عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - حازم خيري

صفحات: [1]
1
إدوارد سعيد وأسلوب المرحلة الأخيرة
                                           
حازم خيري

"لا سفينة تنتظرك، ولا طريق.
 ولأنك أضعت حياتك هنا، في هذه
 الزاوية الصغيرة،
  فقد دمرت حياتك في سائر أنحاء العالم"
                         قسطنطين كافافي

صدر مؤخرا عن دار الآداب كتاب لادوارد سعيد، بعنوان [عن الأسلوب المتأخر: موسيقى وأدب عكس التيار]، ترجمة فواز طرابلسي. وشأن كتابات ادوارد سعيد تأتي رائعته الأخيرة غاية في الرقي والثورية والتوتر غير المحسوم، من جهة تركيزه على أعمال لمنتجين ثقافيين في المرحلة الأخيرة من حياتهم، تحدوا مداهمة الموت بالسير "عكس التيار" في الشكل والمضمون (من فقرة على الغلاف الخلفي للكتاب).

قبل ثلاثة أيام من تغلب المرض عليه للمرة الأخيرة، قال إدوارد سعيد لزوجته وهما يتناولان الإفطار ذلك الصباح: ".... في الأسبوع القادم، سوف أركز على إنهاء [عن الأسلوب المتأخر] الذي سوف يجهز في ديسمبر". لم يحصل هذا! ..

إدوارد سعيد مفكر عالمي شديد التميز، غير أن كتاباته ليست معروفة في منطقتنا على نحو يكافئ ثقل الرجل على الصعيد الفكري. اهتم ادوارد بالقضية الفلسطينية والاستشراق والنقد الأدبي والموسيقى. تعدد في المجالات المعرفية لم يحل دون براعة ادوارد في الاقتحام والتشريح على نحو غير مألوف للقارئ العربي.

قراءة إدوارد سعيد صعبة لكن ممتعة، ولا أقصد هنا النزعة الاستهلاكية وإنما متعة التحليل العميق، متعة التحقق من حقيقة الشيء بالإبداع والابتكار لا بالمعاينة.

ذلك هو امتياز الأسلوب المتأخر – والكلام لإدوارد -: له القوة على التعبير عن الخيبة واللذة دون أن يحل التناقض بينهما. فما يجمعهما في التوتر، بما هما قوتان متعادلتان تشدان في اتجاهين متناقضين، هو ذاتية المفكر الناضجة، مجردة من العجرفة والتفخيم، لا تخجل من كونها معرضة للخطأ ولا من الطمأنينة المتواضعة التي اكتسبتها نتيجة العمر والمنفى.
....
لا يبث رسالة خلاصية، ولا هو يدعو البتة إلى أي مصالحة.



2
أخطأت حين أعلنت اعتزالي..
                                         
  حازم خيري

أخطأت حين أعلنت اعتزالي، حتى مبرراتي التي أوردتها في "بيان الاعتزال" المنشور على الانترنت، أراها لا تكاد تصمد أمام قناعة بأني أخطأت. فاستقلالية المفكر مكانها العقل والقلب، ولا سبيل لكسرها إلا باستسلام المفكر وخيانته لنفسه وفكره. المفكر ومهما تعرض لمضايقات و"مرض" يظل ملتزما بصون استقلاليته.

لست ممن يغلبهم الانفعال عند الكتابة، غير أن "بيان الاعتزال" و بينما كنت أسطره غلبني الانفعال واليأس – على الأرجح -، وهو ما يوجب تصويب الخطأ، والاعتذار عن كبوة بعد عقد من المقاومة، حافظت خلاله باستماتة على مصداقيتي.

"أخطأت حين أعلنت اعتزالي"، مع عبارة كهذه ربما يسأل القارئ: لماذا تكررها مع ندرة الاهتمام بكتاباتك؟! أجيب: أكرر العبارة لشعوري بالندم والإحراج أمام نفسي أولا، ثم أمام هذا العدد الضئيل من القراء، وأيضا أمام قارئ المستقبل.

محنة أن نترك أجيال المستقبل بدون تراث فكرى وأخلاقي، محنة أن نترك قارئ الغد يظن بنا الظنون، خاصة وأدبياتنا الحضارية والثقافية تكاد تخلو من تحذيرات أننا نسير في الطريق الخطأ. مفكرونا – أقصد أغلبهم - يلوذون بالصمت إما جهلا أو إيثارا للسلامة أو طمعا في مغنم. خيانتهم تساعد على تعميق التخلف.

"لا تمت قبل أن تكون ندا" .. مقولة رائعة ومُلهمة لغسان كنفاني!



3
فقدت استقلاليتى كمفكر وأعتزل ..

"اقض على اللعبة قبل أن تموت"
                  حسن البنا

يكون المفكر خائنا إن هو استمر في جهده بعد أن يفقد شعوره بالاستقلالية، وقد أفقدتنى تداعيات ما بعد ثورة 25 يناير المجيدة هذا الشعور شديد الروعة والرحابة.

أنا اجتهدت لأكثر من عقد، وبجهد مضن حاولت قدر استطاعتى بناء رؤية نزيهة ومنظمة لفكرنا الأنسني، رغم خطايا أخلاقية لا أنكرها ولم أدخر جهدا في فضحها.

 يقول الشاعر العربي: صح منى العزم والدهر أبى! ولقد سبقنى لمثل هذا الفشل كثيرون من أبناء مجتمعاتنا المعصومة، فالقابض على استقلاليته في حضارتنا الاسلامية كالقابض على الجمر، والداعي للثورة الفكرية فيها محارب بلا أمل..
نحن نسير في الطريق الخطأ!

4
حدائق الإنسان: الوحل من حولنا!
                                                         
حازم خيري
"الصندوق الأسود"
          إسم برنامج تلفزيوني شهير في مصر
أمر صعب أن تسير في وحل. أنت محاصر، فكل خطوة تقربك من قلب الوحل وكل رغبة في تنظيف الثوب تزيده اتساخا وكل صرخة تمرد تزيدك فضحا ومظلومية.

أمر صعب أن تنهار الأرض وأنت فوقها، يحرمك هذا حتى من أبسط حقوق الموتى! لا يعرف الغد لك قبرا، ففي قلب الوحل لا فرق بين الأحياء والأموات.

أمر صعب أن نعيش قردة عارية، يراقب استخباراتيونا – ونظرائهم في الخارج -همساتنا وسكناتنا ونحن نتحرك في أوطان أشبه بحدائق الانسان، أوطان تشبه إلى حد كبير حدائق الحيوان، حيث لا خصوصية تعصم آدميتنا من الهتك.

فى حدائق الانسان لاحق لك سوى في المصالح الحياتية – إن هى توافرت أصلا -، كسرة الخبز وشربة الماء وحضن أنثى. نزلاء هذه الحدائق يرون أنفسهم في مرايا "خادعة" ينصبها رعاة الحديقة في كل الأركان، تطربهم صيحات النزلاء وهم يرون عظمتهم في مراياهم الخادعة.

قد يفاجئك حارس الحديقة وأنت تقضى حاجتك أو وأنت تعبث بجسدك أو وأنت تضاجع أنثى، وإذا عاتبته قال لك في دربة: أمن حديقتك في عريك!
حدائق الانسان لا أسوار لها، وهنا المعضلة، فأشرس الأسوار هي ما لا نراه. حدائق الانسان لا أبواب لها، حتى ينسى نزلاؤها معنى الخروج من الوحل!

قرأت في أحد الكتب المترجمة أن فيلسوفا يونانيا لست أذكر اسمه أقدم على أمر غير مألوف – وقتها في الغرب – وهو مضاجعة إمرأته أمام الناس في عرض الطريق، ولما سُئل أجاب أنه أراد كسرا لاجماع مجتمعى، من جهة أن الفلاسفة ليسوا بناة اجماع.

ما فعله الفيلسوف اليوناني ربما يتفق وجرأة الفكر اليوناني، غير أنه شديد البعد عن خصوصيتنا الثقافية - علىى الأقل حتى اليوم -، فلنخلق لوننا الثوري في اعترافنا وفي تقزيمنا لحرائق الاجماع ولسطوة استخباريينا، فثمة علاقة طردية بين شيوع الفضح والابتزاز وبين التخفي وتأجج حرائق الاجماع.

"القرد العاري" هو كتاب صغير شيق ومهم لديزموند موريس، قادتنى الصدفة لشرائه منذ سنوات من أحد معارض الكتاب بالقاهرة. لفتنى عنوانه المتميز وغير المألوف – على الأقل بالنسبة لى وقتها -. وبمطالعتى الكتاب وجدت المضمون لا يقل تميزا وثورية عن العنوان، هو – حسب ما أذكر - دراسة مقارنة بين أوجه الشبه والاختلاف في الممارسة الجنسية عند الانسان والحيوان.

موضوع الكتاب هو مجال معرفي تكثر فيه بحوث الغربيين، فنجاحهم في تشريح الطبيعة الانسانية وارتقائهم بها على هذا النحو ربما غير المسبوق يرجع على الأرجح في شق كبير منه لمثل هذه الدراسات المقارنة التى تبرز الجانب الغريزي وسطوته ومخاطر عدم الارتقاء به عبر الفنون والآداب وغيرها من المهذبات الكبرى..

أذكر أيضا أنه أثناء اعدادي لأطروحة الدكتوراه في مجال السياسة، أدهشنى كثيرا وجود دوريات في مكتبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة – وهي شديدة الثراء المادى والعلمي – تناقش أفكارا كـ"القرد العارى"، ولم أكن قد قرأته بعد، عبر غوص جرىء ومؤلم في أعماق الغرائز الانسانية، لاستكشاف منابعها في محاولة لتعزيز النقاء.

وبشرائي "دش" في أعقاب اندلاع ثورة 25 يناير المجيدة بسنة أو أكثر تقريبا، وكنت قبلها مقاطعا لعصر الفضائيات لسنوات وسنوات، أدهشنى وأثار فضولى لفترة وجود فيض هائل وقنوات متخصصة في عرض ما يسمونه أفلام "البورنو" أو "الاباحية"، هي في مجملها تجسيد لأفكار ديزموند موريس ومدى استبداد الغريزة ومأساوية سطوتها في غيبة المهذبات الكبرى، أو لنقل في حضور تجارة الرقيق الأبيض..

فالغربيون – للانصاف - لا يصح وصف مجتمعاتهم بخلوها من الفنون والآداب وغير ذلك، وإنما يصح وصفها بالشفافية المرعبة، من جهة تخصيص بعض بؤسائهم للاشتغال بالاباحية، وتخصيص بعض علمائهم لاجراء البحوث في المجال نفسه!!

ان فائض الطاقة لدى الانسان الذى يستخدم – وكما يقول باحث غربي – في ممارسة الجنس هو نفسه الذى يستخدم في الفنون وغيرها من مجالات الابداع.
 

5
المنبر الحر / ثرثرة لابد منها
« في: 22:07 11/08/2014  »
ثرثرة لابد منها

                                                                                                                                                                         حازم خيري
"لا تمت قبل أن تكون ندا"
                  غسان كنفاني

   لا أعجب من ربيعنا العربي – خاصة المصري -! نسائمه استخباراتية خانقة، الأحداث تقع وكأن "لهوا خفيا" يقف ورائها، مما يشيع جو العماء والشلل الفكري!

ربيع ما بعد الحرب العالمية الثانية - أو ما يعرف بثورات الاستقلال الوطني في منتصف القرن الماضي -، صحيح انه أيضا لم يكن تنويريا على النحو المنشود، لكن أظنه كان أقل من ربيعنا استخباراتية وغموضا واشاعة للعماء والشلل الفكري.

ولا أدري أنتحرك إلى الأمام أم إلى الخلف؟! فمع كل موجة ثورية تفقد مجتمعاتنا المزيد من رأسمالها الحضاري، رغم تغني أصحاب المصالح – وهم كثر – بعظمة القادم، فضلا عن هرولتهم إلى الواقع الجديد، دون حرث لتربة حضارية آسنة ودون اجتثاث لجذور ظلم وفساد مزمنين ودون تقويض لفساد وترهل المؤسسات القائمة.
      
حدث هذا مع ثورات الاستقلال الوطني ونراه يحدث اليوم على نحو ربما أكثر ضراوة واستهانة بحق شعوبنا – شبه الميتة – في المعرفة والفضيلة. ناهيك عن وقوع ربيعنا العربي في قبضة قوى السوق الكونية، بكل غطرستها واستهتارها بالقيم والمثل العليا وكذا بأرواح أبناء شعوبنا المستضعفة واعتبارهم محض فائض عن حاجة الحياة.

اللاعنفية لم تثمر كثيرا، ليس للاأخلاقيتها فحسب، وإنما أيضا لعدم اتساقها مع طبائعنا، من جهة قسوتنا وعبادتنا للقوة والنجاح وعدم احترامنا للضعف والفشل..

رجال الأعمال وأنصاف رجال الأعمال، أغلبهم يعيثون في ربيعنا العربي تخريبا، هم ليسوا بمعزل عن نفوذ وسطوة قوى السوق الكونية في عصرنا العولمي، يدللهم الفرقاء جميعهم، بينما هم يتاجرون بالألم ويقتلون الحقائق بحرائق يشاركون في تأجيجها.

نحن نسير في الطريق الخطأ!


6
سماواتنا وقاذفات الموت
(مهداة إلى فرانز فانون)
                                         
حازم خيري
"بامكان الضربات الجوية المعادية افقادنا احتياطياتنا،
 لن نستطيع مواجهتها بالمتفجرات"

                    من أوراق وجدت في مكان اغتيال بن لادن

الأمريكيون يجيدون قراءة خصومهم، ولا يجدون صعوبة تذكر في بناء مشروعية أخلاقية "مفبركة"، ينطلقون منها لتبرير إراقة دم الخصوم والشعوب المستضعفة. كتابات استراتيجييهم وساستهم واقتصادييهم تشي بأن غير الغربي هو فائض عن الحاجة(!!)، ليس ثمة مشكلة في اراحة الحياة من عبء وجوده.

الغربي برأيهم الأحق بالحياة والأقدر على اثرائها ودفعها للأمام، في مواجهة برابرة الأرض ونحن منهم! نجد ذلك في مأثوراتهم الاستراتيجية، ففي تبريرهم لتفويض العسكر وملوك الاستبداد لحكم منطقتنا بالوكالة ما بعد الحرب العالمية الثانية، يزعمون أن الضرورة اقتضت حماية الحقائق بالأكاذيب، لهم الحقيقة ولنا الأكذوبة!

هم أيضا يفاخرون بمكافحة النار بالنار. نيران تخلفنا – برأيهم – لا تواجه إلا بنيران تكريس الظلم والفساد في أرضنا، لادامة خروجنا من التاريخ وابقائنا مسوخا نقتات بالألم وخبز الاحسان! فضلا عن حرصهم المحموم على تلويثنا بنفاياتهم الفكرية، فلاعنفيتهم اللاأخلاقية وإرهابهم الاستخباراتي وافسادهم المنهجي لذمم المتعاملين معهم وانتاجهم الحقائق بما يخدم مصالحهم..كل هذا نراه عندنا اليوم.
   
الأمريكيون خلصوا من حربهم مع الإسلاميين إلى وجوب تجنب المواجهة المباشرة والاكتفاء بقاذفات الموت – خاصة الطائرات بدون طيار –. الأمريكيون يلوثون سماواتنا بقاذفات الموت ويخضبون أرضنا بدماء الأبرياء، وفي مقدمتهم شباب الإسلام السياسي – الوجه ربما الوحيد الحي لحضارتنا الاسلامية اليوم -.

في خطاب ألقاه في كلية الدفاع الوطني، وصف الرئيس أوباما هجمات 11/9 بقوله: "لم تأت جيوش لشواطئنا، قواتنا العسكرية لم تكن الهدف الرئيسي، بدلا من ذلك، مجموعة من الارهابيين جاءت لتقتل أكبر عدد ممكن من المدنيين".
   
عنصرية الأمريكي أوباما تبدو عارية، حزين لمقتل المدنيين في بلاده – وأنا أشاطره الحزن -، غير أنه مستريح الضمير لمقتل المدنيين في منطقتنا. سوريا تشهد شلالات دم، وكذلك مصر وباكستان وأفغانستان والعراق واليمن وليبيا وفلسطين..
   
أوباما ذو الوجه الأفريقي يحمل في صدره ضمير الرجل الأبيض، لهذا استخدمته أمريكا كغطاء لاقتلاع الشوك – والذى هو غرس يدها – من منطقتنا!
   
 يرفض الغرب دفع نصيب جاد من فاتورة الربيع العربي. "مجموعة من الأفكار الكبيرة وحفنة من الدولارات، هي كل ما يمكن أن نسهم به في فاتورة اقتلاع الشوك من أرضكم"..هكذا يتكلم الرجل الأبيض بينما يلعب الجولف في مزرعته!..

7
ضد نسيج الحياة: شاب بنفسية كهل!

                                                         
حازم خيري
"تتكلم الإرادة عندما تسكت الطبيعة"
                           روسو

   لثورات الربيع العربي فضل كبير في الكشف عن كومات العفن، من غير مراوغة، وما أكثرها في أرضنا. لاحظ مثلا بدائية دول العسكر والملكيات المستبدة في مقاومة الربيع الزاحف، هي أشبه برجل الكهوف يشهر هراوته – سلاحه البدائي – ضد نسيج الحياة، ذلك النسيج الرهيف لكن الثمين الذى يسهل تحطيمه والقادر بغرابة على أن يرد الضربة بطرقه غير المتوقعة، على نحو ما نرى جميعا.

   أتوقف كثيرا أمام بعض ما تقدم عليه هذه الدول المغادرة وفلولها من حيل ساذجة لتفادي الموت الزاحف، حيل لا تخلو من خطورة على البسطاء، ناهيك عن استماتة وإثارة للدهشة - من جهة التكبر والاصرار على صيانة الظلم والفساد -.

   التكتلات الحاكمة "القديمة" في منطقتنا تتشظى إلى تشكيلات وكيانات صغيرة، جيدة التنظيم والتمويل، تتصدرها شخصيات شابة، ليس لها من الشباب سوى الشريحة العمرية، مثقلة الوجدان بأفكار وأخلاقيات دول العسكر والملكيات المستبدة والتى جرى تسويقها لعقود، بتواطؤ غربي، قبل أن يخلى بينها وبين العفن.

الشخصيات القديمة بماضيها الملوث بظلم وفساد، تتمترس في خلفية المشهد، تحدوا هؤلاء الأبناء والأحفاد، ليس إلى شق السماء، وإنما إلى ترميم شقوق التمرد!

   شاب بنفسية كهل!! تستشعر هذا وأنت تجادل أحدهم، يثير في نفسك الرثاء والشفقة أكثر مما يثير الحنق عليه. هو ضحية لمجتمع مغلق لعقود وعقود، يرجع مزاجه الثقافي صدى قناعات مريضة: مدرسة الحياة، تربية الشارع، ذكاء ملتو، نفسية بلطجي..الخ! مجتمع لا يقيم وزنا لمعرفة أو فضيلة! دول العسكر والملكيات المستبدة أورثتنا جيلا من الشباب بنفسية كهول، وجوه نضرة ووجدان شديد العفن.

هؤلاء الكهول ذوو الأجساد الشابة يتشاركون للأسف مع العديد من شباب الثورة – خاصة شباب الاسلام السياسي – في الكثير، غير أن المأساة لدى شباب الفلول – ربما - تكمن في رفضهم المشئوم حتى لهذا القدر من التغيير - غير الكافي برأيي - الذى يعمل الاسلاميون على انجازه، كونه يكفى برأيهم للتمكين لدولتهم. رحيل مبكر على ما يبدو لربيعنا العربي، بمباركة غربية اعتدناها!

   يقرص البرغوث كلبا فيموت البرغوث لأن دم الكلب قد أصبح مسمما، يشبه هذا إلى حد كبير حال الربيع العربي، فثوريته الواهنة – على الأقل فكريا وحضاريا – لا تعدو قرصة برغوث لدول مسممة! ثوريته الواهنة لن تلبث أن يدركها التآكل والنضوب لأن دم الدول المغادرة قد أصبح مسمما. زعم يجد تعزيزا في سطحية وهشاشة التخوم الفاصلة بين الدول المغادرة وفلولها – وفي مقدمتهم شباب الفلول -، وبين القوى الثورية – وفي مقدمتها شباب الاسلاميين -. لا نكاد نجد القطيعة والشرف الثوريين كما في الثورات العظيمة، كما لا نستطيع أن نميز بين أطراف الصراع فكريا وحضاريا بدون استحضار المصالح الحياتية والشخصيات المحورية والولاءات..أمور كهذه لا تصنع ثورات عظيمة، وان كان بامكانها أن تصنع تغييرات في السلطة والولاءات، أن تغير موازين القوى على الأرض وربما إثارة الحروب الأهلية، فضلا عن امكانية تمهيدها لفتح المجتمعات وهندستها ثقافيا..

8
كتاب جديد في الفكر الأنسني بعنوان  انتصار مظلم: الربيع العربي والفضح المصلحي

http://upload.ankawa.com//files/2/ankawa2/mothlem.pdf

9
الفضح "المصلحي" أسوأ من التواطؤ

                                                         
حازم خيري

"من كان منكم بلا خطيئة"
                 المسيح
   ربيعنا المصري – وربما العربي أيضا – يشهد طوفانا من الفضح المصلحي، ضمن جهود تقويض دولة العسكر وأنصارها. رموز الدولة المغادرة يبدون عُراة من كل شيء إلا التواطؤ! يصب هذا بطبيعة الحال في صالح ربيعنا المغدور، على الأقل في المديين القصير والمتوسط، غير أن لا تنويرية هكذا فضح تُصادر على خصوبته، تجعله سطحيا عقيما، بعيدا كل البعد عن تجفيف بؤر العفن، وهي في معظمها فكرية حضارية. المفضوح والفاضح - في مصرنا- يفكران بطريقة واحدة!

