عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - هاتـف بشبـوش

صفحات: [1]
1
أدب / نصوص قصيرة(8)
« في: 19:51 08/03/2015  »


نصوص قصيرة(8)


هــاتف بشبوش

لماذا يختارُ اللهُ عزرائيل
في تنفيذ الموتِ والقتل؟؟
لكي تظلّ يداهُ نظيفتين!!!

*******

يتسائلُ الثعلبُ
من وجهةِ نظرٍ وجوديةٍ:
لمّ أنا
لمْ أكنْ خنفساء أو كلب؟؟
ولماذا لمْ تكن الدجاجة ُفي فمي
فأنا جائعُّ على الدوام!!

******

رغم الركودِ هنا
لاتزال الكثيرُ من اللحظات ِ
تركضُ
في تلك الزاويةِ الأخرى
من الكون

*****

في هذه البلدانِ الصقيعيةِ
على المرءِ أنْ يكونَ محترفاً
في قضاء الوقتِ
أنْ يتأملَ في منفضةِ السجائرِ
بينما هو ينتظرُ , دلفها الى المقهى

*********

وأنا أقرأُ ُ عن دون بريندون , مخترعُ الشمبانيا
عرفتُ أنه كان يتذوقُ النجومَ , حين يشربُها
وحينما يجلسُ في البارِ
كان ينادي النادلَ:
هاتني المزيدَ من النجوم

عراق/دنمارك



2



الشاعرُ( ساحل فرزان) وإغتصابُ زوجته(2).......

هـاتف بشبوش

تخرج ( منة) من السجن بعد عشرة سنوات وتأخذ الطفلين معها . بعد سنين تسأل ( منّة) عن زوجها ساحل , فيخبرونها بأنه قد توفي وقد دفن في مقبرة الكافرين والزنادقة , أيضا هي لعبة أخرى من ( أكبر رضاي وجلاوزته) حيث أنّ زوجها لازال في السجن حي يرزق  . تذهب الى المقبرة وترى ضريح زوجها الذي بناه المجرمون لتضليلها , فتندبه وتبكي بكاء الثكلى مع الأخريات النادبات على أزواجهن في نفس المقبرة , لكنها تتفاجأ بوقوف ( أكبر رضاي) فوق رأسها راجيا منها ما أراده في السجن , موقف يعبر عن الخسة والنذالة لهؤلاء المختلّين عقليا وأعمالهم الإجرامية وحبهم للجنس بشتى الطرق حتى لو كان إغتصابا يغضبُ الله .
تذهب (منة ) الى تركيا مع إبنتيها , وهناك يكبرنَ ويصبحنَ في عمر البلوغ . الفقر يغيّر سلوك هذه العائلة المحترمة العفيفة وعلى مرأى ( أكبر رضاي) الذي كان قد تعقبهم الى تركيا لأغراضه الشهوانية القبيحة , وبأعتبار أنّ البنتين هما من صلبه . الأم وإبنتيها يبحثنَ عن المال في سبيل الحصول على مبلغ يستطعنَ من خلاله الخروج الى أوربا لطلب اللجوء السياسي حالهنّ حال الكثير من الإيرانيين المهاجرين .
تذهب الأم ( منة) الى أكبر رضاي وتطلب منه تدبير جوازات سفر لها ولإبنتيها لغرض السفر بأعتباره الضالع في الحكومة الإيرانية والحرس الثوري والجلاد الذي أذاقهم مر الهوان , تذهب اليه على مضض وهي في غاية المرارة والألم , ولكن ماذا تفعل هذه المرأة التي ضاقت بها الحيل , غير أنْ تتمشدق بذاك المثل الشائع ( إذا كان لك حاجة عند كلب, فمن أجل مصلحتك أنْ تناديه بالحاج كُليب) . ( أكبر رضاي) الملتحي المتدين كعادته يطلب المساومة منها , ثلاث جوازات مقابل شرفها والنيل من جسدها , يفي بوعده بعد الإرتواء من الجسد البض الطري والنظيف .
في عام 2009 يخرج ( ساحل فرزان ) من السجن بعد إن أكمل ثلاثين سنة بكل لياليها ومآسيها وحلكة ظلامها , وتبين أنه لم يمت , وكانت تلك الميتة , هي لعبة من الجلاّد (أكبر رضاي) في سبيل أن تكون ( منة) على يأس من زوجها ويخلو هو بها حيث الجنس الناعم ليمارس رذيلته من جديد . أية اخلاق هذه وأية جرائم ترتكب بحق الأدباء وبحق الإنسان الإيراني وبدون أي ذنب . ساحل فرزان يخرج من السجن دون أن يعرف أنّ زوجته أنجبت له إبنتين توأمين . ساحل فرزان يمتهن السياقة لغرض العيش , ويبدأ بالبحث عن زوجته , وأثناء عمله كسائق تكسي , يلتقي بفتاتين تعملان في مجال الدعارة , ويبدأ معهن بداية وكأنه يعرفهنّ منذ زمن بعيد , حيث أنّ علاقة الأصلاب هي التي تصدحُ هنا في هكذا مواقف , حيث يلّوّح لنا المخرج بأرجحية الأبوّة لساحل فرزان أكثر منها لـ ( أكبر رضاي) , يعني أنّ الفتاتين هنّ إبنتيه . يستمر ساحل فرزان في توصيلهنّ كسائق تكسي وفي يوم , يلمح من بعيد وعبر النافذة , إمرأة تطل بوجهها وتنتظر إبنتيها المترجلتين توا من التكسي , فيسرح خياله الحزين والباكي بعيدا الى حبيبة العمر وزوجته( منّة) , فتقولُ له سريريته أنها هي , كان مشهداً في غاية الغموض , لحساسية وفداحة الموقف , وهذه من مرحمات الطبيعة والأقدار , في أن تجعل الأب لايعرف حقيقة زوجته وإبنتيه والاّ لمات حرقة ً وألماً  .
الأم ( منّة) تعمل في مجال ( التاتوو) أي عمل الوشم على الجسم , أما الفتاتان فتعملان في مجال الدعارة ,وفي يوم يتشاجرنَ وهنّ ثملات مع أشخاص سيئين في شارعٍ عام , فيقوم ساحل فرزان بالدفاع عنهن وتخليصهن من شر هؤلاء الفتية , يذهبنَ معه الى بيته وهناك يشربون الخمر ويثملون , وتنتقل الكاميرا بنا الى السرير الذي يضم ساحل فرزان مع أحدى الفتيات , في مشهد حزين مؤلم يشير الى ممارسة الجنس بين الأب وإبنته, مشهدُّ موجع , بحيث لم نستطع من خلاله غير أن نلعن الأنظمة الفاسدة التي أنجبت أمثال أكبر رضاي والجلاّدين الآخرين الذين بسببهم مارس الشاعر الرقيق ساحل فرزان الجنس مع فتاة لايعرف أنها إبنته , أنها جرائم العصر التي تقشعر لها الأبدان وتصرخ لها الإنسانية . يستيقظ ساحل فرزان في الصباح ويجد نفسه في حالٍ من الندم , حال مرتبك , قلق ,وكأن هناك خطأ فادح قد حصل , ولكن ماهو هذا الشئ , لايعرف , فيلوذ بالصمت . الفتيات يتوددنّ لساحل فرزان تودد البنات لآبائهنّ , ويعترفن له بأنهن لستا بعاهرات , لكنهن بحاجةٍ الى بعض المال لغرض سفرهنّ الى اوربا لغرض الخلاص من الواقع المقرف والمستقبل المخيف الذي ينتظرهنّ لو بقين هنا في تركيا . البنات يجلبنَ الأم ( منة) لغرض عمل وشم له , لغرض كسب المال , تأتي هي وتنظر اليه نظرة خاطفة , نظرة محب قد فارق حبيبه منذ زمن بعيد , يشير المخرج من خلالها أنها قد عرفته , ولكن أنى لها ذلك فحبيبها قد مات منذ زمنٍ بعيد وقد زارت قبره وقبّلت ترابه منذ سنين مضت , وودعته هناك وداعا أبديا . ينام ( ساحل فرزان) على ظهره مخبئاً وجهه على الوسادة , دون أنْ يراها , لايستطيع أن يريها وجهه فتعرفه , أنه موقف في غاية الأسى , العاشق والمحب والزوج يشيح بوجهه عن حبيبته لعدم القدرة على مواجهة واقع مرير يفيض حزنا وشقاء . الزوجة (منّة) تقوم بوضع وشما على ظهره وهو عبارة عن بعض الكلمات من ديوان ( موسم وحيد القرن) إيفاءاً لزوجها التي في نظرها قد رقد تحت التراب منذ زمن بعيد , لكنه في الحقيقة راقد تحت مقبض يديها الناعمتين لغرض عمل الوشم .
في نهاية الفلم ساحل فرزان يتعرّف على أكبر رضاي ويعرف أنه هو السبب في دمار حياته وتفكيك عائلته , فيقوم بأستدراجه ويأخذه معه في سيارته ويرمي السياره في البحر ويقوم بقتله والخلاص منه , وتخليص البشرية من جرائمه وأمراضه ونيل الثأر لأراحة النفس , يموت ( أكبر رضاي) الميتة التي يستحقها  كمجرم وجلاد , يموت غرقا في البحر , بينما نرى الباخرة التي تشق عباب البحر , تحمل الفتيات والأم , في مشهد يشير الى سفرهنّ الى أوربا , في رحلة للخلاص من الألم والدعارة التي فرضت عليهنّ والحياة التي أصبحت  لانطاق في إيران بالنسبة اليهن ,وينتهي الفلم نهاية بريختية ( نسبة الى بريخت) , حيث أنّ كاتب الرواية يترك للقارئ وضع الحلول النهائية , إذ أننا لم نعرف هل سيلتقي الزوجان بعد وصول العائلة الى بر الأمان في أوربا . وينتهي الفلم بموت المجرم الجلاّد , وبنفس اللحظة تحيا الضحية ( منّة) وبناتها وهنّ فوق الباخرة التي تمخر عباب البحر , وكأنهن يصرخنّ بأعلى أصواتهنّ , نحنُ هنا أحياء ولم نمتْ , رغماً عن إنوفكم أيها الأوغاد  .

رابط الحلقة الأولى
http://al-nnas.com/ARTICLE/HBashbosh/28k1.htm
عراق/دنمارك


3


الشاعرُ (ساحل فرزان ) وإغتصابُ زوجته(1).......

