عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - غسان سالم شعبو

صفحات: [1]
1


وحيد في القرية
قصة قصيرة في زمن النزوح


غسان سالم شعبو


مرت ستة أشهر بلياليها قضاها منزوياً في منزله. وأدرك أنه بات وحيداً في قريته التي هجرها أهلها على حين غرة، هرباً من بطش العصابات الإجرامية التي إقتحمتها في غفلة في تلك الليلة المشؤومة. ولم يكن له من يشاطره المسكن. فصعد السطح ليستدرك الأمر وأجال بناظريه صوب خيوط الشمس الطباشيرية التي إنسدلت ما بين التلال القريبة لتشع على الربوع الخضراء. فأطل على طريق زراعي وكان خالياً خاوياً يعلوه غبار تتماوج بين ذراته إشعاعات الصباح الحزين ليكتشف أن الكل قد غادر القرية. فوقف متحلياً بالصبر والهدوء, وكان بين الحين والحين ينظر إلى ساعته، وفجأة إنفجرت قذيفة هاون وسط الحي السكني وتفّجر الصمت وسط المكان، فجاءه هاجس كالصاعقة على قلبه: سيحرقون القرية لا محالة وتصلّب في مكانه وهو يردد بإنفعال حذر: سقطت بلدتي كما كل البلدات .. وأطبقت هالة من الكآبة على صدره وهو يراقب سحب الدخان التي خلفتها قذيفة الهاون التي نالت من إحدى الدور القريبة من منزله. وإمتزجت مشاعر الخوف بالهلع والترقب عما ستؤول إليه الأمور. فدفعه حب الفضول للنزول إلى الحي ويجتاز الدور بإتجاه مصدر الدخان المنبعث قريباً، فسمع هدير السيارات القادمة صوب المكان وإختبأ في سرداب أحد البيوت القريبة بعدما خلع مفتاح بابه عنوة كي لا يدركه أحد. وتلصص من خلف نافذة مطلة على الشارع العام، فشعر بنفسه مقيداً من جديد في هذا السجن السري الذي إختاره لنفسه جراء فضوله. وكانت النار المشتعلة تزداد وهجاً أمام الدار المقابل جراء التفجير وقد تجّمع حولها عدد من المسلحين بلحاهم الكثة ووجوههم المكفهرة وثيابهم القذرة، وهم يتأبطون الأسلحة والخناجر الملوثة والرايات السوداء. وقد ساد المكان صمت مريع، بقدر بشاعتهم فتمالك نفسه وهو يتابع تحركاتهم فوجدهم يكسرون أبواب الدور ويقتحمونها ثم يكسرون أقفال المحلات ويدخلوها ليسرقوا مؤونتها، وهكذا كانوا يجوبون الحي بأكمله وهو يلاحقهم بنظراته بصبر كبير. وشاهد تجمعاً آخر من الرجال يتوجهون صوب جهته، ففزع وشعر بأن أمره سينكشف وسيقومون بقتله. وكم تمنى أنه لو نهض باكراً في ذلك الصباح الكئيب  ليلتحق بركب النازحين قسراً من بني عمومته. فأسرع من سردابه خارج الدار يشق طريقه بين الأزقة بعيداً، لكنه تلقى رشقات من الرصاص بين قدميه من ملتحي الذي صرخ بوجهه وأمره أن يتوقف، وأدركه أحدهم بركلة أوقفته فتسمّر في مكانه وشعر بنفسه مكبلاً بين أيدي المسلحين الأوباش الذين ملأوا المكان وتهافتوا نحوه وتجمعوا حوله بثيابهم البشعة، وهو يقرأ في عيونهم شرارة الغضب. فسأله شخص منهم: من أنت وماذا تفعل هنا؟ قال وهو رابط الجأش محاولاً أن يتأبط قدراً من الشجاعة: كنت أبحث عن الطعام، فقد نفذت مؤونتي. فقهقه الرجال وقالوا بتهكم وخبث شديدين: إذن أرشدنا عن البيوت الفاخرة والميسورة هنا. فإنتبه إلى تصرفاتهم الرعناء وثمالتهم فأدرك أنهم لا بد يتعاطون حبوب الهلوسة..  فصمت. وصرخ أحدهم بوحشية وهو يلوح بقتله، فتجمّد في مكانه ولكنهم إقتادوه جانباً وفتحوا أحد الأبواب أمامه بإطلاقة نار واحدة وقالوا له: هيا إجلب لك الطعام قبل أن نشوي لحمك. وعادوا يتضاحكون وهم يقتسمون ما ملكت أيديهم من الغنائم. فرفض وقال لهم كلا لن أغدر بجاري وأدخل بيته، دعوني وشأني. بينما دخل إثنان منهم وخرجوا بصيد وفير من الغنائم. وهكذا ساروا به من منزل إلى آخر وهم يتهكمون ويتضاحكون ويلوحون برشاشاتهم في الأعالي، وأمام كل منزل كان يرفض الدخول محاولاً التملص منهم دون جدوى. فطلبوا منه أن ينظم إليهم وسيجزلوا له بالعطاء. لكنه أبى وهو يراقب بحذر شديد كل شاردة وواردة منهم كي لا يبقى فريسة سهلة لهم فيقتلوه، فضاقت به السبل وهو قد أصبع على يقين أن أية محاولة منه للهرب لن تجديه نفعاً، لكنه تناهى إلى مسمعه صوت قذيفة هاون حطت على ذات الزقاق الذي كانوا يحتاطون به فتبعثروا هلعاً، وشم رائحة شواء اللحم من جلد أحدهم فأطلق العنان للهرب واختفى وسط الأحراش المتآخمة للقرية. بينما عاد المسلحون ليقفوا وهم يشاهدون بقايا جثة زميلهم المحترقة بالنار. 

2
الهجرة وحق المواطن!