   خطورة التقويض بالفضح المصلحى - في رأيي- انه يسمح بانتقال أمراض الدولة القديمة إلى الدولة الوليدة وهى دولة إسلام سياسي على الأرجح، ناهيك عن اسهامه في تكريس نهج الابتزاز واستباحة الخصوصيات واشاعة الخوف وتدجين النفوس. يظهر هذا بوضوح مثلا في حالة أحد الشخصيات "الفلولية" بمصر، تراه وقد خبت نيران تحامله على الاسلاميين، فقط على خلفية فضيحة جنسية كبرى ضربت أوساطا بعينها مؤخرا. مثل هذا الاستسلام المشبوه لا يصب في صالح صاحب الشخصية أو مجتمعنا أو حضارتنا، فلا هو اقتنع بأنه أخطأ، ولا هو اقتنع بأن في الكرامة والعزة متسع للجميع، ولا هو ولا مجتمعنا حظيا بميزة الفضح التنويري أو الذاتى، كل ما يعرفه الرجل أن قوة تفوق قوة دولته المغادرة، لابد أن يركع أمامها!
   أسمى هذا النمط من الشخصية "نفسية بلطجي"، هو نمط لم تستحدثه دولة العسكر، وإن اجتهدت لعقود وعقود في تكريسه وتسويقه بيننا. مواطنونا بمقتضى هكذا نمط يخضعون لـلقوي المتغلب، ويتوقعون ممن دونهم قوة اتيان السلوك نفسه.
   
   من الصعب تبرئة الغربيين – خاصة أمريكا - منذ ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية من خطيئة التورط في التمكين لهكذا عفن أخلاقي في أرضنا، عبر دعمهم اللامحدود للدولة المغادرة ورموزها على كافة المستويات، في اتجاه تكريس الخوف واعلاء المصلحية المتطرفة، على حساب آلام مواطنينا وهدر أعمارهم. وهو ما يفسر لجوء السبتمبريين في فك شفرة دولة العسكر إلى ضرب مصالح الغربيين!

   ولسوف يخبرنا الغد ما إذا كان الغربيون ماضون في ظلمهم، خاصة وأن الثورات الرقمية والمعرفية والبيوتكنولوجية تجعلهم أقرب لشراكة في حكم "مباشر" لمجتمعاتنا، عبر امكانيات غير مسبوقة في هندسة المجتمعات ومزاجها الحضاري. وبرغم تفهمي لشريعة العولمة واقراري بشدة وجدية منافسة العديد من مفرداتها لشريعتنا الحضارية، يظل فرضها "الناعم" – وهو ما أتوقعه – كفيلا بتشييئها وسحق ما تبقى لأهلنا وحضارتنا من أمل في الحياة وفي الثورة والتمرد والتخريب الخلاق.

   أعود لحديثى عن الفضح "المصلحى" وأقول إنه ليس تنويريا وليس خلاقا، هو توأم الاذلال والابتزاز وكسر الارادة. هو يحرم مجتمعاتنا من الكسر الذاتي الاختيارى لرهاب الخطأ. ولشد ما أحسد مفكرى الغرب على جسارتهم في فضح أنفسهم وتقيؤ أخطائهم وخطاياهم على مرأى ومسمع من مجتمعاتهم بل والدنيا بأسرها. يمنحهم هذا قوة وتجردا جبارين تفتقدهما شعوب كشعوبنا مشغولة بالستر للخطايا، وليس التقيؤ.
   ولا أدرى، هل أرتكب حماقة بتقيؤ خطاياي أو بعضها علنا، على أمل كسر رهاب الخطأ، في مجتمعات شديدة القسوة، تعبد القوة والنجاح، لا تحترم ضعفا ولا يريد ما بداخل أبنائها الحقيقة! أنا مثلا لم أكن إبنا وفيا كما يليق، كنت أقرب إلى العقوق منى إلى الوفاء، ليس تجبرا بل ربما جهلا..لست أدري؟ أيضا لم أكن أخلاقيا في سنوات مضت بنفس قدر ما أتحراه اليوم بعناد وما أنشده من أخلاقية. وربما يكون هذا منطقيا في واقع اباحى كواقعنا، يجعل من الحياة عبئا، يعجزنا عن نقدها وتطويرها، كما في علاقة الرجل بالمرأة مثلا، وقد ترديت في أوحال بؤس هكذا تعاطى مجتمعي رديء. سحقت الفضيلة، تخليت عن مروءة، ولشد ما أشعر بالخجل كلما جال الماضي بصدري. صحيح أن الله ستار، غير أن تقيؤ الخطيئة فضيلة.

   الخطايا والأخطاء حفنات من وهن تسكن نفوس البشر، باعترافنا يغادر هكذا وهن نفوسنا ونمتلك جرأة ونزاهة ذكر الفضيلة بلا وخز من ضمير. ولمن قد يعيب على أمثالى تبجحهم بتقيؤ خطاياهم علنا، أسأل: أليس من حقي كإنسان لامعصوم أن تشهد نفسي عبر مراحل عمرى المختلفة، وأنا الآن قد جاوزت الأربعين بسنين، تراكما أخلاقيا يماثل تراكم الثروة لدى الأغنياء. لماذا نقبل من الأغنياء سنوات فقرهم وما راكموه لاحقا من ثروات، وننكر على بعضنا البعض سنوات فقرنا الأخلاقي وما نراكمه من معرفة وفضيلة في سنوات العمر المتأخرة. لنتصالح مع طبيعتنا البشرية!
 

10
المواطن "الأمنجي" وبؤس الاستبداد
                                                         
حازم خيري
"أن تكون غير قابل للغزو يكمن في داخلك"
                                صان تسو

   قادتني الصدفة إلى مشاهدة جزء من فيلم "ناجي العلى" بطولة الممثل المصري نور الشريف، وناجي العلي رسام كاريكاتير فلسطيني ثائر، رافض للمساومة وأنصاف الحلول كما فهمت من الفيلم، إغتاله مجهولون في لندن عام 1987.

   ثمة مشهد في الفيلم توقفت أمامه كثيرا، وهو إخراج الاسرائيليين لأهالي قرية فلسطينية بعد إقتحامها، وإجبارهم على الجلوس في ذلة ومهانة على الأرض خارج قريتهم في حراسة جنود مدججين بالسلاح .. متنمرين بهؤلاء الضحايا العُزل! الفيلم سرعان ما كشف أن هكذا تصوف هدفه تمكين عناصر فلسطينية مُلثمة – طبقا للفيلم – من التعرف على شخصيات المقاومين، لتصفيتهم على أيدي الغُزاة.

   هالنى أن مجرد إشارة من إصبع فلسطيني مُلثم كافية لإنهاء حياة أحد مواطنيه، ناهيك أن يُفعل هذا بدم بارد، الملثمون يدخنون سجائرهم ويحتمون بغاصبي أوطانهم، بينما يُسلمون مواطنيهم للموت.

   الظاهرة ليست جديدة، فكرة أن يجد الغاصب من يتعاون معه من أهل الأرض المغتصبة، قرأت عن حدوثها في بلدان شتى، فرنسا تحت النازية – مثلا – شهدت ويلاتا كهذه. ولنابليون مقولة شهيرة لأمنجي نمساوي، ساعده على غزو بلاده، ألقى نابليون إليه صرة المال وقال: "أقسمت ألا تصافح يدى يد خائن"!

   الأكثر خطورة وإيلاما هو شيوع هذه الظاهرة في منطقتنا، على الأقل في ظل حكم العسكر والملكيات المستبدة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فعلى خلفية تمكين الغربيين بزعامة أمريكا للاستبداد، لجأ مستبدونا لتسميم نسيجنا المجتمعي بنبت "المواطن الأمنجي" أو "الأمنجية" كما يحلو لنشطاء الربيع العربي تسميتهم.
   
وأظن هذا تم وفقا لنصيحة غربية، فشيوع "الأمنجية" في مجتمع جدير بتسميمه وإفقاده كل قدرة على التمرد والتطرف الخلاق، من جهة حتمية إقتران شيوع الأمنجية بشيوع الخوف والحذر والتواطؤ والتعريص وسقوط الهمة إلخ. وللربيع العربي المغدور الفضل في الكشف عن هكذا سموم مجتمعية، طفت بعفوية على السطح وكشف الكثير منها عن نفسه، ربما لخوض معركته الأخيرة من أجل البقاء.

   يزيد من خطورة ظاهرة الأمنجية، خاصة في الأوطان غير المحتلة كفلسطين، أنها تصبح أشد تدميرا للإنسان الأمنجي – وهو أيضا ضحية – وللنسيج الاجتماعي، حيث يصعب على السذج الاعتراف بوجودها، ناهيك عن التصدى لتفكيكها.

   فهؤلاء الأمنجية عادة ما يملكون حاضنة شعبية، ربما لا يمتلكها المناضلون أنفسهم. هم يتم غرسهم بدربة في نسيج المجتمع، على إختلاف فئاته وطبقاته ومؤسساته، حتى أن المجتمع في مراحل متأخرة – كالتى نعيشها اليوم – ربما يرى في إجتثاث هكذا ظاهرة سرطانية تهديدا لوجوده وأمنه، ومن ثم يتصدى هو نفسه لحمايتها ويصير الأمنجية أبطالا!!

   قابلت أحدهم يوما – أو هكذا ظننت على الأقل – فوجدت له وجه لاعب بوكر، جامد غامض، يرى في السلطة خاصة ذراعها الأمنى، آلهة لا تُنازع في الأرض، ولا قبل لبشر برفع رأسه في مواجهتها، وإلا اضهدته وعذبته وغيبته وراء الأسوار هو ومن قد يتصدى للدفاع عنه.
   
   وجدته أيضا شديد الذكاء، غير أن مقاصده الأمنية تُفقده – حتما - رحابة الرؤية وتُوقعه في فخ إلتواء الذكاء. تجده يلف ويدور ليستنطق ضحيته ويورطها ويضع الأنشوطة حول عنقها، بهدف أن يُصيرها دُمية في يدى آلهته.
   
   المواطن الأمنجي توأم حكم الاستبداد، ولن تبيد هكذا ظاهرة كارثية – أو على الأقل لن تصبح في حدها الأدنى – إلا بتقويض الاستبداد والاستعانة على تفكيكه بطرائق تفكير لا تعرفها مجتمعاتنا، كالتفكير الفلسفي مثلا، فالتفكير الفقهي - برأيي - غير قادر وحده على تقويض الاستبداد !!
      


11
المنبر الحر / الفلسفة والحياة
« في: 20:22 24/04/2014  »
الفلسفة والحياة

                                                         
حازم خيري

للفلسفة صورة ذهنية في الوجدان العربي شديدة الخواء. الناس في بلادي يعرفون عن الفلسفة أنها نفى المقدس وهدر الحياة وفتح أبواب الزيغ والضلال على مصاريعها وأيضا الافتئات على المقدس والشريعة. صورة ذهنية نُسجت خيوطها بحبكة، لم تترك للفلسفة عندنا موطيء قدم.

الفلسفة فضاء رحب لا يضيق بإنسان أو بفكرة، للثورة فيه حضور دائم، إن لم يكن هو ذاته الثورة. الفلسفة فضاء ثوري، عصي على رهاب الخطأ والرداءة والفساد. هكذا كوارث إن هي وقعت - بحكم طبيعتنا البشرية اللامعصومة -، لا يكاد فضاء الفلسفة يدخر جهدا في سحقها.

الفلسفة في أبسط تعريفاتها وأغناها هي نُشدان الحقيقة وليست سعيا لامتلاكها. بهذا التعريف قد لا تكون الفلسفة مناسبة لعموم الناس وقد لا يستسيغها الوجدان الشعبي عموما، ليس في مجتمعاتنا فحسب، كونها تعول كثيرا على الحرية المسئولة. عند الخطأ يلفحك جحيم الضمير!
    
من رحابة الفلسفة أن عموم الناس يجدون في فضائها "طريقة التفكير الفلسفي"، أصحاب هكذا طريقة تفكير يتعاملون مع الحياة من منظور أنها مصالح حياتية مُشبعة بالمعرفة والفضيلة. على خلاف نظرائهم من أصحاب "طريقة التفكير الفقهي"، والذين يتعاملون – كما في مصر - مع الحياة من منظور أنها مصالح حياتية مُشبعة بالقداسة. الفلسفة لا تُعادي هكذا مصالح أو تتجاهلها، تُريدها مُشبعة بالمعرفة والفضيلة، هي تمرد على وسطية وعملية ومصلحية الحياة!

في فضاء الفلسفة تجد "الفلاسفة" يشيدون بتفلسفهم في حيواتهم القصيرة صروح الأبنية النظرية بروعتها وألقها، عند هؤلاء قد تصل المصالح الحياتية لأوهن حضور لها في الوجدان الانساني. من هنا – ربما – تجيء الصورة الذهنية للفلسفة في وجدان شعوبنا وكيف أنها شطط الخيال بعيدا عن المصالح الحياتية، على خلاف ما تأمرنا به شريعة الاسلام والتى هي أسلوب حياة.

ما بين أصحاب التفكير الفلسفي والفلاسفة متسع لمحبي الحقيقة. جميعهم يتبع الحقائق لا المصالح الحياتية. جميعهم ثقافته اللامصلحة واللاخوف. جميعهم يروقه الغرس لا قطف ثمار الغير(خاصة الحضاري). الفلسفة بحث عن الظمأ وليس الرواء. الفلسفة تنظر لجذورها وتهضم الحقائق غير المريحة دون صعوبة تذكر. يصعب في حضورها أن يطمئن أو يدوم انكار الحقائق أو أن يشيع التواطؤ على الظلم والفساد(التعريص)، النقد الخشن توأم المعرفة والفضيلة، أما التواطؤ(التعريص) بدعوى حسن معاملة الناس فهو ثمرة محرمة .. يتعففها محبو الحقيقة.

ربيعنا العربي مُلطخ بالفضائح والخديعة، حتى لاعنفيته تجدها لاأخلاقية، هي ليست كلاعنفية غاندي مثلا، يلقي هذا – حتما - بظلال ثقيلة وربما كارثية على حيواتنا ما بعد انكسار حكم العسكر والملكيات المستبدة! الكثيرون يتخذون كالعادة من مقتضيات الضرورة الثورية مبررا لتسويغ هكذا لاأخلاقية. السهولة توأم الرداءة، من هنا لا أستسيغ كثيرا تفاخر الغربيين بربيعنا اللاأخلاقي وتجاهلهم افراطه في الفوضى والخديعة والفضح، على نحو تحكمي تحريضي وليس ثوريا تنويريا، يُفقد هذا ربيعنا العربي، وهو فكرة عظيمة، الشرف الثوري وامكانيات الاستدامة!

ثورات الفوضى والفضح والخديعة هي أردأ أنواع الثورات – للأسف -، غير أن دماء شهدائنا  وأوجاع مصابينا ومعتقلينا تظل "أطهر" ما في ربيعنا اللاأخلاقي، لولاها لغطى "العار" ربيعنا!



12
الضرورة العملية: عندما تُنسخ القداسة
بالقداسة

 
                                                          حازم خيري
 
       لسنا أصحاب
حضارة عادية! حقيقة لم يعد مقبولا التعامي عنها أو حتى المراوغة بشأنها. باءت جميع
محاولات التنوير عندنا بالفشل، وأظن أن محاولات التخريب الخلاق هي أيضا مُرشحة
للفشل! حضارتنا - بالمعنى الأنثروبولوجي – مُحصنة بالقداسة، على الأقل في نقاط
محورية .. لا يُستهان بنفوذها ولا بمردودها على مصائرنا ومجتمعاتنا.
 
       الدولة –
أو المُلك - مثلا هي تمكين للإسلام والذي هو شريعة والتي هي بدورها  أسلوب حياة. والمرأة أيضا، لملابسها وصوتها
وجسدها وعلاقتها بالرجل – خاصة الأسرية - وضعية شديدة الخصوصية والتأطير تتقاطع مع
نصوص قرآنية وتعاليم نبوية شديدة الرفق بضعف المرأة، تنظر إليها في رقتها كقارورة
توشك أن تنكسر في الأيدي.
 
       الثروة هي
الأخرى مكون حضاري محصن بالقداسة، فملكية الإنسان الخاصة مُصانة، لا يظلم الانسان
حين يحكم فيها كونه مستخلفا فيها من الله. مروءة منه وفريضة عليه أن يُخرج من ماله
حقوق غيره، على نحو في الممارسة العملية لااجباري. ولقضية الربا وضعية مماثلة، هي
شأن اقتصادي مُحصن بالقداسة، من جهة تحريمه.
 
       العقوبات
هي أيضا محصنة بالقداسة ومنصوص عليها بوضوح وتفصيل شديدين في القرآن. في معظمها
تقبل بالعقاب البدني لمُرتكب الجرم حين تُنتهك حُرمات بعينها.
 
       المواريث
هي أيضا محصنة ومنصوص عليها بدقة عبقرية في القرآن، تراعي في مجملها مسئوليات
الرجل الاجتماعية وقوامته "المراوغة" على المرأة .. قوامة من الصعب
القول بتعارضها مع فكرة التكامل بين عنصري الحياة، ولو أنها مُشبعة بمزاج شرقي..
 
       حتى الوعود
في حضارتنا يُمكن أن يُحصنها "أصحابها" بسياج من القداسة!!
 
       بالصدفة ..
وبينما أستمع في الصباح إلى الراديو المصري الحكومي، وجدت المذيع الشاب والذي
يحاول جاهدا في برنامجه الخفيف أن يملأ صباح مستمعيه بوهم البهجة وسط أجواء فضائح
تنسج خيوطها حول الوطن والناس منذ انقلاب 30 يونيو.
 
       المهم، خصص
مقدم البرنامج الحلقة لمناقشة مسألة الوعد والوفاء به. إلى هنا ولا مشكلة، غير أني
فوجئت به يجيب على أحد المتصلين والشاكي - على ما يبدو - من إدمانه التقاعس عن
الوفاء بوعود يقطعها على نفسه لزوجته! المذيع الشاب وبصياعه مصراوي لا تخلو من
استظراف نصح السائل بما معناه: "سهلة قوي، فقط اجعل وعدك مصحوبا بعبارة إن
شاء الله، فإن وفيت فبها ونعمت. وإن لم تف تستطيع وقتها ببساطة إرجاع الأمر لمشيئة
إلهية أبت عليك الوفاء بهكذا وعد لزوجتك أو غيرها، سهلة يعني"!
 
       كم من
الوعود في مجتمعاتنا نراها اليوم تُخلف باسم "إن شاء الله" ..
 
       من هنا، أقول
إن طريقة التفكير الفلسفي تمنح صاحبها جرأة التخريب الخلاق لهكذا حضارة إسلامية
محصنة في معظم نقاطها المحورية بالقداسة، وهو ما يغرى البعض بالتجرؤ على القداسة، على
نحو ربما لا يوجد في غير حضارتنا. الأنسني يرى حضارته طفلا معاقا لا يملك أن ينكرها
أو أن يستبدل بها حضارة أخرى. هو منها وهي منه. واجبه أن يناضل لأجل الارتقاء بها وصونها،
يناضل بلامصلحة وبلا خوف، وهو يراها تترنح تحت وطأة صدئها وعجزها بل واضطرارها في
أحايين كثيرة وكما نرى اليوم لإفساح المجال أمام غرس يد الغير الحضاري كلما أجبرتها
الضرورة العملية على هذا!
 
       "الضرورة
العملية" وحدها اليوم في حضارتنا من تنسخ القداسة باسم القداسة!


13
دولة الإسلام السياسي:
عندما تكون المصالح الحياتية
مُشبعة بالقداسة

                                                                   حازم خيري
في
صفوف الاسلام السياسي الكثير من الشرفاء – خاصة على مستوى القواعد -، لكنهم كثيرا
ما يصمتون عن حقائق! .. لابد لتواطئهم من أسباب قوية، فليس سهلا أن يضرب الفساد
ضمائر قوم كهؤلاء، في أوقات المحن – كما رأيناهم في الماضى، ونراهم اليوم -
يُعرضون أنفسهم وذويهم لصنوف التشريد والتعذيب والسجن، وربما الموت عن طيب خاطر!!
 
إشكالية
كهذه شديدة التعقيد والتراكم، النفاذ إليها وتشريحها لابد أن يمر عبر طريقة
تفكيرنا الفقهية/الغائية والتى قد لا تبدو مثالبها واضحة للعيان إلا حين يُصبح
الاختيار حتميا بين المصلحة الحياتية والحقيقة. ساعتها فقط يُرى التطرف المصلحي لطريقة
تفكيرنا الفقهية عاريا من كل شيء. فكيف يقبل شرفاء الاسلاميين عُري أخلاقي كهذا
وهم من هم في علوهم!
 
التفسير
برأيي ربما نجده في فكرة "المصالح الحياتية المُشبعة بالقداسة". يلوذ
الاسلاميون بهكذا "غطاء" لستر عورة انتصارهم لمصالح حياتية على حساب
الحقائق، خاصة حين تُلجئهم الضرورة العملية لوسائل "غير أخلاقية"، ويجدون
أنفسهم يقاتلون في جانب هكذا "لاأخلاق".
 
دولة
الاسلام السياسي/الخلافة، رغم نبل الفكرة، تتقاطع بغير مراوغة مع فكرة المصلحة الحياتية
المُشبعة بالقداسة، من حيث هي مُلك لابد منه للتمكين للاسلام - والذى هو الحل -.
 
دائرة
جهنمية تكاد تبتلع الاسلاميين ومجتمعاتهم وحضارتهم! ففي سعيهم العنيد والدؤوب لاقامة
دولة اسلام سياسي/خلافة - لابد منها تاريخيا للتمكين لشريعة/طريقة حياة إسلامية
-  عادة ما يضطر الاسلاميون للانتصار لـ"مصالح
حياتية" وربما أيضا لوسائل "غير أخلاقية".
 
