عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - سهى بطرس قوجا

صفحات: [1]
1
المنبر الحر / رد: باب الخصوصية
« في: 02:57 09/03/2015  »
الأخ العزيز زيد
بالفعل الفضوليون متعبون وليس لديهم إحساس بذلك ، كان الرب في عونهم ..
أشكر لك مرورك على المقال
تقبل تحياتي وتمنياتي لكَ

2
المنبر الحر / نبض الحياة
« في: 02:30 09/03/2015  »
نبض الحياة
سهى بطرس قوجا

الحياة عندما تسعى فيها فلابدّ من أن يكون سعّيك من أجل كل ما موجود فيها دون استثناء، سعيًا حثيثًا بحيث عندما تجتاز بقدمك سلمها أن تكون واثق من أنك كنت عليها الواحدة تلوّ الأخرى ولم تقفز إحداها مُتجاهلا .
وما لابد من إدراكهُ كذلك هو إن هذه الحياة أقصر بكثير مما تتصور، هي ليست بعدد سنينها وإنما باللحظات التي تقضيها فيها مُرتاحًا نفسيًا وضميريًا وفكريًا وإنسانيًا، وهذه تكون عندما تعيش حياتك بما يرضيها ويرضي كل موجود فيها وبما يستحقهُ ، وأحدى هذه الموجودات هي المرأة، روح هذا الوجود بكل ما فيهِ.

هي هديةٌ هُديت للحياة لتكون بها وتدوم، أنها الكائن الذي يستحق كل ما فيها، لأنها هي الحياة بذاتها وهي شريانها النابض والمُتدفق الباقي مدى بقاءها، هي الكون في المكنون وهي الروح للحياة وهي من تمدّ الحياة بالحياة. هي من تعطي للوجود معناه مُكملة لوحتهِ بألوانها. هي بالوصف التقريبي تلك اللوحة البراقة بألوانها التي تجذب الناظر إليها، ينظر فيها ويتعمق في مكنونها، أنها تلك الزهرة الجميلة في حديقة الحياة: بهية في منظرها، تعطي جمالية لمْا حولها، وتعطر الأجواء بأريجها، أنها تبقى أنفاس الحياة ..

فتحية إكبار وتقدير واحترام لهذا الكيان المضحي  في يومها العالمي في الثامن من آذار، هذا الشهر بربيعه ودفئهِ ورونقهِ، شهر الخير والعطاء،  وللمرأة العراقية بشكل خاص أسمىّ وأرق التحايا وأعذب آيات المحبة تقديسًا واعترافًا لها بكفاحها وتضحياتها وصمودها وهي تتصدّى بكل فخر لكل التحديات وترسخ كيانها ووجودها بكل ثقة.

فهي تبقى روح وقلب المجتمع النابض، وتبقى اليدّ المُكملة ليد الرجل في مسيرتهِ الدائمة، لأنها كانت وما تزال تثبت حضورها بكل فخر واقتدار، فهي مهما قلنا تبقى أسمىّ من كل بلاغات الأقوال والأمثال كونها نبض الحياة.

أنها تبقى شامخة ورائدة وثقتها بنفسها قوية وستنجح في أن تصبح نجمة في السماء يسطع نورها للبشرية، عندما هذا الرجل وهذا المجتمع وهذه المرأة نفسها (بدون تعميم) يخلقون نوع من الثقافة والوعي والتكافؤ الفكري والتكامل مع هذا المخلوق وحقوقه، ثقافة مُتحضرة ومُساعدة تؤدي دورها وفعاليتها بشكل إيجابي على كافة أصعدة الحياة، وبالتالي تخلق وعي وثقافة يتربى ويتبناها الأجيال المقبلة.
وأقول للمرأة: الحياة لا تدوم بين البشرية بدون محبة، كذلك الحياة لا تدوم ألا بكِ، أنتِ قبل كل شيءٍ أنثى مصدر الحبّ والحنان، وأنتِ بانية الإنسان والأوطان وأنتِ كل ما في الحياة من تفاصيل.

أنتِ حاضنة الإنسانية.
أنتِ تلك النخلة الشامخة التي ترفع رأسها بكبرياء في سماء العراق.
أنتِ عزّ العراق الشامخ وخيرهِ الدائم.
أنتِ ذلك اللحن وتلك المعزوفة الخالدة التي تعزف على أوتار الحياة.   

تهنئتي للمرأة بمُختلف مُسمياتها في يوم عيدها الذي تستحقه بفخر، وأقول تعلمي أن تكوني مثل الوردة: ناعمة مثل أوراقها، صلبة مثل جذورها، خشنة كساقها وطيبة مثل عطرها.


3
انتصار الروح على الجسد
سهى بطرس قوجا
نعيش زمن الصوم ونمارس طقوسه ولكن هل نعيش روحيته؟ كثيرين يصومون ولا يستفيدون، كثيرون يمتنعون ويبيحون، كثيرون يبقون في زمنهم ولا يتعمقون في زمن التوبة، يظنون أن الصوم مجرد شكليات لابد من المرور فيها لفترة أو قد تكون من باب ارضاء الجسد ... كثيرون يستغلونه وينسون أن الدخول فيه هو عيش روحانيته وليس الانقطاع عن أكلات معينة.
 
كل إنسان يعيش بقرب نفسه يكون قريب من الربّ. الصوم هو اذلال الجسد والانتصار عليه من أجل ربح الروح والسمو بها، هو صفاء النية ونقاء القلب، الجسد يحيا بكل ما يدخل عليه ولكن الروح لا تشبع ما لم تكسر قيود ما يعيقها، وما أكثر قيود الحياة التي يستحضرها الإنسان!
 
يسوع المسيح صام أربعين يومًا، دخل في تجربة وخرج منها منتصرًا، لم يضعف ولم يستسلم للإغراءات ولم يميل بفكره أو يعكر صفاء داخله، غلب الشهوات وأجتاز التجربة، من أجل ماذا ومن أجل من؟! أكيد من أجلنا نحن إخوته، أرادنا أن نتعلم كيف يكون الفوز بالروح وبالنفس، كيف يكون الإيمان وكيف هي الحياة معه وكيف هو التحرر. أراد أن يكون لنا هيكلاً سليمًا تسكنها نفسًا طاهرة ومُحبة للربِّ. المسيح فعل الكثير والكثير من أجلنا ولابد أن نظهر لهُ كذلك نفس الفعل، أن نصوم صومًا حقيقيًا، أن نذل أجسادنا ونميتها من أجل أن تحيا أرواحنا. عندما نصوم فأننا نرتفع فوق مستوى الماديات.

فالصوم هو الصراع من أجل اجتياز الخطيئة، وهو تجديد للذهن وتقديس الجسد وجعله ذبيحة خلاصية " لذلك أتوسل إليكُمْ أُيها الإخوة أن تقدموا أجسادكم ذبيحة مُقدسة مقبولة عندهُ" ( رو 12 : 1 )   
بالصوم نتغلب على التجربة ونروض الجسد، متى ما كانت حياتنا للمسيح عندها نستطيع بكل اقتدار أن نقول أننا في المسيح والمسيح فينا، كان ولا زال من أجلنا ومن أجله لابد أن نكون، لا معنى للحياة دون المسيح. إذن كل ما نقدمهُ للربِّ لابد أن يكون طاهرًا بمعنى الطهارة، يجب أن يمس القلب وينعش الروح ويطيبها قبل أن يتغلغل من أجل إشباع الجسد.
 
الله يريد منا في هذه الفترة أن نكون داخل ذواتنا، يريد منا أن تنتصر أرواحنا على أجسادنا، الجسد فاني والروح باقية، تستطيع بالصوم أن تصلب الجسد مع كافة أهوائه في سبيل العيش بالروح، به تستطيع الرؤية بوضوح ( الرؤية الروحية الصافية).

4
المنبر الحر / باب الخصوصية
« في: 18:08 21/02/2015  »
باب الخصوصية
سهى بطرس قوجا

هيكل الإنسان عبارة عن صندوق مغلق يُرمى فيه ما يُرمى، ويُرمى منه ما يُرمى من خلال الإنسان ذاته، لا يجوز لغيره أن يمليّ عليه رغباته أو يفرض عليه ما لا يريد، كما لا يجوز تخطي الخط الأحمر الموجود في حياة الموجود مهما كانت درجة التجاوز مسموحة. ولكن في مجتمعنا الذي فيه الكثير من اللامبالاة والتناقضات نجد هذا مسموح وبشدة عند البعض الذين يتقربون من باب لا يخصهم ويدخلون ويتدخلون فيما لا يعنيهم ويبحثون عن ما لا صلة لهم به، فقط من أجل إرضاء ما في نفوسهم المقلق تجاه مشاكل البشر التي هي أساسًا آتية من خلال هكذا ممارسات!
التدخل في شؤون الغير والنبش في الخصوصيات يعتبر دواء لهكذا نفوس ضعيفة وجائعة، لا تشبع ألا حينما تقتات على معرفة ما تحمل حياة الآخرين من أحداث ومستجدات وخصوصًا السلبية، من أجل البحث عنها وفيها وتوسيعها وإعطاء حجم ووزن أكبر لها وانتظار النتيجة من أجل البدء بجديد أخر هادم!
هكذا هو مجتمعنا لا يراعي خصوصية الغير ولا يحترمها، دائما هو من الساعين خلف تفاصيل هالكة، مضيعًا وقته وجهده الفكري والذهني وأجمل لحظاته في الفضول الذي يمارسه على غيره، وكأنه لا يوجد في الحياة أشياء تلهيه غير هذه الأمور التي تنمّ عن التفكير المتذبذب والعقلية المتأرجحة!
 
ـــ لا نعرف ماذا يستفيد من يدخل نفسه في دوامة القيل والقال وسباق نقل الأخبار؟!

ـــ لا نفهم لماذا الإنسان غالبًا يحاول أن يصنع طريقا مخالفًا لكل الطرق الطبيعية؟!

ـــ لا نعلم متى يتعلم الإنسان الأتعاظ واحترام ذاته؟!

 محير هو الإنسان حينما لا يدرك كيف يواجه ذاته، ويكون محير أكثر حينما لا يأخذ احتياطه من نتيجة سلوكه؟!

يبقى كل واحد كما هو في مكانه لا يتغير ما لم يكن هنالك تغيير من الداخل وقبول الواقع على حقيقته والإنسان على طبيعته. كثيرين يتركون حياتهم ومسؤولياتهم من أجل البحث عن خصوصيات الغير التي لا تخصهم! وأكيد من يمارس هذه العادة السيئة، هو في غير وعيه وشعوره وغير مهتم بما سيطاله، لأن من يحافظ على صورة حياته من دون أن يمسها أي خدش أو تشويه، من المستحيل أن يرضى لغيره بذلك ألا من كان عكس هذا النموذج الذي يعاني منه الناس ولا يعرفون التصرف حياله. أمثال هؤلاء يعطون الحق لأنفسهم في ترصد الآخرين والتدخل في خصوصياتهم والطرق على بابها دون أدنى مسؤولية!
والأغرب في الموضوع من يتقرب ويفعل ذلك بحكم الصداقة أو القرابة والجيرة! يأخذون من هنا وينقلون لهؤلاء وينثرون الحكايات ويؤلفون القصص ويبدعون في إخراج فلم سينمائي أو مسلسل بحلقات متتابعة وحتى أغنية تتردد في الأفواه! غير مكترثين بمعاناة الغير وموقفهم الحرج من الإساءة التي تلحقهم بسبب اقحام هؤلاء أنفسهم في حياتهم الخاصة.
أمثال هؤلاء يخلقون حالة من الملل في الوسط الذي يتواجدون فيه، وحالة من التذمر منهم من قبل آخرين لا يستسيغون هذه العادات المروج لها. كثيرين لا يحبذون هذه السلوكيات التفكيكية، ويأملون في مجتمع سليم ذو فكر نير وواعي أكثر يهتم بما يرتقي بالإنسان ويحترمه. نعلم أن الكلام المنقول لا يأتي بأي نتيجة مُرضية ولكن مع ذلك يعمل له حساب وخصوصًا إذا كان الحديث يمس المرأة في منزلها، عملها، محيطها.
القليل يضيع ويشوه الكثير ... كثير من المعاني الجميلة تضيع من الحياة بسبب هكذا تصرفات لا عقلانية وغير موزونة من قبل البعض ممن يعيشون الحياة بسطحية وغير استيعاب لكل ما يحتويها وبدون تقدير لأنفسهم وللآخر. ومن أجل تفكيك جميع هذه العادات المتشعبة في النفوس لابد أولا إصلاح ما في أعماق كل فرد وترميمه بين الحين والأخر، كون من الداخل تنبع هذه الأمور الغير مستحبة والغير مقبولة، وحينما تجد لها قبولا من قبل الفرد فهذا يعطي المجال لأن توسع رقعة وجودها المؤذي .... ونأمل بعكس ذلك!

5
الأخ العزيز عبد الأحد قلو
تحية مسيحية
أنت تتحدث عن القضاء والقدر وحوادث منسوبة اليهما، وأنا أتحدث عن الأقدار حينما تلعب دورا ايجابيا في حياة أي إنسان ..

أسعدني حضورك واشكر لكَ تعليقك
تمنياتي بكل خير

6
 
شــيء مــن هــذا الـقبيـل أسـتاذ مـايـكل

7
 
مذكرات فتاة الجيشا
Memoirs of a Geisha

سهى بطرس قوجا

قرائنا الأعزاء سنأخذكم في رحلة معنا عبرّ الزمن، سنأخذكم من عالمكم إلى عالم آخر، البعض نقدهُ والبعض الآخر أعطى انطباعهِ الخاص عنهُ والبعض الآخر حجمهُ بأكبر من حجمهِ، أي بمعنى أضفى صورة قاتمة بعض الشيء على نساء مُجتمعهِ، أنهُ " عالم الجيشا "، عالم لهُ مراسيمهُ وطقوسهُ الخاصة.
 
تعود جذور الجيشا للعصور الوسطى من تاريخ اليابان، حيث تولى البعض من الرجال ( أوتوكو نو غيشا) مهمة الترفيه عن طبقة التجار والسياسيين والساموراي. وبمرور الوقت وفي بداية القرن السابع عشر عهد بها للسيدات، حيث كنْ يتجمعنْ في منازل خاصة تدعى (أوكييا) تشرف عليهنْ سيدة مُتقدمة في العمر يُطلق عليها (اوكاسان) أي الأم. كانت تأتي إليهِ الفتيات الشابات أما بإرادتهنْ بحثًا عن المال، أو يتم بيعهنْ من قبل أولياء أمورهم لهذه الدور!

فيهِ الفتيات يتدربنْ لسنوات مُتواصلة على فنون عزف الآلات الموسيقية التقليدية اليابانية والرقص والغناء وفن إدارة الحديث وتقديم الطعام والشاي في بيوت الشاي، مع تعلم كيفية تحية الناس بانحناءات مُهذبةٍ وبلكنةٍ هادئةٍ. مما يجعلهنْ يتمتعنْ بدرجة لا بأس بها من التعليم والثقافة والاطلاع، تتيح لهنْ بعد ذلك فتح حوار راقيّ يبعث الراحة في نفوس الزبائن الهاربين من متاعب وهموم العمل والبيت، بشرط دون المساس بهما وبسمعتهما وألا يسقط عنهم لقب الجيشا! إضافة إلى تعلمهنْ طرق اختيار ملابسهنْ والاعتناء بجمالهنْ بطريقة تجعلهنْ مميزات. وإذا أرادت فتاة الجيشا الزواج فأنها تترك العمل كجيشا، كما ولا يمكنها أن تتخذ حبيبًا لها، لأن هذا يسيء إلى عملها ويجعل الزبائن ينفرون منها. أي بمعنى أن دور فتاة الجيشا ينحصر فقط في الترفيه عن الرجال عن طريق المحادثة وأداء بعض الفنون المذكورة.
 
وقد كتبت بعض القصص عن فتيات الجيشا، كما تم عمل فلم سينمائي ضخم عنهم ولاقىّ مُعارضة شديدة ونقد! منها الرواية العالمية للروائي الأمريكي الكبير (أرثر غولدين Arthur Golden) بعنوان " مذكرات فتاة الجيشا"، والتي حققتْ أرقامًا قياسية بتوزيعها البالغ أكثر من أربعة ملايين نسخة باللغة الانكليزية وبعائد وصل لأكثر من 10 ملايين دولار، وظلت الأكثر مبيعًا على لائحة نيويورك تايمز حوالي سنتين! وفي ذات الوقت حملت الكثير من النقد من المجتمع الياباني لطريقة تصوير الكاتب لفتيات الجيشا باعتبارهم كنز عظيم لتراث عريق.
غولدن درس أصول الفن الياباني وهذا الأمر انعكس بشكل بارعًا في روايتهِ وتوغلهُ في عالم الجيشا. الرواية كما وضحنا تدور أحداثها حول عالم الجيشا وأسراره الخفية بفترة ما قبل الحرب العالمية الثانية. وهذه قراءة مُبسطة في الرواية التي أطلعت عليها وأعجبتني أحداثها المشوقة.
آرثر غولدين كتب روايتهِ بحبكة مشوقة وأحداث مُسترسلة وبإحساس يعطي للقارئ بصيرة عميقة ومعاشة لواقع فتيات الجيشا. رسم شخصيات روايتهِ بحضور متساوي من حيث قوة تأثيرها على مُجريات الأحداث والسردّ. كما واعتمد على وصف شيق ودقيق للأحداث ووصف فتاة الجيشا الأنثى، من حيث اللباس الذي ترتديه، بحيث تُظهر للقارئ أن الكاتب مولع بهذا الفن، فيصف القماش والألوان التي تميزت بها  والرسومات التي عليه، كما يتوغل في تفاصيل وجه الفتاة وطريقة طلاءه من الأبيض الذي عليه والشفاه والعينين، وكأنهُ يصف لوحة فنية تضج بالحياة والحيوية والجمال.
   
مذكرات فتاة الجيشا رواية تتحدث عن حضارة بلد، عن فتيات، عن البحث عن الحياة، عن الأحلام، عن الألم والطموح. رواية تحمل التراث مع جراءة فتاة في مضمون عميق وهادف في سبيل حياة تسعى إليها. رواية يحكي فيها آرثر غولدين عن حسناء يابانية فقيرة بعينين رماديتين ساحرة وصغيرة في عمر الزهور، تروي أسرار مهنة الجيشا وتجاربها في الحب مع الرجال، فتاة نشأت على تقاليد فتيات الجيشا وتعلمت فن إسعاد الرجال ببراعة. والداها نظرا لظروف الفقر القاهر التي كان يعيشانها وفقدانهم لوالدتهم المبكر، باعها لأحد الرجال وهي صغيرة وهو بدورهِ باعها لأحد بيوت تربية الجيشاوات!

عملتْ بطلة الرواية في أحد منازل الجيشا في طوكيو وعرفتْ الكثير من الرجال هناك. تميزت بجمال خاص نسبة إلى فتيات مجتمعها، كما وتميزت بقدرة وذكاء في إدارة الحديث مع الرجال في شتىّ الموضوعات وبنفس درجة التركيز ولساعات متواصلة، إضافة الى كونها تجيد الرقص والعزف ومُتذوقة للفن بشكل بارع.
ولكن لم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، الفتاة كان لها مُنافسيها في الأوكييا، مما دفعها في التفكير والتخطيط للهروب والبحث عن حياة حرة والمزيد من المال! وفعلا سافرت إلى أحدى الجزر الأمريكية على ظهر سفينة متخفية بلباس غلام! وهناك كذلك بدأت رحلتها مع رجال آخرين وكانت مرغوبة، ورغم تجاربها الكثيرة، لكنها لم تستطع أن تدرك عقلية الرجل الأبيض وأساليبهِ في الحب والغزل، فتعرضت للكثير من العقبات والتناقضات في حياتها! ثم تتعرف على شاب وبعد لقاءات وصراعات بينهما يلتقيان ثم يفترقان وفي النهاية يلتم شملهما كلاهما ويعيشان حياتهما معًا.
أنها بحق رواية جميلة ومثيرة بكل ما فيها تستحق القراءة ومن عنوانها تجذب القارئ إلى حياة وتراث إنسان وحضارة. وحاليًا لم تعد فتيات اليابان ينضمون بشكل كبير إلى الجيشا مثل السابق، ولم تعّد بيوت الشاي تحظى بذاك الإقبال الذي كان عليه في الماضي، كونه أصبح مقتصرا على عدد ضئيل من الزبائن، مما جعل فتيات الجيشا يستخدمن الانترنيت لجمع المعلومات في مُحاولة لمُواكبة تطور العصر واستمرارية مهنة يتهددها الانقراض، ألا وهي مهنة "فتيات الجيشا".

8
الأخ عبد الاحد قلو
تحية عطرة
الحياة وجدت من أجل الإنسان ليجملها لا ليقبحها بفعله. وكم من نفوس مريضة غير قادرة على مواصلة حياتها بدون أن تتجرع كأس الشر الذي تمارسه على غيرها! هذا ما أحاول في مقالي هذا أن أوصله، أريد أن أقول بان الحياة غير باقية لأحد، غير دائمة الا للعمل الجيد الباقي بعده وهذا هو رصيده، وإذا كل إنسان لم يدرك هذا قبل أن يدركه القدر فلا معنى لحياته!
والحياة فعلا تستحق أن نتمتع بها، والا لما وجد الإنسان فيها، ولما وجدت هي اصلا ؟! واسوء شيء يقع الإنسان فيه هو حينما يصبح اسير فكره ويخلق جهلا على هيئة إنسان ....
على فكرة أنا مثلك كنت لا أومن بالقدر، ولكن آمنت بعد ان أبصرت اشياء تحققت وأدركت أنها من فعل القدر ...
الرب يعينك ويقويك
وتمنياتي لكَ بكل خير
[/size]

9
إلى الأستاذ المحترم خوشابا سولاقا
تحية عطرة 
بداية اشكرك على المرور على المقال وإضافة ما نثرت فيه من جميل العبارات ، وأود أن اضيف بأن:
الحياة هي صراع بين الخير والشر والإنسان من يقوم بهذا الدور، والغاية التي دائما ما أنشد لها هي الحياة والإنسان، أحاول في الكتابة عنهما أن أصل إلى حالة من البناء الروحي والإنساني بعقل منفتح وواعي ومدرك لقيمة الحياة وقيمته كإنسان. أريد للإنسان أن ينتصر على نفسه ويكسبها ولو أني أجد هذا صعبًا في خضم هذا الزمان الصعب!
تقبل تحياتي واحترامي ودمت بكل خير أنتَ وعائلتك الكريمة
أختك سهى قوجا 

10
المنبر الحر / الإنكسار المشوه
« في: 01:25 13/01/2015  »
الانكسار المشوّه
سهى بطرس قوجا

نظرت بتأمل إلى الشجرة وهي ممدودة بأذرعها المُتفرعة في فضاء الحياة، ونظرت بتأمل أكثر إلى أعاليها وكيف تهلهل فرحًا من مُعانقة الهواء لوريقاتها، لتعزف سمفونية لا يستطيع أعظم عازف أن يُؤلفها ولا أي أذن كانت أن تسمعها وتُميز لحنهَّا. أنهُ صوت الحياة القادم من الطبيعة ليثبت ويُعلم أن الحياة لحنًا جميلاً ونادر وليس كل من سمعهُ عرف لغتهِ ونطق بها.

 ثم نظرت لأسفلها لأتأمل في مستعمرات النمل وهي تدخل قُراهّا في جذور الشجرة ذاتها لتحتمي فيهِ وتخزن طعامها، فأدركت أن الحياة تُعطي وتهبّ الكثير وتساعد، لا تترك حال على حال، حياة تُعطي الحياة لكل ما عليها، أنها دورة الاستمرارية والتواصل الواحد من خلال الآخر لإدامتها. 
الحياة هذه الكلمة التي تحمل كل عظمةٍ، جميلة بكل ما فيها حينما ننظر إليها بعين الجمال، هكذا أراها عندما أجلس بوحدتي وهدوئي وأتأمل بطبيعتها الخلابة، ولكن الإنسان الذي يسكنها، أحيانًا كثيرة يُعطي لنفسهِ حرية التشويه للكثير والكثير اللامُبرر لهُ! ربما قد تكون ظروف تضطرهُ لتغيير مسلك حياتهِ، وربما اللاوعي يلعب دورهُ في حياتهِ وربما المصلحة هي من تغلب وتعبرّ، ولكن هذا ليس مُبرر للاستمرارية فيها ومُمارستها والانخراط فيها بعمق لتتجاوز حدود الأذية، لكل شيءٍ نهاية وحدود لابدّ من أن ترسم في طريقها للحدِّ منها. لكل شيءٍ حاجز لابدّ من الوقوف عندهُ، وإن كنت أنا أو أنتَ تعدينا ذلك الحاجز عندما لا ينفع فيهِ العبور والتخطيّ، عندها نكون قد جنينا على الكثير وأحدثنا شرخ من الصعب أن يلتئم حتى وأن أجمع العالم على ترميمهِ!

فكم مِن إنسان انكسرت نفسهُ بسبب جبروت إنسان آخر، وكم من حياة كُممتْ وغدتْ بلا روحًا، وكم من عينًا بقيت على أهبّة الاستعداد من الهجوم المُحتمل من كل ما هو مُخوف، وكم من توسلات أطلقت من أفواه تطلب الرحمة، وكم مِن روحًا رفرفتْ مفارقة! أنهُ الإنسان الذي يتلاعب بإنسان آخر ويجعلهُ يرى بعين الذباب كم هي الحياة ضيقة وخانقة! نعم، كثيرون هذه هي لعبتهم وهوايتهم، عيش حياتهم على أنقاض حياة وهدمها ورؤيتها مُجرد أكوام فحمية. يتلذذون برؤية الذبول والتشويه ولكنهم لا يدركون أنهم هم فقط الخاسرون وذاتهم داخل أجسادهم مُتناثرة ولا يستطيعون ترميمها سوى برؤية آخرين وهم يتساقطون أمامهم كحبات اللؤلؤ على الأرض كل واحدة في اتجاه! هؤلاء هم كارهين لذواتهم ويعيشون الحياة بسطحية وعبثية، لذلك تجدّ أجسادهم مُجرد هياكل فارغة، مُجرد قبور مُعتمة، مُجرد لمحهّم بطرفة عينًا، تُثير في داخلك الخوف والشعور بالقلق والاشمئزاز من فعلهم ومن مسكنهم!

أمثال هؤلاء لا يعيشون الحياة بل هم في خصومة معها ومع نفسهم ويحقدون عليها، ينظرون للإنسان مثيلهم كنظرتهم لأنفسهم الخانقة، ولذلك هم يسيرون عكس تيار الحياة ولا يقبلون بغير تناقضاتها كنوع من العّداء والتحّدي والتعندُّ، أمثال هؤلاء يستأنسّون لما يُلبس الأجساد! أمثال هؤلاء يقولون لكل شيءٍ في الحياة بالسلامة حتى وإن كانوا غير مُغادرين، هروبًا من سلاسل تكاد تضيق عليهم رويدًا رويدًا. أمثال هؤلاء منثورين في جميع بقاع العالم ويطوفون أرجائها كما يطوف الغيم السماء، وما الغيرة والحسد الذي يتولد عند البعض، والحروب التي تُشن ويظهر فيها هكذا نوع من البشر مُعادي لكل شخصية ناجحة ولكل عقلية نابغّة ويحاولون بشتىّ الطرق التخلص منها واغتيالها وتمزيقها، ألا دليل على خوفهم منهم وضعفهم أمامهم، لذلك يحاولون شتى الوسائل وضعهم في خانة مُظلمة لكي لا يشعّ نور الحقيقة من خلالهم ويُفشلون مآربهم.
 
الحياة تحتاج إلى فهم والإنسان بحاجة إلى اهتمام أكثر من قبل نفسه أولا، لذلك كنْ على يقين أن لم تدرك الحياة قبل أن يُدركك القدر مهما اختلف وقعهِ، فلا تتفاجأ كثيرًا وتوقع كل شيءٍ، هكذا هي الحياة سلف ودينّ، والخطوة التي تقودك للأمام مُجبرة أو راضخة أو مسلوبة من قبلك أنتَ وفي غياب وعيَّك وإدراكك، تأكد أنها ستُرجعك عشرات الخطوات إلى الخلف في دهاليز مُعتمة!
 
أن لم تُدرك أنتَ بنفسك وقناعتك بصحة الشيء، فلن تستطيع أن تعيش في سلام داخلي ولن تستطيع أن تتواصل بإنسانيتك. فكُنْ كالغيم عابرٌّ ولكن يُظلل ويُمطر على ذرات التراب التي تحتهُ والمُتعطشة إليهِ، يسقط عليها ويرويها حتى يُعطي حياة لكل ما يسكنُها، ويُلبسها الأخضر الذي يُحييّ في النفوس الأمل والتفاؤل والتأمل في البعيد لكل قديم وذابل، وأعلم أن الحياة صور مُختلفة، فأختر صورتك بحيث يكون لها مغزىّ عميق وألوان تدوم طويلاً مهما مرَّ عليها ... فالحياة من صنعك. 

11
المنبر الحر / لكل نهاية بداية
« في: 23:08 27/12/2014  »
لكل نهاية بداية
سهى بطرس قوجا

في نهاية كل عام وقبل أن نودعه لنستقبل الجديد ( 2015 )، لنا وقفة قصيرة مع قراء هذه السطور المتواضعة الكرام، نذكرهم بأن الأعوام تمضي وهي مثقلة ومحملة بكل ما مرّ عليها من أشخاص كانوا فيها ورحلوا عنها قبل أن تنتهي وأستقبلت آخرين سيعطون للحياة رونقها بأسلوبهم الخاص، وأحداث برزت وتركت بصمتها وفعلتها باختلافها! هي حياة ماضية وهي أعوام تتسابق لكي ترحل بما أخذت وأعطت بنسب متفاوتة، تاركة الإنسان في الدنيا يستقي من كل شيءٍ وليس لهُ غير أن يتقبل ويقبل بما كتب له وقُسم.
كل الأشياء في الحياة بصورة عامة تبتدئ وتنتهي وهي تاركة فيما بينها فسحة كبيرة شاهدة على كل ما مرّ عليها وبقي فيها! ومثلما لكل حياة بداية ونهاية، ولكل زهرة ظهور وذبول، فأن لكل قصة إنسان يكون بطلها، يؤدي أدوارها ويمارس أحداثها ويخرج بنتيجة منها. لذا يطيب لنا في كل عام وقبل أن تقترب نهايته، أن تكون لنا وقفة على إطلاله، فيها من التأمل الكثير والكثير بما تحتويه. لنا وقفة على عتبات نهاية عام لكي نودعه ونتذكر معه كل ما كان فيه ومن كان، لأخذ العبرة والعظة للقادم ولتقويم ما يحتاج إلى إصلاح.
كثير من الناس يعملون حساب لكل ما في الحياة وهذا الصائب ولكن ليس المبالغة فيه! كثيرون يخافون مما ليس له أساس في الواقع أو بالأحرى الغير موجود! يصنعون أسبابه ويعيشون نتائجه ... أنهم يستهلكون أنفسهم ويميتون أرواحهم في سبيل إرضاء ما يخطر على المخيلة والقادم من تخمينات موجودة فقط في جعبة من يريد أن تكون حياته مجرد صورة باهتة. الحياة نعم لا تخلو ولكن لا يجوز أن نتعامل معها بأسلوب أن لم نغلبها غلبتنا وأدمتنا! لا يجوز عيش التباين الموجود بين مختلف فئات البشر ولكن بالمستطاع عيش التقارب إلى أقصى حدّ ممكن من أجل حياة بسيطة وفيها معنى أجمل.
الحياة ليست بتلك القوة والقساوة ولكن الإنسان حينما يقسى على نفسه يجعلها قاسية وصعبة المزاج والمراس، ومن ثم يراها وكأنها طوفان وأصابه! يعاملها بمزاجية متقلبة ويعاندها ويخاصمها ويعيش التحرر الأعمى منها، بمعنى يريد منها ما ليس منها، بل ما هو صانع فيها حينما يعيش الرغبات والتقلبات!
ونعلم بأن الحياة فيها الكثير وهذا بدوره يحمل الأكثر والذي بنفس الوقت يحمل السلبي والإيجابي من الإنسان ذاته، لكن هي لم تخلق بصورة مشوهة وقبيحة ولكن فعل الإنسان بأختلافه هو من يجعل الحياة تبدو كذلك في عين كل قاطنها. هو من يخلق المشكلة وهو من بيده من يجعلها لا تكون، حينما يقلص من حجمها ولا يجعلها تأخذ مداها في حياته وتؤثر على من يحيطه. الحياة باقية وتنتظر من الإنسان الكثير لكي يبقيها بنفس درجة نقائها وجمالها التي خلقت منه، عليه أن يحافظ على روحيتها لكي تبقى نابضة ويشعر هو بطعمها وبقيمتها وبقيمته ودوره المكمل لها.
كل شيء في هذا الكون له حقه وبعده ويجب أن نحافظ عليه. هنالك شيءٍ اسمه تكامل وتجديد لابد من تطبيقهما وليس فقط ترديدهما! تجديد للحياة من خلال تجديد الذات ومحاولة صقلها قدر المستطاع بدون انقسام وإزدواجية وفرض وتفضيل. كما للإنسان روحًا كذلك للحياة روحًا لا تحيا بدونه، وهذه هي رسالتنا نحن البشر في الحياة، أن نحافظ على روح الحياة ونتجاوز كل ما يبقي ذواتنا تحتار في زحمتها. حينما نعطي لكل شيء بساطته حتى وإن كان فيه صعوبة، فإننا بهذا نعطيه الفرصة في النصر عليه وجعله يكون في قبضة اليد فينفعنا ويفيدنا. ففي الإنسان قوة جبارة في تخطي كل ما يعترضه ولكن غالبا لا يعرف كيف يستغلها أو كيف يخرجها من أعماقه. 
دائما أقول أن للحياة لحنًا رقيقًا ليس كل أذنًا تعرف أن تميزه ... أليس كذلك؟! أحيانا كثيرة يدرك الإنسان كم هو بحاجة إلى أن يستمع لصوت الحياة ويعيش لحظات مع ذاته ويستمع لها بعيدًا عن ضجيجها وعن كل ما هو شارد فيها. وجميعنا مطلوب منا أن نفهم أنفسنا لكي نحبها ونفهم الحياة ونحبها في كل وقتًا.
أكتب لحياتك قصة جميلة فيها لحنًا فريد خارجًا من أعماقها وله صداه. أجعل نفسك لا تُصارع أي رغبات أو أفكار شريرة بل حاول دوما أن تعيش الاشتياق لها لكي تكون أقرب منها وتحاول أن تكون فيها. حاول أن تتواصل معها لتذوق السلام الداخلي وتعيش الأمان. وكن على يقين بأن كل يوم لهُ تدبيره وكل ساعة لها دقائقها ولحظاتها. أشعر بروعة الحياة وفكر بعمق ذاتك، فهي من تجعلك إنسانًا يعرف ويحس بقدره.
 
.... كل عام وأنتم بخير وسلام وسنة مباركة للجميع .... 

12
المنبر الحر / عطية السلام
« في: 05:15 21/12/2014  »
عطية السلام
سهى بطرس قوجا
[/color]

وعد الرب شعبه بوعد الخلاص والسير في طريق السلام، أرسل أنبيائه من أجل قطيعه التائه، ولكن لم يتبّ ولم يعرف طريق الصواب ألا بالحمل المذبوح على الصليب. بالطفل يسوع المولود في مغارة صغيرة في أحد أيام الشتاء القارص. طفلٌ ولدّ ليتعلم ويعلم ويكبر على كيفية مواجه تحديات البشر وكيف يكون النصر على إرادات لم تتعلم كيف تخضع للأمور الروحية.
أساس حياة البشر وثباتها وسعادتها واستمرارها هو الإيمان بأن لا حياة صالحة وثابتة بدون الرب الذي هو أساس بناء هيكل الإنسان السليم. لكن غالبًا البشر لا يستوعبوا ويفهموا ذلك، القلة القليلة من تدرك، كيف أن الاعتماد على الرب ووعده والرجوع إليه بقلب مفعم بالإيمان والمحبة، هو من يجعل الحياة مكافأة ثمينة لا تعوض ولا تقدر. بينما من لا يستوعب ذلك يجعل من الحياة ميدان صراع لا ينتهي، يصارع نفسه والآخرين وفي النهاية يذوق الفشل الذي يلهث خلفه! هو لم يكن أعمى البصيرة ولكن داخله ما كان مغلف بالسواد وجعل الحياة بالنسبة له مجرد تطلع عقيم لا يتعدى المسافة المحصورة بين خطوات قدميه! مما جعل نفسه تبقى في قوقعة الضياع بينما الحياة تسافر به وتأخذه معها.
يسوع المسيح بولادته، أراد أن يعلم البشر أن مواجهة الحياة وعيشها كما هي بطبيعتها، لا تكون ألا حينما تكون بدرجة نقاء الطفل وصفاء نفسه ونيته وتقبل كل شيء بابتهاج وبساطة قلبًا، والبدء ببدايات جديدة فيها من الشكر الكثير للواهب الذي أراد لنا حياة مزدحمة بالأمل والعطية والعمل الصالح الباقي للنمو الروحي.
 يسوع المسيح أراد أن نذوق الحياة معه ونجرب الجديد الباقي للحياة الأبدية، وهي دعوة من قبله للظهور في حياته دائما وأبدًا. هي دعوة تجديد لكل ما في الحياة من روحانيات سامية .. يسوع المسيح بولادته لمع نجمه في السماء وأضاء الكون، فكان النور الذي أنعكس على البصر وفتح البصيرة على الخير وأضاق الحدود على الشر. هو حارب من أجلنا وربح لحسابنا، كان ولا يزال من أجلنا ولابد أن نكون له. حبهُ كبيرًا فيه غاية واهتمام وعبور، وعليه يجب الارتكاز. 
أننا بحاجة إلى الإتحاد بالربِّ وبه نتحد مع ذواتنا ونعيش كإنسان فعلا خلق من أجل الإنسانية. مثلما الآب والابن واحد، كذلك نحن معه نكون واحدًا. أننا لا نحتاج لأكثر من هذا، وبالإتحاد تأتي باقي الأشياء تباعًا وتصنع أخرى جديدة. 
الطفل يتقبل عطايا الوالدين بفرحة غامرة ويتقبل كلامهم بمحبة، هكذا كان يسوع المسيح للآب السماوي، تقبل الكلمة وكملها بمحبة وحقق السلام والخلاص.
آمنوا إذن بأن الربّ معكم وسيروا قدما ما زال راعيكم عينه عليكم. أنصتوا لصوته وتشددوا بقوته. تعلموا أن لا تخافوا البتة وأن لا ترتعب أنفسكم، فقط آمنوا وستجدون المُنقذ وقد أحاطكم بمحبته، ومدّ يده أليكم. أنشدوا للربّ دومًا أناشيد المحبة والفرح ورتلوا وسبحوا له دوما على عطاياه التي لا تنتهي. لا تعيشوا التردد ولا تضطرب قلوبكم ما زال هو معينكم ومنقذكم وحاملكم على أذرعه، كما تحمل الأم طفلها على أذرعها وتحيطه بها لكي لا يسقط أو يتألم.
يسوع الطفل المولود في مغارة للحيوانات، أصبح الراعي الصالح الذي يقود قطيعه لكي لا يضيع. هو من باركنا بكل البركات ودعانا إلى ملكوته وقربنا من حياة لا تزول ولا تفنى. ربنا وملخصنا إننا نشكرك على عطية السلام التي وهبتنا أياها، عطية الفرح والخير والبناء والاتزان والثقة والمحبة والثبات في عالم متذبذب فيه الكثير من النفوس المخبوطة التي تسير بعكس إرادتك. ربنا أقبل صلاتنا وتضرعاتنا وعطرنا برائحة محبتك الزكية.علمنا دوما أن نعمل الأعمال الصالحة التي تبقينا في إيمان أبدي وتغذي أرواحنا وتنمو وتتجدد بقوتك.


13
عندما نقتل الآخرين
سهى بطرس قوجا

كانت جالسة في ذاك الركن من الكافيتيريا، تمضي فيهِ وقت استراحتها من العمل ومن ثم تعود. جلست ثم أخذت ترتشف قهوتها وتقرأ في مجلتها بهدوء، وبالصدفة وقع نظرها على شابًا جالسًا على طاولة قريبة منها، ينظر ويتبسم، لمْ تعرهُ أي اهتمام واستمرت برشف قهوتها!
بعد دقائق معدودات نظرتْ لذاك الشاب، ورأتهُ ما زال ينظر إليها ويبتسم! فشعرتْ بإرتباك ونرفزة، قائلة مع نفسها:" ما هذه الوقاحة؟!" فأخذها الاندفاع ونهضت من مقعدها وذهبت إليهِ، مُلقية المجلة التي كانت تُطالعها بوجههِ، قائلة:" هذا جزاءك؟!"، وخرجت من الكافيتريا!
بعدها بلحظات جاء والد الشاب، مُعطيًا عصا أبنهِ بيدهِ، ليتحسس بها طريقهُ إلى الخارج! لقد كان كفيف البصرّ، لا يُبصر شيئا سوّى الظلام! مسكينًا هو، رغم ذلك تلقى صفعة من إمرأة بمجلتها! 
هذا ما يحصل دائمًا نحكم على الأشياء من الظاهر، بدون التطرق إلى جوهرها ومضمونها، أي بمعنى نمارس السطحية في حياتنا على حساب حياة ناس آخرين بدون الغوص في الأعماق واكتشاف ما قد يفيد الحقيقة الخافية! صورة شاب يبتسم لفتاة أعطت للمجتمع انطباع بأنها مُعاكسة لا محالة، سواء للمُتلقي أو للشاهد! بمعنى سواء من مسهُ الموضوع أو من كان شاهدًا عليه. وفي الحالتين رسموا لتلك الحالة حقيقتها الزائفة بنسبة! فليس كل من ينظر لفتاة أو يبتسم نظن الظنون السلبية أكثر من الايجابية ونبني الافتراضات! لكن مع الأسف هذا واقع الكثير من المُجتمعات والأشخاص!
فكم وكم من ناس ظلمتْ بسبب الظنون، وكم من حياة توقفتْ وطواها الزمان بسبب الأفكار الشريرة التي تُدار في مُخيلة البعض، وكم من قصص وروايات حُيكتْ على أساس الظنون! مواقف تفهم على أساس خاطئ ويبنون عليها افتراضات ومُزايدات أخرى من عندهم! وباعتقادي كل هذا يأتي من تطبع الشخص بطباع بسبب ما يسمعهُ أو يراهُ في بيئتهِ المُعاشة ولابد من أن يفسر هذه الحالة على ذاك الأساس، وأيضا بسبب البعض من الأفكار المؤمنين بها والراسخة في عقولهم، ولكن هذا ليس عذراً لنمثلها على الآخرين. 
بشر لا يتعلمون أبدًا من خبرات وتجارب حياتهم وحياة غيرهم، وبشر لا يفكرون قبل أن يذمون وينقدون ويظلمون ويألمون غيرهم! تلك فتاة مُنعزلة بنفسها تتحدث في الهاتف؟! يا ترى من تُكلم، ولمْا هي واقفة بعيدة عن الجميع؟! ظنون مع أسئلة لا تنتهي! فقط يريدون قصص وحكايات يتكلمون فيها في المجالس. فتحاول أحداهم الذهاب إليها وسؤالها بإبتسامة ولطافة، رايتكِ تتحدثين في الهاتف، مع من كنتِ؟!
فضول زائد عن الحدّ، والفضول الأسوء حينما نعطي حرية لأنفسنْا بالتدخل في الحياة الشخصية للأفراد! ولكن تذكر المثل القائل:" من تدخل فيما لا يعنيه، لقيّ ما لا يرضيهِ"، ووقتها كيف سيكون منظرك وشعورك، عندما تتلقىّ ما لا يرضيك؟!     
سُأل أحدهم: هل لابدّ من ظن الخير بالآخرين دائما؟!
الخير في كل الأوقات لابد من التفكير به ومُمارستهِ في الحياة. لا يجوز أن نعمم حالة سلبية واحدة على حساب جماعة، كما لا يجوز أن نسيء الظن بالناس لمُجرد موقف أو كلام ونحللهُ على حسب نظرتنْا المُنفردة، بدون سماع الطرف الثاني، فظروف الحياة تحمل كل شيءٍ وأي شيءٍ. فلا يجوز أن نُجاري ونُحاور ونحوّر كل ما يقولوه الناس ويفعلونهُ، لأنهُ قد تحمل الصواب أو الضد! لذا لا يجوز أن نفسر الأشياء ونحصرها بزاوية رؤيتنا فقط!   
ونحن بدورنا نسأل: لمْا لا يكون المجتمع أكثر تحضرا ورقيًا، ويترك كل هذه العادات المُزعجة التي تعشش في أفكاره رغم كل ما وصل إليهِ الإنسان من ثقافة وانفتاح وتكنولوجيا، عادات تفرق أكثر مما تجمع؟! لمْا لا نحاول التعرف على ذواتنا، لمعرفة نقاط الضعف والقوة فيها، لنصلح ونُقوم ما يحتاج إلى تقويم؟! وتذكروا أنهُ بظنوننا السلبية تجاه الآخرين فأننا نقتلهم لا شعوريًا، وإذا مشينا مع التيار، فيجب أن ندفع الأحداث ولا نُعطيها الفرصة لتدفعنْا هي بمزاجها وحسب مُتقلباتها. 
من كتاب / شذرات من الحياة / خريف 2012



[/size]

14
المنبر الحر / اغتيال الطفولة
« في: 04:10 30/10/2014  »
اغتيال الطفولة
[/size]
سهى بطرس قوجا
تختال الطفولة مرارًا وتكرارًا، مرة من قبل الأهل عندما يغضون النظر عن كل تصرف وسلوك غير سليم يتبادر من أطفالهم في غير محلهِ وأيضًا عندما يهملونهم ولا يحققون مطالبهم واحتياجاتهم وهذه الأخيرة بالتأكيد قد تكون لها أسبابها هي الأخرى. لا ننسىّ المجتمع هو الآخر الذي يتفنن في الأساليب الغير الصحيحة وترويج للمفاهيم المغلوطة للكثير من الحالات الحياتية. ومرة من العالم برمتهِ والحروب التي تقام على أرضهِ، حروب أقل ما نقول عنها أنها ضد الإنسانية بكل ما تحملهُ في جعبتها من قتل وتشريد وحرمان وتهجير وتصفيات. 
عندما نذكر كلمة طفل وطفولة يتبادر إلى ذهننا الصفاء والنقاء والبياض والبراءة والزهور وبراعم الأشجار والربيع، هؤلاء الأطفال هم زهور هذه الحياة وقلب هذه الإنسانية وهم نبض حياة هذه الحياة. لكن في بعض البلدان ما هم سوى مُغتالين، مُشردين، جائعين، مظلومين، مُحتاجين، محرومين، مُتألمين، يتيمين، ضائعين، مُستغلين، غير أمنين، عنيفين، مُنحرفين، هاربين، متسولين، هيكل تسكنهُ الظلمة والذهول والدهشة والرعب ... الخ، بصحيح العبارة هم أطفال فاقدين طفولتهم ولا قيمة لكيانهم الصغير ... كيف ولماذا؟!   
الحرب عندما تخوض في أي بلد، أكيد لا يضعون في الحسبان كل شيءٍ ومن ضمنهم الأطفال، هؤلاء إشراقه المستقبل إذا غابوا غاب الوطن معهم ويكون مظلمًا وناقصًا! الحروب ليست محصورة فقط في أصوات القنابل والمدافع والرصاص وليست فقط في أطلاق الصواريخ من الطائرات وليست فقط في القتل المباشر والتدمير، بل هنالك تأثيرات أخرى نلمسها حينما تهدأ ثورة الحرب قليلاً، أنها الشلل الداخلي الذي يصيب كل مرفق في الإنسان ومن ثم البلد، أنها الجانب الآخر من الحرب ذات التأثير النفسي المُدمر الذي يُحاصر الفرد في نفسهِ ويمنعهُ من الانطلاق، واصلاً إلى مختلف الفئات العمرية دون استثناء وتحديدًا الأطفال الذين لا حول ولا قوة ولا إرادة لهم، يتعرضون للكثير من الصدمات النفسية الناتجة من هذه الحرب التي إن أعطيناها وصف قريب لها، نقول هي تلك المعصرة التي تقطر نِقطة نقطة في انتظار مُمللّ لا نهاية لهُ!       
الحرب تحل وتنتهي نعم، ولكنها لا تمرّ وكأنها زوبعة صغيرة في فنجان بلْ هي عاصفة تقلع كل ما يكون أمامها! حرب حولها يُثار الكثير من التساؤلات والكثير من المخاوف من المجهول التي هي الأخرى لا تعلمهُ؟! يضعون خطط للحرب وتوقعات لا تصلها بنسبة، ومن جانب آخر لا يلاحظون انعكاساتها أو يضعونها في الحسبان استنادا إلى حروب شنت قبلها. ما ذنب البراءة التي لا تملك صوتها ولا حياتها، فقط لها من الحياة بكائها وخوفها وفزعها وهروبها إلى حضن الوالدين، فكيف بالحروب وما تعجُّ به؟! وكيف بالطفل إذا خاف إلى من يلجأ إذا كانت الحرب قد خطفت الأب والأم ودمرت المنزل؟! شعورهم هذا لم يجربوه ولم يشعروا به لذلك لا يضعون في الحسبان كل هذه الأمور عندما يعلنون حربهم، وكل ما يكون حاضر في ذهنهم لحظتها هو كيف يبدؤن الهجوم وأي توقيت يكون مناسب لهم هم. وأكثر ما يهمهم هو تحقيق إستراتيجيتهم السياسية المنتهجة؟!     
الحرب فعلا طاحنة تطحن كل شيءٍ ومعهم البشر، حرب شريرة كذاك الوحش الذي يحمل في أحشائهِ الموت والقتل والمعاناة وإراقة الدماء ومختلف الأفعال البشعة التي تكون كقبضة اليدّ مُجتمعة تضرب وتخنق النفوس البريئة! عندما يقتل طفل في الشارع برصاص جندي أو يهدم المنزل عليهم وهم في داخلهِ، أو ملجأ بالكامل بما فيه يُدمر من نساء وأطفال رضع وشيوخ، فالطفل الناجيّ من بينهم مثلاً والذي أطلع بعينهِ وشاهد ذلك الموت الحيّ وذلك الرعب، فكيف ستكون نفسيتهِ وأي أثر بصم بصمتهِ في داخلهِ وأي حياة ستكون لهُ بعد ذلك وبأي صورة ستُعاش؟!
نسأل هنا هذا السؤال الذي طالما يتبادر إلى ذهني، الكثير من الندوات والمؤتمرات التي تقام من أجل إنقاذ الطفولة ومن أجل حمايتها، عندما تقام ويناقش فيها بأي حلول ونتائج تختتم مُناقشاتها؟! وربما قد يقول قائل:" هنالك حلول وقواعد للسير عليها توضع ولكن التطبيق الفعلي لها في الواقع لا يوجد"؟! فأين يكمن الخلل هنا، وما هي السبل الكفيلة للحدّ ولو قليلا من كل ما هو قائم في الحياة؟! الحروب لا تنتهي والحياة لا تنتهي، فهل هو صراع بين الحياة والحرب على الإنسان؟! أم هو صراع الإنسان مع الإنسان نفسهُ بالحروب؟! ويبدو أنهُ كذلك مع الأسف!
ويبقى أن نقول نصوص بنود حقوق الإنسان، القوانين الدولية، البروتوكولات، اتفاقية حقوق الطفل وغيرها، أين هي اليوم من التطبيق الفعلي؟! أين هي الحماية المنصوص عليها فيهم، وكيف تُصان الكرامة في ظلهم؟! أين هو الطفل والمرأة اليوم في ظل مختلف الممارسات الوحشية والحروب المدمرة؟! صور مؤلمة لضحايا تركت في نفسهم مشاهد لا الزمن ولا هو نفسهُ قادر أن يتجاوزها أو ينساها، صور باتتْ مطبوعة في الأذهان وراسخة في القلوب وتعيش فيهم بكل ما فيها، أنها نوع من الثقافة التي تغذي العقول والأذهان على العنف والقلق والخوف، أنهُ جيل كامل مُتمثل بهؤلاء الأطفال الذين سيكبرون وهم يعانون من مشاكل نفسية عميقة، لها تأثيرها السلبي مستقبلا على حياته ومستقبله ومستقبل بلده، طبعًا إذا تركت بدون علاج وبدون مساعدة على تجاوزها، وهذا صعب وصعب جدًا في ظل بلد مثل العراق طحنتهُ الحروب ومزقهُ العنف والتفرقة، وكذلك الحال مع فلسطين وسوريا ولبنان! 

15
تطلعات في الأفق البعيد
سهى بطرس قوجا

كثيرة هي الأحلام وكثيرة هي التطلعات، لكن قد لا نراها أو قد لا نطالها وقد تتحقق أو لا تتحقق عندما نلمحها في الأفق أما تلوحّ قادمةٍ أو مُفارقةٍ، كون ليس كل ما في هذه الحياة عندما نتمناه ننالهُ وعندما نبحث عنهُ نجدهُ وعندما نلمحهُ نراهُ. هي تبقى أحلام وتمنيات نسبية تعتمد على مدىّ سعيّ الإنسان إليها سعيًا جهيدًا بدون عقبات، مع أنهُ لا ننسىّ بأن هنالك البعض من التطلعات تغرب بسبب آخرين كانوا السبب في قتلها، ولم يبقى منها سوىّ رماد الذكرى أو البكاء على الأطلال منها!

الزمن لا يترك حال على حال، زمنًا في وقت ما خطف الأحبة ولم يترك غير قلب شجون وذكرى تهتف من أجلهم! نعم تلك الذكرى التي تسكننْا والتي نتطلع إليها ونأمل منها الكثير، والتي بقدر ما كانت جميلة بذات القدر هي مؤلمة وقاسية، كون من كان فيها لم يعد لهم وجود، لم يعدّ لهم حضور، لم يعدّ لخطواتهم صوت مسموع. ذلك الوجود الذي كان عندما نغمض العين عليه في حاضرنا، نتذكر أحلى أيام وأجمل أشياء وأعذب أحاديث وأروع ابتسامات وأصدق أوقات ... كنْا نظن أنهم باقين ولكن تطلعاتنا وتوقعاتنا وآمالنا كانت خاطئة ولم يبقى منهم سوى الوحشة وألم ذكريات تدق ناقوسها ما بين أنين وحنين وما بين دمعة وابتسامة وما بين همسة وضحكة! ذكريات تبقى ترنّ في الأعماق وتستمر في الحياة ويكون لها حضورها الدائم  رغم كل شيءٍ.
   
نتطلع ونمدّ بنظرنا للبعيد فيتملكنا السكون ويأخذنا الصدى الساكن في داخلنا لشخص أو لشيءٍ كنا نتمنى أن يكون في واقعنا لكن لا يكون، فنبدأ نحلم ونتتطلع ونلمْلمّ النفس من البعثرة القادمة من الحزن والألم ومن أشد لحظات الحاجة إلى من مروا على البال، ونحاول أن نعيش الحياة قدر المستطاع ونسايرها بكل ما فيها، لكن ليس بوسعنا وليس بمقدرنا الانفكاك عنها! أنها تكون بين جدران جسدنا باقية لا تأبه المسير والانفكاك. ربما نحن من يكون السبب ولا نطلقها لكي تذهب أدراجها بل نكبلها ونقيدها ونسكنها فينا، علْ البعض منها يُعطي الأمل والآمال للقادم المُنتظر بكل لهفةٍ، ولكن بدون جدوىّ تأتي سنين وتذهب أخرى وما بين القدوم والرحيل لا تحمل شيءٍ فيها، مثلما تحل فارغة هكذا ترحل فارغة! والذكرى هي من تقتات على النفس وتحفر لها فيها مكان تبقى!
     
تبقى الحياة تأتينا بمختلف مواسمها، والماضي يأخذ ما يريد ويمضي ويترك في الداخل ما يصعب الخلاص منهُ! ونحن لا نملك أن نغيرهُ لكن لنا لحظتنا في حاضرنا، فلما نؤلم نفسنا ونتحسر على شيءٍ ليس بيدنا أن نغيرهُ ... لا أعلم ؟! ومن يبصر لكل ما يحصل في الحياة يجدها أقصر مما يتصور! فلما يعيشها البعض في ضياع ولما يضيعها من خلال العيش في الانغلاق والانطواء على النفس وحبسها ضمن حدودها الضيقة؟!

وأقول: إن ضاقت لا تحزن ولا تفكر كثيرًا بدون جدوى بلْ وجه نظرك  للسماء حيث السحاب السابح في الفضاء الواسع ولا تنظر للتراب موضع قدميك ومدى محدوديته، أحلم وجددّ الأحلام وأجعلها بإرادتك القوية وبعزيمتك تكون في واقعك، فلا مستحيل قادر على الصمود مُطولاً، أنها قوة ثباتك على الشيء والوصول إليهِ والوقوف عليه على الرغم من كل ما يمكنهُ أن يصادفك في حياتك. وأقول كذلك: استمع إلى نفسك أكثر مما تستمع لمْا حولك ولغيرك وأجعل نفسك جوهرة تبرق لتبهّر عين الناظر، فالحياة لحظة يشرق نورها في آخر النفق، فأمشي إليها حتى وإن صادفتك بعض الأشواك في الطريق، المهم أن تحاول وتصل لاحقا وتعيش لتستمر.

16
المنبر الحر / وطني يؤلمني
« في: 02:34 17/09/2014  »
وطني يؤلمني
 سهى بطرس قوجا
[/b]
 الحرمان والشوق يجعلك تسبح في بحر من الأمنيات لأشياء ترغبها .. وأجمل ما يتمناه أي إنسان في هذا الكون هو وطنًا ينعم بكل ما فيه من عيشة كريمة وحياة آمنة ومستقرة وحقوق المواطنة الحقيقية والجادة، تحت مظلة القانون والعدل والمساواة بين الجميع، وطنًا يشعر فيه المواطن بالدفء بين أحضانه وبالأمان بين ربوعه والطمأنينة في أيامه والأمل في أفقه، وطنًا كل ما فيه أرضًا خيرة معطاة وإنسان يقدسها ويصون كرامة الآخر التي هي من كرامته ... ولكن أين هو ذلك الوطن أو البيت؟!
ظروف أدت إلى المعاناة، وهذه الأخيرة أدت إلى التشتت وألم لا نهاية له، كانت لهما بدايات لا تعد ولا تحصى ولكن النهاية الوحيدة والمجهولة غير واضحة! تعددت الطرق واختلفت المسالك وأختلطت الأمور وتبعثرت النتائج، كثيرين يلعبون على حبل السياسة ويحاولون أن يسحبوا اللعبة نحوهم من أجل الظفر بما فيها، فما يكون بالنتيجة مستقبلا غير آخرين يتحملون العثرات ويعيشون التخبط! البيت ترك بابه مفتوحًا من قبل أهله وبيع ما فيه بأبخس الأثمان، كانوا في ساعة ما مجتمعين حول طاولتهم من أجل تقسيمه وفي حضرة الضيوف، فما كان في النهاية غير النصيب الأكبر للضيوف وأرث القسمة... أنظروا للمفارقة كانوا يحلمون بذلك القليل فكان لهم الواقع بكل ما فيه.
نقشت في الروح جملة (وطني ما زال يؤلمني وجميعي يؤلمني من أجله، وطنًا يعيش في داخلي، وداخلي تعيش في الوطن)، لم نعد نعرف، هل هو الهذيان للوطن أم أنه التفكير بكل ما كان فيه الذي لا يبرح البال؟! أنه الجري خلف السراب والبحث عن اليقين، أنه التعلق بخشبة طافية في عرض المحيط! أنها بلادنا التي نبتنا منها ولها المفروض أن يكون كل شيء، ولكن أين ذلك الواهب والمانح لها؟! كفاءات، أصحاب عقول، مثقفين، مؤرخين ...الخ، أخذتهم الغربة وطوتهم بين صفحاتها وضاعوا في دهاليزها وكان ثمرهم يطرح لها وفيها. تساؤلات كثيرة تؤرق الذهن وتنتهي بعلامة استفهام كبيرة، ولكن السؤال الغالب يبقى يردد ..... إلى متى، وماذا بعد كل ما يجري، هل لتلك العجلة ألا تتوقف أبدًا؟! هل من الممكن أن نلمح الحمام وهو حامل ورق الشجر بمنقاره؟!
يدهشنا الخافي الذي نجهل ملامحه والقادم من تلك الدوامة اللامنتهية بل بالأحرى بتنا نعيش الاندهاش والاستغراب والقلق فيما تؤول إليه كل الأحداث باختلافاتها! لم تترك فسحة ولو صغيرة للنظر من خلالها، الظلام دامس والعفوية قتلت والإرادات سلبت والأفق ثقيل بما يزدحم عليه! أصبح المصير لعبة وساحة مزايدات وأصبح الإنسان طعم صغير مثل الطعم الذي يرمى للأسماك لصيدها، رخصت الروح البشرية ومعها استرخصت كل الأشياء من قبل الإنسان نفسه! اختلفت الأدوار من أجل الأهداف ذاتها  فكانت الازدواجية تعيش بخفتها في ضمير ومكنون الكثيرين وتعكس في الحدث الواقع.
وطني يتألم وألمه يؤلمني، هو بحاجة إلى إسعافات ضرورية قبل أن يصيبه الشلل أو تقطع أنفاسهِ أو ربما الموت المفاجئ! وطني بحاجة إلى أن تضيء الشمس ربوعه وتدفئها ببزوغها، ألم يحنّ الوقت بعد؟ ألم تحّن الساعة من أجل الأخذ بيده وإسناده من أجل أن يعود كما كان؟ الوقوف كثيرًا يؤلم ويقصم الظهر. وطني أشبه بشجرة مملوءة بالزهر، يمر عليها الريح الهباب ليهزها وينثرها وينقل زهرها معه إلى أبعد من حدودها، هكذا هم أبناءه يتبعثرون يومًا بعد يوم وهكذا يبقى مثل تلك الشجرة بلا ثمر إن استمر الحال. نتأمل بالقريب أن يلوح بالأفضل فقد مللنا من كل شيءٍ  الماضي على نفس الوتيرة وأدناها.   


17
المنبر الحر / رد: أمنيات نازحة
« في: 00:22 02/09/2014  »
الأخ عبد الاحد قلو

تحية عطرة
 ليست المشكلة في هذا فقط ولكن هناك اقتناع تام بصحيح فعلهم وجدواه، ومهما كانت ردات الفعل فلن تأتي بتلك النتائج المرجوة في رقعة أمان تكون الملاذ لكل مظلوم ... ولا نقول غير أن الله على كل ظالم والظلم لا يدوم ولكل جزاءه مهما طال الأمد به ...
تقبل تحياتي وتمنياتي بكل خير وشكرًا لمرورك الدائم على مقالاتي
دمتَ

18
 
عراقي يحلم بالمستحيل
سهى بطرس قوجا

أنه يتسأل: كيف سيكون القادم الذي يمطرنا على غير ميعاد؟! طال المغيب وضاعت البشائر، هذا العالم بوسعه ضاق علينا، الهواء خانق واليوم مثل الأمس، نفوس مريضة، قرارات غير مسؤولة، أفكار مترددة وشاردة، لا ثبات ولا رسوخ في الرأي، قتلتنا المبادئ الكاذبة والألسن المزمرة! أفكر بكل هذا وغضب وثورة يطحناني، أريد أن أثور واسمع العالم ضجيجي الذي لا يصمت ... غاضب لأن أصبح اسم العراقي يُخاف منه ... أصبحنا في موضع الشك وفي دائرة الاتهام والفساد! وثورة تجتاحني هي حنينًا وشوقًا وحزنًا على كل ما يسلب منا: الأمان، الكرامة، الوجود، الأرض، الاسم ... كيف لهذه جميعها أن تعود؟!
 
مسكينًا هو العراقي أنه لا يطلب الكثير أنها مجرد أمنية بسيطة تخطر على بالهِ ولكن مع ذلك هي مستحيلة الحصول في ظل واقعه! سنين وسنين تمضي إلى غير رجعة وهو ما زال  يعيش المعاناة باختلافها ... فكم من عراقي ما زال الحلم يورقهُ؟ وكم من عراقي ما زالت الأرض تنبذه؟! أصبح كل شيءٍ لهُ مستحيل بل أصبح يعيش المستحيلات، العالم من حوله في حراك وهو ما زال في سكون وصمت وتراجع دائمي، ما زال في نقطة لا يستطيع تجاوزها، لا يعرف كيف يخطوّ للأمام ولا يعلم كيف يُسمع صوته، كل ما يعرفه أنه لابد وأن يكون راضخ وتابع لكي يتابع ما يجري من أحداث ويواكبها بعيون وعقول غيره!
هناك يدٌّ تلوح بالبقاء وأخرى تُمدّ للأعناق، هناك صراخ من أجل الهروب، عيون دامعة تودع الأحباب ... أبواب تغلق قبل حلول المساء ... أذان مترقبة تنصت يمينًا وشمالاً ... عقول مرهقة وأفواه مُكممة ... هنالك صوت خافت وكأن به رعشة الخوف ينادي من بعيد بالنجاة ... لغة تنشأ من اختلاط الحروف .. هنالك كيان عراقي يُبنى على الأنقاض والمخلفات ... هنالك أرضًا يطالها الجراد ... الأحداث والمناسبات التي فيه وكأنها مآتم مُقامة على الدوام ... المال يُسرق ليوزع للغرباء وأيادي تصافح من تحت الطاولات... مراهنات، مزايدات، منافسات، صراعات، تقسيمات، تزييف للحقائق، تحريف التاريخ، تعصب، تطرف، تحولات خطيرة، العبث بالتسميات وتحويرها، سلب الكرامة .... كل هذا وغيره موجود في المغارة المنسية، التي فقط الغروب عنوانها والضياع مسكنها. 
 
كثر الحديث وقل الفعل! جملة تناقضات، ظهور أنماط متأثرة بالبيئة تجد في التعايش والتفاهم صعوبة بالغة وعدم تكييف، أنماط لا تقبل بغير ما مرسوم في دائرة أفكارها وما مخطط في عقولها وما موجود في واقعها المحصور، أنها لا تستقبل ما يخدم وما يُنمي بل تبث ما يحطم!   
ما زالت الدائرة نفسها منذ أعوام كما هي والكل يدور في فلكها، وكأن الحياة محصورة من ضمنها أو ربما من يتخطاها سوف يتوه ولا يعرف العودة إليها، أنها الدائرة ذاتها لا تغيير مسهّا ولو طفيفًا وكأن حدودها صنعت من فولاذ يصعب تجاوزه! ما زالت الأفكار تنسخ وتُعاد والنتيجة غائبة ومجهولة وملغية ... الحماس الأعمى يلهبهم ومع الوقت يخمدون ويعودون  إلى الركود! تمضي الحياة بالأشخاص أنفسهم وأفكارهم ذاتها تنتهج نفس القالب والمضمون! وهذه هي المشكلة التي تعاني منها الأكثرية وهي العيش في ظلال أفكارهم وزمانهم وعمرهم، والزمن من حولهم يدور وهم عن الوعي غائبين وفي سبات مستديم، السنين تتقدم بهم وانقسامهم الواحد ضد الآخر يزداد ويكبر وكأنهم يربون وحشًا يلتهّم من يأتي في طريقه بدون رحمة. 

الصراعات الدائمة نتيجتها إلغاء وتهميش، أنها السياسة العقيمة المنتهجة من أجل مصالح وغايات. والمجتمع العراقي بحاجة إلى وخزة ضمير من أجل أن يستفيق وينهض للحياة، السبات الذي هو فيه لسنين طويلة نتيجته هو بسبب كونه لا يقبل على التجديد ولا يرضي بغير ما هو موجود في حدود فكر غيره، أنه خائف ومتردد من الإقدام خوفًا من الفشل والمنافسة! تلك الأفكار التي كانت في زمن ما زالت تعيش وتتكاثر نحو الاسوء والسيئ، وهذا واضح مما هي الأمور والأوضاع تؤل إليه في البلد.
كل من أعطى لنفسه المسؤولية لابد وإن يحرك دوامة أفكاره باستمرار من أجل استمرارية دائمة ومواكبة الحدث بنتائج إيجابية، لابد من دراسة الواقع كما هو في لحظته من أجل مستقبل أفضل وأنضج وأوضح ومن أجل النجاة والفرج من المصائب التي البعض بعيدين عنها وآخرين من يقعون في مصيدتها. 

أليس من حق العراقي أن يحلم حتى وإن كان مستحيلا، المهم أنه يبادر بالمحاولة من أجل أن يلمس ويعيش لحظات يتمناها في الواقع المرير؟!

19
المنبر الحر / أمنيات نازحة
« في: 02:30 26/08/2014  »
أمنيات نازحة
سهى بطرس قوجا

أمنيات نازحة وأحلام هاربة وقصص تتكدس في بُودَقَة الزمن من صرخات وطنًا يحيا بصعوبة بين أنقاض يخلفها الطغاة الذين يحاولون النيل منه! وطنًا أصبح على مشارف أن يودع كل الأشياء ويستقبل الخوف والغبار الأسود القادم من عتمة الشرير وضياع الضمير! وطنًا أصبح حلمًا بعيدًا لكل الذين يستبعدون ويلوذون  بالفرار مرغمين ممن فيه ... إلى أين يأخذنا المطاف، وماذا بعد يوجد لم نبصره؟!

أعطي لمجموعة أطفال نازحين ورقة وقلم وقيل لكل واحد منهم أن يكتب أمنيته عليها.. فكانت الإجابة بالإجماع تكتب بأنامل صغيرة .. " نريد بيتنا"! أمنية كبيرة تستقر في عقول وقلوب صغيرة وبريئة ليس بيدها غير أن تتمنى ما لا تستطيع أن تنقذه ممن يحاولون أن يجعلوه مجرد كومة أنقاضًا. أمنية قد تكون بعيدة بعض الشيء ولكن لن تكون مستحيلة ما زال هنالك من يريد أن يجعلها واقعية بقوة صبره وتحديه وتفكيره الجدي.
الأوطان ما زالت المزايدات عليها، وما زال كل شيءٍ يُبنى بسنين يقابله الهدم في غضون ثواني معدودات ... نعم ، هكذا أصبح حال كل وطن يتلقى الجرعات من القريب قبل الغريب ويبكي مما ينابه! كم من طفولة مشردة وكم من طفل حُرم من مسكنه ومن حضن أهله؟ كم من طفل في العالم اليوم يعاني ويحمل عناء الشقاء والضغوط والإعانة؟ كم من إنسان اليوم يعيش بلا بيت وهو في وطنه؟! كم من إنسان يُعامل مثل باقي المخلوقات وأدنى، أكيد من خلال استدلالانا بما يجري في الواقع؟! كم من إنسان تخلى عن إنسانيته في سبيل أن يبقى ويا ليته بقىّ؟ كم من روح رضت أن تموت من أجل أن يستمر الآخر؟! 

خوف ... أختناق ... صراخ ... هروب ... خطر ... وعثرات في الطريق ... هذه إمرأة مُسنة ومقعدة والخوف سوف يخنقها ويقتلها وهي في مكانها لا تستطيع الحراك، لا قدرة لها على الهروب ، فكيف لها النجاة؟! هذا رجل خائف على أهل بيته وبناته ويحاول كل المحاولات في سبيل أن يبتعد بهم أكثر عن النفوس العابثة والخبيثة! تلك طفلة صغيرة تصرخ وتبكي وتُنادي على أمها التي بيعت وهي لا تعلم ... تصرخ وكل ظنها أنها ستسمعها مثل كل مرة وتأتي إليها راكضة لتحضنها وتحملها على كتفها ... ولكن أين هي من صراخها؟! أنهم مجموعة رجال ونساء وبينهم أطفال يركضون إلى المرتفعات ليختبئوا بين الصخور بدون أن يفكروا إن كان هنالك نجاة بمحاولاتهم، ومن أين يأتي التفكير وتحكيم العقل إن كان الضباب يحجب عنهم الرؤية؟! 
من ينقذ هؤلاء من بطش عدوهم .. وإلى متى يبقى المستقبل يحمل المفاجأت ويسير نحو المجهول؟! أفواج وأفواج من البشر تصرخ إلى السماء وتجر اذيال الخيبة ممن في أوطانهم وممن أعتبروهم المعين والسند لهم، هاربين وتاركين كل شيءٍ خلفهم والصدمة سوف تعدمهم ... إلى أين المسير وإلى أين المستقر؟! إلى متى سيبقى الحال يتنقل بهم مثل بندول الساعة، يضربهم مرة إلى الشمال وأخرى للجنوب ومرات أكثر خارج الحدود بعد أن تخطأ بحركتها وتكسر ما يحيطها؟!
 الحديث عن الوطن لا ينتهي والكلام عن تلك النفوس الصغيرة التي تركته مرغمة ومن قلة حيلتها لا يمكن إيجازه! كيف نعيد للوطن عزته وكيف نعيد للأرض طهارتها التي دنست؟! من يقول للجانب الآخر من الإنسان كفاك ظلمًا؟! قد تكون مطالبنا كبيرة وصعبة التحقيق ولكن تبقى تمنيات ورجاء في الغد القادم بأن يكون الأفضل في كل ما يحمله من أنقاض الماضي والحاضر ... تلك الأنقاض إذا كان عمل موحد ومشترك لها من الممكن أن ترمم الكثير مما خدشه الشر وهو مارًا . لا وجود للمستحيلات ما زال هناك الممكن الذي يمكن أن يتحول إلى لون جميل وزاهي يُعطي للأطفال مرة أخرى من أجل إعادة كتابة أمانيهم من جديد، علها بهم تكون حقيقة وتعود للوطن عزته وهيبته التي شتتها اللون القديم. 

[/size]

20
ماذا بعد الخمود النسبي؟
[/size]
سهى بطرس قوجا

صناعة الموت أصبحت اليوم تنتج أنماطا مختلفة من الوحوش البشرية التي تفترس نفسها قبل أن تقدم على فريستها ... أنماط تشكلت من عجينة الإرهاب والإجرام والمصلحة، وهذا وارد في كل بلد تلتهمه الحرب على الدوام  وتسحبه السياسة إلى ملعبها.
احترنا في وصف الواقع واحترنا في كل شيء يميل للتعقيد فيه ومجمل حديثنا اصبح عبارة عن تساؤلات واستفسارات لواقع بات كل شيء فيه متوقع وحاصل بسبب الخلافات الظلامية.
ففي ظل بلد كالعراق الذي ذاق شعبه شتى أنواع القهر والظلم على مدى سنين متواصلة بسبب انعدام الحوار على طاولته وغياب التلاحم، ماذا سيصبح أو ما هو المتوقع من هكذا تركيبة تتشكل في ظل انتهاكات دائمة؟! نعم ... لم نعد نعرف السبيل للفرج ولم نعد نعرف كيف نصف هذا الحال الذي يُغري الموت في أن يبقى فيه؟! حال ينقل الشعب من مرحلة إلى أخرى أقسى ثم إلى مآسي وعصابات تتشكل وتمارس إجرامها بلا ضمير! وبالتأكيد هناك من يريد أن يدوم الحال ويريد أن تبقى الأبواب مفتوحة من أجل أن تهب العواصف كما تشاء وكيفما تريد وحسب ما هو مخطط ومتطلع لها!   
داعش هذا الاسم الذي لا صلة له بأسماء الإنسان، أنه الأنتاج الذي تشكل من صُناع الأرهاب، منذ ظهوره المفاجئ في العراق كان كالآلة يحصد ويحصد ويرمي خلف ظهره، إلى أن وصل إلى نقطة لا يمكن له أن يتجاوزها أو يقترب منها بالأساس ... وهنا توقف وخمدت نيرانه قليلا ولكن ما زال كالبركان الذي في أية لحظة ممكن أن يتفجر بمساعدة صُناعه! فئات لا مأوى لها هائمة في البراري تقتات من تعذيب النفوس ... فئات انتشلت من مستنقعات المياه الآسنة ومن أرض الفساد ... فئات منهمكة في التفكير بالرذيلة وكيف تقتل الفضيلة ... فئات لا وطن لها وتنثر الفساد في الأوطان ... فئات مُسيرة تتبع ما يُرمى لها ... فئات لا صلة لها بالإنسان.   
هل يمكن لمن يُراد أن يقلع من جذوره أن يتفاءل بعد كل ما يتجرعه من ويلات مستمرة؟ متى تنتهي صلاحية صناعة داعش، وماذا بعد المخططات الدموية المتواصلة؟ ماذا يوجد بعد والشعب المسكين لم يُمارس عليه؟! لربما هنالك حسابات أخرى تأتي بعد الفشل الذي يلحق بالأطراف المتعاونة في سبيل المصلحة المرجوة؟! كل شيء واردّ ما زال هناك فساد وغسل للأدمغة ... كل شيء متوقع ما زال الشر هو المحرك والحاكم ... وتبقى الأوضاع المتذبذبة تتأرجح وتأتي بالاسوء تحت سمع وبصر العالم أجمع! 
العراقي القليل الحيلة والذي ما زال الاضطهاد يلحقه وهو في بلده، ماذا سيبقى منه؟ ما الذي يُرجى من إنسان يعيش الفتن الطائفية، مداهمات مستمرة، اختطاف، قتل، تشريد، مساومة، اعتداء، هتك الأعراض، تهميش، صراعات عنصرية، جوع، عطش، حاجة، مرض، سرقة، غياب، تهجير قسري، تصفية، خوف وفزع دائم، فوضى وتدمير، طعم الموت، صوت ودخان المتفجرات، شعور الحرمان، ضعف شعور الانتماء، فقدان المواطنة ..... الخ! أي حياة هي هذه وماذا بقيّ لم يشاهده ويعاصره طوال سنين حياته؟!
شعوب تنهض على دمار شعوب أخرى وموت يصنع من أجل تقليص الحياة! العراقي ما زال في تلك الدائرة يراوح فيها مُجبر! أصبحت أرض الوطن غرفة اختبارات كتلك التي تستعمل من أجل إجراء التجارب الكيمياوية ... هكذا أصبح البلد حقل تجارب والكل يصارع من أجل أن يوصله إلى أبواب الجحيم التي تفتح باعتقادات مريضة وتوجهات خبيثة!
وهذا الشعب نقول أنه شعب عجيب ومسكين تحمل فوق الطاقة وفوق الاحتمال .... ولكن إلى متى يبقى حاله هكذا ينقله ما بين وبين؟ الكل يعرف ما في الخفاء والكل يعمل فيه من أجل أن يظهره بالصورة المراد لها. لا يوجد من يهتم بالإنسان من أجل الإنسان ذاته بل الكل يركض ويتسابق من أجل الحصول على المقسوم وما تهبه هذه الأرض. نتمنى أن تغلق هذه الفجوة التي تبتلع كل ما تصله ونتمنى أن يكون هنالك قرار موحد بشأن كل الأحداث المتسلسلة التي تشل حركة الحياة وتوقفها وترجعها إلى الخلف، ونتمنى كذلك أن يتم ترميم البلد من خلال بناء دولة بعيدة عن الدين والتطرف.   
[/size]

21
  هل من يسمع نداء الأبرياء ؟!
سهى بطرس قوجا 
يمرّ العراق منذ سقوطه في 2003 بظروف استثنائية مفاجئة وخطيرة أخطر من التي سبقتها، تظهر على غفلة كلما اقتضت المصالح والخلافات ظهورها، لتلعب لعبتها وتترك ضحايا ومخلفات يصعب مع الزمن إزالتها أو الانفكاك منها. أنها دائرة يدور بها البلد ولا يعرف له مُستقر أو أين سُيرسى به؟
 فما اصابه مؤخرًا من قبل من يدعون بـ ( الداعش) يفوق التصورات والتخيل، في فترة قياسية تمكنت هذه الجماعات المتطرفة والمهمشة والمرتزقة والمتمثلة بأفراد من جنسيات مختلفة من الدخول وبسط سيطرتها على بعض القرى والبلدات العراقية بعد إن فعلتها في بلاد عربية مجاورة، مستخدمة العنف ومتسترة تحت راية (الله أكبر) والجهاد في سبيله، من دون أي مقاومة تذكر ومن دون أن يكون لأصحاب القرار أي دور أو ردع لهم لأسباب يطول الحديث عنها وفيها! مكتفين بالصمت والمتابعة إلى أين سيوصل المخطط الذي بُورك بموافقة من كان لهم هذا التنظيم مخرجًا لأزماتهم.
مخطط قائم على التضحية وتصفية المكونات المسالمة في بلد طالما عاش الحروب، نساء تسبي وأطفال يموتون جوعًا وعطشًا وعوائل تهجر جماعيًا وهي في بلدها وإجبار على أعتناق دينًا اقصائيًا قائم على القتل والعنف والرذيلة! مخطط كان للمسيحيين والأيزيدين النصيب الأكبر منه ليكونوا ضحايا عقلية متخلفة ومريضة لا تفقه من الدين الذي ينادون به شيئًا .. أبرياء يدفعون ثمن شيئا لم يقترفوه. أي دين ونحن في 2014 يجبر على التخيير ويفرض الاعتناق أو دفع الجزية وترك الأرض التي أتوا منها وتعبوا فيها وكانت معقل أجدادهم لقرون طويلة؟! في العصور الجاهلية كانت هكذا أساليب تمارس وكان للإنسان نصيب من الظلم الممارس، ولكن نحن اليوم لسنا في تلك العصور والإنسان لم يعد ذلك الإنسان! هناك شيء اسمه عبور وانتقال مما كان ليكون فيه بكل افضليته.

مُخطيء من يقول أن الماضي يُعيد نفسه، هو الإنسان من يكرر الأسباب والحالات ويدعوها للمثول في الواقع من خلال فكره الاستبدادي والإجرامي الذي يفيق ويوقظ فيه الشرور لحظة عيشه الضياع والغياب وإعطاء الحق لنفسه بممارسة ما ليس له.

ما يفعله هؤلاء المُدعون الجهاد في سبيل الله ما هو ألا أعتداء وأثم سوف يحاسبون عليه، ففعلهم أقبح من القباحة نفسها وهذا واضح في شكلهم وهيئتم الدالة على الإجرام. لا تهمهم حياة الآخرين ولا حياتهم، هم عنها مستغنين لأنهم يلهثون كالعميان خلف وعد بالجنة وحوريات تستقبلهم! عقول غبية تركض وراء الغيبيات الغير مرئية. هؤلاء الجماعات التكفيرية ما هي ألا صناعة عقول استبدادية عرفت الدين من خلال الأفعال الدموية للبعض ممن ينتهج الوهم ويتبع دينًا قائم على أساس ما يريد ويفسره بصورة خاطئة.
نأسف لبلد نراه يبكي وينزف ويصرخ ولا من مُجيب أو مُعين، له كل شيءٍ ومن أجلها يفعلون المستحيل من أجل نيلها. تعب البلد وتعب الشعب واحتار في مصيره، بلد تحول إلى ساحة حروب وصراعات وهضم للحقوق. ما ذنب هؤلاء الأبرياء جميعهم وما ذنب أرض تتحول إلى مقابر! حكايات تروى وقصص وأحداث لا تنتهي والتاريخ سيكتب الكثير والكثير مما ليس له نهاية مع أننا نأمل أن تكون هنالك نقطة توضع في نهاية الأحداث ... إلى متى يبقى الحال يمضي بالعراقي من سيء إلى أسوء؟! إلى متى يبقى العراقي ضحية انعدام الضمير والإنسانية؟! إلى متى يبقى العراقي ضحية ثروات بلاده؟!
الجميع اليوم مطالبين بإبراز موقفهم المتمثل بإسناد وحماية مكون من عدو لا يرحم ولا يعر ف الله والوقوف بوجهه وقطع مصادر التمويل التي تمول عملياتهم وتمدهم بالمال السلاح ... الجميع معنيين باتخاذ قرار وتحكيم ضميرهم في مصير أبرياء لا ذنب لهم غير انهم مُحبين للسلام وينشدون في سبيله. ويبدو أن أطماع هذه الفئة الهمجية تتصاعد وستأخذ زمام الأمور ممن أولتها الصلاحيات وساعدتها في أن تتطور وتتكاثر بشكل يثير القلق في نفوس العالم أجمع، وإن اصبح الحال على ما هو عليه فإن تيار هؤلاء سيجرف الكل في طريقه .. يكفينا مآسي وتكرار القضايا في زمن وأناس آخرين.
 

22
تاريخ يُكتب بالقلم الأسود والأحمر
[/b][/size]

سهى بطرس قوجا

ما زال الصمت يخيم على الضمير والرأي العام العالمي وما زالت الألسنة قد ضيعت الحق رغم كل ما يشهد به العالم من أحداث تحدث على أرض بلد طالما عاش الحروب والأزمات. أنه العراق البلد ذات التاريخ الكبير والعظيم ولكن تلك العظمة اليوم تضمحل ويحل محلها كل ما هو عارّ على التاريخ!

حسب ما قرأنا في منهج التاريخ في المدارس ، نجد أن الكتب تحدثنا عن تاريخ عريق وفئات من البشر من مختلف الأديان عاشوا أزمانًا طويلة على أرض واحدة بتآخي وتحترم الآخر وتحافظ على بقائه ولم تكن في يوم من الأيام كما هي اليوم مُتناحرة فيما بينها وتذم وتهمش وتضطهد وتقسم وتبعثر من هو للأرض مالكًا. تاريخ أسود يعيشه العراقيين في ظل جماعات تدعي وتنادي بما ليس من حقها .. جماعات تسير في طريق الجهل والإنحراف والظلام ورسمت بالأحمر حرف ( النون) على الجدران! تفعل من أجل الدين ولا نظن بأن هنالك دينًا يدعو للقتل والإرهاب، الدين أيًا كان لم يكن في يوم من الأيام دعوة من أجل إزهاق النفوس وإراقة الدماء، بل الدين رسالة خلاص وسلام كان من أجل أن يكون الإنسان مُسالمًا ويرى الله في الآخر ... ولكن ما نشهده هو عكس ذلك تماما، الإنسانية تمزق وبعض الإنسان يتحول إلى كتلة تخلف ... مع أني لا أحبذ أن أقول ذلك!

كل يوم يمضي على العراق يكون من الهاوية أقرب .. لا يوجد من يسعفه ولا يوجد من ينتشله من الضحالة التي أُسقط فيها! العراق كما يومئ للمتابع، البلد الوحيد الذي يزحف نحو الخلف .. إلى الجهل والتخلف .. إلى زمن العصور البدائية .. إلى واقع يحمل الكثير من الكوارث والمخلفات التي لا تزول بسهولة .. إلى التلوث الفكري والحاضر والمستقبل العقيم .. إلى اعتبار الإنسان أدنى من الحيوان ... إلى إنحلال القيم ! فهل من كل هذا أمل في الإصلاح وهل يمكن النهوض ببلد ممزق من جديد بكل ما يحمله من تراكمات ثقيلة وصورة قاتمة تطبعت في أذهان الأجيال الجديدة؟!
سؤال لابد من أن يجيب عليه كل من يدعي الديمقراطية وهو بعيد عنها وكل من ينتهك باسم الحقوق وكل من يسلب تحت شعار التحرر والحرية وكل من يكسب باسم المسيحيين! لا نعلم متى تنتهي هذه الزوبعة وما الذي سوف تتركه خلفها؟! السيئ دائما يأتي بالاسوء والماضي المرير غالبًا ما يخلف حاضر عقيم ومستقبل مجهول. وأسفًا على بلد حامل الحضارات أن يشوه تاريخه هكذا تشويه أمام العالم بأسره! وأسفًا على شعب يتناقص وعلى بلد يفرغ ويسكن فيه من ليس له وطنًا! إلى أين يُراد الوصول بهذا البلد الجريح  ... لا يتركونه للشفاء؟! يمسكونه بجراحه ويزحفون به إلى نهاية لا يدركونها هم أنفسهم ما هي وكيف ستكون؟! خطط تنفذ من أجل أخرى أبشع، وشعب يذهب من أجل أن يأتي آخر غريب! ويل لوطنًا قُسّم وبِيعَ، وويل لشعب ما زال عن الخفايا جاهل!

والقول لكل من يعتبر نفسه مسؤول مع أن المسؤولية فعل، كفاكم رفع الشعارات والخطابات الزائفة التي لا تخدم غير أنفسكم! سنوات تمضي والحال هو اسوء من قبله .. ما الذي فعلتموه ؟! لا شيء ولن تفعلوا ما زال هناك من يُسيركم ويُملي عليكم ما يريد! قلتم أو لم تقولوا .. فوجود الشيء مثل عدمه ما زالت المصالح هي من توقظ فيكم الشرور ...

23
تاريخ يُكتب بالقلم الأسود والأحمر
سهى بطرس قوجا 

ما زال الصمت يخيم على الضمير والرأي العام العالمي وما زالت الألسنة قد ضيعت الحق رغم كل ما يشهد به العالم من أحداث تحدث على أرض بلد طالما عاش الحروب والأزمات. أنه العراق البلد ذات التاريخ الكبير والعظيم ولكن تلك العظمة اليوم تضمحل ويحل محلها كل ما هو عارّ على التاريخ!

حسب ما قرأنا في منهج التاريخ في المدارس ، نجد أن الكتب تحدثنا عن تاريخ عريق وفئات من البشر من مختلف الأديان عاشوا أزمانًا طويلة على أرض واحدة بتآخي وتحترم الآخر وتحافظ على بقائه ولم تكن في يوم من الأيام كما هي اليوم مُتناحرة فيما بينها وتذم وتهمش وتضطهد وتقسم وتبعثر من هو للأرض مالكًا. تاريخ أسود يعيشه العراقيين في ظل جماعات تدعي وتنادي بما ليس من حقها .. جماعات تسير في طريق الجهل والإنحراف والظلام ورسمت بالأحمر حرف ( النون) على الجدران! تفعل من أجل الدين ولا نظن بأن هنالك دينًا يدعو للقتل والإرهاب، الدين أيًا كان لم يكن في يوم من الأيام دعوة من أجل إزهاق النفوس وإراقة الدماء، بل الدين رسالة خلاص وسلام كان من أجل أن يكون الإنسان مُسالمًا ويرى الله في الآخر ... ولكن ما نشهده هو عكس ذلك تماما، الإنسانية تمزق وبعض الإنسان يتحول إلى كتلة تخلف ... مع أني لا أحبذ أن أقول ذلك!
كل يوم يمضي على العراق يكون من الهاوية أقرب .. لا يوجد من يسعفه ولا يوجد من ينتشله من الضحالة التي أُسقط فيها! العراق كما يومئ للمتابع، البلد الوحيد الذي يزحف نحو الخلف .. إلى الجهل والتخلف .. إلى زمن العصور البدائية .. إلى واقع يحمل الكثير من الكوارث والمخلفات التي لا تزول بسهولة .. إلى التلوث الفكري والحاضر والمستقبل العقيم .. إلى اعتبار الإنسان أدنى من الحيوان ... إلى إنحلال القيم ! فهل من كل هذا أمل في الإصلاح وهل يمكن النهوض ببلد ممزق من جديد بكل ما يحمله من تراكمات ثقيلة وصورة قاتمة تطبعت في أذهان الأجيال الجديدة؟!

سؤال لابد من أن يجيب عليه كل من يدعي الديمقراطية وهو بعيد عنها وكل من ينتهك باسم الحقوق وكل من يسلب تحت شعار التحرر والحرية وكل من يكسب باسم المسيحيين! لا نعلم متى تنتهي هذه الزوبعة وما الذي سوف تتركه خلفها؟! السيئ دائما يأتي بالاسوء والماضي المرير غالبًا ما يخلف حاضر عقيم ومستقبل مجهول. وأسفًا على بلد حامل الحضارات أن يشوه تاريخه هكذا تشويه أمام العالم بأسره! وأسفًا على شعب يتناقص وعلى بلد يفرغ ويسكن فيه من ليس له وطنًا! إلى أين يُراد الوصول بهذا البلد الجريح  ... لا يتركونه للشفاء؟! يمسكونه بجراحه ويزحفون به إلى نهاية لا يدركونها هم أنفسهم ما هي وكيف ستكون؟! خطط تنفذ من أجل أخرى أبشع، وشعب يذهب من أجل أن يأتي آخر غريب! ويل لوطنًا قُسّم وبِيعَ، وويل لشعب ما زال عن الخفايا جاهل!

والقول لكل من يعتبر نفسه مسؤول مع أن المسؤولية فعل، كفاكم رفع الشعارات والخطابات الزائفة التي لا تخدم غير أنفسكم! سنوات تمضي والحال هو اسوء من قبله .. ما الذي فعلتموه ؟! لا شيء ولن تفعلوا ما زال هناك من يُسيركم ويُملي عليكم ما يريد! قلتم أو لم تقولوا .. فوجود الشيء مثل عدمه ما زالت المصالح هي من توقظ فيكم الشرور ...
[/size]

24
المنبر الحر / صدمة بعد صدمة
« في: 03:30 24/07/2014  »
صدمة بعد صدمة
سهى بطرس قوجا


إنجازات العراق من الناحية المأساوية لا تنتهي، فكل يوم تأتي بحلة جديدة ووجه متجدد! مؤامرات تُحاك ومسلسل لا تنتهي أجزاءه، كانت البداية مُفاجئة ومُتقلبة وباتت النهاية ضائعة وبدون معالم! العالم ساكت لا يحرك ساكنًا غير أنه ينتقد الممارسات ويرفع الشعارات التي لا تأتي بأي نتيجة! يستنكرون ويهبّون للتعويضات التي تدخل جيوبهم أولا، يتاجرون بالاسم المسيحي ويبيعون ويقتلون نفوسًا وبثمنها يجعلون أنفسهم من أهل الخير. ينادون باسم الحقوق ويفعلون من أجل الدين وهم في الهلاك منغمسين وفي المعصية تائهين! 

العالم يتغابى على ما يحصل في الموصل وغيرها من المناطق ويغضّ النظر وكأنه اليوم غير قادر على ردع بضعة أنفار يجولون في البلاد يسلبون ويقتلون ويهددون ويطردون من دون رادع أو محاسبة! أم أن ما يحصل اليوم هو حلقة تضاف إلى الأخريات السابقات وتتمة لها ولكن لا نعرف لها نهاية ولا مصير؟! 
لم تعد المسألة من أجل تقسيم بلد فقط، بل أصبحت النوايا أكبر وأبعد من ذلك، أنه التشريد والضياع والزوال الكلي في البقاع، هكذا يعملون من أجل أندثار الشعوب في بلاد غير بلادها، هكذا يحاولون أن يقطعوا أواصرهم من جذورهم في بلد عمقها بعمره، هكذا يحاولون قتل واختزال خير الأرض التي تخرج من رحمها كل أصيل، هكذا يحاولون تحريف التاريخ وتشويهه بالشوائب المترسبة في العقول، هكذا يحاولون جعل الشر قنبلة موقوتة تتفجر كلما تفجرت نفوسهم المريضة والشريرة والخبيثة والعابثة بالحياة! هكذا تتحكم المصالح بالنفوس وتبيعها بأرخص الأثمان وهكذا يدور فلك المجهول في بلد كان ولا يزال يسير في المجهول من قبل مجهولين لا وطن لهم ولا دين. 
 
يقول كارل يونج Carl Jung عالم النفس السويسري، أن: " الشعوب تمرض كما يمرض الفرد، وتعالج كما الفرد، بعضها يشفى وفي فترة النقاهة ينتكس"..

ضياع النفس أشد مرضًا من ضياع العقل والجسد، وما يحصل حاليا في العراق وبحق شعبه المسالم أكبر دليل. المكون المسيحي دائما هو الضحية، هو دوما في مقدمة التطهير العرقي وفي مقدمة المنازعات التي تثور، وكأنه هو الدخيل على الأرض وليس صاحبها كما يشهد ويعترف التاريخ بذلك.
مع الأسف وكل الأسف أن نبصر ونسمع اليوم ما يحصل للمسيحي في بلده من أضطهاد وإذلال وحرمان في الحياة الحرة الكريمة! بصراعاتهم وتسابقهم على القتال يتناسون أن هنالك صدورًا تلتهب وتنفث بالحسرات وتتألم مما تعيشه! ألا يفكرون ...  هذا لو كان لديهم ذرة شعور؟! ماذا لو كان الوضع عكس ما هو عليه ساعة الحدث، كيف سيكون حالهم ومصيرهم وهم في البقاع سائرين لا مأوى لهم ولا وسادة يضعون رأسهم عليها ولا خبز يسدون به رمَّق جوع أطفالهم؟! ولكن ماذا نقول وماذا نفعل إزاء بشر لا يضعون في بالهم غضب الله! والأغرب في تصرفهم أنهم يدعون الإيمان وهم للمعصية عابدين.

المسيحيون الذين يغادرون مدينتهم الموصل مرغمين، كانوا وسيبقون نور الشرق ونسمة دجلة والفرات، وتراث العراق وتاريخه لن يكون ألا بهم ومعهم، هم سيبقون أصحاب الأرض شاء من شاء وأبى من آبى. الحقيقة لا تخفى بالغربال مهما حاول كل من يُحيك المؤمرات، والربّ هو دوما مع المظلومين وينصرهم على الظالمين وإن طال بهم الأمد. ونتمنى الشفاء لبلد يدعى العراق قبل أن يضيع اسمه تدريجيا كما يضيع شعبه ... نتمنى التخفيف من العنصرية والطائفية والتمييز على أساس العرق والدين ... نتمنى أن تكون هنالك مصداقية ومصالحة وصناعة بلد جديد وبدستور جديد ...  نتمنى أن يكون هنالك دور للكفاءات والعقول والمفكرين وأصحاب الضمائر في قيادة البلد وانتشاله من الحضيض الذي هو فيه ....  نتمنى أن تكون هنالك روح وطنية مفعمة ومتجددة تثور من أجل البلد وساكنيه عندما تدق ساعة الخطر ... نتمنى ونتمنى ولابد للأمنيات من أن تتحقق.

25
البطريرك مار لويس روفائيل الاول ساكو:
 لماذا لا يكون لنا شيء منتشر في العالم كله؟!
سهى بطرس قوجا

بتاريخ 16 من حزيران 2014 تشرفت مطرانية مار توما الرسول وإذاعة صوت الكلدان في ديترويت باللقاء المباشر مع غبطة أبينا البطريرك الجليل مار لويس روفائيل الاول ساكو والأساقفة الاجلاء المرافقين له، في محاضرة حضرها جموع غفيرة من أبناء الجالية المتواجدين في بلاد المهجر. تمحورت المحاضرة حول محاور مهمة تمثلت بـ : الرابطة الكلدانية، مستقبل الكنيسة الكلدانية في العراق وبلدان العالم، العمل القومي، الأعلام.


ابتدأت المحاضرة بترحيب حار بسيادة البطريرك والوفد المرافق له وبالحضور الكرام من قبل الأخ فوزي دلي، ثم دعاه لتقديم محاضرته التي بدأها بتبادل الصلاة من أجل الشهداء مع الجموع الحاضرة. بعدها بدأ الحديث فيها من قبل غبطة أبينا البطريرك حول المحاور المهمة المطروحة والمثيرة للجدل والاستفسار، وقد كانت غنية وموفقة وفيها تفاعل ومشاركة وتبادل للآراء. وسنذكر بشيء من الاختصار بعض مما ذكره أبينا البطريرك حول تلك المحاور ورؤيته الصائبة لها من خلال خبرته وقراءته للواقع.

