Ankawa.com
montadayaat montadayaat montadayaat montadayaat
English| عنكاوا |المنتديات |راديو |صور | دردشة | فيديو | أغاني |العاب| اعلانات |البريد | رفع ملفات | البحث | دليل |بطاقات | تعارف | تراتيل| أرشيف|اتصلوا بنا | الرئيسية
أهلا, زائر. الرجاء الدخول أو التسجيل
20:01 20/05/2013

تسجيل الدخول باسم المستخدم، كلمة المرور و مدة الجلسة


بداية تعليمات بحث التقويم دخول تسجيل
  عرض الرسائل
صفحات: [1] 2 3 4 5
1  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / فاشية حزب البعث.. وتجريمه في: 10:06 15/05/2013


فاشية حزب البعث.. وتجريمه

عبدالمنعم الاعسم
 
قانون تجريم البعث، الذي حكم العراق بقيادة صدام حسين اكثر من ثلاثة عقود، قيد المناقشة في مجلس النواب، من حيث المبدأ، وقبل الخوض في تفاصيله، امر سليم وصحيح وضروري ومبرر، ليس فقط بالمقارنة مع تجارب دول حكمتها فاشيات  ودكتاتوريات وانظمة عنصرية (المانيا الهتلرية. ايطاليا. اليونان. جنوب افريقيا..) وقضت بتجريم احزاب نظمها الفاشية غداة سقوطها، بل وايضا، لأن حفنة من البعثيين (جلادين سابقين. قتلة. ضباط اجهزة القمع. مقربين من صدام..) لا يزالون ينشطون لأعادة نظام القهر الفاشي بالسلاح والتفجيرات والتجييش واثارة الكراهيات الطائفية والقومية والاجتماعية والتحالف مع اكثر جماعات الارهاب توحشا وهمجية واجراما.
  فمثلما كان القتل والترويع والتمييز القومي والطائفي واستئصال الآخر واثارة الحروب منهجا في اساس نظام الفاشية الصدامية، ومكونا عضويا في سياساته وتطبيقاتها على الارض، فان التشكيلات البعثية، من ايتام صدام حسين، تواصل هذا المنهج، والترويج له، والتشبث به، وهي خارج الحكم، وطوال عشر سنوات من عمر السقوط ارتكبت هذه التشكيلات من جرائم العنف والاغتيالات واللصوصية ما يفرض على الدولة، والمجتمع،  والجماعات السياسية والاعلام التصدي لها وتجفيف مواردها البشرية والمعنوية والعمل على تفكيكها، ويعد التشريع الخاص بتجريم البعث الفاشي واحدا من فروض الوقاية إزاء الخطر الذي يمثله.
 وبموازاة هذه الضرورات، تبرز ضرورة، لاتقل خطورة واهمية عن تشريع قانون تجريم البعث ، وتتصل بالمعايير والمنظورات، ثم الاجراءات، التي تعالج فكرة التجريم والمشمولين بها، سيما ان السنوات العشر الماضية سجلت  وقائع وفيرة عن التخبط واللاعدالة والكيفية والكيدية "وحتى الطائفية" في التعامل مع افراد حزب البعث وكوادره وفي سبل وخلفيات اعادة ضباط ومسؤولي الحكم السابق من اعضائه الى مواقع الحكم الجديد، الامر الذي جعل هذا الملف فاصلة ساخنة في الصراع السياسي بين الفئات المتنفذة، والحق ضررا كبيرا بالمعادلة الامنية، بعد تسلل بعثيين مرتبطين بالمشروع الارهابي الاجرامي الى اكثر شبكات المنظومة الامنية والعسكرية  حساسية، وبالمقابل، جرى التنكيل والعزل لبعثيين سابقين، لاعتبارات طائفية او كيدية، فيما لم تجر مراعاة لاحوال بعثيين مدنيين وعسكريين انقلبوا على الدكتاتورية والبعض منهم حاربها، بل ان الكثير من هؤلاء أبعدوا عن مجالات الخدمة وجرى التفريط بخبراتهم في وقت البلاد احوج ما تكون لها.
 ولعل اكثر صور النفاق السياسي في التعامل مع حزب البعث وفلوله وانصاره برزت في لجوء كتل سياسية الى لغة التعاطف الزائف مع البعثيين، ومع الجمهور المحسوب على النظام السابق لغرض ضمان التصويت لها في الانتخابات، وبلغ بهذه الكتل ان تعارض حتى تجريم صدام حسين، وبعض زعاماتها صار يتمثل شخصية الدكتاتور وخطاباته خلال الحملة الدعائية الانتخابية، وهذا هو الوجه الآخر من النفاق السياسي لكتل وزعامات سياسية اخرى راحت تقرّب البعثيين، بمن فيهم الجلادين السابقين، وتزكيهم، وتدفع بهم الى مواقع حساسة لاعتبارات طائفية او عشائرية او مناطقية.. وثمة حالات رشوة وفساد وسمسرة مرت من هنا.
 غير ان ملف التجريم القانوني يفتح نفسه على ملف آخر اكثر اهمية وخطورة وتتصل بمستقبل ومصير حزب البعث في العراق.. فقد توفرت له فرصة تاريخية للانتقال من صيرورته حزبا فاشيا تحت قيادة صدام حسين الى اصوله كتنظيم سياسي مدني قومي حركي، وذلك حين سقط  الدكتاتور واخذ معه الى المزبلة دولة فاشية، بكل بُناها الايديولوجية والاقتصادية والادارية، وكانت الظروف الجديدة مهيأة لهذا الخيار، فيما كان الحديث يجري عن تغييرات في منهج واسم وقيادات الحزب وحصر مسؤولية جرائم النظام السابق بحفنة من جلاديه، لكن فلول الحزب وما تبقى من انصاره(من تشكيلات اجهزة القمع والسطوة والمنافع) تخندقوا في الالهام الصدامي الكاذب، ومضوا على طريق التجييش والرطانة الثورية والتآمر..
 وهل الفاشية غير سلسلة من عمليات تآمر ونداءات مثيرة للعواطف بغرض الوثوب الى السلطة، كما يعرضها موسوليني في كتابه عن "الفاشية والثورة الاجتماعية"؟.
 وأليس الفاشية غير وصفة،  كما يقول تولياتي "لحزب يدق طبول الحرب بلا كلل ودولة تحارب على الدوام"؟ وتلك هي المصاهرة الابدية بين حزبي هتلر وصدام لتجد تعبيرها في اساليب قهر المواطن ووأد وعيد وتعصيب عينيه، ثم العمل على اخصاء الحياة السلمية والتعددية والليبرالية في المجتمع، واستئصال القوميات والخصوصيات والعقائد ووضع الشعب كله قيد ارادة القائد الفرد الذي لا يُناقش ولا يكشف عن خططه لاقرب المقربين .
 ففي هذا العام 2013 يمرّ ثمانون عاما على صعود هتلر الى السلطة في المانيا (1933) وخمسون عاما على صعود البعث العراقي،لأول مرة، الى الحكم (1963) ولم تختلف اشكال هذا الصعود في الجوهر.. التآمر.. كما لم تختلف(إلا في التفاصيل) سبل بناء السلطة ودور الحزب الحاكم، وسطوة الفرد صاحب القرار الاول والاخير في مصائر البلاد، ومثلما ترك هتلر فلولا فاشية مؤتمنة على افكاره، ومسحورة بقوته و"وبطولته" لكنها صغيرة وهامشية ومنبوذة حيث حوصرت بطوق من التشريعات والثقافة والتعليم والاحتواء المنهجي، فقد ترك صدام حسين حفنة من اتباعه المهووسين باسمه و"امجاده" ممن شاءت ظروف التغيير بعد العام 2003 والسياسات العفوية واللامنهجية والطائفية والارتجالية التي سلكتها حكومات التغيير ان تكون لهم مكانة في المعادلات السياسية والامنية في مرحلة ما بعد سقوط النظام.
 وإذ انفض ملايين من اعضاء حزب البعث عنه، بعد سقوط الدكتاتورية قبل عشر سنوات وظهرت بوادر مراجعة جدية بين قياداته المدنية وبعض مثقفيه لانتقاد وتجريم الحقبة الدكتاتورية القمعية ولجهة تأهيله للانخراط في العمل السلمي والمدني، غير ان تلك البوادر سرعان ما ارتدت الى الوراء، وانتهت الى "صمت" المنادين بالمراجعة وهزيمتهم امام صعود نداءات الانتقام والحرب والمقاومة الارهابية والمضي قدما بقيادة عزة الدوري الى اشكال من الطائفية الهمجية والشعوذة (جيش النقشبندية) واوهام اعادة عقارب الساعة الى الوراء.
 في العام 1933 كان هتلر يقول.. ساجعل العالم ينتحر في هذه الصالة.. وفي العام 2003 كان صدام حسين يكرر ان الحملة عليه ستسقط لا محال.. فمن الذي انتحر؟ ومن الذي سقط؟.
 والمعاينة الموضوعية تكشف ان فاشية حزب البعث الذي حكم العراق ليس في منظومته العقائدية المجردة التي تضم نصوصا ورؤى ولوازم تعالج الشان القومي وقضايا التجزئة والوحدة العربية والنظام الاقتصادي المقترح للدولة، بل في الممارسات والتطبيقات التي جرت في ميدان السياسة والحكم، وفي الوصفة الصدامية للبعث على وجه الخصوص، ولا حاجة للاستطراد كثيرا في الفاصلة الصحيحة التي تقول ان الطغيان السياسي كثيرا ما يستند الى نصوص عقائدية مثالية (أو اجزاء منتقاة منها) يجري ليّها ومطّها وتأويلها لكي تلائم مشروع الاستبداد.
 تكفي الاشارة السريعة الى ان ابن لادن استند في بناء مشروعه الارهابي التكفيري الاجرامي على نصوص في القران والعقيدة الاسلامية، وقبله وظـّف ستالين وماو وبول بوت مقولات لماركس ولينين في بناء حكم الاستبداد والبطش، كما ان الرأسمالية من حيث هي نظرية للحرية ولنظام مجتمعي بديل للاقطاعية الهمجية تمخضت في اطوارها الصاعدة عن اقبح وابشع التطبيقات متمثلة بالاستعمار وسياسات إخضاع الامم وانظمة النازية والفاشية، والامثلة كثيرة على نماذج حكم وادارة وزعامة شرّعت للقهر بالاستناد الى مدونات نظرية للعدالة والمساواة والثورة.
 لقد أنشأت الصدامية نموذجا فريدا وصارخا للدولة الفاشية.. دولة يحكمها فرد واحد مستبد، وتديرها اجهزة مخابرات فوق القانون، وينأى الحزب الحاكم فيها عن موارده العقائدية المثالية ليصبح اداة امنية عمياء لقهر الشارع واستئصال التنوع وتكميم الافواه وسوق الملايين الى ساحات الحرب التي ما إن تتوقف في جبهة حتى تندلع في جبهة ثانية، وكانت حرب القهر القومي للكرد ابشع تلك الحروب، فيما حرصت هذه الدولة على ضبط الولاء لها بقوة الحديد والنار، وعلى ارشاء مواطنيها (او شرائح منهم) بفتات رخاء مؤقته ومكرمات مُذلة، تقدمها بسخاء حين تشعر بخطر التمرد عليها ثم تصادرها حين يبتعد هذا الخطر. اما في مجال الثقافة فقد اغارت الدولة الصدامية الفاشية على مواطن التعددية في الثقافة الوطنية ووضعت غالبية المثقفين الذين لم يتسن لهم الافلات من قبضتها تحت المراقبة والتهديد او الصمت او في صناعة التوصيفات المغشوشة للقائد المستبد.
 ومع حالة الاعداد للحرب، وهي حالة "طوارئ" غطت العقود الثلاثة من صعود الفاشية الصدامية (ولو بقي صدام لاستمرت الى الابد) فان اية معارضة او شبهة للاحتجاج حتى في ابسط اشكال لها تُعد خيانة وطنية تكلف اصحابها حياتهم، وبمرور الايام صارت الملايين العراقية، بالنسبة لصدام،  قطيعا ووجودا نسبيا، او كوسط مريب ينبغي مراقبته وترويضه على الدوام، بل انه (وعلى خطى هتلر) عني بالاطفال والصبيان على نحو استثنائي لكي يشبوا صداميين ووقودا لحرائق المستقبل ومتشبعين بالولاء المطلق له عبر قطعهم عن عائلاتهم وابائهم وحياتهم الطفولية البريئة.
فاشية البعث، في تطبيقاتها الصدامية، ليست تجربة سقطت مع سقوط صاحبها.. انها تظهر الآن في اشكال كثيرة من النوازع والانحرافات، والممارسات التي التي تتكشف في ميادين السياسة والثقافة والمجتمع، وتسعى الى اعادتها عن طريق العنف والتآمر والارهاب فلول منفلتة.
اقول تسعى، وليس كل من يسعى يصل.

2  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / عودة ممثلي الكرد.. اختبار للجميع في: 22:06 08/05/2013
عودة ممثلي الكرد..
اختبار للجميع

عبدالمنعم الاعسم
 عودة نواب ووزراء التحالف الكردستاني الى مواقعهم تعني اشياء كثيرة من ابرزها جدارة الحوار والاتصال المباشر والمصارحة في ايقاف التدهور في العلاقات بين الحكومة الاتحادية واقليم كردستان عند نقطة ملتهبة، بديلا عن القطيعة واطلاق الشكوك والتهديدات، وعن مخاشنات على الارض، تكاد، في كل مرة، ان تضرم نيرانا لا احد يعرف كيف يتم إخمادها.
 والمهم في هذه العودة، اولا، هو محصول الاتفاق المعلن بين التحالف الوطني، الحاكم، وممثلي حكومة الاقليم وتسمية الخطوات والاجراءات التي من شأنها نزع فتيل المواجهة وتهدئة خطوط التماس ثم الشروع بتنفيذ الالتزمات التي تقاسمها الطرفان.
 وثانيا، في ما ظهر من انضباط اعلامي ساعد ويساعد، اذا ما استمر، في استعادة الثقة عند الحد الادنى من الممكنات، ولجم محاولات التعكير والتجييش والتاليب والترويع، وتطمين الراي العام الى جدية التفاهمات التي تم التوصل اليها.
 وثالثا، في تنشيط فاعلية وعمل البرلمان ومجلس الوزراء والتقدم الى تسهيل عودة المقاطعين الاخرين على اساس التفاهم والحوار والتنازلات المتقابلة، ثم معالجة الملفات المعطلة واستئناف العمل الناشط في اطارات الحكومة بعد شلل وتوتر ضرب مفاصلها بالطول والعرض.
 ورابعا، في تأمين الحد الادنى من فروض ومستلزمات التهيئة للانتخابات البرلمانية التي يقترب موعد اجرائها، على اساس التنافس في الخدمة والوفاء للتعهدات بعيدا عن الخندقة والاثارة والتهميش  والاعتبارات الفئوية ومحاولات الاستئثار بالسلطة والامتيازات.
 معروف في السياسة، ان توقيع الاتفاقات بين فرقاء الازمات اسهل بكثير من ترجمتها الى اجراءات والتزامات وخطوات على الارض، وان الصعوبات تكمن في توفير النيات الجادة لتنفيذ نقاط الاتفاق، وكانت تجارب عقد من السنين العراقية قد اكدت ان الكثير من التفاهمات والاتفاقات التي تم التوصل اليها على طاولات البحث والتفاوض سرعان ما مزقت وطويت، ولم تجد طريقها الى التنفيذ.
 لماذا؟
 بوجيز الكلام، لأن البعض من الموقعين على تلك التفاهمات لم يكونوا مؤمنين بها.. وكانوا يتعاملون معها كقيود يتحينون الفرص للتخلص منها..
 فهل تغير الامر.. لنجرب ان نتفاءل.
*******
" ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: البغي والنكث والمكر" .

3  الاخبار و الاحداث / أخبار العراق / جامعة كرينج البريطانية تفتح فرعا في جامعة جيهان/السليمانية في: 18:49 29/04/2013
جامعة كرينج البريطانية تفتح فرعا في جامعة جيهان/السليمانية


صوت العراق:
في خطوة الاولى من نوعها في أقليم كوردستان والعراق تم الاتفاق على برنامج مشترك بين جامعة جيهان/السليمانية وجامعة كرينج البريطانية ( ومقرها في لندن) بموجها يفتح جامعة كرينج فرعا في جامعة جيهان/السليمانية في تخصص:
Business Information Technology
فبعد اتصالات ومراسلات وزيارات متكررة بين الجامعتين استمرت لعدة اشهر قام لجنة متخصصة مشتركة (ووفق متطلبات معايير ضمان جودة التعليم في بريطانيا)  مكونة من 3 اكاديميين  من جامعة كرينج وعضو خارجي من احد الجامعات البريطانية الاخرى وممثل عن ضمان جودة التعليم في بريطانيا بزيارة رسمية الى جامعة جيهان في مدينة السليمانية في 13/04/2013. حيث تم خلال الزيارة عقد لقاء مع السيد رئيس جامعة جيهان/السليمانية الدكتور شيرزاد الطالباني والدكتور محمد صادق (المكلف بالاشراف على تنفيذ البرنامج) والدكتور ماركوس (المكلف ببرنامج تطوير الكوادر) وتم خلاله التداول في تطابق الجوانب الادارية والتنفيذية لهذا البرنامج لدى الجامعتين وأهم الاسباب الموجبة التي دفعت الجامعتين لعقد هذا الاتفاق وكيفية تنفيذ الجوانب الادارية والعلمية...للبرنامج, كما عقد الوفد لقاء مع اساتذة قسم علوم الحاسبات والتداول معهم  في المناهج الدراسية  وشروط ومتطلبات الاشتراك ومعاييرالتحاق الكادر التدريسي بهذا البرنامج وسير العملية التعليمية في  جامعة جيهان/السليمانية بعدها تم اللقاء مع مجموعة من طلبة جامعة جيهان/السليمانية والتداول معهم في الخدمات التعليمية والاكاديمية المقدمة من قبل الجامعة ....وكذالك اطلع اللجنة على الوثائق والاوليات المطلوبة لجميع تلك الجوانب.
بعدها تجول اللجنة برفقة السيد رئيس الجامعة واعضاء الهيئة التدريسية في الجامعة والاطلاع على القاعات الدراسية والمختبرات العلمية والمرافق الاخرى في الجامعة....
 
وقد صرح رئيس جامعة جيهان/السليمانية الدكتور شيرزاد الطالباني ان تنفيذ هذا البرنامج كان حلمه منذ اكثر من 6 سنوات وحاول جهده انجاحه وتطبيقه وبعد جهود مضنية تحقق الحلم الان حيث يستهدف العمل على خدمة البناء الاكاديمي على مستوى العراق وكردستان. وقال : بامكان الطلبة في جميع جامعات كوردستان والعراق الالتحاق في البرنامج المذكور ومن فئتين:
1-   من الناجحين من المرحلة الاولى في اختصاص علوم الحاسبات وبمعدل 60% فاكثر بعد معادلة المواد التي درسوها مع مواد السنة الاولى (التحضيرية) في جامعة جيهان/السليمانية واكمال باقي المتطلبات في المواد العلمية المطلوبة واللغة الانكليزية خلال العطلة الصيفية قبل بدء الموسم الدراسي في 01/09/2013.
2-    سيتم قبول الخريجين الجدد من الثانويات العلمية من اقليم كوردستان والعراق للعام الدراسي الحالي في هذا البرنامج في السنة التحضيرية في 01/09/2013 حيث يتطلب من الطالب دراسة السنة الاولى التحضيرية واللغة الانكليزية وبعد اكمال السنة الاولى وحصول الطالب على معدل 60% فاكثر سيكمل السنوات الدراسة المتبقية على اساس منهاج جامعة كرينج.


4  الاخبار و الاحداث / أخبار العراق / بيان عن التيار الديمقراطي العراقي حول احداث الحويجة في: 08:19 28/04/2013
بيان عن التيار الديمقراطي العراقي حول احداث الحويجة
 
لا للارهاب والتجييش الطائفي.. لا لأراقة الدماء

 منذ ما يزيد على اسبوع فوجئ الرأي العام العراقي بتصاعد مفاجئ للتوتر بين السلطات الحكومية وحركة الاعتصامات في مناطق غرب العراق وتمركز هذا التوتر في مدينة الحويجة بمحافظة كركوك على خلفية التلكؤ من جانب الحكومة في الاستجابة للمطالب المشروعة للمحتجين والتردد في فتح مسارات الحوار مع مراجعهم الاهلية السلمية، ومقابل ذلك، ظهور انشطة مسلحة في ساحات الاعتصام لعصابات القاعدة وفلول النظام السابق، واطلاق شعارات طائفية متطرفة ودق طبول التجييش والحرب على النظام السياسي من قبل دعاة ورجال دين وسياسيين عبر وسائل الاعلام والمحافل المختلفة.
 كل هذا اضاف تعقيدات جديدة للازمة السياسية المتفاقمة اصلا، وضاعف من مظاهر الانشقاق السياسي في داخل العملية السياسية، لكن التطور الاكثر خطورة تمثل في الانزلاق الى خيار حل مشكلة الاعتصامات عن طريق القوة، فقد لوح معتصمون في الحويجة بالاسلحة والزحف الى العاصمة واطلقوا النار على القوات الحكومية، فيما اتسم رد الفعل الحكومي بالردع المفرط، بدأ بتهديد اجتياح ساحة الاعتصام وانتهى الى مجزرة راح ضحيتها مدنيون غالبيتهم من المعتصمين المسالمين، الامر الذي وضع المشهد على حافة المجابهة المفتوحة بين اهالي وعشائر منطقة الحويجة والقوات الحكومية، مفتوحة على مجابهة اوسع بين الحكومة الاتحادية ومناطق غرب العراق، مع ما حملته هذه التطورات من احتقان طائفي خطير ايل للانفجار في اية لحظة.
 وفي هذا المنحدر الجديد من الازمة السياسية برزت اصوات من طرفي المواجهة تتوعد بكسر الآخر واستئصاله، مهما كلف الامر من دماء وخراب، وتفكيك للسلم الاهلي، وتعرض سيادة ومستقبل البلاد الى الضياع، كما ساهمت اقنية اعلامية متحيزة، وتصريحات سياسية غير مسؤولة، في صب الزيت على النيران وإذكاء الكراهيات بين ابناء الوطن الواحد، وشاركت عواصم اقليمية في تأجيج الصراع باعلان انحيازها الى هذا الطرف او ذاك، فيما اكتفت مرجعيات سياسية واجتماعية بالتفرج على ما يجري،  او باعلان الاستنكار البارد وتقديم النصائح العمومية التي لا فائدة منها.
 ان التيار الديمقراطي العراقي، بقواه وشخصياته، ينظر الى ما جرى في الحويجة باعتباره طورا خطيرا في الازمة السياسية ومنزلقا الى خيار العنف والمجابهة الطائفية، ويدعو الى التعجيل بالعمل في اتجاهين، الاول، تعبئة الرأي العام وقواه ومنظماته وشخصياته في اعمال منظمة لسد الطريق على المهووسين بخيارات القوة والردع والتجييش الطائفي، ومنع زج الجيش في الصراعات الداخلية بعيدا عن مهماته الوطنية، والثاني، احياء وتنشيط مسارات الحوار بين الحكومة وحركات الاحتجاج السلمي في مناطق غرب العراق، واتخاذ الخطوات العاجلة لنزع فتيل التوتر وتحريم اراقة دماء العراقيين.
 
التيار الديمقراطي العراقي-
بغداد 25 نيسان 2013   

5  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / تمرين للحرب الاهلية في: 12:24 25/04/2013

تمرين للحرب الاهلية

عبدالمنعم الاعسم

ما يجري في الحويجة خطوة اخرى الى الحرب الاهلية المفتوحة. حرب الطوائف ضد نفسها، والعقائد بمواجهة العقائد،والزعامات مع الزعامات، والمراجع ضد المراجع،  والاحياء الفقيرة بمواجهة احياء الموسرين، وباعة البسطات ضد تجار المخدرات ونهابي الثروة الوطنية، والجنرالات الذي تركوا حماية الحدود ودخلوا بدباباتهم الى الحارات ومفارق الطرق ضد الاشباح والملثمين. اما المسرح فهو بلاد تمتد من نقطة في اعلى زاخو يحرسها رجل من البيشمركة الى ساحل في ادنى الخارطة يحمل اسما انثويا، ام قصر.
كل الحروب الاهلية تندلع من شرارة صغيرة في وقت ما قد يكون غير مناسب ولا احد يعرف من الذي اختاره، وفي مكان ما قد يكون مزبلة، لا احد يجهل رائحتها وسمعتها، وسرعان ما تتحول هذه الشرارة الى لهيب عارم تلقمه الافعال وردود الافعال حطبا وضراوة، لكي تنتهي الى حرب الشعب الشاملة مع نفسه.. آنذاك فان الدم لا قيمة له.. ارخص من الماء.
 وفي كل الحروب الاهلية ثمة شعارات ومطاليب تبدو انها مشروعة وعادلة وتستحق التضحية  وضرورية بالمقاييس السياسية (المصلحة العليا. هيبة الدولة. حقوق الانسان. وقف التمييز. تحقيق العدالة. فرض القانون. الكرامة. غسل العار. التغيير السياسي..الخ) لكنها تنسحب من مبرراتها شيئا فشيئا، وتتساقط مفراتها الخادعة يوما بعد اخر حتى تصبح مارشات عسكرية وهوسات ونداءات انتقام وقتل  وطبول حرب، واسياد مدججون بكل نذالات السياسة.
الحروب الاهلية يلزمها تمرين، او سلسلة تمارين، يتدرب فيها المقاتلون على استرخاص الدم، ويختبر فيها الاسياد والوكلاء والدعاة طاقاتهم الخطابية الرنانة،  وتنشط خلالها خطوط التجارة الخلفية عبر الحدود، فترفع فواتير السلاح وحبوب الهلوسة، وتخفـّض، بمقابل ذلك اسعار البشر، فيما تجد مصدر عيش مجزٍ لحفاري القبور وباعة الاكفان وقراء ديباجات توديع القتلى في حفر تعد على عجل.
في الحويجة مسرح اللامعقول لتمرين خطير على حرب اهلية شاملة.. او -في حقيقة الامر- مسرح المعقول في نسخته العراقية: جنرات يهددون بالزحف الى الحويجة، ومهووسون في الجهة الثانية يهددون بالزحف الى بغداد، وفي ساعة الصفر حقق التمرين على حرب اهلية اولى نجاحاته، فقد سال الدم وارتفعت الاصوات بالانتقام.. وبدأت معامل الكارثة بتصنيع جيل جديد من الاصنام، وخارطة للعاقبة.. وما ادراك ما العاقبة.
********
"لا يمكنك مصافحة يد مقبوضة".
انديرا غاندي

6  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / بلاد.. في المزاد في: 21:55 11/04/2013

بلاد..
في المزاد

عبدالمنعم الاعسم

الصورة مفجعة، لكنها كوميدية ايضا.
 انهم ينتشرون في العواصم في مهمة لبيع البلاد في مزادات السياسة. اللقاء التلفزيوني لوزير المالية السابق رافع العيساوي يكشف هذه المفارقة السوداء. الكل يسعى الى "دولة صديقة" ليجد كرسيا له تحت حمايتها وعطفها، في وقت لم يعد العراق ندا، بالنسبة لجيرانه وشركائه في الامن الاقليمي، او دولة ناجزة الاستقلال والحقوق، وهو حسبهم يحتاج الى الوصاية و"الأرشاد" والحِجر، ولم يعد، مثل بقية الدول الاعضاء في الامم المتحدة، متحكما في مصيره،  وهو "دولة مشاكل" كما كتب عنه صحفي كويتي واضاف "يجب وضعه في غرفة العناية المشددة" او انه كما قالت صحيفة اخوانية مصرية (العدالة) خرج عن الانضباط ، فيما كشف روبرت فيسك كاتب الانديبندنت عن اتصالات تجري بين عواصم الخليج لبحث "تغييرات" في العراق.
 الغيرة على البلاد هي نقطة حياء.. هذا في الاخلاق، أما في المصالح فانها ضمانة  بان العراق دولة مستقلة، وليس ملكا مباحا لتفرض عليه مشيئات من الخارج.
 اقول: في كل الاحوال، وقبل منع الدول المجاورة من ان تدوس بنعليها على ميثاق الاعضاء في الامم المتحدة وتأخذ لنفسها حق الوصاية على بلد مستقل كالعراق، يجب منع اهل العراق من الساسة والمتنفذين واللاعبين واصحاب القرار والكواليس، من الاستطراد في الشحادة باسم العراق، وساكون واضحا بالقول: ان الدول المجاورة تستضعف العراق ليس في حلقات قوته العسكرية او البشرية او الاقتصادية، وإنما في جوانب اخرى تتعلق بالسياسات والصراعات الداخلية التي لم تُرَشّد، وهي نفسها تفتح شهية الدول المجاورة في خيرات العراق.
 وساكون اكثر وضوحا لاقول: نعم، ان العراق ليس ضيعة لأحد، ولا يجوز، في الظروف الطبيعية او في غيرها، ان تتعامل اي دولة، او اية جهة مسؤولة فيها، وكأن العراق معروض للبيع.. لكن (انتباه) سيكون كل هذا صحيحا لوا ان اصحاب الشأن والنفوذ تعاملوا مع العراق باعتباره عراقهم، وليس بلادا معروضة في المزاد.
***
" المنافسة تؤدي إلى أفضل المنتجات وأسوأ الأشخاص".
ديفيد سارنوف- رجل اعمال امريكي
7  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / دعوات الاقاليم.. هل هي مؤامرة؟ في: 09:26 07/04/2013

دعوات الاقاليم..
هل هي مؤامرة؟

عبدالمنعم الاعسم
 إذا كان الدستور العراقي قد شرع في مادته الـ116 الى "النظام الاتحادي" الذي يتكون  "من عاصمةٍ واقاليم ومحافظاتٍ لا مركزيةٍ واداراتٍ محلية" وانه اعطي الحق لسكان اية محافظة تحويل ادارتها الى اقليم، فلماذا تكون الدعوات التي يطلقها البعض من ممثلي سكان محافظات الانبار وصلاح الدين والبصرة والنجف وغيرها بمثابة "مؤامرة خارجية" او هي محاولة "تقسيم للدولة العراقية" كما يذهب المعارضون، فيما يقول الدستور في مادته الـ119 ان تلك الاقاليم تقام وفق استفتاء مباشر من السكان.
 التناقض هنا يحتاج الى تأمل في خلفيات الاعتراض على اقامة اقاليم دستورية، لكن قبل ذلك ينبغي التذكير بان بعض المعترضين مشاركون اساسيون في وضع الدستور العراقي، في اطار العملية السياسية، وانهم يؤكدون على ضرورة الإلتزام به نصا وروحا، و(الى ذلك) اقسموا على تطبيق الدستور وحمايته من التشويه والتعدي، الامر الذي يحمل على القول ان المعترضين هؤلاء يتعاملون مع الدستور بوصفه قطعة من المطاط، يمددونها من الجانب المناسب لمصالحهم ومعاركهم السياسية، ويضيقونها من الجوانب التي تناسب مصالح غيرهم، وان الحديث عن "مؤامرة" او "تقسيم العراق" لا يعدو عن كونه شعارا في المماحكات السياسية والصراع الفئوي، وإثارة الشارع، بل واستغفاله.
 اننا نتحدث عن معارضين لدعوات الاقاليم من اصحاب العملية السياسية حصرا، اما معارضو هذه الدعوات من عصابات الارهاب وفلول النظام السابق وهيئة علماء المسلمين وجماعات التجييش والقبلية العمياء والاسلام المتطرف، فانه لا حاجة لمناقشتهم وتفسير معارضتهم، اخذا بالاعتبار انهم لا يعترفون بالدستور ولا بالعملية السياسية ولا بالدولة الاتحادية ولا بالتغيير ولا باية مؤسسة من مؤسسات الدولة الجديدة، وليس لديهم اي بديل معلن عن المشهد القائم بل موزعون على خيارات كوميدية، بين اقامة الخلافة، أو العودة الى نظام الحزب الواحد، أو تشييد دولة القبائل والطوائف والحروب.
 طبعا، لا يصح التقليل من شان تدخلات دول الجوار، ولا من الخطر الناجم عن وجود قوى وزعامات تنسق مع حكومات هذه الدول في غير صالح البلاد، لكن لا يصح ايضا تحويل ورقة الاقاليم والمطالبة بها الى مكب للشتائم والصراعات الفئوية.. او الى تمرين على تأليب فئات شعبية ضد خيار يحتاج الى مناقشات دستورية بناءة.. وفضاءات لا تسممها المخاوف المغشوشة على وحدة البلاد.
*******
" أيتها النفس إجملي جزعا ...
          إن الذي تخشين قد وقع"
آوس بن حجر 
8  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الطائفية.. لغة ايضا في: 11:09 27/03/2013
الطائفية..
لغة ايضا

عبدالمنعم الاعسم
 
للطائفية لغة خاصة بها. لغة مخاتلة. زئبقية. متآمرة. مشحونة بالتأليب والغل والتعبئة ضد الآخر، لكن بمفردات وعبارات تفيض بالرحمة المغشوشة، والموضوعية الشكلية، وبالاستطرادات المنتقاة بعناية من محضر الانشقاق السياسي الذي عصف بالخلافة والدولة والادارات الاسلامية المتعاقبة.
 والاكثر دقة، انه صار لكل فريق طائفي لغته وايماءاته وتاويلاته وادبه الفقهي–السياسي . يتجه بك من العام المتفق عليه(او هكذا يبدو) الى الخاص المختلف فيه (وهو المهم) لكن عبر انشاءات شديدة التعرج، لنكتشف في النهاية ان (العام) الديني لم يكن عاما، بل ديباجة افتتاحية لحشوة (الخاص) الطائفي الاستئصالي.
اللغة الطائفية ليس سوى جملة تتخذ من الدين رداء (أو هوية) لها.. جملة متكلفة البناء، مشوّهة العرض، متضاربة الترجيع والتنصيص. الاخر بالنسبة  لفريق طائفي  موضع اتهام بالخطل، وهو شخص ما، او جهة، لا يريدان الاعتراف بالحقائق المدعومة بالايات القرآنية الموثقة، وبالاحاديث المتفق عليها. والآخر، نفسه، قد يبدو (لفريق آخر) فكرة مشيدة على الضلال والبُدَع والانحراف والجهالة.
 قد تلجأ الجملة الطائفية الى تسفيه الاخر بواسطة تسفيه طريقة تفكيره، او طريقة التعبير عن قناعاته. تقول لنا: انظروا لهم كيف يجمعون حججهم من قمامات الكتب..او: كيف يتعاملون مع الدين المشترك.. انهم يسيئون له.
 في هذه الجملة لا يبدو الحق (في بعده الطائفي) إلا بوجه واحد، نهائي، شامخ، لا يطاله الشك، ولا يصمد امامه اعتراض، وهو هنا يساجل اضعف حجج الآخر لتدعيم منظوره الطائفي، وليس اقواها او اكثرها قربا للمنطق، ويعكف على ليّ المعاني لتتطابق مع مسطح التحريض السياسي.
الفقه في خدمة المشروع السياسي للطائفية، والسياسة في خدمة المشروع الطائفي للفقه. شيء من الفقه وشيء من السياسة في نسق طائفي. اما التاريخ فانه يبدأ في المساجلات تاريخا واحدا، مدرسيا، لجميع المسلمين لكن سرعان ما يفترق، على يد الجملة الطائفية، الى تاريخين (والدين الى دينين) يخطئ كل منهما الآخر، إذ تقوم هذه  الجملة بواجبها في انتاج البضاعة الطائفية، وفي تدعيم الحجج المتقابلة، من خلال مبان لا أركان لها، ومعان لا اوتاد فيها.
اللغة الطائفية، المعاصرة، بحاجة الى معاينة كيميائية، معرفية، معملية، استقصائية، فهي اخطر من الطائفية، نفسها.

****************
 
 
9  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الموصل.. لغماً في: 15:42 12/03/2013

الموصل.. لغماً

عبدالمنعم الاعسم

 لا يصح النظر الى ما يحدث في الموصل على انه إفراز لصراعات جانبية تخوضها اطراف سياسية تتخذ من الطائفية ملاذا وشعارا وهوية لها. فهذا جزء من المشكلة التي تثيرها المواجهات في هذه المدينة، اما المكونات الاخرى من المشكلة فانها تتوزع على مساحة واسعة من التاريخ والخصوصيات القومية والثقافية والاجتماعية فضلا عن التركيبة القبلية الحساسة للمدينة.
 فهي المدينة الوحيدة من بين مدن العراق كانت، في خلال قيام الدولة العراقية المعاصرة في اواخر العقد الاول من القرن الماضي،  موضع جدل في حقيقة انتمائها الجغرافي الى النسيج الوطني العراقي، ومنذ ذلك الوقت شقت المدينة سبيلا مميزا في بناء حاضرها الثقافي والعمراني، يستمد قسماته من تجليات التنوع، حيث كانت مهداً للأشوريين ومحجا للبابليين ومركزا للآراميين سكنها الجرامقة القدماء واقترن اسم  نينوى بامبراطورية الآشوريين في حين سقطت عام 612 قبل الميلاد على ايدي الكلدانيين والميديين فاتجهت الهجرات صوب تل قليعات بالموصل على الطرف الايمن من دجلة،  ثم سيطر الفرس الأخمينيون على المنطقة بعد القضاء على الأمبراطورية الكلدانية عام ( 537 قبل الميلاد) وشجع كورش العرب والفرس علي السكني في هذه المنطقة لما تمثله من أهمية استراتيجية أمام الأغريق وصارت الموصل المعاصرة مدينة ذات شأن بسبب التنوع القومي والديني لسكانها، من عرب وكرد وتركمان وسريان وكلدان وآثوريين وارمن ، سنة وشيعة وايزيدية وشبك ويهود، ويشهد علي هذا الأمر وجود المئات من المآذن الاسلامية وعشرات من الأديرة والكنائس والمزاراتلاتباع الديانات والأقليات.
 ان محاولات تكييف احوال المدينة لتكون حاضرة مسجلة في مشروع سياسي لفريق من الفرقاء المتصارعين اصطدمت دائما بجدار من الاستحالة، وانتهت تلك المحاولات، في الغالب، الى حروب محلية كارثية، لكن سرعان ما يعود ميزان القوى الى حالته الاولى، والى حقيقته الصلدة: لايمكن للمدينة ان تدار إلا من خلال تعايش جميع المكونات ووسطية الحكم، وشاءت هذه الحقيقة ان تعيد نفسها هذه الايام وسط محاولات لتحريك معادلات التوازن عن وسطيتها واخذها رهينة  في مشروع واحدي الى حافة حرب اهلية جديدة.. كارثية بكل المعاني.
والدرس نفسه يبقى ماثلا: الموصل لن تبقى موصلا من دون هذا التنوع.

 على ان السؤال الذي تطرحه احداث الموصل الاخيره هو: من اين انطلقت شرارة الازمة؟ والجواب بسيط جدا: من محاولات فرض نمط معين من الادارة عليها،  والامعان في ايذاء مشاعر ومصالح المكونات، وغياب حكمة التوافق على الحد الادنى من المشتركات السياسية بين تلك صناع السياسة، وعدم مراعاة خصوصيات المدينة وحساسية اوضاعها من قبل بغداد والاغلبية الحاكمة.
 لكن، وعلى الرغم من ان هذا الجواب عمومي، وقد يتجه بالاتهام الى اكثر من جهة، علينا ان نتتبع محركات الاحداث في هذه المدينة من مرحلة ما قبل سقوط الدكتاتورية، حيث اخضعت الموصل الى مشيئة الحزب الحاكم وصارت احدى اهم مصادر شبكاته الضاربة، وانتج ذلك كتلة من المدنيين والعسكريين، من الاغلبية العربية، وبعض المتحدرين من مكونات اخرى، اندمجت بمصائر النظام ودافعت عنه بشراسة متناهية، والنتيجة ان تعرضت المدينة الى نوع من العقاب والتهميش، كرد فعل، أدى بالمقابل الى رد فعل محلي، انكفائي، وفي خلال سلسلة من الافعال وردود الافعال، انحشرت الموصل في برميل آيل للانفجار في اية لحظة فيما أذكت الجماعات المسلحة، من عصابات القاعدة وفلول النظام السابق، شرارة الكراهيات بالحرب التي اعلنتها ضد الكرد والمسيحيين والشيعة والايزيديين والحياة المدنية عموما، ونظمت مذابح واجلاءات ضد هذه المكونات، وخلقت معادلات امنية وسايكولوجية واجتماعية خطيرة.
 لقد تأخرت اعتصامات الموصل عنها في مناطق غرب العراق، ولم تندلع إلا حين برز دور التيار المتطرف في اعتصامات الفلوجة وصلاح الدين وبعض فعاليات الانبار، وقد لاقت شعارات التجييش و"إسقاط الدستور والنظام" صدى واسعا في الموصل الامر الذي تلقفته الجماعات "الجهادية المسلحة" ونزلت بها الى الشوارع، لا لعرض مطالب السكان المشروعة في الخدمات وتأمين فرص العمل للعاطلين وانهاء التمييز والاجراءات الامنية التنكيلية، بل اتجهت الى دعوات الانتقام وطبول الحرب وشعارات النظام الصدامي، قابلتها القوات الحكومية باجراءات تتسم بالتخبط وانعدام التحسب لاستخدام القوة المفرطة، فضلا عن العمليات العسكرية الحدودية الانفعالية التي سجلت نفسها لصالح فريق الحكم في الحرب الاهلية السورية، حيث القى هذا الموقف بظلاله القاتمة على الوضع في الموصل.
/الكثير من المؤشرات تكشف ان الموصل سقطت في اسر التحالف المتطرف "اللاسلمي" الذي يتكون من القاعدة وبعثيي صدام حسين، وهي تخوض معركة معقدة للخروج من هذا الاسر، فلا بغداد تساعدها في احتواء مخاطر اللغم، ولا الحكومة المحلية تنهض بواجب ضبط المعادلة السياسية – الامنية بما يمنع انفجار اللغم.. تلك هي المشكلة.
*******   
" إياك وكثرة الاعتذار، فإن الكذب كثيراً ما يُخالط المعاذير".
  لقمان الحكيم 

 



10  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المنقذ.. كذبة قيد التداول في: 19:02 04/03/2013

المنقذ.. كذبة قيد التداول

عبدالمنعم الاعسم

 كذبة رائجة بدأت تنتشر مبكرا في الساحة الانتخابية: “واحد ينقذ العراق.. لا غيره” يقال انها جاءتنا من الخارج على هيئة نصيحة، ويقال انها طبخت في غرف مظلمة، ويقال ان المنقذ نفسه صدق الكذبة مثلما صدق اشعب كذبته يوم قال للاولاد ان ثمة وليمة باذخة في منعطف اقصى البيوت، وحين هرعوا الى صوب الوليمة المزعومة ركض وراءهم وهو يردد: ربما الامر صحيحا فانال وجبة دسمة.
 الجدل الدائرحول من ينقذ العراق من الهاوية ينزلق شيئا فشيئا الى التقليل من شأن وجدوى وضرورة وشرط مبدأ الشراكة، والحاجة الى العقول الجمعية، كما يتجاوز حقيقة ان مشاكل العراق الكبيرة اكبر من ان يستوعبها عقل لوحده، أو ارادة شخص واحد، ويلاحظ من بعض التصريحات المراهِقة والكتابات المدّاحة والاعلانات التلفزيونية الفاقعة ترويجٌ متصاعد لخرافة ان هذا المرشح او ذاك هو "المنقذ" الذي سيأتي بالحلول، وبالامن والكهرباء وراحة البال، لأنه الوحيد الذي يعرف فوق ما يعرفه الاخرون، ويعمل ما لا يستطيع ان يعمله غيره، ويخطط ما لم يكتشفه احد من المخططين والاستراتيجيين من الخطط، وانه الذي سوف يجترح المعجزات، و"يمشي فوق الماء".. ولخرافة المشي فوق الماء قصة نأتيها في خاتمة المقال.
 المشكلة، ان الذين جربناهم، والذين لم نجربهم، جاءتهم الفرص المواتية لكي يكونوا منقذين حقا فاخفقوا في ان يكونوا كذلك، ولنقل(للموضوعية) انهم قدموا (على نحو متفاوت) بعض الاعمال والمنجزات والمبادرات بالحدود التي اتاحتها طاقاتهم المحدودة وامكانياتهم وتجاربهم الذاتية، وبالقدر الذي سمحت بها ظروف العراق، مقابل اخفاقات وخطايا وعثرات وتخبطات نجني كوارثها وثمارها المرة على مدار الساعة.
 اما حكاية المشي فوق الماء، فقد جاء رجل من مريدي الصوفي سهل التشتري المتوفى عام 886 ميلادية وقال له: ان الناس يقولون ان بمقدورك ان تمشي فوق الماء، فكان رد سهل بان طلب منه الذهاب الى مؤذن في المدينة معروف بصدقه كي يسأله عن الامر، وحين ذهب المريد الى المؤذن تلقى الجواب الشافي منه إذ قال له: انا لا اعلم إن كان شيخنا سهل يمشي على الماء، ام لا، لكن ما اعلمه هو ان الشيخ الجليل حين قصد حوض الماء ذات يوم بغية الوضوء سقط فيه وكاد ان يموت غرقا لو لم اسارع الى نجدته وانقاذه.

11  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / جولة المالكي.. بموضوعية في: 21:12 27/02/2013

جولة المالكي.. بموضوعية

عبدالمنعم الاعسم
 كل جولات رئيس الوزراء نوري المالكي في المحافظات تثير عاصفة من الاعتراضات والشكوك والتعليقات، ثم، وفي كل مرة، يظهر معسكران، واحد يدافع ويبرر، وآخر يهاجم ويتشكك، كما يظهر، في المقابل، متفرجون يديرون وجوههم بين هذا وذاك، فلا يقبلون ولا يرفضون.. وهم بالملايين.
 زيارة البصرة منذ ايام، وما إنْ حط المالكي رجليه على ترابها، انفتحت صالات البرلمان واعمدة الصحف والشاشات الملونة على تعليقات و "اعتقد.. ولا اعتقد.." وقد كان صوت معارضيها والمرتابين في اهدافها هو الاعلى من بين جميع الاصوات، حتى ان المراقب المحايد، بدأ يتساءل (ربما عن موضوعية باردة) هل ثمة ما يمنع ان يقوم رئيس حكومة (اية حكومة) بزيارة المدن التي تقع تحت مسؤوليته وتتبع ادارته؟ واليس من واجب المالكي، مثل كل رؤساء الحكومات، ان يتفقد احوال المدن والمناطق واللقاء بمواطنيها والتعرف على مشاكلها او افتتاح مشاريعها؟ بل، اليس من حق المالكي (وأي رئيس حكومة) ان يدافع عن سياسة و"منجزات" حكومته عبر وسائل الاعلام، او من خلال الاتصال بالجمهور، اعني،  اليس من حقه ان يعمل دعاية لادارته وولايته، طالما لا يزال في منصبه؟.
 اقول، ان هذه الاسئلة موضوعية، وإن اتسمت بالبرودة، واضيف لها السؤال التالي الاكثر اهمية بحسب رأيي: لماذا لم ينتظر المعارضون نتائج الزيارة وحصيلتها في ما يتعلق بشؤون احوال المنطقة، وردود افعال الجمهور حيالها قبل ان يستبقوها بتلك التعليقات الاعتراضية النارية؟ وهو الامر الذي قد يعزز اعتراضاتهم ويعطيها مصداقية ويجنبها شبهة الكيد والخلط بين الموضوعات والملفات والمواقف.
 بوجيز الكلام، كانت زيارة المالكي الى البصرة ولقاء محافظي الوسط والجنوب، مبررة بحدود مسؤوليته الدستورية، وبمنطق الواجب الرسمي عليه.. لكن المشكلة.. ان رئيس الوزراء نفسه لم يُبق هذه الزيارة في حدود تحريك عمليات البناء وشحذ العمل الاداري وحل المشلات التي يعاني منها الملايين من سكان الوسط والجنوب، بل انه أدخل عليها، ومنها، رسائل خلافية تدخل في صلب الدوامة السياسية التي تعصف بالبلاد.. الامر الذي سهّل لمعارضيه القول ان الزيارة مكرسة للدعاية الانتخابية، واضطر حلفاءه في الاكثرية البرلمانية ان يتركوه لوحده في مواجهة الحملة التشكيكية المضادة، بل ويسربون انتقادات للزيارة، وبعضهم اطلقوا عليها النار.
 اما نتائج هذه الزيارة ذات الصلة بملفات الخدمات والمشاريع والامن والفساد، فقد ضاعت تحت نيرانٍ معارِضة.. ونيران صديقة.
******** 
" كيف يمكنك أن تحكم بلداً فيه 246 نوعاً من الجبنة؟" 
شارل ديغول 

12  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الطائفية.. هل تكافحها الشرطة؟ في: 16:28 26/02/2013
الطائفية..
هل تكافحها الشرطة؟

 رئيس الوزراء محق في تحذيره من تداعيات "الكلام بالطائفية" وخطورة انخراط "جهات سياسية" في التأجيج الطائفي، بل انها مسؤوليته، قُدما، حتى استخدام "الردع" لوقف الاستطرادات والشعارات والخطب التي تؤجج الحساسيات الطائفية، واحسب ان هذا الموقف السليم يثير جملة من الاشكاليات، يمكن إجمالها بالآتي:
 اولا: ان الطائفية لا تُستأصل بالشرطة والقضاء، إلا في ما يتعلق بالمخالفات الجنائية المشار لها بالقانون، مثل إجبار السكان على تغيير منازلهم، او التمييز بالتعيين في الوظائف، او التعدي على حق الانتماء للطائفة والمذهب.. وما سواها. انها تحارب قبل كل شئ عن طريق الارادة (والادارة) التي تضع مصدات صارمة للطائفية لكي لا تدخل في شعاب السياسة والصراعات السياسية، وبواسطة الاعلام الهادف والموضوعي والاحترافي، وايضا، من قبل مراجع الطائفة ودعاتها، وهي تحارب بواسطة مناهج التعليم واروقة الجامعات والمدارس، وفي اطار برنامج حكومي واضح ومتوازن يقوم على فروض الادماج وحقوق المواطنة، وهي تحارب (بالاضافة الى ذلك ) من قبل اشخص غير طائفيين.
 ثانيا: ان الجيش ومحافل القضاء العراقي، في ظل الاستقطاب الطائفي وما نتج عن هذا الاستقطاب من صراعات  وهياكل وحروب و"ثقافة" ليس بعيدا عن ممارسة الطائفية، أو عن الترويج لها، وهناك الكثير من الحقائق (إذا ما شئنا الصراحة) عن البعد الطائفي في تشكيل الملاكات الامنية والقضائية، وهي مصدر شكوى اتباع الطوائف الاخرى، وقد يقال بان هذه التشكيلات خاضت معارك ضارية ضد مليشيات الطائفة التي تنتمي لها، وهذا صحيح جزئيا، لكن الصحيح كله ان تلك المعارك كانت سياسية في المقام الاول، اي بين اتجاهات سياسية في داخل الطائفة.
 ثالثا، ان الخطاب (والكلام) الطائفي الذي حذر منه رئيس الوزراء، عن حق، تمرّس في وظيفة الاثارة، وكوّن معابر مخاتلة الى الجمهور، ولغة دينية وفقهية وسياسية غاية في التمويه والغل والمناورة، واساليب (فقهية) ملتوية في الاستعارة والتضمين والتفسير والشرح والتعليق والاعتراض، وهو في وظيفته هذه يجسد مقولة "كلام حق اريد به باطل" اوضح تجسيد، وكل ذلك يمارسه متشددو الطائفتين من دعاة وساسة بابداع ومهارة، بحيث يصبح احيانا "كلمة سر" لا يعرفها غير الاتباع، ولا يمكن رصدها بالمجسات التقليدية، او بمراقبات الشرطة او عيون المحققين، حتى وإن كانت تبيح إهدار الدم وتتبنى الاستئصال الطائفي، وتحضّ على التجييش واعمال الذبح.
 على ان اكثر المخاطر التي تترتب على الخطاب الطائفي  تأتي من الساسة الذين عملوا، ويعملون، على ركوب الموجة الطائفية وصولا الى البرلمان والسلطة.. والى إذلالنا في نهاية المطاف.  
*****  
" واجب الحكومة تجاه الدين ينبغي أن يقتصر على حماية رجاله المؤمنين به، ولست أعرف عملا آخر للحكومة في هذا السبيل".
توماس بين
صحفي ومصلح ومخترع إنجليزي


13  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / اعتدال في معسكر الانبار في: 19:02 19/02/2013
اعتدال في معسكر الانبار

عبدالمنعم الاعسم
 شأن اي حراك اجتماعي فقد ظهرت على سطح الاحداث العاصفة في محافظة الانبار مخاضات اعتدال تتجه الى ترشيد الشعارات والمطالب ووضعها في السياق الدستوري وحمايتها من لغة العنف ونزعات الانتقام والطائفية، وقد حمل الاسبوع الماضي مؤشرات مشجعة للقول ان المخاوف من انزلاق الاحتجاجات الى مشروع للانقلاب على التغيير ووكالة لدول مجاورة بدأت تنحسر.. اقول بدأت.
 ففي وقت واحد ظهر خطباء وشبان مثقفين ووجهاء يتحدثون بلغة مغايرة تؤكد على جدوى وضع الاحتجاجات في سياق بناء يغلق الطريق على التنظيمات المسلحة وفلول النظام السابق وجيوب الطائفية، وذهب احد المتحدثين الى الدعوة لمراجعة مضامين هذا الحراك على خلفية  النتائج التي تحققت حتى الان، والامر اللافت، انه تحدث عن مخاضات وصعوبات لتصويت العملية الاجتماعية للاحتجاجات لكنه كشف عن تزايد قاعدة الشرائح المعتدلة، او الداعية الى الاعتدال.
 ان الدعوة الى الاعتدال في الحكم والتفكير تمليها فروض الحاجة الى عبور المرحلة الدموية  العاصفة  التي انقذفنا اليها ودفعنا عن ذلك طوابير من الضحايا وسلسلة من الاهوال واعمال القتل والاختطاف والتخريب، في وقت صار قادة السياسة يغذون الفتنة الداخلية بزيت الكراهية الطائفية او القومية، ويثيرون الشكوك في جدوى التسامح.
يكفينا ان نمعن النظر في المصادر اللغوية للاعتدال بوصفه فضيلة حماية التنوع والاختلاف فكلمة "العدل" تعني: "تقويم السهم" وفعل "عَدّلَ" معناه "جعل الشئ موزونا" والعدل في قواميس اللغة "ضد الجور والظلم"  و"العدل" غير "الانعدال"  فالاول معناه "النظير. المثيل" والثاني بمعنى "الانحراف عن الطريق".
والغريب في اشتقاقات اللغة ان "العادل" تاتي احيانا بمعنى الظالم، وينقل الرازي في (مختار الصحاح) بهذا الصدد قول امرأة للحجاج تشتمه: "انك لقاسط عادل".. وربما لهذا السبب، يغرم غلاة الطغاة ومهندسو التطرف  والارهاب وزعماء الجريمة المنظمة بصفة العادل فيطلقونه على انفسهم وعلى غلاظ القلوب من اتباعهم، ولهذا السبب ايضا، كما يبدو، تعين الجماعات الارهابية جلادين دمويين بوظيفة(العادل) الذي يشرف على ذبح الضحايا "على الطرقة الاسلامية". 
 هذا الاستطراد مهم حين يتعلق الامر بالنظر الى خطايا التطرف في حياتنا.. التطرف الذي ما زال يعبر عن نفسه في تشكيل جيوش دينية طائفية استئصالية في زمن وضع التاريخ الحروب الدينية في خانة الكوارث.

14  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / تهميش السنة العرب في: 22:36 15/02/2013
تهميش السنة العرب 

عبدالمنعم الاعسم
لا أحب الكتابة بمنطق.."كنتُ قد قلتُ يوما وقد صحّ ما قلت" ولا بطريقة "هذا ما ذكرته قبل عام ولم ينتبه له أحد".
اقول، لا احب مثل هذه الكتابات والاقوال، لكني هذه المرة ارتكبها, بحذر، وبكفاية من التوثيق، وما له صلة بقضية حساسة لا يكتب فيها الكثيرون، مع انهم يعرفونها جيدا..
للكلام زمن محدد هو 22/11/2012 اي قبل أقل من ثلاثة اشهر، والمكان مدينة السليمانية، والمناسبة هي مؤتمر للدفاع عن اتباع الديانات والطوائف العراقية، والشهود مائة وخمسون من المشاركين في المؤتمر.. والمتحدث هو كاتب هذه السطور.. وهذا ما جرى بالضبط.
كان صديقي الاعلامي جورج منصور يدير الجلسة، فطلبتُ الحديث من ضمن من طلبوا، وقبل ان اتحدث ذكـّرني بالوقت المسموح "لك دقيقتان فقط" قلت: لديّ قضية حساسة. رد: "دقيقتان فقط" فقبلت على مضض، وقلت: "حسنا" ثم اوجزت في الكلام قدر ما املك من موهبة في الايجاز، لأقول "انكم تحدثتم عن جميع الاديان والطوائف التي تعاني من تضييقات وتشعر بالقلق على حقوقها وعباداتها، لكنكم لم تتوقفوا عند اتباع طائفة السنة العرب التي تشعر بالتهميش والضغوط، واظن اننا مقبلون على انفجار ازمة طائفية تتراكم عناصرها بسرعة مخيفة إن لم تتدارك الدولة هذا الخطر..وهناك حقائق على السطح، إذا لم يتجرأ الساسة على طرحها فان هذا المؤتمر معنيّ بالتوقف عندها وعدم إغفالها، واليكم بعض مؤشرات هذه الازمة.. هنا جاءني صوت مدير الجلسة.. "انتهى وقتك استاذ.. متأسفين.. شكرا".
 وما لم يتسن لي الوقت لاقوله آنذاك هو: ان شعور مكوّن عراقي بالظلم والتهميش يستمد مصادره من قناتين، الاولى، سياسات الدولة واجراءات الحكومة لجهة التطبيق الكيفي للقوانين، والثانية، الدور الذي يلعبه سياسيو المكون الطائفي في تأجيج وتأطير هذه المشاعر.. ولكن، بعيدا عن تأثير هاتين القناتين، ينبغي ان ننظر الى الحقائق التي تتصل بشعور (او هواجس) ملايين من السنة العرب انهم مواطنون من الدرجة الثانية، وخطورة هذه المشاعر، سواء كانت مبررة او غير مبررة، بل والحاجة الى التعامل معها بحذر وحكمة، وتحاشي اتخاذ اجراءات تفاقم هذه المشاعر، وتضعها في تصادم مع المكوّن الآخر.
 وما لم اقل ايضا بان "حافات" سياسية ودعوية (محدودة لكنها مؤثرة) لها مصلحة في تسويق فكرة القطيعة (والتقاتل) بين المكونين الطائفيين وتحقيق الطلاق بينهما.. حافات منها تنظر الى الحكم باعتباره ملكا بالطابو لها.. واخرى تنظر اليه باعتباره وديعة ينبغي استردادها.
 اقول حافات.. اما الملايين، ونحن منها، فحالها حال المغلوب على امره، حتى  يستعيد أمره.
**********
" علامة العقل المتعلم هو قدرته على تداول الفكرة دون أن يتقبلها".
ارسطو


15  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / بلد المفاجآت في: 19:34 20/01/2013

بلد المفاجآت

عبدالمنعم الاعسم

عراق المفاجآت شاء ان يُنبت هاجس المفاجأة في دواخل كل مواطن من مواطنيه، فنسمع دائما من يقول بعفوية "لا ندري ماذا يحدث غدا" أو "لا استطيع ان اتعهد بالتزام انفذه بعد اسبوع .. فما ادراك ما يحدث آنذاك؟" او من يقول لك "خذ ما يتوفر في متناول يديك الآن فقد يستحيل عليك الحصول عليه في وقت آخر" أو "انها فرصة لك.. إقتنصها..فانت في العراق بلد مضيعة الفرص".
 اما التاريخ، فلا شأن به للعراقي الذي يعيش هذه الاحداث العجيبة والتحولات الغريبة بالاقدار، والسياسات، والمصائر، وقد لا تهمه دروس التاريخ اصلا، إلا في حدود مناكدة خصمه السياسي، وكأنه يعرف ويؤمن بما كان  يقوله فولتير من ان التاريخ هو الكذبة المتفق عليها من الجميع.. وقد لا تتفاجأ من العراقي المتعلم، بخاصة، ان يقول لك "عمي، يا تاريخ، دعنا من هذه القوانة" او يقول لك آخر متحذلقا: "يمعود.. لو التاريخ صحيح ما كانوا علموه لنا في المدارس بالعصا" وينقل لك عن سقراط قوله "الصحيح لا يحتاج الى الهراوة لكي تتمثله".
 والغريب ان العراقيين صدروا هاجس المفاجأة الى العالم، فقد كتب صحفي لـ  "بي بي سي" غداة انتخابات 2010 يقول عندما خرج العراقيون من هذه الانتخابات لم يتركوا للعالم فرصة لتحليل النتائج، فسرعان ما فاجأونا انهم ينظرون الى الانتخابات خلاف ما ننظر اليها.. فتركوا النتائج لنا لندوخ بها وراحوا الى الكواليس ليلتفوا عليها ويخرجون لنا بحكومة جديدة، لكن بعد 248 يوما من التصويت واعلان النتائج التي لم يصادقوا على شرعيتها إلا بعد 90 يوما.
 والاغرب ان بعض نشطاءالانتخابات والسجالات الساخنة على الشاشات الملونة من اصحاب شعار اقامة الدولة الدينية في العراق فاجأوا المراقبين، بعد حماستهم للتنافس الانتخابي وتحشيد الاتباع والموالين والمصلين، انهم تحولوا الى التجييش من اجل "حماية الدين المهدد بالضياع" ولسان حالهم يقول:
 عمود الدين لا يقوى بتصويتٍ وتخذيلِ.........
                      /فغير السيف لا يجدي يميناً فتية الجيلِ
 ويبدو ان معدة العراقيين صارت تهضم هذا الحجر القاسي الذي "حطّ من علِ".. وإلا كيف يمكن لشعب ان يتحمل هذه الطبخة النيئة والفاسدة التي تجري امامه، الآن، وبالحشوة الطائفية المسلحة، لو لم تكن معدته من الكونكريت المسلح؟.
 اليست هي مصادفة اخرى؟.
***
"ان الانسان اختراع حديث العهد".
فوكو


16  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / قانون العفو العام.. تحفظات في: 12:23 14/01/2013

قانون العفو العام..
تحفظات

العفو العام إجراء سياسي، قبل ان يكون اجراء قانونيا، لجهة ترسيخ السلام الاهلي على قاعدة طي صفحات الماضي وتحقيق اركان العدالة الانتقالية، وبناء مقدمات دولة المواطنة، وهو الى ذلك عقد اعتباري وحقوقي بين الاطراف المعنية به: السلطة والضحايا والجلادين والموالين والمعارضين والفئات السكانية والاجتماعية على حد سواء.
تجارب العفو العام في العالم مختلفة، لكنها جميعا، تتحقق في حال واحدة هي وجود ارادة لتصويب وترشيد البيئة السياسية واحتواء الصراعات السياسية وانهاء اجواء الاحتراب.. هذا ما حدث في جنوب افريقيا والارجنتين (نموذجان جديران بالدراسة) والكثير من الدول التي خرجت من دوامة النزاعات الداخلية واتجهت الى اعادة البناء وتأمين الثقة ومد الجسور بين مكوناتها وفئاتها السياسية والدينية والاجتماعية المتقاتلة او المتنافرة.
 في بعض الدول المستبدة تعلن السلطات عفوا عاما مغشوشا بهدف خداع العالم والراي العام لتجهيز انطباع انها تغير من نهجها وتتجه الى نظام العدالة والرحمة والواقعية وإنهاء التنكيل بالمعارضين، وبعضها تعلن العفو العام كفخ لمناهضيها للايقاع ببعض المطلوبين منهم او لشق صفوف المعارضة وإضعافها، او التعامل مع المشمولين بالعفو كمذنبين عادوا الى الطاعة، وكل هذه البروفات جربها النظام السابق في العراق حتى صار يصدر العفو العام كلما شعر ان سمعته تتدهور اكثر فاكثر..
 وبمعنى ما فان العفو العام ينبغي (لكي يكون راسخا وقابلا للتطبيق والنجاح) ان يكون مسبوقا بارادة ونيات وتشريعات تاريخية تكون قد سجلت نهاية مرحلة مضطربة ومتوترة وعدوانية وبداية مرحلة  اخرى من الشراكة والصفح والبناء والسلام الاهلي والتداول السلمي للسلطة.
 االعراق، الان، احوج ما يكون الى عفو عام، لكن السؤال الاعتراضي الذي يثير اسئلة تفصيلية هو هل سيضمن قانون العفو العام قيد المناقشة في مجلس النواب الانتقال الى مسار جدديد في الحياة السياسية؟ وهل فعلا ستنتهي اعمال العنف، وتتحول الجماعات المسلحة الى تنظيمات مدنية للبناء والشراكة؟ وهل سيخرج المذنبون من السجون الى مزارع ومواقع العمل والحياة الطبيعية؟ ثم، هل ان اصحاب قانون العفو سيقولون ما كان يقوله نلسون مانديلا: علينا نحن الضحايا ان نتعلم ثقافة العفو قبل غيرنا.
***
"لا تنتهي جميع الفرضيات الى الهندسة".
اقليدس

17  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / لماذا نكتب في السياسة.. بل لماذا نكتب اصلا؟ في: 07:59 08/01/2013
لماذا نكتب في السياسة..
بل لماذا نكتب اصلا؟

عبدالمنعم الاعسم
 
هذا السؤال ، كما ترون مركّب، وإشكالي، وله ما يبرره، ومطروح على سطح اهتمامات العصر والكتاب والدراسات المختلفة، فقد اصبحت الكتابة في السياسة مشكلة بحد ذاتها، لانها، من جانب، دخلت في متطلبات السياسة، وشرطها لتزييت ماكنة المصالح حتى في ابشع تطبيقاتها، ومن جهة اخرى، اصبحت مسؤولية لا فكاك منها بالنسبة للكاتب، واداة خطيرة يستخدمها لتصويب مجرى الاحداث ودحر الاغاليط، او خلاصا له مما يحيطه من اسئلة، أو وقاية مما يداهمه من اخطار، او حلّا لاشكاليات التعامل مع الواقع في وقت يزداد هذا الواقع تعقيدا واحتقانا.
عندما حُرمت فيرجينا وولف من الكتابة واجبرت على العودة إلى مصحة الأمراض العقلية بدعوى عدم انسجامها مع المجتمع الذي كان يلزم عقل المرأة بالمشغولية النمطية في مسائل الإنجاب وتدبير المنزل، لم تجد بدًا من الانتحار. فقد جربت دون جدوى تحدي الحرمان من الكتابة، ولم تعد قادرة على مجرد التفكير بالعودة إلى المكان الذي سيسلبها حريتها في ممارسة حرفتها الوحيدة.
وقبل عقدين من السنين فاجأني رجل الامن البريطاني وهو يسجل طلبي للجوء الى المملكة المتحدة، بالسؤال: اذا كانت مشكلتك مع صدام حسين هي الكتابة، وهي مصدر عيشك، فلماذا لم تفكر في تغيير هذه الحرفة الى حرفة اقل خطرا وابعد عن يد الملاحقة؟ فلم اجد جوابا جاهزا للرد، واتذكر اني اجبته بما لم يكن مقنعا، ولهذا فانه وضع امام طلبي علامة استفهام كانت السبب في تعليق حالتي لفترة اطول من فروض الموافقة على طلب اللجوء، لكن المهم، هو انني وبعد اكثر من عقد من السنين، التقيت محاميا متخصصا ليخبرني ان سؤال رجل الامن كان يتعارض مع حقوق الانسان، لان الكتابة مسؤولية، ورجل الامن البريطاني كان يقلل من شأن هذه المسؤولية، بل يعطي للدكتاتورية مبررا في التنكيل بالكتاب الاحرار.
الكاتب البريطاني الشهير “سومرست موم” في كتابه (الخلاصة) يتحدث عن تكاليف الكتابة في زمن المسؤولية التي تحولت الى معنى التضحية من اجل قيم الحياة، وسجل “لقد وجدت نفسي على صفحات الورق، فمن يستطيع ان يرفعني عنها”
وسئل الأديب والكاتب أورهان باموك الفائز بجائزة نوبل في الآداب هذا السؤال: لماذا تكتب؟ فقال: أكتب لأنني غاضب منكم جميعا.. أكتب لأنني لا أستطيع تحمل الحقيقة إلا وأنا أغيّرها”.
اقول: نكتب، لان الكتابة لا تزني.. ونكتب في السياسة، لأنها تزني احيانا.
 
