عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - نجاح محمد علي

صفحات: [1]
1
المنبر الحر / صحفيون بلا أحذية...
« في: 11:28 20/12/2008  »
صحفيون بلا أحذية...

بقلم : نجاح محمد علي

عندما يرشق صحفي عراقي الرئيس الأمريكي جورج بوش بالحذاء وينسى قلمه الذي اصطحبه معه في مؤتمر صحفي، يصبح من حق رئاسة الوزراء في العراق، أن تمنع الصحفيين الذين يملكون توجها معاديا للاحتلال أو للعملية السياسية أو حتى لديهم ملاحظات نقدية على أداء الحكومة وهذا الوزير أو ذاك، من دون حضور أنشطة الدولة الاعلامية.
والأخطر أن الحكومة ستكون محقة تماما في حظر مشاركة كل الصحفيين من دخول المؤتمرات الصحفية والمشاركة في أي نشاط اعلامي لها، من واقع أن الصحفي هو في الأساس،ناقد للسلطات وهو مرآة الأمة وعينها ودليلها، بل هو السلطة الرابعة... كما يقولون!.

ومهما قيل ويقال عن الاحتلال ومساوئه، فهذا مالا يختلف عليه اثنان. وأنا من أوائل معارضي هذا الاحتلال البغيض لبلدي، وكنت قبل ذلك من القلائل المحرضين بقوة ضد تعاون المعارضة العراقية (آنذاك) مع الولايات المتحدة لاسقاط نظام صدام عن طريق القوة العسكرية حين كنتُ أيضا في طليعة المعارضين لذلك النظام الديكتاتوري صاحب المقابر الجماعية، ومبيد العراقيين بأسلحة الدمار الشامل...عربا وأكرادا وتركمانا..

لكن ْ.. أن ينسى صحفي قلمه الذي هو أقوى بكثير من كل الأسلحة الفتاكة، وهو ليس مجرد قلم بل "...يدٌ، وفمْ. رصاصةٌ، ودمْ.وتهمةٌ سافرةٌ تمشي بلا قدمْ"، ويلجأ الى سلاح رخيص، حذاء "تكرمون"، فهذا ما لايمكن أن نقبله حتى مع ألد أعداء العراق، وأكثرهم فتكا بحقوقه وكرامته..

لقد عارضتُ "إعدام صدام" بالطريقة والتوقيت الذي تم فيهما، برغم أن رئيس النظام السابق ألحق الأذى والموت والعذاب المر الذي لم يخطر على بال، بي وبأسرتي وعشيرتي، وأصدقائي، فقط لأنهم أصدقائي، أو أنهم كانوا زملاء لي في مقاعد الدراسة، وبعضهم اليوم حيٌّ يستطيع أن يروي ماحل به بسبب تلك الصداقة ...المؤلمة!..

وعندما عارضتُ "إعدام صدام"، فلأن ماجرى تم بطريقة إنتهكت بعض حقوقه كانسان وسجين،وهو يستحق بالطبع أكثر من إعدام واحد واحد بحسب شرعة الله والقوانين الوضعية، وحتى وفق تقاليد صدام نفسه نفسها التي أرساها هو في عراقٍ حكمه بالحديد والنار وزرع الكراهية بين أبناء الشعب الواحد، وخرّج جيلا أو اثنين، الكثير منهم يعيش اليوم ازدواجية خطيرة وانفصاما في الشخصية،ولايستطيع بسهولة التخلي عن قيم أرساها وكرسها صدام ..أبسط مافيها الأنا وحب الظهور!..