هاتــف بشبــوش

السينما العالمية أنتجت لنا فلما رائعا , فلما نابعا من صلب الأنظمة الراديكالية المقيتة , الأنظمة التي تمارس الأضطهاد والشوفينية والقتل والأجرام بحق شعوبها بأسم عدالة السماء. الفلم إتخذ ديوان الشاعر الإيراني الكردي الشاب ساحل فرزان ( موسم وحيد القرن) عنوانا للفلم . يتناول الفلم  حياة الشاعر ( ساحل فرزان) وكيفية إغتصاب زوجته المدعوّة ( منـّة) في السجون الإيرانية . وقد جسد شخصيته في الفلم الممثل الإيراني البارع ( بهروز وثوقي) , وجسدت شخصية زوجته ( منّة) الممثلة الباهرة و البارعة التي إشتهرت بأدوار الإغراء والتعري والتي شاهدناها في سلسلة أفلام ( ماتريكس) ,الإيطالية الشهيرة والجميلة ( مونيكا بيلوتشي) . يشترك في التمثيل كل من الممثل التركي( يلماز أردوغان) والنجمة التركية ( بيرني سات) , أما مخرج الفلم والسيناريست فهو ( بهمان غوبادي) .  الفلم من البداية حتى النهاية إتخذ اللون الرمادي , هذا اللون الذي يوحي لنا بالإنتكاسة والحزن والموت ,علاوة ًعلى موجات الغبار الرمادية التي تشكل الغمامة التي تجعل منا لانرى حياتنا بشكلها الصحيح , بل نجد أيامنا تخفي وراءها الكثير من العقبات والأماني التي تتكسر أمام عثرات الحياة .
يستعرض لنا الفلم الحقبة الزمنية قبل مجئ الثورة الإسلامية بأيام قلائل في عام 1979 , حيث كان الزوج والزوجة (ساحل فرزان ومنّة) , يعيشون في أجمل حياة رومانسية عذبة , حياة بين شاعر مغرم وزوجة في غاية الجمال , الحب هو السائد بين الطرفين , وحينما ننظر الى وجوه الحبيبين يعترينا الإنتشاء الذاتي والمخملي من جراء العلاقة الحميمية والعاطفية الصرفة التي لايمكن لها أنْ تتفكك تحت أي ظرف عائلي أو سببٍ تخلقه التفاصيل الصغيرة التي غالبا ماتنشأ بين الزوج والزوجة , بالمختصر أنها الحياة المثالية التي يُحسدون عليها . الزوج والزوجة كان لهما سائق وهو ( أكبر رضاي) , مهووس جنسي ,ملتحي كما لحى هذه الأيام , اللحى التي تشيرالى الدجل والضغينة والإلتواءات في كافة التصرفات , والى السرقات بكافة أنواعها ومن ضمنها سرقات القلوب ,كما حصل مع هذا السائق ( أكبر رضاي) الذي أراد سرقة قلب الزوجة( مّنة) بالأكراه والقوّة كمال نرى لاحقاً في أحداث الفلم . هذا السائق كان يجولَ بهم حيث يشاؤون , من البيت الى العمل وبالعكس والى التسوق والى جميع ماتتطلّبه الحياة من أمكنة للراحة والإستجمام . السائق ( أكبر رضاي) , في خلوته كان دائم التفكير ب( منّة) , ينظر لها نظرات غريبة , وإذا مانسيتْ شيئا من أشياءها فأنه يقوم بتقبيل هذا الشئ بشكل يثير الإستغراب, يثير فينا الخوف بدل الحب , يستفز فينا أحاسيسنا التي تجعل منا أنْ نشك في تصرفاته الغريبة التي سوف تفعل شيئا غريبا حتما في المشاهد التالية من الفلم , بالضبط حينما نرى بندقية في فيلم معلقة في الحائط , فأننا حتما سوف نسمع صوت أزيز اطلاقاتها في المشهد التالي من الفلم . أكبر رضاي هو الشخص الذي يحمل من الشر الرهيب في داخله الذي لايظهره , بل كان كامنا مخفيا حتى إنفجر في لحظة يائسة , حيث في يوم وهو يقوم بتوصيلهم كالمعتاد , وصل الزوج ( ساحل فرزان) الى عمله وغادر السيارة , وبقيت زوجته على أمل انْ يوصلها السائق ( أكبر رضاي) الى المكان المرسوم له , فبدلاً من ذلك إنحرف ( أكبر رضاي) الى طريق مجهول وهناك تصرخ به الزوجة ( منّة) وتجبره على الوقوف , وأمتثل هو الى الأمر وتوقف برهة من الزمن في طريق موحش , وأفصح لها عن مافي دواخله الشريرة , وقال لها ( أنا أحبكِ يامنّة) أنا أريد أن أموت في سبيلك أنا أتعذب يامنة, يبكي ويقول لها ( إرحميني , إرحميني) يقول هذه الكلمات بطريقةٍ شهوانيةٍ تكشف عن الهوس الجنسي الذي بداخله , لكنها الفتاة العفيفة الشجاعة التي تحب زوجها حتى الموت , تزجره وتطلب منه أنْ يرجع بها الى المكان المقصود , فيمتثل لطلبها وهو منكسرا مهزوما ويجر أذيال خيبته وأشراره وحقده وأمراضه التي لايحملها سوى القليلين أمثاله . أنه الشخص المستعد للجريمة في سبيل قبلة واحدة من إمرأة , أو لربما ضجعة واحدة من ماعز . بعد هذه الأحداث تدور بنا الكاميرا فنعرف أنّ الوقت هو وقت الثورة الإسلامية في إيران والإنتفاضة الشعبية الإيرانية ضد الشاه ثم حكم الخميني .
السائق ( أكبر رضاي) ومن سخريات السياسة وألاعيب رجال الدين أصبح من كبار رجال الساسة والحرس الثوري في أيام الخميني , ثم أصبح مديراً لأحد السجون الإيرانية التي زج فيها الكثير من المناضلين التقدميين واليساريين بتهمة الكفر والزندقة . يقوم ( أكبر رضاي) بتدبير مكيدة للشاعر ساحل فرزان ويرسل له مفرزة من الجلاوزة المجرمين و قبضوا عليه وهو في داره مع زوجته , دبّر له هذه التهمة لكي يخلو له الجو مع ( منّة) التي كان يريدها لنفسه مهما كانت الأسباب ومهما كان الثمن حتى لو إرتكب جريمة نكراء بحق الزوج وزوجته , ولم يكتفِ السائق( أكبر رضاي) بذلك , فلما وجد ( منّة) لم ترضَ به رغم مافعل بزوجها , زج بها هي الأخرى في السجن مع زوجها وذلك عن طريق توجيه التهمة لأبيها الذي كان أحد الضباط الكبار في زمن الشاه .
يحاكم ( الشاعر ساحل فرزان) محاكمة صورية كاذبة على إعتباره أحد المعارضين الذين كتبوا أشعارا سياسية ضد الخميني وبأنه الكردي السني المذهب, ويُحكم ظلما هذا الشاعر المرموق والذي لم يكتب شعرا سياسيا في حياته على الإطلاق , بل كان شاعرا وجدانيا شفيفا محبا لكل مايدور حوله . يُحكم ( ساحل فرزان) لمدة ثلاثون عام ( 1979ـ 2009) بتهمة الكفر والزندقة والعمل على إسقاط الثورة الإسلامية , وتحكم زوجته ( منّة)  عشرة سنوات بصفتها الشيعية المتآمرة على نظام الحكم الإسلامي مع زوجها ( ساحل فرزان ) الكردي السني . هذه القصة تذكرني بتلك الرواية العالمية التي كنا نقرؤها في السبعينيات ( للحب وقت وللموت وقت) وكيف يقوم شرطي مجرم بتدبير تهمة لأحد الأشخاص( بطل الرواية) التي تؤدي به الى السجن مدى الحياة في السجون النازية , لالشئ سوى أنه كانت له زوجة جميلة تعلّق بها الشرطي المجرم هذا,ولكي يخلو الجو له مع الزوجة المسكينة التي تحب زوجها حبا جما , فقام بتلفيق تلك التهمة له , ومثلما يقول المثل المصري ( ياما في الحبس مظاليم ).
في السجن ( ساحل فرزان وزوجته منةّ) يَرون أقسى انواع التعذيب , وفي يوم تقدمت الزوجة (منة) بطلب الى مسؤولي السجن بغية أن ترى زوجها ( ساحل) المسجون معها في نفس السجن , فيلبى لها طلبها , ولكنّ الجلاوزة إشترطوا عليها شرطا قبيحا يحمل في طياته مآرب أخرى دنيئة لايفكر بها سوى المصابين بداء الشذوذ الجنسي . الشرط هو أنْ يضعوا على كل رأس منهم( هي وزوجها) كيس من القماش الأسود ولايسمح لهم بالكلام , مجرد لمس وعناق . فتبين بعد ذلك أنّ هذا اللقاء هو أحد المكائد الأخرى التي صنعها ( السائق سابقا أكبر رضاي) صاحب اللحية الطويلة وأحد أفراد الحرس الثوري ومدير السجن اليوم . يلتقي الحبيبان اللذان مرّ على فراقهم الكثير من السنوات الصعبة والمرة , يلتقيان في بادئ الأمر بدون الكيس القماشي الأسود لمدة ثواني , لأجل أنْ يرى كل منهما وجه الثاني , الإثنان تيقنا من صحة وسلامة كليهما , وهاهم يلتقيان بعد فراق طويل , كتب عليهم القدر ونذالة هؤلاء السفلة والنظام الثيوقراطي الديني الحقود أن يعيشوا بأحلك الظروف , وتسلب حريتهم وأحلامهم ويسرقوا من بين أهاليهم وذويهم ويغيبّوا في ظلمة هذه السجون ظلما وعدوانا . الجلادون يضعوا الكيسين الأسودين فوق رأس كل منهم , ويتركوهم في باحة السجن الظلماء الرهيبة , وبدون أي كلام , يمارسان العملية الجنسية بشوق رهيب , عملية جنسية بعد عطشٍ دام دهراً طويلاً جداً , ولقد برعت الممثلة (مونيكا بلوتشي) في تجسيد الدور الذي يتطلب التعري الكامل والذي يكشف عن جمالات الجسد الذي كان يحلم أن يلمسه ( أكبر رضاي) ,  وبعد أن يكملوا عمليتهم الجنسية ولازالوا في عناقهم الشديد , وفي الذروة , يدخل الجلاّدون عليهم ويفصلون الزوج عنها,  ثم يدخل ( اكبر رضاي ) فجأة ومازالت الزوجة نائمة بوضعية التعري والكيس فوق رأسها , يدخل ( أكبر رضاي)وهو يرتدي كيساً أسوداً فوق رأٍسه ايضا , يدخل على الزوجة التي لاتزال عارية وبوضعية النكاح وبدون اي كلام وبدون أن تعرف الزوجة وكأنه لايزال زوجها فوقها , المخرج كان بارعا وذكيا في صنع هذا المشهد الرهيب وهذه الجريمة النكراء التي ارتكبت من قبل المهووس الجنسي( أكبر رضاي) مدير السجن و رجل الدين التقي الورع  . يتعرّى ( أكبر رضاي) إستعدادا لتحقيق حلمه وتفريغ شهوته وينام فوقها ويدخل عضوه في عضوها ويغتصبها بعملية وحشية قذرة , لم نشاهد لها مثيل سوى ذلك الإغتصاب الذي قام به أحد الرهبان في كنيسة من كنائس أوربا مع إمرأة متوفاة للتو وجاءوا بها لغرض الدفن . ثم يعطينا المخرج لقطة أخرى في غاية الألم والحرقة , هي انّ الزوجة بعد هنيهةٍ قد شعرت بأنّ الذي يمارس الجنس معها ليس زوجها في هذه الأثناء , وإنما مغتصِبا مجرما أراد أن يبث سمومه في أحشاءها البريئة والنظيفة الطاهرة , أراد أن يكمل جريمته هنا في السجن , جريمة النكاح التي لم يستطع الحصول عليها من إمرأة شجاعة وعفيفة وهي خارج أسوار سجن رجالات الدين . هذا الإغتصاب يؤدي الى أن تنجب (منّة ) توأمين , ولانعرف الى من يعودوا في الإبوة , لأنّ السائلين المنويين لكل من ( الزوج ساحل فرزان والمغتصب أكبر رضاي) قد أختلطا في نفس اللحظة.

يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع في الجزء الثاني

عراق/دنمارك

4
أدب / نصوص قصيرة(6)....
« في: 10:56 15/12/2014  »

نصوص قصيرة(6)....


في الصِغرِ
كلّ شئ , كانَ يبدو رائعاً وجديداً
المعلّمُ , بنظاراتهِ الشمسيّةِ واختفاءهِ وراءها
الأصدقاءُ, الأماكنُ , الغناءُ , النشيدُ , المناكفاتُ
الأحزانُ  , الأسى .... وحتى الموت
***********
حينما أحببتكِ ياأمطار
إتخذتُ الثلجَ
إسماً جديداً لي
************
ياللهول ...
لقد ماتَ محررُ
صفحة الوفيّات في بلدي
وما من بديل....
**********
أنتقادكم لي
ينزلقُ فوقي كما ينزلقُ الماءُ
فوق ريشِ البطةِ
**********
هل بأمكاننا أنْ نمدّ أذرعتنا
كي نمسكَ الحلم


هاتف بشبــوش/عراق/دنمارك


5
أدب / نصوص قصيرة (5)
« في: 14:00 07/12/2014  »
نصوص قصيرة (5)

هـــاتف بشبــوش

أعرفُ جيداً:
من أينَ يُصنعُ إسلامَ داعش
مثلما أعرفُ جيداً :
أنّ عصيرَ الليمون
يُصنع مِن الليمون!!

