عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - جورجينا بهنام

صفحات: [1]
1
المنبر الحر / ماذا ينتظرنا بعد؟
« في: الأمس في 18:35 »
ماذا ينتظرنا بعد؟
  جورجينا بهنام
يعيب كثير من الآباء على أبنائهم أنهم لايشبهونهم في كثير من الأشياء، وليس مستغربا، بل هو المعتاد، أن تجد أبا يؤنب أو يوبخ ابنه على كثير من الامور، كطريقته في الكلام مع والديه و مع الكبار عموما أو على عدم انغماسه في الدراسة  او على ملبسه ومأكله و قيامه وقعوده، هذا فضلا عن التصاقه بوسائل الاتصال الحديثة من الهواتف النقالة والحواسيب اللوحية دون أن نستثني الألعاب الالكترونية ومشاهدة التلفاز وسواها من أصنام العصر الحديث، مستعينا بالعبارة الخالدة: "عندما كنا في مثل سنكم" ليضيف بعدها سلسلة لا تنتهي من البطولات الأخلاقية والدراسية والعلمية، تـصور الأب كبطل خارق وفارس مقدام بل قل ملاكا بجناحين. 
الأمر الذي لايمكن إنكاره، أن أخلاقيات وقيم العصر الحديث مختلفة بشكل كبير، إن لم يكن بشكل تام، عن مثيلاتها في العصور السابقة، وهو أمر طبيعي، فالمجتمعات تتغير وتتطور وتكتسب صفات وأخلاقيات تتناسب مع متطلبات عصرها، لكن الطفرة العلمية الهائلة التي طرأت على عالم الالكترونيات والاتصالات و العولمة الالكترونية التي شهدها العالم منذ منتصف القرن المنصرم ومازالت متواصلة بخطوات متسارعة ماراثونية لاهثة جعلت كل الحقب والعصور المنصرمة كلها في كفة و مئة السنة الماضية في كفة أخرى، وبالتالي فالتغييرات الطارئة على السلوك والأخلاق والقـِيـَم عانت هي الأخرى من هزات ارتدادية متعددة الأوجه.
ضمن منظومة الأزمنة الغابرة كانت القنوات التلفزيونية وبرامجها خاضعة لرقابة صارمة، وإن لم يكن هدفها الرئيس الحفاظ على بنية المجتمع الأخلاقية حسب، لكنها كانت تعمل بشكل أو بآخر وفق معايير ذلك الزمان، على وقاية المشاهد والمتابع من كثير من المشاهد والصور والمواقف التي قد تخدش حياءه أو تسيء إليه أو ترعبه وترهبه،  ليكون كل ما يعرض صالحا للمشاهدة العائلية. فترى المحطات تحذف كثيرا من المشاهد التي لاتتناسب مع منهجها الأخلاقي أوالسياسي، في ظل غياب شبه تام لقنوات غير حكومية. لكن في عالم اليوم الذي ينشد التحرر من كل قيد، باتت المشاهدة مفتوحة ومتاحة لكل البرامج والأفلام والصور فضلا عن قراءة الكتب التي كانت ممنوعة من التداول معرضة للمصادرة أو الحرق، فشبكة الانترنت تفتح أمام مستخدميها فضاءً واسعا لاحدود له من المعلومات دون قيد او شرط، موقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك"على سبيل المثال لا الحصر، يستضيف صفحاتٍ لمعظم قنوات التلفزة والمواقع الإخبارية والفنية والترفيهية والاجتماعية والاقتصادية وحتى الإباحية وسواها، وكلها تضع على الصفحة الرئيسة للموقع إعلاناتها داعية المستخدمين لمتابعة هذا الخبر أو لمشاهدة ذلك الفيديو، لاسيما متابعة ما يتصدر اهتمامات وسائل الإعلام، التي يمكن أن يكون احد الأصدقاء قد شاركها (share) في وقت سابق مما يجبرك على قراءة عناوينها أو ألاطلاع عليها دون قصد أو رغبة مسبقة احيانا. وقد استغل تنظيم داعش الارهابي هوس البشرية بالمعلوماتية وتقنيات التواصل عبر الانترنت بفضائها المفتوح لكل من هبّ ودب أبشع استغلال، إذ راح ينشر، ضمن خطته لترهيب أكبر عدد من البشر، تسجيلات فيديو تصور جرائمه بحق من يقعون أسرى لديه، بدءا بذبح الصحفيين الامريكيين ثم اليابانيين فضلا عن مشاهد مروعة اخرى تظهر طفلا داعشيا يردي بالرصاص متهمين بالتجسس لروسيا، ناهيك عن تلك التي تصور الرجم حتى الموت لنساء متهمات بالزنى، خارج نطاق جهاد النكاح، وآخرين يلقون من اسطح البنايات، حتى طلع علينا التنظيم أخيرا ببدعة جديدة ألا وهي الإعدام حرقا كما حصل مع الطيار الاردني معاذ الكساسبة الذي مازالت ملابسات سقوط طائرته ووقوعه بيد داعش ومن ثم حقيقة حرقه غير واضحة المعالم، وتتالت المشاهد المرعبة وصولا الى ذبح (21) مصريا قبطيا في ليبيا وربما غدا الاعدام رميا بالرصاص أهون الشرور.
مع تأكيد كثير من علماء الدين الإسلامي على براءة الإسلام من مثل هذه الأفعال الوحشية الدنيئة التي يرونها مسيئة للاسلام تعمل على تشويهه وحرفه عن مساره التسامحي الاصيل، وبغض النظر عما إذا كانت هذه المشاهد (الذبح والحرق) حقيقية ام لا، فكثير من المتخصصين في عالم الخدع السينمائية يشككون في صحتها، ورغم السيل العارم من موجات الشجب والإدانة والاستنكار الذي فاض هنا واندلق هناك كونه لا يشبع من جوع ولا يغني من فقر، فالخوف من آثارها لايقتصر على بث الرعب في نفوس الناس وترهيبهم وتصوير التنظيم بأنه المارد القاهر الذي لايشق له غبار الساحق الماحق المبيد، بل الجزع الاكبر يتمثل في أثر مثل هذه المشاهد الدموية وسواها على وجدان ونفسيات وضمائر أجيال قادمة تتربى على مناظر القتل وجز الاعناق وحرق الاجساد، والطامة الكبرى انها متوفرة لكل الاعمار على مواقع الشبكة العنكبوتية، لاتحدها رقابة حكومية ولا تردها توجيهات أبوية، ناهيك عن مشاهد أشد فظاعة لدماء تغسل الاسفلت وأشلاء بشرية متناثرة قد تشاهدها بأم العين أو تعرضها عليك قنوات الاخبار، بعيد أي انفجار أو حادث ارهابي وهو أمر غدا شائعا في كثير من البلدان.
على صعيد ذي صلة، هذه المشاهد المرعبة وسواها لاتشكل خطرا على العقول والنفوس البشرية حسب، بل خبراء من خطر داهم على عقول الحواسيب فضلا عن حسابات مستخدمي الانترنت، بسبب ارسال قراصنة الانترنت روابط "اختراق" بعناوين تجذب المستخدمين الباحثين عن فيديو لعملية إعدام الكساسبة على سبيل المثال مسبوقة بعنوان جاذب: (شاهد قبل الحذف) وغيره الكثير من العناوين المشابهة، محاولين اختراق بيانات مستخدمي الانترنت وتدمير حواسيبهم.
إن كان البعض يعتقد أن كثيرا من الارهابيين العراقيين هم من نتاج ماكان يعرف بفدائيي صدام او اشبال صدام الذين كانت مشاهد تدريباتهم في حينها وهم ينهشون بعض الحيوانات ويقطعونها بأسنانهم والدماء منها تسيل، تقشعر لها الابدان، فما بالنا والحال اليوم؟ مع حالة الاعتياد المقيتة وعدم المبالاة البغيضة وخدر الضمائر المريبة إزاء ما يجري من حولنا؟ وأي نوع من الأجيال يعده الواقع المفروض لبلادنا ليكونوا قادة المستقبل وصناعه؟ وعن اي بطولات أخلاقية ودراسية وعلمية، سيحدث الأباء ابناءهم؟ وهل ستبقى صورة الاب المثالي كملاك بجناحين ام ستغدو لشيطان بقرنين يذبح ويحرق ويدمر؟ لتعود بعد كل هذا لتسأل نفسك: ماذا يخبئ لنا الغد؟ ماذا ينتظرنا بعد؟


2
مطالعة في كتاب:
(كتب ووثائق وتراث الأقليات العراقية)



جورجينا بهنام
بداية، قد يستفز عنوان الكتاب البعض، فكلمة "الأقليات" ماعادت مستساغة لدى كثيرين، ليس لدى من تطلق عليهم هذه التسمية وحسب، بل لدى كثير من المنصفين الذين يرون في حصر مجموعة من البشر في نطاق العددية بعيدا عن الأصالة والتأثير الثقافي والحضاري والإنساني، إجحافا كبيرا وتناقضا صارخا مع الإنصاف والعدالة بكل مقاييسها، لاسيما في بلد كالعراق هو بلد التنوع بامتياز.
"العراق هو بلد الاثنيات، يعيش فيه إلى جانب قوميتين كبيرتين هما العرب والكورد اللتين تعتنقان الإسلام، عدد من المجموعات الاثنية والطوائف الدينية يعود تاريخ بعضها إلى آلاف السنين كالكلدان الآشوريين السريان والمندائيين واليزيديين، وبعضها الآخر إلى مئات السنين كالكاكائيين والتركمان والشبك والأرمن والبهائيين. هذه الاثنيات والطوائف أسهمت في بناء العراق وتطوره الاجتماعي منذ تأسيسه ولعبت دورا كبيرا في إثراء ثقافته. لكن بالمقابل لم تحصل على حقوقها الدينية والقومية والثقافية أسوة ببقية أبناء الشعب العراقي وخاصة أبناء الأكثرية، بل على العكس واجهت صعوبات كبيرة ومعاناة شاقة وتعرضت لحملات من القتل والإبادة والغزو على أيدي محتلين أو متطرفين لذرائع دينية أو قومية في فترات مختلفة من تاريخ العراق مما أدى الى تلف الكثير من مصادرها الثقافية والتراثية. حتى أن البعض منها كاليزيديين على سبيل المثال لم يعد في متناول أيديهم معظم كتبهم المقدسة أو مخطوطاتهم بينما أضاع آخرون كالسريان مثلا، آلاف المخطوطات والايقونات والتحف الدينية الثمينة".
قراءة مدخل الكتاب الذي استللنا منه هذه الفقرة وإن كانت تحيلك إلى تاريخ فيه الكثير من الفترات المظلمة التي عانت خلالها الاقليات من البطش والعنف والاضطهاد ومصادرة الوجود، لكنها تعيد الى ذهن القارئ عبارة "التاريخ يعيد نفسه" لاسيما المستوى الأقسى الذي بلغه البطش والعنف والاضطهاد مع بشاعة التصرفات الهمجية التي يقدم عليها لفيف من القتلة المجرمين الذين يتوشحون بالدين ويتخذونه ستارا يخفون وراءه جرائمهم النكراء بحق الإنسانية التي ظنت أنها تجاوزت عصور البربربة والهمجية بقرون، ولكن ما يسمى بالدولة الإسلامية (داعش) أعاد إلى الأذهان تاريخا اسود من الغزوات وجز الاعناق وسبي النساء واستلاب الغنائم، فضلا عن الاعصار الظلامي الذي ألحق أبلغ الأضرار بالتراث الإنساني والحضاري. فالتلف الذي وقع في أزمنة غابرة كما يتحدث عنه الكتاب، ليس بأكبر من تفجير مقام النبي يونس وسواه من صروح هي تراثية أكثر منها دينية من كنائس ومساجد وسواها، وفقدان المخطوطات قد يبلغ ذروته بعدما جلا المسيحيون السريان عن قراهم ومدنهم، ليبقى تراثهم ومخطوطاتهم وأيقوناتهم الأثرية عرضة لتلف ما بعده تلف وضياع ما بعده ضياع. وكذا الحال مع الايزيديين الذين تعرضوا وما زالوا إلى حملات إبادة جماعية لم تبق ولم تذر، فكم تراه مدى التلف والضياع الذي يطال ما تبقى من تراثهم في هذه الأيام العصيبة؟
"دخلت المسيحية العراق منذ أواسط القرن الأول الميلادي بحسب  آباء كنيسة المشرق وكتبة مسيحيون عديدون يؤكدون ذلك، منهم: مشيحا زخا، مؤلف كتاب كرونولوجيا أربل وبرحذبشبا عربايا، مؤلف تاريخ كرخ سلوخ، ويعتقد أن توما الرسول مر بالعراق أثناء ذهابه إلى الهند للتبشير بالمسيحية، تلاه مار أدي (ت 49م) أحد تلامذته (وهو من جملة الاثنين والسبعين) الذي بشر في الرها ونصيبين. ويذكر ماري بن سليمان في كتابه "المجدل" أن أدي توجه إلى المشرق، وابتدأ بناحية حزة (أربل) والموصل وباجرمي (كركوك) وعاد إلى أُلرها حيث توفي. وتلميذه مار ماري (ت 82م) الذي شفى ملك اربيل من مرض وأدخل مدينته واهلها في المسيحية. ثم انتقل الى باجرمي (كركوك) وساليق وقطيسفون (سلمان بك حاليا) حيث أسس كنيسة كوخي (من الكوخ أكواخ لأنها كانت مشيدة من اللبن والطين) في المدائن التي كانت عاصمة للفرس بعد عام 79م. وتوفي في دير قوني (قرب مدينة العزيزية الحالية 90 كم جنوب بغداد) بالعراق".
ثم يسرد الكتاب في فصله الاول المعنون " المسيحيون ( السريان الكلدان الآشورين)" سلسلة الاضطهادات المتعاقبة التي طالت المسيحيين وتراثهم "وكان قد ضاع أيضا الجزء الأكبر من الإرث الثقافي والفني للمسيحية في العراق على يد الساسانيين الفرس سنوات الاضطهاد المعروفة في القرن الرابع وخاصة من قبل الملك شابور" وتاليا على ايدي الفاتحين العرب ثم على ايدي المغول والعثمانيين حتى عهد الحكومات العراقية المتعاقبة وماشهدته من مذابح سميل وصوريا وسيدة النجاة ليتناقص عددهم بشكل مخيف عبر هجرات متعاقبة كادت تصل بهم حد الانقراض.
ثم عرض الكاتب لمجموعة المخطوطات النادرة وأماكن تواجدها مابين مكتبات الكنائس والاديرة فضلا عن المكتبات الشخصية والمبعثر منها لدى شخصيات كنسية وعلمانية، موضحا ماتمت فهرسته وتحقيقه منها فضلا عن المحفوظ منها في مركز صيانة المخطوطات في دير الآباء الدومنكان في الموصل-قرةقوش. حيث "قام مركز التوثيق الذي يديره الأب نجيب ميخائيل بتصوير هذه المخطوطات التي تحفظ الآن في أماكن تواجدها الموصل وتلكيف وكرمليس في ظروف مناسبة بحسب المطران إميل نونا رئيس أبرشية الموصل وتوابعها".
ينتقل الكاتب تاليا في الفصل الثاني إلى الايزيدية التي يرى انها:" الأيزيدية أو اليزيدية ديانة عراقية موغلة في القدم يرى فيها بعض الباحثين الكثير من المعتقدات والعادات العريقة والتي ترجع الى عهود تاريخية تعود جذورها الى الالف الرابع قبل الميلاد، وتمثل برأيهم اصدق تمثيل لتفاعل الديانات القديمة؛السامية (البابلية الآشورية) والهندو اوربية (البرهمية- الزرادشتية- المزدكية) والعراقية (المانوية والصابئية)،  فضلا عن ذلك يرى بعض آخر في هذه الديانة مبادئ وطقوس من الأديان السماوية اليهودية والمسيحية والإسلامية
". ثم يعرج الكاتب على اصل التسمية، المعتقد، الشخصيات المقدسة، الاعياد الدينية، الصلاة، الاضطهادات، النصوص الدينية والتراث الثقافي والنفوس والتوزيع السكاني. اخيرا يورد الكاتب خلاصة لبحثه حول الايزيدية:
"من خلال البحث في المصادر واللقاءات مع بعض المثقفين والمسؤولين والزيارات لبعض المناطق توصلت إلى استنتاج بأن تراث الايزيديين يسير سريعا نحو الاندثار ما لم يتم انقاذه بسرعة". والحقيقة ان تصفح فقرة الاضطهادات التي تعرض لها الايزيديون فيه الكثير الكثير من البطش والقمع اللانساني مما يدمي القلب ويدمع العين.
في جزء آخر من الفصل الثاني يعرض الكتاب للصابئة المندائيين واصل التسمية واللغة والجذور والمعتقدات و التعميد والوجوه المقدسة لديهم وهنالك بالتاكيد الاضطهادات المتوالية عبر القرون المتعاقبة لذا فهم مستمرون بالتناقص بحسب شهادة قادتهم.
"ومن الجدير بالذكر ان العديد من المخطوطات المندائية كانت قد تُرجِمَت الى العربية وطُبِعَت، وبضمنها كنزا ربا، دراشا ديَهيا، حاران كاويثا، زواج شيشلام ربا، واساطير اخرى متنوعة. والمخطوطة الاكثر اهمية ترجمت الى اللغة الالمانية من قبل مارك ليدزبارسكي (1869-1928) والى اللغة الانكليزية من قبل دراور( 1879-1972). وبحسب راي الشيخ نصرت، فان الاقلية المندائية تمتلك مكتبة في معبدها (ماندي) في بغداد والتي تحوي حوالي 5000 كتاب مطبوع لتاريخ والدين والميراث الثقافي للمندائيين. بعض الشخصيات البارزة في العراق هم من الجماعة المندائية، ومن بينهم الفيزيائي المشهور عبد الجبار عبدالله(1911-1969) والذي كان رئيس جامعة بغداد في سنة 1959 ، والشاعرة المعروفة لمياء عباس عمارا (المولودة في 1929) احدى رواد الشعر الحر في العراق وشاعرة مشهورة على صعيد العالم العربي. وهناك ايضا شاعر مشهور اخر وهو عبد الرزاق عبد الواحد (المولود في 1930)".
ونلاحظ ان الكتاب أورد اسم الشاعرة لميعة بشكل مغلوط وسماها لمياء، ربما يعود ذلك الى ان الكتاب وضعه الراحل الدكتور سعدي المالح باللغة الانكليزية اساسا ثم صدرت بعد وفاته النسخة العربية منه والتي يلاحظ فيها كثرة الاخطاء اللغوية والنحوية فضلا أن التباسات الترجمة من الانكليزية الى العربية.
الفصل الثالث مخصص لديانتين "من أصل ايراني"، بحسب الكاتب، الا وهما الكاكائيون والبهائيون. والجدير بالملاحظة فيما يخص الكاكائيين "أن اغلبية المعلومات التي تخص تكوين اهل الحق وتطورهم وتوسعهم كما هو الحال بالنسبة لعقيدتهم وتقاليدهم، قد تم حفظها ونقلها شفهيا على  شكل "كلام" او مفردات من جيل الى آخر. ولذلك فمن الطبيعي ان يكون التسلسل والتزامن الزمني  بطريقة او باخرى مشوها، لكن المعنى والاسلوب والنغمة الصوفية تبقى سليمة الى حد كبير. وهذا الكلام او النصوص الشفهية كانت متاحة فقط للنخبة التي كانت تقرأها عن ظهر قلب لأتباعها خلال الاحتفالات والاجتماعات. لم يتم تحويل النصوص الشفهية الى نصوص مكتوبة  لقرون عديدة، ولم تكن متاحة ابدا "للغرباء" .
أما البهائية فهي "ديانة نشأت في ايران في اواسط القرن التاسع عشر من قبل ميرزا حسين علي نوري والمعروف باسم بهاء-الله-(1817-1892)، والذي يعني بالعربية "المجد الله". حجر الزاوية للمعتقد البهائي هو الايمان بان بهاء الله وسلفه، والذي كان معروفا بـ "باب" 1819-1850،والتي تعني في العربية (البوابة)،كانوا مظهر من مظاهر الله والذي في جوهره هو مجهول. مبدأ البهائيين الاساسي هو الوحدة الجوهرية بين جميع الاديان وجميع البشر(..) البهائية تؤمن بوحدة الانسانية ويكرسون البهائيون انفسهم لالغاء الأذى والضرر الذي تحدثه العنصرية والتدين والطبقية. يكمن الدور الكبير للتعليم البهائي في القلق من الاخلاق الاجتماعية ، ليس هناك كهنوت في البهائية ولا يمارس أتباعها أي طقوس او مراسيم".

مع وجود هذا التنوع وهذه الفسيفساء الملونة يخال الانسان نفسه امام لوحة ربانية ملونة كقوس قزح لا أروع ولا أبهى ولكن "اذا بقى الوضع العراقي السياسي والامني على ماهو عليه  في الوقت الراهن، واذا لم تحمي الحكومة العراقية الاقليات من التهديد، فانا اعتقد ان العراق سيخلو من الاقليات خلال العقدين او الثلاثة القادمة. الاقليات في العراق في خطر، وحالتهم صعبة جدا. فلو غادرت الاقليات البلد فان العراق سيخسر ميراث ثقافي حقيقي، ذاك الذي خدم الانسانية لالاف السنوات. هذا الميراث يكمن المحافظة عليه فقط من خلال الديموقراطية في العراق وأقامة دولة مؤسسات قوامها القانون، والمساواة، والعدالة الاجتماعية. ولكن بما ان هذه المسألة تأخرت ولم تحصل حتى الان، فقد اصبحت هناك ضرورة لتدخل الامم المتحدة والمنظمات الدولية لتوفير العون لحفظ وصيانة هذا الميراث".
هكذا يختم د. سعدي المالح كتابه الصادر عن منظمة (جسر الى..) الايطالية ضمن مشروعها الموسوم "كتب للمصالحة" الذي تسعى عبره لجمع مختلف الاقليات العراقية حول المصلحة المشتركة للثقافة والمحافظة على آلاف الوثائق الارشيفية وممتلكات المكتبات. يشار الى ان الكتاب صدر بنسخ انكليزية وعربية وكوردية لكنه موضوع بالاساس بالانكليزية وفضلا عن اخطاء الطباعة واللغة يحفل بالكثير من الاخطاء العلمية فكثير من ممثلي الاقليات التي تحدث عنها الكتاب ممن حضروا حفل اطلاقه (بعد وفاة كاتبه)كانت لديهم ملاحظات عديدة حول المحتوى رغم وجود العديد من المراجع واللقاءات الشخصية المسجلة ضمن مصادر الكتاب.
"إن مواصلة العمل مع جميع الاقليات بالنسبة لـ(جسر الى..)يعني تجنب استبعاد أحد لصالح التكامل والحوار في بلد أمامه طريق طويلة جدا للمواجهة من أجل الوصول الى المصالحة الوطنية الحقيقية". هذه الفقرة مستلة من التقديم الذي دونه دومينيكو  تشيريكو مدير منظمة (جسر الى..) مسبوقة برغبة المنظمة أن "تشكر وتذكر الكاتب سعدي المالح الذي وافاه الاجل فجأة في الاشهر الماضية. لقد كان السيد المالح نورا يضيء شعبه من خلال مساعدته العراقيين والاكراد وأشخاص عديدين على التعرف على فسيفساء مجتمع الشرق الاوسط. فقد قام بعمل فريد من نوعه ومهم للحفاظ على تاريخ وحضارة واحدة من أقدم وأهم الحضارات في العالم" .


3
المنبر الحر / من أنتم؟
« في: 17:07 08/12/2014  »
من أنتم؟
جورجينا بهنام
 منذ أن كان (العقيد) ومن ثم غدا قائد الثورة الليبية، وفي إثر ذلك خلع عليه الزعيم عبد الناصر لقب أمين القومية العربية، ثم أطلق هو على نفسه لقب عميد الحكام العرب، وتوالت الألقاب: رئيس الاتحاد الإفريقي، ملك ملوك إفريقيا، قائد الطوارق، رئيس تجمع دول الساحل والصحراء، قائد ما يسمى بالقيادة الشعبية الإسلامية، إمام المسلمين و زعيم الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى. حطم العقيد معمر القذافي الرقم القياسي في عدد الألقاب، ولكن أظرفها هو ما أطلقه عليه الرئيس السادات وهو: "الواد المجنون بتاع ليبيا". حتى حصل على آخر ألقابه وهو الراحل أو الشهيد بحسب البعض. رغم اعتياد الجماهير في الدول العربية، لاسيما في ليبيا، على خطابات رنانة كان يطلقها بمناسبة أو دونها، حتى غدا الزعيم الأوسع شهرة في الأوساط العربية والدولية بخطبه اللاذعة ومقترحاته المخادعة وصياغاته الفاقعة لاسيما حين وجه كلامه إلى الزعماء في القمة العربية مبشرا إياهم بأن مصيرهم لن يكون أفضل من مصير صدام حسين، لكن العبارة الأشهر التي أطلقها مدوية، في آخر خطاباته الذي ألقاه أمام خرائب أحد قصوره كانت الأشد فكاهة والتصاقا بالذاكرة سيما وانه دق فيه ساعة العمل وساعة الزحف وساعة النصر الذي لم يأت على أعدائه الذين خصوه وليبيا، دون سواه من الزعماء المبشرين بالخلع، بسلسة ضربات جوية أدت تاليا إلى مصرعه.
في ذلك الخطاب قال القذافي جملته الأشهر التي حصدت والخطاب الذي تضمنها رقما قياسيا جديدا، يضاف إلى سجل القذافي الحافل، في عدد المشاهدات والمتابعات على صفحات الانترنت، تلك هي عبارة: (من أنتم؟) ذلك التساؤل الغريب الذي مازالت الإجابة عليه غير متيسرة لدى كثيرين...من أنتم؟
فيما يرزح النازحون العراقيون من المحافظات الساخنة أو المحتلة من قبل تنظيم داعش الإرهابي تحت نير ثقيل من أوضاع معيشية عسيرة في ظل مخاوف من احتمال تفشي الأمراض والأوبئة في صفوفهم، فضلا عما يقاسونه من انتزاع من الجذور وغربة في الوطن، لا يجد البعض حرجا في التلاعب بمصائرهم ولا غضاضة في السطو على أموال مخصصة لاغاثتهم وبدلا من أن يجد هؤلاء البائسون نجدة وعونا عبر مبلغ  المليون والخيمة والكرفان، وإذ بهم بعد اول زخة من رباب الشتاء وإثر صرف مليارات تكفي لا لكرفانات بل لتعمير مدن جديدة بأكملها، يجدون أنفسهم غرقى في الاوحال.
ترى ألم يسمع هؤلاء وسواهم من الفاسدين بمن يستقيل من المسؤولين في دول العالم المختلفة لمجرد شبهة فساد وليس لما يثبت منها بالادلة والوثائق التي لو ورصت فوق بعضها لبلغت السماء السابعة علوا، ولهم في رئيس وزراء كوريا الجنوبية اسوة حسنة فقد استقال الرجل بعد غرق عبارة تقل عشرات من الطلبة الكوريين، وتلقى صفعة على وجهه، دون رد، من والد أحد الغرقى ولو فعل ذلك والد أحد الشهداء في بلدنا، سواء كان من ضحايا سبايكر أم من الايزيدية المنكوبين أم من أبناء عشيرة البو نمر ام من المئات بل الآلاف الذين يقضون يوميا ضحايا لتفجيرات عشوائية تحصد الارواح دون تمييز، لو فعلها او حاول مجرد محاولة لوصل جلده الى الدباغ كما يقول المثل.
الأغرب أن تجد أسوار الحدائق العامة التي اتخذ منها كثير من النازحين في عنكاوا وسواها من المدن والبلدات ملاذا لهم، وقد نصبوا فوق حشائشها ما توفر لهم من خيام لا تقيهم من قيظ الصيف ولا من مطر وصقيع الشتاء وهم في حالة يرثى لها، أن تجد أسوارها مجللة بلافتات لا عدد لها، ليست يافطات شجب أو إدانة أو استنكار لما حل بالوطن وأهله، بل هي إعلانات تدعو من يقرأها لحفلات ساهرة تقيمها فنادق وصالات عديدة تحييها جمهرة من ألمع نجوم الفن والطرب.
وقد ترى كثيرين يتزاحمون لالتقاط الصور بنوعها المعتاد او الـ(السيلفي) ضمن الحشود المتظاهرة لنصرة ابناء العراق من المسيحيين والايزيدية الذين احتلت داعش اراضيهم وباتوا بين ليلة وضحاها مشردين دون مأوى، أو يزورون مخيمات اللاجئين لالتقاط مزيد منها لبثها عبر مواقع التواصل الاجتماعي حتى غدا الفيسبوك والتويتر مكتظين بصور الناشطين، لابأس في العمل على جذب انتباه الرأي العام المحلي والعالمي الى المآسي التي يعيشها الآخرون، لكن، أن يخصَّ ملتقط الصورة نفسه بقدر من الاهتمام يوازي بل يزيد أحيانا عما حازه الموضوع الاصلي، يحيلنا الى النجمة العالمية انجلينا جولي سفيرة النوايا الحسنة لدى الامم المتحدة لشؤون اللاجئين التي زارت مخيمات اللاجئين السوريين وكذا العراقيين في ظل شبه تعتيم إعلامي لان الغرض من الزيارة ليس الدعاية للنجمة بل تقديم أقصى ما يمكن من الدعم والاسناد والمساعدة لمحتاجيها.
على صعيد آخر، فيما تناقلت المواقع الالكترونية نبأ ً يشير الى اكتشاف علماء امريكيين في جامعة نبراسكا وجامعة جون هوبكنز الطبية فايروسا يجعل البشر اقل ذكاء، إن لم نقل يسبب الغباء، محاولين البحث عن علاج، تفاجئك فضائية عراقية بعرضها (ببالغ الفخر ومزيد الاعتزاز) طريقة علاج شاب عراقي يفرز جسده ابرا عجز الاطباء في عديد من المحافظات الجنوبية عن شفائه فوجد ضالته عند الشيخ الذي اكتشف انه مسحور وان عملا سحريا قد حاكته له يدا سيدة مجهولة ليلة عرسه جعله مربوطا يعاني ما يعانيه. وليت العلماء الذين اكتشفوا ذلك الفيروس شاهدوا الشيخ الجليل وعلاجه البعيد كل البعد عن الدجل والشعوذة واستغلال جهل الناس وسذاجة تفكيرهم، لعلهم أفادوا منها في ابحاثهم، وإن كان الشاعر قد حسم هذا الموضوع حين قال:
 لكل داءٍ دواء  يستطب به                    إلا الحماقة أعيت من يداويها
وبينما تستنكر وتشجب وتدين وزارة الثقافة وصف الكاتب العراقي (أحمد هاتف)  لها بوزارة (السخافة) داعية لردعه واتخاذ الاجراءات اللازمة بحقه لأن "وصفها بـ(وزارة السخافة) يعتبر عن استهانة بمؤسسة رسمية، وهذا يشكل قذفا مجانيا لا مبرر له، في محاولة متدنية للتقليل من هيبة المؤسسة الرسمية ومن خلالها الاستهتار بهيبة الدولة العراقية". تساءل البعض: ألم ينبئ أحد من صاغ بيان الوزارة الذي يتحدث عن هيبة الدولة بأن مايقارب 40% من الاراضي العراقية محتلة من داعش الارهابي؟
يكاد القذافي ينهض من رقاده الابدي صارخا في وجوه هؤلاء ومن لفّ لفهم: من أنتم؟ من أنتم؟ أما دقت بعد ساعة الزحف؟ أما دقت ساعة العمل؟ أما دقت ساعة الانتصار؟ أم سيقى السؤال يطرح نفسه ولا من مجيب.

4
سيناريو يستحق أكثر من أوسكار
جورجينا بهنام
بمرور الزمن، قد يجد المتابع للمسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية نفسه، دون أن يعمد إلى ذلك، قد غدا خبيرا في السيناريو والحوار، خصوصا مع الكم الهائل من الإنتاج الدرامي التلفزيوني المتنوع مابين التركي والهندي والمكسيكي والأمريكي والعربي، بمختلف أصنافه، المعروض على جمهرة المشاهدين عبر الفضائيات العربية فضلا عن الأفلام السينمائية. ولكل منشأ أسلوبه وأدواته التي قد تتراوح  بين الركاكة والهشاشة في المحتوى والسيناريو المتوقع بل ربما تكاد الأحداث تـُروى على لسان المتابعين قبل أن يشاهدوها، من جهة اخرى تجد الرومانسية المفرطة وقصص العشق والـ(هويام) التي ما عاد كثيرون يعتقدون بوجودها إلا في المسلسلات لاسيما التركية منها، وهنالك أيضا المسلسلات الاجتماعية الهادفة والتاريخية الرصينة، ناهيك عن الأفلام والمسلسلات الهندية التي تفاجئك باستمرار بقدرتها اللامحدودة على المغالاة والمبالغة المتخللة برقصات ايقاعية جميلة والحان شجية في اجواء ماطرة على الأغلب، فضلا عن مسلسلات وأفلام الحركة (الاكشن) وسيناريو البطل المنقذ الذي بإمكانه هو وحده فقط أن ينفذ في اللحظة الأخيرة مخطط انقاذ البشرية من الخطر الداهم ولو كان نيزكا او بركانا أو تصدعا وتشققا في طبقات الأرض وربما مخلوقا فضائيا غريب الاطوار، ليس غريبا أن يطمح كل واحد من كتاب السيناريو الى احتلال موقع بارز والوصول إلى مكانة تؤكد قدراته في إبتداع الاحداث غير المتوقعة ورسم تشابكاتها وتفرعاتها ومآلاتها الحزينة والسعيدة، فكل يعتقد في نفسه امتلاك قدرات خارقة موازية لإمكانيات نظرائه من كتاب الأفلام الأجنبية الذين كثيرا ما ابهروا المشاهدين في جهات الأرض الأربع بأفلام حازت جوائز عالمية كالاوسكار والدب الذهبي والسعفة الذهبية.
ربما يظن كثيرون أن مكان أمثال هؤلاء هو في استوديوهات التصوير الضخمة أو في صالات التكريم الفخمة، أو في دور العرض يجمعون ما أمكنهم من أيرادات حد التخمة، لكن كثيرا من هذه القناعات بدأ يتغير على نحوٍ مفاجئ بعدما شدَّت حلقات المسلسل الجديد الذي تدور أحداثه على مسرح الحياة في العراق العظيم، تصور وتعرض ببث مباشر على الفضائيات المحلية والعربية والعالمية كأنه واحد من برامج تلفزيون الواقع، ويتابعها الملايين بشغف بل بذهول منقطع النظير في القارات الخمس، فقد شدت الجماهير من أقصى الارض الى أقصاها بعدما فاقت أحداثها «ليالي الحلمية» في حبكتها ورصانتها وعدد أجزائها و»حريم السلطان» في عدد السبايا والجواري وكذا «سرايا عابدين» في ضخامة الانتاج وتوفّر عناصر الابهار، والأهم، الصراع المستميت على السلطة وسوى ذلك الكثير. قد يسعى منتجو المسلسل بعد أن يحقق نجاحا باهرا كما هو مؤمل، إلى تحويله إلى فيلم عالمي ضخم الانتاج ذي نهاية مفتوحة تتيح للمنتج تصنيع المزيد والمزيد من الأجزاء المتممة وجني المزيد من الأرباح أيضا، إذ كلما وصلت الحبكة الى مرحلة متقدمة في الصراع وظن الجمهور أن النهاية اوشكت، يفاجأ بمزيد من الأحداث أشد عنفا وضراوة وأكثر دموية من سابقاتها. أفلام لا نشاهدها بل نعيشها، تفوقت على أشهر أفلام الرعب العالمية بمراحل، فالغربان السود الذين اجتاحوا أرض السواد في الموصل وما جاورها من قرى مسيحية، زرعوا رعبا في نفوس البشر لم تقوَ (طيور) هتشكوك على الاتيان بنصفه، (درايكولا) نفسه إن بعث الآن من جديد مع نفر من عشيرته في هذه البقعة من العالم، ماكان ليفلح في سفك أنهار الدم التي أجرتها سكاكين قاطعي الرؤوس من داعش وسواها، ولوقف (فرنسيس كوبولا) عاجزا عن إخراج لقطة واحدة كتلك التي تصور الدواعش يلعبون كرة القدم برؤوس بشرية حقيقية جزَّت قبل دقائق عن رقاب أصحابها، أو تنفيذ مشهد قطع رأس الصحفي الامريكي ستيفن سوتلوف وقبله جيمس فولي (رغم الشكوك المحيطة بفلمي نحرهما المصورين على الطريقة الهوليوودية بتقنية فائقة الجودة). بل هل كان (الفك المفترس) ليستحق أن يسمى فيلم رعب وهو المحفوظ في مكتبة الكونغرس الامريكي ضمن الأرشيف الوطني كأثر ثقافي وفني وتأريخي أمام الرعب الذي عاشه الايزيديون في رحلتهم المأساوية من سنجار وما جاورها نحو الحصار في الجبل بعدما استشهد شبابهم وسبيت نساؤهم ومات من مات جوعا وعطشا وحسرة بعدما ألغيت عملية إجلاء من تبقى لقلة العدد؟  فيلم (اللعبة) ربما يكون الاكثر شبها بالواقع، سيما وأنه جاء في أكثر من جزء وكان بطله مرعبا رغم كونه مجرد (لعبة).
مدعو الفقه بالسيناريو المرسوم للمنطقة كثر، يلقون اتهاماتهم ذات اليمين وذات الشمال ونظرية المؤامرة في الغالب لها مكانة خاصة، فيما كثيرون يسألون عن مبررات صمت الكثير من الكتاب وأصحاب الرأي الذين كثيرا ما شغلوا مساحات واسعة سواء في الصحافة الالكترونية ام الورقية بكتاباتهم ومتابعاتهم وتحليلاتهم، وأين هم أولئك الساكتون عن النطق بالحق والمتوارون هنا وهناك، المتغاضون عما جرى ويجري وسيجري؟ لماذا لا يضعون النقاط على الحروف لاسيما في تأشير الخلل الذي أدى الى مآسي شعب العراق وتحديد المسؤولين من أصغرهم الى أكبرهم، لاسيما إن كانوا (الكتاب) خارج البلد آمنين على أرواحهم ورقابهم يدلون بدلائهم دون خوف أو وجل؟ لكن هؤلاء المتسائلين ربما لم يفهموا  الأسباب وراء تريث البعض وتفكـّر البعض الآخر، نسوا أن الدروس والعبر المستقاة من الأفلام والمسلسلات كثيرة، وبعضها لا يأخذ موقعه لدى الجماهير عند العرض الأول، ولو أراد متابع أن يتعلم ويستفيد ويتفقه مغزى الأفلام والمسلسلات باختلاف أنواعها وأشكالها ومصادرها وجهات انتاجها، بما فيها تلفزيون الواقع، فعليه أولا أن يتابع السيناريو حتى أخره، إلى الحلقة الأخيرة أو حتى تظهر عبارة «النهايةEND « وبعدها أسماء الكادر العامل من كاتب السيناريو والمخرج والبطل وحتى أصغر عامل، فقبلها لن تكتمل الصورة ولن يكون الحدث مفهوما ولا المغزى واضحا و لا الحبكة مسبوكة كما يجب، متمنين الا يكون الفيلم ليوسف شاهين الذي يكاد يجمع كل من تابع أفلامه أنه دخل صالة العرض وخرج منها دون أن يفقه حرفا من المغزى حتى ولو  كرر المشاهدة أكثر من مرة. فمن نطق عن الهوى دون فهم قد يتساوى مع من سكت وهو ينتظر فهم المآلات، «فالساكت عن الحق شيطان أخرس وكذا الناطق بالباطل شيطان ناطق» ولكنه في كلتا الحالتين شيطان.

