريات العراقية، منصفة وعادلة مع الشعب الكردي ومع القوميات الأخرى، بل كانت جائرة ومستبدة مع الشعب العراقي كله، ولاسيما مع الكرد والقوميات الأخرى، وعلينا هنا أن نتذكر حرب النظام الدكتاتوري البعثي والإبادة الجماعية في عمليات الأنفال ضد الشعب الكردي، أو سياسات حافة الحرب من جانب النظام السياسي الطائفي برئاسة المستبد بأمره نوري المالكي ورهطه. فكان التمييز والتهميش والإقصاء في صلب علاقة الحكومات العراقية المتعاقبة مع الشعب الكردي والقوميات الأخرى.
لا يمكن لأي إنسان حر وعاقل أن ينكر حق الشعب الكردي في تقرير مصيره وفيما عاناه خلال العقود المنصرمة، إذ لا يمكن أن يكون الإنسان حراً ما لم يعترف بحق الإنسان الآخر في التمتع بالحرية الكاملة غير المنقوصة، وبالتالي أدرك تماماً، كإنسان حر وديمقراطي ومادي المنهج والنهج، بأن الشعب الكردي يحلم منذ قرون وعقود ويتطلع إلى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان بدولة كردستانية ديمقراطية حرة ومستقلة. وقد ناضل بعناد واستمرارية من أجل هذا الهدف وقدم لها أغلى التضحيات، ومن حقه الكامل أن يناضل بعزيمة مضاعفة من أجل ذلك. وليس من حق أحد أن يعترض على ممارسة هذا الحق، ولكن من حق أي صديق من أصدقاء الشعب الكردي أن يتساءل: هل حان الوقت المناسب لمثل هذه الخطوة؟ وإذا كان هذا الوقت قد حان فلِماذا الاستفتاء؟ إذ يمكن إعلان الاستقلال.
أشعر، كصديق ثابت للشعب الكردي، منذ أكثر من ستة عقود، وناضل معه في سبيل الديمقراطية للعراق وحق تقرير المصير للشعب الكردي، بأن الوقت لم يحن تماماً للاستفتاء أو لخطوة الاستقلال، بل أشعر بأن العودة إلى استراتيجية التحالف مع القوى الديمقراطية العراقية في رفض التمييز والتهميش والإقصاء وحل الخلافات والمشكلات القائمة بطرق ديمقراطية وسلمية وسريعة، ورفض قانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية السيء لا تأييده، ورفض تشكيل مفوضية الانتخابات على أسس المحاصصة الطائفية، والسعي لتجميع القوى الديمقراطية في مواجهة القوى الظلامية، وحل المشكلات الداخلية بالإقليم وتعزيز الديمقراطية والمؤسسات الدستورية وحقوق الإنسان، هو الطريق الوحيد والأسلم والأضمن الذي يمهد الطريق لتحقيق ما تتطلع له القوميات العديدة بالعراق، ولاسيما طموحات وتطلعات الشعب الكردي في الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية على أرضه. إنها الخطوة الأساسية والضرورية والوحيدة للوصول إلى الهدف المنشود للشعب الكردي وقواه الوطنية. لقد فكرت ملياً بالأمر ليس من منطلق قومي شوفيني، وليس من منطلق وطني عراقي ضيق، بل من منطلق مصلحة الشعب الكردي ومصلحة العراق بكل قومياته في المرحلة الراهنة، وأرى أن يكون قرار إعلان الاستقلال في ظرف أكثر هدوءاً وأكثر مناسباً لمفاوضات مع حكومة أكثر ديمقراطية وواقعية من الوضع المعقد الراهن، كما يفترض أن يتجلى في سياسات ومواقف أخرى من جانب الحكومة الكردستانية بهدف تمتين الصف الديمقراطي الداخلي. كما أرى بأن الشعب الكردي لا يحتاج إلى استفتاء، إذ أن الشعب الكردي يتطلع إلى ذلك اليوم بكل شغف وتلهف، ولن يضيف الاستفتاء، إلا للرأي العام العالمي والمجتمع الدولي بأن الشعب الكردي يريد الاستقلال. كنت أتمنى أن ينحصر الاستفتاء في المناطق التي هي جزء من كردستان، ثم تترك المناطق التي تخضع لمصطلح "المتنازع عليها" لترتيب لاحق بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم لتجنب أي مضاعفات في الوضع العراقي.
هناك، كما يعرف الجميع، الكثير من التعقيدات الراهنة التي يفترض معالجتها قبل هذه الخطوة ومنها حل مشكلة المناطق المتنازع عليها التي راوغ حكام العراق طيلة السنوات المنصرمة على حلها، بل عملوا ضد الدستور، وهم اليوم ينادون بالدستور الذي تخلوا عنه، إضافة إلى مشكلة ومواقف القوميات الأخرى بالإقليم ...الخ.
ومع ذلك فمن يقف إلى جانب قضية الشعب الكردي، يفترض فيه أن يترك التقدير النهائي للشعب الكردي ذاته، وبالتالي فالأمر متروك للشعب الكردستاني فيما يراه مناسباً في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ العراق وكردستان العراق وأوضاعهما المعقدة. أتمنى على الأخوة والأصدقاء الكرد أن يتخذوا الموقف الذي يجنب الشعب الكردي وبقية أبناء وبنات العراق المزيد من المصاعب والمتاعب. وهذا الموقف لا يعني أن على الأصدقاء أن لا يبدوا رأيهم في الموقف، كما يفترض ألا يفسد اختلاف الراي في الود قضية!
لقد انتهى الاستفتاء وليس هناك من شك حول نتيجة الاستفتاء. وجميع القيادات الكردية أكدا بان الاستفتاء لا يعني إعلان الاستقلال مباشرة بل سيخضع للحوار مع الحكومة الاتحادية. إن الوضع ما بعد الاستفتاء يتطلب الكثير من الحذر والحيطة، وأرى ضرورة الالتزام بما يلي:
1.   الابتعاد الكلي والمطلق عن استخدام السلاح في معالجة المشكلات القائمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم.
2.   التخلي الكامل عن خطاب إثارة الأحقاد والكراهية من جانب الجميع، وبشكل خاص في الإعلام والدعوة إلى التهدئة والبدء بالتحري عن حلول للمشكلات القائمة.
3.   إبعاد دول الجوار عن التدخل في الشأن العراقي أو طلب دعمها لهذا الطرف أو ذاك، وعلى القوميات بالعراق أن تحل مشكلاتها فيما بينها وبالطرق التفاوضية السلمية والاستفادة من تجارب الماضي السيئة عند استخدام السلاح.
4.   عدم اعتبار الاستفتاء في المناطق المتنازع عليها، سواء أكان تصويت الأغلبية بـ "نعم" أو "لا"، مناطق كردستانية أو عراقية بل تخضع للحوار وإعادة التصويت في فترة لاحقة وفي ظروف أكثر عقلانية.
5.   تنشيط النضال من أجل التغيير الجذري للحكم بالعراق والخلاص من النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته المذلة.
6.   لقد كان الصراع بالعراق قد تبلور قبل إعلان إجراء الاستفتاء بكردستان بين القوى الديمقراطية ومن يرفض الطائفية، وبين القوى السياسية الطائفية الحاكمة. وقد تسبب الوضع الأخير إلى حرف هذا الصراع باتجاه أن يتحول ليكون بين العرب والكرد! وهو أمر خطير لا يجوز السماح به. وبالتالي لن يستفيد من ذلك إلا أولئك الذين تسببوا بنكبة العراق في الموصل ونينوى وغرب العراق، من أمثال رئيس الوزراء السابق ورهطه المُضلل والفاسد، ولهذا لا بد من العودة إلى الوضع الطبيعي إلى خوض الصراع لصالح الشعب من خلال أجراء التغيير في واقع الحكم بالعراق لصالح الديمقراطية والعلمانية والمجتمع المدني الديمقراطي.   

 
   


9
كتاب "مسيحيو العراق .. أصالة .. انتماء .. مواطنة"
سيصدر في شهر تشرين الثاني/ كانون الأول 2017 كتاب "مسيحيو العراق .. إصالة .. انتماء .. مواطنة .." عن دار نينوى. يقع الكتاب بحدود 900 صفحة ويحمل 30 صورة والكثير من الوثائق المهمة عن أحوال المسيحيين بالعراق.
يتضمن الكتاب ثلاثة أجزاء موزعة على 17 فصلاً و31 ملحقاً من الوثائق والتقارير والرسائل والصورة عن الكثير من النكبات التي حلت بالمسيحيين ومنها الاجتياح الأخير للموصل ونينوى. والكتاب يقدم سجلاً تاريخياً مكثفاً عن أوضاع المسحيين بالعراق وعن ودورهم الحضاري المميز بالثقافة العربية عموماً والعراقية على وجه الخصوص. ويتناول الكثير من جوانب مشاركتهم في الريادة والرفد الثقافي والإنساني، وعن دورهم في النضال الوطني والديمقراطي بالعراق، إضافة إلى موجات التمييز والاضطهاد والعسف التي تعرضوا لها خلال تاريخهم المدي بالعراق منذ دخول المسيحية إلى العراق في القرن الأول الميلادي، في أرض الرافدين، ميزوبوتاميا، مروراً بالعهد الملكي، وانتهاءً بالجمهوريات الخمس العراقية، أي حتى الوقت الحاضر وما حصل لهم قبل وفي أعقاب اجتياح الموصل وسهل نينوى في ظل الجمهورية الخامسة، في ظل الدولة الطائفية – الأثنية ومحاصصاتها المذلة للشعب والوطن والمواطنة.   
وأنشر هنا كلمة الشكر التي سيتضمنها الكتاب للدعم والمساعدة التي قدمت لي خلال إنجاز هذا الكتاب. وقد عملت على إنجاز هذا الكتاب ما يقرب من ثلاث سنوات، أملي ان يعبر بشكل أمين عن هذا الجزء الرائع من أبناء وبنات الشعب العراقي. كما يتضمن هذا الإعلان مفردات هذا الكتاب وهو خير عون أولي لمعرفة ما في الكتاب. يمكن أن يتعاون الأخوة في الخارج وفي بعض المدن لتسجيل أسماء من يرغب بنسخة من الكتاب لتدبير الأمر مع الناشر وإرسالها بالطائرة عبر بيروت، كما جرى مع كتاب "الإيزيدية ديانة عراقية – شرق أوسطية قديمة".
كلمة شكر وتقدير
لم يكن في مقدوري إنجاز هذا الكتاب، وأنا الباحث بمفردي دون سكرتارية أو سكرتير، وكذا كتبي الأخرى التي صدرت خلال الأعوام الستين المنصرمة، لولا الدعم الذي توفر لي من عدد كبير من الأخوات والأخوة والأصدقاء الكرام الذين زودوني بالكتب الضرورية وبالمعلومات المفيدة عبر الرسائل أو عبر إعلامي بمواقع ومكتبات يمكن العثور فيها على ضالتي في البحث والتقصي. وأخص هنا بالذكر الأب الدكتور شليمون إيشو خوشابا، مسؤول دار المشرق الثقافية بدهوك، الذي أهداني مجموعة من الكتب المهمة التي افادتني كثيراً، كما ساهم الأخ كامل زومايا بتقديم مجموعة أخرى من الكتب، إضافة إلى تزويدي بالمعلومات والتقارير التي أفادتني كثيراً. وجدير بالذكر إن الأخ السيد حميد مراد، رئيس الجمعية العراقية لحقوق الإنسان بالولايات المتحدة الأمريكية، قد افادني كثيراً بوضع التقارير السنوية الصادرة عن الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية، ومكتبة الجمعية بأربيل تحت تصرفي وتوفير المعلومات التي كنت أرجو منه توفيرها لي. كما إن السيد روند كوركيس بولص، رئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب السريان والسيد أكد مراد، سكرتير الاتحاد، قد فتحا لي مكتبة الاتحاد ومكتبتيهما الشخصية بعنكاوا ووفرا لي الكثير من المعلومات القيمة والصور لهذا الكتاب. وجدير بالشكر أيضاً السيد باسم جميل أنطون والسيد ليث الحمداني على دعمهما لي بتوفير بعض المعلومات التي كانت ضرورية للبحث. وهنا لا بد من الإشارة إلى إن تقارير منظمة شلومو للتوثيق، التي يرأسها السيد خالص إيشوع، كانت ذات فائدة كبيرة بما وفرته لي من معلومات عن النازحين والمهاجرين وعن الانتهاكات الكبيرة التي تعرض لها المسيحيون بالموصل وفي عموم محافظة نينوى. وشكري الجزيل يتوجه أيضاً إلى المهندس هامبرسوم اغباشيان الذي أرسل لي ملخصا لكتابه عن الأرمن في العراق، كما أرسلت له الفصل الخاص بالأرمن لمراجعته بسبب كونه مختصاً بالشؤون الأرمنية. وقد ابدى ملاحظات قيمة ومفيدة استفدت منها. وكذلك الأخ يعقوب البقال الذي أهداني كتابه عن الكلدان في ديترويت باللغة الإنكليزية، وللأخ كمال يلدو من ديترويت على جهده المشكور في الحصول على كتب ومعلومات تفيد الكتاب ذاته. وشكري يتوجه إلى الأخ مازن لطيف علي لدعمه لي ببعض الكتب المتوفرة في مكتبته عن المسيحيين. كما أشكر الأخ المخرج طاهر سعيد متي لتزويده لي مجموعة من الصور عن المآسي التي حلت بالبلدات والكنائس المسيحية.
وشكري يتوجه إلى يونس بولص متي (أبو سيفان)، مدير موقع الناس الالكتروني، الذي بذل جهداً مشكوراً في التعاون معي لإنجاز جرد واسع نسبياً للشهداء المسيحيين في النضال الوطني العراقي، سواء أكانوا أعضاء في الحزب الشيوعي العراقي، وهم الأكثرية، أم أعضاء في أحزاب وطنية وديمقراطية أخرى ومستقلين، إضافة إلى ضحايا الحروب.   
وشكري الجزيل يتوجه بشكل خاص إلى الأب ألبير أبونا بعنكاوة للوقت الذي خصصه لقراءة الجزء الأول من الكتاب، والتي أشار فيها إلى بعض التصويبات فيما يخص الديانة المسيحية. كما أتوجه بشكري الجزيل إلى الأخ الأستاذ علي الكحلة الطائي لتطوعه وتجشمه عناء قراءة الكتاب وتدقيقه. وشكري الجزيل للصديق الطائي ثانية بسبب اختياره عنوان الكتاب الحالي، إذ وضعت للكتاب عدة عناوين، ثم استشرت بعض الأخوة بشأنها أو اقتراح عناوين أخرى لاختيار أحدها. وكان من بينها مثلاً "مسيحيو العراق جزءً أصيل وثابت من أهل العراق" أو "مسيحيو العراق.. مضطهدون في وطنهم". ومن بين المقترحات التي وصلتني اخترت أخيراً العنوان التالي "مسيحيو العراق.. إصالة.. انتماء.. مواطنة"، ليكون عنواناً للكتاب، وهو أحد العناوين المقترحة من الصديق الفاضل الأستاذ على الكحلة الطائي.   
وأخيراً الشكر لزوجتي التي تحملتني طيلة العقود المنصرمة وأنا منشغل بالسياسة والبحث العلمي، وكانت المسؤولة الأولى عن تربية أطفالنا طيلة فترة غيابي عن العائلة لأسباب نضالية، أو اعتكافي في صومعة القراءة والبحث والكتابة، ومنها كتابة المقالات السياسية والاجتماعية وحقوق الإنسان والقوميات والمواطنة، وإنجاز الكتب التي وضعتها حتى الآن تحت تصرف القارئات والقراء الكرام والمكتبة العربية.
لقد قرأت من أجل إنجاز هذا الكتاب عشرات الكتب التي تبحث في أوضاع المسيحيين واستفدت من الكثير من الأبحاث والدراسات والمقالات التي نشرها الكتاب في الصحف والمجلات والمواقع، التي لا يسعني ذكرها كلها، فشكري لهم جميعاً، إذ كانوا جميعاً عوناً لي في إنجاز هذا الكتاب. 
كاظم حبيب، خريف 2017   


د. كاظم حبيب
مسيحيو العراق.. أصالة.. إنتماء.. مواطنة
بغداد – برلين 2017
مفردات الكتاب

مسيحيو العراق.. أصالة.. إنتماء.. مواطنة   1
مفردات الكتاب   2
الإهداء   15
كلمة شكر وتقدير   16
استهلال   18
الجزء الأول   26
الفصل الأول   26
بوابات دخول المسيحية إلى بلاد ما بين النهرين   26
الجماعة الأولى: جمهرة من أتباع الديانة اليهودية   26
الجماعة الثانية   36
أسرى الساسانيين من مسيحيي أنطاكية   36
الجماعة الثالثة   37
أتباع الديانة الزرادشتية (المجوسية)   37
الجماعة الرابعة   40
الأقوام القاطنة في سوريا وبلاد ما بين النهرين   40
2. الرها (أورهاي) المدينة التاريخية   44
3. مدينة نصيبين   47
4. مملكة الحيرة (حرتا)   50
الفصل الثاني   58
الصراعات الأولى بين الكنيستين الشرقية والغربية   58
الجزء الثاني   66
الفصل الثالث   66
النماذج الأولى للتعامل الإسلامي مع المسيحية والمسيحيين وتأثيرها على الفترات اللاحقة   66
المبحث الأول: مواقف القرآن من النصارى (المسيحيين)   66
المبحث الثاني   74
مضمون العهود المقطوعة من النبي محمد للنصارى (للمسيحيين)   74
المبحث الثالث   79
موقف الخلفاء الراشدين من الدين المسيحي والمسيحيين   79
الخلاصة   89
الفصل الرابع   91
أوضاع المسيحيين في الإمبراطوريات الإسلامية   91
المدخل   91
المبحث الأول   94
أوضاع المسيحيين في الدولة الأموية   94
المبحث الثاني   101
أوضاع المسيحيين في الدولة العباسية   101
المبحث الثالث   107
أوضاع المسحيين بين سقوط الدولة العباسية واحتلال الدولة العثمانية للعرق - الدويلات العراقية   107
المبحث الرابع   113
أوضاع المسيحيين في الدولة العثمانية   113
الجزء الثالث   134
أوضاع العراقيين المسيحيين في أعقاب الحرب العالمية لأولى   134
الفصل الخامس   134
المبحث الأول   134
الواقع السكاني المسيحي بالعراق   134
المبحث الثاني   142
أوضاع العراق بعد سقوط الدولة العثمانية وقيام الدولة الملكية   142
واقع المسيحيين في ظل الدولة العراقية الملكية   149
الفصل السادس   155
الجمهورية الأولى   155
أوضاع المسيحيين في جمهورية 14 تموز 1958   155
الفصل السابع   169
أوضاع المسيحيين في الجمهوريتين الثانية والثالثة   169
المبحث الأول   169
الجمهورية الثانية   169
أوضاع المسيحيين في الجمهورية البعثية-القومية المشتركة   169
القوى الداخلية   171
الدول الخارجية   173
المبحث الثاني   179
الجمهورية الثالثة   179
أوضاع مسحيي العراق في جمهورية القوميين العراقيين   179
الفصل الثامن   185
الجمهورية الرابعة   185
أوضاع مسيحيي العراق في جمهورية البعث الشوفينية والمستبدة [1968 - 2003م]   185
المرحلة الأولى   191
المرحلة الثانية   192
المرحلة الثالثة   193
مفهوم الإبادة الجماعية   199
أولاً: الموقف من الشعب الكردي   203
ثانياً: الموقف من عرب الوسط والجنوب الشيعة   204
ثالثاً: الموقف من المسيحيين   205
الفترة الأولى   207
الفترة الثانية   210
تهديم القرى والكنائس واغتيالات ضد رجال الدين المسيحيين   213
في فترة حكم البعث بالعراق   213
المرحلة الأولى: تشمل الفترة الواقعة بين 1963-1968   213
المرحلة الثانية: 1968-1979   215
مذبحة المسيحيين الكلدان في صوريا في أيلول 1969   216
المرحلة الثالثة: الفترة الواقعة بين 1980-2003م   224
الفصل التاسع   228
الجمهورية الخامسة   228
أوضاع المسيحيين في الجمهورية الطائفية – الأثنية 2003-2017   228
المدخل   228
اضطهاد المسيحيين وعدم حمايتهم في سياسات الحكم الطائفي   235
المبحث الثاني   244
اجتياح الموصل وعواقبه المدمرة على العراقيين المسيحيين   244
الشاهد: خيري شنگالي   258
المبحث الثالث   262
التمييز في الدستور والقوانين العراقية   262
الفصل العاشر   269
الاضطهاد الديني والسياسات الشوفينية ضد مسيحيي العراق   269
المدخل   269
المبحث الأول   272
اضطهاد المسيحيين في عراق الامبراطورية الأموية   272
اضطهاد المسيحيين بالعراق في فترة انحطاط الدولة العباسية   275
المبحث الثالث   282
اضطهاد المسيحيين في عراق الإمبراطورية العثمانية   282
المبحث الرابع   297
اضطهاد المسيحيين في العهد الملكي   297
(الآشوريون بالعراق)   297
معركة ديرا بون   306
مجزرة سُمّيل ضد الآشوريين   312
الفصل الحادي عشر   320
العراقيون الأرمن   320
المبحث الأول   320
متى بدأ وجود الأرمن بالعراق   320
المبحث الثاني   326
الهجرة الأرمنية إلى العراق في أعقاب   326
أوضاع العراقيين الأرمن   333
الفصل الثاني عشر   344
السكان ونهج وسياسات التغيير الديمغرافي ضد مناطق مسيحيي العراق   344
المدخل   344
المدخل مفهوم التغيير الديمغرافي   344
المبحث الأول   347
الواقع السكاني المسيحي بالعراق   347
المبحث الثاني   351
التغيير الديمغرافي في العهد الملكي   351
المبحث الثالث   353
التغيير الديمغرافي في عهود الجمهوريات العراقية   353
المبحث الرابع   360
التغيير الديمغرافي في ظل النظام السياسي الطائفي   360
المبحث الخامس   363
التغيير الديمغرافي لمناطق المسيحيين بإقليم كردستان   363
الفصل الثالث عشر   373
النزوح والهجرات المسيحية من العراق   373
المبحث الأول   373
مفهوم الهجرة والعوامل المؤثرة فيها   373
(الجانب النظري العام)   373
واقع الهجرة الدولية   376
المبحث الثاني   396
واقع وعواقب السياسات الطائفية والشوفينية على هجرة مسيحيي العراق   396
الفصل الرابع عشر   405
دور المسيحيين في الحضارة والثقافة العراقية   405
دور المسيحيين في اللغة العربية والأدب العربي   408
أولاً: اللغة العربية   408
ثانياً: دور العراقيين المسيحيين في الأدب العربي   414
أ: في الشعر   414
المثقف والشاعر والمناضل ألفريد سمعان   418
ب. في أدب الرحلات   446
ج: في القصة والرواية   449
ت: في الترجمة   456
ثالثاً: في المسرح   461
الفنان المسرحي البروفيسور الدكتور عوني كرومي   469
"وداعاً أخي عوني!   472
الفنان المسرحي والشاعر الدكتور موفق ساوا   474
رابعاً: في الموسيقى والغناء   481
خامساً: في الصحافة   488
الصحفي والكاتب العراقي المميز الدكتور فائق بطي (أبو رافد)   498
الصحفية صاحبة التحقيقات المميزة مريم السناطي   505
الصحفية والكاتبة المبدعة والمناضلة سلوى زكو   508
سادساً: في المجالس الأدبية والثقافية   528
ثامناً: الأعياد المسيحية بالعراق   539
الفصل الخامس عشر   543
دور المسيحيين في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العراقية   543
المبحث الأول   543
دور المسيحيين في الحياة السياسية العراقية   543
أولاً: مشاركة المسيحيين في السلطة التنفيذية   544
ثانياً: مشاركة المسيحيين في السلطة التشريعية   547
أ. المجلس التأسيسي   547
ب. مشاركة المسيحيين في مجلس الأمة   548
1. مجلس الأعيان   548
2. مجلس النواب   548
ثالثاً: في الحياة السياسية العامة   554
المناضل الوطني والشيوعي العراقي يوسف سلمان يوسف (فهد)   562
المناضلة السياسية والاجتماعية والحقوقية الباسلة هناء أدور   577
رابعاً: دور العراقيين المسيحيين في القانون والسلطة القضائية   584
المبحث الثاني   587
دور المسيحيين في الحياة الاقتصادية العراقية   587
قطاع الزراعة   589
القطاع الصناعي   593
1. الحرف والمهن التقليدية   593
ب. الصناعة الحديثة   593
دور المسيحيين في قطاع البنوك والتجارة   597
دور المسيحيين في قطاع التأمين   599
دور الأطباء المسيحيين في العراق المعاصر   605
الفصل السادس عشر   608
عواقب الحرب والاحتلال والطائفية السياسية بالعراق   608
خلال الفترة 2003 – 2017   608
[إشكاليات قبل وبعد تحرير الموصل وبقية   608
المناطق المحتلة من عصابات داعش]   608
الفصل السابع عشر   621
آفاق معالجة المشكلات الراهنة والمستقبلة التي نشأت بفعل النظام السياسي الطائفي وعواقب اجتياح واحتلال داعش   621
المبحث الأول   623
المشكلات المحتملة التي ستواجه المجتمع في المحافظات التي خضعت لاحتلال داعش   623
أولاً: مشكلات السكن والبنية التحتية والخدمات   624
ثانياً: معاناة النساء والأطفال النفسية والاجتماعية   627
ثالثا: مشكلات الشبيبة العراقية في زمن الطائفية والفساد والإرهاب والحرب   630
رابعاً: المشكلات العشائرية والتقاليد البالية والمشكلات القومية   641
المبحث الثاني   645
سُبل معالجة عواقب الكوارث التي حَلَّت بالعراق، ولاسيما المناطق التي نُكِبت بداعش   645
المبحث الثالث   654
الخاتمة: مستقبل العراقيين المسيحيين   654
ما العمل؟   666
غالبية المسلمين والمسلمات بالعراق أمام امتحان المواطنة!   675
الملاحق   679
الملحق رقم 1: نص عهد النبي محمد لنصارى (مسيحيي) نجران   679
"نص عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لنصارى نجران"   679
الملحق رقم 2   682
العراق وفضيحة التعذيب في سجن "أبو غريب" (1 - 4 حلقات)   682
الملحق رقم 3: شهداء معركة "ديرابون"   696
الملحق رقم 4   701
قائمة بأسماء مذبحة سُمَّيل في العام 1933   701
الملحق رقم 5   703
ذكريات عن الإبادة الجماعية للأرمن في الحرب العالمية الأولى   703
مقطع مهم من مقال الدكتور سعد سلوم "أم الارمن تروي قصتها.. عندما تصبح اراكسي "فطوم،"   703
الملحق رقم 6   705
الملحق رقم 7   708
النواب المسيحيون: الكورد الذين استولوا على 53 قرية مسيحية   708
الملحق رقم 8   710
وماذا بعد انتهاء مؤتمر -أصدقاء برطلة- ضد التغيير السكاني لمناطق مسيحيي العراق؟   710
الملحق 9   715
نص قرار المحكمة الاتحادية بشأن التغيير الديموغرافي   715
الملحق رقم 10   718
نص قرار اللجنة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التابعة للأمم المتحدة بشأن التغيير الديموغرافي لمناطق المسيحيين في إقليم كردستان العراق   718
الملحق رقم 11   719
عدد الطوائف المسيحية بالعراق والمعترف بها رسمياً   719
الملحق رقم 12   720
فتوى محسن الحكيم ضد الشيوعية   720
الملحق رقم 13   722
محن المسحيين بالعراق   722
الملحق رقم 14   724
نظرة مفعمة بالحزن والألم في رواية "يا مريم"، للروائي المبدع سنان أنطون بقلم كاظم حبيب   724
الملحق رقم 15   729
هل نقرع الأجراس من أجل الدفاع عن المسيحيين العراقيين ومصيرهم في وطنهم؟ بقلم الدكتور سيار الجميل   729
الملحق رقم 16   734
موقف الخليفة عمر بن الخطاب من مسيحيي نجران   734
الملحق رقم 17   737
كتاب وزارة العدل العراقية حول بيع وشراء عقارات المسيحيين العراقيين   737
الملحق رقم 18   738
رسالة من لوزان تكشف حقيقة وفاة الملك فيصل الاول - رشيد كَرمـــة   738
الملحق رقم 19   741
مقالة عن الأب أنستاس الكرملي للصحفي والكاتب علي حسين   741
الملحق رقم 20   742
جداول بالمسرحيات التي قدمت، وغالبيتها لأبناء من عائلات عراقية مسيحية   742
الملحق رقم 21   747
شهداء الحزب الشيوعي العراقي والحركة الوطنية العراقية السياسيين من بنات وأبناء العائلات المسيحية منذ العام 1949-2017   747
قائمة الشهداء المسيحيين   747
أولاً: السياسيين   747
ثانياً: غير السياسيين   750
أ: ضحايا الحرب العراقية – الإيرانية   750
ب: ضحايا التفجيرات والإرهاب   756
ج : ضحايا كنيسة سيدة النجاة   776
الملحق رقم 22   778
قائمة شهداء رجال الدين المسيحيين والشهيدات المسيحيات وموظفي الدولي   778
الشهداء من الناشطين السياسيين وموظفي الدولة   780
الملحق رقم 23   783
قائمة الشهداء المسيحيين العامة في العراق منذ 2003 بدء الاحتلال ولغاية 9/6/2014، أي قبل اجتياح مدينة الموصل ومحافظة نينوى   783
الملحق رقم 24   801
الرسائل المتبادلة بين كاظم حبيب وباسم جميل أنطون   801
الملحق رقم 25   806
البيان الصادر عن مؤتمر "مستقبل المسيحيين في العراق" الذي عقد في بروكسل للفترة من 28-30 حزيران 2017   806
الملحق رقم 26   809
نماذج من كتابات العنصرية لعصابات داعش المتوحشة على كنائس ودور المسيحيين في بطنايا بالعراق وصور تجسد الخراب الذي حل بالبلدات والكنائس المسيحية   809
الملحق رقم 27   811
التقسيمات الإدارية للواء الموصل في العام 1962   811
الموسوعة الإحصائية عن التقسيمات الإدارية في الجمهورية العراقية   811
الملحق رقم 28   820
تحليل الشخصية المسيحية العراقية للدكتور فارس كمال نظمي   820
الملحق رقم 29   823
اتفاقية منع وقوع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها عام 1948   823
الملحق رقم 30   828
تقرير "عن مدينة الموصل"   828
الملحق رقم 31   831
أوضاع حقوق الانسان في العراق   831
من 01/01/2017 لغاية ولغاية 30 /1/2017   831
المصادر والمراجع   834
الكتب العربية   834
رسائل الماجستير والدكتوراه   840
المواقع   841
المجلات   857
الجرائد   858
رسائل متبادلة   859
المصادر والمواقع الأجنبية   860
   فهرست الأسماء

10
كاظم حبيب
من أين وكيف يبدأ الانطلاق الاقتصادي بالعراق؟
نقاش موضوعي وهادف مع السيد عادل عبد المهدي
الحلقة الأولى: تشخيص الظواهر والعواقب والابتعاد عن الأسباب الحقيقية

نشر الاقتصادي العراقي السيد عادل عبد المهدي مقالاً تحت عنوان "الانطلاق الاقتصادي" وتضمن خمس حلقات بعناوين فرعية مختلفة في جريدة العالم البغدادية خلال الفترة 27/08/-03/09/2017. وهو في جوهره مقالاً نقدياً لواقع الحال بالعراق ومقترحات اقتصادية لتجاوز هذا الواقع المزري. وأشر المقال بصيغ مختلفة عدداً من المشكلات الجوهرية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي والتي يمكن تلخيصها، وأرجو أن يكون تلخيصي دقيقاً وأميناً على مضمون المقال وما أراد الكاتب قوله:
1.   إن الاقتصاد العراقي ريعي، استيرادي واستهلاكي، يعتمد على موارد النفط المالية في تأمين حاجات المجتمع الاستهلاكية عبر الاستيراد.
2.   والاقتصاد العراقي بهذا المعنى اقتصاداً وحيد الجانب ويعاني من خلل في بنيته، ولاسيما في تخلف قطاعيه الإنتاجيين الصناعي والزراعي حيث لا يساهمان إلا بنسبتين ضئيلتين في الناتج المحلي الإجمالي. ويرى بأن ".. فالأموال الريعية السهلة، وتدمير العلاقات الزراعية، وتأميم الصناعة والمصارف والسيطرة على التجارة الاساسية، وهروب الرساميل والخبرات، والهجرة الواسعة من الريف، والحروب والحصار والعقوبات والارهاب والسياسات الفاشلة، دمر هذه القطاعات وجعل البلاد تعتمد على الاستيراد والواردات النفطية. ويرى ضرورة تغيير هذه البنية المشوهة.
3.   لا توجد استراتيجية تنموية حقيقية ولا توجد خطط للتنمية الوطنية الاقتصادية والبشرية، إذ ".. ركزت معظم خططنا على الاستقطاعات والجبايات من اقتصاديات هي ضعيفة اساساً، واللجوء للقروض الداخلية والخارجية". ويرى " إن مزيجاً ناجحاً من استراتيجيات “بدائل الاستيراد ومحفزات التصدير” Import Subsitution and Export Promotion  يمكنها مع الاستراتيجيات الاخرى، ان تحقق نتائج مهمة لانطلاق القطاعات الحقيقية".
4.   ويقول عادل عبد المهدي بوضوح: أن "الاقتصاد هو الاقتصاد الكلي Macro-economy والجزئي Micro-economy، وان قليلين، من اصحاب القرار التنفيذيين والتشريعيين، او حتى بين الجمهور من يقدر اهمية هذه القضايا، ليس لصعوبتها، بل لاعتيادهم على مفاهيم “الاقتصاد السلطاني” ومعادله المعاصر “الاقتصاد الريعي”. وبتعبير آخر لا توجد عقلية اقتصادية تعي مفهوم التنمية، ويتطلب الأم "تغيير عقليات وسياسات، وأولها إزالة التشدد والبيروقراطية كأسباب أساسية للجمود والفساد وهدر الأموال وغسيلها وهروبها". 
5.   ويرى ضرورة أن يلعب القطاع الأهلي (الخاص) الدور الأول في الاقتصاد، "مع اهمية الحفاظ على قوة وفعالية ورشد القطاع العام لإحداث التوازن المطلوب انطلاقاً من ظروفنا الواقعية والبنيانية ولاعتبارات اجتماعية وسياسية. ويرى ضرورة قلب المعادلة بعد أن كان القطاع الخاص تابعاً للقطاع العام، إذ لا بد من تفكيك احتكار الدولة للصناعة والزراعة والتجارة والمصارف والاتصالات والمواصلات والطباعة والاعمال البلدية والمياه والكهرباء والتعليم والصحة والكثير من النشاطات. وان تبدأ القطاعات الاهلية بأخذ المبادرة في جميع هذه النشاطات بدعم وتشجيع الدولة، ونقل الكثير من قدراتها في هذا المجال لمؤسسات المجتمع الفردية والجماعية".
6.   ثم يقترح لضمان الاحتفاظ بأموال الشعب المسروقة ومن السحت الحرام بالعراق من خلال عدة مقترحات أولها: "1 - نقترح –خلال مدة محددة- اعفاء الاموال التي تودع، من كشف مصدرها او اخضاعها للتحاسب الضريبي، وذلك خلافاً للتعليمات الدولية والعراقية المتشددة، والتي تساهم، بوعي او جهل، بهروب الاموال وبقائها خارج الدورة المصرفية. فالدولة تضغط اليوم على موجودات المصارف لتوفر لنفسها الاموال، في وقت تعاني المصارف من ضعف الاقتصاد، وعدم سداد معظم المقاولين لديونهم، لعجز الحكومة عن تسديد مستحقاتهم".
في المقال بحلقاته الخمس العديد من التشخيصات السليمة لطبيعة الاقتصاد العراقي وسماته الأساسية والاختلالات فيه، ولكن فيه زوغان أيضاً عن العوامل الحقيقية وراء هذا الواقع. إذ أن المقال لا يغوص في عمق المسألة السياسية-الاقتصادية-الاجتماعية العراقية، ويقف عند السطح. ولا أدعي أنه لا يعرفها، ولكنه، على اقل تقدير، يبتعد عنها، لأنها تمس الفئة الحاكمة بالعراق كلها، وهو جزءً عضوي منها، فقد تبوأ وما يزال مناصب سيادية في الدولة والنظام السياسي والأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية الحاكمة ومن كبار الأثرياء بالبلاد. هناك العديد من المقترحات التي يمكن الأخذ بها لو كان ضد وضع السيد الكاتب يده على الجرح المركزي في الوضع العراقي، إذ بهذا الوضع لا تنفع معه تلك المقترحات ولا حتى أفضل الاستشاريين الاقتصاديين بالعراق، إذ إن التغيير الجذري هو الحل الأمثل للواقع العراقي الراهن. وعليه لا بد لمن ينبري لهذا الموضوع أن يسعى لوضع الأمور التي زاغ عنها الكاتب في نصابها الصحيح.

رؤية نقاشية مع أفكار عادل عبد المهدي في مقاله "الانطلاق الاقتصادي"
الحلقة الثانية: ما هي طبيعة العلاقات الإنتاجية الفاعلة بالعراق؟
هناك الكثير من الأسئلة التي تواجه كل كاتب اقتصادي عراقي جاد وموضوعي والتي تفرض عليه ضرورة السعي للإجابة عنها، ومنها: ما هي طبيعة علاقات الإنتاج الفاعلة بالعراق في الوقت الحاضر؟ وما هو مستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية؟ ما هي طبيعة الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث ومؤسساتها؟ وما هي طبيعة السلطة التنفيذية والتشريعية على نحو خاص؟ وما هي طبيعة القوى والأحزاب السياسية الحاكمة بالبلاد؟ وما هي سياساتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، الداخلية منها والخارجية؟ وما هي عواقبها تلك السياسات على الاقتصاد والمجتمع؟  وهل للدولة العراقية استراتيجية تنموية ورؤية اقتصادية – اجتماعية عقلانية؟ وهل يمكن إصلاح ما خُرّبَ حتى الآن بنفس القوى الحاكمة ونهجها وأدواتها وأساليبها في الحكم؟ وما هو البديل الذي يفترض العمل من أجله لتغيير ما جرى ويجري حتى الآن لصالح المجتمع العراقي ومستقبل أجياله وتقدم اقتصاده وازدهار شعبه؟
نحن لسنا أمام طلسم يحتاج إلى من يفك أسراره، فأسرار العراق مكشوفة أمام العالم كله. وما يجري بالعراق منذ إسقاط الدكتاتورية البعثية الصدامية الغاشمة يؤكد طبيعة الأوضاع المزرية فيه. ومع ذلك علينا الإجابة عن الأسئلة التي أوردناها وغيرها في عدة حلقات.
يتحدث السيد عادل عبد المهدي عن "الاقتصاد السلطاني" السائدة في صفوف المسؤولين وأصحاب القرار، أي حكام العراق. ولكن لماذا لا يضع النقاط على الحروف ويقول: أن عقلية الحكام السائدة بالعراق حالياً نابعة من طبيعة العلاقات الإنتاجية الفاعلة حتى الآن في العراق، والتي استردت عافيتها بوجود الفئة الحاكمة الحالية بعد أن أجهزت وأكملت التصفية الفعلية لقانوني الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958 والقانون رقم 117 لسنة 1970 وعودة كبار ملاكي الأراض الزراعية إلى الهيمنة على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، إضافة إلى عودة العلاقات العشائرية إلى سابق عهدها في الهيمنة على سكان الريف وسكان المدن العشوائية حيث يعيش فيها أبناء الريف السابقين، وكذلك البدء بمناقشة مجلس النواب وإقرار " قانون مجلس قبائل وعشائر العراق" والمصادقة عليه واعتماد الدولة ونظام الحكم والعشائر على هذا القانون في التعامل اليومي، وهي رده اقتصادية اجتماعية وسياسية مريعة عما تحقق في أعقاب ثورة تموز 1958 حين ألغي قانون العشائر واعتمدت القوانين المدنية في التعامل اليومي في المجتمع. إن هذه العلاقات الإنتاجية المتخلفة والعلاقات العشائرية لا تعيق التطور الرأسمالي بالبلاد فحسب، بل وتعرقل تطور الثقافة الديمقراطية والتلاقح الثقافي، وتعيق نمو الوعي السياسي والاجتماعي الديمقراطي والتنويري لدى الغالبية العظمى من السكان، ولاسيما بين النساء، كما إنها تصبح القيم على سلوك الناس وإرادتهم وخنق حريتهم الشخصية والتصرف الفظ بمصالحهم، لاسيما وان التحالف السابق بين كبار الملاكين والمؤسسات الدينية الذي عاشه العراق قبل ثورة تموز 1958 قد عاد إلى الفعل في المجتمع العراقي، وهو بدوره يمارس ما جرى تأكيد دوره السلبي الكبير في دفع الناس إلى الغيبيات والغوص في الخرافات والأساطير وأعمال السحر والشعوذة، وفي استفحال الثقافة البالية وتشويه استشهاد الحسين بين علي بن أبي طالب وصحبه الكرام بممارسة طقوس غريبة عن الدين والثقافة بدلاً من ممارسة أساليب حضارية في إبراز دورهم في الدفاع عن المضطهدين ضد الجائرين والفاسدين من الحكام. إن العلاقات الإنتاجية السائدة حالياً تلعب دوراً معرقلاً لتطور القوى المنتجة المادية والبشرية، لأن هذه العلاقات تمنع فكرياً واجتماعياً وسياسياً من تحويل الأموال المكدسة إلى استثمارات رأسمالية في قطاعي التنمية الإنتاجية، في الصناعة والزراعة، وكذلك في قطاعات الخدمات الإنتاجية والأساسية للسكان كالتعليم والصحة والنقل والاتصالات والمواصلات ..الخ، وكذلك صوب تطوير الفنون الإبداعية الجميلة، إنها المعرقل لكل ذلك لأنها لا تسمح بطبيعتها استخدام أموال الدولة وأموال القطاع الخاص لتحقيق التراكم الرأسمالي المطلوب وتركيزها على الاستهلاك البذخي الذاتي أو توظيفها في شراء العقارات وبناء القصور في والمضاربات وما إلى ذلك في دول أخرى. وهي بهذا لا تفرط بالأموال، وأغلبها منهوب من خزينة الدول وجزء أساسي من السحت الحرام، بل وتمنع تطور الاقتصاد الوطني وتعظيم الثروة الوطنية وتوفير فرص عمل جديدة للعاطلين عن العمل وللأيدي الجديدة التي تدخل سنوياً في سوق العمل المحلي. إنها سياسة مورست خلال السنوات الـ 14 المنصرمة دون احترام لمصالح الإنسان والمجتمع العراقي واقتصاده الوطني. وإذا كان النظام شبه الإقطاعي في العهد الملكي قد استغل الفلاحين ونهب الكثير من قوتهم، إلا إنه خلا من الفساد المالي في سرقة أموال الشعب من خزينة الدولة، كما جرى ويجري مع عودة بقايا تلك العلاقات بصيغة جديدة للفعل في اقتصاد العراق ومجتمعه. والسرقة والتفريط هنا لا يشمل مئات الملايين بل مئات المليارات من الدولارات الأمريكية، وهي سرقة من قوت الشعب. وكان الدكتور أحمد الچلبي قد بدأ بكشف هذه السرقات والتفريط بالمال العام، إلا إنه وبطريقة ما فيها الكثير من الغموض والشك توفى الرجل على حين غرة وبعد أيام قليلة من تصريحاته المعروفة التي استفزت رئيس الوزراء السابق ورهطه، وعلى وفق معلومات الكثير من العارفين بخفايا الفئات الحاكمة بالعراق. 
إن نظرة فاحصة على مستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية، بعد مرور 14 سنة على الحكم السياسي الطائفي الراهن، تكشف عن تخلف شديد في التقنيات المستخدمة في مختلف مجالات الاقتصاد والخدمات الاجتماعية، وعن تخلف في القطاعين الصناعي والزراعي وعن بقاء المؤسسات الصناعية الحكومية مجمدة إلى حين بيعها بأبخس الأسعار للقطاع الخاص، أو حتى لقاء دينار عراقي واحد. ويكفي ان يتمعن الإنسان في القوى العاملة العراقية، التي لا تجد مجالاً للتعليم المهني والفني والتأهيل المستمر، إضافة إلى تخلف شديد في مستوى التعليم المهني المتوفر وكذلك في عموم قطاعي التربية والتعليم في المدارس والمعاهد والكليات والجامعات، بحيث أصبح العراق يحتل موقعاً متخلفاً جداً في مجال المقارنة مع مستوى التعليم في دول نامية أخرى بمنطقة الشرق الأوسط، دع عنك عن مستواه في الدول المتقدمة.         
من هنا نشير، وبخلاف البحث في الظواهر السلبية القائمة، علينا التفتيش عن العوامل التي تتسبب في بروز تلك الظواهر السلبية، إذ أن العراق يعاني من تشابك بين علاقات إنتاجية متخلفة وعلاقات رأسمالية طفيلية تجنح إلى التوظيف في العقارات والمضاربة وتجارة الاستيراد السلعي الاستهلاكي والبذخي والتحري عن مجالات الربح السريع والتي لا تسمح بتوجيه الأموال المكدسة صوب توظيفات إنتاجية لتنمية الاقتصاد الصناعي والزراعي واستخدام تقنيات حديثة، كما تقف حجر عثرة في طريق تطوير وتقدم القوى العاملة والتعليم بمختلف مراحله والبحث العلمي وتوفير فرص عمل للعاطلين.

رؤية نقاشية مع أفكار عادل عبد المهدي في مقاله "الانطلاق الاقتصادي"
الحلقة الثالثة: طبيعة ونظام الحكم بالعراق
رؤية نقاشية مع أفكار عادل عبد المهدي في مقاله "الانطلاق الاقتصادي"
الحلقة الثالثة: طبيعة ونظام الحكم بالعراق
من يعمل في الحياة الاقتصادية والسياسية عملياً، دع عنك المختص بعلم الاقتصاد، يدرك طبيعة العلاقة الجدلية بين السياسة والاقتصاد، فالسياسات الاقتصادية التي تمارس ببلد ما تعكس بدقة طبيعة الحكم والفئات الحاكمة. ويتجلى ذك بوضوح في العهد الملكي وفي العهود الجمهورية الخمس التالية، أي بضمنها نظام الحكم الحالي. ولهذا يشار إلى الحقيقة التالية: إن السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة!
فالقراءة المتأنية لواقع الاقتصاد والمجتمع بالعراق، ولنهج الدولة الاتحادية وطبيعة السلطات الثلاث فيها، وسياسات الحكومة الاتحادية منذ العام 2005 حتى الآن، وما آل إليه الوضع بعد اجتياح عصابات داعش لمحافظة نينوى وغيرها، تكشف بأن النخبة الحاكمة الحالية تنحدر من فئات اجتماعية هامشية وغير هامشية، ولكنها انسلخت عنها لتشكل مجتمعة فئة جديدة أَطلقُ عليها مصطلح "الفئة الرثة"، وهي في الواقع فئة طفيلية، وهي ليست ذات الفئة التي يُطلقَ عليها في الأدب الكلاسيكي الماركسي مصطلح "البروليتاريا الرثة" أو الفئة الهامشية أو المهمشة عملياً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وثقافاً، إنها الفئات الفقيرة والمعدمة في المجتمع. إن "الفئة الرثة" تهيمن على السلطات الثلاث بالدولة العراقية، وتتحكم بها من خلال السلطة التنفيذية.   
وهذه الفئات الرثة الهجينة تسعى إلى الاغتناء على طريقة القطط السمان، وأغلبها أصحاب نعمة حديثة، إذ إنها تستنزف موارد الدولة من الباطن، وبأساليب مافيوية ورشاوى ونهب وسلب علنيين. وهذا الجزء المؤثر والحاسم في النخبة الحاكمة يطبع عمل الحكومة كله ويميزه ويمنحه سلوكية معينة وإجراءات محددة، إذ تسعى هذه الفئة إلى إنعاش وتوسيع قاعدة الفئات التي يصطلح عليها بالطفيلية، سواء أكان ذلك في قطاع المضاربات المالية، أم في قطاع السمسرة العقارية، أم في قطاع المقاولات والعقود النفطية واستيراد السلاح، أم في قطاع التجارة الخارجية والداخلية، أم في المجالات الاقتصادية والإدارية الأخرى وفي المجتمع عموماً. ويبرز هنا دور العلاقات والسلوكيات العشائرية التي لم تعد تنسجم مع القرن الواحد والعشرين أيضاً، بل تعود إلى علاقات ما قبل الرأسمالية، وهي في نشاطها أسوأ من الفترة التي كان العراق يئن تحت وطأة الهيمنة الاستعمارية المباشرة أو شبه الاستعمارية وسياساتها الاقتصادية ووجود كامل للعلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية. إن الواقع العراقي يشير بوضوح إلى تدهور مستمر في الأوضاع العامة. فالوضع القائم بالبلاد يعكس تشابكاً عجيباً يخدم على المدى القريب مصالح النخبة الحاكمة من الفئات الرثة، التي لا يهمها بأي حال تنمية وتطوير الاقتصاد الوطني والمجتمع المدني، بل يتركز همها وجوهر نشاطها على سبل زيادة ثروتها من سرقة المال العام وتعظيم حساباتها المصرفية الخاصة على حساب الاقتصاد الوطني وقوت الشعب. وهي تدعي محاربة الفساد، ولكنها تحتفي بكبار الفاسدين وتسكت عنهم وتضعهم في أعلى مواقع المسؤولية بالدولة العراقية.
ويتركز ذكاء الفئات الرثة في هدف أساسي هو: كيف تحافظ على الوضع القائم وعلى وجودها في السلطة وإدامته بما يسهم في زيادة فرص نهبها لموارد الدولة وإسكات الشعب ومنع احتجاجاته. ولكنها حتى في هذه القضية فشلت في الاحتفاظ والدفاع عن أرض العراق ووحدته، إذ سمحت هذه "الفئات الرثة" باجتياح "داعش" واحتلاله لما يقرب من ثلث مساحة العراق في فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز أياماً معدودة. ومع فرحة تحرير أغلب المناطق، فأن مثل هذه المكاسب العسكرية لا يمكن أن تدوم دون وجود وضع سياسي واقتصادي واجتماعي آخر بالبلاد غير القائم حالياً.
والإشكالية الكبيرة في سياسة هذه الفئة الضارة يكمن في عرقلتها للتنمية الاقتصادية، ولاسيما التنمية الصناعية والزراعية والتنمية البشرية العقلانية، وتتصدى للحداثة وتغيير البنية الاجتماعية، والتي مارسها بول بريمر رغم وجوده القصير بالعراق، إلا إنه كرَّس سياسة وسلوكاً معوجين وفاسدين. ولم يخرج بريمر من العراق إلا بعد أن كرس، وبدعم من النظام الإيراني الطائفي، نظاماً سياسياً طائفياً يقوم على المحاصة الشيعية-السنية-الكردية، ليطمر بذلك، مع أشلاء الحرب، مبدأ المواطنة الحرة والمستقلة والمشتركة بالعراق.
هذه الفئات الرثة والهجينة ليست حديثة العهد بل كانت تشكل جزءاً من قوى المعارضة السياسية للنظام الاستبدادي السابق، وهي التي اتفقت مع الإدارة الأمريكية في أعقاب مؤتمر المعارضة ببيروت عام 1991 على تسلم الحكم، بذريعة أنها تمثل الغالبية العظمى من السكان من الناحيتين الدينية والمذهبية وأن تتفق مع أحزاب سنية وكردية أيضاً. وبالتالي فإن غالبية قوى المعارضة حسمت الأمر على هذه الصورة الطائفية والأثنية في بنية قيادة المعارضة التي وافقت على شن الحرب في سنة 2003م لإسقاط نظام صدام حسين. وكانت تشكيلة الحكم الطائفية القائمة على أساس المحاصصة مطلوبة من الإدارة الأمريكية ومناسبة لمصالحها بالعراق وبمنطقتي الخليج والشرق الأوسط، إذ بهذا الصورة يبقي العراق دون استقرار وفي صراع ونزاع مستمرين يبعده عن التنمية وعن تغيير بنية الاقتصاد الوطني وبنية المجتمع الطبقية ومستوى الوعي السياسي والثقافي. لقد حقق بريمر ما أرادته الإدارة الأمريكية في خلق تلك الأجواء السلبية التي أطلقت عليها "كوندليزا رايز" بـ"الفوضى الخلاقة" Creative Chao، الفوضى المدمرة التي يعاني منها العراق حالياً، بل إن الكثير من دول منطقة الشرق الأوسط تعاني من هذه الفوضى الخلاقة. فما هي السمات التي تميز الفئات الاجتماعية الرثة التي تخلق الرثاثة وتنشرها بالبلاد؟
ابتداءً، يجب أن نشير إلى ضرورة التمييز بين الفئات الهامشية والفئات الرثة، فهما لا يعنيان بشكل تلقائي شيئاً واحداً، كما إنهما ليسا مترادفين، ولكنهما يلتقيان ببعض السمات المشتركة وأهمهما: موقعهما من الإنتاج ومن الملكية لوسائل الإنتاج وفي بعض الأخلاقيات. فالفئات الرثة الحاكمة بالعراق لا علاقة لها بالإنتاج المادي حتى الآن، وهي غير مالكة لوسائل الإنتاج حتى الآن، ولكن تملك الكثير من الأموال المنهوبة من خزينة الدول بسبل كثيرة وغير مشروعة، كما إنها تهيمن على الاقتصاد الوطني وخزينة الدولة من خلال موقعها في الدولة والحكم وفي الأحزاب السياسية المهيمنة حالياً على الساحة السياسية العراقية. وهي تهيمن على موارد البلاد، وخاصة النفط الخام وعوائده المالية المتأتية من التصدير السنوي للنفط الخام، والذي يشكل أكثر من (97%) من صادرات العراق، ونسبة عالية من الناتج القومي الإجمالي ومن الدخل القومي. ففي مقال للدكتور مظهر محمد صالح ورد بهذا الصدد ما يلي: "ما ا زلت الثروة النفطية هي المورد السيادي المالي الغالب الذي تصطف حوله قوة الدولة الاقتصادية والسياسية مركزيا، سواء في دور عوائد النفط في تركيب الناتج المحلي الإجمالي الذي لا يقل عن 45 – 55 % من اجمالي الناتج المذكور أو في موارد الموازنة العامة الاتحادية التي تزيد على 90 %". (أنظر: د. مظهر محمد صالح، قراءة في مستقبل الاقتصاد السياسي للعراق، شبكة الاقتصاديين العراقيين، نشر بتاريخ 3 أيلول/سبتمبر 2017).
والاقتصاد العراقي رهينة بيد هذه الفئة الاجتماعية الرثة التي توجه الموارد المالية صوب مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة، وبعيداً كل البعد عن مصالح الشعب والاقتصاد الوطني والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبشكل خاص التنمية الصناعية أو حتى استخدام النفط في التصفية وفي الصناعة التحويلية أو في تطوير البنية التحتية، بما في ذلك الطاقة الكهربائية ونظافة المدن والبناء والشوارع. وهي فئة نهابة للثروة الوطنية، وتحت وطأة حكمها يسود الفساد المالي والإداري بكل صوره وأبعاده وعواقبه على الاقتصاد والمجتمع، كما ينتشر الخراب والبؤس والفاقة الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية والمدنية والحضارية بالمدن.
هذه الفئات الرثة الحاكمة بالعراق لا تعرف الوطن ولا الدين الذي تتبناه شكلياً ولا المذهب الشيعي أو السني الذي تدعي الانتساب إليه، ولا الطائفة التي تتبجح بالدفاع عنها، فالمصالح الذاتية لكل فرد فيها هي الغاية الأساسية، وهي الوسيلة والهدف، إنها السلطة بما تعنيه من نفوذ وهيمنة ومال وجاه وإقصاء واستئصال للفكر الآخر والشخص الآخر والحزب الآخر والشعب الآخر. ولو كان في مقدورها أن تحكم بدون الناس لتخلصت منهم أيضاً! واليوم ينهض تحالف شيعي – سني يمثل الأحزاب الطائفية وليس جماهير الشيعة والسنة وعرابه القيادة الإيرانية، وحديثاً السعودية أيضاً. وهو الذي يفترض أن يفضح. في مثل هذ النظام السياسي لا تنفع التوصيات والمقترحات التي يقدمها الاقتصادي "الإسلامي" عادل عبد المهدي. إن المزيد من الناس بدأوا يدركون تدريجاً طبيعة هذه الفئة وطبيعة الحكم السياسي الطائفي المسؤول عن كل ما حصل بالعراق خلال الـ 14 سنة المنصرمة، وهي التي يجب أن تترك مكانها ليقرر الشعب من يفترض ان يحكم البلاد وعلى وفق أسس ديمقراطية-علمانية وعدالة اجتماعية.
انتهت الحلقة الثالثة وتليها الحلقة الرابع.

د. كاظم حبيب
رؤية نقاشية مع أفكار عادل عبد المهدي في مقاله "الانطلاق الاقتصادي
الحلقة الرابعة
غياب الرؤية الاستراتيجية والعقلانية للتنمية الاقتصادية والاجتماعي بالعراق
إن عرض اللوحة الاجتماعية للنخبة الحاكمة بالبلاد يشير لنا بأن السياسات الاقتصادية التي تمارس في العراق تعبر عن هذا الخليط الاجتماعي المركب وتتجلى فيها العلاقة الجدلية لا بين السياسة والاقتصادية بشكلها العام والظاهر حسب، بل وبمضامينها الاجتماعية أو الطبقية، التي تحرص على مكافحة الطبقة الوسطى أو البرجوازية الصناعية المتوسطة والطبقة العاملة وفئة المثقفين الواعين لدورهم ومهمتهم في المجتمع، وتحديث وتنويع القطاع الصناعي وحل المسألة الزراعية وتحديث الزراعية وتنويع بنية الإنتاج الزراعي وتنظيم التجارة الخارجية وتغيير بنيتها لصالح عملية التنمية الوطنية والتصنيع ...الخ، وتوجيه الاستثمارات الحكومية والخاصة لتحقيق التنمية.
حين يكون الحكم على مستوى البلاد والمحافظات بيد هذه الفئات الاجتماعية التي تحدثنا عنها، سيجد المتتبع تجليات ذلك في غياب الرؤية العقلانية أو الرشيدة لعملية التنمية الآفاقية وعلى المدى البعيد أو ما نطلق عليه بـ "إستراتيجية التنمية الوطنية" التي يفترض أن تمتد لعقدين أو أكثر من السنين. وهذا الغياب هو الذي يميز السياسة الاقتصادية والمالية والاجتماعية الفعالة والواقعية، حيث يغيب أيضاً التوزيع الرشيد للمهمات والأهداف والتقديرات للاستثمارات على خطط خمسية وسنوية وعلى مستوى الحكومة الاتحادية والمحافظات مثلاً. وفي غياب استراتيجية التنمية الوطنية الشاملة وتقدير حاجات البلاد ذات المدى البعيد للموارد المالية بصورة علمية تقريبية، تغيب أيضاً استراتيجية السياسية النفطية في البلاد وتتحول إلى تصريحات فارغة وتقديرات متباينة ومزاجية يدلي بها هذا الوزير أو ذاك حول كمية النفط التي يراد استخراجها وتلك التي يمكن تصديرها أو التي يمكن استخدامها في عمليات التكرير أو التصنيع الأخرى. وهو ما عاشه العراق وما زال في جولات العقود الخائبة التي وقعها حسين الشهرستاني جزافاً، وهي التي تلحق اليوم أضراراً غير قليلة بالعراق. كما ينطبق هذا النهج غير العقلاني والفاسد على القطاعات الأخرى ولاسيما الكهرباء.
إن هذه الفئات الاجتماعية غالباً ما تكون انتقائية وعفوية وذات رؤية ضبابية لما يفترض أن ينمو ويتطور في العراق حالياً وفي المستقبل. هذا ما عاشت فيه البلاد في فترة حكم القوى القومية والبعثية منذ 1963 حتى سقوط نظام البعث وصدام حسين. لقد امتلكت سلطة حزب البعث جهازاً للتخطيط وكفاءات كبيرة وممتازة وإمكانيات مالية كبيرة ووضعت للعراق خطة بعيدة المدى عمل عليها الكثير من الباحثين الممتازين من أمثال الدكتور عبد الرحمن قاسملو والدكتور صبري زاير السعدي والدكتور جعفر عبد الغني والدكتور كامل العضاض والدكتور فرهناك جلال وصباح كچه چي وعشرات من الخبراء والمختصين غيرهم، إضافة إلى بعض الأجانب، كما وضعت خطط خمسية مهمة، ولكن العفوية والانتقائية والرغبات الذاتية كانت سيدة الموقف التي حددت ما يفترض أن يقام في العراق من مشاريع، وهي التي أبعدت كل الخطط عملياً وتركت صدام حسين وطه ياسين رمضان وعزت الدوري يتحكمون اعتباطاً بوجهة تطور الاقتصاد باتجاه التصنيع العسكري على وفق الذهنية العسكرية الراغبة في القمع والحرب والتوسع.
حين تضع استراتيجية للتنمية الوطنية ستكون بحاجة ماسة إلى معلومات تفصيلية عن واقع العراق الاقتصادي والاجتماعي، وإلى رؤية واقعية وصحيحة للإمكانيات المتوفرة في البلاد من النواحي المالية والفنية والكوادر العلمية والفنية والإدارية والعلاقات العربية والإقليمية والدولية المتحركة ووعي ديناميكية المتغيرات التي يمكن أن تطرأ عليها، وان تضع أكثر من احتمال، ثم تحاول استخدام عملية التقريب المتتابع للوصول إلى النموذج الأكثر قرباً للواقع القائم والمتغير. ويدخل في التأثير على هذا الأمر الموقف من قضايا مهمة منها مثلاً: النموذج الاقتصادي الذي تسعى إليه النخبة الحاكمة والموقف من التصنيع والزراعة وبقية القطاعات، وكذلك الموقف من التنمية البشرية ومن البحث العلمي ومن القطاعين الخاص والعام والقطاع المختلط والقطاع الأجنبي ...الخ. وأسمح لنفسي أن أجزم بأن الحكومات الثلاث المنصرمة (علاوي والجعفري والمالكي) والحكومة الحالية، رغم وجود مستشارين جيدين، لم تكن، وليس لديها الآن، رؤية علمية وواقعية لما يفترض أن تكون عليه استراتيجية التنمية الاقتصادية والبشرية، ولكن لدى الكثير من الحكام والعاملين في الحكومة وأجهزة الدولة قدرة فعلية خارقة على أساليب وأدوات الاغتناء على حساب المال العام. وهي مشكلة أخرى ترتبط بدورها بالفقرة السابقة، بالطبيعة الاجتماعية للفئات الحاكمة والذهنية التي تتعامل بها مع الشعب العراقي ومع ثروة البلاد.
وحين توضع استراتيجية للتنمية الوطنية يفترض أن يؤخذ بنظر الاعتبار الثروة الخامية المتوفرة في البلاد، أي النفط الخام والغاز المصاحب بشكل خاص، إضافة إلى موارد أولية أخرى، والموارد البشرية والقدرات العلمية والفنية المتوفرة. وعليه يفترض أن يعتمد المخطط للاقتصاد العراقي على النفط الخام، كمادة أولية، وعلى موارد النفط المالية لتحقيق التنمية الاقتصادية وتغيير بنية الاقتصاد خلال 25 سنة القادمة. ولا بد لنا وبالرغم من الأوضاع المرتبكة الراهنة في العلاقات بين العراق والدول المجاورة والعراق والدول العربية، فأن أي استراتيجية تنموية عراقية يفترض فيها أن تأخذ بالاعتبار التعاون والتنسيق العربي والإقليمي، لأسباب ترتبط بمجموعة من العوامل، سواء أكانت من حيث مستوى التقنيات وحجم رؤوس الأموال وحجم الإنتاج ومستوى الإنتاجية والتكاليف والقدرة على التسويق، خاصة وان العراق يعيش في عصر يزداد عولمةً من سنة إلى أخرى، ويفترض أن لا ينسى ذلك بغض النظر عن الملاحظات التي يفترض أن توضع على واقع سياسات العولمة الجارية من جانب الدول الرأسمالية المتقدمة التي لا تصب في صالح الدول النامية، ومنها العراق، وبشكل خاص من خلال سياسات المؤسسات المالية الدولية ونموذجها للتنمية، تلك المؤسسات التي يتصدرها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة الدولية الحرة.
هناك الكثير من المسائل التي يفترض أن نتطرق إليها في مجال استراتيجية التنمية الغائبة عن العراق، ولكن يمكن الاكتفاء  بالإشارة السريعة إلى مسألة تعتبر أساسية بالنسبة للعراق في ضوء الرثاثة السائدة بالعراق وتلوث البيئة نتيجة عواقب الحروب واستخدم السلاح الكيماوي من جانب النظام، والعتاد المشع من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، التي أدت إلى تفاقم التلوث وعواقبه الوخيمة.  وقد ظهرت أمراض خبيثة عديدة في العراق، وخاصة في جنوبه. ولهذا لا بد للعراق حين يضع استراتيجية تنموية أن يفكر بالتنمية الاقتصادية، وباقتصاد النفط الاستخراجي والتصنيعي، التي يفترض أن تقترن بحماية فعلية للبيئة من التلوث بمختلف احتمالاته، وأخص بالذكر هنا موضوع التنمية الصناعية والزراعية بما يحقق التوافق المناسب والمطلوب بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة والطبيعة. إذ بدون ذلك سيتفاقم تعرض العراق لمشكلات بيئية كثيرة تعرض حياة البشر إلى أخطار كبيرة، كما سيصرف أضعاف ما يصرفه اليوم من أموال على التنمية من أجل إعادة تنظيف البيئة التي يصعب عندها تنظيفها من التلوث. إنها عملية ضرورية ما دام الإنسان يريد أن يعيش على الأرض العراقية وينعم بثرواتها الأولية ويبعد عن أجياله الحالية والقادمة أعباء الأمراض الخطيرة والموت المبكر والخسائر المالية الكبيرة بسبب تلوث البيئة.
ولكن يستحيل تحقيق التنمية المنشودة إلا حين يستطيع المجتمع أن يخلق ميزان قوى جديد لصالح الفئات المنتجة للثروة الاجتماعية، للسلع المادية والروحية، ولصالح البرجوازية المتوسطة والصغيرة، التي تريد استثمار رؤوس أموالها في التنمية الصناعية والزراعية، عندها يمكن تأمين الضغط الضروري على الفئة الحاكمة لتمارس سياسة اقتصادية فيها شيء من الاستقلالية عن مصالح الفئات المالكة للأموال، أو ما يحقق شكلاً من أشكال التوازن في المصالح، بما يسهم في دفع عجلة التطور والتقدم إلى الأمام. ومثل هذه الحالة تستوجب نضالاً شاقاً من جانب القوى المعبرة عن مصالح تلك الفئات لتنعكس في مجلس النواب وفي تشكيلات مجلس الوزراء وفي القوانين والقرارات التي تصدر عن الحكومة ومجلس النواب. وإلى ذلك الحين، إلى حين تحقيق التغيير الجذري، سيبقى العرق يئن تحت وطأة مشكلاته العصية الراهنة.



الحلقة الخامسة والأخيرة
البديل المنشود لتحقيق التنمية والانطلاقة الاقتصادية
يراهن السيد عادل عبد المهدي على نظام الحكم القائم لتحقيق الانطلاقة الاقتصادية، وأراهن من جانبي على إن النظام السياسي الطائفي والمستند إلى المحاصصة الطائفية والذي تقوده أحزاب إسلامية سياسية طائفية، سواء المهيمنة على قيادة الحكم أم المشاركة فيها، وسواء أكانت شيعية أم سنية، غير قادر على تحقيق الانطلاقة الاقتصادية والسير على طريق التنمية الاقتصادية والبشرية المستقلة والواعية لتحقيق التغيير المنشود في البنيتين الاقتصادية والاجتماعية وفي الوعي لدى الفرد والمجتمع بالعراق. كما إنها غير قادرة على الحفاظ على وحدة الوطن وسلامة الشعب. وهذا التشخيص ليس اجتهاداً وادعاءً مني، بل هو حصيلة فعلية قائمة للسياسات والممارسات السيئة وغير الديمقراطية الناجمة عن طبيعة النظام الطائفي وأهدافه ونهجه وسلوكه في التمييز والتهميش والإقصاء للآخر، الذي عاش ويعيش حتى الآن تحت وطأته العراق بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهات الفكرية خلال السنوات 14 المنصرمة والذي اقترن بفساد سائد بالبلاد باعتباره نظاماً قائما ومعمول به. وآخر دليل على ذلك يبرز في قرار إعفاء عبد الفلاح السوداني الذي طالبت هيئة النزاهة باعتقاله، واعتقل فعلاً ببيروت، ثم طالبت الحكومة بإخلاء سبيله لأن قراراً بالعفو صدر عنه من جانب الحكومة الحالية. إن السوداني عضو قيادي في حزب الدعوة الذي يترأسه حتى الآن نوري المالكي، نائب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء السابق، كما أن رئيس الوزراء الحالي هو عضو قيادي في هذا الحزب الشؤم. وكل الوزراء والنواب أو الأبناء الذين سرقوا وهربوا أو هربوا وأولئك الذين زوروا الشهادات واحتلوا مناصب مهمة، وجدوا الاحتضان والعفو من قبل أحزاب الإسلام السياسي الطائفية، الشيعية منها والسنية، ومن الحكومة المعبرة عن تلك الأحزاب.
لا يمكن للعراق المتعدد القوميات والمتعدد الديانات والمذاهب والمتعدد الاتجاهات الفكرية والسياسية أن يستقيم ويتطور ويحقق الوحدة الوطنية ويعزز نسيجه الاجتماعي الوطني الديمقراطي بوجود مثل هكذا نظام سلفي يعود لقرون خلت، بل لا بد من تأكيد معايير ومبادئ وأسس وأهداف حضارية تعود للقرن الحادي والعشرين، التي من شأنها أن تدفع بالعراق نحو الأمام وليس الانكفاء على الماضي ومآسيه وعلى القوى التي لا تحترم إرادة الإنسان وكرامته: وهنا أطرح بوضوح ما التزمت به قوى التيار الديمقراطي العراقي وما أضافت إليه واقترحته للمناقشة لجنة المبادرة لتوحيد القوى الديمقراطية واليسارية واللبرالية والشخصيات الدينية العلمانية والشخصيات والقوى المستقلة: 
المعايير والثوابت والقواسم المشتركة:
تتفق القوى المستهدفة على المعايير والاسس التالية:
** المواطنة أولاً، واحترام الهويات الفرعية.
** الديمقراطية السياسية والاجتماعية.
 ** الدولة المدنية الحديثة.
 ** العدالة الاجتماعية.
 ** استقلال القضاء.
 ** ضمان استقلال المفوضيات المستقلة عن الأحزاب السياسية والسلطة التنفيذية
 ** احترام حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة، وضمان حرية التعبير عن الرأي والتظاهر والاعتصام، وحرية الصحافة.
 ** اللامركزية وصلاحيات موسعة للمحافظات، في ظل عراق ديمقراطي فدرالي موحد.
 ** وضع القوانين والنظم المنظمة للعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم على وفق     
      الدستور.
 ** احترام التنوع وخيارات الاتحاد الطوعي وحق تقرير المصير على وفق احكام الدستور.
 ** سيادة العراق ارضاً وجواً وبحراً.
 ** نظام الحكم تعددي برلماني.
 ** التداول السلمي للسلطة وفق انتخابات نزيهة حرة وعادلة.
 ** الفصل بين السلطات.
 **  الفصل بين الدين والدولة.
 ** سيادة القانون وانفاذه دون تمييز.
 ** القوات المسلحة الوطنية بصنوفها وتشكيلاتها كافة هي الجهة الشرعية الوحيدة التي تحمل      السلاح دفاعا عن ارض العراق وامنه الداخلي.
 ** الجيش هو المسؤول عن حماية حدود العراق وسيادته.
 ** الشرطة وجهاز الأمن الداخلي هما المسؤولان عن الأمن الداخلي للبلاد.
 ** الاصطفاف الوطني الشامل ضد الارهاب والتطرف والتكفير والفساد.
 ** إعادة النازحين الى مدنهم وديارهم، واعادة الاعمار لمدنهم وتعويضهم.
نحو ميثاق وطني يتضمن:
 إجراء تعديل في الدستور يخلصه من الاختلالات الراهنة، وبما يضمن ترسيخ الديمقراطية والحداثة واحترام مبدأ المواطنة
** وحقوق الإنسان وتحريم التمييز بمختلف أشكاله وضد نشر الكراهية.
 ** تشكيل حكومة كفاءات وطنية عابرة للطائفية ورافضة لها.
 ** الاصلاح الحقيقي (السياسي، الاقتصادي، والاجتماعي والاداري والمالي والبيئي).
** استكمال تحرير الارض، ومواصلة مواجهة الارهاب وذيوله فكرياً وسياسياً وأمنياً. واستكمال بسط نفوذ سلطة الدولة ودحر الإرهابيين وإنهاء الانفلات الأمني، عسكريا وفكريا.
** حل مشكلات النازحين وقضايا المهجرين الناجمة عن كل فترة الصراع المسلح ورفض التغيير الديمغرافي وإعادة النازحين إلى ديارهم وإعادة الأعمار وتعويض المتضررين.
 ** إطلاق حملة شاملة لمواجهة مبرمجة ومنظمة للفساد واسترداد الأموال، وإجراء محاكمات عادلة      للفاسدين.
 ** استكمال مشروع المصالحة السياسية والمجتمعية على أسس قويمة.
 ** العمل على معالجة قضايا العدالة الانتقالية وحل مشكلات المعتقلين بمحاكمات عادلة للمتهمين أو إطلاق سراح المعتقلين دون مبرر فوراً وتعويضهم.
 ** الاهتمام بقضايا التنمية المستدامة، واستنهاض الاقتصاد الوطني بمزيد من الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية والخدمات الإنتاجية، لاسيما ملفات البنى التحتية، ومنها الكهرباء والماء
     والنقل والمواصلات والاتصالات.
 ** الاهتمام بمشكلة المياه والحصص المائية مع دول الجوار والمنفذ البحري للبلاد.
 ** تنشيط القطاعات الاقتصادية الخاص والمختلط والحكومي بما يسهم في تسريع عملية التنمية
     الاقتصادية والبشرية.
 ** الاهتمام بالسياحة وتوفير مستلزماتها باعتبارها توفي مورداً إضافياً للدخل القومي.
 ** معالجة مشكلة البطالة المتفاقمة ولاسيما بين الشبيبة، وعواقبها.
 ** معالجة تنامي الفقر وتزايد عدد الفقراء الذين يعيشون تحت خطر الفقر المحدد للدول النامية.
 ** الانتهاء من وضع قانون وطني فعال لشركة النفط الوطنية، وربط موارد النفط المصدر بالتنمية المستدامة وعملية التصنيع وتحديث الزراعة وتنويعها، بما يسهم في تخليص الاقتصاد العراقي من طابعه الريعي الاستهلاكي.
 ** العمل على تأمين الأمن الاقتصادي والغذائي للمجتمع العراقي.
 ** وضع القوانين الناظمة للعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم على وفق الدستور واعتماد المفاوضات في حل المشكلات القائمة بينهما، وكذلك مع الحكومات المحلية في المحافظات.
 ** ايلاء اهتمام استثنائي لقضية المرأة العراقية ومساواتها الكاملة في الحقوق والواجبات مع الرجل.
 ** إيلاء اهتمام خاص بالشبيبة واغناء حياتهم الثقافية والرياضية بمختلف جوانبها.
 ** إيلاء الثقافية الوطنية بجميع حقولها اهتماماً خاصاً وتوفير مستلزمات وصولها لفئات الشعب
      كافة.
 ** إصلاح المنظومة الانتخابية.
 ** إصلاح المفوضيات والهيئات المستقلة ومنع تدخل السلطة التنفيذية بشؤونها.
 ** التدقيق في اختيار شخصيات اعضاء المحكمة الاتحادية العليا وحصرهم بالقضاة المتمرسين المشهود لهم بالنزاهة والاستقلالية والثقافة.
 ** إصلاح أسس التربية والتعليم والبحث العلمي ووضع برامج علمية وديمقراطية لمختلف مراحل
     الدراسة. التوسع بالتعليم المهني والفني بما يتجاوب مع ضرورات التوسع بالتنمية. إنشاء مجلس 
    وطني أعلى للتعليم يأخذ على عاتقه وضع استراتجية التربية والتعلم
 ** إصلاح نظام الخدمات الصحية والتأمين الصحي والرعاية الاجتماعية والضمان الاجتماعي
     والاهتمام بذوي الحاجات الخاصة.
 ** توفير مستلزمات العيش الكريم للأرامل وأيتام سنوات الاستبداد والحروب والإرهاب.
 ** وضع حد للتدخل الخارجي بكل اشكاله في شؤون العراق الداخلية، والعمل لإقامة أفضل العلاقات    مع جميع الدول على أسس الاحترام والمنفعة المتبادلين والمصالح المشتركة.
بمثل هذا البرنامج يتمكن العراق من الحفاظ على وحدته واستقلاله وضمان سيادته وتمتع الشعب بخيراته وتمتع الفرد بحريته وكرامته وحقه في اختيار الدين أو المذهب أو الفكر الذي يناسبه ويحقق طموحاته مع الاحترام الكامل لحرية الآخر، وكما جاء في المثل المعروف "مد يدك بحيث لا تمس أنف غيرك". 

11
من اجل توحيد القوى الديمقراطية العراقية في مواجهة النظام السياسي
 الطائفي ومحاصصاته وضد الفساد والارهاب
تحت هذا الشعار تقييم لجنة تنسيقية التيار الديمقراطي العراقي في المانيا مع لجنة
المبادرة لتوحيد القوى الديمقراطية العراقية  ندوة حوارية حول مبادرات جمع وتوحيد كل القوى الديمقراطية العراقية وذلك في الساعة الثانية عشر  من يوم السبت المصادف 30-09-2017 والدعوة عامة للجميع .
البرنامج
الافتتاح بعزف  على الة العود
كلمة الترحيب
الجزء الاول من الساعة الثانية عشر الى الساعة الثالثة يتضمن طرح  مبادرات كل من
مبادرة التيار الديمقراطي
مبادرة الدكتور كاظم حبيب
مبادرة الحزب الشيوعي العراقي
مداخلة الاستاذ ضياء الشكرجي
لكل مبادرة 20  دقيقة
فترة الغداء
الجزء الثاني من الساعة الرابعة الى الساعة السادسة
البرنامج السياسي للمبادرات ومناقشته
البيان الختامي
NEUES  DEUTSCHLANDالعنوان .
FRANZ-MEHRING-PLATZ -1
10243 BERLIN

12
كاظم حبيب
طبيعة وقوى الصراع الجاري بالعراق
يتبلور الصراع الجاري بالعراق في المرحلة الراهنة فعلياً حول طبيعة الدولة التي يفترض أن تكون عليه بسلطاتها الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضاء، والمؤسسات الأخرى التابعة لها. ففي الوقت تسود العراق حالياً دولة طائفية - اثنية سياسية وزعت سلطاتها الثلاث ومؤسساتها العسكرية والمدنية على أسس المحاصصة الطائفية والأثنية السياسية المذلة لمبدأ المواطنة وكل المواطنات والمواطنين بالبلاد، والتي قادت البلاد إلى أسوأ العواقب، سواء أكان بتدمير النسيج الوطني والاجتماعي للشعب العراقي بكل قومياته واتباع دياناته ومذاهبه، أم بإشعال الحرائق الطائفية بين المليشيات الطائفية المسلحة التابعة للأحزاب الإسلامية السياسية وجر القوى الإرهابية الإسلامية المتطرفة والتكفيرية الإقليمية والدولية إلى العراق والتي ما تزال تمارس الإرهاب الواسع النطاق، أم ممارسة القتل على الهوية الدينية والمذهبية في طول البلاد وعرضها، أم بسيادة الفساد المالي والإداري في كل الدولة العراقية، وبالتالي تعطيل عملية التنمية والبناء والتعمير وتوفير الخدمات بالبلاد، أم بتسليم أجزاء عزيزة من الوطن العراقي إلى قوى الإرهاب الإسلامي الدولي (داعش) والبطش بالشعب قتلاً وسبياً واغتصاباً وبيعاً للنساء في سوق النخاسة الإسلامي ونهباً وتدميرا للإرث الحضاري العراقي. هذا النظام السياسي، وهو جزء أساسي ومركزي من سلطات الدولة الثلاث، الذي هيمن منذ العام 2005 على بقية السلطات، يدار من قوى وأحزاب إسلامية سياسية شيعية، مع وجود تبعي لأحزاب إسلامية سياسية سنية راكعة ومشاركة في كل ما وقع للعراق وشعبه من مآسي وكوارث مدمرة ما تزال مستمرة. هذا النظام، الذي يرفض المهيمنون عليه، إجراء أي تغيير حقيقي على قانون الانتخابات وعلى بنية المفوضية العليا "المستقلة!" للانتخابات، ويمارسون الفساد والتزوير والتشويه بأسوأ صوره، هو الذي يجب أن يتغير لصالح دولة ديمقراطية علمانية حديثة، دولة تترك خلفها الهوية الطائفية لصالح الهوية الوطنية وتحترم كل الهويات الفرعية، دولة دستورية ديمقراطية برلمانية نزيهة تكافح الإرهاب والفساد وتطهر البلاد منهما ومن رجس العنصرية والطائفية والإرهاب والعنف والفساد. إن الطائفية السياسية الجارية بالحكم والمجتمع هي من فعل الأحزاب الإسلامية السياسية، وهي لم تأت من فراغ ولم تنزل من السماء، بل من الأحزاب الإسلامية السياسية القائمة بالبلاد ومن دول الجوار ذات النهج والسلوك الطائفيين المدمرين، سواء أكانت حكوماتها تتتبع المذهب الشيعي، كما بإيران، أم المذهب السني، كما بالسعودية وقطر وتركيا، على سبيل المثال لا الحصر. هذا هو جوهر الصراع. وهذا الصراع تخوضه قوى بعينها، تخوضه قوى وأحزاب إسلامية سياسية، سواء أكانت ضمن البيت الشيعي، أم الجماعات السنية، سواء تلك المتحالفة حالياً مع رئيس قائمة "دولة القانون!" وعرابها النظام الإيراني، أم خارج هذا التحالف، ولكنها تمارس النهج الطائفي أيضاً من جهة، والقوى الديمقراطية، سواء أكانت يسارية، أم ليبرالية، أم قوى مستقلة، أم قوى دينية علمانية تؤمن بضرورة إبعاد الدين عن السياسة وعن الدولة من جهة ثانية. في هذه المسألة الجوهرية يفترض أن يكون الموقف واضحاً وجلياً وليس ضبابياً يقود إلى عواقب وخيمة بالنسبة للرؤية السليمة للواقع العراقي ولحركة الأوساط الشعبية والفئات الاجتماعية.
يتبلور اليوم وبشكل ملموس نسبياً اتجاه مهم في المجتمع، ولاسيما بين المسلمين، وهو موجود لدى أتباع الديانات الأخرى بالعراق، بأن على الدولة أن تكون حيادية إزاء الديانات وأتباعها، من أجل تجنب الصراعات الدينية والمذهبية التي سقط في مستنقعها العراق منذ العام 2003 حتى الآن. وهو درس مهم للوقت الحاضر والمستقبل. والقول الذي يشير إلى أن الصراع الجاري ليس مع المسلمين، هو صحيح جداً، ولكن الصراع هو مع تلك الأحزاب والقوى الإسلامية السياسية التي ما تزال تصر على ممارسة السياسة الطائفة وترفض الدولة الديمقراطية العلمانية وترفض المجتمع المدني الديمقراطي، إذ لا يكفي أن يقول الإنسان ضد الطائفية، وكفى المؤمنين شر القتال، إذ أن الطائفية ليست حالة مجردة، بل هي محمولة من قوى وأحزاب إسلامية سياسية ولديها ميليشيات وعلى القوى الديمقراطية تشخيصها بوضوح ودون مجاملات فارغة لا تقود إلى الرؤية المطلوبة، ولكي لا يلتبس الأمر على الناس ويتشوش الموقف الصحيح المطلوب في الصراع الجاري في المجتمع. نحن في صراع مع الإسلاميين الطائفيين السياسيين الذي فرضوا الطائفية السياسية على الحكم والمجتمع ومارسوا التمييز والتهميش والإقصاء بكل أشكاله المرضية التي وضعت العراق في حالته الراهنة! وهؤلاء هم في الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية والسنية التي لم تتخل عن نهجها حتى الآن! 
                   

13
من اجل توحيد القوى الديمقراطية العراقية في مواجهة النظام السياسي
الطائفي ومحاصصاته وضد الفساد والارهاب

تحت هذا الشعار تقيم لجنة تنسيقية التيار الديمقراطي العراقي في المانيا مع لجنة المبادرة لتحريك ودعم التوجه صوب التعاون والتنسيق والتحالف بين القوى الديمقراطية العراقية ندوة حوارية حول مبادرات جمع وتوحيد كل القوى الديمقراطية العراقية وذلك في الساعة الحادية عشر من صباح يوم السبت المصادف 30-09-2017 والدعوة عامة للجميع.
البرنامج
الافتتاح: عزف منفرد على آلة العود
كلمة الترحيب
الجزء الاول من الساعة الحادية عشر الى الساعة الواحدة والنصف ويتضمن:
طرح المضامين الأساسية للمبادرات وأوضاع العراق الراهنة وضرورات وحدة القوى الديمقراطية:
** مطالعة لجنة تنسيق قوى التيار الديمقراطي العراقي في المانيا ويقدمها الأستاذ هيثم الطعان، عضو تنسيقية الخارج وممثل تنسيقية ألمانيا.
** مطالعة منسق لجنة المبادرة لتحريك ودعم التوجه صوب التعاون والتنسيق والتحالف بين القوى الديمقراطية العراقية، الدكتور كاظم حبيب 
** مطالعة ممثل منظمة الحزب الشيوعي العراقي في ألمانيا
** مطالعة الشخصية الديمقراطية العلمانية المستقلة الاستاذ ضياء الشكرجي
** يدير الندوة الشخصية الديمقراطية العراقية السيد الدكتور صادق اطيمش
لكل مبادرة 20 دقيقة
وقت المناقشة: من الساعة الثانية عشر والنصف حتى الساعة الثانية والنصف
فترة الغداء
الجزء الثاني من الساعة الثالثة والنصف الى الساعة السادسة مساءً
مقترحات البرامج السياسية للمبادرات ومناقشتها
عزف موسيقي
البلاغ الختامي
NEUES DEUTSCHLAND, 10243 BERLIN ,FRANZ-MEHRING-PLATZ -1


14
كاظم حبيب
من أجل عراق ديمقراطي يزيح الطائفية السياسية ومحاصصاتها المذلة!