*******

لم تعدْ هناك دولُّ
هذا هو العالمُ الجديدُ
هناك فقط , الحقائقُ الأقتصاديةِ
المكسبُ والخسارة
الكفاءةُ والضياعُ

******

الأطفالُ الأيزيديون النازحون
لم يعد لديهم حتى دميةٍ
تنتظر عودتهم هناك , في بيوتهم المهجورةِ

*********

هل بأمكاننا إذا أرهفنا سمعنا
أنْ نسمعَ بكاءَ النازحاتَ الأيزيدياتَ
البكاءَ الصامتِ والحذِر
على بيعهنَ لأراذل الرجال
في السعودية َوإسرائيل

********

سياسيونا الأوغاد
هم بحاجةٍ ماسةٍ
لأنْ يعاشروا أنفسهم
********

شعوُبنا..
هي الشعوبُ التي
تصنع خطأ حياتها

/عراق/دنمارك/2 / 12/2014

6


 

المسخُ , بنجامين بوتون.....



إذا ما أردنا أنْ نستعرض دورة الحياة الطبيعية للإنسان من الميلاد حتى الممات والتي هي عبارة عن عذابات وآلام على مسار خطها المتواصل من البداية حتى النهاية : في البداية يكون وليداً رضيعاً , ثم يكبر شيئأ فشيئا فيحبو , ثم يصبو, فيدخل التعليم الأبتدائي , يراهِق , يدخل التعليم الثانوي ثم الكلية , يبحث عن العمل , ثم مشاكل الحياة , ثم الزواج ,والإنجاب , فيكون له أطفالا يربيهم على هواه , يكبر , يصبح جدا , يشيخ , يمرض , يكون عالة على ألآخرين في شيخوخته , لربما يصل التسعين أو المئة من العمر الرذيل , يكون حزينا , خائفا من النهاية الحتمية , ثم في نهاية المطاف لابد أنْ يرضخ لسلطان الموت والإندثار تحت التراب والى الفناء , هذه هي الحالة الطبيعية لبني البشر في هذا الكون المترامي .
الفلم العالمي The Curious Case of Benjamin Button (حالة بنجامين بوتون الغريبة)) , يتناول الحياة الطبيعية للإنسان التي شرحناها أعلاه بالمعكوس , أي تبدأ من القبر الى أنْ يموت الإنسان طفلا رضيعا بين أحضان زوجته . الفيلم فيه من الفنتازيا الصارخة , والإبداع الخيالي المذهل من قبل المؤلف .الفلم من تمثيل النجم الكبير ( براد بت) والحسناء ( كاتي بلانشيت) من إنتاج 2008 والذي يتحدث عن إنسان يولد شيخا عجوزا وكأنه في عمر التسعين , ثم يبدأ يعيش الحياة بالمعكوس , أي يبدأ الحياة من الشيخوخة حتى يموت طفلاً رضيعا بين أحضان زوجته التي تكون حينها عجوزا لأنها عاشت الحياة الطبيعية , يموت وهو طفلاً لايفهم معنى الموت والألم الذي يسببه, هي فكرة تعجيزية تريد أنْ تحلم في أنْ يموت الإنسان بلا عذاب و لايدري ماذا يدور حوله , عكس مانعيشه اليوم ونحن نموت شيوخا عالة على أهالينا وذوينا خائفين من سلطان ورعب الموت القاهر , هي فكرة جاءت نتيجة عذابات الإنسان ومايفكر به على الدوام في الموت والفناء , فكرة تريدْ أن تخرج من التقليد السائد الذي يعم البشرية في طقوس الموت . الفلم يبدأ برَجل يموت إبنه في الحرب ولا يطيق صبرا على فراقه , فيقوم بصنع ساعة جدارية كبيرة في مدينته بكونه العالِم الميكانيكي الشهير في هذا المجال , وفي يوم حفل تنصيبها على جدار المدينة يرى الناس بأنّ الساعة تدور بالمعكوس , فضحكوا عليه , لكنه أخبرهم بحزنٍ عميق : أنا صنعتها بهذا الشكل , لعلّي أستطيع إرجاع الزمن الماضي البعيد فنرى أبناءنا اليافعين الذين ماتوا نتيجة الكوارث الطبيعية أو الحروب ,نراهم أمام أعيننا وهم يزخرون بحياة هانئة هادئة . أي حزنٍ وألمٍ هذا الذي حلّ بهذا العالِم الأب الذي فارق إبنه ولم يستطعْ صبراً عليه , وأي حزنٍ هذا الذي جعل من هذا الأب مبدعاً ومخترعاً لهذه الساعة وبهذه الفكرة العجيبة , نستطيع أنْ نقول ,أنّ معظم إبداعات الإنسان هي نتيجة الألم والمصائب والنكبات التي تحلّ به , فيلجأ الى تلك الإختراعات والإبداعات لعلّها تخفف من ثقل ما مرّ به من أوجاعٍ لاتطاق . بعد إنتهاء حفل تنصيب الساعة الجدارية الكبيرة , يموت الأب قهرا وحرقة وبكاءاً على إبنه , يموت وهو مبحراً في زورقٍ صغير لوحدهِ هاربا من زحام المدينة التي تذكره بأبنهِ الفقيد .
ثم تبدأ في المدينة ذاتها حياة جديدة أخرى , حيث يولد في البلدة طفل أشبه بالمسخ , طفل بملامح عجوز في عمر التسعين , تموت أمه ويأخذه أبوه ويرميه على عتبةِ ناسٍ غرباء للتخلّص من هذا المسخ الذي جلب العار لأبيه الثري والبرجوازي الطاغي والمترفع عن هذا العار الذي جاء به هذا الطفل البرئ . زوج وزوجته يعثران على الطفل أمام عتبة الدار فيرونه طفلاً غريبا عجوزا و مسخاً , يخافونه في بادئ الأمر , ثم تحن عليه الزوجة فتأخذه( كل النساء ينظرنَ الى أطفالهنّ من جانب المثل الدارج , القردُ في عينِ إمهِ غزال) , فيعيش بين كنفها مع زوجها الرجل الطيب . ثم تبدأ حياة بنجامين بوتون المعكوسة, يبدأ حياته كشيخٍ عجوزٍ بين أحضان أمه الجديدة , يبدأ حياته شيخاً رضيعا تهدهده أمه بين ذراعيها , تعطيه الحنان الإمومي الكامل , بل أكثر من الأم الحقيقية , ثم يصغر قليلاً , قليلاً , فيجلس على عربة للمعوقين , لايطيق حياته, يشعر بأنه عالة على ذويه وأمه وأبيه يتمنى الخلاص العاجل , مثل حالنا حينما نكبر ونصبح شيوخا عالة على كل من حولنا . الناس ينظرون الى بنجامين بنظرات كمن ينظر الى شيخ في أيامه الأخيرة , لكنه يبدأ بالصغر من عمر الشيخوخة وبالتدريج تنازليا , أنه شيخ عجوز لكنه يحمل بعض الملامح الطفولية في تراسيم الوجه , وجه لم تألفه البشرية من قبل , أنه التركيبة الموميائية الغريبة الملامح التي صنعتها فنون السينما بين المكياج والمونيكير ومايحتاجة من طلاءات ومساحيق بحيث أعطت لنا بشكل مذهل وجه براد بت( بنجامين) على تركيبةِ شيخوخةٍ وطفولة . الطفلُ العجوز ( بنجامين) يكون له بعض الأصدقاء الأطفال ومنهم الطفلة كارولين في عمر أقل من السابعة أو أكثر بقليل , فيعيش معها حياة الطفولة البريئة بكونه طفلاً لكنه غريب في أطواره وشكله الشيخوخي المقيت , تحبه الطفلة كارولين منذ الصغر وكأنه دمية عجوز , حتى يكون لهما قصة رومانسية جميلة خاصة بهما في أيام الشباب اليافع حتى إكمال مسيرتهما كزوجين رائعين , حيث يبدأ الحب , ثم اللقاءات , والمناكفات , وخصام , ونزق , ثم زواج بعد مرور الحياة في منعرجاتها ومشاكساتها وتناقضاتها .  في صباها تذهب ( كارولين) الى مدينة أخرى ويفترقان فترة من الزمن ويودعان ذكرى طفولية تبقى عالقة بين الذوائب , راسخة بين شآبيب القلوب , مرسومة على أديم مقلتيهما. هي تكبر وتصبح في عمر المراهقة والجسد المهفهف , هي الآن كارولين الكبيرة الجذابة ,ذات النهدين الطافحين ( كاتي بلانشيت) , كارولين تنتمي الى نادي لرقص الباليه وتشارك في المسابقات الكثيرة وتصبح مشهورة في هذا المجال , تكبر وتصبح في غاية من الجمال المثير , بينما هو يصغر . ينتقل بنا الفلم الى المتغيرات التي تطرأ على وجه بنجامين العجوز , متغيرات من عمر التسعين ثم  التنازل في الصِغَر الى عمر الثمانين , ثم السبعين , وهكذا تنازلياً يرافقها متطلبات الحياة في كل مرحلة من مراحل الحياة . اليوم هو مليئ بالفرحة والسرور , وعنفوان الشباب , بينما الآخرين قلقين من الشيخوخة والكبر والمرض والموت القادم لامحالة , حتى تدورالشاشة فيظهر لنا بنجامين الشاب الأنيق الجميل ( براد بت) وهو في عمر يتجاوز العشرين مرتديا الجاكيت والبنطلون الأبيضين , أنه ملائكي الطلعة , أنه اليوم مكتملا ناضجا فواحا , طريا , جذابا , مبتسما على الدوام , . ذهبت الشيخوخة منه , وجاءت الفتوّة والطراوة وشقاوة المراهقة والركض وراء النساء الجميلات , شئ لايصدق , رومانسية صارخة نشاهدها مع هذه المشاهد المثيرة والحزينة والمفرحة في نفس الوقت , إنها المشاهد التي تجعل منا في حالة من الجذل , في حالة من الذهول , وحالة من التحديق في وجه هذا الشاب الجميل الطلعة والذي كان بالأمس شيخا مسنا مقرفا عاجزا ومقعدا , تهربُ الناس من رائحة شيخوخته , بل ثقيلا على كل من يقرب منه . مشاهد تجعلنا ننسى مايدور حولنا أثناء متابعة الفلم الشيق منذ البداية حتى النهاية, مشاهد في غاية الرونق والجمال , مشاهد تجعلنا نحلم لو أنّ الحياة تعطف علينا وتجعل السنين تدور بالمعكوس , مشاهد تجعل منا نتأفف على مامضى من الشباب الذي لايعود , تجعل منا نطلق الحسرات على ما ألمّ بنا من ألم وحرقة ونحن نكبر يوما بعد يوم مودعين الفرحة والإبتسامة الشبابية والمشاكسات النزقة التي سوف تندثر لامحالة في يوم ما وتقبع في قبرها المظلم في هذه البقعة من الأرض . مشاهد التحوّل من الشيخوخة الى الشباب التي طرأت على بنجامين المسخ , تجعل منا ساذجين نتقبلُ فكرة الحلم المستحيل عن تلك الأقراص التي نستطيع أنْ نبتلعها فنرجع شبابا فرحين مغتبطين . هذا المولود المسخ لقد حقق حلم ورغبة الميكانيكي مخترع الساعة التي تدور بالمعكوس , الذي كان يحلم بأرجاع الزمن لكي يرى إبنه الفقيد في ريعان شبابه. هذا المسخ الذي يشبه رجلا قادما من القبر , يصبح في شبابه جميلا بهيا , ثم يكمل بقية الحياة من الشيخوخة حتى الطفولة الرضيعة , ثم الموت في حضن المرأة الحبيبة و الزوجة .
بنجامين الشاب الأنيق اليوم , المحبوب من كل النساء , الذي ودع الشيخوخة الى غير رجعة , يحن الى صديقة الطفولة كارولين , يسألُ عنها , يعرفُ عنوانها , يذهب اليها وهو في ذروة عنفوان الشباب الصارخ , حتما سوف تُعجب به كارولين , ولم لا وهو صديق الطفولة , حتما سوف تنذهل أمام الجمال هذا الذي كان شيخا هرماً , أو تنصدم لهول المفاجئة والمعجزة التي لايمكن تصديقها . يذهب بنجامين الى نادي تعليم الرقص حيث هي هناك ، كارولين الشهيرة اليوم والتي تسافر من بلدٍ الى آخر لكي تقدم عروضها الراقصة , يدخل المرقص فيراها من بعيد مع أحد الفتية من ذوي الدلال والبذخ , تصيبه الغيرة , يخرجُ من المرقص دون أنْ يراها , ينتظر خارجا , تخرج هي وتراه منتظراً حاملاً باقة من الورد , تتفاجأ هي لكونها غير مستعدة لهذا اللقاء دون سابق إنذار , كما وإنها لم تعرفه جيدا , أنه كان الطفل العجوز , الشيخ المسخ , الذي ودعته أيام طفولتها , حتى قدم نفسه اليها , وحدقت به كثيرا , فلاتصدق أنّ الواقف أمامها هو بنجامين , ياللهول , تعانقه بشدة, فرحة عارمة تهزّ كيانها , لكن صراخا من صديقها الشاب , كسرَ الموقف الرومانسي المذهل هذا , فأشعل نار الغيرة لدى بنجامين , أنه اليوم الشاب الغيور , شابُّ ترفُّ لايضاهى في الخلقةِ والخلق , أنه ذلك الفتى الناضج , و المفضل لدى جميع النساء , وسيمُّ , غيور , علاوة على كل ذلك , ثري جدا , حيث ورث من أبيه الحقيقي الذي تركه طفلاً رضيعا مسخاً على عتبةِ ناسٍ غرباء , أبوه الذي لم يصدق أنّ ابنه بهذه الطلعةِ البهية والشباب الحيوي , فأرسل اليه قبل أنْ يموت بداءِ عضال , أراد أنْ يكفّر عن ذنوبه إتجاه فلذةَ كبده , فترك له جميع ثروته . هكذا هي الحياة إذا أدبرت , جمالُّ , ثراءُّ , وحسناوات .
حينما يرى بنجامين حبيبة الطفولة كارولين مع صديقها , يرحلُ عنها حزيناً , غيورا , مقهورا , متأسفاً . هي الأخرى تتركه على مضض , لكنها تشعر بأنّ شئ قد حصل وهزّ كيانها . بعد سنينٍ يحصل لها حادثة تصادم , تجبرها على أنْ تترك عالم الرقص والشهرة , ترجع الى أهلها وذويها وأحياءها وذكريات بنجامين , أول شئ فعلته هو السؤال عن بنجامين , ذهبت الى منزله , فكان اللقاء الرهيب , هو كان منتظراً قدومها , وبدون ايةِ مقدماتٍ تعانقَ العاشقان , وكأنهما خلقا لبعضهما . لم يتعاتبا أبداً , تزوجا فوراً , عاشا الحياة الهانئة , أنجبوا إبنتهم الوحيدة . ثم تظهر لديهم مشكلة كبرى هزّت أركان مابنوه معاً من حب وحياة , وهي أنّ بنجامين بدأ بالصغر في عمره , وهي بدأت في الكبر , يصغر هو حتى يصبح في عمر المراهقة بينما هي في عمر يتجاوز الأربعين , هو لايستطيع صبرا على ذلك , مما يضطر الى هجرها والسفر الى الهند , لكي لايصبح عالة عليها , حيث يقول لها , بعد سنين قليلة سأكون طفلا صغيراً , فكيف لك أن تربينني , وتربين أبنتنا في نفس الوقت , أن هذا فوق طاقتك, ياللهول ماهذه التضحية وماهذا الحب الذي يعلو على القيم والمفاهيم ,  ينفصلا عن بعضهما ويذهب الى الهند . يرجع من الهند بعد مشوارٍ طويل , فيجدها قد تزوجت من رجلٍ طيبٍ .
بنجامين عاد اليها وهو في عمر المراهقة , تحن عليه , يمارسا الجنس خلسة , حيث هو المراهق  وهي المرأة العجوز التي تخجل أنْ تُريه ملامح جسدها الذي تجعّد بفعل الشيخوخة , فكان هذا آخر لقاءٍ جنسي بينهما .
هو يصغر الى عمر السابعة أو الخامسة , فيكون مشرداً في الشوارع , تعثر عليه الشرطة , لايعرف حتى أهله وزوجته وإبنته , يصاب بالزهايمر , ولكونه طفلاً فلايعرف من الذكرى شئ . الشرطة تجد في جيبه هويته الشخصية , فيستدلّون من خلالها على زوجته , فتأتيه , وتراه في عمر الخامسة في ملجأ للأحداث , لايتذكر منها أي شئ , تأسف عليه , فيصيبها الأسى والحزن . في آخر الفلم  نراه في عمر الرضاعة في حضن زوجته , دافئا , مسرورا , هانئاً , وبنظرات مبهمة , يبدو عليه بأنه قد عرفها , وهاهو اليوم يودع حبيبته وهو بين أحضانها غضاً غريرا , دون أنْ يعرف أنهُ ينتظر الموت بإغفاءةٍ أبدية , دون أنْ يعرف ماهو الشعور بالموت , دون أنْ يعرف ماهو وداع الأحبة والأبناء , إنها الميتة الجميلة ,الهادئة والرومانسية , أنها الميتة التي لاتشهد أي عذاب , إنها الميتة التي أراد الفلم أنْ يوصلها لنا . وينتهي الفلم مع هذه الميتة التي تشبه الولادة ,عكس ما نحنُ عليه حينما نموت في شيخوختنا معذبين من المرض أو من أشياء الحياة وتفاصيلها الثقيلة والمخيفة والغيبية التي توعدنا بعذابٍ أليم  .


