عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - ناهدة محمد علي

صفحات: [1]
1
حينما يبيع الإرهابيون الفتيات العراقيات لمَ لا يشتريهن العراق
الدكتورة / ناهدة محمد علي
إطلعت مؤخراً على فيديو وثائقي عن إحدى الناشطات الأيزيديات والتي تتابع قضايا الفتيات الأيزيديات السبايا واللواتي إحتجزهن تنظيم  داعش  ( كإماء ) لتوفير الخدمة المنزلية والجنس ومعظمهن قاصرات , ما رأيته وسمعته كان يبعث على الإشمئزاز والإشمئزاز منا نحن العرب , فمن الذي يشتري ومن الذي يبيع , والأغرب من هذا أن فيهم من يُرسل هؤلاء الفتيات كهدايا لقادة التنظيم كما كان في قديم الزمان , ولكن إذا إفتقد الداعشيون الحضارة والحس الإنساني فأين الدولة العراقية من حماية بناتها . إن أولاد هذه الدولة قد أصبحوا كفئران في متاهة لا يعلمون مخرجها .
كان أحد الشباب الأيزيديين ينتقل من موقع إلى آخر لكي يجد أخواته وليشتريهن من داعش وكان هذا الشاب فقيراً لا يملك سوى ( ساعته ) ليساوم عليها .
إن ما يبذله الجيش العراقي من جهود مضنية تثير الإحترام والمحبة , لكن مهام الدولة العراقية هي ليست في العمليات العسكرية فقط بل تشمل الهيمنة الإنسانية على كل فرد عراقي إناثاً وذكوراً لترفع عنهم الذلة والإستعباد لا أن تدك القرى  فوق رؤوسهم وعليهم وعلى أعدائهم , ولا أن تتركهم هائمين على وجوههم يبحثون عن مخرج , البعض يتجه شمالاً والآخر يتجه وسطاً وجنوباً وكأن مداً من الموج الهادر يلاحقهم أينما ذهبوا , وترمى على كاهلهم كل أزمات السكن وغلاء الأغذية وحتى مزابل الشوارع وتُقفل الكثير من المدارس بوجوه أطفالهم , وقد لا يجدون مهرباً من الضياع سوى مسالك التسول أو الجريمة .
أقول : إن من يرفع العلم العراقي في كل زاوية لا بد له حقاً أن يرفعه في قلبه ليُضلل به على كل طفل عراقي وإمرأة وأن يدفئهما به ويسترهما من أعين الطامعين , وأن لا ينام ليله منعماً ولا يبتلع طعامه متلذذاً ولا يحتضن أطفاله سعيداً إلا حينما ينام أطفال العراق جميعاً شبعى آمنين مطمئنين في أحضان أمهاتهم ماذا وإلا فلينكَس هذا العلم حتى تُمسح منه بقع دم أطفال العراق ودموع أمهاتهم , وأن لا يُرفع أبداً إلا وهو مرفوع الرأس .

2
من يلعن الناس في العراق
الدكتورة / ناهدة محمد علي
تتشعب حاجات الناس اليومية , وقد يصبر البعض  ويكفر البعض الآخر , والجميع على أبواب خزينة الدولة وعلى ميزانيتها ,  ولكن منطق الدولة أو بألأحرى رجالها والذين بأيديهم مفاتيح المُلك هم من يقرر أن تكون الخزينة فارغة ( أم مليانه ) وهم في كل الأحوال ناظرون إلى جيوبهم ثم إلى جيوب حُماتهم ثم إلى توفير الأمن والأمان لهم ولسلطتهم وأسباب الأمن من جيش وشرطة , ومن ثم إلى جيوب الفقراء , وفي هذه الحالة هو حق وألف حق لمسؤول اللجنة المالية في البرلمان العراقي أن يلعن الناس بقوله وفي تقريره المالي ( يلعن أبو الناس ) لأنه برأيه هم الرعاع فهم لم يتجولوا في القارة الأمريكية ولم يجربوا حياة الترف والرفاهية , ولم يمتلكوا بنوكاً ولم يدخلوا الأسواق المالية , وأخيراً لم يقودوا أحزاباً ترفع شعارات المساواة والديمقراطية , وأقصى ما يتمنونه هو تخريج أبنائهم من الثانوية ولقمة الخبز الحلال . لا أفهم لِمَ يلعن الناس الدكتور   ( أحمد الجلبي ) وقد سلموه ( الصاية والصرماية ) , فهم من يحملون أرواحهم على أكفهم يومياً ويعجنوا خبزهم بعرقهم الحار , وهم من تنتشر دماؤهم على أرصفة بغداد , وهم أيضاً من أحنوا ظهورهم ليصعدوا من فوقها على الكراسي . ومن يستطيع أن يلعن الجوعى والخائفين والذين يبعثون بأبنائهم لمقاومة الإرهاب وأيديهم على قلوبهم عسى أن يعودوا سالمين , وهم من حفروا الخنادق حول بغداد ليجعلوا من ركام أجسادهم سداً يحمي بغداد من الطوفان , ومن من هؤلاء المتعطرين يجرأ على السير في شوارع بغداد وأزقتها وينظر في عيون المارة ويقول ( إسألوني قبل أن تفقدوني ) , وهم وإن سألوه فلن يجيب , وإن أجاب فهو كاذب , وإن صدَق فستدور من حوله وعليه شبكات الفساد والفاسدين الذين لن يسمحوا أن تمر أنابيب النفط إلا عبر جيوبهم .
لقد سمعت من الكثير من الزملاء والأصدقاء بأن العراقيين مغلوب على أمرهم وسيبقون هكذا حتى تتقطع سلسلة الفاسدين والمستهينين بقوة الشعب العراقي , ولكن السؤال يبقى دائماً من يقطع سلسلة الفساد , أهو الشعب نفسه أم نحتاج إلى تكملة الدور الثاني من الإحتلال , أم يجب أن نتعلم من الشعوب المغلوبة كيف تغلبت . ومن خلال قراءات للتأريخ السياسي لشعوب مثل الهند , فيتنام , الصين , روسيا , سنجد أن هذه الشعوب لم تعتمد على قوى خارجية للإصلاح بل إستفاقت قواها الذاتية وأصلحت الخلل الذي فيها , أما بالنسبة لنا فجذورنا الذاتية لا زالت بخير لكنها بحاجة إلى مطر غزير لتستعيد خضرتها وحينها يوضع لاعنوا الشعب العراقي في مزابل التأريخ ويقف كناسوا شوارع بغداد الفقراء على قمة قبة البرلمان أو ما يسمى قانونياً ( بمجلس الشعب ) .