غسان سالم شعبو
قبل فترة قامت دائرة الهجرة والمهجرين  بمنح مبالغ مليونية للمهجرين بعد ملء إستمارات التوطين في مناطق نزحوا  إليها أو في المناطق التي لجأؤا لها. ولا زال المواطنون ممن لم يستلموا المنحة يتساءلون عن موعد تسلمّهم لمستحقاتهم؟!.
وإنطلاقاً من ميثاق حقوق الإنسان حول وضعية المهاجرين و اللاجئين .. يحق لكل مواطن أن يترك أرضه ويهاجر إلى مكان يضمن له أمنه وسلامه مقابل حماية الدولة. وفي علاقة بلدنا بظاهرة الهجرة حيث تحول العراق إلى بَلد يتربع أبناؤه بهجرات متنوعة المسَارات والخيارات بسبب سياسة الترهيب والتهجير، فضلاً عن الهواجس الأمنية المتضخمة أو "فوبيا" الإرهاب وهجوم ما يسمى بالدولة الإسلامية على مساحات واسعة من العراق وشبه إسقاط إداري لأربع محافظات بين ليلة وضحاها. واستباحة مناطق سهل نينوى بالكامل والتي تسكنها الأغلبية الكلدانية السريانية الآشورية مع المكون الشبكي والتركماني والكاكائي وغيرهم، بعدما إستباحوا مناطق جبل سنجار التي يتحصن بها أبناء الطائفة الإيزيدية، وسواها من المناطق التي تزخر بالتنوع القومي والإثني من أفراد النسيج العراقي الواحد الذي إعتاد العيش بسلام ووئام طيلة الفترات السابقة. وبسبب طبيعة الحضور السياسي الهش للأحزاب الفاعلة في العملية السياسية، الذي يؤشر إلى التوجهات التي يتيحها الخط السياسي العام، وقلة التفاعل بين المؤسسات المحلية من جهة وبين مؤسسة الدولة والحكومة المركزية والسلطة التنفيذية من جهة أخرى. فأضحت الساحة خالية سوى من الأصوات الدخيلة، فإختار الأصلاء الإنزواء بعيداً عن آلة القتل والتنكيل.
نظرة السياسيين في مجال الهجرة يجب أن تنتظم على الأقل حول مكونات. أولها يرتبط بوضعية اللاجئين والإعتراف بصفة لاجئ كما تحددها الآليات المؤسساتية الدولية، مع العمل على توفير كل متطلباتهم وتعويضهم بقدر يليق بوضعهم الإنساني، وصياغة سياسة إدماجية للاجئين وأسرِهم، وتسوية إسثتنائية لوضعية هؤلاء المهّجرين والنازحين. ومراجعة ملفاتهم بغية دفع المنحة المالية التي قررتها الوزارة لهم بصفة دورية وفق آلية البطاقة التموينية أو البطاقة الذكية، وتلبية متطلباتهم من المواد الإغاثية والمعونات، ثم الإستمرار في الجهود الأمنية لتحرير مناطقهم، وإعادة من يرغب بالعودة إلى محل سكناه السابق.  في هذا السياق فإنه لا يمكن بتاتاً إغفال وظيفة مؤسسات المجتمع المدني التي إنطلقت في بداياتها لتعزيز السلم الأهلي، فضلاً عن الدور الريادي الذي قامت به المنظمات الإنسانية طيلة الأشهر الماضية، والتي ساهمت بشكل أو بآخر على أن تبرز في العمق إشكاليات ذات طبيعة ثقافية وإجتماعية، تهم القدرة الجماعية للمجتمع العراقي على إفراز قيم العيش المشترك، وإدماج المهّجرين والنازحين والمهاجرين داخل النسيج الإجتماعي.
كل هذا يجعل مجتمعنا أمام الإلتزام "الثقافي والوجداني "من أجل يقظة وطنية لرصد ولمكافحة كل خطابات العنف والكراهية والعنصرية تجاه الوافدين إلى مجتمعات وبيئات جديدة يجدون فيها مأوى وملاذاً آمناً. 
لذلك فإن جزءاً كبيراً من التحديات تظل ذات طبيعة معقدة، وهذا ما تطرحه العلاقات الجديدة التي ترتبط عملياً بتمرين إعادة بناء "مواطنة متجددة ومنفتحة" وضمان حق المواطن ضمن سياق تدبيرهم للعلاقة مع الآخر .
 أليست  الهجرة إمتحاناً للإنسانية؟ وللعلاقات الإنسانية؟.

3


طفلة من جبل سنجار
قصة قصيرة في زمن النزوح


         غسان سالم شعبو

ـ قره قوش



لم أعهد أبي من قبل كما عهدته اليوم، فصبره الجميل ولطفه الكبير وحدقات عينيه الجريئة وعزيمته التي لم يقهرها هذا الجبل، الذي كان يوما ما سبب هناءنا وسعادتنا، قد غدا اليوم رمز تعاستنا وموتنا. حينما باغتنا العدو على حين غرة وتسلل على بلدتنا وهتك أعراضنا وعمل فينا ما لم يعمله المتوحشون وما لم نسمع منه عن البهائم. فأبي إستطاع في هذه اللحظة أن يندفع بي نحو الخلاص. وجعلني أفتخر به أكثر عندما همس بوجه والدتي أن نسرع صوب قمة الجبل. فتأبط أمتعتنا ووضع يده حول خصري وحملني، ثم تبعته والدتي وعملت بالمثل وفي خفة الريح إندفعنا خارج بلدتنا، ومضينا نجتاز المرتفعات غير آبهين بوعورة المكان وقساوة الصخور واشتداد حرارة القيض التي طالما كانت عائقاً لنا في تحديد جرينا ووجهتنا. وكان أبي بين الحين والآخر يلتفت نحو ركن بيتنا وفي ذات الوقت كان يعرف تحديد وجهتنا نحو القمة.
ـ أنظر يا أبي إنهم يرشقوننا برشاشاتهم ..
صرخت وأنا أحاول التسلق بين ذراعيه فشدني بقوة وقال:
ـ لا تخافي يا إبنتي الصغيرة لن يلحقوا بنا فأنا أعرف وجهتي.
كنت أخال نفسي عرضة لرشاشاتهم الغادرة التي لمحتها تطيح بعدد كبير من أبناء بلدتي سنجار المنكوبة. ورأيتهم يندسون بين البيوت ووسط الشوارع والأزقة، ويقتلون الرجال ويقتادون الصبايا سبايا بوحشية مقرفة ووجوههم المسخة تنم عن حقدهم المستتر بشعاراتهم الرعناء. وكنت أشعر بدنو الخطر منّا، لكني وضعت كل ثقتي بأبي الذي طالما تحلى بقدر من الصبر والشجاعة والمسؤولية في الكثير من المواقف. رأيته يضع يده على خدي ويتحسس وجهي ليعطيني قدراً من الشجاعة ويداه تحتضنني بقوة. وكنت أشعر بلحيته الكثة البيضاء، أما عينيه فقد كانتا تقدحان شرراً وإصراراً للنجاة. فأغمضت عينيّ وأرتميت برأسي مستسلمة بين ذراعيه، وأنا واثقة بحكمة أبي. كأنه يقودني إلى مزرعتنا لنجني منها ثمار الصيف ككل يوم.
ـ يا لها من معجزة لقد وطئنا قمة الجبل بسرعة لا تضاهيها سرعة الغزلان ..   
  قلت ذلك لأبي وأمي مازالت تتخطى آخر المرتفع وتتشبث بشجرة التوت البري. والقمة الصخرية مكتظة بالجموع النازحة. وكم هالني منظر الكثيرين ممن نجو مثلنا وهم يتهافتون لعلق أوراق شجر التوت البري ليرووا جوعهم وظمأؤهم بذات الوقت. وهم يحدقون في الفراغ البعيد الذي بالكاد يُسمع منه أنّات من وقعوا فريسة بأيدي العتاة القذرين. فرفعتُ يدي مزهوة بنجاتي، ورأيت والدي مسترخياً غير آبه بمن حوله، لكن يداه لم تترك يداي النحيلتين فنظرت إليه ملياً وجذبتُ أصابعه نحوي بقوة فلاح لي إصفرار وجهه النحيل ووعيت على أنه يحتضر، فبالكاد كان يجر أنفاسه. فتبعثر الكلام بين شفتيّ وتمنيت أن أكون غائصة في أحلامي لأبعد عنه شبح الموت. وجذبت يداه صوب قلبي لأعطيه دفقاً من نبضاتي الصغيرة عربون وفاء. وألقيت نظرة إلى والدتي التي تسمرت في مكانها فاغرة فاها أمام بسمته الأخيرة، كمن يريد أن يودعنا بعد مشقة الطريق والهلع الذي كابدنا، وهناك لفظ أنفاسه الأخيرة فإلتفت الجميع نحوي ورمقوني بنظرة حزن صامتين.
كانت عيناي تترقرق بالدمع وأنا أسترسل بلحيته الشائكة البيضاء فغرست أصابعي وسط لحيته وأسندت راسي بجانبه وأنا أتمتم كلمات الشكر والثناء لشجاعته وإنقاذي.
 