لم يكن سقوط نوري المالكي في أعقاب تسليمه الموصل لعصابات داعش وتسببه بالمجازر والإبادة الجماعية التي وقعت بنينوى سقوطاً له وحده، بل كان سقوطاً مدوياً للنظام السياسي الطائفي ومحاصصاته الطائفية والأثنية المذلة للشعب، سقوطاً للأحزاب والقوى الدينية الإسلامية السياسية الطائفية، الشيعية منها والسنية الحاكمة، كما كان سقوطاً للنعرات القومية الشوفينية وتلك المصابة بضيق الأفق القومي. وكان هذا السقوط إعلاناً بوجود نظام سياسي بمثابة جثة هامدة متعفنة يراد دفنها قبل أن تتسبب بأمراض جديدة. ولكن المشكلة برزت في عدم وجود دفان لها وحامل قادر على النهوض بمهمات الوضع الجديد، مما أدى إلى استبدال الوجوه لا غير، وهو أمر أدركه الكثير من أبناء وبنات العراق بحسهم السياسي الفطري. وكان الحراك الجماهيري وتنوع القوى المشاركة فيه، ابتداءً من الحراك المدني ومروراً بالتحركات المهنية لكثير من التجمعات السكانية والتظاهرات والإضرابات المطالبة بالكهرباء أو غيرها من الخدمات الاجتماعية المغيبة حتى الآن، وانتهاءً بتحرك واسع وقوي ومؤثر لقوى التيار الصدري السياسي-الاجتماعي. بمعنى أخر إن الظرف الموضوعي كان مؤهلاً لا لتغيير الطاقم الحاكم حسب، بل والتخلص من النظام السياسي الطائفي وبناء نظام سياسي ديمقراطي علماني لصالح الشعب المستباح. والخلل في الواقع العراقي يبرز في عدم نضوج الظرف الذاتي، أي عدم نضوج قدرات القوى المناهضة للنظام السياسي الطائفي ومحاصصاته للنهوض بعملية التغيير السلمي والديمقراطي لمسيرة الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث ومجمل الوضع العام بالعراق، مع ادراكنا للدور السيء الذي تلعبه إيران على نحو خاص وعبر تدخلها ووجودها الفعلي بالعراق في استمرار النظام الطائفي ومحاصصاته في الحكم ومناهضة أي تغيير منشود من اشعب العراقي حتى الآن.
هذا الواقع ما يزال إلى حدود غير قليلة مؤثراً في الوضع العام، رغم التحسن المتنامي في الظرف الموضوعي، وانكشاف أكبر لفضائح القوى الحاكمة ومن يقف خلفها، لصالح التغيير، وكذلك رغم تحسن الظرف الذاتي للقوى الساعية للتغيير، أي القادرة بشكل أفضل على تحمل المسؤولية. إذن أين المشكلة؟ المشكلة كما أرى في تبعثر جهود القوى المعارضة للنظام السياسي الطائفي والمحاصصة الطائفية، وفي عجزها حتى الآن عن إيجاد اللغة المشتركة وأساليب النضال المشتركة التي تنعكس في برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي مشترك لكل القوى الديمقراطية التي يعز عليها استمرار معاناة الشعب!
هذا الواقع هو الذي يحرك القوى الديمقراطية العراقية إل التفتيش عن إمكانيات للتعاون والتنسيق والتكامل في النضال لصالح التغيير. ومن هذا المنطلق أيضاً بدأ في الفترة بين عامي 2015/2016 التفكير لدى مجموعة من العراقيات والعراقيين بالخارج حول مدى إمكانية المساهمة في هذا الجهد والمبادرة إلى طرح مجموعة من الدراسات حول أوضاع العراق وبلورة المهمات التي تواجه حركة التغيير الديمقراطي الجذري. وفي حينها تم الاتفاق مع المكتب التنفيذي للتيار الديمقراطي ببغداد على العمل المشترك لإنجاز مثل هذه الدراسات وعقد ورشات عمل لمناقشتها، وتم توزيع المهمات على كتاب داخل العراق وآخرين خارج العراق. وفعلاً أنجزت اربع دراسات مهمة من ثلاث من الخارج وواحدة من الداخل. وتم عقد ندوة في مدينة هامبورغ قدمت فيها الدراسات الأربع للمناقشة. وبعد مناقشتها وإقرارها، أرسلت إلى المكتب التنفيذي للتيار الديمقراطي، كما نشرت عبر الإنترنيت على نطاق واسع. ألا إن ندوات لهذا الغرض لم تعقد بالداخل لمناقشتها.
وفي فترة قصيرة لاحقة تبلور الموقف لدى مجموعة من الإخوان بالخارج، فشكلت لجنة سميت بلجنة المبادرة من أجل حث القوى الديمقراطية العراقية والقوى القومية الديمقراطية والقوى اللبرالية والشخصيات الدينية المتفتحة والمدنية والعلمانية والمستقلة والضغط عليها لتسريع عملية الحوار والمناقشات المكثفة والضرورية حول الموقف من الانتخابات العامة ومستقبل العراق والموقف من النظام السياسي الطائفي المحاصصي، بأمل طرح مشروع أو أكثر لمناقشته من جانب القوى السياسية المناهضة للطائفية والمحاصصة وساعية إلى التغيير الفعلي في الوضع. وقد أطلقت هذه اللجنة المستقلة والديمقراطية اسم "لجنة المبادرة لتحريك ودعم التوجه صوب التعاون والتنسيق والتحالف بين القوى الديمقراطية العراقية". وفي كانون الأول/ديسمبر 2016 أقر المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي العراقي مبادرة مهمة هي دعوة القوى الديمقراطية العراقية إلى التعاون والتنسيق وتوحيد الصفوف لمواجهة الأوضاع المتردية بالعراق وتحقيق عملية التغيير. وقد تبنى التيار الديمقراطي العراق هذه المبادرة أيضاً ووضع في وقت لاحق ومتأخر نسبياً برنامج زمني لإنجاز المهمة.
في الشهر الثالث من عام 2017 توجهت لجنة المبادرة إلى نشر مبادرتها والدعوة إلى مناقشة أوضاع العراق ووضع برنامج عمل للنضال من أجل التغيير الجذري في الواقع العراقي الراهن. صدرت هذه الدعوة في بيان نشر على نطاق واسع، وتضمن عقد مؤتمر عام لكل القوى التي تلتقي في ما بينها على أهداف مشتركة لتضع الصيغة المشتركة لهذا البرنامج كمحصلة لتلك النقاشات المكثفة بين كل القوى الديمقراطية العراقية. وكنا نعتقد بان الوقت متأخر جداً ولا بد من تسريع وتيرة العمل والنقاش للوصول إلى الأهداف المرجوة. وجرى لقاء بين أعضاء من لجنة المبادرة مع المكتب التنفيذي للتيار الديمقراطي بأربيل، وكذلك مع السيدة ميسون الدملوجي عن الوفاق الوطني ومع آخرين بهدف تسريع الحوارات ومعرفة المواقف المختلفة. 
أن متابعة النقاشات والحوارات الجارية بين أطراف ديمقراطية تشير إلى وجود توجه جاد للعمل المشترك ووضع برنامج مشترك، ولكن ما ينقص هذا الحراك يبرز في البطء الكبير في إنجاز الخطوات المطلوبة. وهذا يعني عملياً احتمال حصول تأخر في عقد المؤتمر المنشود. إنها المشكلة القديمة التي تعاني منها القوى الديمقراطية في حركتها للوصول إلى اتفاقات مشتركة.
لا أشك في وجود صعوبات وحساسيات ومشكلات غير قليلة تعترض سبيل العمل بهذا الاتجاه، ولكن لا يجوز لها أن تعيق الوصول إلى برنامج عمل مشترك والبدء بالتحضير إلى عقد مؤتمر عام يحضره من وافق على التعاون والتنسيق، إذ يمكن أن يلتحق من لم ينهِ حتى عقد المؤتمر موقفه من التحالف المنشود وتوحيد القوى في النضال لمواجهة الوضع المتأزم بالداخل.
لقد نشر المكتب التنفيذي المعايير والأهداف التي يراها ضرورية للنضال المشترك في رسالة موجهة إلى القوى الديمقراطية والمناهضة للطائفية السياسية والمحاصصة. وتسلمت لجنة المبادرة نسخة منها. والمقترح يتضمن معايير وأهداف مهمة وواقعية إلى حدود بعيدة. درست لجنة المبادرة هذه الوقة بعناية ووضعت أهم وأبرز تصوراتها المكثفة في صلب ورقة المكتب التنفيذي لقوى التيار الديمقراطي العراقي. وتم إرسالها إلى المكتب التنفيذي للتيار الديمقراطي والقوى الأخرى التي يهمها المشاركة في النقاشات والمؤتمر. وبعد مرور أكثر من شهرين على نشرنا ذلك قمنا يوم أمس بنشرها ثانية وتوجيهها إلى المكتب التنفيذي للتيار الديمقراطي وقيادات الأحزاب والقوى والشخصيات المقصودة في مبادرتنا. وقد نُشرت ورقة العمل المعدلة لورقة التيار الديمقراطي على نطاق واسع وفي مواقع كثيرة، بأمل مناقشتها ومن ثم التوجه لعقد المؤتمر العام في خريف هذا العام 2017، إذ لم يعد هناك وقت كثير قبل الانتخابات العامة القادمة والموقف منها والتحالفات التي يمكن بلورتها في هذا العام وليس في العام القادم.
إن المبادرة الفعلية لمثل هذا العمل تتحمله القوى السياسية الديمقراطية واللبرالية والمستقلة بداخل العراق، لأنه الموقع النضالي الأساسي لعملية التغيير، وما دور الخارج إلا المساعدة في التعبئة والترويج لصالح التغيير. والواقع العراقي يشير إلى إمكانيات ملموسة مهمة تؤكد توجه المزيد من الناس لصالح التغيير، وهذا الجديد في الأجواء العراقية هو الذي استفز القوى الحاكمة ودفعها للبدء بحملة من الافتراءات ضد قوى التيار الديمقراطي ويعكس نفاذ صبرها لخشيتها من خسارة الحكم الذي تتشبث به بلك السبل غير المروعة.   
واحدة من الظواهر السلبية الراهنة بالعراق تبرز في موقف القوى الكردستانية من القوى الديمقراطية العراقية وموضوع التعاون والتنسيق معها لصالح التغيير. فالتحالف الكردستاني والقوى والأحزاب الكردية بكردستان العراق لم تساهم خلال الفترة المنصرمة، ولا تساهم الآن أيضاً، في النشاط السياسي الديمقراطي الضروري للتصدي للمحاصصة الطائفية التي وضعت العراق على كف عفريت. إنها قد اتخذت في البرلمان العراقي مواقف ضد تغيير مفوضية الانتخابات لصالح القوى الديمقراطية ونزاهة الانتخابات وساهمت مع القوى الطائفية على بقاء المحاصصات الطائفية والأثنية في مفوضية الانتخابات فعلياً، كما اتخذت نفس الموقف من قانون انتخابات مجالس المحافظات وأقرت طريقة سانت ليغو 1،9 السيء الصيت والفعل، والآن أقرت أيضاً ذات الطريقة ولكن بـ 1،7، وهي تعرف إن هذه الطريقة مضرة بالحركة الديمقراطية العراقية عموماً وبالحركة الديمقراطية الكردستانية خصوصاً، وهي بهذا تلحق ضرراً بها، شاءت ذلك أم وبمواقف القوى الديمقراطية التي تريد وتسعى إلى التغيير الذي ينفع الشعب الكردي، إضافة إلى إيجابيات التغيير لصالح كل القوميات في المجتمع العراقي. أتمنى على الأخوة والأصدقاء في الأحزاب الكردستانية دراسة المسالة واتخاذ الموقف المناسب لصالح عملية التغيير بالعراق والتي ستخدم القضية الكردية وحق الشعب الكردي في تقرير مصيره بنفسه.
وفي ضوء ما تقدم اتوجه بالنداء إلى كل القوى الديمقراطية والقومية واللبرالية والمتدينة العلمانية والشخصيات السياسية المستقلة، العربية والكردية ومن القوميات الأخرى، وإلى كل من تهمه قضية التحول الديمقراطي السلمي للعراق والخلاص من النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته، إلى تعجيل مشاوراتها ومناقشاتها والاتفاق الأولي على صيغة المعايير والبرنامج العلمي وطرحه في مؤتمر لا يتجاوز بأي حال خريف هذا العام، لكي يمكن خوض غمار النضال السلمي والديمقراطي للتغيير المنشود عبر صناديق الانتخابات، الذي يزداد طموح العراقيات والعراقيين له للخلاص من الأوضاع التي خلقتها القوى التي حكمت العراق طيلة 14 عاماً، وخرائب العراق وشهداءه والفساد هو التعبير الصارخ عن منجزات هذه القوى الحاكمة التي زكمت عفونتها ونتانتها أنوف كل العراقيين. 
كاظم حبيب   

15
كاظم حبيب
هل فقد الحاكم التركي المستبد بوصلة العقلانية السياسية والدبلوماسية!
منذ عدة سنوات والعالم يتابع بقلق الأوضاع المتدهورة سياسياً واقتصادياً واجتماعيا بتركيا، سواء أكان باحتضان الحزب الحاكم لقوى الإرهاب الدولي (داعش وما يماثله) والسماح لها بعبور الحدود صوب سوريا والعراق ومساعدتها بمختلف السبل، أم البدء التخلي عن الحل السلمي والديمقراطي للقضية الكردية بكردستان تركيا وبد الحرب ضد المناضلين في سبيل حقوقهم العادلة والمشروعة، أم باختراق قواته المسلحة إلى الأراضي العراقية بصورة غير شرعية وإقامتها معسكراً لها، كأي محتل، في بعشيقة، إضافة إلى تفاقم نهج التخلي عن العلمانية في بنية الدولة التركية لصالح الإسلام السياسي ومعاداة الديمقراطية والرأي الآخر والتجاوز الفظ على حقوق الإنسان.
إلا إن هذه التوجهات السلبية في السياسة التركية على الصعد الداخلية والإقليمية والدولية قد تسارعت بتعجيل مضاعف منذ محاولة الانقلابية الفاشلة التي نفذتها مجموعة من الضباط وضباط الصف والجنود الترك ضد حكومة رجب طيب أردوغان. إذ إن قيادة حزب العدالة والتنمية قد أدارت دفة الدولة بـ 180 درجة، بحيث زجت بالسجن ليس المجموعة الانقلابية الصغيرة فحسب، بل وأمرت بفصل واعتقال عشرات الألاف من المواطنين والمواطنات ممن لا دخل لهم بالانقلاب وجماعته، بحيث شمل ذلك العاملين في أجهزة التعليم كافة والقضاء والسلك الدبلوماسي وكل الوزارات والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص. كما تجاسرت واعتقلت صحفيين يحملون جواز سفر ألماني او من العاملين في مؤسسة العفو الدولية، واعتقال امرأة تحمل الجوازين الألماني والتركي مع طفلها ذي السنتين وزجتهم في السجن بانتظار المحاكمة. والتهم ضد الجميع ليس فقط تأييد محاولة الانقلاب، بل وكذلك تهمة العمل ضد الدولة ومساعدة قوى إرهابية، وهم يعنون بذلك حزب العمال الكردستاني وقوى الإسلام السياسي الإرهابية التي احتضنوها قبل ذاك بالتعاون مع قطر والسعودية.
لقد حول قادة حزب التنمية والعدالة، ولاسيما المستبد بأمره رجب طيب أردوعان، تركيا إلى سجن كبير تعيش تحت وطأته شعوب تركيا، وسجن صغير يضم الآلاف من المعتقلين السياسيين من الترك والكرد والعلويين ومن أتباع فتح الله كولان وغيرهم. ويتسم اردوغان واليوم بالسمات ذاتها التي تميز بها الدكتاتور العراقي صدام حسين، الذي حكم العراق طيلة الفترة بين 1968 -2003، أو المستبد بأمره نوري المالكي الذي حكم العراق بين 2006 - 2014، والتي قادت العراق إلى عواقب وخيمة ومدمرة.   
وعلى وفق ما ينشر في الصحف العالمية عما يجري بتركيا والأخبار المباشرة التي تصل من تركيا تشير إلى أن المستبد بأمره يريد إعادة العمل بقانون يجيز إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام بحق المزيد من الناس ممن يتهمهم بتهم ملفقة غالباً ما يلصقها المستبدون بمعارضي النهج الدكتاتوري في الحكم ومصادرة الحريات العامة وحقوق الإنسان والديمقراطية، ولاسيما حكام الشرق الإسلامي.
بدأ أردوغان في الأشهر الأخيرة بشن حملة هستيرية ضد ألمانيا وساستها، فاتهم ألمانيا والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بالنازية، واتهم وزير الخارجية الألماني بشتى التهم السخيفة وأخرها نعته وزير البيئة التركي بأنه يمارس سياسة مستنسخة عن اليمنيين والعنصريين الألمان. ثم أصدر وزير خارجية تركيا مذكرة إلى الانتربول يطلب فيها اعتقال الكاتب الألماني من أصل تركي دوجان أخانلي. وقد اعتقل فعلاً في اسبانيا أثناء قضاء فترة استراحة هناك، ولكن أطلق سراحه بعد 18 ساعة، إلا إنه سيبقى في اسبانيا إلى حين صدور قرار بحقه يسمح له مغادرة اسبانيا.
ويومياً ينبري أردوغان وزراءه بشن حملات إعلامية ضد الدولة الألمانية وحكومتها وبعدوانية شديدة تتنافى مع الأعراف الدبلوماسية. فما الهدف من وراء هذه الحملة الجديدة المركزة ضد ألمانيا؟
يبدو لكل متتبع لمجرى تطور الأوضاع بتركيا إلى أن أردوغان يسعى بجهود محمومة إلى خلق "صورة عدو" مناهض لتركيا ليعبئ حوله الناس الترك ضد هذا العدو الخارجي، ويبعدهم عن التفكير فيما وصل إليه الحال بتركيا في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولاسيما البطالة وتراجع غير مسبوق بعدد السياح إلى المناطق السياحية بتركيا، وتنامي الهجرة التركية وطلب اللجوء السياسي بالدول الأوروبية، ولاسيما بألمانيا. كما يسعى إلى إشاعة الفتنة بين الألمان والترك المقيمين بألمانيا، من خلال دعوة الترك بألمانيا بعدم التصويت لصالح مرشحي الأحزاب الألمانية وذكر بالاسم الأحزاب التالية وكل "حزب يعادي تركيا!"، هي "الحزب الديمقراطي المسيحي وشقيقه الحزب المسيحي الاجتماعي، والحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني وحزب الخضر في الانتخابات التي ستجري بألمانيا في 24 أيلول/سبتمبر 2017، باعتبارها أحزاب معادية لتركيا. وبالتالي يحاول تعبئة المزيد من الترك إلى جانبه ضد ألمانيا.
يبدو لكل متتبع إن هذا الرئيس العثماني الجديد و"المسلم القح" قد فقد سلامة التفكير وعقلانية الحكم تماماً وتحول إلى حاكم مستبد لا يراعي حرمة الناس ولا يلتزم بالأعراف الدبلوماسية ولا بنهج سياسي معتدل، ولا بالحفاظ على العلاقات الودية التاريخية بين الشعب التركي والشعب الألماني. وقد ندد قادة ألمانيا بالتدخل الفظ للرئيس التركي في سيادة الدولة الألمانية. كما اتهم وزير الخارجية الألماني سيغمار غابريل أنصار الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بألمانيا تهديد زوجته برسائل وتحرشات دنيئة في وقت تخيم أزمة دبلوماسية جديدة على العلاقات بين أنقرة وبرلين. وأكد وزير خارجية ألمانيا، في تصريح بثته قناة "ان تي في" الإخبارية الثلاثاء، إن حدة أسلوب اردوغان في التعاطي مع برلين دفع البعض على ما يبدو إلى محاولة تهديد ومضايقة زوجتي " (موقع إيلاف مصر، بتاريخ 24/08/2017)، وهي طبيبة أسنان.   
إن من يتابع سياسات حكام تركيا في المرحلة الراهنة يدرك عن حق بإن هؤلاء الساسة، وعلى رأسهم أردوغان، قد فقدوا بوصلة العقلانية في ممارسة السياسة والعلاقات الدبلوماسية الدولية، وهي التي ستجر على تركيا الكثير من المصاعب والمشكلات المعقدة، وخاصة في اتجاه تطور البلاد واقتصادها وحياتها الاجتماعية والعلاقات بين الناس، إضافة على العلاقات مع أوروبا. إلا أن المتضرر من كل ذلك هم أبناء وبنات القوميات العديدة بتركيا من ترك وكرد وأرمن أو مسيحيين عموماً وعلويين وغيرهم، وليس الحكام الذين يريدون إعادة نظام السلطنة المريض والبائد إلى تركيا، واعتبار أردوغان السلطان الجديد فيها!!!               


16
في الذكرى السنوية لاستشهاد المناضل كامل عبد الله شياع
إلى رفاق وأصدقاء المناضل الشيوعي العراقي كامل شياع عبد الله
أنش هذه المادة التي أرسل نصها لي الصديق والرفيق والمناضل المدني الديمقراطي كامل عبد الله شياع (1954 – 2008م) قبل سنوات من استشهاده على أيدي إحدى أو أكثر من المليشيات الطائفية المسلحة التابعة لقوى والأحزاب الإسلامية السياسية بالعراق في الذكرى السنوية لاستشهاده (23/08/2008). وهي مساهمة نظرية مهمة في أطار النقاشات التي كانت وما تزال تدور في الدول الغربية وفي دول العالم الثالث عن الديمقراطية والمجتمع المدني، وعن عمق وعيه بطبيعة المجتمع المدني ودورهما في المجتمعات النامية.
كاظم حبيب   


عودة إلى الديمقراطية والمجتمع المدني
كامل شياع
لا يمكن للحديث عن الديمقراطية والمجتمع المدني أن يتفادى التكرار حينما يتعلق الأمر بتحديد معانيهما وعرض أصولهما ونماذجهما القائمة. هذان المفهومان، المترابطان والمعتمدان على بعضهما، يشكّلان فيما بينهما وحدة عضوية مميزة للمجتمع الغربي الحديث وللفكر السياسي المعبر عنه والمؤسس له.
تطرح هذه الورقة بعض الأسئلة المرتبطة بالنقاش النظري حول المفهومين المذكورين، وحول ممكنات تطبيقهما خارج سياقهما التاريخي والثقافي التقليدي المتمثل بالعالم الغربي الحديث. من المعروف أن النقاش عندنا حول الديمقراطية، أو ما شابهها من نظام يحتكم لإرادة الشعب لا إلى إرادة الحاكم المطلق، قديم يعود إلى نهاية القرن التاسع عشر. ولعل عبد الرحمن الكواكبي في كتابه " طبائع الاستبداد " أول من تصدى للموضوع حين أشار إلى أن " الحكومة، من أي نوع كانت، لا تخرج عن وصف الاستبداد ما لم تكن تحت المراقبة الشديدة والمحاسبة، التي لا تسامح فيها "(ص 32)1. ولئن اعتبر الكواكبي مشكلة الحكم من أقدم المشاكل في تاريخ البشرية، فإنه لاحظ أن الغرب قد قرر لها قواعد أساسية " تضافر عليها العقل والتجريب، وحصحص فيها الحق اليقين فصارت تعد من المقررات الإجماعية عند الأمم المترقية" (ص 134). حملت أفكار الكواكبي ومن سبقه من المصلحين رجع ما سمي بصدمة الحداثة التي باغتت مجتمعاتنا العربية والإسلامية وأوقفتها إزاء مواجهات صعبة وخيارات مؤلمة نفسياً ومعقدة عملياً. أما المواجهات فيجملها التحدي الغربي الذي ما أنفك يعلن عن نفسه منذ القرن التاسع عشر، ولعله سيستمر إلى أجل غير معلوم طالما امتلك الغرب القوة والمعرفة والاستقرار السياسي الذي صار ينعم به، بشكل استثنائي، منذ نيّف وخمسين سنة. لقد ظل التحدي قائماً رغم تغير الدور التاريخي للغرب من صاحب رسالة حضارية إلى مستعمر غاز ومن ثم إلى مركز يتحكم، عن بُعد، بمصير أطراف العالم اقتصادياً وعلمياً كما يحصل حالياً في سياق عملية العولمة وسياساتها. وظل التحدي قائماً حتى بعد أن صار الغرب أكثر تشككاً بشمولية مفاهيمه عن الحداثة والتقدم التاريخي والقيم الثقافية والأخلاقية، وأكثر حذراً في تصدير أفكاره وطريقة حياته التي نفذت فعلياً إلى مجتمعات العالم دون استثناء لتفرض نفسها من الداخل كجزء أصيل من حاجات التطور الواقعية فيها. ولا نقصد هنا الديمقراطية البرلمانية والحريات السياسية فقط، وإنما نشاطات الجماعات المنظمة حول مطالب حقوق الإنسان ومساواة المرأة بالرجل والحريات الجنسية وحماية الطفولة والدفاع عن البيئة وسواها من القضايا. ونضيف إلى ذلك الإقبال على التسهيلات التي تمنحها ثورة الاتصالات والمعلومات، وشيوع النزعات الاستهلاكية للمنتجات المادية والثقافية. وظل التحدي الغربي قائماً حتى مع انضغاط بعدي الزمان والمكان وتقارب أطراف العالم الذي تحول حقاً إلى قرية صغيرة، وتحقق تجانس متزايد في أنماط الحياة والاستهلاك، واتساع حدود الهجانة الثقافية المميزة للحقبة ما بعد الحداثية المعاصرة، وتفتت المسلمات الكلاسيكية للمركزية الغربية. كل هذا يبرر الأخذ بثنائية ما عادت متداولة كثيراً في أيامنا، هي ثنائية التقدم والتأخر عند الحديث عن التفاوت البنيوي بين مراكز العالم وأطرافه، ذلك أن التفاوت قد تضاعف عملياً مع زعزعة حدود الدولة الوطنية، والعولمة الاقتصادية وتزايد الهجرة إلى المراكز الغنية.
وأما الخيارات فتجلت في طيف من الاستجابات التي نحا بعضها منحى إصلاحياً رفض من الأساس إمكانية التحديث على الطريقة الغربية - التي هي غير ممكنة عملياً - وحاول أن يوفق بين تقاليد الماضي وضرورات التحديث، جامعاً بين إعادة تفسير التراث والانفتاح بصورة انتقائية على المستجدات المادية والثقافية. ونحا بعضها الآخر منحى جذرياً افترض وحدة التاريخ وحتمية التطور باتجاه خطي صاعد، ونظر إلى الهوية الحضارية كنتيجة للتغيير وليس مقدمة له. من المهم أن نشير هنا إلى أن هذه الاستجابات لم تثمر حتى الآن عن بدائل مقبولة وراسخة على جميع المستويات، تطمئن الشعور العام في مجتمعاتنا بعسر الحاضر وغموض المستقبل. إنها لم تتمكن إجمالاً من التفاعل الإيجابي مع الفرص التاريخية الموجودة دائماً بتواز مع وجود الضرورات والتحديات الفكرية والعلمية والسياسية.   
لنعرض أولاً لمحة عن مفهومي الديمقراطية والمجتمع المدني، ونبدأ بالأولى التي نستدل عليها من غيابها عن حياتنا في ماضيها وحاضرها. ذلك أن نقيضها ظل هو السائد و " الصالح" لكل الأزمان بهيئة حاكم مستبد أو دولة متسلطة أو علاقات اجتماعية قائمة على التراتبية والأبوية، الأمر الذي ساعد على ترويج التعميم القائل بأن الديمقراطية حكر على المجتمعات الغربية المسيحية دون سواها، وأنها ميزة جوهرية للفكر الغربي مقارنة بنقيضه الشرقي الاستبدادي. في الواقع أن مصطلح الديمقراطية الذي يعود أصله إلى القرن الخامس قبل الميلاد ويشير إلى شكل محدد من أشكال الحكم يتيح للشعب حكم نفسه بنفسه، ما كان أبداً من المسلمات المجمع عليها من قبل المفكرين ورجال الحكم عبر تاريخ أوربا. فقد عارض الديمقراطية كل من أفلاطون وأرسطو، لأنهما وجداها عاجزة عن تحقيق مثالهما الأعلى للمجتمع السياسي. وطواها النسيان طيلة فترة العصور الوسطى، لتدخل من جديد مجال التفكير في القرن الثالث عشر الميلادي، قبل أن تتجسد في تنظيمات المدن-الدول خلال عصر النهضة. أما في العصر الحديث فقد فرضتها الثورة الفرنسية بالسلاح والدم، لكن أمرها، كنظام سياسي، لم يحسم نهائياً في غرب أوربا إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، أي بعد القضاء على الفاشية. الدولتان الغربيتان الوحيدتان اللتان استمر فيهما العمل بالمؤسسات الديمقراطية دون ردة أو انقطاع هما بريطانيا والولايات المتحدة. في مفهومها المتعارف عليه حالياً تقوم الديمقراطية على ركائز عدة تشمل حرية التعبير والاجتماع، المشاركة في الاقتراع العام، حرية الصحافة، المشاركة السياسية، سيادة القانون والانتخابات. هذه الركائز ليست مجرد إجراءات شكلية لتنظيم واحتواء الصراع السياسي، لأنها مستمدة من نظرة فلسفية لطبيعة المجتمع والسلطة وحقوق الأفراد وحرياتهم. وبمقدار ما يتعلق الأمر بتطبيق الديمقراطية خارج السياق الغربي، فإن من السذاجة توقع تحققها دفعة واحدة حسب الطلب، كما أن من الصعب استنباتها في شروط اجتماعية وسياسية وثقافية ما زالت تنظر إلى السلطة كمُلكية فعلية أو رمزية، وإلى الأفراد كرعايا ضمن سلّم تراتبي لوشائج عائلية أو طائفية أو قبلية. إن الاعتراف بالتحقق التدريجي للديمقراطية في مجتمعات لا عهد لها بها، وهو تحقق نابع من جدلية التاريخ لا من كرم النظريات، ينبغي أن يتلازم مع الانتباه إلى أنها قضية نضال دائم، وإلى أن التعامل الجدي معها يستدعي مراجعة جذرية لمنظومة المفاهيم والعلاقات السائدة. لتبني الديمقراطية كثقافة وكمبدأ لتنظيم الصراع السياسي ثمن لا بد من دفعه.
أما إذا تطرقنا إلى المجتمع المدني فسيلتبس الأمر قليلاً، لأن هذا المصطلح الحديث نسبياً قد حمّل منذ شيوعه دلالات متنوعة. لنتأمل وصف جان جاك روسو لماهية المجتمع المدني. يقول في السطور الأولى من الجزء الثاني من مقالته المشهورة والمعنونة" خطاب حول أصل التفاوت بين الناس " ، إن " الإنسان الأول الذي سوّر قطعة من الأرض وأعلن للناس : هذه ملكي ، ووجدهم سذجاً بما فيه الكفاية لتصديقه، كان المؤسس الحقيقي للمجتمع المدني. كم من الجرائم والحروب والقَتَلة، كم من الرعب والنوائب كان يمكن توفيره على البشرية لو خرج واحد من الناس ………وصاح بهم: إحذروا هذا الدجال؛ ستلحق بكم كارثة لو نسيتم بأن ثمار الأرض ملكنا جميعاً، وأن الأرض نفسها لا تعود ملكيتها لأحد ". لا حاجة هنا للتأكيد على الدلالة السلبية للمجتمع المدني القرين بالملكية الفردية المذمومة العواقب، فهي واضحة في النص بما فيه الكفاية. المجتمع المدني كمرادف للأنانية الناتجة عن الملكية الفردية ورد تشخيصه عند هيغل أيضاً. فهو عنده والمجتمع البرجوازي صنوان، حيث يبدأ الفرد فيه يعي نفسه كإنسان مختلف عن إنسان المجتمعات القديمة التي حصرت المواطنة بحدود البلد. فالإنسان البرجوازي لا يستمد هويته إلا من تخطي الحدود الوطنية، لأن تلك الهوية تمثل تجلي العقل الشامل في التاريخ. في الوقت نفسه فإن هذا الإنسان البرجوازي لا يكرّس نفسه، كما فعل أسلافه القدماء، للحياة العامة فقط، لأنه ينتمي فعلياً إلى طبقة لا تريد أن تفرط بمصالحها الخاصة. لكي نتصور بشكل أوضح مفهوم هيغل للمجتمع المدني ينبغي أن نضعه في سياق مفهومه للدولة كما عرضه في " فلسفة الحق"، حيث تجد الدولة في العائلة والمجتمع المدني المقدمتين التاريخيتين والمنطقيتين لوجودها. الحركة الثلاثية للجدل الهيغلي والقائمة على الأطروحة ونقيضها وتركيبهما تبسط نفسها هنا بالشكل التالي: هناك أولاً العائلة التي تسودها روح الولاء المطلق للجماعة، وتعبر عن حالة نموذجية للأخلاق الغيرية التي تبرر التضحية بالفرد لمصلحة الجماعة. وهناك ثانياً المجتمع المدني الذي يسوده ولاء الفرد لنفسه ولمصلحته الخاصة، ويجسد نموذجاً للأخلاق الفردية الأنانية. وهناك أخيراً الدولة التي هي تركيب يوفق بين نمطي الولاء الجماعي والفردي، ويوحّد بين المصلحة الشاملة للأفراد والفرقاء وبين غاية المجتمع ككلية قائمة بذاتها. قصد هيغل من الأنماط العامة الثلاثة المذكورة تفسير حالة المجتمعات المختلفة عبر التاريخ، فالعائلة تكثف روح المجتمعات القديمة، كالمجتمع اليوناني مثلاً، والمجتمع المدني يكثف روح المجتمع البرجوازي، أما الدولة فتكثف الصورة المثالية لجدل الوحدة والاختلاف، وهي الصورة التي أصبحت، كما يذهب بعض دارسي هيغل، حقيقة واقعة في المجتمعات الليبرالية.
لننتقل الآن إلى كارل ماركس الذي كتب في مقالته " المسألة اليهودية" (1843) أن ما يعدّ حقوقاً للإنسان إطلاقاً ما هو في الواقع إلا حقوق الإنسان كعضو في المجتمع المدني، أي الإنسان الأناني المنفصل عن بقية البشر وعن الجماعة. فحق الإنسان في الحرية، بالنسبة لماركس الشاب، ليس سوى حقه في الملكية الخاصة الذي يتيح له أن يتصرف بموارده وفق مشيئته دون اعتبار للناس الآخرين وباستقلال عن المجتمع. أما المساواة البرجوازية فتعني مساواة الجميع في أن يكونوا أشبه بالذرات المكتفية بذاتها. لكن المفهوم الأهم في المجتمع المدني هو مفهوم الأمن، حيث يضطلع المجتمع بدور الحارس الذي يحمي حقوق وملكية أفراده. لذلك لا يبدو المجتمع المدني، برأي ماركس، مؤهلاً للسمو فوق أنانيته التي تعتمد ديمومتها على ضمان الأمن.
استكمالاً لهذه المقدمة، لابد من الإشارة إلى إن مفهومي الديمقراطية والمجتمع المدني وسواهما من المفاهيم كالمواطنة والمساواة والحريات الفردية والعلمانية، موضع جدل دائم حول شموليتها وصلاحيتها لكل المجتمعات الحديثة أو المنخرطة في الحداثة. فدعاة النزعة النسبية في المعرفة يرونها نتاجاً خاصاً بثقافة وبتاريخ الغرب، دون أن يكفوا عن انتقادها من منظورات أيديولوجية عامة أو أخلاقية محلية، في حين يعتبرها أندادهم من دعاة موضوعية المعرفة ملكاً للتجربة الإنسانية العابرة لتباين المجتمعات، ولا يميزون فيها خطراً على الهوية أو تهديداً للخصوصية الثقافية اللتين يفهمونهما بمنطق التغير لا بمنطق الثبات. لكن لا يهمنا هنا أمر هذا الجدل في صورته النظرية المستندة على مسبّقات وحلول جاهزة. ما يهمنا أن هناك، من الناحية العملية، تجارب عديدة، في اليابان والهند مثلاً، للجمع بين توظيف هذه المفاهيم في المجال السياسي، وبين مقاومتها في المجال الثقافي والرمزي. على هذا المستوى الذي ينطلق من عدم وجود تعارض جذري بين الديمقراطية وقيم المواطنة والمساواة من جهة، وبين التقاليد والأعراف السائدة، من جهة أخرى، يكون من الممكن التوصل إلى الاستنتاج البراغماتي القائل بأن الديمقراطية كفكرة وكقيمة كافية لتبرير نفسها بنفسها، وأنها لا تستمد وجودها وشرعيتها من غاية تسبقها وتعلو عليها، غاية مصدرها العقل أو العدالة أو المساواة أو الصالح العام أو الإيمان الديني. فإذا كان أساس الديمقراطية في ذاتها وليس خارجها، فإن مرجعها الوحيد يكمن في ممارستها كفضاء مفتوح مفعم بالعفوية، والمرونة وروح الاستقلال، كما يدعي الكاتب الأمريكي بنجامين باربر.2. برأي هذا الكاتب، ينحصر السؤال الفعلي للديمقراطية في تفعيل وتوسيع المواطنة، أي في قدرة النظام الديمقراطي على استيعاب فئات جديدة، محرومة من التمتع بحقوقها، للمشاركة في إبداء رأي أو صنع قرار. لذلك تكون حدودها مرنة ومنفتحة لمساعي تعميم المساواة بين الأفراد لتشمل المرأة والرجل، الأبيض والأسود، أبن البلد والمهاجر. باختصار أن الديمقراطية هي عملية مستمرة لإشاعة المساواة دون اعتبار لفوارق الجنس، أو العرق أو الدين أو اللغة.
لنا أن نسأل هنا، هل يمكن تبني هذا التصور، الليبرالي في جوهره والمحايد ثقافياً في ظاهره، من قبل مجتمعات، كمجتمعاتنا الراهنة، صارت أغلبية فئاتها تراهن على الدين لأن يكون المرجع الأول والأخير لمفهوم السلطة السياسية فيها؟ هل يتاح للديمقراطية أن تكون مرجعاً لذاتها ضمن منظومة اعتقاد أخروي تعتبر نفسها هي الأخرى كاملة ومكتفية بذاتها؟ وهل يمكن للديمقراطية أن تأخذ مداها المتخيل في سياق ثقافات تتمحور حول الحفاظ على وحدة الجماعة قبل، أو أحياناً بالضد، من حرية الفرد؟ قبل الإجابة على هذه الأسئلة ينبغي التنويه إلى أن رفض الديمقراطية ليس من اختصاص الفكر الديني المتفاوت في مرونته واستعداده للمراجعة والاجتهاد، وأن إعاقة تطبيقها ليس حكراً على الحركات الدينية المتنوعة في استجابتها لروح الإصلاح والتغيير. ففي هذا وذاك تشاركها قوى اجتماعية تحركها عوامل دنيوية بحتة كالروابط العائلية والقبلية وروح الزعامة وامتلاك الثروة والامتيازات. كذلك ينبغي التنويه إلى تباين موقف الأديان من قضية التطور الاجتماعي والحريات والحقوق المدنية. ونستفيد في هذه النقطة من تفسير عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر لظاهرة الرأسمالية التي ربط نشوءها بالمذهب البروتستانتي المعروف بدعوته إلى تبني أخلاق تقوم على العمل الصارم والزهد في الحياة الدنيا، مما يوفر فرصاً أكبر لتراكم رأس المال. وقاده تعميم نتائج بحثه التاريخي إلى الاستنتاج أنه إذا كانت بعض الأديان تيّسر تطور الرأسمالية، فإن بعضها الآخر يعيق هذا التطور. من منظور قابل للمقارنة بمنظور ماكس فيبر لاحظ المفكر الفرنسي الكسيس توكفيل (1805-1859) وجود علاقة انسجام بين المعتقدات الدينية المسيحية وروح الحرية في العالم الجديد، أي أمريكا التي درس تجربتها في كتابه " الديمقراطية في أمريكا" (1835). فالمجتمع الحديث، بالنسبة له، يعثر على تفسيره في الديمقراطية، وليس في العلاقات الاقتصادية الرأسمالية كما ذهب ماركس، أو في الإنتاج الصناعي كما ذهب أوغست كونت. لكن ما هو جوهر تلك الديمقراطية عند توكفيل؟ إنه يتلخص في المساواة العامة في الشروط الاجتماعية بحيث يتمتع كل فرد دون استثناء بحق اشغال الوظائف والمهن وحمل الألقاب وجني الامتيازات. لكن هذه المساواة (القانونية) لا تتضمن مساواة في الثروة أو في القدرات الطبيعية التي لا يمكن أن تكون متاحة للجميع بنفس القدر أبداً.
من المؤكد أن للدين الإسلامي في مجتمعاتنا أوجهاً عدة، فهو نظام للمعتقدات الروحية، وهو سلاح أيديولوجي بيد حركات سياسية تدعي التعبير عن رسالته الحقّة، وهو أيضاً أمل طوباوي بتخليص العالم من شروره. وجميع هذه الأوجه ناتجة عن تأويلات متباينة ومتصارعة لماهية الدين ودوره في حياة الإنسان وعلاقته بالسلطة. من المؤكد أيضاً أن أصحاب الحل والعقد في الدين الإسلامي يواجهون اليوم مهمة وصل وفصل روح الدين، وجسده السياسي، ومثاله الحضاري. ولعلهم يدركون أن الوعي الديني الشعبي والممارسة اليومية له لا يفسران بعامل الإيمان الثابت بقدر ما يفسران بعوامل اجتماعية وسياسية متغيرة. فعملية أسلمة المؤسسات والمناهج الدراسية والمظاهر والعادات ولغة التخاطب اليومي تسير فعلياً يداً بيد مع عملية العلمنة بوصفها اكتشاف أو إعادة اكتشاف للبعد الدنيوي في الممارسات السياسية والاقتصادية والثقافية. والتجربة الإيرانية تظهر بشكل واضح مآل الحماس الديني الذي صنع ثورة أذهلت العالم لبعض الوقت، لينهمك تحت خيمتها في صراع ضار حول موضوع الإصلاح الذي يمس تعاليم الدين الثوري من الداخل. هذا عن السؤال الأول، أما عن السؤال الثاني فيمكن للديمقراطية والدين أن يتعايشا إذا ما حصل إجماع على ازدواجية المرجعية، وهذا غير قائم في الحالة الإسلامية التي ترفض الديمقراطية جملة وتفصيلاً، أو تستعيض عنها بمبدأ الشورى، أو تقدم مسوغات غير صريحة لقبولها. لكن لا ازدواجية المرجعية ولا واحديتها تعني تجنب التصادم بين تأمين الحريات الديمقراطية وحدود العقيدة والتعاليم الدينية. الفرق الأساسي بينهما أن التصادم في الحالة الأولى يكون علنياً ومعترفاً به، أما في الحالة الثانية فيطمس ويلغى. أخيراً، فإن الديمقراطية القائمة على مبادئ المساواة والحرية والحقوق تهدد فعلياً وحدة الجماعات التقليدية، وتزرع التنافس والصراع فيها، ولذلك يبدو مشروعها متناقضاً مع بنى ثقافات تلك الجماعات وحاجاتها، ومع النظم السياسية ذات النزوع الشمولي التي ترفع لواء الدفاع عنها. لكن الديمقراطية القائمة على ثقافة الاختلاف والمسؤولية الفردية والتسامح لا تعمل دون إطار متفق عليه لهوية الجماعة المتعددة الملامح، ولوحدتها المتجددة بفعل الصراع والتغيير.
أما السؤال عن المجتمع المدني فموضوعه العلاقة بين مضمونيه الاقتصادي والسياسي، وقد أشرنا أعلاه إلى مضمونه الأول حسب بعض تعاريفه الكلاسيكية. لكننا نلاحظ في النقاش المعاصر حصول تحول في دلالة المجتمع المدني الذي صار يفهم كفضاء سياسي قائم بذاته دون جذور اقتصادية، أو كفكرة معيارية لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع السياسي، فكرة لها شحنة نضالية ودعاة متحمسون. يعرّف أرنست غلنر عالم الاجتماع والإناسة البريطاني الجنسية والجيكي الأصل، المجتمع المدني كما يلي: أنه " مجموعة من مؤسسات غير حكومية متنوعة تكون قوية بما فيه الكفاية لموازنة الدولة، وقادرة على منعها من الهيمنة على المجتمع وتفتيته، لكن دون أن يشكل ذلك عائقاً للدولة للاضطلاع بدورها كمحافظ على السلام وكحكم بين المصالح الرئيسية" . يتضح من هذا التعريف أن للمجتمع المدني دور أقرب إلى دور حرب العصابات إزاء سلطة مركزية راسخة وجامدة نسبياً. فهو وإن لا يستطيع مكافئتها في القوة، وليس المطلوب منه أن يكون كذلك، ينبغي أن يكون حاملاً لقضايا عامة أو أداة لمعارضة سياسات قائمة من منطلق تعددية وتنوع المصالح. لئن كان للمجتمع المدني، عند غلنر،3 دور أحادي الاتجاه يستهدف سلطة الدولة، فإنه يكتسب عند بنجامين باربر دوراً مضاعفاً.4 يضع باربر المجتمع المدني في منطقة وسطى بين الحكومة والقطاع الخاص، أي بين السياسة والاقتصاد. فيشير إلى أن مكانه ليس في المراكز الانتخابية، وليس في أماكن التسوّق، بل " حيث يتكلم أبناء الحي الواحد والجيران عن الشكل المناسب لسلامة المرور وعبور الشوارع، عن حفظ فائدة مدرسة الحي، عن استخدام الكنيسة لإيواء المشردين.. الخ".
المجتمع المدني لا ينافس الحكومة في امتلاك وسائل القمع الشرعية، كما أن لطابعه العمومي طبيعة تطوعية غير قابلة للخصخصة (الدخول في آليات السوق). المجتمع المدني كما يتصوره باربر هو هوية مدنية يتمتع بها المواطن الذي يجمع بين حريته ومسؤوليته، وتتيح له مراقبة الحكومة والسوق معاً، هوية توفر بديلاً للمواجهة الضيقة المحصورة، في دولة كالولايات المتحدة، بين الدولة والفرد المنعزل، والحكومة والقطاع الخاص، والسياسيين الفاسدين والمقترعين الغاضبين. ثمة ما يستوقف المتأمل في المفهوم الإيجابي للمجتمع المدني عند غلنر وباربر، فهو ينزع عنه سماته الفردية والأنانية التي شخصها مفكرون مثل روسو هيغل وماركس، ويوكل له مهمة حماية المصلحة الجماعية. ثم يقوم، أي التعريف، بتعميمه كأداة للمشاركة السياسية صالحة لجميع المجتمعات بغض النظر عن تطورها الاقتصادي ورسوخ التقاليد الديمقراطية فيها. لهذا يمكن اعتبار الانتشار الواسع المتحقق في العقود الأخيرة لفكرة المجتمع المدني دليلاً على درجة العولمة الحاصلة لقيم الديمقراطية والتعددية والمواطنة المتاحة للأفراد في المجتمعات الرأسمالية الليبرالية. على أن لهذه القضية بعداً آخر غير بعد التحقق العالمي السريع أو التدريجي لمثالات اعتبرت حتى وقت قريب ملكاً لنمط الحياة البرجوازية، إذ يرى البعض كبنجامين باربر، في كتابه الآنف الذكر، أن المجتمع المدني مهدد في معاقله وفي أطرافه بالتفتت والانحسار تحت ضغط انبعاث التطرف الديني والنزعات الأثنية والقبلية، من ناحية، واندفاع قوى العولمة لضمان سوق عالمي مقياسه الأخير الربح المادي وأداته الرئيسية ترويج الاستهلاك بكل أشكاله، من ناحية أخرى. وجه الخطر في هاتين الحركتين يتمثل في ميلهما الشمولي الذي لا يخلو من العدمية حينما يتعلق الأمر بالخير العام للمجتمع ومواطنيه. بالإضافة إلى ذلك فإن مجال المجتمع المدني، في حالة مجتمعاتنا المعاصرة، متنازع عليه بين قوى الإسلام السياسي والقوى العلمانية، اللتين تلتقيان في توظيفه لمقاومة احتكار الدولة لمصادر القوة وصنع القرار. لذلك ليس من المحتم أن يكون المجتمع المدني حاضنة لأفكار وقيم مدنية ودنيوية تعكس المجال العام دون المجال الخاص المشحون بوعي ديني أصيل أو مصطنع.5     
أخيراً، فإن المسار المعقد للديمقراطية والمجتمع المدني في مجتمعاتنا يطرح بإلحاح بحث شروطهما الثقافية والسياسة التي هي موضوع للتفسير التاريخي، وإن ظهرت حيناً وكأنها تعصي حركة التاريخ.  (انتهى)
الهوامش
  عبد الرحمن الكواكبي: طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد. دار النفائس، بيروت 1986.
2 أنظر مقال بنجامين باربر في كتاب " Democracy and Difference " إعداد سيلا بن حبيب. وكذلك كتابه " Jihad vs. McWorld " (1996).
3 أرنست غلنر ، "Conditions of Liberty   " . دار بنغوين؛ لندن.
4 بنجامين باربر، " Jihad vs. McWorld " ص  281.
5 أنظر مثلا تقرير " الحالة الدينية في مصر" في كتاب " النصّ والرصاص " لنبيل عبد الفتاح. دار النهار 1997.


                                         


17
كاظم حبيب
الموقف من حق تقرير المصير والاستفتاء بإقليم كردستان العراق
منذ عقود والحزب الشيوعي العراقي والكثير من القوى الديمقراطية والتقدمية اليسارية، وكثرة من الأوساط الثقافية العراقية، كانت وما تزال وستبقى إلى جانب حق الشعب الكردي في تقرير مصيره بنفسه دون وصاية من أحد. هذا هو مبدأ أساسي من مبادئ حق الشعوب الحرة في تقرير مصيرها، وليس هناك من له الحق في التشكيك بهذا الحق، إلا إذ كان يتخذ موقفاً قومياً شوفينيا أو دينياً مناوئاً ينطلق من الموقع القائل بالأمة الإسلامية، في حين إن الدول التي تدعي إنها دول مسلمة، برهنت على إنها الأكثر قومية وشوفينية من غيرها، والمثال الساطع على ذلك إيران وتركيا والسعودية، أو حتى دول المغرب الأفريقي في موقفهم الرافض للاعتراف بوجود شعب أمازيغي وبحقوقه المشروعة والعادلة.
لقد تبنيت مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها منذ انضمامي إلى الحزب الشيوعي العراق في أوائل الخمسينات من القرن الماضي وفي العهد الملكي، واستمرار اعترافي واحترامي لهذا المبدأ في أحلك الظروف القاسية جداً في فترة الحكم البعث الدكتاتوري. وقد عبر عن ذلك بوضوح كبير القائد الكردي الديمقراطي المميز والصديق الغالي الطيب الذكر الأستاذ جوهر نامق (1946 – 2011م) حين تحدث في العام 2002 في المؤتمر الأكاديمي الأول لعمليات الأنفال في إقليم كردستان العراق، الذي عقد بأربيل وبرعاية الحكومة الكردستانية، في إجابته لمن شكك في موقفي من القضية الكردية، بسبب بحث قدمته في ذلك المؤتمر وتحدثت عن المضمون الفاشي والعنصري لـ "عمليات الأنفال" الإجرامية، عمليات جريمة "الإبادة الجماعية" التي ارتكبها حكم البعث والحزب الحاكم ومن معه بحق شعب كردستان العراق، تلك العمليات التي تكثفت بشكل خاص في العام 1988، إذ قال ما يلي: أن "أستاذي الدكتور كاظم حبيب، وكان الأخ جوهر طالباً في قسم الاقتصاد في الجامعة المستنصرية حينذاك، كان يتحدث عن كردستان وليس عن شمال العراق في العام 1970، حين كان الآخرون لا يجرؤون على ذلك ويتحدثون عن شمال العراق، وكان يقف مع حق الشعب الكردي في تقرير مصيره". وفي رسالة موجهة لي ومؤرخة في 03/11/2004 كتب جوهر نامق سالم ما يلي: "من كان في تلك الحقبة وفي عراق صدام حسين (1968-1972) وهي فترة دراستي في قسم الاقتصاد بكلية الإدارة والاقتصاد بجامعة المستنصرية، يجرأ أن يذكر في محاضراته وبحوثه الأكاديمية العلمية أن يكتب ويلفظ شمال العراق بكوردستان والكورد بالشعب الكوردي، وأن يربي طلابه على أسس علمية تقدمية واضحة المعاني والأهداف.". ثم كتب يقول: كيف ننسى موقفكم يوم كنت عضواً مشرفاً على الانتخابات الطلابية في كلية الإدارة والاقتصادي بجامعة المستنصرية وكنا مرشحين ضمن الجبهة الطلابية بارتياً وشيوعياً وحركة اشتراكية وناصريين، أمام الاتحاد الوطني عام 1969، خاصة أثناء فرز الأصوات تشد أزرنا وتهدئ اندفاعنا وتحسم كمشرف الخلاف دون مراعاة لممثلي السلطة واتحاد البوليسي، وكيف ننسى وأنت تشارك معنا في الأغاني والبستات الشعبية الوطنية في سفراتنا العلمية إلى تعاونيات الطارمية في وقته...". (رسائل متبادلة بين كاظم حبيب والأستاذ جوهر نامق سالم موجودة في أرشيف كاظم حبيب).       
في العام 2001 أنجزت كتاباً بعنوان "لمحات من نضال حركة التحرر الوطني للشعب الكردي في كردستان العراق"، وتأخر نشره حتى عام 2005، وطبعة ثانية في العام 2010، وضعت في الكتاب رؤيتي للقضية الكردية وحق الشعب الكردي في تقرير مصيره ومعاناته في ظل الحكومات العراقية المتعاقبة، إضافة إلى كتابي الأقدم الذي أنجزته في العام 1984، حين كنت في حركة الأنصار الشيوعيين المرتبطة بالحزب الشيوعي العراقي، بعنوان "الفاشية التابعة في العراق". وقد نشر الكتاب عن الإعلام المركزي للحزب الشيوعي العراقي حينذاك، ثم طُبع ثانية في العام 2008 مع مقدمة ضافية جديدة للكتاب، أوضحت في هذا الكتاب أيضاً موقفي من الحركة التحررية الكردية أو "الكردياتية"، وهي رؤية تتعارض وتصطدم مع رؤية ونهج وسياسات حزب البعث الحاكم حينذاك ومع كل القوى القومية الشوفينية التي ترفض الاعتراف بحق تقرير المصير، وليس كل القوميين الديمقراطيين الذين يعترفون بهذا الحق وهم مستعدون لتأييده.
فموقفي من القضية الكردية وحق تقرير المصير ليس بجديد، ولا بدعة، وهو جزء من تاريخي السياسي في الحزب الشيوعي العراق وفي الحركة الديمقراطية العراقية وفي حركة الأنصار الشيوعيين، وكذلك في النضال اليومي حتى الآن، وسيبقى كذلك. ولم يكن هذا الموقف من القضية الكردية معزولاً عن موقف الحركة الشيوعية والحركة الديمقراطية بالعراق من النضال المشترك للشعبين العربي والكردي وبقية القوميات من أجل الديمقراطية للعراق وحق تقرير المصير للشعب الكردي وفي جميع الفترات المنصرمة حتى العام 1992 وبشعارات متنوعة.
في العام 1992 تعرض التحالف السياسي في الجبهة الكردستانية إلى بعض المصاعب، وجرى تخلي عن الجبهة فيما بعد، علماً بأن الحزب الشيوعي العراقي كان قد اقترح في سياساته ومواقفه موضوع الفيدرالية الكردستانية وأيد قيامها، إذ تراجع هذا التحالف الديمقراطي مع الحزب الشيوعي العراقي وأصيب بخلل اوضح بعد إسقاط الدكتاتورية الغاشمة في العام 2003 ودخول الأحزاب الكردستانية في تحالف مع الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية تحت واجهة المظلومية الكردية والشيعية، وجرى الابتعاد عن التحالف الاستراتيجي مع الحركة الديمقراطية العراقية ومع الحزب الشيوعي العراقي، رغم إن هذا التراجع لم يعلن عنه من جانب القوى الكردستانية ولكنه حصل فعلاً. ولم يكن سببه، أو من جانب، الحزب الشيوعي العراقي والحركة الديمقراطية العراقية، بل من جانب الأحزاب الكردستانية، ما عدا الحزب الشيوعي الكردستاني. وهنا أود تأكيد أني أعبر عن وجهة نظري وليس عن رؤية أو موقف الحزب الشيوعي العراقي، ولم اتجنب الإشارة الواضحة والصادقة إلى هذه الحقيقة في صلاتي وعلاقاتي ولقاءاتي مع الأخوة المسؤولين في الأحزاب الكردستانية بصورة شخصية(منفرداً) أو ضمن رسائل شخصية وأخرى عبر التجمع العربي لنصرة القضية الكردية المنشورة وغير المنشورة، وعبر وفد ضم عراقيين وعرب وكرد، فيه وجهت نداء وتأكيداً بأهمية العودة إلى التحالف الاستراتيجي بين الحركة الديمقراطية العراقية، وفي طليعتها الحزب الشيوعي العراقي وقوى يسارية وديمقراطية أخرى، وحركة التحرر الوطني الكردستانية بإقليم كردستان العراق. وكانت الحجة التي تطرح عن هذا التراجع التحالفي تشير إلى ضعف الحركة الديمقراطية العراقية. وهي حجة لا تصمد في النضال بين القوى الحليفة استراتيجياً، إذ من واجب الذي يشعر بالقوة أن يساعد في إنهاض وتقوية الذي يعتقد بكونه ضعيفاً، علماً بأن الجميع كان وربما ما يزال يحسب ضمن القوى الديمقراطية على الصعيد العراقي كله. الحركة الديمقراطية العراقية بحاجة إلى الأحزاب الكردستانية لأنها تشكل من حيث المبدأ ضمانة ضد وقوع العراق فريسة للقوى الإسلامية السياسية التي حكمت العراق معها طيلة السنوات المنصرمة، وكانت سنوات عجاف وجدب ومرارة، وضد إقامة دولة ثيوقراطية.   
الحركة الديمقراطية العراقية لم تخف مرارتها من هذا الموقف ولم تتقبله، ولكن لا يمكن إجبار حليف استراتيجي على العودة إلى التحالف ما لم يقتنع بضروراته، إذ أن "حلفاء" الكرد الجدد ليسوا بـ "حلفاء" استراتيجيين حقيقيين، بل هم حلفاء إسلاميون شيعيون تكتيكيون، كما هو موقفهم من الديمقراطية، فهي بالنسبة لهم أداة وليست فلسفة واستراتيج لبناء العراق الجديد.
يفترض أن تقدر الأحزاب والقوى السياسية الكردستانية الظروف التي تمر بها الحركة الديمقراطية العراقية، وعموم الشعب العراقي بكل قومياته، والمصاعب التي تواجه الجميع في ظل وجود نظام طائفي سياسي محاصصي غير ديمقراطي من جهة، يشارك فيه الكرد ويتحملون جزءاً من أوزاره، وأن الصراع الذي نشب بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان على مدى الفترة المنصرمة قد جعلت الكثير من القوى والعناصر العراقية العربية التي كانت بجانب الشعب الكردي أن تتخلى عنه، وهي لم تكن وليست هي الأن ضد الشعب الكردي، ولكنها لا ترى صواب سياسات حكومة إقليم كردستان في الكثير من القضايا، وهي ترفض أيضاً السياسات التي مارسها المالكي قبل ذاك إزاء الشعب الكردي، ولا حتى العلاقات غير الودية والأساليب المتبعة حالياً من جهة ثانية. كما إن الموقف الإقليمي والدولي، الذي تبلور أخيراً، بسياسات غير ودية أو منافقة، وفي جوهرها مناهضة، للشعب الكردي وقضيته العادلة من جهة ثالثة. وكذلك فأن البيت الكردي ذاته متضعضع وغير موحد وقابل للتفاقم وكذلك الشكوى من تراجع في الحريات العامة من جهة رابعة. إضافة إلى ذلك استمرار الحرب بين عصابات داعش والقوات العسكرية الاتحادية وقوات الپيشمرگة الكردستانية والمتطوعين من جهة خامسة، ومن ثم وجود مناطق متنازع عليها يمكن أن تتفجر الصراعات والنزاعات الدموية فيها من جهة سادسة. يُفترض في كل هذا أن يدفع الأخوة قادة الأحزاب والقوى الكردستانية وحكومة إقليم كردستان أن تفكر بكل ذلك وتدرسه جيداً وتستخلص الاستنتاجات الضرورية لكي تقرر بعدها: هل عليها استفتاء الشعب الكردي على الاستقلال، والشعب الكردي لا يحتاج إلى استفتاء، فهذا حقه ومن حقه إعلانه متى يشاء، وإذا وجد الان الأمر ممكنا فليعلن الاستقلال دون استفتاء. ولكن الشعب الكردي والقيادات الكردستانية والحكومة الكردستانية ترى كلها، كما أرى وأسمع، بإن الوقت غير مناسب لإعلان الاستقلال، وربما بعد سنة أو سنتين، وبالتالي فالسؤال المنطقي هو: ما فائدة الاستفتاء في هذا الظرف المعقد الذي تمر به كل القوميات في العراق؟ إذا كان أمر الاستقلال سيؤجل لفترة أخرى فليكن الاستفتاء إن وُجد ضرورياً قبل إعلان الاستقلال.
لم تكن النظم السياسية العراقية كلها ولا الحكومات التي أقيمت في العهد الملكي، ولا العهود الخمسة للجمهوريات العراقية، منصفة وعادلة مع الشعب الكردي ومع القوميات الأخرى، بل كانت جائرة ومستبدة مع الشعب العراقي كله، ولاسيما مع الكرد. فكان التمييز والتهميش في صلب علاقة الحكومات العراقية المتعاقبة مع الشعب الكردي. لا يمكن لأي إنسان عاقل أن ينكر ذلك. ولكن رد الفعل يفترض أن يكون في ظرف أكثر هدوءاً وأكثر مناسباً لمفاوضات مع حكومة أكثر ديمقراطية وواقعية من الوضع الراهن، كما يفترض أن يتجلى في سياسات ومواقف أخرى من جانب الحكومة الكردستانية بهدف تمتين الصف الديمقراطي الداخلي.
لا يمكن أن يكون الإنسان حراً ما لم يعترف بحق الإنسان الآخر في التمتع بالحرية الكاملة غير المنقوصة، وبالتالي أدرك تماماً، كإنسان حر وديمقراطي ومادي المنهج والنهج، بأن الشعب الكردي يحلم منذ قرون وعقود ويتطلع للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في دولة كردستانية ديمقراطية حرة ومستقلة. وقد ناضل بعناد واستمرارية من أجل هذا الهدف، ومن حقه أن يناضل بعزيمة مضاعفة من أجل ذلك. والسؤال هو: هل حان القوت المناسب لمثل هذه الخطوة؟ أشعر، كصديق للشعب الكردي وناضل معه في سبيل الديمقراطية للعراق وحق تقرير المصير للشعب الكردي، إن الوقت لم يحن تماماً لمثل هذه الخطوة، بل أشعر بأن العودة إلى استراتيجية التحالف مع القوى الديمقراطية العراقية في رفض قانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية السيئ لا تأييده، ورفض تشكيل مفوضية الانتخابات على أسس المحاصصة الطائفية، والسعي لتجميع القوى الديمقراطية في مواجهة القوى الظلامية، هو الطريق الوحيد والأسلم والأضمن الذي يمهد الطريق لتحقيق ما يتطلع له الشعب العراقي عموماً، وطموحات وتطلعات الشعب الكردي في الاستقلال والسيادة الوطنية خصوصاً. إنها الخطوة الأساسية والضرورية والوحيدة للوصول إلى الهدف المنشود للشعب الكردي وقواه الوطنية. لقد فكرت ملياً بالأمر لا من منطلق قومي شوفيني ولا من منطلق وطني عراقي ضيق، بل من منطلق مصلحة الشعب الكردي في المرحلة الراهنة ومصلحة الشعب العراقي بكل قومياته عموماً، وقد بينت رأيي في مقال سابق، ووجدت بأن من يقف إلى جانب قضية الشعب الكردي، يفترض فيه أن يترك التقدير النهائي للشعب الكردي ذاته، وبالتالي فالأمر متروك للشعب الكردستاني في ما يراه مناسباً في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ العراق وأوضاعه المعقدة. أتمنى عليهم أن يتخذوا الموقف الذي يجنب الشعب الكردي وبقية أبناء وبنات العراق المزيد من المصاعب، وهذا لا يعني أن عليه ألَّا يبدي رأيه بذلك!
   
   
 

18
د. كاظم حبيب
وإذا أتَتْكَ مَذَمّتي من نَاقِصٍ     فَهيَ الشّهادَةُ لي بأنّي كامِلُ
المتنبي
ما ان أدرك المشعوذون والدجالون وعبدة المال والسحت الحرام بأن شعوذتهم ودجلهم بالدين والتمسح بأذيال المرجعية الشيعية بالنجف، التي لفظتهم أخيراً بعد أن جلبوا لها وعليها الكثير من الإساءات والمتاعب، ولكنها ما تزال ترعاهم، حتى بدأ صراخهم وعويلهم وخشيتهم على شعب العراق من المدنيين والعلمانيين والحداثيين. فحشدوا الأتباع والمرتزقة، ثم بدأوا يطلقون شحنات قذرة ومتلاحقة من الاكاذيب والمزاعم الرخيصة والحاقدة ضد الشيوعيين والمدنيين الديمقراطيين والعلمانيين والمتنورين من أبناء الشعب وبناته ليحذروا الناس منهم، بذريعة أنهم عملاء للأجنبي! وهنا يصح المثل العربي على أصحاب هذه الجوقة البائسة "رمتني بدائها وانسلت!". إنهم يعودون، ومعهم كبيرهم، ليغرفوا من ترسانة المستعمرين وبعثيي عام 1963 والشيخ الذي حلل دم الشيوعيين باتهامهم بالإلحاد، التهم والإساءات ذاتها ضد من هم من أكثر الناس إخلاصاً وحرصاً على شعب العراق والوطن المستباح منذ 14 عاماً بوجودكم على رأس السلطة. ولكن هيهات ان يصدق المتنورون من أنباء شعبنا العراقي هذا الكذب والتشويه الممزوج بالكراهية والحقد للآخر ولفكره ووجوده، فهم قد خبروا صدق وإخلاص الشيوعيين والديمقراطيين والتقدميين وعموم اليسار العراقي على مدى عقود الدولة العراقية. والشمس لا يمكن منع إشعاعها ودفئها بغربال! ويصح عليهم، بهذه التهمة التي يوجهونها لغيرهم، المثل الشعبي "اللي جوه اُبطه عنز يبغج"، أو بتعبير أدق، "وكل إناء بما فيه ينضح". إنها الوقاحة بعينها، فهم الذين يوجه الشعب لهم أصابع الاتهام، بسبب خنوعهم وخضوعهم لقرارات دولة الجوار الشرقية، فمن هو الذي يذهب يومياً وكلما "حمت الحديدة" إلى إيران لا ليسأل المشورة فحسب، بل ويطلب القرار ليمارسه!
هؤلاء الذين دنسوا أرض الوطن بتسليمهم جزءاً عزيزاً من وطننا المستباح بالطائفية والفساد والإرهاب إلى عصابات داعش المجرمة، وهؤلاء هم الذين تسببوا بما جرى من إبادة جماعية بالموصل وسنجار وبقية مناطق سهل نينوى وتلعفر، وهم الذين تسببوا بموت عشرات الآلاف من الجنود والضباط والمتطوعين وقوات الپيشمرگة في المعارك التي أجبروا على خوضها لإنقاذ البلاد من دنس المحتلين الأوباش بالموصل وعموم نينوى ومناطق أخرى من العراق، وما زالوا يناضلون لتحرير باقي المناطق من رجسهم. هؤلاء الذين تسببوا بكل ذلك يشتمون من رفض كل ذلك ورفع صوت الاحتجاج لتغيير الأوضاع من أجل إنقاذ البلاد من هذه الزمرة الطائشة التي استولت على الحكم ووضعت البلاد في مستنقع كله نتانة وتخلف. نعم شارك المتطوعون الديمقراطيون والشيوعيون وغيرهم في هذه المعارك واستشهد منهم من استشهد، ولكنهم أكدوا وما زالوا يؤكدون بأن المعركة ليست عسكرية فقط، بل وفكرية وسياسية واجتماعية، أولاً وقبل كل شيء، وأن الصراع ينبغي أن لا يتوجه ضد أفكار داعش الإجرامية والتكفيرية فحسب، بل وضد الفكر الطائفي السياسي أيضاً الذي يحمله أولئك الحكام الذين تسببوا بهذه المآسي التي يمر بها ويعيشها شعب العراق. إنهم ما زالوا على رأس الدولة العراقية وفي السلطات الثلاث.
إن هؤلاء الذين يشتمون الشيوعيين والديمقراطيين والعلمانيين وكل اليسار العراقي هم الذين دنسوا الدين بنهبهم للمال العام والعقارات ودور السكن الحكومية وقصور الدولة العراقية، هؤلاء هم الذين بسلوكهم هذا خانوا القسم الذي أدوه بالحفاظ على استقلال العراق وسلامة شعبه، ففرطوا بالعراق وشعبه، ورغم ذلك لا يستحون من اتهام الناس الطيبين والمخلصين للشعب والوطن بالإلحاد والتحلل الاجتماعي. إن الملحد والجاحد والمتحلل اجتماعياً والسارق لحقوق الشعب هم أنتم وليس غيركم يا من أسئتم للدين بالنهب والسلب ونشر الفساد وتشكيل المليشيات لقتل الناس وسلمتم الموصل ونينوى لعصابات داعش بقرارات تعيسة أدت الى خراب البلاد وموت العباد. تذكروا ما جرى في معسكر سبايكر وما جرى بسنجار العزيزة!! والآن تحاولون أيضاً فرض طريقة للانتخابات المحلية ومن ثم الانتخابات العامة بطريقة مجحفة ومسيئة للديمقراطية لتنهبوا أصوات الشعب وتبقوا في السلطة، لا لتحكموا الشعب بالعفة والنزاهة والصدق، بل لتواصلوا نهب البلاد والمزيد من السحت الحرام وخراب البلاد وموت العباد. فمن هو الجاحد والملحد بحقوق الشعب والمتحلل اجتماعياً والمتسخ اخلاقيا، ومن هو الذي نشر الرثاثة والمخدرات والعهر بالبلاد؟ ومن هو الذي فتح مكتباً للمتعة بالكاظمية؟ ألستم انتم من أشاع الرثاثة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية بالبلاد؟ ألستم انتم من مارس بميليشياته القتل على الهوية وتسبب في موت مئات الآلاف من العراقيات والعراقيين بسبب سياساتهم الطائفية وممارسة التمييز الديني والمذهبي، والآن تريدون رمي أوزاركم على من يسعى لتنظيف البلاد منكم ومن أمثالكم ومن رثاثاتكم. من كان السبب وراء وقوع الإبادة الجماعية بالموصل وسنجار وسهل نينوى عموما، وكذلك ما حصل بالأنبار ولاسيما الفلوجة، وصلاح الدين وديالى؟ من كان السبب وراء السبي والاغتصاب وتشريد الملايين من البشر العراقي؟ ألستم أنتم وليس غيركم من فعل ذلك وليس الشيوعيين والمدنيين والديمقراطيين العلمانيين والمتنورين من شيوخ الدين.
 لقد كتب الكثيرون، ومنهم مجموعة من المؤمنين الطيبين والصادقين عن نزاهة الشيوعيين واليساريين والديمقراطيين العلمانيين، وفي الوقت ذاته خرجت المظاهرات، ومعهم الملايين من أبناء وبنات الشعب تهتف ضدكم وتقول: "باسم الدين باگونه الحرامية" و" باسم الله هتكونة الشلاتية"!
أنتم الذين تحاولون العودة الى أوراقكم البالية القديمة وتستعيرون من ترسانة القوى الاستعمارية والقوى البعثية وشيوخ الدين السيئين والقوى المتخلفة والقوى الطائفية المتطرفة افتراءات الإساءة للشيوعيين واليساريين والديمقراطيين العلمانيين لتستغلوا جهل الكثير من البشر لتقنعوهم بأكاذيبكم المكشوفة وتمارسون نصيحة وزير الدعاية النازي غوبلز الشهيرة لأتباعه:
"اكذبوا، ثم اكذبوا، ثم اكذبوا، لعل بعض افتراءاتكم تعلق بأذهان الناس".
بدأتم بنشر فضائحكم انتم وليس غيركم بعد أن ارتفعت روائح العفونة إلى عنان السماء، فكل المتهمين بالفساد منكم وممن وضعتموهم في مواقع المسؤولية، وغالبا كانوا وما زالوا، يحملون شهادات مزورة، ولكن انتم وليس غيركم تلاحقون وتعتقلون صغار المتهمين بالفساد وتتركون "كبيرهم الذي علمهم السحر"، سحر النهب والسلب والفساد وشطف أموال السحت الحرام، والكثير من أمثاله الذين يقفون في الصفوف الأمامية من حكام الدولة العراقية دون تقديمهم للمحاكمة، بل هم يحتلون أعلى المراكز في السلطات الثلاث.
أنتم الذين فرطتم بمئات المليارات من الدولارات ولم تبنوا المدارس والصفوف وتوفروا الرحلات والكتب للتلاميذ والطلبة، ولم تبنوا المستشفيات والمستوصفات للشعب، وبعد مرور 14 سنة على حكمكم لم تصل الطاقة الكهربائية للناس لمواجهة جحيم صيف العراق ولا برد شتاءه. أنتم من خصص وصرف عشرات المليارات من الدولارات الأمريكية لبناء مشاريع الطاقة الكهربائية. ولكن أين هي تلك المشايع الوهمية، وأين هي الطاقة التي وعدتم بها الناس، وأين هي الفلوس التي خصصت لهذا الغرض؟ الواقع يقول: لا مشاريع أنشئت، ولا تمتع الناس بالكهرباء، ولا الأموال عادت الى خزينة الدولة! بل ذهب 90% منها الى جيوب من حكم البلاد طيلة السنوات المنصرمة.
تتحدث حكايات ألف ليلة وليلة وغيرها عن حرامي واحد ببغداد إنه "حرامي بغداد"، والآن يواجه الشعب آلاف الحرامية ممن ارتدوا لباس الدين وتحدثوا زوراً باسمه، لينهبوا المليارات الناشفة من الدولارات النفطية، على حد قول أبناء وبنات شعبنا. لقد أصبح العراق، بوجودكم على رأس الدولة والسلطات الثلاث طيلة السنوات المنصرمة، من أكثر دول العالم فساداً مالياً وإدارياً، كما إن بغداد أصبحت واحدة من أكثر مدن العالم رثاثة وهي مليئة بالنفايات. لقد أصبح العراق بهمتكم دولة يعيش فيها مئات ألوف الارامل واليتامى والأطفال المشردين وملايين النازحين المحرومين من العيش الكريم! وأصبح في العراق أكثر من 40% من السكان تحت خط الفقر، وأكثر من 30% يعانون من البطالة ممن هم قادرون على العمل، ولاسيما الشباب والشابات، فهل بعد هذا تريدون رمي أوساخ أفعالكم بوجوه الأخرين. والسؤال المهم هو: هل هناك من عاقل يمكن أن يصدّقكم؟
سيشتمكم التاريخ بأكثر السباب عنفاً لأنكم دستم على كرامة الناس واستهزأتم بعقولهم وضحكتم على  ذقونهم! كفوا عن بيع بضاعتكم الرخيصة على شعبنا العراقي المغدور بكم، فليس هناك من عاقل واحد سوف يشتري منكم سلعكم الرخيصة والعتيقة والبائرة التي تنبعث منها روائح نتنة قديمة واسطوانة مشروخة! ومن هنا لا بد أن نردد مع شاعر العرب الكبير المتنبي قوله:
وإذا أتَتْكَ مَذَمّتي من نَاقِصٍ     فَهيَ الشّهادَةُ لي بأنّي كامِلُ


19
د. كاظم حبيب
سيبقى نجم المناضلة المقدامة فاطمة إبراهيم ساطعاً في سماء السودان

أعلن صباح يوم 12 أب/أغسطس 2017 بلندن عن النبأ المحزن، نبأ وفاة المناضلة السودانية ورائدة الحركة النسوية والمناضلة في سبيل حرية المرأة وحقوقها ومساواتها التامة بالرجل على الصعد السودانية والإقليمية والعالمية، والسياسية البارعة والمقدامة فاطمة أحمد إبراهيم، عن عمر ناهز الـ 85 عاماً.
ولدت المناضلة في العام 1932 في بيت تميز بالعلوم الدينية والمعرفة والانفتاح على العالم، وتربت في بيئة معادية للاستعمار والهيمنة الأجنبية والدفاع عن مصالح الشعب وتطوير البلاد، فنشأت وهي تحمل بذرة النضال الوطني والديمقراطي ومدركة أهمية التعليم والثقافة ومحاربة الأمية في صفوف الشعب، ولاسيما بين النساء، في انتزاع الحقوق وتحقيق التقدم لشعب السودان.
التحقت بوقت مبكر، في العام 1952 بالحزب الشيوعي السوداني لتناضل في صفوفه في سبيل تحقيق الأماني العادلة والمشروعة للشعب السوداني، في سبيل بناء وطن حر وديمقراطي، ينزع عنه أغلال التخلف والأمية والتبعية ويعمل لتغيير البنية الاقتصادية والاجتماعية المشوهتين ويكافح ضد البطالة والفقر والحرمان وفي سبيل العدالة الاجتماعية.
ساهمت فاطمة إبراهيم في تأسيس الاتحاد النسائي السوداني في العام 1952، وانتخبت في العام 1956 رئيسة لهذا الاتحاد، وكانت في الوقت ذاته رئيسة تحرير جريدة صوت النساء منذ العام 1955، وهي جريدة الاتحاد النسائي السوداني. 
انتخبت فاطمة أحمد إبراهيم عضوة في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني، ولعبت دوراً مهماً في تعبئة نساء السودان في النضال من أجل حقوق المرأة وحريتها ومساواتها بالرجل. وخلال فترة نضالها على راس الاتحاد النسائي السوداني تحققت الكثير من المكاسب للمرأة السودانية، والتي حاولت النظم الدكتاتورية والإسلامية السياسية سلبها من جديد. إلا إن نضال المرأة السودانية، ورغم كل الصعوبات ما يزال يتصدى لتلك المحاولات الرجعية المناهضة للمرأة وحقوقها في المجتمع السوداني. 
وبسبب دورها النضالي النسوي والوطني في السودان انتخبت في العام 1991 رئيسة لاتحاد النساء الديمقراطي العالمي لسنوات عدة، ولعبت دوراً مهماً في نضال المرأة على الصعيد العالمي وساهمت بتنشيط حركة التضامن بين نساء العالم عموما، ونساء الدول العربي والبلدان النامية خصوصاً، وتركت بصماتها الواضحة على هذه المنظمة بسبب روحها النضالية العالية، وشغفها بالعمل لصالح المرأة وعمق إنسانيتها وتواضعها. وكانت تتذكر دوماً قول إمها حين كانت تقف، وهي شابة، أمام المرأة لتتزين طويلاً: "كفاية قيمتك ما في شعرك وتجميل وجهك، قيمتك فيما بداخل راسك – احسن تملأيه بالقراءة، والمعرفة -". ونتيجة لدورها النضالي على الصعيد العالي منحت في العام 1993 جائزة الأمم المتحدة لحقوق الانسان (UN AWARD) .
وفي خضم النضال من أجل الحريات العامة والديمقراطية في السودان وضد الدكتاتورية تعرضت فاطمة إبراهيم للاعتقال عدة مرات، كما تعرض زوجها الشفيع أحمد الشيخ، العضو القيادي في الحزب الشيوعي السوداني والقائد النقابي المعروف للاعتقال، ثم أقدمت الدكتاتورية النميرية في العام 1971 على إعدامه رغم الاحتجاجات العالمية ضد هذا العمل الجبان.
في العام 2006 منحت مؤسسة أبن رشد للفكر الحر جائزتها السنوية إلى السيدة والرفيقة المناضلة فاطمة إبراهيم. وجاء في حيثيات قرار منحها الجائزة ما يلي:
" ان الفائزة من أبرز الساسة في بلادها حيث كان اسمها رمزا لنضال المرأة السودانية " ضد حكومات القمع العسكرية وواجهت منذ بداية نضالها صعوبات مع تكوين الاتحاد النسائي السوداني في ظروف اجتماعية صعبة في العام 1952" حيث لعب الاتحاد النسائي دورا في أن تظفر المرأة السودانية في العام 1964 بحق التصويت وحق الترشيح لدخول البرلمان. وفي العام 1965 صارت فاطمة ابراهيم أول نائبة في البرلمان.
وتابع البيان الذي تلقت رويترز نسخة منه بالبريد الالكتروني أن الفائزة عملت على " تحديد سن الزواج ومنع الزواج الاجباري وتعدد الزوجات وإلغاء قانون الطاعة". وقال البيان ان فاطمة ابراهيم وزوجها القائد النقابي الشهير الشفيع أحمد الشيخ رفضا التعاون مع جعفر النميري بعد أن قاد انقلابا عسكريا في العام 1969 وترتب على ذلك أن " أعدم النميري الشفيع ووضع فاطمة ابراهيم في الاقامة القسرية لمدة عامين ونصف".
إنها المرأة الجليلة التي لم يتوقف نضالها للحظة واحدة رغم وجودها في المنفى، كما وقفت باستمرار إلى جانب نضال النساء العراقيات والحركة الديمقراطية العراقية، وهو ما أكده بيان الحزب الشيوعي العراقي في رسالة التعزية والمواساة التي وجهها إلى الحزب الشيوعي السوداني، حيث جاء فيها:
"اننا نقدر عاليا الدور الذي نهضت به الفقيدة على الصعد كافة، داخل السودان وخارجه، ولا ننسى مساهمتها الفاعلة في حملات التضامن مع نساء وشعب بلادنا، ما جعل لها مكانة خاصة في وجدان الشيوعيين والديمقراطيين العراقيين، اسوة بشهداء حزبكم الخالدين عبد الخالق محجوب والشفيع احمد زوج الفقيدة الكبيرة، وغيرهما ".
التعازي القلبية لعائلة ورفاق وأصدقاء المناضلة الشجاعة والمرأة المقدامة فاطمة أحمد إبراهيم والذكر الطيب للفقيدة العزيزة.

20
د. كاظم حبيب
سبل معالجة عواقب الكوارث التي حلت بالعراق، ولاسيما المناطق التي نكبت بداعش!