****
" من الصعوبة أن تحرّر السذّج من الأغلال التي يبجّلونها".
فولتير
18  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / ما الذي يحدث؟ في: 12:27 29/12/2012


ما الذي يحدث؟

عبد المنعم الاعسم   
 
ما نستمع اليه من توصيفات للأزمة السياسية الجديدة (حمايات العيساوي) على لسان اطرافها، لا تعدو عن انصاف حقائق وإن اَجمَعتْ، اذا ما اعدنا تركيبها على نحو موضوعي، على اسباب تتعلق بعلل ادارة الدولة واللجوء الى الشجن الطائفي وعيب المحاصصة والاستفراد بالقرار والتعدي على استقلال القضاء ودعم الارهاب.
بين ايدينا بيان اطلقه مكتب رئيس الوزراء  بصدد اعتقال حمايات وزير المالية وخطاب القاه الوزير امام تظاهرة الفلوجة الغاضبة، يحاول كل منهما أن يبرئ نفسه مما تمر به البلاد من احتقان سياسي وطائفي، ويلقي بها على الاخر،  ولا يخلوان (البيان والخطاب) من عبارات الوطنية والغيرة على مصالح البلاد ولحمة الشعب، وشتم الفتنة، والتزام الحوار واحترام القانون، كما لا يخلوان من لغة التهديد والوعيد ضد بعضهما ، والايحاء بلا جدوى الشراكة بينهما.
وبين البيان والخطاب بيانات وتصريحات عدة عاينت الازمة من زوايا مختلفة، فقد شدد الصدريون على مسؤولية رئيس الوزراء واتهامه بالدكتاتورية، وحذر التحالف الكردستاني من الفتنة الطائفية ودعا الى التخلي عن سياسات الاستفراد بالقرار السياسي، لكن بيانا للاكثرية الحاكمة (الائتلاف الوطني) كان الاكثر اضطرابا ومدعاة للتأمل، فقد مشى بجوار بيان رئيس الوزراء باثارة الشكوك في سلامة نيات معسكر العيساوي، وجدد تمسكه بالمالكي لكنه افترق عنه في جملة ناعمة لا تخلو من دلالة، وذلك بالدعوة الى “عدم التفرد في أي قرار يتعلق بإدارة الدولة العراقية والشؤون السيادية، انطلاقا من حماية المصالح الوطنية والعمل بمبدأ التوافق الوطني وتحكيم الدستور في حل الإشكاليات القائمة” وهي عبارة تُقرأ كنصيحة موجهة الى رئيس الوزراء بوجوب الادارة الجمعية التوافقية لشؤون الدولة الحساسة.
الحقيقة التي لا يمكن اخفاؤها في هذا السجال ان للازمة حساب في ملف الانتخابات الذي يطرق الابواب، وان الاطراف الفاعلة في المعسكرين تسعى الى اختطاف اصوات الجمهور من اتباع هذه الطائفة او تلك وتوظيفه في اللعبة البرلمانية حتى لو ادى ذلك الى تدمير ما تبقى من اركان الدولة ووحدة مواطنيها، فثمة تكتل يروج لطائفته ان فرصتها للحكم مهددة من الطائفة الاخرى وزعاماتها السياسية، وان عليها شحذ الالتفاف حوله والتصويت له والمراهنة عليه، فيما التكتل الثاني يجهّز للطائفة الاخرى شعورا بالمهانة وضياع السلطة والدولة من بين يديها، وان رأسها مطلوب وشريكها يتمدد خارج ساحته، والحل بتوحيد الصف حول المشروع السياسي  الاعتراضي للتكتل.
المنطق يقول انه من نقطة التماس بين المشروعين تندلع شرارة الفتنة والمواجهة والحرب، لكن ليس كل الاشياء تمضي في انبوب المنطق، فثمة الى جانب ذلك ما يسميه علم السياسية حساب الربح والخسارة.. فالمواجهة تعني الكارثة، والكارثة، كما نعرف ويعرف الطرفان ايضا، عمياء لا تعرف، حين تحلّ، مَن كان على حق، ومَن كان على باطل.. وبين الحق والباطل شعرة واحدة واكاذيب كثيرة.
 ***
"من لم يحمدك على حسن النية لم يشكرك على جميل الفعل".
المأمون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

19  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / مام جلال.. لم نكمل الحديث.. بعد في: 12:18 22/12/2012


مام جلال..
لم نكمل الحديث.. بعد

عبد المنعم الاعسم  
 
حمّلنا قلبكَ فوق ما يستقوي، وحمّلنا عصاكَ فوق ما تحتمل، والقينا عليهما ظنونا ومخاصمات عمرها عمر الخارطة التي نقيم، فيما نحن ندور حول ذواتنا، ونمسك بتلابيب بعضنا، ونقف معجبين عند آخر شتيمة صريحة قالها فينا التاريخ: امة الشقاق والنفاق.
 نقف طويلا، لا نتقدم ولا خطوة واحدة مخافة ان نسقط من علوّ شاهق الى قاع من الزفت، تلك هي حقيقتنا العذراء، العلقم.     
في هذه اللحظات، وانت بين رمشة حياة واغفاءة ابدية، اكتشفنا مأزقنا: يحاذينا من اليمين منحدر، وتحاذينا من اليسار هاوية. اما شركاؤك فانهم في غيّهم ماضون، وياما حذرتهم مما ينتظرهم من شؤم إن تمادوا في الهروب من الاسئلة التفصيلية وفروض العدالة.
نعرف انك بشر، لك ما لك وعليك ما عليك، ونعرف اننا لسنا ملائكة، ولسنا اول المتعلمين او المتحضرين كما كنا نوحي للاخرين في كراريسنا وشعاراتنا البالية.
الآن، وفي هذا المنعطف يسألنا المستقبل من انتم؟ والى اين ماضون؟ فنرد له جوابا من نشارة الخشب: لا نعرف.
هكذا القت بك التقاويم والاقدار في طريقنا، وهكذا شاءت اعوامك الثمانون ان تخوض المعركة المستحيلة لترشيد السياسات وتقريب وجهات النظر وتطويع حجر العنجهيات حتى آخر ما تملك من حَيْل وحكمة، وبين احشائك فضلة قليلة من العمر.. وانت بشر.. تحاول في كل مرة ان تلوذ بالطرفة، و”آخر نكتة” تصلك من افئدة المحتارين والغاضبين وابناء الحسجة، وانت تعرف ان لا مكان في المقام من هزل، ولا موضع في المقال من جد.. فالمقام والمقال يحتضران بيد لاعبي المرحلة، الماضون في رطاناتهم، في ما بين الجد والهزل.
لم يصدِقك إلا قليلون، اضطر بعضهم الى الصمت، يا للفجيعة.
كانت مشكلتكَ معنا نحن المحسوبون عليك، لا المحسوبين على غيرك.. لقد ارهقناك في ما نختصم، وما نريد، وفي ما نعاني.. وكان لنا الحق.. هكذا كنتَ تقول لنا، وتقول لهم، لكننا كنا نريد حصتنا منك. الست رئيسا لنا ولهم؟. تلك واحدة من التباساتنا معك، وواحدة من المهن التي برعتَ في توليف ابجدياتها، وواحدة من المسارات الخطرة التي قطعتَ وعورتها.
مساء الاثنين، عندما انتقلتَ من مهابة ادارة السياسة الى هيبة استطالة السرير، اوقعتَ الجميع في فضيحة، ربما لن يخرجوا منها قبل ان يهزموا انفسهم بانفسهم، بقطرة الحياء.. اين هي قطرة الحياء؟.
انهض مام جلال. لم نكمل الحديث..فسيذبحون بعضهم.
 ***
“اين هي شجرة الصندل التي تعطر الفأس التي تقطعها؟”.
  سعدي شيرازي



20  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / نائبة في: 20:47 12/12/2012
نائبة

عبد المنعم الاعسم
 
 
 نائبة برلمانية اختصت منذ زمن باطلاق التصريحات عن الاخطار التي تحدق بالعراق من اقليم كردستان والكويت، وتحرض الحكومة عليهما، وتزايد عليها، مع انها في صف المعارضين  وفي قوام المعارضة. مرة قالت ان الحكومة متواطئة مع اولئك وهؤلاء، ومرة اخرى ظهرت تلوح بملف انتهاكات حدودية مسجلة على الكويت، وشوهد نفس الملف، مرة ثانية، وهي تقلبه وتتحدث تحت قبة البرلمان عن خروج اقليم كردستان على “الانضباط  الوطني”.
لم يرد عليها الكرد، عفة منهم حيال سيدة لها مكانة ما على مقاعد البرلمان، او تقديرا على انها تتشوق الى الرد منهم لتبيعه الى كتلة “ضامنة” على قاعدة رغيف ابيض لليوم الاسود. اما الكويتيون فقد اكتفوا بعمود صحفي هابط المستوى اساء لها ولنا نحن العراقيين، وقيل ان البضاعة الكلامية الكويتية هذه غير صالحة للتسويق لفساد في الطعم والرائحة، وقيل ان زملاء للنائبة زعلوا على استطراداتها إذ اشتمّوا فيها رائحة غير طيبة وبعضهم حشرها في تأويلات وروايات، والجميع متفقون على انها تسعى الى ضمان مقعد لها في القبة القادمة عن طريق اثارة معارك بعضها يثير الشفقة.
قال لي مثقف من المدينة التي انتخبت عنها السيدة النائبة ان ناخبيها نسوها منذ زمن بعيد، فلم يكن احد يعرف انها دافعت مرة (ولو بالخطأ)عن عائلة منكوبة، او تبنت تعيين احد العاطلين، او اعانت ارملة على مشاق الحياة، او قادت عابر سبيل ليصل الى مكان يقصده، او سهلت لحي من الاحياء الحصول على الخدمات، بل ان الوفود التي التقتها وتحملت عناء السفر من البلدة الى العاصمة عادت خائبة بعد ان سمعت من االنائبة كلاما “خارج الصدد” وتساءل هذا المثقف (الذي اكتب هذه الكلمة بطلب منه وبعد تردد مني) عن مسؤولية النائب الدستورية، هل هي اطلاق التصريحات وخوض معارك بالنيابة، ومشاجرة دول(وهي مسؤولية الجهات الدبلومسية الرسمية) ام هي الرقابة على عمل السلطات والسعي الى خدمة اولئك الذين انتخبوها الى البرلمان؟.
على انه قبل عام كانت السيدة النائبة (اكرر: السيدة النائبة) قد انصرفت الى مهاجمة “مؤامرة” ايرانية وجيوش تزحف نحو العراق، ثم ، فجأة اوقفت مدافعها الثقيلة على الجبهة الشرقية لتنقل البندقية من هذا الكتف الى كتف آخر، والتصويب من الشرق الى الشمال والجنوب..
السيدة النائبة، عالية نصيف تجرب ان تعبر نهر المعارضة بدون تكاليف كما عبرت نهر الاجتثاث من دون كلفة.. وآخ من لساني.
 ***
“كل الطرق الآسنة تؤدي الى المزبلة”.
زكريا تامر

21  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / لا.. يا رئيس الوزراء في: 21:38 02/12/2012


لا.. يا رئيس الوزراء

عبدالمنعم الاعسم
الخصومة التي يخوضها رئيس الوزراء نوري المالكي مع (والاصح: ضد) شركائه الكرد في الحكم والعملية السياسية، وقبلهما في معارضة الدكتاتورية، محيرة، ومثيرة، وتفتقد الى عناصر الدراية والحكمة والتحسب للاخطار، وهي اكثر حيرة وتعقيدا وخطورة، في منحاها التصعيدي اليومي، وفي اللهجة المتوترة والحانقة والتعبوية التي جميعا تؤثث المسرح لمواجهة، أو “منازلة” مع المكون السياسي والقومي الكردي ربما تخرج عن الانضباط، ولتعيد الاذهان الى تقاويم الحروب الكارثية المسجلة باسم حكومات العراق الملكية والجمهورية والبعثية التي تساقطت تباعا وفي سجلها خطيئة القفز من فوق فروض الشراكة في الوطن، وخطأ استخدام القوة لفرض مشيئة المركز، الذي لم يكن إلا فردا في حقيقة الامر.
لكن الاكثر خطورة، في ادارة السيد المالكي للخصومة مع الشركاء الكرد، يتمثل في لجوئه الى لغة التهديد، في بيئة سياسية ملبدة بغيوم سوء الظن وانعدام الثقة وتحفز المشيئات الاقليمية، وفي وقت يقف المالكي وحيدا في هذه الزاوية إذا ما اخذنا بعين النظر معارضة اقرب حلفائه في التحالف الوطني (التيار الصدري. المجلس. المؤتمر الوطني..) لهذا المنهج فضلا عن الكتل الاخرى التي تشكل قوام حكومته.
كل هذا يفتح السؤال الاستباقي المهم: على من يراهن رئيس الوزراء في حراكه هذا؟ والجواب السهل الذي نسمعه من اركان خيمته يقول ان هذه السياسة تحظى برضى الشارع، او في الادق، بتأييد ابناء الوسط والجنوب من الجمهور الشيعي، وبعض شرائح العرب من سكان كركوك لاسباب تتصل بحساسيات قومية مستعارة من عهد الدكتاتورية، فيما يتشكك كثيرون بصحة (او رسوخ) هذا التأييد.
اما اذا كان  التجييش ضد الكرد يستهدف الى حسم الصراع السياسي على السلطة لصالح المالكي، فهو الاخر منزلق نحو نفق مظلم لا آفاق له في الحسابات الانتخابية المعروفة، وثمنه باهض، فالقوى التصويتية هذه جربت وعود كابينة رئيس الوزراء بتحقيق الرخاء والاستقرار والإدارة الرشيدة، وقد سقطت جميع تلك الوعود في وحل سنتين ونيف من ولايته، الامر الذي يستخدمه منافسوه، ايضا وعلى نطاق واسع، في حملتهم الاعتراضية الانتخابية  كما نشاهد ذلك على واجهات الاعلام، وعلى مدار الساعة، وليس من غير مغزى ان تقف مرجعية النجف الدينية في صف الحسابات الاخرى.
خطوط التماس مع الاقليم، بعد ذلك وقبله، لا تصلح ان تكون ورقة انتخابية، او مفتاحا لزيادة مناسيب الاصوات، او ميدانا لتجريب كفاءة الدبابات.. او حتى التهديد باللجوء اليها..
لا، يارئيس الوزراء.. بالتهديد لا تدار مثل هذه الامور.
 ***
“ ما يسلب بالعنف لا يحتفظ به إلا بالعنف”.
                        المهاتما غاندي
 

22  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الغطرسة في: 21:27 21/11/2012

الغطرسة

عبد المنعم الاعسم  

الغطرسة مركب من مركبات السايكولوجية المعتلة تاخذ صاحبها الى ادعاء القوة، او الاستيهام بها. تمثيلها او الشعور بها.
في الحياة العامة، تظهر الغطرسة على شكل سلوك طاووسي. الخيلاء الفارغة. الزهو بالمظهر. الاستعراضية. الانفة. تصغير الاخرين، وإذا ما أمكن قهرهم، وتحفظ الذاكرة الشعبية الفلوكلورية روايات كثيرة عن الفجائع والمفارقات والمعارك المسرحية او الكارثية التي ترتبط بمتغطرسين.
الغطرسة في بعض انحرافاتها جُبن، فليس غير الجبان من يحتاج الى الزعم بانه قوة لاتقهر، ولاتُكسر، ولاتبارى. الفارس يتحدث الاخرون والتاريخ عن مآثره وشجاعته وانتصاراته.
والغطرسة لاتعرف التواضع، ولا الاعتراف بقوة الآخر، ولا حتى بخذلانات صاحبها. انها، في بعض ممارساتها، ذرائعية مقيتة، ولاتتورع عن تسمية الاشياء بنقائضها. الهزيمة انتصارا، مثلا، وحين يُمرغ انف المتغطرس بالتراب، لايشعر بالعار. انها، من زاوية معينة، قناع يتوسل به ضعاف النفوس لاخفاء حقاراتهم وهوانهم واضطرابهم النفسي.
خارج السياسة تترك الغطرسة اثارا مؤذية محدودة قد تقتصر على صاحبها، او على دائرة من المضللين والاتباع، لكنها في السياسة قد تلحق الاذى بدائرة اوسع. اوطان كثيرة وامم دفعت ثمن غطرسة ضربت قادتها، فالسياسي المتغطرس عدو للحسابات الواقعية للامور والقوى والحجوم. عدو للنصيحة والتبصير والاستشارة. عدو للحكمة ودروس الاخرين وخبرتهم.
السياسي المتغطرس يضيق بحكم التغيرات وتقلبات الاقدار واتجاهات الرياح فينزل منزلة دون كيشوت في مقارعة الانواء بسيف من خشب، ويخوض معاركه حتى نهايتها على الرغم من انها خاسرة.
والسياسي المتغطرس مولع بالخطابات والتصريحات. انها توحي له بالقوة الاسطورية الماحقة لـ”العدو” واكثر ما يعنيه من ذلك ان يسمع مديحا لما يقول، ثم يتوهم ان ما يقوله يتحول الى نص ساحر، مقدس، سرعان ما يدخل افئدة الملايين فتذعن له.
اعداء السياسي المتغطرس نشارة خشب، لا قيمة لهم، وهو بخطاب واحد، كما يتوهم، سيجعل كل واحد منهم تحت نجمة.. والنجوم بين يديه.
الغطرسة السياسية، عندما تتحكم بالامور، تبدو كما لو انها عقوبة للامم التي لم تتعظ من التاريخ.

*********
" من يأبى اليوم قبول النصيحة التي لاتكلفه شيئا فسوف يضطر في الغد إلى شراء الأسف بأغلى سعر".
افلاطون

23  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / تاريخ في: 11:07 14/11/2012
تاريخ
عبدالمنعم الاعسم
 
في عام ما قبل الميلاد  ومضت نجمة في برج الثور، ثم هاجرت الى مدار آخر، غير انها بقيت تومض، وتومض، طوال ثلاث وعشرين يوما قبل ان تنطفئ، والى الابد.
لكن؛ ثمة في عدن من يتحدث عن تلك النجمة بوصفها حصانا من الضوء انشطر الى مسارين، سقط الاول منهما على قلعة صيرة التاريخية في عدن، وحط الثاني في آثار بابل المهيبة في العراق، وذكر الشاعر اليمني الحميم محمد حسين هيثم الذي سمى ديوانه الثاني (الحصان) ان اسطورة النجمة لا ثبت لها في المدونات التاريخية او العلمية، لكن امرأة عدنية نسجتها منذ زمن بعيد وصارت على كل لسان، والاصل ان ابنها هاجر الى العراق ومات هناك فجُنت عليه وتخيلته نجمة على هيئة حصان شارد، وضحك هيثم وهو يروي القصة بيننا، نحن اصدقاؤه المهاجرين من العراق قائلا: قد تُجن واحدة من امهاتكم لتعيد نصف حصاننا الينا.
في مجالس(مقايل) اليمنيين يحضر العراق طالما نكون ضيوفا عليها، وما اكثر ما كنا نشارك اليمنيين، ملاطفة، سهرات القات، وندخل معهم في دورة السجالات والطرف، ومرة قال الصديق الدبلوماسي احمد ابكر الذي يعد نفسه خبيرا في تاريخ العراق: انكم شعب استوطنته الاحزان وصرتم لا تبكون على انسان عزيز فقدتموه فقط، بل وايضا على الجماد، ولكي يعزز رايه فقد استطر الى التأكيد بان ابن الجوزي ذكر في كتاب المنتظم ان عراقيي واسط حزنوا على منارة مدينتهم التي انهارت العام 497 هجرية وكانت قد بنيت في عهد المقتدر وعمّرت مائة وخمسون عاما، ولم يهلك جراء انهيارها احد، لكن اهل المدينة عمهم حزن عظيم وارتفع بينهم عويل استمر سبعة ايام.
غير ان مهاجرا عراقيا اختص في التاريخ اليمني رد بالقول: ان اليمنيين القدامى كانوا يحزنون حزنا شديدا على موت الحيوان، لا الجماد كما هو حال اصحابنا، فقد اورد صاحب المستبصر قبل ما يزيد على سبعمائة عام ان عرب اليمن كانوا يقيمون مجالس العزاء ومناسبات الحزن للغزال الميّت لعدة ايام، وانهم اذا ما وجدوا غزالا ميتا اخذوه وغسلوه وكفنوه ودفنوه وأقاموا له واجب العزاء، مشققين الجيوب، مقطعين الشعور، ذارين التراب فوق مفارق الرؤوس.
وحين يقول قائل من اليمنيين: انكم ايها العراقيون من بلاد مسكونة بالكوارث منذ القدم، فانهم ينسون انهيار سد مارب الذي جرف المال والحلال وترك البلاد خرابا تنعق على اطلالها الغربان.
***
 " كل شيء يمكنك أَنْ تتخيله هو حقيقي بالنسبة لك".
بيكاسو
24  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / محنة الوزراء في: 14:37 13/11/2012
محنة الوزراء

عبدالمنعم الاعسم
 
كشفت قضية البطاقة التموينية عن سلسلة من المفارقات العجيبة، لايمكن لها ان تحدث إلا في بلد (ليزعل من يزعل) سقط توا من مجرة بعيدة، او لفقته الصدف على عجالة.
فان رئيس الوزراء، كما قال اقرب مقربيه، لم يكن راضيا او متحمسا لقرار مجلس الوزراء بالغاء البطاقة التموينية، لكن اتضح لاحقا ان جدول اعمال المجلس كان خاليا من فقرة البطاقة التموينية، وقد اقحمت الفقرة بالغاء البطاقة التي تهم معيشة ما يزيد على عشرين مليونا من العراقيين، وجرى التصويت عليها في غضون دقائق من قبل الجميع باستثناء وزير واحد  وأحد المستشارين.
ثم، بعد ذلك فوجئنا بالتراجع “المنظم” بسلسلة من البيانات والتصريحات تنبذ القرار وتتقاذف المسؤولية عنه، وتهاجم “الشيطان” الذي اغوى اصحاب القرار، وذكرنا ذلك بحديث الرسول، بحسب الصحابي ابي سعيد، إذ قال الشيطان “بعزتك يارب، لا ابرح اغوي عبادك”.. وهو من دون غيره وراء هذه المكيدة  التي عادت الى نحرها بقوله تعالى في سورة النساء “إن كيد الشيطان كان ضعيفا” ثم، جرت عملية قيصرية على القرار تحتفظ  بنصف ماء الوجه، ونصف الفضيحة..
كل هذا وضع على وزراء الحكومة مسؤولية كبيرة، وعلى رئيسها مسؤولية اكبر. وعلى الوزارة متضامنة من زاوية ما. المشكلة انه في كل مرة يُلقى باللوم على الوزراء وحدهم، ويقفون منفردين تحت قذائف النقد والتشهير حتى من كتلهم التي رشحتهم الى مقاعدهم، ومن انصار تلك الكتل ايضا.
جميع الوزراء وافقوا على القرار.. ثم انفسهم تراجعوا عنه.. فمن سيحمل الملايين على الثقة بقرارات ستصدر من هذه المرجعية التنفيذية مستقبلا؟ وماذا تبقى من سمعة الوزير؟
الى هذه الحكاية من مستطرف العلوي (ص69):
حدّث ابو الحسين بن عياش (القرن الرابع) قال: رايت في شارع الخلد ببغداد قردا مدربا يجتمع الناس عليه فيقول له (صاحبه) القراد: تشتهي ان تكون بزازا؟ فيومئ القرد براسه: نعم.
تشتهي ان تكون عطارا؟ القرد: نعم.
تشتهي ان تكون ... ويعدد مجموعة من الصنائع والقرد يومئ بالموافقة.
ثم يسأل القرد:
تشتهي ان تكون وزيرا؟
فيومئ القرد براسه: لا! ويردف بالصياح والركض محاولا الهرب!
 
***
"سيبقى الفشل مرا إذا لم تبتلعه".
انيس منصور
25  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / العراق واوباما.. الثاني في: 00:10 11/11/2012

العراق واوباما.. الثاني

عبدالمنعم الاعسم

الذين يعتقدون بان اوباما في ولايته الثانية هو نفسه اوباما، كما كان، في الدورة السابقة، واهمون، ولا يقرأون إشارات التغيير في خطاباته واجراءاته وتلميحاته كفاية، كما يتجاهلون حقيقة ان رؤساء الولايات المتحدة، يرجئون عادة بعض خططهم المثيرة للجدل  ومعاركهم الحساسة الى الولاية الثانية.
وما دمنا في شأن العراق فقد عُرف عن الرئيس الامريكي انه وضع جانبا خيار “التدخل” في سياقات الازمة السياسية، ونأى عن التحيز الى جانب هذا الفريق او ذاك، وقد تَرجم هذا الموقف خلال تجاذبات سحب الثقة عن رئيس الوزراء، فيما فُهم نأيه عن دائرة الصراع السياسي العراقي، خطأ، بانه معارضة للقاءات اربيل ومفاعيل سحب الثقة.
بل ان ادارة اوباما لم تتخاشن مع بغداد في مواقف حساسة، مثل التعامل مع الاحداث السورية، او التوجه نحو روسيا في التسليح، او في قضايا الاستثمار في الصناعة النفطية، وتركت الامر الى تعليقات الصحافة الامريكية، والى طاولة ما بعد الانتخابات، وعذرها، ان المعركة الانتخابية لا تتحمل عناوين تصعيد في الملفات الاقليمية والدولية، وتجب الاشارة الى محاولات اوباما منع استخدام الخيار العسكري ضد ايران، على الرغم من الضغوط الاسرائيلية والخليجية لجهة كسر شوكة القوة الايرانية الجامحة.
الرئيس الامريكي، بوجيز الكلام، سيجري تغييرات على سياسته العراقية، بعد ان رفع الحذر من دواعي الانتخابات وتحدياتها، اما الجهة التي ستمضي فيها هذه التغييرات فانها ستتركز على البقعة ذات العلاقة بالصراع على السلطة، وعلاقة ذلك بانتخابات العام 2014 فقد تسربت من البنتاغون وبعض حلقات الاستشارة في البيت الابيض نصائح بوجوب “التدخل” من قبل الرئيس في تلك البقعة لمنع صعود قوة “عدوة” للولايات المتحدة الى سلطة القرار واستفرادها بادارته، ودعت مطالعة عسكرية الى استباق انزلاق العراق الى محور اقليمي مناهض بسلسلة من “المعالجات” في حين اكدت مؤشرات بان اوباما ارجأ اقشتها الى الولاية الثانية، والمهم انه ابدى تعاطفا مع تلك التحذيرات، بحسب التقارير المنشورة.
ارتياح الطبقة السياسية العراقية حيال عودة اوباما الى البيت الابيض، كما يبدو، ينطلق من تمنيات، بين السطور، بان يواصل سياسة ولايته الاولى حيال العراق وشؤونه، لكن التمنيات في السياسة مثل اي بالون تطلقه من نافذة الى الفضاء، قد يعود اليك.. وقد لا يعود.

***
" نحن نقدر الصراحة ممن يحبوننا، أما الصراحة من الأخرين فنطلق عليها وقاحة".
اندريه موروا






26  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الى اين؟ في: 13:35 08/11/2012

الى اين؟

عبدالمنعم الاعسم

إذا قلنا بان وضع العراق يتجه الى التطبيع فاننا سنكون ساذجين، اما اذا صدّقنا اولئك الذين يقولون بان هذا الوضع مرتد الى الخلف ليقع بيد حلفاء السلاح من القاعدة والبعث فاننا سنكون أكثر سذاجة.
اذا لم نتقدم  نحو التطبيع ولم ننكفئ الى مشروع الردة، فما الذي سيحدث؟ او الى اين تتجه سفينة العراق؟
آخر تصريحات رئيس الوزراء نوري المالكي من شاشة السومرية اعطتنا مبرر القول ان بيننا وبين حل الازمة السياسية استحالات كثيرة لعل ابرزها إرادة الحل الذي لا يتحقق من دون تنازلات متقابلة بين اطراف هذه الازمة، ويبدو ان الجميع طووا فكرة التنازل والحلول الوسط.
في بغداد، يقول سياسيون ان الامر بحاجة الى وقت طويل حتى تنكسر بعض حلقات التوازن التي تحكم معادلات الصراع، وبخاصة تلك الحلقات ذات العلاقة بالاحداث السورية، وثمة بينهم من يأمل ان ينتهي  الملف السوري الى شكل من اشكال الحل، وقل الصفقة، بين ايران والولايات المتحدة لكي ينعم العراقيون بعدها بالامن والاستقرار والاستقلال.
ساسة آخرون يتخوفون من فكرة التقارب الآن ويعدونه “مؤامرة” ذات ابعاد اقليمية  تستهدف تقاسم النفوذ، ويقولون بان الرئيس اوباما في حال فوزه سيمضي قدما في هذا الخيار الذي –كما تؤكد التسريبات- سيحظى بترحيب ايراني، وهذا بحد ذاته يضيف بلبلة الى سلسلة البلبلات التي تعانيها عقول الساسة هنا.
“الى أين نتجه؟” قذفنا بهذا السؤال الى استاذ في كلية العلوم السياسية في بغداد، فقال: تعال نبتعد عن الجواب قليلا.. ان الازمة تخترق جميع القوى المتشابكة في العراق. الكيانات السياسية تتفتت وتزداد تناحرا. الحكومة تتبعثر وتمر بحالة استقطاب وتدار من غرفة واحدة محروسة جيدا، وموعد الانتخابات يضرب على الابواب، ويهرع الجميع الى حساباتهم ومسرحياتهم الدعائية. اعتقد اننا-كما قال- نتجه بـ”حكومة الشراكة” هذه حتى انتخابات العام 2014 وسنحتاج الى عشرين شهرا من الصراعات الفئوية الطاحنة.
محلل أكاديمي  ايده وافاد القول: خلال هذه الشهور العشرين ستتكون على السطح قوة شعبية غير طائفية.. انها بدأت تنمو منذ الان، وتظهر في امثلة كثيرة. زميل ثالث رد بالقول: انها قراءة متعجلة. الطائفيون يملكون امكانيات وآليات وامبراطوريات ستعمل جميعا للحيلولة دون ولادة هذه القوة.
الى ذلك تكونت مؤشرات عن سلبية الشارع الحائر بين ارتفاع اصوات الملعب وانخفاض سمعة اللاعبين.
**********
"من سرّه زمنٌ ساءته ازمان".
ابو البقاء الرندي- غفيه اندلسي

27  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / لماذا لم يندحر الارهاب في العراق؟ في: 10:29 07/11/2012
لماذا لم يندحر الارهاب في العراق؟

عبدالمنعم الاعسم
النظرية التي تقول بان النشاط الارهابي غريب عن المجتمع العراقي، او انه طارئ على بنية الدولة العراقية تحتاج الى مراجعة. العكس هو الصحيح تماما إذا اخذنا بالاعتبار بان اللازمة الاولى لهذا النشاط هو التطرف، وان التطرف، كممارسة مجتمعية وحكومية وتشريعية، له جذور وهياكل في المجتمع العراقي والدولة العراقية على حد سواء.
في الكثير من المنعطفات التاريخية والسياسية يحارَب الارهاب بواسطة ادوات ارهابية، فتستخدم الدولة ونظامها السياسي اساليب مفرطة في القسوة وتطال جمهورا محايدا ومصنفة في خانة “ارهاب الدولة” لقمع تيار يستخدم شكل او اكثر من وسائل العنف، وفي منعطف آخر، تندفع مجموعة مناهضة للسلطة في ترويج العنف والتجييش الارهابي ضد “ارهاب الدولة” القمعية، ومن هذا التقابل (الفعل ورد الفعل) تنشأ، موضوعيا، ذريعة التطرف التي تصنع لوازم النشاط الارهابي في المجتمع، في أي مجتمع.
النتيجة الاكثر وضوحا تتمثل في الاتي: ففيما يتمسك كل فريق متطرف بوجاهة الاسلوب الذي يستخدمه ويدافع عنه بوصفه خيارا وقائيا واخلاقيا، وضروريا للمصلحة العامة، فان المجتمع بمرور الايام سيفقد حصانته ضد التطرف، او في الاقل، سيوفر بيئة مناسبة لتبرير التطرف. الغريب ان المجتمع نفسه يدفع الضريبة الباهضة لهذه النتيجة الكارثية، ومن زاوية معينة، يبدو ان المجتمع هنا كما لو انه يعاقب نفسه بنفسه.
لكن لاينبغي ان يضيع، في هذه المعادلة، حق الشعوب في الدفاع عن نفسها، بالاساليب الوقائية، حيال ارهاب الدولة وحروبها  الداخلية او بمواجهة العدوان الخارجي، كما لاينبغي تحريم استخدام الردع من قبل الدولة للجم قوى الارهاب والجريمة.. وفي هاتين الحالتين ضوابط ومعاهدات وتشريعات تراعى بقدر استيعاب المتصارعين لها وبقدر فاعلية الرقابة الدولية لها، واخلاقياتها.
اقول، اذا ما اعترفنا بان ثقافة التطرف مورست وتمارس في المجتمع العراقي، دينيا وقوميا وسياسيا، فاننا بذلك اعترفنا بوجود واحدة من اهم لوازم الغبار الارهابي الذي هب ويهب على العراق، وهذا الاعتراف يساعد (ولايعرقل) المشروع البديل، مشروع الدولة المدنية السلمية القائم على اشاعة خيار التسامح والمصالحة والشراكة وتكافؤ الفرص واحترام خصوصيات وحقوق المكونات.
فمتى؟.
 *****
“ القطة التي ترتدي القفازات لا تصطاد الفئران”.
 فرانكلين
 **************

28  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / لقاء المالكي- النجيفي في: 11:05 06/11/2012

لقاء المالكي- النجيفي

عبدالمنعم الاعسم

لا يمكن القبول بالقراءات التي تذهب الى ان لقاء رئيسي الوزراء والنواب، نوري المالكي واسامة النجيفي، قد تمخضا عن اتفاق على خارطة طريق لحل الازمة السياسية في البلاد، فأنهما لا يحتكران  قنوات الحل هذه، كما ان المسرح لا يزال عند فصل اللقاء الوطني الذي لم يتحرك من نقطة المشاورات والتجاذبات حتى الآن.
أقول ايضا، ليس صحيحا الاطمئنان الى تسريبات عن “صفقة” بين الرجلين تعيد هيكلة التحالفات وتشطرها الى مكونات جديدة، ولا ينبغي الاستسلام لخيالات معلقين تحدثوا عن تحالف  بين المالكي والنجيفي في سباق مجالس المحافظات  الذي يبدأ في نيسان المقبل، وعلينا ان نهمل القول بأن النجيفي طلّق القائمة العراقية الى الابد، فالقائلون بذلك، من دولة القانون بخاصة، يعبرون عن تمنيات، ليس إلا. اما التقارير التي تحدثت عن اتفاق رئيسي الوزراء والنواب على بعض الإجراءات لتحريك بعض مشاريع القوانين النائمة ولاحتواء ازمة البنك المركزي فانها تتضمن قراءة يمكن تصديقها بحذر.
إذن ماذا حدث بين المالكي والنجيفي؟ وكيف يمكن النظر الى هذا الحدث اللافت؟ وما هي آفاقه؟.
التحليل الواقعي يضعنا امام استنتاج بأن اهمية هذا اللقاء، وأبعاده ونتائجه، تكمن في ذاته نفسه كلقاء بين اثنين من الزعماء السياسيين  المتنفذين بعد قطيعة طويلة وملامات وانعدام ثقة، حتى وإن جرى مجرى الاختراقات السياسية، وبمعنى آخر، يمكن تشبيه هذا المبادرة بإعادة العلاقات الدبلوماسية المقطوعة بين دول متخاصمة وقررت انهاء الجفوة بينها كخطوة اولى نحو فتح ملفات الخصومة والتقرب من إمكانيات حلها، وهو الامر الضروري لإيجاء بيئة علاقات نافعة للطرفين، وتأمين خط اتصال مباشر بينهما بدل تحميل الرسائل عبر آليات إعلامية او تسريبات او طرف ثالث.
نعم، تبادل الطرفان العتاب عن تأخر مثل هذه اللقاءات وبعض الامور ذات الصلة بالتشابك بين الوظائف الدستورية للسلطتين التنفيذية والتشريعية، وربما اعتذرا لبعضهما عن محاولات “اسقاط” وسحب الثقة واتهامات بالخيانة والفشل اطلقت منهما او من بعض المقربين منهما، وقد تظهر مؤشرات على تحرك في الجبهتين الحكومية والنيابية نحو تطييب خواطر الرأي العام، لكن المهم هو ان كلا من رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب، وجها رسالتين غير مكتوبتين الى كتلتيهما، التحالف الوطني والقائمة العراقية، بانهما يملكان اوزانا اضافية ينبغي الاخذ بها عند حساب الاوزان.
والاوزان هي حصص في نهاية الامر.. وهكذا عدنا الى النقطة التي بدأت منها المصائب: المحاصصة.
 
***
"لا يمكن لمعاهدة أن تدوم إلا إذا انتصر الطرفان".
جيمي كارتر



29  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / ابطال رياضة يبيعون الخضار على الارصفة في: 11:47 05/11/2012

ابطال رياضة
يبيعون الخضار على الارصفة

عبدالمنعم الاعسم

اتحاشى، في كثير من المرات ان اثير موضوع إداء وزارة الرياضة والشباب، لسبب واحد، هو معرفتي لعدد من مسؤولي الوزارة ممن لا أشك في نزاهتهم وحماستهم لتقديم خدمات لهذه الشريحة التي تعد من اخطر شرائح المجتمع واكثرها حساسية وعلاقة بمستقبل اي مجتمع.
ومنذ حين تجمعت لدي الكثير من المعطيات عن اهمال وفساد في شبكات الخدمة التي تقدمها الوزارة الامر الذي لاينال من سمعة اولئك الموظفين النزهاء والمتحمسين، ولايمكن السكوت عليه او العبور من فوقه، وقد فتح لي النائب المهندس شروان الوائلي الباب للحديث عن ذلك بعد ان كشف بان هناك ابطالا عراقيين على المستوى الدولي لايزالون خارج اهتمام وزارة الرياضة والشباب وهم يضطرون الى بيع الخضرة على الارصفة بدل ان يكونوا في اروقة الوزارة وملاعبها، وتأكيده على ان الوزارة لم تلبي طموح شريحة الشباب في دعم الرياضة وانها اخفقت في ادارة بناها التحتية، وان اندية رياضية عديدة وقطاع واسع من الشباب ناشدوه للتدخل لدى وزارة الرياضة للتخفيف من معاناتهم، وقال  ان هنالك رياضيين عراقيين حققوا نتائج عالمية مبهرة لم يجر تكريمهم من الوزارة.
وإذا ما تشككنا في صدقية التقارير المبكرة التي اطلقتها هيئات الرقابة والنزاهة ومنافذ اعلامية حول وجود فساد في مشاريع كبيرة للوزارة فاننا لايمكن ان نتشكك في معلومات موثقة عن حقيقة ما يعانيه الرياضيون وشباب الرياضة من اهمال منهجي لمتطلباتهم واحتياجاتهم، حيث بلغ الامر باطلاق دعوات ونداءات للرياضيين وشباب الرياضة بوجوب  التظاهر احتجاجا على موقف الوزارة، وشللها، على الرغم من الاموال الطائلة التي تحصل عليها من ميزانية الدولة.
احسب ان وزارة الرياضة والشباب من بين اكثر الوزارات العراقية التي تصدر بيانات نفي لما ينشر عن فساد في اروقتها، ما يطرح السؤال الوجيه.. هل كل اعمدة الدخان هذه من غير نار ما؟.
النائب الوائلي على حق في اثارة قضية اهمال الابطال الرياضيين من قبل وزارة الرياضة والشباب، ثم، لا مكان للاعتراض هنا والقول انه لا علاقة بين الفساد والاهمال.. فكلاهما ابناء شرعيون للازمة الشاملة التي تضرب البلاد.

***
"لا تقل القليل بكلمات كثيرة، بل الكثير بكلمات قليلة".
فيثاغورس




30  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / "القاعدة" هل ستحكم سوريا؟ في: 10:59 04/11/2012

"القاعدة" هل ستحكم سوريا؟

عبدالمنعم الاعسم
 لاشك في ان الجماعات "الجهادية" المتطرفة (خلايا القاعدة بخاصة) تمكنت من ان تجد لها مواقع مهمة في صفوف الثورة السورية، وان الكثير من اعمال التنكيل "الطائفية" والتفجيرات الانتقامية ضد السكان المدنيين مسجلة باسمها، وقد تتقاسم مسؤولية بعضها مع قوات السلطة وتشكيلاتها المدنية، في لعبة الافعال وردود الافعال الدموية وتكتيكات تحويل الاحياء السكانية الى ميادين مواجهة.
 ولاشك، ايضا، في ان اية ترتيبات سياسية لما بعد الحرب الاهلية ورحيل نظام الحزب الواحد ستفرض وجودا (نفوذا) ما للجماعات الاسلامية المسلحة في تلك الترتيبات، وسيتقرر مستقبل نفوذها على تناسب القوى في صفوف القوى الجديدة التي تقبض على زمام الامور.
 الصورة شديدة التعقيد، وغير قابلة للقطع في ما ستفرزه من صراعات وتدخلات خارجية، سيما وان قوى المعارضة المدنية المعترف بها اقليميا ودوليا (المجلس الثوري) لم تستطع ان تحشد قوى واطياف المعارضة  المدنية وبقيت على مسافة من الحقائق على الارض، كما ان انشطة الجماعات الاسلامية المتطرفة اثارت وتثير مخاوف الكثير من الشرائح الاجتماعية والدينية والقى ذلك بظلاله على التفويض الشعبي للثورة.
 ومن داخل هذه الصورة المعقدة يبرز السؤال: هل يمكن لقوى القاعدة وفلول الارهابيين ان يفرضوا سيطرتهم على سلطة ما بعد نظام الاسد؟ وهل بامكانهم ان يجددوا تجربة طالبان في سوريا؟ وما هو موقف الولايات المتحدة والدول الخليجية وتركيا، آنذاك، بعد ان تهاونت مع نشاطهم وسهلت لهم توسيع النفوذ؟.
 مرة اخرى، من الصعوبة وضع مقاربة عما سيجري في المستقبل، لكن دعونا نتوقف عند احتمال واحد من الاحتمالات، وهو اقامة نظام طالبان جديد في سوريا، الامر الذي يتحدث عنه، بهلع، بعض ممثلي الاسلام السياسي لائتلاف الاكثرية في العراق، ويحاولون إثارة مخاوف وحساسيات الطائفة الشيعية وتعبئتها لمواجهة "دولة عدوة" قد تظهر من جهة الغرب، لكن التحليل الموضوعي هنا يصطدم بحقيقة اعتراضية تفيد بان الجماعات الجهادية المسلحة لا تملك برنامجا، ولا تصورات لاقامة نظام سياسي يتعايش مع جيرانه والعالم، بل ولا تملك خططا (باستثناء محاربة الكفر والكفار) لحل المشكلات السياسية والاقتصادية والامنية للمجتمع السوري، وانها، اغلب الظن، ستصطدم مع نفسها في النقطة التي يتحول فيها الحال السوري من الحرب الى السلم، فهي لا تؤمن بالسلم ولا بالقاء السلاح، ولا باحترام الخصوصيات المدنية السلمية للملايين السورية، ومن المؤكد انها ستفتح من الارض السورية (اذا ما فرضت حكمها الاصولي) الحرب على المنطقة والعالم.
 ثم، هل يمكن للقاعدة ان تقيم حكم الخلافة في سوريا حقا؟.. ذلك هو السؤال.
***
" إن الإنسانية كالجيوش في المعركة، تقدمها مرتبط بسرعة أبطأ أفرادها".
غابرييل غارسيا ماركيز

31  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / العراق والمحاور السورية في: 20:25 30/10/2012
العراق والمحاور السورية

عبد المنعم الاعسم 
يجمع المحللون الموضوعيون على ان محاور الصراع في المجتمع السوري (حكومة وطائفة، مقابل معارضة وطائفة) التي انتقلت الى حرب مكشوفة وشاملة جرّت وتجر معها المنطقة والقوى الدولية الى حالة صدام ومواجهة  لا احد يعرف نتائجها على الارض، لكن التقدير الواقعي  لاتجاهات الاحداث يشير الى تنامي تأثير الجماعة الخليجية في النظام الاقليمي، الامني والسياسي، لأمد معين في مرحلة ما بعد سوريا حتى تنكسر حلقة التوازن في الوقت والمكان للاطاحة بتلك المعادلة.
وإذ لا مفر من سقوط نظام الاسد، على نحو ما، فان اللحظات التاريخية التي تسبق سقوط هذا النظام ستدخل في سلسلة التباسات وتداخلات ومواجهات لا تقل شراسة عما يجري على الارض السورية، وذلك على الرغم من محاولات الدبلوماسية واناملها الناعمة ورسائلها الاخلاقية تلطيف قبح عمليات التدخل الى جانب هذا الطرف او ذاك.
لكن الحقيقة الاولى يجب ان تقال دائما وهي ان جميع تجارب نظام الحزب الواحد (العائلة. الفرد. الطائفة) في حال تستمر (وتتحَمّض) لعقود من الزمن، تحيل البلد الى مثل هذا المآل، وقد تحيله الى الاستقالة من الخارطة، وبين ايدينا امثلة عن بلدان وامم استقالت من التاريخ بعد ان حشرها الاستبداد المفرط في نقطة الانتحار.
الحقيقة الثانية تتمثل في ان محاور الصراع السورية (في الداخل والخارج) اخذت شكل جبهات حرب بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فيما تضيق، اكثر فاكثر، فرص المناورة، والوقوف على الحياد، او انتظار ما تسفر عنه الحرب، وبخاصة بالنسبة للدول المجاورة والتجمعات السياسية (والدينية) الاقليمية.
الحقيقة الثالثة ان العراق من بين الدول الاكثر تاثرا بالصراع السوري ونتائجه، ولعل مشكلته تتمثل في ان مصلحته، ولوازم امنه واستقراره وسيادته تفرض (او تفترض) ان يكون محايدا، وعلى علاقات متوازنة مع جميع المحاور، غير انه لا السياسات الرسمية التزمت خط الحياد، ولا الجماعات السياسية ومكونات الراي العام نأت بنفسها عن الحريق السوري، وكل ذلك اظهر حالة الانقسام في المجتمع العراقي حيال الحدث السوري، بل واظهر ما هو اكثر فزعا، وهو ان العراق، كحكومة ومكونات سياسية ودينية وقومية، توزع على محاور الحرب السورية.
الحقيقة الرابعة ان الحرب السورية قدد تتوقف يوما، لكنها ربما ستستمر في العراق، إذا لم يعمل العراقيون على ترشيد مواقفهم من الملف السوري ويضبطوا التفاعل من تطورات الاحداث على اساس من النظرة "الوطنية" الى المستقبل، حتى لايدفعوا ثمنا باهضا للعجالة العاطفية.. كما في كل مرة. 
 
***
" ويبقى العود ما بَقِيَ اللحاءُ".
ابو تمام


32  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / حكومة الاغلبية.. فرضيات استباقية في: 18:05 20/10/2012

حكومة الاغلبية..
فرضيات استباقية

عبدالمنعم الاعسم

سنفترض بان  تشكيل حكومة اغلبية بريء من ظنة محاولات “ليّ الايدي” او جس النبض او رصد ردود الافعال، وسنتعامل (مؤقتا) هنا مع  خيار خرج من اعتبارات المناكفة السياسية والدعائية الى حل له ما يبرره للخروج من الدوامة السياسية، وسنفترض، ثانيا، ان النخب السياسية المعنية والممثلة في البرلمان بلغت سن الرشد الان وهي مهيئة لخوض تجربة “حكومة ومعارضة” بلياقة ديمقراطية ناجزة.. اقول نفترض.
طبعا لا غبار دستوريا على  خيار اقامة حكومة اغلبية من تكتلات سياسية تتمتع باغلبية برلمانية، ولا قيمة للقول بانه انقلاب ابيض، او عملية قيصرية، لكن قبل ذلك (حتى يكون هذا الخيار مبررا) ينبغي ان ننعى العملية السياسية للمرحلة الانتقالية التي جاءت بالدستور نفسه وبالكثير من الهياكل والالتزامات والمناصب والحلول وتشييعها جميعا الى مثواها الاخير، بالمراضاة او من دونها، وقد يقال، افتراضا، بان الدستور يبقى صالحا لطور حكومة الاغلبية، لكن ثمة من يعترض هنا بالقول، انه فيما تعذر توصل الكتل البرلمانية الكبيرة، وهي شريكة في الحكم، الى تفاهم لتحويل العشرات من النصوص الدستورية الى قوانين، فما مصير تلك القوانين في حال تفكيك هذه الشراكة وانتقال كتل نافذة الى المعارضة، وحلول المقابلة محل الشراكة؟
قد تكون الحاجة ماسة الى بناء عملية سياسية مصغرة، بديلة، على مقاس حكومة الاغلبية قيد الجدل، وبمعنى آخر، اعادة انتاج قواعد المحاصصة السابقة، سيئة الصيت، وفق حسابات جديدة لحجوم القوى التي تتشكل منها هذه الحكومة، واستحقاقات الشراكة الجديدة، وهو امر واقعي قدر ما هو افتراضي،  ليفاجئنا السؤال التفصيلي الاعتراضي: إذن ماذا فعلنا اكثر من ان شكلنا حكومة اقل تمثيلا والتزامات، مقابل معارضة اكثر تحررا وتحللا، الامر المشكوك في آفاقه وفي الشوط الذي سيقطعه.
على ان الفرضية الاكثر تعقيدا تتمثل في الآتي: حكومة الشراكة لانتخابات العام 2010 كانت قد مثلت “مكونات” قومية وطائفية، وقد آن الاوان (بتشكيل حكومة الاغلبية) كسر هذا التمثيل واحتكار سلطة القرار من قبل “مكوّن” واحد يمثل اغلبية مقاعد البرلمان (طبعا لا قيمة تمثيلية لأشراك افراد او جماعات صغيرة من مكونات مقصية في هذه الحكومة) والنتيجة هي ان الازمة السياسية ستفتح مسارا سافرا لصراع المكونات، بعد ان كان طي سجادة من المجاملات والديباجات الزاهية.
حكومة الاغلبية، اذا نظرنا لها من خارج هذه الفرضيات، ستحقق لاصحابها اجواء حكومية هادئة، لكن الاجواء الهادئة، سياسيا وفيزيائيا، لاتصمد دائما في بيئة مسكونة بالانواء المحلية غير المنضبطة، وبالعواصف.. من كل مكان.
 ***
“حذار.. نحن نبني الكثير من الجدران والقليل من الجسور”.
 اسحاق نيوتن

33  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / فيلم الاساءة.. اربع زوايا في: 14:51 17/09/2012
فيلم الاساءة..
اربع زوايا

عبدالمنعم الاعسم
 
الزاوية الاولى في النظر الى الفيلم الامريكي (براءة المسلمين) وما أثاره من ردود افعال، تتعلق بمستوى تقنيات وسلامة البناء الفني والموضوعي، حيث لخصها كاتب سيناريو امريكي (ستيف بلاكون) بالقول:”فيلم اقل من هابط ولايستحق ان يُضم الى تاريخنا السينمائي” والغريب في هذا الامر ان الفيلم عرض في صالات السينما قبل اكثر من ثلاثة اشهر ولم يكن ليلفت النظر او يستقطب الجمهور، وبدا انه سيلحق باصحابه خسارة فادحة، قبل ان تدخل ردود الافعال في حقل التجييش والتفجيرات ونسف السفارات وطبول “الحرب على الغرب” ففي بضعة ايام من هذه التطورات كسب الفيلم ما كسبته اربعة من اشهر الافلام الامريكية.
الزاوية الثانية يمكن ان نقرأها في موضوع الفيلم نفسه إذ يقدم رسول الاسلام بشكل بعيد عن حقيقته وخارج المنصوصات والمدونات وحتى الاستطرادات التي تجمع على عبقريته ورباطة جأشه في ادارة الانقلاب الثوري في مجتمع الجزيرة، وإضرام النار في العلاقات الاجتماعية القبلية المتخلفة، فيما الشخص الذي شاهدناه مهزوزا وصاحب نزعة مصنوعة من الاساءة المتعمدة.
الزاوية الثالثة، وتتعلق بشعارات الحملة الاحتجاجية على الفيلم إذ تراوحت من الدعوة الى حوار الاديان الى الدعوة الى مقاطعة الغرب وشن الحرب عليه، وانزلقت الى مواجعات وحرائق واعمال قتل ضد المبعوثين الدبلوماسيين، وهي، بكلمات وجيزة، لا علاقة لها بالفيلم نفسه، بل بمشاريع سياسية إذ استُغلت من جهات “الاسلام السياسي” لتقديم تمارين في التعبئة لإخضاع الشارع وضبطه على ايقاع الردة عن الربيع الديمقراطي، وثمة اخطر منحى في هذه الزاوية الدعوة الى “إجلاء المسيحيين” من “بلاد الاسلام” وهم اهل البلاد الاصليين.
الزاوية الرابعة، وتتمثل في حقيقة ان الفيلم يعد واحدا من المنتوجات الدعائية للتيار العنصري المتشدد في الولايات المتحدة والغرب، وهو تيار جامح ويستمد اندفاعه من الصورة المتوحشة التي تعرضها الجماعات الجهادية والتكفيرية للاسلام.
من هذه الزوايا يحاول لاعبون كثيرون ان يركبوا الموجة قبل ان تنطفئ وتصير منظرا لايستحق النظر.
 
 ***
“إن كثير الكلام يُنسي بعضه بعضا”.
                        ابو بكر الصديق
 
 
34  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / تفجيرات الاحد وتسمية الاشياء باسمائها في: 13:00 11/09/2012



جملة مفيدة
ـــــــــــــــــــ


تفجيرات الاحد
وتسمية الاشياء باسمائها


/هوية تفجيرت الاحد الدموية، طائفية، بالمعنى السياسي والفقهي، والمسؤول عنها عصابات "الجهاد" الاجرامية من تنظيم القاعدة وفلول النظام السابق، بالقدر الذي يوزع المسؤولية عنها على كل الطائفيين وبناة الخارطة السياسية الطائفية وعار المحاصصة، فلو لم تتأثث هذه البيئة الطائفية السياسية في البلاد ما استطاعت شراذم من فضلات هذه المرحلة ان تفتح بركة الدم والاشلاء ومهرجان العويل والاسى لمواطنين عابري سبيل وآمنين.
/هذا في حال سمينا الاشياء باسمائها، فالتفجيرات الوحشية هذه ليست عمليات عشوائية، او محاولات استعراض القوة، او ارهاصات اجرامية عن احتضار تنظيمات القاعدة وفلول النظام السابق كما توحي تصريحات المسؤولين عن الامن، وليست -في كل الاحوال- من صنع جهة بلا امتداد اقليمي، تدخل في سباق محموم مع  سقوط النظام السوري، بل هي تمرين استباقي على تشكيل عراق آخر تتناحر فيه الطوائف وتشترك فيه وتغذيه اكثر من جهة داخلية وخارجية على اختلاف مقرداتها الطائفية.
/اننا لا نحتاج الى عملية “نمذجة” في خارطة ضحايا التفجيرات لنضع ايدينا على حقيقة  ان هذا التمرين الاجرامي  مرسوم بعناية كيميائية مركزة هدفها تمهيد الارض لدولة الحرب الطائفية وذلك بعد ان سقطت الخرقة القديمة عن مقاومة الاحتلال وظهرت معالم مشروع "الجهاد" على حقيقتها كفاصلة للردة، إذ تتولى مشاريع طائفية اخرى بناء استحكامات هذه الردة وتحويل العراق الى ساحة تصفيات وميدان تبادل الرسائل عبر مذابح واعمال تدمير منهجية.
/بعض إدانات التفجير  والتأسي على الضحايا تحمل منشطات للاحتقان الطائفي، إذ تفيض، من جهة، بزيف المشاعر الانسانية، بل وبالتشفي بالسلطات الامنية وشريحة الضحايا، ويكشف بعضها الآخر عن كراهيات تعصبية وانحرافات نحو الانتقام وتوسيع طعون المسؤولية عن الجريمة لتشمل اوسع دائرة من الابرياء.
/على مفترق هذا الطريق ثمة متفرجين يتابعون منافعهم مما يحصل من كوارث.. انهم اصحاب الازمة السياسية.
***
" عجبت لمن يفكر في مأكوله، كيف لا يفكر في معقوله".
الامام الحسن بن علي



35  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سمعة الحكومة.. في: 12:36 10/09/2012

سمعة الحكومة..

عبدالمنعم الاعسم
 عندما تكون خارج العراق، وتلتقي اشخاصا مهتمين بالسياسة والاحداث من جنسيات مختلفة، ستجد، إذا ما كنت عراقيا، ان سمعة بلادك لا تنفصل عن سمعة حكومتها، بصرف النظر عن بديهيات الاختلاف بين الحكومة والدولة والشعب، وقد تُفجع حين تُفاجأ بان سمعة الحكومة العراقية، سيئة ام جيدة، تنسحب، في نظر الاجنبي، على مكانة وسمعة اي مواطن عراقي ، وقد تجد ما يخفف عليك او يساعدك على تفكيك هذه المعادلة التمعن في المقولة المحمدية البليغة "كما تولّون يولى عليكم" أو بحسب الكناية الشعبية "هذا الرغيف من ذاك العجين".
 على مسؤوليتي، وفي ضوء لقاءات شخصية بسياسيين واعلاميين وقراءات في المدونات والتلميحات والاستبيانات والمعلومات المتداولة بحدود ضيقة، اقول، ان سمعة الحكومة العراقية في الخارج لا تُسر اصحابها، ولا تريح المواطن العراقي الذي تعنيه سمعة بلاده، وله مصلحة بحسُن هذه السمعة، وقد يروي تجار ومهنيون وحتى دبلوماسيين عراقيين قصصا مؤسفة عن "إحراجات" يواجهونها بسبب تردي سمعة الحكومة في المحافل التجارية والديلوماسية والثقافية في هذه العاصمة او تلك.
 في لندن، قال لي إعلامي عربي، ومقدم برامج تلفزيونية، اثق في مصداقيته، انه صار يتردد في الدفاع عن مواقف حكومة بغداد، حتى المواقف التي لا غبار على سلامتها "لأن احدا لا يصدق ما اقول" واضاف "ان اصحاب حكومتكم وممثليها ومبعوثيها السياسيين يقدمون اسوأ انطباع عنها في الخارج" الامر الذي ينعكس في تقارير واستطلاعات تنشر على نطاق واسع "فتأتي سمعة حكومة العراق في طلائع الحكومات الاكثر سوءا في العالم".
 معهد "يبوتايشن اينستيتوت" الامريكي المستقل اجرى العام الماضي استطلاعا لقياس ثقة الناس وتقديرهم، وإعجابهم "ببلد ما"  باعتبار أن قوة البلد وتقدم ترتيبه في الاستطلاع يفيد في جذب السائحين، والاستثمارات الأجنبية المباشرة إليه، وقد شمل الاستطلاع 42 ألف شخص في مختلف أنحاء العالم، وأهتم بقياس مستوى 50 دولة حول العالم، وقد حظي العراق، لشديد الاسى والاسف والمرارة والحزن بصفة الدولة  "الأسوأ سمعة" في العالم بسبب ما يعصف به "من الفساد، واهانة الحريات، وغياب القانون".
 نعم، حكومتنا سيئة السمعة في الخارج.. لشديد الاسف الف مرة.
***
"قل كلمتك وامش".
امين الريحاني



36  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / طبول حرب.. برلمانية في: 09:42 03/09/2012

طبول حرب.. برلمانية

عبدالمنعم الاعسم
تابعنا هذا الاسبوع تصريحات نارية من تحت قبة البرلمان يعلن فيها نواب (كلٌ من موقعه الفئوي) الحرب المقدسة على دول وكيانات واطراف اخرى، وشاءت ان تقع تحت نيران مدافع هؤلاء النواب دول مثل تركيا والسعودية وايران وامريكا وسوريا كما شملت نيران البعض اقليم كردستان ومناطق غرب العراق وأحياء في قلب العاصمة بغداد.
 وكأننا انتخبنا هؤلاء النواب، لا للرقابة وتشريع القوانين ومراقبة إداء الحكومة (وهي واجباتهم الدستورية)، بل لارسال البلاد، المنهكة من الحروب والصراعات واعمال الارهاب، الى ميادين حروب جديدة.
 على اية حال، يمكن ان نبتلع هذه المهزلة في حالة واحدة هي ان نعتبر هذا البرلمان برلمان حرب، او برلمان تحضير لوقود الحرب، وليس في هذا الامر غرابة او سابقة في التاريخ العراقي، فقبل خمسة الاف سنة، وفي عام ثلاثة آلاف قبل التاريخ، كما يذكر عالم السومريات صموئيل كرومر، التأم اول برلمان في التاريخ على ارض العراق القديم وقد كان هدفه اعلان الحرب طبقا لمشيئة الملك حمورابي، اخذا بالاعتبار ان حرب ذلك الزمان كانت عنوانا للفروسية التي نفتقدها الآن.
 إلا أن الآثاريين كشفوا عن شريعة سبقت شريعة حمورابي في الزمن باكثر من مائة وخمسين سنة، وهي على هيئة قوانين بصدد تنظيم حروب الاجلاء والاستئصال أصدرها الملك (لبت ـ عشتار) الذي اعتبر اول مشرع لقوانين الحرب بوصفها فروسية، او معبرا الى التفوق.
 ومنذ ان استدل المشرعون الاوائل الى "اختراع" تجربة البرلمان، كميدان لتبادل الرأي والمشورة وخبرة الحرب، فقد كان في بالهم إشراك الجمهور في ادارة الحكم، وكان هذا المعنى الاصلاحي المجرد قد دخل في اساس اول برلمان في العصر الحديث انشئ في جمهورية ايسلندة التي لم تكن لتفكر بالحرب مع احد، بل ولم تكن لتملك جيشا آنذاك.
 احد نوابنا دعا الحكومة الى تزويد الجيش بمعدات استراتيجية (ربما يقصد ذرية) وتسليح العشائر والعاطلين عن العمل والمتقاعدين لخوض الحروب المقترحة.. قدما حتى تحرير الاندلس.. تصوروا.
***
" يمكنك أن تحصل بالكلمة الناعمة والمسدّس على أكثر مما يمكنك الحصول عليه بالكلمة الناعمة وحدها."
آل كابوني- رجل عصابات إيطالي أمريكي











37  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / ضمير المدعو "سين" في: 21:55 30/08/2012
ضمير المدعو "سين"


عبدالمنعم الاعسم


لسنا اوصياء على ضمائر الناس. لكن المشكلة ان الضمير غدا واحدا من الممتلكات القابلة للبيع مثل اية سلعة.

تستطيع ان تشتري ضمير، وتدفع، مثلما تستطيع ان تشتري حذاء وتلبس. والضمير الذي تشتريه يمكن ان يبلى فتلقي به الى سلة المهملات، مثل اي حذاء يعتق فتشمره الى كيس الزبالة.

حتى الان لا حق لنا في ان نمنع عملية بيع وشراء الضمائر، فقط حين نكون ضحايا لهذه العملية، وليس ثمة بيع للضمائر لا يسقط بعدها ضحايا، وقد يكون ضحية ذلك قوت الشعب، او المال العام، او قطرة الحياء، او ساحة للعدالة، وقد يكون الضحية وطن باكمله.

الضمير لايبيعه فقط المحتاجون الى المال او الطامعون بالثروة. ثمة من يدنس ضميره في الاعيب يضلل بها الجمهور لصالح فكرة غاشمة.

 يرتفع سعر الضمائر حسب سوق التداول، وفي السياسة تنتعش هذه السوق، ولها تجار ومافيات وشاشات ملونة.

 المدعو "سين" يظهر في وضح النهار على ابهى ما يكون على اقنية الاعلام واروقة المحافل: داعية للعدالة والفضيلة وحماية حقوق الفقراء وصاحب غيرة على الايتام والثكالى. الارامل. الاطفال. العاطلين عن العمل. المعوقين جراء التفجيرات، ثم لا يتأخر عن التبرع لبناء دار عبادة، او الاحسان الى عابري سبيل.. هذا في النهار. اما في الليل فان المدعو "سين" يُخرج سجل العائدات الحرام ليعيد تنظيمها وتوزيعها، ثم يفتح خط الصفقات والمشاريع عابرة للقوانين والشرائع والضمائر: نهب ممتلكات وحقوق الدولة. تزوير اسماء وشركات ووثائق وصفقات. عقارات قيد التحويل. وساطات مدفوعة الاجر. شراء وبيع اصوات وولاءات وأزلام ودعاة ومهرجين.

الضمير وازع، مانع، رقيب. حين يغيب فانك تخرج عن فضاء القيم الى جاذبية الدناءات. هو قدرتك على التّمييز فيما إذا كنت على خطأ أم صواب، والتفريق بين ما هو حقّ وما هو باطل، وهو الّذي يستدرجك الى الندم عندما تتعارض الأشياء التي تفعلها مع قيم الشرف.

 المدعو "سين" يندم احيانا على فعل مخز، لكنه سرعان ما يندم على انه ندم.

****

"الشرف لا يجب أن يُكتسب، بل يجب فقط ألا يُفقد".

آرثر شوبنهاور-فيلسوف الماني

ـــــــــــــــــــــــــ

جريدة(الاتحاد) بغداد

 
38  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الكتابة في السياسية في: 11:42 27/08/2012

الكتابة في السياسية

عبدالمنعم الاعسم
 
يجدر، في البداية، الاعتذار لقرائي مرتين، مرة لأني لم ابلغهم، مسبقا، عن هذا الغياب المفاجئ الذي امتد لاكثر من اسبوعين، ومرة اخرى لأن محرر الجريدة هو الآخر اهمل المسؤولية حيال القارئ الذي يتابع هذه الزاوية، ولم يستبق الغياب بإشعار له ما يبرره.

اقول ذلك تعقيبا على استفسارات وصلت على عنواني الالكتروني من اصدقاء وقراء عن سبب الاختفاء المفاجئ لـ"جملة مفيدة" للمرة الاولى (كل هذا الوقت) بعد ما يزيد على ثماني سنوات من دون انقطاع.
 
الى ذلك فان الكاتب السياسي لا ينبغي ان يشغل قراءه بشؤونه الشخصية. ذلك حقهم عليه، وفرض من فروض امانة الكتابة في الشان العام، حتى وإن أخذت خصوصياته شكل احتجاج على مسار الاحداث، أو زعل حيال استطراد استفزازي في الادارة السياسية، إذ يخشى ان يضع قدمه في الموضع الذي ينتهي الى منزلق، وبالنهاية الى خيانة مسؤوليته.
 
قد يصمت الكاتب، ذلك من حقه، لكن ذلك الصمت يصبح كتابة عندما يكون ثمة ما يضطره، وما يتصل بحساسية المواقف واحتشاد الاخطاء والاغاليط والسباق المحموم لخداع الناس، الامر الذي قد يجعل منه شاهد زور، او في الاقل متواطئا مع الضلالة السياسية. الصمت هنا استراحة للضمير.

الكتابة السياسية مسؤولية لانها تضع عناوين لما يجري من احداث. تحركها. تحيي خلاياها. تحولها الى مصائر، وهي ايضا ذاكرة لانها لا تعيش خارج التقاويم واليوميات والاحداث والمصائر.
 
مرة طلبوا من الكاتب والسينمائي الاسباني الشهير خورخي سيمبرون، الذي عاش حرب الجمهورية الاسبانية عام 1936وحمل شرف الانتماء لها حتى وفاته في مثل هذه الايام قبل عام، ان يتحدث عما يعانية من مواجع، وقد بلغ الخامسة والثمانين من العمر، قال: "الذي يحدث في اجساد المقموعين والضحايا هو ما يوجعني" وشاءت صحيفة البايس الاسبانية الشهيرة ان تصف سيمبرون بالقول انه "ذاكرة القرن العشرين" أما غوستاف غافراس اكبر روائيي العصر فقد قال ان خورخي سيمبرون كان على درجة عالية من "النزاهة الفكرية والسياسية" فيما اعتبر شارل غو رئيس أكاديمية الغونكور الفرنسية أن للرجل "حساسية خارقة" فهو من الرجال الذين جعلهم الألم يتكلمون من غير نطق ويصمتون كلاما.
 
اقول، لقد جرّت الازمة السياسية في البلاد الكاتب السياسي الى مطبّ ضميري حرج، محيّر،عندما جعلت الجميع ينظرون الى المنافع والعوائد الشخصية والفئوية من اية تسوية، وعندما غاب "المثال" الذي يعلن استعداده للتنازل ولو عتبة واحدة عن سقف الشروط والمكاسب التي يتخندق بها، واحسب ان هذه الازمة وضعت الكاتب السياسي في نقطة المراجعة. التأمل. اعادة تنظيم المعلومات.
 
اقول: الكاتب السياسي، وليس المهرج السياسي.
*********

"الطريقة الوحيدة لاكتشاف حدود الممكن هي تخطي هذه الحدود قليلا إلى المستحيل".
آرثر سي كلارك- مؤلف قصص خيال علمي     


39  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / للاسرار حرمة في: 06:53 27/08/2012
للاسرار حرمة


عبد المنعم الاعسم 



ازدادت حالة تهديد السياسيين لبعضهم بكشف “اسرار نائمة” ستطيح بخصومهم، بل ان بيانا اصدرته كتلة سياسية ضد احد اركانها خرج، في مفردات الاتهام والتخوين والعمالة وسوء الاخلاق، عن كل ما نعرفه من الادب السياسي واصول ادارة الخلافات، وشاءت المهزلة ان يعلن “الضحية” لجوءه الى المجالس العشائرية لاستعادة الاعتبار اليه.

يعيد هذا “الحادث” الى الاذهان تلك الشكوى المريرة  من عدم نضوج بعض زعامات الطبقة السياسية العراقية التي تنزل بالصراع والخلافات السياسية منزلة الابتذال والضحالة، كما يعيدنا (وهو المهم) الى السؤال التفصيلي عما اذا بقيت اسرار خافية حقا حتى الان في العراق.

 قبل سنوات قليلة كتب الصحفي الالماني جيروم هولش الذي زار بغداد “لا اسرار في العراق.. الصندوق مفتوح على مصراعيه” وذلك في نطاق ما سجله عن مشاهداته في “اسبوعية برلين” مؤكدا ان “المعلومات” التي يسعى الصحفيون والمراسلون الوصول اليها في بغداد تتيسر بطريقة سهلة “واحيانا من غير كلفة” أو “من دون ثمن” ويعيد ذلك الى ما اسماه  بقلة تحسب العديد من السياسيين ازاء “امور حساسة” ينبغي ان يكون مكانها “صندوق الاسرار”.

مقابل هذا وقبل هولش باكثر من عشر سنوات كتب مراسل لصحيفة اللوموند الفرنسية من بغداد “ان العراق بلد من دون ارقام” وذلك بعد اعياه البحث عن ارقام ومعطيات تساعد في تكوين قراءة عن احوال العراق، فقد كان يتلقى جوابا واحدا من مسؤولي النظام السابق “الارقام سيادية وغير مسموح تداولها” وهي ذريعة سخيفة تستهدف التعتيم المقصود على المعلومات الخاصة بتحكم الجماعة الحاكمة بثروة البلاد ومسؤوليتها عن تردي الاوضاع،  ولاحظ المراسل باستغراب ان السلطات الحاكمة آنذاك منعت تداول الارقام حتى في  نشرات الانواء الجوية في العراق “كي لا يستغلها العدو” ثم، بعد ذلك، راحت تتلاعب بارقام درجات الحرارة، وتحرف المعلومات الخاصة بالتنبؤات الجوية.

الحقيقة تتمثل في انه ليس ثمة بلد في العالم لا يعنيه حماية “نوع” من الملفات الخاصة بقضايا الامن والمصالح القومية والعسكرية والاقتصادية  واسرار الناس من العبث، وليس ثمة دولة لا تملك صندوقا للاسرار تهتم بحراسته والحيلولة دون الوصول اليه، والسرية هنا لا تخص ظروف الحرب فقط بل انها من لوازم الحماية الوطنية في ظروف السلم ايضا.

اقول، اكاد اصدق ما كتبه الصحفي الالماني عن صندوق الاسرار العراقي المفتوح على مصراعيه، فقد حضرتُ مساجلة قدم فيها موظف سابق”مغضوب عليه” الى محدثيه، ، حزمة من اسرار”خطيرة” عن المرفق الذي كان يديره، وعن ملفات وارقام واسماء وعائلات وصفقات ودول كان قد اؤتمن عليها وينبغي ان تكون في مأمن من التداول، بل وهدد ان يكشف المزيد للاطاحة بخصومه، ويقال ان لاولئك الخصوم سجلات كبيرة من الاسرار تدين المتحدث وقد ترسله الى المقصلة .

**********

 

“ فقلْ لمنْ يدَّعِي في العلمِ فلسفةً

           حَفِظْتَ شَيئاً، وغابَتْ عنك أشياءُ”.

       ابو نؤاس
40  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / ما أحوجنا الى فرسان في: 20:07 20/08/2012
ما أحوجنا الى فرسان

 عبدالمنعم الاعسم

 الحل يحتاج الى قرار شجاع يتقاسمه اركان الازمة، وذلك بعد ان تيقن الجميع ان لا احد قادر على شطب الاخر، ولا باستطاعة فئة ان تهزم فئة اخرى متربعة على ركن من اركان الازمة، وانه لا مصلحة لمنازع في ان يزيح شريكا له من المعادلة، بل ولا ثمة امكانية لتحقيق ذلك.

 المناورات استنفذت قيمتها وفائدتها، والحل يتمثل في كشف الحساب والصراحة والبدء من حيث وصل الجميع الى الحائط.

 ومن غير هذا فان شوطنا الى الاستقرار وراحة البال عسيرا متواصلا، وباهض التكاليف، ونزيفنا متصلا، وستتناسل محننا عن محن، وسيبقى دارنا الطاهر مسكونا بالنحس، ومرابعنا موبوءة بعوارض العنف وسرطانات الشر، وحدودنا مفتوحة للتهريب والغارات والقرصنة، وممتلكاتنا عرضة للنهب والتعدي، وحواضرنا ساحات للفواجع والحروب، فهي، جميعا، من بعض نتائج العقيدة التي طبقت لادارة الازمة، فضلا عما ورثناه من عهد قضى.

 ثلاثة عقود من الزمن قام ذلك العهد الشيطاني باختزال حاضرنا الى بضعة سطور كهنوتية فوق اكاذيب عن معارك "شرف" جاءتنا بطوابير التوابيت والمقابر والارامل والكوابيس، وتولى ذلك العهد تهريب تاريخنا وماء وجهنا الى اسواق العالم الخلفية مقابل كلمات اعجاب متسخة بالرشى.
 والحال، إذن، كما تقول امثالنا: الفاس بالراس، وكما تقول امهاتنا: تدبغت جلودنا.. أو كما يقول المتنبي العظيم:
 فصرتُ إذا اصابتني سهام..... تكسرتْ النبالُ على النبال
 وهانَ فما ابالي بالرزايا   ...... لأني ما انتفعت بان ابالي

 الفروسية هي طريقنا في البحث عن الحل، وهي تلزم- في ما تلزمة- شجاعة المراجعة والاعتراف، فوق شجاعة القول الفصل، وقد جرب الجميع اساليب الغش، فعادت عليهم(وعلينا) بالخراب والفواتير الموجعة.

 الفروسية قتال بالادوات النزيهة. للهزيمة مكان في توقعات الفرسان وللانتصار احتمال في وجدانهم.
 على اصحاب الازمة اختصار الدوامة كما اختصرها ذلك الشيخ في الحكاية القديمة، إذ توقف طويلا تحت ميزاب كان يقطر ماء متسخا فاخذته الحيرة وطاله الوسواس ما إذا كان قد طاله نثار النجس ام لا، حتى إذا اشتدت به الحيرة، واستطالت به المعاناة تقدم ووقف تحت سيل الماء المتسخ، وهو يقول: الآن اصبح الشك يقينا.
اختصار المعاناة يحتاج الى لاعبين  فرسان، لا الى مناورين.. فاين هم؟.

***

"لا يكفي أن تكون في النور لكي ترى، بل ينبغي أن يكون في النور ما تراه".

العقاد
41  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المغيبون.. الجريمة المسكوت عنها في: 22:26 27/07/2012

المغيبون..
الجريمة المسكوت عنها

عبدالمنعم الاعسم

لا تزال الاف العائلات تكابد فجيعة اختفاء ابنائها منذ العام 2003وقد تقطعت بها السبل في البحث عن مصائرهم، او في الاقل، الاسترشاد الى جثثهم لكي تكون لهم قبور مثل قبور الاخرين، واكثر فجائع هذا الملف تُقرأ في ما تركه الغائبون من ابناء صغار كبروا يكبرون على امل عودة ابائهم، وفي امهات يعشن عاما بعد عام تحت جمرة الانتظار الحارقة، وقد قضت امهات واباء تحت لوعة هذه الفجيعة.
 وإذ يعرف المغيبون قبل العام 2003 الجهة التي غيبتهم (حكم الدكتاتورية) فان مغيبي عقد التغيير ضائعون بين جهات عديدة، لا تكشف عن مصائرهم، ولا تعترف حتى بمسؤوليتها عن اختفائهم، وفي هذا يكمن مشهد الجريمة الانسانية بالالوان الطبيعية، بالرغم من ان عائلات الضحايا ويوميات الاحداث الامنية التي مرّ بها العراق توجه اصابع الاتهام الى هذه الجهة(او الزعامة) او تلك ، لتصبح لدينا لائحة اتهام لا تعفي احدا من لاعبي المرحلة من المسؤولية، بل ان القوانين والمعاهدات الدولية تقضي باحالة كل من يشتبه بمسؤوليته المباشرة وغير المباشرة عنها(او يتماهل في واجبه حيالها) الى العدالة حتى تثبت براءتهم، وفي المقدمة منهم المسؤولين عن السلطة التنفيذية.
 ان الامم المتحدة ووفق “الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006” تحمل الحكومات المسؤولية المباشرة عن مصائر اولئك الذين اختطفوا وغيبوا، وتضعها تحت طائلة الحساب والمساءلة في حال اهملت هذه المسؤولية او حتى عجزت عن ملاحقة المجرمين،وقد تتولى المنظمة الدولية (وفق معاهدات اخرى) مهمة التحقيق والتجريم بدلا عن الحكومات في حالات لا تستطيع الحكومات القيام بمثل هذه المهمة، وفي السجل الدولي ثمة الكثير من الحالات التي اضطرت فيها حكومات الى الاستقالة في حال لم تتمكن من اقناع الرأي العام بجدية البحث عن المختفين قسريا، ويمكن بهذا الصدد قراءة ملف مختطفي الحرب العالمية الثانية، ثم قضية المغيبين في تشيلي بامريكا اللاتينية
 ففي المادة 12 من الاتفاقية(الفقرة 1) تلتزم الدول الموقعة بالتحرك على وجه السرعة لملاحقة المجرمين بان “تكفل لمن يدعي أن شخصا ما وقع ضحية اختفاء قسري حق إبلاغ السلطات المختصة بالوقائع وتقوم هذه السلطات ببحث الادعاء بحثا سريعا ونزيها وتجري عند اللزوم ودون تأخير تحقيقا متعمقا ونزيها. وتتخذ تدابير ملائمة عند الاقتضاء لضمان حماية الشاكي والشهود وأقارب الشخص المختفي والمدافعين عنهم، فضلا عن المشتركين في التحقيق، من أي سوء معاملة أو ترهيب بسبب الشكوى المقدمة أو أية شهادة يدلى بها” ثم، في (الفقرة 2) تجري السلطات “تحقيقا حتى لو لم تقدم أيةشكوى رسمية” ويشار ايضا الى ضرورة تامين الصلاحيات والموارد اللازمة لسلطات الملاحقة والتحقيق “بما في ذلك إمكانية الاطلاع على الوثائق وغيرها من المعلومات ذات الصلة بالتحقيق الذي تجريه” فضلا عن “سبل الوصول، وعند الضرورة بإذن مسبق من محكمة تبت في الأمر في أسرع وقت ممكن، إلى مكان الاحتجاز وأي مكان آخر تحمل أسباب معقولة على الاعتقاد بأن الشخص المختفي موجود فيه” كما جاء في (الفقرة 4) .
ويعد (موقف التفرج ) من قبل الحكومات على هذه الجريمة (والتباطؤ) في ملاحقة المجرمين بمثابة شبهة تقع عليها او على ركن من اركانها.
 جريمة التغييب القسري لاسباب سياسية شنيعة، ولدينا في العراق ضحايا لها يستيقظون في منازلهم صباح كل يوم، يتساءلون عما حل بقضيتهم العادلة .

***********
"اذا عظم المطلوب قل المساعد".
المتنبي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

42  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / هل الازمة ذكرأ.. أم انثى؟ في: 09:59 24/07/2012

هل الازمة ذكرأ..
أم انثى؟

عبدالمنعم الاعسم

لحسن الحظ، ولسوئه في ذات الوقت، ان اللغة تتكفل احيانا تهريبنا من موقف الحرج، وانها تقدم لنا وجبة دسمة من الخداع في اللحظة التي نحتاج فيها الى من يخدعنا.. وقدرة اللغة في ذلك هي قدرة الساحر الذي يأخذنا الى النهر ونحن عطاشى ويعيدنا الى مكاننا من غير ان نشرب الماء.
ويشاء الجدل حول الازمة السياسية المتفاقمة في البلاد ان يكتشف معبرا سريا الى رطانة جديدة حول ما إذا هي ازمة، ام صراع سياسي، ام احتقان سياسي، ام استعصاء، مشكل، معركة، تعاضض، حرب اهلية، سوء فهم، مخاشنات، أم هي لا هذا ولا ذاك، حيث لا تعدو عن خلافات  عادية بين اهل البيت، او سحابة عابرة سرعان ما تنقشع، ولا يحتاج الامر سوى استبدال عبارات التهديد والتخوين والتشكيك والطعن بعبارات اخرى خالية من التشنج والتعصب والغل، وكفى الله المؤمنين شر القتال.
من جانب آخر، فان الازمة هي الازمة، مهما حُشرت في اسم  ناعم، او دُسّت في رداء مخادع. او جرى ترحيلها من خانة الاحتقان الى الاستعصاء الى الخلاف العائلي. الصفة، مهما كانت رشيقة وشفافة وانيقة، لا تخفي بشاعة الخطايا التي ترتكب بموصوفها، ولا يهم اسم الخطيئة بعد ذلك ان تكون ذكرا ام انثى، كما لايهم ان يكون ضحاياها قد قتلوا بالتفجيرات او كواتم الصوت او بالامراض الفتاكة، فان احدا لا ينكر بان ما حدث من انشقاق سياسي (سمّه ما شئت) قد دفع ثمنه المواطن الذي لم يكن معنيا بمن هو على حق ومن هو على باطل في الموقف من اداء الحكومة او إداء مناهضيها.
بل ان الازمات السياسية  تعرف جيدا” افضل منا” سبل التصرف بمصائرنا، انها الى ذلك ”لا تـُدجن” بحسب نوع المعلف الذي نعده لها. الازمات قوانين تتحرك في مسارات قد لا تثير رضانا، لسبب بسيط هو اننا لم نضع تلك القوانين انما وضعتها سلسلة من العمليات والارادات والافرازات ثم خرجت من الانضباط.
اذا كنتم، حقا، ترغبون عبور الازمة (سموها ما شئتم) فلاتمروا من تحت جسورها، فان ذلك لايفكك مخاطرها، ولا ينزع فتيلها. اعبروا من فوق الجسور ترون الازمة على حقيقتها, البلد ينزف من جروحه، انظروا الى التفجيرات والاغتيالات والمذابح التي تنظم لسكان الاحياء الفقيرة. انها من النتائج العضوية والمباشرة والكارثية لهذه الازمة. امسكوا ا لازمة من هنا، ثم بعد ذلك سموها ما شئتم.
ذكرا ام انثى.
 ***
“ أشد الناس حماقة أقواهم اعتقاداً في فضل نفسه”.
ابو حامد الغزالي



43  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / هواء فاسد في: 09:57 24/07/2012

هواء فاسد

عبدالمنعم الاعسم

كيف يحدث كل هذا؟ اعني ما يحدث في بعض كواليس السياسة: خصوم الامس صاروا سمنا على عسل، وحلفاء البارحة طلّقوا بعضهم بالثلاث، وكثير من الماء جرى على هامش السباق الى المجهول. اما الشعارات والبرامج والمواقف القديمة فقد تخلى عنها هؤلاء وصاروا اخف من الريشة، ومن زاوية يبدو ان المطلوب هو تصفيات الحساب: تلوي يدي هنا، الوي يدك هناك.

حتى الآن، تجري فصول اللعبة في الكواليس، وكأنها تجري بين اشباح (اين كتاب اللامعقول؟) ولاينبغي الاطمئنان كفاية الى القول الشائع ان النية تتجه الى تصفية القلوب والعودة الى حكمة التوافق والتكافل والتضامن والاخوة والشراكة، فان شيئا قليلا من هذا يحدث في الواقع حتى الآن، وان من يقترب من دائرة تلك الكواليس، ومن يمعن النظر في تسريباتها، سيعرف كيف يلوي البعض ذراع البعض الاخر من المواضع الحساسة، والهدف إجبار الاخر على التنازل عتبة عن قاسم المشهد ومقسوم الامتيازات، وطبعا سيكون المراقب بحاجة الى تفكيك بعض الالغاز والرطانات عما يقال حيال العملية السياسية والمصالحة الوطنية، والتضحية في سبيل الشعب، ومكافحة الفساد، واعادة الاعمار.