4
غرفة نازح
قصة قصيرة في زمن النزوح

غسان سالم شعبو
جلستُ  في معتقلي أقصد محميتي أو غرفتي وسط هيكل لم يكتمل والمُطل على سفح جبل بارد أجرد من الخضرة تكسوه صخور صلدة شامخة أبداً، وكيف أوصف غرفتي وبيني وبينها عتاب، فأشباه الأبواب مشرعة والنوافذ غير مؤطرة بالزجاج ولا حتى بالنايلون، وها قد بدأت أولى زوابع الشتاء وليس لي ملاذ آخر في وطني سوى غرفتي ويا ليتها من غرفة عتيدة مؤثثة مشرعة على الشارع العام وسط سوق شعبي مكتظ بالمارة والعربات وأصوات الباعة وأزيز السيارات العابرة يملأ المكان. وفي أرقى المناطق. يا ليتها كذلك. ولكن هيهات إنها مجرد أثغاث أحلام لنازح قد مسه الدهر بالتخاريف وحكم عليه الزمن بالضياع، في وطن لم يرعه رعاته فصرنا كقطيع وسط ذئاب. وأعود لغرفتي وأنا أحاول أن أتدثر بقطع الشراشف التي حملتُها معي لحظة تهجيري من بيتي عنوة ولا أملك سواها، فرحت أستعطف المنظمات وأهل الخير أن يشملونني بكسوة الشتاء ومؤونة يومية لي ولأطفالي وبطانية. وها أنا أحاول النيل من أول ريح عاتية تهب وسط أجواء غرفتي، فرحت أقول في قرارة نفسي: سأقاوم ما زلت في أول الشتاء. ولملمت نفسي بين ثيابي في الوقت الذي سمحت لأطفالي أن يناموا في زاوية واحدة بعيدة عن تلك النافذة اللعينة التي لم تكتمل بعد!. ورحت أحادث نفسي شاكراً صاحب هذا الهيكل العتيد أن يكتمل، لتحننه عليّ وقبوله بإيوائي بين جدرانه الباردة. وفي ذات الوقت أعاتبه على ترك الهيكل مجرد جدران باردة لا لون لها ولا منظر ولا أجد وصفا لها. وكم حسدت هؤلاء القاطنين في الكرفانات أو الخيم فربما هي أفضل من غرفتي واستدركت للحال خطأي وأنانيتي. ما زالت الريح تزمجر تزف لي أولى بشائر الشتاء. وها هي قطرات المطر تنهال على البناية العارية تترنح بين تقاسيم بيتٍ لم يرى النور بعد. ترتسم بين الجدران والممرات شخابيط مائية تنساب بين التجاويف لتستقر على أرضية هشة فتختلط بالأتربة محولة إياها إلى أطيان تتكدس لتوحل المكان دون أن يصدها شيء. وفي الوقت عينه هجمت الريح الهوجاء حاملة معها زخات المطر الباردة التي راحت تبحث عني لتهاجمني من خلال النوافذ المشرعة والثقوب المتشعبة على طول الجدران وبين الممرات، ولكن يا لوعتي من يسمع صراخي وأنا مضطجع في غرفتي الباردة, يا ليتني أستطيع أن أساعد صاحب هذا الهيكل ليستطيع أن يُكمله فأنعم بمبيت هانئ فيه. يقيني من هزيع الريح وسطوة الشتاء القادم. ولكن هيهات فإني لم أعد أملك شيئاً بعدما سلبني القساة العتاة  كبريائي ووجودي وجردوني من بيتي وحملوا كل أشيائي، ولم أعد سوى نكرة في وطن تسود فيه النكرات. فرموني في حاوية المنسيين وهم الأَولى بهم أن ُيرموا في سلة النفايات ومزبلة التاريخ.


5

فئران كسنزان
قصة قصيرة في زمن النزوح

غسان سالم شعبو ـ قره قوش

إجتمع كبير الفئران مع أقرانه في الفناء الخلفي للمجمع الجديد الذي إكتمل بناؤه واختارته مجموعة من العائلات النازحة إلى تلك المنطقة ملاذاً ومأوى لها، فقام يخطب بينهم:
ـ أعزائي ها إن باب الرزق قد إنفتح أمامنا بوصول عائلات جديدة إلى هذا المجمع السكني وإنني واثق أننا بقربنا لإبن الإنسان سوف ننعم بالخير الوفير ويبدو لي أن العائلات الجديدة هم من الذين نزحوا مؤخراً إلى الإقليم، فلسوف تتظافر الجهود لإغاثتهم بكل ما يجود به أقرانهم البشر، ومن المنظمات الدولية التي لا تنأى تقدم لهم أفضل الأصناف. فهنيئاً لنا ولهم، وإني سأعتمد عليكم لتتبع القوافل القادمة إلى المخازن فننتفع منها. حينها انصرف الجميع سعداء. وذات يوم وصلت شاحنة من المساعدات إلى البيوت في منطقة كسنزان. فتقافزت الفئران في فضول وهي تراقب وصول الشحنة إلى المخزن وإندس أحدهم ليستطلع الأمر ولكنه سرعان ما همّ بالخروج متأففاً، وذهب إلى كبير الفئران. ولما إستأذن بالدخول وقف أمامه مطأطئ الرأس خجلاً حزيناً. فقال له كبير الفئران: تكلم يا صغيري ما الأمر أراك متعكر المزاج. وبعد صمت قصير قال الفأر: لا أريد أن أحزنك ولكني أريد أن أبلغك أمراً مخجلاً. فنهض الكبير بفضول يستنطقه فإستطرد الفأر قائلاً: سيدي لقد كنّا سعداء بوصول هذه العائلات إلى منطقتنا، وكان لنا أمل كبير بكمية الزاد التي ستنهال علينا من خلال ما يعتاشون منه ولكني لما إستطلعت أمر الشحنة الغذائية التي أرسلتها وزارة الهجرة والمهّجرين اليهم تكاد لا تصدق مما أقوله فرائحتها العفنة تزكم الأنوف ولما حاولت إستطلاع الأمر ورأيت ما رأيت شعرت بغثيان شديد وتقيوء فتمالكتُ نفسي كي لا أفضح أمري وأنا قريب من الشحنة وهالني ما رأيت وجعلني أذرف دمعا على أبناء جلدتي وحزناً  عليهم.
فقال الكبير: ولكن قل لي ما الأمر؟ لقد زدتني فضولاً.
فإستطرد: لقد رأيت فئراناً ميتة وسط شحنة الغذاء ومواد مكدسة غير صالحة للإستهلاك البشري وخرجت مسرعاً وقد أصابني الغثيان.
فصرخ كبير الفئران بوجهه قائلاً: ويحك كفى لا تُكمل. لقد وصلت الفكرة
ما أشد بؤسهم هؤلاء القوم فقد تركوا أكداساً من الغذاء والدقيق في مخازن بيوتهم، وكنا نحن معشر الفئران نعتاش عليها طيلة حياتنا. وكانوا كباراً في بيوتهم. والآن نراهم يقتاتون من فتاة الكبار ويا ليتهم ينالون ما يسد رمقهم.
فهوذا أقراننا من الفئران قد هجروا تلك المناطق ولم تعد سوى مأوى للكلاب والقطط. وما أشد بؤس من أرسل تلك الشحنة المليئة بالفئران الميتة فهم لم يكترثوا لمعاناة وشقاء النازحين. فليعلم الجشعون والمحتكرون أي منقلب سينقلبون. فقد قيل: ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه.               

