رحلة القلم والفكر
مع الأديب يعقوب أفرام
حاوره ظافر نوح
"لقد أعجب الأدباء هنا، كالعادة، بفكرك وصياغتك وسعتك وعمقك وكل ما أعطاك الله من مواهب. مسح الله يراعتك دومًا بالخصب والعافية والبهاء. لكم سررت بما أطلعتني مفصلاً على مسيرتك الأدبية ونضالك في سبيل الأمة والفكر، سحابة نصف قرن... والحال لم أكن أعلم بكل هذا الجهد الكبير الذي كرست له حياتك ورسالتك"، جاء هذا الوصف في مقال نشرته جريدة (الأنوار) اللبنانية الصادرة في 30\ 12\ 1999، ذكره الشاعر الدكتور عصام حداد– جبيل/ لبنان بحق الأديب يعقوب أفرام منصور المولود في البصرة في 5 أيار 1926، وهو عضو إتحاد الأدباء والكتاب العراقيين منذ عام 1959، وعضو جمعية المترجمين العراقيين منذ عام 1979، والذي بدأ بالكتابة منذ عام 1949 في الصحف والمجلات العراقية والعربية، وقد نشرت كتاباته في مجالات فكرية وفنية وسياسية وله العديد من الأعمال المؤلفة والمترجمة والمطبوعة والمخطوطة، كما له أعمال موسيقية مدونة لم تنشر إلى الآن، ويحتفظ بإرشيف للمراسلات بينه وبين عدد كبير من المفكرين والأدباء والشعراء في الوطن العربي والمهاجر ومع بعض دور الإذاعة، كما يحتفظ بأرشيف كبير عن أعلام معاصرين. وحاليًا يعمل منقح المجلات: الفكر المسيحي، نجم المشرق، وبين النهرين. هذا ما قرأناه في إبداعاته، والآن سيتيح لنا الأستاذ يعقوب أفرام أن نقرأ ونتحاور في شأن أفكاره وإسلوبه ورسالته بكل جراءة وصراحة. (ظافر)
- هل لنا بمعرفة ما في ذاكرتك من مسيرة حياتك؟أجتزئ اليسير جدًا مما علق بالذاكرة، نشأتي الأولى بصرية حتى عهد الصبا في محلات متوسطة الحال، تجاورها باسقات النخيل، وتحف بها الغدران والبساتين المزدانة بالرمان والبطنج والحنّاء والحمضيات وخمائل الياسمين وعرائش الأعناب وأشجار التين والتوت والنبق. وكانت معظم دروب الأحياء متربة آنذاك، والوحل في الشتاء يعرقل السير والحركة، ومابرحت أتذكر وأنا دون السابعة أن الأزقّة كانت تضاء ليلاً بالفوانيس مع حلول الغروب، وتطفأ مع انبلاج الفجر من قبل أفراد أوكل إليهم هذا الواجب، يحملون سلالِم خشبية لهذا الغرض.
- كيف تصف لنا ما علق بذاكرتك حول المحلة التي ولدت فيها وإسمها (السبخة)؟لم أزل أتذكر المحلة التي ولدت فيها (السبخة) وقد اكتنفتها البساتين، برغم وصفها بالسبخة وكنت أقصد أحدها وأنا ابن 7-8 أعوام لجلب الحليب، وتسلق النخلات لجني الرطب، والمحلات الأخرى السِيف، السيمر، القبلة، الباشا، البلوش، الجبل، وجسر الغربان، بساتين الشيخ حبيب الواقعة على الطريق العام المؤدي إلى السجن فالمستشفى فباب الزبير. هذه كلها في البصرة القديمة. أما البصرة الجديدة (العشار) فقد أقمت في محلاتها: الكزارة، الفِرسي، البريهة، الساعي التي هي آخر محلة سكنتها قبل انتقالي إلى بغداد في نهاية العام 1957، والبيت الذي سكنته هناك كان وسط البساتين وعلى حافة نهير.