 الذي يجري باختصار، محاولات حميمية لاعادة هيكلية المصالح الفئوية، وترتيب مصالح هذا الجار او ذاك، وبهدف توظيف نتائج هذه المعركة، في حساب جديد للحجوم والمقامات، وثمة في السياق الكثير من الابتزاز والضغط والتلويح باجراءات وتعديلات وتحالفات جديدة، وثمة بالمقابل ايماءات عن تحريك ومراجعة قواعد وثوابت وتعهدات واستحقاقات سابقة. المتقدمون يتصرفون كاصحاب حق اضافي، والمتأخرون غير مستعدين للتنازل عن مساحاتهم، فيما يبحث الاخرون عن معابر قصيرة وآمنة للامساك بالحصان الجامح.

 وبكلمة موجزة، فان المراقب الموضوعي لهذا الصراع يلاحظ ان ثمة اندفاع متعجل لفرض معادلات جديدة يتساقط عنها منافسون او طامحون او خاسرون، وان هناك ليّ اذرع، واصوات توجع واستغاثة، لكن ثمة فرص محدودة للكسبٍ على السطح من دون ثمن.

 المزاحمة، سياسة آنية، إملائية، يستخدمها المتصارعون ووكلاؤهم من موقع قوة، او من زاوية ظرفٍ مواتٍ، حرج ٍ، لمعاقبة الآخر او اقصائه او حمله على الاذعان لمشيئته، ويساعد الاشتقاق اللغوي والدلالي للمزاحمة والتزاحم والازدحام على الاستطراد في كشف قدرة هذا الفعل في ان يلهم علوم السياسة استخراج معاني غاية في الاهمية مثل مزحوم وبمعنى اضطرته المنفعة ، او متذرع، او ذرائعي، والذرائعية (مذهب النفعية) التي جاء بها وليم جيمس وتشارلس ساندر بيرس وتوسع فيها جون ديوي، وتعني ان قيمة كل شيء تتمثل في منفعته وهدفه.
وهذا ما اعنيه بالهواء الفاسد.
 ***
"جميل ان تكسب الرهان، لكن الاجمل ان تكون فارسا في السباق".
هولاند- الرئيس الفرنسي الجديد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

44  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / "نحن شرقيون" سامحونا في: 15:03 10/07/2012

"نحن شرقيون"
سامحونا

عبدالمنعم الاعسم

كنا وما زلنا شرقيين، (سامحونا) فعبادة الافراد متأصلة في هواجسنا وثقافتنا، ونذهب الى إضفاء الالقاب والاوصاف الفانتازية على من نواليهم ونتبعهم ونتخلق بهم، ولا نقتصر في هذا على المصلحين او شيوخ الطرق او رجال القبائل او الشخصيات الاجتماعية او الرياضية بل صرنا نتفنن في ترقية السياسيين الى موصوف “الرقم الذي لا يقهر” و”المنقذ الوحيد” و”من دونه تنهار البلاد ويتقاتل العباد” ولا نتورع، في حمية الولاء الاعمى، عن ان ننسب لهذا السياسي اعمالا ومعجزات فوق ما يتحمله العقل، وخلاف ما ترخصه دروس الماضي القريب.
ويوما جاء احد مريدي الصوفي (الذي اشتهر برجاحة العقل) سهل التشتري المتوفى عام 886 ميلادية حائرا ليسأله قائلا: ان الناس يقولون ان بمقدورك ان تمشي فوق الماء، فكان رد الرجل الحكيم بان طلب من سائله الذهاب الى مؤذن في المدينة معروف بصدقه كي يسأله عن الامر، وحين ذهب المريد الى المؤذن تلقى الجواب الشافي منه إذ قال له: انا لا اعلم إن كان شيخنا التشتري يمشي على الماء، ام لا، لكن ما اعلمه هو ان الشيخ الجليل حين قصد حوض الماء ذات يوم بغية الوضوء سقط فيه وكاد ان يموت غرقا لو لم اسارع الى نجدته وانقاذه.
ولأننا شرقيون، ولا نحترم دروس الماضي، فقد ادخلنا الخرافة الى سوق السياسة، فنردد دائما: “واحد يصلح لانقاذ العراق.. لا غيره” وكأن العراق ثوب فصل على طول هذا "الواحد" وعلى  مقاس هذه الخرافة التي طبخت في غرف مظلمة، والغريب ان مصنع الخرافة هذا انتج منقذا لكل جماعة، تتمسك به حتى الموت، حتى ان “المنقذ” نفسه صدق الكذبة مثلما صدق اشعب كذبته يوم قال للاولاد ان ثمة وليمة باذخة في منعطف اقصى البيوت، وحين هرعوا الى صوب الوليمة المزعومة ركض هو وراءهم وهو يردد: ربما الامر صحيحا فانال وجبة دسمة.
الجدل الدائر حول قيادة هذه المرحلة واهلية الزعامة المطلوبة ينزلق شيئا فشيئا (لأننا شرقيون) الى التقليل من شأن العقل وجدوى وضرورة وشرط مبدأ العمل الجمعي، كما يتجاوز حقيقة ان مشاكل العراق الكبيرة اكبر من ان يستوعبها عقل لوحده، أو ارادة شخص واحد، او رئيس حكومة بعينه، وانه لا صحة في الواقع لوجود “المنقذ” الذي سيأتي بالحلول، وبالامن والكهرباء وراحة البال، بوصفه الوحيد الذي يعرف فوق ما يعرفه الاخرون، ويعمل ما لايستطيع ان يعمله غيره، ويخطط ما لم يكتشفه احد من المخططين والاستراتيجيين من الخطط.
المشكلة، ان الذين جربناهم، والذين لم نجربهم، جاءتهم الفرص المواتية لكي يكونوا منقذين حقا فاخفقوا في ان يكونوا كذلك، ولكن لأننا شرقيون فاننا نكره دروس الماضي القريب وعبره.
***
"الجنون هو أن تفعل ذات الشيء مرةً بعد أخرى وتتوقع نتيجةً مختلفةً".
اينشتاين







 
 
45  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / اسمعوا وعوا.. ايها السادة في: 11:26 07/07/2012

اسمعوا وعوا.. ايها السادة


عبدالمنعم الاعسم
 
جميعكم في مركب واحد مطلوبٌ لقراصنةٍ وامواج عاتية ولحساب الملايين، إنه في منتصف الطريق، وقد يغرق بكم وبنا، والحل في الاتفاق على حل وسط، وقبل ذلك في الاستعداد للتضحية بالامتيازات وتقديم التنازلات. انها فرصة النجاة والعبور الى ضفاف السلامة، والبديل عنها هو المقامرة.
السياسة تجيز لكم التصارع، لكنها في ذات الوقت لاتجيز المقامرة. المقامرة في السياسة قضت على دول وامم كاملة، والغت خرائط من الوجود، والعراق الجديد لايتحمل، الآن، اختزال مصيره الى طاولة قمار.
نعم، تمتد نزعة المقامرة في عمق التاريخ وتجد إشارات لها لدى هيرودوتس وفي آثار الفراعنة والفرس والصينيين القدماء والبابليين والاغريق حتى حروب الاندلس، حتى استخدمها الفرنسيون في القرن الرابع عشر كعلاج للمرض العقلي الذي أصيب به الملك شارل السادس، لكن ارسطو صنف المقامرين في كتابه (الاخلاق) في طبقة اللصوص وقطاع الطرق.. أكرر اللصوص وقطاع الطرق.
تذكروا ان مستقبلكم يتحقق على ارض اعلى من مستوى الماء واكثر امنا من الامواج واللف والدوران، وخذ وهات، وقد مضت مرحلة جس النبض، واختبار النيات، وحان وقت الفعل الشجاع.
القضية، انكم كتبتم الدستور، وها انتم تختلفون في تفسير ما كتبتم.. وتحرقون الكثير من الورق بما فيه وعود قدمتموها الى الناخبين.. هكذا يقول العالم عنكم.. وكتب معلق اجنبي عنكم ”في العراق يهزون يدك قبل الانتخابات، وثقتك بعدها..” وقال ماثيو هيوز استاذ العلوم السياسية في جامعة لندن “المشكلة ان الطبقة السياسية العراقية الجديدة غير متصالحة، لا مع نفسها ولا مع بيئتها”.
لكن، تستطيعون ان تغيروا هذه المقولات، وحتى المعادلات، بحكمة الخروج من الخنادق واللاءات والمطالب المستحيلة، وتشييد خشبة النجاة من صلب معاناة الملايين، وجاء في احدى الروايات بان نوحا عليه السلام شيد سفينته، اول الامر، في صحراء قاحلة، لا ماء فيها، وحين اغارت مياه الفيضان دفع الغرقى ثمن استهتارهم، واستهانتهم بالاخطار والانواء.
لا تتبادلوا القبل. هذا لم يعد يهمنا. يقول المصريون القدامى” قبلة من غير محبة تحرق الشوارب” نريد ان تتبادلوا الثقة، لا القبل، وحينذاك، ستعبرون بنا الى فضاء المحبة الحقيقية، والود الجميل.
وحين لا تعبرون بنا، على خشبة النجاة، الى تلك الضفاف الآمنة، سنضطر الى رفع نخب انتصاركم علينا.
وهزيمتكم المؤسفة.
****
“ كل مرض، معروف السبب، موجود الشفاء”.
      ابقراط
46  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / كنت سأقول للمالكي في: 21:27 05/07/2012

كنت سأقول للمالكي

عبدالمنعم الاعسم
دعيتُ لحضور لقاء مقرر لزملاء اعلاميين مع رئيس الوزراء السيد نوري المالكي يوم الاثنين الماضي، لكن احكام السفر في نفس يوم اللقاء حالت دون ان اكون بينهم، واسمع منه بدل ما اسمعه عنه،  وان اشارك في إبداء الرأي حول ما حدث ويحدث، ولا استبعد ان يكون بعض هؤلاء الزملاء قد عبـّروا عما كنت اريد ان اقوله في هذا المحفل.
 كنت سأرحب بمنحى لقاء رئيس الوزراء بالنخب الاعلامية، متعددة الرؤى والقراءات، إذ يتاح له، ولهم، فرصة معاينة الازمة السياسية وامتدادها في العقول والهواجس بصوت مسموع، ومباشر، وعياني، في وقت تتناسل الاحداث عن اسئلة شائكة ومشروعة واستباقية لم تعد الجملة الاعلامية الرسمية تُشبع اصحابها، وإلا ما حاجة الاعلامي الى هذا اللقاء لو انه حصل على اجابات شافية من اقنية الحكومة. 
 وكنت ساقول للمالكي: لا احد، من اصحاب الانصاف والنظرة الموضوعية ينكر، او يتجاهل، انكم حققتم خطوات مهمة على الارض، بالمقارنة مع اعوام 2004 وحتى 2008 في مجرى استتباب الامن وتجفيف بؤر الاستئصال الطائفي وانهاء سطوة المليشيات، وهي منظورات ومحسوسات يعود تحقيقها الى قرارات اتخذتها في داخل حلقة صغيرة اجزم (واعرف جيدا) انها ليست حزبية ولا طائفية، دون ان تفوتني الاشارة الى الاسترخاء الشعبي العارم الذي حصل لصالحك، ودخل في رصيدك، كرجل دولة، لا كزعيم حزب، وكان سيكون رافعة لعملية بناء، واعادة بناء، متسارعة، لولا ان انتخابات العام 2010 وتحديات اعتراضية حالت دون ذلك.
 وكنت ساقول: نعم، اتخذتَ، دولة الرئيس، سلسلة من القرارات المهمة في مجال تحريك ماكنة الدولة ما كانت تتحقق لو انك عدت فيها الى رؤساء الكتل السياسية، الامر الذي الحّوا عليه. اعرف هذا جيدا. واعرف ان بعض تلك القرارات غير موفقة كفاية، وبعضها يدخل في موصوف الفردية او التأهيلية للحزب الحاكم، وينطبق هذا على بعض التعيينات، غير انه، في جميع الاحوال، لا مفر لرئيس الوزراء من ان يتخذ قرارات، ويبدو ان اصحاب الازمة السياسية لا يريدون رئيسا للحكومة يقرر قبل ان يرخصوا له ذلك، على الرغم من انك احجمت (لأسباب معروفة)عن اتخاذ قرارات لجهة بناء دولة المؤسسات والعدالة والمساواة، واخرى لانهاء بؤر التوتر مع اقليم كردستان وثالثة نحو تطمين اتباع الطائفة الاخرى ومعالجة شعورهم بالتهميش، ورابعة في مجال الخدمات وتوفير الكهرباء كاولوية، وخامسة باتجاه حماية الحريات العامة وكبح التعديات الامنية واللاقانونية على الحياة المدنية.
 وكنت ساقول للسيد المالكي، بانني، ومن موقع المراقب المستقل، لا اجد حكمة بازاحتك عن منصبك في هذا الظرف، لأن إحلال بديل عنك لن يمر بشفافية وقائية، والبديل نفسه بالنسبة لي غامض، ومجهول، ومحمول على ظنون غير مريحة، لكن ولأصارحك القول ان الامر الاكثر فائدة لك ولرصيدك السياسي وللعراق ان تتخذ بنفسك قرار الانسحاب من المنصب، قبل الذهاب الى قبة البرلمان، حين يكون غالبية شركائك قد سحبوا ثقتهم بك.. وبانتظار هذا القرار الشجاع.
***
" وأَتعَبُ مَن ناداكَ مَن لا تُجيبُهُ ... وأَغَيظُ مَن عاداكَ مَن لا تُشاكِلُ".
المتنبي

47  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / تصريحات رئيس الحكومة في: 22:01 27/06/2012

تصريحات رئيس الحكومة

عبدالمنعم الاعسم

اولا، وقبل كل شيء، لا يصح ان يكون رئيس الحكومة معلقا سياسيا، يدلي برأيه حول كل شاردة وواردة من الاخبار، أو يناقش الاراء الاعلامية، أو يرد على وجهات النظر المتداولة في الصحافة، فهو قائد السلطة التنفيذية التي تقف في وسط الاراء والخيارات والمواقف، وعليه ان يراعي اثر كل تصريح، وان يحرص على توقيته، لكي يكون ذا تأثير ايجابي على مواطنيه، بصرف النظر عن ارائهم، وعلى موظفيه على حد سواء، وأن لايكون مشحونا بالتأليب والغل والاثارة.
وتصريحات رئيس الحكومة تنأى، كما يفترض، عن ردود الافعال، فهذا منزلق الى ساحة رخوة لايدخلها رؤساء الحكومات الواثقون من انفسهم، إذ يختزل وظيفته الخطيرة الى ملاسنات سياسية يومية تستهلك وقته الذي ينبغي ان يكون للعمل والبناء وحماية ارواح الناس، عدا عن ان رد الفعل (في علم السياسة) يعني انك تنقاد الى صاحب الفعل فهو يختار الميدان والوقت والموضوع، والادوات المناسبة للمعركة الكلامية.
والتصريحات المسجلة لرئيس الحكومة ينبغي ان تصمم على مقاس كيمياوي، في اللغة والبناء والهدف، بحيث لايشم منها اعتبارات حزبية ولا فئوية ولا طائفية، وحين يستخدم عبارة الشعب فانه يحاذر ان تكون العبارة كنية عن الحزب او الطائفة، او انها تتجه الى كسب العواطف وإحراج الخصوم السياسيين، فقد ملّ المواطن ادعاءات الغيرة على الشعب التي استهلكها الحكام المستبدون وحولوها الى خرقة يمسحون بها وجوههم.
رئيس الحكومة لا يستخدم لغة التهديد في الصراع السياسي، فهي مقتله، ونهاية سمعته، ومنحدر وظيفته.
تصريحات رئيس الحكومة تهدئ لا تصعّد، تطمئن لا تقلق، تبني لا تسوّي، تفيد لا تضر، تنطلق من فروسية في التعامل مع الخصوم، ومن مصداقية في تجهيز المعلومات، ومن ثقة بالنفس في الاعتراف والاعتذار واحترام الآخر، ومن نقطة في الوسط نحو الاطراف، والاطراف عند رئيس الحكومة متساوون بحكم الدستور ودولة القانون.
احسب ان رئيس الحكومة لدينا عبَرَ، هنا وهناك، من فوق لوازم ما يلزم.
 
***
"صدرك يتسع للنقد.. فانت على طريق النجاح".
نهرو

48  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الكرة في ملعب المالكي في: 22:40 10/06/2012

الكرة في ملعب المالكي

عبدالمنعم الاعسم  
أصبح واضحا، الان، بان سحب الثقة عن رئيس الوزراء نوري المالكي دخل في مسار آخر لا يتجه بالضرورة الى خيار التصويت، وذلك بعد ان بادر الرئيس جلال طالباني، الى تذكير الجميع بمسؤوليته في حماية السياقات الدستورية، ومنع اندفاع الاوضاع الى نقطة اللاعودة، ودعوتهم الى البحث عن بدائل تعبر بالاحتقان السياسي الى التهدئة والشراكة وتصويب السياسات والمواقف.
لا ينبغي تبسيط المعادلة الى حد القول بان الازمة اخذت طريقها الى الحل، فان الانانيات الفئوية لا تزال تضرب في عمق المواقف والنيات والكواليس، فمن جهة يسعى معسكر المالكي الى اعادة المعادلة الى مربع الاستفراد وسياسة تسريع الركض الى الانتخابات من غير تنازلات، ومن جهة اخرى لا يزال الطرف الاخر من ازمة سحب الثقة في محاولات إنزاله من القاطرة او إثارة الاعاصير السياسية وتحويل الساحة الى فوضى وكوابيس.
في هذه المحطة المشحونة بالترقب واطلاق الرسائل وليّ الايدي تكون الكرة قد تدحرجت الى المربع الاول ذي الصلة بموقف المالكي، فهو يستطيع تأسيس قاعدة آمنة (بحدها الادنى) لرئاسة الحكومة بقيادته حتى نهاية هذه الولاية عبر سلسلة من القرارات والاجراءات والاصلاحات التي من شأنها تكييف وتحسين عهد الشراكة في ادارة الدولة، وبديلا عن ذلك يمكنه ان يستأنف ادارة السلطة التنفيذية والدولة وكأن شيئا لم يكن، وفي هذا الخيار يمكن ان يتوقع المراقب صراعات مستفحلة ومشاكل اقليمية  والى هزة او سلسلة من الهزات، التي لا احد يعرف نتائجها  ا لكارثية.
الكرة في ملعب المالكي، بين الوقوع باغواء (ومخاطر) الشعور بالانتصار في معركة سحب الثقة ودحر الاخرين، او التقدم نحو معالجة شكاوي الكتل المعارضة  التي التقت في اربيل والنجف والبحث عن وسائل تطبيع المشهد السياسي من دون اقصاء او تهميش.
مرة اخرى فان تحويل مسار السباق من وجهته نحو السلطة الى وجهة التنازلات المتقابلة هو القرار الوقائي الذي ينقذ الجميع، والوضع السياسي، من الانحدار الى الهاوية.
وبصراحة، لا فائدة من الضجيج الاعلامي
***
"لا صوت يطربني اكثر من اللاصوت".
مالارميه
49  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / ثلاث مشكلات في "سحب الثقة" في: 11:46 31/05/2012


ثلاث مشكلات في
"سحب الثقة"

عبدالمنعم الاعسم

سحب الثقة، او التلويح به، عن الحكومات او الرئاسات او الوزراء او رؤساء الهيئات القضائية، من خلال السلطة التشريعية، ممارسة ديمقراطية برلمانية لا شائبة عليها، وحدثت وتحدث في الغالبية الساحقة من الدول الدستورية، وتدخل في عداد اجراءات الوقاية من الانزلاق، وشحذ الرقابة النيابية على سلوك السلطات الاخرى، وتكريس مبدأ المراجعة والمحاسبة والتصويب.
 وقد مورس هذا الخيار، عراقيا، او طـُرح في التداول السياسي، منذ انتخابات العام 2005، ومعروفة للجميع الاسباب التي كانت تقف وراء الحديث عن سحب الثقة، وكانت الصراعات الفئوية والشخصية (وبنسبة اقل ما يتعلق باداء واخطاء رئيس الحكومة) تفرض نفسها في الغالب، فيما يتفاجأ الراي العام والمراقبون بان الامور لاتزال معتلة، وكأن شيئا لم يحدث.
 هذا، اذا ما شئنا الصراحة حقا، او اذا ما نظرنا الى تجارب تشكيل الوزارات العراقية في عهد التغيير من زاوية مقربة وموضوعية، وهي احداث ليست بعيدة في الزمان والمكان، على اية حال، وعلينا ان نضيف، بذات الصراحة، ان ثمة محاولات لاختزال الازمة السياسية "البنيوية" لنظام ما بعد الدكتاتورية الى ازمة زعامة او اهلية زعامة.
 وإذ يجري الان، وعلى نطاق واسع، مناقشة اللجوء الى "سحب الثقة" من حكومة "الشراكة الوطنية" فليس من قبيل كشف السر القول بان هذه المناقشة تتركز على شخص رئيس الوزراء نوري المالكي، سياسة وإداء، ومن هنا تبدأ اولى مشكلات هذا الخيار، فان التجربة اكدت بان استبدال الاشخاص لا يحل ازمة الحكم القائمة على معادلات افتراضية خاطئة، ومنتجة للازمات، كما ان "الرجل المنقذ" البديل وصاحب الحلول السحرية كف عن الخروج من زاغور تلك المعادلات، بديلا عن "الارادة الجمعية" التي اضاعت زخمها في سياق الصراع على السلطة.
 ثاني هذه المشكلات يتعلق بالبرنامج الحكومي، البديل، فليس بين ايدينا إلا تسميات عمومية وانشائية لما هو مطلوب، وبعضها اشارات وصفية (صحيحة) للعلل والعثرات والاخطاء، واحسب (وهذا هو موضع هذه المشكلة) ان طاولات البحث في سحب الثقة عن المالكي لم تتناول العـُقد والملفات الاكثر خطورة في المشهد السياسي للحظة التاريخية، وهي ملفات يعرف المتابعون عن قرب وعورة المداخل اليها، ومنها، وفيها.
 المشكلة الثالثة، يمكن قراءتها في هوامش "حركة" كابينة رئيس الوزراء لاحتواء قرار سحب الثقة، وهي هوامش يغطيها الدستور وتتيحها خارطة الكتل والمكونات البرلمانية، ويجري الحديث عن حكومة اغلبية او، في ما يقال عن حكومة تصريف اعمال تبقي ازمة تشكيل الحكومة لاطول فترة متاحة.
 نعم، هناك ما يستوجب اعادة النظر بماكنة الحكومة، وقيادتها، لكن من اية زاوية ننطلق الى ذلك؟ تلك هي القضية.
***
"الثرثار، انسان تسأله عن الوقت فيشرح لك كيف صنعت الساعة".
حكمة مترجمة



50  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / ما شكل الحكومة.. الآن؟ في: 19:38 22/05/2012
ما شكل الحكومة.. الآن؟

عبدالمنعم الاعسم

لم استطع الاجابة عن سؤال فاجأني به مراسل لاحدى القنوات الفضائية قائلا: ما شكل الحكومة العراقية الآن؟ ولما لاحظ حيرتي،  وترددي في الاجابة،حاول ان يسهّل علي الجواب، قال: هل الحكومة موحدة، ام هي منشقة، ام هي معطلة ولا بصمة لها على ارض الواقع؟ ثم اطلق آخر اسئلته المحيّرة: أعني، هل هناك حكومة قائمة، فعلا، تجتمع وتتخذ القرارات المصيرية وتدير شؤون البلد وتضبط اداراته؟.
حتى اللحظة التي اكتب فيها هذه الكلمة، لم يكن لدي جواب محدد، فلا استطيع ان انفي وجود حكومة، لها هياكل ووزارات ورئاسة، وأعرف ان لا احد من الدول طعن في وجودها، او كتلة من الدول، او مرجعية دولية او اقليمية تشككت في شرعيتها، وهي فضلا عن ذلك تستند الى دستور لم يرخص حلها، والى برلمان لم ينه تفويضه لها، حتى اللحظة.
كما لا استطيع ان اؤكد وجود حكومة بالمعنى الاكاديمي، المتعارف عليه بين الدول، فهي متشظية بالطول والعرض. اركانها لا يشاركون رئيسها منهجه وسياساته، والكثير من وزرائها يتلقون شكل مواقفهم، وحتى ادارتهم لمرافقهم، من رؤساء كتلهم، وليس ثمة حكومات اعضاء كثيرة في الامم المتحدة (كما هو حال الحكومة العراقية) ترسل الى العالم وجيرانها رسائل متناقضة عن اوضاعها، فقد اصبح معروفا، كما قال زميلي المراسل، انك اذا اردت معرفة ما يجري في العراق فان عليك ان لا تكتفِ بمطالعة مسؤول واحد، فان لكل مسؤول جواب ولكل منهم رؤيا.
لست بصدد تشريح الجسد العليل للحكومة لتسمية المسؤول عن عللها وشللها، ولكن، من المهم هنا، الاعتراف بان هذه الحكومة لا تعدو عن هيكلية (دستورية. نعم، ولكن) مفرغة من شبكات وموجبات وسياقات العمل الحكومي، وان سياساتها المفصلية وقراراتها الاكثر مساسا بالسياسات العامة (وهذا ليس اتهاما او تجنيا) تدار من غرف موازية وعبر مفاتيح شديدة التعقيد والخصوصية، وبمعنى ما ان هناك حكومة اخرى من المستشارين والمقربين تتولى ادارة عجلات الدولة المشلولة في الاصل، فيما يواصل وزراء الكتل المتصارعة دوامهم اليومي مثل بقية الموظفين باستثناء طوابير الحمايات التي تشق لهم الطريق الى مكتاتبهم.
قال لي زميلي المراسل: بالامس سألت مسؤولا مهما عن شأن يتعلق بصلب وظيفته، فلم يقدم لي جوابا شافيا واكتفى بالقول: إسأل غيري، لكن ارجوك لا تخبر احدا انني لم اجبك عن هذا السؤال، واضاف زميلي في الختام: الحكومة العراقية غير موجودة، لا تزعل، واضاف ضاحكا، لكنها تفكر كثيرا في ان تكون موجودة، وهذا في صالحها إذا ما اعدنا مقولة ديكارت: انت تفكر، فانت موجود.
 ***
“ تبا لسطحية سكنت عقول البشر”.
                               شكسبير
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

51  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / اين فشلت تجربة "الشراكة" في الحكم؟ في: 12:37 17/05/2012

اين فشلت
تجربة "الشراكة" في الحكم؟


عبدالمنعم الاعسم

احسب ان الحلقة الرئيسية لحل الازمة السياسية تتمثل في اعادة بناء “حكومة الشراكة” على وفق تجربة عامين ونيف من الصراعات والتوافقات والاحداث، إذ افرزت جملة من الحقائق يمكن الاشارة الى ابرزها:
* ان ادارة الحكومة وكابينة قيادتها انعزلت تماما عن غالبية مكونات الشراكة، بمن فيها داخل تحالف الاكثرية، وقامت بالتفاف من حول التعهدات والاتفاقات المعلنة وخاضت طوال هذه الفترة “معارك” مع جميع تلك المكونات، وفي اوقات مختلفة، كانت هي تضع بعض توقيتاتها وبعض ميادينها.
* بروز نزعة “الحزب الحاكم” وتوسيع هيمنته على مفاصل حكومية وامنية ومالية واعلامية، ومحاولات استخدام مجسات وامكانات السلطة في تكوين هياكل وتجمعات معدّة لحسابات النفوذ والانتخابات المقبلة.
* استقواء بعض مكونات الشراكة السياسية بالدول المجاورة في صراعاتها مع الحكومة، وزاد ذلك في تعقيد الازمة، الامر الذي شجع دولا اخرى على التمدد السياسي والامني في خواصر المشهد العراقي القائم.
* تورط فئات وزعامات محسوبة على العملية السياسية في انشطة امنية ميليشياتية وارهابية وفي اعمال اغتيال وتفجير وضرب مفاصل الاستقرار.
* دخول جميع مكونات الشراكة، وإن بنسب متفاوتة، في سباق التصعيد والاثارة وكسر العظم واثارة الريبة بنيات الاخرين ورفع سقوف الشعارات والمطالب والاجندات، واطلاق حملات التشهير الشخصي، مما اضر بالجميع واساء الى سمعة العملية السياسية معا.
* سقوط هيبة الدولة على يد المسؤولين الحكوميين والكثير من النواب وبعض الاقنية الاعلامية النافذة، وزاد ذلك استشراء الفساد الذي وجد مناصرين له وحماة من اركان الحكم ومن معارضيه على حد سواء.
* فشل جميع السيناريوهات لتصويب مسار الشراكة في الحكم، مثل حكومة الاغلبية، انتخابات مبكرة، التزام صيغة اربيل، المؤتمر الوطني، لقاء زعماء الكتل، نصائح وتحذيرات وتوقيتات وتهديدات باسم مراجع وزعامات.
*انفلات الحالة الاقتصادية وغياب الدولة التام عن السوق وعجز السلطات عن احتواء المظاهر المدمرة للتوازن المعيشي (فئات تزداد غنى، واخرى تزداد فقرا) وتعطل مشاريع الخدمات واخفاق معالجة البطالة وبناء السلام الاهلي عابر للطائفية.
* من زاوية معينة يبدو ان كابينة الحكومة تمسك اكثر من ملف ذي صلة بالاختلال السياسي، لكن الموضوعية تلزم القول بان عددا من ملفات الازمة تقع خارج ارادة الحكومة، وبعضها بيد معارضيها على وجه التحديد.. وان تكرار التنصل من المسؤولية لن يغير من المعادلة شيئا.
***
“ ليس للاقتناع قيمة إذا لم يتحول إلى سلوك”.
توماس كارليل

52  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / في انحطاط الشعور بالمسؤولية.. في: 21:43 09/05/2012
في انحطاط الشعور بالمسؤولية..

عبدالمنعم الاعسم
 
المسؤولية علم. من مسؤولية ادارة فندق الى مسؤولية ادارة حكومة. ومنذ اكثر من مائة عام بدأ علم الادارة والمسؤولية يغزو المعاهد والاكاديميات ورفوف الكتب، حتى ان العالم الفرنسي “سان سيمون” فضّل ان يشحذ شعوره بالمسؤولية دائما، حيث املى على حارسه ان يوقظه، كل صباح، بعبارة”إنهض سيدي الكونت.. فان امامك مهام عظيمة لتؤديها الى البشرية” فيستيقظ بهمة، ممتلئا بشعور الغيرة على شعبه ومسؤوليته الادبية التي لم تكن سوى القراءة والتاليف والتبشير بفكرة السلام الاهلي.
وفي برنامج تلفزيوني امريكي عنوانه “علّمي طفلك المسؤولية” يحرص مقدّم البرنامج ان يقدم نماذج من مسؤولي الدولة الذين فشلوا في مهمتهم، وذلك لانهم لم يوفروا الثقة باعمالهم بين المحيطين بهم، وفي حوار ذي مغزى مع طفل (لم يكن ذكيا بالضرورة) عن رأيه في رئيس حكومة ولايته، يقول: لا احبه. انه يتكلم كثيرا. ويعد كثيرا. ويفزعني حين يطوّح بيديه كثيرا وهو يخطب”.
في علوم المسؤولية، ان الحاكم يصبح خارج المسؤولية الاخلاقية والادبية عندما يعمل لـ”حساب نفسه وابناء فئته” واحسب ان الامام على سبق منظري هذا العلم بالف واربعمائة عام بمخاطبة مسؤولي ادارة شؤون المسلمين قائلا لهم: “اتقوا الله في عباده وبلاده، فانكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم” ويحذر الخليفة ابن الخطاب من المسؤول “الذي لا ينام إلا على الرضا، ويضحك عند الغضب، وهو يتناول (يسرق) من فوقه ومن تحته” ويقول عن نفسه حين اصبح مسؤولا: “لو ان شاة هلكت ضياعا في شاطئ الفرات لخفتُ ان اُسأل عنها”.
في عهد الامبراطور شن الذي حكم الصين قبل اربعة آلاف سنة كان حكام الولايات يتخلون عن حراسهم واعضاء بطانتهم عندما يتسلمون مسؤولياتهم، وكان الامبراطور الحصيف قد منع الحكام التنفيذيين من “التحيز” لطائفة او ابداء العداء لاخرى. اما كونفوشيوس فقد كان يقول لقادة الجيش والحكومة: انتم مذنبون حتى يرضى عنكم الجميع، جميع السكان. وكانت افكار الحكيم الصيني تدرس في معاهد الادارة وتلزم رؤساء الحكومات بحفظها، عن ظهر قلب وبخاصة ما يتعين منها في ان يكون المسؤول مقبولا من مرؤوسيه، موثوقا منهم، وان لا يتعامل برد الفعل مع الاحداث.
علم المسؤولية يحرّم ادارة الدولة من خلال ردود الافعال.. هل نحدثكم عن مصائر الذين وضعوا سياساتهم وفق تلك القاعدة البدوية.. وماذا حدث لهم، وحل بنا؟.
***
“لا تشكّ في من يقول لك انه خائف، بل خفْ ممن يقول لك أنْ ليس عنده شكوك”.
اريك فريد

53  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / عن حُماة الامن في: 16:24 21/04/2012

عن حُماة الامن

عبدالمنعم الاعسم

مرة اخرى تثير الجرائم الارهابية السؤال، المشروع، بصدد مسؤولية الحكومة عن بسط الامن في البلاد، وقدرتها على لجم عصابات وجيوب الجريمة، ويتكرر السؤال بصيغ عديدة ومختلفة، فيما تذهب معايير الحكم الفاشل الى حصر الفشل (اولا، وقبل كل شيء) في عجز الحكومة (اية حكومة) عن حماية ارواح المدنيين، ولايقلل من دقة هذا المعيار ما يعرفه الجميع من معلومات عن ايغال المشروع الارهابي في فنون التنكيل بالمدنيين، وسقوط شعارات الجهاد ضد الاحتلال في وحول معاقبة المواطن، لا المحتل.
تفجيرات الخميس وفواجع المئات من العائلات، وأسى الملايين التي تابعت صور الاشلاء والنواح والمرارات، كشفت من جانب آخر، ما هو اكثر فجاعة ومرارة وإمعانا في التهرب من المسؤولية، إذ ظهر "حماة الامن" في صورة من لايعنيه عمق المأساة التي ضربت البلاد، ولاتشغله النتائج المروعة التي حلت بالضحايا وعائلاتهم، فتواروا ساعة المحنة وراء مكاتبهم وحصونهم وسياراتهم المصفحة، يتلقون المعلومات من مراسلي الفضائيات، ثم قاموا، كما في كل مرة، باستعراض القوة الفارغة في الشوارع وحول مسرح المذبحة، واختتموا المسرحية بتصريحات هي اقرب الى الرطانة منها الى الخطاب الامني المسؤول.
اعرف مراسلا اتصل بمسؤول امني ليستفسر منه عن دوي انفجارات تهز بغداد فرد عليه المسؤول انه خارج الدوام ولايستطيع مساعدته، او التقصي عما يحدث، فرد عليه صاحبي بالقول ان المسؤولية الامنية ليست وظيفة. فقـُطع الاتصال.
بعض “حماة الامن” ظهروا على المسرح، وهم يتوعدون عصابات الجريمة التي انسحبت الى اوكارها، وغسلت خراطيم المياه آثار غارتها الاجرامية، ما يذكرنا بقصة “اشقياء الطرف” التي اوردها علي الوردي في محاورة مطولة له مع حميد المطبعي ونشرت في كتاب “على الوردي يدافع عن نفسه” يقول:
“اشتهر في بغداد في اواخر العهد العثماني رجل لايملك الصفات التي تؤهله لأن يكون شقيا ناجحا، انه كان قصيرا نحيفا تنقصه الشجاعة، غير انه كان مصرا على ادعائه الشقاوة والتظاهر بها، فكان يحمل مسدسين يشدهما الى جنبيه لكي يتباهى بهما في المقهى، او عند مروره في الازقة، فاذا سمع في الليل صراخا يدل على وجود لص في محلته ظل في بيته ساكنا لايتحرك، حتى إذا هرب اللص، او القي عليه القبض، خرج هو من بيته وقد شهر المسدسين بكلتا يديه يطلق منهما الرصاص، ويصرخ: “اين هو؟.. دلوني عليه”.
“اللهم انا نعوذ بك من التكلف لما لا نُحسن”.
الجاحظ
 

54  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / قبل ان ينكفئ القارب في: 12:44 17/04/2012

قبل ان ينكفئ القارب

عبدالمنعم الاعسم

يبدو ان اصحاب ازمة الحكم ورؤوسها اضافوا الى علم التحالفات السياسة مفهوما جديدا، بل مفاهيم جديدة، اقرب الى حكاية اولئك الرجال المتنافرين الذين وجدوا انفسهم في قارب آيل للغرق وسط الامواج المتلاطمة، فتركوا واجب الحذر والعمل لانقاذ حياتهم، وانصرفوا يترصدون اخطاء وزلات بعضهم لساعة تصفية حساب على الشاطئ، او ليوم حساب في الآخرة. انهم يتحدثون مع الخصوم بكل ما يمليه عليهم واجب التضامن لدرء الكارثة التي تهددهم، فيما يتحدثون مع غيرهم بكل ما يسهل إغراق القارب بمن فيه.
قصة القارب ومآل رحلته المثيرة يمكن الاطلاع عليها في فيلم كارتون فرنسي، واحسب انها قصة تاريخية مدرسية واخلاقية، فان المخاشنات وسوء الظن والنميمة والاغتياب والتآمر وانعدام الثقة والريبة والتعدي والتنافر ادى الى اطالة امد الرحلة لأيام طويلة عرضتهم للغرق جميعا، وحين وصل القارب للشاطئ على ذلك الحال من التعب والشقاء والانشقاق والجوع والعداء الشرس هتف شيخ كان طوال الوقت يحاول اعادة المتخاصمين الى رشدهم: “يا ليته غرق.. ياليتنا لم نصل”.
المفارقة السياسية التي نتابعها يوميا تتمثل في ان الكثيرمن المحسوبين على كابينة الحكومة، ومن اركانها حتى، يدلون بتصريحات وتحفظات واعتراضات وتهديدات من موقع اللامسؤولية، او من موقع طائفي، او من موقع فئوي، خلافا لقواعد الشراكة والائتلاف والتحالفات السياسية، وفي هذا تكمن الاضافة غير المسبوقة لعلم التحالفات بين الحكومات، في وقت تمر البلاد في ظروف شديدة الحساسية والحرج تشرف خلالها على مصير مجهول.
والاغرب من ذلك كله ان بعض رموز التحالف الحكومي برعوا في إطلاق خطابين ولغتين وموقفين متناقضين في وقت واحد، ولكن في غرفتين متجاورتين، ففي غرفة الاهل والاعلام نسمع كلاما متشددا ودعوات للتجييش وشكوكا في نيات الاخرين وترويجا للكراهية والحذر والخوف، وتأجيجا سافرا للفتنة الطائفية، وفي غرفة الحكومة والجمهور يتحدثون، بلغة اخرى تماما، عن فروض التهدئة والتسامح والتكافل، وقيم الشراكة، والعودة الى العقل، وامكانيات عبور المرحلة بسلام، حتى ان المتابع المحايد يجد نفسه في حيرة ازاء ما يسمع هنا وما يقرا هناك، فيما المسافة بين العين والاذن ليست شاسعة.
ان النتيجة المؤكدة لمثل هذا العبث المدمر ولمثل هذه الاضافة المشوهة الى علم التحالفات السياسية، هي اطالة فترة المخاض والمعاناة في العراق، حتى ان الحكماء منا سيقولون،كما قال شيخ القارب الفرنسي يوم وصلوا الى الشاطئ: ليتنا غرقنا.. ليتنا لم نصل.
*
“الجنون هو أن تفعل الشيء مرةً بعد مرةٍ وتتوقع نتيجةً مختلفةً”
اينشتاين
 
55  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / عمركم طويل في: 07:11 05/04/2012
عمركم طويل
عبدالمنعم الاعسم

 محللون امنيون يؤكدون بان العصابات المسلحة التابعة لفلول القاعدة وحزب النظام السابق دخلت في تنفيذ سلسلة من الاغتيالات تطال شخصيات وعاملين في مهن او منتسبين الى وظائف محددة، وهي خطة اجرامية سبق ان جـُربت (بنجاح) بحق قضاة واكاديميين وحلاقين وصاغة وخبازين واعلاميين وغيرهم، ومعروف ايضا (انتباه) بان عصابات اخرى ومن جماعات متطرفة مختلفة ومأجورة دخلت على الخط لتنظيم اغتيالات "موازية" والنتيجة ان بركة الدم  اتسعت لضحايا من جميع الهويات العراقية المتآخية.
 وتفيد بعض القراءات الصحيحة وتسريبات الاجهزة الامنية بان كواتم الصوت تستهدف هذه المرة شخصيات نافذة في اللوحة السياسية الامر الذي يلزم اطلاق صافرات الإنذار واليقظة، ففي هذا الجو المتوتر حيث تمتلئ خزانات السياسة وأقنيتها وشعاراتها بالاحتقان والريبة وانعدام الثقة، يمكن (وهذا احتمال وارد) أن تتسبب رصاصة كاتم صوت واحدة، لزعيم سياسي محوري، في تفليش كل ما تم بناؤه، وتغيير مسار الأحداث الى كارثة، ومَن لا يصدق (أو يتوقع) ذلك يمكنه الاستدلال إليه من سلسلة الاغتيالات المشهورة في التاريخ إذ غيّر البعض منها أقدار أمم وبلدان ومسارات (اغتيال الخليفة عثمان بن عفان) وأضرم بعضها الآخر نيران لم يُخمد لهيبها حتى الآن، كما هو الحال في اغتيال السياسي اللبناني رفيق الحريري.
 لنفتح هذا الملف، حيث خرج قابيل من كهفه، قبل مائة الف عام، وانتحى جانباً وبيده صخرة ليفج بها رأس أخيه هابيل الذي مر في ذلك الوقت من أمامه، ويقتله في الحال، ثم، بعد ذلك ابتليت الخليقة في سلسلة من المكائد والاغتيالات فسال دم كثير، وحُزّت رقاب وقتلت أنفس، وسُمم واغتيل وذُبح دعاة ومصلحون وساسة وزعماء وقادة جيوش ومغامرون، في أجواء مُغبرة وملبدة بالريب والأحقاد فيما عوقب مارة وعابرو سبيل ومشتبه بهم بجريرة غيرهم، جناة أو ضحايا أو شهود، لكن الكثير من تلك الأحداث تركت آثاراً وجروحاً وخراباً وفتن  اغتيال غاندي. اغتيال الملك عبدالله. اغتيال السادات) وثمة الكثير منها أصبح مضرباً للأمثال، أو عنواناً لإثارة عورات الماضي، كما حدث في نهاية حياة راسبوتين وما حدث لكليب وجساس في قصة داحس والغبراء.
كما لا تزال حوادث موت مثيرة حسبت في عداد المكائد وجرائم الاغتيال، وما جرى للأسقف بيكيت الذي اغتاله هنري الثامن ملك انكلترا، وكيف مات أبو الطيب المتنبي في الصحراء، أو موت ملك العراق غازي أو سقوط طائرة الأمين العام للامم المتحدة داغ همرشولد، أو مقتل الرئيس العراقي الأسبق عبد السلام عارف وموت الرئيس المصري جمال عبدالناصر، والغريب ان بعضها ضُمّ الى ملفات التاريخ كألغاز، منها استمرار البحث في خفايا اغتيال الرئيس الأمريكي جون كندي ثم اغتيال قاتله أوزوالد، والبحث حتى الآن حول جمجمة توت عنخ آمون لمعرفة أسباب الكسر في مؤخرتها ما إذا كان وراؤه حدث عابر أم جريمة اغتيال بالساطور.
 عمركم طويل ايها الساسة.. لكن ماذا ينفعكم دعائي لكم،  وعلى ابوابكم طوابير ممن يدعون عليكم.
*
"التاريخ سيناريو سئ للغاية".
نورمان مايلر
56  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المؤتمر الوطني.. لا وقت للمناورات في: 19:19 02/04/2012
المؤتمر الوطني..
لا وقت للمناورات

عبدالمنعم الاعسم

اصبح الطريق سالكا، الآن، الى المؤتمر الوطني لحل الازمة السياسية في البلاد، والانتقال الى ترميم التصدع في البنيان السياسي للمرحلة وتصويب المواقف حيال مفهوم الشراكة في ادارة شؤون البلاد، مثلما اصبح واضحا لجميع الاطراف، واكثر من اي وقت مضى، الجسر الذي ينبغي العبور من فوقه الى ضفاف الحل والسلامة وكفالة التهدئة بعيدا عن نزعة الخندقة وكسر العضم ومحاولات التخوين والتهرب من المسؤولية والمزاحمة والاقصاء والتهميش واللّيّ من اليد التي توجع الطرف الآخر والتمارين الاعلامية اللامسؤولة، وغيرها من قواعد اللعبة التي اضرت بالجميع، من غير استثناء، وبالاستقرار والعملية السياسية والعراق.
وإذ ارجئت اجتماعات القيادات السياسية، اكثر من مرة، فانه يفترض ان تكون هذه الارجاءات فرصة لاطراف النزاع السياسي لكشف النيات والتعرف على السقوف السياسية لمطالب وشروط الفرقاء، والتوصل الى قناعة بانه لا وقت للمناورات واللف والدوران، ولا مفر من البحث في المشتركات ووضع التوقيتات للحلول، والنظر الى الاخطار المحدقة بمسيرة التغيير، بجدية ومسؤولية، على اساس ان الاستفراد بالقرار السياسي لا مكان له في المعادلات ذات الصلة بالتوازن السياسي القائم، وان الانتقال للمعارضة لانصيب له من التوفيق في ظل الحقائق السياسية النافذة.
وعلى خلفية التجاذبات التي جرت وتعقدت غداة تعيين موعد المؤتمر برز الى السطح ما يبدو انه تناقض بين مساري الدستور ونصوصه والتوافقات واحكامها، فكل طرف يمسك بطرف واحد من المسارين، فيما تأكدت للمراقبين الموضوعيين، بانه لا الدستور وحده يمكن له (بسبب الكثير من النصوص الغامضة والمتناقضة) ان يعالج المشكلات السياسية الناشئة والمتفجرة، ولا التوقفات في ذاتها كافية لتأمين اجواء الثقة بين المتصارعين السياسيين، وانه، بعد ذلك، من العبث التمسك بالنصوص الدستورية او التوافقات، إذا ما اريد نزع فتيل الازمة السياسية، وبناء شراكة راسخة تحول دون تعريض البلاد الى هزات او تصدعات.
وبكلمة موجزة، المطلوب، ايجاد مسار جديد، بديل، للمناقشة والبحث في الحلول والمفاتيح والمسؤوليات، يسترشد بالدستور وبالتوافقات، معا، ويضع خارطة واضحة للالتزامات والاجراءات المطلوبة من خلال تسميات كيميائية للخطوات المطلوبة.
الجميع في زاوية المسؤولية، والحرج، والاستقطاب، والجميع في حاجة الى الجميع، فلا وقت للمناورات.
بل وليس ثمة وقت للتفريط بماء الوعود.. وماء الوجه.
*
"تسلـّمَ بالسكوت من العيوب ... فكان السكـْتُ أجلب للعيوب"
مكي بن سوادة


 
57  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / حانت ساعة المراجعة.. في: 12:35 20/03/2012

حانت ساعة  المراجعة..


عبدالمنعم الاعسم


لا أحد خارج الورطة السياسية التي ندور فيها.
ولا فائدة من الدموع التي تطلق من اجل الشعب: “ألمْ يأت إخوة يوسف أباهم عشاء يبكون؟ وجاءوا على قميصه بدم كاذب”.
النجاة بالمراجعة لا بالتصعيد. بالدخول في شجاعة الحساب، والساعة ساعة الاعتراف.. وكما يقال: جد نفسك في ساعة الحقيقة.
ساعة الحقيقة، هذه، يبلغ فيها السيل الزبى ويتمايز فيها الخيط الابيض عن الخيط الاسود، وتتحر عندها الفروض من مزاد المساومة على الحق، وقبل أن يحل ذلك الموعد.. “يوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون عليها” يقف أولئك الذين فرطوا بالحظوظ الذهبية التي نالتهم، في حرج أكيد، فإن”ساعة الحظ لا تعوّض” وان مآل الاقدار الى حساب: فهذا لك، وهذا عليك.. آنذاك ستهرب العيون الى دقات الساعة، والعاقبة لمن انتصر على نفسه، واحسن المراجعة والتراجع.
لنتذكر ان حلول الساعة يطلق على يوم القيامة، وان ساعة الحقيقة نطلقها عندما نكف عن (او نفقد الصبر على) مزاولة اللف والدوران. سنعرف، آنذاك،ان اكبر سجن لساعة الحقيقة هو سجن المسكوت عنه، وان اكبر المستفيدين من اعتقال ساعة الحقيقة هم اولئك الصغار الذين صعدوا، وصعدوا، وصعدوا في غفلة، او صفقة، او طربكة، من غير كفاءة الصعود، ولا حقوق الوجاهة.. “فاذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون” ثم اولئك الذين حَطوا انفسهم (او حُطوا) في حيّز اوسع من مقاسهم، واكبر مما يستحقون، فصدقوا انهم كبار او “طناطل” وانهم في مأمن من “الساعة” التي لا تعدوعن كونها ذرات متناثرة من الاقدار شاءت الحياة ان توحد اسرارها وتبعث بها الينا حين نكون بامس الحاجة اليها، يوما.
بعد هذا فان ساعة الحقيقة غير “ساعة الصفر”.. الاولى، لحكمة المراجعة، والثانية لخيار التآمر.. الاولى للسلام المؤجل، والثانية للحريق المعجل.. الاولى لاعادة انارة الزوايا المعتمة، والثانية الى اضرام النيران والكراهيات في كل الزوايا.. الاولى محاولة لاحياء الصحيح قبل ان يستشهد، والثانية لوضع الصحيح على مرمى المدافع، وثمة في ساعة الحقيقة وساعة الصفر، حين يتشابكان، ويتسابقان، الكثير من حكم التاريخ المثيرة.. هل تتذكرون كم من امبراطور انتهت به الاقدار الى ان يبحث عن ملجأ ينهي فيه بقية حياته، فلا يتاح له؟.
وبعضهم ندم.. ولات ساعة مندم.

*
"الانتحار هو المشكلة الفلسفية الوحيدة".
البير كامو

58  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / قمة المستحيلات.. الاربعة في: 20:02 18/03/2012

قمة المستحيلات..
الاربعة

عبدالمنعم الاعسم

قمة بغداد العربية ليست مثل بقية القمم السابقة، فهي تنعقد في غياب المحاور، وحصرا، في غياب المحور المصري السعودي الذي طالما لعب دور المقرر و”القائد” طوال عقدين من السنين، وهي الى ذلك، تقف في منتصف الحلبة التي يتصارع فيها النظام العربي المتوارث بمواجهة الشارع في طوره الاكثر التهابا، وهي اخيرا مسبوقة بجدول عمل يتضمن، لاول مرة، مفردات لم تكن تحظى بالاتفاق، وبعضها موضع اختلافات تتعمق اكثر فاكثر مع اقتراب موعد الانعقاد.
ويشاء التدهور الامني والسياسي المتفاقم في سوريا، على خلفية حركة الاحتجاج والاصرار على خيار الردع، ان يشكل المستحيل الاول الذي يواجه القمة بالنظر لحساسيته وانشقاق المواقف الرسمية العربية حياله وانتحار الحلول الوسط والتسويات السلمية من شاهق دورة العنف، وانزلاق المواجهة الى استخدام القوة المسلحة على نطاق واسع، وليس من قبيل القراءة المتعجلة القول بان سوريا لن تحضر القمة على اغلب الاحتمالات وان غيابها هذا سيكون بمثابة حضور ثقيل على طاولة البحث والنقاش والخلاف ايضا، وقد يتسبب في مجادلات ومشكلات.
وإذ يُعدّ الملف السوري من بعض افرازات الربيع العربي الذي جاوز، الآن، عمره العام، والذي احدث ، ويحدث، تغييرات كبيرة و”انقلابية” في السياق التاريخي لدول المنطقة، فان عنوانه، في الاقل، سيكون متداولا ومعنيا من قبل اصحاب القرار الرسمي العربي، مسبوقا بتفاوت واضح لاستيعاب دلالاته، واستحقاقاته، من قبل الحكومات والحكام والنخب السياسية والفكرية عموما، اخذا بالاعتبار الرغبة المعلنة من قبل عواصم المنطقة لبحث هذا الملف والتجاوب مع مطالب الحركة الاحتجاجية بدل التنكر لها لتقع رهن القوى الخارجية او الجماعات الارهابية الاجرامية.
اما المستحيل الثالث فيمكن رصده في العلاقة المتوترة والمتداخلة والمشحونة بالشكوى واللوم والارتياب بين دول القمة العربية والدول المجاورة، وبخاصة مع كل من تركيا وايران اللتين دخلتا، بدواع كثيرة، في شبكة الصراع الجارية بين الانظمة وشعوبها، وتركتا بصماتهما هنا وهناك، ما يمكن ان يكون موضوعا مثيرا للجدل والتجاذب، وتحت معاينات ورؤى مختلفة.
المستحيل الاخير يكمن في استمرار حالة اللاسلم واللاحرب في الشرق الاوسط.. فلا السلم على الطاولات، ولا الحرب على الابواب.
*
“كلما اقتربت القوانين من الثبات اصبحت غير واقعية”.
اينشتاين
 
59  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / ملصقات الساسة.. الجدران تخجل في: 10:24 17/03/2012

ملصقات الساسة..
الجدران تخجل

عبدالمنعم الاعسم

 جميعهم يبتسمون للمارة: إطمأنوا. انتم امانة في اعناقنا. وجميعهم، في صورهم، يحظون بالوان الطيف بكل سخائه وفضاءاته وبهجته وإلفته، الاخضر والاحمر والاصفر والرمادي، وأحيانا كثيرة يتشكل مشهد فجائعي: جدارية السياسي، بابتسامته العريضة، من جانب، وكومة اشلاء من ضحايا تفجير حدث توا، من جانب آخر، وعويل يسد مساحة المشهد، من جانب ثالث، حتى ان الجدران وحوامل الملصقات تبدو انها تشعر بالخجل حيال هذا التشكيل الاستفزازي.
 وهنا يقفز سؤال ساذج، وربما بطران وخارج الصدد: هل حصل اصحاب الملصقات والصور، بمن فيهم الاموات، على ترخيص للاعلان من الجهات المعنية، امانة العاصمة مثلا؟. 
 في حمية التحزب، والانحياز الاعمى للقبيلة أوالنوع أوالمذهب أوالدين أوالزعيم، قد يضطرون –وانا اتحدث عن ظاهرات سياسية- الى النزول منزلة الاساءة الى الممدوح، والمرء، كما يقول الامام علي، يتسخ بالمديح وبالتزلف، الامر الذي يؤشر مأزقا سياسيا وذوقيا بالغ الاثر.
 اقول، الانحطاط السياسي في العراق فتح الباب(منذ العهد السابق) امام استباحة الجدران والساحات العامة واعمدة الكهرباء بملصقات وصور وجداريات توزع بشكل عشوائي مضحك، والغريب مما نسمعه، هذه الايام، ان الجهات المسؤولة تعتبر مناقشة موضوع ملصقات الساسة محرما وأن بعض تلك الملصقات محاطة بالتقديس والخطوط الحمر، والاغرب ان بعض بلديات المدن (او جيوب فئوية)اقامت مباريات لمن يرغب برسم صور كبيرة لساسة متنفذين ومُطاعين، وهناك الى جانب هذا سباق محموم على الجدران الكبيرة و"الاستراتيجية" بين اتباع الساسة، فكل ملصق للسياسي (أ) ينبغي ان يقابله ملصق للسياسي(ب) وبقربهما ملصق للسياسي(جـ).. وهكذا.
 بصراحة، كنا نعتقد ان المشهد المقرف لجداريات وصور صدام حسين سيحل في ذاكرة ساسة العهد الجديد كمخلفات استفزازية بائدة، وستشكل وحدها عقدا سياسيا واخلاقيا ضد هذه الظاهرة المعيبة، وليس من دون مغزى ان يهتم المراسلون الاجانب بنقل الجداريات والصور الجديدة من على جدران المدن الصماء ومنعطفات الشوارع الكونكريتية واعمدة الكهرباء الباردة بالكثير من الاستغراب.
 لم يتوان مراسل فرنسي كان قد زار بغداد قبل سنوات، من القول بعد ان زار العراق "شاهدتُ صورة كبيرة لسياسي محلي تنتشر من حولها مستنقعات من الصرف الصحي، وتنام تحت قوائمها الحديدية نعاج ضعيفة وجائعة".
*
"كل فعل له رد فعل مساو له في القوة، ومعاكس له في الاتجاه".
اسحاق نيوتن




60  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المغتربون والعودة.. والقوانة المستهلكة في: 11:04 14/03/2012
المغتربون والعودة..
والقوانة المستهلكة

عبدالمنعم الاعسم

 مرة اخرى يطرح هذا السؤال نفسه في اروقة الحكومة ومجلس النواب: لماذا لم تستجب النخب العراقية المغتربة الى الدعوات الرسمية المتكررة بالعودة والمساهمة في اعادة اعمار البلاد؟ او: لماذا لم تترجم الى اجراءات تلك التوصيات والافكار والمقترحات العملية التي قدمت الى الجهات المعنية حول تسهيل عودة (والاستفادة من)النخب العراقية المثقفة؟ بل، ولماذا عاد صفر اليدين(وبمرارات) الى اماكن هجرتهم الالوف من الاكاديميين والمهنيين والخريجين والعاملين في مجالات الثقافة والفن والصحافة والابداع؟ ثم: الم تقتنع الجهات المعنية، حتى الآن، بفشل الإهابات العاطفية لاقناع النخب العراقية بالعودة الى الوطن؟.
 نعم، لقد عاد بضعة مئات من الاطباء والمهنيين والخبراء، ووجدوا طريقهم الى مراكز عمل وبناء (وهناك شكاوى من تعامل يواجهها العديد منهم)غير ان الامر يتعلق بمئات الالوف من الكفاءات العلمية والمهنية ممن تحتاجها(او تفتقر لها) الدولة وحركة البناء والتغيير في جميع المجالات، فيما انحسرت، الى حد بعيد، تلك الحساسيات الاهلية المبكرة حيال المغتربين والكفاءات العائدة، وبعض المخاوف من المزاحمة على المراكز والفرص، بعد ان اصبح واضحا بان العراق الجديد بحاجة الى ملايين من الكفاءات والخبرات الوطنية التي تتوفر لدى المغتربين.
 وبصراحة، فان العائق الاداري الاول (عدا عن الظروف الامنية العامة) يتمثل في طبيعة واثر قواعد المحاصصة الفئوية السياسية في شبكة ادارة الدولة، إذ يصطدم العائدون (والذين ينوون العودة) وغالبيتهم الساحقة من المستقلين وغير المحسوبين على  الكتل الحزبية او القوى المتنفذة في الحكم، بضيق(وطائفية وفئوية)الاقنية التي يدخلون منها الى الخدمة، فلكل قناة مدخل، ولكل مدخل قابض ارواح، ولكل قابض ارواح حارس، ولكل حارس صيغة واليات وقواعد وتعليمات وحبربشية.. والكلام كثير عن ذلك، لا تتسعه مجلدات.
 وليس من دون مغزى ان يُعارَض (او يُهمل) الاقتراح العملي الذي تقدمة جميع المؤتمرات والندوات المتخصصة بالنخب بتشكيل مركز وطني او مرجعية ادارية وطنية، واحدة، مهنية ومستقلة وبصلاحيات واضحة، لتنظيم استقبال العائدين ومراجعاتهم وتسهيل تعيينهم او إشراكهم في عملية البناء ومرافق العمل، وذلك بديلا عما يجري بترك العائدين يطرقون ابواب الوزارات والادارات (المؤجرة للطوائف) لتتفنن في التعامل معهم بوسائل الزجر والتشكيك والتطفيش، وتضطرهم الى خيانة قيمهم وكفاءاتهم العلمية باللجوء الى الرشوة والواسطات.
 اغلب الظن، ان احدا من هذه النخب لا ينتظر ان يستقبل بالحفاوة والتصفيق، لكن لا يصح ان يستقبل بمن يقول له: إشجابك، يمعوّد.. مو كاعد هناك ومستريح؟.

*
" إذا أردت إلقاء نظرة على المستقبل فتخيل حذاء يطأ وجه إنسان.. إلى الأبد.".
جورج ارويل

.
61  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الايمو.. قف في: 10:09 12/03/2012

الايمو.. قف

عبدالمنعم الاعسم

 سواء كانت ظاهرة الشباب العراقي المديني المتمرد على نفسه وعلى العادية الاجتماعية "الايمو" صحيحة ولها ظلال في الواقع والممارسات والظروف، ام انها مفتعلة مثل غيرها من الفقاعات الاجتماعية العابرة، فان ظهورها (كفاصلة اعلامية) وفي هذا الوقت بالذات، ثم انتشار الحديث عنها، واتساع الجدل حولها، بالطول والعرض، يكشف عن عمق الالتباس في اللحظة التاريخية العراقية المهيئة لتفريخ ازمات وارهاصات ومفاجآت خارج الانضباط، وردود افعال اكثر التباسا ومخاتلة وبموازاة ازمة البناء واستعادة الاستقرار وترشيد النظام السياسي.
وبمعنى آخر، فان ثمة مؤشر آخر، اكثر اهمية وخطورة يتجه الى طاولة البحث عن مخرج من الدوامة السياسية في البلاد، فالتقارير التي نشرتها وسائل الاعلام المحلية عن وجود شريحة صغيرة من شباب وشابات بغداد ومدن اخرى بدأت تظهر في جيوب واحياء ومحافل على نحو متمرد في ارتداء الملابس والهيئة والممارسة، وعن مجموعات تأديب دينية مسلحة تولت مطاردتهم والتنكيل بهم وقتلهم والتمثيل بجثثهم، وسط تفرج وربما تواطؤ الجهات الامنية، لـَتؤكد (حتى وإن لم يكن ذلك صحيحا) بان استمرار الازمة السياسية، ومحاولات تجميدها، سيخلق المزيد من الهزات والتصدعات في البنيان الاجتماعي للدولة، الذي يعاني، اصلا، من الهزات والتصدع، مما يعرفه ويعلنه المحللون الاجتماعيون.
 الوجه الآخر التفصيلي، لقضية الايمو يسمح بالقول ان الاحوال الاجتماعية والسياسية العراقية تنتج(بالتأكيد) شرائح شبابية مهمشة، متمردة، تنطلق الى التمايز والاحتجاج الشكلي من نقطة الافتراق عن دولة المحاصصة التي تسحق جيلهم بعجلاتها القاسية، وتضيّق امامهم هوامش الحرية وتجبر الملايين منهم على مقايضة الفعاليات الابداعية بالتخريف، الحرية بالصمت، فرص العمل بالولاء، وفي هذا الوجه نقرأ ما هو ابشع في ردود الافعال حيث يتصدر حراس الورع والفضيلة الزائفون، والجهلة، حركة اعادة الشباب الساخط الى "بيت الطاعة" بالقوة، او التلويح بها.
 احسب ان ملابسات قضية الايمو اعطتنا رسالتين، الاولى، احتمال ظهور شرائح شبابية ساخطة على الاحوال التي تحيطها إذ تضيق امامها السبل الانشائية للمساهمة بقيادة الدولة او للتعبير عن احتجاجاتها، والثانية، ان ثمة خنادق دينية سلفية، متشددة، استغلت الامر للتلويح بقتل الشباب المتمردين، الخارجين على الموالاة، ووضع رؤوسهم على الارصفة وتكسيرها بحجر من سجيل.. ليصبحوا "كعصف مأكول" عبرة للاخرين.
*
"تتحقق الكثير من الأشياء المهمة في هذا العالم لأولئك الذين اصروا على المحاولة على الرغم من عدم وجود الأمل".   
ديل كارنيجي     
62  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / كذبة هابطة اسمها: الدكتاتور العادل في: 14:35 10/03/2012

كذبة هابطة اسمها:
 الدكتاتور العادل

عبدالمنعم الاعسم

 لا شئ يجمع الفجور بالعدالة. الاستبداد بالعدالة، الجلد بالعدالة، فالفاجر والمستبد والجلاد ابعد ما يكونوا عن فكرة العدالة وتطبيقاتها في الواقع. عدالة الحكم او عدالة القضاء.
 لكن المجتمعات الزراعية الرعوية التي رُهنت بالتبعية لصاحب الارض وشيخ العشيرة ونمط الاسرة البطريركية اخترعت توصيف الطاغية العادل بواسطة ممثليها من الكتبة والمثقفين الدجالين.
 ومنذ قرن ونصف تحدث فرويد في "الطوطم" عن الاب القوي القدرة والذي تآمر عليه ابناؤه وقتلوه، ثم عادوا وعبدوه من بعد ان شعروا باحتياجهم الى تلك القوة "لغرض التوازن".
 ثمة بيننا من الذين قاتلوا صدام حسين عادوا الآن ليعلنوا حاجتنا اليه، او اعجابهم بدكتاتوريته، او تمثلهم لسلطة القوة الباطشة التي استخدمها، بزعم ان العامة لا تلتزم القانون إلا بالخوف والبطش.
 بل ان نائب رئيس الوزراء صالح المطلك اعطى صدام حسين صفة الدكتاتور الذي بنى، في مقارنة لم تكن موفقة مع رئيس الوزراء نوري المالكي الذي قال انه دكتاتور لا يبني، والغريب ان الاحتجاج على هذه المقارنة لم يكن ليشمل تزكيته لصدام بل اقتصر على الشق الثاني من المقارنة.
 ان كاليغولا الذي اتقن حرفة نشر الرعب والموت واصدر مرسوما بتعيين حصانه رئيسا لمجلس الشيوخ وجد من يقول عنه انه كان (احيانا) عادلا، بل ان عشيقته قالت انه طفل برئ لا حدود لاحلامه.
 اما صدام الذي كان اول "رئيس" في التاريخ المعاصر رمى شعبه بالسلاح الكيمياوي وحكم بلاده بالحديد والنار وعصّب عينها وزجها في ثلاثة حروب كارثية فقد وجدنا كاتبا اسمه امير اسكندر يجعل منه وريثا لحمورابي في عدله، بل انه حمورابي عصره.
 لم يكن اباطرة الصين وحكام روما القديمة وفراعنة مصر وفرسان المغول وملوك اوربا في القرون الوسيطة وسفاحو الثورة الفرنسية بحاجة الى تشريعات ودساتير وعهود تمنعهم من التنكيل الجماعي بالمعارضين وابادة امم كاملة، غير ان الماركيز دي ساد رخّص لهم جميعا ولغيرهم ممارسة هذا الطغيان الاعمى الى اقصى ما يمكنهم "فكل ممارسة تجلب النشوة مبررة" كما افتى.
 عدالة الدكتاتور فكرة تآمرية يتورط فيها مثقفون ودعاة وسياسيون، والبعض منهم، في حالة ستالين مثلا، يضعون حشوة ايديولوجية فاقعة في مبررات التنكيل بالضحايا والتمثيل بجثثهم. اما بول بوت الذي ارسل مليونين من كمبوديي المدن الى حفلات الموت في الغابات القصية المرعبة، فقد كان عادلا بالمعنى الذي يلفقه اصحاب نظرية الدكتاتور العادل، حيث كان سكان العاصمة فنوم بنه الناجون من الإجلاء القسري يجدون ماء صالحا للشرب ورعاية صحية طيبة وحرية في التجول من على مقربة بقصر الرئيس.

الى ذلك كان الرومان، منذ القرن الخامس قبل الميلاد، يطلقون كلمة الدكتاتور على قياصرتهم ورهبانهم بموازاة النظر لهم بعين الرهبة والاحترام؛ ولم يشك احد في وحشيتهم وقسوتهم؛ كما لم يشك احد في انهم يعدلون احيانا في قضايا لا تمس سلطتهم وجاههم، وكان موصوف الدكتاتور شكليا من الناحية القانونية، ولم يكن ليمتد الى معنى الدولة الدكتاتورية، وبمعنى ما، استمر تداول كلمة الدكتاتور، قرون وقرون، من غير مطعن سلبي بصاحب السلطة، بل وكان يقبل به باعتباره اعترافا بهيبة اسمه ومكانته، ولم يكن، مقابل ذلك ليتشبث به.
وفي عصور الاقطاع استخدمت الدكتاتورية كتدابير شبه قضائية وظهرت في القرن الرابع الميلادي هياكل ادارية هدفها حل مشاكل مدنية بدون حاجتهم لاستخدام الجنود والعساكر، وكان يتم انتخاب مجلس قنصلي”دكتاتوري” لتسوية الأزمات والخلافات بين السكان والمقاطعات، وكان كل عضو من اعضاء هذه المجالس دكتاتورا بذاته ولم يكن النظام الاقطاعي ولا مؤسساته ديكتاتورية بل هي مهمة محددة لفترة زمنية معينة، وتنتهي صلاحية الدكتاتور بانتهاء المهمة أو عند حل الأزمة.
غير انه بمرور الوقت وتغيّر الحكام والاباطرة والصراع بينهم هجرت صفة الدكتاتور والحاجة اليه، لتعود الى الاستخدام بدلالتها الاستبدادية المتوحشة خلال الثورة الفرنسية والصراع الدموي على السلطة وكان روبيسبير اول من لصقت به بهذا المعنى السلبي، وفي القرن التاسع عشر شاع استخدام البونابارتية اشارة الى الحكم المطلق، المستبد، الدكتاتوري، وذلك قبل ان يأتي ماركس بمفهوم “دكتاتورية البروليتارية” تمييزا عن دكتاتورية الطبقات الراسمالية المستغلة، وهكذا انفتح الطريق لجدل طويل حول مفهوم الدكتاتورية كنظام سياسي.
ومنذ عشرينات القرن الماضي بدأت مفاهيم الدكتاتورية تطرح نفسها، في المؤلفات ومعاهد السياسة، والمناقشات، وذلك مع نشوء انظمة الحكم العسكرية السافرة، ثم انظمة الحكم الفردية المستبدة، والشمولية، وصعود الفاشيات الاوربية، والانقلابات العسكرية، حتى استقر المفهوم في جملة من المحددات تتفرع من سلطة الفرد المطلق الذي يملي ارادته على الشعب ويستفرد بالقرارات المصيرية للبلاد ويستخدم القوة والبطش والتآمر لاخضاع العامة لمشيئته، ويستعين، في الغالب، بحلقة صغيرة من الاتباع (حزب. عسكر. عائلة) لمواجهة المعارضة، وقد يأذن باجراء انتخابات مسبقة النتائج في محاولة لاضفاء الشرعية على حكمه.
واستطاعت انظمة الدكتاتورية النموذجية (هتلر. سالازار. بول بوت. صدام. القذافي.) بناء انظمة تبدو قوية ومهيبة من خارجها، كما مكنتها اليات التحكم بالثروات من تشييد مرافق ومدن وجسور وبيئات امنية وصناعية وتجارية مبنية على الرقابة والتدخل والخوف، وعلى طي حقائق معاناة الملايين ومصادرة الحريات واعمال القتل المنهجية وابادة الاقليات وقوى المعارضة تحت غلالة من الدعاية المنهجية والرشوة التي توظف لها الاموال الطائلة.
بكلمة، صارت الديكتاتورية عارا في جبين التاريخ. اما عدالتها فلا تعدو عن كونها كذبة يسوقها انصار الدكتاتوريات الجديدة.. قيد الانشاء.
*
“يكفيك من الزاد ما بلغك المحلّ”.
اكثم بن صيفي التميمي




.
63  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / اختراق شبابي للركود السياسي في: 01:23 04/03/2012
اختراق شبابي للركود السياسي
 
 
عبد المنعم الاعسم 
 
لا يجري هذا إلا في بلد مثل العراق، كان قد قذفت به الدكتاتورية والحروب والصراعات السياسية الى مكان محرج في التاريخ، بحيث تداخلت فيه الاجيال والارقام والحسابات، وانتهى به المطاف الى الصورة الاتية: شابات وشبان بعمر الزهور يعكفون، طوال ساعات، وفي يوم عطلتهم واستراحتهم ،على مناقشة الاخطار والخطايا السياسية التي صنعها الكبار، بدل ان ينصرفوا في هذا اليوم، الجمعة الثاني من آذار، الى مواعيد الصداقات وصالات السينما والبليارد وضفاف الانهار ومشاوير المحبة والرياضة والسفرات ودور الثقافة والهوايات، كما في كل العالم.
 
كان موعدنا في ذلك الصباح الحميم مع المئات من الشابات والشبان في صالة كبيرة بقلب بغداد، جاءوا من احياء العاصمة واطرافها واقليم كردستان، مبكرين، وبقسمات صارمة ومتفائلة، واوراق، ومناديل، وايادي ناصعة، ووشوشات تتألق برسائل الثقة بالنفس، وحسنا فعل أصحاب الدعوة بأن وضعوا الضيوف “الشيوخ” من انصار قضية الديمقراطية في جناحين متقدمين من القاعة، شهودا ومستمعين وحكماء، إذ بدوا، في صورة متخيلة، وكأنهم يقولون للمؤتمرين الشباب: تقدموا ايها الابناء النجباء، ها نحن نفسح لكم الطريق لكي تكملوا المشوار الذي قطعناه.
 
ما اشجع هؤلاء “الاولاد” وهم يتسلقون طريقا وعرا عنوانه “تشخيص الازمة السياسية في البلاد وتقديم حلول لها” الامر الذي عجزت عنه جحافل الاحزاب والجيوش والعقول.
 
كانوا يتلمسون الطريق، يتعثرون، يستأنفون، يختلفون، يتفقون، يقبـّلون بعضهم، يصفقون برنين له مغزى، يهتفون، يناقشون من غير خندقة او وجل او مجاملة، من خلال ادارة تعرف قيمة الوقت وحساسية المهمة المطروحة.
 
وما اجملهم، وهم يصافحون الكبار، باحترام لمقاماتهم، واعتراف بفضيلة الافكار التي توارثوها عنهم، وعزمهم على العبور بها الى افكار اضافية، ورؤى جديدة، وصياغات نوعية بديلة للحياة والواقع.   
 
هكذا، بادر شباب التيار الديمقراطي الى اقامة مؤتمر اختاروا له شعار: “نحو رؤية شبابية ديمقراطية لحل الأزمة السياسية في العراق” وعلى مدى ثلاث ساعات متواصلة تناوب العشرات من المتحدثين، من الشابات والشبان، على تسليط الضوء باتجاه اختلالات السياسة القائمة وعقم المناهج التي تطبقها القوى المتنفذة، والمخاطر المحدقة بالعراق، وثقوب القارب الذي يحمل اسم العراق، ماضيه وحاضره، في رحلته الشاقة لبناء حاضرة مدنية اتحادية ديمقراطية منشودة.
 
كان ، بوجيز الكلام، اختراقا شبابيا للركود السياسي، وقل للضياع السياسي، بانتظار ان يتطور هذا الاختراق الى فعل حركي بمستوى الاحلام الجميلة التي حلقت بنا في ذلك الصباح الآذاري الرائع.