3
المنبر الحر / مقاتلون عند الفجر
« في: 16:53 14/01/2015  »
سيناريو درامي
مقاتلون عند الفجر
الدكتورة / ناهدة محمد علي
ولدت إمرأتان ذات يوم في منطقة شعبية وفي حي من أحياء بغداد ولدين , وكانتا قد تصادقتا وعاشتا جور الأزواج والعذابات سوية . كُنَ لا يعلمن بوجود العيادة الشعبية في نهاية الحي , ولم يتعودن على زيارة الطبيب ولا أخذ الفيتامينات أثناء فترة الحمل , بل كانتا تأكلان ما يتيسر لهن من طعام وهن منهمكات في أعمالهن المنزلية ليلاً ونهاراً , ولم يسمح لهن الوقت بالتزاور إلا قليلاً , أسمت الأولى ولدها ( سفيان ) والأخرى أسمته ( حسن ) . نشأ الصبيان مع بعض وأرضعت كل منهما ولد الأخرى ليصبحا أخوين . كانت العائلتان فقيرتين فلم يكمل الولدان دراسة الثانوية وإنخرطا في مسالك العمل المختلفة , وإنتهى الأمر بحسن أن أصبح شرطياً في مركز شرطة الحي , أما سفيان فقد أصبح عامل بناء حيناً  وأحياناً عاطلاً متجولاً وباحثاً عن عمل في طرقات بغداد .
المشهد الأول :
 عمل حسن في مركز شرطة الحي وهو لم يتعود أن يحمل سلاحاً أو يضرب أحداً أو يلاحق المجرمين , فقد حصل أن شهد ذات يوم عملية ضرب أحد المساجين وتكرر هذا المشهد أمامه يومياً حتى أصبح معتاداً عليه . عاد ذات يوم إلى البيت وهو فرح وخائف وقائلاً لأمه لقد قمت لأول مرة بضرب أحد المجرمين الذي ضُبط وهو يقفز على جدار أحد البيوت , قالت أمه : ولِمَ ضربته ؟ قال : لقد حاول الإفلات وأنا مسؤول عنه , سكتت الأم وهي ممتعضة ثم قالت : يا بني لا تؤذي الضعفاء , أنا متأكدة أنه فقير وجائع , أثار هذا الكلام غضب حسن فقال : نحن أيضاً فقراء يا أمي وهو مستحق لهذا .
إستمر حسن في عمله اليومي , يخرج باكراً ويقضي يومه بتفقد أمور الموقوفين , وذات يوم هرع إليه زميله المناوب قائلاً : أحدهم مضرب عن الطعام وقد سقط مغشياً عليه , أظن أنه ممن ( يعملون بالسياسة ) قال حسن : سأحمله إلى سيارة الإسعاف ولكن لا تنزع السلاسل من قدميه لئلا يهرب بعد أن يفيق . نظر حسن إلى وجه السجين وهو في داخل سيارة الإسعاف , كان أصفر ذابلاً وضعيفاً لا يستطيع الحركة , أحس حسن بالحزن عليه وبدأ يتمتم قائلاً ( لماذا السياسة , الناس تريد تعيش وبس )
في المساء عاد حسن إلى بيته حزيناً وحين سألته أمه عن سبب هذا قال : كاد أحد السجناء أن يموت إحتجاجاً على سجنه , وكان العريف يضربه وهو مغمى عليه , بدت علامات الغضب على الأم وقالت : إتقوا الله في عباده .
نام الولد قلقاً ومتقلباً طوال الليل وعند الفجر صعد إلى سطح المنزل وكأن هواء البيت لم يعد يكفيه , وفي ذات الوقت كانت إبنة جاره شيخ الجامع تنشر غسيلها على السطح , نظر إليها حسن فأعجبه جمالها قائلاً في نفسه ( يا سبحان الله ما هذا ) ثم عاد مطأطأ رأسه إلى الأرض ومتمتماً    ( أحنه وين وهمَّ وين ) .
أخذ حسن يومياً يصعد إلى سطح المنزل منتظراً رؤية إبنة شيخ الجامع , وتعجب ذات يوم حين رآها تفرش الحصير على السطح وتضع عليها آنية الشاي والحلوى , ثم رأى إمرأة غريبة تتحدث مع والدتها . لم ينس حسن اليوم الذي سمع فيه من أمه بأن إبنة الجيران قد خُطبت لأحد التجار , أحس وقتها بأنه شاب مسلوب الحقوق وضائع في عالم لا يرحم الفقير , كان كلما أحس به وقتها هو أنه غاضب جداً .
المشهد الثاني :
ظل سفيان يبحث عن عمل ثم وجده أخيراً في بسطة عمال البناء , إرتاح حينها وظن بأنه قد وجد مستقبله .
إستيقض سفيان صباح اليوم التالي وذهب مسرعاً وحاملاً فطوره معه , توقف قليلاً على قارعة الطريق منتظراً ( الأسطة ) مع زملائه ثم جاءت بعد قليل سيارة ( البيك أب ) وصعد الجميع إليها .
ذات يوم إستيقظ سفيان متأخراً وحينما نظر إلى الساعة أصابه الرعب وخرج مهرولاً دون أن يتناول فطوره , كان خائفاً وحانقاً على نفسه , ولم يلتفت إلى أمه وهي تصيح ( اللفة يمه اللفة ) . هرول سفيان إلى ناصية الشارع وقبل أن يصل لاحظ جمعاً غفيراً من الناس والكل في صراخ وبكاء , هرعت نحوه إحدى النساء مولولة ( وين علي ما شفته ؟ ) قلت لها : لقد وصلت الآن , كان الجميع خافضي الرؤوس وباحثين في تراب الأرض , وكان هناك بقع كبيرة من الدم تترنح من حولهم , أحدهم وجد يداً فرفعها إلى الأعلى قائلاً وصارخاً هذه يده وهذا نعله , قالت إحدى الأمهات وهي تشم خصلة شعر , هذا شعره , إنه هنا وهذه قطع من قميصه , إنه هنا . أحس سفيان بالغثيان والدوار وإنزوى في إحدى الزوايا واضعاً منديله على فمه ثم ركض في الإتجاه المعاكس حيث وجهة البيت , وحين تلقته أمه وهي مرعوبة قال : لا زلت حياً والجميع قد مات .
المشهد الثالث :
أخذ سفيان يتجول بين المحلات باحثاً عن عمل , الكل كان ينهره ,
البعض بهدوء ولطف والآخر بصراخ وغضب . أحس سفيان أنه وحيد في هذه الأرض وذليل , لا أحد يرغب في تشغيله ولا مكان له في هذه الحياة وكادت السماء أمامه تنطبق على الأرض . جلس على قارعة الطريق وفكر طويلاً بالإنتحار , ثم فكر متسائلاً كيف سيعود لأمه وهي تنتظره وتنتظر أجرته لتدفع بها إيجار البييت , فكر وقال لن أعود ثم تخيل وجه أمه الحزين منتظرة إياه طويلاً ووجه أخواته الصغيرات وهن يقفلن باب المنزل بعد غروب الشمس خائفات . إشتهى خبز أمه الحار ولمستها الحانية على رأسه صباحاً . جرجر رجليه ومشى بإتجاه البيت قائلاً في نفسه غداً لا بد لي من العمل , سأبحث عنه وسأجده حتماً إنشاء الله .
بقي سفيان متجولاً لعدة أسابيع حتى تورمت قدميه من كثرة التجوال بين أصحاب المتاجر . قال لأمه ذات يوم بعد عودته لم يعد هناك رحمة , فالكل يصرخ بوجهي قائلاً ( إمشي الله ينطيك ) وكأني أتسول منهم , ذهبت إلى سوق الحدادين فطلبوا مني المهارة وإتقان الصنعة وقالوا لي ليس لديك أية فرصة للعمل وأنت على هذه الحال ثم تساءل أين نذهب نحن يا أمي فأجابته أمه ليس أمامك إلا العمل في الجيش أو في الشرطة , غضب سفيان وقال أُفضل الموت على أن أكون معهم , إنهم يكرهوننا , أجابته أُمه ليس الجميع يا إبني إذهب إلى صديقك حسن وأطلب العمل معه في سلك الشرطة .
في مساء اليوم التالي ذهب سفيان إلى بيت حسن ففتحت له الباب أم حسن قائلة ( ليش تكطع يا وليدي ما ثُمر بيك حليبي ) , أجاب سفيان ضاحكاً ليس الأمر كذلك يا خالتي ولكن الدنيا تدور بي فلا أجد عملاً أو مصلحة أعيش منها وأصرف على أُمي وأخواتي , قالت أم حسن لِمَ لا تعمل مع حسن ؟ قال أين هو ؟ قالت هو على سطح المنزل سأُناديه لك .
نزل حسن مسرعاً وإحتضن سفيان قائلاً أين أنت يا أخي , أجابه الآخر : لم يعد لي أمل في هذه الحياة ساعدني لأجد عملاً , أجابه حسن سأسأل مأمور المخفر علّه يساعدنا .
في بداية صباح اليوم التالي قدم حسن ملفاً لوثائق سفيان , وحينما قلبها المأمور قال لينتظر فهناك العديد من الراغبين في العمل , إمتعض حسن وشكا الأمر إلى زميله المناوب فقال له صاحبه : هناك العديد من أقرباء المأمور قد قدموا أوراقهم وهو طبعاً سيفضلهم على أولاد المساكين من أمثالنا  .
المشهد الرابع :
خرج حسن من المركز غاضباً وإحتار كيف سيخبر سفيان بالأمر ثم ذهب مباشرة إلى بيت سفيان . خرج الآخر إليه مسرعاً ونظر كل منهما إلى وجه الآخر , ثم قال سفيان : تعال أدخل لقد فهمت ما تريد أن تخبرني به , لا داعي لأن تقول شيئاً .
إستمر سفيان بالتجوال في شوارع بغداد على غير هدى , فلمح رجلاً أشعث طويل اللحية يراقبه من بعيد , فلم يبال بالأمر , وأحس سفيان بعدها بأن الرجل يتابعه . مشى سفيان طويلاً ثم إلتفت فجأة فوجد الرجل الأشعث متجهاً نحوه قائلاً إجلس لنتحدث , أجابه سفيان ما الأمر ؟ هل أنت شرطي ؟ لستُ سياسياً ولا إرهابياً بل أنا مجرد شاب عاطل , فضحك الآخر وقال : هذا ما أعرفه يا سفيان , تعجب الشاب قائلاً : كيف تعرف إسمي , قال الأشعث أنا أعرف عنك كل شيء . ماذا تقول لمن يعطيك عمل كريم الأجر آخره الجنة , ضحك سفيان وقال : وأين هذا العمل ؟ أهو في السماء أم في الأرض , قال الأشعث في الإثنين معاً , ثم قال : هل ترى ما أنت فيه وهل ترى وضع أخواتك في هذا الضياع , ألا تخشى عليهن من الجوع والفقر ومن صاحب البيت الذي قد ينتظر قليلاً ثم يرمي بأغراضكم إلى الشارع . هل ترى كل هذا ؟ قال سفيان : أراه , فقال الأشعث : لنبدأ الآن , كل عملية تقوم بها أجرها ( 1000 ) دولار , بهت سفيان وقال ما نوع هذه العملية , قال الأشعث : تفجير مواقع الكفار والظالمين , أصاب سفيان الرعب وقال وهل سيُقتل الناس في هذه العملية أم سنقوم بتخويفهم , قال الأشعث : نعم سيقتلون ( ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) , هم أعداؤك أنظر إلى حالك , لن تجد عملاً بين الشيعة لأنك سني والكل يكرهك , فستموت جوعاً مع أمك وأخواتك . قال سفيان أأقتل أبناء شعبي قال الآخر إنهم أعداؤك , لا تفكر بالأمر وإقبل عرضي , سيأتي اليوم الذي تُذبحون فيه ذبح الخراف .
عاد سفيان مسرعاً إلى البيت ومرتعداً من كلام هذا الرجل مردداً مع نفسه إنه مجنون ولا شك .
حينما حل المساء سمع سفيان طرقاً قوياً على الباب وحينما فتح الباب وجد أمامه العجوز صاحب البيت , دخل العجوز إلى داخل الدار وبعد أن جلس طلب قدحاً من الماء فجاءت أخت سفيان الكبيرة وقدمت للعجوز الماء لمح سفيان نظرات العجوز الخبيثة , قال سفيان خير إنشاء الله , أجابه العجوز لديكم ثلاثة أيام وسأرمي بأغراضكم في الشارع , قال سفيان ولِمَ لا تنتظر قليلاً ؟ قال صاحب الدار إنتظرت أسبوعاً كاملاً وسأنتظر أكثر في حالة واحدة , قال الشاب وما هي , قال العجوز أعطيني أختك هذه لكي تخدم زوجتي أم أولادي , قال سفيان وإن رفضت , أجابه الرجل تكون قد جنيت على نفسك . خرج العجوز مسرعاً وغاضباً وبقي صوت الرجل الأشعث يتردد في أُذن سفيان ( إنهم يكرهونكم ولن يكون لكم مكان في هذا البلد ) . أخذ سفيان يفكر بجدية بما قاله الأشعث ويطرد من مخيلته صور الموت والدم قائلاً في نفسه ( العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم ) , ومردداً أنجوع نحن ويغتنون هم .
نام سفيان متقلباً حتى الصباح ومتسائلاً أأذهب للبحث عن عمل جزافاً أم أذهب للبحث عن الرجل الأشعث . خرج مسرعاً عند الصباح وتجول باحثاً عن ذلك الأشعث ثم تعب وجلس على ناصية الشارع , وإذا بجسم ثقيل يسقط بقربه قائلاً هل فكرت في الأمر يا أخي , نظر سفيان طويلاً إلى وجه الأشعث وأحس بكراهية له لكنه غالب نفسه وخرجت من فمه الحروف زاحفة , وقال : نعم قبلت , ضحك الرجل وأعطاه حزمة كبيرة وظرفاً فيه نقود , ثم وضّح قائلاً : هذه تضعها في شارع المحلات والأخرى في سوق الخضراوات عند الفجر , قال سفيان وإذا حاولوا الإمساك بي هل سأفجر نفسي . أجاب الرجل ضاحكاً وهل تظن أنهم إذا أمسكوا بك سيتركونك حياً , وفي كل الأحوال لك ( الجنة ) .
في فجر صباح اليوم التالي خرج سفيان مسرعاً بدون أن يودع أمه كعادته وفي أثناء هذا خرج حسن باكراً إلى عمله وكان أمامه مأمورية التجوال في أسواق الحي , قاد سيارة الشرطة مع زميله وبدأ بتفقد منطقة المدارس ثم عرج بعدها إلى الجامع ليصلي الفجر ولمح من بعيد سفيان يخرج من الجامع مسرعاً . بعد أداء حسن لصلاة الفجر خرج من الجامع ليكمل دوريته وبدأ بشارع المحلات فلمح سفيان يتحرك مسرعاً ويضع صندوقاً صغيراً تحت أحد الجدران , تساءل حسن عما يفعله سفيان في هذا الوقت وفي هذا المكان . كان الشارع فارغاً في ساعات الفجر الأولى . إستمر حسن في جولته في المدينة وهو يفكر بما يفعله سفيان . طلعت الشمس أخيراً وخرج الناس إلى أعمالهم وإلى الأسواق , وإستمر حسن بتأديته لدوريته , وإستغرب حين رأى سفيان يجلس بين عربات الخضار ويضع صندوقاً مماثلاً لسابقه تحت العربات , تساءل حسن عما يفعله سفيان , وكان عجبه ممتزجاً بكثير من الخوف والحزن على صديقه , وقرر أخيراً أن يتقدم نحوه ليسأله عما يفعله . إقترب حسن مسرعاً وقد لاحظ أن سفيان يحاول الإسراع بالخروج ولاحظ أيضاً أن صاحبه يرتدي قمصلة سميكة في هذا الطقص الصيفي الحار . صرخ حسن ما الذي تفعله هنا , فصرخ سفيان إبتعد بسرعة , لا تقترب , إبتعد بسرعة , غضب حسن وقال : أقول لك ماذا تفعل , قال سفيان : قلت لك إبتعد لا تقترب مني ولا تلمسني , لكن حسن إقترب ووضع يده على قمصلة سفيان أثناء محاولته لإستدراج سفيان ومساءلته , أدرك حسن بخبرته أن سفيان يخفي تحت قمصلته شيئاً فحاول فتحها , لكن سفيان إبتعد غاضباً فأدرك حسن حينها أنه أمام أحد الإرهابيين , قال من بعيد لماذا يا أخي ؟ ,  لماذا , قال سفيان لإخر مرة أقول لك إبتعد وإلا , صرخ حسن لا لن أبتعد قبل أن أنزع هذا عنك , إنزعه الآن , دوّى في أثناء هذا في المكان إنفجار هائل وترامت على مد البصر قطع الخضار مصبوغة باللون الأحمر وطار في الجو كفان متشابكان لم يعلم الجميع لمن هي , لكن أم حسن ثم أم سفيان بعد وصولهما  لمكان الحادث قد علمتا  أنهما لحسن وسفيان , وعلمنا نحن أيضاً بأن سفيان لم يشأ قتل أخيه لكنه فعل .




4
لماذا نلطخ وجه الإسلام بالدم
الدكتورة / ناهدة محمد علي
في بلاد يتجول فيها أكثر من 22 مليون عاطل والرقم قابل للزيادة سنوياً ويشكل من هم دون الـ 25 عاماً 60% من السكان , يتكرر التقاتل فيها يومياً بإسم الدين حيث لا فرص للعمل مخططة ولا مستوى عادل للكفاية الصحية وحيث تبلغ النفقات الصحية للفرد العراقي أقل من 167 دولار سنوياً , ولو قارنا هذا بمجموع النفقات الصحية للفرد في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً حيث يبلغ أكثر من 7410 دولار لوجدنا أن البون شاسع وعلى هذا الأساس تتراجع فرص الحياة أمام الجميع ولا تبقى إلا فرص الموت . وتشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية بأن متوسط عمر الفرد في العراق يبلغ 62 – 70 وبالمقارنة بمتوسط العمر للفرد في المملكة المتحدة والذي يبلغ 78 – 82 لوجدنا أن فرص الحياة أمام الفرد العراقي والعربي بشكل عام تبدو قليلة .
إن الشباب العربي يأخذ أسوأ ما في الماضي والحاضر فهو يأخذ من الماضي أساليب حروب الفتوحات فيما وراء الحدود وليس داخلها , ويأخذ من الحاضر تفوق التعاليم العرفية على التعاليم الدينية وتفوق الإنتماء للطائفة على الإنتماء للوطن , وهو بهذا يقاتل ضمن مساحة ذهنية ضيقة ومساحة عمرية ضيقة أيضاً فلم يسمح المجتمع له بأن يتعلم الكثير وإن تعلم فلا مجال لتطبيق ما تعلمه , كذلك ما يقدمه للمجتمع غير مدفوع الثمن , فهو لن يحصل على الرعاية الصحية والإجتماعية التي تسمح له بالعمر الطويل , فلا وقت لدى الشاب العربي لتحصيل مكتسباته فهو على عجل ولا طريق غير ممارسة الغزو الداخلي للشباب مع بعضهم البعض , فالغزو الخارجي لن يعتمد على الخناجر والسيوف ولا حتى على الأسلحة الخفيفة والثقيلة وما يُفتقد هنا هو التكنولوجيا والتخطيط العلمي , وإذا خرجنا من ساحة الحرب تقوم التكنولوجيا بتوسيع المساحة الذهنية والعمرية , ولا يعود الشاب عاملأ على الناعور أو ورش النجارة بل ضمن إقتصاد متين ومخطط .
إن الشباب العربي سيخرج من هذا كله بنتيجة واحدة ( إلى أين سيذهب ؟ ) , فهو إن درس القليل أو لم يدرس لن يستطيع الإستفادة من تحصيله العلمي وفرصته الوحيدة بالنجاة هي في البحث عن التأريخ العربي وعن نقاط الضوء فيه , وقد يجدها في عهد النهضة الإسلامية وتطور العلوم والترجمات وبزوغ الفكر العربي وهو يطمح من خلال هذا إلى العدل والنبل القيمي والشهامة  وفتح بيوت المال للمسلمين سواسية , لكن الخلل هنا جاء في عدم إستيعاب التغير الزمني الذي لا يقبل العودة إلى الخلف حتى ولو كان الماضي أجمل , ومن يستطيع السير ألى الخلف لمسافات طويلة ؟ , فهو بغض النظر عن كونه غير منطقي هو أيضاً غير مريح للفكر والجسد , إذا كان كل شيء سائر ألى الأمام إبتداء من حركة الذرات وإلى حركة المجرات وتطور الأنواع والنمو الخلقي والعقلي للإنسان , كما لا يمكن أيضاً للأبحاث والعلوم أن تعود إلى الوراء بل تتقدم إلى الأمام مستندة ألى تأريخها ومستفيدة منه .
كذلك يطبق هذا على الأدب بشكل عام إذ لا يستطيع الفرد العربي المعاصر إستساغة المعلقات السبع ولا إستخدام اللغة العربية القديمة حيث أضاف الزمن والحضارات صيغاً وكلمات جديدة على اللغة العربية . و نستخلص من هذا أن التأريخ العربي والإسلامي هو محطة للدراسة والنظر لا للممارسة اليومية و لكن المشكلة هنا هو أنه ليست للشباب إستساغة للحاضر وإلا لما إستدار نحو الماضي ومارس قطع الرقاب ولا فرق هنا بين مسلم ومسيحي وصابئي وإيزيدي بل المهم لديه أنه قد أصبح ممتهناً للجهاد , وما دام بناؤه للحاضر مستحيلاً فهو سيبني في منطقة الماضي , والغريب في الأمر إن هذا النوع من الشباب العربي ليست لديه الجرأة لمقاتلة التكنولوجيا الغربية وإن تجرأ قليلًاً فلأغراض إعلامية بحته .
وإذا تساءلنا من حرم الشباب من مساحة الحاضرسنجد حتماً سلسلة طويلة من القادة المعتوهين والمتصفين بحب السلطة والمال , وما أن يًقبر أحدهم حتى يولد ثان وثالث ممن يقلدون أسلافهم وممن يضرب المثل السيء للشباب العربي , فينقسمون قسمين قسم يُقلد وقسم يرفض وينحرف الإثنان الأول إلى حافة الجريمة والإحتيال والنصب على أبناء شعبه , والثاني يجعل من نفسه قصاباً مبتدأ ملوَّثاً بالدم ورامياً ببقع الدم هذه على وجه الإسلام ومستقطباً لكراهية الشعوب للإسلام والمسلمين .