فتحت عيني على ناس من طبقات متفاوتة في الغنى والفقر في المحلة الواحدة، ويدينون بالأديان السماوية الثلاثة، وكانت دور العبادة على اختلاف الملل والنِحَل، متجاورة؛ فكان التآلف الطبقي والمذهبي راسخًا فيّ وفي الوالدين والأسرة وفي كل أقاربي.فنشأت نشأة سويّة نائية عن كل تعصب او تزمت أو تعقد. ومعظم أسلافي وأقربائي رقدوا في تربة البصرة منذ زهاء قرن، وما انفكت روحي حتى في انطلاقها أحيانا تحوم فوق أزقتها ودروبها وبساتينها وقنواتها وشطها العريض وجراديغها حيث مكابس التمور، وتحلق فوق ساحاتها وقبابها ومنائرها ومعابدها، وتتراءى لي مشاهد من مراسح الصبا ومراقع اللهو واقتناص اليعاسيب الملونة من على أسيجة البساتين وقسمات من رفاق الصبا وذكريات الدراسة الابتدائية، وملامح بعض المعلمين والباعة والقصّابين ومشاهد صيد الأسماك.
- من يعرفك عن كثب، يجدك هادئ الطبع مسالمًا وليست لك هموم أو مشاكل مع الآخرين، وخصوصا في مجال عملك في الوسط الثقافي. إذن هل ومتى وكيف تساورك لحظات الانزعاج؟ مع صحة خصائص طبعي ومزاجي التي أسلفت وصفها، ليس مثلي، بما يحمل من أفكار وقناعات ومبادئ، أن ينأى عن الانزعاج بين آن وآخر، وأن لا يعتريه الغضب أحيانًا. فأكثر ما يزعجني من الملأ هو فراغهم الروحي والفكري، إذ أجد همهم الأقصى والأوحد هو المأكول والمشروب والملبوس والنوم والملاذ الجسدانية، كما قال شاعر:
تبًا لمن يمسي ويصبح لاهيًا ومرامـــه المأكــــــول والمشروبُ
كما انفر من المتعالمين والمدّعين والمتدافعين بالأكتاف والصدور صوب مغريات العيش والزخارف والبهارج، والمتهافتين على القشور والسفاسف دون الجواهر واللباب، كما قال ابن جبير الرحّال:
عجبتُ للمرءِ في دنياه تُطمِعه في العيش، والأجلُ المحتومُ يقطعُه
يُمسي ويُصبح في عشواءَ يخبطُها أعمـــى البصيــرةِ والآمالُ تخدعُه
وأسوأ الناس تدبيرًا لعاقبةٍ من أنفقَ العمــــرَ فيما ليس ينفعُه
أما المتكبرون، ممن لاتليق بهم الكبرياء، وهم ينهون عنه، ففي أحيان كثيرة يزعجونني. ولشد ما غضبت وما برحت غاضبا على الحاكمين والربابنة وأولي الأمر والتحليل والتحريم وذوي السطوة والجاه والزعامات في هذا المشرق العربي وصنوه في المغرب العربي، حتى غدوت أردد في كثير من الأحايين السود والأحوال المدلهمة والمستعرة، قول شاعر من هذا الزمان:
حكموا بما يُشجي الضميرَ ويُسخط المولى ويُـهوي النفسَ من عليائها
أشقى بني الدنيا - وعيشِكَ أمةٌ لا يملكُ الشعراءُ غير رثائها
- هل بإمكانك أن تصنّف لنا أنواع وطبقات الشعراء، وأين تضع شاعرك الملهم جبران خليل جبران في شعره واقعًا وتصويرًا ورقةً؟ أجل أستطيع، لكن ليس ذا بالأمر اليسير بل بالأحرى لأمر صعب. كما أنه قد لا يرضي بعضًا، أو يخالفني فيه بعض. ولأجل التقييم وتحديد طبقات الشعراء المعاصرين، ووصف أنواعهم وذكر منازلهم، ينبغي التمييز بين"الشاعرية" من حيث زخمها وعنفوانها، وبين حذاقة الفن الشعري وسمو الأفكار والعواطف، ودرجة الفصاحة والبلاغة وروعة البيان الذي يملكه الشاعر. وبكلمة، ثمة فارق بين "زخم الشاعرية" و"فحولة الشاعر". لذا سأذكر ثلاثة شعراء من كل طبقة من الطبقات الثلاث، وأترك الباقي لسواي من العارفين والمتخصصين والنقاد:
الأولى: شوقي، الأخطل الصغير، أبو ماضي.
الثانية: شفيق معلوف، بدوي الجبل، أبو ريشة.
الثالثة: بدر السَّياب، علي محمود طه، الرصافي.
أما منزلة جبران في هذا المجال فأرجح أن نتاجه الشعري يأتي ضمن الطبقة الرابعة أو الخامسة، على الرغم من أن شاعريته قوية جدًا ومحلّقة، وذلك يتجلى في نثره الشعري البديع وقعًا وتصويرًا ورقّة، وفي رسومه الرائعة المرفرفة تعبيرًا وتفرّدًا في الجمال.