ولهذا فانني لستُ مع هذه الطريقة البعيدة عن قواعد المهنة، ولايمكن أن نعتبرها فعلا نضاليا أو عملا مقاوما لأن لكل مقام مقال، وعندما يحصل الصحفي على أذن للمشاركة في التغطيات الصحفية داخل المنطقة الخضراء فهو كمن وقع عقدا مع الحكومة، وربما أيضا(بالواسطة) مع قوات الاحتلال، فان عليه احترام عهده "فالمؤمنون عند شروطهم"، أو أن له أن لايشارك أصلا في أي نشاط يجعله "يحترم"قوانين المنطقة الخضراء التي قاطعها الكثير من الصحفيين!.
إن تسجيل غضب العراقيين لمافعله بوش ببلادهم عبر استخدام الحذاء الذي اعتبره البعض موحدا للعراقيين(وتعسا لأمة يوحدها حذاء!)، لا يمكن أن يحظى بتأييد صحفي يحترم مهنته ويفصل بين الحيادية والموضوعية ونقل المعلومة الصحيحة، وبين كونه سياسيا أو مناضلا أو منحازا لهذا الحزب أو تلك الجماعة.كما أن الضرب بالميت حرام شرعا! لأن بوش، خاسر أصلا في العراق الجديد، ولم يحصد من غزوه للعراق ولا لأفغانستان، الا الويل والثبور وعظائم الأمور، وديمقراطية بشّر بها دول المنطقة انطلاقا من العراق،لم تكن سوى فردتي حذاء بال، نخشى أن تسفرا عن قواعد جديدة للمهنة تمنح الحكومة الحق في أن تفرض شروطا قاسية على الصحفيين، للسماح لهم بالمشاركة في المؤتمرات الصحفية. ويصبح المصفقون لها هم فقط من يتمكنون من الكتابة في عراق أُريد له أن يكون أُنموذجا فريدا للديمقراطية في المنطقة!..

ومهما تكن خلفية الصحفي، صاحب الرمية، ومبرراته في اللجوء الى هذا الاسلوب، فان على الحكومة أن لاتعطي القضية أكبر من حجمها، وتسعى الى "لملمة" الموضوع ومنعها من أن تتحول الى أزمة خصوصا وأن هناك قومجية عروبيين، مايزالون في المربع الأول: "يقتلون القتيل ويمشون في جنازته" وهم يحرضون على قتل العراق، وعلى رؤوس معظمهم أعلام أمريكية!.

وأخيرا ونحن نشاهد هبوطا قيميا، وغوغائية تجعل البعض يصرح علنا أمام الفضائيات إنه يقبل الحذاء الذي ضرب به بوش ويضعه على رأسه، فليس غريبا أن نسمع في مرحلة تالية أن الحكومة العراقية، أو أي حكومة عربية أو في العالم،قررت بعد هذه الواقعة منع الصحفيين من الدخول الى مراكزها الصحفية بالأحذية حتى إذا تساهلت في قضية "الموالين والمصفقين" ولم تفتش عن خلفيات الصحفيين السياسية.وعندها ستكون الحكومات بحاجة الى تعيين موظف جديد بمسمّىً وظيفي جديدا، مهمته استلام الأحذية ووضعها في مكان محدد سلفا، وتوزيع أرقام بدلا عنها الى صحفيين سيغطون الوقائع والأحداث في المراكز الصحفية الرسمية ..بلا أحذية..

وهنيئا للـ "الكيشوانجي" صاحب المنصب الصحفي الجديد..
وله، ولكل الصحفيين الأحرار في العالم أهدي هذه اللافتة..القصيدة التي كان كتبها صديق عمري المناضل العتيد
"أحمد مطر" ...عن القلم، متمنيا أن لايأتي اليوم الذي يمشي فيه الصحفيون حفاة، وربما.. بلا أقدام:



جسّ الطبيبُ خافقي
وقال لي:
هل ها هنا الألمْ؟
قلتُ له نعمْ
فشقَّ بالمشرطِ جيبَ مِعطفي
وأخرجَ القلمْ
هزّ الطبيبُ رأسَهُ
ومالّ وابتسمْ
وقال لي:
ليس سِوى قلمْ
فقلتُ: لا يا سيدي
هذا يدٌ، وفمْ
رصاصةٌ، ودمْ
وتهمةٌ سافرةٌ تمشي بلا قدمْ
نجاح محمد علي - دبي


2
بل الذين كفروا يكذبون!
نجاح محمد علي
 { يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } .

