عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - عامر صالح

صفحات: [1]
1
خطاب الكراهية بين جذوره الفردية واسبابه السوسيوسياسية

د.عامر صالح 

أشتد خطاب الكراهية في السنوات الاخيرة في مجتمعات عدة في العالم, واكثرها وضوحا في العالم العربي والاسلامي بصورة عامة وفي المجتمعات ذات التنوع القومي والاثني والديني وما يتبعه من مذهبي, وبعد ان كنا نتغنى ونفتخر لهذا التنوع الجميل ونعتبره فسيفساء جميل يرفد الثقافة الوطنية والمجتمع بمصادر التنوع والثراء ويعبر عن التسامح في التعايش وقبول الآخر المختلف, أصبح اليوم من الاسباب التي تهدد السلم المجتمعي وينذر بتفكيك المجتمعات وانكفائها دينيا ومذهبيا وأثنيا. وبالتأكيد فأن الاسباب لا تكمن في ذات التنوع, بل في مجمل السياسات والمنعطفات الخطيرة التي تمر بها المجتمعات العربية والاسلامية, والتي ادت في مجملها الى تحويل هذا التنوع الى مجموعات منعزلة تلغي بعضها الآخر عبر التكفير والترهيب والقمع وعدم الاعتراف بالمكونات المجتمعية المختلفة في المجتمع الواحد !!!.


والكراهية كما ترد في احدى تعريفاتها بأنها المشاعر الانسحابية التي يصاحبها اشمئزاز شديد, نفور وعداوة أو عدم تعاطف مع شخص ما أو شيء أو حتى ظاهرة معينة, تعزو عموما إلى رغبة في تجنب, عزل, نقل أو تدمير الشيء المكروه, يمكن أن يبنى على الخوف من غرض معين أو ماضي سلبي نتج عن التعامل مع ذلك الغرض, يمكن للناس أن يشعروا بالنزوع أو المشاعر أو الأفكار التي تستلزم الكره, كعلاقة الكره والحب. أحيانا يستخدم لفظ " الكراهية " عرضا للمبالغة في وصف شيء لا يطيقه شخص ما, مثل شكل معماري معين, حالة طقس, وظيفة معينة وحتى بعض أنواع الطعام. وتستخدم كذلك لفظة الكراهية لوصف إجحاف أو حكم مسبق, تعصب أو إدانة تجاه فئة أو طبقة من الناس وأعضاء هذه الفئة, والكراهية العنصرية والقومية والدينية والمذهبية والسياسية هي من اخطر أشكال هذه الكراهية ومن الممكن أن تسبب في تدمير كل البشر إذا استقرت وتحجرت في عقول الكارهين بدون حل لشفرتها ومسبباتها ووضع برامج شاملة لردعها وحصرها في نطاق محدود !!!.

وإذا كان العنف باعتباره المظهر الصارخ في التعبير عن كراهية الآخر, والذي يقترن باستخدام القوة الفيزيائية, فهو ذلك الآفة الاجتماعية المانعة للوحدة المجتمعية والمحرضة على شيوع القسوة بين الناس ومنع المودة وزرع الأحقاد الفردية والجماعية بين مكونات المجتمع الواحد بكل تنوعانه السياسية والمذهبية والاثنية, وهو لم يكن بشكله هذا يوما ما فطريا ومتأصلا في الطبيعة الإنسانية, بل هو نتاجا معقدا لمنظومة من العوامل الاجتماعية والتربوية والحكومية والإعلامية, والتي تعمل جاهدة في صياغة عقل وحيد الجانب لا يرغب في المعايشة والتكيف مع التنوع الفكري والعقلي والثقافي في البيئة المحيطة, ومن هنا صح قول عالم النفس السلوكي " سكينر " إن العنف يبدأ في الرؤوس قبل استخدام الفؤوس.

وإذا كانت الكراهية في بعض الأحيان مزاجا كامنا غير معبر عنه في العلن بسلوكيات مطابقة له, فأن العنف العيني باعتباره معبرا عن الكراهية بأساليب مختلفة يعتبر لغة التخاطب الأخيرة مع الواقع ومع الآخرين حين يحس المرء بالعجز عن إيصال صوته بوسائل الحوار العادي في ظل ظروف بيئية غير مواتية للحوار المتبادل يسودها الاحتقان وعدم احترام حرية الرأي والرأي الآخر. والعنف من الناحية النفسية هو صورة من صور القصور الذهني حيال موقف معين, والعنف وجه آخر من أوجه النقص التقني في الأسلوب والإبداع في حل ومواجهة معضلة وقد يصل العنف لمرحلة الانهيار العقلي والجنون " فصام العقل " كما قد يكون وسيلة من وسائل العقوبة والتأديب أو صورة من صور تأنيب الضمير على جرم أو خطيئة مرتكبة ولن يتعدى في كل أحواله القصور الذهني والفكري لدى الإنسان وهو في حالة من حالاته اضطراب في إفرازات الغدد الهرمونية في جسم الفرد وعدم تناسب أو انتظام في التوزيع الهرموني داخل الجسم الذي قد ينتج أحيانا عن سوء في التغذية أو سوء اختيار نوعيتها.

ومن الناحية النشوئية والإنمائية يرى علماء النفس أن الطفل لا يكون قادرا على إتيان أفعال الخير أو الشر إلا بعد أن تشكل الأنا وينمو الوعي بالذات لديه, وطالما لم يكن للأنا عنده معنى ظلت أفعاله محايدة من الناحية الأخلاقية, لا تقبل إصدار أي حكم أخلاقي بشأنها, بحيث يمكن القول أن للطفل طبيعة, ولكنه لا يمتلك مزاجا أخلاقيا. إن الخير والشر هما من  الإمكانيات التي تنطوي عليها طبيعة الطفل, ومع تنامي الوعي بالذات تنتقل من الإمكان إلى الفعل, وتفصح عن نفسها في شكل سمات المزاج الثابتة نسبيا. حينئذ فقط يمكن القول عن الشخص بأنه فاضل أو رزيل, عدواني ومسالم, ويصبح الخير أو الشر وظيفة من وظائف الأنا. ويتوقف تشكل هذه الوظائف ونموها على طبيعة التنشئة الاجتماعية التي خضع لها الطفل, فقد تكون من النوع الذي يساعد على تنامي هذه السمة أو تلك أو من النوع الذي يحول دون ذلك !!!.

وتتأثر عملية التنشئة الاجتماعية بمنظومة من العوامل المتشابكة والمتداخلة, ابتداء من ولادة الطفل ونشأته الأولى في البيت والأسرة متأثرة بعوامل مختلفة كالقسوة وعنف التربية والحرمان الطفولي في إشباع الحاجات المختلفة النفسية منها, كالأمن والأمان والاحترام والاستقلالية, وكذلك الحاجات المادية من تغذية مناسبة وملبس وسكن و الخلو من الإمراض المزمنة وغيرها, ثم الدائرة الثقافية والبيئية ومدى غنائها بعوامل التنشئة الايجابية أو العكس, مرورا بالنظام التربوي والتعليمي باعتباره المصدر لمنظومة القيم والاتجاهات السلوكية المختلفة, ومدى إمكانياته في الاعتراف الفعلي بالشخصية الإنسانية وتنميتها على روح الحوار البناء وتقبل الآراء المغايرة, وكذلك تتأثر عملية التنشئة الاجتماعية بعوامل القهر الاجتماعي العام الذي يتعرض له الأفراد, من اغتصاب للحقوق وعدم تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وعدم احترام الأقليات الدينية والعرقية والسياسية والفكرية, وجميعها عوامل مولدة للعنف والعدوان والشر على نطاق واسع وعلى المستوى الفردي والاجتماعي وبمدى خطير يصعب التنبؤ بنتائجه الضارة. ومهما تكن أسباب العنف ودوافعه فهو فعل سلوكي مرفوض حضاريا وأخلاقيا وسلوكيا واجتماعيا, وهو مؤشر خطير للتفكك الاجتماعي وزرع الخوف والقلق في الطرف الآخر الذي يقع عليه فعل العدوان, إلى جانب كونه وسيلة منبوذة لحل المشكلات لأنه يخلق عنفا مضادا فتتسع دائرة العنف كالنار في الهشيم في كل ثنايا ومكونات المجتمع !!!!!.

أما بالنسبة لثقافة العنف والكراهية في مجتمعاتنا العربية والاسلامية اليوم وعلى المستوى الفردي والمجتمعي والسياسي فهو لا يخرج عن الإطار العام الذي تمت الإشارة إليه, ولكن بخصوصية أعمق وتركيز شديد هو نتاج معقد لمنظومة العوامل الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية والتي ألقت بضلالها الكثيف في تشكيل هذا السلوك المعرقل لنهضتها في مختلف المجالات. فإذا استثنينا العمق التاريخي ـ الثقافي في نشأة العنف والعدوان والمتمثل في الصراعات السياسية منذ نشأة الدولة الإسلامية الكبيرة والصراعات التي جرت في أكنافها, وحتى ما قبل ذلك التأريخ, والتي أسست للعنف والعنف المتبادل والتي أدت في مجملها إلى انقسام الأمة الإسلامية والعربية إلى فرق وأحزاب متقاتلة, والتي لا زالت آثارها ماثلة ومؤثرة بشدة اليوم في حاضر الأمة ومشهدها السياسي, وإذا أبعدنا أيضا عن السياق جوهر تأثيرات المجتمعات العربية الأبوية البطريركية وتأسيسها للعنف والتسلط ضد المرأة الزوجة والمرأة الإنسانة والأخت, وإشاعة قيم الذكورة التي تنزل القصاص بقيم الأنوثة وتفرض قيودها وقيمها كيف ومتى ما تشاء, وتفرض قيم الإكراه والقسر والتقيد وعدم المساواة بالعنف والقوة, وهو نقيض قيم المساواة والرحمة, وجميعها تؤسس للعنف وإعادة توليده في رحم الأسرة أولا, ثم لاحقا وعلى أساسه في عقول أفراد المجتمع وقياداته, فأن العنف في العقود الأخيرة نشا مستشريا على خلفية فكرية ودينية وسياسية, وهو ذو أبعاد جمعية خطيرة لرسم صورة المستقبل !!!!.

لقد سيطرت لعقود طويلة حكومات عربية ذات طبيعة اقصائية متمثلة بحكومات الحزب الواحد ذو المسحة القومية الشوفينية والوطنية الزائفة والبعض منها متلبس بلباس الدين, وقد شنت حروبا داخلية ضد كل الأفكار والتنظيمات السياسية المغايرة لتوجهاتها, مستخدمة ذرائع الحفاظ على الوطن والوطنية وانجاز " التنمية " الاقتصادية والاجتماعية تحت قيادتها التاريخية والحكيمة والمخلصة للوطن هي وحدها فقط, مما حصر وكرس مفهوم الوطن والوطنية والبناء الاجتماعي بجهة سياسية واحدة تدعي المقدرة الفريدة في قيادة المجتمع, وقد ترتب على ذلك القيام بحملات العنف والاعتقال والإبادة الجماعية لكل من يخالفها في الآراء والتوجهات السياسية وتخوين المعارضة السياسية والتشكيك بوطنيتها وزجها في غياهب السجون والمعتقلات, مما أسست إلى ظاهرة العنف والعنف المتبادل لحماية النفس من قبل الطرف الآخر الضحية. وقد لعبت لديها الهواجس الأمنية وافتعال الأعداء في الداخل والخارج جل اهتمامها مستنزفة موارد البلاد المالية لزرع الرعب والتنكيل بالشعب لأغراض البقاء في الحكم مهما بلغت تضحيات الشعب, كما استخدمت كافة قدراتها الحكومية من مؤسسات إعلامية ومنظمات سياسية رسمية موالية لها وحتى مؤسساتها الدينية من اجل تعبئة الناس وغسل أدمغتهم لأغراض احتكار السلطة والبقاء فيها وإشاعة الفساد الإداري والأخلاقي والمالي وممارسة الالتفاف والتلفيق والخداع والكذب كآلية للبقاء في الحكم, وخلق منظومة قيمية موالية لمنظومة الحكم, مما أدى هذا إلى خلق حالات من الكراهية والعنف بين شرائح المجتمع المختلفة, وخاصة بين الشرائح المنتفعة من النظام والشرائح الأخرى المتضررة  منه !!!.

كما يلعب اليوم الخطاب الديني المتطرف بشقيه التكفيري والسياسي دورا خطيرا في زرع الكراهية والعنف بين شرائح المجتمع, سواء من ذات الدين الواحد عبر إشاعة الفرقة بين طوائفه ومذاهبه المتنوعة, وكذلك بين المجتمع المتعدد الديانات عبر فرض أجندة دينية وسياسية ـ دينية وحيدة الرؤى, مما يحرم الآخرين من حق التمتع بممارسة حقوقهم الدينية وحريتهم في المعتقد, و يخلق بيئة مواتية للعنف والعنف المضاد تراق فيه دماء الملايين من مختلف الأديان والمذاهب والطوائف المختلفة. وبما أن الكراهية والعنف منبوذ ومدان في كل القيم والأديان السماوية وغير السماوية فأن اللجوء إلى تأويلات متشددة ومتحيزة ومزاجية بل ومصلحيه للنص المقدس وللأحداث التاريخية والافتراضات العبثية لنيات الآخرين المغايرين في الدين أو المذهب واستحضار الجانب المؤلم والمشكل في التاريخ, ويجري هذا متزامنا مع الفتاوى التي تصدر يوميا في الخفاء والعلن من دعاة الدين لأيقاظ وإلهاب روح الكراهية والتحريض والعنف بين الناس وضرب وحدتهم الوطنية في الصميم, وهكذا يتحول العنف من قيمة منبوذة في الدين والسياسة إلى واجب ديني " الهي " وسياسي له الأولوية في عقول المتطرفين على بناء الوطن ونهضته. وقد لعبت آثار ما يسمى " بالربيع العربي " دورا تخريبيا في اشعال نار الفتنة الدينية والمذهبية بين ابناء المجتمع الواحد, وزج هذه المجتمعات في آتون الصراعات الاقليمية ذات الصبغة الطائفية المدمرة !!.

و كذلك نظرية المؤامرة في السلوك اتجاه الآخر هي الأخرى تؤسس للكراهية والتحامل والعنف بين أفراد المجتمع الواحد, وكذلك في النظر إلى العالم الخارجي, دول ومجتمعات وأفراد, وقد نشأ سلوك المؤامرة في داخل المجتمعات الذي تجسده انعدام الثقة بالآخر والشك في نية أفعاله حتى وان كانت  "حسنة " على خلفية انعدام الثقة التاريخي بين النظام السياسي وبين الشعب بصورة عامة, وبين النظام السياسي والأحزاب السياسية خارج النظام, وينشأ نتيجة لذلك فكرا وسلوكا إسقاطيا, أي ما أفكر به أنا هو الصحيح وأتوقعه من الطرف الاخر وبالتالي يجب أن أقوم بضربة استباقية قبل أن يبدأ بها الطرف الاخر, مما يعزز اتجاه الكراهية والعدوان بين المنظومة المجتمعية بمكوناتها المختلفة !!!!.


ويشكل تدهور الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من الأسباب القوية في زرع الكراهية والعنف في البنية المجتمعية, فانتشار الفقر وتدني مستوى الحياة وضعف الخدمات الاجتماعية من صحة وخدمات عامة, وكذلك ارتفاع نسبة الأمية الأبجدية والحضارية بين مختلف الفئات الاجتماعية وخاصة الفقيرة منها, واستشراء  الفساد بمختلف مظاهره الإدارية والمالية والأخلاقية, وغياب العدالة الاجتماعية في توزيع الثروات الوطنية واستئثار الحكم وحاشيته بالثروة الوطنية, جميعها عوامل تأسس للكراهية والحقد والعنف بين مكونات المجتمع !!!!.

أن العنف والكراهية الناتجة من الأسباب المجتمعة و المذكورة أعلاه تفضي إلى اضطراب في منهجية التفكير النقدي البناء وقصور في الفكر الجدلي الذي تجسده حالة العجز في الجمع في سياق واحد بين الأوجه الموجبة والأوجه السالبة, والعجز في الجمع بين المميزات والعيوب لمسألة ما سياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية وسيطرة المستوى السطحي من التفكير الذي يشكل قناعا يخفي الحقيقة, وإطلاق الأحكام القطعية والنهائية بشكل مضلل, وطغيان الانفعالات وما يرافقها من نكوص على مستوى العقلانية والعودة إلى المستوى الخرافي, والى الحلول السحرية والغيبية, والى الإرهاب باعتباره واجبا " مقدسا " أو حلا قسريا للأزمة النفسية والسياسية.

ومن هنا تأتي أهمية العمل على أكثر من صعيد وعلى أكثر من جبهة للحد من العنف وسلوك الكراهية, وخاصة في ظروف التغير العاصف الذي يمر به اليوم العالم العربي ولكي لا نخسر ما تبقى لنا, فهناك جبهة بناء المؤسسات الديمقراطية, وجبهة إعادة البناء الاقتصادي والتأسيس الحديث للبنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية, وهناك جبهة الإعلام والتركيز على ما هو مشترك وايجابي بين الأديان وشعوب المنطقة, وكذلك الجبهة التربوية والتعليمية وإعادة بناء نظم التعليم على أسس الحداثة ومعطيات العلم والتقدم التقني, وهناك أيضا إعادة صياغة لعلاقة الدين بالدولة بما يؤمن احترام الدين وعدم استخدامه في السياسية وكذلك إعلان القطيعة مع كل موروث مسبب للفتنة ويسئ للمبادئ العامة للدين ووظيفته الفطرية.





2
استفتاء كردستان .. نعم مع حق الشعب الكردي في تقرير مصيره ولكن !!!


د.عامر صالح

من المسلمات البديهية لدى شرائح اجتماعية وسياسية وثقافية وقانونية وقضائية واسعة في اوساط الشعب العراقي الى جانب احزاب وقوى تقدمية, أن حق تقرير المصير للشعب الكردي بصورة عامة هو حق لا جدال فيه انطلاقا من المواثيق الدولية والفلسفات الانسانية الداعية الى احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها وحتى إقامة كياناتها المستقلة استنادا الى خصوصيتها العرقية والاثنية وحتى الدينية, وخاصة عندما تتعرض الى الانتهاك او الابادة الجماعية او الاحتلال, وعدم السماح بانفراد مكون وتسلطه على مكون آخر, وعلى خلفية ذلك قدمت الكثير من الاحزاب التقدمية والوطنية العراقية  الكثير من التضحيات الجسام, سواء في الارواح أو تحمل شتى صنوف القهر والتعذيب والمضايقات والهجرة والتهجير وفقدان المستقبل, راح ضحية هذا النضال خيرة من سياسي ومثقفي وعامة من المناضلين والذين آمنوا حقا بحق الشعب الكردي بتقرير مصيره وادارة نفسه بنفسه, كان هذا في ظل عراق قبل 2003 والذي ساد فيه القمع والارهاب السياسي والتمترس الشوفيني وعدم الانصياع لحكمة العقل في أن العراق ليست مكون واحد ولا يمثله حزب واحد ولا دين أو مذهب واحد !!!. 

قبل عام 2003 لم يعيش العراق صراعا أثنيا أو دينيا أو مذهبيا بين مكوناته, بل ان الصراع كان سياسيا اجتماعيا له قوانينه الموضوعية مع نظام دكتاتوري قمعي لا يؤمن بالديمقراطية السياسية وقد اعتمد القمع والتهميش والشوفينية وسيلة لبقائه, وساهم النظام من خلال اضطهاده للمكونات المعارضة العربية والكردية وغيرها في تكريس حسا انكفائيا متزايدا بين شرائح واسعة في المكونات المختلفة بسبب تمادي القمع والاضطهاد وما رافقها من غياب للأمل في التغير.

بعد سقوط النظام السابق على يد المحتل الامريكي للعراق قام الاحتلال عبر طريقة الحكم بتكريس حالة الانكفاء المذهبي والديني والاثني من خلال نظام المحاصصة الطائفي والاثني مستخدما الولاءات للجماعات الفرعية, باعتبارها ردود افعال لسياسات النظام السابق,  وتحويلها الى نهج شامل بنيت عليه سياسة الدولة والمجتمع, مما اضعف من الديناميات الايجابية لعملية الصراع السياسي والاجتماعي في فرز القوى الحقيقية ذات المصلحة في التغير, وادخل المجتمع العراقي في طاحونة وتنازع كامل بين مكوناته وهوياته الفرعية وعزز من خطاب الكراهية بفعل غياب الخطاب الوطني الجامع والعابر للمكونات !!!. 

ومما زاد الطين بله ان معظم القوى السياسية التي أتت واستلمت الحكم بعد السقوط لم تحمل في غالبيتها مشروعا وطنيا عابرا للهويات الفرعية وخاصة الطائفية منها والاثنية, ان لم نقل انها لا تؤمن بالديمقراطية ولا بالتداول السلمي للسلطة عبر الانتخابات الحرة والنزيهة, وما صناديق الاقتراع بالنسبة لها الا وسيلة فرضها الاحتلال فرضا, وخاصة القوى الاسلاموية التي رأت في ذلك فرصتها الوحيدة والسانحة لاستغلال ظروف اليأس والاضطهاد السابق واضفاء الصبغة الدينية والمذهبية على الصراع الاجتماعي ولعرقلة الحراك الطبقي في المجتمع العراقي. وحتى القوى والاحزاب الكردية, وخاصة الرئيسية منها فلم يكن هاجسها الرئيسي بناء الديمقراطية ونظام التعددية الحزبية ودولة المواطنة, بقدر ما تعلق الامر في انتزاع الحقوق القومية الخالصة بطريقتها الخاصة, بعيدا عن الصراع الاجتماعي السياسي العام الذي يؤطر المجتمع العراقي كله, بل ان هذه القوى اختلفت فيما بينها حد التناحر والصدامات المسلحة الدموية عندما سنحت الفرصة والظروف الدولية بعد عام 1991 باستقلال اقليم كردستان !!!.

لقد ساهمت القوى السياسية الرئيسية الشيعية والكردية ثم السنية في تأسيس النظام المحصصاتي القائم وصاغت اركانه الاساسية وفي مقدمتها الدستور وكرسوا كل امكانيات التعبئة الحشدية للتصويت عليه واقراره " وخاصة القوى الشيعية والكردية ", ثم استمرت رحلة توزيع المناصب السيادية والوزارية ومختلف المناصب العليا في الدولة على أسس من المحصصات الطائفية والاثنية, والتي بدأت ادارة مجلس الحكم الانتقالي بالتأسيس لها, حتى باتت تقليدا ثابتا خارج الدستور: رئيس الجمهورية كردي, رئيس الوزراء شيعي, ورئيس البرلمان سني, ويتبع ذلك توزيع الوزارات والمرافق الحيوية واللجان الاختصاصية المختلفة داخل البرلمان وخارجه وصولا الى مفوضية الانتخابات ومنظمات حقوق الانسان وغيرها. 

وعلى هذا الاساس فأن اطراف المحاصصة الشيعية والكردية والسنية تتشبث ببقاء نهج السلطة وتقسيم غنائمها, وان كل ما يصدر من قرارات وقوانين وتشريعات عامة لا تخلو من نكهة الصفقات الطائفية السياسية والاثنية, واذا كانت الطائفية السياسية اشد وضوحا في التعبير عن نفسها, فأن التحالف الكردي لا يتوانى عن تكريسها, وقد ابتلى العراق جراء ذلك ومن اقصى جنوبه الى اقصى كردستانه بفساد ادراي ومالي ونهب للمال العام, تصدر العراق فيه دول العالم. وأن الطرف الكردي الذي  اعتبر في حينها المصادقة على الدستور انتصارا كبيرا للشعب الكردي, وخاصة بما يتعلق بالمادة 140 الخاصة بكركوك والمناطق المتنازع عليها ومواد اخرى ذات الصلة بصلاحيات الاقليم وعلاقته بالحكومة الاتحادية وتوزيع الثروات واعتبروه بديلا عن حلم الدولة الكردية, يتهم حكومة المركز بأنها طائفية وكأن طائفيتها وليدة الخلاف حول الاستفتاء, والجميع يعرف ان النظام السياسي في العراق طائفيا واثنيا محاصصاتيا منذ نشأته الاولى !!!.

واليوم ورغم تذمر التحالف الكردي من حلفائه في الحكم فهو لم ينطق بضرورة تغير او تعديل او اعادة بناء الدستور على أسس سليمة وتصحيح مسارات العملية السياسية " وهم قادرين على ذلك دستوريا ", وهي مطالب مشروعة للشعبين العربي والكردي والشعب العراقي بصورة عامة, طالب بها الحراك الاجتماعي المدني والعديد من الاحزاب والقوى الديمقراطية, فلم يتخلف التحالف الكردي أسوة باحزاب الاسلام السياسي على التصويت على قانون سانت ليغو الانتخابي " 1.9 و 1.7 " الذي يصادر اصوات الناخبين من الكتل السياسية والاحزاب الصغيرة, واذا كان الامر لايعني التحالف الكردي في مناطق وسط وجنوب العراق, فهناك في كردستان ما يقارب 16 حزبا, ولكن الكبيرة والمتنفذة منها هو حزبيين رئيسين فقط " الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني ". 

وتأتي الدعوة اليوم الى اجراء استفتاء كردستان والمزمع تنفيذه في 25 أيلول الجاري, والداعي الى تبيان رأي الكرد في مسألة الانفصال عن العراق من عدمه, ومن الناحية المبدئية فأن الحق لأي شعب ديمقراطيا أن يجري الاستفتاء, فهو أداة لأستقراء المزاج العام لشعب ما في مختلف القضايا المفصلية بما فيها الانفصال وتقرير المصير بغض النظر عن استخدام نتائج الاستفتاء في الممارسة العملية, ولكن خصوصية الاستفتاء الكردي ناتجة من انهم طرف اساسي في العملية السياسية ومساهم في بنائها وانتكاساتها, الى جانب اشكاليات اجراء الاستفتاء في ظل بيئة سياسية كردية تعاني الكثير من عدم الاستقرار والوضوح. ومن هنا لابد من خطوات مفصلية تسبق اجراء الاستفتاء ولعل ابرزها: 

ـ انتخاب رئيس جديد للأقليم بديل عن الرئيس الحالي المنتهية صلاحيته منذ سنتين.

ـ اجراء انتخابات برلمانية ديمقراطية في الاقليم واعادة تفعيل البرلمان الحالي والمغلق منذ فترة طويلة, وان يصدر قرارا من البرلمان بأجراء الاستفتاء.

ـ بدء المفاوضات والحوارات البناءة مع الحكومة الاتحادية والتي يشكل الكرد جزء منها, مع العلم هناك صعوبات جدية في الموقف من حق الشعوب في تقرير مصيرها لدى قوى كثيرة في الحكومة ومنها الشوفينية والطائفية, فلا يوجد في قاموسها شيء اسمه حق الشعوب في تقرير مصيرها بما فيه حق الانفصال.

ـ الالتفاف والتضامن والوقوف الكامل مع عملية الحراك الاجتماعي المدني والاحتجاجي التي ينهض بها ابناء ومناضلين الوسط والجنوب, وهذه الحركة اكثر تفهما مزاجيا وفكريا وسياسيا لمفاهيم الحق والعدالة وتقرير المصير ومحاربة الفساد.

ـ ان تكون القوى الكردية اليوم اكثر التصاقا من اي وقت مضى مع القوى الداعية الى بناء العملية السياسية من جديد على أسس اكثر ديمقراطية وليست محصصاتية. 

ـ القضاء الكامل على الارهاب وعلى داعش بوجه خاص والذي لازال يتحرك اخطبوطيا ويهدد أمن البلاد ويبحث عن متنفس له في بقع اخرى في العراق بما فيها كردستان, واعتقد ان الامن شرط لازم لبناء اي عملية دديمقراطية او القدوم على تنفيذ طموح ما, مثل الاستقلال وتقرير المصير وغيرها.

ـ ان تكون القناعة من وراء الاستفتاء قناعة خالصة بحق الشعب الكردي في تقرير مصيره, وليست اداة للابتزاز وادارة الصراع مع سلطة المركز وما يخفي من وراءه صراع على الموارد المالية والطبيعية واقتسام مناطق النفوذ بعيدا عن حقوق الشعب الكردي المشروعة في الاستقلال والعيش الكريم والرفاهية وبعيدا عن الفساد الاداري والمالي الذي يعاني منه الاقليم الآن.

ـ الاستعانة بالمنظمات الدولية وخاصة الامم المتحدة لأجراء الاستفتاء لكي تكون نتائجه مصادقة عليها وملزمة للجميع, والابتعاد عن سياسات الاكراه والضغط والتهديد للمكونات الاخرى داخل المناطق المتنازع عليها, وتجنب سياسات فرض الامر الواقع عبر ضربات واجراءات استباقية, وهنا يمكن الاستعانة بالمنظمات الدولية والمدنية المستقلة لتقرير مصير المناطق المتنازع عليها.

اعتقد في الختام ان تعزيز الحياة الديمقراطية في العراق كله والابتعاد عن نهج المحاصصة, وفي كردستان بوجه خاص هنا في قضية الاستفتاء وتقرير المصير, هو الكفيل بتحقيق المطالب العادلة والمشروعة للشعب العراقي كله والشعب الكردي. واذا اراد الاكراد نهاية حقيقية لسايكس بيكو ورسم ملامح تطلعاتهم الحقيقة في الاستقلال فأن الديمقراطية هي الباب الاوسع لتنفيذ الطموحات, وإلا سيفشلوا كما فشل الطموح لتحقيق الوحدة العربية على ايدي اعداء الديمقراطية والقوى القومية العربية الشوفينية !!!.

3
تدهور نتائج امتحانات البكالوريا في العراق للعام 2017 من منظور الازمة العامة للتربية والتعليم 

د.عامر صالح 

أثار تدني نتائج الامتحانات العامة البكالوريا للصفوف السادسة الاعدادي الكثير من التساؤول والامتعاض لدى الشارع العراقي وكذلك لدى الاوساط الرسمية التربوية والسياسية, وقد بلغت نسبة النجاح في الدور الاول 28.4% وهي نسبة خطيرة في تدنيها او هي كارثة حقيقية في تاريخ التعليم في العراق. وعقب ذلك اعلنت لجنة التربية في مجلس النواب عن استضافة مدير المراكز الامتحانية في الايام المقبلة بسبب تدني نسب النجاح لصفوف السادس الاعدادي بكل فروعه، فيما اشارت الى ان كل الظروف والمعوقات لن تكون سببا في هذا الهبوط التربوي. وقد صوت البرلمان العراقي لاحقا وفي يوم السبت والمصادف 19ـ8ـ2017 على قرار يمنح طلبة السادس الاعدادي فرصة تحسين المعدل !!!.

لا يمكن الحديث عن التعليم الاعدادي ونتائجه المنخفضة جدا بمعزل عن خلفية التعليم في المراحل التي سبقته, فالتعليم بمراحله المختلفة هو حلقة وصل وتأثير متبادل لما قبلها وبعدها, وبالتالي فأن طالب السادس اعدادي هو من مخرجات مرحلة المتوسطة والابتدائية, وان النظر الى مشكلة انخفاض التحصيل الدراسي وتدني النتائج النهائية بمعزل عن ذلك هو شكل من اشكال العبث والهروب من الاسباب الحقيقية التي ادت الى ذلك, لأن ازمة التربية والتعليم في العراق بكل مراحله هي ازمة متصلة, وان تدني التحصيل في التعليم الاعدادي هو انعكاس لتدنيه في المراحل التي سبقته ومؤشر لضعف الكفاءة الداخلية للنظام التربوي والتعليمي !!!. 

في دراسة تتبعية لأفواج الطلبة المسجلين في الصف الاول الابتدائي عام 2005 في العراق بلغ مليون تلميذ, اما الذين وصل منهم الى السادس الاعدادي وشاركوا في امتحانات عام 2017 بلغ عددهم 300 ألف طالب فقط, وهذا يعني ان العراق أهدربين متسرب من التعليم وراسب 700 ألف طالب, أي نسبة 70%, وحسب احصائيات وزارة التربية أن الطلبة الذين شاركوا بالامتحانات الوزارية ( البكالوريا )  عام 2017 لم ينجح منهم سوى 28.4% وهذا يعني أن فقط 84 ألف طالب قد تجاوزا السادس الاعدادي من مجموع المليون تلميذ الذين تم تسجيلهم في المدارس عام 2005 , وهذا يعني أن 916 ألف طالب وطالبة لم يتجاوزا السادس الاعدادي بفعل عوامل التسرب النهائي وترك الدراسة أو الرسوب لسنة أو اكثر في المرحلة الدراسية !!!.

هذه الانسيابية الضحلة بين مراحل التعليم العام المختلفة تشكل احد عوامل الاهدار البشري والمادي في التعليم حيث تكون مخرجات المراحل ضعيفة جدا يقابلها انفاق على التعليم بلغ في السنوات الاخيرة اكثر من 24 مليار دولار, ومن حق المرء ان يتسائل أين هي العوائد والفوائد من هذا الاستثمار المالي في هذا القطاع وأين هي مخرجاته الكمية والنوعية, وحتى من تواصل الى السادس الاعدادي فهذه هي نتيجته, فالمشكلة أكبر من تنحصر في نتائج أداء طلبة الصف السادس الاعدادي ونسبتهم الفقيرة.

لقد وقع نظام التربية والتعليم بعد 2003 أسوة بغيره من القطاعات الاجتماعية أسير للمحاصصة الطائفية والاثنية مما أخل بمهمة هذا القطاع الحيوي في التربية والاعداد وتركه فريسة للأجتهاد والفوضى وغياب فلسفة تربوية واضحة للنظام التربوي والتعليمي, الى جانب غياب فوضى في صياغة الاهداف التربوية للمراحل الدراسية المختلفة, والى جانب مالحق بالنظام التربوي والتعليمي جراء الاحتلال من تدمير وخراب شامل في مؤسساته التحتية من أبنية ومعدات ومختبرات ولوازم مدرسية وكادر تعليمي.

اليوم يعاني هذا القطاع من ازمة خانقة تتجسد في ابرز ملامحها: انعدام الابنية اللازمة والمهيئة تربويا للتعليم, ضعف الوسائل التعليمية من مختبرات ووسائل ايضاح واجهزة الكترونية مخصصة للعملية التعليمية, ضعف الكادر التدريسي وانعدام الحوافز التعليمية وعدم توفر الفرص الكافية لأعادة التأهيل وتجديد الخبرات, ضيق الفصول الدراسية بالدارسين من مختلف المراحل مما يثقل كاهل الطالب والمدرس في التركيز والاستفادة القصوى من الحصة الدراسية, التنقلات بين المدرسين وانعكاساتها على العملية التربوية, انتشار الدروس الخصوصية في مختلف المواد مما يرهق الطالب ماديا ويضعف عطاء المدرس في حصته المدرسية, عدم تغطية المدرسين لمفردات المنهج خلال العام الدراسي, غياب عنصر التشويق في المنهج الدراسي, ضعف صلة المنهج بحاجات الطلبة الحياتية, وضعف التنسيق بين المدرسة والمجتمع المحلي, انعدام الامن المجتمعي حيث الارهاب والقتل اليومي والاختطافات تعرقل حركة الدارس من والى المؤسسة الدراسية وغيرها من العوامل ذات الصلة المباشرة بالعملية التربوية.

وهناك عوامل اخرى خاصة بالطالب نفسه وبيئته المحيطة منها ما هو اقتصادي, حيث الطالب اليوم هو معيل في الكثير من الحالات لأسرته بسبب الفقر والعوز, او عدم تمكن الاسرة من الاستجابة لمتطلبات دراسة أبنائها مما يضطر الطالب على العزوف الكلي من الدراسة أو التأجيل, الخوف من الفشل وقلق الامتحان, عدم كفاية الوقت لبعض الطلبة, وصعوبة بعض الاسئلة الامتحانية, المناخ الامتحاني العام وما يسود في القاعات الامتحانية من اجراءات مشددة, انقطاع التيار الكهربائي في الساعات الامتحانية والدراسية العادية وخاصة في اجواء الحر الشديد, وكذلك المستقبل الغامض للطالب بعد انهاء المرحلة الدراسية حيث عدم الحصول على كلية او فرع للدراسة, وانعدام الجدوى من الدراسة في مجتمع كالعراق تزداد فيه بطالة الخريجين.

هذه بعض من العوامل التي تتحكم بالتحصيل الدراسي ونسب النجاح, ومن هنا يجب البحث موضوعيا في تدني مستويات النجاح التي وصلت الى حد يخجل منه تاريخ التربية والتعليم في العراق, بعد ان كان العراق يفتخر عالميا بمستويات انجازه التربوي والتعليمي, وكان يصدر الى الدول العربية خيرة كوادره لبناء انظمة التعليم هناك وسد الشواغر التدريسية !!!.

.


4
" دولة المؤمن الفاسد والمنافق " وفرار محافظ البصرة مجرد غيض من فيض !!!

د.عامر صالح  

اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي قبل ايام وبعض القنوات الفضائية بنقل اخبار حادث فرار محافظ البصرة المدعو ماجد النصراوي الى ايران, والمنتمي الى الاسلام السياسي ـ تنظيم المجلس الاسلامي الاعلى, على خلفية تهم وجهت له بالفساد المالي والاداري. وقد تصدر العراق دول العالم في الفساد المالي والاداري, وصلت التقديرات المالية للفساد والاهدار المالي فيه الى ما يقارب الألف مليار دولار, يقابل ذلك دمار هائل في البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ويشكل نظام المحاصصة السياسي الطائفي والاثني الحاضنة والمتلازمة الرئيسية لهذا الفساد بكل ابعاده. ولم يستغرب العراقيون من فساد ماجد النصراوي بل من سيناريو هزيمته وغيره كذلك من الفاسدين, وعجز الدولة الكامل عن وضع حد لذلك ومحاسبة الفاسدين في الوقت المناسب قبل الافلات من وجه العدالة !!!.

استشرى النفاق وازدواجية الأخلاق في ظل نظام المحاصصة الطائفية السياسية في التعامل اليومي في المجتمع العراقي وشكل بدوره عائقا كبيرا يهدد صفاء العلاقات الاجتماعية وحسن المعاملة والصدق مع الناس, كما ينخر بجسد المجتمع أفرادا ومؤسسات ودوائر ومنظمات حكومية ومنظمات شعبية ليلقي بظلاله السيئ على كل المنظومة القيمية مهددا مجتمعاتنا بمزيد من التدهور الأخلاقي والاجتماعي, حيث يضيق هامش الممارسة الصادقة الذي يبعث على الأمل في المستقبل, ويشد الناس إلى الإخاء والمودة ودماثة الخلق وحسن المعاشرة, ويرسخ منطق العدالة الاجتماعية في التعامل اليومي.

وإذ نشير هنا إلى مفهوم "المؤمن الفاسد" فلا نعني به حصرا فقط على المؤمن الذي يعتنق إحدى الديانات السماوية أو غير السماوية ويبتعد عنها في الممارسة العملية, بل تشمل أيضا كل ما يعتنقه الفرد من أفكار ومعتقدات وإيديولوجيات سياسية ذات طبيعة أخلاقية واجتماعية واقتصادية ايجابية إلى حد ما استنادا إلى معاييرها المعلنة في الخطاب النظري, ولكنه في الممارسة العملية والحياتية يتصرف ويصوغ سلوكياته الفردية وحتى السياسية بالضد من هذا الخطاب, فيتحول هذا الفرد إلى " مؤمن فاسد " يعث في الأرض فسادا وظلما وجورا, متسلحا بتفسيرات ذاتية ومصلحيه للخطاب المعلن لإشباع رغباته الشخصية بما فيها القتل وفساد الأخلاق وحرمان الآخرين من حقوقهم, مستندا إلى سلطة ما " دينية, أو سياسية, أو اجتماعية أو مالية وغيرها " كغطاء تسمح له بذلك, ولذلك فأن المؤمن الفاسد ليست فقط من خرج عن دينه, وان كان الخروج عن الدين هو الفساد الأعظم كما هو شائع شعبيا, وبهذا قد يكون المؤمن الفاسد هو من المتدينين بلباس الدين وطوائفه, أو من دعاة القومية أو الوطنية وغيرها من الانتماءات !!!!.

النفاق في اللغة هو ضرب من ضروب الكذب والخداع والمكر والغش والرياء, وفيه يظهر المرء خلاف ما يبطن, أي إظهار المرء خلافا لما هو عليه في داخله, فهو يكتم أو يخفي شيئا ويظهر شيئا آخر, فينطوي موقفه على شيء من النفاق, والعمل ألنفاقي المتسم بالنفاق والدال عليه حين يقف المرء موقف نفاقي, فالمنافق يظهر خلافا لما يضمر أو خلافا لما هو عليه في واقع الحال, ويجب الحذر من المنافق وعدم تصديقه, والمنافق في الدين هو من يخفي الكفر ويظهر الإيمان ويتظاهر بالتقوى والورع والتدين, ولعل غزارة النصوص القرآنية حول النفاق والمنافقين ما يشير إلى خطورة هذه الظاهرة , فعلى سبيل المثال لا الحصر, وفي (سورة المنافقين: 4): ( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإذا يقولوا نسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فأحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون ), وكما قال النبي محمد : ( آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب, وإذا وعد اخلف, وإذا اؤتمن خان), ولم يخلو دينا سماويا أو غير سماوي من إدانة للنفاق وممارسيه باعتباره سلوكا منبوذ اجتماعيا وأخلاقيا رفضته البشرية عبر مسيرتها الطويلة بعد إن ودع الفرد الغابة ودخل المجتمع الإنساني, والمنافق في الدين يظهر خلافا لما يبطن, كالسياسي المنافق, أو الشخص المرائي والمخادع والكاذب والذي يتظاهر على خلاف ما في باطنه.

ولعل ابرز ملامح الشخصية المنافقة هو: القدرة على المراوغة والتحايل والتقلب في المواقف, التشبث في الخطاب الديني أو السياسي أو الاجتماعي لإسناد تصرفاته المختلفة, الكذب المتواصل في الحديث وفي العلاقات الاجتماعية, خيانة الأمانة, الإخلاف في المواعيد, التحكم في الانفعالات وإظهار نقيضها بما يبعد عنه تهمة النفاق, يحاول المنافق الاهتمام بالمظهر الخارجي كجزء من سيكولوجيا الظهور لاختراق الوسط الاجتماعي الذي يتواجد فيه مقرونا بحلاوة اللسان وإجادة لغة الجسد كتعبيرات الوجه وحركات اليدين وغيرها من الصفات والصفات المضادة ذات الطابع التمويهي . وهناك الكثير من الإدانة للمنافق في الموروث الثقافي الشعبي  وتأكيد خطورته, فعلى مستوى الإدانة, عندما تسأل شخصا, ما هو الفرق بين الكلب والمنافق فأن الجواب يكون : أن ذيل الكلب في أعلى " مؤخرته ", وذيل المنافق في أعلى مقدمته "لسانه ", أما على مستوى خطورة المنافق فيقال : أن أفعى لسعت " منافقا " فتسممت...وماتت !!!!!.

أما النفاق في علم النفس فهو قد يكون صفة متلازمة من صفات شخصية الفرد وقد يطلق النفاق على حال ممارسته, وقد يشير إلى الفعل أو السلوك الذي يظهر فيه الفرد خلافا لما يبطن بداخله بمعنى التظاهر الكاذب بالفضيلة والتمسك في الدين, أو بأيديولوجية سياسية, أو بانتماء قومي أو وطني. وفي علم النفس هناك العديد من الحيل الدفاعية اللاشعورية يمارسها الإنسان لحماية نفسه من الشعور القاسي بالقلق والانزعاج, وهذه الحيل أو العمليات العقلية اللاشعورية كثيرة ومتعددة منها : الإسقاط والتبرير والتقمص أو التوحد والإزاحة العكسية والإبطال والإنكار والنسيان والإبدال والسلبية والرمزية والتقدير المثالي والتعميم والأحلام والعدوان والكبت والنكوص" أي العودة إلى الوراء إلى مراحل نمو سبق للإنسان إن تخطاها.

والنفاق هنا ينطبق على إحدى هذه العمليات العقلية أو الحيل الدفاعية اللاشعورية المسماة بتكوين ردة الفعل" التكوين العكسي " حيث يظهر فيها الإنسان خلافا لما يبطن, حيث يتظاهر الشخص الملحد بالتدين الشديد, والرجل شديد  البخل يتظاهر بالكرم الشديد, والموظف المرتشي يتظاهر بالأمانة المطلقة, والإفراط في الاحتشام كرد فعل لرغبات جنسية مكبوتة, ومهاجمة التفكير الخرافي كرد وتكوين عكسي للأيمان به, والإفراط في الحب كتكوين عكسي للكراهية الشديدة, والإفراط في الضحك نرد فعل عكسي لمصيبة ما, وان هذه الآليات تبدو منطقية بمقدار, ولكنها تشكل ابرز ملامح "شخصية المؤمن الفاسد " عندما تشكل السمة الغالبة والطاغية في سلوكه اليومي !!!!.


أن "المؤمن الفاسد" فردا كان أم دولة أم كيان سياسي حين يفقد المرجعية بأهمية الخطاب الأخلاقي والديني والسياسي في العلاقات المحيطة بة وفي الأحداث الجارية يتحول إلى كيان مراوغ يفتقد إلى ابسط مقومات الأخلاق في السياسة وفي الدين وفي السلوك العملي ويتحول إلى كيان بهيمي ينشد المصلحة الذاتية والغريزية ويبتعد كل البعد عن منطق العقل وتكون صلته بعالم الغابة أكثر من صلته بعالم الإنسان وطموحاته ومستقبله, ويلهث وراء تبريرات لسلوكه, وهكذا يكون "المؤمن الفاسد" بمثابة القوة المدمرة لكل المنظومة الأخلاقية في السياسة والسلوك !!!.

وينخرط " المؤمن الفاسد " في منظومة الفساد المجتمعية: الاقتصادية, والإدارية والمالية, والاجتماعية, والأخلاقية, والثقافية وحتى الدينية وغيرها من منظومات الفساد المختلفة, عبر مختلف أعراض ومظاهر الفساد وأساليبه وألوانه المختلفة, من محسوبية ومنسوبيه, وبيروقراطية إدارية, واستغلال المنصب العام, والغش والتزوير, والنصب والتحايل وسرقة المال العام, والفساد الأخلاقي والقيمي وتغير معالم الثقافة الوطنية ورموزها والتجاوز على الرموز الدينية والإخلال بسمعتها.

وإذا كان " المؤمن الفاسد " ذو الأطر الإيديولوجية والسياسية غير الدينية يخضع بعض الشيء إلى عمليات تعديل السلوك الناتج من ضغوطات دوائر الانتماء الصغيرة المطابقة لعقيدته والاستجابة لضغوط القيم الوضعية والمتمثلة بقيم الحياة, من حياء واحترام للعلاقات الاجتماعية, فقد يبدو خجولا ومتئنبا في بعض من ممارساته, إلا إن " المؤمن الفاسد " والمتلبس بلباس الدين لا يعبه كثيرا بدائرة علاقاته القريبة, بل يسعى جاهدا لإضفاء الشرعية الدينية على فساده المالي والأخلاقي وغيره من مظاهر الفساد عبر البحث عن واسطة " مطمئنة " بينه وبين السماء, ويلجأ هنا إلى مرجعياته ومشايخه الدينية لانتزاع الفتاوى المبنية على تفسيرات تلوي عنق الحقيقة لمصلحة استمرار النفاق والفساد وإعادة توليده ونشره " كقيمة عليا " وكبديل عن قيم التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة, بل الكثير منهم يحصل بعد تزكية ماله الحرام " دفع الزكاة " لمرجعيته على اعتراف من سلطته الدينية بأنه من  " الخواص ", وبالتالي له الحق في  العبث بالمال العام أينما وجد وسبي أعراض العوام وانتهاك حرمتهم.
 

أما دولة "المؤمن الفاسد" والمتوحدة مع مواطنها " المؤمن الفاسد " إن كانت بلباس ديني أو قومي أو وطني عام, فهي دولة المعتقلات والسجون والاستبداد ومصادرة الحريات الشخصية والعامة على طريق استعباد مواطنيها وتحطيم نفسيا تهم وإذلالهم, وتجري هذه الممارسات بواجهات مختلفة ومبررات وهمية, منها على سبيل المثال, إن هناك خطر خارجي قادم يهدد الأمن القومي والوطني مما يستدعي "تعبئة الجهود ومصادرة الحريات" لأنها عائق أمام ذلك, أو أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية والحفاظ على اتجاهاتها لا يحتمل تعدد الآراء والتنوع السياسي وبالتالي فأن القمع والحد من المعارضة السياسية هو من مؤشرات نجاح التنمية وملازم لها وضمانتها الأكيدة !!!!.

أن دولة " المؤمن الفاسد " هي الدولة القمعية والدكتاتورية والتي تعتمد على إيديولوجية قومية أو وطنية أو دينية تبرر فيها كل سياساتها وتصرفاتها, وتحاول بكل جهودها ترك الانطباع لدى الشعب أن ما يجري في داخلها من إرهاب, وقمع للحريات هو خدمة للأمن العام وإنقاذ البلد من التهديدات الخارجية والداخلية, إنها الدولة الكاريزمية التي يجسدها قائد الضرورة, أو الأب القائد, أو القائد الملهم, أو حجة الإسلام والمسلمين وآية الله العظمى أو حبيب الشعب, والتي تعكس في مجملها الزعيم الأوحد قائد الحزب والدولة والمؤسسة العسكرية والمؤسسة الإعلامية وراعي السلطة القضائية والتشريعية والتنفيذية بدون منافس, والذي تجتمع بيده كل هذه السلطات لاستخدامها في البطش والتنكيل والقسوة عندما يقتضي الأمر وفرض حالة الطوارئ عند الحاجة أو إطلاق شيء من الحريات العامة عند الضرورة !!!!!.

ومن الضروري الإشارة هنا أن دولة " المؤمن الفاسد " ذات الصبغة القومية أو الوطنية وبفعل تمرسها عبر عقود من الزمن, واستنادا إلى خلفية نشأتها الأولى القائمة على مقارعة الاستعمار وانجاز الاستقلال الوطني حافظت بهذا القدر أو ذاك على ما يسمى " بمناطق العفة " في بعض القطاعات الاجتماعية وعدم المساس بها كليا أو إفسادها, لأن التطاول على هذه القطاعات يعني ما يعنيه إدخال الدولة والمجتمع في عنق الزجاجة بما يمهد لانهيارها كليا, ومن هذه القطاعات: التعليم بمختلف مؤسساته وخاصة الجامعي منه, والصحة, والقضاء, والإعلام والثقافة, والشرطة والمؤسسة الدينية, وهناك اتفاقا أخلاقيا قد يكون غير مكتوب في إبعاد هذه القطاعات عن النفاق والفساد ومستنقع التلوث, على أساس أن هذه القطاعات صمام أمان لأي مجتمع وحصون أخيرة يلجا إليها الجميع في اليسر والعسر, ولهذا يصبح اقتراب الفساد من " مواطن العفة"  في المجتمع ظاهرة تثير الكثير من القلق بل قد تتحول إلى زلزال يهز أركان المجتمع وانهياره, ورغم أن الدولة القومية أو الوطنية أضفت على هذه القطاعات الصبغة العقائدية لمنتسيبيها, إلا إن معايير الجودة والكفاءة والأداء ظلت تتمتع بهذا القدر أو ذاك بشيء من عوامل البقاء باعتراف المنظمات الدولية ذات العلاقة وخاصة في بداية العقود الأولى من نشأة هذه النظم !!!!!.

أما دولة " المؤمن الفاسد " والمتلبسة بلباس الدين فليست لها  " مناطق عفة محصنة " فهي تضرب كل القطاعات دون رحمة, وهي أشبه بفيروس في جسد بلا مناعة, وهذا الفيروس يتسلل إلى نواة الخلية ( نظام الحكم ومؤسساته وقطاعاته بدون استثناء) فيصيغ برامجها طبقا لاحتياجاته ثم يتسلل إلى المجتمع فينشر المرض وتتغير البرامج كلها طبقا للبرنامج الفيروسي. أن فيروس دولة " المؤمن الفاسد " يفسد عملية التقدم والتطور الاجتماعي المخطط , حيث يفتت المؤسسات اللازمة لذلك ويحولها إلى مؤسسات فئوية ترعى فئة معينة من المجتمع كما هو الحال في نظام المحاصصات الطائفية والعرقية ويعيق تشكيل مؤسسات بحثية وعلمية مستقلة خاصة بذلك؛ كما أن هذا الفيروس يعطل العملية السياسية ويعيق جهود التنمية والأعمار من خلال تعطيله لدور المعارضة الحقيقية باعتبارها تلعب دور الرقيب على الحكومة في الدول الديمقراطية المستقرة, إلا إن هذا الفيروس الذي يتكئ على خلفية نظام المحاصصة الطائفية أو التوافقية يلغي دور المعارضة الحقيقية, لأن هذه " المعارضة " لها يدا في الحكومة تحجم عن دورها الرقابي, وبالتالي يكون الصراع من اجل إفشال الحكومة وليست تقويم عملها, ويسعى الطرف الحاكم أيضا إلى التمادي وتعطيل العملية السياسية وعدم السماح للتداول السلس والسلمي للسلطة, ويدعي كل طرف هو الأفضل على خلفية التعصب والتعنت الديني والطائفي والعرقي !!!!.

أن دولة " المؤمن الفاسد " تشكل بيئة مواتية لفيروس الفساد بألوانه المختلفة وللمحسوبية والمنسوبية والولاء الحزبي الضيق, ففي دولة المحاصصة الطائفية والتوافقية كالعراق حيث يقف عالميا في قائمة الدول التي تعاني من الفساد الإداري والمالي, فأن هذا النظام هو أفضل وسيلة لترعرع ونمو الفساد, وان كان في ظاهره يبدو وكأنه ينصر أبناء طائفته ولكنه في الواقع يبقي أبناء الطائفة في فقر مدقع وتبقي الامتيازات حكرا على زعماء الطائفة وأبنائهم أو رؤساء أحزابها !!!.

أن نظام المحاصصة الطائفية والتوافقية باعتباره نموذجا لدولة " المؤمن الفاسد " يشكل عوامل طرد لاستبعاد الكفاءات العلمية والوطنية, حيث يستند في شكلياته إلى الطائفة كمعيار للانتقاء والولاء وليست معايير النزاهة والكفاءة العلمية بعيدا عن الانتماءات الضيقة, وبهذا يحرم المجتمع من الانتفاع بمواهب أفراده المختلفة والتي لا صلة لها بالانتماء الطائفي.كما يخل نظام المحاصصة بالسلم الأهلي والاجتماعي, ويخل بمبدأ المساواة بين المواطنين في الوظائف العامة ويضعف ثقة المواطن بمؤسسات الدولة من خلال تخندقه الطائفي في أطره الجغرافية, كما يضعف سياسة الدولة ووحدتها في الخارج كما يتعارض هذا النظام مع حقوق الإنسان وصيانتها والمنصوص عليها في المواثيق الدولية !!!!.

كما تزحف دولة " المؤمن الفاسد" على رموز الثقافة الوطنية من أدب ومسرح وسينما وأكاديميات متخصصة ومنع مختلف الفعاليات الفنية في وسط وجنوب العراق في محاولة منها لخلق بيئة مواتية لفيروس اسود في مختلف الفنون وعلى طريقتها الخاصة وعلى نسق الجمهورية الإسلامية أو على هدى طالبان, ولعل آخرها ما تعرض له اتحاد الأدباء والكتاب العراقي من حملة افتراء وكذب مدعمة "بالفتاوى الغوغاء" في الضغط عليه لغلقه أسوة بالأندية الليلة بتهمة تعاطي المنكر ـ الخمور, ولا نعرف أيهما أكثر منكرا شرب الخمور أم أكل أموال الناس بالباطل, شرب الخمور أم المحاصصة الطائفية, شرب الخمور أم الفساد الأخلاقي, شرب الخمور أم الفتاوى بسرقة المال العام, شرب الخمور أم النصب والاحتيال, شرب الخمور أم تزوير الشهادات, شرب الخمور أم انتشار مزارع الحشيش والمخدرات بدلا من مزارع الفواكه, شرب الخمور أم المليشيات المسلحة, شرب الخمور أم المتاجرة بالمخدرات من قبل بعض فصائل الإسلام السياسي و و...... إنه استهتار ومصادرة للحريات العامة التي كفلها الدستور وتجاوز على القضاء صاحب اليد الطول بهذا الشأن, وهي سلوكيات منافقة ومنافية للدين وأضعاف لدور الدولة الديمقراطية والمدنية في العراق.

وفي الخاتمة اقول هنا ان هزيمة وفساد محافظ البصرة هو احدى من مئات الالوف من الامثلة التي تعبر عن فساد النظام السياسي الممحصصاتي والتوافقي حيث الاحزاب الطائفية السياسية والاثنية ورموزها القيادية هي التي تمارس الفساد المالي والاداري, وهي نفسها التي تشرع وتنفذ, وبالتالي اصبح الفساد قرينة النظام وتوأمه وان الخلاص من الفساد يعني الخلاص من النظام اولا واعادة بنائه من خلال تشريع قانون انتخابي عادل, وقانون احزاب واضح ومفوضية انتخابات نزيهة مستقلة لا محاصصاتية !!!.






5

رسالة الى السيد وزير التربية في العراق حول التسرب المدرسي: الأهمية والأسباب والحلول


د.عامر صالح 


أعلنت وزارة التربية العراقية بتاريخ 2ـ8ـ2017 ان 20 % من الطلبة متسربين من المدارس. وقال وزير التربية محمد اقبال في بيان لمكتبه الاعلامي" إن ظاهرة التسرب، تتنافى مع قانون التعليم الالزامي لاسيّما أنه شكل نسبة 20% على وفق عينة الدراسة التي أجرتها وزارة التخطيط". وبين ان "وزارة التربية تسعى الى إعادة التلاميذ المتسربين كافة، الى مقاعد الدراسة، فضلاً على أُولئك الذين اضطروا الى ترك التعليم بسبب العمليات العسكرية، التي شهدتها مناطقهم، مما استدعى الى استيعابهم ضمن مشروع حقك في التعليم، ومن خلال البرنامج الذي ترعاه الوزارة بهذا الصدد " حسب البيان ". وهنا أقول ان هذه النسبة أقل بكثير مما هي في الواقع اذا اخذنا عموم محافظات العراق والمحافظات ذات الظروف الكارثية, ومضيفا الى تلك النسبة ممن لم يلتحقوا اصلا في التعليم, زائدا التسرب في مراحل التعليم الاخرى وليست فقط في المرحلة الابتدائية, علما ولأغراض المقارنة أن العراق في عام 1973 انخفضت فيه نسبة التسرب الى 5% يقابلها ارتفاع نسبة التسرب في عام 2004 الى 24% " أي قبل عقد من دخول داعش والخراب ". وهنا أوجه رسالة الى السلطات التربوية لتبيان حجم الكارثة التربوية ومشيرا الى اسبابها وسبل العلاج !!!.


لعله من نافلة القول أن دول العالم تولي اهتماما ورعاية بالتعليم من منطلق أن التعليم هو أساس تقدم الأمم ومعيار تفوقها في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية, وعن طريق التعليم يكتسب الفرد المعرفة وتقنية العصر والقيم والاتجاهات التي تحيط بشخصه من جميع الجوانب وتجعله قادرا على التكيف والتفاعل الايجابي مع البيئة والمجتمع.وأن اتساع القاعدة الشعبية لقطاع التربية والتعليم وتحوله إلى اكبر القطاعات الاجتماعية تجمعا للعنصر البشري دفع العديد من الحكومات المتقدمة والنامية إلى تبني استراتيجيات شاملة تزيل الطلاق التقليدي بين المدرسة والعمل والحياة وإحكام ربط هذا القطاع بحاجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وقد عززت هذا التوجه الدراسات الكثيرة التي بينت أن التربية ليست " خدمة استهلاكية " تقدم للناس بل هي توظيف مثمر للموارد يؤتي ثماره مضاعفة ويؤدي,إن أحسن استخدامه,إلى عائدات اقتصادية تفوق العائدات الاقتصادية للمشروعات الصناعية والزراعية وسواها, وهي ذات اثر طويل الأمد.وقد أكدت دراسات دنيون الأمريكي وريداوي البريطاني وستروملين الروسي, أن الزيادة في الإنتاج لا تعود فقط لزيادة رأس المال واليد العاملة, بل يرجع إلى عوامل التقدم التقني وما وراءه من إعداد وتدريب وتعليم للموارد البشرية.

وعلى أساس هذه النظرة المتقدمة للتربية يجري رصد المزيد من الأموال لهذا القطاع في دول العالم المتمدن لأغراض تطويره والنهوض به لتحقيق اكبر قدر ممكن من الكفاءة الداخلية والخارجية له. وبالضد من ذلك فأن الإهدار التعليمي في هذا القطاع المتمثل في ابرز مشكلاته كالتسرب والرسوب,يعتبر من المشكلات المعرقلة لكفاءة النظام التربوي وتبديدا للجهود المبذولة لتطويره التي تعوق تحقيق أهدافه وتسبب في ضياع الجهد والوقت والمال, وينعكس أثره السلبي على الفرد والمجتمع وعلى التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
مفهوم التسرب ودلالته:
تتعدى الآثار الكارثية للتسرب والرسوب إلى جميع نواحي المجتمع فهي تزيد معدلات الأمية والجهل والبطالة وتضعف البنية الاقتصادية للمجتمع والفرد وتزيد الأتكالية وطول أمد الإعالة الأسرية والاعتماد على الغير, كما تفرز في المجتمع ظواهر خطيرة كعمالة الأطفال واستغلالهم وظاهرة الزواج المبكر, كما يؤدي إلى زيادة حجم المشكلات الاجتماعية كانحراف الإحداث وانتشار السرقات والاعتداء على ممتلكات الآخرين مما يؤدي إلى ضعف المجتمع وانتشار الفساد فيه إلى جانب فساد الكبار, وما تسببه أيضا هذه المشكلة من أثار سلبية في نفسية التلميذ وتعطل مشاركته الفعالة والمنتجة في المجتمع.

أن التركيز على التسرب في التعليم الابتدائي لا يعني بكل الأحوال إهمال ما يتم تسربه في مراحل التعليم الأخرى( متوسط, ثانوي وجامعة ) بل هي أكثر بكثير سواء من حيث الإعداد المطلقة الخاصة بالتسرب أو من حيث نسب الاستيعاب التي تقابل الفئة العمرية  في هذه المراحل( وخاصة في ظروف العراق الخاصة جدا), إلا أن هناك ما يبرر التركيز على التسرب في التعليم الابتدائي لاعتبارات نفسية وتربوية وإنسانية.فالطفولة الأولى تؤسس لشخصية الإنسان وتبقى حاضرة بقوة في مراحل تطورها لاحقا مهما اختلفت وتنوعت المتغيرات التي تحيط بها والظروف التي تمر بها,وهي مرآة الفرد في الصحة والمرض. وأن مطلب " الطفولة السعيدة " بالإضافة إلى كونه مطلبا لذاته,إلا انه يسهم في تشكيل مراهقة مقبولة, ويساعد في اختيار نمط دراسي أو عمل يعكس فعلا إمكانيات الفرد الذاتية, بل ويسهم في إرساء ملامح شيخوخة تتمتع بقدر من الهدوء المطلوب والموازنة مع ما تبقى من ديناميات وقدرات وقابليات. والأهم من ذلك تربويا فأن تأمين التعليم الأساسي لهذه المرحلة العمرية المهمة يعتبر جهد الحد الأدنى من " الأمن التربوي " لتزويد الطفل بالمهارات الأساسية اللازمة في القراءة والكتابة والعادات الأساسية اللازمة لتكيفه ضمن هذه المرحلة من التعليم ومنع تسربه وردته وانضمامه إلى جيش الأميين ,وبالتالي يشكل تعميم التعليم وألزاميته والقضاء على التسرب احد العوامل الأساسية لتجفيف منابع الأمية.

ومشكلة التسرب في العراق إلى جانب مشكلات أخرى في قطاع التربية والتعليم, منها ما يتعلق في مشكلات المناهج والإدارة التربوية وطرق التدريس وإعداد الكادر التدريسي ومشكلات التخطيط التربوي لهذا القطاع ومستويات استجابته لحاجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومشكلات توزيع الخدمات التربوية جغرافيا وعلى ضوء الحاجة الماسة لمختلف مناطق وأقاليم البلاد,وجميع هذه المشكلات ذات طبيعة متشابهة في البلاد العربية يطلق عليها اصطلاحا " أزمة التربية العربية ", إلا إن العراق في العقود الأخيرة وبسبب تعرضه لعوامل الحروب والحصار والانهيار الاقتصادي والاحتلال وتدمير مؤسسات الدولة وبنيتها التحتية والسياسات الطائفية,انفرد بأزمة خانقة وحادة تنفرد بخصوصية عالية عن نظيرتها في الدول العربية ونستطيع أن نطلق عليها " أزمة التربية العراقية ",سواء من حيث خصوصية الأسباب أو الإبعاد المدمرة لها.

ففي الوقت الذي حقق فيه العراق تقدما ملموسا في عقد السبعينيات على مستوى استيعاب الأطفال, فحسب تقرير اليونسكو أمتلك العراق قبل حرب الخليج الأولى نظام تعليمي من أفضل أنظمة التعليم في المنطقة قدرت نسبة المسجلين فيه بالتعليم الابتدائي ما يقارب 100% مقارنة بأعداد الأطفال في سن التعليم الابتدائي,وحسب تقرير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام 1973 فأن معدل التسرب في التعليم الابتدائي قد هبط في العراق إلى ما يقارب 5% بين الصف الأول والخامس الابتدائي, وكان هذا أوطأ معدلات تسرب في الدول النامية.ثم نال العراق في نهاية السبعينيات جائزة اليونسكو على حملة محو الأمية.وقد ساهمت في ذلك الطفرة المالية المتحققة من العوائد النفطية والتي وسعت من حجم الإنفاق على التعليم,وكذلك الدور الكبير والمتميز الذي لعبته الحركة الوطنية وفي مقدمتها قوى اليسار في التعبئة لنشر التعليم والثقافة في صفوف أبناء المجتمع وتعزيز الدور التعبوي عبر نشاطها وصحافتها العلنية, وخاصة في ميدان محو الأمية,ونقل تجارب الشعوب العالمية عبر صحافتها اليومية وخلق المزاج العام المواتي لتنفيذ ذلك. إلا إن الحروب الكارثية التي أقدم عليها النظام العراقي آنذاك وما سببته من استنزاف للموارد المالية والبشرية قد الحق أفدح  الإضرار بقطاع التربية والتعليم,ويكفي إن نشير هنا إلى إن نسبة القادرين على القراءة والكتابة في البلاد عام 2003: الذكور 55%, الإناث 23%. وبلغت خسائر هذا القطاع أكثر من أربع مليارات دولار شملت كل عناصر وأبعاد العملية التربوية ومستلزماتها ومؤسساتها ومراحلها المختلفة.

أن التسرب يمثل مظهرا من مظاهر الهدر التعليمي أو الفاقد في التعليم, إلى جانب مشكلة الرسوب المتكرر,ويعتبر نتيجة لضعف نتاج العملية التربوية وينشأ عن مشكلات تربوية واجتماعية تؤدي إلى عجز النظام التعليمي في الاحتفاظ بالملتحقين به كافة لإتمام دراستهم في مرحلة دراسية ما ( وخاصة في التعليم الابتدائي ).وان التسرب باعتباره انقطاع التلميذ عن المدرسة انقطاعا نهائيا قبل أن يتم المرحلة الإلزامية,فأن سقف التعليم الإلزامي يختلف من دولة إلى أخرى,فمنها من يدين بالإلزام لمدة 9 سنوات دراسية,وبعض أخر يكتفي بإلزامية تعليم أمدها 6 سنوات ( مدرسة ابتدائية ) كما هو الحال في العراق وفقا لقانون التعليم الإلزامي رقم 118 لسنة 1976,والذي يشمل الفئة العمرية من( 6ـ11) سنة,والذي لا يزال ساري المفعول إلى اليوم,علما أن إمكانيات العراق المادية والمالية تكفي لمد سقف الإلزام حتى إلى مرحلة التعليم الثانوي كما هو الحال في بعض الدول المتقدمة والمتمكنة.مع العلم أن الدستور الحالي جاء ليكرس ما ورد في القانون المذكور أعلاه,حيث ينص على أن :" التعليم عامل أساسي لتقدم المجتمع وحق تكفله الدولة, وهو إلزامي في المرحلة الابتدائية,وتكفل الدولة مكافحة الأمية.والتعليم المجاني حق لكل العراقيين في مختلف مراحله".

أسباب التسرب:
أن العوامل التي تؤدي إلى التسرب من التعليم الابتدائي في العراق هي ذات خصوصية عالية ارتباطا بظروف العراق الشاذة والاستثنائية, وهنا يمكن فرزها بمنظومة الأسباب الآتية :
1 ـ الأسباب الاجتماعية والثقافية, وتشمل : 
  ـ تصدع وانهيار التركيبة الاجتماعية والقيمية وتعرض الأسر العراقية إلى  انهيارات كبرى تجسدت في : ازدياد نسب الأطفال اليتامى وفقدان الرعاية الأبوية,انتشار ظاهرة التسول والتشرد في الشوارع والطرقات,ازدياد نسب الأطفال الذين يتعاطون المخدرات والمسكرات,محنة الأطفال غير الشرعيين أو مجهولين النسب ,الأطفال المهجرين قسرا من ديارهم ومناطق طفولتهم إلى مناطق أخرى داخل العراق وإشكالية التكيف للبيئة الجديدة, تعرض الأطفال إلى عمليات الخطف والابتزاز واستخدامهم كرهائن مقابل مبالغ مالية أو صفقات أخرى لتصفية حسابات شخصية وسياسية, عمليات التحرش الجنسي والاغتصاب والمتاجرة بالأطفال, الأطفال مرتكبي الجنح والجرائم المختلفة, ازدياد نسب الأطفال ذوي الإعاقات المختلفة العقلية والجسمية وانعدام الرعاية التربوية الخاصة بهم, وجميع هذه الظواهر هي من الإشكاليات المستفحلة وتشكل عوامل طرد وليست جذب للمدرسة وما يترتب على ذلك من انقطاع وعدم مواظبة أو تسرب نهائي من المدرسة.

 ـ تدهور المكانة الاجتماعية للتعليم لدى الأسر أو الوالدين بشكل خاص, واعتباره ليست بتلك الدرجة من الأهمية, وهذا أيضا ناتج من ضغوطات الواقع,وإعادة ترتيب سلم الأوليات,كأن يعتبر الحفاظ على الأرواح أو الشرف أهم بكثير من التعليم ,وبالتالي احد عوامل الانقطاع عنه وعدم الاستمرار فيه والتسرب منه, إلى جانب طبعا عدم توفر الوعي الثقافي اللازم لدى الكثير من الأسر بعدم إدراكهم لمدى الضرر لاحقا من جراء انقطاع أطفالهم عن المدرسة.
 
ـ تدهور الأوضاع الصحية وانتشار الأمراض المختلفة كأمراض الجهاز التنفسي وأمراض الكلى المزمنة والكبد والسرطان والايدز وحالات ضعف السمع والبصر والتشوهات الخلقية, وجميعها عوامل تدفع  نحو الانقطاع المدرسي كخطوة نحو التسرب منه نهائيا.

 2 ـ الأسباب الاقتصادية:
 وتتلخص أبرز ملامح تأثيرات الوضع الاقتصادي في ظاهرة التسرب فيما يأتي:
 ـ انشغال الأسرة بتغطية متطلبات الحياة الاقتصادية والمعيشية الأساسية, يدفع الكثير منها إلى الاستعانة بأطفالها وزجها في سوق العمالة واستخدامها كدخل إضافي,ونحن نعرف جيدا ضيق فسحة العيش في العراق,حيث تشير الإحصائيات إلى أن 40%  من الشعب العراقي يعيش تحت مستوى الفقر( حسب إحصائية وزارة حقوق الإنسان العراقية ), وأكثر من مليون أسرة تعيش على معونات شبكة الحماية الاجتماعية. وهذا بدوره يشكل عوامل ضغط على الأطفال لترك الدراسة.

ــ ضعف الغطاء الاقتصادي المتمثل بالمدعومات المالية المناسبة والتسهيلات كأجور نقل أو تقديم وجبات طعام أساسية للطلبة الفقراء أو تقديم القرطاسية المدرسية مجانا أو ملابس وتجهيزات مختلفة, مما يسبب إثقال كاهل اسر التلاميذ وخاصة الفقيرة, مما يضطرها إلى سحب أولادها من المدارس.

ـ ضعف مخصصات قطاع التربية والتعليم من الميزانية العامة,مما يؤدي بدوره إلى ضعف الإنفاق على التعليم الابتدائي لتوفير مستلزماته من كوادر تعليمية وأبنية صالحة وكتب منهجية وقرطاسيه ولوازم مدرسية ولتغطية مختلف نشاطات هذا القطاع, إلى جانب ضياع وإهدار وسرقة أموال هذا القطاع, والتي لا تخضع للتدقيق والمراقبة الكافية,أسوة بغيره من قطاعات الدولة.

3ـ الأسباب التربوية:
ويمكن بلورة أبرز الاتجاهات التربوية التي تدفع باتجاه تسرب التلاميذ وتركهم المدرسة على النحو التالي:
ـ عدم ارتباط المناهج بحاجات المجتمع وعدم تلبيته لميول الأطفال وهواياتهم وكذلك ضعف كفاءة المعلم من حيث الإعداد والتدريب وضعف كفاءة الإدارة التعليمية, وقصور الإشراف والتوجيه, والاعتماد على أساليب التقويم القائمة على الامتحانات التقليدية وقصور الإمكانات التربوية من مبان وتجهيزات وفرص النشاط المختلفة.

ـ عدم احترام شخصية التلميذ وميوله واهتماماته المختلفة وضعف التوجه لدراسة الفروق الفردية بين التلاميذ وتكييف المنهج وطرق التدريس لها, وعدم استغلال أوجه النشاط المدرسي الصفي واللاصفي في جذب التلاميذ إلى المدرسة.

ـ الرسوب المتكرر وعدم متابعته من قبل إدارة المدرسة أو ذوي التلاميذ مما يضعف ثقة التلميذ ويفقده المتعة من وجوده في المدرسة ويثبط حافزه على متابعة الدراسة.
ـ انعدام أو ضعف العمل المشترك بين المدرسة وأهل التلميذ مما يضيع الفرصة للوقوف على المشكلات التي يعاني منها التلاميذ يوميا, وبالتالي لا يترك مجالا لحلها في الوقت المناسب,وأن تراكمها لاحقا يشكل حجر عثرة أمام استمرار التلميذ في المدرسة.

ـ عدم اعتماد الخرائط التربوية في توزيع الخدمات التعليمية جغرافيا ونشر المدارس الابتدائية على مقربة من السكن الأصلي,الأمر الذي يعتبر من المعوقات الأساسية في سهولة انتقال التلاميذ من والى المدرسة, مما يزيد من أعباء الطالب النفسية وتشديد مخاوفه من الإرهاب وإعمال القتل والاختطاف,ويشكل عبئا أخر يزيد من هموم وتفكير الأسرة وقلقهم على سلامة أطفالهم,مما يسهم في إحجام الولدين عن إرسال أولادهم إلى المدرسة.

ـ قصر اليوم المدرسي واعتماد الدوام الثنائي المزدوج أو الثلاثي مما يضعف الارتباط بين الطالب والمدرسة ويقلل من فرص ممارسة التلميذ للأنشطة الصفية والللاصفية لتلبية رغباته واحتياجاته للنمو المتعدد الجوانب, و بالتالي تصبح المدرسة مكانا للإقامة الجبرية أو ثكنة عسكرية يشعر فيها الطفل فيها بالجزع أكثر من الانشراح والموائمة, ويتحين الفرص للهروب منها.

ـ وهناك من الأسباب التربوية ذات الصلة بالنواحي الوجدانية بالتكيف النفسي للتلميذ, كما تتصل باتجاهاته وسلوكياته, وهناك عوامل تتعلق بجوانب شخصية التلميذ,واستعداداته ومهاراته, وقدراته النفسية والعقلية , وقد أثبتت الكثير من الدراسات وجود ارتباط واضح بين بعض السمات الشخصية للتلميذ وتسربه من التعليم.

4 ـ الأسباب السياسية:
ـ أن مصير العملية التربوية كم هو معروف يرتبط وثيقا بالاستقرار السياسي الذي يبعث الأمل في مؤسسات الدولة وقيامها بأنشطتها على أسس موضوعية وحيادية, ومنها قطاع التربية والتعليم,فالنظام السياسي يلعب دورا مهما في إعادة توليد القيم الأخلاقية والاتجاهات الاجتماعية العامة, والنظام التربوي هو احد أدواته لتكريس هذه القيم ونشرها على نطاق واسع عبر الممارسات اليومية, من خلال المناهج والأنشطة المدرسية, وتشكل في هذا السياق ظاهرة التعصب الديني والطائفي والقومي احد القيم الأخلاقية والتربوية الضاغطة على وحدة نظام التعليم ونسيجه الاجتماعي, ويشكل هنا التسرب من التعليم والابتعاد عنه احد وسائل احتماء الأقليات في حالات الاحتقان الشديد وسببا في انقطاع الكثير من أبناء الأقليات والطوائف عن التعليم والعزوف عنه.

ـ تعرض النظام التربوي جراء سياسات النظام السابق الهوجاء وما تلتها من سياسات عشوائية على أيدي الاحتلال وما تبعتها من تكريس للمحاصصة الطائفية, إلى انهيارات كبرى في مراحله المختلفة,فقد تم تدمير اغلب المؤسسات التربوية من أبنية ومستلزمات وأجهزة, وقد تحول الكثير من المدارس إلى مجرد أربعة جدران وأماكن شكلية لإقامة التلاميذ,لا تشد الطالب إلى المجيء والمواظبة,بل إلى طرده من المدرسة, ناهيك عن اقتسام المدارس إلى مناطق نفوذ طائفي أو حزبي,فهي تعتبر في أذهان الكثير أماكن غير آمنه.

ـ أن تشديد قبضة الإرهاب والعمليات الانتحارية أطالت ألاف من الأطفال, وكانت أوقات الدوام الرسمي" بدايته ونهايته" فرصا مواتية لإيقاع الأذى وزرع الخوف لدى الأطفال وأسرهم,مما أدى إلى عزوف التلاميذ عن الدوام وعدم انتظامهم ثم تسربهم.

علاج التسرب:
أن الحد من التسرب والاقتراب من نهايته يستند إلى منظومة متكاملة من الإجراءات,وتشكل النوايا الحسنة والقناعة بالنظام الديمقراطي و قيمه الإنسانية مدخلا لازما لذلك ومظلة تحمي آلية التنفيذ, ولعل ابرز العلاجات الناجحة هي ما يأتي:
ـ الاهتمام بالمرافق والخدمات التعليمية مما يجعلها جذابة وشيقة ومرتبطة بواقع التلاميذ,وتحسين المعاملات والممارسات المتبعة في الاتصال التعليمي وبنائها على مبادئ التربية الحديثة القائمة على أساس أن التلميذ مركز اهتمام العملية التربوية, واستغلال خاصية يتمتع بها الأطفال عامة وهي الفضول والذهن المتفتح لاكتساب ومعرفة كل شيء.

ـ منع تشغيل الأطفال منعا باتا وعبر إجراءات صارمة لعل أبرزها تفعيل العمل بقانون التعليم الإلزامي وتطبيق العقوبات الواردة فيه على أولياء الأمور,ويجب أن يقترن هذا الإجراء بدعم اقتصادي للأسر المعوزة وتحمل المدرسة الإنفاق التربوي على التلاميذ من مستلزمات وملابس وتغذية.

ـ توفير خدمات التوجيه والإرشاد النفسي والتربوي والاجتماعي للتلاميذ وأسرهم والتأكيد من قبل إدارات المدارس على ضرورة وجود المرشد الاجتماعي في المدارس لما يقدمه من مساعدة للإدارة التعليمية وللأهل في المشكلات المختلفة ومنها التسرب,وأن تكون هناك حصص أسبوعية أو شهرية من قبل هذا المرشد للأهل وللتلميذ لمناقشة عوامل التسرب وإمكانية الحد منها, والتأسيس الجيد لمجالس أولياء الأمور في المدارس.

ـ التأهيل المستمر للكادر التربوي وإعادة تأهيله على ضوء ما يستجد من معطيات في العلوم التربوية والنفسية, والتخلص من العناصر ألمزوره, أو التي لا تحمل مؤهلا تربويا وذات أداء ضعيف, والتي تكون معظم الأحيان سببا في التسرب لا في منعه.

ـ العمل على وضع خطط ملموسة لنشر شبكات رياض الأطفال في أرجاء العراق وخاصة في القرى والأرياف, والتي لا تزال ضعيفة جدا,حيث لا تستوعب في أحسن الأحوال 7% من مجموع الأطفال في عمر 4 إلى 5 سنوات في عموم العراق,لما لها من أهمية استثنائية في خلق الاستعداد الايجابي للأطفال اتجاه المدرسة الابتدائية لاحقا والإقبال عليها والاستمرار فيها.

ـ وضع الخطط والمناهج التي تعتمد على المواهب والطموحات والقابليات لدى الأطفال والابتعاد عن مناهج الحشو والمليئة بالمعلومات ذات الطابع الكمي والتي تكره في نفس الطالب المدرسة والمادة الدراسية, ومحاولة ربط المنهج بالبيئة المحيطة عبر تطبيقات للمنهج في مختلف مجالات المجتمع المحلي.

ـ منح فرص إضافية للمتسربين سواء عبر مدارس مسائية أو نهارية أو مدارس متنقلة وخاصة في المناطق النائية والقرى والأرياف, أو مناطق التهجير والإقامة الجديدة للأطفال, وهي وسائل تعين الأطفال على عدم العودة إلى الأمية كاملة.

ـ استخدام الإعلام والصحافة اليومية الرسمية وغير الرسمية والمنظمات الاجتماعية المختلفة للتثقيف والتوعية بدور التعليم وخاصة الموجه منها إلى ذوي الأطفال والتركيز على ضرورة عودة أطفالهم إلى مقاعد الدراسة.

ـ الاستقرار السياسي والأمني وهو المطلب رقم واحد  لاستقرار العملية التربوية وما يؤدي إليه من انخفاض نسبة العنف وتعزيز ثقة الأسر والأطفال بالنظام السياسي والتربوي, ويضمن يوم مدرسي هادئ خالي من القتل والاختطاف والارتهان.

ـ إنشاء دور لليتامى لإيوائهم وتأمين حياة آمنه لهم يتمتعون فيها بقدر من الرعاية الاجتماعية والاقتصادية وإنشاء مدارس خاصة لهم لتسهيل اندماجهم لاحقا في المدارس المنتشرة على مقربة من إقامتهم,كي يتسنى لهم التحصيل الدراسي في المرحلة الابتدائية على الأقل وحمايتهم من التسرب.

ـ إنشاء مدارس لمختلف المعوقين وتصنيفهم وفقا لدرجة وطبيعة إعاقتهم,كما هو معمول فيه دول العالم المتحضر,وإتاحة الفرصة لهم للحصول على قدر من التعليم والتربية والتي تنسجم مع قدراتهم العقلية والجسدية,ومنع تحولهم إلى أميين بالمطلق.

ومن هنا نرى ان المعالجات الشاملة لمشكلة التسرب بكل ابعادها وفي اطار اصلاح النظام السياسي هو الكفيل بايجاد الحلول الواقعية والمدروسة والبعيدة عن الارتجال وفي ضوء فلسفة تربوية واضحة تستمد اسسها من مختلف المعارف والعلوم للنهوض بقطاع التربية والتعليم. وان علاج مشكلة التسرب هو جزء من البحث عن حلول لأزمة التربية والتعليم في العراق !!!.
 
















                   



6
ليست فقط تجريم التحريض الطائفي والعنصري بل والطائفية السياسية !!!

د.عامر صالح

وافق مجلس الوزراء برئاسة حيدر العبادي بحلسته المنعقدة بتاريخ 2017ـ7ـ18 المصادف يوم الثلاثاء على مقترح مشروع قانون لتجريم التحريض الطائفي والعنصري وخطاب الكراهية بهدف حفظ وحدة وسلامة شعبنا والتعايش بين الجميع " حسب ما ورد ". لقد جاء ذلك بعد مرور اربعة عشر عاما من الخراب والحروب الداخلية والاحتقانات الطائفية والعنصرية والعداوات الأثنية والدينية والمذهبية بين مكونات المجتمع العراقي, ولكن مشروع القانون رغم تأخره يبقى أفضل من عدم مجيئه, فهو يعكس مزاجا متفهما وأوليا لخطورة الخطاب الطائفي والعنصري وآثاره المدمرة على السلامة الوطنية, وكان من الاجدر أيضا ان يشمل مشروع القانون حظر الاحزاب السياسية الطائفية لأنها هي التي تنتج خطاب الكراهية وتسوقه, وأن تجربة الحكم منذ عام 2003 دليل على ذلك. لماذا يتوجب اليوم تجريم التحريض الطائفي والطائفية السياسية. سوف أحاول الاجابة على ذلك !!!. 

لقد قدر للعراق وشعبه أن يمر بظروف تاريخية قاسية ذات طبيعة كارثية أسهمت بشكل كبير في تشكيل مزاج عام أدى إلى تأخير حالات اختمار حقيقية صوب مخاض الديمقراطية,مما فسح المجال إلى نشأة بدائل سياسية ذات طبيعة عقليةـ معرفية معوقة للديمقراطية في غالبيتها,ولكنها انطلقت لتمارس الديمقراطية السياسية استنادا إلى ظروف العصر الضاغطة وظروف العراق بشكل خاص التي لا تقبل بغير الديمقراطية والتعددية السياسية الحقيقية كنموذج بديل عن النظم الديكتاتورية الموروثة.وعندما حصل التغير في العراق عام 2003 " رغم ملابساته الكثيرة وصعوبة هضم آلية التغير" فأن الفراغ السياسي شكل سمة مميزة للوضع السياسي,مما مهد الطريق إلى خيار الاستحواذ السياسي متخذا من الطائفية والعرقية واجهة له ومستغلا الظروف التاريخية للاضطهاد ليمعن في سياسته التي لا تلقي الاستحسان والقبول والإجماع والرضا من قبل شعبنا,وبدلا من أن تحل البرجماتية السياسية " أي قياس مصداقية الفعل السياسي بنتائجه العملية على ارض الواقع " فقد حلت البرجماتية المدججة بالسلاح " الحوار بيد والسلاح في اليد الأخرى لقبول أمر الواقع".

إن ابرز ملامح ضعف إدارة النظام السياسي هو التدهور المستمر للمساهمة السياسية الحقيقية والفعالة لشعبنا في أدائه وكذلك قي حمايته,مما أضفى على النظام شرعية شكلية قوامها دستور مكتوب غير منتهي بصيغته " رغم إن ثناياه تحمل الكثير من دساتير العالم المعاصر المتمدن",فعلى سبيل المثال لا الحصر يرفض الدستور علنا في مادته (  14 ) في الفصل الأول من الباب الثاني التمييز الطائفي والعرقي,حيث يؤكد( العراقيون متساوون أمام القانون دون تميز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي) إلا إن المشكلة لا تكمن في وضوح النص الجاهز !!! ؛وكذلك برلمان معروف بتركيبته للجميع, قادر في لحظة ما على إقصاء ما يرغب إقصاءه من خلال استنفار و تعبئة سلوك المحاصصات,التي لا ترى في الوطن مصلحة عليا وخط احمر لا يحتمل عروض المزاد العلني من اجل منافع محدودة الأمد؛ ومن ثم مجلس رئاسة الجمهورية المطابق لتوصيفة البرلمان في الآلية العامة والمكونات .

لقد تركت أزمة ضعف المشاركة السياسية والشعبية الواسعة إلى أحساس شرائح اجتماعية واسعة بالهامشية واليأس والمنبوذية "خاصة الفئات التي يجب أن تستهدفها عمليات التغيير",مما يدفع إلى شعور مضاد للانتماء,أي العزلة والاغتراب الاجتماعي وضعف الشعور بالمسؤولية ومن ثم التطرف بألوانه والى الفوضى والعنف,وأصبحت إحدى البؤر المولدة للعنف والتطرف الديني وغير الديني,لتشتد الحياة أكثر عنفا لتصبح بيئة مواتية للتحريض وارتكاب الجرائم الكبرى بحق الناس وبواجهات مختلفة( القاعدة,فلول البعث السابق, داعش وضغط دول الجوار التي لا تعي حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية), أن الجبهة الداخلية السليمة والصحية هي وحدها القادرة على دحر أعداء العراق في الداخل والخارج وعلى خلفية بقائه وطنا صالحا للجميع.ويذكرنا ذلك تماما بإخفاق جيوش النظام السابق الجرارة والمليونية في الإنابة عن المجتمع دفاعا عنه وعن سيادة البلاد من الاحتلال والتي حصلت على خلفية انعدام الثقة المتبادل بين النظام والشعب وضعف المساهمة السياسية الحقيقية في صنع القرار,فأين الملايين التي كانت تصفق "لقائد الضرورة" كذبا ودفعا للأذى عنها,أن حالات الاستبداد السياسي والطغيان وتكبيل أعناق المواطنين وترويضهم على الخنوع والذل والانشغال بسد رمق العيش هي التي تمرر مشاريع اختراق الوطن من الداخل والخارج !!!!.

أن سياسات الإقصاء والتهميش والمحاصصات وما يرافقها من تدهور مستمر لحياة المواطنين قادرة على حرف حالات المساهمة السياسية من أجل تثبيت النظام" الديمقراطي" إلى حالات عداء سياسي للنظام وأركانه,باعتباره يجسد حالة الاغتراب السياسي بينه وبين المواطن,وهي نتاج طبيعي لحالة عدم الثقة والشك في القيادات السياسية ونواياها,متزامنا ذلك مع اتساع وتعمق دائرة الفئات الاجتماعية المهمشة والتي تقدر بالملايين جراء ظروف العراق التاريخية والحالية,ومن شأن ذلك أن يخلق ما يسمى " بالفجوات النفسية المدمرة ",حيث تنشأ هذه الفجوات على خلفية الشعور بالإحباط الناتج من التدهور المستديم لظروف العيش الحر والآمن,وهي شروط مواتية ولازمة لخلق وإعادة توليد سلوك العنف والعدوان باعتباره نتيجة للشعور الشديد بالإحباط ,وعلى خلفية اتساع الهوة بين النظام والشعب وتعزيز حالة عدم الاكتراث تجري الاستفادة الكاملة من قبل المجاميع السياسية وفلول الإجرام والمرتزقة الغير مؤمنة أصلا بالعملية السياسية لدك النظام السياسي والتأثير على قراراته السياسية,وعلى عدم استقراره,مستغلة الفساد والعبث بالمال العام وسرقته كوسائل سهلة في الإغراء والتمويل وشراء الذمم.

أن الابتعاد عن نهج المحاصصة الذي التمسه شعبنا بوضوح واكتوى به طوال الأربعة عشر عاما المنصرمة, وتحويله من نهج انتقائي/مصلحي إلى نهج مشاركة سياسية حقيقية هو التعبير العملي والأمثل عن العقد الاجتماعي الطوعي, إذ تعيد المشاركة السياسية البناءة إنتاج العقد الاجتماعي كسلوك يومي, أي إعادة  إنتاج الوحدة الوطنية كمفهوم سلوكي ـ معرفي وعقلي في الممارسة السلوكية اليومية, وليست شعار اجتراري خبره شعبنا لعقود سلفت, وأن الوحدة الوطنية في كل الفلسفات الإنسانية ركيزة أساسية لا يمكن العبث بها وعرضها في سوق النخاسة السياسية, بل لعلها أهم منجزات الحداثة, وما يترتب عليها من اعتراف بالحقوق الناجمة عن الاعتماد المتبادل بين مختلف فئات المجتمع وإسهام كل منها في عملية الإنتاج الاجتماعي في بعديه المادي والروحي,ونعني به الإنتاج والاستهلاك والتوزيع العادل للثروات, وهي التعبير العملي عن المواطنة الدينامية الحية, وأن المشاركة السياسية الشاملة هي جوهر المواطنة وحقيقتها العملية.

لعل نظرة متأنية وموضوعية منطلقة من روح الحرص على مستقبل البلاد,تؤكد لنا أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية وما أنتجه من تعصب أعمى, ومنذ ولادته بعد  2003  لحد اليوم كان عائقا ومعطلا للعملية السياسية, حيث حلت في الممارسة العملية الانتماءات الضيقة محل " علم السياسة " لإدارة شؤون البلاد, مما جعل من أحزاب الطوائف والأعراق أمكنة للحشود البشرية وليست أمكنة لانتقاء وتدريب النخب السياسية لقيادة البلاد, وكأنها تعمل على قاعدة أن الحزب يساوي كل أبناء الطائفة أو العرق بما فيها من خيرين وأشرار,وتحولت إلى أمكنة للاحتماء بدلا من الاحتماء بالدولة والقضاء كمقومات للدولة العصرية, مما فوت الفرصة على الانتقاء والفرز على أساس الكفاءة السياسية والنزاهة, وليست لاعتبارات لا صلة لها ببناء دولة المواطنة,أنه سلوك يؤسس لمختلف الاختراقات السياسية والأمنية وشتى ألوان الاندساس.

كما أن نظام المحاصصة يعرقل جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي, وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا  أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد,بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك, أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة ,بل تؤسس إلى "  إفساد للتنمية ",وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف, والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع. أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل, وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف  دينه ومذهبه وطائفته وعرقه!!!!.

أن اشد ما الحق الضرر بمصالح البلاد وأمنه ما بعد 2003 هو إخضاع الأجهزة الأمنية والمخابراتية والدفاعية للمحاصصة الطائفية مما فسح المجال لتأسيس حالة الاختراق الأمني المستديم لهذه الأجهزة عبر تكريس حالة التوجس والريبة وانعدام الثقة بين قيادات ومنتسبين هذه الأجهزة,مما تندفع هذه الأجهزة إلى التناغم مع دول الجوار في البحث عن حليف مطابق لها في الصبغة الطائفية والعقائدية,مما يتركها فريسة للاختراقات الخارجية وفرض أجندة دول الجوار,وهنا يأتي تفعيل واستنفار" الحلقة المفقودة" المتمثلة بكل القوى الداخلية الغير راغبة في التداول السلمي للسلطة لتقوم بدور المنفذ النشط أانطلاقا من تطابق الأهداف والمصالح المشتركة في عدم معافاة العراق, بدلا من تعزيز حالة التوافق والانسجام في عمل هذه الأجهزة لخدمة امن البلاد, رغم ان هناك ملامح مرحلة مهنية في بناء هذه الاجهزة بدأت قبل تحرير الموصل من قبضة داعش, ولكن هناك معوقات كبرى لاستقلال هذه الاجهزة بسبب سياسات الشد والجذب المحصصاتية.

لقد أخلت سياسة المحاصصة بالسلم الاجتماعي وأضعفت الشعور بالوحدة الوطنية والتكافل الاجتماعي من خلال خلق التكتلات والشللية السياسية والاجتماعية على أسس طائفية وعنصرية مما يعزز بمرور الوقت حالات الاحتقان والفتنة الاجتماعية,فيتحول الصراع السياسي وغير السياسي إلى صراعات طائفية وعرقية لا حصر لها,أنها عملية استنفار للاشعور الجمعي لأفراد الطوائف والأعراق, وحتى لأتفه الأسباب, وهناك فرق جوهري بين حقك المشروع في الانتماء إلى دين أو طائفة أو عرق أو قومية ما وبين أن تبني دولة تضم مختلف الأديان والأعراق !!!!.