5
تضخم الأنا لدى الفرد العراقي

ناهده محمد علي
     
تتكون ( الأنا ) لدى الفرد العادي منذ ولادته ومن خلالها يسلك سلوكاً غريزياً للحفاظ على حياته من خلال عملية الإمتصاص لحليب الأم أو الحليب الإصطناعي أو بكائه أثناء الجوع أو الألم , أو عملية التخلص من فضلات الأمعاء . ويمتزج حبه الغريزي لأُمه ( بألأنا ) لديه حيث هي الشخص الذي يوفر له إحتياجاته المادية والمعنوية والنفسية , ويشعره بالراحة بعد تغذيته وتنظيفه والتواصل الروحي معه , ويمتزج حب الطفل لذاته مع حبه لأُمه لأنها من يوفر له الإحساس بالرضى والكفاية .
وبعد سن البلوغ يقوم الفرد بتحقيق ذاته بطرق مختلفة منها دراسته ونجاحاته النظرية والعملية وذهابه إلى مواقع الدراسة والعمل بمفرده وبدون راعي كما يحقق ذاته من تجاربه العملية لقيادة العجلة أو السيارة أو الإصلاحات البيتية , كذلك في إقامة العلاقات الروحية مع الجنسين والإنخراط في العمل الإجتماعي والعلاقات الإجتماعية . كل هذا يبدو منطقياً وسهلاً إلا حين تتعارض المصلحة الذاتية مع مصلحة العائلة أو الجماعة أو المجتمع بشكل عام , وقد تتعارض أهداف المؤسسات الإجتماعية أو أهداف السلطة التنفيذية مع مصلحة الفرد حين تُسيس أو تُبرمج أهدافها أو مشاريعها لغير صالح الفرد العادي بل مصالح قيادية فردية أو أطماع توسعية أو إستثمارات أجنبية مبنية على الإستفادة من جانب واحد أو أهداف تخدم فلسفة محددة لمجموعة ضيقة في المجتمع ويتم تعميمها قسراً على جميع أفراده , وهناك أشكال كثيرة للتعارض ما بين الفرد والمؤسسات الإجتماعية والقيادات الفردية .
إن من المعروف أن إحتياجات الفرد الأولية والأساسية تبدأ بالغذاء والماء والدواء والتعليم وحق العمل ثم تنتهي بأسباب الرفاهية التي يتمتع بها الفرد العادي في الدول التي يرتفع فيها مستوى الكفاية الإجتماعية . وقد يصل مستوى التعارض إلى التقاتل لتحقيق المصالح ويبدأ هذا حتى في العائلة الواحدة حين ينعزل أو يتقاتل بعض أفرادها لغرض تحقيق ذاته في أمر ما . وقد تتصادم الأنا الفردية مع الأنا الإجتماعية فيكون الفرد بهذا خائناً لقيم الجماعة ومنفذاً لرغباته الفردية , وقد يكون أيضاً متفرداً في أفكاره وقيمه ونظرياته , وقد يتبع في تحقيقها أساليب علمية أو أدبية لم يعرفها أو يقرها المجتمع بل ينكرها ثم تتعمم تدريجياً وتصبح بعد هذا فكرة ونظرية رائجة بعد تضحيات كما حدث في نظرية تكون الأرض وكرويتها والتي عارضها المجتمع الكنسي ونظرية تكون العالم وبدايته , والكثير من النظريات الفلسفية والإقتصادية والتي قد تتفق مع مصالح البعض وتتصادم مع مصالح البعض الآخر .
إن تضخم الأنا الفردية القائم على أسس غير منطقية أو علمية وبمنظور فردي بحت ومجحف بالمصلحة العامة , وقد يكون هذا خطراً هو ما نبحث فيه , حيث تولدت عبر سنوات طويلة لدى الفرد العراقي فكرة الحفاظ على الأنا مهما دفع من ثمن وتحتوي هذه الأنا ( قيمه وشرفه وأحلامه ومصالحه المادية ) والتي واجهت كسراً قاسياً من قبل الأنظمة والحكومات والمصالح الخارجية ومالكي السلطة والمال الذين لن يسمحوا للفرد العادي أن ينفذ غير مصالحه , وحينما يتواجد هذا الفرد مع نفسه يجد نفسه خاوياً فهو يرهق نفسه بالعمل والدراسة ولا يحصل على شيء , محباً لوطنه وهو منبوذ فيه فتتضخم لديه الأنا رويداً رويداً حتى تبدأ بالمصادمة مع أهداف المؤسسات الإجتماعية المسيسة , وقد يتمكن هذا الفرد من أن يُرهب أو يًرعب هذه المؤسسات , ويمكنه أيضاً أن يُرعب السلطة وقادة المال والسياسة ولكي يعيد لهم بعض الصفعات , وقد يحصل هذا الفرد على بعض المكاسب المادية , ولكنه لن يوفر لنفسه الإحساس بالراحة والطمأنينة التي يحتاجها . وقد تصبح ظاهرة التضخم هذه ظاهرة عامة , فتتكاثر البقع السوداء على الثوب الأبيض حتى لا يكاد يُرى لونه , ومن هنا تأتي ظاهرة الفساد الإجتماعي والمالي والإداري . إن كل ما يفعله هذا الفرد هو لأجل تحقيق الأنا لديه وإسعادها ورفاهيتها , وهو بتنازعه غير السلمي هذا لن يحصل إلا على القليل من متعة الإنتقام لنفسه والقليل من الكسب المادي الغير منتظم والغير مأمون , وعلى هذا الأساس إن هذا التصادم بين الفرد والمؤسسات الإجتماعية أو العكس لن يؤدي لا إلى راحة الفرد ولا راحة المجتمع , والذي يحصل هنا أن حرباً داخلية ومحلية تحصل بين الأفراد والجماعات والفرق المختلفة كما يحصل في العراق حالياً , حيث أن مصلحة الفرد العادي لا تتعدى أسوار حدود بيته وإذا إستكثرت المؤسسات الإجتماعية على الفرد مصالحه الخاصة فسيخرج هذا الفرد من أسوار بيته مقاتلاً للحصول عليها , وهذا ما يحصل فعلاً , وسبب المشكلة هنا هو ما أُسميه ( الغباء الإجتماعي ) حيث أن مصلحة هذا الفرد والمؤسسات الإجتماعية هي واحدة , ويستطيع الفرد حتماً أن ينفذ مصالح هذه المؤسسات , ويستطيع أيضاً القائد النزيه أن يتجرد من مصالحه الشخصية ومن التضخم الهائل للأنا لديه وهو ما يثير غضب الفرد العادي إذ قد يتساءل كل يوم ولا يجد جواباً , لِم ينام القادة مثلاً في قصور مشيدة وضمن حراسة مشددة , وينام رجل الشارع على حصيرة توجع عظامه ولا يدري ما الذي سينتظره أو يباغته في الغد . إن الكثير من الأفراد والذين ضُربت مصالحهم وأهدافهم الخاصة المشروعة قد يتكاتفون ويصبحون خارجين عن القانون السلطوي ويتبعون قوانينهم الخاصة وقد تكون أكثر عدلاً من قوانين السلطة . ولو تساءلنا لِمَ هذا التعارض لوجدنا أن تضخم الأنا لدى القادة الكبار وتحقيقها اللامشروع واللاأخلاقي هو أكبر بكثير من تضخم الأنا للفرد العادي , إذ هي كما ذكرت لا تتعدى أسوار بيته , ولأجل صبره الطويل قد يتحول هذا الفرد إلى ( حرامي ) من الطراز الأول أو إلى قاتل شرس أو مدمن سلاح أو حامل لغضب عظيم ومحطم لكل ما يقف أمامه من معوقات مادية أو قيمية معنوية , ولن يلاحظ كل السعادات والألوان البراقة التي يلوّح بها القادة لقاعدتهم , ولو علم القادة المتعاظمون وهم جالسون على قمة الهرم بأن أي تفطر أم زلزال للقاعدة التي يرتكزون عليها تطيح بهم من أعلى بعد عدة هزات حتى تتفتح الأرض وتحتويهم .

6
مَن سَجَن الطفل البصري في قفص الدجاج
الدكتورة / ناهدة محمد علي
لم يحدث إطلاقاً أن تعامل المجتمع العراقي بقسوة شديدة مع الأطفال دون السادسة ويحدث هذا ما فوق هذا السن , مع أن أساليب التربية العربية تؤكد على أن       ( العصا لمن عصى ) , إلا أن المجتمع العراقي كان معتدلاً دائماً في شدة تعامله مع الأطفال , وأفرز هذا المجتمع أقوال شعبية مثل  ( خد وعين ) للدلالة على
 أهمية توفير الحنان والحزم معاً للأبناء في التعامل الأُسري كذلك أقوال أُخرى مثل ( لو كبر إبنك خاويه ) وهذا يدل على لزوم مصاحبة الوالد للولد بعد بلوغه والإقتراب منه وتربيته من خلال الصُحبة والصداقة الأبوية , إلا أن شدة قسوة الظروف الإجتماعية التي مرَّ بها المجتمع العراقي دفعت إلى المزيد من القسوة نحو العنصرين الضعيفين في المجتمع واللذين هما الأطفال والنساء .
بالأمس قابلت إحدى الصديقات والتي بادرتني بقولها , أكتبي أُكتبي عن هذا الطفل العراقي البائس , قلت : وما الجديد في الأمر , قالت : إطلعي على الفيديو وسترين العجب . وبعد أن إطلعت على فيديو الطفل هذا , بقيت واجمة وظننت أني سأُصاب بنوبة قلبية , وقمت لأشرب كأساً كبيراً من الماء ولأُريح قلبي , وماذا رأيت ؟ , أتصدقون أن عائلة عراقية بصرية قد حبست على سطح المنزل وفي قفص للدجاج طفلاً في الثالثة من عمره , لأن أُمه قد تركته لعمته بعد أن قُتل والده . كان الطفل الصغير جاحظ العينين واجم الوجه لا يستطيع الكلام أو الوقوف والمشي والحركة , إشتد به الهُزال ولم يكن فاهماً بما يجري من حوله , وربما كان يأكل مما يأكله الدجاج . وقد أُلبس بعض الملابس من قِبل إدارة المستشفى , وحينما وضعه الشرطي على الفراش كان يبدو وكأنه أصغر من عمره . لقد فضح أمر هذا الطفل أحد أولاد الجيران الذي تسلق السطح لصيد الحمام , نُقل الأمر للشرطة ثم إلى مستشفى الفيحاء في البصرة . تزاحم العراقيون الشرفاء لمساعدة هذا الطفل والتبرع له من الداخل والخارج , كلُ يريد أخذه لتربيته . كان هذا الطفل في المدينة التي إشتهر أهلها بالكرم والنبل والشفافية وهي مدينة الشعر والشعراء , ولا أدري لِمَ تصل القسوة بالفرد العراقي إلى الحد الذي يُعامل به الطفل اليتيم معاملة الحيوانات البيتية . كان سبب قسوة هذه العائلة هو المال والأرث , وربما كان إنتشار السجون في مدن العراق وعلى مدى المراحل السياسية المختلفة كان أحد أسباب هذا التفكير الإجرامي , حيث عانى أهل الجنوب من الظلم والإضطهاد لسنوات طويلة والذي أدى إلى تخشيب الحس الإنساني لدى البعض منهم , فهم يكررون ما مورس عليهم , يكررونه في داخل بيوتهم ومع زوجاتهم وأبنائهم وفي شوارعهم ومحلاتهم حيث تكثر المتاريس والبوابات بين منطقة وأُخرى , وتكثر نقاط التفتيش بين شارع وآخر حتى أصبح العراق سجناً كبيراً . ويكرر الفرد العراقي هذا في داخل نفسه حيث يبني لها سجناً يحميها حيناً ويحاصرها حيناً آخر , لأن كل حركة مفاجئة قد تنتهي بكارثة , لذا حجّم الفرد العراقي تفكيره وحركته وجعل مركز إهتمامه المال والطعام والشراب , وأخذ يسعى لطلب المال وبأي طريقة كانت وكل الطرق مشروعة ما دامت تريح كاهل هذا الفرد , وأصبح الأطفال أثقال لا تتحملها النفس العراقية , وأصبحت مصاريفهم أثقال , وحركتهم وتفكيرهم الطفولي المرح ثقل كبير للإنسان العراقي الحزين والمُكبل .
إن التحليل النفسي لعملية تعذيب طفل يؤكد على وجود مرض نفسي أُصيب به الشخص المُعَذِب في طفولته وهو يستفرغ ما مُلأ به , وهناك تقارير عن وجود الكثير من عمليات التعذيب والقتل الجماعي العائلي والقهر العائلي من قِبل الزوج أو الأبناء الكبار وهما العنصران القويان في العائلة , ويُمارس العنف أيضاً على الآباء الشيوخ الغير قادرين على الحركة والأكثر شيوعاً ممارسته على الأطفال الصغار ومثال على ذلك حبس الأطفال في القبو أو في الظلام , إطفاء السكائر على جلودهم و تقييدهم ومنعهم من قضاء حاجاتهم , تجويعهم وإستخدام التيار الكهربائي لتعذيبهم , أو رميهم من فوق مرتفع كأسطح المنازل . ويحدث هذا لدى الأقوام المتحضرة والبدائية , فقد ذكرت وسائل الإعلام النيوزيلندية بأن البعض من سكان الجزيرة الأصليين يقومون بإطفاء سكائرهم على جلود أطفالهم أو رميهم بالهواء عدة مرات حتى يُغمى عليهم , أو وضعهم في غسالة الملابس , هذا بالإضافة إلى القهر الجسدي الجنسي .
إن الفرد العراقي قد إمتص الكثير من الآلام وها هو يعصر إسفنجته فوق رؤوس أطفاله كما حصل في حالة الطفل البصري , لكن هذا لا يمنع من وجود الكثير من الفقراء الذين يعانون ويكدحون لأجل توفير الحياة الأفضل لأبنائهم , ويدخل في هذا أساليب التربية البيتة والرؤى الدينية والمستوى الثقافي والتعليمي .
أخيراً لا أعتقد أن شرطة البصرة قد ألقت القبض على الجناة بفعل أمر إداري أو بأمر القانون ! لكن دوافعهم كانت إنسانية وأبوية فطرية نبيلة وما بعد هذا فالمسؤولون نائمون على فراش من حرير وليتقلب أطفال العراق وفقرائه على الجمر , وليتحول البعض منهم إلى ذئاب بشرية , ولتنتشر الميكيافيلية في العراق ولتطبق المقولة الوحشية القديمة ( إذا جاءني الطوفان وضعت إبني تحت قدمي لأنجو ) .