بشأن العمل القومي والهوية ودور رجال الدين:

لكل شعب هوية يعرف بها ولا يمكن إنكار ذلك أو ألغاءه أو تزويره، لأن هناك تاريخ وحضارة وجيل وفعل شاهد على ذلك، هناك مكان واسم ينسب لذلك الشعب ولا غنى للواحد عن الآخر أو بديل أو تحريف.
قال غبطته موضحًا: اصبح هناك نوع من العصبية في الجانب القومي ، قومية معينة تفرض وجودها وتلغي الأخرى، وليس هذا المهم ... المهم كل واحد يعرف قوميته وانتمائه، ولن يأتي أحد من خارج المحيط ليقول لك أن تنتمي لهذا البلد أو أنت قوميتك كذلك؟! يكفيك أنتَ علمًا. 
والهوية القومية ليست فقط المناداة بها بدون علم مضمونها والهدف من خصوصيتها! الهوية لسنا نحن من ينادى بها كما يطالبنا البعض، أنه ليس عملنا نحن رجال الدين، نحن ليس مجالنا القومية والسياسة وإقحام نفسنا في مهام هي بعيدة تماما عن المهمة الدينية والإيمانية، هناك قوانين تمنعنا من الانخراط في العمل الحزبي. هذه مهمة العلمانين: إبراز هويتهم والمناداة بقوميتهم والدفاع عنها. إذن هناك خصوصية ولا يجوز عبورها أو تجاوزها.

  وبخصوص الكنيسة ومستقبلها قال فيها:
 
لا تطالبوا الكنيسة أن تتحول إلى منبر تنادى من خلاله بأمور هي بعيدة عن مهامها، لا يجوز استغلال الكنيسة. 
الكنيسة الكلدانية هي كنيسة المشرق، كنيسة يسوع المسيح: واحدة، جامعة، رسولية. ولأسباب كثيرة خلال التاريخ منها أسباب شخصية وسياسية وثقافية وقبلية، كنيستنا انقسمت! ولكن نحن ككلدان لنا أكثر من 500 سنة تاريخ كبير ونحن نمثل قوة وعددا وكمؤسسات ككنيسة كاثوليكة، ونحن لسنا نادمين على أننا اصبحنا كاثوليك، المهم ككنيسة كاثوليكية هي قوة روحية وصمام أمان وتواصل. 
وككنيسة نحتاج الى فكر وروحية، الكنيسة لا تتقدم بدون فكر وأيضا فكر لا يكفي بدون روح الله ( الروحية)،الكنيسة لابد من أن تبقى حرة ومستقلة لكي تستطيع ان تقول كلمة الحق، وإن كان عكس ذلك وأصبحت جزء من السياسة فهي منتهية! لنكن فقراء ولكن أحرار، الكنيسة لها صوت ولا يجب ان يخنق.
 
أما عن فكرة تأسيس الرابطة الكلدانية التي اقترحها غبطته في وقت سابق:
 
الرابطة منذ أن أعلن عنها كانت هناك ردات فعل جاءت على شكل كتابات تحليلية تسأل وتستفسر عن بنودها والأهداف التي وردت فيها، من أجل تبقى راسخة ومتماسكة ومستمرة في عملها الذي من أجله ستوجد. هي أكيد جاءت بعد تفكير ودراسة للأمور وتحليل للواقع ونأمل ان يكون لها صداها وفعلها ونهوضها في المستقبل.
وغبطته قال فيها: الرابطة أراها ضرورة مصيرية، هي ليست حزب سياسي بل هي تنظيم اجتماعي، مدني، إنساني، ثقافي، أدبي، اقتصادي، تتشكل أساسًا من النخبة المثقفة والفكرية والاجتماعية. هي تنظيم دولي منفتح تدعم كافة المسيحيين في داخل العراق وخارجه. فلما لا يكون للكلدان شيء كما هي الرابطة السريانية والرابطة المارونية والاتحاد الاشوري العالمي. الشعب بحاجة الى تنظيم، بحاجة الى تعاون وتوحيد الكلدان مع السريان والاشوريين كما هو الشعب التركماني لديهم عدة أحزاب ولكن جميعها تكون جبهة تركمانية. ونحن وضعنا لها بعض الأفكار ولكن نرحب بالأفكار الأخرى والاقتراحات العملية  وإن اختلفت، والتي ستجد طريقها إلى السينودس الكلداني القادم للوقوف عندها ومناقشتها. نريد شيء فكري وعملي يأخذ طريقه الصائب في التطبيق العملي.
وبالنسبة للاسم فقد سميت الرابطة بــ "الرابطة الكلدانية" لان الكنيسة كلدانية ولا شيء آخر. ونحن الكلدان الوحيدين الذين ليس لدينا تنظيم يوازي الآخرين الذين لديهم توجه مدني، فالرابطة ليست قومية بالمعنى القومي المطلق، هي رابطة مدنية، ثقافية واجتماعية، ونحن نعيش الواقع كما هو وليس واقع نظريات، ومن يرغب بالانضمام فنحن نرحب به بشرط اساسي أن لا يكون حزبي لان الاحزاب لديهم أجندة ولا نريد للرابطة ان توجه لأحزابهم وبعدها تلاقي الفشل.
كما أكد غبطته على نقطة مهمة في المحاضرة وهي دور الأعلام في نجاح فكرة الرابطة، حيث سيعطي لها ابعادها وصداها في العالم وتكون المحطة التي يصب فيها الخير للجميع.
الرابطة هي جسر متين يمتد على امتداد الحق وتعزيز للعلاقات، هي حلم يأمل تحقيقه وهي أمل وهدف يسعى من خلالها إلى تقديم خدمات بناءة تهدف إلى بناء الكيان المسيحيي ولملمته من البعثرة. ونأمل أن تكون ولادتها ولادة فيها المكسب والاستحقاق، تساعد وتقدم الكثير وهذا لن يتم بشكله الكلي ما لم تتوحد الأفكار والجهود المتجددة والبعيدة عن أخرى تشكلت وتطبعت مع الزمن.
البطريرك الجليل تكلم بصيغة الجمع وأجمع أن يكون لنا شيء في العالم كله نحن الكلدان، طموحه وأمله ليس فقط محدد ضمن حدود بلادنا، كون المسيحيين وخصوصا الكلدان باتوا منتشرين في مختلف بقاع العالم، وبات من الأجدر التفكير في كل ما هو للمستقبل قائم ودائم إدامة أبدية. يريد غبطته قاعدة صخرية يكتب عليها الاسم الكلداني.
وبعد انتهاء المحاضرة وختامها ببعض الاسئلة التي طرحت من قبل الحاضرين،
ختمها غبطته بعبارة جميلة صفق لها الحاضرين وهي:"  وتبقى كنيستنا قوية وشاهدة للمسيح ".
لا يسعنا في ختام الحديث غير أن نشكر غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الاول ساكو المحترم عن تلك المحاضرة القيمة التي شاركنا بها، وعن كل مبادرة وفكرة تنصب في الصالح والخير العام، كما نخص بالشكر الكبير لكل من أبرشية مار توما الرسول وكادر إذاعة صوت الكلدان لجميع الجهود المبذولة والمبادرات التي يقومون بها من أجل الصالح العام وصالح شعبنا الكلداني ورفع شأنه واسمه من خلالهم. كما نخص بالشكر الأخ العزيز ساهر يلدو لرفدنا بالصور المأخوذة بعدسته في المحاضرة.

ملاحظة/ العنوان مقتبس من حديث البطريرك الجليل خلال اللقاء الذي تم معه بتاريخ 14 حزيران 2014 في اذاعة صوت الكلدان / ديترويت، والذي حاوره الأخ فوزي دلي المحترم. 

26
رحل ولم يرحل ولن يرحل
سهى بطرس قوجا
تبقى الحياة تنبض بكل ما فيها، ولكن هل كل ما ينبض عليها باقيٌّ؟! بالتأكيد لكل ما يحيا عليها نهاية تكتب بحروف من الألم وإن أختلفت النهايات وتعددت أسبابها، لكن يبقى أصعبها وأشدها مرارة ما يُكتب على غفلة من الزمن وطيش من القدر! بالأمس كانوا ها هنا واليوم هم في طرقات البُعد راحلين لا عين تبصرهم ولا أذن تسمعهم، فقط قلبًا يحنّ لهم وينشد بأسمهم ويلمحّ شمس الصباح في كل يوم تشرق على جدران مسكنهم وتُحييّ الزهر الذي يستمد الحياة ممن كانوا كل الحياة ولا زالوا وسيبقون.
كانوا يسألون عن الرحيل والفراق وما بينهما من اشتياق وحنين، وكيف يكونان؟! ولكن ما من ردّ على السؤال، ألا بعد حين حينما أشار القدر بأصبعهِ الشؤم على ذلك الغصن اليافع وحكم عليهِ حكم نهائي، قائلاً بأن:" الحياة قررت أن توقف نبضها فيك"! فكان الرحيل ورائحة الفراق عالق بأذيالهِ والحنين والشوق يؤخز القلب .... غريبة هي الأمور؟!
حينما تستهويك فكرة أن تزرع بذرة صغيرة في حديقة بيتك، ومن ثم تسقيها كل يوم وتعتني بها لتراها بعد ذلك قد خرجت للحياة وكبرت وتكبر عن كل يوم يمضي عليها، ألا تشعر بأنك قد فعلت شيئًا عظيمًا وأنت تراقب وريقاتها الصغيرة تخرج بتحدي من بين ذرات التراب ومن ثم تشمخ في فضاء الحياة لتُعطي زهرها وثمرها؟ فما بالك بإنسان حين تعطيه كل اهتمامك وحنانك ويصبح هو التعود الجميل في سنينك، والعطر الزكي في أيامك، وبعد ذلك يذهب ذلك التعود ويجف ذلك العطر ويغيب ذلك الوجه عن البصر؟! زهرة كانت ما تزال تتفتح للحياة لتنشر عبقها فيها ولكن القدر كان مُبكرًا في قدومهِ وقطفها هو ورحل بها!
ها هو القدر لعب لعبتهِ الماكرة بإتقان وتفنن، لا سلطة لنْا عليه ولا منبّه يحمل ليرن ويُعلم بقدومهِ! لكنهُ أناني وماكر حينما يأتي على غفلة ليسرق ويرحل بما ليس لهُ! أنهُ بعد أن يسرق، يقتل كذلك ويُدمي النفوس إلى ما لا نهاية، أنهُ فعلها وسيفعلها حينما تأتيه رغبة الانتقام في أية لحظة.
نعم، لحظة حمقاء أقبلت وقلبت جميع الموازين وجعلت الشمس في شروقها وغروبها تلفح النفوس بالحرمان والألم والحسرة والغربة والفراق القادم من صمت الأيام، وتجعل العين تبصر واقعًا مريرًا وهي تذهب يمينًا وشمالاً تبحث عمن تريد رؤيتهم، علهّا تلمحهم قادمين أو جالسين في مكانهم المعهود! تنادي باسمهم بعلوّ صوتك ولكن لا تسمع غير صداه يفجر حصن فكرك حينما يصطدم بالحقيقة، وهي أنهم بالأمس كانوا هنا واليوم لا يوجد منهم غير الذكرى التي تدق ناقوسها الحزين.
رحلوا ولم يرحلوا ولن يرحلوا، وإن كانت العين قد أرهقها الدمع ولم تذرفهُ فإن القلب ما زال ينزف مرارًا وتكرارًا من أجلهم، أنهم يبقون كل ما في الحياة، يبقون اللحن الخالد فيها. 
ضيف تكون في الحياة ولابدّ في يوم من الأيام أن تغادر الحياة باستعداد أو بدونهِ، ولكن يبقى صعبًا الرحيل باختلافه، تبقى به ومن دونهم مكسور الجناح، ضائع وتائه، الاستغراب يلبسك والدهشة توقظك والتساؤلات تأكل أفكارك والحيرة تضيعك في متاهات لا باب لها! كيف كانوا بالأمس نجمًا يُضيء سماءك واليوم ذكراهم جمرّ يشتعل في القلب؟!
أنهُ زمانًا يلبسهُ الغدر حينما يلتم لُؤم البشر، ليخرج خنجره ويضربه بمنْ الحياة تنبض به، كما تجرأ ومدّ خنجره ليقطع غصنًا يافعًا من شجرة ممدودة أغصانها تحت السماء! ولكن كما قلنا يبقى القدر وتكون مشيئة الربّ. كما هو المطر في قدومه في الصيف حينما يهطل بزغاته، ليخبرنا أن سقوطهِ ليس شرطًا أن يكون في الشتاء أو الربيع وحتى الخريف، وليخبرنا كذلك أن الحياة هي نابضة بكل من فوقها وتحتها وبه تحيا وإليهِ حاجتها، وهي هكذا مُستمرة.
 للعمر بقية وللحلم بقية ولــ من ( رحل ) ذكراهُ التي هي ساكنة الوجود وساكنة الحروف، رحلت نعم ولكنك لم ترحل ولن ترحل ما زال نبض الحياة يُحييني. 


27
 
الهجرة وانعكاساتها على الداخل
[/size]
سهى بطرس قوجا

الأحداث ما زالت في بلدنا مُتأرجحة ومُتقلبة ومن حال إلى آخر أدنى مستوى، بما فيها الهجرة التي ما زالت مستمرة بشكل يثير القلق! هذه الهجرة المتدفقة إلى المجهول تأثيراتها عديدة الجوانب تطال البلد المهاجر منها وإليهِ على السواء، كما وتعتبر المصدر الوحيد للتغيير السكاني الذي بدوره يؤثر على البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.   
 الهجرة دائمًا نتحدث عنها ونبحث عن أسبابها ولابدّ من هذا لأنها ظاهرة خطيرة تغزو البلاد التي فيها من التشتت والتمزق والتهميش والضياع الكثير، لتزيد من ألم الجراح وتبقيها على حالها بدون علاج! وهي ليست ظاهرة بجديدة في بلدنا العراق، كانت موجودة من قبل ولكنها ليست مثلما هي اليوم مُتزايدة بشكل كبير، دوافعها على أختلاف الزمن هي التي اختلفت وأصبحت غريبة ومُثيرة للقلق وللخوف، بسبب تزايد أعدادها وأشكالها وأسبابها وتداعياتها بحيث باتتْ تشكل خطرًا يُهددّ الوجود السكاني في أراضيهم من الزوال والاضمحلال ثم الاختفاء المُفاجئ!
وربما قائل سيقول من خارج مُحيط الأحداث أن الحياة مُستمرة في المدارس والجامعات وأماكن العمل، وهنالك بعض التغيرات العمرانية، مع أقامة بعض المراكز الخدمية في بعض المناطق، وربما لا يوجد ما يثير كل هذا القلق في النفوس والهجرة منهُ؟! نعم الحياة مُستمرة وهناك بعض التغيير الطفيف الحاصل، ولكن هنالك ما يُرافقها بشكل خافيّ وهو الخوف من المخفيّ المُمكن أن يحصل في أية لحظة وعلى غفلة، فلم يعد هنالك أمان ومسؤولية وضوابط توضع لكي تكون هي الضابطة لكل حدثًا! تلك وحدة المصير والعيش المشترك والتلاحم الأخوي بين مُختلف الأطياف، أصبحت تضمحل تدريجيًا وتلغي في قاموس الكثيرين كون ذلك العام أصبح خاصًا، وهذا الخاص أصبح خاصًا لذاتهِ!   
نعم هذا هو واقع الحال، وهذا هو الحاصل وهذا ما آلت إليه الأمور، وهذه الهجرة الخطيرة باتتْ تشكل نقمةٍ ونعمةٍ! لأنها شملت هجرة الشباب بُنيان المستقبل وهجرة الخبرات والمهارات والمثقفين وخيرة العقول والكفاءات من أطباء وأساتذة وعلماء ...الخ. باتتْ خطر يهدد اللغة والهوية والتواجد والأصالة والتراث، وباب يدخل منهُ من يشاء جالبًا معهُ زوابعّهِ وأعاصيرهِ تعصف بما يصادفها، متى تشاء وكيفما تريد! وهذه الهجرة هي للبعض رحمة لتحقيق ما يرمون إليهِ، طبعًا لأنهُ كلما قلّ عدد الجالسين على مائدة الطعام شبع الحاضرين الباقين وفاضّ عنهم! ومن جانب آخر هي نقمة للمُهاجر نفسهُ لأن ما ينتظره خارج بلده من مجهول أسوء بكثير مما شهدهُ في بلده من ضياع وتشتت وغربة وحاجة.
 نقول للأسف ذاك البيت ما زال يُفرغ من أناسهِ فردًا بعد فرد بين الحين والآخر وبصورة مُتوالية! ترى ما الحل لهُ وكيف يمكن أخبارهم أن أرض أجدادهم بحاجة إليهم، بحاجة إلى يدٍّ تُغرس في أعماقها لتُبقيها خضراء وتُخرج منها أطيب الثمار؟! كيف السبيل إلى إقناع الأبناء أن آباءهم بحاجة إليهم في كهولتهم؟! كيف يمكن أخبار الأبناء (أرث الأجداد) بأن أرثكم من أجدادكم سوف يُسلب ويُنهب ويُعطي للغير في غيابكم عنهُ، وستأتون يومًا للديار ولنْ تجدوا من يفتح لكم بابًا أو تدخلوا أرضًا كانت في يومًا من الأيام تُدعى وطني وتربتي وأمي وبستاني!     
هذا ما تفعلهُ الظروف السيئة التي تمطر بلدًا، وهذا ما تفعله الهجرة المُتواصلة وهذا ما يفعله البعد والفراق عن الديار وهذا ما تفعلهُ الحروب والنزاعات المُتتالية وسقف المصالح واضطراباتها، لكن بالنسبة للمُهاجر ما باليد حيلة عندما تضيق الأفق أمامهُ وتتدنىّ سبّل العيش ويفقد الأمل والأمان، فما يكون منهم غير الرحيل بعيدًا إلى مكان أكثر دفئًا وأمانًا واستقرارًا وفيهِ من ضرورات الحياة مُتوفرة والحقوق مُصانة والكرامات محفوظة ولا تُداسّ!
يبقى أن نقول بأنه يجب وضع هذه الظاهرة في الاعتبار ولابد من تضييق الحدود عليها قدر المُستطاع وقطع الطرق عنها، لأنها وأن استمرت بشكلها هذا سوف تضحى الديار فارغة مُستقبلا وسوف يعطي المجال والحرية للعاصفة الصفراء أن تغزو قُرانا رويدًا رويدًا وتُغير من معالمها لكي تضيع ملامحها ولا تُعرف فيما بعد وتصبح غريبة ومشوهة. وهذا لنْ يتم ألا من الشباب قوة المجتمعات أنفسهم، وإقناعهم بهذا من ذاتهم، وهذا في زاوية ما بصراحة صعب الحدوث نوعًا ما لأنهُ مثلما قلنا الظرف هو من يحكم ويرغب ويريد كما أن للانفتاح والثقافات الجديدة دورها الفعال والشامل في هذا! 
والهجرة وإن استمرت بشكلها هذا فهي ضربة قاضية مُوجهة لصميم وجود ومستقبل أرض، فلابد من أيجاد نظرة مُوحدة ومُتكاملة وجدية تنظر للحياة البشرية واحترامها بروح الانفتاح والمشاركة الجماعية دون اعتبار لأية خلفية أو خاصية من أجل أرض واحدة تجمعها لغة وثقافة وكيان واحدٍ مُوحدٍ.   

28
المنبر الحر / فرحة الفصح
« في: 19:10 18/04/2014  »
فرحة الفصح
سهى بطرس قوجا

كما تنبثق الحياة من بذرة زهرة الأستر Aster الغافية بين ذرات التراب، كذلك كان شعاع نور الحياة ينبثق من موت المسيح الجسدي على الصليب، كان كذلك لتتم النبوءة ويتحقق الرجاء بفرحة العبور إلى الحياة الروحية المانحة البركة والمحبة والوحدة، أنها الحياة الجديدة التي أرادها الربُّ للإنسان، أنها هبة واهبة ولابد من تقبلها وصونها بنفس الدرجة الممنوحة وأكثر.
عناية وقوة الربَّ لا حدود لهما، فقد عمل الربُّ منذ أن خلق آدم وحواء على المحافظة على شعبه وإدامته، كل الشر الذي كان يصنعه يحوله إلى خير من أجله لأنه ببساطة يحبه ويريد له كل أفضل وأي حبّ أعظم من هذا المقرون بالصبر والتسامح والتوبة؟! والكتاب المقدس بعهده القديم فيه أدلة كثيرة تثبت أن عناية الربّ وخلاصه لا حدود لهما، كما نقرأ في سفر أسْتِير الملكة ( 1 – 10 ) زوجة الملك أحشويروش، التي صبرت وسعتْ من أجل إنقاذ قومها من الهلاك والقتل الذي كان مستشار الملك هامان يريده لهم، كان يسعى من أجل أبادتهم والتخلص منهم ولكن هي باستغاثتها من الربّ وبحكمتها وتحملها الصوم ثلاثة أيام ليلاً ونهارًا ( أستير 4 : 16 – 17 ) جعلت كل ما كان يخطط له ينقلب ضده وجعلت حكم الإعدام يصدر من الملك أحشويروش بحقه جزاء الشر الذي كان يضمره ( أستير 7 : 5- 10 ).     
نتعلم من سفر أسْتير أن إرادة الربّ فوق أي إرادة ونتعلم من يسوع المسيح أنه بالصبر والتحمل والثبات في إرادة الربّ هي من تجعلنا دائمًا متأهبين لنيل الحياة الأبدية. كل من يبحث عن الجديد في الحياة الروحية لابد من يُميت ذاته عن الاهتمامات الأرضية، كل مؤمن حق يريد أن يلبس الجديد لابد من أن يبحث عن ذلك المسيح المصلوب على الصليب، ذلك الذي رفع من أجل النهوض من رقاد الأرضي والعبور إلى السماوي الأبدي.
ضع دومًا بين عينيك وعلى شفتيك قول الربّ:" قد محوت كغيمٍ ذنوبك وكسحابةٍ خطاياك. أرجع إليّ لأني فديتك" ( أش 44 : 22 ) يدعونا الربّ إلى العودة إليه فبابه مفتوحٌ دومًا، لا يهم ما فعلت بقدر ما هو مهم عودتك بقلب تائب وعبورك من الذي كنت فيه إلى حياة القداسة التي يتمناها الربّ لكل سالكي طرقه. صليب المسيح كل عام يرفع من أجل أن يعلم جميع المؤمنين أن أبن الإنسان قد جاء طالبًا خلاص كل ما يهلك فلنتمسك به من أجل نيل الأبدية.
 

29
المنبر الحر / الشعور بالانتماء
« في: 02:50 29/03/2014  »
الشعور بالانتماء
سهى بطرس قوجا

كما لكل زهرة في الحياة بستانها الخاص الذي تنتمي إليهِ وتحسُ فيها بالأمان، كذلك لكل إنسان انتماء خاص لأرض ما مُرتبط بها روحيًا وفكريًا ولكن قد لا يشعر فيها بالأمان ... كيف!
أنت غصن من هذه الشجرة، تنتمي إلى هذه العائلة وتُلقب بها، أنك أيضًا وجدت في أرض تنتمي إليها وتتسمىّ باسمها ويُكتب اسمها في أوراقك أينما حللت وتُعرف بها، فالانتماء شعور غريزي ولدت وتربيت عليه، ومثلما تعرف بأنك تنتمي إلى هذه العائلة فكذلك يكون انتمائك لأرضك وتربتك التي جبلت منها وارتبطت بها ارتباط أبدي روحي ومُقدس. لكن في ظل ما تمطرهُ سحب السماء المُتشكلة من كل مما على تلك الأرض ذاتها، قد يُضعف هذا الشعور ويخنقه ويجعلهُ يضمحل ويتلاشىّ ويصبح غريبًا عن ديارهِ ويذهب بعيدًا في الأصقاع حيث ضياع الهوية واندثار اللغة وضعف الولاء وعدم الإرساء على أعتاب وطنًا! نعم ننتمي لإرضًا ولكن فيها قد لا نشعر بالأمان والاطمئنان، مما يحملنا على القلق والخوف والحيرة والتشتت من القادم المجهول واهتزاز الأرض من تحت أقدامنا وعدم المقدرة على ترسيخ الثبوت! 
من مِنَ البشر لا يتمنى أن يكون في أرضهِ راسخ كما هو كل شيءٍ راسخ؟! ولكن هذا الرسوخ يأتي من يقلعهُ من جذورهِ ويرميه بعيدًا في تربة أخرى ليثبت فيها وينمو ويكبر، لكن بشعور اللانتماء وإن كان مُنتميًا! بمعنى قد يرتبط بتلك الأرض ولكن ولا يمكن أن تكون في يوم من الأيام لهُ، كونها احتوته فقط ولم تولدهُ والفرق كبير بين أن تكون صاحب أرض وأن تكون ضيفًا ولاجئًا، أن تكون فرعًا بدل أن تكون الأصل! 
اليوم هذا الضعف بالانتماء واضح كثيرًا وأصبح يُتعب ويُرهق ولكن ليس الجميع، هنالك من لا يزال مُنتمي وهناك من يُريد أن يقتل هذا الانتماء بأي شكل من الأشكال، أنها دائرة المصالح والبقاء للأقوى التي تدور دورتها لتُحيط بالكل وإن كان رافضًا! وهذا ليس غريبًا في بلدٍ تمزقهُ الحروب والصراعات والتفرقة والعنصرية والتعصب المُقيت.
كثير من شباب اليوم المُغترب يُعاني من مشكلة ضعف الشعور بالانتماء، وهذا لا لومَّ فيهِ عليهم، كونهم وجدوا أنفسهم في واقع مختلف عن واقع أتوا منهُ قد أبصروه وقد لم يبصروهُ! نعم فئات كثيرة لملمّت ما تبقى من أشلاء وغادرت إلى حيث ما تتطلبهُ والمفقود في ديارهم! وهذا الضعف بالشعور تولد من السلبية لكل ما هو قائم والانقياد الأعمىّ، ومن اللامبالاة بالحياة وبالكيان الواحد ومن عدم تحمل المسؤولية! أصبح مصير وجود شعبًا اليوم في بلد مثل العراق متوقف تمامًا على حبات الرمل الصغيرة الناعمة والدقيقة الموجودة في أحدى بُصيلات الساعة الرملية التي كانت تستخدم في زمانًا ما، تتقطر حبةٍ حبة إلى أن تنتهي بالانتظار، يبدأ العدّ التنازلي لهذه الحبات وهي توقع نفسها في البُصيلة الثانية من أجل الانتهاء التدريجي! هكذا أصبح الواقع اليوم، الوجود في اضمحلال والأرض في انكماش والأغلبية مشغولين بأمور أخرى مع علمهم بهذا ... ولكن لا نفع للكلام ما زال أن لا أذن تسمعهُ ولا يدّ تنفذهُ؟! يرفعون الرايات وينادون بالحقوق ولكن أين هي من الواقع الفعلي؟! تبقى مجرد شكليات وقتية من أجل أعلان الفعل الميت، أنها مجرد طريق تؤدي إلى آخر في الحسابات!
الانتماء هو إحساسك وشعورك ووجدانك، هو التأثر الإيجابي بمختلف الأحداث والمتغيرات التي ترافق بلد مُنهك وليس العكس، أن تكون منتمي بمعنى أن تعرف كيف ترفع من شأن بلد وكيف توحد الكلمة وكيف تقوي التوجه وكيف تغرز وتعزز هذا الشعور في الآخر؟ خدمة الأوطان لا تكون بالكلام والتنافس بل هي بالوعي وتقوية وتعزيز الموقف وتأهيل كيان من أجل النهوض، هكذا تُبنىّ الأوطان وهكذا يكون الانتماء بالبذل من الأعماق.
 ويبقى أن نقول:
ـــ أن الأرض هي الأم الحقيقية، أم الكل، هي من نعمنا بخيراتها وهي من رأتنا منابع الحنان والجمال الحقيقي، وهي أول من تحملنا الذكريات إليها.
ـــ يبقى الحبَّ والإخلاص والدفاع والاعتزاز والولاء غريزة ولدت في الإنسان للحفاظ على بيتهِ ووطنهِ حتى وإن كان بعيدًا عنها بُعد قارة عن أخرى.
 ــــ يبقى هذا الشعور وهذه الغريزة تجري في عروق كل غيور مُقيد بحبَّ وطنًا وتجعلهُ ساعة الساعة كالأسد المُتربص لفريستهِ لينقض عليها.
ــــ يبقى الوطن والأرض تلك الزهرة الجميلة المستلقية على سفح جبل، ويبقى الإنسان كالنحلة التي تمتص الرحيق منها، لا استغناء لهُ عنها ولا نهوض لها ألا به.
ــــ يبقى اسم العراق لا يتغنى به من دون عراقييه. 

30
 
فاعلية عمل المرأة في الإعلام
 سهى بطرس قوجا

كانت وما تزال المرأة تؤدي دورها بفعالية من أجل ترسيخ وتثبت وجودها والتعريف بكيانها كعنصر فعال يساهم مساهمة جادة وبناءة في نشر الوعي الثقافي والفكري والارتقاء بالمستويات من أجل مواكبة عجلة الحياة والسير معها وتحديثها ومن أجل ترميم مختلف السلبيات التي تظهر بين الحين والأخر نتيجة تراكم فكري قادم من مغالطة الكثير من السلوكيات أو القادم من تحوير الكثير الناتج من الإنسان نفسه، أنه يفتعله ويخلقه ومن ثم يمارسه لينبذه بطريقته!
لا ننكر مدى الزامية أن تتواجد المرأة في مختلف مجالات الحياة كونه يعتبر من صميم الحقائق وحقيقة موضوعية لا تكتمل بدون هذا الكيان الذي ما زال ينظر إليه نظرة قاصرة وغير مسؤولة من قبل فئة يعتبرها لحد هذا اليوم بحاجة إلى مرافق ليس من أجل الحماية بل من أجل المراقبة والمتابعة ومن ثم العقاب بإسلوبه الخاص!
والمرأة اليوم غير ما كانت عليه بالأمس شاركت في الكثير وأثبتت وجودها في الأكثر ولكن ما زالت تحد خطواتها العراقيل التي يراد لها الديمومة. هي تواصل وتستمر وتؤدي لكن ما زالت بحاجة إلى الأكثر من أجل أن تتنفس بفضائها وتتحدث وتعمل وخصوصًا في مجال الإعلام الذي له دور بارز وريادي في مختلف التغيرات المصاحبة للنهوض بالشعوب كونه اللسان الناطق بكل حدث وخبر وحقيقة. أصبح الإعلام يتفاعل ويتأثر فكريًا وثقافيًا وسلوكيًا وأصبح ذلك المشترك الذي يدور في فلك الحياة من أجل التقريب والإيصال والاتصال والانفتاح.
نتتبع الإعلام ونرى كيف هو وعيَّ المرأة فيه سواء إن كان في المسموع أو المقروء، أنها تثبت جدارتها وتؤدي رسالتها ولكن هنالك دائما معارضة لمشاركتها مهما كانت. مجتمعنا بحكم الموروث الذي تربى عليه غالبًا ما يحاول أن يضع المرأة في قالب الممنوع، يحاول أن يرسم في ذهن الأجيال صورة أو خارطة لهذا الكيان، لا أقول من الرجل نفسه بل المرأة الخاضعة نفسها كذلك والقليلة الوعي من خلال ما تورثه وتسوده لاحقا في الأذهان!
أنه أمر متوارث مع الأسف وصورة راسخة لا تقبل بغير ما يراد لها وهذا هو العيب في مجتمعاتنا وفي العقول التي تريد أن تبقى الإنسان في مكانه لا يواكب تطور المجتمعات الأخرى، وإن واكب بجزئية فأنه سوف يفهمها بطريقة خاطئة ويمارسها بطريقة أفضع من منطلق إدراكه واستيعابه للمرغوب الذي يجعله ممنوع! لذلك نجد الكثير من السلوكيات السلبية في الحياة التي يأتي بها الإنسان ومن ثم يذمها عندما يرى غيره يفتعلها ويمارسها! أنه النقيض الذي يفتعل من أجل أن تمارسه فئة ويمنع عن فئة أخرى ومن ثم ينتقد بحجة عدم الخروج من منطقة الهامش الواقعي والاجتماعي الذي يشوه من خلال ترسيخ هكذا مفاهيم في عقليات. وقد تكون إجبارية وهذا ما دارج عند الكثيرين الذين تطبعت في أذهانهم أن المرأة ممنوع وإن الرجل مرغوب! يحاولون خلق مجتمع ذكوري بحت حتى إن الكثير من النساء في زمننا الحاضر لا يقل فعلهنْ وكلامهنْ وألفاظهنْ عن الكثير من الرجال بسبب هذا الاندماج القوي في ظل محيط مغلق.     
نريد للمرأة أن تكون أكثر وعيًا وأكثر استيعابا لكل ما يدور في الحياة وإن تعطي لكيانها مكانته من خلال تصحيح الكثير من المغالطات التي تطبعت مع الزمن في الدواخل وفي الممارسات، نريد منها أن تعطي الأمور أبعادها ومساحتها الحقيقية حتى وإن واجهت المصاعب.
 ونعلم أن دور وعمل المرأة في مختلف مجالات الحياة بحكم ضئالته يأتي بنتائج ملموسة ومتصاعدة ولكن لابد من دعمه وإسناده أكثر حتى يأخذ مساحته المعقولة. المرأة تعمل وتكد وتجتهد وأكثر ما تجتهد نتمنى أن يكون في الإعلام، الذي يعتبر الصوت الناطق بالحقوق ورسالة إيجابية تلقيها عندما تظهر على شاشات التلفاز وعندما يُسمع صوتها في المذياع وهي تتحدث وتنقل ما يدور في العالم وتصوغ ما في واقع الحياة من نظرتها المشتركة، أنها من خلال فاعليتها تساهم في كسر الجمود وتقول من خلال مشاركتها أن الحياة هي مشاركة وتكامل، هو تصحيح للكثير مما هو ماضي في دروب الحياة.
هناك شيء اسمه تنشئة ثقافية الذي يكتسب من البيت والمدرسة ومن ثم المجتمع، هذا ( المجتمع) الذي يشكل خطورة بكل ما يحتويه لذلك يجب الحذر عند الاختلاط به والحذر من كل ما تقابل منه، فما زالت هنالك بقايا مترسبة لا تقبل أن تلقى بعيدًا، ما زال يراد لها أن تحيا ونريد أن يكون توعية أكثر بها من خلال هذا الأعلام الذي تشغله المرأة. 


31
عتمة الأعمى وصراخ الأبكم
سهى بطرس قوجا

أعجبني قول جميل جدا لــ ( جبران خليل جبران) يقول فيه:" أنتَ أعمى وأنا أصم أبكم، إذن ضع يدك بيدي فيدرك أحدنا الآخر". أليس جميلا بكل معانيه ويحمل الكثير من معالم الصرح الإنساني بين معاني حروفه؟! قول يعطيك من أول وهلة لقراءته شعورًا يختلف عن شعور الأعمى في عتمته وشعور الأبكم في صومعة نفسه.
أنها علّة تساند علّة فتدرك الواحدة للأخرى الطريق في الحياة، فما بالك بالأصحاء الكثيرين الموجودين اليوم في مجتمعاتنا الساعين لفقع العيون وقطع الألسنة وضياع معالم الحقيقة؟! هؤلاء هم أصحاب العلل الحقيقية، هؤلاء هم العميان والأبكمين في ذات الوقت وهؤلاء هم الحاضرين الغائبين. وما أكثر تواجدهم في مختلف بقاع العالم وما أكثر فعلهم الغليظ وما أكثر صراخهم المزعج. 
عندما قرأت هذا القول، حضرتني طرفة لطيفة من هذا العالم، ليست من زمن بعيد ولا قريب ولكنها واحدة من الكثيرات المتواجدات في زمننا ونتأسف من أجلها، تحكي عن شخصًا كان قاسيا بمعنى القسوة ويبحث عن ضحكة تسكن نفسه المهجورة؟! حاول جاهدًا كل الطرق أن يجدها ويأتي بها ولكن في كل مرة عندما كان يقترب من أسوارها كان يصطدم بعاصفة هوجاء صماء تؤلمه وتهز قلاع نفسه ولكن لم تكن قادرة على كسر قسوته، كان متمسكا بها لا يلينُّ! مما جعل من محاولاته مصدر سخرية لنفسه منه هو! لم يدرك أن معظم ما في الحياة لا يأتي بالتملك وخصوصًا فيما يتعلق بما هو بلسم للروح، فكيف لتلك البسمة أن تحيا في ظل قلعة مهجورة لا يسكنها غير الخفافيش والظلام؟! وكيف بها أن تعيش في قبوّ رائحته نتنة؟! أكيد ستتبعثر حال لقائها بقسوته وجلمود ذاته ولا تحيا!
هل رأيتم يومًا النار والماء مجتمعان؟! بالتأكيد لا، كذلك هذا الشخص أنه يبحث عن بسمة تسكن كيانه القاسي، فكيف يجتمع الغراب مع البلبل وكيف تسكن الحرية السجن، وكيف يستقر الحنين في القلب المتحجر، وكيف توضع زهرة في ماء عكر؟! كل هذه الأمور تتنافر ولا يمكن أن تتقابل يومًا، فكيف سترسم خطوط ابتسامة وتبقى على لوحة لوجه عبوس؟! وكيف سترى تلك البسمة ما زال القلب لا يعرف الشعور بها؟!
لا تنتهي الحكايات طالما الحياة مستمرة والإنسان فيها يلعب ويلاعب ويغض ولا يبالي ( بدون تعميم)! وهذه حكاية أخرى ببضع أسطر أسردها، تتحدث عن آخر متعصب لكل شيء ويتكلم عن الحق والحقوق، كان يعمل تقريبا أقل من ربع ما يقول، ويتحدث عن كل ما لم يعمله، يلوح بيديه وينادي بعلو صوته وهو لمعنى الكلمات مضيعًا، كان يستغرق أياما في تحضير خطابه ويتعب على ترتيبه، لكن مثلما كان يلقيه هكذا كان ينسى! لم يكن له أساسا في الواقع ولم يجد غير أذن صماء يصطدم بها ويلقى على قارعة الطريق! كان يردد في أحاديثه العقيمة القول الشهير:" خير الأمور أوسطها"، ثم تراه يحرق الأخضر واليابس! أمثال هؤلاء هوايتهم الثرثرة وتعظيم النفس وسلب دروب الغير بمكر وخبث غير معهود، لذلك تجدهم بعد فترة يعانون الانكماش، والاضمحلال قد نال منهم ومعهم قد ضاع كلامهم القليل وفعلهم المعدوم ومطاليبهم التعجيزية التي كانت باسم فئة مغلوب على أمرها.
سأسرد أخرى طالما حضرتني: كان هنالك مواطن يسكن بلده لم يكن يمتلك تلك الغيرة الحقيقية للرجال، كان أكثر ما يهمه هو مصلحته والمال وكيف يجنيه بأي طريقة حتى أنه مارس الاحتيال والكذب والنفاق ولبس الأقنعة! في ذات يوم زارت الحرب بلده مما أضطره إلى الهرب منها، ليس فقط لظروفها وإنما لأسباب أخرى حملته على الرحيل. ترك بلده ورحل مع عائلته إلى بلد آخر، ثم دارت الأيام والسنين بذلك البلد الصامد والصبور من حال إلى حال بسبب الحرب وما تبعها من انقسامات وتفرقة وتشتت وبعثرة، حالاً كان سيءٍ للبعض المغلوب على أمره وجيد للبعض الآخر الباحث عن السلطة والوصولية والاصطياد غير المشروع، مما جعل مواطن ذلك البلد الحامل لجنسية بلد آخر بأن يقرر العودة إلى بلده الأم بعد تلك السنين بحجة أن تركه لبلده هو أكبر خيانة؟!
غريب أمره وعجيب؟! لم يتذكر مواطن بلدنا تلك الخيانة ألا بعد أن زار بلده بعد سنوات من رحيله واكتشف بان الأموال في بلده توزع بالجملة على كل عميل وصاحب مصلحة بعد أن يحرم محتاجين منها! حينما مسك أول مبلغ مالي مقابل بيع ذمته بيده تذكر سنينه الماضية وهز ذيلهُ وعرف أنه الآن باستطاعته أن يحتال أكثر ويكذب وخصوصا أن قناعه اليوم الذي اكتسبه من النوع الذي لا ينكشف بسهولة لكبر الكلمة المكتوبة عليه والتي ينادى باسمها .... فقرر العودة والمشاركة في اللعبة مع الآخرين حتى يكتمل العدد!
بشر غريبي الأطوار، أزدواجيين يعيشون حالات عديدة في حالة واحدة، ويريدون ويطالبون غيرهم بالمثالية! كم في الحياة من عميان وهم يبصرون، وكم يوجد من أبكم وفي داخله أعظم كلام. والحياة تبقى في الأول والأخير حياة إنسانية سامية لا يعرفها ألا من يسمو بها ويعرف ذاتهُ، ولكن أين هم اليوم هؤلاء؟! غابت الحقيقة وضاعت الحقوق بسبب البعض الذين اتخذوا منها شعارات كاذبة من أجل مصالحهم الوصولية، أمثال هؤلاء كنا نتمنى أن يكونوا عميان حتى يدركوا حقيقة الحياة، وكنا نتمنى أن يكونوا أبكمين حتى يعرفوا كيف يكون الكلام بدون زيف. نتأسف عليهم فعلا لأنهم لا يعرفون ما يفعلون وأي طريق يسلكون، يلهثون ويركضون ولا يعلمون أن في نهاية طريقهم هنالك هاوية هي من نصيبهم!

32
سرد جميل ورائع ، دمت أستاذ طلعت وننتظر المزيد من المواضيع المشوقة
تحياتي العطرة وتمنياتي بمزيد من التالق

33
الحضور الكرام جميعا

تحية طيبة
أستاذ مايكل العزيز شكرًا على حضورك ومداخلتك البليغة ...

أستاذ عصام شابا

لا تهتم بأمثال هؤلاء، أنهم كما يظهرون هكذا يختفون لا بقاء لوجودهم، وهذا ما هو غير فشل يعيشونه وضياع يتبعونه ووهمّ يضللون تحته، يتبعون أقصر الطرق من أجل مسعاهم ويخسرون أنفسهم .. ومثلما ذكرت في مقالي: هنالك بين الناجحين والحاملين للتميز متسلقين ووصوليين ....
تحياتي لكَ وشكرًا لمداخلتك القيمة

الأستاذ ناصر

الفساد يأتي بالكثير ويولد حالات سلبية لا حصر لها، وشعب يتربى عليه وعلى مخلفاته، ما المنتظر منه؟! وفي بلدنا العراق هذه الحالة متفشية كثيرًا وتصطدم بها تكرارًا في الواقع، وعلاجها لا يكون ألا حينما يعالج الفرد نفسه منها ويدرك موقعه ومسؤوليته تجاه نفسه وتجاه بلده والآخرين ..
شكرًا لكَ ولما كتبته من واقع الحال المرير

الأخ عبد الاحد قلو

كثيرين يبيعون ضميرهم ومن ثم نفسهم ويعيشون في الحياة بتخبط! فـ لا حياة دائمة ولا إنسان دائم كله في زوال ولن يبقى غير العمل الطيب والذكرى الصالحة ..
شكرًا لك ولحضورك الرائع

دكتور بهنام عطا الله

انتبهت للخطأ بعد حين من نشر المقال، لكن الأخطاء واردة في كل حين، المهم أن الفكرة واضحة، ومع هذا سأجري التصحيح مع أنه في مواقع كثيرة بنفس العنوان المرسل إليهم ..   
تحياتي لكَ وشكرًا لحضورك الجميل

الأخ صباعي

الأمثلة الحية كثيرة ومحيرة ولا نعرف ما نذكر لنذكر. ولست أخول نفسي في أنقد أحد بالذات في شخصه، ونعم ندافع عن حقوق المرأة ونحافظ على مكانتها حينما كل شخص يؤمن ويعتبر بذاته وليست هناك حقوق مجزئة. ثم هل ترى ردي على مقال الأخ زيد هو ثناء ومديح بدون وجه حق؟؟! فما تسمي ردودك أنتَ؟ هل أنت محقوق بكتابتها؟!   
فكرتي كانت واضحة حينما كتبت ردي على المقال ، ثم كل كاتب حر في كتابة وجهة نظره وينتقد الواقع السلبي بطريقته، وقرأت ردك حسب الرابط المذيل، وتجاهلت الرد عليه، لأنه وجدت فيه مجرد استفزاز ومضيعة للوقت. ولا اعرف لما حضرتك متشبث بتلك الفقرة أو الأصح الجملة!!! لو كان المقال يخصني لكنت ناقشتك فيه كلمة كلمة..


تحياتي للجميع وتمنياتي بكل خير 


34
المتسلقون على الظهور
سهى بطرس قوجا


التسلق رياضة مثلها مثل غيرها من النشاطات الرياضية الكثيرة المُتقنة من قبل الكثيرين ولكن مع الكثير من المخاطر، هي رياضة مُرتبطة بحبّ المُغامرة والمُخاطرة والاكتشاف وعشق الطبيعة وتحدي الذات، هي رياضة تحتاج إلى جهد كبير ولياقة بدنية وفكرية معًا، طبعًا مع مستلزمات مُساعدة تدفع بالمُتسلق إلى الهدف المنشود إليهِ .... وهو الوصول إلى نقطة يهدف إليها. من خلال قدرتهِ وقوة تحملهِ وإصرارهِ وتشبثهِ وتقبلهِ لمُختلف التغيرات مع التركيز والسيطرة الفكرية والذهنية لهُ لكي يستمر بالطريق الصحيح وليس الانحراف عن مساره ولاحقًا التخبط والضياع.
الرياضة التي فيها تحديات واختبار هي مذهلة، لأنك فيها تختبر قوة ذاتك وعزيمتك ومدى قدرتك على السيطرة على الأمور ومُسايرتك للظروف لكي تسير في طريقها السليم. لكن في موضوعنا هذا والواضح من عنوانهِ سنتكلم بشيء مُختصر عن نوع آخر من التسلق، نوعًا طالما أرتبط بالمصالح والغايات والسحق تحت الأحذية! أنهُ صراع البعض من المُتطفلين والانتهازيين والفوضويين والصائدين في الماء العكرّ، المُتسلقين بكل وقاحةٍ وخباثة وبدون لياقة فكرية وبدون أدنى شعور بالمسؤولية على أكتاف وظهور ممن أنحنىّ ظهرهم وهم يحاولون جاهدين، النضال وبذل الجهود والعمر والتضحية من أجل الجماعة وليس الفرد.

اليوم الساحة أصبحت بلا سياج يحدُهّا، وكل من هبَّ ودبَّ يدخلها ليرمي فيها أوراقهِ ويلعب وينافس حتى وإن لم يكونوا مُتقنينَّ اللعب، ولكن تستهويهم ويريدون أن يجربوها، غير آبهين بما سيلحق بالمُتفرجين من خيبات أمل وضربات تأتي من حيث لا يعرف لها مصدر!
هذه هي مشكلة معظم الذين لديهم هدف ويسعون إلى بلوغهِ بكل نزاهة وإحقاق الحق، أنهم يجدون أمثال هؤلاء المُتسلقين في طريقهم صدفة أو ربما هنالك من يدفعهم من أجل إشعال النيران والنفخ فيها رويدًا رويدًا لكي تكبر وتلتهم كل ما تصلهُ وأولهم هم! نعم أمثال هؤلاء عديمي الحيلة وقليلي العمل والفعل والإدراك، عندما يجدون غيرهم والعرق يتقطر من جبينهم، يُسرعّون إليهم من أجل زرع بذرة فشلهم في طريقهم، ونثر الحجارة في دروبهم من أجل التعثر! أليس هذا ما يفعلوه كل من يسعى للتحليق إلى الأعالي على أجنحة الغير، وهو في الواقع المُستقبلي لا مُحالة، السقوط والبقاء في القاع من نصيبهِ! مُعتقدًا أنهُ على صواب لمُجرد إيمانهِ الانفرادي بفكرتهِ وفكرة غيره المسنودة ببضع أوراق خضراء، ساعيًا هي الأخرى إليها؟!  
لقد أبتلىّ أصحاب قضية بأمثال هؤلاء المُضيعين للرسالة، منذ أن أبصرت عينهم الانتهازية والوصولية وهم يحاولون الظهور في كل مكان، وأحيانًا كثيرة يلعبون دور المهرج والفاقد للذاكرة من أجل مسيرتهم الفاشلة والمُحبطة والفاقدة لكل روح وطنية! يحاولون عرقلة المسيرة واختلاق الفتن وتزييف للحقيقة والتحجيم بحدود وقتل العمل الذي يُشقىّ سنين في سبيلهِ وتُهدر سنوات من العمر في سبيل أن ينهض.
 نعم ينهض، فكن على يقين إذن أن كل ما يُبذل من أجلهِ ليشرق، لابد وفي يوم من الأيام أن يبشر بولادتهِ وعلانيتهِ، وهذه المحاولات على اختلافها من أجل بضع مصالح لا تنفع، لا يمكن أن يكون لها قاعدة وأرضية يُكتب لهّا الحياة! فكل ما هو قائم على الزيف فمصيرهُ في النهاية يكون في سلة المهملات ولا يكون حينها منك غير الندم وفقدان ذاتك، وشعورك بشعور المنبوّذ بين قومهِ!

وختامًا أقول :  هنالك دائمًا بين الناجحين والحاملين للتميز مُتسلقين ووصوليين، تمامًا كذاك القرد الذي يحاول أن يقفز من غصن شجرة إلى أخرى، الشجرة تبقى ثابتة في مكانها وأرضها ولكن هو لا يزال يواصل تشبثهِ بها ليستقر عليها قليلا ويأكل من ثمرها ويمضي فيها يومهِ ومن ثم يواصل البحث عن أخرى .... ؟! هكذا هم أمثال المُتسلقين على الظهور، لا نشبههم بالقردة لا سامح الله ولكن الطريقة الوصولية الرخيصة التي يستخدمونها والتي لا تكلفهم أي جهد يُذكر، فقط بيع ذمتهم وإنسانيتهم ووطنيتهم وعرقلة العمل والبقاء فيهِ سنين مع أنهُ للآخرين كالأوكسجين الذي يعيشون عليه ومن أجلهِ، من أجل أن يبصر النور ويجد طريقهُ للحياة كما هو المفروض أن يكون في الواقع، ليحيا به الآخرين ومن أجل الأجيال القادمة التي هي أساس بناء الأوطان ونهوضها النهضة الصائبة.
  
ومن يدافع عن مبدأ أو قضية لابدّ وأن يكون لهُ من الإيمان والوعيّ والفكر الكثير مع المصداقية والاعتراف بالآخر مهما اختلف رأيهُ، كونها تمثل مصير وحياة شعوب تكافح وتناضل وتُضحي من أجل أن يُسمع صوتها بإيقاع واحد وكلمة واحدة من أفواه طالما صرخت بحقوقها وأرادت لها الحقيقة واقعًا.

35
المنبر الحر / رد: الله حسب الطلب
« في: 05:19 30/01/2014  »
الله لم يكن يومًا إله شر لكي ينفذ طلبات إبادية، الله محبة وعلى أساس تلك المحبة يعامل خالقيه، وما يصيب البشر ليس من الله بل من سوء تصرفهم أو من دناءة نفس الآخر لمثيله. ومرات كثيرة بسبب الأنانية التي تتملكه لا يريد الخير لغيره، وبسبب عجزه وفشله يلجأ إلى الدعوات ويصور الله في مخيلته على أنه إله منتقم، مهلك، غاضب، مخيف! مع العلم بالإيمان تعرف أن الله فيك ولا يحتاج لأن تنادي عليه بعلو صوتك وتطلب منه الدعوات الشريرة وتبين مدى الشر والحقد الدفين في داخلك ... 

مقال يفتح أفاق رحبة على أمور هي غائبة عن تفكير الكثيرين
 
تحياتي العطرة للعزيز زيد وشكرًا لأنك أعطيتنا فرصة قراءة موضوعك القيم


36
استاذ مايكل ليس للكلدان فقط صوت في ديترويت بل في جميع بقاع العالم، وأنت خير مثال ولنا الفخر بكم.
جميع العاملين في إذاعة صوت الكلدان يعملون كــ شخص واحد وبروحية فريدة، أنهم يستحقون كل التقدير والثناء على جهودهم الممنوحة بكل طيبة خاطر وأخوة، وكم نتمنى أن يكون العالم مليء بأمثالهم أو يسيرون على خطاهم ونهجهم، أنهم بحق كوكبة متميزة ورائعة وشفافة تحمل اسم عريق..

تحية اعتزاز لهم ولصوتهم الهادرّ ونتمنى لهم المزيد من التألق والانتشار

وتحية عطرة للاستاذ مايكل العزيز على هذا الطرح الجميل بحق كوكبة لامعة
 

37
مغامرة جمعت
 أنبل هدف وأجمل صوت وأصدق حقيقة وأعرقّ ناس

هكذا يكلل جهد كل مثابر وسائر على دروب الاصالة، أنهم يستحقون كل ثناء وتقدير واعتزاز، مسيرة وسيرة مشرفة لأشخاص أعطوا من وقتهم وجهدهم وعملهم من أجل يبقوا اسم الكلدان عاليًا ويصدع في البقاع .

نحن الكلدان نفتخر بوجود هكذا نخبة ساعية ومثابرة، تنشد السلام والحلم والطموح بالافضل دومًا.
تحية اعتزاز وفخر لأحفاد بلاد ما بين النهرين ، ونقول نحن سعداء بكم جدًا، ونتمنى لكم المزيد من الأبداع والتألق ومسيرة متواصلة وجزيل الشكر لكم ...

والشكر موصول كذلك للأستاذ كمال يلدو على جهوده المبذولة بما يرفده لنا نحن قراءه بين الحين والأخر بهذه المتابعات واللقاءات التي يجريها، يعرفنا من خلالها على كفاءات واسماء يلمع نجمهم في سماء بلادهم ...

تمنياتي بكل خير وإلى المزيد من الإبداع المتواصل
 

38
 
وهمس لها همسة صغيرة في قلبهِ
 سهى بطرس قوجا


الهمسات وما أجملها حينما تكون رقيقة وتهمس في أذان أرقّ، يبتسم لها القلب والعين قبل الشفتين ويطرب لها قلب هامسها.

 نزلت دمعتهِ حينما رحلّ للذكريات وتخطىّ برجلهِ عتبتها، ليقع بصرهِ على جنتهِ التي كانت لهُ في زمانًا ما! دخل ورآها وهي ما زالت طفلة بريئة مثلما عهدها، فرح وتملكتهُ سعادة كادت أن تفجر كيانهِ، شاعرًا برغبة حين يصل إليها أن يطير بها للأعالي كعصفوران في ربيع زاهيّ. تقدم خطوة تلوّ الأخرى إلى حيث كانا يجلسان معًا على نفس المقعد الخشبي بالحديقة ليجلس بقربها ويتنفس عطرها الممزوج بأنفاسها، وما أن لامس يدها حتى فاقّ على واقع أنهُ يلامسّ ربيع ذكراها الذي ما يزال يحيا في أعماقهِ!   
جلس وتأمل في أغصان الأشجار المُلامسة لفضاء الحياة وهي حاملةٍ أوراقها بكل ثقلها غير مُبالية بتقلبات الطقس، ثم نظر لنفسهِ وهو جالس تحت ظلها على مقعدهِ يستمتع باللحن الفريد الذي تعزفهُ وهي تتطاير في الهواء واحدة تلامس الأخرى وتتمايل. ترأى لهُ هذا وذكرهُ بمحبوبتهِ عندما كان يلمحها وهي آتية نحوهُ بكامل أناقتها وجاذبيتها ومشيتها، تتمايل بخصرها النحيل وفي عينيها تخبئ أجمل الكلام لهُ والفرحة تملئ قلبها في لقائهِ.

وهنا بدأ همسهُ لها في قلبهِ، تلك المعزوفة الصادرة من أوراق الشجر مُجتمعةٍ جعلت روحهُ تُحلق لأبعدّ من الغيم المتواجد في السماء، وجعلتهُ يكتب لها على الأوراق المُتناثرة أجمل الكلام وأعذبهُ، ومن ثم يبعثها مع نسيمات الهواء الهابة لتسافر إليها وتلبي نداءهُ بالحضور إليهِ بين أحضانهِ، قائلا فيها:
إلى طفلة عابثة ما تزال تحنُّ إلى دميتها وألوانها وكراريسها، ماذا أقول فيك، فالكلام لن ينتهي لأنني أنا لم أنتهي من الحياة بعد؟! هل أقول أنهُ جنون أم عين لا تبصرّ في الكون سواكِ؟! كيف بسمائي وأنا لا أبصرك تحتها، وكيف بقيثارتي وهي خرساء من دون أناملك، كيف بالليل وهو شديد السواد، وكيف بزهرتي وقد جفّ عطرها بعدم رؤيتك، وكيف بهذهِ الروح من دونك في هذه الحياة؟! عيني تبحث عنك هنا وهناك وتسأل أين جنتي؟!

ماذا أقول لك وكيف أبدأ حديثي عنكِ وكيف أصفكِ وأصف ما اعتراني؟! عندما لمحتك للوهلة الأولى وأنتي قادمة نحوي، شعور غريب تملكني وأخترق ثنايا روحي، جعل نبضي يضطرب ودقات قلبي تتراقص وتثور كما تتراقص قطرات المطر على الأرض ثائرة، وكما تتصادم الغيوم في السماء وتصدر صاعقتها. عزفتي على أوتار قلبي بخفة خطواتك أجمل نغمات الحبّ، وجعلتي جبروتي يهتز ويضعف أمام من هي أرقّ من النسمة، كم تمنيتك في لياليَّ نجمة مضيئة وفي دروبي رفيقة وفي عروقي دفؤك يسريّ!
 أحببتُ الجلوس في حضرتك، أمشي خطواتي حيث مشت خطواتك في الشارع الذي طالما شهد أجمل اللحظات التي لا يمكن أن تتكرر بتصوري! أنظر للمصباح المضاء فيهِ علني أجدّ ملامح وجهك في نورهِ، أبحث عن عنوانك في الأزقة علني ألمحَّ حرف اسمك مكتوب حيث نقشتهُ. قلبي في دوامة وقلق وخائف يبحث عنكِ في برد الليالي، لا أعرف كيف أصف هذا الشعور الذي أنا خلف قضبانهِ حائر! أريدكُ في سنيني ولكن لا أجد أراضيكِ حتى أصل إليها واستوطنها وأكون بكِ ومعكِ وبقربكِ اليوم وغدٍ وكل يوم. أنهض في صباحي باكرًا ربما أجدُّ في شروق الشمس وجودكِ، وفي دفئها حضنكِ، ولكن الانتظار يُحيلني للغروب حتى أبعث مع خيوطها التي تجمعها بعد ساعات طوال من الضياء المُشرق مكتوبي ربما يصلك وتردين عليه بجواب يُهدأ هذا النبض.

حائرٌ أنا ماذا أقول بعد! كتبت على الأوراق المُبعثرة هنا وهناك الكثير من الكلام المستعجل الذي يغمرني بالحنين، وهذه آخر ما سأبوح به ولكن على جذع الشجر لكي يبقى حتى متى جئت تزورين المكان تقرأين ما كتبهُ قلب متيم بروح لن تتكرر ولن يكون لها مثيل في الكون أجمعهُ:" أتذكر كيف كانت الشمس تشرق على خصلات شعرك لتزيدهُ ألقًا على ألق، فيؤلمني مرور الوقت دون وجودكِ، أسمع صوت خافت ينادي باسمك، فأدرك أنهُ صوت اشتياقي لكِ، أنا هنا في جنتنا انتظرتك كثيرًا لكي تتهلهل روحي بكِ ولكن طال الانتظار، وهذا الكون بكل ما فيهِ هو أنتِ فقط، أنتِ وحدها من تغلغلت إلى أعماق أعماقي، أنتِ وحدك تبقين أغلىّ من الروح لذاتي".
     
الحبّ لا يحتاج فقط إلى كيانين ليمثلاه بلْ إلى روحين تتحدان لتنطق بأسمىّ معانيهِ! وضباب الحياة القادم من الإنسان نفسهُ يجعل الكثير من الأشياء الجميلة في الحياة تكون مُستترة وفي مهب الريح، كالمحبة والاشتياق اللذان لا تعرف عمقها ألا ساعة الفراق والفراغ الحاصل بعدها. لكن تبقى الحياة سامية وراقية بالمحبة التي هي أساس كل شيءٍ جميل في الحياة.

39
 
ولمع نجمهُ في السماء
سهى بطرس قوجا
 

أتى المُتجسد ليخلص الإنسان من قوى الشر والخطيئة ومن الشهوات المُهلكة، أتىّ المسيح صغيرًا فقيرًا ليكبر على الأرض ويحمل خطيئة العالم الكبرى، أتى من أجل أن يكشف عظمة الخالق واهتمامه بخلاص الإنسان.
"بعدما ولد يسوع في بيت لحم ... جاء إلى أورشليم بعض المجوس القادمين من الشرق، يسألون:" أين هو المولود ملك اليهود؟ فقد رأينا نجمهُ طالعًا في الشرق، فجئنا لنسجد لهُ" ( متى 2 : 1- 2 ). أتوا يسألون ثم " مضوا في طريقهم، وإذا النجمُ، الذي سبق أن رأوهُ في الشرق، يتقدمهم حتى جاء وتوقف فوق المكان الذي كان الصبي فيه، فلما رأوا النجم فرحوا فرحًا عظيمًا جدًا، ودخلوا البيت فوجدوا الصبي مع أمهُ مريم، فجثوا وسجدوا لهُ، ثم فتحوا كُنُوزهم وقدموا لهُ هدايا، ذهبًا وبخُورًا ومُرًّا" ( متى 2: 9 – 12 ).

نجمًا مُضيًا لمع في السماء يعلن عن ولادة طفل صغير في مذود، هذا الطفل دعيّ المخلص (نور العالم) الذي أنار العالم بقدومهِ وخلص البشرية من ظلامها " ... إن المسيح يسوع قد جاء إلى العالم ليخلص الخاطئين .." ( 1 ت: 1: 15)، لمع نجم ميلاد التجدد والمحبة والتسامح والغفران والسلام ليكون النور للبصر والدليل للطريق والرمز للفرح.  

حياتنا في خضم صخب الحياة دائمًا تتطلب ولادة جديدة، تتطلب أنفصالا عن العالم للحظات لنسكن ذواتنا ونبحث عن الطفل الغافيّ في أعماقنا، والذي بيقظتهِ وصرختهِ يُعيدنا إلى حيث بدأنا أن نكون، نعم الحياة تتطلب أن ننفصل ولو قليلا عن الاهتمامات الدنيوية لنعيش لحظات روحية وإيمانية مع المسيح. المجوس لِما تجشموا عناء السفر الطويل والشاق، مُنقادين خلف نجمًا في مسيرتهم؟ لأنهم أدركوا أن الخلاص بالمسيح والحياة فيهِ، أبصروا هذا بقلبهم وسمعوا لصوت البُشرة دون إرغام أو فرض بل كانت رحلتهم بملء إرادتهم وبكامل إيمانهم، نعم نراهم قبل أن يقدموا كنوزهم وهداياهم قدموا أنفسهم وذواتهم.
 
 يُحتفل كل عام بميلاد المسيح ولكن لا نريد أن يكون هذا الميلاد مُجرد مناسبة اجتماعية وأحتفال خالي من الروحية، لا نريدهُ كحدث تاريخي يُعاد إقامتهِ في يومهِ واعتباره مهرجان يتضمن برنامج لعدة احتفاليات بل أن يكون امتداد مُتواصل وكلمة حاضرة ومُمتدة إلى ما لا نهاية، نريد فيه أن نستحضر المسيح معنا ويكون دائمًا وأبدًا بيننا.

" المجْدُ للِّه في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالنَّاسِ المسرَّة" ( لو 2: 14)، ولد المسيح في مغارة صغيرة وبين الحيوانات ليكون فيما بعد راعيًا صالحًا لخرافهِ التي تتبعهُ بسماع صوتهِ ويفديها بعد حين بدمهِ الزكي، ولدّ المسيح ليكون ضياء تلك النجمة التي عكست نورها على جميع نجوم السماء، في ليلة ميلاد الطفل يسوع أضاءت الدنيا وعمتْ المحبة والسلام القلوب المُحبة المتواضعة، هي كانت ولادة خلاصية إذن بها تكون حياة جديدة يلبسها الإيمان.

أتمنى لكم عيدًا مباركًا وسنة مباركة وسعيدة ملؤها السعادة والمحبة وتحقيق الأمنيات ....
  


40
الأخوة الأعزاء الموقرين
شاعرنا المبدع عوديشو سادا


كم يسعدني حين اقرأ أو أسمع أن لمقالاتي هذا الوقع الجميل في النفوس ولها مردوها الإيجابي، أتمنى أن يكون الجميع بنفس روحيتك الجميلة ويكونوا قادرين على الأبحار في مكنون أعماقهم ويصلوا إلى ذواتهم ويجدونها.
ولا تستغرب مما تراه وتسمعه في زماننا، كون الإنسان قلب الموازيين وبات يساق الحياة حسب أهوائه وحسب ما تمليه عليه مصلحته، أنه ضايع ويُضيع معه آخرين، وهذا واضح من سياق أسلوب البعض المفتقرين إلى الكياسة ويعانون من إفلاس موضوعي وفكري.. أتمنى من الجميع أن يرتقوا أكثر بإنسانيتهم ويبحثوا عن نفسهم قبل أن يدركهم الندم، كما وأتمنى مثلما تفضلت حضرتك من الجميع قراءة الكتاب المقدس كونه الوحيد القادر أن يحفظهم من كل شرور ....

الأخ الفاضل خوشابا سولاقا

حتى وإن كنا نفهم عقلية من نخاطبهم في مقالاتنا فلن ينفع معهم أي أسلوب للتحاور طالما الظلمة تسكنهم ولا يقبلون بالاقتناع ومصلحتهم هي الغالبة عليهم، ولكن دائمًا ما نختار ما يكون قريبا إلى أغوار النفس، والكلام الجميل له وقعه الجميل دائمًا مهما اختلف متلقيه، وهذه الكتابات هي واجهة كل كاتبها وتبرز شخصيتهِ ...

المهندس قيصر المحترم

أغلب المجتمعات تخدم المجموع، ولكن في مجتمعاتنا لا يوجد غير العكس، غالبًا ما يميلون إلى الهدم بأي وسيلة كانت، ونتمنى أن يعطى اهتماما أكثر للنصف الآخر وإتاحة الفرص من أجل التواصل والمواصلة ..

تحياتي العطرة للحضور الجميل وما سطرتموه من أفكار جميلة نقف افتخارًا عندها .... وكل عام والجميع بخير وصحة وسلام ودمتم بعز
[/size]

41
الأخ Akoza

الحالات لا حصر لها والقصة المذكورة في مقالي هي واحدة من آلاف الحالات التي يتعرض لها الطفل أثناء تنشئته، ثم  لا تنسى أن تربية الطفل لابد وان تكون مقترنة بقليل من الشدة فقط لكي يشتد عوده ويتعلم التمييز بين الأخطاء لكن ليس لدرجة الصفع والتخويف، هذه لها تداعياتها مستقبلا، ومهما حاول الوالدين معه بهذه الطريقة فأنها لا تأتي سوى بنتائج سلبية، وكل شيء إن زاد عن حده قلب ضده... أليس كذلك؟ وما يتلقاه الطفل من الوالدين بالتأكيد سوف ينقله بنسبة وبطريقته مستقبلا إلى أبناءه! إذن الحذر والتأني في كل تصرف يصدر يُغني عن الكثير المتوقع لاحقا أو الغير خاطر على البال ..

مع تحياتي وشكري لمرورك

42
 
الأخ العزيز سامي مدالو القدير

تحية طيبة 
أي تصرف صغير مهما كان من قبل الأم أو الأب أو أيًا كان في حياة الطفل، إن لم يكن يتقبلهُ أو يستسيغهُ ويفهمهُ بمضمونه الصحيح وكما هو أو يفهم لهُ بأسلوب أفضل واسهل، فأن لهُ تأثيرات شديدة تترك أثرها في نفسيتهِ ، وكما قال الأخ عبد الاحد قلو فأن تربية الطفل بحاجة إلى وقفة وتكون حذرة..

وتصرف الأم في هذه القصة هو تصرف أي والدة تريد تنبيه  طفلها على أي تصرف سلبي بدرّ منهُ، ولكن الطفل قد يفهم تصرف الأم ضده من كثرة حنينه وتعلقه بها ولا يمكن أن يتصورها بغير هذه الصورة ...
تحياتي وتمنياتي

الأخ العزيز عبد الاحد قلو القدير

الطفل في الشرق أما يتربى على الدلال أو على الشدة بنسبتها المتفاوتة، وهذه لها عواقبها التي تبدأ افرازاتها متى ما أقبل على الحياة خارج البيئة البيتية، ويبقى كل واحد ومدى تقبله ومدى إدراك الوالدين لكيفية تكوين كيان سليم وصلب...

تحياتي للحضور الجميل

الأخ  akoza

الشكر لك على المرور وقراءة ما كتبت .... تحياتي
[/size]

43
عقولاً تمطر كلامًا
سهى بطرس قوجا

نعرف أن السماء تمطر مطرًا على الأرض، لتُسقيّ وتُحييّ وتنبت كل ما عليها ولتدبّ الاستمرارية في كل ما موجود فيها. هكذا هي الحياة ماضية وهكذا هو خير المطر الهاطل من السماء، يُحيي كل ما تحتها. ولكن نحن في موضوع مقالنا سنتكلم عن نوع آخر من المطر، عن قطرات تتقطر من كلمات أفكار مُحلقة في سماء عقول، لتسقطت في الآذان وتحلّ في القلوب ومن ثم تترجم في الأفعال التي تصدر من إنسان وخزتهُ وخزات ربما ألمتهُ وربما قد أدمتهُ لتصل الآخر عن طريقهِ، وفي الحالتين هي قد تركت أثرها واستقرت وستنتقل إلى مكان ثاني وتُعيد الكرةّ إن سُمحَ لها بالإعادة!
أحداث ومواقف الحياة والإنسان الذي فيها يُمارسها لا حصرّ لها، هي نتيجة الإنسان نفسهُ، هو من يجدها وهو يمارسها على نفسهِ وعلى غيرهِ وهو من يدعوها في واقعهِ بغض النظر عن الأحداث التي تكون قد تماثلت بسبب الطبيعة. هذه مُجتمعة تؤدي إلى قيام حالة في داخل الإنسان تجعلهُ يفقد القدرة على تحملها ومواجهتها، مما تضطرهُ إن لم يكن بالأفعال، بالكلام الذي يُغني عن الكثير المُفتعل إلى إطلاق كلمات رنانة تهزّ الأبدان لها من قوتها وهولّ وقعها في النفوس، ليس لشذاهّا وإنما لأنها كسمّ أفعىّ الكوبرا تُقتل في لحظة تلقيها!

هكذا هو وقعّ الكلام المُرّ، وهكذا نعطيه تشبيه صغير: عندما تمسك مطرقة بيدك وتحاول أن تعمل ما تريد عملهُ من أي شيئًا كان، فأنك سترى ذلك الشيء الكامل وقد أصبح أجزاء مُتقطعة مُبعثرة، واحدة بعيدة عن الأخرى بالضرب المُستمر! كذلك الكلمات التي لا تكون في محلها حينما تصل إلى مسامع شخصًا ما سواء كانت عن قصد أو بدونهِ، فأنها ستجعل نفسهُ تشمئز وتنفرّ وتتشتت، وربما إن كان مما يردون الدينّ مع فوائدهِ سيُعيدها وفوقها البعض الآخر، أليس كذاك؟! وهنا تكون بداية النهاية ووضع فواصل لكل أمور الحياة الحاضرة والغائبة وتفريقها. أنها بصورة أوضح كوضع النقطة في نهاية كل جملة مكتوبة في ورقة ولكن الفارق بين نقطة الورقة ونقطة الحياة، هو أن الثانية ليست لإيقاف الأحداث عند ذلك الحدّ المكتوب، بلْ هي تكون مراحل الانتقال من حالة إلى أخرى؟!

صفحات الحياة مُسطرة بالكثير مما هو فيها عابرٌّ، هي كلمات كُتبت في أرجائها بعضها من أجلها وبعضها الآخر ضدها، هي كلمات تناثرت من شفاه أرهقها ما أمطرت به العقول، هي كلمات تربت في عروق شعور مؤلم، هي كلمات نبتتْ في دواخل إنسان حاقد، هي كلمات صادرة من صوت يدويّ من جرحهِ، هي كلمات حصدت من حقول إنسان سائر في ظلمات أرض مُحطمة، هي كلمات عالقة على أطراف لسان يقطن هيكل مُظلم، هي كلمات تعبرّ كل ما هو في الطرقات باقيٌّ وعابرّ، هي كلمات لا مكان لها تأوي فيهِ فتختار الفرار المُستمر، هي كلمات ينقصها الكثير من الحروف والتفسير والتعبير، هي كلمات بكل هذا الوصف الذي قيل عنها، مُؤلمة وجارحة وربما قاتلة! والكلمات الجارحة حجارة تضرب بها قاصدها يجرح هو وتموت أنتَ، لأنكَ بها قبل أن تجرح الآخر تكون قد حكمت على إنسانيتك بالموت الدائمي؟!

فالكلمة السيئة التي تخرج من الفم لا يمكن لها أن تعود أو يتم تبريرها بأي أسلوب كان، تمامًا كالسهم حين ينطلق من قوسهِ ويصيب هدفهِ! كونها أخذت طريقها ووصلت أذن سامعها واستقرت قلبهِ، وحتى الأعتذار عنها فيما بعد لا يمكن أن يُعيد ما كان أو يُصلح ما أنكسر، فتذكر دومًا أنكَ:" بكلامك تُبررّ وبكلامك تُدانُّ" ( مت 12 : 37 )، وكذلك أعلم أن:" من أراد أن يحبّ الحياة ويرى أيامًا صالحة، فليكفُفْ لسانهِ عن الشر وشفتيه أن تتكلما بالمكر، ليعرض عن الشر ويصنع الخير، ليطلب السلام ويجد في أثرهِ" ( 1 بطرس 3: 10 - 11 ).  وتذكر أن الماء  قد يغسل الجسد مما مُتراكم عليه ولكن قليل منهُ يستحيل أن يُطهر اللسان مما باحّ به عندما تشربهُ، فليست المشكلة دائمًا في التفكير فيما الذي ستقولهُ بل التفكير كيف ومتى ولمن ستقول كلامًا لا يخدش شعور أحدٍ؟! فالقليل يُضيع الكثير والعين التي تبصرك ستجدها في يومًا ما أضاعتك. انتقي كلماتك قدر المُستطاع ودعها تأخذ طريقها السليم لتبقى على استقامتها مدى بقائك، ودعك مظلتك مفتوحة بعض الوقت حين تمطر، لكي تذهب قطرات المطر بعيدًا عن رأسك وترتاح من تنشيفهُ لاحقًا.       

44
"أَنْتُمُ الَّذِينَ لاَ تَعْرِفُونَ أَمْرَ الْغَدِ! لأَنَّهُ مَا هِيَ حَيَاتُكُمْ؟ إِنَّهَا بُخَارٌ، يَظْهَرُ قَلِيلًا ثُمَّ يَضْمَحِلُّ" (رسالة يعقوب 4: 14)

 إلى عائلة وذوي المرحوم باسم دخوكا الكرام

الحياة والموت من عند الربَّ

ببالغ الحزن والآسى تلقينا خبر وفاة المرحوم باسم دخوكا، حقا أنها خسارة  لا تعوض، وقد أصابنا ما أصابكم من حزنًا شديد برحيلهِ .... بهذا المصاب الأليم نقدم  لزوجتهِ الصديقة بيداء ولذويه الكرام تعازينا القلبية، ونطلب من الربّ أن يسكنه ملكوتهِ وأن يلهمكم الصبر والسلوان . ...  للعمر بقية  ولــ من ( رحل ) ذكراهُ التي هي ساكنة الوجود وساكنة الحروف، رحل الأخ باسم  بجسده نعم ولكن روحهُ باقية وخالدة في كتاباته وأفكاره  ...  

الراحة الأبدية أعطه يا ربّ ونورك الدائم فليشرق عليه .... آمين

سهى بطرس قوجا


45
الأستاذ العزيز مايكل سيبي

جوابي على أسئلتك هو كالآتي:


1 ـــ الإنسان مجبول على فعل الخير ونزع الشر ولكن إذا أختار الشر، وطبعا اختياره هذا لا يكون بمحض إرادته الكاملة دائما، قد يجد نفسهُ مدفوعا له، بالنتيجة لابد من نفسهِ أن يدرك حجم الشرور الناتج وأن يتحمل نتائجه ويتوب عنهُ، مثلما يوسوس الشر في أذنه هكذا ليجعل نفسه توسوس له بالخير، لكن إن كان مصمم ولا يدرك نفسه التي يقودها إلى المهالك فليتحمل نتيجة اختياره ! 
قد تجدني أجد المبرر لفعل الإنسان دائما في ردودي .... أليس كذلك؟!

2 ــ الايجابية التي قلت عنها هي في الحالة التي ذكرتها أعلاه، في الأبناء الذين لم يحذو حذوّ ربَّ البيت الناقر بالدف، بل اختاروا أن يكونوا بمستوى أعلى من مستواه، يكونون شيئا أرقى في الحياة!
بينما في ردك الثاني أضفت وقلت:" .... ألا أننا نراه قد سلك طريق الشر بمؤهلاته وبإرادته رغم صلاحية بيئته البيتية "...
مـــن هـــو؟!  ثم إن كان قد سخر ما استقاه من علم وثقافة من أجل الشر، فهو لم يرتقى بمستوى تلك الثقافة والإنسانية، وهنا لا وجود للايجابية في فعلهِ !!

3 ــ كل فرد مسؤول عن نفسه، ومن يحمل السيئات هو من بيده علاجها بالدرجة الأساس حينما يريد، ومهما حاولت معهم فجميع المحاولات لا تأتي بنتيجة ما لم يحمل القناعة بجدواها وبفعلها..
 
4 ــ بمعنى أن المجرم يرتكب جريمته متى ما أتته الفرصة ولا رادع لها غير نفسه.. ثم أراك أستاذ مايكل لا تريد أن تلغى عقوبة الإعدام ؟! أنا أقول في ظل مجتمع كمجتمعنا تحيطه الحيرة والارتباك والفوضى والتخبط لا أعتقد إن إلغائها من الصواب ،،، ولكن نأمل بأن تلغى كونها ضد الإنسانية ولا تقل عن فعل مرتكب الجريمة ...

5 ــ جهود العلماء في أبحاثهم ودراساتهم لا تسترخص بالتأكيد ... ثم من قال أن الطفل يدرك بأنه يسلب حق غيره، إن كان البالغ يدرك ولا يعترف، فكيف بالطفل القاصر الغير مدرك؟! أساس المسؤولية الجنائية هو توافر الإدراك والاختيار لدى الشخص وإن فقده لأي منهما ينفي هذه المسؤولية، ومن الثابت أن الإنسان يولد فاقد الإدراك ثم بتقدم سنه ينمو عقله تدريجيا ويستتبع ذلك نمو مداركه حتى يأتي السن الذي ينضج فيه العقل ويتكامل الإدراك.
 
ثم أن الشعور لا يأخذ به ولكن هناك رقابة ومتابعة من قبل الوالدين لطفلهم ... ولا عقاب على الوالدين فما فعلاه كان نتيجة لحبهم المفرط له ..
 
6 ــ  أنا أتكلم عن وضع عام، عن مجتمع غائبة فيه العدالة والإنصاف! من فلت من العقوبة ... ومن نال العقاب ... بمعنى كلاهما إذا كانا ارتكبا جريمة تستوجب عقوبة الإعدام، فلما لا ينالهما الاثنان في ظل العدالة والإنصاف إن وجدت؟! تداعيات العقوبة الملغية لها خطورة أكثر مما كانت قائمة.. وأنا لا أطلب الإعفاء عن المجرم، على أي أساس يعفى عنهُ لابد من أن يأخذ عقابه، مثلما لا يسترخص حياته هكذا ليس من حقه أن يسترخص حياة الآخر.

7 ـــ من شبَّ على شيءٍ شاب عليه .... ما المنتظر من جيل يتربى في ظل الحروب وبهيكلية هشة ؟! لا تأجيل للإجراءات ولا وجود لاستتباب للأوضاع ولا وجود لسقف زمني محدد أو تقريبي في ظل كل ما هو معاش! نحتاج للكثير والكثير من أجل بناء الإنسان وأعادته إلى حالته الطبيعية المستقرة المسلوبة مع مرور الأيام بالجيل الجديد الوارث. 

8 ــ  كنت أعرف أنك ستقول ليَّ:" رجعتِ إلى القانون".. لأن أن لم نأخذ به ستغدو الحياة غابة وربما أسوء من السيئ الذي بها،  القانون هو التشريع والعقوبة هي النتيجة التي يستحقها كل واحد.
هدف العقوبة بالأساس هو ضبط السلوك الاجتماعي، هي المقابل للواقعة التي حرمها القانون ...

تحياتي العطرة ودمتَ بخير
[/size]

46
أمي لا تحبني ... أمي تكرهني
سهى بطرس قوجا

طفل في العاشرة من عمره حينما لاحظ أمهُ توبخهُ وتصرخ بوجههِ لأنهُ قام بتصرف خاطئ وهو غير مُدرك لهذا أو من وجهة نظره الغير مُكتملة هو صحيح، شعر بحزن وبدأ يرمق والدتهِ بنظرات عتب ومسألات، ثم بدأ يجهش بالبكاء بصوت عالي ويضرب الباب بقبضة يده الصغيرة، كنوع من التمردّ، أنهُ يثور ويعارض ما بدرّ من موقف والدتهِ ولا يقبلهُ! أنهى ضجيجهُ الغير مُنتهي وذهب إلى سريره وأمسك بقلم وكتب في قصاصة ورقية صغيرة خاصتهِ هذه الكلمات:" أمي لا تُحبني ... أمي تكرهني". كتبها لمُجرد ذلك الموقف وتلك الكلمة القاسية المسموعة من والدتهِ. كتبها على ورقة نعم، لكن نقشها في داخلهِ أيضًا للقادم من العمر!

مرتْ السنين وكبرَ الطفل وأصبح شابًا وأقبل على الحياة وبات لهُ وعيهُ الذاتي المستقل، ولكن بنفسية تتصف بإحساس القسوة، كلمة والدتهِ بقيت في داخلهِ وكبرت معهُ وكأنهُ كان مُتعمدًا أن يعيش تلك الحالة العابرة بذلك العقل الطفولي، لم ينسىّ ذلك البكاء في طفولتهِ وقسوة والدتهِ العابرة وتلك الكلمات التي كتبها في ورقتهِ، لم يستطع التخلص منها، بقيت في ذهنهِ وتحضرهُ كلما حاول القيام بشيءٍ ما، أصبح هو نفسهُ يترقب نفسهُ قبل أن يبادر بشيءٍ، أصبح يقيم الحياة ويراها من خلال عدسة ميكروسكوب خاصة به، بمعنى تكون في أعماقهِ نوع من الخوف! ووالدتهِ هي الأخرى في وقتها غضت النظر على تصرفهِ وثورتهِ ولم تُعرهُ اهتمامها واعتبرتهُ كتصرف أي طفل لا يستسيغّ أحيانًا بعض المواقف وسينسى، ولكنها لم تعلم ما تكون بداخلهِ ولم تدرك أنهُ بقيّ يعيش في تلك الدائرة وفي ذلك الخوف الذي لم يكنْ لهُ أي مُبرر سوى كونهُ حالة عابرة، ومنها هي الأقرب إليهِ .. والدتهِ؟! 

كما نعلم أن الحياة لا تسير على وتيرة واحدةٍ، دائمًا ما تأخذك مع مدها إلى حيث لا تريد أو ترغب، هذه الحياة التي فيها من الضغوطات أكثر والتي تجعلك تعيش التوقعات أكثر من الاحتمالات، وتعيش الأعباء قبل الراحة، وتتذوق الألم والآهات قبل بسمة صغيرة متولدة عن سعادة عابرة، هي تبقى جميعها في الحياة لحظات تمرّ وربما تفرض نفسها! ولكن طفل صغير لا يفقه من الحياة شيءٍ أكيد سوف تتكون في ذهنهِ صورة مختلفة للحياة، صورة تعتمد ألوانها بالدرجة الأساس على أجواء العائلة والمُقربين لديه من الوالدين، وأدنىّ خطأ أو تصرف في غير محلهِ سوف يكون لهُ وصمةٍ في نفسهِ وسوف يعيشهُ في إحباط وتغبط وخيبات أمل، مرورًا مع الوقت إذا تركت بدون أن تخبوّ أو تنطفئ.
الطفل يولد وهو صفحة بيضاء قد تكون متينة أو رقيقة، قد تتحمل أو لا تتحمل رأس القلم المُدبب وهي تكتب عليه كل ما يحضرها لحظتها، وحسب نفسية كل طفل ومدىّ إدراكهِ واستيعابه للموقف. الحياة والمستقبل بالنسبة لهُ مجهول لا يعرف شيءٍ منهُ وكذلك لا يعرف أنهُ سيتوقع فيه الكثير من الاحتمالات، الكثير من المعاكسات والكثير من الالتزامات بعكس الوالدين الذي لديهم تلك الخبرة المُكتسبة والتي بدورهم يطورونها بخبرتهم مع بعض ويغرسونها في نفوس الأبناء منذ صغرهم، هم قاعدة لقاعدة أخرى مستقبلية أكثر تطورًا وتقدمًا.   
   
وأكيد ليس هنالك أمٌّ تكره أولادها أو من الممكن أن تفكر بهذا، ولكن هذا الخوف عليهم في توقيته الغير مناسب والمُنتسب طبقًا لنفسية الطفل أو في الحالة التي كانت تحضر الأم وقتها بسبب ظروف وضغوطات العمل، هو من يعطي فكرة بهذا عنها في ذهن الأولاد، أنها حالات نفسية يتعرض لها الطفل، ومدى حبهِ لوالدتهِ وتعلقهِ بها تجعلهُ يظن هذا وربما تكون قاعدة لهُ مُستقبلا لتولد المزيد من الاحباطات التي تبرز في حياتهِ المستقبلية ونفسيتهِ وتعاملهِ مع الآخرين، أنها تترك أثارها في صحة عقولهم ومن ثم أجسامهم وتورثهم وهنًا نفسيًا تلوح أثارهُ مُستقبلاً، مما قد يفقده الأمل والثقة بالنفس وبالآخرين وتجعل الحياة في نظرهم باهتة لا تستحق وبلا معنى. 
 
الوالدين في حياة أبنائهم ليس دورهم مُحدد فقط بالأبوة والأمومة، بلْ هم كل شيءٍ وأشياء الأشياء والقادم من الحياة في الحياة، هم ذلك الرائع والأنيق والمصدر واللحظات والنموذج الذي يبقيهم إزاءهِ ناضج الشخصية والدافع إلى الرسالة الحياتية الصائبة والمُتزنة. ونعم أن للوالدين شخصية تختلف الواحد عن الآخر ولكن بوجود الأولاد تتحدّ لتخلق وتكون شخصية تسكب في هذا الكيان الصغير، بالتكامل والبنيان والثقة والرزانة والنجاح ومواجهة الصعاب بكل قوة واقتدار وبدون تردد أو إتكالية.       


47
الأخ عبد الأحد قلو

 لا لرفع الرايات ،،، ليستمر السجال تعجني طريقة استاذ مايكل في الطرح، ثم هي للفائدة العامة ،، لكن في المرة القادمة اذا حضرلي 16 سؤال راح اطلب منه ( ترك)  ....

تحياتي لكَ وشكرًا لنصيحتك
[/size]

48
الأستاذ العزيز مايكل

1 ــ  الإنسان في كل مرحلة من مراحل حياته لهُ نمط معين من التصرفات والسلوكيات مُتأثرة بالبيئة المحيطة والوضع الاجتماعي لهُ وللمحيطين به مهما اختلفت درجة الصلة، كما وأن هنالك قوتان تتحكم في الإنسان وتحركهُ هما ( الخير والشر)، لكن بالمقابل هو لديه قابلية على تقبل الخير ورفض الشر. إذن كل إنسان من ذاته وقناعاته قادر أن يكون هو ذاتهِ حينما يُريد، حينما يحمل الجدية والمسؤولية تجاه الآخر وتجاه نفسهِ وللحياة التي يعيش فيها.
وإذا كان ربّ البيت للدف ناقرًا فليس شرطًا أن يكون أهل الدار على النقرات راقصين، بمعنى لا نستطيع أن نجزم ونؤكد  بان كل مسؤول فاسد لابد وأن تظهر أفعالهِ مطابقة لمن هم مسؤول عنهم. قد يكون هنالك تناقض فيما ذكرت في الحالة أعلاه ولكنه إيجابي وهذا هو المطلوب.

2 ــ كل إنسان لديه استعداد نسبي ومتفاوت لكل شيءٍ، واتفق معك أن الجريمة سلوك فطري عند البعض، ثم أن العقوبة إن كانت قائمة أو لا فأن الجريمة ترتكب لا محال، وقوى الشر في وقتها هي من تتحكم.
أما النموذج الذي ذكرته في العامل النفسي، الأبحاث والدراسات لا تنتهي في هذا الاتجاه، ثم أن هذا الصبي رغم ما هو متوافر لديه ألا أنه قد يكون لديه شعور بالنقص وفقدان الحنان، ويعوضه بأبسط الأشياء كما ذكرت،، هذا الشعور الذي نبت فيهِ هو آتي من الوالدين نفسيهما بطريقة غير مقصودة...

ونعم أنا ضد العقوبة لأنه لا يجب أن يطبق ما فعله الفاعل، ما الفرق بين فعل المجرم وتطبيق العقوبة؟! ما الفائدة من تطبيقها على البعض دون إنصاف، هناك مثلما ذكرت كثيرين ارتكبوا الجرائم بالجملة ولكن ما من عقاب نال مرتكبيها ... فأين الإنصاف هنا؟! وإن ألغيت فأن لها تداعيات وتبعيات لاحقة، تماما كما حدث مع الديمقراطية المزعومة في بلد لبسته الفوضى والتخبط..
 
الإنسان العراقي يحيا بنفسية ووضعية سيئة، ومن يعيش في قلب واقعنا ويدرك حجم خطورته سيدرك أن المطالب ليست بهذه السهولة تطلب لابد من الاستعداد والإلمام بكل الأمور من جميع جوانبها، والتي من الممكن أن تقلب الموازيين أكثر مما هي عليه اليوم..

هذا كان قصدي في :" الوقوف على الواقع شيء .. و.. ليس بسهولة المطالبة بإلغاء العقوبة".

3 ــ مثال ( المعلم والطلاب) ... الطلاب ذات الصنفين ( ناجح وفاشل) ... فإذا كان قسم ينجح وقسم آخر يفشل، فأن هذا يعزى إلى الطالب نفسه ومدى استيعابه لقيمة ومقدار ذاته ومجهوده قبل استيعاب المادة!
وكل إنسان له إرادة ولكن ليس الكل يقف عليها، لا يستخدمها من أجل ذاتهِ، لأنه مدرك ومؤمن من منطلق فكره الانفرادي بصوابها الخاطئ، فكيف في هذه الحالة سيردع نفسه وهو في الطريق ماضي ضائعًا، واصلا إلى نهايته! مما يكون أن لم نقل الإنسان غيرهُ، القانون هو من يردعه !!

تحياتي العطرة


49
الأستاذ مايكل
تحية طيبة

1 ـــ الإنسان ليس آلة لكي نستعمل معه الآلات، بل هو قبل كل شيء شعور، وتقويم سلوكه وتهذيبه وترويضه يكون منذ طفولته وبالتأكيد مع ثقافة المدرسة والمجتمع .. لكن الأهم هي الثقافة البيتية إذا كانت سليمة كانت المجتمع سليم، وثقافة المجتمع المختلفة بالاختلاط الغلط تؤثر .
ثم أنا معك كثيرين لهم شهادات عالية ومع ذلك تجدهم دون المستوى، هؤلاء ما زال تأثير البيئة عليهم، والثقافة لا تأتي بأعلى الشهادات بل بالمستوى الفكري والاقتناع الذاتي لكل فرد، وكل واحد قادر أن يصقل ذاته بذاته.

2 ــ الجريمة منذ العصور القديمة كانت تحمل البشاعة، ولكن مقارنة بما يحصل اليوم فكلمة البشاعة قليلة بحقها، كون الطرق اختلفت والأساليب تنوعت، والعقوبة سنت من أجل ردع المجرم عن فعلته ومعاقبته بالمثل. وأنا ضد العقوبة لأنه ما الفائدة من معاقبته وهو سيرحل ولم يدرك حجم فعلته، هو يظن بقيامه بفعلته بأن المجني عليه يستحق هذا والموت نصيبه لا محالة ... فينفذ جريمته! فالعامل النفسي له دوره في النسبة الكبيرة من الجرائم، حينها هو من يسير المجرم ويغيبه عن الوعي، لذا نشاهد مرات في بعض الأفلام بمجرد انتهاء المجرم من فعل جريمته والخوف والارتباك قد سيطر عليه ! ولكن لن يكون سببا رئيسيا من أجل تبرير الفعل.
 
إذن أنا ضد عقوبة الإعدام ولابد من معاقبة المجرم بالسجن وعلاجه في ذات الوقت وإصلاحه عبر برامج تأهيلية من أجل مجتمع سليم مستقبلا .. وأفكر في ظل مجتمع يعج بالفوضى كالمجتمع العراقي نموذجا، أن ألغيت العقوبة، ما هي التبعات والعواقب التي ستنشأ عنها؟! مع العلم هنالك جرائم يستحق فاعليها الإعدام ولكن يغض النظر عنها! إذن المطالبة والتأييد شيء والوقوف على الواقع شيء آخر.. يبقى انقسام للموقف بين مؤيد ومعارض لهذا الموضوع، كونه ليس بسهولة المطالبة بإلغاء العقوبة ... 

3 ــ  يوجد مجموعة طلاب في الصف، ما بين مجتهد وراسب، والمعلم يشرح للجميع على السواء نفس المادة، ولكن ليس الجميع يتقبلها ويستوعبها بنفس الدرجة، بسبب اختلاف المستوى الفكري لكل واحد وأيضا بسبب عدم الإدراك التام وغياب الاهتمام! فهل في هذه الحالة من واجب الأستاذ أن يقيم جميع طلابه بنفس المستوى ويعطيهم نفس الدرجة؟! أم يتركهم كل واحد وحسب اجتهاده من أجل بلوغ العلم بنفسهم؟! هكذا الله مع الإنسان، هو مع الجميع ولكن ليس الجميع يعمل إرادته.
 
و(النار الأبدية) هي صفة رمزية وتصويرية بلغة بشرية عن العقاب الذي يلحق بالخاطئين، والله لم يترك البشر هو دائما معهم ولكن هم من يبتعدون عنه عندما يميلون للشر! فالإنسان لم يولد مريضًا ولكن بفعل ما يعيشه ويتعرض له يصبح صاحب علة، والمرض النفسي أشد الأمراض فتاكة! والإنسان مدفوع للخطأ من قبل نفسه وغيره وبالمقابل أيضا له إرادة وتفكير تمنعه من الوقوع بها، ويعطي له فرص من قبل نفسه أولا من أجل الخروج منها، عدا ( المجنون) الذي يعتبر غير مسؤول عن أفعاله وتصرفاته بحكم ما هو عليه.

تحياتي

50
الزميل العزيز زيد

أصبت في ردك، مع الأسف على هكذا سياسات تحكم بلدان!! الرب يكون في عون شعبه ...

الأستاذ العزيز مايكل

الإنسان كائن عاقل وله روح لكن مع ذلك يميل للفعل الضار ( الخطيئة) بأي شكل من الأشكال، لأنه يرى فيها منفعته في حالة عجزه عن نيل ما يريد ..
لكن لا يجوز السعي من أجل التخلص منه. لا يجوز وضعه بميزان الحشرات! لابد من السعي من أجل التخلص من فعله الضار، هنا تكمن المشكلة ( في فعله)، البذور قبل أن تلقي بالأرض لتأتي بثمر جيد هنالك خطوات قبلها تتبع قبل أن تصل لذرات التراب لتلتحم وتحيا بها، كذلك الإنسان لابد من تقويم سلوكه أولا وأخيرا وتهيئته ليكون إنسان فعلا. 
وهناك قوانين وتشريعات سنت من أجل حماية البشرية، وعقوبة الإعدام لم توضع اعتباطا ولكن من أجل بشاعة فعل الفاعل باختلافه ومستوياته، وإن ألغيت العقوبة ستحدث فوضى ولن يردع الفاعل عن القيام بفعلته، مع العلم بوجود العقوبة أو عدمها فالجريمة قائمة ...

تحياتي


51
سؤال/ لماذا البحث عن حقوق الجاني وإهمال حقوق المجني عليه؟! اختلفت الطرق والموت واحد، هنالك الكثير والكثير من الحالات تحدث وليس شرط أن يكون فيه إراقة دماء، هنالك حالات بشعة وخسيسة تنفذ قبل القتل، مثل حالات الأغتصاب والعمليات التي تنفذ من أجل عمليات أرهابية وبعدها القتل، أليس هذا قتل مرتين  ويستحق العقاب عليها؟! لكن كلامي هذا ليس من أجل تأييد العقوبة على العكس أنا ضدها..
 
هناك طرق أخرى غير إصدار حكم الإعدام، لا يجوز تصحيح خطأ بخطأ آخر، لابد من إعطاءه الفرصة للفاعل ليدرك بشاعة الفعل الذي قام به باختلافه وليدرك ويتعرف على الإنسانية التي هو غائب عنها. وإذا زاد الاهتمام بالنواحي الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للفرد وكانت هنالك مساواة وعدالة ومحاربة الفقر والبطالة ولكان أدى إلى معالجة الأسباب الكثيرة التي تدفع بالفاعل لقيامه بالجرائم التي يعاقب عليها القانون..

أستاذ مايكل
تحية عطرة

الحشرات ليست عاقلة وليست داركة لذلك معظمها وليس جميعها توصف بالضارة لأنها تأتي بأفعال ضارة للإنسان، قد تسممه وقد تقتله وقد تجوعه، مما يدفع بالإنسان بالسعي للتخلص منها من أجل أن يضمن بقاءه!
ولكن الإنسان عاقل مدرك ليس مثل الحشرة  وفيه روح وهو الآخر قد يأتي بالمضرة ولكن لا يجوز التخلص منه بالطريقة التي يتخلص بها من الحشرات!! يبقى إنسان وتبقى جميع أفعاله السلبية مرجعها إلى حالته النفسية وما يصب فيها، وقد يعتبر في هذه الحالة مريضا ولكن أيضا لا يمكن اعتبارها المرجع لسلوكياته واعتبارها مبرر يبرر تصرفه.

تحياتي للجميع


52
صدقت أخي العزيز عبد الاحد قلو

يؤسفنا فعلا نحن المتابعين ما يجري من ضد في الفكر والرأي وتبادل وجهات النظر، كل واحد متمسك ومقتنع بما يراه صائبا غير مهتم بفكر الآخر، هي تبقى وجهات نظر ولابد من تقبلها واعطاء الفرصة من أجل أن تأتي بالأفضل، والأرض تتقبل كل ما يلقي بها ... نتمنى وحدة الكلمة والفكر قبل كل شيء من أجل أن يتوحد العمل والفعل وينهض الوطن ..

تقبل تحياتي العطرة

53
الأخ انطوان صنا المحترم
تحية لكَ

بداية أقول لك الكتابة قبل كل شيء هي سلوك سليم وتعكس شخصية ونفسية الإنسان. ومع احترامي لك وللكل لأن أرد بأسلوبك لأنه ليس أسلوبي ولا اتجاهي، وكفاكم هكذا محاولات غير مجدية، أنت من تحاول التضليل وتريد أن تصل لشيء لا تعرفه ... ردي كان واضح جدًا كوضوح ما منشور ومختصر ولا يحتاج لأكثر، وحول ماذا كانت تدور المحاضرة وعن من تتحدث ...