ليس من عادتي الرد على مايُكتب ضدي، فأنا أكتب ما أعتقد بصحته ايماني باستقلاليتي ولا أخاف في الله لومة لائم ولاعذل عاذل وهذا ما يجعلني عرضة لسهام المنتقدين من الجبهتين المتصارعتين.فعلى سبيل المثال يحسبني بعض أصدقاء ايران خصوصا الموالين لولاية الفقيه عدوا للجمهورية الاسلامية ، ويعتبرني الكثير من أعدائها خصوصا البعثيين تابعا لها وعميلا، فكل يريدني أن أقف الى صفه بالكامل من دون لون ولا طعم ولارائحة.
لن اخوض مع الخائضين وهذه الرسالة القصيرة  موجهة أساسا الى السيد باقر الصراف  وغيره من المتباكين على حزب البعث وصدام، وأنا لاأريد الدخول في مساجلات وردود على مايُكتب ضدي، وليعلم أن كل ماجاء فيما كتبوه عني (أكرر: كلما جاء) كذبٌ وغير صحيح على الاطلاق وأقول له :
 
إياك والكذب؛ فإن من تكذب عليه إما أن يكون واعياً فيحتقرك ، أو خبيثاً فيكذب عليك ، أو ساذجاً فيخدع بك ، ثم ما تلبث الحقيقة أن تنكشف له فيكفر بك ، هذا كله عدا عقوبة الله وعذابه.
قال تعالى :((إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب))(غافر: 28).

وقال تعالى: ((ويل لكل أفاك أثيم))(الجاثية:7).

وقال تعالى: ((إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله، وأولئك هم الكاذبون ))(النحل: 105).

وقال الباقر (عليه السلام): (إن الله جعل للشر أقفالا، وجعل تلك الأقفال الشراب، والكذب شر من الشراب)(1الكافي).

وقال (عليه السلام): (كان علي بن الحسين يقول لولده: اتقوا الكذب، الصغير منه والكبير، في كل جد وهزل، فإن الرجل إذا كذب في الصغير، اجترأ على الكبير، أما علمتم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ما يزال العبد يصدق حتى يكتبه الله صديقا، وما يزال العبد يكذب حتى يكتبه الله كذابا)(1 الكافي).

وقال الباقر (عليه السلام): (إن الكذب هو خراب الإيمان)(2 الكافي).

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ( اعتياد الكذب يورث الفقر)(3 الخصال للصدوق).

وقال عيسى بن مريم(عليه السلام): (من كثر كذبه ذهب بهاؤه)(4 الكافي).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع: (قد كثرت علي الكذابة وستكثر،فمن كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار، فإذا أتاكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله وسنتي، فما وافق كتاب الله فخذوا به، وما خالف كتاب الله وسنتي فلا تأخذوا به)(5 احتجاج الطبرسي).

أقول : إن السيد باقر الصراف وكل من لف لفه من كتب ضدي من البعثيين وأنصارهم ، شرق بحسرته وشجي بغيظه وسلقني بحد لسانه ووخزني بمؤق عينه وجعلني غرضا لمراميه وقلدني خلالا لم تزل فيه
والله من ورائه محيط وليعلم هو ومن معه ممن يهاجمونني لأنهم يحبون صدام،أن الذكب لن يمنحهم صدقية ولن يقوي حججهم في الدفاع عن ديكتاتور هلك، وقلتُ رأيي فيه بدماء الشهداء من أهل بيتي ممن لم نعثر على شيء من جثامينهم الطاهرة.
{ يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } .

--
وما من كاتبِ الا سيفنى وُيبقى الدهرُ ماكتبت يداهُ
فلا تكتب بكفك غير شئ ُيسرك في القيامةٍ أن تراهُ


 

3
المأزق السياسي في العراق.. وماذا بعد؟


بقلم: نجاح محمد علي
الاساس في العراق اصبح انعدام المشروع، السياسي والامني والاقتصادي، ولا تبرز امام المواطنين اية بارقة امل حتى مع الاستثناءات.