هــاتف بشبــوش/عراق/دنمارك/20 / 11/2014


7
أدب / نصوص قصيرة (4)
« في: 09:51 16/11/2014  »

نصوص قصيرة (4)

هاتف بشبوش

مايُميزُ عاهراتُ الزمنِ القديمِ
أسنانهنّ الذهبية
أما ما يميزُ ساسةُ اليومِ
اللحى القذرة , الدجلُ , الخيانةُ
وصفاقةُ..... عصاباتِ السرقة
***********
هؤلاء البرلمانيونَ التافهونَ
كأنهم لاينفكوا أنْ يقولوا لنا:
إضربوا رؤوسَكم في الحائط
سوف لنْ تجدوا مافي السلّةِ
غير عنبٍ فاسدٍ
وأوراقِ توتٍ , أكلَ الزمنُ عليها
ومضى النازحونَ , خلفَ عفونتها
************
البراثنُ ستزولُ
مع الترتيبِ الهندوسي للعبادةِ
هكذا قالها إمامُ الخضرا

14/11/2014
/عراق/دنمارك

8
أدب / قصيدتــــــــان
« في: 22:02 16/10/2014  »


قصيدتــــــــان

هــاتف بشبوش


1ـ مؤذنُ الروكِ في تركيا

مادام لنا مؤذناً , يتأبط ُالأغاني
تحتَ أضواءِ الليل
فلا داعٍ لأنْ نقولَ , صباحَ الخيرِ كولومبس.
مادام لنا مؤذناً , يشرحُ مافي الصدور
فلابدّ أنْ يتوحدَ اللحنُ في الترتيل
بين داعشيٍ
وروزخونٍ
وراقصِ هيب هوب.
مادام لنا مؤذناً , يستطيعُ
أنْ يخلقَ التوليفة َ
بين الهرمونيكا وطبول النقشبند
فعلامَ هطولنا السحري
بين عترةِ أسلافنا , وتراويحِ العقيدة.

2ـ إلى صديقٍ كافر

كنْ مستعداً لحدوثِ الإعصارِ والفيضان
أو أي كارثةٍ أخرى
عندما يفنى الطعامُ , من أماكن النفاياتِ
وتنضب محطاتُ الغازِ
وتدبُ الفرقة ُ بين الناس , على حينِ غرةٍ
سيكونُ الحائلُ الوحيد , بين موتكَ والحياة
هو تصرفكَ أنتْ

عراق/دنمارك


9

قاسم والي ,عصيُّ على التفكيك, كقصيدةٍ في آخرِ الضوء (1)..

هــاتف بشبــوش
[/color][/u]

مشحونا ومتقداً , متوتراً وأسيراً, هكذا أجد نفسي حينما أتوغل في جوراسيات قاسم والي الشعرية , التي يتحاشى فيها القافية , والتي هي موضوعة بحثنا في ديوانه( قراطيس بألوان راية) , حيث أنني تناولتُ نثرياته الجميلة وتركتُ المقفّاة للمختصين , إنطلاقا من أنّ كبار الشعراء ورموز الشعر العالمي والعربي ( والت وايتمان , عزرا باوند , أدونيس , سعدي يوسف , محمد الماغوط) قد ركلوا القصيدة البيتية وبلا رجعة , علاوة على إرتفاع راية النثر وغزارة إنتاجها ونوعيتها في الأطار العالمي , إضافة الى العديد من فطاحل الحداثة الذين دأبوا على تنقية الشعر من الأكليشيهات البالية ونقدهم لكل ماهو موروث من التقاليد , ووضعه في خانة وجوب التغيير , حتى في المراسيم المقدسة لجنازة الميت . وبين هذي وتلك أنا أحترم كل الخيارات البوحية الناجمة من صميم القريحة الشعرية لدى الشعراء قاطبة .
عند الأطلاع على جماليات نصوص قاسم والي , وبعد كل صورة شعرية متوازنة وغنية بكلّ مايريده القارئ ,أرى بأنني لا أحتمل ماسوف يأتي من وراء ذلك الأرتباك الذي يصيبني من جراء الدهشة والأعجاب. قاسم يطير بجناحين , جناح القدرة اللغوية الفصيحة وجناح التخيل في صنع الفكرة المدهشة, مما جعله طائراً فحلا في فضاء الشعر. قاسم والي بعيد عن الذاتية التي تؤدي بالنتيجة الى اللاجدوى في رسم الصورة الحقيقية للشعر ووجدانيته , وإذا ماجاءت الذاتيه في نصوصه مرغماً عليها لامحبا , فأنه يتحدث فيها عن هو , انا , نحن , كما في قصيدة والت وايتمان الشاعر الأمريكي الشهير ( أغنية عن نفسي) التي يقول فيها  ( أنا والت وايتمان / في سني السابعة والثلاثين / وفي صحةٍ تامة / أنني أسير جنبا الى جنب / مع رؤياي / أنا شغوف بنفسي / أنا والت وايتمن / الكوكب / إبن مانهاتن , متمرد , بدين , حسي , أأكل , أشرب وأفشل / إنزعوا الأقفال عن الأبواب /هنا من الآن فصاعدا / لم يعد يهمني أي شئ / أنا موجود / كما انا وهذا كافٍ).... من مجموعة أوراق العشب ( 1819ـ 1855)  التي تُرجمت من قبل الشاعر الشيوعي الكبير سعدي يوسف . الشاعر قاسم حينما ينغمر في اللحظة الحاضرة فأنه ينغمر دائما , فما يحدث الآن يحدث دائما , وهذه الآن والهنا , تأتي وتذهب كل يوم . حينما أحدق بنصوصه , أراهُ كأنهُ يمشي الهوينى في رياضه الخلاّبة الخاصة به والتي سقاها من صميم قلبه . له عجائبه , رؤاه المذهلة , يستطرد بشكل سحري , وألغازه طريةُّ لاترهقنا البته , أنهُ شاعر الأناقة .
أرى في شعره إيعازات تدعو الى تجاوز الواقع , تجاوز الأسهابات والأطنابات , كما وأنّ الأستعارة والمجاز يشكلان كلاً من الماء والدم في جسم قصيدته التي لها إيقاعها اللفظي الذي يرن في آذاننا . أنها ليست تلك النصوص التي تنتمي الى سوق الخردة الشعرية , ولذلك لايمكن لها أنْ تسقط في يومٍ ما , أو أنْ تصبح أطلالاً وأنقاضا لاتباع ولاتشترى .
الشعرُ لدى قاسم , كأنه يأتي من لسانِ رسول , وماعدا ذلك كلها كلمات يمكن لنا أنْ نأتي بالبديل عنها , يمكن لنا تصريفها وتأويلها حسبما نشاء , الشعر لديه هو آخر مايمكن لنا أنْ نقوم بفك شيفرته وتعريفه للآخرين , ولايمكن لنا أن نطلق إسم الشعر على أية قطعة نراها ونقرأها , الشعرُ موهبة عصية ولايمكن لكل من أعلن فصاحته يستطيع أنْ يحترف الشعر , كما وأنّ الشعر هو كلمات ملحّنة وأكثر التعريفات الأخرى ميتافيزيقية وعرضة للدحض , ولذا جاء النص الأول من الديوان( الشعرُ آخرُ التعاريف)  للدلالة على مانقول.....