أن إضفاء الصبغة الطائفية والعرقية على الصراع السياسي واللجوء إلى الحلول ذات الطبيعة التوافقية ـ الطائفية والعرقية تسهم في تكريس منظومة قيمية ذات طبيعة تعصبية " شاء الفرد أم أبى" لتشكل بدورها اتجاها نفسيا سلبيا مشحون بشحنة انفعالية ضد الأخر الديني أو الطائفي أو العرقي دون سند علمي أو منطقي أو بمعرفة كافية,ليتحول التعصب إلى مشكلة حقيقية في التفاعل الاجتماعي الإنساني المنفتح,وحاجزا يمنع كل فكر تقدمي جديد,ويفتت مكونات المجتمع الواحد ويحولها إلى أشلاء منغلقة ذاتيا بعيدة كل البعد عن التطورات المتلاحقة التي تحصل في العالم الخارجي في كل المجالات,أنها حالات من الصمم والبكم والعمى الهستيري والتي لا تدرك الأشياء والظواهر إلا من خلال  اتجاهات التعصب الأعمى,أنها فرصا مواتية لتشديد قبضة الكراهية والعدوان الاجتماعي,ونحن نعلم من الناحية النفسية أن التعصب والتخندق الطائفي والعرقي هي سلوكيات مكتسبة ومتعلمة في أعمها الأغلب ولا توجد أدلة قاطعة ذات طبيعة غرائزية أو فسيولوجية لوجودها,فهي حالات من التمركز حول الذات وعدم تقبل الحوار مع الأخر المغاير !!!.

ويجب التأكيد هنا إلى أن الصراع الذي يجري في العراق ليست صراعا طائفيا أو عرقيا بالمرة,وقد أكدت السنوات المنصرمة فشل الانسياق ورائه, إلا أن تجيير الصراع السياسي وإضفاء الصبغة الطائفية أو العرقية هو الذي يؤدي قسرا بالسواد الأعظم من شعبنا الذي أتعبته الحروب وأنهكه تأمين شيء من الخدمات العامة إلى " التعصب " و "الخندقة " كحيل دفاعية لتامين لقمة العيش,لأن رموز الطوائف والأعراق والأحزاب تمتلك المال كله , وكما يقول أبو ذر الغفاري :( عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه ) والتخندق الطائفي أو العرقي أشبه بحامل السيف لـتأمين لقمة العيش !!!!.

ونؤكد أن التجربة التاريخية للعديد من المجتمعات المتقدمة التي تتصدر دول العالم في الرفاهة والتقدم الاجتماعي وتكريس حقوق الإنسان,تؤكد أن المساهمة السياسية الفعالة وإطلاق مبادرة المواطنين غير المشروطة هي الشرط اللازم لبناء المجتمع المدني الحديث والدولة الوطنية,والتي تبدو للمواطن العراقي الذي أنهكته الحروب الداخلية والخارجية والأزمات,أنها دولة حق وقانون,لا دولة حزب أو طائفة أو جماعة دينية ولا دولة عرقية,أنها مؤشرات للتحرر من الظلم الاجتماعي والى الأبد.

واليوم وبعد الانتصارات العسكرية على تنظيم داعش وهو انتصار هام ولكنه أولي قياسا بالمهمات الفكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية لمرحلة ما بعد داعش, فأن من ابرز المسائل الملحة للفترة القادمة هو اجراء اصلاحات شاملة للنظام السياسي يشمل قانون الاحزاب وشروط تأسيسها بعيدا عن الطائفية والعنصرية, وقانون انتخابات عادل يضمن المشاركة الواسعة وغير المشروطة لشعبنا, واعادة النظر بالدستور وألغاء الازدواجية فيه وخاصة ما يتعلق بدين الدولة وهويتها وتشريعاتها. أن تجريم الخطاب الطائفي والعنصري والطائفية السياسية تشكل صمام الامان لبداية مرحلة انسانية في حاضر العراق ومستقبله عبر انتاج وتكريس خطاب سياسي ثقافي عابر للطوائف والاثنيات والعنصرية البغيظة, قوامه الولاء للعراق ولقيم الانتماء للمواطنة والوطن !!!.





7
الفن بين التحريم والتجريم والترويح/ كرار نوشي لم يكن الأخير

" من حزن فليستمع للأصوات الطيبة فإن النفس إذا حزنت خمد نورها فإذا سمعت ما يطربها اشتعل منها ما خمد "
                                                                                                                                 أفلاطون
 
 
د.عامر صالح 
 
 
تناقلت وسائل الاعلام العراقية والعربية والعالمية خبر مقتل شاب عراقي يدعى كرار نوشي, وحسب التصريح الاعلامي لهيئة متابعة قوى وشخصيات تنسيقيات التيار الديمقراطي في الخارج " والذي سبقته عشرات القنوات الفضائية " حيث تم خطفه ببغداد وبعدها بيومين وجدت جثته مرمية في برميل للأزبال بمنطقة شارع فلسطين ببغداد, وقد بدت عليها آثار التعذيب الجسدي الشنيع وكسر ذراعيه وآثار اطلاق ناري في رأسه. وكرار نوشي شاب عشق الفن وأمتهنه, فهو فنان مسرحي وراقص باليه, وهذا يضعه في مكانة متميزة ونادرة خاصة وأن ممارسة الأعمال المسرحية ورقص الباليه من قبل شاب وسيم المظهر يضعه في موقف لا يحسد عليه في مجتمع تسللت إليه مخالب التخلف والرجعية في ظلمة مفاجئة فباتت كل مفاهيم المدنية والحداثة والفنون والحضارة تصنف بكونها أعمال كافرة ومنكرة تستوجب العقاب بطرق وأساليب داعشية جبانة. أن مقتل كرار نوشي وبهذا الاسلوب الفج الذي لا يختلف في مستوى همجيته عن ممارسات الدواعش المجرمين, يدفعنا للمطالبة بضرورة محاربة الفكر الارهابي الداعشي الذي كما يبدو أخذ طريقه لعقول حتى أؤلئك الذين يدعون محاربة الارهاب !!!!. 
 
 
 
يثير زحف التيارات الدينية المتطرفة والتي لا ترغب بفصل شؤون الحياة العامة وحرياتها عن الدين, في الكثير من البلدان مصدر قلق لمصادرة المزيد من الحريات الشخصية والعامة, وفتح باب الارتجال والاجتهاد واتخاذ القرارات المنفعلة للهجوم على تراث شعوبها في الموسيقى والغناء والترويح وغيرها من المجالات لتحول حياة الناس الشخصية إلى حياة صماء وجحيم لا تطاق, متجاهلين نتائج العلوم والإرث الفلسفي والفكري لشعوبها  في قيمة الفنون و لمغزى ومعاني الفنون في الحياة اليومية وفي تهذيب وإعادة صقل السلوك الشخصي والاجتماعي, السوي منه والمرضي. فهل هناك من محاولة للتسوية أو لقاء بين الموسيقى والغناء وبين الدين, أم هناك زحف و إقصاء متواصل من قبل التطرف الديني للموسيقى والغناء والفن بصورة عامة, وتحويل الموسيقى والصوت الجميل وبالإكراه في خدمة الشعائر الدينية ذات الطابع الحزين في معظمه, وإلغاء فسحة الترويح الضرورية واللازمة لإعادة بناء النفس !!!!.
 
أن تجربة العراق من التجارب المؤلمة والحزينة في الهجوم والتضييق على الفن ومنها الموسيقى والغناء, والتي تعبر عنها منع إقامة مهرجانات الأغنية العالمية كما حصل لمدينة بابل والبصرة, وزحفا مستمر لمنع المسرح والسينما, و محاولات غلق الأندية ذات الصلة بالفنون الرفيعة كاتحاد الأدباء العراقيين, وغيرها من الظواهر الشؤم في كليات ومعاهد الفنون الجميلة,  والقادم أسوء في التضييق على الحريات والفنون بمظاهرها المختلفة في ظل ضعف دولة القانون وتكبيل حرية المواطن والتهديد بعودة المليشيات, مما اجبر ويجبر الكثير من الفنانين إلى مغادرة العراق أو العزوف عن الموسيقى والغناء, أو التحول إلى " الغناء " الديني في المناسبات المختلفة, حيث يحتاج هو الآخر إلى مواهب وأصوات جميلة مؤثرة وذات أهداف حشدية ـ  تعبوية وسياسية مختلفة في ظروف عراق اليوم بعيدا عن الذكرى العطرة للرموز الدينية !!!!.
 
أن الموسيقى والغناء هي ألوان من التعبير الإنساني, فقد يتم التعبير فيها عن خلجات القلب المتألم الحزين, وكذلك عن النفس المرتاحة والمسرورة, وفي الموسيقى قد يأتي المرء بشحنة انفعالية فيها ما يكفي من الرموز التعبيرية المتناسقة في مقاطع معزوفة يحس بها مرهف الحس أو من متذوقيه, وينفعل ويتفاعل سماعيا ووجدانيا وفكريا,يحس بها إحساسا عميقا وينفعل به انفعالا متجاوبا, مثله مثل أي من الكائنات الحية. ويقول أفلاطون بهذا الصدد: " أن هذا العلم لم يضعه الحكماء للتسلية واللهو بل للمنافع الذاتية ولذة الروح والروحانية وبسط النفس وترويض الدم. أما من ليس له دراية بذلك فيعتقد انه ما وضع إلا للهو واللعب والترغيب في لذة شهوات الدنيا والغرور بما فيها " !!!!.
 
لقد استخدمت الشعوب القديمة, العربية منها وغير العربية, الموسيقى سواء كانت في نغمات أو مقامات أو أغنيات, كوسيلة من وسائل التطبيب والعلاج, ففي زمن يونان القديمة امن شعوبها بأهمية الموسيقى في الشفاء من الأمراض, وكان " أبي أقراط " أول من استخدم الموسيقى بين اليونانيين إيمانا منه بقدرتها على تخفيف التعب والإرهاق وتعديل المزاج الحاد وشفاء الأمراض النابعة من الإنهاك العقلي والجسمي. أما الأطباء العرب فقد استخدموا الموسيقى في العلاج ومنهم " أبو بكر الرازي " و " الفارابي " و " أبن سينا " و " أخوان الصفا " و " الكندي ". فقد بين أبو بكر الرازي إن للموسيقى آثار سحرية تقي من تأجج أزماتهم النفسية. أما الكندي فكان يعتقد إن للإلحان الموسيقية آثارها الحسنة على صحة الجسم, إذ أنها تستخدم كمقويات للدم وكمسكنات وكمساعدة على التخلص من عسر الهضم. ويقول الكندي كذلك إن لآلة العود قدرة فائقة على التخلص من الآلام جميعها, ولذلك ادخل الآلات الموسيقية كالدفوف والأعواد لمعالجة مرضاه, وهو من أضاف الوتر الخامس للعود ونفذه عمليا زرياب. أما ابن سينا فله في هذا قوله المأثور: " الغناء أحسن رياضة لحفظ الصحة من العناء ". والفارابي الذي بلغ منزلة كبيرة في تضلعه للموسيقى علما ومزاولة, وكان يفخر بنفسه بأنه يضرب على العود, وهو الذي أكد على الأثر الايجابي للموسيقى في الحياة المدنية وخاصة عندما تتلبس بقول الشعر. ويذكر أخوان الصفا في رسائلهم عن استعمال الموسيقى في مشافي " المجانين " التي وجدت في ذلك العصر, حيث كان يلجأ الأطباء العرب لشفاء " المجانين" إلى استخدام الموسيقى لتخفيف الآلام عن مرضاهم أثناء النوبات, ويؤكد أخوان الصفا كذلك إن الموسيقى تؤدي إلى السكينة الكاملة والطبيعية لدى المرضى بعد الاستماع للنغمات الموسيقية !!!!!!.
 
وفي عالمنا المعاصر إذ تنهال علينا نتائج الأبحاث العلمية في ميادين التربية وعلم النفس والطب وغيرها من العلوم, وجميعها تؤكد على أهمية الموسيقى والغناء في حياة الإنسان وصحته الانفعالية والفكرية والعقلية والجسدية, وتشكل بدورها دليلا ميدانيا محكما في صحته لتلك الأهمية التي تحدث عنها التراث العربي والعالمي. ونستطيع أن نجمل بعض من فوائد الموسيقى والغناء في ضوء نتائج البحث العلمي بما يأتي: أن الموسيقى والغناء الهادئ يفيد الأفراد الذين يعانون من الأرق وتؤدي فعل المهدئات الطبية, كما تساعد على تنظيم النبض والتنفس والدورة الدموية والحد من التوتر العصبي, وتسهم في تخفيف حالات الاكتئاب والقلق, وتساعد على تخفيف آلام الظهر, والنخاع ألشوكي, والأمراض العصبية, وارتفاع الضغط وآلام الرأس, كما تساعد الموسيقى والغناء الذي يحبذه الشخص على زيادة إنتاجه في العمل أو الوظيفة التي يمارسها عند سماعه لذلك أثناء العمل و في ظروف لا تزعج الآخرين, كحمل السماعات في الآذان, كما أكدت الأبحاث أن سماع الموسيقى والغناء من قبل ممارسي رياضة الركض يفيد كثيرا في عدم إحساسهم بالتعب أثناء ممارسة هذا النوع من الرياضة, حيث تساعد الموسيقى على إفراز مادة " الاندروفين " في الدماغ والتي تساعد على عدم الإحساس بالتعب مقارنة بمن لا يستمع إليها أثناء أداءه للتمرينات, كما أبدى المصابين بالسكتة الدماغية والذين تدهورت لديهم القدرة على المشي, مزيدا من التحسن عند تدريبهم وسماعهم لنوع من الإيقاع الموسيقي, وقد أظهرت الأبحاث العلمية أن المرأة الحامل يكون نصيبها في حمل هادئ أكثر من نظيرتها المرأة التي لم تستمع إلى الموسيقى وكذلك أثناء الولادة حيث يكون الألم اقل في فترة المخاض لدى مستمعات الموسيقى, وتساعد الموسيقى والغناء المسنين والعجزة على تحسين الذاكرة واسترجاع المعلومات وحتى بالنسبة للشباب والأطفال. كما أصبح معروفا اثر الموسيقى على النباتات وانتعاشها وزيادة رونقها, وكذلك أثرها الواضح على " نفسية الحيوان ", مثل اثر النغمات الناعمة والهادئة على البقر في إدرارها اللبن, كما ونوعا, وهكذا فأن الموسيقى والغناء يشكلان بيئة مواتية للشفاء والعطاء لكل من الإنسان والحيوان !!!!.
 
أما بالنسبة للدور التربوي الذي تؤديه الموسيقى والغناء فقد عكفت النظم التربوية والتعليمية العالمية والمتطورة على تضمين مناهجها الدراسية بمادة الموسيقى والغناء وإعطاء حقها من المنهج الدراسي, وعدم استلابها لمصلحة المواد الدراسية الأخرى واعتبارها مادة ثانوية عديمة الجدوى كما يجري في نظمنا التربوية. وقد أكدت النظم التربوية المعاصرة أن هذه المادة الدراسية لها دور أساسي في النمو الجسمي, والعقلي, والانفعالي والاجتماعي, ووفقا لذلك فأن التربية الموسيقية تؤدي إلى تنمية التوافق الحركي والعضلي في النشاط الجسمي, والى مجموعة من المهارات الحركية, إضافة إلى تدريب الأذن  على التميز بين الأصوات المختلفة, ويتم ذلك من خلال أنشطة موسيقية متعددة كالتذوق الموسيقي والغناء والإيقاع الحركي والعزف على مختلف الآلات, وكذلك في تنمية الادراك الحسي والقدرة على الملاحظة وعلى التنظيم المنطقي وتنمية الذاكرة السمعية والقدرة على الابتكار, إضافة إلى مساهمة الموسيقى في تسهيل تعلم وتلقي المواد الدراسية الأخرى وارتفاع مستوى التحصيل فيها, إلى جانب تأثير الموسيقى في شخصية الطفل وقدرتها على خفض حالة التوتر والقلق فيصبح أكثر توازنا, إضافة إلى أن الموسيقى تستثير في الطفل انفعالات عديدة كالفرح والحزن والشجاعة والقوة والتعاطف وغيرها, وهو ما يساهم في أغناء عالم الطفل بالمشاعر التي تزيد من إحساسه بإنسانيته, كما تساهم الموسيقى في تنمية الجوانب الاجتماعية لدى الطفل, حيث تشتد أثناء الغناء والألعاب الموسيقية ثقة الطفل بنفسه ويعبر عن أحاسيسه بلا خجل وتسهل توطيد علاقاته بأقرانه, إضافة إلى الجانب الترفيهي في حياته, كما أن الموسيقى والغناء يعيدان إنتاج التراث الثقافي والفني في ذهنية الأطفال !!!!!.
 
وأمام كل هذا الكم الهائل من الدراسات العلمية والتربوية والنفسية والتي تؤكد على استجابة الفطرة الإنسانية للموسيقى والغناء,  في صحتها ومرضها, نواجه الموقف الديني الذي يفسر نصوصه فقهاء الدين وتجسده ممارسات الإسلام السياسي على الأرض وبكل وضوح في التضييق على حريات الناس في الاستمتاع بالموسيقى والغناء وغيرها من الفنون, ويجري هذا التضييق ومصادرة حرية الأفراد في الاستمتاع بالفنون على خلفية الفهم المشوه للنصوص الدينية التي ترد في القرآن وكذلك في الأحاديث النبوية, كما لا يوجد خلاف على تحريم الموسيقى والغناء لدى كل المذاهب الإسلامية, إلا في بعض الاختلافات الشكلية والتي تصب جميعها في خدمة المحرم. ويستند هذا التحريم إلى ما ورد, على سبيل المثال لا الحصر , في سورة لقمان/الآية ( 6 ): ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ), وحسب جموع المفسرين فأن " لهو الحديث " يقصد به الغناء وما يلهي عن الخير والأكاذيب, وكذلك ما ورد في سورة الحج/الآية ( 30 ): ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ), ويقصد هنا " بقول الزور " لدى أهل السنة والشيعة هو مجالس الغناء وأيضا شهادة الزور أي شهادة الكاذبة ولا مانع " حسب المفسرين " من أن يكونا مقصودين في الآية المذكورة فتحمل على كلا المعنيين, وقد ورد أيضا في سورة الإسراء/الآية ( 64 ): ( واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجالك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ), ويلتقي في هذه الآية  كل من أهل السنة وأهل الشيعة على تفسير معنى " بصوتك " والمقصود بها هنا هو الغناء والمزامير واللهو والملاهي, وآيات قرآنية كثيرة تشير إلى تحريم الغناء والعزف على مختلف الآلات الموسيقية لا مجال لذكرها بكثافتها هنا !!!!.
 
أما في السنة النبوية فقد جاء التحريم مطابقا لوروده في القران, والأحاديث النبوية هي الأخرى لا حصر لها, واذكر القارئ هنا ببعض من هذه الأحاديث لكي تسند الحديث عن تحريم الغناء والموسيقى, يقول النبي محمد: ( إياكم  واستماع المعازف والغناء, فإنهما ينبتان النفاق في القلب, كما ينبت الماء البقل ), ويقول أيضا في حديث آخر: ( إن الله بعثني رحمة للعالمين, ولأمحق المعازف والمزامير, وأمور الجاهلية ). كما يدخل الأئمة هنا على خط التحريم ليؤكدوا ذلك, كما في قول الإمام الصادق: ( بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة, ولا تجاب فيه الدعوة, ولا يدخله الملك ), ويدخل على خط التحريم أيضا علي خامئني, مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بقوله: ( الغناء محرم شرعا مطلقا, حتى في الدعاء والقرآن والأذان والمراثي وغيرها ).  أما في المملكة العربية السعودية وبعد سلسلة مثيرة من الفتاوى الغريبة لمفتيها العام الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ بتحريم الفنون من غناء وموسيقى وسينما ومسرح بوصفها تلهي القلوب أضاف المفتي المذكور الأرجيلة - الشيشة ولعبة الشطرنج الى قائمة المحرمات التي تطول يوما بعد أخر لتكشف عن خطورة هذا النهج المتشدد, وقد أدخلت المحرمات الجديدة إلى القائمة أثناء لقاء مفتي السعودية بطلبة جامعة الملك سعود.
وهكذا نجد إجماعا على تحريم الموسيقى والغناء والفنون الاخرى لدى جميع المذاهب الإسلامية, لما يسببه حسب رأيهم من انهيار للقيم والأخلاق وفساد الشباب وضياع الوقت وانهيار المجتمعات, والانحراف عن الدين, والتسبب في الكثير من الأمراض الجسدية والنفسية والروحية !!!!.
 
وهكذا نجد تعارضا بين معطيات البحث العلمي وتفسير الخطاب الديني, ويثير لدينا تساؤلا: " إذا كان الخطاب الديني لا يقف بالضد من نتائج البحث العلمي كما يدعي كل فقهاء الدين ؟؟؟؟ فعلام هذه الفرقة بين العلم والدين في إحدى قضايا الحياة الروحية والنفسية والجسدية, إلا وهو الفن والموسيقى والغناء, أم هي دعوة مستديمة ومتجددة لفصل الدين عن الدولة وعدم التدخل في الحريات الشخصية, ولكي تأخذ مكونات الحياة الفكرية والثقافية والعقلية نصيبها من الثراء والرقي والتقدم بعيدا عن عبث المتأسلمين. أن كرار نوشي هو ضحية لغياب الدولة المدنية, وقد سبقه المئات وسيلحق به المئات والالوف في بلد اختلط به السياسة بالدين بأشد الاشكال تعسفا وحرمانا للحريات العامة والفردية. الرحمة والسلام للشهيد كرار نوشي والصبر والسلوان لأهله ومحبيه.

8
في سيكولوجيا الأنتماء الطائفي " بمناسبة استشهاد الامام علي(ع)"

د.عامر صالح 

توفي الامام علي بن أبي طالب في 21 رمضان 40 هجرية/ 27يناير 661 ميلادية, أي قبل أكثر من ألف وثلاثمئة وخمسين عام, والطائفيين الاسلامويين اليوم يستخدمون ذكرى استشهاده لأعادة انتاج الفتنة بين المكونات المذهبية المختلفة, وبدلا من البحث في التراث الانساني الذي خلفه الامام علي والذي تفرد به بين رجالات الاسلام ومفكريه, أصبح حديث البحث عن قاتله وأصوله " هل كان فارسيا أم من عرب الجزيرة " يتصدر بعض الفضائيات الصفراء والصحافة المعوقة لبث السموم وصرف الأنظار عن ما لحق بشعبنا من خراب ودمار شامل جراء السياسات الطائفية السياسية الرعناء. 

يقول الامام علي " أطفئو ما كمن في قلوبكم من نيران العصبية وأحقاد الجاهلية, فأنما تلك الحمية تكون في المسلم من خطرات الشيطان ونخواته, ونزعاته ونفثاته ". وسأتحدث في هذا المقال عن مشروعية الانتماء للطائفة او المذهب, وعدم مشروعية إقصاء الآخر, وتنوع مصادر الانتماء للفرد الواحد, مع الاشارة الى خصوصية الوضع في العراق.

أن الانتماء الطائفي والمذهبي هو نتيجة طبيعية لواقع يولد ويترعرع وينشأ فيه المرء, فإذا ولد في عائلة مسلمة ـ سنية, أو مسلمة ـ شيعية, أو مسيحيةـ كاثوليكية, أو مسيحية ـ بروتستانتية, أو صابئية أو زيديه, فأنه يشعر بطبيعة الحال بانتماء وشعور ما للطائفة وللدين الذي ولد فيه, وهذا أمر طبيعي يقارب في تجلياته صورة من يحمل الخصائص الوراثية لوالديه, من طول القامة ولون الشعر وشكل الأنف والوجه وبعض من مظاهر السلوك النمطي, ولم يفكر احد منا بتغير طائفته أو مذهبه باعتبارها تحصيل حاصل أو مستقر حال.قد ينساق البعض تحت وطأة ظروف التطرف والانهيار ألقيمي في البحث عن أدلة مفرطة في تأكيد صحة انتمائه الطائفي على حساب الطوائف والمذاهب الأخرى, وهي حالات من صور طبق الأصل لعمليات التجميل الجراحي لشكل الأنف, والشفاه, والخدود, والصدر أو لبس العدسات الملونة في محاولات لتغير حقائق الشكل, والذي لا يمكن فيه تجاوز سنة الوراثة, حيث يبقى طفح الصفات الوراثية الحقيقية في الأجيال القادمة دون أن يتغير من الجوهر شيء يذكر, ويبقى الإحساس الداخلي للفرد هو الأهم والفيصل في ذلك !!!!.
 
من الناحية الحيادية الخالصة أن الانتماء الطائفي لا يحتم العداء للطوائف والمذاهب الأخرى, بل يمكن أن يتعايش المرء مع الشعور بمحبة أبناء الطوائف الأخرى ومع احترامهم, وهو خلاف التعصب الطائفي تماما الذي يؤكد على تمجيد وتفضيل للطائفة التي ينتمي إليها الفرد وإقصاء الآخرين أو التميز ضدهم أو اتخاذ موقف معادي لهم. قد يتصور العديد من الناس للوهلة الأولى بأن الانتماء الطائفي هو نوع من الانتماءات المتخلفة والبدائية والضارة, وقد تلحق الأذى بالانتماء القومي والوطني, وهو تصور مستعجل ومنفعل يستند إلى حجم الكوارث والأهوال والاقتتال الذي يحصل بين الطوائف والقائم على خلفية تعصبية ـ طائفية, وليست انتمائية خالصة نزيهة ونظيفة للطائفة بعينها !!!!.

وكما نعرف فأن الإنسان المعاصر يتمتع بدوائر انتماء متعددة منها الانتماء الطائفي والوطني والقومي والسياسي والإقليمي والمهني والجيلي وغيرها من الانتماءات, والشعور بالانتماء لهذه هو دينامي وسياقي, دينامي لأنه يتحرك ويتغير في فضاء الزمان والمكان, وسياقي لأنه يتعلق بالسياق الذي يوجد فيه الفرد, ففي سياق ما مثل أثناء نقاش سياسي مع مجموعة كردية أو عربية يكون الشعور بالانتماء القومي هو الأبرز, بينما يكون الانتماء المهني هو الأبرز أثناء جدال مهني. ومن غير المنصف والأخلاقي أن يطلب من الفرد أن يحصر شعوره بالانتماء إلى دائرة واحدة كالدائرة الوطنية أو القومية أو الأممية أو الطائفية, وان يتخلى عن دوائر الانتماء الأخرى, إذ أن لكل دائرة انتماء دورها النفسي والسلوكي والاجتماعي في حياة الناس, وعليه من غير المنصف وغير المجدي أيضا التعامل مع الانتماء الطائفي باعتباره مرض عضال أو آفة يجب مكافحتها. نحن هنا نكافح التعصب الطائفي الذي يقوم بقتل الإنسان من خلال حصره في دائرة انتمائية ضيقة, كالانتماء الطائفي ـ الديني الضيق, واعتبار الفرد الضحية ممثلا حقيقيا لدائرة الصراع الطائفي ـ الطائفي, متناسيين بغباء انتماءات الإنسان الأخرى الوطنية والقومية والسياسية.فكم من عشرات الألوف من الضحايا في العراق قتلوا ظلما وبهتانا, وعشرات ألوف أخرى ينتظرها القتل بدوافع الانتماء الطائفي قد تنفذ بأيدي قاتل أو مجرم متعصب ـ طائفي, يرى في انتماء هؤلاء الطائفي ذريعة لجرائمه, وهم أبرياء حقا لا يمتلكون من التعصب ـ الطائفي شيئا يذكر, سوا لأنهم انتموا بالأسماء أو الطوائف لهذه الطائفة أو تلك, أو لأنهم ورثوا هذا الدين أو هذه الطائفة عن أبائهم وأجدادهم, وقد لا يحمل الضحايا أي مساحة تذكر في شخصياتهم من التعصب الطائفي, وقد ينتمون إلى دوائر أخرى أوسع بكثير من الطائفية الفطرية " الموروثة " !!!!.

أن بالإمكان للانتماء الطائفي أن يسخر للمصلحة الوطنية, وان التناقض بين الانتماء الطائفي وبين الوطني هو ليس أمرا حتميا, وان تاريخ العراق السياسي يشهد كثيرا من التوظيف المثمر للانتماءات الطائفية في الدفاع عن الوطن وسيادته ضد المحتل الأجنبي, ومن اجل ترسيخ السيادة الوطنية, وخاصة ما حصل في بداية تشكيل الدولة العراقية وما قبلها حيث لعب زعماء الطوائف السنية والشيعية وغيرها دورا مشرفا في مقارعة الاستعمار وردع طموحاته اللامشروعة والحفاظ على الوطن" , وبالإمكان من جانب آخر استغلال الانتماءات الطائفية والمذهبية لأهداف فئوية أو سياسية ضيقة أو لمعاداة القوى الوطنية, كما حصل ذلك في بعض المحطات المؤسفة والمؤذية لبعض فصائل الإسلام السياسي في تحالفها مع انقلابي 8 شباط عام 1963 والعمل بفتوى " الشيوعية كفر والحاد " والذي راح ضحيته عشرات الآلاف من المناضلين الوطنين والضحايا الأبرياء, وعلى العموم يجب عدم معاداة الانتماءات الطائفية, بل يجب تفهم دورها النفسي والاجتماعي في حياة الناس, وفي نفس الوقت التحذير من التعصب الطائفي الذي يقصي أو يعادي الآخرين, أذن هناك فرق بين أن تنتمي إلى طائفة ما وبين أن تتعصب لها !!!!.
 ويبقى الحديث عن مشروعية الانتماء إلى طائفة ما أو قومية ما أو هوية سياسية ما ناقصا بالتأكيد إذا لم يقترن بالحديث عن التعددية والديمقراطية كمنهج وكقيمة اجتماعية, والتعددية تعني قبول الآخرين المختلفين قوميا أو طائفيا أو سياسيا واحترام رأيهم وحقوقهم وطريقة حياتهم طالما أن ذلك لا يمس بحقوق بقية الفئات, ففي الوقت الذي ندعو به إلى حق الناس في ممارسة انتمائهم الطائفي يجب الدعوة بقوة إلى انتهاج التعددية والديمقراطية السياسية لكي يأخذ كل مكون اجتماعي أو ديني حجمه الطبيعي وألا يبقى خطر تحول الانتماء الطائفي إلى تعصب طائفي, كما تشهد على ذلك المظاهر العلنية والخفية للصراع في الساحة السياسية العراقية والمتلبس بثوب الطائفية والذي قام على خلفية نهج الاحتلال في التأسيس لنظام المحاصصة وزرع بذور الفتنة بين المكونات الدينية والمذهبية والطائفية والاثنية العراقية, والمتمثلة بالعديد من الإجراءات الانتحارية : مثل قانون إدارة الدولة, واجتثاث البعث, وحل القوات المسلحة العراقية, وشكل المنظومة السياسية, والدستور, وقانون مكافحة الإرهاب, ودمج المليشيات في القوات المسلحة وغيرها في العديد من الإجراءات التي تدفع صوب الاحتقان السياسي والطائفي, والذي اتضحت أثارها منذ الأيام الأولى بعد سقوط النظام الدكتاتوري عام 2003, والتي تجسدت في الحرب الأهلية السياسية ـ الطائفية, والتي سمحت لتنظيم القاعدة الإرهابي وداعش لاحقا مع فلول النظام المنهار أن تتصدر معارك " الشرف والبطولة " لإبادة شعبنا, والتي كادت تطبق على مكونات شعبنا وسحرها الجميل إلا أن نباهة شعبنا وتقاليده في التسامح الاجتماعي  واللاعصبية ساهمت في تضيق نار الفتنة في محاولة لإخمادها !!!.

واليوم إذ ينبذ شعبنا بشدة الاحتراب والاقتتال الطائفي والصراع السياسي ذو الذرائع الطائفية, نجد أن هناك زحفا آخرا طائفيا منظما لا تقل خطورته عن الزحف الطائفي المسلح" والذي لا تزال بقاياه رهن الإشارة والصفقات السياسية والظروف المحيطة  بين التهديد والوعيد ", حيث يشهد العراق زحفا طائفيا " غير مقدس " بدون رحمة أو رجعة على الوزارات والدوائر الحكومية ومجالس الحكم في المحافظات وغيرها من مرافق الحياة الحكومية, فقد تحولت الوزارات والدوائر الحكومية إلى محميات ومقرات حزبية وخلايا تنظيمية وأصبحت الوزارات مغلقة لجميع المنتسبين والعاملين فيها لجهة حزب الوزير الذي يقود الوزارة, ويشمل ذلك كل الوزارات والدوائر الحكومية بدون استثناء, من أجهزة أمنية, ومخابراتية, وجيش, ووزارة الخارجية وسفاراتها وقنصلياتها الدبلوماسية في الخارج "والتي أصبحت تمثل حزب السفير أو القنصل في الخارج ولا تمثل الوطن", ووزارة الصحة, والتربية والتعليم وغيرها, وعلى خلفية ذلك يستشري الفساد الإداري والمالي والأخلاقي محتميا ومحميا بالمظلة الطائفية والسياسية لتلك الجهة المتربعة في الجهاز الحكومي المعني دون أدنى رقيب, ومؤسسا لأحترابات قادمة لا نعرف مدايات سقفها وخطورتها على الاستقرار السياسي المنشود للبلاد, وخاصة في مرحلة ما بعد داعش.

أن ما يؤذي الناس والشعب عموما وبمختلف أطيافه هو ليست الانتماء إلى طائفة, فذلك واقع حال, حيث عاش العراق فترات من المحبة والمودة بين الطوائف والمذاهب والأديان المختلفة, وهي فترات إنسانية حقه نعتز بها جميعا, لم نعرف فيها دين أو مذهب جارنا وصديقنا,ولم نؤسس تعاملنا الحياتي على أساس هذا الانتماء , ولم نجرئ لأسباب أخلاقية أن نسأل عن انتماءات جارنا وصديقنا المذهبية والطائفية, فكان ذلك من المعيب والمخزي في ثقافة التعامل اليومي, وان عرفنا بذلك فنكن له كل المودة والاحترام, حيث كان الانتماء للوطن هو سيد الموقف والثقافة السائدة !!!!.
 
إننا اليوم نعاني من الفتنة الطائفية القائمة على ذلك السلوك المتمثل في بث روح التعصب الطائفي أو إثارة النعرة المذهبية, وخاصة عندما يستخدم هذا السلوك للنيل والانتقام من طائفة على حساب طائفة أخرى, أيا كانت هذه الطائفة " سنية, شيعية, زيديه, مسلمة, مسيحية, صابئية وغيرها " وهي سلوكيات تستهدف التفرقة الطائفية والمذهبية والدينية حيث المساس المباشر لحياة الناس وأرزاقهم وحقوقهم ومصالحهم وكرامتهم وآمالهم وأمنهم وسلمهم, بل وقتلهم باعتبارهم مرتدين, والتفرقة الطائفية هنا هي جريمة بعينها, يكون ضحاياها شرائح واسعة من المجتمع المدني, وهي سلوكيات تخالف ابسط مقومات الدين الحنيف, وكما ورد على لسان النبي محمد : " لا فرق بين عربي و لا أعجمي إلا بالتقوى " , وهو كذلك بالتأكيد سلوك مخالف للأعراف والتقاليد الدولية, حيث تنص المادة ( 55) من ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان على عدم الفوارق بين الناس, حيث تؤكد المادة المذكورة على : ( احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع بلا تميز بسبب الجنس أو اللغة والدين, و لا تفرق بين الرجال والنساء, ومراعاة تحقيق تلك الحقوق والحريات فعلا).

أن التعصب بمختلف مظاهره من عنصرية, وطائفية دينية أو مذهبية, أو سياسية, أو قومية أثنية, أو حزبية وفكرية, تمثل اتجاها نفسيا جامدا ومتحجرا مشحون انفعاليا أو عقيدة وحكم مسبق مع أو ضد جماعة أو أي شيء أو موضوع, ولا يقوم على سند منطقي أو معرفة أو حقائق علمية. أو هو موقف معاد ضد الجماعات الأخرى المختلفة في المعتقد أو المذهب أو الدين أو القومية, وخاصة عندما لا يكون هناك تفاعلا حقيقيا ومعرفة واقعية بين هذه الجماعات, وان هذا التحجر وعدم التفاعل يحول الوطن الأم إلى كانتونات منعزلة تسودها الريبة والشك والبغضاء فيما بعضها البعض, وبالتالي يحرم التعصب هذه المجاميع من فرص التقدم الاجتماعي والاقتصادي والتنمية المستديمة تحت مظلة الوطن, لأن التعصب بطبيعته يناهض العلم ويحارب التقدم ويعادي الحقيقة ويقاوم المبادرة الفردية ويخاف من الأفكار الجديدة ولا يقبل بالنقد البناء ويرفض التساؤل باعتباره مصدر الحقائق والمعارف, ويترك التعصب لدى أهله انطباعا وهميا بالكمال والامتياز والأهلية في مختلف المجالات, وهو بذلك يغلق أبواب الرحمة والتفاعل مع البيئة الخارجية, وهو بذلك يكتفي بالاسترجاع والاجترار ويغلق قابليات العقل ويخنق فعاليات العلم ويكرس الجهل ويملأ النفوس مسرة وفرحا بالجهل واستماتة في الدفاع عنه.

إن شعبنا في العراق اليوم يطمح إلى بناء حكومة وطنية قوية في المركز, تحترم مصالح وحقوق كل الطوائف والأديان والأعراق والاثنيات, وتحافظ على وحدة البلاد وحمايته من التدخلات الإقليمية, تحظى بثقة العالم في تطبيقها للديمقراطية بعيدا عن المحاصصات, ويكون وزرائها وكادرها في مختلف المواقع من التكنوقراط  والأكفاء والقادرين على محاربة الفساد بمختلف مظاهره. ولعل في ذكرى استشهاد الامام علي تجري الاستفادة الحية من تراثه الانساني للحفاظ على وحدة المجتمع العراقي وتنوعه الجميل, وكما قال الامام علي ان الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق !!!.

 



9
القمة العربية والاسلامية ـ الأمريكية في الرياض وأنتصار العقل المتحجر

د.عامر صالح

أنتهت اعمال مؤتمرات القمم العربية والاسلامية الأمريكية في الرياض, والتي حضرها أكثر من 50 دولة عربية واسلامية, والتي تمخضت عنها العديد من الصفقات والمعاهدات والتي كانت قيمتها اكثر من 500 مليار دولار, وكان للتسليح حصة الأسد في هذه الصفقات حيث بلغت قيمتها اكثر من 380 مليار دولار, الى جانب مشاريع أخرى اقتصادية وغيرها, وكانت واجهة القمم الأساسية هو بذل الجهود لمحاربة والقضاء على الأرهاب وداعش في المقدمة, كما هو معلن, ولكن كانت الجهود الأمريكية والسعودية بشكل خاص هو الدعوة لمحاربة ايران باعتبارها الراعي والداعم الأول للأرهاب على المستوى العالمي حسب ادعائهم, وإنها خطر يهدد استقرار المنطقة ودولها, وما صفقات التسليح الهائلة الامريكية للسعودية إلا هي التهيأ العملي والميداني لأعلان الحرب على ايران ومحوها اذا تمكنوا !!!. 

لقد نجحت امريكا ترامب اقتصاديا في هذه القمم من خلال صفقاتها الاقتصادية ومن خلال استنزاف المال الخليجي والسعودي بشكل خاص, وستسهم هذه الصفقات بأنتعاش التصنيع العسكري الامريكي وايجاد االمزيد من فرص التشغيل في المؤسسة العسكرية, الى جانب المؤسسات الأخرى من خلال صفقات ذات طابع اقتصادي وغيره, كما أنتعشت السعودية وتنفست الصعداء مقابل هذا المال السخي بشراء صك الغفران وتبرئتها من كونها راعية للأرهاب الدولي واعفائها من المحاسبة الامريكية حسب قانون جاستا بخصوص احداث الحادي عشر من سبتمر الارهابية عام 2011, وتبرئتها ضمنا من دورها في زعزعة الاستقرار في المنطقة العربية واساهمها في تدمير دول عربية مختلفة في اطار ما يسمى بالربيع العربي او دورها في تدمير اليمن وسوريا ودعم التنظيمات الارهابية المختلفة في سوريا والعراق, وتغذية الصراعات الطائفية والمذهبية !!!.

لقد اقدمت هذه القمة على عمل خطير وهو اعطاء صبغة شرعية ثنائية للصراع الطائفي في المنطقة وتغذيته من خلال رؤيا سعودية خاصة للصراع, من تقسيم المنطقة الى محورين: سني ـ شيعي, والوقوف الى جانب المحور السني " المظلوم " وأعلان الحرب على المحور الشيعي " الظالم ", وهو عمل خطير بنتائجه اللاحقة في اطار اعادة وتوسيع نطاق الارهاب في المنطقة, واعطاء مشروعية للطرف الاخر " الشيعي " في الدفاع عن نفسه وردود افعاله, وما يقوم به من دفاعات ذاتية للحفاظ على نفسه, مما يؤدي الى تغذية العنف والعنف المتبادل في بيئة مسلحة هذه المرة بأعتى اسلحة الدمار الشامل. وفي الوقت الذي اكدت فيه الكثير من الخطابات على محاربة الارهاب بصورة عامة وداعش في مقدمتها, جاء الخطاب الامريكي والسعودي وكأنه خطاب واحد مركزا على ايران باعتبارها هي السبب في كل ويلات وحروب المنطقة !!!.
ان محاربة الارهاب هو ليست فقط بعقد صفقات سلاح أو بحمل السلاح والقضاء على فصيل ما مسلح جرى تصنيفه ضمن قائمة المنظمات الارهابية, وان كان ذلك ميدانيا ضرورة لا بد منها وخاصة في ظل اجماع دولي على هذا الفصيل او تلك وداعش في المقدمة, ولكن الاهم من كل هذا هو الوقوف ضد منابع الارهاب الفكرية والعقائدية وخاصة الدينية منها, كي لا يعاد انتاج الارهاب ثانية وبمسميات أخرى ما دامت التربة الفكرية والعقائدية والبيئة الاجتماعية صالحة لإعادة نوبات الارهاب. أنا متأكد" على سبيل المثال لا الحصر" ان العراق سيقضي على داعش قريبا ولكن هذا لا يعني الخلاص من الارهاب نهائيا مادامت قنوات الارهاب, من سوء أوضاع وتردي عام وفساد في كل مظاهر الحياة تشكل ارضية خصبة لولادة دواعش جدد, وكذلك التحالف الدولي هو الاخر سيقضي مؤقتا على داعش, ولكن العثور على حلول جذرية لمناطق الصراع المستعرة بفكر التطرف الديني والايديولجي هو أكثر ألحاحا لتأمين المستقبل ومنع الارهاب !!!. 

الإرهاب بدون شك له بيئة حاضنة ومواتية لديمومته وبقائه, ولا يعني أبدا القضاء عليه مباشرة بالحشود العالمية العسكرية يعني اختفائه عن الظهور ثانية, لان سنة البحث العلمي تستدعي معالجة الظاهرة من خلال أسبابها وليست من خلال قطع دابر الأعراض وبقاء الأسباب, ومن هنا تأتي أهمية التزامن في القضاء على الأذرع العسكرية للإرهاب مع مجمل تغيرات اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية في البيئة التي ينتعش فيها الإرهاب بمختلف مسمياته " داعش وأخواتها " !!!.

أسوق هنا بعض من العوامل العامة التي تعتبر بيئة حاضنة للتحجر العقلي وما يفرزه من مظاهر, وفي مقدمتها الارهاب, وأبرز هذه العوامل هي:

1 ـ حالة الفقر العامة في اغلب المجتمعات العربية, فالفقر بطبيعته التي تجبر الإنسان على التفكير بلقمة العيش فقط, فهي تحصره في ضيق الأفق والتقليل من مساحات الإبداع والحد من استثمار القدرات العقلية.

2 ـ هيمنة الفكر السياسي والديني المتعصب في الحياة العامة والذي يرفض جميع أشكال التطور والتقدم العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي, ويتشبث في الماضي لإيجاد الحلول لمشكلات الحاضر, ويرفض ممارسة النقد والنقد الذاتي لفكره وممارساته, فيعتبر ما عنده هو صالح لكل زمان ومكان, وبالتالي يشل قدرة العقل على التواصل مع معطيات الحضارة العالمية.

3 ـ الاستبداد السياسي المتمثل بفقدان حرية الرأي وغياب الديمقراطية في كل مفاصل الحياة, ابتداء من السلوكيات الفردية والمؤسساتية صعودا الى قمة النظم السياسية القمعية, التي تحاصر الحريات الفردية اللازمة لتطوير شخصية الفرد وعطائه, وتحول الكيان الاجتماعي الى كتلة هامدة عديمة التمايز والفاعلية, تجيشها متى ما تشاء وتخرسها عند الحاجة وتساوي أفرادها هلاكا, حيث أن التمايز الفعال بين الأفراد في القابليات والقدرات هو احد حقائق الوجود الإنساني وصيرورته. 

هنا أقول بوضوح ان الكثير من هذه الدول المنظمة الى القمة العربية الاسلامية والامريكية هي دول راعية للارهاب وداعمة له وتقدم كل المستلزمات العسكرية واللوجستية والمالية له, وذات بيئة اقتصادية وسياسية وفكرية قابلة على اعادة انتاج الارهاب ونوباته القادمة, ويكفي ان يطلع القارئ على قائمة الدول الداخلة فيه, وقد تكون واجهة الحلف هو محاربة داعش الشماعة العلنية للارهاب الآن ومادة المزايدة العلنية في القضاء على الارهاب, ولكن الباطن يخفي الكوارث في هذا الحلف, من دعم متزايد لفصائل أخرى ارهابية متطرفة, والى اتخاذ الحلف واجهة شرعية لمحاربة فصائل اخرى تحت واجهة مسميات الارهاب, وعلى العموم فأن هذا الحلف جاء مرتبكا لاخطط فيه ولا استرتيجية ملموسه ولا اهداف واضحة ولا آليات للتنفيذ, باستثناء كونه مشروع اقتصادي كبير لأمريكا مقابل صك غفران للسعودية !!!. 


هل يعقل لبلد مثل السعودية مطابق لداعش في صيرورته ان يقاتل الارهاب بصدق ويدعم بناء ديمقراطية واستقرار حقيقي في بلد عربي ما, حيث يمارس النظام يوميا حد الحرابة, وحد الردة, وقطع الايدي, وتكفير الاخر بفتوى بسيطة ساذجة, وجهاز حسبة يراقب الناس في ملابسهم وتصرفاتهم, وقتل السحرة, والجلد أمام الملئ, وتدمير الاضرحة والتماثيل بحجة الشرك, تمويل الارهاب والمنظمات الجهادية والقاعدة منها. يعلم العالم الغربي وامريكا بشكل خاص ان السعودية هي مصدر اساسي من مصادر الارهاب العالمي عبر فتاوى الوهابية التي تكفر الاوربي والامريكي كما تكفر المذاهب الاسلامية المغايرة لها, وقد اكتوى العالم الاوربي والامريكي والاسلامي بذلك,لقد نطقت منظمات حقوق الانسان بتجازوات السعودية, ولكن النفط والمصالح الامريكية كانت اعلى من صوت حقوق الانسان !!!. 

أن حديثي هذا لا يبرئ ذمة ايران من التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان العربية والاسلامية عبر نهجها المعروف في تصدير الثورة الاسلامية ودعم الحركات والفصائل الاسلامية المطابقة لها في النهج والقناعات الفكرية والمذهبية والمساهمة في زعزعة الاستقرار الامني في المنطقة, ولكن هل يرتقي هذا الى جرائم القتل الجماعي والمجاني اليومي والابادة الانسانية. أن الجبهات الداخلية الوطنية المتماسكة هي وحدها الكفيلة بردع كافة مشاريع التدخل وفرض اجندة خارجية, وهي بالتأكيد شرط سابق لمحاربة الارهاب !!!.








10
حرية التظاهر والاحتجاج واختطاف العقل المدني 

د.عامر صالح 


في بلد اخذت تعلو فيه فوهات البنادق على الكلمات أقدمت مجموعة من خفافيش الظلام المليشياوية في فجر يوم الأثنين بتاريخ 2017 ـ 5ـ 8 على اختطاف سبعة من الناشطين المدنيين في الاحتجاجات السلمية من وسط العاصمة بغداد في منطقة البتاوين, والناشطون هم: احمد نعيم رويعي, حيدر ناشي حسن, علي حسين شناوة, سامر عامر موسى, عبد الله لطيف فرج, زيد يحيى وحمزة العراقي. وقد ارتكب الظلامين والمتلبسين في الثقافة الداعشية في تصفية الحرث والنسل على اختطاف النشطاء السلميين في سيناريو أقل ما يقال عنه سيناريو جبان وقد نفذ من من قبل مجموعة من المتشبهين بالرجال بحق نشطاء من اجل عراق ديمقراطي يخلو من الأرهاب والطائفية الكريهة والمحاصصة الأثنية والمذهبية المريضة والرعناء ذات الأصول الدموية الغارقة في الفساد الأداري والمالي والأخلاقي, ومتخذة من الطائفة والمذهب والعرق شماعة لأرتكاب جرائم بحق الشعب العراقي وبحق الانسانية جمعاء !!!.   

لقد اكدت هذه المجاميع الظلامية المسلحة ومن يقف من ورائها سياسيا وعبر تكرار حالات الاختطاف والتهديد والقتل او الفصل من مقاعد الدراسة الجامعية, ان هذه الجماعات السياسية المليشياوية ضد الاحتجاجات والتظاهر السلمي, وبالتالي فهي ضد الدستور الذي كفل حق التظاهر والاحتجاج وضد توفير الحماية اللازمة للمتظاهرين والنشطاء المدنيين, وانهم ضد كل اشكال التعبير السلمي عن اراء الشعب ومطالبه المشروعة, وانهم ضد الممارسة الديمقراطية وحقوق الانسان الاساسية التي يجب دعمها بكل الوسائل السلمية والقانونية, كما وانهم ضد حق الافراد والجماعات في التظاهر سلميا من اجل حل المعضلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المشتركة, كما ان من يقف سياسيا وراء عمليات الاختطاف هو ضد اي عمليات تغير مرتقبة في مسارات العملية السياسية نحو الافضل, وبما ان التظاهرات والاحتجاجات السلمية هي استفتاء يومي لضعف الاداء الحكومي فان اختطاف رموز التظاهر والاحتجاج هو دليل صارخ على رفض التغير.

ان هذا التراكم السيئ في الاحداث يطال الشك فيه الى مصداقية محاربة داعش عسكريا في مناطق تواجدها عندما لا يقترن ذلك بثقافة احترام الرأي والرأي الآخر في المناطق التي تتواجد فيها سلطة الدولة الاتحادية وبغداد بشكل خاص, لأن محاربة داعش عسكريا يجب ان يتزامن ويقترن حثيثا في القضاء على ثقافة داعش وأمتدادتها في كل التراب العراقي, تلك الثقافة الوسخة التي يجسدها العقل السيكوباتي المريض في وسط العراق وجنوبه وشماله, والتي تدعي أحتكار الحقيقة عبر تسويف المذهب والطائفة والعرق وتوظيفه لمصلحة تفكيك النسيج الاجتماعي واشاعة ثقافة التصفيات الجسدية والنفسية وخلق الفوضى المدمرة, وهي ثقافة داعشية تسعى داعش لإشاعتها في مناطق تواجدها عسكريا !!!. 

لقد أقدم هؤلاء الجبناء والمستأسدين بالسلاح على أختطاف النشطاء المدنيين السبعة ليؤكدوا لنا أن داعش موجودة في كل حتة عراقية وفي كل زمان وبأمكانهم أن يستنسخوا داعش اخرى ذات مواصفات ثقافية وسلوكية تخريبية لاتقل ابدا في جرمها وصلافتها عن داعش الرسمية والمعروفة لدى الغرب والشرق, فالداعشية سلوك إجرامي وهو أرهاب منزوع الصلة بدين أو مذهب بعينه, وبأمكانك ان تكون داعشيا عندما لا تحترم حرية التعبير والصحافة والاحتجاج والتظاهر والرأي الآخر !!!.

لقد اكدت الاحداث بما لا يقبل الشك ان هذه المجاميع المسلحة المرتزقة هي مجاميع معروفة وليست مبهمة ودون اصول سياسية طائفية, بل تدخل كما دخلت سابقا على خط التفاوض مع الحكومة في العديد من حالات الاختطاف والقتل, ولهذه المجاميع سجونها الخاصة وامكنة للاعتقال والتعذيب ولها قضائها الخاص واحكامها الشرعية كما ترى, وهي معروفة ضمنا لدى الوسط السياسي الرسمي, كما هي معرفة داعش العلنية, ولهذه المجاميع المسلحة مناطق نفوذ في بغداد وتقتسمه جغروطائفيا !!!. 

ان حرية التظاهر والاحتجاج السلمي تشكل ركنا من أركان الدولة المدنية والديمقراطية وقد تكرست هذه الحرية في جميع المواثيق الدولية, والعراقية ايضا من خلال الدستور, وبالتالي فأن الأقدام على اختطاف النشطاء المدنيين السبعة هو جريمة أسوة بجرائم اختطاف وقتل الصحفين التي ارتكبت سابقا في العراق, وهي جرائم ضد الأنسانية وتهدد النظام السياسي الوطني ومصداقيته في الحفاظ على أرواح المواطنين المحتجين سلميا على تردي الاوضاع المعيشية والسياسية بشكل خاص !!!.

ان ما قام به النشطاء السبعة المختطفين اسوة بكل المتظاهرين والمحتجين سلميا  منسجمة مع الاعلان العالمي لحقوق الانسان في حرية النقد والتعبير وحق التجمع والتظاهر وابداء الرأي المغاير, كما كانت نشاطاتهم منسجمة مع روح الدستور العراقي ونصوصه الصريحة في احترام حرية الرأي والتظاهر والتجمع, فلم يكن هؤلاء الشباب المختطفين دعاة حرب او فتنة طائفية او مذهبية او كراهية وطنية وقومية, أنهم دعاة سلام وتغير بوسائل حضارية وبحق مشروع !!!.

فلتتظافر كل الجهود الوطنية المخلصة, من أجهزة أمنية وأستخباراتية ومنظمات أنسانية عالمية ووطنية ومنظمات مجتمع مدني عراقية من اجل النضال لأطلاق صراح المختطفين النشطاء المدنيين السبعة ومعرفة مصيرهم وانزال اقصى العقوبة بالجناة المجرمين حثالى المجتمع وأعداء حرية التعبير والأمن المجتمعي !!!.



11
عيد العمال العالمي ودلالته لمحنة العمال العراقيين


د.عامر صالح

العمل خلق الانسان في افضل صورة ونقله نقلة نوعية في سلم التطور البيولوجي لا ترتقي أليه افضل كل الحيوانات على وجه الخليقة, ومنح الانسان مزايا تشريحية وفسيولوجية ومن ثم سيكولوجية غير متوفرة في القرائن الحيوانية الاخرى, رغم اشتراكه معها ببعض السمات التطورية الاساسية, والعمل ميز الافراد فيما بينهم في الكثير من المواصفات النفسية والسلوكية, والانسان العامل بدوره خلق الحضارة ببعديها المادي والمعنوي والثقافي بشكل أعم. ومهما بلغت درجة تعقيد التقدم التقني والمعرفي والتي تخفف من وطأة العمل اليدوي او العضلي, فأن أسس الحضارة الاولى بنيت من عرق العمال الاوائل والذين قدمو تضحيات من اجل بناء الاسس المادية للحضارة الاولى, والتي افرزت لاحقا كل هذا التراكم المادي والذي شكل قوة دفع للفكر والتفكير نحو ايجاد مخارج افضل للحضارة الانسانية عبر التخفيف المستمر لأعباء الجسد من خلال انطلاقة الفكر الذي جسدته لاحقا كل المبتكرات الانسانية وفي كل الحقول المعرفية.

ومن هنا يمكن القول ان العمل هو محور اعمار الارض ومن فيها, والعمل هو القوة المحركة لركود العقل والسواعد، والعمل هو الحالة الطبيعية التلقائية لوجود الانسان فوق هذا الكوكب. لا تنهض امة الا بالعمل، ولا يتحقق انجاز الا بالعمل، ولا ترتقي الانسانية الا بالعمل، ولما كان العمل يحتاج الى عامل، فان العامل اذن هو صانع كل ما تقدم، وهو الذي يحتفي به العالم من خلال يوم اقرته امم الارض كلها عرف بيوم العمال العالمي، اعترافا لا اقول باهمية العامل، بل بمحورية دوره في اثراء الوجود بكل جديد ومفيد. 


 وتاريخيا فأن الأول من أيار يشير إلى العديد من الاحتفالات العمالية المختلفة التي أدت إلى الأول من أيار كذكرى لإحياء النضال من أجل ثمان ساعات عمل في اليوم. وفي هذا الصدد يسمى الأول من أيار بالعطلة العالمية لعيد العمال أو عيد العمال العالمي. وقد بدأت فكرة يوم العمال في استراليا عام 1856, ومع انتشار الفكرة في جميع أنحاء العالم تم اختيار الأول من شهر أيار ليصبح ذكرى للاحتفال بحلول الدولية الثانية للأشخاص المشتركين في قضية هايماركت 1886. وأول عيد للعمال في الولايات المتحدة الأمريكية تم الاحتفال به في الخامس من سبتمر عام 1882 في مدينة نيويورك. وفي أعقاب وفاة عدد من العمال على أيدي الجيش الأمريكي ومارشالات الولايات المتحدة خلال إضراب بولمان عام 1894 , وضع الرئيس جروفر كليفلاند تسويات مصالحة مع حزب العمل باعتباره أولوية سياسية عليا. وخوفا من المزيد من الصراعات, تم تشريع عيد العمال وجعله عطلة وطنية من خلال تمريره إلى الكونغرس والموافقة عليه بالإجماع, فقط بعد ستة أيام من انتهاء الإضراب, وكان كليفلاند يشعر بالقلق لتوائم عطلة عيد العمال مع الاحتفالات بيوم أيار الدولي, والذي قد يثير مشاعر سلبية مرتبطة بقضايا هايماركت عام 1886 , عندما أطلق أفراد شرطة شيكاغو النار على عدد من العمال أثناء إضراب عام مطالبين بحد أقصى لعدد ساعات اليوم الواحد لا يزيد عن ثماني ساعات, وقد راح ضحية تلك الحادثة العشرات من أولئك العمال, وقامت الخمسون ولاية أمريكية بالاحتفال بعيد العمال كعطلة رسمية. وكان إصرار الطبقة العاملة الأمريكية على إبقاء الاحتفال في الأول من أيار هو السائد !!!.
   
أشتد ساعد الحركات العمالية في أوربا بنفوذ أفكار الاشتراكية والشيوعية واليسار عموما, وعلى خلفية ذلك افتتح مؤتمر النواب الاشتراكيين الدولي في باريس الفرنسية في العام 1889 والذي حضره أربعمائة مندوب, وقرر المؤتمر تحديد الأول من أيار من كل سنة عيدا مشتركا لجميع العمال في العالم, وكان المندوب الأمريكي في المؤتمر قد أشاد بقرار رفاقه الفرنسيين. وفي هذا اليوم من عام 1890 بادر العمال في أمريكا وأوربا بتسيير مظاهرات كبيرة للاحتفال بنجاح كفاح العمال ليولد عيد العمال العالمي, ليكون بذلك اختيار هذا التاريخ تخليدا لذكرى من استشهد من العمال والقيادات العمالية. وعلى خلفية ذلك فأن القوى الشيوعية والاشتراكية واليسارية عموما اعتبرت نفسها بفعل دورها التاريخي بمثابة الخط الدفاعي الأول عن حقوق العمال ومطالبيهم الأساسية, وكان شعار " يا عمال العالم اتحدوا " ملهما وقوة دفع لكل العمال في العالم من اجل انتزاع حقوقهم المشروعة. ولا غرابة من أن يتجاوز الاحتفال بالأول من أيار حدود جغرافيته في أمريكا وأوربا إلى بقاع العالم كافة, ومن ضمنها العالم العربي والإسلامي !!!.


تجاوز حدث الأول من أيار أهدافه التقليدية في المطالبة بثماني ساعات عمل فقط في اليوم, إلى أهداف إنسانية كبرى وموضوعات أكثر شمولية من خصوصية الذكرى, وقد نتج هذا بفعل الإطار المرجعي الفكري والسياسي والفلسفي الذي ألقى بظلاله على حركة الطبقة العاملة العالمية, وكان أبرزه نفوذ الفكر الاشتراكي العالمي, فكر المساواة بين الجنسيين في كافة الحقوق, بما فيه حق المرأة في المساهمة في الشأن العام, حق العمل والانخراط في كل الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية, وحق ايحاد فرص عمل للعاطلين, وحق البحث عن ضمانات افضل للعمال, وحق الحصول على تعويضات اثناء فترات البطالة المؤقتة, وحق اعادة التأهيل بما ينسجم مع احتياجات سوق العمل الى مختلف المهارات الفنية وغيرها !!!. 

في العراق اليوم تعاني الطبقة العاملة من شتى صنوف الاضطهاد والحرمان والمعاناة, وان معانتها تختلف نسبيا عن نظيرتها في الدول الاخرى, حيث توقف عمليات التنمية الاقتصادية وتدمير اغلب المشاريع الانتاجية, وما يصاحب ذلك من عزوف وبطالة جماعية دون حقوق تذكر, والحرمان من المخصصات والمكافئات الاولية عند بلوغ سن التقاعد, والتعرض لمخاطر العمليات الانتحارية والتفجيرات العشوائية عند تواجد العمال في الطوابير الصباحية للحصول على فرص للعمل اليومي.

عزوف ابناء العمال عن التعليم وهجر مقاعد الدراسة نظرا لعدم كفاية دخل الاب لتغطية نفقات الدراسة او الحاجة الاسرية لمزيدا من دعم اولادهم المادي مما يسهم في مخاطر جدية على حياة ابناء العمال وتعرضهم لمختلف الضغوطات الخارجية, بل وحتى الاضطرار للتسول. 

تعرض العمال الى الابتزاز وسوء المعاملة في مواقع العمل والتميز بين العمال على اساس الولاء العشائري والطائفي والمذهبي, والتهديدات المستمرة في انهاء عقود العمال مقابل الحصول على الرشوة.

كما ان الطائفية المقيتة والمحصصات المذهبية والاثنية ساهمت بتفكيك النسيج الاجتماعي لوحدة الطبقة العاملة من خلال تعزيز الانتماء للمذهب او الطائفة او الحزب واضعاف الاحساس المشترك بوحدة القضايا المصيرية للطبقة العاملة العراقية. 

انعدام فرص التاهيل واعادة التاهيل للعمال لكي يستجيبوا لحاجات سوق العمل ومتطلباته, مما جعل من العمال ذوي المهارات القديمة عالة على سوق العمل ومهددين دوما بالاستغناء عن خدماتهام وحرمانهم من خدماتهم واستحقاقتهم المالية.

لقد كان لفتح الاستيراد على مصرعيه دون سياسة تنافسية مع منتوج الداخل أثره السلبي في غلق الكثير من المصانع والمعامل وتسريح العمال منها دون الحصول على حقوقهم او العمل على تهيئتهم لفرص عمل جديدة. 

غياب مضلة الدعم المالي والاجتماعي للعمال عند الحوادث كالاعاقات والامراض المزمنة, او فقدان الاسرة لهذا الدعم عند غياب الاب العامل مما يضع اسر عراقية بكاملها في مهب الفقر والجوع والتسول والفاقة.

منذ المصادقة على الدستور العراقي الجديد والى اليوم لا توجد تشريعات واضحة تضمن مبدأ العدالة الاجتماعية, وخاصة بالنسبة للطبقة العاملة من حيث اعادة صياغة متكاملة لحمايتها من حيث الضمانات الاجتماعية والحقوق, وخاصة بعد ما حول النظام السابق العمال الى موظفين وحرمانهام من الضمانات الاجتماعية المختلفة. كما تجري محاربة التنظيم النقابي ومنعه في القطاع العام من خلال الإصرار على إبقاء القرار الجائر 150 لسنة 1987 ، وقانون التنظيم النقابي رقم 52 لسنة 1987 وعدم تشريع قانون للتقاعد والضمان الاجتماعي للعمال وفق معايير العمل الدولية يلبي حاجات ومعيشة عمالنا ويضمن حاضرهم ومستقبلهم ، والتدخل في شؤون تنظيمنا النقابي من قبل البعض.

 ان اللهاث وراء الخصخصة للمشاريع الحكومية الكبرى وذات التركيز الشديد لتواجد القوى العاملة يهدد مستقبل الالوف من القوى العاملة بمستقبل مجهول من خلال التسريح الاعتباطي والعفوي لهم بما يخدم الثراء الفاحش والفساد المستشري. 

النزوح بسبب الحروب الداخلية وما سببته داعش بشكل خاص من دمار للبنية التحتية الاقتصادية ترك اثاره الواضحة في خسارة الكثير لفرص العمل وجعلهم مع عوائلهم في مهب الريح, فقد حول الكثير منهم الى عاطلين وضحايا حروب يستحقون كل الدعم والمساندة.

وفي الختام فان الاحتفال بعيد العمال العالمي يعطي شحنة ايجابية للطبقة العاملة العراقية من مختلف الانتماءات القومية والسياسية والدينية الى توحيد طاقاتهم وجهودهم من جل نبذ الطائفية والمحاصصة المقيتة وبناء العراق الديمقراطي الخالي من العنف والتعسف والاضطهاد, وتسود فيه قيم التسامح والحوار والديمقراطية, وتتوفر فيه فرص العيش الكريم للجميع وللطبقة العاملة العراقية افضل الظروف. وكل عام وانتم بخير !!!.   
 









12
فصل الطلبة المحتجين يضع الجامعات العراقية بين خيار الأستقلال الاكاديمي أو الاحتلال المليشياوي

د.عامر صالح
أقدمت رئاسة جامعة القادسية بفصل اربعة طلبة، بتهمة "الاساءة" الى الجامعة بخصوص حادثة الاحتجاج على زيارة قام بها الأمين العام لعصائب أهل الحق الشيخ قيس الخزعلي مطلع الشهر الجاري, وفقا للأمر الاداري الخاص بفصل الطلبةوالمرقم بالعدد 969 في 2017/4/24 وجاء فيه: "تقرر معاقبة الطلبة المدرجة اسمائهم ادناه بالفصل المؤقت من الكلية لمدة سنة دراسية واحدة لعام 2016-2017 وفق المادة الخامسة الفقرة العاشرة من تعليمات قانون انضباط الطلبة رقم 160 لسنة 2007 والتي تنص على (يعاقب الطالب بالفصل المؤقت من الجامعة لمدة لا تزيد عن سنة دراسية واحدة، اذا ارتكب احدى المخالفات التالية: الاساءة الى سمعة الجامعة او الهيئة بالفعل او القول).

وقد جاء قرار الفصل على خلفية الأحداث التي حصلت بتاريخ 10ـ4ـ2017 وهو احتجاج شهدته الجامعة المذكورة لجموع من طلبة الجامعة على زيارة زعيم احدى الفصائل السياسية الدينية المسلحة والذي يتزعمه السيد قيس الخزعلي, وقد عبر الطلبة عن غضبهم واستنكارهم سلميا لتدخل الأحزاب السياسية الدينية والمسلحة منها بشكل خاص بالشأن الجامعي وتحويل أروقة الجامعة الى مناسبة للعسكرة والتعبئة الحزبية المليشياوية, وقد بادر عناصر من حماية الأمين العام لعصائب أهل الحق  باطلاق النار صوب الطلبة المحتجين". واضافت المصادر في حينها أن اثنين من الطلبة أصيبوا بجروح اثر المناوشات التي حدثت لاحقاً مع أفراد حماية الخزعلي. وسارعت القوات الأمنية لفرض اجراءات مشددة عقب اطلاق الرصاص والمناوشات بين حماية الخزعلي وطلاب جامعة القادسية. 

أن اختيار المؤسسات الجامعية لأفتعال الأزمات والتجاوز على الحرية الأكاديمية والعبث بالأستقلال النسبي للجامعات والتدخل في الشأن الخاص بها من قبل اناس لا صلة لهم من قريب أو بعيد بمؤسسات التعليم العالي, بل من اناس يرون في المدارس الدينية والجوامع والحسينيات هي المصدر الوحيد للمعرفة والعلوم ولديها تكمن الأجابة على كل تساؤلات المجتمع لمختلف المشكلات, ولديها ايضا التفسيرات الجاهزة لكل الظواهر الطبيعية وفي مختلف العلوم, وما الجامعات إلا أمكنة للنزهة والاختلاط بين الجنسين وارتكاب الرذائل, ومن الصعب والعسير والعصي ان تتفاهم مع اناس من هذا النوع وأقناعهم بجدوى نشأة التعليم العالي, وماهي وظائفه الأساسية في البحث والتنقيب وأكتشاف المجهول, وخدمة المجتمع المحلي والوطني, وتزويد الدراسين بآخر مستجدات العلوم والمعارف, ودور الجامعات في خلق الكادر المهني والعلمي بمختلف التخصصات, وأنها من مصادر تشكيل الطبقة الوسطى في المجتمع, تلك الطبقة صاحبة ورائدة التغير الشامل في المجتمع, كما يجب أن يكون, !!!. 

وبحكم كثافة وتركيز العنصر البشري في الجامعات ودورها المتقدم فأنها تكون ارض خصبة للاحزاب والمليشيات التي تبحث عن زج العنصر الطلابي واستغلال دور الجامعات المؤثر وتوظيفه في متاهات العسكرة والاعمال المسلحة خارج اطار مؤسسات الدولة, الأمر الذي رفضة طلبة جامعة القادسية واحتجوا عليه, إلا ان تواطؤ عناصر من رئاسة الجامعة وتسهيلاتها بدعوة هذه الحركات والتنظيمات لأقامة أنشطتها في أروقة الجامعة زاد الطين بله " وشر البلية ما يضحك ويؤلم " أو " حاميه حراميه ", فبدلا من ان تستغل الجامعات في خدمة المجتمعات المحلية في التنوير والتثقيف واشاعة قيم المدنية والديمقراطية الحقة, فأن قيادتها " الاكاديمية " تقوم بالعكس من خلال زرع الفتنة المجتمعية والانصياع لطلبات وأوامر الاحزاب والمليشيات, أنه عمل عبثي بكل المقاييس يهدد صرح مؤسسات التعليم العالي واستقلاليته من خلال انحياز قيادتها للمصالح الفئوية والحزبية والمليشياوية الضيقة !!!.

وبدلا ان تنفذ عقوبة الفصل بحق بعض القيادات الجامعية التي سهلت مثل هذه الأنشطة من خلال دعوتها لتلك المجاميع لأقامة نشاطها في الجامعة, فأن العكس قد حصل فقد تم فصل من اعترض على هذه الأنشطة من الطلبة, وهو يعكس من جانب مدى تأثير هذه الحركات على القيادات الجامعية ونفوذها المبطن في الشأن الجامعي !!!.

أن قرار فصل الطلبة الاربعة تعسفا واجحافا على خلفية ما حدث يوم 10ـ4ـ2017 وهو يتعارض مع حرية التعبير عن الرأي للطبة في رفضهم لعسكرة الجامعة واتخاذها منبرا سياسيا ، اضافة الى ذلك فإن قراراتها قد ضربت عرض الحائط التعليمات التي استندت اليها أما الطلبة فقد كانوا حريصين على استقلالية الجامعة ، بعكس العمادة ورئاسة الجامعة ، حيث كانت انتقائية في تطبيق النصوص لنفس التعليمات ؛ إذ ان المادة رقم 1 وفي الفقرة العاشرة, والحادية عشر, والثانية عشر على التوالي:  تمنع ( الدعوة لتنظيمات تعمق الفرقة او ممارسة أي صنف من صنوف الاضطهاد السياسي ) ( تجنب الدعاية لاي حزب او تنظيم سياسي) ( عدم دعوة شخصيات حزبية لالقاء محاضرات او اقامة ندوات حزبية او دينية داخل الحرم الجامعي).

أن استغلال التعليم العالي لأفتعال الأزمات والتعبئة السياسية الطائفية هو أمتداد لأزمة التعليم العالي في العراق, والتي هي جزء من الأزمة العامة المستعصية, وذات الصلة بالنظام المحاصصاتي, ومن أبرز ملامح هذه الأزمة هو الآتي: 
ـ التدهور الأمني المستمر لمؤسسات التعليم العالي وتدخل رجالات الأحزاب والمليشيات الطائفية في شؤون التعليم العالي مما يضع طرفي العملية التعليمية : الطالب ـ الأستاذ والعملية التعليمية برمتها في دوامة عدم الاستقرار والخوف من المستقبل¸مما يترك أثره الواضح في تسرب الطلاب وهجرهم لمقاعد الدراسة وهجرة الكادر التدريسي.

ـ كما أن الكثير من مؤسسات التعليم العالي تحولت إلى مؤسسات مصغرة للمساجد والحسينيات والجوامع, تجري فيها الشعائر والاحتفالات والطقوس الدينية على نسق ما يجري في المساجد والجوامع, وكأن لم يكفي الآلاف من المساجد والجوامع المنتشرة خارج الجامعات, حتى أن العديد من المختبرات العلمية تحولت إلى حسينيات لزمرة هذا الحزب السياسي الطائفي أو ذاك, ولكي تتحول بالتدريج إلى بؤر للفساد والاحتقان الطائفي والمذهبي وللتفرقة بين الطلاب, حيث تسيطر كل ميليشيا حزبية على إحدى الكليات ومرافقها داخل الجامعة, وانتشار صور المعممين في أروقة الكليات والجامعات والشعارات الدينية الطائفية الاستفزازية والعبث بمسميات هذه المؤسسات وتسميتها برموز قيادات أحزاب أو طوائف, انه امتهان للحرية الأكاديمية وتسييس للمؤسسات العلمية وزجها في الصراعات الدينية والمذهبية والطائفية .

وختاما نقول ان اقل ما يجب ان تفعلة رئاسة جامعة القادسية هو سحب القرار الفصل وعدم تنفيذه حفاظا على اسقلالية وسمعة الجامعة, والاعتذار للطلبة المشمولين بالفصل, وعدم الرضوخ والانصياع لضغوطات الاحزاب والحركات والمجاميع المسلحة لأن ذلك سيلحق اشد الضرر بالسمعة الاكاديمية لمن قام باصدار قرار الفصل, وان عودة الطلبة الى مقاعدهم الدراسية هو اختبار لنزاهة الكادر القيادي في الجامعة وللجامعة نفسها, بل ولوزارة التعليم العالي باعتبارها المسؤول الاول عن سمعة ودور مؤسسات التعليم العالي والرقيب الضامن للأداء المهني والاكاديمي المستقل والبعيد عن الصراعات السياسية والطائفية, الى جانب كون سحب قرار الفصل هو احتراما للدستور الذي كفل حرية التعبير والتظاهر !!!.
 
 

13
سيكولوجيا الأرهاب و التدمير والتخريب في البلاد الاوربية والعربية والإسلامية

د. عامر صالح


اعتقد جازما لم تنتهي دورة العنف والقتل والأرهاب في البلاد الأوربية وفي بلداننا العربية والأسلامية, حيث منفذ الجريمة هو نفسه في كل الحالات وفي كل الأمكنة وبنفس المواصفات السيكو ـ عقلية, واذا كان الأمن في بلادنا هشا بطبيعته الموضوعية واسبابه الذاتية التي لم تستطيع القضاء عليه, فأن الأمن الأوربي محصنا وقويا ومدعوما اجتماعيا, وان التعاون بين الأجهزة الأمنية الأوربية والوسط الأجتماعي الذي تعمل فيه هذه الأجهزة وطيدا ومعززا في الثقة المتبادلة بينهما, ولكنه تعود على محاربة الأرهاب والازمات بطرق تقليدية وذات طابع طويل الأمد, قوامها ايجاد حلول اجتماعية وسياسية واقتصادية لتطويق ظاهرة الأرهاب من خلال السيطرة على الأسباب كما يرونها هم, ولكن في المقابل النقيض فقد تنوعت وسائل تنفيذ العمليات الارهابية تنوعا يصعب السيطرة عليه في الأمن التقليدي المعتادة عليه الدول الأوربية, من احزمة ناسفة وتفجيرات مباشرة وارتهان مدنيين او السيطرة على مكان او منطقة او متاجر ومحلات لأغراض تنفيذ مطلب ما, الى الدهس بالسيارات والشاحنات المباغتة والدراجات الهوائية !!!.

هذا التنوع في وسائل تنفيذ العمليات الارهابية والمستفيد من فسحة الحرية والحركة والتنقل والانفتاح, وبقاء الأجهزة الأمنية في أدائها اليومي المعتاد والتقليدي لايمنع ابدا من حصول عمليات مماثلة أخرى في معظم البلاد الأوربية كما حصل مؤخرا في باريس ولندن, وان التدخل الدقيق في حياة الناس وحريتها والتدقيق بكل شاردة وواردة وتضبيط حركة الشارع التفصيلية وما فيها هو أمر عسير بعد منجزات كبيرة على مستوى الحريات الفردية التي حققتها الدول الأوربية. قد يكون هذا الأمر سهلا ووارد في الدول القمعية والدكتاتورية وفي بلداننا حصرا والمعتادة على تجميع ادق التفاصيل عن الفرد وانتمائه الفكري والسياسي وحركته اليومية وتنقلاته وغيرها, ولم يحصل فيها الذي حصل في اوربا إلا بعد انفلات الاوضاع العامة وتداخل طموحات الانسان في التغير نحو الحرية والديمقراطية, وقد اختلط بدخول المنظمات والحركات الارهابية المسلحة فقلبت الأمور بالضد من طموحات الشعوب !!!. 

الإرهاب بدون شك له بيئة حاضنة ومواتية لديمومته وبقائه, ولا يعني أبدا القضاء عليه مباشرة بالحشود العالمية العسكرية يعني اختفائه عن الظهور ثانية, لان سنة البحث العلمي تستدعي معالجة الظاهرة من خلال أسبابها وليست من خلال قطع دابر الأعراض وبقاء الأسباب, ومن هنا تأتي أهمية التزامن في القضاء على الأذرع العسكرية للإرهاب مع مجمل تغيرات اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية في البيئة التي ينتعش فيها الإرهاب بمختلف مسمياته " داعش وأخواتها " !!!.

أسوق هنا بعض من العوامل العامة التي تعتبر بيئة حاضنة للتحجر العقلي وما يفرزه من مظاهر, وفي مقدمتها الارهاب, وأبرز هذه العوامل هي:

1 ـ حالة الفقر العامة في اغلب المجتمعات العربية, فالفقر بطبيعته التي تجبر الإنسان على التفكير بلقمة العيش فقط, فهي تحصره في ضيق الأفق والتقليل من مساحات الإبداع والحد من استثمار القدرات العقلية.

2 ـ هيمنة الفكر السياسي والديني المتعصب في الحياة العامة والذي يرفض جميع أشكال التطور والتقدم العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي, ويتشبث في الماضي لإيجاد الحلول لمشكلات الحاضر, ويرفض ممارسة النقد والنقد الذاتي لفكره وممارساته, فيعتبر ما عنده هو صالح لكل زمان ومكان, وبالتالي يشل قدرة العقل على التواصل مع معطيات الحضارة العالمية.

3 ـ الاستبداد السياسي المتمثل بفقدان حرية الرأي وغياب الديمقراطية في كل مفاصل الحياة, ابتداء من السلوكيات الفردية والمؤسساتية صعودا الى قمة النظم السياسية القمعية, التي تحاصر الحريات الفردية اللازمة لتطوير شخصية الفرد وعطائه, وتحول الكيان الاجتماعي الى كتلة هامدة عديمة التمايز والفاعلية, تجيشها متى ما تشاء وتخرسها عند الحاجة وتساوي أفرادها هلاكا, حيث أن التمايز الفعال بين الأفراد في القابليات والقدرات هو احد حقائق الوجود الإنساني وصيرورته.

هذه العوامل مجتمعة وعبر إعادة إنتاجها وتكريسها لعقود قادرة على خلق عقل متحجر وبوابة واسعة للعنف والقتل والإرهاب. وهذا التفسير لظاهرة الارهاب مقبول جدا في مجتمعنا, إلا ان تداعيات الارهاب على المستوى النفسي والسلوكي أخطر من ذلك بكثير وخاصة عندما يأخذ طابع التطرف الديني وأستغلال خطاب " السماء " لأضفاء طابع دموي ومقدس على ما هية الصراع ووسائله, ويتجاوز هنا الارهاب حدود المكان الذي نشأ فيه !!!.   

وهنا اتسائل كيف يمكن " للمؤمن " الهادئ القانط ذو  "الاخلاق " الدمثة والمنتحل لصفة الوداعة والطيب والذي يتعامل بأرق المفردات اليومية في سياق التعامل المعتاد أن يتحول الى قاتل دموي يستبيح ارواح المئات ويجيد تكنولوجيا وتكنيك ورسم الخطط الدقيقة في إحكام السيطرة لإحلال الدمار على مناطق كاملة واستباحة دماء ساكنيها بتلك السهولة المجردة عن الحد الادنى من الاخلاق والمشاعر الانسانية. كيف يمكن لذلك المجرم الدموي أن يجيد لغة التسامح في تعامله اليومي: الله يبارك فيك, الله ايخليك, الله يرحم والديك, الله يجنبك كل مكروه و ويقترح عليك أفضل الخدمات للمساعدة, واستعداده المتفاني من أجلك والذي يثير الاستغراب, ولكنه بالمقابل يرتكب أشنع الافعال ضدك في اللحظة عندما يراك مخالفا لسنة تفكيره, إنها سيكوباتيا السلوك المنحرف !!!.

تلك سيكولوجيا الاعتقاد الإيماني المتحجر الذي لا يرى الخير الا في خانته, ولم يرى  في الآخر إلا شرا مطلق يجب تصفيته بأكثر الوسائل بشاعة, حيث إنسانيته هنا لا ترتبط بمبادئ إنسانية عامة متعارف عليها في منع الشر وأباحة الخير, بل ترتبط بمدى قربها او بعدها من قناعته المتحجرة التي ترتبط بخطاب ما ورائي, يحلل الحرام فيه ويحرم الحلال, ويرى في صحته مطلقا بعيدا عن منطق العقل وتراكم الخبرة الانسانية. والابادة الجماعية والفرديه هنا لديه خيرا مطلق يثاب الفاعل ـ المجرم عليها بمزيدا من الأجر والثواب والمزايا التي تراوده في أحلام يقضته ليلقاها في آخرته !!!. 
 
من الناحية السيكولوجية الخالصة فأن جرائم القتل والارهاب وزرع الرعب تعبر عن سلوكا عصابيا مرضيا معمدا بدوافع التركيز الشديد للانتقام من الاخر المغاير في صبغته الدينية والقومية والمذهبية والطائفية والجنسية والثقافية وغيرها من الفروق المختلفة, ومبررة ارتكاب هذه الجرائم بخطاب فكري وديني وثقافي مغاير وذو مسحة اقصائية للاخر. ومن الناحية النفسية فقد نجد في ابرز ملامح ديناميات السلوك التي تكمن ورائه بما يأتي: 

1 ـ سيطرة الغريزة التدميرية والفناء مقابل غريزة الحياة والبقاء, وتتخذ غريزة التدمير مسارين, أحدهما ضد الذات, وقد يكون متزامنا بفناء الاخر كما هي العمليات الانتحارية أو ليست بالضرورة, فيكتفي المرء بفناء نفسه.  وتنشأ الغلبة لغريزة الموت على الحياة من خلال تشبع الفرد بثقافة الاقصاء وتحريم الاختلاف وعدم تقبل الاخر , الى جانب اعتناق الافكار والمعتقدات الدينية وغير الدينية بطريقة عقائدية متحجرة, فتلغي بدورها قيمة التنوع والاختلاف, مما يسهل نشوء منظومة سلوكية تدميرية تضعف عوامل البقاء الصالح المتوازن وانهائه, وبالتالي انهاء الحياة كاملة على خلفية الاعتقاد ان كل ما موجود هو خاطئ باستثناء ما يعتقده هو فقط !!!.

2 ـ ضعف وتداعي "الانا العليا " من أخلاق ومعايير ونماذج مثالية للسلوك, وغياب لدور الانا التوفيقية, وسيطرة سائدة " للهو " الذي تلعب فيه الغرائز البدائية وذات الطبيعية الحيوانية دورا كبيرا في تشكيل ملامح شخصيته. فهو يتصرف هنا بفعل توقف عملية النمو النفسي لديه موئلها رموزه الدينية والسياسية والحياتية, وتسود ملامح شخصية قوامها عقدة النقص وتنشأ على خلفية ذلك وتشتد مشاعر الاثم والاحساس بالضعف وعدم المقدرة الاستقلالية والخضوع التام لرموز دينية وسياسية وقومية يسلم أمره لها, يقابله تحميل الاخر المغاير له كل عوامل ضعفه واسقاطها عليه, وتصل الى حد الانتقام والابادة للاخر المختلف واستأصاله وتدميره !!!. 

 3 ـ تضخم الانا العليا والشعور المتزايد بضغوطات الضمير وعدم المقدرة على ايجاد حالة من التوازن في الديناميات النفسية عبر حلول الانا, والاغراق في ممارسة معاقبة النفس وتكريس مشاعر الاحساس بالذنب  في اجواء من هيمنة الاكتئاب والاشمئزاز من النفس والسعي المتزايد لانتقاد النفس وتخليصها من الهلاك وصولا الى الهلاك الذاتي المتمثل في محاولات الانتحار أو ممارسة التفجير الذاتي في وسط من يراهم مغايرون له في الدين والمعتقد !!!. 

4 ـ تقاطع هذاءات " بارانويدا " العظمة والاضطهاد في السلوك التدميري في السياسة. وإن كان هذا المصطلح يعني مرضا عقليا خطيرا بشقيه " داء العظمة وداء الاحساس بالاضطهاد " فأنه في السياسة له دلالته الخطيرة, حيث النظم الدكتاتورية والقمعية البوليسية المؤدلجة منها والمتأسلمة والشوفينية والعنصرية والمبتلاة بداء العظمة تستخدم كافة وسائل العنف من خلال اجهزتها العسكرية والامنية المخابراتية القمعية المختلفة لإلحاق الاذى بشعوبها أو شعوب أخرى للتعبير عن الاحساس المفرط بالعظمة وسلوك الهيمنة المطلقة !!!.

يقابله في الطرف الاخر الاحساس بالمظلومية والاضطهاد المفرط والمنفلت من أي مسحة إنسانية أو فهم لظروف وقوانين الصراع الموضوعية, هو الاخر يحمل في طياته دوافع الخراب والعنف والتدمير الشامل, ويشكل هذا السلوك ردود فعل عنيفة يخرج عن دائرة التغير الايجابي الممكن للاوضاع السائدة, وغالبا ما يكون هذا السلوك مؤطرا بخطاب المذهبية والطائفية والشوفينة العرقية ويكون بيئة صالحة للارهاب المجتمعي والدولي, في ظل غياب خطاب عقلاني انساني سائد مفعم بعوامل البقاء الانساني والذي يحافظ على قيمة الوجود الانساني الحر. وهكذا تتبادل الادوار بين الجلاد والضحية !!!.

5 ـ فصام " شيزوفرينيا " السلطة وفصام المعارضة. الفصام باعتباره مرضا عقليا يحرم صاحبه من ادراك الواقع الموضوعي والعيش في عالم مرضي خاص يفتقد الى المشاعر والعواطف التي تربطه بالاخرين وغير مكترث بما يحل بالاخرين من هول ومصائب, كما تسيطر الاوهام والهلاوس وأضطرابات الفكر في سياقاته اليومية. النظم القمعية بمختلف مظاهرها وأشكالها المؤدلجة منها والمتأسلمة وبما فيها أيضا الدكتاتوريات العالمية تعاني من ظاهرة الفصام حيث الهوة الواسعة بين الشعب والنظام, من حيث ادراك مشكلاته الحقيقية وظروفه المعاشية ووسائل النهوض به. وبفعل هول الاوهام التي تحيط بالنظام فأنه لا يرى في الشعب أو جيرانه الا مؤامرة كبرى تستهدف استئصاله وعليه ان يبدأ بضربته الاستباقية, من ممارسة واسعة للقمع والارهاب والتعذيب والقتل في الداخل واشعال الحروب الخارجية.

أما المعارضة التي تنتحل خطابا آخرا فصاميا بعيدا عن واقع الحياة وقد عفى عليه الزمن لأقحام مستقبل المجتمع فيه وأكراه الناس على اعتناقه أسوة بما فعلت الدكتاتوريات القمعية بشعوبها, فهو خطاب الانفعالات الضارة التي تعبأ الناس في وجهة انفعالية تدميرية لايمكن التنبوء بحجم الخراب الذي ستفعله في تفتيت وتشويه الينية الاجتماعية والثقافية وتخريب العلاقات الانسانية على نطاق واسع, كما هي الخطابات الاسلاموية المغلفة برحمة السماء وحب الآلهة واليوم الموعود, فقد انتجت تلك الخطابات في العراق وتونس وليبيا ومصر واليمن, وفي زمن قصير جدا, المزيد من التعسف والتهجير والابادة الجماعية والقتل على الهوية الدينية والطائفية والاثنية, واستباحة الجنس الآخر من دعارة وبيع للنساء في سوق النخاسة وأكتشاف اشكال لا تعد ولا تحصى من الزواجات بأسم الدين ومستقبل مجهول !!!.

6 ـ الفشل والاحباط في بلوغ الاهداف, فكلما اشتدت وطأة المشاعر بالاحباط إشتدت هي الاخرى مشاعر الكبت والاحتقان, وهي مؤشرات تنذر سيكولوجيا بعدوان تشتد وطأته كلما كانت الاهداف مهمة واستراتيجية في حياة الفرد والجماعة كما هي في سلوك الحكم و " المعارضة " وهو بمثابة جرح نرجسي كبير لكلا الطرفين مما يدفعهم لتعبئة كافة القوى المتاحة لديهم لاحلال الدمار بالاخر, ويكون ضحيتها شعبا بكامله وسيادة وطنية ونسيج اجتماعي, في ظل حاكم لا يفقه لغة الحوار والاصلاح " ومعارضة خاصة " لا تجيد غير السلاح المعمد بمشروعية السماء, فيكون القتل على أشده بين طرفين لا رحمة فيهم !!!. 

وعلى العموم فأن الارهاب الذي تسبقه عمليات تعصب وتطرف مستميت وعمليات غسيل دماغ  يرى في الاخر الديني والثقافي والاثني والسياسي عدو لدود ويجب تصفيته وازاحته من مشهد الحياة, انه فوبيا الاختلاف مع الاخر وعدم المقدرة على ايجاد لغة مشتركة معه, وبالتالي فأن الطريق السهل هو تصفيته وابادته جسديا وعرقيا وثقافيا للخلاص من كل اثاره. كما ان دخول الافراد من مزاج متعصب ومتطرف في مجاميع وتنظيمات تستجيب لهذا المزاج المضطرب يحول الفرد بضرورة الانتماء الى مستسلم لارادة الجماعة ورهن تصرفها ويتحول الى قنبلة موقوته ممكن ان تتفجر رهن اشارة قيادي من المجموعة, بمختلف الاتجاهات وبمختلف الامكنة في العالم !!!.

كيف نطلب من العالم المتمدن أن يقف الى جانب قضايانا العادلة وان يسهم في ايجاد حل لمشكلاتنا المستعصية وان يدعمنا في دحر داعش ونحن نخجل في إدانة فعل قتل جماعي يرتكب بحق الابرياء والعزل من الناس ونضع شروط مسبقة للإدانة. ان الموقف من إنسانية الانسان وتحريم هدر دمه لا تحتمل الاجتهاد ولا الفتاوى, وان السكوت وعدم الادانة والتحايل في التصريحات هو مساهمة في جرائم القتل وإيجاد غطاء شرعي لها مما يسهم في التشجيع عليها واعادة إنتاجها على نطاق واسع !!!.

إن الموقف الانساني يستدعي من دموعنا أن تذرف على كل طفل وأمرأة ورجل بريء, سوري أم فرنسي أم لبناني أم عراقي أو سعودي, أو بريطاني أم روسي, فالدم الانساني مقدس في برائته, فلا إنسانية لنا بالسكوت على استباحة دم من يختلف معنا في الدين أو العقيدة أو السياسة, وإن دمائنا ستباح أكثر عندما نفرح أو نشمت لاستباحة دماء الآخرين, فيوم لك ويوم عليك !!!.

اما في الداخل الاوربي فنعتقد أن تشبع منفذي العمليات الارهابية, وهم اغلبهم من المقيمين في تلك الدول, بالعوامل النفسية والعقلية" كما شرحناه " في المقال, وهم نسبيا متحررين من ضغوطات العوامل الاقتصادية ومتاحة امامهم ممارسة مختلف الحريات, ولكنهم يخضعون بشكل منظم عبر مؤسساتهم الخاصة الى خطاب تحريضي متطرف يدفعهم الى المزيد من العزلة الاجتماعية في المجتمع الأكبر, الى جانب تواصلهم مع شرائح وحركات متطرفة من مجتمعاتهم الأم مما يسهل اندفاعهم نحو تنفيذ اجندة الحركات الارهابية والاصولية المتطرفة في مجتمعات اقامتهم وبذرائع مشرعنة. قد تكون سياسات الاندماج الايجابي في مجتمع الاقامة جزء من حلول تسهم في ابعادهم عن التطرف, ولكن تجارب العشرة سنوات الاخيرة لم تأتي بنجاح, فهناك وفي الكثير من الدول الاوربية" وخاصة فرنسا وبريطانيا " أحزمة من المهاجرين حول المدن الكبرى, وهي مجتمعات معزولة لاتعرف ما يجري داخل مدنها الكبرى من حياة يومية. ونعتقد هنا ان الضغط القانوني والتشديد على ظروف وطابع اقامة الافراد الى جانب برامج الاندماج الثقافي والتربوي والاقتصادي والاجتماعي قد تسهم بحلحلة الاوضاع صوب مزيدا من الاستقرار والامن !!!.

 وختاما نقول ان على العالم المتمدن, والاوربي منه بشكل خاص, ان يقف وقفة واضحة واحدة أكثر من أي وقت مضى لفضح النظم السياسية التي تغذي الارهاب العالمي وأدواته المنفذة, داعش والقاعدة وأخواتها, وفي مقدمة هذه النظم السعودية وقطر وتركيا اوردغان, وفضح دورها المتحايل على الصعيد الدولي في التغطية على الارهاب وجرائمه بحق الانسانية, الى جانب فضح وإدانة الجرائم التي ترتكبها النظم الدكتاتورية في المنطقة والعمل على إيجاد حلول مشرفة لبؤر الصراع المستعرة والتي يذهب ضحيتها شعوب ومستقبل أجيال !!!. 


14
الإسلامويين وحصانة التعليم العالي المفقودة وافتعال الأزمات !!!
د.عامر صالح 

 ذكر مصدر في الشرطة العراقية ، يوم الأثنين المصادف 2017ـ04ـ10 ، أن حماية الأمين العام لحركة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي أطلقوا الرصاص داخل الحرم الجامعي لجامعة القادسية بمحافظة الديوانية . وقال المصدر لشبكة رووداو الإعلامية إن "مجموعة من طلاب جامعة القادسية قاموا بترديد هتافات – إيران برة برة – ليبادر عناصر من حماية الأمين العام لعصائب أهل الحق قيس الخزعلي باطلاق النار صوب الطلبة المحتجين". واضاف المصدر أن اثنين من الطلبة أصيبوا بجروح اثر المناوشات التي حدثت لاحقاً مع أفراد حماية الخزعلي . ونظمت حركة عصائب أهل الحق احتفالية جماهيرية لمناصرة الحشد الشعبي اليوم الأثنين داخل الحرم الجامعي لجامعة القادسية . وسارعت القوات الأمنية لفرض اجراءات مشددة عقب اطلاق الرصاص والمناوشات بين حماية الخزعلي وطلاب جامعة القادسية.