5
المنبر الحر / ليتنا لم نقرأ!
« في: 17:37 21/08/2014  »
ليتنا لم نقرأ!
جورجينا بهنام
في جلساتنا اليومية المعتادة مع زملاء العمل، كثيرا ما يفتح باب النقاش على مصراعيه أمام حوارات متنوعة بعضها ثقافي وبعضها الآخر اجتماعي وغيره فني واقتصادي ولا ضير في شيء من السياسة، ضمن حدود المعقول  والمقبول والمسموح به، ولكن حينما تصل بعض النقاشات  إلى طريق مسدود وتعجز كل الطروحات عن الوصول بها إلى بر الأمان، يبقى لدى زميل لنا من الكتاب المخضرمين رأي آخر وتفسير لما لا يقبل التفسير، لاسيما في الأمور التي يكاد العقل البشري يعجز عن تفسيرها ضمن حدود المنطق وفي إطار العلم وبما يقبله العقل، كالحروب العبثية التي تجتاح المنطقة والصراعات الدامية التي تودي بحياة المئات والآلاف، بل ربما وصل العدد إلى ملايين، والدماء التي تسيل بغزارة في العراق وسوريا وغزة و ليبيا، فضلا عن الظهور المفاجئ لجماعات مسلحة سيطرت على الأرض في مناطق عديدة، لاسيما في الموصل، في غفلة من الزمن دون سابق إنذار ومازال صانعها وداعمها مجهولا، كيف وصلت الى هنا وهناك؟ هل سقطت كنيزك من السماء؟ أم شقت الأرض وخرجت؟ ثم ما راحت ترتكبه من فظائع عندما فجرت مساجد يذكر فيها اسم الله رغم كونها جماعات تدعي نصرة دين الله، فحولت جوامع النبي يونس والنبي شيت والنبي جرجيس الى ركام وكادت تودي بمنارة الجامع النوري الحدباء وبكنيسة الروح القدس لولا ستر الله، لكن مرقد العلامة ابن الاثير وتمثال ابي تمام وسواه من أعلام الموصل وكثير من المراقد والمعالم الحضارية لم تسلم من شرها. كما لم يسلم أهل البلاد الاصليون، المسيحيون من إرهابهم عندما أخرجوهم صفر اليدين من الموصل بعدما جردوهم من أموالهم المنقولة واستولوا على بيوتهم وعقاراتهم مخيرينهم بين ثلاثة أحلاهم مر: اعتناق الإسلام او دفع الجزية او مغادرة المدينة.....والذي زاد الأمور سوءا ما تعرض له اخواننا الايزيديون، وهم من العراقيين الاصلاء كذلك، وكحال المسيحيين هم قوم مسالمون لا يعتدون على احد رغم ذلك تعرضوا لـما يزيد على السبعين حملة إبادة عبر التاريخ حسب النائبة العراقية الايزيدية (فيان دخيل) التي وجهت انتباه العالم الى قضية شعبها عبر مناشدات عديدة، وهم يصطلون بنارين، داعش الارهابي من جهة، والحصار في الجبل والجوع والعطش من جهة أخرى، فضلا عن الذبح والقتل والسبي والعياذ بالله.
في القرن الحادي والعشرين يقف العقل البشري حائرا أمام صور رحيل المسيحيين وحطام النبي يونس وقد تناثر كأشلاء شهيد، ومآسي المكون الايزيدي، وهل حقا يبيعون النساء السبايا في سوق النخاسة؟ يقف العقل البشري ليسأل: كيف؟ من؟ لماذا؟ والاسئلة تترى ولا من مجيب إلا زميلنا العزيز، الذي كثيرا ما فسر ما لا يقبل لدينا التفسير، بجهلنا واميتنا بتاريخ المنطقة وما حولها مؤكدا رأيه قائلا: انتم لا تقرأون التاريخ....حركة التاريخ تفسر لكم كل هذه الطلاسم... وعبثا نحاول إقناعه أننا قرأنا و....ليتنا لم نقرأ!
ليتنا لم نقرأ عن القس ورقة بن نوفل أول من بشر بنبوءة الرسول محمد، ولا أن النجاشي ملك الحبشة المسيحي(النصراني) كان خير سند وحماية للمسلمين المهاجرين إلى دياره، و يوم مات نعاه جبريل إلى الرسول فصلى عليه  وقال لأصحابه: اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم واستغفروا له فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه، ليتنا لم نقرأ أن أهل الموصل المسيحيين فتحوا أبواب مدينتهم أمام المسلمين واستقبلوهم كإخوة محررين من بطش المحتل، والنون التي يطبعونها على بيوت مسيحيي الموصل اليوم لأنهم، حسب تسميتهم، (نصارى) انما تذكرنا أننا قرأنا الآية التي تقول:"وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ". وأن السيدة الوحيدة التي حملت إحدى سور القرآن اسمها، هي السيدة مريم القديسة أم المسيح المكرم بالآية الكريمة "والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً".
ليتنا لم نعرف أن أعذب الشعر الذي يعتبر ديوان العرب كتبه مسيحيون ليس أولهم حاتم الطائي و لا جبران آخرهم، ولا أن أمهر الأطباء وأحذق الصنّاع وكذا المترجمون والفلاسفة كانوا من هذه الملة خدموا الدولة العربية الاسلامية في عصورها الراشدية والاموية والعباسية وما تلاها... ولا قرأنا عن يوحنا بن ماسويه و حنين بن اسحق و جورجيوس بن بختيشوع النسطوري وكل من عمل على ترجمة علوم اليونان الى العربية، لا قرأنا تاليا عن ادباء كـ (سليمان الصائغ، إنعام كةجةجي، سركون بولص، يوسف الصائغ، روفائيل بطي و الأب يوسف سعيد)، ولا فنانين وموسيقيين من شاكلة (ماهر حربي، فرج عبو، حنا عواد، منير بشير، جميل بشير، سعيد شابو، رائد جورج، سيتا هاكوبيان، اسكندر زغبي، غانم حداد، صليوا يلدا صليوا (سيوا)، باكوري و عفيفة اسكندر) أو صحفيين يناظرون (توفيق السمعاني وفائق بطي، بولينا حسون ومريم نرمه) وعن آثاريين برصانة (فؤاد سفر، بهنام ابو الصوف، هرمز رسام، و د.دوني جورج) ولا عرفنا شيئا عن الآباء الدومنكان وريادتهم في الصحافة والطب والعلوم والتربية والتثقيف. لقد سطعت في سماء الثقافة العراقية أسماء لامعة كثيرة من المسيحيين في كافة المجالات الإبداعية ويكاد لا يخلو مجال من اسم  احدهم، ولو أردنا إنصاف الجميع لما وسعت مجلدات كاملة تراث وإبداع وانجازات أمة من الاصلاء ذابوا كشمعة لينيروا دروب الوطن بالعلم والثقافة والفن والمعرفة وقبلها بالمحبة والسلام. واليوم يطردون من بلدهم وهم السكان الاصليون، على ايدي شذاذ الافاق من الرعاع والسوقة و الدهماء، لكنهم ليسوا هم الخاسرين الوحيدين فالوطن برحيلهم سيخسر الكثير وقادم الأيام سيحمل أكثر من دليل على ذلك..اللهم اشهد أنني قد بلغت.
بعد كل هذا أيمكن أن تجيب من يسألك أن تقرأ التاريخ: لست بقارئ؟


6
الامثال في توصيف الاحوال:
"أخوك من واساك بنشب لامن واساك بنسب"
جورجينا بهنام
-الجدّات معين لاينضب للامثال، الشعبية منها و الفصيحة، فكثير من الجدات تمتعن بثقافة فطرية قد لايتمتع بنصفها بعض الخريجين وحملة الشهادات في هذه الايام. أحد الامثال التي كثيرا ما رددتها الجدات المسيحيات العراقيات لم يكن واضح المعالم وقل غير مفهوم في كثير من الاحيان الا وهو: "السبت يجي وغانو* الاحد" او بصيغة أخرى: "اليهود قالوا: احنا السبت وانتم الاحد"، وظن كثير ممن سمعوه أنه يتحدث عن الايام المقدسة لدى اتباع الديانتين، أو لعله يعلّم، من جهل أيامم الاسبوع، أن التسلسل المنطقي أن يأتي السبت فالاحد ثم باقي الايام حتى نصل الى الجمعة. لكن ماحصل في الموصل الايام 17و18و 19/6/2014 من تهجير جماعي لمن تبقى من العوائل المسيحية فيها واخراجهم من مدينة هم سكانها الاصلاء الاصليون صفر اليدين بعد الاستيلاء على بيوتهم وممتلكاتهم واموالهم ومصوغاتهم من قبل الجماعات المسلحة التي تسمي نفسها (الدولة الاسلامية)، في مشهد يعيد الى الاذهان حوادث الفرهود التي طالت اليهود العراقيين قبل تهجيرهم قسرا في أربعينيات القرن الماضي، وربما شيئا من ذكريات أبعد لحواث ومضايقات طالت المسيحيين جنوب تركيا الحالية، قبيل مذابح سيفو، أجبرت كثيرين منهم على الهجرة الى مدن أكثر أمانا في العراق وسوريا ولبنان وسواها وصولا الى وقوع الكارثة التي تمر ذكراها المئوية الاولى العام القادم. ما وقع في الموصل قد يوضح فحوى هذا المثل بعض الشيء، لكن ربّ سائل يسأل: إن كان الاحد يتلو السبت مباشرة، لكن، أليس الجمعة بعد كليهما ولو بعد حين؟
ترى ما قول من صفقق وهلل لداعش وسواها من المسلحين وفتح لهم الابواب فيما يقع من تفجيرات لجوامع النبي يونس والنبي شيت والنبي جرجيس وسواها وتدميرها دمارا تاما لم يرحم قبة ولا مئذنة؟ فضلا عن مرقد العلامة ابن الاثير ونصب وتماثيل لأعلام موصليين عظام وما طال الكنائس والديورة من حرق وسلب تدنيس وكذا دور العبادة الاخرى، الامر الذي لايمكن فهمه الا انه تدمير متعمد لحضارة عمرها مئات بل آلاف السنين في مسقط رأس التاريخ والحضارة، أرض ما بين النهرين، مما يدمي القلب و يَكلِم الروح. ربما كان بالامكان تجاوز كل تلك المصائب لو تمثل اولئك المصفقون المثل القائل: "أنا وأخويه على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب" أو لو انهم سمعوا قول السيد المسيح له المجد: "لا تُعطُوا الكِلابَ ما هَو مُقدَّس، ولا تُلْقوا لُؤلُؤَكُم إِلى الخَنازير، لِئَلاَّ تَدوسَه بِأَرْجُلِها، ثُمَّ تَرْتَدَّ إِلَيكُم فتُمَزِّقَكُم".

- العاشر من حزيران 2014 لم يكن يوما كسائر الايام، فقد وقع فيه حدث كبير، بل مصاب جلل: لقد سقطت ثاني أكبر مدن العراق بأيدي مسلحين تشير بعض المصادر الى أنهم من تنظيم (داعش: الدولة الإسلامية في العراق والشام)، وتؤكد أخرى أنهم البعثيون السابقون فيما يتردد على أحد المواقع أنهم اتباع الطريقة النقشبندية بينما يتوقع موقع آخر أن يكونوا مزيجا من كل ما سبق وربما من تنظيمات اخرى والله أعلم. المواطنون يتساءلون: "ايه لمّ الشامي عالمغرَبي؟" و عن هذه الخلطة الهجينة بل قل الطبخة التي لم تزل على نار هادئة منذ شهر ونيف ولم تؤت أُكـُلها بعد، لعل طباخها لم يكن ماهرا بالقدر الكافي.
المهم في الامر أن ما حصل قد ألقى بظلاله القاتمة على حياة ملايين من العراقيين من أهالي محافظة نينوى من مختلف القوميات والاديان والمذاهب: بعضهم نزح الى كوردستان وبعض آخر قصد خيم ايواء اللاجئين مستجيرا بظلها من قيظ الصيف. آخرون، وهم كثر، مازالوا متحصنين في بيوتهم ينتظرون أن يفي واحد من كبار المسؤولين بالدولة العراقية بوعده أن يدحر هؤلاء المسلحين خلال (24) ساعة رغم الانسحاب (التكتيكي) لقيادات الجيش العراقي والعسكريين المسؤولين عن حماية المنطقة التي لم يعد للجيش فيها من وجود. الادهى أن الصراع اتسعت رقعته لتشمل تكريت وسامراء وضواح اخرى بمحافظة صلاح الدين غير بعيد عن العاصمة بغداد. والموقعة الأشهر كانت الصراع للسيطرة على مصفى بيجي شريان تغذية العراق بالمنتوجات النفطية الذي تدّعي بين الحين والآخر جهة ما السيطرة عليه... وكثير من التفاصيل التي يعرفها المواطن..لكنه لايعرف متى ستنقضي الساعات الاربع والعشرون الموعودة أم أن الحال بات كما قال المثل العربي:
"إتسَّع الشَّقُّ على الراتق" 

-لم يكن متوقعا أن تتحول قرى سهل نينوى الآمنة نسبيا الى ساحة حرب، ولم يخطر على بال أحد أن تؤدي المناوشات التي وقعت على تخوم قرةقوش (بغديدا حسب التسمية السريانية)، مركز قضاء الحمدانية، الى حركة النزوح الهائلة التي طالت معظم سكان البلدة، الاصلاء منهم والوافدين على حد سواء، عشرات الآلاف من البشر نزحوا خوفا من القصف وخشية وقوع الاسوأ ربما، حشود انتقلت فجأة الى القرى الابعد عن خط المواجهة مع المسلحين الذين يسيطرون على الموصل، والعدد الاكبر قصد كوردستان لاسيما بلدة عنكاوا باربيل.
المتوقع، بل ما فاق التوقعات، هو الاستقبال الذي حظي به هؤلاء حيثما حلوا، إذ وجدوا في كل مدينة وبلدة وقرية لجأوا اليها أهلا وإخوة حقيقيين لا يقيسون الآخر بمقياس ديني او عرقي، بل بمقياس انساني، سعوا على قدم وساق الى توفير المأوى أولا ثم الفراش والطعام والماء، بل شكلت بعنكاوا خلية أزمة باشراف ابرشية اربيل الكلدانية وبالتعاون مع حكومة الاقليم لادارة شؤون اللاجئين على أحسن وجه حتى سنحت لهم فرصة العودة الى بلداتهم آمنين سالمين شاكرين كل من وقف الى جانبهم وساندهم في محنتهم التي لم تطل بحمد الله ولسان حالهم يقول:
أخوك من واساك بنشب لا من واساك بنسب.


7
أم الربيعينِ جاءك القيظُ
  جورجينا بهنام


يسألونني عنكِ فأبكي
ولا أدري كيف سال الدمع من مآقيَّ
روحي في لجة الحزنِ عليك غرقى
 بعض ما فيها.... فاض في العين مدرارا سخيّا
 أسئلةٌ  تلو أسئلة تترى...وما من مجيبٍ
أحقا غدت (الموصل) أسيرة سبيّة؟
أي نار؟ وأي سعير؟ أخرج أهلك قبل صلاة الفجر ...حيَّ على الفرار.... حيَّ على الرحيل
أحقا تحررت وأنت غافلةٌ..وجاءك الفرج بطريقة جهنمية؟
أم تخاذلوا وتركوك للضباعِ تنهش لحمك؟
حيرة كبرى تأكل أحبابك.. من تراها تلك الأيادي الخفية؟
********
يسألونني عنك فأبكي... ويجري الدمع مدرارا سخيا
يسألون، على من، وماذا، وكيف؟ وهل بقيت  لكم فيها بقية؟
أما رحلوا مع الراحلينَ في غيهب الغسقِ؟
ومفتاح الدار أيقونة تتدلى من العنقِ
 كالفلسطينيين غدوا... فهل إلى الحيِّ رجعة، يافيروز، يوما؟
والمفتاح في اليد والدار  بعيدة ًغدت... خلف الأفقِ.
********
لا أهل فيها بعدما خطفوا...واحدا إثر واحد والحوادث تترى
ذاك قتيل..ذاك طليق... ذاك راكض صوب السفارات ينشد الغربة
في القلب يتلو فعل الندامة على الخطيئة الكبرى
كيف لم يشفَ من إدمانه رائحة ثراك؟  كيف لم يرحل منذ الطلقة الأولى؟
نزيف الهجرة لم يزل وجعا...صامتا يدمي الفؤاد رغم الزفرة الحرّى
قطرة..قطرة...رحلوا .. ولكن أما من بقية تبقى؟
********
روحي هناك على برج الناقوس معلقة
تأبى الرحيل ....تأبى أن تفارق الدارَ
يا ملعب الطفولة يا روضة الحبِّ..يا (أم المعونة) كنيستي ومدرستي
في باحاتك برعم الزهرُ
على مصاطبك إجتمعوا باقاتٍ من الريحان
لا تعرف أيَّهم بهنام؟ أيَّهم يونس؟ أيهم عمرُ؟
يا إخوة يوسفَ أما آن الأوان؟
********
يسألونني عنك؟ من لي فيك يبكيني؟
لي فيك دجلة، منه فرع يجري في شراييني
لي فيك هديل (الكوكختي) على زيتونة.. يناديني
 لي فيك نسيمات الصباح الندية
و كل شجيرة من أشجار الغابات القصية
 كل زهرة بابونج وكل وردة بلدية
كل صويحباتي...كل جيراني
كل إشراقة شمس وكل ليلة قمرية
********
أم الربيعين جاءك القيظ ...ولكن
قومي وانفضي عنك الرمادَ
جاهدي الظلمَ والقهرَ واخلعي السوادَ
ذو النون من جوف الحوت فيكِ يشفعُ
يؤم صلاتنا ودعاءنا ألا فيك نـُفجَعُ
 بيت الدين والعلم والتقوى إلى نصرٍ
ما اختار في سبيل الحب والنور والحرية الجهادَ.


8
(يامريم) تساؤلات تبحث عن إجابة



جورجينا بهنام

تساؤلات كثيرة تطرحها علينا رواية (يامريم) للروائي العراقي سنان أنطون* وأخرى ربما أكثر منها يطرحها القارئ وهو ينتقل بسرعة ودون أن يشعر بين فصول الرواية حتى يصل إلى غلافها الأخير وهو يتساءل متى انتهيت من القراءة؟ أبهذه السرعة شاهدت ذلك الشريط الذي مر أمامي عارضا حياة هذه المجموعة المختارة من الشخصيات الواقعية التي تكاد تشعر وانت تقرأ عنها أنك تعرف واحدا منهم في الأقل؟
 
هل تعيش في الماضي؟
أن تعيش في الماضي هل يشكل ذلك اتهاما أو عيبا أو  حتى سبة  أو جريمة بل ربما لعنة تلاحق المتورط فيها؟ سؤال يطرح نفسه مع الصفحات الاوَل من الرواية عندما احتدم النقاش واشتعلت الأجواء بين الشخصيتين الأبرز في الرواية (مها) و(يوسف) وهو أمر طبيعي سيما وأن يوسف قد جاوز عقده الثامن بينما ماتزال مها في بداية العشرينات، الأول متقاعد ومنقطع عن العالم الخارجي والثانية طالبة جامعة تضطر للخروج من البيت يوميا وملاقاة أصناف وأنواع جديدة من البشر لم يتعرف إليهم يوسف في زمنه، هي تسمع وترى وتعيش أحداثا يغلفها الظلم والتمييز بينما هو مايزال ينظر الى العالم بمنظار المحبة والأخوة والتسامح وكلها قيم ترى مها أن وجودها بات قليلا بل ربما معدوما في أيامنا هذه، هو يصر على أنها سحابة صيف ستمضي فيما تؤكد هي له أن ماحدث بعد 2003 وما يزال يحدث طوال هذه المدة من قتل وتهجير وتفجير وموت بلا ثمن لايمكن أن يكون عابرا. وخرجت المحادثة عن سياقاتها المعتادة وعلا صوتها متهمة العم يوسف أنه يعيش في الماضي، ولكن ما العيب في ذلك؟ ولماذا لجأ زوجها (لؤي) الى الاعتذار مؤكدا للعم يوسف أنها ستعتذر أيضا، لماذا؟ هل من العار ان تعيش في الماضي؟ مادمت غير قادر على التكيف مع الحاضر الذي بات مؤلما بل مخزيا كأنه طفل غير شرعي لتلك الأيام الجميلة التي كان فيها جميع العراقيين يشعرون بأنهم إخوة يجمعهم حب الوطن. فيعود يوسف ليطرح هو بدوره أسئلة عدة:"هل أهرب فعلا من الحاضر إلى ملجأ الماضي كما اتهمتني هي؟ وما العيب في ذلك؟ حتى لو كان صحيحا، إذا كان الحاضر مفخخا ومليئا بالانفجارات والقتل والبشاعة (..) ثم هل مات الماضي أساسا كي لا أعيش فيه؟(..) يجب أن أسامحها فزمانها غير زماني، وشبابها غير شبابي، هي فتحت عينيها الخضراوين على الحروب والحصار وذاقت طعم القحط والقتل والتشرد مبكرا، أما أنا فعشت أزمنة الخير ومازلت أتذكرها وأصدق أنها حقيقية".

«المتاحف تشهد» هل باتت هي المكان الوحيد الذي يسمح فيه بوجود الآخر المختلف؟
في ظل احتدام النقاش وفي خضم سورة غضب البطلة (مها) تطرق الحديث إلى وقائع كثيرة، حيث قال يوسف: "البلد بلد الكل، بلدنا وبلد أجدادنا، إحنا قبل غيرنا، التاريخ يثبت من زمن الدقناووس من الكلدانيين للعباسيين للعثمانيين وتاريخ الدولة العراقية المتاحف تشهد، إحنا موجودين قبل غيرنا، إذا مو بلدنا لعد بلد منو ما تقليلي؟(...) قالت مها بألم وبعد آهة: هو آخرتنا راح نصير بالمتاحف احنا همينا، يمكن كان بلدنا قبل، عمو، أيام زمان..كان.. بالماضي ..هسة خلص..كلنا كفار وذميين".
تساؤل جديد تطرحه الرواية يبحث عن إجابة بين الاحداث الدامية التي يشهدها العراق، هل سيختفي كل أثر للآخر المختلف الذي يسمى أقلية/أقليات؟ هل ستغدو المتاحف التي لم تسلم هي الاخرى من الدمار والسرقة والتخريب، هي المكان الامثل لابناء الاقليات الاصيلة الذين تعود جذور وجودهم في العراق الى السومريين البابليين والآشوريين بعد أن يخلو البلد من أبنائها الاحياء؟ لعل هذا التصور هو الذي جعل مخيلة يوسف تشطح في حلم غريب رأى فيه نفسه سادن متحف ودليلا للزائرين يشرح لهم عن كل غرفة من غرف المتحف الذي لم يكن سوى بيته الذي خلا من سكانه وراح هو يشرح من كان يسكن هنا والى أين هاجر. لكن صدمة الحلم لم تتوقف هنا بل زاد من تعقيد اللحظة ظهور دليل آخر راح يضلل الزائرين مقدما معلومات مغلوطة فيما يوسف يحاول جاهدا حتى في حلمه أن يحافظ على الهوية الاصلية للبيت وساكنيه كونه صاحبه والدليل الاحق، لكن أحدا لم يره ولم يعبأ به، مما قد يحيلنا الى تساؤل أكبر وأعمق هل ستفقد الاقليات مكانها حتى في المتاحف؟
 
متى ينتهي الرحيل؟
في فصل (صور) الكثير من المعلومات المختزلة عن عائلة البطل يوسف، لعل أبرزها أخبار  ذلك الرحيل الدائم لافراد هذه العائلة والتنقل بين الاماكن الذي لايكاد ينتهي الا مع الرحيل الى الدار الآخرة. فالوالد (كوركيس) يبدو في الصورة الملتقطة قبل شهور من حركة رشيد عالي عام 1941، "جالسا بوقار في قلب الصورة يرتدي الصاية واليشماغ ملفوف حول رأسه على طريقة القادمين حديثا من قرى الشمال، رغم أنه كان قد هجر تلكيف وجاء الى بغداد قبل اكثر من ثلاثة عقود، إلا أنه رفض أن يغير ملابسه ويلبس (أفندي) مهما ألح عليه الاخرون وظل يرتدي هذا الزي حتى موته عام 1957". وهو الذي عاش متنقلا بين بغداد والمحمرة سعيا وراء الرزق، تلك الصورة كانت الوحيدة  التي تجمع أبناء كوركيس قبل أن تفرقهم الايام.
غازي: عمل في كركوك ثم الى بغداد ثانية فالهجرة الى أميريكا بالحاح من زوجته التي سبق إخوتها فهاجروا الى هناك. جميل: سيرحل الى لبنان موطن زوجته هربا من الاعدام الذي طال صديقه بتهمة الماسونية. ألياس: يتورط في السياسة ويصبح شيوعيا وعبرها (السياسة) يتعرف الى زوجته ويدخل السجن أكثر من مرة حتى يبدأ الرحيل المعنوي أولا بذهاب ذاكرته وإصابته بالزهايمر، ثم وصل رحيله منتهاه بوفاته تائها في حي لايعرفه فيه أحد، ليفجر احد رفاقه القدامى مفاجأة المضحك المبكي، فهو لم يته تماما بل كانت تلك الدار حيث وجدوه مكان اجتماع خليتهم أيام العمل السري! ميخائيل: الاخ الاصغر يعزل نفسه عن العالم بعد ضياع حلمه بالثراء فيرحل روحيا متوحدا وماعاد يشارك في المناسبات العائلية وزيارات الاقارب بل ظل هاربا من الواقع يحتسي ماشاء من الخمر حتى أوصلته الى آخرته.
لم تجتمع العائلة في صورة أخرى الا في تلك الملونة الوحيدة التي يعود تأريخها الى عام   1990 "كان كل أولاد كوركيس حنا بهارتلي واولادهم وأحفادهم في هذه الصورة، ولم تجمعهم صورة بعدها ابدا، فبعد غزو الكويت الذي وقع بعد أقل من شهر من تلك الحفلة، جاءت حرب أخرى واصطحبت معها الحصار الطويل. وبدأ الاخوة والاخوات يتساقطون من شجرة العائلة لتجرفهم الريح الى الغربة او لتبتلعهم الارض في قبر العائلة".
عائلة مها بدورها عانت الرحيل بعد استهداف بيتهم في الدورة، فرحلوا الى عنكاوا ثم عادت مها مع زوجها الى بيت العائلة عندما ظنوا أن المنطقة باتت آمنة لكن التفجير الذي وقع على عتبة دارهم أجبرهم على الرحيل مجددا وقبلهم رحل جنين (مها) تاركا أما ثكلى ناقمة تبحث عن ملاذ آمن في ديار الغربة وتعيش يومها على أمل أن يوم الرحيل بات أقرب.
 ومن مستعجلي الرحيل أيضا (نسيم حزقييل) صديق يوسف اليهودي الذي جمعته إحدى الصور المعلقة بيوسف وصديقهم الثالث (سالم حسين) حينما لخص نسيم  الامر بعبارة واحدة:"يمكن هاي آخر مرة نتشاوف" فأردف صديقه سالم:"يالله، بلكن تروحون جم شهر ومن تنحل مشكلة فلسطين ترجعون".
وظلت هذه الـ(بلكن) بلا إجابة بعد تواصل الرحيل الذي لم يستثن أي طيف من أطياف الشعب العراقي فما عاد اليهود والمسيحيون ولاحتى الصابئة والايزيديون هم رواد قافلة الرحيل فالكل باتوا مستهدفين –كما كان يوسف يؤكد- وبالتالي الكل يريدون الرحيل فلمن ستتركون العراق؟
 
لماذا تأخرت؟ هل حقا أن تأتي متأخرا خبر من ألا تأتي؟
تأخر إعتذار مها ليوسف طوال النهار، فهي لم تصادفه قبل أن يخرج للقاء صديقه بعدما نزلت متأخرة ثم تأخرت في العودة الى البيت بسبب الزحام الذي سببه استنفار أمني وكذا زوجها (لؤي) اتصل ليخبرها انه سيتأخر، في الكنيسة الذين تأخروا عن الخروج الى الغرفة المجاورة هربا كما فعل يوسف، كان أغلب الضحايا من بينهم. وشمل التأخير ايضا وصول القوات العراقية المنقذة فتساءلت مها باللهجة المحكية:"السؤال هو ليش انتظروا كل هذا الوقت؟ لو تحركوا أسرع كان أنقذوا كثير ناس من اللي كانوا ينزفون واللي ماكان لازم يموتون، وكان عدد الضحايا أقل بكثير". تأخر إخلاء جثة يوسف اربع ساعات حيث بقي جثمانه مسجى على أرض الكنيسة قبل أن يحمل الى الخارج، لم يشعر بالالم لان أحد الجنود كسر أصابعه "فواحدة من الرصاصات الاربع التي كانت قد إخترقت جسده قبل ساعات كانت قد عثرت على قلبه وأسكتته. وقبل أن يسكت قلبه، كانت شفتاه قد همستا بصوت خافت(يامريم)".
-رواية يامريم لسنان أنطون رواية عراقية صدرت عام 2012 عن دار الجمل ورشحت ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لعام 2013.
-حاول الكاتب إضفاء أجواء من الواقعية عبر الحوارات التي استخدمت اللغة الدارجة القريبة من اللهجة الموصلية.
-إبتعدت الرواية عن الاطالة إذ اكتفت بـ(156) صحيفة لئلا يتسرب الملل الى نفس القارئ المعاصر الذي لم يعد يمتلك ذات النفس الطويل لقراء الازمنة الذهبية.
-الابتعاد عن المباشرة في طرح موضوع (مجزرة كنيسة سيدة النجاة) أمر يحسب للكاتب.
*سنان أنطون:شاعر وروائي ومترجم ولد في بغداد عام 1967. له روايتا (إعجام) و(وحدها شجرة الرمان)، فضلا عن رواية (يامريم) وديوان شعر بعنوان (ليل واحد في كل المدن) والعديد من المقالات بالعربية والانكليزية.









9
المنبر الحر / صحن عدس
« في: 22:49 14/04/2014  »
صحن عدس
جورجينا بهنام

بانتظار الاستفتاح بزبوني الأول، أملت رقبتي صوب صحن العدس الساخن حد الانحناء، لم أكن أقصد أن أدفن فيه رأسي كما يحلو للنعامة أن تفعل هربا من الخطر الداهم، بل هو البحث عن شيء من الدفء المفقود منذ مدة ليست بالقصيرة بعد أن طال الشتاء وتعدى حدوده المعتادة في كل ما يحيط بنا. وقبل أن أغمس أول لقمة فيه، فوجئت بثلة من الملثمين مدججين بالسلاح لا أذكر عددهم ولم تسنح لي فرصة لأقول كلمة واحدة، ترحيبية ربما، عندما جرجروني مصوبين مسدساتهم إلى رأسي وكأني مجرم عتيد في الإجرام، انتزعوا موبايلي وكبلوا يديّ. وقبل أن تنجح محاولتي المستميتة في فك انطباق شفتيَّ، عاجلني أحدهم بضربة من أخمص مسدسه على أم رأسي ليختصر ساعات من الرعب والتوجس والرهبة، جزاه الله خيرا فقد سهل عليَّ تجاوز التجربة الأشد هولا والأكثر مرارة التي يمكن أن أواجهها في حياتي السابقة واللاحقة.
أفقت في تلك الصومعة المدعوة صندوق السيارة، لكني لم أقو على التعبد رغم الإضاءة الخافتة المنبلجة من وراء اسداف الكوفية السوداء، غابت الصلوات والأدعية عن ذاكرتي بل غاب عقلي كله، وهل يملك عقلا من يقهقه في نفسه تلك الساعة: أتكون السيارة التي يحتويني صندوقها فارهة بما يناسب مقامي الرفيع؟ ألا تستحق يا ولد الخطف في ليموزين مثلا؟ اضحكوا ملء اشداقكم فشر البلية ما يضحك. ومع أول إشارة استفاقة رحت اسأل نفسي من أنا؟ وما اسمي؟ في أي يوم نحن؟ فمن يدري كم ستطول محنتي؟
 في الطريق الذي خلته أطول من الطريق إلى كابول، بحثت عن السلوى في عد المطبات كأبطال الأفلام المصرية علـّي أجد نقاطا دالة لأعرف أين أنا؟ فأسعى كنجوم السينما الهندية إلى الفكاك من الأسر بدهائي وعنترياتي، لكن عدّ نجوم السماء كان أيسر من إحصاء مطبات شوارعنا.
-الله يساعدك..
-ما هذا الصوت نحن في نقطة تفتيش؟ جاء الفرج سريعا، سيأمرون السائق بفتح الصندوق فيجدوني وأخرج سالما وتنتهي قصتي الحزينة نهاية سعيدة... لكن ماذا لو لم يمتثل السائق لأمرهم وفر منطلقا بأقصى سرعة؟ سيطلقون النار على المركبة لا محالة، صندوقها أقرب الأهداف وأودع أنا الحياة.
لم يفلح هذان السيناريوهان في تصوير ما حدث..فبضعة دقائق من تبادل التحيات اختلط خلالها صوتا المجند والسائق بصوت نسائي يهدهد طفلا علا صوت بكاؤه فجأة ليزيد معاناتي، كانت العائلة المزعومة أثناءها جواز تنقل مضمون، في هذه وغيرها من المفارز بمختلف الانتماءات.
أرهفت السمع لصوت بعيد علـّي أتعرف المكان، فالأصوات هي حبلي السري الوحيد الذي يربطني برحم الحياة، فوضى الأصوات اجتاحت مخيلتي في لحظة واحدة في مزيج من الهذيان والصحو والتغييب...تعالى من بينها صوت ناشز...بوووم....بوووم، ماهذا أيقرعون الطبول؟ لست ذلك الصيد الثمين ليقرعوا الطبول فرحا بأسري فما كل هذا الضجيج هل نحن في عرس؟ الحمدلله وجدت نقطة دالة: مررنا بحفل عرس!!!
كلا... استكيني  يانفسي ودعيني أصغي ..ما هذا الصوت؟
-ياللهول! أكل هذه القرقعة ما هي الا طبول النفير التي راح قلبي الضعيف يقرعها متوسلا في صحوة كأنها صحوة الموت، علَّ احدهم يسمعها فيهب لنجدتي..
أواه ياقلبي المسكين..كيف سنعبر هذا المخاض والولادة متعسرة وربما ستحتاج عملية قيصرية...أإلى ولادة جديدة أم ستغدو سقطا تفترسه وحوش الأرض؟ حامت في رأسي غيمات سود كثيرة مستذكرا شيئا من طريف ومخيف ما رواه لي بعض أصدقائي ومعارفي وأقربائي ممن سمحت السماء أن يكونوا ضحايا ذلك الفعل الرهيب (الخطف)....راحت حكاياتهم المرة عن الأيام والليالي والساعات والدقائق والثواني التي قضوها رهائن الإرهاب ومن أطلق يده تأكل روحي وتنهش وجداني وتزيد قرع الطبول صخبا وضجيجا..
-   يا ويلي قلبي الصغير لا يحتمل. لم أكن يوما جبانا رعديدا، لكن قلبي اهترأ لفرط ما لاقى من حوادث الزمان..قضيت سنوات في حرب الثماني سنوات، تحت القصف وهدفا للمدافع وبين أشراك الألغام، لم أخف ولم يرف لي جفن..صبرت كما صبر غيري حتى جاء الفرج وظننت أن أوان الراحة قد حان، لكنهم طلبوني ثانية لأعيد الفرع إلى الأصل..فلبيت مرغما لا بطلا...اُسرت هناك، أم سعيت لأقع في الأسر..لا فرق..المهم أني ذقت مرارة الأسر من قبل..فما بالي الآن؟ لكن الأسر لدى محررينا لم يكن مرا بما فيه الكفاية.. ولم يعلق بحلقي من علقمه سوى ذلك الشعور الذي خلته عظيما حينها، وقد أشبع كل ثنايا جسدي وروحي وعقلي بالفخر والانتماء والحنين معا وأنا أرفض عرضهم السخي بالرحيل إلى حيث أريد من بلدان العالم..إلى ارض العم سام إن شئت...لكني رفضت....طيف والدي المسكين كان يحضرني كل ليلة في الصحو والمنام..أتخيله واقفا على الباب ينتظر عكازه ليعود من سجون الأسر الامبريالية..
عدت ..يا ليتني ماعدت..ما ذنب زوجتي وأطفالي..عائلتي الغالية ..ترى كيف حالهم الآن..هل تقرع طبول الفزع في صدورهم نظيري؟ أم أن الخبر السعيد لم يصلهم بعد؟
من أين سيدبرون المبلغ المطلوب؟ ترى كم أساوي في نظر الخاطفين؟ وأنا ما عدت أساوي في نظر نفسي شيئا بعد المهانة والسحل على الأرض كأني شاة تساق إلى الذبح..أي كرامة لي بعدما حشرت في الصندوق كما يفعل بعض قساة القلوب بخروف العيد المسوق إلى مصرعه..وهل أنا حقا إنسان؟..وأنا متكور في قفصي معصوب العينين كدابة تدور في ساقية لا تدري أين مستقرها.
لا استحق أن افتدى بأي مبلغ..ما عدت أساوي فلسا واحدا، كل درهم ستدفعه عائلتي أولادي أولى به...كيف سأوصل إليهم هذه المعلومة؟ أرجوكم لا تدفعوا ولا عانة..لا تدعموا الإرهاب.. لا تطلقوا بالمال سراح من ما عاد يرى نفسه مستحقا للحياة.
توقفت السيارة..أزير الباب يرن في اذني.. إنهم في أمان داخل بيت ما الآن، فماذا عني؟ أيقنت الآن أني رهينة لا حول له ولا قوى ولا أمل بخروجي سوى بدفع الفدية.. ياويلي ماذا ينتظرني هنا؟
لفح نسيم بارد وجهي الكالح... فتحوا باب السجن الصغير واقتادوني الى السجن الاكبر، قبل أن استوي على الحصيرة بادرني صوت أجش:
- نحن نداري ضيوفنا وسنجلب لك دواء القلب والسكر لاتخف.... بمن تريد أن نتصل من أهلك؟
-اجبته بصوت مرتعش: لا تتصلوا بأحد..ليس عندنا نقود ندفعها لكم..اقتلوني...
قبل أن أردف كلمتي عاجلتني لكمة اخرستني...وأطلقت صوت المارد مجلجلا:
-شبيك لبيك..اطلب وتمنى..
لم أتردد لحظة في أن أطلب الحرية والفكاك من قيد الأسر اللعين.
-لك أمنية واحدة فقط، قال المارد.
-اريد المال إذن....الكثير من المال..ألف ألف دينار. ألسنا في عوالم ألف ليلة وليلة؟  كلا لا أريدها بالدينار بل بالدولار.هل تعرفه أيها المارد؟ هل وصلتكم تلك الورقة الخضراء؟
-قطعا أعرفه...أنا مارد..كم تريد؟ أتكفيك مليون دولار، ولكن تذكر: لك طلب واحد فقط.
-مليون..ربما تكفي...أدفع الفدية ..والباقي أعطيه لأمهر المهربين ليوصلني وعائلتي الى السويد، لن ابقى لحظة واحدة في بلد لا كرامة لي فيه..وبهذا أكون قد ضربت عصفورين بحجر واحد: المال والحرية في سلة واحدة..
- تذكر ..واحدة فقط..
-لكني جائع ..بل أتضور جوعا وربما لن أحيا حتى اصرف المال أو استمتع بالحرية حتى. آه ..من لي بصحن العدس الساخن الذي خلفته يتيما..ليتهم تركوني ارتشف منه قليلا..ما هذه الرائحة؟ هل اختار المارد أن يلبيني بصحن عدس بدل المليون دولار؟ أم غدا صحني طائرا وحلق ليحط في حضني؟...لا..لست واهما إنها رائحة العدس لا تخطئها أنوف آكلي الحصة...
-أفق هيا أحضرنا لك الطعام..لا نريدك أن تموت..فيصير دمك في رقابنا...ارفع الكوفية عن فمك فقط..هاقد حررت يديك لتأكل ..لكن إياك والغدر.