7
المنبر الحر / الطائر المقدس
« في: 12:55 27/11/2014  »
قصة قصيرة   ( للبالغين فقط )
                             
الطائر المقدس
الدكتورة / ناهدة محمد علي    
يُحكى أنه حصل في الماضي القريب إجتماع هام في مملكة الطيور حول الرعب الذي سببته لهم مملكة العرب , قال حكيم مملكة الطيور : نحن لم نعد نستطيع النوم بعد غروب الشمس مطمئنين , ولم نعد نأكل غير فُتاة المزابل , فقد يبُس الزرع عندهم وإختفت الحبوب , وأصبح ريشنا عفناً لقلة الماء , إنهم يقتلوننا لجوعهم ويكرهون طيراننا لقلة حيلتهم , ولا تشرق شمس إلا ونحن نسمع صراخ الأمهات وعويلهن . قال أحد الطيور الذي عُرف بتغريده الجميل والذي سحر الجميع , لو هاجرنا فسنجد في كل بلد من بلاد الأرض حرب في شكل مختلف , فهناك أرض يتقاتل فيها البشر السود مع البشر البيض وأرض تعمل فيها المصانع ليل نهار ويسممنا دخانها , وأرض أخرى فيها كل ما نشتهيه وتنتشر فيها الغابات والأحراش لكن الأمراض تنتشر بين سكانها ونصاب ببعض منها . نفذ صبر حكيم الطيور وقال : ما الحل إذاً ؟ , قال الطائر المُغرد , الحل أن نعود إلى الماضي , ضحك الجميع وقالوا : عن أي ماضي تتحدث , أنت تعلم إن عجلة الزمن لا تعود إلى الوراء , قال : سأدعو الله أن يعيدني إليه عسى أن يُستجاب دعائي , قالو مستهزئين سنرى .
قضى الطائر المغرد ليلته قلقاً يدعو الله أن يعيده إلى الماضي لأن قبائل الطيور قد كرهت الحاضر . حين أصبح الصباح أخذ التعب من هذا الطير مأخذا كبيراً ونام نوماً عميقاً وحينما فتح عينيه بعد وقت غير طويل رأى أنه يطير بين شوارع غير مرصوفة ورؤوس غير محلوقة وسلال الباعة المتجولين التي تعرض الطعام هنا وهناك , قال الطائر : إستجاب الله دعائي ثم توقف على غصن شجرة فوجد طائراً سميناً ولا يستطيع الحركة قال له من أين أنت قال طائرنا : أنا من الحاضر فضحك الآخر وقال أتحب العودة الى الماضي , قال طائرنا نعم , قال الآخر لن تجد هنا مبتغاك , فالقوم هنا قد ضعفت قوتهم , وهناك قوم أشد قوة يقال لهم المغول جاءوا من بعيد لإحتلالنا وسنغرق بدمائنا . فزع طائرنا المغرد وهرب إلى شجرة عالية إستقر عليها وإنتظر الغروب , وما أن حل الظلام حتى أخذ الطائر المُغرد بالدعاء إلى الله للعودة إلى الماضي الأبعد , ثم نام الطائر عميقاً حتى الصباح و وحينما فتح عينيه وجد نفسه في مدينة غريبة ومنظمة بشكل غريب , وجوه البشر فيها تمتلأ إتزان وحكمة , يسيرون أسراباً وكأنهم مجندون لا يدفع أحدهم الآخر ولا يزاحمه . هبط طائرنا على شجرة صغيرة فقابله طائر فتي , فقال له طائرنا أين أمك ولماذا أنت وحيد , قال الصغير : هنا الكل يعمل والعمل هو شرفنا , ومنذ أن وضع حمورابي مسلته وقوانينه ونحن نسير عليها لا نحيد يميناً أو يساراً , لكل منا واجب وعمل ومن يخالف هذه القوانين يعاقب بشدة , إمتعض طائرنا وهز جناحيه وقال : أنا طائر حر وأُحب حريتي ولا أريد قيوداً ولا سدوداً , الفضاء هو مملكتي ولا يطوعني أحد . هرب الطائر إلى شجرة تقع في أطراف المدينة وقبل أن ينام دعا الله قائلاً أطلب منك ربي وللمرة الأخيرة أن تعيدني إلى الماضي السحيق  حيث الزرع وفير والأرض تفوح منها رائحة الأزهار , لا دماء فيها ولا قتال , ولا ظلم فيها ولا قوانين , ولا سيد فيها ولا عبيد , بل أرض فسيحة وفضاء أوسع . وحين أصبح الصباح وجد نفسه في غابة كبيرة يُسمع فيها خرير الأنهار من كل جانب تتمشى الناس فيها عُراة يلتقطون الثمر ويقطعون الحب من سنابله ويأكلون , ليس لديهم سلال لجمع الثمار والحبوب بل يأكلون القليل ويتركون الباقي على أغصانه أو سنابله . رفع الطائر عينيه إلى السماء فوجدها صافية لا دخان فيها ووجد على النهر صغار السمك تتقافز سعيدة من فوق الأمواج , تلفت طائرنا يميناً ويساراً وهو يتساءل أين قوارب الصيد وأين شباك الصيادين , وأين بقايا علب الدخان والطعام الفاسد , ثم تجول مستغرباً وقائلاً لا أثر لرجال الشرطة الذين يتصيدون المجرمين والأبرياء , ولا أثر ايضاَ لمواقد شواء الطيور المدجنة , وتبسم الطائر ضاحكاً وقال : لا أجد هنا فتياناً يتمايلون وبأيديهم قناني الكحول بل أجد أُناس متحابين لا يحتاجون إلى الكحول لينسيهم أحزانهم , ولا أدري لمَ الكل يطير بفرح وكأن لهم أجنحة مثلنا . توقف طائر مُسن قرب طائرنا وقال : نحن مجمع الطيور لا نخشى هنا شيئا  وإنظر إلى الأعلى تجد أسرابنا في الأفق تدور في السماء وحين يحل المساء يغرد الجميع ويقص حكاياته . تبسم طائرنا وقال : أود البقاء هنا وتوسل الطائر إلى لله أن يبقيه في الماضي السحيق , قال فيه حريتي وطعامي وسكينتي وأماني , لا أريد الرجوع إلى حيث رائحة البارود بدل رائحة السنابل وأطلق الطائر تغريدة سحرت الجميع .
حين يئست قبائل الطيور من عودة طائرها المغرد أدركوا أنه قد فضل الماضي السحيق وأصبح جزءاً من ذلك الماضي , فقرروا أن يبحثوا عن هذا الماضي لعيشو فيه .

8

أنحب أمواتنا أكثر من أحيائنا

الدكتورة / ناهدة محمد علي

إن جمال الحياة الإنسانية له مظاهر عديدة في كل ما يحيط بنا بما فيه من جمال الطبيعة والجمال الإنساني والحيواني . والكائن البشري يحب كل ما هو ممتع ولذيذ وبضمنها المتع المشروعة وغير المشروعة ، لأن كل ما أحس الفرد بأنه حي بإستخدامه لحواسه وغرائزه يجعله يشعر بمتعة يومية بالحياة ، ولا فرق في هذا بين متحضر ومتخلف وبين فقير وغني ، إلا أن تقبل الإنسان لهذا العطاء اللامتناهي من المتعة هو مختلف طبعاً من فرد لآخر ، ليس حسب الرقعة الجغرافية والمناخية والإقتصادية بل حسب تكوين هذا الفرد ونوع تربيته ومستوى الإكتفاء الذاتي له ، فهناك من يكتفي بالقليل من الطعام وهو سعيد ومن يكتفي بالقليل من المتعة الثقافية أو الروحية ، وهناك من يتحسس جمال كل كائن من حوله ، ،هناك من يمر بجميع الأحياء والمكونات الطبيعية وبضمنها نفسه مرور الكرام ، والمهم هنا هو إيجاد الحيز الذي يتحرك فيه الإنسان ويجعله سعيداً ، وكلمة سعيد هي حد الإكتفاء والإشباع . إن علينا أن نثمن الفترة الزمنية التي نعيش فيها لننجز كل ما نحبه قبل نقطة الصفر ، وهذا ما يجعلنا أيضاً نقدر الحياة والأحياء لأنهما أجمل كنز لهذه الأرض .
حينما نقلب صفحات التأريخ العربي نجد أن الفرد العربي لا يثمن الأحياء إلا حين موتهم ، حيث يصبح هؤلاء الأموات هم مدار حياة المجتمع وتأريخه ومنجزاته وتراثه وإرثه الحضاري ، ونحن العر ب ننتظر موت الأديب والعالم ورجل السياسة لكي نكرمه ونعظمه بالنياشين ، وكم من أديب ذُكر بالخير بعد موته ، وكم من عالم إشتهرت منجزاته بعد موته ، ونكتشف فجأة بأنه عاش فقيراً معدماً منسياً أو منفياً ، فالحياة لدينا غير مقدسة بل هو الموت ما نقدسه ، وربما ولهذا السبب يكثر لدينا الأموات ويقل الأحياء ، وربما لهذا السبب أيضاً لا يجد الكثير من المتفوقين الدافع للبروز ، وإذا ما إنتبهت السياسات العربية الى أحد المبدعين وتكرمت بتكريمه سيكون هذا عادة قبل شهر من وفاته أو فترة زمنية قصيرة ، ويكون حينها هذا التكريم عديم الفائدة لأن هذا المبدع أو ذاك لن يجد الدافع للمواصلة بسبب كبر سنه ، وقد يجد الكثير من المبدعين العرب فرصتهم بالتألق من خلال المنظمات العالمية والحكومات الأجنبية ، كما حدث سابقاً بالنسبة للعالم عبد الجبار عبد الله ولاحقاً للمصممة المعمارية العالمية زها حديد . وقد تكون هناك أسباب مضافة لتهميش الأحياء المبدعين منها الإحساس العالي بالغيرة والحسد وتفوق إحساس المنافسة على النزاهة الثقافية .
إن التأريخ البشري يؤكد على إرتباط الحياة والموت وكلنا إمتداد لأفراد أصبحوا جزءاً من الماضي البشري وكل ما حولنا يؤكد على ذلك . رأيت ذات يوم فيديو عن طيور البطريق والتي تموت وتتجمد في مناطق القطب وهي تحتضن بيضها ، وقد تموت الكثير من الأمهات وهن يلدن أولادهن ، لكن المختلف لدينا نحن العرب هو أن الموت قيمة لوحده ، نمجده ونعظمه ولا يوازي هذا تعظيم قيمة الحياة والسعي لأجلها والمحافظة عليها ولذا فإن حياة الكثير من أبناء الشعوب العربية لا تساوي ثمن رصاصة واحدة ولا يعني هذا أن هؤلاء الأفراد مستحقون للموت بل يعني بأن ليس هناك قيمة لحياتهم . ولو قارنا بكم الإحترام للحياة الإنسانية والحيوانية في كثير من الدول المعاصرة لوجدنا أن سياسياً كبيراً يمكن أن يُسجن إذا أساء التعامل مع حيوانه ، وقد يُحاسب رجل البوليس إذا أساء التعامل مع شخص ألقي القبض عليه لجريمة ما ، وقد تشتعل وسائل الإعلام بهذا الخبر وتتنافس الأحزاب المعارضة لإظهاره . أما نحن فقد نجعل الأكداس البشرية ولا فرق أن يكونوا بالغين أو أطفال سلالم لنرتقي عليها الى المجد ، لأننا وببساطة ندمر الحياة الإنسانية بوحي الخيال الديني والعسكري المريض ، ونعتقد أن هذا الدمار البشري هو ضرورة حتمية للنجاح حينما لا نمتلك مقومات الحياة وأسسها والتي هي التطور الإقتصادي والثقافي ، ونبدأ هنا في البحث عن أسس الموت ووسائله لا إرتقاء الى الأفضل بل بحثاً عن بدائل للحياة .