هناك العديد من التصورات المطروحة التي ترى ضرورة الالتزام بها لمعالجة أوضاع ما بعد داعش، أو ما بعد التحرر من عصابات داعش، في حين ما يزال العراق يواجه نظام المحاصصة الطائفية والفساد الذي تسبب في ما تعاني منه الموصل وسهل نينوى وبقية المحافظات الغربية. 
من أجل أن تكون المعالجة فاعلة وناجحة وسريعة نسبياً على مستوى العراق كله فلا بد من إجراء تغيير جذري في طبيعة الدولة ونظام الحكم الطائفي-الأثني القائم بالعراق منذ العام 2003 العراق لصالح الدولة المدنية الديمقراطية العلمانية والحكم المدني الديمقراطي الدستوري البرلماني النزيه. ولا يمكن أن يتم ذلك إلّا بتأمين تغيير فعلي في ميزان القوى لصالح القوى المدنية الديمقراطية المناهضة للنزعات الطائفية والأثنية في الحكم وفي المجتمع واعتماد مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية والمشتركة بين أبناء الوطن الواحد المتعدد القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والفلسفية والسياسية. أي إقامة دولة تأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات والفصل بين الدين والدولة والدين والسياسة، وتمنع قيام أحزاب تستند على الدين أو المذهب، وتلك التي تمارس الطائفية السياسية في مناهضة الديانات والمذاهب والفرق المذهبية، وحين يبدأ المجتمع بانتخاب وتكوين مؤسساته الديمقراطية والنزيهة في سلطات الدولة الثلاث. هذه الوجهة في النضال يمكن ألّا تتحقق بالسرعة التي يتمناها الإنسان العراقي، رجلاً كان أم، بسبب التركة الثقيلة لعقود طويلة من الاستبداد والقهر السياسي والاجتماعي والحروب والحصار والحرمان والعنف الحكومي وغير الحكومي، إضافة إلى التركة الجديدة التي أضافها النظام السياسي الطائفي الحالي منذ اعام 2003 إلى تلك التركة الماضية، والتي يجد المتتبع واقعها في تخلف مستوى وعي المجتمع وقدرته على مواجهة الأحداث وميله نحو الطائفية السياسية وخضوعه الشديد لشيوخ الدين وأحزاب الإسلام السياسي بفعل وتأثير شيوخ الدين. لا يخطئ من يشير إلى حصول حراك في وعي الإنسان وإدراكه لما يجري اليوم بالعراق، وهذا ما يؤكده محاولات أحزاب وقوى الإسلام السياسي الحديث عن الأخطاء السابقة وعن المدنية وعن تغيير في سلوكها. ولكنه لم يصل إلى المستوى القادر على التمييز بين الغث والسمين، بين الصدق والكذب في الادعاءات الجديدة وفي تحقيق التغيير المنشود، ولهذا يستوجب مواصلة العمل لتسريع إعمال العقل لمتابعة ما يجري بحس ديمقراطي مرهف ومسؤولية وطنية. وإلى أن يتحقق التغيير المنشود في الواقع العراقي لا يمكن ولا يجوز للنازحين والمتضررين من السياسات الطائفية والنهج العدواني المدمر منذ إسقاط الدكتاتورية الغاشمة أولاً، ومنذ الاجتياح الداعشي للأنبار وصلاح الدين والموصل وعموم سهل نينوى وعواقبه ثانياً، أن ينتظروا معالجة أوضاعهم إلى أن يتحقق التغيير الجذري المنشود، بل لا بد من العمل في إطار الوضع الراهن باتجاهين: العمل من أجل الحل الجذري لوضع الحكم بالعراق، والعمل من أجل التغيير المباشر والسريع في أوضاع النازحين والمناطق التي حررت من داعش واستكمال تحرير المناطق التي ما تزال تحت احتلال عصابات داعش المجرمة. من هنا يستوجب العمل بجميع الأساليب والأدوات المتوفرة لزياد الضغط الشعبي الداخلي والإقليمي والدولي، سواء أكان على مستوى الرأي العام العالمي، أم على مستوى المجتمع الدولي (الأمم المتحدة ومؤسساتها الدولية، والمنظمات الإنسانية، ومنها منظمات حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية)، لصالح ممارسة سياسات عقلانية في المناطق التي تعرضت للإرهاب الداعشي والطائفية السياسية، لصالح النازحين الذين يعانون الأمرين وأولئك الذين ما زالوا في المناطق التي اغتصبها داعش وحررت أخيراً. فما العمل؟ يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالأفكار التالية القابلة للتحقيق:
** إبقاء التقسيمات الإدارية التي كانت قبل هيمنة داعش على الموصل والمناطق الأخرى على حالها أولاً ودون تغيير. على أن يتم تشكيل لجنة عراقية مستقلة ومحايدة تماماً ومن شخصيات مقبولة من جميع الأطراف، مع مشاركة دولية من جانب الأمم المتحدة وعناصر مختصة في القانون الدولي، تقوم بدراسة الخلافات بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق حول المناطق المتنازع عليها استناداً إلى المادة 140 من الدستور العراقي لعام 2005 لوضع مقترحات ملزمة للتنفيذ من جانب الحكومتين لحل تلك الإشكاليات وآليات تنفيذها على أن ينتهي العمل بذلك خلال سنتين فقط كحد أقصى.
** تشكيل حكومة محلية مستقلة عن الأحزاب والقوى السياسية العراقية قوامها شخصيات مستقلة تكنوقراطية من أبناء وبنات محافظة نينوى، تدرك عمق المشكلات التي كانت بسبب النشاط الطائفي السياسي والتي تراكمت بفعل الاجتياح لمعالجة جملة المشكلات التي تعاني منها محافظة نينوى بمركزها الموصل وأقضيتها ونواحيها. إن إبعاد كل العناصر التي شارت في ما وصل إليه الحال بالموصل وسهل نينوى أمر ضروري لتجنب بروز إشكاليات جديدة.
** تشكيل هيئة إعمار مركزية ترتبط بالحكومة المحلية وتابعة من حيث المبدأ للحكومة الاتحادية لتمارس نشاطها في إعادة بناء البنية التحتية التي دمرتها المعارك، ولاسيما الماء والكهرباء والشوارع والجسور، إضافة إلى إعادة إعمار الدور المدمرة جزئياً أو كلياً، وتنظيم عملية إعادة النازحين وحل المشكلات المحتملة بين الجماعات السكانية على أسس ديمقراطية وإنسانية، والتصدي لمحاولات أخذ الثأر أو أعمال الانتقام.
** وضع ميزانية مالية كافية وعلى وفق برنامج مدروس لإعادة إعمار المناطق المخربة وإعادة النازحين وتأمين البنى التحتية الضرورية باتجاهين: المسائل الآنية التي لا تقبل التأجيل وتلك التي تنجز بمرحلة لاحقة.
** تشكيل هيئة من شخصيات مستقلة واعية لما حصل في هذه المنطقة من العراق لتمارس عملاً إنسانياً كبيراً هادفاً إلى توفير أجواء المصالحة والتسامح والعودة إلى العيش والحياة المشتركة، على أن تبدأ عملها منذ الآن، لأن هذا هو السبيل العقلاني الوحيد القادر على تجاوز كوارث الماضي والحاضر ببناء جسور الثقة والأخوة والمودة والاعتراف المتبادل بالآخر والتسامح.
** منع وتحريم أي تدخل أجنبي ومن دول الجوار بالشأن الداخلي لمحافظة نينوى أو كركوك أو المحافظات الأخرى والعراق عموماً التي تعرضت لإرهاب داعش، واعتبار أي تدخل من أي طرف إقليمي أو دولي بمثابة محاول ثلم الاستقلال والسيادة الوطنية والتأثير السلبي على السير السلمي والديمقراطي للأحداث. 
** العمل على سحب السلاح، كل السلاح من ايدي السكان وفرض احتكار السلاح بيد الدولة، مع العمل المتواصل لتثقيف أجهزة الدولة العسكرية والمدنية بروح المواطنة المشتركة وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والسلام والعدالة اجتماعية.
** تحريم الدعاية الطائفية السياسية والأثنية المحرضة ضد الآخر والمحفزة للصراع والنزاع وتقديم الفاعلين للقضاء، إذ أن معاناة العراق من الطائفية السياسية والحكم الطافي السياسي كان مريراً وكلف المجتمع مئات الآلاف من الضحايا ومئات المليارات من الدولارات الأمريكية وخراب ودمار شامل وأحقاد وكراهية واسعتين.
** تأمين مراكز طبية ونفسية لمعالجة المصابين بمختلف العلل الناجمة عن الحروب والنزاعات المسلحة والنزاعات الطائفية والأثنية، وبشكل خاص بين الأطفال والصبية والشبيبة، وكذلك بين النساء. ولا بد من جلب المختصين من بلدان أخرى للمشاركة في هذا العملية، إضافة إلى إقامة وتنشيط مراكز البحوث النفسية والبحث العلمي ووضع برامج للمعالجة. فالدراسات المتوفرة تشير إلى أن داعش قد استخدم الأطفال المختطفين لأغراض شتى، ومنها تدريهم على العنف والتوحش في قتل المناهضين لتنظيم داعش. وفي هذا الصدد كتب الباحث الدكتور علي عبد الرحيم صالح، في بحثه الموسوم "الجنود الأطفال في العراق.. دراسة نفسية عن أطفال الخلافة والموت والانتحار" نشر في جريدة المدى بتاريخ 5/5/2015 ما يلي: "بعد تلقين الاطفال وضمان ولائهم للجماعة، يقوم القادة والمدربون الداعشيون باختبار قدرات الاطفال ومدى تحملهم للمهمات القتالية في معسكرات خاصة مثل معسكر (اشبال ابي بكر البغدادي) ومعسكر (ابن تيمية) ومعسكر (اطفال الخلافة)، وبهذا الصدد تقوم الجماعة الاسلامية المتطرفة بتصنيف الاطفال وفق المهمات المرغوبة والملائمة لمستوى قدراتهم البدنية والعقلية والاجتماعية، ووفقا لذلك يمتلك داعش صنوفا متعددة من الجنود الأطفال".  ثم يشير في موقع آخر من بحثه إلى الآتي: "يستعمل داعش اليات نفسية شديدة الخطورة مع الاطفال عند توجيههم وتلقينهم عمليات القتل والذبح، إذ نشاهد في الكثير من مقاطع الفديو المنشورة على مواقع الانترنيت بعض الاطفال يقومون بالقتل وقطع الرؤوس، وحرق جثث الجنود والمدنيين. واشار عدد من الاطفال الذين تم أسرهم على يد القوات العراقية الى بعض هذه التقنيات: فبعد ان يتعرف القادة الداعشيون على استعداداتهم للقوة والعدوان، يقومون بتدريبهم على قطع رؤوس دمى ترتدي زيا عسكريا يشبه الجنود العراقيين أو الاميركان، وذلك بعد القيام بذبح الجنود الاسرى امامهم، ويكون ذلك مصحوبا بجو من التكبير والتهليل والتشجيع، وبصورة تدريجية ومع التلقين وزرع الكراهية في نفوس الاطفال يكون (اطفال الخليفة او ابناء ابي بكر البغدادي) قد تحولوا الى ذباحين محترفين."  ومن هنا تنشأ المهمة الخطيرة للحكومة العراقية في إعادة تأهيل الأطفال بعد الانتصار على داعش عسكرياً، إذ ستبقى اثار ذلك الاحتلال كبيراً على الأطفال الذين عاشوا ما يقرب من ثلاث سنوات تحت حكم عصابات داعش القتلة. وهنا يمكن العودة إلى بحث قيم للدكتور فيان عبد العزيز والمهندس الاستشاري نهاد القاضي الموسوم " أزمة ما بعد الأزمة وحقوق ضحايا جرائم حروب التطهير العرقي"، حيث تقدم الدراسة مقترحات مهمة لمعالجة المشكلات النفسية للنساء والأطفال بعد الانتهاء من كارثة احتلال الموصل وعموم نينوى.
 
** اتخاذ الإجراءات الضرورية الكفيلة والعمل المسؤول من قوى واعية لإزالة أثار النشاط الفكري والإفتائي والعملي الذي مارسته عصابات داعش في مناطق نينوى والأنبار وصلاح الدين والحويجة وغيرها من المناطق التي تعرضت لاجتياح أو تأثير هذه القوى. 
** توفير مراكز صحية ومستوصفات متنقلة للعمل في القرى والأرياف والمناطق النائية التي تعرضت للاجتياح والتدمير لمعالجة سكانها والعائدين منهم إليها.
** دفع تعويضات مجزية لمئات الألاف من السكان الذين تعرضوا للأذى وتحملوا أضراراً مادية ومعنوية بما يساعدهم على النهوض ومواصلة الحياة والعمل.
** قيام القضاء بتشكيل محكمة مدنية تعتمد المعايير القانونية والإنسانية المتقدمة لمحاسبة من تسبب في سقوط الموصل وسهل نينوى والأنبار وصلاح الدين بأيدي عصابات داعش والعواقب التي ترتبت عليها، والتي ما تزال وستبقى تعاني منها لفترة غير قصيرة. إن مثل هذه المحاكمات الشفافة والعادلة من شأنها أن تحقق العدالة المنشودة وتمنع ممارسة مثل هذه السياسات والأساليب في العمل السياسي، إضافة إلى محاسبة الفاسدين والذي ألحقوا أضراراً فادحة باقتصاد الدولة والمجتمع والمناطق المتضررة.
** قيام وزارة التربية ووزارة التعليم العالي تدريس مواد شرعة حقوق الإنسان بأجزائها المختلفة في المدارس والمعاهد والكليات والجامعات العراقية ونشرها على نطاق واسع، إضافة إلى نشر الأبحاث حول عواقب التطرف القومي والديني والمذهبي والفكري على المجتمع والعلاقات الإنسانية في ما بين افراد المجتمع منن مختلف القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفلسفية والفكرية. 
  ملاحظة: يمكن قراءة الكثير من المقالات في هذا الصدد ونشير هنا إلى: 1) الدكتور سيار الجميل في مقال له بعنوان "هل تعود الموصل إلى الحياة.. كما هيروشيما؟ موقع العربي الجميل، بتاريخ 24 تموز/يوليو 2017؛ 2) الدكتورة أسماء جميل رشيد، في بحثها الموسوم "التداعيات الاجتماعية والنفسية لأزمة الموصل – رؤية استشرافية"، مجلة الثقافة الجديدة، العدد 389، أيار 2017، ص 28-39.   
2 قارن: سيار الجميل، دكتور، هل تعود الموصل إلى الحياة.. كما هيروشيما؟، الموقع الرسمي للسيد الدكتور. http://sayyaraljamil.com/، بتاريخ 25/07/2017.
3 أنظر: علي عبد الرحيم صالح، دكتور، الجنود الأطفال في العراق.. دراسة نفسية عن أطفال الخلافة والموت والانتحار، جريدة المدى، 5/5/2015.

4 أنظر: المصدر السابق نفسه.
5 أنظر: انظر: فيان عبد العزيز، دكتورة، ونهاد القاضي، أزمة ما بعد الأزمة وحقوق ضحايا جرائم حروب التطهير العرقي، أبحاث مؤتمر أربيل مؤتمر حول "الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ومستقبل الإيزيديين والمسيحيين بالعراق"، في 8 و9 من شهر شباط/فبراير 2015.

6 قارن: أسماء جميل رشيد، دكتورة، "التداعيات الاجتماعية والنفسية لأزمة الموصل – رؤية استشرافية"، مجلة الثقافة الجديدة، العدد 389/أيار 2017، بغداد، ص 29.   





21
د. كاظم حبيب
مغزى زيارة نوري المالكي ورهطه إلى روسيا الاتحادية!
في هذه الأيام التي أعلن الناس بالعراق عن فرحتهم بطرد غالبة الداعشيين القتلة من الموصل الحدباء والسعي لإيجاد السبل لمعالجة الجراح العميقة التي خلفها الداعشيون بالموصل وعموم محافظة نينوى، يقوم نوري المالكي على رأس وفد من حزب الدعوة وبعض نواب قائمته الانتخابية بزيارة إلى موسكو لمدة أربعة أيام، إذ التقى حتى الآن بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وسيلتقي بوزير الخارجية لافروف ومع مسؤولين آخرين. والسؤال المباشر الذي يواجهنا: ما مغزى أو سبب هذه الزيارة المفاجئة وفي هذا الوقت بالذات؟ تشير الكثير من المصادر المطلعة وتصريحات خلف الكواليس، إضافة إلى النهج السياسي العام الذي ينتهجه المالكي، إنه يأمل بالعودة إلى دست الحكم ثانية ليمارس ذات السياسة الطائفية الحاقدة التي وضعت الكثير من مناطق العراق، ولاسيما غرب العراق ومدينة الموصل ومحافظة نينوى بالكامل وشعبها في قبضة عصابات داعش، والتي أدت إلى تنفيذ أكبر عملية إبادة جماعية ضد أتباع الديانات والمذاهب بالعراق، ولاسيما ضد الإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان والكثير من أهل الموصل السنة أيضاً. وهي محاولة جادة من نوري المالكي وبتوجيه من علي خامنئي وقاسم سليماني بزيارة موسكو والمبادرة إلى طرح تشكيل محور سياسي عسكري جديد تشارك فيه الدول والقوى السياسية التالية: إيران، وروسيا، وسوريا، وحزب الله اللبناني، إضافة على التحالف الجديد الناشئ ببغداد بأطرافه التالية: نوري المالكي والجعفري، وربما عمار الحكيم بحزبه الجديد "تيار الحكمة الوطني، من جهة، وسليم الجبوري وجماعته الجديدة الاتي انفصلت عن الحزب الإسلامي برئاسة اياد السامرائي، من جهة أخرى، إضافة إلى محاولة كسب جزء من الاتحاد الوطني الكردستاني إليه بدعم من إيران، أن تعذر مشاركة قيادة الاتحاد كلها! وتشير الكثير من المصادر إلى أن طهران وروسيا غير مرتاحتين من سياسة العبادي واقترابه من الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي يجدون في المالكي شخصية مناهضة للولايات المتحدة الأمريكية ويمكن اعتماده ليكون رئيس وزراء العراق القادم. كما تشير أوساط أخرى إلى أن هذا التحالف من شانه أن يتصدى لمقتدى الصدر وتياره الشعبي الذي يقترب من العبادي ومن اياد علاوي، إضافة إلى طرحه مهمات وشعارات مدنية تقربه من التيار المدني العراقي والحراك الشعبي. كما إن إيران غير مرتاحة من زيارة العبادي إلى السعودية وتخفيف الصراع معها، وبالتالي فلا بد من تقطيع هذه الوشائج الجديدة بمحور سياسي جديد يتصدى لمحاولات العبادي البقاء في السلطة بتحالف آخر!
ولا بد من الإشارة إلى أن نوري المالكي ورهطه وقوى أخرى بدأت حملة سياسية مناهضة للتيار المدني العراقي والقوى الديمقراطية والحراك المدني والشعبي المطالب بالتغيير واتهام هذه القوى بالإلحاد والحداثة والعلمانية وتعبئة القوى الأكثر طائفية ورجعية لمناهضة القوى المدنية والديمقراطية، التي بدأت، كما يبدو، تكسب المزيد من الشبيبة المناهضة للفساد والإرهاب والخراب والرثاثة التي تعم العراق إلى جانبها، بسبب السياسات الطائفية ومحاصصاتها المذلة التي تراكمت بالعراق منذ حكم إبراهيم الجعفري ونوري المالكي حتى الوقت الحاضر. كما علينا ألّا نغفل التشرذم الجديد في القوى الطائفية السياسية التي باتت تخشى على مواقعها، مما دفع بالمالكي وعمار الحكيم وآخرين إلى محاولة مجابهة كل ذلك بالمحور السياسي الرجعي الجديد! 
ويبدو للمتتبع إن هذا المحور السياسي–العسكري الجديد الذي يراد إقامته، على نمط التحالف الذي نشأ مع سوريا، يمكن أن يجر العراق إلى صراع سياسي وعسكري مدمر مع الولايات المتحدة والدول العربية وأجزاء من القوى السياسية العراقية، الذي يمكن أن يحول العراق إلى ساحة حرب فعلية جديدة، كما عليه الحالة بسوريا منذ عدة سنوات، وبالتالي فهذه الزيارة تعتبر مغامرة سياسية وعسكرية عدوانية تعبر عن جو الإحباط الذي يعيشه المالكي ورهطه ومحاولتهم لدفع العراق إلى أتون حرب محتملة على طريقة "إذا مت ظمأناً فلا نزل القطر"، فأما الحكم وإما قلب الطاولة على رؤوس الشعب كله.
إن من مهمة القوى الديمقراطية العراقية بكل أطيافها كشف الحقيقة وفضح أهداف زيارة المالكي إلى روسيا والعواقب المحتملة من وراء تشكيل مثل هذا المحور السياسي العسكري الجديد في وقت يفترض ان يبتعد العراق عن جميع المحاور السياسية العسكرية وأن يجنب نفسه مغبة السقوط في صراعات جديدة مدمرة، وأن ينهض الشعب بهمة وعزيمة للخلاص من نظام المحاصصة الطائفية لصالح الدولة العلمانية الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي وحقوق الإنسان ومحاربة الفساد والإرهاب وبناء السلام وإعادة إعمار العراق والعدالة الاجتماعية من خلال توحيد العمل لصالح التغيير الجذري المنشود بالعراق.       
       


22
كاظم حبيب
النهج الجديد للرئيس التركي المرتد عن الديمقراطية والمستبد بأمره!
حين جمعتنا، الأستاذ الدكتور صادق جلال العظم (1934-2016م) وكاتب هذه السطور (أ. د. كاظم حبيب)، ندوة عقدت قبل عدة سنوات بمدينة كولون بألمانيا، ناقشت تطورات الوضع بسوريا والعراق والنموذج التركي في الإسلام. وفي مجرى المناقشة برز اختلاف واضح بيننا في مسألتين مهمتين هما: الموقف من الحرب التي نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ضد الدكتاتورية البعثية وصدام حسين بالعراق ومغزى هذه الحرب وعواقبها، إذ لم يكن الزميل العظم مقتنعاً بخطأ تلك الحرب، في حين أوردت من جانبي العواقب الوخيمة التي نشأت واحتمال تفاقمها في غير صالح الشعب العراقي والمنطقة، إذ أن الحروب الخارجية للإطاحة بالنظم الدكتاتورية لا تعالج المشكلات القائمة بل تعقدها واحتمال ان تلد حروباً أو دكتاتوريات أخرى، حين لا يكون الشعب بقواه الذاتية قادراً على الإطاحة بالدكتاتورية، وحين يكون الشعب عاجزاً عن تأمين الحياة الديمقراطية بسبب عدم نضوج الظروف الذاتية للقوى الديمقراطية والمجتمع. فالتجربة تشير، بما لا يقبل الشك، وفي الغالب الأعم نشوء دكتاتوريات جديدة، لاسيما وإن أهداف الحرب من جانب الدول المشاركة في الغزو لا تتناغم مع أهداف الشعب ومصالحه.
أما المسألة الثانية والمهمة التي برز الاختلاف في ما بيننا فهي اهتمامه الكبير وإبرازه للنموذج التركي "الديمقراطي" في الإسلام، باعتبارها تجربة جديدة رائدة ونموذجاً يمكن أن يحتذى به من الدول ذات الأكثرية الإسلامية. وبذل جهداً غير قليل للبرهنة على ذلك من خلال مقارنة تجربة تركيا بتجارب أخرى غير جيدة بالشرق الأوسط. وكان اختلافي معه قد تبلور في نقطة مبدئية هي أن حزب العدالة والتنمية التركي الذي ولد في رحم حزب الفضيلة الإسلامي وعلى أنقاضه في العام 2001، وهو جزء أساسي من تنظيم الإخوان المسلمين على الصعيد الدولي، ورئيسه رجب طيب أردوگان عضو قيادي في هذا التنظيم والمسؤول عن هذا الحزب بتركيا. ولم يكن أمامه، وهو الشخصية المتطرفة في الحزب الأم، من أجل الولوج إلى الاتحاد الأوروبي وكسب منافع منها، إلا أن يسلك سبيل الديمقراطية معالجة مشكلات الاقتصاد التركي المتفاقمة وإيقاف الحرب المستنزفة للموارد والقوى مع الشعب الكردي وحزب العمال الكردستاني. وإن نجاحه في هذا الاتجاه لن يدوم طويلاً بسبب الأهداف الأساسية التي يحملها هذا التنظيم الدولي وحزبه الإسلامي السياسي. وقد تحقق ذلك مع الأسف الشديد. فبعد تحسن كبير في الاقتصاد التركي بعد إيقاف القتال مع الشعب الكردي وحزب العمال الكردستاني وبدء المفاوضات لحل سلمي، وبعد أن تقدمت علاقاته مع الاتحاد الأوروبي وحظي بسمعة جيدة في الأوساط الأوروبية والعالم، بدأ العد التنازلي للديمقراطي بتركيا، إذ لم تدم هذه الفترة طويلاً، فسرعان ما انقلب على هذه الديمقراطية حين شعر بقوته وقدرته على ذلك بأمل فرض الإسلام السياسي على الدولة التركية والتخلص من العلمانية التي أدخلها كمال أتاتورك إلى تركيا في بداية تشكيل الدولة، ولم يجرأ أي حاكم على فرض النظام الإسلامي على البلاد.
وحين جاء الربيع العربي وتلاحقت الأحداث لتصل جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة بمصر، ومن ثم وصول حزب النهضة إلى السلطة بتونس، حتى بدأ أردوگان يبشر بنموذجه ويكشف عن أوراقه الحقيقة وانقلب على الديمقراطية تدريجاً وتخلى عن الحل السلمي للقضية الكردية وبدأ حرباً ضد الكرد وحزب العمال الكردستاني، وأجج الصراع بسوريا لا في سبيل مصلحة الشعب السوري أو المعارضة المدنية الديمقراطية، بل في سبيل مصالح تركيا أولاً وأخيراً وضد وحدة سوريا، إضافة إلى مطامعه في التوسع على حساب العراق وسوريا. كما بدأ يمارس الاستبداد في الداخل. فأعلن إلغاء البرلمان وإجراء انتخابات جديدة هيأ لفوز حزبه فيه بعد أن فشل قبل ذاك بالحصول على الأكثرية البرلمانية، وأعلن عن رغبته الجادة في تغيير الدستور وإقامة النظام الرئاسي بتركيا، ثم بدأ التخلي الواضح عن الدولة العلمانية لصالح دولة دينية على نمط ما يسعى إليه الإخوان المسلمون. وقد أدى كل ذلك إلى تحرك ملموس في صفوف المعارضة التركية والكردية ضد سياساته، إضافة إلى رفض جماعات في القوات المسلحة لهذه السياسة. فكانت محاولة الانقلاب العسكري ضده، والتي كما يبدو، كان على علم بها وتهيأ لإفشالها بدلاً من اعتقال مجموعة الضباط قبل بدء المحاولة. وكان هدفه الاستفادة من محاولة الانقلاب وفشلها لتوجيه ضربة موجعة لقوى المعارضة كلها وفرض النظام السياسي الذي يريده، فرض نظام إسلامي سياسي إخواني على تركيا.
وبعد فشل محاولة الانقلاب أعلن أردوگان حالة الطوارئ بالبلاد ونشط عملية اعتقل عشرات الآلاف من الضباط وضباط الصف والجنود والشرطة والموظفين في دوائر الدولة ووزارات الداخلية والعدل والقضاء والخارجية والتعليم وغيرها، وكلك المئات من أساتذة الجامعات ونواب في المجلس النيابي التركي وتجار وأصحاب أعمال، كما اعتقل عشرات الصحفيين الأتراك بذريعة التجسس والإرهاب والمشاركة في محاولة الانقلاب أو تأييدها. ثم بدأ يمارس سياسة ابتزاز الدول الأوروبية، ولاسيما المانيا، بسبب الاتفاقية التي وقعتها تركيا مع الاتحاد الأوروبي حول اللاجئين، حتى وصل به الأمر إلى اتهام مستشارة ألمانيا باستخدامها أساليب نازية، لأن المانيا منحت اللجوء السياسي لهاربين من تركيا، أو لأنها لم تسلم من يتهمهم أردوگان بالتآمر عليه من جماعة فتاح الله غولان (1941م) والمقيمين بألمانيا منذ سنوات كثيرة. كما اعتقل صحفي الماني من أصل تركي بتهمة مساعدة الإرهابيين، ثم اعتقل رجل ألماني يعمل في منظمة العفو الدولية بتركيا بالتهمة ذاتها وامرأة صحفية، بأمل أن يبتز ألمانيا وميركل.         
واليوم 24/07/2017 تبدأ محاكمة 23 صحفياً تركياً بإسطنبول بتهمة التآمر على النظام التركي، وهو يوم حرية الصحافة بتركيا، مما يؤكد إصرار أردوگان على فرض استبداده العثماني متحدياً الرأي العام التركي والدولي في مطالبتهم بالإفراج عن الصحفيين الذين جل ذنبهم أنهم نشروا الوقائع الجارية بتركيا لا غير، في حين وجهت لأغلبهم "تهمة التجسس وإفشاء اسرار الدولة". والمقصود هنا ما نشرته صحيفة الجمهورية من معلومات وصور عن تسليم نظام أردوگان أسلحة إلى عصابات داعش بسوريا، في حين كان أردوگان ينفي ذلك، فبرز كذبه ودعمه لعصابات داعش الإرهابية.
لقد بدأ أردوگان يفرض نظاماً سياسياً يقترب أكثر فأكثر من نظام السلطنة العثماني ويجعل من نفسه السلطان الجديد لتركيا، بالتالي بدأ يمارس أبشع صيغ الإرهاب ضد المعارضين له ويخوض حرباً مدمرة جديدة ضد الشعب الكردي بكردستان تركيا، كما أساء إلى كل المنجزات التي تحققت سابقاً للاقتصاد التركي، كما انحسرت السياحة الدولية، ولاسيما الأوروبية، إلى تركيا بما ساهم برفع حجم البطالة وحالة الفقر بتركيا.
أن من واجب المدافعين عن حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية وضد إرهاب الدولة والحرب أن يرفعوا صوت الاحتجاج بتركيا ومنطقة الشرق الأوسط والعالم ضد سياسات إرهاب المجتمع واعتقال عشرات الآلاف من البشر دون مبررات قانونية في محاولة لفرض الهيمنة الفردية واستبداد الحاكم المطلق على الشعب التركي بكل قومياته واتباع دياناته. إن المعارضة التركية بدأت بإعادة ترتيب أمورها والنضال ضد سياسات أردوگان الإخوانية المتطرفة، وبدأت بمسيرتها على الأقدام من أنقرة إلى إسطنبول. إن من واجب أحرار العالم تقديم الدعم والتضامن الإنساني معها لكسر شوكة الاستبداد والإرهاب بتركيا.   
       
 



23
كاظم حبيب
ما الدور الذي يراد للحشد الشعبي أن يلعبه بالعراق؟
المجتمع العراقي يقف اليوم أمام محنة كبرى جديدة، إنها محنة الشعب العراقي بـ "الحشد الشعبي" وقادته، والقوى الداخلية والخارجية التي تقف وراءه! ليس هناك في المجتمع العراقي من لا يعرف طبيعة هذا الحشد وكيف تكَّون ومن المسؤول عن تكوينه! وكيف استغلت فتوى السيد علي السيستاني الخاصة بالجهاد الكفائي ليعلن عن تكون هذا الحشد من المليشيات الطائفية المسلحة ولينخرط فيه المتطوعون المخلصون استجابة لفتوى السيستاني. فقوام أو بنية وقيادة هذا الحشد جاءت من المليشيات الطائفية الشيعية المسلحة وقادة هذه المليشيات، وتشكيلها تم بقرار من علي خامنئي وعبر قاسم سليماني وبالتنسيق مع نوري المالكي، الذي أعلن شخصياً بأنه المُكون الفعلي لهذا الحشد!! فقد جاء في مقابلة صحفية بين موقع إيلاف ونوري المالكي، سأل الصحفي: هل أنت قائد الحشد الشعبي؟ فأجاب المالكي بما يلي: " انا لست القائد الميداني للحشد الشعبي، لكن إذا قلت من أسس الحشد الشعبي، فأقول نعم أنا من اسس الحشد الشعبي، وفكرتي عن تأسيس الحشد الشعبي موجودة منذ 2012، وخاصة في نهاية 2012...". (موقع إيلاف، شيرزاد شيخاني، المالكي لـ «إيلاف»: أنا من أسس الحشد الشعبي في العراق، 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2016). 
الحشد الشعبي موزع حتى الآن على قطاعين: القطاع الأول وجمهرة من قادته ساهموا في معارك الموصل وبينهم خيرة المتطوعين استجابة لفتوى الجهاد الكفائي واستشهد منهم الكثير. والقطاع الثاني هو من بقي في مدن المحافظات العراقية وساهموا بقسط كبير جداً في الهيمنة على السكان وابتزازهم ومحاربة من يخالف رأيهم والمشاركة في التجاوز على أملاك وأموال الكثير من الناس، وهم مسؤولون عن الاختطاف والتعذيب وغير ذلك.
والآن انتهت معركة الموصل والجيش العراقي بقيادته الراهنة قادر على تطهير العراق من رجس الدواعش وبقايا القاعدة ومن لف لفهم، وانتهى دور الحشد الشعبي. ولم تعد هناك أي ضرورة لبقاء الحشد الشعبي أو بقاء مسلحين خارج القانون، ولا بد من اتخاذ قرار سريع بحل هذا الحشد وفرض تسليم أسلحته للقوات المسلحة العراقية، قبل أن تصبح كارثة جديدة تذكرنا بالأعوام السالفة. هذا ما ينبغي ان يكون عليه القرار الحكيم، إذ انتهى مفعول الفتوى وتحررت الموصل من هيمنة العصابات المجرمة، التي تسبب بها قادة المليشيات الشيعية المسلحة المتطرفة بسياسات أحزابهم وتصرفات القوى الطائفية المقيتة. فهل سيوافق قادة الحشد الشعبي، وهل سيخضعون لقرار لا بد أن يصدر عن رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة بحل الحشد الشعبي وتسليم أسلحته كافة، ام سيرفضون ذلك ويتحدون الدولة بأسرها؟ نحن أمام موقفين هما:
أولاً، موقف رئيس الوزراء العراقي من اتخاذ القرار المطلوب، وثانياً، موقف قادة الحشد الشعبي من حل حشدهم!
لا نعرف الموقف الذي سيتخذه رئيس الوزراء بهذا الصدد، فهو قد عود العراق منذ مجيئه للسلطة، عدا التعبئة لتحرير الموصل، أنه لم يتخذ أي قرار بشأن الجماعات التي أوصلت العراق إلى هذا المستنقع الضحل والنتن، كما لم يتخذ أي قرار صائب ضد تلك الشخصيات التي نهبت العراق وداست على كرامة الشعب وسلمت الموصل سهل نينوى ومحافظات أخرى إلى عصابات داعش المجرمة؟ بل هم ما زالوا في قيادة الدولة وفي مجلس النواب وفي كل مكان. ولهذا لا ندري هل سيجرأ على اتخاذ مثل هذا الموقف ويتحدى غريمه نوري المالكي ورئيس حزبه وقائمته! واجبه الرسمي يتطلب منه حماية العراق من الفوضى والصراع السياسي والاجتماعي والعسكري ويحتم عليه اتخاذ الموقف الصحيح، حل الحشد الشعبي كله ومنع وجود سلاح خارج الجيش والشرطة العراقية. إنه أمام قرار صعب، ولكن لا يجوز تجاوزه أو تأخير اتخاذه، ومن يتأخر يعاقبه التاريخ دون أدنى ريب!!
أما موقف قادة الحشد الشعبي فقد برز في عدة تصريحات في الآونة الأخيرة ابتداءً من قاسم سليماني وبعض المسؤولين الإيرانيين ومروراً بالمالكي وأبو مهدي المهندس وقيس الخزعلي .. وانتهاءً ببقية المجموعة القيادية في هذا الحشد! فلنأخذ بعض هذه التصريحات وما تعنيه بالنسبة لأوضاع العراق الراهنة:
جاء في تصريح اللواء قاسم سليماني وقائد فيلق القدس الإيراني والقائد الفعلي للحشد الشعبي ما يلي:
قال قائد فيلق القدس للحرس الثوري الإيراني، اللواء قاسم سليماني، إن الحشد الشعبي حوّل الجيش العراقي إلى "جيش حزب اللهي" على حد قوله، مضيفا أن الانتصار على داعش في معارك الموصل سبب "تدخل العلماء وتشكيل الحشد الشعبي". كما نقلت وكالة "تسنيم" الإيرانية شبه الرسمية عن سليماني إشادته في كلمة له أمام طلاب "جامعة الإمام الحسين للعلوم العسكرية" بما وصفه بـ"الانتصار الأخير في الموصل" معتبرا أن "تدخل العلماء وتشكيل الحشد الشعبي، منحا الشعب العراقي قوة إيمانية وعقائدية وجعله يقف من خلال هذه القوة بوجه تنظيم داعش الإرهابي." أنظر: CNN بالعربية، بتاريخ 19/07/2017. وفي تصريح آخر للجنرال الإيراني، محمد على فلكي، قائد فيلق "سيد الشهداء" فى اغسطس العام الماضي 2016، والتي قال فيها إن مليشيات الحشد، ستكون نواة لـ"الجيش الشيعي بالعراق.
أما قيس الخزعلي، رئيس ميليشيا "عصائب أهل الحق" فقد قال في تصرح له ما يلي: تحرير الموصل "هو تمهيد لدولة العدل الإلهي". وزعم أن تحرير المدينة "انتقام وثأر لقتلة الحسين لأن هؤلاء الأحفاد من أولئك الأجداد". وفي هذا يتفق مع ادعاء المالكي بمدنية كربلاء. وأضاف في تصريح آخر قوله: "أنه بظهور من وصفه بصاحب الزمان، وهو الإمام الثاني عشر الغائب عند الشيعة، فإن قواتهم ستكون قد اكتملت بالحرس الثوري في إيران وحزب الله اللبناني وأنصار الله (جماعة الحوثي) في اليمن وعصائب أهل الحق وإخوانهم في سوريا والعراق، وفق تعبيره." وفي ورقة بخط يده كتب ما يلي: باسم رب الشهداء، إلى كل الشرفاء...، إلى كل الطلقاء... حشدنا قائم حتى ظهور القائم، التوقيع الجندي قيس الخزعلي. بتاريخ 26 تشرين الثاني 2016." (موقع NRT (. وبهذا الصدد يمكن أيراد مئات التصريحات لقادة الحشد الشعبي والأحزاب الإسلامية السياسية التي تصب بذات الاتجاه.         
إن وجود الحشد الشعبي كقوة مسلحة شيعية، سواء بشكل مستقل أم كجزء من القوات المسلحة العراقية، سيقود إلى عواقب وخيمة في بلد متعدد القوميات والديانات والمذاهب، وفي بلد عانى وما يزال يعاني من الصراع الطائفي وتعرض أتباع ديانات أخرى للاضطهاد والملاحقة والتشريد والقتل على الهوية والإبادة الجماعية.
إن الموقف السليم هو إنهاء وجود الحشد الشعبي بحله وتسليم كامل أسلحته للدولة العراقية وإنهاء الوجود الإيراني بالعراق، ولاسيما فيلق القدس والأجهزة الأمنية الإيرانية، لأنها ستكون العنصر الفاعل والمؤذي للتطور المستقل للعراق. إن تقديم الشكر لمن قاتل لصالح تحرير الموصل والوقوف بإجلال أمام الشهداء الذي سقطوا في معارك تحرير الموصل واجب وطني لا شك فيه، ولكن انتهاء مهمة هذا الحشد يفترض أن تعني حله دون تأخير لمصلحة العراق وشعبه بكل قومياته واتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والفلسفية. إنها المحنة التي يفترض أن تنتهي قبل أن تتفاقم!
     


24
كاظم حبيب
عادت البغي حليمة إلى عادتها القديمة.. عادت والعود أسوأ!!!

اُعتقل شابان عراقيان بمدينة ميسان (العمارة) بذريعة توزيعهم جريدة طريق الشعب، الجريدة الناطقة باسم الحزب الشيوعي العراقي الذي حصل على إجازة رسمية للعمل السياسي بالعراق، والذي تجاوز عمرة الثالثة والثمانين سنة وعمر صحافته الثانية والثمانين عاماً. وبعد الاحتجاج الشعبي بالداخل والخارج أطلق سراح الشابين المناضلين. ولكن هذه الجريدة المناضلة والشعبية تواجه منذ العام 2003 المزيد من الصعوبات والتحرش الدائم بمن يوزع الجريدة أو من يبيعها أو من يوصلها إلى الباعة. وهذه الحرشة والإساءة والاعتداء بالضرب على المناضلين من موزعي الجريدة وعلى باعة الصحف لأنهم يبيعون جريدة طريق الشعب مع بقية الصحف اليومية لا يعبر عن موقف فردي من هذا المعتدي أو ذاك، بل يؤكد بما لا يقبل الشك بأن هناك جهة معينة أو جهات بعينها لا تريد الخير لهذا الوطن ولا تريد إيصال الكلمة الحقة والخبر الصادق والتنوير الاجتماعي إلى الناس ببلادنا، بل تريد كتم هذا الصوت والدوس على حقوق الإنسان، بما في ذلك حق توزيع الجريدة وبيعها وقراءتها، هذا الحق المضمون دستورياً.
إن هؤلاء البلطجية، هؤلاء العيارين البؤساء، هؤلاء الفاسدين الذين يعتدون على طريق الشعب ويمارسون انتهاك الدستور العراقي لقاء مبالغ من السحت الحرام، لا يمثلون أنفسهم، بل يعبرون عمن يقف وراءهم ويدفع بهم لممارسة هذه الأفعال النكرة. إن هؤلاء المرتزقة الجبناء يتحركون بفعل أسيادهم داخل العراق وخارجه، وهي بداية ينبغي أن نتصدى لها، لأنها محاولة لاختبار موقف الناس والمجتمع عموماً منهم، ومن أفعالهم النكرة، تماماً كما فعلوا مع الشاب الفنان المسرحي كرار نوشي الذي قتل بلا ذنب، بل لمجرد كونه فناناً يملك حساً فنياً مرهفاً ومتقدماً وثقة بالنفس ووعياً لحقه في أن يكون فناناً حراً، بهدف جس نبض المجتمع في الموقف من قتل الفنانين وحاملي راية الحرية الشخصية والحق في الإبداع الفني. ويورد البيان الصادر عن المنتدى العراقي لحقوق الإنسان ما حصل في الآونة الأخيرة ببغداد ما يلي:
"إننا في المنتدى العراقي لمنظمات حقوق الإنسان نجد ان عمليات القتل والخطف قد انتشرت بالآونة الأخيرة بشكل يبعث على القلق الشديد والاعتقاد بحدوث انفلات أمني كبير وخطير، فقد قتل بالتعذيب الشاب ذو (17) عاماً "حسين مازن الشامي " في كربلاء بحجج منافية للقانون ومتعارضة مع واجبات أجهزة الشرطة ذاتها الذي عذب بيد بعض رجال الشرطة نفسها. وكذلك مقتل الشاب " علي هاتف السلامي " أثناء تظاهره بتحسين خدمة الكهرباء في النجف، وهناك أخبار بوجود شهيد أخر و (5) جرحى أصيبوا أثناء التظاهرة." (انظر: نداء المنتدى العراقي لحقوق الإنسان للوقف الفوري لعمليات القتل والخطف في البلاد في 13/07/2017).
ويعتقد بشكل كبير إن سبب مقتل الفنان المسرحي " كرار نوشي " هي بسبب مظهره الذي لا يناسب جماعة المتشددين من المجاميع المسلحة ، وقد رميت جثته في منطقة شارع فلسطين في بغداد .
إن من يقف وراء القتلة هم من يقف وراء البلطجية الذين يطاردون موزعي وباعة جريدة طريق الشعب، هذه الجريدة المناضلة التي تحمل ميراث وتقاليد صحافة الحزب الشيوعي العراقي منذ صدور أول جريدة له "كفاح الشعب"، تلك الجريدة الغراء التي صدرت في 31 تموز/يوليو 1935 وفي فترة وزارة ياسين الهاشمي وبصورة سرية، وبقية صحافة الحزب الأخرى على مدى 82 عاماً، إضافة إلى إنها تحمل تقاليد وميراث الفكر الديمقراطي والتقدمي والمادي لكل المناضلين الصحفيين والكتاب والأدباء والفنانين على مدى تاريخ العراق الطويل، إنها الصحيفة التي تعبر بصدق وحق عن حاجات الشعب ومصالحه ومستقبله. في العام 1946 عين السياسي العراقي سعد صالح وزيراً للداخلية ولم يبق فيها سوى ثلاثة شهور حيث استقال بعدها، وساهم في تأسيس حزب الأحرار قال فيما بعد بأنه يثق تماماً بما تكتبه جريدة "القاعدة"، التي كانت لسان حال الحزب الشيوعي العراقي حينذاك، لأنها صادقة في ما تنقله للقراء. إنها شهادة واقعية وموضوعية صادقة، وهي الآن تحمل ذات الموضوعية والصدق.
هؤلاء البلطجية ومن يقف وراءهم يريدون كبت وخنق هذا الصوت الهادر بالكلمة الحرة والصادقة الذي لم يتوقف طوال 82 عاماً ولن يتوقف بالرغم من كل أولئك المستشرسين والمستقوين بمن هم في الحكم من فاسدين وإرهابيين عاجزين عن خوض الصراع والنقاش الفكري والسياسي بطرق سلمية وديمقراطية، فيلجؤون إلى العنف والإيذاء والإساءة والاعتقال. أولئك الذين بدأوا يروجون ضد المدنية والعلمانية، ثم ليدّعوا بأنهم مدنيون!!! ولكن السؤال العادل هو: بأي حق تقوم الأجهزة الحاكمة في محافظة ميسان باعتقال الشابين اللذين قاما بتوزيع الجريدة وتعرضا للاعتداء من أوباش بدلاً من اعتقال أولئك الأوباش الذين مارسوا الاعتداء، إن لم يكونوا هم ممن ساهم بالإيعاز إلى هؤلاء الأوباش لضرب ومنع مواصلة توزيع جريدة طريق الشعب؟ اليس من حقنا أن نقول عاد هؤلاء البغاة لممارسة ما مارسوه قبل ذاك ولسنوات كثيرة.. ولكن هذه العودة أسوأ وأشد إيذاءً، لهذا يستوجب إيقافهم ومنعهم من التمادي، إنه العهر السياسي بعينه يمارسه من يخشى الصدق والنزاهة في السياسة والإعلام والاقتصاد والحياة الاجتماعية!!!       


25
كاظم حبيب
حصيلة الانتصار العسكري بالموصل
حين يعلن العراقيون والعراقيات فرحتهم بالانتصار العسكري بالموصل وطرد الغزاة المجرمين القتلة، دواعش العراق والعالم الإسلامي، من شذاذ الآفاق، من مدينة استمر احتلالها ثلاث سنوات بالتمام والكمال وبعد أن ظل الغزاة يعيثون بالمدنية وبقية مدن وارياف وحضارة محافظة نينوى فساداً وقتلاً وتشريداً وسبياً واغتصاباً مريعاً وبيعاً للنساء والأطفال في سوق النخاسة وتخريباً في كل مكان. فلهم الحق في إعلان الفرحة، باعتباره نصراً وطنياً، نصراً لكل الشعب، للعراق كله. وقد حيا الحزب الشيوعي العراقي هذه المناسبة، كما حيت قوى سياسية أخرى ومنظمات حقوق إنسان ومجتمع مدني هذه الانتصارات العسكرية، ومنهم المنتدى العراقي لحقوق الإنسان، كما حييت ذلك بأكثر من مقال حين كانت القوات المسلحة على وشك تحقيق النصر العسكري. والآن أحيي الشعب والقوات المسلحة وأهنئها على هذا النصر العسكري.
ولكن، والشعب في احتفالات النصر العسكري، وفي خضم المعاناة المديدة التي مرّ بها وما يزال يعاني منها الأمرين، لاسيما النازحون والمهجرون ومن فقد عزيزاً أو عزيزة له أو فقد جميع افراد عائلته، ومن هدم داره ومن فقد كل ما يملك، هذه المعاناة المتشابكة مع فرحة الانتصار العسكري، يتساءل جميع العقلاء من الناس، وفي مقدمتهم أصحاب الرأي السديد والحكمة والتحليل العلمي والتجربة، بوعي ومسؤولية وحرص شديد على كل أهل العراق: من هم المسؤولون ومن كان السبب وراء حصول هذه الكوارث والمآسي أولاً، ومن سلّم الموصل إلى الداعشيين القتلة بقرار من مسؤول أعلى سلطة تنفيذية، وماذا فعلت السلطات الثلاث، وعلى رأسها رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس مجلس النواب، لمحاسبة هؤلاء المسؤولين عن كل هذه الكوارث؟ ثم التساؤل يتواصل عن حصيلة المعارك والحصاد الفعلي من الشهداء والمعوقين والجرحى والمشردين ... والخراب والدمار لهذا الانتصار العسكري ثانياً، وعن العواقب المحتملة لفترة ما بعد طرد داعش من الموصل، علماً بأن داعش ما زال موجوداً بالعراق (تلعفر، الحويجة وغيرهما) حتى الآن ثالثاً، وعن استمرار وجود فكر الدواعش لا في صفوف جمهرة من أهل السنة، بل وما يماثله في صفوف وممارسات جمهرة من الشيعة، ونماذج منها شاخصة للعيان، وتصريحاتهم تنذر بأبشع العواقب رابعاً، وكيف ستعالج أوضاع أهل الموصل وسنجار وتلسقف وبطناية بعد الانتصار العسكري خامساً؟
نعم سحقت فصائل من القتلة والمجرمين بالموصل، وأسر من أمكن أسره، وهرب من استطاع الهرب واختفى من استطاع الاختفاء إلى حين، بعد أن أصبح الآن جزءاً من خلية نائمة، ولكن فكر وممارسات هؤلاء الأوباش ما تزال فاعلة بالعراق وستبقى لفترة غير قصيرة. وبالصراحة الضرورية نقول بأن الشعب يتحمل مسؤولية مواجهة كل الاحتمالات والمفاجآت، إذ بدأت بعض النذر الصارخة التي لا تبشر بالخير، ومنها: اعتبار النصر شيعياً وليس وطنياً، ثم الاحتفال بضابط واحد من ميسان وكأن النصر لشخص وعشيرة ومدينة واحدة، وليس عراقياً وليس مئات الآلاف من الجنود وضباط الصف والضباط والمتطوعين الذين صنعوا بدمائهم الزكية هذا النصر، ثم الوقائع التي نشرتها منظمة العفو الدولية وجهات حقوقية أخرى لما يحصل من انتهاكات فظة بالموصل في خضم فرحة الانتصار العسكري وتحرير الموصل، إضافة إلى امتناع الكثير من أبناء الموصل ومناطق أخرى من محافظة نينوى من العودة خشية حصول عمليات انتقام وقتل بدعوى الثأر من أحفاد قتلة الحسين أو غير ذلك من الخزعبلات!!!
فرحة النصر العسكري يجب ألّا تنسينا أولئك الذين يرتدون لباس الثعالب الماكرة، الذين راحوا اليوم يدلون بتصريحات وكأنهم لم يكونوا السبب وراء مآسي العراقي منذ العام 2005 حتى الآن!
إن قادة في حزب الدعوة وحزب المجلس الإسلامي الأعلى، وهم يقودون السلطة التنفيذية، وهم ينفذون قرارات قاسم سليماني بالعراق، هذه القرارات التي لا تعبر عن مصالح الشعب العراقي، بل تجسد مصالح الدولة القومية الفارسية التي لها أطماعها بالعراق، قد أثمرت عن:
** تدمير محافظات غرب العراق وشماله، ولاسيما الموصل الحدباء وسنجار وتلعفر وبرطلة وبطناية وتلكيف وتلسقف .. وعشرات المدن الأخرى، إضافة إلى دمار الفلوجة وعموم الأنبار وصلاح الدين ومناطق من ديالى ..الخ.
** تشتيت سكان هذه المناطق وتعريضهم للقتل والتشريد والنزوح والهجرة بهدف تركيعهم وإخضاعهم لقرارات الأحزاب الإسلامية الشيعية المتطرفة وتلك المشبعة بروح الثأر والانتقام، وكأن هؤلاء البشر هم من قتل الحسين وصحبه!! إنها محاولة لكسر شوكة أتباع الديانات والمذاهب، ولاسيما أهل السنة، للفئة البغية الحاكمة، وهو أمر لا يجوز الابتعاد عن تشخيصه، لأنه يستهدف تدمير ما تبقى من لحمة الشعب!! 
** من سيعود إلى مناطق سكناه السابقة سوف لن يزيد عن 30-50 % من مجموع سكانها، وهو أمر بالغ الضرر بالعراق وقواه العاملة والمنتجة ولاسيما الشباب منهم.
** إن المليشيات الشيعية المسلحة تمارس أدوراً مختلفة وترتبط بمصالح مع قوى مختلفة، منها من يرتبط بإيران، وهي التي تشكل القسم الأكبر من المليشيات المسلحة بالعراق، ومنها من يرتبط بقوى داخلية ذات مصالح سياسية واقتصادية خاصة بها، ولكنها لا تبتعد عن دول الجوار، ومنها عصابات قتل ونهب وسلب وفوضى، ولكن كلها تمارس الإرهاب وتجلب أشد الأضرار للوطن والشعب، وهي لا تخدم العراق بأي حال بل يحركها الجشع والانتقام والهيمنة على السلطة، وهي التي تشكل الجزء الأكبر من قوى "الحشد الشعبي"، في حين إن هذا الحشد يضم في صفوفه أيضاً عراقيون نجباء تطوعوا بناءً على دعوة الجهاد الكفائي للسيد علي السيستاني. وحتى اليوم لم يتحدث السيد السيستاني ولا من ينطق باسمه عن "حشد شعبي"، بل يتحدثون عن متطوعين، وهو أمر بالغ الدلالة.
** ولكن هذه القوى التي يجري الحديث عن كونها خاضعة للقائد العام للقوات المسلحة، والتي هي بالأساس في أغلبها ميليشيات مسلحة، تعود لقوى وأحزاب سياسية عراقية الاسم إيرانية الانتماء، وهي التي تطالب اليوم بالسلطة السياسية، كما شكل قادة تلك المليشيات أحزاباً سياسية أجيزت فعلاً!! ويؤكد هؤلاء القادة في بعض أحاديثهم عن انتصار أصحاب الحسين على أصحاب يزيد، والمقصود هنا ليس داعش، بل أهل السنة، قيس الخزعلي النموذج الأسوأ مع صاحبه نوري المالكي لهؤلاء البغاة!! 
** وقد بدأت جماعات مختلفة تمارس عمليات الاغتيال والاعتقال والتعذيب في عدد من محافظات العراق والتي أشار إليها بوضوح بيان المنتدى العراقي لحقوق الإنسان، ومنها الاغتيالات بكربلاء والنجف وبغداد والاعتقالات في ميسان وبغداد، إنه الانفلات الأمني الذي تسعى إليه هذه القوى لتطيح برئيس وزرائها وتنصب غيره مكانه، لأنها إن دوره قد انتهى ليعود المالكي أو من يماثله ليخدم مصالح إيران مباشرة.   
إن العراق بحاجة إلى تغيير جذري في السلطات الثلاث، إلى إبعاد كل الفاسدين الذين نهبوا البلاد وسبوا الشعب، وكل الذين ساندوا الإرهاب بمختلف السبل، إلى تغيير المفوضية العليا للانتخابات وقانون الانتخابات وفرض الرقابة الدولية على الانتخابات ...الخ، ليستطيع الشعب معالجة عواقب ما تسببت به قوى الإسلام السياسي الحاكمة بالعراق.
النصر العسكري يستوجب نصراً على الفكر الطائفي والفكر التكفيري والفكر الشوفيني والفكر الذي يميز بين أبناء الشعب على أساس القومية والدين والمذهب والجنس، النصر العسكري يستوجب استكماله بإزاحة ومحاسبة من تسبب بما حصل بالعراق خلال السنوات المنصرمة منذ الاحتلال الأمريكي وإقامة نظام المحاصصة الطائفية العدواني والتدميري. ِ                             

26
وداعا رفيقنا وصديقنا العزيز د. صادق البلادي (أبو ياسر)
فجعنا، والحزن والأسى، يعمنا، بتغييب الموت عنا، رفيقنا وصديقنا العزيز والمناضل الوطني-الشيوعي المقدام د. صادق البلادي صباح يوم الجمعة المصادف 07-07-2017 بعد إصابته بنزيف في الدماغ لم يمهله طويلا. لقد فقدت عائلة الرفيق أبو ياسر، زوجته الاخت ام ياسر وابنه العزيز ياسرب ألمانيا، وعائلته الكبيرة بالبصرة، زوجاً وأباً وأخاً وابناً نبيلا وكريما، كما فقد رفاقه في الحزب الشيوعي العراقي وأصدقاءه ومحبي شخصيته وكتاباته، شخصية سياسية وطنية معروفة وكاتبا حاذقا واصل نضاله السياسي والثقافي في صفوف الحزب أكثر من ستة عقود. لقد حمل صادق البلاد، مع رفاقه المناضلين، راية النضال في سبيل الحرية والديمقراطية والاستقلال والسيادة الوطنية، في سبيل السلام والصداقة والتضامن الاممي ومن اجل العدالة الاجتماعية، وبقي طوال حياته النضالية أمينا لحزبه وشعار المركزي "وطن حر وشعب سعيد"، أمينا لشعبه والطبقة العاملة والفلاحين وكادحي العراق.
لقد رفض الحروب، كل الحروب والعسكرية والدكتاتورية والفاشية، وأدانها، وناضل في سبيل السلام ورفض الغزو الامريكي للعراق وشجبه بقوة، وأدان الاحتلال والطائفية السياسية ونظامها السياسي ومحاصصاتها المذلة، واحتج بحزم على وجود وإرهاب المليشيات الطائفية المسلحة كافة وعدوانها على اتباع الديانات والمذاهب، وناضل ضد التمييز بمختلف أشكال ظهوره.
عمل الفقيد مع منظمات المجتمع المدني، ولاسيما منظمات حقوق الانسان وهيئة الدفاع عن اتباع الديانات والمذاهب في العراق، ضد احتلال الموصل وأدان بشدة عصابات داعش الاجرامية وما حصل للإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان من عمليات إبادة جماعية وتطهير عرقي وديني في محافظة نينوى ومناطق اخرى من العراق. لقد كان من الداعين المخلصين لوحدة العراق والتآخي والتضامن بين قومياته واحترام وممارسة حقوق الانسان وحقوق القوميات، لاسيما حقوق الشعب الكردي، وحقوق بقية القوميات بالعراق.
بموته المبكر فقدنا رفيقاً وصديقاً واخاً كريماً وعزيزاً وبَقى حتى قبيل وفاته بقليل يناقش سبل تطوير العمل النضالي في سبيل تحقيق التغيير الجذري المنشود بالعراق لإقامة الدولة الديمقراطية العلمانية والمجتمع المدني الديمقراطي الحديث، وكان من الداعين إلى تعزيز العمل بين الشبيبة لدورهم الفعال في النضال من أجل التغيير.
التعازي القلبية والصبر والسلوان لعائلته ورفاقه وأصدقاء الفقيد ومحبيه، والذكر الطيب للفقيد العزيز د. صادق البلادي
كاظم حبيب، 07/07/2017


27

د. كاظم حبيب


الدراسات العلمية المتخصصة والوقائع الحياتية برهنت، بما لا يقبل الشك أو التأويل، إن المثلية الجنسية ناجمة عن مسألتين علميتين هما الجانب البيولوجي عند الإنسان، ذكراً كان أم أنثى، أولاً، وعن الجينات الوراثية ثانياً، وكلاهما لا يتحكم بهما الفرد، بل تتجلى في نزعاته وتوجهاته الجنسية الطبيعية، وهي ليست سمة يمكن التحكم بها من جانب الرجل المثلي أو المرأة المثلية. فالباحث العلمي محمد الجلالي في بحثه الموسوم "حقيقة المثلية الجنسية .. رأي العلم"، قدم لنا فيه رأياً علمياً مستنداً إلى كمية هائلة من الأبحاث العلمية والتجارب الحياتية على الصعيد العالمي التي تؤكد ما يلي:
"( المثلية الجنسية – Homosexuality) هي الانجذاب العاطفي والنفسي والجنسي لنفس النوع – اي انجذاب – (ذكر × ذكر) او (انثي × انثي)، وهو توجه جنسي سليم ومعترف به طبياً كأحد التوجهات الجنسية الأساسية، والتوجه الجنسي هو توصيف للحالة الجنسية والنفسية للشخص.
* ما هو سبب المثلية الجنسية ؟
ليس سبباً واحداً فالمثلية الجنسية متداخلة الأسباب ..في الواقع المثلية الجنسية سببها مرتبط بعاملين وهما بيولوجي وجيني. ^ ) السبب الجيني : العلاقة بين التوجه الجنسي والبيولوجي ..
في اول مراحل تكوين الجنين يكون ظاهرياً وفزيائياً انثي او بالمعني الأدق (جنس محايد)  ويستمر لمدة 5 او 4 اسابيع من التخصيب نتيجة سيطرة كروموسوم X ، وبعد ذلك يبدأ ويظهر مفعول كروموسوم Y وهو الكرموسوم المنتقل من الذكر ويحمل SRY gene ، المسئول عن تثبيط بعض صفات كروموسوم X وفرض صفاته الخاصة والذي يتواجد في الذكر ..
في منطقة في المخ اسمها (SDN) وهو اختصار لـ( sexually dimorphic nucleus )  ويتواجد بجانب الـ( hypothalamus –  تحت المهاد ) هو – SDN – المسئولة عن التفضيلات بين الجنسين حيث تتغير حجمها تبعاً لتغير ( التوجه الجنسي ) فمثلاً توجد في الذكور المغايرين اكبر عن غيرهم  .." (أنظر: محمد الجلالي، حقيقة المثلية الجنسية .. رأي العلم"، موقع سيكولوجي، 05/07/2017).
وفي توثيق مهم لعالم النفس البروفيسور الدكتور قاسم حسين صالح كتب تحت عنوان (اوقفوا الاستهتار بحياة الناس) ما يلي:
"في 1987 استدعتني مديرية شرطة بغداد لقضية علمية، هي معاينة مجموعة شباب (مخنثين) بالمصطلح الشعبي، ومصابين باضطراب الهوية الجنسية بالمصطلح العلمي، الذي يعني ان مشاعر الشاب تكون انثوية ويرى انه ولد في الجسم الخطأ، ورفعت توصيتي الى وزارة الداخلية بان الجهة المعنية بمعالجة هؤلاء هي مستشفى الرشاد للطب النفسي.
في 2010 قامت جماعة محسوبة على قوة سياسية شيعية بألقاء القبض على شباب وغلق مخارجهم بالسيكوتين وتقييدهم وراحوا يستمتعون بموتهم .. فكتبنا وقتها مقالة بعنوان (طنطا-يمكنك مراجعتها في الحوار المتمدن).. اوضحنا فيها انه يوجد في كل المجتمعات جنسيون مثليون وان قتلهم يعد جريمة لأن(ربهم خلقهم هكذا!).. فجاءنا تحذير مبطن بتهديد .
اليوم يقتل الشاب (كرار) بطريقة بشعة بالحجة نفسها، مع انه وصف بانه ممثل مسرحي.
العقل السياسي الاسلامي يثبت على مدى 14 سنة بأنه.. متخلف، جاهل، احمق، ومستبد.. وان فضحه واجب كل انسان يحترم حق الحياة ويقدسها."
وإذ أتفق مع الأستاذ الفاضل في أغلب ما ذهب إليه، إلا أني اختلف معه في كون هذه الحالة ليست اضطراباً نفسياً أو أن المثلي ولد بالجسم الخطأ، بل هي حالة طبيعية نتيجة للجانب البيولوجي والجانب الجيني. وهو ما يؤكده العلم والعلوم النفسية أيضاً. إن ما ارتكب بحق من سُدّت مؤخرته بالسيكوتين، ومن قتل قبل أيام، وأعني به الشاب الطالب في معهد الفنون الجميلة كرار نوشي بذريعة المثلية، هما جريمتان بشعتان ينبغي أن يلاحق مرتكبيها وتقديمهم للقضاء لإصدار الحكم العادل بحق القتلة باعتبارهما مارسا القتل العم مع سبق الإصرار. ومع إن المعلومات التي وردت لي لا تؤكد مثليته الجنسية، ولكن قتل لشبهة بها.
لقد اقرت مجموعة من برلمانات أوروبا الغربية قوانين لا تبيح المثلية في المجتمع فحسب، بل وحقهم في الزواج وتبني الأطفال. وهذا ما حصل في البرلمان الاتحادي لألمانيا الاتحادية بتاريخ 30/06/2017 حين أقر قانوناً يقضي بحق المثليين بالزواج وتبني الأطفال والوراثة وما إلى ذلك. وفي ألمانيا وحدها يوجد مكا يقرب من 4 ملايين مثلي، وهكذا الحال في بقية دول العالم. لقد كانت ألمانيا وكذلك الكنيسة الكاثوليكية تعاقب المثلي عقاباً صارماً، وهو ما تمارسه الدول الإسلامية بدعوى الدين، وكلها دون استثناء إما دكتاتورية بشعة، أو تتمسح بديمقراطية شكلية، في حين إن الإسلام لم يحرم المثلية ولن تجد آية واحدة في القرآن تحرم المثلية، بل هناك تحريم في بعض الشرائع التي وضعها البشر ولا تستند بالضرورة إلى القرآن أو تعتمده، بل اجتهادات شخصية. وفي هذا الاجتهاد اختلافات أيضاً. فالمذهب الحنفي المستند إلى الإمام الفقيه (أبو حنيفة النعمان 80-150 هـ/ 699-767م) لا يعتبر المثلية الجنسية زناً، لأنها لا تنجب ذرية، على سبيل المثال لا الحصر. (أنظر: أبو حنيفة النعمان، موقع قصة الإسلام، بتاريخ 05/07/2017) 
على منظمات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني المدركة لدورها في المجتمع أن ترفع صوت الاحتجاج ضد هذه الجريمة الجديدة البشعة وتستنكر ممارستها من قوى وعناصر مجرمة، متخلفة وجاهلة وأن تطالب بتقديم الجناة إلى القضاء لملاحقتهم وإنزال أقسى العقوبات العادلة بحقهم لكي يرتدع غيرهم من ممارسة جرائم مماثلة.   

28

كاظم حبيب
النصر العسكري والمطاف الذي يسعى إليه الشعب!
الانتصارات العسكرية التي بدأت تتحقق يوماً بعد آخر والمقترنة بتدمير مواقع عصابات داعش المجرمة بالموصل وتقليص مواقعها وإزالة فعلية لشبح "دولتها" اللقيطة بالعراق، وتحرير نينوى بالكامل من تلك العصابات الشريرة، أمر يسرُ كل العراقيات والعراقيين دون استثناء، ولاسيما بنات وأبناء نينوى الحبيبة. هذا النصر العسكري يدق مسماراً جديداً في نعش القوى الإرهابية والعدوانية لا بالعراق حسب، بل وفي العالم الذي يواجه القتل والتدمير الوحشي والجنوني من جانب عصابات داعش. 
إلا إن هذا النصر العسكري، الذي كلف الشعب العراقي المزيد من الضحايا البشرية، شهداء التحرير، والكثير من الجرحى والمعوقين، إضافة إلى آلام وأحزان ودموع وتشريد الملايين من البشر كنازحين ومهاجرين ومشردين بالعراق وبالشتات العراقي، وكذلك الخسائر المادية الحضارية لآثار العراق الفريدة، والذي كلف خزينة الدولة عشرات المليارات من الدولارات الأمريكية أيضاً، لا يتوطد بهتافات الفرحة وسعادة النصر العسكري ولا بدموع العائدين الذين فقدوا الكثير من أبنائهم وبناتهم وما يعتزون به، بل النصر يتحقق بالعمل على كنس كل العوامل التي كانت سبباً وراء ما حصل بنينوى، وقبل ذاك بالأنبار وصلاح الدين وديالى وبغداد وغيرها من مدن العراق، بتغيير جذري للنظام السياسي الطائفي ومحاصصاته المذلة، بالتوجه صوب الدولة الديمقراطية الحديثة، الدولة التي تقوم على أساس المواطنة الحرة والمتساوية والواحدة، وليس على أساس الهويات الفرعية القاتلة، التي تسببت في موت مئات ألوف البشر بالعراق، والتي ستمارس موت الكثير أيضاً إن تواصلت سيادة هذه الهويات الفرعية على هوية المواطنة العراقية. إن القادم سيكون أمر وأقسى وأدهى إن استمر النظام السياسي الطائفي والمحاصصات الطائفية وذات الوجوه السياسية القميئة التي تسببت في الأعوام المنصرمة بما يعاني منه العراق حالياً.     
إن النصر العسكري يتوطد بتغيير كامل للسياسات التي مورست حتى الآن، بإعادة بناء الدولة الهشة الراهنة، بناء الدولة الديمقراطية الحديثة والعصرية وإقامة المجتمع المدني الديمقراطي الحديث، حيث كلاهما يرفض الطائفية والتمييز الديني والعنصرية ونشر الكراهية القومية والدينية والمذهبية والفلسفية أو الفكرية، كلاهما يعتمد مبادئ وقيم ومعايير لائحة حقوق الإنسان الدولية وبقية المواثيق والعهود الدولية (شرعة حقوق الإنسان) ويلتزم بتنفيذها والرقابة الصارمة على تنفيذها، دولة ومجتمع يسعيان إلى بناء التفاهم والثقة والاحترام المتبادل بين القوميات بالعراق وأتباع الديانات والمذاهب، والالتزام الثابت بحقوقها ومصالحها والتنسيق في ما بينها لصالح العراق الديمقراطي العلماني الحديث.
إن بناء المجتمع وتوطيد أركان الدولة الديمقراطية أثناء وبعد تحقيق النصر العسكري لا يتطلب التسامح بين العراقيات والعراقيين من كل القوميات والديانات والمذاهب والفلسفات لما حصل لهم حتى الآن حسب، بل يتطلب أولاً وأساساً وقبل كل شيء الاعتراف المتبادل بالوجود القومي المتعدد وبالوجود الديني والمذهبي (مذاهب دينية وفلسفية) المتعدد أيضاً وبالحقوق والواجبات، لأنه الطريق الوحيد والمناسب لضمان وحدة العراق ووحدة نسيجه الوطني والاجتماعي وتأمين تطوره السياسي وتقدمه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وتنظيف بيئت الملوثة.
إن الاعتراف المتبادل يتطلب أيضاً التسامح ممن تعرض للانتهاك، ولكن لا يجوز إهمال محاسبة من تسبب عن سبق إصرار بتدمير وحدة العراق ووحدة شعبه بمختلف قومياته واتباع دياناته وممارسة سياسات التمييز الديني والمذهبي والقومي بأبشع الصور والتجاوز الفظ على حقوق الإنسان وحقوق القوميات وأتباع الديانات والمذاهب، والتي تسببت في نشر الكراهية والأحقاد والموت بالبلاد، ومن ثم فرض الاحتلال على أجزاء من وطننا الحبيب. إن فرحة النصر لا تتم إلا من خلال التغيير الحقيقي للنظام والنهج أولاً، وبإعادة النازحين والمهاجرين الراغبين في العودة وتعويضهم وإعادة إعمار المناطق المدمرة ثانياً، وحل المعضلات العالقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق على أسس سليمة وعلى وفق دستور ديمقراطي عصري معدل لصالح توطيد الدولة العراقية الديمقراطية ثالثاً، ومحاسبة من كان السبب في ما تعرض له الوطن والشعب من خسائر بشرية وحضارية ومالية رابعاً.
على القوى المؤمنة بدولة ديمقراطية علمانية حديثة ومجتمع مدني ديمقراطي أن تتوحد في النضال من أجل تحقيق هذا الهدف لضمان تغيير ميزان القوى لصالحها لتحقيق هدف إزاحة من يسعى إلى تكريس ما كان سبباً في مآسي وكوارث العراق خلال الأعوام المنصرمة والمعرقل للتغيير الجذري المنشود. 
 



29
كاظم حبيب
هل هي زلة لسان أم إنها جزء من ثقافة بالية تلاحقنا؟
في مقال كتبته قبل فترة وجيزة تحت عنوان "كفوا عن الضحك على ذقون الشعب، كفوا عن مهازلكم!!، جاء في موقع منه عن بعض شيوخ دين ممن استجاب لإرادة السياسة الفاشية لنظام الحكم البعثي - القومي في العام 1963 حين كفر الشيوعيين، وبالتالي أحل دم الشيوعيين والقوى المدنية والعلمانية باعتبارهم ملحدين! و"على النسق ذاته بدأت حملة شعواء تمارسها مجموعة من أصحاب العمائم، وهم جمهرة من شيوخ دين سياسيين انحازوا ضد إرادة ومصالح الشعب حين راحوا يؤججون المشاعر وكأن الشبيبة العراقية كلها بدأت تنحاز صوب الإلحاد. وهم يعرفون إن ليست هناك مثل هذه الظاهرة، بل إن هناك رفضاً متعاظماً واحتجاجاً ضد شيوخ الدين الفاسدين والمتربعين على رأس السلطة وفي الأحزاب الإسلامية السياسية الذين مسخوا الدين بسلوكهم اليومي المناهض لمصالح الشعب. ويقف على رأس هؤلاء نوري المالكي وعمار الحكيم، والأخير يعيد إنتاج تاريخ جده الأسود في هذا المجال." وكان لزاماً عليّ أن أكتب "يعيد تاريخ جده المخزي مثلاً، وليس الأسود! والسؤال الذي يستوجب الإجابة عنه هو: هل كان هذا الخطأ زلة لسان منّي، أم إنه يشكل جزءاً من تراثنا الثقافي العربي والإسلامي، بل والبشري، السلبي الذي صبغ اللون الأسود دون أدنى مبرر بالسوء؟ ألم يكن هذا الاستخدام جزءاً من التراث الاستعماري والعبودي الذي مارسته القوى العنصرية ومن ثم الاستعمارية، ومنهم المستعمرون المسلمون العرب، ضد الشعوب السوداء بذهنية عنصرية وقحة وعلى امتداد عشرات القرون، بحيث ما تزال هذه المخلفات السيئة عالقة في أذهان حتى القوى الديمقراطية والتقدمية وأنصار حقوق الإنسان في العالم، وأنا منهم؟ نعم هذه هي الحقيقة المرة التي يفترض أن نعترف بها ونكافحها!     
حين قرأ زميلي الفاضل والمناضل الدكتور محمد أحمد محمود، صاحب كتاب نبوة محمد، مقالي المذكور أعلاه، اشار لي برسالة شخصية بأن المقال قد أعجبه كثيراً، ولكن حين وصل إلى الموقع الذي ذكرت فيه اللون الأسود بموقع السوء، كما جاء في أعلاه، أشار بأنه انزعج كثيراً، رغم معرفته بنيتي الحسنة، وهو على حق تماماً، إذ أن الألوان كلها واحدة ولا يجوز تمييز لون منها بالإساءة، كما جاء في مقالي. لقد أدركت بأن ما كتبته لم يكن زلة لسان، بل كان بتأثير الثقافة البالية التي ما تزال تعيش معنا ونستخدمها دون أن نعي سلبياتها وأسباب نشوئها ومدى إساءتها للآخرين من أخوتنا وأخواتنا من ذوي البشرة السمراء أو السوداء. لقد تعودنا أن نقول بالسوق الأسود بدلاً من القول بالسوق الموازي، وأن نقول حظه الأسود، بدلاً من أن نقول حظه العاثر، وأن نقول تاريخ الرجل الأسود بدلاً من أن نقول تاريخ الرجل المخزي، على سبيل المثال لا الحصر.
لقد علمني الدكتور محمد محمود درساً ثميناً لن إنساه، وأتمنى على جميع أنصار حقوق الإنسان وجميع الكتاب وعموم المجتمع أن ينتبهوا إلى ذلك ليتخلصوا معي من ترديد ما وصل إلينا من خطاب يعود للثقافة البالية في جميع لغات العالم تقريباً وفي جميع الحضارات التي مرت بها البشرية، ربما في ما عدا الأوائل الذين لم يكونوا يعيشون تحت وطأة العنصريين والمستعمرين، دون أن نعي وعياً سليماً ما وراء ذلك. ليس هناك ما يميز اللون الأسود عن اللون الأبيض أو الأحمر إلا في الثقافة والنظرية العنصرية التي قسمت البشرية إلى ثلاثة أجناس وربطتهم بأبناء النبي نوح الثلاثة "يافت وسام وحام", وله كما يقال أبن رابع، وادعت هذه النظرية إن يافت هو الجد الأكبر للجنس الآري، الجنس الذي يتميز بالسمو والخلق الكريم والإبداع والمبادرة والخلق والسيادة. ثم ادعت إن سام هو الجد الأكبر للساميين أو الآسيويين، ومنهم العرب واليهود، وهم الوسط بين جنسين، فهم أقل شأناً من الآريين، ولكنهم أعلى شأناً من الحاميين أو الأفارقة، إذ ادعت هذه النظرية العنصرية البالية بأن الجد الأكبر للحاميين أو الأفارقة هو حام بن نوح. وبسبب خطيئة ارتكبها حام، صبغ "الله" أبناءه وأحفاده باللون الأسود، وكتب عليهم أن يكون خدما أو عبيداً لأسيادهم من الجنس الآري، ومن ثم للجنس السامي! هل هناك نظرية وقحة أوقح من هذه النظرية العنصرية؟ إننا هنا نتبين بوضوح مدى وقاحة هذه النظرية وتخلفها وعدوانيتها، إذ يفترض أن ننتبه إليها في كتاباتنا التي نرددها في غالب الأحيان دون أن نعرف مصدر هذه الأسطورة الخرافية والعلاقة التي شوهها العنصريون، العلاقة بين اللون الأسود والسوء، أي علينا أن ننتبه في استخدامنا لكلمة أسود أو اللون الأسود لكي لا نتحول إلى عنصريين دون أن نعي ذلك. هناك مصلحات أخرى في اللغة العربية التي يفترض ان ننتبه إليها أو يفترض أن نتجاوز لغتنا الذكورية ونجعلها ذكورية أنثوية في آن واحد والتي سأعود إليها في مقال آخر.


30
د. كاظم حبيب
نحو معالجة جادة ومسؤولة لبعض لمظاهر السلبية في حركة حقوق الإنسان العراقية!
من ينظر قليلاً إلى الوراء ويستعيد مسيرة حركة حقوق الإنسان بالعراق، سيجد دون أدنى ريب، أنها قطعت شوطاً مهماً في التعامل مع وقائع انتهاك حقوق الإنسان والتجاوزات الثقيلة على المبادئ الأساسية التي تبلورت وتراكمت عبر الفترة الواقعة بين صدور اللائحة الدولية لحقوق الإنسان في العاشر من كانون الأول /ديسمبر 1948 والمواثيق والعهود الدولية الخاصة بحقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي صدرت في النصف الثاني من العقد السابع من القرن العشرين حتى الوقت الحاضر، والتي شملت الكثير من اللوائح المهمة جداً مثل حقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق السجناء السياسيين وحقوق المواطنين والمواطنات من أصل أهل البلاد وحق تقرير المصير للشعوب صغيرها وكبيرها والحق في التنمية والحق في بيئة نظيفة...الخ، وهي بهذا المعنى قدمت بعض المنجزات المهمة لصالح حركة حقوق الإنسان وإنها قد اكتسبت خبرات قيمة يمكن أن تكون زاداً مهماً للوقت الحاضر ولقادم الأيام والأعوام.
إلا إن واقع الحال يقول بأن هذه الحركة الإنسانية النبيلة كان في مقدورها أن تقدم أكثر مما تحقق لها حتى الآن لو لم تكن تعاني من عدد من العلل التي تحولت عملياً إلى مشكلات تواجه العاملين والعاملات فيها، وعرقلت، وهي ما تزال تعرقل، ما كان يمكن أن ينجز لصالح الإنسان العراقي الذي كان وما يزال هدفاً أساسياً من أهداف قوى الاستبداد والقهر والتمييز والعنصرية والطائفية السياسية المقيتة والتمييز الصارخ ضد المرأة ومعاناة الطفولة، سواء أكانت هذه القوى في الحكم أم خارجه.
لا شك في أن بعض هذه العلل ذات طبيعة موضوعية ناشئة عن طبيعة المجتمع العراقي الذي يعاني من تخلف اقتصادي واجتماعي ومن قدرة القوى المناهضة لحقوق الإنسان من تزييف وتشويه وعي الإنسان في ظل الأمية والخراب الفكري والردة الاجتماعية التي تعم البلاد منذ ما يزيد عن خمسة عقود، إضافة إلى وجود فئات رثة تحكم البلاد منذ إسقاط الدكتاتورية الغاشمة حتى الآن. وإذا كان الإرهاب قبل ذاك يمارس من حكومة صدام حسين، فأنه اليوم يمارس من جهات كثيرة بحيث حولت حياة الشعب العراقي إلى جحيم لا يطاق والخسائر البشرية لا تحصى ولا تعد. كما إن الفساد كان سائداً في فترة حكم صدام، واليوم تحول إلى نظام سائد ومعمول به وتمارسه السلطات الثلاث دون حياء. إن الفساد والإرهاب سائدان اليوم بشكل يصعب على الإنسان السوي تصوره لأن ممارسيه يشكلون جزءاً من قوى السلطة ومن خارجها، ولكن من الأحزاب الحاكمة.
وإذا كانت هذه العلل ناتجة عن واقع موضوعي قائم، ولكن هناك أيضاً تلك العلل الذاتية التي ترتبط بطبيعة العاملين والعاملات في هذا المجال، والتي لا تنفصل بطبيعة الحال عن واقع المجتمع ذاته ومستوى تطوره وتقدمه ووعيه.
ومثل هذه العلل القائمة لا تقلل من النجاحات المطلوبة والضرورية لحركة حقوق الإنسان لإنصاف المظلومين والمنتهكة حقوقهم الأساسية فحسب، بل إنها تضعف من التفاف الناس حولها ومن مصداقية العاملين والعاملات فيها أمام المجتمع، والتي تُستثمر بأبشع الصور من جانب المناهضين لحقوق الإنسان والساعين إلى إفشال جهودها ووجودها أصلاً، وهي التي تعتبر شوكة فعلية في عيون مغتصبي ومنتهكي حقوق الإنسان، بمن فيهم الحكومات المتعاقبة والمسؤولين على مستوى العراق كله. فما هي هذه العلل والمشكلات التي تواجه حركة حقوق الإنسان العملية؟
1.   مع الأهمية البالغة لوجود منظمات تدافع عن حقوق الإنسان العراقي في الداخل والخارج، إلا إن المشكلة تبرز في وجود عدد متزايد من هذه المنظمات التي تعود فعلياً لأحزاب سياسية حاكمة أو حتى غير حاكمة لا تلتزم بمعايير حقوق الإنسان. فهي تنتقد انتهاك الحكومة العراقية بحق حين تنتهك حقوق الإنسان بفظاظة، ولكنها تسكت حين تنتهك هذه الحقوق من جانب حكومة الإقليم أو مجالس المحافظات. وهي تنتهك الأحزاب السياسية التي تنتهك حقوق الإنسان، ولك نها تنسى انتهاك أحزابها والعاملين فيها حين تنتهك حقوق الإنسان. ومثل هذا الواقع يضعف مصداقية عمل منظمات حقوق الإنسان، في حين إن المنتهك لها هي بعض هذه المنظمات غير المستقلة. وهنا لا بد من التمييز السليم بين هذه المنظمات وتلك التي لا تلتزم بالمعايير الحقوقية لحركة حقوق لإنسان، رغم صعوبتها التمييز احياناً.
2.   إن الكثير من العاملات والعاملين في حركة حقوق الإنسان لم يدرسوا بعناية كبيرة مبادئ ومعايير حقوق الإنسان منذ العام 1948 حتى الوقت الحاضر والتي بلغت عشرات الوثائق واللوائح المهمة جداً. وبعضهم لم يقرأ بالتفصيل حتى اللائحة الدولية لحقوق الإنسان. إنها تشير غياب الرغبة في القراءة والتعلم والتفاعل مع هذه الوثائق وسبل متابعة انتهاك حقوق الإنسان. ومنظمات حقوق الإنسان الجادة يفترض فيها أن تساعد، لا في نشر وترويج هذه الوثائق واللوائح فحسب، بل وأن تُدّرسها للعاملين والعاملات فيها، لكي تحصنهم من وقوعهم بالذات بانتهاك حقوق الإنسان ضمن عائلاتهم أو في المحيط الذي يعملون فيه. وأرى بأن هذه المشكلة كبيرة حقاً، سواء بالنسبة لمن يعملون بداخل العراق أو خارجه، والتي تتجلى في ضعف الاهتمام بالاجتماعات والندوات التي تمس حقوق الإنسان.
3.   تجد هذه الوقائع انعكاساتها في العلاقات الإنسانية والاجتماعية بين العاملين والعاملات في هذا المجال الحيوي الذي يستوجب التناغم والانسجام والتفاعل الودي بينهم وتبادل الخبرة والمعرفة. إذ تبرز المنافسات غير الودية والحساسيات وضعف الاحترام المتبادل والمشاكسات والشللية إلى حد بروز أحقاد وكراهية وعدم قبول الآخر أو العمل معه، وهي تجليات للحساسية المفرطة والمزاحية التي تقود إلى تدهور العمل أو إضعافه أو تى التخلي عن بعض الكفاءات بسبب كل ذلك أو بعضه. والتجارب التي مرت بنا تؤكد العواقب السلبية لهذه الظاهرة على عمل اللقاءات والمؤتمرات والاجتماعات التي تنظمها منظمات حقوق الإنسان.
4.   الفهم الخاطئ لمبدأ الحيادية في عمل منظمات حقوق الإنسان. فمنظمات حقوق الإنسان ليست حيادية إزاء المبادئ التي تعمل بها وتستند اليها في نشاطها. فليست هناك حيادية بين الضحية والجلاد، سواء أكان هذا الجلاد شخصاً أم جماعة أم حزباً أم حكومة، وسواء أكان الضحية من هذه القومية أو الدين أو المذهب أو الفلسفة أو الفكر الذي يحمله، فالإنسان هو الإنسان مهما كانت الخلفية القومية والدينية والمذهبية والفكرية التي يحملها، والانتهاك هو انتهاك ولا يمكن تفسيره بغير ذلك. والحيادية لا تعني السكوت بل عدم التمييز بين الضحايا أياً كان، وبين الجلادين أياً كان. فعلى سبيل المثال إن مارسنا النقد وشجب التجاوز على حقوق الإنسان من جانب الحكومة العراقية، لا يجوز بأي حال السكوت عن تجاوزت مماثلة تقوم بها حكومة إقليم كردستان على حقوق الإنسان أو المجالس المحلية في المحافظات مثلاً. هنا تستوجب الحيادية التامة، إذ أن انتهاك كرامة الإنسان بأي شكل كان هو تجاوز فظ على أهم مبادئ حقوق الإنسان ولا يجوز السكوت عن بعض منتهكيها وشجب غيرهم ممن ينتهك حقوق الإنسان. إذ عندها تفقد منظمات حقوق الإنسان في مثل هذه الحالة مصداقيتها وأساس عملها الإنساني النبيل. فلا حياء ولا خشية ولا سكوت على من يرتكب حقوق الإنسان بأي شكل كان، وبالتالي فمن نافل القول أن نؤكد بأن من يخشى النقد أو يهابه لأي سبب كان، عليه الكف عن العمل في هذا المجال إذ إنه أفضل له وللمنظمة التي يعمل فيها. وهي أفضل من ممارسة التمييز وغياب الحيادية الضرورية.
5.   بسبب ضعف اهتمام الكثير من أعضاء منظمات حقوق الإنسان بالداخل والخارج بقضايا حقوق الإنسان ، فأن المسؤولين غالباً ما يتخذون قرارات فردية أو لا يعودون إلى هيئاتهم القيادية للمداولة واتخاذ القرار المناسب بهذه القضية أو تلك. وتبقى المسألة محصورة بالأمين العام أو أي تسمية له تمنحها النظم الداخلية. وعدم أو ضعف الاهتمام يساهم في اعتياد المسؤول في عدم العودة للهيئة القيادية أو للهيئة العامة في أهم الأمور التي تستوجب المداولة والمناقشة واتخاذ القرار الشرعي.
6.   أغلب العاملين في مجال حقوق الإنسان جاءوا من مواقع سياسية ثلاثة، إضافة إلى مجموعة من المستقلين، والمواقع:
** الحركة القومية العربية أو الحركة القومية الكردية؛ ** الحركة اليسارية؛ ** الحركة الإسلامية السياسية. وغالباً ما يكون هؤلاء مشدودين إلى أحزابهم السياسية ويصعب عليهم اتخاذ موقف الحياد إزاء احتمال ممارسة أحزابهم لانتهاكات معينة لحقوق الإنسان. إن المتابعة الفعلية لعمل تنظيمات حقوق الإنسان على مدى الفترة الواقعة بين 1980 حتى الوقت الحاضر، يمكن تأكيد حقيقة إن الكثير من هذه التنظيمات لم تكن حيادية نهائياً أو بالشكل المطلوب الذي تستوجبه لوائح حقوق الإنسان. وحين تكون هذه القوى خارج السلطة، فأنها تكون مستعدة لشجب ممارسات الحكم، وحين تكون قواها أو أحزابها بالسلطة تنسى حقوق الإنسان. ويمكن أن نؤكد ذلك بالنسبة للجميع خلال العقود الخمسة أو الستة المنصرمة. ولا بد لهذه الحالة من أن تتغير وأن تستقل منظمات حقوق الإنسان عن الارتباط بهذا الحزب أو ذاك، وأن تعزز من استقلاليتها. هذا لا يعني أن أعضاء منظمات حقوق الإنسان، قيادة وقاعدة، لا يجوز لهم أن يعملوا في احزاب سياسية، ولكن عليهم أن يخلعوا رداء حزبيتهم حين يعملون في منظمات حقوق الإنسان. أما المنظمات المرتبطة بقوى الإسلام السياسي فأن مبادئ حقوق الإنسان ترفض تأسيس أحزاب سياسية على أساس ديني أو مذهبي أو عنصري، وبالتالي فأن وجودها يعتبر مخالفة صريحة لمبادئ حقوق الإنسان.
7.   الظاهرة السلبة الأخرى تبرز في وجود رغبة في الظهور والروح الاستعراضية، ففي المؤتمرات ينشطون ويلتقطون الصور وينشرونها مع تعليقات عن مشاركتهم أو زيارتهم السريعة "ليتفقدوا" النازحين، ولكن في العمل الفعلي على مدار السنة لا تجد لهم حضوراً واعياً وفاعلاً ف ي الدفاع عن حقوق الإنسان. وهي المسألة التي يفترض تشخيصها بأمل أن ينتبه هؤلاء لأهمية مشاركتهم في العمل وليس لاستعراض مشاركتهم الشكلية  فقط، وهي ملاحظة لا تهدف للإساءة لأحد.
8.   إن مبدأ التضامن بين منظمات حقوق الإنسان في نضالها ضد انتهاك هذه الحقوق يعتبر واحداً من أهم المبادئ الذي يفترض أن تمارسه هذه المنظمات، فهو أحد الأدوات الأساسية بيد ضحايا النظم الاستبدادية واللاديمقراطية في الدفاع المشترك ضدها وإثارة الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي ضد الجلادين ومنتهكي حقوق الإنسان. كما إن التضامن يسهم في تعريف منظمات حقوق الإنسان العراقية للمنظمات الأخرى في سائر أرجاء العالم من جهة، ويمنحها فرصة الحصول على التضامن من منظمات مماثلة لها في الدول الأخرى، لاسيما وإن العراق يعيش منذ ما يقرب من ستة عقود تحت سياط الجلادين ومنتهكي حقوق الإنسان. فعلى سبيل المثال، حين قررت هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراقمسيحيين الأقباط بمصر بعد الاعتداءات الغاشمة وإشعال الحرائق في الكنائس وقتل الكثير من البشر، وقتل الكثير من البشر، اعترض أحد الأشخاص وطالب بحصر عمل الهيئة في شؤون العراق فقط. وقد رُفض هذا الطلب من الأمانة العامة لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب وأشارت إلى أهمية هذا النوع من التضامن حتى من جانب التضامن معنا ونحن بأمس الحاجة له بالعراق. التضامن بين منظمات حقوق الإنسان لصالح الإنسان وحقوقه مسألة ضرورية وأساسية ولا يجوز التخلي عنها بأي حال.
أتمنى على منظمات حقوق الإنسان مناقشة هذه الملاحظات وتشخيصها بكل صراحة ووضوح للتخلص منها لصالح العمل وتقدمه ولصالح الإنسان العراقي. ويمكن أن تلعب مواقع حقوق الإنسان والمجلات دورها في هذا المجال. لقد ابتعدت عن تشخيص المنظمات أو الأشخاص، لأنها ظواهر عامة تشملنا جميعاً وتدعونا جميعاً للتعاون من أجل إزالتها وتحسين عملنا، إذ إن ما ينتظرنا أكثر بكثير مما مررنا به حتى الآن في مجال انتهاك حقوق الإنسان وحقوق القوميات وحقوق أتباع الديانات والمذاهب الدينية والفكرية والسياسية.   