والسؤال:
هل القيام "المرتقب" لدولة الاسلام السياسي في المنطقة من شأنه كسر هكذا
دائرة جهنمية وتفكيك فكرة المصالح المُشبعة بالقداسة؟ أم أنه ربما يزيد الدائرة
جهنمية وانغلاقا ويزيدنا احتراقا بويلاتها، من جهة أن استمرار دولة الاسلام
السياسي والتمكين لها وتقويتها - كمصلحة حياتية مُشبعة بالقداسة - لا يقل عند الاسلاميين
أهمية عن اقامة الدولة نفسها؟..
 
وهل
خسارة الشريعة الاسلامية – بوصفها أسلوب حياة مفتوح على الحاضر -  للمزيد  من النفوذ لصالح شرائع أخرى، ربما أقواها اليوم
شريعة العولمة، يمكن أن يزيد من عمق هكذا إشكالية، من جهة أنه يصب في صالح تكريس
فكرة: "المصالح الحياتية المُشبعة بالقداسة"..
 
وهل
لو صح احتمال خسارة الشريعة الاسلامية مستقبلا للمزيد من النفوذ لصالح شريعة العولمة
أن تنفجر حضارتنا من الداخل وتشهد انهيارا عظيما يضع حدا لآلامها – المُزمنة -.
 
أسئلة صعبة .. وحده
المستقبل – ربما المنظور - يمكن أن يجيب عنها.


14
كن
أخلاقيا وإلا سحقتك

                                                         حازم خيري
 
فى آتون الثورة الفرنسية كان الفرنسي يقابل أخيه،
فيبادره بما معناه: [كن أخلاقيا وإلا سحقتك]. تمكين
للفضيلة وانفاذ لسلطتها، تنتصر لهما صرخة كهذه. المقصود طبعا ليس الأخلاق الشخصية،
فلكل حريته ما لم يتجاوزها إلى حريات الغير. المقصود هنا الأخلاق العامة. حين تتشابك
وتتصادم المصالح لم يرض الفرنسي بغير قيم ومُثل عليا معيارا للتعامل.
 
تطرف أخلاقي خلاق كهذا غائب عن ثوراتنا، ولا تزال نفوس
مواطنينا يُلطخها بالعار ذلك التعايش اللاأخلاقي بين التدين الشديد والتواطؤ بدم
بارد على الظلم والفساد. التدين وحده لم يعد يكفى لصون شرف المجتمع وعلو همته، لا
لعيب في التدين ذاته، وانما لتعقد حيواتنا.
 
نمط وحيد للتطرف عرفته مجتمعاتنا بل وربما حضارتنا ككل هو
التطرف الدينى، وقد تأوج في السبتمبريين وهجماتهم الدموية في 11سبتمبر2001 ضد
الولايات المتحدة الأمريكية عاصمة قوى السوق الكونية، والحالمة بتوحيد العالم في
ظل إلهها الرقمي وشريعتها العولمية.
 
التطرف الديني نجح -  وهو نجاح مُلطخ بالدماء -، في اجبار العملاق
الأمريكي على تغيير استراتيجياته تجاه منطقتنا بل وحضارتنا الاسلامية. تخلت أمريكا
وحلفاؤها عن دولة العسكر والملكيات المستبدة، وهاهم اليوم يساندوا بحكوماتهم
الخفية صعود الاسلام السياسي لرقعة الشطرنج، على أمل أن يضع الاسلام السياسي نهاية
لنضاله العنيد، ولمسيرة حضارة عريقة، لطالما تمردت على سنن كونية، تقضى باحترام
الحريات وحماية الفكر الذى نُبغض.
 
التطرف عادة ما يستفز المجتمع ويمزق ركوده، رهاب التطرف يضرب
مجتمعاتنا بقوة، لكننا اليوم وفي محنة جاهليتنا الأخلاقية لا بديل لنا عن السماح
إلى جانب الاسلام السياسي بتطرف أخلاقي خلاق، ، يُساهم في تزخيم الوعظ الاسلامي، بتربية
أخلاقية وبناء  للضمائر.
 
القبول بهكذا رأي يفتح الطريق أمام أنماط شتى من التطرف
الخلاق لم تعرفها مجتمعاتنا قبلا، كونها تتواجد في المجتمعات الراقية فحسب.
الأصولية البيئية مثلا تدعو لحماية الانسان من ادمان مستحدثات التكنولوجيا وصون الانسانية
والطبيعة. فلو ساد مثلا تحكم التكنولوجيا الحيوية والآلات الروحية – المكائن -..الخ.
لن يبق من انسانيتنا شيئ، ولا قيمة وقتئذ لحياة.
 
تطعيم حضارتنا بهكذا أنماط من التطرف الخلاق يعنى اعلان
فشل التنوير التقليدي في مجتمعاتنا، وأعنى به المحاولات السابقة لتطعيم أصحاب
التفكير الفقهى بشذرات من التفكير الفلسفي وهو ما أربك وجدانهم. نجد هذا في علم
الكلام، هو صحراء ملآى بالعظام اليابسة!
 
التنوير القادم أتصوره طريقة تفكير فلسفي/لاغائي/نقي يُسمح
لها بموطيء قدم في حضارتنا، يسير أصحابها جنبا إلى جنب، في خط مواز لأصحاب التفكير
الفقهى الغائي. يُكملان جهود بعضهما البعض ويحرصان على صدام خلاق، يتجنب أخطاء
التنوير التقليدي وتورط رواده في مسائل فقهية شائكة، أكسبتهم عداءا قويا نُظر له
في كتاب تهافت الفلاسفة.


15
هيكل ينقض غزله .. بأمر من؟
                                                                                                                                    حازم خيري
 
محمد حسنين هيكل – وهو أحد كبار مؤسسي ومنظري دولة العسكر – يظل تصدره لمشهد انقلاب 30 يونيو مثيرا للكثير من التساؤلات، خاصة ومفكرنا الكبير معروف بعبقرية غير مألوفة عندنا في قراءة التحولات العالمية في لحظاتها المفصلية، وتداعياتها على الصعيدين الاقليمي والمحلي. فليس واردا أن يغيب عن هيكل تخلي الولايات المتحدة، ومن ورائها قوى السوق الكونية، عن دولة العسكر والملكيات المستبدة على خلفية هجمات 11/9.
 
الأرجح – برأيي - هو أن يكون هيكل قد سبق كالعادة تلاميذه من مفكرى دولة العسكر وهو قدوتهم إلى المستقبل. أعنى أن تصدر مفكرنا للمشهد الانقلابي يأتي منسجما مع توجهات عولمية. بعبارة أخرى، هيكل ليس بعيدا عن استدراج قادة عسكريين يلفهم الغرور وقصر النظر إلى مصير يفقد معه مستقبلا أي عسكرى مصري أو عربي جرأة التمرد على سلطة منتخبة.
 
تصدر هيكل للمشهد الانقلابي ليس مصادفة، وانما تتويجا لجهد عولمي واقليمي وداخلى تنتهى معه فكرة دولة العسكر وقد استنفذت من وجهة نظر الجميع أسباب ومبررات وجودها.
 
هذا الرأي يجد تعزيزا في تصريحات يُطلقها هيكل من حين لآخر، برصدها وتحليلها يستطيع الباحث النزيه والمنظم تفهم مسار الانقلاب وتدحرجه المحبوك من ذروة القوة والشعبية إلى هاوية الوهن والرفض الشعبي. هيكل بُعد نظر نادر في مجتمعات مغرورة قصيرة النظر.
 
هيكل أحسن قراءة التحولات العالمية المفصلية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حين ساهم مع ناصر في بناء دولة العسكر، ليس في مصر فقط بل وفي المنطقة ككل. وهاهو يفعلها اليوم ثانية، ويساهم في بناء دولة الاسلام السياسي. وإن ظهر في المشهد مناوئا لها.
 
هيكل بطريقته يتماهى – بروعة - مع الطريقة الأمريكية في معاملة مجتمعاتنا..


16
هيكل وقطب: وجهان لزمن واحد
                                                         حازم خيري
 
       منذ عقود
وبالتحديد ما بعد الحرب العالمية الثانية ونشوء نظام عالمي جديد، ثنائي القطبية –
السوفيت والأمريكيون -. انتبهت أنظار اثنين من مُفكرينا الواعدين، هما: محمد حسنين هيكل وسيد
قطب، للعملاق الأمريكي الناهض القوي اقتصاديا والحالم بسيادة العالم.
 
       محمد حسنين
هيكل صحفي مصري، شاب طموح ومصلحي التفكير. يعمل – وقتها – بصحيفة مصرية ناطقة
بالانجليزية ويسافر كمراسل حربي إلى فلسطين. بارع في نسج الصداقات والعلاقات مع الشخصيات
المؤثرة والنافذة على كافة الأصعدة. قاريء شديد العبقرية لاتجاهات السياسة
العالمية في لحظاتها المفصلية، وتداعياتها على صعيدي الداخل والاقليم.
 
       أما سيد
قطب فهو شاب ثائر مُتمرد، وجد لتمرده مُتنفسا بداية في النقد الأدبي فكان وأمثاله
– كأنور المعداوي – نجوم في سماء النقد في عصر مُشتعل فكريا. غير أن تمرد قطب لم
يلبث أن قاده إلى الإسلام السياسي – ولا أدري الملابسات -، فصار أحد أبرز مُنظريه،
ساهم ربما كما لم يساهم غيره – عدا حسن البنا – في تزخيم البنية النظرية للإسلام
السياسي.
 
       هيكل وقطب
– إذن – كلاهما تعرف على أمريكا. الأول من خلال عمله كصحفى محترف وصاحب يقظه غير عادية
فكريا وسياسيا. أما الثاني، أعني قطب، فقد زار أمريكا في رحلة شاهدت عنها فيلما
وثائقيا شديد الأهمية، وافاني به صديق مدرس بالجامعة الأمريكية.
     
هيكل رأى في أمريكا سيدا ثريا مُتطلعا لحكم العالم، في
حين رأى فيها قطب جبروتا وانحلالا. تماهى هيكل مع الحلم الأمريكي - حتى في تدخين السيجار
ولعب الجولف، رغم تواضع النشأة -، هيكل تواصل مع ساسه ومفكرين واستخباراتيين أمريكيين
على نحو حميم وغائم. بينما تمرد قطب وناصب شريعة أمريكا العداء، وحلم بشريعته
منافسا لـ"شريعة أمريكا".
 
       هيكل امتطى
الصقر الأمريكي المُحلق، وبلغ على ظهره سماء السلطة والثروة والنفوذ. بينما وقف قطب
داعيا لاصطياده في سذاجة ونبل ثوريين، كونه لم يُقدر شراسة الصقر الأمريكي والذى
أغرى فعلا هيكل ورفاقه، فنصبوا المشانق وروعوا الرافضين لغير شريعتهم.
 
       وراحت أيام
وجاءت أيام. وراحت أشهر وجاءت أشهر. وراحت سنوات وجاءت سنوات. وراحت عقود وجاءت
عقود. أورثنا هيكل ورفاقه نظاما عسكريا انتهى به الأمر إلى الفساد والظلم. فشلت
الدولة وفسد المجتمع. قطب أيضا لم يكن مُفلسا، ترك تمردا اسلاميا ناصب العسكر
والملكيات المستبدة عداءا شديدا وناصب أمريكا العداء الأشد، كون العسكر استقووا
بها عليه. من هنا، قاد اليأس "السبتمبريين" إلى هجمات دموية في عقر وكر
الصقر الأمريكي..
 
       انتبه
الصقر الأمريكي للرسالة الدموية وراجع استراتيجياته وقرر التخلى عن إرث هيكل وعدم ممانعة
استدعاء حُلم قطب إلى رقعة الشطرنج، على أمل أن يضع الإسلاميون بأيديهم مشهد الختام
في مسيرة حضارة عريقة تمردت على سنن كونية تقضي باحترام الحريات وحماية الفكر الذى
نُبغض. ولسوف يكشف المستقبل عما اذا كان الصقر الأمريكي قد أحسن القراءة.


17
الكتمان أنثى .. والبوح ذكر
                                                                                                                   حازم خيري
       الكتمان أنثى والبوح ذكر، كلمات قرأتها لزينب الخفاجي، تأملتها كثيرا كونها تأتي من عوالم أنثى. قادتنى لتساؤل لم أطرحه قبلا: مجتمعاتنا أنثوية – إذن -؟! كيف هذا ونحن الشرقيون نعتز بالرجولة ونُنزلها منزلة عالية، فكل راق مرتبط في وجدان الشرقي بالرجولة. حتى حرائر مصر يهتفن في الشوارع "حطوا بناتنا في التخشيبة، احلق شنبك والبس جيبة". ناسين أنهن بدون شوارب ويلبسن جيبة، مع ذلك لم يسكتن عن ضيم. أسأن للجيبة وانعدام الشارب!
 
       تفسير ذلك عندي ربما قناعة مترسخة في اللاوعي الشرقي والعربي بفوقية الرجل ودونية المرأة، قناعة يدحضها الواقع بعفوية، حرائر مصر هن من يُحيين الثورة! كيف لقناعات شرقية وعربية كهذه: فوقية الرجل ودونية المرأة وذكورية الأخلاق والقوة بل وذكورية المجتمع، كيف لكل هذا أن يسكن وجدانا ارثه الكتمان والتخفى وعيش الظلام. يرعبه البوح، يراه هتكا لستر.
 
       تضارب مضحك ومرعب قائم. مجتمعات تعيش الكتمان ويرعبها البوح تُوصف بأنها معقل الصلابة والذكورية وفوقية الرجل ودونية المرأة. في حين أن الغرب وهو يعيش البوح يوصف بأنه معقل الأنثوية والميوعة. لما نُسمى الأمور بغير أسمائها، وإلى متى يستمر هذا؟
 
       هذا أيضا يفسر كراهية خفية للأنثوية حتى عند نسائنا أنفسهن، دعك من أغاني سعاد حسنى ونانسي عجرم وصباح عن البنوته، كل هذا ستر لكراهية أصيلة، ليس للمرأة لحد ذاتها كمخلوق، وانما للأنثوية كون مجتمعاتنا بمرارة عاجزة عن تجاوز كتمانها إلى البوح الذكوري.


18
كواليس صناعة القرار في أمريكا
                                                                                                                                    حازم خيري
 
       الولايات المتحدة ليست دولة بالمعنى الترانسفالي البسيط، على الأقل في القرن ال21، هي عاصمة قوى السوق الكونية. صناعة القرار الأمريكي عملية شديدة التعقيد والثراء، تغطي الاستراتيجيات الحاكمة للعالم وقواعد اللعبة على كافة المستويات ككل الامبراطوريات المترامية، ناهيك عن امبراطورية في عصر الرقمية.
 
       تنفيذ سياسة خارجية لها هذا القدر من التعقيد والثراء ليس ميسورا بكليته للحكومة الأمريكية الظاهرة للعيان والتى يقودها رسميا الرئيس الأمريكي والفريق الرئاسي المعاون له، كونها مقيدة بقوانين واعراف كونية. من هنا توجد حكومة أخرى في الولايات المتحدة الأمريكية "خفية" – كما يسميها ديفيد وايز وتوماس روس في كتاب قيم لهما يحمل الإسم نفسه -. الحكومة الخفية وهي مخابراتية راقية دورها لا يقل أهمية وثقلا عن نظيرتها "العلنية"، في تنفيذ الاستراتيجيات والسياسات الأمريكية، ومساعدة نظيرتها العلنية في خدمة أمريكا، خاصة الأعمال "ضبابية" المشروعية.
 
في عملية التحول الديمقراطي في جمهورية جنوب إفريقيا، على خلفية انهيار الاتحاد السوفيتي وكتلته الشرقية وانتهاء الحرب الباردة، لم تغب الولايات المتحدة بحكومتيها العلنية والخفية عن المشهد. نجد ذلك مذكورا بشفاقية في مذكرات ووثائق عملية التحول نفسها، بما فيها مخطوطات الراحل نيلسون مانديلا. لم يتهم أحدا مانديلا ونظيره الأبيض ديكليرك بالخيانة، لم يشعر الزعيمان بالحاجة إلى التخفى!
 
أما في بلادنا – بلاد العرب – معقل الفهلوة والانحطاط الأخلاقي والتمرد على السنن الكونية، نجد خلطا مخيفا للأوراق يجد تجاوبا غربيا غير نزيه. كل سياسي عربي – أو نظام – يرغب في المُزايدة على خصومه وتدعيم موقفه، ويرغب الغربيون بدورهم في تمكينه ورفع شعبيته وتشجيعه على تضليل مواطنيه وعلى التعاون في الخفاء، ليس عليه سوى التلاسن مع أمريكا وسياسييها ويصرخ بحق بلاده في الاستقلال والانعتاق من السيطرة الغربية وأنه لا يخشى في الله لومة لائم.
 
وسرعان ما يأتيه المدد الغربي في شكل هجوم حاد عليه وعلى تعصبه وكراهيته للغرب واصراره على إستقلال أوطانه. تنجح اللعبة دائما، وينخدع البسطاء! نموذج ناصر في تأسيسه لدولة العسكر خير تجسيد لهذه اللعبة، بشهادة صُناعها.
 
       سؤالي: أمر كهذا مقبول، لكن غير المقبول أن تختفي تماما التحليلات الجادة كما في بقية الدول المحترمة، غير المقبول أيضا أن يُتهم الصُرحاء بتشويه الأبطال والزعماء التاريخيين. لأنه ليس في الأمر تشويها، إلا لو كان ما يجري في الخفاء يُخشى الحديث عنه في العلن لعدم جوازه. شفافية علاقة زعمائنا بالغرب فيه حماية لهم من ابتزاز الغربيين، وكذا حماية لهم من التورط في أمور قد تضر بمواطنيهم.
 
وإذا كان مثل هذا الكلام ينطبق على القرن ال20، فهو يصح وبدرجة أقوى في عصر الرقمية. لا نريد هيمنة المُضللين وتفسيراتهم الغائمة، يُفرز ذلك، على الأقل في المستقبل البعيد، دولة فاشلة ومجتمعا فاسدا، وليس ما نعيشه اليوم ببعيد.
 


19
الإله الرقمي وشريعة العولمة!
                                                                                                                  حازم خيري
 
       القرن ال21..هل هو قرن الأديان؟ بعبارة أدق، هل ثمة يقظة للأديان يعيشها العالم في هذا القرن؟..أم أن ما نعيشه – خاصة في منطقتنا - من صعود نسبي للأديان والطائفية الدينية هو صحوة الموت على نحو ما يرى البعض؟ وهل يمكن للأديان أن تزوي وأن تموت كالبشر؟
 
       "الرقمية" هي ما قد يساعدنا على تشريح الاجابة الغربية على هكذا تساؤل، بقدر ما يزعم العولميون من نجاح في فك شفرة الدين. ثمة إمكانية برأيهم لظهور أديان إفتراضية(!!)، تكون خليطا هجينا من نحل وشرائع سماوية وغير سماوية، استنادا إلى سطوة الرقمية وقدرتها على النفاذ إلى قلوب وعقول البشر على نحو لم يسبق له نظير في تاريخ البشر. نسمع اليوم عن الحج الافتراضي والمعابد الافتراضية والزواج الافتراضي..الخ. أمور كهذه لطالما أحيطت بسياج رهيب من القداسة والتوقير تأتي الرقمية للتجرؤ عليها وتحاكيها ببساطة لم نعرفها قبلا.
 
       الرقمية هي نتاج العبقرية الغربية، بكل ثوريتها وتمردها ونزوعها لاقتحام المجهول، ومن ثم فالرقمية وإن كانت وسيلة إلا أنها جزء أصيل من الرسالة! العولمة هي المضمون الذى تبثه الرقمية على نحو شديد المنهجية والدربة غير مسبوق في قلوب وعقول البشر، في كل مكان. الرقمية في علاقتها بالعولمة نتيجة وسبب، مخلوق وخالق، رسالة ورسول، شريعة وإله، تريدها قوى السوق الكونية ديانة رقمية توحد البشر وتحقق ما لم تحققه الأديان المتعارف عليها اليوم.
 
       نحن – إذن-، إلى جانب الأديان الافتراضية التى يُهيأ الفضاء الرقمي بقوة لافرازها، إزاء ديانة جديدة، الاله فيها – كما تريده قوى السوق المستترة – هو الرقمية، والشريعة هي العولمة، ديانة يُراد لها – كما أسلفت توا – توحيد البشر، ذلك الحلم الذى لطالما راود الكثيرون عبر التاريخ، ولو أن أحدا منهم لم ينجح – ربما لتعارض ذلك مع سنة كونية هى التنوع والاختلاف -. الاله الرقمي..هل ينجح هذه المرة في توحيد البشر في ظل شريعة عولمية، يؤدي البشر بموجبها فريضة التسوق بلا كلل، تقربا لهذا الاله الرقمي، صاحب ما يسمونه "المشيئة الذكية".
 
       أفكار كالمعروضة توا بعيدة تماما عن تفكير مجتمعاتنا ومنظرينا عدا قلة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، لا تجد دراساتها وأبحاثها اهتماما يُذكر. لكن، مثل هذه الأفكار في بؤرة اهتمام الغربيين، خاصة من ناحية إمكانية توظيفها في تفكيك الحضارات غير الغربية – خاصة الاسلامية -، باعتبارنا محل اهتمام غربي شديد منذ هجمات 11/9. يظهر ذلك من كم الأبحاث والمراكز البحثية المتخصصة في مجتمعاتنا. إنه استشراق "تفكيكي" لم نعرفه من قبل!
 
       استشراق تفكيكي ليس كنظيره "التنويري" الذى لطالما شكونا منه وشككنا في نوايا أصحابه. هم ملائكة مقارنة بالمستشرقين "الجدد"، والذين هم في خدمة قوى السوق الكونية..
 