6
النازحون في عينكاوا
غسان سالم شعبو / بخديدا
عينكاوا تعد ثاني أكبر مدينة مسيحية في العراق بعد بخديدا / قره قوش ، حيث تبعد بـ1كيلومتر عن أربيل، وهي ممتدة على مساحة شاسعة، ويعيش بها أزيد من 10 ألآف نسمة، فضلاً عن الوافدين إليها بسبب العمليات العسكرية وغيرها. ويتوفر فيها كل شيء بفضل الشركات والمؤسسات التي تشغل كل مرفقاتها وهي في حركة دؤوبة ونشاط دائم، وإذا ما وصلها شخص ما فليس أمامه سوى البحث عن غرفة في فندق أو منزل يلوذ به، هذا إذا وجده بسبب كثرة النازحين من شتى محافظات العراق. زُرتُ عينكاوا، والتقيت العديد من الذين عبروا عن معاناتهم اليومية مع اٌيجارات وهو العبء الكبير الذي لاقوه بعد فقدانهم لبيوتهم وممتلكاتهم. ولم تصرف لهم أية مبالغ مالية كمعونات تسندهم لبدل الإيجارات المرتفعة فبالرغم من مرور ثلاثة أشهر من محنتهم فلا شيء تغيّر، فالمعاناة نفسها رغم صرف أموال كبيرة في برامج المساعدات والمعونات الغذائية وغيرها. وكل من تتحدث معه يقول "نفكر بشكل جدي في مغادرة البلد، فلا شيء يستحق البقاء، لولا أن عدداً كبيراً من المهاجرين تَورَّطَ في أيجار منازل، لكن ما قيمة منزل بدون أمل ولا وطن يحميه ولا جار يشعر به؟ الهجرة هي الحديث الغالب عند الناس، ولا تسمع سوى كلمة "سأهاجر" في كل نقاشات الناس ودردشاتهم اليومية وتسكعاتهم في الشوارع والبطالة تغزو المدينة.
 ويقول متحدث أن الصراعات المستمرة منذ عقود تحول دون إستقرارنا في أماكننا ففي حرب إيران تنقلنا من البصرة إلى بغداد ثم إلى بخديدا، وكان من الممكن أن نجد فيها الأمان والإطمئنان لولا ما حدث مؤخراً حينما دخلها إرهابيو داعش. ويتابع "نحن الآن نفكر في التسجيل في مكاتب الهجرة أينما كان ونحن في إنتظار ذلك". تكَالَب الإرهاب والبطالة خلّف وضعاً مزرياً على المواطن المغلوب. "في العراق لا يحق للمواطن أن يحلم بمستقبل آمن". فنحن كمن يعيش في نفق مظلم.  وما وجدته في الكنائس والمدارس وما شاهدته مما يعانيه السكان جراء غياب الخصوصية الفردية لكل عائلة، فضلا عما يتسبب ذلك من آثار نفسية على الأطفال، وكذلك الحال للساكنين في الخيم بعد الأمطار الأخيرة حيث أن الأمطار التي صاحبتها رياح شديدة إقتلعت بسببها العديد من تلك الخيم فخلفت حالة من البؤس والمعاناة تضاف إلى معاناتهم المتراكمة، وما يثلج الصدور أن دار المطرانية وبالتنسيق من المنظمات الإنسانية الفاعلة سارعت إلى إيواء كل القاطنين في الخيم ببيوت إستأجرتها أو كرفانات هيأتها لهم..! فالكرفانات لا توفر إلا حلاً مؤقتاً لأن العائلة  لا يجمعها إلا بيتها.  ولما طرحتُ هذا السؤال على أكثر العوائل المستفادة أكدوا لي بأن الجماعة كانت في أمَسّ الحاجة لهذا المشروع، مشروع الإسكان في كسنزان والشقق وغيرها، فالسكن اللائق يمثل واجهة حضارية لكرامة الإنسان فالكل فقد بيته وتهدّم مستقبله كما تهدّمت آمال المواطنين النازحين في كل مكان، الذين كانوا يحلمون بمستقبل مشرق مع بداية عهد الحكومة الجديدة. وبأنها ستقضي على كابوس الإرهاب الذي يلاحقهم، ليستيقظوا ذات ليلة، ويكتشفوا أن "وعود المسؤولين والبرلمانيين " لم تكن سوى وهماً وتهميشاً. ويقول كل من يسكن هذه الخيم والكرفانات: نطالب بالتدخل العاجل بتوفير سكن لائق وحلاً لمشكلة انقطاع التلاميذ عن المدارس..’ حيث لا مدارس ولا مستقبل ولا أمل .. والعزلة تفتك بنا والمعاناة  تؤرقنا، وسيستمر العبث والنسيان والفقر.
ليعلم المسؤولين أن هؤلاء هم أيضاً عراقيون ومسيحيون مهجّرون لا يطمعون في شيء سوى في نيل أبسط حقوقهم ... وهم يشعرون أن الحكومة صارت شبه غائبة أو متلكئة ببرامجها ووعودها .. حكومة على مصالحها محافظة .. فأين بدل البطاقة التموينية؟ وأين حقوق النازحين؟ .. وحقوق الطفولة؟ .. وحق المواطنة؟.  فقد عمل المسيحيون أجيالاً في بلدهم بكل تفانٍ وإخلاصٍ وعانوا من قسوة العيش فيها, والآن قد تُركوا حاملين معهم أزمات نفسية وسنوات عجاف, أما الدولة فلم تعتبرهم يوماً أكثر من رقم في إحصاء .. يفتقرون الآن على الكثير من متطلبات الحياة. والمصيبة الكبرى أن الحكومة تعلم هذا ولا تحرك ساكناً والبرلمانيون أو الوزراء لا يرون شعوبهم إلا في برنامج تلفزيوني ومن وراء الشاشات وفي تصريحات إعلامية، ويبقى الحال على ما هو عليه دون تدبير ما هو أفضل. ألا يستطيعون جعل حداً لهذه الكارثة؟ والقضاء نهائياً على محنتهم التي باتت تقتلهم يأساً؟ لقد سيطر التهميش على منهاج الكثيرين. لقد حضي هؤلاء النازحون بالقسط الأوفر من الإهمال والتهميش وما دام الكل يعاني  فليس سوى تفكير واحد يشغلهم "الهجرة إلى مكان آخر"، فأرض الله واسعة بدل البكاء على سوء الحال الذي لا يجدي نفعاً..