 -الغدر..اسمعوا من يتكلم عن الغدر..نفذت الأوامر صاغرا، خوفا؟ كلا بل طمعا في صحن العدس الذي راودني في منامي...قبل اللقمة الأولى أرعد صوت غاضب:
-ارفعوا الصحن من أمامه لن يأكل شيئا اليوم عقابا له..
-عقابا.. ماذا فعلت؟ قلت في نفسي.
- أي نوع من البشر أنتم؟ رفض والدك أن يدفع لنا، بل رفض التفاوض حتى.. لا يريدونك أن تعود لقد تخلصوا منك على أهون الأسباب..أي شرير أنت ليسعوا للخلاص منك؟ كنت أنوي معاملتك بالحسنى، فأنت ضيفنا ونحن نكرم الضيف! لكن طريقة أهلك ستجبرني على التصرف ضد أخلاقي.. لا طعام ولا دواء لا للسكر ولا للقلب..ستتعذب حتى يلين قلب أهلك فانا لن أقتلك وأخرج من هذه العملية خاسرا أبدا..
-عما يتحدث هذا- قلت في نفسي-أية أخلاق بل أية ضيافة..كيف عرف أمراضي..لم يذكر الضغط مثلا.. هل أعرفك أيها المجرم؟ أم أن أحد معارفي أو ربما جيراني وشى بي...عادت الطبول إلى قرعها المدوي إيذانا بحلول الظلام وتأكيدا لقول الخاطف الخلوق..قلبي المريض كم سيصمد؟
على إيقاعها كانت صور أطفالي يتراقصون ويمرحون تسليني وتحيلني إلى عوالم الخيال بحثا عن متنفس، لكن القرع علا وعلا حتى ضجت به أركان الغرفة..يا الهي أزير الرصاص يزغرد وقرقعة القنابل تتعالى..ماذا سيحل بالعبد الفقير؟ هل حانت ساعتي؟ هل اختلفوا فيما بينهم من يفوز بالصيد الثمين؟ هل هذه نيران صديقة؟ أم هم الشرطة جاؤوا لإنقاذي؟ يالي من شخص مهم!!
ألا تعاجلني واحدة من سرب الرصاص الطائش فانتقل إلى رحمة ربي غير مأسوف عليَّ، ولا حتى من نفسي، فأريح واستريح.. هلمي ايتها الرصاصة الذهبية إلى قلبي الذي غدا كقطن مندوف، لك فيه متسع فامكثي واستريحي وزفيني شهيدا إلى السماء....
-تذكر أمنية واحدة فقط..لم تطلب شيئا بعد.
-ها أنت ثانية ايها المارد، ما عاد المال يجدي نفعا... هل لي بدوائي؟ كلا بل نظرة أخيرة إلى وجوه صغاري..لا  لا أريدهم أن يروني بهذه الحال المزرية..
خذني معك أيها المارد إلى عوالم السحر والخيال فعالمي فقد سحره وانطفأت جاذبيته..كم من بهلوان يلعب على الحبال لكنهم فشلوا في رسم شبح لابتسامة على وجه أي إنسان.
-ماهذا انك ترتجف..أتخاف المردة يا إنسان؟
-صرت أخاف كل إنسان..لكني لا ارتعش خوفا بل بردا..فرائصي ترتعد وجسدي يرتعش كسعفة في مهب الريح....آه من يأتيني بصحن العدس.. لو ذقته فقط..لمتّ الآن وما من حسرة في قلبي...رائحته ما انفكت تداعب انفي...أشمها: عدس..عدس...هل هي رائحة أطايب الجنة؟ أيها التعس.. في الجنة انهار من خمر وعسل وليس عدس.... والحور العين هناك أيضا ..اسمع صوت إحداهن تناديني: حبيبي..حبيبي...
-حمدا لله على سلامتك يا زوجي الحبيب.. لم اصدق أني سأراك ثانية، الأولاد في اشد الشوق إليك... خشيت عليهم من زيارتك بالمشفى ورؤيتك وأنت فاقد للوعي... 
-هل أشم رائحة العدس؟
-هو العدس أعددته خصيصى لك ليدفئ أوصالك بعد هذه المحنة ..اعرف كم تحبه... 
التصق بفمي ميكروفون طائش لا اعرف من أين أتى:
-تفضل اشكر السيد القائد والضباط وأفراد الفرقة التي أنقذتك من براثن الخطف والإرهاب والأطباء الذين عالجوك والممرضين الذين اعتنوا بك و..
-شكرا.. لصحن العدس رفيقي الأمين..شكرا لمن جعله في متناول كل إنسان في هذا الوطن.

10
عيد الام عيد الألم والأمل

  جورجينا بهنام
كثيرون لم يسمعوا بـ (آن ميري جارفيس) ولا بـابنتها (آنا) بالتأكيد، وأنا منهم، ولم تكن (آن ميري) نفسها تعلم حين توفيت في العام1905، أنها ستكون عبر جهد ابنتها ملهمة لواحد من أكثر الأيام وتكريما وتقديرا بين أيام السنة بأجمعها ألا وهو عيد الأم، لكني حين بدأت ابحث في أصل الاحتفال ومن الذي دعا إلى تكريم (ست الحبايب) وتخصيص يوم للاحتفاء بها وتكريمها، وإن كانت السنة بكامل أيامها ليست كافية لتفيها حقها وما تستحقه من الشكران والعرفان، تعرفت الى آنا التي، لفرط حبها لوالدتها، اقترحت عام 1907  تخصيص يوم رسمي لإكرام جميع الأمهات وبدأت حملة واسعة لتأكيده كعيد وطني، ولم تمض عدة سنين حتى كانت مدن كثيرة في الولايات المتحدة الامريكية تحتفل بعيد الام، حتى تكلل هذا الجهد بالنجاح عندما أعلن الرئيس الأمريكي ودرو ولسن عام 1914 وبقرار من مجلس النواب الامريكي الأحد الثاني من شهر أيار عيدا للأم.
 
لكن هذا اليوم ليس موحدا لجميع دول العالم، فبعض الدول الاوربية تحتفي بالمناسبة في الأحد الأول من أيار وأخرى في فبراير وهكذا تختلف الأيام باختلاف الدول. لكن أفضل تلك الاختيارات على الإطلاق هو اليوم المختار في منطقة الشرق الأوسط، فعندما دعا الصحفي مصطفى أمين لتخصيص يوم للاحتفال بعيد  الام عام 1956، تم بعد حين إقراره رسميا واختير يوم الـ 21 من آذار ميقاتا له فجاء عيد ألام مرتبطا بأول أيام الربيع واحتفالات  نوروز عيد الحرية والانعتاق من الظلم، والام ربيع الحياة الدائم وعنوان العطاء والدفء، ومدرسة الاحرار الاولى ومنبت كل برعم أصيل. لكن هذه المناسبة الجميلة تعرضت عبر عقود متوالية لكثير من الهجمات التي حاولت أن تفرغها من مضمونها وتسخف فكرتها الجميلة، ففي عام 1965 غيرت مصر اسم العيد إلى عيد الأسرة بعد أن زُج  بصاحب الفكرة والمبشر بها في أحد المعتقلات وخشيت الحكومة أن يكون عيد الام السنوي مناسبة لاستذكاره، لكن التسمية سرعان ما عادت الى أصلها بعد احتجاجات نسوية واسعة.
وفي عصور تالية عندما طفت على السطح افكار أصولية مبالغة في التشدد تدين الاحتفال بأي أعياد خارج النطاق الديني، طال الشرر أعياد الميلاد و عيد الحب ورأس السنة ومعهم عيد الام الذي يراه كثير من المتزمتين بدعة ومعلوم أن كل بدعة ضلالة  وكل ضلالة في النار، حتى ذهب بعض المشايخ إلى نسبه إلى الجاهلية الحديثة ومن ذلك فتوى الدكتور محمد عبدالله الخضيرى الذي رأى في معرض اجابته عن حكم إهداء الأم «فيما يسمى بعيد الأم» حسب موقع صيد الفوائد، أن «عيد الأم هو من أعياد الجاهلية الحديثة التى لا يجوز بحال أن يشارك فيها المسلمون، وعلى هذا لا يجوز تقديم الهدايا للأم بهذه المناسبة»،  لكن المؤكد أن الرسول الكريم أكرم الامهات حين جعل الجنة تحت أقدامهن، و الإسلام خير من كرم المرأة و الأم بصفة عامة فأمر ببرها و الإحسان إليها بل فضلها على الأب بدرجات، عندما أجاب الرسول أحد الصحابة عن أحق الناس بصحبته: (قال: أمك ، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك).
أما الشيخ محمد صالح العثيمين فيقول في ذلك: «لا يجوز فيه إحداث شيء من شعائر العيد، كإظهار الفرح والسرور، وتقديم الهدايا وما أشبه ذلك، والأم أحق من أن يحتفى بها يوماً واحداً في السنة، بل الأم لها الحق على أولادها أن يرعوها، وأن يعتنوا بها، وأن يقوموا بطاعتها في غير معصية الله في كل زمان ومكان». وهذا ما يتفق عليه الجميع إذ لا يختلف اثنان أن تكريم الأم وبرها واجب طوال حياة الانسان، كل ساعة ودقيقة وثانية، و ليس مقتصرا على يوم العيد، فمن غير المعقول أن تكرم الام بالزهور والهدايا وتغمر بالمحبة الكلمات الطيبة يوما واحدا وتعاني العقوق والهجر والنكران بقية أيام السنة.
بيد أن هجمة أشد وأشرس تلك التي يتعرض لها العيد وصاحبته عبر الحروب الطاحنة والصراعات الدامية التي غدت في أيامنا هذه خبزا يوميا لكثير من الشعوب سيما في منطقة الشرق الأوسط التي غدت ساحة معارك كبرى لصراعات شتى لاتبقي ولا تذر،
ولكل ضحية تسقط وشهيد يروي ارض وطنه بدمائه الزكية ومن فقد حياته بسبب الثورات ونسائم الربيع العربي العاتية، وحتى للارهابي الذي سولت له نفسه أن يحول جسده المكون في احشاء أم حنون الى قنبلة يقتل بها أكبر عدد من الابرياء، ولكل القتلة سواء الذين يصدرون الاوامر أم الذين ينفذون، كلهم لهم امهات يبكينهم وينحن على فلذات أكبادهن المسحوقين تحت رحى الحرب ظلاما ومظلومين.
 كل المظلومات و الخائفات على مستقبل أولادهن والمشردات في أرض الله الواسعة واللاجئات والمعنفات والمبيعات في سوق المتعة بأبخس الاسعار ظنن أخيرا أن منظمة نسائية عالمية ضد العنصرية على أساس الجنس ذاع صيتها في العالم تدعى (فيمن) ستدافع عن حقوقهن وتعيد المسلوب منها بل وتطالب بالمزيد، لكن كثيرات فوجئن بالاسلوب الرخيص بل المبتذل الذي لا يتماشى مع طبيعة السيدة الام المعطاءة مربية الاجيال، والذي تنتهجه عضوات هذه المنظمة المعروفات بـ(عاريات الصدور)، وهن يتخذن من أجسادهن العارية وسيلة احتجاج مقززة ومنفرة ابتدعها شخص مهووس بالجميلات يدعى (فيكتور سفياتسكي) مؤسس المنظمة وعقلها المدبر الذي أظهر مؤخرا الفيلم التسجيلي «أوكرانيا ليست بيت دعارة»، أنه لا يؤمن أبداً بمسألة تمكين المرأة في المجتمع بل يتخذ منها ستارا للتعرف على الفتيات الجميلات واستغلالهن، وكان يختار النساء الأكثر جمالاً ويشركهن في الحركة، ويدفعهن للتهجم على العديد من الشخصيات العامة في العال مثل الرئيس الروسي بوتين والمستشارة الالمانية ميركل، حتى اقدمت مؤخرا بعض العربيات والايرانيات على حذو حذوهن.
لكن الهجمة الاكبر التي يمكن أن يواجهها العيد وصاحبته، ربما تتمثل في حالة الانهيار الاخلاقي التي تجتاح العالم، وتدهور قيم العائلة التي تربت عليها أجيال اذ غدت اليوم من وجهة نظر بعض المحدثين ليست اكثر من قيد على الحرية الشخصية وإرثا تاريخيا من ماض لم يعد مرغوبا فيه، فعندما تفقد العائلة مكانتها في المجتمع ويصير الزواج المثلي قانونيا وتصبح جريمة الاغتصاب واحدة من أكثر الجرائم انتشارا على مستوى العالم فضلا عن ارتفاع مستوى الاعتداء الجسدي على المرأة الى الحد الذي يجعل وكالة الاتحاد الاوروبي للحقوق الاساسية تنظر الى وضع النساء العام في اوربا نظرة المستاء حسب نتائج الدراسات التي أعدتها، فما بالك بأحوالهن في بقية دول العالم، فهل من طعم للعيد؟ رغم كل هذه التحديات تبقى الام الضمانة الأهم والسد المنيع لئلا  تنهار القيم النبيلة وتفقد معها العائلة مكانتها واحترامها، ويبقى عيد الام عيدا للألم والأمل.


11
فتش عن المرأة  .. إن كنت تبحث عن الرقي والتقدم

  جورجينا بهنام
 
 

 
 
مذ أطلق نابليون بونابرت مقولته الشهيرة «فتش عن المرأة»، وكثيرون  يتساءلون: ترى ما الذي كان يقصده؟ أكان يعني أنها أساس الحياة ومعينها وبدونها لاحياة، أم كما يحلو لكثير من المغرضين تفسيرها بأن المرأة هي السبب الرئيس في كل مشكلات وصراعات ومآسي الكون منذ أن نجحت في إقناع أبينا آدم بقضم التفاحة المحرمة فباتت السبب في خروجه من الجنة وما تلا ذلك من شقاء لقيه على هذه الارض، لا ندري لماذا لم يسأل هؤلاء وغيرهم أنفسهم: لماذا يطيع الرجل المرأة ويتبع آراءها التي قد توقعه في التهلكة دون أن يـُعمل عقله؟ لكن نابليون قال أيضا: «أن المرأة التي تهز المهد بيسارها تهز العالم بيمينها»، إذ لم تقتصر الأقوال في المرأة على الجانب السلبي فكثير من المفكرين والفلاسفة والمصلحين والأنبياء أكرموها وشددوا على دورها في القيادة والبناء والتقدم فهي نصف المجتمع الذي يلد النصف الآخر وهي المدرسة التي اذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق، وهي قارورة العسل التي دعى الرسول الكريم للرفق بها حين قال «رفقا بالقوارير». وكرمها ايضا حين قال: «الجنة تحت أقدام الأمهات».
أثبتت المرأة عبر التاريخ أنها نصف المجتمع القادر ليس على ولادة النصف الآخر حسب بل تنميته وتربيته وقيادته حتى في الظروف الأشد حلكة وقتامة، وسجلات التاريخ حافلة بصفحات مضيئة سطرتها نسوة بحروف من ذهب وورد وعطر فاح أريجه على العالم بأسره ليؤكد أن شامورامات وزنوبيا وبلقيس و جاندارك و فكتوريا وسواهن لسن أقل شأنا وتأثيرا من حمورابي والنعمان بن المنذر ونابليون و الملك آرثر. وأن جمال المرأة الجسماني، الذي قد تستغله بعضهن بشكل خاطئ مما قد يدفع البعض للظن أن دور المرأة مقتصر على محاولة التماهي مع جمال هيفا وهبي ودلال مايا دياب وفتنة صافينار، مكررين المثل الفرنسي:»كوني جميلة واصمتي»، لم يعد عائقا أمام نهضة المرأة وسعيها الدؤوب لتبوّء أعلى المناصب وحيازة قصب السبق في أكثر من مضمار. فالجميلات اليوم يقدن العالم لا كما قادته بعض الفاتنات بتسخير الجسد لإخضاع السلاطين على طريقة السلطانة هويام، بل بالعلم والدربة و الاستحقاق التام، فلو طالعت الصحف والمواقع الاخبارية لوجدت وزارات االدفاع للعديد من دول الناتو يترأسها العنصر النسائي، وهو أمر واقع في  ألمانيا التي تتولى فيها أورسولا فون دير منصب وزير الدفاع وعلى غرارها  جانين أنطوانيت وزير دفاع هولندا ومثلهما وزير دفاع السويد كارين مارتا إليزابيث وكذلك وزير دفاع النرويج ماري اريكسن، ورغم تلك المسؤوليات الجسام لم يبعدهن عملهن العسكري عن حياتهم الخاصة وصورهن تملأ المواقع الالكترونية تارة بالبزة العسكرية وتارة بفساتين السهرة.
ولو تمادينا في تصفح الاسماء وذكر البارزات القائدات لضاقت الصفحات بأنديرا غاندي وأنجيلا ميركل وباندرنايكا ومارغريت تاتشر و كاترين اشتون وهيلاري كلنتون وميري كوري و مي زيادة وأسمهان وأم كلثوم وجميلة بوحيرد والقائمة تطول.
ولكن في غمرة ما يشهده العالم من تطور وتقدم مازال البعض يسعى للحط من شأن المرأة والنيل من كرامتها و حريتها تحت مختلف المسميات ويعمل على سجنها فكريا قبل أي سجن آخر، وإلا كيف تصف دعوى البعض الى تحريم جلوس المرأة على الكرسي خوفا عليها من الفتنة وفقا لتفسيرات ما أنزل الله بها من سلطان، أو من يمنعها من قيادة السيارة لاسباب بعيدة عن المنطق هي الاخرى، وآخر يمنع الاختلاط بين الجنسين حتى في الاكاديميات العلمية، وهو ما تسبب مؤخرا بوفاة فتاة سعودية أثار موتها عاصفة من النقد على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ذكرت تقارير صحفية أن طالبة الماجستير بكلية الدراسات الاجتماعية، آمنة باوزير، أُصيبت بأزمة قلبية حادة أثناء ساعات الدوام، لكن مسؤولي الجامعة  منعوا دخول سيارة الإسعاف إلى الجامعة بدعوى أن الفتاة كانت دون غطاء ولا يمكن السماح لـ (رجال) الاسعاف بالدخول الى مبنى مخصص للنساء، بعد الاخذ والرد سمح بدخولهم، ولكن بعد فوات الأوان.
وسط القتامة تلوح دائما بعض البشائر، فرغم الاوقات العصيبة التي تعيشها نساء بلدان الربيع العربي الذي غدا شتاء قارسا، مازال هنالك ثمة أمل. ففي الجزائر التي شهدت لسنوات صراعات داخلية امتزجت بكثير من العنف والدماء مازال للمرأة دور بارز حيث أعلن حزب العمال في الجزائر أنه يرشح الأمينة العامة للحزب لويزة حنون للانتخابات الرئاسية، فيما حملت حقيبة السياحة في الوزارة التونسية الجديدة الحسناء (آمال كربول) التي سحرت بثقافتها وسعة علمها واطلاعها (تتقن التحدث بأربع لغات وتعمل بها، العربية والفرنسية والألمانية والإنجليزية، إضافة لإلمامها باللغتين الإسبانية واليونانية، وحصلت في المانيا على درجة الماجستير في الهندسة الميكانيكية، وتعمل كذلك كأستاذة جامعية زائرة في سويسرا)، جمهورا واسعا من التونسيين الآملين بأن تعيد الوزيرة الحسناء بثقافتها الواسعة وابتسامتها الساحرة الربيع الى السياحة في تونس لتشهد بعد الجدب انتعاشا ونشاطا.
النور الابهى والامل الرقراق الذي أبهج مؤخرا  الكثيرات لاح من العراق، فبعد أ.م.د. دنيا وديع الفياض التي تبوأت منصب عميد كلية طب الاسنان بجامعة الانبار لتكون أول سيدة في منصب عميد بتلك الجامعة، السائرة على خطى د. تهاني الصندوق عميد كلية طب الاسنان بجامعة الموصل وسواهن كثيرات، أثلج الصدور وأشاع مساحة من الامل نبأ اختيار الدكتورة صبا عدنان غني لتكون أول رئيس لجامعة تكريت وبالتالي أول سيدة ترتقي منصب رئيس جامعة في العراق، الحاصلة على الدكتوراه في الهندسة الكيميائية ولقبها العلمي استاذ مساعد رغم أنها لم تتجاوز الاربعين من عمرها. وهو أمر ماكان ينبغي له أن يكون مستغربا في بلد كالعراق تاريخه موغل في أعماق الحضارة وتسنمت فيه سيدات كثيرات مناصب وزارية منذ أواسط القرن الماضي ولكن السنوات القليلة الماضبة شهدت تصاعدا للنبرة الذكورية في المجتمع وحطا من قيمة المرأة ودورها في قيادة وبناء المجتمع وتنميته وسعيا لتهميشها وعزلها فضلا عن اضطهادها.
المفاجأة الاكبر جاءت من المحافـَظة المحافـِظة، نينوى، عندما اختار مجلس قضاء الموصل السيدة بسمة محمد بسيم، رغم التحديات الامنية والسياسية والاقتصادية وبالاجماع، رئيسة له، لتكون أول سيدة في العراق تتبوأ منصب رئيس مجلس محلي في العراق، وسط تأكيد أعضاء المجلس استعدادهم لتقديم المساعدة لرئيسة مجلس القضاء الجديدة من اجل خدمة المحافظة وأهلها، ما يبشر بقرب انصاف المرأة، والقضاء على الهيمنة الذكورية في المجتمع العراقي وربما يكون كل ذلك خطوات اول على الطريق الصحيح لاعادة بناء العراق ومجتمعه ووضعه اخيرا على الصراط المستقيم، بالاستعانة بنصفه الذي عطِّل كثيرا وآن له أن يعود الى فاعليته  وحقوقه ونشاطه.


12
أدب / (رمل أمعط)
« في: 20:01 13/01/2014  »
(رمل أمعط)
جورجينا بهنام
لم أكن أصغي إلى حديثه وهو يخبرني بما جرى في عيادة الطبيب، امتزجت كلماته بالضحكات الهستيرية كأن مسا قد أصابه أو فيروسا حاسوبيا ضرب خلاياه الدماغية، يحدثني عن الحيرة التي وقع فيها الطبيب وهو يحدق فيه دهشان من رد فعله العجيب، مشفققا على الزوجة المسكينة:
-   لو امتلك طبيبي طوق نجاة لحار إلى من يلقيه، بعدما جلجلت ضحكاتي حتى أدمعت عيناي وسال لعابي ومخاطي كطفل تائه، وغرقت في موجة ضحك عبثية، فيما راحت هذه المسكينة تصارع سيلا من الدموع كاد ينذر بطوفان جديد، أظنها كانت معه أحوج إلى طوق نجاة، لكن طبيبي اختار نفسه لينقذها من الحيرة والاستغراب، فقطع تلك الكوميديا السوداء بالقول:
-   أكرر ما قلته لكم، التقارير التي أمامي تؤكد سلامتكما من أي مانع للحمل، فلا عيب عضوي في كليكما، ولكن، في مثل هذه الحالات التي يعجز الطب عن تفسيرها يعزى السبب إلى عطب نفسي لا جسدي...أحدكما لا يرغب في  الإنجاب، قد لا تريد هي أن تصبح أماً الآن، وربما تكون أنت من يرفض أن يكون أبا.. وربما أسباب أخرى ستظهر مع المزيد من التحاليل، لا تقلقا فما تزالان صغيرين والعمر أمامكما ولم يمض على زواجكما سوى عامان لا داعي للقلق....
لم أكن مصغية، فكري شارد وتعتصر قلبي مشاعر غريبة، تراودني أفكار كثيرة هذه الأيام بعدما رحل زوجي وتركني وحيدة...لست وحيدة تماما، ولكن لا أدري لماذا حملني رباب الذكريات إلى بغداد إلى أيام طالما رغبت في محوها من ذاكرتي، إلى تلك الساعات العصيبة التي لم تشأ أن تدع فكري يرتاح منها ولو لهنيهات، وأنا أسمع صوتها يتعالى و صيحاتها تتوالى حتى كادت تشق أسجاف السماوات، حين امتزجت صرخات الطلق بعويل الندب والحزن والألم، وافاجعتاه، لقد حملت إليها خبر استشهاد زوجها في جبهة القتال، كنت في موقف لا احسد عليه، اتصل زوجي الضابط ليبلغني أن عديله الجندي المكلف قد قضى شهيدا وكلفني أنا إبلاغ شقيقتي الحامل في شهورها الأخيرة بهذا النبأ المفجع، أي غراب أنا؟
مرت ساعات المخاض طويلة وعسيرة، بل كانت لحظاتها مرعبة لي ولامي (رحمها الله) التي ما انفكت تدعو لهذه المسكينة قليلة الحظ لكي يفرج الله كربتها ويقيمها بالسلامة، أما كفاها الفقر و شظف العيش و مسؤولية البيت والطفلين في غياب أبيهما الجندي البسيط في جبهات القتال؟ ماذا سيحل بها بعد أن رحل؟ كيف ستدبر معيشة الصغار؟ وماذا عن القادم الجديد الذي هيأت له الحياة قبل أن يرى النور وجها عابسا واستعدت للفه بقماط الحداد؟ اللهم لا اعتراض، ليس لبناتي حظ في هذه الدنيا، أردفت امي، هذه الأخرى (تقصدني) هيأت لها المال والجاه وحرمتها من الأولاد! فيما أنعمت على شقيقتها بالأولاد وضيق ذات اليد، صدق المثل القائل (لو مال لو نمال)، اللهم لا اعتراض.... أخيرا، انتهى المخاض بولادة ذلك الملاك الصغير ذي البشرة الوردية، سبحان العاطي، قال الجيران، أخذ الوالد وأعطى الولد، حكمتك يا رب، هل أبدلت روحا بروح؟
بثيابهم الزيتونية، راحوا يطلقون أعيرة في الهواء، هل كانت حزنا وأسفا على شبابه، أم فخرا بأنه قضى شهيدا؟ ما زلت أجهل الاجابة. لكن صوت الطلقات في زفة الشهيد مازال يرن في أذني حتى ليكاد يصمها، كان موقفا صعبا على الكبار فكيف بالصغار؟ كانت صدمتهم كبيرة، حملقوا وأخذتهم الرعدة، ما كل هذه الجلبة، ولماذا؟ الأهل والأقارب والجيران، فجأة توشحوا بالسواد، وأخيرا وصل العروس في زفة الأبطال، وزفت أختي عروسة للأحزان، والكل يتساءل في صمت تارة وبصوت عال تارة أخرى: أي مصير ينتظر هذه العائلة البائسة؟ هل ستتزوج الارملة الشابة؟  هؤلاء الصغار كيف سيكبرون دون معيل؟ ذلك الوليد المسكين؟ من سيربيه؟ لكن حيرتهم لم تطل، بعدما شاع بين الاهل والجيران ذلك النبأ المشؤوم، تضاعف الالأم وعم الحزن، لقد رحل الصغير عن هذه الدنيا.... فيما رحلت أنا إلى عمان فالحرب قد انتهت، ويريد زوجي الضابط السابق أن يبدأ حياة جديدة مبتورة الجذور، وكذلك أنا لا أريد أي رابط بالماضي... لا اريد صلة به تعكر حياتي الجديدة بعدما رزقني الله بـ(سعد) ليسعد أيامي ويملأها سرورا وبهجة......منذ ذلك اليوم لم أزر العراق أبدا....فلماذا تعود بي الذاكرة الآن إليه؟
قطع صوت رنين جوالي استرسالي في الذكريات، وضحكات ولدي وكفت زوجته عن النحيب،  توقفت كل تلك الجلبة وصمت الجميع..
-ماذا تقول؟ متى حصل ذلك؟ تغيرت ملامحي وارتسم القلق على محياي وبدا واضحا أن مصيبة ما قد حصلت.
-أخبرينا ما الأمر؟
واصلت حديثي الهاتفي: حسنا فعلتم بالتأكيد... لا تأبهوا للمصاريف... خذوها الى المشفى الملكي سأهاتفهم الآن لأحجز لها غرفة خاصة...سنكون هناك قبلكم إنشاء الله.
-ما الذي حصل؟
-   أصيبت خالتك حنان في انفجار اليوم الذي ضرب السوق، حالتها غير مطمئنة لقد نقلوها بالطائرة إلى عمان ستصل بعد قليل هيا أسرعوا لابد أن نكون في المشفى خلال نصف ساعة سأحجز لها في المشفى الملكي لابد أن يفحصها طبيب حاذق أسرعوا ...أسرعوا .
اتصلت في عجالة بالمشفى واكملت اللازم، ثم تركتهم مسرعة إلى غرفتي كي اهيئ نفسي لكن أصواتهم كانت ما تزال مسموعة:
-قومي..أسرعي سنتأخر
-فيم العجلة؟ انتظر لنبحث عن مخرج لمشكلتنا أولا، خالتك لن تطير سنزورها لاحقا.
-الم تسمعي؟ خلال نصف ساعة، أسرعي ولا تطيلي الحديث، سنبحث أمر الاطفال لاحقا، المهم الآن أن نصل في الوقت المناسب، حالتها حرجة ألا تفهمين؟
-حسن لاتغضب، مستعدة للخروج حالما تجهز والدتك، لم انفض عني بعد غبار عيادة الطبيب والآن الى المستشفى...
على قدر قلقه البالغ، كانت دهشتها واستغرابها:
-ما بالك؟ ألم تسمع بانفجارات في بغداد قبل اليوم هذا خبزهم اليومي..ماذا كنت تتوقع؟ كل عراقي عرضة للانفجارات ويضع في حسبانه دائما انه سيموت إما بسبب انفجار أو بمسدس كاتم للصوت أو بالسكتة القلبية خوفا من المذكورين.. وراحت تضحك باستهزاء وهو يغلي..
-أراك كفكفت دموعك ولاحت ضواحكك! حالتها حرجة ألا تفهمين؟
-حالتنا أشد حرجا قد لا تسمع في حياتك كلمة (بابا) وربما أحرم أنا من أن اكون (ماما) ما حييت....
- سنجد مخرجا لذلك كما أوجد غيرنا..
- لم أعهد فيك الحب والتعلق بخالتك الغالية فما بالك اليوم؟ ..كنت دوما نافرا منها ترفض كل دعوات أمك لمجاملتها حين تزور الأردن.. رغم أني أكيدة من رغبتها في إبقائك بعيدا عن خالتك وعائلتها، فهي لم تزر العراق منذ رحلت عنه ألم تسأل نفسك لماذا؟ لعلها لم تشعر بالشوق اليها البتة ولم ترغب في مؤازر ة الأرملة المسكينة معنويا طوال هذه السنوات واكتفت بالمساعدات المادية..
- ألا تنهين وصلتك؟
-أتظنني أجهل الأمور؟ من أين لخالتك حنان رأسمال لتفتح تلك الأسواق؟ وكيف تصرف على أولادها؟ لقد عاشت وأولادها في بحبوحة وكل ذلك من خير أهلك...حتى سنوات الحصار التي أكلت اللحم وأذابت الشحم حتى كادت تدق العظم مرت بهم مرور الكرام و لم تؤثر فيهم كباقي العراقيين...يا لها من لئيمة.. ما أزال أذكر  كيف جلست في حفل عرسنا، كأنه الأمس، تبكي كالبومة.. لعلها كانت تريدك لأبنتها؟ أليست أكبر منك سنا؟
- إخرسي رجاءً لقد بدأ صبري ينفد..ابتلعي لسانك الافعواني هذا ..ألا يسلم أحد من لدغاته قط؟
اكتفيت مما سمعت وخرجت مسرعة أسألهم:
-هل انتم آتون معي أم ماذا؟
سحبها من يدها وخرجنا في عجالة نحث الخطى مسرعين والخوف يقتلني من أن نصل متأخرين..
قضينا دقائقنا في الطريق ساعات سادها الصمت الرهيب..هاتفني ابنها مؤكدا وصولهم إلى المشفى  مستغربا تأخرنا..أخيرا وصلنا ..صعدنا مسرعين إلى غرفتها وتحلقنا حولها.. ياللمسكينة دموعها تنهمر وهي شبه فاقدة للوعي وليس على لسانها سوى كلمة واحدة:
-ولدي.. ولدي..
انهمر دمعي سجيما، بل لم يقو أحد على حبس دموعه..حتى الأطباء والممرضون أدمعت عيونهم مؤكدة قرب رحيلها عن عالمنا الذي لم تعرف فيه سوى الحزن....
فتحت عينيها تبحث في الوجوه... ارتسمت على وجهها ابتسامة شفيفة حينما لمحت (سعد) سارع وركع عند سريرها وامسك يدها المدماة وراح يقبلها بحرقة وألم، وسط دهشة الجميع الذين وقفوا فاغرين أفواههم يرقبون بعجب ذلك المشهد الغريب..أخيرا نطقت ودموعها انهار تسيل:
-سعد حبيبي، أخيرا...الحمد لله أني رأيتك قبل أن أموت..سامحني يا حبيبي لم يكن الأمر بيدي سامحني يا حبيبي لو تعلم كم احبك.. أريد أن أخبرك أمرا طالما حبسته بين ضلوعي...
-إرتاحي ..لاتتعبي نفسك بالكلام....فأنا أعلم...أعلم....لا أحتاج لمن يخبرني.. قلبي دليلي.. واحساسي مرشدي...كفكفي دموعك...أرجوك لا تبكي..سنصلح كل شيء لا تقلقي..
- فات الأوان يا حبيبي،  ...سامحي...سامحوني جميعا، لم أقصد غير الخير.. لكن الدنيا لا ترحم الفقير..ورحى الايام  لاتطحن الا عظام المساكين....سيكون صوتك العذب آخر ما اسمع وصورة وجهك الجميل آخر ما اعاين..الحمد لله ...قد هدني التعب... سأرتاح أخيرا...وأغمضت عينيها إلى الأبد، وأطلق (سعد) صرخة عظيمة أسمعت الدنيا كلها : أمي ي ي ي ي ي ي ي ي.