“ اِعقد العزم على التصرف بدون تردد وتحمل تبعات تصرفك، فليس من خير يأتي به التردد إلى هذا العالم”.   
توماس هكسلي
 
64  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / وزراء يسيئون لنا.. في الخارج في: 22:04 26/02/2012
 
وزراء يسيئون لنا.. في الخارج

عبدالمنعم الاعسم

مزيد من الاخبار والمعلومات المتداولة الآن، وآخرها ما حدث في عاصمة مجاورة، تؤكد بان بعض وزراء الحكومة الذين يقومون بواجب السفر لحضور مؤتمرات وفعاليات خارج العراق، او لغرض ادارة مفاوضات مع دول اخرى، او لتمثيل البلاد في محافل ومناسبات، يجهلون اصول التعامل مع بيئات مغايرة، حساسة، وتعوزهم معارف وموجبات ومبادئ العلاقات العامة، الضرورية، باعتبارها من مكونات شخصية رجل الدولة في ابسط ملامحها.
فان اساءة تصرف الوزير في بلد ضيف وبالضد من خصوصياته وتقاليده، وخلافا لأعراف المحافل ، جهلا او عمدا، من شأنها ان تسيء الى سمعة الدولة العراقية، شعبا وحكومة، وهذا ما يتكرر حدوثه بين وقت وآخر، في اكثر من عاصمة يزورها وزراء، وما يتسرب الى الصحافة او الاقنية الاعلامية او الى منتديات وسفارات وهيئات دبلوماسية وتصبح مدار استهزاء وتندر، وتعبـّر جميعها عن حاجة هؤلاء الوزراء الى انضباط التصريحات وفروض الكلام  الموزون والتزام لياقات الادب والدبلوماسية والذوق وحتى الملبس بما يفرض الاحترام على الاخرين، ويحملهم، بالضرورة، على احترام البلد الذي يمثله، وتبدأ لوازم الانضباط المطلوب من ركوب الطائرة والنزول في صالات المطارات،  وتمر باماكن وفنادق الاقامة وتنتهي في القاعات التي تجمع الوزراء بنظرائهم، بالاضافة الى مشاوير التبضع ولقاءات المعارف.
ففي احد المطارات في عاصمة بشمال افريقيا شوهد وزير عراقي زائر يعبث ومرافقوه بمرافق صالة الضيوف ويخلقون جوا من الاضطراب والفوضى ورفـْع الكلفة والضجيج مما حمل احد ضيوف العاصمة تلك، وبعبارات مؤدبة وحريصة على سمعة العراق والعراقيين، الى لفت نظر الوزير العراقي، لشكوى موظفي المطار من هذا السلوك، والى ذلك نشرت مواقع واقنية صورا متحركة وحية لتصرفات هابطة اللياقة، واستخذائية، لوزير عراقي كان يزور مسؤولا نافذا لأحد الدول المجاورة، ويشير مواطنون عراقيون مقيمون في بلد اوربي الى وزير حضر مؤتمرا دوليا، وكان، بدلا من ان يكسب تعاطف ممثلي الدول الاخرى، قد اساء التصرف بالمخاشنة مع ممثل دولة اخرى في قضية هامشية شكلية، ويذكر موقع على شبكة الانترنيت اسم وزير استخدم كلمات نابية وغير لائقة مع صحفيين التقوا به للاستفسار عن قضايا عراقية موضع اهتمام الاعلام، ويشار ايضا الى وزير عراقي زائر لعاصمة اقليمية سُمع وهو يشتم حكومته واشخاصها في حلقة من الاشخاص تضم عربا واجانب.
الاغرب، والافجع، من كل ذلك، هو ان بعض الوزراء المبعوثين بمهمات رسمية الى الدول الاخرى يتصرفون كمبعوثين لفئاتهم السياسية، وإلا ما معنى قيام احد الوزراء بنقل تحيات مرجعه الحزبي الى افراد من الجالية العراقية كانوا يرحبون به؟.
احسب ان الاشياء الغلط  تتناسل، بين ثيابنا، بطريقة شيطانية من دون حسيب او رقيب.
*
“ لا يجب استعمال كل من المعرفة والحطب إلا بعد أن يتم تجفيفهما”.
اوليفر وندل هولمز
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت



65  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / من اجل استعادة الاندلس في: 22:48 24/02/2012
من اجل استعادة الاندلس

عبد المنعم الاعسم 
 
الكثيرون تحدثوا عن اهداف هجمات الخميس الدموية الاجرامية، مسؤولون ونواب وسياسيون، فوزعوها على طائفة كبيرة من الجهات والمشاريع والمناسبات:
فالبعض اكد انها تستهدف مؤتمر القمة العربية المقرر عقده في بغداد نهاية الشهر المقبل ومنع القادة العرب من حضور المؤتمر.
والبعض الاخر قال بان الهدف هو المؤتمر الوطني للازمة السياسية الذي قطعت التحضيرات له شوطا كبيرا.
والبعض الثالث شدد على ان الانفجارات مصممة على تدمير العملية السياسية التي دخلت في غرفة العناية المركزة.
والبعض الرابع اعلن انها تستهدف الاساءة الى نجاح الخطط الامنية التي تحققت في الاسابيع الاخيرة.
والبعض الخامس شاء ان يربطها بملف نائب الرئيس طارق الهاشمي الذي يعدّ القضاء لمحاكمته بتهم التورط في هجمات ارهابية.
والبعض السادس اعادها الى جهات دولية تأمل من خلالها إضعاف حكم الاغلبية الطائفية وتكريس فصل الاستعانة بخدماتها الامنية.
والبعض السابع القى باللائمة على دولة مجاورة، واكد انها متورطة بالتفجيرات بهدف ابقاء البلد ضعيفا لتسهيل التمدد في خواصره.
والبعض الثامن افترض بان اهداف الهجمات الدموية نوعا من استعراض القوة من قبل الجماعات الجهادية المسلحة التي تحتضر.
وثمة البعض التاسع من اصحاب الازمة السياسية يغمزون خصومهم ويصنعون من المذبحة فاصلة في الصراع والتسقيط والمزاحمة.
وثمة آخرون اكدوا، ما هو متداول في الشارع، بان القضية برمتها لا تخرج عن تورط اصحاب الازمة السياسية بالتفجيرات، إذ يتبادلونها من اجل استمرار الحال على حاله ومنع اقامة عهد مستقر وآمن ومعافى، وآخرون غيرهم القوا بالمسؤولية على مافيات وتجار المخدرات وعصابات التهريب “الاستراتيجية” واخرون غير اولئك وهؤلاء وضعوا الجريمة على رقبة الفاسدين في اجهزة الدولة وفي المرافق الامنية على وجه الخصوص.
اما المجرمون القتلة فانهم يضحكون، يضحكون، حتى يتطوحوا ضحكا إذ يتابعون هذا الضجيج وتقاذف المسؤولية عن الجريمة والفوضى في تعيين مرامي المذبحة، ويتسلون بمشاهدة رجال النجدة والاسعاف وهم يلملمون ايادي واشلاء الضحايا في نعوش يجللها السواد الى مقابر مجهولة.
على موقع يروّج للجهاد الاجرامي نقرأ القول عن مذابح الخميس: انها خطوة اخرى نحو استعادة الاندلس.
 *
“كثرة الكلام شيء، وحُسن توقيته شيء آخر”.
سوفوكليس

66  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / تضارب الاحصائيات.. فوضى المصادر في: 20:51 23/02/2012
تضارب الاحصائيات..
فوضى المصادر

عبد المنعم الاعسم 
 
كم عدد نفوس العراق 24 مليونا ام 26 مليونا أم 27,139585 ملونا؟
كم لدينا من الارامل مليون أرملة عراقية، ام مليونان و432 الفا؟.
 أربعة ملايين طفل عراقي يتيم، أم مليونان و117 الف؟ .
800 الف مغيب عراقي في السجون ام 117 الفا فقط؟ .
أربعة ملايين ونصف مواطن مهجر خارج العراق، ام مليونان وبضعة الآف؟.
 76 الف اصابة ايدز في العراق أم 14 آلف و200 اصابة، ام 850 اصابة فقط؟.
 ثم، كم لدينا من المواطنين تحت خط الفقر 40 بالمائة من السكان ام 20 بالمائة أم 32,56 بالمائة؟.

اما مصادر هذه الاحصائيات فان العشرات من الجهات والمفردات والمراجع (الكثير منها غير معروف) تسابق وزارة التخطيط  والانماء وهي الجهة الرسمية التي تأخذ على عاتقها اجراء وتصويب الاحصائيات والارقام الخاصة بالاحوال السكانية والاقتصادية والاجتماعية الى تزويد الاعلام والمواقع الالكترونية وحلقات البحث والمعاهد والندوات بالارقام والمعطيات، وحتى الوزارة فانها تعتمد في اخطر بياناتها الاحصائية عن عدد سكان العراق، مثلا، على ما تسميه بـ”الفرضيات الاحصائية” فيما تنسب بعض الاحصائيات الى جهات دولية مثل منظمة اليونسكو والامم المتحدة وصندوق النقد الدولي والعفو الدولية من غير توثيق اصولي، وثمة بعض المصادر مشكوك في علاقتها بالامر مثل هذه المعلومة المنشورة: هناك مليونان ونصف قتيل عراقي حسب إحصائيات وزارة الصحة العراقية والطب العدلي.

ثم، بالاضافة الى ذلك، نجد المئات من المعلومات والاحصائيات المثيرة التي تقرب من الفضائح الوطنية منسوبة الى جهات معروفة لا احد يعرف مدى صحتها وماذا ترتب عليها من اجراءات، مثلا، هناك 220 صحيفة تصدر في العراق و67 اذاعة محلية تمولها جهات اجنبية مخابراتية بحسب ما منسوب الى نقابة الصحفيين، أو ان هناك ثلاث حالات طلاق لكل أربع حالات زواج بالأسرة العراقية بحسب ما قيل انها احصائية صادرة عن وزارة شؤون المرأة، وتتداول الاقنية الاعلامية معلومات كارثية (وتمر مرور الكرام..) منسوبة الى جهات وهيئات عالمية تفيد ان العراق بلد الجريمة والفساد وانعدام الامن الاول في العالم، وبغداد اقذر عاصمة في المنطقة، وان نصف عائدات النفط تسرق من قبل السياسيين.
المشكلة ، ان العراق انتقل من الدولة المقفلة امام الاحصائيات الى دولة مستباحة بالاحصائيات المتضاربة، ولعل الاكثر خطورة يتمثل في دخول الاحصائيات حلبة الصراع السياسي، فلكل جهة معلوماتها واحصائياتها وارقامها توظفها بحسب ما تسعى اليه، وآخر ما قرأناه بان ثلثي نساء العراق، بحسب “استقصاء” اجرته جماعة اكاديمية يعتبرن الدعوة الى المساواة بالرجال غير منطقية..
وهكذا دخل المنطق الى الحلبة، كخرقة مسح، فتحرك ارسطوطاليس في قبره.
*
 
“اعلم اني لا اعلم شيئا”.
                                    سقراط
67  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / صناعة الاوهام.. في: 09:37 22/02/2012
جملة مفيدة
ــــــــــــــــــــ

صناعة الاوهام..

/ للاوهام، منذ القدم، صناعات وماركات ومصالح، وبراءات اختراع، ويتطور انتاجها وتسويقها في مسارات معقدة حتى بلغت عصر النت والحكومات الالكترونية والعلم في موصوفات مناهضة لحقائق الاشياء وللواقع، وآخر منتوجات هذه الصناعة، لدينا مثلا، القول ان كل شئ على ما يرام، فوق كومة الخراب والمسافات الشاسعة بين الغنى الفاحش والفقر المدقع، وعلى براميل البارود الايلة للانفجار في حال استمرار هذا المنحدر، ليصبح المرام كارثيا غير هذا الذي يتدثر به اصحاب الاوهام.
/على انه ليس بالضرورة ان يكون صانعو الاوهام موهومين، فثمة الكثير ممن يعمل في هذه الصناعة موظفون في مؤسسات اعتبارية، سياسية ودينية وطائفية، مهمتهم حشر الملايين في غيبوبة الهروب من الحال، او الرضا عن الحال لصالحها ولقاء اجور مجزية، وهم، بالضرورة، يمتلكون مواهب الصنعة، وتقنيات الاقناع، واساليب الوصول الى جموع الضحايا، فضلا عن "ثقافة" تناسب هذه الوظيفة، وتؤهل صاحبها لفرصة عمل غير منتجة عنوانها: تجهيل الجمهور حتى تدمير صفاته الانسانية والنوعية، وليصبح مريضا في داء لا دواء له.
/ وفي هذا ينقل هادي العلوي في مستطرفه عن احد الدعاة في تسويق الوهم قوله "من تحركت همته بالتصرف في نهاره بتدبير ما يفطر عليه (معاشه)كتبت عليه خطيئة، فان ذلك من قلة الوثوق بالقدر (الايمان) وقلة اليقين برزقه الموعود" فيما يدعو الحسن بن محمد الديلمي الفقير ومسلوب الحقوق، كما يشير العلوي، الى سعادة موهومة بالانصراف الى التعبد تماما "فان نصيبك من الدنيا يأتي من غير فكر ولا حركة".
/فالصناعة هي صناعة، كما يقول تشارلس كامان صانع طائرات الهليوكوبتر الشهير، اما الاوهام فهي مرض لم يكتشف العلم علاجا له حتى الآن، سوى وجوب الاقامة بمصحات بالنسبة للذين يعانون من اعياء التفكير في ما لاطائل منه، ومنذ القدم لاحظ العالم اليوناني هيبوقراط أن الإعياء الذي لايعرف له سبب يندر بمرض ، وان الذي يوخزه شيء من بدنه ولايحس بوجعه في أكثر حالاته فعقله مختلط ، والإحساس بوجود مرض دون التوجع منه  يشير إلي علة في القوي الإدراكية.
/في الغالب لا تصبح الاوهام صناعة رائجة إلا حين يكون وراء ذلك مصلحة، او مشروع سياسي، او  ترتيب في امور البلاد والامم من الخارج، فان تعصيب العيون وتبليد العقول وتعطيل مفاعيل الارتقاء  والنشاط الجمعي للتغيير لا تتم من غير فاعل او منظومة من العقائد تتاجر بغفلة الملايين، حين تقبل ان تتمتع برزاياها وكوارثها وحياة الذل والعطالة والانتظار.
*
"إذا ما مضى يومٌ ولم اصطنع يداً............
                                  ولم اقتبس علماً.. فما هو من عمري"
ابو الفتح البستي

 
68  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / اي مستقبل للعملية الساسية؟ في: 21:43 20/02/2012

اي مستقبل للعملية الساسية؟

عبدالمنعم الاعسم

 في مقال سابق طرحت نفس السؤال ولم اجب عنه، منشغلا في منهج النظرة الى المستقبل، وملازم هذه النظرة، وتطور علوم وبحوث واشكال قراءة المستقبل، تمايزا عن علوم اخرى قديمة تتصل بالفلك واتجاه التغييرات في الطبيعة والانواء.
 العملية السياسية، باتفاق اطرافها، المرتاحين اليها والمتضايقين منها، تعاني من اعتلالات عميقة، وتفتت مضطرد، وقد استنفذت الجهود والمحاولات والمبادرات كل زخمها دون ان تنجح في معافاتها وإنعاش مفاصلها وإعادة الحياة لفاعليتها، كما لم تتكون ارادة واضحة للتخلي عنها، لسبب بسيط يتمثل في حقيقة ان البديل عن العملية السياسية، هو عهد الحكم والمعارضة: الحكم من قبل اكثرية برلمانية، والمعارضة من الاقلية، فيما تنعدم امكانيات هذا التوزع في ظل الخارطة السياسية القائمة تحت قبة البرلمان، بانعدام امكانية تكوين تحالف حكومي من داخل العملية السياسية، وانعدام جدوى المعارضة من داخل البرلمان.
 يعتقد كثيرون بان مشكلة العملية السياسية الرئيسية هو الدستور، كنص وروح ومرجعية، فان سياقات التوافق تصطدم بنصوص دستورية في اكثر من موقف، او تلتف عليه، او تتجاوزه، فيما يرى آخرون بان مشكلتها في العلاقة مع البرلمان حيث تخضع عمليات التصويت والاعتراضات والمناقشات الى اتفاقات فوقية من زعامات الكتل وتتنازل الهيئة التشريعية عن وظيفتها الى القيادات السياسية، وطبعا، حين يتعذر الاتفاق والتوافق على صيغة تطبيقية للدستور او القوانين او المعالجات الملحة او إقرار السياسات العامة فان ذلك يشل ماكنة الدولة ويعطل عمليات البناء والتشريع وتطبيع الاوضاع، بل ويتعذر، في الحد الادنى، تحقيق الرقابة وكبح الفساد وضبط الامن والاستقرار وترشيد السياسات العامة.
 لكن الراي السائد يعيد ازمة العملية السياسية الى غياب الثقة بين الفرقاء السياسيين الذين التزموا مبدأ الشراكة في ادارة الدولة وسلطة القرار، ويعبر هذا الغياب عن نفسه في التشابك الاعلامي بين الكيانات وتصاعد الشكاوى والريب والاتهامات والمخاشنات والاساءات في ما بينها، إذ بلغ الامر ان يصعب، غداة كل ازمة، عقد لقاء بين اركان العملية السياسية، ويصبح اللقاء نفسه، اذا ما تحقق، حدثا كبيرا، فيما الظروف التي يمر بها العراق تفترض ان يكون زعماء العملية السياسية في اجتماع دائم ومفتوح.
 ان جميع هذه المعاينات بصدد اسباب تصدع العملية السياسية وضعفها صحيحة بمقدار ما تقدمه من وقائع ملموسة، ما يعني بان مستقبل هذه العملية سيبقى يدور في مستويين، الاول، استحالة إحياء وتجديد قواعد التوافق السياسي التي ارسيت في اساس هياكل مرحلة الانتقال وإحلال الثقة في مفاصل وفروع سلطة القرار، والثاني، استحالة انهيار العملية السياسية أو إسقاط مبدأ التوافق، ومردّ ذلك ان جميع الاطراف لها مصلحة  باستمرار الشراكة في حدّها الادنى، المعتل.
 العملية السياسية ستعبر، اغلب الظن، جملة العثرات والحروب الصغيرة، وستصل بالوضع السياسي الى انتخابات 2014 وهي مثخنة الجراح..
آنذاك، لكل حادث حديث.
*
"كل طريق، حتما، يؤدي الى طريق".
جمال غيطاني
         



69  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سياسة.. وراءانتشار المخدرات في: 19:53 18/02/2012
جملة مفيدة
ـــــــــــــــــــــ


سياسة..
وراءانتشار المخدرات

 لا اعني، فقط، ان ثمة جهات اقليمية ودولية تتولى، على نحو مباشر او غير مباشر، تسهيل ترويج المخدرات الى العراق فان الخلفيات السياسية لانتشار هذه السموم في العراق تتجاوز مسؤولية الدول المجاورة الى ما هو اخطر حين تتجه اصابع اليد الى تنظيمات سياسية، وشبه سياسية، تقوم بحماية زراعة المخدرات وتأمين انتشارها وتهريبها، وليس من قبيل الاسرار القول بان لبعض هذه التنظيمات نفوذ في مرافق الدولة، وان الاموال الطائلة المتحصلة من تجارة المخدرات تسمح بشراء سكوت مسؤولين في اجهزة المكافحة والادارة والرقابة.. وكل هذه الحقائق تدور في مطبخ السياسة وفي ماكنة الصراعات على السلطة، وفي الشبكة المعقدة التي تربط هذه الصراعات بعواصم المنطقة
 من جهة أخرى، لا موجب للاستغراب حيال انتشار المخدرات في العراق، ولا موجب للتوقف كثيرا عند آخر المعلومات التي اطلقتها وحدة الابحاث الدولية بجامعة كربلاء قبل حوالي ثلاثة اشهر من ان العراق "بات يتحول تدريجيا إلى بلد مستهلك ومنتج للنخدرات" وان الجهات المحكومية "اكتشفت العديد من المزارع الخاصة بالمخدرات خلال السنوات الماضية في محافظات عديدة" فان سوق هذه السموم يزدهر في الدول التي تشهد اضطرابات امنية وسياسية ودينية، وان زراعتها تنتشر في ظروف تتسم بالاستقطابات وضعف فعالية السلطة ووجود كانتونات موازية (عشائر) تفرض سلطتها شبه المستقلة على مناطق صالحة لزراعة المخدرات.
 ويدخل في هذا التأشير السياسي لانتشار المخدرات ما نُقل عن مسؤول عسكري حديثه عن "استشراء ظاهرة تعاطي الحبوب المخدرة بين العناصر الامنية اثناء تأدية الواجبات المناطة بهم في نقاط التفتيش او مواقع المرابطة فضلا على تواجدهم في الثكنات" الامر الذي يفسر كثرة اختراق الحلقات الامنية الحساسة من قبل الجماعات المسلحة، بل ان الباحث المعروف في الشؤون النفسية الدكتور قاسم صالح حسين اكد بهذا الصدد  قوله "ان انقطاع التمويل المالي عن الجماعات الإرهابية أدى إلى توجهها إلى زراعة أشهر نبتة مخدرات (الداتواره) في مناطق من محافظة ديالى" وفي التفاصيل سنعرف بان مافيات المتاجرة بالمخدرات، واكثرها مرتبط باقطاب سياسيين تعمل على تحويل طريق الحرير القادم من آسيا عبر العراق ممرا للمتاجرة بالمخدرات.
 هنا تتكامل دائرة الخلفيات السياسية لانتشار المخدرات في العراق، وستكون اكثر وضوحا، كلما اقتربنا من موعد الانتخابات.
 فمن الذي سيمنعها من التصويت؟.
*
" العيون الضعيفة أكثر مَن يحب الأشياء اللامعة".
توماس كارليل






70  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / وزارة الخارجية.. على حق في: 21:37 17/02/2012

وزارة الخارجية..
على حق

عبد المنعم الاعسم 
 
وجه الحق هنا يتمثل في التحذير الذي اطلقته وزارة الخارجية الى الكتل السياسية ونوابها بوجوب النأي عن ملف التحضيرات للقمة العربية المقرر عقدها في بغداد والكف عن التصريحات التي، كما لاحظت الوزارة عن حق “غالبا ما تكون اجتهادية تؤدي الى التشويش على موقف العراق الرسمي من بعض القضايا المطروحة على الصعيد العربي” خشية “ ان تؤثر تلك التصريحات على مستوى تمثيل بعض الدول المتوجسة اصلا من المشاركة في قمة بغداد”.
وإذ اختارت الوزارة في هذا التحذير لغة دبلوماسية تذكّر اصحاب التصريحات الخارجة عن الانضباط بالمسؤولية الوطنية وفروض تهيئة الاجواء المناسبة لعقد القمة وحضور جميع رؤسائها وتوظيف المناسبة في صالح العراق وسمعته ومكانته، فانها  وضعت بذلك عنوانا اعتراضيا مشروعا لسلسلة المواقف والخطب التي تناوب عليها نواب في الكتل البرلمانية المتصارعة اقل ما يقال انها تعبر عن منطلقات ضيقة، طائفية، وفئوية، حيال قضية  حساسة لا تتحمل مثل هذا العبث، بل هي في امس الحاجة الى رسائل  مسؤولة وحكيمة من شانها طمأنة الدول المعنية في القمة الى سلامة نوايا العراق ورحابة صدره، وبأنه (وهذا هو المهم) هجر منهج النظام السابق في اثارة العداوات والريب وطبول الحرب في المنطقة.
المثير للقلق، هنا، ان بعض التصريحات النيابية “الفئوية” تذهب مذهب الجهالة في معرفة دور الهيئة التشريعية في حماية التزامات الدولة حيال شركائها الاقليميين، او في التعامل مع قواعد واصول والتزامات عقد القمم العربية، فلا تتورع من اعلان الحرب، باسم العراق، على حكومات وزعامات وسياسات دول ليس مجالها مناسبة انعقاد القمة، ولا  مكانها ان تنطلق من بغداد، وهي عدا عن ذلك تربك الحركة الدبلوماسية المفترضة لبناء جسور الثقة مع الآخرين، وتسبق هذه الحركة الى رمي الحجارة العشوائية في طريق نجاح القمة.
الحديث هنا يتناول تصريحات نواب واقطاب سياسيين من منظور الاختلاف او العجالة او سوء التقدير، وبعضها يدخل في فرضية زلة اللسان او ضعف تحَسّب للنتائج ، لكن المراقب لا يمكنه إلا ان يرصد كلاما منشورا ومذاعا لأقطاب  ونواب تتجاوز موصوف حسن الظن الى اعتبارها مواقف مستعارة من خارج الاعتبارات العراقية، وانها تـُطلق على دولة من دول القمة بالنيابة عن دولة اخرى تخاصمها، ويلتقي هذا الموقف، شاء اصحابه ام ابوا، مع الحملة الارهابية المنظمة التي تهدد رؤساء الدول المعنية وتحذرهم من المشاركة في قمة بغداد.
وبعض اصحاب التصريحات بحاجة الى معرفة معايب الاستطراد وإغواء الشاشات الملونة وما يسميه الشيخ الجاحظ  “التكلف لما لا نحسن”.
 *
“أحترم من يقاومونني، لكني لا استطيع احتمالهم”.
ديغول

71  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / عندما تهين وزيرة المرأة.. المرأة في: 22:43 15/02/2012
عندما تهين وزيرة المرأة.. المرأة

عبدالمنعم الاعسم

هذا ما حدث بالضبط، بل هكذا يكتب الانكفاء قصته، فصلا فصلا. اما الخاتمة فان ثمة صفحات تفصلنا عنها، بانتظار ان يقول المتفرجون على المهزلة كلمتهم:
 فلأول مرة، ربما من عهد اول وزيرة في التاريخ هي الوزيرة الفرعونية "نِبـْتْ" قبل ما يزيد على سبعة آلاف سنة، لم تجرأ امرأة في وظيفة وزيرة شؤون النساء، كما يجري لدينا في عراق ما بعد نظام الحزب الواحد، على ان تنصب من نفسها مرجعا يعلن معارضته (او تحريمه) لمساواة النساء بالرجال، والاصرار على ان ترهن المرأة نفسها في "معلف" الرجل بموصوف القوامة الابدية، فان الوزيرة السيدة ابتهال الكاصد اخذت هذا "الامتياز" برهاوة، وزادت عليه باوامر الحجاب وتكفين النساء بزيّ تختاره هي.
 لابد ان نحفظ للوزيرة الكاصد هذا الاختراق التاريخي المسجل، في الاقل، باسم نساء كثيرات في دول كثيرة ممن يعارضن المساواة مع الرجال، ويقدن حملات تدعو لترخيص تعدد الزوجات، وتشريع عبوديتهن، لكن، ليس بين هؤلاء الكثيرات، حتى الان، وزيرة للمرأة، مثل السيدة الكاصد.
  لسوء حظنا، اننا فقدنا برحيل نزيهة الدليمي، الوزيرة الاولى في العالم العربي، زخم هذا التميّز على جيراننا وشركائنا الاقليميين، بل اننا، لسوء هذا الحظ، صرنا ننكفئ الى الوراء فننتج اجيالا من النساء الدعاة اللواتي لا يعرفن من حقوق المرأة غير تأمين "مِنـّة" الرجل عليهن بفتات العيش، وشفرات غسل العار، ولا يذكرن من امجاد المرأة غير مشاركتها بالحروب والفتوحات لتضميد زنود الرجال وتجديد فحولتهم، ولا يرين من مستقبل لنصف الخليقة الجميل غير منازل مزدحمة بالاولاد الرّضع وبالمكانس والطشوت واسرة النوم، فيما تقطع نساء العالم الآخر مراقي العلم والتصنيع والاكتشافات، وتُبهر العيون والعقول بابداعات لا تقل ائتلاقا عن ابداعات الرجال، وفي الكثير من الاحيان تتخطاها.
 كانت البولشفية الكساندرا كولونتاي، الوزيرة الاولى في عصر الدولة ما بعد القيصرية تحضّ النساء على حماية الكرامة الانسانية وتنمية الذوق العام وبناء معارف الجمال والتمرين على تحقيق العدالة، وكانت تخاطب المرأة بقولها: لا تقبلي سيدتي ان يعاملك الرجل كوصيفة، ولم تكن تعرف ان زمنا نحسا سيأتي تتولى فيه نساء وظيفة صـُنع العبودية، وتجميل الذل لبنات جنسها نيابة عن الذكور
 قلت.. نيابة عن الذكور، ولم اوضح عن ايّ جنس من الذكور تنيب.





72  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / دولة خميس الخنجر.. ماذا بعد؟ في: 22:42 14/02/2012

دولة خميس الخنجر..
ماذا بعد؟

عبدالمنعم الاعسم

اصبح واضحا ان رجل الاعمال (والمال) السياسي العراقي خميس الخنجر لم يعتقل في عمان، كما قيل، على خلفية قضية غسيل اموال عراقية بمئات الملايين من الدولارات كان قد تورط فيها رئيس مخابرات اردنية سابق، لكن هذا الاستدراك لم يكن لينتزع اسم الرجل من دورة الاخبار التي تلاحق الاحداث العراقية، ولا يمنع المعاينة في دلالات وخفايا الصعود الصاروخي لاسم (او دولة) الخنجر الى موقع المقرر في مسار الصراع بين القائمة العراقية وكابينة رئيس الوزراء نوري المالكي، وفي البعد الطائفي لهذا الصراع.   
 سنضطر الى شطب نصف ما كـُتب في سيرة خميس الخنجر من علاقات ملتبسة بالحلقة الضيقة الحاكمة في عهد النظام السابق او بصدد مصادر الثروة التي يديرها من العاصمة الاردنية، او ما قيل عن شبكة علاقات معقدة ونافذة له في محطة الاقامة الاردنية وروافع تلك الشبكة، فان النصف الآخر المتبقي من المعلومات يكفي ليشكل قاعدة رصد لمشروعٍ سياسي عراقي ذي هوية اقليمية ليست بريئة الاهداف، ابطالها اسماء كبيرة في عالم المخابرات والسياسة والمال و"المقاومة" وميدانها العراق وضحيتها خيار اقامة دولة مدنية مستقرة، فيما بعض المحسوبين عليها لاعبون في الساحة السياسية والصراع على السلطة والمحاصصات، وحصرا، في (بعض) ملاحق القائمة العراقية ومشايخ في الانبار وكركوك وصلاح الدين وديالى والموصل والبصرة.
 كل ذلك  يفرض اعادة تركيب سلسلة الروايات والمنشورات عما قدمه الخنجر من دعم مالي و"لوجستي" سخي الى الحملة الانتخابية لرموز معروفة في القائمة، وما كشف على نطاق واسع عن عمليات "مزاد" كان الخنجر يديرها بعد الانتخابات لتمليك وزارات من حصص العراقية على متنافسين معروفين، وما قيل ايضا عن تجسير في الجغرافيا الطائفية بين العراق ورافعات خليجية، سجلت باسم الخنجر.
 من زاوية تحليلية موضوعية، يبدو ان الخنجر، الذي لا يملك مدوّنات واضحة (او توثيقات اكاديمية)عن كفاءاته وخبرته في ادارة السياسات والرؤى والمشاريع ذات الصلة باحوال الدول، صعد الى منصة الاحداث بسرعة لافتة ومثيرة للغرابة، وصار في غضون اقل من عامين، مقررا ، من بين مقررين قليلين، في مسار الصراع السياسي في العراق، وليس من دون مغزى ان يرعي بنفسه، ومن على واجهات الفضائيات وتقارير وكالات الانباء، محفلا عراقيا- دوليا عـُقد في تركيا الشهر الماضي لبحث مستقبل الدولة العراقية، ويبدو ان الخنجر، في هذا المحفل، بلغ الذروة في الصعود، ما تبلغه الظواهر الغامضة، وقل القنابل الصوتية، من اهتمام وعلامات استفهام، ثم الوقوف عند نقطة النزول وبدء السقوط.
 لا ينفعنا كثيرا، بهذا الصدد، الاستطراد في تأويل هذا السخاء والبذخ لصالح معسكر سياسي وطائفي دون غيره، ففي هذا روائح كثيرة غير طيبة، ومظنات وفيرة ومؤشرات عن مصادر اموال اقل ما يقال انه مطعون بنزاهتها، حال جميع "هويات" الثروة التي تغير على العراق من وراء الحدود ويستخدمها آخرون في التنافس الانتخابي لارشاء دعاة وناخبين وتجار إعلام، لكن الامر المهم، ذي صلة بالمشروع الذي سوقته القائمة العراقية والحامل لشعارات "المشروع الوطني" هو التساؤل عن الثمن الذي ينبغي ان تدفعه رؤوس متورطة كانت قد دنست ذلك المشروع، عن طواعية وعمد ودراية وسبق الاصرار،  في بـُركة خميس الخنجر التي يشرب منها، ايضا، ابطال السيارات المفخخة ومرتكبو المذابح المروعة للمدنيين باسم المقاومة.
 وما خفي كان اعظم، لو تعلمون.
*
" وإذا أصيب القوم في أخلاقهم ... فأقمْ عليهم مأتماً وعويلا".
احمد شوقي             





73  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / محنة الهيئات المستقلة في بيئة الاستقطاب في: 15:49 10/02/2012

محنة الهيئات المستقلة
 في بيئة الاستقطاب

عبدالمنعم الاعسم

تعد هيئة الاعلام والاتصالات من الهيئات المستقلة الست للدولة العراقية الجديدة، مفوضية الانتخابات. النزاهة. الاجتثاث. البنك المركزي، مجلس القضاء ، وقد نظمّ عملها تشريعان، الاول، الصادر من ادارة الدولة المؤقتة في 20/ 3/ 2004 برقم (65) ويعهد الى الهيئة مسؤولة إعطاء التراخيص والاجازات بشأن البث واستخدام الفضاء في العراق وثانيهما الوارد في الدستور العراقي، المادة (103) وسمّى هيئة الاعلام والاتصالات كهيئة مستقلة إدارياً وثبّت إرتباطها بمجلس النواب على أن ينظم عمل هذه الهيئة بقانون.
وإذ خولت المادة (61) من الدستور رئيس مجلس الوزراء سلطة “ترشيح وإقتراح أصحاب الدرجات الخاصة لشغل وظائف الدولة” فانها حصرت بمجلس النواب حق الموافقة على الترشيح والمقترح ليصبح نافذا، أخذا بالاعتبار بان  سلطة الائتلاف المؤقتة نقلت صلاحياتها بالقرار رقم (100) في حزيران 2004  الى رئيس الوزراء، بما فيها تعيين رئيس مجلس مفوضي هيئة الاعلام وأعضاء المجلس وإنهاء خدماتهم، ويعتقد خبراء في القانون بان مصادر تشريع صلاحيات هيئة الاعلام، وعدم صدور القوانين التي تنظم عملها، شكلت ارضية لاضطراب إداء هذه الهيئة، يضاف الى ذلك سبب آخر اكثر اثرا هو اختيار الرؤساء التنفيذيين على اساس المحاصصة الفئوية.
وبالاستناد الى تجارب دولية سبقت العراق في هذا المجال فان الهيئات التي تتولى تنظيم استخدام الفضاء من قبل اقنية الاعلام والاتصالات، وتتكفل رسم قواعد البث وصناعة الرأي العام  وضبط مفاتيح الاتصالات وتنظيمها تعد من اخطر مؤسسات الدولة ذات الصلة بقضايا السيادة، وحماية حقوق الفضاء الوطنى، والسلوك الاعلامي، وتُعهد قيادتها وادارتها في العادة الى خبراء في مجالات الاعلام والاتصالات، مشهود لهم بالنزاهة والحيدة السياسية والمهنية والخبرة الطويلة، مع تأمين حمايتهم من تدخل الحكومات والاحزاب السياسية وجماعات المال والضغط، فضلا عن تحصين هذه الهيئات ضد اختراقات الدول الاخرى.
لقد اخفقت هيئة الاعلام والاتصالات، منذ تأسيسها في يونيو 2004  في ان تكون مستقلة حقا، وصارت نقطة تجاذب ونفوذ وتدخل، وجرى تلغيمها بالمجسات الفئوية المتصارعة وتحولت في مرحلة من مراحلها الى تكية لتزجية وقت العاملين، فيما يقوم بضعة اشخاص من جيشها الاداري في تمشية امورها على النحو المعتل، وفاقم الامر اضطراب السياقات المالية وسوء ادارة الموارد وتدني الرقابة وغياب البرامج والرؤى الاستراتيجية للنهوض بمستوى الخدمة، وبالترهل والبيروقراطية والمكتبية، وانعكس ذلك في ضعف قوام مجلس المفوضين وإغراقه بالحزبيين والموالين السياسيين، وفي تراجع تدفق الخبرة والكفاءة والمهنية المستقلة في الدورة الدموية للهيئة.
اتحدث في هذا من زاوية تجربة شخصية، إذ عملت عضوا في لجنة المستشارين الاعلاميين لعام او يزيد قليلا، خرجت من بعد ذلك بحصيلة الرأي الذي يقول ان استقلال هيئة الاعلام والاتصالات فرضية لا وجود له إلا في كراس الدستور، وان معافاتها من العلل بحاجة الى وقفة مراجعة.. جدية.
*
“خير لنا ان نسعى الى تقوية ظهورنا بدل ان نسعى الى تخفيف اثقالنا”.
       حكيم

74  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / القمة العربية .. محاولة استباق في: 19:54 08/02/2012

القمة العربية ..
محاولة استباق

عبدالمنعم الاعسم

القمة العربية المقرر عقدها في بغداد بعد أقل من شهرين تُعدّ، في رأي الاستراتيجيين، الاخطر من بين جميع القمم العربية الـ22 ليس في الجوانب ذات الصلة بالاوضاع العربية المتغيرة والمندفعة الى تهديم النظم المتوارثة، لكن أيضا، وبالاضافة الى ذلك، في وظيفة هذه المرجعية الاقليمية، وأطارها الاوسع، الجامعة العربية، التي قطعت 67 عاما من عمرها من غير ان تهزها الاحداث والاستحقاقات وبات ميثاقها وجملة قراراتها وقواعد صياغة مواقفها وادارتها للازمات والخلاقات في مهب الريح، فضلا عن تصدع قوى التحكم والتأثير والتوجيه في حلقتها النافذة وأنهيار المحاور التي بقيت تتجاذبها وتفرض عليها “هوية” وعلاقات وتحالفات وصفقات وتبعيات، مثيرة للجدل، مع التكتلات والقوى الاقليمية والدولية.
على أنّ إنعقاد القمة العربية في بغداد، حصرا، لم يكن من غير مغزى كبير في هذا الوقت بالذات، فهو الاخر يدخل في قوام العناصر الاستثنائية، والخطيرة، لدور ومستقبل القمم العربية ومؤسسة الجامعة العربية، وذلك من زوايا عديدة، في الصدارة منها، العلاقة المضطربة والمشوبة بالملامات والالغام وسوء الظن والريبة والكيفية وانعدام الانضباط والشكاوى المتبادلة بين بغداد وعواصم الجامعة العربية، حيث شهدت السنوات التسع الماضية، مواجهات ووقائع تـَدَخـّل وتحريض وتمحور كان العراق طرفا فيها، وضحية لها، في غالب الاحيان.
حتى سلسلة التأجيلات، واسبابها، تلقى الكثير من الشكوك، او الغموض، على امكانية نهوض القمة الـ23 بمهمة تصويب القواعد القديمة وإنشاء هياكل عصرية وحيوية لاحتواء متطلبات المستقبل وطي صفحة المحاور والوصاية والاملاءات في العمل العربي، فيما المراهنة في نجاحها وتأمين انطلاقها الى ذرى ارقى تعوّل، اولا، على الزخم الشعبي العارم المتطلع للتغيير، وثانيا، على الارادة الجمعية البناءة للانظمة والزعامات الحاكمة، وثالثا، على حسن ادارة العراق، كدولة مضيفة، لاجواء وفروض وحاجات المناقشة والحوار وتبادل الاراء. اما معيار النجاح فانه يتمثل في مسارين، الاول، اعادة هيكلية وترشيد وتحديث هذه المرجعية الاقليمية بما يتناسب مع الحقائق العربية والدولية الجديدة، والثاني، في بناء منظومة مواقف وقرارات وسياسات نوعية وحيوية وانتقادية، وغير ذي ديباجات تتمدد على جميع المقاسات والاهواء والظروف.
وقدر ما تعلق الامر بالمطلوب من العراق، فانه يكفي التذكير بان نجاح القمة في مساريها يعني نجاحا للعراق احوج ما يكون له راهنا، وان فشلها سيلحق افدح الاضرار بمصالح العراق وسمعته وتطلعاته الى استعادة موقعه الاقليمي النافذ، وتحْسن الاشارة هنا الى التحذير من مخاطر التعاطي مع القمة واعمالها من زاوية الاعتبارات والشعارات والولاءات الفئوية، الامر (الخاطئ والضار) الذي نتتبع الآن بعض بصماته الفاقعة في تصريحات بعض السياسيين والنواب وفي استباقات اعلامية ينقصها النضوج وبُعد النظر، وأقل ما يقال فيها، انها تجهل معاني انعقاد مثل هذه الفعالية، وفي هذا الوقت، في بغداد.. والجاهل عدو نفسه، كما يقال.




*
"الحُلم يرفع بيتاً لا عماد له........
والجهل يهدم بيت العز والكرم".
شعر

75  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / حل.. ام تهدئة ؟ في: 19:42 05/02/2012
جملة مفيدة
ــــــــــــــــــ


حل..
 ام تهدئة ؟

/شكل الازمة القائمة، وحال العملية السياسية، استقرّا (بالمفهوم الفيزيائي للاستقرار) على نوع من التوازن القلق، الهش، الملغوم، الذي سيستمر، أغلب الظن، على هذا الحال، الى إثنين وعشرين شهرا مقبلة تفصلنا عن السباق الانتحابي لعام 2014 ويعتقد ان حسابات القوى التي تقبض على معادلة الصراع انتهت الى الامتناع عن "تفجير" ذلك التوازن وتدميره، لأن البدائل مخيفة وكارثية للجميع من غير استثناء، كما انتهت الى عزم غير معلن (بواسطة عض الاصابع ومعارك الكر والفر) على منع الخصم- الشريك من ان يكسب، أو يحسّن نفوذه وموقعه، في خلال الفترة التي تسبق الانتخابات، أخذا بالاعتبار بانه ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
/في هذا المشهد، يبدو ان فكرة التنازلات المتقابلة بين فرقاء الازمة السياسية اصبحت تمنيات للشارع او الخائفين على مصائر العملية السياسية، او امست شعارا لا رافعات مادية او اعتبارية له على ارض الواقع، فان ثمة مشكلة اجرائية، اعتراضية، طرحت نفسها على بساط البحث عمن يبدأ بالتنازل اولا قبل غيره، او من هو على استعداد حقا للتنازل، او عن حدود هذا التنازل في مساحة النفوذ والامتيازات وقياساته، وبموازات ذلك، ظهرت مشكلة اخرى على هيئة سؤال تفصيلي: ما الذي يسبق الآخر، التنازلات ام اجواء الثقة؟ وهكذا، فان مفتاح حل الازمة لبناء حكم الشراكة الوطيد ابعد عن متناول اليد والرصد، والمطروح الآن، كما يبدو مفاتيح للتهدئة   
/وبحسب قراءات ميدانية لتناسب القوى وتشابكها وضغوط الشارع وحِراك الكواليس، وترشيحات الحظوظ، ورسائل (واملاءات..) من وراء الحدود، فانه كلما اقترب موعد الانتخابات التشريعية ستخذ التحالفات، والصفقات، والخصومات والاستقطابات السياسية والاجتماعية والطائفية والقومية  مسارات اكثر فرزا ودراماتيكية واختلافا، وربما مفاجأة ايضا، ويمكن القول بان الكثير من "التشكيلات" والتعهدات والمواثيق والزعامات ستأخذ طريقها الى خارج المشهد، وان استعراض القوة سيبقى سيّد الاحكام، واكثرها حضورا، محسوبا فيها ما تتطلبه القوة من مال واعلام وتشكيلات مسلحة وشبه مسلحة، ومن مهارة في اللعب بالشعارات والوعود، وطبعا، من اساليب في الوصول الى القوى التصويتية واستدراجها الى صناديق الاقتراع.
/بكلمة موجزة، يبدو ان اصحاب الازمة السياسية يحبذون تهدئة تقوم على تجميد الملفات.. تهدئة تدس مشروع الحل تحت بساط التأجيل بانتظار الكلمة الحاسمة لنتائج الانتخابات المقبلة، او بانتظار مغامرة كارثية.. من يدري؟.
*
 "لا احب كلمة التسامح، لكن لا أجد كلمة افضل منها".
غاندي










 
76  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سوريا.. الى الزلزال في: 17:50 01/02/2012

سوريا..
 الى الزلزال

عبدالمنعم الاعسم

بدأ الكثير من الخائفين على مصير سوريا من التفتت والحرب الاهلية ومن وقوعها في حاظنة التطرف الديني “الجهادي” ينظرون بعتاب وانتقاد مرّ الى اداء السلطة القائمة ومنهجها في احتواء الازمة إذ اتسم بالردع السافر الدموي المفتوح مما حدث ويحدث في اية حرب اهلية اندلعت في بلدان الاستبداد، وقل، هي مقدمات كلاسيكية لحرب اهلية ضروس ستزلزل قواعد الاستقرار في المنطقة، وتضرم النيران في معادلات الحرب والسلام القائمة فيها منذ حوالي نصف قرن من الزمان.
الجديد، بان الاعلام الرسمي في دمشق بدأ يتحدث عن معارك في صفوف الجيش الحكومي، وعن “تحرير” مناطق تقع الى اميال من العاصمة، وبدأت لغة التتبع لما يجري مثقوبة بالغموض والهذيان والتناقضات بصرف النظر عما يطلقه هذا الاعلام من تسميات مسبقة التخوين للمنشقين عن الجيش الحكومي ومن عبارات دعائية واستعراضية عن الاقتدار الذي يتمتع به الجانب الحكومي.
هذا اعتراف متأخر بتصدع آخر الدفاعات الاستراتيجية عن نظام الحزب الواحد بعد تفتت الكيان الحزبي الى وحدات طائفية ضائعة، لكن الشيء المشكوك فيه هو ما إذا ستتمكن آلة المواجهة الحكومية من اعادة الامور الى نصابها، وما اذا ستضطر القيادة الى الموافقة على مبادرة خشبة النجاة العربية لانقاذ ما يمكن انقاذه من دولة الاستقلال بديلا عن صورة مجهّزة لدولة اخرى لا احد يشك بان الخارطة ستضيق بها، وان مستقبلها سيكون في علم الغيب.
من السابق للاوان الحديث عمن تسبب في مآل سوريا الى هذا المفترق الخطير من الطرق، لكن لا ينبغي تقليب الامور كثيرا عندما يتعلق الامر بتعيين مسؤولية النظام السياسي، ضيّق التمثيل، والقائم على مفردات الواحدية الصارمة في الحكم وعسف التعامل مع العقائد والحريات والقوميات المحلية، بل ولا يمكن، حتى لتلاميذ السياسة، وضع المسؤولية الاولى عما حدث ويحدث على عاتق الجهات الخارجية، الغربية والخليجية، مثلما لا يمكن اعتبار المتدخلين الخارجيين على انهم محسنين، او هيئات إنقاذ انسانية بريئة من الاطماع والاجندات وتصفيات الحساب وتسويق المصالح والتحالفات.
حتى لجوء المعارضة الى العالم وتحبيذها التدخل الخارجي، فان الادارة الحكومية تتحمل، في تدميرها رسوم الثقة وحشرها المعارضين في الخيارات المستحيلة، مسؤولية هذا الانزلاق، ونتائجه، وكان بمقدورها منع تدهور الاحداث الى هذا الخيار الكارثي.
مع ذلك فان الاعلام الحكومي السوري، إذ يعترف بانتقال المعارك الى خاصرة العاصمة دمشق، فانه لا يزال يتحدث عن الخسائر بلغة صدام حسين الكارثية: اغارت طائرات العدو على قرية آمنة. قتلت الكثير من سكانها. خسائرنا لا شيء.
الخسائر عندهم، فقط، تلك التي تلحق بالرئيس.
 *
“الكذب في بعض الاحيان غريزة”.
صلاح عبدالصبور     
77  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / عودة نواب العراقية.. تصويب أول في: 21:46 30/01/2012

عودة نواب العراقية..
تصويب أول

عبدالمنعم الاعسم

 عودة القائمة العراقية عن قرار مقاطعة جلسات البرلمان خطوة  تتجه الى تصويب العمل السياسي المضطرب والمتشابك، وشديد الاحتقان، وهي تسجل نفسها في عداد عناصر ثقافة المراجعة والترشيد المـُفتقدة والتي تراجعت الى ادنى منسوب لها في خلال التجاذبات الساخنة بين المعسكرين السياسيين، العراقية ودولة القانون، وإنْ كان الكثير من المراقبين يعتقدون ان القائمة العراقية كانت في نقطة التجاذب الشديد بين خيارين، العودة واستمرار المقاطعة، احلاهما بالنسبة لمستقبلها مرٌّ.
 لكن، وللوهلة الاولى، يمكن القول، استباقا، بان عودة نواب العراقية الى الخيمة التشريعية، ستعطي دفعة الى مشروع المؤتمر الوطني الذي طرحه الرئيس جلال طالباني وتوقف عند نقطة مقاطعة العراقية للبرلمان والحكومة على خلفية ازمة الاتهامات الموجهة الى نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، وتتوقع المجسات السياسية انصراف الجهود، بعد ذلك، الى مفردات نقاط البحث وسقوف الحلول المقترحة وتأشير القواسم المشتركة بين اصحاب الازمة، واقناع القيادات السياسية على الرمي بثقلها لانجاح المؤتمر.
 البداهة السياسية تؤكد، من جانب آخر، بان انهاء مقاطعة نواب العراقية لجلسات البرلمان، ثم استئناف الوزراء لاعمالهم سيمهد الطريق امام تنازلات متقابلة، او هكذا يفترض، حيث يشجع  ترحيب كتلة الحكومة بقرار العراقية على الاستطراد قدما في توقع حدوث اختراق ايجابي على جبهة الازمة اخذا بالاعتبار بان الاسباب التي ذكرتها العراقية لمقاطعة مجلس النواب هي نفسها التي وقفت وراء مقاطعة اجتماعات الحكومة، ما يعني اننا ننتظر القرار الآخر في اية لحظة.
 لكن الامر الاكثر اهمية لهذا القرار، في بعده الذاتي، يتمثل في انه سيتدارك المزيد من التصدع في صفوف القائمة العراقية، وسيحول دون تمرد نواب او وزراء او مكونات اكثر مما حدث طوال اسابيع من المقاطعة، ويبدو، ان خيار الانتقال الى المعارضة النيابية، الذي طرح على طاولة المناقشة في كواليس القائمة اصطدم بتقدير عدم فاعليته والشكوك في جدواه ونجاحه، وبمخاوف جدية من ان تفقد العراقية، بما تمثله من شرائح ومناطق وقوى تصويتية، موقعها في المعادلة السياسية، وستفقد بالتالي فرص التنافس المتكافئ والمضمون في الانتخابات المقبلة.
 علم السياسة الحديث يحذر من ردود الافعال التي تقوم على الكيدية والتجريب، ومن اتخاذ القرارات تحت ضغوط الاستئثار للكرامات، فربما تقود تلك وهذه الى المهالك. لنتذكر ، في هذا، كيف تعامل الرئيس الامريكي جورج بوش الابن لحظة تلقيه فردة حذاء ذلك الصحفي العراقي الغاضب..
 مع ان الامثال تضرب ولا تقاس.
*
"التاريخ هو علم الاشياء التي لا تتكرر".
بول فاليري

         
78  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / هل هو عفو عام.. حقا؟ في: 23:11 29/01/2012

هل هو عفو عام.. حقا؟

عبدالمنعم الاعسم

حماسات الدفاع عن قانون العفو العام قيد المناقشة والتجاذب والتشريع، وحماسات الهجوم عليه والطعن في سلامة نياته وديباجاته، وحماسات الصمت عليه والتفرج على لعبة القط والفار من حوله، جعلت من هذا القانون لغزا، بالنسبة لذوي النيات الطيبة والسليمة والانسانية الذين ينظرون الى فكرة العفو العام باعتبارها واحدة من لوازم المصالحة وثقافة التسامح وطي صفحات الاحتراب والمكاره، ويتطلعون الى تشريعات اخرى تؤسس للسلم الاهلي والعدالة والحياة الآمنة.
وعندما يعود اصحاب النيات الطيبة الى مشروع القانون نفسه، ويطالعون مواده يكتشفون بان المدافعين عنه والمعارضين له والمتفرجين عليه، منشغلون في نصوص معينة، جزئية، فيما يضم المشروع مواد ونصوصا وتعيينات تدخل في تعقيدات الواقع الاجتماعي وافرازات عقود طويلة من السنين لايمكن معالجتها بالردع والقصاص المفرط بالقسوة قبل اخضاعها للبحث والدراسة ومعالجة الاسباب والظروف التي تقف وراءها.
غير ان ما يلفت نظر المراقب تلك العبارات والسطور التي تتقافز من التصريحات والتعقيبات ومن حماسات الدفاع والمعارضة والتفرج وتفيد ان لمشروع قانون العفو خلفية لا علاقة لها بالاتجاه نحو طي صفحات الاحتراب وظروف ما قبل انسحاب القوات الاجنبية بل تتصل باتفاقات سياسية فئوية سابقة، وانه فـُصّل على مقاس وعود بالعفو عن “محكومين” من جهة سياسية حصرا من دون ان يشمل محكومين من جهات اخرى، عدا عما يقوله مدافعون عن الحقوق المدنية عن تعارض بعض النصوص مع حملة مكافحة الارهاب او مع الشرائع والمعاهدات الدولية.
نعم، ثمة حاجة لقانون عفو عام  يُنصف ضحايا الاضطرابات والتعقيدات السياسية وحالة الطوارئ والاحتقانات الطائفية والسياسية والفئوية، لكن المشكلة التي يواجهها القانون وهو يتنقل بين البرلمان والحكومة من مستويين، الاول، ان الظروف الامنية الاستئنائية والمتوترة لاتزال قائمة الآن، وفي حالة تفاقم، وان هذا العفو (بديباجته ومواده ومراميه) لن ينزع فتيل هذه الاخطار ولايسد فجوات الوضع الامني، بل وليس في نصوصه ما يعالج ظروف ارتكاب تلك الجرائم التي يتجه مشروع القانون للعفو عن المحكومين عنها، والثاني، انه لايعتبر جزءا من اجراءات المصالحة والتسامح والسعي الى حل الازمة السياسية المستفحلة، وتهدئة خواطر الشارع.
العفو العام، في تجارب الدول، خطوة خطيرة في بناء السلام الاهلي، تنطلق بعده الدولة الى التشييد، من دون ان تلتفت الى الوراء.
اما الذي تجري مناقشته، الآن في اروقة الحكومة ومجلس النواب، والتحمس لاصداره، او لعرقلته، او التفرج عليه،  فهو، بصراحة، لايمت الى فكرة العفو العام بصلة.. انه اقرب الى صفقة سياسية، في وقت خنقتنا الصفقات السياسية ولم نعد نتنفس غيرها، لشديد الاسف.
*
“العقل كالبراشوت، يجب ان ينفتح”.
   انيس منصور

79  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / حكومات.. في حكومة في: 17:10 25/01/2012

حكومات..
في حكومة

 قد يتفهم المراقب ان تقوم جهة معارضة للحكومة ولا علاقة لها بالعملية السياسية، بإعلان الحرب على دولة من الدول والتجييش ضدها، او إعلان التحالف مع طرف اقليمي ودولي وتبني مواقفه، او التلويح بعقوبات تطال جهات او شرائح او شعوب، وقد لا يستغرب المراقب عندما يفاجأ بقيام  جهة مطلوبة للقضاء ومتمردة على القانون وبعيدة عن الحكومة او مناهضة لها باصدار فرمانات بتنظيم العلاقات بين المواطنين وتوجيهات ذات خصوصيات ادارية وتعيين خطوط حمراء في ممارسة الحريات وحقوق التنقل والملبس والسفر والتدخل في شؤون ادارية ودبلوماسية وعسكرية هي من صلاحيات الحكومة حصرا.
 لكن الغرابة تتمثل في ان جهات وشخصيات محسوبة على الحكومة وتدير خواصر كثيرة وخطيرة من شبكاتها وسياسياتها وتساهم في وضع خططها وخياراتها تتصرف ، من جهة اخرى، كحكومات مستقلة تماما في التعامل مع الدول الاخرى ومع ملفات محلية واقليمية حساسة تدخل في قوام وظائف الحكومة، ومن بين اهم اختصاصاتها، حتى ان المراقب يجد في نفسه حيرة في تعيين اي من هذه المواقف هي سياسة الحكومة، واي منها يحسب على معارضيها او خصومها او اعدائها الالداء.
 وإلا ماذا يمكن تفسير صدور توجيهات من مرفق سياسي قريب من الحكومة الى موظفي السفارات الاجنبية في العراق؟
 وما هي معاني هذه الاتصالات الناشطة، الخلفية، بسفارات دول تمارس اعتداءات منظمة على العراق؟
 وأي عنوان يمكن ان نضعه لجملة الملاحقات التي تتعرض له عائلات وشخصيات على يد مراجع سياسية ليست معارضة للحكومة؟
  ولماذا يجري السكوت على تصرفات ادارية وتعيينات وتوظيفات "وحتى اقصاء وفصل" هي شؤون حكومية لكنها تشرّع وتنفذ من قبل "اصحاب الحكومة".
 ولو ان الامر يجري في حدود ضيقة، او يدخل في موصوف التصرفات الفردية، او يحتسب على مظنة الخطأ غير المقصود، او قلة الخبرة، لهان كثيرا، ولأمكن السكوت عنه والعثور على تبريرات له، لكن القضية خرجت عن كل هذه التأويلات، ودفوع حسن الظن، وذلك عندما صار الخروج على فروض الانتماء الى الحكومة حالة يومية، ومعلنة، ومروَّجٍ لها، ومسكوت عليها، كما ان تلك التوجيهات والتصرفات والاعلانات(انتباه!) تأخذ طريقها الى التنفيذ عبر اقنية الحكومة، او في الاقل، تحت سمعها وبصرها، الامر الذي لا يمنع المراقب من الاعتقاد بان هناك حكومات مستقلة داخل الحكومة المركزية، او ان تلك التراخيص غير الشرعية مأذون لها باتفاقات غير معلنة، او تحظى بالتغطية، او بالسكوت في نهاية المطاف.
 اليس السكوت من الرضا، كما تقول جداتنا. 
*
"الحق يحتاج الى شخصين، واحد يفهمه، والاخر ينطق به".
جبران
80  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / جملة مفيدة أي ذاكرة نريد؟ في: 11:04 24/01/2012
جملة مفيدة
ـــــــــــــــــــ

أي ذاكرة نريد؟

على متن طائرة، من لندن الى استانبول، جاءني السؤال ناعما ومتأسيا من المقعد المجاور: الم يكن افضل لكم البقاء في ظل حكم صدام حسن من هذه السلسلة من الابتلاءات والخراب والدماء والانشقاقات السياسية. صاحب الصوت تاجر كويتي كان يعلق على خبر يقرأه في صحيفة انكليزية عن اعتبار بغداد اكثر عواصم العالم إهمالا، والعراق من الدول العشر الاولى في انتشار الفساد، واختتم الرجل سؤاله باستدراك لا اشك بصحته، قال "علما اني لا احب صدام".
 المشكلة ان السايكولوجية تعقد احيانا تحالفا غير مقدس مع التاريخ، فيبدو للضحية ان الماضي مضى "وعلينا بما يجري" وهي اخطر نتيجة ترتبت على ذلك التحالف اذا ما كان بعض اكثر سوءات الماضي تستمر في يوميات الحاضر، ويتبناها جمهور ومتعلمون واصحاب سلطة ونفوذ وملاعب سياسية، على حد سواء.
 وبمعنى آخر، نحتاج الى ذاكرة شريفة وعادلة ومُنصفة لكي نتعامل مع منتوجات عهدين، الاول رحل بسجل اسود مثقل بالخطايا، والثاني، لا يزال يخوّض بخطايا العهد الاول وخطايا اضافية كارثية انتجتها ماكينات كثيرة.
 وما دام هذا الموضوع الشائك والحساس قد ابتدأ بصدام حسين فقد رويت لجاري الكويتي كيف التقيت به، لأول مرة  وآخر مرة، يوم كان بمنصب نائب لرئيس الجمهورية وبسلطة رئيس ونص. ربما كان ذلك في مؤتمر عقد عام 1974 او قبله إذ وقفتُ في صف طويل حتى جاء دوري. كان شعوري خليط من القرف والبغض والخوف. مدّ يده اليّ بوجه بارد. كانت يده ووجهه شيئا واحدا، حظرت في ذهني حكاية ذلك الرجل الضرير الذي التقاه مروان بن الحكم في الكعبة وصافحه ثم سأله: هل تعرف من انا؟ فرد عليه الرجل الضرير بالقول: حقا لا اعرفك، لكن قبضتك قبضة جبار.
 قلت لجاري: حتى الان فيّ بقايا من ذلك اللقاء، يتفاقم الى سلسلة من التداعيات، ما كان يسميها العالم البايولوجي الروسي ايفان بافلوف بالمنعكس الشرطي، حين يحاصر الانسان(وأي مخلوق) في سلوك قهري يملى عليه من الخارج، فيبقى تحت ميكانيزم الشعور بالظلم حتى مع مرور الوقت وانحسار ذلك التاثير، بل ان ابو حامد الغزالي صاحب (تهافت الفلاسفة) قد لاحظ في إحدي بحوثه طغيان (الروح الخيالي) لدي الانسان مستشهدا بالكلب الذي يهرب بعيدا كلما رأي العصا إذا كان يضرب بها في السابق باستمرار، ما يبقي هاجس الالم قائما في اللاشعور حتى مع ابتعاد خطر العقاب.
 وفي انتباهة للكاتب الداغستاني الشهير رسول حمزاتوف، يقول، ان أبناء قريته في اقاصي داغستان هجروا نبعا من الماء كان قد شهد مذبحة لعشرين من نسائهم، وكان الجيل الثالث من ابنائهم يرتعبون ذعرا كلما مروا بالنبع، وكثير منهم يضطرون للمشي يومين بدل ان يسلكوا الطريق عبر النبع مخافة ان يتذكروا بشاعة المجزرة.
 قبل سنوات قليلة قال مراسل اجنبي كان قد التقي العشرات من العراقيين وتحدث اليهم عن مستقبل بلادهم، إن الناس هناك لم يخرجوا بعد من الكوابيس، وهم يتصرفون كما لو انهم في زنزانات.. وكدت أعد هذه الصورة فرطا من المبالغة، لولا ان بافلوف والغزالي وحمزاتوف سبقوا المراسل وصاحبي الكاتب، الى تأويل ما تتركه القسوة في الاعماق، من مرارة ، وايضا من اضطراب في سلوك وتفكير الضحية.
 جاري الكويتي لا يحب صدام، فهو ضحية مثلي من ضحيا صدام لكنه يقترحه دواء شافيا للعراقيين.. هذا ما اسميته بالتحالف غير المقدس بين السايكولوجيا والتاريخ.
*
" ليس أقوى أفراد النوع هو الذي يبقى، ولا أكثرهم ذكاء، بل أقدرهم على التأقلم مع التغيرات".
داروين

81  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / هذا الهذيان.. في: 08:30 23/01/2012

هذا الهذيان..

عبدالمنعم الاعسم

 رحم الله ابي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ الذي ابتدأ كتابه "البيان والتبيين" بالقول الحكيم: "اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول" و.. "ونعوذ بك من التكلـّف" ثم "ونعوذ بك من السلاطة والهذر" وينقل الجاحظ ايضا عن الشاعر زبان بن سيار قوله في اصحاب الهذر والهذيان:
/يريغون في الخِصب الأمور ونفعهم ... قليل إذ الأموال طال هزالها.
 ويذكّرنا الجاحظ بقول النبي محمد "أياي والتشادق" وقوله: "أبغـَضكم إليّ الثرثارون المتفيهقون" ويقف إعجابا عند حكمة الإمام علي قوله: "وقيمة كل انسان ما يُحسِن" ويؤكد في نهاية الامر بان لكل زمان "شكل من المحنة" ويبدو ان محنتنا الآن تتمثل في فتنة القول العابر لحدود المنطق والمسؤولية، ما يوصف بالهذيان.
 ونعرف من أقوال المتنورين والمصلحين، ومما مرّ ويمرّ من صراع وتشابك بين فرقاء الأزمة السياسية في العراق، بان الهذيان في الكلام قد يكون مرضا، لكنه في جميع الاحوال مكروه، مذموم، وبخاصة في حالات التأزم والتوتر واحوال التجييش وانعدام الثقة بين اصحاب الحل والربط والمشيئة والقرار، فهو، إذ يكرر الرطانات والمطولات والديباجات في غير ذي فائدة يزيد من اخطار الاحتقان ويقربه من الانفجار، ويجعل منه بابا الى الفتنة بالنظر الى لجوء "الهاذي" الى وسائل الاثارة واللجاجة والايحاءات والاسهال في الكلام غير المنضبط واللامعقول، والمنبري بمناسبة وبدون مناسبة.
 الهذيان السياسي اصبح سمة الخطب والتصريحات التي تكرر نفسها على مدار الساعة مما يثير الملل، ويوجب القرف، او تلك التي تخرج على انضباط الكلام في المقصود، وعلى حدود الخلافات في المعلوم، ويقوم صاحبه، او اصحابه، بالحديث المهذار الذي لا طائل منه، ولا نهاية له، ولا هدف ياتي من استطراده غير ملء الفراغ الاعلامي المتاح، واستعراض اللياقة الخطابية وإشغال الخصم في دوامة الردود والتعقيبات، ولا يتواني "الهاذي" من ان يعيد اليوم ما قاله امس بافإضة، كما لا يتواني عن تكذيب ما قاله بالامس.
 والهذيان ضد المحددات والاولويات وثقافة المناقشة بالصريح والمباشر من الامور وتبادل الرأي بالصبر، وهو عدو التأمل وإمعان النظر وتقليب الامور، وصاحبه لا يعرف الاقتضاب والتكثيف والايجاز، وقد يشتهر الهاذي في هذيانه، لكنها شهرة لا  تحمي صداقة ولا تدرأ عداوة.   
 اما في منجد اللغة فان الهذايان هو "التكلم بغير معقول أو مفهوم لمرض أو غيره" وفي الطب: "هو مرض عقليّ مؤقَّت يتميّز باختلاط أحوال الوعي واضطرابها، ويحدث نتيجة لمجموعة من العوامل، أهمّها إدمان المخدِّرات والعقاقير" ومن تجليات هذا المرض "الإحساس المُبالَغ فيه بالأهميّة والعظمة، وإذا تعدَّى هذا الإحساس الحدّ المعقول أصبح وهمًا بالعظمة" واما الاستغراق بالهذيان قـُدما فهو "التَّكَلُّمُ مِنْ غَيْرِ وَعْيٍ وَالِاسْتِرْسَالُ فِيهِ" ويعقب الشيخ الجاحظ على هذا بقوله: " مِنَ الْهَذيَانِ مَا يَكُونُ مَفْهُوماً، وَمِنَ الْمُحَالِ مَا يَكُونُ مَسْمُوعاً".
 انه، بالوجيز من الكلام، بعض ادوات الفتنة إن لم يكن اداتها الفاعلة، حين يكون الهذيان خزان كبريت، وتكون الفتنة بحاجة الى عود ثقاب، فقط.
*
"مالي أرى علماءكم يذهبون وجُهّالكم لا يتعلمون".
ابو الدرداء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

82  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / "العراقية" وعلاقتها بالارهاب في: 23:04 18/01/2012
"العراقية" وعلاقتها بالارهاب

عبدالمنعم الاعسم

لا يمكن للمحلل الموضوعي ان يستند الى “اعترافات المعتقلين” وحدها في تعيين الجهة التي تدير الاعمال الارهابية او تشجعها او تحبذها او تستثمرها او تتفرج عليها، فان لدينا إرثا (قديما- جديدا)غير مريح عن عدم سلامة ومهنية وحيادية التحقيق مع المعتقلين، وعن تدخـّل “اهواء” السلطة، وصراعاتها الجانبية، في سياقات تقصي اثر الجرائم الارهابية، ويحصل، في النتيجة، ودائما، ما يشبه الانشقاق في العملية السياسية: الاول يتهم الثاني بالتورط في اعمال الارهاب، والثاني يرفض الاتهام ويعيده الى الاول متهما اياه بالتصرف في وجهة معلومات التحقيق.
هذا ما يحصل دائما بين كابينة الحكومة والقائمة العراقية، وما يتكرر في الفواجع المروعة، وما يترك اثره السلبي على الرأي العام، وليس من دون مغزى، ان تسمع من يقول لك من المواطنين وسط اجواء الفاجعة ان الامر لايعدو عن كونه صراعا بين السياسيين انفسهم، مع ما تعنيه هذه العبارة من مؤشرات خطيرة وضارة بالتعبئة لهزيمة الارهاب.
من جانبي، وبعد كل تفجير وهجوم انتحاري واختراق امني ابحث في رد فعل القائمة العراقية وفي تصريحات المحسوبين عليها للاسترشاد الى موقفها من ملف الارهاب والجهات التي تقف خلفه، واتوقف كثيرا عند التشكيل اللغوي الذي تطلقه القائمة على مذابح وحشية تطال المواطنين او مزدحمات واسواق منتخبة ضمن حسابات طائفية، واتوصل، كما في كل مرة، الى ان الجاني يبقى، بالنسبة للعراقية، جهة رمادية تتمدد، وتتموضع، خارج تحمُّل المسؤولية كشريك سياسي في كابينة الحكم، كما تلقي على الحادث من الصفات والملامح بحيث تبعده عن ظنة الفعل الاجرامي من قبل تنظيمات القاعدة او فلول النظام السابق، وهما الجهتان اللتان تأخذان على نفسهما هذه المهمة “الجهادية” وتعلنان صراحة تبنيهما لهذه الهجمات، ولم اعثر، ولا مرة، على تأشير باسم العراقية عن مسؤولية هذه القوى عن المذابح والتفجيرات واعمال الاغتيال المنظمة.
وايضاحا، فالحديث هنا لايشمل تلك الاعمال الاجرامية التي تحمل بصمات واضحة لمجموعات مسلحة تنفذ “اشواق” جهات اقليمية، حيث الامر معروفا بالنسبة للمحللين والجمهور والسياسيين معا.
وفيما تكتفي العراقية، في اغلب الاحيان، بإدانة الاعمال الارهابية فانها تبتعد عن اية اشارة للفاعلين الحقيقيين للتفجيرات والهجمات والاعمال الانتحارية والذين يعترفون بارتكابهم لها، بل وتتفنن في خلط الاوراق وزحلقة الكلام الى شبهات تتجه الى مسؤولية جهات اخرى غير التكفيريين والمتطرفين الاسلاميين الجهاديين وبقايا افراد اجهزة النظام السابق القمعية، ثم تنصرف، وكما في كل مرة ايضا، الى اللعب في ساحة اخرى تتصل بمشاكلها مع رئاسة الحكومة، في محاولة للتأكيد على فشلها في حماية ارواح الناس، وهي نصف الحقيقة فيما نصفها الآخر نجده في الدعم الذي تتلقاه العصابات الاجرامية من خارج الحدود ومن جيوب داخلية لم تعد خافية على احد.   
وفي هذا التشكيل اللغوي المصمم على مقاس الصراعات التي تخوضها القائمة العراقية، يصبح العمل الارهابي، في بعض الاحيان، مطلوبا، ومبررا، بالنسبة لها لتحسين موقعها في موازين المواجهة السياسية، ويمكن استباق الاتهام بالعجالة في هذا الاستنتاج، بالقول، ان القائمة العراقية تضم الى جانب الخطوط المعتدلة والمناهضة للطائفية والارهاب والحريصة على العملية السياسية خطوطا اخرى سعت وتسعى الى المراهنة على اعمال الارهاب، والى توظيفها، بمختلف الاشكال، في الصراع السياسي، وبينها من يمتد، بشكل من الاشكال، الى شبكة المشروع الارهابي عبر اقنية موصولة باحد مكوناته او احدى ساحاته، الامر الذي لم يعد افتراضا.. كما لم تعد تلك التصريحات التي تنفي عن القاعدة وفلول النظام السابق المسؤولية عن اعمال التفجير، على لسان بعض زعامات العراقية، بمثابة زلات لسان، إذا ما امعنّا النظر في توقيتها وفي الجهة التي يراد ايصال الرسالة لها.
 *
“حتى بأفضل وأغلى معدات التصوير، قد تكون صورك مملة للناظرين”.
   احدهم

 
83  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المسؤول.. حين لا يكون مسؤولا في: 10:47 18/01/2012

المسؤول..
 حين لا يكون مسؤولا

عبدالمنعم الاعسم

 لم يعد مكان للعتاب على الفضائيات والتقارير وشبكات الاعلام حين تتمادى في نقل المعلومات غير الدقيقة وغير الواقعية، وغير المعقولة احيانا، عما يجري في اقنية الادارة  وخطوط الازمة الازمة السياسية، فقد سقط الخطاب الرسمي الحكومي، في محذور العجالة والحمية والتضارب، وامتلأت خزانة الاعلام بمؤشرات عن ضعف انضباط التصريحات التي تصدر عن كابينة الحكومة ومرافقها، وغياب الانسجام  المفترض والمطلوب بين مستوياتها.
 والمتابع عن قرب ما يصدر عن مسؤولي الحكومة والمحسوبين على رئاستها والمقربين منها والمتحدثين باسم رئيس الوزراء، سيكتشف حقيقة مروعة عن فوضى التعامل مع حساسية الاوضاع وغياب الالويات الضرورية والتوقيتات اللازمة لعرض المواقف والتعليقات والمتابعات، عدا عن هشاشة اللغة والكيفيات التي تؤطر تصدي كابينة الحكومة للاسئلة والتحديات الملحة، وقد بات، في هذا الوضع، من المتعذر معرفة ما هو يعبر عن رأي رئيس الوزراء وما هو يعبر عن رأي المتحدث، او ما هو يحظى برضا المسؤول التنفيذي للدولة، وما هو بالضد من مشيئته.
 والمشكلة الاكثر إرباكا وغرابة تتمثل في تصريحات مسؤولين كبار، يمسكون مصائر البلد ودفة الصراع السياسي تتسم بالانفعال والعجالة والمناكدة وتنحى الى التبسيط وروح السجال الاعلامي الكيدي والاستهلاكي وبعدم الوضوح، وتُعدّ حمّالة اوجه وتعبير عن فقدان الصبر وعجز عن تقديم الحجج والاثباتات، فضلا عن تلك العبارات الفضفاضة والانشائية والغامضة مما يقع تحت مسمى التعليقات الصحفية، لا مواقف وايضاحات تعبوية.
 يضاف الى ذلك، ما يمكن اعتباره تسريبات من اعلى المسؤوليات الحكومية، ويتولى مهمتها موظفون يفتقرون للكفاءة وحسن الاداء، وهم يعبثون بعقل المواطن ويسيئون الى وعيه ويلحقون الضرر بالوضع الامني والاجتماعي والسياسي، والغريب، انهم يكررون هذه التسريبات بالصوت والصورة، على الرغم من فشل هذه المهمة وانقلابها الى عبء على كابينة الحكومة. 
 اقول، ان ادارة الدولة، من اي موقع، علم شأن العلوم الاخرى، وفي مدارس هذا العلم يقولون للطلاب المبتدئين ان المسؤول وكلامه شئ واحد.. إذا انفصلا عن بعضهما، لم يعد المسؤول مسؤولا، ولا لكلامه ضرورة.
*
"ساعة وَكَسْرِ المجرشة والعن ابو راعيها"
الملا عبود الكرخي


84  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / تركيا.. سياسات قيد النظر في: 13:25 12/01/2012

تركيا..
سياسات قيد النظر

 السياسات التركية حيال احداث وشؤون الدول المجاورة والاقليمية، تثير الجدل والاستغراب معا، ومشكلتها انها تبالغ (وتتعجل وتتعسف احيانا)  في ممارسة حقها كشريك  امني واقتصادي وسياسي لشعوب ودول هذه المنطقة، وهو حق معترف به، لكن، كما هو معروف، له مديات وحدود ومحاذير، وله موانع وخطوط حمراء وضوابط في القانون الدولي وقواعد العلاقات بين الدول، كي لا يتحول حق الشراكة الى وصاية تعطيها الدول لنفسها للتدخل في شؤون الدول الاخرى، وفرض خيارات قسرية على اراداتها وأقدارها ومشيئاتها.
 وبصراحة، فقد عبَرت السياسات التركية الخطوط الحمراء في العلاقات الاقليمية من اكثر من موقع، واثارت اكثر من ملامة والكثير من الهواجس والانتقادات والتوترات، واعتـُبرت مواقف انقرة، المتحيّزة لبعض اطراف الصراع في هذا البلد او ذاك، مصادر لتأجيج الفتن والكراهيات والمشاكل، عدا عن انها تشكل اساءات للذين تفرط في مناصرتهم، ولم يتوقف الامر عند هذا الحد بل تعداه الى الامعان في تقديم وصفات حكم لشعوبٍ هي اقدر على اختيار الوصفات المناسبة لها .
 كان آخر مثال، تلك الازمة التي نشأت، ولا تزال تتفاعل، بين انقرة والجزائر على خلفية تذكير رئيس الوزراء التركي للجزائريين بـ"جرائم" فرنسا في بلادهم، اذ اعتـُبرت بمثابة "حمية" غير مقبولة او وصاية مرفوضة او محاولة لتصفية حسابات تركية مع فرنسا باستخدام الساحة الجزائرية منصة وثوب لها، وقبل ذلك كان قد كشف في مصر اصابع تركية مثيرة للاستغراب داعمة للتيار الاخواني في السباق الانتخابي، يضاف الى ذلك السلوك التركي، العابر للاصول، في التعامل مع الاحداث السورية، والتمادي في الانحياز لشريحة معينة من الشرائح التي تتطلع الى الاصلاح والتغيير. اما السياسات التركية حيال العراق والصراع بين فئاته السياسية فحدث ولا حرج، كما يقال.
 لا حاجة هنا للتوقف مليّاً عند التحولات الواقعية الكثيرة في منظومة الاستراتيجيات الاقليمية (والدولية) التركية، أو عند تلك المواقف المستقلة والحيوية التي اتخذتها حكومة اردوغان من قضايا العنف والارهاب والاحتلالات والعسكرة في المنطقة ومراجعاتها الدائمة للسياسات والخطط، أو عند ذلك الحضور التركي اللافت والحيوي والايجابي في الترتيبات الاقليمية امتدادا الى عمق القارة الافريقية، ولا عند اللغة الانشائية الجديدة التي تتسم بها الدبلوماسية التركية الاردوغانية.
 وطبعا لا حاجة لتكرار القول انّ على الجهات التركية التي تبذل هذه الجهود المتحمسة والمستميتة  لتصويب اوضاع دول المنطقة والانتصار للديمقراطية والتعايش والتهدئة فيها انْ توفر جزءا من تلك الجهود لترشيد سياساتها، هي، من ملفات متفاقمة في البيت التركي موضع شكوى شرائح مهمة، لكي يصبح مقنعا لدى المحلل القول بان اللفتات التركية الاقليمية تنطلق من الصدقية وروح الشراكة والشهامة وحسن الجوار..
/ثم، ان العلاقات بين الدول ليست، فقط، تجارة واستثمارات.. وكلام ناعم.