9
أدب / الورود السوداء – قصة قصيرة
« في: 09:17 05/11/2014  »
الورود السوداء


 قصة قصيرة

الدكتورة
ناهدة محمد علي


حلمت ذات يوم بأنني أتجول في حقل واسع وأقطف وروداً سوداء , لم أشأ أن أخبر أمي بذلك وكنت وقتها يافعاً وقد قُبلت لتوي في معهد التكنولوجيا وكان كل ما حولي بهياً ورائعاً , ملابسي الجديدة , كتبي وزملائي والفتيات الجميلات اللواتي من حولي وحتى أساتذتي كانوا على غير شاكلة معلمي الثانوية . أحببت أيضاَ طعام الكفتريا مع الجاي الأسود , كنت أختلس النظر الى الفتيات الضاحكات وتمنيت لو أثير إنتباه واحدة منهن ولكني كنت خجولاً بطبعي , ولا أجيد الحديث مع النساء .
عدت الى البيت سعيداً وحين جاء وقت النوم تذكرت حلم البارحة  وقررت أن أخبر أمي به صباحاً . وما أن أخبرتها  حتى وجمت وسهمت عيناها الى البعيد , كانت أمي إمرأة طيبة وصبورة وقد عانت الكثير في حياتها ولم أسمعها يوماً تتأوه أو تندب حظها . كانت تقدم لي رعاية إضافية وتقدمني على إخوتي ويريحني صوتها كل صباح ( صباح الخير يُمّه هشام ) وأهرع إليها لآخذ منها مصروفي . لم تكن ساندويجات الكفتيريا ألذ من ساندويجات أمي لكني كبرت على حمل طعامي معي . مرت السنوات وأنا على هذه الحال ولم أفلح خلالها بإقامة علاقة جدية مع زميلة من  زميلات الجامعة , ثم تخرجت من المعهد وكان صوت النفير يقرع الأبواب للإلتحاق بالجيش , حاولت الهرب وكنت الولد المدلل لأمي لكن أخي الأكبر أصر على إلتحاقي والمشاركة بالحرب العراقية الإيرانية كما شارك من قبلي أخوتي الآخرين , حاولت التملص لكن الكل كان خائفاً من أن تنتقم السلطة من عائلتنا . أخيراً أذعنت للضغوط وإستسلمت للأمر وذهبت لأودع أمي , كانت تبكي بمرارة لكنها لم تنبس بكلمة واحدة بل جعلت تبكي طويلاً وكأنها تودعني الى الأبد , أقنعتها بأني عائد إليها وتركت سجادة الصلاة مفتوحة لأعود إلى البيت بعد حين . ذهبت وكان كل ما حولي أسود دامس , الكل يقتل الكل , والكل يصرخ ( الله أكبر ) ثم يقتل الآخر . ذات يوم كنت أحدث زميلي في الحفرة ضاحكاً وعيني تنتقل يميناً ويساراً خوف المباغته , وحينما أنهيت كلامي الضاحك والسريع إلتفت فوجدت زميلي مضرجاً بالدماء وقلبته فإذا هو ميت , أحسست أن الموت قاب قوسين مني أو أدنى . أصبحت أكثر حذراً وكنت أسير أحياناً أياماً ولا أجد ما آكله غير العلب الصغيرة التي تسبب لي آلاما في بطني .
إلتقيت مرة ببعض الزملاء فأخبروني بأنهم قرروا الإستسلام للجانب الإيراني لأنهم مرضى وقد تعبوا من القتال , قلت لهم أخاف أن أفعل هذا وأخاف أن يقتلني الذي خلفي .
ناداني الآمر ذات صباح وقال لي قد حان موعد الزيارة فهرعت راكضاً الى السيارة اللاند روفر , وحينما وصلت إلى بغداد لم أصدق بأني أسير في شوارع الحي الذي أسكن فيه , وهرعت إلى أحضان أمي وبقيت في البيت إسبوعين لا أود الخروج منه , ثم حان سريعاً موعد العودة وتمنيت يومها أن لا أصحو أبداً , لكني صحوت وذهبت ونُقلت إلى الجبهة , وكان قتالاً عنيفاً وبشعاً كنت أتمنى فيه الموت كل يوم , وذات يوم قررت أن أعبر الشط وأهرب إلى البعيد , لكن النهر كان عميقاً وأنا لا اجيد السباحة كثيراً ثم قررت ذات صباح أن أرمي بنفسي إلى الماء بعد أن مات من حولي كل أصحابي , ولم يعد يهمني ما يحدث بعدها . ظلت أمي تحافظ على سجادتي مفتوحة في غرفتي لسنوات عديدة , ثم أغلقتها ووضعتها تحت رأسها ربما لكي تحلم بي , وبقيت في إنتظاري كل يوم تخرج بعد صلاة العصر إلى الباب وتنتظر طويلاً حتى يخيم الظلام فتقفل بابها وهي تتمتم سيعود , سيعود إنشاء الله . وبقيت أمي مصدقة بعودتي إليها , حتى أنها كانت تحكي لأخواتي عن ماذا ستطبخ لي وكيف أنها ستدللني وتهدهدني كما كنت صغيراً  . لم أكن موجوداً طبعاً في عالمها لكننا كنا نحلم سوياً بنفس الحلم والفرق أني لم أعد أبداً إلى بيتي لتحقيق حلمها , ثم بعد طول إنتظار ماتت أمي في 2003 وهي تحلم بأن الورود السوداء قد تحولت إلى ورود بيضاء , وبعدها قامت أخواتي بزراعة الكثير من الورود البيضاء في حديقة المنزل والتي لم يستطع أحد أن يقطفها وعاشت دورة حياتها الكاملة صيفاً وشتاءً وربيعاً ثم خريفاً . ونامت أمي نوماً طويلاً وهي مطمئنة وبقيت أنا في البعيد البعيد الذي لن يعود أبداً .

10
المنبر الحر / نحن من يزرع الشوك
« في: 19:02 30/09/2014  »
نحن من يزرع الشوك
الدكتورة / ناهدة محمد علي
إن مشاكل المجتمع العربي ليست مُسَببة من قِبل البيئة أو الموارد الطبيعية أو حتى العوامل المناخية والجغرافية بل تكمن في الموارد البشرية , إذ أن نوع هذه الموارد تجعل المجتمع العربي يغلي بمشاكل إقتصادية وإجتماعية وسياسية لا حصر لها . فالمستوى الإقتصادي والتعليمي والإرث الإجتماعي لهذه الموارد البشرية تجعلها قابلة للهدم لا للبناء , ويفرز منها تكوينات هامشية قد تعيش تارة على الماضي وتارة على مستقبل خرافي غير قابل للتحقيق , وتفتقد هذه التكوينات الى التخطيط العلمي في إدارة حياتها الأسرية والمجتمعية , وقد تدخل في تكوينات سياسية أو دينية غير مبرمجة وغير منطقية , وكل من هذه التنظيمات تدعي على أنها الكل وتمثل الكل وفي الحقيقة تحتوي برامجها على الكثير من الخصوصية وهي ليست بالكل , وهذه مشكلة كبيرة حين يدعي الخاص بأنه يمثل العام وهو لا يمثل سوى نفسه , ويقدم له الرأي العام والذوق العام بالمقابل رفضاً عنيفاً ورد الفعل يأتي مساوياً للفعل نفسه من قِبل هذه التكوينات , لذا أصبح لدينا مجتمعات هامشية تظهر بها العشرات من التنظيمات والتي تحاول إحتواء الموارد البشرية لكنها تُفزع العقول العربية الفذة وتدفعها الى الهرب الى الخارج هاربة من خصخصتها لمجموعة ما أو حزب ما الى عالم أكثر حرية وأكثر إحتواء .
ماذا نفعل نحن لأطفالنا وهم الموارد البشرية التي ستبني لنا , فنحن بفخر نجعل منها موارد أولية مغشوشة للبناء أو نستنزف طاقتها إناثاً وذكوراً أما بالزواج المبكر أو بالعمالة المبكرة والتي قد بلغت نسبتها أكثر من 10 مليون طفل عربي .
إننا وبفخر أيضاً نجعل الأطفال العباقرة ذوي الحساسية العالية منبوذين في أُسرهم ومجتمعاتهم , وتنظر الأسرة العربية الى هؤلاء على أنهم شواذ لا يُفتخر بهم بل يُخشى منهم وعليهم , وقد تُربط الكثير من سلوكياتهم لأفعال الجن أو الشياطين , في حين أن أطفالنا المرضى وخاصة المصابين بالأمراض العصبية والنفسية وإختلال عمل الدماغ مثل مرض ( التوحد ) فيُتعامل معهم على أنهم ضيوف ثقلاء لأُسرهم ومجتمعاتهم لأنهم غير منتجين في حين أن منهم من يكون عبقرياً في مواد محددة مثل الرياضيات أو تقنيات الكومبيوتر أو في الرسم والموسيقى . ولا يتمتع الطاقم التعليمي بالكم المطلوب من الإبداع المهني أو الحس الإنساني والذي يتطلبه العمل في هذا المجال مع هؤلاء الأطفال .
لنأخذ نماذج من ثلاث دول عربية أولها العراق , حيث مات عبقري الرياضيات ( عادل شعلان ) وهو فقير مُعدم وبائع بسيط , أما الأطفال المتوحدين فقد يُعانون في المدارس العربية من الضرب المُبرح وهم في سن مبكرة , ولا يستطيع هذا النوع من الأطفال معرفة لماذا يُضرب ولا نستطيع نحن أن نعلم كيف يفكر الطاقم التعليمي في هذه المدارس , فقد أوردت وكالات الأنباء في الإمارات نموذجاً لهؤلاء الأطفال في المدارس الخاصة .
أما في اليمن فينتشر الزواج المبكر للفتيات , وفي تقرير لمنظمة اليونيسيف عن الزواج المبكر في اليمن أوضحت المنظمة بأن 48% من الفتيات وخاصة الريفيات يتزوجن بسن 10 – 14 . وتبلغ نسبة الزواج المبكر في مصر الى حوالي مليون فتاة  ونسبة الوفيات بينهن أثناء الولادة  1 من 70 . وتشتهر قصة الفتاة اليمنية (نجود ) والتي زُوجت في سن العاشرة لرجل يكبرها بأضعاف سنوات عمرها والتي تصور تصويراً إنسانياً كَم المعاناة والشراسة التي عانتها في زواجها المُبكر وكَم الألم الذي سببه لها إنقطاعها عن حياتها التعليمية , ولولا إحتواء إحدى المحاميات لها لظلت هذه الفتاة تقبع في سجن الزوجية المبكر .
إن الزواج المبكر يعتبر أحد الحلول الإقتصادية التي تضعها العوائل الفقيرة والعوائل الريفية لمصير فتياتها وبضمنها الأسر العراقية .
إن الحلول التي يضعها البعض منا لأوضاع الأُسر العربية تعود بنا الى الوراء بخطوات طويلة لكي نحصل على راحة البال لمصير أطفالنا , إلا أن هذه الحلول ليست إلا براكين تُغرق المساحات الواسعة بالحمم البركانية والتي لا تفرق بين صغير وكبير وتحرق مواردنا البشرية .
إن إحدى المشاكل المنتشرة بين أجزاء الموارد البشرية العربية هي مشكلة ( الهروب أو النزوح ) من المناطق الساخنة الى المناطق الهادئة نسبياً حيث لا يجدون إلا الأبواب المغلقة في مجالات العمل والتعليم , ولا يحلم هؤلاء الهاربون بغير الغذاء والماء , وكم من الطاقات الشابة تغرق في أنصاف المحيطات وقُبالة سواحل الدول الإسكندنافية واستراليا وماليزيا والتي قد يئست من طول الهرب .
من البديهي لو أننا أردنا أن نبني صرحاً حضارياً شاهقاً فيجب علينا أن نوفر مواد للبناء لا للهدم ويكذب من يقول إننا نهدم لكي نبني بعدها , لأننا إن تصفحنا تأريخ مجتمعنا العربي فلن نجد مجتمعاً هدم قدر ما هدمنا , وكلما بنى جيل صرحاً جاء الذي بعده ليقوضه , حتى لم يعُد لنا تأريخاً ولا حضارة وأصبح تأريخنا وآثارنا تباع بالمزادات العالمية بثمن بخس .
لقد صبرت الشعوب العربية طويلاً , وجاء الوقت ليتوقف الإفتاء بعدم صلاحية كل شيء والعودة لقرون مضت , وقد أعطى المجتمع العربي الفرصة لهيئاته القيادية لكي تبني لكنها لم تزرع إلا الشوك . والذي أدى الى أن يفرز المجتمع العربي من جروحه أنواعاً من القيح الملوث والذي إنتشر في الجسد العربي ودعا البعض منا الى أن يضع حلولاً قسرية لبتر هذه القدم وتلك اليد لكي يُنقذ هذا البعض رأسه .