القليلُ من الحروف
الكثيرُ من البهجة
قوسُ المنجل
دائرةُ العجلة
صليب المطرقة
التوهج للتغلب على الحلكة المعقدة بالبساطةِ الأليفةِ
الكأسُ الفطرية...
هبةُ الآلهة
صالحة للمأدبة
لمواصلة التراتيل
لتحريك ألسنة الرسل

 النص أعلاه هو بداية مدخل الديوان والذي سبقه تعليق جميل للدكتور الناقد حسين سرمك , نص جاء بمفرده قبل أنْ نبدأ بنصوص القراطيس , في النص نرى هناك خلطة من كلمات دلاليّة وأخرى مادية , الدلاليّة( القليل من الحروف , الكثير من البهجة , التوهج, هبة الآلهة) , هي لتوسعة الذهنية لدى الفرد , وجعلها تصب في مايسير اليه مصير البشر المجهول , والمادية( قوس المنجل , صليب المطرقة , الكأس) . الدلالية والمادية تجتمع كلها كمصدر قوة لشعار الفرد والمجتمع , وهذه القوة تسير على إمتداد الطريق الذي رسمه كازانتزاكيس , طريق المسيح ولينين , طريق السماء والارض الذي يجمع بين الحرية والعدالة في روايته الشهيرة( المسيح يصلبُ من جديد) . كل هذه تجتمع لصناعة آخر التعاريف (النشيد الشعري) الذي ينطقه نبي الشعر , لأثارة الحماسة في الملاحم والبطولات كما في الأوديسة والألياذة .
ثم يبدأ الشاعر بعد النص الأول أعلاه بقراطيسه الأربع , وأولها قراطيسه الحمر نص ( عودة تموز من العالم العلوي) , نص يجبرنا على أنْ نلتفت برقابنا جيدا الى المعنى والتركيبة المذهلة , حيث أنّ المفروض تموز تعود من العالم السفلي , لكنّ هذا هو حال الشعراء في نقلاتهم المدهشة وتحفيزهم كي نحدّق في النص وندقق في المبتغى منه .  لنرّ ماذا يقول في إحمرار القرطاس المنقوع بدم التأريخ الماضي , على أرضٍ لم ترّ غير القتل الدوري على إمتداد الأزمنة التي تناكفت فيها الأعراب ثم الأحزاب والطوائف والقبائل والزمر , التي شكلت واقعا مريضا لم نشفَ منه حتى اليوم ........

ماعادت الأحلام والأصنام تستهويه ..أصبح كافراً جداً
ليصبحَ مسلما
لاتربكوه بداية الخطوات يخطوها
على جانبيه تشتبكُ القرى وقبائلُ الفقراء صارت
محزما
مترنحاً يمشي سيسقطُ ربما..لكنهُ سيقومُ تسقط (رّبما)

في زمن الكنيسة كانت تقرع الأجراس , ومن بعدها أهتدت زمرة صارخة في مأذنة الفنار المطلّة على ضفاف الجهل والغباء , فأدت الى ظهور الكثير من الأفكار المشاكسة والمضادة والتي إتخذت من العقل كمسار أساسي في إبداعاتها .
يسير الشاعر ,ولايهمه من الأمر شئ , إذ تتولّد الكثير من الأمكنة التي تتوهج حال إتقاد الذهن المشغول بفلسفة الحياة وأحلامها , يخطو عبر فصائل البشر والأمصار التي أصبحت سوراً مانعاً ,يحول دون أعانة الشاعر على الفضفضة التي ترّيح النفس الشاعرية الملهاة , فيلجأ حينها للتجديف , سواء إنْ كان مرغماً أو مخيراً , على طريقة علي الوردي الذي إتهم بالزندقة بسبب إنتقاده طقوسا دينية معينة , يؤديها الفقراء في مجتمعٍ ينخر فيه الجهل حد اللعنة , وهذا هو الأيمان بعينه (لاتلم الكافر في هذا الزمن الكافر/ فالجوع ابو الكفار/ مولاي! انا في صف الجوع الكافر/ مادام الصف الاخر يسجد من ثقل الأوزار ..... مظفر النواب).
, ورغم كل ذلك يبقى الشاعر على سجيته مترنحاً , مسترخيا بين الشعاب المختلفة التي يقطعها على مضض , هنا نستطيع أنْ نشم في النص رائحة الحداثة الحقيقية التي تتلاعب معنا بين شطري البيت الواحد , حيث أننا نجد أنفسنا في حالة إرتباك تام ومدخل الى الدهشة مرتين في آنٍ واحد , ( مترنحاً يمشي سيسقطُ ربما) هنا جملة ثبوتية وإنْ كانت غير مؤكدة بحكم نهايتها بربما , لكننا في الشطر الثاني نجد النفي من السقوط ( لكنه سيقوم تسقطُ ربما) , والذي جاء بلغة فنية ولغوية رائعة , وذلك بسقوط ربما التي قالها في الشطر الأول , هذا يعني أنه سيظلّ واقفا كما السنديان , فهذا الشطر خطّهُ الشاعر بمثابة حوازير شعرية , وقد أبدع وتوفق في ذلك . الشاعر لايتمشدقُ باليقين , يعلنها صراحة وبلا مواربة , لاتغرّه الحياة ولاتستهويه بكل تفاصيلها , ولذلك جاء النص ( الى من يهمهُ الأمر) ليعلن عن ماهيات الشاعر ودواخله الحقيقية .....

لاأريدُ أموالكم ولا جاهكم ولاشفاعتكم أمام الله
كبائري وصغائري.. أتحملها منفرداً
شبعتُ حياة أيضا فلاترهبوني منذ اللحظة
كجدّي أشربُ ماءَ النهر
وأتناولُ التمر
فهو لم يمت إلا عندما ماتَ
كانت حياتهُ حافلةً
لقد أعقبَ أبي

أشد مايمقته اليابانيون هو أنْ يكونوا بصحبة سائق وحارس شخصي وكثيرا ماترى الأغنياء يتنكرون كفقراء أنهم يكرهون الأوليجاركية , وهنا نرى الشاعر قاسم يفتخر بحياته على هذه الشاكلة , لايحب الشفاعة (كبائري وصغائري أتحملها منفردا) هذا يعني أنّ الأنسان هو سيد الكون المطاع , وسيد نفسه , كما وأنّ ثنائية الخير والشر تأتي من صنع الأنسان لا من الله , وهناك من التعابير التي تجعل من المبدع أنْ لايعتبر نفسه مخلوقا بل خالقاً . الشاعر قاسم لايحب الدنانير التي يضيع بين أوراقها الشرف الرفيع , مثلما ضاع عن سياسيينا الذين يدّعون الورع والتديّن وسرقوا أموالنا دفعةً واحدة , سرقات لم تحصل مثلها على يد العلمانيين ولا الملاحدة في تأريخ العراق الحديث والقديم  , إنهم يجسدون تلك الحكاية الظريفة (هناك دجاجة لدى صاحبها تبيض كل يوم بيضة ذهب , ففكر في أنْ يذبح الدجاجة ويأخذ الذهب مرةً واحدة ) ,أنه الطمع والجشع , الذي جعل من اللحى السياسية أنُ تكون على هذه الخطى البشعة.
الشاعر قاسم والي يجسد بأنّ هناك حالتين من الشعر لدى العرب هما الأخطل والجرير وهما يمثلان المال والثراء , ومن ثم عروة بن الورد والشنفري اللذان يمثلان الفقر والفقراء , وشاعرنا قاسم على خطى النخيل الباسق ومايعطيه من ثمرٍ لديمومة الحياة على بساطِ ريحها الذي يحمله متأرجحا بين الحياة والموت , فالنزعُ يأتي مرةً واحدة , فلاداعٍ أنْ يموت المرء الفَ ميتةٍ في اليوم , يمشي بخطواته لوحده راسخا كما محمود درويش( مـا دمتُ ـ أنا ـ معي .. أنا لستُ وحدي .. وإن حارتْ خُـطاي) . أنه يتحدث عن الأرهاب وفقه الأرهاب الذي بات اليوم يعطي الأدلّة والبراهين على السماحةِ في قتل البشر إعتمادا على ماجاء في الواحهم المقدسة التي لايمكن لنا مناقشتها أمام محكمة العقل. رغم ذلك نرى قاسم يعدو ولايغض الطرف عن ماهو خاطئ يعيق حالة التغيير في التقادم , ولذلك قال في الشذرة أدناه من نفس النص ..... .

أجسادنا الملقاة بلاترتيبٍ على مائدةِ الشركات
لن إستعطفَ الرفاقَ والآيات َوشيوخَ القبائل
فقلوبُهم الوجِلة ُتترقبُ الأنقضاض
يستطيعون أنْ يؤجلو فرحنَا
ولكنهم لنْ يغتالوا أحلامَنا

تنمو الحياة وتذبل حسب شجاعتنا , ولذلك , الأحلام لايمكن لها أنْ تموت عند سريرة النفس الكونية , أنها لاتُرتجى من الأولياء , أنها الوطن المنشود على مر العصور , أنها الأرض التي تزحف لها القبائل والطوائف , أنها التي تؤرق أدمغة الفتية اللذين لايردعهم وازع في سبيل نيل المستقبل الزاهر ,وتطبيق ماتقوله الأحلام , (الأنسان اله حين يحلم ولايكاد يكون شحاذا حين يفكر .. هولدرين) , ولذلك الشاعر راحَ يقول لنا في الأسطرأدناه من نفس النص ...

الفتياتُ والفتيانُ
سيشتبكون هنا غداً
كاشتباك العمائم والعقلُ والصلعاتُ اللامعةِ اليومَ
المستقبلُ لمن يتبقى مناّ
وسأكون على حق
ليس أبو العلاء على أيةِ حال

ستكون هناك الكثير من نظريات الجدل , صراع بين القديم والحديث , صراع بين العمائم وطاقية الشمس لدى الرجال والنساء عند السواحل العارية , بين لحية داعشيٍ قذر , وبين لحية جون لينون , بين الدشاديش القصيرة التي تكشفُ قبحهم , وبين المني جوب فوق أفخاذ ناستاسيا كنيسكي , بين اللطم على الصدور وبين نهدي نعومي كامبل , كل ذلك الصراع سينتهي عند بوابة المستقبل الداروينية (البقاء للأصلح , مقولة مشهورة للفيلسوف وعالم الأجتماع الأنكليزي هربرت سبنسر التي تبناها داروين من بعده في نظرية ...أصل الأنواع في الأختبار الطبيعي...أو نظرية النشوء والأرتقاء ) . الشاعر يقول ذلك دون إعلان اليقين الذي يؤدي الى بوابة أبي العلاء المعري في نبوءاته , لكن صميمه وهواجسه يهمسان في أذنيه بأن ّالأمم ستستغني عن الأكسباير لامحال , وبالتالي لايصح الاّ الصحيح , ولذلك كتب الشاعر تحفته أدناه في النص الجميل( هواجس).....

