1
المنبر السياسي / وحدة العراق… و رهاناتها الخاسرة
« في: 23:46 25/10/2006 »وحدة العراق… و رهاناتها الخاسرة
لن نغوص بعيدا في اعماق التاريخ للتعرف على جغرافية الاقليم او حدوده مما شكل بما يسمئ الان العراق لكننا نكتفي بتناول التاريخ القريب وبالتحديد اوائل القرن الماضي حيث كان العراق الحالي يحكم من قبل الامبراطورية العثمانية بولايات ثلاث متمتعة باستقلال مالي واداري وهي ولايات الموصل وبغداد والبصرة وان لم تكن بالحدود الحالية لتلك الولايات وبعد ان وضعت الحرب العالمية الاولى اوزارها وانهيار الامبراطورية العثمانية عمدت القوى الكبرى وعلى راسها بريطانيا العظمى الى تقسم المنطقة وتوزيعها توزيعا جغرافيا لتسبغ على الاوصال المقطعة شكلا من اشكال الدولة الحديثة وقد كان نصيب العراق من ذلك ان يتم دمج الولايات الثلاث لتشكل منها دولة واحدة موحدة اطلقت عليه تسمية العراق وبالحدود الدولية المعترف بها واقامة اول حكم وطني فية.
ولو عطفنا النظر الى التقسيم الاداري قبل وبعد توحيد تلك الولايات لوجدنا انها تتكون من المناطق الشمالية والوسطى والجنوبية من العراق الحالي وهنا بيت القصيد فمن المعلوم لدى الجميع ان المناطق الثلاث تختلف اختلافا جوهريا من حيث التضاريس والديموغرافيا حيث تسكن كلا من المناطق شعوب تختلف في انتمائها القومي والتاريخي كما تختلف في انتمائها المذهبي والثقافي وتحديدا فالكرد يشكلون اغلبية سكان المنطقة الشمالية والعرب السنة اغلبية سكان المنطقة الوسطى فيما يشكل الشيعة العرب الغالبية القصوى من سكان المنطقة الجنوبية
يتضح للمتلقي ان توحيد الاعراق والثقافات المذكورة في كيان سياسي واحد لم يكن امرا سهلا او ميسورا فلهذا كان على بريطانيا العظمى ان تتصدى لانجاح هذه التجربة الفريدة في تاريخ الشعوب فتوجب عليه ان تهيئ الظروف و المناخات السياسية المواتية التي تخدم انجاح هذه التجربة التوحيدية العجيبة وذلك عن طريق اقامة حكومة موالية لسياساتها وانشاء قواعد عسكرية داخل العراق تخدم اهدافها ومن هذه الاهداف الحفاظ على هذه الوحدة الغريبة وديمومتها وهذا ما حصل بالفعل خلال العقد الثالث من القرن الماضي.
وكما اسلفنا فان التجربة لم تكن سهلة التنفيذ او التطبيق فسرعان ما حصلت اعمال تمرد في شمال وجنوب العراق من ثورة الاشوريين عام 1933 وثورة الشيعة عام 1935والتي سرعان ما قمعت من قبل الجيش العراقي الحديث النشاة وبدعم واسناد كامل من القوات البريطانية المتواجدة في العراق وتلتها الحركات التحررية الكردية التي قادها المرحوم الملا مصطفى البارزاني والشيخ محمود الحفيد والتي قمعت هي الاخرى و بنفس الاسلوب.
وقد تمكنت بريطانيا من تسجيل نجاحات ملحوظة في مسار الحفاظ على وحدة العراق الذي اصطنتعه لتجد نفسها مسؤولة عن حمايته.
في تموز 1958 قام لفيف من ضباط الجيش العراقي وغالبيتهم من الشباب الطامح للسلطة ولمتفرعاتها بانقلاب عسكري اطاح بالحكم الذي اقامته بريطانيا العظمى من اجل خدمة المشروع التوحيدي الغريب لتدمر معه جميع المشاريع العمرانية والخدمية التي كانت تهدف الى تطوير الفرد والمجتمع العراقي في المناطق الثلاث وبشكل متساوي.