  "اينما وجد الظلم فذاك وطني".
تشي جيفارا

85  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / شئ من هذا سيحدث.. في: 22:24 10/01/2012

شئ من هذا سيحدث..

عبدالمنعم الاعسم

الازمة تراوح في مكانها. هناك ارادة للحل باتجاه المؤتمر الوطني، مقابل ارادات للتصعيد باتجاه الكارثة. والسباق جار بين الارادتين، والامر ليس سهلا طالما لم يبدِ اصحاب الازمة، حتى الآن، اي استعداد للتراجع عن المواقف الفئوية. المشهد يقف على حافة الانفجار وعلى مسار الحلحلة في ذات الوقت. هذا ما يسمونه مفترق الطرق، وفي هذا ينبغي ان نخاف. نخاف على العراق وعليهم ايضا.
حتى الآن لم تملأ طوابير النساء والاطفال المسبية الشاشات الملونة، ولم يظهر المسلحون، الطائفيون والارهابيون وفلول الجريمة المنظمة، وهم يقرأون معا، في المصحف والمناشير والفتاوى مدوناتهم بتشييع الوضع الامني، القلق اصلا، الى مثواه الاخير، وغير مأسوف عليه.
ولم تصل الملايين الثلاثين الى حالة من العطش وبين ايديها غزير الماء من نهرين يمكن ان يسقيان مئات الملايين من البشر.
ولم  تتحول بعد  خارطة البلاد وتشكيلتها ومكوناتها وثرواتها الى خرقة يتقاذفها اسياد الحرب الاهلية الطائفية، وتعلس خواصرها دول الجوار، ويختزلها العالم الى خاتمة من الكوابيس المثيرة، ويشير لها المؤرخون باعتبارها واحدة من المحفوظات او المخطوطات او الذكريات القديمة.
وحتى الآن لم تُغلق نهائيا خطوط الاتصال بين المعسكرات السياسية المتناحرة ، ولم تتكشف اسنان الضواري التي كانت تنفلت في الشوارع والحارات ومفارق الطرق العام عامي 2005 و2006
ولم تزحف الملايين العراقية الى الحدود ومنها الى المنافي وارض الله الواسعة، او الى الخيام او المستوطنات التي ترتزق من تبرعات المحسنين في الامم المتحدة وشفقات مشايخ المنطقة، وتسجل نفسها في وثائق العفو الدولية والصليب الاحمر الدولي كجماعات من غير وطن .
وحتى الآن، لم يعلن العالم انه عاجز عن ضبط تدهور العراق نحو الغابة والى احتفالات الابادة، وانه لا يملك قرارا بالتدخل او قرارا بالسكوت، او قرارا بالاحتفاء  بما يجري كنهاية لصداع الرأس الطويل.
ولم يدق تجار النفط واصحاب الاسواق والناقلات والبورصات ناقوس الخطر حيال لما يحدث في العراق بسبب انشغالهم بما يحدث في بلدان تقع على مشارفه وهي شريكة له في الحرب والسلام، والامن والخراب. 
كل ذلك لم يحدث حتى الآن، لكن شيئا منه سيحدث في حال هرب اصحاب الازمة من الدائرة المستطيلة الى دائرة النار.. وربما سيحدث كله، من يدري؟.
 *
 ان اخطر فترة في حياة اي كيان سياسي هي الفترة التي يقرر فيها ان يكون واقعيا”.
 محمد حسنين هيكل

86  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سفهاء المرحلة ! في: 10:01 08/01/2012
سفهاء المرحلة !

عبد المنعم الاعسم 
لكل مرحلة سفهاؤها، وسفهاء مرحلتنا يختلفون عن سلفهم بصفات رنانة وفرص ومجالات ومسارح ومانشيتات يدسون من تحتها سفههم، فلا تستغرب انهم يضعون انفسهم موضع القضاة، وينزلون بها منزلة المهرجين، ويرفعونها الى شفاعة الصفات المقدسة، ولا ينبغي ان تتفاجأ من السفيه، في مرحلتنا الحرجة، أن يخرج على ادب المخاطبة والاختلاف، وعلى ثقافة الجدل والنقاش، ويتجه الى السب طريقا قصيرا الى الشهرة، والى اطلاق الاتهامات والظنون سبيلا في المزاحمة، وقد تطيش نوازعه الى احراج اصحابه، وارباك اهل بيته، والى خيبة المراهنين عليه، فالسفيه اول من يركب الزلات، وآخر من يقدر النتائج .
وسفهاء المرحلة يختارون عناوين سفههم من طراطيش الاحداث، لا من حقائقها، ولا يهمهم ان يكون كلامهم هذرا ينأى عن موجبات الانضباط والتزام الحكمة، فهم ابعد ما يكونون عن سلامة النيّة، وعن نظافة الهدف، وعن احتساب النتائج، وتـَحَسّب الردود، ولا يبالون ان يكون هذرهم فضيحة لهم بعد ذاك، وان تكون معاركهم مردودةً عليهم في نهاية المطاف، وهم، في كل الاحوال يكسبون اطراء من هم على شاكلتهم، ولا يدخل ذلك في رصيد، ولا يُحسب في سمعة.
السـَفـَهْ، يقول الجاحظ في “تهذيب الكلام” نقيض الحلم، وهو الطيش والسرف في ايقاع الضرر، والسّبّ الفاحش، وعند الجرجاني في كتابه (التعريفات) عبارة عن خفّةٍ تـَعـْرض للإنسان فتحمله على العمل “بخلاف العقل وموجب الشّرع”.
أما في اللغة، فان السفه والسفاهة والسفهاء في جميع القواميس والمناجد والصحاح مزاولة الكلام والسلوك خارج الشعور بالمسؤولية والاستعداد لتحمل التبعات، فإذا سـفـِه فلان فقد صار سفيها، والاشتقاق مأخوذ من كلمة(س.ف.هـ) الّتي تدلّ على الخفّة والسّخافة، ومن ذلك قولهم ثوبٌ سفيهٌ أي رديء النّسج، وتسفّهتْ الرّيح إذا مالت، والسّفه ضدّ الحلم،وقال بعضهم: أصل السّفه: خفّة الحلم. وقيل: السّفه: خفّة في البدن، ومنه قيل: استـُعمل السفه في خفّة النّفس لنقصان العقل، وقيل: أصل السّفه، الخفّة والحركة والطّيش، وقيل: الجهل والاضطراب، وكذلك، سـَفـِهتَ الشّراب إذا أكثرتَ منه ولم ترو، وسفـِه فلان على فلان فقد انحرف الى نوع من الجهل، فهوسفيه، أي جاهل، والسّفيه أيضا: الخفيف العقل.
وقد فرّق المناويّ في كتابه “التوقيف على مهمات التعاريف” بين السّفه والسّفاهة: فعرّف السّفه بما عرّفه به الجرجانيّ، ثمّ عرّف السّفاهة بخفّة الرّأي حيال رأي مقابل من المتانة والقوّة.
ويعرف المهتمون بهذا الامر بان “أذلّ الناس سفيهٌ لم يجد مُسافها له” في دعوة حكيمة انْ لا تردّوا على سفاهات السفيه، ويقال ايضا، السفيه هو من لا سفيه له، بمعنى لا سفيه مثله يرده عن سفهه، فالسفه في السفيه أصل، بينما في المتصدي للسفيه حالة طارئة يلجأ إليها إذا لزم الامر، وثمة الكثير ممن يتطاول عليهم السفهاء ينأون على الرد عليهم أخذا بحكمة الشاعر الذي يقول:
سكتُّ عن السفيه فظنّ اني....عييت عن الجواب وما عييتُ
أو قول آخر:
متاركة السفيه بلا جواب......أشدّ على السفيه من الجواب
او، بالقول البليغ:
وظنّ بي السّفاهَ فلم يجدني.....اسافهه وقلت له سلاما
*
“من الخطأ الاعتقاد ان كل شيء لا نستطيع فهمه او استيعابه خطأٌ”.
غاندي


87  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / حرب البسوس في: 12:38 05/01/2012

حرب البسوس

عبدالمنعم الاعسم

 
 أصل الواقعة القديمة التي تعرض لنا حكاية الخصومة التي طالت من الوقت ما تجاوز المعقول، واهدرت من الدماء والخسائر ما لا يرقى الى السبب الذي أشعل الحرب واذكى الخصومة، ما جعل منها مضرب الامثال حين تـُفتقد الحكمة، وينأى العقل، وتصعد حمية المكاره والانتقام، وتسود الضغائن والشكوك بين سكان فرضت الجغرافيا واحكام الحياة ان يكونوا متجاورين، متحدين، بقدر ما هم متنافرون:
لقد استعرت الحرب بين قبيلتي بكر وتغلب، وسبب استعارها ان وائل بن ربيعة التغلبي ويسمونه (كليب) سيّد قومه تكفل بامر حماية حي وكلأ القبيلة، وكان إذا حمى ارضا لا يقربها احد، وخرج يوما يتفقد مراعي ابله، فابصر ناقة غريبة، فانكرها وغضب على اصحابها، فرمى ضرعها وقتلها، وكانت تتبع  امرأة اسمها (البسوس) وهي خالة (جساس) بن مرة البكري ويمت للقاتل بصلة المصاهرة، فلما رأت البسوس ناقتها، وقد نفقتْ، صاحت طلبا للنجدة والثأر، فحمي ابن الاخت جسّاس وامتشق سيفه فقتل كليبا، فاستعرت الحرب بين القبيلتين، بكر وتغلب، وامتدت لاربعين سنة تحت شعار “دم كليب”.
وتشاء الحكاية ان تتسع بالطول والعرض، ويمسك الخطباء والدعاة وهواة المعارك امر التجييش، ولم يوقف مسلسل المهزلة الدامية نداءات جليلة بنت مرة، زوجة القتيل كليب، واخت القاتل جساس، بوجوب التهدئة وتذكير المتحاربين بفجيعتها.
ثم يأتي دور الملفقين والابطال المزيفين والمهووسين بطبول الحرب ويتفنن الرواة في تجهيز المسرح بالاحداث وقلب المدونات والسرد والتأويلات، ونقرأ الحادث في مرويات تجدد نفسها في كل حين،فحينما مرت إبل جساس بكليب وفيها ناقة البسوس(كما تفيد احدى المرويات) عرجت الناقة لترعى في أرض كليب، فقال: ما هذه الناقة ؟ قالوا: هي لخالة جساس، فقال: أو بلغ بـ جساس - أن يجير عليّ بغير إذني ؟ فامر برمي ضرعها بالسهام، فاختلط دم الناقة بلبنها.
ولـّت الناقة حتى بركت أمام البسوس، فلما رأتها صاحت: وا ذلاه ! فقال لها جساس، ابن الاخت: لك بناقتك ناقة أعظم منها، فأبت حتى زادها إلى عشر.
ولدينا غير هذه وتلك حمية اخرى نشأت بجوار حكاية حرب البسوس، فقد استطردت الذكورية العدوانية في لعبة التجييش لتحول الحرب هذه المرة ضد النساء بشخص البسوس بوصفها هي (وليس كليب وجساس)المسبب بالحرب.. الرجال رمز الشهامة والنساء شرارة الفتنة، وتفيد رواية حديثة قرأتها على موقع اسلامي مصري انه”عندما علمت البسوس بمقتل كليب على يد ابن اختها جساس ذهبت، هي والعبد، وقامت بفتح بطن كليب، واخذت كبده ، واكلتها احتفالا بمقتله.
حرب البسوس نتابعها، الآن، محظوظين، بين بكر وتغلب، على الشاشات الملونة.
*
“ما خسرته اليوم تكسبه غدا”.
                        سرفانتس

88  اجتماعيات / شكر و تهاني / رد: تهنئة موقع "عنكاوا كوم" بمناسبة عيد الميلاد ورأس السنة الجديدة في: 14:05 28/12/2011
1012 عـام جــديد لأمـنياتـنا النبيلة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    Happy Christmas and New year
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبدالمنعم الاعسم
89  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / مساران مطلوبان.. العدالة والتوافق في: 20:51 23/12/2011

مساران مطلوبان..
العدالة والتوافق

عبد المنعم الاعسم
 
مرة اخرى، وكما جرى غداة اعلان انتخابات اذار من العام الماضي، فقد اصطدمت عملية اعادة بناء الدولة العراقية الاتحادية الجديدة بثنائية العدالة والتوافق، الدستور والتفاهمات، الاستحقاق الانتخابي وظروف مرحلة الانتقال، احكام الديمقراطية واحكام المرحلة، والجديد في العودة الى بداية التجاذب يتوزع على مستويين، الاول، فشل ادارة التوافق في بناء حكومة شراكة حقيقية (وزارة من غير وزيري الدفاع والداخلية لعشرين شهرا) والثاني، ان الكابينة الاقوى في الحكومة تروج الى بديل عن حكومة التوافق، حكومة الاغلبية، الامر الذي يبدو ان لا فرصة كبيرة امامه وفق حسابات الواقع الموصول بخارطة الارادات والمصالح المتضاربة للكتل السياسية.
ومرة اخرى، ظهرت استحالة ادارة حكم العراق الجديد من قبل حزب واحد، او مكوّن واحد، او لون عقائدي واحد، او زعيم سياسي واحد مهما احتفظ هذا الرقم الذي يرشح نفسه للاستفراد بالحكم من زخم ومكانة واسباب قوة تمثيلية او ادارية، وكان يمكن ان يتحقق ذلك فعلا لو ان مرحلة الانتقال من حكم الحزب الواحد القهري الى مرحلة التنافس الديمقراطي المفتوح، اسست لتجربة برلمانية وسياسية راسخة مصونة بمؤسسات وطيدة ووعي مجتمعي في مستوى هذا المخاض، ويمكن استعجال الاشارة الى ان دول اخرى (مثل حال العراق) نجحت في العبور الى ضفاف الدولة الجديدة بفترة وجيزة من مرحلة الانتقال، مثل جنوب افريقيا وماليزيا.
والمهم هنا، ان المجتمعات لا تحتاج الى الجمع بين العدالة والتوافق، إلا حين تجتاحها الاضطرابات والحروب الاهلية والكوارث الطبيعية التي تلزم تعبئة الشعب، بكل مكوناته القومية والدينية والاجتماعية، لدرء اخطار المرحلة، او في حالة اعادة بناء الدولة والانتقال الى نظام ارقى على اساس من الخراب الشامل وضعف محصلات الوعي وتدني الاستعداد المجتمعي للتجاوب مع متطلبات هذه العملية، وبمعنى ادق، الحاجة، في مرحلة استثنائية، الى تجاوز او تكييف نصوص دستورية وقانونية وهيئات قضاء مستقلة وتعطيل بعض احكام الديمقراطية والحريات العامة وفرض تقييدات تناقض العدالة من اجل العبور الى دولة العدالة المنشودة.
وبمعنى اكثر دقة، ان العدالة من حيث هي نصوص دستورية وقانونية وهيئات قضاء مستقلة هي القاعدة التي يجب تنميتها على الدوام فيما التوافق استثناء من حيث هو تفاهمات وحلول وهياكل تتجاوز بعض احكام العدالة ما ينبغي تقليصه على الدوام ثم تجاوزه.
العدالة ثابت والتوافق طارئ، والجمع بينهما، في مرحلة معينة، ليست بدعة عراقية، لكن البدعة المضللة تتمثل في محاولات تكريس العدالة والتوافق الى الابد وفي جميع الاحوال، وايضا في محاولات تفكيكهما في اطار مشروع فئوي، طائفي، من غير عدالة ولا توافق.
 *
"الشيء الذي نريده يفسد الشيء الذي لا يزال بأيدينا".
  دانيال دارك

90  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / بصراحة.. لم يكن الهاشمي مقنعا في: 14:07 22/12/2011

بصراحة.. لم يكن الهاشمي مقنعا

عبدالمنعم الاعسم

 لم تكن مطالعة نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، خلال مؤتمره الصحفي، مقنعة بالنسبة للمحلل الموضوعي لازمة "الطلاق" مع الحكومة، لا في حمية الدفاع عن براءة ضباط حمايته المتحدرين من تنظيم "الجيش الاسلامي" ومسؤوليتهم عن جرائم قيد التحقيق، ولا في صورة الضحية للكيد السياسي الذي حاول ان يطلقها على نفسه، وكانت رسالته مفككة ومتهافتة ولا تحمل ادنى روح المسؤولية حيال مصير العراق، باستثناء الدعاء اللفظي بان تحمي العناية الالهية هذا البلد.
 وإذ ينبغي التعبير دائما عن الخوف من انزلاق المشهد السياسي والامني الى كسر عظم طائفي وتصفيات حساب، والى توزيع غنائم، ونعرات استئصال وتجييش، او محاولات سلق الاجراءات الادارية والتهم الجنائية، فان هذا لا يعفي كابينة الهاشمي من ظنة التورط في زعزعة الاستقرار وحماية خلايا الاجرام، والحق، ان مثل هذا الاتهام لم يكن ليفاجئ المحللين الذين تابعوا الحروب الاجرامية للجماعات الجهادية المسلحة في الفلوجة وفي طول وعرض البلاد، إذ كان الهاشمي على راس حزب يضم في اطاره مجرمين تكفيريين محترفين، وقاد جزءا من تلك الحروب الدموية.
 وإذ اخفق السيد الهاشمي، مرة، في تقديم مطالعة دفاع وتبرئة نفس مقنعة، من موقع الغيرة على العدالة والقضاء، فانه اخفق مرتين في عرض انتمائه الى الدولة الجديدة، ودستورها، ومستقبلها، بوصفه نائبا لرئيس الجمهورية، وبخاصة حين اعترض، بحماسة انفعالية، على ما ذكره الرئيس الامريكي بان القوات الامريكية انسحبت من العراق وتركته بلدا ديمقراطيا، وذا حكومة منتخبة، بل انه تحدث بعبارات تفصيلية وبرقية عن عراق آخر، لا يعرف الديمقراطية، وكأنه لم يكن جزءا عضويا من ذلك العراق.
 وبصرف النظر عن "كم" الديمقراطية وشكلها وعثراتها في العراق فان السؤال هنا ينحصر في منطق السيد نائب رئيس الجمهورية، ما إذا كان العراق لا ديمقراطيا قبل شهادة الرئيس اوباما يوم كان السيد الهاشمي في مركز المسؤولية المرموقة، منتخـَبا في سباق ديمقراطي، أم ان موصوف الديمقراطية سقط من العراق، فجأة، حين اهتز هذا الموقع، واحيل صاحبه الى القضاء؟.
 الى ذلك كانت محاولة السيد النائب شطب "شبهة" الديمقراطية من النظام السياسي في العراق (وكان منصبه من نِعـَم هذه الديمقراطية) قد خرجت من اطار وجهة النظر، او الاجتهاد، او الشكوى من انتهاك للحقوق المدنية، الى تأليب متعمد على النظام السياسي في العراق، مسبوق بلغة تهديدية مبطنة، وبمشيئة مصممة، قبل ذلك وبعده، على جعل المنصب استحقاق منتَزَعٌ وليس مسؤولية حيال الدولة وأمنها وحياة مواطنيها.
 باختصار، فشل الهاشمي من منع المراقب والمستمع من اثارة السؤال التفصيلي التالي:
 هل ان العراق سيبقى لا ديمقراطيا ايضا حين يعود السيد طارق الهاشمي الى منصبه الرسمي؟.
*
"النجاح مثل القمح.. لا يحق لنا ان نصدره إذا لم نكن ننتجه".
برنارد شو
   
91  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / البـُعد الطائفي في الازمة.. حذار في: 00:19 20/12/2011

البـُعد الطائفي في الازمة..
حذار

عبدالمنعم الاعسم

 من يُسقط البعد الطائفي في ازمة العلاقة بين ائتلافي دولة القانون والعراقية كمن يدس رأسه في قارورة عطر ليتوهم ان الجو معطّر كفاية. تكفي الاشارة هنا الى تصريحات، عابرة الكواليس، يطلقها متحدثون من الجانبين تتهم الطرف الآخر بالطائفية او "اثارة الفتنة الطائفية" بحسب نائب عُرف بادمان الشاشات الملونة.
 اما لعبة المذنب والبرئ عما يحدث من تصعيد وتوتير بين كابينة المالكي وتحالف علاوي فانها لا تطوي ذلك الخيط الطائفي الذي بدأ من نقطة الاحتقان الذي راكمته سلسلة الازمات، بل وكشفت عن حقيقة موازية تتمثل في التعمد المبيّت لاثارة اتباع الطوائف وتخويفهم من المستقبل، ومن بعضهم البعض، وليس من دون مغزى ان يرتبط هذا التصعيد بانسحاب القوات الامريكية من العراق.
 ومن جانبي اتحمل مسؤولية الاستنتاج التالي: ثمة خطوط (تيارات. بؤر. زعامات..) طائفية ثقيلة لها نفوذ في معسكري الازمة تذكي، الآن وبنشاط لافت، حريق المكاره الطائفية بالوقود ونداءات التجييش والانتقام، وهي صاحبة المصلحة (او صاحبة الوكالة الخارجية) في اضرام النار على خط التماس بين الطائفتين واعادة المشهد العراقي الى معادلة التوتر وحافة الحرب الاهلية، وهي التي (على الدوام) تدفع كل حادث او فاصلة صراع الى نقطة تصفيات الحساب وتأليب الساحات والمكونات وتجهيز المسرح بشعارات الانتقام الطائفي.
 ولا يصح النظر الى الفصل الجديد من الازمة من غير مقدماته، فهو لم يبدأ تصعيدا غداة تفجير ساحة مجلس النواب نهاية الشهر الماضي اذا ما اعدنا قراءة تقويم الصراع خلال الشهور القليلة الماضية، كما لا يصح، ونحن نتابع المعلومات المتداولة عن ذلك التفجير، ان نتغافل عن حقيقة التسهيلات والثغرات المتوفرة للعصابات الارهابية في ساحة احد المعسكرين المتصارعين، وفي مواقع حساسة حصرا، الامر الذي يضع البعد الطائفي للازمة في تضاعيف التجاذب حول الشراكة السياسية في ادارة الدولة وجدواها، ويضاعف من مسؤولية الجهة المتهمة بالتورط في هذا الحادث الشنيع ليس فقط في اثبات براءتها، بل وايضا في مراجعة سياساتها المتخبطة ومواقفها السلبية من الملف الامني إذ تُسجل عليها شبهات كثيرة عن تغطية اعمال اجرامية في اكثر من مكان واكثر من واقعة.
 الامر اللافت في هذه اللوحة المعقدة نجده في انباء وفيرة عن حالة استقطاب تتخذ من اللغة الطائفية وسيلة للتعبئة ودق طبول الحرب، وتقوده، او تتولى توجيهه اقنية اعلام احترفت التجييش، ودعاة معروفون بمواهبهم التحريضية، بحيث ينغلق الافق امام المتفائلين حيال عودة المياه الى مجاريها، وتجنيب العراق والعملية السياسية خطر الهوة..
ومن الهوة الى الهاوية.. وما أدراك ما الهاوية.
*
"مارأيت نعمة كتقارب القلوب".   
حكيم


92  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / لـَيّ أيدي.. أم انقلاب؟ في: 20:42 18/12/2011

لـَيّ أيدي.. أم انقلاب؟

عبدالمنعم الاعسم

العنوان العريض لأزمة العلاقة بين كابينة رئيس الوزراء والقائمة العراقية، وبصرف النظر عن تفاصيل الاتهامات والاتهامات المضادة بينهما، يـُقرأ على النحو التالي: نار في ثياب العملية السياسية.
في التفاصيل، معروف للجميع  ان الازمة بين الجانبين بدأت، في طورها الجديد، غداة اعلان نتائج الانتخابات النيابية في آذار من العام الماضي، وأثر العملية القيصرية التي تمخضت عن تشكيل اغلبية نيابية حسمت الجدل حول الجهة التي تتولى تشكيل الوزارة، ثم تداعيات إشغال الحقائب الامنية، ودوامة مجلس السياسات، وتفاهمات اربيل، وبعدها حملة الاعتقالات ضد انصار النظام السابق والبعثيين والبعض من المحسوبين على القائمة العراقية، واخيرا قضية الاقاليم، وكل ذلك على خلفية حشوة من التجاذبات والاتهامات والتقاذف بالمسؤولية بصدد الملف الامني والتفجيرات والنشاطات المسلحة طالعنا فصولها في يوميات الاحداث طوال عشرين شهرا من عمر التوافقات الهشة بين اطراف العملية السياسية.
وشاء هذا الاستطراد في الصراع الذي سُجل على العلاقة المتوترة بين ائتلافي دولة القانون والعراقية، او على نحو ادق، بين رئيس الوزراء نوري المالكي وزعيم العراقية اياد علاوي، ان يتحدد في نهاية الامر في اتهامين يتبادلهما الطرفان الشريكان في الوزارة، فان دولة القانون تشكو من تصرف العراقية ككتلة معارضة وكغطاء للانشطة الارهابية وتحركات فلول البعث والتنسيق مع دول مجاورة، فيما تتهم العراقية معسكر المالكي بممارسة سياسة التهميش ضدها والتراجع عن التفاهمات والتعهدات السابقة والاستفراد في القرارات المصيرية واقامة حكم فردي والخضوع الى املاءات دولة مجاورة، وبين هذين الاتهامين، ظهر للمحلل الموضوعي ان طابع الازمة من النوع الذي خرج عن الانضباط وان الحلول الوسط فقدت الفرصة والارضية، ليس بسبب كثرة العناصر والالغام والملفات المطروحة بل وايضا بسبب سقوط الامل باستعادة الثقة بين الطرفين.
وبمعنى ما، فان قرار التصعيد من قبل العراقية بوضع العملية السياسية على فوهة زلزال، مسبوق بتصعيد مخطط له من الطرف الاخر يستعجل ازاحة العراقية من المعادلة بعد ان نأت بنفسها عن هامش الشراكة المتاح لها في السلطة التنفيذية. اما من هو على حق في موقفه، ومن هو الملوم عن دحرجة الوضع الى نقطة التوتر والقطيعة، فان بصمات الاحداث والوقائع تقدم للمحلل مؤشرات عن وجود حافات طائفية و”خطوط تطرف” وانانيات سياسية واوهام اقتدار  في المعسكرين تدفع الى مواجهة بين الطرفين والعودة الى مربع الصراع الطائفي، تبدأ من محاولة جس النبض لردود الافعال، وتنتقل الى لـَيّ الايدي، ولا مانع لها، في نهاية المطاف، من الانقلاب على الوضع.
يبقى السؤال التفصيلي واردا عما اذا كانت هذه الزوبعة صممت لتكون لي ايدي للهروب من استحقاقات مرحلة ما بعد الانسحاب: الأمن والخدمات وفرص العمل وكبح الفساد، ام انها انقلاب استباقي يؤثث الطريق الى انتخابات لا تكرر نفسها.
الى ذلك فان ثمة اسئلة تفصيلية اخرى بشأن عواقب ما يجري.. وللعواقب أحكام وعقوبات.
 *
“المتفائل، شخص يسقط من أعلى برج، ويردد القول قبل ان يرتطم بالارض: أنا لم أصب بعد”.
حكمة مترجمة

93  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / عزاء في صفوف "المقاومة" في: 12:08 17/12/2011
عزاء في صفوف "المقاومة"
 
عبدالمنعم الاعسم
 
المناسبة هي إنزال العلم الامريكي ورفع علم العراق محله في خطوة احتفالية تعلن انسحاب آخر جندي امريكي قبل موعد الانسحاب المقرر باسبوعين، الامر الذي يفترض(اقول يفترض) ان يكون، بالنسبة لأولئك  الذين حملوا السلاح لتحرير العراق من الاحتلال (هكذا قالوا) موضع فرح وتبادل تهان، في الاقل، ولا نطلب، بل ولا نتوقع، الاعلان عن وقف العمل المسلح والانخراط في النشاط السلمي الاهلي، فورا، فلهذه الخطوة اصحاب غير اصحاب هذه المقاومة.
من بيانات المحسوبين على “المقاومة” ونداءاتهم على مواقع الشبكة العنكبوتية ومقالات بعضهم في الصحف الخليجية نعرف انهم غير معنيين بهذه الخطوة، وغير مسرورين بانسحاب القوات الامريكية من العراق، وان قولهم بان هذه الخطوة وذلك الانسحاب شكليان، ومحض ترتيب لـلاحتلال، وان النظام السياسي لا يزال تابعا للولايات المتحدة، لا يخرج عن تبرير مثقوب بالنيات الشريرة لمواصلة اعمال العنف والقتل والتفجير، وسعيا للتحكم او المشاركة في المعادلة الامنية لما بعد الانسحاب، وربما، بالنسبة لبعض الجماعات المسلحة، محاولة لتحسين شروط وفواتير التفاوض مع الامريكان او مع كابينة الحكومة.
على ان القضية تخرج عن التبسيط عندما نقرأ موقف الجماعات الاسلامية الجهادية التي ارتبطت بالمشروع الارهابي الدولي على ضوء الصراع الاشمل بين هذا المشروع والولايات المتحدة والغرب، فان شكل وطبيعة الحكم في العراق، وفي اي بلد آخر، لا يعني هذه الجماعات بقدر ما تعنيها مواصفات وظروف وتسهيلات الساحة التي تتحرك عليها لتوجيه ضربات لـ”العدو” وبمعنى واضح، ينظر المجاهدون وحلفاؤهم الى الساحة العراقية، الرخوة سياسيا وامنيا، والمفتوحة الحدود والمضطربة الاحوال، كافضل ميدان، من اي ميدان آخر في العالم، لمواجهة الامريكان وجها لوجه، والانتقام منهم مباشرة على طريقة حرب العصابات التي لا تتوفر الآن لهم إلا في افغانستان، ومناطق اقل شأنا.
يبقى الحديث عن احتمال قلب الاوضاع العراقية على يد الجماعات المسلحة بعد انسحاب القوات الامريكية، يحتاج الى خيال سياسي جامح، او نظرية حتميات بالية، وسيبقى هذا الاحتمال العقيم في حدود التهويل السياسي الايحائي الذي احترفته بعض بطانات المشهد السياسي النافذ لتخويف الجمهور واخضاعه ونيل تأييده.
وبمعنى اكثر وضوحا، يمكن القول، ان تفكيك ثكنات القوات المحتلة في العراق، وسحب آخر جندي امريكي من الاراضي العراقية، سيترك “المقاومة” وجماعاتها المختلفة بلا عدو تواجهه في الشوارع او يقع تحت مرمى قذائفها، فقد كانت تأمل استمرار الاحتلال وجيوشه لاطول فترة ممكنة، وهكذا نصل بسهولة الى تفسير دلالة هذا الاستقبال البارد والحزين لانسحاب القوات الامريكية من قبل الجماعات المسلحة، وايضا، من قبل المراهنين عليهم من بيننا.. اكرر: المراهنين عليهم من بيننا.
 *
“وليسَ يصحّ في الإفهام شيٌ......
          إذا احتاج النهارُ الى دليلِ
المتنبي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
94  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / صدّق.. او لا تصدّق! في: 14:56 15/12/2011

صدّق.. او لا تصدّق!

عبدالمنعم الاعسم

بين يديّ خمس طرائف سوداء من حافظة الاخبار المحلية، نـُشرت في صحف امس، ومرّت، اغلب الظن، مرور الكرام وسط ضجيج سوق مجلس النواب ونشاطات كواتم الصوت، وتقارير حركة الاستثمار، وبورصات اللياقة الخطابية عن المستقبل، وسَأدسّ التعليق على هذه الطرائف العلقم في عنوان كل واحدة منها، تاركا للقارئ حق التمتع والتخيـّل والتعليق:
 
توتر بين دولتين: 
هدد مجلس محافظة كربلاء بمنع تدفق الرمال والحصى والجلمود من المقالع التي تقع في الحدود الادارية للمحافظة الى محافظة الانبار في حالة لم يُسمح لشركة لافارج الفرنسية بنقل المواد الاولية الخاصة بمعمل سمنت كربلاء من الانبار، وقال “من بين الاجراءات التي ستتخذها الحكومة المحلية في كربلاء، ايقاف المشاريع والنشاطات الاقتصادية المشتركة (مع الانبار) ومنها مقالع الرمل والحصى والجلمود والجص التي يقع بعضها في الحدود الادارية للمحافظة.
وكانت محافظة الانبار قد منعت قبل اسبوعين الشركة الفرنسية المستثمرة لمعمل سمنت كربلاء من نقل (عبر اراضيها) المواد الخام الى المعمل الكربلائي المهدد بالتوقف عن العمل نهاية الشهر الحالي.
 
عواقب سياسة التحريم
تشكو العوائل الزائرة لمتنزه (ابو نؤاس) شيوع منظر نوم وتسكع المخمورين في الحدائق العامة في بداية شارع ابو نؤاس قرب جسر الجمهورية والاكثر من ذلك اعتداءاتهم المتكررة على عمال نظافة القسم البلدي الرصافة/2 صباحاً بالاضافة الى محاولاتهم تحطيم الملكيات العامة في الشارع من مساطب واماكن جلوس وانتظار لحافلات النقل العامة.
 
لا عتب على المواطنين.. إذن
ذكرت دائرة توزيع كهرباء واسط، أن مجموع ديونها المترتبة بذمة الدوائر الحكومية في المحافظة تزيد عن 13 مليار دينار منذ التاسع من أيلول 2003 وحتى الآن، مطالبة تلك الدوائر بسرعة تسديدها تجنباً للمسؤولية القانونية وتحمل تراكمات إضافية. وقال مسؤول في الدائرة ان مديرية ماء المحافظة تقف على رأس المدانين تاتي بعدها الري والصحة والبلدية.
ونقل عن مسؤول قوله: اذا كانت الحكومة تتمرد على الدفع لنفسها فلماذا نعتب على المواطنين اذا امتنعوا عن ذلك.
 
 ؟
أعلنت وزارة الثقافة عن دفعها غرامة قدرها 5 ملايين دولار لفنان فرنسي مغمور كان قد رفع دعوة قضائية على الوزارة لإثباته استخدام لوحته في غلاف رواية “زبيبة والملك” التي كانت قد صدرت في عهد النظام السابق من غير اسم مؤلفها، واشيع ان مؤلفها صدام حسين نفسه. واضافت إن “دفع الوزارة هذا المبلغ للفنان الفرنسي جاء بعد أن قدم المستمسكات التي تثبت امتلاكه للأصول الفكرية التي تؤيد حقوقه”.
*
ماذا يعنيني من السفن التي كانت تعبر المحيطات وتشق عباب الموج وأنا لا أستطيع أن أعبر زقاقا موحلا ‏طوله متران”.
الماغوط
95  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / اعتقالات البعثيين.. وحقوق الانسان في: 22:20 25/11/2011
اعتقالات البعثيين..
وحقوق الانسان

عبد المنعم الاعسم
 
تتداول بعض الجماعات الدولية والاقليمية، المعنية بحقوق الانسان (وبعض الجماعات السياسية العراقية) مسألة الحملة على فلول تنظيمات حزب صدام حسين وتذكـّر بالعهود والمواثيق والدساتير المتحضرة، وتتساءل ما اذا تمس هذه الحملة الحريات العامة وحقوق التعبير عن وجهات النظر والتشريعات العراقية ذات الصلة بضمانات المعارضة، ويذهب البعض الى اعتبار الملف كله يتصل بقضايا الرأي، ويذهب آخرون الى افتراض ان المعتقلين ضحايا اجراء سياسي كيدي يدخل في نطاق السعي الى تقليص الحجوم ومساحات النفوذ بين اصحاب الازمة السياسية، او انها تتسم بطابع طائفي، وان عنوان “البعث الصدامي” للمطلوبين ليس دقيقا كفاية .
اقول، ان هذا الكلام يجري تداوله في محافل كثيرة، واظن بان الخطاب الرسمي والامني والاعلامي الذي يتصدر الدفاع عن دواعي ومبررات هذه الحملة لم ينجح كفاية في تقديم نظام معلوماتي سياسي مؤثر ومنهجي ومقنع، وان المعلومات الجنائية التي تبعت اعتقال المئات من “البعثيين” لا تكفي لاسقاط حق فلول النظام السابق واعضاء حزب البعث المنحل في حق التعبير عن الرأي وممارسة العمل السياسي كأفراد باعتبار ان حزب البعث الصدامي محظور دستوريا، وقد انتقل هذا الوضع واختلاف الرؤى الى اروقة مجلس النواب خلال مناقشة قانون ذي صلة بالموضوع.
وكما نرى، فان الملف ينبغي ان يناقش بحذر، وبروح المسؤولية، وقبل كل شيء، على هدى القواعد العامة للحقوق المدنية الثابتة، وازعم ان سطح المناقشات يزدحم، هذه الايام، بالاراء والتصريحات والمواقف الانفعالية التي لا تفيد-في واقع الامر- ترسيم حدود الملف والمبادئ التي ينبغي الانطلاق منها نحو التعامل مع عناصره الحساسة، واُجمل تلك المنطلقات في ثلاثة مستويات:
المستوى الاول، ان لجوء فلول حزب البعث (وبخاصة اجهزته القمعية السابقة) الى استخدام السلاح، وخيار القوة، وليس العمل السلمي المدني، لتحقيق الاهداف السياسية، قد اسقط حقها في الحماية الدستورية وما تفرع عنها من حقوق التعبير عن الراي، فان نشاطها السياسي والدعوي يدخل في باب اثارة الكراهيات والعداوة وتسميم السلم الاهلي والحض على الحرب الاهلية، ولا يقلل او يشطب هذا الحكم ما يقال عن “حق مقاومة الاحتلال” بعد ان اتضح بان الضحايا العراقيين المدنيين، ورجال الدولة والشرطة المحلية والموظفين الاهليين والشخصيات الاجتماعية والاعلامية والثقافية كانوا الهدف المباشر للاعمال المسلحة تلك، اخذا بالاعتبار، بان العهود والمواثيق والدساتير المتحضرة  في كل مكان لا ترخص حماية اولئك الذين يحملون السلاح باعتباره الوسيلة لتحقق الاغراض السياسية،فضلا عن انه يحق لأسر الضحايا المدنيين ان تطالب بالقصاص من قتلة ابنائهم.
المستوى الثاني، يتمثل في ان اعضاء حزب البعث الذي حكم البلاد بالنار والحديد والمسؤول عن الكوارث والحروب (بما فيها وقوع العراق تحت الاحتلال) مسؤولون مباشرة عن خطايا ذلك النظام، وإنْ بنسب متفاوتة، وان التبرؤ من هذه المسؤولية تتحقق، فقط، في التخلي عن “العقيدة” التآمرية العدوانية لبعث صدام حسين  ونبذ العنف والانخراط في الحياة المدنية الانشائية مع ضرورة الاعتراف بوجاهة المعالجة الدستورية بحل الحزب، تحت طائلة القانون.
المستوى الثالث، يمكن النظر اليه من خلال مسؤولية الدولة في حماية الملايين من اعضاء الحزب ممن تخلوا عنه وانضموا الى الحياة السلمية الجديدة ونأوا بانفسهم عن الفلول المسلحة وافكار التجييش، والمهم، ان لا يلاحق هؤلاء عن ماضيهم البعثي او في شبهة التواصل مع البعث بمجرد انهم يعارضون سياسات ومواقف الحكم.
في متن هذا الموضوع ثمة سباق محموم لتجهيز المسرح بستائر حرير تمنعنا من النظر بهدوء الى ما يعدّه مخرج المسرحية من مفاجآت.
*
“ المسافر عليه أن يطرق كل الأبواب قبل أن يصل إلى بابه”. 
  طاغور

96  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الى انظار.. رئيس مجلس النواب في: 22:21 18/11/2011

الى انظار..
 رئيس مجلس النواب


عبدالمنعم الاعسم


 يا صاحب الفخامة، والمسؤول المباشر عن موضوع هذه الرسالة التي تنطلق من الحرص لا من التأليب.
اشكوك البعض الكثير من زملائك الذين ضيعوا حلم تمثيلنا، وفرص تأسيس خيمة نتباهى بها، واختزلوا وظيفة النائب الى بروفات اعلامية هابطة المستوى والضرورة والحاجة والاقناع.
فان تصريحات ومؤتمرات وندوات بعض (اقول بعض) اعضاء مجلس النواب بلغت من الفوضى والتضارب وانعدام الانضباط والتلاعب بالمعلومات والحقائق واستباق التحقيق وكلمة العدالة من الاستطراد والعبث بحيث لم يبق مجال لارجاء السؤال التالي الملح الذي اضعه بين ايديكم: هل ان مسؤولية النواب تنحصر في الظهور على الشاشات الملونة وعلى واجهات الصحف والمواقع، وخلف منصات المؤتمرات الصحفية، ومهاجمة بعضهم البعض؟ ام هي الانصراف الى قضايا التشريع والمراقبة وتصويب السياسات من خلال قبة البرلمان، وعبر وسائل البحث والتقصي وإمعان النظر والفكر والعمل الجمعي المنتج؟.
ولو ان الامر بقي في حدود هوس الظهور الاعلامي، لأمكن قبوله، او السكوت عليه، او القائه على عاتق التجربة النيابية الناشئة، او تبريره بضعف الثقافة البرلمانية، لكن الحال تجاوز ذلك الى استعراض اللياقة الخطابية، والتسابق على الخطب واطلاق الفضائح، والى تحشيد الاخبار والشائعات والمعلومات التي ما انزل الله بها من سلطان، والى التلاعب بالاسرار، ولي اعناق الحقائق، بل ان بعض النواب صاروا يخاطبون رؤساء الدول الاخرى، ويقترحون عليهم سياسات، ويقدمون لهم النصائح التي تعوزها سلامة النية، وينقصها ادب المخاطبة، والبعض الاخر لا يفهم من المسؤولية الرقابية غير التشهير وتأليب الجمهور على هذا المسؤول او ذاك، او تبييض صفحة هذا السياسي او ذاك، والبعض الثالث، صار مقاولا لبعض الفضائيات، او شتاما تحت الطلب، والبعض الخامس أدمن اقتناص الزلات والعثرات وانصاف الفضائح لكي يفتعل معركة (او ام معارك) لا تنفع صديق، ولا تضر عدو.
ويمكننا، يا رئيس المجلس، تمرير كل هذا الغث من المسلكيات لو ان هؤلاء النواب قاموا على الوجه السليم، بما يفترض، دستوريا، وهو الدفاع عن مصالح الذين صوتوا لهم واختاروهم لمتابعة احتياجاتهم ومعاناتهم ومتطلبات عيشهم وامنهم، وتحسينها، فان هذه المفردات، كما يبدو، آخر ما تثير اهتمام هؤلاء النواب الذين يعتقدون انهم انتخبوا ليكونوا معلقين على الاخبار في الفضائيات، وان المطلوب منهم لا يعدوا عن الظهور على واجهات الاعلام، والمصيبة، انهم لم يحسنوا الظهور ولم ينجحوا في تقديم الافكار، وان البعض منهم، لشديد الاسف، يكشفون عن جهل بالوقائع او عجالة في تقديم المعطيات، ويقعون احيانا في تناقض الارقام او في شرك المعلومات الكيدية والمضللة والمدسوسة، فضلا عن عيوب اللغة التي يتخبطون بها، وانعدام احترام الذوق العام الذي يزاولونه من غير رادع.
في النتيجة، ياصاحب الفخامة، كان على هؤلاء النواب التوجه، بدلا من ذلك العبث، الى البلدات والحارات والمزدحمات التي انتخبتهم للتعرف على مشكلات الملايين ومكابداتهم، فان الساحة والاقنية الاعلامية مليئة بالمعلقين على الاخبار، ولا حاجة لأن نضيف لهم معلقين جدد، من الدرجة الثانية.. ومحللين من الدرجة العاشرة.

*
" الطريقة الوحيدة كي تتأكد ممن تتفق معهم هي أن تؤيد حقوق الناس ممن لا تتفق معهم".
 اليانور هولمز نورتون



97  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / القيم.. عندما يحرسها الجهلة في: 17:55 13/11/2011

القيم..
عندما يحرسها الجهلة

عبدالمنعم الاعسم

منذ اسابيع ظهرت الى واجهة الخطاب السياسي السائد، واجراءات المجالس المحلية، وبشكل ملحاح، عبارات قيم المجتمع والاعراف والمصلحة العامة تعقيبا على حريات يمارسها الافراد، او برامج تقدمها اقنية تلفزيونية لا تحظى بالارتياح والرضا من شرائح وتكيات، فيما جرى إغلاق وايقاف بعض المنافذ الاعلامية والثقافية والترفيهية بذريعة خروجها على تلك القيم، وقد تركت تلك الاجراءات مرارات وسخطا في الاوساط المدنية الشابة التي تعاني اصلا من تراجع مضطرد في فرص الترفيه العصرية والرعاية الاجتماعية المختلفة وسطوة سلطات الماضي، عدا عن انها تركت حيرة لدى خبراء القانون وانصار الحريات الذين لاحظوا عسف استخدام مفردة ومفاهيم قيم المجتمع ومحاولات بعض السلطات النافذة فرض مفهوم كيفي لعبارات المصلحة العامة والاعراف بما يملي على المواطنين وقطاع الشباب نمطا صارما من السلوك وممارسة الحياة.
 نعم، هناك قيم اجتماعية لكل شعب وامة، وفي كل دولة من الدول المائة والاثنين وتسعين الاعضاء في الامم المتحدة، فيما اكتشفت جماعات حقوق الانسان وخبراء القوانين والمعاهدات الدولية ان ما يزيد على مائة دولة من هذه الدول(اغلبها في جنوب العالم) تضع مفاهيم”قيم المجتمع” في صياغات تحد من حرية الانسان وحقوقه، وان حريات الملبس والتبشير بالرأي والحرية الفردية، مثلا، كثيرا ما تنتهك باسم المصلحة العامة، كما لاحظوا ان اكثر الدساتير استخداما لعبارة “المصلحة العامة “في المعنى المناهض لحقوق الانسان هي دساتير الانظمة الشمولية والحزب الواحد والتوتيلتارية، وتضم الوثائق الدولية الثابتة سجلا مخزيا للدكتاتوريات الحاكمة والتي حكمت في ممارسة العقوبات الجمعية ضد السكان باسم المصلحة العامة.
 ومقابل ذلك، تضع دول متحضرة تطبيقات قيم المجتمع بالكثير من الحذر حتى لا تسيء الى حريات المواطنين او تردع فاعليتهم انطلاقا وتحرص على اشاعة مفهوم اجتماعي عصري يؤكد على ان الفاعلية  الاجتماعية السليمة وبناء اجيال مبدعة، وبعكس ذلك فان تكبيل الشبيبة بقيود التخويف باسم المصلحة العامة او الاعراف والقيم الاجتماعية من شانه ان يترك الجيل الاكثر انتاجا وابداعا عرضة للانكفاء والضياع ونهبا للتيارات الارهابية والعنف والخرافة. 
وليس بعيدا عن هذا المعنى  صاغت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكما منذ تموز من العام  1968 قضت فيه أن على المشرع الجنائي إيجاد توازن دقيق بين حماية المصلحة العامة للمجتمع واحترام حقوق الإنسان، وانه وان كان له تبني قيود على الحريات الفردية، إلا أن ذلك يجب أن يكون في مجتمع ديمقراطي، وان تكون هذه القيود مبنية على حاجة ماسة،ومتناسبة مع الهدف المشروع الذي يسعى إليه .
 مما يعني - حسب حكم هذه المحكمة- وجوب تجنب المشرع الإفراط بالتدخل في منظومات السلوك والحرية، إلا لضرورة اخضعت للدراسة العلمية وبوسائل تتناسب مع المصلحة محل الحماية.
واذاعرفنا بان  قيم المجتمع تتطور مع العصر، وتتحرر باضطراد من التأويلات الرثة والتطبيقات الجاهلية، فاننا ينبغي ان نحذر من نتائج ايداع قضيتي المصلحة العامة والاعراف بيد عقول لا تزال ترتع في مستنقعات الماضي.. وتترع منها.
*
"اذا اغلقت جميع الابواب مخافة ارتكاب الخطأ، فان الحقيقة ستبقى خارجا".
طاغور

98  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / خواطر برلمانية في: 14:46 06/11/2011

خواطر برلمانية

عبدالمنعم الاعسم

ما حدث مؤخرا في برلماني ايطاليا والكويت، يخفف علينا ما نتابعه من مناحرات وتهديدات في مجلس النواب العراقي ، ففي الثامن والعشرين من الشهر الماضي حدث جدل حاد داخل أروقة البرلمان الإيطالي بشأن تبني خطة واضحة المعالم تهدف إلى إخراج إيطاليا المثقلة بالديون من أزمتها الحالية، إذ تحول الجدل الى عراك بالأيدي و تبادل لللكمات بين عدد من نواب. اما في الكويت فقد تطايرت “العُقل” عندما بدأت خناقات النواب في الثامن عشر من ايار الماضي حيث استخدمت فيها الشتائم واللكمات والضرب بالكراسي.
والحق، انه لم تحل قدسية القبة البرلمانية، عبر التاريخ، دون ان تنشب مشادات من العيار الثقيل، فقد شهدت كاتدرائية القديس بارثولوميوس في فرانكفورت العام 1562 عراكا بالايدي والالواح على خلفية تتويج احد الاباطرة الجرمانيين، كما لم تكن عراقة المؤسسة البرلمانية لتمنع تناطح النواب بالرؤوس، خذ مثلا مجلس الشعب المصري، وهو اقدم برلمان في المنطقة (اسس عام 1866) كان التحاور بالكراسي واللكمات وكان فولوكلورا تاريخيا مسجلا له، وكان آخر حادث يعود الى ما قبل الاطاحة بالحكم والبرلمان باكثر من عام حيث تلاكم النائبان احمد عز الدين من الحزب الحاكم وطلعت السادات من المعارضة، واحيل الاول الى القضاء ونُقل الثاني الى المستشفى، وبعد اشهر من هذه المشادة اندلعت معركة كراسي بين نواب الاخوان ونواب الحزب الحاكم اضطر رئيس المجلس الى ترك المنصة لوكيلته الدكتورة زينب رضوان لتستخدم نعومة المرأة في تهدئة فوضى الرجال ووقف سيل البصاق بين نواب ملتحين واخرين بياقات منشاة.
وعلى مرمى مئات الكيلومترات من البرلمان العراقي، غربا، تنفجر في عمان، بين فترة واخرى، خناقات بالايدي والمسابح والميكروفونات في صالة البرلمان تنتهي الى عض الاذان كما حدث بين النائبين محمد العدوان وعبد الثوايبة قبل عامين تقريبا، على خلفية صراع على رئاسة لجنة الزراعة في المجلس، فيما واحصى صحفي اردني 16 مشادة جرت تحت قبة البرلمان خلال الدورتين السابقتين كان من بيتها مشادة وقعت في آب 2005 في أحد مكاتب المجلس بين النائب عبد الرؤوف الروابدة ووزير الداخلية سمير الحباشنة بسبب عدم قيام الروابدة للسلام على الحباشنة أثناء دخوله للقاعة.
اما شرقا، نحو طهران، فقد عرض لنا البرلمان الايراني، منذ سنوات وجبات شجار مسلية استخدمت فيها نفاضات السجائر وشرائط الاحزمة واحدث نصوص الشتائم المتداولة في السوق، وقد شاهدنا من على الشاشات الملونة في السابع من مارس 2004 وقائع الهجوم الذي قاده نواب محافظون بالكالات فيما كان النائب الليبرالي موسوي خوئيني يتحدث من على المنصة.
والى الشمال، فان احدث مهزلة شهدها البرلمان التركي تلك التي انتهت باعتقال النائب المستقل اوميت كاندوغان بعد شجار واطالة لسان وتقاذف بالكراسي وعبارات التهديد والوعيد، وذلك بعد ان تساءل النائب كيف حدث ان يجلس رئيس الدولة احمد نجدت سيزر الى جانب رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان لمشاهدة مناورات للجيش التركي ولم يتبادلا الحديث بينهما، ولا مرة واحدة، طوال اربع ساعات؟.
نعم، ما يحدث في البرلمان العراقي اهوَن بكثير مما يحدث في برلمانات العالم سوى ان لدينا مشكلة واحدة هي ان حمايات النواب عندنا تتدخل في غالب الاحيان في “المناقشات” وحماياتنا هنا غير حماياتهم هناك.. والعياذ بالله.
*
“إذا كنتَ مقدما على الفشل فلا تفشل كيفما كان”.
هنري ميشو


 
99  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الانسحاب والذين يحدون سكاكينهم في: 12:31 05/11/2011

الانسحاب والذين يحدون سكاكينهم

عبدالمنعم الاعسم

الذين ينتظرون انسحاب القوات الامريكية من العراق، وقد صار هذا الانسحاب واقعا وقيد التنفيذ، كثيرون، قد لا يجمعهم هدف، ولا توحدهم وسيلة، وقد يكونوا خصوما في ما بينهم بحيث لا يأكلون على مائدة واحدة، او اصدقاء حد النوم في فراش واحد، او يكونوا اصحاب مشاريع خاصة يتصرفون بالامر وفق اقتصاد السوق السياسي، والبضاعة الرائجة، وخذ وهات، او انهم وكلاء مشاريع عملاقة، عابرة الحدود والقارات والاستراتيجيات، وربما، في صراع اللامعقول سيلجأون الى عقد صفقات تحتية يتقاسمون فيها الادوار والغنائم، او سيتعاركون على اللقمة الاكبر، او على الفضلات من الدبابات والاليات المنسحبة.
انهم، في السر والعلن، يحدّون سكاكينهم باعتبار انهم سيتعاملون مع لـُقطة قد لا يتاح العثور عليها في وقت آخر، او مع فريسة قد لا يكرر الحظ فرصة ايقاعها مرتين في حبائلهم، او كنز قد لا يمنّ الزمان به كثيرا، او بلاد شاردة من حدودها بأمل العثور على من يأويها ويضمها اليه، او انهم حيال ساحة نموذجية لتصفيات الحساب او لملء الفراغ او لقضم ما يتاح من الكعكة والارض.
ومن الفرضيات البلاغية الى الواقع، فان موضوع انسحاب القوات الامريكية من العراق وضع نفسه فجأة على طاولات البحث الاستثنائي والعاجل في الكثير مما يسمى بـ"غرف الطوارئ" لدى الكثير من الدول، التي تقع على مرمى الحدود، او التي تقع على مرمى الجغرافيا الاقليمية، وتفيد التقارير الاعلامية المحدودة ومعلومات ما بين السطور وكثافة عمل الخطوط الساخنة بين عواصم المنطقة، وبخاصة بين المحاور الاقليمية ان التعامل مع العراق بعد خلوه من القوات الامريكية اُخضع الى عملية اعادة تركيب بحيث لا يترك منطقة نفوذ لخصوم في المنطقة قد يثبون منه الى هدف تغيير المعادلات الامنية في المنطقة، او استخدامه في كسر شوكة بعضهم البعض.
وبموازاة ذلك تستعدّ وكالات تدَخّل وخلايا تحريض وتآمر وعصابات تهريب ومافيات اقليمية ومنافذ اعلام ودعاية وتلفيق لترمي بنفسها على خط الحالة العراقية ما بعد الانسحاب في سباق مع الدول نحو الكعكة الشهية، او في استعراض سوقي لتقديم الخدمة، مدفوعة الثمن، لمن يحتاجها، وهي تقوم الآن.. اؤكد الان.. بتمارين، او مناورات تعبوية وتسريبات مثيرة لترفع من شان الوظيفة التي تضطلع بها، وعندما سيقترب موعد الانسحاب، سنتفرّج على شاشات ملونة مزدحمة بالروايات والفضائح والشبهات، وستحل حفلات التهريج محل افلام السهرة.
الى ذلك ليس ثمة سر في القول بان جميع الفئات السياسية العراقية، الحاكمة والمشاركة في الحكم والعملية السياسية، او المعارضة لها، وبمن فيها التي عارضت و”قاومت” الاحتلال وحكومات المرحلة، تعدّ نفسها لمرحلة ما بعد انسحاب القوات الامريكية، وتبحث الاحتمالات الناجمة عن الفراغ الامني في البلاد، وتسعى، كل جهة على وفق مصالحها ومكانتها واهدافها السياسية، الى وضع منطلقات وسقوف وآليات التعامل مع الوضع الجديد، واستثمار “فضائل” هذا الانسحاب او لإتقاء هزّاته واستحقاقاته السلبية، وبخاصة ما يتعلق بالتعامل مع الضغوط الاقليمية وتمدد دول الجوار في الخواصر العراقية.
من داخل هذه الحقيقة لا بد من اهمال المناقشة في سلبيات وايجابيات الانسحاب، فان قرار الانسحاب ليس عراقيا في جوهره، وهو ويدخل في صلب الاستراتيجيات الامريكية، ولا بد (ايضا) العبور من فوق الصح والخطأ في هذا القرار، فهو شأن امريكي بالمقام الاول، كما ينبغي إرجاء البحث في قضية الالتزامات الامريكية حيال العراق، وامنه، وما يقال عن التدخل الخارجي والايراني على وجه الخصوص، فان الاجراءات تجد طريقها الى التطبيق على ضوء التهديدات التي تطال مصالح الولايات المتحدة في العراق والمنطقة، وبحسب الهامش الذي تتيحه القرارات الدولية.
وبصرف النظر عن تقييم الدور الذي لعبه الوجود العسكري الامريكي في العراق، فان التصريحات، مفرطة التفاؤل، عن متانة الوضع الامني في العراق، وسلامة جبهته الداخلية، ونفي وجود تهديدات اقليمية، واخطار الفتنة الطائفية، ونشاط قوى الارهاب وفلول النظام السابق، لا تعكس استيعابا واقعيا للاحتمالات، ولا تنفع في تهدئة المخاوف او في تطمين المواطنين، هذا إذا ما استبعدنا سوء النية لدى بعض الاطراف التي تكرر الاعلان عن متانة الاهلية الامنية المحلية لتمرير خطة ملء الفراغ الامني بعد الانسحاب استقواء بالقوى الخارجية.
كل ذلك لا يقلل من شأن الفرصة الحقيقية، المتاحة، امام قوى العملية السياسية لبناء مواقف وسياسة وتفاهمات جديدة تسد الباب على قوى الارهاب والجريمة التي تخطط لاغراق العراق بالفوضى والاضطرابات والدماء، وتتخذ من الطاقات الشعبية وارادة الملايين سبيلا الى مواجهة تحديات ما بعد الانسحاب، عبر الاستجابة لمطاليبها في الخدمات والحريات واحترام حقوقها في ثروة البلاد، وإشراكها في معركة البناء وحماية الامن، وقبل كل شيء، التخلي عن السياسات الفئوية الانانية، ونهج التستر على الفساد والفاسدين.
المعركة المقبلة اخطر من معركة اسقاط نظام صدام حسين، بكل المعايير، وَمن يراها فرصة لرفع مناسيب الامتيازات والنفوذ والسطوة سيجد انه اختصر الطريق الى الملامة.. وعض الاصابع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



 
100  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / بانتظار غاندي في: 12:37 02/11/2011


بانتظار غاندي

عبدالمنعم الاعسم

المعادلة تتمثل في ان حالنا في نقطة التجاذب. من زاوية نرصد ان رحالنا يتحسن ببطء، ومن زاوية اخرى يبدو انه يمضي من تدهور الى آخر. من سيئ الى آخر. مقلوب المعادلة، ان يظهر اختراق يشق المشهد ويشظيه، ثم يعيد تركيبه، هذه المرة بيد اصلاحية، او ارادة تغيير لاتقهر.
الهند، لمن يعيد قراءة ما حدث لها عشية اعلان الاستقلال، كانت تتخبط في تلك النقطة الحساسة والمخيفة، بين الانزلاق الى العنف المفتوح والحرب الكارثية، او الارتقاء الى  مسار السلام الاهلي.
والهند، اذا ما تأملنا حالها آنذاك، كانت تشبه حالنا الآن من وجوه كثيرة، سوى ان هناك زعيم ملهم يأكل من معزة ترافقه اينما حل، ولم يكن ليحتاج الى حمايات وسيارات مصفحة تفتح له الطريق. ولم يكن يحب التصفيق. في خطاب لغاندي عثر عليه مؤخرا في مكتبة بالولايات المتحدة القاه قبل اسابيع من اغتياله، عبر عن امتعاضه من تصفيق الجمهور، قائلاً: "أرجوكم! أرجوكم! أرجوكم! سيؤثر ذلك سلباً في خطابي وفي فهمكم لما أقول. أريد أن أمسَّ قلوبكم، لا أريد أن أحظى بتصفيقكم". 
كانت هناك اقوى دولة استعمارية على اراضي الهند، وكان السكان، كما هو الحال عندنا، مشتتون في التعامل مع جيوش هذه الدولة، وكان غاندي يعرف جيدا لعبة المقاومة. المقاومة الاكثر جدوى وجدارة ونزاهة وحماية لحياة المدنيين، غير ان قوى العنف والشعارات والرطانات لم تكن تتحمل رسالة غاندي. آنذاك فاجأه شاب من الجماعات “المقاتلة” المتطرفة بالهتاف “ايها الخائن” فرد عليه الزعيم قائلاً:  “إنه خطئي أنا، لأنني لم أعلمك الحب” غير ان الرصاصات لم تترك له ان يكمل خطابه بوجوب حماية المحبة بين ابناء الهند، من كل الاجناس والديانات، فلفظ انفاسه وهو يردد  انشودته الشهيرة: “هذه دنيا غريبة فإلى متى سألعب لعبة الحياة”.
في خطابه الاخير ذاك كان غاندي، الهندي، يذكر ابناء بلاده بانتمائهم الى دائرة اوسع، قال: “سألني صديقي أمس عما إذا كنت أؤمن بعالم موحد، طبعاً أؤمن، وأنـّى لي ألا أفعل؟ في عصر صحوة أفقر الفقراء”. وخاطب انسان ذلك العالم بالقول “إذا أردت أن ترى الهند على حقيقتها، إبحث عنها في كوخ للبانجي، في منزل متواضع يسكنه أفراد من طبقة البانجي. ثمة 700 ألف من تلك القرى. لاتحتوي تلك القرى السبعمائة ألف سبعين مليون نسمة، بل تضم نحو 400 مليون”.
حكمة غاندي بسيطة، بل شديدة البساطة: ان المصائر قد تنكفئ الى دهليز من الثعابين لا نهاية له، وقد تستيقظ في نقطة تاريخية، وان الزعيم الملهم يمكن ان يقف في ذلك المفترق ليصحح المعادلة.
الزعيم الذي لا يستغني عن معزته اينما حل، ولا يحب التصفيق.
*
“مأساة الحياة هي ما يموت داخل الانسان في حياته”.
           شواريتزر




101  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / اعتقالات البعثيين.. لماذا؟ في: 09:16 28/10/2011

اعتقالات البعثيين.. لماذا؟

عبدالمنعم الاعسم

الحملة المفاجئة لاعتقال نشطاء بقايا حزب وتفكيك تنظيماتهم، يمكن النظر اليها من زاويتين، الاولى تتعلق بصدقية القول انهم يعدّون لاستثمار الفراغ الامني، بعد انسحاب القوات الامريكية من العراق، وهز الاستقرار، الهش اصلا، واختراق الادارات والمنظومات الامنية  الامر الذي لايـُشكّ فيه، ولايمكن تبرئة هذه الفلول من نية التخطيط لعمليات ارهابية تروع البلاد فيما يجري تداول معلومات ومؤشرات كثيرة عن هذه النيات والمخططات، بل ان الفترة السابقة شهدت نشاطا ارهابيا مسجلا باسم جماعات مسلحة من بقايا اجهزة القمع لنظام الدكتاتورية السابق.
والزاوية الثانية، هي الخشية من عشوائية هذه الاعتقالات وعدم استنادها الى معطيات ومعلومات سليمة وموثقة عن المطلوب اعتقالهم بوصفهم خارجين على القانون ومتورطين في اعمال العنف والجريمة، والخوف من انها قد تمتد الى ساحة تصفيات الحساب السياسي، المنفلتة، واعتقال اشخاص معارضين، او منتقدين لسياسات الحكومة واحزابها، او نشطاء في كيانات سياسية محسوبة على العملية السياسية، ولديها مشاكل مع السلطة، او ان تتخذ هذه الحملة وجهة طائفية.
ويبدو انه في محافظتين، في الاقل (الناصرية والانبار) وعدد من البلدات والاحياء في العاصمة واجهت الحملة الامنية تحديات وتجاذبات ونزاعات ساخنة، فضلا عما جرى في اجتماع مجلس الوزراء من تراشق بالاتهامات، ما القى عليها ظلالا من الشك في تحقيق النجاح او الهدف المثبت لها، هذا فضلا عن ردود الفعل، المتوقعة ايضا، من قبل مجموعات القائمة العراقية المشاركة بالحكومة التي رأت بالحملة تعديا مقصودا على نفوذها، أخذا بالاعتبار (إذا ما شئنا الصراحة) بان هذا النفوذ، او جزء كبيرا منه، مستمد من انصار حزب البعث ومن ساحة الموالين للنظام السابق.
وغير هذا وذاك فان مشكلة الحملة على تنظيمات حزب صدام تجري في ظروف تشهد اضطرابا شديدا في داخل العملية السياسية وحكومتها، فثمة خلافات حيال التعامل مع آثار انسحاب القوات الامريكية، بل وحيال العلاقة مع الولايات المتحدة ودورها الامني للمرحلة اللاحقة، وهناك ازمة في العلاقة بين الحكومة الاتحادية وقواها واطرافها وبين حكومة اقليم كردستان، وهناك ملفات خطيرة ومشاريع قوانين وقرارات مؤجلة بانتظار الحد الادنى من التوافق بين اطراف المشهد السياسي، وهناك تحديات الجوار الاقليمي التي تفاقمت الى مستوى التهديد الفعلي عشية خلو العراق من الوجود العسكري الامريكي.
كل ذلك يطرح السؤال الجدي عما اذا كانت الحملة على تنظيمات حزب البعث جاءت في وقتها المناسب لكف خطر النشاط الارهابي المسلح الذي تقوم به فلول حزب البعث، ام انها اجراءات تدخل في رغبة كابينة الحكومة لتحجيم منافسيها، ومنعهم من استثمار الفراغ الامني الذي تقبل البلاد عليه، ام ان الامرين متلازمان في الواقع، ومستقران في منظور اصحاب الحملة.
لكن، قبل ان تتولى الايام المقبلة الكشف عن خلفيات الحملة على البعثيين ستكون القوات الامريكية قد غادرت الاراضي العراقية وتركت سؤالها البليغ عما اعده العراقيون وحكومتهم من تصور لعبور اخطار التفتت.
*
“اذا كانت المطرقة هي الاداة الوحيدة التي بين يديك، فلا عجب إنْ ظننت ان جميع المشاكل مسامير”.
   حكيم ياباني       
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

102  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / تهميش السنة.. حصلَ، لكن من المسؤول في: 16:22 24/10/2011
تهميش السنة..
 حصلَ، لكن من المسؤول

عبدالمنعم الاعسم

 نفي وجود تهميش لشريحة من الشرائح العراقية لايلغي حقائق هذا التهميش الواضحة لكل متأمل وباحث و”صاحب وجدان” وثمة في دائرة الموضوع خمس حقائق:
الحقيقة الاولى ان نزعة (منهج. اهواء) تهميش هذه الشريحة او تلك عريقة في السياسات العراقية منذ تأسيس العراق المعاصر بعد الحرب العالمية الاولى، ويمكن للقارئ البسيط ان يجد “عيـّنات” من صور وتجليات هذا التهميش في ثنايا سطور مؤلفات عالم الاجتماع الدكتور علي الوردي، وفي الكثير من كتب الجغرافيا الاجتماعية والمذكرات الشخصية والمراسلات الدبلوماسية والوثائق السرية وفي كتب الفقه والمساجلات المذهبية والقومية، وكذلك من خلال تهجّي سلوك الاشخاص الذين لعبوا دورا في اقدار العراق على مر التاريخ وتحزبهم الى منابتهم وترقية تلك المنابت على حساب منابت اخرى (اقرأوا حنا بطاطو).
الحقيقة الثانية، ان هذا التهميش، له ظلال وبصمات في العراق الجديد، ما بعد العام 2003 وسيستمر في ثنايا السياسات والنزعات التي تمسك بمقاليد الامور، وباشكال مختلفة، ومخاتلة،  حتى تقام دولة المواطنة الحقيقية التي تكرس، وتترجم الى الواقع والممارسة، توصيف العراقي كمواطن متساو في الحقوق والواجبات، وقبل هذا تحمي عقيدته وانتماءه في اطار من التعددية والشراكة في الوطن.
الحقيقة الثالثة، ان التهميش في تعريفه المبسط هو تمييز وعزل فئة من السكان والحط من مكانتها والارتياب حيالها، ويظهر في لا حصر له من الاشكال، يبدأ من ثقافة (وهوى) الاستعلاء على الآخر، حتى تخوينه وتجريف حقوقه المدنية، لكن ابشع مظاهر التهميش تبرز في الميدان السياسي وهياكل ادارة الدولة إذ تنغلق امام الفئة المهمشة، افرادا وجماعات،  فرص المشاركة والوصول الى مواقع الدولة المهمة والحساسة، ويدخل موصوف الهوية الدينية او الطائفية او القومية او الاجتماعية في عداد شروط الاهلية لتلك المواقع.
الحقيقة الرابعة، ان الحاضر العراقي يعاني من الاثار المدمرة لمنهج التهميش الذي سلكه نظام الدكتاتورية، وراح ضحيته الغالبية الساحقة من سكان العراق (كرد. شيعة. مسيحيين. صابئة) إذ جرى تطبيقه باكثر الاساليب شناعة ومخاتلة واحتيالا وربما دهاء او نعومة زائفة وعانت الملايين العراقية من منهج الردع الاعمى والعقاب الجماعي “على الهوية” ومن معاملة عراقيين كمواطنين من الدرجة الثانية، تحت الارتياب، وشبهة عدم الولاء الى الوطن، في حين اعفيت شرائح ومناطق منتخبة ومدن معروفة من هذه السياسة الانتقائية.
الحقيقة الخامسة، ان الدساتير العراقية لم تكن لتشرّع التهميش، او تسمح به، بل انها توالت في التمسك بقيم المواطنة، والمساواة بين السكان، والتعامل معهم على اساس معايير الكفاءة، والقانون، والوطنية، وتحريم التمييز بينهم، الامر الذي يؤكد بان النص الدستوري بقي خارج الترجمة الى الواقع، الى الممارسة، فيما الشيء الغائب في منع التهميش والحيلولة دون تسلقه سلالم السلطة والسياسة هو  ممارسة المساواة واشاعة ثقافتها، والغائب الاكبر، هنا، هو الزعامة السياسية عابرة “اغواء التهميش” . عابرة الحساسية ضد الآخر.. عابرة المستنقعات.
نعم، هناك تهميش، وشعور بالتهميش لدى طائفة من الطوائف، بل ولأكثر من طائفة وعقيدة وشريحة.. لكن النخب الحاكمة التي تتصدر المشهد السياسي ليست وحدها مسؤولة عن ذلك؟.
فليس صحيحا، ولا دقيقا، القول الشائع بان الحكم في عراق صدام حسين كان سنيا، لكن الصحيح هو ان طائفة الشيعة ومراجعها ومدنها كانت (بعد صعوده بخاصة) موضع ارتياب، وقد تعرضت، مع الكرد، الى حملات عقاب جماعي دورية خلال التحضير للحرب مع ايران (التهجير القسري) ثم اتسعت في العمق بعد انتفاضة آذار العام 1991 التي اندلعت، بالاضافة الى مناطق كردستان، في مدن الفرات الاوسط والجنوب، ذي الاغلبية الشيعية، واستمرت هذه السياسية طوال اكثر من عشرين عاما، تكامل خلالها منهج التهميش في سلسلة من التدابير وعمليات “الغربلة” والاقصاء والعقاب الجماعي.
ولم يكن وجود افراد من الشيعة  في مراكز سياسية وادارية عليا يغيّر من طبيعة تلك التدابير، كما لم يغيّر من طبيعتها بعض التنكيلات التي طالت قيادات عسكرية سنية وبعض الحملات التي شملت عشائر ومدنا ذات اغلبية سنية، فلم يكن صدام حسين ليتورع عن ضم اية شريحة او فئة او قومية عراقية الى قائمة المطلوبين للعقاب اذا ما قدر انها غير موالية له كفاية.
وشاءت تداعيات الصراع بين العراق وايران ان تلقي بوزرها الثقيل واستحقاقاتها المريرة على الشيعة العراقيين، وعلى نقطة التماس الحساسة بين الطائفتين المسلمتين، فيما زاول كل من الطرفين الحاكمين، في بغداد وطهران، لعبة الطائفية في تلك المساحة الحساسة لدحر الطرف الآخر، ولا حاجة هنا للاستطراد في عرض التجليات الطائفية في مجريات تلك الحرب التي باتت معروفة، لكن الامانة التاريخية توجب ملاحظة انتشار اعتقاد عن سنية نظام صدام حسين بين اوساط شيعية واسعة وفي شعاب البيئة المشحونة بالتأليب والتجييش، وهو اعتقاد غذته واطلقته اجندات سياسية “تعبوية” خارجية، سرعان ما تحول، فيما بعد، الى برنامج حربي للتحالف الامريكي بهدف كسر شوكة النظام واسقاطه.
ومع الشهور الاولى من عمر التغيير(السقوط. الاحتلال) برز “انكماش” الوسط السني حيال الوضع الجديد، فاقمته اجراءات الردع والبطش والعقاب الجماعي العشوائية لقوات الاحتلال ضد مناطق الاغلبية السنية في غرب العراق وبغداد، وقد لجأت فلول الحزب الحاكم وعصابات المقاتلين من الخارج التي تسللت عبر الحدود الى هذه المناطق، مدنا وعشائر واحياء، مدعومة، اولا، بصمت وتواطؤ الفعاليات والمراجع والاحزاب المحلية التي حسبت نفسها على العهد الجديد، وثانيا، بمباركة دول عربية مجاورة، مالا وإعلاما وتسهيلات، فيما تكلل المشهد بقرار سني انكفائي ذي اثر كبير لاحق بمقاطعة الاستفتاء على الدستور وانتخابات العام 2005 في خطوة ، باهضة التكاليف، إذ وضعت الطائفة السنية نفسها خارج ترتيبات الهيكلية الجديدة للدولة وفي موقع يسهل تهميشها، اوفي الاقل، يشجع تيارا انانيا في الحكم ومتطرفا في صفوف الطائفة الشيعية الى ترويج العقيدة الانتقامية من السنة بزعم انهم مصدر تمويل الارهاب ومسؤولون عن جرائم النظام السابق.
كانت الصورة، كما لو ان الوسط السني سعى الى التهميش وقبـِل به كاسلوب في المعارضة (الجهاد. المقاومة. الارهاب) على امل قلب الوضع الجديد، من جهة، وكما لو ان التيار الشيعي المتطرف التقط ذلك الموقف لفرض هيمنته على مقاليد الدولة، لكن الحقيقة لا تضم تلك المعادلة الافتراضية وحدها، بل هبّت عليها العواصف من كل مكان. وللعواصف معادلتها، كما اثبتت الاحداث.
*
نعم، ساهمت ظروف ومواقف وجهات عديدة في تكوين "جفوة" لدى سكان مناطق الاغلبية السنية حيال الحكم الجديد في العراق، عمّقتها، عن عمد، شعارات (وأعمال)الانتقام في بعض التجمعات السياسية الشيعية، وتمكن الاشارة، من دون ان يعدّ ذلك تجنيا، الى ان الاحزاب والجماعات القومية "العربية" القريبة من هذه المناطق استطردت، قدما  في تسييس مشاكلها واضفاء الطابع السياسي على العلاقة بين الطائفتين، ولعبت هذه الجهات دورا كبيرا في تأجيج الخصومة والحساسية المحلية الطائفية، بل ان بعض هذه الفئات صارت تتبارى فيما بينها في توليف اسباب الاستقطاب الطائفي.
 وإذ برزت الفرصة التاريخية لتصحيح ومعافاة تلك العلاقة المتوترة بين الطائفتين المسلمتين بظهور حركة الصحوات في غرب العراق وتطهير المنطقة من معسكرات وخلايا الارهاب الاجرامية، بموازاة الخطوة التي اتخذها رئيس الوزراء نوري المالكي بقصم ظهر المليشيات والجماعات الشيعية المتطرفة والمسلحة، غير ان التجربة لم تستكمل شوطها وبنيانها بسبب السياسة، قصيرة النظر، لاحزاب الطائفتين التي استشعرت "خطر" انقلاب معادلة المحاصصة الطائفية والمزاحمة على امتيازاتها، فضلا عن دور التكيات الدينية في تغذية الحساسية الشيعية- السنية، من جهة، وهيمنة بعض المرتزقة وعملاء تنظيم القاعدة ومسلحي فلول النظام السابق في مفاصل مجاميع الصحوات لتخريبها، من جهة اخرى.
 على ان انتخابات العام 2010 افرزت وظيفة جديدة للصراع الطائفي، في بعده السياسي، وذلك حين كسبت القائمة العراقية التي ضمت جماعات مختلفة وحظيت بدعم الوسط السني حيث استبعدت من فرصة رئاسة الحكومة (لاسباب معروفة) وبقيت تروّج لفكرة ان هذا الاستبعاد يشكل معاقبة لمناطق الغالبية السنية، كما ان القائمة قدمت موقفها من المشروع الطائفي بالكثير من التناقض والتلاعب بالالفاظ، فهي تصر، من جهة، على انها عابرة للطوائف، لكنها، من جهة ثانية، تتخندق في الطائفية حين تبدأ عملية توزيع المناصب على طاولة المحاصصة، واحتساب كل تضييق على القائمة بمثابة سياسة موجهة ضد السنة.
الى ذلك لعب الاعلام الممول من الحكومة درورا كبيرا في تعميق شعور السكان السنة بانهم يدفعون ثمن الهزيمة في معركة رئاسة الوزارة، بدلا من ان يجري تغييرا جديا في منظومة الخدمة الاعلامية بحيث تقدم نفسها كخدمة متوازنة وغير ذي صبغة طائفية احدادية.
 يبقى القول بان التحليل المنطقي للحالة الطائفية في العراق، ينبغي ان ينطلق من حقيقة ان ما يوحد الطائفتين، من تداخل في الجغرافيا والمصاهرات العائلية والعشائرية، واتساع احتقار النعرة الطائفية بين الملايين الغفيرة من العراقيين، وقبل كل شئ، نمو الشعور الواقعي بان احد طرفي المعادلة لن يكسب من الاحتراب الطائفي، وان اقصاء احدهما، امر يدخل في باب المستحيلات.. او في عداد احلام العصافير.
 على هذه الخلفية فانه يلزم فتح ملف التهميش بحذر وفي بعده السكاني والجغرافي والاجتماعي، اولا، من غير سياسة، وثانيا، من غير سياسيين.
 