سأتغافلُ عن المحيطِ
المحيط الصاخب بالربيع المسلفن
سأهتمُّ فقط بخريفنا الساخن
لنْ أعرّج على مصراته
فهي بعيدةُّ بما يكفي عن مضاربِ طوائفنا
لن أهتمّ بدّوار اللؤلؤة
فالملكُ والرعيّةُ يبلونَ بلاءً حسناً


السخرية والتهكم , يطغيان على النص , إستهجان للأنظمة الرجعية العربية وما أصابها من الربيع العربي الذي أطاح بالعروش , لكنه ربيعُ ( مسلفن) أي أنه مُصدّر لنا من الأمبريالية القذرة , سخرية جاءت على غرار ماقاله سعدي يوسف ( الدجاجُ ، وحده ، سيقول : ربيعٌ عربي/ هل خلَتِ الساحةُ من طفلٍ ؟/ أعني هل خلت الساحةُ من شخصٍ يقول الحقَّ صُراحاً ؟/ أيّ ربيعٍ عربيّ هذا ؟/ نعرف تماماً أن أمراً صدرَ من دائرة أميركيّة معيّنةٍ / الفيسبوك يقود الثورة في بلدانٍ لا يملك الناس فيها أن يشتروا خبزَهم اليوميّ !) أنه ربيع لايمكن لنا أنْ نفتخر به , بم تتباهى الأمم , وهل يفتخر العراق بخلاصه من صدام المجرم على أيدي عتاة الأمبريالية , أم نفتخر بكلام المدلّسين الذين يرون أنّ الله سخر أمريكا لكي يتخلّص العراقيون من أقوى طاغية على مرّ العصور . في آخر الشذرة يقدم لنا الشاعر مايثير إشمئزازه من سوءات العرب وملوكهم ,الملوك الذين لديهم النساء الحسناوات مثل الحساب المصرفي . ثم يسترسل الشاعر في بوحه فيكشف لنا دمامل السلفيّة وعفونة أفعالهم كما في الشذرة أدناه..............


لم تعد تثيرني مشاهدةُ جلساتِ مجلس الشعب المصري
ولا آذانُ النائبِ السلفي لصلاةِ العصرِ

من الغريب أنْ يكابر المرء للأحتفاظ بأشياء وعلاقات لن تجلب له سوى الأسى , هو يصر للأحتفاظ بعلاقة فاشلة لأنه خائف من قدسية المكان , فمن الأفضل أنْ يبقى وحيداً على أمل إيجاد علاقة جديدة تمنحهُ الحب والأستمرار والأنعتاق من كل ماهو قادر على الترهيب . الشاعر قاسم لم يعد يكترث بترهات الأصوات المُلحّنة والمموسقة بشكل يثير القيئ , ولا بتلك الاستعراضات المنغلقة على نفسها قبل أكثر من الف عام ,التي ولّت وسحقت تحت مطارق المدنيّة المصرية , تحت ضربات مايريده العصر الحالي الذي لايمكن له الرجوع القهقري.
يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع في الجزء(2)

عراق/دنمارك

10
أدب / نصوص قصيرة (3)
« في: 22:19 27/08/2014  »
نصوص قصيرة (3)


إذا أردتَ رؤيا الدواعشَ
بأحساسٍ موجعٍ
عليكَ أحتمال السيف
*******
إذا أردتّ رؤيا قوسَ قزح
عليكَ إحتمال المطر
****************
في أفريقيا
الناسُ يموتون جوعاً
بينما في أمريكا
يتقيأون من التخمةِ
كي يأكلوا مرةً أخرى
*********
في جزر الكناري , وأمامَ منظراً خلاباً
قالَ لي , ألمانيُّ , رفيقُ رحلتي:
لمْ يولدْ منظرُّ قبيحُّ
أو طبيعةُّ بائسةُّ
الاّ بفعلِ البشرِ , والحاكمِ الطاغي
كما لم يولدْ مجرمُّ
الاّ بفعلِ الظروفِ والخياراتِ الخاطئةِ
و العقباتِ والرغباتِ الغير معروفةِ
أو الخيانةِ , والاصدقاءِ غير الجديرينَ بالثقةِ
وتدخّل الحياة
*********
لايمكننا أنْ نخلطَ
بين البرقِ والرماد
********
العالمُ عربةُ قطارٍ
مساحةُّ ضيقةُّ , وركابُّ كثيرون
*********
الحلمُ كالموج
يتحطمُ على الصخور
**********
أنا لستُ رملاً , كي تنفضني من رداءكَ
ولا رسالة ً تمزقها بعد القراءة
فلابد للحب , أنْ يجدَ هدفه
**********
حينما ينتشر
مرضُ العضالِ في الأطفال
فأنهُ ينتشر
مثل شجرةِ عيدِ الميلاد


هــاتف بشبوش/عراق/دنمارك





11


نجم عذوف , يخلعُ الصمت , عند إنكسار المدن(3)

الشمعة المخبولة الهادئة كانت تطرز وتضيئ أزقة السماوة وشاطئها الفراتي العذب كل يوم وعلى سنواتٍ طويلة , الشمعة هذه هي (مجيد المجنون) الذي مات وألهمَ الشاعر نجم عذوف في أنْ يسارع بعد موته ويكتب نصا عنه بعنوان ( إنكسار المدن) , ولم يكفيهِ النص , بل جعل ديوانه هذا يحمل عنوان (إنكسار المدن) وقد توفق في هذا الأختيار , كما وأنه أثابَ واستثاب كما يقولون  .
في هذا النص يعطينا الشاعر , رؤيا كونية واضحة , للروح الأنسانية الضائعة في الكون الشاسع , في العقل المجنون الذي يفقد السيطرة على مسلّته الدماغية , ولم يستطع تحديد المعرفة . في هذا النص نجد الدليل المعنوي لمناصرة الشاعر للناس المعدومين والفقراء , إضافة الى كونهِ قد أرّخ السماوة في هذا العنوان , حيث أنّ مجيد المجنون يمثل حقبة زمنية شهدت الكثير من مآسي الشعب العراقي منذ الستينيات وما مر به العراق من ويلات حتى وقت مماته قبل أكثر من عامين , حيث إنّ هذه الفترة هي المظلمة في حياة الشعب العراقي , في الكثير من جوانب الحياة , الفقر , والوضع السياسي والصراع بين الأحزاب اليسارية والقومية الشوفينية , إضافة الى التقاليد التي نهشت بالشعب العراقي ومنها التي أدت بمجيد أنْ يكون مجنونا , وهي حبه الى أحد بنات السماوة , ولم يحالفه الحظ بسبب فقره والتقاليد البالية وهو الوسيم الملقب بمجيد كابوي لطوله الفارع , وتصرفاته اليومية بتمثيله مشاهد أفلام الويسترن الشائعة نذاك . لنقرأ بداية نص ( إنكسار المدن)......

ماذا بقى لهلوساتنا لقد مات مجيد*
ولم يترك خلفه إرث قيصر
مات ولم يترك خلفه سماوات متأرجحة
أو معابد لآلهة حناؤها دم الضحايا
مات ولم يترك رقما للوحه الطيني على أسوار أوروك

مات مجيد ليس كسائر البشر , الذين يأتون ويذهبون في هذه الحياة دون أنْ يذكر شئ عنهم , بالرغم من كونه مجنونا , الأ أنّ مجيد ترك خلفه تأريخ من خلاله نستطيع أنْ نستدل على تلك الحقبة الزمنية , مات مجيد , ليس كما الذين سرقوا المال العام , أو بنوا ثرواتهم على حساب الآخرين , مات لايملك شيئا سوى الحالة التي وصل اليها والحالة التي كان يتمتع بها المجنون كونه كان يحفظ الكثير من الأشعار عن ظهر قلب , وليس بمقدوره أنْ يحفظ قطعةٍ نقديةٍ في جيبه الخاوي . هذا هو مجيد المجنون بلحيته الرمادية التي هي أجمل بكثير من لحى الدواعش القذرة . مجيد يكتفي في كل الفصول , ويقنع بالقليل ولن يتوسل بالمزيد أنْ يأتي , لقد كتب عنه الكثير من الأدباء في السماوة , ومنهم الروائي زيد الشهيد في روايته الأخيرة (تراجيديا مدينة) فيقول عنه في جانب من فصول الرواية ..( بدأ عشقه لأفلام الويسترن من فيلم (العربة الأخيرة )لكاري كوبر وفيلم ( الرجل من لارمي) لجيمس ستيوارت وكاثي أودونيل وبعده (القيادة ), لغي ماديسون وجوان ولدن , ثم تتالت مشاهداته وولعه حتى استحال الولع سلوكا يوميا ومشاهدات من باب الأدمان , ذلك أثار إنتباه الناس وقسّمهم الى قسمين , قسم يسخر من تصرفاته ويحسبها مثيرة للتفكه والضحك , وقسم يتأسى ويحزن لأنّ مثل هاتيك السلوكيات قد تسوقه نحو هاوية فقدان العقل ) , وبالفعل إنتهى مجيد حتى مماته مجنونا قرب مدرسة سومر , ممدا أمام سياجها العريض الذي كان يمثل فوقه أيام صباه , أحد أبطال الكاوبوي أمثال كلنت إيستوود وجون واين .

كان في عجد دبعن* تلتقي عشتار بدموزي
للأخصاب
لكن الآلهة السفلى وضعت حرسا سريا كي لاتتكاثر الطرق
إذاً من يسفح الدمع على إنكسار المدن العقيمة

مجيد يقال عنهُ كان عاشقا لأحد بنات الجيران , والتي بسببها أصبح هائما شاردا يشكو عدم الوصال الذي عذبه لسنين طويلة ثم بعدها تعطّلتْ خيوط عقله.هذه الحالة يزخر بها مجتمعنا كما قال مظفر النواب ( عراقي الهوى وشيمة فينا .. أنّ الهوى خبلُ) . هو دموزي زمانه وهي عشتار زمانها , وشاءت الآلهة أنْ يكون خبرهما على هذه الشاكلة وما من دمعٍ ينسال كي يخفف مما أصاب ذاكرة المدينة النائمة على هالة من التقاليد المؤلمة والتي تقف حجر عثرة بوجه من يعشق بكل جوانحه وكماله .

فبأي حزن تذكرني ..آه
أيتها الذاكرة المسورة بالخوف والألم
لا أملك صوت وطن لأقيم الصلاة على عينيه المتوقدتين
يامجيد* أيها المتشظي الى نصفي المجهول
من وسّد صراخك الأخير وأنت تبحث عن نصفك المفقود

هي الذاكرة التي يعيش عليها المرء , مهما طال به الزمن , لولا الذاكرة لما كانت هناك سعادة أو حزن , الذاكرة هي هوية المرء , وبفقدان مجيد لذاكرته , أصبح إنسانا لايمكن له أنْ يعرف هويته بسهولة , الذاكرة هي عمود خيمة الحياة ,وبدونها لايمكن أنْ نستدل على صبانا وخفة طفولتنا . ثم يعرّج الشاعر  بسطورِعزاءٍ الى مجيد , وماذا يفعل المرء غير التأسي والبكاء لفقده صديق أو قريب , أنها عادة يشترك فيها بني البشر على وجه الفسيحة , عدا الأختلاف في كيفية ممارسة الطقوس العزائية , لنقرأ السطور في القطعةِ أدناه .....

بجانب بيتي مقبرة
وقصائدي مقابر لموتانا
ووطني مقبرة
وأنا أعيش في مقبرة
ساوصد باب الترحال كي لايكون هناك إنتظارآخر

في هذه الثيمة يتكلم الشاعر عن نفسه في الواقع , حيث نعرف أنّ المقابر في أوربا هي في وسط المدينة وأحيانا بجانب البيوت كما حصل مع بيت الشاعر نجم , علاوة على أنّ الديوان ( إنكسار المدن) يحتوي على قصائد كثيرة كما أسلفنا مهداة الى أصدقاءه الذين وافاهم الأجل , هذا يعني أنّ القصيدة هي مقبرة أيضا , وطننا العراقي اليوم هو بمثابة مقبرة لكثرة الموت الذي يحصد العشرات يوميا . وبتعبير رمزي آخر مثير للتشاؤم أنّ العالم كله عبارة عن مقبرة كبيرةٍ لامتناهية . المقبرة هي رمز الموت والرحيل الأبدي , والموت أرّق وأقلقَ الكثير من الشعراء , ولذلك راحَ الشاعر نجم يكتب نصه ( إرجوحة القلق)...