31
كاظم حبيب
كفوا عن الضحك على ذقون الشعب، كفوا عن مهازلكم!!
الأحداث الجارية على أرض الواقع بالعراق تشير إلى عدد من المسائل السلبية والمتفاقمة التي أحاول هنا تلخيص أبرزها في الآتي:
** محاولات محمومة يمارسها رئيس الوزراء الأسبق للإساءة إلى القوى المدنية والعلمانية الديمقراطية والتحريض ضدها بمختلف السبل، تماما كما أجج بسياساته الطائفية الشرسة قبل ذاك الصراع ضد المواطنين والمواطنات من أتباع المذهب السني في الأنبار والفلوجة وصلاح الدين والموصل، ومن ثم خطابه التعس بمدينة كربلاء حين طرح بعنجهية فارغة إن "الذين قتلوا الحسين لم ينتهوا .... المعركة لا زالت مستمرة بين أنصار الحسين وأنصار يزيد..."، بدعوى فجة ومريبة وظالمة إن أهل السنة كلهم من أتباع يزيد بن معاوية، ولذلك لا بد لأنصار الحسين، أي الشيعة، من خوض الصراع ضدهم! إنها الهستيريا بعينها!
** وعلى ذات النسق بدأت حملة شعواء تمارسها مجموعة من أصحاب العمائم، وهم جمهرة من شيوخ دين سياسيين انحازوا ضد إرادة ومصالح الشعب حين راحوا يؤججون المشاعر وكأن الشبيبة العراقية كلها بدأت تنحاز صوب الإلحاد. وهم يعرفون إن ليست هناك مثل هذه الظاهرة، بل إن هناك رفضاً متعاظماً واحتجاجاً ضد شيوخ الدين الفاسدين والمتربعين على راس السلطة وفي الأحزاب الإسلامية السياسية الذين مسخوا الدين بسلوكهم اليومي المناهض لمصالح الشعب. ويقف على رأس هؤلاء نوري المالكي وعمار الحكيم، وبعضهم يعيد إنتاج تاريخ جدهم الأسود في هذا المجال.
** وانسجاماً مع هذا التوجه بدأ أئمة الجوامع والمساجد يشنون حملة ظالمة ضد القوى المدنية الديمقراطية وضد والشيوعيين، وهم ينهلون من ترسانة ذات شيوخ الدين الذين ارتضوا السير بركاب المستعمرين واستجابوا للقوى الفاشية في شتم الشيوعيين والديمقراطيين وتكفيرهم بدعوى الإلحاد!
** وبدأت في ذات الفترة موجة من التصريحات لقادة الحشد الشعبي، الذي اُعتبر من جانب السلطة وبقانون إنه يشكل جزءاً من القوات الخاضعة للقائد العام للقوات المسلحة، وهي بالتالي قوة عسكرية لا يحق لها، كحشد وكأفراد، المشاركة في العمل السياسي، وهم يطالبون بأن يكون رئيس الوزراء من الحشد الشعبي، وبتعبير أدق من قوى المليشيات الشيعية الطائفية المسلحة، التي ارتكبت الجرائم بحق الشعب العراقي قبل أن يطلق السيد السيستاني فتوى الجهاد الكفائي، وتنخرط فيه قوى من المليشيات الشيعية المتطرفة، التي قال عنها نوري المالكي إن هو مؤسسها، والموجود من المليشيات الشيعية المسلحة في المدن العراقية، وبعيداً عن الجبهة، يمارسون أساليب إذلال الشعب تماماً كما تمارسها المنظمات الإرهابية الأخرى. اقرأوا تصريحات قيس الخزعلي وهادي العامري بهذا الصدد!
** وفي هذه الفترة ترفض الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية المهووسة بالطائفية والسيطرة على الحكم تغيير قانون الانتخابات وبنية "المفوضية المستقلة للانتخابات"، وهي التي فقدت مصداقيتها في أعين الشعب العراقي، ويستوجب تبديلها على أسس أخرى تماماً بعيداً عن المحاصصة الطائفية في تكوين عضويتها. وإصرار قوى الإسلام السياسي على ذلك مخالفة صريحة وفجة للدستور العراقي!
إن الضجة التي يثيرها الإسلاميون السياسيون ضد شبيبة العراق وضد القوى الديمقراطية بذريعة الإلحاد تعتبر مخالفة لبنود الدستور العراقي، التي تضمن الحريات والحقوق الأساسية للفرد، للمواطن والمواطنة، تضمن حقه في اعتناق الدين الذي يشاء أو العقيدة التي يراها تنسجم مع توجهاته وفلسفته، والعقيد لها وجوه كثيرة. ولم يكن عبثاً تسجيل الدستور هذه الحقوق في أكثر من مادة دستورية، وخاصة حرية العقيدة والتي لا تقتصر على دين واحد بعينه أو على أديان عدة. 
** كما إن المحور الذي تشكل بعد زيارة رئيس مجلس النواب إلى إيران والمتكون منه ومن نوري المالكي وعمار الحكيم وبعض الأحزاب الشيعية الأخرى هدفها، إعادة نوري المالكي أو أحد قياديي الحشد الشعبي إلى رئاسة الحكومة العراقية وبموافقة بعض القوى الكردية. وهو أمر يخالف العقل والمنطق، يخالف ما جرى ويجري للعراق بسبب وجود طائفيين متطرفين، من أمثال رئيس الوزراء السابق، على رأس السلطة التنفيذية.
إن هذه الوقائع لا تجري بمعزل عن الدور الرئيسي الذي تمارسه إيران بالعراق. وكل تلك الوقائع تسمح لي بالاستنتاج الذي طرحته قبل عدة شهور بأن الدولة العراقية تعتبر اليوم "دولة شبه مستعمرة" لدولة إيران الإسلامية السياسية المتطرفة، سواء اعترف البعض بذلك أم لم يعترف، فالحاكم بأمره بالعراق هو قاسم سليماني المرتبط مباشرة بالمرشد الإيراني وبنوري المالكي، تماماً كما كان باول بريمر، الحاكم باسم البيت الأبيض بالعراق، وكان يفعل ما يشاء بغير حساب!
ويتجلى هذا الواقع المرّ بوضوح كبير في تقرير "مجموعة عمل مستقبل العراق" الذي أعدته لجنة أمريكية برئاسة السفير الأمريكي ريان كروكر، الذي وضع نصب عينية مصالح الولايات المتحدة أولاً وقبل كل شيء، في مواجهة النفوذ الطاغي والمهيمن للقيادة الإيرانية على العراق وقراراته ولمصلحة إيران مباشرة. فهنا يلاحظ المراقب إن صراع المصالح بين الولايات المتحدة وإيران وحلفاء الاثنين بالعراق والمنطقة يجري على أرض العراق وعلى حساب مصالح الشعب العراقي وإرادته واستقلال بلاده وسيادتها المفقودة.   
إن منطقة الشرق الأوسط تغلي بالصراعات بين قوى لا تريد الخير للعراق وشعبه وتريد الهيمنة عليه، وهي تريد استخدام العراق ساحة لصراعاتها وفرض مصالحها على حساب مصالح الشعب العراقي. ولا يمكن لقوى الإسلام السياسي الحاكمة أن تقود البلاد إلى شاطئ الأمن والسلام والتقدم، لأنها جزء من هذا الصراع المناقض لمصالح البلاد فهي امتداد لغيرها من القوى الإقليمية الفاعلة بالعراق، فهي ومصالح الشعب على طرفي نقيض.
ليس من مصلحة العراق أن يكون طرفاً في هذه الصراعات التي تخاض زوراً باسم المذاهب الدينية وتريد زج شعوب المنطقة بها، في حين إنها ليست سوى صراعات تعبر عن مصالح الفئات الحاكمة والمتحكمة بشؤون شعوبها والجاثمة على صدور الناس، وتريد الهيمنة على العراق. وليس في مقدور القوى الحاكمة حماية العراق وشعب العراق من هذا الصراع الدائر بالمنطقة لأنها تشكل جزءاً من هذا الصراع وامتداداً له، وهو الذي يفترض أن تفهمه شعوبنا لتتصدى له وتفرض إرادتها بتغيير جذري للواقع الراهن، وألّا تخشى من تهديدات من يحاول تصوير العراق وكأنه أصبح "مرتعاً للإلحاد"، كما حاول ذلك عمار الحكيم تصويره في خطبته الفجة الأخيرة. علينا ألّا ننسى الكذبة الكبرى التي كان يطلقها هتلر وگوبلز كلما أحسا بالضيق: "افتروا، ثم افتروا، ثم افتروا، لعل بعض افتراءاتكم تعلق بأذهان الناس!". لقد خدعتم الشعب كثيراً وطويلاً، وأملي ألّا ينخدع الشعب هذه المرة، فالإنسان العاقل يفترض ألّا يلدغ من جحر مرتين!!!               



32
كاظم حبيب
وفاء لنضال رفيق الدرب الطويل الرفيق عزيز محمد بعد وفاته
وفاءً لمناضل كرَّس حياته للوطن والشعب والحزب والتضامن الأممي

صورة التقطت في كانون الأول/ديسمبر 1983 في وادي لولان بإقليم كردستان العراق أثناء وجودنا في حركة الأنصار الشيوعيين

حتى أيامه الأخيرة كان الرفيق عزيز محمد يحمل هم الوطن كله، هم العراق وشعب العراق، هم كردستان وشعب كردستان، هم الإنسان العراقي، هم الحزبين الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي الكردستاني، هم وجود قوى غير إنسانية على رأس السلطة. كانت اللقاءات به كلها ممتعة ونقاشاته رصينة تدور حول همومه العامة وليس الخاصة. كان شديد الحرص على إيصال رأيه ونقده بصراحة ووضوح لمن يعنيهم الأمر، رغم رغبته في صياغة ملاحظاته في قالب غير خادش لمستمعيه لإدراكه بحساسية الآخرين في ظل الظروف المعقدة والمتشابكة الجارية بالعراق منذ سنوات. قال لي: إن الرفاق لا يتقبلون ملاحظاتي الصريحة والناقدة بصدر رحب، فمن حرقتي وحرصي عليهم أواجههم بكل صراحة. ذكرته مرة بأنه قال لي، حين وجهت نقداً شديدأ وحماسياً في اجتماع للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في العام 1974 ببغداد بشأن موضوع محدد: يا رفيق أبو سامر كسرت الرگية (بطيخة حمراط)، وضيعنا الحب واللب". فضحكنا معاً..
رغم كل الأوضاع المتدهورة، ورغم الوضع الصحي الصعب، لم يفقد الأمل، ولو للحظة واحدة، بعودة الحياة والحركة للشعب العراقي ولشعب كردستان، ولكنه كان يخشى أن يخسر العراق المزيد من الضحايا في تحرير الأرض وإعادة البناء والخلاص من القوى المستبدة والقوى التي تسببت بكل ذلك. في زيارتين قمت بهما له بأربيل في كانون الثاني/يناير 2017 كان ما يزال حيوي في نقاشه وفي طرح وجهات نظره، رغم بطء حركته. وكان الحزب الشيوعي الكردستاني على وشك أن يعقد مؤتمره السادس. كانت ذاكرته نشطة، تحدث لي عن التقرير والبرنامج والملاحظات التي تكونت لديه والتي سيطرحها على المؤتمرين ورغبته في أن يستعيد الحزب عافيته وجماهيريته، رغم كل الصعوبات المحيطة به وبالحركة الديمقراطية. وكان يخشى أن لا تستقبل ملاحظاته بصدر رحب! كانت ذاكرته نشطة جداً، سواء أكانت لماضي الأيام والسنوات، أم للفترة الت نحن فيها. إذ كان متابعاً للأحداث أولاً بأول، سواء على صعيد كردستان أم العراق، أم المنطقة العربية والشرق الأوسط. وكان الحوار معه ممتعاً وغنياً.
تحدثت له قبل ذاك عن كتاب جديد للمناضل البروفيسور الدكتور محمد محمود من السودان، المقيم قسراً ببريطانيا، والموسوم "نبوة محمد – التاريخ والصناعة – مدخل لقراءة نقدية"، [صادر عن مركز الدراسات النقدية للأديان، لندن، بريطانيا، سنة النشر: ط 2 /2013، 472 صفحة]. شوقته لقراءة الكتاب. جلبته له، قرأه في فترة قصيرة، أعجب به أيما إعجاب بسبب معالجته العلمية والوثائقية لمسألة النبوة عموماً. كان عزيز محمد كثيف القراءة، نهم بمعنى الكلمة، ولكنه كان شحيح الكتابة.
كنا رفيقين في حزب واحد وعملنا معاً ومع بقية الرفاق عشرات السنين، ولكن على امتداد تلك السنوات لم نكن صديقين بالمعنى الصحيح للكلمة، إلا في السنوات العشر الأخيرة تقريباً، حيث واظبت على زيارته كلما زرت كردستان العراق، مرة بمفردي وأخرى مع زوجتي أم سامر وثالثة مع صديقنا المشترك الحاكم بوتان، فتوطدت علاقتنا الصداقية وتعززت وحاول بعضنا معرفة الآخر بشكل أفضل. وحين كان يأتي إلى برلين لزيارة ابنته العزيزة شيرين، كان لا يفوت فرصة اللقاء والحديث وتبادل الرأي.
آخر زيارة لي له، سواء أكان مع عدد من الأحبة، ومنهم نهاد القاضي، وغالب العاني وعبد الخالق زنكنة وفارس نظمي ومحسن شريد ووليد شريف، أم بمفردي، وقبل مغادرتي أربيل، حين قبلته في جبينه وودعته أدركت، إن حادث الوقوع ليلاً والعملية الجراحية التي أجريت له قد أنهكته تماماً وسرقت منه رحيق الحياة، ولن يعيش طويلاً. أخبرت الرفاق حيدر الشيخ علي وكمال شاكر وهادي محمود، وكذلك رفاق المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراق الذين كانوا حينذاك بأربيل، وكانت آراء من التقى به متفقة  مع ما شعرت به وأنا أودعه، وهو يرسل تحياته لأم سامر وبقية الرفاق والأصدقاء. وكان في انتظار ابنتيه فينك وشيرين وزوجته كافية.
لقد مات الرفيق عزيز محمد، ولكنه ترك أرثاً غنياً من النضال الوطني والطبقي في صفوف الحركة الوطنية العراقية وحركة التحرر الكردية وفي صفوف وقيادة الحزب الشيوعي العراقي. لقد قاد الحزب الشيوعي العراقي طوال 27 عاماً في أصعب السنوات وأكثرها تعقيداً وحراجة. لقد أصاب مرة وأخطأ أخرى، لم يكن وحده في ذلك، بل شاركنا معه في الصواب والخطأ، سواء أكان ذلك في المكتب السياسي أم اللجنة المركزية أم في عموم الحزب.
لقد جاء عزيز محمد من قرية كردستانية صغيرة في شمال كردستان العراق، لم يكمل تعليمه، ولكن بنضاله الشخصي ودأبه على المطالعة والقراءة النقدية أصبح قائداً لحزب شيوعي عراقي، واحداً من أبرز وأكبر الأحزاب الشيوعية في المنطقة العربية والشرق الأوسط في فترة من فترات نضاله المديد. لم يكن، ولم يدّعِ يوماً أنه واحداً من منظري الحركة الشيوعي العالمية، ولكنه كان واحداً من خيرة مناضلي الحركة الشيوعية العالمية، الذي لم يفقد بوصلة النضال الوطني والطبقي ولو للحظة واحدة حتى الرمق الأخير. لقد كان مخلصاً لتراث وتقاليد الحزب الشيوعي العراقي في حبه للطبقة العاملة العراقية والفلاحين والكسبة والحرفيين ولمثقفين الثوريين ومن كل القوميات، ولم ينس يوماً إنه قد انحدر من عائلة فقيرة ولكنها كريمة، ومن أمة كردية عزيزة وشعب كردي مناضل، إنه كردي القومية، عراقي الوطنية، وأممي الهوية والمبادئ.
فقدنا عزيز محمد، الرفيق والأخ والصديق والمناضل، ولكن ترك خلفه تجربة غنية يمكن للحزبين الشيوعي الكردستاني والشيوعي العراقي وللحركة التحررية الكردستاني والحركة الديمقراطية العراقية ان تستفيد منها في نضالها المرير في المرحلة الراهن وفي المستقبل.
ليبقى عزيز محمد ونضاله البطولي شعلة وهاجة، كشعلة بقية شهداء الحزب الشيوعي العراقي والحركة الوطنية والديمقراطية واليسارية العراقية، تنير درب المناضلين من اجل إقامة وطن حر وشعب سعيد.
وبهذه المناسبة الحزينة أنشر أخر مقال كتبته عن الرفيق عزيز محمد ونشر على موقع الحوار المتمدن-العدد: 5163 بتاريخ 15/05/2016. أي قبل عام من تاريخ وفاته تقريباً.       
الرفيق عزيز محمد في حواره الممتع مع الصحفي حمدي العطار (الزمان) / كاظم حبيب

ليس سهلاً بالمرة الحصول على لقاء صحفي مع الرفيق عزيز محمد، الأمين العام السابق للحزب الشيوعي العراق. فهو مستودع أسرار الحزب الداخلية وعلاقاته الإقليمية والدولية، والأممية منها على وجه الخصوص، ولعقود عديدة خلت. وإلى الآن، وهو يقترب من نهاية الثانية والتسعين من عمره المديد. يمتلك رأياً واضحاً وناضجاً في كل ما يجري بإقليم كردستان العراق، والعراق عموماً، وفي منطقة الشرق الأوسط، وعلى الصعيد الدولي. فهو متابع سياسي واجتماعي وثقافي نشط، وقارئ هميم ونهم للكتب، وله ذاكرة نشطة عن أحداث وشخصيات الماضي والحاضر، ولم تفته حتى الآن أحداث العراق الدامية ببغداد أو نينوى أو الأنبار أو غيرها، فهو قريب منها ويعاني مع الآخرين من عواقبها. إنها ليست بسمات جديدة لدى الرفيق عزيز محمد، بل هو معروف بها. عزيز محمد مستمع ممتاز، وقليل الكلام، ويتحدث حين يُسأل، عندها يدرك المقابل إنه أمام شخص يمتلك معرفة جيدة ومعلومات كثيرة وخبرة غنية. إنه لبق في أحاديثه، مالك لزمام اللغة العربية. جمله قصيرة غير معقدة، واضحة، ودقيقة، كمن ينقش في الحجر. إن ما قرأته له حتى الآن كان قليلاً، ولكنه كان واضحاً ودقيقاً في ما كتب. عزيز محمد مثقف عضوي ناضل منذ نعومة أظفاره، ولم يتخل عن ذلك حتى في شيخوخته الراهنة، وهو مقتنع تمام القناعة بما ناضل ويناضل من أجله، مشحوناً بإيمان إضافي بالقضية ذاتها، قضية الفكر الماركسي والنضال من أجل الاشتراكية، والتي تعني عنده العدالة الاجتماعية وسعادة الشعوب وازدهارها وسلامها الدائم، وغياب الاستغلال والاستعباد والحروب والدمار. وعلى هذا الطريق الطويل والصعب، طريق اليسار الاشتراكي، أو الشيوعي، لا يمكن للإنسان أن يصيب دوماً، فهنا يصيب وهناك يخطئ، وهي من سمات الأنسان الطبيعي. وكما قال عيسى المسيح "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر". وكمناضل من أبناء شعب كردستان وشعب العراق، وضع نفسه في خدمة قضيتين متلازمتين، قضية الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية للعراق كله من جهة، والحقوق القومية للشعب الكردي وبقية القوميات بالعراق من جهة ثانية. وقد تجلى كل ذلك في النضال من أجل الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي، ومن ثم الفيدرالية وحق تقرير المصير للشعب الكردي. وكان واثقاً من أن النضال المشترك للعرب والكرد وبقية القوميات هو الطريق الوحيد لتحقيق الشعارات والأهداف الوطنية والقومية والديمقراطية. وقد التزم بثبات بشعار الحزب " وطن حر وشعب سعيد". إنه أبن بار للشعب العراقي وللشعب الكردي في آن، وهو ما ميزه في نضاله المديد. وهو يناضل في العراق ومن أجل شعب العراق بكل قومياته، لم ينس قضيتين مهمتين في نضاله: حركة التحرر الوطني العربية ومنحها الكثير من وقته وجهده، وبضمنها قضية الشعب الفلسطيني وعدالة هذه القضية ودعوته ضمن نضال الحزب لدولتين متعايشتين بأمن وصداقة وسلام على الأرض الفلسطينية، الدولة الفلسطينية والدولة الإسرائيلية، وقضية الأرض والأمة الكردية الموزعة والمقسمة على أربع دول في منطقة الشرق الأوسط ووحدتهما، وحدة الأرض والأمة الكردية. لقد كان عزيز محمد، وما يزال، من الملتزمين بشعار مرحلة النضال ما بعد الحرب العالمية الثانية، الشعار المركزي الذي رفعه الحزب بقيادة الرفيق فهد, وكتب عنه حسين محمد الشبيبي كراسه المعروف "الجبهة الوطنية الموحدة"، وأكده في فترة توليه قيادة الحزب الشيوعي العراقي، بغض النظر عن المصاعب والملابسات التي رافقت تطبيقه في نضال وتاريخ الحزب الطويل. 
إن عدم رغبته في اللقاءات الصحفية ينبع من تجنبه الخوض في، أو الانجرار إلى، قضايا لا تعتبر حتى الآن ماضياً منتيهاً، بل هي ما تزال حاضراً مستمراً، تستوجب الدقة في فهمها والتعبير عنها أو حتى إعطاء الحكم بشأنها من جهة، وخشيته من احتمال تشويه تصريحاته لغرض في نفس يعقوب، أو لسبق صحفي غير صحيح، أو لعدم فهم محاوره محتوى ما أراد قوله وصاغه بالطريقة التي فهمها من جهة ثانية، إضافة إلى ابتعاده عن احتمال حصول إساءة لمن اساءَ إليه، وتجنبه الإساءة لمن يستحق ذلك، كجزء من تربيته العائلية والحزبية. في فترة النضال المشترك والمستمر اتفقنا واختلفنا في الرأي، وهو أمر طبيعي، وربما ضروري، حين يكون غير مفتعل، ولكن لم يؤثر على العلاقات الإنسانية والاجتماعية، على العلاقة الرفاقية والصداقة، وعلى الود والاحترام المتبادلين.         
اللقاء الحواري الأخير، الذي تم مع الكاتب والصحفي السيد حمدي العطار (جريدة الزمان)، الذي وجه له الكثير من الأسئلة المهمة في مجالات كثيرة ومهمة، ابتداءً من أوضاع الحزب في السابق وحالياً وعن الحزب الشيوعي الكردستاني وسبب قيامه، وعن الدول الاشتراكية وعوامل انهيارها، وانتهاءً بالأسئلة عن الشيوعية وآفاقها وعن الأوضاع بالعراق وكردستان العراق، كان مهماً وحيوياً، رغم إن جزءاً من الحوار لم نطلع عليه ولم ينشر. ويبدو لي إن هذا اللقاء هو استكمال للقاء الذي أجراه الصحفي المميز والصديق توفيق التميمي قبل عدة سنوات، مع ملاحظة مهمة هي أن هذا الحوار كان أكثر قدرة في التعبير عن رأي الرفيق عزيز محمد بشأن واقع الأخطاء القاتلة التي ارتكبها الحزب الشيوعي وقيادته في الاتحاد السوفييتي وبقية الدول الاشتراكية، وهي مسألة مهمة جداً وضرورية.، إذ كان لهذه الأخطاء الفادحة تأثيرها السلبي الكبير على مجمل الحركة الشيوعية العالمية وحركة اليسار العالمية وحركة التحرر الوطني بالبلدان النامية، ومنها العراق.   
لا أنوي المرور على كل المحاور التي تطرق لها الرفيق عزيز محمد، رغم أهميتها والحاجة إلى مناقشتها، بل سأركز على نقطة واحدة مهمة حقاً طرح رأيه فيها ولأول مرة وعلى النحو التالي: "إن انهيار الاشتراكية أو دول المعسكر الاشتراكي لا يتعلق بفشل الاشتراكية، بل ترتبط بالممارسة والتطبيق والأخطاء المرتكبة من قبل الأحزاب الشيوعية الحاكمة...، إن الاشتراكية ستبقى هدفا تناضل البشرية من أجله، ما دام هناك الاضطهاد والتفاوت الطبقي والاجتماعي، لا بد أن تنتصر الاشتراكية في النهاية." (جريدة الزمان، الأمين العام السابق للحزب الشيوعي العراقي عزيز محمد في حوار مع (الزمان): الأحزاب الشيوعية الحاكمة فقدت مصداقيتها وتحولت إلى نخب ذات امتيازات، حمدي العطار، عدد يوم الثلاثاء 10/5/2016).
هذا التقدير الذي طرحه الرفيق عزيز محمد، وفيه تفاصيل مكثفة لرؤيته للأخطاء التي ارتكبها قادة الدول الاشتراكية من الناحيتين النظرية والعملية، وفقدان الحس الثوري، وفقدان العلاقة الحميمة مع المجتمع، وعدم فهم الحرية باعتبارها وعي الضرورة، وهي مقولة فلسفية تجسد الرؤية السليمة لضرورة الحرية في المجتمعات الاشتراكية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، وهو الجزء الأول من الفكرة التي طرحها عزيز محمد، أما الجز الثاني منها فيكمن في حقيقة إن الاشتراكية قادمة لا ريب في ذلك، إنها مستقبل البشرية، وهو استنتاج سليم جداً، ويعبر عن فهم لطبيعة وفعل القوانين الخاصة والعامة للنظام الرأسمالي العالمي أولاً، وعن فهم لطبيعة وحركة وفعل قوانين التطور الاجتماعي ثانياً. وما يجري بالدول الرأسمالية المتقدمة وفي العلاقات الداخلية بين الطبقات والفئات الاجتماعية من جهة، والعلاقة بين هذه الدول والدول النامية، أو حركات التحرر الوطني، ونضالها من أجل التقدم الاجتماعي من جهة ثانية، يدلل بما لا يقبل الشك بأن الصراعات الطبقية والتفاوت المتفاقم والفجوة المتسعة بين مالكي وسائل الإنتاج، ومالكي قوة العمل الجسدية والفكرية، بين الأغنياء والفقراء، آخذة بالتنامي المتباين في سرعته بين دولة وأخرى، والذي يعيد الصراع الذي تفاقم في أوائل القرن العشرين، متخذاً اليوم نهجاً مماثلاً، مع فارق أساسي، يبرز في كون يتم في ظل النظام الرأسمالي الأكثر عولمة، والأكثر استغلالاً، والأكثر هيمنة على العالم، والأكثر فساداً وتدميراً لثروات وموارد الشعوب، والمقترن بمنجزات الثورة العلمية والتقنية، ثورة الاتصالات والمعلومات، ثورة الإنفوميديا Infomedia Revolution  الجارية، التي تتضمن الجمع بين الحوسبة والاتصالات والإعلام أو المعلوماتية.       
قبل أكثر من عشرين عاماً نشرت مقالاً في جريدة الزمان، جرى تشويه عناوينه الداخلية، فقاطعت النشر في الجريدة منذ ذلك الوقت حتى الآن. إذ شوه محرر الجريدة ما كتبته، عندما وضع عنوان ثانوي كان كما يلي: " يقول حبيب الاشتراكية سقطت وإلى الأبد"! قدمت احتجاجاً للجريدة، إذ لم يكن هذا العنوان ولا مضامين المقال تشير إلى ذلك من قريب أو بعيد، بل كان من عنديات محرر الجريدة، إذ إن المقال، ومقالات كثيرة أخرى ومحاضرات قدمتها في مختلف الدول الأوروبية وفي ندوات كانت وما تزال تؤكد ما أشار إليه الرفيق عزيز محمد، حيث اكدت ذلك وفي محاضرات ولقاءات ومقالات كثيرة يمكن أن يعثر عليها القارئ أو القارئة في موقع الحوار المتمدن:
** الرأسمالية لها بديل، إنها الاشتراكية، ولكن متى يمكن البدء ببناء الاشتراكية؟ إنه السؤال الأهم. إن مستلزمات تكوين البديل تنشأ في رحم النظام الرأسمالي، ولا شك في أنها ستتخذ وقتاً غير قصير، وإن الرأسمالية ما تزال تمتلك رصيداً لم يأت أجلها النهائي.
** إن انهيار أو سقوط الدول الاشتراكية القائمة في الواقع:
•   لا يعني بأي حال من الأحوال انتصار الرأسمالية على الاشتراكية؛
•   ولا يعني بأي حال من الأحوال فشل الاشتراكية كفكر وكأسلوب إنتاج بديل عن أسلوب الإنتاج الرأسمالي.
•   وإن سقوط النظم الاشتراكية القائمة في الواقع ارتبط بأخطاء فكرية وسياسية، نظرية وعملية، من جانب من قاد الدول الاشتراكية منذ البداية، وبشكل خاص قاد الدولة السوفييتية، وهم الذين كانوا يقودون الدول الاشتراكية بعد قيامها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، الذي كان يقود الحركة الشيوعي العالمية، ويؤثر بقوة على مجمل الحركة اليسارية العالمية إيجاباً أو سلباً.
•   وأن الأحزاب الشيوعية وقادة الدول الاشتراكية لم يعوا بما فيه الكفاية، العلاقة الجدلية بين الاشتراكية والحرية، بين العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان الأخرى، بين الواقع والحلم، وتعجلوا كثيراً في حرق المراحل التي لا يمكن ولا يجوز القفز عليها، وأساءوا بذلك للمادية الديالكتيكية والمادية التاريخية وللنظرية العلمية التي قال عنها انجلز بـ "إن الماركسية ليست عقيدة جامدة، بل نظرية هادية". لقد سقطوا في رؤية رغائبية ذاتية بحتة، بدلاً من اعتماد واستخدام أدوات التحليل العلمي للوصول إلى الاستنتاجات التي يقررها الواقع الفعلي القائم وتتناغم مع قوانين التطور الاقتصادي والاجتماعي الموضوعية.
•   إن العراق والدول العربية وغالبية الدول النامية ما تزال تعيش في ظل العلاقات الإنتاجية ما قبل الرأسمالية أو الرأسمالية المتخلفة والتابعة واقتصاداتها مكشوفة على الخارج استيراداً وتصديراً، كما تعاني من ضعف شديد في مستوى تطور القوى المنتجة، والوعي الاجتماعي ما يزال متخلفاً بسبب تخلف بنية الاقتصاد وما يقترب به من تخلف في البنية الطبقية للمجتمع، مما يجعل من الاشتراكية مرحلة لاحقة لمهمات أخرى، أي إن هذه البلدان، ومنها العراق، هي ما تزال في مرحلة البناء الديمقراطي للتخلص من بقايا علاقات الإنتاج ما قبل الرأسمالية وبنيتها الاجتماعية والوعي الاجتماعي الناجم عنها، أي إنها ما تزال تواجه تنمية العلاقات الإنتاجية الرأسمالية الوطنية، وبمشاركة واعية من قطاع الدولة والقطا الخاص، وبناء القاعدة المادية للتحولات اللاحقة. إنها المرحلة التي تستلزم تعاون وتحالف الطبقات الاجتماعية الوطنية التي يهمها تحقيق التطور الاقتصادي والتقدم الاجتماعي وتغيير البنية الاقتصادية والاجتماعية والوعي الاجتماعي.     
إن الشعوب التواقة إلى الحرية والاشتراكية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والأمن والسلام في العالم، ستبقى تناضل ضد الاستغلال والاستعباد، ضد الفساد ونهب الخيرات، وضد العدوان والحروب والإرهاب الفكري والسياسي. إن سقوط الدول الاشتراكية، وأسباب ذلك معروفة، ويشير إليها باختصار وصواب شديد الرفيق عزيز محمد، قد منح الدول الرأسمالية المتقدمة فرصة ثمينة للاستفراد بالشعوب واسترداد المكاسب التي حققتها الطبقة العاملة والشعوب المناضلة عبر مسيرتها الطويلة، وتكشف من جديد عن بشاعة وجه الرأسمالية المعولمة وممارساتها الفعلية، وعن استعدادها لتشديد الاستغلال، ونهب الخيرات، وشن الحروب الإقليمية وتأجيجها، وتشديد سباق التسلح في العالم، وتشكيل منظمات إرهابية للاستفادة منها ضد نضال شعوبها، كالقاعدة، وداعش، وجبهة النُصرة، وأحرار الشام، وبوكو حرام، وأنصار السنة، وميليشيات طائفية مسلحة شيعية، على سبيل المثال لا الحصر، وتحقيق أقصى الأرباح من خلال التأثير المباشر على حكومات الدول التي تأتمر بأوامرها، وتمارس سياسات مناهضة لمصالح شعوبها، كما هو حال جميع دول الشرق الأوسط ونظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية دون استثناء.
إن سقوط الدول الاشتراكية يفترض اعتباره تجربة غنية جديدة للمناضلين من أجل الاشتراكية في كل مكان، تلك التجربة الثانية التي بدأت في ثورة أكتوبر/تشرين الأول 1917 الاشتراكية، وهي التجربة التي تلت كومونة باريس في أذار/مارس 1871. وأن من واجب كل المناضلين من أجل العدالة الاجتماعية والأمن والسلام في العالم دراسة هذه التجربة الغنية بكل ابعادها وأشكال ظهورها في الدول التي أقيمت فيها، الآسيوية منها أو الأوروبية، وأسباب انهيارها، لتكون زاداً غنياً للمناضلين في جيش اليسار العالمي من شيوعيين واشتراكيين وماركسيين وديمقراطيين تقدميين.
كان مهماً ومفيداً، كما أرى، أن يتناول الرفيق عزيز محمد قضايا الساعة بالعراق وإقليم كردستان، بالتحليل والتدقيق واستخلاص ما يراه مناسباً حول الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتوترة، وكذلك العلاقات في ما بين الأحزاب الكردستانية الحاكمة وغير الحاكمة، وما يمكن أن يقدمه من نصح على المستوى العراقي وإقليم كردستان العراق، إذ لديَّ القناعة بأن هناك الكثير ممن يستمعون له، وربما يتجاوبون معه بما يطرحه من أراء ومواقف، بمن فيهم قادة الأحزاب، لتجاوز المحنة التي يمر بها الإقليم على أقل تقدير. إذ إن مخاطر كثيرة تحيط بالعراق والإقليم، والعواقب السلبية المحتملة لا يمكن استبعادها، ضمن حساب الاحتمالات التي تواجه مكونات الشعب العراقي القومية. إن المعرفة والخبرة والحكمة والمشورة الذكية مطلوبة الآن، وأكثر من أي وقت مضى، في مواجهة ما يجري على الساحة السياسية العراقية والكردستانية، وهي قليلة نادرة في هذا الزمن الرديء الذي يمر به العراق بتعدد قومياته. إن ما حصل قبل الحرب الأخيرة (2003) واحتلال العراق، في أعقاب إسقاط الدكتاتورية الغاشمة، وإقامة النظام السياسي الطائفي-الأثني والمحاصصة الطائفية، وما يواجهه العراق والإقليم حالياً، يستوجب بذل الجهد الكبير من جانب القوى الوطنية والديمقراطية لتحليله ثانية وبحيادية علمية عالية، لاستخلاص الاستنتاجات الواقعية المؤثرة التي يمكن أن تقود العراق إلى شاطئ السلام، وهو الذي يقف على حافة حروب أهلية محتملة تحرق الأخضر واليابس، ولن يكون سوى شعوب العراق وقودها، والخاسر الأكبر فيها. وهو ما يفترض العمل على تجنبه، ولن يتم ذلك إلا بالخلاص من نظام المحاصصة الطائفية والفساد والإرهاب الناشئين عنه. 


33
كاظم حبيب
محنة الشعب في حكامه!
الأيام الأخيرة أعادت لبغداد حمامات الدم المسفوح لتذكر العراقيين والعراقيات، لتذكر من نسي بأن العراق كان وما يزال دولة مخترقة، وأن السلطة التنفيذية القائمة فيها عاجزة تماماً عن حماية سكانها، وأحزابها الحاكمة فاسدة حتى النخاع، فهل يمكن أن تقع هذه السلسلة من التفجيرات ببغداد ليسقط عشرات القتلى ومئات الجرحى في منطقة الكرادة، وسط بغداد، المزدحمة بالسكان خلال أيام معدودات لو لم تكن سلطاتها الثلاث فاسدة ومخترقة ومتصارعة على السحت الحرام؟!   
كان الشعب العراقي وما يزال يعيش محنة مستديمة، محنة الشعب في حكامه، في العلاقات الإنتاجية البالية التي تعيد دوماً إنتاج حكام لا يختلف بعضهم عن البعض الآخر إلا بالاسم، وليس بالأهداف والأساليب والسلوك والعواقب. وحين يحن الشعب أو غالبيته لماضٍ مريضٍ، يعتقد إنه كان الأفضل من النظام القائم حالياً، بسبب شدة قساوة ورثاثة الجديد القائم، ولكنه ينسى إن الماضي المريض هو الذي أسس للحاضر الأكثر مرضاً والأشد قسوة على الشعب والأكثر كراهية للإنسان وحقوقه ومصالحه.
محنة الشعب في حكامه، الذين يدعون إنهم جاءوا لخدمة الشعب والدفاع عن مصالحه، وبهذا الستار المهلهل يفرضون على الشعب أن يقوم بخدمتهم وأن يدافع عن مصالحهم، التي هي ضد مصالح الشعب جملة وتفصيلا. هكذا كان العراق في العهود القديمة المنصرمة، وهكذا كان في العهود الإسلامية، وهكذا هو في العهد الملكي، وهكذا هو الآن! أين يكمن العيب، في الشعب أم في حكامه؟
العيب يكمن في الواقع الاجتماعي الذي يعيش فيه الشعب والحكام، في العلاقات الإنتاجية التي ما تزال سائدة والتي لم تتغير منذ قرون، وما حصل عليها من تغيير لم يكن سوى القشرة التي سرعان ما تستبدل بقشرة أخرى من ذات الجنس، في حين لا يعالج لُب القضية، جوهرها الأساس، أي لا يجري تغيير علاقات الإنتاج التي كانت وما تزال تتحكم بالواقع القائم وفي سلوكيات الناس والحكام.
العيب في طبيعة الحكام، فهم يجدون في العلاقات المتخلفة والاستغلالية السائدة إنها تستجيب لمصالحهم، وبالتالي لا يسعون إلى تغييرها، بل يسعون إلى تكريسها. والعيب في المجتمع الذي لم يرَ النور ولم يعرف التنوير الديني والاجتماعي حتى الآن، وبالتالي لا يستطيع في غالبيته إدراك أهمية تغيير علاقات الإنتاج لتساهم في تغيير الواقع القائم ومن ثم تغيير الحكام الذين يفرضون إرادتهم على الشعب.
والعيب في علاقات الإنتاج يتجلى في مجمل البناء الفوقي القائم بالعراق، الذي هو نتاج تلك العلاقات المتخلفة والبالية والسائدة، ولاسيما في الفكر والسياسة وفي بنيتي الاقتصاد والمجتمع، وفي سلطات الدولة الثلاث ومؤسساتها وهيئاتها، في المؤسسات والمرجعيات الدينية، في الأحزاب والمنظمات، وفي الثقافة بمختلف حقولها.
ولكن، حتى في هذا المجتمع المتخلف، تبرز التناقضات، وتنشأ عنها الصراعات، بين القديم البالي والمعرقل لأي تحول جديد، وبين الجديد المتطلع للتغيير. ويتجلى ذلك في الفكر والسياسية والاقتصاد، في القوى والأحزاب والمنظمات، في الثقافة وفي مجمل البناء الفوقي.
وعلى مستوى وعمق وشدة هذه التناقضات وما ينشأ عنها من صراعات فكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وفي مجمل البناء الفوقي، يتحرك المجتمع صوب أحد احتمالين: استمرار التخلف والجمود النسبين، أم التغيير صوب الجديد الأكثر إشراقاً. وميزان القوى هو العامل الحاسم في تحديد الوجهة في الصراعات الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية الجارية بالبلاد.
ميزان القوى لا يتغير بسهولة وبسرعة ولا وفق الرغبات، بل يخضع لعوامل كثيرة، بما فيها وبشكل خاص بدور تلك القوى الساعية للتجديد وفي مدى وعيها للواقع وقدرتها على طرح الشعارات والمهمات التي تستجيب لمصالح الناس مباشرة وصواب ربطها بالقضايا الوطنية المهمة التي تمس المجتمع كله أولاً، وفي مدى قدرتها في الوصول إلى من يملك القدرة على التغيير، إلى المجتمع، إلى فئاته التي تتطلع للتغيير، والتي هي متضررة من بقاء علاقات الإنتاج المتخلفة والبائسة والبناء الفوقي الناتج عنها، ومنها السلطات الثلاث، لاسيما السلطة التنفيذية. وميزان القوى لا يتغير ما لم تدرك القوى الساعية للتغيير بأن كلاً منها لا يستطيع تحقيق التغيير ما لم تلتقِ كلها عند معايير وقيم مشتركة وبرنامج بحد مناسب تلتقي عنده كل القوى الديمقراطية ويمتلك الجاذبية الواقعية في تعبئة فئات المجتمع المتضررة من بقاء الوضع الراهن، والتي تشكل عملياً غالبية المجتمع.
مهمة القوى الساعية للتغيير ليست سهلة، رغم إنها تتحرك على وفق قوانين التطور الاجتماعي، إذ إن عصي الماضي الغليظة توضع دوماً في عجلة التغيير والتقدم، ويحتاج المجتمع إلى صنع عجلة قوية فولاذية متماسكة تستطيع تكسير، بل تحطيم، تلك العصي الغليظة المعرقلة للسير بالمجتمع والدولة إلى الأمام.
لا يكفي أن يكسب للتحالف من هو مع القوى الديمقراطية وبرنامجها حالياً، بل هناك الملايين من الناس التي يجب ان تكسب في هذه المعركة التي ما تزال غير متكافئة. فهناك الكثير من الجماعات التي لم تحسم موقفها لأسباب مصلحية مؤقتة، أو دينية مشوهة زيفت وعي الإنسان، أو علاقات عشائرية بالية لم تعد مناسبة لهذا القرن الواحد والعشرين، على سبيل المثال لا الحصر، التي يجب ان تكسب. بل يمكن ويجب التحري عن القواسم المشتركة لتكون الحامل الفعلي للتغيير.               
إن القوى الإسلامية السياسية الطائفية المتطرفة، وكل القوى المتحالفة معها من الجبهة اليمينية القومية الشوفينية المتطرفة، بكل تنوعاتها، تعمل اليوم على تشكيل تحالفات سياسي-اجتماعي لإجهاض تحقيق التحالف الديمقراطي المدني، لإفشال أي تغيير جذري منشود، وهي تمارس عملية تشويه صورة القوى الديمقراطية بكل السبل المتاحة لديها، بما في ذلك استخدام بشع لإعلام الدولة ومؤسساتها الإعلامية. وهذا الواقع يفرض على القوى الديمقراطية أن تجد الوسائل النضالية العمية التي تسهم في تفكيك هذه الجبهة اليمينية المتطرفة وتحت هوية الإسلام السياسي، الذي برهن على فساده القاطع ومشاركته في كل ما يعيق تقدم المجتمع وازدهاره وتكريس رثاثة البلاد كلها، لتستطيع المواجهة الناجحة والسلمية أمام هذه القوى التي ألحقت أبشع الأضرار بالشعب العراقي والدولة العراقية، التي جعلتها ليس هشة وعليلة فحسب، بل ومخترقة بسيادتها واستقلالها من قبل دول الجوار والدول الكبرى. 


34

كاظم حبيب
قراءة في مسرحية "لسعة العقرب" للكاتب المسرحي والصحفي ماجد الخطيب
   

الكاتب: ماجد الخطيب
الكتاب: لسعة العقرب/ مسرحية بوليسية ساخرة
الناشر: المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش
سنة الإصدار 2017
ردمك: 978-9954-28-577-0

قدم الكاتب المسرحي والصحفي المميز ماجد الخطيب مجموعة مهمة من المسرحيات الساخرة للمكتبة العربية والكتابة المسرحية والمسرح. فقد ألف ونشر حتى الآن ثماني مسرحيات، وترجم عشر مسرحيات. كما ألف ونشر كتاباً ممتازا وغنياً بالمعلومات والتحليل القيم لشعر وحياة الشاعر والناقد والصحفي الألماني هاينريش هاينه (1797 – 1856 م) تحت عنوان "روح الشعر الألماني". وكانت اغلب رواياته تبحث في الهم العراقي وكوارثه والتحولات الجارية على الإنسان العراقي، وخاصة على مثقفيه إيجاباً أو سلباً، وعلى العلاقة المعقدة والمتوترة بين المثقف والسلطة. وكان في جميع مسرحياته، وهي في الغالب الأعم غير مباشرة، ولكنها ذات هدف واضح وفكرة ناظمة لأعماله، فهي تعالج إشكالية الدكتاتورية والحريات العامة وحرية المثقف والإنسان عموماً. وهكذا كان الأمر بالنسبة للمسرحيات المترجمة، ولكن على مستوى أعلى وأبعد من الهم العراقي، بل هم الإنسان في القرن العشرين والحادي والعشرين، هم الإنسان في صراع ضد شرور الاستغلال والاضطهاد والتمييز والحروب. وكان في الغالب الأعم يمزج بنجاح بين الجدية والهزل، بين المأساة والملهاة. نجد هذه الثنائية في فئران الاختبار، أو عاشق الظلام، أو حفرة السيد على سبيل المثال لا الحصر. وتطرح مسرحية "ثور فالاس" إشكالية الصراع المعقد والمتشابك بين المثقف، ومنهم الفيلسوف، والسلطة ومحاولات السلطة أو الحاكم المستبد شراء المثقفين، والأنانية التي يمكن أن تجد طريقها إلى نفوس بعض المثقفين، ولكن ليس الجميع. وهي من أكثر المسرحيات تجلياً لهذا الصراع وأكثرها شراسة وعدوانية من جانب السلطة إزاء المجتمع والواعين منهم والمثقفين على نحو خاص.
أما المسرحية الجديدة، التي صدرت لتوها (الشهر الخامس 2017)، فهي تختلف عن مسرحياته السابقة الساخرة أيضاً. إذ أنه اختار اسلوباً آخر في كتابتها، الأسلوب المعروف في لغة كتاب المسرحيات والسينمائيين بـ "الپارودي (Parod"، الذي عرَّفه المؤلف ذاته بـ "المحاكاة الساخرة"، الأسلوب الذي يستخدم أحداثاً وشخصيات معروفة عالمياً وفي حقول ومجالات كثيرة ليوظفها في مسرحيته الساخرة التي تدفع الإنسان إلى الابتسام والانتعاش من روح التهكم الواعية لما تريد ومن المضمون المأساوي المبطن للحالة الساخرة. هذا النوع من فن الكتابة المسرحية أو حتى في الشعر والقصة والرواية والسينما قد استخدم من كبار المخرجين السينمائيين، منهم على سبيل المثال لا الحصر، شارلي شابلن، الفريد هتشكوك وكيفن ينولدز.. الخ. وقد حققوا نجاحات باهرة في افلامهم. ولا أدل على ذلك فلم هتلر لشارلي شابلن.
إلى ماذا ترمي هذه المسرحية الساخرة العراقية بامتياز، رغم شخوصها الدوليين في أحداث بعيدة عن العراق؟ من عرف ماجد الخطيب أو قرأ له يدرك إن هاجسه الأساس هو العراق وما يجري فيه منذ 14 عاماً، سواء أكان ذلك ببغداد، أم بالبصرة، أم في أي مدينة عراقية أخرى، بل بكل الدول العربية. والزمان والمكان هنا محددان في القصر وعلى الساعة الثانية عشر ليلاً، ولكنهما، الزمان والمكان، مع ذلك مفتوحان أيضاً. إنه يريد أن يقول لم يعد الوقت خمس دقائق قبل الثانية عشر، بل أنه الثانية عشرة تماماً، وعليكم أن تعوا عواقب الغفلة والنوم والسكوت على الفساد والقتل المتواصل. وإن المكان نفس المكان حيث يوجد القاتل والمقتول، أو "حاميها حراميها"، إنها "المنطقة الخضراء العراقية"، إنه الحي الذي يسكن فيه في الغالب الأعم حكام ولصوص وقتلة وجواسيس وعيون فاقعة!
حين تُقرأ المسرحية بعناية سيجد القارئ أو القارئة إنهما أمام هدف ثابث وواضح لا يتزعزع، وخلف هذا الهدف فكرة تتجسد أكثر فأكثر بعد كل مشهد من المشاهد وتتجلى في الشخصيات الرئيسية والثانوية التي اختارها في مسرحيته الساخرة، وأساليب العمل التي منحها لهذه الشخوص العديدة.     
ليس القتلة بالمسرحية سوى محترفي قتل الإنسان، تدربوا على السرقة، وممارسة القتل لإخفاء جريمة السرقة، أو القتل لأغراض السرقة. وحين يكون الحامي هو الحرامي ذاته، يصعب اكتشاف القاتل أو السارق، فهما شخص واحد، إنها الثنائية في الواحد. هنا يقدم لنا ماجد الخطيب حقيقة الأمر حين يترك لهولمز فرصة تشخيص الحالة. لقد أعطى الكاتب أسماً مهما للمسرحية تجسد لسعة العقرب. وفي هذه اللسعة تضعنا أمام الشخصية الإجرامية الفرنسية المعروفة من جهة، وأمام إن المفروض في المجتمع أنم لا يلدغ من جحر مرتين، وكم هي المرات التي لدُغ الشعب من ذات الجحر من جهة ثانية!
بدأت المسرحية بجريمة واحدة، لطباخة قصر الملك. ولكن سرعان ما ترك الكاتب أن تتوالى الجرائم التي ترتكب في القصر وفي ساعة محددة. لقد وضع القارئ والقارئة أمام أحداث متتالية متصاعدة تزيد من التوتر والتأزم في المسرحية وتزيدها تعقيداً وتشابكاً. حتى شارلوك هولمز وصاحبه لم يكن سهلاً علهما اكتشاف الفاعل أو الفاعلين، بعد أن انتقلا إلى مسرح الجريمة ليحققا في أول جريمة ارتكبت في القصر، إذ أدركا بحسهم البوليسي إنهما أمام مجموعة صغيرة جداً من البشر تتشابك أساليبهم وتلتقي وتتصارع مصالحهم في آن، إنها الجدلية العفوية في المسرحية. فأحد هؤلاء يجلس على عرش المملكة، ويمارس آخرون حماية المملكة، وكل منهم يمارس الجريمة بطريقته الخاصة.. إنها المأساة والمهزلة أو الملهاة التي لا يمكن إلا أن يدركَ القارئ والقارئة مغزاها والوجهة التي يؤشرها المؤلف.
لقد استخدم المؤلف تلك الشخصيات والأحداث التاريخية خير استخدام، وبحبكة متماسكة ومحكمة، وبرؤية ثاقبة وساخرة، شخصيات من حضارات عديدة في مسرحية قصيرة ذات بعد إنساني عميق وتهكم ساخط على الحكام والحاشيات، سواء أكانوا ملوكاً أم رؤساء، فهم متساوون بالدول العربية في ما يرتكبونه من جرائم بحق شعوبهم.. فوزير خزنة الملك سكوربايت، "لم يكن غير اللص الشهير "العقرب"، الذي دوخ باريس بسرقاته، ووزير مالية الملك "لم يكن غير آكل لحوم البشر هانيبال ليكتر"،.. إنها شخصيات ووظائف رمزية في المسرحية لا يمكن أن يخطئ القاري دورها في المقارنة بين ما جرى ويجري بالعراق .. حتى البوليس السكوتلاندياري يهرب من مسرح الجرائم التي ترتكب يومياً وفي ساعة محددة ومكان محدد.. إنهم يعرفون القاتل وغير قادرين على اعتقاله فيهربون منه لكي لا يصلهم سكين القاتل وينحر رقابهم. لقد قتل المسرحي والصحفي هادي المهدي.. وقتل الشخصية الديمقراطية والمدنية كامل عبد الله شياع وقتل آخرون في فترة حكم من قال يوماً "أخذناها بعد ما ننطيها"، وفي فترة حكمه جرى التحقيق ولم يعلن عن القاتل! فمن القاتل؟ إنها حالة التوتر المتصاعدة .. التي تقترب من الذروة.. حتى شارلوك هولمز وصاحبه لا يستطيعان طرح الحقيقة، ولكنهما يكتشفان الحقيقة.. فوزير الداخلية الذي وقعت هذه الجرائم في عهده يزور مقر الحزب الذي استشهد أحد أعضاء هذا الحزب المميزين، ولكن الزائر لا يعلن عن القاتل، رغم معرفته المؤكدة بهوية القاتل!!
كلما ابتعد ماجد الخطيب عن مسرح الجريمة الفعلية في مسرحيته، اقترب منها قارئات وقراء المسرحية أكثر فأكثر وحلوا طلاسم الأحداث والشخصيات التاريخية. لقد سّهل ماجد الخطيب، باختيار تلك الأحداث التاريخية والشخصيات المعروفة عالمياً، على القارئ والقارئة إمكانية الاقتراب من حقيقة ما يجري بالعراق وأحداثه المأساوية وعجز المجتمع عن الاعتراف بما يعرفه عن القتلة، وعن رفضه ولفظه لهم!
في ذروة المسرحية يلسع هولمز وواطسون القاتل بحيلة عقرب الساعة، لكن لص الجواهر الشهير بالـ "عقرب" (المتخفي بشخصية وزير المالية) يلسعهما بدوره، ويفتعل مقتله كي يهرب بجواهر الملكة وخزينة المملكة. وهنا تأتي لسعة العقرب لتمنحنا وجهة ثالثة في مجرى المسرحية. ولكن ذروة المسرحية مستمرة ومتصاعدة، فالقتلة يتسترون بأسماء أخرى وينتقلون من مسرح جرائم بعينها، ليلجوا مسرحاً أخر، ليحموا الملك، ليمارسوا جرائم أخرى. فهم في حمى الملك أو الحاكم! ولنستمع إلى هذا الحوار الذي يضعنا أمام الاكتشاف الرئيسي، أمام ذروة المأساة والمهزلة، حوار بين هولمز وواطسون والذي يقود بهما إلى الهرب من القتل المحتم:
هولمز:    هل أخطأنا في حساباتنا؟
واطسون:   أما يزال القاتل في القصر؟
هولمز:      جاك السفاح هرب..
واطسون:    من بقي في القصر؟
هولمز:    (يضرب جثته، يشم الجثة) 
يا إلهي عطر الكولونيا مجدداً.. عطر الملوك؟؟؟
      (يبهتان للحظة)    
هولمز:      لنهرب من هنا..
واطسون:   إسرع (يخرجان هاربين)..

35
الأخوات والأخوة الأفاضل مسؤولي الأحزاب والقوى الوطنية الديمقراطية والشخصيات الديمقراطية العراقية
تحية طيبة
نرسل إلى حضراتكم رؤية لجنة المبادرة حول المعايير والبرنامج الذي يمكن أن يكون قاعدة للنقاش بين قوى وأحزاب الحركة الوطنية والديمقراطية والمدنية العراقية، أملين أن نسمع رأيكم بهذا الخصوص
مع خالص الود ووافر التقدير
د. كاظم حبيب
منسق لجنة المبادرة لتحريك ودعم التوجه صوب التعاون والتنسيق والتحالف بين القوى الديمقراطية العراقية
في 30/05/2017

المعايير والثوابت والقواسم المشتركة:
تتفق القوى المستهدفة على المعايير والاسس التالية:
•   المواطنة أولاً، واحترام الهويات الفرعية.
•   الديمقراطية السياسية والاجتماعية.
•   الدولة المدنية الحديثة.
•   العدالة الاجتماعية.
•    استقلال القضاء.
•   ضمان استقلال المفوضيات المستقلة عن الأحزاب السياسية والسلطة التنفيذية
•    احترام حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة، وضمان حرية التعبير عن الرأي والتظاهر والاعتصام، وحرية الصحافة.
•   اللامركزية وصلاحيات موسعة للمحافظات، في ظل عراق ديمقراطي فدرالي موحد.
•   وضع القوانين والنظم المنظمة للعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم على وفق الدستور.
•   احترام التنوع وخيارات الاتحاد الطوعي وحق تقرير المصير على وفق احكام الدستور:
•   سيادة العراق ارضاً وجواً وبحراً.
•   نظام الحكم تعددي برلماني.
•   التداول السلمي للسلطة وفق انتخابات نزيهة حرة وعادلة.
•   الفصل بين السلطات.
•   الفصل بين الدين والدولة.
•   سيادة القانون وانفاذه دون تمييز.
•   القوات المسلحة الوطنية بصنوفها وتشكيلاتها كافة هي الجهة الشرعية الوحيدة التي تحمل السلاح دفاعا عن ارض العراق وامنه الداخلي.
•   الجيش هو المسؤول عن حماية حدود العراق وسيادته.
•   الشرطة وجهاز الأمن الداخلي هما المسؤولان عن الأمن الداخلي للبلاد.
•   الاصطفاف الوطني الشامل ضد الارهاب والتطرف والتكفير والفساد.
•   إعادة النازحين الى مدنهم وديارهم، واعادة الاعمار لمدنهم وتعويضهم.


نحو ميثاق وطني يتضمن:
•   الالتزام بالدستور لحين تعديله بآليات دستورية، وبما يضمن ترسيخ مبدأ المواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان وتحريم التمييز بمختلف أشكاله وضد نشر الكراهية.
•   تشكيل حكومة كفاءات وطنية عابرة للطائفية ورافضة لها.
•   الاصلاح الحقيقي (السياسي، الاقتصادي، والاجتماعي والاداري والمالي والبيئي).
استكمال تحرير الارض، ومواصلة مواجهة الارهاب وذيوله فكرياً وسياسياً وأمنياً. واستكمال بسط نفوذ سلطة الدولة ودحر الإرهابيين وإنهاء الانفلات الأمني، عسكريا وفكريا.
•   حل مشكلات النازحين وقضايا المهجرين الناجمة عن كل فترة الصراع المسلح ورفض التغيير الديمغرافي وإعادة النازحين إلى ديارهم وإعادة الأعمار وتعويض المتضررين.
•   إطلاق حملة شاملة لمواجهة مبرمجة ومنظمة للفساد واسترداد الأموال، وإجراء محاكمات عادلة للفاسدين.
•   استكمال مشروع المصالحة السياسية والمجتمعية على أسس قويمة.
•   العمل على معالجة قضايا العدالة الانتقالية وحل مشكلات المعتقلين بمحاكمات عادلة للمتهمين أو إطلاق سراح المعتقلين دون مبرر فوراً وتعويضهم.
•   الاهتمام بقضايا التنمية المستدامة، واستنهاض الاقتصاد الوطني بمزيد من الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية والخدمات الإنتاجية، لاسيما ملفات البنى التحتية، ومنها الكهرباء والماء والنقل والمواصلات والاتصالات.
•   الاهتمام بمشكلة المياه والحصص المائية مع دول الجوار والمنفذ البحري للبلاد.
•   تنشيط القطاعات الاقتصادية الخاص والمختلط والحكومي بما يسهم في تسريع عملية التنمية الاقتصادية والبشرية.
•   الاهتمام بالسياحة وتوفير مستلزماتها باعتبارها توفي مورداً إضافياً للدخل القومي.
•   معالجة مشكلة البطالة المتفاقمة ولاسيما بين الشبيبة، وعواقبها.
•   معالجة تنامي الفقر وتزايد عدد الفقراء الذين يعيشون تحت خطر الفقر المحدد للدول النامية.
•   الانتهاء من وضع قانون وطني فعال لشركة النفط الوطنية، وربط موارد النفط المصدر بالتنمية المستدامة وعملية التصنيع وتحديث الزراعة وتنويعها، بما يسهم في تخليص الاقتصاد العراقي من طابعه الريعي الاستهلاكي.
•   العمل على تأمين الأمن الاقتصادي والغذائي للمجتمع العراقي.
•   وضع القوانين الناظمة للعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم على وفق الدستور واعتماد المفاوضات في حل المشكلات القائمة بينهما، وكذلك مع الحكومات المحلية في المحافظات.
•   ايلاء اهتمام استثنائي لقضية المرأة العراقية ومساواتها الكاملة في الحقوق والواجبات مع الرجل.
•   إيلاء اهتمام خاص بالشبيبة واغناء حياتهم الثقافية والرياضية بمختلف جوانبها.
•   إيلاء الثقافية الوطنية بجميع حقولها اهتماماً خاصاً وتوفير مستلزمات وصولها لفئات الشعب كافة.
•   إصلاح المنظومة الانتخابية.
•   إصلاح المفوضيات والهيئات المستقلة ومنع تدخل السلطة التنفيذية بشؤونها.
•   التدقيق في اختيار شخصيات اعضاء المحكمة الاتحادية العليا وحصرهم بالقضاة المتمرسين والمشهود لهم بالنزاهة والاستقلالية والثقافة.
•   إصلاح أسس التربية والتعليم والبحث العلمي ووضع برامج علمية وديمقراطية لمختلف مراحل الدراسة. التوسع بالتعليم المهني والفني بما يتجاوب مع ضرورات التوسع بالتنمية. إنشاء مجلس وطني أعلى للتعليم يأخذ على عاتقه وضع استراجية التربية والتعلم
•   إصلاح نظام الخدمات الصحية والتأمين الصحي والرعاية الاجتماعية والضمان الاجتماعي والاهتمام بذوي الحاجات الخاصة.
•   توفير مستلزمات العيش الكريم للأرامل وأيتام سنوات الاستبداد والحروب والإرهاب. 
•   وضع حد للتدخل الخارجي بكل اشكاله في شؤون العراق الداخلية، والعمل لإقامة أفضل العلاقات مع جميع الدول على أسس الاحترام والمنفعة المتبادلين والمصالح المشتركة.
•   
 


36
رسالة مفتوحة
إلى السيدة المصونة حرم الروائي المبدع الطيب الذكر عبد الرحمن منيف المحترمة

تحية طيبة
حين وصلت إيران في العام 1981 في طريقي إلى إقليم كردستان العراقي للالتحاق بحركة الأنصار الشيوعيين العراقيين بصورة سرية وبجواز سفر سوري، كان رفيقي وصديقي المناضل الشيوعي حيدر الشيخ علي موجوداً في إيران ويعمل بجهد لا مثيل له ومثابرة وحيوية وهمة عالية، لإيصالنا إلى الإقليم، وهو يتحمل تبعات الانتقال من طهران إلى أورمية (الرضائية)، ومنها إلى مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني في راجان الإيرانية، ومنها ننتقل إلى جبال كردستان العراقية حيث الأنصار الشيوعيين المناضلين ضد دكتاتورية البعث الصدامية. لم يكن الرفيق حيدر الشيخ علي غافلاً عن المخاطر التي يتعرض له عبر هذا العمل السري المعقد لمساعدة الرفاق القياديين من الحزب الشيوعي والكثير من المناضلين الشيوعيين للوصول إلى الإقليم عبر طهران للمشاركة في النضال ضد الدكتاتورية الغاشمة ومن أجل الحياة الحرة والديمقراطية للشعب العراقي. كان معي في هذه الرحلة الرفيق مهدي عبد الكريم، أبو كسرى، أو أبو العباس، وباقر إبراهيم، أبو خولة وزوجته الفاضلة.
ولكن الأمن الإيراني استطاع أخيراً إلقاء القبض على الرفيق حيدر الشيخ علي، الذي زُج به في سجن إيفين لسنوات عدة متهمين إياه بالتجسس، وهو منه براء براءة الذئب من دم يوسف، والذي كان يناضل بحزم وإصرار ضد النظام القائم بالعراق. تعرض خلال اعتقاله وسجنه، سواء أكان أثناء التحقيق معه، أم أثناء وجوده في السجن، إلى التعذيب الذي يصعب لأي إنسان اعتيادي تحمله، إلا إن هذا الرفيق كان قد قًدَ من حديد، إذ صمد صمود الأبطال، كما يرد في الأساطير القديمة والحديثة، تلك الأساطير التي تتحدث عن بطولات اجترحها مناضلون دفاعاً عن وطنهم وشعبهم وحزبهم والمبادئ التي يحملونها ويدافعون عنها. سنوات من العذاب والمعاناة التي لا يمكن لأي إنسان أن ينساها أو يمر مرور الكرام على ذكرها، إنها العيش بين ظلمتين مريعتين مقترنة بأبشع أساليب التعذيب التي مارستها أجهزة الأمن والسجن الإيرانية والتي لا تختلف عن أساليب التعذيب الهتلرية والتي استخدمها صدام حسين بالعراق أيضاً مع مناضلين شيوعيين وديمقراطيين أو سياسيين مناهضين له ولنظامه، انتهت بهم إلى الموت على أيدي تلك الحثالات من البشر. الكثير من رفاق الدرب الواحد من شيوعيي حزب توده الإيراني ومن فدائيي خلق ومجاهدي خلق استشهدوا تحت التعذيب. ولكن الرفيق حيدر صمد ولم يعترف ولم يجُن ولم يمت، كما كانوا يسعون إلى تحقيق بأساليبهم الخبيثة والدنيئة في التعذيب، والذي ما زال يمارس بإيران ضد سجناء الرأي وفي سجن إيفين ذاته، بل بقي كنخلة شامخة ومثمرة.
وحين أمكن تحريره من السجن بوساطة قادة الدولة السورية المكثفة، وصل إلى إقليم كردستان العراق وتسنى لي ولغير من الرفاق والأصدقاء اللقاء به والاستماع إلى روايته المريرة عما لاقاه في هذا السجن الرهيب وعلى أيدي جلاوزة شيوخ الدين الإيرانيين الذين لا يعرفون الرحمة ولا يملكون ضميراً إنسانياً حياً. كان كل منا يستمع إليه ويعيش عذاباته ومراراته. كنا نصغي إليه وعيوننا شاخصة إليه وأفواهنا مفتوحة وكأن فوق رؤوسنا الطير، ونرجو منه المزيد. لم يحدثنا فقط عن نفسه، بل كان يتحدث على نحو خاص عن الرفاق والمناضلين الإيرانيين الذين كانوا يعانون شتى صنوف العذاب النفسي والجسدي على أيدي نفس الجلاوزة المعممين الذي لا يعرفون الله وليس في قلوبهم مسحة من حب الإنسان. وكان يؤكد لنا بأنه كان يعاني أكثر بكثير مما لو كان التعذيب يقع عليه، حين كان يرى كيف يمارس هؤلاء الأوباش أساليب التعذيب الهمجي بحق الشيوعيين والتقدميين والديمقراطيين الإيرانيين الأبطال التي كانت تمارس في القرون الوسطى وكذلك الأساليب الحديثة المأخوذة من ترسانة الهتلريين والفرنكويين وبينوشيت أيضاً.
كنا نحث الرفيق حيدر على كتابة مذكراته لتصدر في كتاب، ولم يفعل، إلى أن التقى يوماً برفيقه وصديقه الدكتور فالح عبد الجبار، فبدأوا بتسجيل الأحداث بتفاصيل مذهلة لما يتمتع به حيدر من ذاكرة طرية ونشطة وتفصيلية روح مرحة وساخرة في آن. تم تسجيل أثني عشر شريطاً دام التسجيل اياماً وليال طويلة. احتفظ بها فالح ليفرّغها وينشرها باسم حيدر في كتاب.
التقى الدكتور فالح عبد الجبار صدفة بالروائي البارع عبد الرحمن منيف وحدثه عن معاناة حيدر الشيخ علي في سجن إيفين وتسجيل أحاديث مهمة معه على أشرطة (كاسيت). طلب عبد الرحمن الاستماع إلى الأشرطة لأن حديث فالح قد أبهره، استعارها منه لعدة أيام، ولم يعدها له منذ ذلك الحين! أي منذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي. أنتج عبد الرحمن منيف من هذه الأشرطة الرواية المعروفة بعنوان "الآن، هنا" وصدرت في العام 1991. أنها رواية تحكي قصة حيدر الشيخ علي في سجن إيفين.
لم يشر كاتب الرواية عبد الرحمن منيف في الرواية إلى شخصية حيدر الشيخ علي، ولا إلى الأشرطة التي تسلمها من فالح عبد الجبار والتي تعود لحيدر، بل منح حيدر اسماً آخر كان بعيداً كل البعد عن أي اسم لعراقي أو كردي عراقي. كما لم يشر في المقدمة إلى أصل هذه الكاسيتات ولمن تعود ولم يقدم الشكر حتى للجهد المبذول في تسجيل الأشرطة. وبالنهاية لم يعدها واحتفظ بها، وهي ليست له!!! يمكن أن ندرك السر وراء هذا الامتناع، ولكنه مرفوض قطعاً ولا ينسجم مع الصورة التي نمتلكها علن الروائي عبد الرحمن منيف.
استمر الدكتور فالح عبد الجبار يطالب الأستاذ منيف بالكاسيتات، والأخير استمر بالمماطلة، وعَدَ بإعادتها لصاحبها، ولم يفعل! إلى أن توفي عبد الرحمن منيف، وخسرنا بموته جميعاً والمكتبة العربية وعائلته شخصية كبيرة وكاتباً مبدعاً وقامة كبيرة في كتابة الرواية.
حاول الصديقان حيدر وفالح الوصول إلى عائلة الفقيد الكبير واستطاعا فعلاً الوصول إلى السيدة المصونة حرم الروائي الفقيد. أوعدت بحديث مع حيدر، وبلطف كبير، على إعادتها له، باعتبارها ملكه الخاص وحياته ومعاناته الشخصية مثبتة على هذه الأشرطة التي ما تزال تحتفظ بها حرم الفقيد عبد الرحمن منيف. كما إنها نشرت صورة لجزء مما جاء في الأشرطة والذي يؤكد وجود الأشرطة لدى السيدة الفاضلة. مرت الشهور تلو الشهور ولم تُعِد السيدة الأشرطة إلى حيدر ولا إلى فالح. وقطعت الصلة ولم ترد على النداءات التلفونية. إنها معضلة!       
حين كنت في أربيل قبل أسبوعين (النصف الأول من الشهر الخامس 2017) حدثني، مع جمهرة من الأصدقاء، عن موضوع الأشرطة الموجودة لدى السيدة حرم عبد الرحمن منيف وما جرى له معها وعدم تسليمها الأشرطة له، رغم وعدها، ورغم المطالبة المستمرة والإلحاح بضرورة إعادتها له، باعتباره ملكاً له وليست من الأشياء الشخصية للكاتب الفقيد عبد الرحمن منيف.
إن الصديق الفاضل والقيادي في الحزب الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي الكردستاني حيدر الشيخ علي، وكان وزيراً في حكومة إقليم كردستان العراق ممثلاً للحزب الشيوعي الكردستاني، يعاني من هذه المشكلة التي لا تريد السيدة الفاضلة حلها بإعادة الأشرطة له وتزيده معاناة فوق معاناته من المرض العضال الذي أصيب به منذ سنوات.
نحن جميعاً شهوداً على هذه الواقعة ونطالب السيدة الفاضلة حرم الفقيد عبد الرحمن منيف إعادة الأشرطة إلى المناضل حيدر الشيخ علي وبسرعة، إذ لا يعني التشبث والإصرار على عدم تسليمها سوى الإساءة للصديق حيدر ولمن يرفض تسليمها أيضاً، إذ من غير المناسب تعقيد القضية ودفعها إلى مسارات أخرى.
أملي كبير بأن السيدة المصونة ستستمع إلى صوت العقل والضمير وتعيد الأشرطة بالسرعة الممكنة إلى الأخ حيدر الشيخ علي أو إلى الأخ الدكتور فالح عبد الجبار. وإلى هذه النتيجة نحن بالانتظار،
مع وافر التحية والتمنيات الطيبة
أ‌.   د. كاظم حبيب
في 18/05/2017 

37
كاظم حبيب
خطوة إلى الوراء .. خطوتان بذات الاتجاه، فإلى أين يراد بالعراق؟

من يتابع الوضع في دولة العراق منذ إسقاط الدكتاتورية الغاشمة على أيدي الغزاة والمحتلين الأمريكيين والبريطانيين وغيرهم وقيام النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته الطائفية والأثنية المذلة للشعب ومبدأ المواطنة الحرة والمتساوية، دع عنك تلك المآسي والحروب والحياة العجفاء التي عاشها العراق قبل ذاك وفي ظل نظام البعث الإجرامي، يدرك في أي دولة هشة أو شبه دولة يعيش المجتمع العراقي، ويدرك العواقب المريرة التي عانى منها وما يزال في ظل حكام الصدفة والأوضاع الرديئة التي جاءت بهم إلى السلطة بحيث أصبحت الدولة العراقية دولة لصوص بالمعنى الدقيق للكلمة، دولة تكاد تحترق أو تغرق فليأخذ من هو قادر على أخذ ما يستطيع منها كل ما فيها قبل نهاية الدولة المفجعة. هكذا فكر ويفكر، وهكذا عمل ويعمل من كان وما يزال يحمل فكراً رثاً وعقلاً مفرغاً من أي مضمون وضمير. حكامه لا غيرهم سلموا العراق للحرامية، لأنفسهم وغيرهم، للإرهاب المسلح الداخلي والإقليمي والدولي، للمليشيات الطائفية المسلحة التي أذلت الشعب ودفعته إلى الاستكانة والرضوخ، وإلى التنظيمات الإرهابية الأخرى التي قتلت وسلخت جلود البشر ونهبت خيراته وقوت الشعب ثم احتلت جزءاً عزيزاً منه، إذ ما تزال القوات المسلحة العراقية والپيشمرگة والمتطوعون يناضلون بإصرار من أجل استعادة الأرض الطيبة المحتلة وتحريرها ويحققون نجاحات عسكرية مهمة وبتضحيات كبيرة وغالية.
وفي الجانب السياسي نتابع ممارسة القوى المشاركة في حكم البلاد كل السبل التي لا تقضي على الفكر والنهج العدواني للقوى الإرهابية بسياساتها فحسب، بل وتساهم في بقاء هذا الفكر المماثل لها على أرض العراق ليعود بصيغ أخرى إلى واجهة الأحداث بالعراق.
دولة العراق، وليس السلطة التنفيذية وحدها، بل البناء الفوقي العراقي في أغلبه، بدلاً من أن تخطو خطوات إلى الأمام، والعراق بحاجة ماسة لها، يخطو خطوة إلى الوراء ثم تتبعه خطوات أخرى بذات الاتجاه القاتل، خطوات أخرى وأخرى إلى الوراء. وهي الكارثة الراهنة التي يقدمها لنا مجلس النواب العراقي الذي يحق لنا أن نردد قول الشاعر الرصافي:
علم ودستور ومجلس أمةٍ                  كل عن المعنى الصحيح محرف
مجلس يفرض قانوناً للانتخابات ليس هناك أسوأ منه، وقانوناً عن حرية التعبير ليس هناك اردأ منه في تغييب الحريات والدوس على حقوق الإنسان وحرية التعبير، ومفوضية مستقلة للانتخابات ليست مستقلة، بل هي قائمة على المحاصصة الطائفية المذلة ويصر على بقائها بهذه التشكيلة الطائفية والأثنية السيئة. ونسبة عالية من أعضاء مجلس النواب لا يحق لهم دستورياً الجلوس في مقاعدهم، والعودة إلى ما كانوا يملكون قبل إجلاسهم على مقاعد المجلس وبعده، سيدرك الشعب حجم المبالغ المسروقة من خزينة الدول بحيل شرعية ونهب فعلي.
والاقتصاد العراقي مخرب تماماً منذ اللحظة الأولى لتسلم العراق من جانب حكام الصدفة في العام 2003، بدأت عملية زيادة التخريب بدلاً من إعادة التعمير، وسُرقت أموال تقدر وتتراوح بين 250-400 أو 500 مليار دولار أمريكي، وليس هناك من حسيب أو رقيب، حتى ازداد عدد الدور والعمارات والحسابات المصرفية لهم ولأكثر الوزراء وقادة الأحزاب الإسلامية السياسية السنية منها والشيعية في الداخل والخارج والبعض الآخر أيضاً. فليس هناك من عملية إنتاج فعلية بالبلاد، فبلادنا ريعية استهلاكية لا غير، إذ ليس هناك في مفهوم هؤلاء الحكام ما يمكن أن يطلق عليه بالاستثمار الإنتاجي لتنمية الصناعة والزراعة بالبلاد. الفئات الهامشية والعاطلة عن العمل في تنامي، في مقابل قلة قليلة من مالكي الملايين والمليارات. خصصت مبالغ هائلة لمشاريع اقتصادية وخدمية، وإذا بأكثر من 95% منها وهمية، فذهبت الأموال أدراج الرياح ولم يبق منها ما يمكن أن ينفع البلاد. صرفت المليارات (40 مليار) بأمل إقامة مشاريع لإنتاج الطاقة الكهربائية وإذا الشعب نصف يومه أو أكثر بلا كهرباء. ولسان حال الشعب يقول:
ذهب الحمار بأم عمر فلا رجعت ولا رجع الحمار!
أينما تنظر تجد اليباب والخراب والرثاثة والفاقة والبطالة والنهب والسلب، فهل ملّ المجتمع من ذلك وهل سيتحرك ليكنس من كان وما زال السبب وراء هذه الحالة. الإجابة ما تزال غامضة، إذ المشكلة لا تكمن في الرغبات والإرادة وحدهما، بل بوعي الإنسان لواقعه ورفضه لهذا الواقع وسعيه لتغيير هذا الواقع. إنه الثلاثي الذي لا بد منه لتغيير الواقع القائم تغييراً فعلياً وجذرياً!
هناك تململ سليم ومتواصل وفاعل، إنه الحراك المدني الديمقراطي، هناك تململ في صفوف قوى شعبية متدينة ترى بوضوح نسبي ما جرى ويجري بالبلاد وتريد التغيير، ولكن لا تزال لم تجد الدرب المناسب لهذا التغيير، وقوى الحراك ما تزال في بداية الطريق وحركتها ما تزال بطيئة تستوجب التنشيط، ولكنها واعدة. الفكر السياسي المتخلف والرث ما يزال مؤثراً وفاعلاً بفعل مؤسسات وأحزاب وتنظيمات وشخصيات قائمة، داخلية وإقليمية ودولية، تمارس تزييف الوعي وتشويهه، وتمارس الإحباط وتزوير الوقائع والتاريخ، وتمارس الخداع وصرف جزء من الأموال المنهوبة أو القادمة من وراء الحدود وتوزيعها بصيغ مختلفة على الفقراء والبؤساء والمحرومين من الناس لشراء ذممهم دون وعي منهم بما يجري، من أجل إبقاء الجهل والوعي المزيف بالواقع المرير الذي يعيش تحت وطأته الشعب العراقي. إنهم يحولون الأنظار عن واقع الناس بما يمارسونه من طقوس حزائنية وبكائية وتنظيم مسيرات مدمرة للصحة والنفس. لم يكن الشهيد الكبير الحسين بن علي بن ابي طالب يطرأ في باله أن يوماً سيأتي يلجأ فيها غشاشون ومخادعون ونهيبية وسراق عواطف وأموال يسعون إلى تأجيج العواطف وتوسيع اللطم والتطبير وضرب الزنجيل (السلاسل ذات النهايات الحادة) ليفرقوا الصفوف ويزيدوا الصراع والقتل على الهوية باسمه، باسم الحسين الشهيد وصحبه الكرام، وهو منهم بريء، كما فعل رئيس الوزراء السابق حين أكد على أن معركة الحسين وأنصاره ضد يزيد وأنصاره ما تزال قائمة!، ليجنوا المزيد من الأموال، من هؤلاء الفقراء المخلصين للحسين بن على وتراثه النضالي، وليبقوا في السلطة ليمارسوا ذات السياسات التي أذاقت الشعب مرَّ العذاب. إن هؤلاء يدفعون بالعراق إلى إقامة دولة ثيوقراطية مستبدة، وإيران نموذجهم الأعلى، ونحن جميعاً نعرف وأدرى بما يجري بإيران وما فيها من فساد وبؤس وفاقة وبطالة وحرمان ووعي مزيف ومشوه ومكاتب زواج متعة معتقة لأسباب عديدة، وهم من وافق على فتح أول مكتب لهم بالعراق ليدوسوا على كرامة المرأة من هذا الباب أيضاً! إنه درب الصدّ ما ردّ، وعلى الشعب وقواه الوطنية الحية والواعية منع ذلك!
إن الخلاص من هذا الوضع المزري لا يتم بالصلوات ولا بالدعوات ولا بالنداءات، بل بالعمل الواعي الكثيف والمستمر، ولاسيما مع الشباب والنساء، كمن يحفر في الصخر ويدرك ما يريد، من أجل رفع وعي الناس وثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على تغيير الأوضاع حين يأخذوا أمر التغيير في أيديهم، وحين يدركون بأن كسر القيود المعطلة للوعي والمحبطة للنضال من أجل التغيير لا يتم إلا بالعمل لإبعاد هذه القوى والعناصر، التي عطلت وعيهم وزيفته وزورت إرادتهم وسرقت رزقهم وشوهت حياتهم بشتى السبل، من قيادة الدولة بسلطاتها الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية.
إن بشائر طيبة تلوح بالأفق، ولهذا ازداد ونشط تحرك هؤلاء الساسة، الدخلاء على السياسة، ليتهموا المدنيين والعلمانيين، ورئيس الجمهورية العراقية السابق والحالي، هما من العلمانيين الذين أعلنوا ذلك بأنفسهم وعلناً، وهما مقصودان بذلك أيضاً، بأنهم "حكموا البلاد 70 سنة ثم سلموا البلاد إلى الإرهاب"، أي تزوير للوقائع وأي تشويه للتاريخ أكثر من هذا الذي مارسه هذا "القائد المغوار!" والذي قال عنه أحد "فقهاء هذا الزمان!!" بأنه قائد إسلامي كبير!!!، ونسى إن "هذا!" هو المسؤول عن تسليم البلاد إلى الإرهابيين وليس العلمانيين والمدنيين الذين يناضلون اليوم للخلاص من هذه المأساة الدامية.
لنعمل من أجل لحمة القوى المدنية والعلمانية والديمقراطية والقومية الديمقراطية والمتدينة، التي ترفض ربط الدين بالدولة، وكل المستقلين الديمقراطيين الذين يرفضون الوضع الراهن ويسعون لتغييره، لنعمل مع التجمعات الشبابية في القشلة وساحة التحرير وشارع المتنبي، لنعمل في الأحياء الشعبية لنطرق أبواب الناس ونتحدث معهم، رغم كل الصعوبات التي ندرك وجودها، من أجل إقامة الدولة المدنية الديمقراطية العلمانية، ولنردد مع الشاعر العراقي طيب الذكر كاظم السماوي
وإذا تعانقت الشعوب (في العراق) فأي درب يسلكون!
وإذا تكاتفت الأكف (في العراق) فأي كف يقطعون!
           