103  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / بموازاة دعوة حسن العلوي لاستقلال اقليم كردستان في: 17:17 20/10/2011

بموازاة دعوة حسن العلوي لاستقلال اقليم كردستان

عبدالمنعم الاعسم

 اعدّ دعوة الاستاذ حسن العلوي الى استقلال الكيان الكردي عن الدولة العراقية تستحق المناقشة، بهدوء، وموضوعية، ومن خلال ادوات نظر جديدة الى ما جرى ويجري في عراق ما بعد سقوط النظام الدكتاتوري، وبعيدا عن الجمل الانشائية والمقولات واثارة الريب والتخوين التي كفّت ان تنفع او تغيّر من مجرى الاحداث، ومن جانبي قد لا انطلق من الزاوية نفسها التي انطلق منها الاستاذ العلوي، لكني امشي بموازاتها، واحسب انهما لا تتقاطعان في نهاية المطاف.. وهذا رأيي:
*
بصرف النظر عن سياق (ومبرر) التصريحات والتصريحات المقابلة، ومفردات التجاذب بين القيادات والفعاليات السياسية الكردية وشريكتها على مستوى العراق، وعن الافعال وردود الافعال، وعن الايضاحات والتصويبات والتحديات وتداخلات سوء الظن وتداعي انعدام الثقة وظهور المخاشنة في الكلام وظهورها على الارض، فان المراقب الموضوعي لابد ان يستعجل القول، على ضوء احداث ثماني سنوات، ان تجربة بناء الدولة الفيدرالية في العراق تدخل الآن في استعصاء واضح، وتواجه (من زاوية معينة) مآل الانكفاء.
 كما ويستعجل المراقب الاستخلاص بان البديل عن هذه التجربة، إذا لم يجر انقاذها بخطوات استباقية نوعية قبل الانهيار، يتمثل في خيارين، الاول، هو العودة الى النظام المركزي الذي يُخضع بالقوة والحرب منطقة كردستان العراق ويُبطل التشريعات وكل الخصوصيات والهياكل الادارية للمنطقة، والثاني، المضي في خطوات استقلال المنطقة التي تتمتع موضوعيا بشروط دولة ناجزة.
 والحق، ان انزلاق التجربة الاتحادية الوليدة في العراق الى الخيار الاول سيفتح الباب واسعا، الى الخيار الثاني، استقلال كردستان العراق، الشرعي من وجهة نظر مبدأ تقرير المصير.
 ولا يكفي تهوين الامر بالقول ان الازمة بين اقليم كردستان وحكومة المركز تتفرع عن الازمة السياسية العراقية المتفاقمة، لكي يجري التعامل معها من خلال العملية السياسية التي لا تزال حتى الآن اطارا لتسوية الخلافات بين الفرقاء و"المكونات"، فان الخلافات مع الاقليم من جنس خاص وبنيوي وتاريخي يمت بصلة الى طبيعة "المشكلة القومية" في العراق التي تختلف جوهريا عن المشكلات التي تضرب المشهد السياسي العراقي والعملية السياسية مثل مشكلة ادارة حكومة الشراكة والحقائب الوزارية الشاغرة ومجلس السياسات والملف الامني ومشكلة المحاصصة والميزانية وتطبيقات الدستور وحتى قضية التناسب الطائفي السياسي في هياكل الدولة الجديدة.
 ينبغي لفت النظر الى ان هذه الخصوصة القومية، الكردستانية، لا تقلل من طبيعة علاقتها بالعملية السياسية بل انها جزء عضوي من هذه العملية بل والجزء المحوري فيها، والضامن لاستمرارها، وقد لعب العامل الكردي (والرئيس طالباني بخاصة) دور المرجعية للمتصارعين على السلطة والحَكـَم في ضبط الالتزامات وتطبيق الاتفاقات والعهود، والمصدر الديناميكي للافكار والمشاريع التوافقية.
 فماذا حدث على صعيد الملف الكردي الحساس؟.
 بكلمات وجيزة، كانت النخب السياسية الصاعدة التي كانت قد تعهدت (قبل سقوط نظام الدكتاتورية) بالتزام بناء الدولة الفيدرالية في العراق قد اظهرت عدم استيعابها (في ارق توصيف للموقف) لفروض اقامة دولة اتحادية(فيدرالية). وكلما تمكنت من بسط سلطتها وسيطرتها على سلطة القرار صارت تعبر عن ضيقها حيال عملية بناء الهيكلية الفيدرالية الكردستانية، وزاد الامر تعقيدا دخول تيار سياسي محلي (قومي. طائفي. عشائري) مناهض لخيار الفيدرالية والحقوق القومية للكرد على خط التجاذبات الجارية بين حلفاء الامس وسيطرته على بعض المراكز ذات الصلة (البرلمان. مجالس محافظات) الامر الذي فاقم الخلافات ووسع من الهوة، بل وخلق ما يبدو انه تحالف قوي يستهدف الحيلولة دون المضي في بناء الفيدرالية الكردستانية، وتبشيع الاجراءات والمواقف التي تتخذها حكومة الاقليم.
في غضون ذلك امتلأت المحافل السياسية المغلقة لجماعات العملية السياسية النافذة بالتبرم مما يتيحه الدستور والبرلمان للكرد، واستكثار الميزانية (17 مليار دولار) للاقليم، ووجود قوات خاصة به، وعلم له، ومطارات واجراءات وإدارات ذاتية، وعلاقات دولية واقليمية، وانفلتت تصريحات وتلميحات تذهب الى اعتبار اقليم كردستان دولة اجنبية، بل وجرى الصمت المقصود حيال الاعتداءات العسكرية التركية على اراضي عراقية بمجرد انها تدخل في حدود الاقليم.
 ولعل المتابع المحايد يمكنه ان يتملّى خطر انفعالات وردود افعال غير منضبطة وقصيرة النظر في المعسكر الكردي، غير ان الاخطر في هذا المسار يمكن قراءته في عودة الشوفينية الاقصائية المدرسية الى الواجهة في ممارسات وتصريحات ساسة ومثقفين وكتاب من دائرة الحكومة المركزية واطرافها، واوضحها في صفوف المنافسين للحكومة، وابشعها لدى وكلاء الجوار القامع للقوميات والحريات، وتتمحور هذه النزعة في اغاليط قديمة- جديدة عن عدم سلامة نيات الكرد حيال الدولة العراقية، على الرغم من السجل الطويل من المواقف والتضحيات الكردية الوطنية لتعزيز مكانة وسمعة هذا الوطن، وليس اقلها تلك الكوكبة من ابناء الشعب الكردي الذين يعدّون من ابرز بناة العراق، على مختلف المستويات، السياسية والعسكرية والثقافية والادارية، عبر التاريخ.
الى ذلك احسب، اولا، ان الدعوة الى استقلال كردستان ترتبط، تماما، بانكفاء خيار الفيدرالية، وعدم استيعاب وجاهته من قبل الفئات والزعامات النافذة، وشعور الخيبة في الاوساط الكردية، وبخاصة السكان الكرد في المناطق "المتنازع عليها" وانغلاق آفاق تطبيق المادة 140 ذات الصلة، وثانيا، ان الكثير من الساسة وأصحاب الرأي والباحثين الكرد تمسكوا، وما زالوا يتمسكون، بخيار الشراكة في الوطن العراقي، وعندهم ان لهذا الخيار افضليات للشعب الكردي قد لا يتيحها الاستقلال.     
 اما الحديث عن استحالة تحقيق هذا الاستقلال لاصطدامه بالمعوقات الاقليمية، التركية الايرانية، وربما الامريكية ايضا، فانه بطل مع بطلان الكثير من المعادلات التي تتصل بمرحلة الحرب الباردة، والى ما قبل العاصفة التي هبّت وتهبّ على المنطقة.

104  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الامن.. وكأن شيئا لم يحدث ! في: 00:32 16/10/2011

الامن..
وكأن شيئا لم يحدث !

عبدالمنعم الاعسم 

 بعد كل مذبحة امنية يتكرر ما كان يحدث قبلها، حتى ان المتابع لم يعد بحاجة الى معرفة ردود الافعال والمواقف والمعلومات او الاجراءات التي تترتب عليها سوى ما تتركه الجريمة الشنيعة من استنكار واسى ودموع وطوابير من الجنائز، إذ تُسجل، في كل مرة، ضد مجهول.. او هكذا هي الحصيلة في نهاية الامر.
فما قيل في تفجير سابق اسفر عن سقوط مدنيين ابرياء وبعض افراد الشرطة او بناية حكومية يقال في تفجير لاحق في سوق او مزدحم من الناس:
المستشفيات تعلن اعداداً باردة عن القتلى والمصابين وجثث الضحايا، والبيانات الامنية الرسمية تسرع بالاعلان عن ان القاعدة وفلول النظام السابق وراء هذا العمل الاجرامي، ويتناوب مسؤولون ونواب ومقربون من كابينة الحكومة على توزيع الاتهامات المبطنة، الملغّزة، على كيانات وجماعات سياسية تشارك في العملية السياسية (من دون ان تسميها بالاسم) وتردّ الاخيرة باتهام الحكومة(وكانهم ليسوا منها) بالعجز عن حماية ارواح المواطنين، وان المنظومة الامنية مخترقة وفاسدة، وغير موالية للوطن كفاية، وهي بحاجة الى اعادة بناء. 
ويأتي دور جماعة سياسية متنفذة لتعلن بان المسؤول الاول عن هذه الجرائم هم الامريكان وانهم يقومون بهز الامن لكي يوحوا بان امن البلاد مهدد وان الحاجة لهم لا تزال قائمة، ولا موجب للانسحاب، وعلى هذه الاوتار، وليس بعيدا عنها نستمع الى ردود افعال اسيفة، وتأسيات حزينة على الضحايا باسم جهات وزعامات وخطباء تقول كل شئ، ولا تقول شيئا في واقع الحال.
اما الشارع فانه سيغلي مرة اخرى، على ايقاع الانفجارات المتوحشة والانباء المروعة، مكررا القول وبفصيح الكلام: السياسيون يتصارعون على السلطة والثروة والامتيازات ونحن ندفع الثمن.. انها من صنعهم.
ثم، يأتي دور الفضائيات وفوضى التحليلات وفانتازيات “مصادر لم تعلن عن هويتها” لتضيف الى اللوحة المضطربة عناصر اضطراب اخرى. مدافعون ومهاجمون ونائحون ومتشفـّون، وقائع وشائعات وانصاف حقائق واكاذيب وبطولات فارغة وكم هائل من دموع التماسيح، فلكل شاشة عزف محسوب، ولكل ممول موّال، ولكل معلومة خيط يتصل بلاعب في الكواليس، او وراء الحدود، وهو امر متوقع ومكرر في جميع التفجيرات والمذابح، لسبب بسيط، هو ان الخطاب الامني الحكومي ضعيف وهزيل وغير محمول على الاقناع او المعلومة الموثقة في العيان والعقل.
ثم، يُختتم المشهد، كما في كل مرة،  باجتماع “عالي المستوى” يناقش “الوضع الامني” ويتمخض عن تشكيل لجنة تحقق في “ملابسات الحادث” او عن احالة بعض المسؤولين الامنيين الى المساءلة او الى المعاش، ثم، بعد يومين او ثلاثة ايام نسمع، ما كنا نتوقعه، وفي كل مرة ايضا، بان السلطات الامنية قبضت على المخططين او المشاركين، وربما نشاهد اشخاصا بدشاديش وعيون معصوبة، وكومة من الراجمات والبنادق والعبوات،على انهم المشتبه بارتكابهم الجريمة.
وكأننا امام مسرحية مملة..
*
“ان الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم، وهما مهلكاكم”.
حديث نبوي.

105  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الفيلية.. خصوصية لا مكوّن في: 12:13 06/10/2011

الفيلية..
خصوصية لا مكوّن

عبدالمنعم الاعسم

 في الوقت الخطأ أرتـُكب الخطأ. هكذا جرى. ففي ظروف تتسم بالتعقيد والتخندق والانانية الفئوية وانعدام الثقة والتوازن الاجتماعي والحد الادنى من حسن الظن في الكتلة السياسية التي تتصدر مسرح الاحداث دعا رئيس الوزراء نوري المالكي الى اعتبار الكرد الفيلية مكوّنا مستقلا، بما يعني تعويم انتمائهم للقومية الام الكردية، وما يمكن ان يدخل في عمليات الاستقطاب المنفلتة على مسارات الصراع ومناطق النفوذ.
 اولا، ليست مسؤولية رئيس حكومة ان يقسم الاطياف السكانية الى عناوين، الامر الذي يلزم دراسات ومخاضات ومعاينة تاريخية وسوسيولوجية في عمق عملية الانتماء "الفرعي" وذلك قبل ان يجري ترسيم الطابع السكاني لأي طيف من الاطياف، كما ان الاطياف والخصوصيات والمكونات لا تتشكل بقرارات حكومية، ولا من خلال تصريحات إعلامية، واحسب ان السيد رئيس الوزراء يعرف افضل من اي سياسي او مسؤول آخر بان ملف الكرد الفيلية المطروح على طاولة البحث يتصل جوهريا بانتماء الكرد الفيلية للدولة الوطنية العراقية وحقوق المواطنة التي هضمت ونالت العسف من قبل نظام الدكتاتورية وينبغي ان تتوفر لهم اسوة بالمواطنين الاخرين، واعادة حقوقهم المدونة في الدستور .
 كما انه، ثانيا، يطرح الى المعاينة واللوم مسؤولية الاحزاب الكردية النافذة وحكومات الاقليم والنخب الثقافية والسياسية الكردستانية التي تركت منطقة فراغ بين الكرد الفيلية والاطار القومي الكردي، وتعاملت بلامبالاة، او باكتراث اقل، او بفئوية ضيقة، واحيانا بشكوك، مع جمهور الكرد الفيلية الذي كانت تتقاذفه الوعود والعروض والمسكنات وسياسات الزجر والتشكيك بانتمائه الوطني طوال ثماني سنوات، وكان ينبغي وضع اعادة الحقوق المدنية الدستورية للكرد الفيلية بالنسبة للجميع موضع الاهتمام والمثابرة والحماية والتطمين.
 وعلى هذا الصعيد، ثالثا، لابد من الاخذ بالاعتبار، من قبل الجميع، حقيقة تاريخية واجتماعية، ان للكرد الفيلية في العراق مكانة قومية ومذهبية وتاريخية وثقافية وسكانية، ابرزت لهم مصالح وشبكة انتماءات وحقوق وطنية، لا تتعارض مع انتمائهم القومي، ولا يمكن اختزالها، او تغييبها، بهذا الانتماء وحده، وبمعنى آخر، فان للكرد الفيلية خصوصية في نسيج انتمائهم القومي، لا يصح تحريك عناصرها او الاجتهاد في تأطيرها تبعا للاعتبارات السياسية.
 وثمة، رابعا، اللوم على عمليات انتاج التشرذم في داخل الوسط الفيلي الكردي.. وهنا، كما يقال، تسكن العبرات.
*
" لا يمكننا حل مشكلةٍ باستخدام العقلية نفسها التي أنشأتها".
اينشتاين

     
106  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / في مفترق طرق.. قبل الكارثة في: 19:19 04/10/2011


في مفترق طرق.. قبل الكارثة

عبد المنعم الاعسم
   
ليس هناك من يشكّ في ان العراق يمرّ في مفترق طرق. من الذي اوصله الى ذلك؟ السؤال مهم وإشكالي، لكن، لايستهدف محاسبة احد الآن قدر ما يذكـّره بالنتائج، وبضرورة  تدارك الموقف، وقبل ذلك، الاعتراف بالخطايا والاخطاء الكثيرة التي ارتكبت ودفعت الملايين العراقية ثمنها الباهض من مواكب القتلى والنزوح والاحتراب والمجاعة والخوف. عندما وقف موسوليني في شرفته ورأى روما في مفترق طرق، وعلى شفير الهزيمة التفت الى الكاردينال شوستر يسترشد فيه الى الخطوة القادمة، قال له الرجل الحكيم: “حان الوقت للاعتراف بخطاياك” ومما له مغزى ان طلب الاعتراف هذا جاء متأخرا، فقد كانت روما تعبر مفترق الطرق الى الهزيمة فالخراب.
ومن غير مبالغة فقد ادخل المتصارعون على السلطة العراق في ما يشبه سلسلة من افلام الرعب، الفساد مرعب. التفجيرات مرعبة. الاغتيالات بكواتم الصوت مرعبة. الاحتقان الطائفي مرعب. الشخصانية السياسية مرعبة. اعتداءات الجيران مرعبة. مظاهر التجييش المليشوي مرعبة. تدني الخدمات مرعب. البطالة مرعبة. اسعار المواد المعيشية مرعبة. الثراء الفاحش مرعب. الفقر الجماعي مرعب. حتى بدا للمراقب بان هناك صناعة رائجة للرعب يجري استعارة فنونها من هيتشكوك باكثر قدر من الاناقة الفنية والتشويق والدم البارد، وباكثر قدر من الانانية والوحشية وعدم المبالاة.
عندما نضع الملفات، المخاصم فيها، على الطاولة نستطيع ان نتعرف بسهولة، ومن الناحية النظرية، الى الحلول المطلوبة لتجنيب البلد المزيد من الانشقاق، لكن المشكلة ليست في تلك الملفات بل انها في النيات المبيتة، وقل في اجواء الثقة الملبدة بالغيوم والريب، وفي التخندق البغيض للاعبين الذين يديرون هذه الملفات، إذ تأخذ الاهواء والامتيازات الفئوية شكل مصالح الشعب، والمساومة فيها مساومة على سيادة الوطن، فيما هم، في الواقع، يغامرون بمصلحة وسيادة الشعب والوطن ويضعونهما على كف عفريت، لا احد يعرف الى اين ستؤول.
مفترق الطرق، منطقة توازن حساسة وخطيرة لا تتحمل الخطا أو العناد او المراهنة على الحظ. كل الاحتمالات واردة. في الاحوال العسكرية يناقش المخططون الاستراتيجيون خيار لا غالب ولا مغلوب، جنبا الى جنب مع اليات استيعاب النصر والهزيمة، وفي الصراع السياسي هوامش اكثر للتسويات، والحلول الوسط وحتى التراجع من طرف واحد إذا كان ذلك ينزع فتيل الانفجار.
العراق في مفترق طرق بين استئناف عملية التغيير وبناء دولة المواطنة والرخاء والامن وبين الارتداد الى غابة يتقدم فيها الطبل طوابير ابدية من النعوش.
*
 “ولو سترت عني ما سترت عنهم لما ابتليت”.
 الحلاج




 
107  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / نـُصـْح السلطان.. في قديم الزمان في: 14:20 28/09/2011

نـُصـْح السلطان..
في قديم الزمان

عبدالمنعم الاعسم


 * في كتاب اخبار الحكماء للقفطي نقرأ طائفة من وقائع انتصاح السلاطين من قبل اصحاب الراي والتحذير من هوس الامتداح والموالاة العمياء، ونجد ان للنصيحة اهميتها حين تكون شجاعة وبليغة ولا تخاف او تنخذل.
 الحكيم هرمس توجه نصيحة مكتوبة لاحد حكام زمانه، يقول فيها:
 "اول ما اوصيك به تقوى الله وايثار طاعته. ومَن توليه (تختاره للمناصب) في امور الناسفيجب عليه ان يكون ذاكرا ثلاثة أشياء: اولها ان يده (رحمته وعدله) تكون على قوم كثير، والثاني، ان الذين يده عليهم احرار لا عبيد، والثالث، ان سلطانه لا  يلبث(غير ابدي). واعلم ان الرعية تسكن(تؤيد) من احسن اليها، وتنفر ممن اساء، والسلطان برعيته (لاقيمة له من غيرها) فاذا نفروا منه كان سلطان نفسه (فقط). ويضيف:
 "أصلح آخرتك، تصلح لك دنياك، اكتم السر (لا تشهّر باحد) واستيقظ (تابع) في الامور، وجدّ في الطلب. وإذا هممت فافعلْ. وعليك بحفظ اهل الكيمياء العظمى وهم الفلاحون (الكادحون) فان الجند بهم يكثرون، وبيت الاموال تعمّر، واكرم اهل العلم وقدّمهم لئلا تجهل الرعية حقهم. ومن طلب العلم اكرمه ليصفو ذهنه" ويواصل الانتصاح بالقول:
 "من وجدته مظلوما فخذ بيده. تعهّد امر المحبوسين، في كل شهر تأمن سجن المظلوم. لا تعاجل صغار الذنوب بالعقوبة واجعل بينهم للاعتذار طريقا" ويقول في الختام:
 "شاور من علـِمته عاقلا تأمن خلل الانفراد.
 * وفي كتاب مقاتل الطالبيين خاطب الحكيم بشير الرحال المنصور العباسي بالقول:
 "ايها القائل بالامس إنْ ولـّينا (صرنا في الحكم) عدلنا وفعلنا وصنعنا، فقد وُليتَ، فاي عدل أظهرتْ؟ وأي جور أزلتْ؟ وأي مظلوم انصفتْ؟ آه ما اشبه الليلة بالبارحة. إن في صدري حرارة لا يطفيها برد برد عدل او حر سنان(سيوف)؟.     
 * وخطب المنصور نفسه في مناسبة من المناسبات، فقال:
 "منذ ان وليّيت عليكم رفع الله عنكم الطاعون.
فقام رجل حكيم في المجلي، وقال:
 لأن الله اكرم من ان يجمع علينا المنصور والطاعون.
*في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي جاء ان احد الخلفاء العادلين سأل رجلا عن شئ، فقال الاخير:
 "انت يا أمير المؤمنين خير مني وأعلم.
فغضب الخليفة، قائلا:
أني لم آمرك بان تزكيني".
*
"انا مناضل وطني، لا أحب السياسة لأنها نفاق"
وديع الصافي



108  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / السياسة والاخلاق في: 22:03 19/09/2011
 

السياسة والاخلاق

عبدالمنعم الاعسم

يعتبر الكثيرون إنَّ كتابَ المفكر الفرنسي ريمون بولان، رئيس جامعة السوربون السابق، مرجع مهم، وربما أساسي، لموضوع العلاقة بين السياسة والاخلاق، واسماه “الاخلاق والسياسة” وقد قلبناه بتقديم السياسة على الاخلاق ليس بدواعي شكلية بل ارتباطا بالحال العراقي إذ جررت السياسة الاخلاق الى التباسات وسلسلة من العثرات والطعون بحيث لم يعد ذكر الاخلاق والاخلاقية في محفل من المحافل العراقية يمر من غير مرارة وشفقة وأسفاً، والبعض يذهب الى نعي الاخلاق السياسية الى مثواها الاخير في ظل ما ينشر ويقال عن فساد الطبقة السياسية العراقية وغياب القواعد الاخلاقية للعبة الحكم، ويشار بذلك الى التعهدات والاتفاقات والوعود التي يجري الاعلان عنها وبعضها جرى التوقيع عليها.
وثمة البعض الآخر يعتقد وقد يعلن بأن الحاجة الى الاخلاق في ميدان السياسة أنتفت وبطلت، في الواقع، وأن السياسة علم مستقل بذاته أو منظومة من القواعد التي تنظم المصالح وتديرها، تلتقي أو تبتعد عن الاخلاق بحسب دائرة النشاط ولوازمه، وأن الاخلاق كقيم إنسانية مكانها جمهورية افلاطون، وللذين يتنصلون عن التعهدات وعناوين الاخلاق أسباب مبررة، ولهذا التنصل عمق في التأريخ وأصالة في النفس البشرية منذ أن تمرد أبليس على تعهد الركوع الى الانسان.
بولان يفتتح هذا الموضوع الشائك بسؤال تأسيسي يقول “هل الامر الجيد في مجال النظر، أمر جيد في مجال العمل؟” وهو سؤال يدخلنا فورا الى موضوعة النظرية والممارسة التي تدخل بدورها جوهر العلاقة بين الاخلاق كنظرية والسياسة كممارسة، لكن المفكر الفرنسي يحذرنا من البعض الذين يجعلون من أنفسهم خفراء للقيم الاخلاقية ووعاظ للقناعات النظرية أو مراجع لتقنيات التطبيق الاخلاقي في الميدان السياسي، كما يحذرنا من الاستطراد نحو ترويج فكرة حكومة التكنوقراط “اللاأخلاقية” وقال إنها تستند الى مغالطة برغم “أن التقنيين هم أفضل من يستطيع حل المشكلات المتصلة بتقنياتهم” إذ تحملنا على “نسيان أن السياسة، كالاخلاق، هي ممارسة وليست بتقنية”. 
وإذ تمتلئ خواطر السياسة بذم مفكر عصر النهضة الايطالي ميكافيلي الذي قلل من سطوة الاخلاق على السياسة بواسطة نظريته الشهيرة “الغاية تبرر الواسطة” فإن ريمون بولان قدم نظرة مخالفة الى دوره وفكره وتطبيقاته وأكد “أن أحدا لم يسعَ سعي ميكافيلي الى تحديد التقنيات السياسية بأكبر دقة ممكنة” والاخير كما هو معروف صاحب الرأي القائل بأن موضوع السياسة يتألف من الاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها واستعمالها، وطبقا لما يقوله بولان، فأن ميكافيلي صاغ قواعد السلوك السياسي في ظروف محددة تماما “بل إنه قدم الوصفات الضرورية لهذا السلوك” ويلفت النظر الى مقولات (احكام) مهمة كان ميكافيلي قد أطلقها ولم تكن لتثير إهتمام الباحثين “الاخلاقيين” مثل قوله: “ كيف نبقى في بلاد نحتلها؟” أو “كيف نقيم حكومة حرة في دولة فاسدة” أو “الانبياء المسلحون غالبون والانبياء العزل مغلوبون”.
وفيما دخل العالم عصر التحرر فقد أنصرف البحث في العلاقة بين السياسة والاخلاق الى موضوعة العدالة التي تعد من لوازم الاخلاق، وبعدها في التطبيق السياسي. اما بولان فانه يطرح القضية من زاوية اكثر رحابة وتماسا بالتحولات في ميدان الوعي الانساني، فانه، كما يقول: “لا عدالة إلا بالانسان للانسان، ذلك ان العدالة هي، أولا، إبداع إنساني شأنها شأن سائر القيم، وهي ثانيا، لا يمكن أن تنطبق إلا على كائنات قادرة على أن ترغب في الحفاظ على وجودها الخاص”.
*
“يستطيع أي مواطن في أي بلد من بلداننا أن يدخل على أي مسؤول ويقول مايشاء لكن متى يخرج فهذه مسألة أخرى”.
الماغوط


109  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / اسباب سقوط الدولة الاموية؟ في: 12:17 15/09/2011


اسباب سقوط الدولة الاموية؟

عبدالمنعم الاعسم

أسباب سقوط الدولة الاموية 
في مروج الذهب للمسعودي، سأل بعض شيوخ بني امية وكبارهم، عقيب زوال الملك عنهم الى بني العباس:
ــ ما كان سبب زوال ملككم ودولتكم؟
قال، كما اورد المسعودي في كتابه: “إنا شـُغلنا بملذاتنا عن تفقد ما كان يلزمنا”.. “فظلمنا رعيتنا، فيئسوا من إنصافنا وتمنّوا (الرعية) الراحة منا” ثم “ظلمنا اهل خراجنا (الدول والاقوام الخاضعة) فتخلّوا عنا، وخربت ضياعنا، وخلتْ بيوت اموالنا فسادا”.
 ثم “وثقنا بوزرائنا فآثروا مرافقهم (مصالحهم) على منافعنا، وامضوا امورا دوننا واخفوا عـِلمها عنا” ثم “تأخر عطاء (اجور) جندنا فزالت طاعتهم لنا، واستمالهم اعدادينا، فتظاهروا معهم على حربنا”ثم “كان استتار الاخبار عنا (جهلهم لما يجري بين الناس) من اوكد اسباب زوال ملكنا”.
ومن كتاب “بحار الانوار” لأمالي المفيد جاء ان الخليفة الاموي عبدالملك بن مروان خطب في مكة يوما وكانت المظالم قد عمت البلاد “فوعظ الناس وأمرهم بتقوى الله..” فقام اليه رجل من الحضور، وقال:
“مهلا، مهلا.. انكم تأمرون ولاتأتمرون، وتنهـَون ولاتنتهون، افنقتدي بسيرتكم في انفسكم أم نطيع أمركم في السنتكم؟” واضاف “فان قلتم اقتدوا بسيرتنا، فاين، وكيف، وما الحجة، وما النصير (يوم القيامة) من الله في الاقتداء بسيرة الظلمة الذين اكلوا اموال الله دولا، وجعلوا عبادالله خولا (معوزين). وإن قلتم اطيعوا امرنا واقبلوا نصيحتنا، فكيف ينصح غيره من يغشّ نفسه؟ أم كيف تجب الطاعة لمن لم تثبت عدالته؟” وان قلتم خذوا الحكمة من حيث وجدتموها واقبلوا العظة ممن سمعتموها فعلام قلدناكم (انتخبناكم) أزمّة (ممسكين) امورنا، وحكـّمناكم (جعلناكم حكاما) في دمائنا وأموالنا؟”.
ثم قال مذكّرا: “أما علمتم ان فينا من هو ابصر بفنون العظات، واعرَف بوجوه اللغات منكم؟”.
وختم الرجل كلامه، كما افاد المفيد، قائلا:
“فتحلحلوا عنها (عن الحكم) لهم (لمن هم افضل منكم) وإلا فاطلقوا عقالها (اهربوا) وخلوا سبيلها، يتدبر اليها الذين شرّدتموهم في البلاد، ونقلتموهم في كل واد”.
*
“دخل مالك بن دينار على حاكم البصرة للامويين، فقال له الحاكم: ادع الله لي، فقال ابن دينار: ما ينفعك دعائي لك وعلى بابك اكثر من مائتين يدعون عليك".
من مستطرف هادي العلوي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

       

110  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / على مشارف الانهيار في: 10:10 14/09/2011


على مشارف الانهيار

عبدالمنعم الاعسم

اذا اصبح اللقاء بين فرقاء الازمة السياسية، مجرد اللقاء حتى على استكان شاي، متعذرا ويحتاج الى جهود لوجستية مضنية، والى جولة طويلة ومعقدة من تطييب الخواطر ونزع فتيل الشكاوى والعتاب وتقبيل اللحى فان السؤال هنا وارد، وله ما يبرره، عن مصير شعار الاصلاح بديلا عن قلب الطاولة، وعما تبقى من الكلام عن تصويب مسارات العملية السياسية، في وقت بدأت لغة التهديد هي اللغة المتداولة في الساحة وفي الكواليس، وعبر منافذ الاعلام.
ولو ان الامر بقي في اطار الجدل والتجاذب وجس النبض واختلاف وجهات النظر، وخذ وهات، لما دعا الى القلق او الشعور بالخيبة، او استبصار الهاوية المحدقة بالبلاد، لكن المؤشرات الوفيرة عن مسلسل الانشقاقات في المواقف داخل العملية السياسية والغلّ بين اطرافها، وكثرة التسريبات عن خصومات ومخاشنات واستعراض قوة وتجييش وانعكاس كل ذلك على الوضع الامني الذي يتردى يوما بعد آخر مع تصاعد النشاط المسلح لقوى الارهاب والجريمة والمليشيات والجماعات الخارجة على القانون، واعمال الاغتيال الاجرامية، ومع تزايد الاختراقات في منظومة الامن، وتصدع وتضارب وتردي الادارة الحكومية للملف الامني، والاتهامات الوفيرة بتورط رؤوس امنية وسياسية في تصفيات سياسية واعمال اغتيال.
والى عهد قريب كان يقال بان الحلقة الرئيسية التي ينبغي الانطلاق منها الى معافاة العملية السياسية، وانقاذ العراق من التدهور الى المجابهات المفتوحة، هي بناء حكومة الشراكة المتوازنة، وبناء سلطة قرار ديناميكية وفاعلة وتخفيف عيوب المحاصصة فيها وترشيد قوامها بالكفاءات والعناصر النزيهة، وقبل هذا حل مشكلة المقاعد الامنية الشاغرة، لكن، بدلا من تحشيد الجهود وتركيزها على تلك الحلقة الخطيرة تفنن البعض من اصحاب الازمة والسلطة في اثارة بؤر التوتر والصراع والاستفزاز والاستفراد، وانفسح المجال امام اللعب بالسلاح والجيوش الموازية والتأليب الطائفي المنهجي، مما يمكن وصفه بحافة الانهيار، في ادق تعبير موضوعي.
ومما له مغزى، في هذا الاستطراد، محاولات القوى الاقليمية تحريك بؤر التوتر الحدودية مع العراق التي هي الاخرى تفاقم من الصراع بين رؤوس الازمة، وتكشف، بدورها، عن اختلال المواقف “الوطنية” حيال قضية تمس السيادة، وهي سقطة اخرى تضيف نفسها الى جملة السقطات التي يتشكل منها التساؤل البليغ عما تبقى من شعارات ودعوات الاصلاح السياسي في العراق.
اقول ماذا تبقى غير نشارة الخشب؟.
*
 “الاحمق يضع اسئلته في جيب مثقوب”.
 احدهم


111  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / هادي المهدي.. القاتل معلوم هذه المرة في: 12:37 10/09/2011

هادي المهدي..
القاتل معلوم هذه المرة

عبدالمنعم الاعسم

 سبقـَنا هادي المهدي، الصوت الشجاع، فارس الكلمة المقاتلة، الى مجد شهيد الاحتجاج العراقي، نحن الذين شاركناه التظاهرات والسخط وعدم الصمت حيال جريمة اختطاف البلد رهينة الى التسجيل العقاري في وضح النهار.
 وشاء، وقد سبقـَنا ايضا، ان يسمي القاتل باسمه الصريح قبل ساعات من اغتياله.
كان ذلك في وثيقة معلنة ومتداولة الآن بيد محامين ونشطاء ودعاة حقوق وعدالة، كان قد ابتدأها بالقول: اشهدوا انهم يعدون لاغتيالي باسمائهم المدونة ادناه.
ظهيرة الخميس الثامن من ايلول 2011. احفظوا هذا التاريخ، فاننا سنحتاج اليه ساعة يكون القاتل قد نزل من على ظهر بندقيته، يوما، وساعة ان نلتقي مع هادي المهدي في تلك الساحة التي يعمد فيها شهداء الكلمة والحرية الى محاسبة القتلة وماجوريهم.
كان هادي المهدي يعرف، وقد اعلن ذلك بالصوت والكلمة والصورة، بان رصاصة ما في الطريق اليه، وهي نفسها التي تتربص في المنعطفات لاغتيال اصوات الاحتجاج على تجار السياسة والتهريب والعقود المزورة وتصفية كلمة الحرية من على اي شفاه، وكان هادي يخيف اصحابها على مدار الساعة فرط دفاعه عن حق الملايين المهمشة والمقصية في ثروتها التي تنهب، وكان اسياد الفساد القابضون على البنادق والمنصات يشيدون كابوسهم من وحدات الخوف التي تنزرع في افئدة لصوص يخشون، دائما، الضوء الساطع.
سقط هادي المهدي على يد قاتل كان قد حدد ملامحه بدقة متناهية ورسم مسالك الطريق التي سيقطعها اليه، وعرف اين يقيم، وكم من الحراس والوكلاء والمأجورين من حواليه، وما يحمله من القاب وفيرة، وحين شهق هادي باخر هتافاته وهو ينزف فقد وزع على كل واحد منا، نحن الذين شاركناه الاحتجاج، حصته من المسؤولية ان لا تموت قضيته النبيلة، وان لا تأخذ ضمائرنا قيلولة نصف النهار، وان نحتسب كثيرا، فان القاتل نفسه يتربص بكاتم الصوت بضحية آخر، ولن يرحم احدا منا.
لقد حقق القتلة نصرا كبيرا في إزاحة هادي المهدي عن طريقهم، قبل ان يصبح، وسيصبح، هذا النصر حفنة رمل وعار حين نسد الطريق على رصاصهم الغادر من ان ينال الاصوات الاخرى التي اختارت طريق التصدي لمشروع الردة وجيوبه المسلحة.
ويا هاويتهم، كم هي واسعة.
*
"من يعيش في خوف من الحرية لن يكون حرا".
هوراس
 
112  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / ماذا تبقى من حكم الشراكة؟ في: 14:05 08/09/2011
ماذا تبقى من حكم الشراكة؟

عبدالمنعم الاعسم

اذا كانت الشراكة في الحكم تعني شيئا آخر غير صناعة القرار المصيري بالتشاور والاجماع، وانه لا قرار مصيريا من غير اجماع المشاركين، ولا استفراد بالمواقف من غير رؤيا جمعية وترخيص، فانها شيء آخر لا علاقة له بمبدأ الشراكة المعروف، في النظرية والتطبيق، ولا علاقة له حتى باي تعريف للائتلاف السياسي المحدود، والجزئي، والعارض، حين يتشكل حيال قضية عابرة، قد ينتهي الائتلاف بانتهائها.
والحق ان علم السياسة لايملك تعريفا لهذا الشكل الذي يدار به الحكم في العراق، الآن، إذ يتكون من كيانات ومكونات ويقوم على قاعدة كل جهة، بما فيها كابينة الحكومة، تتصرف على وفق ما تراه وما ينفعها، وما يتطابق مع تصوراتها، وما يخدم تحالفاتها ومكوناتها وعلاقاتها الخارجية، او على وفق المثل الشعبي البليغ: “كلمن إله”.
ومن حق كابينة الحكومة ان تحتج او تشكو حيال مسلكيات سياسية لفرقاء المشاركة حين يضعون رجلا تحت الكابينة ورجلا اخرى خارجها، واحدة مع الموالاة واخرى مع المعارضة، ولها الحق ان تمنع وجود كابينات موازية وجيوش مستقلة وانشطة غير مرخص لها وغير مسجلة في موجبات الشراكة بالحكم، ومن حقها ان تذكر الجميع باستحقاقات الشراكة، ولوازم العمل كشركاء، وضرورات تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وهي استطرادات لها ظلال على الارض وتمارس هنا وهناك.
اقول، من حق الحكومة ان لاترضى حيال بعض مواقف المشاركين في كابينتها، لكن ماذا حين تمارس رئاسة الحكومة نفسها مثل تلك المواقف بعيدا عن التشاور واستمزاج الاراء وفروض الشراكة بالحكم؟ هذا سؤال يطرحه اي محلل موضوعي، انطلاقا من البحث عما يرسي خيار الشراكة على قاعدة راسخة، لا تتفلش بيد اصحابها.
بل وماذا تبقى للحكومة من اسباب الاحتجاج والتصويب على التجاوزات ضد التزامات الشراكة حين تلجأ نفسها الى قاعدة “كلمن إله” عبر قرارات واجراءات على الارض، وبواسطة تعيينات، واستفرادات، لم تكن لتحظى باجماع المشاركين في الحكومة، وربما لم تكن لتناقش من قبلهم، وبعضها موجه، احيانا، للاضرار ببعضهم؟.
باختصار شديد، بعض اعتراضات كابينة الحكومة على مواقف الشركاء وتمددهم خارج فروض الشراكة، سليم وصحيح ولها ما يبررها، وبعض تحفظات الشركاء على قرارات منفردة تتخذها كابينة الحكومة، تخص مصائر البلد وحقوق المكونات من غير توافق ومناقشة وترخيص، هي الاخرى سليمة ومبررة وتستمد وجاهتها مما جرى الاتفاق عليه ومدوّن في اكثر من وثيقة واتفاق.
كل هذا صحيح، لكن القول بان هذه هي قواعد حكومة الشراكة، هو الشيء غير الصحيح الذي يبقى غير صحيح حتى يثبت العكس.
*
“ستتعلم الكثير من دروس الحياة أذا لاحظت ان رجال اطفاء الحرائق لايكافحون النار بالنار”.
    شكسبير
ــــــــــــــــــ

       


113  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سقوط صدام- القذافي والمقارنات المحرمة في: 08:05 06/09/2011

سقوط صدام- القذافي والمقارنات المحرمة

عبدالمنعم الاعسم

في اكثر من محاورة سياسية على الفضاء حول خلفيات الحدث الليبي او تقرير تحليلي عن شخصية حاكم ليبيا المطلق يتجنب المتحاورون والمحللون التشبيه او المقارنة بين صدام حسين والقذافي، واستطرادا بين الدكتاتورية العراقية البائدة ودكتاتوريات المنطقة، واحيانا يسربون خواطر مضللة عن الفرق والتشابه بين الحالتين العراقية والليبية بالقول ان عملية التغيير في العراق جرت على يد القوات الاجنبية فيما العملية الليبية، كما يقولون لتعزيز هذا التضليل، تجري على يد الليبيين، فيما هي، كما يعرف الجميع، نصف الحقيقة، اما نصفها الثاني فيتمثل بالدور الاطلسي وتتم مخاضة التغيير اطلسيا مثلما كانت مخاضة التغيير في العراق امريكية.
الفكرة بحاجة الى مزيد من التوقف والتدقيق، ولابأس من تكرار البديهيات هنا لعلاقتها بجوهر ما وما يحدث، وفي مقدمة تلك البديهيات (اولا) ان الاطلسي في الحالة الليبية والامريكي في الحالة العراقية لم يختلقا الحركة الشعبية الساخطة (المعارضة المحلية) لكل من حكم القذافي وصدام حسين، ربما بالعكس، فالغرب وقف مع النظامين في ذروة وحشيتهما وسكت دهورا عن وحشيتهما وحروبهما الداخلية وعقد معهما سلسلة من الصفقات التي عضدتهما في مواجهة شعبهما.
البديهية الثانية، هي ان التدخل الخارجي في العراق وليبيا لم يتم بترخيص من المعارضة ولم تكن الجيوش الغربية الغازية بامرة المنشقين من جنرالات العراق وليبيا، ولم يكن امام حركات المعارضة والشعب المقموع في العراق وليبيا من خيار كثير حين يندلع الصراع العسكري بين النظام المثقل بالجرائم وقوى اجنبية، ولا مفر من هنا، موضوعيا وتاريخيا، من قيام الجماعات المحلية المعارضة (وسجناء محررون) من الامساك بالاوضاع على الارض، بقدر ما تتمكن إذ فرّ النظام وتخاذل امام التدخل الخارجي واستسلم مهانا للمتدخلين، ولا حاجة هنا للكثير من الجدل عما هو معروف من اهداف الغرب (الخاصة) وخلفيات مبادرته العسكرية  لاطاحة حكمي صدام والقذافي.
البديهية الثالثة، تتمثل في ان كلا من صدام والقذافي تشبثا بالسلطة بمواجهة الدعوات السلمية للتغيير والاصلاح للحركات الشعبية وواجهاها بالحديد والنار والسجون والاذلال، وبهذا فقد دفعا الصراع مع الشعب الى تسهيل التدخل الخارجي وتبريره، بل انهما استعجلا هذا التدخل وسعيا اليه على وهم من انه سيعبئ الداخل ويحرج المعارضين ويخوّنهم امام الرأي العام وقد يساعد في تحسين المعادلات الاقليمية لتكون في صالحهم، وفي ميدان قاتلا حتى آخر حجر في البلاد تمكنا من تهديمه وآخر خرقة من النياشين على اكتاف ضباط الحلقة المقربة ولاذا بالفرار من جحر الى جحر مع بضعة مليارات من الدولارات وعدد من الحراس المطلوبين.
والبديهية الرابعة، في حرب التدخل في العراق وليبيا تظهر جلية في الجملة الخطابية التي خاض صدام حسين والقذافي بها الحرب وهي كومة من الشعارات البالية عن الاقتدار وقرب الانتصار، والمعركة القومية، مع إبقاء باب الصفقات مفتوحة مع المتدخلين، وليس بدون معنى ان يطلب صدام حسين في لحظة القبض عليه الاتصال بالمسؤولين الامريكان لغرض “حل المشكلة” فيما دعا القذافي بعد يومين من سقوط طرابلس دول الاطلسي بـ”حل تفاوضي للمشكلة”.
اما البديهية الخامسة فانها تتعلق بما تبقى من شراذم الكلام  المعسول عن “المؤامرة” التي تتعرض لها المنطقة في محاولة لاعفاء الدكتاتوريات الفاجرة من الكوارث التي حلت بالمنطقة.
*
 “ حتى الفئران تعظ القطط الميتة”.
            مثل ألماني


 

114  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / لصوص شرفاء.. جدا في: 20:23 03/09/2011

لصوص شرفاء.. جدا

عبدالمنعم الاعسم

ما يشبه البشرى، او الفضيحة، لايهم، انْ نسمع بان حكماء “طيبين” هنا وهناك يدعون الى الرافة باللصوص الذين سطوا على قوت الشعب، لاعتبارهم ضحايا، او اسوياء في دواخلهم، او متورطين عن غفلة، او من “ابناء اصول” او انهم (انتباه) يوزعون ما سرقوا، او بعضه، على فقراء او دور خدمة عامة ومنظمات مجتمع مدني وانشطة موصوفة بباب “لوجه الله تعالى” توبة له او تكفيرا عن جنايتهم.
انهم يذكروننا بالشخصية الخيالية من القرون الوسطى “روبن هود” الذي كان يعيش في غابة شيروود بانكلترا، ويغير منها على ضيعات الاثرياء لينهب منها الاموال لمساعدة المعوزين والجياع، وصارت موضوعا  رومانسيا في دواوين الشعر وفي صالات السينما والمسرح وقاعات الاوبرا، كما يذكروننا باللص الظريف ارسين لوبين الذي اخترعه الكاتب الفرنسي موريس لبلان وصار مثار اعجاب المراهقين بالنظر لشجاعته وروح الفروسية والشفقة والوفاء التي تحلى بها على الرغم من شغفه بالسرقة وفنونها، الامر الذي لا وجود له إلا في الخيال والفرضيات، وفي الدعوات المغشوشة للنظر بعين العطف الى الحرامية.
حقا، ثمة لصوص، يقول علماء النفس، يرتكبون اعمال السرقة استمتاعا بها، او ترضية لانحراف في السايكولوجيا دون الاهتمام بعائدها (راسكولينوف بطل رواية دستويفسكي- الجريمة والعقاب) ويسمون هذا المنحرف “داء السرقة” والبعض من اولئك اللصوص يلقون ما يسرقون، مهما كانت ثمينة، في اول منعطف على قارعة الطريق، ويدخل في اطار هذه المجموعة “الشريحة” من اللصوص اولئك الذين يسطون على جهود غيرهم، اعمالا ومؤلفات، ويضعون اسماءهم عليها، وقد سـُجلت بالنسبة للقوانين الدولية في خانة الجرائم تحت الملاحقة والقصاص.
يريد اصحاب الرأفة باللصوص الذين لطشوا الملايين من اموال الشعب وثروته ووزعوا منها فتات لاغراض الدعاية والوجاهة والزعامة، ان نكون متسامحين معهم وان نصدق انهم تابوا “توبة نصوح” ولن يعودوا الى السرقة، ويخفوا علينا حقائق مخيفة عن ترخيص وتشجيع وتغطية كان قد نالها اللصوص المطلوب إعفاؤهم من هؤلاء الحكماء واتباعهم ووكلائهم في صفقة تقاسم المنهوبات، ويتحدث مواطنون قريبون من دائرة الاسرار عن شواهد تـُرى بالعين المجردة لاملاك وفضائيات وبنوك ومتاجر وفيض نـِعم محسوبة، شرعا، بالسحت الحرام، ومسجلة لمالكين او لبطانة او لشركاء يعيشون بين ظهرانينا.
المشكلة ان حكماء الرأفة لايكتفون بالدعوة الى مسامحة اللصوص والسراق والنهابين والمزورين، بل انهم يريدون مكافأة هؤلاء باعتبارهم ضحايا للتشهير.. تصفيق.
*
“لا احد يسبقك إذا كنت تمشي وحدك".
   حكمة اثيوبية



 

115  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / فرزات.. انهم قطع غيار في: 22:22 27/08/2011

فرزات..
انهم قطع غيار

عبدالمنعم الاعسم

سيدي، ايها الموزع بيننا هذا اليوم، خبرا قصيرا عن قطيع من الهمج اغار عليك، وأدمى اصابعك، ووجنتيك، والقى بك على قارعة طريق موحش بعد ان اعطاك درسا في لزوم البيعة للسلطان، الجلاد، حيث تتسلق الاعشاب الميتة على نوافذه، وتتكسر من حواليه قطع الغيار الصدئة للاعوان والقتلة.
 ايها المسجى على سرير بعرض الشاشة الملونة التي لا تكذب، وعلى امتداد مواكب الاحتجاج التي لا تقهر، انك اطلقت رسومك وهم اطلقوا الرصاص، وفي المسافة بين الرسم والرصاصة ينشق عمود الضياء المُبهر، اشارة الى طريق النصر، وكنت ماهرا في توليف تلك الحكاية الابدية.
 انها محاولة اغتيال تضم نفسها الى سلسلة طويلة من اعمال الاغتيال المسلكية منذ ان كمن قابيل في منعطف طريق للايقاع باخيه هابيل ويشج راسه بصخرة ويصرعه، وذلك قبل ثلاثة وتسعين الف سنة، حتى اغتيال آخر متظاهر مسالم في شوارع دير الزور، وجميعها تنطلق من رغبة في استئصال الخصم.   
 ما اصابك هذا اليوم يعـْبر بالسلطة من حاضرة وادارة ومشيئات الى رجال ملثمين، وهنا، ابخست ثمنها الى احط منسوب إذ تقتص من معارضيها في الشوارع، وتهرب. 
 عرفناك، سيدي، منذ زمن بعيد، حين خالفتَ انحطاط انصار الدكتاتورية الفاجرة في العراق وصوّرت الطاغية بما يليق من الاحتقار، واعطيتنا بلاسم من تخطيطاتك المبدعة، فيما هرع الكثير من كتاب وفناني ونافخي ابواق المرحلة الى الخدمة في ماكنة التهريج والحرب والقتل.
 نتذكر، موقفك النبيل من حق العراقيين بالخلاص من العلبة الخانقة لحكم الفرد الطاغية، وكنتَ تعلـّم غيرك بان الموقف من الحرية ليس سلعة معروضة للنقاش، ففي كل التفاتة من خطوط رسومك الساخرة تسكن صيحة احتجاج ضد المهانة والاستبداد وحكم العشيرة والقبضة الامنية.
 في رسومك الساخرة يتوالد الخطر عليهم. هذه هي القضية، ذلك لأن العاصفة اقامت في رسومك، ووجدت مكانها في سيمفونية الهتافات الشبابية التي لا تخاف.
 احسب انك، اليوم، ولدت مرة اخرى، صدّقني، فقد اعطيت كلمة السر لنا: لا غد اكيد للجناة الذين يأذنون بالقتل وكم الافواه وتجريف حدائق الافكار. اما المستقبل فهو لاولئك الشجعان الذين لا ينحنون امام الجلاد.
 قفْ سيدي على قدميك، وانهض من سرسرك، وغادر شاشتك الملونة  الى رسومك وعصافيرك ولعبتك البارعة في ترويض الجلادين. ضعهم في البالوعات، واعط امهات المحتجين شهادة اضافية لتضميد جراحات ابنائهم.
*
"كل الازهار شريفة حيث تـُترك لحالها، ما عدا القرنفلات الحمراء التي يضعها الجنرالات ما بين وسام ونجمة".
محمود درويش

116  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / السياسات التركية تحت المجهر في: 21:19 24/08/2011
السياسات التركية تحت المجهر

عبدالمنعم الاعسم

لو وضعنا سياسات الحكومة التركية حيال مشكلة الاقلية الكردية وقضية فلسطين والصراع في سوريا والمجاعة في الصومال والعلاقة مع حلف شمال الاطلسي والكتلة الاسلامية وشؤون الارهاب وافغانستان والسودان في جهاز تحليل موضوعي لحصلنا على خارطة عجيبة من المبادئ والمواقف المتضاربة التي لانعثر على مكان لها في علم السياسة ولا في قواعد العلاقات الدولية، وهو السبب الذي حير المراقبين وجعلهم لايثقون في ما تدعيه انقرة من التزامات على الصعيدين الاقليمي والدولي، وصاروا يتوقعون على الدوام سيناريوهات تركية غير مسبوقة او متوقعة وغير مفهومة على الرغم من النعومة المفرطة التي تقدم بها سياساتها بوصفها سياسات اخلاقية، او اسلامية، او انسانية، او توفيقية.
على المدى القصير، ومن زاوية المنافع الذاتية العاجلة، نالت تركيا، من خلال هذه السياسات غير المنتظمة في سياق واحد، مكاسب غير قليلة، وتمكنت من اختطاف وسام اللاعب الاقليمي الاكثر اهمية في صناعة الصفقات والترتيبات الامنية في منطقة تشهد تحولات واضطرابات خطيرة، وبدا للكثير من المعلقين ان تركيا تعد نفسها لدور اكبر من هذا الذي تلعبه حين يجري إطفاء الزخم الايراني وتحجيمه بعد احتواء سوريا، فيما تسلط تقارير دولية الضوء على انتعاش مضطرد لمفاصل الدورة الاقتصادية التركية وتشير الى اختراقات استثمارية تركية في افريقيا ودول الشرق “الاسلامي” الاسيوية، والى افضليات تجارية، على هيئة مكرمات، صارت تحظى بها من الاتحاد الاوربي وامريكا، الى حد ما.
   مشكلة تركيا انها تقوم بدورين مزدوجين، في وقت واحد، غير منتضمين في منظومة سياسات بعيدة المدى، احدهما لاطفاء التوترات هنا وهناك، وثانيهما لاشعالها في اكثر من مكان، وعلى حدودها. الاول، لجهة احترام حقوق الانسان بالحرية والعيش الآمن والنظام السياسي الذي يرتأيه، والثاني، يتمثل في التنكر لحقوق الانسان ومنعه من نيل الحقوق الثابتة، والتعدي على سيادات الدول. مرة باعتبار تركيا داعية للديمقراطية، ومرة باعتبارها داعية للوصاية، وفي كل الاحوال، فان مثل هذه السياسات جـُرّبت من قبل الكثير من الدول قبل ان تدفع ثمنها غاليا، وبخاصة تلك الدول التي هربت من استحقاقات الداخل الى معارك خارجية استعراضية.
 العصر الحديث شهد الكثير من الظاهرات والاحوال والاقدار التي تقدمت فيها دول الى مسرح الاحداث وتبوأت مواقع مهمة في ترتيبات الحرب والسلام، لكنها سرعان ما انكفأت الى الوراء، وبعضها اختفى من الخارطة، بسبب سوء التحسب للعيوب التي تنخر وحدتها الداخلية، وسوء الحساب لنتائج سياسات المتاجرة بالمبادئ.
*
“إذا بلغك أن غنياً افتقر فصدق، وإذ بلغك أن فقيراً استغنى فصدق، وإذا بلغك أن حياً مات، فصدق وإذا بلغك أن أحمقا استفاد عقلاً فلا تصدق”
      ابو اسحاق




 
117  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / عجيب امر الطغاة في: 10:28 23/08/2011


عجيب امر الطغاة

عبدالمنعم الاعسم

لم يبق للقذافي سوى حشرجة اخيرة يشد بها نهاية حكم الكابوس المرعب، لأربعين سنة، بمصير لا مفر منه. في تلك اللحظات اعلن مزهوا ان النصر قريب، تلك اللعبة الملهاة التي زاولها جميع طغاة الارض: منتصرون حتى وإن هزمنا.
صوت القذافي وهو يتحدث عن الانتصار فيما هو يقف على حافة النهاية يتقلص الى مساحة ضيقة من الفضاء الواسع هي ما تبقى له من فرص مستحيلة لالغاء حركة الزمن نحو الهزيمة المنكرة.
عجيب امر الطغاة. كلهم من فصيلة دم واحدة. يقتلون بدم بارد ويتحدثون، حين يداهمهم القصاص، بزعيق حار. صدام حسين حرص ان يظهر بملابس الاستشارية قبل ساعات من سقوط بغداد وهو يعلن في خطاب مهزوم عن قرب الانتصار، وقد انتفخ حتى صدق نفسه وهو يسمع هتاف انصاره اليائس "بالروح  بالدم".
مثل سلسلة نار طويلة يمسك الطغاة ايادي بعضهم وهم يمضون الى حتفهم. نهاية الطغاة مثل نهاية الارقام القياسية لابد ان تكسر يوما. وجوه مستديرة على هيئة فجوة من الديدان والاكاذيب حشروا فيها الشعوب المغلوبة على امرها، والقوا باصحاب الرأي وراء القضبان.
يتبادل الطغاة مفردات اللغة فيما بينهم ويستعيرونها من اموات سبقوهم. يتفننون في شحنها بالروايات والاساطير ومزاعم الاقتدار، ثم يخلعونها بسرعة حين تكف عن الفائدة وتفقد المستمعين مثلما يخلعون احذية ضاقت عليهم، ولايهمهم ان الناس تتذكر، وانها تعود الى الذاكرة في كل حين، فان الذاكرة بالنسبة للطغاة رهن مشيئتهم، او انها اكياس قمامة يعبئونها بالفضلات دائما.
القذافي، كان امينا لاسلافه الطغاة. يستطيع ان يواجه العالم كله بصلافة المهزوم الذي لاينهزم. لايحسب الحساب لشهود العيان. تلك هي الصفاقة حيث القوا بها في نار جهنم فصرخت اني اشعر بالبرد. صلافة الطغاة محسوبة بكومة التلفيقات التي حشدتها في المسافة بينها وبين الحقيقة. المكان الآمن الوحيد لهم هو فن التنكيل بالجموع. يقتلون ثم يذرفون الدموع على ضحاياهم.
لايهم الى اين يهرب الطاغية في ساعة القصاص، هنا، يختلف الطغاة. منهم من قتل نفسه بيديه، ومَن دس نفسه في حفرة، ومَن هرب الى خارج الحدود، ومَن تنكر في ثياب رعيان، وكلها مصائر لاتجلب الشفقة بل الاحتقار. اما الاعوان فانهم يقبلون النهاية وكأنهم اعدوا أنفسهم لها، ولم تفاجئهم. الكثيرون يستسلمون، ويعلنون براءتهم مما حل للشعب، وبعضهم يعلن انه كان مضطرا بالقوة والخوف، الى المشاركة باحتفالات التنكيل بالضحايا. بعض ابناء الطغاة يقاتلون، وبعضهم الآخر يبحثون عن ملاذ من العقاب.
القذافي اعطانا عناصر حية لرواية جديدة عن النهاية المخزية لاولئك الذين يصادرون حرية الآخرين ويظنون بان القصاص اعمى الى الابد.
انه الآن بين ايدينا.
*
"لون الدم ليس دائما احمر.. احيانا لا لون له".
        ناظم حكمت


118  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / مَن يكتب التاريخ؟ في: 08:48 21/08/2011

مَن يكتب التاريخ؟

عبدالمنعم الاعسم

لا السلطة ولا الايديولوجية يكتبان تاريخا صحيحا. انهما يكتبان اساطير وبطولات وحقائق عليلة. اما الحقائق السليمة، غير المغشوشة، فهي صنعة اولئك المغضوب عليهم، المجلودة ظهورهم، من الشهود والرواة والعلماء والشهداء، الفارّين من الطوائف والعصبيات والولاءات، الذين اشتغلوا على كيمياء الاحداث وسجلوا الوقائع من دون ان ينظروا خوفا الى نوافذ الحاكم، او ينتظروا “عفارم” زبانيته، بل انهم اصحاب فكرة مزبلة التاريخ حين دحرجوا الطغاة وانظمة الاستبداد والمزورين واعداء الحرية الى نهاية تليق بهم.
غاليلو والكندي واسحاق نيوتن وليوناردو دافنشي وفيكتور هيجو والحلاج، وغيرهم كثيرون قلبوا سياق الكتابة عن التاريخ فلم يرووا لنا اساطير منفوخٌ في ملامحها ولا مكائد القصور ومؤامرات الخلفاء والاباطرة، ولم يكن ليعنيهم مرضاة صاحب النعمة، ومجد اولئك انهم علموا الكتبة من اية زاوية يقرأون الاحداث والوقائع وفي اي مكان يضعونها، لنتذكر المشكلة التاريخية التالية: عندما احترقت روما (هكذا كتب المؤرخون) كان نيرون يعزف، متسليا، بقيثارته، ودخلت هذه المفارقة ( وقل القيثارة) في كراسات المدارس وكتب التاريخ، ثم اكتشف بعد ذلك ان القيثارة لم تكن قد اختُرعت آنذاك في عصر نيرون، ثم، وهذا المهم، لم يعتذر احد من الذين دسوا هذه الكذبة في كتب التاريخ، او في ذاكرتنا.
وهناك الان شكوك في سلامة ومصداقية المدونات التي ارخت الثورات، من ثورة سبارتوكوس وثورة الزنج وثورة اكتوبر حتى الثورة العلمية التكنولوجية، وثمة نصف تلك الشكوك( كما يقول الروائي الامريكي المصلح هيرثورن) يمكن ان يكون صحيحا، ولو عدنا الى رواية “وداعا يا غولساري” لجنكيز ايتماتوف، والى رواية “السيد الرئيس” لاوسترياس سنجد اننا لم نلتقط كفاية تلك الحقائق العميقة في ما بين السطور، يكفي ان نتذكر ان ايتماتوف كان يسأل ثائرا عما دفعه الى الثورة فكان الاخير يجيب “ لا اتذكر” ولكن ايتماتوف، مثلنا، كان سليم النية، بل وكان صادقا في كفاحه من اجل الحرية الى ابعد الحدود.
القضية برمتها بسيطة، فان ما يعتبر حقيقة في جانب من جبال البرانس( كما يقول باسكال) يعتبر لا حقيقي في الجانب الآخر، وقد اخطأنا كثيرا (في العراق) في تدوين يوميات ثورة العشرين، بل واخطأنا قراءة انتباهات علي الوردي في ما حول الثورة، واخذتنا العزة بالاثم ونحن نستعرض هوسات عشائر الفرات والفلاحين الطيبين، فيما تقبلت الشعوب الاخرى الحقائق “المرة” التي اخفاها المؤرخون لكسب رضا الحكام، ويُزعم ان نيوتن اكتشف قانون الجاذبية الارضية لما لاحظ تفاحة تسقط من الشجرة، لكن الوثائق العلمية لأكاديمية العلوم البريطانية تبطل رواية التفاحة وتؤكد انه تم التوصل الى صياغة قانون الجاذبية بعد نيوتن بسنوات، لكن ليس من دون جهوده الرائدة والتأسيسية.
ان العلوم الحديثة تحذرنا مما يقال على انها حقائق تاريخية، يكفي هنا ان يشار الى قصة النعامة التي ترسخت في ذاكرتنا على انها تتقي الخطر عن طريق دس رأسها في الرمال، ثم يخبرنا العلم ان هذه الرواية لا ثبت لها ولم يشاهد احد نعامة تزاول هذه الحركة الملفقة، ويمكن ان نضيف الى حكاية النعامة الزائفة حكاية اخرى(اكثر زيفا) تتصل بدموع التماسيح، إذ نكتشف ان التماسيح لا تذرف الدموع لسبب بسيط هو انها لا تملك غددا دمعية.
*
 “إذا كنت لا تستطيع الابتسامة فلا تفتح دكانا “
 حكمة



119  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / اسئلة امنية.. ساذجة في: 16:46 19/08/2011

اسئلة امنية..
ساذجة

عبدالمنعم الاعسم

اولا، ماقيمة الاستنكارات والادانات التي تفيض علينا بالاسى ومطولات التعاطف والرثاء بالنسبة للضحايا وعائلاتهم؟.
وماذا ينفع القول الآن بان ازمة الحكم والحكومة وعدم إملاء المقاعد الامنية وراء التفجيرات الارهابية؟.
وهل حقا ان الخلافات السياسية المستعصية واجواء انعدام الثقة بين المختلفين فتحت ثغرة في المنظومة الامنية؟.
وما الفائدة من “قوانة” الدعوات المتكررة دائما ومن جميع المسؤولين بوجوب اعادة النظر بالخطط الامنية واستراتيجيات مكافحة الارهاب؟.
ولماذا، وبعد كل هزة امنية، تتسارع كل “فئة” الى تبرئة النفس وتحميل شريكتها وغريمتها وحليفتها، بالغمز والصراحة، مسؤولية الفراغ الامني؟.
والى متى تستمر سياسة توظيف الفواجع الامنية ودماء الناس في المماحكات السياسية، وهوس تسجيل النقاط، بين اطراف الازمة؟.
ومن هي الجهات التي تتولى تنفيذ هذه الجرائم المروعة، ومن يشجعها ويدعمها من داخل الحدود وخارجها؟.
وما هو لغز وحقيقة وسر الاختراقات والتواطؤات والجيوب والوكالات والمليشيات والولاءات والاندساسات في الجهاز الامني؟.
وما تفسير الاتهامات الجاهزة ضد جهة معينة، بعد دقائق من التفجيرات حتى قبل التحقيق وتجفيف برك الدماء وتشييع الضحايا؟.
وما سر الكشف والاعلان، بعد كل مذبحة ارهابية، عن الفاعلين او المتورطين او المخططين بعد يوم او يومين من الحادث، وليس قبله؟.
وما نفع تشكيل لجان تحقيقية في “ملابسات الحادث” أو احالة مسؤولين امنيين الى التحقيق، في حين لم تـُعلن نتائج التحقيقات السابقة، او طـُعن بالنتائج التي اعلنتها، كما حدث في هروب القيادات الارهابية من السجون؟.
وهل لا تزال اجهزة الكشف عن المواد التفجيرية المحمولة (السونار) المنتشرة في كل منعطف وشارع وساحة ودربونة، حتى الآن، صالحة للاستعمال، وقادرة على الرصد والتعيين والخدمة؟.
وهل ثمة علاقة بين تصاعد وتيرة الهجمات الارهابية وقرب انسحاب القوات الامريكية من العراق؟ وما شكل وخلفيات وجدليات وحقائق هذه العلاقة؟.
وما هي مسؤولية، ومصلحة، ودور دول الجوار في تسهيل عبور الارهابيين والاسلحة والمعدات والفضلات الى العراق؟.
وما فائدة ان نطلق هذه الاسئلة، ولا من يسمع، ولا من يجيب؟.
*
"ليس للاكاذيب أرجل لكن للحقائق اجنحة".
مثل صيني


 
120  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / ماذا اكتب عن الكرد الفيلية؟ في: 20:57 16/08/2011


ماذا اكتب عن الكرد الفيلية؟

عبدالمنعم الاعسم

رسالة الصديق الكاتب رياض فيلي برجاء الكتابة عن قضية الكرد الفيلية امامي منذ اكثر من شهر، اعود لها بين الحين والآخر فاشعر بالذنب ان لايتوفر لدي الوقت لتبرير ثقة الكاتب بي، اخذا بالاعتبار بان المطلوب المساهمة ببحث يتوزع على خمسة عشر محورا يبدأ بتاريخهم وحضارتهم وشواهد المدن التي عاشوا فيها واصولهم وعاداتهم ومكانتهم في الحياة السياسية وبصماتهم في الكتب والمدونات والنصوص وكتبهم ومبدعيهم ومعاناتهم والمظالم التي لحقت بهم واحوالهم في بلاد المهجر، وما الذي حل بهم بعد سقوط الدكتاتورية الفاجرة التي نفذت خطة منهجية لاستئصالهم من منازلهم واعمالهم وبلادهم وارسلت الكثير من شبيبتهم احياء الى قبور جماعية.
وإذ جاءت هذه الرسالة في زحمة التزامات قاهرة، وعوارض صحية، وسفر، فاني لا اشعر باي نوع من الفضل على الكرد الفيليين حين اقول باني كتبت الكثير عن قضيتهم التي اعدها من القضايا النبيلة ذات الصلة بشريحة عراقية كردية التصقت بالعراق وضحّت من اجله ووضعته في جوانحها ومحبتها واعتزازها، على الرغم من الضيم الذي لحقها منه بصفة السلطة والطغمة الحاكمة واجهزتها الشوفينية، لكنها كانت تميز بين الصفة والموصوف، فتكره المتوطن وتحب الوطن.
اقول، لا فضل لي على الكرد الفيليين، ولا اشعر بدين لي عليهم، بل هم اصحاب الفضل عليّ، وانا المدين لهم، إذ عشت في احد احيائهم عهدا ما، ونلت محبتهم وحمايتهم حين كانت تتهددني فضلات السلطة الغاشمة، ودخلت منازلهم واكلت من اوانيهم وتنانيرهم، وياما جلست على موائدهم، وشاركتهم افراحهم ومصائبهم، وشاركوني صبواتي ومعاركي، وعقدت مع الكثيرين منهم صداقات ابدية، الفضل في استمرار تلك الصداقات لهم، فالفيليون اوفياء لاصدقائهم وابناء احيائهم، يـُنتخون فيجيرون، وقد يضعون صدورهم بينك وبين الرصاص حين يعرفون صدق الاصرة التي تجمعك بهم.
بين الكرد الفيلية شركاء لي في رحلة الصحافة والحياة. اسماء باسقة، نزيهة، ونبيلة، اعرف الكثير من مآثرها ومواقفها، واحسب اني لا افارقها، حتى الآن، مهما شمرت بنا الاحداث ودورات الفلك ورمت بنا في القارات والدول المتباعدة، وثمة الكثير من ابناء هذه الشريحة اعرفهم ويعرفونني من غير ان التقيهم في المكان والمناسبة، ولطالما افاجأ بعائلات ورجال وسيدات وشبان منهم يعرفونني جيدا، وكأني واحد منهم، وفي مرات عديدة استرشد مع بعضهم الى ذكريات بعيدة فاسألهم عن اصدقاء لي يمتون لهم بصلة وإذا بهم توفوا منذ زمن، او قضوا في احداث أو وراء القضبان، فاحزن لمصائرهم، واسجل في حافظتي اسماءهم او كناياتهم، او تلك الحكايات والطرف التي عرفوا بها.
في الاحياء التي جمعتنا، كان الفتيان الفيلية شجعانا، حين كانت الشجاعة الشعبية تمثل الفروسية وكف الاعتداء والاستهزاء بالاخطار، واعرف انهم، بعد رحيل صدام لم يلحقوا الاذى بالعائلات التي احتلت منازلهم بعد إجلائهم عنها عنوة غداة حملة الاستئصال، ولا يزالون ينتظرون من حكومة العهد الجديد لفتة تسوية عادلة وقانونية للمظالم التي لحقتهم، فيما الحكومة تتعامل معهم، حتى الان، باذن من طين وإذن من عجين.
*
 “الساكت عن الحق شيطان اخرس”.
    مثل

mm13mm@live.com
121  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سوريا.. انزلاق الى المجهول في: 10:14 16/08/2011
سوريا.. انزلاق الى المجهول

عبدالمنعم الاعسم

لا ينبغي الاستهانة بما يحدث في سوريا. هناك الكثير في الطريق. الاستقطاب يمضي سريعا الى نقطة الانهيار. اما الوصفة المعلنة (الاصلاح) لنزع فتيل برميل البارود فلم تعد ذي قيمة. واما المسؤول عن ذلك فمن غير المفيد ترسيم ملامحه والتنقيب عن المكان الذي يتخندق فيه. المعاهدات والمواثيق لاتعفي الحكومات من المسؤولية. عليها ان تخرج من المعادلة في حال عجزت عن وقف هدر الدماء، فكيف إذا ما كانت هي التي تقوم بهذه الخطيئة بواسطة آلتها الجهنمية الضاربة؟.
السبت الماضي، كنت، في اعتصام نظـّمه سوريون شباب امام سفارة بلادهم في قلب العاصمة البريطانية احتجاجا على “الحل الامني” للازمة. غنوا لبلادهم وتغنوا بها. وضعوا اشرطة ملونة على صدر الشهيد الذي يسقط على مدار الساعة. قالوا سننتصر ويرحل الحكام. قالوا انقذوا حمص وحماة واللاذقية ودير الزور والقامشلي ودرعا واحياء الميدان والقابون في دمشق. قالوا لانركع، ولانحتاج لدعم عسكري خارجي، ولن نبيع التضحيات إلا لدولة مدنية تحترم التعددية ولايحكمها حزب واحد وجهاز مخابرات. قالوا سنواصل الاعتصام اسبوعا بعد اسبوع.
بعد ساعتين، وفي نفس المكان، كان هناك اعتصام آخر لسوريين، ايضا. غنوا لبلادهم ايضا. وهتفوا لشهداء الشعب. حملوا صور الحاكم. وتوعدوا “المخربين” وهم ايضا قالوا لن نركع، ووزعوا على المارة صورا وبيانات قالوا انها حقائق. صرخ شاب من مذياع يدوي: لا للتدخل الخارجي. قال سنموت ويحيى الرئيس، وبالروح والدم. قال لن تمر المؤامرة. قال الشعب يريد الاصلاح.
الانشقاق يتسارع في البنية السكانية السورية، وهناك شعارات تمر من فوق العشب اليابس للطائفية، ومن عود الثقاب المحتقن للشكاوى النائمة، وثمة مسار خطر للرد الامني والعسكري ينزلق الى الانتقام، ربما يعجل في التدخل الخارجي، مقابل فتاوي من خارج الحدود تتضارب فيما بينها وتقاتل بعضها على الارض السورية، والغطرسة السياسية تتجاهل مؤشرات الانفجار، وارقام القتلى تخوض في مشهد مفزع من الابرياء، والمتضاهرين السلميين.
ما يجري في سوريا يتجاوز ما يبدو لنا انها حركة احتجاج تـُواجَه بالرصاص الحي. ليس صحيحا بان الاعلام يضخم في الاحداث. الهوة كبيرة وتتعمق باضطراد بين شعب يتوزع على خيارين، التغيير ووعود التغيير. ما يجري حرب بالالوان الطبيعية، والاكيد في هذا، انها حرب عابرة الحدود، والاكثر تأكيدا انها لن تقف عند حد، ولا توفر راسا من الرؤوس الباردة التي تراهن على استخدام القوة كاسلوب في الحكم.
*
“ لا تسقط التفاحة بعيداً عن شجرتها”.
   مثل روماني



122  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الازمة السياسية.. كرٌّ وفرّ في: 21:11 13/08/2011
الازمة السياسية.. كرٌّ وفرّ