وفي تدهور لاحق ذكر مصدر في الشرطة العراقية بمحافظة الديوانية (180 كيلومتر جنوب العاصمة بغداد)، في يوم الثلاثاء المصادف 2017ـ04ـ11، بأن مقر الحزب الشيوعي في المحافظة تعرض الى هجوم مسلح . وقال المصدر لشبكة رووداو الإعلامية، ان "مسلحين مجهولين القوا في ساعة متاخرة من الليلة الماضية، قنابل يدوية على مقر الحزب الشيوعي في محافظة الديوانية". مضيفاً أن "الهجوم ادى إلى حرق مقر الحزب دون وقوع اية اصابات بشرية". وبين المصدر، ان "قوات الشرطة سارعت لتطويق مقر الحزب وفرض اجراءات مشددة ، فيما تم اخماد الحريق"

وكان الاعتداء على مقر الحزب الشيوعي العراقي في المحافظة جاء على أثر شائعات, ان عناصر من الحزب الشيوعي في المحافظة تقف وراء ما حصل في جامعة القادسية, الأمر الذي نفاه الحزب الشيوعي, كما ونفت تأكيده حتى قيادات من عصائب الحق. وعلى ما يبدو فأن توقيت الهجمات على الحزب الشيوعي وأثارة الشائعات والتهم حول دوره في " احداث فتنة " جاء متزامنا مع الدور الذي يلعبه الحزب ونشطائه كجزء من التيار المدني الطامح لإعادة بناء العملية السياسية على أسس من المواطنة وبعيدا عن نظام المحاصصة الأثنوظائفية, وبالتأكيد فأن القوى والاحزاب المنتفعة من بقاء الاوضاع على حالها لا يروق لها مطلقا أن يشتد ساعد التيار المدني الديمقراطي ويأخذ دوره المنتظر في الانتخابات البرلمانية القادمة, كما هو حاضرا اليوم في أذهان الناس كخيار لابد منه لحل أزمة العراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية المستفحلة, ومن هنا تأتي عملية تعرضه من قبل القوى الظلامية وأعداء الحرية والتقدم الاجتماعي الى المزيد من التهديد والوعيد والمضايقات وحتى الأغتيالات المتوقعة !!!.

  أما ان يتم اختيار اروقة الجامعات لأفتعال الأزمات فهذه ليست المرة الأولى التي يتم بها التجاوز على الحرية الأكاديمية والعبث بالأستقلال النسبي للجامعات والتدخل في الشأن الخاص بها من قبل اناس لا صلة لهم من قريب أو بعيد بمؤسسات التعليم العالي, بل من اناس يرون في المدارس الدينية والجوامع والحسينيات هي المصدر الوحيد للمعرفة والعلوم ولديها تكمن الأجابة على كل تساؤلات المجتمع لمختلف المشكلات, ولديها ايضا التفسيرات الجاهزة لكل الظواهر الطبيعية وفي مختلف العلوم, وما الجامعات إلا أمكنة للنزهة والاختلاط بين الجنسين وارتكاب الرذائل, ومن الصعب والعسير والعصي ان تتفاهم مع اناس من هذا النوع وأقناعهم بجدوى نشأة التعليم العالي, وماهي وظائفه الأساسية في البحث والتنقيب وأكتشاف المجهول, وخدمة المجتمع المحلي والوطني, وتزويد الدراسين بآخر مستجدات العلوم والمعارف, ودور الجامعات في خلق الكادر المهني والعلمي بمختلف التخصصات, وأنها من مصادر تشكيل الطبقة الوسطى في المجتمع, تلك الطبقة صاحبة ورائدة التغير الشامل في المجتمع, كما يجب أن يكون, !!!. 
 
 أن استغلال التعليم العالي لأفتعال الأزمات والتعبئة السياسية الطائفية فهو أمتداد لأزمة التعليم العالي في العراق, والتي هي جزء من الأزمة العامة المستعصية, وذات الصلة بالنظام المحاصصاتي, ومن أبرز ملامح هذه الأزمة هو الآتي: 
ـ التدهور الأمني المستمر لمؤسسات التعليم العالي وتدخل رجالات الأحزاب والمليشيات الطائفية في شؤون التعليم العالي مما يضع طرفي العملية التعليمية : الطالب ـ الأستاذ والعملية التعليمية برمتها في دوامة عدم الاستقرار والخوف من المستقبل¸مما يترك أثره الواضح في تسرب الطلاب وهجرهم لمقاعد الدراسة وهجرة الكادر التدريسي.

ـ الإجراءات التعسفية في إقالة أو إحالة الكادر التدريسي الجامعي ومن درجات علمية متقدمة " أستاذ وأستاذ مساعد " على التقاعد بذرائع ومبررات واهية, منها كبر السن أو بتهمة عدم الكفاءة, وهي إجراءات تنفذ في الخفاء بواجهات سياسية أو انتماءات طائفية, وتحرم هذه المؤسسات من خيرة كادرها المتمرس في التدريس والبحث العلمي.

ـ تدهور البنية التحتية اللازمة لتطوير التعليم العالي من مكتبات علمية ومختبرات وشبكة انترنيت ومصادر المعلومات المختلفة, وقد تعرض الكثير منها إلى الحرق والإتلاف الكامل والى التخريب والسرقات المقصودة لإفراغ الجامعات من محتواها المتمثل بالمراجع والكتب والأبحاث والمقررات الدراسية بمختلف التخصصات, وغلق أقساما للدراسات العليا بكاملها تحت ذريعة عدم توفر الكادر التدريسي اللازم لها .

ـ تدهور المستوى العلمي والتحصيلي للطلاب جراء تدهور الوضع الأمني والانقطاع عن الدراسة, أو النجاح بأي ثمن تحت وطأة تهديد الأستاذ الجامعي من قبل مليشيات الأحزاب السياسية ـ الطائفية وفرض معايير مشوه للتفوق الدراسي لا تعبر عن إمكانيات الطلاب الفعلية, بل تعبر عن أولويات الانتماء السياسي أو المذهبي أو الطائفي, وهي تذكرنا بممارسات التبعيث لفرض النتائج الدراسية وانتقاء الطلبة على أساس الولاء للحزب الحاكم.

ـ تغييب الكليات الإنسانية والتضييق على دورها المهم في الحياة الثقافية العامة عبر الحد وعرقلة أنشطتها المختلفة التي يفترض لها أن تسهم بإشاعة ونشر قيم التسامح والعدل والحق ومكافحة الإرهاب, وقد شهدت هذه الكليات حرق العديد من مكتباتها بالكامل, وعرقلة إصدار دورياتها الثقافية الشهرية أو الفصلية أو السنوية, وانعدام الأجهزة اللازمة لاستمرار عملها كأجهزة الاستنساخ والطباعة وغيرها, إضافة إلى محاصرة العديد من مبدعي وكتاب هذه الكليات ومنعهم من الظهور العلني للحديث عن نشاطاتهم ونتاجاتهم الثقافية والأدبية المختلفة.

ـ استشراء الفساد بمختلف مظاهرة الإدارية والمالية, من محسوبية ومنسوبيه وسرقة الأموال المخصصة لهذا القطاع وتزوير للشهادات والتلاعب بسجلات الدرجات من خلال ممارسة الضغط والابتزاز على إدارات الأقسام الدراسية و عمادة الكليات لمنح ضعاف التحصيل ما لا يستحقوه أو إضعاف المتفوقين دراسيا والعبث بدرجاتهم بدوافع الانتقام والثأر بواجهات مختلفة, سياسية ومذهبية وطائفية وغيرها.

ـ عدم السماح وعرقلة جهود المنظمات الدولية كالأمم المتحدة وأجهزتها المعنية بشؤون التعليم العالي على الإشراف والتأكد من ظروف عمل هذه المؤسسات بما يستجيب لشروط الجودة العالمية لهذه المؤسسات وحماية خريجها من عدم الاعتراف بالشهادة, وكذلك عرقلة جهود اللجنة الدولية للتضامن مع أساتذة الجامعات.

ـ في ظروف العراق الحالية والذي توقفت فيه التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الشاملة, تضعف فيه كنتيجة منطقية قدرة ودور الجامعات والمؤسسات البحثية في المجتمع وبالتالي تضعف روابط التعليم العالي ودوره الأساسي في التخطيط والاستجابة لظروف التنمية البشرية الشاملة وحاجتها الفعلية لمختلف القيادات والكوادر في مختلف التخصصات العلمية والأدبية والمهنية والتقنية وغيرها.

ـ تشير الكثير من المقابلات الميدانية التي أجريت مع أساتذة جامعات وقيادات أدارية وطلابية إلى أن الكثير من مؤسسات التعليم العالي تحولت إلى مؤسسات مصغرة للمساجد والحسينيات والجوامع, تجري فيها الشعائر والاحتفالات والطقوس الدينية على نسق ما يجري في المساجد والجوامع, وكأن لم يكفي الآلاف من المساجد والجوامع المنتشرة خارج الجامعات, حتى أن العديد من المختبرات العلمية تحولت إلى حسينيات لزمرة هذا الحزب السياسي الطائفي أو ذاك, ولكي تتحول بالتدريج إلى بؤر للفساد والاحتقان الطائفي والمذهبي وللتفرقة بين الطلاب, حيث تسيطر كل ميليشيا حزبية على إحدى الكليات ومرافقها داخل الجامعة, وانتشار صور المعممين في أروقة الكليات والجامعات والشعارات الدينية الطائفية الاستفزازية والعبث بمسميات هذه المؤسسات وتسميتها برموز قيادات أحزاب أو طوائف, انه امتهان للحرية الأكاديمية وتسييس للمؤسسات العلمية وزجها في الصراعات الدينية والمذهبية والطائفية .

ـ ضعف الإنفاق على التعليم العالي والبحث العلمي باعتباره دعامة أساسية لإعادة بناء بنيته التحتية وإقامة المشاريع البحثية والتعليمية المتقدمة, وبالتالي فأن أي نوايا للإصلاح دون توفير الأموال اللازمة هي نوايا باطلة وقد تعكس بنفس الوقت رؤى متخلفة للقيادات التربوية والتي ترى أن ما يصرف على التعليم هو من باب الاستهلاك الغير ضروري وليست الاستثمار طويل الأمد.

ـ ضعف وتدهور البحث العلمي وأصالته ومكانته في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وضعف استقلالية الأستاذ الباحث الذي يتعرض إلى ضغوطات مختلفة لتوجيهه الوجهة التي يرغب فيها هذا الكيان السياسي أو ذاك, وأن اغلب ما يجري من أبحاث يعتمد على نظريات ومفاهيم مهجورة أو أنها تقادمت في ظل عصر تتغير فيه المعلومة يوميا, أو أنها هجنت بطريقة عجيبة نتيجة للقيود والضغوطات الرقابية والحزبية والطائفية, وهي تذكرنا بحقبة توظيف " البحث العلمي " لخدمة مصالح الحزب القائد وتمجيد قائد الضرورة.

ـ غياب إستراتيجية واضحة للبحث العلمي في ضوء احتياجات المجتمع المحلي لها, حيث أن المبادرة الفردية للباحث والأستاذ تلعب دورا كبيرا في تقرير ذلك, ومعظمها يجري لأغراض الترقية العلمية أو لأغراض المتعة العقلية الخالصة للبحث, ويجري ذلك في ظل انعدام صناديق متخصصة لدعم وتمويل البحوث, وضعف القاعدة المعلوماتية, وعدم وجود مراكز أو هيئات للتنسيق بين المؤسسات البحثية, وضعف الحرية الأكاديمية كتلك التي يتمتع بها الباحث في بلدان العالم الديمقراطي, وعدم تفهم أو انعدام دور القطاع الخاص ومشاركته في الأنشطة العلمية حيث لا يزال قطاعا متخلفا يركز على الربحية السريعة والسهلة ولا يعي حقيقة وأهمية البحث العلمي في تطويره.
 
أن الحرية في المجتمع الأكاديمي وتوسيع دائرة الصلاحيات للإدارات الجامعية وعدم اقحامها بالصراعات الأثنو طائفية السياسية, وفصلها وعزلها عن المؤسسات الدينية, سببا مهما في نمو الفاعلية ورفع مستوى الأداء، فالاستقلال النسبي ماديا وإداريا وفكريا وسياسيا سيدفعها إلى البحث عن التميز والشعور بالمسؤولية تجاه جودة المخرجات، لأن الجامعات في هذه الحالة ستعمل على طريقة تحقق فيها متطلبات التنمية لتدخل ضمن مجال تنافسي علمي تحكمه المستجدات العلمية والتقنية المعلوماتية وإبراز الأفكار المبدعة، فسترفع من هذه القيمة باستقطاب المفكرين وتبني الآراء التي تسهم في وصولها إلى مكانة أفضل نسبة إلى غيرها، وهذه الأهداف ستتجاوز ما نخشاه من سيطرة النزعة المناطقية والنفعية والطائفية والأثنية التي تسيطر على الإدارات وعلى السياسات العامة، ويأتي هذا كله مع ضرورة إيجاد نظام يحمي مكتسبات الجامعات من أي تدخل خارجي، والنتيجة تؤدي إلى خلق بيئة ملائمة لنمو المعرفة والإبداع, وبهذا ستكون مؤسسات التعليم العالي بيئة صالحة لجذب افضل الكوادر العلمية, وتقلص بدورها من هجرة الكادر وتسربه من الجامعات الى خارج العراق أو داخله.

فلا نستغرب والحال هذه ان تكون الجامعات وكافة مؤسسات التعليم العالي وفي ظل هذه الأزمة, بيئة صالحة للتحريض والاحتراب الطائفي واعادة انتاج الكراهية بين مكونات المجتمع واستغلال للعنصر البشري المتمركز في هذه المؤسسات بكثافة وسهولة ألصاق التهم جزافا في الاحزاب الوطنية عبر تجييش المشاعر السلبية نحوها, مما يسهل الاندفاع نحو ارتكاب الجرائم بحق الآخر السياسي المغاير, ويشكل العدوان على الحزب الشيوعي جزء من هذه الآلية المتخلفة !!!.


15
بمناسبة ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار ـ عودة لذاكرتي المؤرشفة
سيكولوجيا الحب الأول في السياسة/ الحزب الشيوعي العراقي أنموذج
محاولة للإجابة على من كان مع أو ضد...!!!



د.عامر صالح


أن التجارب العاطفية الأولى تستحضر بقوة بين الحين والأخر إلى حيز الشعور, نتيجة لارتباطها ببداية تشكيل الخبرات العاطفية, وتعتبر من اللبنات الأولى في بناء الشخصية العاطفي على طريق اكتساب المزيد من الخبرات والتجارب.وهي اختبارات صعبة للتأكد من صلاحية الشخصية في التكيف والبقاء مع الجنس الآخر.

وتشكل تجربة الانتماء إلى الحزب الشيوعي العراقي لأول مرة في عمرا لفرد لونا من ألوان هذا الانتماء المشحون بالعاطفة الجياشة والانفعال القوي للارتباط به. ومن اجبر على ترك الحزب في هذا العمر عانى كثيرا, كما يعاني من اجبر على ترك محبه الأول, حيث تجري الأشياء هنا بالضد من الشعور الذي ينتاب الفرد بأن يكون هذا الحب هو الأول والأخير وبطريقته الخاصة.

أن الخطاب الحزبي في بداية الانتماء وأن كان خطابا عقلانيا يستند إلى مادة فكرية وفلسفية رفيعة المستوى تقدم"للمحبين" له, ألا أن الحزب له القابلية على إضفاء مشاعر وأحاسيس عنيفة معززة رغبة البقاء في صفوفه, وهي نتاج عمل دؤوب سايكوعقلي ـ معرفي , يترك أثرا عميقا أكثر بكثير من وقع الحب الأول في محبيه, يترك في الشخصية شحنة انفعالية موجبة كما تدرك. وبقدر ما يكون الحب الأول فرصة لتأكيد الذات واختبار الشخصية,يكون الانتماء الحزبي هو الآخر فرصة ذهبية لتميز الشخصية ضمن إبعاد جديدة وفي سياقات غير معتادة, تشكل فرصا للنمذجة  المثالية للشخصية, تمنح صاحبها امتيازا في بيئة محدودة الإمكانيات, وخاصة في صورة الخروج الايجابي عن المألوف, وتشكل مع الوقت احد المصادر الأساسية في التوافق الذاتي ورسم الملامح العقلية وحتى أحيانا المزاجية للشخصية. أو يأخذ الانتماء شكل المخالفة لما هو سائد أو كما يقال"خالف تعرف" في بيئة غارقة في الممنوعات.

أن الانتماء للحزب والاستمرار فيه إن شاء الفرد يجب أن يرتبط بعقلانية رفيعة المستوى في الدفاع عنه, وهذا يأتي عبر التخلص من غرائز الانتماء الأول المفعمة في اللوازم العصبية والانفعالات المؤذية في أحيان كثيرة للحزب, والتي يعكسها الدفاع المفرط عنه, وبأي ثمن, وبآليات غير موفقة تلحق الضرر به. وفي حالات كثيرة تسبب شحنة الحرص الزائد(الانفعال المفرط) إلى ارتكاب أخطاء ينتظرها من لا يرغب بوجود الحزب كما ينبغي أن يكون.

أن الحزب وبعد مسيرة تجاوز فيها الثمانية عقود تعرض فيها إلى هجمات شرسة من أعدائه وحلفائه, وكذلك انتكاسات كبيرة نتيجة لأخطاء ذاتية وظروف موضوعية, وعلاوة على ذلك تعرض حلفائه"الثابتين" في الخارج إلى انهيارات كبرى تمثلت في انهيار المعسكر الاشتراكي, والتي أدت ضمن ما أدت إليه إلى أن يطال الشك إلى مصداقية الفكر الماركسي. يحتاج الحزب اليوم إلى انتماءات بذهنية جديدة, ترى في الحزب مشروعا عمليا للحياة ومرنا قدر مرونة الحياة...أن عهد" ملائكة" الحزب ودعاة الحرص"المؤذي"لم تزكيهما الحياة. ومن يرى في الحزب ملاذا لتأكيد الذات, لأنه لم يجد في دائرته القريبة الملاذ, فأنه يرتكب أخطاء بحق الحزب, ومن يرى في الحزب وظيفته الدائمة فأنه يخطأ أن يقدم شيئا مفيدا له.

اليوم وبعد هذا الزخم الهائل من التغيرات الدولية والإقليمية والقطرية, فأن الحزب لم يعد حزب"دكتاتورية البرولتارية",ولكنه يستطيع أن يكون بامتياز حزب البرولتارية, ولا حزب التكتيكات من أجل" استلام السلطة", ولكن من حقه أن يتطلع إلى المشاركة الواسعة في السلطة, ولا حزب بناء" الاشتراكية"على نسق مرجعياتها السابقة, ولا حزب الانضباط الحديدي وفقا "للقواعد اللينينية في حياة الحزب الداخلية" ولكن حزبا منضبطا,حيث تنعدم المقومات الموضوعية والذاتية لذلك.أذن لماذا كل هذه الحملات والهجمات عليه, وخاصة عندما تبدأ الرؤيا بهذا الوضوح.أني اعتقد أن المشكلة في التساؤلات الآتية:ماذا نختار, وكيف نختار, ولماذا؟؟؟ .

علينا أن لا نعطي الظواهر قوة دفع أكثر بكثير من خصوصية الظرف الذاتي والموضوعي الذي تجري فيه.أليست تلك هي سنة الديالكتيك.فمن أراد للحزب خيرا فعليه أن يقلع عن عادات "الحب الأول"في الدفاع عنه, أو عادات أخذ الثأر منه والهجوم عليه عندما ينفض العقد معه. ومن أراد أن يكون الحزب "حبه الأخير"فعليه القبول بشروط الحياة, وعلى الحزب المزيد من الاستجابة والتفحص الذاتي, وخاصة بعد تجربة تجاوزت الثماني سنوات من العمل العلني وفي ظروف نوعية جديدة.

أن من يريد أن يكون حزبه حزب الثلاثينيات أوالاربعينيات أو ما يسمى" حزب فهد"فأن ذلك مجافاة للحقائق والتغيرات العميقة على الأرض في الداخل والخارج. وتستحضرني في هذا السياق ليست مقولة لينين(النظرية مرشد للعمل), ولكن من عمق التأريخ مقولة للأمام علي(ع):"لا تقصروا أولادكم على آدابكم فأنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم".أذا كان هذا الحديث في التربية, فكيف يكون الأمر في السياسة وهي فن الممكنات. وهل يجوز العودة في السياسة إلى أكثر من ثمانين عاما إلى الوراء!!!, وهل يجوز في السياسة أيضا أن تصاغ سياسات الحاضر واتجاهات المستقبل لحياة الحزب الداخلية والخارجية على ضوء معايير الثلاثينيات والاربعينيات ونحن في الألفية الثالثة!!!.أن مآثر الحزب وتأريخه النضالي هي ملكا للجميع. ولكنني أتساءل :هل كان حزب" فهد" آنذاك بدون انحسارات أو صراعات!!!, وهل كان في برجا عاجيا كي لا يكون كذلك!!!, وهل كان مراقبا للمعارك الوطنية لكي يكون معصوما من الخطأ أم طرفا أساسيا فيها!!!....الإجابات في التأريخ المكتوب والغير منحاز نسبيا للحزب.

أن من يرى في الحزب " حبه" الأول والأخير عليه أن يكيف نفسه لميكانيزم الحياة المتغيرة أبدا وبدون انقطاع. فلا يمكن "السباحة في النهر مرتين", لأن الماء غيره عن المرة الأولى.فالحزب اليوم يؤمن في الديمقراطية الليبرالية على مستوى السياسة والاقتصاد(مع مظلة حقوق اجتماعية واسعة). ويترتب على ذلك أن يكون الحزب واضحا في خطاباته وتحالفاته وحدود انتمائه للعقيدة الكلاسيكية. وعلينا أن نعي حقيقة أن" الحب الأخير" هو ليست صورة طبق الأصل لفلم غير ناطق عن "الحب الأول". وبين" الحبين"تأريخ مشترك يجب العودة أليه ودراسته وتقويمه بعناية وحرص شديدين. وأعتقد أن الحزب الشيوعي ليست حركة ماضوية فهو من الحركات التي تلتصق بالحاضر بشدة . وإذا كان الحب الأول يعبر عن الحاجات الأولى للانتماء, فأن الحب الأخير هو حب الأحاسيس والانفعالات الهادئة...أنه حب الحياة والاستقرار, وكما عرفنا فأن الأنتماء أليه طواعية, ومغادرته أيضا بعرفان وأحسان !!!!!.






16
رأي سيكوـ اجتماعي في مشروع قانون تعدد الزوجات !!!

د.عامر صالح

في مجتمع الفقر المدقع والحرمان الشديد من الاحتياجات الانسانية الاساسية, من غذاء ودواء وصحة ومأوى وتعليم صالح ومفيد, وخدمات ماء وكهرباء وأفتقاد للأمن والأمان, وانتشار للفساد بكل روائحه الكريهة, من اداري ومالي وأخلاقي واجتماعي عام, وفي مجتمع يقع اكثر من 30 بالمائة منه تحت خط الفقر والفاقة والعوز والعدم " كالعراق " تشتد فيه الهجمة الشرسة على المرأة ليكرس اضطهادها المزدوج من قبل مجتمع ذكوري أولا والذي أريد لها أن تكون تابعا على مر الازمان, الى جانب اضطهادها الاجتماعي العام وحرمانها من شتى فرص المساواة الاقتصادية والاجتماعية. فكيف تكون حال المرأة في مجتمع يعاني فيه الرجل هو الآخر اشد انواع الإضطهاد والقتل والحرمان من أبسط مقومات الحياة الحرة الكريمة !!!.

من الأعوجاجات الكبرى في العراق وفي العملية السياسية إن بعض من النساء السياسيات أو النائبات البرلمانية يبحثن عن  "حلول " بوعي أو غير وعي أو بوعي مزيف, لأختها أو زميلتها أو جارتها أو قريبتها أو عموم النساء, لتعيد انتاج وتكريس أزمة المرأة الأنسانية وبواجهات دينية اسلاموية, ومن خلال البحث عن مخارج ترقيعية لأزمتها والتي هي بالاساس جزء من الازمة المجتمعية العامة, وبعيدا عن الاصلاح الشامل لأوضاع المرأة في العراق, ومن ضمنها المرأة الأرملة والمطلقة والعزباء ومغتصبات الحروب العبثية بأسم الدين المتطرف والارهاب الدموي, " والتي بلغ تعدادهن أكثر من اربع ملايين أمرأة ", ولتتحول المرأة من جديد الى مشروع متاجرة وعقود بيع وشراء لأجسادهن مقابل لقمة العيش, وفي إدعاء كاذب لأنقاذهن من أوضاعهن المأساوية, وفي مجتمع عجز فيه الرجل عن ايجاد حل لأزمته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وعدم تمكنه من تأمين مستلزمات الحياة اليومية البسيطة !!!.
وفي السياق فقد دعت احدى البرلمانيات العراقيات في يوم 2017ـ3ـ12 الى تشريع قانون يشجع الرجال على الزواج بأكثر من إمرأة واحدة من خلال صرف حوافز مالية، فيما طالبت زميلاتها النائبات والنساء عامة الى رفع شعار "نقبل بعضنا شريكات لحماية بعضنا".  أن هذا الكلام والذي ظاهره رحمة بالنساء لكن باطنه جهل تام بأسباب أزمة المجتمع العامة بكل ابعادها, والذي تشكل ازمة المرأة جزء منه, وبقدر ما يغيب عن ذهن النائبة قيمة الاصلاح المجتمعي الشامل لأزمة مستفحلة, اقتصادية واجتماعية وسياسية فلا يستغرب المرء ان تأتي حلول النائبة مبتورة وجزئية ومحصورة فقط بالعثور على شريك معين يطعم المرأة ويشربها ويكسيها, بالتأكيد انه جزء من التفكير الاجتراري والمتخلف لأدراك قيمة المرأة في المجتمع, كونها شريك متساوي كما يفترض, وليست موضوع أشباع غريزي مضاف للرجل مقابل الغذاء والدواء !!!.

الدين الأسلامي يؤمن بتعدد الزوجات فمن اراد ان يتزوج بمحض ارادته وقناعته الشخصية وحاجته الماسه لذلك في مجتمع لم يعلن الطلاق الشرعي بين الدين والدولة, ومازال الدين مصدر اساسي للتشريع, وفي مجتمع يجهل قيمة العلمانية في الحياة العامة, فليذهب ويتزوج, فليست هناك من جديد في الأمر, ولكن الغرابة هو دعوة النائبة لأصدار قانون بذلك تحت واجهات معالجة ظروف المرأة العراقية القاهرة, واذا كان من ضمن الدعوة لتشريع قانون بهذا الخصوص هو لضمان مساعدات مالية وحوافز للزواج, فأنها ستكون بالتأكيد منفذا جديدا للفساد المالي والاداري والنصب والتحايل في بلد يعاني الأمريين من الفساد, الى جانب الابعاد الاجتماعية الخطيرة حيث سيسهم في المزيد من التفكيك الأسري والاجتماعي وتشرد الاطفال لأسر قد تكن كانت مستقرة نسبيا أو للأسرة الثانية, عدا ذلك سيقسم المرأة العراقية الى زوجة أصلية وأخرى تابعة او خدامة وعلى نسق التبعية العراقية في المواطنة " عثماني أو ايراني الأصل أو من أصول آخرى ". 

أن النماذج الاخلاقية للنظام الطائفي والمحصصاتي لا تسمح بمعالجات شاملة لقضية المرأة ومحنتها في العراق, فقد انتشرت من الجانب الآخر في السنوات الأخيرة ظاهرة الزواج خارج المحاكم, وقد انتشرت في أوساط مختلفة من حيث التعليم والثقافة والبيئة الاجتماعية والاقتصادية, وقد أخذت هذه الظاهرة طابعا مستفحلا وتنبئ عن مخاطر جدية على مستقبل المرأة بشكل خاص وعلى المجتمع بصورة عامة, مما يستدعي تدخل القضاء العراقي ومنظمات المجتمع المدني, ومنها بشكل خاص المنظمات النسائية, والبرلمان على وجه الخصوص باعتباره الجهة التشريعية والرقابية. وأن يتخذ الجهد التعبوي الثقافي والتوعية بمخاطر ذلك مسار مهما, من حيث كون هذا النمط من الزواج يغيب حقوق المرأة وأطفالها ويحرمها من الإرث, إلى جانب كون هذا الزواج يستهدف البنات في أعمار مبكرة بما فيها القاصرات إلى جانب مختلف الفئات العمرية من النساء, ويهمش دور القضاء والدولة عموما باعتبارها الراعي والمسئول الأول عن رسم ملامح الاستقرار الأسري والاجتماعي بصورة عامة. هذا النوع من الزواج لم يكن موجودا قبل عقد من الزمن وكان يعاب عليه كل العيب, إلا إن ضعف الدولة وتدهورها وغياب الأمن وانتشار الفقر والبطالة وما رافق ذلك من تفكك للنسيج الاجتماعي والقيمي, جعل من أمراء الطوائف والمليشيات والمذهبية ـ السياسية يخترقون منظومة القيم الاجتماعية لتحل محلها قيم الاجتهاد والابتذال والتفسخ بواجهات دينية وغير دينية !!!.

لقد لعبت عوامل الفقر والحرمان وانعدام فرص العمل والعيش الكريم, الى جانب تمركز المال والفساد بيد زعماء الطوائف والقادة السياسين دورا كبيرا في استمالة المرأة وتحويلها الى موضوع فعل جنسي يتم استغلاله ومن ثم شرعنته. وقد لعبت عوامل أخرى اساسية في تكريس صورة المرأة السيئة في المجتمع واعتبارها موضوعا سهلا تسهل استباحته, وهو غياب نظام تربوي وتعليمي قائم في مناهجه على فكر المساواة الصريحة والواضحة بين الجنسين, لكي يقوم ببث المنظومة القيمية واعادة توليدها في المجتمع. فقد كرست في عهد الاسلامويين اليوم فكرة الفصل بين الجنسيين الى ابعد الحدود وفروض قيود على حركتها وامتهان حقوقها مما يسهل امتهانها كانسان وكجنس !!!. 

أن المدخل السليم لأي اصلاح في اوضاع المرأة العامة وانتشالها من الدخول في مشروعات الأكراه او التي تجبر عليها المرأة ماديا ونفسيا لمختلف الخيارات السيئة خارج ارادتها, يجب أن يمر عبر تحسين اوضاعها العامة والاقتصادية منها بشكل خاص ومن خلال منظومة متكاملة من الحوافز المادية والضمانات الاجتماعية التي تحصن المرأة من الانسياق المكرهة عليه أو الاستمالة, وتوفير فرص عمل استثنائية للنساء المتضررات من الحروب بفعل فقدان عامل الإعالة, اعادة تأهيل النساء القادرات على العمل وتوفير فرص لها, ومنح العاجزات عن العمل مختلف المساعدات الممكنة لأكتفائها الذاتي, واعطاء الاولوية للحصول على العمل للمرأة التي لا تمتلك معيلا وخاصة ذوات التحصيل الدراسي, منح التسهيلات والقروض المالية للمتزوجين من الشباب وغيرهم لتأمين الحد الادنى من العيش الى جانب توفير فرصة عمل للزوج على الاقل, منح مساعدات شهرية لأطفال الارامل وللاطفال عموما للتخفيف من الاعباء الاقتصادية. أن كل هذه الاجراءات تضع المرأة في موقع حسن يليق بمكانتها ويسمح لها في التفكير ايجابيا بمختلف الخيارات بما فيها الزواج بعيدا عن مشروع قانون السيدة النائبة البرلمانية !!!.





17
اليوم العالمي للمرأة هو مناسبة لتحريض المرأة العربية والأسلامية لأنتزاع حقوقها التاريخية

د.عامر صالح
من القضايا المهمة والمدعومة من الأمم المتحدة والتي حظيت بدعم مكثف وواسع النطاق هو ما حظيت به الحملة الرامية إلى تعزيز وحماية الحقوق المتساوية للمرأة. وكان ميثاق الأمم المتحدة، الذي وقع في سان فرانسيسكو في عام 1945، أول اتفاق دولي يعلن المساواة بين الجنسين كحق أساسي من حقوق الإنسان، ومنذ ذلك الوقت، ساعدت المنظمة على وضع مجموعة تاريخية من الاستراتيجيات والمعايير والبرامج والأهداف المتفق عليها دوليا بهدف النهوض بوضع المرأة في العالم.

وعلى مر السنين، اتخذ عمل الأمم المتحدة من أجل النهوض بالمرأة أربعة اتجاهات هي: تعزيز التدابير القانونية؛ وحشد الرأي العام والعمل الدولي؛ والتدريب والبحث، بما في ذلك جمع الإحصاءات المصنفة بحسب نوع الجنس؛ وتقديم المساعدة المباشرة إلى المجموعات المحرومة. واليوم أصبح عمل الأمم المتحدة يستند إلى مبدأ تنظيمي رئيسي يقول بأنه لا يمكن التوصل إلى حل دائم لأكثر المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية خطرا إلا من خلال مشاركة المرأة وتمكينها الكاملين على الصعيد العالمي.

كما نشير هنا إلى دور الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي الذي تأسس في عام 1945 ودوره الكبير في التعبئة لقضية المرأة ومساواتها متأثرا بالفكر اليساري للعدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين, ولعب الاتحاد المذكور دورا تثقيفيا في مختلف بقاع العالم في تهيئة المزاج الدولي والإقليمي والقطري لإبراز قضية المرأة وتأكيد استحقاقاتها التاريخية في المساواة والعدالة والمساهمة في إبراز منظومة التحديات التي كانت ولا تزال شرائح عريضة من نساء العالم يشعرن أنهن يواجهنها على كافة الأصعدة الحياتية, إلى جانب الإشادة واستعراض الانجازات والمكاسب التي حققتها المرأة على مر العقود المنصرمة في كافة المجالات وضرورة الحفاظ عليها !!!.

وفي سياق لاحق وفي العام 1977 وفي القرار (32 / 142 ) دعت الجمعية العامة الدول إلى إعلان يوم من أيام السنة يوما للأمم المتحدة لحقوق المرأة والسلام الدولي, وذلك وفقا لتقاليدها وأعرافها التاريخية والوطنية. وقد دعت الجمعية العامة الدول إلى المساهمة في تعبئة الظروف اللازمة للقضاء على التميز ضد المرأة وضمانة مشاركتها الكاملة في التنمية الاجتماعية وعلى قدم المساواة مع الرجل. وقد اتخذ الإجراء غداة السنة الدولية للمرأة ( 1975 )  وعقد الأمم المتحدة للمرأة ( 1976 ـ 1985 ) اللذين أعلنتهما الجمعية العامة. وقد اتفق على أن يكون الثامن من آذار عيدا عالميا للمرأة !!!.



وكان الأسم الأصلي لهذا اليوم هو " اليوم العالمي للمرأة العاملة " قبل أن تعتمده الأمم المتحدة رسميا في 8 أذار عام 1975, وتدعو الدول الأعضاء الى الاحتفال بيوم خاص بالمرأة.

وتحتفل نساء العالم في هذا العام استمرارا لمبادرة الأمم المتحدة في العام الماضي تحت أسم " 50 ـ 50 بحلول 2030 خطوة للمساواة بين الجنسين " أو ما يسمى بكوكب مناصفة بين الجنسين, لتركز على المساواة بين الجنسين ورفع الوعي السياسي والاجتماعي في قضايا المرأة وتسليط الضوء على الأوضاع الصعبة التي تواجهها ملايين من النساء حول العالم.

ورغم الاختلافات الدينية والعرقية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية على الصعيد العالمي والأقليمي والوطني, فأن هذه المناسبة تجمع نساء العالم حول الاحتفال بيومهن وأستعراض التاريخ الطويل من النضال من أجل نيل المساواة وغيرها من الحقوق على امتداد عقود من الزمن.

ويشكل هذا الإعلان قيمة أخلاقية وإنسانية في إعلانه صراحة على الصعيد العالمي بعدمية الفروق بين الجنسين في المساهمة في الحياة والحقوق العامة. ويشكل هذا الإعلان عودة إلى الفطرة الإنسانية والى مرحلة تاريخية ما قبل اللاتساوي بين الجنسين ونبذ الفروق الجسمية والعقلية والنفسية باعتبارها مصدرا بهيميا لعدم المساواة والتي يبنى عليها شتى مظاهر اضطهاد المرأة !!!.

وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية والإقليمية بتنوعها الديني والاثني والقومي, وعلى الرغم مما حققته من انجازات فردية على صعيد انخراطها في التعليم بمختلف مراحله, ودخولها عالم المهن المختلفة من طبية وتدريسية وهندسية وإدارية وجامعية, وصولا إلى تبوئها مناصب عليا وزارية وغيرها, فهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أنها حققت تقدمها في المساواة مع الرجل, بل المهم في ذلك كله هو المزاج والموقف العقلي والفكري من مساواتها, فهي لازالت مشروع استلاب منذ نعومة أظافرها, حيث تفرض عليها الوصاية التربوية والوعظية وتتعرض إلى مسلسل لا حصر له من الممنوعات من صغرها حتى شيخوختها, إلى جانب ما تتعرض له من مختلف صنوف التعذيب والعنف الجسدي والنفسي والأخلاقي, وكذلك العنف الرمزي غير المرئي الذي يتجسد عبر الثقافة والتربية والموقف المذل منها يوميا عبر معاملتها كجنس من الدرجة الثانية, وفصلها اجتماعيا عن الرجل سواء في البيت أو المدرسة أو الدائرة ومنعها من الاختلاط والتدخل في تفاصيلها اليومية, انطلاقا من مسلمات لا صحة لها " كناقصة عقل ودين " !!!.

ورغم مرور عقود على هذا الاعلان الدولي للمساواة فإن الهجمة على المرأة في العالم العربي والإسلامي وبقاع أخرى في العالم المتخلف تزداد شراسة منقطعة النظير جراء هيمنة الفكر المتشدد الرجعي بكل لبوساته المتسترة بالدين والعفن العقلي والفكر المتخلف الذي يحول المرأة إلى مشروع سبي واغتصاب وتهجير ومقايضة وحرمان ولا مساواة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والإنسانية العامة. ففي العراق وسوريا تتحول المرأة إلى مشروع للاغتصاب بواجهات جهاد المناكحة الداعشي والى مشروع تعذيب يومي وحرمان تخجل منه البشرية في ألفيتها الثالثة, إلى جانب اضطهادها التاريخي من قبل نظم اللامساواة واللاانسانية التي جسدتها وأفرزتها حكومات الحزب الواحد الدكتاتوري القمعي, وفي دول الخليج العربي حيث المرأة في اشد قسوة الاضطهاد بمختلف صنوفه, الظاهر منها والرمزي المبطن, ابتداء من الوصايا عليها من زوجها وأولادها وأبيها ودائرتها الذكورية المحيطة وانتهاء بممارسة شتى صنوف الإذلال, من ضرب وأهانه وقسوة في التعامل اليومي, فهي جزء من أدوات المنزل ذو السلطة الذكورية المطلقة, ومطبخه الذي يطمئن البطون قبل العقول, فهي حبيسة الأربعة جدران ولا حوله لها ولا قوة إلا بأذن من راعيها وقوامها الشهم ذو الرجولة المشوهة, وانتهاء بفتوى رجال الطوائف الدينية من زواج مبكر كطفلة أو متعة جنسية مؤقتة, أو مشروع إرضاع للكبير وزواج مؤقت لعطلة نهاية الأسبوع " ويك أند " !!!.

وتستفحل ظاهرة الزواج غير المدني, فالدول العربية والإسلامية تعج بمختلف أنواع الزواجات خارج المحاكم والمنتشر في مصر, والسعودية والعراق والكويت ودول الخليج الأخرى, والمغرب وتونس والأردن وكذلك إيران وتركيا وغيرها من دول العالم الإسلامي, ولهذا الزواج مشرعيه وفقهائه والذين يبحثون دوما عن مظلة شرعية لحماية هذا النمط من الزواجات, فهناك الزواج العرفي والمنتشر في مصر حتى في أروقة الجامعات, وهناك زواج المسيار, وزواج المصياف, وزواج ألويك أند, وزواج الفرند, وزواج المصواب, وزواج المسفار, وزواج المطيار, وزواج المحجاج, وزواج المسياق, وزواج المهراب, وزواج المقراض, وزواج المتعة, وزواج التجربة, وزواج المزار, ونكاح الترزق, ونكاح الخوالي, ونكاح إعارة الفرج, والمتعة غير الجنسية, والمتعة الجماعية, والمتعة من اجل الإنجاب, وزواج المباركة, ونكاح التعدد, وزواج المردان, ونكاح المصاهرة, ونكاح الضيافة, والقائمة تطول, هذا هو نكاح في ظروف " السلم ", أما نكاح زمن الحرب فقد ضربت داعش مثالا سيئ اهتز له ضمير الإنسانية, من جهاد المناكحة, وسبي النساء, ومقايضتهن جنسيا, وبيعهن في أسواق " الدولة الإسلامية " !!!.

وإذا نحتفل بعيد المرأة العالمي في ظل ظروف إقليمية وعربية وإسلامية تضيق فيها فسحة المساواة ويتعرض فيها فكر المساواة إلى مزيدا من التشكيك والضربات المختلفة, وينتعش فيها الفكر المتطرف الديني والسياسي الذي يرمي المرأة خارج إطار عملية الصراع أو تحيدها أو إجبارها على الوقوف إلى جانبه, وتسفيه دورها اللازم في عمليات التغير واعتبارها تابع لاجدوى من مساهمتها في الحياة السياسية والاجتماعية, فأن الجهود الصادقة والحريصة, الدولية منها والإقليمية والقطرية, يجب أن تتوجه إلى أنقاض المرأة من سلوكيات الإذلال والحط من قيمتها الشخصية والاجتماعية وفسح كافة فرص المساهمة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للمساهمة في بناء مجتمعات أفضل لا تخضع لمزاج الفتاوى الشخصية والاجتهاد المبتذل, فمكانة المرأة ليست موضوعا للاجتهاد بل هي موضوع للمساواة وتحقيق العدالة الاجتماعية بين قطبين متكافئين !!!!.

كل التهاني القلبية للمرأة في عيدها العالمي, وكل عام والمرأة العربية والأسلامية بأحسن منه, والى المزيد من تشديد الخناق على العابثين بحرية المرأة وكرامتها الشخصية, والى المزيد من الوعي لفهم أسباب تخلف المرأة, والى التأسيس لأنتفاضة الرفض الكامل لعبودية المرأة وأستلابها من خلال الدين السياسي, والإذلال الاخلاقي والاجتماعي والاقتصادي والقيمي, فأن تقدم مجتمعاتنا ورقيها رهين بتقدم المرأة فيه, وكل عام والمرأة بخير.






18
جذور فالنتين " عيد الحب " بين الحضارة والدين   

د. عامر صالح

فالنتين أو عيد الحب أو عيد العشاق أو " يوم القديس فالنتين " هو احنفال مسيحي يحتفل به كثير من التاس في العالم في 14 فبراير حسب الكنيسة الغربية أو في 6 يوليو حسب الكنيسة الشرقية من كل عام, حيث يحتفلون بذكرى القديس فالنتين ويحتفلون بالحب والعاطفة حيث يعبر فيه المحبون عن حبهم لبعضهم عن طريق ارسال بطاقة معايدة أو اهداء باقة من الزهور أو غيرها لأحبائهم, الى جانب البعد الأقتصادي أسوة ببقية الأعياد وفي كل الأديان كمناسبة لتنشيط السوق الأقتصادية لتصريف الكثير من البضائع وخاصة الورود في هذه المناسبة, فهو مناسبة لحركة تجارية واسعة لتحقيق مزيدا من الأرباح. وتحمل هذه المناسبة أسم أثنين من الأشخاص لهما نفس الأسم " فالنتين " ويعتبرهم المسيحيون شهداء في سبيل المسيحية في بداية ظهورها, بعد ذلك أصبح هذا اليوم مرتبطا بمفهوم الحب الرومانسي في الكثير من بقاع العالم. لاتوجد رواية ثابته لهذا القديس, وهو قديس روماني من القرن الثالث الميلادي, ولكن الرواية الأكثر حضورا هي ان فالنتين هو كاهن مسيحي كان يزوج العشاق المسيحيين وفق التقاليد المسيحية سرا, وبسبب أن المسيحية كانت ممنوعة في الأمبراطورية الرومانية, وكان يعاقب كل من يمارس أسرار الكنيسة, وبسبب ذلك اعتقلته السلطات الرومانية وحكمت عليه بالاعدام, فأشتهر منذ ذلك الوقت بأنه شهيد الحب والعشاق, ومنه اخذت المناسبة في الاحتفال بعيد الحب أو يوم فالنتين !!!.

لقد توارثت الحضارة الإنسانية الحب من أسلافها الحيوانية في سلم التطور البيولوجي وأعادت إنتاجه على نطاق واسع  وبتعقيد لا مثيل له يكاد يغطي كل ثنايا الحياة الإنسانية وتفاصيلها الدقيقة متأثرا بالثقافة واللغة في أشكال التعبير عنه وحدة الإحساس به, حتى باتت مفردة الحب من أكثر المفردات إلهاما في الشعر والموسيقى والغناء والأدب ومختلف الفنون, وحتى في الخطابات السياسية, وان كانت في الأخيرة غير مباشرة وغامضة, ولكنها أيضا تدعي " الحب " لتضفي على السياسة بعدا أكثر آنسنه من المصالح الضيقة, بل حتى حروب الحضارات كلها كانت تحت شعارات إشاعة العدل والحق والمحبة بين الناس, وأصبح الحب شعار معلن في الحرب والسلم وكل حسب طريقته, حتى باتت مفردة " أكرهك " في سلة المهملات, بل أصبح من العيب في اغلب الثقافات استخدامها على الإطلاق حتى مع الأعداء أو مع من تختلف معهم, فكانت كلمة " أكرهك " من العيب أن تنطق في أكثر المناسبات كراهية بين البشر, وكانت تحل محلها في مناسبات الخصام كلمات مثل " لا أرغبك ", أو ليست لدينا " لغة مشتركة ", أو " لا أستطيع التفاهم معك " أو " أشكرك نلتقي مرة ثانية " في محاولات لإعادة بناء الحب من جديد !!!!!. 

وإذا كان الحب لدى الحيوانات الدنيا بدائيا بملامحه وطبيعته البسيطة فأنه لدى الإنسان أكثر تعقيدا, بل هو احد السمات البشرية, أو السمة التي تجعل من الفرد إنسان بشري عاقل, بل هو أكثر العوامل سببا في ديمومة الإنسان وبقاءه على وجه الكرة الأرضية, فيأخذ الحب هنا مظاهرا مختلفة وثيقة الصلة ببقائه واستمراره وتحسين ظروف عيشه, فهناك حب النفس أو العقل ـ حب العمل ـ حب الجسد ـ حب الطبيعة ـ حب الطعام ـ حب المال ـ  حب العلم ـ  حب القوة ـ الحب الجنسي ـ حب الحيوان وتربيته ـ حب احترام الآخرين ـ حب الأطفال ـ حب الوطن ـ حب الفريق الرياضي ـ حب العلم وغيره من مظاهر الحب المختلفة, والحب هنا هو قوة الجذب الايجابية التي تربط أفراد الجنس البشري, بل هو الحافز الايجابي الذي يجعل الحياة جديرة بالعيش, وتسودها المتعة والسعادة ودقة الانجاز والسعي للحصول على أرقى المعارف الإنسانية وفهم العالم من حولنا كما هو الحال في فهم ذواتنا. وهذا لا يتم إلا من خلال المشاركة مع إنسان آخر نرى فيه شريكا لمختلف أوجه الحب !!!!!.


أما في الأديان السماوية وغير السماوية فقد ورد الحب ودلالته ومجالاته بتفصيلات كثيرة في أطار التوصية به في التعاملات اليومية, أو في ممارسة الطقوس الدينية, أو بالتلويح بعقوبة الحرمان منه. وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد ورد ذكر الحب صريحا في القرآن مباشرة في ( 76 ) آية, عدا الحالات الضمنية الغير مباشرة والتي تشير إلى معنى الحب. وأذكر هنا فقط نماذج منتقاة من بعض الآيات: في سورة البقرة, الآية ( 305) " والله لا يحب الفساد ", وفي سورة آل عمران, الآية ( 32 ) " قل أطيعوا الله والرسول فأن تولوا فأن الله لا يحب الكافرين ", وفي سورة النساء, الآية ( 107 ) " أن الله لا يحب من كان خوانا أثيما ", وغيرها من النصوص الكثيرة التي تشير إلى التعامل بالمحبة والرحمة مع الأولاد والزوجة وذوي القربى., وكره الإسلام فكرة الانفصال بين الزوجين ووضع لذلك شروطا محدد.

وفي المسيحية شكلت رابطة الحب من الروابط القوية في الكتاب المقدس, ولعل من مؤشرات ذلك هو عدم جواز الطلاق والقسم بإبقاء العلاقة بين الزوجين إلى النهاية, وعدم السماح بتعدد الزوجات, والحب في المسيحية من أجمل الروابط البشرية التي تجمع الرجل والمرأة بمباركة من الله, ونجد نظير ذلك في الكثير من الأديان والشرائع السماوية.

وقد ربطت الأديان السماوية ربطا محكما بين الحب والزواج, ولم تسمح بممارسة الحب أو الحب الجنسي خارج أطار شروط المؤسسة الدينية وفي أطار العلاقات الزوجية حصرا, وبهذا اعتبر الحب وممارسته من المحرمات قبل العلاقة الزوجية. يقول النبي محمد " لم يرى للمتحابين مثل التزوج ", وبالتالي فالحب هنا هو حب بين الزوجين والمتزوجين فقط. ومن هنا أيضا اعتبر الامتناع عن الحب قبل الزواج احد مصادر العفة للرجل والمرأة, كما ورد في حديث آخر للنبي محمد بقوله " يا معشر الشباب, من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر, وأحصن للفرج, ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ". ومن هنا دخل الحب في مجتمعنا في دهاليز السرية شبه التامة خوفا من العقاب الديني والاجتماعي !!!.

وتبقى هنا مسألة العفة والطهارة من أكثر الموضوعات حساسية في ضوء ارتباطها بمفهوم إشباع الدوافع الإنسانية ومنها دافع الحب. ففي المجتمعات الأوربية تفهم العفة والطهارة ليست بعدم الإشباع لدافع الحب والجنس, بل في إعادة صياغة هذه العلاقة بين الذكر والأنثى على أسس مقبولة اجتماعيا تنسجم مع جوهر التغيرات الفكرية و الاجتماعية والاقتصادية والتقنية والحضارية, وقد قطعت هذه المجتمعات شوطا في إيجاد علاقات بين الجنسين تتمتع بزخم وقبول اجتماعي, وإيجاد معايير أخرى للعفة والطهارة خارج أطار الدافعية للحب, كالصدق والأمانة والوفاء واحترام القوانين وعم التجاوز على حقوق الغير وحريتهم والحكم بالعدل والنزاهة الشخصية من الفساد بمختلف مظاهره الضارة للمصلحة العامة !!!.

أما العفة والطهارة في المجتمعات العربية والإسلامية عموما فظلت متأثرة بالمؤسسة الدينية أكثر مما تتأثر بظروف الحياة العامة والتغيرات الجارية وتأثيراتها على إعادة صياغة العلاقة بين الجنسين, ولا يزال النظر إلى الحب و ممارسته من مؤشرات السمعة غير الطيبة, وإفساد للمجتمع وللعلاقات الاجتماعية, ويبعد الفرد عن طريق الصواب ويضيع وقته سدا, وجهل للدين وقلة الحياء من الله باعتباره هو المحبوب الأعظم ومنه تتفرع أنواع المحبة الأخرى " حسب التفسير الديني ". وهكذا يعيش الشباب اليوم في مجتمعاتنا وسط موجات من الصراع والضغوطات النفسية الهائلة في عالم منفتح على مصراعيه, وفي ظل تغيرات عارمة تعيشها, تجرف مجتمعات بكاملها, مع بقاء الكثير من مؤسساتنا الاجتماعية عاجزة عن احتواء هذه التغيرات والإلحاق بها بما فيها المؤسسة الدينية المتشددة, والتي تغذي الإرهاب ولا تغذي الحب !!!!




19
جرائم الثامن من شباط ودلالتها في الحفاظ على ما تبقى من الدم العراقي !!!
 

د.عامر صالح

يشهد العراق اليوم زمن أسود في كل تفاصيل حياته اليومية, من طائفية سياسية أغلقت الطريق بوجه مستقبله واستقراره ونهضته المرتقبه, وتفكك اجتماعي واقتصادي أطال الحياة بكل تفاصيلها الدقيقة, من تفكك للنسيج الأجتماعي وتشويه لتنوعه الديني والمذهبي والقومي وتشوه في الأخلاق العامة والوعي العام, ودمار شامل للبنية التحتية الأقتصادية وايقاف لعجلة التنمية الشاملة وما رافقها من فقر وجوع وبطالة وانعدام الخدمات العامة, وتفشي الفساد الأداري والمالي والعبث بالمال العام, واشاعة الجريمة بكل ابعادها, وأنتشار الأختطاف  والقتل اليومي المجاني والتصفيات الجسدية على خلفية الاختلاف في الهوية السياسية والطائفية أو الأختلاف في الرأي, وتهديد السيادة الوطنية والتراب العراقي, وكان في داعش العراقية المتلبسة بقيم ثقافة البعث الساقط أسوء دليل على الجريمة والتحلل الخلقي وأنتهاك الأعراض والسيادة العراقية. إن ما يحصل اليوم هو امتداد مرضي لثقافة الأمس في الإقصاء !!!.

أن الذكرى الفاجعة الرابعة والخمسين لانقلاب 8 شباط الأسود تستحضر في ذاكرتنا كل أوجاع ومعاناة الوطن الجريح,من قتل وتعذيب وسبي وتهجير في الداخل والى الخارج,والذي جرى على الهوية الوطنية والاجتماعية والأخلاقية والفكرية,مستهدفا كل نماذج النبل ورموز الخلق الرفيع لأبناء شعبنا وحركته الوطنية من سياسيين وتكنوقراط وكفاءات علمية وقيادات اجتماعية, أنها جريمة من الجرائم ضد الإنسانية,وليست جريمة ذات أبعاد قضائية فقط وفي حدود داخل البلد ومفاهيمه للجريمة, أن الجريمة الإنسانية "هي تلك الجرائم التي يرتكبها أفراد من دولة ضد أفراد الذين من دولتهم أو من غير دولتهم,بشكل منهجي وضمن خطة نلاحظها,والتميز في المعاملة بقصد الإضرار المتعمد بالطرف الآخر,وذلك بمشاركة مع آخرين لاقتراف هذه الجرائم ضد مدنيين يختلفون عنهم من حيث الانتماء الفكري أو الديني أو العرقي أو الوطني أو الاجتماعي أو لأية أنواع أخرى من الاختلاف".فقد أودت هذه الجريمة بعشرات الآلاف من مواطنينا الأبرياء وبآلاف العائلات في غياهب السجون متعرضين فيه لشتى صنوف القتل والإرهاب والتعذيب والدفن وهم أحياء,والذين لم تسلم رفاتهم إلى اليوم إلى ذويهم  وبدون قبور تزار.

لقد استهدفت هذه الجريمة كل قطاعات مجتمعنا بدون استثناء بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال إيقاف عملية تقدمه الاقتصادي والاجتماعي وأرجعاه إلى الوراء, ولأن الشيوعيين العراقيين يستذكروها قبل غيرهم,لأنها ارتبطت برموزهم الوطنية وقيادتهم المخلصة للوطن أولا,إلا إن ما وقع من أثارها على شعبنا لاحقا وبفترات تاريخية جراء تسلط النظم الدكتاتورية المتعاقبة وما سببته من تشوهات في التركيبة الاجتماعية,وما ارتكبت من مجازر وحشية طالت كل الطوائف والأديان والقوميات والأعراق ضربت عمليات الاستقرار الاجتماعي في الصميم,وعلى الجميع تذكرها وأخذ الدروس والعبر منها,لأن ذلك يجنب "العراق الجديد " مخاطر الانزلاق في حصر مفهوم الجريمة وضحاياها في فئة دون غيرها...فالجريمة كسلوك يجب إدانته على نطاق واسع بغض النظر عن الجهة التي وقع عليها فعل الأجرام,وعدم السماح بحصره بأطر ضيقة ومحدودة واستخدامه لأغراض نفعية خاصة,فالضحية هو شعبنا بكل مكوناته...وما ارتكبته لاحقا الديكتاتورية والفاشية من جرائم ضد شعبنا هو شاهد على ذلك !!!!.

وبقدر ما كان " لنكسة " الثامن من شباط  من آثار سلبية وانعكاسات خطيرة, إلا إنها شكلت مصدرا أساسيا من مصادر إعادة تشكيل كيان الفرد العراقي أو الجماعات المختلفة المنضوية تحت النسيج الاجتماعي الواحد المتنوع,وفي كافة الأبعاد العقلية ,والنفسية,والوجدانية والسلوكية للأفراد والجماعات والأحزاب والثقافات الفرعية وعلى خلفية إزالة آثار الصدمة,فقد خلقت أولا لدى الحركة الوطنية دافعا قويا من رباطة الجأش المخضب بالأيمان " لإعادة البناء " تمثل في دافعية التعويض الهائلة في إعادة بناء الكيانات السياسية المعارضة للجبهة الفاشية,ولعل السرعة التي أعيد بها تنظيمات الحزب الشيوعي بعد الهجمة الشرسة عليه كانت من " معجزاته " والتي لا زالت راسخة في ذاكرة الأعداء قبل الأصدقاء,فقد نهض الحزب من جديد بعد إن تصور أعدائه أنها هذه نهايته لا محال!!!.

أن جيلا من الأطفال والشباب ولد وترعرع في خضم أحداث صدمة شباط وما بعده, وقف متسائلا ومتأملا عن أسباب فقدان واستشهاد الأخوة والآباء والأمهات والأقارب...وقد كبر تفكيرهم على أعمارهم أضعافا باحثين عن الذنب الذي اقترفه أهلهم وذويهم لكي تحل بهم هكذا فاجعة...لأنهم لا يتوقعون جنسا ينتمي إلى الإنسانية أن يمارس هذه الممارسات في القتل والتشريد ودفن الأحياء,لقد خلقت حالة من الوعي المضاد لأسباب الكارثة في البحث عن بديل أنساني للخلاص من المحنة وهكذا انطلقت المنظمات الطلابية والشبابية والنسائية والعمالية من جديد,وبزمن قياسي, إلى منابر للأعداد والتثقيف والتنظيم ...لقد خاب ظن النظام الفاشي !!!, فقد اتضحت مشاعر روح القوة والعزيمة والإصرار على الكفاح على وجوه الناس ومشاعرهم, لقد خلقت نتائج هذه الأحداث فرصا مواتية لبناء المهارات الفردية والتنظيمية لمواجهة جسامة الحدث وإيجاد أفضل وسائل التكيف مع آثار " النكسة ".

لقد برز أعلام الحزب الشيوعي العراقي بقدراته الهائلة الداخلية والخارجية لفضح النظام الفاشي عبر حملات التضامن مع شعبنا, وفرضت على النظام عزلة دولية خانقة, وقد رسخت مزيدا من ثقافة رفض القهر والظلم والذل,  لقد اسقط الشيوعيون العراقيون المفهوم النفسي للدولة التي لا تقهر, وبهذا أزيحت مفاهيم الاستسلام كمنتوج للصدمة عبر إشاعة مفاهيم العزة والانتصار والإيمان بقضية الشعب العراقي العادلة في الديمقراطية والتقدم والحرية.

واليوم أذ يمر العراق بأسوء ظروف انسانية تعيد فيه الى الذاكره احداث شباط المأساوية في قطع الطريق على التقدم والسلم الأجتماعي والاستقلال الوطني والاستقرار المجتمعي, فأن كل القوى الخيرة وصاحبة المصلحة في عراق معافى عليها القيام بدورها المخلص والنزيه في اعادة بناء العملية السياسية على أسس واضحة بعيدا عن النظام الطائفي والاثني البغيض, الذي زرعه الأحتلال الأمريكي في العراق, وكان اليوم سببا رئيسيا في الخراب والقتل والفساد وانتهاك السيادة الوطنية والذي أودى بمجتمع بكامله في دوامة الصراع والهلاك والانقراض المتواصل للدولة ومؤسساتها على طريق الأضمحلال الشامل. إن بقاء الحال على ما هو عليه سوف يجعل العراقيين كل ايامهم ثامن من شباط, حيث القتل اليومي بدون مناسبة تذكر !!!!.


20
لماذا يتهالك البحث العلمي في بلادنا وما هو المخرج من الأزمة !!!
 

د.عامر صالح 


البحث العلمي هو نافذة البشرية الوحيدة إلى التقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي والفكري, بل أن كل الثورات العلمية والصناعية والتكنولوجية والمعلوماتية ما هي إلا ثمرة من ثمرات التراكم المعرفي والعلمي القائم على أسس تطوير منهجية البحث العلمي, وما عدا ذلك فأن حياتنا لا تعدو إلا أن تكون طقوس من التنجيم والخرافة والسحر والشعوذة والاجتهاد العبثي, يعاد فيها إنتاج التخلف وتوليده على نطاق واسع في كل مفاصل الحياة العامة والخاصة, حيث يتم فيه تعطيل قيمة العقل الإنساني, الذي لا سلطة تعلو عليه, في البحث عن الحلول العلمية لمختلف مشكلات الحياة, وعندها يتوقف الزمن, حيث لا نشعر بقيمة التقدم وجدواه وتبقى حياتنا تكرارا مبتذلا لأسلافنا, وفي أحسن الصور يكون وجودنا محاكاة مشوهة لما ينجزه الآخرين دون القدرة على استنبات العلم والتقدم التقني والاجتماعي في البيئة الوطنية !!!.

أن البحث العلمي كآلية هو العملية الفكرية المنظمة التي يقوم فيها الباحث إن كان فردا أو مؤسسة بحثية أو جامعية من اجل تقصي الحقائق بشأن مسألة أو مشكلة معينة تسمى ( موضوع البحث ), بأتباع طريقة علمية منظمة تسمى ( منهج البحث ) بغية الوصول إلى حلول ملائمة للعلاج أو إلى نتائج صالحة للتعميم على المشاكل المماثلة تسمى ( نتائج البحث ). فالبحث العلمي هو الطريقة الوحيدة للمعرفة حول العالم بكل تنوعاته وغناه, ولفهم الحقائق الواقعية بعبارات القوانين والمبادئ العامة. والبحث العلمي كمنهج يطال كل مفاصل الحياة بدون استثناء, الروحية منها والمادية, ولا توجد فرصة للخيار بين البحث العلمي أو عدمه, فالمراوحة في الخيار هي نوع من الباطل, وعدم الأخذ بالمنهج العلمي يعني اختيار التخلف كطريقة للبقاء والعيش, وهو ما يرفضه علنا وحياء حتى أكثر دعاة ورموز الأمم تخلفا, فأما الحياة أو الموت !!!.

ومن هنا نستطيع القول بما لا خلاف عليه بين من يلتمسوا تشخيص الحاضر ويبنوا المستقبل أن البحث العلمي هو الطريقة لمعرفة وحصر مشاكل المجتمع, وتحديد درجاتها من الأهمية, وأولويات وطرق التعامل معها, وهو السبيل الوحيد لحل تلك المشاكل بما ينسجم مع إمكانيات المجتمع وقدراته وطموحاته؛ وهو الطريق للحفاظ على القدرة التنافسية للمجتمع في عالم متحرك ومتطور بسرعة فائقة؛ وهو الطريق لتشخيص وتلبية حاجات المجتمع المستمرة والمتزايدة في كافة مجالات الحياة, عن طريق تطوير طرق الإنتاج والأداء وأدواته وخاماته ووسائله في مختلف مجالات الحياة في, في الزراعة والصناعة والخدمات وحسن استخدام الثروات الطبيعية وغيرها, بما يؤدي إلى تحقيق الكفاية أو يقترب منها ويضع السياسات الحكيمة للموائمة بين تلك الحاجات وبين الإنتاج والاستيراد, ويحقق معدلات مرتفعة من التشغيل للفئات الاجتماعية المختلفة حسب المؤهلات والكفاءات المهنية والعلمية المتاحة, مما يؤدي بدوره إلى نوع من الانسجام والتوائم الاجتماعي !!!.

والبحث العلمي ضرورة ملحة لنظام الحكم ومؤسساته ووزاراته وكل أجهزة المجتمع ومؤسساته ومنظماته, حيث لا يمكن التخطيط واستقراء المستقبل بدون بحث علمي, ولا يمكن أيضا بدونه القيام بعمليات التنفيذ والمتابعة والتطوير وحل المشكلات الطارئة؛ والبحث العلمي أيضا شرطا أساسيا على المستوى الفردي, حيث يحتاج الفرد من اجل حياة موفقة أن يفكر في كل خطواته وتحركاته من إقدام وإحجام, وان يجمع لها البيانات اللازمة ويحسب الخسارة والربح المترتب على ذلك وتأثيره المستقبلي؛ كما أن البحث العلمي بمعناه الواسع يمتد ليشمل جمع المعلومات وتوظيفها في جميع أنشطة الحياة العلمية والعملية, ويمتد ليشمل الأفراد والجماعات والمجتمع, فإذا ما ارتبطت بخطوات محكمة منظمة ومتسلسلة لجمع المعلومات وتحليلها والتأكد من صحتها بغرض الإجابة على سؤال معين أو تفسير علاقة ما أو حل مشكلة ما, كان ذلك يعرف بالبحث العلمي, أنه سلوك المجتمعات المتمدنة والمتحضرة ووسيلتها لحل مشاكلها والتغلب على أزماتها. وعدا ذلك يصبح كل شيء عشوائي, مما يزيد من فرص الفشل والإحباط والتخبط في إيجاد حلول للازمات. أن غياب البحث العلمي في بلادنا هو مصدر أساسي في التخلف والفوضى التي تضرب كل مرافق الحياة, مما يسبب في ضياع الوقت وإهدار المال وشيوع الفساد بمختلف مظاهره, ويشكل فرصا مواتية لشيوع الخرافة بكل ألوانها, السياسة والدينية وانتشار الجهل والغباء في تفسير ما يجري على ارض الواقع وفقا للمنطق المعكوس في وضع العربة أمام الحصان !!!!!. 

وفي ضوء تلك الاعتبارات لا نستغرب من الصراع الذي يجري اليوم في العالم من اجل حيازة المعرفة العلمية لتحسين ظروف العيش والارتقاء بها ومن اجل صناعة الحياة وتحقيق التطور والنهوض, بل أن الكثير من دول العالم وفي مقدمتها أمريكا تسعى بطموحاتها المشروعة وغير المشروعة عبر الاستحواذ على المعرفة لقيادة العالم, لأن ذلك يشكل المدخل لامتلاك كل شيء, من تكنولوجيا و سلاح متطور إلى إنتاج نوعي في مختلف المجالات الحياتية, وهذا الجهد بطبيعته جهدا منظما لا يمكن أن يجري في الفراغ, حيث ينبغي توفير الحرية والدعم والأموال وبناء المنشآت والمعامل والأدوات, وتأهيل الكوادر البشرية, وخلق الحوافز المادية والمعنوية, التي تجعل من الإنتاج الفكري عملا يستحق المعاناة والجهد المتواصل. بل أن الكثير من الدول المتطورة تعلن عن طموحاتها في تصدر عالم المعلومة الرصينة, ولا نستغرب من المؤسسة الوطنية للعلوم في أمريكا تحدد لنفسها الأهداف الثلاثة الآتية:

ـ النهوض بالاكتشافات والنشر المتكامل وتوظيف المعلومات الجديدة في خدمة المجتمع.

ـ تحقيق التمايز في العلوم والرياضيات والهندسة وتدريس التكنولوجيا في جميع المستويات التعليمية.

ـ تمكين الولايات المتحدة من التمسك بقيادة العالم في جميع مجالات العلوم والرياضيات والهندسة.

أن أسباب تخلف البحث العلمي وتدهوره هو جزء من تخلف الحياة العامة الذي يعكسها تخلف البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والذي ينعكس بدوره على تخلف المنظومة التربوية والتعليمية والتي يرتبط بها العلم والبحث العلمي والقناعة به كمنهج للحياة وحل المشكلات. وتتضح ابرز أسباب ملامح ضعف البحث العلمي وكفاءته فيما يأتي:

ـ حالة الفقر العامة في اغلب المجتمعات العربية, فالفقر بطبيعته التي تجبر الإنسان على التفكير بلقمة العيش فقط, فهي تحصره في ضيق الأفق والتقليل من مساحات الإبداع والحد من استثمار القدرات العقلية.

ـ هيمنة الفكر السياسي والديني المتعصب في الحياة العامة والذي يرفض جميع أشكال التطور والتقدم العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي, ويتشبث في الماضي لإيجاد الحلول لمشكلات الحاضر, ويرفض ممارسة النقد والنقد الذاتي لفكره وممارساته, فيعتبر ما عنده صالح لكل الأزمان والأمكنة, وبالتالي يشل قدرة العقل على التواصل مع معطيات الحضارة العالمية.

ـ الاستبداد السياسي المتمثل بفقدان حرية الرأي وغياب الديمقراطية في كل مفاصل الحياة, ابتداء من السلوكيات الفردية والمؤسساتية صعودا إلى قمة النظم السياسية, التي تحاصر الحريات الفردية اللازمة لتطوير شخصية الفرد وعطائه, وتحول الكيان الاجتماعي إلى كتلة هامدة عديمة التمايز والفاعلية, تجيشها متى ما تشاء وتخرسها عند الحاجة وتساوي أفرادها هلاكا, حيث أن التمايز الفعال بين الأفراد في القابليات والقدرات هو احد حقائق الوجود الإنساني وصيرورته.

ـ ويرتبط بالعوامل المذكورة أعلاه غياب ثقافة أهمية البحث العلمي والاكتشافات العلمية والرغبة في الإبداع والاختراع في الوعي والتفاعل الاجتماعيين, وبالتالي يغيب التفكير والتشجيع والدعم عن المسار البحثي والعلمي وعن العلماء والباحثين والمكتشفين في المجتمع, وترتبط جذور ذلك أصلا في غياب القيمة البحثية في مناهج التعليم بمراحله المختلفة والقائمة أصلا على الحفظ والتلقين والاستذكار التقليدي, وهذا النظام التعليمي التلقيني لا يحتاج إلى كفاءات عالية ولا إلى مستلزمات تقيم متطور لقياس مهارات الطلاب في الفهم والتفكير وحل المشكلات, إلى جانب كونه نظام يدفع إلى الكسل والاتكالية والخمول العقلي, ولا يستثير في الطالب فكرا أو تساؤلا بل يقتل فيه ملكة التفكير, وتنتفي في هكذا نظم تعليمية القدرة على صناعة الباحثين في الخطط التعليمية عبر التراكم المعرفي في مراحل التعليم المختلفة.

ـ ضئالة الموارد المالية المخصصة للبحث العلمي وللباحثين في الجامعات وفي الدول العربية بصورة عامة بسبب من غياب إستراتيجية واضحة في هذا المجال وتخلف النظرة إلى الإنفاق باعتباره إهدارا واستهلاكا للأموال غير مجدي, وليست استثمارا طويل الأمد يأتي أضعاف ما ينفق عليه, وقد أوردنا في بداية البحث ما يعكس الضعف في هذا المجال قياسا بالمعايير الدولية.

ـ الفساد الإداري والمالي وضعف معايير الكفاءة والأهلية المهنية والعلمية في انتفاء الكادر القيادي لمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي, واللجوء إلى معايير الحزبية والمذهبية والطائفية والموالاة في انتقاء الكوادر الإدارية, وغالبا ما تكون هذه القيادات بعيدة كل البعد عن مفهوم الاستقلالية والنزاهة, بل هي أطراف أساسية في صراعات مصلحيه ضيقة مع غيرها, بل هي أطراف في الفساد بمختلف مظاهره, مما يحرم هذه المؤسسات من الاستقرار والنزاهة والحيادية التي هي شروط لازمة للارتقاء بالعلم والبحث العلمي. ويرتبط بذلك ويرافقه سياسات أبعاد الكوادر العلمية عن مواقعها العلمية والبحثية من خلال التهجير ألقسري والإحالة على التقاعد وانتهاء بالتصفيات الجسدية ومسلسل الاغتيالات للكوادر في مختلف التخصصات العلمية.

ـ الآثار الضارة للمركزية الإدارية الشديدة في التعليم وغياب إستراتيجية إدارية ـ علمية معاصرة, حيث ساهمت الإدارة المتخلفة وعلى مر عقود في غياب تصور علمي دقيق وشامل للعمل البحثي, انتفت فيه عمليات التناسق والتناغم والتخطيط لمكونات العملية البحثية ومقوماتها الأساسية ( الباحثين, التمويل, التطورات العلمية والتقنية, الأولويات البحثية بما يخدم احتياجات المجتمع وتطوره, المعامل والأجهزة والمعدات العلمية وغيرها ), وبين المراكز البحثية المختلفة, وبين البحث واحتياجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية لمختلف البحوث. 

ـ أن غياب إستراتيجية شاملة للبحث العلمي في كل بلد عربي تتضح آثاره جليا في ما يسمى بالفوضى البحثية, والتي تتضح أبرز معالمها في العمل البحثي الفردي لأغراض فردية وذاتية بحتة, سواء لأغراض الترقية العلمية فقط أو للحصول على المال في أمكنة النشر, وعدم وجود فرق بحثية تتكامل بين أفرادها, وهو سمة مهمة من سمات تطور وارتقاء البحوث في عالمنا المعاصر, وعدم التنسيق بين المراكز البحثية المنتشرة في البلد الواحد, وانفصال البحوث عن المشكلات الاجتماعية واحتياجات المجتمع, مما أدى بدوره إلى تكرار واجترار البحوث السابقة, فهي لا تخدم في معظمها قطاعات صناعية أو زراعية ولا تواكب حاجات المجتمع في ميادينه الناشئة الحديثة كتقنية المعلومات والتكنولوجيا المتطورة, وكان ذلك سببا في إنتاج كم هائل من المجلات والدوريات ذات الموضوعات المتكررة في البلد الواحد بل وفي القسم و الكلية والجامعة الواحدة في البلد المعني, واغلب هذه الدوريات غير معروف عالميا ولا يضيف قيمة علمية للبحوث العالمية !!!.

ـ عدم وضوح فكرة أن الجامعات هي جزء من آليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي يجب أن تكون بحوثها على تماس مع مشكلات المجتمع بمختلف قطاعاته, وبسبب غياب الرؤى في هذا المجال نرى أن اغلب بحوث الماجستير والدكتوراه تستهدف تهيئة وتدريب الكادر على طرائق ومنهجية البحث العلمي, وهي بهذا بعيدة كل البعد عن المساهمة في البحث عن الحلول للمشكلات الاجتماعية المختلفة, وبسبب من ذلك تأتي اغلب الأبحاث سواء الأساسية منها أو التطبيقية تكرارا لسابقتها, إن لم يكن تكرارا مملا فهو تكرارا بحلية شكلية ترضي المشرف عليها, وقد تبدو لصاحبها أصيلة وهي  بعيدة كل البعد عن الأصالة.

ـ لا يشكل البحث العلمي إلا قدرا هامشيا أو ضئيلا من عمل الأستاذ الجامعي فهو مغرق بالساعات التدريسية مما يشغل جل وقته في التهيئة للمحاضرات النظرية أو أعمال المختبر التقليدية, كما أن الكثير منهم تضعف علاقاته بالبحث العلمي بعد حصولهم على الدكتوراه أو بعد نيل درجة الأستاذية أو الأستاذ مساعد أو أستاذ مشارك, وينصب اهتمامهم في الإشراف على الأبحاث فقط أو أعمال روتينية إدارية كإدارة قسم أو كلية أو جامعة, رغم أن دور الأستاذ يجب أن يكون مستمرا في إنتاج أفضل البحوث المفيدة سواء للمجتمع أم للعملية التعليمية في أروقة الجامعات.

ـ ضعف البنية التحتية للأبحاث النظرية والتطبيقية من مختبرات وأجهزة ومكتبات علمية, فالمختبرات وأجهزتها وصيانتها ونقص المواد الأساسية لها بمختلف التخصصات ونقص الكادر الفني ذات الصلة بذلك هو سمة بارزة لأغلب ما تعانيه الجامعات العربية وتشكو منه, إلى جانب ضعف قاعدة المعلومات الحديثة, سواء من مطبوعات ودوريات علمية عالمية أو غياب المكتبات الرقمية أو الالكترونية وقواعد البيانات البحثية وغبرها من أدوات التعليم الالكتروني للتواصل مع العالم البحثي.

ولا نستغرب من كل هذا ولتلك الأسباب حصرا عدم تبوء الجامعات العربية لمكانتها العلمية بين الجامعات العالمية رغم الجهود المبذولة من قبل مختلف الجامعات العربية, فالطموح لتبوء مكانة لائقة في وسط الجامعات العالمية شيء ويبقى طموح مجرد, وفهم أسباب التخلف العلمي والقدرة على تجاوزه شيء آخر !!!!.

أن الحديث عن إصلاح أوضاع البحث العلمي والنهوض به يبقى حديثا لأغراض المتعة المعرفية والعقلية, ما لم يكون متزامنا وقائما على خلفية التحديث السياسي والإداري والاقتصادي والاجتماعي والفكري للمنظومة الرسمية السائدة, فلا يعقل أي باحث من أن إصلاح المنظومة التربوية والتعليمية وإصلاح الجامعات وما يرتبط بها من وظائف, كالتدريس والبحث العلمي وخدمة المجتمع المحلي, أو اصلاح المراكز البحثية المنتشرة خارج الجامعات, أن يتم هذا كله في وسط إدارة عامة بيروقراطية متخلفة فاسدة شديدة المركزية, وفي ظل نظام سياسي لا يؤمن بالحريات الديمقراطية وحرية البحث والتنقيب عن الحقيقة, أو في ظل مجتمع تسوده الأمية والفقر والجهل والتطرف, وبالتالي فأن النضال والجهود لإصلاح أوضاع العلم والبحث العلمي هي جهود مكثفة ومتزامنة مع جهود أخرى على أكثر من صعيد, وأن أفضل المقترحات في الإصلاح, وخاصة تلك التي تستجيب وتنسجم مع معايير الجودة العالمية في الإصلاح لا ترى النور وتبقى حبر على ورق أو أمنيات مستحيلة التحقيق في أذهان مصمميها ما لم تجري في إطار عملية اصلاح شامل للمنظومة الاجتماعية, ولعل ابرز المقترحات للنهوض بعملية البحث العلمي هي:

ـ ضرورة العمل على ربط الأبحاث العلمية بمشاكل المجتمع وقطاعاته المختلفة, الصناعية والزراعية والخدمية, الخاصة منها والحكومية, من خلال المسوح الشاملة لهذه المشكلات وضرورات الحاجة الملحة لحلها بما يخدم برامج التطوير والتنمية الشاملة, ويلعب التنسيق هنا بين مراكز الأبحاث في الجامعة وخارجها دورا مهما في هذا المجال للتركيز على الأبحاث النوعية ومنع تكرار البحوث ذات المشكلات المتشابهة, مما يجب الإهدار في الإنفاق والجهد ومضيعة الوقت.

ـ العمل الجدي على توعية قيادات القطاع الخاص بأهمية البحث العلمي وضرورته لحلول المشكلات المختلفة, مما يسهم برفع الكفاءة الإنتاجية لهذه القطاعات, ويؤدي أيضا بدوره إلى زيادة مساهمة هذا القطاع في تمويل عمليات البحث العلمي, وليست فقط الاعتماد على الحكومة كمصدر وحيد للتمويل, أسوة بما يحصل في بلاد العالم المتقدم.

ـ استحداث ميزانية خاصة للبحث العلمي سواء في إطار وزارات أو إدارات التعليم العالي والبحث العلمي أم خارجه, وتقرير نسب معقولة من الإنفاق المالي قياسا إلى الناتج الإجمالي, والى الموازنة العامة المخصصة لقضايا التربية والتعليم العالي, وهو ما معمول به في البلاد المتطورة.

ـ التطوير المستمر لبرامج تفرغ أعضاء هيئة التدريس وتخصيص ساعات معينة لإنتاج البحوث العلمية كجزء من النصاب التدريسي للأستاذ.

ـ التشديد والصرامة في نظام الترقيات العلمية للكادر التدريسي, من مدرس مساعد إلى مدرس ثم أستاذ مساعد إلى أستاذ واعتماد الإنتاج العلمي ودورهم البحثي وقدراتهم التدريسية الفعلية من ضمن المؤشرات الرئيسية لذلك, بعيدا عن العلاقات الشخصية والمحاباة والشللية, مما يسهم في إنتاج كادر يحترم نفسه ومهنته.

ـ إقامة شبكات وطنية للمعلومات تربط بين الجامعات ومعاهد البحوث وبعض المؤسسات المعنية الأخرى وأهمها التجارية والصناعية والإفادة من تجارب الجامعات الرصينة في العالم في مجال إنشاء الشبكات الفعلية والافتراضية للبحث والتطوير وشبكات بين الباحثين واستحداث برامج للدراسات العليا موجهة نحو الأبحاث التطبيقية الهادفة إلى خدمة أغراض التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمعلوماتية.

ـ ضرورة تطوير النشر الالكتروني ونشره على نطاق واسع وتشجيعه لمزاياه المختلفة من سهولة ورخص وتوفره في كل مكان, وشيوعه على نطاق جغرافي واسع يتجاوز محدودية النشر الورقي, ثم ضرورة إنشاء موقع الكتروني لكل مركز بحثي, أو قسم من أقسام الكليات في الجامعات المختلفة, وتطويره وتحديثه بأخر المعلومات المتاحة.

ـ تشجيع إنشاء جمعيات علمية وطنية وفق المقاييس العالمية لترويج البحث العلمي والتعاون مع الجمعيات العلمية والأجنبية, ويرتبط بذلك ويعززه حث الأستاذ على الانتماء لعضوية الجمعيات العلمية ومراكز البحوث الأجنبية ونشر البحوث لدى دورياتها العلمية وتحفيز الأساتذة على المنافسة في البحث العلمي ونشر البحوث المميزة.

ـ الحاجة الملحة لتطوير البنية التحتية للبحث العلمي, وخاصة البحوث التطبيقية لتوفير أجهزتها الضرورية وطاقمها الفني اللازم للصيانة والدعم لإجراء الأبحاث, فالجهاز العتيق البالي يأتي بنتائج مشكوك فيها, وعدم توفر المواد الأساسية للأبحاث هو الآخر يعرقل انجاز المهمة البحثية.

ـ خضوع الأستاذ للتدريب المستمر عن طريق دورات تدريب القيادات والتعاون بين الجامعات وتحتسب شهادة الكفاءة لإغراض الترقية العلمية وتطوير أساليب البحث العلمي. ويساعد التدريب على الرقابة العلمية على الأستاذ وخاصة إدخاله المعرفة الجديدة في أبحاثه ويعينه على التقويم الذاتي لانجازاته.

ـ العمل الجدي والمسئول لتخطيط البعثات العلمية إلى الخارج, وتحويلها من امتياز شخصي إلى الدارس للنقاهة والاستجمام بسبب من انتمائه المذهبي والسياسي والقبلي, إلى رحلة علمية حقا للبحث والاستكشاف, وهنا يجب اختيار المشكلات التي يحتاج المجتمع فعلا حلولا لها, وليست البعثة لإغراض دراسة التاريخ الإسلامي والعربي في جامعات الدول الأوربية والعالمية( فشر البلية ما يضحك), أنه مضيعة للوقت والجهد والمال, ولكي يعود الدارس بمزيد من المدخرات في العملة الصعبة.

تلك هي إشارات بسيطة لواقع البحث العلمي وسبل تطويره , وتبقى الحلول الجذرية ومدايات الأخذ بها والقناعة بتحويلها إلى خطوات إجرائية رهين بمدى انهيار المنظومة السياسية التقليدية القائمة على الخرافة والقمع والاجتهاد المؤذي, فأما العلم أو الجهالة إلى حين. لقد خضت في الكثير من التفاصيل في هذا الموضوع الحيوي في مناسبات علمية وبحثية مختلفة.




21
بين مفهوم " الحرم الجامعي " والحرية الأكاديمية يعيث الإسلامويين الخراب !!!
د.عامر صالح

لقد تقدم مجموعة من طلبة جامعة الديوانية يوم الأثنين المصادف 2017ـ 01 ـ 09 بشكوى لقاضي تميز المحافظة ضد امام جامع الرحمة في المدينة بعد ان وصفهم ب " بالمخانيث " مطالبين باتخاذ الاجراءات القانونية اللازمة بحقه. وكان امام جامع الرحمة قد تهجم, في يوم الجمعة السابقة للتاريخ المذكور اعلاه, على طلبة الجامعات ووصفهم بأوصاف نابية مطالبا وزير التعليم العالي باقالة عمداء الكليات ورؤساء الجامعات الذين لا يفرضون اجراءات مشددة على العلاقات بين الطلبة والطالبات في كلياتهم ولا يلتزمون بالانضباط الشرعي داخل الجامعات " وفقا لأمام الجامع والمدعو محمد الفضلي والقيادي في حزب الفضيلة " !!!.
وقد أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي رفضها ما تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي من خطاب لأمام الجامع “يسيء” للطلبة الجامعيين، فيما أعربت عن أسفها لصدور مثل هذا الخطاب “الأحادي المأزوم”، دعت إلى تفهم خصوصية المرحلة. وقالت الوزارة في بيان، إنه “دعماً لطلبتها وملاكاتها التدريسية وانطلاقاً من المسؤولية الأكاديمية والقيم الجامعية العريقة تعلن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي رفضها ما تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي من خطاب يسيء للطلبة الجامعيين ويغفل أهمية هذه الشريحة في صناعة المستقبل.

هذا الاستنكار الخجول لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي يعكس في بعض من وجوهه الخفية مدى تداخل السلطات الطائفية السياسية وعبثها في مؤسسات الدولة وقدرتها المليشياوية على أختراق مؤسسات الدولة, سواء بالخطابات الدورية, أو من خلال التدخل المباشر في شؤون تلك المؤسسات وفرض ارادة المليشيات المسلحة من خلال أكراه تلك المؤسسات وبقوة السلاح على تبني مختلف الارادات السياسية والتوجهات الأدارية, وفرض تغيرات بالقوة للتسير عمل مختلف مؤسسات الدولة !!!.

هذه ليست المرة الأولى التي يتم بها التجاوز على الحرية الأكاديمية والعبث بالأستقلال النسبي للجامعات والتدخل في الشأن الخاص بها من قبل اناس لا صلة لهم من قريب أو بعيد بمؤسسات التعليم العالي, بل من اناس يرون في المدارس الدينية والجوامع والحسينيات هي المصدر الوحيد للمعرفة والعلوم ولديها تكمن الأجابة على كل تساؤلات المجتمع لمختلف المشكلات, ولديها ايضا التفسيرات الجاهزة لكل الظواهر الطبيعية وفي مختلف العلوم, وما الجامعات إلا أمكنة للنزهة والاختلاط بين الجنسين وارتكاب الرذائل, ومن الصعب والعسير والعصي ان تتفاهم مع اناس من هذا النوع وأقناعهم بجدوى نشأة التعليم العالي, وماهي وظائفه الأساسية في البحث والتنقيب وأكتشاف المجهول, وخدمة المجتمع المحلي والوطني, وتزويد الدراسين بآخر مستجدات العلوم والمعارف, ودور الجامعات في خلق الكادر المهني والعلمي بمختلف التخصصات, وأنها من مصادر تشكيل الطبقة الوسطى في المجتمع, تلك الطبقة صاحبة ورائدة التغير الشامل في المجتمع, كما يجب أن يكون, !!!. 

أن أزمة التعليم العالي في العراق هي جزء من الأزمة العامة المستعصية, وذات الصلة بالنظام المحاصصاتي, ومن أبرز ملامح هذه الأزمة هو الآتي: 
ـ التدهور الأمني المستمر لمؤسسات التعليم العالي وتدخل رجالات الأحزاب والمليشيات الطائفية في شؤون التعليم العالي مما يضع طرفي العملية التعليمية : الطالب ـ الأستاذ والعملية التعليمية برمتها في دوامة عدم الاستقرار والخوف من المستقبل¸مما يترك أثره الواضح في تسرب الطلاب وهجرهم لمقاعد الدراسة وهجرة الكادر التدريسي.

ـ الإجراءات التعسفية في إقالة أو إحالة الكادر التدريسي الجامعي ومن درجات علمية متقدمة " أستاذ وأستاذ مساعد " على التقاعد بذرائع ومبررات واهية, منها كبر السن أو بتهمة عدم الكفاءة, وهي إجراءات تنفذ في الخفاء بواجهات سياسية أو انتماءات طائفية, وتحرم هذه المؤسسات من خيرة كادرها المتمرس في التدريس والبحث العلمي.

ـ تدهور البنية التحتية اللازمة لتطوير التعليم العالي من مكتبات علمية ومختبرات وشبكة انترنيت ومصادر المعلومات المختلفة, وقد تعرض الكثير منها إلى الحرق والإتلاف الكامل والى التخريب والسرقات المقصودة لإفراغ الجامعات من محتواها المتمثل بالمراجع والكتب والأبحاث والمقررات الدراسية بمختلف التخصصات, وغلق أقساما للدراسات العليا بكاملها تحت ذريعة عدم توفر الكادر التدريسي اللازم لها .

ـ تدهور المستوى العلمي والتحصيلي للطلاب جراء تدهور الوضع الأمني والانقطاع عن الدراسة, أو النجاح بأي ثمن تحت وطأة تهديد الأستاذ الجامعي من قبل مليشيات الأحزاب السياسية ـ الطائفية وفرض معايير مشوه للتفوق الدراسي لا تعبر عن إمكانيات الطلاب الفعلية, بل تعبر عن أولويات الانتماء السياسي أو المذهبي أو الطائفي, وهي تذكرنا بممارسات التبعيث لفرض النتائج الدراسية وانتقاء الطلبة على أساس الولاء للحزب الحاكم.

ـ تغييب الكليات الإنسانية والتضييق على دورها المهم في الحياة الثقافية العامة عبر الحد وعرقلة أنشطتها المختلفة التي يفترض لها أن تسهم بإشاعة ونشر قيم التسامح والعدل والحق ومكافحة الإرهاب, وقد شهدت هذه الكليات حرق العديد من مكتباتها بالكامل, وعرقلة إصدار دورياتها الثقافية الشهرية أو الفصلية أو السنوية, وانعدام الأجهزة اللازمة لاستمرار عملها كأجهزة الاستنساخ والطباعة وغيرها, إضافة إلى محاصرة العديد من مبدعي وكتاب هذه الكليات ومنعهم من الظهور العلني للحديث عن نشاطاتهم ونتاجاتهم الثقافية والأدبية المختلفة.

ـ استشراء الفساد بمختلف مظاهرة الإدارية والمالية, من محسوبية ومنسوبيه وسرقة الأموال المخصصة لهذا القطاع وتزوير للشهادات والتلاعب بسجلات الدرجات من خلال ممارسة الضغط والابتزاز على إدارات الأقسام الدراسية و عمادة الكليات لمنح ضعاف التحصيل ما لا يستحقوه أو إضعاف المتفوقين دراسيا والعبث بدرجاتهم بدوافع الانتقام والثأر بواجهات مختلفة, سياسية ومذهبية وطائفية وغيرها.

ـ ضعف التنسيق بين الجامعات والكليات الأهلية من جهة وبين الجامعات والكليات الحكومية من جهة أخرى, حيث الإرباك في تكرار الاختصاصات المتشابهة في كلا الطرفين وعدم انتهاج مبدأ التكامل في التخصصات بين المؤسسات التعليمية العالية الحكومية منها والأهلية, الأمر الذي لا يخدم أغراض التنمية وسد الحاجة لمختلف التخصصات, وانعدام الهيكلة الإدارية التي تضمن بقاء التعليم الأهلي تحت إشراف فعلي وليست شكلي من قبل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على تلك المؤسسات, مع احترام استقلاليتها الإدارية والمالية, بل يدخل التعليم الأهلي في أحيان كثيرة كمنافس للتعليم الحكومي و كمصدر لاستنزاف الكادر العلمي والتدريسي من المؤسسات الحكومية تحت وطأة المغريات المادية والمالية, وبالتالي فأن الكثير من خريجي الجامعات والكليات الأهلية مهددين بالبطالة وانعدام فرص العمل لاحقا بسبب من ضعف الحاجة لاختصاصاتهم, علاوة على ذلك نرى أن التوسع السريع في إنشاء مؤسسات التعليم العالي الأهلية والذي زاد عددها أكثر من ضعف مقارنة بعهد النظام السابق يثير تساؤلات كثيرة عن جدوى هذا التوسع والحاجة الفعلية له !!!.

ـ عدم السماح وعرقلة جهود المنظمات الدولية كالأمم المتحدة وأجهزتها المعنية بشؤون التعليم العالي على الإشراف والتأكد من ظروف عمل هذه المؤسسات بما يستجيب لشروط الجودة العالمية لهذه المؤسسات وحماية خريجها من عدم الاعتراف بالشهادة, وكذلك عرقلة جهود اللجنة الدولية للتضامن مع أساتذة الجامعات.

ـ في ظروف العراق الحالية والذي توقفت فيه التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الشاملة, تضعف فيه كنتيجة منطقية قدرة ودور الجامعات والمؤسسات البحثية في المجتمع وبالتالي تضعف روابط التعليم العالي ودوره الأساسي في التخطيط والاستجابة لظروف التنمية البشرية الشاملة وحاجتها الفعلية لمختلف القيادات والكوادر في مختلف التخصصات العلمية والأدبية والمهنية والتقنية وغيرها.

ـ تشير الكثير من المقابلات الميدانية التي أجريت مع أساتذة جامعات وقيادات أدارية وطلابية إلى أن الكثير من مؤسسات التعليم العالي تحولت إلى مؤسسات مصغرة للمساجد والحسينيات والجوامع, تجري فيها الشعائر والاحتفالات والطقوس الدينية على نسق ما يجري في المساجد والجوامع, وكأن لم يكفي الآلاف من المساجد والجوامع المنتشرة خارج الجامعات, حتى أن العديد من المختبرات العلمية تحولت إلى حسينيات لزمرة هذا الحزب السياسي الطائفي أو ذاك, ولكي تتحول بالتدريج إلى بؤر للفساد والاحتقان الطائفي والمذهبي وللتفرقة بين الطلاب, حيث تسيطر كل ميليشيا حزبية على إحدى الكليات ومرافقها داخل الجامعة, وانتشار صور المعممين في أروقة الكليات والجامعات والشعارات الدينية الطائفية الاستفزازية والعبث بمسميات هذه المؤسسات وتسميتها برموز قيادات أحزاب أو طوائف, انه امتهان للحرية الأكاديمية وتسييس للمؤسسات العلمية وزجها في الصراعات الدينية والمذهبية والطائفية .

ـ ضعف الإنفاق على التعليم العالي والبحث العلمي باعتباره دعامة أساسية لإعادة بناء بنيته التحتية وإقامة المشاريع البحثية والتعليمية المتقدمة, وبالتالي فأن أي نوايا للإصلاح دون توفير الأموال اللازمة هي نوايا باطلة وقد تعكس بنفس الوقت رؤى متخلفة للقيادات التربوية والتي ترى أن ما يصرف على التعليم هو من باب الاستهلاك الغير ضروري وليست الاستثمار طويل الأمد.

ـ ضعف وتدهور البحث العلمي وأصالته ومكانته في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وضعف استقلالية الأستاذ الباحث الذي يتعرض إلى ضغوطات مختلفة لتوجيهه الوجهة التي يرغب فيها هذا الكيان السياسي أو ذاك, وأن اغلب ما يجري من أبحاث يعتمد على نظريات ومفاهيم مهجورة أو أنها تقادمت في ظل عصر تتغير فيه المعلومة يوميا, أو أنها هجنت بطريقة عجيبة نتيجة للقيود والضغوطات الرقابية والحزبية والطائفية, وهي تذكرنا بحقبة توظيف " البحث العلمي " لخدمة مصالح الحزب القائد وتمجيد قائد الضرورة.

ـ غياب إستراتيجية واضحة للبحث العلمي في ضوء احتياجات المجتمع المحلي لها, حيث أن المبادرة الفردية للباحث والأستاذ تلعب دورا كبيرا في تقرير ذلك, ومعظمها يجري لأغراض الترقية العلمية أو لأغراض المتعة العقلية الخالصة للبحث, ويجري ذلك في ظل انعدام صناديق متخصصة لدعم وتمويل البحوث, وضعف القاعدة المعلوماتية, وعدم وجود مراكز أو هيئات للتنسيق بين المؤسسات البحثية, وضعف الحرية الأكاديمية كتلك التي يتمتع بها الباحث في بلدان العالم الديمقراطي, وعدم تفهم أو انعدام دور القطاع الخاص ومشاركته في الأنشطة العلمية حيث لا يزال قطاعا متخلفا يركز على الربحية السريعة والسهلة ولا يعي حقيقة وأهمية البحث العلمي في تطويره.
 