النقاش قد شمل الجميع دون استثناء، فلما أنت تبحث عنهُ؟! مثلا: ماذا كنت تريد أن يقال في المحاضرة: .... نعم شعبنا الكلداني السرياني الآشوري هو أيضا عاني التحولات وعاش مختلف الحقبات وما زال يهمش ويهجر وتسلب حقوقه ...... الخ؟؟؟!! كل هذا معروف والتكرار في الكلام لا ينفع ما زال الفعل غائب وهناك من يحاول أن يزرع التفرقة ويتسلق على حساب تاريخ شعب!! قلمكم لسانكم أجعلوها للحق ناطقة وللحقوق باحثة وللزمن باقية، أنتم بهكذا أساليب من تضيعون حقوق شعب ومستقبله وتجعلونه يعيش التشتت والتهميش !! نريد فعلكم ولا نريد كلام غير مجدي وناقد وسجالات كتابية عقيمة تكتب على صفحات الانترنيت ... هكذا أساليب هي بعيدة تماما عن أي مبادئ تناودن بها مناداة فقط في صحراء أنفسكم وكل ما فيها التضليل، وإذا كان ردي ركيك وضعيف ويتسم باللف والدوران، فأتمنى أن تعطي تسمية لأسلوبك أعلاه المفتقر للكياسة لأني احترت في أي خانة أضعه!! ثم أن اختلفت معي في الرأي والتحليل فهذا من حقك وانا احترمه ولكن ليكن بحدود لا تخرج عنها...
وبالنسبة لمقترحك لــ المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد الأخ طلعت ميشو قد أعطاه حقهُ مشكورًا عليه ولا داعي لان أعيد فيه وأقول أكثر ....

تحياتي

[/size]

54
المنبر الحر / التصادم اللاحق
« في: 06:53 07/11/2013  »
التصادم اللاحق
سهى بطرس قوجا


مواقف كثيرة ترافق الخطوات والمسير، هي دروب تسلك فيها وصولاً إلى ما يريد كل واحدًا بلوغهِ، هي رغبات وربما أمنيات يُريد لها أن تكون على أرض الواقع ماثلة وثابتة وراسخة وتُعاش. لكن الكثير والكثير منها مما يأتي بعد حين وبعد طول انتظار يتعارض مع ما يكون ساعتها ومع الحاضر في زمان قد اكتملت دورتهِ عند باب تلك الحياة ليكون ويصبح ما سيكون عليه مُستقبلاً. وهنا تبدأ العيون بالإبصار على ما آلت عليه الأمور وحينها كذلك يبدأ المعني بها تقبلهِ لها بنسبةٍ أو التصادم معها.
ما نعلمهُ جميعًا هو أن أي شيءٍ في الحياة يكون بحاجة إلى تفكير وأرضية صلبة يُقام عليها، أرضية بحيث عندما تكون قد تعبت فيها وبذلت جهد وتابعت يكون لك فيها خيرًا حتى وإن كان قليلا، المهم أن تكون قد عرفت، أين ومتى وكيف كان كل هذا؟! أليس كذلك؟ سنعطي فكرة مُبسطة عن فكرة موضوعنا والذي واقعنا يحمل ثمارهُ، مثلهُ مثل الكثير من الأشجار التي شمخت في سماء الحياة وكانت ثمارها لا تنفع أو ربما لم تحمل أغصانها الثمار.
 
تصادم الأفكار:

كثيرة هي مناهج الحياة والأكثر هي طرق التعامل معها، لكن المهم فيها هو كيفية تقابل الأفكار فيها وعدم تعارضها بهدف الوصول إلى نتائج أو أعادة ترميم ما يستحق البناء، بالتأكيد مع سلوك مسالك مُنتظمة ومضبوطة تحمل كل الموضوعية في أغناء سيرورة الحياة والتقدم بعيدًا عن التقسيمات والشروخات التي تقطع أوصال الكثير من العلاقات والكلام الواجب أن يكون ماثل في واقعهِ.   
جدالات كثيرة تحدث في مُجتمعنا تخلق نوع من التباعد والتصادم وجدار عالي يصعب عبوره أو لمح حتى ثقب صغير فيهِ لمرور النور خلالهِ، بسبب الانفرادية وتحيز طرف لآخر وتضارب الآراء والأفكار وعدم تقابلها، هي تكون مُتنافرة ومُتباعدة أكثر من أن تتقارب ولو لوهلةٍ صغيرة! بسبب أن كل صاحب فكرة أو فكر أو رأي في أية قضية كانت أما تخصهُ أو تخص مُجتمع أو بلد، يحاول فيها جاهدًا أن يبين أنهُ على صواب حتى مع علمهِ ويقينهِ برأي الآخر وتطلعاتهِ ومدى مصداقيتها وفعاليتها! وهذا شيءٍ جيد أن تكون واثق الخطوة ومُتطلع ولديك تصميم وثبات ولكن لا ضيرّ من انفتاح الفكر وتقبل الأفكار واختلاطها وامتزاجها بحيث يُعطيك الفرصة في تولد أفكار أخرى تكون مرجع للأولى ويُستند عليها. هي وسيلة لتطوير الأفكار نحو الأفضل ونحو فرص أوسع، أعمّ وأشملّ، كونك تطلق العنان لآرائك وأفكارك في أن تكتمل وتصبح أكثر شمولية واحتواء، حتى حينما تتقابل مع فكر الآخرين تلمّ شتات ما هو مُتفرق ومُتشابك ومُتبعثر ومُتبدد في قوالب مُتماثلة تساعد بعد حين في إيجاد وسائل وسبل تحقيق نقلات حضارية في الواقع الإنساني.     
كل إنسان وجد نفسهُ ضمن إطار مُختلف عن الآخر ولكن مُشابه في التركيبة، والاختلاف لا يفسد للودّ قضية، فإن اختلف اثنان في رؤى أو حقيقة ما فيجدر بكل واحدٍ أن يتقبل وجهة النظر والإطار الفكري ضمن زاوية تختلف عن زاوية الآخر، لكي تحضى بالقبول وبتوسع أكبر من أجل غدٍ مُشرق يشرق على العقول وينير الأفكار.
فالحياة مهما عشتها فأنها تبقى لم ولن تكتمل ما لم تتقبل الآخر ووجهة نظره، بعيدًا عن حدود تحاول أنتَ أن ترسمها عندما تكون مُتزمتًا ومُصرًا على فكرة بناء على اقتناع شخصي مُنفرد من قبلك. دعّ الطريق مفتوح للأفكار من المرور وللكلمات من أن تتحدّ وتمارس دورها وفعاليتها في ترميم العقول وثم الحياة، لتخلق فيما بعد لغة جميلة، مُتناسقة، مُتناغمة، مُنسجمة في أفواه الأجيال المستقبلية وفي كينونة الموجودات وأرضها، بمعنى الخروج عن الدائرة المألوفة إلى أفق أبعد وأوسع وأشمل، وغير ذلك فإنك ستفاجأ بتصادم لاحق يجعل ما تحت قدميك يهتزّ لينقلك إلى أرضية أخرى أنتَ لم تتأقلم عليها ولم تأتي منها. 


55
السادة الحضور جميعا
تحية معطرة لكم مني

 
وجودكم واهتمامكم وتقديم وجهة نظركم دليل على مدى حرصكم في تقديم الأفضل وكل ما من شأنه أن يساهم في النهوض والبناء من خلال الأفكار والاقتراحات المناسبة والخطوة الفعالة والإيجابية، وهذا عهدنا بالجميع.

الأخ أنطوان الصنا

بالنسبة لاستفسارك، فأنت تعلم بأن عنوان المحاضرة كان ( تحولات المجتمع العراقي في القرن العشرين) بمعنى النقاش كان يخص المجتمع العراقي برمته وليس جزء منهُ، وهذه التحولات رافقت أفراد مجتمع باختلافهم بكل ما مرّ عليهم... وطالما نتحدث عن شعب بلد واحد بمعنى أن لابناء شعبنا نصيب فيه أكيد ...

الأخ ( akoza )

مقترحك لا أجد له واقع لا في المهجر ولا في أرض الوطن، وسأسالك مثلما سأل الأستاذ طلعت ميشو :" أين هم شبابنا في ظل كل هذا بتناقضاته واختلافاته؟! ليست القضية مقتصرة فقط في المهجر ولكن في أغلب المحاضرات والندوات وأي نشاط آخر كان في بلدنا تجد غياب لفئة الشباب فلا عتب على شباب المهجر؟ ولا تنسى هؤلاء جميع الحاضرين يعملون من أجل الشباب ومستقبلهم ..

أما بالنسبة لهمستك فــ شكرًا لك على كتابتها ولكن لست ملزمة بالرد عليها ولا الموضوع يخصها .... فأعذرني !!!!

الأستاذ طلعت ميشو

جزيل الشكر لكَ على حضورك الطيب وما خطتهُ أناملك ، والذي أوافقك فيه تماما ...

جزيل الشكر والأمتنان للحضور الجميل للحاضرين والذي زاد التغطية وضوحًا، وجزيل الشكر للمنبر الديمقراطي الكلداني الموحد على جهوده ولكل من حضر المحاضرة ..

تقديري واحترامي  
سهى


56
( تحولات المجتمع العراقي في القرن العشرين)
محاضرة الدكتور سيار الجميل في ولاية مشيغان الأمريكية
برعاية / المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد
سهى بطرس قوجا
بلدنا كان وما يزال يُعاني من تضييق في الأفق ومن تمزقات في النسيج المجتمعي، وهذا جميعهُ بسبب ما يتوالى عليه من صراعات وحروب مُتتالية ومصالح قائمة على هذا الأساس، تنهكهُ وتجعلهُ في نهاية المطاف يفرز فئات لا تفقه من البناء والوحدة والتلاحم والتكاتف شيئًا، مما يجعلهُ في ضياع تدريجي ونزف مُستمر.
بمبادرة قيمة من المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد في ولاية مشيغان الأمريكية وحرصًا منهُ على التوعية بالشأن الوطني والسياسي وما تؤول إليه ظروف بلدنا العراق الحبيب، استضاف المنبر على قاعة (ريجنسي مانير ) يوم الجمعة 25 / 10 / 2013 في تمام الساعة السابعة مساءً، الأستاذ القدير الدكتور سيار الجميل، الشخصية الوطنية والكاتب والباحث الأكاديمي، ليقدم محاضرتهِ القيمة والتي حملت جوانب جوهرية ونظرة تحليلية ومستقبلية تخص بلدنا  تحت عنوان ( تحولات المجتمع العراقي في القرن العشرين). أدار الندوة الأخ فوزي دلي المحترم.    
استهل الأخ فوزي دلي الندوة بترحيب حار بالحضور الكرام لمُساندتهم نشاطات وفعاليات المنبر من خلال حضورهم الدائم، كما وشكر القنصلية العراقية في مشيغان بحضور ممثليها،  وكذلك قدم شكر المنبر إلى رؤساء وأعضاء المنظمات السياسية والأجتماعية والأدبية ومنظمات المجتمع المدني والنخبة الكبيرة من المثقفين والمهتمين بالشأن الوطني العراقي والعديد من الإعلاميين وخاصة الذين ساهموا بالإعلان عن الندوة وتصوير وقائعها، من الأخوة ساهر يلدو و يوسف يوحانا والأستاذ وليد جعدان من تلفزيون الشرق الأوسط الأمريكي ...
وقف الحضور بداية دقيقة على أرواح شهداء العراق الأبرار، بعدها رحبّ الأخ فوزي بالدكتور سيار الجميل، الذي اعتلىّ كرسيه على المنصة ليقدم مُحاضرتهِ.



بدأت الندوة بتقديم بسيط عن الدكتور المُحاضر من قبل الأستاذ  (سالم جدو)، تحدث فيها عن مسيرة الدكتور الأكاديمية وكفاحهِ في سبيل العلم والثقافة، وكيف تغرب عن بلدهِ وسافر ولا زال لحد اليوم.


بعدها بدأ الدكتور مُحاضرتهِ مُحدثًا فيها عن التحولات الاجتماعية الحاصلة في المجتمع العراقي وما تلحقهُ من تحولات وإفرازات تاريخية ومستقبلية مؤثرة على كيان وطنًا والأجيال القادمة، قائلاً:" التحولات الحاصلة في المجتمع العراقي لم تكن سهلة بل صعبة ... لماذا؟ لأنهُ كما نعرف بأن المجتمع العراقي متنوع وبالتالي الصراع الأساسي الذي كان فيهِ كان صراع مستويات ... وهناك تنوع اجتماعي مُتطرف"، كما قال أيضًا :" أرى العراق مُستقطبًا للناس، طاردًا لأهلهِ!".  
ثم زادت المحاضرة أغناء من خلال رؤيتهِ التحليلية ومصداقيتهِ لقراءة الواقع العراقي في القرن العشرين، قائلاً: بأن أخطر فترة في تاريخ العراق هي في عام 1979، التحولات التي كانت بالمجتمع كانت خطيرة ولا تُقاس بتحولات 1919 ولا بإفرازات الحرب العالمية الثانية وما أتى بعدها .. وبأن السلبية طغت على الإيجابية بشكل لافت! تاريخ العراق الهدام لشعبهِ أدخلهُ في صراعات وتعصب وانحيازات، ومُجتمعنا على مدىّ أعوام كان وما يزال غير مُنسجم حتى بعدما زال الحكم المُسمى بالمتوحش، كون المجتمع من بعدهِ ظهر على حقيقتهِ وبرز دورهِ.

 

ثم تعمق في تحليلهِ قائلاً: أن العراقيين عندما يكتبون تاريخهم أراهم غير مُنصفين، وقليلاً جدًا من يحملون ذلك الإنصاف، والعراق يجب أن أعطيه حقهُ كما يجب، والثقافة التي تجمع العراقيين هي واحدة، لكن ثقافة العراق متنوعة وبأن هناك ثلاثة أجناس، وهذه الأخيرة هي مُتصارعة ولكن قد لا يكون ظاهر، وهم ( أبن مدينة، أبن ريف، أبن بداوة)، الصراع بين هؤلاء الثلاثة من أنتصر فيهم؟! أكيد أنتصر من يملك ثقافة الريف ولكن ليس بايجابية! كون العراق بلد زراعي وهذه الزراعة اضمحلت بسبب موت الزراعة في العراق، والصراع في العراق كان أساسهُ صراع على الأراضي الزراعية.
ألا تجدون معي إذن أن هنالك ثلاثة أنواع من الثقافات في العراق، وأن الثقافة في الفرات هي غير ما في شرقهِ؟! نذكر الكثير من تاريخ العراق الهدام لشعبهِ، ومُطالب من الأخير بكيفية تخليصهِ من هذا الصراع والتعصب! هنالك أخطاء حصلت وهي أخطاء على مستوى دولة فاشلة! فما هي سبل النهوض اليوم بالعراق الجديد؟ كيف نعيد أهل الإنتاج؟ كيف نعيد الأمل إلى الجيل الجديد الموجود اليوم في العراق؟ هذا الجيل الذي هو نتاج الزمن الماضي هو الذي سيُحيي براقة الأمل، هو من سيعيد الحياة إلى بلد وهو من سينعش روحهِ ليقف من جديد ويُعيد إلى لغتهِ حروفها.  

 

وفي ختام محاضرتهِ أعطى الدكتور قراءتهِ للواقع العراقي كما يجب أن يكون للنهوض والسيرَّ به وفيهِ، قائلا:" نحن بحاجة إلى نخب فاعلة وقوى فاعلة، وفي ظل المرحلة المُعاشة والراهنة العراق بحاجة إلى عملية وطنية وليس إلى عملية سياسية، وهناك رؤية مُستقبلية للبناء تحكمها قوى ونخب ذا عقلية ذكية، كما وأتمنى أن لا يصيبنا ما أسماه هاملتون ( الموت التاريخي)، بمعنى أن لا يصل الإحباط لدى شعب يأس لدرجة الموت، وأنهُ ليس هناك عراق! على العكس تمامًا أننا نحتاج إلى ديمقراطية قائمة على أساس الحرية، حرية تبدأ من الحرية الشخصية وانتهاء بأنواع الحريات الأخرى من حرية الرأي والتعبير والفكر .... فالأمل موجود والضوء الأخضر موجود ولكن سيطول زمنهُ.

 

بعد انتهاء الدكتور سيار الجميل من محاضرتهِ، كانت هنالك مُداخلات قيمة من قبل الحضور الكرام أغنت المحاضرة أكثر وأعطتها أبعادها في المجتمع والمفصل العراقي، نذكر منهم:" الأستاذ نشأت المندوي، الأستاذ عامر جميل، الأستاذ زيد ميشو، الدكتور صبري شكر، الأستاذ سالم تولا، الأستاذ موفق حكيم ، الأستاذ طلعت ميشو، الدكتور علاء فائق، الأخ عبد الأحد مرقس ... وكانت هناك أسماء مُسجلة لأصحاب مُداخلات أخرى ولكن لم يسعفنا الوقت بسماعهم لمحدوديتهِ.

 

 بعدها تقدم الحاضرين لتقديم الثناء والإعجاب والشكر للدكتور سيار الجميل على ما قدمهُ من استقراء لواقع بلد مٌهمش، ومن طروحات فكرية غنية بأسلوب هادي وجميل، كما قُدم شكر كبير للدكتور من قبل المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد المُتمثل بشخص الدكتور نوري منصور وأعضائهِ الكرام على ما قدمهُ ويقدمهُ من أفكار ورؤى في كتاباتهِ تخدم الشأن العراقي، كما وطالب الحضور الدكتور سيار الجميل بتقديم المزيد من هكذا محاضرات غنية في المستقبل القريب، لما فيها من فائدة وتنوير فكري.  

 

وقد استمرت المحاضرة قرابة أكثر من ثلاثة ساعات، كان فيها انسجام وتفاعل وتقارب رؤى بين المُحاضر والحاضرين. حقا كانت محاضرة غنية بكل ما فيها ولاقت أعجاب جميع الحضور الكرام المُكتظ بالقاعة من أبناء الجالية من أمريكا وكندا، والمُتمثل كما تفضلنا بنخبة كبيرة من المُهتمين والمُحبين للوطن والثقافة والتاريخ والناشدين للسلام، كما لا ننسى الحضور البارز للعنصر النسائي الذي كان لهُ دورهُ وفاعليتهِ واهتمامهِ بالمرأة العراقية المناضلة التي ما زالت تُقاوم في بلدها وتتحمل كل ما تتحملهُ وتشقى من أجل أن يبقى البلد شامخًا وعزيزًا.

 
 
ما طرح في المُحاضرة أعطى للواقع العراقي صورتهِ الواضحة من خلال ما يغلفها من الكثير من التشنجات والبهتان الذي أتاها مما يعصف ببلد طالما ربىّ أجيال على مُخلفات حروبًا. نعم مُخلفات ورواسب حروب وانتهاكات للحقوق والطفولة والمرأة. نريد من العراقيين عراقيتهم وأن يثبتوها في بلدهم العراق، نريد مجتمع بدولة لا طائفية ونريد دولة بمجتمع غير متعصب.

 

ولا يسعني في نهاية حديثي ألا أن أقول: العراق يبقى العراق بأرضهِ وبنهريه دجلة والفرات وكل ما يحتاجهُ هو تكاتف أكبر من قبل شعبهِ بمُختلف أطيافهِ، شعبهِ هذا الذي هو الحجر الأساس لهُ والذي مهما اختلفت مُسمياتهِ فأنهم يبقون بالنهاية يدعون العراقيين أبناء العراق. ولا نتمنى غير الأمل والثقة بشروق يوم جديد، يُنير الطريق للأجيال القادمة لتكون منارة تُعيد النور والحياة إليهِ، تمنياتنا لعراقنا وشعبهِ الصامد بأن يرفل بالخير والنعمة والسلام والأمان، وأن يزول الغيم الذي يمطرهُ في القريب.











 
 

57
نقشتْ لهُ قبلة على الجبين
سهى بطرس قوجا

قبلة صغيرة على الجبين كفيلة بأن تنسيهِ قليلاً جراح والآلام سنين، ولكن من هو؟!

سرحتْ بخيالي للبعيد البعيد وقلت بيني وبين نفسي، كيف هو الاحتمال والتحمل وقبول الواقع باختلافهِ والمتوقع المجهول؟! فلم أجدَّ أية إجابة في زحام الأماني تُرضي هذا السؤال الحامل لبضع كلمات تقفز في المُخيلة! أعلم أن الأحلام غابتْ وضاعتْ، والأماني أصبحت مُستحيلة وصعبة المُنال، والواقع أصبح مريرًا ومشوهًا والإنسان بات تائهًا يلعب ويُلاعب في ذات الوقت، وأعلم أن بعض الكائنات تغير من جلدها حسب تقلبات الفصول! ولكن مع ذلك لا زال هنالك حالمون يحلمون بفردوس الأرض المسلوبة والمغلوب على أمرها.
هؤلاء يحلمون بالبناء الشاهق والراسخ وآخرين يُضيعون ويهدمون معنى كل شيءٍ بتوافه الأشياء والتمركز في النقطة ذاتها! أنها دوامة يدور في رحاها الضياع ليأخذ من هذا وذاك لتعيش التفرقة ويحيا التمزق! لكن إذا بقينا نحلم أعلم أن لا فائدة لهّا إذا بقيت مُجردّ حلم يتمنىّ أن يتحقق فقط في أراضي جرداء لا تملك زارعين حقيقيون يتحملون تعب مسّك الفأس طوال النهار وهم يحرثون من أجلها ويلقون فيها بذرة المستقبل. والسنين هي في مضيٌّ تعقبها أخريات قادمات مجهولات، وسمفونيات الحزن ما زالت تُعزف لتتراقص عليها القلوب الباكية والشاكية من ألم وحسرة وفراق ما زال يفتك بالأعماق من أوضاع تكاد تشبه الجحيم بالرغم من عدم  رؤيتهِ!

سؤال أخر بادرَّ مُخيلتي وأنا أفكر بكل هذه الزوابع التي لا نهاية لها كما يبدو أو حلول على الأقل ... وهو: أرض أرهقها زحام الغيوم السوداء في سمائها وضاقوا ساكنيها ذرعًا من كل ما يتجرعونهُ، هل لها أن تُقلد الحياة وتعيش الدفء في زواياها، أم أنهُ الوهم الهارب إليهِ هو من يطلب هذا؟!

أقول: التقليد لن يُجديّ لها بشيءٍ كونها باتتْ شبه عمياء وخرساء من كل ما يمرُّ عليها، والأحلام لا تنفعها في ظل ضباب مُعتم ولكن تُريحها ويُعطيها القليل من الأمل المنشود في دروب أيامها القادمات!

بدأت تفضفض عن الجاثم بنفسًا مُثقلةٍ، قائلة:" كان ليَّ كل شيءٍ ولكن الضياع والبعثرة أكلت تلك الأشياء ولم يبقى منها ألا الفتات، كان لدي أبناء وكنا جميعنا معًا في سفينة واحدة ولكن القبطان في كل محطة كان ينزل واحدٍ يلحقهُ الثاني إلى أن زاد ثقلها المُرهق وخفَ مسارها وضاعت عنهُ، كنْا نتكلم جميعنا بلسان واحدٍ رغم اختلاف اللغات ولكن البرج سقط على رؤوسنا مرة أخرى، كنا نتصافح بأيادي كلها دفء ووحدة واليوم بطلٌ هو من يحمل خنجرهُ بيدهِ ليضربهُ بالآخر حتى يراهُ يُدميّ! كانت لدينا أمنية مُشتركة وطموح واحدٌ يتحقق في وطنًا ولكن ما من تفسير لكل ما حصل ويحصل! ابتسمت ابتسامة أليمةٍ ثم أكملت:" التجديد لم ولن يصبح ثوبنا بل بتنا نقلدّ ونعيش حياة آخرين ونتبع خطواتهم ونصنع الأحداث في واقعنا وندعوها رغمًا عنها وعنا! أصبح جسدنا من كثرة ما أصابهُ كمنْ هو مصاب بمرض الجدري، تُدميه منطقة وتؤلمهُ أخرى، صبحنا وأصبحنا ولا نزال نستقبل الصباح على هذا الحال، ولم يعد لنْا حديث جديد يُبررّ هذا، المعالم تتغير بمرور الأيام والربيع يمضيّ بسرعةٍ ليعقبهُ الصيف بحرهِ الحارق! الأرض تذهب والوطن في دوامة ومن يسكنهم في تشتت في البقاع! أبوابنا أصبحت بلا أقفال وجدراننا آيلة للسقوط والقوارض تشاركننا لقمتنا وتنافسنا في مسكننا والهواء الفاسد يُضيق أنفاسنا ويخنقنا، فما السبيل لنحيّا الحياة كما هي الحياة أو كما نريدها؟!  
 
نتمنىّ أن نكون .... ولكن؟! أنها النفوس الحية الميتة المُتضرعة الطالبة بصمتًا، أنها عيون تطلب الشفاء والبصرّ، أنها قلوب تتمنىّ الحنان، أنها أيادي ممدودة للأعالي تطلب السلام وأفواه تصرخ طلبًا للنجاة، ولكن أين هذا في ظل أرض اغتيلت بالانفجارات والاضطهادات والتعصب الأعمى وأرهقها زحام الخوف والتنافس وزارها التصحرّ المُبكر؟! أين هي تلك الأرض التي قامت على الأمجاد وشمختْ من سواعد ملئت السماء بالحمامات؟! أين هي تلك الأرض التي هُجرت وأصبحت بيبانها مفتوحة ليدخلها من يشاء ويأخذ ما يريد من أجل أن ينهض هو وتموت هي؟! أين هو ذلك الصباح المشرق الذي كان يتغنىّ بنسائم وطنًا الندّية؟!  
 
الكلام كثير والفعل قليل! مللنْا من الإنابة عنْا ومن كثرة الطبول التي تدق من أجل أن تفسح للكذب والمراوغة طريقًا يسير عليها، مللنْا من كثرة الشعارات واللافتات البيضاء المكتوبة بقلم النفاق، مللنْا من الجلوس في الملعب ومُتابعة نفس اللاعبين وهم يلعبون بالكرة والعمر يرسم خطوطهِ على ملامحهم وهم يرسمون الحياة لغيرهم بأفكارهم المُتناقضة والغير مُتماشية مع الحدث الحاصل في حينهِ، مللنا من كل شيءٍ جالب للملل، حتى بتنا نملُّ من أنفسنا ولم يعدّ بمقدور قدرتنا على التحمل! فما بالك بأرض تحمل كل هذا وتئنُّ منهُ ولم يعدّ بمقدورها وهي تتحمل لسنوات طوال أوجاعًا وجراحًا لا دواء وطبيب لها، غيرَ أن تنقش قبلة على جبين وطنًا، تعتذر منهُ من أجل ما يفعلهُ من يسكنهُ ويسمح به قاطنيه سواء كان بيدهم أو ظروفًا أجبرتهم على ذلك.

أنها الأرض وأنهُ الوطن وأنهُ السلام المنشود في حياة حرة وأنها نفوس تطلب الكفاية من كل شيءٍ، فقد فاضّ بها الكيل والحمل أصبح أثقل مما يتصور.

58
 
جزيل الشكر لك والأمتنان على الرد والتوضيح أستاذي العزيز
تقبل تحياتي وتقديري وشكرًا لجهودكم المبذولة

59
تحية طيبة لأستاذ عبد الأحد قلو

 لا بقاء في الخيال ما زال نعيش على أرض الواقع، ومن تتكلم عنهم هم يعيشون في خيالات ذاتهم وفي دائرة مصالحهم ...

ملاحظة/  أستاذ عبد الأحد، قبل أيام حاولت الدخول إلى موقع مانكيش بعضويتي لنشر المقال مباشرة ولكن لم أتمكن، لا أعرف أين مكمن الخلل !!!

تقبل تحياتي وتمنياتي بكل خير وموفقية
 

60
المنبر الحر / رحلتي إلى الخيال
« في: 15:32 02/10/2013  »
 
رحلتي إلى الخيال 
سهى بطرس قوجا


عندما تقسّوا علينا الحياة وتجرفنا في طريقها الأقدار، نجد أنفسنا صدمنْا، ضعفنْا، تقوقعنْا، بسبب يأسنْا وعدم مقدرتنْا على التحمل. فنأسر أنفسنْا بقيود نحن من نضعها لأنفسنْا، ونشدّ أفكارنْا ونبحرَ فيها إلى عالم الخيال بكل عقلنا، باحثين عن آمالنْا، أحلامنْا، إنساننْا، أمانينْا الضائعة والتي أصبحت سراب في عالم الواقع، علّ وعسّى نجدها في عالم اللاوعي! أسئلة كثيرة من عالم الواقع تُبادر ذهننْا، تُدهشنْا، تُحيرنْا، تُبكينْا... من يُجيبنْا عليها... لا نعلمْ؟!

بين الواقع والخيال:

كثيرين يتمنون أن يهربوا من واقعهم إلى دنيا الخيال، إلى عالم خيالي لا يرون ولا يسمعون فيهِ غير صوت الإنسان يُنادي الإنسانية لأن هنالك من البشر من يتسّم بأسلوب يشوهُ جمالهُ. سنقوم برحلة صغيرة إلى عالم الخيال، عالم نعيش فيه لحظات، ننسى فيهِ ألم الحياة، نقابل فيهِ من يستحيل علينا مقابلتهم ورؤيتهم في الواقع. نسافر إلى عالم لا نجد فيه أي حدود أو أسوار أو قيود، عالم خالي من الخُبثّ، الحقدّ، المكر، الأنانية، الكذب، الطمع، الانتهازية، الاستغلالية ..... الخ.     
أغمضتْ عيني على حلم كم أودّ أن يتحقق في الواقع من أعماق أعماقي، وبينما أنا أفكر بهذا بيني وبين نفسي، غفوتْ وفجأة سمعتُ صوتًا يُناديني ويُوقظني من نومتي، ويدعوني إلى رحلة معهُ، أستيقظتُ مفزوعةٌ وقلتُ:" منْ يُنادي ...منْ" ؟! فردَّ عليِّ وقال:" أنا ... لا تخافي"، فقلت مرة أخرى:" من أنتَ"؟ فقال لي:" لنْ أقول الآن بعد أن نُنهي رحلتنا سأقول لكِ منْ أنا"؟، فقلت:" أيةُ رحلةٍ وإلى أين... فلمْ يُجيبني"؟! ولكن بيني وبين نفسي أحسستْ أني أعرفهُ، وسمعتُ نبرة صوتهُ يهمس في أذني من قبل! 
فأمسكَ بيدي وأصطحبني معهُ في طريق، مشينْا فيها مسافة إلى أن وصلنْا إلى باب كبير ففتحهُ ودخلنْا... يا للعجب، عيني رأتْ ما لم تراهُ من قبل! رأيتُ الحياة بمعناها الحقيقي، رأيتْ دنيا غير دنيتنْا، رأيتُ أناسًا أصواتهم، إحساسهم، كلماتهم، روحهم، وكأنها موسيقى تبثْ في نفسكَ السعادة، رأيتْ جمال الإنسان على الطبيعة من جمال نفسًا وروحًا وأخلاقًا وأعمالاً، حقًا إنسانًا يسمّو بإنسانيتهِ. نظرتْ للطبيعة الخلابة ورأيتْ ما فيها من زهور بمُختلف ألوانها وأشكالها، رأيت الأشجار بخضرتها البهية، رأيت الطيور تحلق عاليًا في سماء زرقاء صافية، أمشي وأمشي وأنا أتعجب وأقول في نفسي:" ما أجملهُ من مكان"، أنظر هناك أرى بلبلٌ يُغردُّ بصوتٍ عذبٍ، أُعطيّ أذني لتلك الناحية أسمعُ هدير مياه عذبةٍ وكأنها ألحان قيثارة تُداعبّها أصابعٌ ناعمةٍ. آهٍ... ما أجملها من حياة! فتعجبتُ وأندهشتْ لِمْا رأيتْ وأنتابني إحساس غريب وشعور بالسعادة يغمرني لا يمكن أن أوصفهُ، وقلتُ للذي دعاني:" أين أنا، وما هذا المكان؟!".   
فنظر إليَّ وقال:" أنتِ في دنيا الخيال في دنيا اللاواقع، هنا تستطيعين أن تحققي كل ما لمْ تستطيعي أن تحققيهِ على أرض الواقع، ولا تندهشي كثيراً فما زلنْا في البداية، أنتظري حتى تتعرفي على المكان بأكملهِ، فربما قد لا يعجبك"! فقلت في نفسي:" ماذا يقول، كيف لا يعجبني"!     
تابعنْا سيرنْا ومشينْا بين تلك الأشجار العالية وعيني تذهب يمينًا وشمالاً تُمتع نظرها. ورائحة الزهور تفوح من بينها وأنسام الهواء الهباب تُداعبُّ خصلات شعري، وكم تمنيتْ أن تكون لي أجنحة لأحلق عاليًا مع تلك العصافير الصغيرة التي أراها مُعششة بين أغصان الأشجار حيث الصفاء والنقاء. وبينما نحن نسير وصلنْا إلى كوخ قديم وصغير بحديقة وأسوار تُزينها وطفلٌ جميلٌ يلعب فيها، فما إن رآني بطرفة عين حتى هرعّ إلي بكل قوةٍ، قائلاً:" لا تتركيني هنا ... لا تتركيني"! فأندهشتْ لكلامهِ، وأحسستْ من كلامهِ أنهُ يعرفني، على الرغم من رؤيتي لهُ لأول مرة! فسألتهُ:" هل تعرفني؟ ولمْا أنت هنا وحيداً؟" فقال لي مُعاتبًا ودموعهُ تتساقط كقطرات ندّى على وجنتيهِ:" أنتِ من تركتيني كُل هذه السنين وحيداً ونسيتيني"!
 صعقني ردهُ وآلمتني دموعهُ البريئة فأدمتْ قلبي وأبكتني بشدة فقلت لهُ:" ماذا تقول، وعن أي شيء تتكلم"؟ فقال:" أنا هنا أسيرًا منذ عشرون عامًا، وعقلك هو من أسرني وكبلني بحيث منعني من السير ومن أن أكبرُّ". جذبني حديثهُ الذي دخل أذني وجعلني أتأمل فيهِ لبرهة، مُتعجبةٍ! وإذا بشريط حياتي يمرُّ أمامي، أعيشُ لحظاتهِ من خلال هذا الطفل... آهااااا...  وفجأة تذكرتْ، أنهُ حلمي الذي طالمْا تمنيتْ أن يتحقق ولكني تركتهُ وركنتهُ لسنين، حلمي الذي ما زال يسكن داخلي، ولكن أنا بيدي من جعلتهُ حبيس قضبان نفسي بسبب أحباطي ويأسي وشعوري بفقدانهِ. فحلمي هذا قد سرقتهُ الأيام مني بدون إرادتي وبقيَّ خيال ومُجرّد تمنيٍّ في داخلي الأليم، لكن كل يوم كنتُ أتذكرهُ فيهِ يُضيف إلى سنين عمري يومًا آخر ليصبح من الماضي.     
فحزنتْ وندمتْ على كل تلك السنين، وسألني من دعاني للرحلة معهُ:" والآن ما هو رأيك هل يعجبك هذا العالم، وهل تفضلين وتودين المكوث فيهِ؟". فرفعتْ عيني ونظرتْ إليهِ قائلة:" عالم الخيال شيء ممتع، تجد فيهِ: الإحساس الراقيّ، السعادة، الأمان، الراحة، هدوء النفس، الجمال، الطبيعة، الصفاء، النقاء، الروعة، البراءة، الأمل، الحلم، الرقة....ألخ. ولكن جميعها تبقى وقتية وخيالية لا تستطيع أن تعيشها وتلمسّهْا كما في الواقع. وخيالنْا هذا ما هو ألا وسيلة للهروب من الواقع وما أن تفيق منها حتى تعود إليهِ وأنت مُحمل أكثر بالألم والحسرة. وعندها تكون كالشارد والضائع بين الحقيقة والخيال لا تعرف هل تُساير الواقع أم تعيش الخيال. فالخيال بلا حدود ولكنهُ يبقى ناقص وغير كامل، لأننا نرّى فيهِ ما نريدُ ونُحبَّ أن نراه فقط بنظرتنْا المُنفردة". 
ولكن أنتَ لمْ تقُل لي لحَّد الآن من أنتَ؟ فقال:" أنا نفسكِ، سرقتك من عالمك وأخذتكِ في رحلة لتتعرفي على سبب صراعك مع عقلك، وسبب تقييدك ليَّ!". وفجأة سمعتُ صرخةٍ أعادتني من عالم الخيال إلى عالم الحقيقة، كانت صرخة الحقيقة... أفاقتني!   
رحلتي أنتهتْ في عالم الخيال واللاوعي ولكن من عالم الواقع لمْ تنتهي، فالخيال جميل وجمالهُ يكون فقط حين نعيشهُ لحظات جميلة وليس بأستمرارية. وبدون هذا الخيال لا يمكن أن نصْل للواقع، ولكن يجب الفصل بينهما لكي لا يتداخل الأثنين ونضيع بينهما وبالتالي نخلق شخصية مُزدوجةٍ ومُركبةٍ وهاربةٍ من ذاتها.
وما أودّ أن أقولهُ في ختام حديثي هو إن الإنسان في واقعهِ بإستطاعتهِ أن يصل إلى ما يريد حين يصرُّ ويصممُ من داخل ذاتهِ على تحقيق مبتغاهُ بكل ثقةٍ وحين يستخدم عقلهُ الاستخدام الصائب بحيث يخدمهُ ويرقيهِ كإنسان، فلا تجعل مُخيلتك تتأرجح بكَ بين الواقع والخيال وعندها تضيع عليك ولا تعرف نفسكَ أين تسكن وماذا تريدُ؟! أو ربما تنسّى من أنتَ؟! 

61
الأخوة الأعزاء جميعًا
تحية طيبة

الأخ عدنان عيسى اسعدني حضورك وما نثرتهُ من نفع الكلام، فعلاً من لهُ كلام ووجهة نظر تخدم الأفكار، فــ ليقولها ليستفاد منها وغير ذلك يا حبذا لو يبقى بعيد بخطوات ويراقب بصمت ...
فــ لا وجود لتاريخ منفصل عن تاريخ شعوب ولا حضارة منفصلة عن حضارة أخرى، وألا كيف هو الوجود مستمر بكل ما عليه! وعلى الجميع إدراك أننا لسنا في زمن البطولات والفرسان كل واحد يسّتل سيفهُ من ناحيتهِ ويبدأ معركتهِ وكأن هو الحق معهُ والآخرين لاء ...

استاذي العزيز مايكل سيبي شرفني حضورك الطيب ..

الأخ لوسيان
مع أن مجلس النواب الأردني هو كمثال بسيط على موضوع الشتائم وليس من ضمن الحديث، الأ أنني أقول لك:

قبل أن ينتخبوا هؤلاء لم تكن المُشاجرة من ضمن شعاراتهم، والتي كانت في الاصل عبارة عن طبول تدق في الأذان وتصديها من كثرة ما يغلفها على ما اعتقد، كون هذا الدراج مع أي مرشح يقدم نفسهُ من أجل الانتخاب!! ولا علاقة للشعب المسكين بمشاجراتهم لا من قريب ولا من بعيد، بل هذه جميعها تأتي من عدم الاتفاق فيما بينهم ...

أذن المشكلة تأتي من ثقافة البعض والذين يملكون المال والسلطة بيدهم ويحاولون بها الضغط على آخرين، مما يجعلها تبدو كل المجموعة سيئة مع أنها ليست كذلك؟! هنالك رفض وهنالك ضغط ! ثم لا ننسى أن النفوس الضعيفة تُشترى بالمال وعندها تسقط المبادئ والقيم ..

وكل إنسان مسؤول عن شكل الثقافة التي يريدها حسب قولك، نعم ... ولكن ليس على حساب ثقافة آخرين الذين من خلال ما يطلقونهُ يشوهونها ويضيعونها ...
لنرتقي حسب شروط الباكيت ولكن ليس حصرًا بعدد معين وليس حرقها ..


أستاذي العزيز عبد الاحد قلو يسعدني حضورك دومًا
من يشتم هو ضعيف فعلا وحججه أضعف ..

تحياتي وتقديري للجميع وأملي ليس أنا فقط بل الجميع أن نلمسّ الاتفاق والوحدة في الفكر والرأي والكلمة بين أبناء شعبنا لكي تكون خطوتهم في بلدهم ثابتة وصوتهم يدوي فيهِ .... 


62
إلى الأخوة والأساتذة المحترمين
تحية طيبة 

يحزّ في أنفسنا أن نرى المدافعين عن قضايا شعبنا يتقاتلون كلاميًا ويعيدون ويزيدون في الكلام بدون أي معنى أو تقدم خطوة ايجابية وجدية للأمام، معظم النقاشات تتحول إلى تعدي وعبور للحدود وكأنهم في حرب! كم نتمنى أن نقرأ كل ما من شأنهِ أن يخدم ويضع النقاط على الحروف من أجل مواصلة المسير وليس المراوحة فيها والبقاء في نفس النقطة ..
 
ويبقى أن أقول الإفلاس موجود في ثقافة البعض وليس الجميع، كما هو واضح في هذا الفيديو !!
فيديو مشاجرة النواب الأردني بالأحذية والشتائم 
http://snarah.net/index.php?option=com_content&view=article&id=4065%3A2013-09-08-17-02-00&catid=2%3Aar&Itemid=8
تحياتي للجميع وأسعدني حضوركم وما نثرتم من مفيد الكلام
تقديري

[/size]

63
الشتائم حيلة المُفلس
سهى بطرس قوجا

معظم الأمور في الحياة لا تسير دومًا على وتيرة واحدة، لابد لها من الخروج عن مسارها الذي قد يكون غير ملائم للملائم لها وبالعكس.

الاختلاف: وهل من الممكن أن تكون الحياة مستمرة بطبيعتها بدونهِ؟! بالتأكيد لاء، لأن لولا هذا الاختلاف على أرض الواقع لمْا كنت أنا وأنت وهو وهي كلٌ على موضعهِ اليوم، بغض النظر عن مستواه وعن الظروف التي قد تتداخل وتتشابك لتكون في الواقع وتأتي بنتائج عكسية ليس كما يُراد لها ... أليس كذلك؟! فالاختلاف مثلما هو حالة سلبية وعقيمة في كثير من الأحيان ولكن بالنظر لجانبهِ الآخر فأنهُ يحمل الكثير من الايجابيات والحلول التي من الممكن أن تعطي الحافز للوصول إلى الأفضل والأمثل في حالة ما إذا فهم على هذا الأساس وليس غيرهُ ..... كيف؟
طبعًا تركيبة كل إنسان تختلف عن الآخر وبالتالي فأن الأفكار لا يمكن أن تتلاقىّ بنسبة كاملة بدون تبادل وجهات النظر وتقبل الآراء مهما كان تباين اختلافها ومناقشتها على أسس سليمة وبناءة وواعية. فبين رأيٌ ورأيًا آخر هنالك نقطة اختلاف فيها تقارب وتباعد في ملعبها، وبين أن تكون مُعارض وموافق هنالك مبدأ وقضية للتداول والنقاش فيها على أسس ثقافية سليمة وموضوعية بحتة بعيدة عن الشخصنة والاتهامات والاهانات والتراشق بالكلمات باختلاف مُسمياتها، وتحجيم لكل ما هو ماثل.   
ولكن نشهد ونلاحظ ونسمع بمُجرد ما يثير موضوع معين يخص قضية ما في مجتمع أو بلد ما، أن تلك النقاشات المُتداولة فيهِ قد ذهبت لأبعدّ من حدودها القريبة وخلفت الكثير من الرواسب والانطباعات السلبية مع الكثير من التوتر والحدية والتفرقة والتخاصم وتغيير معالم اللغة والشخصية والسلوك، مع إعطاء الكلمات حروفًا غير حروفها المعهودة وألوان غير ما هو ظاهر ومعلوم لها في واقعها! حوارات ومناقشات يلبسها الكثير من العنف الفكري المتوتر المتولد في ذات الشخص نفسهُ، ومُتخذة شكلاً ومنحىّ آخر بعيد تمامًا عن مضمونها الأصلي ومعناه وفي مُحاولةٍ لإقصاء الآخر واعتبار كل واحدٍ أن رأيهِ هو الصائب والأمثل! هنالك تعصب وتعنّد وتزمت في الرأي والفكرة ومحاصرتها ضمن حدود يتمنىّ لها أن تكون فقط، مع العلم طبعًا أن هكذا فكر مُحاور هو مُدرك تماما لحجم ومردود كلامهِ في واقعهِ، ولكن يضع نفسهُ في خانةٍ هو من يريد لهّا أن تكون من أجل أن تخدم ما يرغب به هو وغيرهُ وما الحاصل منها لاحقًا!
والمُتتبع لكل ما يجري على الساحة اليوم، يلاحظ هنالك انحياز وتأييد وتعصب أعمىّ إلى جهة دون أخرى! هنا لا نشخص أحدًا بذاتهِ ولكن كحالة عامة أصبحت ماثلة في الواقع وتخلف الكثير من السلبيات من اهانة وتجريح بالكلام وانفعال وشتائم وإطلاق كلمات نابذة وتصغير الآخر، مُفتقرين بهذا إلى أقل أساليب التواصل وهم من ينشدونهُ! هذا الأسلوب المشين من البعض هو ما جعلني استغرب منهُ وأتسأل: كيف أن أصحاب قضية يؤمنون بحقيقتها ووجودها ويدافعون عنها، ينجرفون لينزلقوا إلى القاع الذي هم يحاولون الفرار منهُ!
في أي نقاش مُتداول يخص قضية ما، نلاحظ خروج الموضوع عن مضمونهِ ومستواه وفكرتهِ ليصل إلى شخص كاتبهِ حتى بدون أن يكون هنالك استيعاب كامل بمحتواه، بسبب كون أفكارهم وآرائهم حبيسة تعصبهم الأعمىّ! يحولون ساحة الحوار إلى مسرح ذات عرض صاخب يشمل ممثلين حقيقيين وآخرين زائفين وبنصوص يتيمة! في محاولة لإظهار الضغائن الشخصية واستفزازات ومُشاجرات ومشادات كلامية عنيفة وفقيرة، وبيان أي واحد هو الأسرع في جرّ الحبل إلى مرماه! ولكن الاستغراب أكثر يكون حينما تجدهم في موضع ثاني يرددون العبارة الشهيرة لــ غاندي:" الاختلاف في الرأي لا يفسدّ للودّ قضية" وهم للفساد زارعين وللحقد والتفرقة حاصدين! لا نعلم لمن يكتبوها ولما يرددوها ولما يلبسون القناع إذا كان ودّهم قائم!
اختلف في الرأي وأبديّ رأيك وفكرتك ولكن لا تحاصر الفكرة ضمن حدود فكرك أنتَ فقط، بل دعها تنطلق وتأخذ موقعها من الأفكار الأخرى لتتقابل ولتعرف وتتعرف على مكمنْ الخلل أين، هذا إن كان يوجد هنالك اقتناع أصلا وإيمان بما أنت تسعى إليهِ!
نحن بحاجة إلى تعلم ثقافة الحوار الراقي، ثقافة تكون مولودة الفكر النيرّ بدون  انحياز وبدون فرض شيءٍ على شيءٍ آخر، وبدون أن الغي وجود الآخر من أجل أن أثبت وجودي الذي لا يكون من دون هذا الآخر الذي تحاول إقصاءه بشتى الأساليب وشراء الذمم مقابل حفنة من المال التي حينما تحصل عليها تستصغر نفسك بها وتجعلها مُهانة وأنت لا تعلم يا عالم، جعلت نفسك مملوكة وخادمة للمال!

سهلا هو جدًا أن تقلل من شأن الآخر. 
سهلاً هو أن تتهم الآخر وترشقهُ بمختلف كلمات الإتهام. 
سهلاً هو أن تحجم الآخر حسب نظرتك الضيقة. 
وسهلاً هو أن تشتم الآخر بكلمات تدل على تركيبة شخصيتك وكيانك وبيئتك أولاً.
ولكن كنْ على يقين تام أنك في حالة إفلاس دائم وفقر ذاتي، تعيش في فراغ فكري لا أساس ولا مبدأ لهُ ولا قضية للتداول والبحث فيها! تعلم ثقافة الحوار لكي تصل إلى مصافيّ الرقيّ، وأعلم أن الاختلاف واردّ ولكن ليكن بمحبة.

64
الأخ سامي مدالو المحترم
تحية عطرة
نعم ....  تقال لكل ما هو إيجابي في الحياة، وهذه الإيجابية تأتي من إنسانية الإنسان حينما ينظر لنفسهِ على أنهُ إنسان وليس بشر ...
تقبل تحياتي وتقديري لك دومًا وأسعدني حضورك



استاذي العزيز عبد الأحد قلو
تحية عطرة
وجودنا في هذه الحياة مؤقت، لا دائم غير العمل الصادق
تقبل تقديري وشكري لك على الحضور الجميل دومًا
 

[/b]

65
المنبر الحر / وكان لهُ ما أراد
« في: 02:25 24/08/2013  »
وكان لهُ ما أراد
سهى بطرس قوجا
 

تسرقهُ اللحظات من دنيتهِ لتسكنهُ في عالم كل ما فيهِ نفسًا ترحل إلى حيث ما يحضرها لتعيش فيها، أنها نفسًا تعيش الحيرة ويشتتها الغموض في دنيا الواقع واللاواقع ليبعثرها داخل كيان مُتمرد! ولكن ما لذلك التمرد من حضور حاضر ألا إذا استدعيّ ليكون في وقتهِ المناسب. 
ما بين وقت الشروق ووقت الغروب هنالك نفسًا تاهت بين صدى الساعات والأماكن، صدى يثير فيها الأحمر الدافئ! أنهُ تائه لا يعرف للسكون عنوان ولا يعلم كيف يعود ولا يعرف للركون زاوية يتوقف فيها ليُجالس ذاتهِ قليلا بهدوء ويُحدثها، كل ما يدركهُ أنهُ يريد ولكن كيف ومتى؟! أين يجد ذلك الموجود في دنيا اللاواقع؟! هكذا يفكر ويجد واقعهُ، مُظلمًا، باهتًا، صغيرًا، ضيقًا يخنقهُ. أنهُ يفكر في تلك الأفكار التي تستوقفهُ في محطات لا يرغبها باحثًا عن عنوان، مقعد، اسم، وملامح إنسان كانَ، يأخذه الشوق إلى روحًا كان لها حضور فيهِ، روحًا عندما كان يلقاها تُدفئ برد قلقهِ وتهدأ الخوف في عينيهِ.

إنسانًا يسير ما بين دقائق وساعات اليوم وهو ضائع الخطوات، ينظر يمينًا ليلمح ابتسامة تضيء قلبهُ، يتجه يسارًا ليجد يدًا حنونة تمتد لهُ! يبصرها فترتسم الفرحة على وجههُ وتشعّ الابتسامة من عينيهِ ويصبح قريبًا من حقيقتهِ، يحاول أن يتقدم بخطواتهِ المُتسارعة ليصل إلى ما يريد، لكن يفيق على وهمّ وسراب قلبًا وعينًا فقط، يترأى لهما ما كان في واقع يحبذاهُ كثيرًا ويتمناه! أنهُ لاواقع أبصرتهُ الحقيقة في الأعماق ومعها بدأت قطرات الدمع بالهطول على وجنات أحمرت من كثرة ما لامسّها دفئ الشعور وحنين سلك أغوار الروح وأستوطنها.
 مسكينًا هو من يُسكن نفسهُ في دوامة لا نهاية لها إلا حينما يرغب هو بنهايتها ووضع عصا الاستمرارية فيها ليستوقفها ويمضي بحياتهِ.
رأيتهُ يجلس بصمت يحمل ضجيج سنينهِ مُتأملاً، يفكر ويكلم دواخلهُ ببضع كلمات قائلا:" لا أدري ما بي، ولا أعرف لتلك الأسئلة التي تطاردني أجوبة؟! لا أعلم متى يكسر قيدي؟! ماذا فعلت في الحياة وماذا فعلت الحياة بيا؟! أنها أنانية ومتمردة وقاسية لا تعطي شيئًا ألا وتعود لاحقا لتأخذهُ، وكأنهُ أمانة تستودعها لتستردها لاحقا! أعطتني ما كنت أريدهُ وأتمناه ولكن عادت وأخذتهُ مني بسرعة، لقد تجاوزتني وتجاوزت خطوط حياتي كالأخضر الذي ينطلق من أجلهِ كل شيءٍ، أهملت الأحمر بنفسي وركنتهُ ولم أنتبه! الحياة اختارتني وأختارت البقاء والرحيل في ذات الوقت في كيان إنسان يتصارع من أجل البقاء فيها! لا أدري هل أتجاوز رغبات وأمنيات إنسان أم أبقيَّ نفسًا في داخلي مقتولة تنزف كلما صارعها الشوق لترحل إلى ألبوم الصور لتلمح من يملأ وريقاتها، أم أرحل للاماكن واسكنها؟!".

أنهُ يفكر ويجد ذاتهُ في تشتت وانتظار لا يُجدي والبقاء داخل كيان مُنغلقًا لا ينفع! وكان لهُ ما أردّ لأنهُ أرادَ فعلاً من أعماقهِ أن يلبس إنسانًا جديدًا! نهض وتمردّ وأنتقم من واقع يكبلهُ ويبقيه في مكانهِ ما بين الذهاب والإياب حائر، وما بين الحياة واللاحياة ساكن، ما بين الرقاد والنهوض حبيس، ثارّ على نفسهِ التي بقيت حبيسة آمال رحلت بدون رجعةٍ، فكان لهُ في الحياة وجود بعد أن طوىّ حكايتهِ التي انتهت فصولها ببدايتهِ هو.
 الحياة دائمًا تلوحّ لك بالحياة والبقاء فلا تلوحّ لها أنتَ مُودعًا قبل الأوان وتخاصمها. وتأكد بأن هذا ما تفعله الحياة، أنها تستودع الأمانات عند من تريد من أصحابها لتأخذها لاحقا في أي وقت تشاء! ولكن هل أن صارعتنا الحياة نصارعها نحن كذلك ونعاندها؟! هل نحن قادرون على غلق الأبواب بإحكام أمام الحياة والأقدار ونستطيع منعها من المرور إن رغبت بالحضور؟!   
لو كانت لنْا سلطة على الأقدار لمْا كنا اليوم نذرف الدمع على حياة رحلت من أمام أعيننا إلى حيث لا رجعة، أليس كذلك؟! أصبحت قتيلا في الحياة ... نعم، ولكن ما زلت حيّ بشهيق وزفير، حاول النهوض من موتتك وأنتقم من لا واقع يفرض نفسهُ بقوة على حياة بكتْ من جبروت إنسان ولم يجف دمعها.
وكنْ على ثقة قوية وفي استعداد دائم ولا تجعل الظروف تصنعك كيفما تشاء وتسيرك في طرقات تريدها هي، بل كن أنت صانعها لأنهُ بالفعل أنتَ من تأتي بها للحضور في واقعك.

66
الأستاذ العزيز شوكت توسا المحترم
 
بلدتنا منارة شامخة في سماء بلدنا العراق، وهذا من واجبنا نحن أبنائها وبناتها أن نحافظ عليها ونجعلها دومًا تسطع وتكون نورًا يُستضاء به. أسعدني جدًا حضورك وطيب كلامكَ وتقبل مني خالص التقدير والشكر ..
تحياتي وتمنياتي
   

67
 
مبروك لــ الهيئة الإدارية لــ جمعية شيرا الربان هرمزد الكلدانية الأسترالية / سدني، ونتمنى لجميع نشاطاتهم أن تثمر وتأتي بنتائج إيجابية ..
أعتزازي استاذ مايكل 

68
حوار مع الكاتبة الحقوقية سهى بطرس قوجا
حاورها الأستاذ نجاح القس يونان


ضمن سلسلة الحوارات واللقاءات الثقافية التي أجريها منذ فترة ليست بالبعيدة مع السادة الكرام من أبناء بلدة القوش الحبيبة، بهدف تسليط الضوء عليهم وإبراز دورهم وفعاليتهم في المجتمع، كان لنا هذا الحوار مع الكاتبة الحقوقية سهى بطرس قوجا، وهي شخصية أدبية تتصف بطموح كبير وبعد نظر للأمور كما تتميز بقوة الفكر وقول الحق وسعة الاطلاع مع الثقافة والفهم الموضوعي لواقع الحياة والبشرية بدون تحيزّ أو تفضيل.
منذ أن قرأت لها للمرة الأولى ما تنشره في الصحف والمجلات داخل وخارج العراق وفي معظم البلدان العربية إضافة إلى المواقع الالكترونية العديدة، كنت في كل مرة أتأكد وأتيقن من شيءٍ واحد، وهو أنني أقف أمام أديبة وكاتبة ولدت من بطن بلدة عريقة وتبشر بالخير الكثير لبلدتها أولا ولنفسها، كاتبة لم تقف عند حدود موضوع ما، بل تنوعت واستفاضت وقدمت وحللت واستنتجت لتعطي بالنهاية النتيجة المرجوة التي لا بد أن تكون في الواقع معاشة.  
وكالعادة نرحب بضيفتنا أجمل ترحيب، ونبدأ حوارنا معها بسلسلة أسئلة، نبدأها بــ :
1 ـــ من هي سهى قوجا ، كيف تعرفين نفسك؟
أنا لا احتاج لتعريف نفسي، كتاباتي وأفكاري التي تمتلك حرية الرأي والفكر والتعبير بكل صراحة هي من تعرفني وتقيمني، ولكن لو أردت أن أعطي فكرة عن هذا القالب سهى قوجا، لن أقول غير أنني بنت القوش تربيت وترعرعت بين أحضان بلدتي الشامخة، فتاة تملك من الطموح زيادة عن الحدّ، ومن الحلم أكثر. فتاة تحلم بغدٍ مشرق ليس فقط لنفسها ولكن لجميع الناس، وما يهمني بالأول والأخير والذي أهدف إليه من خلال الكلمات التي انثرها بين السطور هو الإنسان وإنسانيتهِ. أحب الكتب كثيرًا ولا أملُ منها بتاتًا تمامًا كما كنت في دراستي متفوقة ومواظبة عليها حتى بعد أن درست القانون وحصلت على شهادة البكالوريوس فيه وبشهادة الأستاذة المشرفين. لدي فلسفتي ورؤيتي الخاصة للحياة والتي هي واضحة في كلماتي ..  
2 ـــ من خلال تعريفك بنفسك، ذكرتِ بأنهُ لديك فلسفتك الخاصة بالحياة، هل من الممكن أن توضحي أكثر ما تعنيه؟
الحياة برمتها فلسفة معقدة ومعها الإنسان الذي يجعلها أكثر تعقيدًا عندما يكون في داخلهِ مُصرًا على ذلك! لو كل إنسان حاول مُجرد المحاولة أن يرسم في داخلهِ صورة مبسطة للحياة تكون جميلة رغم بساطتها سيرى الحياة بنفس درجة ذلك الجمال وسيعكس على الآخرين، أليس كذلك؟! كذلك أن غير من نظرتهِ وتقييمهُ للأمور نحو كل ما هو إيجابي قبل السلبي، بالطبع ستكون هنالك ثقافة أخرى تزهر داخل هذا الإنسان.  
إذن فلسفتي الخاصة هي نابعة من داخلي أنا أريد حياة نقية وملونة بمختلف الألوان الجميلة، حياة تخدم وترممّ أكثر، وهذا في واقعنا صعب جدًا! كون الأفكار لا يمكن أن تتلاقى بنسبة كاملة وإن حدث وتلاقت فلابد من أن يعتريها البعض من التخبط والاصطدام والتنافر والذي سيؤدي في النهاية إلى قلب الموازيين! لو كل إنسان حاول أن يتنازل قليلا وينزل من برجه العاجي لكانت الدنيا بخير، ولكن إنسان اليوم (بدون تعميم) يقول على الدنيا السلام، أنا وين وأنتِ وين؟ ! بسبب الكثير والكثير مما يأخذه منها مُبتعدًا وباعدًا بخطواتهِ وقد يدرك أو لا يدرك ..  
3 ــ كيف كانت بدايتك مع الكتابة، وكيف صقلتِ هذه الموهبة ؟
قلمي لم يفارقني، دائمًا هو بيدي وكذلك الكتب، بالرغم من إنهاء دراستي ألا أنني كنت دائما أحاول مع نفسي أن اصقلها، اطلعت على الكثير من الكتب وتعلمت اللغة الانكليزية كنوع من التثقيف الذاتي،  ومن خلالها ترجمت البعض من المقالات لبعض الأصدقاء من اللغة العربية إلى الانكليزية، إضافة إلى أنني كنت أكتب بين أوراق متناثرة خاصتي قصص قصيرة من وحي خيالي، وتأملات وخواطر في شروق الشمس وغروبها الذي يلهمني منظرها للكثير من الأفكار، مع حبي للطبيعة الخلابة.
بمعنى كانت لدي القدرة ولكن كانت تنقصني الفرصة في أن أكون ما أنا عليه اليوم، ولكن أقول لا اعتراض على قدرة ومشيئة الربّ، فكل شيءٍ يتم برضاه وفي الوقت الذي يحدده لكل إنسان، وأقول لكل آذان وقتهِ ومكانهِ.    
4 ـــ هل أنتِ كاتبة جريئة؟ وما مفهوم الجرأة لديكِ على مستوى النص؟
كل إنسان في كيانهِ موجودة هذه الصفات ولكن بسبب الرياح إلهابهّ وبعض غيمّ السماء يجعل البعض منها يطويها الزمان! وفي مجتمع كالمجتمع الشرقي بالذات، معظم الأحيان يضعون لكل شيء عيون وحدود، عيون تراقب وحدود لتوقف الخطوات، بمعنى أقرب يضعونها في قالب وعلى ذلك الأساس يشكلونها بمختلف النقوش وحسب ما ترتئيه أنفسهم! والجرأة كما أجدها أنا هي قول الحق بصوت عالٍ مهما كانت ستصدع الآذان وحتى لو كانت على حساب نفسك! المهم أن تقولها بكل ثقة وأمانة وإن تدافع عن ذلك الحق مهما أختلف شكلهُ. وأنا من خلال ما أطرحهُ من قضايا اجتماعية وقانونية لابد أن أقول كل ما يخطر على بالي بكل صراحة وبدون مبالغة أو تضخيم أو تحجيم ومن خلال رؤيتي للواقع كما هو وكما يجب أن يكون مناسبًا لمكانه وزمانهِ ولشخص الإنسان ذاتهُ.
أذن الجرأة لدي هي أن أقول ما لدي وأصمم عليه إلى أن أصل إلى معرفتهِ وفهمه واستيعابه، بمعنى أظل وراء الفكرة حتى وإن تعددت طروحاتها وأختلفت مضامينها، المهم أن أصل بنتيجة من خلالها، وهذا ما يُعطي لنصوصي المطروحة الجرأة في الطرح والصراحة في الكلام والسلاسة في الفهم.  
5 ــ أين سهى قوجا من قضايا المرأة واستقلاليتها اقتصاديًا واجتماعيًا، وواقعها هل من تغيير ملموس فيه لما سبقه؟
الحياة هي الحياة والإنسان فيها هو من يتطور ويختلف ويُخالف ويتوافق! والمرأة هذا الكيان المهم والفعال في المجتمعات والحياة برمتها، دائمًا هي محور الحديث وحولها تدور الكثير من الأسئلة والاستفسارات بعضها منها وبعضها لها؟ المرأة أن صح وصفها هي الحياة، وهي من تمارس أغلب الأدوار على مسرح الحياة. لكن في مجتمعاتنا الشرقية تجدها حسب كل بلدًا أشلاء سواء أن كان بيد الرجل أو المجتمع! هنالك دائما ثقافة مغلوطة مأخوذة عنها ونظرات ترمق لها وكأنها متهم أو قاصر وبحاجة إلى مسؤول يتابعها. وهي على حسب تلك النظرة تجعل بنفسها لنفسها أفكار تسير عليها وتتقيد بها وتلقنْ من خلالها لغيرها!  
والمرأة برأيي الشخصي ليس لديها أية قضايا لأن بالنهاية هي الحياة وهي قادرة بنفسها أن تجعل من ذاتها كيان فعال بدون وصاية أو رقابة، حينما تقتنع من داخلها أنها قادرة على أن تكون إنسان حيٌّ وعضو فعال، وليس أن نقول هذا رجل وأنتِ امرأة، وكأنهما بهذه الثقافة يصنعون الحواجز ويفصلون الحياة إلى قطبين شمالي وجنوبي، ومع الوقت ومرور السنين تزداد تلك المطالب بالمساواة والحقوق وكأنها تشحت حقوقها من كائن مثلها! ( أرجو من جميع النساء أعذاري في تلك الكلمة) كوني هكذا أراها.  
امرأة اليوم غير ما كانت في السابق، كل زمن ولهُ ناسهُ ولهُ ثقافتهِ وتطوراتهِ، لا يبقى حال على حال! وهذه الحياة برمتها يعيشها هذين الكائنين، واحد مُكمل للثاني ومُتكامل به ومعهُ، وهذه المرأة التي تطالب بالحقوق  ممن تطلبها من: أخيها، أبيها، أبنها، زوجها، بلدها ؟! إن كان من بلدها فهي اليوم وصلت إلى مناصب عليها ومع مرور الوقت سوف تصل أكثر، أما إن كان من هؤلاء فهي تبقى متوقفة على ضميرهم وإنسانيتهم، ونعم نعلم ونسمع بالظلم الذي يمارس عليها في بعض البلدان بنسبة من قبلهم، ولكن ليس تعميمًا وخلط الأمور وحرق الأخضر باليابس وإظهار جميع النساء مظلومات، أيضًا هنالك البعض من الرجال مظلومين!
وبالرغم من كل تلك الدعوات عن حقوق المرأة وإعلانات حقوق الإنسان وبروتوكولاتها التي قد تكون قيد التطبيق و لم تطبق، ألا أن تلك النساء المظلومات في زوايا من هذا العالم يبقينْ على حالهنْ، كون تلك المطالب لا تصل متناول يديهم.
واستقلاليتها اقتصاديا واجتماعيا لا اعتقد تكون مجدية، لأن الحياة لن تستمر هكذا، لابد من التعاون وتبادل الحوار والمناقشات ووجهات النظر في كل ما من شأنهُ أن يجعل الحياة تبدو كما هي بطبيعتها جميلة. وتبقى في النهاية متوقفة على كل إنسان ونظرتهِ للآخر وكيف يريدهُ أن يكون به ومن خلالهِ، وأفضل الحلول أوسطها بدون مبالغة أو تقليل، واليد الواحدة لا تصفق بدون الأخرى.
6 ــ  ما مدى عمق علاقتك بالكتابة، وهل أنتِ كاتبة شاملة؟ أيضًا استوقفني عنوان كتابك الجديد الذي صدر وعنوانهُ (شذرات من الحياة) فماذا تقصدين بالعنوان؟ لمحة عن الكتاب لتشويق القراء، وهل لديك إصدارات جديدة في المستقبل؟
كيف أصفها علاقتي بالكتابة؟! مثل النبتة التي لا تزهر ألا بالماء الذي يرويها، كذلك أنا مع الكتابة، علاقتي بها وطيدة وعميقة جدًا لدرجة أنها تغوص في أغوار النفس وتعيش فيها. وهي تغنيني عن العالم برمتهِ. ونعم أنا لا أقف عند موضوع وفكرة محددة، التنويع في موضوعاتي هو تفنني، أكتب مقالات  قانونية، اجتماعية وإنسانية، ودينية كذلك، وما بين وبين كل ذلك.    
أما بخصوص كتابي ( شذرات من الحياة) هو رفيق سنيني، ومعناه مقتطفات وخلجات وقصص ولقطات أخذت من واقع الحياة ومن واقع الإنسان، وهو ومضات مضيئة يسير عليها في الحياة كما أتمناه أن يكون لهُ! هو مجموعة أفكار هي خلاصة سلم بدأت صعوده درجة درجة وما زلت مستمرة فيه! وما أهدف من خلالها جميعها هو الإنسان والحياة، أريد أن أعرف هذا الوجود أكثر، أريد أن أكتشف غموضهِ أكثر، بمعنى أدق دائمًا أهدف من خلال كتاباتي إلى تشريح مكنون الإنسان بكل ما فيه.  
 ومن خلال جميع المواضيع المُتضمنة بين صفحاتهِ، والتي جميعها تتناول قضايا الإنسان سواء كان بحقهِ أو بحق غيره، أملي أن تساعد المرء لكي يشرق إنسانيًا، وأن تساعده أن يتخطى ما في الحياة بكل أمل وثقة وتفاؤل وأتكال على الربّ. وإنشاء الله ليّ النية في المستقبل بترجمة كتاب شذرات من الحياة إلى اللغة الانكليزية، إضافة إلى انه سأجمع بعض المواضيع الحياتية الأخرى في كتاب ثاني مع آخر والذي هو عبارة عن خواطر، إضافة إلى أنهُ لدي البعض من القصائد ستلحنّ على شكل معزوفات موسيقية، وفعلا قد أعطيت اثنين منها لمؤلف موسيقي عراقي مشهور في دبي لكي يؤلفها، عنوانهما (الاشتياق – قلوب حائرة).    
   
7 ــ لمحة سريعة في الجرائد والمجلات التي تنشرين فيها، ومدى تواصلك معها ؟
الجرائد والمجلات التي أنشر فيها بالإضافة إلى المواقع الالكترونية الكثيرة في مختلف دول العالم، لا حصرّ لها ولا تحضرني جميعها، بعضها ليّ عامود أسبوعي فيها، وما يحضرني منها هو:
جريدة العراقية/ سدني – استراليا |
جريدة أكد / كندا |
دار الوسط اليوم للأعلام والنشر / الأردن |
مجلة أي ثقافة / العراق |
جريدة السيمر الأخبارية / العراق |
مجلة الجرس / لبنان |
مجلة الموج / كندا |
مجلة السنبلة / أمريكا |  
الصومعة الأدبي / فلسطين
مجلة نون المصرية / مصر |  
مجلة نجمة البحر / نيوزيلندا |
مجلة معارج الفكر / برلين
نورسايت الإخباري / الأردن
مركز النور / السويد
جريدة البصرة الالكترونية / العراق  
تلفزيون ومجلة الغربة / استراليا
تلفزيون الجديدة / بيروت
صحيفة حديث العالم / مصر
دار القلادة العربية للنشر والتوزيع / مصر  
إضافة إلى جرائد ومجلات أبناء شعبنا والصادرة داخل العراق منها: مجلة موتوا عمايا / مجلة الإبداع السرياني / مجلة ديانا / مجلة شراغا / جريدة صوت القوش / مجلة أور / مجلة بيث نهرين / مجلة بيرموس / جريدة طريق السلام / جريدة سورا (الأمل) / مجلة شبابنا/ جريدة بهرا/ جريدة صوت بغديدا / جريدة صدى السريان/ جريدة بيت نهرين / جريدة بيثا كلدايا (سان دييكو) .
هذه بعض مما حضري، إضافة إلى أن مقالاتي تقرأ في إذاعة صوت الكلدان في ديترويت، وقد حصلت على شهادة تقديرية من مجلة معارج الفكر، تقديرًا للتواصل معهم، إضافة إلى كتاب شكر من رؤساء تحرير المجلات تقديرًا وثناءٍ على الأسلوب والتواصل.

 8 ـــ ما رأيك بمجلتنا (الإبداع السرياني) كونك من قرائها وما هي مقترحاتك لها إذا وجدت؟
الإبداع السرياني مجلة غراء ورائعة بكل المقاييس، شاملة، مشوقة، متجددة، تُمتع القارئ حين يتصفحها بمختلف المواضيع التي تتضمنها.
وبالنسبة للمقترحات لا توجد لأني أجدها متكاملة وليست كاملة بمعنى كل مجلة أو جريدة أيًا كانت هي دومًا بحاجة إلى التنويع وإلى التطوير لتبقى على صورتها ، وأتمنى للقائمين عليها مزيد من العطاء والإبداع والتألق، أنهم بحق مبدعين ويشكرون على جهودهم المبذولة في سبيل إبرازها بهذه الصورة المشرفة.  
9 ـــ كلمة أخيرة للقارئ الكريم، ولكل من يقرأ كتاب (شذرات من الحياة)؟
بلدنا بلد مزقتهُ الحروب وأنهكته الانتهاكات، وما زال جريحًا جراحهُ تنزف ولا سبيل لعلاجها أو لنقل وقفها وقتيًا! مستقبلهُ مثل ذلك الجنين الذي بدأ يتكون في رحم أمهِ، ما زال مجهول الملامح ورحلتنا فيه بكل ما فيها لا تزال مستمرة. مشاهد درامية جديدة وحيرة صامتة وعواصف صفراء تهب بين الحين والآخر وتشابك أفكار! والوقوف على شيءٍ واحدٍ مطولا والتمعن فيه لا يجدي ولا يفيد.
لذلك أقول الحياة مستمرة ولا بد من تخطي كل شيء فيها لمواكبتها خطوة بخطوة، لعيش أحداثها وحياة ناسها، لنتعرف عليهم أكثر وعلى أنفسنا ونعيش بسلام داخلي ونقاء النفوس والقلوب، والحياة لا تستحق منا غير ذلك، أن نكون كالزهور البهية في حديقتها ننمو فيها ولها. كما وأتمنى من القارئ الكريم والمطلع على مواضيع كتاب "شذرات من الحياة" أن يطالعوا تلك الشذرات المقطوفة من واقع الحياة والإنسان، أنها قضايا وقصص تدور جميعها من ضمن فنون الحياة الكثيرة، وأملي أن يلاقي الكتاب استحسانهم ويروق لهم. وشكرًا وتقديري العالي لكم
[/size]

69
 
أستاذي العزيز نبيل دمان
تحية معطرة بأريج بلدتنا القوش أبعثها لك
جزيل الشكر لك على ما أنساب من بين أناملك بحق كتابي المتواضع من دررّ براقة وبحقي، وأنشاء الله لن يكون الأخير، وأتمنى دومًا أن أكون عند حسن الظن، وسعيدة جدًا بوصول الكتاب إلى حضرتك، فأنتم منارتنا وعلى دربكم سائرين ومكملين أنشاء الله ..
تقبل تحياتي وتقديري لشخصك الكريم
سهى قوجا
[/color] [/size]

70
 
لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ... فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ الاثْنَيْنِ: لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في1: 21، 23).

إلى عائلة الأخ جمال ملاخا المحترم  

نحتار في الكلام وكيف نبدأ الكلمات !!
ببالغ الآسى والحزن تلقينا خبر وفأة أبنكم ( ميسن)، نشاطركم الأحزان بهذاى المُصاب الآليم، ونقدم لكم تعازينا القلبية ونطلب من الربّ أن يتغمدهُ برحمتهِ ومكانهِ الجنة، وأن يلهمكم الصبر والسلوان ...

بطرس قوجا والعائلة
 

71
أنا القيامة  والحق والحياة من آمن بي وان مات فسيحيا . . .
إلى عائلة عادل حياوي، وعائلة الاستاذ عصام شابا فلفل  المحترمين . .
ببالغ  الحزن والآسى تلقينا نبأ أنتقال  المرحومة ( لينا عادل)  الى الأخدار السماويه . . وبهذا المصاب الأليم لا يسعنا الا أن نشاطركم احزانكم ونقدم لكم تعازينا القلبيه راجيين من الرب أن يتغمد المرحومة برحمته الواسعة  ويسكنها فسيح جناته وان تكون هذه الفاجعه خاتمة الأحزان . .
 الراحة الأبدية أعطها يارب ونورك الدائم فليشرق عليها والصبر والسلوان لذويها الكرام .

سهى بطرس قوجا

 
 

72
 
الأخ عبد الاحد قلو المحترم
تحية طيبة
على العكس تمامًا مداخلاتك تسعدني كثيرًا، والردود على المقالات الأخرى لن يتغير ما لم يتغير أسلوب الشخص نفسهُ وطريقة أحترامهِ للمقابل، مع أحترامي للجميع أكيد ..

وأحب أن أقول أن مناهج الحياة كثيرة والأكثر هي طرق التعامل معها، لكن المهم فيها هو كيفية تقابل الأفكار فيها وعدم تعارضها بهدف الوصول إلى نتائج أو أعادة ترميم ما يستحق البناء، بالتأكيد مع سلوك مسالك مُنتظمة ومضبوطة تحمل كل الموضوعية في أغناء سيرورة الحياة والتقدم بعيدًا عن التقسيمات والشروخات التي تقطع أوصال الكثير من العلاقات والكلام الواجب أن يكون ماثل في واقعهِ.

وبخصوص الآيميل المرفق الخاص بموقع مانكيش فبالتأكيد سوف أرسل لهم ...

شكرًا لكَ وتقبل تحياتي وتمنياتي بكل خير
 

73
الأساتذة الأعزاء
تحية صباحية طيبة أبعثها لكما
ما جميل ألا حضورك في مقالي أستاذ عبد الاحد قلو، والجميع كانوا منورين في المؤتمر وأثبتوا حضورهم، ثم مثلما قال الأستاذ مايكل لما لا نتوقع حضور المرأة فهي معاصرة للتاريخ برمتهِ وأثبتت وجودها وكيانها كإنسان وليس كجنس.. بمعنى لا مستحيل أمام الممكن الحاصل على غير توقع ...  وأحب أن أضيف بأن هذا المقال قد كتبتهُ في اليوم الأخير من المؤتمر أثناء فترة الانتظار في حديقة الفندق.

أستاذ مايكل

أقول: لابدّ من التفاؤل حتى نعيش الحياة كما نريدها أن تكون أو نريد أن نراها رغم أن جميع الأشياء ليست بنفس الجمال وبنفس القيمة، لكي يبقى ذلك التوقع المجهول في صورة جميلة رغم الجهل به، بمعنى العيش بين الممكن وتوقع المجهول مثلما تفضلت حضرتك والذي أويدهُ معك ....
 تحياتي لكما أساتذتي الأعزاء على الحضور الذي أسعدني
[/size]

74
حياة التحدي والخطوة الأسبق
سهى بطرس قوجا

هل يستحق كل ما في الحياة من أشياء فانية كل هذا العناء والعبور الغير مُجدي وسحق الآخرين؟! هل تستحق الإخفاقات التي تعترضك أن تنحني من أجل أمور أخرى؟! هل تستحق روحك وجسدك أن تهلكها من أجل الكثير مما أنتَ تلهث خلفهُ؟! ألا تعلم أن ذاتك وتفكيرك وعقلك والآخر لهم نصيب في كأسك، النصف بالنصف؟! كم مرة عشت الإحباط وكم من مرة عشت الكبرياء والعناد والتعود؟! كم من مرة نظرت لنصف كأسك الفارغ ولم تكلف بصرك مُجرد النظر للنصف المليء؟! لأنك تريد وتريد بدون كفاية واكتفاء بالشيءٍ، تتصارع وتتنافس مع زمانك ويومك وحياتك ومع الإنسان مثالك بدون أن تعرف أن الحياة غالبًا ما تلوح بالوداع فجأة على غير ميعاد!

بالتأكيد تُدرك أن الحياة تحمل الوجهين مثلما كل شيء موجود فيها هو أثنين، لكنها تبقى الحياة والإنسان فيها قد يكون مُخير أو مُسير لعيش وجوهها .... كيف؟!

ضغوط الحياة والإنسان نفسهُ توصل مثيلهُ إلى حدٍ لا يستطيع تخطيه مثلما وصل إليه عندما كان في حالة يأس أو ضياع! (مُخير) عندما يكون بكامل إرادتهِ واقف على أرضهِ بكل ثقة وثبات ويعرف كيف يمشي خطواتهِ واحدةٍ تلوّ الأخرى ويستطيع أن يعطي لكل شيءٍ حقهُ وبالتأكيد نفسهُ أولاً، بمعنى يكون مُتوازن في قراراته وعملهِ وعطاءه وبذلهِ وسعيهِ، وهذا اعتقد هو صعب إن لم نقل نادر، لأن الورد غالبًا ما تخدشهُ الأشواك. و ( مُسير) عندما يسمح للآخر أن يُمليّ عليه ما يريدهُ هو (مسلوب الإرادة)، يعيش عدم المبالاة وعدم الاكتراث وينظر للأمور بسطحية غير معهودة، أنهُ يهمل ذاتهُ ويجد خطواتهِ قد ساقتهُ إلى مُفترق طرق لا يعرف أيهما يسلك، أنهُ يجدّ نفسهُ أسفل الجبل ولا يعرف هل يتسلقهُ أم يبقى حيث هو؟!

إنسان اليوم في ظل ما يصادفهُ من: فقدان العزيمة وتجرع كأس الفشل وفقدان ذخيرة الغد والعيش في وهمّ مُستديم والانغلاق على الذات والاستسلام والوقوع في فخاخ الهزيمة والنظر في اتجاه واحدٍ، جعلت حياتهُ تصبح باهتة يعتريها الكثير من الضباب! حياتهِ أصبحت حياة مادية، حياة المصالح، حياة الفردية، حياة البرمجة، حياة الأنانية والاستحواذ، حياة المنافسة والصراع، حياة أن أكون أنا بدون الآخر، حياة التراجع للوراء خطوات بدون تكلفة عناء المحاولة، حياة أن أدوس على الآخر واعبرهُ بكل ما أوتيّ من قوة غير مُكترث بالنتائج. أنها حياة جعلت معظم البشر تضيع مع التحدي والتسابق إضافة إلى التغيير المُستمر الذي لبسّ إنسان اليوم سواء كان بإدراك أو بدونهِ! بمعنى أقرب جعلت العقول والقلوب في حالة برمجة دائمة تلغيّ كل ما هو مخزون على السريع لتُقبل على الجديد الوقتي.

الحياة في امتداد والتفكير فيها مُتواصل، كل واحدٍ منا تشدهُ مشاغلهُ ومشاكلهِ اليومية من العمل وضيق المعيشة وسرعة عجلة الحياة ومُتطلباتها الأسرع وصعوباتها التي لا تعرف حدٍ، مما جعلت إنسان اليوم في حيرة وتحدي مع نفسهِ ومن ثم مع الآخرين. وأعلم أن الحياة عثرات وتعثرات ولكن بالمقابل لديك قدمين وعقل تستطيع من خلالهما أن تنهض وتواصل وتصل إلى ما تريد، لا نقل بنسبة 100% ولكن المحاولة تمنحك الفرصة لتكمل كأسك بكاملهِ وتستطيب بما يحتويه، فالقمر لا ينير بدون الشمس، والشجر لا يزهر بدون المطر، والسعادة لن تشعر بها بدون الحزن، والدموع لن تعرف مذاقها ما لم تذقّ الألم والفرح في ذات الوقت.
   
كل شيءٍ في الحياة، الإنسان من يكون صانعهُ بنسبةٍ. ولو أخذنا كيسًا بغض النظر عن حجمهِ وحاولنا تعبئتهِ بأي حاجة، من المؤكد سوف لن يتحمل ويتشقق في أحد جوانبهِ، تمامًا كالبالون الذي تحاول جاهدًا النفخ فيه ليصل إلى أكبر حجم ممكن! هكذا الإنسان كذلك كلما كان الضغط عليه في تزايد سوف لن يتحمل وينفجر ويصل لحالة صعبٌ فيها أن يعود كما كان! فدعّ الكأس وتنعم بالحياة قليلاً، ودعّ أعباء الحياة ومشاكلها لبعض الوقت ولا تتصارع وتتحدى لتصل إلى وقت لا ينفع فيه التحدي والمواصلة مع نفسك.
 
عش الحياة بثقلها نعم ولكن لا تزيدها ثقل على ثقل، وأعط لنفسك الحق في أن تنعم ببعض الوقت في هدوء وراحة، فالأعباء والمشاكل مستمرة ولكن إياك أن تتسابق معها وتفكر في تحديها، كون ليس كل شيءٍ ينفع معهُ التحديّ، الاعتدال مطلوب وكذلك الاتزان والتنظيم والتحكم في حياتك ووقتك مطلوبان، ولكل شيءٍ مقدارهُ ولكل حادثًا حديث فلا تزيد أو تنقص من مقدارهما لكي لا تذوق الصدمة والاختلاف بعد ذلك.   


75
جميل هو ما حدث
وجميل هو ما لمْ يحدث
والأجمل ما لن يحدث
والإنسان في الثلاثة يكون بين المتوقع وما سيحصل ( المجهول)، تمامًا بين الممكن والمستحيل. والحياة بمُجملها هي عملية اختبار مُستمرة بين الممكن والمستحيل، ولا أظن هنالك وجود للمستحيل ألا عندما الإنسان نفسهُ يحضرهُ في واقعهِ في مرحلة هو من يستدعيها حينما يصل لحدّ الاكتفاء منها وعدم القدرة على المواصلة، بمعنى ( الاستسلام التام) دون الإقبال على المحاولة والمواجهة والنضال: مرة وأثنتين وثلاثة.
أرجو أن أكون قد وفقت في ردي، السادة الأعزاء عبد الأحد قلو وما يكل سيبي
أسعدني حضوركما وتقبلوا تحياتي وتمنياتي بكل خير
سهى قوجا


76
الرضوخ بين الممكن والمستحيل
سهى بطرس قوجا

ما بين الممكن والمستحيل يكون هنالك واقف بينهما على أرض تدور به، في ذهول ودهشة لا يعرف هل يترك الممكن ويقبل على المستحيل ويسكنهُ والذي ربما قد يتعارض معهُ لاحقا، أم يبقى في الممكن الذي ربما بتصوره سيضيعهُ في واقع لا يحبذهُ، مُرغمًا؟! في الحالتين أنها حيرة بالنسبة لهُ وقرار صعب الاتخاذ في الاقتراب والتأمل والمثول أمام ما يريد، أنهُ كمثل بندول الساعة في ذهاب وإياب في نفس النقطة مُتمركز، لكن الدقائق والساعات تمضي به في الأيام وفي طرقات السنين لتأخذ من القادم وتضيف على ما هو ماضي!
والحياة مُستمرة تأتي بجديدها وتأخذ القديم وهو في القديم ساكن، فيا ترى هل لذلك القديم من ولادة؟! هل لهُ حياة سوف تتجدد مع كل برعم زهرة تتفتح في ربيع سنة جديدة؟! يتأمل فيما يسكن مُخيلتهِ كثيرًا ويتمناه أن يكون في واقعهِ واقع، ولكن أين لذلك الواقع من مثول؟! يقول بينهُ وبين نفسهِ: كم أنا بحاجة إلى فنجان قهوة ليفيقني من الدوامة التي أدور في رحاها، أنها ترفعني من أرضي وتهزّ تماسكي لتأخذني في طريقها حيث هي مسافرة؟!

ثم يردف ويكمل حديثهُ قائلا: أنا بتصوري أجدهُ مُمكنًا ولكن مستحيل أن يكون! كيف ليَّ أن أرضخ لمستحيل أنا من صنعتهُ ودعيتهُ للحضور في عمري؟! كيف ليّ أن أزيح تراكمات ترسبتْ في سنين حسبت من عمري ولكن لم أحس بها؟! كيف ليَّ أن أودعّ حياة عشتها بقليل من الإرغام  وعدم الاختيار ولكن فيها من لا يستحق الترك وأصبح جزء من جسدي؟! كيف أعيش سعادة أتذوقها لأول مرة وأحس بطعمها وأعلم أنها في حياتي صعب أن تتكرر ومستحيل أن تكون؟! كيف لملفات طواها الزمان أن تُفتح ويقرأ ما فيها وتصحح ربما؟! كيف بحياة طالما رغبت أن تكون من نصيب إنسان حيّ؟! كيف برحيق زهرة لازم الأنفاس وأحيياها في فترة كان الجسد ينحني من أجلها؟! كيف بأوراق الشجر التي كنت أجلس تحت ظلها وهي تعزف سمفونية موسيقية من مداعبة نسمات الهواء لها؟! كيف بزخات المطر التي كانت تتساقط على الوجه وتغسلهُ لتفيقهُ من أحلام صبيانية جميلة؟! كيف بتلك المشية الطاووسية بكامل أناقتها،  قوية يصعب كسرها وبنظرات ساحرة توحيّ بالجاذبية؟! كيف بزقزقة العصافير وهي تبشر بقدومها؟! (كيف) كلمة لن تنتهي من بداية كل التساؤلات التي تدور في المخيلة!

غالبًا ما تأتي الأشياء الجميلة على غير ميعاد، وبين أشخاص لا موعد يجمعهما، وفي زمن مُحدد ليس لها، وعمر معين صعب فيها أن تتحقق أو تتكرر. أنها حيرة حينما يُكبل التفكير الإنسان ويمنعهُ أن يواصل المسير بخطىّ ثابتة نحو ما ينشدهُ وما يتمناه، يريد ويرغب ولكن حين يتأمل ويفكر في حياتهِ وفي الحياة بمجملها  ومن يشاركهُ فيها يجدهُ مستحيل المنّال! فلا يستطيع التراجع عنهُ أو المثول لهُ، هنالك ما هو مستحيل يحيل بينهما يمنعهما من التواصل أو العبور للممكن مما يجعلهُ في حالة ما يسعى للرضوخ لأحدهما! والرضوخ حينما يفرض نفسهُ أو ربما تستدعيه الحاجة للحضور لا حدود تحدهُ، كون الظروف، الأشخاص، الأحداث، الوقائع، الزمن، جميعها لا تسمح بغير هذا، الرضوخ والقبول بالأمر الواقع وعيشهِ ربما مُتواصلاً. 
هناك الواقع الذي لا يمكن تغييرهُ، واقع مهما حاولت فيهِ فإنهُ يبقى في النهاية واجب الاستسلام إليهِ ومعايشتهِ، ليس عجزًا أو خضوع ولكنهُ الرضوخ لأمر من المستحيل أن يكون ممكنًا، بحيث يجعلك تشعر عندما تكون ماثل أمامهُ أنك تستصغر نفسك وتهينها ولكن الحقيقة غير ذلك، أنهُ أمر لابدّ منهُ ولا حل يكون وقتها غير الرضاء به وتصحيح النظرة إليهِ لكي تراهُ من زاوية أخرى تتأقلم عليها وتحبذها. وأعلم بأنها مشكلة حينما تصبح حائر بين حلم لا يكتمل وواقع لا يحتمل ولا يتحقق، ولكنها تبقى الحياة وهي تعزف سيمفونيتها في حضور ساكنيها.

77
  
طعمّ كلماتك بالسُكر
 
سهى بطرس قوجا

كانت مُتزمتة في رأيها بعض الشيء وحادة وقاسية في كلامها مع طلابها، وتعاملهم بخشونة غير معهودة، وكلما كانت تدخل للصف لتُعطي الحصة الدراسية لطلابها، ينزعجون ولا يبالون ولا يعطون لشرحها أهمية! فما كان منها ألا مُعاقبتهم وشكوتهم إلى المدير! هكذا كان أسلوب المعلمة مع طلابها، وهذا كان سبب انزعاجهم منها وعدم محبتهم لمادتها.
وهذه حالة أخر: نشب جدال عقيم بين زوج وزوجتهِ لدرجة أن كادّ يصل الحال بهم إلى الطلاق والانفصال! الزوج مُصمم على رأيهِ ولا يتنازل، والزوجة تؤكد رأيها الأخرى ولا تقبل بغيرهِ؟! ترى ما الحل وكيف السبيل للتوافق بين رأيهما وإفهامهما بضرورة النظر في الموضوع من جوانب أخرى؟! في هذه الأثناء وصلت أم الزوج في زيارة لهما، وعلمت بالمشكلة والجدال القائم بينهما، فما كان من الأم ألا التحدث إلى كليهما في المشكلة، كلُ واحدٍ على إنفراد لتهدئتهم، ومن ثم تجمعهم، وبالفعل هذا ما فعلتهُ!

تحدثت مع الاثنين وعرفت أين مكمنْ المُشكلة واستطاعت برزانتها إخماد نيران ثورتهما، وأكدت للأثنين أن وجهة نظرهما صحيحة ولكنهما لا يُعطيان مجال وفرصة لبعضيهما للتفاهم ولألتقاء الأفكار والاتفاق على حل! تحدثتْ معهما بأسلوب لطيف وكلمات جميلة تدخل القلب وتُهدئ النفوس! فأصلحت بين الزوجين الثائرين، وجعلتهما بكلماتها الهادئة والرقيقة، أن يعرفا أن يكمنْ الخلل في مشكلتهما؟!
    
هكذا هو وقعّ الكلمة الطيبة، هي كالبذرة الجيدة والصالحة أينما تقع تُثمر! والحياة هي الحياة مليئة بالهموم والمشاكل، وهي واقع يعيشهُ الإنسان ومن الطبيعي أن يصطدم بها في دروبها بالكثير، هو زمن نعيشهُ يكثر فيهِ الضجيج الصاخب والمتاعب، وبين هذا الجو المشحون بالتوتر والضغوطات، تحل الكلمة الطيبة في النفس لتطربها وتزيل عنها غبار الزمن المُثقل بما يحملهُ من هموم، لا ننسىّ أيضًا الابتسامة التي تُضفي روحية على الروح وتنعشها وتنُقيها.
 
والحياة والإنسان لا يستحق من غيره من الإنسان الكثير من الحوارات والتداخلات الغير المُجدية واليتيمة والقاسية والمُتشنجة، الحياة أبسّط من ذلك بكثير إذا عرف الإنسان بحق كيف يجعلها بسيطة وجميلة مثلما هي! لكن لو ألقينا نظرة حولنْا في كل ما يجري، نجدّ في أغلب تعاملات البشر أن الكلمة الطيبة تكون غائبة أو شبه غائبة، كون في أغلب كلام البعض نجّد كلماتهم تكون شاحبة، بلا طعم ولا رائحة، وقعها على النفس مُرّ، تُؤلم، تُصدم، ذابلة بلا حياة، رغم نطقها ألا أنها تبدو خرساء! لا نعرف هل الحياة بتقلباتها هي من تفرض هذا، أم الواقع هو من يُجبر الفرد على ذلك، أم إن الإنسان باتْ غريبٌ بعض الشيء في تواصلهِ الإنساني مع نفسهِ ومع الآخرين؟! أصبح لا يكترث لأي شيءٍ في الحياة ولا يُعطيها قيمتها وجوهرها المفروض الواجب أعطائها لها، لكي يكون فيها وتُعطيه بالمثل.  

هنالك كم هائل من الأشياء الجميلة بداخلك أنتَ، والكلمة الطيبة أحداها، وهي كلمة تخرج من الداخل، من الأعماق، هي مولودة الفكر، مليئة بالحب والتسامح والاحترام والتواصل والنوايا الحسنة، النابعّ من ذات الإنسان لنفسهِ ويعكسهُ على الآخرين.
 طعمّ إذن  كلماتك الخارجة من فوكَ بالسُكرِ ودعّ الآخرين يرتشفها ويستمتع بعذوبة طعمها يسريّ في الداخل ويستأنس ويُطربّ لها. ولا يوجد أجمل من الكلمة الصادقة المُتسللة بكل شفافية معانيها إلى أغوار النفس لتستقر فيها وتُرقيها، وهي لا تكلف شيئًا لكن ثمارها أعمّ وأكبر، مما تكون أنتَ نفسكَ سببًا في التقدم والرقيَّ والسموّ بالذات الإنسانية ومن ثم الإبداع والتواصل مع الآخرين. وتبقى الكلمة الطيبة هي كالبلسّم الموضوع على الجرح، تُطيبهُ وتُشفيه، وتبقى على طول الدهرّ مُتاحة وتأثيرها فعال.

78
الأخ مرقس دندو المحترم
والأخ فاروق يوسف المحترم
أجمل التحايا مزكاة بنسيم أرض أجدادنا الكلدان أبعثها لكما
أسعدني حضوركما في مقالتي المتواضعة وأحب أن أضيف بأن للمؤتمر كان لهُ روحيتهِ الخاصة التي أعطت الحيوية والمشاركة الفعالة لجميع المتواجدين ....
تحياتي وتمنياتي بكل خير
ا
 

79
 
العمل القومي الصائب هو الأساس لخطوات مستقبلية ناجحة
 المؤتمر القومي الكلداني العام نموذجًا

سهى بطرس قوجا

المؤتمر القومي الكلداني العام الذي أقيم في ولاية مشيغان من قبل الأخوة في المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد رأيناهُ فعلاً عرسًا مُهيبًا بكل المقاييس وبكل ما كان يحملهُ من وقار وعمل جماعي مُثمر وساعيّ نحو كل ما هو بانيّ، من يوم ما ابتدأ في 15 أيار ولغاية اليوم الأخير منهُ في 19 - 2013. حضور مشرف ومشاركات فعالة وحية تخللت أيام المؤتمر رفعت اسم الكلدان للأعالي كما هو دائمًا، أجواء كانت مُفعمة بالفرحة والإخوة وبالابتسامات التي كانت تُقابل الآخر مهما كان.

كان الهدف الأول للمؤتمر والمؤتمرين هو الوحدة كما جاء في الشعار الذي من أجله انعقد المؤتمر ( وحدتنا ضمان لنيل حقوقنا القومية والوطنية)، وحدة الفكر، وحدة الرأي، وحدة الكلمة، وحدة العمل والجهد، وحدة الصف، وحدة الخطاب، هكذا يكون العمل والغاية التي من أجلها يسعى لها والهدف في الطريق الصائب وبخطى ثابتة وبنيان شامخ يحمل في أعلاه راية الحق والحقوق بالرغم من اختلاف التواجد، وأقصد ىها الأرض التي يُقام عليها العمل والتي أعتقد أنها لا تُقدم أو تُؤخر في بزوغ فجر يوم جديد يحمل كل ما من شأنهِ أن يُعطي للعمل أو الجهد المبذول الواعز والدافع لكي يستمر ويأتي بثمار تبهج القلوب قبل الجيوب، وهذا ما يرمي إليهِ كل من يعطي لأرثهِ بتنوعهِ المقام الأول.
خلال تواجدنا في المؤتمر القومي الكلداني الموحد ومن ضمن هيئة قيادة المؤتمر، بالتأكيد كان أول حضور ليّ لمؤتمر، التمست من عمل الإخوة فيهِ كيف أنهم جميعا يدٍ واحدة وفكر واحدٍ متقد وعين وقلب واحد، واحدًا يتسابق مع الثاني من أجل أداء الخدمة المناطة به على أسس ديمقراطية مُستوحاة من عملهم الأخوي والجماعي المبني على أسس آتية من أرثهم الثقافي والحضاري ككلدان حقيقيين مُحافظين على قوميتهم ولغتهم واسمهم ورسالتهم وتجددهم وأصالتهم التي هي باقية وستستمر مدىّ الدهور. عمل ليس محصورًا فقط من أجلهم بل من أجل الآخر على أساس منهجي بعيد عن الانتقاد والتجاذب والتطرف والتعصب، عمل مبني على الاحترام والثقة بتحقيق الشيءٍ وفعلا كان كذلك جنوا ثمار شهور من التعب والتحضيرات خلال شهور خلتْ بما أنجزوا بانفتاحهم واتفاقهم على تشكيل وانبثاق ( ميثاق شرف اتحاد القوى السياسية الكلدانية).

جلسات المؤتمر التي تلت الافتتاحية كانت روحيتها ديمقراطية، تخللت تقديم البحوث التي قدمت من قبل أصحاب الفكر للمناقشة فيها، من وجهات نظر وتوصيات ومقترحات سواء إن كانت تحمل السلبية أو الايجابية والانتقاد، لكنها كانت مصدر ثراء أغنت أفكار الحضور من أجل الوصول إلى عمل وجهد يكون خطوة ايجابية باتجاه مسار العمل القومي الصائب.
نعم، العمل القومي الصحيح والمشترك هو الأساس لنا نحن حاملين الرسالة إلى غدٍ ثاني، غدٍ يجعل شمس الكلدان تشرق على أرث ما زال ينبض في أرض أنبتت كل كلداني ينادي بحقهِ ويحافظ على الواقع المُتجدد، هكذا هو أبن كل كلدان العراق يحمل الأصالة والتجدد في داخلهِ، ليس فقط في العمل بلْ في الروح التي تنبض في داخلهِ وتُحييهِ، كلداني يحمل رايتهِ في يده ويرفعها للسماء مرفرفة، مُنادية بالسلام والنقاء كالأبيض الذي يتضمنها.  
 