عبدالمنعم الاعسم

ما يحدث في كواليس السياسة والبرلمان والحكومة ومحافل مناقشة المواقف لا يعدو عن كونه، في التكتيك العسكري، كر وفر: هجوم وانسحاب، ثم هجوم وانسحاب، ثم تهدئة مؤقتة، مثلما يحدث على جبهات الحرب، بعدها، تنتقل المواجهة الى جبهة أخرى وملف آخر، وتعبئة جديدة الى ملف آخر مرشح لمواجهة قيد الاعداد، وفي هذا الحال من المستحيل للمراقب ان يحسب الخسائر، لانها في الواقع لا وجود لها بعد ان اصبح للمتشابكين مواقع حصينة. الخاسر الوحيد هو نحن(الملايين الغفيرة) الذين نتفرج على هذا العبث، ونتلقى شظايا المعارك، ونُحرم من الامن والكهرباء وفرص العمل والخدمات البلدية والتعليمية، وليس لنا في الحرب الدائرة ناقة ولاجمل.
ومثلما بدأت الازمة عقب اعلان نتائج الانتخابات بين قطبين، ائتلاف دولة القانون والقائمة العراقية، فانها لا تزال تدور بينهما، حتى الساعة، يعدّان لها من رباط الخيل ما يبدو انها ستحسم عن هزيمة او اتفاق(لا يهم) لكن مؤشرات جديدة سرعان ما تؤكد بان النفق طويل، طويل، ولا ضوء فيه، بل ولا يبدو أثرا للارهاق في صفوف المتحاربين الذين صاروا يغيّرون طواقهم لتجديد الدماء والحماسات والهمم بما يدفع المعركة الى ذرى جديدة والى كر وفر جديد.
طبعا، غير مسموح، كما يبدو، ان ينتصر احد الفريقين، وأنْ يلقى بالاخر الى خارج المعادلات. إجازة الانتصار، الممكن، ليس بايديهما، فالممكن لا تصنعه الرغبات والاهواء. هكذا هي السياسة، فن الممكن، وقل فن التحكم باتجاه الريح. الريح عاتية ومضطربة والسماء غير صافية. الممكن هنا في الحالة العراقية استعصاء مفتاحه بيد الكثير من اللاعبين الذين لا يثقون بنوايا بعضهم. مشكلة الثقة انها مثقوبة بالمحاصصة، ولا احد على استعداد لكي يعطي من حصته ويخلد الى الراحة، كان مترنيخ، مهندس الصفقات اللااخلاقية، يقول اعطوني ساعة واحدة أغـّير فيها مجرىالاقدار، لكن على السياسيين قبل ذلك(يقول) ان يخلدوا الى الراحة ويتركوا الساحة الى صفقات قد لا ترضيهم. فمن الذي يعلن انه سيأخذ بنصيحة مستشار النمسا الذي وصف في قواميس السياسة بالداهية؟ النصيحة باهضة التكاليف؟.
وماذا بعد؟.
ساحة المواجهة خرجت من آخر كر وفر حول قضية مفوضية الانتخابات لتدخل في معركة العقود “الكهربائية” مع الشركات الوهمية التي هدأت حين تدحرجت الكرة الى ملعب البرلمان، ثم، دخلنا في معركة مجلس السياسات الاستراتيجية، والكل يكرّون، والكل يفرّون، ونحن، المتفرجون، نتأسى على ما يحدث، ونخسر دماء ودموعا، والشبعان لا يدري بالجوعان، بانتظار معركة جديدة حول مقعد وزارة الدفاع، وكر وفر جديد.. وسمعة لا تُشرّفُ أحدا.
*
“ إذا شبع المرء.. لم يجد للخبز طعماً”.
   مثل اسكتلندي


123  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الشركات الوهمية وما بين السطور في: 15:27 12/08/2011
الشركات الوهمية وما بين السطور

عبدالمنعم الاعسم
في كل العالم واجهات وهمية لبنوك ووكالات وجامعات ومعاهد تدريب ومصانع ومؤسسات عقارية واستشارية وبورصات توقع المغفلين في شراكها، وفي الغالب يكون المغفلون من دول العالم الثالث الثرية او من اولئك الذين جاءت الثروة من شقاء ومن دول محمية من الضرائب او ان جهازها الرقابي والضريبي في حالة شلل، او ان اجراءاتها ومجساتها وتقنياتها ضعيفة، او ان الفساد الاداري والمالي يضرب في عمق هياكلها، بالطول والعرض، وكل ذلك مما ينطبق على الحالة العراقية ويؤثث له فرصا ومسالك نشاط لا نظير لها في مكان آخر.
لكن قليل من المغفلين يعرفون جيدا هوية واوضاع تلك الشركات ثم يسعون لها بارجلهم، والبعض منهم يتوهم انه  لن يدفع الى تلك المكاتب الانيقة  دولارا واحدا قبل ان تنفـّذ التزاماتها، فيما تلك العقود والوثائق التي توقع تتحول الى “شهادة سمعة” يجري تسويقها في شبكة مالية معقدة تعبر الشركات الوهمية بواسطتها من الرقابة الى مجالات اخرى وقد يجد المغفلون انفسهم في فخاخ او محاكم او تجاذبات يدفعون عنها، في نهاية الامر، اموالهم وماء وجههم.
المعروف هنا ان الغالبية الساحقة من ضحايا الشركات الوهمية في العالم افراد يأملون تنمية ثرواتهم بشروط سهلة ومناسيب سريعة، او اصحاب روابط مالية وتجارية اهلية يبحثون عن “ضربات” تضاعف ثرواتهم ومصالحهم، وتفيد تقارير صحافية اقتصادية ان السعودية ودولة الامارات ومصر كانت الى عهد قريب ساحات ذهبية لنشاط هذه الشركات، وقد شهدت سنوات الحرب العراقية الايرانية وحرب العراق  الاخيرة انتعاشا لهذه الشركات، وليس ادلّ على ذلك من تورط مسؤولين في الامم المتحدة في ملف او اكثر من ملف ذي علاقة بشركات وهمية.
ومقابل ذلك، ثمة القليل من الدول، بما فيها دول التخلف، تقع في حبائل هذه الشركات، وبهذا، يكون العراق من بين تلك الدول القليلة التي تورطت في التعامل مع الشركات الوهمية، وكان آخر هذه الوقائع التوقيع على عقدين مع شركتين المانية وكندية وهميتان لتزويد العراق بمعدات بناء شبكات الكهرباء، وما اسفرت عنه من ضجة اعلامية وسياسية تقاذف خلالها المسؤولون بالاتهامات، والبعض اكتفى بالقول على الطريقة المصرية “مفيش حد احسن من حد".
لقد سمعنا عن افراد مغفلين خدعتهم الشركات الوهمية، ولم نسمع عن دول استغفلتها تلك الشركات.
 *
"المفلس يجتاز السوق سريعا".
مثل انكليزي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

124  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / حكومة الكترونية قادمة في ذي قار الناصرية في: 15:10 10/08/2011

حكومة الكترونية قادمة
في ذي قار الناصرية

عبدالمنعم الاعسم

اتحدث عما يجري في مجلس محافظة ذي قار، الناصرية، نموذجا لاكثر من مجلس ولاكثر من محافظة تتجاذبها خواطر الفضائح ويشغلها هوس التسقيط، وتنام الليل على شائعات وتستيقظ على كواليس وصراعات بين اقطاب المحافظة ولجانها واحزابها فيما الملايين التي انتخبت هذه المجالس تشرب الماء الخابط وتقبض وعودا فارغة وتنتظر فرج الكهرباء شهرا بعد شهر، وتتقلّى على صفيح صيف لايرحم.
مجلس محافظة ذي قار انتهى الى ما يشبه علاوي السمك التي تمتلئ بالضجيج والزفرة والغش، حيث ولد هناك المثل الشعبي البليغ “السمجـة جايفة من راسها” وما نُشر ويُنشر على لسان اقطاب المجلس يثير التساؤل المشروع عن الحلقة المفقودة في كل ما يجري في هذه الدوائر التي شاءت الاقدار ان تتحكم في رقاب الخلق وفي مواجع المواطنين وفي ملازم العيش الآمن الكريم لسكان المحافظات.
تلقيتُ من صديق “ناصري” محضر آخر اجتماع الدورة 151 لمجلس المحافظة، مزدحمٌ بعبارات تسيء الى السمعة واللغة وفكرة الانتخابات معا، ومزوّدٌ بهوامش تستفز جلد الفيلة الذي لاتستفزه النبال، وطالعت بعض وقائع هذا المحضر في تصريحات وتقارير، واللافت، ان اصحاب التصريحات، وهم يتقاذفون بتهم الفساد وخيانة الامانة والاهمال، لايخشون ناخبيهم الذين جاءوا بهم الى هذه المواقع، وكأن الناخبين مضمونون، وفي الجيب، في جميع الاحوال، حتى حين تكون الفضائح قد زكمت الانوف.     
فماذا حدث؟
في هذا الاجتماع لم يتمكن احد من ضبط عدد الحاضرين، بعضهم على الكراسي في النـِصاب وبعضهم الاخر واقف في الباب بين النصاب والغياب. هناك طعون في سلامة الاجراءات والعقود والقرارات، بالاسماء الصريحة والمعطيات الواضحة، ولا احد خارج هذه الطعون، وهناك استدعاءات وتحقيقات ومحاضر تصويت على اقالات ومحاسبات سرعان ما تتمزق وتضيع بين حاضرين وموقعين وغائبين، وهناك غائبون يؤكدون انهم لم يتغيبوا فتنصلوا عن المسؤولية، وحاضرون يقولون انهم لم يفهموا ما يجري فشتموا بعضهم البعض، فتدخّل الحراس في الامر ولولاهم لحدث ما يمكن اعتباره كارثة، وغير هذا وذاك نطالع سطورا عن استجوابات حول ملفات فساد يقوم المستجوَبون قبلها بـ”شطب المحررات الرسمية التي تهم مجلس المحافظة ودوائرها” ثم يتطاولون “على كثير من الاعضاء بالمجلس... الامر الذي اثرعلى الخدمات التي تقدمها دوائر المحافظة للمواطنين.”.
والغريب، بعد كل ذلك، ان ثمة ورقة بعدة صفحات على طاولة الاجتماع منذ زمن طويل عنوانها:  “مشروع الحكومة الالكترونية”.
وبهذا تكتمل المهزلة.
الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يرفض البقاء على ما هو عليه”.
                                      البير كامو

125  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / كاظم الحجاج.. مرثية توماس اديسون في: 18:09 09/08/2011
كاظم الحجاج..
مرثية توماس اديسون

عبدالمنعم الاعسم

اعرف ان حياة كاظم الحجاج لا تعني شيئا بالنسبة لاولئك الذين يمعنون في معاقبة الملايين بحرمانها من الكهرباء، وربما، صاروا يتسلون بإقدام شاعر رائد، عميق الاحساس بمحنة اهله ومواطنيه، على الاعتكاف في منزله حتى الموت اذا لم يفرج "اولي الامر"عن حق الملايين في الحصول على "نعمة" الكهرباء التي يتصرفون بها، ويتعسفون في ادارة خدماتها، ويتقاذفون التهم والشتائم والصفقات من على الشاشات الملونة متجاهلين مكابدة بشر يعيشون في افران خانقة، فيما يعربد في المدينة، وفي كل العراق، صيف لهّاب لا سابق لقسوته.
واعرف ان توماس اديسون الذي اخترع المصباح الكهربائي قبل مائة واربع وعشرين سنة، ويسّره الى كل منزل ومشغل ومشفى، لم يكن ليعتقد ان مدينة مثل البصرة التي تملك ثروات تؤمن انارة قارة كاملة، تنام على ظلام دامس عاما بعد عام، ووعودا بعد وعود، وعقودا زائفة مع شركات موهومة بعد عقود، فيما صيف هذا العام يعربد في منازلها، ويموت فيها اطفال وشيوخ كثيرون، وعلى مدار الساعة.
لم يكن كاظم الحجاج يملك غير حياته وفضلة العمر التي بين يديه لكي يهدد بها المتغافلين عن محنة ابناء شعبه من ابسط لوازم الحياة، المستهترين بمصائر سكان الصرايف والعائلات الفقيرة، الواهمين باننا نصدق رواياتهم عن الاحتباس الحراري واعتلال شبكات الكهراباء، وهو لا يجهل المهمة الشاقة التي اخذها على نفسه، ومن يعرف كاظم الحجاج يتذكر انه لا يعبث بمواقفه، وانه ابن بار لقضية الشعر والانسان، لا يعرضهما للبيع او الدعاية، ولا يزجهما في معارك صوفية، وقد جربته الحياة والقصيدة فكان صادقا ومرهفا ونبيلا وفارسا بكل المعايير.
كاظم الحجاج يعرف لعبة السياسة التي انتجت مهربين محترفين كما يعرف ان موازين القوى لا تسمح باشعال عود ثقاب في منطقة مزحمة بحقول النفط، لكنه يغامر ان يلوح لهم بخزين الغضب الذي يهدد بالاشتعال.
لقد حبس الشاعر البصري الرائد كاظم الحجاج نفسه في منزله بمدينة البصرة، حتى الموت، احتجاجا على عدم توفير الكهرباء لملايين من العائلات في البصرة وفي كل مدن العراق التي تعيش تحت رحمة حر يتجاوز حدود الاحتمال، ورسالته فصيحة ومدوية بكل المعاني: انهم يعاقبونا، ويحوّلون سكوتنا الى صفقات واموال طائلة يهربونها الى خارج الحدود باكياس الزبالة، ونداؤه بليغ بوجوب التخلي عن الصمت والتفرج على هذه المهزلة التي تنفذ على مسرح العراق، وحين يقتدر على الامتناع عن تناول الطعام حتى الموت فانه وصل الى تلك النقطة التي فاض فيها صبره وانتظاره، وترك القضية لنا لكي نجبر اصحاب المهزلة على الكف عن اهانتنا، وليوفروا لاهلنا الكهرباء من بعض ما يسرقون..
ولكي نطلق سراحه من المحبس الذي وضع نفسه فيه.
*
"مراقبة الالم من وراء الزجاج شئ مضحك، كالاطرش الذي يسمع الموسيقى".
محمد الماغوط
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
126  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / مذبحة اوسلو.. متطرفو الديانات في مستنقع واحد في: 21:28 25/07/2011
مذبحة اوسلو.. متطرفو الديانات في مستنقع واحد


عبدالمنعم الاعسم

مذبحة النرويج التي قتل خلالها ما يزيد على مائة مدني واصابة المئات، ارتكبها شابٌ يميني، عنصري، بدم بارد وبتصميم انتحاري دقيق، مخطط له، محسوبة، كما كشفت التحقيقات الاولية، عن مسؤولية “اليمين المسيحي المتطرف” المحلي الذي عُرف بمعاداته لاتباع الديانات الاخرى، وللمهاجرين الاجانب، ولم يكن هذا الحادث ليثير استغراب متابعي نشاط هذا التنظيم المسيحي في النرويج وبلدان اوربية اخرى إلا في همجيته واستعداد بطل الحادث لارتكاب مثل الجريمة الشنعاء بحق حشد غالبيته من اتباع الديانة المسيحية من غير ان يرف له جفن.
وليس من غير مغزى ان تنصرف الاخبار المبكرة عن المذبحة، وقبل ان يجري التعرف على مرتكبها أندريس بيرنج بريفيك، الى اتهام الجماعات الاسلامية الجهادية المتطرفة بالحادث، فان التنكيل الجماعي العشوائي بالمدنيين كسلوك سياسي هو “هوية” معلنة لهجمات متطرفي الاديان والجماعات العنصرية في كل مكان في العالم، بل ان الجماعات المتطرفة هذه تتعلم من بعضها تقنيات القتل الجماعي والهجمات الاجرامية على المراكز المدنية، على الرغم من انها تقع على طرفي معادلة التطرف وتتبنى مناهج الكراهية ضد ديانة بعضها البعض.
بل ان متطرفي الديانات يقتلون من اتباع دياناتهم بالهجمات التنكيلية المسلحة اضعافا مضاعفة مقارنة باعداد ضحاياهم من اتباع الديانات الاخرى. القاعدة التي تتوعد بـ”النصارى واليهود”  قتلت من المسلمين ما يزيد على عشرين ضعفا من اعداد المسيحيين او اليهود الذين سقطوا بعملياتها الارهابية، وضحايا مذبحة اوسلو ليس بينهم مسلما واحدا.
في علم السياسة وتجارب الصراع بين العقائد ثمة نظرية معروفة بمثابة حقيقة تفيد بان اقصى اليمين يلتقي في سلوكه السياسي والحركي مع اقصى اليسار على الرغم من العداوة الفكرية بينهما، وهي التعبير عن لقاء “الاقاصي” من منظومات التفكير التي تعرف احيانا بالتطرف او التشدد او الغلو في تبادل التجارب والشعارات، وفي ما هم اهم، حيث تناصب هذه الاقاصي العداء لفكر الاعتدال والتسامح والوسطية والواقعية، وتعدها خطرا عليها، بل وتضع المعتدلين في مقدمة الخصوم الذين ينبغي تدميرهم.
ومثلما يتخندق المتطرفون المسلمون في عبارات منتزعة من قدماء فقهاء العنف للاستقواء بها على الضحايا والاسترشاد بها الى المذابح وطبول الحرب والتجييش فان سفاح اوسلو هو الاخر احتمى بمقولة نازية قديمة للفيلسوف الانجليزي جون ستيوارت ميل تقول “مؤمن واحد يساوي مائة الف من الاشخاص (غير المؤمنين) الباحثين عن المصالح فقط” ولا يعني هذا المعيار في حساب قيمة البشر إلا إحياء لابشع غريزة عنصرية، فيما عُرف بان الجماعة المسيحية النرويجية المتطرفة “نورديسك”التي تضم المئات من الاصوليين المسيحيين الارهابيين كانت تعدّ انتحاريين لتنفيذ هجمات عقابية ضد المدنيين والمؤسسات الحكومية المدنية للتقرب الى الروح القدس.
فمن علّم هؤلاء فنون الانتحار ومن علّم اولئك فنون التفجير.. والعاهة واحدة؟
*
“الكلاب تنبح في وجه كل من لا تعرفه”.
هيراقليطس


127  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المالكي والحقائب الامنية.. بهدوء في: 21:46 17/07/2011

المالكي والحقائب الامنية..
بهدوء

عبدالمنعم الاعسم


للاسف، لم تكن تفسيرات رئيس الوزراء نوري المالكي لإرجاء تعيين وزراء للوزرات الامنية الشاغرة، مقنعة ومقبولة ومفهومة ومؤولة في جميع المنظورات والمعايير، وليست تقوم على مبررات تجيزها احوال البلاد المضطربة والحساسة، واستطيع ان اخلص، من غير لف ودوران، بان لا احد من الفئات السياسية وحتى من اقرب تلك الفئات الى كابينة المالكي، فضلا عن معارضيه، من هو مقتنع بالاسباب التي يكررها لاستمرار ربط وزارات الدفاع والامن به شخصيا، باستثناء، ربما، الشريحة الحزبية التي يقودها وبضعة زعامات وسلسة طامعين في اشغال مواقع يتيحها الفراغ الامني الناتج عن تغييب تمثيل شركاء العملية السياسية في تلك المواقع.
المطالعات التي قدمها رئيس الوزراء، في اكثر من مقابلة تلفزيونية، عن عدم اهلية المرشحين الذين قـُدموا من قبل الشركاء السياسيين للمناصب الوزارية الامنية، ورفضه لهم واحدا بعد الاخر، تحمل المحلل الموضوعي على الاعتقاد بان المالكي مصرٌّ على توزير اشخاص على شاكلة نمطية خاصة تتطابق مع فلسفته ونظرته وسبل ادائه، عدا عن موجبات الولاء السياسي الذي ينبغي ان يكون مضمونا له في جميع الاحوال، وبخلاف ذلك، كما يمكن ان يُفهم من مطالعاته، فانه وحده(في نهاية المطاف) الشخص المناسب الى تلك المناصب الشاغرة.
واستطرادا، يتبادر الى الذهن ما هو اخطر من كل ذلك وهو الاتي: ان المالكي يرغب ان يكون الوزير الامني شخصية منفذة شأن اي موظف في مكتب رئاسة الوزراء، وان يكون (للاسف) ضعيفا، غير ذي ارادة ومشيئة ورؤيا ومسؤولية، وكل ذلك يشجع البعض من المعلقين والساسة الى الحديث عن اتجاه دكتاتوري في البلاد، اخذا بالاعتبار بان الدكتاتوريين يضيقون بالطواقم القوية والمفكرة وباصحاب الرؤى المتمايزة، ويميلون الى احاطتهم بموظفين لا يعترضون، ولا رأي لهم في ما يحدث غير المديح لصاحب السلطة.
ومن يتملـّى جيدا الاسماء التي جرى تداولها كمرشحين للوزارات المعنيّة، وبعضها رشحتهم كتلة التحالف الوطني، وفقدوا حظوظ الموافقة عليهم من قبل رئيس الوزراء، سيضع ترسيما سياسيا غير مريح لمستقبل العملية السياسية في العراق، كما سيضع، بالضرورة، صورة معتمة للاوضاع الامنية في ظل هيمنة مركز واحد وعقل واحد وحزب واحد على منافذ التخطيط والتنفيذ لفرض القانون واستعادة الاستقرار في البلاد.
اما الحديث عن مرشحين تلاحقهم ظنة الاجتثاث، فيبدو ان المفاضلة المعلنة بين هذا (المجتث) وذاك، وتقريب هذا (المجتث) وإبعاد ذاك، قد قللت من اهمية معيار الاجتثاث الذي ا ُريد له، في الاصل، ان يكون حائلا دون تسلل مجموعة الجلادين السابقين الى مراكز الدولة الجديدة، من أي طائفة او قومية كانت، في وقت يشير المواطنون باصابع لا تخطئ الى جلادين عادوا الى المشهد الحكومي برداء الولاء الى القوى والمقامات المتنفذة.
يبقى الدستور وحده مركونا على رفوف عالية، فلا هو ينزل الى ساحة الخلاف للفصل بين المتشابكين. ولا هم يكفون عن مناداته بالتدخل لحل الخلافات.. ولا حياة لمن تنادي.
 *
كلمة الحق تقف دائما في الحلق لانها كبيرة”.
حكمة“




128  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / هزيمة للعقل “العرواسلامي” المحافظ في: 20:02 15/07/2011
هزيمة للعقل “العرواسلامي” المحافظ

عبدالمنعم الاعسم

السبت، التاسع من تموز- يونيو، سيدخل التاريخ كيوم لولادة اول دولة تقيمها اقلية قومية ودينية في العالم العربي على ارض لا تزال تحمل اسما مشتركا، السودان، وذلك بعد ان تعذر قيام دولة متعددة القوميات والاديان على جغرافيةهذه البلاد الوطنية وبعد صراع طويل امتد على سطح اربعين سنة من الكوارث وبرك الدماء وطبول الحرب كشف فيها العقل العروبي الاسلامي عن عجزه عن استيعاب قضية حق تقرير المصير للشعوب والاقليات التي تضمها خارطة الوطن العربي.
دولة اقامتها اقلية عريقة مضطهدة ودفعت عنها مليونين من الضحايا خلال عصيان مدني ومسلح لم تكن “الامة الكبرى” وحكوماتها ونخبها “العرواسلامية” قد استوعبت احكامه ونتائجه، ولم تكن قنواتها تستوعب اقامة دولة شراكة ومساواة عادلة لا مكان فيها للتمييز القومي والقهر الديني، ولم تكن هذه الدولة الجديدة متبرَّعٌ بها من أحد، وليست منة ً من حكومة او صفقة في الظلام، بل جاءت في سلسلة طويلة من المفاوضات والتجاذبات والاتفاقات والتوقيتات، وعبر هياكل تشريعية وتنفيذية غاية في التعقيد والمصاعب.
والدولة الجديدة، بالاضافة الى ذلك كله، جاءت بنتيجة حكمة مفاجئة لممثلي الدولة الام لشعب شمال السودان بالاعتراف اخيرا بعقم خيار القوة والالحاق القسري لشعب الجنوب، من جهة، ولصبر ساسة الجنوب وتفهمهم لضرورات الحلول الوسط تنزع من على خطوط التماس عداوة بين شعبين متجاورين ومتصاهرين لا احد يقدر نتائجها الكارثية على الطرفين، من جهة اخرى.
كان شعب الجنوب، يعيش طوال ستة عقود في كيان مستقل في الواقع (الدين والارض واللغة)لا يستطيع ان يسميه وطنا، ولا يعرف من الشراكة في الوطن الام غير الحملات العسكرية والطائرات القاذفة التي تغير عليه لانتزاع طاعته القهرية لحكومة الخرطوم، ولم يكن ليعرف من الحريات غير حرية واحدة تتمثل في اللجوء الى الغابات او البراري او الى ما وراء الحدود اتقاء حملات العقاب العسكرية، او العيش بمواطنة من الدرجة العاشرة نظير القبول بهامش لا انساني ولا عادل من الحياة.
وليس مثيرا للغرابة ان تتلقى الخرطوم، طوال حروبها الاخضاعية ضد شعب الجنوب، دعما وتشجيعا متعدد الاشكال من شقيقاتها في الجامعة العربية على اختلاف نوعية الحكم الذي تتخندق فيه ونوعية الايديولوجيا التي تتبناها، فان فكرة احترام خصوصيات وحقوق القوميات الاخرى والاقليات الدينية التي تشاركها الارض والمصير ليست واردة لدى هذه الجول، لا على مستوى التشريعات والممارسات ولا حتى على مستوى قيم الانسانية والشفقة والجيرة، والنتيجة، ان جميع شركاء الدولة السودانية في الرابطة القومية قد حاربوا شعب الجنوب السوداني بالجنود والاموال والسلاح والتحريض، كلٌ بحسب ما تجود به غيرته القومية والدينية، وكان الشعار الاكثر رواجا، وانحطاطا، وزيفا، هو الحيلولة دون قيام اسرائيل ثانية في جنوب السودان، فيما هم يدخلون مع اسرائيل الاولى في سلسلة صفقات مهينة.
طبعا، لم تكن الحركة الجنوبية المسلحة، وقياداتها، خارج الملامة ومحاذير التخبط في الكثير من مواقفها وسلوكها وتحالفاتها، وبخاصة في ادارتها للتحالفات الخارجية وللصراعات والخلافات الداخلية بين فئاتها وشخصياتها وسقوطها في العديد من مفارق الطرق والاحداث في اغواءات التصفية والتنكيل والتآمر ما دفع شعب الجنوب ثمنه الباهض من دورات الاقتتال والنزوح والمجاعة، وذلك قبل ان تتجه الى طريق الحوار لاختصار المحنة التي يعيشها السكان.
لقد سقطت اللازمة السودانية التاريخية والمضللة حول “وحدة البلاد” لاول مرة العام 1972 إذ تبين في مؤتمر اديس ابابا في ذلك العام ما هو معروف على ارض الواقع بان البلاد غير موحدة في واقع الامر وان الحرب الاهلية بين القوات الحكومية والحركة الشعبية لتحرير الجنوب السوداني، طويلة الامد، اكبر دليل على ان البلاد مقسمة على اية حال، على الرغم من التأكيدات المتكررة التي كان يطلقها زعيم الحركة الجنوبية جون قرنق بان الحركة لا تعمل على انفصال الجنوب.
غير ان اتفاق اديس ابابا الذي اقر حق شعب الجنوب السوداني بنصيب من ثروة البلاد وعدم تطبيق الشريعة الاسلامية في اقليمه لم يكن ليطوي اوهام القيادات السودانية الحاكمة لاخضاع الجنوب السوداني المتمرد بالقوة العسكرية، وقد صمم انقلابيو 1989 الذين مثلوا التحالف القومي الاسلامي الجديد(البشير. الترابي) العودة الى طبول الحرب لغرض “استعادة وحدة السودان” فشنوا حربا واسعة لحرق الارض ومن عليها وفرضوا الشريعة الاسلامية على شعب يدين بعقيدة دينية اخرى، وانخرطوا آنذاك في تحالف مع نظام صدام حسين في اطار “المؤتمر الاسلامي الشعبي العربي” الذي تبنى في العام 1993 منهج استئصال الاقليات القومية والدينية بذريعة المعركة الكبرى ضد اسرائيل والغرب، الامر الذي دفع الحركة الشعبية وجميع مكونات وشرائح الجنوب السوداني الى صياغة مطلب حق تقرير المصير الشرعي والمبرر في ظل حرب الابادة التي كان يشنها حكم الجماعة الاسلامية-القومية قبل ان تنكفئ الى الفشل الذريع.
آنذاك قال زعيم المعارضة السودانية الصادق المهدي: “إن إعلان نظام البشير عن هوية “الإسلاموية- العروبية” وإعلانه الجهاد ضد غير المسلمين وحتي ضد المسلمين المختلفين معه، أثار عداء ومخاوف الأقليات العرقية والدينية في السودان” ومما له دلالة ان يصرح زعيم حركة الجنوب قرنق غداة صعود البشير الى السلطة خلال سلسلة من الانقلابات والتصفيات وفي دعوة الى الاخير الى عقد صفقة سلام جديدة قائلا “ان حسن البشير متمرد مثلي، وانا اكثر منه خبرة في هذا المجال” فيما رد البشير بالغاء اتفاق السلام مع الحركة الجنوبية ودعوة الجماعات الجنوبية المسلحة الى القاء السلاح، لكن مفاوضات جديدة في العام الفين بين البشير وغارانغ كانت بحاجة، كما يبدو، الى مئات الالاف من القتلى الجنوبيين وجنود الجيش السوداني ونزوح مايزيد على مليون مدني الى ما وراء الحدود، وجاء الاتفاق هذه المرة في اجواء هزيمة منكرة لخيار استخدام القوة وعزلة نظام البشير على كافة الاصعدة.
في غضون ذلك، وفي العام 2003، انفجرت مشكلة “دارفور” حيث كان يعيش في ذلك الإقليم العرب البدو، والزنوج حيث انحاز النظام الى القبائل البدوية العربية ضد القبائل الزنجية، بدل ان يوقوم بواجبه في تهدئة الاوضاع، فتفاقمت الصراعات، وشكل الزنوج لأول مرة أحزابا مسلحة ضد نظام البشير عام 2003 وخرج النزاع من الإطار السلمي إلي مواجهات مسلحة بين العرب المدعومين من الحكومة وبين الزنوج، وتم تدويل الصراع أيضا في دارفور، فغرقت بلاد السودان بين تدويلين، واحد الى الجنوب والآخر الى الغرب.
في التاسع من كانون الثاني/يناير 2005 انتهت اطول حرب تشهدها القارة الافريقية بتوقيع قرنق اتفاق سلام مع الخرطوم اعفي بمقتضاه الجنوب من الشريعة الاسلامية التي فرضت على سكانه واتيحت له فترة ست سنوات من الحكم الذاتي تمهيدا لاستفتاء يصوت فيه الجنوبيون على حق تقرير المصير بين البقاء ضمن سودان موحد او الانفصال عن الخرطوم، وفي كانون الثاني/يناير 2011 صوت جنوب السودان للانفصال عن الشمال باغلبية 98,83 بالمائة لصالح الاستقلال.
في معايير الحرب كان البشير قد هزم في حرب الجنوب، واستسلم الى الخيار الذي حاربه بكل قوة: التفاوض على قاعدة حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.. ولكل استسلام ثمن.
*
بعد اسبوعين من اعلان جنوب السودان دولة مستقلة يمكن للمراقب ان يرصد جو الخيبة والمرارة والاحباط الذي يعم إعلام وصحافة الدول العربية وذهول العقل “العرواسلامي” الكهفي. تكفي الاشارة هنا الى انه، باستثناء مصر والسودان لم تعلن اية دولة عربية الاعتراف بالجمهورية الجديدة غداة اعلانها ، بل ان كتابات وتقارير صحافية وتلفزيونية محسوبة على انظمة في المنطقة القت بظلال الريبة على هوية الدولة الجديدة وسلوكها، والاغرب من كل ذلك، ان يجري التأليب عليها مرة لانها، حسبهم، مشروع مشبوه لتقسيم ارض السودان والدول الاخرى، ومرة اخرى لانها ولدت بالقوة واستثمارعزلة النظام السوداني وهزاله، ومرة ثالثة، لأنها تلقت ترحيبا من اسرائيل واستعداد الاخيرة لاقامة علاقات دبلوماسية مع جوبا، لكن الكثير من التعليقات جاءت منزعجة مما قيل عن ولادة دولة علمانية في قلب المنطقة.
وبدلا من التفكير مليا في خصوصيات شعب الجنوب ومعاناته الطويلة تحت دورات الحملات العسكرية الانتقامية فان حملة الكراهية والتأليب التي شنها العقل “العرواسلامي” المحافظ ، إذا ما توصلت على هذا المستوى من الهستيريا، ستجعل من دولة جنوب السودان خصما جاهزا، وستخسر هذه المنطقة فرصة لكسب دولة اعلنت منذ ولادتها بانها ستكون مسالمة وصديقة للدول المجاورة وتتعامل بروح حسن الجوار مع الجميع، وانها، قبل كل شيء، ستنصرف الى تعمير ما خربته الحرب وتعكف على تضميد جروح واوجاع اجيال من شعبها الذي يعيش حالة الفقر ويصنف على انه من اكثر شعوب العالم تخلفا وفقرا وحاجة الى المساعدة والسلام.
اما اعلان جنوب السودان دولة علمانية فهو لايحتاج الى الكثير من الجدل والتأويل، فالصراع الطويل وحروب الاستئصال العرقي تركت مشاكل دينية بين مسيحيي الجنوب ومسلمي الشمال، الامر الذي ينبغي احتواؤه بوضع دور العبادة والمؤسسة الدينية على مسافة محسوبة من شؤون بناء الدولة الجديدة التي يلزمها بيئة سلام اجتماعي علمانية اكثر من اي شيء آخر، واللافت هنا، ان الاقلية المسلمة في جنوب السودان ذي الاكثرية المسيحية (مثلما هي الاقليات المسلمة في جميع العالم) هي الرابح الاول من علمانية الدولة، بل انها (كما في الهند مثلا) من اكثر الشرائح السكانية تمسكا بالتشريعات العلمانية التي تفصل بين الدين والسياسة وتعامل اتباع الديانات المختلفة بمعايير المواطنة والمدنية والمساواة.
وإذ اُعلنت دولة الجنوب السوداني وهي في طريقها الى كسب عضوية الامم المتحدة فان على الشعوب العربية وطلائعها ونخبها المتنورة ان تتصبر عليها وتساعدها وتوفر حسن الظن بها، وقبل ذلك، ان تأخذ بالاعتبار علاقة شعبها بالبعد الافريقي الذي كان عاملا في حمايته من حملات الابادة الدورية، وهي هوية هذه الدولة، بل وعلى العقل السياسي العروبي الاسلامي ان يقبل حقيقة تفصيلية تتمثل في ان الكثير من الشعوب والاقليات القومية والدينية التي تعيش ضمن الاطر السيادية للدول العربية والاسلامية تحتفظ بخصوصيات وامتدادات خارج الحدود.
من زاوية غير متفائلة، يبدو ان الثقافة السائدة في هذه المنطقة لا تزال مغلقة امام اوكسجين التحولات العاصفة التي تهب على العالم.. وإلا ماذا؟. 


129  الاخبار و الاحداث / أخبار العراق / لندن: 30 باحثا واكاديميا يناقشون عقبات اقامة الدولة المدنية في العراق في: 19:56 15/07/2011
لندن: 30 باحثا واكاديميا يناقشون عقبات اقامة الدولة المدنية في العراق
خاص
اكد ثلاثون من الباحثين والاكاديميين والمثقفين العراقيين على خيار اقامة نظام مدني ديمقراطي ولاحظوا وجود تحديات وصعوبات وانشطة وتشريعات وهياكل سياسية واجتماعية تعرقل اقامة هذا الخيار  واجمعوا على ضرورة بناء الكتلة الديمقراطية الوطنية ضمانا لعملية الاصلاح الشاملة وانقاذ البلاد من الدوامة الامنية والسياسية واقامة الدولة المدنية الديمقراطية.
وناقش الحاضرون خلال مائدة مستديرة عقدتها في لندن في الرابع والعشرين من حزيران- يوليو 2011 لجنة دعم الديمقراطية في العراق اربعة محاور  قدمها اربعة باحثين هم الدكتور عصام الخفاجي وبدور محمد الدده والدكتور ابراهيم الحيدري وعبدالمنعم الاعسم تضمنت قضايا الازمة السياسية في العراق ومشكلات التشريع والدستور والتشوهات الاجتماعية وآفاق الاحتجاجات الشعبية وعلاقتها بما يحدث في المنطقة العربية.   
وتوقف الدكتور الخفاجي في مداخلته عند مأزق النظام السياسي الجديد في العراق وقدم “تأملات في خيارات الديمقراطيين” مؤكدا بان العراق “حقق ما تسعى له الثورات المستعرة في المنطقة منذ بداية هذا العام من حيث إقامة نظام ديمقراطي تعددي برلماني إذ لم تسجل المنظمات الدولية والمحلية حالات تجاوز وتزوير واسعة النطاق، لكن هذا النظام أعاد إنتاج فساد النظم الدكتاتورية وانعدام شفافيتها وانتشار المحسوبية في داخلها” مع التأكيد على تسليط الضوء على “الدور الذي لعبته وتلعبه أعمال العنف المسلح من فلول النظام البائد وجماعات الإرهاب السلفي ومن مجموعات ارتأت إن النظام الذي قام بعد 2003 هو صنيعة أمريكية ولابد من محاربته في تدهور الوضع في العراق” ولاحظ انه “بعد ثمانية سنين من انهيار نظام الإرهاب وبعد انحسار الدور الأمريكي لاعسكريا فحسب، بل سياسيا أيضا لم يجر العراقيون مراجعة حقيقية للنفس ولدورهم في إيصال الأمور إلى ما آلت إليه” وقال “كان خروج التظاهرات الحاشدة المطالبة بالإنتخابات الفورية نذيرا لا بانزلاق العراق إلى شكل مبطّن من أشكال التبعية وتخندق الزعامات المذهبية، بل بأن الطبقة السياسية الآخذة بالتكون إثر سقوط نظام صدام حسين تستفيد من تأجيج الإستقطاب الإجتماعي صارفة بذلك أنظار الجمهور عن القضية الأساس المتمثلة في بناء عراق مدمّر” واوضح بان “مايجب إبرازه هنا هو إن النظام السياسي العراقي الراهن ليس في أزمة بالمعنى الدقيق للكلمة، أي بمعنى عدم قدرته على الإستمرار، فالإنتخابات الدورية للبرلمان لن تتوقف، والطبقة السياسية قد تتطعم بوجوه جديدة لكنها ستظل على حالها في المدى القصير على الأقل، والعراق ليس على أبواب ثورة على اية حال”.
وطرح الدكتور الخفاجي للمناقشة خيار تشكيل المجلس الاتحادي مؤكدا “إن هذا المقترح لايزعم تقديم حل سحري لمشاكل النظام السياسي في العراق، لكن العمل من أجل تشريع قانون لمجلس الإتحاد الوارد في الدستور يستند في تكوينه إلى أرضية تأخذ الوقائع بعين الإعتبار لكنها تفسح المجال أمام مستقبل تصنعه أجيال شابة. والدعوة لإنتخاب أعضاء هذا المجلس بأسرع وقت ممكن يمكن أن يسهم، في رأيي، في إحداث تغيير نوعي يضفي على هذا النظام صفة ديمقراطية. وككل منجز من هذا النوع، فمن البدهي أنه سيصطدم بمصالح راسخة تحاول عرقلته بشتى السبل لكن كاتب هذه الورقة يرى أنه يصب في مصلحة الغالبية الساحقة من أبناء شعبنا” . 
 *
ووقدمت الباحثة بدور زكي الدده مداخلتين قانونيتين، الاولى، عن قانون الانتخابات اشرت فيها جوانب الخلل في هذا القانون والحاجة الى تشريع قانون جديد يتوافق مع احكام الديمقراطية وحماية حقوق الناخبين، والثانية تناولت ازمة النظام التشريعي في العراق واشارت فيها الى “ان أزمة النظام التشريعي في العراق تعود الى نهاية الستينيات من القرن الماضي، وتحديداً بعد انقلاب السابع عشر من تموز من العام 1968 الذي كرس سلطة حزب البعث، وانشأ مايسمى ب مجلس قيادة الثورة، الذي لعب دور المشرع الأعلى، دون ان يتوافر على كفاءات قانونية”  وقالت “ان البرلمان العراقي لم يقم بجرد شامل لقرارات مجلس الثورة، لتبيين مايمكن الابقاء عليه منها وما يجب الغاءه، ما ادى الى عدم الوضوح لدى من يتولون تنفيذ القانون، وأوقع المواطن العادي في حيرة وتخبط  بسبب تضارب التشريعات وتعددها” ولاحظت “إن مخاطر الاستبداد ماثلة امامنا وهي واقع يعيشه العراق من خلال صيغ تتبنى مسميات ديمقراطية” وحذرت من حشر مصطلحات غامضة في التشريع مثل “الاداب العامة” وقالت انه “بالاستناد الى مقولتي النظام العام والآداب، يمكن للحكومة ان تمنع انتقاد سياستها وان تحد من حرية المواطنين في تنظيم نشاطات تستهدف الدفاع عن حقوقهم الاساسية. كذلك يمكن حرمان المرأة من حقها في المشاركة في أوجه الحياة العملية بشكل عام ومن غموض المرجعيات القانونية” وضافت “يمكن الإكتفاء بما حددته لجنة الأمم المتحدة لحقوق الانسان وفق الاعلان العالمي الصادر في العام 1948، وبالتحديد المادة 29 منه، التي تقضي بان حق الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته يخضع للقيود القانونية التي تضمن الاعتراف بحقوق الغير وحرياتهم واحترامها” وتوقفت عند حقوق المراة قائلة “ ان المادة 44 تنص على ان " للعراقي حرية التنقل والسفر والسكن، داخل العراق وخارجه" ونظرا لما تحملته المرأة من اضطهاد بسبب االقيود التي فرضها النظام السابق على حريتها في السفر والزامها باصطحاب محرم، ولكون مثل هذه القيود مازالت تفرض عليها باشكال اخرى، ينبغي استكمال المادة بالتالي: وللعراقية الحقوق نفسها دون قيد ويلغى كل نص في القانون يتعارض مع هذا المبدأ”.
واكدت الباحثة بدور الددة في ختام مداخلتها انه “يمكن تدارك الكثير من المبادئ التي لم تجد لها حيزا في الدستور , وذلك بتضمينها في الاحكام  الختامية.. وبما ان اكثر من خمسين مادة في الدستور تقتضي تشريع قانون خاص لتفعيلها، وما يعنيه ذلك من تعطيل للمبادئ وفراغ قانوني ودستوري يؤدي الى استمرار تطبيق بعض القوانين السابقة، التي قد تنطوي على تعسف او انتقاص من الحقوق، اقترح الاضافة التالية ضمن الاحكام الختامية:
يمكن الاستناد الى بعض المبادئ الواردة في مواد  دستورية معينة، امام المحاكم حتى لو كانت المادة المعنية تشير الى تشريع قانون لاحق وناظم لها، ذلك ان الدستور هو القانون الاعلى، ويفترض ان احكامه تتجاوز القوانين الادنى منه” .
*
 وتحت عنوان “ملاحظات حول ازمة المجتمع العراقي” قدم الباحث الاجتماعي الدكتور ابراهيم الحيدري مداخلة اثارت الكثير من المناقشات واشار فيها الى بداية تشكل الدولة العراقية وتطورات العملية الاجتماعية “حيث كان الافراد ينقسمون في فترة الحكم العثماني الاستبدادي الى رعايا وليس مواطنين والى افراد ينتسبون الى قبائل و طوائف ومناطق وحرف وينقسمون بدورهم الى بدو وريفيين وحضر. واذا كان هناك تناسق ظاهري بين مكونات الشعب العراقي، فهناك اختلافات عديدة ..فبالرغم من الادعاء بالاصل الواحد، فالعراق لم يكن الا وارث شعوب واجناس وقبائل وطوائف ولغات متنوعة تهيأت لها بعض المستلزمات الضرورية لقيام حكم وطني”واضاف “ان المواطنة مفهوم ذو دلالات اجتماعية وسياسية مستمد من كلمة وطن بكل ما تحمله الكلمة من معاني الارتباط بالارض والتاريخ واللغة ومشاركة الفرد في السلطة. وبهذا المعنى تعني المواطنة منظومة من القيم ومشاعر الولاء والانتماء التي تكرس معنى المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات وتحترم التعددية والتنوع وتلغي الفوارق الاثنية والدينية والطبقية والجنسية بين البشر.. وبالرغم من ضعف الدولة الملكية واستبدادها والتناوب الديمقراطي الشكلي فيها، فقد تطورت روابط من المشاعر الوطنية المشتركة بين فئات وطبقات المجتمع العراقي”.
وتوقف الدكتور الحيدري عند التراجع المدني والحضاري في عهد الدكتاتورية حيث فرض نظام ابوي استبدادي “ما لعب دوراً كبيراً في تغيير الثوابت الوطنية للشخصية العراقية وتشويه سماتها الأصيلة وهيأ لوقوع العراق تحت براثن قوات الغزو والاحتلال ونظام المحاصصة” واشار الى شيوع ثقافة العنف والارهاب والاحتراب باشكاله المختلفة، وختم مداخلته بالقول ان “بالرغم من هامش الحرية والديمقراطية ومشاركة الملايين في الانتخابات،  فقد ازدادت مشاكل المرأة واستلبت حريتها وتعمق خضوعها واضطهادها، كما تفاقمت مشاكل الشباب والاطفال وارتفعت معدلات الجريمة والجنوح والتجاوز على حقوق الاخرين، وان تراجع الوعي الاجتماعي والثقافي والسياسي عمل على تزايد تدهور طرائق التربية والتعليم  والثقافة وتخلف "الذهنية" العراقية واستلابها.
*
وفي مداخلته عن اتجاهات حركة الاحتجاج الشعبية الجديدة في العراق والدول العربية اكد الكاتب عبدالمنعم الاعسم بان عُمـُر حركة الاحتجاج العربية لا يزيد الآن عن ستة شهور وحققت في مجال الحريات والديمقراطية ما حققته "حركة التحرر الوطني العربية" في ستة عقود من الزمن، لكن لم تنجلي بعد عن قسمات محددة يمكن التأسيس عليها في قراءة المستقبل”واضاف القول”لقد نجحت حركة الاحتجاج في الاطاحة بنظامين مستبدين (تونس ومصر) وزعزعت اساس نظامين آخرين وهما قيد الاطاحة (ليبيا واليمن) وضربت في الصميم نظامين بوليسيين احدهما للحزب الواحد العائلي (سوريا) والثاني للعائلة القبلية الطائفية (البحرين) كما سجلت محاولات مهمة للتغيير نحو الديمقراطية والتخلص من النخب الحاكمة والفاسدة في كل من الجزائر والمغرب والاردن والعراق” وتوقف عند مشاركة الجماعات الاسلامية في حركة الاحتجاج فقال “ان  التيارت الاسلامية (باستثناء البحرين)  لم تتصدر حركة الاحتجاجات وحاولت التأثير فيها او السيطرة عليها، ويمكن القول ان لأخوان سوريا بصمة في بعض الفعاليات مع ملاحظة انهم التزموا المطالبة بالدولة المدنية، فيما اخفقت الجماعات الجهادية المسلحة في الساحات الاخرى في مماشاة حركة الاحتجاج، اولا، لانها ليست معنية بمطالب الخبز والحرية واعتبرتها شعارات علمانية، وثانيا، لموقفها الرافض من تعاطف الغرب مع الحركة” وقال “لقد ظهرت بعض السلبيات من تأثير المؤسسات السياسية  المحلية وتدخلات الدول الاخرى على مسار حركة الاحتجاج، ومن تراجع دور وثقل القوى الشبابية الساخطة والمهمشة، الامر الذي استغلته القوى الحاكمة في اتجاهين: القمع السافر او محاولة الابتزاز والاغواء.
وتحدث الكاتب الاعسم عن حركة الاحتج في العراق مؤكدا بان المحتجين”غالبيتهم من الشباب العاطل والمهمش والساخط على المحاصصة والفساد وشرائح من سكان الاحياء الفقيرة والمحرومة من الخدمات وبعض جمهور منظمات المجتمع المدني والنخب الثقافية، وفي بغداد اثارت الحركة اضطراب القوى المتنفذة التي تعاملت معها بالتضييق (طيران. خراطيم المياه. اعتقالات) وبالوعود الباذخة مثل الاستجابة لجميع المطالب في غضون مائة يوم” وخلص الى القول بان الكتلة احتجاجية، على هشاشتها، بدت انها قابلة للتماسك والتطور والتأثير كما ظهرت امكانيات للتوسع وضم قطاعات شبابية جديدة لحركة الاحتجاج من داخل الشرائح القريبة من الكتل النافذة، مع ظهور ملامح  استعداد كبير للصمود بوجه التعديات ومحاولات الاختراق من قبل الجماعات الارهابية.
*
وفي ختام المداخلات جرت منا قشات فكرية مستفيضة حول المحاور شارك فيها  جميع الحضور واظهرت المناقشات تنوعا في الرؤى الفكرية والسياسية حيال العديد من القضايا التي طرحها الباحثون، منها حول فائدة تشكيل المجلس الاتحادي في ظل استشراء الفساد وقواعد المحاصصة وضعف المكونات الاجتماعية للديمقراطية وان المجلس الاتحادي سيضاف الى طائفة من الهياكل غير الفاعلة والمشلولة، واكد متناقشون عقم الديمقراطية التوافقية في العراق حيث غيبت امكانية قيام معارضة برلمانية، كما قدم اخرون اسئلة مهمة عن مستقبل الدولة الريعية وتخبط الادارة الجديدة في احتواء مخاطر الاقتصاد النمطي القائم على موارد النفط، ولاحظ متداخلون بان عدم تشكيل المحكمة الاتحادية ادى الى تضارب تفسيرات الدستور فوق غموض نصوصه في الاصل، كما اشار عديدون الى الخلل الناجم عن عدم اجراء التعداد السكاني،  والى التشوهات الاجتماعية الناجمة عن ازدياد عدد الاميين في العراق وغياب اسس التعليم المنهجي السليم.   
واجمعت المناقشات على ضرورة استمرار البحث الفكري والميداني عن نهاية للازمة الشاملة في البلاد والسعي الى بناء الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية.

لندن- فوزية العلوجي
130  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / فشـل الخطاب الامني في: 22:56 09/07/2011
فشـل الخطاب الامني


عبد المنعم الاعسم
 
الخطاب الامني من اعقد واخطر وظائف الحكومة لمحاصرة الجريمة وتعبئة المواطنين حيالها، وقد ينقلب الى الضد من وظيفته إذا ما قـُدم بعجالة وتخبط وتضارب، بل وقد يكون عاملا في ترويج الجريمة والتغطية عليها حين يكون هذا الخطاب بيد موظفين غير مهنيين او غير متخصصين او غير مؤتمنين على حياة المواطن ومصالح البلاد.
الدول الحريصة على امنها تعكف على بناء خطاب امني منهجي صارم يقوم على كيمياء المصداقية والاقناع واحترام العقل ويتجنب اللف والدوران وانصاف الحقائق واستغفال الجمهور ودس معلومات اضافية وغير واقعية ضد “العدو” كما انها تعهد مسؤولية الخطاب الامني الى خبراء في التعبئة والاعلام ممن يمتلكون معارف في القانون الجنائي واللغة والسايكولوجيا وعلم المخاطبة وكفاءة التنبؤ واحتساب الحساسيات والمخاطر لضمان التأثير في الجمهور وكسبه.
لننظر كيف تعامل، ويتعامل، الخطاب الامني العراقي الحكومي مع الحرائق التي تنشب في المؤسسات الحكومية، وآخرها حريق وزارة التعليم العالي. انه بدأ –كما في بقية الحرائق- بتصريح من مسؤول كبير يقلل فيه من شأن الحادث فنكتشف انه حادث خطير وخسائره فادحة، أو ينفي احتمال التعمد ويلقي الحادث على عاتق “الاسباب الفنية” وانه لم يطل وثائق وعقودا وفواتير وملفات تحقيق في فساد، ثم يأتي الخطاب الامني ليدور على حواشي نفس الجملة الامنية، ثم ليتناقض معها، بعد ان يكون معروفا بان الحرائق مدبرة وموجهة الى اتلاف بصمات تخص مخالفين ومخالـَفات، فيما يفوت اصحاب هذا الخطاب العقيم، دائما، بان عقل السامع والمشاهد ينصرف الى تلك البقع الغامضة في كومة المعلومات المضطربة التي يتلقاها ليربطها بخلفيات الحدث وما كان قد نشر عن وجود مخالفات وتلاعب وفساد في الوزارة، ولا أحد يستطيع ان يمنع المواطن من الاعتقاد بان “الجملة الامنية” الحكومية بعد كل ذلك تكذب عليه.
هذا السيناريو جرى في حوادث امنية خطيرة اخرى(حادث البنك المركزي. هروب سجناء البصرة. حادث سجن التسفيرات. تفجيرات المحافظات. اغتيالات الكواتم..الخ) سوى ان الحكومة تعلن عن تشكيل “لجان تحقيق” لا احد يعرف الى ماذا توصلت، بل ان الخطاب الامني استمر، كما في كل مرة، في اللهاث وراء الاحداث واطلاق الديباجات الباردة عن الاقتدار الامني للدولة ونجاح المفارز الامنية في تفكيك خلايا الارهاب او القبض على ارهابيين، وتتبعها الخدمة التلفزيونية الحكومية او الموالية التي تقدم الى الجمهور طائفة من اللقطات والاعترافات والمتابعات الامنية الخالية من الاتقان الحرفي ومن عناصر الاقناع، ثم تتبعها خدمة اخرى “معاكسة” تتولى تقديمها اقنية ربطت نفسها بمشروع تهديم العراق حجرا فوق حجر لتتحدث عن وقائع وروايات ومستمسكات سرعان ما يصدقها جمهور واسع قبل ان يكتشف غشها.
باختصار شديد، يمكن القول ان ثمة فجوة بين المواطن العراقي والخطاب الامني، وثمة، بالمقابل، إصرار عجيب على تقديم الجملة الاعلامية الامنية على خطى ابجدية الاعلام الدعائي المستهلـَك الذي تعوّد الاعلان بعد كل هزيمة: الرئيس سالما. انتصرنا.
*
“من يجلس فوق مقعدين يسقط بينهما”.
حكمة ايرانية



131  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / بانتظار ساعة الصفر في: 21:22 07/07/2011
بانتظار ساعة الصفر

عبدالمنعم الاعسم

ساعة الصفر العراقية ليست موعد انقلاب عسكري على الطريق، فقد مضى عهد الانقلابات عندما كانت سلطة القرار ومشيئة البلاد وارواح العباد بيد شخص واحد او جماعة واحدة، يطاح به، أو بها، فيطاح بالسلطة والنظام والقوانين والسياسات ورجال الحكم، وبالشخص الحاكم وجماعته قبل الجميع فيما ازدحم رصيد العراق من الانقلابات التي زادت على الثلاثين منذ تأسيس الدولة العراقية إذا ما صدقنا ما اورده برزان التكريتي في كتاب له عن عشرين محاولة انقلاب فاشلة تعرض لها النظام السابق.
ثورات الردة ايضا تبدأ بساعة الصفر.
وساعة الصفر هنا ليست عنوان الفيلم الوثائقي الشهير عن عملية اعتقال صدام حسين، حين داهمته قوة امريكية كانت تستدل الى حفرته بمساعدة مخبر من حراسه في تلك المزرعة السرية على اطراف بلدة الدور.
وهي ليست بحثا فلكيا مجردا في حركة الزمن نحو نقطة افتراق افتراضية بين زلزالين تـَرِد، عادة، في الخطط العسكرية او في متابعات الانواء العاصفة، او في خلال الحاجة الى تصفير الوقت او تسويفه او الاحتيال عليه، او في خلال التحضير لمؤامرة، او عملية سطو معقدة، ولا هي تحبيذ لفكرة البطل الذي يقاتل حتى النفس الاخير، او تلفيق لصورة المنقذ لرسطورة الذي ارسلته الاقدار لينتشل القارب من الغرق.
ساعة الصفر العراقية توقيت تاريخي فاصل يطرح نفسه في لحظة تنتظرها الملايين الحائرة حيال ما يجري لمصائرها، إذ يُفترض ان يستعيد فيها اصحاب الازمة السياسية وعي الاخطار المحدقة بالعراق، وبهم في المقام الاول، لتغيير مؤشرات الصراع وسلوك التعاطي مع الالغام، في وقت لم تعد الساعة تخفي احتقان المشهد، ولم يعد سجل الضحايا يتسع لمزيد من القتلى، وليس في مقدور الوقت ان يتمدد خارج الغليان الذي تتسارع مؤشرات انفلاته.
ساعة الصفر ليست معجزة من المعجزات، وليست خيارا مستحيلا.. انها توقيت عقلي استباقي لخطوات رشيدة تأخذ القارب الى شاطئ النجاة من غير حساب فئوي للربح والخسارة، طالما ان الرابح هو العراق كي يبقى على الخارطة، وساعة الصفر، بالمعنى الفلكي، تقريب حكيم لعقارب الزمن من انضباط محسوب بمقتضى المصلحة العامة، فاما ان يمسك بها اصحاب هذا الزمن، واما ان تهرب الى المجهول، اللازمن.
في التاريخ، وفي التقاويم، انقذت ساعات الصفر امما كثيرة من الضياع، باعتبارها توقيتات لاختراق الاقدار والركود والدوامات، وهي تطرح نفسها الآن على طاولة الاحداث ليحوّلها المتصارعون الى ارادة نوعية تقوم على التضحية بالامتيازات، بدل ان يفرطوا بها، ولات ساعة مندم.
تماما مثل قصة البالون الذي كان يشرف على السقوط قبل ان يقطع البحر بسبب الاثقال التي يحملها، فلم يكن امام ركابه إلآ حكمة واحدة تضمن نجاتهم هي ان يلقوا بامتعتهم، صرة بعد صرة، فحددوا ساعة الصفر للبدء بالتخلص من تلك الصرر.. او فليصبحوا جميعا بما يحملون طعما للاسماك.. غير مأسوف عليهم.
*
“إذا قالت حذام فصدقوها........
فان القول ما قالت حذام”
شعر

132  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / حلول تنقلب الى مشاكل في: 10:42 05/07/2011


حلول تنقلب الى مشاكل

عبدالمنعم الاعسم

لنبدأ بالدستور، وكل ما قيل عنه باعتباره عقدا اجتماعيا، او مجموعة من القواسم التي يضعها خبراء في الدساتير وفي السياسة ويلتزمها الحكام والمحكومون معا، وكل ما سمعناه عن الوثيقة الدستورية كخط احمر لا يمكن القفز من فوقها ولا الحفر من تحتها، وما قرأناه عن “روح الدستور” التي هي الاكثر اهمية في التطبيق من النصوص، والاكثر عدالة وشفقة وشفافية من الاحكام والتفسيرات.
أقول، لنبدأ بالدستور الذي اريدَ له ان يكون حلا لمشكلة بناء الدولة العراقية الجديدة لكي نتملّى كيف برع اصحاب الازمة السياسية في قلب  الحل الى مشكلة حين القوا في طريقه الحجارة والثعابين والتفسيرات العجيبة، لتعطيله في مفترقات كان ينبغي عبورها بكفالة الشراكة وحسن الظن واجواء الثقة وبالشعور العالي بالمسؤولية.
تعالوا الى الاجراءات الامنية لمكافحة الارهاب والجريمة والتجييش والتفجيرات، والى الحل   باهض التكاليف المتمثل بالجدران الكونكريتية، إذ صممت كحلول وقائية لحماية حياة المدنيين والمواقع والابنية المهمة ولكفّ أذى الاعمال الاجرامية، لكنها انتهت الى خنق انفاس المواطنين، وتدمير انسيابية الحركة والنشاط المدني والتجاري مدن البلاد جميعا، ورخـّصت لمنشآت واحزاب وجماعات سياسية ودور عبادة للتجاوز على الارصفة والشوارع ومسالك المرور، فزادت في مضاعفة محن الناس وفي تعقيد حياتهم، عدا عن المشكلات الادارية الناجمة عن المتاريس التي صارت تحيط بالوزارات والدوائر الحكومية، فيما (وهنا تكمن المفارقة السوداء) بطلت اهمية وضرورة كل هذه الاجراءات، وكفـّت عن ان تكون وقائية بالنسبة لحياة المواطنين ولمرافق الدولة على حد سواء، وكان ينبغي البحث عن وسائل اخرى لردع التفجيرات والنشاطات الاجرامية، ورفع هذه الصخور الخانقة من على صدور الملايين  منذ زمن بعيد.
اما فكرة الشراكة في الحكومة وعملية ادارة شؤون البلاد، باعتبارها الحل العملي للصراع وحالة الانشقاق السياسي ودرء اخطار الاحتراب والفتنة الطائفية، والحيلولة دون تهميش الشرائح والمكونات، والخيار المضمون لعبور مرحلة الانتقال الى ضفاف السلامة والبناء، فقد كشفت الخطوات الاولى نحو هذه الشراكة عن الغام ودهاليز وكراهيات وريَب مخيفة، وانقلب الحل المنشود لمشكلات ادارة البلاد الى مشكلة تتناسل يوميا عن مشكلات لا نهاية لها، واصبح من المتعذر الاتفاق (وهو اساس الشراكة) على اية خطوة نحو تطبيع الاوضاع، وعلى اية خاطرة يمكن البناء عليها للتقدم نحو القضايا ذات الصلة بمصالح البلاد ومستقبلها، بل ان فرقاء الازمة صاروا يطعنون بسلامة هذا الخيار، ويهددون بالتخلي عنه.
ثم تعالوا الى الاعلان عن وقائع جريمة ساحل التاجي حيث اريدَ لها ان تكون حلا تعبويا للارهاب وكيف انزلقت الى متاهة وتجاذبات وتراشق اتهامات عبثية، والى تصريحات رئيس مجلس النواب التي اراد منها التحذير من سياسات تهميش مكوّن طائفي إذ انقلبت من دعوة للحل الى مشكلة عويصة، لا هو يعتذر عن سوء التقدير والتوقيت، ولا الاخرون يأخذونها مأخذ حسن الظن وبالتحسب من حساسية الملف.
وغير هذه وتلك، فانه، في مثل هذا الجو السياسي الملبد، لا ضمان ان تتحول الحلول التي تقترحها الحياة لبناء العراق الجديد الى مشكلات يقترحها اصحاب الازمة السياسية لتدمير العراق.

*
“من لم تكن له روح العصر كانت له شروره”.
فولتير
 
133  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / “صحة الصدور” .. اختراع عراقي مهين في: 09:56 04/07/2011


“صحة الصدور” ..
اختراع عراقي مهين

عبدالمنعم الاعسم

لا إعرف من اخترع “صحة الصدور” هذه: كل وثيقة او معاملة رسمية وقرار وزاري وامر صادر من جهة حكومية عليك، اذا ما كنت صاحب “معاملة” في دوائر الدولة، ان توثق صدوره. كيف؟ ان تراجع الدائرة التي اصدرت الوثيقة(مرة ثانية وثالثة ورابعة) لتحصل منها على صحة الصدور، وبمعنى آخر، انك ستراجع كل دائرة حكومية مرات (وبعضها في بلدات متباعدة) يدخل فيما بينها ما يسمونه بـ”المعتمد” وهو موظف يقوم ما يقوم به عامل البريد في كل دول العالم(نقل المراسلات بين دوائر الدولة) او ما تقوم به اقنية الحاسوب في غالبية دول العالم.
“صحة الصدورة” هذه اختراع عراقي لمكافحة الفساد الاداري (أو هكذا يقال) صُمّم على قاعدة تقول:”كل مواطن يراجع دائرة حكومية متهم بالتزوير حتى يثبت  براءته” والنتيجة هي حشر ملايين المراجعين  يوميا في دوامة مضنية من المراجعات على شبابيك (في غالبيتها الساحقة) ضيقة، حاسرة تحت شمس الصيف المحرقة وزمهرير الشتاء القاسي، وتتكدس عليها حشود من البشر الضاجين بالصراخ على الموظف المسكين، الملوحين بايديهم،  في مشهد مهين ومثير للشفقة والقرف، فان توثيق المراسلات وتدقيق صحتها ومكافحة التلاعب في الدول (لا الغابات) مسؤولية الجهاز الحكومي الذي يحرص في العادة على تسهيل الخدمة الادارية ويتفنن(كما يفترض) في توفير الوقت للمواطنين بدل إهداره في سلسلة معقدة ومهينة من المراجعات.
استطيع الاعلان (واعرف عن قرب) بان عشرات الالوف من المواطنين تخلوا تحت طائل “صحة الصدور” عن حقوقهم او عن محاولات الحصول على وثائق واصول وبيانات وقرارات ومراسلات تخص عائلاتهم او املاكهم او تقاعدهم او ذممهم، وذلك في منتصف الطريق لمراجعة الدوائر، وسيكون مفهوما ان يتعرض غالبيتهم الى ابتزاز موظفين فاسدين(او وكلاء او معتمدين) يستغلون محنتهم في مراجعات تمتد لاشهر،  بل لسنوات طويلة، لغرض الرشوة والتلاعب.
وسيكون مفهوما اكثر، ومثيرا للسخط، الحال الذي تتعرض طوابير من نساء الاحياء الشعبية، من الارامل وضحايا التفجيرات والفتن الطائفية والساعيات الى  حقوق التقاعد والمساعدة الاجتماعية  اللواتي يجهلن مفاتيح المراجعات، إذ تنهكهن الدوامة اليومية، وتذلهن طلبات “صحة الصدور” التي تفرض عليهن التنقل المكلف والمهين بين دوائر الدولة وبلداتها ومحافظاتها من غير طائل، فيما تتخلى الدوائر الحكومية عن مسؤوليتها الادارية بتدقيق “صحة الصدور” بوسائل ادارية شفافة وسريعة، وتلقيها على كاهل المراجع. 
اقول، اريد لهذا الاختراع الاداري العدواني ان يحارب الفاسدين، فكافح المواطنين بدلا عنهم، وأرادوا له ان يكون حلاً فصار كابوسا.
*
 “مشكلتنا اننا لا نضحك من انفسنا.. لذلك لا نستطيع ان نتغيّر”.
آرت بوكوالد
ــــــــــــــ



134  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / لنقرأ الحجاج جيدا في: 09:31 03/07/2011
 

لنقرأ الحجاج جيدا

عبد المنعم الاعسم

الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق لعبدالملك بن مروان قبل الف واربعمائة عام، وهو، في مصطلح هذه الايام، مسؤول كبير في دولة ذلك الزمان، بلغ من من القسوة ما جعله يتسلى بها ويتلذذ في عذاب ضحاياها، وكان يخاطبهم بالقول: “طاعتي عليكم اوجب من طاعة الله”.
كان الحجاج خطيبا بارعا، ولغويا شهيرا، بستعير كلماته من كلام الله، وينحتها من حجر النحو والبلاغة، وهو نفسه كان عالم لغة، تفنن في اختزالها الى مفردة لاثارة هلع الناس الذين يتسلط عليهم، وتخويفهم، واذلالهم، وإخضاعهم، وليس من غير مغزى ان يتلقب الطاغية المعاصر في الكثير من الاحوال بانه حجّاج زمانه، وخصّه الخليفة عمر بن عبدالعزيز بالقول: “لو جاءت كل امة بمنافقيها، وجئنا بالحجاج، لفزنا عليهم جميعا” وتذكر الكتب انه لما دخل البصرة في طريقه الى الكوفة، جلس على المنبر بالجامع، وأمر جنده (حماياته) بأخذ الابواب، وإشهار السيوف، وقال لهم: اذا رأيتموني أضع العمامة عن راسي فضعوا سيوفكم فيهم(في المصلين) ثم بدا خطبته، فالقى عليه الناس الحصى، فخلع العمامة ووضعها على ركبتيه، فجعلت السيوف تبري الرقاب، وسالت الدماء الى ابواب المسجد. 
في السايكولوجيا والطب وعلم التاريخ، ثمة من الحجاج ما بقي في سلوك وثقافة البشر الذي عاش بينهم، وساسهم، وتحكم في رقابهم، وكذلك في فنون حكم الحكام، وشاءت صفحات التاريخ ان تحدثنا عن اكثر من حجاج واحد انتجه اجدادنا، وهناك حجاجيون محسّنون، يأتون الشنائع بلغة سليمة، ولا تأخذهم الشفقة في بريء، او بعابر سبيل، لكنهم، مقابل ذلك إذلاء امام الاقوياء او امام اصحاب النعمة، وكان الحجاج يخاطب عبدالملك بقوله: “إنك عند الله افضل من الملائكة المقربين والانبياء المرسلين”.
ولعل الادارة الصارمة، الفردية، لشؤون الدولة وهوس استخدام السلطة والقرار، واحدة من موروثات الحجاج الكارثية، يشار هنا الى سوء اجراءاته في جباية الضرائب، مثلا، إذ تخيّل ان تراجع الزيادة يعود الى قلة الماشية التي تعين الفلاحين على حرث الارض، فاصدر امره بتحريم ذبح البقر، فقال شاعر:
شكونا اليه خراب السواد
                              فحرّم فينا لحوم البقـــــر
فكنا كمن قال من قبلنا
                              اريها السهى فتريني القمر
الحجاج كان موظفا، وكل الذين برأوه من ظنة القسوة والبطش في العراق والقوها على عاتق الخليفة عبدالملك ارتكبوا ظنة تزوير الحقائق مثلهم مثل الذين برأوا الخليفة وافترضوا ان الحجاج كان وحده المسؤول عن تلك الخطايا، فان الاستبداد المركزي يخلق استبدادا ربما اكثر بشاعة في الاطراف، لكن سيرة وسلوك وايديولوجية الحجاج تعطينا، إذا ما قرأناها جيدا، خطوطا من المحاذير الخطيرة في الادارة والسياسة، يمكن تلخيصها بعنوان عريض هو: الحكم الكيفي ينتج موظفين من جنسه.
*
“تـَوَقَّ ما تعيب”.
                      علي بن ابي طالب


135  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / من حافظتي.. ليبيا، القذافي والسنوسي في: 08:08 29/06/2011

من حافظتي.. ليبيا، القذافي والسنوسي


عبدالمنعم الاعسم

مرة واحدة التقيت دكتاتور ليبيا معمرالقذافي، وهي المرة الوحيدة التي زرت فيها “الجماهيرية” لكن ملف هذه البلاد كان رفق اهتمامي اليومي لما يزيد عن ثلاثين سنة عندما زرت ليبيا عام  1978ثم حين عقدتُ وزميلي الصحفي الاردني نصر المجالي حوارا مطولا في احدى محطات انفاق لندن مع وريث عرش المملكة الليبية الامير محمد الحسن الرضا السنوسي، في خريف العام 1991 ونشرناه معا في صحيفة كويتية كانت تصدر في العاصمة البريطانية، وكنا نعمل فيها، آنذاك.
قبل هذا، كنت ضمن وفد شعبي عراقي يزور ليبيا العام 1978 بمناسبة الذكرى الثامنة لجلاء القوات البريطانية من قاعدة طبرق في 28 آذار 1970 وتقع المدينة على بعد الف وخمسمائة كيلو مترا الى شرق العاصمة طرابلس. نزلنا من الطائرة في بنغازي، ثم اقلتنا، في الليل، عدة حافلات الى حيث لاندري، ولم يخبرنا احد عن المكان الذي نتجه اليه باستثناء القول اننا سنصل قريبا الى مضافة ما، فيما شغلـَنا الاعياء والنوم عن تكرار السؤال لمرافقينا عن طبيعة هذه المضافة، وبعد ان قطعنا ما يزيد على 450 كيلومترا من بنغازي شارفنا على مدينة طبرق على الحدود مع مصر وظهرت لنا من خواطر فجر يلوح من بين عاصفة رملية حمراء.
توقفتْ الحافلات امام بناية قديمة قيل لنا انها فندق وان علينا إنزال حقائبنا ثم العودة الى الحافلات لأخذنا الى استقبال رسمي، ثم، وعلى بعد حوالي كيلومترين فوجئنا بسرادق وعرض عسكري على ساحة يحيطها سياج منيع من الاسلاك الشائكة وصفوف متراصة من الجنود، وكان العقيد القذافي يستقبلنا واحدا واحدا ويُجلسنا في الصف الذي يليه، وسط طوق كثيف ومستنفر من الحماية، وكان مكاني الاقرب اليه من بين اعضاء الوفد، ولهذا كنت تحت مراقبة شديدة من عدد رجال الحماية. ضايقني ذلك فيما كان العقيد قد التفت اليّ مرتين، ليحدثني عن بشرى “الوحدة” والانتصار على امريكا قريبا ولم اسمع بقية كلامه لأن صوت المذيع الذي ينقل وقائع الاستعراض العسكري لم يترك لنا بصراخه المتواصل والمتصاعد فسحة لنسمع شيئا آخر، ولاحظت ان القذافي كان يزوّده بقصاصات من الورق يكتب عليها شعارات يشتم فيها الاستعمار ويتوعد العملاء ويبشر المستمعين بفجر جديد على يد هذا الجيش، وكان المذيع يقرأها بصوت مبحوح واكثر هياجا، يثير جذل العقيد الذي يبدو كطاووس وسط هذا المشهد.
وشاءت العاصفة الرملية ان تلقي بخيمتها الحمراء على السرادق وساحة العرض وحركات الطاووس، وقد رصدتُ من مكاني محاورة كانت تجري بين رئيس الاركان الخويلدي والقذافي حول عرض لجنود المظلات إذ كان الخويلدي يبدي معارضته لفكرة الانزال الجوي بسبب العاصفة الجوية لكن الطاووس يصر عليه بالرغم من الاخطار المحدقة بحياة الجنود المظليين، وهكذا اختتم العرض الجوي بمجزرة قتل واصيب فيها اكثر من عشرين مظليا اخذت بهم العاصفة الهوجاء الى الاسلاك الشائكة الفتاكة، وفي اليوم الثاني خرجت الصحف بتحقيقات عن “اليوم البهيج” الذي رعاه “القائد” وارسل منه تهديدات شملت عواصم عربية واجنبية بالجملة.
اعادونا الى مدينة بنغازي، وفيها قرأنا على بعض الجدران شعارات مناهضة تقول: اوقفوا نبش قبور محرري بلادنا من الاحتلال، وبنغازي لن تحتملكم طويلا.وبعد 33 سنة ضاقت بنغازي ذرعا بالطاووس، فسبقت المدن الى العصيان.