       
 
       


20
كفي عبثا واتجارا بآلام الفلسطينيين

                                                                                                                                         حازم خيري
 
استمرار الآلام الفلسطينية لم يعد مقبولا ولا يصب في صالح الفلسطينيين، وحدهم هم من يدفعون الثمن(!!)، فالشعب الإسرائيلي يعيش كما نتابع في الصحف والاعلام حياة مرفهة ومستقرة لحد كبير، وحدهم أهل فلسطين هم من يتجرعون الكأس، بعيدا عن النخب الفلسطينية الحاكمة التى تختلف بقوة عن نظيرتها الإسرائيلية والغربية عموما، كونها غير أمينة مع مواطنيها على نحو ما نرى في عصر الرقمية، بل وتتاجر بآلامهم عبر شحنهم المستمر ضد اسرائيل وارهابهم من مجرد ذكر إسمها أو إبداء مجرد الرغبة في الانفتاح عليها، في حين أنهم واستنادا لكونهم نخبا حاكمة فاسدة وتجار آلام محترفين يتاجرون بغضب الشعب الفلسطيني لمصالحهم الخاصة.
 
وربما يفسر لنا هذا سر اختلاف التعاطي الغربي - مثلا - مع مانديلا الجنوب أفريقي وعرفات الفلسطيني، الأخير أغتيل بدم بارد بعد انتهاء صلاحيته على رقعة الشطرنج، شأنه شأن القذافي وصدام حسين وغيرهم. لا حل لآلام الشعب الفلسطيني إلا بانفتاحه على ذوي الضمائر الحية في المجتمع الاسرائيلي، بل ودراسة كل صغيرة وكبيرة في هذا المجتمع المجاور لنا منذ عقود ولا تمل نخبنا الفاسدة إرهابنا ببعبع التطبيع ومهادنة الكيان الصهيوني وموالاة اليهود..الخ ليخلوا لها المجال في المزايدة والاتجار بآلامنا. ما الفرق بين يهودي يؤذيني وعربي يؤذيني. المظاهرات الجارية في بلادنا ليل نهار تُشبه بعض مواطنينا من ذوي الممارسات غير الانسانية بأنهم أسوأ من اليهود. ماذا ننتظر بعد ذلك، تفكيرا جديدا لابد أن ينشأ لإنهاء ديلما الفلسطينيين.
 
لينفتح الإنسان الفلسطيني بل والعربي عموما على الإنسان الإسرائيلي لاذابة ذلك الجليد القاسي، ولافهام الإنسان الإسرائيلي أننا شعوب منكوبة بنخبها الحاكمة وأننا أبرياء من صفقات ملوثة تتم في الخفاء، وأن الإنسان الاسرائيلي لابد أن يفعل الشيء نفسه. ولنا في أمريكا قدوة حسنة، فأمريكا تكره الإسلام السياسي كراهية التحريم ولاتثق به ولا برموزه ورغم ذلك تتواصل معهم ليل نهار، بل هي تستدعيهم خفية إلى رقعة الشطرنج على أمل لتوجيه ضربة قاضية لمشروعهم الاسلامي، لم تقاطعهم! الأمريكيون يزورون مجتمعاتنا ويخترقون كل شيء، فلنفكر بطريقتهم، عسى وعل..
 
ولنا أيضا في جيراننا الاسرائيليين قدوة حسنة، فكلنا يذكر ذلك الشاب الاسرائيلي إيلان تشايم جرابيل الذى خطب في الجامع الأزهر خطبة ملآى بالأحاديث النبوية وخرج بمظاهرة حاشدة..لم يتهمه مواطنيه بالتطبيع ولا الخيانة بل يفخرون بهكذا كوادر قادرة على اختراق وتحريك الشارع العربي، مثل هذا الشاب خط هجوم متقدم لبلاده، لما لا يكون لنا مثل هذه الخطوط المعرفية الهجومية المتقدمة..مجرد سؤال؟!


 
 


21
إشكالية تفكيك دولة العسكر
                                                                                                                                  حازم خيري
بعيدا عن الجيش باعتباره النواة الصلبة لدولة العسكر وأهمية خضوعه للحكومات المُنتخبة. لدولة العسكر وجود مُتجذر في أرض مصر، ربما لحد لم يكن يتوقعه أكثرنا تشاؤما. فكما أن مؤسسات دولة العسكر مترهلة وفاسدة، كذلك القسم الأعظم من مواطنيها، بما فيهم أنصار الإسلام السياسي – وهذا هو المدهش -. فهؤلاء وإن دأبوا – ولا يزالوا - على ابداء امتعاضهم من ترهل وفساد دولة العسكر، إلا أنهم بمنأى عن جرأة وقوة بناء مجتمع جديد.
 
مفكرو الإسلام السياسي - كبقية نظرائهم في ثقافتنا – يعملون بالتجزئة ويصنعون طريقهم أثناء السير، أضف إلى ذلك أن للتفاؤل عندهم تفسير غاية في الخطورة وهو "العملية" والهلع من الجدل الفكرى والانصراف عن تشييد الأبنية الفكرية. عبر عن ذلك عصام العريان بقوله: نحن قوم عمليون. المشكلة أنهم لا يأخذون من "العملية" سوى بُعدها التطبيقي، بينما بعدها التنظيري لايشغلهم في كثير أو قليل. وهو ما يُفضي بعمليتهم هذه – وعلى خلاف نظيرتها الغربية – إلى انتهازية عارية وتخبط يسيء لتيار الإسلام السياسي في عصر الرقمية.
 
النظرية تحمي التطبيق، وتحول دون عشوائيته..
 
يفسر هذا ما يعانيه الإسلاميون من اخفاقات خطيرة في تعاطيهم مع إشكالية تفكيك دولة العسكر. على خلاف سود جنوب أفريقيا - مثلا – حين شكلوا لتصفية نظام الفصل العنصري/أبارتهيد لجان "الحقيقة والمصالحة – وهي لجان يعترف أمامها المذنبون بجرائمهم ويُبدون ندمهم واعتذارهم ويُمنحون عفوا مجتمعيا". بنجاح هذه اللجان ورئيسها يُضرب المثل.
 
عشوائية "عملية" الإسلاميين تظل عائقا دون بناء تجربة مماثلة في بلادنا، غير أن من الظلم لومهم وحدهم، فخصائص مجتمعاتنا وحضارتنا الاسلامية وثقافتنا العربية كلها أمور تزيد من حدة الاشكالية. مجتمعاتنا تعيش جاهلية أخلاقية جنبا إلى جنب مع التدين الشديد! مجتمعاتنا يضربها فساد أسود أكسبته السنوات تعقيدا وصلابة. مجتمعاتنا تجفف منابع الحرية والتطرف ومن ثم تندر فيها العبقريات وأصحاب التفكير الاستراتيجي. مجتمعاتنا انحطت فيها الفنون ومن ثم انحطت فيها الذائقة الفنية وهي مهمة جدا في بناء الضمير والذائقة الأخلاقية.
 
أضف إلى ذلك أن ما بداخلنا – نحن العرب - لا يريد الحقيقة، وأننا لا نحترم الضعف والفشل ولا نؤمن سوى بالقوة والنجاح – بغض النظر عن رداءته -. فالعربي وكما يقول الغربيون يصير معتدلا فقط عندما يفقد سلاحه ويصبح ضعيفا، نلمس ذلك حتى في أنفسنا.
 
من هنا، تثور تساؤلات عديدة من أبرزها: ما العمل لتجنب خيار التفكيك الخشن لدولة العسكر وعدم تحول الحرب الأهلية "الناعمة" الدائرة الآن إلى حرب أهلية خشنة؟ ما العمل لضمان تجنب انتقال أمراض دولة العسكر المترهلة والفاسدة إلى دولة الإسلام السياسي الوليدة؟ ما العمل لضمان استدامة تحصين دولة الإسلام السياسي الوليدة من الظلم والفساد؟ ما العمل للاستفادة من القوى الثورية غير الاسلامية – خاصة الشباب – في بناء ما بعد العسكر وليس في  تفكيك دولة العسكر فحسب؟ ما العمل لزراعة رئة جديدة في صدر حضارتنا المختنق؟..


22
ما بعد العسكر: مخاوف مشروعة

                                                                                                                                        حازم خيري
 
رحيل العسكر وخروجهم النهائي من اللعبة السياسية الداخلية وحده لا يكفي! ثمة مخاوف مشروعة من معاودة الإسلاميين – خاصة قيادات الإخوان المسلمين – إجهاض الموجة الثورية المحتملة، من خلال تورطهم في صفقات فلولية خائبة، كما في المرة الأولى. فلا تزال أحاديث رموزهم غير المعتقلين تشي باغراقهم في التفكير المصلحي وقصر النظر الشديد. يرون فيما حدث خيانة وقعت لهم فحسب، ويتعامون بدربة عن أخطائهم الساذجة والكارثية.
 
لابد إذن من تدابير لحماية ثورتنا المجيدة، بل وحتى حماية الإسلاميين من أنفسهم، صحيح أن الإسلام السياسي تيار قوي ومؤثر على الأرض، غير أن محنته في قياداته التاريخية، كونهم – بقوة الأمر الواقع – خالطوا العسكر وتماهوا مع نهجهم في الحكم كثيرا، على خلاف القوى الثورية الشبابية والتى تنفر بقوة من قواعد اللعبة القديمة، بل وتعمل على كسرها وارساء قواعد جديدة، ويمكنهم ذلك لولا افتقارهم لمنظرين ورأي عام مستنير يُساندهم.
 
من هنا، لابد أن يعقب رحيل العسكر وعودة الشرعية الدستورية قيام كيان من شباب القوى الثورية الرئيسية – بما فيها الإسلاميين على نحو صريح وليس خفية كما يحدث الآن – ينهض بعبء تطهير مؤسسات الدولة والقصاص لدماء الشهداء، وليكن بقاء هذا الكيان مرهونا بانجاز مهمته. وعلى المؤسسات المُنتخبة – والتى هي أصلا في حوزة الإسلاميين – أن تدعم مثل هذا الكيان، وتنأى بنفسها عن العودة لتحالفها "غير المشرف" مع فلول دولة العسكر.
 
وحدهم الشباب هم القادرون على بلوغ أحلامهم وأحلام شعوبهم. فالفساد الأسود يضرب بجذوره في مجتمع جاهلي – أخلاقيا -، وقيادات الإسلام السياسي لا رغبة لها ولا قدرة على اجتثاثه، كونها تعايشت معه لعقود طويلة وتربطها به علاقات معقدة وغير سوية في أحايين كثيرة. فضلا عن اغراقها في التفكير المصلحي وافتقارها الواضح لبُعد النظر على نحو بنيوي.
 
ولمن يرى في مثل هذا الاقتراح انتقاص من قيادات الإسلام السياسي المُنتخبة وفرض للوصاية عليهم، أقول أن هذه القيادات بأخطائها عرضت ثورتنا المجيدة، وليست مذبحة رابعة العدوية ببعيدة، عندما خرجت القواعد شديدة الحماس والغيرة، تُصلح بدمائها أخطاء القيادة.
 
وبانجاز هذا الكيان المقترح لمهمته الرئيسية، يمكنه – بعد عودة شباب الاسلاميين لأحزابهم – التحول لكيان سياسي [أو أكثر]، يمارس اللعبة الداخلية كمعادل لقوى الاسلام السياسي – يبدأ ضعيفا، ثم لا يلبث أن يقوى -. بدون مثل هذا التوازن الذى هو في مصلحة دولة الإسلام السياسي الوليدة يظل شبح الظلم والفساد جاسما على أنفاسنا لأجل غير مسمى.


23
يُصلح الطعام إذا فسد الملح؟

                                                                                                                                حازم خيري
 
       من ميراث حكم العسكر – والملكيات المستبدة - فساد الملح أو إفساده. الأجهزة الرقابية في عالمنا العربي يتقدم المظلوم إليها بشكواه، فلا تلبث الشكوى أن تتدحرج لتستقر في يدي الظالم! يقف المظلوم حائرا، فإذ بأولاد "الحلال" يهمسون في أذنه بأن يكفى خيره شره، ويحمد الله أن المسألة وقفت عند هذا الحد..
 
       ماذا يُصلح الطعام إذا فسد الملح؟ لاشيء، وحده الربيع العربي – بمعناه الرحب والخصب – هو القادرة على استبدال ملح صالح بملح قد فسد. الطعام الفاسد ثمة إمكانية لاصلاحه، أما الملح فلا سبيل - البتة - لاصلاح فساده. والسؤال: هل يعي الإسلاميون مثل هذا الأمر؟
 
تجربة الإسلاميين في مصر والتى انقلبت عليها دولة العسكر في 30 يونيو لا تُبشر بخير، فملح دولتهم – كما بدا - وإن لم يكن بنفس درجة فساد ملح دولة العسكر إلا أنه قابل للعطب الشديد، ليس لطبيعة الإسلاميين الشخصية وإنما لطبيعة بنيتهم التنظيمية والتى تتداخل فيها القرابة والمصلحة والمشترك الأيديولوجي على نحو يصعب معه حفاظ دولة الاسلام السياسي الوليدة على استدامة صلاحية الملح، ولنا في تاريخ حضارتنا الاسلامية المرير – في معظم أوقاته - خير شاهد.
 
       لا أقصد بقولي هذا أني يائس من دولة الإسلام السياسي، رافض لقيامها. على العكس، وجود الاسلاميين في رأيي شديد الأهمية، لأسباب عديدة منها على سبيل المثال لا الحصر:
أولا، تأكد فساد ملح دولة العسكر – والملكيات المستبدة -، وهو ما يعني عجزه المستدام عن إصلاح الطعام.
 
ثانيا، أهمية خوض مجتمعاتنا للتجربة الإسلامية، فمن شأن أمر كهذا وضع أبناء مجتمعاتنا أمام مشاكلهم الحضارية المراوغة، فإما أن يتغلبوا عليها وإما أن تُعجزهم على نحو واضح وصريح.
 
 ثالثا، التجربة الإسلامية بذخمها الأيديولوجي - مهما تواضع - تفضل ميوعة دولة العسكر – والملكيات المستبدة -، حيث لا لون ولا طعم ولا رائحة.
 
رابعا، الأممية الاسلامية أقرب إلى المزاج الكوني الراهن، ولمجتمعاتنا أن تستفيد منها على نحو خلاق، على خلاف الحال تحت حكم دولة العسكر – والملكيات المستبدة - التى تتسم بالتقوقع وتجفيف منابع الحرية، وهو ما أفضى بمواطنيها ومؤسساتها إلى الترهل والفساد، على نحو ما نرى اليوم...
 
       معنى هذا أن دولة العسكر – والملكيات المستبدة - لم يعد لها مكان في اللعبة الداخلية وعليها أن تتوارى وأن تخضع نواتها الصلبة - وهي الجيش - للحكومات المنتخبة، كما في بقية المجتمعات التى سبقتنا في مضمار الحرية. وليس لدولة العسكر الزائلة أن تستمريء اعاقة تطور مجتمعاتنا، عبر اصرارها – الأناني – على البقاء، كون هذا البقاء يعوق بالضرورة إفراز مجتمعاتنا لمعادل غير إسلامي – يبدأ ضعيفا ثم لا يلبث أن يقوى - يمارس اللعبة الداخلية جنبا إلى جنب مع قوى الإسلام السياسي.
 
 


24
الاستقرار والثورة: خصمان أم شريكان؟
                                                                                                                        حازم خيري
       كلنا نذكر ما شهدته عقود حكم العسكر من مزايدة على الاستقرار واعتباره مُبررا للقمع والارهاب في حق مناهضي الظلم والفساد. فباسم صون الاستقرار شُرعنت ترسانة من القوانين السالبة للحريات، على امتداد منطقتنا، من المحيط إلى الخليج، فكلنا في الاستقرار إخوة!..
 
       فكرة الوطنية – وهي فكرة كبيرة ونبيلة – تم حشوها بالرداءة ومن ثم فُرغت من مضمونها وهو الحرية لكل أصحاب الوطن ومن يلوذ بهم. أسفر ذلك عن فشل الدولة الترانسفالية في منطقتنا، وما نراه الآن من تحلل لمؤسساتها الفاسدة – والمترهلة – وترنحها في عصر الرقمية. على خلاف الدولة في الغرب وقد مكث منها كل ما هو طيب، وراحت تأتلف في تكتلات عملاقة، كالاتحاد الأوروبي. الوطنية شجرة لا تُزهر أغصانها دون ماء الحرية.
 
       باندلاع ثورة 25 يناير المجيدة تخيلنا أن ثمة تغيير سيحدث وأن الاستقرار والثورة سيتعايشان معا ويتبادلان الحماية والود، باعتبارهما وجهان لعملة واحدة. لكن، سرعان ما شهرت قيادات الاسلام السياسي عبارة الشعراوي المشئومة [الثائر الحق هو من يثور ليهدم الفساد، ثم يهدأ ليبني الأمجاد] في وجه القوى الثورية غير الاسلامية – خاصة من الشباب الثائر – في المجتمع، وراحت تبشر مواطنينا بفردوس الاستقرار، وهناءة الرضا والاسترخاء.
 
       الإسلاميون والعسكر مصلحيون – أو بلفظة مؤدبة: عمليون - ولا يتمتعون ببعد النظر، وتلك آفة حضارتنا الإسلامية. مادلين أولبرايت قالت في مذكراتها: بُعد النظر نادر في العالم العربي. ثورية الإسلاميين – وهنا مقتلهم – مؤقتة ومرهونة دوما ببلوغ أهداف محددة. أزمة حقيقية تواجهنا نحن وهم، كونهم ورثة العسكر بحكم الأمر الواقع وخلو مجتمعاتنا من البديل.
 
       تفكيك هذه المعضلة مطلوب، أعني معضلة تنافر الاستقرار والثورة، فاستمرار الخصومة القائمة سيُفضي بدولة الاسلام السياسي الوليدة وبمجتمعاتنا بطبيعة الحال إلى آلام جديدة. وحده التفكير غير الفقهي هو القادر على التصدى بجرأة وجسارة إلى معضلة كهذه واعفاء الاسلام السياسي من هكذا حرج. فليسمح حكامنا الجدد بجهود نقدية أنسنية، دونما استخدام لفزاعة الاستقرار. هذا الأمر – إن هو حصل – يصب في صالح دولة الاسلام السياسي الوليدة وفي صالح حضارتنا ككل. فالاستقرار وحده – في غيبة الثورة – ينتهي حتما إلى التعفن والرداءة.
       
 


25
ثورة 25 يناير: عندما يكون الشعار محشوا بالرداءة

                                                                                                                                حازم خيري
 
في ثورة 25 يناير برز فجأة شعار مدروس بعناية، وهو: [الشعب يريد إسقاط النظام]. خطورة هكذا شعار تكمن في اخفاء الطريق المرسوم والواقعي لثورة يناير وهو تقويض دولة العسكر – بمؤسساتها الفاسده - واستبدال دولة إسلام سياسي بها. لم يكن هدف ثورة يناير، وعلى خلاف الرائج، الاطاحة فقط بحكم مبارك، فهو مجرد امتداد لدولة العسكر والتى تحكم مصر منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، مبارك لم يكن مبتدعا وانما سار على خطى أسلافه.
 
[الشعب يريد إسقاط النظام]، شعار مدروس – حقا - بعناية فائقة، فالشعب بائس ولا قبل له بشعارات تنويرية، وقيادات الإسلام السياسي وفي طليعتها قيادات الاخوان لا يعنيهم في قليل أو كثير تنوير القطيع المصري البائس، أضف إلى ذلك حرص الغربيين على اخفاء دورهم القوي والحاسم في التمكين لدولة العسكر، وفي عدم ممانعة الصعود الراهن للاسلام السياسي.
 
النتيجة كارثية بطبيعة الحال، فشعار الثورة هو راية تتحرك الجموع تحتها وتهتدي بها، وهو ما حصل بالفعل، فقد استبسلت الجموع الهادرة في رفضها لحكم حسنى مبارك، ووقع في ظنها أن وقوفه في قفص حديدي هو نهاية المطاف، وهي قناعة ربما عملت قيادات جماعة الاخوان المسلمين بانتهازية وقصر نظر على تعميقها، مُستعينة في ذلك بعبارة الراحل متولي الشعراوي [الثائر الحق هو من يثور ليهدم الفساد، ثم يهدأ ليبني الأمجاد] في مواجهة القوى الثورية غير الاسلامية، وهو ما منح الدولة العميقة ملاذا آمنا وفرصة لالتقاط الأنفاس، لمعاودة لملمة الصفوف وترتيب الأوراق، ومن هنا كان طبيعيا أن تنجح الثورة المضادة في 30 يونيو.
 
والآن، وقد وجد الاسلام السياسي نفسه وقد أطيح به على نحو مهين وجرت اعتقالات واسعة لرموزه وأنصاره، بل وقُتل الكثير منهم في مواقع عديدة، لعل ابرزها وربما سيكون أكثرها تأثيرا على مجريات الأمور في بلادنا ما حدث في "رابعة العدوية"، حيث اُريقت الدماء بغزارة!
 
الآن، والآن فقط برز الشعار الأكثر تنويرية وجدية وهو: [يسقط حكم العسكر]. المشكلة أن تكلفة تأخر بروز هذا الشعار باهظة، ولا أدري أي ضمير يتحمل كل هذا التدمير وتلك الدماء الذكية. نحن نحتاج لجهد نقدي حقيقي، ليس يكفى وحده كل هذا التحريض والاستفزاز.برزها أبرزها وربما أكثرها تأثيرا أ


26
مظاهرات الطلبة ما بعد العسكر
                                                                                                                          حازم خيري
 
       أتمنى بعد رحيل العسكر وانتهاء عقود حكمهم أن ينهض الطلبة وما تيسر من شرفاء أعضاء هيئة التدريس بجامعاتنا بعبء إخلاء الفضاء الأكاديمي من خفافيش الرداءة والركود.
 