أن الحرية في المجتمع الأكاديمي وتوسيع دائرة الصلاحيات للإدارات الجامعية وعدم اقحامها بالصراعات الأثنو طائفية السياسية, وفصلها وعزلها عن المؤسسات الدينية, سببا مهما في نمو الفاعلية ورفع مستوى الأداء، فالاستقلال النسبي ماديا وإداريا وفكريا وسياسيا سيدفعها إلى البحث عن التميز والشعور بالمسؤولية تجاه جودة المخرجات، لأن الجامعات في هذه الحالة ستعمل على طريقة تحقق فيها متطلبات التنمية لتدخل ضمن مجال تنافسي علمي تحكمه المستجدات العلمية والتقنية المعلوماتية وإبراز الأفكار المبدعة، فسترفع من هذه القيمة باستقطاب المفكرين وتبني الآراء التي تسهم في وصولها إلى مكانة أفضل نسبة إلى غيرها، وهذه الأهداف ستتجاوز ما نخشاه من سيطرة النزعة المناطقية والنفعية والطائفية والأثنية التي تسيطر على الإدارات وعلى السياسات العامة، ويأتي هذا كله مع ضرورة إيجاد نظام يحمي مكتسبات الجامعات من أي تدخل خارجي، والنتيجة تؤدي إلى خلق بيئة ملائمة لنمو المعرفة والإبداع, وبهذا ستكون مؤسسات التعليم العالي بيئة صالحة لجذب افضل الكوادر العلمية, وتقلص بدورها من هجرة الكادر وتسربه من الجامعات الى خارج العراق أو داخله !!!.





                                                                       

22
حرية الصحافة والتعبير وأغتيال العقل المدني !!!


د.عامر صالح

أقدم مجموعة من الظلاميين الأوباش والمتلبسين في الثقافة الداعشية في تصفية الحرث والنسل على اختطاف الصحفية والناشطة المدنية العراقية أفراح شوقي في سيناريو أقل ما يقال عنه سيناريو جبان وقد نفذ من من قبل مجموعة من المتشبهين بالرجال بحق صحفية مهنية, أمرأة طموحة لعراق ديمقراطي يخلو من الأرهاب والطائفية الكريهة والمحاصصة الأثنية والمذهبية المريضة والرعناء ذات الأصول الدموية الغارقة في الفساد الأداري والمالي والأخلاقي, ومتخذة من الطائفة والمذهب والعرق شماعة لأرتكاب جرائم بحق الشعب العراقي وبحق الانسانية جمعاء !!!. 

يطال الشك الى مصداقية محاربة داعش عسكريا في مناطق تواجدها عندما لا يقترن ذلك بثقافة احترام الرأي والرأي الآخر في المناطق التي تتواجد فيها سلطة الدولة الاتحادية وبغداد بشكل خاص, لأن محاربة داعش عسكريا يجب ان يتزامن ويقترن حثيثا في القضاء على ثقافة داعش وأمتدادتها في كل التراب العراقي, تلك الثقافة الوسخة التي يجسدها العقل السيكوباتي المريض في وسط العراق وجنوبه وشماله, والتي تدعي أحتكار الحقيقة عبر تسويف المذهب والطائفة والعرق وتوظيفه لمصلحة تفكيك النسيج الاجتماعي واشاعة ثقافة التصفيات الجسدية والنفسية وخلق الفوضى المدمرة, وهي ثقافة داعشية تسعى داعش لإشاعتها في مناطق تواجدها عسكريا !!!.

لقد أقدم هؤلاء الجبناء على أختطاف الناشطة المدنية والصحفية أفراح شوقي ليؤكدوا لنا أن داعش موجودة في كل حتة عراقية وفي كل زمان وبأمكانهم أن يستنسخوا داعش اخرى ذات مواصفات ثقافية وسلوكية تخريبية لاتقل ابدا في جرمها وصلافتها عن داعش الرسمية والمعروفة لدى الغرب والشرق, فالداعشية سلوك إجرامي وهو أرهاب منزوع الصلة بدين أو مذهب بعينه, وبأمكانك ان تكون داعشيا عندما لا تحترم حرية التعبير والصحافة والرأي الآخر, والأسوء من ذلك عندما تقدم على اختطاف سيدة في عمر الزهور وأم لعدة أطفال وصحفية محترفة كما غيرها من شهداء الكلمة الذين تمت تصفيتهم من قبل رواد الثقافة الداعشية !!!.

ان الحرية الاعلامية والصحفية تشكل ركنا من أركان الدولة المدنية والديمقراطية وقد تكرست هذه الحرية في جميع المواثيق الدولية, والعراقية ايضا من خلال الدستور, وبالتالي فأن الأقدام على اختطاف الصحفية أفراح شوقي هو جريمة أسوة بجرائم اختطاف وقتل الصحفين التي ارتكبت سابقا في العراق, وهي جرائم ضد الأنسانية وتهدد النظام السياسي الوطني ومصداقيته في الحفاظ على أرواح المواطنين والصحفيين بشكل خاص !!!.

ان ما قامت به أفراح شوقي كناشطة مدنية وصحفية في نقل المعلومات الأمينة والصادقة والحيادية, وقد جاءت نشاطات الصحفية المذكورة منسجمة مع الاعلان العالمي لحقوق الانسان في حرية النقد والتعبير وحق التجمع والتظاهر وابداء الرأي المغاير, كما كانت نشاطاتها منسجمة مع روح الدستور العراقي ونصوصه الصريحة في احترام حرية الرأي والتظاهر والتجمع.

لم يكن نشاط المواطنة الصحفية أفراح شوقي داعيا للحرب, ولا للصراعات الطائفية والاثنية ولا للتميز العرقي والمذهبي والطائفي, ولا للكراهية الوطنية والقومية, ولم تكن في يوم ما داعية لاستخدام العنف والعدائية. ان ما قامت به السيدة أفراح شوقي يصب في جوهر الحرية الاعلامية والصحفية وفي خدمة المواطن العراقي وصيانة حقوقه المشروعة في العيش الكريم, وممارسة النقد لمختلف الظواهر الاجتماعية ذات المساس بتهديد السلم الأهلي وتهديد كرامة الانسان العراقي.

فلتتظافر كل الجهود الوطنية المخلصة, من أجهزة أمنية وأستخباراتية ومنظمات أنسانية عالمية ووطنية ومنظمات مجتمع مدني عراقية من اجل النضال لأطلاق صراح السيدة أفراح شوقي ومعرفة مصيرها وانزال اقصى العقوبة بالجناة المجرمين حثالى المجتمع وأعداء حرية التعبير والأمن المجتمعي !!!.

23
إستعادة حلب السورية وسيكولوجيا الخراب والتدمير العربي الشامل !!!
قال شكسبير: " الحرب لا تنتهي, إنها تستريح " 

د.عامر صالح

منذ ان تدخلت السعودية وقطر وتركيا والرجعيات العربية, ثم إيران وروسيا والحركات الموالية للنظام السوري في اطار تحالفاتها الاستراتيجية مع نظام الأسد لم تعد الثورة السورية كما بدأت ملامحها الأولى في مسحة طموحاتها نحو الديمقراطية الحقة والتعددية الحزبية وحرية الرأي بعيدا عن ضغوطات حكومة الحزب الواحد التي عفى عليها الزمن, فقد تحولت سوريا الى حلبة صراع لتصفية صراعات أقليمية يقف على طرف نقيضيه السعودية وأيران, وحلفاء كل منهما الصغار والكبار, من ميليشيات وفصائل مسلحة لاتعد ولا تحصى, الى جانب روسيا وأمريكا وتركيا وبقية العالم الغربي والأسلامي !!!.   

ولكن بزمن قياسي تم حرف مسار الثورة السورية واختراقها وخاصة من الفكر الديني الارهابي المتطرف ومن الحركات الأصولية المسلحة الدموية والتي تقودها وتغذيها في السر والعلن السعودية وقطر وتركيا وغيرها, حتى تحولت ساحة الصراع السورية الى مفرخة فصائل مسلحة أرهابية ومعتدلة لا تعد ولا تحصى لا تمتلك برنامجا واضحا ما بعد الأسد, بل انها فصائل وتنظيمات تتقاتل فيما بينها على تقاسم كعكة السلطة المرتقبة, والأسد لازال حي يرزق. وفي إحصاء لهذه الفصائل فقد بلغ المائة أو أكثر, وأبرزها: 

داعش, جبهة فتح الشام, جيش الأسلام, أحرار الشام, الجبهة الشامية, الجبهة الأسلامية, درع الفرات, حركة نور الدين الزنكي, فيلق الشام, السلطان مراد, تجمع فأستقم كما أمرت, كتائب أبو عمارة, ثوار سورية, أحرار سورية, الفرقة 16, أحرار مارع, فيلق الرحمن, جيش الفسطاط, جيش المجاهدين, جيش التحرير, ألوية سيف الشام, ألوية شهداء سورية, ألوية الفرقان, لواء التوحيد, لواء الفتح, لواء الأسلام, لواء أنصار السنة, لواء شباب السنة, لواء الانفال, لواء عامود حوران, لواء توحيد كتائب حوران, لواء السلطان محمد الفاتح, لواء الشهيد زكي تركماني, ألوية شهداء دمشق, ألوية أشبال العقيدة, لواء العاديات, لواء جيدرون حوران, لواء الحرية الأسلامي, اللواء العاشر بالساحل, لواء صقور الجبل, لواء صقور جبل الزاوية, لواء الشهيد غسان طويرش, لواء فرسان الحق, اللواء الاول مشاة, لواء الحق, لواء شام الرسول, حركة شام الأسلام, ألوية قاسيون, كتائب الفاروق, كتائب الوحدة الوطنية, الجبهة الاسلامية السورية, جبهة أنصار الأسلام, جبهة الأصالة والتنمية, جبهة تحرير سورية الاسلامية, تجمع صقور الغاب, تجمع كتائب وألوية شهداء سورية, تجمع انصار الأسلام, تجمع أحرار البادية, فرقة الحمزة, فرقة فجر الإسلام, فرقة الحسم, فرقة عمود حوران, فرقة العشائر, فرقة فجر التوحيد, الفرقة الأولى الساحلية, الفرقة الثانية الساحلية, الفرقة 13, الفرقة 101 مشاة, الفرقة 16 مشاة, الفرقة الوسطى, الفرقة الشمالية, هيئة درع الثورة, المجلس العسكري في القنيطرة, فيلق حمص, جند بدر, صقور الشام, ألوية الحبيب المصطفى, تجمع أمجاد الاسلام, ألوية وكتائب الصحابة, كتائب شباب الهدى, لواء درع العاصمة, كتائب أبو عمارة, كتائب ثوار الشام, لواء أنصار الخلافة, كتائب تركمان سوريا, لواء الفتح, جيش العزة, لواء سيف الاسلام, لواء سيف الله, حركة بيارق الإسلام, لواء شهداء الاتارب, أحفاد صلاح الدين, لواء المعتصم, لواء النصر, لواء الصديق, حركة الشام, جيش النصر, أنصار الشام, لواء الأبابيل.

ما أفرزه صراع الفصائل المسلحة فيما بينها من جهة, وبينها وبين النظام السوري من جهة أخرى هو خراب شامل للبنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, حيث التدمير الكامل والشامل للمناطق التي تسيطر عليها الفصائل المسلحة, وما نتج عنه من خسائر بشرية في الارواح والمشردين والمتسولين واليتامى والثكالى من النساء, وتحول هذه المناطق الى مدن أشباح, تقام فيها شرائع الغاب من سبي وقتل وقصاص وعقوبات, لا حياة فيها ولا عيش ولا حد أدنى من الطمأنينة, وقد بلغت خسائر المجتمع السوري المادية الى ما يقارب 200 مليارد دولار, الى جانب اكثر من سبعة ملايين مشرد وقتيل, في بلد لايملك نفطا ولا أقتصادا متنوعا, وأن ما خسره هو تراكم قدرات الدولة لعقود خلت. فهل لكل هذه الخسائر الفادحة في الارواح والاقتصاد مبرر لسقود نظام الأسد وبناء " ديمقراطية " يتخاصم ويتناحر عليها أكثر من مئة فصيل مسلح, وفي معظمهم غير مؤمن بالديمقراطية أصلا. الآجابة قطعا بلا, فالديمقراطية لا تقام في مدن الأشباح ولاتقام بغير المؤمنين بها !!!!.

أن عودة حلب أو استرجاعها من الناحية الرسمية الى الجيش السوري لا يعني بكل الاحوال نهاية للحرب فيها, فهناك مدن أخرى لا تزال هي مناطق حرب مكشوفة, كأدلب والرقة والباب, ومفتوحة على مختلف الاحتمالات السيئة, وهناك معضلات اقتصادية وأجتماعية وسياسية وثقافية واعادة بناء المدن المدمرة, واعادة الحوار الوطني واعادة النظر في النظام السياسي القائم بشكل جدي, بما يضمن مصالح الشعب السوري ومستقبله لاحقا, وهي مهمات صعبة للغاية, واذا حصل ان هناك هدوء نسبي في جبهات القتال الداخلية فرضته قوة السلاح, فأن الحلول السياسية يجب ان تكون متزامنة معها لضمان تحول سوريا الهادئ صوب الديمقراطية والتعددية والدولة المدنية !!!.

أن ما حصل في سوريا تاريخيا هو ما حصل للعالم العربي حيث توقفت فيه عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعقود خلت, أفرزت ظواهر الفقر المدقع, والتدهور المستمر للحياة بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية, والعلمية والصحية, والتعليمية والخدمية, وانخفاض مستوى العيش بصورة عامة, وفي وقت عملت فيه الأنظمة الاستبدادية عبر عقود على منع تشكيل أي كتلة حرجة ثورية منظمة ومقاومة عبر ممارسات التفتيت والإجهاض والترغيب والترهيب والرقابة الأمنية والبوليسية المشددة وأبعاد وقتل أي بادرة للتفكير البديل. ونستطيع القول هنا انه لا توجد شريحة اجتماعية واقتصادية إلا ولحق بها التهميش والحرمان والإقصاء باستثناء النظام وحاشيته. لقد خلقت هذه الأوضاع نواة التغير الثوري في رحم هذه الأنظمة. وعلى خلفية ضعف دور العامل الذاتي المتمثل بضعف الأحزاب السياسية التاريخية والنخب السياسية الحقيقية, جاءت الثورات العربية شبابية بطابعها العام متأثرة بعوامل كونية, كالثورة المعلوماتية من خلال شبكات التواصل الاجتماعي المختلفة, الذي سهل اندماجهم في مجموعات فاعلة وايجابية وشكل لديهم دافعية اكبر للفعل الثوري جسدت ملامحه آنذاك واضحا على الأرض العربية مبتدئة بالشرارة التونسية المعجلة لذلك, إلى جانب كون الشباب يشكلون كتلة سكانية كبيرة تتجاوز نسبة 50% من مجموع السكان, وبالتالي فهي معنية بالتغير والمستقبل قبل غيرها, إلى جانب الشرائح السكانية والاجتماعية الأخرى !!!!.

لقد نشأت تلك البؤر الثورية بين الشباب في ظل انفلات المجتمعات العربية بكل تنوعها الاجتماعي ومكوناتها الاثنوثقافية من كل ضوابط الفكر الفلسفي والتفكير المنطقي, وغياب روح النقد والنقد الذاتي ونقد الخطاب السائد والمعرقل لاي نهضة فكرية ومعرفية, وفي ظل بيئة من سلطة بطريركية عشائرية وطائفية ومناطقية وقبلية وأثنية, مما سهل تشبعها بالثقافة النصية والنقلية المتخلفة " القيل والقال ونقلا عن فلان أبن فلان ", مما سهل إحكام الاسلاموين سيطرتهم في تصدر " نكبة " الربيع العربي. وكان من الطبيعي أن ينجح منظري الاسلام الخرافي في عرقلة ثورة الشباب في ظل غياب خمائر الفكر النقدي والمنطقي, وغياب عقل فلسفي يقطع الصلة مع عقل وفكر القرون الوسطى, ويحتوي طموحات الشباب الثائر وهواجسهم المشروعة لبناء مستقبل آمن. وليست من المستغرب أيضا ان تتصدر أضعف الدول وأكثرها تخلفا مثل قطر والسعودية المشهد السياسي وتصبح راعيا  " لنكبة " الربيع العربي. وقد سبق ذلك احتلال العراق في عام 2003 من قبل بريطانيا وأمريكا وما أعقبه من تدمير للدولة العراقية ومؤسساتها, أحد الاسباب المهمة في خلق بيئة مواتية للارهاب واتساع نطاقه !!!. 

أن تقاطع هذاءات " بارانويدا " العظمة والاضطهاد في السلوك التدميري في السياسة. وإن كان هذا المصطلح يعني مرضا عقليا خطيرا بشقيه " داء العظمة وداء الاحساس بالاضطهاد " فأنه في السياسة له دلالته الخطيرة, حيث النظم الدكتاتورية والقمعية البوليسية المؤدلجة منها والمتأسلمة والشوفينية والعنصرية والمبتلاة بداء العظمة تستخدم كافة وسائل العنف من خلال اجهزتها العسكرية والامنية المخابراتية القمعية المختلفة لإلحاق الاذى بشعوبها أو شعوب أخرى للتعبير عن الاحساس المفرط بالعظمة وسلوك الهيمنة المطلقة !!!.

يقابله في الطرف الآخر " المعارضة " ويجسده ذلك الاحساس المفرط بالمظلومية والاضطهاد والمنفلت من أي مسحة إنسانية أو فهم لظروف وقوانين الصراع الموضوعية, هو الاخر يحمل في طياته دوافع الخراب والعنف والتدمير الشامل, ويشكل هذا السلوك ردود فعل عنيفة يخرج عن دائرة التغير الايجابي الممكن للاوضاع السائدة, وغالبا ما يكون هذا السلوك مؤطرا بخطاب المذهبية والطائفية والشوفينة العرقية ويكون بيئة صالحة للارهاب المجتمعي والدولي, في ظل غياب خطاب عقلاني انساني سائد مفعم بعوامل البقاء الانساني والذي يحافظ على قيمة الوجود الانساني الحر. وهكذا تتبادل الادوار بين الجلاد والضحية !!!.




24
صراعات الإسلام السياسي على السلطة والبقاء هي صراعات نهج وليس أفراد !!!

د.عامر صالح 

ينحى بعض الأخوة الكتاب منحى ليست موضوعيا في تصوير الصراع القائم في العراق بأعتباره صراع بين رموز للكتل السياسية متمثلة بأشخاص, سواء إن كانت شيعية أم سنية, وعلى سبيل المثال ما يكتب الآن من بعض رموز الأنحياز للمالكي, بأن العبادي سرق السلطة في وضح النهار من المالكي, وما على العبادي إلا أن يسجد ليل نهار وفاء لقائده المالكي, ولولا الأخير لما كان العبادي عضوا في البرلمان ولا رئيسا للوزراء, وكذلك تهمة تآمر العبادي على المالكي وازاحته بدعم أمريكي باتت سيمفونية يومية يرددها أنصار المالكي, وكأن المالكي حقق حلم العراقيين في العيش الكريم وتناسوا أن معضلات الفساد الاداري والمالي وأفراغ ميزانية الدولة والتدهور في مختلف المستويات الخدمية كانت في حقبته لدورتين متتاليتين لرئاسة الوزراء, ولم يأتي العبادي بجديد تقدمي كي يرى شعبنا الفرق بين الحقبتيين, فالفساد هو الفساد على أشده وتنخر مؤسسات الدولة يسير على قدم وساق لأكمال ما بدأ به السيد المالكي, إلا بأستثنائية واحدة وهي في زمن المالكي سقطت الموصل بيد داعش " بغض النظر عن التفاصيل الخطيرة التي كانت سببا في سقوط الموصل ورموز إسقاطها " فهناك قائمة بأسماء من أسقط الحدباء, ولم يستطيع الى اليوم ان يستجوب أحدهم, أما في زمن العبادي فقد أستنهضت كل القوى لتحريرها في توافقات مخيفة, والله أعلم ما بعد التحرير. والكتلة السنية تعاني من نفس الصراعات على النفوذ والاستحواذ على السلطة في مناطق نفوذها, وهي الأخرى مبتلاة في الفساد وسرقة المال العام حتى من نازحي ومشردي مناطقها !!!. 

أن معضلة مجتمعنا الكبرى هي ليست مع أشخاص, بل مع الأسلام السياسي الغير مؤمن بالديمقراطية أصلا, والتي يراها لعبة غربية لا تصلح لمجتعاتنا, وأن الاسلام السياسي مكره على ممارستها في ظل الظروف العالمية الضاغطة والتي لا تقبل إلا بالتدوال السلمي للسلطة وفي ظروف طبيعية وصحية. في عودة سريعة لضبط مصطلح الديمقراطية وماهيته والذي يخدمنا كثيرا في هذا المقال, وهو أن الديمقراطية تعني حكم الشعب, أو الحكم للشعب, وإذا كان للديمقراطية مصطلحات عديدة إلا إن لها مدلولا سياسيا والذي شاع استخدامه في كل الأدبيات والفلسفات القديمة والحديثة وأنها مذهب سياسي محض تقوم على أساس تمكين الشعب من ممارسة السلطة السياسية في الدولة, فالكلمة العليا والمرجعية النهائية إنما هي للشعب ولا شيء يعلو فوقه, فهي تعني أن يضع الشعب قوانينه بنفسه, وأن يحكم نفسه بنفسه, ولنفسه, والحكومة التي تقبلها النظرية الديمقراطية هي الحكومة التي تقر سيادة الشعب وتكفل الحرية والمساواة السياسية بين الناس تخضع فيها السلطة صاحبة السلطان لرقابة رأي عام حر له من الوسائل القانونية ما يكفل خضوعها لنفوذه, وقد تبلورت هذه الفكرة فيما بعد تحت مصطلح السيادة, وقد عرفت السيادة بأنها سلطة عليا مطلقة لا شريك لها و لا ند متفردة بالتشريع الملزم, فيما يتعلق بتنظيم شئون الدولة أو المجتمع, فلها حق الأمر والنهي والتشريع والإلزام بذلك, لا يحد من إرادتها شيء خارج عنها, ولا تعلوها أو تدانيها سلطة أخرى, والسيادة في الفكر الديمقراطي إنما هي الشعب. وتتمثل ممارسة الشعب للسيادة في ثلاث جوانب رئيسية على الأقل هي :

1 ـ إصدار التشريعات العامة الملزمة للجماعة التي يجب على الجميع الالتزام بها وعدم الخروج عليها, وهذه تمارسه  السلطة التشريعية.

2 ـ المحافظة على النظام العام في ظل تلك التشريعات, وهذه تمارسها السلطة التنفيذية.

3 ـ حل المنازعات سلميا بين المواطنين انطلاقا من هذه التشريعات, وهذه المهمة تمارسها السلطة القضائية, ويتبين من ذلك أن السلطة التشريعية هي أم السلطات الثلاث.

وعلى خلفية هذه الرؤى فأن الديمقراطية كفلت الكثير من الحقوق والحريات التي تتحقق بها إنسانية الإنسان كحرية التنقل, والاستقلال في الرأي والتفكير, والمشاركة في القرار السياسي وفي اختيار الحكومة, وفي القدرة على رفض الحكومات وتغييرهم في حالة عدم صلاحيتهم, وفي حق التملك وحق الأمن والأمان, كما يحقق المساواة للجميع أمام القانون, والدعوة إلى الآراء وحرية تكوين الأحزاب, وحق المعارضة للسلطة القائمة, وحق الاقتراع العام, وتنظيم الانتخابات للوصول إلى الحكم, وتداول السلطة بين أفراد الشعب, واعتماد مبدأ الأغلبية في اتخاذ القرارات وسن القوانين !!!!.

وفي زحمة هذه الصلاحيات الواسعة للشعب في ظل الديمقراطية الحقيقية يقع الإسلام السياسي في دوامة الصراع النفسي والسلوكي مع القوى الديمقراطية ومع الشعب, كون هذه الأخيرة مصدر كل السلطات وبالتالي تشكل بديلا عن الشريعة الإسلامية ذات الطابع الإلهي, أي كما يفهمه الإسلام السياسي بأن جعل التشريع بيد الشعب هو إلغاء لشريعة الله تعالى, وهذه الخاصية التي تميزت بها الديمقراطية على تعاقب التجارب والأزمان, تعد من الاختلافات الحقيقية بينها وبين الإسلام, انطلاقا من قاعدة الإسلام التي جوهرها هي توحيد الله تعالى, والتي تعني أن يكون المسلم عابدا لله وحده, وذلك بالاحتكام إلى ما شرعه الله تعالى في كلها من صلاة وصيام وحج, معاملات بين الناس وخصومات, وفي شئونه كلها, وبالتالي أن تحل سلطة الشعب مكان سلطة الإلهة أمر غير مقبول جملة وتفصيلا لدى الإسلام السياسي !!!!
واليوم إذ تتطور الحياة الإنسانية على أسس من معطيات مختلف العلوم الإنسانية والطبيعية وتزداد مقدرة الإنسان الفعلية في التحكم في الطبيعة والمجتمع, فأنها تقع في صراع مستمر مع الخطاب الديني الذي أريد له أن يكون صالحا في كل زمان ومكان وبين الحياة المتغيرة بدون انقطاع التي تستدعي الاعتماد مزيدا على الذكاء الإنساني ومقدرته على إيجاد مختلف الحلول للمشكلات الإنسانية انسجاما مع ظروف العصر ومكانة الإنسان الريادية في التقدم. هذا لا يعني نهاية للدين, فالدين باقي في أكثر المجتمعات تطورا وله فسحته في حياة الناس التي لا تتعارض مع سنة وقوانين التطور والارتقاء, فالدين باقي هنا كحاجة شخصية وكما هي نشأته الأولى !!!. 

المشكلة في ظروف بلداننا وفي ظل غياب الديمقراطيات السياسية وانتفاء ظروف العيش الكريم واحترام إرادة الإنسان أن الدين يجد على الدوام من يفرض وصايته على أتباعه فيشذ في التفسير ويبتعد في التأويل ويجبر الناس على التمسك الأعمى برموز الدين تصل إلى حدود سوق الناس كالبهائم إلى مختلف الاتجاهات وإغراق الناس في الطقوس الدينية لحد تعطيل وشل الحياة العامة, وإيجاد مختلف التفسيرات المقدسة لتبرير سياسة ظلم الناس وسبيهم وانتهاك أموالهم وأعراضهم, بل وقطع رؤؤسهم, وتهجيرهم من ديارهم الأصلية !!!. 

وبغض النظر عن ما يقع على الإنسان من ظلم وما يستحق من إدانة, فأن القضية الكبرى والمفصلية في حياة تطور المجتمعات هو فصل الدين عن الدولة وفصل الدين عن السياسة هو مطلب أنساني وتاريخي تتطلبه المجتمعات الإنسانية اليوم, وهو مطلب اقتصادي واجتماعي تشترطه الحياة الديمقراطية الحقيقية, كما هو مطلب سياسي يفوت الفرصة على المنتفعين من رموز الإسلام السياسي وقيادته المحافظة لعرقلة التطور من خلال إقحام الدين بالسياسة, والذي يندفع ثمنه غاليا الآن في تجارب العراق وسوريا وليبيا واليمن ومصر والسعودية وإيران وغيرها من البلدان التي تسعى إلى الحكم أو تحكم باسم الله !!!.

ومن هنا فإذا كان الدين على المستوى الفردي هو ملجأ آمن للإنسان الضعيف من جميع ما يحيط به من مخاوف وتهديدات حياتية, فأنه بيد الدولة سلاح لتكريس حالة الضعف لدى الإنسان والوقوف ضد نهضته. ومن هنا فأن تحرير الدين من الدولة ومن السياسة فيه مصلحة عليا للدين والدولة والسياسة !!!.

وفي الختام فهل المالكي او العبادي أو أسامة النجيفي وسليم الجبوري قادرين على انقاذ العراق من محنته والارتقاء به الى مستوى يليق بحضارته العريقة وشعبه الذي يصارع الموت اليومي من أجل البقاء. إنها مهمة شاقة ولا يستطيع الاسلام السياسي ان ينجزها قطعا. انها مهمة القوى المدنية الراغبة والمؤمنة في العراق شعبا ووطنا للجميع !!!.




25
في ضوء القراءة الأولى لقانون مجلس قبائل وعشائر العراق/ ملاحظات سيكولوجية ـ تاريخية


د.عامر صالح

في يوم الخميس وبتاريخ 1ـ 12 ـ 2016 تمت القراءة الأولى في قبة البرلمان العراقي لما يسمى بقانون العشائر والقبائل العراقية, وأثارت هذه القراءة وتبريراتها من قبل بعض السياسيين سخطا وغضبا شديدا في الاوساط المثقفة وأصحاب الفكر ورجال السياسة الحريصيين والطموحين لبناء دولة المواطنة, وأعتبرت ان القراءة الاولى للقانون هي بمثابة ردة تاريخية الى الوراء وعودة القبيلة والعشيرة لتكون مصدر لسلطات مختلفة وذات طابع قضائي وتشريعي مشوه وبعيدا كل البعد عن مفاهيم دولة القانون وسيادة القضاء العادل الذي يقوم على أسس معاصرة وتكون الدولة هي الضامن الوحيد للحق العام والحق الفردي, بعيدا عن اللجوء الى العشائر والقبائل وتقاليدها المتخلفة في فرض نمط من الضوابط لا تليق بحياة الانسان المعاصر !!!.

ومن الضروري التذكير هنا أن قانون العشائر قد ألغته ثورة 14 تموز في العام 1958 فهل من المعقول أن نعود أليه بعد أكثر من خمسين عاما على ألغائه. وقد سيقت مبررات لا صلة لها بمنطق العقل والتاريخ من أجل تمرير هذا القانون, ففي توضيح لشيروان الوائلي مستشار رئيس الجمهورية المسؤول عن إعداد مشروع هذا القانون بالتعاون مع أمير الكناني المستشار الآخر في رئاسة الجمهورية والقيادي في التيار الصدري ولجنة العشائر في مجلس النوّاب , قال ( العشيرة هي البنية الأساسية للمجتمع العراقي , ومعظم العراقيين ينتمون إلى العشائر ويستنجدون بها عند الحاجة وبالذات في مراحل ضعف الدولة , وعبر تاريخ العراق الحديث كان للعشائر دور مهم في ثورات العراق ) , وفي معرض تبريره لتشريع مثل هذا القانون يقول السيد شيروان الوائلي ( إن نفوذ العشائر الآن هو أقوى من جميع الفترات في تاريخ العراق الحديث , وهنالك تسرّب للسلاح المتوسط والثقيل لدى العشائر , وأن هذه العشائر قد حمت الكثير من المجرمين والفاسدين في المجتمع بفضل حماية العشيرة , والذي نحتاجه هو قانون لتهذيب الأعراف لحماية المجتمع والقانون , ويقول أن هنالك أعراف عشائرية تستحق أن تكون قواعد دستورية منها أن صاحب السودة ( أي الجريمة المخلّة بالشرف ) لا يدفع له فصل) !!!. 

ومن هنا أرى ضرورة وضع مفهوم العشيرة والقبيلة في سياق نشأتها التاريخية وفهم دورها في تشكيل "وعي خاص " أرتدادي لا ينسجم مع فكرة دولة المواطنة. أن وجود العشائر والقبائل ودورها في المجتمع يعكس مرحلة تاريخية من مراحل التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي, وهي لصيقة مرحلة الإقطاع التاريخية وما قبلها و التي مرت وتمر بها المجتمعات الإنسانية المختلفة, بكل ما تحمله الأخيرة من بنية فكرية وأخلاقية وأدائية متخلفة قياسا بلاحقتها والتي نشأت على أنقاضها ألا وهي الرأسمالية. 

بعد نشوء وبداية نشوء الدولة الوطنية بدأت عملية تحول الأمن والحفاظ على المصالح الاقتصادية والاجتماعية تنتقل من يد العشيرة باعتبارها الحافظ الفئوي والمناطقي والأسري لمصالح أبنائها, إلى الدولة باعتبارها المؤسسة الحاضنة للجميع والعابرة للعشيرة والقبيلة والطائفة والدين كما يفترض ذلك من سنة التطور التاريخي التي أفرزتها تجارب بناء الدول المدنية المتحضرة, والتي قامت على خلفية تحولات عميقة في البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والفكرية والأيديولوجية, مما سهل نشأة الأسواق الوطنية والاقتصاد الوطني القومي ونشأة المدن الحضارية, والانتقال من المجتمعات الرعوية والزراعية والريفية المتخلفة إلى مجتمعات المدن الحضارية !!!.

وعلى هذا الأساس وحسب درجة تطور المجتمعات وظروفه الخاصة بدأ الاضمحلال التدريجي لسلطة العشيرة والقبيلة باعتبارها مرحلة متخلفة من مراحل النمو الاجتماعي والاقتصادي. وعلى خلفية مستويات التطور الاجتماعي والاقتصادي وعدم الاستقرار بقيت العشيرة والقبيلة في علاقة عكسية مع الدولة, فكلما ضعفت الدولة اشتد ساعد العشائرية والقبلية, وبالعكس كلما قويت الدولة واشتد بنائها ضعف الدور ألتأثيري للعشائرية والقبلية. هذه العلاقة بمجملها تدفع العشيرة للتحالف مع الدولة عندما تكون قوية, وتشهر السيف ضد الدولة عندما تكون ضعيفة أو في طور البناء. ومن هنا تنشأ المشكلات بين المركز " الدولة " وبين " الأطراف " التي هي العشائر والقبائل وحلفائها !!!.

أما بالنسبة للبنية الذهنية والعقلية والنفسية للعشيرة والقبيلة فهي أشد تركيزا ووضوحا وسلبية في تخلفها قياسا بالتخلف العام في المجتمع الذي تتواجد فيه, وتمثل خلاصة مركزة في القيم والاتجاهات والأنماط السلوكية السلبية لمرحلة تاريخية سابقة متخلفة, وهي بطبيعتها تقاوم التغير الايجابي والسنة الطبيعية للتطور, ويعتبر الماضي بالنسبة لها بكل ما يحمله من أبعاد الانغلاق على الذات والإبقاء على القديم أحد مصادرها ومرجعيتها الأساسية في التعامل مع مشكلات الحاضر ونهضته, وبالتالي ترى في كل جديد ايجابي مهددا لكيانها وعليها أن تقاومه. 

 العشائر والقبائل لا تمتلك خطابا سياسيا واضحا ومعلنا للجميع يمكن قراءته والتفاعل مع ثوابته المعلنة, فالسلوك العشائري تجسده بوضوح أخلاقيات " الثأر والثأر المضاد " و " الانتقام والانتقام المضاد " و " عدو عدوي صديقي " والحكم بما تقرره العشيرة وجلسات المضايف من ثأر وفصل في القضايا التي تحدث في نطاق سلوك العشيرة مع العشائر الأخرى أو مع الأشخاص الآخرين ومع الدولة, فالعشيرة لا تعترف بالدولة حتى وان كانت دولة القانون لأنها عدوة الدولة في السر وفي العلن !!!.

والعقل العشائري والقبلي هو عقل وثوقي " أي يثق بما لديه من مواقف ثقة عمياء ويعتبر كل عيوبه مزايا مطلقة ", وهي احد أسباب صراعاته مع التحولات والتغيرات الايجابية التي تجري من حوله, و تزداد وثوقية هذا العقل وانغلاقه وتحجره كلما توقف عند لحظة زمنية محددة وتشبث بها وعاش فكريا وروحيا فيها, مما يجعله لا يعيش واقعه و لا يفكر من خلاله, وهذا ما يتسبب في غربته وإحداث تناقضات وانفصام هائل في أتباعه. دائما تكون هذه اللحظة في الماضي, لحظة نشوء الفكر أو لحظة وقوع أحداث مهمة و جذرية في تاريخه. فالعقل ألوثوقي والعشائري المتحجر لا يفكر بمنطق تأريخي و لا يعترف بتغير الأزمان وتغير الظروف, لأن من صفاته الثبات والاستقرار بينما منطق الحياة والواقع هو الحركة والتغير والتحول. يحاول العقل المنغلق أن يعوض غربته عن واقعه بأحلام وردية في المستقبل يعيشها لتملأ عليه خواءه وغربته وتناقضاته, فالعقل القبلي والعشائري يرى مثلا أن النصر قريبا على الدولة التي يحيا فيها وأن النصر لا محال للعشيرة والقبيلة !!!.

اشتدت نماذج السلوك المتطرف للعشائر والقبائل العراقية في زحمة تعقد الوضع السياسي وضعف الدولة وعدم تمكنها من بسط نفوذها الكامل على التراب العراقي بفعل عوامل موضوعية وذاتية, منها بنية النظام السياسي على أسس طائفية ـ سياسية وجغروطائقية وأثنية وتحالفات سيئة مع دول الجوار, إلى جانب الرفض المطلق للعملية السياسية واللجوء إلى خيار حمل السلاح ضدها, مما أدى إلى اندلاع ما يسمى " بثورة العشائر ". فهل يحملوا ويجسدوا هؤلاء " الثوار " معنى الثورة الحقيقية, أم أنهم يشكلون جزء لا يتجزأ من دورة العنف والعنف المضاد؟؟؟, والذي أدى بدوره إلى أخطر ما أدى أليه هو التحالف مع أعداء الوطن والإنسانية لإلحاق الأذى بالوطن والمواطن وبمستقبل العراق بأكمله, ويجسد أخطر ردة فعل لمعادة سلطة المركز !!!.

والأخطر من ذلك هو عندما تضعف الدولة في أداء مهماتها الدفاعية والأمنية وتعتمد بدورها على العشائر والقبائل لحفظ الأمن ودرء الأخطار الخارجية, فأن الدولة تقع فريسة الاستحقاق العشائري وسلوكها المتذبذب والاستسلام لشروط العشيرة وليست الدولة, إلى جانب تكريس عسكرة المجتمع وإيجاد أكثر من مركز للقوة والمنافسة خارج الدولة مما يهدد الأمن الاجتماعي من الداخل ويديم نوبات العنف, وخاصة إذا اخذ هذا الاعتماد على العشائر طابعا جغرافيا ـ طائفيا, فأنه يدفع باتجاهات خطرة ويكرس حالة الاحتقان الطائفي ـ السياسي التي يعاني منها البلد !!.

والتجارب القريبة جدا اثبت عدم جدوى ذلك, فقد انشأ في عام 2006 قوات الصحوات الخاصة في المناطق الغربية ذات الطابع السني والتي عمل الأمريكان على تشجيعها, ثم أعقبتها في عام 2007 تشكيل مجالس الإسناد والتي قام بتأسيسها رئيس الحكومة السابقة نوري المالكي في مناطق الوسط والجنوب ذات الطابع الشيعي, وقد أسهما كلا التنظيمين بقدر ما في مساعدة القوات الأمنية ومحاربة المجاميع المسلحة وخاصة في سنوات العنف الطائفي, إلا أنه سرعان ما أوقع الدولة في شرك استحقاقات هذه المجالس وشروطها, وفشل الدولة في إيجاد حلول جذرية لامتصاص هذه القوى وإعادة بنائها في إطار أجهزة الدولة, مما ترك هذه المجالس في تجاذبات واحتقانات لا تحمد عقباها مع الدولة !!!.

وما الحدث الأخير والأخطر والمتمثل باستباحة " داعش " للأراضي العراقية عام 2014 واحتلال ثاني اكبر مدن العراق " الموصل " والذي هدد بإسقاط الحكم في بغداد إلا تعبيرا في بعض من وجوهه عن هشاشة بعض الولاءات العشائرية للدولة " بغض النظر عن من يحكم هذه الدولة " والتي قدمت تسهيلات لوجستية " لداعش " وهي تعبيرا عن ضيق الأفق العشائري لاستقراء الإحداث وانعكاساتها الخطيرة على الوطن وسلامته, فسرعان ما انقلبت داعش عليهم مسببة لأكبر كارثة إنسانية أضرت جميع الإطراف دون استثناء لطائفة أو دين أو قومية أو مذهب أو عشيرة أو قبيلة !!!. 

أن دراسة العشائر والقبائل كظاهرة سوسيولوجي ونفسية لا يعني أبدا النيل من عشيرة دون غيرها أو إلحاق الأذى بسمعة عشيرة ما ورفع شأن أخرى,فكلنا ننتمي إلى عشائر كتحصيل حاصل, بل هو دراسة لظاهرة موضوعية تشكل مرحلة سابقة من مراحل النمو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ولها إبعادها السياسية والاجتماعية الخطيرة, وأن أعادة بناء البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية على أسس من التطور والحداثة والتي تستند إلى العلم والتكنولوجيا والاقتصاد المتطور في كل المجالات كفيل ببناء دولة المواطنة العصرية عابرة لجميع الولاءات الضيقة من عشائرية وطائفية ومذهبية وأثنية, وبالتالي فلا حاجة لقانون مجلس القبائل والعشائر العراقية, ومهما بلغت المبررات لصدور هذا القانون فأنها لا تصمد امام سنة التطور, ولا يمكن للسلوك العشائري والقبلي أن يضبط بقانون !!!. 


26
استخدام سيرة نبي الإسلام في الصراعات المذهبية الإسلاموية وسيكولوجيا التعصب !!!
 

د.عامر صالح 


المتصفح لصفحات الأنترنيت ومواقع التواصل الأجتماعي, وخاصة منها الفيسبوك يجد زخما من النقاشات الغير مجدية لحياة الحاضر والمستقبل, بل تعبر عن أحتقانات طائفية ومذهبية قائمة على محاولات نفي الآخر, وخاصة عندما يتعلق الأمر في صراعات الاسلامويين على السلطة وتعبئة الناس في أجواء استحضار الماضي المليئ في التناقضات واستخدامها كوقود سريع الاشتعال في الصراعات الدائرة لأغراض ديمومة الفوضى السائدة وألحاق مزيدا من الأذى في النسيج الاحتماعي !!!.

تحيي بعض صفحات التواصل الاجتماعي مناسبات ولادة ووفاة نبي الاسلام محمد ( 12 ربيع الأول 53 ق.هـ / 22 أبريل 571م ) ـ ( 12 ربيع الأول 11 هـ / 8 يونيو 632م ), وبما أن الولادة والوفاة وقعت كلاهما في يوم 12 ربيع الأول وعلى الأعم الأغلب يوم الأثنين " رغم اختلاف بعض المؤرخين والباحثين " فهناك قدسية خاصة في أذهان المسلمين بأعتبار ان حصول كل من الولادة والوفاة في نفس اليوم هو أمر رباني أو ارادة ألاهية. وبما أن ولادته حيادية ومنزوعة الصلة بالصراعات, فأن وفاته وأسبابها شكلت جزء من الصراع المذهبي السلطوي بين الفرق النتاحرة على السلطة والتي تبلورت لاحقا بعد وفاة النبي. توفي نبي الأسلام قبل 1384 عاما وعن عمر يناهز 63 تقريبا, ولكن الخلاف على اسباب وفاته وتاريخها وملابساتها اليوم على أشده !!!. 

وبدلا من التركيز على البعد الايجابي في رسالة نبي الاسلام وفي ظروفها آنذاك وبأختلاف التفاصيل وتقيمها في ظروف عصرنا, فقد أستهلكت وسائل التواصل الاحتماعي المناسبة في البحث عن أسباب وفاته وملابساتها, واعطائها صبغة طائفية ومذهبية, وجرى التركيز على السؤال الآتي: هل وفاة النبي طبيعية أم قهرية, هل شهيدا أم متوفيا, والزج بوفاته وذكراها في دائرة الصراع الطائفي الاسلاموي الجاري على السلطة السياسية بما لا يخدم الذكرى, وجرى نبش لأسباب الوفاة, وتوزعت الأسباب بين سم دسته له يهودية في خيبر, أو سم قدم له في داره, في إتهام لأقرب الناس له, أو أصيب في ألتهاب رئوية حادة رافقتها ارتفاع درجة الحرارة, وكان كل فريق متسلح بأدلته في الاحتماليين الأول والثاني وعلى طريقة " نقل فلان عن فلان عن فلان " !!!.

وقد تحولت بعض الصفحات في الفيسبوك الى سباب وشتائم مقرف ويندى له الجبين وتجاوزا على الرموز الدينية, ومتناسين البعد الانساني في وفاته, والقدر الآلهي الذي تؤمن به كل طوائف الاسلام ومذاهبه وملله في ثنائية الحياة والموت. أما علميا فقد انتفت تماما من النقاشات ولم يسأل أحد المناقشين نفسه: ما هي مستويات الحياة الصحية آنذاك في عهد النبي وقبله وبعده, وهل الحياة خالية من الأوبئة والامراض الفتاكه, والافتقاد الى أبسط المعلومات الصحية الدقيقة الذي يضعف متوسط عمر العيش, ولماذا فقد النبي العديد من أولاده وبناته وهو على قيد الحياة, ألم تحصد الامراض والمجاعات والحروب ملايين من البشر ؟؟؟. وقد تحولت ذكرى وفاة النبي قبل أكثر من الف وثلاثمائة عام الى مناسبة للأعادة انتاج الكراهية الطائفية البغيضة وتوظيف ذكراه في دائرة الصراع الاسلاموي على السلطة !!!. 

أن ما يؤذي الناس والشعب عموما وبمختلف أطيافه هو ليست الانتماء إلى طائفة, فذلك واقع حال, حيث عاش العراق فترات من المحبة والمودة بين الطوائف والمذاهب والأديان المختلفة, وهي فترات إنسانية حقه نعتز بها جميعا, لم نعرف فيها دين أو مذهب جارنا وصديقنا,ولم نؤسس تعاملنا الحياتي على أساس هذا الانتماء , ولم نجرئ لأسباب أخلاقية أن نسأل عن انتماءات جارنا وصديقنا المذهبية والطائفية, فكان ذلك من المعيب والمخزي في ثقافة التعامل اليومي, وان عرفنا بذلك فنكن له كل المودة والاحترام, حيث كان الانتماء للوطن هو سيد الموقف والثقافة السائدة !!!!.
 
إننا اليوم نعاني من الفتنة الطائفية القائمة على ذلك السلوك المتمثل في بث روح التعصب الطائفي أو إثارة النعرة المذهبية, والاختلاف في الجزئيات والتفاصيل التي لا تبني مستقبلا, وخاصة عندما يستخدم هذا السلوك للنيل والانتقام من طائفة على حساب طائفة أخرى, أيا كانت هذه الطائفة " سنية, شيعية, زيديه, مسلمة, مسيحية, صابئية وغيرها " وهي سلوكيات تستهدف التفرقة الطائفية والمذهبية والدينية حيث المساس المباشر لحياة الناس وأرزاقهم وحقوقهم ومصالحهم وكرامتهم وآمالهم وأمنهم وسلمهم, بل وقتلهم باعتبارهم مرتدين, والتفرقة الطائفية هنا هي جريمة بعينها, يكون ضحاياها شرائح واسعة من المجتمع المدني, وهو كذلك بالتأكيد سلوك مخالف للأعراف والتقاليد الدولية, حيث تنص المادة ( 55) من ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان على عدم الفوارق بين الناس, حيث تؤكد المادة المذكورة على : ( احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع بلا تميز بسبب الجنس أو اللغة والدين, و لا تفرق بين الرجال والنساء, ومراعاة تحقيق تلك الحقوق والحريات فعلا).

أن التعصب بمختلف مظاهره من عنصرية, وطائفية دينية أو مذهبية, أو سياسية, أو قومية أثنية, أو حزبية وفكرية, تمثل اتجاها نفسيا جامدا ومتحجرا مشحون انفعاليا أو عقيدة وحكم مسبق مع أو ضد جماعة أو أي شيء أو موضوع, ولا يقوم على سند منطقي أو معرفة أو حقائق علمية. أو هو موقف معاد ضد الجماعات الأخرى المختلفة في المعتقد أو المذهب أو الدين أو القومية, وخاصة عندما لا يكون هناك تفاعلا حقيقيا ومعرفة واقعية بين هذه الجماعات, وان هذا التحجر وعدم التفاعل يحول الوطن الأم إلى كانتونات منعزلة تسودها الريبة والشك والبغضاء فيما بعضها البعض, وبالتالي يحرم التعصب هذه المجاميع من فرص التقدم الاجتماعي والاقتصادي والتنمية المستديمة تحت مظلة الوطن, لأن التعصب بطبيعته يناهض العلم ويحارب التقدم ويعادي الحقيقة ويقاوم المبادرة الفردية ويخاف من الأفكار الجديدة ولا يقبل بالنقد البناء ويرفض التساؤل باعتباره مصدر الحقائق والمعارف, ويترك التعصب لدى أهله انطباعا وهميا بالكمال والامتياز والأهلية في مختلف المجالات, وهو بذلك يغلق أبواب الرحمة والتفاعل مع البيئة الخارجية, وهو بذلك يكتفي بالاسترجاع والاجترار ويغلق قابليات العقل ويخنق فعاليات العلم ويكرس الجهل ويملأ النفوس مسرة وفرحا بالجهل واستماتة في الدفاع عنه. 

ويبقى الحديث عن مشروعية الانتماء إلى طائفة ما أو قومية ما أو هوية سياسية ما ناقصا بالتأكيد إذا لم يقترن بالحديث عن التعددية والديمقراطية كمنهج وكقيمة اجتماعية, والتعددية تعني قبول الآخرين المختلفين قوميا أو طائفيا أو سياسيا واحترام رأيهم وحقوقهم وطريقة حياتهم طالما أن ذلك لا يمس بحقوق بقية الفئات, ففي الوقت الذي ندعو به إلى حق الناس في ممارسة انتمائهم الطائفي يجب الدعوة بقوة إلى انتهاج التعددية والديمقراطية السياسية لكي يأخذ كل مكون اجتماعي أو ديني حجمه الطبيعي وألا يبقى خطر تحول الانتماء الطائفي إلى تعصب طائفي قائم دوما !!!.






27
الطفولة المنسية في العراق !!!


د.عامر صالح

في العشرين من نوفمبر عام 1989 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا اليوم يوما عالميا لأعلان جقوق الطفل في العالم أجمع, والعراق من ضمن دول العالم التي تعهدت لأطفالها بضمان طفولة أفضل وفقا لتوصيات أتفاقية حقوق الطفل, وفي مواد تلك الاتفاقية الدولية والمتمثلة بخصوص الطفولة بما يأتي: الحفاظ على الهوية, وحق الطفل في العيش في كنف والديه اذا لم يتعارض مع المصلحة العليا للطفل, ولم شمل العائلة, وحرية التعبير للطفل, والحماية ضد الاعتداء والاهمال, وحماية الطفل فاقد الأسرة, والخدمات الصحية, والمراجعة الدورية للأطفال النزلاء في المنازل الخاصة لأغراض الرعاية والحماية والمعالجة,  أطفال الأقليات والسكان المحليين وحقهم في ثقافتهم الخاصة وممارسة شعائرهم الدينية ولغتهم الخاصة, وحق الطفل في أوقات الفراغ والتسلية والأنشطة الثقافية, وللطفل حق الحماية من أي شكل من أشكال الاستغلال !!!.

 تعتبر فترة الطفولة فترة أولية من عمر الإنسان، حيث وصفها علماء النفس بأنَها فترة حساسة جدا، وهي أيضاً وفي ذات الوقت فترة مرنة من عمر الإنسان، حيث يكتسب الإنسان في هذه الفترة أطباعاً وعادات وأنماطا سلوكية تبقى ملازمة له خلال فترة حياته كلِّها، ومن هنا فقد أطلق عليها علماء النفس اسم الفترة التكوينية انطلاقا من مرونة الجهاز العصبي والدماغ بشكل خاص، حيث يتحدد فيها ذكاء الإنسان وثرائه العقلي لاحقا، وينمو فيها أيضاً نمواً متكاملاً متوازناً يحقق له ذاته في المستقبل.

إن أهميَة مرحلة الطفولة تتلخَص في اكتساب الطفل للعادات والقيم المختلفة والانماط السلوكية خلالها؛ فلو اكتسب الإنسان العادات الجيدة، والقيم والأخلاق الرفيعة فإنَه حتماً ستتشكل له اللبنات الاساسية لذلك وتخلق له فرصا مواتية للنمو السوي, أما إن اكتسب العادات السيئة والأخلاق الرديئة؛ فإنه سيكون وبالاً على المجتمع عندما يكبر وخاصة في ظل ظروف مواتية لاعادة انتاج السلوك السيئ وتعزيزه وتكراره، وهذا لا يعني أن الإنسان لا يمكن له أن يصلح اعوجاجه الذي نشأ عليه عندما يكبر، فكل شيءٍ قابل للإصلاح, والسلوك الانساني ابن ظروفه, وتغير الظروف لا بد ان ينعكس على تغير السلوك, وأن الطفل في المحصلة نتاج للظروف الموضوعية المحيطة بنشأته !!!.

العراق أحد البلدان العربية وذات الاغلبية المسلمة تعرضت فيه الطفولة العراقية الى انهيارات كبرى جراء الحروب المتواصلة وهيمنة قيم الدكتاتورية والتسلط, ثم أعقبها حروب داخلية بنكهة طائفية مقيتة, وتغيرات في البنى الثقافية والاجتماعية, واشاعة ثقافة فئوية انكفائية مغلقة, وتدهور في العملية التربوية والنفسية للطفولة العراقية, وإشاعة موقف متهاون من ضرورة التعليم والرعاية للطفولة العراقية. وهنا لا بد من تسجيل بعض ما لحق الطفولة العراقية من أضرار بليغة, تستدعي منا وقفة انسانية لمعالجة مخاطرها, وهي: 

1 ـ التسرب والرسوب المتواصل للاطفال الدارسين في التعليم الابتدائي والمتوسط جراء الضغط المتواصل لظروف العيش وعدم مقدرة الأسرة العراقية للأيفاء بمتطلبات الدراسة وظروف العيش.

2 ـ انخراط اعداد هائلة من الاطفال في سوق العمل الرثة لمساعدة ذويهم وأسرهم في ظروف ضنك العيش, مما حرم الاطفال من فرص النمو الطبيعي, العقلي منه والتربوي.

3 ـ ظاهرة التسكع في الشوارع بين الاطفال كأفراد وكمجاميع شللية مما يعرضهم الى مختلف مشاريع الاستمالة, من جريمة منظمة وانحرافات خلقية وسلوكية, وحتى زجهم في مشاريع انتحارية كالارهاب وغيره.

4 ـ ظاهرة الاطفال اليتامى والذين فقدو والديهم في الحروب المختلفة, أو جراء العمليات الانتحارية كضحايا لها, وعدم تمكن مؤسسات الدولة التربوية والرعائية لأحتضانهم وتوفير الأمن والآمان لهم, مما يجعل طفولتهم في مهب الريح.

5 ـ زج الاطفال وعبر العملية التربوية بثقافة الانحياز الطائفي والتعصب الاثني من خلال تعبئة عقول الاطفال بثقافة التمترس والانغلاق الذهني والفكري في اطار ثقافة احادية الجانب وغير منفتحة على الآخر.

6 ـ النزوح المتعاظم للأطفال مع أسرهم بسبب الحروب الداخلية, أو حروب تحرير الاراضي  العراقية من داعش, أو حروب التصفيات العرقية والاثنية, مما يجعل مستقبل الاطفال مجهولا.

7 ـ انتشار الاوبئة والامراض وسط مجاميع الاطفال وتجمعاتهم الشللية مما ينذر بانتشار محتلف الامراض المعدية وغير المعدية, وفي ظروف انعدام الفحوص الدورية الطبية للتأكد من سلامة الاطفال.

8 ـ أنعدام وسائل الترفيه والتسلية والانشطة الثقافية لأمتصاص الوقت الزائد لدى الاطفال وتوظيفه وجهة مفيدة لنموهم العقلي والجسدي والفكري.
9 ـ عدم الالتحاق بالمدارس الابتدائية في العمر المقرر بسبب من صعوبات مادية للأيفاء بمتطلبات النقل او عدم المقدرة في تحمل المستلزمات الدراسية من قبل الوالدين, الى جانب انخفاض الوعي لديهم بضرورة ارسال ابنائهم الى الدراسة, مما يسهم في رفد جيوش الأميين من السكان بالمزيد من الأفراد.

10 ـ تعرض الاطفال للعقاب الجسدي من قبل البيت أو المدرسة أو العنف في خارج المنزل يشكل تهديدا خطيرا للطفولة العراقية, لما يتركه من آثار وخيمة في بناء شخصية ضعيفة تستجيب بشكل خضوعي وسلبي لضغوطات الحياة المختلفة.

أن الاعلان العالمي لحقوق الطفل يشكل حافزا قويا للدفاع عن الطفولة العراقية ومحاولة للنهوض بمستلزمات الطفل العراقي في الحرية والتربية والعيش الكريم بعيدا عن الحروب والتعصب الديني والمذهبي والاثني الذي يمزق شخصية الاطفال, وتأمين فرص العيش الذي يليق بالطفولة الانسانية !!!.

28
في الجذور السيكولوجية والدينية لأقتصاديات الجمعة السوداء والجمعة البيضاء ومثيلاتها !!!

د.عامر صالح

لكل مرحلة تاريخية مرت بها البشرية لها اقتصاد خاص بها  "قوى انتاج وعلاقات انتاج ", ولها آلهة وأديان تفرزها تلك المرحلة, تلعب دور الحافظ لها والداعم والمدافع عن بقائها, أي بمعنى فردي ان العقل ينتج الدين وان الدين بدوره ينتج عقلا ووعيا ملازما, ويلعب الدين دورا كبيرا في إضفاء القدسية على بعض الانشطة الاقتصادية والطقوسية لإبقاء الدين حاضرا في الحياة حتى ولو شكليا, كما تنشط الآلة الاقتصادية من خلال قدسية الدين في مناسباته ذات الأسراف الشديد والمميز, وخاصة عندما يمر الاقتصاد بأزمات دورية !!!.

وللتعريف في الجمعة السوداء نستعين ببعض المعلومات المتوفرة:
أول استخدام لهذا المصطلح كان في إشارة إلى انهيار سوق الذهب في الولايات المتحدة في عام 1869. وبعد مرور قرن من الزمن، استخدمت شرطة مدينة فيلاديلفيا الأمريكية مصطلح "الجمعة السوداء" لوصف الفوضى والازدحام في شوارع المدينة، بعد إغلاق وسط المدينة بسبب توافد المتسوقين إلى المراكز التجارية لشراء الهدايا. وكره الباعة والتجار هذا المصطلح، لكنهم حاولوا إعادة ابتكاره، بعد أن وجدوا أنه اليوم الذي قفزت فيه أرباحهم من اللون الأحمر، إلى اللون الأسود. وبدأت شُهرة فكرة "الجمعة السوداء" في الثمانينيات والتسعينيات.. واليوم، تُعرف "الجمعة السوداء" بالخصومات والعروض الخاصة، أما الماضي "الأسود" لهذا اليوم، فقد أصبح طي النسيان. وقد انتقلت عدوى هذا اليوم الى العالم الأوربي, بل والى العالم العربي والاسلامي !!!. 

والجمعة السوداء " بلاك فرايدي " يأتي عادة بعد عيد الشكر في الولايات المتحدة الامريكية, وعادة يكون في نهاية شهر نوفمبر من كل عام, ويعتبر هذا اليوم بداية موسم شراء هدايا عيد الميلاد. في هذا اليوم تقوم أغلب المتاجر بتقديم عروض وخصومات كبيرة، حيث تفتح أبوابها مبكرا لأوقات تصل إلى الساعة الرابعة صباحا. بسبب الخصومات الكبيرة ولأن أغلب هدايا عيد الميلاد تشترى في ذلك اليوم، فإن أعدادا ًكبيرة من المستهلكين يتجمهرون فجر الجمعة خارج المتاجر الكبيرة ينتظرون افتتاحها. وعند الافتتاح تبدأ الجموع بالتقافز والركض كلٌ يرغب بأن يحصل على النصيب الأكبر من البضائع المخفضة الثمن. في يوم الجمعة السوداء تقوم أيضا بعض متاجر الإنترنت بتقديم عروض مغرية.

أما الجمعة البيضاء " وايت فرايدي " فهي عبارة عن ردة الفعل العربية والاسلامية على يوم الجمعة الأسود الأمريكي, حيث تقوم بعض مواقع الانترنيت العربية والاسلامية بعروض كبرى وتخفيضات والتي تعتبر الاقوى على مدار العام ويتم خفض باقة كبيرة من المنتجات خصوصا الهواتف الذكية والالكترونيات والساعات والعطور والكثير من البضائع الأخرى, وموعد الجمعة البيضاء يأتي آخر يوم جمعة من شهر نوفمبر من كل عام. ونظرا لخصوصية يوم الجمعة لدى العرب عموما والمسلمين من حيث كونها يوم تكثيف للعبادة مقترنا بولادة نبي الاسلام, فلم يتحمل الأمرإلا بسميتها بالجمعة البيضاء. وقد تباينت الآراء حول جدوى إختيار مناسبة أمريكية لإعادة إستهلاكها عربيا وكان من ضمن الآراء أن يتم اختيار يوم جمعة سابق لشهر رمضان أو عيد الفطر أو عيد الأضحى بحيث يكون مناسب للثقافة العربية والإسلامية بعيدًا عن التقليد الأعمى للغرب !!!. 

وعلى العموم فأن الاحتفالات والأعياد الدينية وغير الدينية هي ممارسات نمطية تحتوي على ممارسات شعائرية وجوانب اجتماعية وأخرى ثقافية ويشارك فيها شرائح اجتماعية دينية وثقافية واثنية واسعة, وتسودها أنشطة اقتصادية تستهلك فيها شتى أنواع المنتجات, من أكل وشرب وملبس. ويمكن هنا تقسيم الاحتفالات إلى أنواع: الاحتفالات المرتبطة بعادات دورة الحياة, من ميلاد, وزواج ووفاة؛ والاحتفالات الرسمية كالقومية والوطنية المختلفة؛ والاحتفالات الدينية, والتي يمكن تصنيفها إلى: الاحتفالات الدينية العامة, على سبيل المثال الاحتفالات بعيد الفطر وعيد الأضحى وولادة النبي, وأول العام الهجري وليلة الإسراء والمعراج وليلة النصف من شعبان, وما يقابل ذلك طبعا في مختلف الديانات, والاحتفالات الدينية الخاصة, على سبيل المثال الاحتفالات الخاصة بولادة الأولياء كالإمام علي والحسن والحسين ومولد السيدة زينب وأول رجب ونصفه وأول شعبان ونصفه, وما يقابل ذلك في مختلف الأديان والطوائف والفرق المذهبية من أعياد خاصة !!!. 

وهنا يجب التأكيد بأن نشأة الاحتفالات الشعبية والأعياد الدينية ليست مرتبطة أصلا بنشوء الدول القومية أو الأديان التوحيدية وغير التوحيدية, بل هي تضرب بجذورها في عمق التاريخ ومنذ نشأة الإنسان البدائي ولها دلالتها السيكولوجية المكثفة في حياة الإنسان عبر التاريخ. وانطلاقا من الفكرة إن المجتمع هو مصدر الدين بمختلف مستويات تنظيمه الاجتماعية فأن الطوطمية " وهي نسق ديني تعتبر فيه بعض الأشياء خاصة الحيوانات والنباتات مقدسة, وترمز للعشيرة " هي الشكل الأكثر بدائية وبساطة للدين والتي يوازيها شكل بدائي من التنظيم الاجتماعي هو العشيرة. ويشكل الطوطم الضمير الجمعي للعشيرة, وهو التمثيل المادي للقوى غير المادية فيها. فالطوطمية دين ليست بتلك الحيوانات أو بتصورات الناس, وإنما بتلك القوى المجهولة وغير الشخصية, موجودة في كل تلك الكيانات لكنها ليست ممتزجة بأي منهما. الأفراد يموتون والأجيال تذهب ويأتي غيرها لكن هذه القوى تبقى دائما حية كما هي. أنها تنفخ الحياة في أجيال اليوم مثلما فعلت بأجيال الأمس وكما ستفعل بأجيال الغد. 

والضمير الجمعي وما يرافقه من انفعالات جمعية عبر التاريخ هي مصدر الأديان في مسيرة البشرية وانتقالها من مراحل بدائية إلى مراحل أكثر تقدما نسبيا تقابلها أديان مناسبة, وتلك هي مسيرة البشرية من الطوطمية إلى الديانات التوحيدية في البحث عن إجابات للأسئلة الوجود. ويشكل الدين في المجتمعات البدائية أخلاقا جمعية شاملة ويعادل الضمير الجمعي, ولكن تطور المجتمعات وتعقدها ورقيها جعل الدين يحتل مساحة أضيق مما كان عليه في المجتمعات البدائية, وهذا ناتج من أن تطور المجتمعات ارتبط بظهور القوانين والعلوم والمعارف والأفكار والإيديولوجيات وتعقد الثقافة عموما مما سمح لظهور تشكيلات أخرى للعقل الجمعي خارج إطار الدين, وأن الدين أصبح واحد من هذه التشكيلات, وتتفاوت قوة نفوذه استنادا إلى مستوى تطور المجتمعات !!!.

 الاحتفالات والأعياد الدينية والشعائر المصاحبة لها والانشطة الاقتصادية التي تقام في المناسبات والطقوس الدينية المختلفة ومنذ الديانات الأولى هي بمثابة إعادة الإنتاج للدين وإبقائه حاضرا في حياة الناس عبر تثبيته كعادات يومية أو دورية بفعل عوامل التعزيز والتكرار والتدعيم. ولولا تلك الطقوس والأعياد والشعائر المختلفة لاختفى الدين من حياة الناس تماما. وقد تحولت الشعائر والاحتفالات الدينية في العالم المتقدم إلى مناسبات وفرص اجتماعية للتواصل العام ولتعزيز العلاقات الاجتماعية, وفرص للتسوق, كما هي الحال في أعياد رأس السنة الميلادية, أو عيد ميلاد النبي المسيح, والكرنفال, وعيد الفصح " عيد القيامة ", والصوم الكبير, والصوم الصغير, إلى جانب أعياد فرعية أخرى كميلاد مريم العذراء, وعيد ارتفاع الصليب وعيد العنصرة ـ التجلي وغيرها إلى جانب المناسبات ذات الطابع الحزين. وبقى الدين في خطابه الكلاسيكي التقليدي وممارساته العبادية محصورا في أماكنه التقليدية وقلاع نشأته, كالكنيسة والجوامع والمساجد إن وجدت وغيرها.

ومن الناحية الدينية البحتة فأن الشعائر والاحتفالات والأعياد الدينية كما يراها فقهاء الإسلام هي خلاص من اغواءات شياطين الإنس والجن, والرضا بطاعة المولى, والوعد الكريم بالفردوس والنجاة من النار. وينبه فقهاء الدين على أخطاء كبرى يقع فيها المسلمين في الأعياد لأنهم فهموا العيد على ما في نفوسهم وأهوائهم ولم يفهموا العيد على ما أراده الله لهم " حسب فقهاء الدين ", ومن تلك الأخطاء التي يحذر بها فقهاء الإسلام من ممارستها في أيام الأعياد هي: ما تفعله بعض النساء من التبرج وإظهار المفاتن والزينة ... أيها الزوج والأب ذكر ابنتك وزوجتك قول النبي محمد: ( رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة ), الاختلاط بين الرجال والنساء والاختلاء بين الرجل والمرأة  فذلك يفضي إلى الشرور والمفاسد, ـ واللهو واللعب الذي يشغل عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة, والحفلات والمهرجانات الغنائية, والعكوف على مشاهدة الفضائيات الهابطة التي تنشط أيام العيد فتقدم الأفلام والمسرحيات والبرامج المنحلة, والرحلات الجماعية المختلطة, والإسراف والتبذير في المأكل والملبس.

أن هذه الشروط التي يضعها الفقهاء في الدين هي أشبه بوضع المسلم في أيام العيد في عزلة دولية واجتماعية عن ظروف العصر بمختلف انجازاته التقنية والمعلوماتية والاجتماعية, إلى جانب العزلة الاجتماعية الداخلية بمنع الاختلاط والحفلات الجماعية, ومنع الاهتمام بالمظهر الخارجي وخاصة بالنسبة للمرأة وزينتها. وكأن ما كان ما يحصل قبل العيد وعلى مدار السنة حرام في حرام, وكذلك هي استجابة انفعالية غير مدروسة من قبل فقهاء الإسلام للحد من الطبيعية الاستباحية أصلا للأعياد !!!.

أن هذه الممنوعات التي يضعها رجال الدين كشروط لأعياد تستجيب لرضى الخالق برأيهم هي ليست واقعية بمكان لأن الأعياد بطبيعتها استباحية دينية أم غير دينية, وهي عودة على بدأ, فيه عودة إلى الزمن الأول, فكل شيء في الأعياد مفرط وزائد عن الحاجة ولكنه يلبي الحاجة النفسية لاستحضار الزمن الأول, فمن كان يصلي في بيته فقط يخرج الآن بصلاة جماعية أمام الملأ , ومن كان يلبس لباسا متواضعا يوميا يخرج الآن بأجمل ما لديه, ومن كان يسمع أغاني وأناشيد وآيات دينية في بيته , يسمعها الآن ويحيياها بأعلى الأصوات في الكنائس والجوامع ومختلف دور العبادة, ومن كان يأكل أكلا عاديا فهو الآن في الأعياد يأكل أكلا خاصا, وتقام في الأعياد النزهات والسفرات وأنواع مختلفة من الرقص تستجيب لذات الشعائر !!!. 

أن الاحتفالات بالأعياد هو هيجان زائد وحماسة جنونية, وبذخ مفرط, وإسراف لا حد له. والأعياد لها لغة خاصة ولباس خاص يختلف عن الأيام العادية, انه قلب مؤقت للعالم. انه عودة إلى القدسية وإقرار التوازن العميق بين الكائنات والأشياء عن طريق فض هذا التوازن مؤقتا. لأن العيد لا يقتصر أمره على الترويح النفسي ولكنه أيضا وبصورة خاصة خلق جديد وبعث ونشأة أخرى, بكل ما في هذه الكلمات من معنى, حتى إن بعض التجمعات والملل والطوائف تبذخ الغالي والرخيص وتذهب في مهب الريح احتفالا بعيد فاخر مترف. ذلك إن العيد ليس برهة عابرة في حياة الجماعة. انه قمة شعورها بذاتها وإفراغها لإمكانياتها وتوكيدها لأسباب وجودها العليا. وإذا كان العيد يعلو بالجماعة فهو يعلو بالفرد أيضا. فلئن كان العيد يمثل الهرج الاجتماعي للخرافة, إلا انه يفرض على كل فرد يشترك فيه مهمة البطل الخرافي. وبتعبير آخر إن العيد يطهر الفرد العادي من الأدناس وينفخ فيه روحا جديدة ويقر مكانه شخصا يحدده وضعه في مجموعة الشعائر " حسب كاسدوف جورج " !!!!.

وتفسر شعائر الأعياد طبيعتها الفوضوية الإباحية, فالعيد هو في بعض الأحيان قلب للعالم كما في أعياد زحل عند قدماء الرومان وهي أعياد كان يختل فيها الأمن وتنشط فيها الدعارة وتمارس فيها الحريات كما يشاء, وما الكرنفال إلا صدى لهذه الأعياد وامتداد لها. وفي العيد على كل حال فيه إقبال على المنكر وتحريض على الفسق. وعلى حد تعبير فرويد " إن العيد هو إفراط مباح, بل مأمور به, هو مقاربة رسمية للحرام. فالناس لا يفسقون فيه لأنهم في مرح مفروض عليهم ولكن الفسق جزء من طبيعة العيد ذاتها ". 

ويمكن تلخيص ابرز مظاهر الاستباحة والإسراف في الأعياد والاحتفالات في: هو المغالاة في دروس الوعظ الديني والدروس التعليمية الدينية لتثبيت القيم المستوحاة من هذه المناسبات والتركيز على البعد التلقيني فقط من قبل المتلقي, والبعد الاجتماعي الذي يسعى إلى إيجاد شبكة من العلاقات الاجتماعية من طابع خاص, وكذلك الجانب الاقتصادي من ترويج للبضائع والسلع المختلفة, وإقامة مختلف المواقع الجديدة لتدعيم خدمة تقديم الغذاء إلى مختلف الزائرين وترويج مختلف البضائع والأطعمة. وتنتشر أيضا في هذه المناسبات الكثير من المظاهر أللاجتماعية واللاخلاقية, كالسرقات والنشل والتسول والتحرش الجنسي والبغاء وممارسة القمار والمخدرات, والإسراف في سماع الأغاني والأناشيد الدينية وغير الدينية, وانتشار الألعاب النارية وغير النارية بطريقة يخل بالأمن العام والاستقرار !!!!. 

ولعل أكثر مظاهر الاستباحة حضورا اليوم هو ما نلاحظه من طقوس في ممارسة ظاهرة الأضاحي أو القرابين, والتي عرفتها البشرية منذ الأزل, وعرفتها لاحقا الأديان المختلفة بما فيها التوحيدية, اليهودية والمسيحية والإسلام, وتركزت بشكل خاص في الإسلام على مجموعة من العبادات والشعائر على مفهوم التضحية والفداء انطلاقا من الزكاة والصوم ثم نحر أضحية العيد, والتي وصلت إلى حد استنزاف اقتصاديات ثروات كاملة لمختلف البلدان الإسلامية, إلى جانب مجموعة من العادات والتقاليد التي تعتبر تكثيفا رمزيا لمفهوم القربان كالهبات والعطايا للزوايا والأضرحة والأولياء, لتصل إلى مستويات عالية من التطرف عبر التضحية بالجسد عبر المجاهدين والانتحاريين وغيرهم !!!.

وظاهرة الأضاحي والقرابين وجدت لها تفسيراتها السيكولوجية والاقتصادية والاجتماعية. ففي السيكولوجية, وعلى سبيل المثال لا الحصر الفرويدية حيث ربطتها بظهور الطوطم, حيث وظف فرويد الدلالات الرمزية الأسطورية لتفسير النشأة الأولى للنظام الأخلاقي, انطلاقا من حيزين أسطوريين, الأول من خلال أسطورة " قتل الأب وأكله " بطابعها الانثروبولوجي, وحيز آخر يتمثل في أسطورة أوديب بتجلياتها السيكولوجية. فحسب أسطورة " الوليمة الطوطمية " قرر الأبناء التنازل عن إشباع غرائزهم المتوحشة لصالح النظام الاجتماعي, وقد شكل هذا التنازل أساس النظام والعدالة الاجتماعية والقانون والقيم الأخلاقية في المجتمعات الإنسانية القديمة, لتشكل بذلك مهد الحضارة ومنطلقها الإنساني في التأسيس للمقدس والمدنس, وذلك لان الحضارة لا تقوم إلا على مبدأ الإيثار ونكران الذات وتنظيم إشباع الدوافع الغريزية . وحسب أسطورة عقدة اوديب, جريمة قتل الأب, يتشكل لدى الفرد شعور بالذنب بلا ذنب, فتلك الخطيئة المزدوجة لقتل الأب وإتيان المحرم تقوده إلى أعظم الندم وضياعا في الأرض تكفيرا عن الإثم والذنب ليظهر الطوطم كبديل مقدس عن الأب تعبيرا عن الندم, وبالتالي تكون القرابين تقريبا إلى الأب المقتول.

وفي تفسيرات سيكولوجية أخرى ترى إن تقديم القرابين للآلهة هي خطة محكمة البناء من اللاشعور الجمعي تقتضي صب فائض العنف المنتشر في المجموعة على"  كبش " , وبهذا يكون سلوك التضحية مخرجا لتصريف النزوع البشري إلى العنف اتجاه الذات والآخر. وهكذا تنتقل وظيفة القربان إلى شرعنة للعنف في زمان ومكان واتجاه موضوع محدد. أنه شكل من إشكال التنفيس عن العنف الجوهري في سيكولوجيا الإنسان الذي تغذيه غريزة الموت والقتل والدمار !!!!.

أما التفسير الاقتصادي فهو يرى مثلا عيد الأضحى يأتي تاريخيا لخلق التوازن الاقتصادي في منظومة النظام الاقتصاد الإسلامي بين مجتمعين متصارعين, مجتمع رعوي ومجتمع زراعي, فبعد عيد الفطر الذي تزدهر فيه تجارة مجتمع الزراعة لابد من طقس يأتي لترويج تجارة مجتمع الرعي !!!.

وبغض النظر عن ما يرد من تفسيرات سيكولوجية اجتماعية فأن المجتمعات اليوم وبعد مسيرة قرون, وفي ظروف الإحساس بالحاجة إلى التخطيط وعقلنه استخدام الموارد لازالت تمارس الاستباحة في طقوسها واستنزاف موارده في الثروة الحيوانية, والبشرية عبر استنزاف عقول أبنائها في مختلف الشعائر والطقوس المفرطة واللاعقلانية. وإذا كانت هذه الاحتفالات والأعياد الدينية هي مجرد عدة مرات في السنة فأنها تعني الكثير على مستوى عرقلة خلق الوعي المجتمعي اللازم لعقلنه جهد الإنسان والاقتصاد في إمكانياته الروحية والثقافية والاقتصادية ورسم ملامح مستقبل أفضل, وخاصة في بلدان الفقر والعوز والفاقة التي تستنزف فيها الثروات في تلك المناسبات. وأذا كانت الجمعة الامريكية السوداء هي مناسبة لإعادة تشغيل الاقتصاد وبعثه من جديد في ظل مستويات من الدخل الفردي ومستوى لابأس به من العيش العام, فأن الجمعة العربية والاسلامية البيضاء وفي ظل اقتصاديات الركود والبطالة وتدني مستوى العيش, فهي مناسبة لإستنزاف ما تبقى من الدخول الفردية ووضع الكثير على حافة الفقر !!!.

 

29
تلفيق صحيفة " الشرق الأوسط " السعودية في مخاطر الزيارة الأربعينية والحرب النفسية !!!

د.عامر صالح 

الحرب النفسية تستهدف الانسان نفسه لتحطم شخصيته فيضطرب سلوكه ويصل الى مرحلة المرض ،تضعف إرادته ،يتملكه الخوف والقلق وهي حرب معنوية ،تستهدف شخصية المقاتل والأمة وغايتها تغيير سلوك الأفراد والجماعة ،وخطورتها أن اسلحتها فتاكة ،فالخوف والتوتر والترقب والتشكيك من شأنه أن يعدي الانسان للآخر كالوباء ،والدعاية والاشاعة التي تستعين بهما الحرب النفسية كوسائل نشر تنقل وباء الهزيمة وانخفاض الروح المعنوية وتغير الأفكار والاتجاهات والمعتقدات ،ومن مصطلحات الحرب النفسية (غسيل الدماغ) وهو من أخطر ماتلجأ اليه الحرب النفسية فهي تعمل على إعادة تشكيل الفكر وتغير التوجهات وتستخدم وسائل الاعلام لتخريب العقول والنفوس وكفرها بكل المبادئ والقيم ثم دفعها الى الايمان بنقيضها .‏


بعد ان تدفق البترول على المملكة العربية السعودية ,عملوا على صرف المليارات منها من اجل تلميع صورتهم سواء في الداخل او الخارج فأنصب اهتمامهم على بناء مؤسسة اعلامية تمويهية مدعومة بالبترودولار وتجنيد كتاب البلاط لهذا الغرض, فأغدقت المليارات لتشكيل جيوش هذه المؤسسة, والتي تتدخل في كل شاردة وواردة في الوطن العربي والعالم خدمة لمصالح وأهدااف العائلة المالكة, وجاءت ثورة الاتصالات المعلوماتية الفضائية لتدعم بناء هذه المؤسسة, فتأسست العشرات من المحطات الارضية والفضائية بكافة صنوفها والعشرات من المجلات والجرائد  لا لشئ الا لتلميع صورة أل سعود والهجوم على كل من يسيئ اليهم , فزحف كم هائل من الكتاب والاقلام المأجورة ليعملوا في هذه المؤسسة واصبح مقياس الكاتب او الاعلامي العامل في مؤسسة أل سعود هو مدى خدمة هذه العائلة وتنفيذ أجندتها الداخلية والخارجية مقابل إغراءات مالية وأمتيازات مغرية للضمير المأجور. وجاءت الثورة التكنومعلوماتية  لتنطلق صحافة من نوع آخر وهي الصحافة الالكترونية عبر الانترنيت فانتشرت المواقع التي تعمل لخدمة هذه العائلة بشكل سريع مما زاد من نفوذ هذه المؤسسة وتأثيرها في تغذية الصراعات المختلفة في البلدان العربية والعالمية !!!.

وفي دائرة الصراعات الأقليمية العربية والاسلامية لعبت هذه المؤسسة دورا تخريبيا في تعزيز قبضة الصراعات الداخلية من خلال الانحياز المطلق الى الخطاب الديني والمذهبي المتطرف والداعم للحركات الاسلامية المتطرفة التكفيرية والارهابية, مما ساهم في تفتيت البنى الاجتماعية والثقافية وانهيار مجتمعات عربية واسلامية من الداخل وإغراقها في صراعات دموية ذات طبيعة دينية ومذهبية من خلال إنحيازها لبعض اطراف الصراع ذات الطابع المذهبي السياسي المتطرف. وقد ساعد صراع المصالح الاقليمية بين السعودية وأيران الى إشتداد عنف الصراع من خلال واجهاته الطائفية والمذهبية, والتدخل في شؤون البلدان الداخلية والبحث عن حلفاء مطابقين لهم, وتحويلها الى مناطق صراع دائم لتصفية الحسابات الاقليمية والمذهبية المتطرفة وإثارة النعرات الطائفية في مكونات المجتمع الواحد, حتى بات هناك تخندق واضح في الكثير من داخل البلدان العربية وموالاة لأطراف الصراع الأقليمي السعودي ـ الايراني, يدفع ثمنه عدم الاستقرار هذه البلدان !!!. 

وفي هذا السياق وفي إطار الحرب النفسية الخفية التي تشنها هذه المؤسسة  كانت صحيفة الشرق الاوسط السعودية زعمت نقلا عن غريغوري هاتل المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية، أن "العام الماضي شهد مناسبات دينية في العراق يشارك فيها الملايين من العراقيين والعراقيات وأكثر من مليوني ايراني [في اشارة الى زيارة الاربعين]، أعقبها حصول حالات حمل غير شرعي لأكثر من 169 أمرأة عراقية من سكان جنوب العراق" على حد زعم الصحيفة السعودية" وحذرت المنظمة كما تقول الشرق الاوسط من "تكرار حالات الحمل غير الشرعي في العام الحالي".
ونفت منظمة الصحة العالمية/ المكتب الاقليمي للشرق الأوسط، بشدة ما زعمته الصحيفة على لسان المتحدث باسمها، وأستنكرت المنظمة "مرة أخرى استخدام اسمها في خبر عار عن الصحة يدعي أن أحد إعلاميي المنظمة في جنيف صرح بخصوص الزواج غير الشرعي خلال المراسم الدينية".
ولفتت الصحة العالمية الى أنها "تتحرى حالياً عن مصدر الخبر الخاطئ وقد تلجأ إلى مقاضاة ناشريه". 

لقد كان المقال معبئ ضمنيا بدلالات موجهة الى الطرف الآخر من:  إيهام وتمويه, وخداع, وشتم, وتشهير, وتفرقة, وإيقاع, ونميمة, وتأليب للمكونات المذهبية على بعضها, وتحريض على المكون الأقليمي المذهبي المتمثل بأيران حيث تواجدهم المليوني في الزيارة وقد اتخذ محتواه من رمزية المرأة العراقية ومكانتها كساعة الصفر وكبش فداء لأشعال الحريق الطائفي. ونحن نعلم ان الحرب النفسية أحد اركان الحرب الشاملة ضد الشعوب عبر اساليبها في الدعاية والشائعة, وتستخدم في العراق منذ عام 2003 بسبب الصراعات الأقليمية المذهبية والطائفية والأطماع الاستراتيجية, وقد حققت نجاحات نسبية لأعداء العراق في زرع الفتنة الطائفية, وكان مقال صحيفة " الشرق الأوسط السعودية " تصب في ذات الأتجاه. وكان المقال يعكس الصراع الايراني والسعودي بشكل خفي, حيث توجهات ايران لمنع والحد من الذهاب الى مكة والاستعاضة عنها في الامكنة المقدسة في العراق, وكان ولابد لهذا الحضور المليوني الايراني الى الزيارة في العراق ان يلقي بضلاله على مستوى الصراعات وتصعيد شحنتها الطائفية, بعيدا عن الأحقية الشرعية والدينية في أولوية الزيارة لمكة !!!.   

لقد أفرز مقال صحيفة الشرق الاوسط السعودية وعكس عدة حقائق في المجتمع العراقي, أبرزها ما يلي: 

ـ هناك ادانة وسخط شعبي وامتعاض كبير على الصحيفة التي فبركت الحدث, كانت الادانة واضحة على المستوى الشعبي العام والرسمي, والذي أدى بدوره الى استقالة الكتاب العراقيين في هذه الصحيفة, والدعوة الى عدم تداول الصحيفة في العراق ومقاضاتها. 

ـ هناك مستوى متباين من الإدانة, ففي الوقت الذي كانت فيه الادانة واضحة وغير مشروطة في معظم التيارات السياسية الشيعية, جاءت الادانة لدى التيار السياسي او الجبهة السنية مشروطا بأدانة تهمة " جهاد النكاح " عند السنة, مع العلم ان جهاد النكاح ليست سنيا بل داعشيا وتمت ممارسته في الاراضي التي احتلتها في سوريا والعراق, وان هذه الاشتراطية في الادانة ليست في محلها.

ـ عكس المقال رائحة التخندق لدى الاطراف السياسية في الدفاع او السكوت عن حلفائها الخارجيين مهما يفعلوا بالعراق, وان الحفاظ على القيم الانسانية واحترام شعبنا ليست موضوع مزايدة او دفاع عن حليف خارجي, بل هو موقف مبدئي وضميري.

ـ كان موجها ليست فقط بمحتواه المباشر, بل كان كان موجها لضرب جبهة التحالف السني ـ الشيعي في جبهات القتال لتحرير الموصل, وعلى أثر هزيمة داعش, فجاء محاولة لجس النبض, في الوقت الذي يقدم فيه شعبنا خيرة ناسه شهداء من اجل الوطن. 

وهنا يجب النهوض بمستلزمات الدعاية والاعلام المضاد بما يضمن حصانة المواطن العادي أو السياسي والارتقاء بمستوى الحيادية والنزاهة والموضوعية في استيعاب الهجمة على العراق ووضع مصلحة العراق فوق كل الاعتبارات الطائفية والقومية والمذهبية. ولابد للعمل بما يأتي:
1ـ وجود منهاج توعية شامل يستهدف تنمية الشعور بالمسؤولية لدى المواطنين مع توضيح دقيق للدور الخطير             للمجموعات المعادية والاعلام المعادي وإيضاح وسائلهم وأساليبهم التخريبية.                                                                                                                     
2 ـ العمل على تحقيق الوحدة الوطنية المتماسكة وقطع الطريق على محاولات زرع بذور الفرقة وقد أثبتت الأحداث في العالم وفي العراق بعد أحتلاله عام 2003 إن الشعب المفكك الأواصر يكون خير مرتع للاعداء ومهما كانت تسمياتهم.                 
3 ـ إتخاذ تدابير كفوءة لمواجهة الاشاعة من أهمها إطلاع الشعب بشكل صادق على ما يجري بعيداً عن أساليب الخداع والمراوغة التي سرعان ما يكتشفها الشعب.                                                                                           
4 ـ وضع سياسة إعلامية وطنية موحدة للشعب والتحذير من محاولات إشاعة عوامل الفرقة والتناحر بين أبناء الوطن الواحد والتصدي لمثل تلك المخططات التي تسهل للاعداء تحقيق مآربهم .                                                       
 5 ـ مد جسور الثقة بين الشعب والسلطة وتعميقها والتواصل الحقيقي مع المواطنين والاستماع الى شكواهم وآرائهم ومناقشتها معهم.                                                                                                                     
6 ـ العمل الجدي وبنزاهة الاخلاص للعراق والانتماء أليه في محاربة الفساد الاداري والمالي, لأن الفساد والتستر على رموزه بل والدفاع عنه يشكل حاضنة سهلة لتمرير مختلف المشاريع السياسية والطائفية وما يرايفقها من فكرية واعلامية خطيرة على فكر المواطن والمواطنة !!!.                                                                                 

30
في سيكولوجيا الإنتخابات الأمريكية وعيوب العقل الجمعي العربي والإسلامي !!!


د.عامر صالح

أن ظاهرة الإنتخابات الحرة الديمقراطية هي ظاهرة جديدة وغريبة على العقل العربي والإسلامي المغيب والمثخن بجراح الإرهاب والتطرف الفكري وإقصاء الآخر المغاير لنا في الملة والتفكير, فكيف لنا أن نفهم الانتخابات الأمريكية ونحن لن نمارس الديمقراطية قطعا ولازالت بالنسبة لنا حلما بعيدا عن المنال, أو لازلنا نفهم الديمقراطية هي وسيلة لإفتراس الحكم وتقاسم غنائم السلطة والتأسيس لكانتونات طائفية وأثنية لنهب موارد البلاد وألغاء الدولة, كما هي في التجربة العراقية, أو تجارب ما يسمى " بالربيع العربي " !!!. 
لازلنا نعيش بقدسية مزيفة لإمتلاك الحق الديني والأيديولجي والأثني والمذهبي والطائفي، جميع الدول و الديانات والطوائف اصبحت تعترف بالاخطاء التي تم ارتكابها باسمها بل وقدمت اعتذارات عن ذلك، هم متصالحون مع تاريخهم و يعترفون بالخير و الشر الذي فعله اسلافهم و لايجدون داعي لتزوير حقائق تاريخهم حتى لو كان سيئأ، الا نحن بقينا كتله متحجرة كبيرة ندعي المجد و تاريخنا مملوء بالاكاذيب و المشكلة ان هذا التاريخ ينعكس بشكل مخيف على حاضرنا ومستقبل الأجيال القادمة, بل ويشكل مرجعيتنا الأساسية لفهم الظواهر التي تجري من حولنا !!!. 

لقد فهمنا ببساطة ساذجة إن الفوز " الترامبي " جاء مفرحا للسنة من المسلمين المتطرفين, فهو بقدر فهمهم سيلغي الإتفاق النووي الإيراني, ويحد من التدخل الإيراني والأجندة الإيرانية في العراق وفي المنطقة عموما, كما جاء فوزه مفرحا للشيعة من المتأسلمين السياسيين بأنه سيمحي السعودية من الوجود وقطر وآلتها الاعلامية قناة الجزيرة, كما أبتهجت شرائح متطرفة من مسيحيو الشرق اوسطي في أمريكا وخارجها في أن الخلاص قادم لا محال من المسلمين في أمريكا, كما جاء فوزه دعما ضمنيا للنظام السوري من خلال عدم اعترافه بهوية من يقاتل النظام السوري, وتضامنه الضمني مع الموقف الروسي لصالح النظام السوري, وكل يغني على ليلاه, تلك هي مسحة التفكير الثنائي القاتل في مجتمعات تتآكلها ظاهرة الهوس الديني في مرحلة ما قبل الدولة المدنية !!!. 

لا تفهم السياسة الامريكية بانها وليدة اللحظة أبدا, بل انها تعتمد على تخطيط مسبق وطويل الأمد, قد يصل في أقل سقف زمني له هو خمسة عقود, وبالتالي فإن مرشح أي حزب مهما كبر حجمه وسلطان نفوذه المالي ما هو إلا موظف يدير السياسات الموضوعة, ولكن لديه صلاحيات في اتخاذ القرار في الأمور المختلفة وبالاستناد الى مستشاريه, ومن هنا نستطيع القول ان السياسة الامريكية تستند الى علم الادارة قبل استنادها الى المزاج الشخصي للرئيس المنتخب, والرئيس الجديد لا يأتي مقطوع الصلة بسياسات وأدارة الرئيس الذي سبقه. وأسوق هنا مثالين فقط لا للحصر كيف تكمل الادارة الامريكية بعضها البعض في سياستها الخارجية: قانون تحرير العراق والذي شرع في عام 1998 في عهد الديمقراطي بيل كلنتون وقد نفذه جورج بوش الجمهوري في 2003 وأحتل فيه العراق, وكذلك قانون جاستا في مقاضاة الدول الداعمة للإرهاب وفي مقدمتها السعودية فقد شرع في عهد أوباما الديمقراطي وسينفذه ترامب الجمهوري !!!.   

في سيكولوجيا الأتصال يمكن فهم الانتخابات الأمريكية كما تفهم غيرها من الظواهر: فهناك مرسل, وهناك مستقبل, وهناك قناة إيصال ومادة إرسال " الموضوع ", ثم هناك ظروف مصاحبة للأرسال, أو معرقلة له, يجري الحد منها في مسارات الارسال, والهدف النهائي هو إيصال الرسالة للمستقبل بدرجة كبيرة من الفهم والنجاح وتحقيق الأهداف المرجوة, والتي هي في الحالة الأمريكية فوز ترامب وخسارة هيلاري كلينتون, أو إحتمالات العكس كما كان متوقع عالميا ولم يحصل !!!. 

كانت رسالة ترامب الانتخابية وما أعقبها من فوز له تفهم بأنها انتصار لليمين المتطرف, وانتصار للتقارب الأمريكي الروسي, وانتصار للعرق الأبيض, وانتصارا للإسلاموفوبيا, وانتصار للأنكلوسكسونيا, وانتصار للعزلة وجدار الفصل بين أمريكا والمكسيك, وانتصار للعرق الأبيض, وانتصار لرافضي الإجهاض, وانتصار لأعداء المثلية الجنسية والحريات الجنسية, وانتصارا لمعارضي الهجرة والمهاجرين, وانتصارا لخفض الدعم الأمريكي لحلف الناتو وترك الدول تدافع عن أمنها بمفردها, وانتصارا للتمركز حول الذات الأمريكية بعيدا عن العالم, طبعا وانتصارا لليبرالية الرأسمالية وخفض الضرائب على الأغنياء, وأختزال الضمانات الاحتماعية والحد من دعم البطالة, ونهاية لمشروع أوباما للخدمات العلاجية المجانية والتوجه أيضا لتغيرات جوهرية لقضاة المحكمة العليا, وفي أضيق نظاق شخصي اعتبر فوز ترامب هو فوز لسيدة أمريكا القادمة " ميلاني ترامب " والتي استخدم تاريخها الشخصي للتضييق على فرص انتخاب ترامب !!!.

كان محتوى رسالة ترامب الانتخابية موجها الى العقلية والضمير والشخصية الأمريكية الكلاسيكية مستفزا لشعبويتها المتمركزة حول الذات القومية, في ظل تجارب رئاسية جمهورية وديمقراطية, كان حصادها حروب اقليمية واحتلالات, ودعم الارهاب الاسلامي التكفيري وخاصة المتمثل بما يسمى " بالربيع العربي " وولادة حركات أرهابية أكثر تطرفا ودمارا للإنسانية كداعش مثلا, وقد أسهمت تدخلات أمريكا في تعقيد انتقال هذه المجتمعات صوب الديمقراطية والتعددية إنتقالا سلسا وآمنا, كما في الحالة العراقية, وقد لحق دمارا هائلا في البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية والثقافية مما غيب فرص بناء المستقبل لأجيال قادمة, وبالمقابل عرض أمن أمريكا الى مزيدا من المخاطر والاستنزاف في الموارد والضحايا البشرية, الى جانب مسؤوليتها وتحالفاتها اتجاه أوربا وغيرها من دول العالم !!!.

لقد استطاع ترامب بخطابه المرسل الى الشعب الأمريكي, الى جانب مزاياه الشخصية في ذهنية منتخبيه, وليست السياسية, كونه رجل أعمال ناجح وذو شأن اجتماعي وخصوصية أسرية يعجب بها الأمريكي قبل غيره أن يستحوذ على أصوات الأغلبية الانتخابية. وبالمقابل فشلت هيلاري كلينتون السياسة المتمرسة ومن وقف معها: من الاعلام الاوربي ووسائل التواصل الاجتماعي العالمية والتي ضخمت في توقعات فوز كلينتون المفرطة, إنطلاقا من امنيات ومصالح أوربا في فوزها للإبقاء على الدعم الامريكي لأوربا في نطاق الاقتصاد والأمن والعلاقات العامة والدفاع المشترك !!!.