نحن الكلدان مدعوون اليوم أن نكون صرحًا قويًا أمام كل من يفكر أن يوجه نظره نحو عزة وبقاء ما زالت أرض الرافدين تحيا بهما. وفي خضم كل ما هو واقع على الساحة أن نحافظ على التجدد بجانب الوحدة، نتجدد لتبقى وتكون الأصالة عنواننا كما كان الحضور في المؤتمر أصيل وشامخ بشموخ أبناء الرافدين الذين رفعوا اسم الكلدان بين أمم العالم وصدعوا به في الأذان ليسمع من هو قريب ومن هو بعيد أن هذين الوالدين الكلدانيين علموا أولادهم البذل والعطاء والمحبة والحق من أجل الآخرين قبل أنفسهم بدون حقد وضغينة وكره كأبناء موحدين كتبوا اسمهم في سفر التاريخ بمجدٍ. ويا حبذا لو تتكرر مثل هكذا مؤتمرات من أجل التجمع الواحد ومواكبة المسيرة وتصحيح مسيرها وتنمية الوعي القومي وجعلهِ في يقظة دائمًا.  

وفي ختام حديثي لا يسعني ألا أن أعبرّ عن جزيل الشكر والامتنان للأخوة الأعزاء في المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد على الجهود المبذولة النشطة والحيوية والهادفة في سبيل رسم معالم مؤتمر بالصورة المشرفة التي برزّ فيها.

80
المنبر الحر / نسيم الأماكن
« في: 13:46 16/05/2013  »
نسيم الأماكن
سهى بطرس قوجا
[/b]

ويبقى السؤال يراودني ويتقاذف إلى مُخيلتي:" لماذا هذا الرحيل المفاجئ؟!" فلا أجد الإجابة عليه، وكل ما أفعلهُ هو الاكتفاء بالصمت وسط الألم الصارخ!". مُتألم يكلم نفسهُ ببضع كلمات حديث كان، لا يسعهُ المكان اليوم رغم وسعهِ، أنهُ ألم يهتف بما يوخزهُ ما بين الحين والآخر؟! شعرَ بشوق وحنين يجتاح دواخلهُ، أشعرهُ بضيق في صدرهِ  وحزن وتنهدّ، لملمّ بعضهِ الذي يشتاق لبعضهِ، وبعضهُ الذي يشتاق لها، والبعض الآخر المُتبقي الذي يسكنهُ، ذاهبًا بهما للمكان الذي يحنّ لهُ دومًا ويرتاح فيهِ، أنهُ أفيونهُ الذي يغيبهُ عن حالتهِ لبعض الوقت ليعيش زمانًا كان ما يزال فيهِ يعيش حيًا!
وما بين سماء شبه رمادية وبحر رمادي مُتقاذف الأمواج، يكون هو بينهما ساكن، جالس على الصخرة التي طالما كانت زمان بالنسبة لهما الجنة التي يتقابلون بها، كانت مسكنهما المعهود. جلس ومدَّ عينيهِ للبعيد البعيد للأفق المائل إلى السواد، علْ بعض البوح يخفف مما يجتاحهُ ويزورهُ بدون استئذان! ناظرًا للموج المُتلاطم والمُتهافت على رمال الشاطئ بعينًا سارحةٍ! ترى إلى ماذا ينظر، وما الذي ينتظرهُ من هناك؟! أيأمل في عودة من غابَ بدون ميعاد؟! أيعقل أن يكون الأمل المنشود في داخلهِ؟! أم هي الحيرة في داخلهِ هي من تقودهُ؟!
أخذهُ التفكير وبعدها مدّ جسدهُ على الصخر وبسط يديهِ حدّ حدودها، مُسدلاً قدميهِ للموج، مُستسلمًا أمام البحر ليأخذه مع أصوات موجهِ إلى من يفكر بها ويقلقهُ رحيلها فجأة! ناظرًا للغيم الرمادي الراحل رويدا رويدًا مع الريح المسافر في الفضاء. نظر إليه وتمنى أن يكتب عليها شوقهُ وشجنهُ وقبلاتهِ وعناقهِ لتصلها إلى حيث هي! وأخيرًا وسط هذه الأجواء ووسط ما عزفتهُ في داخلهِ، جعلتهُ يستسلم ويسدل عينيهِ عن عالمهِ ليرحل إلى عالمها الذي يعج بداخلهِ بكل ذكرياتها، مُعانقًا عطرها، كلماتها، همساتها، لمساتها، نبرات صوتها، عتابها، جنون حبها، يتذكرها وتحل هي بأعماقهِ بكل ما يحملهُ حلولها. 
ولكن بينهُ وبين نفسهِ يقول: أحلامي ضرب جنون، وجنوني لا أمل لهُ! وبينما هو يكلم نفسهِ بكلمات، حلم بسفينة عائدة بعد غياب تحمل على متنها من هم إلى الروح أقرب، رستْ على الشاطئ وهي الأخرى رستْ عند عتبة قلبهِ! فلمحها بعينيه وهي تنزل منها بخفة خطواتها وتركض إليهِ بلهفة وصوت الخلخال يرنُّ في رجلها، واصلةٍ إليهِ وماسكة يديهِ وهامسة في إذنهِ بحرارة دفء صوتها:" اشتقت لك، وعيني لم تنمُّ قريرة منذ أن فارقتك، اشتقت لكَ وقلبي لم تنتظم دقاتهِ منذ أن غادرتكَ، حياتي سادّ فيها الصخب منذ أن فارقتك عيني، اشتاق بعضي الباقي لبعضي الآخر الذي يسكنك، أنا بدونك لا أكون، ببساطة أنا أنتَ".       
صوتها الحنون بمُجردّ دخولهِ مسامعهِ لامسّ وجدانهِ وداعب روحهُ وجعل دقات قلبهِ تتضارب من تهافت نغمات صوتها عليها وشعر برغبةٍ بأن يطير بها، وشعر بالحياة تدبّ فيهِ من جديد، وشعر أن المكان لا يسعّ حجم سعادتهِ .... شعور لا ينتهي! نظر إليها نظرة عاشق ولهان وقال لها:" أنا وأنتِ لنْا ذكرى لن ننساها ما حيينا، وحتى المكان وذلك المقعد شاهد والشمس حاضرة رغم غيابها اليوم". داعبتْ الابتسامة شفتيها ولامست شغاف قلبهِ برسمتها وأراد أن يأخذها بالأحضان، ولكن ما إن حاول ذلك حتى فاق وعرف أنهُ كان على أرض الأحلام يجول ويبحث فيها عما لا يجدهُ في واقعهِ! حلم وتمنىّ ولكن أمواج البحر حققت فقط رغبتهِ على شواطئ الأحلام وتركتهُ يعيش لحظات هي كانت لهُ حياتهِ وعمرهِ الذي يتمناه!
مع الأسف كان حلم جميل زارهُ في لحظة جوع الروح! كل بقعة من تلك الأماكن التي تحمل رائحة الماضي العطرة، تحمل ذكريات موثقة سواء كان بين ثناياها وفضاءها أو في الذاكرة، كلما رحل إليها من لهُ مكان فيها أضاءت جنبات النفس واستعرضت أمامهُ ما هو مخزونًا في الذاكرة ومنقوشًا في القلب.
 وتبقى بعض الأماكن نسيمها عنبر وبيلسان، لكن الانتظار فيها يُدمي! هي ذكرى، انتظار، وحدة، تفكير، همسة، عتاب، هلوسة، جنون .... الخ، هي مشاعر صادقة ووفية لأبعد حدّ مُرتبطة بالمكان الذي فيهِ شهد أجمل اللحظات وأجمل عمر وأجمل صمت وأجمل أنفاس وأجمل صوت وأجمل صدق مشاعر. ذلك المكان الذي تربىّ بين أحضان اثنين يبقى عنوان لهما يعودان إليهِ كلما هبّ الحنين وأراد أن ينتعش في داخلهما. أماكن تدقّ القلوب لتعيش فيها وتعطرها بعبق رحيقها، فللأماكن أرواح كروح من زارها ونقش فيها مكانهُ وأسكن حبهُ، وكلما حنّ واشتاق رحل إليها وجلس بين ما تحملهُ ليعيش ويعيد الأنفاس إلى النفس لتحيا.   

81
اللغة والتراث والطقوس ....... لم نعد نعلم من أي زاوية ننظر لها !!!


الجميع يعلم أن لغتنا هي أصلتنا وعمقنا وهويتنا التي تُعرفنا وتُوحدنا، لكن التكرار بدون تقبل واستجابة من المقابل لا تنفع ولا تأتي بنتائج! جيل اليوم أشراقة الغد في ظل الهجرة المتواصلة والأحتكاك مع الثقافات الأخرى يجعل هذه اللغة في أندثار وضياع مُستمر من خلال إدخال كلمات عربية وأنكليزية عليها، مُشكلا في النهاية لغة لنقل عنها (لغة عصره) وهو معذور بهذا بنسبة كونه وجد نفسه في هكذا واقع وليس له ذلك الاستيعاب الكبير لها والاهتمام، ويبقى القول في الشيء غير ما هو مُعاش.. لكن تبقى لغتنا ونعتز بها ....
 
تحياتي وتمنياتي أخ زيد

82
تحية طيبة للجميع
|
|
صوت الفكر إذا كان نقي هو أعذب من ألحان أي قيثارة تعزف بين جمع كبير، قد يتقبلونها وقد يرفضوها. ثم ما زال دورة الحياة مستمرة والإنسان معها، فالطبيعي أن تتلاقى الأفكار وتتشابه، وأنا لا أجد أي مشكلة في ذلك والكلمات ليست حكرًا على شخص دون آخر .
|

الأخ نيسان سمو المحترم
الأخت مو معاندة حتى تتنازل وترد عليكم، شكرًا لتنويهك مع أنه لدي علم مسبق به. وإذا كان رجاء النقاش قد ألف كتاب عظيم مثلما تصفونه في مصر، فــ سهى بطرس قوجا كتبت مقال بسيط بمعنى أعمق في القوش. لذا اقتضى التنويه !!
|


الأستاذ زيد ميشو المحترم
شكرًا لمداخلتك، الكتاب فعلا اطلعت عليه نظرة خاطفة في أحدى المكتبات ولم تتسنى فرصة الحصول عليه، وفي حال حصولي عليه كون أكيد سيكون بين يديك لتتطلع عليه.
وفعلا عنوان المقال عندما أرسلته لحضرتك للنشر قبل سابق وقت، في جريد أكد \ كندا، كان عنوانه ( التأمل في الإنسان) لكن في اللحظة الأخيرة من نشره على صفحات النت غيرته إلى (تأملات في الإنسان)، كوني وجدت في العنوان الأخير شمولية أكثر.

|

الأخ مايكل سيبي المحترم
أسعدتني مداخلتك، ثم إن كنت أنت أو الاب يوسف توما قد ذكر الكلمات الثلاثة بفارق بسيط في الزمن، فلا ضير من ذلك، كون هذه الكلمات هي ثالوث الإنسان (السلطة، المال، اللذة)، وهذا طبيعي وهذه الحياة وهي أصلا مذكورة في الكتب ويرددها الجميع في أحاديثهم وجلساتهم ...

شكرًا للأخوة  akoza  & Lucian  على المرور الجميل

تحياتي ومودتي للجميع وشكرًا لحضوركم العطر

83
الشماس سامي  القس شمعون
تحية طيبة لك

المجتمع بحاجة إلى هكذا وعي، و إلى استقراء الواقع بأكثر مفهومية، ونتمنى الافضل والافضل للجميع على السواء ...
جزيل الشكر لك على الحضور الجميل في المقال وعلى المتابعة
تحياتي وتمنياتي
سهى
   

84
المنبر الحر / تأملات في الإنسان
« في: 01:34 01/05/2013  »
تأملات في الإنسان

سهى بطرس قوجا

لنتأمل قليلا في تلك الشجرة الشامخة على الأرض، أغصانها ترتفع بما يسكنها من ثمار أو زهر وأوراق في فضاء الحياة، وجذورها تمدها في باطن الأرض مُتمسكة فيها بكل قوتها. تعيش فصول الحياة الأربعة، تتحمل برد الشتاء القارص والمطر الهابط والثلج النازل بثقلهِ على أغصانها فتعيش محنتهِ بقسوة وتتحمل، ثم يأتيها الربيع بما يحملهُ من جمال خلاب ليعيد الحياة إليها وينعشها من جديد لتجدد وتُعطي وتهب ما لديها من خيرات، بعد الربيع أنهُ الصيف وشمسهِ الحارة والعطش والذبول النسبي تحضيرًا للخريف القادم أخيرًا، فيُجردها من أوراقها  ورقةٍ ورقة ذاهبة في مهب الريح، ويُعيشها ما بين الحرّ والبردّ وما بين الصمود والتحدي وما بين الرحيل والبقاء!
ولحين ذلك وما بين هذه جميعها مُجتمعةٍ، قد يسكنها الطير ويعشش فيها وقد يزورها الغراب ليحل على غصنها، وقد يؤلمها نقار الخشب بمنقارهِ بنقرهِ المُتواصل عليها، أو تصبح طعامًا للدود الزاحف إليها رويدًا رويدا، وربما الإنسان نفسهُ يمد يده عليها بفأسهِ ليرميها أرضًا، مُنهيًا بفعلتهِ دورة حياة الحياة ذاتها، وتنتهي الحياة وتقطع الأنفاس!
       
الإنسان كتلك الشجرة أيضًا يعيش فصول الحياة بكل عواصفها وزوابعها المحملة على اختلافها، وبقوة إرادتهِ وتصميمهِ قادر على أن يثبت نفسهُ ووجوده بكل قوة وجدارة ويتخطاها إلى ما هو باقي من الموجود، وأيضا قادر على أن يتجاوزها من داخلهِ لكي لا تبقى وتأخذ مكانها وتحتلهُ وتستوطنهُ كما يحتل العدو والغريب الأوطان! 
سنقوم برحلة وجولة لمدة زمنية قصيرة إلى داخل الإنسان لنجول فيهِ ونعرف ونتعرف ونتأمل في كل ما يجول في مكنوناتهِ وأعماقهِ، أنها رحلة صغيرة بدقائق معدودة نبدأها من القلب وما يتولد فيهِ وما يخرج منهُ، ثم نزور العقل لنستكشف كيف يفكر ويعطي الإيعاز لكل ما مكنون ومضمور في أوراق الإنسان للحياة وللآخر.
هذا الكيان الحيّ يتدفق الدم في شرايينهِ وأوردتهِ، واصلاً إلى جميع مناطق جسدهِ وهو مُحمل بالكثير من المعاني الثمينة عن النفس وعن الآخر من:" الاحترام، الحبّ، المشاعر، الأحاسيس، الألم، الحزن، البسمة، الشجون، كلمات جميلة، السعادة، الصمت، الشفافية، الحنين، النقاء، الضيق .... وغيرها الكثير مما يجول في الخاطر، قد تستأنس النفس لها أو ترفضها حسب ما يلائمها ويناسبها وأحيانًا ما يفرض عليها، فهي مرات لا تكون حرة أمام إرادتها! فالحياة إذن تكون بما تحملهُ والإنسان بما يتلقاه ويمارسهُ على نفسهِ وعلى غيره من فنون كثيرة وتحمل من الألوان والأدوار الأكثر.
وحينما نتأمل في الإنسان هذا الكائن المُميز والمُختلف عن باقي الخلائق والمميز بعقلهِ عنهم، نجدهُ حينما يغيب عقلهُ عن المنطق والإرشاد وعن الحضور الحاضر يُوعزّ لنفسهِ للقيام بالكثير من الأمور المُخالفة لطبيعتهِ كإنسان إنساني! يكون مسلوب الإرادة، هو من يسلبها حينما يسخر ذاتهُ إلى كل ما هو ضد النفس.
أنها عبثية الإنسان ومشكلة زمانهِ الحاضر التي غابّ فيها المعنى والجوهر، مما يدفعهُ بما يحملهُ في قلبهِ من شعور وما يختزنهُ عقلهِ من نظرة مُغايرة لواقعهِ لا يستسيغها بسبب واقع عاشه أو غيره ذاقهُ أثر في نفسيتهِ في الحالتين وغير من ملامح الحياة والإنسان في عينيهِ! دافعًا به بعد حين إلى التصادم والركون عند المشكلة التي تكون كتلك العاصفة الشتوية الباردة الهابة، تُبرد كيانهِ وتجعلهُ يجد صعوبة في التوافق الداخلي النفسي والحياتي مُستقبلاً! يفكر بما يسكنهُ وينظر لواقعهِ فيحتار ويتردد، وما يكون من العقل سوى إلقاء ظلالهِ بقوة على كل ما يُخالج القلب ويلمسُّ الشعور. 
 
كثير من الأمور والأشياء يرغبها القلب ولكن العقل يرفضها، والكثير الآخر يسكن القلب والعقل يغلق الأبواب عليها! وهناك الأكثر مما يختزن في العقل ويضمر في القلب واللسان يترجمهُ بكلمات وجمل قد تسعد أو تحزن أو تعيش في الأيام كما تعيش الثواني والدقائق في الساعات. أو ربما قد يحدث العكس بنسبةٍ والقلب هو الذي يرفض ويتمردّ!   
التأمل في هذا الكيان العظيم لا ينتهي، هذا الكيان الذي يحمل بين جنباتهِ: الذكر والأنثى، الأسود والأبيض، الخير والشر، الفكر والشعور، الحياة والموت، الضحك والبكاء، الزهر والأشواك، الحروف والأرقام، الشهيق والزفير، الحقيقة والخيال، الظاهر والمكنون، النور والظلام، الدفء والبرد، القصة والرواية، وأخيرًا وليس آخرًا الوطن والغربة! وتبقى نفوس تحيا في دنيا الحياة.   

85
الاسترقاق أو العبودية المعاصرة 

سهى بطرس قوجا

سؤال أساسي لم يزل بحاجة إلى الإجابة عليهِ وهو: ما مدّى مشكلة الاتجار بالبشر في العالم بالضبط؟ وما هي مدّى خطورتها مقارنة بالأخطار المحلية أو عبر الوطنية الأخرى؟
بروتوكول الأمم المتحدة الخاص بمنع وقمع ومعاقبة الأشخاص الذين يتاجرون بالبشر، وبخاصة النساء والأطفال، والمكمل لاتفاقية الجريمة المنظمة عبر الوطنية. عُرف جريمة الاتجار بالبشر بأنها: تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة الاستضعاف، أو إعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال. ويشمل الاستغلال كحد أدنى، استغلال دعارة الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي أو السخرة أو الخدمة قسرا، أو الاسترقاق والمُمارسات الشبيهة بالرق، أو الاستعباد أو نزع الأعضاء.
تجارة الاتجار بالبشر حسب الإحصائيات الدولية تشير إلى إن أكثر الفئات استغلالا هم النساء والأطفال، بسبب غياب المسؤولية وقلة الوعي، ولأسباب قد تكون اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، وخاصة من ظروف يعيشها هؤلاء الأشخاص كالفقر والعنف الأسري والوضع الاجتماعي والاقتصادي المتردي، والطموح عند البعض لتحقيق الغنى وتحسين الوضع الاقتصادي، وازدياد الطلب على العمالة الرخيصة في بعض البلدان، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية التي يمر بها بلد معين أو لظروف الحروب والكوارث الطبيعية والهجرة الإجبارية، جميع هذه تدفعهم إلى الحاجة والسفر إلى المجهول، والهروب من واقعهم، وهناك يتم استغلالهم وتغريرهم.
أيضا البيئة الاجتماعية والثقافية المُتردية والعادات والتقاليد وبعض الممارسات العائلية الخاطئة بحق الفتيات والنساء الصغيرات كبيعهنْ واسترقاقهنْ أو تزويجهن إجباريًا، وغياب أحد الوالدين عن تحمل مسؤولية الأبناء، هذه مُجتمعة وغيرها أدتْ إلى هذه التجارة الخطيرة. كما إن انتشار الجريمة المنظمة والسيطرة المحدودة على الحدود أو شبه الغائبة وانتشار الشبكات والتقنيات المعلوماتية الحديثة وخاصة الانترنيت، يُساعد بشكل كبير على هذه الظاهرة ويُنميها ويزيد من توسعها. وبالتالي ضحايا الاتجار في تزايد ومنهم من يُستغل في العمل في بعض الدول لساعات طويلة وبأجور زهيدة أو بدون أجر على الإطلاق، وعادة هؤلاء يكونون من ضحايا الدول الفقيرة أو المهاجرين. 
وهذه التجارة تأخذ أشكال كثيرة أهمها هي:
ــــ تجارة الدعارة. 
ــــ الاتجار في الأطفال والنساء. 
ــــ تجارة الأعضاء البشرية. 
هذه الأشكال من الاتجار تتفرع إلى مئات الأساليب والمُمارسات وتأخذ طرق مُختلفة منها: الاتجار الذي يدخل ضمن إطار الدعارة، من خلال إيهام وتغرير الفتيات على الحصول على أعمال مناسبة وفرص زواج وسفر مقابل أجور جيدة ويتم تسفيرهنْ بطريقة شرعية إلى الدول وبعدها يتم استغلالهن في أعمال الدعارة ولإنتاج المواد الإعلامية الإباحية. أو يتم إجبارهم بالقوة لممارسة البغاء أو أي شكل من أشكال الاستغلال. وأيضا الأطفال (ومعظمهم من الفتيات) يتم استغلالهم جنسيًا، أو تجنيدهم في صفوف الجيش وهذا ما يحدث في الكثير من الدول التي تدور فوقها حروب داخلية. ويتم استغلالهم في العمل ألقسري، والعمل في مجال التسول والسرقة، واستخدامهم كقطع غيار للأغراض البشرية. أي هي تجارة بيع وشراء البشر، كما كان الإنسان قديماً يُباع. ولكن اختلاف اليوم عن العصر السابق هو الانفتاح والتطور والذي يستغل لصالح هذه التجارة لتحقيق أرباح أكثر وبأساليب مُتطورة وحديثة (تجارة العبودية المُعاصرة). 
ضحايا هذه التجارة يدفعون ثمنًا باهظاً أكثر بكثير من الأرباح التي تُجنى من وراءهم، مُتمثلا في الإيذاء النفسي والروحي والجسدي والأخلاقي والاجتماعي، مُخلفا أثراً داخلهم لا يندمل، يؤثر فيهم وعلى من حولهم وفي أغلب الأحيان يتم نبذهم من قبل عائلاتهم ومُجتمعهم لسبب لا دخل لهم فيه وخارج إرادتهم، إضافة إلى الإصابة بالكثير من الأمراض. وهؤلاء الضحايا وخاصة من النساء بعد مرورهنْ بهذه التجارب يتحولنْ إلى تاجرات للبشر، كردّ وانتقام ربما من المُجتمع أو لشعور بأنهنْ ليسوا وحدهنْ المُذنبات، فيجلبنْ أخريات إلى هذا الطريق.
ظاهرة الاتجار بالبشر جريمة تهينْ كرامة الإنسان وتتعارض مع التعاليم الإلهية. وهي واحدة من الجرائم العابرة للحدود الوطنية كالجرائم الالكترونية وجرائم المعلوماتية والجرائم المنظمة، وهي توازي بخطورتها وحجمها جريمة الاتجار بالمخدرات وجريمة الاتجار بالسلاح. وهي  مشكلة شائكة وكبيرة على مستوى العالم ومسؤولية اجتماعية كبرى. وتمثل انتهاك صارخ وفاضح لحقوق الإنسان وكرامتهِ، وتحتاج إلى جهد إنساني كبير وتصدي عملي، وتكاتف دولي لغلق الطرق أمام المستفيدين من ورائها، وتقليصها إلى أقصى حدّ، للتخلص من جميع آثارها ومظاهر وممارسات العبودية والعمل ألقسري الذي يرتكب بحق ضحاياها، وبحق ضحايا الاتجار بالأعضاء البشرية.
وللحّد من مدى تفشيها لابدّ من إقامة ندوات ومناقشات حول أشكالها ومسبباتها وسُبل الوقاية والحّد من أثارها وتداعياتها على الفرد والمجتمع والعالم ككُل. والوقوف بجانب الضحايا من النساء والأطفال المُتضررين وتقديم كافة سُبل العلاج النفسي والاجتماعي، مع الأخذ بعين الاعتبار التعاون مع جميع المنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني المعنية بالدفاع عن حقوق المرأة والطفل في جميع الدول، والعمل معها لتبادل المعلومات والخبرات وتقديم أفضل الطرق لحماية هؤلاء الضحايا من كافة أشكال العنف المستحدثة، والتوعية بها. والمتتبع لأشكال الممارسات التي تلحق المرأة والطفل سوف يصّدم من مختلف صور العنف المُمارس!
وأن تعالتْ الأصوات والهتافات بحقوق الإنسان، لكنها لم تعطي حقها الحقيقي في الواقع، ولم يُعامل الإنسان المُعاملة اللائقة بحقهِ كإنسان، وأحداث عصرنا خير شاهد على هذا.
وفي النهاية قيل: الذي لا يؤمن بحقوق المرأة، ينسّى إن أمهُ وأختهُ وأبنتهُ من النساء!

86
المنبر الحر / رد: ثقب إبرة
« في: 03:53 08/04/2013  »
شماسنا القدير صباح يوحانا
تحية مسيحية
واجبنا وهذا ما يمليه علينا إيماننا أن نكون جسر عبور للآخرين، نفيد الآخرين ونفيد أنفسنا كمسيحيين حقيقيين، أنها رسالة كل مسيحي مؤمن بأن الحياة فانية وزائلة ولا يبقى فيها غير الذكرى والعمل الصالح، لذا لا يجب التمسك بالأمور الدنيوية ونسيان الحياة الآخرة، الحياة الغنية بمحبة الله وتوبتهِ وغفرانهِ  ...
وهذا المقال هو دعوة صغيرة إلى التواصل والمصالحة مع الربّ والتخلص من كل يأس وهمّ وظلمة، هو نداء للحذر من تكالب الخطوات في متاهات الحياة والضياع قبل الآوان ...
تمنياتي لك شماسنا وشكرًا لحضورك الطيب
تقديري

87
المنبر الحر / رد: ثقب إبرة
« في: 03:33 08/04/2013  »
الأخ الكريم Lucian

تحية طيبة
أسعدني جدًا  أن يكون لكتاباتي هذا الصدى في النفوس وبأنها تأخذ القارئ إلى أبعد من حدودها، وأسعدني أكثر حضورك الجميل فيها بما نثرتهُ..

تحياتي وتقديري

88
المنبر الحر / ثقب إبرة
« في: 15:22 05/04/2013  »
ثقب إبرة
سهى بطرس قوجا


ثقب إبرة أكيد كل شخص يعرف حجمهُ، ولكن ليس كل واحدٍ يعرف أهمية وصفهِ في أمور دقيقة حياتية. ذُكر في الكتاب المقدس (الإنجيل) في قول يسوع المسيح:" مرور الجمل من ثقب الإبرة أسهل بكثير من دخول الغني ملكوت الله" (مت 19: 24)، وهناك حكمة صينية تقول:" أنظر إلى السماء من ثقب إبرة". ونحن نقول أنظر لكل شيءٍ في حياتك من خلال ذاك الثقب الصغير، لكي ترى من خلالها كل شيءٍ كبيرٍ دقيقًا ومضبوطًا.   
هي جميعها دعوات تدعو إلى نبذ الأمور الدنيوية والتمسك بالحياة الآخرة، الحياة الغنية بمحبة الله وتوبتهِ وغفرانهِ، وأيضًا دعوة إلى الأمل والتواصل والتفاؤل والتخلص من كل يأس وهمّ وظلمة، هي نداء للحذر من تكالب الخطوات في متاهات الحياة من خلال الانشغال بالمال وجمعهِ بشتى الأساليب، هي دعوة جميلة للبحث عن نافذة حتى لو كانت صغيرة بصغر ثقب الإبرة، ليطل منها على شروق جديد وخيط أمل يتمسك به، هي دعوة لتذكر الذات وعدم نسيانها! المال نعم ضروري لتسيير أمور حياتنا، هو وسيلة وليس غاية وقيدًا وأسلاك شائكة تفصل الذات عن الجسد وعن الآخرين وتضيعها في متاهات وأزقة الحياة.
يقول:" كثقب إبرة أرى الدنيا الآن وأضيق مما تتصورون وتتخيلون، تهتُ، ابتعدت، خسرت، ضيعتُ، شوهتُ، خذلتُ وخُذلت كثيرًا وبعدها خرجت من كل شيءٍ كانَ بلا شيءٍ يكون، وثقت بالجميع وأحسنتُ ظني بهم بلا حدود، وعلى غفلة فقدت الثقة ومعها فقدت ذاتي! أنها لخسارة كبيرة حين تحسُّ أنكَ مجرد آلة كلما تباطأت في حركتها تدهن بالزيت، تمامًا كالجوع عندما يحل يسد رمقهُ بلقمةٍ! لازلت أبحث عن ذاتي التي تركتني في غفلة من الزمن، فهل من الممكن أن نتلاقى حتى ولو صدفة أنا وهي، أم هي ماضية في طرقاتها بعيدًا عني، بسببي أنا؟!".
فجأة تشعر بأنك أنتَ لست أنت، وكلماتك ليست ملكك، ومجهودك ليس من عملك، وخطواتك تاهتْ منك، تنظر لنفسك في المرآة تلمح إنسانًا آخر، تبحث في أعماقك تجد شخصًا آخر يسكنك! أين أنتَ من نفسك، لا تعرف؟! ترى ما الذي جعلك ترى الحياة بوسعها كثقب إبرة صغير؟! من جعلك تنسى ذاتك وتتخبط في طرقات الحياة وحيدًا؟! من جعلك تعيش الاغتراب مع النفس والغفلة عن الحياة؟! من الذي جعلك تتمنى أن تجتمع بذاتك مُجددًا؟! بالتأكيد تكون أنت نفسك السبب الرئيسي لكل هذا، إن لم يكنْ هنالك من سلب إرادتك وجعلك تعيش الأغتراب والغياب عن الحياة وأنت حيٌّ!   
 ما نفع العالم لو ربح الإنسان كل شيءٍ فيه وخسر نفسه! كل شخص مُحبًا لأمور الدنيا وللمال، يجعل من نفسهِ وفكرهِ عبدًا لهما، مُسيرًا بهما، مكبلاً بأغلالهما، سالكًا طرقاتهم! وبالرغم من كل ما يملك ألا أنهُ يعيش الفراغ مع نفسهِ والضياع وفقدان طعم الأشياء ومعناها! هي ليست دعوة لنبذ المال أو الاستغناء عنهُ كليًا، بل التعريف بأنهُ ليس كل شيءٍ بالحياة، وليست لهُ تلك الأولوية التي البعض يترك كل شيء في حياتهِ حتى أقرب المُقربين إليهِ، مُتمسكًا به. الحياة أجمل وأبسط من ذلك إذا عرف طبعًا كل واحدٍ كيف يجعلها بسيطة ببساطة روحهِ وجماليتهِ.   
عش الحياة دون تفكير وسبق أحداث للغد، كل يوم لهُ تدبيرهُ وكل ساعة لها دقائقها، لا تستعجل ولا تركض في سنينك دون راحةٍ، أشعر بروعة يومكَ، وفكر بعمق بذاتك التي هي بحاجة لك أكثر، هي من تجعلك إنسانًا يعرف ويحسّ بقدرهِ! خصص لها كل يوم بضع دقائق لتتحدث معها وتُجالسها وتحتسي معها فنجان قهوة على كرسي في حديقتك أو تحت ظل شجرة خضراء تتطاير من بين وريقاتها نسيمات هواء رطبة، وتغردّ على أغصانها الطيور أنشودة الأمل والتفاؤل والحياة. وجه نظرك للسماء والى الغيوم التي تتحرك في فضائها لتعلم وتدرك أن الحياة نبض دافئ مُتدفق بأجمل المشاعر الإنسانية، وليس صخر تقع عليك تحطمك، عطر أنفاسك بأريج الزهور لتبتسم ابتسامة ملئ فمك نابعّة من بين ثنايا أعماقك لكل ما هو موجود بالحياة، والذي أنتَ هو أحد هذه الموجودات.

89
المنبر الحر / الاستعداد الدائم
« في: 18:34 13/03/2013  »
 
الاستعداد الدائم     
سهى بطرس قوجا


قال يسوع المسيح:" السَّماء والأرُض تزولان، وكلامي لن يزول. فأمَّا ذلك اليومُ وتلكَ السَّاعة، فما من أحدٍ يعلمُهما، لا ملائكةُ السَّمواتِ ولا الابنُ إلا الآبُ وحْده". ( متى 24: 35- 36).
كشف ربُّ السموات لأبنهِ عن كل من ما لابدَّ منهُ ليقوم برسالتهِ التبشيرّية الخلاصِّية، ولكنهُ لمْ يكشفَ لهُ الأزمنة والأوقات " ليسَ لكم أن تعرفوا الأزمنةَ والأوقاتَ التي حددَّها الآبُ بذاتِ سُلطانهِ" (أعمال الرسل 1: 7)، لذلك يجب على الناس أجمعين أن يكونوا مُستعدين دائمًا وأبدًا، لأنهُ في " الساعة التي لا تتوقعونها يأتي أبنُ الإنسانِ" (متى 24: 44). وقد أعطى المسيح أمثلة يوضح فيها كيف يكون الإنسان مُستعدًا يوم لقاءه برَّبهِ وهي:" مثل الخادم الأمين، مثل العذارى، ومثل الوزنات" (متى 24: 45_ 51/ 25: 1-31).
قال يسوع أيضًا:" لأنَّ من الداخلِ، من قُلوب الناس، تخرُجُ الأفكارُ الشَّرَّيرةُ: الفسقُ والسرقةُ والقتلُ والزَّنى والطمعُ والخُبثُ والغشُّ والفُجورُ والحسدُ والنميمَةُ والكبرياءُ والجهلُ" (مرقس 7: 21- 23). أما بولس الرسول فقد ذكر في رسالتهِ إلى أهل غلاطية:" وأمَّا أعمالُ الجسَدِ فهي ظاهرةٌ: الزَّنى والدَّعارةُ والفجورُ وعبادةُ الأوثان والسحرُ والعداوةُ والشقاقُ والغيرةُ والغضبُ والدَّسُّ والخصامُ والتحزبُ والحسدُ والسَّكرُ والعربدةُ " (غلاطية 5: 19- 21).
قلبُ الإنسان عندما يبتعُّد عن الإيمان والصلاة ومحبة المسيح، يُسوسُ الشر لعقلهِ ولفكره عن كمْ الخطايا التي ذُكرتْ في هذين النصين ليسوع المسيح ولبولس الرسول والتي تجتاحُ وتعصفُ بالإنسان من الداخل والخارج، وتكمْنُ في خباياه ودواخلهِ بنسبةٍ. مُولدة الدافع والنيةُ في داخلهِ لارتكابها في لحظة غضب أو لحظة أنانية أو أحيانًا كانتقام من واقع يرفضهُ أو من شخص أساء إليهِ، فيُخرج هذه الأعمال ويُطلقها مسببةٍ أذية لهُ ولغيرهِ، فيخطأ إلى نفسهِ وإلى الرب. وكما نعلم بأن الإنسان يُولد وفي داخلهِ الخير والشر، الأسود والأبيض. وهذه الأعمال والنياتْ جميعها مُتجذرة في الإنسان أو يكتسبُّها من مُحيطهِ والمُحيطين به، ولكن بقدرتهِ وإرادته النابعّة من عمق إيمانهِ يستطيع التحكم بها.
وأغلب هذه الخطايا والنياتْ ليست فقط مُقتصرة على الأعمال، بل إن مُعظمها كالخبثُ والغيرة والغضب والحسد والدسَّ والطمع ......الخ. تعمل بخفية في داخلنا، مُتخفيةٌ في العقل والقلب. وجميعها في النهاية خطايا  وتجارب تُحاول أبعادنا عن الآب السماوي، فنؤذي بها أنفسنا وغيرنا ونخجل منها وتكون عاقبتها الموت" فأيُّ ثمرٍ جنيْتُم ... من الأعمالِ التي تخجلون منها الآن، وعاقبتُها الموتُ؟" ( روما 6: 21). فمثلاً:   
ـــ الخُبثُ: كمْ وكم من المرات نرى أشخاصًا يتصرفون بخُبث في سبيل مصلحتهم الشخصية أو في سبيل إيقاع غيرهم في ورطةٍ، مُتناسين مخَافةَ الربَّ! 
ـــ النَميمةُ: ألا نتكلم كثيرًا عن فلان أو فلانة، دون أن نتأكد من صحة الكلام لمُجرّد إننا سمعنا فقط، ألا نكون قد اغتلناهم كلاميًا وألحقنا شرًا بهم. فهذه جارة تقضي ساعات طوال تتكلم على حساب جارتها!
ـــ الطمع: لا حدَّ لهُ، عندي كل شيء ولكن ما زلتْ أريد المزيد والمزيد، وأجمع لي كنوزًا في الأرض في سبيل أن امتلك أكثر، وهكذا نرى الكثيرين في العالم مُحتاجين إلى رغيف خبز! لأن هذا الآخر استحواذهِ لم يكن لهُ حدَّ، فحرمَ الآخرين من أن يأخذوا فرصتهم هم أيضا. فكان طماعًا وأنانيًا بذات الوقت.
هذا ما يزرعهُ الشرير في قلبنا وعقلنا وغيرها الكثير، أنهُ يأتي إلينا في لحظة ضعفنا ويخطفُ كلمة الله التي زرعها المسيح في داخلنا ويُبدلُ الأبيض في داخلنا بالأسود " فيجيءُ الشَّرير وينتزعُ ما هو مزروعٌ في قلبهِ" (متى 13: 19). لأنهُ ضعيفٌ بإيمانهِ، فيحثنا على النطق بكلمات غير لائقة ويُشجعنا على الأذية والسرقة والقتل والعداوة وعلى الكذب والحقد والاستغلال. فالنيات الحسنة موجوّدة وكذلك النيات السيئة، ومثلما قُلنا الإنسان يُولدُ وفي داخلهِ الخير والشر! ولكن ما مدّى قُدرتنا وتمسُكنا وقوة إرادتنا إزاء ضعفنا كبشر؟
هل علينا أن ننسَّى محّبةُ الله الكُبرى لنا وتضحيةَ يسوع من أجلنا؟ هل نفقدُ ثقتنا وإيماننا بالرَّب ونستسلم للأعمال السيئة ولأول تجربةٌ تُصادفنا؟ أم نتسلحُ بإيماننا وبمسيحنا الفادي ونستعُّد دومًا لمُقاومة ومُحاربة الشرير والتجارب التي تعترض حياتنا أو الذين يكونون سببًا في خطيئتنا؟
نحن جميعُنا "أسرى محبَّة المسيح، بعدما أدركْنا أنَّ واحدًا ماتَ منْ أجل جميع الناس، فجميع الناس شاركوهُ في موتهِ" (2 كورنثوس 5: 14). فيجب أن لا نترك للخطايا توسوُّسُ في عقلنا وقلبنا وتُحرفُنا عن طريق الرب، وأن لا نكون مثل القائلين" تعالوا نأكلُ ونشربُ فغدًا نموتُ" (1 كورنثوس 15: 32). بل نقوَّي إرادتنا ونعمل إرادة الله ونسير على خُطى المسيح ونكون على صورة جوهرهِ وأعمالهِ ونقتدي به في حياتنا، و"منْ يعملُ بمشيئةِ اللهِ هو أخي وأُختي وأُمّي" (مرقس 3: 35).
ومُباركٌ هو الرَّبُ الذي منحنا الحياة في هذا الوجوّد، وميزنا عن كافة المخلوقات والدواب على الأرض، بأن منحنا النفس التي نفخها فينا (الروح) وخلقنا على مثالهِ وصورتهِ. ومنحنا عقلٌ ولسان ننطق به وحكمةٍ ومعرفةٍ ومواهبٍ وأعمال مُتنوعةٍ ومُتباينةٍ من شخص لآخر كلٌ حسَّب قُدرتهِ وتكاملهِ للآخر" وهذا كلهُ يعملُهُ الروحُ الواحدُ نفسُهُ مُوزعًا مواهبهُ على كُلَّ واحدٍ كما يشاءُ" (1 كورنثوس 12: 11). وتكون ثمارهُ " المحبَّةُ والفرحُ والسَّلامُ والصَّبرُ واللُطفُ والصَّلاحُ والأمانةُ والوداعةُ والعفافُ" (غلاطية 5: 22- 23).
فلتكُن أعمالنا، أعمالٌ تليق بأبينا الذي في السمواتِ وتُمجّدهُ في ملكوتهِ. لأن" الذي ما عرفَ الخطيئةَ جعلهُ اللهُ خطيئةً من أجلنا لنصيَّر به أبرارًا عند اللهِ" (2 كورنثوس 5: 21).  وحياتنا على الأرض ما هي سوّى استعدادٌ لتقبل الحيَّاة في السماء إذا ثبتنا إلى النهاية وتمسّكنا بكل إرادتنا بحياة البرِّ والإيمان والقداسةِ والسلام والخير." فاسهروا، لأنكم لا تعرفونَ أيَّ يومٍ يجيءُ ربُّكُم" (متى 24: 42)، " وعيشوا مُدة غُربتكم في مخافتهِ" (1 بطرس 1: 17)، ورددوا دائمًا في صلاتكم إلى الآب" لا تُدخلنا في التجربةِ ولكن نجنا من الشرير .... آمين" .

90
المنبر الحر / التحرر في العقل
« في: 18:23 08/03/2013  »
التحرر في العقل
سهى بطرس قوجا


الحياة لا قيمة لها ألا إذا عشناها مع الآخرين بــ حرية عقلية، ووجدنا فيها ما يستحق من أجلهِ أن نكافح ونستمر، وتلك القيمة تأتي من خلال نظرة متوازنة لكافة أمور الحياة ولكل ما موجود فيها.
وهي تستحق منا نحن البشر أكثر، تستحق أن نجعلها جميلة بقدر جمالها ونجعلها صورة حية باقية، ولكن الإنسان الموجود فيها يجعلها مرات كثيرة بفلسفتهِ المعقدة ونظرتهِ الانفرادية أكثر تعقيدًا عندما يكون من داخلهِ مصرًا على ذلك. ولو كل إنسان حاول مُجرد المحاولة في أن يرمم نفسه من الداخل من أجل أن تخدمه في الحياة وفي الآخرين لكان اليوم على قمة الثقافة وتقدير الآخر قائمًا فيهِ، ولكن نظرتهِ وتقييمهِ للأمور نحو السلبية أكثر من الايجابية هي من تجعلهُ في الحياة مُشتتًا ما بين وبين! يظلم نفسهُ ويظلم من هو معهُ ويجعل الحياة تبقى راكدة في مكانها، لا يسير فيها ولا يعطي الطريق للآخرين للمضي فيها؟! 
الحياة تبقى الحياة والإنسان فيها هو من يتطور ويختلف، يتوافق ويخالف، يتميز ويتمايز، يتمحور ويحاور. وقضية المرأة ما زالت هي محور الحديث وحولها تدور الكثير من الأسئلة والاستفسارات، بعضها منها هي وبعضها الآخر موجه لها، وما بين كل ذلك تكون هي في الوسط تبحث عن حلول واستفسارات وردودّ لمن يسأل ويطالبها بالجواب؟!
المرأة من هي؟!
المرأة كيان حولها يدور كل ما في الحياة ولا يكتمل ألا بها، هي بمعنى أوضح الحياة برمتها وهي من تمارس أغلب الأدوار على مسرح الحياة، وفي النهاية ألا تستحق من الجميع على السواء الثناء والتصفيق لها والتقدير والشكر على جهودها؟! ولكن في مجتمعاتنا الشرقية بالذات وهذا ما يهمنا أكثر تجدها حسب كل بلدًا أشلاء مبعثرة سواء كان بيد الرجل أو المجتمع، هنالك ثقافة مغلوطة ونظرة ترمق لها كلها شك وكأنها قاصر وبحاجة إلى وصاية دائمة عليها، هي ثقافة تمارس عليها وهي بدورها تمارسها بنفسها على غيرها من بنيّ جنسها نتيجة تلك الأفكار المزروعة في الفكر!
وأكيد طبعًا هنالك أسباب كثيرة تدفع إلى استقاء تلك الثقافة، منها اقتصادية واجتماعية والتي بدورها تؤدي إلى حالات نفسية ومن ثم ممارسة ثقافة خاطئة من قبل البعض، تجعل ذلك البعض الآخر يلحقهُ! كثير من الباحثين الاجتماعيين يؤكدون أن الوضع الإنساني الحالي للمرأة سببهُ العنف الممارس عليها والأوضاع الاقتصادية التي تعيشها المرأة والتي بسببها تدفعها إلى مُمارسة الكثير من الأمور خارج نطاق المعقول، مما يكون السبب في جعلها صورة عاكسة للأخريات، وجعل الرجل بمختلف مُسمياتهِ يمارس عليها عنفهُ سواء كان على زوجتهِ أو بنتهِ أو أختهِ وحتى أمهِ! والتي بنتيجتها يكون هو السبب فيها، يجعلها من جانب سلعة في يده ومن جانب آخر يجعلها عبده في بيتهِ  أو سجنهِ بالأحرى، من خلال ممارسة ضغطهِ عليها وتنفيذ أوامره لكي لا تكون نسخة من أخريات هو كان لهُ دور في صنعها (بالتأكيد بدون تعميم)؟!     
التحرر في العقل بحيث ما لا تراهُ مناسب لك لا يكون مناسبًا للآخر، وما لا تقبلهُ على نفسك لا تقبلهُ للآخرين، وما هو جيد وتتمناه لك لمْا لا تتمناه للآخرين، عيش الحياة دائما بتوازن وبدون تفضيل وحساب! امرأة اليوم ليست كما كانت في السابق، الزمن في تغير وتطور ولابد من نتطور ونغير من تلك الفكرة المأخوذة عنها والمتوارثة! كل زمن ولهُ ناسهِ ولهُ ثقافتهِ وأيضا نظرتهِ، فيجب أن نطور من الفكر أكثر ونجعل المرأة تأخذ مساحة أكبر في الحياة بدون رقابة أو قيود هي من تجعلها في النهاية تتألم منها وتتعب وتحاول بشتىّ الوسائل المُتاحة فكها والهروب منها والوقوع في أقرب حفرة بدون أن تعلم أنها كانت أمامها أو قريبة منها أو مرئية لها، ومن ثم تنتقد على أساسها؟!
والمرأة لديها الكثير من الحقوق عليها وعلى غيرها، وبرأيي لا يجب أن تطالب بحقوق من رجل كائن مثلها، بل هي لها حقوق عليه وهو واجب عليه الوفاء والالتزام بها، كما أنها هي بنفسها قادرة على أن تكون إنسان حي وعضو فعال وليس القول أن هذا رجل وتلك امرأة! وكأنهم بهذه الثقافة يصنعون الحواجز ويفصلون الحياة إلى قطبين مُنفصلين وليس مُجتمعين، ومع مرور السنين تزداد تلك الهوة وتزداد المطالب، ثم تلك الحقوق ممن تطلبها؟! من أخيها، أبيها، زوجها، أبنها، بلدها؟! إن كان على مستوى البلد فهي وصلت والحمد لله إلى مناصب عالية ومُستقبلا ستصل أكثر وإن كان من هؤلاء الآخرين المذكورين فهي مُتوقفة على ضميرهم وإنسانيتهم ومدى احترامهم لذاتها الذي هو من احترام نفسهم!
كل شيء لهُ احترامهُ وحديثهُ وتكاملهِ وحدودهُ وواجبهِ، وهذا لا يكون ألا عندما يكون هنالك توافق وتكامل الواحد مع الآخر وليس الواحد ضد الآخر. لأنهُ بعكس بهذه الثقافة يكونون، كمن ذهب لحقلهِ وجلس تحت شجرة يستظل بظلها إلى أن قاربت الشمس على الغروب ورجع لبيتهِ بدون شيء، لم يعمل في حقلهِ ولم يجني من ثمارهِ، ومضىّ في الحياة هكذا؟! كفانا مُطالبات وشعارات هي ليست بحاجة لها بل لابدّ من أن تثبت وجودها هي بنفسها بكل ثقة واقتدار وبأنها إنسان يعتمد عليه عندما هي تفرض هذا الاحترام. 
فالمرأة تنقصها البعض من الحرية وخصوصًا الفكرية، سواء من الرجل أو المرأة نفسها بحق أخرى، والمجتمع كذلك بمختلف مفاهيمه التي تبقى فيهِ مُقيدة أو مسلوبة الإرادة وتمارس من قبل آخرين، حرية تتحرك في فضائها لكي تشعر بكيانها وتشعر بالأمان والاطمئنان، وأيضًا هذا الرجل عليه أن يدرك أن مستقبلهُ لم يكنْ لولا تلك المرأة أيًا كانت في حياتهِ.   

91
المنبر الحر / ناقوس الذكرى
« في: 18:27 28/02/2013  »
ناقوس الذكرى
سهى بطرس قوجا


فتاة جالسة على كرسي في شرفة غرفتها، ترتشف القهوة وتتأمل في السماء والقمر، شردّ ذهنها إلى أجمل الذكريات، فتقول بآهات عفوية مُلتهبة خرجتْ من أعماقها مُسرعة:
كيف السبيل إلى النسيان؟! ذكراهُ تدمرني كلما مرتْ على البال، رحل وتركني وحيدة، رحل بدون أن يُعلمني بأنهُ سيجعلني يتيمة من بعدهِ، عبير ذكراه ما زال يلامس قلبي. آه من ذكراه ما أروعها وما أقساها، تُميتني وتُحييني، وما أحلاه من عذاب!   
مرتْ السنين وما زالت تلك الهمسات، مرتْ السنين وذكراه ما زالت حيةٍ منقوشةٌ في القلب وساكنةٍ في العقل. مرتْ سنين وكلامهِ الطروب كمعزوفة تُطرب لها الآذان، مرتْ السنين وبريق عينيهِ اللامع من ابتسامتهِ لا يفارق مُخيلتي، مرتْ سنين وعطره باقيٍّ في الأنفاس، مرتْ سنين وما زلتْ أشعر بحرارة راحة يديهِ تلامس يدايّ، مرتْ سنين وشعور نبضهِ يدق مع كل خفقةٍ من خفقات قلبي، مرتْ سنين واكتشفت أنني ما زلتْ أتنفسهُ وأنهُ يسكنني! 
فكيف بتلك السنين؟! وكيف بالحنين والشوق القاتل إليها؟! تذكرتهُ، حنيتْ لأيامهِ وكم وددتُ عيشها ثانيةٍ، تخيلت نفسي معهُ كما كنْا في تلك السنين حبيبين، تذكرتهُ وهو ماسكًا بيدي يدعوني لمُرافقتهِ، قائلا ليّ:" هل تسمح أميرتي بقبول دعوتي للعشاء؟" أبتسمتُ لهُ قائلة:" وهل يعرف أميري أني قبلتُ دعوتهِ؟"، ضحكنْا معًا ضحكة من الأعماق وضمني بقوة إليهِ والسماء تمطر فوقنْا، وقال:" اليوم موعدنا يا جميلتي وفاتنتي ومُدللتي". خفق قلبي لكلماتهِ الرقيقة وحرارة حبهِ تسللتْ إلى عروقي، شعرتْ أنني أحلق في السماء عاليًا، ماسكةٍ النجوم بيدي من شدة سعادتي وأشواقي! شعرتْ بدفء حنينهِ يسري في ثنايا روحي، وشعرت بروعة وصدق حبهِ من بريق عينيهِ. 
فكيف بتلك السنين التي ذهبت ولنْ تعود، وكيف بهذه السنين التي تحمل فقط الذكرى والشوق والحنين والألم؟! وكيف بذاك الطفل الساكن في الأحشاء ويُحرك شرارة الإحساس بين الحين والآخر، أنهُ حبهُ يأسرني من حيث لا يدري! حبٌّ أمتزجتْ فيهِ حروف الألم مع الشوق واللهفة واللقاء والفراق.   
نظرتْ للنجوم أتأملها، لمحتهُ بينها يبتسم، وفرحتْ رغم ألمي وآهاتي المكبوتة، وبكتْ عيني! ذكراه همّ وجنون، ألم وشجون، ذكراه همسة من الماضي تحمل أجمل نسمةٍ، اكتشفت فيها رغم سنين فراقهِ أنني ما زلتْ لحنينهِ باقيةٍ.

لا يؤلمني في زماني ****  ألا طيف ذكراكم
كنا نظن أننا لن نفترق  ****  وما الظنون ألا أوهام
تسارعتْ الأيام تسبقها المنى **** وتلاشت الأحلام في بحر النسيان
برحيلكم نزف القلب ** وأدمعت العين ** وصرخ الفؤاد ** وكسر الخاطر
فيا أحبابنا برحيلكم **** النفس تاهتْ ولا أجدها


92
الحاضر المغزول بخيوط الماضي
سهى بطرس قوجا

هذا الزمان الذي يحمل الكثير والكثير بين طياتهِ، غالبًا ما نقف فيه مكتوفي الأيدي، سألين أنفسنا: هل نعيش ذكريات الماضي، أم نعيش حاضرنا ولحظتنا، أم نخطط لمستقبلنا في حاضرنا؟
الحياة كما نعرفها عبارة عن ماضي وحاضر نعيشهُ ومستقبل مجهول نسعّى لتحقيقهُ من خلالهما. ونعود ونفتح أوراق كتاب حياتنا ونقرأ فيها كل ما مرّ بها، فنجد فيها ذكرياتنا وما فيها من المؤلم والمُفرح، ومن التشاؤم والتفاؤل، والنجاح والفشل، وطفولتنا البريئة والجميلة التي نتمنى إن نعود إليها. حياتنا بمجملها نستذكرها ونبحث فيها، فنجد ما ألمنا ويؤلمنا ويؤثر على نفسيتنا ونجد فيها ما أسعدنا! أنها لحظات عاشت معنا وسايرت حياتنا، وخطتْ خطواتها مع خطى أقدامنا حتى أوصلتنا إلى حاضرنا. فهل نتركها لتسكن فينا ومعنا وترجعنا معها ثانية إلى زمان مضىّ، أم نتركها لزمانها ولا ندعها تتطفل علينا، لكي لا تكبلنا بقيودها، فقط نأخذ منها العبرة والدرس؟!   
الحياة أو حياتنا بمعنى أقرب هي المنحة والهبة، وقد تكون قد قستْ علينا وآلمتنا كما أفرحتنا، ولكن لحظتنا هي الآن، فلما نكبل حركتنا بماضي فَانٍ، ماضي كان لهُ لحظتهِ ووقتهِ الخاص؟! وقد يعتقد البعض بأنني أقول إن نغض النظر عن ماضينا تمامًا ولا نفكر فيه! على العكس تمامًا، الماضي أساسنا ولا يمكن فصل زمنًا عن زمن وإنسانًا عن إنسان وسنينًا عن سنين، ولولا ماضينا لمْا كان لنا حاضر وحياة أكثر إشراقًا، ولكن نحن نبحث عن اللحظة التي سرقت سنيين من العمر وسجنتنا في سجنها وبتنا آسراها.
يتكلم بألم ويسرد قصته قائلا:" لقد كانت حياتي المقبلة، زهرتي الجميلة التي استنشقت عطرها، محبوبتي الصغيرة البريئة، رأيت فيها ذاتي، أطفالي، عشقتُ حروف أسمها، دلالها، حنانها، إنسانة بكل معنى الكلمة هكذا كنتُ أراها، نجمة في السماء تتلألأ وتشع بنورها لتدخل قلبي وتنيره. أحببتها وأحبتني...  ذات مرة قالت لي:" أنتَ حياتي وبيتي"، فأجبتها وقلت لها: أنتِ دنيتي التي بها أعيش. فابتسمت لي وقالت: هل من المُمكن إن تنساني في يوم من الأيام؟ فنظرتُ إليها بصمت، وأجبتها: هل من المُمكن إن أنسى أنفاسي، شهيقي وزفيري؟!
بعدها أخذ صاحب القصة نفسًا عميقًا، وتوقف للحظة وضحك ضحكة مُثقلة بالألم مع قطرات دمع نزلت من عينيه، ثم أكمل قائلاً: ولكن صدمتي وصمتي كانا أكبر، فليس كل ما يتمناه المرء في الحياة يدركهُ، لم تجعلنا نسعدُ مع بعض، وهنا كانت مصيبتي، حين سرقها مني القدر والموت، وحملها على جناحيه وطار بها بعيداً، رحلت وتركتني وحيداً، أعيش في ذكراها، رحلتْ وأخذتْ معها روحي، لا أعرف لمنْ أعيش من بعدها؟
مسكينًا هو! حبه لم يكتمل ولم يُكتب لهُ الحياة، تمزق قلبهُ برحيلها ويعيش شعورا من المرارة ممزوجًا بالحزن واليأس والغربة في داخل نفسه، وضع نفسهُ في سجن قضبانهُ من حديد، بل من صدّى ماضٍ يمنعهُ من العيش في حاضره، ينتقم من نفسهِ بنفسهِ، ولكن هل ما يفعله هو الصواب؟! بالطبع جوابنا يكون بالنفي، نعم أنه متألم، ولكن بفعلتهِ هذه يقتل حبيبته مرة أخرى، يقتلها وهي التي تسكن داخلهِ وأنفاسهِ، يقتل ذكراها التي تركتها في قلبهِ ووجدانهِ!
التمسك بخيوط الماضي والعيش فيه، هو كمنْ شخص يُمسك بقدميك لمنعك من التواصل والمسيرة، كل إنسان عانى وسيعاني وهذه حال الدنيا، ولكن تذكر إن المعاناة في النهاية هي مُجرّد اختبار. فلا تجعل هذه المُعاناة والجروح تتراكم في أعماق نفسكَ، وتثقل كاهلك، بلْ أدفعها خارجًا لكي تتبخر وتتلاشى وتتضاءل، وأنت وحدك من تستطيع تحديد لحظة تلاشيها.
ونبقى نقول: ماضينا أيام عشناها وسنين تركناها ولحظات مررنا بها، ولكن هل مرت دون أن تترك أثراً لذكراها؟ هل نسيناها؟ بالطبع: لا. هذا الماضي هو دافعنا إلى الأمام وهو الصبر والصمود، ومن الصعب التخلص من ذكرى الماضي وخاصة إذا كانت أليمة، ولكن نستطيع إن نتعلم منها، ونستخدم ما تعلمناه في تطوير حاضرنا، لأنهُ إذا صادفنا موقف في الحاضر مُشابه لموقف عانينا منهُ في الماضي، عندها نستطيع إن نتعامل مع الموقف الحاضر بشكل مُختلف.
فعش في حدود اللحظة الراهنة وفكر بكل ما هو جميل في الحياة. فالماضي لا يعود والمستقبل مجهول، وحاضرنا لهُ لحظتهِ التي نعيشها، فلمْا لا نزرع الأمل في دروبنا ونحييهِ في قلوبنا، ونعيش لحظتنا. 
وصدق ما قالهُ الحكماء بأن الأيام ثلاثة :
أمس:  وهو صديق مؤدب، أبقى لك عظة، وترك فيك عبرة.
واليوم: صديق مودع، أتاك ولم تأته، كان عنك طويل الغيبة، وهو عنك سريع الظعن، فخذ لنفسك فيهِ.
وغداً:  لا تدري ما يحدث الله فيهِ، أ من أهلهِ  أنت أم لا؟!

93
أهلا وسهلا الأخ الكريم
بالتأكيد الحياة لا يمكن أن نحصرها فقط بحالة واحدة وننسب كل الأمور لطرف دون آخر، ولكن أنا في معظم مقالاتي أذكر جانب واحد منها وأتكلم فيه وهو الاخر لا ينتهي الحديث فيه كونه متشعب، فلا الرجل مسكين ولا المرأة مسكينة ولا الرجل ظالم والمرأة مظلومة ولا أنحاز لطرف دون آخر!! هي في النهاية تبقى على ذات الشخص نفسه وضميره ومدى تقديره لذاته قبل الآخر، إذا كان ينظر لنفسهُ من جميع الجوانب وطبق عليها كل ما في الحياة، أعتقد لن يرضى للآخر بإن يكون له نفس المصير لأنه بالتالي يكون قد ذاق وأستشعر!! وكما قلت هي تبقى متوقفة على هذا الإنسان..
واليوم الكثير من الشباب في بداية حياتهم الزوجية يحصل بينهم الانفكاك من أقل كلمة وهذا شيء مؤسف أكيد ومؤشر خطر في مصير الحياة والإنسان، لأنه أصبح لا يهتم بالحياة ويضيع كل معنى لها ...

تحياتي لك وجزيل الشكر على المرور الكريم على المقال
تقديري واحترامي
 

94
 
وكم من طيبات قبعنْ مثلها! 
سهى بطرس قوجا


تقول صديقتنا: طيبتي الزائدة عن اللزوم وثقتي العمياء بمنْ حولي هي من جعلتني أنخدع بسهولة بكلامهِ الذي كلهُ مكر وكذب وازدواجية، وأنا لا أعلم! قال لي: أحبك، وهو يضمر لي كل حقدٍ! خدعني بكل سهولة، رسم صورة خيالية لنفسهِ في مُخيلتي وأحاطها ببرواز من ذهب وفضة، أوهمَ نفسهُ وأوهمني معهُ، لم أخذ حيطتي وحذري، لم أفكر أنهُ سيأتي يوم ويتركني فجأة! لم أكنْ أملك من الفطنة بحيث أعرف ما يدور في خبايا فكرهِ المريض! وكيف لي أن أعرف وكل كلامهِ يدل على عكس أعمالهِ؟! نواياه لمْ تكنْ ظاهرة، ومقاصدهِ لم تكنْ مُعلنة، كان يتفننُ بالحيلِ وبترتيب الكلام وتزيينهِ!
 يا للمفارقة ويا للزمن، كم كنتُ ساذجة ولم أُحكم عقلي قبل عواطفي، ولم أتصور يومًا أن أكون في هكذا موقف؟! آهٍ لو كنت أعرف ما في دواخلهِ من شرٍ دفين نابعٍ من بُغضهِ لذاتهِ! آهٍ لو كنتُ عرفتْ من البداية نوع طينتهِ الممزوجة بكل الأعمال الشريرة والأفكار السلبية! لكنت قلت لهُ أنتَ لا تستحق أن تُدعى إنسانًا؟! أنتَ لا تستحق أن تُدعى رجلٌ بين الرجالِ؟! أنتَ لا تستحق أن يُعطف عليكَ؟! أنتَ إنسانٌ حيٌّ بجسدهِ وميتٌ بروحهِ! وتبًا لزمانًا أصبحتْ فيهِ الشياطين تُمثل دور الملائكة بجدارةٍ.

نقول لصديقتنا:
التي أنهتْ حكايتها وحديثها وحيرتها وآلمها وحزنها وشجنها وصدمتها بشيءٍ من الأختصار، لا تحزني ولا تيأسي ولا تُحبطي من نفسك لتثبتي نجاح غيرك، لأنهُ اكتشفت في لحظة مُوجعة أن طيبتك ونقاء قلبك تحول إلى جسر لعبور أناس أنتهازيين لتكوني ضحية خبثهم ومصلحتهم الأنفرادية! بل أسعدي لأنك أفضل منهم وتمتلكين طيبة والتي هي مبدأك وأخلاقك وإنسانيتك والمُترفعة عن الأذى وعن كل السلبيات الأخرى.
 ونحن حديثنا لمْ ينتهي بعد، بلْ سنبدؤهُ ونُعطي فكرة مُبسطة عن موضوع قلمْا سلطتْ الأضواء عليهِ، موضوع غاية في الأهميةِ والخطورة ألا وهو موضوع الطيبة التي تفهم من قبل البعض بأنها سذاجةٍ وغباءٍ وبسببها يُستغل البعض بدون إدراك، ومن خلالها سنعرف من هم الأكثر ضرراً بها.   
في هذا الزمان، الناس تنوعت مقاصدهم واختلفت نواياهم وبتنْا لا نعرف أن نميز بين الألوان. وصديقتنْا التي تكلمتْ عما يدور في خلجاتها وحيرها، لم تكنْ تمتلك الخبرة الكافية بالحياة وبالناس، لم تكن واعية لحقيقة ما يدور حولها، كان لديها ثقة وطيبة قلب زائدة لدرجة أطمئنت لمنْ ظنتْ في يوم أنهُ يحبها لذاتها، ولم تفكر في يومًا ما بأنها ستكون ضحية أنانية إنسان لا يملك ضمير إنسانًا. ظنتْ أن جميع الناس مثلها لهم مبدأهم في الحياة، وصادقين، مُخلصين، مُتسامحين، عفويين، تلقائيين وشفافين في التعامل، بُسطاء وغير مُنافقين، يفضلون مصلحة الغير قبل مصلحتهم، يحبون الآخرين ويتمنون لهم الخير ويسعون إلى مُساعدتهم، يعرفون معنى أن يكون الإنسان إنسانًا بدون أقنعة. ولكن صدمتها كانت أكبر بالواقع الذي اصطدمت به وجعلها تفتح عينيها على حقيقة مُرةٍّ، آلمتها أشد الألم، حقيقةٌ كشفتْ لها كم كانت ساذجة وضعيفة ومخدوعة وغير مُدركة للواقع والحياة وللمُحيطين بها، كانت تتصرف من مُنطلق براءتها.
 
فهي من جانب معذورة ومن جانب آخر كانت السبب فيما حصل لها ومُخطئة، لأنها فكرت بعواطفها ولم تُحكم عقلها، أعطت ثقتها لإنسان لا يملك ثقة بنفسهِ، فكيف سيكون أمينٌ ويحافظ عليها. وبالنتيجة أصبحتْ بدون إرادتها واحدة من بين الآلاف الفتيات اللواتي قبعنْ خلف قضبان الألم والمرارة والحسرة لسنين طويلة من عمرهم، نتيجة مُعاناتهم وشعورهم بالصدمةِ والإحباط وبرخص الروح البشرية وبسبب استدراجهنْ والضحك عليهنْ وأوهامهنْ بكلام الحب والوعود الكاذبة من قبل البعض من النفوس الضعيفة الذين لا يقدرون معنى قيمة حياة إنسانة! وهو الآخر بدورهِ كان إنسان أناني غير مُهتم ألا بإرضاء غروره وأنانيتهِ وذاتهِ على حساب تعاسة إنسانة لم يكن لها أي ذنب سوّى كونها طيبةٌ زيادة عن اللزوم.
فعلاً أصبح أمر مُحير! اختلطت الأمور وتشابكتْ في حياة البعض من إنساننا الذي يرغب في كل ممنوع في الحياة ويسعّى إليهِ حتى لو كان على حساب الآخرين وحتى لو كان يعرف بأن ما يفعلهُ لا يرضي ربٍّ أو ضمير. مع الأسف للبعض الذي لا زال يعتبر الصدق في التعامل وحسن النية من ضعف النفس والعقل، حتى باتتْ الطيبة والشفافية والتعامل مع الناس بالفطرة وعلى الطبيعة دون تملق وتزييف تعتبر سذاجة وغباء. أن يكون الإنسان على حقيقتهِ ويتعامل مع الغير بطيبة قلب وبدون نوايا خفية في نفسهِ، فهذا لا يملك مكان في هذا الوجود ويجب استغلالهِ وإفسادهِ! إذن كيف يكون التعامل مع الآخرين ومع المُجتمع؟

بالخداع والمكر أم بالنفاق والكذب أو بكسب سعادتي على حساب هدم حياة أخرى يافعة بدون مُبالاة أو شعور! فعلا باتْ أمر مُحير وغريب وليس لدينا إجابة صريحة عن كل ما يدور في فكرنا من تساؤلات حول هذه الحياة المليئة بالمُتناقضات بسبب إنسانها. لا نعرف هل يجب أن نكون مُخادعين ومنافقين ونتلون بمختلف الألوان لنُسْاير الناس والمجتمع؟ هل يجب أن نضع قناع على وجهنا لنخفي وجهنْا الحقيقي؟ هل يجب أن نكون نسخة منهم ونتطبع بطباعهم حتى لو كانت نفسهم مريضة؟ لا نعلم أيضًا هل هذه الطيبة تسبب الاهانة وعدم إحترام مشاعر الغير وإستغلالهم؟ وهل الطيبة لها أوقات مُحددة ومُعينة للتعامل بها؟ أسئلة كثيرة لا تنتهي وتبقى بدون أجوبة، ولكن نقول دائمًا وأبداً يجب أن يكون الإنسان حريصًا من كل شيءٍ وأي شيءٍ في الحياة.
أذن من كل هذا، من هو الأكثر ضرراً وضحية؟ بالطبع أنها المرأة! بسبب طبيعتها كأنثى ولأنها أكثر شفافية وحنان من الرجل وبسبب غريزة الأمومة التي تحملها. ولأنها طيبة فكلمة جميلة تجعلها شفافة ومرنة وكلمة قاسية تجعل منها مُتمردة وثائرة. ونقول للرجل، المرأة لا تستحق منك هذا، فهي من تكون بجانبك وتُساندك وتسندك منذ ولادتك حتى تشيخ! فكنٌّ مُعينًا وبانيًا لها لا هادمًا لها، وكن أميناً ومُحافظًا عليها، فهي خلقتْ من ضلع من أضلاع جنبك الأيسر، لتكتمل بها وهي تكتمل بك، ومعًا تُكملان مسيرة الحياة البشرية. فهي لمْ تخلق من قدمك لتمشي عليها وتدوسها ولا من رأسك لتتعّالى وتتكبرَّ عليها، بلْ هي خلقتْ من ضلع منك لتتساوى معك وبك وضلع قريب من قلبك لكي تُحبّها وتُشعرها بحنانك وتظمُها بين ذراعيك و تحميها فتعيش معك سعيدة ومُطمئنة ومعها أنتَ تسعد.
وتبقى الحياة على مرّ العصور المُختلفة هي الحياة بتناقضاتها وازدواجيتها وغرابتها ومعها إنساننا الذي لهُ نواقصهُ وسلبياتهِ وإيجابياتهِ التي يُصقلها ويُهذبها مع الآخر. وجميل أن نرسم صورة جميلة للحياة نعيشها ونتعايشها مع الآخرين، ولكن تكون من مُنطلق الاحترام المُتبادل والحوار الثقافي والتكامل وليس من مُنطلق الأنانية الذاتية والانتهازية والمكرّ والخبثّ والتسلق على أكتاف الغير. 

95
 
الطابع النسبي للحريات العامة
سهى بطرس قوجا


الحرية بالمعنى العام هي خاصة الموجود، وهي ضرورة إنسانية، ومنحة وهبة إلهية خصت فقط من أجل الإنسان دون الحيوان، وحق طبيعي كامن ومُنحدر من الحق الوجودي للإنسان على الأرض. فهي مُرتبطة بالحياة، ولا وجود للواحدة دون الأخرى. كما إن الحرية هي القدرة على التصرف بما لا يضر الآخرين. وعندما نتحدث عن الحرية يتبادر إلى ذهننا كلمة (التحرر)، أي الحصول على الاستقلال والتخلص من القيود وهذه رغبة جُبل الإنسان عليها. ولكن هل هذه الحرية هي مُطلقة أم نسبية؟
الحرية من أصعب المفاهيم التي تواجه الفكر الإنساني، وأكثرها تعقيداً وتشابكًا، ولم يصل الفقهاء إلى أعطاء تعريف مُحدد لها. لأن الحريات في مسيرتها عبر التاريخ في تناقض وتعارض دائم مع سلطة الحكام. فعندما كانت تتطور الحريات العامة، كانت سلطة الحكام تتراجع، والعكس صحيح. وحيث إن حدة التعارض مرتبطة بتطور الوعي السياسي والفكري عند المحكومين، والظروف التاريخية الموجودة، لذلك ظهرت بعض المواثيق لتقييد سلطة الحكام، سواء ما تعلق منها بحقوق وحريات الأفراد الخاصة، أو ما تعلق منها بحقوق الحريات العامة المعارضة تجاه الحكام. مثال ذلك صدور وثيقة العهد الأعظم، التي عقدت بين الملك الانكليزي وممثلي الشعب عام 1215، ووثيقة إعلان الحقوق عام 1689 في انكلترا.
لكن المفهوم الحديث للحرية قد صاغها فلاسفة القرن التاسع عشر، وأقوى تعبير لها، كان في وثيقة إعلان حقوق الإنسان والمواطن عام 1789، أبان الثورة الفرنسية، ومذاهب الحرية الليبرالية. فقد عرفت في الإعلان أعلاه في مادته الرابعة بأنها:" القدرة على كل ما لا يضر الغير". وعرفها بعض الفقهاء على أنها حالة الإنسان الذي لا ينتمي إلى أي سيد، بمعنى ليس عبداً. كما عرفها البعض على أنها سلطة وإمكانية السيطرة على الذات، وبموجبها يختار الإنسان بنفسه تصرفاته الشخصية ويمارس نشاطاته دون عوائق أو أكراه، بمعنى إن الإنسان له حرية اختيار تصرفاتهِ، التي هي نابعة من إرادته، وفي ذلك قال (بوسويه):" كلما بحثت في أعماق نفسي عن السبب الذي يدفعني إلى الفعل، لم أجد فيها غير إرادتي". فالإرادة علةٍ أولى، وابتداء مُطلق وهي خالصة من كل قيد، لأنها لا توجب أن يكون الفعل مستقلاً عن الأسباب الخارجية فحسب، بل وأيضا مستقلا عن الدوافع والبواعث الداخلية.
وجميع هذه التعريفات مُنطلقة ومُرتبطة بالإشكالية المُتمثلة في العلاقة بين السلطة والحرية. فالحريات العامة هي مجموعة الحقوق والإمكانيات المُعطاة للفرد، وهي عامة لأنها تفترض تدخل السلطة العامة، دلالة على دور الدولة في الإقرار والاعتراف بحريات وحقوق الأفراد، وتنظيمها وضمانها بموجب قواعد قانونية. فالعلاقة بين الدولة والحريات العامة علاقة وطيدة، ولا يمكن التحدث عن الحريات العامة ألا في أطار نظام قانوني مُحدد، وهي تنتمي إلى القانون الوضعي.
ومن مميزات الحرية أنها ليست مُطلقة، لأنها هنا تعني الفوضى والإباحية والتسيب والفساد، على حدّ قول المفكر بارك أدمون:" الحرية لا العبودية في علاج الفوضى". على أساس أن الحرية هي التحرر من القيود والضغوط الاجتماعية، ومناهضة كل أشكال التدخل في حياة الفرد، وهذه كانت مطالب شباب وطلاب فرنسا عام 1968، وفلسفة حركة الهيبز. وما دامت الحرية ليست مطلقة، فهي إذن نسبية، باختلاف الزمان والمكان، فإذا كانت باب الرحمة والرأفة والإعدام والإجهاض والقتل، هو سلوك مُشين ومرفوض في بعض المجتمعات، فأنهُ من ناحية حقًا يمارس من قبل مجتمعات أخرى!
وطبقاً للتعريف الوارد للحرية في إعلان حقوق الإنسان والمواطن 1789، فأن الحدود المفروضة على الحرية لا تجوز ألا بقانون، فالحرية أذن هي تقييد إرادي بالنظام كما يقرره القانون، والخضوع الإرادي للنظام هو الذي يميز الحرية عن الفوضى، والسيادة بالنسبة للدولة بمنزلة الحرية للفرد. ومثلما للدولة سيادتها، كذلك الفرد لهُ سيادته الشخصية على ذاتهِ، التي هي حريتهِ. والبشر كما هو معلوم متفاوتون فيما بينهم من حيث القدرات والمواهب، ومن ثم فأن حرية كل فرد تتوقف على ما لديه من إمكانيات.
ومن هنا فأن الحرية إنما يُقصد بها الحرية النسبية التي تتناسب مع قدرات وإمكانيات الفرد وليس المطلقة، لأنهُ لا وجود للحرية المطلقة، لأنها تسبب الفوضى والتسيب والارتباك والتفكك والانهيار في المجتمعات، ولابدّ من ضبطها بضوابط واقعية وفي ظل نظام ومرتكزات ترتكز على الأخلاق والآداب العامة وفي حدود ما يأمر به القانون، حتى يتم تقليص تأثيراتها السلبية لصالح التأثيرات الإيجابية على الفرد ثم على المجتمعات. حتى إن حرية الإنسان على جسده ليست مطلقة، وإنما نسبية ومنظمة بحيث لا يستطيع أن يتصرف بجسده بمطلق حريته، أو أتلافه كسائر الأموال التي يمتلكها، فجسد الإنسان تسكنه الروح، وهذه الروح لا يقدر أن يتصرف بها ألا من خلقها ووهبها لهُ.
وخلاصة الحديث نقول أن الحرية حالة مثالية، لا يتصف بها إلا من جعل أفعاله صادرة عما في طبيعته من مكامن ومعانٍ سامية، لذلك قال (لينز):" إن الله وحدهُ هو الكامل، أما المخلوقات العاقلة فلا توصف بالحرية إلا على قدر خلوصها من الهوى".
 والإنسان كائن اجتماعي لا يستطيع العيش في ظل مجتمع، ألا إذا سادهُ النظام والقانون. وإذا أراد أن يعيش في هذا المجتمع، فلابد من أن يتنازل عن جزء من حريتهِ لهذا المجتمع، ليتمتع مع سائر الأفراد بذات القدر من الحرية، وأيضا كل ما ينقص من حرية الفرد يزيد من حرية المجتمع، والعكس صحيح. لذلك كان شرطاً أساسيًا للاستمتاع بالحرية، أن لا تتعدى على حرية الآخرين، بل احترامها والحفاظ على المجتمع والنظام العام في الدولة. وعلى السلطة المختصة من جانبها أيضا أن تحترم حرية الفرد في شؤونه الذاتية، وأن تراقب بعين يقظة كيفية ممارسة وتنظيم هذه الحرية تحقيقًا للصالح العام، لأن أي اختلال من جانبها قد يؤدي إلى الاضطراب ويختل الأمن والنظام العام. لذلك أشار (روفيرو) إلى أن الحريات العامة هي حقوق اعترفت بها الدولة ونظمتها وضمنت حمايتها.   

صفحتنا على الفيس بوك

http://www.facebook.com/pages/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%AA%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%B3%D9%87%D9%89-%D9%82%D9%88%D8%AC%D8%A7/273171676125733#!/photo.php?fbid=327574140685486&set=a.273183096124591.55942.273171676125733&type=1&theater

96
صدور كتاب شذرات من الحياة



سهى بطرس قوجا


تم بعون الله صدور كتاب للكاتبة الحقوقية سهى بطرس قوجا تحت عنوان (شذرات من الحياة)، يتناول مجموعة من المواضيع المقطوفة من واقع الحياة والإنسان وما يجول فيها وفيهِ. قام بتقديم الكتاب الأب الأديب يوسف جزراوي / كاهن كنيسة المشرق الآشورية، وتم مراجعتهِ وتدقيقهِ لغويًا من قبل الدكتور الفاضل كفاح محمود الفراجي / مستشار الشؤون الإنسانية، وأيضا من قبل مؤلفة الكتاب سهى بطرس قوجا. 
الكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات التي تزيح الستار عن كل ما يجول في النفس البشرية الواقعية المُتناقضة بنسبة في بعض أمور الحياة، نفسًا عاشتْ التجربة وتحدتْ المستحيل وبكتْ من مرارة الزمن، ومنها من تألمت من فنون الحياة وتأذت من عواصفها، ومنها من استوقفتها المحطات كأسيرة. نعم أنها نفسٌ تستذكر الذكرى، وأخرى تعيش الحلم وتحلم بغدِ مُغاير للأمس، وأخرى تحمل من التساؤلات من بشر وواقع الحياة الكثير الذي أذهلها واستوقفها كثيرًا! مثل: كيف نفهم الحياة لنعيشها؟ ما هو الإنسان وما هي الحياة؟ متى يصل الإنسان لذروة إنسانيتهِ؟ متى يقيم الآخر، ومتى يشكل ذاتهِ؟ متى يُنهي خصومتهِ مع الحياة ومع نفسهِ؟ كيف يجب أن نخط صفحات كتاب حياتنا؟ هل وجود الإنسان في الحياة مشكلة أو تجربة أو مغامر أم هو رسالة؟
أسئلة لا تنتهي طالما هنالك إنسان يعيش في الكون وهو من يلعب دور البطولة فيها! وما أريد أن افهمهُ من خلال كتاباتي وأهدف إليه هو الإنسان ذاتهُ ووجود في الوجود، أحاول دائما أن أغوص إلى مكنوناتهِ ودواخلهِ في سبيل أن أتعرف عليه أكثر، لأني أراه غامض وغامض جدًا ومؤلف كبير جدًا وفي نفس الوقت ممثل بارع! أن مشيت معهُ يمينًا يتحول إلى اليسار، وأن أهديتهُ زهرة أهداك شوكة، وأن عملت طيب معهُ رماك برصاص قاتل! ولكن ليس كل إنسان، فهناك إنسان من إنسان وروح من روح وبشر من آخر وحياة من أخرى!     
لا أريد أن أطيل حديثي حول فحوى الكتاب وهذه كانت نظرة سريعة على محتواه، ولكن كل ما أقولهُ هو أن على الإنسان أن يعمل ويسعى ويكافح ويصمد ويتحدى وينتج، وعلى المُطلع والمُتابع أن يحكم، حكمًا بالنسبة ليَّ سواء كان سلبيًا أو إيجابيًا، يكون حافزًا لإنتاج الأفضل والأحسن وبما يخدم الآخرين ونفسي أنا كذلك، وأرجو أن أكون قد وفقت بين صفحاتهِ في تقديم صورة واضحة ومُبسطة للحياة ولواقع الإنسان فيها. وتبقى في النهاية حياة نعيشها بينما قطارها يمضي بنا في دروبها إلى أن نصل محطتها النهاية ولكن نكون مُحملين بنور الحياة المشرق في الداخل وبمحبة الربّ ورضاه.   

97
 
الشهادة العلمية:  هل هي نقطة في ديمومة الحياة؟
سهى بطرس قوجا


بعد استطلاعنا لبعض الآراء ووجهات النظر المختلفة حول سؤال طرح من قبل البعض: هل الشهادة الجامعية لها تأثيرها في وعلى مسار الحياة الزوجية؟ نقول:
عندما نتكلم عن موضوع غاية في الأهمية والمضمون والمدى، هنا لابدّ من أن نميز بين مستويين والاختلاف بينهما، وهما: المستوى التعليمي والمستوى الثقافي. طبعا ربما قد يقول قائل بأنهُ ليس هناك اختلافات بذاك الحجم تذكر بينهما! ولكن لو نظرنا إليها من زوايا مُختلفة مُؤثرة في ديمومة الحياة، لوجدنْا أن التعليم يختلف عن الثقافة ..... كيف؟!

التعليم والثقافة بالتأكيد الاثنين يُكتسبان من المدرسة، ولكن الاثنين لنْ يُكتسبا بنفس الدرجة من الحياة! لأن الحياة بحدّ ذاتها هي من تُكسب الإنسان الثقافة والتعليم معًا والخبرة معهما أيضًا.  والحياة مصاعبها ومشاكلها كثيرة، وبقدر مرارتها لها حلاوتها، وهي ليست على حال بلْ دائمًا في تغيير مُستمر ومعها أيضًا الإنسان يتغير، كونهُ يكتسب ويُكسب، يتأثر ويُؤثر، سواء على نفسهِ أو على غيرهِ. والحياة أيضا كما نعلمها هي أثنين (هو وهي) يتشاركانها ويعيشانها معًا بحلوّها ومرّها، أثنىن يكملان كل واحدٍ منهما الآخر، وضروري جدًا أن يكون كلاهما على توافق وانسجام وتفاهم ومحبة وتأقلم، باستثناء أي شيء آخر، كفرق المستويات المادية والثقافية.
 
الشهادة الدراسية والحياة:

الشهادة نعم مهمة، ولكن هنالك من يعطيها أهمية قصوى في تحديد المصير! كمصير ارتباط أثنين، فهناك من يرى أن ارتباط شاب بفتاة تحمل شهادة جامعية لا يمتلك سوى شهادة المرحلة المتوسطة مثلاً، أمرٌ صعبٌ وغير مقبول، وهناك بالعكس من يُرحب بالفكرةِ ولا يرى فيها أي إشكال، وما بين هذين الفكرين تتباين الآراء وتتوسع المُناقشات فيما إذا كانا مُتناسبين أو مُتناقضين، وفيما إذا كان هنالك مشاكل ربما قد تتولد بينهما مُستقبلا!
المشاكل موجودة لا محال، ولكن بالنهاية تبقى مُتوقفة على فكر وإدراك كل واحدٍ. هناك من يتدارك الموقف أو المشكلة قبل أن تتفاقم، وهناك من يهدم حياتهِ وأسرتهِ بسبب عدم استيعابه للمشكلة القائمة حينها! بمعنى الشهادة ليست عائقًا وليس لها ذاك الأثر الجوهري والأساسي الذي من الممكن أن يُعطى لها أكثر من حياة شخصين!
والواقع يُطلعنْا على الكثير من المُتعلمين ومن حملة الشهادات، ولكن ليس لهم بها من التعليم ألا أسمهِ، ومن الشهادة ألا الورقة المعلقة على الحائط والدرجة المدونة عليها! فمثلا تجد شخصًا لم يتحصل ألا على الشهادة الابتدائية ولكن تجد مجلسهُ وحواراتهِ وأسلوبهُ مع الآخرين، يدل على عمق ثقافة وجمال أسلوب في الكلام والإلقاء والاحترام والتعامل. وبالمقابل أيضًا هناك الكثير من حملة الشهادات، ولكن في واقع الحياة وفي التعامل مع غيرهم تجدهم لا يملكون من جمالية الحوار والتصرف تلك النسبة التي من المُمكن أن تُساهم في تدارك المُشكلة وتُساهم في تقليل حجمها!
فالثقافة متى تكون بكامل جوهرها؟! تكون عندما ما يحمله الإنسان من علمًا وعبرات وتجارب وخبرات لا تُمتلك ولا تُكتسب فقط بالشهادات، بلْ معها وأيضًا بالرغبة الداخلية النابعة من داخل الإنسان بقيمة الحياة والآخر. والمستوى التعليمي أهميتهِ إضافة إلى كونهِ مصدر للمعيشة، تكمنْ حينما نُسخره من أجل العيش بسلام وسكنية وتقدير للآخر والتكافؤ معهُ، وهذا في النهاية يبقى مُتوقف على طبيعة وفطرة الفرد.
والاختلاف في المستوى العلمي بين أي اثنين لا يجوز أن يعطى لها تلك الأهمية المؤثرة، بقدر وجود الاحترام والتفاهم والتعاطف والانسجام وفن التعامل وتقبل الآخر والتكامل معهُ، بغض النظر عن الجانب المادي، الآخر الذي يُبرز دورهُ أحيانًا في الكثير من العلاقات ويأخذ حيزه في الكثير من القرارات! فالمال والشهادة العلمية ضروريان، ولكن ليس عائقان في استمرارية العلاقات، لأن في النهاية الارتباط بين أي اثنين هو ترابط اجتماعي وليس علمي! 
ويبقى التعليم بالدرجة الأساس، هو مجموع ما يتحصلهُ الفرد من علوم ومعرفة وفنْ التعامل ومهارات عديدة في مواقف ومحطات الحياة وخبرات الناس وتجاربهم، وتبقى الحياة هي المدرسة الكبرى التي تعلم الفرد مُختلف الفنون والمهارات والثقافات والتطلع على مُختلف الأفكار، لأن ما نتعلمهُ من المدارس وكتبها هو آتيًا من الحياة ومن خبرات أناس كثيرين عاشوا الحياة على مرّ العصور، كالقدماء من الحكماء والفلاسفة والأجداد، الذين لهم حكم وخبرات لم يتعلموها من المدارس ولم يقرؤوها في الكتب، بلْ استقوها وتعلموها من خبراتهم وخبرات الغير وممارساتهم في الحياة!
فالرجل والمرأة مكملان كتكامل (المدرسة والحياة) والإنسان لابد من أن يدرك هذا ويُمارسهُ في حياتهِ بالعدل والحق. فلا المال ولا الشهادة هي من تتوقف استمرارية الحياة عليها، ولا تحقق السعادة والتآلف بين أي أثنين، والحياة تكون جميلة بين أثنين عندما يعيشانها بمحبة وسعادة وتفاهم وتكامل  وبدون مشاكل وببعض التنازلات، واحدٌ يفهم الآخر وقريب من فكره ويفهم ميولهِ.

98
المنبر الحر / التسلل في العواطف
« في: 12:13 09/01/2013  »
 
التسلل في العواطف 
سهى بطرس قوجا

الإنسان دائما يهمُّ بالبحث عن حالة من التوازن في حياتهِ، حالة تجعلهُ يعيش الحياة التي تتلاءم مع تكوينهِ وتشعرهُ بشعور الغبطة والاستئناس، حالة تجعلهُ يشعر بروحهِ ومكنوناتها. وهذا جميل بأن يسعىّ إليها بنفسهِ لإيجادها وإيجاد ذاتهِ والشعور بها والسكنى والاستقرار فيها، ولكن إن كان يحاول هذا عن طريق الآخر وعلى حساب نفس ذاك الآخر ومشاعره، فهنا ما هو ألا تسلل هادئ ومؤلم داخل أخوار النفس لتعيش بعد ذلك في ظلام وتخبط وانعدام قرار وسعادة! 

الإنسان أن لم يحاول بنفسهِ وبقناعاتهِ أن يُجمل هذه الحياة، فلن يراها أبدًا جميلة وتستحق أن يعيشها ويعرف كيف يتأقلم مع إنسانها، وهذا الشعور بجماليتها يأتي بالدرجة الأساس من شعوره بحب الآخرين وحبّ ذاتهِ، بمشاعر حقيقية وصادقة غير مُزخرفة بكلمات كثيرة مُجملة بالكثير من الحماس والإيثار، لأن من يلجأون إلى هكذا أساليب هم في الحقيقة بعيدين كل البعد عن العواطف الصادقة، هم في الواقع يرسمون عواطفهم كيفما يريدون بدون إحساس وروح بفرشاة فقط تحمل لونًا واحدًا، أي بمعنى يحاولون عيش الإحساس الوهمي والزائف في محاولة للبحث عن الحقيقي وإيجاده، من خلال التسلل إلى عواطف الآخرين؟!

في وقتنا الحالي عندما تستمع إلى بعض نماذج شباب اليوم، تلتقط من بين كلماتهِ، كلامًا قد وجه إلى أكثر من فتاة! لا نعرف سبب ذلك هل هو الانفتاح المُمارس بطريقة خاطئة أم الفهم الخاطئ للحرية أم هو تسلية وقتية أم حيرة وتذبذب في الاختيار؟! أم يكون البحث عن الأفضل! وهكذا يكون نفس الحال أيضًا لبعض نماذج الفتيات! يحاولون البحث عن المُكمل لهم في حياة الآخرين، بأساليب شتىّ في سبيل الوصول إلى الذي ترغبهُ ويكون الأفضل.
 
يقول: نظراتها العميقة والساحرة هي من ابتلتني بها، وبشرتها السمراء هي من رمتني في بحر هواها، فتملكني حبها، ولكن لم تكمل السنة، ألا وقد وجدتها قد تركتني لتمسك بيد آخر! هكذا تسللت بخفة خطواتها إلى قلبي وتملكت مشاعري ومن ثم بعثرتها وعبرتها بكل ما أُتيت من قوة، غير آبهة بي؟!
 
هذا هو حال الكثيرين، ينجرفون ويندفعون وراء الكلام المعسول وبمشاعر جامحة لا تعرف أين وجهتها وأين مصبها؟! كثيرين ينساقون وراء الأوهام، يعيشون فقط تلك المشاعر المولودة في لحظتها والغير مُكتملة النضج والوعي! وعند تقلص تلك المشاعر ورحيلها وفشلها، يتسألون ويعطون لها مُبرراتها الافتراضية والتي ترضيهم أو تشبع حيرتهم كمحاولة فقط لإقناع النفس مؤقتًا. عجز الرجل مُستقبلا عن حب الفتاة والإخلاص لها يكون آتيًا من تلك الفكرة الأولية المُتكونة في ذهنهِ عنها والمأخوذة من أخرى ذوقته تجربة حبّ فاشلة، مما يؤدي بعد حين إلى مأساة وتحطم حياة وفقدان الثقة، ومن ثم عيش حياة فارغة يتسلل الملل إليها رويدًا رويدًا وربما قد يكتب لها نهاية! لأن رصيدها في بنك الحياة لم يكنْ سوى تجربة مُتعثرة قصيرة غير مُكتملة النضج، وألم نحت لنفسهُ في أعماق من عاشها مكانًا! 
 
فالعواطف الصادقة تأتي من الإنسان نفسهُ ومن مُوازنتها، بحيث تعيش الاكتفاء والاحترام المُتبادل والنضج بدون أوهام وانسياق وراء كلام يحمل الكثير من الكلمات الفارغة والخالية من النبض الحياتي، ومن تلك النظرة الطابعة في الأذهان والخاطئة من تجربة فاشلة مُعاشة. فالعواطف لابد أن تكون نابضة بمشاعر إنسانية حيةٍ، تشعر سامعها بها ويُعيشها في داخلهِ لتعيش وتكبر في أعماقهِ، بالكلام الجميل الغير مزخرف، وبالبساطة والصدق والأمانة التي هي علامات للعواطف الحقيقية والحية مدى الدهرِّ. وكلمة واحدة صادقة ونابعة من الأعماق تُغني عن الأكثر الكثير.   

99
 
الزوجة الثانية ..... لماذا؟
سهى بطرس قوجا

هكذا تبدأ  حكايتنا، أسرة صغيرة في منتصف مشوار حياتها، كانت سعيدة، تنعم بالاستقرار والوفاق النسبي. وفجأة وفي أحد الأيام أفاقت على كابوس مُزعج أسمه (الزوجة الثانية) هزّ كيانها وبعثرها، الأب في جهة والأم والأولاد في جهة أخرى. أنها مُعاناة الكثيرات!
لا نعرف ما الدافع لدى الرجل لجعلهِ يبحث عن إمرأة ثانية في حياتهِ؟ هل هو لأنهُ بحاجة إلى زواج ثاني؟ أو أنهُ إهمال وتقصير من زوجتهِ دفعهُ للبحث عن أخرى؟ أم أنهُ كان يبحث عن نفسهِ الضائعة في أخرى؟! أم هو: غرور، وأنانية، واستحواذ، ومصلحة، وكسر للروتين، ومرحلة المراهقة الثانية! أم هي حبُّ في التغيير والتجديد؟!
علامات استفهام وتعجب كثيرة تبادر إلى أذهاننا، مُحيرة، مرفوضة، ومقبولة من البعض. أطفال أبرياء، ونساء مظلومات ومُشتتات. والمرأة سواء كانت الأولى أو الثانية في حياة الرجل، فهي في النهاية ضحية لأنانية الرجل وانتهازيتهِ.
ضحيتهُ، لأنها قبلت أن تكون زوجة ثانية في حياتهِ، وقعتْ في فخهِ، وصدقتْ كل ما قالهُ لها من أن: زوجتهِ مُجرد شكل اجتماعي، وأنا غير مرتاح معها، وهي غير مهتمة بي، والتفاهم بيننا معدوم، ونكدية، وتحاسبني على كل صغيرة وكبيرة وكأنني طفل صغير. ولكن عندما التقيت بك أنتِ وجدتُ فيك سنين حياتي القادمة، أنتِ شخصية فريدة، متفهمة، متزنة، وجدت فيك أملي الضائع وسعادتي، وأنت الوحيدة التي دخلتي قلبي ....الخ. اسطوانة مشروخة وكاذبة في سبيل الوصول إلى ضحيتهِ، شخصية خادعة ومريضة نفسيًا تستغل نقاط ضعف الآخرين، وليس لها ضمير، ولا تراعي أي حقوق. يوهمها بكل هذه الأمور، واصفًا إياها حياة عسلية! لكنهُ في باطنهِ انتهازي، وصولي، أناني، يملك شخصية ضعيفة جداً وغير مسؤولة، بمُجرد أن واجهتهُ مشكلة مع زوجتهِ أو لم تواجههُ، نراهُ يتهرب إلى حضن أخرى.
حجتهِ للزواج من أخرى:
هنالك حالات يحق فيها للرجل الزواج من إمرأة أخرى، خاصة في حالة وفاة زوجتهِ الأولى أو في حالة عدم الإنجاب، وفي حالة طلاقهما. ولكن هنالك من الأزواج من يبحث عن أخرى في حياتهِ لأسباب غير التي ذكرناها، كثيرة لا حصرّ لها، يُبررها بطريقتهِ وبأسلوبهِ الخاص وباقتناعهِ الشخصي، مُبرراً ومُلقيًا اللوم في فعلتهِ هذه، أكثر على زوجتهِ، وكأنهُ هو كامل، وملاك معصوم عن أي خطأ! رجالٌ باحثين عن أخرى في حياتهم، وحجتهم إن زوجتهِ تعطي كل اهتمامها وأولوياتها للأولاد ولشؤون المنزل والتنظيف وأعداد الطعام،  ولا أجدُ منها غير الإهمال وعدم الاهتمام بنفسها.
أو تكون حجتهم، أن زواجهُ الأول كان غلطة، والفتاة لم تكن من اختياري بلْ من اختيار الأهل، أو البعض يقول: عندما تزوجنا وجدتُ فيما بعد إن الإنسانة التي تزوجتها لا تتوافق مع أفكاري وتطلعاتي، وغير مثقفة بما فيه الكفاية وتشعرني بالإحراج، وليس لديها الخبرة الكافية في تكوين عائلة وتحمل مسؤوليتها. أو إن الزوج يلجأ إلى اختيار أخرى في حياتهِ، لكي يتخلص من النكد والروتين والملل المُسيطر على حياتهما، أو إن زوجتهِ غيورة ولا تُحتمل ودائما شكاكة ومُضطربة وتجعل حياتي معها مُضطربة......الخ.
حجج واهية لا أساس لها، ومُسلسل لا تنتهي حلقاتهُ! أنها الحياة بين أثنين رجلٌ وإمرأة، بينهما حكايات طويلة لا تُعّد ولا تُحصىّ!  وجميعها تبرز جانب واحد وهو الرجل ومصلحتهِ! نعم الرجل، الذي يفكر من مُنطلق مُنفرد بذاته هو! غير مُبالي بزوجتهِ وحياتها واختيارها وعمرها والسنين التي قضتها معهُ، والألم الذي ستشعر به، وكرامتها وكبريائها، ومصير أولادهما وحياتهما. لا يقول لنفسهِ: أين هي من كل هذا؟! هل هذه هديتي لها؟ هكذا تكون مكافأتي لها؟ 
ولكنهُ للأسف نظر للأمر بسلبية ومن مُنطلق مصلحتهِ الشخصية. مُخرجًا نفسهِ من هذه الدوامة بالبحث عن أخرى، إلى بديل يُشبعهُ، إلى تنوع، لأن النفس تشتهي وتتذوق كل ما ألذّ وطابّ!  وهذا ما يفعلهُ، باحثًا عن راحتهِ، باحثًا عن سعادتهِ على حساب تعاسة إنسانة أعطتهُ ربيع عمرها وزهرة شبابها! ولكن أين الذي يقدر هذا ويوازنه بين كفتيهِ؟!  ولو كان قد فكر بإيجابية قليلا وبمُوضوعية، لوجّد إن هذا الطبيعي، وإن كانت زوجتهِ تهتم بأمور منزلهِ، فمن المفروض أن يسعدهُ، لأنها أمينة على منزلهِ وتربية الأبناء ومُتابعة شؤونهم وأما أن كانت تغار عليه وتشك فيهِ فهو السبب في هذا وهو من يدفعها إلى هذا بتصرفاتهِ، لأنهُ من النساء من تكون غيورات بشدة على أزواجهنْ.
فإذا كُنت بعد سنتين أو سنوات من زواجك، ترى في زوجتك كل هذه الصفات وغير راضي عنها وتنتقدها من كل زاوية، فما الذي ستجدهُ في أخرى من نفس الطينة! فالزواج من ثانية بغير سبب منطقي ومقبول، مرفوضًا تمامًا وأنانية، ومن أساسهِ خطأ، لأن ما بُني على فشل فمصيرهُ إلى الفشل، ومن يبحث عن ثانية سيبحث عن ثالثة وهكذا. والمُتضرر الوحيد من هذا يكون الأولاد والزوجة، والمرأة الأخرى التي قبلت أن تكون رقم في حياة رجلٌ. زواج من بدايتهِ يكون خطأ، لأنهُ يؤدي إلى تفكك عاطفي ومن ثم أسري وتشتتْ، والى مُشكلات اجتماعية.
ولكن لو كان هنالك ثقة مُتبادلة وتفاهم وحوار ونقاش بناء بين الزوجين في كل أمور حياتهما، وفيما يتعلق بالمشاكل التي تخصهما، لكانا جنبا الكثير والكثير، فليس كل شيء في الحياة مُعالجة غلطة بغلطة، وليست المرأة لعبةٌ، أو سلعة تستهلكها وعندما تلاحظ أدنى خطأ منها  أو تملُ منها تهملها وترميها. أنها روح الكون وهي من تعطيك الحياة، وتبعث فيك السعادة، وألا لمْا كنت تبحث عن منْ يُملي فراغ حياتك. فأنت لك حق على زوجتك، وهي لها حق عليك.