لم يكن انقلابيو تموز من ذوي الخبرة في امور السياسة وادارة شؤون الدولة مع عدم التشكيك بوطنيتهم وبمهاراتهم العسكرية فبداؤ بكيل الشتائم والسباب لبريطانيا الاستعمارية واتهموها بسرقة اموال الشعب العراقي وهم لا يعلمون ان العراق الذي سيطروا على مقدراته بالقوة العسكرية هو نتيجة موضوعية للجهد والعمل المتواصل من قبل بريطانيا والحكومات العراقية الوطنية التي تعاقبت على الحكم خلال الفترة السابقة لانقلاب تموز فكان ان اندلعت الثورة الكردية مباشرة بعد هذا الانقلاب واستمرت بشكل او باخر حتى احتلال العراق عام 2003 وخلال الحقبة السابقة للاحتلال قدم العراقيون تضحيات جسام من اجل تغيير الموازين ومراكز صنع القرار ذلك لان الوحدة التي اصطنعتها بريطانيا لم تكن حقيقية اصيلة ولعل من الامثلة الشاخصة على ما بذله العراقيون من دماء زكية سالت على تربتة عمليات الانفال السيئة الصيت وكذالك الانتفاضة الشعبانية عام 1991 .
وتتعالى الاصوات في يومنا هذا عند الكرد في الشمال والعرب الشيعة في الجنوب من اجل اقامة كيانات مستقلة بما تنفرط معه الوحدة الهشةالتي اقامتها بريطانيا وحافظت عليها و بفضل حنكتها السياسية طيلة اربعة عقود وليبقى العرب السنة في عزلة عن الحياة السياسية وهم اهل الحكم والمجالس والدواوين وحماة حدود العراق الموحد.
الى جانب تلك الحقائق القائمة على الارض فأننا نجد مواقف تفرض استفهامات كثيرة و من هذه المواقف الخطاب السياسي الشعاراتي للكرد و للعرب الشيعة و مؤداه انهما يتوقان الى وحدة العراق ارضا و شعبا فبقدر تعلق الامر بالكرد فإن موقفهم هذا ينطوي على التنازل عن الحلم الكردي في اقامة دولة كردية مستقلة ذات سيادة وهذا بدوره يثير الشكوك و يجعل هذا الموقف موضعا للتساؤول.... اما الشيعة فلا يوجد ما يشير الى الجدية في موقفهم المطالب بوحدة العراق اذ انهم طالما تظلموا من الحكومات المتعاقبة على العراق و التي ادارها العرب السنة و اذا كان هناك من يتحدث عن انزلاق العراق نحو المجهول فإن حديثهم هذا مبرر بفعل التناقضات في المواقف السياسية للكرد و للعرب الشيعة الناشئة عن نقص الخبرة في الشؤون السياسة و امور الدولة و قد ينجم عن هذا الانزلاق تخبطا أكبر اذا نظرنا الى حقيقة إن الكرد انفسهم ليسوا موحدين بفعل وجود الخلافات الثقافية و الايديولوجية بين الشريحتين الرئيسيتين التي يتكون منها الشعب الكردي و كذلك الامر بالنسبة للشيعة الذين ينقسمون من حيث الولاء للعروبة من جهة وللمشروع الفارسيي من جهة اخرى.
و لو افترضنا إن هناك شيئا من الجدية في مواقف الكرد و الشيعة الوحدوية فإن الامر يقتضي منهم في هذه الحالة التوصل الى توافقات ذات صدقية بدرجة معينة مع اصحاب المشروع الوطني اهل الخبرة في أدارة أمور الدولة و التصدي للقضايا الحرجة و المسائل الخطيرة التي تهم العراق و شعبه إذ بدون ذلك فإن الاقطاعيات السياسية و ما يتفرع عنها ستكون هي المسار الرائج الذي سيفرض نفسة على المعادلة العراقية.
يوسف الديرو [/b] [/size] [/font]