38
الدسوقي: الوجه الناصع لغد ناصع .. بقلم: د. محمد محمود

جاء في صحيفة التغيير  الإلكترونية بتاريخ 9 مايو 2017 أن محمد صالح الدسوقي البالغ من العمر ثلاثة وعشرين عاما تقدّم بعريضة لمحكمة أم درمان جنوب طالبا تغيير صفة ديانته في بطاقته الشخصية من مسلم إلى لاديني. وأوردت صحيفة حريات الإلكترونية بتاريخ 10 مايو أن الأجهزة الأمنية اعتقلته وقيّدت ضده بلاغ رِدّة تحت المادة 126 من القانون الجنائي.
خبر صحيفة التغيير قصير ومقتضب ويقع في سطور قليلة إلا أنه يمثّل في تقديرنا أكبر تحدٍ للنظام الإسلامي في السودان منذ انقلابه صبيحة الجمعة 30 يونيو 1998، بل وأكبر تحدٍ للحركة الإسلامية وللإسلام نفسه داخل السودان وخارجه. هذا الشاب الذي وُلد في ظل نظام الإسلاميين وترعرع في ظلّ منهجهم المدرسي والتربوي التلقيني وطغيان إعلامهم وهو يعمل على غسل الأدمغة وإعادة صياغة الوعي والسلوك، استطاع أن يهزم كل هذه العوائق الجبال ليعيد النظر في نظامه الاعتقادي كمسلم ويتحرّر منه وينعتق ويقرّر الخروج من الإسلام. وما فعله الدسوقي على هذا المستوى، مستوى تحرير وعيه واكتسابه لاستقلاله الفكري، ليس بالطبع بأمر فريد لا سابقة له --- فالسودانيون يوجد بينهم عدد من اللادينيين من كل الأجيال، بما في ذلك جيل الدسوقي، وهو عدد لا نعرفه بالضبط في الوقت الحالي وليس من الضروري في تقديري أن نعرفه لأن القضية الأساسية في نهاية الأمر هي إقرار مبدأ حرية الفكر والتعبير وتوطينه في القوانين وبذا نساوي بين كل المواطنين سواء كانوا مؤمنين أو غير مؤمنين. إلا أن الدسوقي فعل أمرا فريدا لم يُسبق إليه حسب علمنا وهو أنه ذهب لمحكمة ليعلن أنه لاديني وليطالب المحكمة بالاعتراف بهذه الوضعية الجديدة. وربما يقفز لبالنا حدث آخر شبيه وقع في الخمسينيات وهو إعلان الراحل مصطفي حامد الأمين خروجه من الإسلام واعتناقه للبوذية. إلا أن ثمة فرق حاسم بين ما فعله مصطفي حامد الأمين وما فعله الدسوقي، إذ أن الأول خرج من دين ليدخل دينا آخر (وإن كان علماء الأديان يختلفون حول طبيعة البوذية، إذ يعتبرها البعض فلسفة وليست دينا منظّما)، بينما أن موقف الدسوقي أكثر جذرية لأنه خرج من النظام الديني برمته وأصبح لادينيا.
لا شكّ أن خروج مصطفي حامد الأمين من الإسلام كان صادما بشكل خاص لأسرته ذات المكانة الدينية، إلا أنه لم يتعدّ في سودان الخمسينيات تلك الحدود ولم يهزّ المؤسسة الدينية أو يشكِّل تحديا للقوانين السائدة. بيد أن الوضع يختلف اختلافا كليا في سودان اليوم، إذ أن سودان اليوم يعيش أسير نظام يجمع أسوأ استبدادين: الاستبداد العسكري واستبداد الدولة الدينية. ولأن انقلاب يونيو 1989 هو انقلاب الحركة الإسلامية المنوط به تحقيق برنامجها وإعادة صياغة المجتمع وفق "مشروعها الحضاري" و"منهجها الربّاني" فإن ما يميزه عن الانقلابين اللذين سبقاه هو وجه الاستبداد الديني. والسودانيون قد قاوموا انقلاب الإسلاميين منذ يومه الأول وما زالوا يقاومونه: قاوموه بكل مظاهر الاحتجاج السلمي وقاومه بعضهم بحمل السلاح في مواجهة عنفه ودمويته. إلا أن الملاحظ أن هذه المقاومة ظلت ذات طابع سياسي بالدرجة الأولى. صحيح أن الكثيرين رأوا بأم أعينهم خواء الحلّ الإسلامي وبؤسه وفقد الكثيرون إيمانهم بالإسلام إلا أن وعيهم هذا لم ينشىء خطابا جديدا مستقلا ونشطا في مواجهة الإسلام في المجال العام واكتفت حركة المعارضة بالتعبير عن نفسها بلغة الخطاب التقليدي للمعارضة السياسية. وهذا الخطاب التقليدي للمعارضة تجنّب بشكل عام التصدي للوجه الديني للنظام كما تتمثّل في المادة 126 (مادة الرّدّة) وعقوبات الشريعة (وإن كنا نستثني في حالة الدسوقي التصريح الشجاع لحزب المؤتمر السوداني الذي تضامن معه في الحال ودعا لإلغاء مادة الرِّدّة ونتمنى أن يتبع ذلك مواقف شبيهة من باقي القوى السياسية المعارضة، كما نستثني مقاومة الناشطات النسويات المستمرة في مبادرة مقاومة العنف ضد المرأة، ونشيد بشكل خاص بموقف التحدّي المتميّز للبنى حسين الذي أجبر النظام على التراجع). ومن الطبيعي أن تتجنّب أكبر قوة حزبية مؤثّرة في المعارضة السياسية وهي حزب الأمة الدخول في تحدٍ مع البرنامج الديني للنظام لأن حزب الأمة حزب طائفي منحاز للشريعة. وما نلاحظه أنه ورغم أن الحزب الشيوعي (القوة الأساسية في اليسار) غير منحاز للشريعة إلا أنه دفع ثمن هامش الحرية المسموح له بالتحرّك فيه وقرّر مهادنتها، علاوة على تراجعه على مستوى الخطاب باستبعاد تعبير "علمانية" واستبداله استبدالا غير علمي بتعبير "مدنية". وفي هذا الجو المهادن تعزّزت نزعة ضارة ومنافقة فكريا بذر بذرتها عبد الخالق محجوب بكتابه أفكار حول فلسفة الإخوان المسلمين (وهو كتاب لا يشبه باقي كتاباته التي تتميّز بمحاولاتها الجادة لتحليل الواقع السوداني وتوطين أفكار الاشتراكية فيه) ودخل البعض حلبة المزايدة الفكرية بطرح قراءات "إصلاحية" للإسلام تدّعي نزع "تشويه" الإسلاميين عنه.
وهكذا وبينما فشل النظام في قهر المعارضة السياسية إلا أنه نجح في مجال القهر الديني واستطاع أن يفرض خطابه وعلاماته الإسلامية على كل مناحي الحياة (وأبرز هذه العلامات فرض الحجاب على النساء، وحتى على نسبة كبيرة من السودانيات اللائي يعشن خارج السودان، علاوة على الفصل الاجتماعي للجنسين الذي أصبح سمة من سمات مجتمعات السودانيين في الداخل والخارج). وكانت البطاقة الشخصية باشتمالها على دين حاملها من العلامات البارزة التي أُقْحِمت عن قصد لفرض حضور الهُوية الإسلامية في كل المعاملات الرسمية.
وفي وجه هذا القهر الديني الشامل بكل صلفه واستعداد المادة 126 المعلن لقطع الرقاب تقدّم الدسوقي شامخ الرأس لمحكمة أم درمان جنوب ليعلن لها خروجه من الإسلام ويطالبها بإثبات هويته الجديدة كلاديني في بطاقته الشخصية. وَضَعَ الدسوقي المحكمة ونظامها أمام مطلب حرية فكرية ملحّة وضاغطة تريد أن تتجسّد فعلا حرّا يتحرّك في واقع الناس، وهو مطلب ظلّ الإسلام يرفضه ويواجهه بالعنف عبر كل تاريخه الذي تلا لحظة تأسيس محمد لدولته وإعلانه للجهاد. ولقد ظلّ الكابوس الذي يلاحق الدولة الإسلامية طيلة تاريخها ويهدد بكشف خوائها هو تلك اللحظة التي يواجهها فيه فرد مواجهة علنية بخروجه من الإسلام. ولقد اعتمدت الدولة الإسلامية ومنذ فترة محمد على تواطؤ بينها وبين غير المؤمنين وهو ألا تمسهم بأذاها طالما ارتضوا أن يكونوا منافقين يتظاهرون بالإسلام ويستبطنون لاإيمانهم --- وهكذا كان النفاق وظلّ وضعا متلاءما مع مصالح الدولة الإسلامية إذ ساهم في حفظ تماسكها واستمرارها. ولا نشكّ أن سدنة المشروع الإسلامي في السودان ومنذ لحظة انقلابهم ظلوا يرتجفون هلعا من كابوس احتمال تلك اللحظة التي ينقلب فيها مواطن سوداني على التواطؤ النفاقي ويكسر حاجز الصمت والخوف من الإسلام فيتكشّف بؤس المشروع وتتكشّف هشاشته الفكرية.
إن اللحظة التي قدّم فيها هذا الشاب المغمور رسالته القصيرة التي تقع في سبعة عشر سطرا وتتألف من أربع وثمانين كلمة والمكتوبة بخطّ اليد استغرقت في الغالب دقائق، إلا أنها دقائق تمثّل لحظة فارقة تحمل في أحشائها أكبر المعاني للذين يحلمون بحرية الفكر والتعبير في بلادنا، بل وفي كافة أرجاء العالم الإسلامي وخاصة أقطاره التي تحكمها قبضة الشريعة. في تلك الدقائق المثقلة بالمعنى الكبير لتلك الحرية التي تنبع منها باقي الحريات حمل هذا الشاب المغمور على كتفه الهمّ الكبير للوطن وقضيته الكبرى وارتفع لمستوى فِعْل لم يُسْبق إليه: فِعْل الخروج المعلن من الإسلام أمام محكمة تجسّد بطش نظام إسلامي هو من أكثر الأنظمة قهرا وعَسْفا وعُتُوا وانتهاكا للحقوق في عالم اليوم. هذا الفعل المذهل الشجاع هو فعل شخص قرّر أن يثور على واقع النفاق والصمت والخوف من الإسلام وقرّر أن يكسب نفسه حتى لو خسر العالم كله لأن واجبه الأخلاقي يفرض عليه أن يكون صادقا كل الصدق مع نفسه ولأن توقه لحريته يعني ضرورة أن يعيش حياته وهو متّحد الظاهر والباطن.
عندما دخل الدسوقي محكمة أم درمان جنوب كان مغمورا ويقتات تاريخا صنعه الآخرون مثله في ذلك مثل الغالبية الساحقه من المواطنين العاديين. ولكنه وفي تلك اللحظة التي قدّم فيها عريضته خرج من مجال المواطن العادي المنفعل بالتاريخ ليدخل مجال المواطن الذي يريد أن يساهم في صناعة الفعل التاريخي، فعل التغيير من أجل عالم أكثر حرية وأفضل. وبرسالته الخطية القصيرة التي أعلنت أن لحظته كلاديني قد أزِفت وضع الدسوقي بصمة لن تنمحي في سجل كفاحنا من أجل حرية الفكر والتعبير. والدسوقي منذ هذه اللحظة الفارقة التي صنعها بموقفه لم يعد مغمورا وإنما أصبح عَلَما فارقا ووجها ناصعا لغد ناصع يجسّده جيله وهو يحمل آمال الوطن وأشواقه لغد محرّر من كل أشكال القهر.
محمد محمود أستاذ سابق بكلية الآداب بجامعة الخرطوم وحاليا مدير مركز الدراسات النقدية للأديان
kassalawi99@hotmail.com

39
كاظم حبيب
قرية "جه له مورد" تحتفي بالذكرى التاسعة والعشرين للمؤنفلين منها
أخبرني صديق عزيز عن وجود احتفالية تأبينية بالذكرى التاسعة والعشرين الحزينة لمؤنفلي قرية "جلمود" التابعة لقضاء كويسنجق التابع لمحافظة أربيل بإقليم كردستان العراق، واستفسر من الصديق نهاد القاضي، الأمين العام لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق، ومني إن كان يهمنا حضور هذا الاحتفال. وافقنا مباشرة ودون تردد على المشاركة.
على الساعة السابعة إلا ربعاً من صباح يوم الأربعاء 10/05/2017 وصل الصديق على محمود، الملقب بـ "على سياسي" بسيارة بيكاب إلى باب الفندق حيث نقيم برفقة رفيقه صاحب السيارة كاك فاتح لنرافقهما إلى مكان الاحتفالية. انطلقت السيارة باتجاه كويسنجق، وقبل وصولنا مركز القضاء انحرف بنا فاتح صوب طريق ترابي متعرج تاركاً الطريق العام المبلط قاطعاً التلال والسهول والجبال الواطئة بسرعة كبيرة مزعزعاً عظامنا والأضلاع المتزعزعة أصلاً ولم يرحم أنين عظامنا. بعد ساعتين ونصف الساعة وصلنا إلى سفح جبل مشرف على القرية المنكوبة حيث أقيم على قمتها مسرح صغير على عجل ليكون منصة للخطابة بذكرى هذه الفاجعة الأليمة. وفي طريقنا إلى القرية التقينا بعدد كبير من العائلات والأفراد المتوجهين بسياراتهم صوب موقع الاحتفال التأبيني مرتديين ملابسهم الكردية المعبرة عن حزنهم الشديد وبعيداً عن تلك الملابس الزاهية التي عرفت بها النساء الكرديات الشجاعات، إذ فقدت هذه العائلات أعزاء لها في تلك الكارثة اللعينة، في عمليات الأنفال الجهنمية التي نفذها الدكتاتور صدام حسين ونظامه الدموي على مدى تسعة شهور ابتداءً من شباط/فبراير حتى أيلول/سبتمبر 1988. ولم يكن ما حصل فاجعة اعتيادية، كما ينفذها الكثير من المستبدين في بلدان أخرى، بل كان إبادة جماعية وضد الإنسانية بكل ما تعنيه هذه المجازر وما يتضمنه الجينوسايد من مضامين.
حين وصلنا كان سفح الجبل الصغير مكتظ بالنساء والرجال والصبية المرافقين بل وبعض الأطفال حيث حملتهم أمهاتهن لموقع الاحتفال. كان الحشد كبيراً حيث عرضت صور من تبقى ممن فقدوا القسم الأكبر من عائلاتهم، وهم نساء ورجال كبار السن ومقعدين، وكان قد أبعدوا إلى نقرة السلمان، ثم عاد البعض منهم ولم يقتل أو يموت هناك. كيف ارتكبت هذه الجريمة البشعة حيث راح ضحيتها 480 شخصاً من أهالي قرية جلمورد فقط؟ لقد سطرت أسماؤهم، مع عدد كبير آخر بلغ مجموعهم 1629 اسماً، وكلهم من أبناء منطقة ومن عشيرة شيخ بزيني، على لافتات علقت على جانبي المسرح. 
وقعت هذه الجريمة ضمن المرحلة الرابعة من عمليات الإبادة الجماعية، التي أطلق عليها الدكتاتور صدام حسين بعمليات الأنفال، التي بدأت في الشهر الخامس من العام 1988. فقد وصل خبر لأهل قرية (جلمورد) إن الأفواج الخفيفة التابعة للجيش العراقي قادمة باتجاه قريتهم والقرى المجاورة. فقرر أهل هذه القرية ترك قريتهم والاختفاء في سهل بعيد نسبياً يصعب الوصول إليه. إلا إن واحداً من جحوش المنطقة كان قد توجه لزيارة أقارب له بين المختفين من أهل القرية، وكان مُراقباً ومُلاحقاً من جهاز استخبارات النظام المرافق للأفواج الخفيفة. هذا ما نقله لي أحد المشاركين في هذه الاحتفالية من الذين كرموا لنشاطهم في الدفاع عن ضحايا الأنفال. فتمكن جهاز الاستخبارات من تحديد المكان الذي التجأت إليه العائلات الهاربة من بطش القوات العسكرية العراقية. فتم تطويق المكان من قبل عساكر النظام الدكتاتوري وجلاوزته، حيث سلبوا وضربوا أولاً، ثم وضعوا في تراكتورات قادتهم إلى مكان مجهول وانتهى كل أثر للأطفال، بمن فيهم الرضّع، والنساء والرجال، بمن فيهم كبتر السن والمرضى، منذ تلك اللحظة من يوم 10/05/1988 حتى يومنا هذا، كما لم يعثر على قبور جماعية لهم حتى الآن، علماً بأن التحريات عن القبور الجماعية قد عثرت على مئات القبور الجماعية بعد الخلاص من النظام الدكتاتوري بإقليم كردستان في النصف الثاني من عام 1991 ومن ثم بعد إسقاط النظام العنصري الدكتاتوري كلية في العام 2003.
لقد اكتسحت قوات النظام الدكتاتوري المطلق، المدججة بالسلاح وملغمة بالكراهية والحقد، التي بثها في صفوف قواته ضد الشعب الكردي، 14 قرية من قرى هذه المنطقة حيث نقل من كان فيها في تلك الفترة إلى منطقة أخرى لينتهوا إلى غير رجعة، حيث لا يعرف مصيرهم حتى الآن. وقد نشرت أسماء هذه القرى وسكانها المؤنفلين على النحو التالي: 
القرية      عدد المؤنفلين         القرية        عدد المؤنفلين
جلمود      480             قسروك         208
گرد خبر    198            سرچنار      127
توتقل      127             كاني هنجير      100
شيخان    95            گلناغاجي گورة   90       
جوغليجة   90              أسكة ندربكي      36
قميشة      34             گلناغاجي چووك   26
قودرته      13            ماملسي      5
المجموع الكلي 1629 شخصاً مؤنفلاً.
وفي ذات الفترة، وفي قرى مجاورة هي كوب تبه وعسكر أعطى المجرم على حسن المجيد الملق بــ "علي كييماوي" أوامره بضرب القريتين بالكيمياوي فأدى إلى قتل عدد تراوح بين 150-170 شخصاً من سكان القريتين، ثم حضرت الأفواج الخفيفة لتؤنفل الجرحى من سكان القريتين عن بكرة أبيهم. كان ذلك يوم 03/05/1988. إنه ليوم وأيام وأشهر عار في جبين النظام الدموي وفي جبين القوات والقيادات التي نفذت تلك العمليات الجبانة والهمجية.
في هذه الاحتفالية رفع علم كردستان على سارية مرتفعة، كما علقت على جوانب المسرح شعارات منددة بعمليات الأنفال وممجدة بضحايا الأنفال وشعارات عن مضمون الإبادة الجماعية، باعتبارها جرائم إبادة جماعية لا تعرف التقادم في محاسبة المسؤولين عن التخطيط لها وتنفيذها. وتشير أغلب المصادر إلى أن ضحايا الانفال بلغ عددهم 182 ألف مؤنفل. ولكن الأسماء التي حصل عليها حيث تدفع حكومة الإقليم رواتب لعوائل الضحايا 63 ألف عائلة، كما وزعت عليهم قطع أرض لأغراض بناء دار عليها للسكن.
في وقف الحضور دقيقة حداد على أرواح المؤنفلين وقرأوا النشيد الوطني الكردستاني، أي رقيب، ألقي بعدها عدد من الأشخاص المسؤولين في الاحتفال كلمات بالمناسبة، كما قدمت المقاطع الحزينة، وألقيت بعض القصائد الشعرية المعبرة عن المأساة والكوارث التي لحقت بالشعب الكردي في عمليات الأنفال المرعبة.
طالب المشاركون في هذا الاحتفال والخطباء بمحاكمة من خطط ونفذ هذه العمليات الإجرامية ضد المضمون العنصري والفاشي المشين، ومحاكمة قاد تشكيلات الجحوش التي ساندت النظام في جرائمه ضد الشعب الكردي وفي عمليات الأنفال والتي أطلق عليهم النظام بـ"الفرسان!".
لقد كان لي شرف المشاركة في المؤتمر الأكاديمي لعمليات الأنفال الذي عقد في أربيل عام 2002، وفي حينها زرت العديد من العائلات المهجرة والتقيت ببعض الهاربين من جحيم الأنفال وزرنا حلبچة التي ضربت بالكيمياوي وحصدت الضربة خمسة آلاف شهيد ومثله من الجرحى والمعوقين. لهذا كان ضرورياً ومفيداً أن التقي ثانية بعائلات ضحايا الأنفال الذين نكبوا بأقاربهم الأعزاء.   
لقد كانت تجربة غنية لي وللصديق الأستاذ نهاد القاضي أن نحتك بعائلات المؤنفلين، وأن نعيش مشاعرهم والأجواء السائدة في صفوفهم رغم حرارة الشمس المحرقة التي أرهقت الكثيرين ممن هو بعمري وعلى مدى عدة ساعات متواصلة. لقد سيطرت علينا الكآبة والحزن الشديدين حين مررنا بعدد من القرى المؤنفلة، ولكن سعدنا أيضاً لعودة الحياة إليها. إن من واجبنا، بل من واجب البشرية جمعاء النضال الصارم والمتواصل لكي لا تتكرر مثل هذه الجرائم البشعة لا بالعراق أو كردستان أو نينوى فحسب، بل وفي كل أنحاء العالم ويسود السلام والوئام للبشرية جمعاء. لقد كنا نعتقد بأن ما حصل بكردستان لن يتكرر ثانية بالعراق، ولكن النظام السياسي الطائفي والحكام الطائفيين عملوا بكل السبل غير المشروعة والمخالفة للدستور وبسياساتهم الشوفينية والطائفية ودون هوادة قد وفّر مستلزمات ما حصل بالموصل ونينوى، وقبل ذاك في محافظات غرب العراق، الت سهلت مهمة اجتياح داعش للموصل فنينوى وممارسة الإبادة الجماعية بحق المسيحيين والإيزيديين والشبك والتركمان والكثير من أبناء وبنات السنة وتدمير الموصل والكثير من مناطق نينوى منذ حزيران/يونيو 2014 في فترة حكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي. 

40
كاظم حبيب
من يوجه أجهزة الأمن والمليشيات الشيعية المسلحة من أمام ستار؟
بعدد التجاوز غير القانوني والمدان على الحرم الجامعي، ثم الاعتداء المخالف للشرعية الدستورية على طلبة جامعة القادسية من ميليشيات طائفية وأمنية مسلحة واستخدامهم السلاح وجرح البعض منهم وضرب البعض الآخر، وبعد الاعتداء الإجرامي على  مقر محلية الحزب الشيوعي العراقي في مدينة الديوانية، وهو حزب مجاز رسمياً  ومسؤولية الدولة حماية مقراته وأعضاء الحزب، ورغم الاحتجاجات السياسية والشعبية ضد هذين الفعلين الخسيسين، جرى فجر يوم 08/05/2017  اختطاف ٧ من المواطنين الناشطين في الاحتجاجات المدنية وهم 1. عبد الله لطيف فرج عضو مكتب سكرتارية اتحاد الطلبة العام في جمهورية العراق، 2. سامر عامر موسى، 3. زيد يحيى، 4. حيدر ناشي حسن، 5. احمد نعيم رويعي، 6. علي حسين شناوة و٧. حمزة  من أماكن سكنهم في وسط بغداد.
إن هذا الفعل المشين والجبان، وهو عمل خارج إطار الشرعية الدستورية والقوانين المرعية وحقوق الإنسان، من جانب أجهزة أمنية وميليشيات شيعية متطرفة وخاضعة لإرادة غير مسؤولة وإرهابية، لإرادة تحكم العراق ليس من وراء ستار أو خشية من أحد، بل تمارس الحكم الفعلي على هذه الأجهزة وتوجهها كما تشاء لفرض إرادتها واستبدادها على المجتمع وضد القوى المدنية والعلمانية ،على وفق ما هدد به وما جاء في خطاب رئيس الوزراء السابق والمستبد بأمره بالعراق الذي ادعى زيفاً بحكم المدنيين والعلمانيين سبعين عاماً وأنه سلموا الحكم بيد الإرهابيين! وهي فرية ما بعدها فرية وقحة. وهذا السلوك المشين يأتي نتيجة منطقية لعدم تقديمه للمحاكمة للتهم الكثيرة الموجهة له من جانب هيئات وقوى وشخصيات حقوقية، كما ثبت ذلك من تقرير اللجنة البرلمانية الذي وضع في أدراج مجلس الوزراء والسلطة التنفيذية ليتراكم عليهما الغبار إلى حين.
إن على السلطات الثلاث أن تحتج على هذه العمليات غير الدستورية من خفافيش الليل، وهم يذكرون المجتمع بأفعال أجهزة أمن النظام الدكتاتوري السابق والدكتاتور صدام حسين، وأن تعمل على إطلاق سراح المختطفين والمعتقلين في السجون السرية لهذه المليشيات المسلحة والجبانة فوراً، وهي مسؤولة بشكل كامل عن صحة وأرواح النشطاء السبعة. إني إذ أدين هذا الفعل المناهض لحرية التعبير والتجمع والتظاهر وحقوق الإنسان، أطالب، ومعي الآلاف المؤلفة من المناضلين في سبيل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والسلم الاجتماعي، في سبيل دولة مدنية ديمقراطية اتحادية وعلمانية، إدانة هذا الفعل الجبان وإطلاق سراحهم فوراً والكف عن هذه الممارسات غير الخاضعة للدستور والقوانين العراقية.
 




41
كاظم حبيب
من هم مزورو الوقائع والتاريخ بالعراق؟
قبل أيام قليلة بدأ رئيس الوزراء السابق بشن حملة جديدة مشحونة بالكراهية والحقد والعدوانية التي لا تختلف قطعاً عن عداء السلفيين المتطرفين كافة لكل ما هو عقلاني ونبيل في عراقنا الحبيب، وفي الوقت ذاته ممجداً كل ما هو رث ومدمر لشعبنا العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والديمقراطية، لكل ما هو مدني وعلماني ينسجم مع ما توصل إليه العالم من حضارة إنسانية نبيلة وقيم ومعايير ديمقراطية متقدمة لممارسة الحكم بالعراق. لقد أدعى، وهو يدرك زيف ما يدعيه، بأن العلمانيين الذين حكموا العراق 70 عاماً سلَّموا البلاد إلى الإرهابيين!، فهل هناك من كذب أكثر من هذا الافتراء وزييف الوقائع والتاريخ؟ وهو كما يبدة يعتقد بأن الناس مغفلون إلى هذه الدرجة التي تمر عليه مثل هذه الفرية الوقحة! ولكنها في ذات الوقت فهي محاولة بغيضة وفاشلة لإبعاد التهمة الموجهة له أساساً. ولا يجسد هذا الهجوم سوى الضعف الشديد الذي يعاني منه رئيس الوزراء السابق والعزلة الخانقة التي يعيشها، إذ عاد ليغازل بعض القوى دون استعدادها للتحالف مع من تسبب في اجتياح الموصل ونينوى ومحافظات أخرى قبل ذاك. علينا هنا أن نتذكر ما قاله هتلر وردده وزير أعلامه هملر: "اكذبوا، ثم اكذبوا، ثم أكذبوا، لعل بعض افتراءاتكم تعلق بأذهان الناس"!
السؤال الذي يزداد طرحاً في الساحة السياسية العراقية والعربية هو: من أدخل الإرهاب إلى العراق، هل المدنيون والعلمانيون أم رئيس الوزراء الأسبق ومن ثم رئيس الوزراء السابق ومن معه من القوى الطائفية السياسية المقيتة؟  ألم يكن رئيس الوزراء السابق، ومن هم معه، من عمل على إقامة النظام السياسي الطائفي بالبلاد وميز بشراسة وإصرار بين القوميات وأتباع الديانات والمذاهب بالبلاد؟ ألم يكن هو ومن هم معه، من ألغى فعلياً هوية المواطنة العراقية من قاموس النظام السياسي الطائفي المحاصصي وفرض على المجتمع والدولة الهويات الفرعية وأساء إليها وحولها إلى هويات قاتلة لهويات فرعية أخرى، كما استجابت لذلك ومارست، بدفع منه ومن هم معه من الطائفيين شيعة وسنة، المليشيات الطائفية المسلحة، الشيعية منها والسنية، في القتل على أساس الهوية؟ ألم يكن هو، ومن هم معه ورئيس حزبه  السابق من أدخل الميلشيات الشيعية المسلحة والمنفلتة من عقالها إلى وزارة الداخلية والأمن الوطني تعيث التي ما زالت تعيث بالعراق قتلاً وفساداً؟ ألم يكن هو، ومن هم معه، من سمح، وبقرار من رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، الذي هو نفسه دون غيره، بالانسحاب أمام عصابات داعش الإجرامية، أي انسحاب 40 – 45 ألف جندي وضابط ورجل أمن أمام حوالي 1000 شخص من مجرمي داعش، وتسبب هذه الهزيمة المدمرة في تحقيق الاجتياح الكامل للموصل وسهل نينوى، وفي توفير مستلزمات تنفيذ أكبر عمليات إبادة جماعية ضد أبناء وبنات شعبنا من الإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان والكاكائيين وغيرهم في محافظة نينوى، عمليات قتل وسبي واغتصاب وبيع النساء في سوق النخاسة والتشريد والتهجير القسري والسلب والنهب للمواطنين والمواطنات؟ ألم يكن هو، ومن هم معه، يا من يحاول اليوم التهرب من مسؤوليته ورميها على عاتق من تعرض لإرهابه في العام 2011، وفيما بعد أيضاً، وكذلك الآن في الديوانية والقادسية؟ ألم يكن هو، ومن هم معه، من تسبب في سرقة ونهب أكثر من 250 مليار دولار أمريكي، حين كان رئيساً للوزراء بمشاريع وهمية؟ وفي عهده البغيض وسني حكمه العجاف تم صرف 40 مليار دولار لإقامة مشاريع للطاقة الكهربائية، ورغم ذلك ينقطع الكهرباء عن أهل العراق أكثر من 12 ساعة يوميا؟
إنه ما زال يسعى للعودة إلى رئاسة الوزراء وهو المسؤول، مع غيره من الطائفيين السياسيين بامتياز، عن كل ما حل بالعراق وعن مئات الألاف من القتلى والجرحى خلال السنوات المنصرمة ومنذ سقوط الدكتاتورية الغاشمة؟ وهل يعتقد إن ذاكرة الشعب بهذا القصر، وإذا كانت كذلك، فهي نتيجة لتجهيلهم الشعب وبث الخرافات والأساطير والأموال أيضاً لتزييف الوعي وتشويه القيم وغسل الذاكرة وشراء الإرادة.
إن من يقبل التعاون معه لا يمكن أن يكون إلا مماثلاً له في سوء النية والكراهية والحقد ضد الإنسان وحقوقه وحريته وحياته الديمقراطية والكريمة.
سيذهب كل المستبدين المناهضين للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة إلى مزبلة التاريخ ولن يبقى سوى الشعب وقواه التي تناضل من أجل هذه المبادئ النبيلة.

42
ملحق البيان الختامي الصادر عن المؤتمر الثاني لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق
انتهت جلسات اليوم الثاني للمؤتمر الثاني لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق بمدينة تلسقف في سهل نينوى بمحافظة نينوى بتاريخ 02/05/2017، بعد أن جرى انتخاب الأمانة العامة الجديدة وتسليم الأمانة العامة السابقة مهماتها للهيئة الجديدة. وقد شكر المؤتمر أمين عام وأعضاء الأمانة العامة السابقة على ما أنجزته من مهمات في ظروف غاية في الصعوبة والتعقيدات. وكانت الهيئة السابقة قد انُتخبت في المؤتمر الأول للهيئة في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2012 بمدينة السليمانية وبدعم من السيد رئيس الجمهورية مام جلال الطالباني، وهم السيدات والسادة نرمين عثمان، نهاد القاضي، د. تيسير الألوسي، راهبة الخميسي، د. عقيل الناصري، جورج منصور، د. صادق البلادي، كامل زومايا، د. كاترين ميخائيل، نور نجدت, ماجدة الجبوري، مازن لطيف وديندار شيخاني. كما أضيف إليها السيد علاء مهدي رئيس فرع الهيئة في أستراليا. وجرى انتخاب السيد نهاد القاضي أميناً عاماً للهيئة. وفي مجرى العمل قدم السيد جورج منصور استقالته من الأمانة العامة. وقد انتخب القاضي السيد زهير كاظم عبود عضواً في الأمانة العامة، ولكنه تفرغ للعمل عضواً في المجلس الاستشاري للهيئة. 
وفي المؤتمر الثاني للهيئة جرى انتخاب السيدات والسادة التالية أسماؤهم أعضاء في الأمانة العامة الجديدة:
نهاد القاضي، راهبة الخميس، د. كاترين ميخائيل، سوزان خديدة خلت، بشير شمعون دوراشعيا، عارف الماضي، فارس إلياس كتي، فوزي البريسم، عقيل كاظم التميمي، سليمان خدر سليمان، خيري فوزي إلياس, فاتن عبد الإله أحمد ومازن لطيف.
واجتمعت الأمانة العامة الجديدة وانتخبت السيد نهاد القاضي أميناً عامة للفترة القادمة بين مؤتمرين، كما جرى الاتفاق على استكمال توزيع العمل بين أعضاء الأمانة العامة وتشكيل اللجان الضرورية لإنجاز مهمات الهيئة على وفق توصيات المؤتمر الثاني.
الأمانة العامة لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق
أربيل في 03/05/2017   

43
البيان الختامي للمؤتمر الثاني لهيئة أتباع الديانات والمذاهب في العراق
على مدى يومي 1-2/5/2017 عقد في مدينة عنكاوة/إقليم كردستان العراق المؤتمر الثاني لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق حضره جمع كبير من الضيوف والمندوبين من مختلف أنحاء العراق، ولاسيما من بنات وأبناء الذين انتهكت حرمات مناطقهم من جانب قوى الظلام والاستبداد والقهر والسبي والاغتصاب والسلب والنهب والقتل، من إيزيديين ومسيحيين وشبك وكاكائيين وبهائيين وزرادشتيين وتركمان، على أيدي عصابات داعش الإرهابية، إذ امتلأت قاعة المحاضرات الكبيرة في الجامعة الكاثوليكية وقاعة مقهى السلام في مدينة تلسقف المدمرة في سهل نينوى في اليومين الأول والثاني على التوالي. كما شارك أعضاء من الأمانة العامة والهيئة العامة من بعض الدول الأوروبية.   
وبعد الوقوف دقيقة صمت حداداً على أرواح الشهداء من ضحايا قوى الطائفية المسلحة والتنظيمات الإرهابية من قوى القاعدة وداعش وغيرهما.
بعد ذلك قدم الزميل السيد كامل زومايا كلمة اللجنة التحضيرية للمؤتمر للمؤتمر الثاني، حيث عرض فيها عواقب السياسات الطائفية التي كانت وما تزال تمارس في العراق، والتي أدت إلى تغييب كامل لهوية المواطنة العراقية الموحدة والمتساوية، والتشبث غير العقلاني بالهويات الفرعية القاتلة باعتبارها الهوية الرئيسة لكل فئة وطائفة، والتي أدت إلى انتشار الإرهاب الدموي إلى مناطق كركوك وديالى، وإلى تنفيذ عمليات الإبادة الجماعية بحق الإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان في محافظة نينوى و قضاء سنجار. ودعا إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بدعم النازحين والتصدي لعمليات التغيير الديمغرافي ومساءلة المسؤولين عما حصل في العراق منذ سقوط الدكتاتورية حتى الآن.
ثم افُتتح المؤتمر بكلمة الامانة العام لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب قدمها الزميل السيد نهاد القاضي، الامين العام للهيئة ورئيس اللجنة التحضيرية، حيث رحب بالحضور الكريم والواسع والمتنوع للضيوف والمندوبين وتمنى للمؤتمر النجاح. ثم عرج بكلمته على المشكلات التي تواجه العراق في مجال انتهاك حقوق أتباع الديانات والمذاهب وما تعرضوا له من ابتزاز وتهديد وقتل وتشريد ونهب للدور ومحلات العمل وقتل على أيدي المليشيات الطائفية المسلحة قبل وبعد اجتياح الموصل، سواء أكان ذلك في وسط العراق، أم جنوبه، أم في محافظتي بغداد ونينوى، ومن ثم عبر الاجتياح لمحافظة نينوى على أيدي إرهابيي داعش ومن شارك معهم في عمليات الإبادة الجماعية. وطرح المطالب المهمة التي يسعى المجتمع العراقي إلى تحقيقها لإنقاذ العراق من براثن الطائفية السياسية والإرهاب والفساد والميليشيات الطافية المسلحة.
ثم القى الزميل القاضي السيد زهير كاظم عبود كلمة الهيئة الاستشارية لهيئة الدفاع حيث تطرق إلى العوامل التي تسببت في تشكيل هيئة الدفاع في العام 2004 والمهمات التي نهضت بها والتي يفترض أن تواصل النهوض بها بسبب طبيعة النهج والسياسات الطائفية التي التزمت بها الدولة العراقية بسلطاتها وتخليها عن مفهوم المواطنة وخوض الصراعات الطائفية المدمرة لوحدة الوطن والشعب. وبرزت عواقب جريمة الإبادة الجماعية، ولاسيما ضد الإيزيديين الذين تعرضوا للقتل والسبي والاغتصاب وبيع النساء في سوق النخاسة والتشريد والتهجير القسري، والذي لم يشهده العراق الحديث وبهذه الهمجية التكفيرية وباسم الإسلام، وكذلك ما تعرض له المسيحيون والشبك والتركمان من إبادة جماعية. وطالب بتغيير هذا الواقع المر والتخلي عن نهج الطائفية السياسي والتمييز الديني والمذهبي والفكري وضد المرأة، واستكمال تحرير الأرض والشعب وإعادة النازحين إلى مناطق سكناهم وإعادة إعمارها وتعويض المتضررين ومساءلة كل المسؤولين الذين تسببوا بما جرى ويجري بالعراق ولاسيما منذ اجتياح الموصل وسهل نينوى.
 ثم قدم الزميل السيد محسن شريدة، عضو مكتب السلم العالمي في جنيف، كلمته التي عرّف فيها طبيعة ومهمات مجلس العالمي وعلاقته بالدول والنامية وقضايا السلام والدفاع عن حقوق الإنسان والقوميات وأتباع الديانات والمذاهب وعلاقة المجلس الحميمة بقضايا العراق وبمنظمات المجتمع المدني المناضلة في سبيل حقوق الإنسان وأدان جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبت بالعراق.
بعد ذلك قدمت السيدتان البروفيسورة أليسا يودن فوركن، النائبة الأولى للرابطة الدولية لعلماء الجينوسايد، والدكتورة إيرينا فكتوريا، سكرتيرة الرابطة، تقريرين مهمين عن مفهوم وطبيعة وشرط اعتبار الجرائم المرتكبة في العالم ومنها العراق جرائم إبادة جماعية ونقلا تجارب الرابطة بهذا الصدد لما حصل في بلدان أخرى. ثم قدما العديد من التوصيات للعراق لكي يستطيع معالجة هذه المسألة لصالح المتضررين من الجينوسايد في الموصل وسهل نينوى.
بعد ذلك قدم الزميل أمين عام هيئة الدفاع عن أتباع الديانات المهندس الاستشاري نهاد القاضي تقريرا تفصيلياً وشاملاً عن أوضاع أتباع الديانات والمذاهب، ولاسيما أتباع الديانات التي تعتبر ضمن ما يطلق عليه بـ "الأقليات الدينية"، في مختلف المجالات والمستويات، والعواقب المرعبة التي لحقت بالإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان وسقوط آلاف الضحايا من النساء والأطفال الذين تم سبيهم واغتصابهم وبيعهم في سوق النخاسة "الإسلامي"، وما نشأ عن ذلك من نزوح لمئات الآلاف من سكان المناطق التي تعرضت للاجتياح في محافظة نينوى، إضافة إلى نزوح مئات ألوف أخرى من مناطق غرب العراق. كما حدد الأسباب الكامنة وراء هذه الهمجية في التعامل مع أتباع الديانات والمذاهب والتي لا تمت إلى القرن الحادي والعشرين وحضارة الإنسان الحديث، وتحت وطأة ذهنية التكفير والنهج عدواني والعنصرية المقيتة والتمييز بين "الأنا" و "الآخر"، وطالب بمعالجة جادة وسريعة لأوضاع العراق باتجاه إقامة الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية الحديثة التي تفصل بين الدين والدولة، وبين السلطات الثلاث واستقلال القضاء ومساءلة المسؤولين عما ارتكبوا من جرائم ضد الإنسان العراقي على مدى الفترة المنصرمة، واكد على المواد والقوانين الموجودة في الدستور العراقي التي تنص على حقوق الاقليات، ولكنها لم تطبق، وان طبق بعضها، لم يطبق بالصورة السليمة التي تضمن حقوق الاقليات، ووضع أمام المؤتمرين المواد الدستورية التي تتعارض مع حقوق أتباع الديانات والمذاهب وحرياتهم وطقوسهم الدينية وتمارس التمييز الصارخ بين حقوق الاغلبية والاقليات واكد على إشكاليات التغيير الديمغرافي الحاصلة في فترة حكم النظام السابق والنظام الحالي. كما تطرق الى صمت المرجعيات الدينية عما حصل ويحصل لأتباع الديانات والمذاهب في العراق.
تم بعد ذلك اختيار رئاسة المؤتمر من الزميل الدكتور كاظم حبيب رئيسا وعضوية الزميلة االسيدة راهبة الخميسي والسيد حسام عبدالله
وبعد الانتهاء من إلقاء التقرير دعا الأمين العام للهيئة السيدة ميسون الدملوجي والسيد جوزيف صليوا، وهما عضوان في مجلس النواب العراقي، وكذلك السادة مريوان نقشبندي وخيري بوزاني من مديرية الأوقاف العامة بالإقليم، ونائب رئيس مجلس محافظة كركوك ادورد البير، لمناقشة التقرير والإجابة عن أسئلة الحضور. وتميزت الندوة بالجرأة والصراحة والحيوية في طرح الأسئلة وفي الإجابة عنها. بعدها رفعت الجلسة الأولى لليوم الأول.
وفي الجلسة الثانية قدم البروفيسور الدكتور قاسم حسين صالح مشكوراً محاضرة مهمة بعنوان "التطرف الديني وصناعة الموت"، مؤشراً العوامل الكامنة وراء حصول التطرف في السلوك اليومي لدى أتباع كل الأديان والمذاهب وفي فترات مختلفة، وعواقب ذلك على المجتمعات وسبل مواجهتها. ثم طرح الحضور الكثير من الأسئلة لأغراض المناقشة.   
وفي نهاية الجلسة كرّمت الأمانة العامة مجموعة من نشطاء الدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق اتباع الديانات والمذاهب في العراق من الداخل والخارج.
وفي اليوم الثاني من المؤتمر غادر المندوبون مدينتي أربيل وعنكاوة باتجاه سهل نينوى في محافظة نينوى لعقد جلسات المؤتمر الثاني في مدينة تلسقف المحررة. وبعد زيارة مدينة باتنايا المهدمة بنسبة تزيد على 80% منها ورؤية ما فعله المجرمون الأوباش في بيوت وكنيسة المدينة الرئيسية من تخريب وإساءات وكتابات تعبر عن نهجهم العدواني والعنصري، عاد المندوبون إلى تلسقف وعقدوا جلستهم الأولى حيث قدمت الزميلة الدكتورة كاترين ميخائيل تقريرها عن مستقبل الأقليات في العراق، إذ أشارت في خلاصتها إلى الكوارث التي ارتبطت بالإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون، بشكل خاص، والمسيحيون والشبك والتركمان والكاكائيين وغيرهم من أتباع الديانات وطالبت بذات المطالب التي عرضها المشاركون في المؤتمر، وأكدت ضرورة الاستماع لمطالب النازحين وأتباع الديانات بما يحمي كياناتهم ومناطقهم في العراق ويصون حقوقهم القومية والدينية والثقافية والإدارية.
ثم عقدت الجلسة الثانية حيث تم طرح التوصيات التي يرى المؤتمرون تدوينها وإيصالها إلى الجهات المعنية بها وملاحقة تنفيذها لصالح الضحايا وأهلهم والنازحين والمهجرين، ولصالح حماية حقوق جميع مواطني ومواطنات العراق، ولاسيما أتباع الديانات الذين تعرضوا للإرهاب والاجتياح والسبي والاغتصاب والناجيات منهن بشكل خاص. ثم كلف المؤتمر الثاني الأمانة العامة بتحرير تلك التوصيات ونشرها على أوسع نطاق ممكن وإيصالها لكل الجهات المسؤولة عن تنفيذها. 
قدم رئيس المؤتمر باسم المؤتمرين التحية والشكر لأعضاء الأمانة العامة السابقة على نشاطها المتسم بالمسؤولية والحرص، واسيما للذين ساهموا في ذلك النشاط وخاصة الأخ كامل زومايا والأخ حسو هورمي والأخت السيدة راهبة الخميسي. ثم قدم الشكر الجزيل لإدارة الجامعة الكاثوليكية بعنكاوا على توفيرها قاعة المحاضرات لعقد جلسات اليوم الأول، وتم شكر للذين وفروا لنا قاعة لجلسات اليوم الثاني في تلسقف وللقوات المسلحة التي رافقتنا في زيارتنا لمدينة باتنايا، وكذلك قوات حماية تلسقف. ثم قدم الشكر الجزيل لكل الذين قدموا تبرعات غير مشروطة لصالح عقد المؤتمر وإنجاحه.
بعدها عقدت الامانة العامة الجديدة المنتخبة اجتماعيا لانتخاب الامين العام الجديد وتوزيع المسؤوليات، وانتهى المؤتمر بشكر الامين العام لجميع من شارك في المؤتمر وعمل على إنجاحه.
الامانة العامة لهيئة الدفاع عن اتباع الديانات والمذاهب في العراق
03-05-2017
ملاحظة: سترسل التوصيات وسبل متابعتها لاحقاً.

44


كاظم حبيب
هل من طريق لتحقيق التفاعل والتعاون والتنسيق بين قوى اليسار بالعراق؟
منذ الانهيار الذي حصل في منظومة الدول الاشتراكية، وفي المقدمة منها الاتحاد السوفييتي، بل حتى قبل ذاك، بدأ التفكير الموضوعي والعقلاني بأن اليسار ليس حزباً واحداً أو كتلة واحدة، بل يمكن أن ينشأ العديد من الأحزاب في البلد الواحد باسم اليسار، أو باسم الاشتراكية، أو الشيوعية، إذ لم يعد حزباً واحداً يمتلك أي حق في احتكار اليسار أو الماركسية. ولم يعد هناك من له الحق باتهام قوى يسارية أخرى بالانحراف عن الخط الماركسي، إذ لا يمكن لحزب أو كتلة أن تحتكر الحق المطلق بتفسير الماركسية على وفق المرحلة التي يمر بها هذا البلد أو ذاك، فالماركسية ليست عقيدة جامدة، بل هي نظرية هادية ومتحركة بالارتباط مع التغيرات الجارية في الزمان والمكان وبالوعي السليم لحركة وفعل القوانين الاقتصادية الموضوعية وقوانين التطور الاجتماعي. ومن هنا يمكن أن تختلف قوى يسارية في ما بينها في تحليل الأوضاع السياسية، وبالتالي يمكن أن ترفع الشعارات التي ترى ضرورة رفعها في هذه المرحلة أو تلك. وهنا يمكن أن يبرز التباين في وجهات النظر وفي مضمون أو صيغة الشعارات التي ترفع. إنه أمر ممكن، ولا يمكن الحؤول دونه، إذ أن مستوى الأفراد ومستوى الأحزاب متباين من حيث الفكر والوعي بالواقع وكذلك التباين في الممارسة أو التجارب التي مرّ بها هذا الفرد او الحزب..
والوجود المتعدد لقوى وأحزاب اليسار، سواء بأسماء اليسار، أم الاشتراكية، أم الشيوعية، يفترض ألا يقود إلى صراع في ما بينها، بل إلى حوارات مركزة ونقاشات موضوعية وهادئة وبعيداً عن الاتهامات والإساءات بهدف الوصول إلى رؤية مشتركة، أو متقاربة، أو حتى في حالة الاختلاف، يفترض ممارسة الاحترام المتبادل باعتبارها قوى سياسية معارضة لما يجري بالبلاد وتطمح لتغيير الأوضاع لصالح المجتمع، لصالح المجتمع المدني الديمقراطي والدولة المدنية الديمقراطية. ويفترض أن يجري التحري عن نقاط الالتقاء لتأمين التعاون والتنسيق والتضامن بشأنها بين هذه القوى اليسارية، والسعي لمعالجة نقاط الاختلاف بكل هدوء وروية.
توجد الآن بالعراق، إلى جانب الحزب الشيوعي العراقي، الذي بلغ عمره الآن 83 عاماً ولم يترك الساحة السياسية العراقية والعمل السياسي لحظة واحدة في كل تاريخه العتيد، ستة أحزاب وكتل تعلن عن كونها تنظيمات يسارية وشيوعية، وهي، على حسب علمي، على النحو الآتي:       
1)   الحزب الشيوعي العمالي العراقي؛ 2) اتحاد الشيوعيين في العراق - لجنة بغداد؛ 3) الحزب الشيوعي العمالي اليساري العراقي؛ 4) حزب اليسار الشيوعي العراقي؛ 5) التيار اليساري الوطني العراقي. وهناك بالإقليم 6) الحزب الشيوعي الكردستاني، و(7) الحزب الشيوعي العمالي الكردستاني
بعض أعضاء هذه الأحزاب والمنظمات كان عضواً في الحزب الشيوعي العراقي أو مؤيداً له، واختلف البعض منهم وشكل تنظيمات يسارية جيدة. وفي مثل هذه الحالة يفترض أن تنشأ علاقة ودية في ما بين هذه التنظيمات بغض النظر عن مدى قربها أو بعدها من حيث الأهداف والشعارات أو أسلوب العمل، وأن تحصل لقاءات وحوارات ونقاشات سياسية حول المسائل المختلف عليها، وربما يجد البعض أو كل هذه التنظيمات طريقاً مشتركاً للتعاون والتنسيق والتضامن، وربما تحقيق الوحدة بينها. إن الاختلاف في الرأي وفي التنظيمات القائمة يفترض أن لا يضيع في الود قضية، بل يفترض أن يحصل العكس، أي تنشأ علاقات جيدة وأفضل من العلاقة مع أحزاب ليبرالية أو إسلامية سياسية يمينية في كل الأحوال أو قومية يمينية أو حتى شوفينية، مع احتمال بوجود تطرف لدى هذا الحزب او ذاك من أزاب اليسار على وفق تقدير كل طرف، سواء شخص على إنه نحو اليمين أو نحو اليسار.
وفي الملمات تظهر إمكانيات اللقاء، وخاصة حين تهدد قوى إسلامية سياسية متطرفة وميليشياتها المسلحة أحد أطراف الحركة الوطنية العراقية أو أحد الأحزاب اليسارية كجزء أصيل من الحركة الوطنية العراقية. وفي الآونة الأخيرة تعرض مقر الحزب الشيوعي العراقي بمدينة الديوانية إلى الاعتداء الغاشم من عناصر تابعة لمليشيات إسلامية سياسية متطرفة، أدى إلى تحطيم الأثاث وإلحاق بعض الأضرار بالمبنى ولكن دون ضحايا بشرية. وكان قبل ذاك قد جرى اعتداء مسلح من ميليشيات طائفية مسلحة وإرهابية على جامعة القادسية، مما دفع إدارة الجامعة لا إلى تقديم دعوى ضد المعتدين، بل طرد أربعة طلاب من الدراسة الجامعة لمدة عام واحد وفق القرار الإداري رقم 382 لسنة 2017 على وفق المادة 5 الفقرة العاشرة من تعليمات وزارة التعليم العالي رقم 160 لسنة 2007، في حين كان الواجب يقضي بالالتزام بالمادة الأولى وعلى وفق الفقرات 11، 12، و13 من تلك التعليمات التي ترفض " الدعوة لتنظيمات تعمق الفرقة او ممارسة أي صنف من صنوف الاضطهاد السياسي ) و( تجنب الدعاية لأي حزب او تنظيم سياسي) و( عدم دعوة شخصيات حزبية لإلقاء محاضرات أو إقامة ندوات حزبية او دينية داخل الحرم الجامعي". وقد أرسلت ونشرت الأحزاب والقوى اليسارية المذكورة في أعلاه رسائل إدانة واحتجاج ضد رمي المتفجرات على مقر الحزب بالديوانية وتضامن رفاقي مع الحزب الشيوعي العراقي، كما أرسلت قوى أخرى عديدة رسائل تأييد أو اتصالات هاتفية لذات الغرض. وكان موقف قيادة الحزب الشيوعي العراقي سليماً وناضجاً حين قامت، ولأول مرة، بنشر مقاطع ضافية من تلك الرسائل في جريدة الحزب المركزية وكذلك في الموقع الرئيسي للحزب الشيوعي العراقي. وإذا كانت بادرة الأحزاب والقوى اليسارية جيدة، فأن رد الفعل من الحزب الشيوعي كان هو الآخر جيداً وواعياً لطبيعة المرحلة ومهمات اليسار العراقي، ويأمل المتتبع أن يكون هذا الموقف بادرة جيدة لبدء حوارات ونقاشات بين جميع القوى اليسارية العراقية، ويمكن أن يمسك الحزب الشيوعي العراقي زمام المبادرة، باعتباره أكبر وأعرق هذه القوى في العمل السياسي بالعراق.
وقد نشر الكاتب اليساري رزكار عقراوي مقالاً مهماً يحث فيه قوى اليسار العراقي إلى الحوار، كما طرح مشروعاً مهماً لهذا الغرض. يأمل الكثير من اليساريين العراقيين أن تؤخذ مبادرة رزكار عقراوي على محمل الجد خلال الفترة القادمة. [ http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=556338]
وكما إن من واجب الحزب الشيوعي العراقي القيام بمباحثات مع قوى سياسية عراقية أخرى، كما هو جار الآن عملياً، مع قوى سياسية أخرى بهدف الوصول إلى تحالفات وطنية قادرة على مواجهة الواقع الراهن وتغيير ميزان القوى لصالح الوطن والشعب ومبدأ المواطنة. ولا شك في أن الغرض من وراء هذه اللقاءات والحوارات والنقاشات يفترض أن يتجه صوب تأمين التعاون والتنسيق والتضامن النضالي مع كل القوى السليمة الت ترفض واقع الحكم السياسي الطائفي الذي يعتمد المحاصصة الطائفية المذلة لهوية المواطنة والمفرقة للصفوف بالعراق، والتي تعمل للخلاص من العواقب الوخيمة التي تحملها الشعب العراقي بكل قومياته واتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفلسفية من جراء وجود مثل هذا النظام الثيوقراطي المشوه. وأن يكون النضال من أجل إقامة دولة مدنية ديمقراطية اتحادية تحقق الفصل بين الدين عن الدولة مع الاحترام التام لوجود وحرية كل الديانات والمذاهب، وتفصل بين السلطات وتحترم استقلال القضاء، وتحارب الإرهاب والفساد وتحرِّم وتتصدى لنهج وسياسات التمييز بين المواطنين والمواطنات على أساس قومي أو ديني أو مذهبي أو من حيث الجنس، وتناضل من أجل بناء اقتصاد وطني وتنمية مستدامة تعمل للخلاص من واقع الاقتصاد الريعي والاستهلاكي والفقر والبطالة السائدتين وتأمن الأمن الغذائي والاقتصادي والعدالة الاجتماعية بالعراق.
 








45
د. كاظم حبيب
واقع وعواقب السياسات الطائفية والشوفينية على هجرة مسيحيي العراق
"بمناسبة انعقاد المؤتمر الثاني للمنتدى العراقي لحقوق الإنسان والمؤتمر الثاني لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق في أربيل في الفترة 29-30/4/2017 و1-2/5/2017 على التوالي أنشر هذا المقال للتضامن مع أتباع المكونات الدينية والمذهبية الصغيرة بالعراق التي عانت وما تزال تعاني الأمرين على ايدي القوى الطائفية والقوى الإرهابية العراقية والإقليمية والدولية، وعلى ايدي المليشيات الطائفية المسلحة." كاظم حبيب 26/4/2017
بدأت هجرة العراقيات والعراقيين المسيحيين منذ العهد الملكي وارتبطت بالموقف من الآشوريين في الأحداث المفجعة لمجزرتي سميل وديرابون 1933، وبعد معاناتهم المريرة قبل ذاك حيث تعرضوا للاضطهاد والقتل والتشريد في الدولة العثمانية في فترة الحرب العالمية الأولى، أولاً، وهجرة مجموعة غير قليلة من الأرمن الذين استطاعوا النجاة من الإبادة الجماعية التي نفذتها الدولة العثمانية في أعوام 1915م1916 بحقهم ووصول مجاميع منهم إلى العراق، بسبب ظروف العيش الصعبة حينذاك، رغم ما حصلوا عليه من دعم من أقرانهم الأرمن الذين كانوا قبل ذاك بالعراق ثانياً. ولم يحصل للمسيحيين في فترة الحكم الملكي بعد مجزرة سميل ما حصل لليهود في عام 1941، والذي عرف بفاجعة الفرهود ببغداد والبصرة، ومن ثم التهجير الجماعي لهم في الفترة بين عام 1950-1952 والتي بلغ عددها أكثر من 120 ألف مواطنة ومواطن عراقي من أتباع الديانة اليهودية.
ثم كان نزوح وهجرة مسيحيي العراق في عام 1959 بعد قيام الجمهورية العراقية الأولى عام 1958، أي بعد أحداث الموصل وإفشال المحاولة الانقلابية للعقيد عبد الوهاب الشواف التي تمت بالتنسيق مع القوميين الناصريين والبعثيين وبدعم من الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) حينذاك، حيث أجبر المئات من العائلات المسيحية ترك الموصل والهجرة إلى بغداد والبصرة للنجاة من التهديد بالقتل والنهب والسلب لهم من تلك القوى السياسية القومية والبعثية والرجعية، وبعد أن وضعت إشارة حمراء على دورهم لتمييزها عن الدور الأخرى لمهاجمتها وإلحاق الأذى بهم.
ثم جاء النزوح الأكبر والهجرة الواسعة في أعقاب انقلاب شباط عام 1963 حيث تعرضت العائلات المسيحية بالعراق عموماً للتهديد والتشريد والقتل وكان منهم من وضع في قطار الموت في العام ذاته، منهم على سبيل المثال لا الحصر الشخصية الشيوعية والوطنية المميزة والشاعر والكاتب الفريد سمعان. وفي فترة حكم عبد السلام عارف وأخيه عبد الرحمن محمد عارف بعد انقلابهم على حلفائهم البعثيين في تشرين الثاني 1963 حيث تواصلت هجرة المسيحيين، إذ كانت المضايقات على العائلات المسيحية مستمرة، رغم تقلصها النسبي في فترة حكم عبد الرحمن محمد عارف بالمقارنة مع فترة حكم عبد السلام محمد عارف.     
وفي فترة حكم البعث الثانية لم يعلن النظام عن عداءٍ مباشر للمسيحيين، خاصة وأن مجموعة من قادة ومؤسسي حزب البعث كانوا من المسيحيين. ولكن الممارسة العملية كانت تشير إلى عداءٍ مبطن للمسيحيين لعوامل عديدة بما في ذلك قناعة البعثيين والقوميين الناصريين بأن المسيحين وقفوا إلى جانب الشيوعيين وعبد الكريم قاسم وضد البعثيين والقوميين في محاولتهم الانقلابة في عام 1959 بقيادة العقيد عبد الوهاب الشواف، إضافة إلى قناعتهم بأن الإسلام والعروبة صنوان لا يفترقان، وبالتالي فأن أي دين آخر يعتبر مزاحماً للدين الإسلامي، كما إن أي فكر آخر غير الفكر القومي البعثي لا يمكن إلا أن يكون منافساً ومزاحماً وعدواً للعروبة ولحزب البعث والفكر القومي! وهذا التقدير الخاطئ والمقصود يسري على العراقيين والعرب الشيعة أيضاً. ومن هنا كانت هجرة العائلات المسيحية بطيئة وهادئة في البداية، ثم تنامت حين بدأ البعث بالهجوم على القوى الديمقراطية والحزب الشيوعي العراقي، وحين بدأت الحرب ضد الكرد واعتقاد البعث بأن المسيحيين يقفون إلى جانب الكرد في صراعهم ضد حزب البعث، ثم تفاقمت الهجرة في فترة الحرب ضد الشعب الكردي وبقية المكونات القومية بالإقليم، والحروب الخارجية التي بدأت في العام 1980 ضد إيران ومن ثم احتلال الكويت في عام 1990، فحرب الخليج الثانية في عام 1991 وفرض الحصار الاقتصادي الدولي على العراق لمدة 13 سنة من السنين العجاف والمدمرة لوضع الشعب المعيشي والاجتماعي والنفسي. 
على امتداد سنوات العقد الثامن عمل صدام حسين بكل السبل غير المشروعة على توفير مستلزمات فرض الحكم الفردي المطلق بالبلاد وإبعاد كل المنافسين له في الحكم. وقد بات هذا واضحاً من تخريبه الكامل للعلاقة التحالفية مع الحزب الشيوعي العراقي أولاً، وقبل ذاك مع الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة الملا مصطفى البارزاني، ومن ثم في تنظيم مجزرة جماعية بشعة لرفاقه القياديين والكوادر المتقدمة في حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم أو زج بهم في سراديب السجون الرطبة التي لا ترى الشمس ليخيسوا، على حد تعبير البعثيين أنفسهم. وفي هذه الفترة توفرت كل العوامل الطاردة للمواطنات والمواطنين المعارضين للنظام أو المختلفين معه من وطنهم والهجرة إلى بلد يمكن أن يوفر لهم الحرية والعمل والعيش الكريم والكرامة الشخصية. ولم يمس هذا الموقف المسيحيين وحدهم، بل شمل جميع فئات الشعب وأتباع دياناتها ومذاهبها. لقد أصبح العراق في ظل حكم البعث وصدام حسين تحت وطأة نظام استبدادي شرس وفاشي الأساليب والأدوات، في دولة أمنية بوليسية تمارس أساليب وأدوات عمل فاشية لفرض نفسها على الشعب، وحالة حرب وتجنيد وموت مستمر على جبهات القتال وفي سجون النظام العلنية منها والسرية، وحالة حصار اقتصادي انعدمت فيها سبل العمل والعيش وتفاقمت البطالة والحرمان حتى بدأ الناس ببيع مكتباتهم الخاصة ودور سكناهم ليقتاتوا منها. وكان المسيحيون ضمن من أُجبر تحت وطأة هذه الظروف الاستثنائية للهجرة إلى الولايات المتحدة وأوروبا. وإذا كان العراق بطبيعة النظم السياسية وسياساتها وإجراءاتها وما زال طارداً للمواطنات والمواطنين، فأن هناك دولاً غربية، لاسيما الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا ودول الاتحاد الأوربي الغربية، كانت وما تزال جاذبة لهم بسبب الحريات العامة واحترام حقوق الإنسان وإيجاد فرص عمل وحماية الكرامة الإنسانية. 
وفي الفترة التي شن النظام البعثي العدوان على إقليم كردستان والتي أطلق عليها بحملات الأنفال السيئة الصيت واستخدام الكيمياوي في حلبجة وفي غيرها في العام 1988 وعلى مدى تسعة شهور، وهي حملات تميزت بطابع الإبادة الجماعية الفعلية، حيث أجبر الكثير من المواطنات والمواطنين الكرد، وكذلك جماهير واسعة من المسيحيين والإيزيديين وغيرهم على ترك العراق والهجرة إلى الدول الغربية.
إن الأقسى والأكثر إيجاعاً لأي إنسان عاقل في أي دولة بالعالم ينشأ عند الإساءة لكرامته من خلال ممارسة التمييز إزاءه، إذ يتحول عندها إلى مواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة، عندها يشعر بأنه لا يعيش في وطنه وبين مواطنات ومواطنين لا يختلفون عنه إلا بالدين أو المذهب أو القومية. وأغلب من غادر العراق من المسيحيين قد تعرضوا لهذا التمييز المجحف واللاإنساني واللاأخلاقي في آن واحد. لقد تعرضوا للبطالة كغيرهم من المواطنين، وتعرضوا للسجن في نضالاتهم مع الشعب، وتعرضوا للتعذيب والقتل كغيرهم من المواطنين، ولم يدفع بهم إلى الهجرة. ولكن حين لا يبدأ التمييز فحسب، بل والمضايقة والإساءة المستمرة، ثم التهديد بالقتل والتشريد من مناطق السكن، عندها يبدأ المواطن بالتفكير بالهجرة والخلاص من الجحيم الذي يعيش فيه. فالتمييز لا يقتصر على النظرة غير السوية إزاء الآخر من دين أو مذهب أو قومية أخرى فحسب، بل يسري على مجالات التوظيف وإبعادهم عن السلك الدبلوماسي ووزارة الخارجية والداخلية والتعليم والمواقع المهمة في القوات المسلحة وفي القضاء...الخ، وحين يصبح التهديد بالقتل والقتل الفعلي على الهوية لا للشخص وحده، بل ولأفراد عائلته وعيشه ودار سكنه ومحل عمله، عندها لا يجد أي مبرر لبقائه في الوطن الذي ولد فيه وترعرع، كما كان وطناً لأجداده منذ قرون كثيرة.
إن معاناة المسيحيين لم تكن قليلة في ظل حكم البعث الثاني، ولهذا أجبر عشرات الألوف منهم على الهجرة إلى الدول الغربية، ولكن ما حصل في ظل النظام الطائفي المقيت فاق كل الفترات السابقة بنسب كثيرة مضاعفة. وهي التي اقترنت بثلاثة عوامل أساسية:
1.   سياسات التمييز إزاء المسيحيات والمسيحيين من منطلق ديني متشدد تمارسه الدولة وسلطاتها الثلاث ومؤسساتها المختلفة.
2.   الإجراءات العدوانية التي مارستها الميليشيات الطائفية المسلحة بمدن الجنوب والوسط، لاسيما بغداد، وفي شمال العراق، بما تعرضوا له من ملاحقة وتهديد وتشريد وقتل وحرق للكنائس ومصادرة للبيوت ومحلات العمل، إضافة إلى النهب والسلب، كما تعرضوا للتغيير الديمغرافي في شمال العراق وبإقليم كردستان العراق. ويمكن إيراد النموذج الآتي ليعبر عن عشرات بل مئات الحالات الأخرى المماثلة أو بصيغ أخرى لمصادرة دور المسيحيين ببغداد وبمناطق أخرى من العراق. فقد نشر الكاتب والصحفي أمير العبيدي مقالاً بعنوان: "العراق ... حيل قانونية للاستيلاء على عقارات المسيحيين"
" يشخص الأطباء حالة المغترب العراقي يونادم ألبير(57 عاماً)، على أنها جلطة دماغية نتج عنها شلل نصفي في الجانب الأيمن من الجسم، فيما يؤكد ولده أن خبر الاستيلاء على بيتهم في ضاحية الكرادة في العاصمة بغداد وبيعه باستخدام أوراق مزورة هو السبب الذي أدى الى شلل والده وإصابته، بحالة نفسية حادة يرفض معها الكلام لأي شخص، وحتى المختص النفسي، الذي يزورهم باستمرار في شقتهم الصغيرة التي استقروا فيها، بعد وصولهم في الصيف الماضي الى مدينة مالمو السويدية.
أجبرت التهديدات الأمنية اليومية واستهداف العراقيين المسيحيين، بعد الغزو الأمريكي في عام 2003، ألبير على ترك منزله الفخم في العاصمة العراقية والتوجه إلى الأردن، حيث استقر مؤقتاً، مدة ثلاثة أعوام، بينما تم تسجيله وعائلته في برنامج إعادة التوطين الخاص بمملكة السويد التي وصلها قبل 9 سنوات. فادي ألبير، الابن الأكبر للمغترب العراقي المريض، يروي لـ"العربي الجديد" تفاصيل ما وقع معهم "أغلقنا المنزل في حي الوحدة بمنطقة الكرادة بالعاصمة العراقية والبالغ مساحته  1000 متر مربع، سلمنا مفاتيحه إلى إحدى العوائل التي تسكن بجوارنا، منذ فترة طويلة، فوجئنا باتصال منهم أخيراً، بوجود أعمال ترميم وصيانة وتأثيث تجري في بيتهم، وأن المهندس المشرف على الأعمال قدم لهم سند تحويل ملكية جديد صادر باسم المالك الجديد الذي لا يعرفه، أي شخص من سكان المنطقة".
يوضح ألبير الابن لــ "العربي الجديد": أنه وبمجرد تلقيه الأخبار السيئة من بغداد قام وبمساعدة بعض الأصدقاء بتوكيل محام متخصص بشؤون نزاعات ملكية العقارات وأرسل له بالبريد الجوي كافة المستمسكات التي تثبت عائدية المنزل لهم، وأرفق معها مجموعة من الصور الفوتوغرافية العائلية لهم في غرف وحديقة المنزل، ولكن حالة الإحباط تضاعفت لديهم بعد الجلسة الأولى في المحكمة لأن المحامي اعتذر عن متابعة القضية، بكلمات فهم منها ألبير أنه "تعرض لتهديد شديد جعله يرفض الاستمرار فيها على الرغم من كل المغريات المالية التي عرضتها العائلة المغتربة".  (أنظر/ أمير العبيدي، العراق ... حيل قانونية للاستيلاء على عقارات المسيحيين، موقع العربي الجديد، 14 آب/أغسطس 2015).
         
وعلينا هنا ألا ننسى ما لحق بالمسيحيين والمندائيين في وسط وجنوب العراق من اضطهاد وملاحقة وتهديد بالقتل والتشريد واغتصاب الدور ومحلات العمل وحرق الكنائس وقتل المصلين فيها، وإجبارهم على النزوح إلى إقليم كردستان وكذلك الهجرة على الدول الغربية. وحصل هذا الأمر بالنسبة للإيزيديين في المدن التابعة إدارياً للموصل حيث قتل الكثير من العمال والمواطنين بعمليات إرهابية جبانة.
وقد فتحت الولايات المتحدة وبقية الدول الغربية أبوابها لوصول المسيحيين، وكذلك الكنائس والجمعيات الخيرية المسيحية. وهو أمر فيه جانب سلبي، إذ يشجع على الهجرة من العراق، وهي خسارة فادحة، إذ لمن يعود إلى العراق من يهاجر الآن، والثاني إيجابي يعبر عن روح التضامن والاحتضان وإنقاذ الناس من الحرمان العذاب والقتل المحتمل.     
اجتياح الموصل وعواقبه المدمرة على العراقيين المسيحيين


في يوم الثلاثاء العاشر من شهر حزيران/يونيو 2014 توجهت مجموعة لا يزيد عدده أفرادها عن 800 مسلح من عصابات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام (داعش) وعبرت الحدود السورية باتجاه الموصل. واستطاعت أن تجتاح الموصل بسرعة فائقة، إذ لم تواجه مقاومة من الجيش العراقي المعسكر بالموصل ولا قوات الشرطة والأمن العراقي ولا من سكان الموصل. ووجد في ذلك اليوم بالموصل 75 ألف عسكري وأمني عراقي، أي ما يزيد عن أرفع فرق أمنة وعسكرية مزودة بأحدث وأفضل الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة وبتجهيزات هائلة تفوق حاجة هذه القوات لأغراض الدفاع عن محافظة نينوى، بل فيها أسلحة ذات طبيعة هجومية ودفاعية، بما في ذلك * عربات مدرعة و * عربات من طراز "همفي" الأميركية و* دبابات "ابرامز 16" من معسكر الغزلان بالموصل. وكان قبل ذاك قد استولى داعش على قطع سلاح نوعية كبنادق أميركية متطورة بعد هروب قطاعات عراقية من المجمع الحكومي وقتها في الرمادي مع عتادها، إضافة إلى حصول التنظيم على مناظير عسكرية متطورة.1 والمعلومات الموثقة تشير إلى وصول  "كل من قائد القوات المشتركة للجيش العراقي الفريق أول ركن عبود قنبر وقائد القوات البرية الفريق الركن علي غيدان إلى الموصل للإشراف على الخطط الأمنية في المحافظة بعد ورود أنباء عن ظهور المسلحين فيه، إضافة إلى الفريق مهدي العراوي، قائد عمليات نينوى إلى الموصل في اليوم الذي سبق الاجتياح، أي في يوم الاثنين المصادف 9 حزيران/يونيو 2014. 2
لقد انسحبت القوات العراقية الأمنية والعسكرية كلها مع قياداتها التي كانت بالموصل والقائد العام للقوات المشتركة وقائد القوات البرية وقائد عمليات نينوى وبقية القيادات من الموصل هاربة وسلم القادة أنفسهم على الپیشمرگة لحمايتهم من داعش حتى أن يخوضوا قتالاً ولو ليوم واحد. وتواجه الباحث العديد من الأسئلة عن العوامل التي أدَّت إلى هذا الانسحاب الانهزامي الهروبي من جانب القوات المسلحة العراقية؟  ولماذا لم يقاوم سكان الموصل هذا الاجتياح العدواني على مدينتهم؟ ولماذا تركوا مدينتهم يجتاحها الطاعون الإسلامي المتطرف ليستبيحها ويستبيح من فيها من إيزيديين ومسيحيين وشبك وتركمان؟ وما هي العواقب التي ترتبت على ذلك؟ ثم من كان المسؤول عن قرار الانسحاب الكامل أمام قوات الغزو الوحشي الداعشي؟
كان نوري المالكي، رئيس الوزراء في دورته الثانية والقائد العام للقوات المسلحة العراقية، قد مارس سياسات اتسمت بالطائفية المتشددة والمناهضة للسنة العرب في كل أنحاء العراق، وتجلت في ما حصل قبل غزو الموصل بالأنبار، وخاصة بالفلوجة والرمادي وأنحاء من بعقوبة، من نهج عسكري عدواني لإخضاع السنة لإرادته والتي فسحت في المجال لقوات القاعدة ومن ثم داعش الهيمنة على الفلوجة ومناطق واسعة من الأنبار. هذه السياسة ذاتها مارسها بالموصل، حيث وجه قوات مسلحة وقوات أمنية شيعية وقادة عسكريين شيعة وفاسدين إلى الموصل حيث مارست عمليات تقترب من محاولة تركيع الموصل لإرادته وسياساته، والتي رفضها نساء ورجال الموصل الذين يعتزون كباقي سكان العراق بكرامتهم. ونشأت عن ذلك أوضاعاً استثنائية مناهضة للنظام العراقي وللقوات المسلحة التي تسعت للحط من كرامة الناس وعزتهم وفرض مختلف صيغ الفساد عليهم. كما إن هذا التكديس الكبير للقوات الأمنية والمسلحة جاءت نتيجة هاجسه الشوفيني والطائفي المناهض للكرد رغبته الجامحة بتوجيه ضربة للقيادة الكردية وقوات الپیشمرگة متى سنحت الفرصة وتحركت القيادة الكردية بالاتجاه المضاد له. وبالتالي لم يكن وجود القوات المسلحة بالموصل لحماية الموصل من عدو خارجي، بل كانت موجهة ضد "عدو" متخيل بجموح، هم أهل الموصل والأنبار وصلاح الدين من جهة والكرد من جهة أخرى. ولهذا لم تكن قوات الجيش والقوات الأمنية مهيأة لأي معركة مع الخارج لأنها فاسدة وكانت منشغلة بجمع الأموال وبيع الأسلحة المتاحة في السوق السوداء.
هذا الواقع يجيب عن السؤال الآخر، حين لم يجد أهل الموصل من النظام العراقي ما يدفعهم للدفاع عنه، وبعد أن مارس معهم سياسة التمييز والتهميش والإهمال والإقصاء لأبشع الأساليب المتوفرة لرئيس الحكومة، مما اعتقد الكثير منهم بأن هذه "العصابات" الإجرامية ربما ستساعد في خلاصهم من المليشيات الطائفية المسلحة التي كانت موجودة بالموصل ضمن القوات المسلحة والقوات الأمنية العراقية وتمارس اضطهادهم. حتى إن البعض قد أعلن عن فرحته بوصول عصابات داعش المتوحشة إلى الموصل، باعتبارها قوة إنقاذ لهم من نهج وسياسات نوري المالكي الظالمة بحقهم والموغلة بعدائها لأتباع الديانات والمذاهب الأخرى والمسيئة لكرامتهم.
كما إن قوات الپیشمرگة هي الأخرى لم تقف بوجه عصابات داعش المسلحة حين اجتاحت سنجار وسمّار وغيرها في الشهر الثامن من عام 2014 وانسحبت أمامها دون أن تقاومها وتدافع عن سكان هذه المدن المكتظة بالإيزيديين بشكل خاص وكذلك عن مناطق أخرى في سهل نينوى وتلعفر...الخ، مما تسبب بوقوع كوارث إضافية هائلة للإيزيديين في المنطقة ولاسيما سنجار. والجميع ما يزال يتذكر مأساة جبل سنجار في عامي 2014 و2015.
لقد كانت هناك خلايا نائمة ومتحركة في آن واحد بالموصل قبل اجتياحها، وهي تابعة لداعش، ولم تكن هناك مقاومة وتصدي لها من جانب القوات المسلحة والقوات الأمنية ولا من جانب السلطات المحلية بالموصل. وحين بدأ الاجتياح برزت قبل يوم من ذلك تلك الجماعات المسلحة وتحركت لتستقبل عصابات الاجتياح وتشاركها استباحة الموصل وشعبها.
العواقب الرقمية لاجتياح الموصل         
** في عام 1980 كان هناك مليون و600 ألف مسيحي في العراق.
** قبل عام 2003 كان هناك 850 ألف مسيحي في العراق.
** عدد النازحين والمهجرين من المسيحيين بعد منتصف 2014 في كل العراق = 200 ألف نازح، و40% منهم غادروا الوطن. ثم تفاقم النزوح ليتراجع عدد السكان المسيحيين إذ:
** يتراوح عدد المسيحيين بين (250 - 300) ألف نسمة.
** عدد الشهداء من عام 2003 ولغاية نهاية عام 2016 قد بلغ = 1214 شهيد.
** عدد الكنائس والمزارات التي فجرت بعد منتصف 2014 في كل العراق = 35
** عدد القتلى المسيحيين الذين استشهدوا بعد 2014 في كل العراق = 107
** عدد الكنائس والمزارات والأديرة الذي تعرض للتخريب والتدمير والحرق منذ سقوط الدكتاتورية في عام 2003 ولغاية نهاية عام 2016 بلغ 149 كنيسة ومزار ودير.3
وفي 28/أذار/مارس 2017 ذكر أمين عام الإحصائيين العرب غازي رحو في لقاء صحفي مع محمد الغزي عن موقع إيلاف بشأن الكنائس المدمرة ما يلي:
" لم تبق كنيسة في الموصل الا وهدمت ودمرت، وكذلك الأديرة دمرت عن بكرة أبيها، وما نهب منها من وثائق وموجودات لا تقدر بقيمة مطلقا، فهناك مخطوطات نادرة تعود الى مئات السنين سرقت وهربت ونهبت، لم يبق سوى دير واحد وهو دير مار متى لأنه على جبل جدا مرتفع وفي منطقة لم يستطع تنظيم داعش في الموصل"،4 الوصول إليه. كم أشار بما يلي: "ومؤخرا، فوجئنا انه وبعد تحرير مناطق في سهل نينوى ان هناك تدميرا لدور المسيحيين من قبل جهات غير معروفة، الجيش يحرر المنطقة ويتقدم، السؤال من دخل هذه المناطق ودمر هذه البيوت."5
وفي ضوء هذه المعلومات يلاحظ المتتبع إن عدد شهداء المسيحيين بين 2004 حتى منتصف عام 2014 بلغ ما يقرب من تسعة أضعاف الذين استشهدوا على ايدي عصابات الجريمة الفاشية داعش، وإن عدد الكناس التي دمرت واعتدي عليها بلغت أكثر من ثلاثة أضعاف الكنائس التي دمرت على أيدي عصابات الجريمة الفاشية داعش. أما عدد النازحين فقد بلغ. 
لقد كان وما يزال النظام الطائفي المحاصصي شراً ووبالاً على أتباع الديانات الأخرى، لاسيما على المسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين، وعلى الشبك بكل خاص بعد اجتياح الموصل. إذ إن المسيحيين يواجهون كارثة الهجرة المتسارعة صوب الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا وأستراليا للخلاص من احتمال الموت على أيدي الدواعش أو على ايدي المليشيات الطائفية المسلحة وقوى الجريمة المنظمة بالبلاد. فانحسار عددهم من 1600000 نسمة في عام 1980 إلى حدود 300000 ألف نسمة في عام 2016 يعني تقلصهم بنسبة قدرها 81,25% وما تبقى منهم هو 18,75% فقط، وهذه النسبة في تقلص مستمر برز مع بدية عام 2017 حيث سجل استمرارا في الهجرة وتقلصاً في عدد الموجود منهم بالعراق.
وجاء في تقرير الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية عن النزوح الفعلي من مدن العراق لاسيما بغداد والبصرة والموصل وكركوك قبل اجتياح عصابات داعش للموصل ما يلي:
"من خلال التجاوز على رجال الدين والاعتداء على (114) كنيسة ودير الى جانب عمليات الخطف والابتزاز والقتل من قبل جهات متطرفة متنفذة وعصابات منفلتة وبخطط محكمة واهمال حكومي واضح اضطر المسيحيون الذين اصبحوا مسلوبي الارادة  في مدن البصرة وبغداد وكركوك والموصل الى مغادرة مناطقهم الى اخرى آمنة ومن ثم الى خارج العراق، فكان في البصرة قبل عام 2003 ( 1600 ) عائلة اليوم لا تتجاوز (250) عائلة، وفي مدينة الدورة ببغداد كان يوجد ( 30 ) ألف عائلة اليوم لا يتجاوزن ألف عائلة مع إفراغ شبة كامل في مناطق " الميكانيك والكرادة وبغداد الجديدة والمشتل والنعيرية والغدير وكمپ سارة وشارع الصناعة والنضال و52 وكمپ الگيلاني والبتاوين والسنك ومناطق اخرى متفرقة من العاصمة " والعمل بكل مهنية من اجل سرقة أملاكهم في بغداد والتي بلغت (500) عقار، وفي كركوك كانوا (2000) عائلة اليوم لا تتجاوز (300) عائلة، وفي مدينة الموصل كان هناك ( 13) الف مواطن مسيحي قبل دخول تنظيم داعش الارهابي اليوم افرغت بالكامل ناهيك عن تشريد (120) الف نسمة من مدن سهل نينوى."6
يشير التقرير السنوي الصادر عن منظمة شلومو للتوثيق عن حقائق مذهلة بشأن الإبادة الجماعية التي تعرضت لها العائلات المسيحية وحجم الانتهاكات المريرة. فقد صدر "عهد الذمة عن "دائرة القضاء" في "ولاية الموصل" عن "الدولة الإسلامية" الذي ورد فيه الموقف من وجود المسيحيين بالموصل والذي تضمن ما يلي:
وقد أدى ذلك إلى هروب كل العائلات المسيحية التي تسنى لها الهروب والوصول إلى منطقة آمنة نسبياً، ولكنها لم تنج من ذلك أيضاً، إذ تعرضت 560 عائلة إلى حملة إبادة جماعية ثانية حين هربت من الموصل إلى سهل نينوى ولتهرب مرة أخرى وتتحمل خسائر فادحة في الأرواح وما تملك بعد أن أجبرت على الهرب من سهل نينوى أيضاً نتيجة ملاحقة واحتلال المنطقة من قبل "عصابات داعش الإسلامية". 
ويشير التقرير إلى تعرض 11135 عائلة مسيحية إلى الانتهاك كما يرد في الجدول التالي:

المحافظة أو البلدة   
الانتهاكات التي تم توثيقها
   عدد العوائل   عدد الأفراد
الموصل    1826   6834
بغداد   294   1094
بغديدا – قره قوش   4823   11301
كرمليس    536   1968
برطلة    1548   3249
بعشيقة وبحزانى   683   2022
باطنايا   316   1355
تللسقف   481   1094
تلكيف   368   1584
باقوفا   26   140
الانبار   12   50
شنكال (سنجار)   13   57
الأرمن   111   335
متفرقة   98   411
المجموع الكلي   11135   31494




      
            المصدر: تقرير منظمة شلومو للتوثيق في 10 حزيران/يونيو 2016. أربيل، عنكاوا، مجمع   
                                             كرمليس للنازحين.  ص 3. 

وإذا كان هذا مجموع ما تعرض له المسيحيون بالعراق، فأن ما حصل على ايدي عصابات التوحش الداعشية فقد بلغت على النحو الوارد في الجدول التالي:
   مرتكب الانتهاك   قتل   تعذيب   اختطاف   نقل أطفال     استعباد سبي   عنف جنسي   اجبار على تغيير دين   ترحيل طرد   تهديد
   داعش   115   91   161   1   49   19   30501   30501   2188
  المصدر: تقرير منظمة شلومو للتوثيق في 10 حزيران/يونيو 2016. أربيل، عنكاوا، مجمع كرمليس للنازحين.  ص 6. 

 وإلى جانب هذه الوحشية أصدرت هذه الدولة الإسلامية المجرمة قراراً خاصة قضى بتسعير المرأة في النظام الإسلامي الفاشي الجديد، فوضعت أسعاراً محددة للنساء العراقيات الإيزيديات والمسيحيات اللواتي يتم بيعهن في سوق النخاسة الإسلامي كما في الجدول أدناه:
كما تم تمييز دول الخليج بأسعار تفضيلية وأفضلية في الشراء!! وكان البيع لا يتم بدفعة واحدة بل يجري تداول المرأة المباعة من شخص إلى آخر، وهو التعبير الأكثر وحشية وإساءة للمرأة العراقية ولكل نساء العالم، والعالم يعيش في القرن الحادي والعشرين، حيث يتعارض ذلك مع كل اللوائح والمواثيق والعهود الدولة في مجال حقوق الإنسان وحقوق المرأة على نحو خاص! وإلى القراء والقارئات الكرام بعض هذه الحالات المشينة:
حالة (1): واحدة من النساء اللواتي عشن هذه الحياة الخانقة في ظل الدولة الإسلامية الفاشية، ذكرت السيدة التي قتل زوجها بذبحه أمام عينها (ع. أ. س) وفقدان طفلها (ه. ع) في شهادتها ما يلي:
"دخل تنظيم داعش الإرهابي إلى مدينة الموصل بتاريخ 9/6/2014 فانتابنا الخوف الشديد والفزع. وبعد ثلاثة أشهر من عدم عودة زوجي إلى المنزل ولكوني كنت حامل لم أخرج لأبحث عنه وبعد ولادة أبنتي (م) خرجت لأبحث عنه فدخلت أحد المكاتب العائد للتنظيم الإرهابي لأسأل عن زوجي المدعو (ع.أ.س) وبعد سين و جيم أبلغني المسؤول بأن زوجي ليس عندهم ولم أحصل على أية معلومة صغيرة عن زوجي بعدها سألني المسؤول عن أسمي وبضعة أسئلة أخرى شاهد وشم الصليب مرسوم على يدي فسألني هل أنت نصرانية، إذن جئتِ لتفجير نفسك هنا؟ قلت له ماذا تقول أنت إنني جئت لأسأل عن زوجي المفقود منذ ثلاثة أشهر. فأجبرني وأخذني إلى مدرسة في الموصل أُسمها اليرموك حيث كان هنالك فتيات أخريات فوضعوا في كل صف (30) فتاةً موزعين على 12 صفاً فكان أكثرهم من الإيزيديات والجرجريات والمسيحيات وكان يتناوب على حراستنا ثلاثة أشخاص وفي كل فترة استراحة يعطونا القليل من الأكل وفي إحدى الليالي المشؤومة دخل علينا ثلاثة من جماعة التنظيم في الأربعين والثلاثين من العمر ليسوا عرباً تحدثوا بلغة لم نفهمها فاختاروا ثلاثة فتيات أنا المتحدثة، و (ل) الإيزيدية أبنة الأحد عشر عاماً و (ع) المسيحية. وأجبرونا على ممارسة الجنس معهم فأبدينا المقاومة وتوسلنا إليهم دون فائدة. أمّا الفتاة القاصر (ل) فقد أصابها نزيف لأنها كانت طفلة بعمر (11) عاماً والتي فقدت أُمها أيضاً.
فتناوب عليَّ (8) إرهابيين في كلِّ مرّة يطلّقني أحدهم ويتزوّجني آخر. فكانت تلك الليلة القذرة المشؤومة أسوء ما شاهدته في حياتي بانتهاك للإنسانية، وعشنا حالة نفسية وهستيرية متردية جدّاً فاستمر اغتصابنا كل يوم ولمرّات عديدة، أتذكر اسم واحد منهم (ف.ش) هذا كان يغتصبني دائماً وكذلك الأخريات واستمر الحال بنا هكذا إلى أن علمت بمقتل زوجي المدعو (ع.أ.س) حيث ذبح ورميت جثته في نهر دجلة.
وصادف أن أحد الحراس على المدرسة كان جيراننا فقال لي ما الذي أتى بك إلى هنا، كان أسمه (أ) من منطقة اليرموك. حيث عرض علّي المساعدة فقلت له بأن مفتاح البيت وطفليَّ الولد الكبير (هـ) عمره (11) عام وبنتي المولودة حديثاً (م) عند جيراننا.
فاتفق معي وقابلته على شباك الصف وأعطاني قصاصة ورقية يطلب فيها مبلغ من المال لإنقاذي وكان ذلك الساعة الثانية بعد منتصف الليل. فأخبرته بمكان الذهب فأخذ المفتاح وذهب إلى البيت وأخذ الذهب.
وفي الصباح وجدنا ثلاثة باصات (28) راكب حيث امتلأت الحافلات وتوجهوا الى مكان غير معروف وكان ذلك ليلاً بعدها علمتُ من كلامهم بأنها الحدود السورية، رفضت العبور الى الجانب السوري وقال للمدعو (أ) جيراني بأني لن أبقى هناك مهما كلّف الأمر أي في سوريا واتفق معي أن يضعني في صندوق إحدى السيارات وبعد أن عبرنا العديد من السيطرات التابعة للإرهابيين وانا في حالة يرثى لها وصلنا الى الموصل فانزلوني في أحد الشوارع فأجرت تكسي وأوصلني الى الدار فوجدت طفليَّ فاحتضنتهم بكل لهفة وبعدها اتفقتُ مع المدعو (أ) مرّة أُخرى ليخرجني الى المناطق الآمنة فأوصلني ليلاً الى مكان لا اعرفه وكان قبل أعياد الميلاد حيث كان الظلام دامس والبرد قارص فحملت ابنتي (م) وأمسكت بيديّ ولدي (هـ) وكنت مع مجموعة كبيرة من العوائل فهربنا باتجاه حدود إقليم وكردستان بعدها سمعنا طلقات نارية لم نعلم مصرها ونتيجة الخوف فقدت السيطرة على مسك يد أبني (هـ) ففلت من يدي ولكثرة الجموع لم أعرف أين بقي وإنني لا أعلم مصيره الى اللحظة، أخيراً وصلنا الى منطقة يسيطر عليها البيشمركة.
إنني أعيش حالة من العصبية والنفسية اليائسة بسبب ضياع كرامتي وشرفي كإنسانة وقعت بين وحوش كاسرة وفقدت كل ما تملك." 7
حالة (2): وجاء في شهادة سيدة اخرى ما يلي:
"فاجئنا 50 مسلح مع سيارات عليها أسلحة متوسطة اوقفونا واتصلوا بقائدهم وبعد 15 دقيقة اعادونا الى قره قوش وفي يوم 8/8/2014 حاولنا الهروب فصادفنا سيارة فيه رجلين مسلحين اخذونا الى كرمليس واخذو مني مبلغ 200 الف دينار واعادونا الى قره قوش وفي يوم 22/8 اخذونا الى بيت قرب اعدادية سارة وفصلوا الرجال عن النساء وفي يوم 23/8 اخذونا و3 اخوات (خ. ف. ج) الى الموصل اسكنونا في دار طابقين الطابق الأول يسكنه افراد التنظيم والثاني فيه 3 غرف نحن 7 في غرفة وفي الغرفة الثانية 30 فتاة إيزيدية أعمارهم ما بين 10- 17 سنة كان افراد التنظيم يغتصبون الفتيات الإيزيديات كل ليلة كنا نسمع صراخهم وبعد 8 أيام قال لي احد افراد التنظيم لماذا لا تقومي على الصلاة فزوجك قد اصبح مسلما وفي اليوم التاسع  قالوا لي ان زوجك اسلم، فقلت إن أسلم زوجي فسأسلم لان عليّ اخراج اطفالي الـ 3 وخصاصةً ابنتي التي كان عمرها 11 سنة وكنت أقول لهم انها بعمر 8 سنوات.
 وفي يوم 30/9/2014 اخذونا الى المحكمة الشرعية وجعلونا نُسلم وحولونا الي بيت في منطقة (الكبة) وبعد معاناة شديدة والخوف والرعب وقلة الاكل، ساعدنا أحد وكلاء المواد التموينية وبعد الاتصال بأحد الأشخاص تمكنا من الخروج بحجة الذهاب الى المستوصف وعندما وصلنا الى الجسر كان رجلاً بانتظارنا، قال نريد ان نخلصكم عسى الله يرحمنا فأوصلونا الى مكتب خالد بين الحويجة وكركوك ثم الى إقليم كوردستان."8 وهناك المئات من الشهادات التي لا تؤكد ذلك حسب، بل تزيد عليها من ممارسات وأساليب إجرامية وفسق وفجور ونهب وسلب وتشريد وتعذيب وقتل على أيدي المجرمين أبناء هذه الدولة الفاجرة والفاشية في أساليبها وأدواتها وأهدافها الشريرة.
حالة (3): قدم رجل باسم (ي. ي. ب) من مواليد 1963 من قره قوش شهادته وأدلى بما يلي:
"بعد هجوم عصابات داعش يوم 6/8/2014 ودخولهم قره قوش، خرجنا منها ولكن المدعو (ا. ب. ق) رفض الخروج والقى التنظيم المذكور القبض عليه وبقي تحت حكم التنظيم لمدة 10-15 يوم فهددوه بالقتل او اشهار اسلامه فرفض ذلك كرروا ذلك مرة اخرى لكنه تمسك بالرفض الى ان هاجمه 10 افراد من التنظيم فاطلقوا عليه النار فاردوه قتيلا حسب ما ذكره شهود عيان لنا، نتيجة لذلك تدهورت حالتنا النفسية."9
جاء في شهادة المواطن السيد ماجد، نشرت في صحيفة وموقع العرب الصادرة بلندن ما يلي:
“الذين اقتحموا بيوتنا لسرقتنا واغتصاب بناتنا، وضربنا وقتلنا، لم يكونوا عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، بل كانوا جيراننا، لهذا كانوا يهجمون وهم يغطون وجوههم، حتى لا نتمكن من التعرف عليهم”، ويؤكد العراقي ماجد وهو ينظر متوجسا من طرف خفي إلى ابنتيه، في سن الثماني والخمس سنوات.  كانت ابنتاي صغيرتين جدا ولهذا لم يخطفوهما، لكن الكثير من صديقاتهما لم يحالفهن الحظ، ذات ليلة اقتحم أحد الجيران منزلنا وقال لي: الآن قد حان وقتنا. أبناء هذا الشخص كانوا يلعبون مع أبنائي، ولكنه استولى على منزلي. لن أثق في العرب مرة أخرى ما حييت”، أضاف بنبرة صارمة غاضبة، بينما أبرز بطاقة هوية جاره، قائلا “هذا الشخص أقام في منزلي لمدة عامين، بينما اضطررت للهرب أنا وعائلتي".10
وجاء في نف التقرير ما يؤكد بأن قرى البرطلة، تلكيف والكرمليس وغيرها من القرى المسيحية قد حولتها  ميليشيات أبوبكر البغدادي إلى كومة تراب، كما نهبت كنائسها وتم تدمير أيقوناتها، فضلا عن تدنيس مقدساتها.11
وإذ أشير هنا إلى الجانب البشري وما تعرضوا له، والذي يمكن أن يكتب الكثير عن مآسي شعب بكامله كان من أقدم من سكن العراق وساهم في بناء حضارته الإنسانية العتيدة، فأن الخسائر المادية هي الأخرى كانت كبيرة جداً على وفق المعلومات المتوفرة حتى نهاية أيلول/سبتمبر 2016 كما في الجدول التالي:
المدينة أو البلدة   المنازل   الآليات   المشارع الصناعية    المشاريع الزراعية   المشاريع التجارية
الموصل   1138   425   302   20   631
بغديدي-قره قوش   2753   1054   201   401   854
برطلة   690   229   91   74   309
كرمليس   454   130   44   124   115
بعشيقة وبحزاني   470   54   44   33   140
تلكيف   269   53   32   37   119
باطنايا   200   97   20   51   32
تلسقف   356   44   29   27   141
بغداد   41   29   26   ---   55
المجموع   5915   1995   745   767   2331
المصدر: تقرير منظمة شلومو للتوثيق في 10 حزيران/يونيو 2016. أربيل، عنكاوا، مجمع كرمليس للنازحين.  ص 26. 