100
قبل أن يسدل الستار
سهى بطرس قوجا

قبل أن يسدل الستار على عام 2012، لنْا وقفة وحديث وبضع كلمات نودّ أن نهمسها مع كل قارئ هذه السطور، أقول فيها قبل أن نودع آخر يوم من هذا العام لنستقبل عام آخر جديد 2013، يا ليت لو يُخصص كل واحدٍ البعض من الوقت لمراجعة الذات أثناء مشوارها، ومراجعة شريط الحياة لقطة لقطة، للوقوف عندها والتعرف إلى أي مدى أنتَ كنت مُحقق إنسانيتك فيها، وعلى أي أرض كنت ماشي بخطواتك، لتتعرف أكثر على نفسك وربما على أيام من عمرك أنشغلت عنها بدون أن تعرف ما حدث وجرى فيها وهي ماضية! 
فجأة أفاق على كابوس مزعج وهو الذي غفى على ابتسامة رقيقة وحلم أجمل بأشياء جميلة، واجدٍ نفسهُ يسير على شاطئ البحر والبرد يدغدغ جسدهِ الدافئ، مع فكر شارد ومشاعر وحيدة تتخبط في عالمهِ الداخلي باحثةٍ عن استقرار وهدوء! وحينها أحس وأدرك كم هو بحاجة إلى أن يستمع لصوت الحياة ويعيش لحظات مع ذاتهِ بعيدًا عن كل ما هو شارد في الدنيا!
جلس على شاطئ البحر، مُتأملا بناظره للأفق البعيد ليبصر أمام عينيهِ أحداث كثيرة تمرّ مُتلاحقة منذ ميلاده إلى لحظة تواجده، أشياء وأحداث كثيرة مُزدحمة ومُتشابكة ومُتلاحقة الواحدة للأخرى، بعضها يتذكرها وبعضها الآخر توه يتعرف عليها! من شدة الزحام وتراكم ترسبات الأيام في ذهنهِ فقدَ القدرة على التمييز بين الأشياء وبين الأصوات، بين الركام وبين ما هو ماضي في سلسلة الأيام، بين العواصف وبين النسمات العليلة! أحتارَ وجلس مُتأملاً وغارقًا في التفكير، وحينها عرف أن للحياة أنفاسًا حيةٍ وللبحر حديث غير المتعارف عليه وأمواجهِ تصدر أنغامًا غير التي تنبعث من الآلات الموسيقية ومنظرهُ غير المألوف للعين! وحينها أيضًا عرف لأول مرة أنهُ يتعرف على نفسهِ ويغوص في أعماقها ويكتشفها من جديد، ويعرف ما هو الجميل وما هو القبيح وكيف يكون الكلام وكيف يكون الصمت، وكيف تكون الأغنية وكيف يكون صوت الرصاص المُخترق الآذان؟!
وهنا كانت صدمتهِ وخيبتهِ وسبب فقدان ثقتهِ وأملهِ بنفسهِ وبمنْ حولهِ! لذلك تمنى بينهُ وبين نفسهِ أن يحصل على عزلة طويلة الأمدّ مع نفسهِ المرهقة جدًا، عزلة وسكون ذاتًا يتعلم فيها من جديد كيف يضبط نفسهُ وحياتهِ ويُجالسها ويُحادثها في هدوء، عزلة يتعلم فيها كيف يكون الصمت الطروب بعيدًا عن ضجيج الحياة والتخبط في محطاتها؟! عزلةٍ يرمي نفسهُ فيها ليتخلص من أعباء سنين مُتراكمة داخلهِ وهو لا يدري إلى أن شعر بثقلها على أكتافهِ وأتعبتهُ؟! عزلة يريد فيها القيام برحلة بعيدة عن زحام وضيقات الحياة، ويعيش تحت ظلال شجرة وجو هادئ تغردّ الطيور فيهِ ولا يسمع غير صوتها.
هكذا تكون حياة من ينسى ويتناسى في زحمة الحياة أن لذاتهِ حق عليه، يسعى في الأرض بدون توقف ويخطو بخطواتهِ بلا توقف وكأن كل ما في الحياة هو كرباج يطارده خلف ظهره ليخطو أسرع وأكثر ويجمع الكثير ويفقد الأكثر الأهم والذي لا يعوض؟! 
كثيرين في الحياة بلا أمل وبلا أمنية  وبلا فهم واستيعاب أكثر لها، يعيشون فيها بتخبط وبخصومة مع نفسهم ومعها وهم لا يعلمون! لذا في كل عام يمضي لنا وقفة تأمل معها وفي أخرى جديدة قادمة  بما فيها من مجهول، نستودع عام ونقترب من آخر يكون ربما قريبًا من الأبدية أكثر من الحياة! عامًا لنْا فيهِ عبرة وعظةٍ للقادم الجديد ووقفةٍ لحظات ليس ألا، وهي وحدها كفيلة لمحاسبة النفس والضمير وغسل القلوب والأفكار من الحقد والبغض والأنانية والأفكار الشريرة والظنون البائسة التي لا تُجدي نفعًا ولا تحقق شيئًا سوى الهبوط إلى الهاوية والسكنى في دهاليس الظلام! وهذا طبعًا عكس الطبيعة الإنسانية المحبة للخير والمسامحة والمحبة.   
عش ذاتك في حياتك ولا تفصلها عنها، لكي لا تضيع مُستقبلاً، وأجعلها ترافق خطواتك لكي تخلصك من كل ما من شأنهِ أن يبعدك عن طريق الربّ وطريق الإنسانية، وأستشعر الحياة لكي تعيش معناها الحقيقي بعيدًا عن الأمور الدنيوية الفانية لتسموّ بإنسانيتك وتغردّ في سماء الحياة لحنًا جميلاً يبقى بقاء الخلود.
سنة مباركة للجميع

101
المنبر الحر / حينما يموت الضمير
« في: 18:34 13/12/2012  »

حينما يموت الضمير

سهى بطرس قوجا
 


حينما يموت الضمير، تموت معهُ الكثير من الأشياء، وتصبح بلا لون أو معنى ومُباحةٍ، ويصبح معها الإنسان مُجرد هيكل جامد، فارغ، صداهُ في داخلهِ فقط! موت الضمير مُشكلةٌ هو، يُعانى منها من تطالهُ خيوط الأفكار المسمومة الممزوجة بازدواجية السلوك، ومُشكلة أكبر يصبح حينما يتعارض مع قيم الحياة والأخلاق والإنسانية بشكل لافت للنظر.

جلستْ مع نفسي أفكر وسرحت بخيالي إلى كل ما يحدث في واقعنا، فقلت أصبح إنسان هذا الزمان غير مفهوم، مُبهم التصرفات، مزدوج الميول، غير آبه بأحدٍ، بحيث أصبح همهُ الأكبر ذاتهُ فقط (طبعًا بنسبة)! لا نعلم هل الحياة بتطوراتها هي من تفرض عليه هذا، أم الحاجة تدفعهُ، أم هو باتْ من نفسهِ يمشي عكس التيار، ولا يُعطي للحياة مقامُها الذي لابدّ أن تكون فيهِ، ليكون هو فيها.

لو نظرنا نظرة خاطفة للأحداث الحاصلة حولنا بمُجملها بدون تمييز، سنرى فيها أن الضمير الإنساني عند موتهِ، يلعب دورهُ ببراعةٍ، ويلهّو فوق جثث الآخرين، مُوسعًا في حياتهِ من المُباحات وراكنًا إليها! كما نراهُ يسعىّ بشكل فعلي إلى: كلام الزور، الخيانة، التدمير، تزييف التاريخ، هدم الحقيقة، المشاكل، القتل، الحروب الغير مُبررة، تدمير بيوت الله، السلوكيات الغير أخلاقية، هونّ الكثير من الأشياء والأمور ....الخ، جميع هذه المصائب تتوالى على البشرية بسبب الإنسان وموت ضميره! مع الأسف بات الضمير عملة نادرة وبات الإنسان مُجرد خادم لرغباتهِ، والمصالح أصحبت هي الغالبة والمُسيطرة، والاستغلال والنفاق بات شعار الكثيرين للوصول إلى مآربهم! أصبحت الازدواجية في الأقوال والأفعال جزء لا يتجزأ من حياة الكثيرين!

وربما قد لا تكون هذه هي الأسباب الوحيدة، فهناك الحالات النفسية الناتجة بسبب الأحداث المارّة في الحياة، هي الأخرى تلعب دورها في داخل البعض وتدفعهم إلى طريق آخر غير طريقهم، يسلكونهُ عند غياب الفكر، وقد يفيقون بعد حين أو يستمرون عليها، ومع ذلك هي ليست مُرتكزات للوقوف عليها، فكل شيء في الحياة لهُ دورهُ ومرحلتهِ وينتهي!

ولكن أن واجهت أي واحدٍ بفعلتهِ التي لا تمدّ لإنسانهِ بصّلة، تراهُ يبرر تصرفهِ بأن الدنيا تغيرت، والزمان لم يعد ذاك الزمان، والإنسان تغير! ولكن هي ليست مُبررات مُقنعة للسير عكس التيار، هذه جميعها لا تُعطي الحق لأيًا كان أن يُمارس عجرفتهِ على الآخرين! لكل إنسان عقل يُفكر وقدرة تعمل وتُميز بين النصفين، وهذا الضمير هو أنتَ الثاني الذي يُحاورك ويتحدث معك ويُقيمك ويُرشدك إلى الصواب حينما تفتح أذنيك وقلبك لهُ، وعكس ذلك فأنت ضائع في دروب الحياة بدونهِ.

أنتَ يا إنسان بهذه الثقافة المُصطنعة تبني قاعدة هشة للأجيال القادمة، أنتَ تُظهر لهم بأن الإنسانية هي مُجرد كلمة لا رديف لها، أنتَ تحول إنسانك مع الزمن إلى مُجرد حجارة لا تحس ولا تشعر بلْ تُضرب بها الآخرين، أنتَ بهذا تُلغي الحواجز بين المُباحات والمُحرمات وتجعلها تضيع مع بعضها البعض، أنتَ تخلط الحابل بالنابل، أنتَ بهذا تُعميّ القلوب وتُخرس الألسنَ وتفتح الأفواه على كلام لا معنى لهُ، أنتَ بهذا تواكب تطورات العصر ولكن تُجاملها لا تتقنها، تعيش في كهوف الماضي!

إذن مشكلة البشرية أنها لا تقف على إنسانيتها وتُعطي للضمير حقهُ، أصبح معظم البشر على حسب أهوائهم يشكلون حياتهم وحياة الغير، يفرضون فكرهم الجامد والمنحرف ومن ثم يدعون الكمال والاستقامة والصواب، أصبح ميزانهم مُتأرجح ما بين الخير والشر! ألا تتفقون معي، بأن الإنسان أذا أعطى قيمة لذاتهِ وأحبها كذات إنسانية لكانت حياتهِ معزوفة فريدة من كمان فريد، ولكانت مُجريات حياتهِ كجدول ماء صافي عذب، ولكانت مدن حياتهِ تسكنها حمامات بيضاء تُعانق نسيمات الصباح، ولكانت طعم سنين عمره كطعم عصير الرمان.       

102
المنبر الحر / أكذوبة الحنين
« في: 10:16 05/12/2012  »
أكذوبة الحنين
سهى بطرس قوجا
 
الحنين والحنان كلمتان تحملان من المعنى فوق التصور، هي مشاعر إنسانية سامية لا تتوافر ألا في النفوس الرقيقة والراقية والقوية والرحيمة. كما وأنهُ لا أحدٌ قادر على منحها للغير بكل جديةٍ وصدق ألا القلة النادرة ممن يحملون بداخلهم علامات الرقيّ الإنساني، وأيضا ممنْ يشعرون بالحنان تجاه أنفسهم، أي بمعنى حبّ الذات من أجل أن تحبّ الآخر، الشعور بالذات من أجل الشعور بالآخر .... يقول:
عادت بعد أن حنتْ وأشتاقتْ! عادتْ بعدما شعرت بالحنين الذي كان! عادتْ تبحث عن الذي لم تجده عند الآخرين! عادت تبحث عن الذي علمتهُ لها معناه ولغتهِ! عادت بعد أن سلبتني خاطري وزرعت الأنين داخلي! عادت بعد أن أشعلتْ جمرّ الشوق بداخلي كل تلك السنين! عادت بعد أن أسقتني من كأس حبها، ثم غادرتني، جاعلةٍ حنيني يرحل صارخًا في رحلة سنينَ عمري الراحلة!
فماذا تريدين مني الآن يا إمرأة أطفأت بريق حياتي؟! ماذا تريدين مني بعد أن عرفت أن حنينك كان أكذوبة؟! هل تريدين سماع عتابي وأنين قلبي؟! هل تظنين أني سأحنْ وأعود؟! إذن أسمعي للنهاية ما سيقولهُ لكِ حنيني وأشتياقي، أسمعي وتعلمي أن ما نحرم الآخرين منهُ سنحرم منهُ لاحقا؟!
أنتِ التي كنتِ ذات يوم، أغلىّ وأروعّ وأجمل شيءً في حياتي، كنتِ غاليتي، مُدللتي، جميلتي، عناقيَّ، عمري، أجمل سنواتي. أيام وليالي أخذني الشوق إليكِ، عندما كانت تشتدّ أمواج الحزن والألم بداخلي، أتذكركِ فكنتُ أبحث عنك بين كلمات رسائلك، عن أنفاسك بين وريقات الأزهار، عن ملامحك بين لوحاتي، عن ذكراك بين صفحات كتبي.
كنتُ أتذكرك مع كل سقوط مطرٍ! كلما كانت السماء تبكي، أسرعت للنافذة، علنيّ أراكِ تتراقصين تحت زخاتها مثلما كنتِ تفعلين، فلا أجدكِ، فاشعر بالبرد يتملكني! أجلس وحيدًا أمام مدفئتي، أتذكر ابتسامتك فابتسم معها وبعدها تتساقط دمعات دافئة من عيني.
حيرني اشتياقي لك! كُنتِ تُغرقيني كلما أُبحر بحنيني إليكِ ولا أجدك، كنت ألحنّ أسمك أغنية لقلبي عليَّ أصبرهُ، فكان ينزف أكثر. أنا كنتُ قيس وأنتِ لستِ ليلى، أنا رجلٌ أحبّ حنينًا كاذبًا من أنثى، أنا رجلٌ أصبح مجنونكِ! عشتُ ألم وعذاب الحبّ وحدي! فيا جميلتي في الهوىّ، أنتِ قتلتِ قلبًا ضاع في دروبّ الفراق وعاش على صمت الذكريات! ضاعَ بعدما زرعتِ فراق ووحشة وفراغ بداخلهِ، بأكذوبتك شعرت بالغربة وباليتم، فأبحث عن وطن يحويني! فما قولكِ بجرح يصرخ ويبكي، ويتألم من قسوة جارحهِ؟!
كان ردها:
أنتَ الجريح وأنا الجارحة، أنا المذنبة وأنتَ المُتسامح ، نعم أنا من رحلتْ وهاجرتْ، وأنا من تخلتْ عن دفئً لا يعوض! ولكن الآن أنا من أبحث عنك، أنا من عادتْ تركع لك! فأنا من طينًا عُجنتْ، ومن ضلع امرئ أخذتْ لأكون أنثىّ. قيل ليّ أن الحياة بستان جميل مليْ بالورود والرياحين! فتمردتْ وعاندتْ ورحلتْ، ولكن مثل عبقّ حنينك لمْ أجدّ، ومثل سواركَ يقيدني بكل قوتهِ لم أعثرّ!
نعم أنا من وضعتْ نفسها في زنزانة وقيدتها بيديها الأثنتين! حاولت العودة ولكن ترددت والأفكار تساورّ خيالي ما بين القبول والرفض منك، وأخيراً قررت العودة لكي أكون كل تملك، وتكون أنتَ كل ما أملك، عدتُ وجراحي تبتسم ابتسامة أمل منكَ، فلا تجعلني أكذوبة وأنا لروحك مطلوبة؟!
الحنين كلمة جميلة ودلالاتها عظيمة، مشاعر جميلة ممزوجة بشوق رنان يرنّ في رحلة الحياة لكل شيءٍ جميل فيها، للأهل، للأحبة، للوطن، للديار، للآمال، للذكريات ...الخ. بها تعرف نفسك وإنسانيتك وبها تتواصل مع داخلك ومع الآخرين. فليحافظ كل واحدٍ على تلك البذرة بداخلهِ لكي تتغذىّ روحهُ عليها وتتواصل.
 
صفحتنا على الفيس بوك

http://www.facebook.com/pages/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%AA%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%B3%D9%87%D9%89-%D9%82%D9%88%D8%AC%D8%A7/273171676125733

103
 البحث عن الذات من أجل الآخر 
سهى بطرس قوجا
حياتنا رحلة بحث دائم من أجل إيجاد الذات. نعم الذات تسكن داخل الإنسان، أنها بداخلهِ، ولكن ليس الكل يعرف أين تختبئ، لا يعرف كيف يجدها ويُخرجها كي تُبهر خارجهِ وتعكس على الآخرين؟! لكونهِ أحيانا كثيرة يُضيعها أو يجعلها مُستترة بتصرفات كثيرة لا إرادية منهُ، ويُبقيها خامدةٌ، راكدةٌ، منسيةٌ! وهو مع الأسف لا يعرف ذلك ولا يُدركهُ ألا في لحظة حرجة من لحظات الحياة، فيتذكرها ويتذكر إنسانهُ ويتذكر الآخر، ويبدأ بالبحث عنها لإيجادها وإرجاعها إلى مسكنها، ولكن بعد ماذا، فربما يكون قد فات الأوان؟!
ولكن هنا نسأل، هذا الآخر من هو؟!
كونكَ تحيا هذه الحياة، فالطبيعي أن يُصادفك أثنان فيها وهما: (الآخر والآخرة)، الأول والمُتمثل بالمُكمل الثاني للحياة (شريك الحياة)، والثاني هو فعلك الجيد في حياتك من أجل آخرتك (الموت)! والأثنان مُترابطان وصلتهما واحدة وعلى علاقة عكسية تبادلية، كون الأعمال تدل على النيات والنوايا، وسواء كانت الأعمال حسنةٍ أم سيئةٍ، فالطبيعي أن تعكس على الآخر أيًا كان في حياتك، وهذا ما سنوضحهُ بشرح مُبسط.
الله حينما أراد الحياة للإنسان، أراد لهُ في نفس الوقت (آخر) مُكمل لهُ، يعيشان الحياة معًا مُتلازمان، مُتكاملان، مُتفاهمان، مُتعاونان، أحدهما يجد نفسهُ في الآخر ومن خلالهِ، يُضحيان معًا بكل شيء واحدًا من أجل الآخر بعيدًا عن الأنانية والذاتية المُنغلقة، وأيضا يقطعان سنوات العمر معًا، فالآخر من هو؟! الآخر هو كل إنسان غير ذاتك أو غيرك (أنتَ)، هو شخصًا آخر غير شخصكَ أنتَ، قد يختلف عنك أو يُخالفك، وأما قد يتوافق معك ويوافقك، وأما قد يكون النقيض أو الشبيه، وهذا واقع موجود، لكن في جميع الحالات، مع هذا الآخر وبهِ تكون أنتَ ذاتك ....  كيف؟! 
الجميع يبحث عن شيء ما في حياتهِ مثل: الطموح، المستقبل، المال، الشهرة، الأمل، الأمان، المتعة، الرقيّ، التعليم، العمل، الآخر ....الخ، لأنهُ يعرف أنهُ بحاجة لهذا البحث من أجل حياتهِ، ولكن أهم هذه جميعها هي البحث عن الذات من أجل الآخر. بحثًا مُتوافقًا ومُتقبلاً لهُ وبالنتيجة سيجدّ الأمور الأخرى تتحقق في حياتهِ بنسبةٍ طبعًا، كون الإنسان عندما يجد ذاتهُ، يكون قد حقق كل شيء جميل في حياتهِ ويكون قد وجدَ الآخر! وهذا الآخر جزء لا يتجزأ ولا يمكن الانفصال عنهُ، بلْ لابدّ من الاتحاد والتوافق والتواصل معهُ وتقبلهِ من خلال تقبل النفس والذات أولاً. فإذا كنت قد تقبلتْ نفسك وذاتك عندها تكون قد تقبلتْ الآخر، بالاحترام والتقدير والتفاهم وبالمعرفة المُتبادلة، وعندها أيضًا تكون أنت هو، وهو أنت (علاقة تكافئية). 
فالإنسان وجدَ في هذه الحياة ليعيش مع الآخر (الإنسان) مثيلهُ، ومن أجل الآخر (الموت)، وعلى حسب نوعية تعاملك مع الآخر يكون مقياس إيجادك لذاتك. فلا يوجد أحدٌ يعيش لذاتهِ ومع نفسهِ، هنا هي الأنانية الانفرادية، كون تفكيرهُ مُتمركز حول نفسهُ ويعيش لها فقط لإرضائها، مُندمجًا معها دون الآخر! وهذا بالتأكيد سيؤثر على ما حولهُ ويجعل العلاقات الإنسانية تتقلص وتتمركز حول نقطة واحدة وهي الذات المُنفردة!
نعم، الذات المُنفردة التي تكون مُجردة من المحبة، والتي هي أساس العلاقات، وكذلك هي أصل التوحد مع الآخر، لذا من يحبَّ ذاتهُ، يحبُّ الآخر ويتقبلهُ ويعينهُ في مسيرتهِ لأنهُ ينظر إليهِ من خلال محبتهِ لنفسهِ.
يكون لهُ عكازًا يستندُّ عليه، لا يتفاخر ولا يتعالى عليه، ولا يقول لهُ، أنت أنتَ، وأنا أنا! لا يجعلهما مُنفردين ولا يضع حاجزًا بينهما، بلْ يقول لهُ:" أنتَ أنا، وأنا أنتَ"، ولنْا طريق واحدة هي (الآخرة) و معًا نحن إليها سائرين. ولاحظوا أنهُ مهما أكثرنا من قول كلمة (أنا) في حياتنا، فإن الآخر يختفي رويدًا رويدًا، لأن هنا الأنانية تسيطر وتأخذ مكانتها في النفس! وأيضًا فعلنْا الجيد سوف لا نجد لهُ وجود أو حضور أو أثر! وعلى مقدار أعمالنْا يكون تواجد الآخر في حياتنا، ومن خلالهِ تُقيم حياتنا ويكون لها معنى وصدى دائم.   
فعندما أحقق إنسانيتي كإنسان من خلال أعمالي وأفعالي التي ترضي الربّ والآخر والبشرية، حينها أكون قد حققتْ ذاتي من خلال الآخر ومن خلال كل ما أقدمهُ لهُ، أيًا كان في حياتنا. وحينها كذلك أكون قد أرضيتْ آخرتي عندما يحين موعد الرحيل، وأعمالنا وأفعالنا التي هي جواز مرورنْا للآخر، وبه نجد ذاتنا التي قد نفقدها في يوم من الأيام إذا فقدنا هذا الآخر ولمْ نعطهِ الاستحقاق الذي يستحقهُ أو الاستحقاق الذي يليق به ويحقق وجودهُ وكيانهِ كإنسان خُلق ليكون إنسان. 
والآخر مثلما ذكرنا ليس شرط أن يكون هو (الشريك المُكمل) للحياة فقط، بلْ الآخر اتسعتْ أفاقهِ ليشمل العالم كلهُ. وعندما تبني ذاتك، تُشكلها، تُحددها، تُكونها من العدم، حتى وإن كانت عصيةٍ، وعندما تفعل كل ما يُرضيها ويُرضي الآخر، فأنك تجدها لتحيا من أجل هذا الآخر، الذي قلنْا عنهُ أنهُ قد يكون المُكمل للحياة أو الآخرة.

صفحتنا على الفيس بوك ::::
  http://www.facebook.com/pages/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%AA%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%B3%D9%87%D9%89-%D9%82%D9%88%D8%AC%D8%A7/273171676125733?ref=stream

104
المنبر الحر / فتاة في الليل
« في: 17:41 04/11/2012  »
  فتاة في الليل  

سهى بطرس قوجا


تأخرت هذا اليوم دونًا عن كل الأيام في العودة للبيت، كنت أجول بعربتي الصغيرة أبيع ما تبقى فيها من فواكه وخضار، وفجأة لمحت فتاة تجري نحوي تستنجد بي، مذعورة وخائفة وتلهث من شدة جريها، قالت لي بصوت مُضطرب:" يا عم .. يا عم، أرجوك ساعدني!!"
هدأت من روعها وقلت لها:" لا تخافين، ما المشكلة يا ابنتي، ولمْا أنتِ وحدك في هذا الليل؟!"، قالت:" أنها فتاة تدرس وتعمل، ثم أردفتْ تُكمل، أنني طالبة في الجامعة أدرس في النهار، وفي المساء أعمل لكي أنفق على دراستي وأساعد والدي في المصروف، وبينما كنت اليوم خارجةٍ من عملي كالعادة في توقيتي بالضبط، لمحتْ سيارة تلاحقني وتقترب مني، ومن بداخلها يرمقونني بنظرات غريبة ويلقون على مسمعي ألفاظ بذيئة وكلمات جارحة، فخفتْ منهم وجريتْ بأقصى سرعتي!". 
ثم قالت:" أترجاك يا عم أن أقف عندك قليلا ريثما يغادرون في سبيلهم، هذه أول مرة يحدث معي هذا، لا أعلم لمْا يفعلون ذلك"، طمأنتها بعدم الخوف، ثم سرتْ معها للشارع المقابل واستأجرت لها سيارة أجرة توصلها لبيتها في أمان. وبينما هي في طريقها للعودة قالت لي:" أعتذر يا عم على إزعاجك ... وشكرا لكَ".
ذهبتْ بسلام وغابتْ لكن وجهها المُكتسي بالصفرة من الفزع والخوف من المجهول لمْ يغبّ عن مُخيلتي! فتاة تكافح وتُضحي من أجل مُستقبلها ورسالتها وحياتها، فتاة يحمل وجهها كل البراءة والرقة، لم تكن قد وضعت في حسابها أنهُ ممكن في يوم من الأيام أن تصادفها هكذا أمور غريبة من بشر يحملون طبائع وتصورات وظنون أغرب! بشر ليس لهم ألا الظاهر والقيل والقال!
أنا أيضا عدت أدراجي للبيت، وفي الطريق كنت أفكر وأقول بيني وبين نفسي:" كم فتاة وفتاة في مُجتمعنا لحقها الأذى والألم؟! كم فتاة لقُبتْ بالساقطة لمُجرد أنها كانت تسير وحيدة بالليل؟! كم من فتيات قبعنْ خلف الأسوار بسبب بشر لا يستحقون الكلمة؟! كم من فتاة وضع حولها ألف علامة تعجب واستفهام؟! مع الأسف على مجتمع ما زال يظن ويؤمن، أن فتاة وحيدة في الليل ليس لها معنى واحدٍ وهي أنها " فتاة ليل أو ساقطة"! 
مع الأسف على بشر ينسون أن الحياة فيها الكفاح، المرض، الفرح، الشدائد، الفقر، الحاجة ....الخ! مع الأسف على بشر ينسون حين يتهمون وينتقدون غيرهم، بأنهم بشر مثلهم ولكن عقلياتهم ما زالت مقيدة بأفكار ذا نزعة فردية!
 بشر يحللون ويفسرون ويفترضون ويظلمون من خلال مقياسهم وزاويتهم، وفي النهاية تمضي حياتهم في هذا العالم حسب تلك الأفكار والنزعات، فيظلمون نفسهم ويظلمون غيرهم وهم في دور الظالم! بشر ناقصي الثقافة، ينمون في مجتمع ناقص، لينتجوا أفرادًا ناقصين!

صفحتنا على الفيس بوك
  http://www.facebook.com/pages/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%AA%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%B3%D9%87%D9%89-%D9%82%D9%88%D8%AC%D8%A7/273171676125733?ref=hl

105
  هوس رغبة التملك الزائد 

سهى بطرس قوجا

الهوس Mania هو طبعًا مرض من الأمراض النفسية الوجدانية الذي يُصيب عاطفة وفكر الإنسان. فيهِ تضطرب الأفكار وتتشتتْ، ويزداد ميلهُ لحبّ التملك، كما ويفقد التوازن والالتزام بالضوابط الاجتماعية وحسن التصرف. وأيضًا لا يقدر الأمور بصورة صحيحة ومُوزونة.
وهوس رغبة التملك هو حبّ التملك المُفرط فيهِ والزائد عن الحدّ، سواء كان للذات أو لشخص ما أو للمال أو للأشياء، بحيث تزداد هذه الرغبة داخلهِ، مُسيطرة عليه. وأغلب هذه الحالات تتولد لدى الإنسان عند وصولهِ إلى مرحلة ما من حياتهِ يفتقد فيها الكثير، مما يولد داخلهُ شعور من الفشل والإحباط والتردد، فيميل أكثر إلى البحث عن الفاني في هذه الدنيا كتعويض على حساب حياتهِ. وهذا ما سنوضحهُ من خلال قصتنا المعروفة والمأخوذة بعض تفاصيلها من كتاب "الهدية" للشيخ الدكتور إبراهيم الحازمي ( 1384 هـ - 1964 م ) ونرويها كالآتي:
 
في حفلة أقيمت في فرنسا، سأل الصحفيون سؤال لإمرأة: هل أنتِ أغنىّ إمرأة؟! قالت: نعم، أنا أغنى إمرأة في العالم، ولكن في ذات الوقت أتعس إمرأة! أنها "كرستينا أوناسيس" الأسطورة، الفتاة اليونانية أبنة الملياردير اليوناني الشهير (أوناسيس) أثرى أثرياء العالم، صاحب المليارات والأساطيل البحرية والجزر والطائرات. وكرستينا هي الوريثة الوحيدة لوالدها بعد وفاتهِ.
 والدتها بعد أن عاشتْ حياة مأساوية انتهت بالطلاق توفيتْ، وبينهما مات أخوها بعدما سقطت به طائرتهِ. ووالدها (أوناسيس) بعد طلاق زوجتهِ، تزوج من (جاكلين) زوجة الرئيس الأمريكي (جون كندي)، تزوجها بملايين الدولارات فقط ليبحث عن الشهرة! أنفق عليها الملايين، ورغم ذلك عاش معها في شقاء دائم وخلافات لا تنتهي إلى أن توفيّ! 

عن كرستينا أوناسيس، هذه الفتاة تزوجتْ عدة مرات من عدة دول، باحثة عن السعادة فيهم! أول زواجها كان من رجل أمريكي عاش معها شهورا ثم طلقتْ، وبعد وفاة أبيها تزوجت برجل آخر يوناني وعاش معها شهورا ثم انفصلا كذلك، ثم للمرة الثالثة أرادت أن تجرب حظها فتزوجت روسيًا شيوعيًا! الرأسمالية تلتقي مع الشيوعية؟! كيف هذا؟ تعجب الناس وسألها الصحفيون: أنتِ تمثلين الرأسمالية، فكيف تتزوجين من شيوعي؟! كانت أجابتها: أبحث عن السعادة؟! 
سئمتْ من حياة الترف والعيش في قصور، وبعد زواجها من الروسي ذهبت معهُ في بلدهِ في منزل مُتهالك في أحد أحياء موسكو الفقيرة، وكون النظام لا يسمح بأمتلاك أكثر من غرفتين ولا بخدم، فقد جلستْ تخدم في بيتها، طبعًا الصحافة تتابع تحركاتها وأخبارها، فسألوها: هل من الممكن هذا؟! فردتْ: أنا أبحث عن السعادة! ورغم ذلك لم تجد السعادة التي تبحث عنها في زواجها الثالث أيضًا، فقد لاحقها الفشل والتعاسة وعاشتْ مع زوجها الروسي سنة ثم بعدها فارقتهُ!

وأخيرًا تزوجت للمرة الرابعة من رجل فرنسي وأنجبت بنتًا سمتهّا (أثينا)، ثم أنفصلت عنهُ هو الآخر! فتمكن الاكتئاب المُزمن من التوغل إلى أعماقها والحزن الشديد يسيطر عليها! وهكذا قضت حياتها تتزوج وتُطلق علّ وعسىّ أن تجد السعادة التي لا تجدها في كل الثروة والأموال التي تمتلكها، عاشت تعيسة وبعد فترة طويلة وجدوها ميتة في شاليه في الأرجنتين، لا يعرفون هل ماتت ميتة طبيعية أم أنها قتلت أم انتحرت، وكان عمرها آنذاك سبعة وثلاثين عامًا، بعدها دفنت في جزيرة أبيها، تاركة في هذه الدنيا ابنتها أثينا! ماتت كرستينا وهي تبحث عن السعادة والسلام الداخلي ولم تجدهما؟! 
 وأنت قارئ العزيز، ما هو رأيك: هل السعادة تُمنح؟! هل امتلاك الأموال وجمع المزيد، وحبّ الأشياء مُمكن أن تعوض عن راحة البال أو حتى تملك القليل منها؟! هل الأموال تشتري كل ما هو جميل؟!
بالتأكيد لا ...  كل شيء في الحياة لهُ حدود، ويجب أن نرضى بما قُسم لنْا! نعم، المال ضروري ولكن ليس أهم من النفس! فالحياة ليستْ في أمتلاك الأشياء والأموال التي لا روح ولا معنى لها، بل هي في السعادة التي نجدها في داخلنا وفي أعماقنْا، وبكل عمل صالح نقدمهُ للآخرين، ولكن بعض البشر عندما تتمكن أنانيتهم وغرورهم منهم، يقتل تلك السعادة ومعها يقتل كل معنى جميل.
والعالم كل يوم فيهِ الجديد والمثير، فلا تجعل العالم يمتلكك بأشيائهِ ولا تجعلهُ يُغريك بها ولا تسعّى إليها وتُعطيها الأولوية في حياتك، لأنك بسعيك إليها تفتقر أكثر مما تُغنى، وتفقد المحبة من داخلك، التي هي أساس الحياة، وبافتقادك لها تفقدُ معها كل شيء! وليس بالضرورة أن نمتلك كل ما نريدهُ ونرغبهُ، لابدّ أن نكتفي ونرضى بالاكتفاء.

من كتاب (شذرات من الحياة) الصادر قريبا
 
http://www.facebook.com/pages/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%AA%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%B3%D9%87%D9%89-%D9%82%D9%88%D8%AC%D8%A7/273171676125733?ref=hl

106
  جمالية الحياة ... الابتسامة 

سهى بطرس قوجا
 

كان وما يزال رغم شعراتهِ البيض يعمل بجد ونشاط، عجوز تجاوز السبعين من عمره، يعمل بستاني في أحدى الحدائق، يزرعها ويُسقيها ويُنظفها ويُقلم الأشجار والزهور ويُنسقها، بدون ملل أو كلل، استغربت منهُ وأنا مارة بالقرب من تلك الحديقة، وتسألتْ؟! كيف يمكن لرجل عجوز أن يقوم بكل هذا الجهد طوال النهار؟! كيف تستطيع كهولتهِ أن تُقاوم؟!
توقفتْ أتأمل في عملهِ وتفننهِ، وكان أول ما وقع نظري عليهِ هي ابتسامتهِ! نعم، ابتسامتهِ، في كل عمل يبدأ به ويُنهيهِ، كان يبتسم كشعور من الرضا عن نفسهِ. تلك الابتسامة التي تتولد في أثناء لمسهِ لأزهار أو شجرة وبين ما يُمتعُّ نظرهُ من خضرتها وجمال روعتها، تلك الابتسامة الخارجة من الأعماق لكل ما هو بديعٌ في الطبيعة، كانت تمنحهُ القوة ليُبدع أكثر وأكثرَ، غير شاعرٍ بتعبٍ أو بتذمرٍ.   
فالابتسامة ليست فقط جمالية الحياة بلْ والروح كذلك. وكثيرين يصفون الابتسامة كلٌ من مُنطلقهِ، البعض يقول أنها جسر للعلاقات الإنسانية، والبعض الآخر يقول أنها فن التواصل بين البشر، والبعض الآخر يُشبهها بالبلسم والدواء للقلوب وللنفوس، والبعض الآخر قال أن الابتسامة هي: السعادة، الأمل، الصداقة، الألم، البراءة، لغة المُحبين، جسر ورسالة للآخر، أجمل كلام صامت، أغنية بلحنٍ جميل، نور القلب، إشراقه الوجه، كنز لا يستطيع أي أحدٍ تملكهُ، وأيضًا ليس كل واحدٍ قادر على منحهِ للآخر .... الخ من الأوصاف، ومهما قلنْا فيها فلنْ نصل لمعانيها، فلا حدود لوصفها وقياسها. 
والابتسامة تبقى الابتسامة التي كثيرا ما تحضرنْا ونحن جالسين لوحدنْا أو مع مجموعة، حينما يحضرنا كلام أو نتذكر موقف سواء كان مُفرحًا أو مُؤلمًا يحمل ذكريات أشخاص، أو ربما طيف من نحبّ زارَ مُخيلتنْا، أو ربما حديث مطروح يأخذنْا بعيداً بخيالنْا إلى أيام لا تعوض تحمل كل جميلاً، فنتذكرهُ ونبتسم ونشتاق، وتظهر تلك الابتسامة على الشفاه والعيون لتنير الوجه، وما أجملها من ابتسامةٍ صافيةٍ وحقيقةٍ خارجة من الأعماق.
فمُجمل جمال شخصية الإنسان تتكامل وتترأى في ابتسامتهِ، لأنها تنبع من الداخل ومن الأعماق، وهي من تُحيي روحهُ وتُجملهُ، وخصوصًا عندما تكون نقية خارجة من القلب، تراها العين ليشعر بها القلب ويُشعرها للآخر. والابتسامة هي لحن جميل تؤلفها الحياة بكل ما هو مُؤلم ومُفرح فيها ليعزفها الإنسان، وهي روعة الحياة وهي من تُعطي لها صورة جميلة.
لكن حياة الإنسان بتناقضاتها وبنسبيتها في كل ما تحتويه، تتعرض أحيانًا للكثير من الضغوطات والتوترات النفسية، والكثير من المُشكلات الحياتية والتجارب الأليمة والمُحزنة التي تجعلهُ يعيش حالة من التقوقع والانغلاق على النفس والسواد، فتتلاشى الابتسامة والفرحة تدريجيًا من حياتهم وربما تتناسى، وإذا تحدثت معهم لبعض الوقت تراهم ينزعجون ويملون ولا يرغبون بمُواصلة الحديث ويميلون إلى الصمت، من شدة ما تركتْ في داخلهم وأعماقهم أثرها، وتلاحظ على وجههم العبوس والتجهم والنظرات الحادة!
صحيح إن الشدائد تكبل الواحد وتجعلهُ كتائه في طريق لا يعرف مخرجًا لها، ولكن لابدّ من تحكيم العقل والتفكير بعقلانية والتحكم بكل شيء قائم ضد الحياة، حتى لا نجعلهُ يُقيد النفس ويسجنها ضمن دائرتهِ، إلى أن تضيق يومًا بعد يوم وتخنقهُ! وما أحوجنا في أيامنا هذه المضنية إلى ما يرفهُ عن نفوسنْا، وينجليَّ ما تراكم على أعصابنا من هموم وضغط الحياة والعمل، ويجلو الصدأ عن أفكارنا، وعلى المرء أن يحاول مُجاهدا مُتابعة المُسليات والمُضحكات، والخروج للطبيعة لأن فيها الهدوء والسكينة وراحة للنفس وللفكر.   
إذن ندعوهم بدعوتنا إلى نبذْ الهموم ورسم البسمة على الشفاه فهي الدواء لكل داءٍ، وإن كنت لا تستطيع فلا تبخل بها على غيرك الذي تلاقيه في دروب الحياة، إن كنت قادراً على منحها، فلا نعرف ظروف الآخرين وقدر همومهم، وهذه البسمة قد تخفف عنهم! ولشعوب العالم أجمع حكم وأمثلة كثيرة تدعو وتحث على الابتسام، منها:" الابتسامة طريقك الأقصر إلى قلوب الآخرين" (حكمة تايلندية)، " أن تشق طريقك بالابتسامة خيرٌ من أن تشقهُ بالسيف" (شكسبير)، " أمسك خبزتك وأطلق عبستك" (من التراث الليبي)، " إذا كنت لا تستطيع الابتسام فلا تفتح دكانًا" (مثل صيني)، " بالابتسام تذلل الصعاب" (شعوب أمريكا)..... الخ.     
فهذه دعوات من أناس عاشوا خبرات وتجارب مختلفة وخرجوا منها بهذه الحكم والأمثال، ليُفهموا من بعدهم أن كل يومًا لهُ جديدهُ، والذي يذهب لا يرجع مثلما كان ولا يعود ولا يتكرر! وكل واحدٍ يملك يومهُ وحياتهُ وهو من يعيشها ويضفي عليها الجديد، فبإرادتك وقناعة نفسك تجعلها جنة خالدة أو صحراء قاحلة! فلما لا تبتسم لنفسك ولغيرك وتجتاز همومك، أليسَ بالابتسام تتخلص من كل ما هو مكبوت في دواخلك، وتشعر براحة نفسية؟! وعالمنْا مليء بالكثير من الشخصيات التي رغم صعوبة حياتهم وقسوتها، إلا أنهم يتغلبون عليها بالابتسام وبث الأمل في النفوس وفتح آفاق الحياة لهم ولغيرهم.

107
 
ما بين الخطيئة والصواب ... خطوط حمراء

سهى بطرس هرمز

يقال أن الإنسان ولدَّ بطبيعتهِ ميال إلى الخطيئة والرغبة في ارتكاب الخطيئة سواء كان بحق نفسهِ أو بحق الآخرين، وفي الوقت ذاتهُ طبعًا يعرف الصواب مرادفهُ، هنا نسأل إذا كان يعرف الصواب والخطأ معًا ويعرف أن الواحد ضد الآخر! لمْا إذن يميل إلى الخطأ وفعل الخطيئة أكثر؟!   
الخطأ هو النقيض أو الضد والمُخالف لكل ما يجب أن يكون صوابًا. والصواب ضد الخطيئة وهو إصابة الحق في عمل أو قول. وأكيد وهذا ما نؤكد عليه دائمًا لا يوجد إنسان كامل، لكن يوجد إنسان قادر على التفريق والتمييز بين الأمرين ومعرفة أي منهما يحقق وجودهُ وإنسانيتهِ، وبالتأكيد أيضًا مع احترام حقوق الآخرين التي هي مُتصلة بحقوقهِ بنسبة وبجانب معين.
لكن هنالك من البشر من يخلط بين الخطأ والخطيئة، بين الخطيئة والصواب، بين الأسود والأبيض، بين الحق والباطل، بين حقهِ وحقوق الآخرين! مُتناسين أن الإنسان والحياة بأكملها بينهما، مُتخطين الخطوط الحمراء بينهما في سبيل مصالح وغايات شخصية وأنانية وعلى حساب حياة آخرين أحيانًا، مُعتقدين من وجهة نظرهم الانفرادية بأنهم على حق ومن حقهم، أو ربما مرات تكون فقط لمُجرد أوهام وخيالات تنتابُ أفكارهم المريضة! مثل: التعدي على الحقوق بحجة الحق، وفرض بعض العادات والتقاليد البالية في هذا الزمان ومع هذا الجيل والتي تتعارض معهُ ومع فكرهِ وتكوينهِ والتي تأتي بنتائج عكسية لاحقًا، كذلك فرض الرأي على الآخر والذي يُحتمل أن يحملَ الخطأ والصواب معًا وفي قرارة نفسهِ يعلم بهذا، ولكن مع ذلك يفرضهُ ويطبقهُ، خالطًا الحابل بالنابل مثلما يقولون في سبيل جعل رأيهِ هو القائم!
أيضا من يتعود على ارتكاب بعض الأفعال السيئة مثل السرقة والكذب والخيانة وإشاعة الشائعّات وتبادل الاتهامات، وأيضا من يتلاعب بمشاعر الآخرين تحت مُسمى الحبّ، باحثًا عن متعتهِ وواجدًا مُتعة في ذلك هنا يرتكب الخطأ والخطيئة معًا .... و الخ من الأفعال، والتي في النهاية جميعها خطايا تُرتكب بحق الربّ وبحق الإنسان نفسهُ وإنسانيتهِ، وبحق الآخر وإنسانيتهِ وبحق الحياة بأكملها! فلا يجوز فرض الحقيقة بحجة الحق، وفرض الرأي بحجة الرأي الآخر، لابدّ من أعطاء مساحة وحرية لازمة لكي نعرف أن هذا هو الصواب وذاك هو الخطأ، وعدم تخطي الحدود بينهما، لكي لا يتولد طرفًا ثالثًا بينهما مُتمثلا بالخطيئة. 
والإنسان حينما يكون طفلاً وفي السنوات الأولى من عمره يبدأ بإدراك الصواب من الخطأ من خلال ما يلقنهُ والديهِ لهُ من أمور وأشياء، وعندها يبدأ في إدراك أن هذا الفعل أو العمل خطيئة، ولا يجوز فعلهُ أو تكرارهُ، لذلك التربية تساهم بشكل كبير في أن يتغلب الإنسان على ميلهِ للخطيئة ويعرف كيف يقاومها والسقوط فيها منذ بداياتهِ الأولى، حتى وأن كان للوراثة دور في تكوينهِ. 
والبشر بطبيعتهم مُعرضين للوقوع في الخطأ والخطيئة أما بإرادتهم وأما الآخرين من يكونوا السبب في ذلك، أو أحيانًا أخرى ظروفهِ وظروف البيئة المُحيطة هي من تحكم! ولكون الإنسان يحمل الخير والشر في الطينة التي جُبل منها، مثل الأرض التي تُخرج في ذات الوقت كل جيد ورديء. ولكن تبقى عليهِ وهو وحدهُ وبإرادتهِ قادر على الفصل بين الخطيئة والصواب، عندما يُدرك ويستجمع قابليتهِ في توظيف الخطأ بطريقة تنفع النفس والآخرين ويتعلم منهُ ولا يكررهُ.   
لكن أن فعل العكس وكررهُ مرة بعد أخرى إنما يُغالط إنسانهِ المُوجود داخلهُ وينتقم من ذاتهِ وإنسانهِ والحياة، مُبينًا كم هو إنسان ضعيف وسريع العطب! جاعلاً من أخطائهِ وبإرادتهِ تتراكم مع الأيام إلى أن تطرق باب الخطيئة وتدخلهُ إلى مهالكها، باعدًا عن الصواب والحق وعن فضائل الإنسانية والأخلاق!
 والحياة هي هبةٍ ونعمةٍ وهبها الربّ للإنسان، ولابدّ أن يعيش واقع الحياة بما يُرضيهِ ويُرضي خليقة الربّ، وألا لمْا ميزهُ بالعقل؟ ليعرف ويفرق ويُميز به! وإن كان قد وقع ببعض الأخطاء في حياتهِ، فلابد من أن يجعلها عبرة ودروس يتعلم منها أن لا يسير بطريق الخطيئة. وأيضا لو كل واحدًا اعتبر الآخر ذاتهُ وتصرف معها وفق هذا المنطق لقل الشر الموجود بين بني البشر وقرب الكثير من المسافات وسادَّ السلام والاستقرار حياة البشر. لذا لابدّ من معرفة أن بين الخطيئة والصواب خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها وخرقها مهما كانت الظروف!

108
صدور كتاب

قريبا سيصدر كتاب بعنوان (شذرات من الحياة) للكاتبة الحقوقية سهى بطرس هرمز، في طبعتهِ الأولى، كتاب يضم بين طياتهِ مواضيع تسلط الضوء على واقع الحياة والإنسان.
صفحات عديدة تحمل كل واحدة منها شذرة من الحياة، مُسطرة ضمن الكتاب المذكور، هي ثمرة فكر وجهد واستقراء واطلاع على واقع الحياة والإنسان، هي تأملات مع النفس وفيها بكل ما يخالجها ويؤرقها أحيانًا. هي شذرات عطرة منثورة يتصفحها القارئ عند مُطالعتهِ للكتاب...

سهى بطرس هرمز 


109
المرأة في حضارة وادي الرافدين

سهى بطرس هرمز

الحضارات القديمة الأولى ما هي إلا انعكاس للماضي الذي بناهُ أجدادنا والتطور والازدهار الذي تحقق في عهدهم. ولو القينا نظرة على تاريخنا وتصفحنا في صفحاتهِ لوجدنا بأن أعظم الحضارات هي حضارة ما بين النهرين وأنها الأقدم والأعرق والأكثر تأثراً على مسيرة البشرية حتى يومنا هذا. ونحن ورثة تلك الحضارة المتميزة وورثة أولى القوانين المدونة في العالم (قانون حمورابي).
لقد كانت حضارة مابين النهرين في مراحلها التاريخية حضارة واحدة مُوحدة غير مُجزأة والتي استمرتْ أكثر من ثلاثة آلاف سنة. وعلى ضفتي نهري دجلة والفرات نشأتْ أعظم المدن في التاريخ: سومر، بابل، آشور، أور، أكد. وكان أهلها يسمون نسبة إلى أسم مدنهم مثلا: السومريون يدعون هكذا نسبة إلى مدينة سومر، والآشوريون نسبة لمدينة آشور ... وهكذا بالنسبة للبقية. وهنا ليس من الضروري التفريق بين الهويات الحضارية، فهم في النهاية جميعاً هويات عراقية أصيلة ساهمَتْ في تكوينها الشعوب العراقية القديمة في عصورهم المختلفة، والتي مازال تأثير وأصداء هذه الحضارة مُستمر على البشرية لحْد يومنا هذا.

مكانة المرأة في حضارة وادي الرافدين: 
العائلة كانت أساس المجتمع العراقي القديم، وكان الرجل في العصور التاريخية يتمتع بسلطات كبيرة على أفراد عائلتهِ تصل في بعض الأحيان إلى حّد قتلهم أو بيعهم. ومن خلال ما سنوردهُ  بشرح مُختصر عن مكانة المرأة في الحضارات القديمة، أو الأصح ما يُخبرنا به التاريخ، نقع على صورة مؤلمة لواقع المرأة إنسانيًا وثقافيًا وأخلاقيًا، واسترقاقها من قبل الرجل ومن قبل مُجتمعها، مُوضحاً فيها نظرتهِ الضيقة للإنسان قبل أن تكون لنصفهِ المُكمل. فالمرأة مُكملة الرجل ولكن هذا الأمر كان غائب تماماً عن الحضارات القديمة بنسبة، مُقلصين دورها وفرصها في الخوض في الحياة بصورة عامة، وحياة الرجل بصورة خاصة.

1 ـــ المرأة في الحضارة البابلية:
الدولة البابلية (626- 539 ق.م): قامت هذه الدولة على يد أقوام من الجزيرة العربية وهم الكلدانيون، ومن أشهر ملوك هذه الدولة نبوخذ نصر (604-562 ق.م). والى عهده تُعزى مُعظم الآثار المُكتشفة في بابل ومنها (الجنائن المعلقة). 
أما المرأة في الحضارة البابلية كانت عديمة الأهلية، محرومةٌ من حقوقها، كانت مُملوكة وليست مالكة سواء كان للزوج أو الأب، وأيضا ليس لها الحق في أن ترث زوجها بعد موتهِ أو ترث من والدها، على اعتبار أن التركة تكون للذكور وحدهم باعتبارهم امتداد لأسم العائلة. كذلك كانت المرأة تباع من قبل الرجل وكأنها سلعة من السلع، فقد كان الرجل البابلي يُعرض بناتهِ للزواج، بعد أن كان يُنادى عليهم من قبلهِ لكل عابرّ سبيل، وأيضا كان الرجل البابلي يدفع ببناتهِ للبغاء عند افتقارهِ للمال. فكان يتاجر بهنْ من أجل المال.
ليس هذا فقط وإنما كان بإمكان الزوج عند عدم مقدرتهِ على ردّ دينهُ لدائنهِ أن يقدم زوجتهِ أو أبنتهِ للدائن سدادًا لديونهِ! (ولكنهم تحرروا من هذه العبودية في السنة الرابعة). فالمرأة عندهم وبنظرهم لمْ تُخلق ألا لإسعاد الرجل، وكان يُنظر إليها نظرة احتقار. كما كان من حق الزوج أن يحكم على زوجتهِ بالموت غرقًا لأقل الأسباب، كطلبها للطلاق أو إذا كانت مهملة لشئون بيتها وتربية أولادهم فكانت عرضة للحكم عليها بالطلاق دون أن تأخذ شيئاً. كما كان يحق لهُ أن يلقيها في النهر إذا ما شك في سلوكها، لأنهم كانوا يعتقدون أنهُ عند رميها فأن النهر سينقذها إذا كانت بريئة لان آلهة النهر لا تظلم، وإذا لم تكن ستغرق. كما كان للأب وحدهُ القرار الفاصل في زواج بناتهِ، وإليهِ يرجع حق اختيار كنتهِ في ما بعد.

2 ـــ المرأة في الحضارة السومرية:
تعتبر الحضارة السومرية من أقدم الحضارات التي ظهرت في بلاد ما بين النهرين، وقد ظهر اسم سومر في بداية الألفية الثالثة قبل الميلاد، ومن أشهر ملوك سومر (اتو حيكال). والسومريون سبقوا الحضارات البشرية بكل الإبداعات كالشعر والملحمة الأدبية والعلوم والموسيقى وإقامة المدن بمفهوم المدينة، وفيها قامت أولى المدارس والتي أسموها بــ (بيت الألواح) في الفترة من 2300 ق.م.
المرأة السومرية كانت عند السومريون تعامل مُعاملة فظة وقاسية، فلم تكنْ معاملتها أحسن مقارنة بالبلدان المجاورة، وذلك على الصعيد الاجتماعي ومن حيث حريتها وكرامتها. فكان يحق للزوج أن يبيع زوجتهِ وأولاده إذا ما أرهقهُ الدين، كما كان يحق لهُ قتلها غرقًا إذا تخلتْ عن واجبات الأمومة. كما كان يستطيع أن يُطلقها بسبب أو بدون سبب أو يتزوج عليها، أما إذا أرادتْ الطلاق فكانتْ تُقتل!

3 ـــ المرأة في الحضارة الآشورية:
الآشوريون (2000- 612 ق.م) هم من أقوام الجزيرة العربية التي قدمت إلى وادي الرافدين منذ مطلع الألف الثالث قبل الميلاد. عاصمة الدولة الآشورية هي نينوى، ومن أشهر ملوكهم آشور نانيبال صاحب المكتبة المشهورة، وقد أصدر الآشوريون عدد من القوانين سميت بالقوانين الآشورية والتي كانت مدونة على ألواح من الطين المكتشفة.
أما بالنسبة لمكانة المرأة عندهم، فقد أنخفض مركز المرأة الاجتماعي مُقارنة بمكانتها في الحضارتين السومرية والبابلية، فقد كانت تعتبر مُلكاً للرجل، ولهُ الحق في أن يُحرمها من كل ما تملك، ويُطلقها متى أراد. أيضاً كان الآشوريون من أقدم الشعوب الدينية التي أخضعت النساء للحجاب وكان يتضمن ستر الرأس والوجه، وكان يُسمح فقط للمرأة الحُرة أن ترتدي الحجاب، بينما الجواري كانت ترتدين الحجاب عند خروجهنْ مع سيدهم. وهذا ما أكدتهُ الحفريات المُكتشفة حيث تم العثور على لوحات طينية تتكلم بشكل تفصيلي عن الحجاب وقوانين أخرى تفرض على النساء اللواتي لا يرتدينْ الحجاب.
أما بالنسبة للزواج، فالرجل عندما يريد الزواج يُحضر الأصدقاء ويُعلن أمامهم أن هذه المرأة أصبحتْ زوجتهِ ويتم وضع الحجاب على رأسها وتحجيبها. وهناك بعض المواد في القوانين الآشورية القديمة كانت تنص على زواج المرأة وأحيانا على مُعاقبتها ومنها:  مُعاقبة المرأة التي تنطق بالكفر وذلك في (المادة 2) من اللوح الآشوري الأول، بعدم جواز اقترابها من زوجها أو أبنها أو أبنتها.
وفيما يخص الجرائم الجنسية فكانت القوانين الآشورية بشأنها تنص على (اختبار الماء)، مثل اتهام رجل زوجة رجل آخر بالزنى، فكان على المرأة المُتهمة إن تلقي بنفسها في النهر لإثبات براءتها (المادة 17 من اللوح أ من القوانين الآشورية).
هكذا كان حال المرأة في تلك الفترات من الحضارات، كانت قاسيةٌ عليها جداً.  وهذا ما دفع بالملك حمورابي لسنَّ قوانين ووضع نظام يصونُّ فيهِ الحقوق المسلوبة ومنها حقوق المرأة وتحريرها من العبودية.

وبذكرنا نحن لكل ما أصاب المرأة قديمًا، إنما نريد بها العظة والعبّرة، وأن نُعطي للأجيال القادمة دفعة قوية ليرفعوا بكل ثقة وقوة، شعار العدالة والمساواة، ووضع قوانين وتطبيقها فعليًا لحفظ حقوق المرأة وحريتها وإنسانيتها، واستقرارها في مجتمع يعرف قيمة وجوهر هذا الإنسان التي لها دور تاريخي شامل على مرَّ العصور. والمرأة كما هو معروف ما تزال بحاجة إلى الإنصاف والمساواة في كافة ميادين الحياة، وأيضًا ما أحوجها إلى الاهتمام والرحمة والديمقراطية والعدل دون تعصب وتحقير يُقلل من كيانها وأنوثتها.
ونحن لا نريد أن نعيش على أمجاد الماضي، بل نعيش في حاضرٍ نكون نحن صانعيهِ. وأن نثبتْ بأنهُ لدينا القدرة على تحمل المشقة والنضال الطويل لنعاود تواصل الحضارات نحو الرقيّ. وكل ما يهمنا ويعنينا في النهاية هو أن تكون حقوق المرأة كتلة واحدة لا تتجزأ.

110
أهلا بالمؤتمر القومي الكلداني الثاني

سهى بطرس هرمز


تحت شعار " وحدتنا ضمان لنيل حقوقنا القومية والوطنية"، سيعقد المنبر الديمقراطي الكلداني المُوحد في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، المؤتمر القومي الكلداني الثاني في ولاية مشيغان.
 
غاية المؤتمر:

بالطبع لا نحتاج أن نقول أن المسيحيين بأكملهم هم عراقة، جذور، حضارة، تاريخ، لأن البشرية عرفتهم بأصالتهم وثقافتهم التي أغنتْ الإنسانية، والتاريخ شاهد على عمق أصالتهم المغروسة في أرض بلاد ما بين النهرين، ولكن نقول كوننا أصحاب حق وسكان أصلاء لهذه الأرض العريقة، فأننا نتعرض لشتىّ أنواع الاضطهادات البعيدة كل البعّد عن الإنسانية! نعم هذه حقيقة وواقع مُعاش!
فالمتطلع على الأحداث والمستجدات التي ظهرت وتظهر على أرض الوطن والمُرتبطة بواقع المسيحيين وما يتعرضون لهُ من: قتل، تشتت، هجرة، تفريق، تهميش، ضياع، استيلاء وسلب للحقوق، تدمير الكنائس، تغيير الهوية، فرض ديمغرافيات  .... الخ. ولنقل ابتدأ من أحداث 1915 وما تلتها من مجازر وصولا إلى أحداث 2003 وما يعقبها من مُستجدات، هذه جميعها تستحق الوقوف عندها والبحث والتباحث فيها تكراراً ومراراً! وجميعها تحتاج إلى إيجاد مُبادرة أو بالأحرّى مُبادرات جادة وفعلية في توحيد الصفوف والكلمة والأفكار، من أجل تعزيز وحدتنا وموقفنْا ورؤيتنا المستقبلية لمصير هذا الشعب العريق، الذي ما زال يومًا بعد يوم يتناقص، يتبعثر، يندثر، يتبدّد في البقاع المختلفة بسبب ما يعيشهُ على تربة موطنهِ، وكما هو باين للعميان وفق برنامج، نقول عنهُ ربما مدروس ومنظم ومُخطط لهُ مُسبقًا!

وسبحان من صور الإنسان وغرز فيه حبًا لوالديه ولأرضهم، فيتباهى بمجدهم ويفتخر بفضائلهم ويحلو له أن يتكلم بلغتهم وهذا ما يسمونه بــ "حبِّ الوطن". نتذكر عندما كنا صغارا، دائمًا كنا نُلقنْ ونسمع من أجدادنا وآبائنا عندما نجلس بقربهم مساءًا، الكثير من القصص والحكايات عن أصالة شعبنا، لغتهم، تاريخهم، تراثهم، أرثهم، حضارتهم، بطولاتهم رجالاً ونساءًا، كانوا يُصورون لنا العالم بأكمله من خلال تلك الحكايات، كُنا نرى الكون من خلال تلك الأعمال والبطولات التي قاموا بها في ذلك الزمان، كنا نرى العالم أفضل وأجمل من خلالهم وخلال تجاربهم، وهذه طبعًا حقيقة وما زالتْ لحّد يومنْا مُعاشة. كنْا نتلذذُّ كثير ونستمتع بتلك القصص ويأخذنا الشوق والحماس والشجاعة لنكون مثلهم ونعيش بطولاتهم وأمجادهم الكثيرة والمُسطرة في صحف التاريخ.
 
من هذا كلهُ، ذاك الشعب العريق ألا يستحق أن يبقى حيًا ويتمسك ويحيا على أرضهِ التي طالما ناضل من أجلها، ونزف الكثير لها! إلا يستحق منا نحن أحفاده، أن نقول هذه الأرض التي أنبتت الكثيرين واحتوت الكثيرين أن تبقى على أصالتها وتستمر مدى استمرار الوجود وتبقى حيةٍ! إلا يستحقوا اليوم أن يلتموا أبنائهم ويتوحدوا جميعًا ويسيروا معًا بخطى ثابتة ورزينة وبقرار مُوحدٍ كشخص واحدٍ. ألم يحنّ الوقت بعد؟! 
ما يستحق الاستغراب والتأسف عليه هو أن شعبنا أصبح شعبٌ مُضطهد ومنبوذ في أرضهِ، إذن متى ينتهي هذا الاضطهاد والتعسف أن لمْ نقل أنهُ يستجد يومًا بعد آخر! متى تخضر أرضنا، وتعود أمجادها! أبناءها الشباب الذين هم قوتها وطاقتها وأرث أجدادها يتركونها يومًا بعد يوم، راحلين للمجهول وللضياع ومضيعين معهم أصالتهم ولغتهم مع الزمن! وهم معذورين في هذا في زاوية ما، لأنهم لم يعّد باستطاعتهم المواجهة والتحمل وحدهم وبمفردهم، ظروفهم أقوى منهم، تدفعهم إلى مفترق طرق في لحظةٍ حرجةٍ يصعبُ فيها وقتها الاختيار والقرار!

هذه الأمور الخطيرة جميعها وغيرها التي ربما قد تظهر فجأة كغيرها، أليس من الضروري توحيد الصفوف والكلمة وتوجيه أنظار المعنيين والمهتمين والعالم إليها، لإيجاد حلول سريعة وإرجاع الأبناء إلى ديارهم وأرضهم؟! أليس من المفروض عقد المؤتمرات والندوات المُتتالية التي من شأنها دراسة أوضاع شعبنا وقضاياه المصيرية وما آلتْ وتؤل إليه لحد يومنْا؟! أليس المفروض اتخاذ مواقف حازمة وقاطعة تضع الأمور في نصابها؟! ومتى يتم كل هذا؟! يتم كل هذا بعد أن نتوحد فكريًا بمستوى ثقافتنا وغيرتنا ومبادئنا ورسالتنا التي تدعو من أجل استرجاع حقوق شعبنا!
وهذا المؤتمر الذي سينعقد قريبًا من قبل أخوتنا في المنبر الديمقراطي الكلداني المُوحد، مشكورين عليهِ، لأنهم يبذلون الجهود ويفكرون في مصير أخوتهم وأرضهم ووجودهم وكيانهم، ويقومون ببادرة علّ وعسّى تفيد وتأتي بنتائج إيجابية، من خلال البحوث والدراسات الإنسانية التي ستقدم عن واقع شعبنا والمناقشات والمشاركات والحوارات الجدية وكل الأهداف المطروحة، للوصول إلى كل ما من شأنهِ إذلال تلك الصعاب وإيقافها، والمطالبة بحقوق شعبنا الكلداني الضائعة! فلما لا نكون معهم وليس عليهم، ولمْا نتغامز بالكلام والقيل والقال، وننقد ونبنيّ افتراضات، لا تُجديّ نفعًا، غير زيادة الهوّة واتساعها، والتي في هذا الوقت الحرج شعبنا في غنّى عنها، ولا يتمناها!

غاية حديثنا نقول:
ضرورة الاهتمام بفئة الشباب من كلا الجنسين وتوعيتهم، ليكونوا كوادر فعالة مستقبلا في خدمة نهضتهم. ونتمنى نحن أبناءها المتواجدين حاليًا على أرض أجدادنا، من كل مسيحي غيور على أرث أجدادهِ وسلامة أخوتهِ، أن نكون أكبر من أي انقسامات، ونعمل جميعًا مُجتمعين ومُوحدين وبنكران الذات وتغليب المصلحة الوطنية والقومية على أي مصالح خاصة، في سبيل إذلال كل معاناة شعبنا أو الحدّ منها ولو قليلا وسدّ المنافذ عليها وعدم ترك المجال لها للاستمرارية، كالهجرة التي تزداد، وأيضا التغيير الديمغرافي الذي باتْ كالعاصفة الصفراء تغزو قرانْا رويدا رويدًا، ويظهر بين الحين والآخر وكأنهُ في سباتْ مؤقت وبعد فترة يستفيق ليُكمل المسيرة! 
إذن دعونا جميعا نتحدث بصوت واحدٍ عالي وشجاعٍ، ونقول: كفانا ما نُعانيه، كفانا تحولينا إلى ضحايا وكبش فداء وقت الحاجة وكلما اقتضتْ المصلحة وكأننا لسنْا من تراب تلك الأرض ولسنْا أحفاد بلاد ما بين النهرين! فبوحدتنا ووحدة عملنا ورؤيتنا نثبت وجودنا. 

111
المُجرم والمسؤولية الجنائية

سهى بطرس هرمز



الجريمة (Crime) لا تقع مرة واحدة، وإنما تمرَّ بمراحل وادوار إلى أن تصل مرحلتها النهاية وهي التنفيذ ووقوع الجريمة، والتي قد ترتكب من طرف شخص واحد بمفرده وأما من طرف شخصين أو أكثر يجمع بينهم اتفاق أو اشتراك قانوني. والمُرتكب للجريمة قد يكون فاعلا أصليًا أو مُشاركًا أو مُساهمًا أو ربما يكون فاعلاً معنويًا.

ولقيام الجريمة لا يكفيها من الناحية القانونية مُجرد تحققها، وإنما لابدّ لمُرتكبها أن يكون مُميزاً ومُدركًا لخطورة الفعل أو الامتناع الذي يصدر منهُ، كما ولابدّ أن يكون كامل الإرادة وغير مُكرهًا على إتيانها حتى يمكن للسلطات المُختصة نسب الواقعة الإجرامية التي ارتكبها عن أدراك وإرادةٍ، إليهِ. وبعكس ذلك فإن مُسألة المُجرم لا تتم كليًا، أما إذا نقص عنده الإدراك أو التميز فأن مسؤوليتهِ لا تنتفي وإنما تكون ناقصة. والمسؤولية الجنائية لا تلحق ألا الذي ارتكب شخصيًا الوقائع المُكونة للجريمة أو التي شارك فيها، وهذا ما يعرف بــ "مبدأ شخصية المسؤولية الجنائية". والجريمة وقت وقوعها تتلخص وقائعها ما بين مُرتكب الجريمة (المُجرم Criminal) وبين من أصابهم ضرراً (الضحية Victim)، ومكان حدوثها (مسرح الجريمة Theatre of Crime).
المُجرم هو لولبْ الجريمة ومُحركها وهو المسؤول الأول عنها حيث سيكون محل انطباق المسؤولية الجنائية عليهِ، لأنهُ هو من يُفكر ويُحضر ويُخطط لها، ثم أما ينفذها أو لا ينفذها اختياريًا أو اضطراريًا. وكما هو معروف "المُجرم بريء حتى تثبت إدانتهِ"، لهذا لا يُعد المُجرم مُجرمًا في نظر القانون ألا إذا قام بالفعل فعلاً وثبتتْ التهمةُ عليهِ بالأدلةِ والبراهين ومن بعدها ينال جزاءهُ العادل الذي يستحقهُ. كما لا يكون المُجرم مسؤولا عن أفعالهِ ألا إذا كان يتمتع بالقدرة على التفكير والإرادة الحرة، ويكون خاليًا من أي عارض من عوارض المسؤولية الجنائية التي تنفي عنهُ الصفة الإجرامية.
من خلال ما قدمنا يمكن إعطاء تعريف مُبسط للمُجرم، وهو أنهُ: شخصًا عُدَّ مُجرمًا في نظر القانون، بسبب انتهاكهِ القانون الجنائي المُقرر من قبل السلطة التشريعية. ويشترط في المُجرم لكي يُوصف بهذه الصفة إضافة إلى صفة الإنسانية، أن يكون أهلاً للمسؤولية، بمعنى أن يكون ذا قوة نفسية من شأنها الخلق والسيطرة وهي ما تسمى بالإرادة التي يجب أن تكون مُعتبرة قانونًا، ومُدركة ومُختارة، ومُتجهة اتجاهًا مُخالفًا للقانون، والمُسماة بــ "الإرادة الآثمة"، التي هي دليل على خطورة شخصية الجاني، الأمر الذي جعلها أساسًا للمسؤولية الجنائية وبالتالي مؤثراً لتوجيه العقوبة إلى أغراضها الاجتماعية. عليهِ كل إنسان اقترف جريمة، وكان أهلاً للمسؤولية حين ذلك، كانت لهُ إرادة مُعتبرة اتجهت اتجاهًا مُخالفًا للقانون. غير أن هنالك معايير تقرر جواز مُعاملة مُرتكب الجريمة كمُجرم وهي:ـــ 
1 ـــ   السن:ـــ أساس المسؤولية الجنائية هو توافر الإدراك والاختيار لدّى الشخص، ومن الثابت إن الإنسان يُولد فاقد الإدراك، ثم تدريجيًا وبتقدم سنهِ ونضج عقلهِ يتكامل الإدراك لديهِ. ونجد المشرع الجنائي قد حددَّ سنًا مُعينة لمُرتكب الجريمة، ويمنع الصغير من مُسألتهِ جنائيًا قبل أتمامها، تأسيسًا على عدم إدراك الصغير لأهمية العمل الإجرامي وعواقبهِ.
 
وقد كان قانون العقوبات العراقي إضافة إلى الشريعة الإسلامية الغراء، من ضمن التشريعات العربية التي حددتْ سن بداية المسؤولية الجنائية بتمام سبع سنوات، ومنها: قانون العقوبات الأردني (مادة 94)، واللبناني (مادة 64)، والسوداني (مادة 49) والسوري (مادة 236) والكويتي (مادة 18)، بينما قانون عقوبات البحرين قد حددها بسن تسع سنوات، والقانون التونسي بأقل من ثلاث عشر سنة.
بينما يُلاحظ اغلب التشريعات الحديثة مثلا، كالقانون السوفيتي والقانون الفرنسي، تجعل المسؤولية الجنائية عند سن الثالثة عشر. وبغض النظر عن القوانين الجنائية، نجد إن مُرتكبي الجريمة من الأطفال لابد وأن يتخذوا بحقهم الإجراءات التربوية الضرورية اللازمة لمصلحتهم، بسبب عجز أولياءهم عن تهذيبهم وتقويمهم وتوجيههم التوجيه الصائب في الحياة، وهناك من الأطفال من يتم توديعهم في مركز للأحداث بما يعود عليهم بالنفع والفائدة والإصلاح.
2 ـــ الأفعال الإجرامية لابد وأن تكون اختيارية، وارتكبت بدون ضغوط أو إكراه. وهذا الإكراه يجب أن يكون واضحًا ومُتصلاً اتصالاً مُباشراً بالفعل الإجرامي المُعين، فمثلاً أن تأثير الآباء أو أصدقاء السوء الغير مباشر والقديم على مُرتكب الجريمة لا يعترف بها على أنها ضغوط مارست عليهِ. 
3 ـــ يجب أن يكون الفعل مُصنفًا قانونًا كضرر للدولة وليس ضرر خاص أو خطأ ما، لأنهُ عادة يقوم الناس بمُعالجة بعض الأمور بينهم وبين نفسهم دون الرجوع إلى السلطات المختصة، والتي من الممكن أن تتطور وتصبح مشكلة كبيرة لا يمكن تحجيمها، وبها يتضرر العديد من الأشخاص والمُمتلكات، والتي كان من المُمكن اجتنابها برفع دعوى خاصة للمحكمة أو لمركز الشرطة ليقوموا هم بمُعالجتها.
 
أساس المسؤولية الجنائية (بين الحتمية والحرية):
 
أثار بحث الأساس التي تقوم عليهِ المسؤولية الجنائية اختلافًا كبيرا بين رجال الفقه الجنائي، وكان اختلافهم في هذا يرجع إلى أن الإنسان عند ارتكابهِ جريمتهِ، هل هو مُخير أم مُسير؟! وفي هذا الصددّ يوجد مذهبان أساسيان ومذاهب أخرى توفيقية وسطية بينهما، الأول: المذهب التقليدي أو النظرية التقليدية، يُبين المسؤولية على أساس حرية الإنسان في الاختيار، والثاني: وضعي، يبني المسؤولية الجنائية على أساس الخطورة الإجرامية للمُجرم.
1 ـــ المذهب التقليدي:
هذا المذهب هو الأقدم، ويرى أنصاره إن الإنسان يملك حرية تقدير أعمالهِ المُختلفة، فكل إنسان بالغ وعاقل يستطيع التمييز بين المُباح والمحظور من الأعمال، كما بإمكانهِ أن يختار بين مُختلف السُبل التي تعرض له ما يشاء دون أن يكون مُجبرا إلى سلوك سبيل معين، أي أنهُ يستطيع التحكم في سلوكهِ فلا يأتي من الأفعال ألا ما يريد، وبهذا فأنهُ يُسأل عما يقع منهُ ويتحمل تبعيتهِ.
وحسب هذا المذهب فأنهُ إذا ارتكب شخص ما جريمة، فأنها تكون راجعة إلى محض اختياره الشخصي، لأنهُ كان من المُمكن وبإرادتهِ ألا يرتكبها، ومن اجل ذلك يكون مسؤولا عنها أدبيًا ما دام قد لجأ إلى طريق الشر باختياره. ولذلك قال أصحاب هذا المذهب أن المسؤولية الجنائية أنما تقوم على المسؤولية الأدبية أو الأخلاقية، وهذه لا تقوم ألا إذا توافر شرطان هما الاختيار (الحرية)، والإدراك (التمييز). وبالتالي إذا فقدَ الإنسان إدراكهِ لعاهةٍ في عقلهِ أو بسبب صغره أو فقدهِ لاختياره لإكراههِ على عمل ما، فأن المسؤولية الجنائية تزول. فأن ضعف إدراكهِ بغير أن ينعدم أو تتأثر إرادتهِ إلى ما دون الإكراهِ، وجبَّ أن يُراعى ذلك عند تقدير مسؤوليتهِ.
2 ــــ  المذهب الوضعي أو (مذهب الجبرية):
يقول "جارو فالو" أحد أقطاب المدرسة الوضعية بأنهُ:" لا تستطيع أن تبني قانونيًا، العقاب على أساس المسؤولية الأخلاقية، فإرادة الفرد تخضع وعلى الدوام لمؤثرات داخلية وخارجية". لهذا ترى المدرسة الوضعية أن المسؤولية الجنائية لا تقوم على أساس أخلاقي أو أدبي، لأن الإنسان مُسير وليس مُخير. أي أن أعمال الإنسان حسب اعتقادهم ليست وليدة أرادة حرة، كونهُ يقوم بأفعالهِ بمحض إرادتهِ ألا إنها في الواقع ليست حرة وإنما تتكيف تبعا للمؤثرات الأقوى من بين العوامل التي تحيط به وتكيف تصرفاته، منها ما هو كامن في شخصهِ والذي يرجع إلى تركيبتهِ وتكوينهِ ومزاجهِ الخاص، أو ما ورثهُ عن أسلافهِ من طباع وميول، ومنها ما هو اجتماعي يرجع إلى البيئة والوسط الذي يعيش فيه. 
ويلخص الفقيه "أنريكو فري" موقف المدرسة الوضعية بقولهِ:" أن المدرسة الوضعية تنكر حرية الاختيار، فإذن هي تنكر المسؤولية الأدبية وفكرة الإثم والاستناد المعنوي، ولا تهتم ألا بـ "الإنسان الفيزيائي المادي" الذي تترتب عليه المسؤولية الجنائية.
فمذهب الوضعية يرفض قيام المسؤولية الجنائية على أساس المسؤولية الأدبية، وبالتالي يرفض كون العقوبة للتكفير عن الذنب ولتحقيق العدالة ويقول أنها مسؤولية اجتماعية تقوم على الخطورة الإجرامية التي يمثلها الجاني والتي تستلزم التدخل لمنع الإجرام، وتكون العقوبة فيها وسيلة تدافع بها الجماعة عن نفسها ضد الجريمة. فكما إن وقوع الجريمة محتوم على الجاني، فكذلك يكون ردة الفعل الناتج عنها وهو وقوع العقوبة محتومًا على الجماعة دفاعًا عن نفسها. 
وأمام هذه الآراء المُتعارضة حول أساس المسؤولية الجنائية، عملت المدارس الوسيطة على تجنب الخلاف بين المدرستين. ومن المُسلم به أن كلا المذهبين أنما ينطوي على جانب من الحقيقة، غير أنهما يُعيبهما التطرف في الرأي والمُغالاة في الحكم.
والتوفيق بين المذهبين هو أمر مُمكن التحقيق، وذلك عن طريق قيام المسؤولية الجنائية على أساس من حرية الاختيار متتبعة العقوبة كجزاء، فأن لم يكن لهذه المسؤولية محل، لأن مُرتكب الجريمة غير مسؤول، فمن المفروض أن تتخذ قبلهُ التدابير الاحترازية لمواجهة خطورتهِ. أما إذا خففت العقوبة لأن مرتكب الجريمة مسؤول مسؤولية مُخففة، فبالإمكان أن تكمل العقوبة بالتدبير الاحترازي أيضا على النحو الذي يواجه عجز العقوبة عن مواجهة الحالة الخطرة لدى الجاني.

الخاتمة:
المسؤولية الجنائية لكي تتحقق لابد من حدوث واقعة توجبها أي حدوث جريمة وتمامها وتكون مُستوفية لأركانها. أي إن الإنسان لا يقع تحت وطأة تحمل المسؤولية الجنائية ولا تقوم في حقهِ ألا إذا ارتكب فعلاً مُحرمًا في القانون والمجتمع، وهو بالغ وعاقل ومُدرك خطورة فعلتهِ وبكامل إرادتهِ وباختياره، مما يجعلهُ في النهاية يتحمل قصوره وفعلتهِ بحق نفسهِ أولاً وبحق مُجتمعهِ ويستحق العقاب المُقرر في القانون، كلٌ وحسب فعلتهِ وجريمتهِ.

112
 القوش أريج التاريخ  

سهى بطرس هرمز

القوش بلدة عريقة تقع على بعد 48 كم شمالي الموصل، جاثمة قبالة جبل يُعرف باسمها في منطقة باعذرى، وهي عريقة في القدم، وتاريخها مدعاة فخر واعتزاز وصفحات مشرفة، تحدت نوائب الزمان وعاندت قسوة الأيام لتبقى شامخة شموخ الجبال. المسيحية فيها راسخة منذ القدم، ومنها قام بطاركة ومطارنة وكهنة ورهبان وراهبات بأعداد غفيرة.
تشتهر القوش بمواقعها المسيحية، أهمها دير مار ميخا النوهدري، وكنيسة مار كوركيس. وكنيسة القوش كانت خورنة تابعة إلى أبرشية الموصل، ومطران الموصل أو البطريرك كان يدير شؤونها الدينية حتى تاريخ 19/3/1961، حيث أصبح مثلّث الرحمة المطران أبلحد صنا مطرانا لأبرشية ألقوش المستحدثة، وبذلك يكون المطران صنا أول مطران لالقوش بعد المطران مار ميخا النوهدري. وأبرشية ألقوش تشمل:" خورنة القوش، شرفيه، تللسقف، باقوفا، باطنايا، مجمع جمبور، الشيخان (عين سفني)". واليوم يرعى أبرشية القوش المطران مار ميخا مقدسي.
أما مزاراتها التي كان لها مناسبات خاصة هي: مزار مار يوسف، مار زديقا، مار سهدونا، مار يوحنا، مرت شموني، مار شمعون، مار قرداغ الذي تحول إلى كنيسة في السنوات الأخيرة. أما من آثارها هيكل النبي ناحوم الذي تجدد عام 1796، ويذكره بنيامين الطليطلي في رحلته (1165 – 1173). كان اليهود يزورونه ويقيمون فيه مراسيمهم اليهودية، كما كانوا يحتفلون بعيده شعبيًا في مدخل كبا دمايا (كهف المياه)، وقد كانت عائلات يهودية تقطن القوش حتى عام 1948.  
ومن المشاهير الذين اشتهروا في الحياة الكلدانية، القس كوركيس يوحانا، تولى النيابة البطريركية في مطلع القرن 19 مع أنهُ كاهن متزوج، والقس الراهب دوميانوس كونديرا الذي خدم في الموصل والقوش، وله مؤلفات  كثيرة ومن الخطاطين المتميزين، والقس أوراها شكوانا (1850 – 1931) الطقسي والخطاط، والقس إيليا هرمو (1856 – 1932) الخطاط، والمطران ارميا مقدسي (1828 – 1929) صاحب القواعد المطبوع في روما، والمطران اسطيفان كجو (1884 – 1953) وكتاباته عن الأنبا جبرائيل دنبو، والقس يوسف عبيا (1880 – 1965) الواعظ والشاعر، والمطران اسطيفان بلو مؤلف تاريخ الرهبانية الانطوانية الهرمزدية والكنيسة الكلدانية، والمطران افرام بدي المرنو الشهير، القس دميانوس كونديرا (1803 – 1868)، الخوري يوسف كادو (1892 -1971) ... وغيرهم.  
هذه كانت القوش ذكرناها ببعض السطور فقط مع مواقعها المسيحية ومزاراتها ومشاهيرها الكلدانيين. هذه البلدة التي مهما تعاقبت السنين ومروا عليها أجيال وأجيال، وقعها يبقى في نفوس وقلوب أبناءها، وتبقى مصونة أمام جبلها الشامخ، وسيرتها الخالدة يفوح شذى عطرها على مرّ الأزمان. وقد شهدت بعد عام 2007 - 2008 عمليات أعمار كثيرة فيها، منها بناء مستشفى في وسط البلدة، وافتتاح أسواق ومجمعات، وتبليط شوارع .... الخ. عدد سكان القوش الحاليين يبلغ حوالي 5000 نسمة، وربما لكان أكثر لولا هجرة أهاليها إلى خارج العراق خلال السنين الماضية وما زال. وهنا يطيب لنْا أن نذكر الأديرة الموجود في القوش لأهميتها، ونبذة مختصرة عن كل واحد منهما وكالاتي:

 1 ـــ دير الربان هرمزد:
دير الربان هرمزد يقع على بُعد 2.5 كم إلى الشمال الشرقي من القوش، صرح محفور في قلب الجبل على علوّ 500 م، يشرف على سهل فسيح ينبسط فيه دير السيدة. مؤسسهُ الربان هرمزد من بلاد فارس، وراهب دير الربان برعيتا ثم دير الرأس (ريشا، في جبل مقلوب، وناسك مع يوزاداق في جبل نوهدرا، كتب قصته شمعون تلميذ يوزاداق. وقد توافد إلى الربان هرمزد المتوحد رهبان وعلمانيون، لاسيما من دير بسقين (شمال شرقي القوش) ومدرسة مار ايثالاها (دهوك)، فابتنى لهم الربان هرمزد ديراً وكنيسة بهمة أهالي القرى المجاورة:" كوركيس وكرويال من القوش، والثري خوداوي شوبحي من باقوفا، وذلك ما بين سنتي 628 و 647.
والدير ما زال مُتحفظا بآثار مهمة رغم التخريبات التي لحقت به في السنوات الأخيرة بسبب أوضاع شمال العراق، أهمها: (ضريح المؤسس ) يدخل إليه الزائر من هيكل الثالوث الأقدس، فيلقي مذبحًا حجريًا منقوشًا وملونًا، يعلوه قوس حجري مكتوب باللغة الطقسية (الكلدانية) يشير إلى تاريخ الدير ومؤسسهُ.
تحيط بالدير من جهاته الثلاث القمم العالية، وفي عمق الوادي أشجار خضراء صيفا وشتاءً. ونلتقي في المجاز قبور بطاركة، تسع ألواح رخامية كبيرة تؤرخ تسعة بطاركة، وصبيًا منذورا للبطريركية، جميعهم من آل أبونا (بيث آوون)، وما بين سنتي 1497 و 1804، تحمل صورة إيمان كل منهم. ونجد هيكل الثالوث الكبير بمساحة 23x  6 م، قبته بيضوية ذات أشعة تتوسطها فتحة بمثابة المركز. والأبواب المرمرية محفورة ومزخرفة، وعلى المرمر كتابات تاريخية وأدعية وصلوات. أما الإيوان الكبير فمزين بنسر وأسد وثعبان وكتابة اسطرنجيلية ممتدة كشريط كامل. وهناك غرفة مبنية سنة 1867، ويدخل الزائر منحنيا إلى صومعة الربان هرمزد عبرّ ممّر ضيق متعرج ومظلم (بحشوكي) يتوسط الصومعة صليب مربع الصلبان.
وفي هيكل الربان المؤسس إلى يمين الدهليز حيث قبور البطاركة (14) صليبًا مختلفة الأشكال، وقبة من القبات المقرنصة، ويتبرك الزائر من فتحة في المذبح بالحنان (تراب القديسين). ولعل بيت القديسين وبيت الشهداء يرجعان إلى تجديد تم عام 1694. وأعجب ما في الموضع غرفة الطعام ذات قياس 10 x5 م، منقورة في الصخر متفاوتة الارتفاع، عموداها قطعتا جبل، يليها المطبخ والمخزن، وجميعها أشبه بكهوف متشعبة الدروب متباينة الأحجام، مقاعدها حجرية، وجزئها المائي يحمل نقش صليب وزخارف دائرية ونباتية.
والقلالي أو صوامع الرهبان متناثرة في الجبل حول أطراف الدير، يبلغ عددها نحو 400، يتم الصعود إلى بعضها بدرج، أشهرها قلاية الأربعين درجًا، وأمام كل قلاية بستان صغير للحبيس المنقطع عن العالم، وفي صدر كل منها مكان مرتفع من الصخر عادة هو السرير. وفي الحائط كّوة منقورة ومزخرفة لحفظ الكتاب المقدس والكتب الروحية، وأخرى لحفظ الثياب والأمتعة، وأحيانًا مائدة صخرية للكتابة والطعام.
وعديدة هي الغرف المنقورة تحت الأرض والمتداخلة أحيانا كالتي تحت هيكل الثالوث الأقدس، وكثيرا ما كانت تكسى الغرف التي تحت مستوى الأرض بالملاط والقار لمنع الرطوبة وحفظ الغلة والمؤونة في البعض منها. وعلى مقربة من بنايات الدير (مقبرة الغرباء)، وفي بدايات الطريق الجبلي كهف أحمر (كهفا سموقا)، بينما في أعلى الجبل (كرم) زالت معالمه في السنوات الأخيرة.
هذه كانت جولتنا المختصرة في أروقة دير الربان هرمزد، ورغم العديد من النكبات والمصائب التي تعرض لها من تدمير وسلب ونهب، وحرق المخطوطات النادرة، وتعذيب رهبنته وحبسهم وتشريدهم منذ تأسيسهِ، يشعر فيها من يزوروه أنهُ في عالم آخر، عالم ملئ بالقداسة والرهبنة، ويحتفل في كل عام بذكراه في شهر نيسان، يتوافد إليه العديد من الزوار للتبرك، وقد شهد في السنوات الأخيرة العديد من حملات التعمير والترميم، وأصبح بحق مثلما قال عنه الكاتب الفرنسي (الأب مارتان):" أن بنيان دير الربان هرمزد المدهش، وموقعه الجذاب، يجعلان هذا الأثر المجيد لا مثيل لهُ في الغرب، ولا شبيه لهُ في الشرق".

2 ـــ دير السيدة (حافظة الزروع):
قلنا في حديثنا أعلاه أن دير الربان هرمزد تعرض للكثير من المصائب المتكررة، مما حمل الرهبان على بناية دير آخر في السهل، يكون ملاذا لهم وقت المحن، وهو (دير سيدة الزروع) الذي شرعوا بتشييده سنة 1858.
لقد كان الدير للرهبان الكلدان منذ تأسيسه وحتى عام 1993، شيد بعد أن جدد الأنبا دنبو الرهبانية المشرقية، وخلفه الأنبا حنا جرا، ثم الأنبا ايليشاع (اليشع) الياس، لقد تم تشييد الدير في عهده، واكتملت كنيسته عام 1861، وفيها ضريح البطريرك يوسف اودو، والأنبا شموئيل جميل (+1917) وبعض المطارين الرهبان.
وكان أقدم قسم وبحسب ما مؤرخ في كتاب الأب ألبير أبونا، بناه الأنبا اليشاع هو الرواق الداخلي الخاص بالرهبان، وعلى مرّ السنين أضيفت أقسام أخرى إلى الدير تجاوبًا مع زيادة عدد الرهبان وتشعب اهتماماتهم وأعمالهم، فكانت ثمة أراضي واسعة تابعة للدير ويجب استغلالها مباشرة أو عن طريق أناس من القوش أو من قرى أخرى، يقومون بفلاحتها وزراعتها وجمع غلاتها وفرز حصة الدير والاستفادة من البقية. وكان للدير أيضا عدد كبير من المواشي يستغلونها لمعيشة الرهبان وللاحسان إلى الآخرين.
وكانت في الدير عادة حميدة وهي أن عددا من النساء الخبازات يعكفنْ كل صباح على صنع الخبز، ثم يعرض أمام باب الدير ليستفيد منه كل عابر سبيل. وكان الدير يستقبل الزائرين والضيوف لبعض الوقت وأحيانا لبضعة أيام، ويقدم لهم جميع وجبات الطعام، بالإضافة إلى الغرف والفرش للنوم، لذا فقد اضطر المسؤولون أن يضيفوا إلى دير الرهبان هرمز قسمًا خاصًا بالضيوف في الفناء الخارجي، وفي وقت لاحق تم بناء ميتم وألحق بالدير ليكون موضعا لتربية الأولاد الذين لا معيل لهم.
وقد تخرج من الدير منذ تجديد الرهبنة عام 1808 وحتى أيامنا وبحسب كتاب الأب يوسف حبي، أكثر من 1400 راهب و 160 كاهنًا و 20 مطرانًا وبطريركًا واحًدا. ويضم الدير متحفًا كنسيًا وشعبيًا مفتوحًا للزيارة في موقع قديم، أما مكتبتهِ الشهيرة فقد نقلت إلى دير الرهبان الكلدان في بغداد، ووضع فهرسة أولى لها المطران أدي شير، ثم الأب الدومنيكي فوستين ثم الأبوان حداد وجاك. ورغم انتقال الرئاسة العامة إلى بغداد، فما يزال الدير متحفظًا بأهميته التاريخية، يقصده الألوف للتبرك والصلاة والراحة، وعيدهُ يقع في 15 أيار من كل عام (عيد العنصرة، حلول الروح القدس على التلاميذ) والمعروف بعيد مريم العذراء حافظة الزروع.
المصادر:
العلامة المؤرخ الأب ألبير أبونا/ مؤلفه ديارات العراق- بغداد 2006 /ص 109 – ص113
الأب الدكتور يوسف حبي/ كنيسة المشرق الكلدانية – الأثورية – لبنان 2001/ ص103 – ص106

*************************************

منشور في جريدة العراقية الصادرة في استراليا/ سدني - الاربعاء 22/8/2012/ العدد 352 - الصفحة العاشرة ..

113
الأيمو .. خطر يهدد المجتمعات
سهى بطرس هرمز

غالبًا في مرحلة المراهقة والتي هي المرحلة الأكثر إحراجًا في فترة نمو الإنسان، تتولد فيها حالة من عدم الاستقرار والإدراك وتقييم الأمور بصورة سليمة، مع عدم تناسق الأفكار وتكامل نموها وانسجامها وتذبذبها نوعًا ما وتصادمها مع أفكار أخرى، إضافة إلى الضغوطات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية من قبل الأهل والمجتمع معًا، مع تردي الأحوال المعيشية وعدم الرعاية والاهتمام.

 هذه وغيرها تؤدي بالمراهق إلى تخطيّ الحدود وتولد اختلاف المُمارسات والميول، إذا ما أسيء التصرف معهُ من قبل الأهل! فهو في هذه المرحلة لنقل يُعتبر فاقدًا لذاكرتهِ وغير مُدرك لتصرفاتهِ وكلامهِ، وإذا زادت الضغوطات عليه، أو إذا ترك بدون توعية أو إرشاد وبهدوء، فأنهُ يميل إلى مُمارسات شاذة وربما إلى الانحراف وفساد الأخلاق، الإدمان، ارتكاب الجرائم ....الخ!

لا ننسىّ كذلك أن الانفتاح المُطلق بدون رقابة على وسائل الأعلام المختلفة، كالانترنيت والهواتف النقالة والقنوات الفضائية، والانفتاح على مُختلف الثقافات، لهُ دورهُ البارز والفعال في انتشار الكثير من الظواهر السلبية بين فئات الشباب وبالأخص المراهقين، وخصوصًا في مُجتمعنا الذي كان ولا يزال محرومًا منها ومن الكثير! مما جعلهُ من خلال هذا الحرمان أن يتقبل الكثير وبدون اكتفاء، حتى وإن كانت سلبية! مع ممارستها الفعلية في حياتهم بدون أدنى مسؤولية، وفي ظل غياب الرقابة والتوعية الأسرية بها، لأنهم هم الآخرين كانوا محرومين ولا يعرفون تداعياتها السلبية، أو لأن معظم وقتهم يقضونهُ في العمل؟! وهنا لا يسعنْا أن نذكرها جميعها، ولكن سنكتفي ببروز ظاهرة جديدة تضاف إلى الأخريات في مُجتمعنْا والشباب يُمارسها، ألا وهي ظاهرة الايمو!

الايمو Emmo  أو كما يسميها البعض في مُجتمعنا (البلاي بوي) أو (عبده الشياطين)، ظاهرة بدأت تأخذ مدّاها بين أواسط الشباب من كلا الجنسين! وهي تعتبر وسيلة يلجأ إليها للتعبير والتنفيس عن الذات، وهي ترجمة فعلية لظروف واحباطات كثيرة مُتراكمة وحالات اكتئاب شديدة، تحدث في فترة المراهقة، بعضها تأتي من المجتمع والاحتكاك به، والبعض الآخر يكون بسبب أهلهم وضغوطاتهم عليهم، والبعض الآخر تتولد بسبب الظروف! فيُعانون من الاضطرابات والارتباكات في علاقاتهم مع أصدقائهم وأسرهم ومُجتمعهم، ومن بعدها الضياع ومن ثم ميول إلى الانتحار.

والايمو هي اختصار لكلمة Emotion  والتي تعني الإحساس والعاطفة. وهناك ما يميز الايمو، من بينهما التقليد الجنسي بحيث يصعب التفريق بين الايمو الصبي والايمو الفتاة بسبب تقاربهما في المظهر تقريبا! ويتم التعرف عليهم من خلال الستايل الخاص الغريب الذي يتميزون به، من ملابس وتسريحة شعر خاصة، ورسومات ووشم على أجسادهم، وأيضا الماكياج والإكسسوارات التي غالبيتها تكون على شكل جماجم وفضية! كما أنهم يستمعون إلى موسيقى صاخبة وغناء مُزعج!

وقد أكدت إحصائيات عديدة أجريت بحسب ويكيبيديا أن المصابون بالاكتئاب من الرجال 5% ومن النساء 8% ، أي ما يعادل 400 مليون شخص مصابون بالاكتئاب بالعالم، وغالبيتها تنتهي بالانتحار، أي ما يعادل مليون حالة انتحار من أصل 10 ملايين حالة انتحار فاشلة. والاكتئاب يحتل المرتبة الخامسة بين المسببات العظمى للوفاة والإعاقة. ومن المتوقع في عام 2020 أن يحتل الاكتئاب المرتبة الثانية بعد أمراض القلب حيث 15% من المصابين بالاكتئاب ينتحرون، والايمو يحتل نسبة لا باس بها من هذه الأعداد.
حقا أنها ظاهرة لابدّ من تداركها وإيجاد الحلول للحدّ منها وعدم أخذ مداها في المجتمع والحياة. وهذه الظاهرة كانت مُنتشرة في الدول الغربية وخصوصًا في الدول الأوروبية وأمريكا، ولكن في الآونة الأخيرة باتْ للدول العربية نصيب منها! والشباب طاقة ومستقبل المجتمعات، لكن في ظل التطور الهائل في جميع نواحي الحياة، والفهم والمُمارسة الخاطئة لها من قبل البعض من الشباب المراهق، باتْ في خطر ويهدد مستقبلهِ.
 وتدارك هذه الظاهرة بالأساس يبدأ من خلال توعية الآباء والأمهات لخطورة ظاهرة الايمو، مع مُراقبة أبنائهم وملاحظة أية تصرفات غريبة عليهم، إضافة إلى توسيع ثقافة طلاب المدارس حول هذه الظاهرة ومدى خطورتها.
 
ولأن الشباب هم اللبنة الأساسية لبناء المجتمع، فلا بد أن تكون هذه اللبنة مُطعمة بالتعددية والتنوع، ومُزودة بمساحة من الحرية المُراقبة، كي تكون متينة وقوية وداعمة لهذا البناء، بعيدًا عن العنف والأساليب البدائية القديمة، فهم في النهاية يعتبرون مرضى نفسيين وبحاجة إلى الحنان والرعاية والاهتمام قبل كل شيء، لمنعهم من إيذاء نفسهم نفسيًا وجسديًا، وإيذاء مجتمعهم وحضوره بين المجتمعات الأخرى.

suha.hirmiz@yahoo.com

114
المنبر الحر / ما هي الحقيقة؟
« في: 18:30 30/07/2012  »
 
ما هي الحقيقة؟
   
سهى بطرس هرمز

الحقيقة ما هي؟ الحقيقة أين هي؟ من يملك الحقيقة؟ هل الحقيقة مطلقة أم نسبية؟ هل الحقيقة كاملة أم مُجزأة؟ هل الحقيقة أحيانًا هي نقيض الواقع؟ هل الحقيقة يقينية أم احتمالية؟ هل الحقيقة تختلف من شخصًا لآخر حسب الأهواء والرغبات؟ هل الحقيقة واقع أم خيال؟ هل الحقيقة ذاتية أم موضوعية؟ من أين تستمد الحقيقة قيمتها وجوهرها؟ الحقيقة كيف نجدها؟ وأخيرًا وليس آخر هل للحقيقة وجود وقيمة بين بني البشر اليوم؟!