       دولة العسكر لم يكن لها أن تستمر كل هذه العقود لولا براعتها في التمكين للرداءة والركود في فضائنا الأكاديمي، فهذا أستاذ يتواصل مع جهات أمنية ويمدها في نشاط وهمة بتقارير عن زملائه، وهذا أستاذ يجتهد في إدارة مافيا الدروس الخصوصية وشراء وبيع الرسائل الجامعية والأبحاث، وهذا أستاذ يبتز تلاميذه ويسخرهم لخدمة المصلحة والدناءة لا المعرفة والفضيلة، وهذا أستاذ يتباهى بعلاقاته بجهات سيادية، وهذا أستاذ يرى كل هذا العفن ويصمت. النوع الأخير هو الأخطر، وربما الأكثر عددا، وهو ما يعنى حرج موقف جامعاتنا وطلابنا.
 
       المخيف هو إحتمال أن يظل أو حتى يتفاقم هكذا حرج تحت دولة الاسلام السياسي – حال قيامها –، فعناصر الاسلام السياسي في بلادنا مُتغلغلة في الجامعة وتعلم جيدا كارثية الأوضاع، ورغم ذلك لم نر أو نسمع عن تحريض هذه العناصر للطلاب على الثورة – مع إقراري بأهمية ما يحدث الآن - إلا حين لدغ العسكر في مصر دولتهم الوليدة واعتقلوا رموزهم، وكل ما أخشاه أن يكون إسلاميو الجامعة قد أصبحوا جزءا من المشكلة، لا جزءا من الحل. 
 
       ما الحل إذن؟
 
       نحتاج لثورة طُلابية يحرض عليها ويقودها شرفاء الجامعة، بعيدا عن منطق القبيلة الأكاديمية وضرورة توقير أعرافها وتقاليدها. لا كرامة لأستاذ جامعى يصلي في مكان نجس، لا كرامة لأستاذ جامعى يتعامى عن ويسالم بدم بارد كل هذه الرداءة والركود، مهما تذرع بأسباب.   


27
المنبر الحر / محاولة لتشريح فكرة
« في: 17:27 24/10/2013  »
محاولة لتشريح فكرة

حازم خيري
 
       الإخوان المسلمون: "هيئة إسلامية جامعة، تحمل مشروع اليقظة في العالم الإسلامي كله"، هذه هي فكرة جماعة الإخوان كما وردت في موقعها الرقمي الرسمي. الفكرة خطيرة، غير أنها – برأيي – لم تحظ بالدراسة الكافية من جانب باحثينا، عكس الحال مع باحثى الغرب، فجامعات الغرب تذخر بدراسات أكاديمية، لا تترك صغيرة وكبيرة في الجماعة إلا وأحصتها!
 
       الناس عندنا – حتى مفكرينا وباحثينا – مشغولون بالأحداث اليومية والسلوكيات الإخوانية، فتجدهم إما كاره لها كراهية التحريم، وإما مُحب لها مُدافع عنها بالحق والباطل. والنتيجة الحتمية ما نراه، خاصة على الفضائيات والمواقع الرقمية من عراك الديوك، وهو مشهد كاشف للعجلة والمصلحية، على خلاف ما يُعتقد. من يُرد الفهم يبحث عن "الفكرة التأسيسية".
 
       الفكرة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين تحتاج لدراسة مُكثفة وعميقة، وما أحاوله هنا - مجرد - إطلالة سريعة في شعاب الفكرة، على أمل تطوير لاحق، والتنبيه لخطورة الفكرة.
 
       ماذا أرد حسن البنا بجماعته؟ سؤال تفتح الإجابة عليه أروقة النقاش. الثابت هو أن الراحل حسن البنا درس تجربة النبي محمد وكيف نجح في خلق نواة صلبة لمجتمع جديد، سرعان ما زاد عدد أفراده على نحو مُذهل، وتوسع ليضم أراض وشعوب خارج شبه الجزيرة العربية. وجد البنا في عبقريته دعما لحلمه وسعيه النبيل للملمة حبات عقد الخلافة المنفرط.

       السؤال اللاحق: هل انتبه البنا لاختلاف ظروف التجربتين، أعني النبوية والاخوانية؟
 
       النبي محمد بدأ المجتمع الإسلامي من نقطة الصفر، حيث لم يكن له وجود قبلي، أما البنا فقد سعى ليس للبدأ من نقطة الصفر، وإنما لإيقاظ المجتمع الاسلامي القائم ولملة حبات عقده المنفرط، فقد تزامنت جهود البنا مع انهيار الخلافة الاسلامية واقتسام الغربيين لأراضيها الشاسعة. أهداف إخوانية نبيلة لا خلاف، لكن المأزق هو عدم مراعاة البنا لاختلاف ظروف تجربته. بدا ذلك واضحا في مُحاكاته للتجربة النبوية وتجاهله لما سينشأ لاحقا من إزدواجية.
 
       حدث هذا بالفعل، إذ سرعان ما بدأت المناوشات ثم الصدام الصريح بين المجتمعين،  الإخواني الوليد وكيانات المجتمع القائم/القديم. رحل حسن البنا ولم يجد أو بمعنى أصح لم يُمهله الزمن لعلاج هذه المعضلة، معضلة تحول المجتمع الاخواني الوليد لمجتمع "مواز"..
 
       التطورات اللاحقة ساهمت في تعقيد الأمر، وليس التخفيف من حدته. فقد أعقب إغتيال حسن البنا خضوع العالم الاسلامي، بما فيه منطقتنا، لأنظمة عسكرية وملكيات مُستبدة، عملت – ولاتزال - على تجييش المجتمع القائم بقوة ضد مجتمع الاخوان "المواز". أسفر ذلك عن:
 
       [1] نزوع المجتمع الاخواني للتقوقع على الذات وسعيه لبلوغ الاكتفاء الذاتي، حتى يستطيع الصمود، فعناصره – أو معظمها - مُضطهدة ومحرومة من الالتحاق بالمؤسسات الرسمية. [2] سعى المجتمع الاخواني لاكتساب حاضنة شعبية، على حساب أمور كثيرة، لعل أخطرها تجاهله لجاهلية أخلاقية يحياها المجتمع القائم، بل وربما تورط المجتمع الإخواني – بوعي أو بلا وعي - في تقديم الغطاء الشرعي لها، من خلال إفراط رموزه وحلفائه - من الدعاة والوعاظ – في إشاعة أن الظاهر كفيل بإصلاح الباطن، وإلا فكيف نفسر التدين الشديد والانحطاط الأخلاقي. [3] افتقاد المجتمع الاخواني لقوته كقاطرة أُريد لها إيقاظ المجتمع وإحياء همم أبنائه الساقطة، فحظ المجتمع الإخواني من الابداع والخلق، قد لا يُجاوز الصفر بقليل. 
 
       بعد هجمات 11 سبتمبر تخلى الغربيون عن الأنظمة القائمة وأبدوا عدم ممانعة بل وربما أيدوا وصول الإسلاميين إلى الحكم. جماعة الإخوان المسلمين هي الأعرق بين حركات الإسلام السياسي، ومن ثم يأتي صعودها الرسمي وبالتبعية صعود الاسلام السياسي منطقيا إلى حد كبير. فهم بحق الوجه ربما الوحيد الحي لحضارتنا، بفضل حماقة العسكر وقصر نظرهم.
 
       أوصل الصعود الرسمي لجماعة الاخوان – ومن ورائها بقية حركات الاسلام السياسي – أوضاع مجتمعاتنا لحافة الهاوية! فنُذر الحرب الأهلية في كل مكان. أو بعبارة أخرى: كيانات المجتمع القائم/القديم في مواجهة المجتمع الاخواني "المواز". المجتمعان ضعيفان، ومن هنا تصنع المحددات الدولية والاقليمية الفارق، وهي بوضوح في صالح صعود الإسلام السياسي.
 
       الاسلاميون – وغيرهم من المفكرين غير الاسلاميين – عليهم واجب الترفع عن تفاصيل الأحداث اليومية، ومناقشة كيفية صياغة قواعد جديدة داخلية للعبة في مجتمعاتنا ما بعد دولة العسكر، فنحن أبناء حضارة واحدة. ونجاح الاسلاميين – إن هو حصل، رغم تضاؤل فرصه – نجاح لحضارتنا العريقة. لنناقش كيفية مساعدة المجتمع الاخواني "المواز"، على الخروج من قوقعته، فلم يعد ثمة حاجة للتقوقع، ولنناقش التداعيات المحتملة لهكذا بنية إخوانية داخلية على السلطة في بلادنا، فروابط القرابة والمصالح المشتركة والمُشترك الأيديولوجي، لن تكون مُفيدة للجماعة ولا لمجتمعاتنا ونزاهة الحكم فيها، كما كنت مُفيدة للجماعة في أزمنة الاضطهاد..
 
       لنناقش محنة الجاهلية الأخلاقية في مجتمعاتنا وكيفية الخروج منها، خاصة وأنها على ما يبدو تسللت إلى حركات الاسلام السياسي نفسها، وهو ما يستلزم تطعيم حضارتنا بطرائق جديدة للتفكير، في مقدمتها التفكير الفلسفي. لنفتح رئات جديدة في صدر حضارتنا المخنوق.
       
       
 


28
لن أنزل مع حضارتي في قبرها

حازم خيري
 
       حضارتي تحتضر، وحين تموت لن أنزل معها في قبرها! سأحيا بعدها أنسنيا، ولن أكرر أخطائها. حضارتي كرهت الحقيقة والأنسني يحبها. حضارتي خافت الحرية والأنسني يعيشها. حضارتي جعلت من المحظورات فيلا ورديا(*) يُربك بإلحاحه البشر والأنسني يفضح الخيبة.
 
حضارتي أفرطت في توقير السلطة والأنسني يتحسس حريته أمامها. حضارتي أسلمت قيادها لصُناع الأساطير الرديئة – أفكار كبيرة محشوة بالرداءة – والأنسني يناصبهم العداء.
 
       لم تُؤت حضارتي إلا مما اعتبرته موطن قوة وهو خصائصها والأنسني يتعهد خصائص حضارته بالتخريب الخلاق ولا يتهيب تقويض المشئوم منها. حضارتي أفرطت في تدليل الوسطية وأغرتها بالاستبداد والأنسني مولع بالتمرد الخلاق، رافض - بشدة - تجفيف منابعه.
 
حضارتي خافت الفشل واعتبرت النجاح عبئا ثقيلا والأنسني لا يفعل. حضارتي ظنت الله جلادا قاسيا والأنسني يحبه. حضارتي هزمت نفسها والأنسني ليس مهزوما مادام يقاوم.
 
حضارتي غالية، لكن الحياة واجب ومسئولية..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) تشبه قضية الجنس في الحضارة الاسلامية قصة قديمة حول تلميذ الساحر والفيل الوردي. إذ يُقال بأن أحد أساتذة الخيمياء(تحويل المواد إلى ذهب). وبعد أن شرح لتلميذه الخطوات المعقدة لصناعة الذهب. قال له: "وأهم أمر في العملية كلها أنه يتوجب عليك أن لا تفكر بالفيل الوردي". انذهل التلميذ لوقع هذا التحذير. وحاول دون جدوى أن يتقيد به. ولكنه كان – بالطبع – عاجزا عن أن يطرد الفيل الوردي من ذهنه. أخيرا استسلم التلميذ في محاولاته لصنع الذهب واقترب من أستاذه بحزن قائلا له: "لماذا يا سيدي؟ ما الذى دفعك إلى إخباري بأن لا أفكر بالفيل الوردي؟ فلو لم تفعل، لم أكن لأفكر فيه على الإطلاق". مصدر القصة: رافائيل باتاي، ترجمة على الحارس، العقل العربي، موقع شبكة عراق المستقبل www.iraqfuture.net


29

الإخوان المسلمون: قواعد تُصلح بدمائها أخطاء القيادة
                                       حازم خيري
 
       بانتهاء الحرب العالمية الثانية وانتهاء عصر الاستعمار الأوروبي وقع اختيار قوى عظمى على الأنظمة العسكرية – المُطعمة ببعض الملكيات المُستبدة – لملء الفضاء العربي، في مواجهة المد الشيوعي والمد الثورى الوطني. من هنا، تجرأ مؤسسو دولة العسكر في مصر- كما في غيرها - على تكريس الارهاب والخوف.
 
       في مصر كانت جماعة الإخوان المسلمين رأس الذئب الطائر، ولا يمكن بحال لوم قيادات الإخوان المسلمين وقتها، فقد كانوا أنقياء لحد كبير، دفعوا بدمائهم الذكية ثمن رفضهم لقواعد اللعبة الجديدة – وقتها - وهي هيمنة الأنظمة العسكرية.
 
       أما اليوم، أعني ما بعد هجمات 11 سبتمبر وعدم مُمانعة القوى العظمى نفسها في صعود الاسلاميين لسدة الحكم في منطقتنا، فلا يمكن إعفاء قيادات الإخوان من ويلات يعاني منها الاسلام السياسي وغيره اليوم في مصر، فقد جاءت الحسابات خاطئة على نحو مُرعب، سواء في خيبة صفقات القيادات الإخوانية مع فلول دولة العسكر، أو في ركونهم إلى العناد والتكبر في مواجهة القوى الثورية غير الاسلامية، خاصة الشباب، وهو ما سهل مهمة الدولة العميقة في لدغ الاسلاميين.
 
       ما نراه اليوم هو نفرة القواعد الإخوانية – مع غيرها من القوى الاسلامية الأخرى – تُصلح بدمائها أخطاء القيادة! تعاطف شديد أستشعره إزاء دماء بريئة تُراق بغير حق، ولشد ما أتمنى أن تجرؤ هذه القواعد، حين يحدث ما أتوقعه وغيري من عودة الاسلاميين إلى الحكم في بلادنا – بفضل مُحددات دولية وإقليمية وداخلية -، على مراجعة نسق القيادة القائم، فلولا أخطاء ساذجة وكارثية وقعت فيها القيادة لما اضطرت القواعد شديدة الحماس والغيرة لمواجهة آلة العسكر، بكل عُجبها وقسوتها.
 

30
الأنسني والاستعلاء بالتمرد
                                                                                                                              حازم خيري
 
      التمرد فضيلة لا يُنكرها إلا ساقط الهمة! ولشد ما يؤلمنى فزع أبناء مجتمعاتنا من هكذا فضيلة راقية، بل وتماديهم في اعتبارها استهانة بما ألفوه من خطوط وهمية. خطوات قليلة للأمام تُثبت لهؤلاء أن ليس ثمة ما يعوق السير، الأرض تزهو بخطو المتمردين على أديمها.
 
       اكتشاف كهذا، يُحدث حال وقوعه، زلزالا عاتيا، تتهاوى على أثره كل بناياتنا الخائرة، لن تصمد حينها سوى البنايات جيدة الأساس. الحرية ليس ضروريا أن تقود مجتمعاتنا إلى حيث قادت من قبل اخوتنا الغربيين، الحرية تعنى القدرة على الخلق، لا الانتصار لخيارات جاهزة.
 
       نفس الأنسني تُحدثه دوما بأنه ليس ثمة ما هو أسوأ من حياة بلا تمرد..ليس ثمة ما هو أسوأ من الموتي الأحياء. فيظنه ساقطو الهمة مُتعاليا بتمرده، وهو ليس كذلك! كل ما في الأمر أنه أراد وجرؤ أن يكون حُرا، فكان له ما أراد! مُشكلتنا أننا ننشد الحرية في الميادين، وهي داخلنا! يكفى أن تقول أنا حر وتتصرف بمسئولية، حينها يتحقق لك ما تُريد، هكذا ببساطة..
 
       تجفيف منابع التطرف يئد بذور التمرد في مهدها، ويُطلق العنان للركود والرداءة ينهشان جسد وروح مجتمعاتنا، على نحو ما نعانى اليوم. التطرف ليس كله شرا، ولا مفر من المخاطرة والألم. تجفيف منابع التطرف كارثي، ولننظر بنزاهة وموضوعية إلى الرمادية وما أورثته ايانا من أمراض عصية، فلا أشر من وسطية مُستبدة، تحرم المجتمع من تطرف خصب خلاق.


31
المنبر الحر / شبابهم وشبابنا
« في: 17:38 08/10/2013  »
شبابهم وشبابنا
                                                                                                                          حازم خيري

       شبابنا قردة في أقفاص "رقمية"، وشبابهم صقور تُحلق في فضاء الحرية الرحب، لا يعرفون أفقا مسدودا ولا يطيب لهم سكن الجحور وأخلاق الفئران. شبابهم قادة المستقبل وشبابنا مستهلكو المستقبل، لا حيلة لهم سوى اللهاث على شفا الرقمية، وتتبع ما يقذف به طوفانها. شبابهم لا يعرف الخوف وشبابنا مُحاط بخطوط وهمية، تُشيع الآخرية عنها أساطير وأساطير!
 
       الكثيرون عندنا لا يعرفون كيرميت روزفلت أو جارد كوهين أو غيرهم الكثير من الشباب الأمريكي المُستتر، الكثيرون لا يعرفون شيئا عن هؤلاء الرواد "حُماة الحقائق بالأكاذيب"، رغم ارتباط مصائرنا – الى حد كبير – بأفكارهم وقدراتهم غير العادية في فهم واستنطاق أوضاعنا الحيائية وتوجيهها إلى حيث النفع لبلادهم وحضارتهم، ولو على حساب تكريس حيواتنا الذليلة.
 
       كيرميت روزفلت أحدهم وقد زار بلادنا في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ضمن جولة شرق أوسطية، خلص منها بفكره الثاقب إلى حتمية استبدال حكم عسكري فاشي بحكم فاروق غير الجاد، في مواجهة خطر الشيوعية والمد الوطني الثوري. كيرميت هذا باحث راق واستخباراتي شهير، يعرفه أولو أمرنا ممن عاصروه من جيل ناصر وهيكل. نصب لهم بعبقريته سيركا، وغادرهم يؤدون حركاتهم البهلوانية، وسط انبهار شعوبهم الساذجة وصيحات المباركة.
 
       روزفلت هذا لم يفكر باحث مصري أو عربي حتى اليوم – رغم تعدد معاهد وكليات دارسي العلوم السياسية والتاريخ – في ترجمة أيا من كتبه، على أهميتها ودورها شديد التأثير.

       صاحبنا الآخر هو جارد كوهين الذى لا يختلف كثيرا عن مواطنه روزفلت في الدهاء والمعرفة، سوى خروجه من عباءة عصرنا الرقمي، حيث جاء بأفكاره ليأخذنا إلى حيث يُراد لنا أن نذهب على أجنحة الرقمية. أفكار كوهين وزملائه حولت شبابنا إلى محض قردة في أقفاص رقمية. حسابات الفيس بوك وتويتر..الخ مجرد جلسات فضفضة ونفى الفكر وتحريض أحيانا.
 
       فكرة الجهاد عند كوهين مرنة وقابلة لاعادة التوجيه، لتصبح معول هدم لدولة العسكر التى لطالما حظيت لعقود وعقود بدعم آبائه وجدوده، حتى أن أجيالا نشأت في العالم العربي تظنها قدرا محتوما، ويصيبها الغثيان عندما يصدمها أحد بأنها لا تعدو أسطورة قابلة للكسر!!
 
       خروج شبابنا من أقفاصهم الرقمية مرهون بقبضة مضمومة ونفس ترنو للأفق الرحب.
 
 


32
الفساد في مصر: طبيعة حمائية وقابلية للاستدامة
                                                                 
                                                                                                                               حازم خيري
 
          للفساد المصري – ولا أدري مدى انطباق هذا على شركائنا في الثقافة –  طبيعة حمائية، لا أظنها متاحه لغيره، على الأقل بنفس الصقل والحبكة. فلا تكاد تفكر في الفساد المصري إلا وتجد نفسك أمام كتلة متشابكة من الخيوط الدقيقة، تجد نفسك أقرب إلى اليأس منك إلى الرجاء، تجد نفسك أقرب إلى الضحك الساخر منك إلى البكاء. وسرعان ما تتمتم: ما كل هذا العفن الأخلاقي؟! لم يقنع الفساد في مصر على الأرجح بما يقنع به نظيره في سائر المجتمعات، فأحاط نفسه بدروع واقية، أكثرها خطورة "حاضنة شعبية"، قد لا توجد خارج هنا!
 
       في مقالة سابقة تحدثت عن فكرة الحاضنة الشعبية للفساد، وخلصت إلى القول بجاهلية أخلاقية تعيشها مجتمعاتنا، تتجاور جنبا إلى جنب، مع القيم العليا والعقائد الموروثة، في سلام مُشبع بالقداسة، لا تؤرقه – إن لم تكن تحض على توقيره – خصائص حضارية، بمأمن من التفكيك والتخريب الخلاق، في ظل تجفيف منابع التطرف والطرائق "غير الفقهية" في التفكير.
 
       الأمر إذن شديد التراكم والتعقيد، والحاضنة الشعبية لا بديل عن اختراقها وتدميرها، كي لا تجد الجاهلية الأخلاقية ملاذا آمنا، ويتسنى للثوار "الأخلاقيين" اصطيادها. الشعب هو من يُنتج الجاهلية الأخلاقية ويغذيها ثم يعود ليتأثر بها! دائرة مُفرغة جهنمية لابد من كسرها، ولنبدأ  بأضعف حلقاتها، وهي البيروقراطية المصرية، كونها تتآمر على مُناهضي الرداءة والركود..

       هذا على المدى القصير، أما على المدى الطويل، فلنشرع في ايقاف كارثة التجفيف المنهجي لمنابع التطرف والخروج عن السياق المجتمعى العام، عبر السماح بطرائق فلسفية وعلمية في التفكير. الاسلاميون مهما بلغ نقاء الكثيرين منهم وحسن القصد، لن يقدروا بطرائقهم الفقهية في التفكير – وحدها – على بلوغ أحلامهم في خلافة إسلامية غير فارغة المضمون.
 