عادت المخاوف من اندلاع موجة جديدة من العنف الطائفي في العراق في أعقاب التفجير الجديد الذي تعرضت له مئذنتا المسجد الذهبي بسامراء يوم 13 يونيو/حزيران الجاري بعد أن تعرضت مساجد سنية للحرق في البصرة و جنوبي بغداد.
يأتي ذلك قبل يوم واحد من اكتمال عدد القوات الاميركية الاضافية في سياق التعزيزات لحملة أمنية تشمل 28 ألف جندي أميركي وترمي الى تأمين العاصمة حتى يتسنى لحكومة رئيس الوزراء نوري المالكي تحقيق أهداف سياسية حددتها واشنطن بهدف تعزيز المصالحة الوطنية.
فماذا بعد؟!
ليس جديدا القول بأن إسقاط نظام صدّام في أبريل/نيسان عام 2003 تم ونُـفِّـذ بدون برنامج سياسي واضح، عدا ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر لندن، الذي عُـقد منتصف شهر ديسمبر/كانون الاول 2002.
في تلك الأيام، كان كلا من رايان كروكر، السفير الأميركي الحالي في بغداد، وسلفه زلماي خليل زاد في طليعة الأميركيين العاملين على تنظيم اصطفافات المعارضين العراقيين (وفيهم عدد كبير ممن كان إلى وقت قريب يقاتل إلى جانب السلطة القائمة آنذاك) لصالح المشروع الأميركي، وهو إسقاط نظام صدّام كمُـقدمة إلى إيجاد شرق أوسط كبير أو جديد.
قد تمكن خليل زاد، الذي عيّـنه الرئيس الأميركي جورج بوش سفيرا مفوّضا في القضية العراقية، من فرض رؤيته في المحاصصة الطائفية، والتي صارت فيما بعد ورقة الحكم في العراق الجديد.
قبل ذلك، كانت صيغة المشروع الأميركي للعراق لمرحلة ما بعد سقوط النظام، قد تبلورت منذ زيارة زلماي خليل زاد إلى أنقرة ولقائه في عام 2002 بعدد من قادة وممثلي المعارضة العراقية هناك، عندما قام بإبراز الخطوط العريضة للمشروع الأميركي، وذلك بالتأكيد عليه خلال تلك المباحثات والإصرار على إمضائه وتطبيقه حالما يسقط نظام صدّام، ممّـا يعني أنه شكّـل المحصِّـلة النهائية للإستراتيجية الأميركية في التغيير في العراق.
المشروع الأميركي!
ووِفق ما تسرّب من تلك المباحثات (آنذاك)، يمكن تلخيص الخطوط العريضة للمشروع الأميركي بما يلي:
أولا، بدء تصريف الأمور في العراق بعد إسقاط نظام صدّام من خلال حاكم عسكري مباشر، يساعده عدد من جنرالات الحرب ومسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية من المعنِـيين في الملف العراقي، بالإضافة إلى دور مؤثِّـر لجِـهاز المخابرات المركزية السي آي إيه، لتثبيت وتركيز سلطة الحكم العسكري.
ثانيا، معارضة أيّـة فكرة لإقامة حكومة مؤقتة أو مجلس إنقاذ وطني، من قبل المعارضة العراقية وتقديم بديل أميركي مُعد بعناية لإقامة إدارة مدنية مؤقتة من العراقيين، الذين تختارهم واشنطن، تستمر من سنتين إلى ثلاث سنوات، لحين إجراء انتخابات حُـرة في البلاد.