بدأنا مقالنْا بهذه الأسئلة، لأنهُ عندما نذكر كلمة الحقيقة، أو عندما نقف أمام موقف أو ظرف ما أو ربما حديث شخصًا ما، في الوقت ذاتهُ يتبادر إلى ذهننا كل هذه الأسئلة المُتنوعة! فينتابنْا الشك لوهلةٍ، ونبدأ بالسؤال بيننا وبين أنفسنْا، هل ما يقولهُ هذا الشخص أو ذاك، أو ما نسمعهُ منهُ هو الحقيقة؟! هل ما حصل في ذاك الموقف هو الحقيقة بعينها؟! أو بالأحرى هل ما يحدث في هذا الوجود هو الحقيقة الواقعية؟
 
لا نستطيع أن نحدد بالضبط، كما لا نستطيع أن نبني افتراضات لمُجرد واقعة لم تكتمل ولمْ تُثبتْ وتُستُوضح مُعالمها، لأن الحقيقة كما عرفها الفيلسوف (لالاند) هي:" خاصية ما هو حق (القول المُطابق للواقع)، وهي القضية الصادقة، وما تحت البرهنة عليه، وشهادة الشاهد الذي يُحكي ما فعلهُ أو رآهُ، والشيء الأًصيل في مُقابل المُزيف". وكما نعلم أن الحقيقة أو الحقائق ليست واحدةٍ، بلْ كثيرة ومتنوعة، منها: حقيقة علمية، حقيقة اجتماعية، حقيقة نفسية، حقيقة فلسفية، حقيقة تاريخية، حقيقة دينية، حقيقة كونية، حقيقة سياسية ..... هذه الحقائق جميعها طبعًا نسبية، أي بمعنى تختلف وتتغير وتتعدد تبعًا لاختلاف الأزمان والمُجتمعات والبشر.

وإذا تبنينا موضوع الحقيقة من وجهة نظر فلسفية فإننا سنصادف عدة طروحات ووجهات نظر للكثير من الفلاسفة، وسنحتاج إلى الكثير من التفسيرات. لكن يبقى سؤال ما هي الحقيقة بمُجملها؟ هو السؤال الوحيد المُلازم للإنسان، وحولهُ تدور بقية الأسئلة! لأنهُ إن كانت الحقيقة كاملة، أكتمل الواقع بها! وهذا ما سنبينهُ من خلال طرحنْا البسيط هذا.
 
لنتأمل قليلا في الكون والحياة والناس، نعم إنسانها توصل إلى شتى العلوم وأرقىّ الاكتشافات وأصبح العالم قرية صغيرة بفضل التطورات الكثيرة، ولكن بالمُقابل يهمل أو بالأحرّى يُضيع أجمل وأنقى صفة خصها الله لهُ وهي إنسانيتهِ! نعم يُضيعها في أمور دنيوية لا تُجدي نفعًا. إنساننْا هذا عندما يعيش الفراغ في حياتهِ والتهميش والسطحية لحياة الآخر، ويلهث وراء غايات ورغبات تافهة في سبيل إرضاء نفسهِ قبل الآخر، خادعًا ذاتهُ بمباهج هذه الحياة وملذاتها! طبعًا بها يُضيعُ حقيقة الوجود وحقيقتهِ كإنسان خُلق من أجل أن يكون إنسانًا. مُعتقدا أن حياتهِ في هذه الدنيا ستقترب في أية لحظة وعندها بالتأكيد سينتهي كل شيء وكأنهُ لم يكنْ، واهمًا نفسهُ بأنهُ لابد أن يعيشها كيفما تكون!
حياتهِ طبعًا ستنتهي وهذا الطبيعي، ولكن اعتقادهِ هذا أكيد خطأ 100% لأن الإنسان في هذا الوجوّد لم يوجد بشكل عشوائي أو نتيجة صدفة، كما ولمْ يُخلق من أجل لا شيء، فمُجرد وجوده في هذا الكون هو الحقيقة ذاتها، لأنهُ في هذا الواقع مُوجود فعلاً وهو الكل من الحقيقة وليس الجزء. لكن بسبب عدم إدراكهِ غاية الوجود والحياة، والغاية التي من أجلها خلقت جميع الكائنات، يبنيِّ تصورات من وحيِّ فكرهِ الخاص وينفرد بها ويُطبقها ويعيشها بعشوائية وسطحية في حياتهِ، مُتناسين روحهم ومُهتمين بجسدهم، مُتناسين الآخر كذلك وحقوقهِ عليهم.
 
كذلك نلاحظ أن البحث عن الحقيقة بشتى السبل من طبع البشر، ولكن قولها كاملة ليس من طبعهم، ألا القلة القليلة! لأن هنالك من يزيف الحقيقة، ولأن طبائع البشر كما نعلم تختلف مع اختلاف قدراتهم المعرفية، وبالنتيجة اختلاف كل واحدٍ في طريقة تبليغهِ الحقيقة للناس كما هي، لأن كل مُتلقي للحقيقة الواحدة بين مجموعة مُوجودين تختلف وتتباين حسب المستوى الفكري والمعرفي، فتكون قابلة للزيادة أو النقصان بها.
ودائما نلاحظ في النقاشات القائمة بين مجموعة من الناس حول موضوع معين، تدور الحوارات وتختلف الآراء ويُصبح كل واحدٍ في موقف الدفاع حين يشتد الكلام، مُحاولاً كل واحدٍ إقناع الآخرين برأيهِ، وبأنهُ على حق وبأن ما يقولهُ هو الحقيقة المُطلقة من وجهة نظره! ولكن كما قال الفيلسوف اليوناني (أرسطو):" من الصعب على الإنسان أن يمتلك الحقيقة الكاملة ...". طبعًا لا يوجد إنسان يمتلك حقيقة كاملة لأنهُ لا وجود لإنسان كامل، وأيضًا لأنهُ ربما لا يوجد من  يمتلك التفاصيل كاملة، أو لأنهُ أحيانًا هناك من يُريد أن يُبقيَّ الحقيقة مُستترة أو خافية بسبب غرورهِ وتصوراتهِ!   
فالحقيقة هي غاية في ذاتها، يُسعّى إليها في سبيل الكشف عن كل ما هو غير واضح، ولا يختلف إثنان في أن الحقيقة هي أخلاق وفضيلة وقيمة. والحياة واقع جميل، والموت هو الحقيقة المطلقة التي لا مفّر منها. إذن منْ مِنْا يمتلك الحقيقة، أو من مِنْا على حق؟! ويبقى الإنسان يبحث عن الحقيقة في كل وأي شيء في حياتهِ!

115
طباعنْا ... كيف نسوسها؟

سهى بطرس هرمز


إنساننا هذا تجدهُ في أغلب محطات الحياة مُتناقض وازدواجي مع نفسهِ ومع الآخرين، يريد أحيانًا مع نفسهِ أن يذوق الحياة السامية، حياة يريدها فقط لنفسهِ أو يحاول أن يُكملها مع غيره وبأسلوبهُ هو فقط من مُنطلق المصلحة والأنانية والانفرادية! وخصوصًا في زماننْا هذا الذي اختلطت فيه مفاهيم العلاقات الإنسانية وضاعتْ بين دروّب الحياة، أو بالأحرى هذا الإنسان هو من يضيعها بتصرفاتهِ وحسب أهوائهِ ووجهات نظره الخاصة! 

والبشر أنماط مُختلفة في هذا الكون الواسع، مُختلفين بحسب شخصياتهم وألوانهم وأطيافهم وأجناسهم وعاداتهم وأفكارهم وتعاملهم، لكن تبقى الإنسانية وإنسانهم هما من يجمعهم ويوحدهم. وبالمُقابل كذلك كل إنسان بمُفردهِ يُمثل عالمًا كبيراً مُستقلاً بذاتهِ، عالمًا يعيشهُ مع ذاتهِ ومع غيرهِ. وهذا (الغير) ربما قد يكون مُتوافقًا معهُ بنسبة أو مُختلفًا معهُ وعنهُ في السلوك والرغبات والميول والطبائع.
وهذا ما سنتكلم عنهُ بشيء من الاختصار في مقالنا عن (طبائع الإنسان)، ومن خلالهِ سنستعرض هل بإمكان الإنسان التحكم بطبائعهِ السلبية؟ وهل يمكن أن يُغيرها لتتوافق مع حياتهِ ومُحيطهِ؟ وكذلك هل التغيير في الطباع، يمكن أن يُغير من طباع من حولهِ؟
أسئلة لربما قد لا نعرف أن نحدد الإجابة الكاملة عليها أو المُقربة إليها، لأن الإنسان بذاتهِ لغزٌ وسرَ غامض وغير مفهوم لنفسهِ أولاً! ولأنهُ ليس كل واحد قادر أن يغير كليًا من طباعهِ السلبية إلى الايجابية في سبيل الآخرين وفي فترة زمنية مُحددة، ألا القليل من الذين يعرفون قيمتهم وقيمة إنسانهم ولديهم إرادة وإصرار قوي لتغيير النفس من أجل الذات أولاً، ولأنهُ أيضًا البعض من البشر بطبعهم فيهم البعض من الأنانية والتملكية في مكنونهم، يحاولون بشتّى الطرق الوصول إلى مُبتغاهم على حساب الآخر!
 
الطبع والتطبع:
الإنسان بطبيعتهِ كائن ذو طبيعة جسدية وطبيعة روحانية، وهو نفسًا تمتلك الكثير من الصفات المُختلفة، وطباعهِ هي عبارة عن أفكار يُترجمها إلى أفعال، بعضها تكونت بفعل الوراثة والبعض الآخر تكونت بفعل التربية والمحيط والظروف والمجتمع (مُكتسبة)، لكن مع ذلك هذه الطباع لا تأخذ النسبة الكاملة في حياتهِ وخصوصًا إذا كانت سلبية، ألا إذا هو أراد ذلك، لأن هنالك دائمًا مساحة من الحرية في داخلهِ، تمنحهُ القدرة ليكون المُتحكم بنفسهِ ومُسيرها (سيدَ نفسهِ).
لكن هذه الطباع التي نتكلم عنها، ما هي؟ هنالك: الغيرة، الخجل، العصبية، الكرم، الطيبة، العداء، الكذب، الخداع، الحيلة، الخبث، الحسد، الخيانة، الذكاء، الغرور، العنف، الغضب، النميمة، البخل، الذم، عدم الاكتراث، خيانة الثقة والأمانة ..... الخ، هذه الطباع جميعها تتوارث وتُكتسب عبرّ الأجيال كلٌ بنسبةٍ، يتوارثها الفرد بالفطرة ويكتسبها من المُحيط والمُجتمع أثناء احتكاكهِ به.
 
سنُعطي مثالا مُبسطًا ومُقربًا عن الطباع: نلاحظ قطرة الماء التي تنزل على الصخر الواحدة بعد الأخرى، وتنحتْ فيهِ يومًا بعد يوم لتشكل في النهاية أما نحتًا جميلاً أو ربما يكون عادي لا ملامح لهُ، هكذا هي سنوات عمر الإنسان، تنقش فيهِ خبراتهِ والحوادث التي مرَّ بها، إضافة إلى البيئة وخبرات الآخرين والحياة مُختلف التصرفات سواء كانت حسنةٍ أم سيئةٍ، وبالنهاية هو من يستطيع أن يُسيرها لمصلحتهِ وتخدم الآخرين بشكل إيجابي! والإنسان في هذا الكون لم يخلق فقط من أجل أن يُولد وينمو ومن ثم يموت وكأن هذا فقط ما مطلوب منهُ في هذا الوجود، على العكس الحياة أسمّى من ذلك بكثير! الحياة هي (هذا وذاك، أنا وأنت) واحدٌ يُكمل الآخر، واحدٌ يسمّو بالآخر، من أجل أن يصل في النهاية إلى السمّو بالإنسان والإنسانية على كل ما هو فانٍ وزائل في هذا الوجوّد. وهذا هو هدف البشرية البحث عن الذات من أجل الآخر، وهذا الموضوع سننفردُّ به بمقال خاص يحمل العنوان ذاتهُ لاحقًا. 
 
نعم الإنسان بحاجة إلى أن يُرقىَّ بإنسانيتهِ أكثر من هذا، بالتأكيد هذا يتم عندما يكون مُقتنعًا اقتناع تام بقيمة وجوهر الإنسانية والنابعّة من اقتناعهِ التام بقيمة نفسهِ كإنسان أولاً! لكن في أغلب مواقف الحياة نجد الكثير من الناس عند تعاملهم مع غيرهم يهملون قضايا وجوانب مهمة من جوانب التعامل مع غيرهم، ولا يدركون التصرف الصحيح والأثر الناتج عنهُ، سواء كان من حيث الكلام المُلقى أو الفعل المُمارس، بسبب أن طباعهم تُملي عليهم هذا التصرف أو السلوك ولابدّ أن يُمارسونهُ حتى وإن لمْ يكن مُتوافقًا مع الغير! مُطبقين بينهم وبين نفسهم المثل القائل:" الهدم دائمًا أسهل من البناء". 
 
ومثلما الأرض تُخرج كل جيد ورديء بذات الوقت، كذلك الإنسان يحمل في نفسهِ الأمرين، ولكن متى ما أراد يستطيع أن يُقلص من الرديء الذي بداخلهِ، في حالة معرفتهِ وإدراكهِ واقتناعهِ أن هذا السلوك أو الطبع الرديء يؤثر على نفسهِ وعلى علاقاتهِ مع المُحيطين به، والتغيير بالطباع سواء كانت المُتوارثة أو المُكتسبة هي بالنهاية بيدّ الإنسان ذاتهُ، وهو من يستطيع أن يُغير كل سلبي في حياتهِ، لأنها بالتالي ستؤثر على المُقابل وسيعاملك مثلما تعاملهُ. ودائمًا لابدّ من مُحاولة تخطي كل ما من شأنهِ أن يهدم أواصر الترابط والمحبة بين بني البشر، وتقدير قيمة الحياة التي خلقنْا من أجلها، وإدراك أننا اللحظة ننعّم في الحياة، ولكن بعد قليل من سيضمن وجودنْا فيها! 
 
 لذا من أجل أن نعيش الحياة كما هي، لابد من أن نسوس طباعنْا، بحيث تخدمنا وتدفعنا إلى الأمام مُجتمعين بعقل مُتزن ويقظ وجاد، وليس مُبددين الواحد الآخر بتصرفات وعقليات وأفكار لا تجدي أية منفعة، أي بمعنى نتحول من الخاص الذي يأسرنا أحيانًا إلى العام من أجل الحياة ذاتها والإنسانية، ولأن الله أراد أن يكون الإنسان إنسانًا.   

116
الهجرة وأثرها في السلوك الإجرامي

سهى بطرس هرمز


الهجرة ظاهرة كونية لا حدود لها تتبع القانون الوجودي للبشرية. وهي ظاهرة قديمة قدم الإنسان نفسهُ كما هي الجريمة، تواكبهُ خلال مسيرتهِ في هذا الوجود. الأستاذ (ايفرت ألي) عرفها بأنها:" التغيير الدائم أو شبه الدائم لمكان الإقامة، وليست هناك تقييدات على المسافة أو كونها حرة أو إجبارية، ولا تفريق بين الهجرة الخارجية أو الداخلية". كما وصفها الفيلسوف الألماني (كانت) بأنها:" تاريخ للاضطهاد السياسي من خلال الانشقاق المُتتابع في الجماعات الإنسانية".
وقد أهتم الباحثين بالهجرة، اهتمامًا لا ينصبُ فقط على التغييرات المُتعلقة بها من حيث حجمها وحركتها، وإنما أهتمامًا ينصب على أثارها السلبية والمشاكل الناجمة عنها كالهجرة غير المشروعة وهجرة العقول والكفاءات وهجرة الأيدي العاملة والتحركات غير المشروعة للأجانب، وأيضا السلوك الإجرامي المُتولد عنها.
 
ما الذي يدفع الإنسان إلى الهجرة؟

 البشر بطبيعتهم دائمي التنقل والحركة باحثين عن حياة أفضل واستقرار وأمان، إذا ما كدرَ صفوّ حياتهم المآسي والكوارث والحروب والنكبات وتأثيرات الطبيعة وسوء الأحوال المعيشية.
والهجرة كما نركز عليها دائمًا لها تداعياتها الكثيرة. قديمًا كانت الناس تُخطط لتهاجر بإرادتها من مسكنًا إلى أخر داخل المدينة نفسها أو البلد ذاتهُ، أو كانوا يتنقلون من الريف إلى الحضر بحثًا عن حياة أفضل أو لمُواصلة الدراسة أو ربما بحثًا عن عمل أفضل يرتزقون منهُ. ولكن هناك في أيامنا من يُهاجر بدون إرادتهِ وتحت ظروف تضطرهُ إلى ترك مسكنهِ أو بالأحرّى بلدهِ في سبيل البحث عن حياة أكثر استقرارًا وأمانًا، والتخلص من البطالة والفقر وسوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأيضًا الاضطرابات الأمنية والتوترات النفسية والاضطهاد العرقي وفقدان الشعور بالانتماء، وضعف التضامن الاجتماعي، الأزمات، الحروب....الخ.
ليس هذا فقط ، بلْ وقد ترجع أحيانًا أخرى أسباب الهجرة إلى أسباب شخصية مثل رغبة المُهاجر في أن يكون مع أسرتهِ التي سبقتهُ أو ليكون مع شريك حياتهِ كما يحدث حاليًا في الزواج عبرّ الدول، أو تكون الهجرة كشكل من أشكال التحول في الحياة والعيش في بلدان أكثر تقدمًا، أو تكون كشكل من أشكال المظاهر، كما يحصل للكثير من الشبان الذين يحلمون بالسفر إلى عالم خيالي، أو يتم إغرائهم عن طريق أصدقائهم.
جميع هذه الأسباب وغيرها الكثير تدفع بالفرد من هجرة موطنهِ إلى موطن آخر. ولكن أسوء هذه الهجرات هي الهجرة القسرية والاضطرارية لأنها تكون بدون إرادة الفرد ويكون مُرغم عليها!

المُهاجر والمجتمع الجديد:

قلنا أن الهجرة لها أسبابها وتداعياتها الكثيرة، ولكن الأهم من ذلك هو الأثر الذي تخلفهُ هذه الهجرة أحيانًا على سلوك فرد دون آخر! طبعًا كل إنسان حين مُهاجرتهِ من بلده إلى آخر يحتاج إلى وقت كي يتأقلم مع الجو العام لذلك البلد، لذا فأن الفترة التي يحتاجها أي إنسان مُهاجر حتى يتطبع في مُجتمعهِ الجديد ويتكيف معهُ، هي ممكن أن نقول عنها أخطر فترة مُؤثرة على سلوكهِ وفي تكوينهِ وبنيانهِ وفي علاقاتهِ مع عائلتهِ ومع الآخرين في مُجتمعهِ الجديد المُنتقل إليهِ، بسبب انتقالهِ إلى بيئة جديدة والى ظروف جديدة وعالم جديد، فيتولد لديه إحساس بالغربة والعزلة وعدم التجانس والتأقلم، وأيضا يجد صعوبة التفاهم والانصياع لقوانين وعادات وقيم المجتمع الجديد السائدة فيهِ، مع عدم الاستقرار المكاني والضغوطات الاقتصادية والنفسية والاجتماعية.
هذه جميعها تولد داخل الفرد نوع من الصراع مع قيم ذاك المجتمع، ونوع من التمرد والسخط على ذلك الواقع، فتؤثر على سلوكهِ، وتفقدهُ توازنهُ الاجتماعي، مُحدثًا بالتالي خلل في توازن البيئة، فنجد البعض يتجه إلى الانحراف والبعض الآخر يسلك سلوك إجرامي! هذا السلوك الذي هو نمط من الأنماط الشعورية أو اللاشعورية المُتولدة داخل الفرد.  
كما أن هنالك من يتأثر بعادات وسلوكيات المجتمع الجديد السلبية أكثر من الإيجابية وخصوصًا المراهقين، حيث تجدهم من الصعب السيطرة عليهم من قبل ذويهم وضبطهم، وخاصة حينما يكون سُكناهم في أحياء فقيرة ومُكتظة بالناس، وكذلك قليلة الخدمات وبين فئات محرومين ومُتدنيي الثقافة ومُفككين اجتماعيًا، وسالكين سلوكًا غير أخلاقي، مما قد يولد في نفسهم التطبع والنفور والسخط والتمرد، ومُظهرة في نفسهم بوادر السلوك الإجرامي وارتكاب الرذائل والجريمة! بسبب تواجدهم وترعرعهم في بيئة هي بؤرة الفساد والجريمة!
ولا ننسّى أيضا الفقر والبطالة والحاجة، الناتجة بسبب عدم توفر العمل لبعض الأفراد والعوائل، مما يتولد عنها مشاكل اجتماعية وانحراف في سلوك الفرد وتفكك عوائل واللجوء إلى أساليب غير مشروعة للحصول على المال، لذا نجدّ جرائم السرقة والاحتيال والتزوير والجرائم الأخلاقية والانحراف والتسول والتشرد والإدمان بأنواعهِ والتجارة الممنوعة، تكثر وتتوسع وتأخذ حيزها في سلوكهم وفي مُجتمعات دون أخرى.
 فالسلوك الإجرامي هو سلوك يختلف باختلاف المُجتمعات ولكنهُ مُرتبط بثقافة ذلك المجتمع ومعاييره! وهو كما عرفه (شتراوس) بأنه:" استجابة لمُثير خارجي تؤدي إلى إلحاق الأذى بشخص آخر، وهذه الاستجابة قد تكون في شكل فعل عنيف مشحون بانفعالات الغضب والهياج والمُعاداة، نتيجة إعاقة أو إحباط".
والهجرة كذلك أيًا كانت تطورت أشكالها مع تطور تأثيراتها على الأفراد وحياتهم وسلوكياتهم، وخصوصًا في ظل التطور السريع في هذا العصر الذي شمل مختلف نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية والمعلوماتية وغيرها، وهذا التطور الذي له تأثير على سلوك الإنسان حدثا كان أم بالغًا، وانعكاساته السلبية والايجابية أيضا على أعضاء الجماعة. ومشكلة الإجرام أصبحت مشكلة تقع تبعيتها على المجتمع ككل بحيث أصبح من الواجب النظر إليها من زواياها المختلفة والى عواملها المُتعددة كي نستطيع الإلمام بجوهر خطورتها قدر المُستطاع.  

117
المنبر الحر / الجمال اين نجدهُ؟
« في: 20:52 13/06/2012  »
 
الجمال أين نجدهُ؟  
سهى بطرس هرمز
 

يقول لورانس:" الروح الإنسانية تشتاق إلى الجمال الحقيقي وتحتاجهُ أكثر من شعورها بالحاجة للخبز". والجمال كما قالهُ الحكيم أنواع، بأن:

جمال الروح: يهون عليك المصائب.
وجمال النفس: يسهل عليك المطالب.
وجمال العقل: يُحقق لك المكاسب.
وجمال الشكل: يسبب لك المتاعب.
ونُضيف أيضا إلى أنواع الجمال التي ذكرها الحكيم (جمال الأخلاق، جمال الكلام، جمال الطبيعة.... وكل شيء جميل في الحياة)، ولأن الله جميلٌ يُحب الجمال فقد خلق كل شيء جميل في هذا الكون بما فيه الإنسان. ولا يمكن تصور وجود إنسان لا يملك جمالاً، ولكنهُ يكون على درجات متفاوتة ومُتباين من شخص إلى آخر. فمنهم من تكون درجة جمال شكلهِ عالية، وهناك من يتسم عقلهُ وفكرهُ بقوة التفكير والحكمة في التصرف، وهناك من تكون روحهُ رقيقةٌ ومرحةٌ.
 وهناك من الناس من يكون دمث الأخلاق أو يتميز بسلوك مُميز في التعامل مع الغير وبأسلوب جميل في حديثهِ وأقوالهِ. هذه جميعها تُعطي الجمال لدى الشخص وتكتمل صورتهِ كإنسان لهُ فكر وإبداع وتميز وروح، أي ليس فقط إطارا جميلا نزينهُ من الخارج كيفما نريد وبالصورة التي تناسبنا، فما يهمنا هو ما في داخل الإطار النابض بالحياة والمهتم بكل ما هو جميل في الحياة.  
ويُخطئ الكثيرون إذا ظنوا إن المظهر الخارجي كفيل بأن يُحقق لهم ما يرجونهُ، فالجمال ليست كلمة تُقال وعبارة يُنطق بها لتصف الجمال نفسهُ، وإنما الجمال هو شيء أبلغ من ذلك! وهو كلمة خاصة بين الكلمات، وصفة يتمناها كل إنسان سواء كان رجلاً أو امرأة. ولذلك اختلف الكثيرين في آرائهم وتقييمهم للجمال ومعاييره، ولكن لا يختلف اثنان إن الخلق الحسن والأفعال وعذوبة الروح هي في حدّ ذاتها جمال يُزين صاحبها. فقد نرى شخصًا ما جميل في الشكل والمظهر والأقوال، ولكن من ناحية أخرى وفي باطنهِ مُقصر، فهل نصفهُ بالجميل؟! وربما قد يكون العكس. فـــ:

ليس الجمال بأثواب تزيننا      إن الجمالَ جمال العلم والأدب.
وانظر أيضاً هذا القول:" كمْ من حسن في الخُلق، غطىّ عيبًا في الخُلق".

وكل امرأة تبحث عن الجمال وعن كل ما يزيدها بهاءً وجاذبية، وهذا جميل، ولكن نقول لها، أنتِ لست فقط جسد وإطار جميل، بل نفسٌ وروحٌ وجوهر مكنون! مثلما تغذين الجسد وتهتمين به كذلك الروح بحاجة إلى ما يُغذيها من القيم والأخلاق والسلوك الحسن، فلا معنى للجمال الخارجي دون الداخلي. وجمالك الحقيقي إن تُدركي دورك في حياتك، وفي حياة أسرتك ومُجتمعك، وتُقييمين ذاتك من خلالهِ. فالجمال مُوجود في أعماق ودواخل كل إنسان، ونحن بمشيئتنا نستطيع أن نعكسهُ على ما حولنا، فنرى الجمال في كل شيء، وبهذا نعطي لكلمة الجمال معناها الحقيقي.
قال أحيقار الحكيم في أحد أمثالهِ:" يا بُني لا يُغريك جمال المرأة، ولا تشتهيها في قلبك، لأن جمال المرأة ذوقها، وبهاؤها نطقها". أي إن جمال المرأة يبرز أكثر من خلال ما تنطق به بكلمات نابعّة من داخلها. فالجمال بالنسبة للمرأة ليس فقط إن تهتم بمظهرها ولبسها وشعرها، بلْ لابدّ وأيضًا من إن تهتم بجمالها الداخلي وروحيتهِ ورسالتها كأم وكزوجة وكأخت وبنت، لأنهُ غالبًا جمال المظهر يكون خداع. فالجمال أولاً هو جمال الروح والأخلاق والتواضع والإنسانية في الإنسان، وليس جمال الصورة، الذي مع الأيام يترك الزمن بصمتهِ عليهِ ويذبلهُ! إذن كل عناصر الجمال الخلقية سوف تنتهي وتزول بمرور الزمن، فما الباقي من الجمال غير الجمال الروحي الذي لا يذبل ألا بانتهاء حياة الإنسان؟!
والإنسان لا يرتقي ولا يُرفع ألا بما يحملهُ في داخلهِ، وما دمتْ تمتلك عاطفة فلابدّ أن يكون لك جمال يُشرق ويُنير في قلبك ويشع في روحك، التي تُرقىّ وتتغنىّ بكلمات الحبُّ والأمل والتفاؤل بحياة تُدرك معنى وجودّك وحضورك فيها، فتتذوقها بحس وبنكهة السعادة. جمالاً يُبرق من خلال التعامل مع مواقف الحياة وبأسلوب راقي وباحترام مع الآخرين. وما أجمل أن تبصر الجمال في براءة طفل، وفي ابتسامة بشوشة، مُشعة تعكس على الناظر والسامع وتدخل قلبهُ وتلامس روحهُ. أو جمالاً تراه في لوحة فنان تعكس عمق نظرتهِ  وإحساسهِ الباطني، الذي يفتن القلب ويزعزع المعاني.
فالجمال فنٌ. وكم هو جميل أن نهتم بجمالنا الخارجي، ولكن الأجمل أن نهتم أكثر بجمال شخصيتنا وذاتنا وروحنا النقية التي تسمّو على كل ما يُخدش نقاءها وتبقى بقاء الخلوّد.

118
 
أفهم انفعال طفلك، لتعرف كيف تتعامل معهُ؟
سهى بطرس هرمز/ بكالوريوس قانون
 
عندما تسأل شخص ما، كيف تشعر حينما يكون غاضبًا، قلقًا، مُنزعجًا، خائفًا، مسروراً؟ فأنك بهذا السؤال تسألهُ عن الانفعال. انفعالات تتولد داخل الإنسان استجابة لموقف يعيشهُ، أو نتيجة لتفاعلهِ مع الخبرات التي يتعرضون لها، فتنشأ الانفعالات فجأة.  
فالانفعال هو حالات داخلية، وحالة توتر أو حالة وجدانية عنيفة تصحبها اضطرابات وردود أفعال فسيولوجية وتعبيرات سلوكية حركية، وهي حالة تأتي الفرد بصورة مُفاجئة وعابرة ولا تدوم طويلا. وتلعب الانفعالات دوراً هامًا في حياة الإنسان وفي شخصيتهِ، ويعدها علماء النفس دافعًا للسلوك الإنساني. ويفترض جيلفورد إن هنالك عدداً من المواقف التي يصبح فيها الإنسان مُنفعل، واصفاً إياها وقائلا: تتطور انفعالاتنا عندما تكون الدافعية قوية، كما تتطور انفعالاتنا عندما نصل إلى حالة تحقيق الهدف أو فقدان الأمل في تحقيقهِ، وأيضا تتطور عندما نواجهُ إحباطًا لدوافعنا.
والانفعالات تشبه الدوافع في كونها حالات داخلية لا يمكن ملاحظتها أو قياسها مباشرة. وبينهما ارتباط وثيق، فمثلا عند ولادة الأطفال حديثي الولادة يبدو عليهم القلق والانزعاج والبكاء عندما تتولد لديهِ حاجة الجوع وكذلك نفس الشيء عندما تنبعث ردود أفعال موجبة كالسرور عند إشباع حاجتهم وتغذيتهم، كما أنهُ عند تعرضهم لصوت عالي يجفلون، وهذه علامة مُبكرة على الخوف.
انفعالات الأطفال:
 الأطفال في أثناء مرحلة تكوينهم يتعرضون لنوبات من الانفعالات والغضب المصحوب بالاحتجاج اللفظي، واختلال في معايير السلوك، مُشكلاً ضرراً عليهم وعلى أسرهم والمجتمع في حالة عدم تداركها مبكراً. والأسباب المؤدية إلى هذه الاضطرابات كثيرة منها:  عند حرمانهِ من إشباع حاجاتهِ، وما يتعرض إليهِ وهو جنين في بطن أمهِ من أمراض تتعرض إليها والدتهِ، وأيضا سوء التغذية وتناول المُنشطات والمُهدئات.
وقد تكون الأسباب مُرتبطة بالبيئة والمجتمع المُحيط به، سواء كان أثناء تواجده مع أسرتهِ أو في المدرسة واختلاطهِ بالمجتمع. فعند خروجهِ إلى خضم الحياة والاختلاط بفئات أخرى، يجد الفوارق في الطبقات والمستويات، هذا أبوه مهندس، أما هو فوالده عامل، فتثور كرامتهِ وتتجسم المشاعر التي غرستْ فيهِ في طفولتهِ، فإذا به انقلب على مُجتمعهِ وانفعل دون أن يشعر أو يحس، مُكبتًا بين جنبيهِ الحسد والضغينة والبغضاء لهذا الواقع الذي هو بنفسه صُدم به، مع أنهُ هذه هي الحياة.  
كما إن التدليل المُفرط من قبل الوالدين بحيث يتم الاستجابة لجميع طلباتهِ ورغباتهِ بمُجرد أن يطلبها، والتربية المُتشددة والفوضوية والقسوة والضغوطات تؤدي بالطفل إلى صراع داخلي ونوبات من الغضب والصراخ كوسيلة للاحتجاج، أو اختلاطه بفئات عمرية في المدرسة، أو تكون بسبب المشاكل التي تتعرض إليها الأسر سواء كانت مادية أو اجتماعية أو اقتصادية، مما يدفع بالبعض للعمل والنزول إلى الشوارع لجني لقمة العيش، فيتذبذب تكوينهُ وشخصيتهِ ما بين ما يكتسبهُ من الشارع وما يكتسبهُ من المنزل.
أو قد تكون سبب بعض الانفعالات، الغيرة والحب عند ميلاد طفل جديد، فيظن إن اهتمام والدتهِ وحبها سيؤول جميعهُ إلى المُولود القادم، أو بسبب الخوف من الظلام أو كسر لعبة أو هواجس تنتابهُ أحيانا، نتيجة تخيلهِ لسماع أصوات أو رؤية خيالات!
مثل هذه الأسباب وغيرها تؤدي إلى تولد حالات اضطرابية انفعالية عند الطفل ورفضه لواقع أرغم عليهِ أو وجدَ نفسهُ فيهِ، فينفعل ويتعصب، ويُعاند، ويُقاوم، فيصبح غير مُطيع، أناني، قلق، حزين، مُكتئب، عدواني، مُقاوم، كسول، مُشتت الذهن، انطوائي، سريع الغضب، مُؤذي لنفسهِ وللآخرين، يميل للكذب والاحتلام. هذه الحالات النسبية المُتولدة في كل طفل، إن تركت بدون إن يتم تحجيمها وتداركها، تكبر معهُ تدريجياً. فمثلا إذا أرغم من قبل الأم أو الأب على فعل شيء ليس لديهِ رغبة في إن يقوم به أو لا يُطيقه، أو ربما يعاقب بدنيًا كوسيلة للرضوخ إلى أوامرهم وطلباتهم، هذه تؤدي إلى تراكم الضغوط وبالتالي تجعلهُ ينفجر غضبًا ويُصاب بنوبات عصبية وهستيرية، فتجعلهُ يثور على واقعهِ ويرفضهُ.
فالانفعالات إذا لم تضبط فأنها تخلف تأثيرات سلبية وآثار جانبية تبرز بصورة أكبر على الصحة النفسية والجسمية وفي السلوك والتفكير وفي التعامل مع الغير، وضبطها ضرورة ومطلب حياتي للإنسان ككل، لأنها على صّلة مباشرة بحياة الفرد. لأنهُ كثيراً ما تسبب الكلمات التي يتلفظ بها بعض الأطفال لوالديهم أو بعض الأفعال والحركات الخاطئة حرجًا كبيراً، لأنها أشارة إلى ضعف الوالدين في تربية أبنائهم وتوجيه سلوكهم التوجيه الصائب.
لذا ننصح:
في السن المُبكرة للطفولة، للأم الأولوية في إن تحيط طفلها بالدفء والحنان، وأن تعلمه كيفية ضبط انفعالاتهِ والسيطرة عليها من خلال إلهائهِ بلعبهِ وتفريغ كل طاقاته في اللعب، وأن لا ترغمهُ على فعل شيء هو لا يريدهُ. فإذا غضب، فعلى الأم أن تكون هادئة تمامًا وصابرة، وتقابلهُ بابتسامة خفيفة، وأن لا تشعرهُ بانفعالهِ ولا تُعطيهِ أهمية أكبر من حجمهِ، وتصرخ هي من جانبها وتثور عليه، مما يزيد من ثورتهِ، ويتعود على هذا ويصبح طبع فيه يكبر معهُ. وبعدها يتطور الأمر معهُ ويصعّب تداركهُ وتحجيمهِ.
ولكننا نرى، بلْ يكون من الأفضل أن توجه انتباههُ إلى أشياء أخرى يشغل نفسهُ بها، تعينهُ على الهدوء ونسيان انفعالهِ وتساعده على التنفيس عن الطاقة الانفعالية الكامنة فيهِ، وتحاول دائما أن تطرب مسامعهُ بموسيقى هادئة تهدئ من أعصابهُ أو تروي لهُ قصص تُخصب من خيالهِ. كما تحاول قدر المُستطاع أن تراقب جميع انفعالاتهِ ونفسيتهِ حين يبدأ بالخروج من محيط العائلة والاختلاط بالمجتمع.  

119
حق الشعوب في تقرير مصيرها
سهى بطرس هرمز

العالم يومًا بعد يوم في تطور دائم، ولكنهُ من ناحية أخرى محكوم بإنسانهِ أن يعيش في ظروف لا تحقق كرامتهِ كإنسان، فانتهاكات حقوقهِ ما زالتْ تحصل في مناطق مختلفة من العالم، واغلبها تمّر بدون عقاب. وأيضًا في ظل ما يعيشهُ من ويلات الحروب التي تتسّم بالقهر والاستغلال والإهانة للإنسانية، والصراعات الدولية  والاجتماعية المسلحة والحّادة التي كلفتْ البشرية ملايين الأرواح البريئة، أو الأصح أجيالاً بعد أجيال تُجبّل عقولها على الحروب والإرهاب، وتولدُ على أصوات وكوارث ونكباتْ ما تخلفهُ الحروب.
في قمة الألفية المُنعقدة في الأمم المتحدة في أيلول عام 2000 ولمدة (3 أيام)، اعترفت الدول في هذه القمة  بحقوق الإنسان كأساس لا يمكن استثناؤه لإيجاد عالم يسودهُ السلام والعدل والمحبة، مؤكدين مسؤوليتهم المشتركة في دعم حقوق الإنسان على المستوى العالمي والمحافظة على نصوصها من التهميش والضياع، وخلق مستقبل مُشترك لجميع شعوب الأرض، وأيضاً احترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي.
ووفقاً للمبادئ المُعلنة في ميثاق الأمم المتحدة الذي صدر بمدينة سان فرانسيسكو في 26/ حزيران/1945، يُشكل الإقرار بما لجميع الشعوب من حق تقرير مصيره، ومن كـرامة أصلية منبثقةٌ من الإنسان نفسهُ وحقوق ثابتة ومتساوية وراسخة، أساس الحرية والعدل والمساواة والسلام في العالم. لتحقيق سُبل جديدة تُحدد فيها كيف تكون شعوبًا مُوحدةٌ ومُتماسكة حتى وإن كانت مُنقسمة في العادات والتقاليد والمعتقدات والمصالح.
وأيضا لتحقيق المثل الأسمّى والمشترك الذي ينبغي أن تبلغهُ كافة الشعوب، والمُتمثل في إن يكون جميع البشر أحراراً ومُتساوين في الكرامة والحقوق وفقاً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948. وبتساوي الرجال والنساء في الحقوق والحريات ولا تفريق بين صغير وكبير، وقد نص الميثاق على الكثير من القيم والمعايير المُشتركة ولكنها بقيتْ حبرٌ على الورق! كما إن حقوق الإنسان ما زالت بعيداً عن كل ما نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان!
مبدأ تقرير المصير:  
عرف بعض فقهاء القانون الدولي حق تقرير المصير  بأنهُ:" حق أي شعب في أن يختار شكل الحكم الذي يرغب العيش في ظلهِ والسيادة التي يريد الانتماء إليها". باعتبار أن السيادة ركن أساسي من أركان تقرير المصير. وإذا كان مبدأ تقرير المصير قد أستُهل في عام 1526م، لكنهُ لم يجد تطبيقهُ الفعلي ألا في بيان الاستقلال الأمريكي المُعلن في 4/تموز/1776، وبعدها أقرت به الثورة الفرنسية في 1789م، كما ضمنهُ الرئيس الأمريكي ولسن Wilson في نقاطه (14) التي أعلنها بعد الحرب العالمية الأولى.
وقد لعب هذا المبدأ دوراً مُهمًا في تاريخ القانون الدولي. كما أحتل مكانة مهمة في معاهدات الصلح التي عقدت بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى 1919، لكنهُ لم يكتسب القاعدة القانونية الإلزامية في القانون الدولي بدليل التقرير الذي قدمتهُ لجنة الفقهاء بتاريخ 5/ أيلول/1920، بشأن جزر الآند، حيث تضمن:" إقرار هذا المبدأ في عدّة معاهدات دولية لا يكفي لاعتباره من قواعد القانون الدولي الوضعي".  
ألا إن تغييراً في النظام الدولي قد حدث بخصوصه، فقد نص عليه ميثاق الأطلسي المعقود بين الحكومتين الأمريكية والانكليزية (روزفلت وتشرشل) في 14/ آب/1941، وانضم إليه بعد ذلك الاتحاد السوفيتي في أيلول عام 1941. وقد نصت المادة الثانية من الميثاق على إن:" الحكومتين لا ترغبان في أي تعديل إقليمي لا يتفق مع الرغبة التي يعربُ عنها السكان المعنيون بحرية تامة". كما نصت المادة الثالثة منه:" باحترام حق جميع الشعوب في اختيار شكل الحكومة التي تريد أن تعيش في ظلها".  ثم جرى تأكيد هذا المبدأ في تصريح الأمم المتحدة الصادر في 1/كانون الثاني/1942، وتصريح يالتا الصادر في 11/شباط/1945.  
مبدأ تقرير المصير في قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة:
لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها بحرية وإرادة واستقلال وفقاً لمْا تريدهُ، بعيداً عن أية قوة أو تدخل أجنبي. وبعيداً عن أية أعمال بربرية وخزتْ بآثارها الضمير الإنساني، لبزوّغ  فجر جديد يتمتعون فيه بحرية القول والعقيدة والتحرر من الخوف والاضطهاد، والدفع بالرّقي الاجتماعي قدمًا، ولتحقيق مستوى أرفع للحياة في جوُ من الحرية الإنسانية والتسامح والأخوة والعيش المشترك، كأسمّى ما ترّنو إليه أيةُ نفس بشرية.
في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 421 الصادر في 4/ كانون الأول/1950 طلبت الجمعية العامة من لجنة حقوق الإنسان أن تضع توصيات حول الطرق والوسائل التي تضمن حق تقرير المصير للشعوب، كما نصت في قرارها رقم 545  الصادر في 5/ شباط/1952، على ضرورة تضمين الاتفاقية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية والاتفاقية الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مادة خاصة تكفل حق الشعوب في تقرير مصيرها. ثم أصدرتْ قرارها رقم 637  في 16/كانون الثاني/1952 الذي جعلت بمقتضاهُ حق الشعوب في تقرير مصيرها شرطاً ضروريًا للتمتع بالحقوق الأساسية جميعها، وأنهُ يتوجب على كل عضو في الأمم المتحدة الاحترام والمحافظة على حق تقرير المصير للأمم الأخـرى.
أذن لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها، وهي بمقتضى هذا الحق حرةٌ في أن تحدد مركزها السياسي  وتحقق نموها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، مُسترشدة بمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وخاصة المادة الأولى المُتمثلة بمقاصد الأمم المتحدة، و(المادة 55) اللتان تؤكدان على حق الشعوب في تقرير مصيرها وعلى ضرورة قيام علاقات سلمّية وودّية بين الأمم. كما تسترشد بأحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المؤرخان في 16/ كانون الأول/1966 واللذان أعدتهما لجنة حقوق الإنسان، فقد ذكر كلا العهدين حق تقرير المصير بنص موحد في مادتهِ الأولى بأنهُ:" لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها، وهي بمُقتضى هذا الحق حرةٌ في تقرير مركزها السياسي وحرةٌ في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي".
وأيضا أحكام إعلان وبرنامج عمل فينا (23/157. A/CONF) اللذين اعتمدهما المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في حزيران 1993، وبالتحديد الفقرتين (2،3) من الجزء الأول المتعلقتين بحق الشعوب في تقرير المصير وخصوصًا الشعوب التي تخضع للاحتلال الأجنبي.  
وقد تأيد مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها بصورة ثابتة في القرارات العديدة التي اتخذتها الجمعية العامة للأمم المتحدة. نذكر منها قرارها المرقم 1514 (د- 15) في الفقرة الثانية من إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، المؤرخ في 14/ كانون الأول/1960. وهو القرار المعروف بتصفية الاستعمار، ووضع حدّ عاجل وغير مشروط للاستعمار في جميع إشكالهِ ومظاهـره من دون أي تمييز. ولقد كان لهذا القرار أهمية خاصة، لأنهُ اتخذ أساسًا استندتْ عليه القرارات اللاحقة الصادرة عن الأمم المتحدة جميعها الخاصة بتقرير المصير.
لقد حقق تقرير المصير لعدد من الشعوب استقلالها السياسي، غير إن قلة من الدول الاستعمارية استمرت في نهج سيطرتها على ثروات وموارد الاقتصادية للبلد المُستعمر، ومن ثم اتضح إن إزالة هيمنة الاستعمار سياسيًا لابدّ وأن يتبعهُ إزالة هيمنتهِ على الموارد الطبيعية والاقتصادية، ومن هنا برزتْ فكرة السيادة على الموارد الطبيعية وحق تقرير المصير الاقتصادي.  فأثيرتْ أمام لجنة حقوق الإنسان فكرة السيادة الاقتصادية وحق الدول في تأميم ثرواتها من يد المُستعمر، وأنهُ لا جدوّى من حرية تقرير مصير الشعوب ما لمْ تمتلك حرية التصرف في ثرواتها الاقتصادية والثقافية، فأصدرتْ الجمعية العامة قرارها رقم 626 في 21/كانون الأول/1952 بهذا الخصوص.
ثم بعد ذلك اقترحت لجنة حقوق الإنسان عام 1954 على الجمعية العامة إنشاء لجنة خاصة لدراسة حق الشعوب في السيادة على ثرواتها ومواردها الطبيعية. وحقها في التصرف الحُر فيها وفقاً لمصالحها القومية، ودونما إخلال بأية التزامات مُنبثقة عن مقتضيات التعاون الاقتصادي الدولي القائم على مبدأ المنفعة المتبادلة وعن القانون الدولي، كما لا يجوز في أية حال من الأحوال حرمان أي شعب من أسباب عيشهِ الخاصة (الفقرة 2 من المادة الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1966). وقد ذكر في قـرار الجمعية العامة رقم 1515 المؤرخ في 15/كانون الأول/1960، الذي أوصت فيهِ باحترام الحق المُطلق لكل دولة في التصرف بثرواتها ومواردها الطبيعية. وهذا ما أكدهُ أيضا القرار رقم 1803 (د- 17) الذي أصدرتهُ الجمعية العامة في 14/ كانون الأول/1962، والمُعنون (السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية) وأعلنت في فقرتهِ الأولى:" يتوجب أن تتم مُمارسة حق الشعوب والأمم في السيادة الدائمة على ثرواتها ومواردها الطبيعية، وفقاً لمصلحة تنميتها القومية ورفاه شعب الدولة المعنية".
كما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها المرقم 2625 الصادر في 24/تشرين الأول/1970، مُتضمناً تصريحًا خاصًا بالعلاقات الودّية والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة وعلى أساس مبدأي المساواة وحق الشعوب والأمم في تقرير المصير اللذان هما من مبادئ القانون الدولي الخاص، جاء فيه:" بموجب مبدأ التسوية في الحقوق وتقرير المصير للشعوب المُعلنين في ميثاق الأمم المتحدة، لكل الشعوب الحق في أن تقرر دون تدخل أجنبي، مركزها السياسي وأن تسعّى لتأمين نموها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وعلى كل دولة واجب احترام هذا الحق وفق نصوص الميثاق".
والقرار الذي أصدرته في 15/ كانون الأول/1970، الذي أكدتْ فيهِ على حق الشعوب في تقرير مصيرها وضرورة الإسراع في منح الاستقلال للشعوب والبلاد المُستعمرة وعلى" شرعية نضال الشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية والأجنبية المُعترف بحقها في تقرير المصير لكي تستعيد ذلك الحق بأية وسيلة في متناولها".  ونلاحظ في هذا القرار أن الجمعية لم تكتف فقط بإقرار المصير ومطالبتهِ للشعوب، بل أكدتْ أيضا على شرعية النضال والكفاح والاستقلال للشعوب الخاضعة لسيطرة الاستعمار بأية وسيلة للوصول إلى حقهم، كما يحصل الآن في فلسطين التي تناضل ضد المستعمر.
كما ورّد هذا التأكيد في القـرار المهم رقم 2955 الصادر عن الجمعية العامة في 12/كانون الأول/1972. وفي قرارها رقم 3070 الصادر في 30/ تشرين الثاني/ 1973 طلبت الجمعية العامة من جميع الدول الأعضاء الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها واستقلالها وتقديم الدعم المادي والمعنوي وكافة أنواع المساعدات للشعوب التي تناضل من أجل هذا الهدف.
منذ ذلك الحين، والجمعية العامة للأمم المتحدة تؤكد على هذه المبادئ في جميع قراراتها المُعنونة تحت "الإعلان العالمي لحق الشعوب في تقرير مصيرها ومنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة والاحترام العالمي لحقوق الإنسان". وفي غضون ذلك وقعت في 1 / آب/1975 ،(33) دولة أوربية بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية في هلسنكي، الاتفاقية النهائية التي أسفر عنها مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا. وقد تضمن القسم الأول منها إعلاناً عن المبادئ التي ينبغي أن توجه علاقات الدول المشتركة، فدعي إلى الأخذ بــ (10) مبادئ توجيهية وصفتْ بأنها:" غاية في الأهمية وأن الواجب يقضي تطبيقها بلا تحفظ". وقد نص المبدأ الثامن منها على حق تقرير المصير.
يتضح مما سبق إن النص على مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها بحريتها في العديد من القرارات التي أصدرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، أصبحت تعني أهم الحقوق التي تقررها مبادئ القانون الدولي المُعاصر، فهو يرتب للشعوب حقوقاً وعلى الدول التزامات كل دولة تجاه نفسها وتجاه دولة أخرى، فهو مقرر لجميع شعوب العالم دون استثناء أو تمييز بسبب العرق أو اللون أو الثروة أو الأصل القومي.
 
سهى بطرس هرمز
بكالوريوس قانون

120
إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس، فتذكر قدرة الله عليك
سهى بطرس هرمز
[/size]

طبعا أدرجنْا هذا القول المعروف عنوان مقالنْا لأنهُ أعجبني الكلام عنهُ وفيهِ وإعطاء فكرة مُبسطة عن مضمونهِ. أن الظلم والتعدّي وانتهاك حقوق الآخرين من أكثر الأمور التي تورث اليأس والحزن والحيرة والانطواء والعزلة في النفوس! ومُمارسة الظلم مع توفر الإمكانيات والفرص أمر منوّط بنفسية الشخص الإجرامية وسلوكهِ ونواياه المريضة طبعًا.
مُمارسة الظلم لهُ طرقهُ، فهناك ممنْ يُمارسهُ بطريق صريح وواضح، وهنالك ممنْ يخترع ألف طريقة ووسيلة ليمارسهُ بلباس الثقافة والأناقة واللباقة! والمُتأمل في أفعال وأعمال البعض من البشر الخاطئة سواء كان في حق نفسهِ أو في حق الآخرين، يجد فيهم من يبتدع ويبتكر في الظلم ويتفننْ به في مختلف الأشكال والأساليب!
وما ندركهُ تمامًا أن الناس أشكال وألوان وأجناس مُختلفين ومُخالفين في الفكر والأفكار، لا تستطيع أن تعرف ما في خباياهم، ولا تستطيع أن تعرف ما في قلوبهم وتفكيرهم للمُقابل، أي بمعنى أصح يتلونون حسبّ مصالحهم ومطامعهم ومزاجهم! والظلم كشعور داخلي مُستتر مُوجود بنسبة معينة ومُتباينة بين فئات البشر على مرّ الأزمنة وما زال ....  والآن نسأل بعض الأسئلة للذين طالهم الظلم:
ــ هل الظلم الذي طالك كان من شخص لم تكن تتوقع منهُ في يوم من الأيام أن يظلمك؟
ــ هل هذا الظلم من قبلهِ وصلك لدرجة الانهيار وأثر في نفسيتك؟
ــ في حالة ما أن قدم ذلك الشخص الظالم اعتذارهُ لك على ظلمهِ لك، هل ستقبلهُ وتُسامحهُ؟
سنكتفي بهذا القدر القليل من الأسئلة، لأن للمُسببات أسباب كثيرةٌ! الظالمون على هذا الكون كثيرون وخصوصًا عندما تغلب المصلحة الشخصية وحبَّ الذات. وهذه الحياة كذلك أقدارها مُختلفة ومُفاجئة! وكثيرا ما ننجرح من الآخرين أو نجرحُ الآخرين بقصد أو بدون قصد بسبب سوء تعاملنْا أو بسبب أقوالنا وتصرفاتنا أو سوء فهمنا بدون أن نشعر، فنحن بشرٌ نخطئ وقد نقسّى حتى على نفسنْا بأنفسنْا، ولكن الاسوء من هذا عندما نتعمّد أن نظلم ونُسيء للآخرين وبعلمنْا وبإرادتنْا! فهل الله وضمير الإنسان والإنسانية يقبل أن نظلم الإنسان على مثالنا، ونترك لهُ ألمًا ومصيرًا شاقًا دون أن يكون لهُ ذنبًا فيما انتهى إليهِ الحال؟! هل ظلم طفلاً  لا حول ولا قوة لهُ مقبول؟! هل جرح الإنسان في كرامتهِ يُرضي الضمير؟! هل تعمد ظلم امرأة من شيمة الرجال؟! هل وهل و هل ...لا تنتهي !!   
عندما ينسّى البعض أنفسهم أو الأصح عندما يتخفون بقناع الثقافة والأخلاق ينسون قيمهم، مبادئهم، أخلاقهم! ينسون أنهم نفسًا بشرية خُصتْ لكي تكون إنسانًا ومع الإنسان ذاتهُ! وهذه الحياة مثلما قلنا نقابل فيها الكثيرين، ممنْ يرسمون لنفسهم في نفوس وذاكرة الآخرين لوحة مُتعددة الألوان ومُتشعبة المعاني، والتي قد تكون مُبهرة وتُسعد أو تكون حزينة ومُؤلمة أو مُبهمة وغير واضحة ومفهومة! أي بمعنى بأقوالهِ وأفعالهِ التي تعكس ما في داخلهِ هي التي تعطيها الجمال أو القبح وتُعطيها الطابع النهائي الخاص بها. 
ولكن يبقى أن نقول أن من أشد أنواع الظلم عندما يتحول الإنسان إلى إنسان آخر، عندما يعيش بازدواجية لكي يُرضي ذاتهُ وشخصهِ الأنانية على حساب حياة إنسان، وهنا يبدأ بمُمارسة كافة أنواع الظلم، كونهُ ينسى نفسهِ، وما لهُ وما عليهِ وما للآخرين من حقوق عليه، يتحول إلى إنسان عدواني، جاحدٍ! وهو في قرارة نفسهِ مُقنعًا ذاتهُ بأنهُ على صواب في كل ما يفعل، مُقتنع تمامًا باجتهاداتهِ وتفسيراتهِ الظالمة وتحليلاتهِ الفكرية الانفرادية!
مع الأسف هذا حال الكثير من البشر وخصوصًا في زماننا هذا، ومع الأسف أيضا لأوقات كثيرة، البعض يُعطي ثقة زائدة عن اللزوم للبعض من الأشخاص، ليس لشيء ولكن لأن طبيعتهم كإنسان طيبةٍ، هكذا لا يقبلون الأذية أو الظلم لأحدٍ، فيظنون أن المُقابل مثلهم.
فالظلم هو ترجمة واقعية لأفعال الكثير من البشر ولحياة الكثيرين منهم المُمارسة! وما أكثر الظالمين على الأرض وما أكثر المظلومين! والظلم مسألة ينبغي على كل واحدٍ مُعالجتها في نفسهِ من جذورها بطريقة أو بأخرى، حتى وأن كلفهُ ذلك وقتًا طويلاً، المهم أن يكون لديه الاستعداد الذاتي والنفسي لتقبل هذا الأمر وبقيمة وأهمية النفس البشرية، وأنهُ لا يجوز أن نظلمها لأن الله لا يقبل الظلم ولا يتوانىّ عنهُ. وكتصرف وليس كأسباب أدتْ بعض الأشخاص إلى ظلم الآخرين فهي ضد الثقافة والطبيعة الإنسانية مثلما أكدنْا. ولأن الله خلقنا وجسّدنْا بالمحبة فلابدّ من الغفران والمُسامحة، لأنهُ بها نرقىّ ونسمّو بإنسانيتنا ونحرر أنفسنْا من قيود أفكار أناسًا مرضى، ناسًا أُسراء نفسهم الجاحدة ومُكبلون بقيودها.
وليتأكد كل واحدٍ بأنهُ عندما يظلم الناس بدون استحقاق، فأنهُ يظلم نفسهِ أولاً، والإنسان لا يبقى لهُ في دنياه غير ما قدمهُ من خير وذكرٍ طيب، والتاريخ شاهد على الكثيرين أصحاب الأعمال الخيرة والأعمال الشريرة، والجميع راحلون وواقفون أمام ربَّهم، والكل سيُسأل عن أعمالهِ! فلابد وأن  يُراجع كل واحدٍ ذاتهِ قبل أن يضع رأسهِ على مخدتهِ ليستريح نهاية يومهِ، كل يومًا في كل شيءٍ وأي شيءٍ في حياتهِ لكي يُعيد ترميم حياتهِ ويُجددها ويقف على أخطائها سواء أن كانت أو لم تكنْ بين الحين والآخر.

121
محبة الله وشهوة الجسد
سهى بطرس هرمز
رسالة يسوع المسيح  للبشرية كانت محبة، بحيث بذل ذاتهُ في سبيل خلاصنا من الخطيئة. بهذا تتبين عظمة محبة الله لنا، أن أرسل أبنهُ الوحيد إلى العالم ليموت هو ونحيا نحن، لأنهُ بموتهِ أمات كل ما هو أرضي في الإنسان والذي أفسدتهُ الشهوات الخادعة، من زنى وفسق وشهوة (كولوسي 3: 5). وتخلصَ من كُل ما يُسيء إلى جسّده، وألبسهُ الإنسان الجديد المُتجدد بإعمالهِ التي تُقربنا من الله " لأنكم خلعتم الإنسان القديم وكل أعمالهِ، ولبستم الإنسان الجديد الذي يتجدد في المعرفة على صورة خالقهِ" (كولوسي 3: 9-11). نتجدد روحاً وعقلاً بصورة الإنسان الذي خلقهُ الله في البر وقداسة الحق (افسس 4: 23-25).
 
فالله اختارنا من دون كل خلائقهِ وقدسنْا وأحبنْا وألبسنْا عواطف الحنان والرأفة والتواضع والوداعة والصبر والتسامح، وألبسنا المحبة وجَسّدنا في المحبةِ "والبسوا فوق هذا كلهُ المحبة، فهي رباط الكمال" (كولوسي 3: 12-15). وكوننا قد خلقنا على صورة الله ومثالهِ فيجب أن نكون على قدر هذه المحبة ليس لأنفسنا فقط بل للجميع. لأنهُ " من لا يُحب فأنهُ لا يعرف الله، لأن الله محبة" (1 يوحنا 4: 8 ) . وعندما نقول بأن الله خلق الإنسان على صورتهِ، فإنما يقصدُ بها صورتهِ في الروح والطهارة والعفة، روحهُ التي تكون مُحبة للتقوّى والبرّ وفي عمل الخير، وتكون الروح قوية إذا نالتْ الخلاص مع الروح القدس الذي أنعمها الله على الإنسان وينالها بالأعمال الصالحة، والتي بها يأخذ سلطاناً على الجسّد وشهوتهِ.
وفي أعماق كل واحد منا طاقة حُب لله وللآخر. وعلينا أن نعيش هذا الحب كما أرادهُ الله لنا. حُباً كاملاً، طاهراً، ونقياً، مثل ينبوع الماء الصافي، بدون أية شائبة تشوههُ. فهل نحن اليوم نعيش الحُبّ الذي منحهُ الله لنا؟ أم إن الشهوة هي من تقودهُ وتُفسدهُ؟

يقول بولس الرسول في رسالتهِ إلى أهل غلاطية:" اسلكوا في الروح ولا تشبعوا شهوة الجسد، فما يشتهيه الجسد يُناقض الروح، وما يشتهيه الروح يناقض الجسد، كل منهما يقاوم الآخر". (غلاطية 5: 16-18)

ما يقصدهُ بولس الرسول في قوله "ما يشتهيهِ الجسّد يُناقض الروح" يقصد به جسّد الإنسان الخاطئ، الذي بشهوته المُسيطرة والمُستعبدة على جسده تقودهُ إلى الخطيئة، هذا هو الجسد الذي يناقض الروح. فهو بشهوتهِ هذه يخطأ ويُذنب إلى جسده والى الله " ألا تعرفون إن أجسادكم هي هيكل الروح القدس، الذي فيكم هبة من الله؟" (1 كورنثوس 6: 19). فما نحن مُلك أنفسنا فقط بل مُلك لله، فعلينا أذن أن نُمجدهُ في أجسادنا ونُقدسهُ. ولا ندعّ الخطيئة تُسيطر عليه وتقودهُ وراء شهواتهِ " لا تدعوا الخطيئة تسوّدُ جسدكم الفاني، فتنقادوا لشهواتهِ" ( روما 6: 12).
فالجسد لم يخلق للشر ولا للخطيئة لأن الله لا يُحب الشرور، لأنهُ لو كان الجسّد شراً، ما كانت الكلمة صارت جسداً، وما كان يمكن إن يكون جسدنا هيكل للروح القدس ويُسكنهُ فيهِ، وما كنا جميعاً أعضاء في جسد المسيح، وما كان أيضاً الله جعل الرجل والمرأة جسداً واحداً. فأجسادنا هي لتمجّيد الله وخدمتهِ. والرب المسيح أعطانا وصايا وأوصانا بها، وكيف نَصونُ أجسادنا في القداسة والكرامة، فلا تستولي عليها الشهوة، فالله لم يدعونا إلى النجاسة بل إلى القداسة، فمن يرفض هذا التعليم لا يرفض إنساناً، بل الله الذي يمنحُنا روحَهُ القدوُس. (1 تسالونيكي 4: 2-9).
 
علينا إن نكون كاملين في جسدنا وروحنا، لأنهُ بها تكمل محبتنا لله.  ومن أحبَ الوالد أحبَ المُولود منهُ، وإذا كنا نُحب الله علينا أن نعمل بوصاياه. وما وصاياه ثقيلة (1 يوحنا 5: 1-4). فسلوكنا حياة الروح وإشباعها بكلام الله وتعاليمهِ والصلاة والصوم والترانيم والتسابيح والألحان نسمّو بها ونجعلها تمتلئ من الروح القدس وتقترب من الله وتتحد به. لذا " امتلئوا بالروح، وتحدثوا بكلام المزامير والتسابيح والأناشيد الروحية، رتلوا وسبحوا للرب من أعماق قلوبكم" (أفسس 5: 18- 20). هكذا نُغذي روحنا ونهتم بها، ونجعلها تحمل ثمر محبة الله الذي أحبنا من خلال أبنهِ، ونُثبت فيهِ وفي محبتهِ " أنا أحبكم مثلما أحبني الأب، فاثبتوا في مَحَبتي. إذا عَملُتم بوصايايَ تثبتونَ في مَحَبتي، كما عملتُ بوصايا أبي وأثُبتُ في مَحبتِهِ" ( يوحنا 15: 8- 11).  وطبعاً الجسّد يحتاج إلى إشباع هو الآخر، ولكن ليسَ بالشهّوة وإغضَاب الرب، وإنما برضَا الربّ وبما حللهُ لهُ.
 
عندما خلقَ الله الإنسان جعلهما ذكراً وأنثى، أرادا لهما حياة مقدسة تكون انعكاسًا لطبيعتهِ الإلهية الكاملة، وقال:  تكونان جسداً واحداً، يتحدان ليصبحا شخصاً واحد في الأبناء الذين يأتون بهم للحياة، أي إن الله خلق الإنسان وبداخله الرغبة والحب للآخر. وأراد للإنسان أن يسمّو بمشاعره وعواطفهِ للآخر. ولكن كيف ؟ بالشهوة ، أم ضمن إطار علاقة زوجية يتخللها الحب والتفاهم وتمتد مدّى نهاية حياة أحدهما؟
 
لقد خلق الله هذه الغريزة  في الإنسان كتعبير عن الحُب والعواطف والألفة الجسدّية المُحبة والعلاقة الحميمة للآخر. خلقهما الله لهدف في الحياة وهي "انموا وأكثروا واملئوا الأرض". وهذا الحب يجب أن يُفهم على أنهُ بذل الذات من أجل الآخر من أجل أن تكسب حبهُ ومحبتهِ لشخصهِ وذاتهِ التي هي ذاتُك، وأن لا يُنظر إليهِ كشيء من الأشياء أو كأداة تنتهك حُرمة شخصه وتُحولهُ إلى مصدر لإشباع الشهوة. فالحب والشهوة في نقيض دائم وصراع! نعم الاثنان ينبعان من القلب، لكن لكل منهما طريقتهُ في حياة الفرد، والإنسان هو من يحدد بإرادته الذاتية، كيفية كبحّ لجامها. والثقافة المُعاصرة التي هي الأخرى تُستغل بأسلوب خاطئ من قبل البعض، أفسدتْ هذا المعنى وأبعدتهُ بعيداً عن مفهومهِ تماماً. 
فأي شيء يفعلهُ الإنسان على نقيض إرادة الله هو خطيئة، والشهوة خطيئة. " الشهوة تَمتحنُ الإنسان حين تُغويهِ وتُغريهِ، والشهوة إذا حَبلتْ ولدتِ الخطيئةَ، والخطيئة إذا نضجتْ ولدت الموتَ" (يعقوب 1: 14- 16). ويسوع المسيح في موعظتهِ على الجبل قال " لقد سمعتم أنه قيل للقدماء (لا تزن)، أما أنا فأقول لكم: من نظر إلى امرأة ليشتهيها، زنى بها في قلبهِ" (متى 5: 27- 29). دليل على أن الشهوة بالنظر هي ارتكاب الزنى في القلب وهي خطيئة، ومن فكرَ بقلبهِ فربما هذا التفكير يتطور إلى سلوك ونشاط فعلي وصريح ويُمارس خارج إطار العلاقة الزوجية! " لأن منَ القلب تخرج الأفكار الشريرة، القتل والزنى والفسق .... وهي التي تُنجسُ الإنسانَ" (متى 15: 19). وهذه خطيئة تأتي من العالم، ومن يُحب العالم لا تثبت محبة الله فيهِ " لأن كل ما في العالم من، شهوة الجسد وشهوة العين ومجد الحياة لا يكون من الآب، بل من العالم" (1 يوحنا 2: 15- 17).
لذا " اهربوا من الزنى، فكل خطيئة غير هذه يرتكبها الإنسان هي خارجة عن جسده، ولكن الزاني يُذنب إلى جسده" (1 كورنثوس 6: 18). ومن يُذنب بحق جسده يُذنب إلى هيكل الروح القدس، الذي وهبهُ الله فينا، وعلينا أن نُمجد الله في أجسادنا ونُبقيها طاهرة وبعيدة عن تجارب الأشرار. فدائماً " تيقظوا واسهروا، لأن عَدوكُم إبليس يجول كالأسد الزائر باحثًا عن فريسة لهُ" (1 بطرس 5: 8 ).  فــ " لا تعطوا إبليس مكانًا" (أفسس 4: 27). و" لا تحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء" ( أفسس 4: 30).
" .... جسد الإنسان فما هو للزنى، بل هو للرب، والرب للجسَدِ" (1 كورنثوس 6: 13). ولكن " خوفًا من الزنى فليكن لكل رجل إمرأتهِ ولكل أمرأة زوجها" (1 كورنثوس 7: 2) غير أن المحبة الجسدية وضمن إطارها الصحيح والشرعي شيء جميل. " عودا إلى الحياة الزوجية العادية لئلا يعوزكم ضبط النفس، فتقعوا في تجربة إبليس" (1 كورنثوس 7: 5). والرب من خلال روحهُ القدوس هو مصدر القوة في الإنسان، وهو الذي يساعدهُ في كيفية توجيه طاقتهِ الجنسية والسيطرة عليها، بشكل روحي وضمن إطار الزواج. لذا " لا تحبوا العالم وما في العالم، من أحبَ العالم لا تكون محبة الأب فيهِ" (1 يوحنا 2: 15). و" تجنب أهواء الشباب وأطلب البرّ والإيمان والمحبة والسلام مع الذين يدعون الربّ بقلوب طاهرة" (1 تيموثاوس 2: 22- 23). " ورئيس كهنتنا غير عاجز عن أن يُشفق على ضعفنا، وهو الذي خَضعَ مِثلنا لكل تجربةٍ ما عَدا الخطيئةَ" (عبرانيين 4: 15). فالرب لا يريد أن نكون مثقلين بذنوبنا بلْ بالمحبة التي وهبنا إياها من خلال الفداء بالمسيح.
الخلاصة:
الزواج أمر حللهُ الله بين اثنين ضمن إطار علاقة زوجية صحيحة مبنية على أساس من المحبة والتفاهم والصراحة. والإنسان لابدّ أن يلتزم ضمن هذا الإطار ولا يتجاوزهُ. والحب مع الالتزام أمر بغاية الأهمية في العلاقة الزوجية، التزام بعهد الله والوعد الذي قطعتهُ أمام الكاهن الذي هو وكيل المسيح، في مذبح الربّ، وتجاوزهُ خطيئةٌ.

وإذا استبدلنا الحب بالشهوة ستنتهي البشرية بشعور غير أصيل، ولا يكون الإنسان غير أنهُ وسيلة لإشباع غريزة جسدّية فقط! وهذا وأن حصل، فما يكون الفرق بين الإنسانية وبين الطبيعة؟!
سيكون الإنسان عبداً لشهواتهِ، وبالتالي عبداً للخطيئة، والخطيئة تشوه الجسد! فلا يكون معنى وطعم لحياتنا، وللحب الحقيقي والطاهر. هذه كانت غاية فداء المسيح نفسهُ من أجلنا، من أجل خلاصنا من الخطيئة، وبعد هذا كلهُ، هل نستمر في مسيرتنا، أم نسمّو بإنساننا وإنسانيتنا، لنكون على علاقة حميمة ومُحبة مع الله ومع الآخر، وأن نتجاوب معهُ ومع وصاياه، لنصل إلى الكمال الذي به نستمدُ قوتنا من الله لننتصر على الشهوة والخطيئة، ونثبتْ في المحبة. وهذا متوقف على ذات كل إنسان وعلى قدرتهِ في السيطرة على نفسهِ وشهواتها.

122
المنبر الحر / النفس .... وما فيها
« في: 22:52 10/04/2012  »
 
النفس ... وما فيها! 
سهى بطرس هرمز

الله خلق الإنسان كائن مُركب من العديّد من المشاعر والغرائز والطبائع، يتفاعل مع من حولهِ، يتأثر بهم ويؤثر عليهم، يسمع ويشاهد لهم، يفرح ويحزن ويبكي معهم، يغضب ويخاف عليهم، يغار منهم ويحسدهم.... والكثير من الانفعالات النفسية التي تتصل بالغرائز والمشاعر ولا تتحقق كاملة ألا عند ظهور الانفعال، فإذا تعرضت لهجوم كلامي شعرت بالغضب ودافعت عن نفسكَ، وإذا رأيت منظر جميل شعرت بالسعادة، وإذا سبب شخص ما لك التوتر غضبت وعبرتْ عن غضبك بردات فعل جسدية. فالانفعالات إذن هي حالات داخلية وجدانية تتصف بجوانب معرفية خاصة وإحساسات وردود أفعال فسيولوجية وتعبيرات حركية، ظاهرةٌ ومؤثرة بصورة مُفاجئة على سلوك الفرد ويصعّب التحكم في البعض منها أحيانًا.
وكل واحد منْا يتعرض لعدد كبير من الانفعالات التي تثيرها في داخلنا مشاكل ومواقف ومحّن الحياة والاحتكاك والتعامل مع البشر من مختلف الفئات العقلية والثقافية ومستواهم الخلقي، مع ما يرافقها من أفكار وسلوك مُتفاوت من شخص لآخر وحسب ظروف الزمان والمكان، إضافة إلى التغيرات الجسمية التي تصاحب الإنسان في مراحل الحياة.
الإنسان خلق وفيه الكثير من الطبائع والسلوكيات، بعضها يكتسبها من مُحيطهِ، والبعض الآخر تكون راسخة وثابتة فيهِ ومُتطبعة ومُتأصلة فيه وفي شخصهِ، خُلق عليها ولا يستطيع التحكم فيها أو تغييرها، نابعةٌ من تكوينهِ الوراثي ومُرتبطة بجهازه العصبي، لتشكل في النهاية نمط الشخصية الأصلية المُنفردة التي لا تُشبه ولا تُقارن بأحدٍ، ولكن تقاربها مع الآخرين يكون في أساسيات مهمة مثل: كونك كائن بشري، وأيضًا لأنك مُولود في البيئة نفسها، ولديك نفس التقاليد الموروثة.
وهناك من السلوكيات ما تكون مُرتبطة بانفعالات مُحددة، والإنسان من خلال تواجدهِ في هذه الحياة لا يرغب في أن يكون مُكتئبًا أو خائفًا وحزينًا، ولكن في بعض الأحيان قد يجد نفسهُ يعيش هذه الموقف أو الواقع يفرض عليه هذا، فيثير مخاوفهِ أو حزنهِ فيتفاعل ويتجاوب معهُ وربما قد يؤثر سلبًا على سلوكهِ وتعاملهِ مع غيرهِ، فللعواطف والمشاعر إذن دور في تطور شخصية الإنسان وتركيبتها.
فمثلا موقف ما صادف الإنسان قد يخرجهُ عن طورهِ ويفقد السيطرة على مشاعره وانفعالاتهِ ومن ثم يفقد السيطرة على سلوكهِ وأعصابهِ، فيغضب ويثور! وقد يتفوه بكلمات جارحة أو شتائم تؤذي المُقابل (الآخر)، وبالتالي يقابلهُ هذا الآخر بغضبهِ وربما يتصرف تصرفًا أسوء وعدواني كأن يحصل الضرب أحدهما للآخر أو تحطيم  الأشياء! فما هو الغضب إذن؟
الغضب عاطفة إنسانية وحالة انفعالية وردة فعل لفعل سبقهُ، ينتاب المرء، لكن اختلافهِ يكون في إشكالهِ وأسبابهُ. وهو شيء طبيعي يحصل للإنسان نتيجة تفاعل مشاعره مع موقفًا أو شخصًا ما، كالخيانة والإهمال والخلافات وجرح المشاعر والصراع في العمل والشعور بقلة الكرامة والإهانة وقلة العدل والإنصاف والتفكير في الماضي الأليم.....الخ، من الانفعالات التي تجتاح داخل الإنسان فيتفاعل وينفعل معها. والغضب حالة نسبية تتفاوت درجتهِ من شخص إلى آخر حسب الموقف وموضوعهِ ودرجتهِ في سلوك كل إنسان ومدّى استعداده لتقبلهِ من عدمهِ، ولكن إذا وصل المرّء إلى مرحلة عدم التحكم فيهِ والسيطرة عليهِ، فأنهُ يصبح مرضيًا ومُدمراً ويؤدي إلى مشاكل عدّة سواء كان في الصحة الجسدية والنفسية أو في العلاقات الإنسانية.

 التعبير عن الغضب:

لكل إنسان طريقتهُ في التعبير عن غضبهِ، والبشر بصورة عامة يتسموَّن بأمزجة مُختلفة واختلافات تكوينية في جهازهم العصبي، مما يجعلهم بالتالي يختلفون في مدّى استجابتهم للمواقف وسيطرتهم على أنفسهم. وهناك بعض الأشخاص ينقادون إلى الغضب أكثر من غيرهم أما بسبب عوامل وراثية أو بسبب عوامل نفسية واجتماعية، كما أن البيئة التي يعيش فيها الإنسان قد تكون هي الأخرى السبب في وجود أشخاص ينفعلون بسرعة ولأتفه الأسباب، بسبب وجود نقص عاطفي لديهم وانعدام الحوار.   
والغضب مثلما ذكرنا إحساس طبيعي وردة فعل تنتاب الفرد نتيجة تفاعله مع موقف ما، فيتفاعل معهُ ويتجاوب في شكل سلوك عدواني وأحاسيس قوية وصراخ، لكي تمكنهُ من الدفاع عن نفسهِ. ولكن مرات كثيرة هذا التعبير يكون عن غير وعيٍّ وإدراك وإرادة، فيؤذي المقابل كلاميًا وربما يتطور إلى فعل شرس!
ولأن أساس حياتنا هما الحركة والتغيير والتجديد، لأنها تجعلنا نتحرك ونعطي حيوية وطعم لحياتنا. فالإنسان إذا لم ينفعل ويعبر عما يدور في داخلهِ، فأن حياتهِ ستكون مُملةٍ وتسير على وتيرة واحدة، فيغضب ويخاف ويتمرد إذا أحسَّ إن مصالحهِ مُهددة أو الخطر مُحدق بها، لذا فالشعور بالغضب في بعض الأحيان قد يكون ضروريًا. ولكن هذا الشعور أو التعامل أو التعبير عنهُ لهُ أسلوبهُ، والذي لابدّ وأن يكون بشكل واضح وحضاري وثقافي وليس بسلوك اندفاعي وعدائي واستفزازي، وإنما بسلوك يتسّم بالحزم وقوة الكلام وثباتهِ، وبقوة العقل في التصرف مع المواقف لكي تتجنب تطورها إلى نتائج لا تتمناها!
أغضب إذن ولكن بتعقل، وأخرج ما في داخلك من مشاعر ثورية ولا تجعلها كامنة ومُتراكمة، لأنها تؤدي إلى نتائج أسوء وأمراض تتراكم مرة بعد أخرى من ارتفاع ضغط الدم والاكتئاب والانطواء والفشل في إقامة علاقات اجتماعية سليمة ....الخ. فعندما يقع الشخص في مثل هذا فأنه يبدأ بالتكييف معهُ ويكبت مشاعرهُ مما يسبب الأذى لهُ ومن ثم يتطور إلى انفعال مُدمر، وبعدها يصدر سلوكهُ العدائي تجاه الآخرين فجأة وبدون وعي، ويفقد قدرتهِ على التركيز والمواجهة والتعامل بأسلوب سليم.

كيف يمكن التغلب على الغضب؟

حياتنا مليئة بالاحباطات والألم وتصرفات وسلوكيات غير مُتوقعة ومقبولة من الآخرين، وأنتَ لن تستطيع أن تغيرها إذا غضبت، لكن تستطيع أن تغير من الأحداث التي تؤثر عليه. والغضب هو نتيجة لفعل وليس غاية مرجوة في كل إنسان، وهو سلوك مذموم ومؤثر على الصحة ويفسد ويقضي على علاقتك الشخصية مع الآخرين وكل ما هو جميل في حياتك، وهذا الغضب ربما إذا زاد عن حدهِ قد يؤدي إلى اقتراف جرائم! وهذا ما يحدث بسبب عدم مقدرة الشخص على كبحّ غضبهِ والسيطرة عليهِ.
لذا سيطر على الغضب بداخلكَ قبل أن يُسيطر عليك بإرادتك وقدرتك على ضبط نفسك والتحكم فيها. والإنسان مطلوب منهُ كي يتحكم بتصرفاتهِ، أن يفهم نفسهُ أولاً ويُحبها، والتي من خلالها يفهم الآخرين ويتقبلهم ويستوعبهم ويحتويهم، بدلاً من انتقادهم والتفكير في تغييرهم وتغيير سلوكهم.   
والتعبير عن الغضب أو أي انفعال آخر بأسلوب لائق ومقبول اجتماعيًا وثقافيًا فأنهُ يساعدك على التنفيس عن مشاعرك السلبية ويساعدك على التحكم بتصرفاتك ويجعلك تبتعد وتفكر بالمواقف التي لا تعجبك وتتجنبها، وبالتالي تجنبك من التحول إلى شخصية سيكوباتية غير سوية، والغضب ينتهي أو يمكن التخفيف من أثارهِ إذا انتهت أسبابهِ ومُسبباتهِ،
فإذا أحسستَ بالغضب أو الانفعال في أي موقف، فحاول قدر المُستطاع أن تُمسك أعصابك وأصرف تفكيرك وانتباهك إلى موضوع آخر وفكرة إيجابية أخرى وحاول أن تأخذ نفسًا عميقًا، وتبتعد وتسترخي مع نفسكَ، فهذا سيُهدئ من أعصابك ويجعلك تجنبها الكثير من المشاكل، وإذا حاول أحدٌ ما استفزازك أو أثارة غضبك، فحاول ألا تنفعل أو تردَّ بأسلوبهِ، بلْ تكلم بهدوء وحاول أن تفهم وجهة نظره، مما يؤدي هذا بك إلى امتصاص غضبهِ وتجعلهُ بأسلوبك يهدأ ويتراخّى. ومن الأفضل وضع استراتيجيات تستطيع من خلالها السيطرة على الغضب بقوة إرادتك وإيمانك، وأعرف الأشياء التي تغضبك وابتعد عنها قدر المُستطاع أو تحاشاها.

123
صدور كتاب جديد للأب يوسف جزراوي
[/size]
صدرّ للباحث العراقي  الأب يوسف جزراوي كتابا جديدا بعنوان:
(رحلة البحث عن مغزى الحياة) وهو (قراءة المعاني الإنسانية في ملحمة كلكامش).
تقديم الكتاب :الأديب وديع شامخ والباحث يوحنّا بيداويد
لوحة الغلاف الاول:الفنان العراقي د.وسام مرقس
مراجعة لغوية: الأستاذ الصحافي جوزيف بو ملحم والأديب العربي الكبير شربل بعيني
أكد المؤلف أن البطل الحقيقي للملحمة كان إنكيدو وليس كلكامش؛ إذ أن حدث موت إنكيدو يُعد المادة التي تُبنى عليها الأحداث الدرامية في الملحمة، فلولا موت إنكيدو لما انكشف الوجه الآخر لكلكامش في سعيه بالبحث عن الخلود، ولما أدرك قيمة الحياة وتعلقه بها.
وشدد الباحث الأب جزراوي على إنَّ كلكامش لم يعنَ بالموت كما هو شائع في مُعظم الدراسات والأبحاث، بل كان يُعنى بالحياة، وإذا كان شغله الشاغل هو مُعضلة الموت، وأهتم بأمره كثيرًا فلأَنه كان معنيًا بالحياة حد الغرام. فخشى أن تضيع منه، فعمل المُستحيل من أجل الحفاظ عليها.
وان إنسان كلكامش إنطلاقًا من حبّه للحياة وديمومة البقاء، ينطلق في طريق اكتشاف لغز الحياة، فيسعى ويرحل ويتغرب ويختبر ويكتشف حكمة الحياة، فيأتي بالدليل القاطع مُنصاعًا حتّى مدينته. فمجدته كل الأجيال....
طالع خبر صدور الكتاب في صحيفة العراقية و صحيفتي التلغراف والمستقبل  اللبنانيتين
وفي تلفزيون الغربة الاسترالي  www.al-ghorba.com
يُطلب الكتاب من مكتبتي كنيستي الربان هرمزد ومريم العذراء.
سعر الكتاب 10 دولار استرالي. أو عن طريق صحيفة العراقية الاسترالية في استراليا

124
المنبر الحر / احترام النفس
« في: 18:10 28/03/2012  »
 
احترام النفس 
سهى بطرس هرمز

هنالك حدود وخطوط حمراء تخص البعض لا يجوز تخطيها من قبل البعض الآخر، لأنها تعتبر بمثابة الانتهاك والتعدي على الحرية الشخصية وخصوصيتها وقدسيتها. كبعض المواقف التي تمرُّ في حياة البعض من الناس التي قد يجد فيها تطاول أو إهانة من قبل البعض على هؤلاء، فمثلا نلاحظ فتاة ماشية في طريقها للبيت أو للمدرسة أو للعمل، وإذا بشاب يُعاكسها ويُزعجها بكلامهِ، فنجدها تلتفتْ عليه وتقول لهُ بكل حزمٍ:" أحترم نفسك"! لأنهُ عندما يحترم نفسهُ يُدرك قيمتها ويحافظ على كرامتهِ ولا يقبل أن تُهان من قبل الآخرين، فبالتالي سيعرف كيف يحترم الآخرين وقيمتهم ويعرف حدودهُ ولا يتعداها أكثر؟!

فما أهمية أن ينال الإنسان أحترامهُ لنفسهِ؟
الله خلق الإنسان مُميزًا ومُتمايزًا عن باقي الخلائق بحيث أكرمهُ بالعقل وميزهُ بمكارم الأخلاق لتوجيه سلوكهِ وأخلاقياتهِ داخل المجتمع وتحسين علاقاتهِ مع غيرهِ من الناس، وللحفاظ على التماسُّك والترابط الاجتماعي بالرغم من وجود التناقضات والفوارق المُختلفة، لأننا نحن البشر جميعنْا نختلف عن بعضنا البعض من حيث الصفات المُكتسبة والمُتوارثة والشخصيات المُنفردة والمُتمايزة مع التفاوت في الطبقات الثقافية، وهذا الطبيعي، فلولا هذا الاختلاف لكان جميع البشر نسخة واحدة وبالتالي لمْ يكنْ الإنسان قد تطور وتجددتْ ودارتْ الحياة به.
والأحترام هو أحدى هذه الأخلاقيات والسلوكيات والقيم الراقية التي ترقيِّ بالروح البشرية وتسمّو بها، وهو شيءٌ أساسي ومفروض بين أي فئة عمرية من البشر، لأحترام بعضهم البعض وأحترام آرائهم وإنسانهم، إنسانيتهم، براءتهم، حرياتهم، عملهم، دينهم، لغتهم، حضارتهم، أصلهم، جنسهم، مجلسهم، خصوصياتهم، مكانتهم، كرامتهم، قيمهم، حقوقهم، ثقافتهم، أخلاقهم.....ألخ. فالاحترام بجميع أنواعهِ واجب مُستحق من كل إنسان في أي مُجتمع وفي أي موقف وعلاقة سواء كان في: أحترام الزوج لزوجتهِ، الزميل لزميلتهِ، الأبناء لوالديهم، الجيران لبعضهم، الموظف لرئيسهِ، الطالب لمعلمهِ، وأحترام الأكبر سنًا، الأبسط حالاً.... ألخ.
 
ونلاحظ مع تطور الحياة وتقدم التكنولوجيا أصبح التواصل والتداخل بين البشر بعضهم البعض أمرًا قائمًا ولابدّ منهُ للأستمرارية والمُواصلة ولمُسايرة الحياة، ولكن كيف لابدَّ وأن يكون شكل وإطار هذه العلاقة بينهم؟!

سُأل نزار قباني ذات مرةٍ:" ماذا يوجد في الشام ويجعلك تعشقها كل هذا العشق؟! فسكتَ وفكرَ لبرهةٍ من الزمن، ثم أجاب ":في الشامِ شامٌ"! كذلك الأحترام المفروض أن يكون من أجل الأحترام ذاتهُ دون نفاق أو خوف أو تملق أو تجريح أو مُجاملات وتصنع أو معاملات تخدش الشعور. والله خلقنْا وجبّلنْا نحن البشر من ماء وتراب، بما معناه نحن خُلقنا طبيعيين ويجب أن نتعامل مع أنفسنْا ومع الآخرين من خلال هذه الطبيعة.
وكل إنسان إذا حاول أن يستعيد ذكرياتهِ ومشواره في الحياة لوجد أن هنالك زخمًا هائلاً من العلاقات الاجتماعية الطيبة التي ربطتهُ أو تربطهُ بأشخاص مروّا في حياتهِ سواء كان في المدرسة والعمل وبالمُجتمع بحيث تركتْ أثرها في نفسهِ وفي تكوين شخصهِ وإحترامهِ لنفسهِ ولهم، من خلال ذاتهِ وأقتناعاتهِ الشخصية وليس بإجباره أو فرضها فرضًا أو من باب الواجب والمُجاملات.

ولكن كما نعلم ومثلما ذكرنا أعلاه، بأن هنالك نوع من التباين والاختلاف والتنوع بين البشر مما قد يؤدي بالنتيجة إلى نشوء خلافات بسبب الاختلاف في الطبائع والمصالح والأفكار والآراء، لكن المهم في هذا الخلاف أن لا يؤدي إلى غياب المحبة وقلة الأحترام ونوع من العلاقات المُعقدة، المُستديمة والمُتشابكة بينهم، لأنهُ لو تخيلنْا ذلك لأنعدمتْ الإنسانية وحلتْ المشاكل والفوضى في أيًا وكل مكان وبلا حدود!
 
فاحترام الآخرين يأتي أولاً من أحترام الإنسان لذاتهِ ولإنسانيتهِ منذ نشأتهِ الأولى وصدقهِ مع نفسهِ. فعندما يتعود أفراد الأسرة على أحترام بعضهم البعض، عندها نجد التطبيق الفعلي لاحترام الآخرين سواء كان في المدرسة أو الشارع أو الأماكن العامة وفي أي مرفق مهم في الحياة، لأنهم تعودا منذ صغرهم على أحترام والديهم وأخوتهم وأقربائهم وكبار السن في عائلاتهم، وهذا التصرف ينطبع في ذاكرتهم ويتطبعُّ في تصرفاتهم، ويُمارسونهُ مُستقبلاً مع الآخرين في حياتهم، وبذلك تتغير صورة الحياة لديهم منذ صغرهم ويطورونها ويعطونها الإطار الجميل الذي يشكلونهُ بأنفسهم من خلال سلوكهم المُهذب وتصرفهم السليم والإيجابي والمتوازن تجاه الآخرين.

الإحترام إذن إذا أردنا وصفهُ نقول بأنهُ قيمة معنوية وأخلاقية وأسلوب حضاري ومطلب وشعور ساميٍّ يتمنّى أن يتصف به كل إنسان لهُ ضمير ومبدأ وكلمة وقيم في حياتهِ ويُشار ويُقال لهُ:" هذا شخص مُحترم"، لأنهُ عرف قدر نفسهِ وإنسانهِ وإنسانيتهِ وقدرها وأعطاها الأحترام الذي تستحقهُ كنفس بشرية مُتمايزة ومُتواضعة ومُتوازنة نفسيًا. وبالنتيجة من خلالها سيتعامل مع الآخرين بنفس القدر والأحترام وتزيد ترابطهم وتمنع الأحتكاك في علاقاتهم.

وفي نهاية حديثنا نقول:
عندما تحرص وتنتبه على كل ما ينطق به لسانك وعلى كل فعل تفعلهُ أو تقدمهُ تجاه الآخرين أو الآخر، عندها تنال الاحترام والرضا من نفسكَ أولاً وبعدها من الآخرين، لأنك عرفت قدر نفسك. ولأن هؤلاء يراقبون ويدققون في سلوكك وكلامك وفعلك وممارساتك، فعندما لا تنطبق أقوالك مع أفعالك ومع شخصك كإنسان، عندها يُفقد الثقة بك ويقل الاحترام وتكون أنتَ نفسكَ كمثل من أنقسم على نفسهِ وعاش بشخصيتين مزدوجتين.
 
فليكن إذن لكل إنسان شخصهُ وشخصيتهِ التي يحترمها ويصونها ويطورها ويُقيمها من خلال تقييمهُ لجميع أفعالهِ وأقوالهِ وتصرفاتهِ من خلال ذاته أولاً ومن خلال الآخرين ثانيًا، ليُدرك بعدها قيمة وقدرة الخالق في خلقهِ، وعندها أيضا يُدرك قيمة نفسهِ ويعطيها الاحترام الذي تستحقهُ. وأحرص دائمًا أن تترك انطباعًا وأثرًا أفضل وأجمل يُجمل صورتك مقابل الآخر فيحترمك من خلالهِ، لأن كل إنسان بطبعهِ فنان يحمل ريشتهِ الخاصة بيدهِ وفكرهِ وأعمالهِ، ليجمل لوحتهِ بطريقتهِ وكيفما شاءَ وأرادَ.   

125
 
كم تستطيع الزوجة إن تتحمل؟!
سهى بطرس هرمز

الحياة الزوجية هي شراكة وعلاقة تبادلية، تتطلب من الزوجين وخاصة المرأة مجهودا في كيفية التصرف وتوجيه الدفّ في سبيل استمرار الحياة الزوجية. وكما نعرف بأنهُ لا وجود لصفة الكمال من جانب الزوج أو الزوجة، ولا يوجد رجل بلا عيوب، كما وليس مُهمًا كم هي عيوبهِ؟ لكن المهم، كم تستطيع الزوجة أن تتحمل تلك العيوب؟ ماذا تفعل؟ كيف تواجه هذه الصفة السلبية؟ كيف تتعامل معهُ ومع طباعهِ؟ كيف تعالجها وتقلل من وجودها في حياتهما؟ هل تضع الحياة الزوجية في كفة مُهددة بالخطر، أم تتكيف مع هذا الوضع وتحاول إن تحتويه بشطارتها؟!

المعلوم أن الشراكة المستقبلية المُتبادلة بين الزوجين، قد تكشف جوانب سلبية عديدة لكلا الطرفين (الزوج والزوجة). والمزاج الحاد والمتقلب والعصبية الزائدة للزوج، هو إحدى هذه الجوانب السلبية. والتعامل معها فن لا تحسنهُ الكثير من الزوجات، فلكل واحدة منهنْ قدرة معينة على التحمل! فالبعض يصبر في سبيل عائلتها وأولادهم ومصيرهم، والبعض الآخر يقول: للصبر حدود، لا استطيع التعامل مع شخص شديد العصبية أبداً، والبعض الآخر يطلب الطلاق لعدم مقدرتها على تحمل نوباتهِ!
ولكن الأمر ليس بهذه الصعوبة ولا يحتاج إلى تضخيم! فالبعض من الأزواج حسب رأي الأغلبية كالطفل لا تعرف أي شيء يرضيه أو يتوافق معهُ، دائما مُتحجج، من أقل كلمة ينفجر كالبركان، وربما تصل عصبيتهِ إلى فقدان السيطرة على نفسهِ وتظهر انفعالاته بسرعة دون تفكير أو تقدير للمقابل، وهذه جميعها لا تكون في صالح الزوجة، إذا حاولت إن تردَّ صدّى عصبيتهِ وتقابلهُ بالمثل، فمن الممكن إن تتطاير مزهرية فوق رأسها وتصطدم بجدار المنزل، أو ربما يحاول إن يضربها أو يضرب الأبناء، أو قد يتلفظ بكلمات تزعجها! وبكل المحاولات ربما قد لا تجد طريقة مُناسبة لتهدئة زوجها الثائر!

أسباب كثيرة تؤدي إلى هكذا مزاج مُتعكر للزوج، منها: نفسية أو اجتماعية أو المستوى المعيشي، أو ربما بسبب ضغط العمل أو مشكلة قد واجهته، أو بسبب مشاكل بين الأهل، المهم أنها عديدة، ولكن في النتيجة لابد من التعامل معها بكل وضوح وتروي وهداوة وشفافية، وبدون نرفزة أو شدٍّ من الطرفين، لأنها قد تصل إلى نتائج لا تُحمد، وتكون شرخ في الجدار الأسري وتتهدم وتصل العلاقة بين الزوجين إلى حالة من عدم التفاهم وربما إلى الطلاق والفراق، وبالنهاية إلى تشرد الأبناء وضياع مستقبلهم وشبابهم.
يقول أحدهم، مشكلة الغضب والعصبية مشكلة كبيرة، يفقد فيها الإنسان قوة الإدراك والبصيرة والتعامل الصائب والاحترام، فأنا إنسان أغضب وأنفعل بسرعة، وطلبت من زوجتي إن لا تناقشني أو تجادلني وقت غضبي، وأن تتجاهل أي كلمة أقولها، حتى أرجع إلى حالتي الطبيعية، ومن ثم تبدأ مُحاورتي، تفاديًا لأي مشاكل قد تنجم، لأنني بالتأكيد لا أكون أقصدها أو أطبقها، وأحاول قدر أستطاعتي أن أحجم من عصبيتي، لأنهُ بها أعلم أني أوذي نفسي وعائلتي.
كثيرون هم على هذه الشاكلة، يتعصبون ثم يندمون، ويحاولون لو أنهم يستطيعون إن يجتازوها أو على الأقل يقللون منها، ولكن ظروفهم هي من تسيطر على تفكيرهم أحياناً، وأحياناً أخرى هي طبع مُتجذر في البعض. ولكن تبقى الكلمة الطيبة والمُؤثرة في النفس مُتاحة في كل الأوقات لحل خلاف في أي موضوع وإزالة كل الحواجز والمتاعب، والمرأة التي تدخل في حياة الرجل بعد أمهِ هي من تستطيع هذا، فالرجل طفل كبير حتى وإن شاخ يكون ما يزال بحاجة إلى حنان وحضن أمهُ الذي افتقدهُ حين زواجهِ، لا نقول افتقدهُ كلياً، ولكن يكون بحاجة إلى من تُعطيهِ هذا الحنان ويُشعره به.

نقول في خلاصة حديثنا :
لكل رجل في العالم مُفتاحًا خاصًا، ونقطة ضعف، والمرأة الذكية هي التي تعرف كيف تدخل إلى أعماق زوجها وتحتويه وتعرف كيف تتصرف معهُ وتعرف نفسيتهِ وطباعهِ، والحياة كفاح وبعض التنازلات مع بعض الكلمات الحنونة واللطيفة وابتسامة رقيقة. والمرأة الذكية والمُحافظة على بيتها وشكلها أمام الناس هي التي تكون كالزجاجة النقية أمام أشعة الشمس، تنفذ من خلالها ولا تنعكس لتحرق نفسها وغيرها، بلْ تنفذ من خلالها وتزداد جمالاً روحيًا داخليًا وتكسب القلوب.
لذا الزوجة الذكية والمحافظة على مملكتها هي التي تعرف كيف تتعامل مع كافة الحالات لتستمر الحياة وتجتاز كافة العوائق. وعليها إن تتعامل مع مزاجهِ وسلوكهِ بدون انفعال وبهدوء وكأن شيء لم يكن، وتبدأ بمُناقشتهِ بأمور أخرى لكي تشغل تفكيره وتُنسيهِ عصبيتهِ وتمتص غضبهُ، أي أنهُ لا تقابل عصبيتهُ بعصبيتها وتُعرض أسرتها وبيتها وأطفالها للضياع لمُجردّ إن زوجها عصبي، إلى إن يهدأ ثم تناقشهُ عن سبب عصبيتهِ، لأن العصبي مع أحترامي كالأعمّى لا يرّى أمامهُ، فقط الذي يعرفهُ هو فرض رأيهُ والتفكير المُسيطر على تفكيره لحظتها.

هكذا يكون الحب بينكما، أن تعرف الآخر وإذا عرفتهُ تستطيع أن تحتويهِ وتعرف حاجاتهِ وميولهِ ومن ثم تحبَّ عيوبهِ قبل حسناتهِ وتعرف كيف تتعامل معها.

126
المنبر الحر / التدليل الزائد
« في: 15:46 13/03/2012  »
 
التدليل الزائد 
سهى بطرس هرمز

عندما يزرع الإنسان نبتةٌ ما، فأنهُ كل يوم يسقيها ويعتني ويهتم بها ويقلع كل الأعشاب الضارة التي من حولها لكي لا تضر بها وتخنقها، إلى أن تكبر ويأتي مُوسم حصادها، فيجني ثمار ما غرستْ يداهُ. والإنسان كذلك منذ لحظة الميلاد تبدأ عملية تشكيلهِ وتكوينهِ، وذلك وفقًا لمْا يعيشهُ في حياتهِ من تجارب ومواقف يكتسب منها خبرات تساهم في تكوين شخصيتهِ وإنسانيتهِ. خبراتٌ يكتسب من خلالها أشكال السلوك الإنساني التي تتفق وتتلاءم مع مُتطلبات العيش إلى أن يكبر، وعلى المُحيطين ضرورة فهم وإدراك معنى كيان وحياة إنسان.