7
المنبر الحر / عزلة
« في: 22:49 27/09/2014  »
عزلة
غسان سالم شعبو ـ بخديدا
لا شيء يمكنه أن ينسيني عزلتي التي أنهكت قواي وقضّت مضجعي وأنا جالس في منفاي بعيداً عن دياري. بعد أن غادرت بلدتي مكرهاً في ليلة ظلماء، وسكنها العتاة الغرباء. بلدتي التي إستحلتها عصابات الإرهاب ودنستها. ما زلتُ أتلوى في عذابات حبي واشتياقي لأرضي وبيتي ومسكني. أبحث عن بائع متجول لأتبضع منه أخبار وطني وبني جلدتي. عساني منه أشتري راحتي وسعادتي.
تأتيني  الأحلام في يقضتي ساعية لأن تلهيني في عزلتي وتذكرني بقصص وحكايات جدتي، تنتهي حالما يهلُّ الصباح بضيائه السرمدي فأستفيق من خدري لأجد نفسي نازح ..  بعيد .. بعيد جداً .. عن أهلي وأسرتي وعشيرتي.
 أتذكر بخديدا كأنها فتاة عذراء إقتحمت عزلتي. تجالسني وتحدثني وتحاورني تريد أن تخبرني عن قصة جديدة كتَبَتها من دم عشقها الأبدي، فأدمى قلبي وقلبها بلهيب الشوق والقلق. حدثتني عن مآساة الغزو البربري. فليس من أمر أعتى وأقسى من كذب الأعراب والأغراب والغجر القساة حين ساقوا بلدتي لمقصلة الغدر الهمجي.  واستباحوا من حرماتها ما يندى له جبين الإنسانية والأمم. وقد سبوها في ليلة غادرتها الملائكة وعاكستها الأقدار ورحل عنها أهلها الأخيار، ولم يعد للقديسين ملاذاً في أروقتها. فحمل المسيح ليلتها صليب العار وسار وحيداً متروكاً يجر عذاباته متحملاً كل الآلام والأهوال.
مازال المسيح سائراً في دروب المدنية الحزينة يجول في أروقتها محتملاً الإهانات من رعاع باعوا ذممهم للشيطان. نظر اليّ وضمني بين جروحاته وانتشلني من عزلتي حين رمقني بنظرة حبه التي ملأت جوارحي عزاءً . ومدّني بإكسير الرجاء حينها أدركتُ أن بالصبر وحده ينتصر الإنسان.
 
 