- ماذا تنتقي ذاكرتك حين تتأمل ذاتك؟في التأملات الذاتية، قلما يكون انتقائي من الذاكرة، إراديًا، بل بالأحرى يكون الغالب تلقائيًا وتداعيًا، وقد يكون نشازًا وغير متساوق، فالأحوال المحيطة بي عند التأمل، على اختلافها، التي رافقت مواضيع التأمل، وما يتعلق بها من صنوف الذكريات والمشاهد الآنية من أحداث ووقائع وظروف ومعاشيّة ووطنية وعالمية، أقارن فيها أحوال الماضي ومزاياه وسلبياته وإيجابياته مع نظيرها في الوقت الحاضر أو قبل أعوام أو في عام معين.
وبقدر تعلق الأمر بتأملاتي الذاتية وما يواكبها من ذكريات، أقول إن كثيرًا مما ورد في الجواب الأول يتطرق إلى شاشة ذاكرتي، ليرتسم عليها طوعًا وتتابعًا وتنقلاً من بعضها إلى بعض. مثلاً: ما عتمت أذكر يوم تناولي الأول في كنيسة اللاتين في البصرة، التي كانت تضم (مدرسة القديس ألبير الابتدائية) التي أنعمت عليّ بجائزة نجاحي المتميز في الصف الثاني إلى الثالث، وكانت الجائزة كتابا إنكليزيا شعريًا تصوفيًا بعنوان (تقدم الحجيج) للشاعر جون بانيان، ومجلة خاصة عن القديسة الشهيدة (جان دارك) باللغة الفرنسية.

وأذكر كيف بكيت في ربيع 1939 عندما بلغني نعي المغفور له الملك غازي، وأنا شاخص البصر إلى صورته المعّلّقة في الصف السادس الابتدائي، ولما لاحظت أحد الطلبة متضاحكا إزائي، لطمته لطمة شديدة! وكثيرًا ما استعرضت تأملاتي الأيام الجميلة التي أنفقتها في دهوك في عام 1944، وسطرت بعضها في مقال نشرته جريدة العراق تحت عنوان (دهوك في أعماق الذاكرة) وكيف ولدت في دهوك أول بذور كتابي (تلميذ الناسك و"الغاية"). وكثيرًا ما استعرضت تأملاتي الذاتية والأحوال المعيشية التي عشت فيها مقارنًا شؤونها وشجونها وأفراحها وأتراحها إبان أربعينيات وخمسينيات وستينيات القرن المنسلخ مع نظيرها إبان العقود اللاحقة حتى هذه الساعة من الحاضر 15-28 /12/2006 فلمست بشكل جلي تردّي وتعقّد الأوضاع والأحوال تدريجيا حتى قلّت المسرات، وتلاشت الطمأنينة، وقل الاستقرار، وعمّت المناحات، وساءت التصرفات والأخلاق، وهبطت القيم وطفقت وتيرة الهجرة من القطر تتصاعد، فصار الناس ميّالين إلى الإحباط والتشاؤم، وأمست الحياة مكتظة بالهموم والمنغصات، وكثيرا ما رددت هذا في البيت في وحدتي وبين الناس وفي رسائلي:
وتذكّرتُ مامضى من زماني حينَ صار الزمان شرَّ زمانِِ
مقابل بيت آخر:
نعيبُ زمانَنا والعيبُ فينـــا ومـــــا لزماننا عيبٌ سوانا
- كيف تقرأ من خلال تأملاتك الذاتية مشاهد مثل الأبدية، النعيم، العذاب، والدينونة؟ في تأملاتي الذاتية، كثيرًا ما خطرت على ذاكرتي مشاهد الأبدية المتخيّلة من نعيم مقيم، وعذاب لا يحول، وهل إني سأحظى بالنعيم أم بالعذاب؟ وكيف سيتم في الدينونة العظمى الفرز من قبل الديّان العظيم بين الكباش عن اليسار وبين النعاج عن اليمين (متى25/32)، وبين الحنطة والزيوان (متى 13/30)، وكم من الوقت سيستغرق هذا الفرز حيال مليارات البشر من شعوب الأمم؟ وهل هناك (مطهَر) كما اعتقد أفلاطون، وكما علّمنا التعليم المسيحي في صبانا؟ وماذا عن (اليمبوس)؟ وهل سيأتي المسيح ديّانًا للخلائق كي يفصل بين من يستحقون الثواب والسعادة الأبدية، وبين من يستحقون العذاب المقيم؟ أم سيأتي كما يعتقد اليهود والمتهوّدون ليحكم العالم ألف سنة بالعدل والسلام، ويعيد "مجد" بني إسرائيل (الآفل أفولاً نهائيًا) كي يعيد هيكلهم ويضحّوا بالمحرقات مجددًا، بدلاً من الذبيحة الآلهية الرمزية الكامنة في سر التقدمة والأوخارستيا في صلاة القداس المسيحي، وجاراهم في هذا المعتقد الفاسد بعض الطوائف المسيحية في الغرب الأمريكي والأوربي، وسرى خطره وخَطله إلى مشرقنا المسيحي، وأعتنقه الساسة الأمريكان ورؤساؤهم عناقًا حماسيًا، في حين هؤلاء الضالّون قد سهوا وتناسوا مقولة السيد المسيح: "ليست مملكتي من هذا العالم".(يو18\36)
- أنت من المفكرين الأدباء الذين لا يستهويهم الظهور الشخصي في الجلسات العامّة. هل ثمة سبب في ذلك؟ثمة أكثر من سبب:
أولاً لا أحب ذلك الظهور بباعث من تواضعي. ومع أنّ أكثر من واحد وصفني بكوني موسوعي الإطلاع والمعرفة - مع ما في هذا الوصف من إطناب- فأنا لا أروم الإشتهار من خلال تسليط الأضواء عليّ في مجتمعات وتجمعات ومنتديات صغيرة أو كبيرة. فتاريخ مسيرتي مع القلم والفكر والنشر في الجرائد والمجلات على اختلاف مشاربها ومناهجها، ناهيك عن بعض كتبي المؤلفة والمترجمة منذ نصف قرن ونيّف داخل القطر وخارجه، كان كافيًا لتعرفني وتقيّمني الأوساط الثقافية والأدبية والفكرية في الوطن من غير الإعلان عن نفسي. وإذا لم توجه إليّ دعوات إلا قليلاً للإسهام في تلك الأنشطة، أو لم أبادر إلا قليلاً في ذلك الإسهام، فذا لا يدفعني إلى التهافت على الظهور في تلك الجلسات.
ثانيًا أخشى الحسد من "أهل الكار" والحسد يولّد الحقد والنقمة والمعاداة! كما أخشى أن يحضر هذه الجلسات بعض المتعالمين والسطحيين ومحبي البروز وبعض من لا يحسن أدب الحوار والجدال واحترام الرأي الآخر إذ كثيرًا ما يعتري تلك الجلسات مشادات كلامية ومهاترات وتجاوزات على الحدود المعقولة في النقاشات والردود إبان هذه المناسبات. فضلاً عن ذلك، كثيرًا ما يعتري تلك الجلسات عدم الإصغاء التام بل يسود اللغط وتتصاعد الهمسات إلى ثرثرة مزعجة في أثناء الإلقاء أو الإنشاد!
- ماهي هوايتك الخاصة؟ وهل هناك هواية كنت تريد أن تحترفها؟في الحقيقة لدي أكثر من هواية: الموسيقى عزفًا وإنشادًا وتأليفًا وإصغاءً. التراسل مع الأصدقاء والكتّاب والأدباء والمفكرين والمتفننين. السفر والرحلات، الإطّلاع على نتاجات الرسوم والمنحوتات، مشاهدة بعض البرامج الثقافية في التلفاز وبعض الأشرطة التاريخية والعلمية والثقافية، المطالعة الجادة والتأليف والترجمة. وهذه الثلاثة هواية متحكمة فيَّ منذ عقود.
- إن من جُلّ اهتمامك هو تأليف الكتب وكتابة الشعر أحيانًا، وممارسة مهنة التنقيح اللغوي. هل هذا كان كل طموحك؟ أم كانت هناك محاولات أخرى مغايرة ولكنها لم تفلح؟كنت شغوفًا بالموسيقى إلى حد التخصص من خلال الإنخراط في معهد الفنون الجميلة. لكن الوالد - سامحه الله - لم يشأ ذلك، فطرحت عليه رغبة بديلة أن أتعلم التصوير الفوتوغرافي الفني، ثم بديلاً آخر هو الكلية العسكرية، لكن محاولاتي باءت بالفشل، إذ أصر والدي على أن أغدو موظفًا. لكن الوظيفة لم تحرمني من الانصراف بكل همة ونشاط ميسورين إلى الاهتمامات الأخرى التي ذكرتها.