والطفل عند ولادتهِ، يُولد وهو صفحة بيضاء ناصعة ونقية تنتظر ما يخطُ عليها الزمان والمُجتمع. يُولد في أرض خصبة بكرْ، يتلقف ما يزرع فيها الوالدين والمدرسة والشارع والمجتمع، من تربية وأخلاق وتعاليم وعادات وتقاليد وطبائع، فينمو ويشبْ وهو صورة مُصغرة عن أقرانهِ. وما من أحد يستطيع أن يُعدّ الطفل الأعداد السليم غير أهلهِ وخصوصًا الوالدان، اللذان لهما الدور الأكبر في تشكيل عودَّ أبنائهم لمْا يغرسون في نفوسهم من تربية سليمةٍ وبناءةٍ وليست مُدمرة. وقد قال جوته:" باستطاعتنا أنجاب أطفال على درجة عالية من التربية، لو كان أهلهم كاملين". أي كاملين نفسيَا وعقليًا وأجتماعيًا وتربويًا.
 
الوالدان والتدليل:
الوالدان عليهما الانتباه إلى أن مرحلة تنشئة الطفل مرحلة مهمة، تتطلب منهم كثيرا من الجهد والصبر والتحمل والعطف والحماية لهذا الكائن الصغير، فهما مسؤولان مسؤولية كاملة عن حياة وكيان إنسان، جاءَ إلى الحياة وهو غريب عنها، جاهلٌ بأمورها لا يعرف شيئًا عنها.
نرى الطفل عند ولادتهِ يستقبلهُ الأهل ويحيطونهُ بالعناية والاهتمام، ويبدأ الوالدان مسؤوليتهما تجاههُ من تنشئتهِ وتعليمهِ وغرس في نفسهِ كل القيم الصالحة. ولكن هناك حالات وبدون أن يشعر الوالدان أو بدون أن يقصدا، ينشئون أطفالهم بطريقة خاطئة ومُبالغ فيها، من خلال فرط تدليلهم الزائد عن حدهِ.
 
وهذا التدليل  Pampering لهُ حالاتهِ التي تكون أحيانًا من باب الشفقة وأحيانًا أخرى من عمق حبهم لأطفالهم. ففي مثل هذه الحالة الاستثنائية، وهي حالة كون طفلهم مُعاقًا أو يعاني من مرض ما في مرحلة الطفولة، فالوالدان عندما يران طفلهما بهكذا حال يصعّب عليهما جداً، ويشعران بالشفقة عليهِ، وطبعًا هذا من حقهم، وإن كانا يُدللانهِ فهذا من حقهم أيضًا، ولكن ليس لدرجة لفت الانتباه وإشعارهِ بإعاقتهِ وبأنهُ مُختلف عن أقرانهِ، لأن هذا بالنهاية سيؤثر على نفسيتهِ وكل تصرفاتهِ وسيتولد لديهِ شعور بالنقص والانطواء وفقد الأمل والابتعاد عن المجتمع، لهواجس وخوف ينتابهُ من تعرضهِ للسخرية أو النظرة الدونية لهُ من قبل البعض، وهذا بالطبع لهُ تأثيرهُ مُستقبلاً على الوالدين.   
وهناك من الأطفال من يتوقعون أن تكون كل حاجاتهم وأمانيهم ورغباتهم مُجابة مهما كانت مُستحيلة التنفيذ، وتكون واجبة التحقيق من قبل من يقوم على رعايتهم (الوالدين). بحكم كونهِ صغير ومن عُمق حبهم لهم، يُلبون جميع رغباتهِ وما يريدهُ بدون تردد وفي لحظتها، وخصوصًا إذا كان الطفل الأكبر لوالديهِ أو طفل وحيد في الأسرة، ولكن بالمقابل هم لا يعرفون أنهم بهذه الطريقة يضرون الطفل ولا يفيدونهُ، ويُولدون الأنانية والغرور في نفسهِ وحب الذات وتفضيلها على الآخرين.
 
أي أبٍ وأمٍ يحبون أن يُدللوا أولادهم ويقضون جميع حاجاتهم، ولكن إذا كانت زائدة عن حدها، فهم بهذا يؤذون طفلهم ويولدون سلبية في كل شيء في حياتهِ، لأن كثير من الأطفال الذين تعرضوا لكثير من التدليل الزائد يُعانون من الخوف الشديد والقلق والجُبن! خوف من الأقدام على خطوة في حياتهِ بمفردهِ، خوف من الظلام ومن البقاء وحيداً، ومن قلة الاهتمام والرعاية.....الخ. هذا الخوف يستغلونهُ لصالحهم، لأنهُ بهِ يُمكنهم من الحصول على المزيد من الحب والرعاية من قبل ذويهم، وهذا بدورهِ يستغلونهُ في بناء أسلوب حياتهم وتحقيق أهدافهم.
وهناك من الأطفال من يتظاهرون بالمرض والتعب، لأنهُ بهذا ضامن أن كل طلباتهِ ورغباتهِ تكون مُجابة وبالتالي سيضمن أنهُ سوف يتم تدليلهُ أكثر وأكثر ويصبح مركزاً لاهتمام الجميع! وهنا بهذا سيتحول إلى طفل مُتحايل! يتعلم الحيلة والمُراوغة، وأي شيء يريدهُ سيتعامل بهذا الأسلوب كي يحصل عليهِ، حتى ولو كان على حساب أمكانية والديهِ. 

وشخصية الفرد المُدلل تبلغ خطورتها عندما يصل إلى مرحلة المراهقة والبلوغ! وإذا حاول أحد الوالدين المُعاندة معهُ ورفض تنفيذ أحد طلباتهِ، سيتحول إلى إنسان عدواني وانفعالي! ويُصاب بنوبات من الغضب والصراخ وكسر الأشياء والتمرد على كل شيء، ويُصبح التعامل والتفاهم معهُ صعبٌ جداً، لأنهُ مُتعوّد منذُ صغرهِ على الأخذ بدون تعب وعدم الشعور بالمسؤولية، مُتعود على الطلب والآخرين عليهم التنفيذ!   
الوالدان المسكينان كان كل همهم فرحة طفلهم، ولكن بدون قصد جعلوا من طفلهم هذا، إنسانًا يجد صعوّبة في العيش عندما يكبر، لأنهُ تدربَ منذ نعومة أظافرهِ على الأخذ دون العطاء! الوالدان خلقوا إنسان عاجز على الاعتماد على نفسهِ وصنع ذاتهِ وشخصهِ، إنسان فاقد القدرة على الاستقلال بذاتهِ، يُعاني من الخمول وضياع الهدف، يجد صعوبة في التكييف مع ظروفهِ الخاصة، وصعوبة الانخراط والاستمرار في الأعمال. إنسان يكون كل إهتمامهِ نفسهُ وكيف يجعلها مُتميزة ومُفضلة. إنسان أصبح راغبًا في الحصول على المزيد، واتكالي لا يعرف معنى الاعتماد على الذات والمُشاركة والتعاون، فاشلٌ في الحياة، لا يعرف كيف يُسيرها ويُسايرها ويتأقلم معها. وعندما تواجههُ مشكلة، فأن الحل الوحيد أمامهُ هو طلب المُساعدة ممنْ حولهُ (إنسان اتكالي)!

الوالدان خلقوا إنسانًا لا يعرف معنى الحياة، ومعنى المسؤولية، والبعض يكبر ولكن تعاملهُ وتفكيرهُ وتصرفهِ مازال كطفل صغير. إنسان فاشل اجتماعيًا! والوالدان من جانبهم حتى لو كانت لديهم الإمكانيات المفروض أن لا يلبوا جميع رغباتهِ، حتى يتعلم الرضا والقناعة في كل شيء، وأنهُ عندما يكبر ربما الحياة لن تمنحهُ كل شيء مرة واحدة! لأنها تحمل الكثير من الايجابيات والسلبيات معًا. والوالدان المفروض أن يزيدوا من معلوماتهم عن كيفية تنشئة الطفل التنشئة الصحيحة، لأنهُ كلما زادت معلوماتهم زادت قدرتهم أكثر على المساعدة، وأنشئوا إنسان قادر على الاعتماد على ذاتهِ وصقل شخصهِ وإنسانيتهِ كإنسان.   

127
مؤسسة العراقية للثقافة والإعلام
 
تُكرم الأديب الأب يوسف جزراوي ضمن 20 شخصية فكرية وادبية مبدعة في استراليا 2012
 
تابعوا معنا عبر الرابط:
 
http://al-ghorba24.blogspot.com.au/2012/03/blog-post_9234.html

 

128
 
المرأة في العالم العربي ... كيف نقيمها؟
8/ آذار/ يوم المرأة العالمي
سهى بطرس هرمز

إذا كتبنا إحصائيات عن تاريخ انجازات المرأة العربية التي تفوقتْ فيها علميًا ومهنيًا وحازت من خلالها على الكثير من الجوائز، فأنها لا تعّد ولا تحصّى. فهناك العديد من النساء العربيات اللواتي حملنْ رسالة المرأة العربية بنجاح وأثبتنْ ورسخنْ وجودهنْ وسرنْ على دروبّ كثيرة شاقة بكل عزم وثبات من أجل إيصالها.
والمرأة على مستوى العالم العربي نجحتْ بنسبة ليس في جميع البلدان العربية، في تحقيق وجودها وكيانها وشخصها. نعم هي تفوقتْ ونبغتْ في الكثير من المجالات والأصعدة وأخذتْ مكانتها في المجتمع، وأيضًا شاركتْ الرجل في الكثير من المناصب والانجازات وكانت معهُ يدًا بيدًا، وباتْ لها دور فعال في المجتمع لا يمكن الاستغناء عنهُ، كما أنها لم تترك أي مجال من المجالات لم تتفوق به وتحرز فيه السبق، سواء كان في مجال السياسة والاقتصاد والأمن أو الطب أو القضاء والعلوم الدينية والعلوم الفضائية، إضافة إلى الرياضة والفنون والاعلام والهندسة والأعمار والسياحة والتعليم .....الخ.
 والناظر لواقع المرأة العربية يجدها ما زالت تكافح بثبات وإصرار من أجل أثبات وجودها وتواجدها، ووصلت في بعض البلدان إلى مرحلة تتيح لها حتى اتخاذ قرارات مصيرية مُتعلقة بالإنسانية. وهنالك الكثير والكثير من العربيات اثبتنْ جدارتهنْ ووجودهنْ حتى في المهجر، ووضعوا ثقتهم فيهنْ ولم ينظرنْ إليهنْ كإناث، وإنما كأدمغة قادرة على أن تُنجز وتُبدع وتبتكر وتُخطط.
لكن مع هذا كلهُ، المرأة العربية (بنسبة) لم تصل إلى المستوى المطلوب الذي يتيح لها الانخراط الفعلي في الحياة وترسخ وجودها، فما زال البعض يحجمها في أمور وأشياء دون أخرى ويشككون أحيانا في مواهبها وقدراتها، وأحيانا أخرى يضعونها في أطار مُغلف بالرقة واللطف، بمعنى يحاولون دائمًا تذكيرها بأنها أنثى وأن أفضل مكان تستطيع أن تبدع وتنجح فيهِ أكثر هو البيت (كزوجة وأم)! المرأة مخلوق مثلها مثل الرجل، وربما إذا سنحتْ لها الفرص أكثر وأعطيتْ ثقة أكبر ومساحة كافية من الحرية لأثبتت جدارتها أكثر من الرجل، فالمرءُّ لا يُقيم من خلال جنسهِ، وإنما من خلال كفاءاتهِ وقدراتهِ ومُقدراتهِ ومُعطياتهِ الشخصية.
وما يحدها مرات من مُواصلة مسيرتها، هو أنها ما زالت تُرمق بالنظرة الذكورية، وفي بعض البلدان تُحرم من التعليم والتثقيف لأسباب عدة، وما زالت في بعض المجتمعات يمارس العنف عليها بكافة أشكالهِ! وهذا ما يكون الدافع لتكوين شرائح ينقصها الدراية والوعي بحقوقها وواجباتها تجاه نفسها وتجاه مجتمعها وبالتالي تولد ثقافة مغلوطة وغير مفهومة، فلمْا كل هذا ومن أجل ماذا؟!
المرأة ذكرتها الأديان وقالت أنها مُساوية للرجل، والله كرمها، ولكن أين تلك المساواة اليوم؟! أين حقوقها التي خصت بها؟! أنها شبه غائبة أو لنقول غير مرئية أو يحاول البعض إنزال الستار عنها وإبقاءها خلفها! فتلك النظرات التي تُرمق بها للمرأة ما زالت مُوجودةٍ ومُترقبةٍ لها، وتحاول إذا أتتها الفرصة أن تُذكرها بها وتحجمها ضمن كونها مخلوق ضعيف لا يمكن لها أن تؤدي غير دورها في البيت رغم كفاحها الطويل في الحياة من أجل تثبت وتقول للعالم: (نعم ... أنا أنثى، ولكن لي قدرات تفوق الجبال).
انجازات المرأة التدريجية في العالم العربي تسير في خطاها الصحيح وستستمر إذا ساعدت ثقافة قبول الآخر على هذا، فهي لا تزال بحاجة إلى دعم وتشجيع أكبر وإعطائها فرص وأولوية أيضًا لتسير بخطى ثابتةٍ وموزونةٍ بدون أي عراقيل أو عقبات تحط من تقدمها أو تحسسها أنها اقل قدرة. والمرأة العربية ليست أقل من باقي نساء العالم إذا قورنتْ بهم. فالمرأة مثلما نقول دائمًا لا تنقصها الخبرة وإنما الفرصة، وبرأيي المتواضع أذا حلتْ مشكلة المرأة وصححتْ النظرة إليها، فقد حلتْ مشكلة مُجتمع بأكملهِ، لأنها هي الأساس.     
فأولى الخطوات في تخطي أي عقبات تواجه مسيرتها في كفاحها هو خلق ثقافة الاعتراف بوجودها، مع منحها ثقة وحرية تستطيع بها أن تخطو خطواتها بثبات. ولكن من الممكن أن يطول مشوارها في كفاحها إذا هي أعطتْ الفرصة لهم بذلك ورضختْ واستسلمتْ لأفكار مريضةٍ وباليةٍ! ومع هذا فالمرأة العربية تبقى شامخة ورائدة وثقتها بنفسها قوية وستنجح في أن تصبح نجمة في السماء يسطعّ نورها للآخرين. عندما هذا الرجل والمجتمع (بدون تعميم) يخلق نوع من الثقافة والوعي والتكافؤ والتكامل بهذا المخلوق وحقوقهِ، لأن خلق ثقافة مُتحضرة ومُساعدة بدورها وفعاليتها يؤثر وبشكل ايجابي على جميع النواحي وبالتالي أيضا يخلق وعي وثقافة يترّبى ويتبناها الأجيال القادمة.، لأن أذا كانت المرأة نصف المجتمع، فالنصف الآخر هي من تأتي به للحياة وهي من تربيهِ. من هذا ألا تستحق أن نقول أنها الحياة بأكملها! 
فالمفروض من البداية وفي أي نقاشات تخص هكذا مواضيع، أن لا نسأل أبدًا هل المرأة مُساوية مع الرجل؟! لأنهُ سؤال لا أساس لهُ، فنحن به نخلقهُ ومعهُ نخلق حاجز كونكريتي يكبر بينهما وكأننا به فعلاً نحاول أن نصنعهُ ونرسخهُ بينهما! فالمرأة واقع وحقيقة لا يمكن تجاهلها أو ركنها، أنها الحياة بأكملها. فلابد إذن من محاربة الأفكار المشلولة، ولابد أيضا من إرساء معايير وقوانين دولية وإنسانية أخرى لحمايتها وتأمين الظروف لها لتثبت وجودها في بيئة طبيعية وإنسانية لائقة بها وكريمة.
وإذا كانت جميع القوانين قد نصت على الحرية والمساواة كمطلب أساسي للديمقراطية، فالقضاء على جميع أشكال التمييز والعنصرية ضد المرأة ضروري أيضًا، وحقوق المرأة وحقوق الرجل واحدةٌ لا تتجزأ ما دام كلاهما خُلقا مُتساويين منذ نشوء البشرية، لذا فأن من واجب الرجل المُحافظ على حقوقهِ، أن يحافظ كذلك على حقوق نصفهِ الثاني ويناهض ويكافح معها فكريًا واجتماعيًا وثقافيًا للقضاء على الأشكال المُناهضة للعنف ضدها، واعتبارها فئة مُجتمعية مُكملة وليست مُنفصلة، لأن هذا بالتالي سيأتي بنتائج ايجابية عليه. 
فتحية أكبار وتقدير واحترام للمرأة العربية في يومها العالمي لكفاحها وتضحياتها وصمودها وهي تتصدّى بكل فخر لكل التحديات وترسخ كيانها ووجودها، فهي حياة وقلب المجتمع النابض، وهي اليد المُكملة ليد الرجل.   

129
 الأمل: هو الطريق إلى الحياة 
سهى بطرس هرمز

الحياة رغم كل شيء، وعن أي شيء.... أمل ٌ.

 مقولة تقول:" إذا فقدت مالك فقد ضاع منك شيء لهُ قيمة، وإذا فقدت شرفك فقد ضاع منك شيء لا يقدر بقيمة، وإذا فقدت الأمل فقد ضاع منك كل شيء". أي شيء تفقده في الحياة  لهُ قيمة،  فالمال قيمة مادية، والشرف قيمة أخلاقية، والأمل لهُ قيمة روحية..  فالأمل موجود في داخل كل إنسان، ولكن بإرادته هو وإقناع نفسهِ بأنهُ فقدهُ، بالفعل سيفقده حتماً.

أملنا هو الدافع الذي يعطي للحياة الاستمرارية، وهو البصيص الذي يُضيء دربنا لحياة أجمل وأرقى، يسكن قلوبنا ويُحرك السعادة فيها، وينفض غبار الحزن والألم والكآبة واليأس التي تركها الزمن في نفس كل فرد ظن إن الأمل يمكن إن يظل مفقود إلى الأبد. أملٌ يُعطي التفاؤل الذي يدفع بالفرد نحو التمسك بالحياة من جديد، راسمًا بسمةٍ على شفاه، نسيت معناه في وقت اليأس والإحباط والغدر.
ولكن الأمل واليأس لا يلتقيان أبداّ، لأن اليأس هو فقدان الأمل. فعندما نصل إلى حدّ اليأس ينكسر الأمل الذي بداخلنا ويتلاشى تدريجيًا، فلا نشعر بروعة وطعم الحياة وتفقد المعاني روعتها ورونقها. ويسكن الألم والحيرة قلوبنا، وتغيب الابتسامة وتذبل أوراق حياتنا بمرور الوقت. ولو تأملت في معنى كلمة الأمل لوجدت بأن الأمل هو الذات نفسهُ (ذاتي أنا، ذاتك أنتَ)، ذاتٌ تعبر عن وجودها في الحياة والوعي بها، وأننا لسنا مُجرد كائنات خُلقتْ للسعّي بتلقائية والاعتماد على الغير.

في لحظة من لحظات حياتنا، نتمنى، نحلم بأن أحقق مشروع أو حلم داخل ذاتي أو إن أحقق ذاتي نفسها، ولكن فجأة وبدون مُقدمات، نفقده ويضيع! فنتألم ونحزن، ونشعر بإحباط ويأس قاتلين ووحدة مع الذات. كيف إن حلم حياتي لم يتحقق؟! كيف إن الذي رسمتهُ وخططتهُ ذهب مع مهب الريح؟!

نعم، تشعر بإحباط وخوف من الفشل في تكرار المُحاولة، والاصطدام بواقع يمكن إن يسبب صدمة لك. ولكن أنت على خطأ إذا فكرت بسلبية قبل بدء رحلتك إلى هدفك ثانية، وتدرك الأخطاء التي كانت السبب في فشلك الأول، وتحاول إن تتجنبها في مُحاولتك الثانية. فالإنسان يملك عقل، وقدرات وطاقات كبيرة وقوى خفية، ولكنهُ بحاجة إلى إن يزيل عنها غبار الكسل والإحباط. فأنت أقدر وأقوى مما تتصور في اجتياز المحنة والصعاب، لأن الإنسان بنفسهُ هو من يخلق الصعاب وبإرادته يستطيع إن يجتازها ويتخطاها إلى نجاح آخر في مجال آخر. 
جددّ الأمل داخلك وأحييه وأجعلهُ دومًا ربيعًا دائمًا ولا تدعْ اليأس يعشش في داخلك، لأنك ستتعب كثيراً وتفقد قواك. فكل ما عليك أن تفعلهُ هو أن تطرد وتشطب كل الكلمات السلبية والمُحبطة من داخلك مثل:" أخاف المُحاولة، تكرار الفشل، لا أستطيع، أنا مُتردد، أنا متشائم"، وضع مكانها:" أنا أصنع المُستحيل، أنا مُبدع، أنا ناجح وطموح".  فالإنسان لا يهنئ بحياة سعيدة بدون أمل وهدف وأحلام ومشروعات كثيرة مُتزاحمة في الأذهان، يحلم ويؤمن بتحقيقها والوصول إليها في حاضره ومستقبلهِ المجهول، رغم كل المصاعب التي من المُمكن إن تعترض طريقهُ، وتحدهُ عن دربهِ.
كما أنهُ لا وجود لأمل ضائع، ولكن اليأس الذي يُسيطر على فكر وعقل وداخل الإنسان هو من يشعره بضياعهِ وبإحباطهِ ويقنع نفسهُ بهذا. نعم، قد تشعر بالوحدة، وقد يطول المشوار، وقد تنزلق في بعض المطبات، ولكن رغم ذلك تبقى تعيش وتتنفس وتحس بمْن حولك، وتطرب للألحان، وتتألم للأحزان، ولكن يبقى الأمل مُوجود مادامتْ الحياة موجودة ومستمرة، وما دمت أنتَ مُوجود. فقط في حالة واحدة نفقد الأمل حينما يسرق الموت أعز ما في نفسنا ويرحل! ولكن رغم كل شيء وعن أي شيء فلابدّ من تحدي اللاشيء والوقوف لهُ  وضدهُ لاجتيازه وعبورهُ إلى الشيء. 
فكل الأشياء التي من حولنا ليست سيئة وليست جيدة، وليست إيجابية ولا سلبية، لكن نحن الذين نصبغها بهذه الصبغة، ونشكل لون حياتنا وطعمها بحلوها ومرها، فلا تلقي اللوم على الحياة فيما تشكو منهُ. وإذا كان الأمس قد ضاع من بين يديك، فلكَ اليوم، وإذا كان اليوم سيجمع أوراقهُ ونسماتهِ ويرحل، فلديك الغد! فلا تحزن على أمس ذهب لأنهُ لن يعود، ولا تتأسف على اليوم لأنهُ راحل، ولكن أحلم وأسعد بنور مُشرق في غدٍ بهي وجميل. وكن مُتفائلا، ولا تستسلم مهما كانت مُحاولاتك فاشلة للوصول إلى هدفك وآمالك، الذي تجلب لك الآلام قبل الفرح كجزء من مُتطلبات الحياة.

130
 الجانب المظلم من التكنولوجيا المعلوماتية
سهى بطرس هرمز
الجريمة كما نعلم بمفهومها المُبسّط، وكما هي في نطاق القانون الجنائي وقانون العقوبات، تعرف بأنها كل فعل أو امتناع عن فعل يحرمهُ القانون، ويفرض عليه عقوبة أو تدبيرًا احترازياً، تبعًا لنوع الجريمة المُرتكبة وخطورتها، والتي تلحق ضرراً بشخص معين أو بمُجتمع ككُل.
وقد عرفت المُجتمعات الإنسانية جرائم مُتعددة واجهتها بشتّى السُبل والوسائل وسنتْ لها قوانين مختلفة. لكن مع تطور العلوم والتكنولوجيا ودخول وسائل الاتصال المتعددة من أجهزة الموبايل وشبكات نقل المعلومات وشبكة الانترنيت إلى مجتمعاتنا وكافة جوانب حياتنا، بدأت بإفراز أنماط مُستحدثة من الجرائم، مُعقدة في طرق ارتكابها ووسائل كشفها، مُخلفة خطراً يُؤرق المجتمع على الصعيد المحلي والدولي معاً. تسمى جرائم الانترنيتInternet Crime  أو جرائم المعلوماتية  Information Crime. والتي هي فعل إجرامي أو سلوك غير مشروع وغير مسموح به، في محاولةٍ للوصول لبيانات سرية مخزونةٍ داخل الحاسوب، وغير مسموح بالإطلاع عليها ونقلها ونسخها أو حذفها. أو تدمير بيانات وحواسيب الغير بواسطة الفيروسات، والاعتداء على حرية  الأشخاص واستغلالهم.

 والدراسات والمؤلفات في هذا الحقل قديمها وحديثها خلت من تناول الفقه على تعريف مُحدد للجريمة المعلوماتية.  حسب ما وردّ في شبكة النبأ المعلوماتية، بحجة إن هذا النوع من الجرائم ما هو ألا جريمة تقليدية ترتكب بأسلوب الكتروني. وقد تباينت التعريفات التي تناولتها وفق معيارين: معيار قانوني قائم على موضوع الجريمة والسلوك محل التجريم أو الوسيلة المستخدمة، ومعيار شخصي: وتحديدا يتطلب توفر المعرفة والدراية التقنية لدى شخص مُرتكب الجريمة. إضافة إلى التعريف القائم على تعدد المعايير: والذي يشمل التعريفات التي تبرز موضوع الجريمة وأنماطها وبعض العناصر المتصلة بآليات وبيئة ارتكابها أو سمات مُرتكبيها.

كما ذكرنا أعلاه بأن الجرائم تعددت واختلفت صورها وخاصة الالكترونية، ولم تقتصر على جرائم الفيروسات، وجرائم اقتحام واختراق الشبكات الالكترونية وتدميرها أو سرقة معلومات وبيانات الأشخاص أو المؤسسات والبريد الالكتروني، بل انتشر إضافة إليها جرائم أخلاقية  تمسُّ الإنسانية مثل الابتزاز والاختطاف والقتل والتهديد والتهجم والسب والشتم ... الخ، وجرائم التخطيط لارتكاب عمليات إرهابية وتعليم الإجرام، والجرائم الجنسية من التغرير بالأطفال والنساء، وجرائم الدعارة والدعاية للشواذ أو تجارة الأطفال والمُمارسات الغير أخلاقية، إضافة إلى جرائم الاتجار بالبشر والذي يمثل نوع من الإجرام الدولي المنظم الذي يدر مليارات الدولارات، ونسميه في عصرنا الحالي (استرقاق العصر الحديث). بعكس الاسترقاق في الأزمنة الماضية. مُضيفين إليها جرائم التشهير وتشويه السمعة عبر مواقع مُخصصة لهذا الغرض.

هذه الجرائم جميعها وغيرها الكثير باتتْ ترتكب نتيجة للفرص الذهبية التي يتيحها الانترنيت من تسهيل لارتكاب الجرائم التقليدية من ناحية، ولأن الانترنيت يساعد على حدوثها بنسبة أكبر، لأنهُ لا يعترف بالحدود أو الحواجز  بين الدول والأشخاص. والتفتيش في نوع هذه الجرائم عادة يتم على نظم الكمبيوتر وقواعد البيانات وشبكة المعلومات، وقد يتجاوز النظام المشتبه به إلى أنظمة أخرى مُرتبطة، وهذا هو الوضع الغافل في ظل شيوع التشبيك بين الحواسيب وانتشار الشبكات الداخلية على مستوى الشبكات المحلية والإقليمية والدولية.
مع الأسف تحول الكمبيوتر إلى مسرح لارتكاب الجرائم الالكترونية، تستخدم فيها شبكة الانترنيت كأداة فيه، والتي لا تترك أثراً ماديًا كغيرها من الجرائم ذات الطبيعة العامة والخاصة، لأن مُرتكبيها يمتلكون القدرة على إتلاف وتشويه وإضاعة الدليل في فترة قصيرة جدا مُقارنة بالأثر الذي تتركهُ الجريمة التقليدية. ولو نظرنا إلى الجريمة الالكترونية نجدها تتشابه مع الجريمة التقليدية فقط في أطراف الجريمة من المُجرم (المجني)، والضحية (المجني عليه) والذي قد يكون شخص طبيعي أو شخص اعتباري. بينما الاختلاف الحقيقي يكمْن في الأداة المُستعملة ومكان الجريمة، والتي تكون في الجريمة الالكترونية ذات تقنية عالية، وأيضا المكان الذي لا يتطلب من الجاني الانتقال إليهِ. 

إذن أصبح من الصّعب حصرّ جرائم الانترنيت في أشكال وأساليب مُحددة، فيومًا بعد يوم ومع تطور التكنولوجيا تزداد تنوعًا وتعدداً كلما زاد العالم في استخدام الحواسيب وشبكات الانترنيت. ويمكننا القول اليوم وفي خضم التطور الهائل والسريع للتكنولوجيا بأن المجال أصبح مفتوحًا لكل أنواع الجرائم، وأصبح الانترنيت ساحة إجرام مثالية تتحدّى الأجهزة القضائية بقدرات وإمكانيات أكبر، بشكل يُهدد أمنها وأمن ورقي المجتمع.
فالمعلوماتية إذا كان لها من السلبيات ما ذكرناها، فلها من الايجابيات أكثر. فهي وسيلة تعليم وتواصل وتثقيف وتعريف، ومفيدة في كثير من النواحي لا تعدُّ ولا تحصّى. فهي مفيدة من الناحية الأمنية ومن الناحية العلمية والعملية والتثقيفية والاقتصادية والتجارية، وكذلك فهو يساعد على التطلع على ثقافات وحضارات الشعوب وتقريب الأفكار والتواصل معها. ولكن في حالة ما إذا استخدم بشكل خاطئ وغير قانوني، عندها يكون مُهدد للأمن الاجتماعي، وخاصة في المُجتمعات المُغلقة. وبالتالي يؤدي إلى تلوث ثقافي وأخلاقي وفكري، مُخلفًا فساد وتفسخ اجتماعي وانهيار في النظم والقيم الأخلاقية والسلوكيات لهذه المجتمعات.

ونلاحظ التأثير السلبي للاستخدام السيئ والغير القانوني للشبكة، يكون أكثر على المراهقين الهواة! مما يؤثر سلباً على نمو شخصيتهم وسلوكهم ويوقعهم في أزمات نمو فكري، وأزمات نفسية لا تتماشىّ مع القيم والأخلاقيات السائدة في المجتمع، من ذلك التعامل مع المواقع الإباحية وغرف الجات والدردشة لساعات طوال. مع العلم إن الاستخدام الغير قانوني والغير أخلاقي للشبكة ليس مُقتصر على فئة معينة دون أخرى، بل باتْ يستخدم وبنسبة (لا نعمّم على الجميع) ابتداءً من الطفل وانتهاءً بالكهل. أي يستخدم من قبل مُختلف الفئات العمرية ولكلا الجنسين.

وهذا النوع من الجرائم بدأ يثير جدلاً واسعًا على مستوى العالم لخطورتهِ واستفحالهِ بشكل مُثير للدهشة. وقد شرعت العديد من الدول الأوربية قوانين خاصة بهكذا نوع من الجرائم الالكترونية مثل هولندا وبريطانيا وفرنسا واليابان وكندا، كما اهتمت البلدان الغربية بإنشاء أقسام ومراكز خاصة بمكافحة جرائم الانترنيت ولاستقبال ضحاياه وشكواهم. ووفقًا للقاعدة القانونية في قانون العقوبات (لا جريمة و لا عقوبة إلا بنص  قانوني). باعتبار إن التشريعات العربية لم تعالج هذا النوع من جرائم الانترنيت، وبالتالي بقيت هذه الأفعال والمُمارسات جميعها خارج سلطة القانون.
إن الجرائم الالكترونية تنطوي على قدر كبير من الخطورة بالشكل الذي يستلزم الاهتمام بها وتقليص حجمها على الحياة العملية والعلمية والاجتماعية والأخلاقية والبيئية، ولابدّ من سنَّ قوانين وتشريعات مهمة وصارمة بحق مُرتكبيها  توقف مُجرمي التقنية وتقلل من حدة هذه الجرائم من خلال إتباع الفكر الوقائي والتثقيفي للفرد، والتنبيه بالمخاطر السلبية الناجمة عنها. واهتمامًا بالمخاطر التي قد تنجم من استخدام شبكات الحاسب الآلي والمعلومات الالكترونية وإدراكًا للحاجة، لتأمين توازن دقيق بين مصالح تطبيق وتنفيذ القانون من جهة واحترام الحقوق الأساسية للإنسان، كما تجسّدت في المواثيق والمعاهدات من جهة أخرى، فإن الدول الأعضاء في المجلس الأوروبي والدول الأخرى الموقعة، قد وضعتْ اتفاقية بودابست لمكافحة الجرائم المعلوماتية 2001. اقتناعًا منهم بالحاجة لمُواصلة سياسة جنائية مُشتركة تهدف إلى حماية المجتمع من جرائم الفضاء ألمعلوماتي كهدف أساسي.

ونظرا للعدد الهائل والضخم الذين يرتادون هذه الشبكة، فقد أصبح من السهل واختصارا للوقت، ارتكاب أبشع الجرائم بحق مُرتديها ومُستخدميها. سواء كانوا أفرادا أو مُجتمعات بأكملها. وهذا ما دفع بالكثير إلى إطلاق الدعوات والتحذيرات من خطورة هذه الظاهرة التي تهدد جميع مُستخدميها. وإن أهم خطوة في مكافحة هذه الجرائم هو تحديدها وتحديد الجهة التي يجب أن تتعامل معها، مع العمل على تأهيل منسوبيها بما يتناسب وطبيعة هذه الجرائم المُستجدة، ويأتي بعدها وضع تعليمات مكافحتها والتعامل معها والعقوبات المقترحة ومن ثم التركيز على التعاون الدولي لمكافحة هذه الجرائم. مع ضرورة توعية الشباب والمراهقين بجرائم الانترنيت، وتنبيه الآباء بضرورة تقديم نصائح لأبنائهم وتوعيتهم بالمخاطر الناجمة عنه، مع التأكيد أيضاً على ضرورة إطلاق حملات توعية وسط المدارس ومقاهي الانترنيت ونوادي الشباب، مع أعطاها أهمية وأولوية ضرورية واهتمام جدي بهذه المسألة.

131
ثقافة الاعتذار .... هل تُجيدها؟
سهى بطرس هرمز   
هذه الحياة نتقبلها ونعيشها بتقلباتها وعواصفها وهدوئها. وكثيرا ما تُفاجئنا بمواقف فيها نقاشات أو خلافات، مؤديةٍ بالنهاية إلى مُشاحنات ومن ثم الخطأ والغلط. ولكنها لا تستمر فكل واحدٍ يراجع ذاتهُ ويعرف خطئهِ ويشعر بندم وبذنب عما صدر منهم في لحظة غضب (طبعا بنسبة). فمنهم من يعترف بذلك ويعتذر، ومنهم من يعلم بخطئهِ ولا يكلف نفسهِ عناء نطق كلمة اعتذار! أليس الاعتذار فعل يستوجب قولهِ بحق كل من نُخطئ بحقهم وخصوصًا إذا كان بدون حق؟
أنا آسف، أنا أعتذر، أنا أخطأت بحقك (ي)...الخ، عبارات تُلفظ وتُقال عندما نُخطئ بحق إنسان وجهنا إليهِ كلامًا جارحًا. ولكن هل كل واحدٍ قادرٍ على نطقها أو لفظها أو بالأحرّى مُوجودَّ من ضمن قاموس وأسلوب وسلوك حياتهِ؟!

بالتأكيد حياتنا مع التقدم المستمر تغيرتْ ومعها أيضا إنسانها، والإنسان ليس ملاكًا أو معصوم من الخطأ ....هذا أكيد ولكن لديه العقل لكي يتميز به ويُميز بين أفعالهِ وأقوالهِ وتصرفاتهِ. والقليل ممن يمتلكون ثقة بنفسهم وشجاعة وقدرة على الاعتراف بالخطأ بحق الآخرين والاعتذار منهم. فكثيرا ما يغيب عن لسان وسلوك الكثيرين هذا الاعتذار، لأسباب كثيرة منها عدم تعلمهِ على ذلك، ومنها عدم تعودهِ ومنها عدم تربيتهِ على ذلك وربما عدم قدرتهِ على استيعاب حجم ومقدار الألم الذي سببهُ للآخرين، وربما لعدم وجود مُبررات مُقنعة وشجاعة واعتراف من المُخطئ بذلك، أو ربما المصلحة هي الغالبة! لا ندري تتنوع الأسباب مع اختلاف تفكير كل واحدٍ.
  
فالاعتذار ثقافة وخلق وسلوك إنساني راقيّ ودالٍّ على قوة الشخصية، وهي ثقافة لا يتمتع بها الكثيرين، حيث تعتبر شبه غائبة لدّى بعض المُجتمعات، وغائبة كليًا عند البعض من الأشخاص! وعندما يعلم أحدٍ أنهُ أخطأ بحق الغير، والموقف يتطلب الاعتذار ومع ذلك لم يقدمهُ وتغاضّى عنهُ، فهذا من ضعف وفشل وكره نفسهِ لنفسهِ وعدم مقدرتهِ على السيطرة عليها وتوجيهها، لا يملك القدرة على قيادة ذاتهِ ومراجعتها، بلْ نفسهُ الأمارة بالسوءِ هي من تقودهُ وتُسيرهُ!

حقيقةٍ أصبحت حقيقة إنساننْا غامضة وغريبة، والأغرب أنه يدعي التمدن والحضارة والثقافة واستخدام الكلمات الأجنبية (Sorry) في مواقف صادمة في الحياة! نحن لسنْا ضد التمدن والانفتاح، فهذه الكلمة مثل كلمات الاعتذار الأخرى، ولكن نحن ضد عدم تطبيقها الفعلي ومُوازنتها في الحياة وفي الأقوال والذات.

الله خلق هذه الحياة جميلة ومعها الإنسان لكي يُجملها، وستصبح أكثر جمالاً حينما يتواصل معها ومع داخلهِ ومع إنسانيتهِ ليسمّو بها، فهل هذا يُعطينا العذر أن نتجاهل الغير ونتعدّى على حقوقهم بدون أدنى مسؤولية أو حق؟ هل نمارس ثقافة العنف ونخطئ بحق أيًا كان؟ هل إنسانيتك تعطيك الحق بهذا الغلط؟! فلو كل واحدٍ اعترف بخطئهِ ونطق كلمة (آسف) بصدق، لدرءَّ الكثير من الألم الذي سببهُ للآخر بدون وجه حق أو خفف منهُ، ولأحسن من الصورة الظاهرية أو الأصح القناع الذي يتخفى ورائهِ! ولكن ماذا نقول في إنسان يعيش الأكاذيب والتصنع والفشل في ذاتهِ والتصدع في علاقاتهِ وعدم مُبالاة بشعور الآخرين، أو لنقول هو إنسان يعيش غرور نفسهِ الخيالي.

فمن يريد العيش مع الناس كإنسان مثلهم عليه أن يرتقيّ بهم لا عليهم، لأن في النهاية هذا دال على رقيّ نفسهِ وإنسانيتهِ، وليتعلم ثقافة الاعتذار والاعتراف بالخطأ واحترام الناس وحقوقهم، لأن هذا في النهاية يعتبر كحق من حقوق الإنسان، أليس كذلك يا إنسان؟! وتذكر أن الدنيا سلف ودين، وستلف قدرها عليك يومًا.  
وتذكر أيضًا أنهُ في الظلام إن فتحت عينيك أو أغمضتها .. لا فرق ستجد، فـالنتيجة واحدة! هكذا عندما تجرح أحدهم .. لا فرق إن اعتذرت أو لم تعتذر ... فأنت كلاشيء في الحياة.


132
رأي في أدب وفكر الأديب الأب يوسف جزراوي
سهى بطرس هرمز
حياة كل إنسان هي بمثابة لوحة جميلة يرسمُها بريشتهِ، ومعزوفة عذبة يُلحنُها بأناملهِ ليُطربَ بها مسامع الآخرين، وكتاب يخطهُ ويُكمل صفحاتهِ بقلم أفكارهِ ونتاجات سنينهِ. إنساننْا هذا، الله خلقهُ مُميزًا ومُتمايزًا ويمتلك من القُدرات والمواهب ما لا يعّد ولا يُحصّى، هذا إذا عرفَ كيف يكتشفُها ويُنميها ويبّلورها في سبيّل خدمة الآخرين ومِن ثم نفسهِ.
كموهبة الكتابةِ التي قبل أن تكون أسلوب ومعرفة هي فن وتعبير وموهبة ومبدأ وموازنة وأنامل تخط أجمل العبارات والكلمات العذبة التي تبهر الفكر وتنور العقل وتدخل القلوب، خارجةٍ من خبايا النفس ونابعّة من تأملات أعماق ذاتًا عاصرتْ وشهدتْ خبرات كثيرة وأطلعتْ على تجارب الكثيرين وعايشتهم وعاشتْ لهم.
والأب يوسف جزراوي واحدٌ من هؤلاء الذين يمتلكون موهبة نادرّة في أسلوب الكتابة. كتابات هي ثمرة مسيرة حيّاة ممزوجةٍ ما بين الحكمة والصمت الهادئ، وما بين الفكر والشعور معًا، أطلق عليها شخصيًا (كتابات كاهن أو كتابات الحكيم الصغير) لأنني ألتمستْ فيها عمق الفكر والحكمةِ والرزانة في فكر يسبق عمرهِ! كتابات تحمل كلمات شفافة، من يقرأها يجدُّها كالعطر الذي يُسكب في دواخل كلٌ نفسًا ليُعطرها، ومعزوفةٍ رائعةٍ تُطرب القلوب، وشمعة متوهجةٍ تنير الدروبَّ.
والذي ندركهُ بأن كُل شيء في هذه الحياة أما نتركهُ أو يتركنْا ألا البصمة التي نبصمها على تاريخنا. والأب يوسف جزراوي كاتب وصاحب رسالة بصمَّ بصمتهِ في حياة وعقول ونفوس الكثيرين من خلال عرض أفكارهِ بين دفتيِّ كتبٌ عديّدة من تأليفهِ. أفكارًا وكتابات عديدة أمتازتْ بالانفتاح والتمييز والتجديد، والتي لاقتْ صداهّا وأثرها ووزنها في حياة كل قارئ لها، أتسمتْ بأسلوب أدبي رفيع وواعي، تعطي للقارئ بصيّرة عميقة في شخصية كاتبها وأفكارهِ وتحليلهِ للأمور، كما أتسمّتْ بالطرح الموضوعي المُتكامل وأسلوب الكتابة الجمالي الشيق الاحترافي والراقي. 
ومن يطلع على كتابات الأب يوسف جزراوي يجدهُ أنهُ لمْ يركز على الكتابةِ لمُجرد الكتابة فقط، بلْ جسدَّ كل ما هو مكنون في الشخص من عُمقٍ وأبعادٍ شخصية ونضجٍ وعطاءٍ ومحبةٍ. ركزَّ فيها على الإنسان ككائن مُتمايز تتجلىّ فيه صورة الله من خلال إلتزامهِ بكل أعمال البرِّ والتقوّى. كما قيمَ الإنسانية، وكتبَ عن المرأة (الأم، الأخت، الزوجة، الحبيبة، الأبنة) وأعطى لها قالبًا فنيًا جميلاً ولم يُحجمها لكونها أنثى. تفننْ في طرح ومُعالجة الكثير من المشاكل والقضايا وخصوصًا في الحب والزواج مُتنوراً ومُستعينًا بالعدّيد من الخبرات والتجارب التي استقاها من واقع حياة الكثيرين الذين صادفهم في حياتهِ الكهنوتية، كما قدم الكثير من النصائح وأكدَ أن الإنسان أن لمْ يذق مرارة الحياة فأنهُ لنْ يشعر بحلاوتها، وأن الدنيا بقدر ما هي قاسية ألا أنها بذات القدرِ جميلةٌ ورائعةٌ.
 خاطبَ قارئيه بقصص وحكايات روحية وإجتماعية وحياتية، والتي البعض منها هي ثمرة تأملهِ وفكرهِ الشخصي والبعض الآخر قام بترجمتها من الانكليزية، للتقريب من خلالها من فهم وفكر القارئ وأيضَا للتقريب واستيعاب الحياة بمعناها الحقيقي، لأننْا بالتأكيد نعيش ونتعايش في هذا الكون مع أشخاص مُختلفين في كل شيء، وهذه القصص ستولد لدينا الخلفية التقريبية لمْا تتخللهُ الحياة من تجارب ومحن وهدوء وثورات.
أيضا نرى في بعض مؤلفات الأب يوسف مُشاركة قُرائهُ في حياتهِ وتنقلاتهِ وسفراتهِ وخبراتهِ ولقاءاتهِ وتطلعاتهِ للحياة، داخل إطار واضح المعنى يعطيك أنطباعًا بأنك عاصرتْ وعايشتْ تلك الحياة التي ذكرها وعاشها، واصفًا إياها لهم بطريقةٍ شفافيةٍ وأكثر تشوقًا.   
حقيقة كتابات الأب يوسف إذا أعطيناها وصفًا يليق بها، هي كزخات مطر تكونت من أبخرة تجارب الحياة لتستقر في سماء النفس والروح ولتعود لتهطل عطاءً عذبًا وراقيًا. عندما نقرأها نلتمْس فيها العُمق الإنساني والتأملي والإرشادي، وبمضمون يُعطي كل ما هو جوهرّي وساميّ في حيّاة البشر، مع دعوة إلى حياة مسيحية إنسانيةٍ عميقةٍ، ساعيًا إلى ترسيخِ بذرةَ المحبةِ والإيمان في حياة المؤمنين التواقيّن إلى حياة روحية مُتجددة. كتاباتٌ هي لمنْ يقرأها نشيدُ محبةٍ ووميض نور يُبصر دربَّ الكثيرَ من الشُباب المُقبل على الحياة الزوجية والمتزوجين لمراجعة علاقاتهم والوقوف على أخطائها والعيش بتناغم وتفاهم وأحترام قدسية الزواج. كما نجدُ فيها حوار مع الذات ومع الآخر، نلتمسْ فيها الألم والفرح والأمل والشوق والمُغامرة والدمعةِ والابتسامةِ والتسامح، وكذلك التأمل الذي هو دومًا رفيق قلمهِ والموسيقى رفيقةَ أفكارهِ.
كاهنًا أمسك بقلمهِ ليفصح بين أسطر أوراق لكتب عديدة خاصتهِ عن مكنونات وخواطر الكثيرين ليُفيدَ ويستفيدُ منها الآخرين، فاتحًا آذان قلوبهم (وكم للقلوب من آذان) لتصغي لما يسطرهُ، راسمًا بأناملهِ لوحةٍ جميلة بتأنيِّ وبدقةٍ وتركيز شديدين، مُتأملاً ومُختارًا ألوان عديدة، ليخرج في النهاية بتحفةِ مُميزة نادرة، لوحةٍ خطىّ فيها عمق أفكارهِ وخواطرهِ وخبراتهِ وخبرات العدّيد من العوائل الذين صادفهم خلال مسيرتهِ الكهنوتية، طارحًا كل مُميزٍ ومُنفردٍ ومُقنعٍ في ذات الوقت، لتلاقي في النهاية مؤلفاتهِ وكتاباتهِ الروحية والإنسانية المزروعة بين طيات كتبهِ العديدة، صدّى واسع وتألقًا دائميًا.
ولا يسعني في النهاية ألا أن أتمنى المزيد من العطاء للأب يوسف والشكر الجزيل والتقدير لإشراك نحن قارئيهِ فيما أختبره في الحياة، ويا ليت لو لا يحرم قارئيه من كتاباتهِ. 

133
الرجل الذي تطمح وتتمناه كل فتاة
سهى بطرس هرمز
لا وجود لإنسان كامل ومثالي في الوجود، فالله وحده هو الكامل، ولكن الإنسان بطبعه دائما يحاول أن يخلق لنفسهِ حالة من الكمال، أو بالأحرى الاقتراب منه، وهذا أقرب إلى الخيال والمستحيل! فلابد أن يكون هنالك تناقض أو نقص ما موجود في أحد الجنسين سواء الرجل أو المرأة، وهذا النقص يكملانه مع بعضهما عند ارتباطهما بالتفاهم والتراضي والكلمة والعشرة الطيبة.
ولكن غالباً ما نرى أشخاصاً تتضارب الرؤية لديهم ويفقدون توازنهم في نقطة معينة قد تبدو صعبة بالنسبة إليهم، وربما أحيانا نتيجة هذا الضعف أو الصعوبة  يتخذون قرارات مصيرية تخص حياتهم مرتبطة بهذه اللحظة أو النقطة، مثل الارتباط والزواج، لكنها في زاوية ما تكون بعيدة تمامًا عن الرؤية الواقعية للأمور ومُسايرة الحياة. كما سنتطرق في حديثنا الآن عن أحد هذه الأمور، والذي هو عن الرجل المناسب (فارس الأحلام) والذي يصلح أن يكون شريكاً وزوجًا مستقبليًا لكل فتاة، ويُقدر قيمتها وجوهرها..
من الطبيعي أن كل فتاة أمنيتها الوحيدة أن تجد زوجاً مثالياً، يُقدرها ويُشعرها بقيمتها وأهميتها. فهناك نسبة متضاربة بين النساء في إختيارهنْ لشريك حياتهنْ، قسم منهنْ يفضله وسيم وحسن المظهر والجسم وقوي العضلات، والقسم الآخر يفضله قوياً وخشناً وصوته مدوي في البيت، وقسم آخر يفضلهُ أن يكون ضعيفا (نقصْد بها ضعيف الشخصية) كي يكون مثل العجينة في يدها تشكله كيفما تشاء ويلبي رغباتها بدون نقاش أو حوار، وقسم آخر يفضل أن يكون ثرياً وهادئاً ويعيشها في مستوى رفيع، وقسم آخر يفضله أن يكون مثقفاً وثرياً ويذكر أعياد الميلاد وحضور المناسبات بإستمرار وذكرى الزواج.... الخ.
وتكثر الآراء وكل واحدة تريد شريكها أن يكون حسب مزاجها ومتطلباتها وشروطها! متناسية أن الشرط الأساسي المفروض أن يتصف به أي رجل كان، هو أن يكون رجلا بكل ما للكلمة من معنى، حنوناً عليها، ويقدر جوهرها وشخصها وإنسانيتها، وتكون بينهما لغة الحوار والتفاهم بدون أكاذيب، ويشعرها بأهميتها ووجودها في حياتهِ، وأنها مسؤولة منه، وهذه الأشياء الأخرى من مال وثراء وحضور الحفلات هي ثانوية ومع الوقت تأتي من نفسها، باختلاطهم في المجتمع وبتعاونهم مع بعضهم ومساعدة كل واحد للآخر.
تقول أحدى الصديقات عندما سألنها عن مواصفات شريك حياتها:
 كيف تتمنين أن يكون شريك حياتك؟ فأجابتْ بابتسامة: شريك حياتي الذي في مخيلتي أودهُ أن يكون أنساناً قبل أن يكون رجلاً، وتكون لديه شخصية ورأي، أن ينظر إلى شريكة حياتهِ ويرى فيها نفسهِ، كونها مرآتهُ التي تعكس نفسهُ وتصرفاتهُ، أن يُحبني لذاتي ولشخصي، وأن يذكر الرب، ويحافظ على وعوده والتزاماته، وعلى درجة عالية من الرومانسية والشاعرية ويطرب مسامعي بكلام جميل وحنون. 
وتضيف أودهُ أن يكون رجلاً يستوعب همومي ومشاكلي، وان لا يظلمني أو يجرح شعوري في يوم من الأيام، قليل الشكوى ومتعاون ويساعدني، كريماً وليس بخيلاً، ويفكر بي وبذاتي ويحترم قراراتي وأختياراتي وأهلي في نفس الوقت. ويكون ذكياً ومثقفاً ونزيهًا وشهمًا وخفيف الدم وغير عصبي، ويوفر لي السعادة التي أتمناها ويُشعرني بالأمان وبحنانهِ، ويلبْي طلباتي، ويكون سنداً لي وليس اتكالي ومُعتمد علي، وكذلك أريدهُ أن يكون مُخلصًا ومُتسامحًا. وتتابع صديقتنا الكلام وهي تحلم وترتسم ابتسامة خفيفة على شفتيها من سعادتها وهي تتكلم عن مواصفات شريك حياتها (فارس أحلامها).. فقلت لهْا هل انتهيت أم ماذا؟ أم توجد أمور أخرى لمْ تأتي في مُخيلتك؟ فقالت: أود وأود وأحلم به أن يكون مثالياً في كل شيء! 
صديقتي طموحة وتحلم بنموذج مثالي لزوج المستقبل وأن تتوفر فيهِ كل هذه الصفات مُجتمعة، ولو كنت تركتها لتتكلم لقالت أكثر، ولكن قلت لها جملة وهي:" أن صادفتْ أو قابلتي رجلاً بكل هذه الصفات، فأعرفي أنهُ ممثل عظيم وبارع"!! ومثلما أكدنا وقلنا في بداية حديثنا بأنهُ لا يوجد إنسان كامل ومثالي، ولكن من الطبيعي في أن تحلم كل فتاة وتتمنى أن تحظى برجل يوفر لها كل ما تتمناه من سعادة وراحة. 
ولكن نقول يبقى مُجرد حلم ووهْم وسراب، لأنه كل إنسان (ذكر أو أنثى) يمتلك صفات موجودٌ فيهِ، الأخر يفتقر إليها وهكذا، ومعًا يكملانها! إي بمعنى كل الصفات الجميلة والحسنة التي ذكرناها من المستحيل أن تتواجد في رجلٌ واحدٍ أو تتواجد في إمرأة واحدة! لأن البشر جميعا يعيشون على الأرض مع بعضهم ومن الطبيعي أن يكون لكل واحد طبع خاص  يتطبع به،  أو يكتسب صفات مختلفة عن الآخر. وإذا وجْد هذا الرجل المثالي الذي تتمناه كل فتاة وتحلم به، لمْا بقيتْ أمرأة على وجه الأرض تعاني وتشكو من زوجها أو حبيبها، ولمْا كان هذا الكم الهائل من المُطلقين! ولمْا بقيت لحد الآن في بعض الدول بدون حقوق، ومُهانة من قبل الرجل!
دعوتنا لكل الفتيات: 
 قيل في المرأة: لا تطلب المرأة من الدنيا إلا زوجاً، فإذا جاء طلبتْ منهُ كل شيء! 
لذا ندعو كل الفتيات أن لا ينظرنْ إلى الرجل من خلال ما يملك أو مقدار مستوى معيشتهِ، أو إلى الشكليات من حفلات وسهرات ونوادي، فمقدار الرجل وقيمتهِ لا تقاس بهذا، بلْ بمعدنهِ وأصلهِ الطيب ومقدار عطائه لها ومدّى مُحافظتهِ عليها. والأمور الأخرى مع العشرة وبالتعاون مع بعضهم ومساعدتهم لبعض البعض تأتي تدريجياً وتباعاً، فجميعها شكليات! 
وفي رأينا الرجل الذي تتمناه كل فتاة هو الواثق من نفسه، ويقول كلمة الحق بأسلوب مهذب وحضاري بحيث لا يخدش كبرياء أو مشاعر أحد. ويتسم بقوة الإرادة وقوة الشخصية وان يكون عند قولهُ عندما يعّد بشيء، كذلك لينًا في تصرفاتهِ وتعاملهِ.  يهب الأمان والحنان، ويشارك هموم نصفهُ الآخر، مُتسامحًا لهفوات شريكهِ، ويُشاركها أسراره، وإذا تحدث تنبهر من أسلوبهِ وحسن حديثهِ وطريقة أداءه لكلامهِ، أن يكون مقدراً لأحاسيسها ومشاعرها ويحْن عليها وقت حزنها وألمها، وان يستمع إليها ويقدر رأيها ويطلب مشاركتها في قراراتهِ ويحترم رأيها، ويطرب مسامعها بكلمات دافئة مليئة بالحب، يشُعرها بأنهُ بحاجة إليها في كل لحظة، ويفتخر بها ويراها في عينيهِ غالية وجوهرة ثمينة ويحسسُها بهذا، ويكون محافظاً على بيته وأولاده.
وأخيراً نقول:
بين الرجل والمرأة لغة لا يفهمها سواهما، لغة التفاهم والصدق والمحبة والتراضي. وهم عظماء حين  يؤدون دورهم ورسالتهم  في الحياة وللأجيال القادمة  بكل أحترم أحدهما للآخر، وكما نعلم بأنه لكل من المرأة والرجل، تربية وتعليم ونفسية مختلفة، وبيئة وطريقة تفكير خاص بكل منهما، وأيضا يمتلكان طباع تختلف عن الآخر، فلا جمال المرأة ولا وسامة الرجل هي الصفة الأساسية وشرط ضروري لشريك أو شريكة الحياة، بل مقدار وعطاء وحب كل واحد منهما للآخر، وبذلهما  لبعضهما، ومحافظة كل واحد منهما على صورتهِ وأهميته أمام الأهل والمجتمع والأبناء أيضاً. فالجمال الحقيقي هو الجمال الداخلي (جمال الروح والنفس). وبالمعاملة الطيبة والكلمة الحنونة تستطيع (يستطيع) أن تُشكل شريك الحياة مثلما تريد. مثلما الإنسان هو الذي يصنع الحياة وأستمراريتها، كذلك بيده يستطيع أن يُكون شريك حياتهِ ورفيق دربهِ كيفما يريد..   

134
مـــــــــبروك صــــــــدور الــــعدد 94 مــــــن  جــــــريدة صـــــــوت بـــــخديدا


وبالمـــــــوفقية دومـــــــأ

135
مــــــــــــبروك لمـــــــجلة عشتار صـــــــدوها


وبالمـــــــوفقية دومــــــــا 

136
مـــــــبروك صــــــــــدور المــــــــجلة


وبالمـــــــوفـــقــية دائــــــــما    

137
 العاطفة في حياة الإنسان 
سهى بطرس هـرمز
قدْ تشعر بشعور خاص لا يُشاركك فيهِ غير الذي يُبادلك هذا الشعور. كشعوركَ نحو أبنكَ: أنهُ يسرك ويُفرحك أن تسمع عن نجاحهِ، ويُحزنك ويؤلمك أن تسمع عنهُ خبرٌ سيء، وتخافُ عليهِ من التعرض للخطر، تتألم لألمهِ، ترتاح لهُ عند الحديث معهُ، أو تغضب لهُ أو تعاتبهُ أو تشفق عليهِ وترنّو وتحّن إليهِ وتعجب به وتحبهُ.....الخ.  هذا الشعور الداخلي فيكَ تجاههُ والذي يكون نتيجة استعداد ذاتك لتقبل هذا الشعور، جميعها انفعالات تتمحور حول موضوعٌ واحدٌ وهو (الابن). هذه الانفعالات المختلفة تتجمع وتتمركز في نقطة واحدة وينشأ عنها ما نسميه (العاطفة). 
العاطفة التي تُسمى عادّة: بالمشاعر والأحاسيس والمزاج والانفعالات، والتي جميعها تنتمي إلى صميّم تكوين وتفاعل الإنسان من الداخل. والتي أيضًا تستطيع أن تُلاحظها من خلال شعورك نحو الأصدقاء أو زوجتك أو الجيران أو تجاه شخص ما أو موقف ما. وتقابلها عاطفة الكراهية المُتمثلة في إحساسك ومشاعرك نحو عدوٌ تكرههُ، ومشاعر الكُرهْ الأخرى من حقد وأنانية وبغض وحسد وغيرة واحتقار.

ما هي العواطف:
العواطف Emotions هي عبارة عن شعور Sentiment تشعر به في داخلك، واستعدادات شخصية وجدانية مُكتسبة في كل فردٍ من المُجتمع الذي يعيش فيهِ. وبالتالي هذا المجتمع هو من يُعين العواطف الشخصية لكل  شخص منا. كما تحدث  نتيجة للعلاقات الإنسانية  بين الأفراد والاختلاط، والتي تتكون بتكرار التجارب والاختلاط والمعرفة المُتبادلة. فتكون بنتيجتها عدّة انفعالات داخلية مُفرحة ومُحزنة، مُتمركزة حول موضوع معين، وتنتهي بعاطفة حُبّ أو كراهية. بمعنى أن العاطفة هي نوع من الاستعداد العقلي المُكتسب المُرتبط بموضوع ومحور خاص.
وعلى الرغم من التداخل بين مفهومي العاطفة والانفعال نفسيًا، ألا أن الفرق فيهما يكمنْ في إن العاطفة هي استعداد الفرد للقيام بنوع معين من الاستجابات، وفقاً للحالة الشعورية التي يشعر بها أو وفقًا لطبيعة الموقف الراهن لحظتهِ، بينما الانفعال هو نوع من السلوك واستجابة معينة لموقف معين يُصادف الإنسان. والحياة بمُجملها بدون انفعالات تمّر جافة ومُتعبة وتسير على وتيرّة واحدة، مولدة الملل والسأم.
يقول كامل محمد في كتابة علم نفس الشخصية، بأنهُ في حياة الإنسان نوعان أساسيان من العواطف هما: عاطفة الحب وعاطفة الكراهية. وهنالك عاطفة غالبة تُهيمن على سلوك الشخص مثل عاطفة حُبّ الوطن. وعندما تتبلور شخصية الفرد وتنضج وتشعر باستقلاليتها وكيانها، تكون قد تكونتْ فيها عاطفة اعتبار الذات، وهي العاطفة التي تحملنا على احترام النفس والتمسك بكرامتنا وعمل الواجب لإرضاء ضميرنا، وفي إهمالهِ احتقار لذاتنا. وكثيراً ما تندمج عاطفة اعتبار الذات مع العاطفة الغالبة فيصبح سلوكنْا كلهُ مُوجهًا في خدمة ما نحبهُ أكثر من أي شيء آخر.
وحياتنا وما تمّر به  من أحداث سواءٍ كانت إيجابية أو سلبية، تولد السرور والفرح، وبالمقابل الهّم والحزن. والعواطف التي تجتاح دواخل الإنسان تُضفي على حياتهِ الحركة والحيوية وتجعل لها قيمةُ ومعنى. فلولاها لمْا تحركنا نحو الطموح والسعادة والدراسة والعمل والاستمرار، ولمْا جعلتْ الإنسان يُدرك قيمة ذاتهِ  والوجوّد الذي يُحيط به.
 
العاطفة والعقل:
يرى العقليين بأن العقل هو تلك الصفحة البيضاء التي تكسوها الأفكار والأحاسيس الخارجية التي يتلقاها من مُحيطهِ الخارجي. لأن " العقل في النهاية يكتسب المعرفة عن طريق انتقاش المعلومات فيهِ، وعلى أساس الفطرة يُدرك الأشياء التي تمّرُ عليهِ، ثم يقوم بالاستجابة إليها وتحليلها والتعامل معها كمفردة معرفية تخدم في النهاية الإنسان وتُغني جانبهُ المعرفي" (كتاب بناء العقل/ ريتشارد ليفيتون). بينما العواطف عرفت من قبل عالم النفس "وليام جيمس" بأنها:" ردة فعل انعكاسية Reflex تنجم عن مؤثر ذوّ معنى رمزي لدى الفرد". ويختلف الفيلسوف عما نوئيل كانط مع أرسطو في إن العقل هو القوة الوحيدة التي تحرك الإنسان في سعيه نحّو الوصول إلى السعادة.
فالعقل والعاطفة بينهما تكامل وتناسق وتجانس، وعلاقة لا يستطيع الإنسان أن يستغني عن أحدهما بالآخر. وكلما أتسع نطاق إحساس الفرد وشعوره تغلبتْ العاطفة على العقل. فعاطفة الحُبّ مثلاً، التي هي حالة انفعالية معقدة مُتمركزة حول شخص معين، تُطغّى عقلهُ فيخضع الأخير لحكم العاطفة. لأن المُحب لا ينظر إلى من أحبَ نظرة مدققة بعقلهِ وفكره، بل ينظر إليه بقلبهِ ومشاعره، مُنجرفًا وراء عواطفهِ وواضعًا كل ثقتهِ وإيمانهِ فيما يشعر فقط. وهنا يضيع الإنسان عن الحقيقة لأن العاطفة ملكتْ العقل وأوقفتهُ وألغت الحكم الصحيح، وبالتالي من يقوم بدور أخذ القرارات العقلية سيكون الشعّور والأحاسيّس، مُستخدمة منطق العاطفة.
وجميع تصرفات الإنسان وسلوكهِ يُبرر بالعواطف، وإذا ما أختلف سلوكهم فيكون نتيجة لتباين عواطفهم، لأن العاطفة تكون مُحاطة بمجموعة من العواطف المُتعدّدة، والتي تتباين ما بين مُؤيد ومُعارض لها. مؤثرة بما يُصادف الإنسان في حياتهِ الاجتماعية حينًا وبالعقل حينًا آخر. لأن العواطف أساسًا  بمجموعها نكتسبها من المُجتمع وليس من الطبيعة، كغيرة الحماة من كنتها وبالعكس، وخوف الأب على أولاده من الأخطار. حتى العواطف التي تُورث وراثة تُكتسب من المجتمع كالعاطفة الجنسية وعاطفة الجوع إلى الطعام.
فالإنسان يولد وهو مُزود بعدد كبير من الإمكانات التي تتفاعل مع عالم مادي واجتماعي مُعقد، والتي تتباين مع مواقف الحياة المُتعدّدة، فيظهر الصراع بين العواطف نفسها من جهة، وبين العواطف والعقل من جهة أخرى. فبعض المواقف تخضع لسلطة العواطف، والبعض الآخر يُخضع العواطف للعقل وحكمهِ بفضل قوة الإرادة وقوة ضبط النفس.

وأخيراً:
العواطف نعمةٌ وعطيةٌ من الخالق، ولولاها لغدتْ الحّياة جامّدة ساكنة ومُملة، و لذبلتْ النفس وما كان للفن والإبداع وجود ولا للجمال سحره. وتعلم دائمًا أن تُشارك الآخرين بمشاعرك بعيداً عن البرودة والجمّود والذاتية والأنانية والتكبر، وأيضا الزيف الذي صارَ جزءًا من طبيعة الإنسان لإظهار نفسهِ بصورة غير صورتهِ الحقيقية، وعليك دومًا أن تحكم العقل والعاطفة معًا في قراراتك لكي تسلك طريقها الصحيح وتأتي بعواطفك نحو الاتزان.

138
الأنانية وحب الذات
سهى بطرس هرمز
نقرأ في الكتاب المقدس، وتحديداً أحد الوصايا العشر التي تقول:"  أحب قريبك حُبكَ لنفسكَ".  تعني أن حب الإنسان وفهمه للآخر، نابع من حبهِ لذاتهِ. أي بمعنى إذا كنت أحب ذاتي، فيجب أن يكون حبي للآخر نابع من هذا الحب، يعني حبي لقريبي،  فهذا يعني أنهُ أحب ذاتي وأقدسها وأحترمها، وإذا أظهرت عدم حبي واحترامي للآخر، فهذا معناه أنني لم أستطع أن أحب ذاتي وأنني أنانيًا وبخيلٌ. فبحبنا لذاتنا فإننا نسعّى لتهذيبها وصقلها والرقي والسمُّو بها ومن ثم نشارك هذا الآخر فيها.
كتب مايستر إيكهارت"، فيلسوف وعالم لاهوت  (1260- 1328) فكرتهُ عن حب الذات قائلاً:" إذا أحببت نفسك، فقد أحببت كل شخص آخر كما تفعل إزاء نفسك، وطالما أنك تحب شخصًا آخر أقل مما تحب نفسك، فلن تنجح حقًا في حبك لنفسك. ولكن إذا أحببت الجميع على السواء بما في ذلك نفسك، فسوف تحبهم كشخص واحد، والذي هو (الله والإنسان)، ومن ثم ستكون شخصًا عظيمًا وعلى حق ذلك الذي يُحب نفسه ويُحب جميع الآخرين على السواء".
هكذا نلاحظ أن حب الإنسان لنفسه وللآخر وللآخرين على صلة واحدة، أي إذا كان هذا الحب قائم، فأن الأنانية تنتفي أمامهُ ولا يكون لها وجود. والأنانية هي ضد حب الآخر، لأن الشخص الأناني لا يحب إلا ذاتهِ ويهتم بها أكثر وأحيانًا على حساب الآخر، حب النفس المُبالغ فيه، المُنغلق على نفسه، حب يريد كل شيء لنفسه دون غيره، حبُ امتلاك الآخر والسيطرة عليه.  ولكن في الحقيقة هو يكره ذاتهُ ويُمقتها، لأنهُ في الواقع يحصرها في دائرة فكره المُنغلقة، ولا يبذل سوى مُحاولة فاشلة لتغطية فشلهِ في العناية بنفسه الحقيقية والتي هي جوهره المكنون فيه (جوهر الإله الكائن في كل إنسان). فهل يوجد إنسان يكره ذاتهُ، أو يبخل عليها، أم هل يوجد إنسان يريد الفشل لذاته أو يذمها؟ وعن الأناني كتب "أريك فرام" في كتابه المعنون "هروب من الحرية" قائلا:" الأناني يعيش دومًا في قلق وهو مشغول في نفسه، أنهُ يعاني شعوراً حاسداً، حارقاً، لرؤية إنسان آخر يتمتع بأكثر مما يملك هو، هذا النوع من البشر لا يحب ذاتهُ أبداً، بلْ في العمق يكره ذاتهُ". 
نقرأ أيضا في مقولات الآباء، هذا القول الرائع:" إذا كنت لا أحب نفسي، فمن يُحبها؟ وإذا كنت لا أحب ألا نفسي، فأي إنسان أنا؟!  كذلك نلاحظ قول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس يقول:" لو تكلمتُ بلغات الناس والملائكة، ولا محبة عندي، فما أنا إلا نحاسٌ يطنُّ أو صنجٌ يرنُّ". (1 كورنثوس 13: 1). فالأنانية Egotism هي حب الاكتفاء بالذات وبالأنا (الذات الأنانية)، دون ترك مجال لحب الآخر واستيعابه واكتشافه وتفهمه والتضحية من أجلهِ، شدة حبهِ لنفسهِ يمنعهُ عن الانفتاح على الآخر واحتوائه، وليس شرطًا أن يكون هذا الآخر شريكًا لك، بل ربما يكون جارك، صديقك، قريبك ..الخ. وهناك مفردات متنوعة تستخدم لوصف الأنانية مثل: مُتمركز حول الذات، فردي، نرجسي، مُحب لذاته.
هل الأنانية سلوك متأصل أم مُكتسب؟
 الإنسان الأناني يعاني من عدم الاتزان، يهتم بنفسه بشكل مُطلق أو مُبالغ فيه، بحيث يركز على مصلحتهِ ورغباتهِ الخاصة دون أي اعتبار لمصلحة الآخرين والمجتمع. وحب الذات من أجل معرفة كيف تحب الآخرين، يختلف كثيراً عن الأنانية التي تركز على حب الذات والاكتفاء بها ونبذ الآخرين، أي العمل في دائرة (الأنا المغلقة). وحب الذات صفة طبيعية موجودة داخل كل إنسان، فما من إنسان يكره ذاته أو يريد الشر لها. الإنسان يحب طفولتهِ، شبابهِ، بيتهِ، عائلتهِ، مصالحهِ، عملهِ، مجتمعهِ، تقاليدهِ، يحب الأكل الجيد ، اللبس الجميل، وأن يُمتع نفسهِ ويُترفها، فالإنسان بشكل عام يحب ذاته ويضحي من أجلها، لأنهُ موجود في هذا الوجود ومع الآخرين في المجتمع.
ولكن الأناني، يكتفي بوحدته وبفردانيته، يظن نفسه هو وحده الموجود، مُحدد في كل شيء، في تصرفاته مع نفسه ومع الآخرين، منغلق، يظن نفسه هو الوحيد القادر على توجيه الآخرين، وهو ألاحكم بينهم.
نلاحظ الأطفال مثلاً، في صغرهم يمتلكون من الأنانية، بحيث تصل إلى إيذاء أخوتهم الأصغر منهم، إما بسبب الغيرة والانفراد بحب الأم وحنانها، أو لكي يثبتوا لأنفسهم وللآخرين بأنهم الأفضل والأحسن، أو ربما أعجب بشخص أبيه أو أي شخصية أخرى في خياله الطفولي، فيتصرف تصرفات ليصبح مثلها، فنلاحظ اقتصار نظره على حاجاته الخاصة، وتتولد لديه الأنانية والسيطرة وحب الذات دون الآخرين وبأنهُ الأفضل وفعل كل محظور لإشباعها، ويهتم بنفسه وبمصالحه دون الاهتمام بمصالح الآخرين أو إعطاءها الأولوية، ومع مرور الأيام والسنين تصبح متأصلة في شخصيته في ظل غياب توجيه الوالدين لهُ، وتعليمه كيف يحب الآخرين لأنه موجود مع الآخرين.
خلاصة حديثنا نقول:
حبك لذاتك يبدأ من حبك للآخر وللآخرين، أي ليس حباً من طرف واحد وباتجاه واحد، لأنك لن تجد صداهُ، وستصطدم بواقع مريرٍ وخيبةٍ ولومٍ ومقتٍ، حبَّ نفسك بصدق كي تحب الآخرين وهنا تجد التوازن في حبك وفي نفسك أولاً، لأن الحب كيان وعلاقة تبادلية فيهِ أكثر من طرف. والإنسان إذا أراد العيش في مجتمع كانسان، لابد وأن يتنازل عن أنانيته أو غروره، ليستطيع التأقلم والتمتع مع الآخرين، بذات القدر من المحبة. بمعنى حبه لنفسه يجب أن يكون نابع من حبه للآخر والمحيطين به، لكي يشعر بإنسانيته وبشخصهِ، وبجوهره الحقيقي. أن تحب ذاتك، هذا شيء جميل، ولكن حبك لها يكون نابع من اقتناعك إن لهذا الآخر نصيب في هذا الحب دون مصلحة ذاتية ودون العمل من أجل (الأنا) فقط.
وهناك مقولة جميلة يردها الناس تقول:" أظلمُ الناسِ من يظلمُ نفسهُ". ونحن لا نريد أن تظلم ذاتك وتأسرها، بل تنطلق بها وتُطلقها كي تتواصل مع الآخرين وتجد ذاتك.
14/1/2012

139
الأخت ماري   والأخ فريد
بداية أقول لكم كل عام وانتم وعوائلكم بخير وسلام ويسوع المسيح دائما معكم
اشكركم جزيل الشكر على المرور، فعلا الصلاة هي طريقنا الى القداسة والسلام الداخلي، ودائما يجب أن لا نتركها أو نهملها، بل لابد أن تكون اساسية في حياتنا وفي تعاملاتنا مع غيرنا، لكي تحفظنا وأيضا تقربنا من الله وملكوته.
تقبلوا خالص تحياتي وشكري

140
ديارنا .... متى العودة؟
سهى بطرس هرمز
بالصدفة وأنا أتمشى في أحد الأيام قرب أحد البيوت، سمعتُ امرأة مُسنة جالسة في الشباك  تتأمل في البعيد، ويدها على خدها والحزن والألم يُحاصرها، تنادي على من تركوها ورحلوا، بصوتٍ مريرٍ وتقول:

                           عصافيرنْا مع بزوغَ الفجرِ راحلةٌ         حزينةٌ بعدما طالَ انتظارها
                          تركتني أعيشُ وحيدةً بذكراها             أتأملها وأراها في عيون المارّة
                                                      قالت عند رحيلها:
                           سنعود انتظروني ولا ترحلوا            كي تفتحوا لنْا وتفرحوا
                            عصافيرنا ...   متى تعودون...   طال انتظارنْا
                                 متى تعودون!  فديارنا شبهُ خاليةٍ وأنا على وشك الرحيل.

بداية كان قرارهم للرحيل لأنهم  شعروا بغربة النفس وغربة الوطن والأهل وهم بين أهلهم ووطنهم، عانوا شتىّ أنواع القهر والظلم، شردوّا، فرقوا، هجروا، قتلوا، ذبحوا، حرموا، اضطهدوا، ذاقوا خيبات أمل كثيرة وفقدان الأهل والأحباء، عاشوا الألم والمُعاناة.....الخ. نظروا إلى حياتهم وواقعهم، أنهُ يتغير، يتمرد عليهم، ينبذهم، يُحاصرهم بخنجره من كل جانب، ضيقها عليهم! فما كان منهم غير الهروب من هذا الواقع الأليم الذي يعيشونهُ إلى حياة أخرى جديدة ولكن مجهولة وغريبة. غرباءٍ عنها لا يعرفون هل ستكون الأفضل ويستقرون ويتجمعوا مرة أخرى، أم يتشتتوا في طرقاتها، ويتفرقوا ويطير كل واحدٍ في جهة، بعد أن كانوا في موطنهم مُوحدين وفرحين وراضين حتى بالقليل الذي كانوا يمتلكونهُ؟!
واليوم البقية الباقية منهم يرحلون لحاقًا بمنْ سبقوهم، أنهم أهلنا (المسيحيين) يرحلون يومًا بعد يوم ويتركون أملاكهم وأعمالهم  وبيوتهم على أملٍ ورجاءٍ أن يعودوّا إليها في يومًا ما. يُعروّن أرضهم منهم ويتركونها صحراء قاحلة ومُتعطشة إليهم! موجات من المسيحيين تتدفق من أراضيهم وترحل إلى البلدان المُجاورة والتي هي بمثابة محطات انتظار ينتظرون فيها لحين الرحيل النهائي. 
يرحلون ولكنهم في انتظار والقلق الدائم رفيقهم، أرواحهم وأجسادهم لا تستريح ولا تهدأ، سكون النفس هجرهم، وفكرهم مُشتت بين رحيلهم وبين أهلهم وموطنهم وأرضهم! حياتهم منذ خروجهم من ديارهم وهي في بحث دائم عن استقرار غائب وحياة هانئة. والبعض يتملكهم الخوف من المجهول وعن شكل الحياة الجديدة، يعيشون بنفس مضطربة، وأحيانًا بأوهام وأحلام في سبيّل أن ينسوا قلقهم ووضعهم.

لماذا يرحلون؟
الهجرة تعني الرحيل، وتعني أن تاريخًا طويلاً من التلاحم الأخوي ووحدة المصير والعيش المشترك والتعاون والتلاحم بين مختلف المكونات، وعلاقات الانفتاح الثقافي والاجتماعي والاقتصادي المتبادل على مرّ العصور، وتجاور الحضارات، يهددهُ خطر الزوال والاضمحلال تدريجيًا ثم الاختفاء النهائي.
فالهجرة ظاهرة طبيعية لدى جميع الشعوب، لها دوافعها وأسبابها ومُسبباتها المشروعة وغير المشروعة التي تطال مُختلف شرائح المجتمعات ويهاجرون من أجلها. مُرتبطة بظروف اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية ومهنية وتعليمية. كالهجرة من أجل حياة أفضل أو من أجل البحث عن سُبّل العيش والتقدم أو ربما اللحاق بعمل أو دراسة، المهم أن أسبابها عديدة. ولكن الهجرة بمعناها اليوم وخاصة في العراق وبالذات المسيحيين، فأن هجرتهم اليوم لها دوافعها، وليست مُنحصرة بالأسباب المذكورة فقط، بلْ تتعداها إلى أسباب أخطر، وهي نتيجة شعورهم وكأنهم منبوذين وغرباء أو ضيوف وهم في أوطانهم، وهذا الشعور لهُ أسبابهُ الكثيرة، فالمسيحي فقدَّ أي حسٍّ بالانتماء إلى وطنهِ وأرضهِ، وأحسَّ بالغربةِ قبل أن يغترب ويرحل!
فإذا كنت تعيش في بيتك وأنتَ تشعر أنك غريب فيهِ، وليس فيهِ أقل خدمات أو مُوفرات العيش الهانئ، ليس فيهِ أي حقوق أو ضمان لأي شيء، ليس فيهِ أمان ولا أمن بلْ قلق وخوف دائمي من مصير مجهول، ليس فيهِ حرية المشاركة الجماعية، ليس فيهِ تقدير لحرية رأي الآخر، لا تعرف إن كان لك مستقبل فيهِ أو مكان! فما سيكون منك غير الفرار إلى بلاد تبحث فيها عمَّا أنت مفتقدهُ من حرية وديمقراطية (حرية الفكر والرأي والكلمة) والى مُجتمعات فيها إنسانها ينعم بالأمان والضمانات والراحة والاستقرار من دون خوف وتوتر وقتل وترهيب، مُجتمعات لا ترفض الآخر ولا تهمشهُ ولا تنبذهُ، بلْ يتمتع بكامل حقوقهِ! هذا هو واقع الحال وهذه هي الحياة وإنساننا يبحث عن راحتهِ، وهذا من حقهِ المشروع!   
قبل سنين كنْا ندخل كنائسنا لحضور القداس، وكان حضور المسيحيين فيهِ بأعداد لا بأس فيها، لكن اليوم من يدخل الكنيسة يفاجأ بهذا الوجود قد تقلص بشكل ملحوظ! أين ذهب كل ذاك الحضور؟! أنهم يرحلون الواحد تلو الآخر، مثل الزجاجة التي تقطر قطرةٍ قطرة إلى أن تنتهي بالكامل. فالوجود المسيحي في أرضهِ في تقليص مُستمر، وإذا أستمر الحال كما هو عليه فإنهُ سنفاجأ يومًا وديارنا خالية ومهجورة والغراب يسكنها! ومما يزيد من خطورَّة الهجرة وأثرها السيئ على نشاطات وفعاليات واستمرارية هذا المكون، هو هجرة شبابهِ طاقة المستقبل، وأصحاب الكفاءات والمهارات والثقافات، مما سيؤثر سلبًا على استمرارية المكون المسيحي وتواجده في أرضهِ، وعلى تراثهِ ومُوروثهِ وأصالتهِ ولغتهِ وهويتهِ، التي هي الأخرى ستضيع بين الثقافات المختلفة.
ومثلما كل بيت يتحمل مسؤولية أهلهِ، كذلك كل مُجتمع يتحمل مسؤولية أفرادهِ ومن ثم هذا المجتمع يتحمل مسؤولية هذه الهجرة. فإذا كان المواطن يشعر بالأمن والطمأنينة وبحقوق مُصانة، فأن هذا دافع يحفزه في البقاء والانخراط في مُجتمعهِ وفي تحمل مسؤولياتهِ، كما إن لدولة القانون والمؤسسات والمنظمات دور في خلق جو عام يقوم على الاحترام المتبادل والتآلف مما يؤدي بالنتيجة إلى إيجاد نسيج اجتماعي مُترابط ومُتماسك يصبُّ في خدمة الوطن ورقيهِ أسوّةٍ بالبلدان الأخرى.
 ولكن إذا أستمر نزيف الهجرة يتدفق فأنهُ بمثابة ضربة قاضية وعميقة توجه إلى صميم مُستقبلنا ووجودنا ولغتنا وهويتنا نحن المسيحيين. فكل ما نحتاجهُ هو نظرة مُتكاملة وعمل جادٍ من أجل احترام الحياة البشرية بروح الانفتاح والمحبة والتشارك دون اعتبار لأي خلفية أو خاصية. فالهجرة كالمرض الذي بحاجة إلى مُعالجة لعلاجهِ، لأنها تترك جراح عميقة من الحنين والحسرة وفقدان الأحباء والوحشة القاتلة لكلا الطرفين! طرف من يهاجرون وطرف من ينتظرون المهاجرين وعودتهم. والذين تجمعهم أرض واحدة، وتوحدهم لغة واحدة وثقافة واحدة والآلام وآمال واحدة.
5/1/2012

141
 ما بين رغبات المرأة ومحظورات الرجل
سهى بطرس هرمز
حياتنا تكون صعبة عندما نستصعّب الأشياء والأمور من حولنْا، وتكون سهلة ونستسهلهْا عندما نُفكر بالسهل والمُتوافق والمُرضي فيها، وهذا مُتوقف على كل فرد منْا والذي يحاول دائمًا بالبعض من تصرفاتهِ وأفعالهِ أن يضع لنفسهِ وفي طريقهِ عواقب وتحديات وموانع تجعلهُ هي من تسيرهُ وتسيطر عليهِ وعلى تفكيره، مُؤثرة فيهِ وفي الآخر من خلالهِ. والجلي والواضح أن الإنسان (ذكرٌ أو أنثى) كائن بشري وليس ملائكي لهُ أخطائهُ ونواقصهِ ويجب التعامل معهُ من هذا المُنطلق.
وإنساننا اليوم في الألفية الثانية وليس في العصوّر القديمة التي كانت تركز على توسيع الفجوة بين الرجل والمرأة  وتركز على الفوارق بينهما لدرجة إهمال روحيتها وعزة نفسها وكبريائها وإهدار كرامتها وأنوثتها وإنسانها. فإذا كانوا يريدون متعتهم عندها يتذكرون المرأة ويبحثون عنها، ولكن في أمور أخرى تُنسّى وتُؤخذ حقوقها وتُركنْ! فأين الإنصاف هنا؟!       
ونحن لا ننْكر بأنهُ في وقتنْا الحالي نلمْس تقدم في مجال إكرام المرأة وإعطاءها البعض من الحقوق في بعض المجالات الحياتية المهنية والأجتماعية والأقتصادية والسياسية، ولكن بنسبة ضئيلة لا يستحقها شخصها كإنسان لهُ قدرة ومقدرة ولكن بفرص قليلة، ونعتقد أن المشكلة هي في ثقافتنا وتقييمنْا ونظرتنا لواقعنا وحياتنا وللآخر وتحجيمهِ ضمن حدود معينة لا يجوز أن يتخطاها أكثر، وبالتالي هذا ما يتربّى عليهِ الأجيال القادمة.
ممنوعات ومحظورات الرجل:

نلاحظ أن الثقة بالمرأة ما زالتْ شبه معدومة وخاصة من الرجل المُترقب لهْا بسبب تبنيه أفكار من صنع خيالهِ هو أو مُتأثراً بأفكار ومُمارسات غيرهِ! كما نلاحظ بأن هناك البعض من الرجال يحاول أن يتعامل مع المرأة أيًا كانت في حياتهِ من مُنطلق سياسة العصّا والجزرة، السياسة التي تتبعها الدول القوية مع الدول الضعيفة في مُحاولة للسيطرة والنفوذ، ولكن كل ما يبنّى على الانفرادية والتهميش فمصيرهُ بالتأكيد سيؤول إلى الفشل والضياع.
 
في مُجتمعاتنا، الأنثى حين مولدها تتطلع في أسرتها (بدون تعميم) على سلسلة ممنوعات ومحظورات وخطوط حمراء لا يجوز لها أن تخترقها أو تتخطاها، مثل: (لا تفعلي هذا، لا تتكلمي مع أبناء الجيران، أبتعدي عن فلانة، لا تخرجي كثيراً، لا ترتدي كذا، لا تنظري هناك.....ألخ). وبعد أنتقالها إلى بيت زوجها تنتقل هذه الأفكار والمحظورات وبنسبة إلى الزوج الذي يتولاها مُضيفًا إليها وبطريقتهِ سلسلة ممنوعات أخرى، قد تكون تعسفية أو قد يكون فيها أنتهاك لحقوقها، والتي تختلف بإختلاف كل واحدٍ وثقافتهِ وتفكيرهِ وتربيتهِ وبيئتهِ ومُجتمعهِ، مُبلغًا إياها مباشرة أو مُوحيًا إليها بتصرفاتهِ ونظراتهِ. ولكن هل جميع هذه المحظورّات تروّق للمرأة؟   
بالطبع لا! فكثيرات لا تعجبها ولا تستسيغها، ولكن تقوم بتنفيذها أحيانًا أما بإقتناع ورضا ومُسايرة الواقع والمُجتمع أو مُجبرة في سبيل المُحافظة على بيتها وعائلتها من التفكك. فمثلا لو سُأل البعض من الرجال عن سبب هذه الممنوعات وسبب رغبتهِ فيها لسمعناهُ يقول: من حقي أن أمنع زوجتي من بعض التصرفات التي لا تعجبني ولا أرتاح إليها، وهي من واجبها أن تلتزم بها وتنفذها دون أعتراض أو مُناقشة. وآخر يقول: هناك خطوط حمراء المفروض على الزوجة أن لا تتخطاها أو تفكر مُجرد التفكير بها، لأنها وأن حاولت فأني لن أغفر لها مهما كانت دوافعها ومُبرراتها، والبعض الآخر يكون أكثر تفهمًا وأستيعابًا ويقول: من حقي أن أفرض على زوجتي رغباتي وأن أمنعها من القيام بأمور لا ترضيني أو لا تعجبني بشرط ألا أمحُّو شخصيتها أو أُلغي رأيها! 
هذا الأخير كان أكثر تقديراً لزوجتهِ! ولكن نتسأل ما هي هذه المحظورات التي يسعّى الرجل إليها، ويسعّى لكي تُطبقها زوجتهِ سواء كان بإرادتها أو من دونها؟!

المحظورات تختلف من شخص لآخر، فبعضها قد يكون مُقنعًا والبعض الآخر ليس لهُ مُبررّ، فمثلاً البعض ينزعج من سؤال زوجتهِ لهُ، أين كنتَ؟ أو لمْا تأخرت كثيراً؟ لأنهُ يجد بأنهُ لا مُبرر من سؤالها، أو يشعر بينهُ وبين نفسهُ بما يُجيبها! والبعض الآخر يرّى أن على زوجتهِ أن تنفذ كل ما تريدهُ والدتهُ منها بدون تذمُّر أو تعنُّد، لأنها والدتهِ ولأن هذا هو المفروض من وجهة نظرهِ! وآخر يقول لا أريد من زوجتي أن تقاطعني بحديث عندما أكون أتابع برنامج تلفزيوني أو مباراة، لأني أرّى أن الكلام الذي تريد أن تقولهُ يمكن تأجيلهِ لمْا بعد إنتهائي من المُتابعة. وتكثر الأقوال بين من يقول:" لا أريدها أن تُملي عليَّ من أصادق... لا أريدها أن تتطلع على هاتفي النقال... لا أريدها أن تتدخل في عملي... أريدها أن تلبس على مزاجي... لا أريدها أن تتخطىّ القرارات الأسرية والخاصة بالأولاد... أريدها عند عودتي للبيت أن تكون مهتمة بمظهرها... لا أريدها عندما أعاقب أولادي أن تتدخل... أريدها أن تكون مُحافظة على قوامها ورشاقتها.......ألخ".

وبين أريدها ولا أريدها، هل سألت نفسك ماذا تريد هي؟! بماذا ترغب؟! بالتأكيد لمْ تضع هذا الشيء في بالك، أو ربمْا لم تفكر به أساسًا! لأنك أناني وأحببتَ نفسكَ أكثر من حبك لشريككَ! أنتَ أحجمتها ضمن رغباتك وقراراتك الفردية ولمْ تفكر بأنها إنسان مثلك لها قراراها ورأيها ورغبتها! فأنتَ بهذا تُلغّي شخصيتها وتخلق حاجزاً بينك وبينها وتُعاملها وكأنها غريبة في بيتك، وربما قد تخلق منها شخصية عنيفة! وهذا أكيد، ولو كان هناك مسافة من الحرية والاتفاق والحوار المُتبادل بينكما لوجدت أن حياتك تكون أسهل بكثير ممْا تستصعّبها أنت بأمور إذا أتفقتما أنتما الأثنين معًا عليها. لذلك نقول إذا لمْ تكنُ أنتَ كاملٌ ولا أنا كاملٌ لمْا نُطالب الآخر بأن يكون كاملاً ما دمنْا في النهاية جميعًا بشرٌ لنْا نواقصنا التي نكملُهْا ونهذبُهْا مع الآخر. 

وأخيراً وليس آخراً نقول:
حياة البشر بالتأكيد لا تخلوّ من المشاكل والمصاعب، وكل واحد يُحاول بطريقتهِ وبقدر المُستطاع أن يتخطاها لكي يجدَ راحتهِ وسعادتهِ. ولكن هل يقبل ضمير أي أحدٍ أن يسعّى لراحتهِ على حساب الآخرين؟! وكما نعلم أن لكل إنسان منهجهُ وسلوكهُ في الحياة وتنشئتهِ الخاصة وثقافتهِ، والزواج هو شراكة حياة وتكامل وأتفاق وبذل من أجل الآخر، لذا لابدّ وأن يكون أساسهُ مبنيٌّ على أُسس متينةٍ وواضحةٍ ومتوافقةٍ للطرفين.     
فلا تطالبوا أحدًا أن يكون كاملاً في الوقت الذي فيهِ أنتمُ ناقصين! وحياتك لن تكون الأفضل ولن تتغير وتجد الهناء الذي ترجوه عندما تغير من تصرفات الآخر وتفرض عليهِ رغباتك، فحياتك تتغير وتجد السعادة تلقائيًا تأتي إليك عندما تتغير أنت وداخلك وتقف عند حدود وضعتها أنت لنفسك وبنفسك. راقب تصرفاتك، شخصك، قدراتك، وقتك، حديثك، أحترامك، مُعاملتك للآخر، الأشياء من حولك، وسترّى على هذا الأساس الفرق في حياتك وتلمسهُ في أعماقك ومع الآخر. وحياتنا في هذا الكون، ليستْ بقدر عدد سنوات عمرنْا بلْ بمْا سنتركهُ من بصمات فيها وذكرى جميلة.
31/12/2011

142
دور الصلاة في حياتنا
سهى بطرس هرمز
الصلاة هي الصّلة بين الله وذاتنا، وبها نشعر بوجود الله قربنا عند حاجتنا إليه. وبها نتجه إلى الله الحي في السماء بانتباه وخشوع، وبها نقرُّ أمامهُ عن همومنا ومتاعبنا وبضعفنا، وبها كذلك نسألهُ الغفران والرضا والتوبة وما نريدُ فيُعطينا " اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، دقوا الباب يُفتح لكم" (متى 7: 7). هذه الصلاة نرفعها بثقة وإيمان وخضوع نحو الله، الآب الذي يعرف مُسبقاً بحاجات أبناءه قبل أن يطلبونها منهُ، لأن الله آبانا " يعرف ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوهُ " (متى 6: 8 ).   
وكل صلاة هي فعل تمجيد وتقديس لأسم الله. لأن الصلاة المتواضعة، الخاشعة، والمخلصة تعبر عن حبنْا وإكرامنْا لله، هكذا تكون صلاتنْا، صّلة الروح مع الله. فــ " أنظروا كم أحبنا الآبُ حتى نُدعى أبناء اللهِ" (1 يوحنا 3: 1). 
معنى الصلاة:
قال يسوع المسيح إذا صليتم فلا تكونوا مثل الذين يحبون الصلاة قائمين في مفارق الطرق ليشاهدهم الناس، ويرددون الكلام ترديداً مثل الوثنيين، يظنون إن الله يستجيب لهم لكثرة كلامهم. لا تكونوا مثلهم، فمتى صليتْ أدخل غرفتك وأغلق بابها، وصل لأبيك الذي لا تراهُ عين، وأبوك الذي يرى في الخفية هو يُكافئك (متى 6:  5- 8 ).
يريدنا يسوع عند الصلاة، أن نصلي لآبينا السماوي في الخفية وليس أمام الآخرين، مُستعرضين أنفسنا ومُظهرين بأننا نحن نُصلي ومعتقدين بأنهُ هكذا آبانا سيكافئنا أكثر. مُرددين الصلاة في أفواهنا ترديدًا، بينما قلبنا وفكرنْا بعيد ويُفكر في مدى تقييم صلاتي من قبل الناس "هذا الشعب يُكرمُني بشفتيهِ، وأما قلبهُ فبعيدٌ عني" (مرقس 7: 6). فالآب ماذا يريد منْا؟ يريدنا أن نُصلي إليهِ بكل فكرنا وقلبنا وعدم التفكير بأمور الدنيا ومتصلين به بروحنا، مثلما كان يفعل يسوع " وأبتعد عنهم قليلا وارتمى على وجههِ وصلى" (متى 26: 39). ونحن هنا لا نقصد أن الصلاة المتخفية هي الأفضل وأكثر قبولاً، فالقداس الجماعي والاحتفالات الدينية هذه جميعها تكون فيها الصلاة جماعية وفيها نسعّى بالصلاة مع المسيح والمشاركة في مائدة الربّ بتناولنا خبز الحياة الأبدية، من خلال جسد المسيح الذي يوحدنا بالله. نعم، لتكن صلاتنا جماعية ولكن شخصية بيننا وبين الله. أي نتوجه إلى الله بقلب صافي ونية صدوقة ومُخلصة للرب. 
والصلاة الربية هي من أجمل الصلوات التي نتلوها، فنقدس بتلاوتها اسم ومجّد الله. والتي نبدأها بعلامة الصليب التي فيها إجلال لأسم الله ( باسم الأب والابن والروح القدس، الإله الواحد ... آمين).
يُخبرنا أنجيل لوقا إن أحد التلاميذ طلب من يسوع قائلا لهُ:" يا ربّ، علمنا أن نُصلي، كما علمَ يوحنا تلاميذهُ" (لوقا 11: 1). للدلالة على نية التلاميذ أن تكون لهم صلاة خاصة مثل صلاة تلاميذ يوحنا المعمدان. فقال لهم يسوع صلوا أنتم هذه الصلاة: " أبانا الذي في السموات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك في الأرض كما في السماء. أعطنا خبزنا اليومي، وأغفر لنا ذنوبنا كما غفرنا نحنُ للمُذنبين إلينا، ولا تدخلنا في التجربة، لكن نجنا من الشرير". (متى 6: 9-14). وقد وردتْ الصلاة الربية بصيغتين في الكتاب المقدس في أنجيل متى هذه التي ذكرناها، وأنجيل (لوقا 11: 2- 5).
ربنا قدوس، وأسمُهُ قُدوسٌ، وأعماله مقدسة، وصلاتنا هي تقديس لهُ، ويجب دائماً إن نُصلي ونذكر الله في حياتنا وأعمالنا ليكون حضورهُ فينا وفي داخلنا، وبها نستمد قوتنا منهُ. وعند اتصالنا به يجب أن ننسى ذاتنا ونكون كاملين في سبيل تقديس أسمهُ " كونوا مقدسين، فأني قدوس" (لاوي 19: 2). و" كونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم السماوي كامل" (متى 5: 48). فعندما نتلو الصلاة أمام الله بقلب ونية صافية، نقول: " آبانا الذي في السموات، ليتقدس اسمك" يجب أن نكون مُستعدين وانقياء القلوب لعيش وتقديس مجّد وكلمة الله. وإعداد أنفسنا بكل المشاعر الروحية السامية التي نُرددها في داخلنا ليولد شعور حقاً بأننا أبناء الله وكلنا ثقة في إيداع روحنا وحياتنا في يدي الرب " امتلئوا بالروح، وتحدثوا بكلام المزامير والتسابيح والأناشيد الروحية، رتلوا وسبحوا للرب من أعماق قلوبكم" (أفسس 5: 18- 20). 
كما فعل المسيح وقدس اسم الآب حتى الموت على الصليب. ظاهرين لهُ حُبنا وإيماننا باسمهِ القدوس من صميّم قلبنا ومن خلال أفعالنا وأعمالنا، التي تعكس ما في داخلنا. قال المسيح " لأن من الداخل، من قلوب الناس تخرج الأفكار الشريرة: الفسقُ والسرقةُ والقتلُ والزنى، والطمعُ والخبثُ والغشُ والفجورُ والحسدُ والنميمةُ والكبرياءُ والجهلُ" (مرقس 7: 21- 23).
انظروا إلى كمّ الخطايا التي ذكرها المسيح والتي تكمنْ في داخل كل واحد منا، ولكن نحن لا نقول بأننا نقترفها جميعها ولكنها موجودة في داخلنا ونحن بشر ولسنْا معصُومين من الغلط، ولكن بإرادة كل واحد قد يطلقها في أية لحظة. وهي جميعها نقاط الضعف فينا، ولا يجب إن نستسلم لها ونفقد ثقة الله فينا، بل مُحاربتها والوقوف ضدها من خلال إيماننا وصلاتنا اليومية واتصالنا مع الله، الذي يساعدنا في النجاة منها وحفظنا. لذلك قال المسيح:" صَلوا لئلا تقَعوا في التجربةِ" (لوقا 22: 46). " واحملوا الإيمان ترساً في كل وقتٍ، لأن به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرير المشتعلة، والبسوا خوذة الخلاص وتقلدوا سيف الروح الذي هو كلام الله. وصَلوا في كُل وقتٍ في الروح مُبتهلينَ" ( أفسس 6: 16- 19).
فالصلاة عندما نصليها هي حضور الروح القدس في داخلنا، والروح يفهمُ حياتنا وما تريدهُ. يُريد لنا السعادة والسلام الداخلي التي لا يمنحُها سوى الله بالإيمان به. صلاتنا تفتح نفسنا إلى حقيقة  الآب والى عظمة عطيتهِ لنا. وهي تحفظ أجسادنا من الفساد وتُبقي حياتنا في الطهارة والقداسة " فنحن لا نعرف كيف نُصلي كما يجب، ولكن الروح يُشفع لنا عند الله بأناتٍ لا توصف. والله الذي يرى ما في القلوب يعرفُ ما يريدهُ الروح، وكيف أنهُ يُشفع للقديسين بما يُوافق مشيئتهِ" (روما 8: 26- 28).   
فمتى تكون صلاتنا بالروح؟
حينما نُصلي ونشعرُ أن بيننْا وبين الله صلّة، ومتى ما سلكنا حياة الروح وحياة القداسة والإيمان والتقوّى والأعمال الصالحة والمحبة للغير والفرح والتسامح والأخوة ومساعدة الغير والصبر والسلام والأمانة والوداعة والعفاف. حينها نكون كاملين في محبة الله ونكون قد حفظنْا الإنسان الذي في داخلنْا، وعندها نستحق أن نُدعى أبناء الله، فلا نتكبر ولا نتحدى ولا يحسُدُ بعضُنا بعضًا. "لأن الروح الذي نلتموهُ لا يستعبدكم ويردكُم إلى الخوف. بل يجعلكم أبناءَ الله وبه نصرخُ إلى الله:" أيها الآبُ آبانا". (روما 8: 15). 
28/12/2011

143
بلدي متى أراك شامخًا؟
سهى بطرس هرمز
المشهد ما زال مُستمر، الممثلين أنفسهم لكنهم يتبادلون الأدوار بينهم بين الحين والآخر، يعطون للمشهد أثارة أكثر ومتعة أكبر لأنفسهم هم فقط، غير مُبالين بالحاضرين وبمشاعرهم ونهب فرحتهم واضطرابهم وحرمانهم وهم يعيشون المشهد، غير مُبالين أن كان تصفيقهم في نهاية العرض سينقلب إلى نواح وبكاء وصرخات بريئة تصل إلى السماء.