والحقيقة هي أن هذه الخسائر المادية التي لم تقدر بالأموال، فأنها لا تشمل ما حصل بالعراق كله للعائلات المسيحية، إذ إن ما حصل ببغداد والبصرة ومناطق أخرى، فهي تفوق هذه الأرقام بكثير والتي ستظهر فيما بعد، حين تنجز دراسات ميدانية على العراق كله لمعرفة الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بمسيحيي العراق وبالكوارث التي تعرضوا لها في ظل حكومة أكثريتها من أحزاب إسلامية سياسية، شيعية كانت أم سنية، وبأغلبية شيعية وذات سياسات تمييزية دينية وطائفية.         
إن ما حصل للمسيحيين، حصل بشكل مرعب بالنسبة للإيزيديين وبشكل مضاعف إذ اعتبروا الإيزيديين فئة ضالة وكافرة يفترض تصفيتها إن لم تتوب وتتحول إلى الدين الإسلامي. وقد نشر الكاتب الكثير من المعلومات في كتابه الموسوم "الإيزيدية ديانة عراقية شرق أوسطية قديمة" في العام 2017. وهنا يسجل الكاتب شهادة السيد خيري شنگالي، كاتب وصحفي التي سجلها وسلمها بيد الكاتب بتاريخ 08/11/2014، التي تضمنت ما يلي:
الشاهد: خيري شنگالي12
بصفتي شاهد عيان أود أن أوضح لحضراكم ما يلي:
* في يوم 3/8/2914 هاجمت داعش قضاء شنگال مستهدفين أكثر من (350) ألف نسمة معظمهم من الإيزيديين وبدأ النزوح الجماعي لأكثر من 250 ألف إيزيدي إلى كردستان.
* ارتكب داعش جرائم القتل بحق الإنسانية وخير مثال على ذلك جريمة إبادة قرية كوجو في يوم 15/8/2014 حيث قتل كل ذكر يبلغ من العمر (10) سنوات وسبي النساء والأطفال لأهدافهم الدنيئة. حيث بلغ عدد القتلى أكثر من (450) إنسان مدني برئ لا لشيء سوى كونهم إيزيديين. وقبلها تم إعدام (86) رجلاً في قرية قتي وسبي النساء والأطفال وذبح آخرين من ضمنهم المواطن يوسف إبراهيم كارس البالغ من العمر (75) سنة.
* موت مئات الأطفال من الجوع والعطش، كما حدثت حالات رمت الأمهات أطفالهن.
* وصل عدد السبايا الإيزيديات إلى (7000) فتاة وامرأة وقد تم اغتصاب العديد منهن وصلت الحالة إلى عقد النكاح لإحدى الفتيات لـ (7) مرات خلال ساعات معدودة.
* الوضع المأساوي للنازحين في جبل شنگال حيث يقدر (1200) عائلة إيزيدية تعاني من الجوع والبرد القارص وهم داخل طوق من أشرس المجموعات الإرهابية، إذ وصلت الحالة بالعائلات أن يأكلوا الأعشاب .. فلا دواء ولا خدمات..
* تفجير المزارات والأماكن المقدسة وسرقة الأموال الخاصة والعامة وتفجير القرى والمؤسسات الحكومية. لذا أتوجه بندائي إلى مؤتمركم الموقر ومن خلالكم لمنظمات حقوق الإنسان والمجتمع الدولي وجميع الجهات المعنية باستغاثة أهلنا من النازحين في جبل شنگال والمخيمات المقامة في كردستان، وشكراً                  خيري شنگالي، التوقيع، كاتب وصحفي، 18/11/2014"13 

الهوامش
  أنظر: تعرف على الأسلحة التي استولى عليها "داعش" في الموصل، قناة العربية، 18 تشرين الأول، أكتوبر 2016. 
2 أنظر: تقرير "من يقف وراء انسحاب الجيش من الموصل وتسليمها إلى داعش؟" موقع نقاش في 15/06/2014.

3 ملاحظة: لقد وجه الكاتب استفساراً للسيد حميد مراد، رئيس الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية عن بعض المعلومات الخاصة بأوضاع المسيحيين بالعراق قبل وبعد اجتياح الموصل، ووصلتني منه المعلومات المدونة في أعلاه مشكوراً، ك. حبيب).
4  أنظر: محمد الغزي، 450 ألف مسيحي بقي في العراق فقط!، لقاء مع أمين عام الإحصائيين العرب، موقع إيلاف في 28/مارس 2017.
5 المصدر السابق نفسه.
6 أنظر: التقرير السنوي عن حالة حقوق الإنسان في العراق 2016، الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية، مصدر سابق. ص 32. 
7  أنظر: تقرير منظمة شلومو للتوثيق في 10 حزيران/يونيو 2016. أربيل، عنكاوا، مجمع كرمليس للنازحين.  ص 10. 
8  أنظر: المصدر السابق نفسه، ص 25.
9  أنظر: المصدر السابق نفسه، ص 22.
10 أنظر: مسيحيو العراق.. شواهد الوطن المتعدد المهددون بالإبعاد، آلاف المسيحيين لجأوا للفرار الجماعي من العراق إلى أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة وكندا، مفضلين منفاهم الاختياري على البقاء في وطنهم.  صحيفة العرب، لندن في العدد 10531، في 02/02/2017.
11المصدر السابق نفسه.
12  ملاحظة: المقصود بـ (شنگال) مدينة سنجار و"خيري شنگالي" يعني خيري سنجاري. ك. حبيب
13  ملاحظة: الرسالة المكتوبة والموقعة بخط يد السيد خيري شنگال موجودة لدى الكاتب. وقد وضع عنوانه الإلكتروني على الرسالة:
kheripuk@yahoo;com   


46
د. كاظم حبيب
ساعة الحقيقة: مستقبل سوريا بين النظام والمعارضة والصراع الإقليمي – الدولي
[1]
حين بدأت الحركة المدنية بسوريا وحمل المثقفون السوريون مشاعلها المضيئة ونشروا بيانهم التاريخي،  ثم تلاه "بيان الألف"، الذي طالب بالديمقراطية والمجتمع المدني وإعادة النظر بالشعار البائس "الحزب القائد والرائد" ..الخ، استبشر الكثير من الناس بالداخل السوري أو بالخارج خيراً، رغم معرفة الجميع بالنهج الفردي الاستبدادي والشوفيني لحزب البعث العربي الاشتراكي واستعداده لممارسة العنف ضد منتقديه، ويزداد هذا العنف وحشية حين يتوجه ضد معارضيه، ولاسيما حين يشعر بأن سلطته باتت قاب قوسين أو أدنى من السقوط. ولهذا كان الأمل بأن الحركة المدنية الديمقراطية تتواصل بصورة سلمية وبعيداً عن السلاح لفرض التغيير تدريجياً وبدعم من الرأي العام العالمي، رغم محاولات النظام جرّ المعارضة ودفعها لتشديد الصراع والتحول صوب ممارسة العنف المضاد، ليتسنى له البطش بها. لم تكن الحركة المدنية الديمقراطية السورية راغبة بالعنف، ولكنها لم تكن موحدة من حيث الفكر والسياسية والمواقف، بل كانت فيها اتجاهات وتيارات أو قوى متنوعة وغير متجانسة، البعض منها ليس من الجماعات المدنية، ولكنه فرض نفسه على القوى المدنية، وبعضه الآخر بعثي منشق أو مسلم إخواني دخل بجبة مهلهلة إلى قوى المجتمع المدني.   
وقد جرت محاولات جادة من جانب قوى سياسية بسوريا وخارجها لمنع المعارضة المدنية من التحول صوب العنف المضاد. ولكن في المقابل كانت هناك قوى إسلامية وبعثية منشقة عن حزب البعث الحاكم بسوريا، وقوى الإسلام السياسي، ولاسيما جماعة الإخوان المسلمين، وقوى قومية يمينية بالية في الفكر والنهج السياسي راغبة في التصدي للنظام بالقوة واستخدام العنف للإطاحة به. وتصورت هذه القوى مجتمعة إن المهمة سهلة! كما إن النظام الاستبدادي تصور خطأ، كما هو حال كل النظم الاستبدادية في العالم، امتلاك القدرة الخارقة على توجيه ضربة قاصمة للقوى المدنية وينهي وجودها بسوريا!
[2]
وجدت الجماعات الأخيرة الرغبة بممارسة السلاح لإسقاط السلطة البعثية تأييداً مباشراً ودعماً متنوعاً من ثلاث مجموعات من الدول والقوى والتي كانت تسعى لحرق الأخضر واليابس بسوريا دون إعارة أي انتباه لما يمكن أن يحصل للشعب السوري حين تتأجج الحرب الأهلية بالبلاد. المجموعة الأولى ضمت دولاً عربية هي قطر والمملكة السعودية وبعض دول وقوى بالخليج العربي، والمجموعة الثانية ضمت تركيا والأردن ولبنان (في ما عدا حزب الله)، ومصر، والمجموعة الثالثة ضمت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول الاتحاد الأوروبي. وبدأت هذه القوى الداخلية والإقليمية والدولية مسيرة تشكيل التنظيمات المسلحة بسوريا، التي شاركت فيها قوى كثيرة إسلامية متطرفة، وبعثية وقومية، وقوى مدنية ارتضت لنفسها التعاون مع تلك الدول لاعتقادها بقدرتها على إسقاط النظام عبر السلاح. خاصة وإن النظام كان يساعد لدفع هذه القوى إلى العنف من خلال ممارسة العنف ضد المعارضين واعتقال وتعذيب المناضلين المدنيين بلا رحمة.
[3]
لم تقدر القوى المدنية التي تورطت مع بقية القوى الراغبة في ممارسة العنف المضاد باستخدام السلاح ضد النظام السياسي الاستبدادي المناهض لمصالح الشعب السوري، مستوى التحالف القائم بين سوريا البعث والحكومة الثيوقراطية بإيران وحزب الله بلبنان أولاً، رغم إن العلاقة بين سوريا وإيران كانت معروفة للجميع منذ وجود الدكتاتور حافظ الأسد على رأس السلطة، كما لم تقدر احتمال التحالف بين النظام السوري والدولة الروسية الاتحادية، التي لها تحالف مع إيران من جهة، ولا تملك وجوداً سياسياً وعسكرياً لها في غير سوريا في منطقة الشرق الأوسط، وترتبط بالنظام منذ كان الأسد الأب على رأس السلطة، وبالتالي ستمارس هذه الدول كل ما هو ممكن للاحتفاظ بنفوذ لها في المنطقة عبر الدولة السورية البعثية الهشة والمكروهة.
[4]
وفي المقابل لم يكن التحالف الإقليمي مع الدول الغربية موحداً في ثلاث مسائل:
1)   ما هو الهدف من وراء الإطاحة بسلطة حزب البعث وبشار الأسد؟ 2) ومن هي القوى التي تعتمدها في مقارعة النظام السوري؟ 3) وهل هناك وحدة فعلية أو تحالف متماسك بين القوى المحلية، وهي المتصارعة على السلطة والمال، حتى قبل إسقاط سلطة البعث وبشار الأسد؟ ولهذا لم تكن القوى الغربية ولا حتى الإقليمية قادرة على فرض تصور واحد أو توحيد جهود القوى المعارضة للنظام لخوض المعركة ضده.
ومما زاد في الطين بلة إن النظام السوري كان قبل ذاك قد سمح لكل من قطر والسعودية وتركيا وبعمل وتأييد ودعم من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، استخدام الأرض السورية لعبور المليشيات الإرهابية المسلحة (القاعدة وما انجبته من تنظيمات إرهابية وإقليمية إسلامية متطرفة)، لتبني لها بنية تحتية وقوى وخلايا واسلحة بسوريا، ثم بدأت تستخدمها ضد سوريا أيضاً. وقد ألحق هذا الفعل إيذاءً كبيراً جداً بالشعب العراقي، ولكنه ألحق أضراراً وإيذاءً فادحا بالشعب السوري أيضاً. وقد وجد الكثير من القوى الديمقراطية العربية والدولية ضرورة دعم النضال ضد الحكم السوري الاستبدادي، ولكن لم يكن هذا الموقف مساعداً لها لإدراك خطأ القوى المدنية في التشابك مع القوى التي تحركها تركيا وقطر والسعودية، إذ كانت العواقب وخيمة. 
[5]
في ضوء هذا الواقع تبلورت خمس مسائل جوهرية في صفوف المعارضة السورية:
أولاً: إن القوى الإرهابية المسلحة التي تحوز على تأييد قطر والسعودية وبعض دول الخليج وتركيا والولايات المتحدة أصبحت هي الأقوى وبيدها القرار الفعلي في مسيرة الصراع بسوريا.
ثانياً: تفاقم ضعف قوى المعارضة المدنية السورية بانقسامها إلى جماعتين رافضة للسلاح ومطالبة بالحوار، وأخرى رافضة للحوار من حيث المبدأ رغم الدخول به، وراغبة في مواصلة استخدام القوة العسكرية رغم قناعتها بعدم قدرتها على تحقيق النصر على النظام، وكأن العزة بالإثم منعها عن ذلك!
ثالثاً: التردد الشديد لدى الدول الغربية في تقديم المعونة والسلاح إلى قوى المعارضة السورية المدنية لقناعتها بأن هناك تشابكاً بين قوى الإرهاب وقوى المعارضة السورية المسلحة، وإن هذه المعونة والأسلحة تذهبان إلى تلك القوى الإرهابية المرتبطة بالقاعدة أو جبهة النصرة وفتح الشام ومن ثم داعش وغيرها، رغم إنها كانت من مؤيدي هذه الجماعات الإرهابية التي شكلتها قطر والسعودية وتركيا وسعت إلى تقويتها في فترات معينة.
رابعاً: أصبحت تركيا (إسطنبول) مركزاً ومقراً للمعارضة السورية المتنوعة والمتشابكة وموقع عقد مؤتمراتها، وبالتالي أصبح لها ولحلفائها التأثير المباشر، شاءت المعارضة المدنية أم ابت، القول الفصل في التوجه صوب السلم أو الاستمرار بالقتال.
خامساً: إن استمرار القتال وحصول اختلال في فترة معينة لصالح القوى التي تريد إسقاط الدكتاتورية بسوريا، دفع روسيا بالتدخل في الشأن السوري وتقديم المزيد من الدعم العسكري الروسي والوقوف الثابت في الحرب إلى جانب سوريا لمنع سقوط النظام ودعم استمراره، لأنها تدافع عن مصالحها!     
[6]
هذه الحالة الرجراجة والمترددة ساهمت بحصول تغيرات واضحة في موازين القوى بالاتجاهات التالية:
** في صالح التنظيمات المسلحة الإرهابية ضد قوى المعارضة السورية؛
** في صالح النظام السوري ضد كل القوى التي تقاتل ضده.
** إحساس الدول الغربية، ولاسيما الولايات المتحدة، بأن الحرب لم تعد قادرة على حل المشكلة بسوريا ولا بد من إيجاد حل سلمي مع روسيا وبالتنسيق مع إيران والنظام السوري والدول العربية لضمان مصالحها أيضاً وعبر التنسيق مع روسيا!
هذا الواقع الجديد أدى إلى احتمال تحرك قوى المعارضة السورية والنظام السوري نحو الحوار بهدف الوصول إلى نتائج مرضية للطرفين، مع رفض قوى الإرهاب المسلحة لهذا الاحتمال وإصرارها على خوض القتال والذي كان وما يزال له تأثيره الملموس على قرار قوى المعارضة المدنية بهذا القدر أو ذاك. ولكن حتى الآن لم يستطع التوازن الجديد، رغم ميله لصالح النظام، إنهاء المشكلة واستمرار القتال أدى حتى الآن إلى العواقب الوخيمة التالية على الشعب السوري واقتصاده وحياته الاجتماعية وأوضاع ما بعد الحرب:
  ** استشهاد أكثر من 400 ألف إنسان سوري خلال السنوات الست المنصرمة.
** إصابة ما يزيد على عدد الشهداء والقتلى بجروح وتعويق وخروج من العملية الاقتصادية.
** نزوح قسري لأكثر من 12 مليون إنسان من مناطق القتال إلى مناطق أكثر أمناً، ومنهم الذين تسربوا صوب الخارج.
**هجرة قسرية لما يقرب من 7 ملايين سوري من مجموع النازحين فيها إلى الدول المجاورة، تركيا ولبنان والأردن والعراق، وإلى الدول الغربية.
** ازمة قاتلة تحيط بالاقتصاد السوري والبطالة واسعة جداً والفقر منتشر في أنحاء البلاد ودمار شامل للبنية التحتية في مناطق واسعة ومدن كثيرة.
** ارتفاع المديونية الخارجية لسوريا بمستويات عالية جداً بسبب استيراد السلاح القادم من إيران وروسيا والقروض المالية التي تتسلمها سوريا من هاتين الدولتين.
[7]
ليس هناك من شك في أن النظام السوري وحزب البعث الحاكم هما المسؤولان بالدرجة الأولى عن الحرب الدائرة منذ ست سنوات، إذ لو كان الدكتاتور الصغير بشار الأسد قد تنازل أمام الحركة المدنية الديمقراطية وأقر بوجوب تحقيق إصلاح وتغيير فعلي في الواقع السوري الذي استمر منذ العام 1970 بعد ما حصل ما يعرف بالحركة "التصحيحية!" لوالده، الدكتاتور حافظ الأسد، باتجاه منح الحريات الديمقراطية واحترام مبادئ حقوق الإنسان وحقوق القوميات وممارسة واحترم الحياة الحزبية والتنظيمات المدنية ...الخ، لما كان على الشعب السوري أن يواجه هذه المعاناة الجارية حتى الآن.
ولكن الدول العربية وتركيا والدول الغربية، وكذلك إيران وروسيا وحزب الله والميليشيات الشيعية المسلحة التي أرسلت مقاتلين تابعين لها ولإيران إلى سوريا، هي الأخرى مسؤولة وبدرجات متفاوتة عما حل ويحل اليوم بالشعب السوري، إضافة إلى تحمل جزء من قوى المعارضة السورية، دع عنك قوى الإخوان المسلمين والبعثيين المنشقين عن حزب النظام، مسؤولية الوضع الراهن. إذ كان على قوى المعارضة المدنية الديمقراطية تمييز نفسها عن القوى الأخرى التي زجتها القوى الإقليمية والدولية في معركة دموية حطبها الشعب السوري لا غيره. وكان هذا التمييز سيساهم في بلورة المناهج والمواقف بما يمنع التشابك الجاري حالياً والمؤذي حقاً للمعارضة المدنية الديمقراطية.
[8]
ومنذ سنوات لم يعد الصراع الجاري في سوريا والحرب الداخلية وحرب التدخل الخارجي، صراعاً أو حرباً سورية-سورية، بل هو صراع إقليمي ودولي، وهي حرب خارجية بامتياز، ولم يعد ممكناً حله محلياً مهما رغب الشعب السوري بذلك، إذ خرج الأمر منذ سنوات من يد الشعب السوري ووضع بيد الدول الإقليمية والدولية ولاسيما إيران وتركيا وقطر والسعودية أولاً، ولكن وبشكل أخص بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية. وهو ما يفترض أن نقتنع به ونعمل عليه.
[9]
وتصور البعض إن الاتفاق أصبح قريباً بعد تولي ترامپ رئاسة الولايات المتحدة على وفق تصريحاته في الحملة الانتخابية، ولكنه سرعان ما تخلى عنها وبدأ يلعب من جديد شرطي العالم. ولم تكن الضربة الصاروخية الأخيرة (59) صاروخاً على القاعدة الجوية السورية إلا محاولة لمسألتين أولاهما القول بقدرة أمريكا على التدخل العسكري بسوريا، وإبراز عضلات الولايات المتحدة أمام العالم، والذي تبعته قذف "أم القنابل" على أفغانستان، ومن ثم استعراض القوة العسكرية، حين وجه حاملة الطائرات "كارل فينسن" ترافقها ثلاث سفن قاذفة للصواريخ، ووعد بإرسال غواصات إلى شبه الجزيرة الكورية. وقد مارس الكذب من جديد في ادعاء أن سوريا هي التي ضربت "خان شيخون" بسوريا بالسلاح الكيمياوي. لا أشك باحتمال قيام النظام السوري بهذا الفعل الإجرامي، إذ إن بعث العراق كان قد مارسه ضد الشعب الكردي وضد حركة الأنصار وكذلك في مناطق أخرى من العراق. ولكن كان على الولايات المتحدة ان تنتظر قرار لجنة دولية مستقلة وحيادية تقوم بالتحقيق بالحادث لمعرفة الفاعل، خاصة وان عصابات داعش قد مارست ذلك بالعراق وضد قوات الپيشمرگة الكردستانية مثلاً. لا اعتقد بأن النظام السوري وروسيا الحليفة هما من الغباء بحيث يسمحون لبشار الأسد استخدام السلاح الكيماوي في هذه المرحلة من الحرب بسوريا ومحاولات إيجاد حل للمشكلة سلمياً، بل إن من استخدم السلاح الكيمياوي كان يريد الابتعاد عن الحل السلمي للمشكلة.
أري بأن الولايات المتحدة تريد بهذا الفعل العسكري المتهور أن توجه أكثر من رسالة، ولكن بعضها بالعناوين الخطأ. فالرئيس الأمريكي الجديد يمكن أن يدفع بمناطق معينة بالعالم إلى حروب تدميرية، ربما تدفع لحرب عالمية ثالثة، كما وُضع العالم على حافة حرب نووية في عام 1964 بسبب أزمة الصواريخ بكوبا أو جزيرة الخنازير.
إن الحل الوحيد لسوريا هو الحل السلمي والذي يفترض أن ينتهي بإبعاد المجرم والدكتاتور بشار الأسد والطغمة المجرمة عن الحكم بما لا يؤدي إلى الفوضى التي سادت بالعراق بعد إسقاط الدكتاتورية وحل الجيش وفتح الحدود أمام أوباش العالم لتدخل البلاد وتعيث فساداً فيها، وكذلك إبعاد تلك القوى التي مارست الإرهاب الدموي وجلبت المليشيات الإرهابية إلى سوريا. وهذا يتطلب كف الدول الإقليمية، ولاسيما تركيا وإيران وقطر والسعودية، والدولية عن التدخل الفظ في الشأن السوري. وهذا الحل سيحتاج إلى وقت غير قصير، وسيعاني الشعب السوري الجريح والمستباح من جراء استمرار القتال والإرهاب والتدمير.       
         

47
د. كاظم حبيب
هل هناك ضمانات لانتخابات حرة وديمقراطية بالعراق؟
من يتابع الأجواء السياسية العراقية، والشعب يقترب من موعد الانتخابات النيابية القادمة، سيجد أمامه ست إشكاليات معقدة جداً تلخص كما يلي:
** طبيعة النظام السياسي الذي تجري في ظله وتحت وطأته الانتخابات العامة وانتخابات مجالس المحافظات.
** طبيعة الأحزاب والائتلافات القائمة بالعراق حالياً.
** الواقع السياسي السائد بالعراق والصراعات الجارية بين الأحزاب الإسلامية والقومية على السلطة والمال والنفوذ.
** طبيعة قانون الانتخابات الجائر الذي يراد ممارسته في انتخابات عام 2018.
** طبيعة المفوضية المستقلة للانتخابات التي ستنظم العملية الانتخابية وتشرف عليها.
** التدخلات الدينية الداخلية والخارجية لقوى ودول الجوار وغيرها في الشأن العراقي والانتخابات القادمة.
في هذا المقال محاولة لمعالجة هذه الإشكاليات من وجهة نظر الكاتب.
******
*1* طبيعة النظام السياسي الذي تجري في ظله وتحت وطأته الانتخابات العامة وانتخابات مجالس المحافظات.
لا يختلف اثنان من العراقيات والعراقيين بأن النظام السياسي السائد بالعراق، الذي أقيم على أنقاض النظام البعثي الشوفيني الدكتاتوري والذي أسقط بقوات أجنبية، هو نظام سياسي طائفي بامتياز ويعتمد المحاصصة الطائفية رسمياً بخلاف ما التزم به الدستور العراقي، وبالتالي فهو إذن، بخلاف الدستور العراقي ولوائح الأمم المتحدة، يمارس التمييز في جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية. ومثل هذا النظام السياسي لا يمكنه أن يوفر المناخ السياسي الديمقراطي والنزيه والعادلة للانتخابات، لأنه متحيز أصلاً ضد أتباع الديانات الأخرى، وضد أتباع المذاهب الأخرى، وضد أتباع الاتجاهات الفكرية والسياسية الأخرى، فهو نظام شبه ثيوقراطي متخلف ينزع إلى الاستبداد الفكري ومناهض للعلم والتقدم الحضاري، وهو من مخلفات العصور المظلمة. وقد برهن رئيس الوزراء السابق، بسبب سماته الشخصية الأكثر جوراً واستبداداً، عن طبيعة هذا النظام وممارساته والتي قادت إلى سقوط محافظات عراقية بكاملها في أيدي العصابات الإسلامية السياسية المتطرفة من تنظيم القاعدة وداعش وما تعرضت له أجزاء عزيزة من الشعب من كوارث الاجتياح ومآسي الاستباحة وارتكاب جرائم الإبادة الجماعية. وما يزال الحزب والتحالف الشيعي الذي قاد البلاد إلى هذه الكوارث، وكذا التحالف السني المتعاون معه، بعيداً عن مصالح أبناء الشيعة والسنة، يقود البلاد. ويلعب رئيس الوزراء السابق دوراً بارزا وموجهاً، كما برز في خطبته الأخيرة بمناسبة الذكرى 37 لاستشهاد محمد باقر الصدر وشقيقته بنت الهدى. فهو نهج سيدمر البلاد إن تواصل العمل به حالياً وفي الفترة القادمة. إن النظام السياسي القائم بالعراق ليس من منتجات القرن الحادي والعشرين، بل هو من منتجات القرون المظلمة التي لعب شيوخ الدين في أوروبا وفي كل بقاع العالم، حيثما هيمنوا، دوراً أساسياً في الحكم أو باسمهم حكم المستبدون البلاد وعاثوا فيها فساداً وموتاً للبشر. وها هو الشعب العراقي يعيش هذه المأساة الدامية. فلا يمكن أن تكون هناك انتخابات حرة ونزيهة ونظيفة أو ديمقراطية حيادية في ظل نظام سياسي وأخلاقي غارق في الفساد من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، وتسود فيه المليشيات الطائفية المسلحة وتهيمن على رقاب الناس بالتهديد والوعيد والسلب والنهب والاختطاف والابتزاز والتعذيب والقتل.
*2* طبيعة الأحزاب والائتلافات القائمة بالعراق حالياً.
  توجد في البلاد عشرات الأحزاب والكتل السياسية. ولكن الأحزاب المهيمنة على الحكم هي تلك الأحزاب التي لا تمتلك شرعية وجودها أصلاً، لأنها تقوم على أساس ديني وطائفي، فهي أحزاب إسلامية سياسية تعتمد المذهب أو الطائفة الدينية في نهجها وسياساتها ومواقفها، سواء أكانت شيعية أم سنية. فالدستور العراقي، وكذا اللوائح الدولية في مجال حقوق الإنسان، يرفض التمييز بين البشر على أساس الدين والمذهب، في حين إن هذه الأحزاب الإسلامية السياسية تمارس المحاصصات الدينية والطائفية في نهجها في الحكم وفي قوائمها الانتخابية وتوظيفاتها في أجهزة الدولة، وفي كل السلطات العراقية الثلاث. إن مثل هذه الأحزاب تشكل مخالفة صريحة ومتقاطعة مع الشرعية الدستورية. ولو كانت المفوضية المستقلة للانتخابات مستقلة حقاً، لمنعت مشاركة هذه الأحزاب في الانتخابات الماضية والقادمة، كما إن القضاء العراقي المسيس والحديث الجاري والواسع عن فساده يزكم أنوف الرأي العام العالمي، غير مهتم بالتحري عن مدى ممارسة الدستور العراقي من جانب القوى السياسية الفاعلة بالساحة السياسية العراقية. إن الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية، الشيعية منها والسنية، لا تقبل في عضويتها سنة، إن كانت هذه الاحزاب شيعية، ولا تقبل شيعة، إن كانت هذه الأحزاب سنية، أي إنها لا تقوم على مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية، بل على أساس الهويات الفرعية القاتلة لوحدة الشعب ونسيجه الوطني ووحدة الوطن أيضاً، إذ إن الصراعات التي تخوضها تقوض الوحدة وتدفع باتجاه التقسيم والانفصال.
ولم تكتف هذه الأحزاب بإنشاء أحزابها الطائفية، بل عمدت إلى الإيغال بالعمق الطائفي المقيت، حين أسست تحالفاً شيعياً سمته تحالف "أهل البيت" أو "التحالف الوطني!"، واي تحالف وطني عراقي يمكن أن يضم في صفوفه الشيعة فقط، أي مهزلة هذه التي يعيشها العراق والقضاء العراقي. وقد نتج عن ذلك ان الأحزاب السنية هي الأخرى عمدت إلى إقامة مثل هذه التحالفات المقيتة التي تساهم في تدمير العراق وتعميق الانقسام الديني والطائفي، كما هو عليه حال العراق المأساوي حالياً.   
*3* الواقع السياسي السائد بالعراق والصراعات الجارية بين الأحزاب الإسلامية والقومية على السلطة والمال والنفوذ.
الواقع السياسي الراهن بالعراق معقد ومتشابك ومؤذي إلى أبعد الحدود لكل الشعب وقضاياه العادلة والملحة. ففي الوقت التذي تخوض القوات المسلحة العراقية والپيشمرگة والمتطوعين حرباً ضد العدو الجبان الذي اجتياح العراق بفضل نهج وسياسات حزب الدعوة وقائده نوري المالكي والتحالف الوطني، تحالف أهل البيت، وبفضل أحزاب وأشخاص مثل الأخوين النجيفي والمطلگ والجبوري ومن لف لفهم، تتصارع هذه القوى الطائفية على مصالحها الذاتية، وللهيمنة على الحكم والتصرف بالمال وتأمين النفوذ في المجتمع، إنها المأساة التي يواجهها العراق حالياً. فهذه القوى ما تزال غارقة حتى أذنيها في الصراع على الحكم والمال، رغم خواء خزينة الدولة بعد أن ابتلعوا المئات من المليارات من الدولارات الأمريكية، التي وجهت إلى البنوك الدولية، ولاسيما الإيرانية وغيرها من بنوك الجزر البريطانية وسويسرا ولوكسمبورغ، التي لا رقابة دولية فعلية عليها. إن الصراعات الجارية حالياً، بما في ذلك الصراع على رئاسة وحكومة الإقليم، سوف لن تساعد، وفي ظل الحكم الطائفي، في الوصول إلى أوضاع آمنة لانتخابات نظيفة وسليمة وعادلة. فسوف تمارس المليشيات المسلحة لهذه الأحزاب، وهي ميليشيات خارج القانون وقائمة بالرغم مخالفتها للدستور، دورها في كبت أصوات الناخبين أو شراء تلك الأصوات لأناس فقراء معدمين يجبرون تحت طائلة الفقر، وتأثير شيوخ الدين، انتخاب تلك القوى التي أوصلت العراق إلى الحالة البائسة الراهنة.   
*4* طبيعة قانون الانتخابات الجائر الذي يراد ممارسته في انتخابات عام 2018.
 استطاعت الأحزاب الدينية الطائفية والقومية المشاركة في الحكم والمهيمنة على الأغلبية البرلمانية، فرض نظام جائر للانتخابات البرلمانية العراقية، بعد أن اختارت القاعدة الأسوأ في هذا النظام الانتخابي. وهي لم تكتف بذلك بل تعمد الآن وفي الانتخابات القادمة فرض الطريقة الأكثر إساءة للديمقراطية والأكثر إيذاء للأحزاب الديمقراطية والأكثر تقويضاً للعدالة الانتخابية. فما هو هذا النظام الذي تمارسه القوى الطائفية والقومية التي ارتضت بمساوماتها فرض هذه الطريقة التي يطلق عليها سانت ليغو؟ إليكم ما جرى في انتخابات 2014 على سبيل التوضيح، كما جاء بصواب في مقال للسيد علاء اللامي:
في الانتخابات التشريعية السابقة تم احتساب الأصوات بالطريقة العادية والتي تجري كالآتي:
 - تفرز الأصوات وتحسب ثم توزع على الكتل التي نالتها.
 - يفوز كل مرشح من الكتل فاز بالمعدل المطلوب وهو 30 ألف صوت/ في الانتخابات السابقة كمثال.
-  بعد ذلك تجمع الأصوات الفائضة وتوزع على الكتل الفائزة بأكبر عدد من الأصوات لتكون من حصة المرشحين في كل كتلة حسب ترتيبهم في القائمة وليس حسب ما نالوه فعلا من أصوات.
هذه الطريقة أنتجت في الانتخابات السابقة 17 عشر نائبا حقيقا فقط فاز بأصوات منحت له من مجموع 325 نائبا، باعتراف أحد المحامين المقربين من دولة القانون هو طارق حرب والذي كتب (بالرجوع الى قوائم الفائزين في الانتخابات الخاصة بمجلس النواب يوم 7/ 3/ 2010 وجدنا ان عدد الفائزين في الانتخابات كانوا (17) نائبا فقط، وهذا يعني ان (308) نائب احتلوا مقاعدهم في مجلس النواب على الرغم من عدم فوزهم في الانتخابات، وذلك بسبب عدم حصولهم على عدد الاصوات المطلوبة للفوز وان وصولهم الى مجلس النواب وحصولهم على صفة نائب كانت بسبب حصولهم على اصوات اخرى من الاصوات الممنوحة للكيان السياسي، اي ان جلوسهم في المقعد البرلماني وتحت قبة البرلمان لم يكن بسبب الاصوات التي حصلوا عليها وإنما بسبب الاصوات الممنوحة للكيان (هؤلاء 17 نائبا هم الذين يستحقون الفوز بالأصوات التي نالوها والتي بلغت أو فاقت المعدل المطلوب)، أما الآخرون فقد وزعت عليهم الأصوات التي فاز بها زعماؤهم
مثلا، المالكي فاز بأكثر من 600 ألف صوت في بغداد، وهو يكفيه ثلاثون ألف وهكذا فالأكثر من نصف مليون صوت فائضة عن حاجته وزعت على مرشحين من قائمته حتى لو أن أحدهم لم يفز بأكثر من خمسين، أكرر خمسين صوتا، وهذا حدث في جميع القوائم وليس في دولة القانون فقط. وهنا طرحت فكرة اللجوء الى نظام سانت ليغو. ومما يزيد في الطين بلة إن الطريقة العراقية المعدلة تريد رفع القاسم من 1،4 إلى 1،6 وبالتالي تقود كما يشير الكاتب اللامي بصواب إلى إلحاق أفدح الأضرار بالأحزاب الصغيرة. في حين تعتبر الطريقة الأفضل والأكثر عدلاً تلك التي تأخذ العراق كله كدائرة انتخابية واحدة وتحسب الأصوات لصالح المرشحين في كل قائمة.
*5* طبيعة المفوضية المستقلة للانتخابات التي ستنظم العملية الانتخابية وتشرف عليها.
شكلت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق على وفق القانون رقم 92 الصادر بتاريخ 31 أيار/مايس 2004 باعتباره هيئة حكومية حيادية مستقلة. وقد ثبت ذلك في الدستور العراقي الذي أقر في العام 2005. وهي الجهة الوحيدة المسؤولة عن تطبيق وتنفيذ الأنظمة والقواعد والإجراءات المتعلقة بالاستفتاءات والانتخابات ومسؤولة أمام البرلمان العراقي. والسؤال المباشر هو: هل هذه المفوضية العليا المستقلة، مستقلة حقاً في عملها؟ لكي تكون المفوضية مستقلة وبعيدة عن تأثير أي حزب من الأحزاب السياسية، أو تأثير الحكومة العراقية، يشترط أن يكون رئيس وأعضاء هذه المفوضية شخصيات حقوقية مستقلة عن الأحزاب والقوى السياسية العراقية. فهل تشكلت هذه المفوضية على هذا الأساس؟ لقد تشكلت المفوضية العليا على أساس المحاصصة الطائفية السياسية، على أساس الأحزاب المشاركة في الحكم وحصتها في الحكومة ومجلس النواب. وهذا الأمر مخالف تماماً للمبدأ الأساس في تشكيل المفوضية، وأعني بهما الحيادية والاستقلالية عن الأحزاب والحكومة وكل الجهات الأخرى ولا تخضع لأي كتلة نيابية، بل هي تابعة لمجلس النواب العراقي. ولهذا، ومنذ أن بدأت المفوضية العليا بتنظيم الانتخابات والاستفتاءات في العام 2005 حتى الوقت الحاضرـ تواجه انتقادات شديدة وشكاوى متزايدة ترفعها الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وأوساط شعبية واسعة تؤكد عدم نزاهة هذه المفوضية، بسبب تشكيلها على أساس المحاصصة الحزبية الطائفية والأثنية. وقد قدمت عشرات الشكوى بهذا الصدد، ولكن لا أحد استطاع حتى الآن تغيير هذا الواقع السيء رغم مخالفته الصريحة للدستور العراقي ولنزاهة الانتخابات ونظافتها ومصداقيتها أمام الشعب وأما الرأي العام العالمي.
إن الخلل يكمن في قدرة الحكومة والأحزاب، التي تملك أكثرية في هذه المفوضية، التأثير الفعلي، كما حصل في الدورات الانتخابية السابقة، على مجرى الانتخابات ونتائجها والشكوى الصارخة من عدم نزاهتها.
إن الحل المطلوب هو تغيير بنية المفوضية العليا للانتخابات وملئها بشخصيات مستقلة محترمة ومقبولة، لكونها لا تنتمي لأي حزب من الأحزاب السياسية العراقية وتمتلك القدرة على تطبيق قانون الانتخابات دون السماح بتدخل الحكومة أو أحزابها، أيا كانت هذه الحكومة أو كان هذا الحزب. وحتى الآن ترفض الأحزاب الحاكمة إجراء مثل هذا التغيير، تماماً كما ترفض تغيير قانون الانتخابات بما يسمح بتحقيق العدالة الفعلية للمرشحين واحترام حقوق الناخب العراقي وتصويتهم.
*6* التدخلات الدينية والخارجية لدول الجوار وغيرها في الشأن العراقي والانتخابي القادم.
شهدت الانتخابات والاستفتاءات السابقة دون استثناء تدخلاً فظاً من جهات عديدة قادت باستمرار إلى التأثير الفعلي المباشر وغير المباشر على الناخب العراقي. فالناخب العراقي أمام التأثيرات التالية:
-   تأثير المرجعيات الدينية الشيعية والمؤسسات الدينية السنية التي لا يحق لها كمؤسسات دينية التدخل في الشأن الانتخابي وفي السياسة عموماً، إذ قاد ويقود ذلك، دون أدنى ريب، إلى المزيد من التوترات الدينية والطائفية بالبلاد. وهذا ما حصل فعلاً حين أيدت المرجعية أو المرجعيات الدينية بالنجف الأحزاب الإسلامية السياسية ونوري المالكي بالذات، وهي بالتالي تتحمل مسؤولية أدبية ومعنوية وفعلية لما ارتكبه هذا الشخص بحق البلاد وما وصلت إليه حالة الشعب في الوقت الحاضر. 
-   التدخل الحكومي الفظ في الانتخابات وأحزابها على نطاق العراق كله التي لم تكف عن توزيع الأموال والهدايا والوظائف للناخبات والناخبين الفقراء وغيرهم، وكذلك استخدام الدين في دعايتهم الانتخابية. ويقدم المالكي والنجيفي وغيره نماذج صارخة في هذا المجال. ولا تختلف كردستان عما يجري على نطاق العراق كله بهذا الصدد.
-   التدخلات الخارجية الإيرانية والتركية والسعودية والقطرية وعموم الخليج في توزيع الأموال والدعاية الدينية المباشرة وغير المباشرة للتأثير الفعلي على مجرى الانتخابات العراقية، واستخدام الوسائل الإعلامية وخاصة شاشات التلفزة لانتخاب من يريدون فوزه. إن نتائج هذا التدخل تبرز في نتائج الانتخابات غير النزيهة
والحكومة العراقية هي المسؤولة عن كل ذلك لأن طبيعتها تسمح بحصول كل هذه التجاوزات التي حصلت والتي ستحصل في الانتخابات القادمة ما لم يجر التغيير الجذري المنشود في واقع العراق الراهن. ولا يخفى على أحد ما حصل في العام 2010 حين تدخلت الولايات المتحدة وإيران وعقدت مساومة مذلة بينهما وفرضت على رئيس الجمهورية وبقية القوى السياسية القبول بتشكل نوري المالكي الحكومة الثانية والتي حصلت فيها كل المآسي بما في ذلك استشهاد عشرات ألوف العراقيين وسيطرة الدواعش على المحافظات الغربية وأخيراً اجتياح الموصل قبل فرض انسحابه من الحكومة وعدم تشكيل حكومة ثالثة بعد انتخابات 2014.
لا نغادر الحقيقة إذا ما أشرنا إلى أن الانتخابات القادمة سوف لن تكون حرة وديمقراطية ونزيهة، لأنها ستجري في ظل النظام السياسي الطائفي المحاصصي القائم، وفي ظل وجود المليشيات الطائفية المسلحة، التي تخنق حرية الإنسان وحقوقه وحقه في إداء صوته بحرية وديمقراطية ودون تزييف لإرادته. ولو تابعنا ما يجري الآن لتأكدنا من النوايا المبيتة ضد القوى المدنية والديمقراطية العلمانية، إذ بدأ نوري المالكي، رئيس حزب الدعوة ونائب رئيس الجمهورية دعايته الموجهة ضد القوائم المدنية الديمقراطية والعلمانية، وما سماه بالأفكار الهدامة، في خطبته الأخيرة في الذكرى السابعة والثلاثين لاستشهاد محمد باقر الصدر، وبوجود رئيس الجمهورية، العلماني" ورئيس الوزراء، والتي أعقبها مباشرة الاعتداء على طلبة جامعة القادسية بأزلام مدججين بالسلاح ليحرموا الطلبة من الاحتفال المجاز من قبل الجامعة وجرح طالبين واعتقال طلبة آخرين بدلاً من اعتقال المعتدين، إضافة إلى رمي رمانات يدوية على مقر الحزب الشيوعي العراقي في الديوانية وانفجارها وتدمير الأثاث فيها، والذي يمكن ببساطة تحديد الجهة التي بدأت تعمل بها بعض القوى والأحزاب الإسلامية السياسية وميليشياتها المسلحة بالعراق.
إن الموقف الوحيد الذي يفترض التحرك صوبه هو السعي لتحقيق التحالف الوطني والديمقراطي المنشود بالعراق في مواجهة ما يراد لهذا البلد من مستقبل مظلم في ظل الثيوقراطية المتخلفة التي يسعى إليها المعادون لبناء عراق مدني ديمقراطي علماني اتحادي حديث وحر. فهل ستسعى القوى المدنية والديمقراطية إلى ذلك، أم ستعتبر إن الوقت ما زال مبكراً للبحث والسير صوب التحالف المدني الديمقراطي المنشود؟   
لن تكون هناك أية ضمانات لانتخابات حرة وديمقراطية ونزيهة وعادلة في ظل نظام سياسي طائفي مقيت ومحاصصة طائفية مناهضة للوطن والمواطن وتسبب في كل الكوارث والمآسي التي يعيشها الشعب منذ نيف وعقد من السنين! 

48
كاظم حبيب
الشعب الكردي وحقه في تقرير المصير والوضع الراهن
الشعب الكردي موزع مع أرضه على أربع دول هي تركيا وإيران والعراق وسوريا. لم يتم هذا التوزيع بإرادته المستقلة ورضاه. وإذا كان التقسيم الأخير قد تم في نهاية الحرب العالمية الأولى، فأن التقسيم السابق قد وقع في القرن السادس عشر وفي الحرب بين الدولة العثمانية والدولة الفارسية، في حين كان في فترة الدولة العباسية كله خاضعاً للدولة العباسية، كما هو حال إيران وتركيا وبلاد ما بين النهرين. وقبل الحرب العالمية الأولى كانت كردستان وشعبها قد قسما على دولتين هما الدولة الفارسية والدولة العثمانية في أعقاب معركة جالديران في العام 1514. وطيلة الفترة المنصرمة لم يخضع الشعب الكردي أو يستكين لهذه الحالة وكان يطمح للخلاص من الهيمنة الأجنبية عليه، تماماً كما سعى الشعب العربي في المنطقة إلى ذلك.   
ومنذ الحرب العالمية الأولى، وبعد قرار إلحاق ولاية الموصل بالعراق، على وفق قرار مجلس عصبة الأمم، فـأن هذا الإلحاق قد تم في ضوء مجموعة من الرسائل والاتفاقات مع الحكومة العراقية والملك فيصل الأول. ولكن الحكومات العراقية المتعاقبة لم تنفذ تلك الاتفاقات التي سجلت في رسائل متبادلة بين الملك فيصل الأول والحكومة العراقية من جهة، ومجلس عصبة الأمم من جهة أخرى.وقد تسبب موقف الحكومات الملكية إلى نضالات مستمرة وانتفاضات مسلحة من جانب الشعب الكردي لنيل حقوقه المشروع والعادلة. وقد جوبهت تلك النضالات والانتفاضات بالحديد والنا وقمعت بقسوة شديدة. ولكن نضالات الشعب الكردي لم تقتصر على إقليم كردستان العراق فحسب، بل وحصل ذلك بالأقاليم الأخرى أيضاً، ولاسيما بإيران وتركيا، وبصيغ وأساليب وأدوات مختلفة.
اللوائح والمواثيق الدولة كافة تؤكد بحق كل شعب، صغرها وكبيرها، في تقرير مصيره بنفسه ودون تدخل من أحد. وهذا الحق لا يقتصر على شعب كردستان العراق فحسب، بل يشمل الشعب الكردي في بقية أجزاء كردستان الكبرى المقسمة.
وتاريخ العراق الحديث يحدثنا عنن التحام نضال الشعب الكردي بكردستان العراق بنضال القوميات ، أي مع الشعب العربي ومع الكلدان والأشوريين والسريان والتركمان، في سبيل الاستقلال والسيادة الوطنية أولاً، وفي سبيل الحريات الديمقراطية والحياة الدستورية ثانياً، ومن أجل تأمين الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي ثالثاً. وإذ بدأ النضال الكردي في سبيل الحقوق والحريات الديمقراطية، تطور إلى مطلب الحكم الذاتي، ومن ثم إلى الفيدرالية في إطار الدولة العراقية ضمن الحق المشروع في تقرير المصير، بما في ذلك الحق في الانفصال وتشكيل الدولة الكردستانية. وبعد مرور 65 عاماً على إلحاق ولاية الموصل، ومعها إقليم كردستان العراق، بالدولة العراقية الملكية، حقق الخطوة المهمة على طريق ممارسة حق تقرير المصير بإعلان الفيدرالية في إطار الدولة العراقية في العام 1991. ولكن هذا الإنجاز لم يكن الهدف الأخير للشعب الكردي بالعراق، بل من حقه أن يعمل على تحقيق الاستقلال عن الدولة العراقية وتشكيل دولته الوطنية المستقلة. لقد اعترف بذلك الحزب الشيوعي العراقي ورفع الشعار منذ الخمسينيات من القرن العشرين، وكان موقف الكثير من التقدميين والديمقراطيين المستقلين مشابهاً لموقف الحزب الشيوعي العراقي. وكان أول من رفع هذا الشعار هو الشخصية الوطنية والأممية المعروفة والمناضل الماركسي والشخصية الشيوعية البارزة وعضو مجلس السلم العالمي الأستاذ والرفيق الطيب الذكر عزيز شريف (6 تشرين الثاني21 -1904  نيسان(1990  في العام 1950/1951. ثم تجلى بعد ذلك في رفع شعار حق تقرير المصير من قبل الحزب الشيوعي العراقي في العام 1952/1953. واستمر مرفوعاً حتى هذا اليوم.       
منذ فترة والسيد رئيس إقليم كردستان العراق يتحدث عن إجراء استفتاء بشأن ممارسة حق تقرير المصير للشعب الكردي بكردستان العراق. لا أشك ولو للحظة واحدة بأن الشعب الكردي لا يريد ممارسة هذا الحق، بل سيؤكد الاستفتاء على الرغبة الصادقة لدى الكرد في ذلك. ولا أستطيع أن أؤكد رأي القوميات الأخرى بالإقليم بهذا الصدد، إذ يمكن أن يكون الموقف مغايراً. ولكن هذا أيضاً حق من حقوق القوميات الأخرى بالعراق وبالإقليم في آن واحد. وعلى وفق ما أراه بأن الاستفتاء سينتهي إلى نتيجة واضحة هي إقامة الدولة الكردية المستقلة على ذلك الجزء من الأرض الكردستانية التي تسمى جنوب كردستان.
ولكن تنفيذ هذا القرار، كما أرى يخضع لمجموعة من العوامل، التي لا أطرحها هنا لوضع العراقيل أمام تنفيذ ما يتوصل له الاستفتاء، بل انطلاقاً من الواقع الراهن في منطقة الشرق الأوسط عموماً، والعراق والدول المجاورة للعراق خصوصاً وكذلك الوضع بالإقليم ذاته.
وكما أرى فأن مهمة قادة إقليم كردستان دراسة وتحليل ومعالجة المشكلات التالية في ضوء المعطيات الراهنة والمتحركة مستقبلاً وبالوجهة المحتملة:
1.   لا يستوجب تحقيق الانفصال وإقامة الدولة الكردستانية المستقلة إرادة الشعب الكردي حسب، بل لا بد من التيقن من مواقف القوى السياسية الفاعلة بكردستان ذاتها، وكيف هو موقفها الراهن وكيف سيكون موقفها بعد إعلان الاستقلال. إذ لدينا أكثر من تجربة على الصعيد الدولي، ومنها بشكل خاص جنوب السودان الذي ما يزال يعاني من حرب أهلية طاحنة لم تتوصل الأطراف الوطنية فيها، والتي ناضلت طوال سنوات في سبيل الاستقلال، من تحقيق وحدة الصف الوطني. وهي تخوض حرباً منهكمة ومدمرة ومشردة للشعب في جنوب السودان، ومثل هذه التجربة لا بد أن تؤخذ بنظر الاعتبار جدياً. إذ نحن نرى بوضوح كبير الصراع الدائر بالإقليم على السلطة والمال والنفوذ والذي تفاقم في الآونة الأخيرة والذي لا يهدد الوصول إلى موقف موحد فحسب، بل وينشأ احتمال النزاع العسكري الذي توقف منذ العام 1996.
2.   لا بد من ترتيب الموقف مع الحكومة الاتحادية بشأن المناطق المتنازع عليها بصورة سلمية وديمقراطية بما يسمح بالوصول إلى نتائج مرضية للطرفين، ليس فقط لتلك المناطق التي تعتبر كردية والحكومات العراقية المتعاقبة تعتبرها عربية، بل وكذلك لمناطق المسيحيين التي تتداخل بين الإقليم والعراق، وبما يسهم الوصول إلى حلول عادلة ومخلصة. وهي إشكالية كبيرة في ظل النظام والوضع السياسي الراهن. إن القوى القومية، سواء أكانت عربية أم كردية، مستعدة لخوض النزاع العسكري على قطعة أرض صغيرة. وليس في مصلحة جميع القوميات الموجودة بالعراق نشوء مثل هذا النزاع. وأكثر المناطق سخون هي كركوك التي يفترض أن تعالج على وفق المادة 140 من الدستور العراقي وبعيداً عن التسويفات والتأخير التي تقود إلى الوضع الذي نحن فيه الآن ونشوء مشكلة رفع الراية الكردستانية أو رفض رفعها كما في قرار مجلس النواب العراقي.
3.   إن الأوضاع بالعراق وبالإقليم تفتقد للكثير من الحريات العامة والحياة الديمقراطية السليمة، وبهذا يمكن أن تنشأ إشكاليات كبيرة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وتنعكس على الوضع العام بالبلاد، إضافة إلى مواقف الأحزاب المختلفة على صعيدي العراق والإقليم.
4.   ليست المشكلة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم تمس موضوع الأرض فقط، بل هي مرتبطة بالثروات التي في باطن الأرض، ولاسيما النفط، وهذا الأمر يفترض أن يسوى بروح ديمقراطية حريصة على بقاء العلاقات بين الشعبين حتى بعد حصول الانفصال وإقامة الدولة الكردستانية المستقلة. والسؤال هل الوضع الراهن مؤهل لذلك؟
5.   إن إقليم كردستان العراق محاط بالدولة الإيرانية والدولة التركية وسوريا الجريحة، وهي دول كلها لا ترفض الدولة الكردستانية المستقلة فحسب، بل يمكن أن تقوم بعملية مباغتة ضد الإقليم والتي يعجز الإقليم في الدفاع عن نفسه، علماً بأن العلاقات الدولة تقوم على المصالح، ومصالح الغرب مع تركيا أكبر بكثير من مصالحه مع حكومة الإقليم، وكذلك مع حكومة العراق. وهي إشكالية يراد دراستها بعمق ومسؤولية كبيرة.
6.   المشكلة تكمن أيضاً بأن هذه الدول، ورغم الرياء الذي يغلف موقفها حالياً، وبشكل خاص تركيا، فأنها يمكن أن تتفق على خنق الإقليم اقتصادياً وتجارياً، الذي لا يملك أي منفذ على بحر أو مياه إقليمية ولم يهيئ لأي أمن اقتصادي أو غذائي. وليس بغريب على هذه الدول التي تخشى أن تتعزز الحركات المماثلة في الأقاليم الكردستانية في دولها، وهو أمر متوقع طبعاً، ولا بد من أخذه بالحسبان، خاصة وأن السياسة الإقليمية يمكن أن تتجه للتلاقي بين إيران وتركيا والعراق وسوريا ضد الشعب الكردي في كل أجزاءه.
7.   ولا بد هنا من إدراك حقيقة أن الاقتصاد الكردستاني اقتصاد استخراجي ريعي بنسبة عالية جداً، إضافة إلى كونه استهلاكي وليس إنتاجي، وبالتالي فهو يعتمد على النفط الخام تصديراً وعلى الموارد المالية للنفط المصدر في استيراد السلع الاستهلاكية لمعيشة الشعب، وهذه الحقيقة المرة هي نتاج للسياسات العراقية المتواصلة منذ عقود ضد التنمية الاقتصادية عموماً، وعلى صعيد الإقليم خصوصاً، وتواصلت هذه السياسة ضد التوجه صوب الاقتصاد الإنتاجي حتى بعد عام 1992 حتى قبل بدء أزمة الموارد المالية النفطية بسبب انخفاض أسعاره في السوق الدولية.
8.   عليّ كاقتصادي وسياسي عراقي أن أشير بوضوح إلى أن القيادات الكردستانية يفترض أن لا تعتمد على الحماس الوطني وحده، فهذا لا يكفي أبداً، رغم أهميته وضرورته، بل يفترض توفير المستلزمات الضرورية على الصعد الداخلية والإقليمية والدولية من جهة، وتأمين الوعي الاجتماعي والمستلزمات الاقتصادية والاجتماعية اللازمة لمثل هذه الخطوة من جهة أخرى.
9.   وأخيراً لا بد أن تؤخذ الأوضاع الراهنة في الحرب ضد داعش بنظر الاعتبار لكي لا تتبعثر الجهود التي يفترض توجيهها للمعركة ضد عصابات داعش الإرهابية.
   أضع هذه الأمور أمام أنظار الأخوة الكرد لدراستها ولا شك بأنها غير غائبة عن أنظارهم، ولكن الواقع الذي يعيشه الشعب الكردي حالياً وكل الشعب العراقي يمكن ألا تسمح برؤية كل ما هو ضروري رؤيته حين الإقدام على خطوة الاستفتاء التي اعتقد بأن ليس هناك كردياً واحداً لا يؤيد ولا يوقع بعشرة أصابع علي حق تقرير المصير من حيث المبدأ، ويمكن أن يبرز الاختلاف في التوقيت وفي شروط ومستلزمات الإعلان عن الاستفتاء، ومن ثم ما بعد إعلان الخطوة أيضاً.
يقول البعض من الأخوة أنكم تؤيدون ذلك ولكن غالباً ما تضعون الكثير من المسائل التي أشبه بمن يقول "نعم"، ولكن..! من حمل السلاح مع الكرد بقناعة تامة في سبيل الديمقراطية للعراق وحق تقرير المصير للشعب الكردي، لا يمكن أن يتخذ مثل هذا الموقف السلبي. إلا إن الضرورة هي التي تستوجب طرح المسائل التي يفترض أن تدرس قبل البدء بالخطوة المرجوة، خاصة وأن الشعب الكردي وقيادته كثيراً ما لدغت من الدول الكبرى ومن دول الإقليم ومن الساسة العراقيين والحكومات العراقية المتعاقبة.
وأرى بأن من يدعو إلى ربط إعلان الاستقلال مع نتيجة الاستفتاء كمن يقول: اقتلوني ومالك!

49
 
د. كاظم حبيب
هل من معالجة جادة لمشكلات الاتحاد الأوروبي؟
سجل يوم 25/03/2017 الذكرى الـ 60 لميلاد السوق الأوروبية المشتركة بمدينة روما، حيث تم التوقيع على الوثيقة المشتركة من قبل الدول الأوروبية التالية: فرنسا وإيطاليا وألمانيا الغربية وبلجيكا وهولندا ولكسمبورغ. كانت فكرة تأسيس السوق الأوروبية المشتركة قد برزت منذ عام 1951 وطرحت كمشروع بمدينة روما بأمل إقامة وحدة اقتصادية فيما بين هذه الدول لاحقاً. وفي أعوام مختلفة تالية التحقت دول أخرى بالسوق المشتركة. ففي عام 1973 التحقت بها كل من المملكة المتحدة والدانمارك، ثم اليونان عام 1981، وإسبانيا والبرتغال عام 1986، ثم إيرلندا عام 1993، فالسويد وفنلندا والنمسا عام 1995. وفي العام 1992، أي قبل انضمام إيرلندا والسويد وفنلندا والنمسا، تم تأسيس الاتحاد الأوروبي بعد وضع اتفاقية جديدة والتوقيع عليها في مدينة ماسترخت/، وسميت باتفاقية أو معاهدة ماسترخت، وهي مدينة هولندية تقع في الجنوب الشرقي من هولندا. ومنذ عام 2004 بدأ التحاق دول أوروبا الشرقية المنسلخة من اتفاقية التعاون الاقتصادي المتبادل مع الاتحاد السوفيتي السابق والأعضاء في حلف وارشو السابق، إلى الاتحاد الأوروبي بعد انهيار المنظومة الاشتراكية واتفاقياتها المشتركة، حتى بلغ مجموع دول الاتحاد الأوروبي حتى الآن 28 دولة هي كالآتي:   
1) بلجيكا، 2) فرنسا، 3) ألمانيا، 4) إيطاليا، 5) لوكسمبورغ، 6) هولندا، 7) الدّنمارك، 8) إيرلندا 9) المملكة المتّحدة، 10) اليونان، 11) البرتغال، 12) إسبانيا، 13)، النّمسا، 14) فنلندا، 15) السويد، 16) قبرص، 17) التشيك، 18) إستونيا، 19) المجر، 20) لاتفيا، 21) ليتوانيا، 22) يالطا، 23) بولندا، 24) سلوفاكيا، 25) سلوفينيا، 26) بلغاريا، 27) رومانيا، 28) كرواتيا.
وفي على 23 حزيران/يونيو 2016 أقدم رئيس وزراء بريطانيا المحافظ ديفيد كاميرون على إجراء استفتاء شعبي ببريطانيا حول بقاء أو انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. فاز في الاستفتاء الرأي الداعي إلى انسحاب بريطانيا وجبل طارق من الاتحاد الأوروبي، رغم إن الفارق بين المؤيدين والمعارضين للانسحاب كان ضئيلاً جداً، 51,9 : 48,1 %، فاستقال رئيس الوزراء وشكلت السيدة المحافظة تيريزا ماي وزارة المحافظين الجديدة. وفي 30 من شهر أذار/مارس 2017 قدمت رئيسة الوزراء طلباً رسمياً بانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وستستغرق مفاوضات الانسحاب الصعبة والمعقدة والمكلفة جداً لبريطانيا حوالي السنتين، على وفق المادة 50 من معاهدة ماسترخت لسنة 1992. وقد أشاع هذا الانسحاب خشية كبيرة لدى بعض دول الاتحاد، لاسيما ألمانيا المستفيدة الكبرى من وجوده، لاحتمال حصول تداعيات وانسحاب بعض الدول الأخرى منه.   
كل الدلائل التي تحت تصرف الكاتب تشير إلى أن مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وخاصة مجلس ورئاسة الاتحاد، ومن ثم البرلمان الأوروبي قد تسرعا جداً بدعوة وإلحاق جميع دول أوروبا الشرقية، وبعض تلك الدول كان جزءاً من الاتحاد السوفييتي السابق، إلى الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى ضمها في عضوية حلف شمال الأطلسي، بأمل قطع الطريق على أي احتمال بالبقاء خارج هاتين المنظمتين السياسية-الاقتصادية والعسكرية، أو إقامة علاقات جديدة مع روسيا الاتحادية، وبأمل خلق طوق اقتصادي-سياسي-عسكري من هذه الدول الأعضاء الجدد في حلف شمال الأطلسي حول روسيا، باعتبارها دولاً مناهضة للدولة الروسية الاتحادية. وكان هذا الموقف أحد أبرز أخطاء المؤسسات الرسمية للاتحاد الأوروبي، لأن الاتفاقات التي كانت قد وقعت مع الاتحاد السوفييتي في حينها تؤكد ابتعاد حلف شمال الأطلسي من الدول المجاورة للاتحاد السوفييتي السابق قبل انهياره والدولة الروسية الاتحادية الجديدة. وكان هذا إخلال بالاتفاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي من جانب الاتحاد الأوروبي الذي تسبب في مشكلات لاحقة وأثار استياء روسيا، ولاسيما حين اقترب الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي من أوكرانيا، وما نشأ بسبب ذلك من صراعات وقتال وانقسام وإلغاء قرار خروتشوف الصادر في العام 1954 بجعل جزيرة القرم جزءاً من جمهورية أوكرانيا ذات الحكم الذاتي التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي السابق. وفي حينها نشرت صحيفة "برافدا"، الناطقة باسم الحزب الشيوعي السوفييتي، خبراً بجملة طويلة واحدة يوم 27 فبراير/ شباط ،1954 قائلة: "أصدر مجلس السوفييت الأعلى مرسوماً يقضي بنقل ملكية محافظة القرم من الجمهورية الروسية إلى جمهورية أوكرانيا، آخذاً في الاعتبار الطابع التكاملي للاقتصاد، والمجاورة الجغرافية، والروابط الاقتصادية الوثيقة بين محافظة القرم وجمهورية أوكرانيا، ومصادقاً على اقتراح رئاسة مجلس السوفييت الروسي ورئاسة مجلس السوفييت الأوكراني بشأن نقل محافظة القرم من الجمهورية الروسية إلى الجمهورية الأوكرانية. هكذا حصلت أوكرانيا على "هدية من خروتشوف."(أنظر: موقع الخليج، ملحق الاسبوع السياسي، كيف قدم خروتشوف القرم "هدية" إلى أوكرانيا؟ تاريخ النشر: 13/03/2014.
http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/8d6cab89-ed94-4369-83f6- 4b52d3f0b0c0#sthash.7397GgTL.dpuf)         
لقد تغافلت دول الاتحاد الأوروبي عن الفوارق الجدية القائمة بين مستوى تطورها وتطور الدول الاشتراكية السابقة، والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة الناشئة في هذه الدول التي بدأت في طريقها المعقد صوب الانتقال التدريجي نحو الرأسمالية، رغم إنها لم تكن في واقع الحال في نظام اشتراكي فعلي.
إن إلقاء نظرة فاحصة على أوضاع الدول التي انخرطت في عضوية الاتحاد الأوروبي على امتداد الفترة الواقعة بين 1957-2017 سيجد أنها غير متجانسة من حيث مستوى تطورها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. فهناك مجموعة صغيرة من الدول الرأسمالية المتقدمة اقتصادياً، التي وصلت إلى قمة تطورها الرأسمالي على الصعيد العالمي، ولاسيما ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا، في حين تليها في مستوى التطور كل من النرويج وبلجيكا وهولندا والسويد والدنمارك وفنلندا، ثم تأتي مجموعة من الدول التي تعاني من مشكلات اقتصادية واجتماعية، والتي التحق أغلبها قبل عام 1992، ومنها اليونان والبرتغال وإسبانيا، بعدها تأتي الدول التي تقف على حافة التحول صوب الرأسمالية، وهي الدول "الاشتراكية" التي انسلخت من معاهدة التعاون الاقتصادي المتبادل ومن حلف وارشو والتحقت بالاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، رغم إنها هي الأخرى متباينة في مستوى تطورها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، مثل بولونيا وتشيكوسلوفاكيا الأكثر تقدماً بالمقارنة مع بلغاريا ورومانيا، وكذلك الدول التي تشكلت نتيجة التدخل الخارجي والحرب في يوغسلافيا السابقة، وهي الأقل تطوراً أو تلك التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي، جمهوريات إستونيا ولتوانيا ولاتفيا. ويتجلى التباين في مستويات التطور في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسات الداخلية، كما في مجالات البحث العلمي والتقدم التقني، وفي مستوى تطور القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج الرأسمالية، وتشوه بنية الاقتصاد الوطني، وانخفاض مستوى إنتاجية العمل والناتج المحلي الإجمالي، وحصة الفرد الواحد من الدخل القومي والبطالة المكشوفة والمقنعة، إضافة إلى ضعف مستوى الخدمات الاجتماعية، ومنها الصحية والتعليم والتقاعد ومستوى الأجور والرواتب ...الخ، رغم وجود جوانب إيجابية كانت فيها وهي في إطار دول "الاشتراكية في الواقع"، في مجال الصحة والتعليم وجوانب أخرى.
لقد كان هذا كله واضحاً لمؤسسات الاتحاد الأوروبي، ولكنها لم تتخذ أية إجراءات حقيقية فاعلة تساهم في تغيير هذا الواقع ودعم سرعة تطور تلك البلدان للحاق بالدول الأكثر تقدماً وتقليص الفجوة بين الأكثر والأقل تطوراً، بل بذلت الدول المتقدمة جهوداً حثيثة للاستفادة من هذا الوضع غير السليم لصالحها، لاسيما لصالح ألمانيا الاتحادية، التي حققت نجاحات باهرة ومكاسب كبيرة على حساب دول الاتحاد الأقل تقدماً وتطوراً. وهو ما انعكس على العلاقات المتوترة بين تلك الدول وألمانيا بشكل خاص.
لم تكن هناك عجالة في ضم تلك الدول إلى الاتحاد الأوروبي فحسب، بل حصل التسرع في إقرار العملة الموحدة (اليورو) بدلاً من عملاتهم الوطنية وفرضها عملياً على كل الدول ما عدا بعض الدول القليلة مثل السويد والدنمارك وبريطانيا التي حافظت على عملاتها الوطنية. كما إن المعايير التي وضعت كانت وما تزال صالحة للدول المتقدمة في حين إنها ألحقت الضرر بتلك الدول الأقل تطوراً والأكثر معاناة من مشكلات اقتصادية واجتماعية.             
تشير مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك ما نضح عن الاحتفال بالذكرى الستينية لتأسيس السوق المشتركة بروما، إلى إن المبادئ التي تعتمدها هي: الحرية والديمقراطية ودولة القانون والسلام. ولكن هذه المبادئ الأربعة، رغم نواقص تطبيقها على وفق معايير التقدم فيها، ينقصها مبدأ أساسي واحد، إذ بسبب غيابه نشأت حقاً أغلب المشكلات الراهنة التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي، وأعني به العدالة الاجتماعية. إن غياب العدالة الاجتماعية عن مبادئ وواقع ونشاط مؤسسات ودول الاتحاد الأوروبي شمل كامل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعلمية والصحية على سبيل المثال لا الحصر. وقد تفاقم ذلك بممارسة دول الاتحاد الأوروبي نهج وسياسات اللبرالية الجديدة التي عمقت الفجوة بين هذه الدول في جميع المجالات، ولاسيما في مستويات الدخل ومستوى المعيشة ومستوى الخدمات الاجتماعية ومستوى التقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ومدى التمتع بالحريات العامة وحقوق الإنسان وحقوق المرأة وقضايا التمييز في المجتمع، بما في ذلك دور المرأة في المناصب العليا في الدولة والشركات والمؤسسات والمجتمع وفي الموقف من الفئات الفقيرة، كما وسع من قاعدة الفقراء في كل دول الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الدول الأكثر غنى مثل المانيا الاتحادية. 
والمشكلة الأخرى التي تعاني منها دول الاتحاد الأوروبي تبرز في تفاقم النهج البيروقراطي في مؤسسات الاتحاد الأوروبي الذي بدأت شكوى الجميع منها منذ سنوات كثيرة دون أن تتخذ الإجراءات لمواجهتها لصالح المزيد من الديمقراطية والشفافية في عمل ونشاط الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه. ويشار اليوم إلى أن الاتحاد الأوروبي يعاني من أزمة ديمقراطية فعلية. والمشكلة لا تمس الاتحاد الأوروبي وحده بل جميع دول الاتحاد الأوروبي التي تعاني كلها من هذه الأزمة، أزمة الديمقراطية الناقصة لصالح البيروقراطية المعششة في مؤسساتها والمؤذية لمزيد من دور الفرد والمجتمعات في اتخاذ القرارات والفعاليات والمشاركة الفعلية في ذلك. ويعاني سياسيو الدول الأوروبية من ضعف في مصداقيتهم أمام ناخبيهم، أو أمام مجتمعاتهم، والذي يتجلى في ضعف نسب المشاركة في الانتخابات من جهة، والتذمر المتزايد من سياسات الدول والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، حتى نشأت في كل هذه الدول أحزاباً يمينية تدعو للخروج من الاتحاد الأوروبي ومن منطقة اليورو، ولاسيما بعد بروز "أزمة اليورو" الراهنة والمستمرة، والتي بدأت تحوز على رضى المزيد من الناس وتحصل على مقاعد في المجالس المحلية والمجالس النيابية وفي البرلمان الأوروبي، في حين واصلت الأحزاب اليسارية الدعوة إلى تغيير في نهج وسياسات دول الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأوروبي ذاته لاسيما السياسات الاجتماعية دون المساس بوجوده.   
إن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى تغيير في الكثير من جوانب نهجه وسياساته الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية والموقف من تفاقم الفجوة بين الفقراء والأغنياء وتزايد عدد ونسبة الفقر في هذه الدول، باتجاه وعي حاجة المجتمع لهذا التغيير وضروراته وممارسته، وبدون ذلك سيتعرض الاتحاد الأوروبي إلى هزات جديدة ربما تفقده الكثير من الدول الأعضاء الحاليين، وإلى مزيد من التذمر والاحتجاج، والشاعر العباسي أبن النبيه قال يوماً "أول الغيث قطر ثم ينهمر المطر". حتى الآن لم يبرز أي توجه لدى الاتحاد الأوروبي للتغيير، ولكن هل ستجبر أزمة خروج بريطانيا من الاتحاد على اتخاذ بعض الإجراءات، وهل ستكون ترقيعية أم حقيقية، هذا ما ستكشفه الفترة القادمة، رغم علمي بأن التغيير المنشود لن يأتي على أيدي بنية مؤسسات الاتحاد الحالية ولا على أيدي القوى المحافظة المهيمنة هذه المؤسسات حالياً!         
 


50
كاظم حبيب
الجرح النازف: معاناة أهلنا بالموصل!
كل بلدة وقرية وبيت يتم انتزاعها من براثن عصابات داعش يسجل نصراً أكيداً لأهلنا بالموصل ولشعبنا بالعراق، إلا أن تحرير كل شبر من هذه الأرض الطيبة وأهلها الكرام تكلف الشعب العراقي عشرات الشهداء والجرحى والمعوقين والمزيد من الخسائر المادية، بما في ذلك دور السكن ومحلات العمل والبنى التحتية والكنائس والمساجد ودور عبادة أخرى، ودمار شامل. إضافة إلى ما يقترن بكل ذلك من نزوح مرعب ومحفوف بمخاطر الموت برصاص قناصة داعش الأوباش، أو انفجار الألغام التي زرعوها، أو القنابل التي تتساقط يومياً على رؤوس الناس في طريق نزوحهم إلى المناطق الأمنة بعيداً عن جبهات القتال ضد عدو مستهتر ويعيش هستيريا الخسائر الفادحة والهروب المتواصل لمجرميه من ساحات القتال.
وإذا كان القتال في الجولات الأولى قد تحقق بنجاح وبسرعة نسبية مع ضحايا كثيرة، فأن الجانب الأيمن من الموصل، حيث المدينة القديمة وحيث الشوارع والأزقة الضيقة والدور المليئة بالسكان، لاسيما النساء والأطفال والمرضى والعجزة، حيث يستخدمهم التنظيم الإجرامي كدروع بشرية للبقاء والمقاومة أطول فترة ممكنة أمام زحف القوات المسلحة العراقية ضد مواقعه وتطهير الأرض الطيبة من رجسه ودنسه وإجرامه. فالضحايا البشرية من شهداء وجرحى ومعوقين بين صفوف المدنيين والمقاتلين الشجعان هنا مضاعفة، كما إن الخسائر المادية أكبر بكثير من السابق، والتقدم بطيء ومليء بالمخاطر لأهلنا وأحبتنا، للمواطنات والمواطنين بالموصل وللقوات المسلحة العراقية.
ومما يزيد من فداحة الخسائر تلك الأخطاء التي يمكن أن ترتكب عبر ما يطلق عليه بـ "نيران صديقة"، تلك الصواريخ والقنابل التي يمكن أن تسقط على رؤوس المواطنات والمواطنين ومن مختلف الأعمار وتقتل المئات منهم، في حين كان المقصود بذلك أوباش داعش. وليس هناك من يستطيع أن يؤكد صواب هذا الادعاء بأنها "نيران صديقة" أم إنها استخدمت من جانب قوى أخرى في الجماعات الصديقة لتلحق الضرر بأهل الموصل. لا يمكن أن يؤكد هذا الأمر أو ذاك ما لم يجرِ تحقيق جدي وأمين من جهة مستقلة وبحيادية عالية لمعرفة حقيقة ما حصل في شمال الموصل حيث تحدثت الأخبار عن سقوط أكثر من 300 إنسان نتيجة توجيه ضربات صاروخية جوية مميتة ومدمرة من طيران التحالف الدولي على حي ودور سكنية بمدينة الموصل، علماً بأن الناطق الرسمي لقوات التحالف أشار إلى "احتمال!" أن تكون الضربات قد جاءت من طيران التحالف الدولي!
إن أهل الموصل الكرام يواجهون اليوم إرهاب داعش حيث يتعرضون للموت على أيديهم لأسباب كثيرة، بما في ذلك محاولتهم الهروب والنجاة بالنفس، وكذلك نتيجة استخدامهم دروعاً بشرية من قبل مجرمي داعش، إضافة إلى الجوع والحرمان والمرض والعيش في رعب دائم. إن هذا الواقع في الوقت الذي يتطلب التعجيل بإنهاء احتلال الأرض وتحرير أهل الموصل من سجن داعش الكبير، يستوجب في الوقت ذاته الحذر والتيقن من تلك الضربات التي تسمى "ذكية" والتي يمكن أن تخطئ الهدف أولاً، أو من أولئك الذين ما زالوا يتسمون بالطائفة الدنيئة التي يمكن أن تدفع بهم لإيذاء أهل الموصل بشتى الطرق، تماماً كما فعل سيدهم الذي علمهم السحر، رئيس الوزراء السابق المسؤول، مع رهطه، عن احتلال الموصل وبقية محافظة نينوى وغيرها من مدن غرب بغداد والعواقب التي تحملها الشعب من جراء ذلك.
إن تحرير الموصل وبقية الأراضي الخاضعة لعصابات داعش يجب أن تشهد محاسبة جادة وحقيقية لمن عرض أهل الموصل ونينوى لتلك الكوارث المريعة والإبادة الجماعية والأسر والسبي والاغتصاب والقتل والتشريد والنزوح والهجرة التي تعرض لها بنات وأبناء وطننا المستباح بالإرهاب والدواعش الأوباش والطائفية المقيتة من مسيحيين وإيزيديين وشبك وتركمان والعرب من أهل الموصل الآخرين. إن الشعب العراقي يمهل ولا يهمل، وسيعاقب من يحاول تجنب محاسبة المسؤولين عن كل ما حصل بالعراق خلال السنوات المنصرمة، ولأي سبب كان. وإن الشعب سيجبر الحكام والقضاء العراقي على ذلك، ما لم تمارس المحاكم العراقية، التي ما زالت سجينة الإرادة السياسية لمن هم ما زالوا في مؤسسات وأجهزة الدولة العراقية، دورها في محاسبة هؤلاء المسؤولين. وسيبقى الجرح مفتوحاً ونازفاً إلى أن تتم محاسبة أولئك الذين اغتصبوا العراق وأذلوه وفتحوا أبوابه لهؤلاء القتلة أتباع داعش.





     

51

الصديقات والأصدقاء الأعزاء
الأخوات والأخوة الأفاضل
يسعدني جداً أن أتوجه بالتحية القلبية الحارة والتمنيات الطيبة لكل الأشوريين بالعراق والعالم بمناسبة عيد رأس السنة، عيد الأول من نيسان من كل عام، راجياً لهم الصحة الموفورة والعافية والحياة الهانئة والسعيدة. لا شك إنه عيد كل مسيحيي العراق دون استثناء ويفترض أن يكون عيد كل العراقيين أيضاً، إذ إن الأعياد الوطنية للقوميات المتآخية وأتباع الديانات والمذاهب يستوجب أن تكون أعياداً مشتركة لبنات وأبناء الوطن الواحد. كما يسعدني ان أهنئ كل المسيحيين بالعراق ممن اعتبر تأسيس المجلس الشعبي الكلداني الأشوري السرياني في مثل هذا اليوم الأول من نيسان قبل عشر سنوات مناسبة لوحدة كلمة كل مسيحيي العراق وبعيداً عن التباين في الكنائس أو الطوائف أو التسميات القومية الأخرى، ومع كل الاحترام للآراء والمواقف الأخرى لأبناء وبنات الوطن الواحد.
أيها الأحبة
أعبر لكم عن مشاعر الحزن والألم الشديدين وأشاطركم بهما لما تعرض له هذا الجزء الكبير من شعبنا العراقي، هذا الجزء الرائع من الشعب الذي ساهم ببناء حضارة العراق القديم وساهم في رفد الحضارة العراقية باستمرار وعلى مدى تاريخ بلاد ما بين النهرين والعراق الحديث بالكثير من المنجزات التي وضعت العراق في مصاف الدول الحضارية المهمة في العالم، لما تعرض له خلال القرن العشرين، سواء أكان قبل وأثناء أم بعد الحرب العالمية الأولى، ومنها مجازر سيفو ومجازر الإبادة الجماعية ضد الأرمن وبقية المسيحيين في إطار الدولة العثمانية، ومن ثم في مجازر الأشوريين في ديره بون وسميل في العام 1933 في العهد الملكي، ومن ثم في أعقاب فشل محاولة انقلاب الشواف عام 1959 وبعد الانقلاب القومي البعثي عام 1963 وفي فترة حكم البعث الثانية، وأخيراً في فترة الحكم الطائفي التي نعيشها جميعاً في جنوب ووسط العراق وبغداد والموصل على ايدي المليشيات الطائفية المسلحة والمتطرفة وفي ظل الحكم الطائفي القائم على التمييز بين القوميات وأتباع الديانات والمذاهب والمناهض لمبدأ المواطنة الحرة والمتساوية والمشتركة، وكذلك على أيدي القوى التكفيرية بالعراق ومنطقة الشرق الأوسط. وأخيراً ما تعرض له المسيحيون، وكذلك الإيزيديون والشبك والتركمان، خلال اجتياح الموصل من قبل الدواعش المجرمين من إبادة جماعية وضد الإنسانية، بما في ذلك التشريد والنزوح والتهجير القسري لعشرات بل مئات الآلاف من أبناء المنطقة من اتباع الديانات الأخرى، وفرض التحول القسري إلى الدين الإسلامي أو الهجرة القسرية أو القتل، وسلب الممتلكات والاغتصاب والقتل الفعلي والاستعباد وبيع النساء في سوق النخاسة. كما إن مناطق المسيحيين لا تعاني من كل ذلك فحسب، بل وهناك إصرار على إجراء تغيير ديمغرافي فعلي في مناطق المسيحيين لصالح العرب والكرد. وقد حصل هذا في جميع العهود المنصرمة، ولكن وبشكل خاص في فترة حكم البعث الشوفيني والحكم الطائفي الراهن. 
إننا إذ نحيكم بحرارة بهذا العيد الوطني للأشوريين ولكل مسيحي العراق والعراقيين عموما، ننحني إجلالاً للشهداء المسيحيين ولكل شهداء العراق الأبرار الذين سقطوا بسبب الكراهية والحقد القومي والديني والمذهبي، أو في النضال من أجل عراق مدني ديمقراطي اتحادي مستقل تحترم فيه الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ويرفض التمييز بكل أشكاله وصور ظهوره.
أشد على ايديكم في عيدكم الوطني الكبير وأتمنى لكم وللعراق الخلاص من الحكم الطائفي وإقامة الدولة الحرة والمدنية والديمقراطية العلمانية، أتمنى لكل النازحين والمهجرين قسرا العودة إلى مناطق سكناهم واستعادة حقوقهم كاملة وإعادة إعمار المناطق المدمرة بما في ذلك الكنائس والأديرة وبقية دور العبادة، وإعادة بناء المناطق الأثرية التي دمرت على أيدي كل الإرهابيين والمعادين للإنسان وحريته وكرامته.
أتمنى على العراق وشعبه أن يحاسب بصرامة وحزم وعدل كل الذين تسببوا في حصول هذه المآسي والكوارث الجلل لكل الشعب العراقي، ولاسيما للمسيحيين والإيزيديين والشبك والتركمان، أتمنى أن ينصف كل الذين تعرضوا لتلك المآسي المريرة. أتمنى على الجميع أن نعمل لكي لا تتكرر مثل هذه المآسي والكوارث المخالفة لكل ما هو إنساني ونبيل من قيم ومعايير بشرية مشتركة.
مع خالص الود والاعتزاز
أخوكم في الإنسانية والمواطنة كاظم حبيب
01/04/2017
ملاحظة: الشكر الجزيل على دعوتكم الكريمة ولو كانت قد وصلت في وقت مناسب لشاركتكم فرحة العيد.