13
على الله تعود على الله.. يا ضايع في ديار الله
  جورجينا بهنام
 
للوهلة الأولى، ربما يظن القارئ أننا سنتناول موضوعا فنيا يتحدث عن العملاق الراحل عن دنيانا مؤخرا (وديع الصافي) ذلك البلبل الهزار ذي الصوت الشجي والحنجرة الذهبية والألحان الرائعة، فعنوان المقال جاء مطابقا لمطلع إحدى أغنياته الأشهر (على الله تعود على الله... يا ضايع في ديار الله)، أو ربما نخصص سطوره للبحث في الأغنيات التي تتناول الهجرة والمهجرين والمهاجرين والدعوات المتوالية عبرها للعودة إلى أحضان الوطن، أمنا الحنون، فـ»الغربه هدت حيلي» و»الله يلعن الغربه» و»أشوفك وين يا مهاجر» سمعناها من مطربين عديدين، وقبلهم حمَّل سعدون جابر الطيور الطايرة سلامه للأهل والأحباب صارخا ملتاعا «أحـّا يا ديرة هلي». فما المانع إذن من ترك ديار الغربة بخيرها وشرها واللجوء حصرا إلى ديار الآباء والأجداد التي لا تحتاج إلى معاملات و انتظارات وكفالات، والشرط الوحيد للحصول على الفيزا لدخولها هو حب الوطن؟
مع كل ما تشهده كثير من الأوطان في الشرق الأوسط اليوم من مآس وويلات وانتشار العصابات والميليشيات، والخطف والذبح المبثوث عبر الفضائيات، والغرق بالدماء قبل مياه الفيضانات. كثيرون يتساءلون اليوم: نعم نحب الوطن، ولكن، هل يحبنا الوطن كما نحبه؟ هل يبادلنا ذات المشاعر؟
«أرضنا مهدُ الحضارات، عانقتنا وعانقناها» هكذا يستهل بطريرك بابل على الكلدان لويس ساكو مقاله المعنون (يامهاجرين ارجعوا)، مشيرا إلى حالة الشتات التي تعيشها العائلة الواحدة موجها سؤاله إلى المسيحيين العراقيين المشتتين في المهاجر: «ماذا سيبقى منكم بعد مئة عام أو مئتين؟ ستندمجون لا محالة في المحيط الجديد وتذوب قوميتكم وتضيع هويتكم. لكنه عاد وأكد على أن المسيحيين لن يرحلوا عن بلدهم بل هم باقون فيه رغم ضبابية المستقبل المجهول، لأننا: «لا نعرف المستقبل، لكننا نعرف من نحن وما تاريخنا وهويتنا ولغتنا وطقوسنا وتقاليدنا وجيراننا. لذلك سنبقى ملتصقين بأرضنا وناسنا وبمبادئنا وحقوقنا».
فيما يرى البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي أن هناك مصيرا واحدا يربط المسيحيين مع المسلمين في الشرق، لأننا «نؤمن أن الشرق الأوسط مكان تجسدنا، لذا نتمسك بوجودنا في بلداننا المشرقية». جاء ذلك في سياق كلمة ألقاها في افتتاح المؤتمر العام الأول للمسيحيين في المشرق، المنعقد ببيروت لمناقشة أوضاعهم في العراق ومصر وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن، وحسب ما أشارت المصادر الصحفية والإعلامية فقد كان الأول من نوعه لممثلين عن مختلف الطوائف المسيحية، ويهدف لتسليط الضوء على أوضاع مسيحيي المشرق لاسيما أوضاعهم الديموغرافية والهجرة وواقع الحريات الدينية وممارسة الشعائر، ومناقشة مشاركة المسيحيين بمؤسسات الدولة ووضعهم الاقتصادي والاجتماعي. لكن بعد أيام من المداولات والنقاشات لم يتمخض المؤتمر سوى عن الاتفاق على إعلان انبثاق لقاء مسيحيي الشرق وتشكيل لجنة لمتابعة مقررات المؤتمر وتوصياته.
توالت المؤتمرات وشهدت تلك الفترة حمى مؤتمراتية كانت حصة لبنان منها مؤتمرين فقط، كما شهدت بروكسل عقد آخر لمناقشة ذات الموضوع، فيما كانت أربيل حاضنة لحفل إفتتاح مؤتمر «أصدقاء برطلة» الذي يبحث موضوعة التغيير الديموغرافي فيها بقصد معالجة أسباب تدني نسبة المسيحيين فيها خلال السنوات القليلة الماضية من 99% الى ما يقل عن 40% فقط.
وفود تأتي ووفود تغادر واجتماعات ونقاشات وحوارات ولكن إلى الآن لم تظهر على أرض الواقع النتائج الملموسة التي كان يفترض أن تؤدي اليها أمثال هذه الاجتماعات، وماهي التوصيات الملزمة التي خلصت اليها، ومن هي الجهة الضامنة لأي قرار أو توصية تصدر عن هكذا مؤتمرات وغيرها؟ أم أننا سنعود لنسمع جعجعة ولا نرى طحنا؟
ورب قائل يقول إن ما يصيب المسيحيين في الشرق لا يصيبهم وحدهم بل هو ضمن حالة من العنف العام غير المقتصر على طائفة أو دين أو مذهب، لكن الواقع يؤشر غير ذلك، فبعدما كان تعداد المسيحيين في العراق قبل 2003 يصل الى 1.2 مليون نسمة لم يبق منهم الآن سوى (200) ألف وربما عدد أقل بسبب عدم توفر إحصاء عام للسكان أو أية إحصائية أخرى دقيقة ومحايدة. فيما تحجب الظروف الدموية التي تشهدها سوريا أية رؤية واضحة لتحديد حجم النزيف الذي تشهده لسكانها المسيحيين الذين كانوا يعيشون ظروفا أشبه بالمثالية في ظل تعايش أخوي لم يتضح بعد سبب غيابه المفاجئ. وهل حقا «على غفلة، تغير أولئك الناس الذين عشنا معهم لزمن طويل ليصبحوا ينتظرون الفرصة للاستيلاء على أراضينا ومصادرتها إن لم نتركها، والنظر الينا باشمئزاز بعدما كنا نشاركهم الطعام والعمل والمصير المشترك منذ مئات السنين!؟» بحسب وصف احد القسس هناك. هذه القضية وجدت أخيرا من ينتبه اليها بعد سنوات من الصمت، فالعراق شهد منذ عشر سنوات كثيرا من الفضائع وحالات الخطف والقتل لعل أشهرها حادثة خطف المطران بولس فرج رحو والأب رغيد كني وعدد آخر من الشهداء. لكن الحادثة الأشهر والتي أدمت الضمير الإنساني كانت مجزرة كنيسة سيدة النجاة ببغداد 2010 التي راح ضحيتها ما يزيد على الخمسين شهيدا من المصلين المسيحيين بعدما احتجزتهم جماعة مسلحة وأعملت فيه القتل والذبح والتنكيل حتى نجحت القوات الامنية في انقاذ ما أمكنها إنقاذه. وفي إثرها تصاعدت عمليات هجرة المسيحيين واتسع نطاقها سيما بعد التسهيلات التي قدمتها وتقدمها بعض السفارات الاجنبية والمنظمات الدولية وهو ما أكده عدد من الساسة المسيحيين وسبقهم إليه بطريرك الكلدان الذي اتهم صراحة جهات بعينها بالسعي لإفراغ العراق من مكون أساس وأصيل كان دائما عامل بناء و ازدهار حيثما عاش وساهم بشكل فاعل في نشر الثقافة والفنون والآداب والعلوم وعمل على تطويرها.
ترافق مع كل ذلك تحذير وزيرة الدولة لشؤون الجاليات والمعتقدات الدينية في الحكومة البريطانية البارونة سعيدة وارسي من «خطر الانقراض الذي يواجه المسيحية في البلدان التي شكلت مهدها التاريخي بسبب تصاعد العنف الطائفي» الذي يمارسه المتعصبون ضد المسيحيين والأقليات الدينية الأخرى الذي وصل حدا بات معه يمثل أزمة عالمية وأخطر تحد يواجه العالم في هذا القرن، على حد وصفها.
يرى البعض أن الإرهابيين يستهدفون المسيحيين في الشرق الأوسط باعتبارهم أكفاء للأمريكان في الدين كنوع من العقاب الجماعي على السياسة الخارجية الأمريكية، لأن الذي «ما قدرش عالحمار يتشطر عالبردعة»، متناسين أن هؤلاء ليسوا قادمين جدد أو عملاء للغرب بل هم مكون أصيل عاش في هذه البلاد منذ قرون سبقت مجيء بعض الأقوام الأخرى.
أين يكمن الحل إذن؟ فالمؤتمرات على كثرتها لم تؤت أكلها بعد، وكثيرون لا يأملون منها خيرا ولا يجدون فيها أكثر من مجرد مجالس لحوار الطرشان، أو كما يقول المثل الموصلي: «سمّعني طيّب واسمعك طيب»، ثم ماذا؟ لو خرجت كل هذه المؤتمرات بمقررات غاية في المصداقية والعدالة والقانونية، من سيضعها حيز التنفيذ؟ وأي سلطة ستتولى محاسبة ومعاقبة الخارجين عليها؟ في محاولة لإيجاد حل لحالة التناقض الفظيعة التي يعيشها الناس، فالمهاجرون يئنون رغبة في العودة إلى أحضان الوطن الذي ما انفكوا يتباكون عليه في الغربة، فيما لهم إخوة في الوطن يسعون جاهدين للارتماء في أحضان الغربة والانتماء إلى الشتات وكثير من الحكومات ما زالت في سبات.
في خضم كل ذلك ما زال السؤال»: أين المنظمة الأممية ومجلس الأمن الدولي، بل أين الخمسة الكبار من كل ما يقاسيه ويعانيه الصغار؟


14
أدب / جريمتي
« في: 16:36 03/11/2013  »


جريمتي
قصة قصيرة

   جورجينا بهنام   



كأني فلاح من سلالة فلاحين عميقة الجذور في تراب الأرض، متماهيا مع أصولي الطينية، مخضبا ثيابي بقزعها الكاكية، هكذا حفرت عميقا...عميقا جدا، لم يخطر ببالي، وأنا المتعلم ابن المتعلمين، أن أكون بارعا باستخدام الرفش، لكني أبليت بلاءً حسنا في حفر ذلك القبر الفسيح الذي ما عدت اذكر أبعاده، رغم أني لم أنس أني حفرته في حديقة منزلي الجميلة، بيدي هاتين، أتلفت أزهاري الملونة وقلعت شتلاتي اليانعة، يتمت بعضها ورملت بعضا، و أثكلت آخر، لأحفر قبرا اُواري فيه جسم الجريمة قبل أن يـُفتضح أمرها.
بخطوات واثبة هرولت بسرعة لم أعدها بنفسي، وسحلت جسم الجريمة المحشور في ذلك الكيس القنبـّي المتخم حتى ليكاد ينفجر في وجهي مضمخا إياه بحمرة قرمزية. بكل ما أوتيت من قوة ألقيته في غور قبره العتيد وأهويت الرمل عليه أسارع الرفش تلو الآخر، حتى عادت الأرض إلى استوائها، أو كادت، وفي عجالة وزعت فوقها أصص الزهور راحة لنفس المرحوم، ولما بدت الصورة لي قد عادت إلى طبيعتها ملأني إحساس عميق بالراحة والرضا، خشيت لفرط لذته على نفسي من التمادي.
أفقت من سحر اللحظة على صوتها المتوسل:
-   (الله يخليك أستاذ... ما ألنا غيرك)...إن أحرقناها سيطير الدخان بعيدا وتدغدغ الرائحة أنوفهم الفضولية، لا تعرف كيف سحلته إلى هنا، سامحني لأني ورطتك معنا، ولكن الجماعة يحترمونك ولن يدوسوا بيتك. أليس كذلك؟
-   إطمئني يا أم يوسف..سرّكم بات في بئر عميقة، وأسأل الله أن يستر علينا جميعا، خدمتكم واجب عليَّ، ليرحم الله أبا يوسف، ويحفظه لك، اخبريه عن لساني أن يحذر، ويصب اهتمامه في دراسته، فالشهادة خير سلاح، ثم ليس في كل مرة تسلم الجرة....
بهذه العبارة كنت اُحدث نفسي مودعا أم يوسف التي ما ملَّ لسانها من الدعاء لي ولعائلتي ولأولادي وأحفادي الذين في علم الغيب، وصبت وابلا من الرحمات على أجدادي حتى أبينا آدم.. ألا استحق؟ وقد رفعت النير الثقيل عن كاهلها وألقيته بملء إرادتي فوق ظهري، هل حقا فعلت هذا بإرادتي؟ أم أني كنت مغيبا شارد الذهن معطل العقل وأنا ادفن جسم الجريمة ذاك في بيتي؟ ماذا لو وجدوه مدفونا في حديقتي؟ ملأني الخوف فجأة وراحت فرائصي ترتعد..
لكن يوسف ما زال في مقتبل العمر، طيش الشباب ربما كان السبب، أو لعلها الظروف القاسية، وقد يكون الفقر، الاندفاع وعوز المراس في الحياة، كلها لم تقنعني لأرضى أن يضيع مستقبله، روح أبيه استصرخت ضميري، ودموع أمه المنسكبات بحرقة و لوعة وصدق، لم يفسحا مجالا أمام ضميري ليناله الوسن. الفتى سيضيع إن وجدت قوات الأمن ذلك الكيس القنبي في بيته، سيأخذون يوسف ولن يعود ابدا..سيغرق. في بحيرات الاسيد.
 في قرارة نفسي كنت أعلم أني فعلت الصواب بعينه، وإن بدا الأمر غير ذلك، أحب يوسف كولد لي ووالده المرحوم من أقاربي الأباعد..كما انه ليس بمجرم، أجريمة أن تكون مثقفا شغوفا بالاطلاع مولعا بالقراءة؟ ومكتبتك عامرة بالكتب، جلها كتب حمراء... كم كان هذا اللون مقيتا ومن يصطبغ به كان مجرماً، يقيني أن يوسف ليس كذلك لذا كان ضميري مرتاحا بل مرتاحا جدا بعد أن دفنت كتبه الحمراء، وكان ليقض مضجعي لو أني أهملت مساعدته، هذا الشاب أمامه مستقبل مكانه في الجامعة وليس السجن وقطعا ليس في الأحواض.
أتذكر ذلك اليوم وكأنه الأمس فظهري ما انفك يؤلمني حتى الساعة، فما أعانني على حمل أغراضي التي كومتها على عجل، في ذلك الصندوق الصغير وأنا أهم بمغادرة مكتبي في الجامعة... فقد حان زمن التغيير، وأمثالي صاروا تركة عهد ولى. ثم إني تعبت كثيرا وآن لي أن أستريح... تحلق الطلبة والأساتذة حولي، غمرتني ابتساماتهم وكلمات الامتنان بالرضا،  وأنا أغادر مفسحا المجال أمام الطاقات الشابة، ودعتهم بخطوات متثاقلة أتعبتها السنون، قاصدا غرفة العميد لألقي عليه تحية الوداع...عندما اعلمه السكرتير بحضوري، خرج الرجل لاستقبالي وأدخلني أمامه مع مزيد من عبارات الترحيب والتوقير، فهو احد طلبتي، دعاني لأتعرف برئيس القسم الجديد العائد حديثا من الخارج مدججا بالشهادات والخبرات...رغمها لم يتكلف النهوض من كرسيه احتراما لعمري وشهاداتي التي ضاقت بها الجدران، مد يده ليصافحني وابتسامة صفراء ترتسم على شفتيه:
-أتعرفني بالدكتور؟ انه أشهر من نار على علم، وأحد رجالات البلد المعدودين في العهد السابق.....ولعل حياءه منعه أن يقول: (أزلام)...
يا الهي ..هل هذا هو حقا؟ هذا المتعجرف.. هل هو حقا يوسف؟  نعم انه يوسف الذي لم يعد احمر....لقد تلوَّن.



 



15
لو ألعب .. لو احرق الملعب

                                                                                                                            جورجينا بهنام
عاش الإنسان القديم ردحا من الزمن نمط حياة مشابها لحيوانات البراري، ليس في إتباعه قانون الغاب ولا في كون غرائزه هي القائدة لتصرفاته أو لافتقاره للقوانين وغير ذلك مما يعتبره عالم اليوم (المتحضر) بعيدا عن الإنسانية وحضارتها. بل في اعتماده نمطا غذائيا نباتيا أساسه الحبوب والثمار و الأعشاب وأحيانا اللحوم النيئة دون طبخ أو شي، لذا كان إكتشافه النار التي تقول الأسطورة اليونانية أن الإله بروميثيوس أهداها للبشر، خطوة عظيمة نحو المدنية و بناء الحضارة.
بعدما شوى على ألسنتها اللحم و اللبن و الفخار، واستضاء و ردع الاعداء، سيما بعدما خبر غضبها المريع جعل الانسان النار موضع التقدير والتعظيم و ربما كانت أول مقدس في حياته، فيما بعد تكرست صورة أكثر وضوحا عن تقديس النار لدى ديانات أخرى كالزراداشتية التي تعدها رمزا للحضور النوراني للإله الواحد، ولها رمزية أخرى لدى الديانات السماوية فإليها سيؤول مصير صناع الشر ليكونوا وقودها وحطب جمراتها المستعرة يوم القيامة.
نقرأ في التاريخ عن استخدام النار لإرسال رسائل معينة ونقل الأخبار السعيدة منها والحزينة، إذ كانت القلاع تتوزع على طرق القوافل وتنتقل الأخبار عبرها إلى الأصقاع البعيدة عندما يتوالى إيقاد النار من قلعة إلى أخرى كما حصل عندما اكتشفت الملكة هيلانة خشبة الصليب المقدس. ومنها ايضا طارت رسائل الدخان المشفرة التي يرسلها الهنود الحمر، ومن النار ينبعث الدخان الأبيض مع اختيار بابا جديد فيما الأسود يدل على العكس. الضائعون والتائهون في المناطق النائية لهم رسائلهم النارية أيضا عندما تسقط طائراتهم أو تغرق بواخرهم فيوقدون النار جلبا للانتباه واستدعاءً لفرق النجاة.
لكن رسائل النار تطورت عبر الأزمان وبات بعضها شديد اللهجة وبعيد المرمى، فعندما اندلع حريق لندن الهائل عام 1666 وأتى على جزء كبير منها فهم البعض أنه ليس إلا رسالة من السماء وعقابا إلهيا لأهلها المنغمسين في شهواتهم وملذاتهم، وما ظنه الناس رسالة لتطهير النفوس طهر البلاد من الطاعون (ورب ضارة نافعة).
 وقبله أحرق نيرون روما و وقف مأخوذا بالمنظر يعزف على آلة الطرب، فكانت رسالة النار هذه المرة إلى كل الطغاة أن سقوطهم قادم لا محالة، لان استبداده وبذخه والإفلاس والحروب الداخلية والخارجية كانت كلها أسبابا لتصاعد الثورة وانقلاب حلفائه عليه وسقوطه حتى قضى منتحرا.
من أشهر الحرائق عبر التاريخ حريق سان فرانسيسكو وحريق طوكيو وحريق القاهرة الذي اندلع في 26/1/1952 وأكلت خلاله النيران عددا غير يسير من المحلات والفنادق والسينمات فضلا عن الخسائر البشرية ورغم مرور كل هذه السنوات ما زال الفاعل مجهولا مع تأكيد  المصادر على أن الحادث كان مدبراً وأن من نفذه كان على مستوى عالٍ من التدريب والمهارة، وسواء كان الملك فاروق هو الفاعل أم سلطات الاحتلال البريطاني أم جماعة الاخوان المسلمين فقد كان الحريق من مقدمات إسقاط الملكية، وقيام الثورة المصرية وحمل هو الآخر رسالة مشفرة ربما لو فهمها الملك لتجنب الاطاحة به صبيحة 23/7 من ذات العام فيما نجح من فهمها في قلب مسار الأحداث لصالحه. عندما تكرر السيناريو ذاته قبل مدة يسيرة مع إحراق جامع رابعة العدوية و كثير من المنشآت والممتلكات الخاصة والعامة ومقرات الاحزاب وأقسام الشرطة، حتى بيوت الله لم تسلم إذ طالت السنة اللهب أكثر من أربعين كنيسة، بعض أصابع الاتهام أشارت الى جماعة عُهد فيها إتباع سياسة الأرض المحترقة، وربما أرادت أن توجه للشعب وجيشه رسالة مفادها (لو ألعب...لو أحرق الملعب)، لكن الجيش كان لها بالمرصاد.
عندما كررت النار فعلتها في حرائق آبار النفط بالكويت، كان الفاعل معلوما ورسالته واضحة، رغم تكلفتها الباهظة التي دفعها العراقيون من ثروات بلادهم وأرواح شبابهم ومازالوا، لكن حرائق كثيرة اندلعت وتندلع في مؤسسات حكومية بالغة الاهمية وتستهدف طوابق بعينها وغرفا بذاتها والفاعل مازال مجهولا، وإن كان التماس الكهربائي هو المتهم الأول والإهمال ثانيا والإرهاب ثالثا والقائمة تطول مع حرائق لا تخلو من رسائل، من أرسلها؟ لمن؟ من يفك شفرتها؟ وهل ستكون باهظة التكلفة أم بخسة؟ وفي كل الاحوال ألا يدفع الشعب فاتورتها؟

16
المنبر الحر / رابعة وأخواتها
« في: 11:30 02/10/2013  »
رابعة وأخواتها

جورجينا بهنام

لما كانت رابعة بنات إسماعيل العدوي، أسماها رابعة، لكن الوالد العابد ما لبث أن رحل ولحقته الأم تاليا ليجد الأولاد أنفسهم وحيدين في مواجهة الحياة ومصاعبها، سيما بعد المجاعة التي حلت بالبصرة تلك الأعوام، ومع تزايد اللصوص وقطاع الطرق، وقعت رابعة ضحية أحد النخاسين وذاقت تحت نير العبودية أمـَّر العذابات، وقبل أن ترتقي في مراتب العشق الإلهي، حسب بعض المؤرخين، تمرّغت في حياة الغواية والخمر والشهوات ثم توجهت إلى طاعة الله لتكون أنموذجا نادرا ومتميزا في النسك، بل كانت في طليعة القائلين بالحب الخالص المنزه عن الرغبات سوى حب الله وحده. إنها رابعة العدوية شهيدة الحب الإلهي وأشهر المتصوفات على مدى التاريخ، ومن لم يسعفه الاطلاع ليتعرف إلى هذه السيدة العظيمة، لعله شاهد نبيلة عبيد تجسدها في السينما ومن لم يحظ بالاطلاع التاريخي ولا السينمائي على هذه الشخصية لاشك أن الأحداث التي شهدها ميدان رابعة العدوية وسط القاهرة بمصر قد أفادته دون إرادة منه، ببعض المعلومات سيما بعد أن أصبحت إشارة الأصابع الأربعة (المستنبطة من اسم سيدة الميدان) رمزا للمعتصمين بذلك الميدان المناهضين للتغيير الذي أطاح بمرسي وحكم الإخوان المسلمين بمصر أو (الانقلاب على الشرعية) حسب تعبيرهم. فدخلت رابعة معترك الحياة السياسية رغم كونها رمز «التقوى والورع والزهد» لدى المسلمين حسب تعبير أردوغان رئيس الوزراء التركي مبتدع الإشارة الجديدة التي يتوقع لها البعض ان تكون علامة الانتصار الجديدة في العالم الإسلامي، الذي ربما يرى أردوغان نفسه زعيمه الحالي، بدلاً من الإشارة الأخرى التي تستخدم برفع أصبعين فقط.
إشارات ودلالات ورموز الأصابع كثيرة والغوص فيها كالغوص في بحر الظلمات، فهذه الإشارة ذات الدلالة الايجابية لدى هذه الثقافة لها معنى سلبي لدى أتباع تلك الديانة، وربما ترمز أحداها للكفر والإلحاد فيما تشير أخرى إلى التوحيد والإيمان، هكذا تتنوع هذه الإشارات ودلالاتها ومعانيها وفقا لتنوع الثقافات والأديان والشعوب فضلا عن استخداماتها الواسعة في لغة الصم والبكم كبديل للحوار المسموع.
السبابة التي يرفعها المسلم أثناء صلاته كرمز للتوحيد، قد تعني أيضا الإشارة إلى شيء ما أو التوعد والتحذير عند كثير من الشعوب. بينما القبض على الإبهام والخنصر ورفع السبابة والوسطى والبنصر يمثل تحية خاصة بالفرق الكشفية، أما رفع الإبهام مع قبض باقي الأصابع ففيه دلالة على أن كل الأمور تسير على مايرام (OK)، لكنه أصبح تاليا ذا دلالة فيسبوكية تعني أن مستخدمها يسجل إعجابه (LIKE) بمنشور معين على موقع التواصل الاجتماعي، و يستخدم الإبهام المشير إلى الأسفل لإعطاء معنى معاكس بأن المنشور لا يعجبه (DISLIKE)، فضلا عن دلالته بأن الأمور ساءت او أن الخطة قد فشلت، ومن العلامات الشهيرة أيضا لدى شعوب كثيرة رفع الأصابع الخمسة لرد العين.
 رمز الانتصار السابق (قبل إشارة رابعة) المتمثل برفع أصبعي السبابة والوسطى في شكل يحاكي الحرف (V) ليكون مختصرا لكلمة (النصر-VICTORY) علامة على الصمود والانتصار المزمع، كان ونستون تشرشل أول من استخدمه كرمز للانتصار في الحرب العالمية الثانية فيما تشير بعض المصادر إلى أصول أقدم، وللرمز ذاته دلالات مسيئة عندما توضع اليد أعلى الرأس لتشبيه شخص ما بالحمار كما حدث مع الرئيس الأمريكي أوباما. فضلا عن كثرة استخدامه مائلا بزوايا مختلفة من قبل الفتيات والمراهقات اللواتي يغرقن صفحات الفيسبوك بصورهن وهن جاهلات أو غافلات عن معاني هذه الإشارات إذ يراها آخرون من الإشارات الإلحادية وعلامة على قرني الشيطان لدى الماسونية لذا يستنكرون استخدامها من قبل العرب والمسلمين. ومن الإشارات الشهيرة الأخرى تلك التي كثيرا ما استخدمها جورج بوش الابن وسواه من الساسة البارزين المعروفة بـالرمز الشيطاني (إل ديابلو) El Diablo  كتحية بين عبدة الشيطان أو تعبيرا عن ولائهم للمنظمات الماسونية التي ينتمون إليها (في السر أو في العلن).
كثيرا ما يتبع الناس تقاليع سواء أكانت في موضة الشعر أم الملابس أم إشارات الأصابع في تقليد أعمى للغرب أو حتى للشرق، و منها إشارة رابعة التي انتشرت بسرعة البرق و جعلها كثيرون صورتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي كاليمنية توكل كرمان الحائزة على جائزة نوبل للسلام، مدير معهد الفكر السياسي الإسلامي بلندن عزام التميمي، الداعية الكويتي عبد الحميد البلالي، علي القرة داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الداعية السعودي سلمان العودة، الداعية الكويتي طارق السويدان، الداعية المصري فاضل سليمان و نبيل العوضي، رئيس رابطة دعاة الكويت، فضلا عن انتشار صورة لسيدة ترفعها داخل الحرم المكي وأخرى لشاب داخل الحرم القدسي وثالثة لغواص وسواهم لم يسمعوا، ربما، ما أوردته كثير من المواقع الالكترونية من تفسير مغاير لها، مستشهدين بصور لأعضاء في الكنيست الإسرائيلي وأخرى لكريس كيلي  لدى فوزها بالأوسكار عام1954 فضلا عن صور أخرى كثيرة لعشرات الشخصيات الأمريكية والعالمية البارزة وهم يرفعون ذات العلامة التي قيل انها ذات علاقة مباشرة بالماسونية، لكن آخرين لم يروا في صور هؤلاء  سوى إشارات عددية بريئة لعدد سنوات الرئاسة الأمريكية مثلا.
هل كانت رابعة العدوية تتصور أنها ستثير هذا الكم الهائل من الجدل بعدما ابتدع أردوغان تلك الإشارة؟ وهل فكر مبتدعها بعلاقتها بالمنظمات الدولية المثيرة للشبهات وأنه بفعلته هذه أعاد إلى الأذهان الأفكار التي سادت سابقا حول علاقة جماعة الإخوان بالماسونية العالمية؟ وأخيرا هل فكر كل من رفعها قبل أن يفعل أن يبحث ولو قليلا عن معانيها ودلالاتها قبل أن ينتهج التقليد الأعمى؟

17
يَدٌ تَشُجُّ وَأُخْرَى مِنْـكَ تَأْسُونِي

جورجينا بهنام
 
فوضى عارمة اجتاحت مكاتب كثيرة في دوائر عديدة من دوائر الدولة وترك كثير من الموظفين أشغالهم وأهملوا معاملات المواطنين التي تكدست فجأة على غير العادة، المراجعون الذين كانوا ينهون معاملاتهم بأقصى سرعة دون أن يسمعوا العبارات البيروقراطية المعتادة (تعال باجر) او (المراجعة من الشباك)، صاروا اليوم طوابير مكتظة، ولولا الخشية من خرق القوانين والتعرض للمحاسبة والعقوبات لأوصد بعض الموظفين ابواب دوائرهم وتفرغ في جو من الهدوء والسكينة ليراجع بأيدٍ أمينة تفاصيل وحيثيات، حذافير وفقرات، دقائق وموجبات (تعديل سلم رواتب موظفي الدولة في العراق) الذي طال انتظاره وترقبته جماهير الموظفين العريضة مدة ليست بالقصيرة و ههو قد ولد أخيرا بعد مخاض عسير، دون أن ينطبق عليه المثل القائل: (تمخض الجبل فولد فأرا).
الدولة تعشّم الموظفين منذ أكثر من عام بالزيادة فمنذ العام الماضي أشار (مصدر مطلع) إلى قرب منح مخصصات (غلاء المعيشة) والبالغة (200) ألف دينارعراقي لمنتسبي دوائر الدولة فضلا عن اعتماد سلم رواتب جديد، لأن "السلم القديم لم يطرأ عليه تغيير في العام الماضي (2011)، لكن بالتأكيد سيتم تغييره في العام القادم (2013)، وذلك لرفع مستويات الرواتب، لان هناك فارقا كبيرا بين الدرجات العليا والدنيا وهذا الفارق" -كما أكدت نجيبة نجيب عضو اللجنة المالية بمجلس النواب العراقي- في تصريح لها يعود الى 9/10/2012 وأكدت « أنه فارق غير عادل ويجب ألا يستمر».
ولأن (العدل أساس الملك) تسعى الحكومة لإحقاق الحق وإرساء مداميك العدل بين المواطنين سواء أكانوا من الدرجات العليا أم الدنيا فوجهت أنظارها نحو شريحة الموظفين الذين يفنون زهرة شبابهم في خدمة الدولة ودوائرها واستقر رأيها أخيرا أن الرواتب التي يتقاضاها هؤلاء غير عادلة من ناحية قلتها بل وشحتها بالنسبة للدرجات التاسعة والعاشرة، وعدم تماشيها مع الدرجات التي بلغها التضخم وغلاء الأسعار في البلاد بالنسبة للدرجات المتوسطة، فضلا عن الفجوة بل والهوة السحيقة التي تفصل رواتب هؤلاء وأولئك عن رواتب الدرجات العليا والخاصة وأعضاء مجلسي النواب والوزراء ناهيك عن الرئاسات الثلاث.
التعديل الذي سيطبق مطلع الشهر المقبل، حسب مصادر، أو مطلع العام المقبل حسب أخرى، لا يحتاج، حسب بيان أمانة مجلس رئاسة الوزراء الموقر، إلى تشريع أو مصادقة مجلس النواب لأن «قانون 22 لسنة 2008 خوَّل مجلس الوزراء صلاحية إجراء التعديلات على الرواتب وفق تكاليف المعيشة والتضخم» وقد جاءت الموافقة عليه «ضمن خطة إصلاح لنظام الرواتب والمخصصات من أجل تحقيق العدالة والمساواة والتوازن بين موظفي الدولة» وفقا لذات البيان. هنا يطرح سؤال ملّح نفسه: (لماذا انتظر مجلس الوزراء عاما ويزيد ليقر الزيادات التي كان يبحثها منذ العام الماضي رغم أن إقرارها وكما جاء في بيان الأمانة العامة لا يحتاج إلى كثير من الأمور الروتينية بل هو أسهل من (عضة كوسايي) كما يقول المثل السوري، فلماذا جاء في هذا التوقيت؟).
التوقيت قد لا يكون مهما لدى كثير من الموظفين ذوي الرواتب الشحيحة وشعارهم المثل القائل (أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي أبدا)، وإن كان آخرون ما زالوا متشبثين بمثل من نوع آخر يقول (لا تكول سمسم إذا ما تلهم) فقبل أن تصل مبالغ الزيادة الى الجيب كل القرارات سواء. ولا أحد من المذكورين يشكك في أن إقرار التعديل في هذا التوقيت له علاقة باقتراب الاستحقاق الانتخابي، وهم على يقين من استحالة أن يعمل حزب أو جهة أو ائتلاف على استغلال المال العام بهذه الصورة لأغراض الدعاية الانتخابية وبدل توزيع السكر والزيت والبطانيات، يوزعون زيادات، وغدا يرددون قول عبد الله بن الزبير، الذي ذهب مثلا: (أكلتم تمري وعصيتم أمري).
في العهد البائد كان المواطن في دوامة من الحروب المتواصلة والحصار وضيق الحال و وفقدان السكر تارة والمعجون تارة أخرى ما كان يفسر على أنه أسهل الطرق لتدويخ الشعب وشغل تفكيره بتوفير لقمة العيش لئلا يتفرغ للبحث عن الحرية والمطالبة بالديمقراطية والعدالة، ذات العدالة التي ينشدها المواطن اليوم رغم انه مازال (دائخا) وهو يدور في حلقة العنف والإرهاب المفرغة باحثا عن الأمان، وينشدها أيضا سلم الرواتب الجديد الذي ولد مشوها، فعضو لجنة الاقتصاد والاستثمار في مجلس النواب أقر بأن (موظفي الدرجة الخامسة هم فقط المتضررون من هذا التعديل وسيتم إنصافهم في تعديل آخر). وأضاف: (أن الخطوة اللاحقة هي العمل على دراسة موضوع التباين في المخصصات الممنوحة لموظفي الدولة للشهادات نفسها والاختصاص والعنوان الوظيفي نفسه) كما أشار إلى أن العمل (يجري للضغط من الأعلى لتخفيض نفقات الدرجات والمناصب العليا سواء اثناء الخدمة أم في حالة التقاعد). فلماذا لم يراع التعديل كل هذه النقاط ويعالج تلك الثغرات مع طول فترة مكوثه في أروقة الإعداد؟ فولد التعديل خديجا مشوها، رغم طول الانتظار ورغم الاطلاع على نماذج من الدول الاخرى (كما أشار أحد المسؤولين سابقا) ومازال يحتاج الى ملاحق.
الإصلاح، تحقيق العدالة والمساواة وتقليص الفوارق والفجوات كلها أهداف سامية لا يختلف عليها اثنان جعلها التعديل هدفه وبغيته، لكن اسئلة كثيرة مازالت تطرح نفسها:
-كم يشكل موظفو الدولة كنسبة مئوية من الشعب العراقي، هل كل الشعب موظفون؟ بالطبع لا، بعض الدول المتقدمة تصرف رواتب مجزية لمواطنيها من العجزة و كبار السن والعاطلين عن العمل فضلا عن ذوي الاحتياجات الخاصة، فما أحوجنا إلى سلم خاص لرواتب هؤلاء يراعي كرامتهم الإنسانية ويعدو بهم بعيدا عن خط الفقر الذي بات ملاصقا لكثيرين وربما تجاوزهم.
-الموظف هو في أغلب الأحيان رب عائلة، ولديه التزامات تجاه زوجته وأطفاله تفوق التزامات العزاب، أما كان حريا أن تتم مراجعة مخصصات الزوجية التي لا تتجاوز الـ (50) الف دينار عراقي والقاء نظرة على مخصصات الاطفال البالغة (10) آلاف دينار شهريا للطفل الواحد بمعدل (333) دينار لليوم الواحد في زمن يصل فيه سعر كيس الحفاضات الواحد بالمتوسط الى (7) آلاف دينار، وسعر الحلوى (المصاصة) من النوع غير الفاخر الى (250) دينار. وماذا عن الأولاد الأكبر سنا؟
-اين ستصل مستويات التضخم يوم يقبض الموظفون هذه الزيادة، وهل ستبقى لها قيمة مع اندلاع حرائق الأسعار سواء في السلع الغذائية الاساسية أم الايجارات أم وسائط النقل وحتى الدفاتر والقرطاسية  سيما والمدارس على الابواب؟
الحكومة ستراعي كل ذلك بالتأكيد ولن تترك الموظف يدفع بالشمال أضعاف ما قبض باليمين، و لن نسمح أن ينطبق عليه المثل المصري القائل: ( يافرحة ما تمت خذها الغراب وطار).


18
إلى أين تقودنا وسائل الإعلام؟
جورجينا بهنام
بين وقت وآخر تأخذ وسائل الإعلام العالمية على عاتقها، وكذا العربية على خطاها، الاهتمام بموضوع معين يتصدر عناوين النشرات الإخبارية ويحتل الصفحات الاُوَل في الجرائد فيغدو بين ليلة وضحاها حديث الناس ومركز اهتمامهم الرئيس ومحور حواراتهم في المجالس الأدبية والاجتماعية فضلا عن جلسات النميمة، ولا تكاد تمر فترة من الزمن حتى ينتقل الموضوع إلى الصفحات الداخلية أو يصبح خبرا على هامش نشرات الاخبار ثم يصل مرحلة الالغاء ويمحى كليا من الخارطة الإخبارية و ربما لا يجد له موطئ قدم في ذاكرة الناس وكأنه لم يكن.
وهكذا تضعك وسائل الإعلام داخل دائرة مغلقة وتصدّر لك اهتمامات لتضعها أنت دون أن تدري في مقدمة أوليات اهتماماتك فتنشغل بها وتتفاعل معها كأنها خبزك اليومي، فعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما تناولت وسائل الإعلام موضوع انتشار مرض السارس القاتل، أقامت الدنيا ولم تقعدها وخاف الناس أن يتحول هذا المرض الى وباء مستشرٍِ وشر وبيل، وهكذا الحال من بعده مع امراض اخرى كانفلونزا الطيور والخنازير والحمى القلاعية ولا ننسى جنون البقر وآثار كل منها على الجنس البشري، فوجه الجميع أنظارهم و ركزوا اهتمامهم على هذا الموضوع مبتعدين عن شراء اللحوم البقرية خوف جنونها، والضأن لقلاعيتها والطيور بأنواعها مخافة الأنفلونزا...وهكذا كلٌ في أوانه مع حالة من الرُهاب خوف أن تقضي هذه الأمراض عند استشرائها على نصف سكان الكرة الأرضية كما حصل حينما أدى الطاعون دورا بارزا في تخفيف الزحام على كوكبنا، من جانب آخر، قد تشهر بعض شركات المنتوجات الغذائية إفلاسها أو تغلق مصانع أبوابها في بلدان بعينها، وكأن الإعلام الحر كان موجها لايذاء اقتصاد دول بعينها والله اعلم، بينما في الوقت عينه تروج صناعة ادوية ولقاحات ومضادات فتنتعش اعمال شركات صناعة الادوية ولربما في بلدان بعينها ايضا فليس كل العالم بنفس المستوى من التقدم الطبي.
وحصل عندنا مثل ذلك ايضا ان توجه اهتمام الإعلام بشكل مكثف في زمن ما نحو انتشار مرض الكوليرا في العراق، وراح المتتبعون يحصون الحالات يوميا وعدد الوفيات والمناطق الموبوءة ثم خف هذا الاهتمام تدريجيا، وتوجه نحو التلاشي وكأن المرض قد اختفى بين ليلة وضحاها، نسي الناس كل الاحتياطات التي كانوا يتخذونها في حينه وابتعادهم عن تناول المرطبات كما تركوا اللحوم في زمن سابق، ليعودوا إلى الحالة الاعتيادية وكأن المرض قد زال.
عندما تحصل مشكلة في أبعد دولة في ابعد بقعة في العالم يلعب الاعلام دورا مهما في وضعنا في قلب الحدث كما يقولون، لنأسف أن حافلة انقلبت في طاجيكستان، ونحزن على ضحايا تصادم قطارين في الهند أو مصر، ونقلق من انهيار ثلجي حصل في القطب الشمالي، أو نشفق على نوع ما من الحيوانات التي باتت نادرة الوجود من خطر الانقراض.
ولاننسى ظاهرة الاحتباس الحراري التي وضعها العالم في رأس قمة سلم الاولويات وسلط الاعلام جل اهتمامه عليها (وهي جديرة بأكثر من ذلك) واطلع الناس على المبادئ العلمية والاسباب التي ادت الى هذه الظاهرة وما يحصل من ثقوب في الأوزون، وما نتج عن دخان المصانع والسيارات وبالتالي ارتفاع درجة حرارة الأرض، من ذوبان لثلوج القطب الشمالي واحتمال غرق مدن باكملها جراء ارتفاع مناسيب مياه البحار والمحيطات، وخاف الناس أن يكون طوفان نوح الثاني قادما في الطريق فيساهم هو الآخر في تخفيف الزحام، وماذا حصل بعد ذلك؟ زال اهتمام الإعلام بهذا الموضوع، أو تناقص على الأقل، وهكذا على سجيته اهتمام الناس تناقص، لان أحداثا جديدة تولد دائما، بعضها بشكل طبيعي وآخر بولادة قيصرية وربما تكون قسرية، لشغل الأذهان وتغييب العقول وإلهاء الناس عن أمور جسيمة وخطيرة بأخرى قد تكون على ذات المستوى من الخطورة لكنها لا تعنيهم فتكون كالقنبلة الموقوتة معدة ليفجرها الإعلام النزيه في الوقت المحدد لصرف الانتباه وتحويل الأنظار عما يدبر في الخفاء. وعلى سبيل المثال لا الحصر ما عادت أخبار الصراع العربي- الإسرائيلي تحوز ربع ما لأخبار محمد عساف من متابعة، ولا مشاكل التقاتل الطائفي في لبنان تنال عـُشر الاهتمام بأخبار زياد خوري، وكذا الحرب الدموية والمأساة الإنسانية المتواصلة في سوريا منذ أكثر من عامين لا تنال واحدا بالمئة مما تناله أخبار فرح يوسف من مساحات وسائل الإعلام، وجميع المذكورين من المتبارين في برنامج أراب ايدل الذي قال عنه الكاتب الإسرائيلي (نير ياهاف) انه كان أهم حدث تليفزيوني هذا العام في منطقة الشرق الأوسط، فيما أشارت صحيفة (يديعوت أحرونوت) الإسرائيلية إن الفلسطينيين وجدوا بطلا في محمد عساف، وأصبح لديهم أخيرا سبب للابتهاج. وأكدت على أن عساف نجح فيما فشل فيه كل قادة فلسطين والزعماء العرب، وهو توحيد كل الفصائل الفلسطينية تحت لافتة واحدة يحبها الجميع ويتمنون له التوفيق والفوز! فيما ذكر موقع العربية أن فوز عساف صرف نظر الفلسطينيين عن استقالة رامي الحمدلله رئيس الوزراء الفلسطيني المكلف بعد ثلاثة أسابيع فقط من تكليفه. ولعل الإعلامي المصري عمرو أديب كان مصيبا حينما قال:( الحمد لله أن أراب قد انتهى لنلتفت إلى مصائبنا).
وعلى هذه الشاكلة نرى ان احداثا جساما وقعت في الماضي وما زالت تقع في العراق وسالت انهار من الدماء غسلت شوارع بغداد ومدن العراق الأخرى، حتى كاد دجلة والفرات يصطبغان باللون الأحمر كما اصطبغ دجلة بالأزرق يوم اغتال هولاكو حضارة وثقافة بغداد في غابر الأزمان، لكن الاهتمام الإعلامي بمثل هذه المواضيع كان متباينا بين  محطة و أخرى، حسب التبعية ربما، فقد لا يحوز مئات يقضون في انفجار إرهابي في العراق ما يناله ثلاثة يقتلهم مختل عقليا في الولايات المتحدة، من الاهتمام والمتابعة والأضواء الكاشفة.
وهكذا يصدر الاعلام (اهتمامات) لنا وللعالم اجمع لنجعلها اهتماماتنا حتى وإن كانت تحدث في الأصقاع البعيدة ولو كانت لا تعنينا أو تمسنا، لكن تسليط الإعلام للاضواء الكاشفة عليها، يجعلنا وإن كنا في دوامة من العنف والفقر والبطالة ونحن أنفسنا مهددين بالانقراض، نخشى على حيوان (الكوالا) المسكين من ذات المصير.