*
كانت  هذه البلاد، يوما، ملتقى العالم ومحطة استراحته. سكنتها قبائل البربر منذ آلاف السنين، ووصلتها موجات الوندال والرومان، ثم العرب وخيول المسلمين، لتترك على ارضها، جميعا، بصمات حضارة عظيمة، قبل ان يقطع الطليان وغزاة صحراويون اجمل رؤوس الايقونات وتماثيل المحاربين، وحين زرنا في طرابلس احد بقايا الملاعب الرومانية كان مرافقـُنا الحكومي يقرأ ورقة امليتْ عليه من الجهات الرسمية تقول ان ثورة القذافي انقذت ما تبقى من هذه الحضارة، فابتسمنا لهذه النكتة البائخة.
وطوال عهود وعهود بقيت ليبيا راسخة العمود بين البحر والصحراء، فسجلت في تقويمها اسم القائد الوطني عمر المختار الذي اجترح مأثرة المقاومة والاستشهاد ضد الاجتياح الطلياني في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، وشاءت، بعد ذلك، ان تكون ميدانا للحرب العالمية الثانية وساحة لتجمّع جيوش الشرق الاوسط، فدارت على تخومها المعارك الضارية، ودفن في رمالها الآلاف من الجنود والقادة العسكريين، ودخلت في ذاكرة قادة الجيوش المتطاحنة ومذكراتهم.. مونتوغمري وتشرتشل وآخرون.. اما ستالين فقد طالب الامم المتحدة ودول التحالف المعادي للهتلرية المنتصرة بوضع اقليم “تريبوليتانيا” الذي يضم ليبيا وبعض الخواصر الجغرافية في وسط افريقيا تحت الانتداب السوفيتي المؤقت، لكن الحلفاء وقفوا ضد هذا الطلب، وفضلوا ان يتقاسموا البلاد بعد ان عرفوا انها تضم في باطنها بحارا من النفط الخام، وذلك قبل ان تدور رحى التاريخ فينقلب الليبيون على مستعمريهم، وينالوا استقلالهم ويؤسسوا مملكة دستورية بقيادة الملك ادريس السنوسي العام 1951 .
ابتدأ عهد القذافي في ليبيا بانقلاب العام 1969 فشن هجمة مثيرة للاشمئزاز على قبور رموز الزعامات السنوسية، ومنهم مؤسس المملكة محمد علي السنوسي   ورميها في الصحراء، ولم تسلم من النبش قبور النساء السنوسيات وشاء ابن القذافي “سيف الاسلام” ان يعترف بهذه الفعلة الشنعاء خلال متابعة تلفزيونية في يناير العام الماضي خلال زيارته لمدينة الجغبوب، وفـُهم من هذه المتابعة ان “ثورة الفاتح” عاقبت هذه المدينة التي تضم مزارات السنوسيين وقبورهم بالاهمال والعزل لمدة اربعين عاما، وشمل العقاب تهديم المنارة الاثرية وتدمير مكتبة المدينة التاريخية وقطع مجاري المياه واعتبار سكانها مواطنين من الدرجة الثانية، فضلا عن النهب المنظم الذي تعرضت له المدينة من قبل متنفذي المؤتمرات الشعبية (حزب القذافي) ومن بين تلك المنهوبات “ثريا” كان قد اهداها موسوليني لحاكم المدينة الايطالي، غداة اندلاع الحرب العالمية الاولى.
 لم يشهد العالم زعيم دولة استهتر بالحدود والسيادات وضوابط العلاقات بين الدول وبارواح المدنيين باسم الثورة مثلما شهده من القذافي طوال عقدين من السنين، إذ وظـّف مليارات الدولارات هي موارد بلاده من النفط في إرشاء سياسيين ومنظمات ومسؤولين كبار لخدمة اعمال همجية استهدف طائرات مدنية وسفارات وملاهي وشخصيات مهاجرة كانت عواصم كثيرة في العالم مسرحا لها، وحين حل الحساب عرض على دول الغرب، وبكل صفاقة وذل، مليارات اخرى من الموارد عربونا لبقائه على راس السلطة وقبولا بالتزامه احترام “لعبة الامم” ولم يكن ليعرف ان كل هذا المسلسل كان يجري امام الشعب الليبي بالتفصيل المثير للغضب والاستياء، حتى حدث ما حدث.
شارك الامير محمد السنوسي، مرة قبل اكثر من عام، في تظاهرة بلندن ضد انتهاكات الحقوق المدنية في ليبيا، ثم قلتُ له: يبدو ان الشعب الليبي استسلم لمشيئة القذافي. قال: هكذا يعتقد هو. صدقني ان مفاجأة ليبية في الطريق


 تفنن القذافي في ايذاء الطائفة السنوسية واتباعها من الاسرة الملكية التي كانت رمزا لاستقلال ليبيا. السنوسية حركة اسلامية اصلاحية، اتخذت السلوك الصوفي طريقا لترويج رسالتها القائمة على "العرفان والعلوم والصلاح" وقد انتشرت في العمق الصحراوي الافريقي حين تبنت تهدئة الصراعات بين الاقوام المتحاربة والصلح بينها والعودة الى الاسلام الاول وانهاء حروب النهب والتنكيل ودورة الانتقامات والتقريب بين الطوائف المتقاتلة وشعارها الاية: "وأن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما"  التي اصبحت دستورا للحركة، وكانت دور العبادة التي شيدتها باسم "الزوايا" بمثابة معاهد للعلوم واحياء قيم الاسلام الاول واستعادة صفات العفة والمسالمة والصلاح للشخصية الاسلامية.
 وليس من دون مغزى ان يعترف الساعدي القذافي (ابن الطاووس) مؤخرا بان السنوسية جزءا اساسيا من تاريخ ليبيا الحديث. وتنبغي الاشارة هنا الى ان الحكم السنوسي اسس اول ملكية دستورية برلمانية في العالم العربي، وكانت أول جماعة اسلامية دعت الى منع دور العبادة في التدخل بالسياسة وشؤون الحكم، وفي خلال حكمها من 1951 حتى 1969 لم يتدخل ملكها في شؤون الحكومة والبرلمان والاحزاب، ولم يتمتع بامتيازات مواطنة اضافية، حتى ان آخر ملوكها لم يجد بدا من ان يهجر الحكم ويستقيل مفضلا قضاء ما تبقى له من العمر في التعبد.
 استدراك: في حافظتي عن العهد الملكي الليبي وجدت معلومة موثقة تفيد بان الملك السنوسي عين في منتصف الخمسينات الضابط العراقي (الشهيد) داوود الجنابي مستشارا عسكريا له.
 اقول، لم يوفر القذافي فنا في الايذاء إلا واستخدمه في مطاردة الاسرة السنوسية الملكية والتنكيل بها ، فاعتقل ولي العهد الحسن الرضا السنوسي لسنوات طوال من غير محاكمة  وصادر منازل سكنها والقى بها الى العراء فاستضافها محسنون في منازلهم وسهلوا لها الفرار من الجحيم تباعا، ثم ادخل ملاحقة من تبقى من افرادها في الخارج في قائمة المطلوبين للاغتيال سوية مع اسماء ما يزيد على الفين ممن اعتبروا اعداءا قيد القصاص الارهابي من الجماعات والشخصيات والسفارات والدول ينتشرون على رقعة واسعة من العالم.
 الى بريطانيا وصل ولي العهد مريضا، وفيها توفى في مطلع التسعينات، وكان وريث العرش ابنه الشاب الامير محمد  جارا لي في حيّ بوسط  لندن، وسنحت الفرصة لالتقيه مرات عدة واعقد معه حوارات ولقاءات صحفية وعامة، ولما لم استرخصه في الحديث عن حياته ومعلوماته فاني استطيع القول، بايجاز، ان الاحداث الليبية العاصفة (وهكذا اعتقد) لم تفاجئه تماما، وكان يعرف عن كثب ومنذ زمن طويل بان جرائم القذافي الارهابية والدموية الخارجية التي يعرفها العالم ليس سوى فاصلة معلنة عن الجرائم التي يرتكبها ضد الليبيين في الداخل، وان الاذلال اليومي الذي يعانيه الليبيون في ظل حكم الحلقة الضيقة المستهترة لاسرة القذافي سينفجر عن انتفاضة تطيح بهذا النظام الى الابد.
*
قبل ايام ظهر السنوسي على واجهات التلفزة ليكتفي بالقول "لقد تعب الليبيون من الحرب.. ليس المهم شكل الحكم".

136  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / جدل التمديد والانسحاب.. والوطنية في: 09:15 28/06/2011
جدل التمديد والانسحاب..
والوطنية

عبدالمنعم الاعسم

في عالم العقد الاول من القرن الواحد والعشرين اختـُزلت سيادات الدول الى ورقة على طاولة الدول الكبرى، ولم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لضمان حماية السيادة الوطنية لاية دولة، إذ دخلت  على ذلك عوامل موازية تتمثل في ناحيتين، الاولى، علاقات الدولة مع جيرانها في اطار الامن والمصالح المشتركة وانضباط هذه العلاقات بمبادئ عدم التدخل او التوسع او التآمر، والثانية،  متانة الجبهة الداخلية بين مكونات الدولة وشرائحها السياسية والاجتماعية وتماسك نظامها السياسي بحيث لا يفتح ثغرة للاطماع او مجالا للانتهاكات.
 وإذ ورث العراق، عن حروب النظام السابق وحماقاته وايديولوجيته الديماغوغية، جملة من العداوات والريَب، ونزعات دفاعية تفرط في اعطاء الجانب العسكري مكانة في حساب القوة، فقد كان احتلال العراق العام 2003 عاملا في منع تمزيقه ولجم المحاولات الاقليمية لقضم اراضيه،من جهة، وفي إضعاف بنيته الدفاعية الذاتية، من جهة اخرى، فيما اضاعت البلاد ثماني سنوات في البحث عن منظومة دفاعية مناسبة تحل محل المنظومة السابقة، بين بناء جيش قوي في مستوى قوة جيوش الدول المجاورة، وبين تأمين قوة دفاعية سلمية منتخبة تحقق حماية السيادة دون التوسع بالتسليح او المضي في سباق التسلح مع الجيران.
 وفي غضون ذلك تلكأت برامج التسليح والتأهيل واعادة بناء القوة العسكرية، وبدا للكثير من المحللين بان الجانب الامريكي لم يكن متحمسا  كفاية لتسريع ايقاع عملية بناء جيش عراقي متكامل التسليح والقوة، ووجد الكثيرون في ما تنشره الصحافة الامريكية عن عدم ارتياح الامريكان للتركيبة الطائفية للمنظومة العسكرية العراقية ولهيمنة احزاب دينية على راس تشكيلاتها سببا لبقاء العراق كل هذه السنين في امس الحاجة الى حلقات تسليح استراتيجية.
 وطبقا  لمحللين عسكريين غربيين (البريطاني)تشارلز هايمان)  فان مخططي الاستراتيجيات الامريكية يأخذون بالاعتبار في ملف تسليح العراق خشيتين متشابكتين ومتناقضتين، الاولى، وقوع العراق تحت ضغط (او هيمنة) جارته ايران، والثانية، تحول العراق الى عامل في اضعاف معادلة تفوق اسرائيل في المنطقة، ويضيف آخرون الى تلك الخشيتين خشية اخرى تتصل بضعف البنية الاحترافية لطبقة العسكر الجديدة، الامر الذي قد يهدد باستخدام القوة العسكرية الضاربة في الصراع السياسي او في حملات شوفينية تعيد الى الاذهان حملات صدام حسين،  وتلخيص ذلك هو ان الادارة الامريكية تنظر بعين الحذر الى المطالبات الملحة من بغداد لاعادة تسليح البلاد والتعجيل بتشكيل الدفاعات الجوية والبحرية فضلا عن البرية.
 وعلى هدى هذه المؤشرات سيكون خيار التمديد لبعض القوات الامريكية في العراق تحصيل حاصل، وإن كان معارضو هذا الخيار، في الداخل والخارج، لن يكونوا متفرجين، ولن يكون جميع الموافقين على التمديد سعداء.
على ان اسوأ صيغة للتعامل، عراقيا، مع ملف الوجود العسكري الامريكي هي اخضاعه للعواطف والمعايير والاعتبارات والمصطلحات المجردة، أو الى محاولات تركيب اسباب للوقوف مع التمديد او مع الانسحاب التام، فوق ما تتحملة حقائق الوضع، وبعيدا عن الحساب للاخطار والتحسب للمستقبل.
فالذين يدافعون، بحماس مفرط، عن التمديد ونشر قواعد امريكية يستطردون الى تحبيذ خيار الاندماج بالمشروع الامريكي الكوني ويروجون افضليات انتماء العراق الى كتلة اقتصادية وسياسية وعسكرية كبيرة تتحكم بمصائر العالم باعتبار ذلك مدخلا الى القضاء على التخلف واللحاق بالمدنية وضمان التنمية والحماية الاقليمية، عبورا من فوق التفاصيل المتعارضة ذات الصلة بالسيادات والخصائص المحلية العراقية الاثنية والدينية والعقائدية ومشاعر الوطنية والتبعات الاقليمية لمثل هذا الخيار، فضلا عن استحالة امكانيات الاندماج وفشل تجارب دولية معروفة في هذا المجال وبخاصة الكثير من دول اوربا الشرقية والدول الاسيوية التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي.
اما الذين يعارضون بحمية أي وجود عسكري امريكي، مؤقتا او دائميا، فان ثمة جهتين لا فائدة من مناقشة موقفهما، الاول، يمثل هواجس وارادات اقليمية تخطط الى ملء الفراغ الامني الناتج عن انسحاب القوات الامريكية وجر العراق الى محور المجاهدة والتوتير، والثاني، يتصل بالمشروع الارهابي المسلح الذي يعد لضربة امنية، وطائفية، تقطع الطريق على اية فرصة للاستقرار في العراق، وهو الوضع النموذجي المناسب لنشاط الجماعات الجهادية الاجرامية.
غير ان ثمة جماعات سياسية تضع ثقلها الى جانب خيار الانسحاب الفوري والناجز للقوات الامريكية والامتناع عن أي تمديد لها، وهي تنطلق من حزمة اسباب وقراءات تتجمع في الاعتقاد بان الحالة العراقية ستشفى من العلل والاختلالات والضعف حالما يغادر أي جندي امريكي من العراق، وان الجدارة العسكرية للقوات الدفاعية والامنية يمكن ان تتحقق، وبوتائر عالية، حين يتخلص القرار الوطني من قيود الاتفاقية الامنية والوجود العسكري الامريكي، وتذهب بعض قراءات هذا المعسكر الى ان انسحاب القوات الامريكية من شأنه ان يخفف من تدخل بعض جيران العراق في شؤونه، وقد يُبعد شرهم، ذلك لأن العراق، حسب هذه القراءة، سيكفّ، في حال خلوّه من القوات الامريكية، عن ان يكون منصة تهديد للجيران، او جسرا للوثوب اليهم.   
وإذا ما استبعدنا الحسابات الامنية لانسحاب القوات الامريكية، فاننا سنطالع آمالا يعلقها البعض من الفئات السياسية على مرحلة ما بعد الانسحاب البعض إذ يتطلع الى  استثمار اوضاع ما بعد الانسحاب لتحسين موقعه في معادلات الصراع على السلطة، أخذا بالظن، ان الوجود العسكري الامريكي متحيّز الى هذه الكتلة او تلك، وان انطفاء دوره من شأنها اطفاء تنافس المعولين عليه، في نهاية المطاف.

 في كل الاحوال، وفي جميع الاعراف والقيم والمعاهدات والمفاهيم، يُعدّ الاحتلال العسكري لاية دولة قوة بغيضة، يتساوى في ذلك الاحتلال الذي يقوم به نظام (حاكم. جيش) اجنبي طامع، توسعي، مع احتلال يقوم به نظام شقيق او صديق بدواعي مختلفة، كما تتساوى الاحتلالات في بُغضها (ميثاق الامم المتحدة) سواء تمت، كفعل مخطط له، تحت شعارات انسانية انقاذية، ام تمت تحت دواعي انتقامية توسعية او كرد الفعل على سلوك دولة معتدية.
 وهذا ما يُدخل الجدل الى موضوع الوطنية (او القومية بحسب مصطلحات كثيرة) حيث تعبر هذه الوطنية عن نفسها (في مختلف المجتمعات) باشكال عديدة، المقاومة واحدة منها، وتـُعدّ، إذا ما نأت عن التطرف والعنصرية والعدوانية، عامل توازن وتضامن واستقرار وتنمية وهيبة في المجتمعات والامم، وبخلاف ذلك، فان المجتمع الذي تتدهور فيه الغيرة على الوطن وتتدنى فيه مشاعر الوطنية الى مناسيب منحطة، وتحل فيه نزعات الدونية محل الكرامة، لا يمكن له ان ينهض باقامة دولة سليمة، ذات سيادة، تحظى باحترام جيرانها والعالم، ولا انْ يضمن استمرار هذه الدولة على الخارطة، وياما انقرضت دول وامم من صفحات التاريخ حين كفّ ابناؤها عن حمايتها بالوطنية وتعاملوا بالانانية وانعدام الغيرة مع التحديات التي واجهتها.
 باختصار فانه لا يصح، عراقيا، شطب العامل الوطني من معادلة الجدل حول مصير القوات الامريكية، طالما هي تتصرف (ومفوّضة باتفاقيات) بجزء من ارادة السيادة والنظام السياسي، وبمعنى لآخر، فان خيار التمديد المؤقت او الانسحاب الناجز لا ينبغي ان يعبر من فوق المشاعر الوطنية، ولا ينبغي، طبعا، الاستهانة بنتائج تجاهل هذه المشاعر على المدى البعيد.
 مقابل ذلك لا يصح تبسيط النظر الى العامل الوطني العراقي في قضية مصير القوات الامريكية في العراق، ولا ينبغي اختزاله الى جزيئة سياسية، بحيث يصبح كل من يدعو الى إخلاء (تحرير) العراق فورا من جميع القوات الاجنبية وطني وينطلق من جذوة الوطنية(هناك عصابات الارهاب. ووكلاء الدول الطامعة. ونهازو الفرص للوثوب الى السلطة) ولا اعتبار كل من يدعو الى التمديد قدْ فقدَ قطرة الحياء الوطني وباع الوطن الى الاجنبي، فنحن بصدد البحث عن مخرج وقائي لمأزق تاريخي ارتمى اليه العراق في ظروف متشابكة ومعقدة هي اقوى واخطر وابعد اثرا من التعريفات والمصطلحات.
الامر الذي ينبغي الاعتراف به ان الوطنية العراقية اخضعت للتشويه المنهجي في ظل دكتاتورية صدام حسين بحيث صار الحاكم المستبد هو الوطن، والتمرد عليه تمردا على الوطن، بل ان  شرائح وفئات ومتبوعات اديان جردت عنها الوطنية لمجرد ان شبهة عدم الولاء للدكتاتور حامت حولها، فيما الان نتابع تطبيقات فجة لمفهوم الوطنية الذي يحرص لاعبون على تفصيله على مقاساتهم.. فيما مقاساتهم اقل بكثير من رداء الوطنية.

137  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / العراق ونفوذ الدول المجاورة في: 10:35 23/06/2011


العراق
ونفوذ الدول المجاورة

عبدالمنعم الاعسم

يُعد العراق من مجموعة الدول التي تمر في حالة اضطراب وعدم استقرار، او بالمصطلح المدرسي: حالة انتقال شديدة التعقيد والتداخل مصحوبة بانشقاقات سياسية على مستوى المكونات، وفي داخل كل مكوّن.
والمهم هنا الإقرار بان الدولة العراقية تعاني من ضعف في مفاصل كثيرة، لعل اخطرها المفصل الامني الذي يكشف، في ما يكشف على المستوى الوطني، عن هشاشة كفاءة الدفاع عن البلاد ونقص مستلزمات حماية السيادة، في منطقة محاور متصارعة وسباق تسلح واطماع توسعية خارج الانضباط فضلا عن هوس تصغيات الحساب بين هذه المحاور وبينها وبين الاستراتيجيات الامريكية على الارض العراقية.
 ولايقلل من تأثير هذه المحددات على الوضع العراقي كل ما يقال عن تطمينات والتزامات اقليمية ودولية حول احترام ارادة العراقيين وسيادة بلادهم، لأن هذه المحددات تتم باشكال بالغة الدقة وعبر اقنية مختلفة ومتشابكة ومفتوحة، استخبارية ومالية ولوجستية واعلامية، تضاف لها تداعيات تفكيك دولة الدكتاتورية، ووقوعها تحت قبضة القوات الاجنبية وما ترتب على ذلك من اختلال في التوازن الامني الاقليمي.
وإذا ما سمينا الاشياء باسمائها، وكما هي في الواقع، فانه من الضروري الاشارة الى ثلاثة محاور اقليمية تحيط بالعراق وتمارس تاثيرها ونفوذها وضغوطها على وضعه الامني والسياسي، هي المحور السعودي (الكويتي) والايراني (السوري) والتركي التي جميعا تضع العراق على اولويات اهتمامها ومجال نفوذها وخطط التأثير في احداثه ومراقبة مسارات بناء الدولة الجديدة وشكل هويتها وتحالفاتها وطبيعة سلطتها، والتدخل فيها، ومن الطبيعي ان لايرى المحلل كفاية من المعطيات على سلامة ونزاهة وصدقية تعامل هذه المحاور مع خصوصيات التكوين العراقي وموجبات تطبيع الاوضاع في البلاد، كما لايستطيع ان يفاضل بين هذا المحور او ذاك، او يفترض اخلاقية هذا التدخل او سواه، إذا ما وضع مصلحة العراق وحاجته الى الاستمرار على الخارطة.
ومن البديهي ان تجد هذه المحاور، في مثل الحالة العراقية المضطربة والمتشظية، وسطا سكانيا وسياسيا تتماهى فيه وتحمـّله نفوذها واجندتها وتدير بواسطته صراعاتها مع بعضها الاخر، كما انه من البديهي، ان تجد هذه المحاور متطوعين ومتحمسين في داخل الخارطة السياسية العراقية، تستقوي بهم ويستقوون بها، وليس مبالغة في القول بان الكثير من فصول هذا المشهد التاريخي تُنفـّذ بالكثير من الشفافية وبرود الاعصاب والانسيابية، وكأن هناك اشارات مرور تنظم حركة التواصل، وتضمن استمرار حالة الاضطراب وعدم الاستقرار لكن بادوات (شعارات) محلية تتولى تحقيق الهدف بالنيابة.
على هذا السطح نستطيع ان نتفحص، بهدوء، كيمياء النداءات التي تنطلق بين وقت وآخر (من شخصيات او فئات عراقية) وهي تدعو الى درء خطر النفوذ من محور واحد بعينه، فقد يكون هذا النداء مأجورا  لمحور آخر يمتلك نفوذا لايقل خطرا عن سواه، وقد يكون معروضا للبيع في بورصة الصراع بين المحاور.
لكن الغش يظهر واضحا في حمية البعض من النداءات المحلية التي تبرئ هذا المحور او ذاك من ظنة التمدد في الشأن العراقي وإفساد نسيجه . اما الوجه الآخر لهذا الغش فيمكن قراءته في القول ان هذا المحور او ذاك يهمه احوال هذه الشريحة العراقية او تلك وحمايتها حين تتعرض الى التنكيل.. فمن ينكل؟ ومن يحمي؟..
*
“ وإن كــنــتَ لا تــــدري فالـمـصـيـبـةُ أعــظـــمُ”
    شعر

138  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المالكي وعلاوي.. إصطدام حافـّات في: 14:12 13/06/2011
المالكي وعلاوي..
إصطدام حافـّات

عبدالمنعم الاعسم

 في خلفيات التوتر الجديد بين معسكري رئيس الحكومة نوري المالكي ورئيس ائتلاف العراقية اياد علاوي ثمة حلقة رئيسية، مركبّة، حساسة، محشوة بالالغام، تتفرع عنها جملة من الاحتقانات والتوترات والصراعات، حتى يبدو للمراقب الموضوعي انه لا إمكانية للتقريب بين المعسكرين(إذا كان التقريب ضروريا) من غير تسوية تتغلب على تلك الحلقة او صفقة تسمح بتصريفها الى تهدئة مؤقتة تصل بالقارب الى موعد الانتخابات الجديدة.
 اقول، ثمة حلقة رئيسية تقع في قلب هذا التوتر هي سلطة القرار بين كتلتين برلمانيتين (دولة القانون والعراقية) متقاربتين في عدد المقاعد، متباعدتين في الرؤى وتمثيل الشرائح وكاريزما الزعامة، قبلتا ان تكونا شريكتين في الادارة وان تتقاسما امتيازات هذه الشراكة بكفالة الكتل الاخرى، وبمشاركتها، وبمباركة الجانب الامريكي وحماسته، عبر تفاهمات واقنية اتصال صعبة وشديدة التعقيد، ومن زاوية يبدو انه لا مفر من هذا الهامش التوافقي لتجنيب العملية السياسية انشقاقا غير محسوب النتائج، وتعريض الكتلتين والزعامتين الى امتحان اثقل من قدرتهما اذا ما حسبنا القدرات بمعايير بلد يمر في حالة اضطراب وتدخل دول الجوار في خواصره.
 لكن علينا ان نضيف القول بان جوهر التفاهمات التي تحققت بين الجانبين (اعلن بعضها وبقي البعض الآخر طي الكتمان) كانت ستعبر بالحكومة الى نوع من الاسترخاء لو ان الكتلتين منسجمتين في الحد الادنى من الايمان (الجدية) بتقسيم الادارة والقبول بالآخر شريكا بالمعنى الحقيقي، او في الحد الادنى من اجواء الثقة والعمل المنتج، او في الحد الادنى من التصوّر لتوظيف العلاقة بالجيران، ايجابيا لصالح البلاد، بدلا من الاستقواء بها في التنافس على السلطة، واخيرا في الحد الادنى من التضامن لمعالجة الملفات المطروحة وفي المقدمة منها الامن والفساد والخدمات وتطبيقات الدستور.
 ما حدث، ان معسكر المالكي (وحزبه) ومنذ ان نجح في العبور من بوابة الترخيص في البرلمان وضع خارطة للادارة والمسؤوليات والاليات تتسم بالاستحواذ وتجاهل استحقاقات الشراكة، ما اثار حفيظة الشريك الاكبر، العراقية، والشركاء الآخرين بنسب متفاوتة، بل واحدث قطعا في شبكة التواصل المباشر بين فرقاء هذه الشراكة، وصار لقاء رأسين من رؤوسها المتنافرة بمثابة حدث له شأن، فيما رد معسكر علاوي على ذلك الاستطراد بالتشويش على منهج الحكومة والتأليب عليها وتحريك  نوابض خلفية تتصل باسباب العنف والفتنة، والتحشيد لسد الطريق على أي نجاح يمكن له ان يسجل في رصيد المالكي، ودخل المشهد السياسي في محاذير دورة الفعل ورد الفعل.
 وهكذا، ظهرت حافات خطيرة في المعسكرين تشحذ سكاكينها وتستعرض عضلاتها، وتروّج لخيارات التسقيط، والهروب الى لغة ما قبل الانتخابات يمضي فيها المالكي وعلاوي سريعا الى نقطة اللاعودة.. فلا الاول في وارد التخلي عن المساحات (السلطات. المواقع..) التي انتشر فيها، ولا الثاني مستعد للقبول بما يتاح له من هوامش خارج تلك المساحات.   
*
"أذا كان هذا يكيدك أنا أزيدك".
حكمة لبنانية     
139  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / من اين جاءوا بهذه الهمجية؟ في: 17:58 11/06/2011

من اين جاءوا بهذه الهمجية؟

عبدالمنعم الاعسم

 جريمة ساحل التاجي ليس ككل الجرائم، وابطالها زادوا على جميع القطعان المنفلتة بامتياز الهمجية، وضحاياها سجلوا مصائرهم  الفاجعة في اوسمة الكوارث الانسانية التي لا يمكن ان يطويها النسيان، وشهودها، نحن، الموزعون بين الفجيعة والعجز وانتظار كارثة اخرى تحل بضحايا آخرين. اما القصاص من الوحوش فيستمر موضوعا للجدل في الصالات الفارهة ومقالات الصحف بدل ان يكون بعضا من ضماد هذا الجرح الغائر في جبين كل من تعزّ عليه كلمة العدالة.
 والآن من اين جاء ابراهيم نجم ومجموعته المتوحشة بهذه الهمجية؟ اية طينة عراقية هذه التي انشقت عن هذه النماين التي لم نقرأ عنها  إلا في كتب الخيال عن عالم العقارب المسمومة ؟ وأي دين اوحى له ان يتفنن في ذبح بنات واولاد من الوريد الى الوريد، كانوا يلبسون احلى ما يملكون من ثياب ويشاركون بالسيارات في زفة عرس، ويلقي بجثثهم الى النهر ثم يغسل يديه بالماء الجاري وينام تلك الليلة سعيدا، مليئا براحة الضمير والرضا عن النفس.
 لا نحتاج الى ان نستمع الى ابراهيم الجبوري، وهو يتحدث بزهو عن شناعة الفعل الاجرامي الذي ارتكبه بدن بارد، ولا الى فراس حسن فليح وهو يغتصب العروس وفتيات الزفة، فقد ملآ علينا الجو بالذباب المغير من فوهات الصرف الصحي، واغلقا علينا النظر الى طهارة هذه الارض، وجاءانا برسالة فصيحة عن عراق مفترض سيقع بين براثنهم ليحشروه في بالوعة طلماء لا قرار لها.
 علينا ان نـُخضع هذه الوحوش الى تفتيش دقيق فسنجد بين طيات ملابسهم مشروعا للتآمر على العالم وتدميره ووأد افراح العرس وتحريم الشفقة بين الناس، وسنكتشف في دمهم فصيلة لم يعرفها العلم قبلا ، قتل الابرياء ليس سوى تسلية يرتكبونها في آخر الليل قبل الخلود الى النوم.
 ضعوا ابراهيم نجم وفراس فليح على سرير الفحص، واجمعوا اخصائيي العالم في علم الانحرافات الاجرامية حولهما، وليطلب منهما تمثيل واقعة قتل سبعين مشاركا في زفة عرس بمن فيهم العروسان، واغتصاب الفتيات والنساء والتمثيل المفرط بالجثث، آنذاك، سيتعرف العلم على انحراف مخيف في الخلق والخليقة. انحراف باتجاه واحد: الاستمتاع بالقتل.
 عندما كان السفاح فراس يروي حادثة اغتصاب العروس وتقطيع جسدها كان يحرص على  ان يثبت عينية على نقطة في الفضاء ويدور حولها، هي، في سايكولوجيا الذات الاجرامية، نقطة السقوط في الدنس والحيوانية وهوس الافتراس، وايضا هي  مفتاح الجنة التى ستستقبل موكبه بالحبور والتصفيق.
 اعرضوا ابراهيم وفراس وجميع الحثالة على اخصائيين في النفس البشرية المنحرفة فستحصلون على نتائج مهمة عن منزلق التطرف والغلو والكراهية عندهم، وقد تجدونه في غيرهم..
*
"اتلاقت المكنسة مع البلاعة صاروا جماعة".
مثل مصري
/      
140  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المتسلق.. تخطيط لوجه اليف في: 21:55 07/06/2011
 
المتسلق..
تخطيط لوجه اليف
 
عبدالمنعم الاعسم
 
نبتة لا تعمّر طويلا. قالت شجيرة ليف ارتفعت توا الى اعلى نخلة: لقد وصلتُ بايام قليلة الى الارتفاع الذي وصلتـِه ياصديقتي بمائة عام. لم تردّ النخلة على سفاهة المتحدث وبينهما قياس الصبر والعجالة، ومنزلتان متجاورتان لكنهما مختلفتان ، فيما جاء صوت الامام الشافعي:
ومنزلة الفقيه من السفيه .............كمنزلة السفيه من الفقيه
فهذا زاهــد في قرب هــــذا ..... وهذا فيه أزهــد منه فيـه
إذا غلب الشقاء على السفيه ..... تنطـّع في مخالفــة الفقيه..!
 
لا يصبر المتسلق طويلا. انه يأتي مع البصر ويغيب بلمح البصر. لا ينمو نموّا رأسيا بل يزحف على الارض، وتسميه علوم البايولوجيا "المدّاد" حيث يستخدم مهارات خاصة في الانبطاح والزحف، ويستعين باي جسم يجاوره للصعود.
 
 يقول عالم النباتات الانجليزي روبرت براون ان افضل المسطحات التي تناسب المتسلق هي الجدران غير المطلية كفاية.
 
ينأى صاحبنا بنفسه عن المعارك الفاصلة، لكنه "يصلّي وراء من غَلب"وينقل الغزالي في "فضائح الباطنية" عنه قوله "اُمرتُ ان ادعو (الناس) من الجهل الى العلم، ومن الضلال الى الهدى، ومن الشقاوة الى السعادة (ثم) املكهم (استحوذ على) ما يستغنون به عن الكد والتعب".
 
قيل لمتسلق خائب كما يروي العلوي هادي: "لم لا تقصد السلطان فتخدمه" فقال "لأني اراه يعطي واحدا لغير حسنة ولا يدْ، ويقتل الآخر بلا سيّئة ولا ذنب، ولستُ أدري أي الرجلين انا".
 
وجهه مدوّر، لكنه يستطيل ما دام ذلك يلائم المناسبة ويسهّل الصعود، ويأخذ اشكالا عديدة على مدار الساعة. عيناه لا تستقران على نقطة. تتحركان في مدار غير ذي قرار.
 
لا يورط نفسه في الطرق الوعرة. انه يعرفها جيدا افضل من ادلاء البادية.
 
لا يبكي إلا حين يكون للبكاء ثمن، ولا يضحك إلا حين يعرض تكشيرته للبيع. له اكثر من اسم، واكثر من موصوف، واكثر من ولاء. لا يهمه ما يتغامز الناس حوله. يعرف ما يقولون عنه، مفردة مفردة.
 
غدّار. جبان. صفيق، إذا وُضع بنار جهنم يصرخ: اني بردان. وإذا ما قـُبض عليه متلبسا بخطيئة يفلت كالشعرة من العجين. يستمتع كثيرا بافلام متسلقي الجبال. يتعلم منهم طريقة رمي الحبال وتثبيت نهاياتها على حافات الصخور، ويتحسب للسقوط تحسّب اولئك الذين تسلقوا قمم كليمنجارو من الوديان السحيقة.
 
يعوزه الصبر. في هذا خسر كثيرا. متعجّل لكن من غير مغامرة. يحفظ نصوصا كثيرة منتقاة بعناية من بطون الكتب. لا يخطئ في النحو. صوته جهوري، لكنه يصبح ناعما في حظرة السلطان او وكلاء السلطان، او الغرباء.
 
اخذ من طبع النباتات المتسلقة الكثير. الزهو الكاذب. البدء من الاسفل. السفاهة التدافع. اليباس، ثم حين تصير تلك النباتات حطبا بيد الحطاب.
*
"من هو الذي تسأله عن الوقت فيشرح لك كيف صُنعت الساعة؟".
سؤال فقهي

 
 
 
 
 
 
141  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / حسابات العراقية وحسابات الواقع في: 08:55 07/06/2011

حسابات العراقية وحسابات الواقع

عبدالمنعم الاعسم

ماذا ينفع ائتلاف العراقية، الآن، بعد كل ما حصل، من تكرار القول انها كانت صاحبة الاستحقاق الدستوري لإنتخابات 2010 بتشكيل الحكومة؟ او انها تخلت عن هذا الاستحقاق “لمصلحة الشعب العراقي” لجهة تشكيل حكومة شراكة “حقيقية” وهياكل دستورية  انضباطية تحتل من خلالها مواقع في قلب سلطة القرار؟ ألا يعني ذلك نوعا من البكاء على الاطلال بعد ان قطعت الترتيبات الحكومية على الارض والتفاهمات بين القوى النافذة شوطا بعيدا وجرت مياه كثيرة من تحت المشهد بحيث تعذر احياء زخم الانتصار الانتخابي وضاق معه هامش المناورة وقد يضيق اكثر فاكثر في حال استمرت العراقية تتخندق في لغة  الدعاية الانتحابية التي يفترض انها انتهت بانتهاء الانتخابات.
هذا التساؤل لا يقلل من شأن الحقيقة بان ائتلاف العراقية نال من المواقع في سلطة القرار اقلّ مما تستحقه قائمة تصدرت نتائج الانتخابات وكانت ستشكل الحكومة، كما لا يقفز من فوق الحقيقة الموازية بان العملية الديمقراطية خسرت تجربة بناء “الشراكة الحقيقية” لاسباب كثبرة وانتهت الى استفراد كابينة رئيس الوزراء في تقرير الكثير من عناصر اللوحة السياسية مقابل عملية تشظي واضطراب ضربت جميع المحاور(وفي المقدمة منها العراقية) التي حاولت عبثا فرملة صعود المالكي  الى موقع المقرر بلا منافسة.
حسابات العراقية تجمدت عند افتراض (وقل وهم) امكانية تشكيل معسكر تحت خيمة البرلمان يعترض النفوذ المضطرد لرئيس الوزراء ويحسّن من مكانتها في اللعبة الديمقراطية فيما ظهر عقم هذه الحسابات واضحا منذ ان ادارت المعسكرات الاخرى ظهرها للعراقية وتركتها تخوض معركتها اليائسة لوحدها، أخذا بالاعتبار ان ثمة خلافات سياسية عميقة بين العراقية وجميع مكونات الحالة البرلمانية التي (كما يبدو) كانت راضية، عن تحجيم العراقية او ساعية الى هذا التحجيم.
مقابل ذلك، ومن تداعيات(ونتائج) الحسابات غير الموفقة للعراقية، برز تحديان ثقيلان يهددان مستقبلها وقيادة الدكتور اياد علاوي، وهما، اولا، انسلاح مجموعات من النواب وشخصيات لها شأن عن جسد الائتلاف اعتراضا على سبل و”صفقات” توزيع المقاعد الوزارية بين مكونات الائتلاف، وتنامي عدم رضا على ادارة المواقف والتعاطي مع الحكومة والكتل الاخرى لدى شخصيات وجماعات لا تزال في اطار الائتلاف، وثانيا، عدم استعداد غالبية ممثلي العراقية في الحكومة التخلي عن مناصبهم في حال اختارت القائمة التحول الى المعارضة البرلمانية.
بوجيز الكلام، لم تكن حسابات ائتلاف العراقية قد بنيت على قراءة واقعية للتكيَفات السياسية التي حصلت عشية وبعد ترخيص البرلمان لحكومة التوافق (الشراكة. الصفقة. المحاصصة) وبدلا من اعادة النظر في تلك الحسابات راحت تكرر سياسية “قدم في الحكومة وقدم في المعارضة” القديمة التي ما عادت نافعة كفاية.. فكسبت اللعب وخسرت الملعب.
*
“كن حذراً من الرجل الذي لا يرد لك الصفعة”.
   برنارد شو

 
142  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سأشارك في تظاهرة 10 حزيران في: 11:53 05/06/2011

سأشارك
في تظاهرة 10 حزيران


عبدالمنعم الاعسم
 
ليس فقط لأن الدستور يرخـّص لي حق التظاهر في يوم انتهاء مهلة الخدمات دون ان تتحقق، والتعبير بمختلف الاشكال السلمية، عن الاحتجاج السلمي على إداء الحكومة والطبقة السياسية الانانية التي تقرر مصيري ومصير غيري من الملايين، بل وايضا لأن هذا الحق صار مهددا من جانبين، السلطات، بتضييقها وحملتها الدعائية ضد نيات المحتجين، ومن خطوط صغيرة من الفلول تحاول صرف حركة الاحتجاج عن مسارها السلمي الاصلاحي الى منزلق العنف والفئوية والتجييش.
عدا ذلك، فان مناسبة التظاهر في هذا اليوم لا تعفي احدا عن المشاركة من المكتوين بفساد الادارة والسياسة وباللاعدالة في فرص التوظيف وتدني الخدمات و(قبل كل شيء) عدم الوفاء بالتعهد الذي قطعه رئيس الوزراء بتحقيق خدمات نوعية في غضون مائة يوم على تظاهرة الخامس والعشرين من شباط الماضي، فلم يتحقق منها شيء إن لم تكن قد تدهورت اكثر وبخاصة في ملف تأمين الكهرباء لدرء هجمة الصيف اللاهب والعواصف الخانقة.
طوال مائة يوم انشغل المعلقون والمحللون في ما إذا كان تعهد المالكي واقعيا ام انه من فرط الخيال.. فعلٌ مصممٌ لتلبية مطالب المحتجين، ام رد فعل عفوي على زخم الاحتجاج؟ محاولة لاحراج بؤر الفساد والضعف في الحكومة ولجمها، ام مخرج لتبرير الفساد وابطاله والتغطية عليهما؟ سباقٌ جدي مع الوقت لترميم الجبهة الداخلية باحترام مطالب الملايين، ام حقنة مهدئة للملايين قبل ان تخرج عن الإنضباط؟ تعهدٌ في مستوى اهلية الوزارة وقدراتها، ام ثقل فوق ما تتحمله اكتاف الحكومة؟ مبادرة صادقة النية، ام مسرحية لنيات مغشوشة؟.
المحلل المنصف لابد ان يكون قد تفهم مبررات تعهد رئيس الوزراء في تلك اللحظات الانفعالية التي خلقتها احتجاجات الخامس والعشرين من شباط، ولا بد ان يكون قد رصد حاجة المالكي الى خطوة تضع اصحابه وشركاءه في الحكومة وكفاءة وزرائهم على المحك، وحرصه (وهو محق) على تحميلهم مسؤولية تتفرع من استحقاق الشراكة.
 وجريا على حسن الظن المطلوب، فانه لابد من تأشير بعض الهمة هنا وهناك(اقول همة) في التقرب من بعض ملفات الخدمات، وكان يمكن ان تتحقق خطوات اكبر في مجال شكاوى الملايين لو ترافق التعهد مع اجراءات رادعة ضد التنفيذيين المتلكئين المدللين، ولو استؤصلت منابت فساد يشار لها بالبنان في قلب الشبكة المحيطة بسلطة القرار.
من زاوية معينة افترض (أو اتخيّل) ان تظاهرة العاشر من حزيران، بمطالبها المشروعة وجماهيرها الشابة الحية يمكن ان تكون متكأ لرئيس الوزراء في برنامجه المعلن لمكافحة الفساد والهزال الاداري وترشيد العملية السياسية، وحجة بيده لكنس الفضلات التي علقت بماكنة الدولة، وفرصة لمراجعة وكبح منهج الردع والتضييق والتعدي على العدالة وحقوق الانسان الذي تمارسه اجهزة محسوبة على قيادة الحكومة، ومناسبة ذهبية للتعبير عن احترام توجع الناس ومكابداتهم، باجراءات ترى بالعين المجردة لا بالتصريحات. 
اسبابي، واسباب جمهور عريض، كثيرة للتظاهر في العاشر من حزيران.. واصلاح مسيرة التغيير توحدنا.
*
“ان لم يكن لديك هدف فاجعل هدفك الاول ايجاد هدف.”
   طاغور
143  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المالكي- علاوي.. والحل في: 19:48 03/06/2011
المالكي- علاوي..
والحل

عبدالمنعم الاعسم
اذا كانت جميع الخيارات البديلة عن حكومة الدوامة الحالية بين ترقيعية وصعبة ومستحيلة فانه لا مفر من حكومة الشراكة(انقاذية) للعبور بها الى موعد الانتخابات 2014 او الى انتخابات مبكرة.
 مقابل ذلك، فانه، كما يبدو، قد فات الوقت(وترجعت الامكانيات) على تشييد شراكة حكومية نموذجية (حقيقية) يشارك خلالها الجميع في سلطة القرار ويتضامن فيها الجميع في السراء والضراء وتنضبط فيها معادلة الامتيازات بحيث لا تحل المصالح الفئوية محل مصالح الشعب.  
 وفي مرمى هذا الاستنتاج الذي توصل اليه ايضا (على نحو ما) فرقاء الازمة السياسية، فان قاطرة الشراكة الانقاذية هذه تحتاج الى سلة خطوات (تنفيسات. صفقات. تراجعات. صحوات) من جميع الاطراف، وبخاصة من كابينة دولة القانون، وفي المقام الثاني من ائتلاف العراقية، من شأنها ان تحقق الحد الادنى من اجواء ومستلزمات العمل الائتلافي  لتحريك ماكنة الدولة المشلولة، وتأمين الحد الادنى من فروض الاستقرار السياسي.
 وتزداد القناعة لدى المراقبين والمحللين بان المعسكرين المتصارعين (المالكي. علاوي) يعرفان حقا، وافضل من غيرهما، سبل الانتقال الى البديل المتاح الذي يجنبهما (ويجنب العملية السياسية والبلاد) اخطار الانهيار، كما يعرفان، وقبل غيرهما ايضا، ان تقسيم السلطة والامتيازات ليس كمثل تقسيم الكعكعة، وقد اظهرت لهما (كما يُفترض) التجاذبات وعض الاصابع لخمسة عشر شهرا منذ انتخابات آذار 2010حقيقة ان الكعكعة العراقية اكبر من ان تبتلع بسهولة، عدا عن حقيقة ان ثمة لاعبين ذوي وزن في الساحة يكسرون على الدوام احتكارهما للعبة ويمنعون بما اوتوا من تأثير اقامة فريق حكومي من معسكري المالكي وعلاوي.
 وحتى تتكامل عناصر هذه القراءة فان علينا ان نضيف لها المشكلات العويصة التي يواجهها كل من المالكي وعلاوي في داخل تكتلهما، إذ تقف خطوط التحدي من زعامات وتيارات وجيوب صنعت فوزهما الانتخابي  حائلا دون الخروج الى صفقة ثنائية تعبر بالمشهد السياسي الى مسار آخر، او الى محور ذي مستقبل منظور.
 وليس من باب التسرع القول، وعلى ضوء النتائج التي نراها بالالوان الطبيعية، بان الشراكة الانقاذية المتاحة، والتي هي الخيار الذي لا مفر منه، من قبل المالكي وعلاوي، ستبقى شراكة محاصصة، المدافعون عنها سيتمترسون في القول انها التوافق المطلوب والبديل عن المواجهة والدوامة والاحتراب، والمعارضون لها سيشككون في نزاهة الاسباب التي تصنعها، وهو السطح الذي ستتدحرج عليه الاحداث والمواقف لما تبقى من مرحلة الدورة الانتخابية الحالية.
 المراقب الموضوعي، والقريب من الاحداث، يرصد في ما بين سطور تصريحات المالكي وعلاوي الكثير من المؤشرات على انهما غير سعيدين بان تضعهما الاحداث في بوز المدفع.. فيما يقف وراء المدفع رماة لا يخطئون التسديد دائما.  
*
"لنكن متفائلين، فالطب قد اكتشف من الأدوية أكثر مما هناك من أمراض".
الفريد كابو

144  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / ماذا بجري في مجلس الكوت؟ في: 18:49 31/05/2011
ماذا بجري في مجلس الكوت؟

عيدالمنعم الاعسم

ما جرى ويجري في مجلس محافظة الكوت انحطاط بانورامي نموذجي لمنحرَف الائتلافات السياسية القائمة على تقاسم النفوذ والامتيازات، الفئوية والعشائرية والشخصية، إذ تضرب الخلافات (غير المبدئية) غالبية مجالس المحافظات، ويتزايد تشطيب المحافظين، وزعل الكتل المهمشة، وتمرد اعضاء خشية التورط في الفساد والصفقات، وغليان السكان وبخاصة ابناء الاحياء الغارقة بالظلام والنسيان والاوحال. تذكروا مدينة الحلة، مثلا.
وحين تصل خلافات اصحاب الائتلاف المنتصر الى الخطوط الحمراء ذات الصلة بتداول السلطة سلميا (المحرم) فان ضحايا اللعبة لايتحملون الصمت الى الابد، فيضطرون الى قلب الطاولة على المجتمعين، ويفتحون الادراج الموصدة لينشروا محتوياتها على الملأ، وعذرهم القول”ما خفي كان أعظم”.
الانباء الجديدة من واسط الكوت حملت وقائع معركة داخل الاكثرية القابضة على قنوات الحكومة المحلية، وهي نفسها اكثرية كابينة الحكومة الاتحادية، واسباب المعركة (ليس سرا) تكمن في لا عدالة توزيع المغانم بين المنتصرين، واستفراد الكتلة الصغيرة المدعومة من بغداد بسلطة القرار، وقرار السلطة، في حين يُفرض على الاخرين خيار القبول بالفتات والصمت.
ويسجل بيان لمنسحبين من مجلس واسط “كثرة النزاعات السياسية غير المبررة بين أعضاء مجلس المحافظة”.. و”هيمنة المصالح الخاصة والأهواء الشخصية لبعض أعضائه، من أجل تحقيق مآرب ومنافع ذاتية والعمل بطريقة الاستحواذ وإقصاء الآخرين واختلاف الرؤى والمبادئ التي كان متفقا عليها عند تشكيل الائتلاف، فضلا عن عدم تحقيق أهداف البرامج الانتخابية التي وضعها الائتلاف على مستوى المحافظة”.. كل ذلك على خلفية “التشبث بالكراسي وتوزيع المناصب والعمل بالمحاصصة الضيقة”.. التي، والكلام لايزال من سطور البيان، “أتت بالويلات على البلد وكذلك على محافظة واسط التي مرت بانتكاسة كبيرة منذ تظاهرة السادس عشر من شباط الماضي وما أسفر عنها”.
وطبقا للبيان (انتباه) فانه” بعد مرور سنتين على الانتخابات الأخيرة لمجالس المحافظات وجدنا الكثير من الخلافات والمنازعات السياسية داخل الائتلاف، بحيث وصلت إلى جميع دوائر الدولة وبحيث (وهنا الكارثة) لايتبوأ أي شخص مهما كان يمتلك من الكفاءة والنزاهة والإخلاص أي مسؤولية إلا إذا كان منضويا تحت حزب أو تكتل سياسي وخاضع لتوجيهاته التي تكون في أغلب الأحيان غير منطقية أو مقبولة كونها تتقاطع مع الاتجاه العام في بناء الدولة”.
واشير في وقت سابق من الشهر الماضي الى استقالة مسؤول في مجلس المحافظة بسبب “تغليب المصالح الذاتية والعشائرية والحزبية الضيقة بين أعضائه” بعد تظاهرات شعبية شهدت مصادمات واعمال عنف وتمخضت عن إقالة المحافظ السابق.
نحن حيال تدهور مخيف في السياقات العملية والاخلاقية لبناء العراق الجديد، حيث عُهد الى مجالس المحافظات الاضطلاع بالبناء.. فاضطلعت بنقيضه.
*
“الفطيسة تركس والجواهر تطوف”.

145  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / اعتقال المحتجين.. ومنهج خلط الاوراق في: 21:47 29/05/2011

اعتقال المحتجين..
ومنهج خلط الاوراق

عبدالمنعم الاعسم

 انباء اعتقال اربعة (ثم احد عشر) من شباب حركة الاحتجاج السلمي في بغداد افزعت انصار الحرية والاصلاح وقيم الديمقراطية في العراق مرتين، مرة لانها تأتي في وقت يشرف تعهد رئيس الوزراء باصلاحات حقيقية في مجال الخدمات وفرص العمل ومكافحة الفساد في غضون مائة يوم على الانتهاء من دون مؤشرات على نجاح التعهد وفي محاولة لتصريف الفشل في اجواء من القمع والردع والقصاص، ومرة اخرى، في ما ذُكر عن طريقة الاعتقال التي تمت بما يشبه الاختطاف السياسي المحرّم وفق الدستور واعلان حقوق الانسان حيث لم يتم هذا الاعتقال من خلال اجراءات العدالة والقانون وبحسب مذكرة اعتقال قضائية.
  والاخطر، ان الجهات المعنية مباشرة بهذا الانتهاك امتنعت (حتى صباح الاحد) عن كشف مصير المعتقلين ومكان اعتقالهم والاتصال بهم والتهم الموجهة لهم، وعلمتُ ان محامين اخفقوا طوال يومي الجمعة والسبت في الحصول على معلومات مطمئنة على مصير المعتقلين، في حين اتسعت دائرة القلق لتشمل منظمات وهيئات عراقية وعالمية بعد ان اصرت الجهات الامنية على التعتيم على مصائر الشبان المسالمين.
 الشباب الاربعة مؤيد فيصل الطيب، احمد علاء البغدادي، جهاد جليل وعلي عبد الخالق الجاف نعرفهم، نحن الاعلاميين الذين نتابع حركة الاحتجاج السلمية، صباح كل يوم جمعة جذوة من النشاط  الوطني والانضباط والتزام شعارات الاصلاح والغيرة على الوطن والعملية السياسية، جنب انهم مناهضون للعنف والارهاب، وكان من الافتراض ان تكون هذه الصفات موضع اعتزاز الحكومة التي تقول انها تريد بناء دولة القانون والحريات والعدالة، بل ان من الافتراض ان تضع الحكومة اوسمة على صدور هؤلاء الشبان لا ان تضع القيد في ايديهم وتلقي بهم في غياهب المعتقلات وتتنكر لهم، وتنكر وجودهم في معتقلاتها. 
 والشئ اللافت، المثير للاستغراب، ان الخطاب الامني الرسمي يحاول حشر حركة الاحتجاجات السلمية المشروعة في شبهة اخرى مرفوضة تماما تتعلق بالاعمال الارهابية الاجرامية، وكأنها  تربط (او توقـّت)بين حملتها على اوكار الجريمة ومرتكبي اغتيالات كواتم الصوت وبين التعديات التي طالت محتجي ساحة التحرير، واستتباعا، فانها تزحلق الموضوع كله في ملف الازمة السياسية وقضية الحقائب الامنية، الامر الذي يُعدّ خلطا غريبا للاوراق ما يقلل من مصداقية كل ما قيل عن نهج فرض القانون في البلاد.
 بوجيز الكلام، انها سياسة قديمة كتب عليها الفشل الذريع، إذ كانت البلاد ترسف في ظلام الخوف، وتغطّ في علبة من الاستبداد والقمع ومصادرة الحريات، وقد تجاوزها الوعي العام، وعبرها المشهد السياسي الى اعلام مفتوح لم يسمح بتبرير هذا الخلط  ولم يسكت على اعتقال شبان وطنيين كانوا يتظاهرون سلميا ضد البطالة والفساد وتردي الخدمات.
 اطلقوا سراحهم، وكفّوا عن هذه اللعبة البالية.
*
  "لا ينبغي ان نفخر بان لنا رأس..  فللدبوس كذلك".
جوناثان سويفت
146  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / تعلموا السياسة من محمود جبريل في: 16:23 25/05/2011


تعلموا السياسة من محمود جبريل

عبدالمنعم الاعسم


قائد المجلس الانتقالي الليبي (ثورة التغيير) محمود جبريل يقدم وصفة عقلانية باهرة لقيادة بلد يشرع في الخروج من نفق العزلة والهرطقة والاستبداد الطويل عبر بحيرة دم والحرب الاهلية التي فرضتها حماقات الحكم الفردي العائلي المتخلف، وتُقرأ هذه الوصفة..
اولا، في اقتصاد جبريل بمنصوص الشعارات والوعود والعنتريات، ونأيه عن كلام الدعاية والادعاء والتباهي والتعلل او التغزل بالماضي الشخصي، أو بملاذ الانا والشخصانية البغيضة.
وثانيا، في احترامه للتنوع في الاراء والعقائد والانتماء تطبيقا، وتجنب التفضيل بين المقامات والمراجع أو بين خيارات المستقبل المطروحة.
وثالثا، في لغته المهذبة، السامية، وهو يكشف عن عيوب النظام الآيل للرحيل، وفي توصيفه المنزّه عن الكراهية والغل للسياسات التي اهدرت ثروة البلاد وسمعتها، وللمسارات التي عرضت وتعرض ليبيا الى الضياع.
ورابعا، في كيمياء النظر الى انصار القذافي ومقاتليه وموظفي الدولة السابقين والى الشرائح الشعبية التي وجدت نفسها في خندقين متصارعين بعيدا عن منحرَف الانتقام والتسقيط وتصفية الحساب.
وخامسا، في تفكيك اساسات الصراع على سلطة المستقبل باستبعاد نزعة التقاسم والمحاصصة والامتيازات، استباقا، وترك شكل الحكم ومصيره الى الارادة الحرة لليبيين والتفويض المباشر من الشعب، من دون اصطفاء شريحة او جماعة او زعامة لتكون على منصة الحكم.
وسادسا، في احترام القانون، مستقلا، لكي يحاسب الجناة ويقرر الحقوق بالمساواة والعدالة من غير تدخل السياسة او اية اعتبارات اخرى.
وسابعا، في منظوره الدقيق والعلمي والاحترافي لصعوبات ومشاق اعادة بناء ما خربته وتخربه الحرب الاهلية وفلول السلطة.
وثامنا، واخيرا،  في روح المسؤولية الوطنية، لترسيم علاقات ليبيا مع جيرانها ومع دول العالم في المستقبل إذ عرض المصالحة مع الجميع من غير تلويح بمعاقبة دولة او مجموعة دول بجريرة التعاون مع النظام السابق، ومن دون تسجيل البلاد عقارا لدولة او مجموعة من الدول.
تاسعا، في المسافة الصارمة والواقعية التي وضعها، وسلط الضوء عليها، بين القضية الوطنية الليبية والدور العسكري الاطلسي، وكذلك في تأشير المسؤولية عن هذا الانحدار والخراب الناتج عنه.
عاشرا، في تلك الكلمات الوجيزة عن مكانة الاسلام السياسي والجهادي المسلح في عملية التغيير، والخط الفاصل بين الاصولية المتطرفة والتدين. 
كل ذلك وغيره الكثير، جاء في حديث محمود جبريل من على شاشة الجزيرة مساء الاحد (22/5) وقدم فيه تحليلا ميدانيا وطليعيا لمشكلات البلاد ورؤيا تطبيقية للتغلب عليها، الامر الذي يحمل أي مشاهد او مراقب على اليقين بان قضية محمود جبريل منتصرة لا محالة، وان ليبيا ستعبر، بفضل هذه الرؤيا وحسن التدبّر بحيرة العراق وتجربته المريرة.
وكلام مفيد
“اكثر الطرق كارثية في التنبؤ بالمستقبل هي اختراع المستقبل”.
  المهدي المنجرة

147  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الطفل المدلل الذي صار سفاحا في: 08:37 23/05/2011

الطفل المدلل الذي صار سفاحا
 

عبدالمنعم الاعسم

انها قصة قصيرة جدا، كتبت نفسها في نفق من الثعابين، وصار بطلها، فجأة، على كل لسان:
 وُلد وفي فمه ملعقة ذهب في قصر مهيب من قصور الرئاسة. حمله طابور من الخادمات الى مهد من قصب الجواهر. وقبل ان يشب عن الطوق تعلم، اول ما تعلم، رماية الرصاص، وركوب الخيل، وبناء قصور من مكعبات البلور، ثم جرى تلقينه نشيدا قوميا حماسيا عن العدو، وذلك قبل ان يعرف انه متحدر من صلب رئاسة، عليه ان يحافظ عليها، ويشدّ عليها بنواجذه.
 كان الشعب بالنسبة لذلك الطفل المدلل عبارة عن صفوف منظمة انيقة تجيد التصفيق والمديح، واسترخاص الدم من اجل رجل واحد، والده، والتضرع الى الله ان يحفظه لهم ابدا، ولم يكن ليسمع شيئا عن ملايين العائلات التي تنام على خواء بطونها، او منسية في علب الخوف والاقصاء، وهي لا تصفق للرئيس لانها لا تجد سببا لذلك، ولا تستطيع الوصول الى حيث يطلّ  من شرفة او من على شاشة ملونة.
 كما انه لم يكن ليعرف، او مسموح له ان يعرف، ان ثمة سجون كثيرة في طول البلاد وعرضها تطبق على اصحاب الرأي والاحتجاج والمغضوب عليهم، وعلى جميع الذين رفضوا ان يصفقوا للرئيس، ومن اين له ان يعرف ذلك وقد اخضعوه منذ ولادته الى تربية استاتيكية لا يدخلها اوكسجين الشكوى، ولا تصلها انباء الرعاع والمهمومين؟.
 وفيما كان ذلك الطفل منصرفا الى دروس الميكانو المستوردة وتسليات اولاد النعمة في التزحلق على الماء المعقم  والنط من فوق ظهور الحراس، ابلغوه ان مقعد الرئاسة سيؤول اليه يوما، وان عليه ان يتعلم فنون الكلام وفروض الصرامة والحذر اللازم  حيال الاغراب وعدم الثقة بأحد.
 في هذا الوقت جاءه الحكم على طبق من فضة، ولم يكن ليسعى اليه، بل ان الدرس الاول الذي تلقاه، وأقلقه كفاية، يفيد ان هناك من يسعى الى الحكم ، ويزاحمه عليه، وقد يطيح به اذا ارخى الحبل وتهاون في ردع من تسوّل له نفسه التمرد على مشيئة القصر وصاحبه.
 وفجأة، وربما قبل ان يفرك عينيه من بقايا تثاؤب، احاطته الاضواء والكاميرات، وهطلت عليه قصائد المديح، وانحنت له الرقاب، وتقدمت نحوه صفوف الجنرالات وامراء وحدات الردع والتأديب والكلاب البوليسية المدربة، والجميع يلقون بتحيات الولاء، ومنهم من ابلغه، وهذه وظيفته، بان البعض من الرعية ينحرف الآن عن الولاء للحكم وجوب استئصاله والقضاء عليه، وان على الرئيس ان لا يصدع رأسه في متابعة هذا الملف، فان حراسه وحماته سيتكفلون الامر بالتصدي للمؤامرة، حتى لو تطلب الامر سبي مدن كاملة وتسوية ابنية على ساكنيها.. وهذا ما حدث، فيما حرص خبراء الماكياج في قصر الرئاسة ان يظهر طفلهم المدلل بأرق اشكال الحبور والسعادة وان لا يتخلى عن ابتسامته وبراءته وحركات يديه الجامبازية. 
 الشارع يغلي. والرصاص يلعلع في المدن والحارات، والجثث تتشامر في الشوارع، فيما  الطفل المدلل، وبسرعة مذهلة، صار سفاحا من العيار الثقيل، من دون ان تفارقه الابتسامة.
*
"كنت أود أن أكتب عن بلاد تسير كالريح نحو الوراء".
محمد الماغوط   

148  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / اغتيالات الكواتم.. محاولة تشريح في: 20:08 16/05/2011

اغتيالات الكواتم..
محاولة تشريح

عبد المنعم الاعسم
 
إنتشار عمليات الاغتيال بكواتم الصوت يلزم التأمل والتأشير وذلك بعد هذا الاسهال، والاستسهال، في التصريحات التي تناوب عليها مسؤولون امنيون ونواب ومعلقون وبلغ الامر معها حدا بحيث يمكن لنا ان نسجل هذا الملف الاجرامي الخطير على ذمة مجهول.
فاذا استرشدنا بكومة التصريحات والتلميحات سيكون لدينا ما يلي: ان جميع الاطراف المتصارعة على السلطة والمليشيات المحلية النائمة وقوى الجريمة والارهاب والدول المجاورة والمخابرات الدولية النافذة  متورطة في اعمال القتل بكواتم الصوت وبمسافات مختلفة من هذا الملف.
كما ان هوية الضحايا ورسوم وظائفهم الموزعة بدقة متناهية ومحسوبة على اطياف وولاءات معينة تكشف عن خارطة مثيرة، لا تخطئها الفطنة السياسية والعملياتية، لهوية الجناة وولائهم والجهات التي يخدمونها، وفي كل الاحوال لا يمكن للمراقب الذي يتابع هذا المسلسل اليومي التراجيدي ان يطمئن الى الاعتقاد بان القتلة يتحدرون من ضرع واحد فقط ويخدمون جهة واحدة حصرا، وقد يقال بان هذا هو ما يؤسس له المشروع الارهابي في العراق، الامر الذي يمكن القبول به، لكن بحذر.
وإذا ما استخدمنا في هذا التشريح الواقعي مفتاحا آخر يخص اهداف هذا التطوّر الخطير في الاختراقات الامنية، وإثارة الهلع في مفاصل المنظومة الامنية، واستباق الانسحاب الامريكي، ودوامة الحقائب الامنية المتفاقمة، فاننا سننشر على الطاولة طائفة من اصابع الاتهام قد لا تطيش في تسمية المشتبه بهم، وقد لا تترك محلا للقول الشائع بان هناك تقصيرا او غفلة في موقع ما، فان بعض المغفلين مشوا في جنائز الضحايا متشفين كفاية.
وفيما يـُستبعد ان يكون مسلحوعصابات القاعدة وفلول النظام السابق وحدهم ابطال هذه الجرائم فان المساحة الظنية تتسع بالطول والعرض، وتبرز فيها اشباح ورسائل وتراشق اتهامات فضلا عن فنون من الروايات والتهديدات بين الساسة او وكلائهم، على ايقاع متسارع من الشائعات وتسريبات الكواليس وتقارير المواقع الالكترونية التي لو جمعت في سلة واحدة لقال قائلنا اننا في دولة افاعي، وان حياتنا رهن الصدف والحظوظ.
اما اذا ما اطلقنا السؤال الاستباقي عمن يكون رابحا ومستفيدا ومرتاحا (وآمنا) من هذه الموجة من الاغتيالات بكواتم الصوت، ومن يستخدمها ورقة في الصراع او فاصلة في تسجيل النقاط والشبهات على الخصوم،  فسنكون كمن دخل لعبة كابوسية: الرابحون كثيرون، ولا احد خسر سوى الضحايا الذين ينهضون من قبورهم ليوجهوا الاتهام لنا، نحن الابرياء الشهود، لأننا نمرر مثل هذه الجريمة المروعة متفرجين.
*
 “ عندما لا يوجد البستاني لا توجد الحديقة” .
 تولستوي

149  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / فضيحة أمنية.. ليس ككل الفضائح في: 20:12 15/05/2011


فضيحة أمنية..
ليس ككل الفضائح

عبدالمنعم الاعسم


في كل البلدان يهرب سجناء، وفي كل الاحوال التي نعرفها ونسمع عنها هناك متواطئون مع الهاربين من جهاز الحراسة او من مسؤولين كبار في الحكومة، لكن في الكثير من تلك الحالات تنتهي بإقالات واستقالات واحكام تصل عادة الى رئاسة الحكومة لأنها تكن قد حافظت على هيبة الدولة وفق القسم الذي أدته، على الرغم من المسافة التي قد تقع بينها وبين  موقع وظروف حادث الهروب، فكيف إذا كانت عملية الهروب قد تمت بتسهيل مدفوع الاجر من مقربين لرئيس الحكومة وموضع ثقته ومن منتسبي طيفه السياسي، وان ابطالها عتاة المجرمين الذين روعوا المدنيين وهددوا امن وسيادة الدولة.
نتحدث هنا عن عملية الهروب الغريبة لإثني عشر من عتاة الارهابيين المتورطين باعمال القتل والتفجيرات التي طالت حياة المئات من المدنيين وكانوا قد نظموا مجازر وفتن واستعداءات مرعبة في مدينة البصرة، وجرى هروبهم من مكان حصين يدخل في موصوف القصور الرئاسية، وفي طريقة اقل ما يقال عنها انها مُحبكة وما كان لها ان تنجح من دون تعبئة واسعة من الامكانيات والثغرات والتواطؤات.
هذا لا يمنعنا من النظر الى محاولات توظيف الحادث في الصراع على السلطة وتجييش الساحة لجهة ان يدفع مسؤول معين ثمنا سياسيا باهضا لوحده عما جرى.
وشاءت المعلومات الاولية للتحقيق في هذه العملية ان تثير لغطا واستغرابا في كل مكان وتطرح اسئلة مشروعة عما تبقى للسلطات الامنية التي وُضعت الاموال الاسطورية بين يديها مما يمكن ان تتباهى به امام الرأي العام. أما إذا ما اعدنا تركيب المعلومات عن المجريات والتحضيرات لعملية الهروب فاننا سنكتشف خيطا يمتد الى مواقع حكومية خطيرة تتولى مسؤولية حماية حياة الملايين وتأتمن على امن البلاد واستقرارها، ولا يهم ان تكون تلك المواقع شخصا ان فريقا او كتلة، فان المعاذير والتبريرات وسلامة النيات لا تعبر من فوق احد يقع في دائرة المسؤولية.
وفي هذا الاستطراد يقف المراقب عن تصريحات تقرب من الفضائح إذ يشير احد النواب الى  خشيته من ان “ينحرف مسار النتائج بدوافع سياسية وضغوطات من قبل جهات اخرى لتغيير مسارها الحقيقي” ويذكر تصريح آخر الى “تورطِ مسؤولين تصلُ درجاتهم الوظيفية إلى مستشارين في كابينة مجلس الوزراء” وذهب آخر الى “ان اللجنة التحقيقية في القضية طالبت بإقالة ضباط كبار ومنهم مدير الاستخبارات العسكرية ووكيل المعلومات اللواء ومدير عمليات وزارة الداخلية وعدد من الضباط والقضاة واحالتهم الى التحقيق فورا وذلك لضلوعهم بالقضية”. 
اللافت، الاكثر مثارا للاستغراب، ان الحكومة لم تكلف نفسها بالتعليق على هذه المعلومات الخطيرة (حتى ساعة إغلاق هذه الكلمة) في حين نشرت تقارير مخيفة عن هروب ضباط كبار من الخدمة ووصولهم الى محطات آمنة وتكريم اخرين ممن يشار الى دورهم المشين في عملية الهروب.. كل ذلك بدلا من تجهيز خطة رادعة لجيوب التواطؤ.. كما يجري في دول وليست غابات.
*
“اذا اراد الله هلاك النملة ،انبت لها جناحين”.
  مثل عربي

 
150  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / افتحوا ملفات المافيا العراقية في: 15:58 14/05/2011

افتحوا ملفات المافيا العراقية

عبدالمنعم الاعسم

فشلت التجربة الايطالية لانتاج المافيات في نقطة السياسة، فلم تتمكن من بناء اقنية حصينة وضاربة في القطاع السياسي، وكان عليها بحسب المدعي العام المسؤول عن مكافحة المافيا بييرو جراسو، ان تنأى عن الساحة السياسية وتكتفي بنجاحها في تخويف الساسة والقضاة المناهضين لها، وابتزازهم، وحمل البعض منهم على التعاون أو التستر عليها او الصمت حيال انشطتها، ولا مجال هنا للتعرض الى علاقة رئيس الوزراء الليبرالي اليميني برلوسكوني بالمافيا الايطالية، ولا مجال، ايضا، لعرض وتحليل وتعريف هوية وانماط المافيا إذ نكتفي بالاشارة الى انها جماعة سرية لاعقد اشكال الجريمة المنظمة من اصحاب النفوذ والقوة (لها زعيم وهياكل وايد تنفيذية قذرة) تدير عمليات سطو وتهريب وتجارة مخدرات وغسيل اموال وابتزاز واختراق للقانون وتصبح، في النهاية، بمثابة دولة داخل دولة، لها ضوابط وسجون ومحاكم ومعاهدات، وهي، الى ذلك ليست بعيدة عن السياسة وتبدو احيانا، وفي دول عديدة تعيش حالة اضطراب او حروبا اهلية(امريكا اللاتينية. الشرق الاوسط. افريقيا)جزءا عضويا من المعادلة السياسية.
في العراق، لم تكن المافيات معروفة في الخمسين سنة الاولى من عمر الدولة، وقد تكونت التشكيلات الاولى لها، منتصف السبعينات، في قلب النخبة البعثية الحاكمة، وبحمايتها، وكانت العشرات من اعمال التصفية الغامضة للاشخاص (اخفتها السلطة او امتنعت عن التحقيق فيها) تشير الى مافيات واسماء ذات سطوات مخيفة، والى اموال هائلة تتحرك من قنوات النظام الحاكم او من شبكة نفوذه، ويحتفظ المواطنون والمتابعون وبعض القريبين من الحلقة الصغيرة التي كانت تمسك بالحكم بوقائع (نشر القليل منها) عن نشاط هذه الجماعات، وذكرت بعض التقارير ومحاضر التحقيق لدى دول المنطقة في انشطة تهريب وغسيل اموال ان بعض المافيات ترتبط مباشرة بصدام حسين، او بابنه عدي.
ومع سقوط النظام تفككت وتشظت الكثير من المافيات، وكانت ستنكشف على نطاق واسع وعن اسرار مدوية (في العهد الجديد) لو ان الجماعة المتنفذة واحزابها والادارة الامريكية فتحت هذا الملف وحققت فيه ولاحقت ابطاله، غير انه لاسباب عديدة، ربما بعضها يعود الى انخراط بعض رموز المافيات القديمة في الترتيبات السياسية والادارية الجديدة، جرى تعليق النظر في هذا الملف ودسه في سلسلة من الاعتبارات والتبريرات وربما الصفقات إذا شئنا الدقة.
في نهاية الامر، اعادت مافيات النظام السابق تشكيل وتنظيم هياكلها واذرعها، ووجدت في بعض العواصم العربية مراكز انشطة وتسهيلات وبنوك وخطوط اتصال وحركة، وتسرب الى الاعلام عدد قليل من حوادث وتصفيات سجلت على مافيات سرية مرتبطة باسماء تدير مصالح وامبراطوريات مالية متحدرة من عهد الدكتاتورية.
بموازاة ذلك تكونت بعد سقوط النظام، وبسرعة شيطانية، مافيات جديدة اكثر شراهة ودموية وانتعشت في ثنايا السباق المحموم على الثروة والسطوة، وذلك بالافادة (اولا) من فساد طبقة الموظفين الكبار الجدد وبعض رموز الحالة السياسية النافذة و(ثانيا) من خبرة مافيات العهد السابق وخدمة بعضهم .
 وقد وجدت المافيات الجديدة اولى الميادين المناسبة والمغرية لنشاطها في مجالات تهريب النفط وغسيل الاموال والمتاجرة بالمخدرات فضلا عن تنفيذ اعمال الاختطاف لرجال اعمال وساسة وعاملين اجانب في العراق، وفضلا ايضا عن الاغتيالات السياسية، مدفوعة الاجر، لصالح جهات محلية وخارجية مختلفة.
ومنذ البداية، كان واضحا ان الفوضى وانتشار السلاح والمليشيات وانعدام الامن والاستقطاب الطائفي واجواء الهلع والشوفينية والكراهية وموجات النزوح والخوف هي من لوازم وادوات وبيئة المافيا الجديدة، وقد عملت وكالاتها ومجساتها على تكريس هذا الوضع باشكال مختلفة وقذرة، في حين قدمت عصابات الجريمة المنظمة التي تشكلت باعداد كبيرة في بغداد والمدن الكبرى (من خلال اعمال السطو والاختطاف)خدمة تنفيذية كبيرة لهذه المافيات، وتقول احدى التقارير الدولية بان المحققين العراقيين توصلوا الى خيوط للانشطة الاجرامية تديرها مافيات تحصنت في حمايات سياسية، أو برعاية مخابرات دول اخرى، وان بعضها يتحرك عبر الحدود في نطاق تسهيلات اسطورية والبعض الاخر صار يستخدم وسائل واقنية الدولة في انشطته.
ومما له مغزى هنا ان تتولى الجماعات الارهابية المسلحة التي تزعم انها تقاوم الاحتلال تكوين مافيات اجرامية ضاربة، نصفها يتحرك في العلن ويدير مصالح وانشطة تجارية وواجهات سياسية ومكاتب علاقات من مواقع محصنة، والنصف الاخر يقوم بالاعمال التنفيذية ذات الصلة بالتمويل والاتصالات والتهديدات والاختطافات، وثمة ثلاثة حوادث كشفت نشاطا مافيويا خطيرا مبكرا موصولا بكل من مشعان الجبوري وحارث الضاري ومحمد الدايني، الامر الذي دوّن في ملفات وتحقيقات وتقارير كثيرة.
لكن اخطر المافيات الجديدة هي التي تنشط وتستقوي تحت الحماية السياسية التي يتيحها الصراع على السلطة، إذ تحظى هذه الجماعات بالتشجيع او التواطؤ او الصمت فيما تقوم بدورها بمدّ ماكنة الصراع بالزيت المناسب، ويمكن لمحللي الهجمات والاختراقات الامنية وللنشاطات المدنية المسلحة في الكثير من المدن واحياء بغداد ان يضع يده على مؤشرات لانشطة مافيوية خطيرة(هياكل واسماء) هي نفسها تقف وراء الكثير من الاختراقات الامنية ومذابح المدنيين فضلا عن انها تقف وراء افظع عناوين الفساد المالي والاداري في البلاد.
على ان المواطنين والكثير من متابعي الاوضاع السياسية والامنية، فضلا عن الضحايا وذويهم، يعرفون وقائع واسماء كثيرة، بعضها يشار له بالبنان، موصولة بمافيات او بانشطة تدخل في نطاق جرائم مافيوية، وثمة الكثير منهم على استعداد للتعاون مع محققين للادلاء بمعلوماتهم، لكن، حين يـُفتح هذا الملف على مصراعيه، وبايد بيضاء حقا، وشجاعة حقا، ولا تخشى في الحق لومة لائم.
*
“بين يديّ أخبار ترفع الرأس وأخرى ترفع الضغط”‎ . ‎
محمد الماغوط

صفحات: [1] 2 3 4 5









 

 

Arsenal matcher  fotbollsresor Arsenal  Fotbollsresor  Fotbollsresor Barcelona  Fotbollsresa Barcelona  Fotbollsresor England   Formel 1 resor  Fotbollsresor Fotbollsresa Nyheter
 Formel 1 resor, Formel 1 resa Garageportar Garageport Industriportar Skjutdِrrar Formel 1 resa, Formel 1 resor Sportresor, sportresa Sportresa fotboll, sportresor fotboll Sportresor Formel 1, Sportresa Formel1 ,
Formel 1 biljetter, F1 biljetter  Formel 1 Hockenheim, F1 Hockenheim  Formel 1 Monza, F1 Monza Formel 1 Monaco, F1 Monaco Fِretagsresor, fِretagsresa Gruppresa, gruppresor
Champions League resor,
Champions League paket
 
Evenemangsresa evenemangsresor Evenemangsresor evenemangsresa Eventresa  eventresor Eventresor eventresa  Fotbollsresor Barcelona 
 
Fotbollsresa Barcelona  Fotbollsresa Barcelona 
Fotbollsresor England Fotbollsresor London Ekonominyheter Nِjenyheter Kulturnyheter Vetenskapnyheter Spelnyheter Filmnyheter Modenyheter
Motornyheter Formel 1 paket Fotbollsresor Manchester Fotbollsresor Liverpool
Fotbollsresor Champions League  Fotbollsresor Champions League  Resornyheter
Fotbollsresor Spanien Fotbollsresor Italien
Fotbollsresor Premier League Formel 1 resor Formel 1 resa  Formel 1 resa   F1 paket
F1 resor - F1 resor F1 resa  F1 resa
Fotbollsresor Premier LeagueSportresor  Sportresor Sportresa Sportresa Billiga fotbollsresor  Billiga fotbollsresor
Fotbollspaket Fotbollspaket Barcelona Paketresor fotboll Arsenal biljetter  Biljetter till Arsenal  Fotboll biljetter  Biljetter till fotboll  Billiga Formel 1 biljetter
 
Billig Formel 1 biljett Billiga F1 biljetter
Billig fotbollsresa Champions League paket  Formel 1 Barcelona F1 Barcelona

 

Online now

مدعوم بواسطة MySQL مدعوم بواسطة PHP Powered by SMF 1.1.16 | SMF © 2011, Simple Machines XHTML 1.0 صالح! CSS صالح!
تم إنشاء الصفحة في 0.992 ثانية مستخدما 19 استفسار.