52
د. كاظم حبيب
نتائج الانتخابات الهولندية واليمين الأوروبي
علق اليمين الأوروبي آمالاً كبيرا على نتائج الانتخابات الأوروبية وتأمل ان تكون لصالح الحزب اليميني المتطرف الذي يترأسه منذ سنوات گیرت ولدرز، خاصة وان استطلاعات الرأي قد أكدت على إن المنافسة ستكون بين حزب الحرية اليميني المتشدد ورئيس الوزراء اللبرالي مارك روتّه الراهن مع وجود 16 حزبا اخر خاضوا الانتخابات الأخيرة في 15/03/2017, حتى إن بعض استطلاعات الرأي قد رشحت حزب الحرية اليميني بالفوز على منافسه وربما تشكيل حكومة يمينية في هولندا. ونتيجة لهذه التقديرات التي بنيت على أساسين هما استطلاع الرأي بهولندا، والتقديرات التي نشأت في أعقاب العمليات الإرهابية التي نفذت بفرنسا وبلجيكا وألمانيا من قبل عصابات داعش المجرمة باسم الإسلام وتحت شعار "لا الله الا الله ومحمد رسول الله"، حيث تصاعد مزاج الخوف من إرهاب قوى الإسلام السياسي والسلفيين والمتطرفين والداعين إلى أسلمة أوروبا، إضافة إلى التهديد بتنفيذ عمليات إرهابية جديدة بأوروبا. وبناء على وجهة نشاط حزب الحرية اليميني الهولندي رفع شعارين مركزيين، هما:
1.لا لقبول لاجئين مسلمين بهولندا وتنظيف هولندا منهم لأنهم يهددون هولندا وأوروبا بالأسلمة، بمعنى اخر هولندا للهولنديين، وأوروبا للأوروبيين.
2.لا للاتحاد الأوروبي والعمل على الخروج من الاتحاد الأوروبي.
 وفي ضوء كل ذلك قرر اليمين الأوروبي دعم حزب الحرية اليميني بهولندا من خلال المشاركة في الحملة الانتخابية لصالح رئيس الحزب ولندرز، فالتقوا بأمستردام قادة اليمين المتطرف في كل من ألمانيا (فراوغه بيرتي) وفرنسا (مارين لوبان) وهولندا (گیرت ولندرز)، حيث وجهوا خطبهم المناهضة للإسلام والمسلمين أولاً، وضد الاتحاد الأوروبي والدعوة للخروج منه ورفض اليورو في حالة انتصار هذه الأحزاب في الانتخابات القادمة ثانياً. إضافة إلى ذلك برزوا الجوانب السلبية الفعلية الموجودة في سياسات الاتحاد الأوروبي، ولاسيما تنامي الفقر والبطالة والبرودة الاجتماعية والاستغلالية ازاء الفئات الفقيرة والكادحة والمعوزة في المجتمع ... إلخ.
وقد بث هذا التوجه خشية كبيرة لدى قادة الاتحاد الأوروبي، ولاسيما القادة الألمان، خاصة وأن لانتخابات الرئاسية في النمسا قد سجلت نجاحا كبيرا للحزب النمساوي اليميني، رغم عدم وصول مرشح هذا الحزب لرئاسة الدولة، ثم تصاعد نفوذ والقوة التصويتية للحزب الوطني الفرنسي في الانتخابات المحلية الأخيرة في فرنسا والخشية من فوز مرشحة اليمين المتطرف في الانتخابات العامة والرئاسة بفرنسا. ثم فوز حزب البديل لألمانيا في عدد من الولايات الألمانية بمقاعد مهمة في مجالسها المحلية، إضافة إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترامپ لرئاسة البيت الأبيض بالولايات المتحدة الأمريكية ونهجه اليميني المناهض للاجئين عموما والمسلمين منهم على وجه الخصوص ...إلخ.
من هنا يأتي نجاح حزب رئيس وزراء هولندا اللبرالي في الانتخابات الأخيرة قد أشاع الفرحة بهولندا وبالقوى السياسية بالدول الأوربية ولاسيما فرنسا وألمانيا والنمسا وفي قيادة الاتحاد الأوروبي، واعتبر مؤشرا إيجابيا في غير صالح اليمين الأوروبي.
ولكن من الضروري الانتباه إلى أربع نقاط جوهرية:
1.   إن حزب الحرية اليميني قد حاز على أصوات أكثر من الدورة الانتخابية العامة السابقة، وبالتالي رفع من عدد مقاعده في مجلس النواب الهولندي.
2.   إن احزاباً يمينية أخرى قد حصلت على أصوات اخرى في الانتخابات.
3.   إن نشاط ودعاية اليمين المتطرف الهولندي قد استطاع ان يدفع بالحملة الانتخابية وبالمزاج الهولندي العام صوب اليمين وأكثر من السابق، بما في ذلك الحزب اللبرالي الحاكم لرئيس الوزراء الحالي.
4.   إن ظاهرة العطاء للأجانب ولاسيما المسلمين عموما والمسلمين العرب منهم بوجه خاص قد ارتفع أكثر من أي وقت مضى. وستشتد هذه النزعة ما لم يجر تغيير فعلي في أوضاع المسلمين عموماً وفي مواقف حكوماتهم من الاتجاهات الإسلامية السياسية في الحكم أو خارجه، وما لم يتغير سلوك اللاجئين المسلمين القادمين إلى أوروبا، وما لم تجر عملية دمج فعلية للمسلمين والمسلمات في مجتمعاتهم الأوروبية، وما لم يتم اعتراف واحترام المسلمات والمسلمين للدساتير والقوانين والثقافة الوطنية في الدول الأوروبية اللاجئين إليها. لا يمكن اعتبار هولندا مؤشرا كافيا لعدم فوز اليمين في الانتخابات القادمة في 06/04/2017 في فرنسا على نحو خاص، إذ من غير المؤمل بأي حال فوز اليمين المتطرف بألمانيا في الانتخابات القادمة، ولكن من الممكن ان يحصل على نسبة تتراوح بين 8 - 12 % من مجموع أصوات الذين سيشاركون في الانتخابات القادمة في شهر أيلول/سبتمبر 2017. ولكن مخاطر فوز اليمين المتطرف في فرنسا محتملاً، ما لم تتجمع القوى ضد مرشح اليمين المتطرف ودعم مرشح واحد يمثل الجناح اللبرالي والاشتراكي الديمقراطي والمستقلين، وربما اليسار الشيوعي أيضاً لمنع وصول مرشحة اليمين لرئاسة الجمهورية الفرنسية.
إن الإشكالية الكبيرة بالنسبة لشعوب دول الاتحاد الأوروبي تكمن فعلياً في طبيعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية القائمة على اللبرالية الجديدة التي تمارسها المؤسسات الرسمية التنفيذية والتشريعية للاتحاد الأوروبي وحكومات الدول الأوروبية، لاسيما الأكثر تقدماً مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا على سبيل المثال لا الحصر، وما نشأ عن ذلك من نهج التراجع عن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تحققت في فترة الحرب الباردة لصالح المنتجين والعاطلين عن العمل والفقراء المعوزين وتنامي الفجوة ومقص الفوارق في للمداخيل بين الأغنياء والفقراء وزيادة في نسبة الفقراء الذين يعيشون تحت خط الفقر للدول الغنية ومعاناة الكثير من أطفال العائلات الفقيرة. إن هذا الواقع المتفاقم، بنموذجه ألمانيا وفرنسا وهولندا وإيطاليا، هو الذي يثير أوساطاً واسعة من شعوب الدول الأوروبية وتحول نقمتها ضد مجيء اللاجئين، إذ يعتقدون بأنهم يستولون على فرص عملهم ويساهمون في رفع الإيجارات ويقللون الخدمات...إلخ. وهذا التصور ساذج وبعيد عن الواقع، إذ إن أغلب الدول الأوروبية بحاجة إلى الأيدي العاملة الأجنبية ولاسيما الشباب الذين يساهمون في أخذ فرص العمل التي لا يمارسها الأوربيون، كما يساهمون في تحسين الهرم السكاني بالزجاجات والولادات الجديدة ورفع معدلات النمو السكانية، إضافة إلى مساهمتهم في خلق الدخل القومي ودف الضرائب وتوفير فرص عمل أيضاً عبر المشاريع الفردية التي يقيمونها.
إن استمرار الاتحاد الأوروبي وتماسكه يرتبط عضوياً بتغيير السياسات الراهنة التي تمارسها الأوساط الحاكمة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لصالح الغالبية العظمى من السكان المنتجين للدخل القومي والذين دفعوا إلى البطالة والفقر والعوز وطلب المساعدة الحكومية. إن التغيير هو الذي سيسهم في إضعاف قوى اليمين واليمين المتطرف ويعزز رغبة البقاء في الاتحاد الأوربي والتي تستوجب بدورها تجاوز أزمة الديمقراطية الراهنة والمستدامة وضعف الثقة بالنواب والأحزاب السياسية والوجوه البارزة منها.


 
 



53

رسالة جوابية مفتوحة إلى الأخ الفنان التشكيلي منير العبيدي المحترم
تحية ودٍ واعتزاز،
أود أولاً أن أحييكم بحرارة لاستجابتكم للدعوة التي أرسلتها لكم وطرح رؤيتكم وتقديراتكم إزاء الأوضاع بالعراق في المرحلة الراهنة، وأوضاع ومواقف وسياسات القوى السياسية العراقية، ولاسيما القوى الديمقراطية واليسارية، إضافة إلى الموقف من منظمات المجتمع المدني. وأود ثانياً أن أعتذر لكم لتأخري في الإجابة على رسالتكم المفتوحة الموجهة لي، والسبب يعود إلى عدم وجودي بألمانيا خلال الأسابيع المنصرمة، ولذلك لم يتسن لي الاطلاع على ما نشر في الحوار المتمدن، كما إنها لم تصل إلى بريدي الإلكتروني الشخصي لكي أطلع عليها مباشرة.
في رسالتكم المؤرخة في 17/03/2017 والمنشورة على موقع الحوار المتمدن-العدد: 5463 - 2017 / 3 / 17 - 12:35 ، المحور:  اليسار، الديمقراطية، العلمانية والتمدن في العراق، تطرحون فيها رأيكم حول خمس قضايا، حسب تقديري، وعلى وفق ما وردت في رسالتكم، وهي قضايا مهمة تستوجب النقاش الجاد والمسؤول والهادف إلى تحقيق رؤية مشركة أو متقاربة، أو حتى لو اختلفنا أن نحتفظ بعلاقاتنا الإنسانية والاجتماعية التي تجمعنا والاحترام المتبادل الذي يميز هذه العلاقات. وبقدر ما امتداد يدك للنقاش والحوار، فيدي مدودة أيضاً ويد كل الأخوات والأخوة الذين أعمل معهم في القضايا العامة التي سأعالجها في هذه الرسالة الجوابية ممدودة أيضاً وعلى استعداد للحوار، إنها: 
1.   الموقف مما حصل وما يزال قائماً ببرلين في العلاقات المتوترة بين بعض الجماعات العراقية. إضافة إلى الموقف من لقاء مجموعة من العراقيين والعرب بألمانيا الذي بادرت للدعوة له مع أصدقاء آخرين لتنشيط العلاقة والحراك المدني.
2.   الموقف من المبادرة التي طرحتها مجموعة من العراقيات والعراقيين بهدف تشيط الحراك والحوار والنقاش بين أطراف القوى الوطنية والديمقراطية العراقية.
3.   موقف القوى اليسارية من النظم الدكتاتورية السابقة ومن النظام الحالي، ومدى تأثير الصراعات الطائفية على مزاج بعض القوى الديمقراطية واليسارية.
4.   الموقف من منظمات المجتمع المدني في الداخل والخارج.
5.   البرنامج المقترح من قبلكم لأغراض الحوار والنقاش.

أولاً: كما أشرتم بصواب فقد بادرت شخصياً بطرح مقترح عقد لقاء واسع لكل العناصر الديمقراطية العراقية المقيمة ببرلين للتداول حول المشكلات السابقة ومعالجتها بروح بناءة والعودة إلى النشاط الثقافي الذي كان يميز بعض النوادي العراقية ومنها نادي الرافدين ونادي بغداد الثقافي وربما نوادي أو جمعيات أخرى. وإذ استجاب البعض من الأخوات والأخوة، ولكن الاستجابة كانت ضعيفة والرغبة غير متوفرة لدى الغالبية، كما تلمست، والتي لم تتحمس حتى للرد على المبادرة، في حين إن آخرين استجابوا بوضوح وشجعوا الوجهة للتفاعل والتسامح، كأشخاص أو كنوادي مثل نادي بغداد الثقافي، في حين لم يرد نادي الرافدين الثقافي على الدعوة. ولهذا لم أجد ما يساعد على عقد لقاء بين جميع الأخوة أو غالبيتهم. ولكن الدعوة ما تزال مفتوحة، إن نشأ الجو الديمقراطي المناسب لمعالجة المشكلات البسيطة وغير المبدئية التي تسببت في ما حصل. أدرك تماماً بأن الأوضاع المتردية جداً بالعراق والصراع الطائفي المقيت، والفساد والإرهاب وفقدان البوصلة للكثير من الجماعات وما نشأ عنها من إحباطات سياسية وذاتيات، لعبت دورها السلبي الملموس في ما وصل إليه الوضع بالخارج عموماً وفي وضع نادي الرافدين الثقافي ببرلين أو بين العراقيات والعراقيين الديمقراطيين عموماً.
من جانبي لم أتابع ولم أكن حاضراً في ندوة تحدث فيها أستاذ جامعي، كما تشير إلى ذلك، مؤكداً عن إمكانية حل مشكلات العراق لو كان علي بن أبي طالب موجوداً، وصراخ البعض من الحاضرين ودعوتهم لدولة العدل العلوي، إضافة إلى تعليق صورة لفتاة بسن السابعة...الخ، فهذا الأمر كله غريب عن أجواء العراقيين الديمقراطيين، ولاسيما اليسار العراقي. لم أسمع بهذا الأمر قبل أن تذكروه في رسالتكم. وبقدر استنكاركم لهذا الأمر، استنكره أيضاً ويستنكره معي كل عراقي يدرك مخاطر مثل هذه الاتجاهات على العراق ووحدة شعبه ووطنه. وأستغرب جداً إن كان نادي الرافدين الثقافي العراق هو المكان الذي حصلت فيه مثل هذه المحاضرة!!
أما بصدد اللقاء الذي دعوت له مع صديقين فاضلين هما الدكتور حامد فضل الله والأستاذ نبيل يعقوب ببرلين، وقمت بإدارة الاجتماع، فكان محاولة منا لتـأمين علاقات جيدة ومتجددة بين العراقيين وبقية مواطني الدول العربية الديمقراطيين المقيمين بألمانيا، وقد حضره جمع طيب لم يكن فيهم من كان في مسؤولية الأحزاب أو في الحكم في بلدانهم، كما لم يكن بينهم مسؤولين كبار في أحزاب عراقية أو عربية، كما إن الحوار لم يهدف إلى اتخاذ مواقف أو وضع سياسات ومناهج عمل، بل كان الأمر كله لا يتجاوز تداول الرأي بين مجموعة من العراقيين، من عرب وكرد وغيرهما، ومواطنات ومواطنين من الدول العربية. وقد قمت بنشر المداخلات لأغراض الاطلاع على مضمون اللقاء وكان ودياً وناجحاً ومشجعاً على دعوة أخرى لاحقاً، على وفق ما اتفق عليه المجتمعون. وكان الحضور كله من العناصر الديمقراطية والعلمانية، وليس فيهم من مثل النظم السياسية القائمة في منطقة الشرق الأوسط. ولم أجد أي سبب لاعتباره لقاءً سلبياً يندمج ضمن نشاطاتي العامة. ومع ذلك احترم وجهة نظركم بهذا الصدد.   
ثانياً: قبل عدة شهور نشرت مبادرة شخصية أشرت فيها إلى أهمية وضرورة إيجاد صيغة عمل مشتركة بين القوى الوطنية والديمقراطية واليسارية واللبرالية والشخصيات المستقلة والشخصيات المتدينة العلمانية للنضال المشترك من أجل مواجهة موفقة للقوى الطائفة الحاكمة ومحاصصاتها المذلة للوطن والمواطن. والتقت هذه المبادرة مع وجهات نظر أخوة أخرين منهم البروفيسور الدكتور تيسير الألوسي والأستاذ المهندس نهاد القاضي والأستاذ القاضي زهير كاظم عبود وآخرين. وقد تلمسنا تأييداً أوسع لهذه المبادرة، مما دفعنا إلى دعوة أخوات وإخوة آخرين للمشاركة في تشكيل لجنة تحضيرية لهذا الغرض. وقد صادف أيضاً أن طرح الحزب الشيوعي العراقي في مؤتمره العاشر مبادرة مماثلة، كما طرح السيد الدكتور أياد علاوي مبادرة أخرى، وشكلت لجنة من قوى وأحزاب سياسية لهذا الغرض، كما أشار إلى ذلك. كما صولتنا عشرات الرسائل باتجاه تأييد المبادرة. واستناداً إلى ذلك توجهنا بالعمل ومراسلة كل القوى والأحزاب والشخصيات العلمية والأدبية والسياسية والاجتماعية الديمقراطية المستقلة للعمل من أجل البدء بنقاشات ومفاوضات تمتد لأشهر من أجل إيجاد صيغة عمل مشتركة مناسبة بين كل القوى الرافضة للنظام الطائفي السياسي والمحاصصات الطائفية المدمرة لوحدة الوطن والناسفة للنسيج الاجتماعي الوطني للشعب العراقي. وقد نشرنا أهداف المبادرة وآليات العمل للمناقشة. وأؤكد لك بما لا يقبل الشك أو التأويل بأن كل العاملين في اللجنة التحضيرية هم ممن يرفضون الطائفية السياسية والتمييز الديني والمذهبي والقومي وكل من يقف ضد المرأة حريتها مساواتها بالرجل ويدينون من يمارسها. فهم ديمقراطيون علمانيون بكل ما في هذه الكلمة من معنى. وقد تجاوز عمرنا بحيث لا يشك أحد بأننا نطمه إلى مركز وظيفي أو موقع أو جاه أو مال، ونحن نتوجه إلى كل القوى التي يهمها الخلاص من نظام الطائفية القائم بالعراق. ولا أدري ما هو المأخذ على ذلك؟ لمن ينبغي لنا أن نتوجه له ما لم نتوجه لمن هم يتحدثون عن الديمقراطية ويعارضون الطائفية والمحاصصات الطائفية بداخل الوطن وخارجه. نحن لا نعمل في فراغ بل في إطار مجتمع معروف بسماته الراهنة والموروثة، وبدولة هشة ومشوهة ومعروفة للجميع، ومع قوى سياسية ديمقراطية ويسارية وعلمانية لا نملك غيرها، ولا نستطيع خلق ما نريده نحن، بل علينا أن نعمل بما هو قائم وما هو ممكن. وعلينا أن نتفق أيضاً بأن الديمقراطية مفهوم واسع ولا يمكن أن نرفض معيارنا على الجميع، كما إن اليسار لم يعد واحدا، وهو أمر جيد، بل متعدد، ولا بد أن نرى الأطياف العديدة في التيار الديمقراطي وفي التيار اليساري، وألا نلغي منها كما نرغب، بل كما يفترضه واقع الحال وسبل الوصول مع الجميع لورقة عمل مشتركة نعتمدها في نضالنا الراهن والقادم في الانتخابات القادمة وما بعدها. المعايير والقيم الديمقراطية التي يتفق عليها الجميع، وكذلك أهداف النضال المرحلي الذي نسعى إليه، فالدولة التي نسعى إليها دولة مدنية ديمقراطية علمانية اتحادية ودستورية ونيابية وتعتمد التداول السلمي والديمقراطي للسلطة.. الخ.
لا يجوز وضع شروط إضافية تتجاوز الممكن للقاء القوى الوطنية والديمقراطية واليسارية والمستقلة إلا ما هو مشترك، ونعني به مبدأ فصل الدولة عن الدين، والفصل بين السلطات، والحياة الدستورية الديمقراطية، واستقلالية القضاء، والتداول السلمي والديمقراطي للسلطة، ورفض قيام أحزاب على أساس ديني أو مذهبي، واستقلالية الإعلام ...الخ، وكل ما يدخل في باب العلمانية ذات المضمون الديمقراطي السليم.   
ثالثاً: أخي الأكرم، لا يمكن أن أتفق معكم حين تقولون في رسالتكم المشار إليها في أعلاه ما يلي: "بعد عام 2003 اتضح لنا اننا لم نكن نتعامل مع شيوعيين أو يساريين او علمانيين بل مع طائفيين وقفوا موقفا معاديا للأنظمة السابقة ليس بسبب الظلم و الديكتاتورية و السياسات الدموية كما ادعوا ، بل كان السبب طائفيا فقط". وهذا يعني بأن المعارضة حصلت بسبب سنية النظام!!! ألا ترى معي وبتفكير هادئ وموضوعي إن هذا القول يتجاوز كل ما هو واقعي وحقيقي. وكم في هذا الموقف من تعميم وإطلاق وتجاوز لا معنى له. دعنا نتحاور:
أولاً: الشيوعيون واليساريون لم يكونوا كلهم قد ولدوا في عائلات تدين بالمذهب الشيعي في الإسلام، بل كانوا جميعاً يعملون في حزب عراقي بكل معنى الكلمة، التقوا فيه على حب الشعب والوطن، فهم مواطنات ومواطنون ولدوا في عائلات سنية وشيعية ومسيحية ويهودية ومندائية وكاكائية وشبك وغيرهم، من أتباع الديانات والمذاهب، كما التقى في هذا التيار الكرد والعرب والتركمان والكلدان والأشوريين والسريان والأرمن والفرس وغيرهم.. الخ، فهل كلهم كانوا من الكارهين لتلك النظم لأن قادة النظام من أتباع المذهب السني. وثانياً: هل تعتقد الآن حقاً بأن الشيوعيين واليساريين العراقيين خاضوا النضال ضد النظم الرجعية والاستبدادية السابقة للنظام الطائفي الحالي، لأنه كان نظاماً سنياً؟ أليس هذا تجاوز على نضالك ونضال بقية الشيوعيين واليساريين، وأنا منهم، وكل الذين أعمل معهم وناضلت وإياهم عقوداً كثيرة، ومن استشهد منهم، کان واقفاٌ كنخلة باسقة، هؤلاء كلهم لم يكونوا يوماً طائفيين أبداً، ولا يمكن أن يكونوا كذلك.
وثالثاً: هل تعتقد حقاً بأن نظام البعث كان نظاماً يمثل أتباع المذهب السني؟ وهل تعتقد أنه كان يعبر عن مصالح ومطامح أتباع المذهب السني؟ كلنا يعرف بأن النظام الدكتاتوري السابق قد مارس اضطهاد الشعب كله دون استثناء، لقد اضطهد الشيعة ليس لأنهم شيعة، من حيث المبدأ، بل لأنهم قاوموا سياساته ونهجه. وأنا أتحدث هنا عن أتباع المذهب الشيعي وليس الأحزاب الطائفية المقيتة التي تدعي دفاعها عن أتباع المذهب الشيعي، كما هو حال الأحزاب السنية التي تدعي دفاعها عن أتباع المذهب السني. النظام السابق كان نظاماً بعثياً قومياً شوفينياً يميناً مستبداً، ورئيس النظام كان دكتاتوراً فاشياً في الفكر والممارسة ونرجسياً وسادياً في آن، ولم يكن مؤمناً. وهو لا يختلف قيد أنملة عن الشخص الذي حكم العراق بعد إسقاط الدكتاتورية، سواء أكان الجعفري أم المالكي. ولهذا لا يجوز اتهام كل الشيوعيين واليساريين بأنهم كانوا يكافحون النظام السابق لأنه كان نظاماً سنياً، فهو حكم جائر ومخالف للحقيقة والواقع. وإذا كنت تعتقد بأن النظام السابق كان سنياً، فأنت مخطئ، كما إن النظام الحالي لا يمثل مصالح وطموحات أتباع المذهب الشيعي رغم انتخابهم له، لأن الأجواء والتخلف الاجتماعي وغياب التنوير الديني وضعف الحركة الديمقراطية هي التي تساعد في إعطاء أصواتهم لهذه الأحزاب الرثة. الشيوعيون وكل اليساريين والديمقراطيين ناضلوا بصلابة وعناد ضد الدكتاتورية البعثية وقبلها أيضاً، ولم يكونوا طائفيين أبداً. وهم اليوم ليسوا الآن بطائفيين ايضاً. 
رابعاً، وهل تعتقد أن الشيوعيين اليساريين الحاليين كلهم من عائلات شيعية وليس بينهم من هم من عائلات سنية أو مسيحية أو كردية، لكي يتخذوا الموقف المهادن للنظام الطائفي بالعراق؟ لا اتفق معك في ذلك، وربما تختلف وأختلف في تقييم الوضع بالعراق مع الحزب الشيوعي أو مع قوى يسارية أخرى، ولكن لا يمكن أن يكون موقف هذه القوى والأحزاب ينطلق من نظرة طائفية لما هو قائم حالياً بالعراق!   
ولكني لا اكتمك سراً حين أقول بأن الوضع الذي أعقب سقوط الدكتاتورية ونشوء نظام سياسي طائفي وقيادة الحكم بيد أحزاب إسلامية شيعية متطرفة في طائفيتها وانتقامية في سلوكها، كما في سلوك رئيس الوزراء السابق، أو في سياسات التحالف الوطني أو البيت الشيعي المناهض لوحدة الشعب على أساس المواطنة ويلتزم بالهويات الفرعية القاتلة، قد أبرز بعض الاتجاهات الطائفية لدى عناصر ديمقراطية ويسارية من عائلات شيعية، ولكنه أبرز أيضاً عناصر ديمقراطية ويسارية من عائلات سنية. وهو أمر مخالف للعقل والمنطق! ولكن هذا ما حصل وعلينا تسجيل هذه الظاهرة لمواجهتها والعمل على معالجتها. إلا إن هؤلاء في واقع الأمر قد تخلوا عن ديمقراطيتهم ويساريتهم لصالح الطائفة التي انحدروا منها بالولادة. إن هذا نوع شديد من الردة الفكرية والسياسية والاجتماعية، كما هو حاصل في المجتمع عموماً. كما إن بعض الديمقراطيين واليساريين قد اتجهوا صوب القومية، سواء العربية أم الكردية أم غيرهما، وهو امر لا يختلف عن الانحراف صوب الطائفة والتخلي عن المضمون الأممي، الذي لا ينفي القومية ولكن لا يجعلها قبلته الأساسية بل يحترم قوميته بقدر ما يحترم القوميات الأخرى ويعترف بحريتها وحقوقها المشروعة.
عزيزي الأستاذ منير، لم تكن دقيقاً، ولا أريد أن أقول غير منصف، في الإشارة إلى إن القوى والأحزاب لم تعترف بأخطائها الماضية. والسؤال: عن أي فترة تتحدث؟ إذا كنت تتحدث عن فترة حكم البعث، فقد أصدر الحزب الشيوعي العراقي مثلاً، تقييما خاصاُ لتلك الفترة، بغض النظر عن مدى قناعتك وقناعتي أو قناعة الآخرين به أو بجزء منه، كما إني نشرت كتاباً كاملاً عن هذه الفترة بعنوان" الفاشية التابعة في العراق"، إضافة إلى نشري كتاباً بـ 11 مجلداً فيه الكثير من النقد والنقد الذاتي لتلك ولنشاطي الشخصي. وهناك الكثير من الكتابات بهذا الصدد. فليس من العدل أن تهمل كلها ويتحول الأمر إلى تعميم وإطلاق لا مبرر لهما. كما إن الكثير من القوى والشخصيات اليسارية، وأنت منهم، قد نشرت انتقادات لاذعة لتلك الفترة والسياسات التي مورست فيها.
واليوم فالقوى الديمقراطية واليسارية لم تقف متفرجة على النظام الحالي، فهي تنتقد النظام بشدة وتطالب بتغييره وشجب الطائفية السياسية والتمييز، وهو كما يبدو ما تقدر عليه حالياً في الظروف التي تمر بها. وعلينا أن نعترف بوجود وجهات نظر متباينة في هذا الصدد، ولا يمكن أن أفرض وجهة نظري على غيري، فأنا أطرح رؤيتي للوضع وأقيمه واطرح استنتاجاتي والمهمات التي أرى ضرورة حملها. ولكن هل يمكنني فرض ذلك على الآخرين. علينا هنا أن نتحاور ونناقش الأفكار، وحسناً فعلت حين نشرت مشروعاً للمناقشة وسنضعه أمام الجميع لمناقشته وكذلك أمام من نريد أن يكون معنا أو نكون معهم لتغيير الوضع بالبلاد جذرياً أي ضد الطائفية.
اختلف معك أيضاً في أن القوى اليسارية التي تناضل ضد النظام الطائفي تستفيد من هذا الوضع، بل الواقع يقول بأن الوضع المزري يلحق الضرر بها وبالشعب العراقي كله، ولهذا من غير المعقول أن يستفيدوا من نظام طائفي مقيت. أما إن البعض يمكن أن يستفيد، فهو أمر ممكن، ولكن ليس على مستوى القوى والأحزاب اليسارية، إلا من فقد هويته اليسارية!   
أما تقييمك لما حصل بالعراق في ظل هذا النظام الطائفي فلا أختلف معك بشأنه، وليس بين من أعمل معهم من أعضاء اللجنة التحضيرية من لا يتفق معك بذلك. فهو نظام فرط بشعب العراق وباستقلال وسيادة البلاد، وخضع قادة الحكم لنهج وسياسة إيران، في حين تسعى قوى أخرى للاستعانة بالسعودية وقطر وتركيا، وكل هذه الدول وقوى فيها لا تريد الخير للعراق وشعبه. ولهذا يفترض أن لا يبقى هؤلاء ولا الحكم الطائفي سائداً بالعراق.
رابعاً: جاء في رسالتكم مجموعة من المسائل التي لابد من التفريق بينها لمعالجتها كل على انفراد. لم يعقد منذ أشهر ببرلين أي مؤتمر عراقي أو عربي، بل حصل لقاء لتداول الرأي بشأن أوضاع منطقة الشرق الأوسط وشعوبها. وقد أشرت بشأنه ومن دعا له ومن شارك به وأغراضه في فقرة سابقة. وبصدد نادي الرافدين الثقافي ببرلين وأوضاعه بينت لكم رأيي أيضاً ولست جزءاً من مشكلات النادي.
ولكنكم طرحتم الموقف من منظمتين هما المنتدى العراقي لحقوق الإنسان، الذي تأسس ببرلين في عام 2013 وحضرت 21 منظمة عراقية من الداخل والخارج، والذي شاركتم في لجنته التحضيرية والذي أدان بقوة ووضوح النظام الطائفي ووضع توصيات العمل ضد الطائفية والشوفينية والتمييز الديني والمذهبي ...الخ. وكان دوركم ملموساً في الجانب الفني من المؤتمر على نحو خاص. كما إن الذين انتخبوا في المؤتمر كان بملء إرادة الحضور، ويمكن أن يتغيروا باستمرار، وهم ليسوا ممن لم تخلق أمهات أخرى غيرهم ليتولوا المراكز الشرفية الطوعية في هذه المنظمة، التي عملت للحصول على إجازة عمل لها بالعراق، وتناضل بعناد رغم كل الظروف ضد الطائفية والتمييز الديني والشوفينية ببغداد وأربيل وفي كل العراق. وتصدر عن المنتدى بيانات ومجلة شهرية من خيرة المجلات التي تصدر حالياً. ورئيس المنظمة منتخب من أعضاء المؤتمر وهو الأخ عبد الخالق زنگنة ومعه مجموعة من المناضلين في سبيل حقوق الإنسان ومشهود لهم بذلك، وسيعقد المؤتمر الثاني بأربيل في 29 و30/03/ 2017 ويمكنكم المشاركة فيه والترشيح للهيئة القيادية ومن يشترك فيه يتحمل أجور سفره ولكن المنتدى يتحمل نفقات إقامته وتغذيته من التبرعات التي وصلتنا من الأخ عبد الخالق زنگنة ومن أصدقاء ومؤيدين لقضايا الدفاع عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني الديمقراطي العلماني، وهي تبرعات غير مشروطة وبغير التزامات.
أما هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق، فكما تعرفون فقد بادرت شخصياً إلى تأسيسها في عام 2004 لتقديري الشخصي لما يمكن أن ينشأ من صراع ديني ومذهبي يفجره الطائفيون المتطرفون. ودعوت إلى عقد مؤتمر على الانترنيت وتحقق ذلك بدعم من أخوات وأخوة عراقفيين في الوطن والمهجر، وحصلنا على عضوية واسعة وتشكلت أمانة عامة لحين عقد المؤتمر الأول. وكنت أميناً عاماً لهذه الهيئة طيلة 10 سنوات، ثم عقد المؤتمر الأول بالسليمانية وقررت عد الترشيح رغم الضغط الودي الذي مورس معي لكي أرشح. وانُتخبت أمانة عامة جديدة طوعية العمل لا رواتب فيها ولا امتيازات بل صرف من الجيب وتعب وإنهاك ونتائج محدودة، بسبب الأوضاع المزرية ذاتها. ورئيس الهيئة الذي انتخبت هو الأخ المهندس الاستشاري نهاد القاضي. وأعضاء الهيئة كلهم ليسوا ممن لم تخلق أمهات آخرين مثلهم أو سواهم، بل هم مستعدون للتنازل أمام اخوات وأخوة أخرين يرشحون للمؤتمر الثاني الذي سيعقد في أيار/مايس من هذا العام (2017). وإذا كانت لكم الرغبة في الترشيح فسأكون أول من يساندكم لأني أعرف جديتكم حين تتسلمون عملاً اجتماعياً وأعرف نضالكم الوطني أيضاً. لو تابعتم عمل هذه الهيئة لوجدتم زيارات بعض اعضاء الأمانة العامة وأمينها العام، وأنا أيضا، كمستشار متطوع لها، وعلى حسابنا الخاص، للعراق وتقديم المساعدات الممكنة والتي جمعناها للنازحين، وخاصة للعائلات الإيزيدية والمسيحية وشرح أوضاعهم المريعة والمريرة. هذه المنظمات لم تشكل منذ ربع قرن، ولكن حتى منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان بالعراق التي تأسست في عام 1995 ويترأسها الدكتور غالب العاني تساهم بتواضع في الدفاع عن حقوق الإنسان، وناضلت مع العراقيات والعراقيين ضد الاضطهاد السابق واللاحق بالعراق. أما منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان في الدول العربية (أمراس) التي بادرت أيضاً في العام 1991 على تأسيسها بألمانيا وساندني فيها الأخ حامد فضل الله (السودان) ونبيل يعقوب (مصر) وغيرهم من العراق ودول عربية، ما تزال قائمة رغم تراجع نشاطها. لعبت دوراً مهما في أكثر من عقد ونصف العقد لمساعدة اللاجئين من الدول العربية والدفاع عن حقوق الإنسان بالدول العربية وكنت أميناً عاماً لها حتى عام 1995 وقررت بعدها عدم الترشيح ليحل محلي الأخ نبيل يعقوب من مصر ويتحمل مسؤولية أمانتها العامة. وهي منظمة عضوة في المنظمة العربية لحقوق الإنسان ومركزها القاهر. كل هذه المنظمات لم تكسب امتيازاً واحداً ولم تتسلم فلساً واحداً بل صرفت من جيبها على التلفونات والبريد وحتى السفر للمشاركة في مؤتمرات المنظمة العربية لحقوق الإنسان كان المشاركون يدفعون بطاقات سفرهم، إذ لم تكن المنظمة بحالة مادية جيدة.
هذه المجالات مفتوحة لمن يرغب العمل فيها وليس حصراً على أحد. وحين وجدت نفسي أقل قدرة على تقديم المطلوب، تركت مكاني لغيري، ويمارس هذا الموقف بقية أعضاء الأمانات العامة. فعلى سبي ل المثال لا الحصر انتخبت السيدة نرمين عثمان بأعلى الأصوات في المؤتمر الثاني لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب، ولكنها تنازلت لمن نال أعلى الأصوات بعدها لأنها رأت نفسها مغرقة بأعمال كثيرة ولا تستطيع إداء مهماتها على الوجه المطلوب. وانتخب الأخ نهاد القاضي لهذه المهمة ونشط فيها على أفضل ما تسمح به أوضاع العراقيات والعراقيين بالداخل والخارج. إن وجود أي منا في هذا الموقع أو ذاك ليس امتيازاً بل واجباً إزاء الوطن والشعب، ومن يجد الطاقة لديه للقيام بهذا الدور، فهو ليس مرحباً به حسب، بل ويستحق أن يأخذ الموقع المناسب له، املي أن يزداد عدد من يرغب بذلك.   
خامساً: وبصدد المشروع الذي طرحته فأقول مرة أخرى حسناً فعلت بنشر المشروع الذي تراه مناسباً ليكون برنامج القوى الديمقراطية واليسارية في نضالها من أجل التغيير. وليكن مدار نقاشنا ونقاش بقية القوى الديمقراطية واليسارية. لا أريد أن أناقش مشروع البرنامج في هذه المقالة، بل سيكون موضع نقاشنا وسنرسله إلى بقية القوى التي نسعى للتعاون معها، مع قناعتي بتوفر الكثير من الأفكار والأهداف المهمة والتي يمكن الأخذ بها في أي مشروع يمكن أن يتفق عليه في المستقبل ليكون برنامج النضال المشترك من أجل عراق مدني ديمقراطي علماني اتحادي.
مع خالص الود والاحترام
د. كاظم حبيب
في 24/03/2017
 
     
 
   
     

54
كاظم حبيب
سياسات الاستبداد والإرهاب والقسوة تميز نهج الدكتاتور "المسلم" بتركيا!
نزع الدكتاتور الجديد في العاصمة أنقرة عن النقاع الذي ارتداه طيلة السنوات المنصرمة منذ أن وصل وحزبه، حزب العدالة والتنمية إلى السلطة بتركيا، قناع الإسلام الحديث والعلماني، القناع الذي استطاع به خداع العالم الغربي، الذي كان يريد أن يُخدع، إذ كان الغرب يعرف منذ البدء أن رجب طيب أردوغان عضو بارز في جماعة الإخوان المسلمين على صعيد التنظيم العالمي للإخوان المسلمين ومسؤولهم الأول بتركيا. كما أراد أن يخدع المسلمين العرب، بل حتى جمهرة طيبة من العلمانيين العرب، الذين رأوا في سياساته نهجاً جديداً يمازج بين الإسلام والحداثة والعلمانية، حتى طرح البعض "طريق تركيا للإسلام!". وقد نجح أردوغان في "خطته الجديدة المؤقتة" ليكرس مكانته ودوره بتركيا، حين طرح طريقاً آخر غير الحرب لحل المسألة الكردية بإقليم كردستان تركيا ووافق على إيقاف القتال الذي اقترحه حزب العمال الكردستاني، وحاور بالواسطة مع القائد الكردي عبد الله أوجلان، إذ حصل على تأييد الغرب الواسع وبدأت مفاوضات دخول تركيا في الاتحاد الأوروبي. ومن هنا انتعش الاقتصاد التركي وحقق نتائج واضحة برزت في زيادة حجم الاستثمارات السنوية وزيادة فرص التشغيل وتقليص البطالة وارتفاع معدلات النمو الاقتصادي وتحسن في مستوى معيشة المنتجين وفئات البرجوازية الصغيرة والفلاحين وارتفعت صادرات تركيا صوب الدول الأخرى.
إلا إن الإيديولوجية الإسلامية والشوفينية القومية التي تميز أردوغان وغالبية حكام تركيا من جهة، وأحداث الشرق الأوسط وما حصل في الربيع العربي واندحار الإخوان المسلمين بمصر وتراجع نفوذهم بتونس وفي دول أخرى من جهة ثانية، قد دفعت باردوغان إلى الكشف عن وجهه الإسلامي الإخواني المتطرف والمتخلف والقبيح إلى الواجهة من جديد، فنشأ تحالف جديد في المنطقة اقطابه تركيا والسعودية وقطر، وبدعم من تنظيم الإخوان المسلمين الدولي، ودول الخليج الأخرى، مما ساعد على نشوء الأوضاع الكارثية الراهنة بسوريا، حيث استغل هذا التحالف النهوض الثوري للشعب السوري لبناء الدولة المدنية الديمقراطية بالتأثير على جمهرة من قواها الداخلية، وتنشيط قوى داعش الإرهابية في كل من سوريا والعراق، مما فسح في المجال إلى سقوط الموصل في أيدي الداعشيين القتلة مستفيدين من السياسات الطائفية الشرسة التي مارسها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بالعراق وإزاء محافظات غرب العراق والموصل.
ثم تسارعت وتيرة التراجع والسقوط في حمى الشوفينية والعنصرية التركية إزاء الشعب الكردي بكردستان تركيا فتخلى عن الحل السلمي وراح يمارس الحملات العسكرية ضد الكرد، وانتهك بفظاظة الحدود العراقية لضرب القرى والأرياف الكردية بذريعة وجود مواقع يقول إنها لحزب العمال الكردستاني في جبال قنديل والقرى الكردستانية العراقية.
ثم راح يدعو الدكتاتور الجديد لنظام رئاسي بتركيا، لينهي تماماً دور مجلس النواب والسلطة القضائية ويحصر كل السلطات الثلاث، إضافة إلى السلطة الرابعة، الإعلام، بيديه وتحت إشرافه ورقابته تماماً.
ووقعت في هذا المجرى محاولة انقلاب عسكرية، التي يزعم أردوغان إنها بتدبير من خصمه السياسي وحليفه السابق فتح الله غولن المقيم بالولايات المتحدة، ليشن أكبر حملة اعتقالات شهدتها تركيا شملت عشرات الآلاف من العسكريين والمدنيين والموظفين في السلطة التنفيذية والقضائية والتشريعية وأعضاء النواب الكرد، وهم يمثلون حزب الشعوب الديمقراطي، بذريعة تعاونهم مع حزب العمال الكردستاني، كما اعتقل المزيد من أساتذة الجامعات والمعلمين وأكثر من 150 صحفياً، وأغلق بعض الصحف، كما فرض الرقابة الصارمة على حرية التعبير عن الرأي وحرية الصحافة. وتشير المعطيات الواردة إلى إن أجهزته القمعية والقضائية تمارس القسوة المفرطة مع كل المعتقلين ولا سيما ضد الصحفيين.
لقد مارس رجب طيب أردوغان, دكتاتور تركيا الجديد وسلطانها المنفلت من عقاله سياسة استبدادية وإرهابية قاسية ضد قوى المعارضة التركية والكردية وضد الصحفيين وكل من له رأي آخر غير رأي أردووغان. واخيراً أمر المستبد بأمره باعتقال الصحفي الألماني – التركي دينس يوجيل بذريعة تعاونه مع المسلحين الكرد ودعمه للإرهاب والإرهابيين. ففجر حملة احتجاجات واسعة جداً بألمانيا ودول أوروبية أخرى. إن القضاء الخاضع لأردوغان، بعد أن قام بتغيير الكثير من القضاة وأبعد المستقلين منهم عن المحاكم المدنية، سيصدر حكماً قاسياَ ضد دينس يوجيل، وضد الكثير من الصحفيين الترك والكرد المعتقلين، لهذا يفترض في أحرار العالم أن يرفعوا صوت الاحتجاج ضد سياسات أردوغان المناهضة لحقوق الإنسان وحرية التعبير والصحافة والمفرطة في عدائها للرأي الآخر، وهو ينفذ قانون "مناهضة الإرهاب!"، الذي لا يعني سوى ممارسة الإرهاب ضد منتقديه والمختلفين معه في الرأي والصحفيين.
"وصف مدير منظمة "مراسلون بلا حدود" في ألمانيا، كريستيان مِر، الادعاءات المنسوبة إلى يوجيل بأنها "سخيفة" ودعا إلى إطلاق سراحه فوراً وكذلك جميع الصحفيين المعتقلين حالياً في تركيا." (راجع: موجة انتقادات ضد تركيا على خلفية اعتقال مراسل صحيفة ألمانية DW). أما وزير خارجية المانيا، زيغمار غابريل، فقد انتقد بشدة قرار القاضي. وقال غابريل خلال زيارته للعاصمة الإيطالية روما، إن قرار حبس يوجيل "مفرط في قسوته ما يجعله أيضاً غير مناسب". وأضاف أن القرار "لم يراع القيمة الديمقراطية الكبيرة لحرية الصحافة والرأي، ولم يراع أن يوجيل سلم نفسه طوعاً للقضاء التركي، وأعلن استعداده التواجد بشكل كامل لإجراء التحقيق". (المصدر السابق نفسه). كما شاركت مستشارة ألمانيا في رفضها قرار اعتقال وحبس يوجيل وتقيمه للمحاكمة.
إن الشعوب بتركيا تعيش منذ أشهر حمى الاستبداد والإرهاب والقسوة السادية التي تمارسها السلطات الحاكمة وتحاول أن تدين من كان ضد الإرهاب ومن فضح دور أردوغان باحتضانه عصابات داعش ودعمها وتسهيل مهماتها بالعراق وسوريا وجعل تركيا ظهيراً لها ومعبراً للإرهابيين إلى سوريا والعراق.
إن على صحفي العالم والرأي العام العالمي المطالبة بإطلاق سراح الصحفيين المعتقلين، ومنهم دينس يوجيل، واحترام حقوق السجناء السياسيين وتقديمهم لمحاكمة عادلة وتحت رقابة واشراف دوليين.
لنعمل على فضح دور تركيا، إلى جانب دول أخرى، في ما حصل ويحصل في المنطقة من إرهاب وموت وخراب، ومن تفاقم الصراع الطائفي مع الدولة المستبدة الأخرى، الدولة الإسلامية الإيرانية وتدخلاتها الفظة في شؤون الدول العربية.     


55
كاظم حبيب
أي جحيم يعيش تحت وطأته شعب مصر، ولاسيما أقباطه!!
شعب مصر يعيش الجحيم بعينه، بعد أن اعتقد أنه تخلص من نظام حكم جائر كان بقيادة محمد حسني مبارك بعد أن ورثها عن السادات، الذي أُسقط مبارك ورهطه بثورة شعبية عارمة. وشعب مصر يعيش اليوم في جحيم لا يطاق أيضاً، بعد أن اعتقد أنه قد تخلص من نظام دكتاتوري آخر، هو نظام الإخوان المسلمين الأكثر جوراً وإمعاناً بقهر الشعب وإراداته ومصالحه، بعد أن أُسقط بثورة شعبية عارمة لم تتوقف وبالملايين الثلاثين التي خرجت إلى الشوارع لتعلن رفضها لمحمد مرسي وللإخوان المسلمين الجائرين. وهذا الشعب المصري الأبي الثائر والمتمرد على الدكتاتورية والفساد والإرهاب وضد التمييز بمختلف أشكاله، الذي رفع شعارات الحرية والخبر والكرامة في ثورة الثلاثين من كانون الثاني/يناير 2011، يعيش اليوم تحت وطأة حكم أكثر استبداداً وجوراً، وأكثر فساداً وأقل خبزاً للناس، وأشد ممارسة للتمييز بين أبناء وبنات الشعب المصري بسبب الغنى والجاه وضد الفقير والكادح، ولاسيما الدين، في حين قالها سعد زغلول في العشرينات من القرن الماضي "الدين لله والوطن للجميع"، والذي أخذه عن المؤرخ اللبناني بطرس البستاني في عام 1819.
الغالبية العظمى من الشعب المصري فقيرة، ونسبة عالية تعيش تحت خط الفقر، غالبية جائعة ومغلوب على أمرها ومحرومة من العيش في أجواء الحرية والحياة الديمقراطية والتمتع بحقوق الإنسان، ومنها حرية وحق العبادة على وفق الدين الذي يؤمن به هذا المواطن أو تلك المواطنة. لم يعرف الاقتصاد المصري أزمة كالتي يعاني منها الآن، بما في ذلك البطالة المتفاقمة وارتفاع معدلات الأسعار وانخفاض قيمة العملة الوطنية بعد أن عومها النظام وتحملت نسبة عالية من الشعب المصري خسائر فادحة لهذا السبب. إن العجز في الميزانية العامة يقود إلى الاستدانة الداخلية والدولية وإلى إصدار المزيد من العملة الذي يقود بدوره إلى التضخم وعواقبه على أصحاب الدخول المحدودة والواطئة. كما إن ميزان المدفوعات المصري يعاني من عجز دائم. وبسبب الإرهاب الداخل تواجه السياحة المصرية تراجعاً كبيراً قاد إلى خسائر مالية كبيرة وبطالة إضافية للكثير من العاملين في قطاع السياحة والفندقة. 
الشعب المصري يعيش تحت حكم الدكتاتور العسكري الجديد عبد الفتاح السيسي، والكثير من نشطاء الثورة الشباب هم ما زالوا في سجون السيسي لأنهم تجرأوا على انتقاد السيسي وتظاهروا مطالبين بالحرية والحقوق الديمقراطية وبالخبز والكرامة التي ثاروا من أجلها وأسقطوا نظامين جائرين في ربيع شرق أوسطي خنق ولكن لم يمت حتى الآن. فالويل لمن يواصل اضطهاد الشعب فالثورة الثالثة ستكون عارمة حقاً وستكنس من يحاول تركيع الشعب المصري ومصادرة حقه في العمل والعيش الكريمين.
قوى الإرهاب تمعن في قتل الناس في مناطق مختلفة من مصر تختارها المكان متى تشاء بكل حرية وتقتل العشرات من البشر، والنظام العسكري عاجز عن الدفاع عن الإنسان المصري,
مسيحيو مصر يواجهون القتل وحرق الكنائس والتهجير القسري من قراهم وبلداتهم لأنهم مسيحيون، والنظام أعجز من أن يستطيع الدفاع عنهم وإعادتهم إلى مناطق سكناهم وحمايتهم، وكل ما يعلن عنه إنها الفتنة. ولكن من هم وراء هذه الفتنة العمياء، التي لم تقتصر على العراق وسوريا، بل هي ممتدة إلى مصر وبقية دول الشرق الأوسط؟
ألا يُذكّر مصائر الحكام الدكتاتوريين الجائرين في دول العالم الثالث أمثال باتيستا بكوبا، وسالازار بالبرتغال، وبينوشيت بشيلي، ومبارك ومرسي بمصر، رئيس الجمهورية المصرية الحالي بما يمكن أن يحصل له إن أمعن في اضطهاد الشعب المصري وتجويعه وحرمانه من الحرية والهيمنة على الصحافة واعتقال الصحفيين والتحريض ضد حرية الصحافة والمزايدة في الدين الإسلامي مع المتطرفين، وإهمال حماية المسيحيين الأقباط بمصر، وهم من أصل أهل البلاد، وأقدم ديناً من أولئك المسلمين العرب الذين حطوا بمصر بعد فتحها الاستعماري، وما زالوا يضطهدون المسيحيين. ألا يخشى من غضبة الشعب الجائع والمحروم والمقهور في أرضه والمجبر على الهروب منها للتفتيش عن لقمة خبز يأكلها بحرية وكرامة في الشتات المصري. ألا يخشى من هذا التراكم الهائل لهموم المصريين وسوء أوضاعهم التي لا بد أن تقود إلى ما لا يتحمد عقباه عليه وعلى من يدافع عنه ويكرس وجوده على راس الدولة المصرية.
هل تجرأ سياسي عاقل أن يبيع قطعة من أرض بلاده لدولة أخرى دون أن يطرح ذلك على الشعب والمؤسسات الدستورية على شكليتها، غير الدكتاتور المصري عبد الفتاح السيسي، الذي تجاسر وباع جزيرتين مصريتين للمملكة السعودية، هذه الدولة المصدرة للفكر الإرهابي والإرهاب إلى دول العالم، ولاسيما للدول العربية، والتي أرادت أن تكون جسراً بينها وبين إسرائيل وقاعدة للتعاون العسكري بينهما ضد حركة التحرر الوطني العربية، وغير الدكتاتور صدام حسين الذي ضحى بنصف شط العرب للدولة الإيرانية في مقابل أن يقضي على حركة التحرر الوطني للشعب الكردي في مؤامرته التي تجلت في اتفاقية الجزائر عام 1975 بوساطة أمريكية-جزائرية، ومن ثم أراد استرجاع نصف الشط بالحرب القذرة التي دامت قرابة ثماني سنوات عجاف مع إيران والتي ولدت حروباً أخرى متتالية.
على  حاكم مصر، الذي يسيء بسياسته ومواقفه المتطرفة للقوات المسلحة العراقية، لأنه يتحدث باسمها، ويعجز عن مواجهة الإرهابيين والمسلمين الأكثر تطرفاً الذي يضطهدون المسيحيين الأقباط، ويسعون إلى الضغط عليهم ويفرضوا عليهم الهجرة إلى خارج مصر، أن يدرك بأن الظلم إن دام دمر، ولا يمكن لهذا الظلم والجور والقهر أن يدوم، ما دام هناك هذا الشعب الجريء، شعب مصر الذي ما انفك يطالب بحريته ولقمة عيشه وكرامته وحقوقه المشروعة والعادلة، رغم النشاط الدؤوب لشيوخ دين سيئين دأبوا على تجهيل الشعب ومنع التنوير الديني والاجتماعي عنه ومحاربة كل القوى الخيرة والمناضلة في سبيل مصر حرة وديمقراطية ودولة مدنية ديمقراطية عصرية.   
             

56
كاظم حبيب
الرفيق الدكتور غام حمدون الغائب الحاضر في قلوب وعقول رفاقه ومحبيه
تعرفت على غانم حمدون في العام 1947 حين كان يدرس في الجامعة الأمريكية ببيروت مع شقيقي مهدي حبيب، وكانا يدرسان اختصاصين مختلفين، وقليلاً ما كانا يلتقيان. كنت حينذاك في الصف الرابع الابتدائي. كنت التقيه حين كان يذهب ليمارس الرياضة في ملعب الجامعة ويحيني تحية الأخ الأكبر لأخيه الصغير. وحين غادر شقيقي إلى الولايات المتحدة لاستكمال دراسته، عدت أنا إلى العراق. لم التق به بعدها ببغداد أثناء عملنا الحزبي أو السياسي، إلا حين جاء إلى المانيا الديمقراطية للدراسة واختار فرع "اقتصاد العمل" في جامعة همبولدت، وحاز على درجة دكتوراه فلسفة PhD . كان في حينها متزوجاً من السيدة سلوى الجلبي التي عاشت معه طيلة وجوده بألمانيا، ثم افترقا نهائياً. التقينا مرة أخرى ببغداد حين كان عضواً في اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي العراقي، كما كنا، مع أخرين، أعضاء في هيئة تحرير الثقافة الجديدة، وكان يعمل محرراً وكاتباً في جريدة اتحاد الشعب. التقينا مرة أخرى في مدينة الجزائر عام 1979 حين أُجبرنا على مغادرة العراق في أواخر السبعينيات مع الهجوم البعثي ضد الشيوعيين والديمقراطيين. تعين الدكتور غانم في جامعة الجزائر وعمل مدرساً فيها لسنوات عديدة.
في عام 1987 زرت الجزائر قبل عودتي إلى حركة الأنصار بكردستان للمرة الثانية. زرت الهيئة الحزبية القيادية لتنظيم الحزب الشيوعي في الجزائر، وكان الرفيق غانم عضواً فيها والرفيق الدكتور عبد العزيز وطبان مسؤولها. بعد انتهاء الاجتماع طلب الرفيق غانم الانفراد بي. حدثني عن وضعه الصحي ومعاناته، وطلب مني أن أكون وكيلاً له بما يملك من مال وعقار ببغداد، ليكون المال والعقار بعد وفاته للحزب. كان الموقف في منتهى النبل وعبر عن حبه العميق للحزب ومبادئ الحزب التي اقتنع بها مبكراً، وكان الموقف محرجاً أيضاً. الموقف محرج لأن الرفيق ما يزال معافى عموماً وهو قادر على الاحتفاظ بأمواله، وبمقدوره أن يكتب وصية يمكن أن ينتقل ما يملك إلى ملكية الحزب الشيوعي العراقي عند وفاته، كما إنها تعتبر مسؤولية غير مناسبة لي وأنا في طريقي إلى حركة الأنصار بإقليم كردستان، إذ أن من كان ينخرط في الحركة لا يعرف حقاً هل سيعود حياً أم سيستشهد في جبال وقرى وأرياف كردستان، كما استشهد الكثير ولكثير جداُ من رفاق واصدقاء الحزب في الفترة الواقعة بين 1979-1989، أضافة إلى الكثير من المناضلين الكرد هناك من أعضاء الپيشمرگة. فقلت له عزيزي رفيق ثابت، (وكان هذا اسمه الحزبي منذ ولج بوابة الحزب الشيوعي العراقي حتى وفاته وكان ثابتاً على العهد الذي قطعه): أنت ما تزال بصحة مناسبة وأتمنى لك عمراً مديداً وصحة جيدة، كما يمكنك كتابة وصية تجددها كل عام إن شئت، ليتحول كل ما تملك لصالح الحزب في حالة الوفاة. ولهذا أرى ألا تتعجل الأمر، وأنت تتبرع سنوياً خمسة رواتب شهرية من رواتبك السنوية للحزب، كما كان يفعل جميع رفاق الحزب في الجزائر (البقية كانوا يتبرعون بثلاث رواتب في السنة) وهو مبلغ جيد ومناسب. بعد حوار قصير بيننا اقتنع بصواب الرأي الذي أبديته له. وقد عاش الرفيق غانم طوال ثلاثة عقود تقريباً بعد ذلك الحوار. وما بخل على الحزب بأمواله وجهده أبداً.
لقد تميز الرفيق غانم حمدون بامتلاكه ثقافة واسعة وروحاً علمية وعقلانية وتواضعاً جم، وهنا يصدق من يقول: "كلما ازداد علم الإنسان ازداد تواضعه، وكلما قل علم الإنسان قل تواضعه!"، وعمل على وفق الحكمة المندائية التي تقول: "لا خير في عالم لا ينفتح على غيره، ولا خير في جاهل منغلق على نفسه". لقد كان الرفيق غانم من المثقفين العضويين الذين تحدث عنهم غرامشي، والذين وضعوا أنفسهم بالكامل في خدمة قضية الشعب العراقي والفكر الاشتراكي الإنساني، الذي اقتنع به وناضل من أجله والذي حمل رايته بالعراق الحزب الشيوعي العراقي. كان دؤوباً في عمله ولا يمكن أن يؤجل عمل اليوم إلى غد. برز هذا بوضوح في إداء مهماته الحزبية المتنوعة وفي عمله في تحرير الثقافة الجديدة ودأبه على كتابة المقالات وعلى تصحيح ما يرد للمجلة من مقالات ايضاً ولسنوات كثيرة، إضافة إلى علاقاته الاجتماعية الممتازة مع الآخرين.
لقد كان الرفيق غانم صريحاً وهادئاً في نقده، وكثيراً ما كان يوجه النقد لسياسة الحزب في عقد السبعينيات من القرن الماضي، حين كان يعمل في لجنة المثقفين أو في اللجنة الاقتصادية المركزية للحزب (لقم)، ولكنه كان في الوقت ذاته صبوراً وملتزماً بشدة بما يقرره الحزب من سياسات ومواقف عبر اللجنة المركزية أو مكتبها السياسي.
من المحزن حقاً أن يموت رفيقنا العزيز غانم في المنفى بعيداً عن الوطن الذي أحبه وناضل من أجل تقدم شعبه، وأن يكون موته في فترة مظلمة من تاريخ العراق المستباح والجريح منذ عام 1963، وحيث يسود اليوم الحكم الطائفي المقيت والمحاصصة المذلة للهوية الوطنية، هوية المواطنة الحرة والمتساوية، وأن تسود الهويات الفرعية القاتلة، وأن يرى مدينة الموصل، مدينته العزيزة، تحت حكم الأوباش الدواعش الذين مرغوا كرامة مواطنيها من النساء والرجال بالتراب وقتلوا عشرات الآلاف من الناس الأبرياء من إيزيديين ومسيحيين وشبك وتركمان وكرد وعرب ومسلمين، دون أن يحاكم أولئك الذين تسببوا بهذه الكوارث المرعبة بحق شعبنا العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفلسفية والفكرية، بل يراهم ما زالوا يهيمنون على الحكم ويأتمر الكثير منهم بأوامر أسيادهم في دول الجوار.
مات الصديق والرفيق غانم في الغربة، ولكن كان حوله من الرفاق والأصدقاء ما خفف من حجم الصدمة بموته، رغم معرفتنا جميعاً بأوضاعه الصحية الصعبة في السنوات الأخيرة من عيشه بلندن. فالذكر الطيب لغانم حمود والعزاء لكل رفاق دربه ومحبيه وأصدقاءه الكثر. لقد مات غانم، ولكن الفكر الذي ناضل من أجله ما زال وسيبقى يعيش في سماء العراق والعالم.   
28/02/2017   

57
كاظم حبيب
ما موقف السلطات الثلاث من فساد المسؤولين بالعراق؟
لا أتهم أحداً بشكل مباشر بالضلوع في الفساد المستشري والمتحول إلى نظام معمول به بالعراق ومقبول من الدولة بسلطاتها الثلاث والمتفق عليه عالمياً عبر منظمة الشفافية الدولية، لأني شخصياً لا أملك وثائق تدين هذا المسؤول أو ذاك بالفساد، لا أتهم أحداً لأني لست الجهة القضائية التي يمكن أن تحكم على هذا الشخص أو ذاك بالفساد، كما أني لست المدعي العام العراقي لكي أرفع لائحة اتهام ضد هذا المسؤول أو ذاك واتهمه بالفساد. ولكن من حقي كمواطن عراقي، وأنا أقرأ عشرات الاتهامات لا بالسرقة والتفريط بأموال الدولة، بخزينة الشعب فحسب، بل وفرض موظفين على البنك المركزي ليمارسوا الفساد ويسمحوا لرئيس الحكومة باستخدام أموال الدولة كما يشاء. هذا الاتهام لا يوجهه أفراد عاديون ويتحدثون كما يحلو لهم، بل هو اتهام موجه من كان مسؤولاً أول عن البنك المركزي العراقي، من الدكتور سنان الشبيبي، محافظ البنك المركزي، الذي اتهم بالإساءة لوظيفته ومعه نائب المحافظ الدكتور مظهر محمد صالح، والأخير اعتقل لأشهر طويلة، واللذين برأتهما المحكمة بعد إزاحة نوري المالكي عن السلطة، وأسند للأخير منصب المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء الجديد. وكنا نحن الاقتصاديين العراقيين المستقلين، وكثيرون غيرنا، على ثقة ببراءة المتهمين وبقية الموظفين الذين وضعوا قيد الاعتقال دون وجه حق، وبرؤا من التهمة أيضاً. لا أتهم أحداً من المسؤولين بالفساد، ولكن ماذا يقول محافظ البنك المركزي السابق عن رئيس الوزراء السابق؟ لنقرأ ما قاله الشبيبي: (راجع: المقتطفات المنشورة للشبيبي في هذا المقال كلها منشورة في أكثر من موقع ومأخوذة من موقع "وطن يغرد خارج السرب" بتاريخ 21/02/2017، ك. حبيب)
إن “الأموال التي تسلمها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، كانت تكفي لبناء وطن جديد يتسع لـ30 مليون نسمة”.؟
والسؤال المشروع هو: أين ذهبت هذه الأموال والبلد ما يزال يعيش في الرثاثة المدمرة؟ ثم أضاف الشبيبي:
أن “المالكي عيَّن أربعة من أفراد حزبه الحاكم بمناصب كبيرة داخل البنك المركزي وهم ليسوا من ذوي الاختصاص حتى تأثر البنك وأخذت العشوائية تضرب أطنابها، وهم: مدير دائرة غسيل الأموال، ومدير الدائرة القانونية، ومدير مراقبة المصارف، ومدير الدائرة الاقتصادية”.
علماً بأن هذه المهمة ليست من اختصاص رئيس الوزراء، على وفق قانون البنك المركزي، بل هي من مهمات محافظ البنك المركزي. والسؤال هو: لماذا فعل رئيس الوزراء السابق ذلك وتجاوز على صلاحيات البنك وصلاحيات المحافظ وصلاحيات رئيس الوزراء بالذات؟ ويستكمل الشبيبي تصريحاته بالقول:
 "عندما قررت تغيير من عينهم المالكي من أفراد حزبه جاءني كتاب من رئيس الوزراء يمنع إبعاد هؤلاء الفاسدين تضمن تهديدا مبطنا ما بين السطور" ثم استطرد قائلاً : “عندما أبعدت أول عناصر العصابة الفاسدة جن جنون المالكي".
وما حصل هو اتهام الشبيبي بالفساد من قبل رئيس القضاء الأعلى مدحت المحمود واعتقال نائب محافظ البنك المركزي وبعض الموظفات والموظفين. ولكن اتهامات محافظ البنك المركزي السابق لم تتوقف عند هذا الحد بل أكد إن:
“مدير مراقبة المصارف أخذ يبيع الدولار إلى المصارف الأهلية المرتبطة بالمالكي، بمبالغ أقل من السوق ما جعل العراق يخسر ملايين الدولارات يوميا بسبب هذا الفساد وتهريب أموال ميزانية الحكومة إلى الخارج لصالح المالكي وأتباعه”. ثم تابع قوله:
بأن “المالكي عين المدعو علي العلاق، محافظا للبنك المركزي لينهب كل احتياطي الدولة العراقية ومقداره 67 مليار دولار في آخر أيام هيمنته على الحكومة ليسلم السلطة إلى حيدر العبادي وبميزانية خاوية واحتياط منهوب”.
واستنتج الدكتور سنان الشبيبي مسألتين مهمتين هما:
** "المالكي أدخل العراق في أزمة مالية كبيرة لا يستطيع النهوض منها بعد عقد من الزمن حتى لو تحسنت أسعار النفط اليوم”.
** وأن “المالكي تسلم أموالا أكثر من كل حكام جمهورية العراق مجتمعين بدءاً من الزعيم عبد الكريم قاسم إلى صدام حسين، ولم يحقق فيها أي منجز يذكر للشعب العراقي وللوطن”.
وكان من الصحيح ان يقول: أغرق البلاد في مستنقع البؤس والفاقة واحتلال جزء من الوطن!
وإذا عدنا إلى الدكتور أحمد الجلبي الذي توفى فجأة، بعد أن أدلى بتصريحات فيها اتهامات كبيرة للمسؤولين الحكوميين، ولم يكن يعاني من أي مرض قاتل، فهو يطرح ارقاماً تصل إلى مئات المليارات التي لا يعرف أين ذهبت، ولكن الجلبي كان يعرف جيداً أين ذهبت، ولم يصرح بها، وكان على وشك التصريح بها قبل وفاته الغامضة، إذ كشفت الوثائق التي أودعها الجلبي لدى صحيفة المدى العراقية:
"نموذجا لعمليات بيع العملة من قبل البنك المركزي العراقي، والتي يصل مجموعها، خلال حكم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بين عام 2006  إلى منتصف العام الماضي نحو 312 مليار دولار." (راجع: موقع العرب، وثائق بيع العملة تفجر معركة حتمية على الفساد في العراق، نشر بتاريخ 18/11/2015 وأخذ المقتطف من الموقع بتاريخ 25/02/2017). وهذا المبلغ يرتبط ببيع العملة فقط وليس في مجالات أخرى، إذ ما طرحه الدكتور الجلبي يصل إلى أكثر من 500 مليار دولار أمريكي.
والآن، وبعد كل هذه الاتهامات العلنية والمنشورة من جانب مسؤولين كبيرين أحدهما حي يرزق، والآخر ذهب ضحية تصريحاته، كما يؤكد البعض، ونتمنى ألا يلتحق به الثاني، ماذا يفترض أن تفعل السلطات الثلاث بالعراق، السلطة القضائية ومعها المدعي العام العراقي، والسلطة التنفيذية التي يرأسها قائد من حزب الدعوة ومسؤوله في الحزب متهم بكل ذلك، وماذا سيفعل مجلس النواب، الذي لم يفعل حين طرح عضو المجلس الدكتور الجلي اتهاماته، خشية أن ترد أسماء الكثير منهم ضمن الفساد؟
أي دولة بالعالم تحترم نفسها وتحترم شعبها، ودستورها، وهي تواجه هذه الاتهامات، أن تعمد مباشرة إلى تكليف الادعاء العام برفع دعوى قضائية ضد من وردت أسماؤهم في الاتهام والتحقيق بشأن الأمر. ولكن هل تحترم الدولة العراقية الهشة والمخترقة نفسها؟ السؤال موجه إلى السيد رئيس الجمهورية الذي يمتلك حق تحريك مثل هذه الدعوى، فهل سيفعل؟ لنرى ذلك!         
           

58
كاظم حبيب
مهمات الحركة المدنية الديمقراطية العراقية في المرحلة الراهنة
من يتابع الحراك السياسي الجاري منذ فترة والمتصاعد يوماً بعد أخر سيتلمس دون أدنى ريب مجموعة من المؤشرات التي تستوجب التوقف والتفكير والعمل، منها بشكل خاص:
** العمل المحموم الذي تمارسه قوى الإسلام السياسي في البيت الشيعي الحاكم وميليشياته، من أجل إعادة الوحدة، ولو بصورة شكلية، إلى صفوفها لمواجهة قوى المعارضة للنظام السياسي الطائفي ومحاصصاته الطائفية المذلة. ويقف في مقدمة شخصيات هذه المجموعة المالكي والحكيم والعامري والخزعلي والمهندس وحزب الله. إنهم لا يسعون للهيمنة على مجلس النواب فحسب، بل الهيمنة على كل الدولة العراقية وجعلها مستعمرة تابعة لإيران الخامنئي، وهي الطامة الكبرى. ويقف على رأس هؤلاء نوري الملكي ويساعده الخزعلي وعصابته.
** العمل المحموم لرئيس الحزب الإسلامي (جماعة الإخوان المسلمين) الذي يسعى إلى كسب القوى الإسلامية السياسية السنية إلى جانبه بهدف وأمل الدخول في تحالف مع المجموعة الشيعية الأولى التي تحركت هي الأخرى صوب رئيس المجلس النيابي العراقي سليم الجبوري، والذي حظي أخيراً بتأييد الخامنئي للتحالف مع المالكي.
** كل القوى الرافضة للدولة المدنية الديمقراطية والمجتمع المدني وهوية المواطنة المشتركة والساعية إلى تكريس الهويات الفرعية المشتتة للقوى والمفرقة للصفوف والتي يهمها استمرار التمييز والفساد.
** بعض دول وقوى الجوار التي تسعى بكل السبل، لاسيما إيران وسوريا، رغم كارثتها الداخلية، وحزب الله، إلى تأييد هذه القوى وتكريس النظام السياسي الطائفي، في حين دول أخرى، لاسيما السعودية وقطر وتركيا، تسعى إلى استبداله بنظام طائفي آخر، وكل هذا التدخل الفظ مخالف ومناهض لإرادة شعب العراق المتعدد القوميات والديانات والمذاهب.
** وتتصدى هذه القوى لمسائل جوهرية في مقدمتها رفض أي تغيير في النظام السياسي الطائفي والمحاصصة الطائفية، ورفض تغيير التوزيع الطائفي لتشكيلة المفوضية المستقلة للانتخابات، ورفض تغيير النظام الانتخابي باتجاه ديمقراطي، ورفض كل المطالب الشعبية الأخرى التي تتصدى للفساد والإرهاب والتمييز ودور المليشيات الطائفية المسلحة في حياة الشعب العامة واليومية.
** نشر الكثير من الافتراءات والإشاعات الكاذبة من أجل إعاقة أي تقارب وتعاون بين القوى الوطنية والديمقراطية العراقية، وهو أمر يفترض أن ينتبه له كل من يسعى لتحالف القوى المناضلة من أجل التغيير.
** في مقابل هذا الحراك المحموم والمتفاقم لهذه القوى، يتابع المواطن والمواطنة بالعراق حراكاً مدنياً وديمقراطيا ما يزال بطيئا جداً لا ينسجم بأي حال مع حاجات البلاد وضروراتها الماسة والملحة التي تستوجب حراكاً أوسع وأسرع وأشمل على صعيد العراق كله، من أجل تعبئة كل القوى التي تضررت وما تزال من سياسات الأحزاب والقوى والفئات الحاكمة، وهي في الواقع العملي تشكل الغالبية العظمى من الشعب العراقي والتي تزيد نسبتها عن 98% من سكان العراق. إن التحالف المنشود يفترض أن يعبئ جميع الأحزاب والقوى التي ترفض الطائفية السياسية، والسياسات الطائفية التي مورست حتى اليوم من جانب القوى الإسلامية السياسية الحاكمة، شيعية كانت أم سنية، فهي لم ولا تمثل، لم ولا تخدم مصالح الشعب بقومياته وأتباع دياناته ومذاهبه، بل خدمت وتخدم ذواتها وجيوبها والحاشيات الانتهازية الداعمة والمصفقة لها.
إن التحالف الوطني والديمقراطي المنشود يفترض أن يطرح الحد الأدنى من الأهداف التي تسهم في تجميع كل القوى السليمة لخوض الانتخابات بقائمة موحدة يتم الاتفاق عليها، وفي مقدمتها مناهضة الطائفية السياسية والتمييز الطائفي والعنصري وضد المرأة وحقوقها المشروعة وضد الإهمال والتهميش والأقصاء ومن أجل تغيير بنية المفوضية المستقلة وتغيير قانون الانتخابات...الخ، إنها القوى التي يفترض أن تكون مؤمنة بعراق مدني ديمقراطي حديث يرفض تسلط القوى والأحزاب الإسلامية السياسية على الدولة والسلطات الثلاث باسم الدين، وترفض تسلط الدولة على الدين وخدمة مصالح الحكام. فحيادية الدولة إزاء الأديان هو الضامن لاحترام الديانات وأتباعها وطقوسها، واحترام الدولة ودستورها وقوانينها ونظامها الديمقراطي.
لا شك في أن مثل ها التحالف الذي يمكن ويفترض بل ويجب، بسبب واقع العراق الراهن، أن يجمع في صفوفه قوى اللبرالية واليسارية والديمقراطية بأطيافها العديدة والجماعات الدينية المدنية التي ترى في فصل الدين عن الدولة ضرورة فعلية ملحة، من الناحية المبدئية، إضافة إلى ما تسبب به، هذا الربط غير العقلاني بين الدين والدولة، من انتهاكات فظة وعواقب وخيمة على الشعب، بما في ذلك اجتياح العراق من بوابة الموصل والأنبار وغيرها قبل ذاك.
واقع العراق المرير يؤكد أن تعجيل التحرك صوب هذا المهمة، مهمة التحالف الوطني والديمقراطي، لم يعد قابلاً للتأجيل، إذا ما أرادت هذه القوى المؤمنة بالشعب وقضيته العادلة والساعية للخلاص من الفساد والإرهاب والتمييز والموت اليومي والتدخل الخارجي، فالجميع أمام ساعة الحقيقة ابتداءً من الأحزاب والقوى ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية والديمقراطية.
في ضوء هذه المهمة العاجلة انبثقت اللجنة التحضيرية التي أطلق عليها "لجنة المبادرة لتحريك ودعم التحضير لانعقاد مؤتمر القوى الديمقراطية في العراق"، والتي وجدت صدى طيب واستجابة واسعة من لدن الكثير من القوى والأحزاب والقوائم الانتخابية والشخصيات الوطنية العراقية من علماء وأدباء وفنانين وإعلاميين وسياسيين، التي نأمل أن تتكلل جهود الجميع بنجاح كبير عبر اللقاءات والحوارات والنقاشات الجارية والمطلوب تكثيفها وتعجيلها وتوسيع قاعدتها لكل المقصودين بالدعوة لتوحيد الجهود لمواجهة التردي المتسارع في أوضاع البلاد الراهنة، لكل من يجد أن النداء موجه له أيضاً، وصولاً إلى عقد مؤتمر توحيد الجهود في تحالف متين.
إن من واجب الشعب كله، ولاسيما قواه الطليعية المعارضة والمناضلة، إفشال مخططات تكريس الطائفية ومحاصصاتها والتمييز والإقصاء والفساد والإرهاب بالبلاد، وإسقاط التدخل الخارجي الفظ في شؤون العراق الداخلية، إنها مهمة كل مواطنة ومواطن سليم العقل والطوية في المجتمع العراقي دون استثناء!
 

59
كاظم حبيب
ما الموقف من نهج السيد مقتدى الصدر وكتلة الأحرار؟
من تابع مواقف السيد مقتدى الصدر على امتداد الفترة الواقعة بين سقوط الدكتاتورية البعثية- الصدامية الغاشمة حتى اليوم سيجد أمامه عدة مسائل مهمة:
** إنه اعتمد على تراث والده الديني بشكل خاص وعلى شعبية الوالد السيد محمد صادق الصدر، الذي استشهد على أيدي جلاوزة النظام البعثي وصدام حسين.
** واعتمد على تأييد القيادة الإيرانية الدينية بإيران له في المرحلة الأولى من علاقته بإيران، إذ كانوا يسعون أن يجعلوه الشخص المماثل لحسن نصر الله بلبنان. وعند عدم خضوعه لقرارات وتوجيهات الخامنئي ورفضه لقاعدة ولاية الفقيه، كما هو ديدن غالبية المراجع الدينية بالعراق، بخلاف حزب الدعوة والمجلس الأعلى وغيره من الأحزاب الإسلامية السياسية التابعة في نهجها وأهدافها للقيادة الدينية الإيرانية ولولاية الفقيه التي هي الآن تتمثل بالخامنئي بإيران، رفع الدعم ووضع بشكل كامل في نوري المالكي وعمار الحكيم. 
** تشكيله جيش المهدي وممارسته العنف المفرط والسلاح في مواجهة من يخاصمه أو في مواجهة القوات الأمريكية باعتبارها قوات محتلة، وقد شارك جيش المهدي كإحدى المنظمات الطائفية المسلحة في الصراعات والنزاعات المسلحة والتي أدت إلى استشهاد أو قتل الكثير من العراقيين. وبعد عام 2008 انسلخ عنه أكثر الجماعات المسلحة والمتطرفة، قيس الخزعلي وجماعته، ولكن السيد ما زال يراوح في علاقته مع الحشد الشعبي والميثاق الموقع في حزيران من عام 2016 مع المكونات الميليشياوية الطائفية المسلحة المكونة للهيكل الأساسي للحشد الشعبي! فهو ضدها مرة ومرة أخرى معها.. الخ.
** لقد كان السيد مقتدى الصدر وما يزال يمارس نهجاً فردياً في قراراته التي يتخذها بغض النظر عن مدى صواب أو خطأ تلك القرارات على وفق اجتهاده الشخصي. وهو أمر لا يمكن أن تركن لمثل هذه القرارات الفردية مصالح الشعب ومستقبله، إذ لا بد أن تخضع تلك القرارات للعقل الجماعي، سواء في إطار كتلة الأحرار أو مع القوى السياسية الوطنية. فليس هناك من البشر من هو معصوم عن الخطأ، والخطأ في مثل هذه الأمور له عواقب وخيمة، ومنها حياة الناس!
** إن المشكلة الكبيرة التي تواجه السيد مقتدى الصدر هو أنه لما يزل يراوح بين قوة أو حزب ديني شيعي، وبين الدعوة لدولة مدنية تقوم على أساس فصل الدين عن الدولة أحياناً، وهذا الأمر يجعل اللقاء صعباً مع القاعدة الأساسية أو المبدأ الأساس للدولة المدنية، أي الفصل بين الدين والدولة وحيادية الدولة إزاء الديانات والمذاهب واحترامها لكل الديانات وأتباعها وطقوسها الدينية المحترمة.
** إن القاعدة الكادحة المؤيدة للسيد مقتدى الصدر تسعى إلى إجراء إصلاح حقيقي وتغيير فعلي في النظام السياسي الطائفي القائم بالعراق، وهذا لا يتم إلا باعتماد النضال من أجل دولة مدنية ديمقراطية حديثة، ويمكن أن يكون الطريق لها عبر إجراء تغيير فعلي في تشكيلة المفوضية المستقلة وجعلها مكونة من مجموعة من المستقلين الفعليين والحياديين والواعين لما يحتاجه العراق من استقلالية عالية في ممارسة الانتخابات العامة والمحلية أولاً، وتغيير قانون الانتخابات الجائر الحالي، بما يساعد على ضمان النزاهة في الانتخابات، ثانياً، وإقامة تحالف سياسي واسع وعريض يضم إلى جانب اليساريين واللبراليين الديمقراطيين والمثقفين الديمقراطيين والمستقلين، المتدينين المدنيين الذين يرفضون، ولصالح الدين والدولة معاً، ربط الدين بالدولة. وهذه المهمة لا ترتبط بالقوى المدية والديمقراطية، بل بمدى استعداد السيد مقتدى الصدر وكتلة الأحرار إلى التحول صوب الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة التي يحتاجها العراق للخلاص من الواقع المزري الراهن ومن حكومات متعاقبة، لاسيما حكومات الجعفري والمالكي والعبادي، التي لا تؤمن بالإنسان العراقي ولا بحقوقه ولا تعرف سوى إملاء حساباتها في البنوك الأجنبية بالمزيد من أموال الشعب المنهوبة وتسجيل المزيد من العقارات بأسمائها والتي هي بيوت المسيحيين والمندائيين وغيرهم من الهاربين من جحيم الإرهاب بالعراق أو المهددين بحياتهم من قبل المليشيات الطائفية المسلحة المنضوية تحت ما سمي بالحشد الشعبي الذي لا يختلف حالياً عن البسيج أو الحرس الثوري الإيراني، أو الحرس القومي البعثي العراقي سابقاً.
إن المهمة التي تواجه السيد مقتدى الصدر وكتلة الأحرار في مجلس النواب العراقي، كما أرى، تتلخص باتخاذ القرار التاريخي الذي ينقل الجماهير الغفيرة المرتبطة بالسيد مقتدى الصدر وكتلة الأحرار إلى مواقع القوى المدنية التي تناضل من أجل دولة مدنية ديمقراطية حديثة، وبذلك يترك المواقع الطائفية التي يحسب عليها حالياً لصالح وحدة الشعب العراقي، لصالح مبدأ المواطنة العراقية الواحدة والمتساوية والمشتركة على حساب الهويات الفرعية القاتلة لوحدة الشعب وكرامته، مع كل الاحترام للهويات الفرعية. إن مثل هذا القرار يحتاج إلى جرأة كبيرة أتمنى أن يمتلكها السيد مقتدى الصدر وكتلة الأحرار، لأنها الطريق الفعلي لإنقاذ العراق من المجموعة السيئة الحاكمة التي أوصلت العراق إلى ما هو عليه حالياً، والذي هو أشبه بمستعمرة إيرانية من جهة، وتدخل فظ من جانب دول السعودية وقطر وتركيا في الشأن العراقي، والتي تسعى إلى تحويل العراق إلى مستعمرة لها، بدلاً عن إيران، من جهة ثانية.
إن النضال من اجل حرية واستقلال العراق وسيادته واستقلال قراراته يرتبط عضوياً بالنضال من أجل دولة مدنية ديمقراطية حديثة ذات دستور ديمقراطي يرفض ربط الدين بالدولة ويكرس الفصل بين السلطات واستقلال القضاء والمساواة في المواطنة ورفض أي تدخل أجنبي دولي أو إقليمي بالشأن العراق، كما يسعى لتنمية وتطوير العراق ورفع مستوى حياة ومعيشة شعب العراق بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية.
هذا ما اراه من موقف جديد وملح وضروري للسيد مقتدى الصدر ولكتلة الأحرار وأمينها الدكتور ضياء الأسدي، أتمنى عليهم جميعاً أن يدرسوا هذا المقترح بعناية ورحابة صدر، سواء اتفقوا معه كلياً أو جزئياً.                   

60
كاظم حبيب
تباً لكم يا أعداء حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية بالعراق!
عاد المتوحشون إلى ضرب المتظاهرين والمتجمعين سلمياً وديمقراطيا في ساحة التحرير بالحديد والنار، بالرصاص المطاطي والحي، وبالهراوات والغاز المسيل للدموع، وربما سيستخدمون لاحقاً خراطيم المياه والاعتقال والتعذيب بل حتى القتل. ما لم يحتج الشعب على ذلك ويناضل في سبيل إيقاف هذه الاعتداءات الوحشية. هؤلاء هم اتباع المليشيات الشيعية الذين ولجوا إلى الأجهزة الأمنية مع بدء رئاسة إبراهيم الجعفري، الطائفي الشرس بامتياز، ومن ثم تبعه رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الأشرس والأخبث منه في السياسات الطائفية المقيتة والمناورة والتآمر، وهما من قادة حزب الدعوة، وكلاهما كان رئيساً لهذا الحزب المنخور من داخله. وها هم يمارسون الأسلوب نفسه الذي مارسه نوري المالكي في السنوات السابقة في فترة رئاسة حيدر العبادي لمجلس الوزراء، وهو الشخصية الثالثة لحزب الدعوة وفي قائمتهم التي برهنت على إنها قائمة دولة اللاقانون. وإذ تتحدث الأخبار عن شهداء يتراوح عددهم بين 5-7 مواطناً وأكثر من 320 جريحاً، فأن مسؤولية ذلك تتحملها الحكومة الحالية وأجهزتها الأمنية غير المنضبطة والمخترقة من المليشيات الشيعية المسلحة وغيرها، والتي تمارس الإرهاب الفعلي ضد المواطنين والمواطنات.
إن المليشيات الطائفية المسلحة وقوى معينة في الأجهزة الأمنية العراقية المتخندقة تقف اليوم في هذا السلوك إلى جانب رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وهي تسعى إلى جر المتظاهرين السلميين إلى العنف بكل السبل المتوفرة لديها بسبق إصرار، وإلا لماذا تتوجه هذه القوى الأمنية والمليشيات المتطرفة المسلحة صوب المتظاهرين السلميين الذي يناهضون الفساد ويدعون إلى محاسبة الفاسدين في جميع سلطات وأجهزة ومؤسسات الدولة العراقية وإلى تغيير رئيس وأعضاء المفوضية "المستقلة" للانتخابات، وتغيير القانون الانتخابي، والتصدي للإرهاب الهمجي ضد الشعب العراقي الذي يقتل يومياً عشرات الأشخاص، دع عنك الجرحى والمعوقين والخسائر المادية.
إن على القوى المناهضة للطائفية السياسية والمحاصصات الطائفية والفساد أن تنتبه للمؤامرة القذرة التي يراد جر الشعب إليها، لكي يحصل ما هو قائم منذ خمس سنوات في سوريا، بدلاً من البدء بعملية الإصلاح والتغيير الجذري للنظام الطائفي السياسي اللعين وإقامة دولة المواطنة العراقية الحرة والمتساوية والمشتركة.
إننا أمام محاولات جادة، حتى قبل إنهاء تحرير الموصل، تهدف إلى إشاعة الفوضى في البلاد من خلال التصدي لمظاهرات سلمية يقرها الدستور العراقي وتطالب بأهداف وطنية، حتى الحكومة الطائفية الراهنة دأبت على الادعاء بالمطالبة، ولكنها لم تتخذ أي إجراء بسيط بهذا الصدد. 
الحذر كل الحذر من محاولة جر قوى الاحتجاج المدني للرد على العنف الطائفي بالعنف، إذ إن هذا هو المطلوب، إنها الخطة الجديدة للقوى السياسية المعادية للإصلاح والتغيير والمتعاونة مع إيران والمجموعة الإيرانية العاملة بالعراق بقيادة قاسم سليماني. ومع ذلك لا بد من الاستمرار بالتظاهرات السلمية وتطوير الحركة الاحتجاجية، كما لا بد من فضح الفاعلين والذين يقفون وراء ذلك في بنية السلطة التنفيذية والفئات الحاكمة وبعض الأحزاب السياسية المشاركة في الحكم ومجلس النواب وتعرية الأهداف التي يسعون إليها.
إن الانفجارات اليومية التي تحصل بالعراق يومياً ليست بالضرورة كلها من قبل عصابات داعش المجرمة، بل لا بد من أن يتوجه التفتيش من جانب رئيس الوزراء إلى تلك الجماعات التي تشكل جزءاً من قوى الإسلام السياسي الشيعية التي تريد إبعاده والمجيء بنوري المالكي إلى السلطة ثانية!
إن الشعب العراقي ينزف دماً. وإذا كان سبب النزيف في السابق النظام الدكتاتوري البعثي ورأسه العفن، فأنه اليوم ينزف بسبب وجود النظام السياسي الطائفي الذي يمارس سياساته التمييز والتهميش والإهمال والإقصاء، ولا بد للقوى السليمة والأمينة والمخلصة لشعبها من التصدي للطائفيين المتعفنين من إيقاف نزيف الدم ووضع حد للمآسي اليومية التي تواجه المجتمع العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية. لا بد من تحالف عريض يتصدى بحزم وعزم ضد السياسات والمحاصصات الطائفية المذلة، ويناضل من أجل إقامة دولة مدنية ديمقراطية اتحادية تضع مصالح الشعب، كل الشعب فوق كل المصالح الطائفية والأثنية والفردية.                 