ثالثا، إلغاء أي دور للمعارضة العراقية التي كانت في الخارج، وهذا ما أصاب بعض جهات المعارضة بالإحباط، بالرغم من أن واشنطن سعَـت إلى تجميع أكبر عددٍ مُـمكن من فصائل المعارضة في لندن، من خلال تفويضها لمجموعة من ستّـة فصائل معارضة (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق والحزبان الكرديان والوفاق الوطني والمؤتمر الوطني والحركة الملكية الدستورية)، للتحضير لذلك المؤتمر، وهذا الإلغاء يتجسِّـد في تصميم الإدارة الأميركية على "اختصار" دور هذه المعارضة في حدود "الاستشارة"، وهذا تعبير في مضامينه السياسية واللغوية، لا يعدو أن يكون تهميشا جادّا لقِـوى المعارضة العراقية من كل الاتجاهات، ولاسيما مجموعة الستّـة، التي كانت تعوِّل على اعتراف واشنطن بها كممثل للمعارضة العراقية لدى استقبالها لممثليهم في أغسطس 2002 في أجواء مُـبالغة فيها في الاحتفاء، سياسيا وإعلاميا.
رابعا، خلال هذه الفترة، من سنتين إلى ثلاث، ومن خلال حكم عسكري مباشر وغياب لقِـوى المعارضة العراقية، إلا من مجموعات "متناثرة" تعوِّل واشنطن على تعاوُنهم معها ليكونوا بمثابة أدوات فنية تساعدها في إدارة شؤون البلاد، سيقوم الأميركيون برسم الخطوط العريضة، وحتى التفصيلية للسياسة الخارجية للعراق مع العالم، وتحديدا مع الدول العربية وبشكل خاص مع دول الجوار، كما أن هذه الفترة الطويلة ستسمح للأميركيين برسم خارطة إنتاج وتسويقٍ للنّـفط، بما يتلاءم ويتطابق مع مصالحهم بالدرجة الأولى، وهذا يعني بالضرورة، أنه سيكون على حساب المصالح الأوروبية في النفط العراقي، وأيضا على حِـساب روسيا في هذا المجال.
وهنا، لابد من الإشارة إلى المجموعات، التي تعاونت مع واشنطن من العراقيين، وبعبارة أدق "سخرتهم" أميركا لتنفيذ برامجها، هؤلاء، في غالبيتهم شاركوا في الدورات التأهيلية التي عقدتها وأشرفت عليها وزارة الخارجية الأميركية، والتي يصطلح عليها بمجموعات العمل، وهؤلاء في أغلبهم من الليبراليين الذين لم تكن المعارضة الإسلامية (الشيعية أساسا) تصنِّـفهم في قائمة المعارضين. ويبدو أن الخارجية الأميركية تعمّـدت أن يكون هؤلاء من هذا النوع، حيث غاب عن أغلبها الإسلاميون، إلا من شخص أو شخصين ممن لُـوحِـظ عليهما المُـشاركة في أكثر من مجموعة.
وكان المخطط هو أن الإفادة من هؤلاء العراقيين في المرحلة الانتقالية تحت إدارة أميركية مباشرة، من شأنه أن يخفِّـف من اللّـون القاتم لصرامة الحُـكم العسكري (الذي كان مقترحا للعراق) أمام الرأي العام، الداخلي والخارجي.
ومما سبق، فان ملامح "التحرير" في العراق، الذي دعت إليه الإدارة الأميركية وبشّر به الرئيس جورج بوش، لا يعدو أن يكون مطابقة للشعار الشهير، الذي أطلقه البريطانيون عند غزوهم العراق عام 1917 وهو: "جئنا محرّرين ولسنا فاتحين"، ولكن السنين العجاف التي تلت من بعد، أكّـدت حِـرصا أميركيا على تطبيق عكسي لذلك الشعار، مثلما فعلت بريطانيا بالضبط.
عراقيون.. وماذا بعد!
أما بالنسبة للعراقيين (المعارضة سابقا)، فإنهم أيضا لم يكونوا يملكون أي برنامج واضح لما بعد سقوط صّدام، مُـكتفين آنذاك بالرّفض القاطع، الذي أعلنته بعض الشخصيات والأحزاب العراقية لفِـكرة الحكم العسكري ورفضها لتهميش دور المعارضة وإسناد دور استشاري لها، ما اعتبر في حينه تحدّيا جدّيا منها للمشرع الأميركي بالتفصيلات الآنفة الذكر.