جنازتي التي يصلي عليها المنفى
تشتري صبح صلاة الدفن
قرب أشجار الصنوبر/أيها الغائبون...الحاضرون
تعالوا نضمد جراح الأرض

الأرض تشتكي لكثرة مايتواجد عليها من مظالم , ومن جرائم ترتكب بحق البائسين والفقراء , الشاعر هنا رغم أرقهِ من الموت لكنه لايهتم للأرض التي سوف يدفنُ فيها , الشاعر يصرّح لنا أنه على خطى جيفارا الثائر الذي قال ((لايهمني أين ومتى ساموت , بقدر مايهمني أنْ يبقى الثوار يملئون العالم ضجيجا , كي لاينام العالم بثقله على أجساد الفقراء والبائسين والمظلومين) . دعوة الشاعر ( تعالوا نضمد جراح الارض) , هي صرخة ضد الطغيان , كلمة يراد منها التغيير والعبور الى الضفة الأخرى التي يجب أنْ يعيش فيها المرء بالهناء والسعادة , هي دعوة أممية الى التحشيد للخلاص مما يحصل في هذه الأرض من مظالم الأمبريالية العالمية التي سلبت الشعوب حقوقها .

ياصاحبي لانملك غير السعال المر وقمامة
الذكريات التي نقتات عليها
ياصاحبي نحن وقصائدنا لانملك غير رصيف البؤس
الذي يرقد تحت الشمس

 في الثيمة أعلاه نجد للشاعر تصريحا آخر , بأنه لايملك سوى قصائده , قصائده الخالدة, الساطعة كسطوع الشمس , هنا يوجه نداءه الى صاحبه , لكن النداء هو شمولي , نشتم فيه الكثير من الحيف الذي وقع على الشاعر, لكنه ليس بيديه زمام الأمر , أنه يشكو , يأن , يتألم , يتمنى لو أنّ الأرض تنجبُ ثائرا عظيما يستطيع أن يخلّص الفقراء وكلّ مَن ذاق القهر فوق الشوارع الميتة وتحت لهيب الشمس الحارق ( ثائرا كالأسد الكريم لا كالحمل , العالم يحتاج الى رب الجيوش , لا الى رب يصلب من جديد , نحن نريد الدينونة الأخيرة ( يوم الحساب ) هنا على الارض ........ كازانتزاكيس) .
نصّ آخر يتحدث فيه الشاعر عن الموت أيضا, حقاً أنّ هذا الديوان هو بمثابة مقبرة لكثرة مافيه من نصوص كتبت بحق أصدقاء الشاعر الذين وافاهم الأجل . لنرَ أدناه شذرة من شذرات نص ( نوافذ الخراب) بحق صديقه الراحل الشاعر والمسرحي (ناجي كاشي)...

أيتها البلاد لم تركبي الضياع
وأنّ تهمتك الكبرى هي الموت
كم توسلت الأرواح بالأنتظار المجهول
أنهُ الخراب الذي حل بالوجوه

 نجد في هذه الثيمة لحظات تشبه تلك التي يُحمل خلالها الميت لمغادرة البيت , الشاعر يتهم البلاد بكونها لاتحصد غير الموت , مثلما قال الشاعر العربي الكبير أدونيس ( أنّ العرب, ينامون ,يستيقظون , يأكلون , يشربون , يجلسون في المقاهي , يتحدثون , يشاهدون التلفاز , ولاهم لهم سوى لغة الموت)....

أيها الدهر .. أيتها الساعات  المحكومة بالزوال
من أجل البؤس .. خذوا معكم  مآسينا التي تنهشنا
عبثا أمسك بالزمن الذي يأتي بالفجيعة

أعلاه فلقة من النص , أنها عصارة ألم وحزن , أنها نوع من الترتيل الذاتي الذي يحاكي النفس دون دراية ولاقصدية , أنها تأتي على السجية نتيجة طفح الذات بما تحمله من أعباء يومية تراكمية , أنها الذات التي تريد إيقاف الزمن و إرجاعه الى ماكان عليه كي يلم شتات الأصدقاء والأحبة , لكنها كلها تذهب سدىً وما من إعانة على البلوى , أنهُ يبحث وحيدا كما نبتة الفطر وأنّ جميع أواصره بالعالم الخارجي قد إنخسفت  وقطّعت أوصالها .

أصغي الى روحي وأبكي حزنا على اصدقائي
هل لكم أنْ تقولوا لي كيف أستدل على أثر روحي
وأصدقائي يلفظون أنفاسهم
لا أثر يبقى سوى ذكرياتنا وحزن بقدر الكون

لن يبقى أثر من الأنسان سوى الذكريات التي تخط وشائجها على صفحات التأريخ الذي لايحمل في كل الأحوال غير العذابات , إذ أنّ السيرة الذاتية لبني البشر كلها تنطلي بين الويلات والحروب والكوارث , وعليه فأن الذاكرة دائما نجدها موسومة بالألم وألأوجاع . ذاكرة في كل صفحاتها تحلم أنْ يكون هناك معبر لأمان الأنسان , أنْ يكون هناك سمت أزلي يتكون من الافراح والسعادة , سماء تحمي تحتها الآدميين في حياة السلام والأمان , لكنّ الحلم يؤجل على أمل أنْ يكون هناك إنتظار آخر لتحقيق مايصبو اليه الأنسان المعذب على طول مسار الحياة ... ولذلك نجد الشاعر كتب نصه (أحلام مؤجلة) الى صديقه الراحل الشاعر( كمال سبتي) , الذي مات وهو في منتصف الحلم , مات ولم يكمل مشوار القصيدة , مات وكلّنا نبحث عن نهاية القصيدة التي تركها لنا كمال سبتي , نريد أنْ نجد مخرجا لقصيدته التي ماتت بين الأسطر , لكننا لانمسك سوى اللهاث وراء الحلم الذي قد تأجل الى الأبد , مات وتركنا في غاية الحزن , تركنا في مسار النهر الجاري الى الأبدية المغبرة , الأبدية التي تلوح لنا وكأنها وشاح أسود . وبين الحلم المؤجل والأبدية السوداء , ينشد لنا الشاعر نجم أحزانه التي تسري في عروقه كسريان النهر الجارف , حيث يكتب قصيدته ( أحزان النهر الضبابية) التي يهديها الى  أصدقاءه في المنفى  وصديق آخر ولكنه هذه المرة على قيد الحياة وهو الشاعر الشفيف ( سعد سباهي)..
مات الشرطي الذي كان يلاحقني عند البار
حقا
مدن غريبة الأطوار
سنوات مملوءة بالأندثار
لاجدوى أنْ نتخفى تحت الأناقات الكاذبة

في هذا النص يريد أنْ يوصل رسالة مفادها مثلما قال الشاعر رشدي العامل .. (لاتحزن/ أنّ الأوتار/حتى لو قطعتها سكين الجزار/ستظل تغني ..تحلم..تبكي..تضحك...ترقص..في قلب القيثار).
نص يحمل نكهة السياسة ورجال الأمن الذين كانوا يلاحقوننا ونحن في المقاهي والبارات أو الشوارع التي نبدو فيها في غاية أناقتنا , ولكننا من الداخل مزيفون , لانحمل سوى مخاوفنا , وحياتنا التي يسوّرها الضباب في جميع النواحي .
نجم عذوف في هذا الديوان قد أرّخ للكثير من الشخصيات الأدبية العراقية , الاّ أنه في نصه الأخير , يحدثنا عن شخصية قد قضت معظم سنين عمرها في الأغتراب , حتى أصبحتْ إنطولوجيا خاصة به , وهذه الشخصية هي( أبو حالوب) المعروف للقاصي والداني في سوريا وأغلب الظن مازال هناك في سوريا رغم كل الأحداث التي مرت وسوف تمر بسوريا , أنه صامد كالصخر لايمكن أنْ يتزحزح من مكانه , أنه هناك مثلما تجلس سيدة البحر على صخرة التحدي , تنتظر حبيبها المفقود منذ سنين في عباب البحر . أبو حالوب ينتظر الغائبين عن أرض الوطن , أنه مفتاح البريد لكل من يريد التعرف على أصدقاءه المختفين بين شعاب وطيّات أزمنة الدول . لنر مايقول الشاعر عن مالك الحزين أبو حالوب في قصيدته ( إنثولوجيا الأغتراب .....أبو حالوب)..

أبو حالوب أيها الكائن المكتظ بالنداءات
أرسِ مراكب الورق على الضفة المفجوعة
ونم كطفلٍ يطارد الرؤيا

نص نبيل  ورجولي بأمتياز , نص لايسعنا أنْ نقول على الشاعر سوى أنه مناصر لقضية ما , يروم أنْ يكون عراقنا بعيدا عن هاوية الألم , نص قادر أنْ يهز المهد كي تنام أطفالنا على أنغام الأنسام الصيفية مثلما كنا أيام زمان , نص مزدحم بكل الكتب والدواوين والأوراق والوصايا الشفوية , التي كان يحملها أبو حالوب من وإلى ألآخرين , نص يرسم عيون أبو حالوب تلك التي كانت تحدقُ في دروب وأزقة وحانات سوريا التي يطرقها الأدباء والمثقفون , أبو حالوب يحدق وينتظر ويحدق ويحدق دون ملل , حتى ينجز ماأوكل اليه من قبل ألآخرين , أنه مثال للمصداقية وحفظ الأمانات ,أنه شخصية لايمكن تكراراها عبر العصور الاّ ماندر .

كلمة بحق الشاعر.....
نجم عذوف له ستراتيجية في جميع نصوصه , نستطيع أنْ نرى المقطعية فيها بشكل ناصع , يقتنص الصور , ينتقي المفردات , ويجعلها جنبا الى جنب ومن خلالها نجده قادراً على أنْ يدهش القارئ . وأنا أستقرأ صفحات الديوان , إكتشفت أنّ نجم شاعراً وكاتب قصيدة على حد سواء , كما وأنني وجدت الأطر الموضوعاتية , والشكلية في كل قصائده تقريبا حتى الرمزية المركزة منها والتي يصعب فك شفرتها المهمة من قبل الناقد عند بعض مواقع النصوص . حينما أقرأ نصوص نجم أجدني أمام شاعرا صلبا وقويا غير مترهل , بعيد عن التكرار والملل . أجد هناك شجار مع النفس وعدم الرضا , ومن هذا الشجار والغيض مع النفس ينساق الشعر أنسياقا أعمى ولايجد له جدارا يرتطم به سوى الورق الصقيل , ( الشعرُ يأتي من عدم رضانا لأنفسنا كما قال الشاعر الايرلندي .... وليم بيتس) . نجم عذوف من خلال حبه ووفائه لأصدقائه يجسد ماقاله الفرد لورد نيسون والذي يقول (أنْ نحب أو نفقد من نحبه أفضل من أنْ لانحب) , أن نقيم علاقات ونحب أصدقاءنا ونكتوي بنار فراقهم هو الأفضل بكثير من أنْ نكون معزولين في الصوامع الموحشة.
 نجم عذوف يظهر أصدقاؤه الأدباء الذين وافاهم الأجل الى السطح , كي ينفخ فيهم الحياة من جديد , ويمنحهم فرصة العيش بين ظهرانينا, ويشيد بأصدقاءه الذين هم على قيد الحياة أيضا , حيث رأينا أغلبهم في الكثير من نصوصه (أبو تحسين , كزار حنتوس , قيس لفته مراد , رعد مطشر , نصيف الناصري في نص (ثمة أشياء تختزلُ الوسادة) , جبار الغزي , ناجي كاشي , كمال سبتي , سعد سباهي , أبو حالوب) .
حياة نجم عذوف تستمر بالديمومة والأصرار , رغم كونها تتمثل في المعاناة , فهي كما القصيدة التي نظمها دوروثي باركر ( حياة وسط الألم) والتي يقول فيها ( أمواس الحلاقة جارحة/ والأنهار نتنة/ والأمراض متعبة /والأدوية تسبب التشنج/ المسدسات غير قانونية/ ورائحة الغاز كريهة/ ومع ذلك نستطيع أنْ نعيش).