- بماذا ضحيت من أجل قلمك وأدبك وفكرك؟ بما أني لست من هواة الاسترخاء والدعة، ولا من المتهافتين على المباهج التي يقبل عليها السطحيّون ومقتنصو اللذائذ والشهوات العالمية، أجدني لم أضحِّ – من أجل قلمي وأدبي وفكري- سوى ببعض الوقت وبكثير من الأسفار والرحلات إلى عدد من أقطار العالم، وفي مقدمتها النمسا والهند واليونان وإيطاليا وبلاد الشمال الأفريقي.
س: صدر لك كتاب (تلميذ الناسك "والغاية") هل لهذا العنوان دلالة أو مغزى لشيء معين؟ وماذا أردت القول في هذا الكتاب؟ مغزى ودلالة (العنوان) باديان بجلاء في مقدمتي للكتاب في ص9 وهما: ينبغي على الفرد الإنساني أن يدرك "الغاية" من وجوده على هذه البسيطة، فأنا أعدها أهم المسائل الواجب معرفتها، كي يسلك الإنسان السبيل القويم إلى تلك الغاية، وكلما عمّت هذه المعرفة بين الملأ كانت الحياة في العالم أدنى إلى السلام والفضيلة والطمأنينة والسعادة الأرضية وبلوغ أوفى عدد منهم إلى استحقاق السعادة السماوية. ولذا تجد كلمة"الغاية" بين معقوفتين في العنوان. أما الذي أردت قوله، فقد أنطقتُ (تلميذ الناسك) الذي تخيلته بشخص(هدام)، بما شئت أن يفصح عنه في الفصل الأول من القسم الثاني من الكتاب تحت عنوان (الغاية)، ثم رسائل التلميذ إلى أساطين العالم في الفصل 6من القسم الثاني، ثم في الفصل 8 (الواعظ الجوال) لأني من المؤمنين أن التنسك المجدي للبشرية التائهة ليس بملازمة الصومعة طويلاً.بل يقتضي نزوحا وتجوالاً ووعظًا وجرأة في القول وتشخيصا للعيوب والأخطاء والانحرافات والضلالات والمظالم،والتبشير بوجوب معرفة الغاية القصوى والأنبل من وجود الإنسان، كي يدرك السبيل الأسلم إلى بلوغ واحة السلام على الأرض، فالسعادة الأرضية الفاضلة الممهدة للسعادة الأبدية.

بعد نصف قرن من تحرير تلك الرسائل وإبرادها إلى المعنونة إليهم، ثم نشر معظمها في مجلة(الفكر المسيحي) الموصلية وإحداها في مجلة الورود اللبنانية، تجد الآن ومنذ عقود أن المخاطر المهلكة التي شخّصتها في تلك الرسائل والمواعظ الآنف ذكرها ووجوب تحريم التجارب النووية وعدم إنتاج أسلحة الدمار الشامل، قد وقعت وما برحت ماثلة بكل جلاء بل تفاقمت بشكل حروب ومشاكل ومظالم وكوارث وانتهاكات وإسفاف في مستوى الأخلاق والفضيلة وتصاعد في الإلحاد وانتشار الفاقة والمجاعة والأمراض الفتاكة وبشكل خاص المخاطر التي نبهت إليها بخصوص المظالم التي لحقت بالشعب الفلسطيني والنكبة والنكسة اللتين نجمتا عن خلق الكيان الصهيوني اللاشرعي المتسم بالعنف والقسوة والتعسف إلى حد الإجرام، بدت لِكل ذي عين وبصيرة ووجدان. والآن بعد نصف قرن شعر بعض ساسة الغرب المسيّرين - غبَّ سيل من الضحايا والخراب والمظالم - أن أهم أسباب إضطراب العالم هو عدم حل "معضلة الشرق الأوسط" بشكل مقصود ولا مبالٍٍ.
- ماذا تعني هذه الكلمات بالنسبة إليك، الطبيعة، الحب، الكتابة، المرأة؟الطبيعة مجموعة نواميس وقوانين وطقوس لا تقاوم، عناصرها الجمال والقوة والجذب والنظام والحكمة والعدالة وحسن التوزيع، كانت في ضمير المبدع الأعظم(الواحد المحض)، كما يعرفه الفيلسوف الكندي، قبل أن يخلق الكون، وكل مخالفة لهذه القوانين والنواميس والطقوس من أيٍ كان، تليها معاقبة بشكل من الأشكال، لكن لاينتبه إليها كثيرون جدًا.