61
كاظم حبيب
نحو جبهة وطنية واسعة لعقلانيي العراق
الوضع بالعراق يزداد تعقيداً وتشابكاً وخطورة ويزد إيلاماً للشعب وثلماً للاستقلال وغوصاً في نفق طويل مظلماً. والسبب يكمن في إصرار القوى والأحزاب السياسية الدينية الطائفية على نهجها الذي سلكته منذ 13 عاماً وقادت إلى الكوارث والمآسي المريرة التي بلغ عدد ضحايا الشعب مئات الآلاف من القتل ومثلهم من الجرحى والمعوقين، إضافة إلى الخراب والدمار والعجز عن إعادة بناء البنية التحتية، والفساد الذي التهم مئات المليارات من الدولارات الأمريكية، وكذلك التفريط الرهيب بأموال الشعب. وقد ارتفعت نسبة البطالة إلى مستويات لم يعهدها العراق من قبل إلا في فترة الحروب الصدامية، إضافة إلى تزايد نسبة من هم تحت خطر الفقر إلى أكثر من ثلث سكان العراق. في حين ارتفع عدد أصحاب الملايين والمليارات من الدولارات  الأمريكية، لا عبر أعمال مشروعة ونظيفة ودستورية، بل من خلال نهب وسلب أموال الشعب، خزينة الدولة الفارغة!
نحن أمام قوى سياسية وفئات اجتماعية حاكمة تزداد جوراً على الشعب الكادح والفقير، وعلى المثقفين والمبدعين، وعلى البرجوازية الصغيرة والمتوسطة، وهي تصر على نهجها الطائفي السياسي ومحاصصاتها المذلة للشعب ومبدأ المواطنة الحرة والمتساوية والمشتركة، وإصرارها على البقاء بالسلطة مهما كلف الشعب من تضحيات وكوارث وآلام وحرمان وجوع، رغم مطالبة الشعب بالإصلاح والتغيير الجذري بإقامة نظام مدني ديمقراطي علماني اتحادي حديث.
إن الأزمات التي يمر بها الشعب كثيرة وليست واحدة ومتشابكة، بحيث يستحيل الخروج منها من خلال النهج الفكري الديني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والبيئي الراهن، بل لا بد من التغيير. ولا يمكن أن يتحقق هذا التغيير من دون رفع سقف المطالبة الشعبية ورفع مستوى مشاركة الشعب، وخاصة الكادحين والفقراء والمعوزين إلى جانب المثقفين والمتضررين من الواقع الراهن من فئات البرجوازية الصغيرة والبرجوازية الوطنية والطبقة العاملة وكادحي الريف بالعراق. إن هذا يتطلب النهوض بالمهمات من خلال سعي القوى العقلانية بالعراق للنهوض بمسؤوليتها إزاء المجتمع ومستقبل البلاد الذي حط الآن في حضيض مدمر حقاً وصدقاً.
إن الوقت ليس في صالح الشعب حين يجري التلكؤ بدعوى ما يزال الوقت "سابق لأوانه" لعقد مؤتمر لجميع القوى العقلانية بالعراق. ولا شك في وجود حاجة ضرورية وملحة للقيام بمشاورات ولقاءات واجتماعات بين القوى السياسية العراقية العقلانية، القوى التي يهمها العراق وشعبه، القوى والأحزاب التي تؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنات والموطنين من جميع القوميات والديانات والمذاهب الدينية والفكرية والسياسية، قبل عقد المؤتمر. إن قائمة القوى والأحزاب الديمقراطية من يسارية وليبرالية علمانية وقومية ديمقراطية ودينية ترفض دمج الدين بالدولة، وتسعى للتغيير الحقيقي وليس الادعاء بالتغيير، كما تمارسه الآن الحكومة الحالية أو أدعياء الإصلاح من الأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة.
إن الدعوة للتعاون والتنسيق والوحدة الوطنية في جبهة سياسية عريضة لعقلانيي العراق كافة مهمة مركزية وعاجلة وملحة، مع ضرورة التحضير والتشاور الجدي والمكثف والمسؤول خلال الأسابيع القادمة، إذ أن الانتخابات على الأبواب ولا بد من تحقيق الحد المعقول من الاتفاق بين القوى التي تنشد التغيير والمتسمة بعقلانية الفكر والسياسة والمواقف.
أتمنى على الجميع التفكير الجاد والمسؤول بهذه المهمة العسيرة ولكنها نبيلة وملحة، لأن التأخير في تحقيق المنشود يكلف الشعب الكثير من الخسائر البشرية والمادية والمالية ويقلل من فرص الاستفادة والاستثمار الفعال من الانتصارات العسكرية في جبهات القتال لصالح العراق ووحدته وتقدمه.           

62
كاظم حبيب
دور المتدينين العلمانيين مطلوب بإلحاح شديد حالياً!
منذ قرون وقرون كثيرة حتى يومنا هذا يهيمن الغالبية العظمى من شيوخ الدين المسلمين غير الاوفياء لشعوبهم على عقول الناس ويوجهونهم الوجهة الخاطئة والمدمرة التي قال عنها بصواب كبير كارل ماركس عندها يصبح "الدين أفيون الشعوب"، لأنهم يستغلون الدين لمصلحتهم ومصلحة الحكام الذين لم يرحموا شعوبهم. وقد أوصل شيوخ الدين، الذين وضعوا أنفسهم وسطاء ووكلاء بين الإنسان والرب الذي تؤمن به الغالبية العظمى من الشعوب المسلمة، إلى حضيض لا يحسد عليه وفرضوا عليهم فتاوى لا يمكن القبول بها الا الجهلة الأميين الذين لا يعون من أمرهم شيئا، وهم يشكلون الأكثرية الساحقة. الأسطورة والخرافة والغيبيات الدينية المنهكة براد منها أن تنسي الأكثرية السكانية واقعها المر وتغرقها في فرحة التضحية بالحياة الدنيا، لتفوز بالآخرة، باللجنة الموعودة وبالحور العين، لكي ينعموا هم وتنعم معهم الفئات الحاكمة والحكام غير الاوفياء لشعوبهم على حساب الكادحين والمحرومين والفقراء المعوزين من شعوبهم.
لو تابع الناس ما يجري في السعودية بجدية ووعي، لعرفوا الدور الذي يلعبه شيوخ الدين هناك في التجهيل الديني ومنع التنوير وتكميم الأفواه، وممارسة قطع الرؤوس والأكف بذريعة الشريعة والحبس لسنوات طويلة والجلد ومساعدة الحكام السعوديين في البقاء في السلطة ونهب ثروات الشعب في الجزيرة العربية، والتنسيق معهم للاستمرار بممارسة إنتاج وإعادة إنتاج الإرهابين وتنشيط القوى الإرهابية وتمويل الاٍرهاب مالاً وتسليحاً ليس في الشرق الوسط فحسب، بل وبأفريقيا والدول الأوربية وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. وتشارك دولة قطر وصعاليكها في هذه العمليات الإجرامية بعلم وسكوت وتأييد جهاز المخابرات المركزية ووزارة الدفاع الامريكية ومراكز قوة أخرى بالولايات المتحدة. ونفس الدور المخزي تمارسه ايران للوصول الى أهدافها الطائفية في منطقة الشرق الاوسط وإفريقيا.
وما يجري بالعراق لا يختلف عما يمارسه غالبية شيوخ الدين الشيعة والسنة، وهم يشكلون سببا رئيسيا، وليس وحدهم، في وصول العراق الى هذا الحضيض والمستنقع النتن الذي يعيش فيه الشعب العراقي. وهم الذين زكوا وما زالوا، شاءوا أم أبو، الحكام الحاليين الذين قهروا الشعب ومرغوا كرامته بالتراب ونهبوا خيرات البلاد وجوعوا نسبة عالية ومتفاقمة من بنات وأبناء الشعب، ونشطوا القتل على الهوية والإرهاب وتسببوا في احتلال جديد لمناطق العراق وما نجم عنه من سبي وتريد واغتصاب وقتل وموت مستمر، إضافة استشهاد الكثير من العراقيين في القتال ضد أوباش داعش المجرمين. ويوماً بعد اخر يزداد وضع الشعب سوءاً ويغوص الحكام في غيهم وجورهم على الشعب ويزداد دورهم في الدوس على بنود الدوس الذي وضعوه هم بأنفسهم.
هذا الوضع لا يتطلب تحرك القوى اليسارية والديمقراطية واللبرالية لمواجهة تدهور متفاقم في أوضاع البلاد فحسب، بل يستوجب أيضاً وبإلحاح شديد وعاجل تحرك جاد ومسؤول من جانب المسلمين المتدينين العلمانيين، الذين يدركون بوعي ومسؤولية دور غالبية شيوخ الدين في التجهيل والخضوع للواقع القائم، واهمية البدء بحركة تنويرية نشطة وفاعلة لكشف ألاعيب الآخرين وعواقب ذلك على المجتمع. ان على العلمانيين من شيوخ الدين والمؤمنين بصواب الفصل بين الدين والدولة وبين الدين والسياسة، واحترام أتباع جميع الديانات والمذهب.
إن العراق بحاجة ماسة إلى عملية تنوير ديني واجتماعي وسياسي ليستطيع من خلاله تدارك ما يجري اليوم بالبلاد، وإن هذه المهمة يتحملها شيوخ الدين والمؤمنين من المسلمين العلمانيين، كما تتحملها القوى السياسية الديمقراطية والتقدمية واللبرالية، إذ إن السكوت على ما يمارسه شيوخ الدين والمعممين وغير المعممين الجالسين على كراسي الحكم وفي مجلس النواب سيقود العراق إلى كارثة أفظع بكثير مما وصل إليه العراق خلال السنوات المنصرمة منذ إسقاط دكتاتورية البعث الغاشمة.
فليرفع العلمانيون من شيوخ الدين ومن المسلمين المؤمنين صوتهم عالياً وليعملوا من أجل عراق أفضل مما هو عليه الآن، عراق أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً، وأكثر دفئاً للإنسان العراقي واكثر استجابة لحاجاته وتطلعاته ومستقبله.   





63
كاظم حبيب
العراق بين الانتصارات العسكرية والإخفاقات السياسية المتفاقمة!
تتحقق يومياً انتصارات مهمة معمدة بدم الإنسان العراقي في جبهات القتال ضد عصابات داعش المتوحشة بالموصل وضواحيها، وهي نتيجة منطقية للتعاون والتنسيق والهدف المشترك لكل القوى المقاتلة، في حين يتحمل الشعب العراقي ببغداد المزيد من الإخفاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وهي نتيجة منطقية أيضاً لإصرار القوى الطائفية الحاكمة على مواصلة نهجها الطائفي المقيت والقاتل لروح المواطنة، والتشبث بممارسة سياسات أكثر تمييزاً وتهميشاً وإقصاءً للمواطنة والمواطن العراقيين، بسبب قوميته أو دينه أو مذهبه أو فلسفته وفكره ورأيه، والإصرار على طرح مشروع بائس ومريب أطلق عليه "مشروع التسوية السياسية، من جانب القوى الأكثر طائفية في البيت الشيعي، من أجل الإبقاء على الحكم النهائي في التسوية بيد التحالف الوطني أو البيت الشيعي، وهو الذي يلغي عملياً مبدأ المواطنة العراقية الموحدة والمتساوية أولاً، والبدء منذ الآن بتزوير الانتخابات العامة القادمة بطرح قرار الأخذ بالطريقة الأكثر سوءاً لتضمن للبيت الشيعي السيطرة التامة على مجلس النواب ثانياً، إضافة إلى سياسات الإيغال بقهر مصالح الجماهير بما في ذلك مشروع خصخصة مؤسسات الكهرباء وغيرها.
إن الصراعات الدائرة في الساحة السياسية العراقية تؤججها ليس مطامع القوى الطائفية العراقية، وهي وحدها كافة لتدمير العراق كله، كما جرى ويجري حتى الآن منذ ثلاثة عشر عاماً فحسب، بل وبسبب تفاقم التدخل الفظ لإيران، عبر أتباعها الخانعين والخاضعين بمذلة لولاية الفقيه، وعلى رأسهم رئيس الحكومة السابق ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى بالعراق، وقادة المليشيات الطائفية المسلحة، من جهة، وأولئك الذين يأتمرون بأوامر وتوجيهات السعودية وقطر، من أمثال رئيس مجلس النواب السابق، أو بأوامر تنظيم الإخوان المسلمين الدولي من أمثال رئيس مجلس النواب الحالي ومن لف لفهما.
كان المتوقع أن تبدأ هذه الأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة بحملة ضد القوى الوطنية النظيفة في المجتمع العراقي في أعقاب الانتهاء من تحرير الموصل. إلا إن هذه القوى المسيرة من الخارج بدأت اليوم عملها حتى قبل الانتهاء من معارك الموصل، سواء أكان بالاختطاف، أم الاعتقال السري والتعذيب والتهديد، أم بضرب المظاهرات الشعبية والتجمعات، أم بفض الاعتصامات والتجمعات أم بالاعتداء على مدراء المدارس والمعلمين وفي الجامعات لفرض ما يريدون تحقيقه بالقوة. وإذا كان البعض يتأمل بعض الخير من رئيس الوزراء الحالي ويتحدث عن الصراعات الداخلية، فهو أمر لا يعني عدم وجود صراعات داخلية ولا منافسات في ما بين قادة هذه الأحزاب، ولكن كلها تتفق في المحصلة النهائية على فرض الحالة الراهنة وتكريسها بالعراق، والتي لا تعني سوى اغتصاب الإنسان العراقي وسلب حريته وحقوقه الأساسية، بما في ذلك وقبل كل شيء حق المواطنة الحرة والمتساوية.
إن دول الجوار كلها دون استثناء لا تريد الخير للعراق ولا تريد الراحة للإنسان العراقي، بل تريد كل دولة منها فرض نفسها ومصالحها على الشعب العراقي من خلال الحكام الحاليين. وهو الأمر الذي يساعد على تمشية مخططاتها في الهيمنة الفعلية على العراق بهذا الاتجاه أو ذاك وفرض سياساتها عليه، وهو الأمر الذي يتطلب التصدي لها من جانب الشعب العراقي ومقاومتها وتعبئة الشعب لرفضها. ولا يمكن أن يتحقق التصدي لهذا المخطط الإجرامي الذي تقوده إيران من جهة، والسعودية وقطر وتركيا من جهة أخرى، إلا من خلال العمل على توفير المناخ المناسب لتعاون القوى اليسارية، حتى لو كانت هذه التجمعات من ثلاثة أشخاص، وتعاون القوى الديمقراطية واللبرالية العلمانية، حتى لو كان هناك نقاط قليلة يتم الاتفاق عليها من أجل مواجهة المشاريع المناهضة لعراق ديمقراطي مدني علماني اتحادي، وكذلك مع بعض شيوخ الدين المتدينين والعلمانيين والمؤمنين من المسلمين العلمانيين، وكذلك قوى القوميات الأخرى المضطهدة والتي فُرض عليها التمييز والتهميش والإقصاء حتى الآن وسيبقى قائماً ما دام النظام السياسي القائم بالعراق نظاماً طائفياً محاصصياً على أساس طائفي وليس مدنياً ديمقراطياً علمانيا.
لنعمل من أجل التعاون والتنسيق والتحالف بين كل القوى التي ترفض الطائفية السياسية والمحاصصة الطائفية في الحكم، وترفض التمييز والتهميش والإقصاء، وترفض التبعية للدول الأجنبية، وتناضل من أجل استكمال استقلال البلاد وسيادة العراق المثلمة حالياً، ومن أجل بناء دولة مدنية ديمقراطية علمانية اتحادية، وإنقاذ الدولة الحالية من هشاشتها وهامشية دورها.                       

64
كاظم حبيب
نفق العراق المعتم: الطائفية والفساد والإرهاب!
إذا ما أحسست أنك في نفق معتم، عليك عدم الاستسلام،
إذ أن هناك طريقاً للخروج منه"              ستيفن هوكنغ
الثلاثي الذي يهيمن على الساحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العراقية الحالية: الطائفية والفساد والإرهاب، شبيه بذلك الثلاثي الذي عانى العراق منه في ظل الدولة العثمانية وما بعدها لسنوات غير قليلة، ثلاثي الجهل والفقر والمرض. ولكن الثلاثي الجديد التحم منذ سنوات، ويتفاقم يومياً، بالثلاثي القديم حيث يشكل الجهل أساسه وقاعدة ما يبني عليه السياسيون الكاذبون والمخادعون والمناورون لاستمرار الهيمنة الراهنة على السلطات الثلاث بالبلاد رسمياً وتهديد السلطة الرابعة بالويل والثبور والاختطاف والقتل يومياً، إذا ما انتقدت بعض أو كل التجاوزات الحاصلة على الإنسان والمجتمع بالعراق.
الأرقام التي تنشرها وزارة التخطيط العراقية-الجهاز المركزي للإحصاء- يشير بما لا يقبل الشك إلى الأوضاع المزرية والمتفاقمة، إلى النفق الطويل المعتم الذي دخل فيه العراق منذ بدء الاحتلال وبدء توزيع السلطات الثلاث على أسس طائفية وأثنية مقيتة ومدمرة لوحدة العراق، وقيام أحزاب "إسلامية سياسية طائفية" أعلنت منذ البدء، وعلى رؤوس الأشهاد، سياساتها ومواقفها الطائفية الدنيئة بالممارسة العملية الفعلية، باقتسام السلطات الثلاث على أسس طائفية مروعة وطاردة للوطنية والمواطن، ومؤكدة على سيادة الهويات الفرعية القاتلة لوحدة الشعب وحقوقه وواجباته. وأرقام أخرى لم تنشر ولكنها معروفة ومنشور بعضها وهي مرعبة حقاً، منها مثلاً: الحجم الهائل للنهب غير المتوقف لثروات العراق وموارده المالية على امتداد الدولة العراقية، تفاقم حجم البطالة والذين يعيشون تحت خطر الفقر من العائلات والأفراد، ارتفاع كبير جداً في عدد المطلقات في العامين 2015 و2016، ارتفاع عدد الأرامل الإجمالي وعدد المترملات من النساء يومياً بسبب استشهاد أو قتل الذكور في الحرب أو عبر الإرهاب والاختطاف والموت، واستمرار وجود عدد كبير من مزوري الشهادات الذين ما زالوا يحتلون مراكز مهمة في جهاز الدولة العراقي، ثم الارتفاع الكبير في عدد العمليات الانتحارية والتفجيرية لسيارات مفخخة أو غيرها وعدد الذين يسقطون قتلى وجرحى نتيجة هذه الأفعال الإجرامية.
كل هذا وغيره يحصل بالعراق، ومع ذلك فالحكم الذي يقوده حزب الدعوة والتحالف الوطني الشيعي (البيت الشيعي) لا يتورع عن، ولا يستحي من، توجيه قنابل الغاز واستخدام الهراوات والاعتقال لفض الاعتصام، وممارسة التعذيب في التحقيق، لأنهم اعتصموا في ساحة التحرير احتجاجاً على استشهاد شاب لأم ثكلى وعائلة حرمت من ولدها الأخير، في مدينة الثورة على أيدي إرهابيين بتفجير دموي مجرم، في حين إن الاعتصام والإضراب والتظاهر والتجمع هي فعاليات مكفولة للمواطن العراقي والمواطنة دستورياً وعلى وفق القوانين المرعية أيضاً.
إن النفق الطويل المعتم الذي يعيش تحت وطأته الشعب العراقي بسبب الحكم الطائفي القائم ومحاصصاته الطائفية المذلة لا بد له أن ينتهي، ولكن لن ينتهي ما لم يدرك هذا الشعب ما يراد له وأكثر مما وقع حتى الآن لينهض موحداً لفتح طريق الخروج من هذا النفق الطويل المعتم الذي تمارس فيه كل المظالم والتجاوزات على حقوق وحريات الشعب. فالظلم إن دام دمر! نحن نعيش تحت حكم ظالم، متجبر ومخادع وفاسد!   
إن من يريد الخروج من النفق، عليه أن يشمر عن ساعديه لكنس من زوّر إرادة الشعب وشوه حياته وسرق ماله ورفع من عدد المترملات من النساء وعدد الجياع والعاطلين عن العمل ووفر مستلزمات قتل المزيد من البشر بطائفيته وميليشياته الطائفية والإرهابية المسلحة. وليس هناك من قادر على ذلك غير الشعب ومن يعتمده الشعب في قيادة النضال لتحقيق المؤمل والطلوب، أي إقامة دولة مدنية ديمقراطية علمانية واتحادية، دولة تحترم الإنسان وحقوقه وواجباته وتفصل بين الدين والدولة والسياسة وتحتم أتباع كل الديانات والمذاهب وأتاع كل القوميات بالبلاد.     

 



65
كاظم حبيب
الحياء قطرة وليس سطلة!
هل من حياء لدى هذه الحكومة الطائفية؟ هل من احترام لذاتها؟ هل من احترام للإنسان عندها؟ هل من احترام للمجتمع الذي تحكمه بأسوأ الأساليب؟ هل من احترام لنصوص الدستور الذي اقرته ذات القوى الحاكمة؟ هل من احترام للدولة على ضعفها وهشاشتها وفاقة هشاشة القائمين عليها فكرياً وسياسياً؟ كل الدلائل تؤكد بما لا يقبل الشك بأن هذه الحكومة لا تعرف الحياء ولا تفهمه، وإلا لقدمت الحكومة بكامل أعضائها استقالتها بسبب ما حصل ويحصل يومياً ببغداد. إن لم تكن الحكومة، أو بعض أطرافها المتنفذين المالكين للمليشيات الشيعية المسلحة، ضالعة في ما يجري بالبلاد، وأن لم تكن  هي من يقف وراء اختطاف الصحفية العراقية أفراح شوقي، الاختطاف الذي أثار فيها الرعب بصفاقة المختطفين وعدوانيتهم وكرههم للإنسان والحرية والحياة الديمقراطية والتي لا مثيل لها إلا في هذا العراق المبتلى بهؤلاء الأوباش الذين اختطفوا أفراح شوقي، فمن هم أذن من قام بهذا الفعل الدنيء والتجاوز على الدستور؟ قال العراقيون والعراقيات منذ القدم: إن الحياء قطرة واحدة، وليس سطلة حياء!
يرجو البعض من الحكومة أن تتابع الأمر وتكشف عن الخاطفين، وهم على حق طبعا، ولكن يذكرني هذا الموقف بالمثل الشعبي الكربلائي الذي يقول "لا ينتظر من بارح مطر، ولا من شفاثة عافية" (بارح هو فصل الصيف ولا من شثاثة عافية بسبب مياهها المالحة التي كانت تؤذي صحة الإنسان وتسبب انتفاخ البطن الهالك، وشفاثة أو شثاثا هي قرية أو مدينة صغيرة تابعة لعين التمر وجزء من محافظة كربلاء).
حادثتان حصلتا في الآونة الأخيرة تؤكدان تورط قوى في الحكومة بهذا الاختطاف، حادث اختطاف مدير فندق بغداد، وحادث اختطاف افراح، دع عنك الاختطافات والقتول السابقة وربما اللاحقة، إضافة إلى تهديدات وصلت لكتاب عراقيين من ميلشيات شيعية تهدد بالاختطاف والقتل في حالة الهجوم على أحد اقطاب النظام البارزين المتورطين بما حصل ويحصل للشعب العراقي من مآسي وكوارث واحتلال واغتصاب في محافظة نينوى أو ما حصل في المحافظات الغربية العراقية، بأن هذه المجموعة من المسلحين التي اختطفت أفراح شوقي هي جزء من جماعة تعمل كميليشيا أولاً، ولكنها في الوقت ذاته تشكل جزءاً من سلطة الحكومة الراهنة، أو من تيار فاسد وإرهابي فيها، يمارس الاختطاف لمن يريد ومتى يشاء، ويهدد من يريد ومتى يشاء، ويقتل من يريد ومتى يشاء، وليس هناك من يتصدى له أو يحاسبه! فهؤلاء فوق القانون وفوق الدولة، ويشكلون دولة داخل الدولة الهشة وقوات مسلحة إرهابية داخل قوات الدولة!!
أيها العراقيون والعراقيات، إن الفاعل ليس بعيداً عن الحكم الطائفي القائم، وإلا لماذا لم يتحرك رئيس الوزراء بعد أن سمع ما قالته أفراح شوقي بجرأة نادرة في المؤتمر الصحفي يوم أمس 4/1/2017؟ ولماذا لم يتحرك الادعاء العام والقضاء العراقي، ليمارس واجبه الدستوري إزاء إنسانة شريفة دافعت عن حرمة الجامعات والكليات والمدارس العراقية التي يحميها الدستور، وكما طالب به الكاتب الأستاذ عدنان حسين في مقاله العمود في جريدة المدى يوم 4/1/2017 والكثير من المناضلين الشجعان بالعراق.
إن هذه الأساليب الإرهابية القمعية، التي كانت تشكل جزءاً من أساليب وأدوات صدام حسين، هي السائدة حالياً بالبلاد، وهي المنشودة من جانب أغلب القوى الإسلامية السياسية الحاكمة، بهدف نشر التطير وبث الرعب في صفوف كل الكتاب والصحفيين وكل الصحف العراقية التي تتجرأ وتنشر النقد الموجه للحكومة أو لأطراف فيها أو لرئيس الوزراء السابق المسؤول الفعلي عن الحشد الشعبي، أو نقد الحشد الشعبي ذاته والمليشيات المتطرفة الإرهابية الفاعلة بالعراق.
إن من واجب كل الناس الشرفاء بالعراق أن يرفعوا صوت الاحتجاج والاستنكار لما حصل ضد السيدة أفراح شوقي من جانب الجماعة الإرهابية النتنة التي قامت بالاختطاف والتحقيق معها، وتصوير التحقيق لعرضه على من أرسلهم لممارسة هذه الاختطاف، ولبث الرعب في نفس هذه المرأة والصحفية الفاضلة والأمينة على مصالح شعبها وإرادته الحرة المسلوبة، أن يطالبوا بتقديم هؤلاء الأوباش ومن يقف خلفهم ويحميهم إلى المحاكمة العاجلة، إن كان النظام ذاته، أو جزء منه، غير متورط بهذه الجريمة البشعة، أو إن كانت للحكومة وأحزابها قطرة حياء.
   
       

66
كاظم حبيب
جرائم بشعة ترتكب بالعراق والأحزاب الحاكمة سادرة في غيّها!
علم ودستور ومجلس أمة          
                                                       كل عن المعنى الصحيح محرف
عند البحث في الدولة، أي دولة، يفترض أن نتحرى إن أوضاع شعبها، ودستورها، وسلطاتها الثلاث، ونظامها السياسي والاجتماعي وأوضاعها المجتمع الاقتصادية والثقافية والبيئية، ونوعية حكامها ومؤسساتها الدستورية وإعلامها وصحافتها. وحين يبدأ البحث بأوضاع الدولة العراقية الراهنة، فينطبق عليها بدقة كبيرة قول الشاعر معروف الرصافي:
علـم ودستور ومجلس أمة  ...................... كل عن المعـنى الصحيح مُحرّفُ
أسماءُ ليس لنا سوى ألفاظُها ...................... أمّـا معانيهـا فليست  تُعرفُ
من يقرأ الدستـورَ يعلم أنه ....................... وفقـاً لصكّ الاحتلال مصنّفُ
ومعذرة للرصافي الكبير، إذ استبدل كلمة الاحتلال بالطائفية، فيصبح البيت الشعري على النحو التالي:
من يقرأ الدستور يعلم أنه................................... وفقاً لصك الطائفة مصنَّف
مع واقع وجود أشكال من القوى والدول المجاورة المحتلة للعراق بصيغ وأدوات وأساليب جديدة.
ويضاف إلى ذلك ما قاله الشاعر الكبير معروف الرصافي أيضاً
يا قوم لا تتكلموا       إن الكلام محرم
ومن لا يصدق هذه الحقيقة الراهنة ليتذكر الإنسان الرائع كامل عبد الله شياع، وهادي المهدي، ومئات غيرهم، الذين أرسلتهم المليشيات الطائفية المسلحة والعاملة في أجهزة الدولة منذ مجيء الجعفري لرئاسة الوزراء إلى القبر، إضافة إلى ما حصل أخيراً مع السيدة الفاضلة والصحفية أفراح شوقي، التي أنهكها الاختطاف المليشياوي-الحكومي، وأبكاها بمرارة قولها بأن "المعاملة كانت زينة!!!"، تماماً كما كان يُطلب من ضحايا صدام حسين أن لا يتحدثوا بما حصل لهم وإلا فالويل لهم. إنهم يريدون فرض البيت الشعري الثاني للرصافي:
ناموا ولا تستيقظوا       ما فاز إلا النوم
وباختصار شديد، أن الحكومة الطائفية الحالية، التي تقودها أحزاب الإسلام السياسي، مصابة بمرض الجذام الطائفي، وما ينجم عنه من فقدان الحس بأوجاع ومصائب الشعب اليومية، إضافة إلى إصابتها بمرض السرطان الخبيث الذي لا يمكن الشفاء منه، لأنه وصل إلى مراحله الأخيرة التي لا بد أن تقود إلى الوفاة العاجلة أو الآجلة.
لن يتوقف الموت والدمار بالعراق ما لم يتخلص من أردان وجراثيم الطائفية اللعينة التي حطت بثقلها على صدور العراقيين والعراقيات وخنقت أنفاسهم ومرغت كرامتهم بالتراب، وأدت إلى موت مئات الآلاف من أبناء وبنات هذا الشعب المستباح بالطائفية وبشتى صور الاحتلال الأجنبي من الدول المجاورة وقوى الإرهاب المحلي والدولي.
يعتقد البعض بإن العمليات الإجرامية الأخيرة التي أودت بحياة العشرات والمئات من الجرحى والمعوقين جاءت مفاجأة للدولة والحكومة ومجلس النواب والقضاء، وهم مخطئون بهذا التقدير. فالسبب يعرفه القاصي والداني، السبب يكمن في النظام السياسي الطائفي القائم، في الحكومة الطائفية ومحاصصاتها المذلة، في التمييز القومي والديني والمذهبي، في وجود المليشيات الطائفية المسلحة، في استمرار وجود من مارس الإرهاب الحكومي والفساد المالي والإداري والإفساد، وما زال في السلطة وفي أعلى مراكز الدولة العراقية الهشة والبائسة.
على من يحترم نفسه من الكتاب والصحفيين وعموم الإعلاميين، أن يدرك بوضوح بأن محاولة إبعاد أو صرف أنظار الشعب عن السبب الأساس في ما جرى ويجري بالعراق منذ إسقاط الدكتاتورية البعثية الغاشمة وسلطة الدكتاتور الأهوج والسادي النزعة صدام حسين، مؤذية للشعب ومضرة بمصالحة وتساهم في إدامة الأوضاع السيئة والجرائم البشعة التي ترتكب بحقه والتي يعيش تحت وطأتها الشعب العراقي. إن الإرهابيين الذين يقتلون أبناء وبنات الشعب يومياً مأجورون، جاءوا خصيصاً لإنجاز هذه المهمة مقابل إيمان مشوه ومزيف، أو مقابل نقود قذرة مدفوعة سلفاً، ولكن الشعب يدفع من أمواله الشيء الكثير جداً للحكومة وأجهزة الأمن والشرطة والقضاء ليتصدوا لهذه الجرائم البشعة، ولكنهم، وبسبب طبيعتهم الطائفية السياسية، عاجزون عن إنجاز هذه المهمة، لأن النظام السياسي ذاته "مهور!" من داخله، ولا يمكنه التصدي لمثل هذه الجرائم البشعة واليومية التي تحصل ببغداد وبمدن عراقية أخرى، ولا يمكن إصلاحه بذات القوى التي تقوده اليوم، لأنها ملوثة بجراثيم الطائفية السياسية التي تتسبب بكل ذلك!!
ليس أمام الشعب العراقي غير حل واحد ووحيد، إنه التغيير الجذري الشامل، تغيير النظام الطائفي المحاصصي، بنظام مدني ديمقراطي اتحادي وعلماني يستند إلى دستور ديمقراطي وحياة مدنية وديمقراطية. وإلى أن يقتنع الشعب وقواه الوطنية والديمقراطية والشريفة بضرورة التغيير ويتحمل مسؤولية ذلك، سيبقى الشعب يعاني الكثير من الآلام والكوارث والموت والتعويق والبؤس بسبب وجود هذا النظام!
         
   

67
كاظم حبيب
من المسؤول عن زعزعة الأمن والاستقرار والموت بتركيا؟
بعد أن تسلّم حزب العدالة والتنمية السلطة بتركيا، بدا وكأن هذا الحزب الجديد، برئاسة رجب طيب اردوغان، قد تعلم واستفاد من تجربة ودروس رئيس التيار الإسلامي ورئيس حزب النهضة بتركيا نجم الدين أربكان، ومن تجربته الشخصية في التطرف الديني، حين رفع شعاراً متطرفاً يؤكد أن (مآذننا رماحنا والمصلون جنودنا!)، إذ قُدم بسبب نشره الكراهية الدينية إلى المحاكمة في العام 1998 وحكم عليه بالسجن. وفي العام ،2001 وبعد حظر حزب الفضيلة، أسس رجب طيب أردوغان وعبد الله غول "حزب العدالة والتنمية"، الذي فاز في الانتخابات العامة وتسلم السلطة في العام 2002.
في العام 2004 أدرك رجب طيب أردوغان بأن الحرب ضد الشعب الكردي وحزب العمال الكردستاني لن تجلب له وللشعب التركي والشعب الكردي، وأن النظم السابقة كلها فشلت في إيجاد حل للمسالة الكردية، وأن تكاليف الحرب ترهق بارتفاع مستمر ميزانية الدولة وتنهك الاقتصاد التركي، كما أرهقت قبل ذاك ميزانيات الحكومات التركية المتعاقبة وأنهكت اقتصادا، ورفعت من مديونية تركيا الخارجية. وتحت ثقل الأوضاع السياسية والاقتصادية وفشل معاركه العسكرية ضد الكرد، بادر بانتهاج سياسة انفتاح على الشعب الكردي وحزب العمال الكردستاني، فوافق على تقديم برامج تلفزيونية باللغة الكردية، وحدّ من تدخل الجيش في الحياة السياسية، وتوجه إلى تعزيز علاقاته بالاتحاد الأوروبي، ونشط الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية والخدمية بدلاً من توجيهها صوب اقتناء المزيد من الأسلحة أو إنتاجها بتركيا. وبدت سياساته في حينها وكأنها تميل إلى الوسطية و"الحداثة الإسلامية!"، ومواصلة نهج العلمانية الكمالية. وبادر حزب العمال الكردستاني عبر قائده عبد الله أوجلان، بطرح رؤية جديدة أكثر استعداداً للتفاوض والحل السلمي في إطار الدولة التركية، مما ساعد على فتح باب المفاوضات السلمية مع حزب العمال الكردستاني بصورة غير كباشرة.
ومنذ أن توقف القتال مع قوات الپيشمرگة الكردستانية المسلحة التابعة لحزب العمال الكردستاني، حقق أردوغان وحزبه نجاحات مهمة في مجالات السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية، لاسيما تقليص البطالة وزيادة عدد العاملين، وتحسن مستوى معيشة فئات البرجوازية الصغيرة، بمن فيهم العائلات الفلاحية، والطبقة العاملة. كما إن البرجوازية الوطنية والكبيرة التركية حققت أرباحاً كثيرة وضاعفت من استثماراتها. وتطورت علاقا تركيا مع المجتمع الدولي بسبب بروز ظواهر للديمقراطية والمفاوضات مع الكرد بعد توقف القتال، حتى تصور بعض الكتاب المدنيين العلمانيين البارزين، ومنهم الدكتور صادق جلال العظم، بأن تركيا أصبحت تمثل الإسلام الحديث المدني والعلماني، وسيكون نموذجاً يحتذى به! وقد خالفت رأي الدكتور العظم في ندوة مشتركة عقدت في شهر نيسان من عام 2006 بمدينة كولون بمبادرة من الدويتشة فيلة للحديث عن أوضاع العراق والحرب الدولية وعواقبها. وقد شجعت دول الاتحاد الأوروبي هذا النهج الجديد في سياسة تركيا الرسمية، وبدا وكأن مسالة انضمام تركيا كعضو كامل بالاتحاد الأوروبي لم يعد بعيداً!
إلا إن هذه النجاحات المهمة قد استدعت جانب آخر في شخصية أردوغان، التي لم تكن واضحة تماماً، رغم تخرجه من مدرسة دينية وعضويته في الحزب الإسلامي منذ العام 1972، وهي تنظيمات تشكل جزءاً من جماعة الإخوان المسلمين الدولية، وبرزت في تنامي شعور قاتل بالغرور ونرجسية مرضية واقتناع ذاتي لدى رجب طيب اردوغان بأن العالم الذي رحب به، سيقبل به أيضاً حين يمارس سياسات أخرى على الصعيدين الداخلي والخارجي، خاصة وأنه أصبح قوة كبيرة بمنطقة الشرق الأوسط. واقترن ذلك بالانهيار الموقت للربيع العربي واحتواء نتائجه من جانب الأنظمة والقوى الاستبدادية والعسكرية وقوى الاسلام السياسي بمنطقة الشرق الأوسط. وشعر بأنه قادر على ممارسة دور جديد بمنطقة الشرق الأوسط وخلق تحالفات جديدة له، فبادر إلى انتهاج سياسة تدخل مباشر وفظ بشؤون مصر وتونس وليبيا بالارتباط مع انتمائه لتنظيم الاخوان المسلمين الدولي. واقام تحالفاً جديداً مع المملكة العربية السعودية ودولة قطر، وأحتوى أجزاء من المعارضة السورية ودفع بها صوب استخدام السلاح ضد النظام الدكتاتوري البعثي وبشار الأسد، إضافة إلى بدء دعمه المباشر والمكشوف للقوى التي تركت القاعدة وأسست التنظيم الذي أطلق على نفسه "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) وفتح الحدود له للولوج إلى سوريا والعراق مستثمرا الصراعات الدموية والسياسات الطائفية والشوفينية التي مارسها الدكتاتور الصغير رئيس وزراء العراق السابق نوري المالكي. ولم يكتف بذلك بل خلق الذرائع وقطع المفاوضات مع حزب العمال الكردستاني وبدأ حربه العدوانية ضد الشعب الكردي مجدداً.
إلا إن تحالفه مع السعودية وقطر وسياساته ضد الشعب الكردي بكردستان تركيا، وتعاونه الشديد مع عصابات داعش، التي وفرت له النفط الخام بأسعار خيالية منخفضة، لم تجلب لتركيا وشعوب المنطقة سوى المزيد من الموت والخراب والدمار والبؤس. وأصبح التنظيم التكفيري الذي ساهم بتكوينه وإطلاقه، يهدد تركيا ذاتها، خاصة بعد أن وقفت الولايات المتحدة، التي سكتت قبل ذاك عن دور هذه الدول الثلاث في تشكيل ودعم داعش، ضد تنظيم داعش، بسبب المخاطر التي بدأ يشكلها التنظيم على دول المنطقة وأوروبا، بل وكذلك الأمن القومي الأمريكي. فمنحت الولايات المتحدة حق استخدام القاعدة الجوية انجرلك بتركيا لقصف مواقع داعش بالعراق وسوريا، وأعلنت دخولها في التحالف الدولي ضد الإرهاب. لقد استفز هذا القرار تنظيم داعش الذي كان يحتمي بأردوغان ويحصل على دعم لوجستي كبير وحقق له عمقاً استراتيجياً في الحرب ضد العراق وسوريا. وتدهورت العلاقات مع قادة داعش، وأغلبهم من قادة البعث الصدامي ممن كانوا في القوات المسلحة والمخابرات والأمن بالعراق، فتحركوا إلى تنفيذ عقاب صارخ ضد ردوغان والدولة التركية، بأرسال انتحاريين وتنفيذ عمليات انتحارية.
لقد أدى ارتداد أردوغان عن بعض مظاهر الديمقراطية والعلمانية وعودته إلى ممارسة نهج الإسلام السياسي المتطرف إلى نشوء حرب فعلية بين القوات التركية وقوات الشعب الكردي المسلحة بقيادة حزب العمال الكردستاني أولاً، وإلى حرب أخرى مع عصابات داعش بسبب "خيانته!" لها. ولم يكتف بذلك بل مارس سياسات اضطهاد وغوص في الاستبداد ومحاربة القوى السياسية الإسلامية المنافسة له على السلطة والمال والنفوذ بتركيا، جماعة فتح الله كولن، مما تسبب في بروز محاولة انقلاب عسكري ضد حكومته وضد أردوغان ذاته، رغم إن البعض يعتقد بأن القضية كلها كانت بتدبير منه، وكان بالإمكان إيقافها قبل وقوعها، إلا إنه كان يريد استخدامها كذريعة لتصفية خصومه من اليمين واليسار في آن واحد. وقاد الأمر إلى اعتقال عشرات الآلاف من القوات المسلحة ومن أجهزة الدولة المدنية والقضاء ووزارات التعليم والداخلية والخارجية، وطرد عشرات الآلاف من وظائفهم ورميهم على قارعة الطريق. وخلق هذا الوضع انقساماً في الشارع التركي وعداءً لأردوغان وأتباعه بتركيا.
إن طموح أردوغان لا نهاية له، فهو قد وجه ضربات قاسية لحزب الشعوب الديمقراطي بتركيا وأدخل الكثير من نوابه في السجون بتهم التعاون مع حزب العمال الكردستاني. مما أدى إلى تعميق الشوفينية التركية ضد الكرد والذي يبرز بوضوح في تصريحات المسؤولين الترك. كما أدى إلى الإخلال بميزان القوى في مجلس النواب لصالحه بهدف إجراء تغيير دستوري يتم بموجبه إقامة نظام رئاسي وبصلاحيات مطلقة تقريباً وشكل دور وصلاحيات مجلس النواب التركي. لقد فقد الرجل وعي الواقع القائم والعواقب التي تسبب بها نهجه الشوفيني والديني والطائفي بتركيا وبدول مجاورة. لقد بدأ يشعر بأن الوريث الفعلي لسلاطين الدولة العثمانية وعليه أن يتصرف مثلهم، فبئس الخلف والسلف!
من هنا يمكن أن نعرف بأن هناك أكثر من طرف لم يعد قادراً على تحمل سياسات أردوغان المستبدة، وهو يسع صلاحياته وحكمه المطلق ويقضي على كل ما بدأ به في العام 2004 من إصلاحات ملموسة وإيجابية.
إن الاستقرار الذي نعمت به تركيا قد غادرها، وحل محله عدم الاستقرار وغياب الأمن والمزيد من التفجيرات والمزيد من القتل والدمار باسطنبول وفي غيرها من المدن التركية. وأدى ذلك إلى موت وجرح الكثير من المواطنين والمواطنات الأبرياء وخسائر مادية كبيرة، وإلى تراجع شديد في السياحة التركية وفي سعر صرف العملة التركية وفي ضعف معدلات النمو، إلى تزايد في عدد العاطلين عن العمل والراغبين في الهجرة من تركيا وطالبي اللجوء السياسي بالخارج. والجواب عن السؤال الذي احتل عنوان المقال يشير بما لا يقبل الشك بأن أردوغان هو المسؤول الأول عن تدهور الأمن وتراجع الاستقرار بتركيا، وزيادة عدد القتلى والجرحى الناتجة عن جرائم العميات الانتحارية والتفجيرات الإرهابية بسبب نهجه الإسلامي السياسي المتطرف وتخليه كلية عن حتى مظاهر الديمقراطية والعلمانية وتحالفه التدمير ولفترة غير قصيرة مع عصابات داعش الإرهابية وقوى القاعدة وتدخلة الفظ في شؤون الدول المجاورة. وهو بذلك يقدم الدليل الجديد بأن قوى الإسلام السياسي ليست قادرة، بحكم ذهنية التمييز والاستبداد والرغبة في احتكار السلطة وفرض حاكمية الله على المجتمع، على قيادة البلاد وعلى ممارسة الديمقراطية في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإنها ليست ظالمة ومتعفنة حسب، بل وفاسدة ومفسدة وليست من هذا العصر، وهو ما يؤكده مجرى الأحداث بالعراق في ظل النظام السياسي الطائفي والمحاصصة الطائفية المذلة للوطن والمواطن.         
     



68

مع أطيب التمنيات بالصحة لكم ولعائلاتكم بحلول العام الجديد 2017، وأن يسر المجتمع العراقي فيه بتغيير النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته المذلة إلى نظام مدني ديمقراطي علماني يحترم أتباع كل الديانات والمذاهب والاتجاهات الفلسفية ويصون اليمقراطية ويمارسها لصالح المجتمع ويحاسب الفاسدين والمفسدين والطائفيين أعداء الشعب ووحدته الوطنية


كاظم حبيب
 
هل النظام الطائفي ومحاصصاته صالح للعراق؟
"الطائفية لعبة الأذكياء للسيطرة على الأغبياء"
محمد الماغوظ (1934-1006م)
كاتب مغربي
 
حين يدرس الإنسان الديانات والمذاهب الدينية أو الفلسفات والاتجاهات الفكرية سيجد أمامه مدارس فكرية واجتهادات مذهبية كثيرة في كل دين أو مذهب من الأديان والمذاهب في هذا العالم، وهكذا الحال في الفلسفات، سواء أكانت مثالية أم مادية، إذ غالباً ما تتفرع عنها مدارس واتجاهات عديدة باختلافات كثيرة أو قليلة. وهذا الواقع الذي عمره ألاف السنين يؤكد حالة صحية لدى البشر، إنها القدرة على التفكير وإعمال العقل والاجتهاد من جهة، والتعبير عن وجود اختلاف في الزمان والمكان لهذا المجتمع أو ذاك من جهة ثانية، ولوجود التباين في مستويات الفكر والوعي الفردي والجمعي في هذا المجتمع أو ذاك من جهة ثالثة. ولكن هذا التنوع والتباين في الاجتهاد والتفسير في الأديان والمذاهب والفلسفات أو الإيديولوجيات تكمن وراءه مصالح وأهداف متباينة للقوى السياسية والاجتماعية ولدى شيوخ هذا الدين أو المذهب الديني أو هذا الاتجاه الفلسفي أو الفكري أو السياسي أيضاً. ويمكن أن تكون تلك الاجتهادات والتفسيرات نابعة عن مصالح تنسجم مع مصالح المجتمع، كما يمكن أن تكون ذاتية وضد مصالح المجتمع وتقدمه. وإذا كان الأمر الأول إغناء لفكر الإنسان وحياته، فأن الثاني يدفع إلى الجمود والصراع والنزاع والعواقب الوخيمة. إن الاختلاف في الفكر والمماسة والاجتهاد أمر طبيعي في المجتمع البشري، لأنه يعبر عن رؤية اجتهادية مرنة وقدرة على التفكير بشكل مستقل، وكذلك القبول بالاختلاف وبالآخر. وليس في هذا أي عيب أو ضرر، بل إن الاختلاف ظاهرة طبيعية وبشرية، وكذا التخلي عن هذا الدين أو ذاك وهذه الفلسفة أو تلك أمر ممكن. إلا إن العيب يبرز حين يكون التغيير ناتج عن مصالح أنانية وعن أهداف شريرة. ويكون الضرر كبيراً في المجتمع الواحد المتعدد الديانات والمذاهب، لاسيما حين يصبح هذا التنوع في الآراء، أو ما يصطلح عليه بالمدارس أو فروع الديانات والمذاهب أداة بيد عناصر وجماعات طائفية وطوائف متنافسة ومتصارعة ومتقاتلة في ما بينها. عندها يختفي الغنى المنشود في مثل هذا التنوع وتسيطر الفاقة الفكرية ويهيمن الجمود والتعصب والازدراء للآخر. ولهذا كان الكاتب والروائي المغربي الطيب الذكر محمد الماغوط (1934 -  2006م) على صواب حين قال إن "الطائفية لعبة الأذكياء للسيطرة على الأغبياء"، وهو لا يقصد هنا المذهب، بل يؤكد الطائفية السياسية، إذ أن الجهالة في المجتمع تسمح للطائفيين في السيطرة على جمهرة كبيرة من الناس والتحكم بهم كما يشاؤون. علماً بأن هؤلاء الأذكياء لا شك أنهم دجالون وانتهازيون ويجسدون حثالة المجتمع، رغم ذكائهم! ويزداد الأمر سوءاً حين يقرر شيوخ الدين نبذ أو قتل من يتخلى عن دينه، أو من يتحول إلى دين آخر برغبته الخالصة، إذ تبرز هنا بشكل صارخ ذهنية الاستبداد والهيمنة لأيديولوجية واحدة ووحيدة!!
حين يحاول الباحث في المذاهب، وفي جميع الديانات التي برزت بالعراق خلال آلاف السنين، سيجد أمامه الكثر من المذاهب المتفرعة عن تلك الديانات، سواء أكان هذا التنوع والتشظي في الديانات اليهودية أم المسيحية أم الإسلام أم غيرها، إذ كانت في عمومها ظاهرة صحية تجسد الحراك الفكري والاختلاف في الرؤية والاجتهاد في تفسير النصوص. ولكن الكثير من الحكام وشيوخ الدين قد استخدموا تلك المذاهب أو المدارس المتفرعة عنها طائفياً، بمعنى ممارسة سياسات طائفية من الناحية الفعلية، أي التمييز بين اتباع الديانات والمذاهب في التعامل، فهم يفضلون ويحمون ويدافعون عن أتباع هذا الدين أو المذهب، ويهاجمون في الوقت ذاته أتباع دين أو مذهب آخر، أو يمارسون التهميش والإقصاء والتشريد، بل والقتل. وحين يتم البحث في الواقع العراقي على امتداد قرون طويلة، ستتجلى ظاهرة التمييز الديني والطائفي التي سادت في أغلب النظم السياسية التي قامت بالعراق، وهي ترتبط عضوياً لا بالدين أو المذهب فحسب، بل وترتبط بشكل خاص وعضوياً بمصالح القوى الفاعلة والمؤثرة والسياسية المتبنية لهذا الدين أو المذهب، وليس عامة اتباع هذا الدين أو المذهب. وقبل أن يجدها المتتبع بين أتباع الدين الإسلامي، وجدت لدى أتباع الدين اليهودي واتباع الدين المسيحي بالعراق في أوائل دخول اليهودية والمسيحية لبلاد ما بين النهرين. ويمكن أن متابعة هذه الظاهرة في تاريخ العراق الأموي والعباسي والعثماني والفارسي.
أما إذا تابع الباحث الوضع في العهد الملكي، لوجد بأن الحكام قد أكدوا، بوعي أو دون وعي، بأن الإسلام هو دين الدولة، وكرسوا المذهب السني عملياً، ومارسوا سياسة التمييز على أساسين قومي وديني ومذهبي، وتشددوا في فترات ومارسوا العنف، كما حصل مع الكرد، ومع الآشوريين والإيزيديين أو مع الشيعة، ولكنهم عموماً قد مارسوا حالة من اللبرالية إزاء أتباع الديانات والمذاهب. كما تشددوا عل القبول في مجالات معينة، لاسيما في القوات المسلحة أو السلك الدبلوماسي. وإذ ابتعد النظام الجمهوري الأول عن جميع أشكال التعصب القومي والديني والمذهبي في بداية نشوء الثورة في العام 1958، فأن قوى فيه ساعدت فيما بعد على الاندفاع باتجاه التشدد القومي إزاء الكرد، ولكنه بقي منفتحاً على جميع الديانات والمذاهب ولم يفرق بينها. أما النظام البعثي الأول الذي جاء على أثر انقلاب شباط 1963 فقد ولد مشوهاً قومياً ودينياً وطائفياً، رغم إن أغلب قادة حزب البعث ومجلس قيادة الثورة في انقلاب وحكم 1963 كانوا من الشيعية، ولكن دور القوى القومية الطائفية، التي تجلت بشكل خاص في رئيس الدولة عبد السلام محمد عارف والكادر المحيط به، كان بارزاً ومؤذياً، إذ أنهم مارسوا التمييز الديني والتعصب الطائفي بشكل صارخ ومجنون، لاسيما بعد الانقلاب القومي الناصري في تشرين الثاني 1963. وحين حصل انقلاب 17/30 تموز 1968، كان أعضاء القيادة البعثية ومجلس قيادة الثورة بالعراق كلهم تقريباً من البعثيين من أبناء الطائفة السنية. وكان لهذا دوره وتأثيره في واقع الحياة السياسية والاجتماعية العراقية. ونظام البعث لم يهاجم الشيعة باعتبارهم شيعة في البداية، بل كان ضد كل من يقف ضد نظام البعث، ومن ثم ضد صدام حسين، وبالتالي شمل ليس جميع من يعارض النظام السياسي البعثي وحكم صدام حسين، بل وكل من لا يتفق مع هذا النظام، إذ أصبحت القاعدة السارية تؤكد: "من هو ليس معي، فهو ضدي!!!". وكل هذه النظم حصدت بالمحصلة النهائية بهذا الشكل أو ذاك نهايتها الطبيعية.
لم تغب الطائفية بصورة من الصور عن واقع العراق الدامي. ولكن لم يكن الشعب هو المسؤول عن ذلك، بل الحكام هم الذين لعبوا دورهم في إذكاء الطائفية السياسية والتمييز الديني ضد أتباع الديانات الأخرى، إضافة إلى كتب التعليم لا بالعراق فحسب، بل وفي كل دول منطقة الشرق الأوسط. وهو الأمر الذي قاد وما يزال يقود إلى عواقب مريعة في كل دول المنطقة دون استثناء.   
 وحين كانت القوى السياسية المعارضة لنظام صدام حسين تعمل في الخارج، قامت بعض أبرز تحالفاتها على أساس قومي وديني وطائفي، ولم تنفع احتجاجات القوى السياسية الرافضة للتمييز القومي والديني والطائفي. فالتحالفات التي بدأت بمدينة فيينا وتواصلت بلندن وصلاح الدين قبل إسقاط الدكتاتورية استندت إلى ثلاث ثوابت بائسة:
1.   القبول بالحرب لإسقاط الدكتاتورية الغاشمة؛
2.   التخلي التدريجي عن التحالفات السياسية القائمة على التباين في المناهج، قومي، بعثي سوري، شيوعي، اشتراكي، محافظ، مستقل؛
3.   القبول بتحالف قائم على ثلاث جماعات قومية ودينية ومذهبية: الكرد، العرب الشيعة، والعرب السنة، ووزعت عضوية لجان هذه التحالفات على أساس أكثرية شيعية وأقلية سنية وكرد، ودخل القوميون والبعثيون السابقون كسنة في هذا التحالف عملياً.   
وتجدر الإشارة إلى أن هذا التوجه برز في أعقاب مؤتمر بيروت للمعارضة العراقية في ربيع العام 1991، وتبلور وفرض نفسه وأصبح سائداً بعد تشكيل المؤتمر الوطني العراقي وتعاظم دور الولايات المتحدة في التأثير على القوى السياسية العراقية التي وافقت على خوض الحرب الخارجية ضد نظام البعث الاستبدادي، وبتأييد كبير من إيران. وقد تلمست هذا التوجه بنفسي حين كنت مسؤولاً عن اللجنة السياسية في هذا المؤتمر لمناقشة وصياغة أهدافها ومطالبها. وقد تسنى لي تجنيب القرارات ما يدعو إلى مثل هذه التوجهات.
الشيوعيون وجمهرة من الديمقراطيين والبعثيين العراقيين من مؤيدي البعث السوري، مع تباين هذه القوى في الرؤية والمواقف، رفضوا البند الأول وكذلك رفضوا التحالف بصيغته الثالثة، ولكنهم عملوا من أجل تحالف فكري وسياسي لا قومي وديني وطائفي، ولم ينجحوا في تحقيقه. ولكن الحزب الشيوعي العراقي دأب على حضور تلك المؤتمرات بممثل واحد، عدا مؤتمر فيينا.
وحين أُسقط النظام الدكتاتوري، بتحالف دولي خارج شرعية الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا، أقيم النظام السياسي الطائفي استناداً إلى محاصصة طائفية تبلورت في واشنطن وقبل إسقاط الدكتاتورية، وبمباركة إيرانية، ورفض من قبل الدول العربية الأخرى.
لقد كان المفروض أن ينشأ نظام مدني ديمقراطي اتحادي بالعراق، لكي يستطيع تخليص العراق من أردان النظم الدكتاتورية والتمييز العنصري، القومي والديني والمذهبي، ولكن الذي نهض على أنقاض نظام صدام حسين، تبنى الكثير من بنية وطبيعة أنقاضه. وما عاناه ويعاني منه حتى اليوم هو نتاج طبيعي لطبيعة النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته المذلة للشعب ولمبدأ المواطنة الحرة والمتساوية. وسيبقى العراق يعاني من إشكاليات أخرى مماثلة حتى لو تحررت الموصل، ما لم يلغ النظام الذي يعتمد الطائفية السياسية في الحكم. 
أن الطائفية السياسية التي يمارسها الأذكياء ليخدعوا بها الأغبياء من الناس، هم في ذات الوقت فاسدون حتى النخاع. فليس هناك من يستفيد من التفرقة الطائفية غير الفاسدين والمفسدين. والطائفيون الفاسدون من أتباع كل المذاهب، هم الذين جلبوا الإرهاب للعراق، وهم المسؤولون عن استشهاد مئات ألوف البشر، إضافة إلى رقم أكبر من الجرحى والمعوقين. الطائفية، وليس المذاهب، سم زعاف ينتشر في جسم المجتمع بسرعة عبر الكثير من شيوخ الدين والحكام، ولكن وبشكل أخص عبر الأحزاب الإسلامية السياسية، سواء أكانت شيعية أم سنية، ولهذا فهو غير صالح للعراق ولا لغيره من البلدان.     
 
 
 
 

69
كاظم حبيب
من يحمي مناهضي حرية الرأي ومن يمارس اختطاف الصحفيين وتهديدهم؟
"يقضي الإنسان سنواته الأولى في تعلّم النطق،
              وتقضي الأنظمة العربيّة بقيّة عمره في تعليمه
                               الصمت."
                                                                                    (ذاكرة الجسد)، أحلام مستغانمي
رغم إن المعارك الضارية لتحرير الموصل وأجزاء أخرى من الوطن لم تنته بعد، والوطن لم يتحرر بعد من عصابات داعش المجرمة والقوات التركية الدخيلة، ورغم الشهداء الذين يتساقطون لإنجاز هذه الملحمة الإنسانية والوطنية الذين ننحني أجلالاً لهم، ورغم كل الكوارث والمصائب والخسائر البشرية والمادية والحضارية التي حلت بالعراق منذ سقوط الدكتاتورية البعثية الغاشمة، التي كانت كارثة بذاتها، فأن المليشيات الطائفية المسلحة ذات النهج الإرهابي، الفاعلة ببغداد والبصرة وبقية محافظات الوسط والجنوب، لم تنتظر انتهاء المعركة مع داعش، بل كانت وما تزال مستمرة في أفعالها المناوئة للشعب العراقي وإرادته ومصالحه، بل يمكن القول بأنها ضاعفت من افعالها الإجرامية المتمثلة بالفساد وممارسة الإرهاب واختطاف الصحفيين والتهديد بالنسف أو القتل لفرض الصمت عليهم، إضافة إلى تدنيس حرمات البيوت ومصادرة الحرية الشخصية وتدنيس الجامعات وإرهاب المواطنين والصحف والصحفيين، كما حصل مع الكاتب والصحفي المميز علي حسين وصاحب العمود اللاهب لظهور الفاسدين والمفسدين والكاشف عن عوراتهم القبيحة في جريدة المدى الغراء.     
وأصبح الكثير من المهيمنين على هذه المليشيات الطائفية المسلحة يعيش على الفساد المالي وعلى تأمين الحماية للفساد الأخلاقي وحماية مهربي وبائعي المخدرات ومبتزي النقود من العائلات التي يختطف منها ابناً أو بنتاً. إنهم حماة الجريمة المنظمة بالعراق، وهم الذين يلهبون ظهور الناس بالسياط لانتزاع ما لديهم من نقود، وهم الذين يقتلون المسيحيين بائعي الخمور بصورة رسمية وعلى وفق موافقات حكومية والدستور العراقي، ومهددي وقاتلي من يختلف معهم أو عنهم بالرأي ويكشف عن فضائحهم.
بالأمس كتب الدكتور مهدي الحافظ، النائب الديمقراطي المستقل في مجلس النواب العراقي، رسالة إلى رئيس مجلس الوزراء يطالبه بالعمل لفك أسر المختطف "السيد داوود شمو، رئيس مجلس ادارة فندق بغداد واحد الوجوه المعروفة في القطاع الخاص العراقي،...". وقد تم تدخل رئيس الوزراء وأخلي سبيله! فماذا يعني ذلك لكل ذي عين وبصيرة؟ يعني إن من يأمر بالاختطاف ويحرك الأوباش للقيام بذلك هم ممن يقفون على مقربة من الحكم، أو من أطراف في الحكم فعلاً، وإلا لما استطاع رئيس الوزراء وبهذه السرعة وبدون تنشيط أجهزة الأمن العراقية لفك أسر المختطف. كما إن الخاطفين ليسوا من داعش، وإلا لما امتثلوا لطلب رئيس الوزراء أو وساطته! ولم أكن مبالغاً حين كتبت مرة مقالاً قلت فيه إن القتلة هم من أهل الدار. فهم ليسوا من عصابات داعش المجرمة، بل هم من المليشيات الشيعة الذين يشكلون العمود الفقري ولحم وشحم المليشيات الطائفية الشيعية المسلحة بالعراق، وهم يماثلون عصابات داعش فكراً وممارسة.
وأمس تم اختطاف الصحفية الديمقراطية أفراح شوقي وفي وضح النهار عبر مجموعة من المسلحين الأوباش الذين دخلوا إلى دارها وانتزعوها من أحضان عائلتها ليزجوا بها في أحد أقبية المليشيات الطائفية المسلحة السرية أو الحكومية التي يشرف عليها البعض من قادة هذه المليشيات. إنهم سيهددونها بالقتل وسيبتزونها وسيعذبونها، وهم بذلك يسعون إلى فرض السكوت عليها لكي لا تساهم في فضح الفساد ودوس الحرمات والكشف عن خبايا ما يمارسونه من أفعال ضد المجتمع العراقي وإشاعة الخوف والإرهاب عليه، والسعي المحموم لإشاعة الفوضى لتبديل من يعتبرونه لم يعد يمثلهم كما ينبغي، وجاء بالرغم منهم، بآخر يعتبرونه القائد الفلتة الذي قال عنه أحد نواب مجلس النواب عن حزب الدعوة وقائمة دولة القانون بأنه إذا مات، المستبد بأمره "حفظه الله ورعاه"، فسوف نعيد استنساخه. وهي إشارة واضحة إلى نجاح عملية استنساخ "الخرفان!"، وبتعبير أدق، النعجة "دوللي" التي تم استنساخها في 14 شباط عام 2003 في معهد روزلين في جامعة إدنبرة في اسكتلندا!!!
إن على كل إنسان شريف أن يحتج بشدة على اختطاف السيدة الفاضلة والصحفية العراقية أفراح شوقي وأن يطالب الحكومة القائمة، المسؤولة دستورياً عن حماية أرواح وحرية الإنسان، بما في ذلك حرية الرأي، بالعمل على فك أسر الصحفية وعودتها إلى عائلتها وأطفالها وعملها، ومحاسبة الفاعلين وتقديمهم للمحاكمة لينالوا العقاب المناسب، رغم ضعف القضاء وعدم حياديته واستقلاليته، وارتباطه بعدد من المسؤولين في أعلى مناصب الدولة!!! لم يعد الاختطاف يقتصر على أجهزة الأمن، كما كان في عهد صدام حسين، بل أصبح اليوم تمارسه قوى أخرى لها ميليشياتها المتحكمة في البلاد والتي تمارس أفعالها تحت سمع وبصر الحكومة العراقية ومجلس النواب، بل ورئاسة الجمهورية!   
لنعمل يداً واحدة مع الصحفيين العراقيين لإخلاء سبيل الصحفية من أسرها، سواء أكان هؤلاء من المليشيات الطائفية المسلحة أم من الجماعات العاملة لصالح المليشيات وأحزابها الإسلامية السياسية في أجهزة الدولة الأمنية والتي لا تخشى أحداً في ما تمارسه من أفعال إجرامية بحق الإنسان وحقه في إبداء الرأي ونشره. فكم كانت الكاتبة والروائية الجزائرية أحلام مستغانمي حين جاء في روايتها "ذاكرة الجسد" على حين كتبت بصدق: "يقضي الإنسان سنواته الأولى في تعلّم النطق، وتقضي الأنظمة العربيّة بقيّة عمره في تعليمه الصمت!!!".       

70
كاظم حبيب
أمسية مع العلامة والشاعر والباحث الأكاديمي فرياد فاضل عمر




 
تعرفت على الصديق الشاعر والأكاديمي والباحث الأستاذ فرياد فاضل عمر ببرلين منذ ما يقرب من عقدين من السنين. وكنا نلتقي أحياناً في ندوات الجالية العراقية أو الكردية أو في محاضرات ومناسبات قليلة. ولكني تعرفت على الزميل فرياد من خلال شعره وبعض ندواته التلفزيونية. لقاءاتنا محدودة بسبب مشغولياته الكثيرة ونشاطاته الفكرية والاجتماعية والتضامنية، إضافة إلى أبحاثه العلمية وتدريسه في قسم اللغات الإيرانية في جامعة برلين الحرة وفي القسم الخاص باللغة والأدب الكرديين، وكذلك انشغاله في البحث العلمي.
قبل أيام التقينا بدعوة منه لزيارة معهد الدراسات الكردية ببرلين وقسم اللغات الإيرانية في الجامعة. فكانت مناسبة جميلة للاطلاع على منجزاته العلمية الكثيرة والمهمة جداً للشعب الكردي أولاً، وللألمان والمتحدثين باللغة الألمانية للاطلاع على ثقافة وأدب الكرد ثانياً، إضافة إلى جهوده الكبيرة في إنشاء هذا المعهد العلمي للدراسات الكردية الذي احتل شقة واسعة في منطقة مهمة وحيوية من مدينة برلين، وتكوينه مكتبة علمية وادبية وتاريخية قيمة تحوي عدة ألاف من الكتب الكردية والعربية والأجنبية ونسخ نادرة من المخطوطات الكردية التراثية.
يمارس الشاعر والباحث العلمي نشاطاً كبيرا في خمسة اتجاهات أساسية هي:
1.   التدريس الجامعي منذ أكثر منذ أكثر من ثلاثة عقود في جامعة برلين حيث يدرس الطلبة اللغة الكردية بلهجتيها الكرمانجية والسورانية، وكذلك الأدب والتاريخ الكرديين، علماً بأنه درس في جامعة بغداد وبرلين، قسم اللغات الإيرانية. كما درس في جامعة السليمانية في قسم الدراسات الكردية في منتصف السبعينات.
2.   يمارس البحث العلمي المكثف. فمنذ أكثر من عقدين وهو منشغل في وضع القواميس الكردية الألمانية باللهجتين الكرمانجية والسورانية، ومن ثم القاموس الألماني الكردي. وهو جهد كبير جداً يخدم بهذه القواميس اللغة الكردية والشعب الكردي خدمة كبيرة لنقل الفكر الكردي من اللغة الكردية إلى اللغات الأوروبية عن طريق اللغة الألمانية، لاسيما وأن كلاً من هذه القواميس يضم أكثر من مئة ألف كلمة وموضوعة بطريقة علمية حديثة، إضافة إلى سعيه الآن لترجمة الأدب الكردي إلى الألمانية، وأنجز لتوه ترجمة الملحمة الكردية "مم وژين"، قصة الحب التاريخية، وسوف تطبع في عام 2017، كما استطاع أن يحقق تأمين ترجمة لها باللغة الإنگليزية، وهي جاهزة للطبع. كما قام بترجمة شعر الشاعر الكردي الكبير والإنساني الخالد عبد الله گوران إلى اللغة الألمانية ونشر باللغتين الكردية والألمانية وبطباعة جميلة، صدر هذا العام 2016. ثم ألف، بالتعاون مع الأستاذ إبراهيم أمين بالدار، كتاباً مهماً تحت عنوان "الألفباء الكردية" طبع في العام 2013. كما وضع لنفسه برنامجا للتأليف والترجمة كبير جداً، اتمنى له التحقق الفعلي خلال السنوات القادمة.     
3.   وأنجز الشاعر المتميز عدداً من دواوين الشعر الحديث بمضامين إنسانية ووطنية رائعة، وروح قومية ذات وجهة أممية غير شوفينية، لغة شفافة ورشيقة تجعل القارئ والقارئة يتمتعان بسويعات سعيدة في قراءة شعره، كما شعرت بذلك وأنا أقرأ شعره باللغتين العربية والألمانية. وقام الدكتور زهدي الداودي بترجمة أحد دواوينه الموسوم قصائد الغربة عن الكردية إلى العربية، صدر في عام 1994. وظهرت له دواوين شعرية باللغتين الكردية والألمانية بعنوان "أنوار صوتية" صدر في عام 1988، وصوت قصيدة غريبة في العام 1993، وصوت في الصمت في عام 1998.
وديوان باللغة الفارسية بعنوان أصوات في الغربة في عام 1999، ودواوين أخرى. وفي قصيدة بديعة في مضمونها أيضاً للشاعر فرياد فاضل عمر ترجمها له الشاعر والمؤرخ الدكتور زهيد الداودي في ديوان قصائد الغربة يقول:
يسألوني:
أيهما تحب أكثر،
عينيك أم وطنك؟
أقول: أحبُ عيَنَي و وطَني،
كلاهما كياني، أحبِهُمُا كبعضهما البعض
ولكن
هاكَ
بهاتين العينين،
فدع ولدي
يرَفُلُ حراً
في
الوطن.

4.   العمل على التنسيق بين معهد الدراسات الكردية ومراكز البحوث والتوثيق الكردية على صعيد الخارج والداخل، حيث تعقد اللقاءات والندوات حول برمجة قضايا الترجمة والتوثيق والنشر الكردي.
5.   وأخيراً يمارس الأستاذ فرياد فاضل عمر مهمة تطوعية ذات أهمية فائقة للتضامن مع الشعوب المهددة بالاضطهاد والتعسف والقتل والتشريد، شعوب الكثير من البلدان النامية في القارات الثلاث، (أسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية)، فهو رئيس منظمة الشعوب المهددة، التي مركزها في مدينة گوتنگن بألمانيا، ولها فروع في دول كثيرة، وتصدر المنظمة مجلة تحت عنوان "المذبحة المنظمة Pogrom ", وهي مهمة معقدة وشديدة التشابك، بسبب دورها التضامني في مواجهة تلك الدكتاتوريات والنظم الظالمة التي تضطهد شعوبها وتصادر حرياتهم وتدوس على كرامتهم.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه النشاطات المهمة التي يقوم بها الأستاذ فرياد فاضل عمر ومعهد الدراسات الكردية لا يحظيان بأي دعم مالي أو حتى معنوي من أي حكومة في منطقة الشرق الأوسط والعالم، ولا حتى حكومة إقليم كردستان أو القوى السياسية الحاكمة. 
لقد كان اللقاء حميماً وتحاورنا حول مختلف القضايا التي تواجه منطقة الشرق الأسط والعراق وإقليم كردستان، وبشكل خاص في مجال التعليم.   
أتمنى للزميل والصديق الأستاذ فرياد فاضل عمر استمرار النجاح في مساعيه العلمية والاجتماعية، وارجو له الصحة وطول العمر لينجز ما أخذ على عاتقه من مهمات وبرامج بشأن تعريف التراث الثقافي والحضاري الكردي لأوروبا والعالم.
 

71
إلى الأخوات والأخوة الأفاضل
اسمحوا لي أن أقدم لكم باسمي وبأسم عائلة حميد العطار وبنات وأبناء شقيقته فارس وميادة وفواز وغادة الصافي الشكر الجزيل للطفكم ومواساتكم القلبية بوفاة العزيز الفنان التشكيلي حميد العطار. أرجو أن يبتعد الأذى عنكم جميعاً وأن لا يصيبكم اي مكروه، وأن تتمتعوا بالصحة الموفورة والحياة الهانئة والعمر المديد
مع خالص الود والاعتزاز
كاظم حبيب

72
كاظم حبيب
مات الفنان التشكيلي حميد العطار في الغربة أيضاً!!



التقطت الصورة في 20/11/2016
في يوم 21/12/2016 مات صديق الطفولة والصبا والشباب، مات الفنان التشكيلي والمحامي، مات ابن أخي حميد مجيد حبيب العطار، مات في الغربة وحيداً في وسط العشرات من لوحاته الزيتية الكبيرة ومجموعة من أعمال الجبس التي احتلت حتى فراش نومه ومقعد جلوسه أمام شاشة التلفزيون والحمام والمطبخ في فوضى لا مثيل لها، مات في شقته الصغيرة بضواحي لندن. عثر عليه، من أقرباء وأصدقاء لنا هم الدكتور محمد الموسوي والدكتور مرتضى الموسوي والدكتورة باسمة الموسوي، ميتاً في شقته صباح يوم الأربعاء المصادف في 22/12/2016، بعد أن تغيب عن حضور لقاءاته اليومية مع مجموعة من العراقيين أصدقاء الغربة القسرية بعيداً عن الأهل والأحبة والأصدقاء، بعيداً عن الوطن الذي أحبه وأُجبر على مغادرته أكثر من مرة منذ العام 1963 إلى برلين، ومن ثم في العام 1980، وهي المرة الأخيرة التي تنقل فيها بين دمشق وبيروت والقاهرة ولندن، حيث كانت مستقره الأخير. وكان الوطن ومصائب الوطن هاجسه الدائم وشغله الشاغل في كل أعماله التشكيلية المتراكمة في الشقة التي عاش فيها كأي فنان بوهيمي. منذ ما يقرب من عشر سنوات بعد أن كف عن الرسم واعتزل الحياة الواقعية الفعلية، بعد أن أصيب بمرض الكآبة والشعور الدائم بالوحدة، وخضع لرغبة ملحة في اقتناء الأعمال الفنية الصغيرة من محلات بيع الأنتيكة والأسواق الخيرية التي تراكمت بالعشرات في شقته الصغيرة، إذ لم يعد يهتم بمأكله ومشربه، ولكنه حافظ على رشاقته ووسامته ونظافة ملبسه حتى اللحظة الأخيرة.     
ولد حميد في 2/2/1933 بمدينة كربلاء ودرس الابتدائية والثانوية فيها، ثم أكمل دراسته العالية في كلية الحقوق في الخمسينيات من القرن العشرين. من زملاء الدراسة المتوسطة والثانوية الكاتب والشاعر والطبيب الدكتور صباح جمال الدين.
 كان فناناً بالفطرة، ثم درس الفن في كلية الحقوق على يد الفنان التشكيلي القدير من الرواد الأوائل عطا صبري. وكان من زملاء وأصدقاء ومعارف حميد العطار مجموعة من الفنانين المبدعين، منهم كاظم حيدر ومحمد مهر الدين وعيدان الشيخلي وفيصل لعيبي وعشرات آخرين من خيرة فناني العراق التشكيليين. شارك في الكثير من المعارض الفنية التشكيلية بالعراق وفي الخارج، وآخر معرض مشترك له كان بمدينة لندن قبل عدة سنوات. 
عرف حميد العطار في بداية حياته الفنية برسم الأسواق البغدادية والطبيعة. وكنت أحتفظ بداري ببغداد بمجموعة من لوحاته الجميلة، بما فيها لوحة الخريف، إلى جانب لوحات أخرى لفنانين آخرين، التي صودرت كلها من قبل جهاز الأمن البعثي في بداية العام 1979 ببغداد، بعد أن صودر البيت أيضاً.
الذكرى الطيبة للعزيز الغالي، للفقيد الحبيب حميد العطار
23/12/2016           

73
بمناسبة قرب حلول أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية الجديدة
لكم أيها الأحبة التهاني الحارة والتمنيات الطيبة بمناسبة قرب حلول أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية الجديدة، راجياً لمسيحيي العراق، الذين عانوا الأمرينخلال السنوات المنصرمة، ولبقية ابناء الشعب العراقي وخاصة الإيزيديين منهم، استعادة مفقوديهم والمسبيين منهم، والعودة إلى مناطق سكناهم واستعادة حياتهم الطبيعية الحرة والكريمة والمتساوية، ولنعمل جميعاً من أجل خلاص للعراق كله من النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته المذلة لكل الشعب وفساده وما يتسبب به من إرهاب وظلم واضطهاد.
لتسد المحبة والوئام والتعاون بين العراقيات والعراقيين من جميع القوميات وأتباع الديانات والمذاهب، وليسد السلم الاجتماعي في ظل دولة مدنية ديمقراطية حديثة تحترم المواطنة الحرة والمتساوية والمشتركة، وليسد السلام على أرض السلام الذي فقدته منذ أكثر من خمسة عقود. مع خالص الود والاحترام
كاظم حبيب 



74
هل سيلاحق الشعب نوري المالكي كما لاحق صدام حسين؟
2-2
إن رئيس الوزراء المستبد بأمره قد أزيح عن السلطة في العام 2014 بعد نكبة نينوى، بعد أن أصبح مؤذياً للمرجعية الشيعية بالنجف وللأحزاب الإسلامية السياسية، فوضع في مكانه عضو في قيادة حزبه، حزب الدعوة الإسلامية. إلا إن المالكي لم يستطيع تحمل هذه الإزاحة والإهانة، فصلافته لا حدود لها، إذ أنه يسعى، ومنذ أشهر، للعودة إلى قيادة السلطة وبدعم كبير من إيران. لقد ساعد كل من رئيس الوزراء الحالي ورئيس مجلس القضاء الأعلى في عودة هذا الرجل إلى وظيفته كنائب لرئيس الجمهورية وإلى التحرك النشط، بعد إزاحته منها. فقرار الإزاحة تم بقرار من رئيس الوزراء دون عرضه على مجلس النواب، وكان العبادي يعرف إن مثل هذا القرار الفردي يمكن أن يعيده إلى منصبه، ولم يجرأ على عرض القرار ابتداءً على مجلس النواب، كما أن رئيس مجلس القضاء الأعلى، العاشق المتيم بفكر وممارسات المستبد بأمره، كما تبدو كل مواقفه، أعاده بقرار من المحكمة الاتحادية إلى منصبه السابق، فبدأ بتحركه الجديد المشبوه والمضر. 
يبدو أنه اعتقد بأن الشعب، رغم قصر ذاكرته، نسى ما تسببت به سياساته من موت وخراب ودمار وفساد وإرهاب. ولهذا تحرك صوب إقليم كردستان ليلتقي بقيادات الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير ليزيد من توتر العلاقات بين هذين الحزبين والحزب الديمقراطي الكردستاني ويدفع بها إلى القطيعة النهائية، بعكس المحاولات الأخرى لحل المشكلات بالطرق الدستورية والحكمة ومصلحة العشب. وقدم للحزبين وعوداً بالخير العميم، ووعوده، كما تعود الشعب عليها:
"مواعيد عرقوب لها مثلاً      وما مواعيده إلا الأباطيل"،
إذ ما يزال الشعب يتذكر طلبه مهلة 100 يوم ليصلح كل شيء بعد مظاهرات 2011، ولكنه غاص في مستنقع الطائفية وتخريب العلاقات والاعتقالات الكيفية والتعذيب وغير ذلك. ثم أرسل عضوة حزبه والنائبة في مجلس النواب عن قائمته، حنان الفتلاوي، لتزيد من حدة التوتر وتنشط الخلافات وتلقي بالمزيد من الحطب والزيت على النار المشتعلة! وهذه الزيارات جزء من خطة إيرانية تهدف إلى تعميق الصراع في إقليم كردستان، وخلق أجواء تساعد على البدء بالتهيئة الفعلية لعودة المالكي إلى السلطة!!!
ثم قام أخيراً المستبد بأمره بزيارة إلى الناصرية والعمارة والبصرة. وجوبه بالناصرية بمظاهرات حاشدة لم يتوقعها تتهمه بـ "راعي الفساد" والتسبب بمقتل 1700 مواطن مجند في معسكر سپايكر. أما زيارة المالكي للعمارة، فقد انتهت كسابقتها. فقد طوق المتظاهرون الفندق الذي نزل فيه نوري المالكي، موجين له سلسلة من الاتهامات كالوقوف وراء الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية المتعاقبة بالبلاد، وهم يؤكدون إسهامه الكبير بإذكاء "نار الفتنة" بين فئات الشعب بسبب اتباعه سياسات "طائفية" فاقمت الأوضاع تدهوراً، ويشيرون إلى أن المحافظات العراقية المختلفة لا تزال ترزح تحت نير "الارث السيء للمالكي".
أما زيارته للبصرة، إذ كان يعتقد جازماً، وهو المصاب، كما يبدو، بالنرجسية المرضية، بأنه سيقابل بالورود والرياحين والتسبيح والتكبير بحمده من جانب أهل البصرة الفيحاء. وإذا به يفاجأ بحشود المتظاهرين وهم يهتفون "ملعون المالكي"، و "تبقى المحافظات حرة والمالكي يطلع برة". وما كان من أحد أعوانه إلا توجيه مسدسه صوب الجماهير المحتجة على وجود المالكي بالبصرة.
كم كان محقاً السيد علي حسين في عموده الثامن ابزم 11/12/2016 حين كتب عن تحدي أزلام رئيس الوزراء السابق ما يلي: "إذن لا بد أن يكون الخزاعي في خدمة نوري المالكي، وحزب الدعوة أيضا مناصراً لـ "فخامته"، هذه ببساطة النتيجة الوحيدة التي تخرج بها بعد مشاهدتك للفديو الذي يقوم به عرّاب المصالحة الوطنية  ومُنظّرها عامر الخزاعي وهو يشهر مسدسه في وجوه المتظاهرين. وفي هذا المشهد والحمد لله – أطلّ علينا حزب الدعوة مستفزّاً ليشتم المتظاهرين، ويصفهم بالخارجين على القانون  ويحذرهم من أنّ أمينه العام سيقوم بصولة قانون جديدة، بعد أن يجلس على كرسيّ رئاسة الوزراء قريباً، ..."!!!
هل عرف الشعب العراقي أخيراً ما تمارسه قوات الحشد الشعبي من أعضاء المليشيات الطائفية المسلحة، وبمشاركة بعض فصائل الجيش العراقي المتسمة بالتمييز الديني والطائفي، من هدم وجرف للبيوت ومناطق سكن المسيحيين وكنائسهم في شمال العراق، بهدف منعهم من العودة إلى مناطق سكناهم. وهذا الفعل الإجرامي استكمال لما قامت به عصابات داعش بطرد المسيحيين أو قتلهم وتشريدهم، وما قامت به قيادة المجلس الإسلامي الأعلى بشراء دور سكن واراضي زراعية في برطلة بأسماء من الشبك الشيعة وبأموال إيرانية سخية تدفع لصاحب الدار المسيحي الفقير، وهي شبيهة بما كان يقوم به الصهاينة في شراء دور سكن الفلسطينيين من مسلمين ومسيحيين بدفع مبالغ طائلة لهم مقابل ذلك. إنها جريمة جديدة ترتكب بحق مسيحيي العراق من جانب المليشيات الطائفية الشيعية المسلحة الملتحقة والمكونة للهيكل العظمي للحشد الشعبي وبقيادة قاسم سليماني الموجود حالياً بالعراق ويقود هذا الحشد، والذي قال نوري المالكي إنه المؤسس لهذا الحشد وقبل دعوة المرجعية لوجوب "الجهاد الكفائي"! 
لم يدرك هذا المستبد بأمره حتى الآن ما ارتكبه من بشاعات بحق هذا الشعب المستباح الذي ما يزال يخوض حرباً مريرة ضد عصابات داعش والتي يقدم فيها أغلى التضحيات، سواء أكانت من القوات المسلحة أم قوات الپيشمرگة أو من المتطوعين، إضافة إلى الخسائر المادية والحضارية التي لحقت وما تزال بالمنطقة وبالثقافة والتراث العراقي الأصيل، كما لم يدرك عظم المعاناة والمرارة التي تواجه جميع النازحات والنازحين والمهجرات والمهجرين قسراً عن مناطق سكناهم، ولاسيما معاناة الأطفال والصبية والشباب. والغريب بالأمر أن المستبد بأمره حرك أزلامه ليشنوا حملة دعائية وقحة ضد الشخصية الثقافية الديمقراطية والناشط المدني والاجتماعي والكاتب الأستاذ على حسين محرر العمود الثامن في جريدة المدى، بسبب نقده الواقعي والموضوعي لسياسات نوري المالكي الطائفية والمصائب التي تسبب بها للعراق وشعبه. وقد ساهم هذا الموقف في الكشف عن طبيعة المجموعة التي لا يهمها رأي الشعب وهمومه ومشكلاته، بل المهم عندهم وعند سيدهم الهيمنة على ما يمكن الوصول إليه بالعراق المنهوب والمنكوب بهم وبغيرهم من الحكام الحاليين!!! وكما قال أبو تمام حبيب بن أوس بن حارث الطائي (788 – 845م):
إن لم تخـش عاقــبـة اللـيالي                  ولم تستح فافعـل ما تشاء
أثق بأن الشعب العراقي سوف لن ينسى محاسبة رئيس الوزراء السابق ونائب رئيس الجمهورية الحالي، وسوف لن ينسى من حاول تبييض الصفحة البائسة لهذا الشخص، ومحاولة إعادة تسويقه، والعواقب الوخيمة التي تسبب بها خلال سنوات حكمه وما بعدها. إن الشعب العراقي يمهل ولا يهمل، وسيبقى يلاحق رئيس الوزراء السابق كما لاحق المجرم صدام حسين، وإذا كان الأول قد حكم عليه بالإعدام شنقاً، وكنت ضد قرار الإعدام، أتمنى أن يحاكم نوري المالكي بعدالة وأن يتلقى عقابه العادل من قضاء عراقي يتمتع بالاستقلالية والنزاهة واحترام القانون، وأتمنى ألّا تكون عقوبته الإعدام، بل الحبس مدى الحياة، إن ثبتت التهم الكبيرة الموجهة له، وتقرير لجنة مجلس النواب عن التحقيق في أحداث الموصل، بأمل أن تتجسد أمامه، وهو في السجن، ما تسبب به لهذا الشعب الأبي والمستباح حتى الآن!!!