19
المنبر الحر / مجرد سؤال
« في: 14:23 30/05/2013  »
مجرد سؤال

  جورجينا بهنام
 
شكل اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في أيلول 1980، نقطة تحول في حياة كثير من العراقيين، ومع توالي الأيام والشهور، أدرك كثيرون أن الحرب لن تضع أوزارها بين ليلة وضحاها ولن تكون مثل الحروب المعتادة مع إسرائيل، يوم أو يومان وأقصى حدودها حرب الأيام الستة. وإذ واصلت رحى الحرب دورانها لتطحن تحت صخرتها الجلمود أياما وشبابا وثروات، اعتقد البعض أن السفر والرحيل عن الوطن هو حل آني جيد، فنيران الحرب مستعرة على طول الحدود الشرقية وليس ثمة بارقة أمل في الأفق المنظور تشير إلى الساعة التي ستنتهي فيها تلك الحرب والنفق مظلم دامس والضوء الذي في آخره غير واضح المعالم، فشد ذلكم البعض الرحال و(شال ضعنه) إلى ديار الغربة مُلاما وغير مرضي عنه، حتى وإن كان يطمح للعودة بعد حين، ففكرة الهجرة لم تكن بعد قد اختمرت في أذهان العراقيين و حبل المودة والانتماء إلى الوطن لم يزل متينا عصيا على القطع، ثم إن الحرب كانت بعيدة ومقتصرة على الحدود الشرقية والمدن،  سيما الكبرى منها، آمنة، فلماذا الرحيل؟ وقبل أن يفكر غيرهم ذات التفكير كان السفر قد مُنـِع.
وبعد سنوات من الصراع والتضحيات والألم، وضعت الحرب أخيرا أوزارها، وأوفى من استطاع نذره واستعفي من نذر أمرا أشبه بالمستحيل ليفعله يوم تنتهي تلك الحرب البغيضة بعدما قطع الرجاء بأن يشهد ذلك اليوم ولكنه شهده أخيرا، وارتفع مؤشر السعادة وغادر مؤشر الطمأنينة مكانه المتدني المعتاد مسجلا نوعا من التحسن الملحوظ.
لكن أيام السلام لم تدم طويلا، ومهما كانت الأسباب قوية والحرب الاقتصادية من الأشقاء قائمة على قدم وساق، وسوى ذلك من الأسباب التي لم ولن تبرر اجتياح دولة جارة وشقيقة، ولسنا بصدد البحث عن مبرر أو مناقشة الآثار التدميرية لذلك الاجتياح، فحسبه انه كان دافعا قويا لبعض آخر من العراقيين، سيّما أولئك الذين امضوا زهرة شبابهم في جبهات القتال وما عادت فيهم صحة لا رغبة في المزيد، إلى البحث عن بلد آخر يعيشون فيه بأمان وسلام وكرامة. كانت حرب الكويت ثقيلة على العراقيين وعاصفة الصحراء حملت للعراق غبارا كثيفا وريحا صفراء سموما لم تبق ولم تذر، واشتعلت الثورات والانتفاضات في كوردستان العراق وجنوبه وإذ أخمدت بالطرق المعتادة تضاعف عدد المغادرين هذا فضلا عن الهجرات المليونية، والجنود الذين وقعوا في أسر قوات التحالف فعرضت عليهم أن تنقلهم إلى أي بلد يشاؤون، منهم من وافق، ومنهم من عاد إلى أمه ليكفكف دموعها أوالى أبيه ليكون عكازه في أيام مشيبه، وعداد المغادرين والراحلين عن الوطن يسارع خطاه، وحبل الانتماء فقد شيئا من متانته و منعته.
ولما كانت أيام الحصار الاقتصادي أمَّر وأقسى، ترحم معها البعض على أيام الحرب مع إيران وتمنوا لو أنها دامت الدهر كله، وبعدما باع كثير من العراقيين أثاث بيوتهم ليطعموا أولادهم، يوم كانت راتب الموظف الشهري لا يتجاوز الـ3000دينار عراقي والدولار الأمريكي الواحد يساوي ذات المبلغ، شرع بعض آخر بالمغادرة وصارت عمان عاصمة المملكة الأردنية محطة انتظار انتقالية بين نار الوطن وجنة الغربة! ولسان حال المهاجر يقول (نارك ولا جنة هلي) والعداد يسارع خطاه بل راح يهرول ليسجل أعداد المهاجرين، وحبل الانتماء شرع يستحيل خيطا.
ما انفك ذلك الجرح العميق ينزف قطرة إثر قطرة في صمت حتى لكمته أحداث ما بعد التغيير في 2003التي ظن كثيرون في بدايتها أن العراق سيغدو فردوسا وراح آخرون يهاتفون أقاربهم في ديار الغربة يدعونهم للعودة إلى ارض الوطن الحبيب الذي سيغدو كجنات عدن تجري فيه انهار من خمر وعسل، فأوفوا نذوركم يا معشر الناذرين، لأن الذي ظننتم انه جاثم إلى الأبد ها قد رحل، ولكن...
وصل العداد حالة من الانفلات أشبه بالانفلات الأمني وما عاد أي عداد مهما كان منشأه، قادرا على إحصاء الملايين التي راحت تغادر زرافات ووحدانا، اكتظت منها سوريا ومصر والأردن واليمن و ليبيا وما تلاها، وبلاد السويد وما جاورها وأرض العم سام وما ساواها وصار العراقيون الزبائن الأشهر للمنظمات الدولية للهجرة وسواها، ويشكلون الطابور الأطول لطالبي اللجوء، السياسي منه والإنساني، لدى منظمات الأمم المتحدة، لان الوضع ازداد سوءا وفـُقـِد الأمن وضاع الأمان، وقبلهم تلاشى الولاء للوطن وحل محله الولاء للعشيرة أو الطائفة أو الديانة وصار أبناء البيت الواحد يتصارعون فيما بينهم، ويستبيحون دماء بعضهم وصارت (الهزيمة هي كل المراجل وليس نصفها)، وخيط الانتماء ما زال يكابر محاولا الصمود والمقاومة.
 مع ويلات التهديد والتفجير والتهجير، اختار بعض آخر الا يبتعد عن هذه البقعة متمسكا بما تبقى من ذلك الخيط المتهالك، رحل عن بيته وأهله ومدينته إلى بيت أخيه وله فيه أهل وصحبة وأخوة وجيران، فاستقرت أعداد كبيرة من النازحين الباحثين عن الامان والاستقرار وفرص العمل والعيش بكرامة، في إقليم كوردستان العراق.
تمضي الأيام والسنون حاملة في ثناياها تغييرات كبيرة، فالذي هرب من نيران الحروب إلى اميريكا، بعد عام ونيف نال (البطاقة الخضراء/الكرين كارت) التي تمكنه من السفر إلى أي بقعة في العالم، وإن صبر خمس سنوات فقط صار مواطنا أمريكيا يحمل جوازا أمريكيا مكتوب عليه (حسبما يشاع): «حامل هذا الجواز تحت حماية الولايات المتحدة الأمريكية فوق أي ارض وتحت أي سماء». ومن قصد الأراضي الكندية فارا من الهوان باحثا عن كرامة الإنسان، فـ(1000) يوم من الإقامة الدائمة ستؤهله لحمل جنسيتها وجواز السفر الذي يقولون انه مذيل بعبارة: «سنحرك أسطولنا من أجلك». وكذا الأمر لمن كاد يغرق في البحر الهائج وهو يعوم نحو الحرية في السويد وسائر الدول الأوربية، فاز بعد سنوات معدودات بالجنسية وتمتع بمكتسبات نيلها ما بين ضمان صحي واجتماعي وسواها. أما من اختار الرحيل من الوطن الى الوطن فليس له أن يحلم بعد أعوام الإقامة الدائمة بنيل الجنسية، فمازالت هي ذاتها، وحسبه أن يتطلع بعد إقامة دائمة تعدت ما يلزم للجنسية الأمريكية والكندية وسواها إلى الحصول على ورقة إقامة دائمية، بعدما حمد الله لان طقوس تجديد الإقامة قد تطورت إلى إجراءات سنوية بعدما كانت فصلية، وشكر فضل رب العالمين بعد الاستعاضة عن استنساخ الأوراق الرسمية المدعوة بالمربع الذهبي وسواها كل ثلاثة أشهر، بقرص ليزري يحمل المعلومات المطلوبة. المقارنة ليست واردة لكن السؤال الملـِّح مازال يطرح نفسه: إلى متى؟ مجرد سؤال.


20
المنبر الحر / سباق القهقرى
« في: 19:45 14/05/2013  »
سباق القهقرى
جورجينا بهنام

يتفق كثيرون على أن الأفلام المصرية التي دأبت أجيال على مشاهدتها ومتابعتها، سواء عبر الشاشة الكبيرة في صالات السينما، عندما كان هذا الاختراع معروفا في العراق في القرن الماضي، أم عبر شاشة التلفاز الفضية، في تلك القنوات المعدودة التي لم تتجاوز في العراق حتى نهايات القرن الماضي عدد أصابع اليد الواحدة، وبدرجة اقل عبر أفلام الفيديو كاسيت التي كان لها هي الأخرى باعها في القرن الماضي، عبر كل هذه الوسائط وربما سواها، لعبت الأفلام المصرية وما زالت، تمارس دورا كبيرا في التأثير على حياة أجيال متعاقبة وعلى بناء شخصياتهم وتكوين أفكارهم وتشكيل نظرتهم إلى المحيط والعالم البعيد، بما يوازي ويزيد أحيانا على دور الأسرة.
وفي سنوات لاحقة دخلت الدراما التلفزيونية لتكون هي الأخرى عاملا مؤثرا يلعب دوره، الايجابي في الغالب بالنظر لكونها دراما عائلية تدخل منازل المشاهدين ويتابعها أفراد العائلة على إختلاف مستوياتهم الثقافية والتعليمية والعمرية، فتعمل الرقابة على تشذيبها وتهذيبها وإبعادها عن الإسفاف والابتذال.
عبرها، نعم عبر الأفلام والدراما المصرية تعرف كثير من العراقيين على كثير مما كانوا يجهلونه وربما يسمعون به دون أن يكون له وجود في حياتهم المغلقة نوعا ما، وفي كثير من الأحوال كان المثل الذي يقول:"تسمع بالمعيدي خير من أن تراه" ينطبق على كثير مما سمعنا به. فالمخدرات، على سبيل المثال، كانت ومازالت آفة مستشرية في مصر، ولكنها كانت ذات انتشار محدود وربما ضئيل جدا في العراق، ولم نتعرف على أسماء أنواعها المختلفة إلا عبر شاشات التلفزيون والسينما، وإن كان ذلك من سلبيات ما نقل إلينا، ولكن لابد أن نسجل لها أنها عرّفت أجيالا بمخاطر المخدرات ومصير متعاطيها، والويلات التي تحل به وبكل المحيطين به، فضلا عن رحلة العذاب التي يتجشمها من يرغب، إن كان يرغب، في تركها والتعافي من تعاطيها، ليكون فيها عبرة لمن يعتبر، فذاع صيت أفلام كثيرة صارت فيما بعد من كلاسيكيات السينما المصرية، ومنها: المدمن، الباطنية، النمر والأنثى وغيرها كثير، حدثتنا عمّا كنا لا نعلمه وحذرتنا من خطر ما كناّ نواجهه، فكانت بذلك مثل الحرب الإستباقية التي تشنها بعض الدول هذه الأيام.
 ومثل هذا الكلام ينطبق أيضا على موضوعة التعليم ما بين الحكومي منه و الخاص، أو ما يصطلح عليه بمدارس اللغات، التي كنا نشاهد أبطال الأفلام والمسلسلات يسعون جاهدين لتسجيل أبنائهم فيها، ويعملون ليل نهار في وظائف متعددة ليوفروا المبالغ الطائلة اللازمة لأقساط تلك المدارس. فيما كان كثير من العراقيين يرون فيها امرأ غريبا، في المدارس وفي العمل الإضافي أيضا، فلماذا المدارس الخاصة ومدارس الحكومة عامرة؟ وفيها من الأساتذة الأكفاء في كل التخصصات، فضلا عن الإدارات الحازمة، ما يوفر الأجواء العلمية والتربوية الملائمة لتخريج الأجيال الصاعدة وهي مسلحة بالعلم والمعرفة والتربية قبل كل ذلك. وكانت الأفلام تحمل إلينا مشاهد طلبة المدارس الإعدادية وحتى تلاميذ الابتدائية الصغار وهم مكدسون في غرف صغيرة، لكنها ليست غرف الصفوف في مدارسهم الحكومية المكتظة، بل في بيوت معلميهم ومدرسيهم التي تحولت إلى صفوف للدروس الخصوصية، يـُلقنون عبرها دروسهم التي لم تأخذ نصيبها من الاهتمام الواجب في المدرسة. ولأننا لم نكن نحيا في المدينة الفاضلة قطعا، كانت هذه الظاهرة معروفة لدينا ولكن ليس بنفس الكم والنوع.
ولا نعلم إن كانت المدارس الحكومية ما عادت تؤدي واجبها بالشكل المعتاد أم هي ظاهرة من الظواهر التي تغزو المجتمعات بين الحين والآخر أم هي الرغبة المجردة في تقليد الآخرين، التي دعمت ظهور المدارس الأهلية الخاصة بأشكال وأنواع كثيرة، حتى بات غير مستغرب أن تسمع من معلمين وأعضاء هيئات تدريسية، إن طالبت بأي تحسين  او اعترضت على أية سلبية في المدرسة الحكومية، ذلك الجواب المستهجن: "إن كان لا يعجبكم، إذهبوا الى المدارس الأهلية". فصار كثيرون يعملون في مكانين أو أكثر ليوفروا لأبنائهم فرص التعليم الجيد في إحدى هذه المدارس الخاصة، الأجنبية منها والمحلية، مع كل ما تقدمه من علوم وثقافات ولغات، بعد أن صار الازدحام أقل مشاكل المدارس الحكومية.
وفي مسلسلات وأفلام كثيرة، كنا نراقب بتعجب واستغراب شديدين، سعي الشباب المصري لا بل تسابقه وتدافعه على أبواب السفارات الأجنبية، وتحمله المشاق و الاهانة والمخاطر في سعيه ولهاثه وراء الهجرة الشرعية منها وغير الشرعية، إلى أية دولة كانت، ليهرب من واقع مرير ما كان بالإمكان احتماله مع ما ينطوي عليه من فقر وبطالة ومرض و عدم تكافؤ في الفرص، و ما كان يثير الاستغراب أكثر أن الغالبية العظمى من هؤلاء كانوا من حملة الشهادات العليا من الدبلوم إلى البكالوريوس والليسانس و حتى الماجستير والدكتوراه، وكثير من العمال المصريين الذين ضاقت بهم شوارع العراق يوما من الأيام كان كثير منهم من حملة الشهادات. فيما كان العراقيون في الغالب بعيدين عن مثل هذه الأفكار لان السفر، ببساطة، كان ممنوعا أصلا في ظروف الحروب التي مر بها البلد. لكن الوضع تغير اليوم، فأصبح العراقيون يحتلون مراتب متقدمة جدا في قوائم واستبيانات المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان والهجرة والمجتمع المدني، من حيث عدد اللاجئين والنازحين والفارين والساعين نحو الأمان واللجوء الإنساني والسياسي في كل بقعة من بقاع الأرض من ثلوج سيبريا إلى ثقوب الأوزون في نيوزيلندة، ومن سور الصين إلى شلالات كندا، وربما تجد عراقيا يطلب اللجوء في الصومال أو حتى في أفغانستان وربما في جزر القمر.
لا نعلم إن كنا قد تقدمنا أم تقهقرنا، لنصل اليوم إلى حال يشابه حال المصريين في ثمانينيات القرن الماضي، بعد أن كنا في خمسينياته وستينياته وحتى سبعينياته،  نقارب أوربا في الاعمار وبناء الجسور ومنها جسر بغداد المعلق الذي كان أول جسر معلق في الشرق الأوسط، وشق الطرق ومد السكك الحديد. وجامعاتنا تنافس على مراكز متقدمة في تسلسل الجامعات الأكثر رصانة في العالم، وعروض الأزياء كانت أمرا اعتياديا والموضة في أبهى حللها، وبناتنا قبل أبنائنا يتعلمون وينافسون أيضا في مجال البحث العلمي على المستوى المحلي والعالمي، والرياضيون والرياضيات يحرزون الميداليات في الألعاب الاولمبية ويرفعون علم بلدهم عاليا. لماذا نـُسارع الخطى لنحتل المراتب الأولى في المدن الأسوأ للعيش ومستوى الفساد وفقدان الحريات، لماذا نركض إلى الوراء؟   


21
الأمثال في توصيف الأحوال
 -2-
جورجينا بهنام
- تواصل جمعيات حقوق الإنسان والمنظمات الدولية أداء دورها السامي حول العالم، وتسجيل التعديات التي يعاني منها بنو البشر هنا وهناك ما بين القتل والتعذيب والاضطهاد والتمييز العنصري والديني و الاثني فضلا عن الرق والعبودية وسواها من المعانيات، وتسجل المنظمات الإنسانية كل تلك التجاوزات وتضع أمام المجتمع الدولي سجلات الدول المختلفة في مجال حقوق الإنسان وتصنفها ما بين دولة تراعي تلك الحقوق وأخرى تغمطها، رغم التقدير العالي لدور منظمات حقوق الإنسان في لفت الأنظار وتوجيه الاهتمام نحو معاناة البشرية المعذبة في أرجاء الأرض، إلا أن الدول والأنظمة التي تتجرأ على انتهاك حقوق الإنسان لن تستحي من إعلان ذلك على الملأ، فالمثل يقول: (إن لم تستح فافعل ما شئت)، إذ لا رادع يمنعها، وتبقى الشعوب المسكينة التي تكابد الأمرين تردد في نفسها المثل الشعبي الذي يقول:
(الـّي يعد العصي مو مثل الي ياكلها)

- لا يختلف اثنان على أن ما ارتكبه القذافي وسواه من الحكام الدكتاتوريين بحق شعوبهم، وأحيانا بحق شعوب أخرى شقيقة أو صديقة، كان بكل المعايير الإنسانية جريمة بل مجموعة جرائم ضد الإنسانية لا يمكن أن يتغاضى عنها دين أو قانون أو أخلاق، لكن ذات الدين والقانون و الأخلاق لا يقبلون جميعا أن يتعرض إنسان مهما كان مجرما أو دكتاتورا وحتى سفاحا، لمثل ما تعرض له القذافي على أيدي الثوار الليبيين وما نقلته الينا وسائل الإعلام من صور بشعة لا بل مقززة، للانتهاكات التي مورست ضد عميد الحكام العرب وملك ملوك إفريقيا وإمام المسلمين، كما كان يحلو له أن يطلق على نفسه، مابين ضرب وإذلال وصل حد الاعتداء الجنسي كما أظهرت مشاهد الفيديو المسجلة بهواتف الثوار النقالة والتي غزت مواقع الانترنت، كأن تصوير الحدث كان جزءا من العملية الثورية، ثم تناولته كثير من وسائل الإعلام التي أكدت انه تعرض لاعتداء مهين فضلاً عن عرضه عاريا بعد موته أمام الزوار، كلها أمور معيبة صدرت عن الثوار وسلطت وسائل الإعلام الضوء عليها. ولكن هل كان من العدل في شيء أن يسام القذافي وقد جاوز عقده السابع بسنوات كل هذا العذاب والإذلال على أيدي الثوار الشباب؟ وهل من الأخلاق في شيء أن تعامل عدوك بنفس الطريقة التي سبق وكنت معارضا كبيرا ضدها وناضلت سنوات لتسقط حكمها؟ لتتحول أنت بنفسك إلى دكتاتور صغير مرشح لينمو ويكبر ويصبح مشروع دكتاتور اكبر واكبر.
فهل كل من امسك زمام السلطة في يده تحول قطعا إلى دكتاتور؟ ناسيا الظلم الذي قاسى والكبت الذي حارب والشعارات التي رفع والعدالة التي نشد، ونسي انه:
(ما صارلو بالقصر الا من امبارح العصر)
كثير من الدول اليوم تشهد انتهاكات تفوق بأشواط انتهاكات الأنظمة التي أسقطتها ثورات ما اصطلح عليه (بالربيع العربي)، ففي تونس على سبيل المثال، أفادت نتائج استطلاع رأي قام بإجرائه "معهد سيغما كونسي" ونشرته صحيفة المغرب التونسية أن (42 %) من التونسيين يعتقدون أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في تونس كانت أفضل في عهد الرئيس السابق بن علي مما هي عليه الآن. وكذا السودان الذي رغم انشطاره إلى جزئين لم تهدأ فيه الأحوال وما زال وضعه في مهب الريح، واليمن يراوح في مكانه وشبابه يتساءلون لماذا نجحت الثورات هناك ووئدت لدينا او جيّرت لحساب آخرين؟ و السلطة الجديدة رغم تعديلاتها الأخيرة ليست بأفضل من سابقتها. وصولا إلى مصر التي وإن كانت شهدت ثورة معلوماتية موازية لثورة الشباب فيها، إذ تشير الإحصائيات إلى ازدياد عدد مستخدمي الانترنت بـ(1.9)مليون شخص بعد الثورة، لكن كل المؤشرات الأخرى تبدو مرعبة، فالفقراء ازدادوا فقرا والحريات باتت في أضيق نطاق وما قضية باسم يوسف الإعلامي الساخر التي أعادت إلى الواجهة المأساة التي تحياها حرية الرأي في مصر الا نموذج بسيط، صحيفة (ذا أوركال الأمريكية) علقت على ذلك  بأن عملية إلقاء القبض عليه هي حيلة من الحكومة المصرية لإسكات الأصوات المعارضة لـ (مرسي) وحكومته التي ترى الصحيفة أنها يجب أن تتذكر أنها في السلطة فقط لأن المصريين اجتمعوا واسقطوا النظام الظالم السابق. والمثل يقول:
(لو دامت لغيرك لما وصلت اليك)
وأوضحت الصحيفة أن ما حدث هو هجوم واضح على الحقوق التي تعهد (مرسي) في مراحله الرئاسية الأولى أنه لن يخترقها، وكأن (كلام الليل مدهون بزبدة يطلع عليه النهار يسيح)، وأن ما حدث لـ (يوسف) يظهر أن منطقة الشرق الأوسط مازالت بعيدة عن منح شعبها الحرية الكاملة من الاضطهاد الحكومي. ولأسباب مجهولة أعلنت الحكومة تاليا أنها سحبت كل بلاغاتها ضد الصحفيين والإعلاميين.

وهكذا يبدو أن كل من جلس على الكرسي نسي انه من الشعب ونسي انه سـُجن وعذِّب واُذل، وراح يمارس بدم بارد ذات السياسات التي كان (يدعي) انه يناضل ضدها. ألا ينطبق على حالهم المثل الشعبي الموصلي يقول ما معناه:
( قالوا للحماة: يا حمى ... اما كنتِ كنة؟... قالت: كنت ونسيت!).
أم أن لسان الشعوب دائما يقول:
(كلمن حكم بينا ظلم)
 وربما ذلك المثل الآخر:
(لاحاكم ولا حكيم ..إلا وجه الكريم)
- صارت الكهرباء او كما يطلق عليها البعض (ام المشاكل) كذلك بالفعل، وبات أمر عودتها إلى الوضع الطبيعي الذي تعيشه كل دول العالم المتقدم ونصف المتقدم، حلما يراود كثيرا من العراقيين، ولان الصيف الحار بات على الأبواب وما نسي العراقيون ما قاسوه من حره الشديد في الأعوام الماضية، وبعد أن (تقلـّوا وتشوّوا) على ناره الهادئة، جاءتهم قبل عام ونيف، تصريحات واحد من ارفع المسؤولين في الدولة في مجال الطاقة والكهرباء فأثلجت صدورهم، الذي أكد للمواطنين بأن الصيف القادم سيكون أكثر راحة للشعب العراقي وانه سيشهد تحسنا ملحوظا في ساعات التغذية الكهربائية، لا بل زاد على ذلك بأن العراق سيصدر تلك الطاقة إلى دول الجوار، بعد إنجاز المحطات العملاقة التي عاد المسؤول وأكد قبل أيام أننا سنشهد افتتاح واحدة منها كل شهرين أو ثلاثة في أسوأ تقدير لنصل في نهاية العام إلى تيار كهربائي متواصل دون انقطاع سوى في رزق أصحاب المولدات الأهلية التي قال مسؤول آخر أن نهاية العام الحالي ستكون نهاية الاعتماد عليها.
بعد أن تمثل العراقيون طويلاً الحكمة التي تقول: (الصبر مفتاح الفرج)  خلال سنوات من الأزمة وسنوات من البحث عن حل، لم تظهر أثناءها لهذه الأزمة أية حلول معقولة رغم المليارات التي صُرفت لإنشاء محطات توليد كهرباء عملاقة، والمليارات الأخرى التي صرفت لاستيراد مولدات صغيرة لكل منزل عراقي، لا يجوز أن يقال على تصريحات مسؤول رفيع:
( خليك ورا الكذاب لحد الباب)
لكن يمكن أن يصلح المثل الذي نسمعه من إخواننا المصريين الذي يقول:
(اسمع كلامك اصدقك أشوف أمورك استعجب!)


22
المنبر الحر / صراع المصطلحات
« في: 19:43 03/04/2013  »
صراع المصطلحات
  جورجينا بهنام
نسمع كثيرا عن حرب هنا وأخرى هناك، لابل امتلأت الدنيا بأخبار الحروب الطاحنة وقودها بنو البشر من كل جنس ولون وعرق، وباتت أخبار الصراعات والنزاعات والحروب أمرا عاديا ما عاد يثير في النفوس كثيرا من المشاعر بعد أن تجمد بعضها وتبلد بعض ومات آخر لفرط ما رأى وسمع وشاهد.
لكن الحروب ليست كلها التي تدور رحاها في ساحات المعارك فقط، وما كل الأسلحة سيوف ومدافع وطائرات، فالصراعات لم تترك بابا إلا وطرقته، وربما تستعر حرب من نوع آخر وقودها كلمات سنت حروفها  لتغذي صراع المصطلحات حامي الوطيس، حتى ولدت هذه الحرب الحبلى دائما بالمفاجآت، مصطلحات جديدة و توصيفات مستحدثة لم تألفها الآذان ولا تشنفت بها الأسماع، وفي غمارها أيضا تلمع  مصطلحات أخرى كانت تحيا في الظل وتستتر بعيدا عن الضوء، عندما تسلط عليها مستجدات الحياة ومآلات الأمور، كشافات من الضوء الساطع وليس مجرد بقعة ضوء صغيرة.  ولان لكل حرب ضحاياها، سقط في غمار حرب المصطلحات هذه، البعض صرعى وغيبتهم مصطلحات لها من القوة والدعم اللوجستي ما أهلها لسحق المقابل فاحتلت قلاعه و هدمت حصونه.
ولو استقرأنا بعضها لوجدنا على سبيل المثال لا الحصر مصطلحا قديما كالـ(الفرهود) الذي كان أول العهد به أيام هجرة اليهود من العراق في أربعينيات القرن الماضي، والمتكون في الأصل من مقطعين (فرَّ اليهود)، ذلك الفرار تلته عمليات سلب ونهب لممتلكات اليهود المرحلين، فصار على إثرها كل عمل مشابه هو الفرهود، ومع تقادم الأعوام لم يصمد سبب التسمية في ذاكرة الناس، حتى فرَّ  أخيرا المصطلح و سقط هو الآخر صريع آخر أقوى وأشد بأسا، ذلكم هو (الحوسمة) التي كانت سببا في ارتفاع كثيرين وسقوط آخرين، ولعل الذاكرة ما زالت تحتفظ بمصدره وسببه، (الحواسم)، وهي التسمية الإعلامية للمعارك الأخيرة قبيل التغيير في 2003، وما تلاها من عمليات سلب ونهب.
وبين الزمنين، سمع كثيرون هذه العبارة الأثيرة (إزالة آثار العدوان) التي كان أول العهد بها  أيام الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر بعيد (العدوان الثلاثي) على مصر 1956 وذاعت بعد (النكسة) في  حزيران 1967، وإذ توالت الحروب والاعتداءات والاجتياحات هنا وهناك، بغض النظر عن نتائجها سواء  كانت ضمن قائمة الهزائم أم الانتصارات، وبعد أن تحولت النكسة إلى (وكسة) –بحسب المصطلح المصري- فقد كان لابد دائما من (إزالة آثار العدوان) الذي صار (ثلاثينيا) أعقبه (حصار جائر) لزم معه ظهور (البطاقة التموينية) علها تفلح في إزالة آثار العدوان، قبل أن تصبح هي الأخرى من (الفلول) أو ربما كانت من (أزلام النظام السابق) وباتت مبتلاة بمرض (الفساد الإداري والمالي) ولابد من إحالتها إلى (المساءلة والشفافية والنزاهة)  فإن لم تفلح معها، كان آخر الدواء (الاجتثاث).
ولأنها حرب، هنالك آخرون فـُقـِدوا ومازال مصيرهم مجهولا، فما عدنا نسمع عن (الوطن العربي)ولا بـ(تحرير فلسطين). وفي معركة أخرى فقدت عبارات مثل (حسني الخفيف/استخدمت في مرحلة ما لوصف الرئيس المصري السابق) و(المتذبذب كلنتون) وسواهما.
فيما بقيت ثلة صامدة تصارع بشراسة عن آخر موطئ قدم لها غير مقتنعة بالهزيمة أو الانسحاب أمام مصطلحات جديدة فرضتها متطلبات المرحلة، فعبارة مثل (نشجب ...ندين.... ونستنكر) وأختها (نحتفظ بحق الرد بالشكل والمكان المناسبين) وشقيقتهما الصغرى (لاصحة لما يتردد عن...) كلها من العبارات الصامدة التي أبت وأبى الزمن أن يَعفى عليها، رغم بزوغ شمس (الفوضى الخلاقة) على (الشرق الأوسط الجديد) ليتبرعم فيه (الربيع العربي) الذي مازالت ثماره فجة غير ناضجة وغير صالحة للاستخدام الآدمي.
 والأمل معقود بالقرائح العامرة التي جادت بهذه أن تدبج في المستقبل خيرا منها، ولكن إن جفت القرائح واضمحلت المواهب وفقدنا الجديد في المصطلحات وتصحر بستان المصطلحات وبارت بضاعته، عندها ما العمل؟
 


23
الأمثال في توصيف الأحوال
(1)
جورجينا بهنام
تشكل الأمثال الشعبية خلاصة تجارب الآباء الأجداد، وخواتيم لحكايات وأساطير قديمة درج الناس على ذكرها وتمثلها، حتى أدى تكرارها إلى ذهابها مثلاً، لان الحكمة الشعبية جزء لا يتجزأ من تراث الشعوب العريقة ذات الجذور الموغلة في التاريخ، وفرع من الموروث الأدبي المنقول شفاهاً، من جيل إلى جيل، تحفظها ذاكرة الشعوب وتنقلها دون تعمد إلى الأجيال التالية لتصبح جزءاً من التقليد المتوارث، وعمادا أساسيا لأفكار ومفاهيم وأسلوب تفكير ذلك الشعب ، لتعكس، على الأغلب، الإطار العام الرئيس الذي تدور فيه حياة هذا المجتمع أو ذاك، وكلما ضرب لك احدهم مثلا سبقه بالقول (الأمثال تضرب ولا تقاس)، و لأنها خلاصة تجربة عميقة، ووسيلة مختصرة للتعبير عن خبرة قد يطول الحديث عنها، ولأنها تضرب ولا تقاس، ربما كان من الممكن أن تضرب في حالات كالتالية:
- العراق بلدنا بلد الثروات اللامحدودة، النفط أولها وآخرها علمه عند الله، غني بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ، ومصادر ثروته تكاد تفوق او تتفوق على مصادر ثروات كثير من الدول المجاورة وغير المجاورة، سيما الدول النفطية. ولكن شعبه لا يحظى بذات الرفاهية التي تحظى بها شعوب أخرى، مستوى الفقر عنده في تصاعد وعدد الأيتام والأرامل دون معيل ولا كفيل في تزايد، ولا تقدم الدولة فيه لمواطنيها ابسط الخدمات، إذ لا تكفل لهم الرعاية الصحية اللازمة مثلا، او توفر مواد البطاقة التموينية الأساسية، ولعل المثل الذي ينطبق عليه هو:
( مثل الجمل يحمّل ذهب وياكل عاگول).
- يزور الكثيرون من أبناء محافظات العراق إقليم كوردستان – العراق، وبمزيد من الإعجاب والاندهاش ينقلون صورة التطور العمراني والحضاري الذي يشهده الإقليم عندما يعودون إلى ديارهم، ويروون بفخر واعتزاز ما حققه من تطور ويخصون بالذكر (ام المشاكل: الكهرباء) فهي متوفرة بنوع أفضل في الإقليم عدا الأمور التفاضلية الأخرى. فهل ينطبق عليهم المثل الذي يقول:
(تتباهى القرعاء بشعر اختها الطويل)؟.
- كثيرة هي البلدان والدول التي شهدت ثورات عارمة، او ما اصطلح عليه بالربيع العربي، طارت مع رياحه حكومات وسقطت أنظمة وتزلزلت الأرض تحت أقدام دكتاتوريات عنيدة، لكن شعوبا أخرى في ذات المنطقة، تعيش أحوالا ليست بأفضل من تلك التي عاشتها الشعوب المنتفضة، ورغم ذلك ما زالت صامتة ولم تحرك ساكنا وكأن نسيمات الربيع العربي لم تعرف طريقها إلي أجوائها. أم لعلها تتمثل المثل القائل:
(مجنون تعرفه خير من عاقل تجهله).
- ومع الحديث عن الربيع والخريف والصيف....تاهت بعض الشعوب في متاهات الصراع بأشكاله المختلفة، ورغم فظاعة فترة حكم الأنظمة السابقة فقد كان لها من اسمها نصيب وإن كان يسيرا، الا وهو النظام، في ظل الفوضى السائدة يحن البعض للأيام الخوالي ولكن عبثا، فهل يصح فيها المثل الشعبي:
(لاحظت برجيلها ولا خذت سيد علي)؟.
- في ذات السياق، كان العراق سباقا في في مجال التحول نحو الديمقراطية، ويكاد يكون الدولة الرائدة في المنطقة بأسرها، عانى بعد التغيير ولسنوات، من ويلات الاقتتال والصراعات الداخلية التي حملت شعارات مختلفة، ورغم ذلك، حين سنحت الفرصة للآخرين ليرتقوا سلم التغيير أعادوا ومازالوا يعيدون سيناريو الأخطاء ذاتها في صراعات لم تقرأ ولا حرفا واحدا من التاريخ الحديث فما بالها بالقديم. ولم تستفد قيد أنملة من تجربة العراق. أكان يقصدهم من قال:
( العاقل من اتعظ بغيره والجاهل من اتعظ بنفسه)؟.
- وأخيرا اخبرونا مرارا أن (الثورات يصنعها الفلاسفة والمفكرون، ينفذها الثوار الشجعان، ولكن يجني ثمارها الانتهازيون)، ولعل ذلك ينطبق على ما آلت اليه الأمور في كثير من دول ثورات القرن الحادي والعشرين، ليكون لسان حال ثوارها الشباب:
( يا من تعب يا من شكا ويا من على الحاضر لكا).