في الحملة الاعلامية ضد انتخاب ترامب أستخدمت جزئيات كثيرة للحد من صعوده, سواء في الاعلام الأوربي وكذلك في الأعلام العربي والإسلامي, فقد ركز الأعلام المضاد حول المخاطر الأمنية على الصعيد العالمي والأقليمي بفوز ترامب, وأحتمالات نشوء حروب جديدة قادمة أوربية وأقليمية عربية وأسلامية بفعل توقعات لغياب الدور الأمريكي الفعال, وقد ركز الأعلام حول أمية ترامب السياسية وعدم مقدرته على الصعيد العالمي, وأنه رجل أعمال وليست سياسي " محنك ", ولكن خلاف ذلك تؤكد المعلومات حول سيرته الشخصية أنه كان في أحضان الحزب الديمقراطي قبل عام 1987 ثم هجره, وألتحق بالحزب الجمهوري وتركه أيضا ثم عاد أليه, وسيعمل مع الجمهوريين, وفي ظل برلمان ومجلس شيوخ أغلبه من الجمهوريين, ولا أعتقد لرجل بارع في الأقتصاد والمال أن يكون أميا في السياسية, فالمصالح الأقتصادية وتأمنيها تستدعي معارفا سياسية رفيعة, وبالنتيجة العامة فالسياسة وليدة الأقتصاد !!!.

وفي جزئية أخرى استخدمت فيها الجانب الجنسي وعلاقاته مع النساء للحد من صعوده, وتصدرت صفحات الاعلام العالمي تحمل صور لزوجته بهذا الخصوص تقترب من الأباحة, ولكن الناخب الأمريكي حسم ذلك وكان يميز بين ما هو شخصي بحت ومتعلق بالحريات الشخصية وبين ما هو عام, فقد انحاز الناخب الامريكي الى ترامب, وبالمقابل كان الفساد الاداري والوظيفي بالنسبة لهيلاري كلينتون أحد عوامل انخفاض شعبيتها الأنتخابية وخاصة ما يتعلق بأستخدامها الخوادم البريدية الخاصة خلال توليها منصب وزيرة الخارجية الأمريكية, ولم تكن على سبيل المثال فضيحة زوجها الجنسية والرئيس السابق بيل كلنتون سببا في ذلك !!!. 

في ثقافتنا العربية والاسلامية السياسية نضع ثقل لمعايير الشرف الشخصي أو السلوكيات الجنسية الشخصية ونستخدمها في حدية قاتلة لتحديد نزاهة الشخص السياسي, وبالمقابل نتغافل عن ما يرتكبه السياسيون من فساد أداري ومالي وسياسي وأستخداما سيئ للمنصب وعبث في المال العام وأنتهاك لحرمة الدولة, حيث تتجمع بيده, الثروة والسلاح والسلطة, ليقرر ما يشاء, ونضع العلاقة مع الجنس الآخر في نقيض للأداء السياسي, في ظروف لا علاقة للأول بالثاني. وقد قرأت بعض التعليقات المفارقة هنا وهناك لبعض نساء من مجتمعاتنا تجسدت في فرح فوز ترامب في جزئية استخدام زوجته في الدعاية المضاده له, وقد تفسر توقا خفيا صوب الحريات وتمردا على الظلم الأجتماعي, كما قرأت فرحا بفشل هيلاري كلينتون لأنها بقت مع زوجها رغم "خيانته " الزوجية, وهو نمط من الفهم المتطرف بعيدا عن سنة التسامح في ارتكاب الأخطاء !!!.

اليوم يتعامل العالم مع "المنتخب" ترامب وليست "المرشح" ترامب, وهناك فسحة في الخطابين " خطاب المرشح وخطاب المنتخب ", ففي الخطاب الأول تكمن الانفعالات المفرطة لكسب الاصواب عبر قراءة مزاج الناخب وهو موجه الى الداخل الأمريكي حتى في جزءه الخارجي, أي الى المحيط الأنتخابي الذي قرر فوز ترامب, وهناك خطاب ترامب المنتخب والموجه الى الداخل والخارج, وقد بدأت ملامح ذلك في بعض من تصريحاته: تنازله عن راتبه الرئاسي وأستلامه شهريا دولار واحد كراتب رمزي, وسعيه ان يكون رئيسا لكل الامريكيين باختلاف انتمائتهم واعراقهم, كما بدأ مشروع دولتيين متعايشتين فلسطينية واسرائيلية أحد  "همومه " كسابقيه من الرؤوساء الأمريكيين, كما انه سيراجع الاتفاق النووي مع ايران ولن يلغيه, وهناك فرق بين المراجعة والألغاء, لا بل ان الامير تركي الفيصل رئيس جهاز الاستخبارات السعودي الاسبق والمسؤول عن ملف العلاقات الاسرائيلية السعودية ينصح ترامب بعدم الغاء الاتفاقية النووية, لأن ذلك برأيه قد يعطي فرصة لأيران بانتاج القنبلة النووية, وبالتالي لا نعتقد أن الظروف الدولية الشائكة يجهلها ترامب ويفهمها تركي الفيصل افضل منه. نعتقد ان هناك فرق كبير بين ان تكون مسؤول أول في البيت الابيض, وخطيب او مرشح انتخابي على منصة التحشيد للفوز !!!. 

وعلى العموم فأن مخاوف العرب والمسلمين من مجيئ ترامب أو ما يزيد وطأة الخوف هو انعدام مشروعنا الحضاري والمدني وعدم تمكننا داخليا من حماية أنفسنا, وتحولنا الى كانتونات طائفية ومذهبية ودينية واثنية وعرقية تقاتل بعضها البعض, في زمن تراجعت فيه مكانة الدولة الحاضنة والآمنة للجميع, واحتلت فيه الاولوية في الولاء للعشيرة والطائفة والعرق والقومية, وهكذا شلليات اجتماعية معوقة هي دائما بحاجة الى حماية من الخارج او الى حليف قوي يقف الى جانبها حتى ولو بشروطه, فلا نستغرب من خوفنا  "المشروع " في ظل تشرذمنا, ولنرى ما يخبأه ترامب لنا وللعالم, فالسياسة فن الممكن ؟؟؟.







 



31
تداعيات منع الخمور في سيكولوجيا الوعي العراقي 

د.عامر صالح

منذ ان سجل تاريخ الإنسان وربما قبل ذلك بزمن طويل, والإنسان يتناول من مواد الطبيعة أو مستحضراتها ما هو غير طبيعي أو غير ضروري. وقد لجأ الى ذلك أما سعيا وراء اللذة أو لغرض تخفيف المعاناة النفسية أو الجسمية أو لغرض التمهيد أو المشاركة في الممارسات والطقوس الدينية. وما زالت هذه الغايات نفسها فعالة في دفع الإنسان لتناول هذه المواد. وبالتالي فأن تأصل ذلك في الفطرة الإنسانية الأولى يستدعي منا الخلاف حول المقدار لا على التناول بحد ذاته !!!.

لم تكن قضية الإحتجاج على منع الخمور وبيعها وغلق محلاتها ومنع استيرادها بالنسبة للعراقيين هي مجرد نزوة أو ردة فعل على التضييق في تداولها وتناولها, بل هو إنعكاس لأرهاصات الوعي المدني ـ العلماني الكامن في الشعور الجمعي العراقي والذي تشكل عبر حقبات تاريخية, أصبح فيه ليست من السهل على العراقي التنازل عن مسلماته في التفكير والوعي في عدم الخلط بين الشأن الفردي والاجنماعي, ومقاومته المستمرة من أجل بقاء أصلح للعيش, رغم قساوة  الحياة الحاضرة وشدة الهجمة الشرسة لمسخ وعيه من قبل النظم الدكتاتورية وإدعاءات الإسلام السياسي الكاذبة في البحث عن حلول أفضل لحاجات المواطن الروحية والمادية, رغم أن هناك فسحة من القدرة على التلاعب والتزييف في الوعي عبر استخدام الخطاب الإسلاموي المموه بالكذب والمراوغة من خلال إستخدام الدين والرموز الدينية ذات المكانة لدى الناس تارة, والإستخدام السطحي للعلم ومنجزاته تارة أخرى" كما في حالة منع الخمور " للتمويه على الأجندة الإسلاموية التي تستهدف إضفاء البؤس والفاقة والذل عبر تقييد وإستلاب الحريات الفردية ومحاربتها ووضع سقف مشروط للحريات العامة !!!.

أجزم بأنه لايوجد عراقي لا يعرف بأضرار الكحول, وخاصة الإدمان عليه وما يسببه من إرباك للصحة العامة الجسدية والنفسية, وأن أغلب من كان يتناوله بمقدار هو من الطبقة الوسطى والمتعلمة, من مدرسيين ومهندسيين واساتذة جامعات وكوادر تكنوقراط, وهي ذات الطبقة الحاملة للفكر المدني والعلماني, وهي نفسها التي يعول عليها في بناء وانطلاق المجتمعات المدنية الحديثة, وهي الرائدة في بناء البنية التحتية الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية المتطوره, والتي ألحق بها النظام الدكتاتوري وما بعده النظام الإسلاموي الطائفي والإثني, الدمار الشامل, في محاولة منه لتغير البنية الاجتماعية والسيكوإجتماعية للقوى البشرية العاملة, وخلق الوعي الهش لتحطيم محاولات الانسجام بين ثلاثي الاستقرار والدولة المدنية: السلطة والمجتمع والدولة, والتأسيس لحالة الاغتراب الشامل والفوضى الهدامة بين المكونات الثلاث. اعرف تماما ان هناك كانت أندية مسائية في العراق لشرائح من الطبقة الوسطى وغيرها, فهناك نادي الأطباء والمهندسين والمعلمين وموظفي مختلف الإدارات المحلية, وجميعها لا تخلو من تقديم خدمات المشروبات الكحولية, ولم تكن في يوما ما سبب في حروب صدام العبثية !!!.

ما ألحقه النظام الإسلاموي الطائفي والإثني البغيض ما بعد 2003 من دمار في البنى الاقتصادية والخدمية, من مشاريع بنيوية, يبنى في كنفها إقتصاد معافى, ومن تدهور في الخدمات الإنسانية, من صحة وتعليم وماء وكهرباء وضمانات إجتماعية وفرص عمل, غير قابلة للمقارنة قطعا بما تلحقه الخمور والكحوليات وحتى العقاقير والمخدرات, من أذى في حياة الإنسان وإستقراره. ولو كان هناك سلم للأولويات لحياة كريمة في ذهنية الإسلامويين السياسيين لما تباكوا بكاء التماسيح على صحة أفراد المجتمع من خلال قانون منع الكحول, ولكن دوافعهم في ذلك كانت مفضوحة للقاصي والداني, وهو الزحف على الحريات الفردية والعامة كلما سنحت الفرصة وفي ظروف الخلسة وانشغال المجتمع بآفة الإرهاب, ومحاولاتهم في إضفاء خطاب واحد على الحياة العامة, في مجنمع متعدد الأديان والأثنيات والاعراق والمذاهب والثقافات والأفكار, متكأة على قراءة مشوهة وإنتقائية للدستور, ومتناسية الحريات الفردية والتعددية التي يضمنها, ولكن دستورنا المتناقض هو أحد اسباب ذلك أيضا !!!. 

وكان على كل من صوت على منع الخمور وفرض العقوبات على بائعيها ومتداوليها أن يكون ذو ضمير حي, وان يضع في حساباته ترتيب الأولويات على شكل بسؤال بسيط: أيهما أفضل للبرلمان: أن يصوت لمنع الخمور وهو شأن فردي محض, أم ينهمك مخلصا في معالجة الفساد الأداري والمالي والاجتماعي, وأنتشار الميليشيات الطائفية المسلحة, والعصابات الإجرامية المنظمة, وتفكيك الدولة وغياب الأمن الفردي والمجتمعي, ومخاطر الإرهاب الجاثم على أرض العراق, وتفكيك النسيج الاجتماعي العراقي, ومخاطر تجزئة العراق والتدخل الاقليمي والدولي في شؤونه الداخلية, ومعالجة الخلفية الذهنية والفكرية والطائفية ذات الصبغة الاسلاموية والتي تؤسس لحروب داخلية طائفية وأثنية لا تنتهي, ومعالجة أوضاع اجتماعية خطيرة جدا على التفكك الاسري والاجتماعي, كالزواجات المؤقنة والزواجات غير المسجلة في محاكم الدولة والتي انتشرت في ظل الاسلاموين بعد ان كانت غير معروفة آنذاك, ومشكلات الارامل بسبب فقدان الزوج في الحروب او الاقتتالات الجانبية, مشكلات اليتامى بسبب فقدان احد الوالدين او كلاهما, معالجة أوضاع معوقي الحروب والعمليات الانتحارية والارهاب عموما, معالجة البطالة وتوفير فرص العمل للشباب كي لا ينساقوا تحت ضغط ظروف العيش السيئة الى مختلف الاستمالات السيئة, والارهاب في مقدمتها. كل هذا لم يكن تعاطي الخمر من أسبابه, بل أن البرلمان الذي منع الخمر هو احد الاسباب الرئيسية في ذلك !!!!.   

مع قدوم الاسلامويين الى السلطة إنتشرت على نظاق واسع المخدرات والعقاقير خارج استخدامها الطبي المقنن, كالحشيش والكوكائين كمنشيات " من نشوة ", الى جانب المهدئات والمنومات والمسكنات للألم والمهلوسات, وقد إنتشرت في كردستان العراق وجنوبه ووسطه, وحتى مزارع خاصة لهذا الغرض. وإن كان الكحول سهل السيطرة عليه, من حيث مصادره وتمويله وأمكنة بيعه, فأنه من الصعوبة بمكان وضع حد للمتاجرة بالمخدرات والعقاقير المختلفة, نظرا لسريتها الفائقة وإتساع شباكات تداولها وتعقيد طرق بيعها !!!.   

وكان من الأجدر والأكثر حرصا ونفعا للبرلمان العراقي هو دراسة إمكانية نشر برامج توعية وتثقيفية لحيلولة دون الإدمان على تعاطي الخمور, والاستعانة بالأخصائيين النفسيين والاجتماعيين والاطباء والمرشدين النفسيين من خلال دراسة أسباب تعاطي الخمور والمخدرات, وإمكانية التحكم بالعوامل المحيطة, من إجتماعية وثقافية واقتصادية والتحسين المستمر لظروف العيش بما يجعل الاعتماد عليها قليلا ومتروكا للحرية الفردية في حدوده المعقولة, أو دراسة العوامل التكوينية للفرد, فهناك حالات من الاعتماد على الكحول والمخدرات يتقرر جزئيا بأستعداد وراثي, أو دراسة خصائص المادة الكحولية نفسها والتي تسهل وتساعد على سوء استعمالها. فأن اللجوء الى العلم خير طريق لدراسة الظاهرة والحد من مديات إنتشارها دون اللجوء الى المنع القسري والعقوبات, إذا كان طبعا هاجس الاسلامويين هو الحرص على صحة الفرد والمجتمع, وهو أمر يطاله الشك !!!. 

وقد أكدت الخبرة التاريخية وخبرة المجتمعات بصورة عامة فشل خيار المنع القانوني او الديني منه على السواء. فلم يستطع الاسلام في ذروة صعوده التاريخي, بما فيها في زمن الرسالة المحمدية, على القضاء على ظاهرة إحتساء الخمر, بل انسحبت الظاهرة من العيان لتمكث في البيوت والجلسات السرية, وكذلك في كافة المجتمعات ذات السلطات الدينية والمذهبية, وحتى أمريكا عندما منعته في العشرينات من القرن الماضي وعلى خلفية صراعات مذهبية, عادت وسمحت به !!!.

وكما هو اليوم وفي عالمنا الاسلامي, فلم تستطيع لا المملكة العربية السعودية بوهابيتها, ولا جمهورية أيران الاسلامية بخامنئها, ولا افغانستان بطلبانها ولا غيرها من البلاد الاسلامية, ان يمنعوا الخمور والمخدرات بمختلف انواعها, بل اصبحت هذه البلدان هي من البلدان المستهلكة للكحول والمخدرات سرا, بل ومن الدول المصدرة للمخدرات بمختلف انواعها وتشكل أكبر سوق سوداء للمتاجرة بذلك !!!. 

أما على مستوى ديني بحت فلا توجد عقوبة على شاربي الخمر بعكس ما فرضه مجلس النواب العراقي, كما هناك اجتهاد واسع بأنه لم يرد منعا لشرب الخمر بل وردت اجتناب, كما في النصوص القرآنية الاتية :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) أو ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا). والاجتناب هنا ليست المنع قطعا.

وفي الختام نرى ان قرار منع الخمور في العراق وفي ظل غياب الامن وانتشار العصابات سيكون مدخلا سيئا وبداية مؤذية حقا للأقليات الدينية والمذهبية التي تتعاطيه الى جانب الجمهور المسلم الواسع الذي يتعاطيه, وهو نذير بموجة جديدة من القتل والتنكيل لاصحاب محلات بيع الخمور وللناس الابرياء وشد الخناق على الحريات الفردية. وقد بدأت العصابات المسلحة  في البصرة وبغداد وغيرها بحرق محلات الخمور وقتل اصحابها. أنه أرهاب برلمانيي منع الخمور الداعشي !!!.

32
في سيكولوجيا اليوم العالمي للفتاة ـ بعض من مظاهر الإضطهاد 

د.عامر صالح   

اليوم العالمي للفتاة أو اليوم الدولي للفتاة هو الاحتفال الدولي الذي أعلنته الأمم المتحدة في اليوم الحادي عشر من شهر أكتوبر/تشرين الأول من كل عام، لدعم الأولويات الأساسية من أجل حماية حقوق الفتيات و المزيد من الفرص للحياة أفضل, و زيادة الوعي من عدم المساواة التي تواجهها الفتيات في جميع أنحاء العالم على أساس جنسهن , هذا التفاوت يشمل مجالات مثل الحق في التعليم، والتغذية، والحقوق القانونية، والرعاية الطبية، والحماية من التمييز والعنف، الحق في العمل, والحق في الزواج بعد القبول و القضاء على زواج الأطفال. وتعج البلدان النامية والمتخلفة وبما فيها العالم العربي والاسلامي بشتى صنوف التمييز والتفرقة والحرمان واللإذلال وسوء المعاملة في أوساط الفتيات, وتحولهن الى مشروع إستلاب ومساومة طوال العمر, أو سبايا حروب كما يحصل اليوم عند " داعش ", أو زجهن بمختلف أنواع "الزواجات " المؤقتة وبواجهات شرعية مزيفة. والى المزيد من النضال لتخليص الفتيات من ألأسر الاجتماعي وسوء المعاملة وعدم المساواة !!!.   

 أما بخصوص مجتمعاتنا العربية والإسلامية وأسوة بأغلبية بقاع العالم المتخلف, حيث العائلة البطريركية في ظل بنية اقتصادية ـ اجتماعية متخلفة, هي المؤسسة الاجتماعية الأولى التي تؤسس لإضطهاد الفتاة ثم المرأة واستلابها, حيث يأخذ هذا الإستلاب طابعا مقدسا يستمد شرعيته من تفسير النصوص الدينية الوارد على ألسنة المشرعين والمفتين الذين يتدخلون بالتفاصيل الدقيقة لحياة المرأة وفرض الوصاية عليها, من طريقة لباسها وكيفية معاشرتها للآخرين وكذلك تقرير سقف ومدى مساهمتها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية, والتحكم بها باعتبارها تابعا للرجل وجزء من ممتلكاته الشخصية, كما وصل بهم الإفتاء إلى إباحة أجزاء من جسدها لغير زوجها " كإرضاع الكبير ومفاخذته ", وإيجاد أشكال ظرفية عديدة ومختلفة من الزواج المؤقت, ويأخذ الاستلاب طابعا أكثر مرارة عندما يندمج الدين مع السياسية, ليتحول أكراه واستلاب المرأة إلى قوة قانونية ملزمة عليها من السماء والأرض !!!!.
وتبدأ الفتاة والمرأة كمشروع للاستلاب منذ نعومة أظافرها, حيث تفرض عليها الوصاية التربوية والوعظية, خارج إطار والديها, من أخوانها الذكور الصغار والكبار, حتى إذا بلغت اشتدت دائرة الرقابة عليها من الجميع, ثم يستقبلها زوجها فيعيد إنتاج تربيتها وفق لما يرتئيه مناسبا له, بل حتى أطفالها الذكور يساهمون في " تربيتها " وفرض دائرة من الممنوعات على حركتها وحريتها الشخصية, وتتعرض إلى شتى مظاهر الإساءات كامرأة أو زوجة, من الإذلال وجعلها تشعر بعقدة الذنب, وإساءة معاملتها جسديا بالضرب والتهديد والوعيد, ومنعها من التعاطي بالمال وإيجاد فرص عمل لكسب المال وجعلها معتمدة كليا على مال الرجل أو اغتصاب مالها الخاص والتصرف به, وعزلها اجتماعيا ومنعها من الاتصال بالآخرين إلا بموافقات مسبقة وبشروط محكمة في الصرامة ومراقبة تحركاتها عن كثب, إلى أين تذهب ومع من تلتقي, وجعلها تشعر بالذنب أمام أخوانها أو أولادها وتهديدها من عدم رؤية أولادها وحتى ممارسة الضرب والاهانة لها أمامهم, وممارسة الإكراه والتخويف والتهويل لها وإجبارها على القيام بمختلف التصرفات التي قد تؤذي فيها حتى نفسها !!!. 

وتتعرض الفتاة والمرأة في مجتمعاتنا إلى شتى مظاهر التضييق والإكراه الجنسي, فحال وجودها بمفردها في الشارع أصبحت مشروعا للتحرش والمضايقات وسوء الظن بها وبطلعتها, فهناك إحصائيات تؤكد أن 60% من الفتيات المصريات يتعرضن للتحرش الجنسي ابتداء من الملامسة لأجزاء الجسد وانتهاء بأقصاها وهو الاغتصاب التام لها, مرورا بالعنف الجنسي ضدها من الزوج وخاصة في البيئات الفقيرة والمتخلفة, والتي ترى في المرأة موضوعا جنسيا لا غير ويجب أن تستجيب لرغبات الرجل متى ما شاء وكيف ما اتفق بعيدا عن الرغبة للطرف الآخر, إلى جانب ظاهرة الاغتصاب واستخدام القوة وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي بالضحية, وتشير التقارير الأمنية المصرية أن هناك ما لا يقل عن 27 حالة اغتصاب يوميا, أي ما يعادل 10000 حالة سنويا " نقلا عن الانترنيت ", كما تنتشر حالات الاغتصاب في دول المغرب العربي وفي لبنان وفي العراق " وخاصة بعد الاحتلال الأمريكي له ", وكذلك في الدول الخليجية حيث ينتشر الاغتصاب في أوساط الدائرة القريبة للضحية, كسائق الأسرة أو الخادم ومن محيط العائلة والأقارب أو ذوي المناصب وغيرها. وعادة لا يجري في مجتمعاتنا التبليغ عن جرائم الاغتصاب نظرا لارتباطها بمفهوم شرف المرأة وأسرتها وعشيرتها, وخاصة في مجتمعات مسلمة تتدعي التدين, وعادة ما يلقى اللوم على المرأة باعتبارها هي مصدر الإغراء والمسبب لذلك !!!!.

ورغم تعرض االأنثى, فتاة كانت أم امرأة, في مجتمعاتنا إلى مختلف صنوف التعذيب والعنف الجسدي والنفسي والأخلاقي, إلا أن العنف الرمزي هو أكثر الأشكال ضررا وإيغالا في معاناة المرأة, وهو عنف غير فيزيائي, ويتم أساسا عبر وسائل التربية وتلقين المعرفة والايديويوجيا, وهو كما يصفه بورديو بأنه " شكل لطيف وغير محسوس من العنف ", وهو غير مرئي بالنسبة للضحايا أنفسهم. كما أن العنف الرمزي يمارس على الفاعلين الاجتماعيين بموافقتهم وتواطئهم, ولذلك فهم غالبا ما لا يعترفون به كعنف, بحيث أنهم يستدمجونه كبديهيات أو مسلمات من خلال وسائل التربية والتنشئة الاجتماعية وأشكال التواصل الاجتماعي. فالتربية "الذكورية " ابتداء من البيت والنشأة الأولى وما تتركه من انطباعات سيئة عن الأنثى بأنها مخلوق ثانوي تلقي بضلالها على الكثير من السلوكيات اليومية المذلة للمرأة, والمدرسة وتخلف مناهجها وما تبثه من معلومات حول الفرو قات بين الجنسين واستخدامها بشكل سيئ لتوجيه الطعون ضد المرأة وأهليتها الاجتماعية, الفصل  بين الجنسين في المدرسة وخاصة في مراحله الأولى يؤسس منذ البدء للريبة وسوء الظن بالجنس الآخر, والاستعانة بالتراث السلبي وانتقاء أحداثه بطريقة متحيزة بما يضفي إلى تصور المرأة كائنا شريرا وناقصا ولا يحمل إلا المنعطفات والأحداث السيئة, الأفكار والإيديولوجيات السائدة التي تكرس الشائع واللامنطقي عن المرأة وعدم مقدرتها على تجاوز الواقع, الاستعانة بتفسيرات الكتاب المقدس والسنة النبوية بما يفضي إلى تكريس اللامساواة وتشويه قدرات المرأة وإمكانياتها, كما يرد في " المرأة ناقصة عقل ودين ", وكذلك الفتاوى الدينية المختلفة التي تتدخل في التفاصيل الدقيقة للمرأة ووضعها في غير مكانها المناسب. أن هذا النمط من العنف الثقافي والتربوي الرمزي والخفي يجد له انعكاساته ليست فقط في ممارسات الرجال ضد المرأة, بل الأخطر من ذلك أن المرأة تعتبره قدرا وتتفاعل معه إلى درجة الدفاع الخفي عنه وعن مرتكبيه " أي الضحية تدافع عن الجلاد ". وهذا الفرق الواسع بين العنف في مجتمعاتنا وبين العالم المتمدن, حيث في الأخير لن يلقى الدعم والإسناد من المنظومة القيمية والفكرية السائد وبالتالي هو مدان على نطاق واسع بما يحد من إعادة توليده, وهو بعكس ما سائد لدينا حيث يلقى التفسير والإسناد والإثابة في أحيان كثيرة !!!!!.

وهكذا تتضافر منظومة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية والفكرية والأيديولوجية لاستلاب المرأة وامتهانها بشتى سلوكيات الإذلال والحط من القيمة الشخصية لها والاجتماعية. وفي هذه المناسبة العالمية يفترض أن يقوم المجتمع الدولي وخاصة من قبل الدول الاوربية وأمريكا ذات الباع في الاعتراف بحقوق الانسان والمساواة بين الجنسين, أن تحمي وتحفظ وتصون حقوق الفتيات والنساء في المجتمعات الفقيرة والمتخلفة والمبتلاة بالحروب الداخلية والخارجية والحيلولة دون تحولهن الى مشاريع سبايا ووقود رخيص لحروب طالما كانت الدول الكبرى سببا أو أحد الاسباب في إشعالها, ولازالت فسحة الفروق بين اعلان المساواة وبين تطبيقها في هوة متسعة لا تطاق !!!.





 

33
الإسلام السياسي بين تضحياته ودركه الأسفل !!!

د. عامر صالح 

لقد اعجبني الاسلام السياسي بنضالاته وتضحياته ضد الدكتاتورية الفاشية وبعناده المستميت من أجل تغير الاوضاوع في العراق حتى بات ينافس اليسار الشيوعي في مقارعته للدكتاتورية والقمع, وكانت طموحاته للخلاص من القمع والارهاب والفساد والتضييق على الحريات الشخصية لا تقل شئنا عن بقية أحزاب المعارضة أنذاك والطموحة لإسقاط النظام الدكناتوري الفاشي الذي عبث في الارض فسادا وظلما لعقود خلت. وقد استهوى نموذج الاسلام السياسي انذاك شرائح اجتماعية واسعة من الشباب وغيرهم للانظمام في صفوفه في ظل فراغ نسبي لقوى اليسار التي تعرضت لأشرس هجمة من النظام الدكتاتوري الفاشي, وكان الخطاب الديني الممزوج في السياسة سهل المضخ والهظم والتمثل بفعل تلبسه بخطاب السماء الماورائي وقدرته التمويهية لإستلاب العقل والارادة الشخصية وأنصياع مناصريه السهل وراء الغرائز البدائية ذات المسحة الحيوانية في الاعتقاد والايمان والخارجة فوق مسلمات النقد والنقد الذاتي !!!. 

اليوم وبعد اسقاط النظام الدكتاتوري الفاشي وبعد إستلام الاسلام السياسي للسلطة السياسية بفعل الهندسة الامريكية للنظام القائم في العراق على أسس اسلاموية طائفية واثنية يحيي التطرف الإسلامي بمذاهبه المختلفة, وخاصة السنية المتطرفة تقاليد الكهنوت الديني في السبي والقتل والتهجير والتعذيب وإراقة الدماء, أنها نسخة طبق الأصل من أوربا القرون الوسطى في الأخلاق الدينية والتعسف والتفسخ الأخلاقي, ولكن الفرق اليوم بين الحدثين هو فرق قرون من الحضارة والتمدن. أؤكد هنا إن منطق الثأر والثأر المتبادل بين أبناء الدين الواحد, السني منه المتطرف والشيعي المتطرف المغالي " وخاصة في نموذج العراق بعد 2003 هو ابرز ما يعرقل مستقبل بلد بكامله, ويهدد أجيال قادمة في الاستقرار والعيش الكريم, إلى جانب الصراعات الاثنية والقومية الشوفينية التي تعيش على فتات صراع النظام الطائفي والمحاصاصاتي, وهي الأخرى تهدد بقائه !!!.

لعل نظرة متأنية وموضوعية منطلقة من روح الحرص على ما تبقى النواة المتواضعة  "للنظام الديمقراطي " في العراق,تؤكد لنا أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية وما أنتجه من تعصب أعمى,ومنذ ولادته بعد  2003  لحد اليوم كان عائقا ومعطلا للعملية السياسية,حيث حلت في الممارسة العملية الانتماءات الضيقة محل " علم السياسة " لإدارة شؤون البلاد,مما جعل من أحزاب الطوائف والأعراق أمكنة للحشود البشرية وليست أمكنة لانتقاء وتدريب النخب السياسية لقيادة البلاد,وكأنها تعمل على قاعدة أن الحزب يساوي كل أبناء الطائفة أو العرق بما فيها من خيرين وأشرار,وتحولت إلى أمكنة للاحتماء بدلا من الاحتماء بالدولة والقضاء كمقومات للدولة العصرية,مما فوت الفرصة على الانتقاء والفرز على أساس الكفاءة السياسية والنزاهة,وليست لاعتبارات لا صلة لها ببناء دولة المواطنة,أنه سلوك يؤسس لمختلف الاختراقات السياسية والأمنية وشتى ألوان الاندساس.

كما أن نظام المحاصصة يعرقل جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي,وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا  أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد,بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك ,أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة ,بل تؤسس إلى "  إفساد للتنمية ",وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف,والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع !!!,أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل ,وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف  دينه ومذهبه وطائفته وعرقه!!!!.

أن الخندقة الدينية للنظام السياسي وما تسوق ورائها بالضرورة من خندقة مذهبية يعني بالتأكيد أن يلحق الغبن والتميز الديني والمذهبي لقسم هام وغير قليل من المواطنين,وهذا ناتج من أن النظام السياسي المتخندق مذهبيا يتخذ من دينه ومذهبه إطارا مرجعيا ومحكا لتقيم دين ومذهب الآخر.وهو خلاف المفهوم العصري للدولة التي لا تعرف المواطن إلا من خلال الأوراق الثبوتية التي تشير إلى اسمه الثلاثي أو الاسم واللقب, أي رمزيته وخصوصيته في سجل الأحوال المدنية.أما خلاف ذلك فنأتي بأفعال تدفعنا إلى البحث(النبش)والتنقيب عن دين الآخر ومذهبه, ونذهب بعيدا في فحص أوراقه الثبوتيه للتأكد من( سلامته)الدينية والمذهبية من خلال أسمه وأسم عائلته.وفي ذلك تجاوزا على حريته الشخصية وحرية معتقده ,والتي يفتخر بهما أي نظام ديمقراطي. ونحن نعرف أن الدين والمعتقد الديني هو حرية شخصية قد تعجبني وقد لا تعجبك, والجميع ورثها من آباءه وأجداده, فأنا شيعي, وأنت سني,وهذا مسيحي, أو صابئي أو يزيدي. ولا اعتقد أن احد منا بذل جهدا استثنائيا لكي يدرس حقيقة انتماءه الديني أو المذهبي لكي يفضي إلى تغيره, إذا ما توفرت القناعة لديه, بل نبحث عن أدلة لتكريسه, لأنه مكون جمعي.وبالتالي نرثه كما نرث خصائصنا الوراثية: لون العينين,شكل الأنف, لون الشعر, طول القامة وهكذا.....الخ. 

وهكذا كان الاسلام السياسي بتطبيقاته العملية مشوه للدين وللسياسة على السواء مما دفع شرائح اجتماعية واسعة للابتعاد عنه والبراءة منه, بل والتوجه الحثيث والمقترن بردود الافعال  نحو الالحاد والكراهية المطلقة للرموز الدينية, وخاصة عندما اقترنت رموز الاسلام السياسي بشقيه السني والشيعي بالفساد الاداري والمالي والاخلاقي وانتهاك الحرمات والعبث بمتتلكات الدولة, وانتشار الدجل والنفاق الديني والسياسي حتى تحول الاسلام السياسي في أعين الناس الى شيطان أكبر, وحتى تلوث الاسلام السياسي أشد التلوث في عملية الخلط بين الدين والسياسة, ولعل في ذلك بارقة أمل في تكريس الوعي الوطني والانتماء الى الوطن صوب الادراك الامثل لفصل الدين عن السياسة !!!.


34
سحب الثقة من وزير الدفاع العراقي ومصداقية الحراك المدني الاجتماعي العراقي !!!
   

د.عامر صالح 

صادق البرلمان العراقي بسحب الثقة اليوم وبتاريخ 2016ـ08ـ25 عن وزير الدفاع العراقي بأعفائه من منصبه كوزيرا للدفاع وبجلسة تصويت سريه كان قوامها 142 نائبا ضد بقائه في منصبه و 102 نائبا مع بقائه ومقابل 18 أمتنع عن التصويت. وكان ذلك في جلسة يقودها خصمه رئيس البرلمان الدكتور سليم الجبوري والذي أتهمه وزير الدفاع خالد العبيدي بأنه جزء من منظومة الفساد العامة في الدولة دون تبرئة تذكر لحد الآن من القضاء العراقي لسليم الجبوري !!!.

جرى هذا في ظروف عدم الاستقرار في المؤسسة العسكرية وتماسكها الضروري وهي تحارب اعتى تنظيما أرهابيا لحد الآن والمتمثل بتنظيم الدولة الاسلامية الارهابي " داعش ", ويفترض ان تكون مهنية هذه المؤسسة وابتعادها عن الصراعات هي الاهم لانجاز مهمتها لتحرير باقي التراب العراقي من قبضة الارهاب الداعشي والتهيئ لمرحلة ما بعد داعش !!!. 

كيف أنظم اغلبية البرلمانيين الى جانب العبيدي ونصرته في جلسة استجوابه, وكيف اليوم تحولت جلسة البرلمان اليوم الى ضده بالاغلبية, انه المضحك والمبكي في سياسات العراق اليوم ". وبغض النظر عن تزكية العبيدي اليوم, فتلك ليست مهمتي, بل انها مهمة قضائية بحتة, ولكن النظام النظام المحصصاتي كشر عن أنيابه وجسد ردائته وعيوبه القاتلة, ذلك النظام الذي لا علاقة له بالانتماء الوطني لارض وشعب العراق, نظام قائم على اغتنام المناصب السياسية والعداء للشعب !!!.

أن إقالة وزير الدفاع في هذه الظروف سوف يضرب ويفكك الكتل السياسية ـ الطائفية والعرقية الاثنية كما أكدته جلسة البرلمان اليوم, حيث انقسم اليوم سنيها السياسي وشيعها وأثنيها العرقي الى شراذم في التصويت, وكل ذلك سيهدد ويعرقل تحرير الموصل وما بعدها. وعلى ما اعتقد ان درس إقالته هو درس تأديبي لكل من يتحدث عن الفساد في منظومة النظام المحصصاتي الفاسد بمكوناته الشيعية والسنية التعصبية السياسية والعرقية الاثنية والذين لا يريدون للعراق ان يتعافى !!!.

أن العقل العراقي السياسي محكوم بآلية الانتقام والثأر والمؤامرة من المغاير الآخر مهما اختلفت انتماءاته السياسية والطائفية والاثنية, بل هي سلوكيات فاشية دكتاتورية لتصفية الحساب مع المعارض الآخر. أنها ثقافة النظام الدكتاتوري الصدامي والتي ألقت بظلالها على ثقافة معظم أحزاب الاغلبية الحاكمة في عراق ما بعد 2003 !!!.
لقد أكدت احداث البرلمان الاخيرة هي ان ترفض الطائفية السياسية والاثنية يعني إنك منفتح ذهنيا وفكريا وعقليا وحضاريا للانتقال من حالة الوعي المتردي الى حالة نوعية جديدة تقترب فيه من إنسانية الانسان, أما ان تنظم قوى كانت بالامس ترى في الحراك الشعبي الشامل عمل اجرامي أو مؤامرة على النظام السياسي الطائفي فهو غير مقبول أخلاقيا وهو الوجه الصارخ للنفاق السياسي الطائفي والاثني !!!.

ان مرجعية شعبنا الاساسية هي الانتفاضة الشعبية العارمة والحراك الاجتماعي المتعاظم الذي بدأ في شوارع العراق كله, والذي يعبر عن حالة اختمار الوعي المعارض للطائفية السياسية والاثنية. إن التحولات الجذرية في الوعي هي الكفيلة في بناء نظام سياسي عادل وليست ما يجري في قبة البرلمان من صراعات سياسية طائفية وأثنية تريد تبديل الوجوه الطائفية بوجوه اخرى من نسخة طبق الاصل ولتصفية الحسابات المصلحية الضيقة !!!.

ومن المستهجن والمدان اخلاقيا ان القوى الطائفية السياسية بأمتياز والمتهمة بالتأسيس للفساد في العراق ان تنظم الى المعتصمين في البرلمان, بل وتطالب بانهاء المحاصصة وهي المطالبة اليوم قبل غيرها بانهاء مزاج المحاصصة والاعتراف لشعبنا بسوء الادارة والتدبير عندما كانت تقود السلطة التنفيذية, والمثول أمام القضاء للمحاسبة الشديدة !!!.

نقول الآن ان الارهاب هو الاقوى والاعتى في قدراته من كل البرلمانين المنتفعين والذين لا يرون السياسة الا من خلال منافعهم وانفعالاتهم المريضة, وان الفراغ الامني يهدد ما تبقى من الدولة والمجتمع في الانهيار الكامل. إن اللجوء الى الشارع العراقي في انتفاضته الباسلة كمرجعية مطلقة هو البديل الاوفر حظا للخروج من مأزق الطائفية والاثنية, واعادة بناء العملية السياسية بعيدا عن امراض المحاصصة والاعتصامات البرلمانية الموسمية والمرتبطة بتكريس المحاصصة, لا القضاء عليها !!!.

35
بعد مرور عام على بيان الاصلاح الذي اصدره رئيس الوزراء العراقي !!!
   
د.عامر صالح 

في يوم 2016ـ08ـ09 يكون قد مر عاما على بيان الاصلاح الذي أصدره رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي, والذي كان فحواه بما يأتي: 
بيان
======
بناء على مقتضيات المصلحة العامة واستنادا الى المادة (78) من الدستور، وجه السيد رئيس مجلس الوزراء بما يأتي:
1.تقليص شامل وفوري في اعداد الحمايات لكل المسؤولين في الدولة بضمنهم الرئاسات الثلاث والوزراء والنواب والدرجات الخاصة والمدراء العامون والمحافظون واعضاء مجالس المحافظات ومن بدرجاتهم ، ويتم تحويل الفائض الى وزارتي الدفاع والداخلية حسب التبعية لتدريبهم وتأهيلهم ليقوموا بمهامهم الوطنية في الدفاع عن الوطن وحماية المواطنين.
2.الغاء المخصصات الاستثنائية لكل الرئاسات والهيئات ومؤسسات الدولة والمتقاعدين منهم حسب تعليمات يصدرها رئيس مجلس الوزراء تأخذ بالاعتبار العدالة والمهنية والاختصاص.
3.أبعاد جميع المناصب العليا من هيئات مستقلة ووكلاء وزارات ومستشارين ومدراء عامين عن المحاصصةالحزبية والطائفية ، وتتولى لجنة مهنية يعينها رئيس مجلس الوزراء اختيار المرشحين على ضوء معايير الكفاءة والنزاهة بالاستفادة من الخبرات الوطنية والدولية في هذا المجال واعفاء من لا تتوفر فيه الشروط المطلوبة.
ترشيق الوزارات والهيئات لرفع الكفاءة في العمل الحكومي وتخفيض النفقات..4
الغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء فوراً..5
6.فتح ملفات الفساد السابقة والحالية تحت اشراف لجنة عليا لمكافحة الفساد تتشكل من المختصين وتعمل بمبدأ (من اين لك هذا)، ودعوة القضاء الى اعتماد عدد من القضاة المختصين المعروفين بالنزاهة التامة للتحقيق فيها ومحاكمة الفاسدين.
7.الطلب من مجلس الوزراء الموافقة على القرارات اعلاه ودعوة مجلس النواب الى المصادقة عليها لتمكين رئيس مجلس الوزراء من أجراء الاصلاحات التي دعت اليها المرجعية الدينية العليا وطالب بها المواطنون في محاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية. 

صدر هذا البيان بعد تعاظم المد الجماهيري لعملية الحراك الاجتماعي المدني والمتمثلة بالتظاهرات والاعتصامات الدورية السلمية والمطالبة بتحسين ظروف العيش من خدمات محتلفة اساسية تليق بكرامة المواطن, الى جانب المطالبة المستديمة لمحاربة الفساد الاداري والمالي الذي أنهك مفاصل الدولة العراقية وجعلها على عتبة الافلاس الكامل, والذي دفع الدولة الى طلب الاقتراض من صندوق النقد الدولي وطلب المساعدات من الدول الغنية والصناعية الكبرى !!!.

عام مضى على هذا البيان ولم يرى شعبنا بصيص أمل للخروج من محنته وأزمته الاقتصادية والمالية والاجتماعية, ولم تنبثق الى الوجود حكومة تكنوقراط, ولم يمارس جهد الحد الادنى الذي يطمئن المواطن في محاربة الفساد وتقديم رموزه الى العدالة, ولم يجري ترشيق الدولة كما نص عليه البيان على أقل تقدير. مر عام على البيان والبرلمان العراقي باعتباره السلطة التشريعية العليا في البلاد شبه معطل عن العمل ولا قيمة فعلية له في مراقبة السلطة التنفيذية, بل غرق البرلمان طوال عام اسوة بالاعوام السابقة في تصفية الحسابات الشخصية بين اعضائه واشتداد الصراعات الطائفية السياسية والاثنية وحتى العشائرية, الى جانب كونه طرف متهم في الفساد الاداري والمالي ومساندة الارهاب, وتحول بعض من اعضائه الى سماسرة ومعقبي معاملات في الدوائر الحكومية من اجل الحصول على المال الحرام !!!.

كان العام الماضي امتداد للاعوام التي سبقته بل وأسوء, والذي أثبتت فيه الحكومات المتعاقبة ذات المسحة الاسلاموية والمحاصصاتية إنها لا تحمل في حقائبها أي مشروع للاصلاح والتنمية والنهضة الحضارية, بل أثبتت العكس إنها حكومات متخصصة في الفساد الاداري والمالي وسرقة المال العام وتفكيك وتدمير ما تبقى من بنية اقتصادية واجتماعية وثقافية, وإفلاسا تاما لخزينة الدولة, وقد حولت العراق الى بيئة صالحة لانتعاش الارهاب والبعث ومفككا من شماله الى جنوبه, كما أسهمت بخلق حالة من ضعف الولاء للوطن يقابلها ولاء أشد للطائفية والقومية والاثنية وللمليشيات المسلحة المنتشرة في العراق كله, مما أضعف عملية بناء اجهزة أمنية ودفاعية وأستخباراتية مهنية ومحايدة, وتركت هذه الحكومات العراق عرضة لمحتلف الوصايا والتدخلات الخارجية ومفتقدا الى السيادة الوطنية الحقيقية والمستقلة, الى جانب تعاظم موجات النازحين والمهجرين في الداخل والخارج بفعل عوامل الارهاب وضيق فسحة العيش وانعدام الآمان !!!. 

ومن هنا يجري الحديث المشروع عن توفير بيئة دستورية وقانونية وقضائية وتنفيذية تحمي حركة الاصلاح الشامل في البلاد وفي كافة المجالات, وإلا يبقى الحديث عن الاصلاح ودوافعه ونوايا المصلحين أمر مشكوك فيه كما يحس به شعبنا الآن من خلال الالتفاف على حزم الاصلاح والمماطلة بأتخاذ أي خطوة من شأنها أن تعيد النظر بالنظام الطائفي والاثني البغيض.
 
ومن هنا تأتي مطالبة شعبنا الواضحة في حراكه الشعبي بتوفير مقومات البيئة المواتية للاصلاح والمتمثلة في: حل البرلمان  والخلاص من نظام المحاصصة الطائفية والاثنية, وهذا يعني أيضا اجراء تعديلات جوهرية على الدستور, واعادة النظر بقانون الانتخابات, واصدار قانون الاحزاب والذي يمنع تشكيل الاحزاب على أسس دينية وطائفية وقومية, الى جانب تشريع قانون النقابات والاتحادات, وقانون النفط والغاز, وقانون حرية التعبير, وقانون المحكمة الدستورية, وقانون مجلس الاتحاد, واعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وهيئة النزاهه, واعادة تشكيل مجلس القضاء الاعلى بما يضمن من نزاهته حقا. أن التأسيس لذلك والشروع بالعمل فيه هو الضمانة الاكيدة لمستقبل العراق وحماية مستقبل أبنائه وثرواته ودرء خطر الارهاب. وهي بداية التأسيس لوطن معافى يتعايش فيه الجميع بأختلاف دينه وقوميته وطائفته وجنسه وثقافته, وعندها يكون الدين لله والوطن للجميع !!!.


36
ملاحظات تربوية حول إلغاء مجانية التعليم في العراق !!!
 
د.عامر صالح

أثار الحوار حول إالغاء مجانية التعليم ما بعد التعليم المتوسط في العراق الكثير من النقاش والاعتراض والامتعاض لما اقدم عليه الوزير الاسبق للتعليم العالي علي الاديب ورئيس الكتلة البرلمانية لدولة القانون. ورغم كل المبررات التي تسوق وراء هذا الاجراء, إلا إننا نسجل بعض من الملاحظات الاساسية والمفصلية ذات الطابع التربوي, وما ينطوي عليه هذا النمط من التفكير اللاعقلاني في ظروف العراق المستعصية:

1 ـ أن إلغاء مجانية التعليم يعني أن هناك جيش من العاطلين الذين لا يمتلكون من المؤهلات ما يعينهم على المنافسة في سوق العمل وتلبية احتياجته والذي يتطلب الحدود المعقولة من إجادة المهارات المهنية ومتطلبات احتياجات السوق. 

2ـ ان الغاء مجانية التعليم يعني انه الاكتفاء في المرحلة المتوسطة وهي مرحلة لاتعني شيئ سوى الاكتفاء بهذا الحد من التعليم ومن المعارف التي لا تجدي نفعا مهنيا, وبالتالي ترك الدارسين في مهب الريح. 

3 ـ أن الغاء مجانية التعليم يعني ما يعنيه هو فسح المجال لجيش الاميين والعاطلين عن العمل أن يتصدرو المشهد بكل اوجاعهم ومعاناتهم وهم لا يمتلكون من الخبرة والمهارة ما يكفي !!!.

4 ـ ان ألغاء مجانية التعليم يعني ما يعنيه ان هناك ردة ونكوص ثقافي لأجيال من الدارسين, وهم مهدديين بالعودة الى الامية الابجدية او الحضارية 

5 ـ مع الوقت وبفعل هذا الاجراء إن صح سيضمحل دور الطبقة الوسطى ويحول المجتمع الى شرائح من الأميين الغير قادرين على المساهمة في عمليات البناء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. 

6 ـ ان هذا الاجراء سوف يساهم بشكل كبير في العزوف عن التعليم وعدم الالتحاق به لتكلفته الباهظة وبالتالي سيسهم هذا الاجراء في رفد البيئة المحلية بعوامل الانحراف والجريمة بمختلف ألوانها وسيسهم بتعقيد ظروف العيش والتفكك الاسري.

7 ـ ان ألغاء مجانية التعليم يعني أثقال للاسرة العراقية وبالتالي عدم المقدرة على الانفاق على التعليم في مراحله اللاحقة مما يسهم في ضيق العيش وتعقيد ظروف الاستقرار داخل الاسرة, مما يجعل التزامتها اكثر تعقيدا من خلال بقاء الطفل في البيت لسنوات غير معلومة.

في ظروف مثل العراق كان يفترض على الدولة العراقية ان تتحمل المسؤولية الاكبر في الخدمات من صحة وتعليم وغيرها من الخدمات ولا تسمح بهكذا مهاترات من الاديب وغيره ان يعبثوا في الثوابت الوطنية والتاريخية, وفي الحقوق الانسانية التي اصبحت من المسلمات التي لا يجوز المساس بها, ولكن الاسلامويين من الاديب وغيره ومن اللاهثين وراء المال وتحت شعارات الاقتصاد في النفقات يريدون خلط الاوراق في محاولة لحرمان شعبنا من الخدمات المسلمات وللامعان في الفساد بمختلف مظاهره !!!!.

37
فضيحة قنبلة الفساد داخل قبة البرلمان ورداءة النظام المحصصاتي الطائفي والاثني !!!
 

د.عامر صالح   

كان استجواب وزير الدفاع العراقي الدكتور خالد العبيدي في البرلمان العراقي له دلالته الكبيرة في الكشف عن حقيقة الفساد في مؤسسات الدولة العراقية ومنها وزارة الدفاع, نقل الفساد من التكنهات بحجمه ومقداره الى مثال عملي ملموس وواقع يعاني منه شعبنا الذي اكتوى بنار نظام سياسي طائفي حاضن له, وكانت وزارة الدفاع مجرد نموذج لسرطان الفساد الذي عم جميع مؤسسات الدولة ووزارتها, الامر الذى حدى بشعبنا ان يتحدى ذلك بتظاهراته واحتجاجاته المدنية وهو في أسوء حالاته المعيشية من تدني في جميع الخدمات الاساسية من صحة وتعليم وكهرباء وماء وتفشي البطالة والفقر الشامل في البلاد, فجاءت قنبلة الفساد تأكيد لشعبنا الذي امتلك الحق كله في تأكيد ذلك !!!.

وبغض النظر عن المعلومات التي ذكرها الوزير العبيدي وهي معلومات أولية تحتاج الى مزيد من التوثيق والدقة لكي ترتقي الى مستوى الحقائق المطلقة يمكن الركون أليها في محاسبة رموز الفساد وخاصة في وزارته والمعنية بتعرضه للضغط لتمرير صفقات فساد في ميادين التسليح بمختلف صنوفه وعقود تغذية وشراء سيارات مرورا بالضغط عليه في اصدار اوامر تعينات داخل المؤسسة العسكرية. وعلى ما يبدو فان الوزير يمتلك ملفات ولكن لم يمنح الوقت الكافي لطرحها وشرحها وحلت الفوضى والانفلات في البرلمان مما جعل معلوماته سريعه, كما ان هناك جدلا حول هل ان الوزير أتى فقط للاستجواب والاجابة على اسئلة المستجوب, أم ان من حقه ان يتحدث عن ملفات الفساد بالتفصيل الآن. والمهم في ذلك انه فتح الباب على مصرعيه للتحدث علنا عن المتهمين بالفساد وبالاسماء, وهذا كان استجابة منطقية لنظالات شعبنا في الكشف عن ذلك !!!. 

كانت ظروف الاستجواب هستيرية حيث حيث جاء النائب الذي استجوبه بكم ممل من الوثائق تفتقد الى التنظيم والارقام والاحصائيات الدقيقة, وهي لا تخلو من الصفة الانتقائية وتصفية الحساب وحصر التهم بشخص الوزير, وخاصة ان النائبة هي من المتهمين, حيث رفض لها الوزير طلبات تعيين كانت قد تقدمت بها, وبالتأكيد اجواء الاستجواب لا تخلو من عوامل الشحن الطائفي, والتي عكستها لاحقا الصراعات والفوضى التي حصلت بين الكتل البرلمانية وممثليها السياسين الطائفيين !!!. 

هل تفضي التصريحات الاولية للوزير الى التأسيس الى بدايات صالحة لمعالجات شاملة للفساد في البلاد؟ أنا اشك في ذلك لان المنظومة القضائية ولجان الامن والنزاهة الى جانب المنظومة التشريعية أسست على اساس المحاصصة الطائفية السياسية والاثنية منذ سقوط النظام الدكتاتوري عام 2003 وهي جزء من حاضنة الخراب والفساد في مؤسسات الدولة. 
 لعل نظرة متأنية وموضوعية منطلقة من روح الحرص على ما تبقى من النواة المتواضعة للنظام " الديمقراطي " في العراق,تؤكد لنا أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية وما أنتجه من تعصب أعمى,ومنذ ولادته بعد  2003  لحد اليوم كان عائقا ومعطلا للعملية السياسية,حيث حلت في الممارسة العملية الانتماءات الضيقة محل " علم السياسة " لإدارة شؤون البلاد,مما جعل من أحزاب الطوائف والأعراق أمكنة للحشود البشرية وليست أمكنة لانتقاء وتدريب النخب السياسية لقيادة البلاد,وكأنها تعمل على قاعدة أن الحزب يساوي كل أبناء الطائفة أو العرق بما فيها من خيرين وأشرار,وتحولت إلى أمكنة للاحتماء بدلا من الاحتماء بالدولة والقضاء كمقومات للدولة العصرية,مما فوت الفرصة على الانتقاء والفرز على أساس الكفاءة السياسية والنزاهة,وليست لاعتبارات لا صلة لها ببناء دولة المواطنة,أنه سلوك يؤسس لمختلف الاختراقات السياسية والأمنية وشتى ألوان الاندساس.

 لقد عرقل نظام المحاصصة جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي,وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا  أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد,بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك ,أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة ,بل تؤسس إلى "  إفساد للتنمية ",وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف,والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع.أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل ,وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف  دينه ومذهبه وطائفته وعرقه !!!!. 

أن استجواب وزير الدفاع في هذه الظروف المعقدة " في ظل عدم وجود خيانة عظمى " ورغم الحق القانوني في استجوابه, وفي ظل هكذا نظام طائفي سياسي, هل يفتح المجال حقا لمحاربة الفساد في كافة القطاعات الاجتماعية, أم انه يعيد انتاج دورة الارهاب القاتلة وتصفية الحسابات الشخصية وبدأ نوبة جديدة من الاحتقان الطائفي الذي دمر البلد, وهل يؤثر على اضعاف جبهات القتال المحاربة لداعش والتهيأ لتحرير الموصل, وخاصة ان القوى التي تقاتل الى جانب المؤسسة العسكرية قائمة من الانتماءات الطائفية السياسية من مختلف مناطق العراق, وهل يضعف تحالفات المؤسسة العسكرية مع مختلف المؤسسات الامنية والاستخباراتية الاخرى. ان الاجابة على ذلك تقرره مسارات الاحداث القادمة !!!.

ان المطالبة بحل البرلمان من قبل شرائح سياسية واجتماعية ومدنية وفي ظل مؤشرات لانتشار الفساد فيه بالاضافة الى بنيته الطائفية السياسية المشوه, وترك الامر بيد الشعب لاعادة انتخاب ممثليه, أمر فيه من التفائل القادم في ظل تجربة الحراك المدني الحالية وتبلور وعي جديد قائم على الحرمان وضيق فسحة العيش وعدم الثقة بممثليه السابقين !!!.

38
عودة هادئة سيكولوجية لفهم المثلية الجنسية, والذكورية منها بشكل خاص " اللواط "

د.عامر صالح 

يشار إلى أن "المثلية الجنسية" ظاهرة اجتماعية يعرفها العراقيون والعرب وغير العرب جيدا، وتعود جذورها إلى عصور خلت، حيث كانت ظاهرة "الغلمان" واضحة في المجتمع، وراجت قصص وحكايات عن "الحب المثلي". غير أن تلك الظاهرة برزت مع بدايات القرن العشرين في مناطق محددة من بغداد والبصرة والموصل، وأشارت أمثال وأغان قديمة إلى تجدد تلك الظاهرة، لكنها غالبًا ما كانت تمثل نوعًا من "استفراد" رجال أقوياء بـ"شباب" أو "أولاد" لديهم ميول "أنثوية".
 
وخلال فترة الانفتاح السبعيني عبّر عدد غير قليل من المثليين عن انتمائهم، لكن مع دخول العراق في حرب قاسية وشرسة مع إيران في بداية الثمانينيات ظهت "المثلية" متنفسًا "جنسيًا" لأعداد من الفتيان. وفي زمن الرئيس السابق صدام حسين في مطلع تسعينات القرن الماضي أصدر "مجلس قيادة الثورة" (المنحل) مرسومًا يُجرم "الدعارة والمثلية وزنى المحارم والاغتصاب"، على أن تكون العقوبة هي الإعدام، وأخذت ميليشيا نجله الأكبر عدي (فدائيي صدام) بتنفيذ تلك الأحكام بقرارات قضائية صورية، وفي الغالب باجتهادات فورية، حيث كانت "تُقطع الرؤوس بالسيف أمام الناس"، ووثقت ذلك منظمة العفو الدولية في تقرير عام 2002
 
 
بعد انهيار النظام في 2003، ازدادت تلك الحملة ضراوة بفعل انتشار الجماعات الدينية المسلحة، والتي ترى في الظاهرة فسادًا وانحرافًا أخلاقيين، لا يمكن السكوت عنه، وأن من واجبها الحفاظ على المجتمع من أمثال هؤلاء "المثليين" و"بائعات الهوى ". وبحسب تقرير نشرته صحيفة الأوبزيرفر البريطانية في أواخر عام 2009 استنادًا إلى أقوال منظمة عرّفت نفسها بـ"جماعة المثليين جنسيًا في العراق" ويرأسها ناشط يدعى "علي بن حلي"، ومقرها لندن، أن 680 مثليًا قتلوا بين عامي 2004 و2009، من بينهم 130 مثلياً قتلوا على يد جماعة دينية متطرفة ترتبط بميليشيا "جيش المهدي" عبر شخص يدعى "حمزة"، ويعمل مهندس تقنيات. ويقوم "حمزة" وفقًا لتصريحاته بـ"اصطياد المثليين من على شبكات التواصل الاجتماعي وغرف الشات" ليتم استدراجهم بعدها وقتلهم.
 
 
 
أن المثلية الجنسية قديمة قدم التأريخ, بشقيها:المثلية الذكرية(اللواط), والمثلية الأنثوية(السحاق). وكلا الظاهرتين موغلة في التأريخ, فالسحاق الذي يسمى" باللسبية" نسبة إلى جماعة من النساء عشن في جزيرة لسبوس اليونانية في القرن السابع قبل الميلاد واشتهرن بممارسة الجنسية ال
ومن السخرية بمكان, كأن المثلية الجنسية تكتشف لأول مرة في التأريخ العربي والإسلامي, وفي العراق بشكل خاص, ويستدعي من المقيمين على" الأخلاق العامة"حملات" استنفار وطنية" لاجتثاثه على نسق ما جرى سابقا من حملات لاستئصال ألإرهاب أو  اجتثاث البعث, فلا الإرهاب قضي عليه, ولا أجتث البعث, بل تحولت إلى حملات للحوار مع الاثنين. وعلى ما يبدو فأن الإخفاق بكل شيء يدفع أحيانا إلى تدمير ما تبقى من الأشياء مثلية, وما هذا التأريخ إلا هو البداية" الرسمية" أو المعلنة فقط, أما اللواط فلا توجد دلائل تاريخية لبدايته الرسمية, ألا أن آثاره تعكس توغله هو الآخر في عمق التأريخ.
 
أن من أهم الأمور المتعلقة بالجنسية المثلية عند الذكور هي النظرة الاجتماعية لهذه الظاهرة السلوكية. ويوجد هناك تباين لهذه النظرة عبر عصور التأريخ والحضارات المتعاقبة والمجتمعات المختلفة. فهي قد عرفت وانتشرت في الحضارات القديمة لبلاد وادي الرافدين ومصر والهند والصين, ولا يبدو أن هذه الحضارات قد أدانت هذه الممارسات, بل أن بعضها, وخاصة اليونانية القديمة قد حظيت  بالكثير من التقدير كما يتضح ذلك من بعض محاورات أفلاطون, حيث يحدثنا عن عشق سقراط للغلام اليسباديس, ويذكر ديوجنيس أن سقراط عندما كان غلاما كان معشوقا لمعلمه, وأرسطو كذلك المعلم الأول عند الإغريق كان أيضا يمارس الجنسية المثلية, وكذلك من أشراك عدد من آلهة الإغريق مثل"زيوس"و"بوسيدون"و"ابوللووهرميس", في العلاقات المثلية, وما ورد عن تفشي المثلية الجنسية الذكورية في إسبارطة وهي أشد المدن بأسا وشجاعة.أما الأديان السماوية الثلاث(اليهودية والمسيحية والإسلام) فقد أدانت الجنسية المثلية واعتبرتها مخالفا للفطرة الإنسانية وفناء للبشرية القائمة على الزوجين أصلا. وما حدث لقوم لوط من عقاب يمثل النظرة الدينية لهذه الممارسة(سنأتي على ذكر ذلك).
 
وبالرغم من التحريم لها فقد استمرت بالانتشار في العصور التالية وأن كنا لا نعلم بالتأكيد مدى ذلك الانتشار بالنظر لما يترتب عليه الإفضاء من عقاب.غير أن التأريخ الحديث من عصر النهضة وحتى الآن قد ترك لنا أسماء مرموقة في تأريخ الفنون والآداب والحياة العامة ممن عرفوا بجنسيتهم المثلية أما في حياتهم أو بعد وفاتهم, ومنهم مايكل أنجلو, وليوناردو دافنشي, وشايكوفسكي, وبيكون,وربما شكسبير, واسكار وايلد,ولورنس, ومارسيل بروست, واللورد كيتشنر وعدد من ملوك الانجليز وغيرهم ممن لم تتناقل أسمائهم لأنهم لم يشتهروا, ولا نعلم إن كانت تلك لعنة السماء عليهم أم ميزة لهم كي يتفردوا!!!.
 
أما الاتجاه المعاصر نحو مسألة الجنسية المثلية فهو أنجاه غير ثابت وغير متساوي في الكثير من البلدان والمجتمعات, فهنالك من يدين الممارسة أخلاقيا وبدون تبرير.وهنالك من  البلدان ما يفرض عقوبة زجرية وتأديبية شديدة على ممارستها قد تصل إلى الحبس المؤبد أو القتل كما في البلدان التي تتخذ من الشرع الإسلامي واجهة لها, وهناك من يعتبر المسألة حالة مرضية تقتضي العلاج بالطرق الطبية والنفسية الممكنة, وهناك من يرفض هذه النظرة ولا يعتبر الجنسية المثلية مرض من الأمراض ولا يفرض على الممارس لها ضرورة المعالجة بالإجبار. وفي خضم هذه الاتجاهات الاجتماعية والقانونية والدينية المختلفة يقوم اتجاها أكثر مرونة آراء الجنسية المثلية. وهذا الاتجاه معمول به في بعض البلدان منها بريطانيا والسويد والدنمارك وهولندا وفرنسا وبعض الولايات المتحدة الأمريكية وكلها أجازت الممارسة قانونيا على شرط  آن تتم بين فردين راشدين ودون الإخلال بالآداب العامة.
 
ومن الضروري الإشارة هنا هو أن نسبة الممارسة في البلدان التي تسامحت قانونيا لم يزد على نسبة الممارسة في تلك المجتمعات التي تعاقب عليها وتكبحها بشدة(قد يجري ذلك على قاعدة كل ممنوع مرغوب),كما هو الحال في الكثير من المجتمعات في العالم,ومنها العربية والإسلامية.حيث تشير دوائر العلاقات الاجتماعية المغلقة أن هذه الظاهرة متفشية بين أوساط وزراء ومسئولين وسياسيين ومثقفين وكتاب وحتى في أوساط المعلين وممارسي الطقوس الدينية,عدا المنتشر منها في البيئات الاجتماعية ذات الطابع الشللي, والتي تعاني من مظاهر انحراف متعددة كجرائم السرقات والقتل وغيرها. ألا إن عوامل النبذ الاجتماعي لهذه الظاهرة وصرامة العقاب لا تدعنا إلى الوقوف على نسب انتشارها, كما لا نتوقع أن تنخفض هذه الظاهرة في ظل الانغلاق الاجتماعي وحالة الانكفاء بين الجنسين والتخلف العام. وعلى أية حال فهي ظاهرة لها جذورها الممتدة في التأريخ القديم وما قبل الإسلام و ما بعده, وتشير إلى ذلك بوضوح الكثير من الكتابات التاريخية من شعر ونثر ومحاورات وقصص مختلفة.,وما كثافة النصوص القرآنية بهذا الخصوص إلا دليل دامغ على تفشيها.
 
ومن الجدير بالذكر هنا,أن النظرة الاجتماعية للعلاقة المثلية الجنسية عبر العصور لم تتميز بالشدة والإدانة التي حظيت بها الجنسية المثلية الذكرية, قياسا بنظيرتها ,الجنسية المثلية الأنثوية, وعلى العكس فأن بعض المجتمعات القديمة,كما كان الحال في اليونان القديم ,فقد رفعت الجنسية المثلية للمرأة إلى المرتبة الأسمى من علاقات الحب,غير إن الكثير من الأديان وخاصة السماوية(والإسلام منها) أدانت وازدرت هذا الاتجاه في المرأة,وجعلتها في منزلة الزنا, غير أنها لم تذهب إلى حدود الإدانة الصارمة وما يترتب عليها من عقاب كما هو الحال في اللوطية عند الذكور.وقد يفسر هذا الفارق في الظاهرتين بأن العلاقة المثلية بين الذكور هي في معظمها كاملة  من الناحية الجنسية وتشمل انتقال السائل المنوي إلى الطرف الآخر, بينما لا يتم هذا الانتقال في العلاقة بين امرأتين, أو قد يفسر من منظور اختلاف الأسباب الداعية إلى ذلك عند كلا المثليتين.
 
أما الموقف الديني التفصيلي من المثلية الذكورية(اللواط) فقد اعتبرها انتكاسا للفطرة الإنسانية المخالفة للمثلية, وأعتبر اللواط من أعظم الجرائم وأقبح الذنوب وأسوأ الأفعال, وضعف للعقل.ونذكر هنا بشكل خاص  قصة قوم لوط ودلالتها الرمزية في انتشار ظاهرة اللواط, فقد وردت القصة في عشرة سور قرآنية وبزخم هائل من الوعيد والتهديد والعقاب, ونكتفي هنا بما ورد في بعض الآيات من سورة الأعراف/الآيات:80ـ84,قال تعالى: (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من احد من العالمين.إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون وما كان جواب قومه إلا إن قالوا أخرجوهم من قريتكم أنهم أناس يتطهرون.فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين. وأمطرنا عليهم مطرا فأنظر كيف كان عاقبة المجرمين).وتشير النصوص القرآنية ,بما فيها النص المذكور أعلاه, إلى أن عقوبتهم كانت قلب ديارهم عليهم,والخسف بهم ورجمهم بالحجارة من السماء,وطمس أعينهم...الخ. تلك إذن هي الدلالات الرمزية لطابع العقوبات القرآنية التي يجب أن تستخدم ضد ممارسي اللواط.وكذلك السنة النبوية,فما جاء على لسان النبي (ص) بقوله:( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به).وعلى هذا الأساس المستوحى من النصوص القرآنية والسنة النبوية, فقد اجمع على قتل اللوطي لكن اختلفوا في طريقة القتل, فمنهم من ذهب إلى أن يحرق بالنار,ومنهم من قال,يرمى به من أعلى شاهق, ويتبع بالحجارة, وقد عمل في هذه العقوبات من قتل وحرق ورجم بعد النبي محمد وفي فترات تاريخية مختلفة.ويتفق الكثير من الفقهاء أن عقوبة اللواط أغلظ من الزنا, وعقوبته القتل على كل حال,أو يؤكد البعض القليل أن عقوبته وعقوبة الزنا سواء(أي مائة جلده).أما بالنسبة لعقوبة الجنسية المثلية الأنثوية( السحاق), فقد اختلفت العقوبة,فمنهم من يرى أن فعل المرأة للسحاق أخف من فعل الرجل للواط من الناحية العملية,وهو شبيه بمقدمات فعل الزنا مثل التقبيل والمفاخذة والملامسة( أي ما نطلق عليه بالمداعبات),ولذلك أختلف فيه الفقهاء بين من يقول أنه زنا أو مقدمات للزنا.وفي كلتا الحالتين فهو فاحشة ومحرمة في الدين,وقد يضع قول النبي محمد(ص) سقفا لهذا الاجتهاد بقوله:( السحاق زنا النساء بينهن).
 
وضروري الإشارة هنا أن القرآن أشار ضمنا إلى وجود حالات عدم الميل إلى الأنثى عند بعض الرجال, كما ورد ذلك في سورة النور, في الآية(31), وهي التي تنصح المرأة بعدم إظهار زينتها(إلا ما ظهر منها)إلى الناس, ولكن أستثنى بعض الناس
الذين تستطيع أن تظهر لهم زينتها, ومن ضمنهم الأطفال وأولي الأربة. والمقصود هنا بأولي ألإربة, الرجال الذين لا يشتهون النساء(أي ليست لديهم ميلا للجنس الآخر). كما أشار النبي (ص) إلى هذه الظاهرة عند كلا الجنسين بقوله :أربعة يصبحون في غضب الله ويمسون في سخط الله تعالى,قيل : من هم يا رسول الله , قال:( المتشبهون من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال والذي يأتي البهيمة, والذي يأتي الذكرـ يعني اللواط) .وبالرغم من هذا الاعتراف بوجود هذه الظاهرة, إلا أن هناك رفض مطلق لما يترتب عليها  من ممارسات سلوكية.
 
أذن هذا هو الموقف الديني من ظاهرة الجنسية المثلية الذكورية, يعكس لنا انطباعا, أنه موقف قطعي وذو حد واحد,لا يرى الظاهرة في إطارها الدينامي المتغير, ولا في سياق الظروف المحيطة بها,وتلك هي سنة الميتافيزيقيا الدينية وحدودها في بحث الظواهر الاجتماعية, وتلك هي أطر" المعالجة" من هذا المنظور.إلا أن المعارف العلمية في ميدان علم النفس تؤكد لنا أن ظاهرة المثلية الجنسية هي ظاهرة مرنة وذات مظاهر مختلفة في التعبير عن نفسها,و قد يتسع او يضيق مقياس المثلية استنادا إلى درجات سلمها المتعددة, وبالتالي فأن احتواء الظاهرة ووضعها في سياقها الصحيح هو المدخل الذي يحصر الظاهرة إلى حدودها الدنيا استنادا إلى الأسباب.
 
أن الجنسية المثلية عند الذكور حالها حال الجنسية المثلية عند الإناث, تعني بحدودها الواسعة حالات الميل أو التوجه نحو أقامة علاقة ذات طابع جنسي بين ذكر وفرد آخر من جنسه.ومن الواضح أن هذا المفهوم الواسع قد ينوه بالتساوي بين حالات الميل وحالات التوجه الفعلي,وهو أمر غير صحيح, ذلك أن توفر الميل لا يعني في كل الأحوال الاتجاه نحو الممارسة الفعلية, كما أن ممارستها بالفعل لا يؤكد قيام حالة الميل إلى الجنسية المثلية. ويتضح الفارق بين الحالتين إذا أمعنا النظر في الدرجات المختلفة للتوجه  نحو الأمور الجنسية بين فردين ذكرين, فهناك أولا أولئك الذين يتخذون سمات الأنثى من حيث اللباس أو الكلام أو التعامل الاجتماعي,ولكن بدون ظهور أي دليل على ميل أو اهتمام أو توجه نحو علاقة جنسية مع ذكر آخر وبأي درجة من التماس. وهنالك البعض من الذكور ممن تعرض لهم الأحلام المثلية في حالات اليقظة, ولكنهم لا يبدون اهتماما أو اتجاها فعليا نحو هذا النوع من الممارسة الجنسية. وفي درجة أخرى نجد أولئك الذين يداعبون الأفكار والميول الجنسية المثلية ويتمنون ممارستها لو يستطيعون. وفي درجة أقوى أولئك الذين تنشط فيهم الميول العاطفية إلى فرد من نفس جنسه وتصل إلى حدود التعلق سواء اتضح فيها الميل للممارسة الجنسية أو لم يتضح, وبالتالي فهنالك أولئك الذين يمارسون العلاقة الجنسية المثلية بالفعل, وحتى في هذه الحالة فهنالك صور ودرجات عدة لهذه الممارسة ومدى التماس بين جسمي الشريكين من مثل اللمس, إلى الاحتكاك, والى الاستمناء, والى العملية الكاملة من الولوج. وعلى أية حال فأن الاهتمام من الناحية النفسية ينصب على تلك الفئة من ممارسي الجنسية المثلية لا بسبب ممارستهم الفعلية لها بل بسبب انعدام الاهتمام والتوجه لديهم للعمل الجنسي الطبيعي مع الجنس الآخر. ومع أنهم  قادرون على مثل هذه العلاقة غير أن أرضائهم الجنسي لا يحصل إلا بعلاقة جنسية مع فرد من نفس الجنس, وهؤلاء ينظر إليهم بأنهم الجنسين المثليين"الحقيقيون" , وهم على العموم لا خيار لديهم فيما يمارسونه"جسميا ونفسيا" بل يقبلون على الجنسية المثلية مطاوعة وبدون عناء الاختيار.
 
وهناك تفسيرات عديدة للجنسية المثلية, وليس لهذه التفسيرات كلها أن تتواجد في كل حالة من حالات الجنسية المثلية, فلكل حالة خلفيتها وظروفها ودوافعها الخاصة.والنظريات النسبية الواردة في تعليل الجنسية المثلية كثيرة بعضها ما يستند إلى أسس نفسية وبعضها إلى أسس اجتماعية وظرفية, وبعضها يعتمد على افتراضات بيولوجية وراثية أو مكتسبة, ومع ما يتوفر في هذه النظريات المختلفة من منطق مقنع, إلا إن الرأي الأكثر صوابا هو إن الاتجاه نحو الجنسية المثلية, خاصة الجنسية المثلية"الحقيقية" يتكون بفعل عوامل متعددة يصعب فرز واحد منها عن الأخرى. ويمكن أن نرصد هنا الاتجاهات العامة لهذه النظريات الواردة بخصوص الجنسية المثلية بالشكل التالي:
1ـ أن الجنسية المثلية بدرجاتها المختلفة في الأطفال هي أمر طبيعي,ولكن غير لازمة له.وتمثل دورا من أدوار النمو والنضوج الجنسي النفسي في حياة الفرد. غير أن هذا الدور ينتهي عادة بظهور الميول الجنسية نحو فرد من الجنس الآخر,غير ان استمرار الميول الجنسية نحو المثل من الجنس,قد يستمر بعد هذه المرحلة من النمو, وإذا حدث ذلك فان من أسبابه تخلف الحدث في ادوار نموه الجنسي النفسي وتأخره في النمو العاطفي عما يناسب سنه.
2ـ ممارسة الجنسية المثلية بشكل أو آخر بما في ذلك العلاقة الكاملة منذ سن المراهقة وحتى الكبر قد يحدث أحيانا أو بشكل متواصل, وقد لا يكون في هذه الممارسة أكثر من التعبير عن ضرورات التفريغ الجنسي الذي لا يمكن الوصول إليه إلا عن هذه  الطريقة كما هو الحال في بعض الظروف المعينة كالدراسة الداخلية(الأقسام الداخلية) والخدمة العسكرية والتجمعات الذكورية المزدحمة وانعدام منافذ التعبير الجنسي كما هو الحال في بعض المجتمعات المحا فضة أو المغلقة, وكما هو الحال في المجتمعات العربية والإسلامية, وجميع هذه الحالات لا يمكن اعتبارها شذوذا جنسيا مطلقا بالمعنى الصحيح, وهي تنتهي عادة بانتهاء الظروف التي أوجدتها.
3ـ يمكن للفرد أن يتمتع باتجاهين جنسيين في آن واحد فيكون طبيعيا في ميوله وممارساته الجنسية مع فرد من الجنس الآخر, كما أنه يميل إلى أو يمارس الجنسية المثلية مع فردمن جنسه. وقد يكون اتجاهه نحو ممارسة أو أخرى متساويا, أو أن تكون الغلبة لواحد أو لأخر, ويصح اعتبار هذه المجالات بأنها انحرافا جنسيا إذا لم يتوفر ما يبرره ضرورة الجنسية المثلية بأسباب ظرفية وبتوفر الإمكانيات للعلاقات الجنسية الطبيعية.
4 ـ يمكن للفرد في حالات مرضية معينة كمرض الفصام العقلي(الشيزوفرينيا),والخرف العقلي, وبعض أمراض الشيخوخة أن يتراجع (ينكص) إلى دور سابق من النمو الجنسي بما في ذلك الدور الجنسي المثلي.
5ـ أما الحالات التي يتجه فيها الفرد اتجاها كليا وكاملا نحو الجنسية المثلية, ولا تتوفر لديه الرغبة والميل إلى فرد من الجنس الآخر سواء قام بذلك أم لم يقم, فأن هناك العديد من النظريات التي تقدم تفسيرا لذلك,منها أن الفرد عانى منذ طفولته من عقدة الخصاء(الخوف من فقدان العضو التناسلي) وهذا  ما يدفعه إلى تجنب العلاقة الجنسية مع المرأة لما توحي به هذه العلاقة في اللاوعي من أهلاك أو ضياع للعضو التناسلي. ونظرية أخرى تذهب إلى أن الطفل كان يكره أمه ولهذا يتجنب كل علاقة جنسية مع شاكلتها من نفس الجنس.ونظرية معاكسة ترى بأن السبب يعود إلى أن الطفل في طفولته كان يكره والده ,وهو بذلك يجد في العلاقة الجنسية مع فرد آخر وسيلة لتحقيق هذه الكراهية في النفس,وبهذا يكون العمل الجنسي المثلي تحقيقا لرغبة كامنة في النفس للتعدي على من هم من جنس أبيه وإلحاق الأذى بهم. ومن هذا القبيل نظرية ترد الجنسية المثلية إلى أن الطفل قد تعلق بأمه في صغره والى حد التقمص لشخصيتها تلقائيا بما في ذلك خضوعها ومطاوعتها للعلاقة الجنسية,وكأن الطفل كان يكره أباه وما يمليه من رجولة وتسلط,وهو بذلك يختار أسلوب أمه في الحياة بما فيه من خضوع وتقبل وسلبية.ومن النظريات التي تلاقي قبولا  هي أن السلوك المخنث في الطفولة يبدأ في بعض الأطفال كميل تلقائي نحو الاهتمامات والميول التي تمارسها الأم والابتعاد عن اهتمامات وميول الأب وغيره من ذكور العائلة.والنظرية  التي تلاقي قبولا أعظم في الأوساط العلمية هي أن الجنسية المثلية"الحقيقية والفعلية" تتقرر بفعل عوامل بيولوجية تنتقل بالوراثة أو تحدث في فترة حاسمة من فترات النمو الجنيني ويستشهدون على ذلك بأن هنالك توافق أكبر في الجنسية المثلية بين التوائم المتشابهة أكثر مما هو موجود في غيرهم من التوائم والإخوة, كما يعزز هذه النظرية الفشل في علاج الجنسية المثلية الحقيقية في معظم الحالات ,وهناك رأي أكثر تطرفا لأنصار النظرية البيولوجية, وهو أن الجنسية المثلية تمثل وجود"جنس ثالث" غير جنس الذكر والأنثى, وبأن ممارستها هو تعبير عن هذا الجنس. وهو رأي مبالغ فيه الآن.
 
أن هذا التصور الواسع والمرن لظاهرة الجنسية المثلية,والذي يستند إلى نتائج البحث العلمي والملاحظات الميدانية الدقيقة يدفع باتجاه تبني برامج ملموسة تربوية ونفسية ذات طابع وقائي وعلاجي يحصر الظاهرة إلى حدودها الدنيا.أما التصور الحدي لظاهرة الجنسية المثلية, والذي نراه من خلال دعاة العقوبة الصارمة والتي لا تخضع للاجتهاد من حيث قسوتها, فهي ممكن أن تستخدم سلاح يطال  أناس كثيرون لإنزال التصفيات الجسدية والعقاب بهم في ظل غياب واضح للحدود بين الدين والسياسة وفوضى اختلاط السلطات . وأن القتل على المثلية الجنسية قد يتخذ منه  غطاء جديدا في الصراعات السياسية الدائرة في العراق , وهو أدعاء ووسيلة للجم أفواه المذاهب والطوائف الأخرى في المطالبة بدماء ضحاياها.وهو خلط غريب  يثير الرعب والدموية , عدا كونه تهمة سهلة لإلصاقها بالأخر المعارض , إلى جانب عقوبتها القاتلة والتي لا تستند إلى القانون.
 
وفي الوقت الذي تعكف فيه مراكز أسلامية عديدة في العالم على دراسة التخفيف من عقوبة  قتل المثلي فعلا إلى عقوبات أخرى اخف من الأولى , تجنبا للفتنة الاجتماعية في ظروفنا المعاصرة, وانطلاقا من الفهم الديني الذي مفاده:" أن الفتنة أشد من القتل وأن كل فتنة حرام",يتصدر العراق قائمة الدول التي تصدر الفتنة الاجتماعية. وفي ظل هذه الفوضى العارمة.....من يعلم منا, أن الكثيرون من يمارسوا القتل على تهمة" المثلية" هم أنفسهم كانوا مثلين في فترة من فترات العمر, أو لازالوا كذلك....بل قد يكون ممارسة القتل هو آلية سايكوعقلية للانتقام من الأخر والتكفير الذاتي , عندما لا تتوفر الفرص للانتقال إلى حالة أفضل لدى صاحبه.
 
وإذا كانت المثلية الجنسية استثناء , والاتصال بالجنس الآخر هو القاعدة, فأن الاستثناء يتواجد جنبا إلى جنب مع القاعدة , ولا يمكن إقصاءه بوسائل الإبادة الجسدية أن وجد,بل أن الوسائل التربوية أنجع بكثير من الأولى, وتلك هي التجربة التاريخية.وعدا ذلك فأن هذا يشكل مظهرا من مظاهر تشوه القاعدة وتصدعها وعدم مقدرتها على احتواء الاستثناء.ونحن نعلم أن الاستثناء لا يتحول إلى قاعدة إلا في حالات محدودة جدا, كما هو الحال في السياسة, وكما هي الحالة في العراق, حيث من السهل في ظل  "ديمقراطيتنا العريقة" أن يتهم الجميع بالجنسية المثلية ,ويستحق القتل, ويخرج الجميع "لا شرف له"!!!, وتلك هي على ما يبدو" بدائلنا الناجعة" للكهرباء والماء ومحاربة الفساد وتحسين ظروف الحياة العامة وحقن الدماء!!!!!.
ندس تقنيات. ويقوم "حمزة" وفقًا لتصريحاته بـ"اصطياد المثليين من على شبكات التواصل الاجتماعي وغرف الشات" ليتم استدراجهم بعدها وقتلهم
 
.
 


39
الفلوجة على مقربة من التحرير الشامل.. وعلينا ان نحتفظ بالنصر أنسانيا وسياسيا ووطنيا !!!

د.عامر صالح


تشير التقرير الميدانية من أرض المعارك في فلوجة العراق أن هناك نصر مرتقب صوب تحرير المدينة بالكامل, وهناك تضحيات جسام في صفوف القوات المقاتلة العراقية بمختلف صنوفها, وهناك بالمقابل صمت أعلامي عربي وعراقي عن ما تحقق من انتصارت في جبهات القتال لدوافع سياسية ومذهبية متطرفة في محاولة لإبقاء الاوضاع كماهي خدمة للارهاب والفكر الدموي التكفيري, وهناك حملة اعلامية هدفها صرف الانظار عم ما تحقق ميدانيا من ضرب للبنية التحتية لتنظيم الدولة الاسلامية " داعش ", والتركيز حول ما يرتكب من أخطاء ميدانية أو سلوكيات مخالفة للاعراف الانسانية في زمن الحروب في الحفاظ على ارواح المدنيين وعدم انتهاك حرماتهم, وتحويل هذه الاخطاء والسلوكيات الى جرائم حرب كبرى في محاولة لتفريغ النصر في الفلوجة من محتواه, كما تلعب مشكلة احتواء النازحين من الفلوجة والاستحابة لاحتياجاتهم الانسانية الآنية دورا كبيرا في استثمارها من قبل بعض القنوات الفضائية الاعلامية وإفتعال أولويتها على تحرير الفلوجة, رغم أهمية ذلك بدون شك !!!.

لا توجد معطيات ميدانية تفيد ان هناك جرائم حرب ممنهجة ارتكبت بحق الفلوجة وأهالي الفلوجة من قبل القوات المحررة لها, من قتل وتعذيب وأبادة جماعية, أو تعمد ألحاق أضرار بالصحة الجسمية والنفسية للافراد, أو القتل المتعمد, أو ألحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات والاستيلاء عليها دون ان تكون هناك حاجة عسكرية لها, أو المعاملة السيئة عمدا للنازحين والفارين من جحيم الارهاب الدموي, أو تعمد توجيه هجمات الى السكان المدنيين, أو تعمد شن هجمات على موظفين في مؤسسات مدنية, أو تعمد توجيه هجمات الى المباني المخصصة للأغراض الدينية أو التعليمية أو الفنية أو العلمية أو الخيرية, والاثار التاريخية, والمستفيات وأماكن تجمع المرضى والجرحى وغيرها.

داعش ارتكبت كل جرائم الحروب هذه والجرائم ضد الانسانية, من قتل وتدمير وارتهان لكرامة الانسان وشرفه, واستخدام المدنيين كدروع بشرية, وتدمير للذاكرة التاريخية, من خلال التدمير الشامل للآثار ومنجزات الحضارة القديمة, ولكن أدانة هذه الافعال والوقوف ضدها ومحاربة مصادرها الفكرية لم يكن بمستوى الحد الادنى من أفعال داعش الهمجية, والادانة كانت دوما مشروطة بموقف سياسي أو مذهبي أو أثني. كانت الادانة تتصاعد عندما يكتوي نظام عربي بنار داعش وتكون داعش على مقربة منه. بل ان مراكز وتجمعات دينية تبحث عن دليل نصي مقدس واحاديث نبوية لتبرير همجية تنظيم دولة الخلافة الاسلامية " داعش ", وما الحملة السعودية والتركية المفتعلة ضد داعش الا دليل أن داعش تقرع أبواب الجميع بما فيهم من تقاطع معهم في السنة والمذهب شكليا ووفر لهم غطاء في التمدد الجغرافي وتخريب البلدان !!!. 

ولابد لنا القول ونحن على أبواب تحرير الفلوجة الشامل صوب الموصل الجميلة, أن نجير النصر لطائفة مذهبية سياسية, شيعية كانت أم سنية, أو لعشيرة وتجمع أثني أو ملة ما هو إلا إفراغ للنصر من محتواه الوطني والسياسي العام, والنصر أولا وأخيرا للقوات المسلحة العراقية المتمثلة بجيشها الوطني والذي ينتظره الكثير من الاعداد واعادة التأهيل على أسس مهنية ووطنية مستقلة عن الصراعات الطائفية السياسية. 

أن زف نصر الفلوجة من بعض الفصائل المسلحة الى مرشد الجمهورية الاسلامية الايرانية خامئني يثير السخرية والغضب ويخل في الثوابت الوطنية, ويكون عندها من حق الطرف السني ان يزف النصر الى خادم الحرميين الشريفيين وهو راعي للارهاب الدولي وعندها فأن شر البلية ما يضحك. ان تلك السلوكيات السايكوباتية المرضية والتي لا تفهم معنى الانتصار الوطني ودلالته في تكريس وعي الانتماء الى الوطن العراق سيلحق افدح الاضرار في المصلحة الوطنية العليا إن لم يعيد دورة الارهاب والاحتقان مجددا !!!.

كما يجب التذكير أن تنظيف الفلوجة من الداخل وفك أسر أنتماء ألآف من افرادها الى تنظيم داعش قسرا او طواعية هو أمر في بالغ الاهمية والخطورة  لأستقرار المدينة والحول دون عودة الارهاب بشكل اعنف بكثير من داعش وبمسميات مختلفة, فهناك حسب المعطيات, قيادات مقاتلة ومضحية ميدانيا ضد داعش لها من افراد أسرها ما ربط مصيره بداعش, , كما هناك ايضا قيادات أدارية خاصة بالموصل والفلوجة موجودة في كردستان تخطط لإنهاء داعش ولها أخوة في داعش أنه تعقيد من خاص في نسخة داعش العراقية المتحالفة مع البعث الساقط.  !!!

أن تجربة تحرير الفلوجة عندما يكتب لها النجاح بالكامل وتصفية جيوب ما تبقى من داعش, والموصل لاحقا يحمل في طياته دروس بليغة للعملية السياسية في العراق, ويجب استلهام الدروس من ذلك كي لا تعود لنا داعش في المرات القادمة وبثوب جديد متخلف أشد جرما من داعش اليوم, وعلى السياسيين الشرفاء في العراق ان يضعوا نصب أعينهم الاتي:

ـ أن نظام المحاصصة الطائفية والاثنية هو شر البلاء والمسبب الاول والاخير في اهدار اموال شعبنا وقدراته الذاتية وهو المعوق الاساسي في نشوء أجهزة أمنية ومخابراتية وعسكرية مهنية قادرة على حفظ أمن البلاد واستقلاله وسيادته الوطنية. وبالتالي إعادة بناء العملية السياسية بعيدا عن المحاصصة هو الضمانة الاكيدة لعدم عودة داعش واخواتها.

ـ اعادة بناء البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بما يضمن النهوض باقتصاديات البلاد وبما يوفر فرص العمل والتشغيل لشعب يعاني من البطالة والجوع والحرمان وانعدام الخدمات من كهرباء وماء وصحة وتعليم, فأن داعش واخواتها تنتعش على عوامل الفقر والفاقة والعوز والاندفاع نحو الشللية وارتكاب مختلف صنوف الانحرافات, من ارهاب وجرائم منظمة ومافيات اقتصادية وسياسية تدفع الى مزيدا من الفساد.

ـ تعزيز سيادة العراق واستقلاله وصيانة أرضه وشعبه من التدخلات الخارجية الاقليمية ذات الصبغة المذهبية والطائفية والتي تزرع الفرقة والشقاق والتشتت في النسيج الوطني والاجتماعي العراقي. اليوم يعيش العراق حالة من الاحتلال غير المعلن لدول الجوار السيئ, ثقافيا وطائفيا وسياسيا, فالبلد يعاني من الاستباحة والتدخل في شؤونه الداخلية, وان مرحلة ما بعد تحرير الفلوجة والموصل وغيرها يجب ان تكون ماثلة أمام الأعين لصيانة العراق واستقلاله من كل التدخلات.

ـ العمل النزيه لاعادة بناء منظومة التربية والتعليم والثقافة على أسس من الابتعاد عن الثقافة الطائفية والاثنية الشوفينية, والعمل على تحديث نظام التربية والتعليم والثقافة العامة بما يسهم في اعداد جيل متعاقب يحمل قيم التسامح والاحترام المتبادل بين مكونات المجتمع العراقي الثقافية والاجتماعية والاثنية والدينية والمذهبية, والعمل الدؤوب على احترام قيم العمل والمواطنة والانتماء للعراق كمظلة تحمي الجميع وبعيدا عن الخندقة الجغروطائفية والقومية المتعصبة !!!.



40
لا للزعيق الطائفي .. نعم لتحرير الفلوجة وتجفيف منابع الارهاب !!!

د.عامر صالح

تشتد المعارك من أجل تحرير الفلوجة وبقية المدن والقصبات والقرى والارياف المحتلة من قبل تنظيم الدولة الاسلامية الارهابي " داعش " ويتحول القتال في الفلوجة الى حرب شوارع طاحنة بفعل عناد وأستماتة داعش وتمسكها في الأرض, لأدراكها أن خسارة الفلوجة يعني استراتيجيا بدأ الانقضاض عليها في الموصل وتكريس حصن بغداد وأبعاد العاصمة نسبيا عن هجمات داعش !!!.

وفي الوقت الذي تستنفر فيه كل القوى الخيرة من جيش عراقي وقوات أمن وشرطة اتحادية وفرق متخصصة في مكافحة الارهاب, الى جانب قوى الحشد الشعبي المنتمي مذهبيا الى الاسلام السياسي الشيعي والقوى المسلحة من العشائر وابناء الفلوجة والمنطقة الغربية وقوى الامن والمحسوبة شكليا على الاسلام السياسي السني او الطائفة السنية. أنه تحالف جميل رغم ما يضفى عليه من مسحة مذهبية سياسية, في لحظات اتفق فيها الجميع ان عدوهم المشترك هو داعش وأن الخلاص منه يعني ان تخلق الأرضية الصالحة للعودة الى أحضان الوطن والمواطنة وتفتح الافاق لحوار وطني شامل بعيدا عن ضيق أفق الطائفية المرضي البذيئ الذي أودى بالبلاد الى التدهور والانحلال والتفسخ والفساد بكل مظاهره !!!.

في خضم هذا الاستبسال البطولي لكل القوى المساهمة في تحرير الفلوجة يعيد الخطاب المذهبي السياسي المتعجرف دورته الهوسية لإفساد عمليات تحرير الفلوجة في محاولة منه لحرف الانتباه عن الانتصارات المتحققة والاهتمام بالجزئيات التمناثرة هنا وهناك, وتحويل القوى المقاتلة من اجل التحرير الى قوى تقف في قفص الاتهام والادانة بارتكاب مجازر ضد الانسانية وتهويل الاخطاء الميدانية اعلاميا كي ترتقي الى مستوى الجرائم الكبرى وبالتالي إضعاف معنويات القوى المقاتلة وتشتيتها ومحاولة خلق حالات من الاحتراب الداخلي بينها تفضي في مجملها الى فشل الجهود لتحرير الفلوجة والموصل لاحقا !!!.

التضحيات التي يقوم بها أبناء المحافظات الجنوبية والوسطى والمتمثلة بقوى الحشد الشعبي هي تضحيات تستحق كل احترام العراقيين الذين يعرفون تماما لولاهم لوصلت داعش إلى بغداد, بغض النظر عن ادعاء بعض من أبناء تلك المناطق المحتلة من داعش أن هناك جرائم وسرقات ترتكب من قبل قوى الحشد الشعبي في محاولة لتحويلها إلى جرائم كبرى ولحرف مسار الأحداث بما يبقي داعش جاثمة لسنوات في ارض العراق, وقد أصدرت المرجعية الشيعية نداء أخلاقي لتجاوز حالات التطاول على ممتلكات الآخرين في محاولة منها لدرء خطر ممولي الدعايات الإعلامية ومهندسي الحروب الإعلامية من بقايا النظام الدكتاتوري العفن في تصور مريض لهم وخلط لأوراق الصراع الدائر في محاولة لهم لديمومة داعش !!!.

أنا لا ازكي الجيوش ولا حشود الحشد الشعبي في زمن الحروب لان ما يحصل في زمن الحروب هو استثنائي ولكن علينا أن لا نخلط الأوراق وأمامنا عدو شرس يستبيح الدماء والأعراض وهمجي بكل المقاييس, فأن التركيز على الهدف الأساسي المتمثل في القضاء على داعش يستحق تعبئة كل الجهود بغض النظر عن التفاصيل الجانبية التي تحدث في ساحات المعارك !!!.