11
المنبر الحر / البيت العراقي
« في: 15:54 28/08/2014  »
البيت العراقي


الدكتورة / ناهدة محمد علي
يمتلك العراقيون إحساساً وطنياً عميقاً ولا فرق في هذا بين مواطني الأقليات والأديان , فلم أجد يوماً فرداً عراقياً سواء كان في الداخل أو الخارج لا يتمسك بترابه وكأنه يحمله معه أينما ذهب . أذكر يوماً أن صديقة لي قد عادت من العراق وحينما إلتقيت بها قالت لي : أحمل لكِ هدية رائعة وكانت بعض من التراب العراقي معبأة في قنينة زجاجية , وأضافت لدي واحدة مثلها أضعها في غرفة الجلوس , ولم يكن هذا شيئاً من الخبل بل حقيقة يحملها العراقي أينما ذهب يعض عليه بأسنانه حين يجوع أو يتوجع , حين يُنفى أو حين يُسجن وحتى حين يتطرف إلا أنه في هذه الحالة يمسك بالطرف الخطأ وهو غير شاعر بهذا .
قبل أيام مررت بمتحف أشبه بقوس قزح للمحبة العراقية وقد تمثل هذا في  ( السوق العراقي والخيري ) الذي أقامته جمعية المرأة العراقية النيوزيلندية الثقافية . كان السوق يبيع منتجات العوائل العراقية المهاجرة وبعضاً من ممتلكاتها كالملابس والتحفيات العراقية والمآكل العراقية المألوفة وبعض المجوهرات اليدوية الصنع , وكان الهدف الأساسي لإقامة هذا السوق هو جمع ألوان الطيف العراقي مع التبرع للنازحين العراقيين , وكان هذا
  والتي خصصت مبيعاتها كلياً لصالح I CARE  بالتعاون مع منظمة
المساعدات للنازحين . إحترمت كثيراً ما قامت به هذه المنظمة والتي تديرها طبيبات عراقيات شابات إتسمن بالرقي الفكري , ولن يكن هؤلاء الشابات يعانين الفقر أو الجوع لكنهن يحملن القلب العراقي النبيل والذي تجاوب حتماً مع صرخات الإستغاثة التي تمزق الأسماع كل يوم كما كانت تمزق أسماعي وتخترق أوردتي وتحرمني النوم .
كان الفلكلور العراقي جميلاً بتحفياته ولوحاته الأثرية , وأضاف الى هذا لوناً حضارياً بعض المبدعات من الفنانات التشكيليات , كما أثار إنتباهي إحدى الرسامات البصريات والتي فاقت حد تصوري بوجود قدرات إبداعية لدى شاباتنا في المهجر , وكانت صور الأهوار ومخططات الفرس العربية في غاية الجمال , وكانت هذه الفنانة الشابة ( علياء داود ) والتي جاءت من بعيد ورغم إلتزاماتها العائلية إستطاعت أن تعطي الوقت اللازم لموهبتها .
وبتجوالي في ( البزار العراقي ) وجدت وجوه شابة يانعة وباسمة من الفتيات والشبان العراقيين بأحلى ملابسهم ويعملون كخلية نحل متجانسة , هؤلاء هم النُخب التي سنعتمد عليها في المستقبل . لقد وجدت أن مبيعات الأطعمة العراقية المعروفة فاقت جميع المبيعات , فالشعب العراقي كما هو معروف شعب أكول . كانت القهوة العربية مع التمر والحلوى توزع مجاناً للحاضرين بطقوس عراقية أصيلة وأباريق فلكلورية مما أثار شغف الزائرين الأجانب كل هذا كان جميلاً لكني لم أقم بإعداد هذا الريبورتاج لأقول هذا فقط بل لأُلقي الضوء قليلاً على النفس العراقي الطيب الذي يعطي وبدون حساب , فقد أعطى الكثير على مدى التأريخ وأعطى على مدى كل الثورات ومن قِبل كل الشرائح الإجتماعية ولم يطالب بالمقابل ومع ذلك كانت مكتسباته قليلة دائماً , ولم يكن كافياً إقامة صرح واحد للجندي المجهول فهناك آلاف كثيرة للجنود المجهولين سواء كانوا أمواتاً أو أحياء ولن يحضى كل هؤلاء بأوسمة الفخر أو الميداليات الذهبية , ولم ينتظروا منا كلمة شكر واحدة .
تساءلت كثيراً لِمَ نحن العراقيون نحوي نسيجاً واحداً , فقد رأيت في هذا البيت أو السوق العراقي العربي والكردي والتركماني , والسني والشيعي , والمسلم والمسيحي والصابئي , ووجدت أن الكل يحتضن الآخر مرحباً بالكل , وكان ذوقنا واحد ومزاجنا واحد . نبهني صوت أحدى الشابات العراقيات المتبرعات وهي تحمل صندوقاً كارتونياً  وتنادي بأعلى صوتها  ( تبرع بدولار لتروي عطشاناً من النازحين ) فتسارع الجميع ولم يتساءل أحد أين الدولة العراقية بملياراتها وأين الأمم المتحدة بمنظماتها من هؤلاء الهاربين من الموت الى الموت .
حاولت أن أكتب عن مأساة النازحين بموضوع منفصل لكنني كلما قلّبت أرشيفاً أجد قلمي وكأن الحبر قد تجمد فيه لا يريد أن يسيل لهول المأساة , وأبقى أُردد بغضب الى أين يافقراء العراق , أنتم وأطفالكم الى أين ؟ .
تساءلت أيضاً لِمَ يجتمع العراقيون في المهجر على المحبة والعطاء ولا يستطيعون هذا في الداخل , لا لأنهم لا يريدون بل هم لا يقدرون , فهم مفتقدون دائماً الى المنظم , والغريب في الأمر إن كل التنظيمات السياسية تجعل أحزابها وتنظيماتها هي الوطن , وتُقدَم هذه التنظيمات على أنها الوطن والمواطن .
إن ما يقدمه قادة الجمعيات والتنظيمات الإجتماعية هو مفخرة في القدرة التنظيمية النزيهة بدون مصالح مادية أو معنوية , وهذا ما يجب أن يُضرب به بالمثل للقادة السياسيين في العراق . ويقود الكثير من هذه المنظمات نساء مثقفات ثقافة عالية ومتفانيات تفانياً في ضم الجالية العراقية نساءاً ورجالاً وبكافة تشكيلاتهم الحزبية والمذهبية , وهناك نماذج كثيرة من هذا النوع مثل نموذج قيادة جمعية المرأة العراقية النيوزيلندية الثقافية متمثلة بالدكتورة ( غادة محمد سليم ) في إدارة أعمال الجمعية , وقد قدمت هذه المرأة العراقية نموذجاً راقياً للتعامل مع المذهب والقومية والأقلية , ولا أقول أن أبناء العراق وبناته لا يملكون هذا النموذج ولكن الفرق يظهر في أن من يرفع أو ترفع رأسها للمطالبة بالحق وحتى تحت قبة البرلمان ستجد حتماً من يسقطها ومن أعلى قِمم الجبال العراقية لكي تكون عِبرة لمن إعتبر بعد هذا , وإذا تساءلنا لِمَ كل هذا أقول وللأسف إن القِلة الغير مفكرة تقصم ظهر الأغلبية الواعية وهي ببساطة الأقوى .
إن العراقيين في المهجر يتحركون ضمن جو سياسي وإجتماعي مختلف , فالخبز متوفر للجميع , ولا تباع هنا كمامات الأفواه في الأسواق , ولا تُمارس الضغوط على الناخبين كما يحدث في العراق حيث تُمارس الضغوط على الفرد العراقي من جميع الجهات وتظل تحاصره حتى تُفرز الوحش الصغير الذي في داخل البعض منا .
أقول إن ما تفعله النساء العراقيات بأجسادهن الصغيرة وعقولهن الكبيرة يستدعي الإنحناء له تقديراً حيث لا مكاسب معنوية أو مادية , بل روح معطاءة من القلب والنفس العراقي الذي يُشعل شموع المحبة في كل الجوامع والكنائس والأديّرة .
أرفع تقديري لما تفعله المثقفات العراقيات في تقديم القدوة الجميلة للعرب والمسلمين أمام أنظار الغرب لكي لا يثير وجودنا الرعب بينهم بل يرون جوهرنا الجميل الملون تحت زخات المطرالشتوي وموسيقى التخوت الشرقية .

12
المنبر الحر / من يعدِل الميزان
« في: 12:28 26/07/2014  »
من يعدِل الميزان
الدكتورة / ناهدة محمد علي
حينما قرأت تأريخ الحروب والكوارث البشرية وجدتها لا تمتد إلا لسنوات محدودة وحتى الحربين العالميتين إستمرت لوقت محدود  ثم إنتهت بالنصر للبعض والإنهيار للبعض الآخر , وقد أولد هذا الإنهيار تغييرات إقتصادية وسياسية جذريةً , بعكس الشعب العربي الذي عاش ويعيش كوارث إنسانية مستمرة ولقرون إمتدت منذ إنهيار الدولة العباسية والى يومنا هذا لأننا وببساطة لا نستفيد من أخطائنا ولا نتعلم منها بل تقودنا هذه الأخطاء الى إنهيارات أعمق وأقسى , لذا أخذ بحر الدم يتسع ويتحول أبناؤنا الى سكاكين تذبحنا , وتتشكل منهم التنظيمات الإرهابية والعشائرية والطائفية لأنهم حينما فتشوا في مربع المتاهة لم يجدوا إلا مخرجاً واحداً فهم أما أن يرموا بأنفسهم الى النار الحارقة أو أن يعيشوا النار يوماً بيوم , فقد أبصروا قبل الرُشد وبعده كيف أن كل بلد عربي ينقسم الى قلة من الظالمين وكثرة من المظلومين وقِلة من المتخمين وكثرة من الجائعين , وأبصروا قلة من المتعلمين وكثرة من الجهلة , ثم أبصروا قِلة من السياسيين وكثرة من المغلوب على أمرهم , وبين الحين والحين أخذوا يبصرون بأي وسيلة يعتلي الجاهل والجائع والمظلوم وكانت النتيجة هي إستخدام القوة ثم القسوة ثم تسييد الأعراف الماضية ولأنهم لم يجدوا أعرافاً جديدة تنقذهم مما هم فيه حيث لم يعد هناك قاعدة مادية علمية متينة ونظيفة يبنى عليها قيم نظيفة أيضاً لذا وضع بعض أولادنا السكاكين في أحزمتهم وإعتلوا صهوة ( البيك أب ) وأخذا يحلمون بنشر العدل الذي مضى وإعادة الدولة التي مضت لكنه ليس إلا حُلم لأن الناس غير الناس ومتطلباتهم لم تعد كما كانت , فالعربي لم يعد يعيش في خيمة , ولم تعد الصحراء مرتعاً له , ولم تعد أعراف الصحراء هي ما يؤمن به , ولم يعد العربي يتآلف مع ذئاب الصحراء بل أصبح يخافها ويقتلها قبل أن تقتله , لذا فالعرف الصحراوي هو آخر ما يحتاجه العربي إذ أن آلامه وأحزانه وحرمانه من العدل لا يحله ولا يفك أسرار متاهته إلا الأعراف العلمية المتحضرة والتي لا تؤمن بإسالة الدم البريء وتؤمن بأن الحياة البشرية ليست عبارة ( عن قاتل ومقتول ) بل تعايش وتجانس وحوار مستمر بين القوميات والأديان وبين الفئات القوية والضعيفة , لأن دائرة الدم وببساطة هي دائرة مغلقة تعود فتبدأ من جديد وأول ما تبدأ تبدأ بمن وضع الخط المائل الأول فيها ثم تدور مسرعة ثم تزيد من سرعتها حتى تنهك الجميع ثم تتبعثر يميناً ويساراً , ولن نخرج إلا بنتيجة واحدة وهي أن الجميع كان على خطأ وإننا يجب أن نبدأ من جديد لكي لا ننتهي على شكلنا الحالي , ولكي لا نبكي على الأطلال ثانية ومن جديد .

13
هل يتبادل الإنسان الأدوار مع الحيوان

الدكتورة / ناهدة محمد علي
حينما نتصفح تأريخ الجنس البشري والحيواني نجد تشابهاً وتنافراً أحياناً بين الطباع والغرائز وفي بعض الإحتياجات أيضاً , ويحتاج الحيوان الى التواصل الإجتماعي لكنه يتعامل مع كل هذه الإحتياجات بطريقة مختلفة فهو يأخذ ما يحتاجه فقط , لا يحب التخمة ولا الشراهة , ولا يؤمن بتخزين الغذاء إلا بعض الحشرات وبعض الطيور , لا يعترف بالملكية الخاصة أو ملكيات المواقع , فله كل شيء ولا شيء له لا في الأرض ولا في السماء . حينما  قرأت عن طِباع الوحوش وجدت أنها لا تقتل إلا إذا جاعت , وإذا ما جاعت لا تأكل أطفال جنسها , ولم تتسبب يوماً في حريق الغابات الرائعة في العالم بل جعلتها محمياتها الطبيعية وجعلها الإنسان مصدراً لوقوده وآثاثه , يحرق هيكتارات منها بعود ثقاب واحد . لا يمتلك الحيوان ما يقاتل به سوى جسده , إلا أن الإنسان بتفوقه العقلي إستطاع أن يحول الموارد الطبيعية الى أسلحة فتاكة حتى إستعمل الغذاء والماء والهواء كأسلحة دمار شامل . يصنع هذا الإنسان قنابل الفناء من بضعة كيلوغرامات من          ( البلوتينيوم ) . شاهدت قديماً مشاهد للفيديو عن قنبلة ( هيروشيما ) وأعدت مشاهدته مرات ومرات ورسخ في ذاكرتي مشهد الأجساد المحترقة والرذاذ الذري المتناثر في الجو والذي قد خُطط له من قِبل علماء الجيش الأمريكي , وكلما كانت نسبة الخراب أشد كلما كان الهدف أكثر إصابة ونجاحاً . كان هناك طفلاً بين الركام الذري وربما كان في الثانية من عمره تلون وجهه بلون الرذاذ الدخاني وكان جسده الصغير مرتجفاً كل جزء منه يرتجف بإتجاه مختلف , كانت عيناه مفتوحتين بفزع ولم يكن يفهم شيأ مما يدور من حوله وأجزم أن في رأسه الصغير كانت تدور أسئلة كثيرة تبدأ كلها بكلمة ( لماذا ) , كانت الأشلاء منتشرة من حوله وهو حتماً ينتظر دوره في الموت . وضعت هذه الصورة الى جانب صور كثيرة جمعتها عن بعض الحيوانات المفترسة وهي ترعى صغار الحيوانات الأخرى أو تراقبهم ولا تؤذيهم الى جانب صور الحيوانات العملاقة كالفيل والغوريلا والحصان والجمل والتي تكتفي بالعشب الأخضر واليابس أحياناً , ومن الغريب في الأمر إن الأرض تمتلئ بالطيور لكنها لا تزاحم البشر لا في أرضهم ولا في سمائهم حتى يخطر بالبال بأن المنطقة خالية من الطيور لكنها وببساطة أكثر أدباً منا .
إن الفطرة التي فُطر عليها الحيوان هي فطرة سليمة لو إتبعها الإنسان لعاش سليماً معافى . ومن خلال إطلاعي على إحصاءات ثروات الشعوب وجدت أنه لا توجد دولة فقيرة في العالم , والخلل الوحيد الموجود هو في توزيع الثروات وفي الإحتكارات المحلية والعالمية , ولو طبق الإنسان مبدأ الإكتفاء الذاتي أي أن يزرع ليأكل ويُنتج ليوفر ما يحتاج لا ليحتكر أو يرفع أسعار الغذاء حتى لو إضطر الى أن يرميه في البحر أو يخزنه ليملأه بالمواد الحافظة لكي يرفع سعره , ولو لم يفعل هذا الإنسان لوصل الطعام الى كل فم , ولما تواجد الملايين من الجائعين في الدول المنتجة للذهب الخام , يجمعه المنتجون من أرضها وجبالها وأنهارها ولا يسد المنقبون بالدولارات القليلة رمقهم كذلك يجوع جامعو الملح , وجامعو الكلس من الجبال الكلسية ومعظمهم من صغار السن والذين يصابون بأمراض تنفسية كثيرة قد تقضي عليهم .
أنا لا أدعو هنا الى أن يترك الإنسان حضارته ويعود الى مرحلة جمع القوت , لكني أتمنى لو يعود الإنسان الى فطرته وكلما إبتعدنا عنها إقتربنا من نموذج ( الإنسان الوحش ) . إن الإرث الثقافي الذي يتعلمه الأطفال منا هو أن من يجمع النقاط لأكثر الضربات إصابة هو الفائز , ومن يملك إحتياطي الذهب في العالم هو من يُسيِّر سياسات العالم وهو من يُسخر علماء الطبيعة لتخريبها ونعلمهم أيضاً كيف نتبادل الأدوار مع الحيوان لنهبط نحن وليرتفع هو ولا ينقصنا في هذا سوى أن تنبت لنا ذيولاً وأنياب .