 

24
مرسي واردوغان وحريم السلطان

جورجينا بهنام

قبل عام وبعض العام، لو سألت شخصا من العامة لا ينتمي إلى طبقة المثقفين الأكاديميين، أو ربة بيت تستقي ثقافتها العامة من برامج التلفزيون سيما المسلسلات المدبلجة بمختلف انتماءاتها، مكسيكية كانت أم تركية، وحتى بعض المتعلمين و كثيرا من حاملي الشهادات الجامعية وعددا غير يسير من الموظفين و الطلبة والمدرسين والأطباء والحرفيين، لو سألت أحد هؤلاء عن السلطان العثماني سليمان القانوني، لجاءك الجواب سريعا على الطريقة العراقية: هذا وين يزيـّن؟
 لكن الحال اليوم تغير كليا ومعيار الثقافة التاريخية في شقه المتعلق بالسلطان سليمان على وجه الخصوص ارتفع إلى الذروة القصوى بعد النجاح الساحق الماحق الذي لا سابق له ولا لاحق و نسب المشاهدة غير المسبوقة للمسلسل التركي التاريخي المدبلج إلى العربية (القرن العظيم) او(مئة عام من العظمة) الذي أختير لتسويقه التجاري عربيا اسم (حريم السلطان)، ذلك النجاح بل التفوق الذي أبهر حتى القائمين على مشروع دبلجته وتسويقه عربيا، بعد أن اجتذب إقبالا إعلانيا منقطع النظير حتى بات وقت عرضه ينقسم مناصفة بين الأحداث الدرامية والإعلانات التجارية، مسقطا بالضربة القاضية ومن الجولة الأولى أسطورة العرض الرمضاني للمسلسلات الأكثر نجاحا وساعات المشاهدة القصوى ونجوم الشباك وسواها من نظريات الجذب التلفزيوني. لانه ببساطة لم يبحث عن موسم مميز للعرض بل خلق لنفسه المواسم بمجرد عرضه، محققا نسبة مشاهدة لا تحققها كل المسلسلات المصرية والسورية مجتمعة.
تحول هذا المسلسل بين ليلة وضحاها إلى حديث المنتديات والمواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، والمجالس والسهرات العائلية والنميمة النسوية التي تتداول أحداث الحلقات المعروضة وتتوقع سير الأحداث التي شدَّت المشاهد العربي بكافة شرائحه وفئاته، مقدما درسا خصوصيا في التاريخ العثماني وعن سلاطين بني عثمان وأبرزهم السلطان سليمان القانوني عاشر السلاطين وأوسعهم شهرة، ذلك السلطان الشاب الذي تولى إدارة السلطنة وهو في السادسة والعشرين من عمره خلفا لوالده السلطان سليم الأول، واضعا نصب عينيه طوال فترة حكمه التي دامت لأكثر من 46 عاما  هدف تأسيس إمبراطورية أوسع وأعظم من إمبراطورية الاسكندر الكبير وأن يجعل من العثمانيين قوة لا تقهر في فترة حكم تعد الأطول في تاريخ سلاطين بني عثمان.
سليمان، لم يكن محاربا فقط بل صائغا و شاعرا و راعيا كبيرا للثقافة ومشرفا على تطور الفنون، وفي عهده سنت القوانين المنظمة للحياة العامة، ومنها جاء اسمه (القانوني)، في دولته التي اتسعت رقعتها كثيرا بعد سلسلة الفتوحات والغزوات الناجحة التي خاضها السلطان الشاب على الجبهتين الشرقية والغربية، إذ نجح في ضم العراق وتبريز بعد انتصاره على الدولة الصفوية في حملات متتالية، فضلا عن فتح جزيرة رودس وبلاد المجر ومحاصرة النمسا، كما نجح الأسطول العثماني في عهده في بسط سيطرة الدولة على البحر المتوسط وشمال افريقيا حتى تونس، ليغدو البحر الأبيض المتوسط بحيرة عثمانية. فضلا عن كل هذه الجوانب الايجابية، قدم المسلسل جانبا آخر من حياة السلطان العظيم كانت فيه حكايات الحرملك و خبايا القصور العثمانية في تلك الفترة عنصر جذب لايقاوم سيما صراعات و مكائد النساء الجميلات ونفوذهن في القصر السلطاني، ومشاعر الحب والعشق والكراهية والدسائس التي قد تلعب بمقدرات الدولة، محاولين عدم المساس بشخصية السلطان ونفوذه، فما كان هو البطل الرئيس في العمل بل زوجته السلطانة خُرّم (هويام) التي تعرف في الأدب الأوروبي باسم روكسلانة، جاريته الجميلة صاحبة النفوذ الكبير والتأثير الواسع على السلطان، الذي بلغ حد أنها نجحت في جعله يتزوجها زواجا شرعيا، إذ تخلى السلاطين العثمانيون عن الارتباط الشرعي مكتفين باتخاذ المحظيات بعدما أرغم تيمورلنك المنتصر في معركة أنقرة زوجة السلطان بايزيد صربية الأصل، على أن تقوم بالخدمة خلال حفل انتصاره وهي عارية تماماً، مما أدى إلى وفاة زوجها السلطان حزنا وغضبا، ومنذ ذلك الوقت لم يعقد سلاطين آل عثمان زواجاً رسمياً، حتى لا يتعرضوا لإهانات مماثلة في أشخاص زوجاتهم إلا أن سليمان القانوني استسلم لرغبة (السلطانة هويام) فعقد قرانه عليها(كما تحدثنا المصادر التاريخية).
فجاء العنوان العربي للمسلسل أكثر صدقية لأنه يركز على حكايات الحريم والحرملك أكثر من تركيزه على بطولات القائد العسكري المحنك الذي تعد سنوات حكمه –حسب رأي المؤرخين- العصر الذهبي للإمبراطورية العثمانية، فجاء هذا المسلسل منسجما مع الرغبة السائدة في تركيا هذه الايام لتمجيد الشخصيات التاريخية سيما العثمانية منها، كونها تمثل الأسلاف العظام للعثمانيين الجدد، لكن تقديم السلطان بهذه الصورة المتراخية وتعلقه بالنساء وخضوعه أحيانا لقراراتهن أثارت حفيظة كثيرين وكان في مقدمتهم الرئيس المصري محمد مرسي الذي انتهز فرصة زيارة رئيس الوزراء التركي لمصر لا ليبحث الشؤون الاقتصادية والعسكرية ولا حتى التعليمية معه، بل لينبه المسؤول التركي الرفيع، وريث السلاطين، والعثماني الجديد الى الخطر المحدق بالأمة وتاريخها وسيرة سلاطينها العظام من خلال ما يقدمه مسلسل (حريم السلطان) الذي يبدو أن مرسي من متابعيه، فانتفض الحفيد غيرة على تراث الأجداد لأن الخطر كبير والأمر جلل لا يحتمل التراخي ولا التغاضي. فبادر أردوغان فور عودته إلى تركيا إلى الاستفسار عما يعالجه المسلسل الذي لم يكن قد شاهده مسبقا والهجوم عليه. وسارع آخرون لإعداد مسودة قانون لمنع إنتاج وعرض المسلسلات التي ترى الحكومة أنها تتعارض و عادات المجتمع التركي وتقاليده أو تشوه التاريخ العثماني، حتى بات البعض يرى أن أيام المسلسل باتت معدودة، وان جزءه الرابع ربما لن يرى النور، رغم الكرم الواضح حد البذخ في إنتاجه ديكورا وملابس وإكسسوارات أوصلته الى الشهرة العالمية، هذا فضلا عن الـ(70) ألف شكوى المقدمة ضده حتى الآن.
يرى المراقبون أن اردوغان يسعى دوما لإضفاء القدسية على تاريخ آل عثمان والتهجم على تاريخ مصطفى كمال أتاتورك ورفاقه من الجمهوريين، متغافلا، كما تغافل المسلسل عن مظالم السلطان سليمان، عن العصور المظلمة والمظالم الفظيعة التي وقعت أيام الحكم العثماني سواء في ولايات ما يعرف اليوم بالعراق أو سائر الأراضي والبلدان التي تقع ضمن الحدود السابقة للدولة العثمانية، ويتغافل معهم متابعوه أيضا عن ذلك التاريخ الأسود الذي أوقع بلادهم في هوة عميقة من الجهل والفقر والمرض والتخلف، ناهيك عن التفرقة العنصرية على أساس الدين والعرق وسياسة التتريك والإذلال للشعوب الأخرى، مغمضين عيونهم عن المساوئ ساعين لإبراز المحامد متناسين أن للتاريخ ذاكرة لاتبلى تذكر المحامد ومعها المساوئ، وكما ترفع السلاطين والحكام والملوك وتؤلـّه بعضهم لانجازاتهم وأعمالهم أو خوفا من جبروتهم وتسلطهم وظلمهم، فإنها –تلك الذاكرة- هي التي ترمي آخرين في مزبلة التاريخ دون أن تشفع لهم مسلسلات أو أفلام ولا حتى مشاريع إعادة كتابة التاريخ.

25
من أين لنا بنوح جديد؟




جورجينا بهنام
حاز الماء اهتماما وتقديسا واسعين من الجنس البشري عبر التاريخ، وكانت له مكانته وقدسيته لدى الحضارات الموغلة في القدم، سيما الحضارات التي نشأت في الأساس على ضفاف الأنهار، كحضارة وادي الرافدين في العراق القديم والحضارة الفرعونية في مصر القديمة والحضارات التي نشأت في الهند واليمن وسواهما. فقد أدرك الإنسان في وقت مبكر أهمية الماء في حياته ولعله حين شعر بالعطش لأول مرة، وروى ذلك السائل العجيب عديم اللون والطعم والرائحة غليله، عرف أن لا غنى له عنه، فشرع يقدسه ويتبرك به وبمصادره، وحين تطور به الحال وعرف الزراعة، بحث عن مصادر المياه ليستقر قربها ويؤسس حضارات عظيمة عرفت بأسماء انهار عظيمة، وأبتدع آلهة للمطر يدعوها فترويه ومحاصيله بأمطارها الغزيرة ويتوسلها لتبعد عنه خطر القحط والجفاف.
وتطور ارتباط الإنسان بالماء مع تطور معتقداته الدينية، فمازال المصريون يحيون عيد وفاء النيل حتى يومنا هذا بذات طقوسه التي تعود لسبعة آلاف عام، الا أنهم تخلوا عن العادة الفرعونية بإلقاء عروس خشبية في مياهه، وما برح نهر الكانج مقدسا لدى الهندوس يرومون ان يلقى رماد رفاتهم فيه فضلا على الغطس فيه تطهرا من الشرور، كما يرتبط الماء ارتباطا وثيقا بطقوس ديانات أخرى، ففي نهر الأردن اعتمذ السيد المسيح له المجد على يد يوحنا المعمذان (يحيى بن زكريا) وماانفك التعميذ متواصلا لدى المسيحيين وبنوع اشمل وأوسع لدى إخوتنا الصابئة المندائيين الذين يرافق الماء والغطس فيه طقوس الميلاد والزواج والوفاة لديهم.
ومع مرور السنوات والعقود والقرون وتقدم الحضارات من اختراع العجلة والري بالنواعير إلى الصعود إلى القمر والكواكب الأخرى التي وإن كان احدها من الماس الخالص لكنها خلت من اي أثر للماء حتى هذه الساعة. وما بينهما بنيت سدود وشيدت عليها محطات لتوليد الطاقة الكهربائية أساسها وجود الماء، فلم يفقد الماء قدسيته عبر السنين بل تبوّأ مكانة أعظم بعدما تعالت التحذيرات هنا وهناك من ان الحرب القادمة لن تكون من اجل النفط ولا طمعا بمزيد من الأراضي بل هي حرب المياه. وقد لاحت راياتها الاولى عندما بادرت دول الجوار لإقامة المزيد والمزيد من السدود العظيمة على روافد دجلة والفرات وما لحق مناطق عديدة من العراق من الجفاف إثر ذلك حولت نهرينا العظيمين الى ساقيتين يمكن عبورهما خوضا على الأقدام، وما لحق نهر الوند الذي يشق خانقين، خصوصا، من جفاف مسحه عن الخارطة، لكن ربك بالمرصاد، فقيض لهذه المياه الهائلة المحصورة وراء السدود العملاقة ان تسري تحت الأرض وترفع منسوب المياه الجوفية في بلادنا التي عانت لسنوات من الجفاف وإنخفاض معدلات التساقط ما بين مطر وبرد وثلوج، فتعالت دعوات العراقيين المظلومين الى ربهم ليمطر عليهم من بركاته فكانت دعوة المظلوم التي لاترد...وفتحت السماء مغاليق خزائنها المائية وأغدقت على البلاد فيضا بلل الأكف الضارعة وغسل الوجوه الواجمة وافاض القلوب المتحجرة، ولكن..جاءنا الخير من حيث لم نحتسب فغرقنا في شبر ماء كما يقول المصريون، ربما في شبرين، حقا لقد غرقنا وكانت اولى زخات الخير سببا في غرق مدن الموصل و واسط وديالى ثم احالت المطرة الثانية، ليوم واحد فقط، العراق كله تقريبا الى بركة كبيرة وصل منسوب المياه فيها الى 55سم فوق مستوى سطح المنزل، وصارت بلاد النهرين بلاد الأنهار وبات كل شارع فيها رافدا لدجلة والفرات واستحال البلد الى فينيسيا جديدة لاتنقصها الى الجندولات بعد ان استحال التنقل بوسائل النقل البرية. وفاضت مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك واليوتيوب وغيرها بصور مفزعة للضيف الذي دخل المنازل غير مرحب به، واتلف ما تبقى للفقراء من فرش ومؤونة حتى ان عوائل كثيرة قضت لياليها على اسطح منازلها هربا من الغرق، وحوصر المعتاشون يوما بيوم في منازلهم دون عمل ولا مصدر رزق لان الامطار التي هطلت ليوم واحد حاصرت مياهها، بالتعاون مع مياه المجاري الطافحة، المواطنين اكثر من اسبوع وأبت ان تبارحهم قبل تحيل انظارهم الى الجانب الايجابي، علَّ هذا الشعب الذي ما انفك يطالب بالخدمات يعي قيمة ان تتحول صالة منزله الى مسبح مغلق، او يحل الجاكوزي عوضا عن غرفة نومه فيعي المستوى الراقي الذي وصلت اليه الخدمات إذ ربما يبدع في استغلال هذه الثروة المائية لتوليد الكهرباء التي طالما تباكى عليها.
حين فاض نهر دجلة عام 1954 قبل اكثر من نصف قرن من الزمان، كان ذلك حدثا جللا عملت الحكومة بكل مفاصلها للتقليل من آثاره، وجادت معه قرائح الشعراء بقصائد غطت الحدث، وكانت اشهرها قصيدة نازك الملائكة التي شبهت فيضان النهر بالحب الجارف الراغب بطبع قبلاته الطينية على خدود محبيه، فأين قرائح الشعراء اليوم مما حصل في بغداد والحب الذي طغا متجاوزا القبلات الطينية بمراحل.
في تراث كل الشعوب وادبياتها نقرأ قصصا عن الطوفان العظيم المعروف بطوفان نوح، تحكي عن طوفان حصل بسبب طغيان البشر على الأرض، ورغم بعض الاختلافات في التفاصيل تبقى القصة شبه موحدة في ديانات ومعتقدات أمم كثيرة حول الأمطار الغزيرة التي أغرقت الأرض ومن عليها ولم ينج منها إلا ركاب الفـُلك العظيم.
وإذ يعتقد البعض أنها قصة من نسج الخيال او هي محض أساطير، أجرت بعثات تنقيب عن الآثار حفرياتها في بلادنا سعيا لتأكيد حدوث ذلك الطوفان العظيم كحقيقية تاريخية لا تقبل الجدال في حدود الألف الثالث قبل الميلاد، وبالفعل أكدت تلك التنقيبات حصوله، مستندين إلى اكتشاف طبقات سميكة من الغرين النقي تفصل بين آثار حضارتين في موقع مدينة اور الأثرية وعلى أعماق متباينة حيث سادت حضارات متعاقبة ثم بادت إذ تبين بأن تلك الحضارة ضربها طوفان رهيب وأن حضارات نشأت مكانها تدريجياً. وينقل عالم الآثار (ماكس مالوان) عن سير ليونارد وولي: (الطوفان هو الدليل الوحيد الممكن لهذا الطمي الهائل تحت التلة في مدينة أور، الذي فصل بين حضارتين).
ومع تواصل عمليات التنقيب تعرف العالم على قصة الطوفان السومرية كأقدم المصادر عنها، والتي تحدثنا عن ملك تقي أُخبـِر بالقرار الذي أعده مجمع الآلهة بإرسال طوفان عظيم ترافقه العواصف والأمطار التي استمرت سبعة أيام وسبع ليال، وحافظ ذلك الملك على الجنس البشري من الفناء ببنائه سفينة الإنقاذ. وعلى غرارها ما ورد في ملحمة كلكامش عن الرجل الذي أمرته الآلهة أن يحمل على سفينته بذور كل شيء حي، ومثلها القصة البابلية، لكن أشهرها هي قصة طوفان نوح الواردة في التوراة التي كانت تعد الأقدم قبل أن تستجد في التنقيبات أمور وأمور، الخيوط الأساسية في جميع القصص مشتركة، الرجل الورع يحمل تحذير الإله إلى البشر الذين استشرى بينهم الظلم والفساد، وفي قصة التوراة، اصطفى الله عز وجل نوحا التقي الورع ليبني الفلك العظيم ويحمل عليه زوجا من كل ذي جسد حي، مع أهل بيته، بعد ان يئس من أن يرد البشر عن معاصيهم إذ ملأوا الارض جورا وظلما. جاء في آيات سفر التكوين وهو السفر الأول من التوراة:
"فسدت الأرض أمام الله وامتلأت ظلما وجورا". وقال الله لنوح" نهاية كل بشر امامي، لان الارض امتلأت جورا وظلما، فها أنا مهلكهم".
الملاحظ أن المشترك بين جميع قصص الطوفان الدينية منها والأسطورية، أن الظلم والفساد الذي استشرى بين البشر وفساد الأرض بأهلها كان المحرك الأساس لفنائها بالطوفان أيام نوح (ع)، فربما يرى يقول قائل: إذن استحق اهل الغرب لشرهم وغواياتهم أن يقاصصوا بأعاصير (كاترينة) وأختها (ساندي) اللتين أغرقتا نيويورك وسواها وقطعت عنها الكهرباء وسائر الخدمات وأحالت حضارتها إلى خراب. وانتقام رب العالمين من الكفار اليابانيين الذين لا يعرفون الله هو سبب (التسونامي) الذي ضرب جزر اليابان وأغرقها، و هكذا ترى الزلازل لديهم لا أكثر منها، وكذا الحال في الفلبين والبرازيل وبريطانيا التي اغرقتها سيول وفيضانات في السنوات القليلة الماضية. فإن كنا نقيس الأمور بهذا المقياس بأي منظار ننظر إلى سيول جدة الشهيرة التي أغرقت المنازل ودمرت البنى التحتية في المملكة العربية السعودية، بل ماذا نقول عن الفيضانات التي اجتاحت فلسطين ولبنان والأردن وسوريا في الأيام القليلة الماضية مع إعصار "وضحة" (وهي تسمية للتندر أطلقها الأردنيون على المنخفض الجوي الأخير على عادة الأمريكيين إطلاق أسماء سيدات على الأعاصير، وسبقهم العراقيون بإطلاق اسم "هاشمية" على المنخفض الذي أغرق بغداد وسائر مدن العراق مع نهاية2012).
في مطلع الألفية الثالثة بعد الميلاد نستذكر الطوفان العظيم الذي وقع في مكان ما من بلاد الرافدين في الألف الثالث قبل الميلاد ونتساءل: إن كان شر البشر وظلمهم قد صعد إلى السموات أيام أبينا نوح واستوجب العقاب في غياهب الأيام، فهل ترتبط العواصف والأمطار الغزيرة والفيضانات في أيامنا هذه بذات الأسباب؟ وإن كان الصالح التقي البار هو المصطفى ليكون منقذ الجنس البشري من الفناء، فمن تراه المستحق ليبني لنا الفلك العظيم، ومن أين لنا بنوح جديد لينقذنا من الطوفان الجارف الذي أحاطنا بل أغرقتا أو كاد، قبل أن تفنى الأرض وأهلها بشرورهم؟










مخيم الزعتري

26
قراءة في كتاب: احلام هميانة في الطقوس المندائية

جورجينا بهنام
قد لا نجاوز الحقيقة إن قلنا ان هذا الكتاب، او الكتيب، الذي تصدت لاعداده المخرجة المندائية (كما تعرف نفسها على الغلاف)، احلام سعيد، إن قلنا عنه انه كتاب العائلة بإمتياز!.
يضم الكتيب بين دفتيه معلومات تعريفية عن الاخوة الصابئة المندائيين، وهو موضوع جد شيق وجدير بكثير من الاهتمام والمتبعة الرصينة، فالمتوفر من معلومات عن هذه الطائفة الدينية ومعتقداتها وكتبها المقدسة وطقوسها الاحتفالية وأعيادها وتراتب رجال الدين  لديها الى آخر قائمة المعلومات، هو نزر يسير لا يتوافق وتاريخها الموغل في القدم وهي التي حاملة لواء واحدة من اقدم الديانات التوحيدية في الشرق الأوسط.
العنوان
تؤكد المؤلفة انه ليس ثمة علاقة، من قريب او بعيد، بين اسمها (أحلام) والعنوان المختار (أحلام هميانة في الطقوس المندائية)، ولكن تجدر الإشارة الى أن للمؤلفة برنامجا على قناة عشتار الفضائية يتناول نشاطات وفعاليات الاخوة الصابئة يحمل عنوان (هميانة) والهميانة جزء من لباس رجل الدين المندائي الا وهو الحزام، فهل تكون ترجمة العنوان (أحلام الحزام في الطقوس المندائية)؟!
المقدمة
جاءت المقدمة غريبة بعض الشيء، وربما مختلفة ومميزة عما هو مألوف في الكتب والمعتاد في مقدماتها، فقد جاء الاستهلال كالتالي:"اروم ان ادون في مقدمة هذا الكتاب موضوع(المخرجة احلام)  الذي كتبته صحفية عراقية ونشرته في صحيفة الأهالي".
ويبدو أن موضوع (المخرجة)جد مهم، فقد تكر على الغلاف و مواضع أخرى، فقد جاء في المقدمة:"أحلام اول إمرأة مخرجة من الطائفة المندائية (الصابئة) وقد خدمت الطائفة في تغطية أعيادهم ومناسباتهم وإبراز خصوصية الطائفة المندائية دينيا وثقافيا واجتماعيا كجزء من نسيج المجتمع العراقي". وتتوالى على اربع صفحات تفاصيل اللقاء الذي قدم الكثير من المعلومات عن (المخرجة احلام)، لكنه لم يخل من الاخطاء الطباعية مع شيء من اخرى نحوية وقليل من الاملائية، فعلى سبيل المثال وردت العبارة التالية:"وزوجي يتفهم عملي، وكان متعاون وداعم لي، فأثمر زواجنا الذي يملئه التواقف والانسجام، عن بنتين اسمناهما، إتفاق وإنسجام". وهي حافلة بالاخطاء(داعم ومتعاون: والصحيح داعما ومتعاونا لانه خبر كان، يلئه: والصحيح يملؤه، التواقف: والصحيح التوافق وهو عكس المعنى المراد كليا،اسمناهما : والصحيح اسميناهما). وذيّل اللقاء بتوقيع "صحفية عراقية" فمن هي هذه الصحفية العراقية؟ وهل هي مجهولة الهوية والنسب؟ وام انها تستحي من ذكر اسمها حتى ولو كان مستعارا؟ ام ان هناك اسبابا اخرى لعدم ذكره لانعلمها؟
وإستكمالا لتعريفنا بالمؤلفة، وليس طائفتها، هناك عدد من الصفحات في نهاية الكتاب عن السيرة الذاتية لها، وحفلت هي الاخرى بالاخطاء الطباعية واللغوية والاملائية، ومما يثير الانتباه فيه في فقرة الهوايات: متابعة البرامج باسلوب حديث، وماهو الفرق بين متابعة البرامج باسلوب حديث وآخر متخلف؟
مواضيع وعناوين
جاء محتوى الكتاب تحت العديد من العناوين الفرعية، التي حاولت أن تجيب على أسئلة من يريد أن يعرف المزيد عن هذه الطائفة، فهل وفقت في هذه المهمة؟ نترك الاجابة عن هذا السؤال للقراء. لكن المؤلفة حاولت ان تقدم للقارئ وبشيء من الاقتضاب والاختصار والتكثيف، بما يتلاءم ومتطلبات عصر السرعة الذي نحياه، ما امكنها اختزاله عن مواعظ للمندائيين وشذرات من تعاليم النبي يحيى(عليه السلام)، فيها الكثير من اوجه التشابه مع اسفار الحكمة التوراتية، وهي حكم عظيمة لكل إنسان وليس للمندائي وحسب، حرية بالمتابعة والاتباع.
وفي معرض اجابتها على السؤال:من نحن؟ ورد"نحن الصابئة المندائيون حاملي غرس التوحيد الاول، ابناء وادي الرافدين الاوائل، يمتد تاريخنا الى آلاف السنين، وقد اثرنا وتأثرنا بالحضارات التي مرت على ارض العراق" وفي موضع آخر نرى ان كلمة" الصابئة المندائيين مشتقة من الفعل الآرامي المندائي (صبا) ويعني اصطبغ اي تعمد او ارتمس في الماء الجاري، اما كلمة المندائيين فهي مشتقة من كلمة (مندا) وتعني في المندائية المعرفة او العلم وبذلك يكون معنى الصابئة المندائيون (المتعمدين العافين بدين الحق)".
كما نتعرف على اركان الديانة المندائية التي تكاد تطابق أركان الإسلام وهي:
1-التوحيد. 2-التعميد 3-الصلاة 4-الالصيام 5-الصدقة.
فلا حج لديهم ولكن هناك التعميد، وتسترسل المؤلفة في ايضاح كل ركن من هذه الأركان كما ورد عنه في كتابهم المقدس (كنزا ربا)، فنلاحظ نقاط تشابه اخرى بين ماهو موجود في الديانة المندائية والديانات الاخرى، كفرض الوضوء قبل الصلاة الذي يسمونه (الرشامة)، ومبطلات الوضوء وتحديد اوقات للصلاة في الفجر والظهر والمغرب. اما فيما يخص الصدقة فتعاليمها تكاد تطابق ما ورد عنها في الإنجيل، وغير ذلك كثير كالايمان بالحياة بعد الموت، والايمان بوجود (المطهر)(وهو مكان الحساب والتنقية من الخطايا حسب المعتقد الكاثوليكي)، كما يحرمون اكل اللحوم في الصوم ويقدسون يوم الاحد،هذا فضلا عن اعتبارهم التعميد شريعة دينية أساسية. ولكن لهم ايضا(قبلة) إذ يتوجهون نحو الشمال لإيمانهم بأن "عرش الله او الجنة هي في شمال الكون الذي تعرج اليه النفوس في النهاية لتنعم بالخلود إلى جوار ربها". مع التأكيد على أنها أول ديانة عرفت توحيد الخالق. ومع كل نقاط التشابه هذه فإن المندائية تحرم الختان  وتراه تشويها للخلقة الكاملة التي منحها الله للإنسان.
وفيما يخص اللهجة المندائية فهي احدى لهجات اللغة الآرامية المتفرعة من عائلة اللغات السامية وهي اللغات التي احتلت مكانتها قديما في بلاد ما بين النهرين وسوريا وفلسطين وشبه الجزيرة العربية، والتشابه واضح بين مفرداتها، التي مازالت تستعمل في الطقوس الدينية،وفردات اللهجات السريانية التي مازالت متداولة الى يومن هذا.
من الملاحظ
•   الماء عنصر اساس في الطقوس الدينية المندائية، وعلاقتهم بالنخيل علاقة صميمية.
•   من غير الواضح من الذي اجاب على مجموعة الاسئلة التي وردت في نهاية الكتاب، وماهي المصادر المعتمدة وعلى اي اساس يرتكز فهل هو احد رجال الدين المندائيين ام ان المؤلفة قد اجابت عليها وفقا لمعلوماتها الشخصية واجتهادها اوبالعودة للمصادر الموثوقة؟
•   وردت العديد من العبارات غير المفهومة بالنظر لصياغتها الضعيفة، وعلى سبيل المثال ورد التالي في معرض الاجابة عن سؤال:"هل خلقت حواء من ضلع آدم؟"، والجواب"حسب هذا المفهوم، تصبح حواء ثانوية في العنصر الانثوي ليس طارءا على الخليقة، عملية الخلق، وهذا ما ترفضه المندائية" والمقصود غير واضح، كما ان بعض المصطلحات كانت بحاجة لمزيد من التوضيح لإزالة اللبس وإعطاء المزيد من الفائدة.
•   لو اردنا ايراد كل الاخطاء الطباعية والنحوية والاملائية وسواها لاحتجنا الى مقال مستقل.
•   وضعت المؤلفة او (المؤلف) كما ذيلت، شكرها في نهاية الكتيب الذي اسدته اولا للقارئ على تصفحه لكتابها وثم للاستاذ كاوه محمود وزير الثقافة والشباب بحكومة اقليم كوردستان بشكل مقتضب ضمن خاتمة موجهة الى "القاريئ الكريم" لموافقته (الوزير) على طباعة هذا الكتاب، ذيلت المؤلفة خاتمتها بالعبارة التالية:"كما نعاهدكم ان نكون اهلا لخدمة هذا الوطن العريق" ما يذكرنا بالعهد
•    أما كان يفترض إن يعرض الكتاب على لجنة متخصصة لمراجعته، قبل الموافقة على طبعه، ليظهر بشكل يليق بالطائفة وتاريخها أولا، وبكونه مطبوعا صادرا بمساعدة وزارة الثقافة، وطبع في مطبعتها وبمؤازرة إحدى مديرياتها العامة وهي مديرية الصحافة والنشر.
•   يبدو أن خمس صور شخصية للمؤلفة على الغلاف الأخير للكتاب لم تكن كافية ولم تف بالغرض المرجو، فإذا بنا أمام صورة شخصية أخرى هي من حفل زفافها على الغلاف الاول، هذا فضلا عن أخريات بين دفتيه.
•   مع شديد الأسف، كان الغلاف الأول ومثله الأخير، على درجة كبيرة من الفقر الفني والإبداعي، على النقيض مما هو متوقع والحال ان مصممه هو فنان تشكيلي يعتمد على موهبته وحسه الفني في ابتكار لوحاته الفنية وهو صاحب براءة اختراع محلية مسجلة باسمه في نمط ابداعي بالرسم على لوحة غير مستوية (لوحتان متعامدتان)، فمابالك به وهو يمهر هذا الغلاف باسمه وهو الفنان فضلا عن كونه زوج المؤلفة ورفيق دربها والاجدر به ان يقدم (كزوج وفنان) افضل ما عنده وهو يصمم غلاف كتاب يحمل موجزا عن ابناء امته المندائيين وعقيدته.
•   وعود على بدء، ذكرنا في المقدمة ان الكتابان الكتاب يمكن ان يستحق لقب (كتاب العائلة) بإمتياز، فهل تعلمون لماذا؟ الجواب ستجدونه على الصفحة(2)، فالتصميم الفني لاكرم تريكو وهو زوج المؤلفة. والكرافيك لاتفاق اكرم وهي ابنتها الثانية (وإن خلا الكتاب من اعمال الكرافيك) . والمتابعة لانسجام اكرم وهي الابنة الثانية، وياحبذا لو أثمرت هذه المتابعة العائلية عن تفادي الهفوات العديدة التي وقع فيها.
•   وأخيرا رب سائل يسأل: لماذا نعرض كتابا به كل هذه المآخذ؟ فيطرح سؤال آخر نفسه: لماذا طـُبع؟ 





27
قراءة في كتاب:
اسرار السرد من الذاكرة الى الحلم، قراءات في سرديات سعدي المالح




                                                                                                                                جورجينا بهنام
 
"ان هذا الكتاب الذي يسهم فيه مجموعة من النقاد والأكاديميين بدراسات وقراءات متنوعة في مدونة سعدي المالح السردية، إنما يسعى إلى الإجابة على سؤال الجدوى والتميّز في ظل كم هائل ومرعب من المجموعات القصصية والروايات التي تنتـَج كل عام في دور النشر العربية، إذ على الرغم من أن المنجز السردي لا يعد كبيرا قياسا إلى تجربة سعدي المالح في الحياة والثقافة والمعرفة، إلا أن سردياته تتمتع بخصوصية واضحة ستبين القراءات التي تقع بين دفتي هذا الكتاب طبيعتها ورؤيتها وأسرارها السردية، وقدرتها على أن تحتل مساحة مضيئة وذات تأثير واضح في فضاء السرد العراقي الحديث، وهو ما نأمل أن يكون هذا الكتاب بقراءاته المهمة المتنوعة قد حقق ذلك في أنحاء مختلفة". هكذا يقدم د.محمد صابر عبيد كتابه (أسرار السرد..من الذاكرة إلى الحلم، قراءات في سرديات سعدي المالح)، وسعدي المالح كاتب وقاص وروائي عراقي "أتيحت له فرصة التجول في مدن العالم بوصفه مغتربا ودارسا طيلة ثلاثة عقود تقريبا، فضلا عن عمله صحفيا ومترجما ومدرسا جامعيا في أكثر من بلد، وكانت مجموعته القصصية (مدن وحقائب) ثمرة سردية من ثمار الاغتراب"، أما مجموعته الاكثر شهرة فهي (حكايات من عنكاوا) التي طبعت طبعات عديدة لتكون محط عمل الذاكرة واهتمامها في الغربة لتكون استعادة للوطن الأم (عنكاوا)، إحدى ضواحي اربيل العراقية، وله أيضا رواية (في انتظار فرج الله القهار) المتميزة في استنادها إلى الموروث الديني والتاريخي والأسطوري والثقافي، "فهي تحكي على هذا النحو لعبة الانتظار ولعبة المصير التي تتردد كثيرا في ميراث أبناء المنطقة على اختلاف اثنياتهم وقومياتهم وأديانهم وطوائفهم، ففكرة انتظار المخلص فكرة قديمة وجدت حيزا مهما ومركزيا في ثقافات شعوب المنطقة".
 