       دليل ذلك مُعاناتهم اليوم في مواجهة دولة العسكر الهرمة والفاسدة، العسكر ليسوا أقوياء، وإنما الشديد الضعف هو الاسلام السياسي، لعدم امتلاكه قوة الخيال! فلا اطلاع لكوادره على التفكير الفلسفى، ولا استفادة من القوة الناعمة للفنون الراقية، ولا تخلص من رهاب الفشل والخطأ. الاسلاميون لا يستوعبون محنتهم ومحنة أبناء حضارتنا: [ما بداخلنا لا يريد الحقيقة]!
       
 
       
 
         


33
الهرولة إلى الاستقرار
                                                                                                                             حازم خيري
 
       الجميع في بلادي، أعني مصر، بما فيهم أنصار دولتي العسكر والاسلام السياسي، يلهثون في اتجاه الاستقرار، ولولا تعارض المصالح – ولله الحمد – لاتفقوا علينا، ومات الأمل! لعُدنا إلى استقرار مُشبع بالخراب، لطالما عانينا ويلاته، تحول بيننا وبينه اليوم سيولة اجبارية، تعيشها مجتمعاتنا والتى هي أصلا مُستنقعات راكدة، تخلو من كل شيء، عدا الركود والسأم!
 
       رؤيتى هذه يؤكدها – مثلا – اقبال العسكر والاسلاميين على توظيف عبارة الشيخ الراحل متولى الشعراوي: [الثائر الحق هو الذى يثور ليهدم الفساد ثم يهدأ ليبني الأمجاد]. حد علمي أن الشيخ أطلق عبارته هذه لتهدئة ما بدا له يومها نُذر ثورة ضد نظام الحكم. غير أن المُضحك في الأمر هو تناوب العسكر والاسلاميين على العبارة، وفقا لمُقتضى المصلحة..!
 
كنت في زيارة لاحدى القرى الريفية، حيث يحتفظ الاسلام السياسي بمخزون استراتيجي من التعاطف والأصوات الانتخابية، لمحت على أحد أعمدة الانارة "بوستر" قديم للدعاية الانتخابية، يحمل صورة مُرشح اسلامي، مشفوعة بعبارة الشعراوي عن توصيف الثائر الحق.
 
       أعاد هذا لذاكرتي حرص الاسلاميين ابان الانتخابات البرلمانية ما بعد ثورة 25 يناير المجيدة على الهرولة إلى الاستقرار، دون حرث الأرض وتطهيرها، من باب بشر ولا تُنفر، واستعانتهم في سبيل ذلك بعبارة الشيخ الشعراوي، عبر كتابتها على كل ما تصل إليه أيديهم.

       تصرفهم هذا ألحق الضرر بشباب ثورة 25 يناير، وأجهض الشرعية الثورية. وها هم العسكر اليوم يفعلون ما سبق وفعله الاسلاميون، حل دور العسكر على ما يبدو في التناوب على عبارة الشيخ، أجهزة اعلامهم تُرجع صداها، في ظل سكوت الاسلاميين عنها، بينما الشباب في حيرة إزاء تسبب الاسلاميين بقصر نظرهم في الباس انقلاب عسكري ثوب ثورة!
       
 
 


34
روما الجديدة: امبراطورية قوى السوق الكونية
                                                                                                                                حازم خيري
       ما يحدث في مجتمعاتنا، من تخبط وارتباك – مثيرين للشفقة –، مصدره جهل السواد الأعظم من أبناء مجتمعاتنا بالتحول الكوني الراهن، وهو جهل تُغذيه دولة العسكر وأنصارها، على أمل اطالة عمرها لأبعد مدى ممكن، فضلا عن خشية الاسلاميين من تعرية الحقيقة نفسها، لضعف ثقتهم بالشعوب، وقناعتهم بأفضلية عدم معرفتها لما يزيد عن حاجاتها اليومية.
 
       نحن نعيش في عصر العولمة!! نحن مواطنون في جمهورية، أو لنقل امبراطورية، قوى السوق الكونية. انها روما الجديدة، السوق فيها هو السيد، والمواطن فيها هو المستهلك. انها دولة افتراضية، الرأس يوجد حيث عاصمة قوى السوق الكونية - الولايات المتحدة الأمريكية -، أما الجسد فمترامي الأطراف، انه العالم بأسره، بقاراته المختلفة، وحضاراته وثقافاته المُتعددة.
 
       لم يعد ثمة معنى للحدود!! المواطنة العالمية تعني أن الدولة – الأمة وما يرتبط بها من أمور، لا مستقبل لهما! غير أن ما يُؤسف له كثيرا هو أن فكرة الدولة – الأمة تُغادرنا ولم نستفد منها، نُدفع اليوم بعيدا عنها، وقد أصبحت محض أوحال. أفهمنا العسكر أن الدولة لا تتجاوز ولا ينبغى لها أن تتجاوز تخوم الوطنية المُتشنجة المُعادية للحرية وهو ما أورثنا فشلا وفسادا.
 
       الاسلاميون هم الأكثر التصاقا بخصائصنا الحضارية، يجعلهم هذا من ناحية الأكثر تضررا من افلاسنا الحضاري، ومن ناحية أخرى يجعلهم هذا الخيار الأفضل حاليا، لضمان وقوف حضاراتنا ومجتمعاتنا وجها لوجه أمام أوجاعها وآلامها، بعيدا عن التبريرات الكلاسيكية، بأن ما نعانيه محض عرض، يختفى فور استعادة الماضي والانحشار في الميراث الحضاري.
 
       
       


35
دولة الاسلام السياسي:
الطموح الحاضر والاستراتيجية الغائبة

                                                                                                              حازم خيري
 
        ثمة دولة وليدة تلوح بوادرها في الفضائين العربي والاسلامي، تستند في صعودها إلى قاعدة صلبة من الأنصار، يزيد من حماسهم ترنح الأنظمة القائمة تحت وطأة ضربات الربيع العربي، وتخلى الغربيين – لا عتبارات خاصة بهم – عن هذه الأنظمة الهرمة. بيد ان الخلل الرهيب في دولة الاسلام السياسي الوليدة، هو افتقارها لرؤية استراتيجية واعدة، بمنأى عن الوهم والشعارات الجوفاء، تُمكن لها في الداخل والخارج، على نحو قابل للتخصيب وادامة النجاح.
 
       أولى ركائز هذه الاستراتيجية الغائبة هو وجوب التعامل غير العشوائي مع الأنظمة القائمة، والتى تستند في مقاومتها للزوال إلى دولة عميقة شديدة الترهل والفساد، يصعب النيل منها بالفهلوة، فالطامح إلى احتوء هكذا بيروقراطية أقرب إلى الغرق في أوحالها منه إلى السيطرة عليها وتطهيرها. النموذج المصري خير دليل، فقد فشل الاسلاميون في التعامل مع البيروقراطية المصرية. غرقوا في أوحالها، قلدوا سلوكياتها، استسلموا لاغراء فكرة التمكين على خطورتها. ظنوا أن قرابتهم اللصيقة مصدر قوة في الحكم كما في أوقات النضال والمقاومة!
 
       ركيزة أخرى ليس بمقدور الاسلاميين تجاهلها والقفز فوقها، وهي حتمية قيادة مجتمعاتهم لخارج حدود الجاهلية الأخلاقية، ليس بطرائق الوعظ التقليدية، فالأمر تجاوز في تعقدة وتشابكه مثل تلك الوسائل البريئة. وإنما بتفكيك جريء، وتشريح قاس لتجربتنا الحياتية، خاصة في ظل الأنظمة القائمة، مع ضرورة مراجعة الاسلاميين أنفسهم لدورهم في المشهد الأخلاقي، فاسهامهم قوي في صياغة الوجدان الأخلاقي، وتغاضيهم تم عن الكثير، في مقابل الاحتضان والحشد.
 
       الحضارة الاسلامية تلهث على شفا الافلاس! أضحت فاقدة تماما للقدرة على الابداع والابتكار، وهو ما يستصرخ الاسلاميين تضمين استراتيجيتهم الغائبة هذه الاشكالية المؤرقة، واقتراح حلول خلاقة، ربما تفرض عليهم حماية ما يبغضونه، أعني التفكير الفلسفي، فلا سبيل برأيي أمام الاسلاميين سوى السماح بطرائق اخرى من التفكير، لا بديل أمامهم عن المخاطرة والألم. يُعيد هذا لحضارتنا رحابتها ويفتح المجال أمام بروز صفوة فاضلة وذوى النظر البعيد.
 
       ركيزة أخرى تستحق الاهتمام الشديد، وهي عدم استساغة الوجدان الشعبي لفكرتي الحرية والحقيقة، فلا معنى للحرية ولا حب للحقيقة، على الأقل لغير المُريح منها! الحرية والحقيقة هما الحاضر الغائب، الكل يذكرهما ويمجدهما، بيد أنهما – لشعوبنا - كالسراب، محض وهم..
 
       تلك كانت بعض ملامح الاستراتيجية الغائبة لدولة الاسلام السياسي/الخلافة الاسلامية، أختمها بالملمح الأكثر ايلاما وهو تسيد الحضارة الغربية للحياة، فلا يكاد المرء يفكر في أمر إلا ويكتشف أن الغربيين قد سبقوه إليه، لا يكاد المرء يسلك طريقا إلا ويكتشف أن الغربيين قد مروا منه، فلا يملك إلا التقليد والمحاكاة، وهو ما تضطر اليه مجتمعاتنا بعد الكثير من الجدل العقيم والنقاش حول مدى المشروعية والجواز. الغربيون هم النموذج والمشكلة بالنسبة الحضارتنا ولغيرها من الحضارات. تشعر وأنت ترقب ما يحدث في الأرض وفي الفضاء أن الحياة لم تُخلق إلا لهم. أن الجرأة لم تُخلق إلا لهم. الحرية أصبحت غرب. والحقيقة أصبحت غرب.. 


36
الخروج من الجاهلية الأخلاقية

                                                                                                                        حازم خيري

        لا أعتقد أنه سيكون بمقدور الاسلام السياسي – حال اكتمال قيام دولته، وهو ما أتوقع حدوثه – قيادة مجتمعاتنا بسهولة إلى خارج حدود الجاهلية الأخلاقية، ربما لانحشار مُنظريه في خبراتهم الدعوية الكلاسيكية، فضلا عن قناعتهم الراسخة بامكانية استنساخ بعض اللحظات المضيئة في تاريخ حضارتنا الاسلامية، دون الأخذ في الاعتبار تعقد وتشابك اللحظة الراهنة.
 
       الاسلام السياسي شريك – دون وعي على الأرجح – لدولة العسكر في الوصول بمجتمعاتنا إلى الجاهلية الأخلاقية. ففي الوقت الذى حكم فيه العسكر مجتمعاتنا بالحديد والنار لعقود عديدة، كان الاسلام السياسي هو الخصم الطامح إلى والعامل على تحرير المجتمع من نير العسكر واقامة دولة الاسلام السياسي. في ظل تغييب كارثي للأوجه الأخرى لحضارتنا.
 
       الاسلام السياسي واجه في رحلة نضاله – والتى لا تخلو من روعة -، دولة العسكر بديماجوجيتها ومغازلتها لأدنى ما في الشعوب من غرائز، ومن ثم وجد نفسه مُقيدا في مساعيه الثورية، بالتركيز على حيوات ظاهرة مضللة، يعلم انها كذلك، وهو ما استراحت إليه شعوبنا وأكسب دعوته أرضية واسعة.. مجتمعاتنا وظفت دولة العسكر والاسلام السياسي بعبقرية..
 
       العسكر هم السيادة الصلبة وسلطة الأمر الواقع، والاسلاميون هم قاطرة السيادة الناعمة، يبارك رموزهم – في ثقة وقوة – تمزق مواطنيهم بين حياتين، احداهما مُستترة والأخرى علنية، في مواجهة عشوائية وفهلوة العسكر. فضلا عن تبشيرهم بحتمية اصلاح "الظاهر" لـ "الباطن"!
 
       أكسب هذا الاسلاميين بالطبع شعبية – كما أسلفت -، غير انها شعبية مُترهلة هشة، نظرا لعدم استنادها لبنية تحتية أخلاقية صلبة، تضرب بجذورها في أعماق الضمير البشري.
 
       الطريف، بل لنقل الكارثة، أن ما اجتهد الاسلاميون طيلة عقود في تصديره إلى المجتمع، وما احتفوا به من حيوات ظاهرة مُغلفة برقائق التدين، سُرعان ما ارتد إلى الاسلام السياسي نفسه، فنال على ما يبدو من بنيته التحتية وكوادره. تلك هي محنة الاسلام السياسي.
 
       الاسلاميون ليسوا بمعزل عن جاهلية مجتمعاتنا الاخلاقية، وإن زعموا خلاف ذلك، فهم تحت وطأة القهر العسكرى والحرص على استمالة الشعوب لجانبهم، هادنوا مجتمعاتهم ورضوا من ابنائها العيش في حياتين، القشور الأخلاقية، وهو ما انتهى بالجميع إلى جاهلية أخلاقية.
 
 
 
 
 


37
تجربة العيش في مجتمع فاسد

                                                                                                                              حازم خيري
 
            مفاجأة الربيع العربي أن الشعوب لا تقل فسادا عن الأنظمة الحاكمة! وأن فساد الأنظمة أهون كثيرا من فساد الشعوب، فهو عار مفضوح، في حين أن فساد الشعوب، يستره إجماع الناس عليه، حيث يبدو إرادة شعبية. من يتصدى لها، يصير مُستباحا.
 
       والسؤال: هل يصبح الفساد مشروعا حين يُجمع الناس عليه؟!
 
       ما نراه اليوم هو اجتماع الناس على باطل، إنها "جاهلية أخلاقية"، لا تجد من يتناولها بالبحث والدراسة، فالمنوط بهم القيام بذلك هم في طليعة قوى الفساد العاتية!
 
       أنا حاصل على درجة دكتوراه الفلسفة في العلوم السياسية، وليتني ما فعلت! ما نحصل عليه من شهادات مجرد أوراق، فاقدة للمعنى والقيمة، وإلا فكيف أفهم أن تضم أوساطنا التعليمية سماسرة وباعة ومرتزقة، ينخرون فيما تبقى من أطلال..
 
 تشعر وأنت ترقب أحدهم أنه نخاس، لا علم عنده ولا نخوة ولا مروءة.
 
       الفساد الشعبي ظاهرة ما أظنها وُجدت في غير حضارتنا، و لا أدري ما إذا كان بإمكان شعب فاسد أن يتمرد على نفسه! أغاني وكتابات مدح الذات، مُنتشرة بغزارة في ثقافتنا، وكتابات جلد الذات، ليست ضد فساد المجتمع، بل هي دون ذلك!
 
       أجواء الفساد الشعبي أفرزت وصايا تتوارثها الشعوب الفاسدة، تحض في مجملها على اللف والدوران وادعاء الغباء والفهلوة..إلى غير ذلك من أوحال. مجتمعاتنا أقرب لجحور فئران منها إلى تجمعات بشرية. ولشد ما تمنيت أن أعيش عيشة كريمة، وأن أنفض عن نفسي وصايا آبائي وجدودي [من يجبن يسلم]. لشد ما تمنيت أن أعيش بعيدا عن جاهلية أخلاقية، تُجرد الحياة من مغزاها، وتحيلها عبثا..
           


38
الوسطية والعملية والغائية

                                                                                                                              حازم خيري
 
            لحضارتنا الإسلامية خصائص عديدة، لعل أبرزها وأكثرها نفوذا في واقعنا المُعاش: [الوسطية، والعملية، والغائية]. دارسو حضارتنا في تناولهم لهذه الخصائص وفي تنقيبهم عن جذور آلامنا الحضارية، لا يتجاوز جهدهم التوقير الشديد لهذه الخصائص، أو على الأقل مُسالمتها، فضلا عن توجيه اللوم للأجيال، خاصة الحالية، من منطلق مسئوليتها عن عدم استثمار هذه الخصائص وإخفاقها في محاكاة ما جرى في صدر حضارتنا العتيقة، فاستعادة "يوتوبيا" السلف حُلم يُراود حتى أكثرنا تململا.
 
       دارسونا لم يجرؤوا – بعد - على التشريح النقدي لهذه الخصائص الراسخة، واختبار بنيتها الذاتية، حيث الاكتفاء بدراسة تأثيرها، وإدانة الفشل في استثمارها.
 
الوسطية مثلا – ومن النظرة الأولى، حال النظر النزيه والمنظم – تحمل في طياتها بذور مُعاداة التطرف، ولو كان خلاقا، رغم أن العبقرية في جوهرها تطرف، بمعنى الخروج عن المسار المجتمعي العام، على نحو غاية في الخصوبة والإلهام.
 
       مجتمعاتنا في ولعها بالحلول الأسهل والأكثر إضرارا بالمستقبل، يُزعجها كثيرا الخروج عن المألوف وارتياد آفاق غير مأهولة، مُوصدة بذلك الباب أمام الابتكار، المرغوب منه وغير المرغوب. المخاطرة والألم لا طاقة لمجتمعاتنا المُتعجلة بهما!
 
بيد أن الغريب هو تكالب مجتمعاتنا على استهلاك نتاج عبقرية المجتمعات الأخرى، دون أدنى وخز ضمير أو خجل، على خلفية قناعة كلاسيكية، مفادها أننا نمر بعصور انحطاط، بعد عصور ازدهار، فالنجاح عندنا يجب ما قبله! لا تتقبل مجتمعاتنا أن النجاح الذي لا ينطوي على مقومات الاستدامة أسوأ كثيرا من الفشل.
 
       مُعاداة التطرف، بتحالفها مع خصائص أخرى كالعملية والغائية..الخ، تُنتج مزيجا حضاريا آية في الخطورة، لا يدوم معه نجاح، ولا يُستفاد معه من فشل..!!
 
من هنا، فانه حتى لو عادت عصورنا الذهبية – وقد كانت ذهبية في بعض جوانبها وخربة في جوانب أخرى -، سرعان ما سيُصيبها العطب، فالوسطية والعملية والغائية، ذلك المزيج العبقري، سرعان ما يُطفئ بمائه شرارة التطرف الخلاق..
       
 فالمهم برأي كهنة هذا المزيج هو العيش..ولو كان أسوأ من الموت!
 
       ثمة حاجة ماسة لتخلى دارسي حضارتنا عن دأبهم في الاكتفاء بلوم الأجيال المُتعاقبة لتفريطها في ميراثها الحضاري! والتباكي على عصور ذهبية، تُستعاد حتما – من وجهة نظرهم –، بمزيد من الانحشار في خصائص حضارتنا والمسالمة التامة.
 
       ما نتصوره خلاصا، هو – وتلك هي المفارقة - مقتل حضارتنا الإسلامية.
 
   


39
في انتظار الانهيار العظيم

                                                                                                                                  حازم خيري
 
            حضارتنا الإسلامية، ومن باب أولى ثقافتنا العربية، لم تستفد كثيرا على ما يبدو من فكرة التنوير – بشقيه الإيديولوجي، والنقدي – ربما استنادا لكون الفكرة إحدى مكتسبات الحضارة الغربية، فضلا عن عدم اتساق الفكرة نفسها مع البنية الفكرية النقلية، والتفكير الفقهي/الغائي، وكذا الطابع العملي للحضارة الإسلامية..
 
       ما يزيد الأمر صعوبة مع حضارتنا هو عجزها المُزمن عن ابتكار مُعادل إسلامي لفكرة التنوير، يحفظ لحضارتنا كبريائها، ويمنحها القدرة على تحريك التاريخ وليس السير به! حضارتنا – على الأقل نظريا – في انتظار انهيار عظيم، كونها مُمزقة منذ قرون، بين ممانعة التنوير الغربي، وبين العجز عن ابتكار مُعادل له.
 
       هذا التمزق – برأيي – لن تتحمله حضارتنا كثيرا، خاصة في عصرنا الرقمي وما بعده! ستصل حضارتنا على الأرجح لوقت تجد نفسها غير قادرة على المُضي قدما في تحايلها الراهن على آلامها، والذي يتم من خلال العيش في حياتين. فشعوبنا لها حياة مُستترة، تتحلل خلالها من كافة – أو على الأقل معظم – مُسببات الألم الحضاري. وحياة أخرى علنية يميل الناس فيها للاتشاح بكل ما هو شائع ومألوف.
 
       هذه الازدواجية الحياتية قد تنجح، بل هي ناجحة حتى الآن، في تأجيل "الانهيار الحضاري العظيم"، على الأقل في حيواتنا الظاهرة، فثمة انهيار غير مرئي حاصل، ميدانه حيواتنا المستترة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت التململ والتمرد.
 
       أقول انهيار، كون ما يفعله الناس في مجتمعاتنا مجرد قهر عشوائي – وضبابي وانتقائي وغير مُعلن في أغلب الأحيان – لاغترابهم الثقافي، ففي حيواتنا المُستترة نفعل ما لا نفعله في حيواتنا الظاهرة، بل ونزيد الطين بله بأن نتشدد لحد المُزايدة في انتقاد ما يُفعل خفية، ونحيطه بسياج متين من السرية والحذر والتدين.
 
       ينطبق هذا أكثر ما ينطبق على المُكون الجنسي لحضارتنا - إلى جانب مكونات أخرى بالطبع -، ففي حيواتنا المُستترة مُتنفس قوي لهذا الصداع المُزمن.
 
       حضارتنا إذن، وعلى خلاف الحضارة الغربية، قادتها آلامها لتحايل وتمرد خفي، يتمترس ورائهما التواء الذكاء، وأمراض اجتماعية أخرى شديدة التعقد والتراكم، وهو ما يُنذر بحدوث ما سميته "الانهيار الحضاري العظيم"، ليس لعدم احترامي له، فالتمرد دوما موضع احترام وتقدير، وإنما فقط لطبيعته، فهو عشوائي وضبابي وانتقائي، بدأ في حيواتنا المُستترة ولسوف يزحف في اتجاه حيواتنا العلنية!
 