14
الطلاق الحر بين الجماعات والأفراد
الدكتورة / ناهدة محمد علي
تلتزم الجماعات الإنسانية بعلاقات متفردة ومالكة حيث قد يمتلك فرد ما جماعته ويسخرها جميعاً لأغراضه الخاصة وتصبح أهدافه هي أهدافها وسبله في التطبيق والحياة هي سبلها . وقد يكون هذا الشخص قائداً فذاً لمجتمع ولأُمة ولإرثها الحضاري أيضاً , فيخطط لها خطوطاً عبقرية لأجل الصعود الحضاري كما فعل عبر التأريخ قادة عباقرة في الشرق تبرز أسماؤهم مثل ( نبوخذنصر أو حمورابي أو هارون الرشيد ) , أو كما فعل في الغرب ( يوليوس قيصر أو تشرشل ) . وقد يفعل القائد العكس فيرد الأمة الى الإنهيار الحضاري مثلما فعل ( هتلر ) بالأمة الألمانية ومثل ما يفعل كل القادة العرب جيلاً بعد جيل .
كذلك يفعل الفرد العادي في إرتباطاته الإجتماعية , فهو قد لا يستطيع أن يمتلك مجتمعاً ويسيره وفق هواه لكنه يمتلك نواة المجتمع ( العائلة ) ويسيِّرها وفق مخططاته , وقد يحتمل هذا التخطيط الخطأ والصواب , وحينما لا تعود العائلة تقدم له المطلوب من النتائج السارة أو الناجحة والممتعة فقد يحاول هذا الفرد شقها وتقسيمها نصفين ليحظى برأيه بالجزء الناجح والسار والذي قد يكون مالاً أو عقاراً أو أولاداً وهو برأيه أيضاً يحافظ على الموازين التي وضعها وأسسها طوال حياته ولن يقبل بأقل منها . لكن الحياة وللأسف تتحرك كثيراً كطبقات القشرة الأرضية في أوقات الزلازل , فقد تهبط القشرة الأعلى وتصعد الأعماق بكل ما فيها من أبخرة وغليان , فيكون العنصر الأضعف وهو المرأة على الأكثر في حالة غليان فتطفو على السطح لتحرق كل شيء أي كل مؤسسة الزواج والإرتباط العائلي .
إن تزايد حالات الطلاق في العالم العربي والعراق بشكل خاص يشير الى أوضاع إقتصادية وإجتماعية ومعرفية متدنية . إن هناك مثل إنكليزي شائع ( ما يأتي بسهولة يذهب بسهولة ) , فمعظم الزيجات العربية تحدث وفق مقاييس عُرفية وتتفتت سريعاً ضمن نفس المقاييس , وخاصة حينما يأخذ الجيل الجديد كل أوليات الحضارة بدون تفكير ضمني لها , فهو يلبس ( الجنز ) ويذهب الى ( الجم ) ويتابع آخر الأخبار من خلال المواقع الألكترونية ولا يعرف من الكتب غير أسمائها , ويقوم بتطبيق الشكل الخارجي للحضارة الأوربية على شكله الخاص لكنه لا يعنيه مضمون هذه الحضارة , لذا فكل شيء لديه سهل وسريع , فهو قد يبني ويهدم في آن واحد , وتكون إحدى هذه التقاطعات لدى الفرد العربي المتحضر هي مؤسسة الزواج والتي تكاد تشبه في هذه الحال الشركات الصغيرة والتي تُفتح بسرعة وتُغلق بسرعة حال إفلاسها دو محاولة للتغيير أو التطوير
إن المجتمع العربي مجتمع ضيق بعكس المجتمعات الأُوربية التي تتسم بالسعة لإحتوائها للمشاكل الإجتماعية وخاصة مشاكل الأسرة من خلال المؤسسات الإجتماعية والتي تُعنى بالنساء اللواتي يعانين من القهر الجسدي والنفسي , وكذلك مؤسسات الطفولة والتي تحتوي أطفال العوائل المطلقة وتقوم بعلاج المشاكل النفسية للأطفال نتيجة الطلاق وترتيب العمل الملائم للمرأة لأجل إستقلالها الإقتصادي . لا أقول أن ظاهرة الطلاق غير موجودة في المجتمعات المتحضرة بل هي موجودة وبنسب متفاوته وسنقوم بدرجها لاحقا . إن أسباب هذه الظاهرة بين العالم المتحضر والمتخلف تتشابه أحياناً وتتعاكس أحياناً أخرى , لكن الفروق الأساسية هنا هي في أساليب إحتواء هذه المشكلة من قبل الدولة والتي تحل أموراً كثيرة قبل الطلاق وبعده من خلال مؤسسات الإرشاد الإجتماعي والبيوت الخاصة للجوء العائلي .
إن المرأة العربية في الغالب حاضنة جيدة للأطفال لكن المجتمع العربي يمتص قوى هذه الأم , فهي ما بين العمل ورعاية الأطفال تختزل نفسياً ومادياً بالإضافة الى أن الضغط الإجتماعي قد يصيبها بالتشنج العصبي والذي كثيراً ما تفرغه على رؤوس أطفالها لكنها لن تتخلى عن حضانتهم , ويبقى أطفال العوائل المطلقة مهمشين في حياة قطبي مؤسسة الزواج الرجل والمرأة , فهم كالبضاعة الكاسدة للشركات المفلسة لا يشتريها أحد ولو بثمن رخيص , لكن القطب الأكثر إنسانية كثيراً ما يحتوي هؤلاء الأطفال ولو أنهم سيمثلون دائماً عنواناً لخسارتها الأنثوية ونتاجاً لفشلها الإجتماعي .
إن نسب الطلاق في العالم العربي في تزايد مستمر , فقد نشرت جريدة الخليج نسباً إحصائية عن مركز المعلومات وكانت هذه الإحصائيات تظهر هذا التزايد المستمر , فقد وصلت حالات الطلاق في مصر 40% ونصف هذه الحالات تحدث في السنة الأولى للزواج وقد زادت النسبة بعد إصدار  ( قانون الخلع ) , كما أن نسبة الطلاق في دول مجلس التعاون الخليجي قد وصلت الى 47% وكان معظمها في دولة الكويت حيث قد بلغت 48% وفي الإمارات 26% , أما في السعودية فحسب الدليل الإحصائي لوزارة العدل في السعودية قد بلغ 24% وهذا يعني حالة طلاق أمام كل ثلاث حالات زواج , كما أكد الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري على أن مصر قد أصبحت تشهد حالة طلاق كل ( ست دقائق ) , كما أكدت إحدى الدراسات في قطر على أن أكبر نسبة من المطلقات تتركز في الفئة العمرية ما بين 20 – 24 , وأكدت هذه الدراسات على أن نسبة الطلاق في مدينة الرباط المغربية تصل الى 23% وترتفع قليلاً في المدن الأخرى
إن مشكلة الطلاق في العراق أصبحت تشكل نقطة مظلمة في تاريخ المجتمع العراقي وللأسباب المعروفة والتي هي الأسباب السياسية والإقتصادية والإجتماعية , فالعائلة العراقية وكأي عائلة في العالم هي كقطعة ( الإسفنج ) والتي تمتص كل المشاكل والمعضلات الإجتماعية وأوساخ المجتمع ونفاياته لتُعصر حتماً على رأس الطفولة العراقية .
لقد إطلعت مؤخراً على أقوال الكثير من المحامين العراقيين ومنهم المحامي المعروف ( طارق حرب ) حيث إتفق الجميع على أن الزيادة الهائلة في حالات الطلاق في المدن العراقية وبضمنها بغداد والمناطق التابعة لها قد وصلت ما بين 20 – 50 حالة طلاق يومياً وأكثرها بين الفئات العمرية 28 – 38 , وفي السنوات الثلاثة الأخيرة أصبحت تقع حالة طلاق واحدة لكل حالتي زواج أو ثلاثة ويشمل هذا كل محافظات العراق ومنها المحافظات الجنوبية , حيث تقع في مدينة ميسان ما بين 52 – 75 حالة طلاق يومياً مسجلة في محكمة الأحوال الشخصية , كذلك في الأنبار حيث تقع 35 – 42 حالة طلاق يومياً , وفي كربلاء أكثر من 45 حالة طلاق يومياً .
إن من المؤسف والمضحك إن المحامين العراقيين قد جعلوا من حالات الطلاق تجارة رائجة وخاصة المحاميات , حيث تُجَمل المحامية الطلاق للموكلة وتدفعها الى رفع عدة دعاوى لزيادة الأتعاب مقابل الوعود بأعلى معدل للنفقة والحضانة والطلاق القضائي , ويلجأ الزوج الى محامي لرفع دعوى المطاوعة وإسترداد الحضانة . وهكذا أصبح الطلاق تجارة رابحة بالإتفاق مع ( العرضحالجية ) الذين يروجون للمحامي بتوزيع بطاقاتهم التعريفية على أبواب المحاكم .
إن بعض المحامين يتهمون المحاميات المختصات بالأحوال الشخصية بتشجيع الطلاق ومنهم المحامي ( طارق حرب ) والذي إتهم منظمات المجتمع المدني - والتي تُسانَد مالياً من قِبل الولايات المتحدة – بعقد مؤتمرات وندوات تحرض المرأة على إتباع النمط الأمريكي في التعامل الأسري حتى أصبحت تعتبر الكلام الذي يوجهه الزوج إساءة بالغة ويطالب هذا المحامي المنظمات بتكريس مفهوم قدسية الزواج بدلاً من الترويج للأفكار الأمريكية . إن ما ذكره هذا المحامي المعروف يحتمل الكثير من الصواب والخطأ , فأنا معه بخصوصية المجتمع العراقي والعربي وضرورة المحافظة على المؤسسة الزواجية لحفظ نواة المجتمع من التدهور ولكي لا يتزعزع المجتمع بكل ما فيه من قيم , ويأتي هنا الطلاق كسبب ونتيجة لضياع القيم حتى تصبح هناك سلسلة طويلة وصلبه من التفسخات الإجتماعية . ولا أتفق حتماً مع هذا المحامي حول رأيه بمهمات منظمات المجتمع المدني والتي يجب أن تلعب دوراً هاماً في توعية المرأة العراقية وتمسكها بحقوقها الديمقراطية والإجتماعية وخاصة في علاقتها مع الرجل .
بالإطلاع على الكثير من حالات الطلاق المعلنة على الرأي العام لاحظت أن القسوة والشراسة هي أحد الأسباب المهمة لحالات الطلاق وتكون أحياناً الشراسة متبادلة بين الأم والأب وكثيراً ما تُسقط على الأبناء وتُمارس أحياناً من قِبل زوج الأم أو زوجة الأب . وتعتبر الخيانة الزوجية التي ظهرت في المجتمع العراقي بعد الإنفتاح الظاهري لهذا المجتمع على المجتمعات الغربية والتطبيق الساذج لفكر الدراما الأمريكية والتركية شكلاً ومضموناً حتى أصبحت المرأة العراقية تطالب الزوج بأن يكون بوسامة ورقة بطل أفلامها المفضل والعكس صحيح . كما تلعب الظروف الإقتصادية في المجتمع العراقي دوراً خطيراً في تفتيت العائلة , إذ دفعت هذه الظروف العائلة العراقية الى إتباع طرق مشبوهة للمعيشة أو للتسول أحياناً . وليس صحيحاً أن الطلاق يحدث دائماً بسبب شراهة الزوجة بل بسبب التأزم النفسي اليومي لقلة المستلزمات المادية والتشوه الحاصل في مصادر المعيشة أي في الماء والغذاء والدواء , ويبرز عدم وجود الإحساس بالأمان كسبب أساسي لرفع مستوى التوتر العصبي للعائلة العراقية وبالتالي تنخفض القدرة على تحمل المشاكل العائلية حتى ولو كانت هشة وبالتالي ايضاً تصبح أي مشكلة عائلية هي  ( القشة التي تقصم ظهر البعير ) . وكثيراً ما يعتقد الرجل أو المرأة بأن الخلاص من المسؤولية هو خلاصه الفردي , وهكذا يصبح الفرد العراقي كطير في مصيدة لا يستطيع الطيران الى اليمين أو اليسار لكنه يستطيع فك الخيط الذي يربطه بالقفص ليطير عشوائياً .
إن البطالة في العراق هي أحد الأسباب الأساسية لحالات الطلاق التي وصلت حسب بيان مجلس القضاء الأعلى في سنة 2009 الى أكثر من 820 ألف حالة طلاق , وأعتقد أن الرقم قد تضاعف الآن بسبب الأزمات الإقتصادية والأزمات النفسية والعصبية للفرد العراقي .
يقف الفقر حاجزاً بين الأسر وبين تحقيق أحلامها وتصبح الأمور أكثر تعقيد ما بين الزوج والزوجة , ويدخل الأبناء ليرفعوا نسبة التوتر لإحتياجاتهم الكثيرة والمتعددة , وقد يؤدي هذا أحياناً الى محاولة الأب لفك قيود إرتباطه بالأسرة للتخلص من مسؤولياته المادية ومشاحناته اليومية , وهناك من يقول بأن المادة 40 والمادة 41 من قانون الأحوال الشخصية قد سهلتا الطلاق فقد نصتا على إجازة الطلاق ( لمن تضرر ضرراً تعذر معه إستمرار الحياة الزوجية ) وأيضاً على ( جواز طلب التفريق من قِبل أي من الطرفين عند قيام خلاف بينهما ) , وألزم المُشرع إجراء التحقيقات اللازمة لمعرفة أسباب الطلاق والإتجاه نحو التحكيم والسعي لإصلاح العلاقة بين الزوجين , لكن دور الباحث الإجتماعي هنا ضعيف وهو الشخص المخول قضائياً للإصلاح , وهو من يحدد إمكانية إستمرار الزواج أو إستحالته .
إن مشكلة الطلاق هي مشكلة عالمية ولو نظرنا إليها نظرة شمولية لوجدنا أن إختلاف البيئة والوضع الإجتماعي والإقتصادي لا يمنع وجود أسباب موحدة للمشكلة مثل مشكلة البطالة التي تعتبر مشكلة عامة في العالم , كذلك إختلاف مستوى الوعي الإجتماعي بين الزوجين مع إختلاف الإتجاهات والرغبات السلوكية , وإختلاف وجهات النظر حول جميع الأشياء من أدقها الى أصعبها وليس لهذا علاقة بالمستوى التعليمي أو المستوى الحضاري الإجتماعي بل بمستوى الوعي الفردي والإدراك الحسي والذوق والأمزجة الفردية , وهذا العامل قد يُستهان به لكنه مهم جداً , فالتراكم الكمي والنوعي للتجارب المتناقضة في تناول الأشياء ومحبتها أو كراهيتها قد يولد كم من الإحباط المتواصل لدى أي من الطرفين ثم يولد الجفاء أو الكراهية لأن ما يحبه الفرد وما يكرهه هو وجوده وجوهره , وما يحبه هو ويكرهه الآخر يضيف كميات متراكمة من الكراهية شيئاً فشيئاً يؤدي أحياناً الى كراهية الآخر ونبذه . وكلما كانت المواضيع يومية كلما كان الإحباط متواصلاً وقد يتوقف عند نقطة الصفر .
إن الفقر هو الهالة السوداء التي تحيط بالعائلة في العالم وتلون حياتها باللون الأسود وكثيراً ما تتواجد عوائل فقيرة في دول غنية كما هو في الأمريكيتين , وقد يحدث الطلاق بدون إلتزامات قانونية بل على شكل الإنفصال الوجداني والمكاني .
إن ظاهرة الطلاق تتشكل في كل دول العالم بنسب مختلفة ولا فرق بين الدول الفقيرة والغنية المتحضرة أو المتخلفة , وتتراكم الأسباب في الدول المتحضرة والغنية ما بين ضعف الإنسجام الفكري والحسي وتناقض الرغبات والإتجاهات والميول الحسية والدينية والسياسية والإجتماعية , لذا نرى دولة متقدمة مثل السويد هي في مقدمة بلدان العالم في حالات الطلاق وتبلغ نسبة الطلاق فيها 64% , أما في روسيا البيضاء 68% , لاتيفيا 63% , أُوكرانيا 63% , بلجيكا 56% , فنلندا 56% , المملكة المتحدة 53% , الولايات المتحدة 47% , هنكاريا 46% , كندا 45% , النرويج 43% , فرنسا 43% , ألمانيا 41% . أما دول مثل كازاخستان 15% , أوزبكستان 12% , تركيا 6% , قبرص 13% , إيطاليا 12%  .
من هذه الإحصائيات نلاحظ أن هناك دول غنية ومتحضرة قد إرتفعت بها نسبة الطلاق ويعود هذا الى تزاحم شخصية الرجل والمرأه على القيادة الأسرية حيث ترتفع نسبة الرضى عند الأنثى وتصبح أكثر صعوبة وهذه أحدى فضائل الحضارة وتعقد الحياة الإجتماعية , كما نلاحظ أن الدول التي تلعب بها المؤسسات الدينية دوراً مهماً في المجتمع وتقوم بتوعيته بخطورة هذه الظاهرة مثل إيطاليا حيث يلعب الفاتيكان دوراً في تشديد العلاقات العائلية , كذلك الحال في تركيا وفي قبرص .
أما ما يحدث في الدول العربية فهو إنعكاس مشوه للتناحر الأوربي العائلي , حيث أصبحت متطلبات المرأة الشكلية والحسية متزايدة والعكس صحيح لدى الرجل , ومع ترافق الأزمات السياسية والإقتصادية ينخفض مستوى التشكيل الحسي للعائلة العربية ويصبح الركض وراء ( اللقمة ) هو الأهم , وأصبحت متطلبات الرجل مرتفعة في البحث عن مستوى أعلى للوعي لدى المرأة , لكن معظم حالات الزواج في الدول العربية تقوم على أُسس عُرفية ومقاييس جمالية ثابتة , وبعد شهور الزواج الأولى يصبح الجمال الأنثوي غير كافي ويبدأ البحث عن الجمال الداخلي وحينما لا يجد الزوج هذا يصاب بالملل ويتحول هذا أحياناً الى نفور وكراهية , ومن هنا تأتي إزدواجية شخصية الرجل العربي فهو يحب ضعف الأنثى ويكرهه ويطالب بزيادة الوعي والمستوى الثقافي لدى المرأة لكنه لا يحتمله لأن هذا  يصطدم بسلطته الذكورية , فهو يرتاح للمرأة المطيعة ويحترم المرأة ذات الشخصية القوية  ولهذا هو يقترب ثم يهرب , ثم يعود يحلم بهذا النوع من النساء والذي لا يجده في زوجته , فهو يحلم ( بالمرأة السوبر ) والتي هي بمنتهى الجمال والذكاء والرقة معاً لكنه في الواقع يحمد الله على أن زوجته لا تجلب الأنظار ولا تحاوره حتى ينهار , ويُبقي زوجته على هذه الحال لسنوات ثم يتراكم لديه الإحباط من هذه المرأة حتى لا يعود يطيقها ويعيش حالماً بيوم الخلاص .
إن الحضارة العربية في وقتها الحالي قد أصبحت حضارة هشة لا تستند على قاعدة مادية تكنولوجية متطورة والتي تفرز قيماً متطورة , لذلك يقلد الفرد العربي ما يراه على الشاشة وعلى قنوات التواصل الإجتماعي وما تنقله الميديا العربية من أخبار الموضة والثقافة والعلوم , وأصبح الفرد العربي على هذا الأساس كمن يتفرج على الألعاب النارية وسط ظلام دامس ويذهب سريعاً ليجربها في بيته .
إن هناك تجارب عالمية رائعة لدول نهضت سريعاً بإقتصادها ومجتمعاتها وطورتها بشكل مدروس , دول إسلامية متحضرة مثل ( ماليزيا ) . فقد أصدرت ماليزيا قراراً بمنع عقد أي زواج إلا بعد مرور المتقدمين للزواج وإقرارهم بإجتياز ( دورات في الحياة الزوجية والأسرية ) في مجال التخطيط لوضع الأهداف للحياة الزوجية والتخطيط لأساليب زيادة المودة بين الزوجين وكيفية إدارة مشكلات الزواج وإدارة الميزانية الأسرية . وقد ساعد هذا على الإقلال من نسبة الطلاق من 30% الى 7% .
إن المشكلة الأساسية في العالم العربي هو قلة المؤثرات الإقتصادية والمعرفية الصاعدة , كما أن إدارة الدولة لحياة الأسرة العربية ضعيفة في دول مثل العراق , حيث أن مؤسسات المجتمع المدني لا تقوم بالدور الكافي لإدارة حياة الأسرة العراقية وتطويرها , كما يلعب الباحثون الإجتماعيون المرتبطون بالمحاكم القضائية دوراً كبيراً في الحث على الطلاق لأنه أصبح التجارة الرابحة لديهم , وحيث ينهمك القادة السياسيون بحل المشاكل السلطوية تتفكك العائلة العراقية بعلم وبدون علم منهم , وتوضع الحلول الغريبة للعائلة العراقية فتخرج قوانين أغرب كقوانين القرون المظلمة والتي ساد فيها العرف الهولاكي التتري وليس الديني , كألقانون الذي يسمى بـ ( القانون الجعفري ) والذي يبدو أنه قد وضع لحل المشاكل الإقتصادية للفتيات اليتيمات وللإقرار بشرعية بطالة الفتيان وتقييدهم بزواجات مبكرة جداً لإدخالهم بمعمعة المشاكل الخاصة وليتركوا جانباً  المشاكل العامة وليبقى وبرأيهم الشارع نظيفاً من الفتيان المتسكعين والفتيات المتسولات والهاويات في الحضيض , وهكذا وبرأيهم أيضاً تٌحل كل مشاكل المجتمع العراقي وهم في الحقيقة يفتحون حفر الجحيم على فتيان وفتيات العراق .