الحب أجمل وأثمن هبة غرسها الباريٌ في الطبيعة التي هو مبدعها، وهو أصناف ذوات درجات. فحب الله أنبل صنف، ويليه حب الوالدين والوطن، ثم حب الفضيلة والمعرفة والفن. والحب وثيق الصلة بالفن، ثم الحب بين الرجل والمرأة وهو أنواع: حب ينمو بكفاح بطيء الوتيرة في تعاقب الحوادث واللقاء والتداني المتدرج ثم يكتمل بحوزة أحدهما الآخر في نهاية الشوط.أما الحب الزوجي الشائع في هذا العصر الذي يطلق عليه البعض (الحب الطاهر) فهو قلما يبلغ هذا المستوى من النضال في الحب السابق ذكره - أي لايكون مصحوبًا بوجد وهيام وولوع، لكنه قد لايكون فاضلاً ومستقرًا وقد يكون مشوبًا بخيانة وعدم إستقرار ومفضيًا إلى الزوال. بيد أن عاطفة الصداقة الحق الأمينة تكون دائمًا أنبل وأنقى من العاطفة الغرامية والمحبة الزوجية. أما أوطأ درجات الحب فهي الحب الجنسي الشهوي الآني، ثم الشبقي المهلك المتهالك.
الكتابة هي نتاج الم عاصر نبيل متفاوت الشدة بين كاتب وآخر ، ليفصح عن أعذب ما في العاطفة الرفيعة وأجمل ما في الخيال والفكر والحياة والطبيعة من صور ومعانٍ، وأفضل ما في طبيعة الإنسان من مزايا بشرية جديرة بأرقى المخلوقات التي أبدعها مهندس الكون الأعظم، وهي نظير ما تنفثه مجمرة من أريج البخور المحترق على الجمر داخلها والمتصاعد مع دخانها شذاها ليغدو متعة للقلب وبهجة للنفس ومنشطا للفكر ومنعشًا للروح.
المرأة إنها المخلوق الضعيف القوي الجميل بل أجمل المخلوقات جسمًا وأكثرها شفافية في الطبع، وأزيدها حنانًا في القلب، وأقواها إيحاءاً للمتفننين والشعراء والأدباء. والرجال يحسبون للمرأة ألف حساب، أي أكثر مما يحسبون لجنسهم، وقد شرحت ذلك في كتابي(تلميذ الناسك و"الغاية")ص 97.
- ماذا يعني لك إضاعة نهار من يومك من دون عمل تنجزه؟ ومتى ينشط قلمك للكتابة؟
إذا كانت الإضاعة المذكورة بقصد الراحة والاستجمام والتأمل في موضوع جدير بالتأمل، فذا شيء لا أأسف له، بل أستفيد منه لتجديد النشاط، وقد يأتي بولادة حاصل جديد في حقلي. وخلافًا لذلك، تكون الإضاعة عندي أشبه بخسران يوم من عمري سدى، أو بأنجماد أوصالي، أو كأني وسط قحط ويباب. أما أنشط فصل لديّ للكتابة فهو الخريف والشتاء. والليل هو أنسب وقت للكتابة.
- هل جرت حياتك بالشكل الذي كنت تحلم فيه وتخطط له؟كلا، بل جرت بشكل مغاير تمامًا. فلو كانت كما تمنيت وطمحت لغدوت شخصًا آخر من حيث المكانة والشهرة والمتع الرفيعة. بيد أني لست نادمًا على ما فاتني من ذلك، وعلى ما صرت إليه، فربما كان ذلك لخيري وأفضل لسعادتي في العيش، متذكرًا هنا قولاً مأثورًا: جدير بالإنسان أن يفعل ثلاثًا: يبني بيتًا، ويزرع شجرة، ويؤلف كتابًا. وقد وُفّقت في إنجاز ذلك - ولله الحمد.
- وفي الختام أسألك كيف تقرأ لنا الخط البياني لمعرفة مستوى القارئ والمثقف اليوم؟ يتجلى لي ذلك بيسر من خلال أكثر من وسيلة:
مجالسته نحو ساعة من الزمن، وتبادل أطراف الحديث معه. وقوفي على نوعية الكتب التي يطالعها ويملكها والمجلات والجرائد التي يقرأها. إطلاعي على مضامين مؤلفاته أو كتاباته في الصحف. ملاحظتي إياه إبان جلوسه حيال شاشة التلفاز، وما الذي يستدعي انتباهه ويستحسنه منها، وما الذي لا يروقه منها.