تصدع سرطاني غير مرئي، يعقبه انهيار مفاجئ وشامل للبناء الحضاري..
 
       
       
       



40
فكرة التمكين: بين الضرورة العملية والإضرار بالمستقبل

                                                                                                                              حازم خيري
 
"نحن قوم عمليون"
        د. عصام العريان
 
       لوم قاس يُوجه للإسلام السياسي، وفي القلب منه جماعة الإخوان المسلمين العريقة، لحرصهم الشديد على التمكين لأنصارهم في البيروقراطية المصرية. في حين أن الإسلاميين ليسوا أول من يأتي مثل هذا السلوك الضار، فقد سبقهم العسكر إلى هذا، عقب صعودهم إلى السلطة في مصر، على خلفية ثورة 23 يوليو 1952.
         
       التمكين يُعطى الأولوية للأنصار والمُريدين والأحبة، بغض النظر عن مدى الجدارة والاستحقاق، فهدفه – دائما - هو تحقيق السيطرة والتحكم، وضمان استدامة الحكومة، واجتثاث أنصار ومرتزقة الدولة الفاسدة الزائلة من الفضاء البيروقراطي.
 
       فكرة التمكين لا بأس بها، لولا أن نتيجتها الحتمية هي استبدال "آخرية" محلية - ربما أسوأ - بأخرى، دون تحرير لذات طال ليل اغترابها، ودون التأسيس لمجتمع العدالة والشفافية والخير العام والفرص المتساوية. ويزيد من بؤس فكرة التمكين امتزاجها بشوائب أخرى كالقرابة والمصالح الاقتصادية والمُشترك الإيديولوجي..
 
       بلادنا بحاجة ماسة لتجاوز فكرة التمكين البالية إلى أفكار أخرى خلاقة، تحقق الأهداف المشروعة للتمكين، وفي الوقت نفسه تعفى مجتمعاتنا من مخاطر التمكين وتداعياته غير المرغوبة، كما عانينا منها في ظل دولة العسكر، والتي امتد حكمها لعدة عقود، لم تسلم مجتمعاتنا خلالها من تداعيات العسكرة و"كله تمام يا أفندم"..
       تجاوز فكرة التمكين – إن هو حصل في بلادنا – خطوة جبارة على طريق تحرير مجتمعاتنا وتقويتها في مواجهة المستقبل. المشكلة أن التمكين هو دوما الحل الأسهل أمام الحكام الجُدد والدول الوليدة، رغم كونه الأكثر إضرارا بالمجتمعات.
 
نُريد مجتمعا حرا قادرا على الصمود والتماسك، بعيدا عن منطق القبلية، أقرب للحكم الرشيد والشفافية. التمكين وصفة "الآخر" لإفشال الدول، وإفساد المجتمعات.   
 
 



41
حصار الحياة: الإنسان في قارورة

                                               
     حازم خيري
 
"إن أخطر ما تهددنا به البيوتكنولوجيا المعاصرة
 هو احتمال أن تغير الطبيعة البشرية، ومن ثم تدفع
 بنا إلى مرحلة ما بعد البشرية من التاريخ"
                                        ف. فوكوياما

      لا مثيل لمجموعة من المفكرين المستقلين..مملوءة نفوسهم بالمعرفة والفضيلة، آتين من آفاق انسانية رحبة، من أجل تهيئة مجتمعاتهم لثورة فكرية دائمة، شرط أن تكون لديهم حرية التفكير في الزمن وليس واجب انتاج دراسات بشكل طاريء.
 
في حوار مع صديق لي، قابلته مصادفة في مترو الأنفاق ولم أكن قد رأيته منذ اندلاع ثورة 25 يناير، تطرق الحديث بيننا إلى كتاب للأمريكي فرانسيس فوكوياما، موضوعه البشرية وما يتهددها من مخاطر. وبينما نتبادل الحديث عقدت العزم على اقتناء الكتاب، اعتقادا منى في حداثة صدوره(!)، فقد لفتني كثيرا غموض وروعة تعبير "ما بعد البشري"، ووجدت فيه تحريضا لا يُقاوم على البحث والتأمل!
 
       لجأت كعادتي إلى الانترنت، وكم كانت دهشتي ـ وخجلي بالتأكيد ـ أن ترجمة كتاب فوكوياما موجودة في مكتبتي، بعنوان: نهاية الإنسان: عواقب الثورة البيوتكنولوجية. سعدت جدا بالأمر، خاصة وأن للمترجم القدير أحمد مستجير تراجم أخرى عديدة في الحقل المعرفي نفسه، لعل أبرزها ترجمته المعنونة: الجينوم البشري: القضايا العلمية والاجتماعية، وهي تعالج مشروع الجينوم البشري من مختلف جوانبه النظرية والعلمية والقانونية والأخلاقية، في تغطية رائعة من مقالات اشترك في كتابتها عدد من الشخصيات العلمية أمثال: جيمس واطسون، ووالتر جيلبرت..
       خطورة مثل هذه الكنوز المُترجمة أنها تُعرفنا بموضوع غاية في الأهمية للمستقبل، فمشروع الجينوم البشري يهدف إلى فك الشفرة الوراثية للإنسان، من خلال سعي دءوب إلى تحديد هوية تلك الجينات التي تحدد خصائصنا وأمراضنا، وتجعلنا بشرا. التكنولوجيا الحيوية قادرة على "حصار" مسار حياة الإنسان في القرن القادم.
               
هذه المقالة لم أكتبها بالطبع لفضح تقصيري في حق المعرفة فحسب، وإنما أيضا لعرض ما تداعى لذهني من أفكار، على خلفية هذا التقصير، كموضوع نقل المعارف المختلفة إلى لغتنا الأم، وما يتطلبه من ضخ أموال وجهود ضخمة، لترجمة تراث ومستحدثات الفكر الإنساني، وإخراج ثمار هذه العملية في طبعات لائقة، ونشرها بأسعار معقولة على أوسع نطاق. الترجمة مهمة ليس فقط لأنها تنقل إلينا معارف شتى من مجتمعات لها السبق، ولكن لأنها تمكننا من فهم تلك المجتمعات وآلية التفكير والحياة فيها، فما يحدث عندنا ليس مرده تفاعلات داخلية فقط كما نتوهم.
 
 ثمة حصار لابد من كسره..
 
       العاملون بالحقل الأكاديمي في بلادنا، قد لا يكون بمقدور غالبيتهم إضافة الكثير إلى ثرواتنا المعرفية، فلماذا لا نستفيد منهم في الترجمة، كل في تخصصه، بل ونشترط ذلك في ترقياتهم وإجازاتهم العلمية، خاصة أولئك الذين يذهبون في بعثات.
 
       العالم الغربي يعيش ربيعا ثوريا حقيقيا، لا كربيعنا العربي، سيل الثورات عندهم لا ينقطع، كل يوم هناك الجديد. من هنا، لابد لنا من إيجاد وسائل مبتكرة  لحماية مبعوثينا من الانبهار بالغرب وتمكينهم من تجاوز لين المدح والانبهار إلى خشونة النقد الأنسني، فضلا عن واجبنا في تبصيرهم بعواقب الانحشار في ميراثهم الحضاري.
 
نعلمهم أن يتخذوا من معارفهم أيا كان مصدرها تكأة للوثوب نحو المستقبل.
 
       وجود مناخ فكرى قابل للاشتعال، قد لا يتحقق بالضرورة مع تدفق كل هذا الكم المُستهدف من الترجمات لروائع العالم ومستحدثات الفكر الإنساني، فهناك أمور أخرى لابد من توافرها، كالدوريات والمجلات الفكرية والعلمية. فضاؤنا الثقافي يعاني من فقر مدقع في هذه النوعية من المجلات والدوريات والتي يخضع أغلب المتاح منها لاعتبارات ما أنزل الله بها من سلطان، فمن يشترط الشهرة والأسماء اللامعة في مجتمعات واهنة، ومن يشترط  الوساطة والمحسوبية، ومن يطلب مالا يُطلب لاعتبارات الترقيات الأكاديمية..إلى غير ذلك من مُفسدات الفعل الإبداعي.
       
لابد أيضا من توافر دور نشر حقيقية، أعني صاحبة رسالة، وليست سوبر ماركت، لا تغالي في ثمن بيع الكتاب، ولا تفرط في مستوى لائق من جودة الطباعة ووضوحها. في مجتمعات كمجتمعاتنا لابد من آلية مبتكرة يتم من خلالها حماية القارئ، ليس من الأفكار كما قد يظن الحمقى، لكن من رداءة عملية النشر والتوزيع.
       
       وجود مناخ فكرى قابل للاشتعال، قد لا يتحقق أيضا مع توافر كل هذا، فهناك الكثير مما يلزم عمله! لا أدرى، قد يتطلب الأمر إعلانا صريحا ل"نكبة" مجتمعاتنا فكريا!
       
ذائقة الإبداع متعددة الوجوه، كما أنها أكثر من مجموع مكوناتها


42
ثورة فكرية: بيدي لا بيد عمرو

                                                                                                                                          حازم خيري
 
"إن اختراع التقاليد أضحى
 تجارة رائجة تفوق كل تصور"
                   ادوارد سعيد
 
من يعلم؟! ربما يكون ربيعنا العربي مُقدمة "غير واعية"، لثورة فكرية، لم تتضح معالمها بعد، تتفجر مستقبلا تحت أقدامنا في العالم العربي، بل في الحضارة الإسلامية بكليتها، وتجعل ما يحل بمجتمعاتنا المارقة ـ من جهة رفضها للحقائق غير المريحة ومبالغتها في تأكيد الحقائق المريحة ـ أشبه بهزائم تُشرب في آنية النصر. 
 
المفكر الراحل عبد الله عزام يقول في كتابه "في خضم المعركة": "..كل مبدأ من المبادئ لابد له من طليعة تحمله، وتتحمل وهي تشق طريقها إلى المجتمع تكاليف غالية وتضحيات باهظة، وما من عقيدة من العقائد أرضية كانت أو سماوية إلا واحتاجت إلى هذه الطليعة التي تبذل في سبيل نصرة عقيدتها كل ما تملك، وتتحمل لأواء الطريق الصعب الطويل حتى تصل إلى إقرارها في واقع الحياة إذا كتب الله لها التمكين والظهور، وهذه الطليعة تمثل، القاعدة الصلبة للمجتمع المأمول"(1).
 
كلمات هادرة، تدعونا للتساؤل عما إذا كانت مجتمعاتنا والتي تشهد صعودا إسلاميا رسميا، تملك مثل هذه القاعدة الضرورية للانطلاق نحو أحلامنا الثورية؟
 
قد تكون الإجابة مخيبة لآمال شبابنا الثائر، لكنها حق لا سبيل للتنكر له!
 
فأولئك الذين يملكون مثل هذه القاعدة اليوم هم: قوى الإسلام السياسي، فضلا عن قوى السوق الكونية، وفي طليعتها الولايات المتحدة الأمريكية. وهو ما يفسر في جانب منه، الصدام الدموي بين الراحل بن لادن ورفاقه، وبين الولايات المتحدة.
"كلام حلو..بس نبتدي منين؟"، عبارة لقائد إحدى الحركات الشبابية الثورية في بلادي، ردا على اقتراح اُلقي أمامه عن إمكانية الاستفادة من الشحنة الثورية لحركته اللاعنفية في تدشين ثورة ثقافية، تذهب بشعوبنا، خاصة شبابنا، إلى آفاق أرحب.
 
الثورات الفكرية وعلى خلاف نظيرتها السياسية والعسكرية، إنما تستند لفائض معرفة وليس فائض غضب فحسب. الحالمون بتثوير مجتمعاتهم فكريا لابد لهم من:
 
[1] صفوة فاضلة تُقاتل على الخطوط الأمامية للمعرفة، وتوافي شعوبها بالحقائق، المريح منها وغير المريح. وأيضا تحرص على مقاومة بلوغ الحياة العامة مرحلة يتحول فيها الفكر إلى سلعة! [2] لغة "تنويرية ـ لا مجرد وسيلة لتسويق سلعة ـ"، خاصة ونحن نعيش في عصر بدأت فيه لغة الصورة الجور على الأبجديات المُتعارف عليها، ربما على نحو غير مسبوق. [3] ضمائر حرة قادرة على تعفف جاذبية التكنولوجيا وعدم إدمانها ـ لاسيما في عصرنا الرقمي(2) ـ، إضافة إلى قدرتها على احتضان تخمير ثوري حقيقي، بعيدا عن ثورات اللاوعي العولمية.
 
قوى الإسلام السياسي ـ بروافدها المتنوعة ـ، ربما لا يكون لديها المزيد من الزخم الفكري لضخه في حضارتنا، الأرجح أن قواها قد استُنزفت إبان كفاحها المرير والشجاع ضد دولة العسكر، فكم من نبلاء أزهقت أرواحهم، من غير ذنب أو جرم!
 
هذا إلى جانب التفكير الفقهي[وطبيعته المصلحية/الغائية]، لهذه القوى الطموحة، ولا أقصد هنا التهوين، وإنما توضيح الارتباط بالشئون الحياتية اليومية.
 
ولننظر حرص حكامنا الجُدد على قطف ثمار الحضارة الغربية، واستسهالهم التذرع بمقتضيات الضرورة العملية، بعيدا عن أسطورة النقاء الحضاري وغيرها.
 
أما قوى السوق الكونية، فالأمر معها جد مختلف! والمقارنة بينها وبين قوى الإسلام السياسي غير واردة، فعدم التكافؤ هائل لا يحتاج لإقامة الدليل عليه. ما أود التأكيد عليه هو امتلاك الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها لقاعدة صلبة ـ بتعبير عزام ـ، تُرجح قدرتهم الفائقة على فرض مشيئتهم الذكية/المُبرمجة على بقية شعوب الأرض، في اتجاه الاستهلاكية والخضوع للسيادة الناعمة لقوى السوق الكونية.
 
والسؤال: هل ثمة إمكانية "محلية" لتثوير مجتمعاتنا فكريا في عصر العولمة؟
 
نعم، ثمة إمكانية، لكنها تظل مرهونة بأمور[من قبيل: صفوة فاضلة، لغة تنويرية، ضمائر حرة]، تحتاج هي نفسها لجهد تنويري نقدي جبار ـ من جهة التفكير الفلسفي(3) ـ، يزيد من صعوبته "محنة التنوير"، التي تلقي بظلالها على العالم بأسره(4)، خاصة الولايات المتحدة، منذ تحول مركز ثقل الحضارة الغربية إليها..
 
لا أعظم..ولا أخطر..من النضال تحت راية أحلامنا الثورية!!

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
(1)            الاقتباس نقلا عن هذا المصدر: جاسون بيرك، "ما هي القاعدة؟ إعادة رواية القصة من الداخل، في جاسون بيرك(وآخرين)، بدون مترجم، ظاهرة بن لادن..لماذا ينتشر فكر القاعدة في المنطقة العربية؟، (القاهرة: المركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية، سلسلة ترجمات، العدد 2 ـ السنة الأولى، فبراير 2005)، ص 7.
(2)            علمت مؤخرا أنه قد صدر كتاب مهم لجارد كوهين وزميل له في جوجل. الكتاب بعنوان: العصر الرقمي الجديد، يناقش على ما يبدو من اسمه تطبيقات الطوفان الرقمي، وليته يجد من يتصدى لنقله للعربية.
(3)            الجهود المبذولة مستقبلا ستأتي استكمالا لجهود تنويريين عظام أمثال ادوارد سعيد، ومحمد أركون، وعبد الرحمن بدوي، ..
(4)            عن محنة التنوير يقول هوركهايمر & أدورنو في كتابهما القيم "جدل التنوير"، الصادر في 1947، ما نصه: "كانت المفارقة التي وجدنا أنفسنا بمواجهتها طيلة مسيرة عملنا، وهي ما توجب علينا تحليله في المقام الأول هي: تدمير العقل التنويري لنفسه، لم يكن لدينا أدني شك أن الحرية في المجتمع لا انفصال لها عن الفكر المتنور. كانت هذه نقطة انطلاقنا الأولى. بل لقد كان علينا أن ندرك وبوضوح أن مفهوم هذا الفكر، ناهيك عن الأشكال التاريخية العينية، ومؤسسات المجتمع التي يتواجد فيها هذا الفكر، إنما تنطوي على بذرة هذا التراجع الذي نعانيه في أيامنا في كل مكان. والتنوير إن لم يبادر بعمل تفكيري يطال هذه اللحظة من التراجع، فهو كمن يقوم بترسيخ قدره الخاص". للمزيد عن محنة التنوير راجع: ماكس هوركهايمر & ثيودور ف. أدورنو، ترجمة جورج كتورة، جدل التنوير ـ شذرات فلسفية، (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2006).





43


نحن والقرن ال21: ما بين الحقائق المريحة وغير المريحة

                                                                                                                                      حازم خيري
"الشريعة أسلوب حياة"
 عبارة كتبها ناشط على جدار بميدان التحرير
 
1.   الإسلام أسلوب حياة، فهو دين شامل، يغطي كل شئون الإنسان والمجتمع.
 
2.   في الإسلام تصعب محاكاة ما يأتيه الغربيون[خاصة الأوروبيين] مع دياناتهم، من  تمييز صارم بين ما هو ديني مقدس بمعزل عن الثقافة[كما في المسيحية]، وبين ما هو ثقافي[بحسب التعريف الانثروبولوجي للثقافة بأنها طريقة حياة].
 
3.    السلفية، وكما نراها اليوم بتشظيها غير المنظم، هي رد فعل تلقائي على التلاشي التدريجي للنفوذ الإسلامي من فضاءات ثقافية، لصالح ثمار الحضارة الغربية[الليبرالية، الشيوعية، الدولة الوستفالية، ما بعد(يات) الحداثة ..الخ].
 
4.   ما يعتبره الغربيون تطرفا/إرهابا هو على الأرجح السلفية في أعنف أطيافها رفضا[من الناحيتين النظرية & العملية] لكل ما ألم بكبريائنا الجريحة، على خلفية فقدان حضارتنا لاستقلالها، وتحريض ضعفها الغرب على الثأر منها.
 
5.   الغرب لا يمل الثأر من حضارتنا الهرمة! الغرب، ومن خلفه قوى السوق الكونية، يُراهن اليوم[جبرا لا اختيارا] على السلفية الناعمة/اللاعنفية، سعيا ليس فقط وراء قتل غدها وغد حضارتنا، وإنما أيضا لتجفيف منابع نظيرتها الخشنة/العنفية، والتي تتحمل ـ في رأي العالم الغربي ـ مسئولية هجمات الحادي عشر من سبتمبر[شديدة الدموية]، ضد عاصمة قوي السوق الكونية.
 
6.   في عدم ممانعته لما يحدث من صعود إسلامي، ليس الغرب بغافل عن مصلحته، بل هو يستند في تغييره لقواعد اللعبة معنا، لحزمة من القناعات:
•       إمكانية الفصل بين المقدس والثقافي: يعتقد الغربيون في إمكانية التمييز الصارم بين ما هو ديني مقدس بمعزل عن الثقافة[والذي يقول مفكروهم بوهنه في الإسلام، نظرا لعدم وجود كهنوت أو بركات تُمنح] وبين ما هو ثقافي[والذي يرونه في الإسلام مفتوحا على الحاضر، ومن ثم لديه قابلية للقصف الناعم، على نحو ما يعاني ربيعنا الاصطناعي، من مصطلحات كالديمقراطية والصندوق والقيادة اللامركزية و(الإدارة بـ)الأزمة ..الخ، تجري بسخاء وفخر(!!)، حتى على ألسنة بعض أطياف السلفية الخشنة].
 
•       تشبع الصعود الإسلامي بروح حربية: قناعة الغرب راسخة بتشبع الإسلام في صعوده الأول بروح حربية، امتزجت فيها القوة الخشنة بالقوة الناعمة، على نحو دافق ومُباغت، وأنه ليس لسيل كهذا أن يضرب العالم ثانية، لما تشهده مصادر القوة من تحول لامتخيل، يصعب معه جسر لاتكافؤ القوى.
 
•       ولع مجتمعاتنا بقطف الثمار: الغرب يعي ما يميز مجتمعاتنا من ولع بقطف الثمار، دون الانشغال بفحص نزيه ومنظم لتربة الغير وطرائق الغرس(1).
 
•       توقع فك شفرة المقدس: في عصر المعرفة وثورة الاتصالات يستعر لهاث الغرب على شفا المقدس، في محاولة لفك شفرته، عبر توظيف غير مسبوق للعالم الافتراضي! وعليه، ثمة توقع غربي لظهور أشكال جديدة من التدين[كالأديان الافتراضية، بما في ذلك ضمن سياقات الأديان السماوية كالإسلام]!! من منطلق أنه، وكما يستنطقون التاريخ، كلما سهلت الاتصالات بات من السهل تغير أساليب حياة البشر. ولظنهم أن حضارتنا والتي هي حضارة الوسطية والضرورة العملية، إنما تدور مع المصلحة.
 
7.   مُحدثات الحياة لا قبل للتطرف بمسايرتها، ولسوف يُدركه الانزواء عاجلا أم آجلا. أما السلفية الناعمة/اللاعنفية والتي هي بحق الوجه[ربما الوحيد الحي] لحضارتنا اليوم، فإنها ليست هي من تضع قواعد اللعبة الدولية الجديدة، رغما عن براعتها الراهنة في توظيف قواعد اللعبة لصالحها، على نحو ما فعل الآباء المؤسسون لدولة العسكر من قبل. السلفية تُلحق أشد الضرر بنفسها وبحضارتنا(2)، إن هي توهمت أو سمحت للوسواس الغربي أن يُوهمها خلاف ذلك. دأب الغرب معنا هو التدمير بالمدح ودأبنا مع هداياه المفُخخة أن تُقبل.
 