8
صرخة مار بهنام الشهيد إلى مار ميخائيل رئيس الملائكة
غسان سالم شعبو ـ بخديدا
عذراً سيدي مار ميخائيل رئيس الملائكة ..
أكتب إليك من دير الجب الكائن في سهل نينوى والذي منّ الله به بأفضل الهبات وأنبل الصفات والآيات .
وبعد .. عندما خلق الله الإنسان ميّزه عن باقي الخلائق وجعله سيد الكائنات وأعطاه حقوقاً وإمتيازات لم يمنَّ بها حتى الملائكة. وأعطاه نعيماً فردوسياً ليتنعم به. ودعاه لأن يقوم بدوره أميناً لهذه الأرض، وعاش بنعيمه. ولكن يبدو أن خطيئة أبوينا الأولين قد أبعدته عن محبته، ومضى الإنسان يصارع الزمن من أجل أن يحضى بقبول محبة الله من جديد. وعلى هذا الرجاء الذي تنتظره الإنسانية جاء الأنبياء وأعلنوا بإستمرار بشرى المصالحة مع الله، وعلّمونا أن ندفع كل شيء من حولنا للتفكير به، فأصبح الله قريباً منّا ومن الجميع، يحبنا حباً جماً وبحبه يجذبنا إليه وقد عهد إلينا بالمسؤولية الكبرى في الشهادة لمحبته ومحبة إخوتنا البشر، ونعيش نحن معه أيضاً ومثله، نحب بعضنا كما أحبنا الله ونكون مستعدين لأن يهب الواحد منّا حياته من أجل الآخر.
وأشهد أني كنت أميراً بين الأمراء إبن الملك سنحاريب ملك الملوك وأمي شيرينا إبنة الأمراء ومعروفة بإنسانيتها وتقواها بين النساء، وكانت لي أخت أسمها سارة هذه التي كنت أكّن لها حباً وإحتراماً كبيراً، فقد كانت مصابة بمرض الجذام. وذات يوم قادتني غزالة وأنا في الصيد على جبل اللفاف لأتعرّف بمن سيغّير مجرى حياتي ويكون قوتي وعزّتي، وإلتقيت بذاك الشيخ الجليل مار متى أنا ورفاقي الأربعين بعد أن خرج من قلايته واستقبلني خير إستقبال وأرشدني عن يسوع هذا الذي ليس إسم أعلى شأن منه في السماوات وعلى الأرض والذي نادى به الأنبياء وقال الله عنه (هذا هو إبني الحبيب الذي به سررت ) وحدث أن عرضتُ على شيخنا الجليل مرض شقيقتي وإتفقنا على أن نتقابل مرة أخرى وأختي معي لتنال نعمة الشفاء بإسم يسوع وبقوة الله الحي. وتغيرّت حياتي منذ ذلك اليوم الذي به إنفجرت عين كبريتية في تلك الأرض المختارة من بلادنا. وتعمذت أختي وتعمذتُ أنا ورفاقي الأربعين ُمعلنين شهادتنا لله الواحد خالق السماء والأرض. ولما دخلتُ بلدتي منتشياً بإنتصاري الروحي هذا، لم يفهمني والدي ولا أهل بيتي وعشيرتي فأستوقفني والدي الملك أمام الملأ لأقدم واجب الطاعة لآلهتهم وأصنامهم الصمّاء ولكني كنت مغموراً بمحبة الله فجاهرت بإيماني علانية مما إشتد غضب والدي الملك وحاشيته وأنتهرني وقال لي: "كيف تُبدل دين آبائنا وأجدادنا بدين لا نعرفه" وطردني من أمام عينيه وأمر بقتلي مع شقيقتي ورفاقي الأربعين. ولمّا أدركنا الجُند عند المنحدر نكلوا بنا وقتلوا كل رفاقي، ونلنا الشهادة لنحصى مع الأبرار والصديقين. وخيّل إليهم أنهم قد تخلّصوا منّا ومن إيماننا. لولا أن الله "جّل وعلا" قد مّس والدي بمرض خطير فقادني الروح في حلم والدتي أن أرشدهم. وأجعلهم يقابلون متى الشيخ الناسك ويجري متى الناسك أعجوبة اخرى بشفاء والدي الملك، ويكون ذلك مصدر قوته. فتتبدل حياته نحو الإيمان الصحيح. وكان أن عمّت المملكة إحتفالات صاخبة وعماذ جماعي وهم يدخلون أفواجاً في دين المسيح الصحيح، تاركين عبادة الإله بيل وبيلوتي وباقي الأصنام، ليتحدوا بالروح والقلب مع الله خالق السماوات والأرض، وتنعمت بلاد آشور بالخيرات الروحية، وأصبح مكان إستشهادنا مزاراً لنيل النِعم والبركات من جيل إلى جيل، وبُني دير عظيم على إسمنا في ذلك السهل الفسيح. ورغم عوادي الزمن وما قاساه أجدادنا من غزوات ومضايقات في كل العصور، ومنذ عصر المغول وحتى إحتلال الفرس لأرضنا وتبعهم الجندرمة بعد حين، فقد ظلّ الدير عامراً مدى الأجيال.
 ولكن يا سيدي رئيس الملائكة نحن الآن على عتبة القرن الواحد والعشرين وقد رأيتَ ما رأيت من ضيقة وعذاب إخوتي في الإيمان وهم يدخلون في ظلمة الغزاة وظلمهم وجورهم يطرودونهم من ديارهم وقراهم وبلداتهم بمذلة ومهانة. ويستبيحون مالهم وحلالهم وينهبون بيوتهم وبلداتهم أمام صمت الجميع.
 أصرخ إليك أن تمدّ يدك عليهم كما مددت يدك على مملكة أبي في الأيام الغابرة، فشعبي في سهل نينوى يعاني المرارة والمذلة، بعد أن وطئت أقدام الغزاة أرضنا المقدسة، وإني أصرخ إليك وأستغيث، أصلي وأتنهد، أن ترفع سيفك بوجه من أغلق طرق العودة لأهلنا إلى ديارهم وجعلهم أذلاّء في أرضهم وهم الذين كانوا لا يتوانون بقرع نواقيس كنائسهم صباح مساء. ويكرّسون الليل والنهار في الصوم والصلاة لمجد إسم الله العلي القدير. أوَ ترضى أن يبقى شعبك أهزوءة لقبائل بدائية همجية وهي التي كانت تتمنى أن تقتات من فتات موائده.
أين سيفك يا ميخائيل لتمزق به من أصطادنا بالمياه العكرة.
 أين سيفك يا ميخائيل لتطرح أعداء الإنسانية من قدام وجهك، وتهلكهم.
 أين سيفك يا ميخائيل لتنتقم من جاز خيري بشره، وتطرد بغضبك تلك الأقوام الهجينة، وتحرس مع جموع الملائكة حجارة أديرتنا وكنائسنا وبيوتنا.
 أنظر إلى شعبي .. فها هم هائمون في الجبال يطلبون خبزاً بعدما جردهم أعداءهم من كل شيء، وهم الذين كانوا يُطعمون كل بلداتهم من خيرات محاصيلهم وقد تربوا على الكد والتعب لينالوا طعامهم بعرق جبينهم، وهم أهل الخير والعطاء.
 أين سيفك يا ميخائيل وقد إنهدم عزّهم ومجدهم في لحظة أمام مرآى ومشهد منك، وها هم يفترشون الشوارع والساحات، بعدما كانوا أسياداً في قصورهم وساحاتهم. تلحفهم حرارة شمس الصيف اللاهبة وقساوة الطقس.
أين سيفك يا ميخائيل لتجرد به حياة كل من جرّد أطفالنا من نومه الهادئ في حضن والدته وجدته، وتُبيد كل من كان سبباً في نكبة شعبي وبني جلدتي، ليتحقق غضب الرب في أعدائه.
 أشعِل ناراً في سيفك وأطرد الغزاة والطغاة من أرضك وميراثك وأدخل وسط مدننا وطهرها بعظمتك، كي لا يتلطخ أحد برجس الأنجاس.
 إجعلهم يهربون من أمام وجهك فلا يعودوا إلى شوارعنا ومدننا ويعبثوا بأمننا فنحيا مرفوعي الرأس بين الأمم.
أنقذنا من عارنا وأطرد الغرباء من أرضنا وأعتقنا من عبودية الظلاميين وأفكارهم النجسة وكل من تسّلطّ علينا، وإفتح أبواب مدننا لنعود وتعود البهجة إلى قلوبنا فتتجدد بالفرح حياتنا.
   


9
المنبر الحر / مرثية لبخديدا
« في: 22:00 07/08/2014  »
مرثية لبخديدا
 
غسان سالم شعبو ـ بخديدا
بغديدا العامرة .. كيف غدوتِ وحدكِ .. تسكنكِ الذئاب وحفنة من الرعاع.. صرتِ بلا أهل ولا أصحاب .. ها قد هرب الشباب إلى الجبال .. والصبايا بنواح كبير ترثي لحالهن .. تبكي ودموعها قد جفَّت على مقلتيها ولا مَن يعزّيها .. بخديدا قد أضحت مسبية بأيدي أعداء الصليب وأعداء الإنسانية .. وقد أوصدت جميع أبوابها. غادرها الكهنة والشمامسة والمؤمنون بحسرة لا حد لها.

 هوذا المسلحون يجوبون طرقاتها مكبّرين بإسم إلههم البربري يذلّونها ويخلعون عنها كل بهائها .. تركها رؤساؤها ومدبريها بعد أن خذلها مقاتلوها وهربوا أمام وجه طارديهم .. هي ذي بخديدا تعيش أتعس أيامها ..وللملأ قد انكشف بؤسها ووقعت بإيدي من غدرها ولا مِن منقذ، سقطت بخديدا مع شقيقاتها عرائس سهل نينوى فانضمت لركب السبايا مع قرى تلكيف وتللسقف وباطنايا وبعشيقة وبرطلة وكرمليس وباقي القرى المتآخمة. وكان سقوطها غريباً مريباً. فربطت مع مصيرهم مصيرها. وتيبّست جذورها بمذلة وقد إنتصرت شياطين القرن الجديد وبسطت أجنحتها المظلمة على طهارتها وهم يدخلون شوارعها لإذلالها.