بالتأكيد نحن نتكلم على الأحداث المُستجدة والمشهد الدامي الذي يتكرر على أرض الوطن بين الحين والآخر وفي مناطق مختلفة وبدون أدنى اهتمام أو مسؤولية أو اتخاذ أي إجراءات قانونية جادة، أو حتى ولو خطوة ايجابية بسيطة تؤكد اهتمامهم بالإنسان والإنسانية وبحقوقها، لأنهم ببساطة تعودوا على هذا المشهد وأصبحت لغتهم الدارجة التي يستخدمونها عند النقاشات الجادة والمصيرية التي تتصاعد وتيرتها وتتشابك خيطوها كلما جدّ جديدٌ أو لمحو أنفسهم يتقدمون خطوة نحو الأمام.

فنحن في خضم مُختلف الأحداث الجارية والمُستجدة على الدوام، نقف حائرين، مذهلين، نكون أمام إشكالية بالغة التعقيد، نفقد أمامها القدرة على تقديم تقديرات شاملة وحاسمة لأسبابها ونتائجها أو أية حلول يمكن أن تؤدي بنتيجة ايجابية مُستقبلية. الشعب في بلده يعاني من مُمارسات دموية شاذة ومُستمرة! فما يكون منهم في كل حدث دموي يحصل في ذلك اليوم، سوى أن يسموه باسمه (الخميس الدامي أو الثلاثاء الدامي) مع بعض الإشعارات والاستنكارات، مُتناسين أن بلدهم بأكمله دامي، ينزف، حتى تربته تحولت إلى لون أحمر من كثرة الدماء التي أراقتْ فيهِ! الشعب لا يريد كلام يقال في وقته ومع الأيام يتبخر ويتناسّى ومعهُ يتناسّى دمّ الأبرياء، بلْ يريد فعل وموقف حازم، لقد صدئت آذان شعبنا برمتهِ من الشعارات والوعود المُتكررة والخيالية مع إيقاف التنفيذ. 

أخوتي وأبناء بلدي بمُجملهم يتحملون المزاج الدموي، ما ذنبهم! يقتلون ويذبحون ويجرحون ويهجرون، أنهم يدفعون ضريبة بقائهم في بلدهم، ضريبة غالية لا يقوّى على دفعها ألا من كان مُجبرًا وبدون أرادتهِ، ولا حول لهُ ولا قوة.  نعم.... أنهم يفكرون ويرفضون الواقع والحقيقة المُرّة، يرفضون الآتي والخافي من الألم والموت المجهول، يرفضون أن يتركوا الحياة مُجبرين، يرفضون أن يتركوا أبنائهم يتامى، يرفضون أن يتركوا أحبتهم مُشتتين، يرفضون أن يتركوا مصير أخوتهم للمجهول، يرفضون أن يتركوا بيوتهم وأرضهم للغرباء. ولكن هم أيضًا بالمُقابل لا يعرفون ما يفعلون وكيف السبيل إلى الخلاص والأمان؟ لا يعرفون كيف ومتى وأين يخطون خطوتهم للخلاص؟ فكلما تقدموا خطوة انجرفتْ أقدامهم في بحر الدماء وغرقوا فيها! لأنهم ببساطة غير مُوحدين وكلمتهم مُتفرقة ومُنقسمة على ذاتها. 

بلادي ... بلادي، تربتي وأنفاسي، كيف أواسيك؟ ماذا أقول لك؟ وبأي اسم أناديك؟ وبأي عين أبصركِ؟! أحزن كثيرا عليك وعلى حالك، أحزن على أبنائك الذين يسقطون بالآلاف، وأحزن على الذين يتركونك مُجبرين ويهجرونك إلى أرض أخرى غريبة، أراك يومًا بعد يوم ذابلة يا بلادي، فارغة، ومُشتتة، لا تعرفين ما تفعلين بمنْ يدنسون كرامتك أمام جيرانك وأما ضمير وحقوق الإنسانية.

فالجميع يتطلع بعين واحدة إلى موقفًا سريعًا، حاسمًا وجادًا، ولكن ذلك الموقف المجهول الجدي والرجولي ما زال في سُباتًا دائميًا، نائمًا، ساكنًا، بلا حراك! ما زال فاقدًا كلمتهِ، خطوتهِ، وحدتهِ، تكاتفهِ مع نفسهِ ومع أخوانه! فهل يا ترى سيبقى في سُباته على الدوام، ليس هنالك من يوقظه ويصرخ في وجهه، ويأخذ بيده لينشد ويحقق السلام والعدالة والأمان، لتربتهِ وجذوره ولأبنائهِ، أم نبقى إلى أن نجد وطننا في يوم من الأيام وقد فرغ من أبنائهِ، وأصبحت أرضهِ قاحلة بلا حياة، بلا كرامة، بلا إنسانية.
 

144
المنبر الحر / هل لحياتنا معنى؟
« في: 19:29 21/12/2011  »
هل لحياتنا معنى؟
سهى بطرس هرمز
كثر ما قيل عن الحياة أو ما وصفت به، قيل عنها أنها مسرح كبير فيها الكثير من الأبطال، وقيل أنها الألم والشقاء، إنسان يتألم من الآخر أو يؤلم ذاته، وقيل أنها الأنانية واللذة، إنسان يفكر في ذاته ولذته دون إن يفكر في ألم الآخر. وقيل عنها أيضا أنها الضياع والظلم والاشتياق إلى العدالة، وهي أيضا فرصة، لا تأتي إلا مرة واحدة ولابد من عيشها لحظة بلحظة دون إن تنظر للخلف وتحسب حساب المستقبل، وقيل أنها الغدر والخيانة والواقع الصعب، وأخيرا قيل إن الحياة حياة، ولابد إن تعيشها كما هي، ففيها كل شيء ولكن لا تدوم لأحد! 
الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو، قال:" أنت كلا شيء، وحياتك لا معنى لها سوّاء عشتَ أو متْ، فالنتيجة واحدة، لأن هذا لنْ يؤثر في العالم". طيب، إذا كان الإنسان لا قيمة لهُ، وحياتهِ بلا معنى، ومصير البشرية في النهاية إلى الزوال، أذن، لمْا أنا في هذه الحياة؟!  ومن أنا في هذا العالم الكبير؟! سؤال بسيط ولكن في معناه عميق!!
بداية نسأل هل الله خلق هذا الوجود لينتهي مصيره إلى العدم؟ هل الإنسان جُبل وخلق على الأرض لكي يكثر فيها ويُنميها فقط، ويأكل ويشرب مثله مثل أي كائن آخر وضمن إطار قدراته الشخصية وينتهي دوره عند هذا الحدّ؟ هل الحياة وهمٌّ يعيشها الكثيرون أم حقيقة وأهداف واستمرارية وإثبات وجوّد؟

نقول:
الإنسان لم يخلق في هذا الوجوّد من أجل لاشيء وينتهي، بلْ خلق لهدف أسمّى وأعظم، وأيضا لأن الله أراد له أن يكون فكانَ. فالحياة هي الحياة  والوجود، وهي معنى وهدف، وهي موقف نتخذه في لحظة تصادفنا لنؤكد فيه سبب وجودنا وغايتنا. وهي أن أكون أنا كإنسان. فغاية الحياة إن نحياها على مستواها السامي، أي أن نعيشها بما لدينا من كفاءات بشرية تسمّو على كفاءات باقي الكائنات. فالمطر أو الأصح حبات المطر النازلة من السماء على الأرض، هل ينتهي دورها عند هذا الحدّ، أم يستفاد منها الإنسان والحيوان والنبات على السواء وتعطي لهم الحياة. هكذا هو الإنسان وحياته على الأرض، فهو لمْ يُخلق من أجل لا شيء.
الحياة هذه الكلمة المليئة بالمتناقضات التي نمرُّ بها ونعيشها، نشعر بحلوّها وبمُرّها، ونحس بآلامها وبحلاوتها، نحتمل قسوتها ومآسيها حتى نصل إلى مباهجها. نرى فيها الحزن والألم والسعادة، نرّى الصديق والقريب والطفولة، نرى فيها الجمال والقبح، فهي طريق نمشيه بكل ما نلاقيه، وهي هدف وانجاز ورضى ووجوّد، وبحث عن معنى الإنسان كانسان، ميزّ دون جميع الخلائق. إنسان خلق وفي أعماق فكره وقلبه صوت يقول له، أنت إنسان لك روح وحياة، خُلقتَ على الأرض لتملاءها وتنبتها وتزرع الحياة فيها وتجددها، فالحياة هبة يجب إن نطورها للأفضل، ولكن ما العمل، إذا كان إنساننا يفعل عكس كل هذا، فمرة يقوم بدور البطولة ومرة يقوم بدور المشاهد ويصفق للأبطال ويشجعهم!
ونحن برأينا نقول إن الحياة هي: مرآة تعكس ذاتك وتعرف قيمتها ومدى عطاءها، وهي هدف، توازن، تنظيم، بناء، معرفة، نمو، استجابة للآخر وللأشياء وللطبيعة، وهي النمو والتكاثر والتلاؤم والتكييف مع كافة مُتطلباتها، لاستمرارها. ورغم صغر الكلمة ولكن معناها كبير جدا، فهي سلسلة متواصلة من الدروس والعبر والتجارب يستلقيها الإنسان خلال مسيرتهِ، وعليه إن يعيشها لكي يُدركها ويُجيد فهمها ويستوعبُها ويستوعب الآخر ويقبلهُ، هذا بعد إن يفهم ذاته ويقبلها كما هي، لأن ذاتك هي لك أنتَ وحدك وعليك إن تطورها من أجل ذاتك أولا ومن ثم من أجل الآخر.
وإذا كانت الحياة على رأي البعض مسرح كبير فيها الكثير من الأبطال، فنحن نقول أنها مدرسة دائمة، يتعلم منها الكثير من الأجيال باستمرار كل يوم درسٌ جديد، قد يسعدها أو يؤلمها، ولكن لا غنى لها عنها في مشوار الحياة ومسيرتها. وهي فن جميل فيها مختلف الألوان ولحن معزوفة جميلة، وهي بصمة تتركها لمن بعدك. فلمْا لا نحاول إن نفهمها ونعيشها بما يرضي الذات والضمير والآخر، أليس أفضل من إن نشوهها بأعمال لا تليق بأبناء الله!!

فالحياة كما قال جبران خليل جبران:" الحياة تمثلها الليالي على ملعب الدهر نظير مأساة.  وتنشدها الأيام كأغنية، وفي النهاية تحفظها الأبدية كجوهرة".
21/12/2011

145
 هل من الممكن أن يزهر الخريف؟
سهى بطرس هرمز
الإنسان منذ طفولتهِ يمر بمراحل عمرية مُختلفة تبدأ من سن (الطفولة- المراهقة- الشباب- الشيخوخة). وجميع هذه المراحل العمرية من عمر الإنسان تمر بمراحل وفترات حرجة، وأخطرها هي المراهقة، لأنها هي التي تتحكم في السلوك النهائي للإنسان وتحدد شخصيتهِ ومسلكهِ. والإنسان بطبعهِ مراهق سواء كان ( الطفل المراهق، الشاب المراهق، الكهْل (الشيخ) المراهق). وتعد المراهقة من أخطر المراحل العمرية التي يمر بها الإنسان ضمن أطوار حياته المختلفة. يُصاحبها نوع من عدم الاتزان والاضطراب والتوتر إلى حّد معين في التصرفات والتفكير السلبي والميّول والرغبات.
المراهقة عادة تبدأ من سن 10 أو 14 سنة، وتستمر حتى 19 أو 21 سنة، عند الشباب. وقد عـرفت في علم النفس بأنها:" الاقتراب من النضج الجسمي والجنسي والعقلي والنفسي والاجتماعي". ولكنه ليس النضج الكامل، لان الإنسان يبدأ في هذه المرحلة بالنضج العقلي والجسمي والتي تؤثر على تكوينه وبناء شخصيته، ولكنهُ لا يصل إلى مرحلة النضج الكامل إلا بعد سنوات عديدة.
نجد إن الشائع عن مرحلة المراهقة هي مرحلة غير طبيعية يغلب عليها طابع القلق والإحباط والتمرد والتحجج والتوتر، والعديد من المشاكل النفسية الأخرى، وهذا أمر طبيعي يحدث لكل إنسان نتيجة التغيرات الحاصلة في تركيبة جسمه. والمراهقة تمر بمرحلتين من عمر الإنسان، مرحلة الانتقال من الطفولة إلى مرحلة الشباب، والثانية هي المرحلة التي تصيب البعض من الرجال والنساء في فترة عمرية معينة، والتي قدرها الأطباء في فترة نهاية الأربعينات من العمر. وهذا هو موضوع مقالنا والذي سنتحدث عنه بشيء من التفصيل. 
المراهقة المتأخرة وأسبابها:
مصطلح المراهقة المتأخرة هي المرحلة التي تصيب الرجال والنساء على السواء في سن معينة ولكن بنسبة، فتسمى عند النساء بــ (سن اليأس) وعند الرجال اصطلح الأخصائيون على تسميتها بــ (أزمة منتصف العمر)، هذه تحدث ما بعد النصف الثاني من الأربعين من العمر وخاصة عند الرجال. يمر الرجل فيها بفترة غير متوازنة نفسياً وفكرياً، ويبدأ بالشعور بالقلق والاكتئاب والتوتر والتحجج والخوف من عدم الاهتمام أو الرعاية به. فيحاول العودة إلى الوراء والإغراق في تصرفات فترة المراهقة الأولى من عمره، للهروب من واقع وحقيقة أنهُ شاخ وبدأ العجز طريقه إليه. حينها يبدأ بالبحث عن حالة من التغيير والتعويض، والحنين إلى مرحلة الشباب، وعيش مراهقته من جديد أو ربما التي حُرم منها.
هناك عوامل عدة تساهم وتعزز في مرور الرجل نقول بمرحلة المراهقة الثانية، غير مرحلة الطفولة التي عاشها. منها ما يتعلق بالرجل ونفسيته ومنها ما يتعلق بالزوجة وشخصيتها، ومنها ما يتعلق البيئة الاجتماعية والمشاكل والعنف الأسري، والضغوطات النفسية في العلاقات الأسرية، والمشاكل بين الزوجين التي تؤدي إلى تولد فجوة وشرخ في العلاقة الزوجية ويصعب معالجتها، ومع مرور الوقت تبدأ في النمو والتطور وتصل إلى مرحلة يصعب فيها التفاهم وينعدم الحوار والنقاش بينهما.
أيضا للمجتمع الذي يعيش فيه ومؤثراته، تأثيره عليه من فضائيات وقنوات التلفزيون والأفلام والفيديو كليبات الإباحية التي تعرض فيها، والمجلات الإباحية، وشبكة الانترنيت التي يقضي أمامها ساعات طوال، يبحث فيها عن ما يعوضه عن المحروم عنه أو العاجز أمامه، لكي يرضي نفسيته المريضة الجائعة، وكما نعلم بان جميع هذه الوسائل تركز أكثر شيء على المرأة الشابة التي تبرز مفاتنها وأنوثتها. وأحيانا أخرى الرجل يبحث عن حنان محروم منه سواء كان حنان أمه الذي حرم منه، أو حنان فقده مع زوجته ويعوضه بأخرى. كذلك طريقة تعامل الزوجة مع الزوج ومدى اهتمامها به وبأموره، وأحيانا أخرى الروتين والملل عندما يقتحم الحياة الزوجية، حينها يبدأ الزوج بالتفكير بنفسه وكيف يكسر هذا الصمت والحاجـز في محاولة للخروج من واقع هو رسمهُ وصممهُ لنفسهِ. فيبدأ بتكوين علاقات وصداقات والخروج من المنزل وقضاء معظم الوقت خارجه.
الرجل عندما يشعر انه اقترب من سن اليأس يريد أن يثبت أولا لنفسه بأنه ما زال قويا ومؤثرا ومفعما بالشباب، يخدع نفسه ويوهمها، ويحاول الهروب من واقع أنهُ كبرَّ! إضافة إلى وجود خلافات ومشاكل أسرية، ولشعوره بالإحباط وعدم نيله الاهتمام الكافي من قبل زوجته لانشغالها بأمور المنزل أو تربية الأبناء أو ربما تكون مشغولة بعملها. كما إن انشغال الزوج نفسهُ بالحياة وجمع المال وتحقيق ذاته، لا يضع في حسبانه الترفيه عن نفسه قليلا والالتفات إلى أسرته، وما أن يبلغ أزمة نصف العمر، حتى يُدرك هذا، وتبدأ المراهقة عندهُ تأخذ أبعاد نفسية واجتماعية وتغيرات لابّد من اتخاذها بعين الاعتبار من التقدم بالعمر والميل للشعور بالوحدة والكآبة والملل من ظروف الحياة والنفور من أقل كلمة تنطق بها الزوجة، فيبدأ في البحث عن صداقات جديدة وعيش مراهقته وإمتاع نفسه وتجديدها، مُنتقمًا لنفسهِ ومن زوجتهِ. وهو مُقتنع تمامًا بأن هذا هو الصواب ومن حقهِ أن يعيش حياته، بدون أن يدرك مدى خطورة فعلته هذه وتداعياتها.
ويذكر أطباء الطب النفسي أن المرحلة التي يمرون بها الرجال تكون شبيهة بمرحلة سن اليأس عند النساء، وهي الفترة الممتدة ما بين سن 45 وما فوق، بعض الرجال يمرون بهذه المرحلة دون مشاكل أو تغيير في شكل وروتين حياتهم، لكن وجود الضغوطات النفسية والشعور بالإحباط، ووجود اضطرابات سيكولوجيا منذ الطفولة عند البعض مثل الاضطراب النفسي والبيئة المحيطة والاندفاع الزائد، والعقد النفسية التي تصيبهم عند الطفولة، وفقدان حنان الأم والأب، وأيضا قلة القدرات الجسدية والعقلية، هذه تبدأ بالظهور عند الرجال وعند البعض بحدة، فينتابهُ القلق من ناحية كهولته، فيحاول بشتى الطرق أن يغير هذا الواقع والفكرة، والبحث عن حياة تختلف عن نمط حياته العادية مع زوجته، مُنجرفًا وراء أوهامهِ وظنونهِ. مُفكرا في الخيانة الزوجية مُعتقدا أنها الحل الوحيد للخروج من الملل والفراغ القاتل.           
فيرفض واقعه ويتشبث بالماضي الذي يشعره بأنه ما زال شابا والحياة في بدايتها أمامه، مما ينتج عنها تصرفات صبيانية اصغر من عمره، غير أن الفارق بين مرحلة المراهقة الأولى والثانية، هي أن الأولى تكون بين الأبناء والأهل، والثانية تكون بين الزوج وشريكة عمره وهذه الاسوء! لأنه في حالات عديدة قد تؤدي إلى الانفصال والطلاق بعد سنوات من العشرة، وتشتت العائلة وكلام الناس والفضيحة. لان الزوج هنا يحاول استرجاع شبابه مع فتاة اصغر منه، ولا ننسّى أيضا بأنه الرجل هنا يكون أكثر مكراً ودهاءً، وربما يضطر إلى الكذب وخلق أوهام غير موجودة  إلا في مخيلته فقط. في محاولة لعيش واستعراض شبابه وتجديده على حساب حياة أخرى. ليثبت لنفسه أنهُ ما زال قويًا ومُرغوبًا، مُتمردا في العائلة ومن شكله الجديد، متخذاً من المرآة صديقته الجديدة ناظرا فيها إلى رجلا يتقدم نحو الشيخوخة، وليس بيده أي سلاح غير مُحاربتهِ بالتصرفات لنقل عنها عكسية وصبيانية، في محاولة لإثبات العكس وكيف يسترجع ما فأته.
هنا الزوجة ماذا تفعل؟
على الزوجة أن تبقى متجددة في حياتها، قادرة على العطاء لتلبي تحولات زوجها واحتياجاتهِ ومطالبهِ المتغيرة، وتواكب فكرهُ وثقافتهِ واهتماماتهِ وان تثني دوما عليها. وعليها أيضا أن تلاحظ تصرفات زوجها وتراقبه، من خلال ملاحظة مدى الوقت الطويل الذي يقضيه خارج المنزل، ومدى اهتمامه بها، أو مقدار الوقت الذي يقضيه مع العائلة والأبناء. وأيضا حالات التذمر الدائم والعصبية الزائدة بدون مبرر، والنوم الكثير، والإلحاح والاستمرار في الحديث عن ماضيه والحنين إليه. عليها أن تلاحظ كل هذا وتهتم به وتعطيه الرعاية، وأن لا تنشغل عنه وتعطي كل الوقت لأمور المنزل والأبناء مع أنها ضرورية هي الأخرى ولابد منها، ولكن يجب أن توازن بينها .
وعليها أيضا هي والأبناء أن يتعاملوا مع الحالة النفسية للرجل (الزوج والأب) بكل مرونة ورزانة وعدم إثقاله بهموم ومشاكل أخرى، تزيد العبء عليه، وإعطاءه المزيد من الحنان والرعاية وتقدير الموقف، وتدارك المشكلة في بدايتها قبل استفحالها وتزايد تداعياتها وقبل أن يرتكب الزوج غلطة عمره ويرتبط بأخرى، أو يقيم علاقة غير شرعية، وهذا ما يبحث عنه بادئ الأمر، إشباع جنسي ثم حنان ورعاية محروم منها وهنا تصبح المشكلة اكبر وأوسع. والرجل مهما كبرَ وشاخ لكنهُ ما يزال طفل كبير بحاجة إلى حنان ورعاية واهتمام.
وللرجل نقول:
أيها الرجل: الله أعطى لكل مرحلة من العمر خصوصية وقدسية وحلاوة تنفرد بها، فهذا العمر هو عمر الانجاز وجني ثمار ما غرست وتعبت فيه طوالا سنين شبابك، وهنا تستطيع أن تجد شبابك أمامك مرة أخرى يتجدد في أبنائك ومستقبلهم. هذه هي سُنة الحياة، عليك أن ترضى بها وتقتنع بذلك، وان تعطي زوجتك حقها ما دامت قد عاشت الحياة معك على الحّلوة والمرّة وتحملتك، وليس من اللائق أن تجازيها هكذا مجازة وتخون عهدك معها. فليس في كل مرحلة عمرية تريد فيها أن تعيش حياتك على حساب حياة إنسانة، أنت القدوة والمثل، فإذا كان القائد يفعل هذا، فكم بالأحرى بالأبناء، تربية يديك.
وفي النهاية نقول بأن مرّد هذه الظاهرة يرجع إلى العوامل النفسية التي يمر بها الإنسان أو التي مرتْ به، والى الظروف المحيطة به. وفي عالمنا الكثير من المشاكل التي لا تنتهي بل هي في تجدد مستمر، ولكن علينا فقط بالحذر.

146
حضارة الموت والأرهاب
الموت هو وليد الإرهاب والعنف المُمارس بكافة أشكالهِ وأساليبهِ، وهذا العنف لمْ يوجد اليوم أو البارحة بلْ هو موجّود في الفكر الأحادي الاقصائي، وعلى مْر العصور المختلفة، ولكن اختلافهُ يكون بأنهُ يوم بعد يوماً يتطور ويتجّدد، وتُستحدث أساليب أخرى جديدة غير المُمارسة قبلهُ. فالحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية والنكبات والكوارث والحرب الأخيرة وما يحدث الآن في العراق وفلسطين وأفغانستان، هذه جميعها تؤكد بأن تاريخ الإنسانية  والبشرية  برمتهِ هو تاريخ  للعنف والإرهاب.
فالعنف كان وما زال موجوّد في مُختلف المُجتمعات، ولكن بفارق بسيط بين الدول الواقعة تحت الاحتلال والدول المحتلة، كالعراق والاحتلال الأمريكي مثلاً، التي أخذت القانون في يدها محققة مصالحها هي في البلد، بينما الشعب العراقي البريء بمختلف طوائفه يقتل ويذبح يومياً بدون أدنى شعور بالمسؤولية أو محاسبة قانونية لفاعليها على هذه المجازر جميعها.
والأسباب والتداعيات المؤدية إليه تعددتْ، ولكنه واحد، وهذه الأسباب لا تُعد ولا تُحصى وسوف نذكر منها على سبيل المثال لا الحصْر، أسباب سياسية واقتصادية وأخرى اجتماعية وأخلاقية ونفسية وصحية، والبطالة والفقر والتعصب الديني والفكري والفتن الطائفية وغيرها الكثير. ولقد دأب وحاول الكثير من المُفكرين والمُحللين السياسيين والفقهاء على دراسة هذه الظاهرة من أكثر من جانب وزاوية، علْ وعسْى يجدون سبيلاً ومُخرجًا من هذه الأزمة الطاحنة التي ستؤدي إلى المزيد من القتلى والمفقودين والفقر والمرض والهجرة والفتن وسقوط الحضارات واندثارها.
فالحديث عن الإرهاب والموت يتطلب منْا إدراكاً ووعيًا إنسانيًا لأبعاده وتأثيراتهِ على الحياة البشرية لمْا جلبهُ من دمار وخراب ونكبات على حياة الإنسان على الأرض، فتجربة الإنسان وما يمّر عليه من تجارب  وازدياد وعيهِ وثقافتهِ وتكنولوجيتهِ وقوتهِ ومقدرتهِ على صناعة كل ما يستطيع عليه، أعطته الدافع والواعز لاستغلالها عكس وضْد مصالح البشر، مما ولدْ الحقد والضغينة في عقل الإنسان وبالتالي خلق الموت والإرهاب بكافة أساليبه، عاصفاً مدمراً بكل ما أُتي إليه من قوة، غير مُكترث بروح بشرية، فقط همهُ الأول والأخير أن يرى الدماء تتدفق وتسيل! هذا الإرهاب الذي ينبثق من المناطق المظلمة والخفية الكامنة في الذات والنفس البشرية، مخفية وراءها الحقد والجهل والكراهية والظلام في نفس كل مُسبب للموت.
 ومسببي وصَانعي الإرهاب  يزرعون إرهابهم بشتى الطرق، والشعب يحصد الموت والتهجير والدمار والنكبات، محطمين آمال العراقيين وسلامهم، ومحطمين البراءة والطفولة، فلو رجعنا للوراء قليلا وما حدث لأهالي قرية صوريا عام 1969 الأبرياء، والفاجعة الأليمة التي أصابتهم، نسأل ونسأل مراراً وتكراراً، كيف قتلوا أهالي البلدة جميعهم دون أي ذنبْ؟ وحتى أن كان لهم ذنبْ، فليس من حق أحد أن يدين بهكذا طريقة وحشية وأسلوب بدائي، دون سماع حتى دفاعهم! حتى الحيوانات يترأف بها، فما بالك بهذا العدد من الأهالي، وبينهم نساء وأطفال وشيوخ! ولكن لنْ نستغرب كثيراً، فما حصل عام 1969 لا يقل عما يحدث الآن ونحن في الألفية الثانية، ولكن بفارق صغير وهو أنه الأسلوب المتبع حديثاً يختلف عن ما مارس قديماً، مثلما ذكرنا بسبب التطور واستحداث أساليب وأسلحة متطورة، فاليوم بمُجرد الضغط على زر، أو رمْي عبوة ناسفة واحدة تقتل ألآلاف من البشر، وكذلك بوقت وجهد أقل! كوننا الآن في حضارة الموت والإرهاب! وكون الإرهاب والقتل أصبح لغة العصر!
وكم هو جميل أن يتفاءل الإنسان وينشد السلام والحرية والديمقراطية والطمأنينة والأمن والآمان، ولكن متى ننشْدها؟ هل في ظل ما نحن عليه الآن؟ أم ننتظر سنين أخرى تمر ونقول يمكن أن نرى حريتنا وسلامنا وحياتنا بشكل أفضل في بلدنا! أم يبقى مُجرد حلم نحلم به إلى أن نرى أنفسنا ذات يوم في قلب نار وأنهار دماء وعبوات ناسفة وبعدها نقتل وندفن!
فإنساننا  ولد حراً، وبذلك الحرية "لا تعطي ولا تؤخذ"، كما قالها غاندي، بل الحرية ولدت مع أول شهيق وزفير دخل إلى رئتي الوليد يوم مولدهِ، وليس من حق أي إنسان أن يتحكم فيها مهما كان غير الله. فهو من منحنا الحياة ومعها السلام، وجميع الأديان تؤكد على السلام، ولكن في الإنسان نقطة مظلمة وشريرة تحاول دائما أفساد الشيء الجميل الموجود في الإنسان نفسه (الشر الذي في الإنسان مهما كان صغيرا دائما يحاول التغلب على الخير الموجود في باطنه ويحاول أن يُنميه ِ)، نحن خلقنا لنعمر ونُكثر في الأرض لا لنخربها وننكبها وننصب أنفسنا حكام فيها ونحكم على كل نفس بشرية، ولكن دْم الإنسان أصبح رخيصاً وهناك من يستبيح قتل النفس والذات معاً (قتل نفس بريئة، ومن ثم قتله لذاته هو)، وأصبحت ظاهرة خطيرة وتتوسع يوماً بعد يوم! مع الأسف على إنساننا الذي أصبح ينشد ثقافة الموت ويروجها!   
ولكن هل معنى هذا أن نستسلم للإرهاب، أم  ينبغي مُحاربتهِ بكل أشكالهِ وأبعاده، فالله خلق الإنسان على صورته لينعم بحياة كاملة ويملأ الأرض، إذن حياة الإنسان هي ملك الله وحده وهو يتصرف بها، وليست ملك الإنسان نفسه أو لغيره من البشر ليتحكم فيها ويُنهيها حسب أهوائه ومصالحه، فكل من تعدّى على نفس بشرية فكأنه يتعدى على الله نفسهِ وقدسيتهِ وعملهِ وصنع يديهِ. فالإنسان قديماً دفعه كبرياءهُ وغيرتهُ من أخيه إلى معصية الله وقتل الأخ لأخيه، كما فعل قابيل وهابيل قديماً! واليوم كذلك الإنسان يحاول قتل الآخر بكافة السبل للوصول إلى أهدافه ولتحقيق مصالحهِ.
وغاندي يقول مرة أخرى: " حياتي هي رسالتي" أي دفع حياته من أجل تحقيق رسالته ألا وهي تخليص شعبه وتحقيق حريتهِ، كونهُ آمن بقوة أرادة الإنسان، وبقدرتهِ على التحكم في عقلهِ وتفكيره وتصرفاتهِ وجسده، ويستطيع مع نفسهِ أن يصمد ويشمخْ ويقف بوجه أصعّب وأقسّى الظروف والصعّاب التي من الممكن أن تواجههُ، المهم في النهاية أن يكون لديه دافع قوي وإيمان يدفعه ويحفزه للوقوف بوجه كل معاناة، وهذا ما يجب أن نفعله نحن أيضا، أن نقف بوجه الإرهاب ونحاربهُ، وهذا لا يتم ألا إذا حاربناه أولا من الإنسان نفسهُ وبعدها من البلد برمتهِ. 
سهى بطرس هرمز

147
خطأ التعميّم في حيّاتنا
سهى بطرس هرمز

لماذا لا نمتلك ثقافة النسبية (النسبي) في كلامنا وأحاديثنا، بدل من ثقافة التعميم (المُطلق)؟
ونحن أيضاً هنا بدورنا عندما نُجيب سوف لنْ نُعمم السؤال على الجميع، وسنقول سؤال يطرح من قبل البعض، يسأل لمْا يُعمّم البعض الموضوع السلبي على الجميع بدل من تنسيبه إلى الشخص الذي أرتكبهُ، أو إلى المجتمع الذي برزتْ الحالة فيه؟ فهل هو ظاهرة من الظواهر الكثيرة الموجود في بعض المجتمعات؟ أم هو أسلوب يُمارس من قبل البعض لانتشار هذه الثقافة وبقصد إساءة السُمعة فقط؟ أم هو كنوع من تصفية الحسابات بين البشر لأسباب تخصهم؟

ما هو التعميم Circular ؟

التعميم: يقصد به إصدار حكم أو قرار بدون دليل أو برهان، وتعني أيضا نشر الأحداث والمواقف على مساحات أخرى غير مساحتها الفعلية والواقعية التي حدثت فيها، ويُعطيها حجماً أكبر من حجمها الذي تحتملهُ وتسمى عادة (القفز إلى الخاتمة).  وهي غالباً ما تحدث في مجتمع من المجتمعات أو بين الأفراد أو حتى البلدان، ظاهرة أو حالة سلبية ما يقوم بها البعض ويكون لها تأثيرها السلبي وصداها في المجتمع. فنجد الأغلبية من الناس تأخذ تلك الأمور بالجملة وتُعممها وتنشرها وترددها بين عامة الناس دون الالتفات إلى التفاصيل أو الأسباب والمُسببات والمُبررات التي دعتْ إلى نشوءها أو الأشخاص المُسببين المُحددّين فيها. مُسببة بتعميمها السلبي هذا في اختزال الإنسان والشعوب والخبرات والثقافات والتواصل مع الشعوب الأخرى.
فنجدهم يسارعون إلى التحليل والتصنيف والمزايدة والتحجيم والتنسيب والتضخيم، غير عابئين بما قد تسببهُ تلك الأحكام الصادرة منهم من آثار سلبية على المعنيين وعلى المجتمع بكل شرائحهِ. فبدل من إن نحكم على موضوع ما أو شخص ما نتيجة ذلك الفعل، نجد إننا قد حكمنا على الآلاف من البشر نتيجة فعلة ذلك الشخص أو تلك الظاهرة. فلو تكررتْ حالات من السرقة أو القتل في مجتمع ما، نلاحظ جرّى التعميم على المجتمع بأكمله وإن جميع أهله سُراق! أو بائعي مخدرات أو قتلى ومجرمين! 
وأيضا إذا أرتكب شخص ما خطأ أو أثم ما، نلاحظ أنتساب فعلتهِ تصل إلى جميع أفراد أسرتهِ ويصفونها حسّب ما أرتكب ذلك الشخص وبأنهم جميعاً هكذا! ومن ثم إلى المجتمع ككل وهذا أسلوب خاطئ وتصرف غير لائق! (كلٌ من وجهة نظره ِوقناعتهِ وما يصادفهُ).
ناس فرضتْ كلمة (الكل أو الجميع) بدل كلمة (البعض)، فقط لها الظاهر والذي تسمعهُ بإنفرادية وتروج لهُ بكل طاقتها، قبل أن تتأكد منهُ، ناس تأخذ الأمور بظواهرها، وتصدر أحكامًا مُسبقة وهي لا تعلم مدى نسبة مصداقيتها، وإن كان الحكم الصادر فيها عادلاً أم جائراً وبعض الناس يستأنسون بهذا ! وكمْ وكم من الناس لا يعكس مظهرها ما تنطوي عليها ذاتهُا من صفات.
فظاهرة التعميم في الحكم وخاصة مثلما قلنا إذا كان الموضوع سلبياً، أصبح جزءاً من شخصيتنا نرددهُ يوماً بعد يوم، وينتج عنهُ نظرة تشاؤمية للحياة، فالشخص عندما يحكم بالتعميم عليهِ أن يحكم على اللحظة فقط وما حدث فيها بالضبط، وليسَ على الحياة كلها أو المجتمع كلهُ. فكل من يلجأ إلى هذه الظاهرة يملك قصر النظر وقلة الخبرة بالأمور وبالحياة وبالأشخاص، غير مُدرك بأن فعلتهِ هذه ستُسبب الأذى للآخرين وتؤثر عليهم وعلى نفسيتهم!
وهذا هو أحد الأبعّاد النفسية السلبية للبشر، والذي يختلف معناه بين المفهوم الأصح والغلط وهو من الطرق الخاطئة التي يسعى البعض إليها، وللأسف دائماً يؤدي إلى نتائج غير مرجّوة، ويجعل حياة الإنسان حياة تعيسة، فلمُجرّد موقف بسيط مع شخص ليس معناه إن الجميع يكرهونك، وفشل بسيط في الحياة لا يعني أنك شخص فاشل وكل حياتك ستكون فاشلة على العكس، يجب دائما أن لا نخلط كل المواقف ببعضها أو نُعممها، أو نُحمل أخطاء البعض للبعض الآخر، ونضعهم جميعاً في سلة واحدة وكفة ميزان ونحكم عليهم، لأنهُ كما أسلفنا لن يقودنا هذا ألا إلى طريق مسدوّد ومفاهيم مغلوطة.

وأخيرا:

يجب بقدر الإمكان عدم الأخذ بأسلوب التعميّم والعمل على عدم انتشار هذه الآفة في تناول بعض المجتمعات لسلبيات مجتمعات أخرى أو أفراد لأفراد أخرى، مما يسبب هذا الأسلوب من تنافر بين المجتمعات والشعوب وترويج لسلبيات أخرى أضافية. والتعميم صفة مذمومة وتشكل خطورة على ثقافة ورقيَّ المجتمعات، والتخلص من هذه الآفة حتى وإن كان بالتدريج ولو فكرنا فيها جدياً واقتنعنا بأن هذا خطأ في حق المجتمع، فهو خطوة صحيحة لفهم بعضنا كأفراد وشعوب الفهم القريب للواقعية والحقيقة.
وكثيرة هي الأمور السلبية التي تصادف الإنسان خلال حياتهِ سواء كان بالعمل أو البيت وغير ذلك، مثلا إذا أصابهم غمّ أو همّ أو وقع في مشكلة ربما كررتْ لمرتين أو ثلاثة، فلا يأخذ ذلك ويُعمم أن كل حياتهِ ستكون هكذا. وكما توجد في الحياة سلبيات فمن الايجابيات لها الأكثر، وإذا كان هناك شرّ فالخير أيضًا مُوجود وأكثر، وبدل من أن ننشر هذه السلبيات ونُعممّها، لمْا لا نروج للأشياء التفاؤلية التي تُصادفنا في حياتنا ونسعّد ونُسعد بها غيرنا بتعميمها عليهم، أليس أفضل.

28/11/2011

148
بعد فوات الأوان!  

عدة تساؤلات تبادرت إلى ذهني، وأردتُ إن اطرحها على من يهمهُ أو يعنيه الأمر، وهي:
 
 هل تدرك قيمة الحياة؟  هل تدرك قيمة نفسك كإنسان؟  هل تدرك قيمة الصديق؟ هل تدرك قيمة الأم والأب؟ هل تدرك قيمة الأخوة؟ هل تدرك قيمة الأمل؟ هل تدرك قيمة الوقت؟  هل تدرك قيمة النظر؟ هل تدرك قيمة قدسية الحياة الزوجية؟  هل تدرك قيمة فقدان عزيز؟  هل تدرك معنى الجمال الروحي؟ هل تدرك معنى الأذية؟ هل تدرك قيمة اللحظة؟ هل تدرك قيمة المدرسة؟ هل تدرك معنى تعاسة الإنسان؟ هل تدرك معنى قتل الطموح؟  هل تدرك معنى التقييد؟ هل تدرك معنى إن تسبب صدمة لإنسان؟.................الخ.

أشياء كثيرة لا نعرف قيمتها وجوهرها ألا بعد فوات الأوان، لا ندركها ألا بعد إن نجربها ونذوق مرارتها قبل حلاوتها! كثيراً ما نندم وبعدها نقول: يا ريت لو لم يحصل هذا؟! الدنيا دارتْ بينا، وما عطتنا الأمان، وما أنصفتنا، الدنيا غدارة! نلقي باللوم على الحياة، وننسى بأنه سوء تصرف وقلة تفكير وتقدير للموقف من قبلنا، أو من قبل الآخر. ربما هذا الآخر هو من كان حجر عثرة أمامنا، ووقف في طريقنا في لحظة من لحظات حياتنا!  لا نعرف، هل خلق الإنسان لأذية الإنسان، أو ليحقد عليه، ويكذب ويؤلم ويظلم ويحتال ويقتل ويسرق ويأكل مال الأيتام؟!  هل خلق ليسرق الطفولة ويأسرها في سجنه؟ أم خلق الله الإنسان ليكون جمال هذه الأرض، ويعكس صورتهِ في خلقه؟!

عجيبةٌ هي عجينة الإنسان التي صنع منها، عجيبةٌ هي تصرفاتهِ، والأعجب هو صبره وتحملهُ لمآسي وتجارب الحياة وصدماتها، التي سمعنا الكثير عنها وأدهشتنا. فبين ما سمعناه وما رأيناه، نقول كم هو: مؤلم ومحزن إن تهمس الكلمات ولا تجد صداها ألا في داخل نفسك، مؤلم إن تبكي بلا شهيق وبدموع صامتة، مؤلم إن يكون حضورك مثل عدمه، مؤلم أن تشعر بحاجة إلى من يواسيك وقت ضيقك ولا تجده، ومؤلم أيضا إن يسكنوا أعماق ذاتك وفي لحظة لا تجدهم. مؤلم إن تجد ذاتك تفرغ يومًا بعد يوم، ومؤلم إن تنادي بأعلى صوتك ولا يصل إليهم، والأكثر ألمًا حين يرحلوا بصمت وهدوء قاتل تاركين آمالنا تتحطم على صخر وتتبعثر! نلتفت حولنْا لا نجدّ من بكينا عليهم حزنًا ليمسحوا دموعنا.

والحياة ألم وفرح، خبرات وتجارب، والشاطر هو من يعرف كيف يُنقذ نفسهُ ويحميها ويصونها من الضياع. ويُدرك إن الحياة ليست مُجرّد مال أو شهرة، بلْ سعادة وأمان واطمئنان، وخلاص النفس.

صديقتنا هذه:

غرورها جعلها ضحية وطعم! صديقتنا التي كانت في ريعان شبابها وبجمال لا يوصف. هذا الجمال الذي كان السبب في خسارة روحها المرحة، وجعلها تصبح مُجرّد دُمىّ في يد شاب غني تقدم إلى خطبتها، فإغرائها بالمال والذهب والألماس وأرقى الملابس، وبقضاء شهر العسل في أرقى البلدان، أعمى بصيرتها بما يملك، وظنت بهذا أنها ملكت الدنيا وسوف يغنيها عن أمور كثيرة وسيوفر لها كل ما تحتاجه، فماذا سوف تتمنى أكثر من هذا؟! كل شيء سيكون في متناول يديها!
فوافقت على الزواج منهُ بسرعة، حتى بدون إن تتعرف عليه جيدا وتعرف ميولهِ وطباعهِ وطريقة تفكيره وأسلوبهِ. فلم ترى فيه غير ثروته وغناه! وتم الزواج بمُباركة الأهل، وسافرت صديقتنا مع زوجها وهي سعيدة كل السعادة. ومع الأيام ومع العشرة، عرفتْ إن سعادتها مُزيفة، وكانت المفاجأة الكبرى لها، أنها لم تكن الرقم واحد في حياتهِ، وإنها رقم بين أرقام كثيرة! ومع هذا غضتْ النظر عن هذه النقطة، وكتمتْ الألم في صدرها، وحاولت إن تعيش معه لأنه اختيارها، ولكن لم تستطع، لم تتحمل، لم تعرف معنى طعم الحياة معهُ، لمْ يشعرها بأنها مهمة في حياتهِ، لم يُحسسها بأنها إنسانة أرادها لذاتها وليس لجسّدها.

رأى فيها الجمال، فأنبهر به وأراد إن يمتلكهُ، كانت زهرة جميلة في بستان فأراد إن يقطفها لتذبل بين يديه يومًا بعد يوم، كانت لهُ تحفة من بين التحف المُوجودة في المحلات، فأراد شرائها ليضمها إلى التحف المُوجودة في منزلهِ، لم ينظر لها كإنسانة لها روح، لم ينظر إلى السعادة التي دخلت إلى قلبها حين أرادتهُ لها كشريك لحياتها. فتحولت الأحلام والصورة التي رسمتها لحياتها معهُ، وفي خيالها هي فقط إلى أوهام، وغيوم تتلاشى وتتفكك مع هبوب الرياح.
 
صديقتنا التي خسرتْ نفسها، بعد فوات الأوان. نعم فات أوان الورد ولم تتفتح للحياة لتنشر عبقها، ظنت إن جمالها هو من سيجلب لها السعادة والثروة. ولكن تهب الرياح من حيث لا تشتهي السفن. فقد استفاقت صديقتنا على صدمة وخسارة وألم في قلبها وبكاء صامت لا يسمعهُ أحدٌ، وعادت وهي مُحملة بالأحزان والخيبة وسوء الاختيار!  

كثيرات يقعنْ ضحايا ومصيدة، ولكن لا يدركون هذا إلا بعد فوات الأوان، وبعد إن تقع الفأس في الرأس. يظنون إن المال هو السعادة، ولكن يظهر الواقع عكس ذلك. وكثيرة هي المطبات التي تعترض حياتنا، وتشل من تفكيرنا وحركتنا، ولكن الشاطر هو من يعرف كيف يستفاد منها، كيف يقف على قدميه مجدداً. هذه الصدمات هي من تقوينا وتعلمنا كيف نتعامل مع الناس، وكيف نتصرف في المواقف والشدائد الصعبة، والاهم إن نعلم سبب وغاية وجودنا لندرك قيمة ذاتنا ونُقيمها. كما تعلمنا أنه ليس بالضرورة أي شيء يبرق ذهبًا، ويوجد الكثير ممن يملكون المال والثروة، ولكن بيوتهم من زجاج. فلا تجعل المظاهر تخدعك وتنسيك ذاتك وروحك وتخسرها، ولكن بعد فوات الأوان.  

سهى بطرس هرمز
19/11/2011

149
المنبر الحر / كيف تُصادق زوجتك؟
« في: 19:32 13/11/2011  »
كيف تُصادق زوجتكَ؟ 

سهى بطرس هرمز
العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة  مثلما تكلمنا عنها كثيرا هي علاقةٍ قٌدسيةٍ، وليستْ مُجرد علاقة زوج بزوجتهِ وحقوق يجب إن يؤديها الواحد للآخر، وتستمر على هذا الروتين، بلْ عليهما إن يخلقا روحًا ونبضًا في حياتهما الزوجية، ويعيشا معًا كزوجين حبيبين، وصديقين وشريكين مُتكاملين وكاملين، يشعر كل منهما بأن الآخر في حياتهِ ليس فقط شريك ورقم عابرٍّ، بلْ هو مسكنهُ وأنفاسهُ التي يستنشقُها من مشاعر الطرف الآخر.
وعلاقة الرجل مع زوجتهِ لهَّا خصائص كثيرة، فأنت الزوج والأب والحبيب والعاشق والونيس والملاذّ والمُنقذ...الخ. ولكن إذا أردت اختيار خاصية واحدة تُغنيكَ عن كل هذه الخصائص مُجتمعةٍ وتضفي عليها صفة الدوام والاستمرارية والحيوية والمتعة، عليك إن تكون صديقها! لأنهُ بها تحافظ على أسرتك مُتماسكةٌ وقويةٌ. هذه الأسرة التي هي شركة إنسانية  يقوم بإدارتها شخصين، يدخلان معًا في صفقات إنسانية فيها الربح والخسارة (السعادة والحزن) فيتحملانها معًا من تحمل أعباء المنزل وتربية الأبناء وتوفر سُبْل العيش الكريم وضغوطات الحياة، فالزوجة هنا إذن ليست مملوكةٌ للرجلِ بلْ شريكة لهُ.
كما إن الصداقة بين الزوجين تعني الوحدة، وبالتالي فأن مركب حياتهما تسير طبيعية من تلقاء نفسها، الواحد يدعمَّ الآخر ويُساندّه. لأن الصداقة تحثُّ كل صديق إن يدعم صديقهُ ويتحملهُ ويتألم لألمهِ ويسعد لسعادتهِ، ويلتمس لهُ العذر، ويسامحهُ على أخطائهِ وهفواتهِ، يعطف عليه، وعند الشدائد يجده بجانبهِ، بمعنى إن الصديق يقبل صديقهُ بعيوبهِ ولا يتركهُ ولا يستمرُ في توجيه النقد إليهِ، هكذا يكون الصديق الحقيقي عندما يخطئ صديقكَ تحتضنهُ ولا تتركهُ، ثم تُعاتبهُ وتستمع إليهِ. 
فالصداقة ضرورية لكل إنسان في مُختلف مراحل حياتهِ. إذ إنك فيها تجد المؤانسة والرفيق الذي تجده في وقت ضيقك وفي وقت سعتك معًا. وكل إنسان يُخير أصدقائهِ بحيث يتفق معهُ في السلوك والفكر والرأي والثقافة وأسلوب الحديث، وأيضا يكون قريب من مستواه المعيشي والاجتماعي. لكي يكونان على نفس المستوى أو نقول فكرهما يكون قريب من بعضهما، لأنهُ يسهل التفاهم والتقارب أكثر. 
ولكن بسبب وجود تمييز في كثير من المُجتمعات بين الفتاة والشاب سواء كان في التعليم أو في مجال العمل، فبالتالي فإن التكافؤ الثقافي والفكري مُستقبلاً بين الأزواج يكون شبه معدُومًا! مما يزيد من الفراغ والمسافة بينهما في النقاش والحوار المشترك. فنلاحظ أفكارهم ومشاعرهم وتصرفاتهم مُتناقضة وحتى أعمالهم، وكل طرف يعمل عكس الطرف الثاني في محاولة لردِّ كرامتهِ، فينعدم الاحترام والتقدير والالتزام، وتصبح حياتهما فوضى!
وأيضا لغة التفاهم تصبح بينهما معدومة. فنجد الرجل يتجه خارج منزلهِ لمُجالسة الأصدقاء في القهاوي والنوادي ويقضي معظم الوقت معهم وهذا يحصل أكثر عندما يكون الرجل قد تجاوز الخمسين من عمره بسبب حاجتهِ إلى من يسمعهُ، وربما يبحث عن امرأة أخرى وهذا ليس مُستبعد. وهذه حياة زوجية مشتركة ليست ملككَ وحدكَ، أنتَ أيُّها الرجل، بل هناك زوجة وأولاد، وان كنت لم تبحث عن صداقة تربطكما أنتَ وزوجتكَ منذ البداية، أفضل من أن تبحث عنها خارجًا، فلنْ يكون عيشكَ سهلاً ومُستقًرا.
نلاحظ مثلا في الدول الأوربية، إن المرأة عندهم ليست فقط زوجة ومربية ومهتمة بالمنزل وينتهي دورها عند هذا الروتين، بلْ هي صديقة زوجها. كيف هذا؟! مثلاً نجدهما يخرجان معًا ويتفقان ويقرران معًا، ويُجالسان ويُحادثان بعضهما، ويتعاونان أيضا في العمل وأمور المنزل من شراء الحاجيات المنزلية والطعام وتربية الأبناء معًا ومتابعتهم، ويسهران في مشاهدة فلم أو مسلسل معًا، ويُنصت إلى آرائها وأفكارها، ويقرأن الكتب ويناقشان مُوضوعاتها، بمعنى يكونان مُتساويان في الفكر والتعليم والثقافة والتحاور وبهذه الطريقة يُحافظان على حياتهما الزوجية مُنعشة ومُتجددة ويشتاق كل واحد لرؤية الآخر. وهذه المساواة حصلا عليها قبل الزواج من التعليم المشترك ومن ثقافة المجتمع. 
والى إن تصل المُساواة بين الشاب والفتاة إلى هذا المستوى في مُجتمعاتنا نحن، يحتاج الأزواج إلى إن يكونوا أكثر قربًا ووفقًا من زوجاتهم ويرفعوهم إلى مستواهم في الرأي والمعرفة. وعليك إن تتذكر أيها الرجل دائمًا بأن تتعامل مع زوجتك بعطف وتقدير وتدعمها وتشجعها وترعاها وتحيطها بحنانك وتشعرها به، كما تعامل اقرب أصدقائك. فإذا كان هذا الشخص صديقك وتتعامل وتتحدث معهُ مُبتسمًا وبكل احترام وتحافظ على شعوره؟ فكيف بالأحرّى سيكون سلوكك وردَّة فعلك تجاه زوجتكَ وشريكة حياتك ونبضك؟!
فالأمر ليس شاقًا وصعبًا إذا كونتَ صداقة مع زوجتك. فالموضوع لا يتطلب منكَ سوّى إن تشاركها في الحديث وتُجالسها وتستمعَ إلى آرائها، وتتحدث معها عن أمور صادفتك أثناء عملكَ أو أحداث مرتْ بكَ أو أمور أثارتْ استغرابك، أو تشاركان معًا في اختيار أثاث المنزل وشراء حاجيات جديدة للأولاد، وتشاركها في قراراتك بدون إن تفاجئها ...الخ. فالمرأة تحبُّ الاستطلاع ومعرفة كلَ جديدٍ ومُثيرٍ، ومثل هذه الأمور يبعث فيها الشوق للتعرف على المزيد، وتسعدُّ أكثر عندما تُدركَ إن رأيها مسموعٌ ويُحترم، ولقرارها أهمية. فكل ما تريدهُ المرأة هو صحبة أحد يُطمئنُها عندما تكون واقعة تحت ضغط، وأيضا يقدم لها الرعاية ويشعرها بحنانهِ وأنهُ دومًا بقربها، ولن تجد أفضل صحبة غير شريك حياتها، لأنهُ هو الأقرب إليها وهو من تحتاجهُ وقت شدتها وضيقها.
وأخيراً نقول بأن:
الله خلقَّ الإنسان منذ البدء ذكراً وأنثى، وجعل بينهما المحبة التي هي أساس حياتهما. وعندما ينطلق الآخر من نفسهِ  ليتقرب وليفهم نفسهُ من خلال فهمهِ للطرف المُقابل، عندها يستطيع إن يُحاور ذاتهُ ويُحاورَ الآخرين ويعرف ماذا تريد نفسهُ أو ما لا تريدُ؟ وعندها أيضًا يصبح فكرهُ يحاور فكرًا ويُجادلهُ فينطلق الحوار مُتناغمًا، مُتفهمًا، مُشتركًا، مُتكاملاً. ويصبح قلبهُ ينبوعًا تُحركهُ العاطفة والوجدان والمشاعر نحو هذا الآخر الذي أنتَ شريكهُ ولست مالكهُ، بدلاً من إن يكون هنالك دائمًا ذاتًا تُصارعُ ذاتًا، فتسير الحياة عكس ما تريد! 
والحياة ليست فقط عمل، فكل الناس تعمل لتحقق ذاتها، لكن الهدف الأخير في النهاية هو الربح، فماذا تفيدكَ الأموال إذا خسرتَ الإنسان والروح؟! فلابدَّ من إن تخصص وقتًا لبيتك ولزوجتك تقضيه معهم وتُجالسهم، وبذلك تكسب صداقتها وتفتح آفاقًا واسعةٍ للسعادة الزوجية.
13/11/2011

150
هل أعيش ذاتي وقناعاتي؟
سهى بطرس هرمز

قال الفلاسفة وعلماء الاجتماع إن الإنسان كائن إجتماعي بالفطرة فهو لا يستطيع أن يعيش مُنفردًا أو يحيا مُنعزلاً، وإنما يجدُّ نفسهُ مُضطراً للحياة مع غيره من الأفراد في مُجتمع تقليدي مُحافظ تلعب فيهِ العادات والتقاليد والأعراف دوراً بارزاً ومؤثراً في حياتهم عبرّ العصور والثقافات المختلفة والخاضعة للبيئة والأخلاقيات والمثاليات والمحسوبيات. وهذه الأعراف والتقاليد هي بحدُّ ذاتها قيم لها دلالتها وترابطها ومعانيها وتأثيرها في نفس الفرد والجماعة، وهي تستمر وتتعمق وتأخذ مكانها ودورها الإيجابي في وجدان الفرد، فقط عندما تكون قادرة على أن ترقىَّ بالأنا الذاتية والجماعية، بحيث لا تبعد الواحد عن الآخر أو تختزلهُ في فعل دون الآخر أو تفرضهُ على جماعة دون أخرى وإنما تكون مرجع القوة للجميع. 
هذه العادات والتقاليد هي حياة المُجتمعات وتاريخها وتراثها عبرّ مسيرتها الطويلة، تنشأ عليها وتُحدد معالمها وسلوك أفرادها وأحيانا تُعد قانونًا يصعب تجاوزهُ وخاصة في المُجتمعات المُنغلقة (الأنطوائية) وكل من يخترقها يتم وصمهُ بالعار وبالفضيحة! لهذا فبعض هذه العادات والتقاليد قد تكون سببًا في أصالة مُجتمعات وقد تكون سببًا في ركودها وتهميشها، كما قد تكون سببًا في تقييد الحريات المكفولة للرجال والنساء بالأخص، من خلال ما تفرضهُ على الفرد من قيود تجعلهُ أسير كلام أو همسات أو تصرفات آخرين. ولكن نحن لسنْا ضد كل ما ورثناه من أجدادنا، ولكن لأنها تُفهم من قبل البعض بشكل خاطئ وتُمارس على البعض الآخر بصورة أخطئ! لهذا نقاشنْا سيكون كالأتي: ذاتي هل أعيشها كما أريدها أنا أم كما يريدها غيري؟ هل أكون أنا أم أكون كما يريد غيري؟
كل إنسان لهُ شخصيتهِ المُميزة والمُتمايزة، المُختلفة والمُخالفة للآخر، شخصية يتشكلها بإرادتهِ ومن إستعداداتهِ  وأقتناعاتهِ وبكامل حريتهِ دون قيود. حريةٌ داخليةٌ تكمنْ في دواخلهِ وفي أعماقهِ من شعورهِ وإحساسهِ وغرائزهِ وتفكيرهِ وتصوراتهِ وإدراكهِ وخواطرهِ وتصرفاتهِ وتقييمهِ لذاتهِ وللآخرين، وبالتالي تعكس على خارجهِ.
 أي تجولُ في نفسك وتعرف طبيعتها وبذلك تتعرف عليها وتعرفها وتفهمها وعندها تعرف كيف تتأقلم مع مُحيطك ومع غيرك ومن خلالها أيضًا تعرف غيرك ومدّى مُلائمتهِ. وهذا ما يعنينا من الحرية أن نكون أحرار من الداخل دون قيود نصنعها بأنفسنْا لأنفسنْا من خلال تقييد فكرنا وأختزالهِ ومُحاسبتهِ من خلال أفعال غيرنا، نعم نتعلم من تجاربهم ولكن لا نسجن ذاتنا من خلالها. فعندما نتحرر داخليًا نكون أحرارًا خارجيًا وعندها نكون أحرار أمام أي تقليد أو مُغريات مُعاكسة تقف ضدّ الإنسانية وفرضتْ فرضًا وبدون إرادتنا أو وجدنْا أنفسنا تلقائيًا نُمارسها. 
ومُجتمعنا المُعاصر المُكون من العديد من الأشخاص المُختلفين في التكوين الفكري والثقافي والإجتماعي والسلوكي، يعجُّ بالسلبيات والكثير من المُتناقضات والمفاهيم المشوهة في ذات الوقت. ونلاحظ أن البشر عندما يلاحظون مدّى أنتشار سلوك من السلوكيات لا يلبثْ أن تمارسهُ الجماعة ومن ثم يصبح عادة جماعية وبمرور الوقت تصبح تلك العادة أسلوبًا يتمسّك به جميع أفراد المُجتمع ككُل ويمارسونهُ دون أن يفكروا به بعقولهم مثل: الإشاعات والوقوف على نواقص الآخرين وزلاتهم، وثقافة العيب والثرثرة الفارغة، النميمة، الشتائم، الإدانة، العنف، أستغلال الآخرين، التجني، الانتقاص، الإقصاء، التعميم، تشويه السمعة، الإساءة لمُجرد الإساءة......الخ.
فمثلاً بدل أن نتهم الآخرين وندينهم في أفعالهم لمْا لا ننظر إلى أنفسنْا وأفعالها، لمْا نُتعبُ أنفسنْا ونفتش عن نواقص الآخرين وننسّى أننا نحن أيضًا واحد من هؤلاء الذين ربما قد تطالنا عاداتهم ونعاني منها. وأي واحد إذا بحث في نفسهِ وضميرهِ لوجدَ فيها الكثير من النواقص الخفية فيها والتي يراها في الآخرين ويُحاسبهم عليها! فأعلم أنك أنتَ مسؤول عن أفعالك فقط وليس أفعال غيرك، ويا ليتكَ تنظر لنفسك أولاً لئلا يُقال لك:" أيها المعلم علم نفسك". 
فبسبب هذه وبسبب الحقد والغل المُعشش في قلوب البعض للبعض الآخر يحاولون بشتّى الطرق أن يشوهُ من صورة الإنسان وينشروا هذه المفاهيم المشوهة والمغلوطة بين فئات المجتمع. وهؤلاء الذين يجدون كل هذه المُمارسات عادات مذمومة وممنوعات مفروضة عليهم وتحدُّ من حركتهم يجدون أنفسهم مع الوقت يمارسونها! بسبب عدم أمتلاكهم القناعة التامة بإقتلاعها من ذواتهم. فكيف أنتقد هذا وذاك لأن لديه عادة لا تعجبني، وأنا في نفس الوقت أذمُ هذا وذاك؟! كيف أنتقد سلوك الآخرين وأتصور أن سلوكي جيد، لذلك:" لا عذرَ لكَ أيًّا كُنتَ، يا منْ يَدينْ الآخرينَ ويَعملُ أعمالَهُم، لأنَّكَ حينَ تدينهُم تَدينُ نفسكَ" (رسالة رومية 2: 1- 2).
إذن لا يوجد إنسان حرٌّ أمام ما يفرضهُ عليه المُجتمع من عادات وتقاليد، بسبب عدم أمتلاكهِ الحرية من داخلهِ، ومادام هناك رفض لها في داخلهِ ومُمارسة لها من قبلهِ في ذات الوقت بجميع السلبيات المُمارسة! إذن نسأل أنفسنا ونسأل الآخرين: إلى أي حدٍّ نحن حقيقيون ونعيش ذواتنا؟!     
وأخيراً وليس آخراً نقول أن:
الفرد أبن بيئتهِ الجماعية يعيش كما يعيشون ويتصرف كما يتصرفون. لذا كل إنسان لابدَّ وأن يكون لهُ مبدأ ونظرة تحكم قناعاتهِ من داخلهِ وترفض كل ما من شأنهُ أن يحطّ من قيمتهِ كإنسان. فكنْ إنسان مع نفسك قبل تكون إنسان مع غيرك، وأعرف ذاتك لكي تعرف الآخرين.
ويجب على كل واحد أن يكون هو ذاتهِ وليس غيرهُ، يقول أكون (أنا) بشخصي وإيماني وقناعاتي وإرادتي وليس بشخص الآخر. ويجب أن لا نجعل من هذه السلبيات الموجودة في بعض المجتمعات سببًا في أن أبقىّ مكاني، أسمع لقول هذا فأقول مثلهُ، أنظر لفعل ذاك وأفعل مثلهُ بدون تحكيم العقل، فهذا الخطأ بعينهِ! فالإنسان يجب أن يكون حُراً من كل شيءٍ، حُراً من كل ما يسلبُّ إرادتهِ ومن كل ما يمنعهُ أن يكون إنسانًا. لأننا نحن البشر خُلقنا أحرارًا بدون قيود وأغلال، فلمْا نقيد أنفسنْا وغيرنا بقيود لا يقوّى الزمان على كسرها؟! ولتعلموا أن بعض عادات وتقاليد المجتمع السلبية أحيانًا هي من تأتينا بالايجابيات ونتعلم منها، فقط عندما ننظر إليها بعين العقل والصواب ونرفضها بكامل إرادتنا ونقتنع بأنها ليست في مصلحتنْا ومسيرتنْا.
فلتكنْ ذواتنا راقية
تتسّامى عن كُل ما يخدشُ نقائها
نحترمها ونحترم الغير .. ونترفع عَن التفاهات وعن القيل والقال. 

151
المنبر الحر / صرختنا من يسمعها!
« في: 17:19 02/11/2011  »
صرختنا من يسمعها!
صدمت الإنسانية في العالم أجمع صدمة لا توصف حين هلَّ على مسامعها أفجع خبر في تاريخ أهالي العراق، ألا وهو خبر تفجير كنيسة سيدة النجاة في 31 تشرين الأول 2010، التفجير الذي طال الأبرياء المتضرعين لله في بيتهِ. أنها بحق مجزرة لا تزال آثارها باقية على أرضية وجدران الكنيسة، مُختلطةٍ فيها دماء وأشلاء الضحايا بطلقات الرصاص والقنابل اليدوية. فاجعةٌ أليمةٌ راح ضحيتها الكثير من الأبرياء المسيحيين، بينهم نساء وأطفال وكهنة. واليوم مرتْ السنة الأولى على هذا الحادث والمسيحيين يحيونها باستذكار من فقدوا فيها، بألم وبغضب وبأستنكار.
فالمسيحيين وبقية مكونات النسيج العراقي متخوفون من مصيرهم ومستقبلهم في خضم كل ما يحدث! ورغم مرور عام على الفاجعة ولو أنها ليست الوحيدة، نلاحظ أنه لم يطـرأ أي تغيير حتى ولو بسيط على أحوال المسيحيين في العراق، فالقتل والاختطاف مستمر، والهجرة ما زالت منبثقة وبشدة، وهناك خوف وغموض عند البعض من المستقبل ومن المجهول، والحال يسير بهم من سيء إلى أسوء.
نسأل أسئلتنا مثلما دائمًا نسأل: أين هم مرتكبي هذه الجريمة، أين هم المسؤولين عن قتل المطران فرج رحو؟ أين هو دم باقي الكهنة والمسيحيين الذين قتلوا منذ 2003 ولحد يومنا هذا؟
فالاعتداء الذي طال الكنيسة كان بسبب تفكير لا عقلاني وعبثي ووحشي ومأساوي وغير مسؤول مثل غيره، بسبب تفجير مكان مقدس، وبسبب أيضًا كمْ الضحايا والحطام البشري الذي خلفه التفجير، وكان أكثر مأساوية بالنسبة للناجين من الحادث بسبب ما أبصرت أعينهم من دماء وأشلاء جثث تتراشق بوجههم!
وليس فقط من ذهب ضحايا هذا الحادث من تضرر، بل هناك عوائلهم الذين زادت معاناة على معاناتهم، وأدمت قلوبهم بسبب فقدانهم وبسبب ما يعانوه من بعد فقدانهم. فهذا من فقد أبنه وزوجته، وذاك من فقد والديه أو أخيه، وتلك من فقدت صديقتها! وهذا تيتم، وتلك ترملتْ، وذاك أصبح مُقعد! صرخات تصرخ بألم ودموع خانقة، وتسأل، لمْا فعل من قام بهذا الفعل الشنيع، ألم يخاف من غضب الله عليه الذي سيطاله حتمًا لا محالة؟! ألا يعلم أن قتل وأذية نفس بشرية بدون ذنب خطيئة ومعصية واعتداء على مشيئة الرب؟ ولكن لو كان يملك ضمير إنسان بحقٍ لمْا كان أقدم على فعلتهِ. فهل كانت هذه الكنيسة مسرح اللعبة والمزايدات، وهل كان أبريائها للمقايضة؟!
نقول في نهاية حديثنا:
ناقوس الكنيسة دق في يوم 31 تشرين الأول 2011، من أجل دعوة المسيحيين المؤمنين إلى الحضور للكنيسة والمشاركة في القداس وتلاوة الصلوات، ولكن بعد ساعة دق مرة أخرى من أجل أخراج من حضر إليها وهم موتى، راحلين بدون إرادتهم بعد أن فجروا قلوبهم بوحشيتهم.
ونقول لكل من يحاول أو بالأحرى تستهويه لعبة القتل والدماء، ليراجع ضميره ويحكم عقلهُ قبل فوات الأوان. وهذه المذبحة التي حدثت قبل عام  لا تقارن بما سبقها من اعتداءات مارست على المسيحيين، ولا تقارن أيضا باسوء احتمالات ربما العنف القادم ضدهم، أنها كارثة إذا استمر الحال على ما هو عليه.
 الأبرياء ما زالوا يصرخون، وصرخاتهم ما زالت لم تسمع، وهم يريدون تربتهم وأرضهم التي نبتوا منها وهذا من حقهم الطبيعي، فما يفعلون؟ ما السبيل إلى انتهاء معاناتهم؟ لمْا يصرون على تضييق الأفق عليهم؟ لمْا تطالهم خيوط الأجرام بين الحين والآخر؟! على أي أساس يطالهم هذا العنف؟! ولمصلحة من؟ ومن أجل ماذا؟ هل لمجرد ارتكاب الجريمة ورؤية الدماء تسيل، أم من أجل أمور غيبية! أسئلة تتكرر وتُسأل مرارا وتكرارا.
فالمسيحيين جميعًا يصرخون بصوت واحد، قائلين: بلدي أنت أنفاسي وأنت موحدي مع أشقائي الآخرين، إلى من تصرخ أنت يا بلدي لكي يحمي أبنائك من كُل حاقدًا وكارهًا لنفسهِ أولاً؟ 
سهى بطرس هرمز
2/11/2011

152
الجرائم الدولية وانتهاكات حقوق الإنسان
 
الجرائم الدولية هي جرائم كبرى Crimes high وجنايات خطيرة Infamous Crimes ، ترتكب مع وجود القصد الجنائي للفاعل Criminal Intent. مُخلفة ضحية أو مجموعة من الضحايا، ومُخالفة قواعد القانون الدولي والأعراف الدولية، ومُضرة بالمصالح الدولية والأساسية التي يحميها هذا القانون، في نطاق العلاقات الدولية. ويرى "بلاوسكي"  إن الجريمة الدولية هي كل فعل غير مشروع يقترفهُ الأفراد ويُعاقب عليه القانون الدولي الجنائي، كونهُ يضر بالعلاقات الدولية في المجتمع المدني.
في عام 621 قبل الميلاد، صدر في (اليونان- أثينا) قانون سمي بــ (قانون درا كون) وصفه أرسطو بأنهُ:" القانون الذي يكشف عن القوة المتناهية والعقوبات القاسية والصعبة"، وذلك لأن الملك اليوناني درا كون Dragon كتب نصوصه من دم الضحايا والأبرياء، ليكون مثالا للقوانين القاسية التي تدل على الوحشية والقسوة ضد الإنسان والإنسانية، وكانت التبريرات لذلك هو بناء حكم ونفوذ قوي يخدم الملك درا كون، تحت ذريعّة بناء الوطن والدفاع عن مصالح الشعب وترسيخ التقاليد اليونانية.
ويبدو إن التاريخ يعيد دورته، ولكن في بلاد أخرى وزمن آخر وناس آخرين! زمنًا باتْ فيه الإنسان أرخص حاجة ويباع ويشترى فيه، رغم كل ما شرعته الأديان السماوية وخصت بها الروح البشرية، وأيضا رغم كل ما سنتهُ البشرية من قوانين صيغت لتكون مع الإنسان وتنصفهُ! ولكن لا حياة لمنْ تنادي. الحقوق أهدرت والحريات قُيدت، والالتزامات الدولية  خُرقت، وشهد الإنسان من الإيذاء والتعذيب والقتل وعدم المساواة والإنصاف ما لا يقدر ولا يحصّى.
ونظرا لما عاناه الإنسان وتعانيه الإنسانية، من ويلات والآلام نتجت عن حربين عالميتين، فقد بدء اهتمام القانون الدولي بالفرد، من خلال صيغ وأشكال مختلفة، وخصوصًا فيما يتعلق بتفاصيل الحقوق والحريات التي تخصهُ.
فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001 ، شهد العالم ظهور حالات صريحة لانتهاك حقوق الإنسان بحجة الإرهاب، وكشفت بعض الجرائم الدولية التي ارتكبت ضد حقوق الإنسان، مما سبب تهديداً بالغًاً للأمن والسلم الدوليين، نتيجة سياسة الكيل بمكيالين التي تنتهجها القوى الكبرى في سياستها، التي فرضت وبشدة قضية العلاقة بين الإرهاب وحقوق الإنسان، على الساحة الدولية والمحافل الوطنية.
بعد هذه الأحداث، غرق العالم في مستنقع العدوان والأنانية والانتهازية والانتقائية، وقامت الدول العظمى  بربط هذه الأحداث بين العراق والإرهاب. وأظهرت في العراق عن وجهها المتخفي خلف قناع الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتكلمت وخاطبت الإنسانية بلغتها التي هي الإرهاب نفسه. ومارست سياستها على الصغير والكبير، والتي تتناقض تناقضًاً تامًا مع مبادئ القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان وحقوق الطفل. زارعةٍ  بذرة الظلم والطغيان والاستغلال والنهب والسرقة والقتل العشوائي والتشريد والدمار والتهجير والعنصرية والطائفية، والعراقيين وحدهم هم من جنوا وذاقوا من كل ما غُرس، مع فراغ السلطة والصراع الطائفي وانهيار النظام المدني وتردي الأوضاع الاقتصادية والمدنية والسياسية.
فالحرب التي شنتْ على العراق، حولت حضارتهِ وتاريخهِ وشعبهِ العظيم إلى بلد مُنهار نتيجة سنوات الحروب والحصار، التي فرضت لسنوات طوال، والتي لم يكن سوّى ذريعّة واهية، لمُحاولة السيطرة على المنطقة من خلال البوابة العراقية والسيطرة كذلك على ثرواتهِ النفطية. وتحت ذريعّة إحلال الديمقراطية وترسيخ العدالة والمساواة وحماية حقوق الإنسان تارة، وتارة أخرى تحت ذريعّة حفظ السلم العالمي، وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وما بين هذا وذاك أهدرت حقوق الإنسان العراقي.
كما لا يخفي على الشاهد أن نشوب الحروب المتكررة تؤدي إلى نزاعات وصراعات مسلحة بين الدول، والى صراعات داخلية، فعندما يفقد الناس وظائفهم، وتسوء حالتهم المعيشية والاقتصادية، ومع تردى الأوضاع الأمنية، يزداد ضيقهم بأوضاعهم ويصبحون أكثر عرضة للانخراط في صفوف المتمردين، وما يعنيه ذلك من صراعات داخلية. كما إن ضعف هيكلية الدولة المالية والاقتصادية، يجعلها تفتقر إلى الإمكانيات التي تؤهلها على مواجهة مشكلاتها، مؤدية بالتالي إلى خلق فرص لنشوب صراعات ونزاعات داخلية. وهذا ما يحصل اليوم في العراق.
إن استمرار العنف المنظم وانتشار الجريمة بكافة أشكالها، وانتشار الإمراض وقلة الأدوية، إضافة إلى صعوبات المعيشة للمواطن العراقي رغم ثروات بلاده. جاءت نتيجة لغزو العراق وبهدف تعزيز إستراتيجية الدول العظمى، وتحقيق اطماحها، لهذا يمكن القول إن القانون الدولي يتداخل مع المصالح السياسية للدول الكبرى المتحكمة بالنظام الدولي، ومع ازدواجية المعايير عند تطبيق الشرعية الدولية. في ظل عالم متغير وقضايا دولية معاصرة غير معهودة.
وأخيراً نقول:
حقوق الإنسان من المواضيع الحيوية والفعالة في حياة الأفراد والمجتمعات الإنسانية، والتي من المفروض أن ينظر إليها نظرة واقعية بعين الحقيقة وبتعمق، وليس مجرد قراءة كلمتين كعناوين! وأيضا لابد وأن تحظى بالأهمية والأولوية والاحترام وذلك لأن للإنسان قيمة عليا في هذا الوجود، ويجب أن تسخر كل الإمكانيات لرقيه وتطوره، من أجل أن يكون إنسان كما خلق إنسان.
ونقول أيضا تنتهي الحرب، ولكن لا تنتهي المآسي والمصائب والنكبات التي تخلفها، والآثار المتبقية التي تتركها الحروب على البشرية والبلد، والناظر إلى مخلفات الحروب يرى مناظر تُندى لها جبين الإنسانية. وصمة عار تبقى على جبين كل مُحتل مُتحمس لخوض حروب تهدد وجود الإنسان وأمنه، بذريعّة القضاء على الإرهاب أو بذريعّة حقوق الإنسان. مُتخطين أبسّط القيم الحضارية والإنسانية، وبوسائل أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها قذرة، ولكن نتيجتها مُدمرة.
فالذرائع التي جاء بها الاحتلال بغية تبرير الحرب على العراق، لم تكن إلا تتويجًا للسياسة التي تنتهجها في البلد، ولتحقيق مصالح إستراتيجية في المنطقة. فإذا كان المحتل يرى إن الشعب كان مُنتهك الحقوق، وان النظام الذي كان فيه دكتاتوريًا، فهذا ليس مبرراً بفرض الحصار على العراق وشعبه ومعاقبته بشن الحرب عليه عام 2003، والتسبب بكل الفوضى والخراب، والصراعات، والأحقاد وكل الدمار الذي تركته فيه من جميع النواحي الصحية والعلمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وهنا نتساءل؟
هل الحرب على العراق كانت الحل الأمثل والوحيد؟!  وهل كانت الحرب مشروعة وعادلة؟! وإذا كان العراق قد جرت معاقبته مثلما يدعون على امتلاكه أسلحة الدمار الشامل وبسبب انتهاكه حقوق الإنسان، إذن كيف تعالج حقوق شعب فلسطين المنتهكة ؟!
إن ما يرتكب بحق الإنسانية من حروب وغزو تحت شعار " الديمقراطية وحقوق الإنسان والتحرر". هي جرائم مُخلة بالأمن والسلم الدوليين، وهي انتهاكات صريحة وخطيرة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، واستهانة بالحياة البشرية وبقيمتها وجوهرها. والمثل العراقي يقول عند حدوث  كارثة ( بالمال ولا بالعيال) وذلك تقديراً وتقييمًا للقيمة العليا التي خصها الله للإنسان، والإنسان للإنسان نفسه، لأنهُ في الأول والأخير هو من يأتي بالمال ويستطيع أن يعوضهُ عند خسارتهِ، لكن النفس إذا فقدت لا تعوض، ولكن هذا المثل يفقد قيمته في ظل سياسات تنتهج من أجل مصالح لا تدوم، ووقتية!

سهى بطرس هرمز

153
طيورنا وهجرة أوطانها
سهى بطرس هرمز
للطيور موسم خاص تبدأ فيهِ هجرة عشها وموطنها بحثاً عن مكان أكثر دفئاً وفيهِ وفرة من الغذاء كي تقتات عليهِ، وهذا الطبيعي. والإنسان كذلك غالبًا ما تدفعهُ ظروف الحياة سواء كان بإرادتهِ أو غير إرادتهِ إلى ترك بلاده وهجرها والبحث عن مُستوى أفضل للعيش والأمان، ولتوفير مقومات أفضل للحيّاة الكريمة التي ربما قد حُـرم منها. أو ظروفًا أقوى منهُ تجبرهُ على الهجرة.
والهجرة لها أنواع مُتعدّدة منها: الهجرة الداخلية والهجرة الخارجية والهجرة الموسمية وأخيراً النزوح ألقسري. كما إن لها أسبابها ومُسبباتها وآثارها على الإنسان وعلى حياتهِ وأوضاعهِ وأوضاع بلده وحرمانهِ من الكثير من الكفاءات النادرة. وأحيانًا قد تكون في صالحهِ هذه الهجـرة وأحيانًا أخرى ضده. وأيضًا قد يكون هو من يصنع هذه الهجرة، أو الطبيعة من تكون لها يدٌ في هجرة الإنسان.
قديمًا كانت الناس تُخطط لتُهاجر بإرادتها من مسكن إلى آخر داخل الحي أو المدينة الواحدة، أو كانوا ينتقلون من الريف إلى الحضر، بحثًا عن حياة أفضل أو لمواصّلة الدراسة أو ربما العمل ما كان يضطرهم إلى ترك الريف والهجرة إلى الحضر. ولكن هنالك ظروف خارجة عن إرادتهِ تضطرهُ إلى ترك مسكنهِ أو بالأحرى بلده، منها ظروف الحرب وما تسببهُ من تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية  والمعيشية وأيضاً الاضطرابات الأمنية والاضطهاد العرقي.
وأحياناً قد ترجع بعض أنواع الهجرة إلى أسباب شخصية كما في الهجرة الخارجية، مثل رغبّة المُهاجر في إن يكون مع أسرتهِ التي سبقتهُ في السفر أو ليكون مع شريك حياتهِ كما يحدث حاليًا في الزواج عبّر الدول، أو تكون الهجرة كشكل من أشكال التحول في الحيّاة والعيش في بلدان أكثر تقدمًا.
نستخلص مما سبّق بأن الهجرة هي انتقال الإنسان سواء كان بمُفرده أو كمجموعة من موطنهِ الأصلي إلى موطن آخر، لفترة قد تمتد مدّى الحياة، تاركة آثاراً واضحة على المجتمع الذي هجرتهُ وحاملة معها آثاراً اجتماعية واقتصادية وثقافية إلى المُجتمع الجديد. بينما النزوح يُعرف بأنهُ انتقال النازح رُغمًا عن إرادتهِ (قسريًا) بسبب مؤثر خارجي مُهددٌ لحياتهِ كالحرب والمجاعة والكوارث وانتهاكات للحقوق، وصراعات ونزاعات مُسلحة داخلية وخارجية. فالهجرة تختلف عن النزوح، لأن الأخير يتم قسـراً وبلا رغبة واختيار من الفرد أو الجماعة، بسبب ظروف قهرية وإجبارية تدفعهم إلى الهجـرة بدون سابق تخطيط أو إنذار.
وآياً كانت الهجرة فأنها تترك آثراً في النفس وخاصة إذا كانت إجبارية وبدون رغبة وإرادة الفرد (النزوح القسري). لأنهُ لا يوجد مكان يعوض عن المكان الأصلي وعبق رحيقهِ ونسمة هوائهِ، ولكن ما باليد حيلة. فمع تبدل الأحوال في كل بلدٍ واضطرابها، ودخول الحروب المتتالية على الخط، كثر القتل والدمار وازدادت نسبة النازحين إلى البلدان المُجاورة، فلمْ تترك خيار أمام الشباب غير الابتعاد والرحيل إلى المجهول. 
وبالرغم من حُبّ الوطن وتلك الصّلة الحميمة بالأرض، الشبيهة بصّلة الرحم، ألا إن أجيالاً كثيرة دأبتْ على الهجرة، بحثاً عن الأفضل والسنين المهدورة من حياتهم التي تستهلكها الحروب وتفاجئهم دائمًا باغتيالات وبدمار منازلهم وحياتهم وتشتتهم وتبعثرهم وتمزق وحدتهم، جاعلة الأبناء يبتعدون عن الأهل وعن الأرض! تاركين  كل ما هو مألوف لهم من أسرهم وأصدقائهم  ومساكنهم وأعمالهم وممتلكاتهم. وتحملهم نفقات فوق طاقتهم بسبب السفر الاضطراري الذي ظهر في دربهم فجأة، ونفقاتهِ التي تتضمن وصولهم إلى البلد الجديد من مسكن وعمل ...الخ.  والبطالة وصعوبة الاندماج في المجتمع الجديد. وغالباً ما تكون خسارتهم أكبر عندما يفتقدون أقاربهم وأعزائهم. وقبل كل هذا تفاجئهم الحروب  باغتيال أشواقهم وأحلامهم! حاملة طيورنا كيّ يرحلوا على غير ميعاد على الهجرة قبل موسم هجرتها.
لا يوجد فردٌ ألا ولامستهُ حُرقة الهجرة وذاقَ مرارتها وصعّوبتها، سواء من هاجر أو من ودعّ أحبائهِ مُرغمًا، ناظراً إليهم وهم يُفارقونهُ. قصص كثيرة تروّى عن الهجرة  وصعّوبتها وألمها وتأثيرها على المهاجرين. ومنها هذه المرأة  التي تتكلم بحرقة وحنين وشوق عن هجرة أحبائها، وتحكي حكايتها بصورة مُختصرة قائلة:
أنا أمٌ لثلاثة أبناء، تركنا منطقتنا ومنزلنا بسبب كثرة ما نسمعهُ من دوي الرصاص والانفجارات المُستمـرة، التي فجـرت قلوبنا وآذاننا قبل منازلنا، ولمْ تترك لنا يومًا هانئاً نرتاح فيهِ. وبعد أن فاض بنا قررنا  ترك كل شيء والرحيل إلى منطقة أكثر أمانًا، ولكن مع ذلك لم تكن معيشتنا بالمستوى المطلوب والعمل قليل والأمل ضائع. فقرر أحفادي السفر إلى موطن آخر غير مُوطنهم، باحثين عن عيشهم ومُستقبلهم وحياتهم التي تذبل يومًا بعد يوم. وبقينا على حالنا ننتظر لـربما يبزغ فجر أمل جديد وتعود حياتنا ألينا مثلما كانت، ولكن أوضاعنا في الحرب زادتْ سوءً. وذات يوم فوجئتْ بقرار أبنائي اللحاق بأبنائهم! مُضيفين إلى الألم الذي في داخلي بسبب غياب أحفادي، ثغرةٌ عميقةٌ في الوجدان والعاطفة لا يحسّ بها ألا من ذاقَ مرارتها وفراغها وأثارها.
هكذا هو الفراق والبُعاد، يحملنا بعيداً عن أصولنا وأجدادنا ويمحّى حضورنا في أرضنا، وخصوصًا وإنها لمْ تهجرهُ كُرهًا، وإنما بسبب ضيق الأفق وسُبل العيش وفقدان الأمان. وهذا ما أكدتهُ عالمة الإنسانيات الأمريكية " مارغريت ميد" في عبارتها التي قالتْ فيها بأن:" الأجداد يحتاجون إلى الأحفاد كي يبقى العالم المتحول نابضًا بالحياة، بينما الأحفاد يحتاجون إلى الأجداد لكي يُساعدوهم على معرفة أصولهم، ولكي يمنحوهم حسًا بالتجربة الإنسانية في عالم قديم يجهلونهُ". 
طيورنا تُهاجر يومًا بعد يوم وأختلط موسم هجرتها مع المواسم الأخرى وضاع! مهاجرة وباحثة عن عش دافئ وأمنٌ يُعوض عشها، راكضة وراء الآمال والأحلام في الأصقاع. ولكن كم من الأحلام هي مُجرّد أوهامً، وكم من الأفراح تُخفي تحت ستارها قدرًا هائلاً من الأحزان. ولا ندرّي هل ننتظر طيورنا وهي عائدة على جناح الأشواق للقاء من فارقتهم مُرغمة، أم نلحق بهم نحن أيضاً ونترك أعشاشنا ؟!
وفي نفسي شوقٌ وظمأ دائمٌ، وحلمٌ بعيدٌ يبتعد عني يومًا بعد يوم
في إن التقي من فارقني فجأة وتركني وحيدة في عالمي ووحدتي وألمي
بدون إن يُعلمني ويُخبرني بأنهُ راحلٌ، وبأني لن ألقاهُ وأشبعُ ناظري منهُ.

154
منْ مِنا لا يتمنى أن يكون سعيداً والبهجة تملأ حياتهِ، فالسعادة كنز من كنوز الحياة، ولكن كيف السبيْل إليها؟ هل هي من تأتي إلينا، أم نحن من نصنعها؟! أسئلةٌ كثيرة تشوش فكر الإنسان ويريد الحل الشافي لها، أو بالأحرّى أن يفهمها ويستوعبها! السعادة هي غاية لا يمكن لأي إنسان إدراكها لأنهُ لا يستطيع تحديد مكانها وزمانها أو تحجيمها، فهي كائنة في طبيعتنا وإنسانيتنا وحضورنا وواقعنا وقناعتنا وتصرفنا وأيضًا في كل عمل نؤديهِ لأنفسنا أو لغيرنا. سعادة نكون نحن من نخلقها داخلنا وبالتالي نعكسها على الآخرين، بأعمالنا وكلامنا وإحساسنا بمُعاناة الآخرين وأمرهم.
هذا الشخص مثلاً نراهُ: مثقف.... ناجح.... غني.... لديهِ زوجة جميلة.... وبيت جميل وسيارة.... يمتلك كل شيء، ولكن إذا دنونا منهُ وجدنا البسمة شبه غائبة عن شفتيه، ومُتضايق ودائم التوتر، وغالبًا ما يسرح بخيالهِ وكأنهُ فاقدٌ لشيءٍ! كلُ شيءٍ مُتوفر في يديهِ، لكنهُ لا يملك كل شيء! حقق كل شيء مادي في حياتهِ، لكنهُ محروم من أجمل كلمة تُقال ويُنادى بها وهي كلمة (بابا)! أخذ من الحياة ظاهرها، لكن في أعماقهِ نجد أن حياتهِ بلا معنى! مسكينُ إنساننا. تبقى الحياة عجيبة وغريبة، لا تعطي للإنسان كل ما يتمناه، لابد وأن يكون هنالك دائما شيئًا ناقصًا ومفقودًا. فالحياة إذا حققت أي جانب حياتي وإيجابي في الإنسان، يأتي ما لا يمكن أن يخطر ويكون على البال ويُشوش على السعادة أو بجزء منها، لا يوجد شيءٍ كاملٌ وثابتٌ في حياتنا.
وما أكثر المُشتكين من تعسر وجود السعادة في بيتهم، وما أكثر الشاعرين بهروب السعادة من سمائهم، وما أكثر الذين كانوا سعداء لكن غيرهم سرقها منهم بأنانيتهم وعجرفتهم، وما أكثر الذين يمتلكون السعادة وهي بين أيديهم لكنهم لا يرونها بسبب عماء قلوبهم وأضاعوها! وما أكثر الذين تكون السعادة بينهم لكنهم مع ذلك يبحثون عنها في أشياء أخرى تافهة في الحياة! إنساننا مُتناقض، يريد أن يذوق الحياة السامية، فإما أن يبحث عنها في أمور لا تمدُّ لها بصّلة، أو يجدها عند غيره ويأخذها وأما أن يهملها ويُضيعها بإرادتهِ ويستسلم للأقدار! وخاصة في زماننا هذا الذي اختلطت فيهِ مفاهيم السعادة والعلاقات الإنسانية وضاعتْ بين دروّب الحياة.  
فما هي السعادة؟  
ما هي السعادة؟ ما هي الحياة؟ أسئلة كبيرة حيرتْ البشر! كلمتان مُترابطتان مع بعضيهما لكنهما مُختلفتان وبينهما الكثير من التناقض. فلكلمة السعادة وقع في نفسٍ كل سامعها، وقد كثر الجدل حول مفهومها، وكل إنسان لهُ وجهة نظره الخاصة والتي يراها حسّب تذوقهِ وتعايشهُ لها. وإذا أردنا أن نُعطي تعريف مُبسط لمفهوم السعادة، علينا أولاً أن نقول ما هو الإنسان؟
الإنسان: كائن ذو طبيعة جسدية وذو طبيعة روحانية، وهو نفسٌ تمتلك مجموعة من الأحاسيس والمشاعر التي تنبسّط عند الشعور بما يُريحها، وتنقبض عند الإحساس بما يُضايقها. فالسعادة ليست شيئًا ملموسًا، وإنما هي أحساس أو شعور يُلامسَ أعماقنا، فأحسسنا تجاههُ بالارتياح والبهجة. وهذه السعادة نسبية وليست مُطلقة، ويختلف مفهومها من شخص لآخر، كلٌ وحسب درجة استجابتهِ وتقبلهِ للموضوع وفهمهِ لها، فهناك من يرى السعادة في جمع الأموال وغيره يراها في الصحة، وثالث يراها في العاطفة، وفي رأينا المُتواضع نقول إن السعادة تكمْن في غنّى النفس وسموّها عن كل الرذائل. فالبشر جميعًا يختلفون في تحديد مفهوم واحد جامع للسعادة، لكنهم يتفقون جميعًا على أن يحققوها ويعيشوها!
أذن مفهوم السعادة ليس واحد، وإنما يتعدد بحسب المُستجيبين والمُتقبلين لها والفاهمين لها. ولو كانت السعادة مفهوم واحد ومُوحدًا لكان جميع البشر سعداء والحزن نقيضها لا وجود لهُ! لذا ما يحصل لهذا الشخص أو ذاك ويُشعره بالسعادة والمرح، غيرهُ لمْ يحسَ بهِ، لأنهُ لمْ يلمس ذاتهُ، وكذلك من شعر بشعور الأسىّ والحزن غيرهُ لمْ يعرفهُ لأنهُ لم يلمس مشاعرهُ! وهذه في النهاية أقدار تصيب البشر.
فالسعادة إذن نقولها بكلمتين، شعور وإحساس! شعور يُلامس وجدان كل إنسان وتشعره بإحساس سامي يتعدى الوصف والخيال.
هروب السعادة أحياناً:
السعادة كنجم عالي يتلألأ في سماء صافية، ومن الصعب على كل إنسان أن ينالهُ، لأنهُ لا يعرف السبيل إليهِ أو كيف يتملكهُ، وكلما مرت الأيام أبتعد أكثر عن النجم وزادت المسافات بدون أن يدري، إلى إن يفاجأ يومًا باختفائهِ كليًا! فيتسأل: يا ترى لمْا اختفى وضاع فجأةٍ؟!  
الإنسان في هذه الدنيا دائمًا يبحث عن المزيد ويركض ورائهِ ليلا ونهاراً، المزيد من المال، المزيد من النجاحات، المزيد من المناصب، وتمشي به الحياة هكذا، إلى أن يفاجأ يومًا بأن العمر ضاع به وضاعتْ معهُ أشياء جميلة لا يمكن أن ترجع أو صعب إيجادها. فيبدأ بمُلاحظة ومُقارنة نفسهِ بينهُ وبين غيره في أمور وأشياء كثيرة. فمثلا هذه الفتاة أو ذاك الشاب، عندما يكبر يجد نفسهُ تلقائيًا يُقارن نفسهُ وحياتهِ بينهُ وبين حياة الآخرين، فيقول زميلي ناجح وحظيَّ بأمور أكثر مني، جيراننا أسعد منْا، والد صديقي غنيٌّ جداً..... وهكذا.
 
هكذا الإنسان دائما يُقارن بين ما لديهِ وبين ما لدى غيرهِ، يركز نظرهِ على الأشياء الفانية، على المظاهر الشكلية، ظنًا منهُ أنها هي من تجلب الفرحة لهُ، فيفقد السعادة ومعها يفقد أغلى ما على قلبهِ، ضيعها هو بنفسهِ. فهربتْ منهُ السعادة ولا يجد لها أثر ولو قليل في نفسهِ، هربت إلى هذه الأشياء الشكلية التي لا يمتلكها، وحتى إن امتلكها بعد فوات الأوان فلا يجد للسعادة أثر، لأنهُ لا يمتلكها في داخلهِ.  
فالسعادة ليست في المظاهر والشكليات، وإنما هي كامنة في نفس كل إنسان، يشعر بها بكل قلبهِ ووجدانهِ وتجعلهُ يفرح ويسعد بالأشياء القليلة والبسيطة من حولهِ، هذا إذا كانت روحهُ قنوعة وتُقدر الإنسان من خلال جوهره وليس مظهره، فقيمة الإنسان ليست بما يمتلكهُ.  
و لكل إنسان يريد أن يستشعر السعادة سواء (أنتَ، أنتِ)، فلابدّ من إن تعيش الحياة وتتقبلها بجميع وجوهها وعلى اختلاف أنماطها وإنسانها، لكي تشعر بمرارتها أولاً قبل حلاوتها، والتي من خلالها تذوق قيمة السعادة الحقيقية. سعادةٌ تجدها في داخلك وفي أعماقك وفي روحك، فأبدأ رحلتك من داخل ذاتك وأبحر بها إلى أن تجد الجوهرة المكنونة فيك، وأخرجها وزينَّ بها خارجك لكي تبهر وتُشرقَ للآخرين بنور يعكس منكَ ليدخل أعماقهم. فإذا لم تجدها في داخلك، فلن تراها أبداً فيمن حولك، لأن السعادة شعور ينبعث من دواخلنا ومن قلبنا وليس من خارجنا، فلابد من أن تعود لنفسك لتُدركها وتفهمها وتحبها كما هي.
وهناك الكثير مِمن يشعرون بلذة السعادة رغم ما مروّا به من تجارب ومحنٌّ يصفها البعض بالفشل، لكن رغم ذلك وجدوا طريقهم في هذه المشقات إلى الابتسامة والسلام الداخلي واستشعروا حلاوة السعادة رغم الأشياء البسيطة التي يمتلكونها.  
فالسعادة موجودة فينا ولكن نحن من بيدنا أحيانا نضيعها، فلنبحث عنها أو لنصنعها بأنفسنا ونحن قادرين على ذلك قبل فوات الأوان وانشغالنا بأمور لا تجدي لحياتنا نفعًا، وما أجمل أن نشعر بالسعادة ونسعْد من حولنا. فالسعادة هي مطلب وأمنية كل إنسان في هذا الوجود، وأعظم سعادة هي السعادة الروحية النابعّة من أعماق النفس، وسعادة تجدها عندما تؤدي خدمة لإنسان من كل قلبك، وفي كل ابتسامة على شفتي طفل بريء يبتسم من أعماقهِ ابتسامة صافية للحياة التي ليس لها هدف غير الحياة نفسها.

سهى بطرس هرمز

155
طوبى لمن اختاره الرب إن يسكنه في دياره إلى الأبد
نطلب الرحمة للفقيدين، وان يسكنهم الرب في فسيح جناته، ولأهله الصبر والسلوان
.

صفحات: [1]