8.   السلفية الناعمة مُعرضة بقوة، ربما أكثر من أي وقت مضى في مسيرتنا الحضارية، لمخاطر ارتخاء القبضة وانحسار النفوذ واستبدال مجتمعاتنا بمقولاتها وقيمها[حتى في أكثر المسائل مُراوغة ورسوخا في ذهنية مجتمعاتنا، كعلاقة الذكر والأنثى]، مقولات وقيم العولمة الاستهلاكية، أو حتى ما بعدها!
 
9.   من هنا، لا بديل برأيي أمام السلفية الناعمة ـ ترميما لتخوم سيادتنا الناعمة، وتفويتا للفرصة على قتلة الحضارات ـ، سوى التعايش الخلاق مع التفكير النقدي[ثقافة اللامصلحة واللاخوف]، كوجه ثان واعد لحضارتنا، يبحث عن موطيء قدم. فهو وإن كان خشن الطبع، أجش الصوت، إلا أنه وعلى خلاف عموم فضاءنا الثقافي، لا يشتغل ببناء الإجماع، كونه يتبع الحقائق لا الحياة!
 
10.    تجربتنا الحضارية نتعلم منها أن النهضة ليست غاية في ذاتها، بل بالأحرى هي وسيلة لتأكيد عدم حقارة منحة الحياة، وقدرتنا على أن نعيش حلمنا، لا حلم غيرنا. لأنه يُوشك أن ينهار تحت أنقاض التاريخ من يركن لاستسهال ولين.
 
11.    لا نهضة حضارية لمجتمع دون تنوع في طرائق تفكير، تنبثق النفوس الحرة من شموسها. الحضارة لوحة فنية، تزداد جمالا وروعة، كلما تباينت ألوانها.
 
12.    لذا فان التكنولوجيا التى يفخر مفكرونا وساستنا بامتلاك طلائع الربيع العربي لناصية تشغيلها مهما بلغت قوة تأثيرها لا يمكن ان تحقق الغرض منها دون تثوير وتزخيم طرائق تفكيرنا ونظمنا التربوية، لتُبعث حية في شكل يتلاءم مع آفاق حرية الغد المسئولة. المخاطرة والألم بذار قوة القرن ال21 الذكية(3).
 
ــــــــــــــــ
(1) في قصة قصيرة اسمها[الدمية وراء الستار] للقاص الايراني صادق هدايت، نجد المعنى نفسه. يحكي هدايت عن: "..شاب إيراني شديد الجدية والنشاط يمضي الى فرنسا لتعلم اللغة والثقافة الفرنسية فيتحول إلى مثل رائع لزملائه في الإقبال على التعلم وإتباع النظام حتى الكمال. لكن رغم انه يتقن الفرنسية بسرعة لا يتمكن من فهم العالم الثقافي لتلك اللغة، كما أنه لا يتمكن من التواصل مع المجتمع فيبقى وحيدا مع كتبه وكتاباته بدون علائق إنسانية أو ثقافية. وينتهي زمن دراسته ويريد العودة إلى إيران فتسحره في احد الأيام دمية في واجهة أحد المحلات بعينيها الزرقاوين الساطعتين، وبضحكة بدت له جذابة في غموضها. ويزيد من إعجابه بها انها ترتدي لباسا فستقي الخضرة. هكذا يسارع الى شرائها ويحضرها معه إلى إيران. واللباس الفستقي الخضرة يؤدي وظيفة معينة ذلك أنه يوهم أنه يكفى ان تلبس الأوروبية لباسا إيرانيا حتى تصبح إيرانية. وفي هذا الرمز البسيط عن الثوب الفستقي الخضرة بشير صادق هدايت إلى الميكانيكية البسيطة للتحديث في إيران في عهد رضا شاه
"في إيران كانت تنتظره ابنة عمه، المخطوبة عليه منذ ما قبل السفر لكنه لم يكن يشعر بها بسبب انصرافه للدمية التي وضعها في غرفته وراء ستار كان يزيله عندما يريد رؤيتها فينظر إليها بإعجاب ويعانقها ويقبلها ثم يعيدها الى مكانها ويقفل الستارة. وشقيت ابنة العم بهذا الاهتمام الشاذ بالدمية، فرأت أن عليها لكي تستعيد ابن عنها ان تُشبه تلك الدمية التي تحظى بإعجابه. هكذا تبدأ بالتدرب على اللباس مثل الدمية والحركة والضحك مثلها بحيث بدأ الشاب المضطرب يتشكك ويتردد في التفريق بينهما. وفي إدراك متأخر بعض الشيء لمشكلته يقرر الشاب التخلص من الدمية فيحضر مسدسه ويدخل إلى الغرفة ويرفع الستارة، ويشاهد الدمية مقبلة عليه ضاحكة فيطلق النار ويصيب: ابنة عمه."!! 
نقلا عن: دوروتيا كرافولسكي، الغرب وإيران: دراسات في التاريخ والأدب من المنظور الأيديولوجي، (بيروت: دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع، 1993)، 264-266.
(2) ثمة عبارة ذكية ينبه فيها غاندي لخطر الوهم بقوله: "إن للإيحاء قوة جبارة تنتهي بالمرء آخر الأمر إلى أن يصبح كما يتوهم نفسه".
(3) "القوة الناعمة هي القدرة على التوصل إلى الغاية المطلوبة من خلال جذب الآخرين، وليس باللجوء إلى التهديد أو الجزاء. وهذه القوة تعتمد على الثقافة، والمبادئ السياسية، والسياسات المتبعة. وإذا تمكنت من إقناع الآخرين بأن يريدوا ما تريد، فلن تضطر إلى إنفاق الكثير بتطبيق مبدأ العصا والجزرة لتحريك الآخرين في الاتجاه الذي يحقق مصالحك.
"أما القوة العاتية[الخشنة ـ ح.خ]، التي تعتمد على الإكراه، فهي تُستمد من القوة العسكرية والاقتصادية. وتظل لهذه القوة أهميتها الحاسمة في عالم عامر بدول تهدد الآخرين، ويعج بالمنظمات الإرهابية. لكن القوة الناعمة ستكسب المزيد من الأهمية في منع الإرهابيين من تجنيد أنصار جدد، وفي تحقيق التعاون الدولي الضروري لمواجهة الإرهاب.
"إذا كان لأميركا أن تنتصر في تلك الحرب، فيتعين على قادتها أن يعملوا على تحسين أدائهم في الجمع بين القوة العاتية والقوة الناعمة فيما يمكن أن نسميه بالقوة الذكية.".
راجع: جوزيف ناي، "القوة الناعمة والكفاح ضد الإرهاب"، 21 أبريل 2004، http://www.project-syndicate.org/commentary/soft-power-and-the-struggle-against-terrorism/arabic




44


فكر الغد:
ثقافة اللامصلحة واللاخوف
                                                                                                                                حازم خيري
"الربيع فصل الغرس"
            بوريس باسترناك
 
أشعر وكأن بلدان الربيع العربي جريح يئن، وكما أن الكيان الحي يفرز أجساما مضادة لمقاومة التلوث الذي تسببه الجروح أو البكتريا، أتمنى أن يكون الفكر الأنسني هو إفراز بلداننا الحبيبة لحماية نفسها في مواجهة وعي أبنائها المهزوم..
 
قرأت يوما قول شكسبير ـ شعرا ـ إنه إذا المرء أطلق سهما فحدث أن غاب عن ناظريه ولم يدر له موضعا، فما عليه إلا أن يعيد الكرة مع سهم آخر، يطلقه من نفس المكان في نفس الاتجاه بنفس القوة، حتى إذا علم موضع سقوطه، وجد الأول!
 
ميزة كبرى يتيحها الفكر الأنسني لمجتمعاتنا وهي تمكينه رُماتها، أعني مفكريها، من إعادة الكرة من نقطة ما قبل التيه، لأنه وكما احتكم أسلافنا لما بداخلهم، واهتدوا للحقائق بضمائرهم الحرة، لزاما علينا أن نحاكي جرأتهم في طلب الحقيقة!
 
لا يعني هذا بالطبع أن تُمحى ذاكرتنا، فالذاكرة لا تُمحى وإنما يُعاد بناؤها..
 
       مشكلة أبناء مجتمعاتنا أنهم يتبعون الحياة لا الحقائق، يسوقهم التاريخ ولا يسوقونه، وإلا فكيف نفسر مرض المسالمة وقد استأسد على صوت الحقيقة الأجش! وأيضا، كيف نفسر ما نستشعره جميعا من غرق ما بداخلنا ـ أعني الإنسان الداخلي، على تعبير عالم النفس الأمريكي الشهير سكينر ـ، في دوامة المصلحة والخوف.
 
الإنسان مؤهل لأن يُبدع الحياة باستمرار، وانه لحق على الذين يوهبون بسخاء أن يؤدوا واجباتهم بسخاء(1)! الإنسان يملك بين يديه الفانيتين القدرة على بعث الحياة!
استدامة الربيع العربي على المحك! يقلقني كثيرا أن أرى قبلات الامتنان تغطي يد الجلاد!! يقلقني أن أرى الوعي المهزوم يرفل في غلائل العزة والنصر!
 
 يقلقني أيضا أن ما بداخلنا سجين ونحن حراسه، مدى أعمارنا القصيرة! يقلقني جهلنا بأنه كلما اسلم الإنسان قياده للحياة ابتعد حتما عن الحقائق..عن الخير!
 
ولمن يقول: ليست بلادنا وحدها من تقتل "ما بداخلنا/الإنسان الداخلي"، وأننا نعيش في عصر ما بعد الحداثة ـ عصر الصورة/الفيديولوجي ـ، بكل استهلاكيته.
 
أقول: الغربيون، وربما أبناء حضارات أخرى، قد يحتملون هذه "الموضة"، لكن مجتمعاتنا لا أظنها تتحمل! ليس لدينا صفوة فاضلة تناضل على الخطوط الأمامية للمعرفة وتوافي رعاعنا الذكية من مستخدمي مستحدثات العصر بالمعرفة والفضيلة!
 
ليس لدينا رصيد معرفي غير مشوش، نستعين به على الحصار الناعم المضروب! فثمة نقص يتكشف جيلا بعد جيل، وهو افتقاد شخصيتنا الحضارية لتربة صالحة لنمو الحرية المسئولة على نحو تلقائي!! وهو ما يعني تضورنا لأن نُحسن البدايات! تضورنا لأن نجاهد في تعليم نقدي يسد هذا النقص ويدرأ مخاطر استدامته.
 
لا نريد لتجربة الإسلام السياسي التي تعود إليها مجتمعاتنا اليوم بنهم أن تفشل، لأنها ربما تكون الفرصة الأخيرة للبقاء أمام حضارتنا ـ حضارة الضرورة العملية ـ! فشل تجربة الإسلام السياسي يصبح محتوما للأسف الشديد، إن هي لم تسمح بفك الارتباط التاريخي بينها وبين تقزيم الوعي وتغييب الحرية المسئولة! الغرب، ومن خلفه قوى السوق الكونية، يدفع بقوة وهستيرية في اتجاه تقوية هذا الارتباط المشئوم، كما وسوس ـ هو نفسه ـ من قبل في صدور حكام دولة العسكر[1945 – 2001].
تحرير الإنسان الداخلي وليس قتله هو الواجب
ــــــــــــــــ
(1)            العبارة للرئيس الأمريكي الراحل جون كنيدي



45


زمن الفن الجميل:
حين تطأ الفن أقدام الهمج!

                                                                                                                                    حازم خيري
 
"كان زمن صعب قوي،
 الكل خاف..أنا نفسي خُفت"
              أحمد رمزي(1)

               
            أذكر أن الأستاذ سعيد فاضل ـ وهو شاب مصري شديد الحماس لثورة 25 يناير المجيدة، ومشارك قوي فيها ـ دعاني أثناء تأجج الثورة إلى أمسية أقامها زملاؤه في حركة 6 أبريل، في ميدان التحرير التاريخي، ضمن الفعاليات الثورية.
 
       وأذكر أيضا أنني سعدت جدا بالدعوة، وحرصت على تلبيتها، خاصة عندما حدثني سعيد عن جرافيتي [رسومات أو أحرف يتم وضعها على مكان عام ظاهر مثل الجدران]، يعتزم زملاؤه في الحركة تنفيذه، تعبيرا عن ثوريتهم وأحلامهم لبلدهم، إلى جانب عرض مسرحي بسيط، على غرار ما يسميه الغربيون "مسرح الشارع" .. 
 
       في الموعد المحدد، ذهبت بصحبة الابريلي سعيد ـ كما يحلو لسعيد وصف نفسه بافتخار ـ إلى ميدان التحرير. وفي موقع الجرافيتي، هناك في أحد أركان الميدان الثائر، استقبله أصدقاؤه بترحاب وحماس. تعرفت على بعضهم، وراقني كثيرا ذلك الشلال المتدفق من ثورة الشباب، لولا وفرة من "لاوعي" تألمت لها كثيرا.
 
       المهم، لاحظت أمام الجدارية فريقين من الشباب، انشغل أعضاء الفريق الأول في الرسم والتلوين، بينما الفريق الآخر يحمل لهم أجهزة كمبيوتر محمولة، على شاشتها يوجد نفس الرسم الذي انخرط الفريق الأول في نقله على الجدارية بنهم.
       باستفساري عن الأمر، قيل لي أن رسومات الكمبيوتر المحمول والتي يتم نسخها على الجدار، هي لفنان موهوب اسمه كارلوس لاتروف(2)، عادة ما يتولى الرسم، بينما يقتصر وهو ما رأيته بنفسي دور الفنانين التشكيليين ـ هكذا يسمي شباب الرسامين أنفسهم ـ، على نسخها بصورة حرفية، لكن بأحجام تلاءم الجدار!
 
       فور انتهاء الشباب من جداريتهم الثورية بألوانها الزاهية، رأيتهم يمطرونها بكاميرات الفيديو والمحمول وغيرها من مستحدثات العولمة، ثم بدأ العرض المسرحي، ولفتني كثيرا أنه مشحون بمرارة الشكوى من همجية دولة العسكر، أو بعبارة أدق من فساد مبارك وعصابته، وما أورثانا إياه من آلام، أقسم الشباب على محوها. الممثلون أفاضوا في وصف المشكلات والاحتياجات، وتغنوا بهما على نحو جميل وحماسي. لفتني أيضا أن "الدُف" كان يُستخدم بوفرة، إلى جانب "الدي جيه" أحيانا، خاصة في الأغنيات الثورية، وفي طليعتها أغاني "الألتراس" شديدة البهجة.
 
       أذكر أيضا أن أحد الشباب سألني عن رأيي في العرض، فأخذت أحدثه بحماس بالغ عن ضرورة تخليد ثورتنا فنيا. بادرني الشاب قائلا: هذا عين ما نفعله، وها أنت ترى! فأجبته أن خلود العمل الفني مشروط بارتباطه بأفكار إنسانية سامية ومجردة، على نحو يتجاوز فيه المُبدع الارتباط المباشر والسهل باللحظة، على روعتها وجلالها. أخبرته أن ما رأيته في العرض ـ على عظمته وثوريته ـ محكوم حتما بالفناء، كونه مجرد شكوى وهجاء، ليس لأحداث فحسب وإنما أيضا لأسماء بعينها.
 
       وكما هو متوقع، لم يستسغ سائلي آرائي، حتى أني أشفقت عليه من إحباط غطى وجهه، ربما لتجاوزي طراوة الانبهار والمدح إلى خشونة النقد الأنسني! خاصة وأنه بدا واضحا أن لقدرة لاتروف على التعبير عما يجيش في صدور الشباب من ثورية، صدى طيب في نفوسهم. وصفه أحدهم أمامي بأنه يرسم، وكأنه واحد منهم، يعيش بينهم. إلى هنا انتهت زيارتي إلى فعالية شباب 6 أبريل الثورية في التحرير.
       والآن، وبعد أن انتهت فعاليات ثورة 25 يناير المجيدة، وبعد أن طمست يد المصلحة والخوف جدارية التحرير وغيرها ـ واللاتي هن قابلات أصلا للفناء بفعل تواضع خاماتهن ـ، وبعد أن أوشكت دولة العسكر على الزوال من الوجود، أراني أتساءل: هل كارلوس لاتروف ومسرح الشارع "الاثاري/اللاتنويري"..وغير ذلك من مظاهر إفلاسنا الفني، هل استهلاكية فنية كهذه هي حصاد زمن الفن الجميل؟!
 
       أغلب الظن أن الأمر كذلك.."زمن الفن الجميل" محض أكذوبة كبرى من نسج بُناة الوهم، وتجرؤ وقح على المعرفة والفضيلة. إذ كيف لنبتة الفن أن تنبثق في بيئة مُلطخة بعار القهر؟!...كيف لورود الإبداع أن تتفتح في غيبة المعرفة والفضيلة ؟!
 
       تحضرني هنا كلمات أدلى بها الفنان الراحل أحمد رمزي للتلفزيون المصري، وكان قد جاوز الثمانين من عمره، حين أخذ يحكي للمذيعة في مرارة عن زمن الفن الجميل وما صاحبه من ترويع لأهل الرأي والإبداع، وبخاصة إجبار بعض شهيرات الفن المصري على احتراف البغاء، وتصفية بعضهن أيضا، خدمة لمصر والعروبة!
 
       ثمة شبكة شيطانية على ما يبدو، نسج حكام دولة العسكر خيوطها ببراعة، أوقعت الكثير من المفكرين ومشاهير الفن! وإلا ففيما هذا الصمت المدوي والتعامي عن هذه المخازي وغيرها، بل والاستماتة على طمس الوجه المظلم للزمن الجميل.
       
       نجيب سرور مثلا، ذلك الفنان الأكاديمي الثائر(3)، كان ممن أخطأته شباك العسكر. من هنا تواطأ "أعداء الحياة" من غير العسكر على إذلاله وسحق آدميته!
 
       دلوني بالله عليكم..ماذا يبقى لزمن الفن الجميل عندما نعرف من شهادة اعتماد خورشيد أن الزوج ـ أحمد خورشيد(4) ـ الذي اغتصبت زوجته جهارا وهي حامل وأجبر على أن يطلقها، ناهيك عن إجباره على أن يشهد على عقد زواجها من صلاح نصر، لم يتركه الهمج إلا بعد أن استدعوه من بيروت، وكان قد فر إليها بعاره، وسلموه عربون فيلم "الشيماء"، وأمروه بأن يظل في مصر، إعداما لمروءته.
 
       ماذا يبقى لزمن الفن الجميل عندما نعرف أن القوادة (س.ق) ـ والتي لطالما اعتمد عليها الهمج في تجنيد حرائر مصر ـ هي مؤلفة لكتب إسلامية(منها: كتاب مساجد ودول)، وروايات تحول بعضها لأفلام سينمائية(منها: فيلم رابعة العدوية)؟!
 
       ماذا يبقى لزمن الفن الجميل عندما تخبرنا اعتماد خورشيد في شهادتها على انحرافات صفوت الشريف، عما لقيه المبدع المصري صالح مرسي من كرم صفوت الشريف، لقاء تراجعه عن فكرة تأليف كتاب عن قصة اعتماد مع نصر وعن شهادتها في محكمة الثورة، وعما كان ينتويه من تحويل هذه القصة إلى مسلسل تليفزيوني.
 
       اعتماد تخبرنا، بتشريح مؤلم، كيف أن الوزير صفوت الشريف ـ وقتها ـ أغدق على صالح مرسي من كرمه لطاعته، وأسند إليه كتابة أعمال مهمة من أشهر قصص الجاسوسية واختصه بكتابة سيناريوهات من ملفات المخابرات المصرية.
 
       ماذا يبقى من الزمن الجميل وقد ترتب على هذا تعدد روائع صالح مرسي!
 
الحرية المسئولة هي التربة الحقيقية لانبثاق نبتة الفن
ــــــــــــــ
 
1.   أحمد رمزي[1930-2012]: فنان مصري شهير، عاصر حكم دولة العسكر في مصر منذ قيامها في 23 يوليو 1952 وحتى سقوطها في 25 يناير 2011. رمزي وهو أحد أبرز أيقونات زمن الفن الجميل أوصى كريمته بعدم الترحيب بالتواجد الإعلامي أو تواجد زملائه الفنانين عند دفنه. (بوابة جريدة الأهرام الالكترونية، بتاريخ 29/9/2012)
2.   كارلوس لاتروف: برازيلي من العرب اللبنانيين، ولد في 30 نوفمبر 1968، يعيش في البرازيل. لاتروف رسام كاريكاتير سياسي، ويعمل لحسابه الخاص. تهتم أعماله بمجموعة واسعة من الموضوعات، بما في ذلك مناهضة العولمة ومناهضة الرأسمالية ومناهضة الولايات المتحدة والتدخل العسكري. اشتهر برسوم له تصور الصراع العربي الإسرائيلي. وصف نفسه بالمثير للجدل.
3.   راجع: "شهادة نجيب سرور في حق الآخر المصري"، منشورة على الانترنت.
4.   في كتابها المعنون شاهدة على انحرافات صفوت الشريف، تعرفنا اعتماد بزوجها أحمد خورشيد بقولها: "كان زوجي أول مدير تصوير في مصر يحصل على الجائزة الأولى من أمريكا وحتى الآن وبسبب صفوت الشريف لم يكرم في بلده. فقد صور شيء من الخوف والشيماء كأول خبير ألوان والسوق السوداء الذي يُدرس حتى الآن في مناهج معهد السينما بالجيزة، وعمل أيضا بالتدريس، وفيلم صراع في الوادي أخذ جائزة التصوير وصراع في المينا والبوسطجي. وفي فيلم صراع في المينا تفوق تصوير الفيلم على الإخراج بشهادة الناقد الفني عثمان العنتبلي في جريدة الأهرام". اعتماد تضيف: "كان عام 1962 عاما سعيدا حيث حقق الأستوديو أرباحا طائلة وأصبحت قصة نجاحي معروفة لكل العاملين بالسينما"..
 
 
 
       




صفحات: [1]