 هوذا شعبكِ يا بخديدا هائمٌ في الطرقات يطلب مأوى. ويطوف أهلك بين الجبال يحتمون من غدر الغرباء، يعبرون صوب الإقليم علّهم يجدون الملاذ. يحملون في جعبتهم ما يسد الرمق، وقد خارت عزائمهم وأنهكهم عناء الطريق. لقد داس أعداءها على قدس أقداسها وفقد الجميع كل شيء وتغلب البرابرة الجدد على كبريائها. وبنوها بإندهاش يتساءلون: كيف غض الرب طرف عينه عن ورثة ملكوته ورمى بها بيد الظلاميين وفتح حصونها للعدو؟ كيف نسيها الرب وفتح سواترها حتى داستها أقدام الغزاة، وأضحى أسقفها مع الرعية في الغربة منفيين. هذا شعبكِ يا بخديدا جالس على أرض غريبة ينوح على أرضة التي دنسها الغرباء. صامت غير مصدّق كيف نكّسوا رؤوسهم بالأرض وقد كلّت دموعهم من العيون الجريحة، ومرارة الغربة. ها هم أطفالك حاملين تساؤلاتهم أين جدي؟ أين جدتي؟ أين بيتنا؟ متى نعود لديارنا؟ وقد بسطوا براءتهم على ساحات الكنائس والمدارس التي افترشوها ملاذاً لهم.

آه يا بخديدا من ينجّيكِ .. من يعزّيكِ.. يا عروسة نينوى .. يا فاتنة السهل الأخضر .. هل يريد الرب خرابكِ؟ هل يريد الرب سبيكِ للغرباء؟ هل يقبل أن يعبث بكِ الخصوم؟ يا أجمل البلدات؟ هل يرضى الرب أن يتهكم بكِ الأعداء ويبتلعكِ الغرباء؟ وأنتِ ملهمة المدائن ومعلمة القبائل التي جاورتك منذ قديم الزمان. أين صرخات بنيكِ في أيام الباعوثة؟ أين ترانيم جوقاتك في الكنائس؟ أين صرخة الشعب وهتافات السعانين: أوشعنا لإبن داود .. مبارك الآتي بإسم الرب. أين دعوات الأمهات في صلوات الصباح؟ وأين طقوس شمامستك في رمش كل يوم؟ وعطر قداستك ينثر على أفيائك ليل نهار.

آه يا رب .. هل يستاهل شعبك هكذا؟ أتقبل أن ينطرح مؤمنيك وورثتك في الشوارع والطرقات .. هائمين هرباً من حد السيف. وقد رضوا بالبؤس كي لا يمد أحد يده عليهم.. بعد أن حاصرتهم قوافل المسلحين وأحاطوا بكل بقاع نينوى. فأستطاعوا النجاة بجلدهم وقد تركوا كنزهم العظيم بخديدا المباركة خلف ظهورهم.
آه يا رب.. هوذا شعبك يصرخ ويستغيث وينحني لجلالك ينشد عطفك وبإنسحاق ولا يريد الضياع في مجاهل الغربة أو يبقى مطروداً ممرغا بوحل الهزيمة.
يريد أن تشرق شمس ذات صباحٍ جديدٍ وقد حمل مصباحه أمام معابد كنائسه ويمسك بتراب الأجداد لينظّف به قذارة الغزاة.   

10
مجلس أعيان قره قوش / بغديدا يستنكر الفعل الإجرامي الذي قامت به زمرة من العابثين بأمن نينوى.
إنّ مجلس أعيان قره قوش بغديدا بعشائره كافة يستنكر العمل الإجرامي الجبان الذي قامت به زمرة قذرة من رواسب المجتمع بإستهداف طلبة بغديدا / قره قوش في جامعة الموصل صباح يوم الأحد 2 / 5 / 2010 بإستخدام الأساليب الوحشية الضحلة المعبّرة عن سلوكية الفاعلين وأخلاقيتهم المتدنّية والتي تستهدف إلى هدم المحافظة وتفكيك تركيبتها الجميلة التي يتباهى بها الشرفاء من أهالي نينوى الحدباء ونودّ أن نذكّرهم بأنّ هذا الفعل الجبان الذي طال هذه المجموعة البريئة الساعية إلى طلب العلم والأخلاق التي هي أغلى ما يمكن أن يتحلّى بها الإنسان السوي وأفعالهم هذه لا تزيدنا وأبناؤنا إلاّ إصراراً للإلتصاق بهذا الوطن وهذه المحافظة طالما تلقّينا علومنا ومعارفنا ورفدنا العدد الكبير من دوائرها وجامعتها ومعاهدها ومدارسها بكلّ ما نملك وبأمانة سنبقى ساعين إلى الخير رغم كلّ العاتيات.




                                      لجنة الثقافة والإعلام
                                 مجلس أعيان قره قوش / بغديدا
                                      2 / 5 / 2010

11
أدب / لحظة الوداع/ قصة قصيرة
« في: 17:24 14/03/2010  »

قصة قصيرة
لحظة الوداع
     غسان سالم شعبو / بخديدا                               
(إلى روح الشهيد المطران بولس فرج رحو)                 
((القتلة ..كيف يجرؤون على فعلتهم هذه؟ كيف يطاوع قلب إنسان أن يجرح قلباً مثله؟ ..تراكم في غابة الضواري تتلذّذون بدماء إخوتكم البشر ..حتى الضواري لا تهاجم من بني جنسها,فماذا تظنون أنتم فاعلون؟.
وطفق الخطيب يكمل خطبته :هل يجوز أن نسكت صوت الضمير فينا ونهجع في مخادعنا غير مكترثين بما يحصل من حولنا؟ أم هل ننتفض لفكر قد يصيب توجهاتنا وإتجاهاتنا على حساب الآخرين؟ أو نضع رجلاً غير مناسب في مكان غير مناسب؟سوى أنه من بني جلدتنا أو ماشابه ذلك.فأيّ معايير هذه يتبنّاها إنسان اليوم؟
ولكن ما زال فينا فيضاً ننهله من ينابيع إيماننا..ولنا رجاء بصحوة الضمير وعودة أخوتنا إلى جادة الحق والصواب.))
حينئذ برقت العيون ولاح شعاع الشمس يحتضن ذلك النعش الكبير المسجّى داخل قاعة الكنيسة الفخمة وسط الجمع المهيب الذي حضر جنازة الشيخ الجليل.وإنتفضت المشاعر تلهب الأفئدة المثخنة بجرح كبير تمزّق المشهد .فقفزت من على سريري وأطفئتُ جهاز التلفاز مسرعاً.
الجو ما زال يميل نحو الغروب للمشاركة في وداع الراعي الجليل.دخلت القاعة الرحبة ورائحة الدم تلازم المكان.وسط عصف الريح وهول الفاجعة .وإنهال سيل المطر على الجمع الغفير,فقد كانت السماء الملبّدة بالغيوم السوداء تقحم نفسها كالثكلى التي تندب حظّها العاثر.شعرت بانقباض شديد ..وبخطى مثقلة. تلمّست جدار الكنيسة المرمري الصلد.ياله من صقيع ثقيل يلازم المكان.إندفعت ببطء صوب النعش يلازمني إرتعاش.فلم أتمالك نفسي وأطلقت صرخة أفقدتني توازني.. فتعثرتُ وسقطتُ على الأرض,وأنا أجرّ أنفاسي المتقطعة.فُتِحَ الباب,كان صديقي يربتُ على كتفي وقد إعتراني شحوباً كبيراً,والدمع ما يزال جافا ًفي مُقلتي.كانوا قد إقتادوني محملاً على الأيادي إلى الغرفة المجاورة بعيداً عن الحشد.
قلت لزميلي إفتح الجهاز لنكمّل مراسيم الجنازة على التلفاز.
كلا ..كلا..فهذا لن ينفع.
قال هذا وهو يقدم لي مشروباً ساخناً.
وإستطرد يقول:
هذا سينفعك,لتستعيد نشاطك.
قلت:أرح نفسك الآن.
قال:أعرف ذلك..كلنا تأثرنا من هول الصدمة..فالحادث كان أليماً للجميع
أنه ليس سهلاً علينا أن نشهد رموزنا تعذّب وتُهان..يا للعار ..يا للعار.
مرت موجة بكاء لَفحَتنا كلينا ورحنا نستعيد الحادث فتلبّد لقاؤنا بفحوى الكلمات المعبرّة عن الفعلة النكراء وما إقترفه القابعون في دهاليز الظلمة. ورحتُ أُقاطعه وأقول:..عذبوه...وأهانوه..و....
وأسكتني ثانية..وهو يشدني إليه بحرارة وحنو.ورحنا كلينا نجهش بالبكاء.فصديقي هذا كان تلميذاً من تلامذة الشيخ الشهيد,الذي نذر نفسه لخدمة ذوي الحالات الخاصة.
سكت برهة ثم قال:رموزنا ستبقى نبراساً تشهد لها سماء الوطن,فعلى أرضه أينعت وأثمرت بذور الشهادة للحياة الجديدة.
بينما مضت الجنازة تشق طريقها لحظة الوداع وسط الجمع حتى وصلت صوب اللحد.والناس واقفون في خشوع اللحظة الأخيرة حيث وارى الثرى.
كانت الأنغام ألملائكية تتسلل إلى كل نفس وتزحف في الفضاء الكبير تشمل بعبقها ثنايا المعمورة.فإنفتح الباب الملوكي لخروج الجميع,وقلوبهم مفعمة بالحزن والذكريات.