لا يروق لي أن أرى غير الجيش العراقي الباسل أن يقاتل داعش الإرهاب, داعش مستنقع الضفادع والخزي والعار ولكن قدر لشعبنا أن يخوض مخاض عسير استدعى تدخل المرجعيات الدينية للجم الخطر المحدق في البلاد لكي يقف سبي العباد وهتك الأعراض في ظل نظام كانت تصميماته بهذا الشكل وكان للأمريكان اليد الطولي في خلق هكذا أوضاع استثنائية وشاذة عبر هندستهم لشكل هذا النظام العراقي القائم على التوافقيات الطائفية والاثنية, ولكننا اليوم بين كماشتين خطيرتين, بين داعش الفساد والتفسخ الخلقي وبين قدراتنا للتصرف في المتاح الممكن للحفاظ على ارض الوطن من العملاء والمتواطئين لاستباحة ارض العراق !!!!.

ولكن علينا ان نفهم بوضوح وحيادية ان قدرات داعش لا يمكن الاستهانة بها, فهي تجيد مختلف صنوف الحروب, من حرب عصابات, الى جانب الحروب الكلاسيكية, ثم المفخخات, ونموذج الحروب الجديدة المستندة إلى التطهير المكاني مسندة بقذائف الهاون والصواريخ, واقتحامات عنيفة في عبوات ناسفة ومفخخات متنوعة, والأكثر من هذا هو الجهادية والمقدرة القتالية والاستبسال في المعارك باختلاف غطائها, ان كان دينيا أم قناعات عامة, وبالتالي فأن صرف الانظار عن جرائم داعش اليومية وما أرتكبته من فضائع ضد الانسانية, وتحويل القوى المقاتلة ضده الى قوى مدانة بنفس جرائم داعش أنه عمل جنوني وسيكوباتي سيلحق بالجميع افدح الخسائر !!!.

النصر كل النصر لقواتنا العراقية الباسلة بإمكانيتها المتواضعة الآن لدحر داعش وتحرير العراق من دنس الأوغاد والقتلة المجرمين ومزيدا من التلاحم بين البيشمركة البطلة وقوات الجيش العراقي لأخذ زمام المبادرة لدحر الظلاميين الأوغاد, والى مزيدا من التوعية الفكرية والذهنية لأبطال الحشد الشعبي كي يتجنبوا إشكاليات تواجدهم في ارض يجب الحفاظ على أهلها ومالها ومقدساتها .. النصر للجيش العراقي الأغر وللبيشمركة الإبطال وأبناء الحشد الشعبي الأوفياء وأبناء محافظاتنا الغربية المناضلين, فأن داعش لا دين لها ولا أخلاق وعلينا تأكيد ذلك ببسالة شعبنا ودحرهم واختصار الزمن للنهوض بعراق آمن خالي من نفايات البعث والإرهابيين القتلة !!!.

أن تجربة تحرير الفلوجة عندما يكتب لها النجاح والموصل لاحقا يحمل في طياته دروس بليغة للعملية السياسية في العراق, ويجب استلهام الدروس من ذلك كي لا تعود لنا داعش في المرات القادمة وبثوب جديد متخلف أشد جرما من داعش اليوم, وعلى السياسيين الشرفاء في العراق ان يضعوا نصب أعينهم الاتي:

ـ أن نظام المحاصصة الطائفية والاثنية هو شر البلاء والمسبب الاول والاخير في اهدار اموال شعبنا وقدراته الذاتية وهو المعوق الاساسي في نشوء أجهزة أمنية ومخابراتية وعسكرية مهنية قادرة على حفظ أمن البلاد واستقلاله وسيادته الوطنية. وبالتالي إعادة بناء العملية السياسية بعيدا عن المحاصصة هو الضمانة الاكيدة لعدم عودة داعش واخواتها.

ـ اعادة بناء البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بما يضمن النهوض باقتصاديات البلاد وبما يوفر فرص العمل والتشغيل لشعب يعاني من البطالة والجوع والحرمان وانعدام الخدمات من كهرباء وماء وصحة وتعليم, فأن داعش واخواتها تنتعش على عوامل الفقر والفاقة والعوز والاندفاع نحو الشللية وارتكاب مختلف صنوف الانحرافات, من ارهاب وجرائم منظمة ومافيات اقتصادية وسياسية تدفع الى مزيدا من الفساد.

ـ تعزيز سيادة العراق واستقلاله وصيانة أرضه وشعبه من التدخلات الخارجية الاقليمية ذات الصبغة المذهبية والطائفية والتي تزرع الفرقة والشقاق والتشتت في النسيج الوطني والاجتماعي العراقي. اليوم يعيش العراق حالة من الاحتلال غير المعلن لدول الجوار السيئ, ثقافيا وطائفيا وسياسيا, فالبلد يعاني من الاستباحة والتدخل في شؤونه الداخلية, وان مرحلة ما بعد تحرير الفلوجة والموصل وغيرها يجب ان تكون ماثلة أمام الأعين لصيانة العراق واستقلاله من كل التدخلات.

ـ العمل النزيه لاعادة بناء منظومة التربية والتعليم والثقافة على أسس من الابتعاد عن الثقافة الطائفية والاثنية الشوفينية, والعمل على تحديث نظام التربية والتعليم والثقافة العامة بما يسهم في اعداد جيل متعاقب يحمل قيم التسامح والاحترام المتبادل بين مكونات المجتمع العراقي الثقافية والاجتماعية والاثنية والدينية والمذهبية, والعمل الدؤوب على احترام قيم العمل والمواطنة والانتماء للعراق كمظلة تحمي الجميع وبعيدا عن الخندقة الجغروطائفية والقومية المتعصبة !!!.

41
يا للغرابة !!! ما علاقة الحب بالانتماء الديني والمذهبي والعرقي ؟؟؟

د.عامر صالح

في زمن ضعف الانتماء للقيم الانسانية العامة والتقوقع حول الهويات الفرعية, الدينية منها والمذهبية والطائفية والعرقية والاثنية, تشتد الهجمة على فطرة الانسان الاولى لتشويه معالم برائتها ونقائها خلافا لطبيعة الوجود الانساني العابر للهويات الفرعية, ويجرى اختزال انسانية الانسان من خلال حصر سلوكه وعوامل بقائه بدين او مذهب او عرق ما, ويحرم عليه ممارسة طقوس بقائه وديموته الا من خلال ما يقرره دينه ومذهبه وثقافته العرقية, وبالتالي ممارسة سلوكيات الاكراه في العيش والوجود الحر الآمن.

والحب كما هو في السياسة من الظواهر الاكثر تضررا جراء الخندقة الطائفية والدينية والعرقية, حتى بات اختيار الشريك مشروطا بتلك الانتماءات التي لاصلة لها بفطرة الانسان الاولى من حيث طبيعة الحب ودينامياته وعوامل الانجذاب نحو الشريك المغاير في الدين والملة. واذا كانت السياسة تستدعي في بعض الاحيان لون من الخندقة الدينية والمذهبية والعرقية, فأن الحب براء من تلك الانحيازات المشوه.

اليوم يشهد عالمنا العربي والاسلامي مزيدا من التعسف والكراهية ويضفي على الحب صورة مشوه, فالعربي لا يحبذ الا شريكة عربية خوفا على عروبته من التلوث, والكردي يتشدد في شروط معاشرته للآخر ويجب ان يكون كرديا حرصا على النقاء العرقي المفتعل, وينسحب هذا تباعا على الاديان والطوائف والمذاهب والملل المختلفة, فالكل لا يقبل الا معاشرة أبناء جلدته, وتجري تصفيات جسدية وعمليات أخذ ثأر وما يسمى بغسل العار على خلفية تنوع الشريكين في المذهب والدين والقومية. أنها خندقة في أسوء صورها للعواطف الانسانية.

أشير هنا الى حادثة مأساوية فريدة من نوعها شهدها صعيد مصر بتاريخ 20 أيار 2016 حينما قام أكثر من 300 شخص بالاعتداء على مسيحية عجوز على خلفية علاقة عاطفية لأحد أقربائها مع شابة مسلمة, وتم تدمير وحرق أكثر من سبع منازل, وتعرية مسنة مسيحية عجوز أمام الناس انتقاما لتلك العلاقة. أنه عملي جنوني ومنبوذ بكل المقاييس الانسانية عندما يصفى ويقتل الانسان على خلفية تنوعه الديني والاثني في إختياره للشريك.

ومن هنا لابد لي من سوق بعض المعلومات الحيادية التي لا صلة لها بالعرق والدين والمذهب. في علوم الدماغ كما هو الحال في السيكولوجية المعاصرة فأن الأسس المادية للحب تكمن في الدماغ وليست في القلب كما صوره الشعراء والأدباء والفنانين في مختلف اهتماتهم, وما القلب إلا سوا عضلة تدفع بالدم إلى مختلف أجزاء الجسم, أما الدماغ فهو كما معروف علميا اليوم مركز الانفعالات والعواطف ومصدرها, ولكن ذلك لا يجري في منطقة متخصصة تخصصا متحجرا بذاتها,

42
     
في استراتيجيات الاصلاح الشامل ومعوقات الحشود القطيعية السياسية !!!

د.عامر صالح
أذا كان الاصلاح عملية مجتمعية وليست قرارات فوقية فعلينا ان ندرك ان الاصلاح في حقيقته هو محاولة للتغير الاجتماعي المخطط له لاقرب سنوات قادمة وتوقع ما يتبعها من عقود قادمة من الزمن, وعلى افتراض ما يرافق الاصلاح من عمق وتنوع في الوعي النفسي والقدرات الذاتية وأحترام للمبادرات الفردية واستدراك عاقل لما يحصل.  وعندما نستخدم في الوقت الراهن مفهوم "الإصلاح" فلابد أن نستحضر أولا الخبرة الأوروبية وخبرة الدول السائرة صوب الاصلاح باعتبارها دول مرجعية. تلك هي مصطلحات علم الاجتماع السيكولوجي في الاصلاح !!!.

غير أن استحضار تحليل التراث النظري واستحضار الخبرة التاريخية لا يكفى، ذلك أنه لابد حتى يكون الإصلاح رشيداً أن نسأل منذ البداية: إصلاحٌ، ولكن وفقا لأية رؤية؟

ولو اعتمدنا على التراث النظري المعاصر في مجال التنمية المستدامة لاكتشفنا أن هناك مفهوما محوريا أصبح شائع الاستخدام في الوقت الراهن وهو مفهوم "الرؤية الاستراتيجية" ويُعنى بها مجموعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لحكومة ما لسنوات او عقود قادمة.

وهذه الرؤية الاستراتيجية ينبغي أولا أن تنطلق من مفهوم التنمية المستدامة، ويجب ألا تنفرد أي نخبة سياسية حاكمة بوضعها، ذلك أن الرؤية الاستراتيجية - بالتعريف الذي قدمناه- ينبغي أن تكون صياغتها عملية مجتمعية شاملة تشارك في وضعها السلطة والأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني المختلفة.

وهذه الرؤية الاستراتيجية ينبغي أن تنقل للجماهير العريضة من خلال وسائل الاتصال العصرية، حتى تتضح أهداف التنمية وأساليبها، ويتم حشد الجهود المختلفة لتحقيقها، في إطار من الديمقراطية الكاملة والشفافية المطلقة، والمحاسبة، والتقييم المستمر.

الاصلاح الشامل من هذا المنظور يحتاج الى قدرات مهنية وعلمية واكاديمية ومستقلة نسبيا عن تأثيرات الايديولوجية العقائدية ذات الطابع المتحجر والتي ترى في الاصلاح هو مجرد خطاب منفعل ومعمد بردود الافعال يستجيب عبر خلق العداوة بين القوى السياسية الاخرى وافتعال الازمات وادعاء الصلاحية المطلقة لكل الاوقات والاوضاع, وهؤلاء حصرا هم من يعرقلو الاصلاح ومدياته مهما بلغ ادعائهم الانفعالي بقدراتهم على الاصلاح, فهو لا يتجاوز سوى رغبات منزوعة الصلة بطبيعة الاصلاح بكونه عملا دقيقا يستدعي الايمان بادوات المنهج العلمي في البحث عن المشكلات المستعصية, الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها, وفق سنة البحث العلمي ومنهجيته المعروفة, وغلق ابواب الاجتهاد أمام الخرافة والدجل والسحر والشعوذة والثقافة الماورائية للبحث عن حلول لمعضلات البقاء والاصلاح !!!.

أن الاصلاح الشامل هو وثيق الصلة بالديمقراطية وان عهد الديمقراطية في العراق هو وليدا وأن الثقافة الديمقراطية لشعبنا لا تزال قيد التشكيل والاختبار,فلازالت ذهنية الانقضاض على المنافس الآخر وإقصاءه هي الفيصل في السلوك السياسي,بل يرى البعض في الديمقراطية هي الفرصة الذهبية " للفرهود"و للفساد بمختلف مظاهره,ومع هذا فأن شعبنا لا يريد العودة إلى الوراء,بل هناك تجليات للمضي قدما من اجل إرساء دعائم الديمقراطية.

أن مجتمعنا العراقي هو مجتمعا قبليا وقد كرست فيه القبلية بفعل مختلف السياسات منذ عقود ثم انتهاء بالطائفية والمذهبية لتضفي على ذلك شرعية جغروـ طائفية متحجرة,رغم أن هناك حقبا تنويرية بفعل تأثير قوى الديمقراطية فيها إلا إنها مرت بانحسار بفعل الضربات القاسية التي تعرض لها تلك القوى والتي كادت تقتلعها من الجذور,وبهذا ترك شعبنا أسيرا في العراء وضحية لمن يتجاذبه,وهكذا أيضا ترك شعبنا ضحية لثقافة الغنيمة والكسب والاستحواذ,مما كرس مفاهيم الشعب ـ الرعية,وأن التعامل معهم ليست ككيانات إنسانية مستقلة وإنما عبر ممثليهم من القبائل والطوائف والمناطق والحارات والأسر مما ترك شعبنا ضحية لمختلف مشاريع الاستمالة والإغراء,أن ذلك لا ينسجم مع صيرورة المجتمع المدني,وأن الخلاص من ذلك يستدعي ترسيخ مفهوم المواطنة والمجتمع المدني,وهذا بالتأكيد يتطلب جهدا ليس بالهين لكي يتخلص شعبنا من هذه الانتماءات الضيقة التي لا صلة لها بالمواطنة وبالخيارات الحرة وبثقافة الانتخاب التي تتطلب مزيدا من الاستقلالية في السلوك. 

أن التجربة السياسية ما بعد سقوط الدكتاتورية في تعبئة الجماهير تعرضت إلى التشويه والمسخ من قبل الكثير من الأحزاب مستفيدة من ارث الدكتاتورية البغيض,لتعيد الكرة في تشكيل وعي الجماهير بما يتفق مع مصالح هذه الأحزاب عبر التزييف وتشويه معالم الوعي الإنساني الفردي للمواطن من خلال ترك الانطباعات المختلفة التي تصور الأهداف الذاتية والمصلحية والنفعية بأنها أهداف عظيمة ومقدسة ومشروعة ويتخيل إلى المواطن بأن هذا الحزب أو ذاك يسعى لصالحه,وبالطبع فأن هذا العمل يتطلب مهارات عالية "وقدرات استثنائية خاصة " للعبث بإحساسات وحواس الجمهور من خلال الإعلام المتنوع والمغريات المختلفة واستخدام للمال الحرام والإسراف في استخدام السلطات الحكومية,وقد تم تزيف الوعي من خلال شخصيات كاريزمية في الأحزاب أو في المجتمع,دينية أو سياسية يتم من خلالها تسويق أفكار الأحزاب إلى الجماهير التي تتقبل هذه الأفكار بناء على تقبلها وحبها البريء للشخصية الكاريزمية سواء كانت دينية أو اجتماعية أو سياسية,وخاصة في مجتمع خرج للتو من نظام دكتاتوري كانت مهمته زرع قيم الذل والخنوع والعبادة الفردية والاستسلام واستلاب أرادة المواطن لتحويله إلى رقم أصم يسهل حسابه بمختلف الاتجاهات دون معنى يذكر!!!.

أن هذا السلوك السياسي المرضي يفضي إلى خلق اتجاهات تضعف الشخصية العراقية في تقبل أي تغير ايجابي مرتقب عبر ممارسة السلبية اتجاه الإحداث وإعاقة أي بادرة لشحذ القوى المجتمعية صوب الفعل الايجابي,وتكريس الأوضاع السابقة لما بعد 2003 برضا شكلي من قبل الجميع,انه حالة من استهلاك طاقة ملايين الأجساد والعقول عبر إضعاف ملكة التفكير النقدي وترك المواطن في حالة تلقي سلبي لكل ما يسمعه من بعض من مرجعياته الدينية والسياسية والاجتماعية,لكي تصل به إلى مستوى التفكير الخرافي الذي يشل الديمقراطية في عقر دارها,ويتم تخدير وتسكين معاناة الناس الحقيقية وشل وعيها النقدي المعارض اللازم لعمليات التغير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي المنشودة,وهنا تدخل الممارسات الدينية الخاطئة على نطاق واسع,عبر رموز مفتعلة له وليست حقيقية لتكرس حالة السبات العقلي وتشديد للاعتمادية السلبية من خلال " مفتون متخصصون " عند الشدة يشغلون الناس بقضايا هامشية تصل إلى حد التدخل حتى في شؤونهم الشخصية والخاصة جدا والتي لا صلة لها بمستقبل البلاد لأحداث حالة غيبوبة مستديمة تباع فيها عقولهم وقلوبهم, وكانت انعكاسات ذلك واضحة جدا في تقرير وجهة الاصلاح وماذا يعني لهم !!!.


ومن هنا تأتي أهمية المسؤولية الأخلاقية والدينية والسياسية الملقاة على عاتق القيادات السياسية والاجتماعية المختلفة وقيادات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني في إعادة صياغة وعي المواطن بما ينسجم مع تطلعات وطموحات الناس في بناء مجتمع العدالة والحق والمواطنة الكريمة الذي يستند إلى العقلانية بعيدا عن الانفعالات الجارفة, وضرورة خلق الوعي اللازم لقيمة الاصلاح وخطورته في رسم المستقبل.ولعل في الملاحظات الآتية مدخلا مواتيا لذلك :

ـ إعادة صياغة منظومة التربية والتعليم على أسس علمية وعقلانية بعيدا عن تأثيرات التيارات السياسية والدينية المتحاربة والمتجاذبة,لخلق مواطن يتسلح بالوعي المحايد والقدرة على ممارسة النقد البناء للظواهر المختلفة بروح علمية بعيدا عن أشكال التعصب والانفعال في تقبل أو رفض ظاهرة أو رأي ما.

ـ تحديث الخطاب السياسي من حيث المحتوى والأهداف والوسائل,وتحوله من خطاب " حشدي " منفعل إلى خطاب ايجابي يستهدف بناء ثقافة سياسية فردية بناءة وتحويله إلى خطاب سياسي ـ تربوي ذو صبغة واقعية.

ـ ضرورة التثقيف المستمر بالتجربة الديمقراطية باعتبارها وسيلة للتداول السلمي للسلطة وليست وسيلة للانقضاض عليها واحتكارها ومنع الآخرين من المساهمة فيها.

ـ إشاعة ثقافة الحوار في كل القضايا التي تخص المجتمع السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية,ودفع الناس لإبداء الآراء بخصوصها وتحويل المواطن من مستقبل للمعلومة فقط إلى مواطن مرسل فعال,أي تنشيط قنوات الاتصال بين المواطنين ورموزهم السياسية والاجتماعية لتفعيل مفهوم المشاركة البناءة.

ـ إعادة النظر في المنظومة التشريعية والقانونية التي تحجب و تحد من سقف مشاركة الآخرين في العملية السياسية,وفي مقدمتها قانون الانتخابات وإصدار قانون للأحزاب لضمان مسائلة الأحزاب ورصد آلية عملها,لضمان مزيدا من النزاهة و المشاركة السياسية لبناء نظام سياسي متنوع في العطاء والقدرات الفكرية والعقلية.

ـ العمل التربوي والتثقيفي طويل الأمد لأبعاد ثقافة التشكيك والاتهام وتخليص المواطن من آثار عقلية المؤامرة التي تجعل من المواطن متربصا لأخيه المواطن ومشككا في أفضل عطائه,وتلك هي الحال على مستوى الأحزاب.

ـ محاربة الفساد على نطاق واسع باعتباره وفي احد وجوهه مظهرا من مظاهر الفساد السياسي يسهم في تكريس الأوضاع كما هي,ونظرا لتقاطع صلاته مع السياسة ورموزها فأنه يسهم في تكريس سياسة الصفقات وتجيش الناس حولها لأبعاد شبح المحاسبة والدخول في التفاصيل.

ـ تعزيز ثقافة دولة القانون في سلوك الأفراد والأحزاب والمؤسسات بعيدا عن التمترس الفئوي والطائفي والجغرافي والقبلي الذي يضعف دولة القانون,وتنشيط دور القضاء لتشجيع المواطنين على الاستعانة بالدولة لحل المشكلات المختلفة والمستعصية دون اللجوء إلى القبائل أو الطوائف أو الأحزاب التي تستميل المواطن وتسهل تعبئته بمختلف الاتجاهات باعتباره طرفا ضعيفا يلجا اليها عند الشدة !!!!.

ان الاصلاح الشامل لا يعني ابدا الدخول الى المنطقة الخضراء واجراء مناورت على نسق المناورات العسكرية لجس النبض وعرض العضلات, بل هو عمل تربوي ونفسي يخلق حالة من الوعي البديل للفوضى والعبادة الشخصية, الى حالة من استشراف المستقبل والتفرد المبدع في الانتفاض على العقل القطيعي المتخلف صوب فهم صحيح لقوانين الصراع الاجتماعي بعيدا عن الوصاية المذهبية والطائفية والاثنية, وان ما يجري موضوعيا في العراق يجب ان يفهم موضوعيا في إطار سنة الصراع المقننة في تحول الكم الى كيف !!!.



43
عندما يختلط الحابل بالنابل في ركب موجة الإعتصامات !!!

د.عامر صالح 

أي تشظي في القوى المحصصاتية والاثنية وأي تناقضات بينهم هي مفيدة لإضعافهم وتفتيت كتلتهم " كتلة الاغلبية الصامتة " على معاناة شعبنا الصابر على الظلم والفساد والطائفية والاثنية والحرمان من أبسط مقومات العيش الكريم. كتلة الاغلبية الاثنوـ طائفية والتي تعودت على العيش على فتات موائد المناصب وتوزيع الحقائب الوزارية وما تحت الوزارية " ينتفض " بعضها اليوم ليست ادراكا لمعاناة شعبنا أو احساسا بمشكلاته العميقة والمستديمة منذ أكثر من ثلاثة عشر عاما, بل هو اختلافا في تفاصيل توزيع الغنائم وتصفية ثأر بين القوى الطائفية والاثنية المتنازعة !!!.

لأكثر من عقد من الزمن كان الاسلام السياسي يستخدم جاهزية العقل العراقي المثقل بجراح الوعي لتسويق بضاعته الرخيصة وخطابه المعسول ذو الانفعالات المهيجة للاحتراب بين الاخوة في الوطن, ناسيا مطالب الناس في الخدمات والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتوفير فرص العيش الكريم, ومتخذا من معاناة الناس في الفقر والفاقة والاضطهاد في تمويه سياساته في الفساد والجريمة والتحلل الخلقي من خلال اضفاء الشرعية على كل افعاله, وتسويف مطالب الناس من خلال الكذب والرياء والنفاق من خلال خطاب ظاهره مقبول نسبيا وباطنه عفن !!!.


الانتفاضة الباسلة لشعبنا هي المرجعية الاولى منذ ثمانية أشهر, ولاتعلو عليها أي مرجعية أخرى" والمطالبة بوضوح بتصفية نظام المحاصصة وإعادة بناء العملية السياسية على اساس من العدل والديمقراطية الحقة, بما يؤمن ظروف أفضل للعيش والاستقرار والانقضاض على الارهاب وتأمين الأمن الغير مشروط بتوازنات طائفية. أن المعضلة الكبرى كما يراها شعبنا المتظاهر هي في الخلاص من نظام المحاصصة الطائفية والاثنية وهذا يعني اجراء تعديلات جوهرية على الدستور, واعادة النظر بقانون الانتخابات, واصدار قانون الاحزاب, الى جانب تشريع قانون النقابات والاتحادات, وقانون النفط والغاز, وقانون حرية التعبير, وقانون المحكمة الدستورية, وقانون مجلس الاتحاد, واعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وهيئة النزاهه, واعادة تشكيل مجلس القضاء الاعلى بما يضمن نزاهته حقا.

إن إنظمام قوى معروفة بطائفيتها السياسية والاثتية الى المعتصمين البرلمانين وركبها موجة الاعتصام هو ليست بدوافع عدم جدوى النظام المحصصاتي, أو انها ارتقت بنقلة نوعية في الوعي مما يستدعي صحوتها واعادة بناء نفسها على أسس جديدة, بل هي تصفية حسابات, فلا يوجد اليوم من المعتصمين من خرج على كتلته السياسية الطائفية والاثنية وإحتج على حزبه, لا بالعكس إنهم يزيحيون وجوه طائفية سياسية بوجوه أخرى طائفية سياسية في محاولة لأخذ الثأر واعادة بناء المشهد السياسي بمزيدا من الاحتقان الاثنوطائفي !!!.
 

هل سمعنا من بين كتل المعتصمين في البرلمان من لديه الجرأة والقدرة الاخلاقية والسياسية على حل حزبه وإعادة بنائه على أسس عابرة للطائفية, طبعا لا, وما نسمعه هو شعارات براقة في إنهاء نظام المحاصصة الطائفية والاثنية مع الاصرار على إبقاء القوى المحركة لاعادة انتاج النظام الطائفي المقيت. المعتصمين بذكائهم التعسفي يستبدلون الطائفية بالطائفية ويعيدون المحاصصة بالمحاصصة, وابقاء شعبنا وقودا سهل الاحتراق يدفع ثمن مستقبله, ثمن نظام متنخر لا جدوى من بقائه !!!.

أن ترفض الطائفية السياسية والاثنية يعني إنك منفتح ذهنيا وفكريا وعقليا وحضاريا للانتقال من حالة الوعي المتردي الى حالة نوعية جديدة تقترب فيه من إنسانية الانسان, أما ان تنظم قوى كانت بالامس ترى في الحراك الشعبي الشامل عمل اجرامي أو مؤامرة على النظام السياسي الطائفي فهو غير مقبول أخلاقيا وهو الوجه الصارخ للنفاق السياسي الطائفي والاثني !!!.

ان مرجعية شعبنا الاساسية هي الانتفاضة الشعبية العارمة والحراك الاجتماعي المتعاظم الذي بدأ في شوارع العراق كله, والذي يعبر عن حالة اختمار الوعي المعارض للطائفية السياسية والاثنية. إن التحولات الجذرية في الوعي هي الكفيلة في بناء نظام سياسي عادل وليست ما يجري في قبة البرلمان من صراعات سياسية طائفية وأثنية تريد تبديل الوجوه الطائفية بوجوه اخرى من نسخة طبق الاصل ولتصفية الحسابات المصلحية الضيقة !!!.

ومن المستهجن والمدان اخلاقيا ان القوى الطائفية السياسية بأمتياز والمتهمة بالتأسيس للفساد في العراق ان تنظم الى المعتصمين في البرلمان, بل وتطالب بانهاء المحاصصة وهي المطالبة اليوم قبل غيرها بانهاء مزاج المحاصصة والاعتراف لشعبنا بسوء الادارة والتدبير عندما كانت تقود السلطة التنفيذية, والمثول أمام القضاء للمحاسبة الشديدة !!!.

نقول الآن ان الارهاب هو الاقوى والاعتى في قدراته من كل البرلمانين المنتفعين والذين لا يرون السياسة الا من خلال منافعهم وانفعالاتهم المريضة, وان الفراغ الامني يهدد ما تبقى من الدولة والمجتمع في الانهيار الكامل. إن اللجوء الى الشارغ العراقي في انتفاضته الباسلة كمرجعية مطلقة هو البديل الاوفر حظا للخروج من مأزق الطائفية والاثنية, واعادة بناء العملية السياسية بعيدا عن امراض المحاصصة والاعتصامات البرلمانية الموسمية والمرتبطة بتكريس المحاصصة, لا القضاء عليها !!!.




44
نظام المحاصصة الطائفية الاسلاموية والاثنية نقيض لحكومة التكنوقراط المهنية الإختصاصية !!!

د.عامر صالح

في إطار البحث الشكلي عن مخرج للازمة المستعصية في البلاد منذ ثلاثة عشر عاما, والتي عصفت في البلاد وأودت بالخراب الشامل لامكانيات البلد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبشرية, يجري البحث عن حلول ترقيعية بعيدا عن البحث عن الاسباب الحقيقية للازمة العامة في البلاد, والتي كان سببها الاول والاخير هو النظام الطائفي المحصصاتي والاثني البغيض الذي شل حركة النهضة والحياة في بلد يمتلك كل المقومات الموضوعية والذاتية للنهضة الحضارية, باستثناء طبيعة النظام السياسي القاصر فكريا وعقليا والعاجز كليا عن استنهاض القوى الكامنة لشعبنا وقدراته وموارده الذاتية صوب التنمية البشرية المستديمة !!!.

لعل نظرة متأنية وموضوعية منطلقة من روح الحرص على النواة المتواضعة للنظام الديمقراطي,تؤكد لنا أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية وما أنتجه من تعصب أعمى,ومنذ ولادته بعد  2003  لحد اليوم كان عائقا ومعطلا للعملية السياسية,حيث حلت في الممارسة العملية الانتماءات الضيقة محل " علم السياسة " لإدارة شؤون البلاد,مما جعل من أحزاب الطوائف والأعراق أمكنة للحشود البشرية وليست أمكنة لانتقاء وتدريب النخب السياسية لقيادة البلاد,وكأنها تعمل على قاعدة أن الحزب يساوي كل أبناء الطائفة أو العرق بما فيها من خيرين وأشرار,وتحولت إلى أمكنة للاحتماء بدلا من الاحتماء بالدولة والقضاء كمقومات للدولة العصرية,مما فوت الفرصة على الانتقاء والفرز على أساس الكفاءة السياسية والنزاهة,وليست لاعتبارات لا صلة لها ببناء دولة المواطنة,أنه سلوك يؤسس لمختلف الاختراقات السياسية والأمنية وشتى ألوان الاندساس.

كما أن نظام المحاصصة عرقل جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي,وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا  أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد,بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك ,أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة ,بل تؤسس إلى "  إفساد للتنمية ",وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف,والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع !!!,أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل ,وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف  دينه ومذهبه وطائفته وعرقه!!!!.

أن اشد ما الحق الضرر بمصالح البلاد وأمنه هو إخضاع الأجهزة الأمنية والمخابراتية والدفاعية للمحاصصة الطائفية مما فسح المجال لتأسيس حالة الاختراق الأمني المستديم لهذه الأجهزة عبر تكريس حالة التوجس والريبة وانعدام الثقة بين قيادات ومنتسبين هذه الأجهزة,مما تندفع هذه الأجهزة إلى التناغم مع دول الجوار في البحث عن حليف مطابق لها في الصبغة الطائفية والعقائدية,مما يتركها فريسة للاختراقات الخارجية وفرض أجندة دول الجوار,وهنا يأتي تفعيل واستنفار" الحلقة المفقودة" المتمثلة بكل القوى الداخلية الغير راغبة في التداول السلمي للسلطة لتقوم بدور المنفذ النشط أانطلاقا من تطابق الأهداف والمصالح المشتركة في عدم معافاة العراق,بدلا من تعزيز حالة التوافق والانسجام في عمل هذه الأجهزة لخدمة امن البلاد.

لقد أخلت سياسة المحاصصة بالسلم الاجتماعي وأضعفت الشعور بالوحدة الوطنية والتكافل الاجتماعي من خلال خلق التكتلات والشللية السياسية والاجتماعية على أسس طائفية وعنصرية مما يعزز بمرور الوقت حالات الاحتقان والفتنة الاجتماعية,فيتحول الصراع السياسي وغير السياسي إلى صراعات طائفية وعرقية لا حصر لها,أنها عملية استنفار للاشعور الجمعي لأفراد الطوائف والأعراق, وحتى لأتفه الأسباب !!!!, وهناك فرق جوهري بين حقك المشروع في الانتماء إلى دين أو طائفة أو عرق أو قومية ما وبين أن تبني دولة تضم مختلف الأديان والأعراق !!!!.

أن إضفاء الصبغة الطائفية والعرقية على الصراع السياسي واللجوء إلى الحلول ذات الطبيعة التوافقية ـ الطائفية والعرقية تسهم في تكريس منظومة قيمية ذات طبيعة تعصبية " شاء الفرد أم أبى" لتشكل بدورها اتجاها نفسيا سلبيا مشحون بشحنة انفعالية ضد الأخر الديني أو الطائفي أو العرقي دون سند علمي أو منطقي أو بمعرفة كافية,ليتحول التعصب إلى مشكلة حقيقية في التفاعل الاجتماعي الإنساني المنفتح,وحاجزا يمنع كل فكر تقدمي جديد,ويفتت مكونات المجتمع الواحد ويحولها إلى أشلاء منغلقة ذاتيا بعيدة كل البعد عن التطورات المتلاحقة التي تحصل في العالم الخارجي في كل المجالات,أنها حالات من الصمم والبكم والعمى الهستيري والتي لا تدرك الأشياء والظواهر إلا من خلال  اتجاهات التعصب الأعمى,أنها فرصا مواتية لتشديد قبضة الكراهية والعدوان الاجتماعي,ونحن نعلم من الناحية النفسية أن التعصب والتخندق الطائفي والعرقي هي سلوكيات مكتسبة ومتعلمة في أعمها الأغلب ولا توجد أدلة قاطعة ذات طبيعة غرائزية أو فسيولوجية لوجودها,فهي حالات من التمركز حول الذات وعدم تقبل الحوار مع الأخر المغاير !!!.

ويجب التأكيد هنا إلى أن الصراع الذي يجري في العراق ليست صراعا طائفيا أو عرقيا بالمرة,وقد أكدت السنوات المنصرمة فشل الانسياق ورائه,إلا أن تجير الصراع السياسي وإضفاء الصبغة الطائفية أو العرقية هو الذي يؤدي قسرا بالسواد الأعظم من شعبنا الذي أتعبته الحروب وأنهكه تأمين شيء من الخدمات العامة إلى " التعصب " و "الخندقة " كحيل دفاعية لتامين لقمة العيش,لأن رموز الطوائف والأعراق والأحزاب تمتلك المال كله , وكما يقول أبو ذر الغفاري :( عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه ) والتخندق الطائفي أو العرقي أشبه بحامل السيف لـتأمين لقمة العيش !!!!.

وفي ظل تلك الاوضاع وانعدام بصيص الامل وتحت وقع وضربات الحراك السلمي الاجتماعي الاحتجاجي المطالب بحقوق شعبنا الشرعية في الامن والامان وتأمين لقمة العيش الكريم, ومطالبته المستديمة بحكومة تكنوقراط تضمن له الابتعاد عن عن نهج المحاصصة العبثي والمتدهور, يجري البحث في أروقة النظام الطائفي الاثني عن حكومة تكنوقراط في محاولة لسد افواه المتظاهرين وتفويت الفرصة على مزيدا من الحراك والتصعيد الجماهيري, لاحتواء أزمة النظام المتأصلة في طبيعته !!!.

وحال تقديم رئيس الوزارء العراقي حيدر العبادي لمقترحات "حكومة تكنوقراط ", وبغض النظر عن الآلية التي جرت بها والملاحظات الجدية التي سوقت ضدها, فقد بدأت القوى السياسية بمعظمها, بما فيها الجهة التي ينتمي إليها حيدر العبادي, في التشكيك بتلك المقترحات وعناصر الحكومة المقترحة والتهيئ لرفضها كليا, وقامت القوى السياسية الاسلاموية وغير الاسلاموية وكذلك الاثنية العرقية في البحث عن عوامل رفض هذه الحكومة والتهيئ لمحاربتها. وكأن العبادي في محاولته هذه كشف للمرة تلو المرات السابقة عن عجز هذا النظام المحصصاتي وفشله في ايجاد الحد الادنى من الحلول لمعضلات نظام مستفحل في فساده, والذي يشكل العبادي طرفا في هذا النظام وليست منقذا له, ولكنه اراد بلعبته هذه هو النفاذ بجلدته من الضغوطات الشعبية والبرلمانية, وحال مؤقتا دون محاسبته !!!.

نقول هنا ان البحث عن حكومة تكنوقراط مؤلفة اعضائها من خبراء ومهنيين ومتخصصين في مختلف المجالات, ومن اساتذة جامعات وباحثين مرموقين, يستندون في نشاطهم الحكومي الى معطيات العلم والمعرفة الحديثة في مختلف المجالات ومستقلين نسبيا عن تأثير الاحزاب السياسية التي تقود البلد في مرحلة ما, هو أمر في غاية الصعوبة في ظل نظام محصصاتي يستند الى معايير الولاء للحزب او الطائفة او الاسرة الحاكمة او القومية والحزب القومي المهيمن, حيث اللجوء في اسناد المناصب الى معايير شاذة لا صلة لها في الكفاءة والمقدرة المهنية والتخصصية, وحيث النظر الى السلطة والمنصب هي استحقاقات محصصاتية وغنائم وفرص لا تعوض !!!.

ومن هنا فأن عملية الحراك الاجتماعي والمتمثلة بكل الفعاليات السلمية المطلبية والطموحة الى التغير الجذري يجب ان تستهدف في نشاطها المتعاظم الى ما يفضي الى التأسيس للحلول الجذرية التي تسهم في فك الارتباط وانهاء العلاقة مع النظام المحصصاتي الطائفي والاثني, واعادة بناء العملية السياسية على اسس دستورية وقانونية جديدة تضمن الوطن والمواطنة والانتماء الى العراق بكل مكوناته الاجتماعية والثقافية والاثنية والدينية. وعندها يكون الحديث عن التكنوقراط وانقاذ البلد واعادة بنائه أمرا ممكنا في ظل مزاج الانتماء الى الوطن الأم !!!.


45
التكنوقراط الطائفي ومدى شجاعة المرجعية الدينية !!!


د.عامر صالح 

تزداد الاوضاع سوء في العراق على خلفية النظام الطائفي السياسي والاثني ضيق الأفق والذي زرع الفتنة والفرقة بين مكونات المجتمع العراقي, الاجتماعية والاثنية والثقافية, وأسس للأحتقانات الطائفية والمذهبية والاثنية, وشكل حاضنة للارهاب والقتل والدمار في أبرز مظاهر ذلك والمتمثلة بداعش والقاعدة والمليشيات المنتشرة في ارجاء العراق كله, سنية أم شيعية, أم مجاميع إجرامية مسلحة وشللية منحرفة, كما ان النظام كان ولا يزال عنوان وبوابة لأضخم عمليات في الفساد الاداري والمالي والاخلاقي, والتي لم يشهد لها تاريخ العراق السياسي كله ومنذ نشأة دولته الفتية عام 1921 !!!.

وقد كلف هذا النظام الطائفي السياسي والمحصصاتي المتعصب إرتهان العراق ومستقبله لعقود قادمة عبر تبديد ثرواته المالية والطبيعية والتي بلغت في أبسط تقديراتها الرقمية 800 مليار دولار, يقابلها التوجه الشامل لسياسات التقشف الشامل عبر سياسة شد الاحزمة على البطون وفرض الضرائب العالية في بلد لا توجد فيه في المقابل ادنى الخدمات في الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية العامة. وقام النظام الطائفي بمكوناته المختلفة في زرع وتشجيع الاستقطاب والتحالف الاقليمي على اساس الهوية الطائفية, مما افقد البلد هويته الوطنية واستقلاله, واستقراره الخارجي والداخلي !!!.

اليوم يبحث النظام المتهالك عن حلول هي الاخرى عرجاء من خلال شعارات براقة ومقبولة مزاجيا, وعنوانها الرئيسي هو البحث عن " حكومة تكنوقراط " والهدف المعلن منها هو البحث عن كفاءات مهنية متخصصة في مختلف المحالات لتسهيل امر قيادة الحكومة بوزاراتها المختلفة في محاولات لإنقاذ ما تبقى إنقاذه " إن وجد " ولتخليص الدولة والمجتمع من الفساد والخراب والدمار والافلاس الشامل, ومحاولات الابتعاد او الانحياز الطائفي السياسي والاثني عن إشغال المناصب الحكومية العليا !!!.

ولكن الاسلام السياسي الطائفي والاثني كعادته لم يتورع في التشبث بالشرعية الدستورية, حيث بدأ مستميتا في البحث عن مفاهيم عبثية لا ترسم ملامح مستقبل قريب, قوامها من جديد هو التوافق السياسي الطائفي السيئ السمعة والصيت في إيحاد حكومة تكنوقراط طائفية, شكلها الظاهري تكنوقراط ومضمونها الداخلي هو طائفي سياسي, وسيترك البلاد مجددا وعلى مصرعيها للصراعات الدموية ولحروب الاستنزاف والتي لا تقف ابدا وبواجهات محتلفة !!!.


كانت ولا تزال ضغوطات الحراك الاجتماعي المدني لها التأثير الكبير في الضغوطات على السلطة التنفيذية والتشريعية في ايجاد مخرج للأزمة البلاد المستعصية والذي دفع الحكومة لبحث عن متغيرات للحل وإلتماس فرص أخرى لانقاذ البلاد, ولكننا نعلم ان الحراك الاجتماعي والذي شاركت فيه المرجعية الدينية في استنهاض مؤمنيها هو ليست فصيلا حراكيا واحد أو حركة ذات ثقل جماهيري كافية للتغير, بل هو خليط غير متجانس يعكس تجاذبات قوى سياسية وطائفية مختلفة, ولها مصالحها المختلفة في عملية الصراع الاجتماعي الدائر !!!.

لقد كان أبرز ملمح للحراك الاجتماعي الان هو دخول التيار الصدري متصدرا الاحداث ومهددا وواعدا بالعمل على إجتثاث الحكومة واجتياح مركز الحكم في المنطقة الخضراء في عمل قادم قد لا تحمد عقباه في ظل إشتداد هجمة الارهاب وحضور داعش على اطراف بغداد, الى جانب المتناقضات الكثيرة التي يحملها هذا التيار الطائفي الاسلاموي والذي يدين بولاية الفقيه وله تطلعاته المذهبية, ولكنه ركب موجة " حكومة تكنوقراط " ودخل مفاوضات مع الحكومة والكيانات السياسية الاخرى, وكأنه بات المنقذ للبلاد والعباد, ونسى إنه طرف في الفساد والطائفية وإهدار المال العام. أما السواد الاعظم من قاعدة هذا التيار فرغم كادحيتها ومسحتها الثورية, ولكنها لا تحمل في طياتها عملا جذريا يؤدي الى تغير الموازين صوب حراك يساري رافض لما هو سائد !!!. 

اليوم وفي زخم خطورة الاحداث وبقاء الاوضاع كما هي وأسوء منذ عام 2003 يقع على عاتق المرجعية الدينية مسؤولية تاريخية كبرى وشجاعة مرتقبة في رفع الحصانة عن شرعية العملية السياسية بعد تجربة فاشلة لمدة 13 عاما ساهمت المرجعية نفسها بإضفاء الشرعية على النظام السياسي وكان لها الدور الكبير في التأسيس للنظام الطائفي السياسي. لقد آن الآوان للمرجعية الدينية والمؤسسة الدينية بصورة عامة أن تشهد شهادة حق ببطلان هذا النظام السياسي وأدواته في البقاء, من دستور ونظام انتخابي واحزابه الاسلاموية الفاسدة والمفسدة !!!.

إن المرجعية التي طلبت من الشعب في التصويت على الدستور انذاك, عليها اليوم أن تقول كلمة بهذا الدستور الغبن وقد عفى عليه الزمن. وسوف يذكر التاريخ المرجعية الدينية بأحرف من نور عندما تسهم الآن بإنقاذ شعبنا من محنته الطائفية الاسلاموية والاثنية, عبر إعادة بناء العملية السياسية بكل آلياتها ومفاصلها الاساسية, ولاسيما ان مزاج شعبنا جاهز الآن قبل أي وقت مضى, ويجب الاستجابة لارادة العراقيين في التغير نحو الافضل, وما زال الدين لله والوطن للجميع !!!.




46
 
الثامن من آذار عيد المرأة العالمي وظروف التخلف والتطرف الديني في العالم العربي !!!

د.عامر صالح 

في العام 1977 وفي القرار (32 / 142 ) دعت الجمعية العامة الدول إلى إعلان يوم من أيام السنة يوما للأمم المتحدة لحقوق المرأة والسلام الدولي, وذلك وفقا لتقاليدها وأعرافها التاريخية والوطنية. وقد دعت الجمعية العامة الدول إلى المساهمة في تعبئة الظروف اللازمة للقضاء على التميز ضد المرأة وضمانة مشاركتها الكاملة في التنمية الاجتماعية وعلى قدم المساواة مع الرجل. وقد اتخذ الإجراء غداة السنة الدولية للمرأة ( 1975 )  وعقد الأمم المتحدة للمرأة ( 1976 ـ 1985 ) اللذين أعلنتهما الجمعية العامة. وقد اتفق على أن يكون الثامن من آذار عيدا عالميا للمرأة. ويشكل هذا الإعلان قيمة أخلاقية وإنسانية في إعلانه صراحة على الصعيد العالمي بعدمية الفروق بين الجنسين في المساهمة في الحياة والحقوق العامة. ويشكل هذا الإعلان عودة إلى الفطرة الإنسانية والى مرحلة تاريخية ما قبل اللاتساوي بين الجنسين ونبذ الفروق الجسمية والعقلية والنفسية باعتبارها مصدرا بهيميا لعدم المساواة والتي يبنى عليها شتى مظاهر اضطهاد المرأة !!!.

ورغم مرور عقود على هذا الاعلان الدولي للمساواة فإن الهجمة على المرأة في العالم العربي والإسلامي وبقاع أخرى في العالم المتخلف تزداد شراسة منقطعة النظير جراء هيمنة الفكر المتشدد الرجعي بكل لبوساته المتسترة بالدين والعفن العقلي والفكر المتخلف الذي يحول المرأة إلى مشروع سبي واغتصاب وتهجير ومقايضة وحرمان ولا مساواة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والإنسانية العامة. ففي العراق وسوريا تتحول المرأة إلى مشروع للاغتصاب بواجهات جهاد المناكحة الداعشي والى مشروع تعذيب يومي وحرمان تخجل منه البشرية في ألفيتها الثالثة, إلى جانب اضطهادها التاريخي من قبل نظم اللامساواة واللاانسانية التي جسدتها وأفرزتها حكومات الحزب الواحد الدكتاتوري القمعي, وفي دول الخليج العربي حيث المرأة في اشد قسوة الاضطهاد بمختلف صنوفه, الظاهر منها والرمزي المبطن, ابتداء من الوصايا عليها من زوجها وأولادها وأبيها ودائرتها الذكورية المحيطة وانتهاء بممارسة شتى صنوف الإذلال, من ضرب وأهانه وقسوة في التعامل اليومي, فهي جزء من أدوات المنزل ذو السلطة الذكورية المطلقة, ومطبخه الذي يطمئن البطون قبل العقول, فهي حبيسة الأربعة جدران ولا حوله لها ولا قوة إلا بأذن من راعيها وقوامها الشهم ذو الرجولة المشوهة, وانتهاء بفتوى رجال الطوائف الدينية من زواج مبكر كطفلة أو متعة جنسية مؤقتة, أو مشروع إرضاع للكبير وزواج مؤقت لعطلة نهاية الأسبوع " ويك أند " !!!.

وتستفحل ظاهرة الزواج غير المدني, فالدول العربية والإسلامية تعج بمختلف أنواع الزواجات خارج المحاكم والمنتشر في مصر, والسعودية والعراق والكويت ودول الخليج الأخرى, والمغرب وتونس والأردن وكذلك إيران وتركيا وغيرها من دول العالم الإسلامي, ولهذا الزواج مشرعيه وفقهائه والذين يبحثون دوما عن مظلة شرعية لحماية هذا النمط من الزواجات, فهناك الزواج العرفي والمنتشر في مصر حتى في أروقة الجامعات, وهناك زواج المسيار, وزواج المصياف, وزواج ألويك أند, وزواج الفرند, وزواج المصواب, وزواج المسفار, وزواج المطيار, وزواج المحجاج, وزواج المسياق, وزواج المهراب, وزواج المقراض, وزواج المتعة, وزواج التجربة, وزواج المزار, ونكاح الترزق, ونكاح الخوالي, ونكاح إعارة الفرج, والمتعة غير الجنسية, والمتعة الجماعية, والمتعة من اجل الإنجاب, وزواج المباركة, ونكاح التعدد, وزواج المردان, ونكاح المصاهرة, ونكاح الضيافة, والقائمة تطول, هذا هو نكاح في ظروف " السلم ", أما نكاح زمن الحرب فقد ضربت داعش مثالا سيئ اهتز له ضمير الإنسانية, من جهاد المناكحة, وسبي النساء, ومقايضتهن جنسيا, وبيعهن في أسواق " الدولة الإسلامية " !!!.


وكل إشكال الزواج تستهدف المرأة وتكريس اضطهادها التاريخي, رغم كل المبررات " الشرعية " التي تساق خلف تلك الأشكال بواجهة وادعاء مزيف للحد من الفساد, أو الاستجابة لظروف الحياة المتغيرة في البحث عن الحلول للمشكلة الجنسية, فالحلول التي يعثر عليها المشرعون والفقهاء والمفسرون تصب في خدمة إشباع الغريزة الجنسية للرجل " القضيبي " بعيدا عن البحث في أولوية فكر المساواة بين الجنسين في كافة المجالات والحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية, وما يصاحب ذلك من حلول عادلة وإنسانية للمشكلة الجنسية والعلاقة بين الجنسين, وفي ظل دولة القانون والضمانات الاجتماعية التي توفر الدعم الكافي لضمان المساواة بين الرجل والمرأة, وتوفير فرص أكثر إنسانية في اختيار الحياة الحرة الكريمة لكل من الرجل والمرأة !!!.


ومن الجدير بالذكر, أن العديد من مجتمعاتنا العربية والإسلامية بصورة عامة حققت الكثير من الانجازات على طريق إشراك المرأة في ميادين الحياة المختلفة.فقد انخرطت المرأة في مجالات التعليم والعمل.حيث تدفقت المرأة إلى مختلف مراحل التعليم, ومنها العالي في مختلف التخصصات العلمية والإنسانية , وكذلك الحصول على الشهادات العليا كالماجستير والدكتوراه.كما انخرطت في مختلف المهن الطبية, والهندسية, والإدارية. وهو خطوة لازمة لتحرير المرأة.ألا أن ذلك جاء نتيجة لضغوطات الاقتصاد والتغيرات الكبيرة في الهيكلية الاقتصادية, وحاجات سوق العمل إلى المزيد من المهارات النوعية , مما استدعى ذلك إلى الاستعانة بالمرأة المؤهلة, وأن التغيرات المذكورة أعلاه لا تعبر بالضرورة عن فلسفة حياتية واضحة ومحددة اتجاه إشراك المرأة. والدليل على ذلك هو تعرضها إلى مختلف مظاهر التميز, في الرواتب, والمناصب, ودرجات التعين, وعدم المشاركة في صنع القرار, وحرمانها من الكثير من المناصب لأنها امرأة. عدا حالات التميز الأخرى خارج العمل, كفرض الوصايا عليها وعلى أموالها وممتلكاتها, ومنعها من السفر والتنقل إلى خارج البلد أو من مكان إلى آخر إلا بوجود محرم أو ولي أمر.

أن عملية المساواة هي أولا وقبل كل شيء عملية ذهنية ـ عقلية/اجتماعية, تنشأ بفعل عملية التنشئة الاجتماعية والتربية المستديمة للفرد اتجاه نفسه واتجاه الجنس الآخر, تلعب الأسرة فيها دورا مهما وعلاقات الوالدين بالطفل ذكرا أم أنثى, ومعاملة الإخوة الذكور للأخوات الإناث, والتربية المدرسية وما تبثه من فلسفة تربوية حيث تعرض الفرد لمختلف وجهات النظر الفكرية والعقلية اتجاه الجنس الآخر, فيتبلور لدى الفرد اتجاها محددا نحو نفسه ونحو الجنس الآخر, وكذلك العادات العامة والتقاليد, ثم المؤسسات الاجتماعية المختلفة الرسمية منها وغير الرسمية, والأحزاب والأيدلوجيات المختلفة ومدى نفوذها في الوسط الاجتماعي .

وعلى هذا الأساس نلاحظ إن الانفتاح النسبي صوب قضية المرأة لم ينتج من إعادة النظر في المنظومة القيمية والتربوية, بل أن الزمن في أحيان كثيرة فعل فعلته....ولهذا نرى المفارقات في الممارسات اليومية في حياة المرأة العاملة بين الجذب والشد.فهي تشعر في السعادة النسبية والاستقلال في نصف من اليوم عندما تكون في العمل, وفي النصف الثاني فهي أسوة بحبيسات البيت تخضع لسلطة الرجل, وتحمل هموم البيت بتفاصيله بل قد تحمل هموم البيت وهو الأكثر وقعا عليها من هموم العمل على كتفيها إلى العمل لتنوء بثقلين معا, ويتضح ذلك جليا في الكثير من حالات العزوف وترك العمل, لعدم إمكانية التوفيق بين الاثنين.أن الصراع المرير في حياة المرأة وجد انعكاساته في الكثير من مظاهر الاضطرابات النفسية والجسمية ذات المنشأ النفسي قد لا يدفع المرأة إلى الذهاب إلى العيادات النفسية المتخصصة, وقد تحيى معه المرأة وتموت به من دون أن يعرف من حولها , بل قد لا تدركه هي نفسها. ويشكل القلق احد المظاهر الرئيسية التي تدك المرأة والذي تعاني منه بفعل دورة حياتها اليومية الصعبة, حيث تعاني من الضعف العام ونقص الطاقة الحيوية والنشاط والمثابرة,وتوتر العضلات,والنشاط الحركي الزائد, واللوازم العصبية الحركية, والتعب والصداع المستمر الذي لا يهدئه العلاج, وشحوب الوجه, وسرعة النبض, والقلق العام على الصحة والعمل والمستقبل, والعصبية والتوتر العام وعدم الاستقرار والخواف بصفة عامه والخوف الذي قد يصل إلى درجة الفزع والشك والارتباك والتردد في اتخاذ القرارات.والهم والاكتئاب العابر والتشاؤم والانشغال بأخطاء الماضي وكوارث المستقبل, وتوهم المرض والإحساس بقرب النهاية والخوف من الموت, وعشرات من الأعراض البسيطة والشديدة المؤقتة والدائمة,ولكنها في معظم الأحيان غير قاتلة, وغير متعارضة مع الاستمرار في الحياة اليومية وروتينها , ولكن تعرقل سير الحياة والإقبال عليها ببهجة وسرور.ويمثل تجاهل المرأة لهذه الأعراض جزء من عملية تجاهلها هي بالذات من مع حولها في دائرة علاقاتها الأقرب.

أن حقيقة كون اللامساواة بين الجنسين هي مكون ثقافي أول, يكفي أن نرى عمق التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تجري في البلدان المتقدمة, والتي قامت على خلفية ظهور الفكر التنويري وانتعاش حركات الإصلاح والمساواة الاجتماعية, ولاحقا تعزيز التقاليد والاحترام والالتزام بقرارات وتوصيات المنظمات والمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق المرأة, وعدم تجاهل مطالب الحركات التحررية النسائية اليومية منها والمستقبلية. ولا نقول أن ما يجري في البلدان المتقدمة بخصوص النساء هو نموذجي ولا يمكن الطعن فيه,لأن في ذلك هو مجافاة للحقيقة في الكثير من وجوهها, ولكن المقارنة مع ما يحصل في مجتمعاتنا هو الذي يضعنا في صورة التفاوت المريع.

أن الحماية القانونية في البلدان المتقدمة في مجال المساواة واضحة ومسلم بها, وفي بلداننا لا تزال في أحسن الأحوال هشة. وان واقع الحياة اليومية والعملية قادر على إفراغ الايجابي من محتواه. وفي الوقت الذي يتمتع فيه كلا الجنسين في البلدان المتقدمة بنفس الحقوق والاستقلالية التي يحميها القانون, لازال لدينا الطابع ألذكوري المهيمن وهو المقرر لمصير الجنس الآخر. أن حق التعليم في كل مراحله مكفول لكلا الجنسين في البلدان المتقدمة, ومنفتح على مصراعيه بما ينسجم مع الإمكانيات والقدرات الذاتية للدارسين, لا يزال في بلداننا انتقائيا, ولا تشكل الإناث فيه في أحسن الأحوال 50% من مجموع أعمارهن في الدراسة. أن الأمية التي أصبحت في مزبلة التأريخ في البلدان المتقدمة, لا يزال العديد من مجتمعاتنا العربية والإسلامية يعاني منها ذكورا وإناث وللأخيرة فيها حصة "الأسد". وبقدر ما يكون التعليم منفتحا على الجميع في البلدان المتقدمة, فأن فرص العمل هي الأخرى منفتحة لكلا الجنسين, وان المنافسة والاختيار تجري على أساس عوامل الخبرة والممارسة(مع بعض الاستثناءات). أما في بلداننا لازالت المرأة منافسا ضعيفا, والكثير من المهن موصدة بوجهها, وعلى الرغم من بعض الانجازات التي حققتها في بعض القطاعات المهنية, كالطبية, والهندسية, والتعليم, والإدارة وغيرها, إلا إن الغلبة فيها للرجال. أما في مجالات الترويح والرياضة بأنواعها المختلفة المعروفة:رياضة الكره بأنواعها, رياضة الماء, الدراجات البخارية والهوائية, الرقص, الغناء, الألعاب الحركية, السياحة والسفر, العزف على الآلات الموسيقية المختلفة, فأنها متاحة للجميع ويجري التخطيط لها ودعمها من الدولة والسلطات المحلية. أما في مجتمعاتنا فهي أن وجدت فهي للذكور فقط أو في اغلب الأحيان.

اليوم يمر العالم العربي والاسلامي بانتكاسة شديدة وتراجع لا مثيل له في انتهاك حقوق المرأة ومساواتها بالرجل جراء هيمنة الفكر الديني المتطرف واشتداد الحركات الاسلاموية الدموية المتطرفة وسيطرة النظم الرجعية والدكتاتورية على مقدرات المرأة والتحكم بمصيرها والحد من حركتها الشخصية والعامة, بل والتحكم بجسدها والتشريع والفتوى لإذلالها وربطها مصيريا بالسلطة الابوية البطريركية. فالى مزيدا من النظال من اجل حقوق المرأة كاملة, وليكن الثامن من آذار مناسبة لفضح انتهاكات حقوق المرأة وتعرية مسببيها, إن كانوا اشخاصا أم نظما سياسية أو حركات رجعية متطرفة وأسلاموية. وكل عام والمرأة بخير في عيدها العالمي !!!.










 



47
الحراك المدني الاجتماعي الشعبي وسيكولوجيا الميتافيزيقيا !!!


د.عامر صالح
في ظل الحراك المدني الشعبي الذي يشهده العراق الان دوريا وكل يوم جمعة وتيمنا بأن كل جمعة هي مباركة ومقدسة ولعلها تفضي الى حلحلة هموم العراقيين المبتلين بالجوع والمرض والبطالة والفساد وانتهاك الارض والمال والاعراض وضيق فسحة العيش وغياب استراتيحية واضحة لرسم معالم المستقبل في ظل اعلان قريب لافلاس الدولة العراقية, وتشديد سياسة شد الاحزم على البطون, من تقشف وتقليص للرواتب وتأخير لصرفها وهو مالم يحصل في اسوء الدول الافريقية, وقد اصبح شعار العراقيين الاستراتيجي هو: " أسكت وموت جوعا لسنوات قادمة لأننا نحارب داعش " !!!.

في ظل هذا التردي والتدهور المرضي المزمن الذي سببه النظام المتعفن الطائفي والمحصصاتي الذي زرع الرعب في الحياة اليومية الآمنة وعبث في كل مقدرات العيش الكريم وأفقد العراقين أساسيات العيش والبقاء المشترك, وحول الحياة الى جغرافيا مليشياوية ـ طائفية وأثنية كريهة بغضاء يجري فيها الاحتكام الى لغة السلاح والتهديد والفناء بدلا من لغة العقل والحوار والبقاء, في كل هذا المأساوي تنتعش خطابات فكرية ذات طبيعة ترفيهية فكرية يراد بها المتعة العقلية والمعرفية الذاتية بعيدا عن مصالح شعبنا ودون إدراك لخصوصية الصراع الجاري بين التيار العلماني والاسلاموي عبر تسوية مشوهة قوامها التنبأ غير المدروس بطبيعة المجتمع بأن هناك إمكانية للتحالف مع اليسار والقوى الاسلاموية الطائفية لايجاد حلول لمعضلات هذا البلد الدامي والمكتوي بنار الطائفية الاسلاموية والاثنية العرقية المكروهة !!!.

أنه جهل بحقائق الصراع وقوانينه الموضوعية وعدم فهم لما يجري من ضوابط في كيفية بناء دولة المواطنة المعاصرة, ولنقل انها أمنيات فارغة المحتوى تبررها سلوكيات الابتعاد عن الاحساس الفعلي بمعاناة شعبنا الحقيقية. فهل يستطيع التيار الصدري وغيري الصدري من الاسلامويين الطائفيين أن يبنوا أسس دولة المواطنة والدخول في تحالفات تاريخية تستدعيها مقومات الحفاظ عن الوطن, أنه رهان خاسر في العراق حصرا ولايجوز استنساخ التجارب التاريخية استنساخا أجتراريا يقترب من نمط إجراء التجارب على الحيوان وليست على الانسان العراقي !!!.

"الكادحون" في الحركات الاسلاموية الطائفية والمنظمون أليها بفعل عوامل الاندفاع الجغروطائفي لا يصلحون أصلا لبناء وطن يتعايش فيه الجميع مالم ينتفضوا في عمل جماعي ذو مسحة انسانية خالصة ويؤكدوا إنتمائهم للوطن العراق بعيدا عن ولائاتهم الضيقة للاطر الجغرافية والطائفية والاثنية ويتخلصوا من ولائات الحشود القطيعية الانفعالية المدمرة للوطن وإستقراراه. أنه عمل دؤوب تتوجه صناديق الاقتراع القادمة !!!.

أن الخلاص من الوصاية الابوية الدينية المتمثلة بكافة سلطاتها الهرمية من البيت الديني المتطرف, ثم من المسجد أو الجامع, وصعودا الى المرجعيات الدينية العليا ودوائر الافتاء المختلفة هي مدخل لازم لبناء مختلف التحالفات المشروعة والنزيهة في الحفاظ على الوطن والانتماء الى العراق بكل مكوناته الاثنية والمذهبية, ولا يمكن لتحالفات المستقبل ان تتم على أساس التفريط بالسيادة الوطنية والتي يدركها اليساريون قبل غيرهم. لقد حان الوقت لكي تكون المرجعية الدينية أكثر حيادية مما مضى وأن تعلن ولائها للوطن قبل كل شئ بعيدا عن مغازلتها لقوى الاسلامويين المختلفة. ولازال الدين لله والوطن للجميع وكفى شر التفريط في الوطن, كما إن الترف الفكري شئ والحفاظ على الوطن خط أحمر !!!.


48
الفساد الأخلاقي في ظل النظام الاسلاموي المحصصاتي !!!   


د.عامر صالح

في ظل ما تعرض له العراق من انهيارات كبرى في تدمير البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية جراء سياسات النظام السابق وحروبه العبثية, ثم تلتها فترة الاحتلال الامريكي الذي أسس وهندس للنظام الطائفي والاثني المحصصاتي حيث اختلطت فيه السياسة بالدين بأبشع صورها لدرجة لا يمكن فيه تزكية النظام السياسي إلا بضوء أخضر من المرجعيات الدينية في السر والعلن وفي فتاوى للعوام والخواص من الناس حسب سنة الولاء للمرجعيات واهمية الفتاوى, واشاع فيه الفساد بما يزكم الإنوف, وبات فيه التدخل الاقليمي الايراني منه والخليجي مسلمة لا تحتاج الى المزيد من العناء لإماطة اللثام عنها في ظل غياب الدولة الحاضنة للجميع, كما اصبحت المحصصات الاثنية والقومية والطائفية قانونا وعرفا مقدسا لا يمكن الاقتراب منه وادنته !!!. 

كان ولا يزال الفساد الاداري والمالي والاخلاقي معلما خطيرا من معالم الحياة الحاضرة في العراق حيث احتلت الميليشيات الطائفية المسلحة والمافيات المنظمة عصب ومؤسسات الدولة وباتت تنافس الدولة, بل وتحل مكانها في الكثير من الاحداث الكبرى وتفرض على مؤسسات الدولة شروط عملها, وتفرض على المجتمع الذي غابت فيه مؤسسات الدولة وضعف فيها القانون والمسائلة قيم الفساد الاسلاموية الطائفية, وفرض نمط جديد من العلاقات الاجتماعية قوامه تفتيت البنية الاخلاقية وضرب العلاقات بين الجنسين في الصميم, عبر تحويلها الى علاقات مشرعنة بعرف الطائفية والمذهب, واضفاء نمط من السرية والاختفاء عن القانون المدني الذي ينظم علاقات الرجل بالمرأة, وخاصة في موضوعات الزواج والطلاق والاعتراف بحقوق المرأة !!!.

لقد انتشرت في العراق في السنوات الأخيرة ظاهرة الزواج خارج المحاكم, وقد انتشرت في أوساط مختلفة من حيث التعليم والثقافة والبيئة الاجتماعية والاقتصادية, وقد أخذت هذه الظاهرة طابعا مستفحلا وتنبئ عن مخاطر جدية على مستقبل المرأة بشكل خاص وعلى المجتمع بصورة عامة, مما استدعى تدخل القضاء العراقي ومنظمات المجتمع المدني, ومنها بشكل خاص المنظمات النسائية, وبهذا القدر أو ذاك تدخل البرلمان العراقي. وقد اتخذ الجهد التعبوي الثقافي والتوعية بمخاطر ذلك مسار لا بأس به, من حيث كون هذا النمط من الزواج يغيب حقوق المرأة وأطفالها ويحرمها من الإرث, إلى جانب كون هذا الزواج يستهدف البنات في أعمار مبكرة بما فيها القاصرات إلى جانب مختلف الفئات العمرية من النساء, ويهمش دور القضاء والدولة عموما باعتبارها الراعي والمسئول الأول عن رسم ملامح الاستقرار الأسري والاجتماعي بصورة عامة. هذا النوع من الزواج لم يكن موجودا قبل عقد من الزمن وكان يعاب عليه كل العيب, إلا إن ضعف الدولة وتدهورها وغياب الأمن وانتشار الفقر والبطالة وما رافق ذلك من تفكك للنسيج الاجتماعي والقيمي, جعل من أمراء الطوائف والمليشيات والمذهبية ـ السياسية يخترقون منظومة القيم الاجتماعية لتحل محلها قيم الاجتهاد والابتذال والتفسخ بواجهات دينية وغير دينية !!!.

أنه عمل مافيوي يقوم به مسؤولين كبار, من اعضاء برلمان الى مدراء دوائر وقادة في مختلف المستويات الادارية وقادة محليون في مختلف أجهزة الدولة, وعناصر في قوات الامن الوطني والشرطة والدفاع الى جانب شرائح اجتماعية محتلفة, وقد ذهب ضحيته أكثر من مليونين ونصف أمرأة بزواجات غير شرعية غير مسجلة لدى المحاكم, وقد لعب رجالات الدولة الاسلاموية الطائفية في شرعنة الفساد ونشره كثقافة تسهيل أمر شرعي !!!.

وتبدأ جذور تلك المأساة بظاهرة التحرش الجنسي بالنساء على كافة المستويات, في الشارع, وفي الحارة, وفي المؤسسة الادارية, وفي المحلة, وبشكل خاص عند بحثها عن فرص عمل, حيث يتم ارتهانها واغرائها واغتصابها " شرعيا " من دون بارقة أمل تذكر, بل يتحول مستقبل المرأة لاحقا الى عزاءات وفقدان أمل في فرص للعمل والزواج. لقد تحولت نسائنا الى دروع قضيبية للاسلاموين وثقافتهم النفعية والمشبعة في غريزة الفعل الجنسي المشرعنة !!!.

أن تدهورا قيميا خطيرا فرضته النماذج الاخلاقية للنظام المحصصاتي الذي غاب فيه الامن وغابت فيه حرمة المواطن, وبشكل خاص غابت فيه كرامة المرأة وحقوقها واختفت وراء ألسنة المشرعين من أمراء طوائف الاسلام السياسي, فتحولت المرأة فوق كل مظلوميتها الى ضحية مدانة وقد يتم تصفيتها حسديا بسهولة وبأمر من عشيرتها او والديها !!!.

لقد لعبت عوامل الفقر والحرمان وانعدام فرص العمل والعيش الكريم, الى جانب تمركز المال والفساد بيد زعماء الطوائف والقادة السياسين دورا كبيرا في استمالة المرأة وتحويلها الى موضوع فعل جنسي يتم استغلاله ومن ثم شرعنته. وقد لعبت عوامل أخرى اساسية في تكريس صورة المرأة السيئة في المجتمع واعتبارها موضوعا سهلا تسهل استباحته, وهو غياب نظام تربوي وتعليمي قائم في مناهجه على فكر المساواة الصريحة والواضحة بين الجنسين, لكي يقوم ببث المنظومة القيمية واعادة توليدها في المجتمع. فقد كرست في عهد الاسلامويين اليوم فكرة الفصل بين الجنسيين الى ابعد الحدود وفروض قيود على حركتها وامتهان حقوقها مما يسهل امتهانها كانسان وكجنس !!!.
 
انه عمل انساني دؤوب ينتظر منظمات المجتمع المدني وفكر العدالة الاجتماعية وحركاته المعبرة ان ينتشل المرأة العراقية من براثن الفساد الاسلاموي والاستغلال الجنسي, والارتقاء بكرامتها وتأكيد حقها المطلق في الكرامة والمساواة, وتأمين ظروف افضل لها لتأمين أمنها الشخصي والاجتماعي وتخليصها من المافيات الجنسية المشرعنة !!!.




49
محاولات تشويه الحراك الاجتماعي عبر اشعال الحريق الاقليمي الطائفي !!!

د.عامر صالح 

اسدل الستار على وجه بارز من وجوه الحراك الاجتماعي النشطة بأقدام المملكة العربية السعودية على اعدام الشيخ نمر باقر النمر ( 56 عاما ) أحد دعاة رموز الاصلاح في بلد تقوده حكومة وأسرة مالكة لا تؤمن بالاصلاح والتغير أصلا. وقد نفذ حكم الاعدام به مع مجموعة من مختلف التيارات في طبخة نوعية كان عنوانها مكافة الارهاب في ظل حكومة تقود الارهاب وتعيد انتاجه فكريا وطائفيا وسلوكيا. وقد هيأت الآلة الاعلامية السعودية والعربية ـ  السعودية المتواطئة معها منذ اعتقال النمر عبر معزوفة عقيمة غبية قوامها أن لا فرق بين الارهاب ان كان سني ام شيعي, في محاولة بائسة لكسب الرأي العام العالمي ولذر الرماد في العيون ولتنفيذ الجريمة بأقل ما يمكن من الادانة الدولية !!!.

ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي سفن آل سعود فقد اشارت منظمة هيومان رايتس ووتش الاحد الى ان الاعدامات التي اعلنت المملكة العربية السعودية تنفيذها السبت المصادف 2016ـ01ـ02  بحق 47 شخصا، هي اكبر عملية “اعدام جماعي” في البلاد منذ العام 1980.
وكانت وزارة الداخلية السعودية اعلنت السبت 2016ـ01ـ02 اعدام 47 شخصا مدانين “بالارهاب”، من بينهم رجل الدين الشيعي البارز الشيخ نمر باقر النمر الذي اعتبرت المنظمة انه خضع لمحاكمة “غير عادلة”.
وقالت المنظمة الحقوقية التي تتخذ من نيويورك مقرا لها ان “السلطات السعودية نفذت اكبر عملية اعدام جماعي في البلاد منذ 1980″.
واوضحت ان الاعدامات التي نفذت مطلع 2016، “تلي تسجيل اعلى عدد من الاعدامات السنوية خلال عام، مع 158 اعداما في 2015″.
وقالت مديرة الشرق الاوسط في المنظمة سارة ليا ويستون ان “السعودية حظيت ببداية مخجلة لسنة 2016، عبر اعدام 47 شخصا في يوم واحد، بعد عام شهد واحدا من اعلى معدلات الاعدام في التاريخ الحديث”.
وحذرت من ان اعدام النمر، ابرز وجوه الاحتجاجات في المنطقة الشرقية ذات الغالبية الشيعية في 2011، يهدد بزيادة التوتر المذهبي.
ورأت ويستون ان “اعدام السعودية لرجل الدين الشيعي البارز بعد محاكمة غير عادلة، يضيف الى الخلاف المذهبي”، معتبرة ان “درب المملكة العربية السعودية للاستقرار في المنطقة الشرقية يقوم على انهاء التمييز المنهجي ضد المواطنين الشيعة، لا في عمليات الاعدام”.
وكان مدير منظمة العفو الدولية في الشرق الاوسط فيليب لوثر قال لوكالة فرانس برس السبت ان السعودية “تصفي حسابات سياسية”.
واعتبر ان اعدام النمر “محاولة لاسكات الانتقادات ضد النظام وخصوصا في صفوف مجموعات الناشطين الشيعة”، معتبرا ان محاكمة الشيخ النمر كانت “غير عادلة بوضوح”.
وكان النمر من ابرز وجوه الاحتجاجات التي اندلعت في شرق المملكة ضد الاسرة الحاكمة في 2011. ولقي اعدامه احتجاجات واسعة لدى اطراف شيعية بارزة، لا سيما في ايران حيث هاجم محتجون غاضبون امس سفارة المملكة في طهران وقنصليتها في مدينة مشهد. 

لقد تحولت قضية اعدام النمر الى مناسبة لاشعال الفتنة الطائفية الاقليمية واستخدام اعدامه كوقود رخيص وشديد الاشتعال لاثارة الفتنة الطائفية الاقليمية, وقد طفق كل من نظامي ولاية الفقيه وخادم الحرمين الشريفين يتصارعا في ادانة الاخر عبر البحث عن جرائم كل منهما ضد الانسانية, من قتل وتعذيب ومقابر جماعية وأبادة عرقية, حيث ان كلا النظامين ذو باع طويل في معاداة حقوق الانسان في الديمقراطية والحرية واحترام الرأي المعارض !!!.

وقد استطاع القطبان الطائفيان باستنهاض الشعور الجمعي وتعبئة حلفائهما في الدول العربية والاسلامية في لبنان والعراق وسوريا واليمن بشكل خاص وباقي الدول العربية  والاسلامية لتحويل قضية النمر الى ساحة معركة مكشوفة بانتظار اليوم الموعود للمنازلة الكبرى لتصفية الحساب بين الاخويين الاسلامويين, بعد ان خربا سوريا ولبنان والعراق واليمن وليبيا وتونس وغيرها من البلدان العربية والاسلامية !!!.

وقد تدخل العالم الغربي والامريكي ذو الدين والثقافة المغايرة يلتمسهم الرحمة بابناء جلدتهم, بعد ان ادان بشكل واضح وعلني جريمة النظام السعودي في ارتكاب عملية اعدام النمر ومن اختلط معه في مباغتة جبانه. وقد انقسمت الدول العربية من الداخل الى فريقين, احدهما ساكت او مناصر للسعودية في ارتكاب جريمتها النكراء, والاخر يضيع قضية الشيخ النمر ويحصرها في أطر طائفية ومذهبية ضيقة ويدعو الى اخذ الثأر والانتقام من العربية السعودية في محاولة بائسة لالغاء قضية الشيخ النمر وحصرها في اطار مذهبي طائفي وسياسي واضعاف مغزاها الحركي والانساني العام !!!.

لقد اندفعت الحكومات والمليشيات الطائفية الاسلاموية في العديد من البلدان العربية وقد زرعت الفقر والخراب والفساد الاداري والمالي والاخلاقي وتفكيك النسيج المجتمعي الاجتماعي لتعلن ولائها المشوه للطائفة ونصرة حلفائها, ملحقة الاذى بشعوبها اولا بعد ان اوصلتها الى تحت خط الفقر والتفكك والجريمة والشللية, لتعلن استعدادها للمواجهة في حروب غير عادلة عبر استنفار المزاج الطائفي الخطير بتداعياته واندفاعاته العدوانية, في مواجهة لا ناقة فيها لشعوبنا ولا جمل. وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد انقسم السياسون العراقيون الى فريقين, احدهما مناصرا لآل سعود في جريمتهم, والاخر مناصرا للانتماء المذهبي للشيخ النمر دون وعي بقضيته, وكان كلا المزاجين مندفعين تحت وطأة الصراع الطائفي السياسي الاقليمي بزعامة المتصارعين, ايران والسعودية !!!.

أكثر ما أثار السعودية وسلوكها العدواني هو المقدرة الايرانية ـ الفارسية المرنة على التحاور مع العالم الخارجي في ملفات عديدة, منها الملف النووي, الذي ترافق انجازه مع رفع العقوبات على ايران ووضع حد لعزلتها الدولية, انها مقدرة فارسية بامتياز مقابل فشل سعودي في اغلب سياساته, منها على سبيل المثال, هو الاحلاف العديدة الفاشلة, كالحلف لانقاذ اليمن ولكنه تحول الى حلف لتدمير اليمن وانهاء بنيته التحتية, والحلف الاسلامي البروتوكولي ضد الارهاب الذي يخفي الجرائم الارهابية ويضفي شرعية على رموز مرتكبيها, ودور السعودية وحلفائها الخليجين في فرض خيارات التطرف الاسلاموي على مجمل التغيرات الجارية في البلاد العربية, والفشل في اقناع العالم باجمعه بما فيها حلفاء السعودية من انها دولة ليست راعية للارهاب, بل اقتنع العالم كله في الخفاء والعلن ان السعودية وفكرها المتطرف هي على رأس قائمة الدول الراعية للارهاب !!!. 

لقد لحق كل من التعنت الايراني الطائفي السياسي والممزوج بنكهة الهيمنة الاقليمية الفارسية, الى جانب الانتقام الطائفي السياسي السعودي وردود افعاله القاتلة والقائمة على خلفية تكفير الاخر المغاير بدور العبث في استقرار المنطقة وفرض خيارات طائفية سياسية على مجمل التغيرات الجارية في المنطقة العربية, والوقوف ضد اي تجارب حقيقية صوب الديمقراطية السياسية الحقيقية !!!.
  ومهما اختلفنا مع الشيخ النمر في تطلعاته المذهبية السياسية فأن نضاله من اجل تحويل شبه الجزيرة العربية الى ملكية دستورية واللجوء الى خيارات اختيار المسؤولين عبر االانتخابات دون تميز ديني ومذهبي وعرقي, ومحاربة الارهاب فكرا وممارسة,  ومحاربة الفساد الاداري والمالي والتفريط بالمال العام من قبل النخبة الحاكمة,ومن ثم تغير اسم المملكة العربية السعودية من اسم لدولة بأسم آل سعود العائلة الحاكمة المالكة كما هو الحال في " المملكة العربية السعودية " الى أسم اخر لشبه جزيرة العرب يعبر عن انتماء الجميع لهذا الوطن. انها طموحات مشروعة باقل ما يمكن من المطالب الانسانية العادلة. وتبقى قضية النمر عادلة بعيدا عن تجيرها طائفيا او استثمارها لتغذية الصراعات الاقليمية ذات الصبغة الطائفية السياسية الاقصائية !!!.


50
الارهاب منظومة سيكولوجية عقلية متحجرة فهل يستطيع التحالف الاسلامي بقيادة السعودية القضاء عليه ؟؟؟
 

د.عامر صالح
لقد قررت 34 دولة إسلامية، تشكيل تحالف عسكري بقيادة المملكة العربية السعودية، لمحاربة الإرهاب، يكون مقره في العاصمة الرياض لقيادة العمليات والتنسيق. وبحسب البيان الذي نقلته انذاك وكالة الانباء السعودية في وقت متأخر من مساء الاثنين المصادف 14ـ12ـ2015, فان التحالف جاء " انطلاقا من احكام اتفاقية منظمة التعاون الاسلامي لمكافحة الارهاب بجميع اشكاله ومظاهره والقضاء على اهدافه ومسبباته, وأداء لواجب حماية الأمة من شرور كل الجماعات والتنظيمات الارهابية المسلحة أيا كان مذهبها وتسميتها, والتي تعبث في الارض قتلا وفسادا وتهدف الى ترويع الآمنين ". 

ووفق البيان، شارك في التحالف 34 دولة عضوا بمنظمة التعاون الإسلامي هي "المملكة العربية السعودية، والمملكة الأردنية الهاشمية، والإمارات العربية المتحدة، وجمهورية باكستان الإسلامية، ومملكة البحرين، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، وجمهورية بنين، والجمهورية التركية، وجمهورية تشاد، وجمهورية توغو، والجمهورية التونسية، وجمهورية جيبوتي، وجمهورية السنغال، وجمهورية السودان، وجمهورية سيراليون، وجمهورية الصومال، وجمهورية الغابون، وجمهورية غينيا، ودولة فلسطين، وجمهورية القمر الاتحادية الإسلامية، ودولة قطر، وكوت ديفوار، ودولة الكويت، والجمهورية اللبنانية، ودولة ليبيا، وجمهورية المالديف، وجمهورية مالي، ومملكة اتحاد ماليزيا، وجمهورية مصر العربية، والمملكة المغربية، والجمهورية الإسلامية الموريتانية، وجمهورية النيجر، وجمهورية نيجيريا الاتحادية، والجمهورية اليمنية !!!.

لقد جاء التحالف الاسلامي ضد الارهاب كاستجابة انفعالية سريعة من العربية السعودية وليست خيارا ناضجا ومدروسا وحقيقيا لمحاربة الارهاب, وأكثر ما يقال ان الحلف جاء على خلفية فشل " عاصفة الحزم " على اليمن والتي تقودها السعودية ولم تنجز أي هدف من اهدافها, سواء على مستوى اداعها لبناء الاستقرار السياسي في اليمن أو اعادة بنائه, ومن ثم الخوف السعودي المفرط من التمدد الشيعي ـ السياسي في المنطقة والذي قاد السعودية الى الاعلان عن الحلف بواجهة محاربة الارهاب " بكل اشكاله ومسمياته ومذاهبه ", وهو حلف سني بطابعه العام وقد اريد له ان يكون بمواجهة الحلف الشيعي. وان كلا الحلفين يمتلكان من المقدرة في العبث بالامن والاستقرار الاقليمي !!!.

هنا أقول بوضوح ان الكثير من هذه الدول المنظمة الى التحالف الاسلامي السعودي هي دول راعية للارهاب وداعمة له وتقدم كل المستلزمات العسكرية واللوجستية والمالية له, ويكفي ان يطلع القارئ على قائمة الدول الداخلة فيه, وقد تكون واجهة الحلف هو محاربة داعش الشماعة العلنية للارهاب الآن ومادة المزايدة العلنية في القضاء على الارهاب, ولكن الباطن يخفي الكوارث في هذا الحلف, من دعم متزايد لفصائل أخرى ارهابية متطرفة, والى اتخاذ الحلف واجهة شرعية لمحاربة فصائل اخرى تحت واجهة مسميات الارهاب, وعلى العموم فأن هذا الحلف جاء مرتبكا لاخطط فيه ولا استرتيجية ملموسه ولا اهداف واضحة ولا آليات للتنفيذ !!!.

وقد دخلت بعض الدول العربية والاسلامية في هذا الحلف ليست بدوافع محاربة الارهاب بل هي جزء منه, ولكنها تنتظر الدعم السعودي المالي لها وحقائب الدولار السخي, مع العلم ان المؤشرات عن العجز المالي السعودي قد لا تسمح بمزيدا من العطاء المجاني كما هي العادة سابقا, فأن صندوق النقد الدولي توقع ان يبلغ العجز في الميزانية الجديدة حوالي 130 مليار دولار، بالمقارنة مع ميزانية العام الماضي (2014) التي سجلت عجزا في حدود 17.5 مليار دولار، ولكن هذا العجز ربما يتزايد في حال استمرار الانهيار في اسعار النفط، حيث اكد تقرير لمنظمة (اوبك) جرى نشره سابقا ان انخفاض الاسعار سيستمر لاربع سنوات قادمة.

ان محاربة الارهاب هو ليست فقط بحمل السلاح والقضاء على فصيل ما مسلح جرى تصنيفه ضمن قائمة المنظمات الارهابية, وان كان ذلك ميدانيا ضرورة لا بد منها وخاصة في ظل اجماع دولي على هذا الفصيل او تلك وداعش في المقدمة, ولكن الاهم من كل هذا هو الوقوف ضد منابع الارهاب الفكرية والعقائدية وخاصة الدينية منها, كي لا يعاد انتاج الارهاب ثانية وبمسميات أخرى ما دامت التربة الفكرية والعقائدية والبيئة الاجتماعية صالحة لإعادة نوبات الارهاب. أنا متأكد" على سبيل المثال لا الحصر" ان العراق سيقضي على داعش قريبا ولكن هذا لا يعني الخلاص من الارهاب نهائيا مادامت قنوات الارهاب, من سوء أوضاع وتردي عام وفساد في كل مظاهر الحياة تشكل ارضية خصبة لولادة دواعش جدد, وكذلك التحالف الدولي وليست الاسلامي السعودي هو الاخر سيقضي مؤقتا على داعش, ولكن العثور على حلول جذرية لمناطق الصراع المستعرة بفكر التطرف الديني والايديولجي هو أكثر ألحاحا لتأمين المستقبل ومنع الارهاب !!!. 

الإرهاب بدون شك له بيئة حاضنة ومواتية لديمومته وبقائه, ولا يعني أبدا القضاء عليه مباشرة بالحشود العالمية العسكرية يعني اختفائه عن الظهور ثانية, لان سنة البحث العلمي تستدعي معالجة الظاهرة من خلال أسبابها وليست من خلال قطع دابر الأعراض وبقاء الأسباب, ومن هنا تأتي أهمية التزامن في القضاء على الأذرع العسكرية للإرهاب مع مجمل تغيرات اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية في البيئة التي ينتعش فيها الإرهاب بمختلف مسمياته " داعش وأخواتها " !!!.

أسوق هنا بعض من العوامل العامة التي تعتبر بيئة حاضنة للتحجر العقلي وما يفرزه من مظاهر, وفي مقدمتها الارهاب, وأبرز هذه العوامل هي:

1 ـ حالة الفقر العامة في اغلب المجتمعات العربية, فالفقر بطبيعته التي تجبر الإنسان على التفكير بلقمة العيش فقط, فهي تحصره في ضيق الأفق والتقليل من مساحات الإبداع والحد من استثمار القدرات العقلية.

2 ـ هيمنة الفكر السياسي والديني المتعصب في الحياة العامة والذي يرفض جميع أشكال التطور والتقدم العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي, ويتشبث في الماضي لإيجاد الحلول لمشكلات الحاضر, ويرفض ممارسة النقد والنقد الذاتي لفكره وممارساته, فيعتبر ما عنده هو صالح لكل زمان ومكان, وبالتالي يشل قدرة العقل على التواصل مع معطيات الحضارة العالمية.

3 ـ الاستبداد السياسي المتمثل بفقدان حرية الرأي وغياب الديمقراطية في كل مفاصل الحياة, ابتداء من السلوكيات الفردية والمؤسساتية صعودا الى قمة النظم السياسية القمعية, التي تحاصر الحريات الفردية اللازمة لتطوير شخصية الفرد وعطائه, وتحول الكيان الاجتماعي الى كتلة هامدة عديمة التمايز والفاعلية, تجيشها متى ما تشاء وتخرسها عند الحاجة وتساوي أفرادها هلاكا, حيث أن التمايز الفعال بين الأفراد في القابليات والقدرات هو احد حقائق الوجود الإنساني وصيرورته.

هذه العوامل مجتمعة وعبر إعادة إنتاجها وتكريسها لعقود قادرة على خلق عقل متحجر وبوابة واسعة للعنف والقتل والإرهاب. وهنا ألخص محددات العقل المتحجر والمهيأ لشتى صنوف الإرهاب والعنف الفردي والجماعي بعدد من المعايير, كما عرضها هاشم صالح في مقدمته لكتاب لمحمد أركون والموسوم: الفكر الإسلامي .. قراءة علمية, وعلق عليها لاحق الكاتب محمد المطيري, وهي مأخوذة من المفكر " ميلتون روكيش " وقمت بمطاوعتها لطبيعة مقالي هذا, وهي كالأتي: 

1 ـ يمكن تحديد دوغمائية عقل ما من خلال حدة أو شدة فصله بين المعتقدات التي يقتنع بها والمعتقدات التي يرفضها, حيث لا يستطيع أن يتصور أن في العالم سوى فريقين, فريقه هو وفريق خصمه, وأن هذا الحد أو الفصل يلغي منطقة الوسط. ومن أجل أن يحافظ العقل الدوغماتي على هذا الفصل الحاد فأنه يؤكد باستمرار على الخلافات بينه وبين المخالفين له, وأن اغلب خطاباته توجه لتحقيق هذا الهدف مما يضمن له تجيش أتباعه وشحنهم بشحنة انفعالية سالبة تسهل سوقهم كالقطيع بأي اتجاه يريد. أيضا يهاجم هذا العقل أية محاولة للتقريب والحوار بين الطرفين. أيضا يلجأ العقل المتحجر إلى تجاهل وإنكار الوقائع والأحداث التي تكشف زيف ادعاءاته. أيضا لدى العقل المتحجر قدرة على تقبل التناقضات داخل منظومته الفكرية. هذه العقلية بصورة عامة تشكل أرضا خصبة للسلوك الإرهابي, ولا تؤمن بالحوار بين الأديان والعقائد الأخرى,كما يتصور عالمه " على سبيل المثال العالم الإسلامي " بالعالم المتحضر والمتقدم والعالم الآخر " الغربي " يقبع في الجهل والظلام متجاهلا كل الحقائق الموضوعية التي تنفي إدعاءه, وهذا العقل أيضا يكفر الآخر ويلغيه بكل الوسائل المتاحة وبشراسة.

2 ـ من معايير الحكم على عقل ما بأنه دوغماتي متحجر أنه لا يميز بين العقائد والأفكار التي يرفضها. فهو يضعها في سلة واحدة هي سلة الخطأ والضلال, دون أن يكلف نفسه بالبحث في نقاط الالتقاء والتقارب مع الأفكار المخالفة. ونلاحظ ذلك بشكل واضح لدى الأوساط الإسلامية المتشددة عندما يجمعون غير المسلمين كلهم في دائرة الكفار, وكذلك ما يمارسه الكثير من الدوغمائين الايديولوجين وحملة العقائد السياسية من إلغاء للآخرين وعدم الاعتراف بهم بعيدا عن التفاصيل التي تميز بينهم.

3 ـ كما أن من معايير انغلاق عقل ما وتحجره هو الوثوقية المغرقة وتكاثر المسلمات في منظومته الفكرية. فأن كانت كل منظومة فكرية تقوم على عدد بسيط من المسلمات تؤسس للفكر ثم تترك الحرية للناس أن يجتهدوا, فأننا نجد أن مسلمات العقل الدوغمائي تتوالد باستمرار لتقفل كل منافذ للاجتهاد والتفكير. ولذا نجد عندنا أن مقولات لأشخاص عاشوا في القرن الثامن الهجري تتحول إلى مسلمات لا يجوز النقاش حولها أو نقدها. وكذلك نجد أن التفاسير والشروح والفتاوى تتحول من كونها اجتهادات بشر تقبل الصواب والخطأ إلى كونها مسلمات وثوابت لا يجوز المساس بها, ومن أقترب منها تعرض لأصناف الهجوم من تكفير وتفسيق وتضليل وغيرها من أدوات الإقصاء. كما نلاحظ اليوم في عالم السياسة والإيديولوجيات المنتشرة شيوع ظاهرة الحفظ والتلقين للمقولات والشعارات واختزال عالم السياسة المتنوع من خلالها وتحويلها إلى نصوص جاهزة تبنى عليها برامج " تنموية " دون العودة إليها ونقدها في عالم متغير, وقد تلحق أفدح الأضرار بنتائجها النهائية, وتشكل مقولات " قائد الضرورة " و " ملهم الشعب " و " حجة الإسلام " و " خليفة المسلمين " و " راعي الشعب " وغيرها من المسميات, استراتيجيات عمل لعقود قادمة جالبة المزيد من الكوارث !!!!!.

4 ـ تزداد وثوقية عقل ما وانغلاقه وتحجره كلما توقف عند لحظة زمنية محددة وتشبث بها وعاش فكريا وروحيا فيها, مما يجعله لا يعيش واقعه و لا يفكر من خلاله, وهذا ما يتسبب في غربته وإحداث تناقضات وانفصامات هائلة في أتباعه. دائما تكون هذه اللحظة في الماضي, لحظة نشوء الفكر أو لحظة وقوع أحداث مهمة و جذرية في تاريخه. العقل ألوثوقي المتحجر لا يفكر بمنطق تأريخي و لا يعترف بتغير الأزمان وتغير الظروف, لأن من صفاته الثبات والاستقرار بينما منطق الحياة والواقع هو الحركة والتغير والتحول. يحاول العقل المنغلق أن يعوض غربته عن واقعه بأحلام وردية في المستقبل يعيشها لتملأ عليه خواءه وغربته وتناقضاته.

تلك هي ابرز الملامح السيكولوجية والفكرية والعقلية والتي تشكل استعدادا لا ياستهان به في خلق وإدامة الإرهاب وإعادة انتاجه, وتشكل السعودية والاغلبية من دول التحالف الاسلامي بقيادة السعودية احد اهم المصادر الاساسية لاعادة توليد تلك المنظومة الارهابية فكريا وثقافيا وعقليا عبر تظمها التربوية والثقافية والتعليمية, وانتاج اجيال من الارهابين القتلة. أن الحديث عن قيادة السعودية للحلف الاسلامي يجب ان يسبقه الحديث عن الديمقراطية في السعودية وفي الدول المتحالفة معها كي تكون أهلا لمحاربة الارهاب ومنع اعادة توليده, فاليوم داعش وغدا الله أعلم, وشعوبنا وقودا رخيص للصراعات الطائفية السياسية والمذهبية بكل ألوانها !!!!!.




51
هل يعقل ان السعودية وحلفائها تريد بناء ديمقراطية في سوريا !!!

د.عامر صالح


تأخر النظام السوري بقيادة بشار الاسد بأصلاح نظامه السياسي الذي تآكل بفعل انتهاء صلاحية بقائه, ولم يسمع النظام نصيحة من أحد بضرورات الاصلاح والاقلاع عن عادات وممارسات وطقوس الحزب الواحد, ولم يشرع جادا في بناء منظومة سياسية ـ اقتصادية جديدة للنهوض بسوريا الجميلة صوب الديمقراطية والتعددية السياسية, وكانت مخاوفه غير مشروعة ان تختلط سوريا " بالخريف العربي " وبؤس نماذجها الدموية في ليبيا ومصر وتونس واليمن, ولكن تناسى النظام ان الاصلاح ضروري للبقاء وسر ديمومته ويحقن الدماء ويوفر فرصا للجميع في العيش الكريم !!!.

لقد فات الاوان مما ترك سوريا العزيزة لقمة صائغة في فم ذئاب الاسلام السياسي الذي يتحين الفرص لايقاع الاذى وزرع الخراب والدمار في سوريا وتحويلها الى مدن اشباح, قتل فيها ربع مليون وشرد فيها أكثر من خمسة ملايين جراء ثقافة الثأر والقتل المتبادل, حتى تحولت سوريا الى ساحة معركة عالمية وتصفية حسابات اقليمية وأجندة مشوهة يحملها اشد الانظمة تخلفا في التاريخ ممثلا بمحور السعودية ـ قطر ـ تركيا, دون أي افق لانقاذ هذا الشعب من مظلوميته التاريخية !!!.