15
تريد أرنب أخذ أرنب ... تريد غزال أخذ أرنب ... !!!

الدكتورة / ناهدة محمد علي
أينما تجولت بين  ثنايا الفيسبوك وجدت الأصبع العراقي ( البنفسجي ) يمده الفرد العراقي الى الشمس عالياً علّه يُقلل من حريقها لكنها ورغم كل الأيدي والأصابع الممتدة لا زالت تحرق جلود العراقيين .
لم يفت الكثير من الواقعيين بأنه رغم مناداة الجميع بالديمقراطية لا تزال هذه الكلمة نبته لا جذور لها فينا , فنحن قد تربينا على عدم المساواة , وعدم المساواة في كل شيء وفي كل من . فالدستور العراقي القديم والجديد يقول لا فرق بين القوميات والأديان ولا فرق بين أبناء وبنات الشعب العراقي , ولا فرق بين الأغنياء والفقراء , لكن الحقيقة أن هناك فرق وفرق وفرق .
فلقد تربينا على أن يكون الذكر ذكر  والأنثى أُنثى , وتربينا على النكات البذيئة حول القوميات الأخرى , وعلى تحاشي أهل الكتب السماوية الأخرى , وربما لم يكن العُنف المرئي موجوداً من قبل , لكن شدة غليان المشاكل الإجتماعية والإقتصادية إنعكس عصبياً على فروة رأس الفرد العراقي المظلوم حتمياً وأزلياً , فهو يسكن الصرائف وتحت قدميه معظم إحتاطي العالم من النفط , ولا مشكلة هنا , فإن كل البلدان الفقيرة هي غنية بثرواتها  فقيرة بمستوى دخل أفرادها وإذا تساءلنا كيف نحل هذه ( الحزورة ) أقول إن الحل سهل , فكل الجيوب العملاقة العالمية والمحلية تأخذ معظم مردود المحاصيل وتبقي القليل لأفراد الشعوب , ولا بد هنا من طرد هذه الجيوب لكي تحل محلها الجيوب الفارغة . لقد قرأت مؤخراً بأن هناك شركتان عالميتان تسيطران على معظم المحاصيل الزراعية الهامة في العالم وتبقي القليل لأفراد الشعوب المنتجة , فهي تحتكر شراء وتسويق محصول الموز وحبوب الصويا مثلاً وتبقي للمحليين 10% من المردود المالي ويبقى المزارعون والمنتجون بأوضاع إقتصادية وصحية رديئة يشربون الماء الملوث ولا يأكلون الطعام الكافي . فيا تُرى من يسرق القوت العراقي , ولِمَ يبيت الكثير من أطفال العراق بمعدة خاوية , ولِمَ يبني اليتامى لأنفسهم بيتاً من القماش وأعواد النخيل , ولِمَ لا زال الكثير من العراقيين يعطف بعضهم على البعض الآخر رغم جو الكراهية السائد , ولِمَ نجد حبوب العقاقير المهدئة في جيوب الكثير من أبناء العراق , وعلى أي رصيف يسير العراقيون إذا كانت كل الأرصفة ملغمة بالسيارات المفخخة , ثم كيف يحرق المسلمون محصول الحنطة ويمنعون الماء عن أطفال المسلمين , وماذا أيضاً ؟ . وأعجب كيف تبقى بقية من الطيب العراقي وسط العالم الوحشي هذا , وبعد هذا لا زلنا نتحدث عن الديمقراطية , عن أي ديمقراطية تتحدثون , وكيق تُحدث غريقاً عن الديمقراطية وهو يصارع الموت ليطفو . إن ما أراه أن الناس تحتاج خبزاً وأماناً لا أحزاباً تدعي كلها الديمقراطية , لكنها حينما تعتلي صهوة الكرسي تصاب ( بالزهايمر ) وتنسى وعودها , لذا ما أراه أن الناس تريد أن يصمت الجميع وتتكلم الضمائر , وإذا كانت هناك محاولة حقيقية للتغيير فأنه مرعب , ما يجب أن يحدث لأنه تقويض لكل البنى الأساسية المادية المتعفنة بكل مرتكزاتها , وإلى أن يحدث هذا , وإذا حدث فهناك دخان وأتربة تحتاج الى وقت طويل لتهبط الى الأسفل وتصفو السماء ليظهر لونها الحقيقي .


صفحات: [1]