12
أدب / لحظة الوداع/ قصة قصيرة
« في: 17:19 14/03/2010  »

قصة قصيرة
لحظة الوداع
     غسان سالم شعبو / بخديدا                               
(إلى روح الشهيد المطران بولس فرج رحو)                 
((القتلة ..كيف يجرؤون على فعلتهم هذه؟ كيف يطاوع قلب إنسان أن يجرح قلباً مثله؟ ..تراكم في غابة الضواري تتلذّذون بدماء إخوتكم البشر ..حتى الضواري لا تهاجم من بني جنسها,فماذا تظنون أنتم فاعلون؟.
وطفق الخطيب يكمل خطبته :هل يجوز أن نسكت صوت الضمير فينا ونهجع في مخادعنا غير مكترثين بما يحصل من حولنا؟ أم هل ننتفض لفكر قد يصيب توجهاتنا وإتجاهاتنا على حساب الآخرين؟ أو نضع رجلاً غير مناسب في مكان غير مناسب؟سوى أنه من بني جلدتنا أو ماشابه ذلك.فأيّ معايير هذه يتبنّاها إنسان اليوم؟
ولكن ما زال فينا فيضاً ننهله من ينابيع إيماننا..ولنا رجاء بصحوة الضمير وعودة أخوتنا إلى جادة الحق والصواب.))
حينئذ برقت العيون ولاح شعاع الشمس يحتضن ذلك النعش الكبير المسجّى داخل قاعة الكنيسة الفخمة وسط الجمع المهيب الذي حضر جنازة الشيخ الجليل.وإنتفضت المشاعر تلهب الأفئدة المثخنة بجرح كبير تمزّق المشهد .فقفزت من على سريري وأطفئتُ جهاز التلفاز مسرعاً.
الجو ما زال يميل نحو الغروب للمشاركة في وداع الراعي الجليل.دخلت القاعة الرحبة ورائحة الدم تلازم المكان.وسط عصف الريح وهول الفاجعة .وإنهال سيل المطر على الجمع الغفير,فقد كانت السماء الملبّدة بالغيوم السوداء تقحم نفسها كالثكلى التي تندب حظّها العاثر.شعرت بانقباض شديد ..وبخطى مثقلة. تلمّست جدار الكنيسة المرمري الصلد.ياله من صقيع ثقيل يلازم المكان.إندفعت ببطء صوب النعش يلازمني إرتعاش.فلم أتمالك نفسي وأطلقت صرخة أفقدتني توازني.. فتعثرتُ وسقطتُ على الأرض,وأنا أجرّ أنفاسي المتقطعة.فُتِحَ الباب,كان صديقي يربتُ على كتفي وقد إعتراني شحوباً كبيراً,والدمع ما يزال جافا ًفي مُقلتي.كانوا قد إقتادوني محملاً على الأيادي إلى الغرفة المجاورة بعيداً عن الحشد.
قلت لزميلي إفتح الجهاز لنكمّل مراسيم الجنازة على التلفاز.
كلا ..كلا..فهذا لن ينفع.
قال هذا وهو يقدم لي مشروباً ساخناً.
وإستطرد يقول:
هذا سينفعك,لتستعيد نشاطك.
قلت:أرح نفسك الآن.
قال:أعرف ذلك..كلنا تأثرنا من هول الصدمة..فالحادث كان أليماً للجميع
أنه ليس سهلاً علينا أن نشهد رموزنا تعذّب وتُهان..يا للعار ..يا للعار.
مرت موجة بكاء لَفحَتنا كلينا ورحنا نستعيد الحادث فتلبّد لقاؤنا بفحوى الكلمات المعبرّة عن الفعلة النكراء وما إقترفه القابعون في دهاليز الظلمة. ورحتُ أُقاطعه وأقول:..عذبوه...وأهانوه..و....
وأسكتني ثانية..وهو يشدني إليه بحرارة وحنو.ورحنا كلينا نجهش بالبكاء.فصديقي هذا كان تلميذاً من تلامذة الشيخ الشهيد,الذي نذر نفسه لخدمة ذوي الحالات الخاصة.
سكت برهة ثم قال:رموزنا ستبقى نبراساً تشهد لها سماء الوطن,فعلى أرضه أينعت وأثمرت بذور الشهادة للحياة الجديدة.
بينما مضت الجنازة تشق طريقها لحظة الوداع وسط الجمع حتى وصلت صوب اللحد.والناس واقفون في خشوع اللحظة الأخيرة حيث وارى الثرى.
كانت الأنغام ألملائكية تتسلل إلى كل نفس وتزحف في الفضاء الكبير تشمل بعبقها ثنايا المعمورة.فإنفتح الباب الملوكي لخروج الجميع,وقلوبهم مفعمة بالحزن والذكريات.

صفحات: [1]