اليوم تقف السعودية على رأس البلدان لاحتضان المعارضة السورية وبنوايا معروفة للجميع عبر احتضان الفصائل الاسلامية المتطرفة والقاعدية بمسحتها العامة, لكي تكون لاحقا مظلة دموية ويصبح فيها الحق لمن يمتلك قوة السلاح لفرض أجندته, والاشتراط في ذلك غياب الاسد عن المشهد السياسي كي تكون الفرصة سانحة لاستنساخ النموذج الليبي واليمني والتونسي وعبر فوهة بنادق الارهاب باقصى سرعة ممكنة. هذا ليست دفاعا عن الاسد وبقائه ولكن خصوصية التغير في بلداننا بعد عقود من نظام الحزب الواحد تستدعي آلية مرنة تسهل الانتقال بعيدا عن المزيد من اراقة الدماء والتهجير والسبي والقتل, وتخريب وفناء مؤسسات الدولة وأجهزتها, وخاصة بحضور مظلة دولية لمراقبة التحولات السياسية في البلد !!!.

هل يعقل لبلد مثل السعودية مطابق لداعش في صيرورته ان يبني ديمقراطية في سوريا, حيث يمارس النظام يوميا حد الحرابة, وحد الردة, وقطع الايدي, وتكفير الاخر بفتوى بسيطة ساذجة, وجهاز حسبة يراقب الناس في ملابسهم وتصرفاتهم, وقتل السحرة, والجلد أمام الملئ, وتدمير الاضرحة والتماثيل بحجة الشرك, تمويل الارهاب والمنظمات الجهادية والقاعدة منها, وانتحال صفات مشابهة: خليفة المسلمين أبو بكر البغدادي وخادم الحرمين الشريفين. لقد نطقت منظمات حقوق الانسان بتجاوزات السعودية بتجاوزات السعودية, ولكن النفط والمصالح الامريكية كانت أعلى من صوت حقوق الانسان !!!.

المؤسسات الدينية الملوثة بالسياسة بمختلف اطيافها السنية والشيعية , السعودية والايرانية والعراقية وغيرها,لا تلعب دورا تقدميا ابدا, بل تلعب دورا في انتهاك الحرمات للبلدان عبر نفاق استثمار الدين وزجه في السياسة, فلا مرجعية الشيعة السياسية تبني مستقبلا, ولا مرجعية السنة تواقة للمستقبل, والدين أفيون للشعوب عندما يستثمر في غير مكانه, ولاعزاء  لمن لا يعرف كي تأكل الكتف. كن يا بشار الاسد طبيبا ذكيا في التشخيص والعلاج قبل ان يدخلو القضيب الخشبي في مقعدك كما فعلوه مع القذافي, وعندها سنترحم عليك لان القادم بعدك أسوء !!!.


 

52
في سيكولوجيا الإختلاف الإنساني وجرثومة التعصب !!!

د.عامر صالح

يقصد بالاختلاف في السياق المطروح هنا «الاختلاف الثقافي» أي  اختلاف ثقافة عن أخرى بوصفها ظاهرة محسوسة، وتشهد بها سمات عدة في الثقافة نفسها أبرزها اللغة والدين والمذهب والمعتقدات الايديولوجية والتاريخ والتقاليد والمنتجات المعرفية والذوقية والانتماء القومي وأنماط من السلوك والاعراف التي تميز المجتمعات المحلية الصغرى في اطار المجتمع العام او الحاضنة الاكبر. أما الاختلاف هنا كميكانزم للتنوع فهو اختلاف في الوسائل مع الاتحاد بين المختلفين في الغايات, على عكس الخلاف الذي يحمل في مضمونه معنى النزاع والشقاق والتشرذم والنفاق فهو اختلاف في الوسائل والغايات !!!.

 يعد الاختلاف من قوانين الكون الطبيعية والاجتماعية الازلية والتي تعد قيمة جوهرية محملة بالدلالات والمعاني التي تكفل التعايش جنبا إلى جنب بين مكونات المجتمع والطبيعة على السواء ,وهي أعلى درجات الرقي الإنساني في التعامل مع فنون الحياة وقيمتها, ومع مكونات الطبيعة وعناصرها المؤلفة ,وإضفاء معنى للوجود, وهي ميزة تطبع روح التعامل بين أبناء البشر ,في اختلاف طبائعهم ومعتقداتهم بغية العيش المشترك وايجاد لغة مشتركة للتكافل والتوافق والاندماج الاجتماعي عبر الاستثمار الافضل للخصوصيات الاثنية والثقافية والدينية والفكرية في الحفاظ على النسيج الاجتماعي العام مع الحفاظ على الهوية الذاتية او الفرعية للمكونات الاجتماعية المختلفة !!!.   

لقد نشأت العضوية الانسانية تأريخيا في مجرى الصراع من أجل البقاء على أساس متباين ومختلف من الناحية الرسية والوظيفية, فتباينت في ملامحها العامة من حيث قوامها الجسمي, طولا وقصرا, ومتطرف الطول أو القصر, وأختلفت في لونها, من أسود الى أسمر وأبيض ومتراوح بين هذا وذاك, وأختلف النوع الانساني بلون عينيه, من أخضر وأزرق وأسود وعسلي الى اخره, لا بل أختلف النوع الانساني وظيفيا بقدراته النفسية والعقلية ومستويات ادائه رغم امتلاكه مقومات تشريحية متشابهة على مستوى النوع من حيث ان النوع الانساني يمتلك منظومتين, الاولى حسية والاخرى لغوية, وقد اختلفت احساساتنا وتنوعت لغاتنا وأفكارنا الى ما لانهاية !!!.

ومن هنا وبفعل تنوع ظروف حياتنا التي لا حصر لها ولا حدود فقد تنوعت قدراتنا العقلية ومواهبنا الفكرية والثقافية والسياسية والايديولوجية وانساق تفكيرنا وطريقة حلنا للمشكلات التي تعترينا يوميا, وقد انتجنا منظومة فكرية معقدة وهائلة, وبالتالي اختلفت الانسانية في مسارات تطورها ورقيها على طريق تأكيد انسانية الانسان وكرامته, ولكن بقى الاحساس الانساني العام لما هو مشترك يوحد الانسانية جمعاء في محاربة الفقر والجهل والامية وغياب العدالة الاجتماعية ومحاربة الارهاب والتطرف الفكري الايديولوجي والديني الذي يخالف سنة الطبيعة الانسانية ويهدد فنائها بين لحظة وأخرى, وينكر على الانسانية ضرورة الاختلاف باعتباره احد عوامل البقاء والاستمرار وأبرز تجليات بقاء المجتعات متماسكة وضامنة لكينونتها واستمرارها, والاختلاف هنا ليست على مستوى المجتمعات فقط بل على مستوى الطبيعة كلها, فجمال الطبيعة يكمن في سحر اختلاف مكوناتها وتألقها باتحاد عناصرها راسمة للكون أجمل وأبهى صور السحر والجمال !!!.
وقد حاولت الكثير من النظم التعليمية والتربوية في العالم والتي تأثرت بفكرة المساواة الشكلية بين الافراد عبر فلسفة الدولة العامة في تصميم مناهج اعداد وتنشئة تؤدي الى رفع مستويات الاداء وتحسينه, بل وحاولت تسويته بين الافراد, انطلاقا من الفلسفة الانسانية العامة التي تؤكد على تحسين ظروف العيش ورفعه لكي يتساوى الناس في مختلف القدرات والقابليات والمواهب, ومع كل هذا بقى الناس مختلفين في قدراتهم وأدائهم العقلي والفكري وطرائق التكيف والعيش المشترك, رغم ما لحق البيئة الاجتماعية من تحسن عام لظروف الوجود. أما النظم اديمقراطية الغربية فتبنى أساسا على الاستثمار الاقصى للفروق الفردية بين الافراد والجماعات لتوظيفها في خدمة التكامل والاندماج الاجتماعي المرن الذي يضمن مصالح الجميع عبر وحدة المشتركات الانسانية العامة في اطار منافسة ديمقراطية حرة !!!. 

لقد خاضت البشرية حروب دموية شرسة بواجهات دينية ومذهبية وطائفية وشوفينية عرقية في العالمين الاوربي والامريكي وخارجهما, وانتهى مفكروها في نهاية الامر الى بلورة رؤية موضوعية للاختلاف, والى الاعتراف بقانونيته واعطائه صبغة ثقافية رسمية, وقراءة سريعة في بيان الجمعية العامة للامم المتحدة الصادر في عام 2002, والتي اعلنت يوم 21 ماي اليوم العالمي للتنوع الثقافي من اجل الحوار والتنمية, والذي اكد على ضرورة الحوار بين الثقافات, والتنوع الثقافي والشمول, ومحاربة الصور النمطية والاستقطاب من اجل تحسين التفاهم والتعايش بين الناس من مختلف الثقافات. ليتبين لنا ان البشرية تسعى اليوم الى اعتماد قيم الانفتاح والتسامح والنسبية والتعددية وحقوق الانسان, وأن الاختلاف هو الديمقراطية وروحها. وكل ذلك هو ترجمة عملية للاعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي اعتُمد في 10 كانون الاول/ ديسمبر 1948، والذي يعتبر من أعظم إنجازات الحضارة البشرية. فقد أكّد هذا الإعلان، للمرة الأولى في التاريخ، تساوي البشر كافة في الحقوق والكرامة بدون أي تمييز بينهم. واليوم تشتعل في منطقتنا حروب بواجهات مذهبية ودينية وعرقية تهدد انجازات البشرية في السلم والاستقرار والعيش المشترك وتلغي مستقبل الاجيال القادمة !!!.

عدم تقبل الاخر المختلف معك بمختلف صفاته الجسمية والعقلية والفكرية والمذهبية والدينية والقومية الاثنية يعني عدم تقبل الذات لأن قبول اختلافك معه هو تأكيد لذاتك, فلولا اختلافك معه لما تميزت عنه ولا كنت انت, وبالتالي نفي الاختلاف وعدم الاعتراف بالمختلف يعني ان توفر فرص أو ممهدات لسلوكيات اقصاء الاخر وعدم الاعتراف بوجوده, وهي مقدمات للعدوان والابادة الفردية والجماعية للاخر المختلف, وهي بنفس الوقت مقدمات توفر اخطر الفرص للفناء الذاتي بطرق الاستنزاف البطيئ والطويل الامد, كما تشهده اليوم دائرة الصراع الاقليمي العربي والاسلامي والقائمة اصلا على الغاء الاخر المختلف في الدين والمذهب والطائفة والعرق والقومية الى درجة ينذر المنطقة كاملة بمزيدا من التآكل والتدهور وانعدام افق الاستقرار !!!.

ومن أهم مصادر نفي الاخر المختلف وعدم تقبله, وبالتالي عدم تقبل الذات والايغال في التدمير الذاتي هو:
1 ـ التطرف الديني والمذهبي بمختلف اشكاله, سنية وشيعية, اسلامية ويهودية ومسيحية, وعدم احترام معتقدات الاخر المختلف معك في الدين والمذهب, وتكفيره ونفيه ثم تصفيته جسديا والبحث في النصوص المقدسة عن مبررات للقتل والابادة لكي يرتاح ضمير المجرم القاتل, الذي لا ضمير له. نموذج القاعدة وداعش وما شابهها من اخطر النماذج التي ترتكب جرائم إبادة جماعية ضد الانسانية !!!.

2 ـ النظم الدكناتورية والفاشية, المؤدلجة منها والمتأسلمة والتي تمارس قمعا يوميا وتفتح ابواب سجونها لاستقبال معارضيها بمزيدا من التعذيب والقتل والتنكيل والتخوين والاذلال والتشكيك بوطنية من يقع في سجونهم في محاولة لالغاء اي مخالف في الرأي والمعتقد والقومية والمذهب والدين. وقد أمتلئت سجون الانطمة الدكتاتورية الايديولوجية والمتأسلمة بخيرة مفكري شعوبها وقادتها الميدانين, ان هذه النظم تحفر قبورها بأيديها عبر نفيها للاخر !!!.

3 ـ أن اللجوء الى الشللية والانتماء الى مجتمعات مصغرة مغلقة يسود فيها التحلل الخلقي والدين المفرط تشكل احد عوامل انتاج الجرائم الدينية والمذهبية عبر ذوبان الفرد في الجماعة لدرجة يستجيب بها المنتمي بطرائق التنويم المغناطيسي لارتكاب أي جريمة نكراء بحق المغاير الديني والمذهبي, حيث يتشبعون هؤلاء المنتمون بعقدة امتلاك الحقيقة المطلقة, والتي تشكل مقدمات لازمة للتعصب والتطرف ثم العنف والارهاب !!!.

4 ـ الانتمائات الخطيرة للشباب على اساس الجنس والمذهب والدين, فقد ينتمي الى مجموعات ذات طبيعة ذكورية وبالتالي ينشا بعقدة الكراهية للمرأة وخاصة اذا تلبس هذا الانتماء بالطائفية او المذهبية والدين, فقد ترتكب بحق النساء ابشع الجرائم الانسانية, كما في نموذج داعش, من اغتصاب وبيع للنساء. أو انتماء الى المذهب: سني ـ شيعي, وعندها سيحلل القتل بين ابناء الدين الواحد, وقد ينشأ الانتماء جغرافيا, جنوب ـ وسط, شمال ـ جنوب, وحتى بلدانا ذات دين واحد: سعودية ـ ايران, سوريا ـ سعودية, تركيا ـ ايران, العراق ـ السعودية, فعندها يكون القتل والقتل المضاد مجانيا !!!.

في الختام على الانسانية جمعاء, وعلى عالمنا العربي والاسلامي بشكل خاص ان تتحول ثقافة الاختلاف وتترجم في الحياة الواقعية اليومية الى ثقافة سلوكية شعبية شائعة لتحقيق السلام العالمي وتسود شراكة الكينونة بين سكان الارض, في زمن القرية العالمية الواحدة أو في زمن الغرفة العالمية الواحدة, التي تقلص فيها العالم وانكمشت المسافات وتكاثفت عمليات التواصل والتبادل على المستوى النفسي والاخلاقي, واصبحت الارض أكثر صغرا على حد قول " ليفي سترواس ".



53
الاسلاموية العربية ـ التركية ومحاولة جرح الكبرياء الروسي !!! 

د.عامر صالح 

بفرح أصفر شامت معلن وخفي استقبلت الصحافة العربية المتهالكة على فتات موائد الدعم السعودي والقطري بشكل خاص والخليجي بصورة عامة نبأ سقوط المقاتلة الروسية سوخوي 24 من قبل نيران تركيا العجوز بنسختها الداعشية المعصرنة, في محاولة لتحقيق نصر مفتعل على القوات الروسية في أرض المعارك ضد الارهاب, وفي محاولة تركية بائسة لتقوية معنويات قوى الارهاب والظلامية والتخلف التي تسندها تركيا ـ أوردغان, وفي مقدمتها داعش وفصائل أخرى ذات طبيعة دموية. كان سقوط الطائرة الروسية في ذلك المكان له دلالته الاستراتيجية لتركيا حيث الحدود مع سوريا وتمركز قوى الارهاب هناك مدعومة بشكل مباشر من قبل الحكومة التركية, سواء كان دعما لوجستيا أم دعما ميدانيا مباشر لتسهيل حركة الارهاب من والى سوريا, وتقديم الخدمات للفصائل الارهابية على مختلف المستويات, العسكرية والطبية بما فيها انشاء مستشفيات كاملة لمعالجة الارهابيين الجرحى, وكان ضرب روسيا لهذه المناطق هو لشد الخناق على القوى الارهابية وحصر حركتها والتضييق عليها, بما فيها تدمير قدراتها على المتاجرة بالنفط السوري في السوق السوداء عبر الوساطة التركية الرسمية منها وغير الرسمية, والذي يستخدم لتمويل واعادة صناعة الارهاب وانتاجه !!!.

لقد استقبل الاعلام العربي الرجعي والمموه باقلام اشباه المثقفين بغبطة وسرور, ذلك الاعلام المتمرد على الذات والذي ينشط بالضد من مستقبل البلاد العربية في محاولة لتحويل الاراضي العربية الى مقابر جماعية لضحايا الارهاب, ومرتع لاعادة انتاج الفكر والخطاب التكفيري المحمل بنفس العداء للانسانية, واعادة انتاج دورة الموت والابادة المستديمة وانهاء أي مسحة انسانية للبقاء, بل وتحويل الارض والمؤسسات الصحية والثقافية والتعليمية والاقتصادية الى أمكنة لزرع الالغام وتصنيغ المتفجرات والعبوات الناسفة لحرق الحرث والنسل, أو المتاجرة وبيع النساء في سوق النخاسة !!!.

ذلك الاعلام الذي يندى الجبين من قبحه ونذالته وعدم حيائه وهو يقف الى جانب الارهاب مبررا كل جرائمه ومعيدا توصيف هذه المجاميع القاتلة بسميات اخرى لازاحة تهمة الارهاب عنها, كالمجاميع " المقاتلة " و " المسلحة " و " الجهادية " في محاولة بائسة لرفعي هؤلاء الارهابين الى مصافي المناظلين والمقاتلين الاشداء من أجل الحق وصانعي المستقبل !!!.

الاعلام الاسلاموي العربي ـ التركي اللاأخلاقي الذي وضع شروطا للقضاء على الارهاب ومحاربته مقابل شروط مسبقة كأسقاط النظام السوري, أو ارتكاب جرائم ابادة وقتل جماعي مقابل شرط ازاحة النظام الحاكم في سوريا, فهل يجوز ارتهان الدم الانساني مقابل شروط مسبقة قوامها مجازر جماعية وقبور للاحياء, واذا كان النظام السوري يرتكب مجازر جماعية وابادة بحق الابرياء, فهل يجوز ارتكاب مجازر جماعية بالمقابل كشكل من اشكال مقايضة الدم بمزيدا من الاهدار للدماء !!!.

وقفت تركيا منذ البدأ مع الارهاب واتخذته خيارا لا رجعة فيه وترجمته عمليا وميدانيا بالدعم اللامحدود للقوى الارهابية في سوريا وعبر حليفتها قطر والسعودية, وقد استخدمت نفوذها باعتبارها عضوا في الناتو لتمرير سلوكها الارهابي واضفاء الشرعية العالمية عليه, وقد استخدمت حادث اسقاط الطائرة الروسية لتحويله الى موضوع الدفاع عن سيادتها " المنتهكة " وهي التي تنتهك سيادة اليونان والعراق واجوائه بانتظام, ولكنها فشلت في خلق اجماع يدعم مواقفها الداعم للارهاب, بل ان هناك قوى أمريكية من الكونغرس وخارجه تطالب بطرد تركيا من الناتو وانهاء عضويتها !!!.

ازداد الخناق الروسي على الرقاب التركية بمزيدا من الوعود في المقاطعات الاقتصادية وتحجيم دورها في سوريا, بما فيها عدم مشاركة تركيا مستقبلا بأي طلعات جوية ضد الارهاب لاغراض امنية وعدم المصداقية في الموقف التركي من الارهاب, مما جعل من اوردغان ان ينتقل من لغة الدفاع والحق المشروع الى لغة التمني " كنت اتمنى لو لم يحصل هذا الحدث " كما جرى على لسانه, كما بدأت بوادر الحد من حركة تركيا في سوريا عبر الفصل الروسي العسكري للمنطقة الحدودية بين تركيا وسوريا مما يسهم في تضييق الخناق على المجاميع الارهابية.  ولعل الموقف الروسي الذي ترجمه الرئيس الروسي " بوتين " يعبر بشكل واضح عن جوهر الموقف من تركيا ووجهة النظام فيها على المدى القريب:
ـ استهداف طائرتنا الحربية طعنة في الظهر نفذها متواطئون مع الإرهاب                                           
ـ تقاعس بعض الدول وتعاونها مع الإرهاب أدى إلى ظهور "داعش"     
ـ الطعنات الغادرة في الظهر التي تلقيناها ممن اعتبرناهم شركاء في مكافحة الإرهاب لا تقبل التفسير بالمطلق
 ـ بعد إسقاط طائرتنا الحربية لم يعد بوسعنا استثناء تكراره لكننا لن نتوانى عن الرد
ـ سوف نسخر جميع الوسائل المتاحة لدينا لحماية قواتنا الجوية وطيراننا
ـ القيادة التركية تنتهج طوال سنين سياسة داخلية لأسلمة بلادها ودعم التيار المتطرف
 ـ السلطات التركية تعكف بشكل ممنهج على تعزيز التيار الإسلامي المتطرف في بلاده
ـ لم نتلق حتى الآن أي اعتذار من تركيا على استهداف طائرتنا الحربية
ـ قررنا نصب منظومة "اس-400" الصاروخية  في قاعدتنا الجوية في سوريا
ـ سنتعامل بجدية تامة مع حادث طائرتنا الحربية ونسخر جميع طاقاتنا لضمان أمننا 

بالتأكيد فأن لروسيا مصالحها الحيوية في المنطقة كما هو الغرب وأمريكا, وقد فشلت أمريكا عبر تجربتها في العراق من خلال عدم ايجاد نظام يضمن العدالة الاجتماعية والاستقرار, وكانت بدائلها في العراق هي اتاحة الفرصة لنظام طائفي اسلاموي واثني ساهم في المزيد من الاحتراب الداخلي وتدهور ظروف الحياة العامة. اليوم تراهن روسيا على ايجاد حلول أنتقالية هادئة للتغير الجذري السلمي في سوريا عبر القضاء على الارهاب أولا ثم البدأ في التحولات السياسية داخل سوريا, ولا نعتقد ان النظام السوري نفسه ستنبض فيه الحياة مجددا وقد حمل بذور فنائه في احشائه !!!.
 



54

في جرائم الإبادة الجماعية وسيكولوجيا الإرهاب والتدمير !!!
د.عامر صالح

كيف يمكن " للمؤمن " الهادئ القانط ذو  "الاخلاق " الدمثة والمنتحل لصفة الوداعة والطيب والذي يتعامل بأرق المفردات اليومية في سياق التعامل المعتاد أن يتحول الى قاتل دموي يستبيح ارواح المئات ويجيد تكنولوجيا وتكنيك ورسم الخطط الدقيقة في إحكام السيطرة لإحلال الدمار على مناطق كاملة واستباحة دماء ساكنيها بتلك السهولة المجردة عن الحد الادنى من الاخلاق والمشاعر الانسانية. كيف يمكن لذلك المجرم الدموي أن يجيد لغة التسامح في تعامله اليومي: الله يبارك فيك, الله ايخليك, الله يرحم والديك, الله يجنبك كل مكروه و ويقترح عليك أفضل الخدمات للمساعدة, واستعداده المتفاني من أجلك والذي يثير الاستغراب, ولكنه بالمقابل يرتكب أشنع الافعال ضدك في اللحظة عندما يراك مخالفا لسنة تفكيره, إنها سيكوباتيا السلوك المنحرف !!!.

تلك سيكولوجيا الاعتقاد الإيماني المتحجر الذي لا يرى الخير الا في خانته, ولم يرى  في الآخر إلا شرا مطلق يجب تصفيته بأكثر الوسائل بشاعة, حيث إنسانيته هنا لا ترتبط بمبادئ إنسانية عامة متعارف عليها في منع الشر وأباحة الخير, بل ترتبط بمدى قربها او بعدها من قناعته المتحجرة التي ترتبط بخطاب ما ورائي, يحلل الحرام فيه ويحرم الحلال, ويرى في صحته مطلقا بعيدا عن منطق العقل وتراكم الخبرة الانسانية. والابادة الجماعية والفرديه هنا لديه خيرا مطلق يثاب الفاعل ـ المجرم عليها بمزيدا من الأجر والثواب والمزايا التي تراوده في أحلام يقضته ليلقاها في آخرته !!!. 

لقد تركت لنا البشرية ومسيرة الحضارة تراكما ايجابيا لإحكام السلوك الانساني وتقنينه والحكم عليه, وبالتالي وضعت      معايير وتصنيفات لتلك الجرائم المرتكبة بحق الانسانية, ومنها بشكل خاص جرائم الإبادة الجماعية, والتي كانت ولاتزال محط اهتمام الكثير من المنظمات الانسانية والدولية,   حيث توصف جرائم الإبادة الجماعية بأنها أشد الجرائم الدولية جسامة وبأنها "جريمة الجرائم"، فهي وكما تشير بعض المصادر سياسة للقتل المنظم المرتكبة تنفذ بحق مجموعات من الأشخاص على أساس قومي أو عرقي أو ديني أو سياسي، وقد صنفت كـجريمة دولية في اتفاقية وافقت الأمم المتحدة عليها بالإجماع سنة 1948 ووضعت موضع التنفيذ عام 1951 بعد أن صادقت عليها العديد من الدول. وحتى الآن صادقت عليها أكثر من 133دولة على هذه الاتفاقية بينها الاتحاد السوفييتي " روسيا حاليا " والولايات المتحدة وغيرها من الدول الأخرى.         


وفي هذه الاتفاقية، بموجب المادة الثانية، تعني الإبادة الجماعية أيا من الأفعال التالية، المرتكبة علي قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو اثنية أو عنصرية أو دينية، بصفتها هذه: قتل أعضاء من الجماعة، إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة، إخضاع الجماعة، عمدا، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليا أو جزئيا فرض تدابير تستهدف  تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة، نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلي جماعة أخرى.   

كذلك نصت المادة 18 من مشروع مدونة الجرائم ضد أمن وسلامة البشرية لعام 1996 على تعريف الجرائم ضد الإنسانية وتحديد صورها بأنها "كل فعل من الأفعال التالية عند ارتكابه بشكل منتظم أو على نطاق واسع أو بتحريض أو توجيه من إحدى الحكومات أو من أي منظمة أو جماعة، وتشمل القتل العمد - الإبادة - التعذيب - الاسترقاق - الاضطهاد لأسباب سياسية أو عنصرية أو دينية - التمييز النظامي لأسباب عنصرية أو إثنية أو دينية والذي يشمل انتهاك الحقوق والحريات الأساسية للإنسان ويؤدي إلى ضرر جسيم بجزء من السكان - الإبعاد التعسفي أو القتل القسري للسكان - الاحتجاز التعسفي - الإخفاء القسري للأشخاص - الاغتصاب والدعارة القسرية والأشكال الأخرى من الاعتداء الجنسي - الأعمال اللاإنسانية الأخرى التي تلحق ضررًا جسيمًا بالسلامة الجسدية أو العقلية أو بالصحة العامة أو بالكرامة الإنسانية مثل التشويه والإصابات الجسدية الجسيمة.

وقد جاءت تلك المدونة على ذات نهج مدونة 1991، إلا أنها أضافت لها صور الجرائم التي تتمثل في التحريض أو توجيه من إحدى الحكومات أو أي من المنظمات أو الجماعات، مع استبعاد الحالات التي ترتكب فيها تلك الجرائم بواسطة فرد بتصرف ذاتي منه دون دعم أو تشجيع أو توجيه من حكومته أو جماعته.

       

من الناحية السيكولوجية الخالصة فأن جرائم القتل والارهاب وزرع الرعب تعبر عن سلوكا عصابيا مرضيا معمدا بدوافع التركيز الشديد للانتقام من الاخر المغاير في صبغته الدينية والقومية والمذهبية والطائفية والجنسية والثقافية وغيرها من الفروق المختلفة, ومبررة ارتكاب هذه الجرائم بخطاب فكري وديني وثقافي مغاير وذو مسحة اقصائية للاخر. ومن الناحية النفسية فقد نجد في ابرز ملامح ديناميات السلوك التي تكمن ورائه بما يأتي: 

1 ـ سيطرة الغريزة التدميرية والفناء مقابل غريزة الحياة والبقاء, وتتخذ غريزة التدمير مسارين, أحدهما ضد الذات, وقد يكون متزامنا بفناء الاخر كما هي العمليات الانتحارية أو ليست بالضرورة, فيكتفي المرء بفناء نفسه.  وتنشأ الغلبة لغريزة الموت على الحياة من خلال تشبع الفرد بثقافة الاقصاء وتحريم الاختلاف وعدم تقبل الاخر , الى جانب اعتناق الافكار والمعتقدات الدينية وغير الدينية بطريقة عقائدية متحجرة, فتلغي بدورها قيمة التنوع والاختلاف, مما يسهل نشوء منظومة سلوكية تدميرية تضعف عوامل البقاء الصالح المتوازن وانهائه, وبالتالي انهاء الحياة كاملة على خلفية الاعتقاد ان كل ما موجود هو خاطئ باستثناء ما يعتقده هو فقط !!!.

2 ـ ضعف وتداعي "الانا العليا " من أخلاق ومعايير ونماذج مثالية للسلوك, وغياب لدور الانا التوفيقية, وسيطرة سائدة " للهو " الذي تلعب فيه الغرائز البدائية وذات الطبيعية الحيوانية دورا كبيرا في تشكيل ملامح شخصيته. فهو يتصرف هنا بفعل توقف عملية النمو النفسي لديه موئلها رموزه الدينية والسياسية والحياتية, وتسود ملامح شخصية قوامها عقدة النقص وتنشأ على خلفية ذلك وتشتد مشاعر الاثم والاحساس بالضعف وعدم المقدرة الاستقلالية والخضوع التام لرموز دينية وسياسية وقومية يسلم أمره لها, يقابله تحميل الاخر المغاير له كل عوامل ضعفه واسقاطها عليه, وتصل الى حد الانتقام والابادة للاخر المختلف واستأصاله وتدميره !!!. 

 3 ـ تضخم الانا العليا والشعور المتزايد بضغوطات الضمير وعدم المقدرة على ايجاد حالة من التوازن في الديناميات النفسية عبر حلول الانا, والاغراق في ممارسة معاقبة النفس وتكريس مشاعر الاحساس بالذنب  في اجواء من هيمنة الاكتئاب والاشمئزاز من النفس والسعي المتزايد لانتقاد النفس وتخليصها من الهلاك وصولا الى الهلاك الذاتي المتمثل في محاولات الانتحار أو ممارسة التفجير الذاتي في وسط من يراهم مغايرون له في الدين والمعتقد !!!. 

4 ـ تقاطع هذاءات " بارانويدا " العظمة والاضطهاد في السلوك التدميري في السياسة. وإن كان هذا المصطلح يعني مرضا عقليا خطيرا بشقيه " داء العظمة وداء الاحساس بالاضطهاد " فأنه في السياسة له دلالته الخطيرة, حيث النظم الدكتاتورية والقمعية البوليسية المؤدلجة منها والمتأسلمة والشوفينية والعنصرية والمبتلاة بداء العظمة تستخدم كافة وسائل العنف من خلال اجهزتها العسكرية والامنية المخابراتية القمعية المختلفة لإلحاق الاذى بشعوبها أو شعوب أخرى للتعبير عن الاحساس المفرط بالعظمة وسلوك الهيمنة المطلقة !!!.

يقابله في الطرف الاخر الاحساس بالمظلومية والاضطهاد المفرط والمنفلت من أي مسحة إنسانية أو فهم لظروف وقوانين الصراع الموضوعية, هو الاخر يحمل في طياته دوافع الخراب والعنف والتدمير الشامل, ويشكل هذا السلوك ردود فعل عنيفة يخرج عن دائرة التغير الايجابي الممكن للاوضاع السائدة, وغالبا ما يكون هذا السلوك مؤطرا بخطاب المذهبية والطائفية والشوفينة العرقية ويكون بيئة صالحة للارهاب المجتمعي والدولي, في ظل غياب خطاب عقلاني انساني سائد مفعم بعوامل البقاء الانساني والذي يحافظ على قيمة الوجود الانساني الحر. وهكذا تتبادل الادوار بين الجلاد والضحية !!!.


5 ـ فصام " شيزوفرينيا " السلطة وفصام المعارضة. الفصام باعتباره مرضا عقليا يحرم صاحبه من ادراك الواقع الموضوعي والعيش في عالم مرضي خاص يفتقد الى المشاعر والعواطف التي تربطه بالاخرين وغير مكترث بما يحل بالاخرين من هول ومصائب, كما تسيطر الاوهام والهلاوس وأضطرابات الفكر في سياقاته اليومية. النظم القمعية بمختلف مظاهرها وأشكالها المؤدلجة منها والمتأسلمة وبما فيها أيضا الدكتاتوريات العالمية تعاني من ظاهرة الفصام حيث الهوة الواسعة بين الشعب والنظام, من حيث ادراك مشكلاته الحقيقية وظروفه المعاشية ووسائل النهوض به. وبفعل هول الاوهام التي تحيط بالنظام فأنه لا يرى في الشعب أو جيرانه الا مؤامرة كبرى تستهدف استئصاله وعليه ان يبدأ بضربته الاستباقية, من ممارسة واسعة للقمع والارهاب والتعذيب والقتل في الداخل واشعال الحروب الخارجية.

أما المعارضة التي تنتحل خطابا آخرا فصاميا بعيدا عن واقع الحياة وقد عفى عليه الزمن لأقحام مستقبل المجتمع فيه وأكراه الناس على اعتناقه أسوة بما فعلت الدكتاتوريات القمعية بشعوبها, فهو خطاب الانفعالات الضارة التي تعبأ الناس في وجهة انفعالية تدميرية لايمكن التنبوء بحجم الخراب الذي ستفعله في تفتيت وتشويه الينية الاجتماعية والثقافية وتخريب العلاقات الانسانية على نطاق واسع, كما هي الخطابات الاسلاموية المغلفة برحمة السماء وحب الآلهة واليوم الموعود, فقد انتجت تلك الخطابات في العراق وتونس وليبيا ومصر واليمن, وفي زمن قصير جدا, المزيد من التعسف والتهجير والابادة الجماعية والقتل على الهوية الدينية والطائفية والاثنية, واستباحة الجنس الآخر من دعارة وبيع للنساء في سوق النخاسة وأكتشاف اشكال لا تعد ولا تحصى من الزواجات بأسم الدين ومستقبل مجهول !!!.

6 ـ الفشل والاحباط في بلوغ الاهداف, فكلما اشتدت وطأة المشاعر بالاحباط إشتدت هي الاخرى مشاعر الكبت والاحتقان, وهي مؤشرات تنذر سيكولوجيا بعدوان تشتد وطأته كلما كانت الاهداف مهمة واستراتيجية في حياة الفرد والجماعة كما هي في سلوك الحكم و " المعارضة " وهو بمثابة جرح نرجسي كبير لكلا الطرفين مما يدفعهم لتعبئة كافة القوى المتاحة لديهم لاحلال الدمار بالاخر, ويكون ضحيتها شعبا بكامله وسيادة وطنية ونسيج اجتماعي, في ظل حاكم لا يفقه لغة الحوار والاصلاح " ومعارضة خاصة " لا تجيد غير السلاح المعمد بمشروعية السماء, فيكون القتل على أشده بين طرفين لا رحمة فيهم !!!. 

وعلى العموم فأن الارهاب الذي تسبقه عمليات تعصب وتطرف مستميت وعمليات غسيل دماغ  يرى في الاخر الديني والثقافي والاثني والسياسي عدو لدود ويجب تصفيته وازاحته من مشهد الحياة, انه فوبيا الاختلاف مع الاخر وعدم المقدرة على ايجاد لغة مشتركة معه, وبالتالي فأن الطريق السهل هو تصفيته وابادته جسديا وعرقيا وثقافيا للخلاص من كل اثاره. كما ان دخول الافراد من مزاج متعصب ومتطرف في مجاميع وتنظيمات تستجيب لهذا المزاج المضطرب يحول الفرد بضرورة الانتماء الى مستسلم لارادة الجماعة ورهن تصرفها ويتحول الى قنبلة موقوته ممكن ان تتفجر رهن اشارة قيادي من المجموعة, بمختلف الاتجاهات وبمختلف الامكنة في العالم !!!.

هذا العمل الجنوني يلقي الاستحسان والدعم والرعاية الابوية من دول راعية للارهاب العالمي على مر عقود من الزمن. قد تختلف اسماء المنظمات الارهابية " القاعدة, جيش النصرة, داعش, أحرار الشام, بوكوحرام, والنقشبندية والقائمة تطول وتتشظى....." من خلال انشطاراتها المستمرة وتكيفها لظروف عملها الارهابي التدميري للانسانية, ولكن الداعم واحد ممثلا بالفكر المتطرف والارهابي الاكبر, ومنها دول الخليج العربي وفي مقدمتها السعودية وفكرها الوهابي التخريبي والمحرض على الفتنة العالمية وقطر وحليفتهما تركية واداور أخرى متباينة لدول الخليج العربي !!!.

ما حصل أخيرا لفرنسا وروسيا أسوة ببقية العمليات الارهابية في كل مكان هي جرائم ابادة جماعية ترتكب بحق الانسانية, وكما ادان العالم أغلب جرائم الابادة الجماعية التي وقعت في الحروب العالمية وفي التاريخ عموما, عليه ان يدين هذه الجرائم النكراء ويقدم منفذيها ومنظريها الفكريين والدول الداعمة لها فكرا ومالا وقدرات لوجستية وعسكرية الى العدالة العالمية !!!

55

مؤسسات التعليم العالي والحراك المدني الإجتماعي !!!
د.عامر صالح
تشكل الجامعات العالمية العريقة أحد أهم مصادر المعرفة والانتاج الفكري عبر ممارسة البحوث الأصيلة والمرتبطة بالمشكلات الاجتماعية بمختلف المجالات, الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية والسياسية, الى جانب المشكلات ذات الطابع العلمي الصرف, بهدف الوصول الى الحلول الممكنة لها, عبر ممارسة المنهج العلمي وخطواته المعروفة في حل المشكلات. كما تشكل تلك الجامعات وكادرها العلمي أحد روافد عملية النقد والتقويم لمختلف الاحداث والمنعطفات والازمات الكبرى التي تمر بها تلك البلدان, بهدف ايجاد الحلول لها والمساهمة في بلورة رأي علمي يتمتع بمصداقية كافية يسهم ببلورة رأي عام في القضايا المصيرية. ومن نافلة القول أن ثورات كبرى حصلت في التاريخ كانت نتاج الفكر الجامعي وتطلعاته نحو الحرية والديمقراطية والاستقلال, وكان الطلبة فيها خير قوة محركة لمسار الأحداث !!!. 

في العراق " وإن كان ليس إستثناء عن البلاد العربية وبلدان العالم المتخلف " فأن دكناتورية نظام البعث السابق إستطاعت أن تروض الاستاذ الجامعي لخدمة النظام ومستلزمات بقائه عبر بث سموم الفكر القومي الشوفيني والمعادي للانسانية وللمكونات الاجتماعية والاثنية للمجتمع من خلال تربية الطلبة واعدادهم للانتماء للفكر الشوفيني المتحجر وتعطيل القوى العقلية والفكرية للطلبة. وقد ساهم ذلك على مستوى الطالب والاستاذ في تعطيل نشأة فكر نقدي في أروقة الجامعات, مما ساد مزاج عام للمصالحة مع قيم التخلف والاستبداد والقمع وتكريس قيم الولاء للدكتاتورية والفاشية والبعث !!!.

وقد أنقسم الاساتذة الجامعيين بين موال مطلق لفكر النظام وممارساته ومدافع عنه وحتى منتسبا لقواه المخابراتية والقمعية, وبين مستسلم للاكراه على الانتماء للحزب الحاكم, مختزلا دوره في تأدية المهمات التقليدية ذات الطابع التدريسي في معظمها, وأعمال البحث العلمي التي لا تتجاوز الاهداف العامة المرسومة من قبل السياسات الرسمية في المؤسسة. ويكفي أن نشير هنا الى أغلب "الاعمال البحثية والاطروحات العلمية " للحصول على الدرجات العلمية المختلفة, من ماجستير ودكتواره وخاصة في العلوم الانسانية كانت تكرس موضوعاتها الاساسية لخدمة النظام وفكره وبقائه وتمارس الدجل بواجهات البحث العلمي, الى جانب الاصدارت الكثيرة واالمقررات الدراسية التي تشير في صفحاتها الاولى الى فكر القائد وفضله وقدراته الخارقة, والى محتواها الذي لا يفارق الثناء للقائد عندما تسنح الفرصة لذلك. وقد انتج ذلك اجيالا من الطلبة والطلبة ـ الاساتذة لاحقا, من ضعاف القدرات العقلية والعلمية !!!.

لقد تراوحت معظم أعمال الاساتذة بين العبث والترف الفكري والبحث عن الشهرة بشكل مشوه والبحث والمساهمة في مؤتمرات وندوات داخلية وخارجية, أقل ما يقال عنها إنها ضعيفة الصلة بمشكلات المجتمع المحلي, وذات صفة استعراضية ذات جدوى محدود جدا. كما تحول هاجس الترقيات العلمية الشكلية الى أحدى مستنقعات المافيا والوساطات والعلاقة الشخصية الرديئة التي لا تليق بمكانة الاستاذ الجامعي ومكانته. وعلى خلفية ذلك نشأ جيل من الاساتذة قد يستغرب المرء من سذاجة فكرهم العام وثقافتهم الشخصية, مما أخل بمبدأ تكامل الاعداد المطلوب للكادر الجامعي !!!. 

سقط نظام صدام حسين عام 2003 وأحل الامريكان بديل له نظام طائفي وشوفيني تمادى في زرع الخراب في مؤسسات وكوادر التعليم العالي, وقد أنتقل ولاء هذه المؤسسة وطاعتها العمياء من " قائد الضرورة الأوحد " الى قيادات ورموز لا حصر لها من طوائف الاسلام السياسي والاثني العرقي, وقد أختفت صورة " قائد الشعب " لتحل مكانها صور لا تعد ولا تحصى من الرموز الدينية والقيادات العشائرية والاثنية القومية. وقد أتسمت ابرز ملامح تدهور هذا القطاع وكادره بما يلي:

ـ التدهور الأمني المستمر لمؤسسات التعليم العالي وتدخل رجالات الأحزاب والمليشيات الطائفية في شؤون التعليم العالي مما يضع طرفي العملية التعليمية : الطالب ـ الأستاذ والعملية التعليمية برمتها في دوامة عدم الاستقرار والخوف من المستقبل¸مما يترك أثره الواضح في تسرب الطلاب وهجرهم لمقاعد الدراسة وهجرة الكادر التدريسي.

ـ الإجراءات التعسفية في إقالة أو إحالة الكادر التدريسي الجامعي ومن درجات علمية متقدمة " أستاذ وأستاذ مساعد " على التقاعد بذرائع ومبررات واهية, منها كبر السن أو بتهمة عدم الكفاءة, وهي إجراءات تنفذ في الخفاء بواجهات سياسية أو انتماءات طائفية, وتحرم هذه المؤسسات من خيرة كادرها المتمرس في التدريس والبحث العلمي.

ـ تدهور البنية التحتية اللازمة لتطوير التعليم العالي من مكتبات علمية ومختبرات وشبكة انترنيت ومصادر المعلومات المختلفة, وقد تعرض الكثير منها إلى الحرق والإتلاف الكامل والى التخريب والسرقات المقصودة لإفراغ الجامعات من محتواها المتمثل بالمراجع والكتب والأبحاث والمقررات الدراسية بمختلف التخصصات, وغلق أقساما للدراسات العليا بكاملها تحت ذريعة عدم توفر الكادر التدريسي اللازم لها .

ـ تدهور المستوى العلمي والتحصيلي للطلاب جراء تدهور الوضع الأمني والانقطاع عن الدراسة, أو النجاح بأي ثمن تحت وطأة تهديد الأستاذ الجامعي من قبل مليشيات الأحزاب السياسية ـ الطائفية وفرض معايير مشوه للتفوق الدراسي لا تعبر عن إمكانيات الطلاب الفعلية, بل تعبر عن أولويات الانتماء السياسي أو المذهبي أو الطائفي, وهي تذكرنا بممارسات التبعيث لفرض النتائج الدراسية وانتقاء الطلبة على أساس الولاء للحزب الحاكم.

ـ تغييب الكليات الإنسانية والتضييق على دورها المهم في الحياة الثقافية العامة عبر الحد وعرقلة أنشطتها المختلفة التي يفترض لها أن تسهم بإشاعة ونشر قيم التسامح والعدل والحق ومكافحة الإرهاب, وقد شهدت هذه الكليات حرق العديد من مكتباتها بالكامل, وعرقلة إصدار دورياتها الثقافية الشهرية أو الفصلية أو السنوية, وانعدام الأجهزة اللازمة لاستمرار عملها كأجهزة الاستنساخ والطباعة وغيرها, إضافة إلى محاصرة العديد من مبدعي وكتاب هذه الكليات ومنعهم من الظهور العلني للحديث عن نشاطاتهم ونتاجاتهم الثقافية والأدبية المختلفة.

ـ استشراء الفساد بمختلف مظاهرة الإدارية والمالية, من محسوبية ومنسوبيه وسرقة الأموال المخصصة لهذا القطاع وتزوير للشهادات والتلاعب بسجلات الدرجات من خلال ممارسة الضغط والابتزاز على إدارات الأقسام الدراسية و عمادة الكليات لمنح ضعاف التحصيل ما لا يستحقوه أو إضعاف المتفوقين دراسيا والعبث بدرجاتهم بدوافع الانتقام والثأر بواجهات مختلفة, سياسية ومذهبية وطائفية وغيرها.

ـ ضعف التنسيق بين الجامعات والكليات الأهلية من جهة وبين الجامعات والكليات الحكومية من جهة أخرى, حيث الإرباك في تكرار الاختصاصات المتشابهة في كلا الطرفين وعدم انتهاج مبدأ التكامل في التخصصات بين المؤسسات التعليمية العالية الحكومية منها والأهلية, الأمر الذي لا يخدم أغراض التنمية وسد الحاجة لمختلف التخصصات, وانعدام الهيكلة الإدارية التي تضمن بقاء التعليم الأهلي تحت إشراف فعلي وليست شكلي من قبل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على تلك المؤسسات, مع احترام استقلاليتها الإدارية والمالية, بل يدخل التعليم الأهلي في أحيان كثيرة كمنافس للتعليم الحكومي و كمصدر لاستنزاف الكادر العلمي والتدريسي من المؤسسات الحكومية تحت وطأة المغريات المادية والمالية, وبالتالي فأن الكثير من خريجي الجامعات والكليات الأهلية مهددين بالبطالة وانعدام فرص العمل لاحقا بسبب من ضعف الحاجة لاختصاصاتهم, علاوة على ذلك نرى أن التوسع السريع في إنشاء مؤسسات التعليم العالي الأهلية والذي زاد عددها أكثر من ضعف مقارنة بعهد النظام السابق يثير تساؤلات كثيرة عن جدوى هذا التوسع والحاجة الفعلية له !!!.

ـ عدم السماح وعرقلة جهود المنظمات الدولية كالأمم المتحدة وأجهزتها المعنية بشؤون التعليم العالي على الإشراف والتأكد من ظروف عمل هذه المؤسسات بما يستجيب لشروط الجودة العالمية لهذه المؤسسات وحماية خريجها من عدم الاعتراف بالشهادة, وكذلك عرقلة جهود اللجنة الدولية للتضامن مع أساتذة الجامعات.

ـ في ظروف العراق الحالية والذي توقفت فيه التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الشاملة, تضعف فيه كنتيجة منطقية قدرة ودور الجامعات والمؤسسات البحثية في المجتمع وبالتالي تضعف روابط التعليم العالي ودوره الأساسي في التخطيط والاستجابة لظروف التنمية البشرية الشاملة وحاجتها الفعلية لمختلف القيادات والكوادر في مختلف التخصصات العلمية والأدبية والمهنية والتقنية وغيرها.

ـ تشير الكثير من المقابلات الميدانية التي أجريت مع أساتذة جامعات وقيادات أدارية وطلابية إلى أن الكثير من مؤسسات التعليم العالي تحولت إلى مؤسسات مصغرة للمساجد والحسينيات والجوامع, تجري فيها الشعائر والاحتفالات والطقوس الدينية على نسق ما يجري في المساجد والجوامع, وكأن لم يكفي الآلاف من المساجد والجوامع المنتشرة خارج الجامعات, حتى أن العديد من المختبرات العلمية تحولت إلى حسينيات لزمرة هذا الحزب السياسي الطائفي أو ذاك, ولكي تتحول بالتدريج إلى بؤر للفساد والاحتقان الطائفي والمذهبي وللتفرقة بين الطلاب, حيث تسيطر كل ميليشيا حزبية على إحدى الكليات ومرافقها داخل الجامعة, وانتشار صور المعممين في أروقة الكليات والجامعات والشعارات الدينية الطائفية الاستفزازية والعبث بمسميات هذه المؤسسات وتسميتها برموز قيادات أحزاب أو طوائف, انه امتهان للحرية الأكاديمية وتسييس للمؤسسات العلمية وزجها في الصراعات الدينية والمذهبية والطائفية .

ـ ضعف الإنفاق على التعليم العالي والبحث العلمي باعتباره دعامة أساسية لإعادة بناء بنيته التحتية وإقامة المشاريع البحثية والتعليمية المتقدمة, وبالتالي فأن أي نوايا للإصلاح دون توفير الأموال اللازمة هي نوايا باطلة وقد تعكس بنفس الوقت رؤى متخلفة للقيادات التربوية والتي ترى أن ما يصرف على التعليم هو من باب الاستهلاك الغير ضروري وليست الاستثمار طويل الأمد.

ـ ضعف وتدهور البحث العلمي وأصالته ومكانته في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وضعف استقلالية الأستاذ الباحث الذي يتعرض إلى ضغوطات مختلفة لتوجيهه الوجهة التي يرغب فيها هذا الكيان السياسي أو ذاك, وأن اغلب ما يجري من أبحاث يعتمد على نظريات ومفاهيم مهجورة أو أنها تقادمت في ظل عصر تتغير فيه المعلومة يوميا, أو أنها هجنت بطريقة عجيبة نتيجة للقيود والضغوطات الرقابية والحزبية والطائفية, وهي تذكرنا بحقبة توظيف " البحث العلمي " لخدمة مصالح الحزب القائد وتمجيد قائد الضرورة.

ـ غياب إستراتيجية واضحة للبحث العلمي في ضوء احتياجات المجتمع المحلي لها, حيث أن المبادرة الفردية للباحث والأستاذ تلعب دورا كبيرا في تقرير ذلك, ومعظمها يجري لأغراض الترقية العلمية أو لأغراض المتعة العقلية الخالصة للبحث, ويجري ذلك في ظل انعدام صناديق متخصصة لدعم وتمويل البحوث, وضعف القاعدة المعلوماتية, وعدم وجود مراكز أو هيئات للتنسيق بين المؤسسات البحثية, وضعف الحرية الأكاديمية كتلك التي يتمتع بها الباحث في بلدان العالم الديمقراطي, وعدم تفهم أو انعدام دور القطاع الخاص ومشاركته في الأنشطة العلمية حيث لا يزال قطاعا متخلفا يركز على الربحية السريعة والسهلة ولا يعي حقيقة وأهمية البحث العلمي في تطويره.

تلك هي ظروف ساهمت في خلق مخرجات تعليمية ضعيفة تمثلت باعداد من الخريجين والدارسين الضعاف. كما ساهمت في خلق كادر تدريسي ومؤسسة تعليمية تعتبر أمتداد لمنظومة الفساد العامة, تقوم باعادة انتاج الفساد الفكري والثقافي على نطاق واسع, وقد أنتفى دور الجامعة المتقدم نسبيا على المجتمع, لتصبح جزء من الخراب الشامل, حيث يقوم الاستاذ الجامعي بأدوار عبر محاضراته المباشرة مع طلبته أو عبر حضوره في وسائل الاعلام المختلفة بأعادة أنتاج الخطاب الطائفي والديني والشوفيني المشوه, وممستميتا في الدفاع عن الاوضاع السائدة وعن استشراء الفساد, مستفيدا من بعض الامتيازات المادية والمالية المؤقتة. أنها سلوكيات انتهازية كانت تمارس في عهد النظام السابق ضمن سياسات التبعيث العامة وعسكرة الحياة, واليوم تعيد انتاج نفسها بواجهات التزييف الديني والخطاب الاسلاموي والاثني المريض !!!.

عندما نرى اليوم حجم الحراك المدني الاجتماعي المطالب بالاصلاح الشامل للعملية السياسية ومحاربة الفساد في مفاصل الدولة والمجتمع وما يستلزمه من جهد فكري لرسم ملامح التغير, وتحويل حالة الاحتجاج والتظاهر الى افعال تستند الى وعي موضوعي يفهم جوهر عمليات الصراع الدائرة وقوانينها الموضوعية, نرى حجم الغياب الضار لمؤسسات التعليم العالي وكادرها التدريسي ودوره في مسارات الحراك, والذي يكتفي في معظمه في التفرج على الاحداث الجارية وملقيا بنفسه في بعد عنها تحسبا لفقدان الامتيازات الهشة التي حصلوا عليها بعد سقوط نظام صدام الدكتاتوري !!!.

لقد تحرك الكادر التدريسي في مؤسسات التعليم العالي تحركا خجولا على خلفية تقليص رواتب الموظفين والتي لحقت بهم للتعبير عن حالة عدم الرضا في الحد من أمتيازتهم المالية وليست للانتفاض على سوء الاوضاع العامة, وقد عبرت عن ذلك شعارات فقيرة ومتواضعة, ولعل ما فيها كما ورد: رواتبنا خط أحمر, قطع الاعناق ولا قطع الارزاق, قف أنك تقتل أولادي وقرارك مجحف, السكوت على الظلم أقبح من الظلم نفسه, وغيرها من الشعارات الميدانية. انها شعارات بسيطة تم التعبير عنها في أولى موجات الحراك الشعبي, وكان على الاساتذة الجامعيين أن ينهلو بقدراتهم العقلية وتفردهم المعرفي لرفد الحراك الشعبي بمزيدا من زخم البقاء والاستمرار !!!.

حديثنا هذا لا يلغي هامش من المناورة وفسحة من الامل لدى العديد من الاساتذة الجامعيين وهم يبحثون عن عوامل البقاء والاستمرار الصحي لمسارات تأثيرهم الايجابي, وهم ينتقلون من جنوب العراق ووسطه بحثا عن فسحة من الحرية في شمال العراق أو خارجه, ولكنهم يصتدمون بعوامل الغربة والاغتراب وتدهور الاوضاع والاحساس بالهامشية ويصتدم بعوامل اللا استقرار في مجتمعات صغرى أو كبرى معبئة بمزيدا من عوامل الصراع والتدهور نحو الاسوء !!!.


56

سيكولوجيا نكبة الربيع العربي ورد الاعتبار لفلسفة الثورة !!!


د.عامر صالح 
 أن " ثورات " الربيع العربي والتي تحولت الى نكبة, لم تكن ولادة قيصرية في سياق اجتماعي هادئ ومستقر, أو استجابة انفعالية لأخذ  الثأر من الحاكم المستبد, بل هي تعبير عن نضوج العوامل الموضوعية لإحداث الفعل الثوري وتجسيد حي لمنطق التاريخ وحكمه, فالثورات لا تحدث في الفراغ أو هي فعل عبثي يقرره الجموع الثائر, بل تحدث نتيجة وجود مقدمات وشروط محددة تبرز في إطار تطور المجتمع, تؤدي إلى وجود تناقضات أساسية تتحدد في التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج, وشكل التملك الخاص, ويؤدي ذلك إلى اتساع الشعور بالظلم والاستغلال الذي يمارس من قبل فئة قليلة مالكة " وهي في بلداننا تشكل النظام العربي وحاشيته " ضد فئات الشعب, وتؤدي هذه التناقضات إلى نشوء " أزمة سياسية " عميقة تحمل معها نشوء حالة " ثورية " تتجسد بنشاط الجماهير السياسي الواسع من خلال التمرد على الواقع بأشكال ومظاهر متعددة, مثل الاضطرابات والمظاهرات والاجتماعات والاعتصام, وان الحالة الثورية هي تعبير عن التناقضات الموجودة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وهي تمثل ذروة تفاقمها !!!!.

وفي العالم العربي حيث توقفت فيه عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعقود خلت, أفرزت ظواهر الفقر المدقع, والتدهور المستمر للحياة بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية, والعلمية والصحية, والتعليمية والخدمية, وانخفاض مستوى العيش بصورة عامة, وفي وقت عملت فيه الأنظمة الاستبدادية عبر عقود على منع تشكيل أي كتلة حرجة ثورية منظمة ومقاومة عبر ممارسات التفتيت والإجهاض والترغيب والترهيب والرقابة الأمنية والبوليسية المشددة وأبعاد وقتل أي بادرة للتفكير البديل. ونستطيع القول هنا انه لا توجد شريحة اجتماعية واقتصادية إلا ولحق بها التهميش والحرمان والإقصاء باستثناء النظام وحاشيته. لقد خلقت هذه الأوضاع نواة التغير الثوري في رحم هذه الأنظمة. وعلى خلفية ضعف دور العامل الذاتي المتمثل بضعف الأحزاب السياسية التاريخية والنخب السياسية الحقيقية, جاءت الثورات العربية شبابية بطابعها العام متأثرة بعوامل كونية, كالثورة المعلوماتية من خلال شبكات التواصل الاجتماعي المختلفة, الذي سهل اندماجهم في مجموعات فاعلة وايجابية وشكل لديهم دافعية اكبر للفعل الثوري تتجسد ملامحه واضحا اليوم على الأرض العربية مبتدئة بالشرارة التونسية المعجلة لذلك, إلى جانب كون الشباب يشكلون كتلة سكانية كبيرة تتجاوز نسبة 50% من مجموع السكان, وبالتالي فهي معنية بالتغير والمستقبل قبل غيرها, إلى جانب الشرائح السكانية والاجتماعية الأخرى !!!!.

لقد نشأت تلك البؤر الثورية بين الشباب في ظل انفلات المجتمعات العربية بكل تنوعها الاجتماعي ومكوناتها الاثنوثقافية من كل ضوابط الفكر الفلسفي والتفكير المنطقي, وغياب روح النقد والنقد الذاتي ونقد الخطاب السائد والمعرقل لاي نهضة فكرية ومعرفية, وفي ظل بيئة من سلطة بطريركية عشائرية وطائفية ومناطقية وقبلية وأثنية, مما سهل تشبعها بالثقافة النصية والنقلية المتخلفة " القيل والقال ونقلا عن فلان أبن فلان ", مما سهل إحكام الاسلاموين سيطرتهم في تصدر " نكبة " الربيع العربي. وكان من الطبيعي أن ينجح منظري الاسلام الخرافي في عرقلة ثورة الشباب في ظل غياب خمائر الفكر النقدي والمنطقي, وغياب عقل فلسفي يقطع الصلة مع عقل وفكر القرون الوسطى, ويحتوي طموحات الشباب الثائر وهواجسهم المشروعة لبناء مستقبل آمن. وليست من المستغرب أيضا ان تتصدر أضعف الدول وأكثرها تخلفا مثل قطر والسعودية المشهد السياسي وتصبح راعيا لنكبة الربيع العربي !!!. 

أن عوامل القهر والظلم التاريخي وسيادة خطاب سلفي لا يمت بصلة للحاضر, الى جانب غياب بدائل معاصرة للحياة ذات مضامين فكرية وفلسفية منقذة لحالات الاختمار الثوري, ساهم في تشكيل وتكريس عقل  متحجر دوغمائي لا يقبل بل ويعرقل أي تغير ايجابي. أما أبرز ملامح ومحددات ذلك العقل المعاق والمعوق لأي نهضة, فهي:

1 ـ يمكن تحديد دوغمائية عقل ما من خلال حدة أو شدة فصله بين المعتقدات التي يقتنع بها والمعتقدات التي يرفضها, حيث لا يستطيع أن يتصور أن في العالم سوى فريقين, فريقه هو وفريق خصمه, وأن هذا الحد أو الفصل يلغي منطقة الوسط. ومن أجل أن يحافظ العقل الدوغماتي على هذا الفصل الحاد فأنه يؤكد باستمرار على الخلافات بينه وبين المخالفين له, وأن اغلب خطاباته توجه لتحقيق هذا الهدف مما يضمن له تجيش أتباعه وشحنهم بشحنة انفعالية سالبة تسهل سوقهم كالقطيع بأي اتجاه يريد. أيضا يهاجم هذا العقل أية محاولة للتقريب والحوار بين الطرفين. أيضا يلجأ العقل المتحجر إلى تجاهل وإنكار الوقائع والأحداث التي تكشف زيف ادعاءاته. أيضا لدى العقل المتحجر قدرة على تقبل التناقضات داخل منظومته الفكرية. هذه العقلية بصورة عامة تشكل أرضا خصبة للسلوك الإرهابي, ولا تؤمن بالحوار بين الأديان والعقائد الأخرى,كما يتصور عالمه " على سبيل المثال العالم الإسلامي " بالعالم المتحضر والمتقدم والعالم الآخر " الغربي " يقبع في الجهل والظلام متجاهلا كل الحقائق الموضوعية التي تنفي إدعاءه, وهذا العقل أيضا يكفر الآخر ويلغيه بكل الوسائل المتاحة وبشراسة.


2 ـ من معايير الحكم على عقل ما بأنه دوغماتي متحجر أنه لا يميز بين العقائد والأفكار التي يرفضها. فهو يضعها في سلة واحدة هي سلة الخطأ والضلال, دون أن يكلف نفسه بالبحث في نقاط الالتقاء والتقارب مع الأفكار المخالفة. ونلاحظ ذلك بشكل واضح لدى الأوساط الإسلامية المتشددة عندما يجمعون غير المسلمين كلهم في دائرة الكفار, وكذلك ما يمارسه الكثير من الدوغمائين الايديولوجين وحملة العقائد السياسية من إلغاء للآخرين وعدم الاعتراف بهم بعيدا عن التفاصيل التي تميز بينهم.

3 ـ كما أن من معايير انغلاق عقل ما وتحجره هو الوثوقية المغرقة وتكاثر المسلمات في منظومته الفكرية. فأن كانت كل منظومة فكرية تقوم على عدد بسيط من المسلمات تؤسس للفكر ثم تترك الحرية للناس أن يجتهدوا, فأننا نجد أن مسلمات العقل الدوغمائي تتوالد باستمرار لتقفل كل منافذ للاجتهاد والتفكير. ولذا نجد عندنا أن مقولات لأشخاص عاشوا في القرن الثامن الهجري تتحول إلى مسلمات لا يجوز النقاش حولها أو نقدها. وكذلك نجد أن التفاسير والشروح والفتاوى تتحول من كونها اجتهادات بشر تقبل الصواب والخطأ إلى كونها مسلمات وثوابت لا يجوز المساس بها, ومن أقترب منها تعرض لأصناف الهجوم من تكفير وتفسيق وتضليل وغيرها من أدوات الإقصاء. كما نلاحظ اليوم في عالم السياسة والإيديولوجيات المنتشرة شيوع ظاهرة الحفظ والتلقين للمقولات والشعارات واختزال عالم السياسة المتنوع من خلالها وتحويلها إلى نصوص جاهزة تبنى عليها برامج " تنموية " دون العودة إليها ونقدها في عالم متغير, وقد تلحق أفدح الأضرار بنتائجها النهائية, وتشكل مقولات " قائد الضرورة " و " ملهم الشعب " و " حجة الإسلام " و " خليفة المسلمين " و " راعي الشعب " وغيرها من المسميات, استراتيجيات عمل لعقود قادمة جالبة المزيد من الكوارث !!!!!.

4 ـ تزداد وثوقية عقل ما وانغلاقه وتحجره كلما توقف عند لحظة زمنية محددة وتشبث بها وعاش فكريا وروحيا فيها, مما يجعله لا يعيش واقعه و لا يفكر من خلاله, وهذا ما يتسبب في غربته وإحداث تناقضات وانفصامات هائلة في أتباعه. دائما تكون هذه اللحظة في الماضي, لحظة نشوء الفكر أو لحظة وقوع أحداث مهمة و جذرية في تاريخه. العقل ألوثوقي المتحجر لا يفكر بمنطق تأريخي و لا يعترف بتغير الأزمان وتغير الظروف, لأن من صفاته الثبات والاستقرار بينما منطق الحياة والواقع هو الحركة والتغير والتحول. يحاول العقل المنغلق أن يعوض غربته عن واقعه بأحلام وردية في المستقبل يعيشها لتملأ عليه خواءه وغربته وتناقضاته.

تلك هي ابرز الملامح السيكولوجية والفكرية والمعرفية للعقل المتحجر, فلا نستغرب من تحول " الربيع العربي " الى نكبة ومأساة جقيقة على شعوب المنطقة حيث تكون القيادات الميدانية لهذا العقل, وحيث تحرف الاعمال الثورية الى اعمال عنف وارهاب وتصفيات جسدية وفقدان للامن والامان, وتسرق الثورات من ثوارها الحقيقين لتودع بيد أعداء الحياة !!!.

لقد أكدت التجارب التاريخية الى جانب تجارب " الربيع العربي " ان عدم نضج العوامل الذاتية والمتمثلة بقوى التغير, من أحزاب وتجمعات منظمة حاملة للمشروع النهضوي وللفكر العقلاني, لا يمكن لأي هبات جماهيرية أو تحرك ثوري صوب التغير أن يبلغ اهدافه, ويخلق موازنة لازمة ومانعة للفكر المتطرف, الديني وغير الديني. والثورة مهما بلغت من قوة دفع جماهيري لا يمكن لها ان تغرد خارج قوانينها الموضوعية !!!.
 



57

نزيف الهجرة وخراب الوطن !!!

د.عامر صالح 

تشكل الحكومات الدكتاتورية والقمعية والطائفية السياسية والاثنية المحصصاتية والمتخلفة عموما عوامل طرد لمواطنيها وليست استقطاب لهم, نتيجة لانعدام مقومات الحياة المستقرة, من خدمات مختلفة ومستويات عيش وفرص عمل, كما تشكل الحروب الداخلية والصراعات الاقليمية أحد مصادر الهجرة الاساسية للبحث عن الامن والامان والحفاظ على الارواح !!!. 
 
كان نموذج العراق في زمن النظام السابق احد النماذج الصارخة في المنطقة في طرد المواطن الى الخارج, سواء من خلال التهجير القسري أو الهجرة الاضطرارية, وقد تمركزت في فترات زمنية مختلفة, استنادا الى اسبابها, حيث سادت نهاية السبعينات في القرن الماضي موجات من الهجرة ذات الطابع السياسي, وحيث البحث عن الامن بعيدا عن التنكيل والاعتقال والبطش والتعذيب الجسدي الذي أطال المعارضة العراقية انذاك. ثم تلتها هجرة الثمانينات والتسعينات هروبا من حروب النظام الدكتاتوري وجبهات قتاله التي فتحها مع أيران والخليج, والتي ذهب ضحيتها خيرة أبناء شعبنا وكادره المهني والعلمي والاداري, ودمرت فيها البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية وعسكرة الحياة بكاملها. وكانت هذه الهجرة الاخيرة قائمة على عوامل الهروب من الموت وتدني مستويات العيش والفقر والفاقة, والتي وصلت الى حدود مريعة, وشملت معظم الشرائح الاجتماعية والطبقية, بل وشمل أنصار غفيرة من النظام والمحسوبين على حاشيته ومن مختلف المستويات المهنية والتعليمية, والذين تركوا العراق بحثا عن لقمة العيش والامان, في ظروف وصل فيها راتب الاستاذ الجامعي في احسن الاحوال عشرة دولارات, ويقدر عدد المهاجرين انذاك بأكثر من خمسة ملايين !!!!.
 
وإذا كانت الهجرة على المستوى الفردي تفتح منافذ الرحمة أمام الفرد للخلاص من الضغوطات والصراعات السياسية والدينية والاقتصادية والثقافية, والخلاص من الاضطهاد بمختلف مظاهره, أو الرغبة في تحصيل العلم, فأن عدم عودة قوافل المهاجرين وإبقائهم بعيدا عن موطنهم الأم يشكل نزيفا مستمرا وتهديدا لأي عمليات إعادة بناء للبنية السياسية والاقتصادية والثقافية للبلدان المصدرة للهجرة. ولعل الإحصائيات على صعيد البلاد العربية ترينا حجم الكارثة المحدقة في الحرمان من القوى المهاجرة, فقد بلغ عدد المهاجرين العرب في الخارج أكثر من 35 مليون يمثلون أكثر من 12% من سكان الوطن العربي, والمهم في ذلك هو نوعية العقول المهاجرة من مختلف التخصصات, والتي من بينها تخصصات إستراتيجية مثل الجراحات الدقيقة, الطب النووي والعلاج بالإشعاع والهندسة الالكترونية والميكرو ـ الكترونية, والهندسة النووية, علوم الليزر, تكنولوجيا الأنسجة والفيزياء النووية وعلوم الفضاء والميكروبيولوجيا والهندسة الوراثية واقتصاديات السوق والعلاقات الدولية, طبعا إلى التخصصات المهمة الأخرى في نطاق العلوم الإنسانية والأدبية, فهناك علماء وكفاءات متميزة ومن ذوي السمعة العالمية المرموقة. وقد تسببت هجرة العقول العربية بخسائر مالية تجاوزت 200 مليار دور !!!!!. 

ومادامت عوامل الهجرة وأسبابها قائمة فأن نزيفها لم يقف بل تفاقم في العقود الأخيرة على خلفية مجمل الأوضاع في البلاد العربية, وفي مقدمتها: القمع والإرهاب الديني والسياسي وحملات الاعتقال والتطهير للمعارضين السياسيين, التهجير العرقي والاثني والطائفي, انعدام الحريات السياسية والتعددية الحزبية وما يرتبط بها من نظم دكتاتورية بواجهات مختلف لا تسمح بالاختلاف في وجهات النظر, سيادة أجواء الإحباط وعدم الاستقرار السياسي والخوف من المستقبل, عدم توفر المناخ العلمي في مواقع العمل وانعدام الحريات الأكاديمية وضعف البحث العلمي في الجامعات والمؤسسات البحثية, التخلف العام في البلاد العربية وضعف الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية, فشل التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعقود خلت بدون عوائد كبيرة على حياة الفرد والمجتمع, الانتماء إلى الأقليات القومية والدينية وعدم الإحساس بالأمن والأمان, استفحال البيروقراطية الإدارية والروتين في كل مفاصل المجتمع, بما فيه الجامعات ومؤسسات البحث العلمي والتطوير الاجتماعي, وأيضا أسباب أخرى ذات علاقة بالطموح الشخصي وتحسين ظروف العيش الفردي وحرية ممارسة المهنة !!!.

وإذا كانت هجرة الكفاءات العلمية والاقتصادية والمهنية تسبب الكثير من الخسائر المادية, متمثلة برأس المال واستنزاف الطاقات البشرية المدربة والمؤهلة والمنتجة وذهابها بعيدا عن موطنها الأم, وتدني الدخل القومي نتيجة لانخفاض مستوى الإنتاج, وعرقلة انجاز الخطط التنموية, وتغيرات في التركيبة السكانية من حيث النوع والعمر, والخسائر الاجتماعية  والخدمية والثقافية والحضارية, فأن الهجرة القسرية للأحرار والديمقراطيين واللبراليين من سياسيين ومفكرين ومثقفين ومبدعين هي الأكثر وجعا لذات المهاجر الذي يحمل الحلم الكبير في التغير, وأشد ألما يلحق بالوطن, حيث يضعف تشكيل البدائل المعارضة لفكر وثقافة أنظمة القمع والدكتاتورية في أرض الوطن, مما يترك هذه الأنظمة تمارس مزيد من الانفراد والتحكم والهيمنة والقمع على شعوبها وحجبها عن النهضة الفكرية والثقافية والتنموية, و يجعلها فريسة سهلة لفكر التطرف الديني والسياسي في لحظات التغير المطلوب, مما يزيد من تصحرها وتخلفها الفكري والحضاري !!!!!.   

والهجرة بهذه الضخامة والشمولية والخطورة تعبر عن اغتراب شامل, تتسع مظاهره ليشمل الاغتراب الديني, والاقتصادي, والسياسي, والثقافي, والتربوي والتعليمي, والاغتراب القيمي, وجميعها مسببة للعجز والإحباط الذي يتملك الفرد وعزلته الاجتماعية والذاتية. واليوم وبعيدا عن جذور الاغتراب التاريخية, تمر مجتمعاتنا العربية بمرحلة خطيرة تتفكك فيها الذات الفردية وتغترب على خلفية تدهور البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية, حيث الفقر وانعدام مستويات إنسانية لائقة للعيش من خدمات مختلفة أساسية, صحية وتعليمية وغيرها, ويغترب الفرد على خلفية تفكيك وسقوط مؤسسات الدولة, الإدارية والأمنية والعسكرية والخدمية ولا نقصد بذلك سقوط النظم الدكتاتورية صانعة العزلة والاغتراب الداخلي والهجرة الخارجية " فهذا شيء آخر ".

وشيوع نمط من الحروب الداخلية, الدينية والطائفية والأهلية والاثنية, مما يؤدي إلى تجزئة الأوطان وانسياقها وراء مشاريع التفتيت الجغرافي بواجهات مختلفة " كما هو الحال في النموذج الذي يهدد العراق " مما يهدد نسيجها الاجتماعي والثقافي, تدهور المؤسسة التعليمية, بكادرها ومناهجها ومجمل أدائها وإعادة إنتاج الأمية من جديد, تصفية وتهميش الطبقة الوسطى من مختلف المجالات العلمية والمهنية والخدمية, التطهير الواسع للأقليات العرقية والدينية والعبث بالتركيبة السكانية والاثنية, تدمير الذاكرة الوطنية والثقافية, من حرق وسرقة للآثار والمتاحف والمكتبات الوطنية ونسف الرموز الايجابية من شخصيات وأضرحة وتماثيل وقطع أثرية بمبررات دينية وسياسية, غياب الأمن والآمان الفردي والمجتمعي مما يجعل الجميع تحت مشاعر فقدان الجدوى من العيش والإحساس بالضياع وفقدان الأمل بالمستقبل, ازدواجية الخطاب السياسي في الممارسة العملية, بين ديمقراطية معلنة وإقصاء ودكتاتورية شرسة على ارض الواقع تمتد لتشمل كل مناحي الحياة وتفاصيلها اليومية بما فيها تقرير لقمة العيش !!!!. 

العراق اليوم يمثل احد نماذج المنطقة التي تعكس مجمل تعقيدات الصراع وخلاصته السيئة المركزة, الى جانب نموذج الحرب السورية الداخلية ـ الاقليمية, حيث يشهد كلا البلدين نزوحا وهجرة جماعية لم يشهدهما من قبل. ففي العراق وبعد سقوط النظام السابق يشهد عمليات تشريد وسبي لكل مكوناته الاثنية والمذهبية والدينية, قائمة على خلفية نظام محصصاتي وأثني شجع الاقتتال الداخلي بين ابناء البلد الواحد, وعزز من دور الارهاب والبعث وقدرته على البقاء, وحرم السواد الاعظم من الشعب فرص العيش الكريم, وبطالة وصلت اقصى مدياتها بين فئات الشباب من الخريجين وذوي التحصيل العالي. وعلى خلفية ذلك يندفع اليوم مئات الالوف من الشباب الرجال والنساء ومن الاطفال لرمي انفسهم خارج الحدود بحثا عن الوصول الى بر الامان وتأمين الحد الادنى من ظروف العيش, وقد ادت بالمئات منهم الى الغرق او الموت في منتصف الطريق وقبل الوصول الى الساحل الاوربي. وقد وصل هو الاخر عدد المهاجرين ما بعد سقوط النظام الى عدة ملايين !!!.

كما تشهد سوريا موجات هائلة من النزوح والهجرة والتشريد بفعل عوامل الصراع الداخلي والاقتتال الذي دخل في عنق زجاجة الصراع الاقليمي العصي على الحل, وقد ذهب ضحية ذلك أكثر من ستة ملايين من الشعب السوري, بين مهاجرين ونازحين ومشردين ولازالت المأساة على أشدها, حتى غصت بهم العواصم الاوربية وتركيا بأنتظار من يجد لهم حلا وهم يحملون الموت على راحة اياديهم !!!.

تلك هي كوارث وخسائر نظم قمعية ومحصصاتية معمدة بمجمل التدخلات والمصالح والصراعات الاقليمية, تكون فيها الشعوب وقودا رخيصا وسريع الاشتعال, بين هجرة وتهجير وتشريد وسبي واضطهاد وقتل على الهوية وفساد ينخر الدولة والمجتمع وينهب المال العام ويضيع مستقبل أجيال !!!.
 

58

الابتعاد عن خطابات بيان رقم (1 ) ضمانة الحراك المدني لتحقيق مطالب الشعب !!!
   
د.عامر صالح  
اتخذ الحراك الشعبي والمتمثل في الاحتجاجات والتظاهرات طابعا سلميا, إنطلاقا من فهم شعبنا لتعقيدات العملية السياسية, وانعكاسا للدور الايجابي الذي لعبته الانتلجنسيا الوطنية العراقية في بلورة مزاج سلمي يضمن تصاعد الحراك المدني الى مدايات قصوى وذات طبيعة أستمرارية دورية بما يؤدي بالضرورة الى مزيدا من الضغظ لإجراء إصلاحات شاملة, تتناول العملية السياسية بكل مفاصلها, إنطلاقا من الاسباب المسببة لكل ما يجري فيها من اختناقات وتوقف لها منذ أكثر من عقد من الزمن, والى يومنا هذا حيث لم يرى النور أي اصلاح فعلي, بل يحاول البرلمان من خلال العديد من القوى المتنفذة الى حرف عملية الاصلاح الشامل وتحويلها الى آلية نفسية مخادعة لامتصاص نقمة الحراك الشعبي وتسكينه !!!.

وفي الوقت نفسه جرت تجاوزات عديدة من الاجهزة الامنية تمثلت في الاعتقالات والتعذيب واستخدام العتاد الحي وخراطيم المياه الساخنة ضد المتظاهرين في أكثر من محافظة. طبعا ولاينكر ايضا الدور الايجابي لهذه الاجهزة في التعامل الايجابي مع المتظاهرين, هنا وهناك, ومحاولات الحد من الصدامات المباشرة معهم.

وعلى صعيد الجبهة الاعلامية يجري تصعيد مدروس من قبل بعض الرموز الاسلاموية لتشويه صورة الحراك المدني واتهام قواه المحركة بالصعاليك واليسارية والعلمانية والكفرة, وربط ذلك كماهي المعزوفة القديمة بعداوتها للدين, في محاولة يائسة تقليدية لخلظ الاوراق والتأثير على بعض شرائح الحراك المدني في محاولة لاضعافه وتفتيته والعبث بوعيه. كما تجري محاولات عديدة لاختراق الحراك المدني من بعض المليشيات الطائفية المسلحة والاحزاب السياسية الطائفية, وهي جزء من الازمة, مستخدمة الترغيب والترهيب, في محاولة لايجاد نوع من الموازنة الشاذة داخل الحراك, واجهتها العلنية مطلبيا مع الحراك ولكن باطنها يعمل وفقا لقاعدة " الاسلام هو الحل " والاصلاح مهما بلغ شأنه فهو عمل باطل !!!.

كما تقوم العديد من القنوات الفضائية الاعلامية بمحاولات التأثير على مسار الحراك الشعبي السلمي وجره الى أعمال عنف وخلق مزاج انفعالي مدمر لا يليق بالحراك المدني الحضاري, وتستخدم هذه القنوات لغة اعلامية مموهة, ظاهرها الحرص على شعبنا ومطاليبه والبكاء على محنته, وباطنها حرف مسار الحراك وتحويله الى حركة صدامية, لا تقبل بأي شيئ ولا تريد أي شيئ, بل التأثير على الحراك في محاولة لتبني شعارات تلك القنوات الفضائية الصفراء, من خلال تحول صحفييها الى قيادات ميدانية عن بعد, واستخدام أسماء بعض الصحفيين كواجهات يضرب بها " قوة المثل الميدانية المطلبية". والجميع يعرف ان بعض من هذه القنوات والعاملين فيها هم من بقايا ثقافة النظام السابق ورموزه والمتباكين عليه, وهدفهم ليست الاصلاح واعادة بناء العملية السياسية على أسس سليمة, بل العودة الى المربع الاول, مربع الانقلابات العسكرية واحياء لقيم الدكتاتورية في الاستحواذ على السلطة, كما تلعب في خلق الفراغ السياسي المدمر, والذي تكون بدائله مزيدا من الارهاب والمليشيات المسلحة الطائفية وغير الطائفية وفرق القتل المجاني, وخلق مزيدا من الفوضى والاقتتال الداخلي !!!. 

في تلك الاوضاع الدقيقة والتي تستدعي مزيدا من اليقظة الوطنية, وفي ظروف ضعف الموازنة بين نوعية المطاليب وطبيعتها الجذرية الآنية, وهشاشة المؤسسات الضامنة" من جيش حيادي مهني واجهزة أمنية واستخبارتية كفوءة" للحفاظ على الاوضاع العامة عند انهيار أو حل المؤسسات القائمة, يقوم بعض من الاخوة الكتاب المعروفين بنزاهتهم وانتمائهم للوطن في المطالبة بألغاء الدستور مرة واحدة, وحل الحكومة, وحل البرلمان, واعلان حالة الطوارئ في البلاد, وتأسيس جيش جديد, وأجهزة أمنية واستخباراتية بديله, واجراء انتخابات مبكرة, وغيرها من المطالب "الفورية والثورية" كشروط لبدأ الشروع في الاصلاح, على نسق ما كان يعقب الانقلابات العسكرية وما يتبعها مباشرة ببيان رقم ( 1 ) !!!.

ان استحضار آليات الانقلابات العسكرية والكامنة في اللاوعي عند بعض الكتاب, والتي جرت في تاريخ العراق هو أمر عفى عليه الزمن, وخاصة في تجارب العراق, فلا يمكن الاستعانة بهذا النموذج لحل المشكلات المستعصية الحالية, فهو نموذج لجأت أليه كل الحكومات التي انفردت بالسلطة ونسفت كل ما سبقها من هياكل ومؤسسات تشريعية وتنفيذيية وحتى بنى تحتية, في محاولات فشل معظمها في بناء ما هو ايجابي وجديد يخدم مصالح الناس, وبقى ما خدم الحاكم وتكريس نظام الحكم !!!.

نقولها بشكل دقيق اليوم وأنطلاقا من الموازنة الدقيقة في عناصر الموقف السياسي والامني العام في البلاد, ان اعلان حالة الطوارئ في البلاد في ظل انتشار المليشيات المسلحة, والتي تمتلك سلاحا وعدة وعدد وخبرة قتالية تفوق قدرات الجيش, والبعض منها يشكل أجنحة مسلحة لبعض أطراف العملية السياسية, زائدا قوى الارهاب العلني والمتمثلة أمام أعيننا بنموذج داعش المتحالف مع البعث في نسخته العراقية, والتي الى اليوم لم يستطيع الجيش العراقي ولا الحشد الشعبي من حسم المعركة لصالحهما تماما رغم تقدمهما النسبي في أرض المعركة, وبقاء الموصل محتلة دون تحريك ساكن صوب تحريرها, الى جانب قوى الجريمة المنظمة والمجاميع الشللية من حملة السلاح, وحملة السلاح الفردي, والمافيات, وفرق القتل والموت, وقوى جرائم السطو والاعتداء على أالمال العام والخاص. إن من يملئ الفراغ الامني وحتى السياسي هو خليط من تلك القوى الشريرة, وان الموقف سيزداد قتامة ودموية !!!.

ان الاحتلال وما بعده خلق واقعا لايمكن تجاوزه أو طرح مشروع اصلاح جذري يتحاوز البيئة التي سيجري فيها ومجمل نعقيداتها, وبالتالي يكون الاصلاح مجديا عندما ينطلق من خصوصية الظروف المحيطة به, ولايأتي متعاليا عليها فيفقد مرونته في التطبيق. نعم ان تعقيد البيئة العراقية السياسية والاقتصادية والامنية التي سيجري فيها الاصلاح قد يخدم نسبيا بقاء الاسلام السياسي الطائفي والاثني المحصصاتي متنفسا الصعداء مع بقاء الاوضاع دون نقلة جذرية سريعة في الاوضاع السائدة, ولكن قوة الدفع في الحراك الوطني والمدني الشامل متزامنا مع الضغط في البدأ الجدي بتنفيذ حزم الاصلاح ومتابعة الشعب لمديات تطبيقها, كفيل بتحويل الحراك المدني الى أجهزة شعبية رقابية لمتابعة سقف الاصلاح ومحتواه !!!.

ويحب التأكيد هنا ان كل السلطات, التشريعية والقضائية والتنفيذية, الى جانب الدستور, وان لم تكن مقدسة بالتأكيد الا انها امتداد لبصمات الشعب عبر صناديق الاقتراع, مهما قيل ويقال عن ملابسات الانتخابات وتزويرها والظروف التاريخية التي تم من خلالها سرقة ارادة الناخب, وهذا يضفي على الاوضاع القائمة أكثر تعقيدا ومسارا صعبا في معالجات جذرية, لان ذلك مرتبط باعادة تشكيل وعي الناخب, أي ان اعادة الانتخابات غدا على سبيل المثال, ليست بالضرورة ان تأتي نتائجها مطابقة لاتجاهات اصلاح العملية السياسية جملة وتفصيلا !!!. 

ولكن من الايجابي والموعود في نتائجه هو ان شعبنا في حراكه المدني رفع الحصانة الاخلاقية والسياسية والقدسية عن من انتخبهم ممثلين له, احزابا وافرادا, من خلال فهمه الحراكي لازمة ومأساة النظام الطائفي والمحصصاتي المسبب لكل ذلك. وهذا يشكل رسم ملامح اصطفافات جديدة في اعادة بناء الوعي المدني وتغير في الخارطة السياسة العراقية لصالح التيار الانساني العام والحضاري !!!. 

لقد قرر شعبنا في حراكه الشعبي إن الاصلاح الشامل وليست " الثورة " هي الحل, وأن ضمانة ذلك هو: الخلاص من نظام المحاصصة الطائفية والاثنية, وهذا يعني اجراء تعديلات جوهرية على الدستور, واعادة النظر بقانون الانتخابات, واصدار قانون الاحزاب والذي يمنع تشكيل الاحزاب على أسس دينية وطائفية وقومية, الى جانب تشريع قانون النقابات والاتحادات, وقانون النفط والغاز, وقانون حرية التعبير, وقانون المحكمة الدستورية, وقانون مجلس الاتحاد, واعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وهيئة النزاهه, واعادة تشكيل مجلس القضاء الاعلى بما يضمن من نزاهته حقا. أن التأسيس لذلك والشروع بالعمل فيه هو الضمانة الاكيدة لمستقبل العراق وحماية مستقبل أبنائه وثرواته ودرء خطر الارهاب. وهي مقدمات لبناء عراق يسعد المواطن في تنوعه الاثني والديني والثقافي والمذهبي ولا يشقى !!!. 

ان شعارات ك " بأسم الدين سرقونا الحرامية " و " يا مواطن يا مسكين ضحكوا عليك بأسم الدين " و " ميزانية انفجارية في جيوب الحرامية " و " أطلع يا شعب لا تكول شعليه " و " وداعش والبرلمان وجهان لعملة واحدة " و " وقادمون الى  المنطقة الخضراء كي لا نهاجر خارج الوطن " و " ولا لحكومة الفوضى والدمار " وغيرها من الشعارات, إنها ليست نزهة في عالم الترديد الببغاوي والمتعة الاجترارية, بل انها ارتجاجات في القشرة الدماغية للحراك الشعبي وحالة مخاض لانتاج وعي جديد سيقرر مستقبل أفضل !!!.

 
   

59
الحراك المدني الشعبي في العراق ومفاهيم الاصلاح !!!

د. عامر صالح
تتفق تقريبا أغلب المعاجم العربية والدولية والهيئات المختصة في تحديد الملامح العامة لمفهوم الاصلاح الاجتماعي بما يعنيه أزالة الفساد وتحسين الحياة العامة وتحقيق التقدم والتحديث للبنى السياسية والاقتصادية والاحتماعية والقضاء على الخلل الوظيفي الذي ينشأ فيها جراء استشراء وتمفصل الفساد الذي يضر بعموم الحياة العامة ومفاصلها. كما أن حركة الاصلاح تنشأ انعكاس لاحتياجات عامة الشعب للحياة الطبيعية, وبالتالي فأن الاصلاح مطلب شعبي ولاتفرضه نخبة ما. 
"ويلعب الاصلاح السياسي دورا مهما في أزالة الفساد والاستبداد لترسيخ الحكم الصالح, والذي من اهم مظاهره سيادة القانون والشفافية والمشاركة الشعبية الحقيقية في اتخاذ القرار والعدل وفعالية الانجاز وكفاءة الادارة والمحاسبة والمسائلة والرؤية الاستراتيجية, وهو تجديد للحياة السياسية, وتصحيح لمسارتها, ولصيغها الدستورية والقانونية, بما يضمن توافقا عاما للدستور, وسيادة للقانون, وفصلا للسلطات, وتحديدا للعلاقات فيما بيتهما". كما ورد في قاموس "وبستر" للمصطلحات السياسية ويتبناه برنامج الأمم المتحدة لإدارة الحكم في البلاد العربية !!!.                                               
   لقد قطع العالم المتقدم شوطاً كبيراً في أجندة الإصلاح، وتجاوز عقبات كبيرة وكثيرة في تحقيق طموحاته ورهاناته الملحة، ومع ما يعايش من أزمات دورية ومشاكل مزمنة إلا أنه استطاع تسجيل مكاسب ميدانية هائلة في الأجندة الحداثتيه، ليكون أقدر على الانطلاق والتقدم في المجالات العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية والمهنية والاقتصادية، ولولا مساعيه الدائمة للإصلاح لتوقفت عجلة انتاجاته واكتشافاته، وعطائه الفكري في البعد الإنساني، بل أنه يقوم على إخضاع وسائله وآلياته للدراسة والمسائلة والتقويم والبحث، ليقوم على تطويرها وتفعيلها حسب ما يتفق وينسجم مع متطلبات الواقع والحياة والبقاء، إضافة إلى رفدها بالمستجدات اللازمة. فالعقل الانساني الفردي والمجتمعي لا يبدع ولا يصمد أمام الازمات إلا من خلال ممارسة النقد والنقد الذاتي لمساراته المتعددة وعلى مختلف الاصعدة, السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, ولا يوجد إعفاء من مهمة النقد على مختلف المستويات, ففي النقد والتقويم واعادة البناء يكمن بقاء الحياة صالحة للجميع ومتسلحة بالجديد الايجابي دوما !!!. 
في العراق كان يفترض على الحكومات المتعاقبة ما بعد 2003 أن تحمل أجندة تفصيلية لحركة أصلاح شاملة تستهدف في برامجها أعادة بناء البنية التحتية الاقتصادية ـ الاجتماعية المدمرة والتي ورثتها من النظام الدكتاتوري السابق جراء الحروب الكارثية التي ارتكبها النظام والتي استنزفت موارد البلاد ودمرت بنيته التحتية, ثم الدمار الذي سببه الاحتلال الامريكي. وبحكم طبيعة النظام الجديد الذي كان يفترض أن يكون ديمقراطيا من خلال إضفاء شرعية نسبية عليه بأعتباره منتخبا ودستوريا, أن تقوم الحكومات بتعبئة كافة الجهود اللازمة وزجها في حركة أصلاح شاملة تستهدف إعادة بناء الحياة من جديد على أسس من العصرنة والتحديث لكل مرافق الحياة والاستجابة لمطالب الناس الملحة !!!. 
بعد أكثر من عقد من الزمن أثبتت الحكومات المتعاقبة ذات المسحة الاسلاموية والمحاصصاتية إنها لا تحمل في حقائبها أي مشروع للاصلاح والتنمية والنهضة الحضارية, بل أثبتت العكس إنها حكومات متخصصة في الفساد الاداري والمالي وسرقة المال العام وتفكيك وتدمير ما تبقى من بنية اقتصادية واجتماعية وثقافية, وإفلاسا تاما لخزينة الدولة, وقد حولت العراق الى بيئة صالحة لانتعاش الارهاب والبعث ومفككا من شماله الى جنوبه, كما أسهمت بخلق حالة من ضعف الولاء للوطن يقابلها ولاء أشد للطائفية والقومية والاثنية وللمليشيات المسلحة المنتشرة في العراق كله, مما أضعف عملية بناء اجهزة أمنية ودفاعية وأستخباراتية مهنية ومحايدة, وتركت هذه الحكومات العراق عرضة لمحتلف الوصايا والتدخلات الخارجية ومفتقدا الى السيادة الوطنية الحقيقية والمستقلة !!!. 
أن الاسلامويين الذين أتوا للسلطة مستفيدين من زخم كراهية شعبنا للنظام الدكتاتوري السابق ومندفع انفعاليا للخلاص من الفقر والقمع والحروب ومرتميا في احضان الاسلام السياسي من خلال خطاب مموه وكاذب في البحث عن عوامل السعادة والرفاه في عالم وهمي يسهم في ديمومة المعاناة واعادة انتاجها, ادرك شعبنا اليوم من خلال تجربة اثني عشر عاما من الاحباط, إن الاسلامويين لا يمكن أن يكونوا هم الحل, بل هم المشكلة, ولا يمكن للديمقراطية أن تبنى في المجتمع في ظل حضور زائد عن الحاجة لهم, تلك هي تجربة العراق اليوم وتجارب الامم التي سبقتنا !!!. 
لقد انطلق الحراك المدني الشعبي منذ نهاية تموز والى اليوم متجسدا في المظاهرات الدورية الاسبوعية وذات الطابع المطلبي والحق القانوني والدستوري, وكانت النشأة الاولى على خلفية استعصاء الخدمات في ميدان الكهرباء والماء والصحة والتعليم وظروف العيش المتردية عموما, ولكن مسار هذا الحراك تبلور لاحقا في حالة من الوعي في فهم أسباب الفقر الحقيقية بفعل تأثير بعض من شرائح الانتلجنسيا العراقية الوطنية, مما ساهم في رفع سقف المطالبة المشروعة من المطالب الانية الى البحث في جذور الازمة ذات الطابع العصي على الحل لأكثر من عقد من الزمن, وبالتالي ساهم في نقل المطالب الانية الى مستوى المطالبة في الاصلاح الشامل للعملية السياسية, في ابعادها الدستورية والقضائية والتنفيذية, والتي تعيد النظر جذريا بالنظام المحاصصاتي الطائفي والاثني !!!.
لقد ساهم هذا الحراك في الوعي العراقي نسبيا الى تبني خطابا وطنيا خرج عن الاطر التقليدية في تصريف الازمات والتي كان الاسلام السياسي فيها الدور الفاعل حيث يعيد انتاج خطابه المعسول وسط الجماهير بمزيدا من الافراط في الطقوس الدينية والعزاءات وتحويل حالة الاستياء العام الى إحساس بالأثم وشعور بالذنب يعقبها مزيدا من القنوط والاحباط, وتحميل الناس مسؤولية ما يحل بهم من مصائب !!!.
أن الارتقاء بوعي الحراك المدني الى مستويات أكثر نضجا تستجيب لمطالب الاصلاح الشامل يستدعي دعما وحضورا مكثفا من مؤسسات المجتمع المدني والاحزاب والنقابات المختلفة وجماهير شعبنا ذات المصلحة الحقيقية في الاصلاح الشامل للعملية السياسية وضمان قوة دفع لحركة الاصلاح الشامل ومنعها من الارتداد وعدم تحويلها الى حركة انتقائية ترقيعية, ممكن أن يتم التراجع فيها عن أي انجاز قد يتحقق, أو امتصاص نقمة الحراك المدني من خلال الوعود الكاذبة وتسويف مطالبها, كما هي محاولات البرلمان والحكومة والقضاء الآن لايجاد مخرج غير نزيه للازمة العامة في البلاد !!!.
ومن هنا يجري الحدبث المشروع عن توفير بيئة دستورية وقانونية وقضائية وتنفيذية تحمي حركة الاصلاح الشامل في البلاد وفي كافة المجالات, وإلا يبقى الحديث عن الاصلاح ودوافعه ونوايا المصلحين أمر مشكوك فيه كما يحس به شعبنا الآن من خلال الالتفاف على حزم الاصلاح والمماطلة بأتخاذ أي خطوة من شأنها أن تعيد النظر بالنظام الطائفي والاثني البغيض.
ومن هنا تأتي مطالبة شعبنا الواضحة في حراكه الشعبي بتوفير مقومات تلك البيئة والمتمثلة في:  الخلاص من نظام المحاصصة الطائفية والاثنية, وهذا يعني اجراء تعديلات جوهرية على الدستور, واعادة النظر بقانون الانتخابات, واصدار قانون الاحزاب والذي يمنع تشكيل الاحزاب على أسس دينية وطائفية وقومية, الى جانب تشريع قانون النقابات والاتحادات, وقانون النفط والغاز, وقانون حرية التعبير, وقانون المحكمة الدستورية, وقانون مجلس الاتحاد, واعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وهيئة النزاهه, واعادة تشكيل مجلس القضاء الاعلى بما يضمن من نزاهته حقا. أن التأسيس لذلك والشروع بالعمل فيه هو الضمانة الاكيدة لمستقبل العراق وحماية مستقبل أبنائه وثرواته ودرء خطر الارهاب. وهي بداية التأسيس لوطن معافى يتعايش فيه الجميع بأختلاف دينه وقوميته وطائفته وجنسه وثقافته, وعندها يكون الدين لله والوطن للجميع !!!.