 
يتكون الكتاب من فصلين، الأول عنوانه: أسرار السرد القصصي، يتناول فيه أربعة من النقاد والباحثين المنجز القصصي لسعدي المالح بالدراسة والتحليل متمثلا بمجموعتين قصصيتين هما: (مدن وحقائب) و(حكايات من عنكاوا)، يسعى د.خليل شكري هياس (من كلية التربية /جامعة الموصل) في بحثه (تجليات الذاكرة وفاعلية الحس السردي) إلى استنطاق الفعل الذاكري بالغ الحضور في (حكايات من عنكاوا)، ويتناول كيفية استثمار حسها السردي للوصول إلى عتبة التكوين القصصي مؤكدا ان:" الذاكرة تشتغل في متن سعدي المالح (حكايات من عنكاوا) بطاقة حكائية عالية تنهج مسارا خاصا تسجل تحيزها لفضاء سيري حميم تتخذ من معقل المالح (عنكاوا أيام الطفولة والصبا) مسرحا لأحداث حكاياته ومنبعا ثرا يستقي منه مادة لكل حكاياته، مجسدا عبر كل ذلك تجربة سيرية تؤرخ لمدينة عنكاوا مكانا وزمانا و شخصيات وأحداثا وبرؤية إنسانية شاملة تربط الذات المؤلفة بعصب المدينة، فتجعل من نفسها حكواتيا يعمل جاهدا على إعادة الحياة ثانية إلى ذلك الماضي البعيد بكل سعادته وتعاسته".
اما الباحثة جميلة عبدالله العبيدي (كلية اللغة العربية/جامعة ام القرى/السعودية) فتناولت في بحثها الموسوم (بلاغة الاستهلال القصصي لدى سعدي المالح) مجموعتي (مدن وحقائب) و(حكايات من عنكاوا) مشتغلة على عتبات الكتابة القصصية، وتنتخب منها عتبة الاستهلال التي تنطوي على أهمية مميزة كونها تتوسط بين عتبة العنوان وطبقات المتن النصي، تداخلت القراءة في قصص المجموعتين كلتيهما، إذ اكتشفت ان كل هذه القصص عملت بوعي على هذه العتبة. وتؤكد:" ان الوظائف الأساسية التي تشتغل عليها عتبة الاستهلال تندرج اولا في اطار تقديم منتخب للعالم السردي المكون للقصة، وتسعى عبر هذا التقديم الى تأطيره في اطار محدد وعكس مقصديته الخاصة، فضلا عن سعيه الحثيث لاثارة فضول القارئ وتحريك حساسيته ودفعه نحو متابعة قصوى لطبقات القصة ومجريات احداثها". موردة نماذج متنوعة لاشكال الاستهلال الذي قسمته إلى أربعة أنواع: الحكائي، الوصفي، المشهدي والحواري.
فيما ذهبت القراءة الثالثة للدكتور جاسم خلف الياس (مدير تربية نينوى) المعنونة (التعبيرية وفاعلية الترميز) الى البحث في آلية المستوى الإجرائي الذي عملت عليه القصص، إذ ان خاصية التعبيرية تتعلق بالجانب الإنشائي الذي يحيل على منطق اللغة السردية في التكوين القصصي، ومن ثم علاقة ذلك بفاعلية الترميز التي ترفع اللغة السردية من مستوى الابلاغ الى مستوى الشعرية، على النحو الذي تكتسب فيه قيمتها الإجرائية في التعبير والتشكيل معا.
واستجابة لرؤية العنوان قسم الباحث قراءته الى قسمين: اول عنوانه (التعبيرية الواقعية) متناولا فيه المرجعيات الواقعية في اساليب التعبير السردي، فهو يرى ان:" الواقع العراقي قد شهد تحولات اجتماعية وسياسية وثقافية،قلبت اغلب الموازين والقناعات الثابتة وزعزعت القائم في البنى المستقرة، وحصل انقلاب على الذات واليها. وتبعا لذلك فمن المنطقي ان يستخدم الوعي الكتابي تيارات واساليب جديدة، كان لها التأثير الفاعل في تجاوز الاشتراطات الفنية التقليدية للقصة القصيرة، ويعتني بالبعد الداخلي للشخصية باعتماده على تقنيات جديدة تضمنت النزوع نحو منطق التداعي والأحلام. ومن القصص القصيرة التي استجابت لتلك المتغيرات قصص مجموعة (مدن وحقائب) للقاص والروائي سعدي المالح".
القراءة الرابعة كانت تحت عنوان (التشكيل السردي المشهدي) للباحثة سناء سلمان عبدالجبار(كلية الاداب/جامعة تكريت) التي انتخبت قصة (حظ) من مجموعة (مدن وحقائب) لرصد تجليات المشهدية السينمائية في هذه القصة. وقد ابتدأت القراءة بوضع تمهيد نظري ضروري لتأكيد العلاقة بين فن السرد والسينما، حيث تقانة المشهد تكون قريبة عادة من التقانة السردية بوصفها تقوم على الحدث والشخصيات والمكان والزمن. وفي الجانب التطبيقي قسمت القراءة الى ثمانية مشاهد متراكبة تراكبا فنيا ودلاليا وشعريا وجماليا مشتركا.
في ختام الفصل الاول يقول المعد:" ان هذه القراءات قد اتت على الكثير من مشكلات القص السردي في قصص المالح، وهي لا تدّعي طبعا استنفاذها لكامل المؤونة السردية المختزنة في القصص جميعا".
اما الفصل الثاني فجاء تحت عنوان (اسرار السرد الروائي) انبرى فيه أربعة آخرون من الباحثين لتحليل أسرار السرد الروائي في رواية (في انتظار فرج الله القهار) التي يرى معد الكتاب انها:" تكتسب أهمية خاصة على مستويات عديدة، فهي رواية تنشغل بالراهن مثلما تنشغل بالتاريخ، وتنشغل باليومي ألتفاصيلي كما تنشغل بالشامل والرؤيوي، وتنشغل بالمرجعي كما تنشغل بالتكويني والتقاني، وتنشغل بالجزئي مثلما تنشغل بالكلي، وتنشغل بالواقعي مثلما تنشغل بالرمزي، وتنشغل بالتراثي كما تنشغل بالحداثي، وتنشغل باللغة مثلما تنشغل بالصورة، وتنشغل بالبؤرة مثلما تنشغل بالمحيط، وتنشغل بالذاتي مثلما تنشغل بالموضوعي، وتنشغل بالسردي مثلما تنشغل بالدرامي. ربما تكون هذه الانشغالات ضرورة سردية وفكرية وثقافية لكل رواية تسعى الى ان تجد لها مكانا تحت شمس الرواية العربية اللاهبة".
القراءة الأولى وعنوانها (الصنعة الروائية وايقاع الموروث) للدكتور محمد صابر عبيد(جامعة الموصل) رصدت بعض مستويات التركيب النصي الخاصة بالصنعة الروائية لتنتهي إلى تأكيد وعي الروائي لعمله وحسن إدارته للعمليات السردية في بؤرة السرد الروائي وعلى محيطه، ويضيف:" ربما نلاحظ في هذه الرواية على نحو ما علاقة شخصية الراوي (الراوي كلي العلم) بالمؤلف، وذلك برصد شبكة من القرائن التي بوسعها ان تحيل على حساسية هذا الاقتران وسيرذاتيته في التشكيل الروائي، ويمكننا الذهاب فورا الى التعريف الخاص بشخصية سعدي المالح الابداعية والسيرذاتية، وهو تعريف شامل يتيح لنا معرفة الكثير من المعلومات التي اذا ما قارناها بشخصية الراوي سنجد العديد من نقاط التلاقي والتطابق على النحو الذي يساعدنا في تقريبها من بعض وقراءة الشخصية على هذا الاساس، وفهم الكثير من مواقف السرد استنادا الى حيثيات هذه المعلومة الميثاقية".
الدكتور فيصل غازي النعيمي(كلية التربية/جامعة الموصل) عنون قراءته، وهي الثانية في هذا الفصل، بـ(مقامات العبث) التي ترى ان الرواية جاءت زاخرة بالاسئلة الفضائية التي لا تقتضي بالضرورة اجابات محددة، إذ هي تشتغل في مستوى مركزي من مستوياتها على سردنة فضاءات مسرح العبث ومقولاته وممارساته.
فالرواية حسب الدكتور النعيمي:" لاتميل إلى تقديم أجوبة تتعلق بوجود الإنسان العراقي في ماضيه البعيد وراهنه المعاصر بقدر ما تثير الأسئلة التاريخية والوجودية عن كينونته ومستقبله لكن ضمن شرط اساس وهو الوعي الجمالي بالتاريخ والحضارة، وبحكم انتماء هذه الرواية الى تيار الرواية العربية الجديدة التي ظهرت في الثلث الأخير من القرن الماضي، فان بناءها العام يتميز بأنه قائم على عدم الربط بين الظواهر ورفضه مبدأ العليّة او السببية في بناء الأحداث وتمرده على جماليات الوحدة والتماسك والنمو العضوي، وتحطيمه مبدأ الايهام بالواقعية، ان كل هذا يعني ان العالم يتصف بالغموض والارتباك والفوضى". فيما اخضع الدكتور نبهان سعدون الحسون(كلية التربية الاساسية/جامعة الموصل) في القراءة الثالثة، الرواية لتحليل تقاني شبه كامل اعتمادا على نظرية الزمن السردي المعروفة لدى اكثر علماء السرد، ووجد ان الرواية استجابت على نحو فعال لمعظم الازمنة المعروفة في عالم السرد الروائي فبدت القراءة وكأنها لم تترك شاردة او واردة في سياق الزمن السردي الا ووجدت لها تجليا ما في رواية ( في انتظار فرج الله القهار) التي اعلنت في جوهر عتبتها العنوانية عن حضور اشكالية الزمن باعلى مستوياتها واعقد طبقاتها واكثر حدودها التباسا وكثافة.
فيما كشفت القراءة الرابعة للدكتور علي صليبي المرسومي (من الجامعة المستنصرية) المعنونة (مرجعيات التشكيل السردي) عن ظهور ثلاث مرجعيات أساسية انبنى عليها التشكيل السردي في الرواية، الاولى هي مرجعية التشكيل السردي التراثي، والثانية هي مرجعية التشكيل السردي العجائبي، والثالثة هي مرجعية التشكيل السردي الحلمي. وكانت كل مرجعية من هذه المرجعيات الثلاث قد وجدت لها تجليات نصية واسعة في المتن الروائي للرواية.
ويؤكد الباحث انه:" فضلا عن الجانب الإمتاعي التقليدي في الحكاية فإنها وسيلة ثقافية من وسائل التربية الذهنية والأخلاقية العامة، التي تهيئ للمجتمع الأسباب والمسببات التي تتماشى مع ظروفه وأوضاعه ومتغيراته، وهذا ما يجعل التشكيل الحكائي جزءا من إرثه التاريخي والإنساني والثقافي والحضاري الذي لا يمكن فصله عن مفردات حياته بكل تفاصيلها وحيثياتها، على النحو الذي تنعكس فيه على كل ممارساته الثقافية ابتداء من النص الإبداعي ووصولا إلى تأثير هذا النص في المجال الثقافي العام وحركة الحياة ومعنى الوجود".
يشار إلى أن الكتاب صدر عن دار الحوار للطباعة والنشر/سوريا/ اللاذقية في (270) صفحة من القطع الصغير، متضمنا فضلا عن فصليه البحثيين مدخلا مفيدا لكل فصل وسيرة ذاتية وعلمية للدكتور محمد صابر عبيد الذي اهتم بإعداده وتقديمه والمشاركة فيه.
 


28
المنبر الحر / تنجيملوجيا
« في: 16:06 23/02/2012  »
تنجيملوجيا

                                                                                                                                 جورجينا بهنام
شهدت السنوات الأخيرة تقدما واسعا في مجالي العلوم والتكنولوجيا لم تشهدهما طوال قرون مضت، ورغم أن الثورة الصناعية قد بدأت مع نهايات القرن الثامن عشر مع اختراع المحرك البخاري، الا ان القرن العشرين كان قرن الاختراعات والاكتشافات العلمية المهمة دون منازع، سيما بعدما طوى نصفه الأول، إذ شهد النصف الثاني منه تطورا فاق كل ما عرفته الإنسانية خلال قرون، كظهور الحواسيب بأنواعها ودخولها في كافة مجالات الحياة، وباتت الكثير من الآلات تعمل بسيطرة حاسوبية من مصانع السيارات إلى مصانع البسكويت، دون ان نغفل أثر  التقدم العلمي في مجال البحوث العلمية في الفضاء ودراسة الكواكب المعروفة فضلا عن اكتشاف أخرى لم تكن معلومة لدينا في السابق. وغير ذلك الكثير الذي يطول شرحه ولامجال هنا لإيراده كاملا.
ومن مظاهر التقدم العلمي الأوسع أثرا، ظهور الشبكة العنكبوتية (الانترنت) لتربط بخيوطها أقطاب العالم الأربع ولتؤكد لنا حقيقة واقعة هي ان العالم قرية صغيرة. ودعنا لانغفل البث الفضائي وأثره في وضع العالم بكامله بين يدي المتلقي وهو جالس في بيته يتابع أحداث العالم وأخبار الأصقاع البعيدة، فينقل إليه خبر اختراع من اليابان واكتشاف من الفضاء و تطوير هاتف ذكي من الولايات المتحدة الأمريكية ويسمعه احدث كونشيرتو موسيقي يقام في ايطاليا وغيرها الكثير من أخبار العلم والفن والأدب والاختراعات دون ان يغفل أخبار الزلازل والفيضانات والبراكين والكوارث من هنا وهناك، ولا يهمل أخبار الثورات والانتفاضات وصعود وسقوط الأنظمة بين الربيع والخريف وصولا الى الشتاء. كل ذلك تضعه التقنية الجديدة بين أيدينا. ولكن السؤال هو: كيف يتعامل المستخدم مع كل هذه الاختراعات والتقنيات ووسائل الاتصال والتواصل؟
فقد إزداد في السنوات الأخيرة، وبشكل انفجاري، عدد القنوات الفضائية، العراقية منها والعربية، ومع تضاعفها وانشطارها وتوالدها وتكاثرها بشتى السبل، حتى غطت كل احتياجات المشاهد وفاضت وغمرت الأثير حتى غرق بساعات طوال من البث اليومي الممتد على مدى الساعات الـ(24).
وما أريد الحديث عنه هو: كيف نتعامل نحن مع تقنيات لم نتعب في اختراعها ومع أجهزة لم تكن من منجزاتنا بل وصلتنا جاهزة (مسلفنة) وما علينا سوى الاستفادة منها؟
المفاجأة غير السارة أننا نسخر تكنولوجيا في قمة هرم الحداثة والتقدم العلمي لأغراض عجيبة غريبة، إذ تشغل معظم وقت كثير من القنوات الفضائية، إعلانات لها أول وليس لها آخر، وإن كانت هي مصدر تمويل مهم دونه لن تستمر أي من تلك القنوات الفارغة من المعنى، وتفقد أسباب استمرارها الواهية، ولكن هل يعقل أن يكون شريط الإعلانات مستنسخا من قناة لأخرى، ينقلنا مابين إعلان عن الأجهزة المنزلية وآخر للطبية حتى ينتهي بنا المطاف عند الأبراج، فإن أردت أن تعرف عن صحتك، او عن العمل وكذا عن الزواج والارتباط والأوقات المناسبة لعقد الصفقات والسفرات والرحلات وسوى ذلك مما يثير الحفيظة حد السخرية.....فعليك ببرامج الابراج والفلك والتنجيم، إن صح التعبير، التي تحتل مساحة جيدة على خريطة برامج معظم القنوات الفضائية، حتى الرصينة منها لا تخلو من فقرة صباحية تعطيك الزوادة اليومية لتباشر يومك وانت مطمئن إلى نجومك وكواكبك أنها في المواقع السليمة، وان طالعك في برج صاعد، وان التوفيق سيكون من نصيبك حين تعمل في ساعات الحظ الاوفر ضمن ايام سعدك بالتأكيد، لتخمل في سواها التي تتوفر فيها فرص للتوتر والصراع  والمشاحنات. وإن كنت اشد تعلقا ومتابعة، فعليك بالبرامج الأسبوعية فهي تعطيك ما يشفي غليلك ويروي ضمأك من التوقعات الوافية الكافية لجميع أيام الأسبوع لتكون في مأمن من الشرور والمعاكسات.
ولو اقتصر الأمر على الأبراج لربما هان، لكن الدائرة اتسعت إلى أخرى تفسر الأحلام، او تنبئك بطالعك حسب اسمك واسم أمك، وأخرى باوراق التاروت و أخرى واخرى حتى تصل إلى إعلان على شاشة التلفاز يظهر فيه شيخ ذو وجه سمح، مستعد للإجابة على اتصالاتكم واستفساراتكم على مدى الـ(24) ساعة يوميا سبعة ايام في الأسبوع، لتحصلوا على الرقية الشرعية، فك السحر والربط، إخراج الجن وسواها، فضلا عن استشارية التجميل والموضة والأناقة المستعدة كذلك لتكون مع المتصلين طوال ساعات اليوم وتؤكد انها ستجيب بنفسها، لتساعد المتصلة على حل مشاكل البشرة والشعر والأظافر، على مدار الساعة، عجبا الا ينام ذلك المنجم او تلك العرافة وسواهم؟ فهاهم يؤكدون مرارا انهم سيجيبون على كل الاتصالات بشكل شخصي!! إتصلوا بنا أرسلوا SMS او زوروا صفحتنا على الفيسبوك وتويتر او على البلاك بيري... حتى شركات المحمول باتت مستعدة لترسل إليك حظك اليومي حسب برجك برسالة قصيرة واشياء اخرى كثيرة. كل وسائل التواصل الحديثة من انترنت الى الهواتف النقالة والبث الفضائي ايضا كلها تخدم ذات الغرض.
مع تطور العلم واتساع رقعة استخدام التكنولوجيا، ساد اعتقاد أنها ستكون وسيلة مهمة في التركيز على البحث العلمي وتأكيد الحقائق العلمية والثوابت المنطقية، لتساعد البشرية جمعاء على تخطي تبعات الفترات المظلمة التي ساد فيها السحر والشعوذة والتنجيم والتبصير بالمستقبل المجهول، فالإنسان عدو ما يجهل، لكن كل هذا التطور العلمي والتقدم في جميع مجالات الحياة المعاصرة لم ينجح في ان يجلب لكثير من البشر سوى مزيد من التوتر والقلق إزاء المستقبل الذي ما زال مجهولا، حتى نجح آخرون في تسخير التكنولوجيا الحديثة لخدمة أفكار كنا نظن أن الزمن قد عفا عليها، لتصبح وسائل الإعلام والتواصل ذات التقنية الحديثة مجالا تروّج فيه بضاعتها. ليتأكد، لمن كان يشك، ان العلم لم يعد قاصرا على مجال بعينه وهنيئا لمن نجح في تسخيره لخدمة البشرية!.   

29

الاعزاء في موقع عنكاوا
 تحية مراسلكم الهمام الذي يرفد الموقع بكل جديد ومفيد
ولكن
لااعتقد انه من الانصاف ان ينسب لنفسه موضوعا مأخوذا وبنسبة لاتقل عن 75% - نصا- عن آخر للاستاذ بهنام حبابه-رغم اشارته في موضعين من الموضوع الى الاستاذ حبابه- 
ويكنكم مراجعة الموضوع الاصلي المنشور على عدة مواقع واحدها الرابط التالي:
http://www.mosul-network.org/index.php?do=article&id=19518
واورد ايضا الموضوع بعد تظليل الاجزاء المنقولة
 ولكم الحكم
مع التقدير وشكرا

رغم إنني زائر شبه يومي لمنطقة الدواسة لكنني لم أضع في تخطيطي ان أقدم على زيارة كنيسة أم المعونة وجارتها الشقيقة المدرسة التي أيضا حملت هذا الاسم وبقيت تتميز به بين مدارس الموصل، لكن زيارتي اليوم لهذين الصرحين المهمين جعلتني أمام فرصة لانصت لحكاياهم، حيث قصت الكنيسة مع المدرسة تاريخا مميزا نسجته من تعايش المسيحيين وارتباطهم بالمدينة.
هذه المدينة التي حملت بين اروقتها الكثير من الحكايات التي يعتز بها الموصليون وخصوصا حكاية كيف نشات هذه الكنيسة، بعد ان نذر مسيحيو منطقة الدواسة  في عام 1944 ان يقيموا للعذراء مريم كنيسة على اسمها  فحملت الكنيسة  اسم ام المعونة الدائمة شكرا لشفاعة العذراء في إنهاء أوار الحرب العالمية  الثانية وعودة السلام الى العالم.
  يبين الأستاذ التربوي بهنام سليم حبابة ان اسم المعونة جاء من خلال البطريرك مار يوسف عمانوئيل الثاني الذي تعرض الى مرض خلال  سفره الأخير إلى روما سنة 1937 فالتجأ إلى العذراء أم المعونة طالبا شفاعتها واعدا إياها بنشر اسمها المبارك لتكريمه لدى أبناء كنيسته الكلدانية ، وبعد شفائه وعودته إلى البلاد أوعز بنشر كراس يحكي قصة وتاريخ أيقونة العذراء أم المعونة ، وقد انتشر خبرها في تلك الأيام، ولما عقدت النية على كنيسة جديدة في حي الدواسة بالموصل فقد أمر السيد البطريرك أن تكون على أسم أم العذراء ( ام المعونة) عليها السلام.
  وفي عيد الانتقال الذي صادف يوم 15 اب عام 1944 وضع غبطة البطريرك حجر أساس الكنيسة  وبوشر بالبناء   حتى انتهى بناءها في30 اذارمن العام 1946 وفي عيد السعانين الموافق ليوم 14 نيسان 1946 تم تكريس الكنيسة  باحتفال مهيب وكلف هذا الأثر الجليل ما يقرب عشرة ألاف دينار من تبرعات المحسنين  وهذا المبلغ كان في حينه يساوي أكثر من 30 ألف دولار.
  اما الحوادث التي شهدتها الكنيسة  فقد كان من بينها تشييد قاعة كبيرة للكنيسة عام 1956 وفي ايار من عام 1984 بدأت حملة صيانة  شاملة للكنيسة بصب الاسطح واكساء جدرانها  بالحلان وإضافة غرفة الغفران وتجديد الإنارة  وانتهى العمل بعد عامين  وفي عام 1990 وبهمة المثلث الرحمات المطران مار كوركيس كرمو تم تشييد مركز للدراسات اللاهوتية،  وفي عام 1991 تم اكساء الواجهة الخارجية للكنيسة  بالحلان وفي 31 ايار 1992 افتتحت مكتبة الكلمة  التابعة للكنيسة  كما بني في عام 1993دار للطفولة مع ملحقاته ويضم حاليا أكثر من عشرة أطفال يتم تهيئتهم روحيا للدخول للمرحلة الابتدائية.
قاعة جديدة للكنسية
اما في عام 1995 فقد تم تشييد قاعة جديدة للكنيسة أطلق عليها قاعة مار افراهاط الحكيم  وفي عام 2006 تم البدء بحملة تجديد للكنيسة من خلال أعمال الصبغ والإنارة  والثريات مع الطابق العلوي باكساء الأرضية بالكاشي مع تبديل الأبواب والستائر.وفي عام 2009 تم بناء مغارة للعذراء مريم بتصميم هندسي معاصر، وتم افتتاحها  في تشرين الأول عام 2010من قبل راعي الأبرشية المطران مار اميل شمعون نونا خلال زيارته الأولى للكنيسة بعد تسنمه الأبرشية.
 خدم الكنيسة العديد من الاباء الكهنة كان أولهم الخوري عمانؤيل ددي الذي خدم أم المعونة  من عام  955وحتى عام 1961وكانت داره قرب الكنيسة وخلفه في الخدمة القس الفاضل ميخائيل عزيزة نحو عشرين سنة ( 1961-1979 ) ، وكان رحمه الله العين الساهرة على الكنيسة والمدرسة ، وبعد وفاته عام 1979 دفن  في ركن يقابل واجهة المدرسة الحالية   ويذكر التاريخ القريب خدمة جليلة للاباء  لويس ساكو الذي خدم الكنيسة منذ عام 1984 وحتى 2003 حيث ترقى لدرجة الاسقفية تولى أبرشية كركوك الكلدانية حيث تعاقب بعده العديد من الاباء الكهنة منهم الأب صباح كمورا و الأب جليل منصور والاب هديل وحاليا يتولى رعايتها الأب لوسيان.
 الكنيسة تحتوي على  بيت التوبة  وعلى الرواق الجاني يعلو صليب خشبي بواجهة زجاجية حيث يضم في داخله ذخائر للقديسة تريزيا الطفل يسوع وذخائر القديسة ماريا كورتي  وذخيرة الصليب الحي وذخيرة القديس ابراهام والقديس كوركيس سانت جورج .
مدرسة أم المعونة
اما المدرسة فهي ايضا تحمل اسم ام المعونة وتلتصق بالكنيسة فقد تم افتتاحها في يوم الثلاثاء 25 أيلول 1945 بواسطة الراهبات الكلدانيات اللواتي أتين من بغداد وقد تم افتتاح المدرسة  قبل الإنتهاء من عمارة الكنيسة . وكانت المدرسة في حينها  أهلية ومختلطة للبنين والبنات مع صفين للروضة والتمهيدي للأطفال ، أما الإجازة بفتح المدرسة الأهلية فقد صدرت عن وزارة المعارف ( التربية) باسم المدير المسؤول الخوري سليمان صائغ ، وكانت الإدارة تستوفي أجورا زهيدة من التلاميذ والتلميذات لتغطية نفقات المدرسة ورواتب المعلمين والمعلمات وخدمة الراهبات مجانية . وكانت المدرسة تشارك في الفعاليات والسباقات الرياضية وفي مهرجانات الربيع السنوية ، كما تهتم بالإحتفالات الدينية ومناسباتها كالإحتفال بعيد السعانين وغسل أرجل التلاميذ ، وعيد الكنيسة ( أم المعونة) واحتفال التناول الأول ، كل ذلك باهتمام الراهبات الفاضلات.كما يشير بذلك الأستاذ التربوي والشماس بهنام سليم حبابة خلال سلسلة استذكاراته  مشيرا الى  تميز في خدمة المدرسة والكنيسة الأخوات الراهبات ، فيرجين ومباركة وأغنيسة وكذلك الأخت مجدولين شابو ، ويضيف حبابة  ان المدرسة تم تأميمها  من خلال قرار  تأميم المدارس الأهلية في العراق عام 1974  حيث حاول البعض الإستيلاء على بناية مدرسة أم المعونة بحجة التأميم فتصدى لهم القس فرج رحو ( مطران الموصل فيما بعد 2001-2008) تصديا مستميتا حتى تمكن من انقاذ المدرسة من الإستملاك بدليل وقوعها ضمن حرم الكنيسة ( أم المعونة) ولا يمكن الفصل بينهما ! كذلك بعد التأميم أبدلوا اسم المدرسة ( أم المعونة) وجعلوا اسمها ( أور).
 
عودة أسم المدرسة القديم
انما بعد سنة 2003 أعيد إلى المدرسة اسمها القديم ! أم المعونة المختلطة ، وان القس ( المطران فيما بعد) لويس ساكو كان في سنوات خدمته لأم المعونة قد أجرى اصلاحات جذرية على الكنيسة داخلا وخارجا ، وعلى بناية المدرسة باصلاح وإضافات ولا تزال ( مدرسة أم المعونة المختلطة) قائمة بواجبها التربوي والتعليمي رغم تناقص عدد التلاميذ المسيحيين الآن فيها ، اذ لا يتجاوز عددهم الأربعين كما يشير بذلك معلم اللغة السريانية بشار نايف عبد الكريم بينما كان في السنين الماضية يزيد على 300 تلميذ وتلميذة . وقد تعاقب على إدارة المدرسة بعد التأميم ( وبعد تقاعد الأخت مجدولين) المديرات :سهيلة شفيق بولس رحمها الله ، ويازي والهام يعقوب رفو الشيخ ووفاء نافع سموعي و هيام وعد الله ..كما يشار الى خدمة  المعلمين الذين خدموا في المدرسة قبل تأميمها ومنهم  سفر المختار وسعيد اسطيفان وكامل كادو وعابد اسمرو وغيرهم، وبعد التأميم قامت  تربية نينوى بتعيين المعلمات والمعلمين للمدرسة مثل المدارس الرسمية الحكومية الأخرى ، بينما بقيت عطلة المدرسة خلال يومي الجمعة والأحد.
 

30
المنبر الحر / فلة ...شمعة.... منورة
« في: 16:34 06/04/2011  »
فلة ...شمعة.... منورة

                                                                                                                جورجينا بهنام
يعيب الكثيرون على الفضائيات العربية انها بعيدة بعض الشئ، في إعداد برامجها عن الخلق والابتكار والابداع، فمعظم برامجها إن لم نقل كلها، هي نسخ مقلدة من برامج عالمية، تقدمها فضائيات غربية في بلدانها وتلاقي هناك نجاحا وشهرة واسعي النطاق، فتلجأ في إثر ذلك فضائيات عربية الى شراء حقوق انتاج نسخ عربية منها، مستنسخة في الديكور والاعداد واسلوب الاخراج، لكنها متميزة بانها ناطقة باللغة العربية، وفي احيان كثيرة تقوم بعض الفضائيات ببث البرامج بنسخها الاصلية مترجمة الى العربية وعرضها على المشاهدين، ومتى ما نالت هذه البرامج حظوة وقبولا، تتوجه الفضائيات الى انتاج النسخة المعدلة وراثيا والامثلة عليها كثيرة، على سبيل المثال لاالحصر:(ستار اكاديمي، من سيربح المليون، سوبر ستار، ديل اور نو ديل(لعبة الحياة)، قسمة ونصيب"برفكت برايد"،حلّة واحتلّة، عيش سفاري، و...)وسيل برامج الواقع التي وقع الكثير منها في مطبات العادات والتقاليد الشرقية التي اجبرت برنامجا مثل (الاخ الاكبر) على التوقف بعد عدد بسيط من الحلقات، وهو من نمط تلفزيون الواقع يجمع مجموعة غير متجانسة من البشر في بيت واحد ليتنافسوا في اختلاق المشاكل لبعضهم حتى يفوز الاكثر دهاءً وحذقا ليكون آخر المغادرين. لكن الامر لم يتواصل للوقت الكافي لفوز احدهم، لان الاصوات تعالت لايقاف هذا البرنامج الخالي كليا من اي مضمون.
وتتدرج باقي البرامج في القبول عند الجماهير من قمة الرفض إلى غاية الإعجاب ، كما كان الحال مع برنامج(من سيربح المليون) الذي برع في تقديمه الإعلامي المعروف جورج قرداحي، فصنع كلاهما للآخر شهرة واسعة من الجماهير العريضة، ورغم توالي تقديمه لبرامج المسابقات حتى آخرها(مسابقة الجماهير)(people quiz)-وهو نسخة مستوردة ايضا-لكن بقي من سيربح المليون هو الاول.
فيما استقطبت برامج المواهب مثل (سوبر ستار وستار اكاديمي .....الخ) عددا غفيرا من الشباب الذي يحلم بالشهرة والمجد في مجال الغناء والفن عموما واحاطت ببرنامج ستار اكاديمي المشاكل ايضا وطوقته الشائعات كونه من برامج تلفزيون الواقع ايضا ويجمع عددا من الشابات والشباب في اعمار حرجة تتراوح بين(16-25)عاما ومن كلا الجنسين بشكل لايرضى عنه اي مجتمع شرقي، مثيرا الكثير من التساؤلات والتحفظات، فضلا عن الشكوك في مصداقية التصويت المعتمد في تتويج الفائز.
ولايمكننا ان نتحدث عن برامج الواقع المقلدة على الفضائيات دون ان نشير الى برنامج "قسمة ونصيب" الذي حمل العدد الاكبر من مستفزات المجتمع الشرقي، بداية بمحاولة الفتاة ايجاد عريسها عبر برنامج تلفزيوني، وهو امر مستهجن في مجتمعاتنا، وصولا الى تصوير تفاصيل حياة المشاركين اليومية وهم يكيدون لبعضهم ويحيكون المؤامرات ويبدون آراءاهم الصريحة جدا في بعضهم التي تصل لدرجة القدح والذم ويتشاجرون ويتشابكون بالايدي.
اما لعب القمار على شاشات التلفزيون فحدّث ولاحرج، وكان له النصيب الاكبرمن عدد القنوات المقلِّدة في برنامج الحقائب المغلقة الذي اخذ اسماءً عديدة من قناة الى اخرى، (الخزنة، ديل اوتبديل،....) ليكون الربح فيه على اساس غير واضح سوى انها (لعبة الحياة) (الميسر).
ولكي لا نطيل، فالقائمة طويلة واستعراضها يحتاج للكثير من الوقت، سننتقل مباشرة إلى البرنامج الأشهر في الوقت الحاضر وهو برنامج البحث عن المواهب (Arabs got talent) وبغض النظر عن التساؤلات حول القواعد التي يتبعها في اختيار المواهب، فقد وضع الجماهير العربية العريضة امام تساؤل كبير وهو يواصل حلقاته الاحتفالية بينما العالم العربي يغلي من المغرب الى البحرين، والمظاهرات مشتعلة في تونس ومصر والجزائر، ورغم كل ذلك و ان لجنة تحكيم برنامج (Arabs got talent) تنتمي لدول تشهد اضطرابات لكن البرنامج مازال يتقدم ويواصل حلقاته وقد خلا سوى من اشارة بسيطة الى التحول نحو الديموقراطية في مصر من باب المزاح، ولكن أيُعاب على برنامج يخضع لمعايير السوق والانتاج وإدارة المحطة الفضائية مثل هذا التوجه؟ في حين تجاهلت دول هذه الاحداث وتغاضت عن مئات الشهداء والجرحى الذين سقطوا في ساحة التحرير في مصر، وعن ثوار ليبيا الذين يناضلون للتخلص من حكم الدكتاتور، وعن المخاض العسير في اليمن، لتنظم الكويت مثلا مهرجانات فبراير الفنية الاحتفالية الباذخة، وكذا مهرجانات الدوحة الغنائية في البحرين الحافلة بالطبل والزمر قبل ان تدور عليهم الدوائر وتنتقل حمى المظاهرات الى ديارهم.
اما آن الاوان لتعيد وسائل الاعلام النظر في اسلوبها في اعداد البرامج، إ   ذ لم يعد مقبولا ان تتحجج بان (الجمهور عاوز كدة)، وخصوصا تلك البرامج الموجهة الى الشباب، لتتلاءم مع عقلية وتفكير شباب واع ثائر قاد ثورات زلزلت عروشا واطاحت بانظمة كان الظن قد ساد بانها ستدوم وتتواصل عبر التوريث، هؤلاء الشباب الذين توهم البعض بانهم جيل ضائع حولتهم التقنية الحديثة الى مسوخ، والغى الفيسبوك والتويتر وسواهما عقولهم، اثبتوا للجميع انهم اهل للثقة وصانعو قرار جرئ، وقادرون على تسخير كل الوسائل بما فيها التقنية الحديثة والانترنت لصنع ثورتهم ومدها باسباب الاستمرار والانتصار.
وربما يكون من المعيب والحال هذه، حيث لاحكومة في لبنان والعراق، والثورات تتوالى من تونس الى مصر وصولا الى اليمن وسوريا مرورا بالبحرين،والشباب يقود انتفاضات التغيير ودعوات الاصلاح، ان نتواصل معهم بالبرامج المقلدّة من شاكلة (top chef)، لان الذين طهوا ثوراتهم على نار هادئة ، يستحقون خطابا اكثر نضجا وتفهما لانه جيل يصح عليه وصف عضو لجنة التحكيم في احد هذه البرامج:( فلة................شمعة.............. منورة).
 



31
ماهر حربي: انجذبت لآثار مابين النهرين القديمة، فظهرت شذرات منها في أعمالي

  حاورته : جورجينا بهنام
بين ازقة الموصل القديمة واروقة معهد الفنون الجميلة  نبتت وترعرعت موهبة فتية، تبلورت في اكاديمية الفنون الجميلة،  لترفد الساحة الإبداعية العراقية برافد جديد يسري نهرا من الابداع والعطاء الفني الثَّر، يسقي هذه الأرض المباركة بفيض من الابداع الفني والروحي والجمالي، انه الفنان العراقي  المبدع ماهر حربي، ومعه كان لنا هذا اللقاء:
 
 
-  كيف كانت البدايات ومن اكتشف موهبتك الفنية؟

* الحوافز الأولى كانت في البيت،  وجدت رجالاً ونساءً حولي يمارسون الفن بشكل رسم أو خط أو حرف يدوية منزلية ، فوجدتني اهتم بتقليدهم .
في مراحل الدراسة (ابتدائية وثانوية) كان لاهتمام المدرسين دور في تحفيز الموهبة بالقدر الذي يسمح به الوقت والإمكانات البسيطة التي تخصص لدرس الفن . فبعض من درسني كان يهتم بالخط وإجادته وجماليته وآخر كان يدربنا على تزيين مزهريات فخارية وثالث يعرض أمامنا صورا للوحات من الفن العالمي. وهكذا شكلت هذه البدايات شرارات لموهبة وليدة .
وجدتني أبدأ بتكبير صور العائلة بطريقة المربعات وتلوينها بألوان الباستيل ورسم المناظر المتخيلة للطبيعة وأشياء من المحيط بقلم الرصاص والباستيل والمائية مع تقليد تصاميم علب المنتجات  .وحين علمت من والدة الفنان المرحوم خضر جرجيس أن هناك أكاديمية فنون ببغداد وهو يدرس فيها ، تقدمت للدراسة بها عام 1965.
 
-  ماهي المدرسة الفنية التي تنتمي إليها؟
* منذ مرحلة الدراسة في أكاديمية الفنون كثيرا ما كنت أميل الى التجريب ، فقد مارست الفن بأساليبه المتنوعة ابتداء  بالواقعية الأكاديمية والسريالية التي تسحر الشباب بخيالها المحلق وغرائبيتها، كما استخدمت حروف الكتابة ممزوجة بالرسم واشتغلت أعمالاً بتقنية  (الكولاج) أي تنفيذ اللوحة من أقمشة وأوراق ملصقة، وجذبني التجريد لما يمنح الفنان من حرية اشتغال واكتشاف بواسطة أساسيات الفن وعناصره الجوهرية (الخطوط والألوان والأضواء والتضاد والإيقاع....) والتي تجعل الرسم بمثابة موسيقى مرئية وخطاب روحي . إن هذا التجريب والانتقال من أسلوب لآخر في الرسم شائع لدى الفنانين المعاصرين ومنهم أساتذتي فائق حسن ، كاظم حيدر ، بوركو لازسكي ، محمد غني ... لقد انجذبت بشكل خاص لآثار مابين النهرين القديمة من خلال المتاحف والمواقع الاثرية، وتعمق ذلك حين اشتغلت بترميم قصر سنحاريب الآشوري، فكانت تظهر شذرات ومؤثرات من تلك الفنون الرفيعة في أعمالي.


 
- -كأستاذ في معهد وأكاديمية الفنون الجميلة، كيف ترى تطور الرؤى الفنية لدى الأجيال المتعاقبة؟
*منطقيا يؤدي تراكم المعرفة والخبرة إلى تصعيد وتيرة الإبداع برؤى فنية مضافة، إلا أن واقع معهد وكلية الفنون وفق خبرتي الطويلة كتدريسي ورئيس قسم ومشرف على أطروحات التخرج  خللهما الأساسي هو في قبول طلبة لا صلة لهم بالفن وكذلك ازدواجية أهداف هذه المؤسسات بين تخريج معلمين أم فنانين! وما يترتب عليه من سيئات المناهج والحصص المقررة إضافة لفقر في المراجع الفنية وعدم ملاءمة الأبنية لأغراض الفن. هذه العيوب وأمثالها تؤدي إلى انحدار مستوى الدارسين وبالتالي غياب الرؤية الفنية لديهم، عدا إستثناءات نادرة لموهوبين يجتهدون للتغلب على ما يكبح انطلاقهم كمبدعين .
 
- -تميزت بإبداع عدد من الأيقونات، هل يمكن لأي فنان أن يسبر أغوار عالم الأيقونات مع ما تتضمنه من رموز ودلالات؟
*رسم الأيقونة(icon) التقليدية- وهو شكل من فن الرسم ذو طابع روحاني - له تاريخ من المفاهيم وعالم من الرمزية والتقنيات الخاصة التي لا تتوفر إلا لمن اختص بها استعدادا ودراسة وإنجازاً. أما الأيقونات التي أقوم  برسمها فهي تعبير استلهم فيه بعض الرموز الروحية مستخدما الوسائل المعتادة والتي أخضعها لأسلوبي الفني الذي طورته عبر سنوات طويلة من العمل، وهو يدمج الموضوع الروحي ومعطياته مع أساليب وتقنيات الفن الحديث وقد أقمت ثلاثة معارض شخصية داخل وخارج العراق مكرسة لعرض أيقونات معاصرة.
 
- -كيف تنظر الى معاناة الإنسان العراقي في ظل الظروف الحالية، والفنان بوجه خاص، والى دورها في تفجير الإبداع لدى الفنان؟
* المعاناة لدى بعض الفنانين ، ذاتية كانت أم خارجية، كثيراً ما تواجه بإصرار وكفاح لا يلينان، فالرغبة بالعطاء  تلح على الفنان كي يخرجها عملاً إبداعياً جميلاً. هذا ما لاحظناه عبر تأريخ الفن، فبالرغم من صعوبة العيش والإرهاق النفسي والاضطرابات الاجتماعية التي عانى منها فنانون أمثال كوكان وفان كوخ ورامبرانت ... إلا أنهم أبدعوا واستمروا في عطائهم الفياض بمثابرة تبعث الدهشة. هي إذاً حالة إنسانية تتكرر وليس فناننا ببعيد عنها ، فالبعض يواجهون أوضاعاً حياتية محبطة قد  تدفع الكثيرين منهم الى التخلي عن الفن وممارسة أعمال مغايرة ، وتدفع آخرين إلى المغادرة بحثا عن فرص أفضل .
 
- هل يمكن توريث الفن أم ان خلق أجواء فنية يساعد على إبراز مواهب الأبناء؟
*ليس بالضرورة ، فالعديد من الأدباء الكبار هم أبناء لوالدين أميين. لأن الموهبة باعتبارها استعداداً عقلياً فردياً ، يمكن أن تظهر في بيئة غير مؤاتية  فنياً . إلا أن المناخ العائلي الملائم يسهم في تفتح مواهب الأبناء ويرعاها ويسرع من وتيرة نضوجها . والأمثلة كثيرة لممثلين أبناء مسرحيين وموسيقيين هم ابناء لعازفين ورسامين ورثوا الفن من أحد الوالدين .
 


- -هل تعتقد ان الجوائز مؤشر نجاح الفنان ومقياس لدرجة إبداعه؟
*مفيد انك طرقت هذا الباب ، فالجوائز هي نوع من الأعتراف الاجتماعي بالفنان وتميز عمله، والحافز على المنافسة بين مجموعة من الفنانين ، ولا تخلو هذه الجوائز من خلل وسلبيات لأسباب عدة ، فقد تغفل فنانا مهماً أو ترفع من لا يستحق هذه المرتبة ، لأن الأمر رهين بمستوى لجان التقييم وبواعثها.
إلا أن الجوائز مادية كانت أم رمزية تبقى ممثلة لنوع من المفاضلة بين المبدعين، علما أنه من الصعوبة بمكان قياس درجة الإبداع الفني بحيادية تامة، لما في الفن من عنصر الذاتية في التذوق،  وهي تتفاوت بين إنسان وآخر ، لأن التحكيم الفني يعصى على التقنين والقياس بأدوات العلم الدقيقة. وأنت تعلمين كم غمط النقاد حقوق مبدعين ليأتي زمن آخر ومن منظور نقدي جديد فيكشف القصور في الأحكام السابقة ، فيرتفع المزدرى سابقا الى الصف الأول لاحقاً.
 