وقيل في تلك الفترة، أن الوزير العراقي الأسبق عدنان الباجه جي رفض مقترح زلماي خليل زاد بشأن الدور الاستشاري للمعارضة العراقية، وطالب بقيام حكومة مؤقتة لإدارة شؤون البلاد بعد سقوط النظام، كما أن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية (تغير اسمه حاليا إلى المجلس الإسلامي الأعلى العراقي)، هو الآخر أعلّـن رفضه لهذا المقترح، وكذلك أحمد الجلبي وكنعان مكية، رغم تناغمهما المفرط مع التوجهات الأميركية في العراق، حيث كانوا يرون ضرورة قيام حكومة مؤقتة من المعارضة، تتولّـى إدارة شؤون العراق.
كما أن الفصيلين الكُـرديين، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، كانا رضخا للضغوط الأميركية وقبِـلا بما طرحه السفير خليل زلماي زاد ونسّـقا معه من أجل أن لا يخرج اجتماع أربيل، الذي عُقد بعد مؤتمر لندن، بالإعلان عن حكومة مؤقتة.
في هذا الواقع، إسقاط نظام صدّام من دون برنامج محدّد، عكسه فشل المشروع الأميركي وتخبّـط الساسة العراقيين وكل الفعاليات المؤيدة للتغير والمعارضة له، وما تسمّـى بالمقاومة، فالجميع لا يملك أي برنامج محدّد يجمع العراقيين على مشترك أعظم ويوحِّـدهم.
محافظات آمنة!
فالحكومة تربط بقاء قوات "الاحتلال" بجهوزية القوات العراقية ومدى الاستعداد لتسلم الملف الأمني، إلا أن الأمن في المحافظات التي تسلّـمت الملف الأمني حتى الآن، وهي المثنى (السماوة) والنجف والقادسية (الديوانية) وذي قار (الناصرية) وميسان (العمارة)، في حال لا يُحسد عليه، ماعدا المحافظات الكردية الثلاث أربيل والسليمانية ودهوك، فهي تعيش ومنذ عام 1991 خارج الزمن العراقي (!).
فعلى سبيل المثال، لا الحصر، نقِـلت مسؤولية الملف الأمني في محافظة النجف من القوات متعددة الجنسيات إلى القوات العراقية، لكن هذا التطور أثار مخاوف النجفيين من أن تُـصبح المحافظة ساحة مفتوحة لصراع الأحزاب، التي تُـسيطر على جميع الأجهزة الأمنية، خاصة الشرطة والاستخبارات وغيرها من المؤسسات الأمنية، بالإضافة إلى تغلغُـل أفراد المليشيات إلى الأجهزة الأمنية وشحّـة الكفاءات الأمنية العالية، إذ أن معظم الرُّتّـب الموجودة، مُـزوّرة أو معطاة على أساس الانتماءات السياسية، وهو ما يشكِّـل خطراً كبيراً على مستقبل القوات الأمنية، مع ملاحظة أن الإدارة المدنية في المحافظة تسلّـمت الملف الأمني بشكل تدريجي، بدأت باستلام القواعد الأميركية في النجف، وهي (قاعدة هوتك على مسافة عشرة كيلومترات إلى الشمال من مركز مدينة النجف) وقاعدة ديوك (40 كلم إلى الغرب من مركز المدينة)، قبل تسلم الملف الأمني بشكل نهائي وبحضور القيادات المدنية والأمنية في وقت لاحق.
ومدينة النجف من مدن الفُـرات الأوسط، ويتجاوز عدد سكانها المليون نسمة، حسب آخر الإحصائيات الرسمية، وتقع على مسافة نحو 160 كلم جنوب غرب بغداد، وتعتبر من المُـدن الهادئة نسبياً، حيث تنفق على الجانب الأمني مليارين و530 مليون دينار عراقي شهرياً، حسب مصدر في وزارة المالية، طلب عدم الكشف عن إسمه، وهو رقم لا يُـستهان به.