                                                 

60
الحراك الشعبي المدني بين المرجعية الدينية والإنتلجنسيا الوطنية العراقية

د.عامر صالح
للفقر وعدم إشباع الحاجات الإنسانية آثاره العميقة في تشكيل حالة الإحباط وما تنتجه من كبت نفسي لدى المواطن, والتي يمكن أن تنعكس لاحقا في شتى سلوكيات الإرتاد والعنف ضد النظام السياسي المسبب لها, والناتجة من حالة الاغتراب بين النظام والمواطن, والتي تعتبر مصدرا خطيرا لنشأة الفجوات النفسية المدمرة !!!.

والاحساس بالفقر الناتج من انعدام ظروف العيش الكريم ينتج من الناحية الموضوعية وعيا معارضا بغض النظر عن مظاهر التعبير عن هذا الوعي. وتشكل الهبات الجماهيرية العفوية أو المنظمة احدى مظاهر هذا التعبير, وقد تتصاعد هذه الهبات الجماهيرية وتحصل عدة مرات وفي فترات زمنية مختلفة حتى تزول أسباب قيامها. وهي تستند الى نضج مستوى التناقض ودرجاته بين قوى الأنتاج وعلاقاته وحسب دورية الأزمات ومستويات تصاعدها المتفاقم.

 الحراك الاجتماعي الشعبي العراقي ليست إستثناء عن هذه الظاهرة, بل يجسد بشكل واضح مرحلة خطيرة من مراحل الخلل المدمر بين قوى الانتاج وعلاقاته, بين القوى العاملة والشعب بعمومه من جهة, وبين الملاكين الأسياد, من قيادات الفساد الإداري والمالي المندمج مع السلطة السياسية ومراكز القرار, والذين يمتلكون الثروات ومفاصل الأقتصاد والقرار السياسي. وقد وصل هذا التناقض الى درجة لا يمكن العيش معه إلا بتغيره وتغير البنى التشريعية والتنفيذية والدستورية التي وفرت مظلة لأنتاجه !!!.

وعلى الحراك الشعبي المتعاظم ان يصل الى أقصى مداياته السلمية, مستمدا قوته من دينلميات الصراع الدائر بين طرفي نقيض: هو الشعب من جهة, والمفسدين السياسيين من جهة أخرى. ولكن المفارقة العراقية في تجربته أن هناك تداخل بين هذه العلاقة حيث تتداخل الأسباب بنتائجها على شكل مفارقة مضحكة ـ مبكية, وملخصها إن من أتى بهؤلاء المفسدين هي صناديق الإقتراع, من خلال تشويه ومسخ أراداة الناخب, ولكن في الديمقراطيات المستقرة العريقة إن العقل الجمعي يحاسب الشعوب على خياراتها !!!.

وللأسف ساد لأكثر من عقد من الزمن أجواء من العتمة والقنوط النفسي وضعف في الحراك الشعبي, وهو ليست حالة من الوعي الإنكفائي الخالص, بل هو تعبير ضمني عن تشوهات الوعي الناتج من تداخلات الدين بالسياسة, وبالتالي كان هذا الرضوخ يجسد نتائج الخطاب الإسلاموي المموه والكاذب والذي مارس غسيل دماغ وتعطيل للعقل العراقي وقدراته المعرفية ـ التشخيصية, مما أدى بالناس أن تبتعد نسبيا عن فهم مسببات الصراع وطبيعته وقوانينه والركون للقدرية والإستسلام للأمر الواقع, وإبقاء عوامل الرفض للواقع المتردي في الكمون !!!.

وحال رفع يدي المرجعية الدينية قليلا عن الاحزاب الاسلاموية, حتى بدأت بؤر الحراك الشعبي المدني تنطلق بقوة دفع تجاوزت فيه سقف مطالب المرجعية نفسها, فرب شرارة أحرقت السهل كله, وكأن كلمة المرجعية الدينية الموجهة لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي, والتي بين ما تضمنته, بضرورة ضرب المفسدين بيد من حديد, وكأنها رسالة ضمنية الى الشعب العراقي برفع الحصانة عن الإسلام السياسي, كما فهمت من شعبنا, ولكن الحقيقية ليست كذلك, فالمرجعية الدينية مرتبطة أشد الارتباط بتعقيدات الوضع السياسي, ولها موازناتها الدقيقية والذكية في إدارة الصراع بين إقتتال الأخوة وأمتصاص الأزمات !!!. 

ولكن حراك شعبنا عبر عن أزمة خانقة أندلعت وتهدد مستقبل بلد بكامله, وتهدد ضمنا بنهاية الإسلام السياسي ومؤسساته في العراق, فتداخلت المصالح المشتركة بين الحفاظ على مكانة المرجعية ومصالح شعبنا, فجاء التحذير لإسلامويين من خطورة الاوضاع التي تفني الجميع وتهدد بأسوء الخيارات الكارثية, وخاصة في ظل وجود الارهاب كبديل قوي يراهن على مزيدا من تفكك الاوضاع وشرذمتها وأنهيارات اللحظة, وهو على مقربة من بغداد !!!.

وأذا كان خطاب المرجعية يحمل للوهلة الاولى بصمات ثورية ويعبر عن مزاج سائد لدى أوساط شعبنا المحروم, لكن هذا لا يمنع من أن يكون للمرجعية سقفا محددا وتكتيكا يبقى ضمنا على مستوى من العلاقة بين الاسلام السياسي ومرجعيته الدينية. وإن جر آذان الاسلام السياسي من قبل مرجعيته تعبر عن مظهر شديد التركيز والاستقطاب وعقوبة شديدة نسبيا, ومعبرة عن تلك العلاقة الابوية ـ البطريركية بين الاسلام السياسي ومرجعيته !!!.

من هنا تأتي أهمية دور الإنتلجنسيا العراقية الوطنية, من مثقفين, ومفكرين, وكتاب, وأدباء, وصحفيين ونخب سياسية, والمشهود لهم في ولائهم للوطن وفي استقرائهم للاحداث بعيدا عن الخندقة والمساومات الطائفية والعرقية والشوفينية الانتهازية, تلك الفئة الاجتماعية الخلاقة في الفكر والممارسة في السياسة وعلم الاجنماع والقادرة على استخدام المنهج العلمي في قراءة الظواهر الاقتصادية والاجتماعية بهدف الوصول الى نتائج مقبولة لحل مختلف الاختناقات السياسية والاقتصادية. وهي تختلف كل الاختلاف عن تلك الفئة من " المثقفين " الذين أصبحو كلاب حراسة لطوائفهم وأنتمائتهم الاثنية الضيقة !!!. 

أن تلك الفئة من الانتلجنسيا الوطنية قادرة على احتواء المد الشعبي المتصاعد على خلفية المراوحة في المكان والمراوغة في عمليات الاصلاح, وتأمين مسارا سلميا لعمليات الحراك الشعبي, من خلال توعية الناس بضرورة الابتعاد عن اعمال العنف والتهديد بالزحف والهجوم على مقرات السلطات العليا, من برلمان, ورئاسة الجمهورية, ورئاسة الوزراء وسلطة القضاء العليا, وتعزيز مبدأ ان شعبنا ينتفض من اجل انتزاع حقوقه المشروعة سلميا ولا يثور, وعزل وسائل الاعلام والقنوات الفضائية التي تدفع لمزيدا من التصعيد والعنف والتحيز في نقل الاحداث والاخبار وفبركتها من أجل بديل عبثي يسهل إختراق الارهاب وتحويل العراق الى ساحة مكشوفة لكل الصراعات الدموية !!!.

وتسهم تلك الانتلجنسيا الوطنية الحاملة للمعرفة والفكر والثقافة الانسانية في خلق أجواء معرفية سليمة تضع المنتفضين في حالة من الوعي والادراك السليم لما يجري, بعيدا عن سلوكيات الحشود الانفعالية الضارة لمصالح شعبنا, والمؤطرة بدوافع تصفية الحسابات السياسية والسياسية الطائفية الضيقة, كما تلعب دورا في حماية التظاهرات من التسييس والاختراقات الحزبية, وتأمين مسار سلمي متصاعد للحراك الشعبي يفضي الى حلول لأبرز المشكلات التي يعاني منها شعبنا, ويجنب الصدام مع القوات الامنية التي لازالت مهنيتها تفتقد الى الكثير من العمل, لمواجهة الحراكات الشعبية المشروعة !!!.

أن كل عمليات الحراك الشعبي المطلبية تنطلق شرارتها الاولى من خلال جهد شعبي عام, سواده الاعظم من الفقراء والمعدومين والكادحين, وتبقى هذه الحراكات محفوفة بالمخاطر والانتكاسات وفي انعدام أفقها اذا لم تتصدرها قيادات فكرية وثقافية مخلصة تساعد المنتفضين في تحويل استجابتهم الانفعالية الاولى وغضبهم المشروع الى فعل استراتيجي يؤدي الى تحقيق مطاليبهم.

لقد مر على الانتفاضة العراقية شهرا تقريبا, تمت فيها رسم ملامح التغير القادم من خلال المطاليب الاتية, والتي تعكس التأثير الواضح لللنخب العراقية المثقفة, والتي تتمثل في ترتيب أولويات مطاليبه من ماء وكهرباء وخدمات وايجاد فرص عمل واعادة بناء البنية التحتية الاقتصادية المدمرة وايجاد فرص للعيش الكريم, الى جانب مطالب ذات بعد استراتيجي كما يراها شعبنا المتظاهر هي في الخلاص من نظام المحاصصة الطائفية والاثنية, وهذا يعني اجراء تعديلات جوهرية على الدستور, واعادة النظر بقانون الانتخابات, واصدار قانون الاحزاب, الى جانب تشريع قانون النقابات والاتحادات, وقانون النفط والغاز, وقانون حرية التعبير, وقانون المحكمة الدستورية, وقانون مجلس الاتحاد, واعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وهيئة النزاهه, واعادة تشكيل مجلس القضاء الاعلى بما يضمن من نزاهته حقا.

وفي الختام نقول اذا كانت المرجعية الدينية أعطت زخما انفعاليا وقوة دفع لإنخراط شعبنا في البحث عن حلول لمشكلاته, فأن الوقت قد حان لتحويل تلك الانفعالات الى عمل عقلي رفيع المستوى لتنفيذ مطاليب شعبنا, وهو عمل صعب واختصاصي يستدعي تدخل النخب العراقية المهنية والمثقفة وذات الصلة بمصلحة الوطن, بعيدا عن زج الدين بالسياسة, فلا زالت تجارب الاسلام السياسي مثخنة بالجراح ولازال مستقبل شعبنا قاب قوسين !!!.



 

61
العراقيون: من التعبئة الحشدية الانفعالية الى العقل المدني المتفرد !!!

د.عامر صالح
تعبر الانتفاضة العراقية المطلبية عن تحول نوعي في الوعي والمدارك العراقية في فهم ما يجري في السياسة والاقتصاد والتفاعلات المجتمعية, وهي نقلة نوعية في البعد العقلي ـ المعرفي لفهم اسباب ما يجري, وبالتالي المطالبة بالحلول النوعية لتجاوز الأزمة, ورفع شعارات ذات قيمة مطلبية ملموسة. هذا تطور نوعي في فهم آلية الاسباب في ضوء علاقتها بالنتائج, وتشكل نقلة أستثنائية في فهم الأزمة العامة في البلاد وجذورها على المستويين الذاتي والموضوعي, كما يشكل ذلك نقلة ايجابية في الوعي العراقي, من الحالة الحشدية القطيعية الى حالة التفرد والتمايز الجميل في استدراك ما يجري ورفض الوصاية الرعوية والابوية البطريركية الدينية وغير الدينية على عقول العراقيين !!!.

كما نعرف أن الوضع السياسي في العراق هو نتاج لتراكم سبق سقوط النظام السابق في عام 2003 وما بعده, وما خطط للعراق خلال عقود من الزمن أن يكون ضعيفا مهمشا, لا سيادة له على ارضه ومقدراته وثرواته الطبيعية والثقافية والاجتماعية, مفتتا الى كانتونات طائفية وأثنية, ابتعدت عن تنوعها الجميل الذي عرفناه ومخترقا من الطائفية ـ السياسية والتجمعات المصغرة ذات الطابع الشللي, والمليشياتي, ومستنقع للعصابات الإجرامية, واصبحت الطائفة واجهة ومظلة لحماية المجرمين والفاسدين والسراق والقتلة, حتى باتت تلك التجمعات الشللية الطائفية والطائفية السياسية مرتع للجرائم الكبرى في سرقة المال العام والقتل الجنوني المجاني اليومي والمرتبط بأجندة سياسية وأرهابية, متزامنا مع التفكيك البنيوي التدميري المنظم لمؤسسات الدولة, حتى أخذت تلك الأفعال المدنسة طابعا مقدسا من خلال زج الدين في أقصى مداياته في تفصيلات الخراب اليومي وإضفاء الشرعنة على السلوكيات السيكوباتية المرضية !!!.

أن الخراب الفكري وما تبعه وظيفيا من خراب عقلي ـ معرفي هو أرث عقود من القمع السياسي والاجتماعي والثقافي من خلال غسيل الدماغ بتقنيات الحزب الواحد وسلطته التي حكمت العراق, وألغت فيه قيمة الفرد الذهنية والفكرية والابداعية, فحولت فيه شرائح اجتماعية واسعة الى كتل صماء منفعلة, تحركها اشارات من قائد الضرورة اينما يريد وكيف ما يريد وبأي اتجاه ويسوقها كراعي أغنام. وقد كان انعدام الأمل وضعف العامل الذاتي في التغير أحد اسباب انسياق الناس الى التمسك بدين مفرط زائد عن الحاجة الشخصية والتشبث بالماورائيات لحل ازمة الحياة المستعصية !!!.

كانت تلك أرض خصبة للإسلامويين السياسيين بعد سقوط النظام الدكتاتوري الفاشي في 2003 للاستحواذ على السلطة من خلال استخدام سياسات التجييش والتحشيد القطيعي والافراط في استخدام المراسيم والطقوس الدينية حتى باتت عملا مدمنا وتحشيشيا يصبحوا ويمسوا عليه, وقد تحولت الدولة العراقية الى مجموع طقوس وشعائر دينية, غاب فيها الحديث عن التنمية والتخطط وتحسين مستويات العيش, حتى تحول كل شئيئ الى هالة من الطقوس المقدسة, بما فيها الفساد وسرقة المال العام والقتل الفردي والجماعي !!!. 
لأكثر من عقد من الزمن كان الاسلام السياسي يستخدم جاهزية العقل العراقي المثقل بجراح الوعي لتسويق بضاعته الرخيصة وخطابه المعسول ذو الانفعالات المهيجة للاحتراب بين الاخوة في الوطن, ناسيا مطالب الناس في الخدمات والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتوفير فرص العيش الكريم, ومتخذا من معاناة الناس في الفقر والفاقة والاضطهاد في تمويه سياساته في الفساد والجريمة والتحلل الخلقي من خلال اضفاء الشرعية على كل افعاله, وتسويف مطالب الناس من خلال الكذب والرياء والنفاق من خلال خطاب ظاهره مقبول نسبيا وباطنه عفن !!!.

بعد عقود من الزمن كان مخاض شعبنا لتجاوزحالة الحصار السلطوي بشقيه الدكنانوري والاسلاموي واضحا عبر اختمار آليات التغير في مراحلها الثلاث كما ترد في الادبيات السيكولوجية:

ـ المرحلة الأولى: الرضوخ والقهر خلال هذه المرحلة, التي تدوم فترة طويلة نسبيا, يشكل زمن الرضوخ والاستكانة أو الفترة المظلمة من تاريخ المجتمع, عصر الانحطاط, وتكون قوى التسلط في أوج سطوتها, وحالة الرضوخ في أشد درجاتها. وأبرز ملامح هذه المرحلة هو اجتياف (أستدخال) عملية التبخيس التي غرسها الحاكم المتسلط في نفسية الجماهير, فيكره الإنسان نفسه ويوجه عدوانيته تجاه نفسه وتجاه أمثاله, ومن ثم يقوم بإزاحة هذه العدوانية ليمارسها تجاه من هو اضعف منه. ومن الملامح الأخرى هو الإعجاب بالمتسلط المستبد وتضخيم تقديره, فيعطيه حقا شبه إلهي في السيادة والتمتع بكل الامتيازات, وبالتالي تنشأ علاقة رضوخ " مازوخي " من خلال الاعتراف بحق المتسلط بفرض سيادته, وتنشأ في هذه المرحلة مجموعة من العقد التي تميز حياة الإنسان المقهور أو المضطهد أهمها: عقدة النقص, وفقدان الثقة بنفسه وبأمثاله, والتي تجعله يحجم عن كل جديد, ويتجنب كل تجربة قد تساهم في تغير وضعه, لذلك فهو لا يحرك ساكنا, وإنما ينتظر ذلك البطل المخلص الذي سينتشله مما هو فيه, وهذا ما يمهد الطريق للتعلق بالزعيم الفرد, تعلقا يغري بالتسلط والدكتاتورية, إن هذه الأفكار تجعل عملية التحديث تجابه بمقاومة شديدة تحبط البرنامج التنموي. أما عقدة العار فهي تجعل الإنسان يخجل من ذاته, ويعيش وضعه كعار وجودي يصعب تحمله, فيتمسك بالمظاهر لتشكل غطاء لبؤسه الداخلي, ولابد للمتسلط دورا في تحويل انتباه الإنسان المقهور من حالة الذل والقهر التي يعيشها إلى أمور ثانوية, وبذلك يحمي المتسلط نفسه من ثورة المقهورين. وأخيرا وليس آخرا يعاني المقهور من اضطراب الديمومة, حيث أن طول المعاناة وعمق القهر والتسلط الذي فرض عليه ينعكس على تجربته الوجودية للديمومة على شكل تضخم في آلام الماضي, وتأزم في معاناة الحاضر وانسداد آفاق المستقبل, ويتفاعل هذا مع عقدة النقص وعقدة العار, مما يغرق الإنسان في ضعفه وعجزه واستسلامه إزاء قوى تتحكم في مصيره, ويحس انه لا قدرة له على مجابهتها !!!!.

ـ المرحلة الثانية: الاضطهاد وفيها يبدأ الإنسان بتحويل حالة الغليان العدوانية التي كانت موجهة ضد نفسه إلى الآخرين , بعد عدم تمكنه من كبتها بالآليات التي استخدمها في المرحلة الأولى. انه يحول عدوانيته إلى الذين يشبهونه, أن جوهر هذه العملية هو التفتيش عن مخطئ يحمل وزر العدوانية المتراكمة داخليا, وبذلك يتخلص من شعوره بالذنب ومن عاره وعقد نقصه ويصبها على الآخر, متهما إياه " بشكل توهمي " أنه يحسده ويريد أن يؤذيه, وهكذا يصبح العدوان عليه مبررا فهو دفاع عن النفس ليس إلا. إن هذا التفريغ والتحويل للمشاعر السيئة الداخلية تجاه الآخر المقهور مثله ينفع مؤقتا في تخفيف التوتر الداخلي للإنسان المقهور, لكن ذلك يفشل في تخليصه وإراحته على المدى البعيد, مما يجعله ينتقل إلى المرحلة الثالثة !!!!.

ـ المرحلة الثالثة: التمرد والمجابهة عندئذ يصبح العنف المسلح وغير المسلح هو السبيل ليتخلص الشعب من عقدة النقص والجبن والخوف التي غرسها الحاكم المستبد في عروقه, وهو يحقق بذلك ذاته وينفض عن نفسه الكسل والجهل والاتكالية, وقد يكون العنف  والغضب في البداية معيقا لإمكانية التفكير والتنظيم, ولكنه يفتح المجال لكل الاحتمالات, فأما إعادة دورة العنف أو الانطلاق إلى رحاب التغير السلمي الهادئ والتأسيس لمرحلة قادمة ذات صبغة تقدمية, وهذه الاحتمالات وثيقة الصلة بمن يقود عملية التغير !!!.
 
أن المعضلة الكبرى كما يراها شعبنا المتظاهر هي في الخلاص من نظام المحاصصة الطائفية والاثنية وهذا يعني اجراء تعديلات جوهرية على الدستور, واعادة النظر بقانون الانتخابات, واصدار قانون الاحزاب, الى جانب تشريع قانون النقابات والاتحادات, وقانون النفط والغاز, وقانون حرية التعبير, وقانون المحكمة الدستورية, وقانون مجلس الاتحاد, واعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وهيئة النزاهه, واعادة تشكيل مجلس القضاء الاعلى بما يضمن نزاهته حقا. أما عدا ذلك فأن الامر يبدو أكثر تعقيدا, وان محاولات العبادي نتمنى ان لاتكون امتصاص لغضب شعبنا والمرجعية الدينية. وحذاري من تحول احباط شعبنا الى عمل  يتجاوز كل التوقعات , وقد تدك المظاهرات والاعتصامات ابواب المنطقة الخضراء, وعندها ستراق الدماء وسيخسر الجميع, إلا داعش, فسوف تجد لها فضاء لا حدود له للتمدد !!!.
أن الأنتفاضة العراقية اليوم لا ينطبق عليها المفهوم التقليدي " للإنتفاضات المنظمة " كما كان يحصل في عقود خلت, حيث الأحزاب تقرر مسبقا مستوى النضج الذاتي للبدء بالأفعال الثورية, تعقبها " ساعة الصفر ", فالأمر اليوم معكوس تماما, حيث تبدأ الجماهير دون سابق إنذار بإعلان الانتفاضة ثم تطلق دعوتها للأحزاب والقوى السياسية للالتفاف حولها, فالجماهير هي القائد الميداني للأعمال الثورية, أما دور الأحزاب فيأتي متأخر نسبيا عن الحدث ليحول مشاعر الثوار إلى برامج سياسية ملموسة كما يضفي على مسحة الغضب الثوري بعدا أكثر منطقية من خلال ارتباطه بأهداف مصاغة ومقننة " على افتراض توفر حالة النضج السياسي لدى الأحزاب من خلال تمثل قيم الوطن والمواطنة باعتبارها مصلحة عليا "!!!!.






   


 

62
الخلفية السوسيولوجية والسيكولوجية لانتفاضة تموز العراقية ومستلزمات النصر !!!
 

د.عامر صالح 
 لا يراودني الشك أن ما يجري في العراق اليوم هو ثورة سلمية تعكس اخلاق شعب يحب الحياة ويبتعد عن حمامات الدم وازهاق الارواح, يطالب بحقه في الحياة الحرة الكريمة المشرفة والتي تليق بتضحياته عبر عقود من النضال ضد الدكتاتورية الفاشية ولاحقا ضد الاسلامويين السياسيين الذين سرقوا تضحيات شعب بكامله وشوهوا معالم وعية, في محاولة منهم لحرف ارادته وفرض خطاب الانفعالات المرضي بديلا عن خطاب العقل من خلال دائرة مغلقة في اللف والدوران والطقوس العصابية المأطرة بسلوكيات الهوس الديني في محاولات كاذبة لإمتصاص نقمة شعب قرر ان لا يسكت عن مهضوميته التاريخية !!!. 
أن ثورة شعبنا اليوم تجسد في حراكها ما ينسجم مع ادبيات الثورة العالمية, حيث ان الثورة هنا تقوم على خلفية التناقض  الذي لا يحتمل الاستمرار بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج السائدة, والذي يفرز ظواهر الفقر المدقع, والتدهور للحياة بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية, والعلمية, والصحية, والتعليمية والخدمية والامنية بمختلف مظاهرها. ويكون الهدف المتوقع من الثورات هو إعادة بناء علاقات سليمة وعادلة بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج, بما يفضي إلى إعادة توزيع الثروات بشكل منصف, وإعادة بناء البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع, بما يوفر المزيد من فرص العمل عبر إعادة هيكلية الاقتصاد, واستحداث المزيد من المشاريع الإنتاجية والخدمية, ويشكل ذلك ضمانة لتحسين ظروف الحياة الإنسانية العامة والارتقاء بها !!!!.
 لقد قدر للعراق وشعبه أن يمر بظروف تاريخية قاسية ذات طبيعة كارثية أسهمت بشكل كبير في تشكيل مزاج عام أدى إلى تأخير حالات اختمار حقيقية صوب مخاض الديمقراطية,مما فسح المجال إلى نشأة بدائل سياسية ذات طبيعة عقليةـ معرفية معوقة للديمقراطية في غالبيتها,ولكنها انطلقت لتمارس الديمقراطية السياسية استنادا إلى ظروف العصر الضاغطة وظروف العراق بشكل خاص التي لا تقبل بغير الديمقراطية والتعددية السياسية الحقيقية كنموذج بديل عن النظم الديكتاتورية الموروثة.وعندما حصل التغير في العراق عام 2003 " رغم ملابساته الكثيرة وصعوبة هضم آلية التغير" فأن الفراغ السياسي شكل سمة مميزة للوضع السياسي,مما مهد الطريق إلى خيار الاستحواذ السياسي متخذا من الطائفية والعرقية واجهة له ومستغلا الظروف التاريخية للاضطهاد ليمعن في سياسته التي لا تلقي الاستحسان والقبول والإجماع والرضا من قبل شعبنا,وبدلا من أن تحل البرجماتية السياسية " أي قياس مصداقية الفعل السياسي بنتائجه العملية على ارض الواقع " فقد حلت البرجماتية المدججة بالسلاح " الحوار بيد والسلاح في اليد الأخرى لقبول أمر الواقع". 
في فترة ما بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 حيث شيوع وانتشار التنظيمات السياسية الطائفية المسلحة منها وغير المسلحة والتي نمت نموا مذهلا وسريعا وبتشجيع من دول الجوار العربي وغير العربي مستفيدة من حالة الإحباط التي عانى منها الشعب العراقي لعقود في ظل النظام السابق جراء الكوارث الاقتصادية والاجتماعية التي سببها له,وهي بمثابة استجابة انفعالية ـ سياسية في تصور غير عقلاني للخلاص من الظلم الاجتماعي دون فهم قوانينه وأسبابه,والكثير من هذه التنظيمات الطائفية ـ السياسية تربى في جبال أفغانستان أو في سهول إيران   والجميع حمل أجندة البلد الذي قدم منه لينفذها على ارض العراق المظلوم ويتلقى إلى اليوم وباستمرار دعم تلك البلدان واشتراطاتها السياسية,بما فيه حتى شروط تشكيل حكوماته السابقة ,أنها كارثة حقيقية ضد استقلال البلد وسيادته,وعلى خلفية ذلك اشتد الاقتتال بين طوائف الدين الواحد ليتخذ طابع التصفيات الدموية والانتقام والتكفير المتبادل,بل امتد ليشمل أديان وطوائف أخرى لا ناقة لها ولا جمل في الصراع الدائر في عمل هستيري لا حصر لحدوده,وفي محاولات عبثية لحرق الأخضر باليابس. وتقدر اليوم المليشيات المسلحة الشيعية بأكثر من اربعين فصيل, يقابله بقدره او اقل منه في الطرف السني !!!!.

لقد تركت تلك الاوضاع أزمة في ضعف المشاركة السياسية والشعبية الواسعة وإلى أحساس شرائح اجتماعية واسعة بالهامشية واليأس والمنبوذية "خاصة الفئات التي يجب أن تستهدفها عمليات التغيير",مما يدفع إلى شعور مضاد للانتماء,أي العزلة والاغتراب الاجتماعي وضعف الشعور بالمسؤولية ومن ثم التطرف بألوانه والى الفوضى والعنف,وأصبحت إحدى البؤر المولدة للعنف والتطرف الديني وغير الديني,لتشتد الحياة أكثر عنفا لتصبح بيئة مواتية للتحريض وارتكاب الجرائم الكبرى بحق الناس وبواجهات مختلفة( القاعدة,فلول البعث السابق وداعش,وضغط دول الجوار التي لا تعي حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية),أن الجبهة الداخلية السليمة والصحية هي وحدها القادرة على دحر أعداء العراق في الداخل والخارج وعلى خلفية بقائه وطنا صالحا للجميع.ويذكرنا ذلك تماما بإخفاق جيوش النظام السابق الجرارة والمليونية في الإنابة عن المجتمع دفاعا عنه وعن سيادة البلاد من الاحتلال والتي حصلت على خلفية انعدام الثقة المتبادل بين النظام والشعب وضعف المساهمة السياسية الحقيقية في صنع القرار,فأين الملايين التي كانت تصفق "لقائد الضرورة" كذبا ودفعا للأذى عنها,أن حالات الاستبداد السياسي والطغيان وتكبيل أعناق المواطنين وترويضهم على الخنوع والذل والانشغال بسد رمق العيش هي التي تمرر مشاريع اختراق الوطن من الداخل والخارج !!!!.

أن نظرة متأنية وموضوعية منطلقة من روح الحرص على النواة المتواضعة للنظام الديمقراطي,تؤكد لنا أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية وما أنتجه من تعصب أعمى,ومنذ ولادته بعد  2003  لحد اليوم كان عائقا ومعطلا للعملية السياسية,حيث حلت في الممارسة العملية الانتماءات الضيقة محل " علم السياسة " لإدارة شؤون البلاد,مما جعل من أحزاب الطوائف والأعراق أمكنة للحشود البشرية وليست أمكنة لانتقاء وتدريب النخب السياسية لقيادة البلاد,وكأنها تعمل على قاعدة أن الحزب يساوي كل أبناء الطائفة أو العرق بما فيها من خيرين وأشرار,وتحولت إلى أمكنة للاحتماء بدلا من الاحتماء بالدولة والقضاء كمقومات للدولة العصرية,مما فوت الفرصة على الانتقاء والفرز على أساس الكفاءة السياسية والنزاهة,وليست لاعتبارات لا صلة لها ببناء دولة المواطنة,أنه سلوك يؤسس لمختلف الاختراقات السياسية والأمنية وشتى ألوان الاندساس.

أن شعبنا عاش ولايزال احباط مزمن جراء السياسات الطائفية والاثنية وما سببته من تعسف وخذلان وامتهان لكرامته وازمة مستديمة في كافة مجالات الحياة ومرافقها العامة حتى اطبقت عليه تماما واغلقت بوجهه كل السبل. مما ادى بشعبنا ان يحول ميكانزم الاحباط كما هي الفطرة الانسانية, الى عمل احتجاجي مسالم وليست عدواني يليق بشعبنا وحضارته في انتزاع ذكي لحقوقه المشروعة من الحكام المتخاذلين والفاسدين, وفي تأكيد رائع من شعبنا انه شعب مدني ويعشق الوجود الحر والحرية. ومن الايجابي في تزامنه ان تقف المرجعية أكثر وضوحا الى جانب مطالب الشعب, مما اعطى زخما معنويا للسيد حيدر العبادي رئيس الوزراء في البدأ بحزمة اجراءات تستهدف مفاصل الدولة, وبشكل خاص الرئاسات الثلاث !!!.

ولكننا لا نؤمن بعصى ساحر لكي يحل كل المشكلات بضربة واحدة, وخاصة ان كل ما اقدم عليه العبادي هو مقترحات اولية وتعتمد اولا واخيرا على البرلمان في المصادقة عليه, ونحن نعلم ان البرلمان معبئ بالفساد ومعوقات التغير. وهي فرصة تاريخية لكي يعبر البرلمان عن قبحه وصلافته أم بأمتثاله امام ارادة الشعب المنتفض !!!.
أن المعضلة الكبرى كما يراها شعبنا المتظاهر هي في الخلاص من نظام المحاصصة الطائفية والاثنية وهذا يعني اجراء تعديلات جوهرية على الدستور, واعادة النظر بقانون الانتخابات, واصدار قانون الاحزاب, الى جانب تشريع قانون النقابات والاتحادات, وقانون النفط والغاز, وقانون حرية التعبير, وقانون المحكمة الدستورية, وقانون مجلس الاتحاد, واعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وهيئة النزاهه, واعادة تشكيل مجلس القضاء الاعلى بما يضمن نزاهته حقا. أما عدا فأن الامر يبدو أكثر تعقيدا, وان محاولات العبادي نتمنى ان لاتكون امتصاص لغضب شعبنا والمرجعية الدينية. وحذاري من تحول احباط شعبنا الى عمل  يتجاوز كل التوقعات , وقد تدك المظاهرات والاعتصامات ابواب المنطقة الخضراء, وعندها ستراق الدماء وسيخسر الجميع, إلا داعش, فسوف تجد لها فضاء لا حدود له للتمدد !!!.


63
نحو تصعيد التظاهرات المطلبية السلمية صوب التأسيس للحلول الجذرية !!!
د.عامر صالح
مع إشتداد وتفاقم الأزمة الخانقة في العراق والتي ارتبطت أصلا في الاخفاق التام والكامل في حل المعضلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية, والتي كان يفترض ان تكون بدائلها هو التأسيس لبنية تحتية تكنولوجية ـ اقتصادية جديدة, اشتدت وتائر التظاهرات المطلبية المشروعة وذات الطابع الحقوقي الدستوري, وعلى خلفية انعدام الخدمات الاساسية, من كهرباء وماء وصحة وتعليم وأمن وانتشار للامراض والاوبئة المختلفة ونقص هائل في كل مرافق الحياة, متزامنا مع تمترس الفساد الاداري والمالي وسرقة المال العام والتدهور القيمي والاخلاقي العام, حتى اصبحت ثقافة الفساد بديلا مقبولا على مضض عن ثقافة النزاهة والاخلاص والامانة والحفاظ على المال العام, في وضع اصبح فيه السارق والفاسد قاضي حاجات وحلال للمشاكل وبنفس الوقت سياسي كبير ورجل سلطة ترتبط به مصائر الاخرين في الترغيب والترهيب !!!. 

منذ اكثر من عقد من الزمن وبعد سقوط النظام الدكتاتوري والخدمات العامة تزداد سوء, والصراعات السياسية على السلطة والنفوذ أكثر دموية وايذاء للمصلحة العليا للوطن, والامن المجتمعي العام والفردي أكثر تدهورا, وتصاعدت وتائر الارهاب الذي أدى الى ولادة داعش " دولة الخلافة الاسلامية " تلك الخلاصة المركزة لمستنقع الفساد السياسي والصراعات السياسية ـ الطائفية والاثنية. منذ أكثر من عقد من الزمن وسرقة المال العام واستنزاف موارد البلاد لم يشهد لها مثيل في تاريخ العراق كله حتى بلغت خسارة الدولة والمجتمع الى ما يقارب من 700 مليارد دولار, متزامنة مع سياسات التقشف وشد الاحزمة على البطون وتحميل المواطن الفقير اصلا اوزار ذلك, وصولا الى اقتراب الدولة من اعلان حالة الافلاس الكامل والاستعانة بالقروض والمساعدات الدولية, وعدم صرف رواتب الموظفين في بعض القطاعات لعدة أشهر !!!.

منذ اكثر من عقد من الزمن وسياسات التجاذب واللا استقرار بين أقليم كردستان والحكومة الاتحادية لا تهدأ, بل تزداد وتائرها كلما وجد بصيص أمل لحلحلة الاوضاع. وسياسات الانفصال الجغرو طائفي السياسي والاثني على مستوى العراق كله تشتد وتائرها وتزداد وضوحا في ظل ظروف غير طبيعية تتزامن مع ضعف وتدهور السلطة الاتحادية, حتى باتت تلك السلطة آخر من يسمع رأيها في التصرف بموارد البلاد العامة. وفي الامن, وفي السياسات الخارجية والداخلية, فلكل بقعة في العراق لها أمراء حربها, وقيادات عشائرها وزعمائها الدينيين والسياسين والمفتين, ولها مليشياتها المحلية المدججة بالسلاح الذي يفوق احيانا قدرات السلطة الاتحادية, حتى وصل الامر الى الافتاء بالجهاد الكفائي لانقاذ البلاد من خطر داعش. لقد استفحل الخلاف حول المسلمات الوطنية بين أقليم كردستان والمركز, من يدافع عن من؟ ومن يحارب من؟ وهل مسموح للجيش الاتحادي التقدم لمقاتلة داعش هنا أم هناك, وفي هذه البقعة الجعرافية أو تلك؟ أم أن البيشمركة هو الاولى بذلك. تلك ظواهر لا نبحث عن شخصنة لها بل عن طبيعة النظام والاسباب التي تقف ورائها !!!.
 .
أن تصاعد الحراك الشعبي والصمود البطولي لشعبنا في ساحات التظاهر أفرز حالات نوعية من الوعي المدرك عبر تراكمات 12 عاما بعد سقوط الدكتاتورية, أن نظام المحاصصة عرقل وسيعرقل جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي,وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا  أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد,بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك ,أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة ,بل تؤسس إلى "  إفساد للتنمية ",وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف,والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع !!!,أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل ,وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف  دينه ومذهبه وطائفته وعرقه!!!!.

تظاهرات شعبنا اليوم هي شاهد ميداني على توفر الظروف الموضوعية للتغير الجذري انطلاقا من ازمة عميقة مستعصية في كل مجالات الحياة بلغت ذروة التعبير عتها في اصرار شعبنا لايجاد حلول لها عبر استمراره في تطوير واغناء مراحل احتجاجاته القادمة بمزيدا من الضغط المشروع على القيادات الحاكمة للبلاد, وتبقى ضرورات انضاج العوامل الذاتية للتغير والمتمثلة بمجمل الارادات السياسية الخيرة من مختلف الاتجاهات والحريصة على انقاذ البلد من محنته, الى جانب القيادات الميدانية للمظاهرات ومنظمات المجتمع المدني, لصب كافة الجهود لاعادة بناء العملية السياسية من جديد بما يستجيب استراتيجيا لمطالب شعبنا في الخدمات وغيرها وألتماس افق الاستقرار المستقبلي. ان مداخل التغير الشامل تكمن في اعادة النظر بالدستور الذي ولد ولادة عسيرة, وبقانون الانتخابات الذي لم يكن منصفا للاخرين والذي يكرس البقاء للحيتان الكبرى, ولقانون احزاب يضمن المسائلة وطبيعة الحزب وسلامته الوطنية العامة !!!.

أن مظاهرات شعبنا اليوم هي ليست فقط احتجاجا على سوء الاحوال بل الندم على سوء الخيار وسوء التصويت على من استغل مشاعرهم الانسانية وانفعلاتهم البريئة الكارهة للدكتاتورية بعد إن قبع للعقود تحت الحرمان والقمع, فتم توجيه انفعالاته الحشدية صوب مزيدا من الحرمان والفاقة والفقر من خلال خطاب سياسي يدغدغ المشاعر ولا يخاطب العقل المتفرد !!!.
أن صعوبات الحاضر هي مخرجات لمدخلات دستور يقتسم غنائم سلطة ولا يؤسس لديمقراطية مستقرة, استغلت فيه مشاعر شعب للتصويت عليه دون مقدمات انتقالية. لايوجد شئ مقدس غير قابل للنقد والتعديل, فالحياة الكريمة تبنى دوما على ممارسة النقد والتقويم المستمر لمسارات العملية السياسية, ومن يرى بقائه صالحا في هكذا اوضاع من خلال تطمين لمصالح سياسية او شخصية ضيقة فيجب ان يكون خارج العملية السياسية, لان مصالح الشعب والوطن تستدعي مزيدا من النزاهة والتجرد الشخصي والاخلاص للوطن.
أما عدا ذلك فلا خبر يأتي عن الماء ... ولا وحي ينزل بالكهرباء !!!

 
________________________________________
   






 
________________________________________
   






 
________________________________________
   



64
الى مزيدا من التظاهرات السلمية المطلبية ولتشديد الخناق على رقاب الفاسدين !!!

د.عامر صالح  
تجتاح مدن العراق مظاهرات سلمية للمطالبة بتوفير خدمات الحد الادنى من شروط العيش الانساني الكريم, من كهرباء وماء وخدمات اخرى. واذا كانت الشعارات الاساسية لهذه التظاهرات المطلبية تتمحور حول توفير التيار الكهربائي, لكونها اقترنت بتصاعد موجات الحر الشديد والمهلك في ظروف التدهور الكامل لخدمات الكهرباء, ولكنها تعكس حزمة واسعة من المطاليب الحياتية الاساسية: من كهرباء, وماء, وتحسين الظروف الصحية العامة والمتدهورة اصلا, حيث انتشار الامراض والاوبئة وضعف الخدمات الطبية, الى جانب انتشار ظاهرة البطالة وانعدام فرص العمل في اوساط شرائح اجتماعية مختلفة, والانتشار الشرس للفساد الاداري والمالي الذي يضع العراق على عتبة الافلاس الشامل والتام دون أفق للحل يذكر !!!.

أن الدولة العراقية تعاني اليوم أكثر من أي وقت مضى من تدهور شامل في كل مفاصلها, وفي مختلف المجالات الحياتية, مما ينذر ويهدد المجتمع العراقي بتوقف عصب الحياة كاملا في ظروف صعبة واستثنائية يواجه فيه شعبنا ومجتمعنا عدوا شرسا متمثلا بالارهاب الدموي الذي تجسده على ارض الواقع القوى التكفيرية والمتمثلة " بدولة الخلافة الاسلامية ـ داعش " بنسحتها العراقية الخاصة والمتحالفة مع البعث الساقط !!!.

أن خدمات الحد الادنى من كهرباء وماء وصحة وتعليم وأمن هي شروط لازمة للوقوف بوجه الارهاب, فلا يمكن وليست من المعقول ان شعب جائع وعطشان ومريض وغير آمن وبدون كهرباء ان يقارع " داعش " الى النهاية, والفاسدون يسرحون ويمرحون وينعمون بالمال السحت الحرام. ان شعبنا يعاني الأمرين من سوء الخدمات والفساد والارهاب !!!. .

أن سياسات الإقصاء والتهميش والمحاصصات وما يرافقها من تدهور مستمر لحياة المواطنين قادرة على حرف حالات المساهمة السياسية من أجل تثبيت النظام" الديمقراطي" إلى حالات عداء سياسي للنظام وأركانه,باعتباره يجسد حالة الاغتراب السياسي بينه وبين المواطن,وهي نتاج طبيعي لحالة عدم الثقة والشك في القيادات السياسية ونواياها,متزامنا ذلك مع اتساع وتعمق دائرة الفئات الاجتماعية المهمشة والتي تقدر بالملايين جراء ظروف العراق التاريخية والحالية,ومن شأن ذلك أن يخلق ما يسمى " بالفجوات النفسية المدمرة ",حيث تنشأ هذه الفجوات على خلفية الشعور بالإحباط الناتج من التدهور المستديم لظروف العيش الحر والآمن,وهي شروط مواتية ولازمة لخلق وإعادة توليد سلوك العنف والعدوان باعتباره نتيجة للشعور الشديد بالإحباط ,وعلى خلفية اتساع الهوة بين النظام والشعب وتعزيز حالة عدم الاكتراث تجري الاستفادة الكاملة من قبل المجاميع السياسية وفلول الإجرام والمرتزقة الغير مؤمنة أصلا بالعملية السياسية لدك النظام السياسي والتأثير على قراراته السياسية,وعلى عدم استقراره,مستغلة الفساد والعبث بالمال العام وسرقته وانعدام الخدمات العامة كوسائل سهلة في الإغراء والتمويل وشراء الذمم !!!.
ولذا فأن احتجاجات ومظاهرات شعبنا المطلبية ذات المشروعية الدستورية يجب ان تلقي آذانا صاغية من المسؤولين وصدقا في الاستماع لهم والاستجابة في تحقيقها, انطلاقا من حق شعبنا في العيش الكريم الآمن, وتفاديا لمزيدا من التدهور القادم الذي ينذر بمزيدا من حالات الاستياء الشعبي العام والذي ستكون عواقبه مفنوحة لمختلف الاحتمالات, الحميدة منها والخبيثة, وعلى الاسلام السياسي  بمحتلف توجهاته والذي يقود السلطة أن يؤكد شئ من النوايا الصادقة لشعبنا الذي اكتوى بنار النظام المحاصصاتي الطائفي والاثني !!!.

ان مطاليب شعبنا اليوم تحمل في طياتها كل النزاهة والصبر من المتظاهرين, وهو يعكس حالة من الوعي وتأثيرا واضحا لقوى الاعتدال فيها بعيدا عن استغلالها من قبل قوى الاسلام السياسي لعقد مزيدا من صفقات الاستغلال والمساومات لحرف نظالات شعبنا المطلبية !!!.

لقد اعتاد الاسلام السياسي سابقا بافراغ التظاهرات المطلبية من خلال سلوكه المنافق بقيامه بقيادة المظاهرات وهو موجود في السلطة ويقودها, وهو سبب الفساد والخراب كله, في محاولة منه لاستجداء الدعم من شعبنا المنتفض ولتثبيت مواقعه في السلطة من جديد !!!.

اليوم يزداد شعبنا جوعا واحتراقا وارتهانا للقمة العيش وهو يصارع الارهاب والقوى الظلامية والتكفيرية والبعثية من داخل البرلمان وخارجه, وعليه ان يكون شديد اليقضة لمنع احتواء مطاليبه بمزيدا من التنازلات عن حقوقه المشروعه, وعدم السماح للاسلام السياسي باستخدام زخم الاحتجاجات لمصلحة تشبثه بالسلطة وعقد صفقات تهدئة مشوهة مع المواطنين المحتجين. فمطالب الشعب خط احمر وتسقط من اجلها حكومات بعد جكومات. والى مزيدا من تشديد الخناق على رقاب الفاسدين لتوفير افضل الظروف لمحاربة الارهاب وتطمين مستلزمات العيش الكريم !!!.
 




65
اتفاق ليلة القدر " خير من ألف شهر " النووي بين ايران والسداسية والفوبيا العربية !!!


د.عامر صالح
أثار الاتفاق النووي الايراني ـ الامريكي أو الايراني ـ السداسي مزيدا من الذعر والخوف غير المشروع في الاوساط العربية والخليجية بشكل خاص, مما يعكس حالة من الاضطراب المرضي غير المبرر بعوامل موضوعية قابلة للفحص والتنقيب كأي ظاهرة موضوعية, ولكن على ما يبدو ان هواجس اللاوعي الطائفي والمذهبي والخوف المفتعل من ايران هي من محركات الخوف العربي والخليجي بشكل خاص من هذا الاتفاق !!!. 
لقد تعود الخليجيون والسعوديون بشكل خاص على الاستجابة للأملائات الامريكية والغربية بشكل يعكس العلاقة بين أب قوي وطفل معوق يحتاج الى الدعم والرعاية المستديمة دون فهم أن السياسة مصالح ولا يوجد حليف دائم الى الابد. ومن هنا كانت الصدمة الكبرى في الاتفاق النووي الايراني ـ الامريكي لدول الخليج وبشكل خاص السعودية, وكانها محاولة لانهاء التحالف الامريكي ـ الخليجي, ولكن الاشارة من قبل الامريكان الى الاضطهاد والتعسف والقتل وعدم المساواة في السعودية له دلالته الخطيرة على مستقبل التحالف الامريكي ـ السعودي, فأمريكا في طور البحث عن حلفاء جدد ذو صبغة معتدلة  !!!.
أن الفوبيا المرضية العربية من الاتفاق تعكس في جوهرها عدم المقدرة العربية في اجادة فن الحوار والمناورة مع الغرب والاكتفاء بحالة الاستسلام المرضي عبر ضخ البترول الزهيد لتطمين الغرب المتعطش لذلك دون مقابل, وبالتالي فأن موارد البترول القادمة من الغرب تشكل عصب الحياة اليومي للخليج كله مرتهنة للغرب حياتها اليومية واقتصادها الاستهلاكي !!!.
لقد أتكأت ايران في الحوار مع الغرب على قدرات ذاتية قوامها اقتصاد متنوع, صناعي وزراعي وبنية تحتية اقتصادية تترك لنا انطباعات بأمكانيات هائلة في الاكتفاء الذاتي ومقارعة العناد الغربي, حيث يشكل القطاع النفطي فيها بحدود 35% من الدخل القومي, بعكس الدول العربية النفطية والخليجية بشكل خاص التي تشكل فيها موارد النفط الى 90% من الدخل القومي, مما منح ايران قوة في التفاوض, الى جانب فسحة من الرفاه الاجتماعي وحرية الحركة للمواطن بما لا يملكه الخليجي وحتى العربي الاخر, رغم ان نظام الملالي يضيق الانفاس للابقاء في السلطة, ولكنه عرف من اين تأكل الكتف !!!.
ايران لم تفوز بكل شئ, فالاتفاق واضح, ولكنها قد تؤسس للفوز من خلال مرونتها ودهائها التفاوضي. وهذه هي بنود الاتفاق:
1- رفع العقوبات المفروضة من قبل أوروبا والولايات المتحدة عن إيران
2- فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني طويلة المدى مع استمرار تخصيب اليورانيوم بنسبة حددت بـ 3.67 في المئة
3- خفض عدد أجهزة الطرد المركزي بمقدار الثلثين إلى 5060 جهاز طرد.
4-التخلص من 98% من اليورانيوم الإيراني المخصب.
5- عدم تصدير الوقود الذري خلال السنوات المقبلة، وعدم بناء مفاعلات تعمل بالمياه الثقيل ، وعدم نقل المعدات من منشأة نووية إلى أخرى لمدة 15 عاما.
6- السماح بدخول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لكل المواقع المشتبه بها، ومنها المواقع العسكرية لكن بعد التشاور مع طهران.
7- الإبقاء على حظر استيراد الأسلحة 5 سنوات إضافية، و8 سنوات للصواريخ البالستية.
8- الإفراج عن أرصدة وأصول إيران المجمدة والمقدرة بمليارات الدولارات.
9- رفع الحظر عن الطيران الإيراني وأيضا عن البنك المركزي والشركات النفطية والعديد من المؤسسات والشخصيات.
10- التعاون في مجالات الطاقة والتكنولوجيا.
ايران لم تفوز مرة واحدة مطلقا ولازال الطريق امامها عسير جدا, ولكنها ارسلت رسالة واضحة للغرب ان بأمكانها ان تكون حليفا وشريك افضل من السعودية وقطر وغيرها, فهي شريك يمتلك قدرات علمية وكفائات بحثية لايمكن الاستهانة بها, وبالامكان ان تكون جزء من المعارف العلمية العالمية.
ايران تمتلك ذات الطموحات الشاهنشاهية لان تلعب دورها التاريخي كونها شرطي الخليج والحافظ على التوازن الامني بما يستجيب لمصالح الغرب ولمصالحالها الذاتية بعد ان ودعت حقبة الخميني بلا عودة, والغرب في مرحلة جس النبض بعد ان عرف ان ايران كدولة ومؤسسات لا يمكن مقارنتها باي دولة خليجيية مهما بلغ ذروها !!!. 
ايران في الداخل ليست خطابها طائفيا مهيجا للعواطف والانفعالات البدائية المتخلفة, فالشعب الايراني يستدرك الامر, والسلطة المذهبية الشكلية فوق والشعب لحاله, فهناك نمط من الاغتراب بين السلطة والشعب, ولكن مؤسسات الدولة باقية, فلم يجري التجاوز عليها وتدميرها كما هي الحالة العراقية !!!.
السلطة الايرانية تبحث عن حلفاء في العراق وايران وسوريا واليمن ولبنان وتدخل طرفا قويا في ايجاد الحلول للمشكلات الاقليمية بما تمتلكه من قدرات استثنائية في التأثير على اطراف الصراع, وذلك ينسجم مع المصلحة الامريكية في البحث عن سبل السيطرة على مناطق الصراع, وبهذا فان الاتفاق النووي هو بداية لاتفاق نووي ـ سياسي شامل !!!!.



66
تذكيرا بظلم المرأة التاريخي على خلفية انتشار ظاهرة الزواج غير القانوني خارج المحاكم !!!


د.عامر صالح 

مهما قيل ويقال من استعباد للمرأة وانتهاك لكرامتها وتنوع أساليب اضطهادها وسوء معاملتها اليومية واستلاب حقوقها في الحرية والكرامة والاستقلال في شؤونها الشخصية وتحويلها إلى موضوع أو شيء تقع عليه أفعال الآخرين دون إرادتها أو فعل منها, إنما هو امتداد للملابسات التاريخية في نشأة عوامل اضطهادها الأولى, وما يحصل اليوم بحقها من ظلم وحيف وقهر ما هو إلا تنوع متردي وسيئ خطير في الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المحيطة بالمرأة والتي تشدد من الخناق على حريتها واستلاب حقوقها, في ظل غياب بدائل إنسانية حقيقية لتوفير مستلزمات أنعتاقها من العبودية والأسر التاريخي الذي وقعت فيه !!!. 

انتشرت في العراق في السنوات الأخيرة ظاهرة الزواج خارج المحاكم, وقد انتشرت في أوساط مختلفة من حيث التعليم والثقافة والبيئة الاجتماعية والاقتصادية, وقد أخذت هذه الظاهرة طابعا مستفحلا وتنبئ عن مخاطر جدية على مستقبل المرأة بشكل خاص وعلى المجتمع بصورة عامة, مما استدعى تدخل القضاء العراقي ومنظمات المجتمع المدني, ومنها بشكل خاص المنظمات النسائية, وبهذا القدر أو ذاك تدخل البرلمان العراقي. وقد اتخذ الجهد التعبوي الثقافي والتوعية بمخاطر ذلك مسار لا بأس به, من حيث كون هذا النمط من الزواج يغيب حقوق المرأة وأطفالها ويحرمها من الإرث, إلى جانب كون هذا الزواج يستهدف البنات في أعمار مبكرة بما فيها القاصرات إلى جانب مختلف الفئات العمرية من النساء, ويهمش دور القضاء والدولة عموما باعتبارها الراعي والمسئول الأول عن رسم ملامح الاستقرار الأسري والاجتماعي بصورة عامة. هذا النوع من الزواج لم يكن موجودا قبل عقد من الزمن وكان يعاب عليه كل العيب, إلا إن ضعف الدولة وتدهورها وغياب الأمن وانتشار الفقر والبطالة وما رافق ذلك من تفكك للنسيج الاجتماعي والقيمي, جعل من أمراء الطوائف والمليشيات والمذهبية ـ السياسية يخترقون منظومة القيم الاجتماعية لتحل محلها قيم الاجتهاد والابتذال والتفسخ بواجهات دينية وغير دينية !!!.

والحقيقة تقال فأن الزواج خارج المحاكم ليست ظاهرة عراقية بل أنها ظاهرة عربية وإسلامية, فالدول العربية والإسلامية تعج بمختلف أنواع الزواجات خارج المحاكم والمنتشر في مصر, والسعودية والكويت ودول الخليج الأخرى, والمغرب وتونس والأردن وكذلك إيران وتركيا وغيرها من دول العالم الإسلامي, ولهذا الزواج مشرعيه وفقهائه والذين يبحثون دوما عن مظلة شرعية لحماية هذا النمط من الزواجات, فهناك الزواج العرفي والمنتشر في مصر حتى في أروقة الجامعات, وهناك زواج المسيار, وزواج المصياف, وزواج ألويك أند, وزواج الفرند, وزواج المصواب, وزواج المسفار, وزواج المطيار, وزواج المحجاج, وزواج المسياق, وزواج المهراب, وزواج المقراض, وزواج المتعة, وزواج التجربة, وزواج المزار, ونكاح الترزق, ونكاح الخوالي, ونكاح إعارة الفرج, والمتعة غير الجنسية, والمتعة الجماعية, والمتعة من اجل الإنجاب, وزواج المباركة, ونكاح التعدد, وزواج المردان, ونكاح المصاهرة, ونكاح الضيافة, والقائمة تطول, هذا هو نكاح في ظروف " السلم ", أما نكاح زمن الحرب فقد ضربت داعش مثالا سيئ اهتز له ضمير الإنسانية, من جهاد المناكحة, وسبي النساء, ومقايضتهن جنسيا, وبيعهن في أسواق " الدولة الإسلامية " !!!.

وكل إشكال الزواج تستهدف المرأة وتكريس اضطهادها التاريخي, رغم كل المبررات " الشرعية " التي تساق خلف تلك الأشكال بواجهة وادعاء مزيف للحد من الفساد, أو الاستجابة لظروف الحياة المتغيرة في البحث عن الحلول للمشكلة الجنسية, فالحلول التي يعثر عليها المشرعون والفقهاء والمفسرون تصب في خدمة إشباع الغريزة الجنسية للرجل " القضيبي " بعيدا عن البحث في أولوية فكر المساواة بين الجنسين في كافة المجالات والحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية, وما يصاحب ذلك من حلول عادلة وإنسانية للمشكلة الجنسية والعلاقة بين الجنسين, وفي ظل دولة القانون والضمانات الاجتماعية التي توفر الدعم الكافي لضمان المساواة بين الرجل والمرأة, وتوفير فرص أكثر إنسانية في اختيار الحرة الكريمة لكل من الرجل والمرأة !!!.

أن تردي أشكال العلاقة بالمرأة يعكس خصوصية مجتمعاتنا العربية والإسلامية وأسوة بأغلبية بقاع العالم المتخلف, حيث العائلة البطريركية في ظل بنية اقتصادية ـ اجتماعية متخلفة, هي المؤسسة الاجتماعية الأولى التي تؤسس لاضطهاد المرأة واستلابها, حيث يأخذ هذا الاستلاب طابعا مقدسا يستمد شرعيته من تفسير النصوص الدينية الوارد على ألسنة المشرعين والمفتين الذين يتدخلون بالتفاصيل الدقيقة لحياة المرأة وفرض الوصاية عليها, من طريقة لباسها وكيفية معاشرتها للآخرين وكذلك تقرير سقف ومدى مساهمتها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية, والتحكم بها باعتبارها تابعا للرجل وجزء من ممتلكاته الشخصية, فلا نستغرب أن ينعكس هذا على طريقة اختيارها " كشريك ", كما تم ذكره, ويأخذ الاستلاب طابعا أكثر مرارة عندما يندمج الدين مع السياسية, ليتحول أكراه واستلاب المرأة إلى قوة قانونية ملزمة عليها من السماء والأرض !!!.


 وعلى الرغم مما حققته المرأة من انجازات فردية على صعيد انخراطها في التعليم بمختلف مراحله, ودخولها عالم المهن المختلفة من طبية وتدريسية وهندسية وإدارية وجامعية, وصولا إلى تبوئها مناصب عليا وزارية وغيرها, فهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أنها حققت تقدمها في المساواة مع الرجل, بل المهم في ذلك كله هو المزاج والموقف العقلي والفكري من مساواتها, فهي لازالت مشروع استلاب منذ نعومة أظافرها, حيث تفرض عليها الوصاية التربوية والوعظية وتتعرض الى مسلسل لا حصر له من الممنوعات من صغرها حتى شيخوختها. إلى جانب ما تتعرض له من مختلف صنوف التعذيب والعنف الجسدي والنفسي والأخلاقي. وكذلك العنف الرمزي غير المرئي الذي يتجسد عبر الثقافة والتربية والموقف المذل منها يوميا عبر معاملتها كجنس من الدرجة الثانية, وفصلها اجتماعيا عن الرجل سواء في البيت أو المدرسة أو الدائرة ومنعها من الاختلاط, والتدخل في تفاصيلها اليومية, انطلاقا من مسلمات لا صحة لها " كناقصة عقل ودين " !!!.

أن انتشار ظاهرة الزواج غير القانوني خارج المحاكم في العراق والبلاد العربية والإسلامية هو مؤشر إلى أن فكر المساواة والعدالة بين الجنسين يتعرض إلى مزيدا من الانحسار والتشكيك والضربات المختلفة في بيئة ينتعش فيها الفكر المتطرف الديني والسياسي والذي يرمي المرأة كعادته خارج عمليات المساهمة في الحياة الاجتماعية والسياسية ويسفه من دورها وقدراتها في عمليات التغير نحو الأفضل, واعتبارها تابعا للرجل لا جدوى منها !!!.

أن بداية التعرض لهذه الظاهرة في العراق والحديث عنها علنا في الإعلام والصحافة, إلى جانب توجه منظمات المجتمع المدني للمساهمة الفعالة في التوعية عن مخاطرها هو جهد ايجابي كبير في ظل بيئة تعصف بها مختلف تيارات التطرف وهيمنة فكر الكراهية للمرأة وللمساواة, وبالتالي فأن الجهود الخيرة يجب أن تكرس صوب انقاد المرأة من سلوكيات الإذلال والحط من قيمتها الشخصية والاجتماعية وفسح كافة فرص المساهمة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للمساهمة في بناء مجتمع أفضل, لا تخضع فيه المرأة لمزاج الفتاوى الشخصية والاجتهاد المبتذل, فمكانة المرأة ليست موضوعا للاجتهاد حول شكل زواجها إشباعا لغريزة ذكورية, بل هي موضوعا للمساواة وتحقيق العدالة الاجتماعية بين قطبين متكافئين!!!.

   



   

67
تحليل نفسي للسياسة الجنسية في ضوء تسريبات ويكيليكس والخاصة بالسعودية !!!

د.عامر صالح

في زحمة آلاف الوثائق التي صدرت من ويكيليكس والخاصة بسياسات المملكة العربية السعودية الداخلية والخارجية, العربية منها والإقليمية, وبما فيها الخاص منها جدا بحياة البلاط السعودي من ترف وبذخ وجنس وخمور ومخدرات, فأن المملكة لم تتنكر لهذه الوثائق أو تكذبها, بل أكدت على لسان مسئوليها إن الوثائق الصادرة جاءت منسجمة مع سياسات المملكة السعودية بصورة عامة, وهذا يحسب للمملكة و "شجاعتها " في الاعتراف بمصداقية الوثائق الصادرة, بعكس ما فعله بعض من المسئولين العراقيين الكبار بنكرانهم لما احتوته الوثائق, مما اضطر ويكيليكس بصفعتهم مجددا مشيرا لهم بالكذب محذرا, كما جرى لنائب رئيس الجمهورية العراقي السيد أياد علاوي عندما تنكر لصلاته بالسعودية, واختفاء المسئولين الآخرين من مختلف التوجهات المذهبية ـ السياسية والقومية عن المواجهة المباشرة أمام حقائق صلاتهم في النظام السعودي والاستعانة به للتدخل في الشأن العراقي الداخلي, باستثناء السيد مشعان الجبوري الذي أكد حقيقة اتصاله بالسعودية  !!!.

عكس الويكليكس في وثائقه المسربة جزء من الحياة الخاصة للعائلة المالكة, من حفلات واحتفالات بالمناسبات المختلفة, بما فيها المناسبات العالمية التي لا صلة لها بالمجتمع العربي والإسلامي وتقاليده " المحافظة " كما يفترض, وتمارس فيها شتى ممارسات الترويح, من رقص, وجنس, وعلاقات بنساء من بائعات الهوى, واللباس الخليع الذي لا يتفق مع ما يفرض في المجتمع السعودي, والإفراط في شرب الخمور والمخدرات وغيرها, وهم يمارسون فيها طقوسا لا تختلف عن ما هو سائد في العالم الآخر غير الإسلامي !!!.

وفي المقابل وفي الحياة العامة يفرض على عموم الناس دينا متطرفا مكبلا بكل أشكال القيود والمحرمات, وتطبق ضد المواطنين وخاصة الفقراء منهم ومن الوافدين, في حالة مخالفتهم لما يفرضوه من نماذج للسلوك ألقسري, شتى أنواع العقوبات والاهانة والتجاوز على الكرامة الشخصية, وما نسمعه ونراه من عقوبات تقشعر لها أبدان الإنسانية, من قطع لليد والرأس والرجم والجلد وشتى مظاهر التعذيب الجسدي. وهذه العقوبات يفترض في العرف السعودي أن تطبق على من يحيي الحياة الخاصة في البلاط قبل غيره. إلا إن هذه الأمكنة محرمة على المفتين وشرطة الآداب, فهي مقفلة !!!.

نقول هنا إن فسحة الترويح والاسترخاء بمختلف مظاهرها هو حق مشاع للإنسان أينما وجد, شريطة أن لا يتعارض مع حرية الآخرين وأن لا يكون انتقائيا لفئة اجتماعية أو سلطوية, إلا إن مجتمعات التسلط والعنف والدكتاتورية والإرهاب وهي تعبث في الحريات العامة المقدسة, جعلت من الجنس والترويح والحياة الخاصة سرا عظيما من أسرار السلطة وصندوقها الأسود. والسعودية لا تنفرد بهذا السر لوحدها, بل أن النظم العربية القمعية والدكتاتورية كانت ولا تزال معبئة بقصص الفساد الأخلاقي الذي يستنزف أموال الشعب وله ميزانياته الخاصة التي لا يصرح بها. إلى جانب ما نراه اليوم في الحركات الإرهابية والإسلامية المتطرفة, كنموذج داعش, من فساد أخلاقي وامتهان للجنس الآخر بواجهات دينية. وبهذا يتحول الترويح إلى فساد وإفساد للسلطة وتجاوز على حرية الآخرين, مما يشكل أساسا للعدوان والاعتداء على الحريات الفردية والاجتماعية واستلابها !!!.
وقد أفادت المذكرة الدبلوماسية الأميركية التي كشفها موقع ويكيليكس أن المجتمع السعودي إسلامي محافظ لكن قصور الأمراء في جدة تخفي حياة ليل تعج بالكحول والمخدرات والجنس. وقالت برقية صادرة عن القنصلية الأميركية في تشرين الثاني/نوفمبر 2009 انه “وراء الواجهة الوهابية المحافظة في الشارع السعودي، يعيش شباب نخبة جدة حياة ليلية مليئة بالصخب والحياة”. وأضافت البرقية إن “مجموعة واسعة من المغريات والموبقات متوفرة من بينها الكحول والمخدرات والجنس، لكنها تجري حصرا وراء أبواب مغلقة”.
وتابعت البرقية أن “هذه الحرية للانغماس في المتع ممكنة فقط لان الشرطة الدينية تبقى بعيدة عن الحفلات التي تجري بوجود أو برعاية احد أفراد العائلة المالكة أو احد أفراد حاشيته الملكية”. ووصفت البرقية الصادرة من القنصلية الأميركية في مدينة جدة على البحر الأحمر إحدى حفلات عيد القديسين (الهالوين) حضرها 150 شخصا معظمهم في العشرينات أو الثلاثينات من العمر من بينهم عدد من موظفي القنصلية.
وأفادت البرقية إن “المشهد كان يشبه ناديا ليليا في إي مكان خارج المملكة إذ توفرت كميات كبيرة من الكحول وكان الشباب يرقصون على موسيقى مشغلي الاسطوانات (الدي جاي)، وكان الجميع يرتدون الأزياء التنكرية”. وطبقا للقنصلية فان حفلات جدة — التي تشارك فيها عادة مومسات — هي ظاهرة برزت مؤخرا. وقال احد السعوديين للقنصلية إن السعوديين الأثرياء يحاولون إقامة حفلات في منازل الأمراء أو بحضور الأمراء حتى لا تتمكن الشرطة الدينية من الاقتراب منهم.
وأوضحت البرقية كذلك إن ارتفاع أسعار الكحول المهربة — حيث يبلغ سعر زجاجة الفودكا سميرنوف على سبيل المثال 1500 ريال سعودي أو 400 دولار — يجبر الشخص الذي يقيم الحفلة على إعادة ملء الزجاجات بالكحول القوية المصنعة محليا سرا والتي يطلق عليها في السعودية اسم “صديقي”.
وقالت البرقية إن إنتاج وبيع الكحول داخل المملكة يمكن أن يؤدي إلى عقوبة مشددة بالسجن. كما أن القوانين السعودية الإسلامية المتشددة تنص على معاقبة مهربي المخدرات بالإعدام.
نص الوثيقة الكامل باللغة العربية:
1ـ ملخّص: خلف ستار المحافظة الوهابية في الشوارع، فإن حياة الليل تحت الأرض بالنسبة لشباب جدة مزدهرة ونابضة. فهناك تنويعه كاملة من المغريات الحياتية والملذات متوفّرة: الكحول، المخدرات، الجنس، ولكنها خلف الأبواب المغلقة. هذه الحرية في الانغماس في تجارب الجنس الجماعي ممكنة ببساطة لأن الشرطة الدينية تبقى بعيدة حين تحتوي الحفلات على حضور أو رعاية أحد الأمراء وحاشيته من الحاضرين الموالين له، مثل ليلة الهلاوين التي حضرها كونجين أوفس (تمّت إزالة التفاصيل). خلال السنوات القليلة الماضية، دفعت نزعة المحافظة الزائدة للمجتمع الخارجي في السعودية، حياة الليل ومشهد الاحتفال في جدة إلى ممارستها سرا بصورة أكبر
احتفال النخبة مثل بقية العالم: فقط تحت الأرض
2 ـ معاً بحضور أكثر من 150 شاباً وشابة سعودية تتراوح أعمارهم بين العشرينيات وبداية الثلاثينيات.. قبل مكتب القنصل الأميركي العام دعوة لحضور حفلة هلاوين سرية في مقر إقامة الأمير في جدة. وفي داخل البوابات، عبرت أل xxx رجال الأمن، وبعد تفتيش العباية، بدا المشهد كما لو أنه مشابهٌ لنادي ليلي في أي مكان خارج المملكة: خمر وفير، وعشّاق يرقصون، ودي جيه على الطاولة الدوّارة لتشغيل الموسيقى، والجميع يرتدون بدلاً. تمويل الحفل جاء من شركة راعية، وهي شركة أميركية لشراب الطاقة، وكذلك من ضيافة الأمير نفسه
الضريبة، حضور الخوي يبقي الشرطة الدينية على الشاطئ
3 ـ رجال الشرطة الدينية (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) لا يمكن رؤيتهم، وحيث أن الدخول يخضع للضبط عبر قائمة أسماء ضيوف موضوعة بدقة، فإن مرتادي الحفل لم يبدوا خجلاً في استعلان شهواتهم الخاصة.
وبحسب شاب سعودي من عائلة رجل أعمال مشهورة في جدة، يحاول السعوديون إقامة الحفلات في بيوت الأمراء أو بحضور الأمراء، لأن ذلك يوفّر رادعاً كافياً لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أن تتدخّل. هناك أكثر من عشرة آلاف أمير في المملكة، ولكن بمستويات ورتب مختلفة (صاحب السمو المالكي، يشير إلى التحدّر المباشر من الملك عبد العزيز، وصاحب السمو يعني التحدّر من فروع غير مباشرة للعائلة الحاكمة من آل سعود).
مضيفنا في تلك الليلة الأمير احد أحفاد آل سعود وهو يعود في جذوره إلى ثنينان، أخ محمد بن سعود، أمير الدرعية ونجد (1725 ـ65)، أي ستة أجيال من السلف المباشرين للملك عبد الله. وبالرغم من أن الأمير هوليس في خط التوارث على العرش، ولكنه يتمتع بقصر منيف، وسيارة فارهة، ومرتب مدى الحياة، وحاشية أمنية (ملاحظة: معظم قوات الأمن الخاصة بالأمير هم من الشباب).
(ملاحظة: من الممارسات المألوفة بالنسبة للأمراء السعوديين أن يتربوا مع حرّاس مستأجرين من نيجيريا وبعض البلدان الأفريقية الذين يقاربونهم عمرياً، ويبقون مع الأمير حتى مرحلة البلوغ. ويقال عنهم خوي، وهي مشتقة من الكلمة العربية أخ. حيث يمضى الأخ والأمير حياتهما معاً بما يخلق رابطة قوية من الولاء).
توفّر سوق سوداء للخمر، والعاهرات، والمخدرات
4 ـ كان مشروب الكحول (الخمر)، رغم حظره بحسب القانون السعودي والعادات، وفيراً في البار المليء الخاص بالحفلة، والمزدحم من قبل معربدي هلاوين. نادلو البار الفيلبيون يقدّمون مزيجاً من الخمر المحلي يدعى (صديقي). وفيما خصص الرف العلوي لزجاجات الخمر للعرض على امتداد منطقة البار، فإن المحتويات الأصليّة قد جرى استهلاكها وتم استبدالها بـ (صديقي). في السوق السوداء، فإن زجاجة (سميرنوف) تصل قيمتها إلى 1500 ريال سعودي في حال توفرها، بالمقارنة مع 100 ريال للفودكا المصنّعة محلياً. وعلمت من لسان أحدهم بأن عدداً من الضيوف هن في الحقيقة فتيات عاملات، وهو أمر مألوف في مثل هذه الحفلات.
بالإضافة إلى ذلك، وبالرغم من أن الكوكايين والحشيش لم يشاهدا بصورة مباشرة، فإن استعمالهما شائع في هذه الدوائر الإجتماعية، وقد شوهدا في مناسبات أخرى.
5 ـ تعليق: الشباب السعودي يتمتع بحرية اجتماعية نسبية، وينغمس في ممارسات جنسية، ولكن ذلك خلف الأبواب المغلقة فحسب، وبين الأغنياء فقط. الاحتفالات ذات طبيعة كهذه وبهذا الحجم يعتقد بأنها ظاهرة جديدة نسبياً في جدة. شرح أحد المصادر، وهو شاب سعودي، بأنه في السنوات القليلة الماضية، كان نشاط نهاية الأسبوع هو تنظيم مواعيد غرامية داخل بيوت الأغنياء في مجموعات صغيرة. ليس مألوفاً في جدة بالنسبة للمساكن الخاصة الباذخة بأن تشتمل على بار في الطابق السفلي تحت الأرض، ومراقص، ومراكز ترفيه، ونوادي. وبحسب شخص سعودي ثري فإن زيادة نزعة المحافظة لمجتمعنا في السنوات الماضية دفعت التفاعل الاجتماعي إلى داخل بيوت الناس.
تلك هي فضائح السياسة الجنسية والملذاتية للمملكة السعودية كما أوردتها مذكرة الدبلوماسية الأمريكية ونشرتها ويكيليكس. وفي الإسلام حيث يكافئ المؤمن في الآخرة بحياة ثانية قوامها حور العين " الجنس ", وأنهار من الخمر, والطعام الخاص الخارق اللذة والشهي والولدان, فأن حملة الفكر الوهابي يقيموها في البلاط بديلا عن الآخرة, مفسدين في الأرض من خلال انتهاك حرمات الناس في الإكراه والاغتصاب واستخدام المال الحرام لترغيب وترهيب الناس ودفعهم لارتكاب شتى سلوكيات الشذوذ الجنسي والابتذال ألقيمي, وفي المقابل تحويل حياة العوام من الناس إلى جحيم من المحرمات والممنوعات مقرونة بشتى أنواع العقوبات والذل والحرمان من أساسيات الحياة !!!. 
أن هذه السلوكيات المنحرفة لا تختلف في تفصيلاتها عن ما تعج به الحياة الخاصة لرؤساء وقيادات النظم القمعية والدكتاتورية, من ممارسة للجنس وتعاطي المخدرات والخمور في القصور والأمكنة الخاصة, وإقامة مختلف الحفلات الماجنة والطقوس المبتذلة, وليست الغرض منها إشباع الغريزة الجنسية, أو ممارسة وسائل الاسترخاء والتمتع بمناحي التسلية بما يبعث على تجديد الحياة السوية, بل أن هذه الطقوس تفوق الحاجة الفعلية لها, والهدف منه إفساد حياة الناس العامة والعبث في قيمها وإلغاء الحدود بين ما هو حرام وغير مسموح وبين ما هو مسموح وممكن. وكانت وسائل الاستباحة تجري من خلال التضييق على النساء للاستجابة إلى سلوكيات النظام وحاشيته بمختلف الوسائل, وتسقيط الأسر والعناصر والأشخاص الذين يعارضون النظام الدكتاتوري ورأسه, أو حتى من لا يعارضوه, من خلال استخدام العامل الجنسي لزرع الفساد بالإكراه والإذلال, بل وحتى الضغط على المتزوجين وغير المتزوجين, لترك زوجاتهم أو حبيباتهم كي يتم الزواج منهن أو إقامة علاقات جنسية عنوة, وكان نظام صدام حسين احد الأنظمة الصارخة في شيوع حياة الفساد في القصور الخاصة وعموم المجتمع. وتجري هنا الاستعانة بشبكة من القوادين من حاشية النظام والموظفين والإعلاميين لتسهيل مهمة رأس النظام في زرع الفساد وتشويه منظومة الأخلاق العامة !!!.
هذا النوع من الجنس أو الشذوذ الجنسي ليست الهدف منه جنسيا بحت, بل الهدف منه هو إذلال الشريك أو الضحية وفرض عليه قيم مغايره بهدف مسخ قناعاته الخلقية وإخضاعه عبر العامل الجنسي, وهذا شبيه جدا بحالات الاغتصاب في زمن الحروب, حيث تجري استباحة الاعراض من قبل المحتل للطرف الذي وقع عليه الاحتلال لاغراض اهانته واضعاف معنوياته على المقاومة, وكثيرا ما يقترن الاغتصاب بسلوك عدواني من قبل المغتصب, من ضرب وسب وشتم وحتى ألحاق الأذى بالأعضاء التناسلية لدى الضحية !!!. 
ومن المثير للجدل أن طبيعة كل من العدوان والجنس المختلفتين لا تستدعي بينهما هذا الترابط من الناحية المنطقية, فالجنس بطبيعة أدائه هو أحد وسائل الاسترخاء الكافية والتخفيف من التوتر الجنسي إلى جانب كونه وسيلة للتكاثر والإنجاب, كما انه من وسائل اللهو والمتعة الجسدية مع الشريك, بالإضافة إلى كونه وسيلة استكشافية ومعرفية لإشباع الفضول الجنسي عبر تهذيب وتطوير المعارف لدى الشريكين, وهو أيضا وسيلة لتأكيد الذات جنسيا عبر إبراز المقدرة في استمالة الشريك, إلى جانب الكثير من الفوائد التي تفصح عنها الأدبيات السايكو ـ طبية, كالإسهام بشكل فعال في علاج حالات الأرق الليلي, والمساعدة في حرق الدهون وتعزيز جهاز المناعة, والعمل على تهدئة القلق والتوتر والحد من حالات الإحباط, والإسهام الفعال في الحد من الاكتئاب من خلال الاستمتاع وبعث البهجة, كما يساعد انتظام الممارسة الجنسية على تألق البشرة ونضارتها بعكس ما كان شائعا بأنه يسبب تعجيز البشرة, كما تساهم الممارسة الجنسية في تحفيز المخ على إفراز الاندروفين المسكن للآلام, ثم أن الممارسة الجنسية المنتظمة تؤدي إلى تنظيم الدورة الشهرية, كما يساعد الجنس على الشفاء من أللآلام العضلية بسبب ما يؤدي إليه من استرخاء عضلي, ويؤدي إلى تنشيط الدورة الدموية وتقوية العضلات, كما يسهم الجنس بشكل فعال في تقوية الجهاز العضلي فهو يقي من هشاشة العظام في النساء بعد سن اليأس لأنه يساعد على إفراز هرمون الأستروجين والجنس يؤخر الشيخوخة الشكلية لدى النساء بعد سن الأربعين, وتساعد الممارسة الجنسية المقترنة بالإشباع والرضا الجنسي على تهدئة نوبات الصداع النصفي أو داء الشقيقة, كما أن الممارسة الجنسية المنظمة تسهم بشكل كبير إلى الحد من سرطان الثدي والرحم وغيره من الفوائد !!!.
وعلى الصعيد الاجتماعي العام فأن إعادة بناء العلاقات الجنسية على أساس من قيم العدالة والحرية والديمقراطية التي تضمن التكافؤ بين الجنسين, سوف يسهم بشكل كبير في عمليات الاستقرار الاجتماعي ويحد من الإكراه والريبة والفساد بين الجنسين. فالمجتمعات المكبوتة جنسيا تتصاعد فيها حدة العدوان والاعتداء على الآخرين, وهم أكثر استعداد للحروب من المجتمعات القائمة على تكافئ الجنسين, ويخفف من استخدام الدين والسياسة كغطاء للفساد الاجتماعي والحرمان, ويخفف من احتقان قادة الدول الرجعية والدكتاتورية والأنظمة الاسلاموية ويطفئ من عدوانيتها اتجاه شعوبها واتجاه الدول المجاورة. وبالتالي يمكن استخدام إعادة تنظيم العامل الجنسي في خدمة قضايا السلم العالمي والاستقرار لاجتماعي لما تتمتع به الدوافع الجنسية من تأثير بعيد ومعقد في مختلف جوانب الشخصية. وأشير هنا إلى السيدة الايطالية المتألقة في الجمال والإثارة " ايلونا ستالير " التي عرضت على الرئيس العراقي السابق صدام حسين أن يمارس الجنس معها للحيلولة دون وقوع الحروب. لكنها قالت فيما بعد: لو قبل صدام حسين عرضي هذا لما بلغ هذا المصير. طبعا صدام كان مشبعا جنسيا ولكنه غير راضي جنسيا, والفرق بينهما كبير. طبعا أؤكد هنا إن الحروب أسبابها متشعبة ومعقدة, وضمنا يدخل العامل الجنسي كأحد الأسباب وأحيانا يكون في مقدمة تلك الأسباب !!!.
ويجب التذكير هنا إن هناك نوعا من الفضائح الجنسية في البلاد الأوربية وأمريكا ونسمع بها بين الحين والآخر تدك مسئولين كبار في الدولة وفي الأحزاب السياسية الحاكمة وغير الحاكمة, وهو ما نطلق عليه ب " الجنس السياسي الخاص " وهو محصور في نطاق خاص جدا بإطراف العلاقة المعنية, قد يلعب فيه استغلال المنصب السياسي دورا أو قد لا يلعب, ويشكل فيه المنصب السياسي والجمال النسبي احد العوامل للاندفاع نحو هذا النمط من العلاقات, ولا تأخذ هذه العلاقات شكل الإفساد الاجتماعي والخلقي للمجتمع أو توظيفها لأهانه شعب, فالأمر مختلف هنا تماما قياسا بالبلاد العربية والإسلامية, حيث الحرية والديمقراطية والمساواة النسبية بين الجنسين في الأولى, تضع حدا لاستغلال العلاقات الجنسية السياسة الخاصة وحصرها في دائرة ضيقة جدا !!!. 
ويبقى هذا النمط من العلاقات قيد الكتمان والسرية الشديدة, وحال ما يتم الكشف عنها وفضحها فيبدأ العد التنازلي لشهرة مرتكبيها مقترنا بتدهور سمعتهم ومكانتهم السياسية, وبعض القضايا منها تحال إلى القضاء إذا كانت مقرونا باستغلال السلطة والمال في العلاقة, وتكون للبعض الآخر بداية النهاية للحياة السياسية والاعتزال عن العمل الحكومي والحزبي, بل وحتى تدخل سببا في طلاقات عديدة وترك للزوجة الأولى أو الحبيبة. ومن أمثلة تلك الفضائح في التاريخ القريب جدا علينا هو: فضيحة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون مع عشيقته المتدربة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي, وكذلك رئيس الوزراء الايطالي الأسبق سيلفيو برلسكوني الذي اشتهر بعدد من الفضائح الجنسية, والرئيس الإسرائيلي الأسبق موشيه كاتساف الذي أستقيل على اثر فضائح جنسية من نوع الاغتصاب وغيرها التي أدانه بها القضاء عام 2006. وكان أيضا للرئيسين الفرنسيين السابقين جاك شيراك, وفرانسوا ميتران حياتهما الخاصة في هذا المجال. وقد سبق ذلك العديد من الزعماء في قصص غرامية خاصة, مثل هتلر, وجون كندي, والقائمة تطول لتشمل قيادات في المخابرات المركزية الأمريكية ورموز عديدة في دوائر القرار السياسي الأوربي والأمريكي وغيرها من بلدان العالم !!!.
وفي الختام نقول إن ويكيليكس دشنت عصرا جديدا في فضح الأنظمة الفاسدة العربية والإسلامية منها وغير العربية, وجعلت كل شيء سري يجري خلف الكواليس حقا متاحا للجميع, طالما كل ما كان سريا يجري في أروقة الدبلوماسية الخارجية للبلدان موجها بهذا القدر أو ذاك ضد الشعوب. لقد أكد ويكيليكس بتسريباته أكثر من مره إن هذه السرية والكتمان للمعلومات لا يستخدم إلا ضد الشعوب والإفساد في المجتمعات والتخطيط لإشعال الحروب الدولية والإقليمية, وتخريب الأمن والاستقرار. ولعل ويكيلكس تشكل بداية حقبة تقوم على الصدق والشفافية الحقيقيتين !!!.

نص الوثيقة الخاصة بالسعودية في اللغة الانكيلزية كما وردت في ويكيليكس:
https://wikileaks.org/plusd/cables/09JEDDAH443_a.html
 
 



68
ماهية ويكيليكس ومهمته بين التوثيق والفضح وخلق ردة الفعل !!!

د.عامر صالح
   
من يتصفح القاعدة المعلوماتية على الانترنيت سيجد المزيد من التفاصيل الخاصة ب " ويكيليس " والتي تطفئ الظمأ المعرفي للقارئ في الحصول على المعلومات حولها. ومن ابرز هذه المعلومات المتوفرة هي: تاريخ نشأتها, وتنظيمها الإداري, وبدايات تسريبها للمعلومات, وأمكنة إقامتها الالكترونية, ومشكلات التمويل لديها, وشرعيتها القانونية, وطريقة العمل الفني لديها من خلال التعرف على خوادمها, والتحقق من البيانات لديها وكذلك احتمالات الملاحقات القانونية لها !!!.

ومن المعلومات المتاحة حول " ويكيليس " إنها منظمة دولية غير ربحية تنشر تقارير وسائل الإعلام الخاصة والسرية من مصادر صحفية وتسريبات إخبارية مجهولة. بدأ موقع ويكيليس على الانترنيت سنة 2006 تحت مسمى منظمة من شاين الصحفية, وادعت بوجود قاعدة بيانات لأكثر من 12 مليون وثيقة خلال سنة من ظهورها. وتصف ويكيليكس مؤسسيها بأنهم مزيج من المنشقين الصينيين والصحفيين والرياضيين وتقنيون مبتدئون لشركات عاملة في الولايات المتحدة وتايوان وأوربا واستراليا وجنوب أفريقيا. ومديرها جوليان اسانج وهو ناشط انترنيت استرالي. انطلق الموقع كويكي للتحرير, ولكنه انتقل تدريجيا نحو نموذج نشر أكثر تقليدية ولم يعد يقبل بتعليقات المستخدمين أو كتاباتهم.
      
في أبريل 2010 أنزلت ويكيلكس على موقع انترنيت يسمى " كولاتيرال موردير " مشهد فيديو عن ضربة الطائرة في 2007 التي قتلت فيها قوات أمريكية مجموعة من المدنيين العراقيين والصحفيين. وبعدها في يوليو سربت ويكيلكس يوميات الحرب الأفغانية, وهي مجموعة لأكثر 76900 وثيقة حول الحرب في أفغانستان لم تكن متاحة للمراجعة العامة من قبل. ثم سربت في أكتوبر 2010 مجموعة من 400000 وثيقة فيما يسمى سجلات حرب العراق بالتنسيق مع المؤسسات الإعلامية التجارية الكبرى, حيث سمحت تلك بإعطاء فكرة عن كل وفاة داخل العراق وعلى الحدود مع إيران. وفي نوفمبر 2010 بدأت ويكيلكس بالإفراج عن برقيات الدبلوماسية للخارجية الأمريكية.

وتلقت ويكيليكس الثناء والانتقادات على حد سواء. وفازت بعدد من الجوائز بما في ذلك جائزة الايكونومست في وسائل الإعلام الجديدة في 2008, وجائزة منظمة العفو الدولية لوسائل الإعلام البريطانية في 2009 . وفي عام 2010 وضعت الديلي نيوز النيويوركية ويكيليكس الأولى من بين المواقع التي يمكن أن تغير الأخبار بالكامل, وقد سمي جوليان اسانج كأحد اختيارات القراء لشخصية 2010. وذكر مكتب مفوض المعلومات في المملكة المتحدة بأن " الويكيليكس هو جزء من ظاهرة على الانترنيت لها سلطة المواطن ". وفي أول الأيام ظهرت عريضة انترنيت مطالبة بوقف ترهيب الويكيليكس خارج نطاق القضاء وقد استقطب أكثر من ستمائة ألف توقيع. وأثنى مؤيدو ويكيليكس في الأوساط الأكاديمية والإعلامية بتعريضها أسرار الدولة والشركات مطالبين بزيادة الشفافية ودعم حرية الصحافة وتعزيز الخطاب الديمقراطي وهو ما يمثل تحديات للمؤسسات القوية. ومن الضروري الإشارة هنا وحسب مصادر الإعلام بان ويكليكس قد يرشح بقوة لنيل جائزة نوبل العالمية !!!.

وفي الوقت نفسه انتقد عدد من المسئولين الأمريكيين الويكيليكس لتعريضها معلومات سرية تضر بالأمن القومي وفضح الدبلوماسية الدولية. وطلبت عدة منظمات لحقوق الإنسان من الويكيليكس بإعادة صياغة نشرات الوثائق المسربة للمحافظة على المدنيين الذين يعملون مع القوات الدولية وذلك للحيلولة دون حدوث أي تداعيات. وبالمثل فقد انتقد بعض الصحافيين ضعف الإدراك لحرية التحرير عند الإفراج عن آلاف الوثائق في آن واحد بدون تحليل كافي. وأعربت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في ردها على لعض ردود الفعل السلبية عن قلقها إزاء " حروب الانترنيت " ضد وكيكيليكس, وفي بيان مشترك م منظمة البلدان الأمريكية طالب المقرر الخاص للأمم المتحد الدول والجهات الفاعلة الأخرى بوضع المحافظة على المبادئ القانونية الدولية بعين الاعتبار.

وما يجب تأكيده هنا أن هناك إجماع على نزاهة ويكيليكس, فلم ترد أي معلومات مؤكدة تشير إلى عبث ويكليكس بالوثائق المنشورة أو تزوير لوثائق نشرت منه, والخلاف مع ويكليكس حول هل يجوز أو لا يجوز النشر في عالم الدبلوماسية الملبدة بالغيوم, وما يجب نشره أو حجبه عن النشر. ويكليكس هنا لا تعتد بالصيانة التقليدية والحفاظ على المعلومات, حتى وان كانت ضاره, فهي مؤسسة مراقبة خارج إطار الحكومات وكواليس الصفقات السياسة, وبالتالي لا يوجد عندها ما يستحق إخفاءه, وخاصة عندما يتعلق الأمر بالسلم والديمقراطية ونبذ قيم الاضطهاد والتدخل في شؤون البلدان !!!.

ومن هنا جاءت الصفعة القوية لنظام المملكة العربية السعودية بقيام ويكليكس بتسريب أكثر من 70000 وثيقة والتي نشرها في 19 يونيو/ حزيران, وسيتبعها أكثر من نصف مليون وثيقة قادمة. والوثائق المسربة تمثل مراسلات بين وزارة الخارجية السعودية وسفاراتها في الدول العربية والإسلامية وغيرها من دول العالم, وقد تمحورت هذه المراسلات حول النقاط الآتية:

ـ كيفية تنفيذ الرياض لسياساتها في ملفات إقليمية ودولية عبر استخدام الأموال والعامل الديني.
ـ تمويل السعودية لوسائل إعلام عربية بغية محاربة خصوم المملكة في لبنان ومصر, وفي مواجهة إيران, حسب الوثائق.
ـ دفع مبالغ نقدية لأحزاب وشخصيات سياسية في دول عدة بهدف تنفيذ سياسة المملكة. 

وتضمنت التسريبات تقارير مصنفه تحت بند " سري للغاية" من مؤسسات سعودية, منها وزارة الداخلية والاستخبارات العامة, بالإضافة إلى توجيه شخصيات مؤثرة في عدد من الدول. وقال مؤسس ويكيليكس, جوليان أسانج, إن برقيات السعودية تميط اللثام عن نظام دكتاتوري لم يحتفل فقط بإعدام 100 شخص هذا العام, بل أصبح يشكل تهديدا لنفسه وجيرانه.

ويقول موقع ويكيليكس بأن الوثائق التي بدأ بنشرها تبين أيضا البيروقراطية والمركزية الشديدة التي تدار بها المملكة العربية السعودية. كما أكد ويكيليكس انه بصرف النظر عن السجل الشائن للمملكة العربية السعودية في مجال حقوق الإنسان فأنها لا تزال الحليف الأول للولايات المتحدة والمملكة البريطانية, وذلك يعود إلى امتلاكها أكبر احتياطي نفطي في العالم !!!. 

التفاصيل في الدور السعودي التخريبي للعلاقات العربية والإسلامية محتواة بشكل واضح في وثائق ويكيليكس, والقادم أسوء. ومن هنا وبعيدا عن التفصيلات المملة للقارئ, فقد تجسد الدور السعودي في العراق بمساندة الإرهاب علنا, تحت مبرر المد الشيعي, وقد تجسد ذلك في أمداد التنظيمات الإرهابية بما فيها داعش بالمقاتلين والوقود البشري اللازم لديمومة القتل والسبي وانتهاك الأعراض وقطع الرؤوس. وهناك كم هائل من المراسلات بين قيادات الإسلام السياسي السني بما فيها القابعة في البرلمان العراقي ورئاسة الجمهورية للاستعانة بالدور والمال السعودي للتدخل في الشأن العراقي وتخريبه !!!.

الدور التخريبي السعودي في مصر ولبنان وسوريا واليمن حاضر و ليست بجديد عبر التحالف القطري والسعودي والتركي لفرض أجندة الإسلام السياسي المتطرف والمتهور والمتمثلة بقوى الإرهاب الاسلاموي بقيادة داعش. رسائل ويكليكس قد لا تأتي بجديد سوى أنها تفضح بالمكتوب الموثق عن الدور السعودي والقطري والتركي في تخريب الربيع العربي بقوة السلاح والترهيب وفرض بدائل الرذيلة والتخلف في ليبيا ومحاولاتها في مصر وتونس والعراق وسوريا واليمن. فالنظام السعودي  ـ القطري بتحالفاته هو نظام شاذ جنسي ـ سياسي تعاني منه العائلة المالكة عبر عقود, وتلك إفرازاته في السياسة !!!.

الدور السعودي في الصحافة العربية ومتابعتها وتصنيفها إلى معادية للمملكة أو صديقة هو دور أشارت له الويكيليكس بوضوح, فالتقسيم يجب أن يكون بين صحافة عميلة للمملكة وصحافة حرة مستقلة, فالمال السعودي الحرام تتخم به الصحافة العربية الصفراء. ومن يطالع على رسائل ويكيليكس سيجد بالأسماء, من هي الصحف والمواقع العميلة لآل سعود, ومن هي المحايدة أو المعادية !!!.
الأحداث هنا تذكرنا أيضا بالدور الإيراني وتدخلاته في العراق وفرض أجندة طائفية, وهو ما يذكرنا بما أصدره الويكليكس في 2010 والذي لا يزال ساري المفعول, فالتدخلات الإيرانية في الشأن العراقي واضحة وضوح الشمس, سواء في ميادين  الصراع  ضد داعش, أم التدخل في أدق التفاصيل, بما فيه الانتخابات البرلمانية, والمحاولة في فرض أجندة مغايرة للسياقات الطبيعية. فالنشاط الإيراني ألمخابراتي وعبر حلفائه من الأحزاب الموالية يشكل حجر الزاوية في الصراع ضد الإرهاب, إلا أن لبوسته الطائفية قد لا تقتطف ثماره أبدا !!!.

وعلى العموم فأن تسريبات ويكليكس تشكل عمودا فقريا في توثيق الصراع وأجندته بين أطراف الصراع الرئيسية, وهو يعبر عن مرحلة خطرة من الصراع ذو طابع اثني ديني طائفي لا تكتفي مداياته بحدود مناطق الصراع العربية ـ المذهبية, بل ق