- -ماهو العمل الأثير إلى قلبك؟ وهلا قدمت لنا شرحا لبعض معانيه الكامنة وراء الرموز؟
     * بنظري أن العمل الأحب الى قلب الفنان هو ذاك الذي يمثل لديه انعطافة أو إضافة نوعية ، ويكون عن طريقه قد دخل أرض الاكتشافات والإبداع ، لأن الميزة في العمل الفني هي قدرته على أن يمنحنا نوعا من البصيرة الجمالية غير المسبوقة وهو أمر يسعد له الفنان ويجعله ينتفض قائلاً : وجدتها !   
وقد تأتي هذه الحالة بدرجة أو أخرى وبين حين وآخر لتمثل مرتبة مضافة إلى مسيرة الفنان الباحث عن لؤلؤة الابتكار الجميلة.
 إن المحاور الأسلوبية التي اشتغل عليها منذ التسعينيات هي استلهام لغنى وحكمة أساطير ما بين النهرين والرمزية الإنسانية التي تحويها مركزاً على موضوعة الإنسان والحب.  في تكويناتي  تجريدية معشقة بتخطيطات وكتابات غايتها جمالية تذكرنا برهافة فن المنمنمات الشرقية. وعلى حواف الأشكال تنبث إشعاعات ضوء مع طيف من الألوان هو بؤرة جذب وديمومة أمل. انجذب لاستخدام شكل (المعلقة ) بدل اللوحة التقليدية ، وتقنيا ارسم على خامات نسيج خشن كالجنفاص لما له من تأثير بصري وما يوحيه من مناخ فكري له روحانية وبساطة .
 
كيف تنظر إلى واقع الفن التشكيلي العراقي اليوم ؟ وأين هو من الفن العالمي؟
     * بنظري إن تعبير (الفن التشكيلي العراقي) غير ملائم وينطوي على غموض مضلل ، فنحن لا نستطيع تسمية عشرات من اتجاهات فنية معاصرة ومتضاربة يمارسها الفنانون العراقيون بـ(التشكيل العراقي) بل الأحرى أن نقول (فن التشكيليين العراقيين) سواء من هم في الداخل أم الذين انتشروا خارجه ، وهي أعمال تتسم بالحيوية والتجارب الجادة التي تلتحم بلغة الفن العالمية المشتركة أينما وجد فنان وجمهور، وتتفاعل نتاجاتهم مع العالم الواسع تأثيراً وتأثراً . أما إن كنا نقصد بعض الفنانين الذين يتناولون مواضيع محلية شعبية وتراثية ورمزية تشير إلى جغرافية وحضارة هذه الأرض ، فهولاء يمثلون فرعا في شجرة إبداع الفنانين العراقيين الباسقة الملونة .  ويجب أن لا ننسى بأن المحرض الحيوي لفنانينا أواسط القرن العشرين كان تجارب الانطباعيين والتكعيبية والسريالية والتجريد التي نقلها إلينا جواد سليم وأكرم شكري ومحمد غني وآخرون ...

 

ماهي آخر نشاطاتك الفنية؟ وآخر عمل لك؟
*شاركت بمعرض(جماعة نينوى) المقام في عمان ومعارض مديرية الثقافة السريانية في عنكاوا وأربيل والسليمانية  كما صممت جدارية لواجهة متحف التراث السرياني ونوافذ كاتدرائية القلب الأقدس في تلكيف ، وأحيانا اكتب حول التربية الفنية وأثرها الاجتماعي ، وفي فكري مشروع معرض شخصي جديد بعد انقطاع طويل
-كيف من منظورك يمكن ان نربي لدى الاجيال القادمة الذوق السليم والحس الفني؟
*أدعو إلى أن تؤخذ قضية تربية الذوق الفني والجمالي بكل الجدية التي تستحقها – الأمر الذي نراه ثانوياً للأسف- على صعيد المدرسة ووسائل الإعلام ، بينما تمتلك هذه التربية أهميتها الجوهرية في بناء الإنسان الايجابي المتحضر الخلاق ، وهذا يتطلب - إذا كنا جادين فعلاً - إقرار وطبع كتب خاصة بالتربية الفنية لجميع مراحل الدراسة ، أسوة بالمواد الدراسية الأخرى والاهتمام بإعداد مختصين للتدريس وتوفير كل الوسائل لهم . ومن الضروري أن تحتل تربية التذوق مجتمعيا مساحة أوسع في الصحافة ووقتاً أكبر في القنوات الفضائية ، من أجل ترميم الانكسارات التي نعيشها وتعزيز التطور الحضاري الذي لا يأتي من تربية عرجاء.


 

 
 
ماهر حربي  (سيرة فنية)

ولد في الموصل 1945
تخرج في أكاديمية الفنون الجميلة – جامعة بغداد 1969
عمل في ترميم قصر سنحا ريب الآشوري/ نينوى 1969
مدرس الرسم في دهوك والموصل 1970-1980
مدرس معهد الفنون الجميلة/الموصل 1980-2000
رئيس قسمي الفنون التشكيلية والخط والزخرفة بمعهد الفنون الجميلة 1983-1989
مدرس بدرجة خبير في كلية الفنون الجميلة-جامعة الموصل 1997-2003
فنان محترف بجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين 1974
عضو عامل في نقابة الفنانين العراقيين 1974 وحائز على وسام الفن منها
عضو (جمعية الفنون البصرية المعاصرة) 2004
أسهم بتأسيس (جماعة نينوى للفن الحديث) في الموصل 1970
حاز على ثلاث جوائز في تصميم الملصق
شارك بأكثر من (112) معرضا داخل العراق وخارجه 1966-2009، أسس وأدار(قاعة الساعة للفنون) وهي أول قاعة خاصة بالموصل 2000
أسهم بتأسيس (جماعة نينوى) عام 2002.
كتاباته قي الفن والأدب نشرت منذ1968 في صحف عراقية وكان عضو هيأة تحرير بعضها
- له أعمال كبيرة في كنائس وأديرة ومؤسسات ودور خاصة في محافظات نينوى - بغداد - دهوك – اربيل – صلاح الدين
أعماله المقتناة في : العراق-الأردن – سوريا – لبنان – مصر – الكويت – ايطاليا – يوكوسلافيا سابقا– بولندا – هولندا – سويسرا – السويد – فرنسا – ايرلندا – انكلترا – كندا – الولايات المتحدة – البرازيل – هونك كونك – استراليا...
فنان متفرغ، متزوج منذ 1976 وله ولدان وبنت.
 
 


32
مبروك للكهنة الجدد وللكنيسة الكلدانية في العراق وكركوك، ونأمل ان يوفقهم الرب ليكونوا رعاة حقيقيين لشعب بامس الحاجة لهم والف مبروك مرة اخرى

33
[pre
]تقام صلاة الابعين راحة عن نفس المرحومة (ميري وديع ججي) زوجة الشماس بهنام حبابه يوم الجمعة 7/5/2010 السعة الثامنة والنصف صباحا في كنيسة ماريعقوب في قرةقوش، وتقبل التعازي في قاعة الكنيسة.[/
pre]
صلوا لاجلها
[/size]

34
المنبر السياسي / تنويه
« في: 11:32 24/08/2009  »
السادة المشرفون على موقع عنكاوة المحترمون
 ارجو ان تتنبهوا للخطأ الفادح الذي حصل بوضع اسمي على الصفحة الرئيسية على مقال ليس لي،  واخشى ان يظن صاحبه انها سرقة ادبية، رغم ان الموضوع بعد فتحه يصبح صحيحا بالاسم والكاتب،كما ارجو اعادة وضع مقالي مع اسمي على الصفحة الرئيسية،حفاظا على الحقوق الادبية
 ولكم وافر الشكر والتقدير
      جورجينا بهنام

35
المنبر السياسي / نورا للامم
« في: 12:21 20/08/2009  »
نورا للامم
بقلم:جورجينا بهنام

عبر تاريخها الطويل لطالما كانت الكنيسة مصدراللاشعاع الفكري والثقافي والحضاري،وما فتئت تمارس دورا رياديا في نشر العلوم والفنون والآداب.
وعلى مدى السنين كانت الكنيسة والمؤسسات الواقعة تحت ادارتها المباشرة وغير المباشرة،الينبوع الثروالمعين الغني الذي ينهل منه كل راغب في العلم وطالبٍ للثقافة،ما اشتهى من اطايب الثقافات والعلوم والفنون.

في الازمنة الغابرة كانت مدارس الرها ونصيبين بنظامها المتقن واساتذتها الافذاذ وقوانينها التي يندهش من يطلع عليها من فرط دقتها وحسن التدبير والادارة الذي تميزت به،كانت هذه المدارس علما هاما ورائدا في ذلك الزمان.

ولو انتقلنا الى بيت الحكمة الذي انشأه هارون الرشيد وعني به ابنه المأمون لوجدنا جل علمائه من (النصارى)ان صح استخدام هذا التعبير،من السريان والنساطرة الذين ارسل في اثرهم الخلفاء العباسيون ومن اشهرهم الطبيب جرجس بن بختيشوع ورائد الترجمة الطبية حنين بن اسحق وسواهم كثير.
 ولو قفزنا الى عصر النهضة الاوربية الحديثة لوجدنا جامعاتها مزدهرة تحت رعاية الكنيسة ورهبانها ولا أدَلَّ على ذلك من الزي الذي يرتديه الخريجون حتى اليوم في جامعات العالم كافة ،شبانا وشابات،وهو ما يحاكي بنوعٍ ما ملابس الرهبان المسيحيين في العصور الوسطى، الامر الذي ما انقطع يثير ما يثيره في نفوس الاصوليين الرافضين لارتداء الخريجين لهذا الزي لانه يحاكي ثياب الرهبان.

رعاية الكنيسة للفن والفنانين هي التي حولت الكثير من المدن الاوربية الى متاحف حية بكنائسها وكاتدرائياتها الرائعة العمران والمزينة بالايقونات البديعة والمنحوتات المتقنة والرسوم الخالدة على جدرانها وسقوفها، والتي قضى من اجلها فنانون عظام مثل ليوناردو دافنشي ورافاييلو ومايكل انجلو سنين مستلقين على ظهورهم على(اسكلات) عالية لتحقيق هذه الانجازات.

فلو اردنا ان نتحدث عن دور الكنيسة في البناء الحضاري بوجه عام لما وسعت الصفحات لما ينبغي ان يقال في حقها. فعلى مدار السنين ادارت الكنيسة ورهبانها وراهباتهاعددا لايحصى من المدارس في انحاء متفرقة من العالم،أمّها طلاب العلم من مختلف الانتماءات والمشارب،وخرجت اجيالا من العلماء والادباء والاطباء والمهندسين البارعين في اغناء الحياة،وفي العراق كانت هذه المدارس موجودة حتى الغاها التاميم عام 1974.

ولهذا ولكثير غيره،اصبح السؤال ملحا،اين نحن من كل هذا؟ اين كنيستنا اليوم واعني في العراق بالذات من كل هذا؟ وارجو الانتسرع في تعليق الموضوع على شماعة الظروف الامنية والوضع المتازم وسواها،كما كان الحال عليه في الماضي عندما كانت ترمى كل المصائب على رأس الحصار الاقتصادي(المفروض على بلدنا) ليكون سببا لكل صغيرة وكبيرة من مشاكل العراق والعراقيين.

الكنيسة التي تعتز بلغتها الام،وتباهي العالم انها تتكلم لغة المسيح،تركت تراثها وهجرت ثقافتها،وحولت حتى قداديسها الى لهجة العامة الدارجة المحكية، واصبحت السريانية الفصيحة غريبة على اهلها الذين باتوا لايفهمون لغتهم الام،بعد ان صار لكل قرية (لغة)اعني لهجة خاصة بها يتكلمون ويقدسون قداديسهم بها(لم يبق الا ان يكون لنا قداس باللهجة البغدادية والمصلاوية!!!) بعد ان كان القداس وكل الطقوس الكنسية مصدرا لتعلم اللغة الام،كونه بلغة صافية نقية فصيحة صافية،ربما ليكون ذلك ضمن الاتجاه العام نحو الركاكة والهشاشة بدعوى التبسيط.

 ثم اين المدارس التي تديرها الكنيسة، نسمع الكثير عن امثال تلك المدارس في سوريا ولبنان والاردن،فلماذا لاتكون كذلك في العراق، فالوضع الامني لم يعد حجة مقبولة كما ان المناطق الآمنة وشبه الآمنة كثيرة،وليس كل العراق جحيما مستعرا،وربما تكون الثقافة ونشرها خير سلاح لردع الافكار الهدامة والوقوف بوجه مروجيها. ثم ان المدارس الاجنبية موجودة وتعمل كالمدرسة الفرنسية والتركية وغيرها،ولها روادها فاين المدارس الكاثوليكية ذات التاريخ العريق.

ولربما يعتقد البعض ان التمويل يشكل عائقا امامها،لكني لااظن،لسببين بسيطين: اولهما ان الاموال موجودة وتصرف ببذخ في امور شكلية لاطائل منها ،ولااريد الخوض في هذا الموضوع.

والثاني ان الناس في بلدنا يحبون العلم ويقدرون الثقافة ومن يدفع ما يوازي ستة الاف دولار كقسط سنوي ليعلم ابنه في مدرسة جيدة ، لن يتوانى عن دفع مبلغ مماثل،وربما اقل بكثير لمدارس رصينة لها مكانتها وقيمتها على مستوى العالم وليس في الشرق الاوسط فقط،تديرها الاخوات الراهبات وهن الاجدر واقدر ولهن في هذا المجال خبرة طويلة سبقت التاميم كما نوهنا سابقا.ثم ان هناك رهبانيات متخصصة في تعليم الصغار وتربيتهم وتنشأتهم النشأة الصالحة.
خلاصة القول ان شبابنا واطفالنا بل وكلنا جميعا بحاجة الى ما يسمى بمصطلحات الحاسوب(refresh) اي لاعادة تنشيط (ولا اقول لاعادة تبشير لئلا يساء فهم المقصود) لايمانهم واخلاقهم وفكرهم، وايقاظ كل الجواهر الثمينة التي غطاها رماد الحروب وازالت بريقها اوحال الارهاب.لتلافي ما يمكن تلافيه واصلاح ما يمكن اصلاحه من الاضرار الفادحة التي لحقت وما زالت تلحق بمجتمعنا الجريح،واعادة التأسيس للبناء الجديد والجيل الجديد على صخرة قوية صلدة هي الكنيسة التي كانت ومازالت مصدرا للاشعاع العلمي والثقافي والفكري وقبل كل ذلك وفوقه الايماني ،ولن يكون ذلك ببضع محاضرات هنا واخرى هناك فالامر محتاج بالفعل لاعادة نظر،كيلا ندع مجالا لتسرب الافكار والعقائد الدخيلة التي تتلبس في بعض الاحيان ثياب المسيح فتطغى على اصالتنا وتراثنا وثقافتنا التي لن نبدلها بالمال مهما كثر. ولتبقى كنيستنا الاصيلة في العراق ملحا للارض لايفسد ابدا (لانه ان فسد الملح فبماذا يملح) ونورا لابنائها وللامم.



36
شكر و تهاني / اكليل رغيد وعبير
« في: 12:36 01/07/2009  »
في اجواء من البهجة والسرور تم الاحتفال باكليل العروسين رغيد و عبير في وسط فرحة الاهل والاحباب
الف مبروك للعروسين وبالرفاء والبنين
[/size][/color]

37
سنرجع يوما الى حينا

بقلم: جورجينا بهنام

لماذا يحتاج الانسان ياترى الى وطن؟..وارض الله الواسعة امامه على مد النظر ويزيد،ولماذا يريد دائما ان يكون مواطنا(من الدرجة الاولىطبعا)،وليس مقيما،مغتربا،لاجئا،ولامهاجراواي مسمى آخر؟.
لان الوطن ليس قطعة من الارض لها اسم معين يحمله الانسان وينتسب اليه ليقول انا من الوطن الفلاني ويرفع راسه به ويفتخرفحسب،الوطن ليس حيث ولدت وتربيت وعشت طوال حياتك،لانك قد تولد في ارض غريبة وتتربى هناك وتعيش حياتك كلها لكنك تبقى غريبا،وربما حتى منبوذا،لانه ليس بوطنك.
الوطن بيت كبير يجمع العائلة الواحدة بكل افرادها مهما كثرت التفرعات وتشابكت العلاقات، الوطن ام حنون تضمك الى صدرها لترتاح بعيدا عن هموم الحياة مهما تعقدت ،تعود اليها بعد الاخفاقات والاحزان والانكسارات، لتجد الدفء والدعم والامان.والوطن اب عادل حازم،يعطي ابناءه النصح والارشاد،يقوم المعوج ويرشد الظال.
الوطن اكبر من ان نلخصه ببعض الكلمات،بيت واب وام...لابل اكثر من ذلك بكثير،ولان الانسان يحتاج ابا واما وبيتا،يحتاج بالتاكيد الى وطن.
الوطن حقوق وواجبات وعندما يغيب احدها يصبح معنى المواطنة منقوصا ولاريب،في الوطن لابد ان تجد اطيافا متعدة هي جزء لايتجزأ منه،لهم حقوق وبالتأكيد عليهم واجبات ويكفل الدستور حقوق الجميع دون استثناء ومنها حق التمثيل السياسي والبرلماني، فتضمنت القوانين موادا خاصة لحماية الحقوق ولتكون صوت من لاصوت له.
تعاني ماتعاني الاطياف(الاقليات) في العراق، (ودون تسمية فريق دون آخر) بلا استثناء من ويلات كثيرة بين تهديد وترهيب وتهميش اقصاء،مرورا بحوادث التصفيةالجماعية (كما حصل في التفجيرات التي طالت في وقت سابق الايزيدية والتي راح ضحيتها مئات قضوا في دقائق)، وصولا الى التهجير القسري ،الذي حدث في الماضي وتتكرر في الموصل بشكل صارخ العام الماضي، عندما حصل نزوح جماعي لمئات بل لالاف العوائل التي تنتمي الى احد اطياف شعب العراق،اعقبه استنكار يليه شجب تليهم الادانة، وهكذا الحال دائما مع كل جريمة تطال اي طيف من اطياف العراق .
ليس هذا موضوعنا. فالوطن هو موضوعنا وهدفنا،لانه محزن ومؤلم جدا ان ترى ابناء الوطن وهم يتراكضون ويتسابقون لمغادرته ساعين وراء الغربة بايديهم وارجلهم،فهل يعقل انهم يشتهون الغربة، وهل تصدق ان  يترك الطفل بارادته صدر امه الحنون الدافئ،ويلتجي باحضان غريبة بلاستيكية  باردة، بالتاكيد هنالك سبب وسبب قوي جدا يدفعهم للمخاطرة بحياتهم وحياة افراد اسرهم وباموالهم وبمستقبلهم كاملا من اجل مغادرة الوطن،فالامر عجيب ولابد له من سبب وعندما يعرف السبب يبطل العجب،وعندما تعالج الاسباب(وهي ليست بخافية على احد) بشكل واقعي وفعلي وجذري،سيعود الجميع الى وطنهم بملئ ارادتهم دون ان تكون هناك حاجة لدفعهم للعودة باية طريقة كانت،لا بل لاداعي لاكراههم على الرجوع،والسعي لطردهم من البلدان التي يقيمون فيها بصفة مؤقتة، لان حب الوطن اكبر من اي طموح ومكسب، وعذاب الغربة اكبر بكثير من مغريات الحياة العصرية في بلدان الاغتراب،وعندما يرى الانسان ان حقوقه مصانة في بلده وله كرامة المواطن فيه والتي تفوق كرامته كلاجئ في اي بلد اخر (اذ قد يتفاجأ المرء احيانا بقدر الاحترام الذي يلقاه اللاجئ مقارنة بوضعه السابق في بلده) سيعود بالتاكيد سيعود.

38
[center] المصائب الكبرى امتحان من الرب لصبر وايمان ورجاء المؤمنين بالقيامة والحياة الابدية[/center][/size]
رحمة الله تشمل الفقيدة وكل الموتى المؤمنين، والصبر والسلوان لكل من توجع بفقد الابنة ومن ثم الاب،الراحة الابدية اعطهم يارب ونورك الدائم يشرق عليهم[/color]

39
أدب / اوفى الاصدقاء قصة قصيرة
« في: 10:53 26/04/2009  »

قصة قصيرة للأطفال
 
اوفى الاصدقاء

جورجينا بهنام
 


كان ياما كان في سالف العصر والأوان .. في الغابة البعيدة ذات السماء الصافية، وبعد أيام من الجفاف المرير جاء أخيرا المطر الجميل، وسقى الأرض بخيراته وبركاته فشبعت الأرض من فيضه وارتوت من ينابيعه فولدت من رحمها ابناءا من الخضرة الحسنة والأزاهير الملونة و الأشجار الباسقة، وطلعت الأوراق الخضراء وكست الأشجار التي تعرت من أوراقها في الخريف الماضي ،وصار كل ما حولنا خضرة وجمال آسر .
فعاد صديقنا الأرنب الأبيض الصغير الى نشاطه وحيويته، وبدا يملا الغابة بحركاته الجميلة ومرحه اللطيف،وفي يوم من الأيام خرج كعادته الى الغابة ليلعب مع أصدقائه الأرانب، لكنه لم يجد أيا منهم في الباحة الخضراء المطرزة بالأزاهير، التي اعتادوا أن يلتقوا فيها ويلعبوا ،فحزن الأرنب وفكر في نفسه أن أصدقاءه قد اتفقوا على اللعب في مكان آخر ونسوا اوتناسوا أن يخبروه بذلك وعزم أن يقطع علاقته بهم وقال في نفسه :لن العب معهم بعد اليوم أبدا .
وبدا يلعب وحده ويقفز هنا وهناك وأخيرا مل من الوحدة وقرر أن يبحث عنهم، فذهب الى بيت صديقه الأرنب البني وسأل والدته عنه فقالت له:أنت هنا أيها الأرنب الأبيض، كل أصدقائك الأرانب في بيت صديقكم الأرنب الذهبي.
فركض الأرنب مسرعا الى بيت صديقه الذهبي وهو يرتعش من شدة غضبه ،وقال في نفسه: أصدقائي مجتمعون للاحتفال والاستمتاع في بيت الأرنب الذهبي، وتركوني وحيدا في الغابة، دون أن يتكلفوا عناء دعوتي أو على الأقل إخباري بمكانهم، هؤلاء الأصدقاء السيئون غير الأوفياء،والأرنب الذهبي الذي اعتبره اعز أصدقائي، كيف يفعل بي هذا، يدعو الجميع وينسى أن يدعوني إنا صديقه الحميم، سأريهم جميعا ،سيسمعون مني ما يليق بهم وبفعلتهم الشنيعة هذه.
وبينما هو يحدث نفسه بهذا وجد نفسه أمام بيت الأرنب الذهبي، لكنه فوجئ بزحمة غير معتادة، ما الأمر ،تساءل الأرنب الأبيض؟؟ ماذا هناك؟، هل الحفل واسع الى هذا الحد،وانا الوحيد الذي لا يعلم؟
كل الأصدقاء هناك،ولما رأوا الأرنب الأبيض،قالوا له هل عرفت بالخبر،كم أنت حزين الآن؟ لم نرد أخبارك، لكن الأخبار السيئة تنتقل بسرعة،فتعجب الأرنب من هذا الكلام،وسال: ما الأمر ماذا هناك؟
قالوا له الم تعلم أن صديقك الأرنب الذهبي قد سقط في شرك احد الصيادين وهو في طريقه ليلعب معك اليوم،فانكسرت ساقه، والجدي الحكيم بالداخل معه،يداويه ويطبب جراحه،فركض الأرنب الأبيض ودخل بيت صديقه مسرعا وهو يبكي ويصيح:حبيبي أيها الأرنب الذهبي،كيف حالك الآن،سامحني ياصديقي، سامحوني جميعا يا اصدقائي، لقد ظلمتكم وتسرعت، وياللاسف، كعادتي،وحسبت أنكم نسيتموني،ولم أفكر الا في نفسي، حسبتكم تحتفلون،وانتم منهمكون في مداواة صديقي الجريح، واخفيتم عني الخبر لئلا تقلقوني،خفتم على مشاعري،وانا بانانيتي عزمت ان اقطع علاقتي بكم، لأنكم لم تأتـوا لللعب معي ،سامحوني يا أصدقائي سامحوني يا أوفى الاصدقاء.   

   

40
لااعرف ما سر التطبيل والتزمير وكان اعظم المكاسب قد وصلت للمسيحية املنا ان يكون التحول عن الدين الاصلي عن ايمان عميق وليس تحقيقا لاغراض خاصةايا كانت كما كان يحصل عند التحول العكسي في بعض الاحيان لاسباب رخيصة،وكما يقول المثل                              (اسلمت سارة          لازادت المسلمين ولاقللت النصارى) والعكس بالعكس.

41
صباح الخير
زياررة مهمة لشاعر كبير اما كان يجب ان تحاط باهتمام اكبر،اعلاميا،وان تُنظم على الاقل جلسة شعرية في عنكاوة ،وربما نظمت ولم نعلم بها،يلقي فيها الشاعر بعض قصائده،للارتقاء بالذائقة الشعرية لنا جميعا.

42
الخير كل الخير في الحركة ففيها البركة كل البركة..سيادة البطريرك بدأ حبريته بزيارة الرعايا وحسنا فعل،وعله يلتفت الى ابنائه في العراق ويشملهم بالرعاية ندعو سيادته لزيارة العراق، لرفع معنويات الجماعة وبث الرجاء فيها.

43
ارجو ان يتفهم جميع الاخوة ان الايمان المسيحي بعيد كل البعد عن افكار الانتقام والثار وما الى ذلك من افكار جاهلية ،وان المسيح الذي غفر لصالبيه علمنا مرة اخرى ثقافة الغفران بشهادة مار بولس فرج رحو الذي غفر هو الاخر لصالبيه قبل ان يعرفهم.
علمنا يارب ان نصفح ونغفر                      وافتح قلوب البعيدين عنك ليعرفوا السعادة الكامنة في محبتك وغفرانك

44

واخيرا هانت مع الرعية التي احببتها واحبتك الى المنتهى لم ترد ان تفارق ابناءك ابدا فاردت ان تدفن ما بينهم ،صلي من اجلنا الى الله الاب ليحفظ ابرشية الموصل وابناءها ويقوي ايمانهم ورجاءهم بالرب ويفيض نورك على العالم اجمع فيعرفوا انك الاله الحق اله المحبة والسلام.


ذكراك في قلوبنا لن تمحى ابدا        مبارك عليك اكليل الشهادة وحضن ابيك ابراهيم

45
[/size]الراحة الابدية اعطه يارب ونورك الدائم يشرق عليه
شهداؤنا الابرار الذين رووا بدمائهم ارضنا الطيبة ،يجب الا يغيبوا عن بالنا لتكون حياتهم وشهادتهم حافزا لنا للاستمرار والتواصل لان دماء الشهداء هي بذار الحياة.

46
عام مضى وعام يأتي واي تغيير حصل
بقلم:جورجينا بهنام

في ايامنا هذه،اصبحت السنون تمر بسرعة البرق دون ان نشعر بها،لان الايام تمر علينا متشابهة واي فرق بين الامس واليوم،واي فرق سيطرأ على الغد ليجعله افضل من الحاضر؟
قبل عام من اليوم ،اقام الدنيا ولم يقعدها،حادث غادر طال رمزا من رموزالمسيحية في العراق،الا وهو استشهاد المثلث الرحمات (مار بولس فرج رحو)،واضطجت الدنيا لهذا الخبر،فعم الاستنكار ارجاء العالم،فهذا يشجب وذاك يستنكر وآخر يدين وما الى ذلك من مواقف معتادة في مثل هذه الحالات،وهذا امر طبيعي ان يستنكر العالم مثل هذه الجريمة التي طالت بريئا مسالما طالما دعا وفي اكثر من مناسبة للاخوّة والتسامح واعادة بناء العراق بايدي ابنائه من جميع الاطياف،لاسيما عظته الشهيرة التي كثيرا ما  اعادتها القنوات الفضائية بعد استشهاده(نحن لانعادي احدا ، بل نسالم حتى من يعادينا).
ولكن السؤال الذي نريد ان نطرحه، ما الفرق الذي احدثه توجه اهتمام العالم لمشكلة ومعاناة المسيحيين في العراق بعد هذه الجريمة؟
وبعد ان ضُربَ الراعي،الم تتبدد الخراف؟ كم من مرة عانى المسيحيون من اعتداءات وتهجير وقتل وخطف؟
وخير مثال على ذلك ماحصل من تهجير جماعي للعوائل المسيحية اواخر العام الماضي وخروج مئات العوائل المسيحية من دورها في الموصل خوفا على حياتهم بعد مسلسل القتل المبرمج شبه اليومي لمواطنين مسيحيين في تلك الفترة.علاوة على تفجير البيوت ما الى ذلك من اعمال اصبحت معتادة لكثرة تكرارها، عاد البعض لمنازلهم بعد حين  ولكن البعض الاخر لازال ينتظر تحسن الوضع.
الوضع الآن افضل، نعم الوضع الآن افضل منه ايام  اغتيال (مار بولس فرج) ، وافضل منه عندما حصل التهجير،ولكن الوضع نسبي،لان الافضل من السيئ ليس بالضرورة حسنا، بل اقل سوءا فقط.
هل المسيحيون في الموصل او في العراق عامة باحسن حال الآن؟ الامن لم يستتب تماما لازال الوضع غير مستقر والناس خائفة على العموم،ولو تابعت الاخبار والمواقع الالكترونية لرصدت قلق المواطنين الموصليين عامة من الحال الذي ستؤول اليه المدينة بعد رحيل القوات الامريكية،والوضع لايخلو منذ الان من تفجيرات هنا وهناك،كان آخرها التفجير الذي حصل في قرة قوش (بغديدا) وهي من المناطق الآمنة التي يلجا اليها المسيحيون عندما تسوء الاوضاع!
كما وعثرت الشرطة في الامس القريب على جثة مقطوعة الراس في احد احياء الموصل.
لقد كان الوضع باحسن حال قبيل انتخابات مجالس المحافظات، بل كاد يجزم البعض بانه ممتاز، فما الذي حصل وكيف يتدهور بين ليلة وضحاها، نعم الحال احسن ولكن متى سيكون الاحسن؟
ثم لماذا لازالت الكنيسة في الموصل دون راع وهي تعيش هذه الظروف الصعبة لابل القاسية بعد ترملها برحيل راعيها الجليل،ها قد مضى عام ولم يتم اختيار البديل ، هل الامر بهذه الدرجة من الصعوبة؟ الرعية بحاجة الى راع اكثر من حاجتها لرفات راعيها الشهيد(رغم اهميتهما) وهنا نجدد الدعوة لاطلاق اسم الشهيد(مار بولس فرج رحو) على كنيسته التي يعرفها الموصليون بـ(بيعة قس فرج) اكثر من اسمها (كنيسة مار بولس).   
 
 
 
 

47
عام مضى وعام يأتي واي تغيير حصل
بقلم:جورجينا بهنام

في ايامنا هذه،اصبحت السنون تمر بسرعة البرق دون ان نشعر بها،لان الايام تمر علينا متشابهة واي فرق بين الامس واليوم،واي فرق سيطرأ على الغد ليجعله افضل من الحاضر؟
قبل عام من اليوم ،اقام الدنيا ولم يقعدها،حادث غادر طال رمزا من رموزالمسيحية في العراق،الا وهو استشهاد المثلث الرحمات (مار بولس فرج رحو)،واضطجت الدنيا لهذا الخبر،فعم الاستنكار ارجاء العالم،فهذا يشجب وذاك يستنكر وآخر يدين وما الى ذلك من مواقف معتادة في مثل هذه الحالات،وهذا امر طبيعي ان يستنكر العالم مثل هذه الجريمة التي طالت بريئا مسالما طالما دعا وفي اكثر من مناسبة للاخوّة والتسامح واعادة بناء العراق بايدي ابنائه من جميع الاطياف،لاسيما عظته الشهيرة التي كثيرا ما  اعادتها القنوات الفضائية بعد استشهاده(نحن لانعادي احدا ، بل نسالم حتى من يعادينا).
ولكن السؤال الذي نريد ان نطرحه، ما الفرق الذي احدثه توجه اهتمام العالم لمشكلة ومعاناة المسيحيين في العراق بعد هذه الجريمة؟
وبعد ان ضُربَ الراعي،الم تتبدد الخراف؟ كم من مرة عانى المسيحيون من اعتداءات وتهجير وقتل وخطف؟
وخير مثال على ذلك ماحصل من تهجير جماعي للعوائل المسيحية اواخر العام الماضي وخروج مئات العوائل المسيحية من دورها في الموصل خوفا على حياتهم بعد مسلسل القتل المبرمج شبه اليومي لمواطنين مسيحيين في تلك الفترة.علاوة على تفجير البيوت ما الى ذلك من اعمال اصبحت معتادة لكثرة تكرارها، عاد البعض لمنازلهم بعد حين  ولكن البعض الاخر لازال ينتظر تحسن الوضع.
الوضع الآن افضل، نعم الوضع الآن افضل منه ايام  اغتيال (مار بولس فرج) ، وافضل منه عندما حصل التهجير،ولكن الوضع نسبي،لان الافضل من السيئ ليس بالضرورة حسنا، بل اقل سوءا فقط.
هل المسيحيون في الموصل او في العراق عامة باحسن حال الآن؟ الامن لم يستتب تماما لازال الوضع غير مستقر والناس خائفة على العموم،ولو تابعت الاخبار والمواقع الالكترونية لرصدت قلق المواطنين الموصليين عامة من الحال الذي ستؤول اليه المدينة بعد رحيل القوات الامريكية،والوضع لايخلو منذ الان من تفجيرات هنا وهناك،كان آخرها التفجير الذي حصل في قرة قوش (بغديدا) وهي من المناطق الآمنة التي يلجا اليها المسيحيون عندما تسوء الاوضاع!
كما وعثرت الشرطة في الامس القريب على جثة مقطوعة الراس في احد احياء الموصل.
لقد كان الوضع باحسن حال قبيل انتخابات مجالس المحافظات، بل كاد يجزم البعض بانه ممتاز، فما الذي حصل وكيف يتدهور بين ليلة وضحاها، نعم الحال احسن ولكن متى سيكون الاحسن؟
ثم لماذا لازالت الكنيسة في الموصل دون راع وهي تعيش هذه الظروف الصعبة لابل القاسية بعد ترملها برحيل راعيها الجليل،ها قد مضى عام ولم يتم اختيار البديل ، هل الامر بهذه الدرجة من الصعوبة؟ الرعية بحاجة الى راع اكثر من حاجتها لرفات راعيها الشهيد(رغم اهميتهما) وهنا نجدد الدعوة لاطلاق اسم الشهيد(مار بولس فرج رحو) على كنيسته التي يعرفها الموصليون بـ(بيعة قس فرج) اكثر من اسمها (كنيسة مار بولس).   



48
عام مضى وعام يأتي واي تغيير حصل
بقلم:جورجينا بهنام

في ايامنا هذه،اصبحت السنون تمر بسرعة البرق دون ان نشعر بها،لان الايام تمر علينا متشابهة واي فرق بين الامس واليوم،واي فرق سيطرأ على الغد ليجعله افضل من الحاضر؟
قبل عام من اليوم ،اقام الدنيا ولم يقعدها،حادث غادر طال رمزا من رموزالمسيحية في العراق،الا وهو استشهاد المثلث الرحمات (مار بولس فرج رحو)،واضطجت الدنيا لهذا الخبر،فعم الاستنكار ارجاء العالم،فهذا يشجب وذاك يستنكر وآخر يدين وما الى ذلك من مواقف معتادة في مثل هذه الحالات،وهذا امر طبيعي ان يستنكر العالم مثل هذه الجريمة التي طالت بريئا مسالما طالما دعا وفي اكثر من مناسبة للاخوّة والتسامح واعادة بناء العراق بايدي ابنائه من جميع الاطياف،لاسيما عظته الشهيرة التي كثيرا ما  اعادتها القنوات الفضائية بعد استشهاده(نحن لانعادي احدا ، بل نسالم حتى من يعادينا).
ولكن السؤال الذي نريد ان نطرحه، ما الفرق الذي احدثه توجه اهتمام العالم لمشكلة ومعاناة المسيحيين في العراق بعد هذه الجريمة؟
وبعد ان ضُربَ الراعي،الم تتبدد الخراف؟ كم من مرة عانى المسيحيون من اعتداءات وتهجير وقتل وخطف؟
وخير مثال على ذلك ماحصل من تهجير جماعي للعوائل المسيحية اواخر العام الماضي وخروج مئات العوائل المسيحية من دورها في الموصل خوفا على حياتهم بعد مسلسل القتل المبرمج شبه اليومي لمواطنين مسيحيين في تلك الفترة.علاوة على تفجير البيوت ما الى ذلك من اعمال اصبحت معتادة لكثرة تكرارها، عاد البعض لمنازلهم بعد حين  ولكن البعض الاخر لازال ينتظر تحسن الوضع.
الوضع الآن افضل، نعم الوضع الآن افضل منه ايام  اغتيال (مار بولس فرج) ، وافضل منه عندما حصل التهجير،ولكن الوضع نسبي،لان الافضل من السيئ ليس بالضرورة حسنا، بل اقل سوءا فقط.
هل المسيحيون في الموصل او في العراق عامة باحسن حال الآن؟ الامن لم يستتب تماما لازال الوضع غير مستقر والناس خائفة على العموم،ولو تابعت الاخبار والمواقع الالكترونية لرصدت قلق المواطنين الموصليين عامة من الحال الذي ستؤول اليه المدينة بعد رحيل القوات الامريكية،والوضع لايخلو منذ الان من تفجيرات هنا وهناك،كان آخرها التفجير الذي حصل في قرة قوش (بغديدا) وهي من المناطق الآمنة التي يلجا اليها المسيحيون عندما تسوء الاوضاع!
كما وعثرت الشرطة في الامس القريب على جثة مقطوعة الراس في احد احياء الموصل.
لقد كان الوضع باحسن حال قبيل انتخابات مجالس المحافظات، بل كاد يجزم البعض بانه ممتاز، فما الذي حصل وكيف يتدهور بين ليلة وضحاها، نعم الحال احسن ولكن متى سيكون الاحسن؟
ثم لماذا لازالت الكنيسة في الموصل دون راع وهي تعيش هذه الظروف الصعبة لابل القاسية بعد ترملها برحيل راعيها الجليل،ها قد مضى عام ولم يتم اختيار البديل ، هل الامر بهذه الدرجة من الصعوبة؟ الرعية بحاجة الى راع اكثر من حاجتها لرفات راعيها الشهيد(رغم اهميتهما) وهنا نجدد الدعوة لاطلاق اسم الشهيد(مار بولس فرج رحو) على كنيسته التي يعرفها الموصليون بـ(بيعة قس فرج) اكثر من اسمها (كنيسة مار بولس).   

49
مبروك الدرجة الجديدة
الحمد لله كنيسة العراق لازالت بخير وتلد اجيالا للحياة الابدية


50
اين قصتي القصيرة؟لماذا لم تظهر؟

51
]نشارككم الاحزان لوفاة العم العزيز يوحنان
تغمده الله برحمته واسكنه فسيح جنانه وجعل جزاءه مع الابرار والقديسين
نسال الله تبارك في علاه ان يلهم اهله الصبر والسلوان ويجعلها خاتمة الاحزان



ايان  فريد وا فين منصور

صفحات: [1]