وهذه المحافظات أيضا تشكو من تدهور الخدمات، وهي لم تتحسن رغم كلّ الضجة التي أثارتها السلطة حول استلام الملف الأمني في المحافظات الآمنة.
ففي النجف، وبعد تسلّـم الملف الأمني، يعبِّـر المواطنون وزوار هذه المدينة المقدّسة عن عدم ارتياحهم لانهيار الخدمات إلى الصفر. فالكهرباء تزور النجف ساعتين فقط كل 12 ساعة أو أكثر، أما سعر وقود المولدات فقد وصل إلى 220 ألف دينار عراقي، وحركة السيارات شِـبه متوقِّـفة بسبب ارتفاع أسعار الوقود، كما أن أزمة النفط والغاز السائل متفاقمة وتدفع باتجاه تدهور الحالة الأمنية عبر الاصطدام بالإدارة المدنية.
أما البصرة، التي تستعد لتسلّـم الملف الأمني، فإن الأمن فيها تكتبه الاغتيالات المستمِـرة وتُـسجّـل دائما ضد مجهول، ويزيد من قتامة مستقبله، التوتر الذي تشهده المدينة على خلفية خلافات حول منصب "محافظ البصرة" والخلافات السياسية الحادة، وما يقال عن فساد في أجهزة وزارة الداخلية.
وماذا بعد؟
أما المجموعات المسلحة، التي تُـطلق على نفسها "مقاومة"، فهي أيضا تعيش أحلام اليقظة وليس لها برنامج عمل، ولكنها تدّعي أنها تملكه. وما يسمّـى ببرنامج عمل، فهو مجرد شعارات وتمنِّـيات، تلك التي ترِد أحيانا في خطابات مُـمثلي هذه المجموعة أو تلك، خصوصا تلك التي ترفع شعارات فضفاضة لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع ما بين "دولة إسلامية سُـنية"، أعلنتها القاعدة، ومطالبة منظمات مقاتلة بخروج المحتل وكل من جاء معه من العراقيين، خصوصا الفصائل الستّـة، وهذه باتت رقما صعبا له قواعده الشعبية.
وبينما تجد العديد من المجموعات المسلحة نفسها مطالبة بطرح برنامج سياسي، إذا منحت ضمانات للبحث في شروطها، ترفع منذ فترة نغمة التفاوض مع الأميركيين، وحتى مع الحكومة العراقية، التي قادها اللابرنامج إلى التفاوض مع البعثيين وإلى إعادة النظر في قانون اجتثاث البعث.
لم يتوقّـف التخبّـط الأميركي، الذي تجسّـد في أصل فكرة غزو العراق، ومن ثم طريقة إدارته والخطط الأمنية والسياسية المتعثرة، والتأرجح في دعم الشيعة والسنة، وهذه الحكومة العراقية أو تلك، بل وحتى في ما تقوله واشنطن بشأن حربها المفتوحة مع القاعدة، إذ تعمل القوات الأميركية وسلطتها الحاكمة في العراق على تسليح عشائر العراق ضد القاعدة، ولكنها لم تجب على سؤال خطير يقف شاخصا هذه الأيام بعد أن تعدّدت حلقات مسلسل مجالس إنقاذ الأنبار وصلاح الدين ونينوى وديالى، التي شكّـلتها العشائر لمقاتلة القاعدة، وهو في ضوء تعزيز قوة المؤسسة العشائرية كسلطة منافسة، بل مهددة لسلطة الدولة الضعيفة أصلا: ماذا بعد القضاء على القاعدة؟!
ويبقى سؤال "وماذا بعد"؟ هو الذي يُـحيط بكل المعنيين في الشأن العراقي الملتهب، من سلطة أميركية وعراقية وقوى وجماعات سياسية ومسلحة وفاعليات دينية وعشائرية وملايين المواطنين العاديين الذين وجدوا أنفسهم بين المطرقة والسندان.
نجاح محمد علي - دبي

صفحات: [1]