رابط الجزء الأول
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=423705
http://www.alnaked-aliraqi.net/article/23172.php
http://alakhbaar.org/home/2014/7/172477.html
رابط الجزء الثاني
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=424846
http://al-nnas.com/ARTICLE/HBashbosh/22z2.htm
هـــاتف بشبــوش/ عراق/دنمارك

12


نجم عذوف , يخلعُ الصمت , عند إنكسارِ المدن.....

هــــاتف بشبـــوش

يتسع خاطري لأخلاق أكثر ورؤيا وفائية أكثر حينما أقرأ نصوص نجم عذوف ,وعلى وجه الخصوص في ديوانه هذا مجال البحث ( إنكسار المدن) , الذي إحتوى على مئة وثلاثة عشر صفحة من القطع المتوسط , عن دار الضياء للطباعة والتصميم في النجف . نجم عذوف إبداع متقدم , ينغمر في اللحظة الحاضرة , وحركيات أشعاره التي يوصفها الآن , كأنما هي موصوفة دائما , يعطي لنا هلوسات عفوية إرتجالية ناتجة عن الحماس , يظهر لنا الطبيعة الأساسية للأزمنة , شكلُ قصيدته يختلف كثيرا عن شكل قصائد مجايليه , كل سطر لديه عباره عن نص قصير , لايستخدم واو العطف حينما يسترسل , الاّ في الضرورات القصوى , وهذه ميزة ينفرد بها الشاعر .الأيقاع واضح في جميع نصوصه , إذا كنا لم نر الأيقاع , لكننا نستطيع أنْ نحس به لفظيا,موسيقاه دقيقة تنسجم وقصيدة النثر , يستخدم الجمل التي لها وقع كبير في النطق , لايسهب , يتحذلق , يلمّح لنا اذا ماأراد أنْ يتنبأ في حدث ما , وحينما يكتب الموعظة , نجده غير متعالي , لايعرف التكلفة في بوحه, بل هو على سجيته الخالصة الطرية والنقية , لايغالي في شأن أناه ,بل يكتب بلغة الجماعة , مساواتي , متحرر , يسعى الى إقامة المجتمع الحر , تجاوزَ الحداثات الماضية ومنها الرومانسية , يكتب بحداثة القرن الطليعية , التي تنتقد الأخلاق المزيفة , والقوانين الجائرة , وخزعبلات الدين , وجميع اليقينيات , ينتقد التقاليد والأعراف , التي من شأنها أنْ تحط من مكانة الكائن البشري .
نجم عذوف يكتب بتركيز عالي , بل بالتركيز المهم في القصيدة كما يقول أكتافيو باث ( التركيز في القصيدة كثيرا ما ينجح في إختراق جدار الزمن ) . إبداعات نجم هي عبارة عن رؤية زمنية , تقودنا الى تتابعات خطية متقدمة , نستطيع من خلالها أنْ نسير نحو المستقبل الأوفر حظا . نجم يكتب بأسلوبه الوفائي المخلص لأصدقائه , أكثر نصوصه في الديوان مهداة الى أصدقائه , أنه يجسد الحب بكل أبعاده الأنسانية, والعاطفية , إضافة الى أنهُ يرى الحب ويسمعه , مثلما نقرأ لدانتي نجده يقدم لنا الحب بصفته شخصا وجوهرا متجسدا  لابصفته عاطفة , يعني أنه يمنح حب الأخوّة والصداقة مواصفات بشرية , وهذا إمتياز يخص النوادر من الشعراء . القصيدة الرمزية لنجم عذوف , هي شبيهة بتلك التي تكلّم عنها الشعراء الغربيون الكبار , والتي تظهر بها المسافة بين الكينونة والمعنى , والتي تحتاج الى تفسير عقلي لا تأملي كما في رؤية الأشياء , أنها الرمزية ذات الشفرة الأبيقورية , أو الرمزية التي يقول عنها دانتي (أنهُ لمن المحرج كثيرا للمتشاعر الذي يغلّف أفكاره بالمجازات أو الذي يلونها بالبلاغة , أنْ يعجز عن كشف أستارها , حين يطلب منه ذلك , لكي يعرف المرء معانيها الحقيقية ) , ولذلك فأنّ البوح الرمزي هو كتاب مقدس على الرغم من أنه يُقدَم على هيئة صور .
لابأس أنْ نلجأ الى التراث ولكن لانقف أو نتحسر عند حدوده بطريقة رومانسية حالمة في محاولة لجر ماضينا وتقاليده الى الحاضر الجامح في تفاصيل الحياة , الحاضر الذي بات مرسوما على شكل لوحة سوريالية غامضة, لايمكن أنْ نفهمها بكل سهولة , وفق الأحداث الجارية اليوم على الساحة السياسية والأجتماعية ومايشهده العالم من صراعات على كافة الأصعدة, كما أيام الحرب الباردة بين القطبين الرأسمالي والشيوعي.
العالم اليوم هو عالم مابعد الحداثة , سائر البشر يتصرف بشكل غريب ويختلف عن السنين التي عاشها على البساطة المعهودة , أنه اليوم يقتني الموبيليا والأفرشة والسجاد والنظارات والسيارة التي تتناسب ولون كلبه أو قطته , أنه عالم سريع ولايمكن للدقيقة التي قضيناها في مطعم أو كازينو , أنْ تشبه التي تليها , ربما هناك اختراع آخر نستطيع أنْ نسمعه أو نراه عبر التلفاز في تلك اللحظة , أنه العقل ورغباته هي الطاغية اليوم على الذوق الانساني وفي أكثر مجالات الحياة . ولذلك الشاعر قال في نصه الأول من الديوان ( رغبات العقل)......

سنواتي الثملة ترشفُ وجع
المقابر التي ترتجف من الوحدة
يامانح الأفق أشلاء الوجع اللاهث
إسكب تراتيل نهاراتك المتدلية بصراخ الشهوة

علي الوردي تكلم كثيرا عن العقل في كتابه الموسوم (مهزلة العقل البشري ), وماهيات السنوات التي مضت لاتشبه مانعيشه اليوم , أنها أوقات أشبه بأوقات الموتى في المقابر , أنها حياة الوحدة الأبدية الصامتة التي لاتتحرك ولاتتغير , ولايمكن لها أنْ تقفز عن حدود مجالها مطلقا , كما وإنّ الموت المخيف ,صحيحُّ أنهُ يجعلنا نرتعد من فهم هذه الحياة , لكنّ القلب يبقى نابضا في البحث , يستمع الى الصخب , الى الحداثة, الى العقل . .كما نرى في هذه الثيمة أدناه من نفس النص....

نشيد القلب يستمع الى تنهدات الصخب
النهر النزق يبكي سكون الموجة العائمة
الألم الذي إستلقى على شرفته الأبدية
لهلوسة السماء الندية , هو صوت الدم الأخير

القلب ينصت الى الجنون في كل شئ , في طريقة صنع الملابس , في تسريحة الشعر الغير منطقية , في الغناء الصارخ , الغناء الذي لانفهم منه سوى الحركات الصورية والوجوه اللامعة التي يظهربها الكثير من المطربين والمطربات العرب على الشاشات العربية , وعلى مستوى العالم ( الليدي كاكا ) المغنية الأمريكية الشهيرة,التي تتعامل مع الصرخة الآنية بسوريالية عالية جدا , والتي أخذت إسمها هذا من الكاتب الأمريكي الشهير هنري ميلر في رواية مدار السرطان .ورغم كل ذلك فأنّ الكون لازال تحت تأثير آلام البشرية التي تتفنن في إيجاد مايسئ إليها , وكأنّ الألم أخذ له مكانا في ألاعالي ولم نستطع الوصول اليه كي نسقط رايته ونرتاح . ولذلك توغل الشاعر كثيرا في هذا المضمار  كما نراه  في هذا المقطع الذي نقرأ فيه نوع من القوّة الآسرة..

رغبات السماء المكدسة  لاتعرف الهوادة
تجتث الفاجعة الكل لتقضي على الجزئي المتعدد
لن يشعر القلق المرتبك بالمجهول
مما نراه أو, نسمعه
لن تشعر الغيوم بوجود الأنهار
كلانا عالم يختبر الصدفة
عيشنا يعج بالتغيرات
ربما نشعر بالعالم الطبيعي

يقول أكتافيو باث ( القصيدة الرمزية , هي أرخبيل من الجزئيات ) الجزئيات التي لم تتصل بسلسلة كلامية , بل بالصمت والأيذان والألوان , والتتابع فيها صمتي وليس مغلق , كما وإنّ الممسات البديعة والرموز تتراكم في القصيدة الرمزية , وفيها يتم حذف السرد والتفاصيل .
الأنسان من خلال الحداثة إستطاع أنْ يرى خوارق العقل , وهي اللانهائيات , الدوامات الجديدة , التي تتقصى دهاليز الجحيم والفردوس , من خلال المخيال الخالد و اللامحدود للفن والشعر . في نص رغبات العقل , يجعلنا الشاعر نجم نبحث عن أوجه المقارنة , بين القرون الوسطى و الحديثة , بين الفضاءات المحدودة أنذاك , والفضاءات الشاسعة , التي كأنها تمتد الى عمق الأبدية , والتي نعيشها اليوم . كما وأننا نستطيع أنْ نمسك بأوضاعنا المأساوية , بشكل لم يخطر على بال أحد من البشرية , التي كانت تدب أنفاسها في العصور الوسيطة , والمتخلفة . الشاعر هنا يدين تلك الحقبة الزمنية التي حكمتها قوانين السماء والتي جلبت الويلات للشعوب حتى يومنا هذا , هناك مران طويل لدى الأبرشية في القتل(رغبات السماء المكدسة  لاتعرف الهوادة) . كل ذلك أدى بالأنسان أنْ يبقى في حالة من القلق , القلق ,الذي قال عنه علي ابن أبي طالب بأنه أعظم شئ في الوجود . هذه الترنيمة القلقية الدائمة تجعل الأنسان خائف من الغد وخصوصا في مجتمعاتنا الشرقية , يعيش حياة اللهاث بشكل دائمي حتى لو إمتلك الملايين من المال , على الرغم من كون المال هو السعادة الوحيدة التي يمكن لمسها , وهذا ناتج من طبيعة الحياة الأقتصادية التي يعيشها الفرد الشرقي , عكس مانراه في بلدان الغرب التي تتكفل بأعالة الأنسان من ميلاده حتى مماته , كما وأنّ الأنسان في شعوبنا لايعيش أيِ علاقة ترابطية ,مشتركة ومستقيمة مع أخيه الانسان , كتلك التي نجدها بين الغيوم والبحار , حيث أنّ كلاهما يستمدان الديمومة من ألآخر. الشاعر يبين لنا ذلك بطريقة الرمز كي يهرب من المباشرة , فيستشهد بالعلاقة التبادلية بين الغيمة والبحر التي هي مصدر الخير والارواء , وكذلك دورة الطبيعة الأزلية التي تحكم طقوسنا ومناخنا منذ ملايين السنين , كلّها تشكّل الجدلية الكائنة منذ ذلك الوقت عن علاقة الغيمة بالنهر أو المحيط وكيفيية سقوط الأمطار في هذه الدورة العجيبة في ظل الجغرافية المتنوعة , وأي خلل يحصل في أحد المكونات يؤدي بالتالي الى دمار هذه العلاقة الطبيعية المنفعية المدهشة , ولذلك هناك الكثير من الشعراء حين تسألهم عن مكان أوطانهم يقولون لك, هناك في تلك الغيوم التي لاتستقر في مدارٍ معين . إذن هي حالة يوضّح لنا الشاعر من خلالها عن تلك التراكمات للنزعات المثالية التي حكمت البشر , وحينما حصلَ فيها خللٍ بسيط , أدى الى بداية الصراع بين قوانين السماء والعلم وكل ماهو نير , بداية نشوء المبدعين الذين أثروا تلك الحقبات الزمنية المظلمة بفوانيسهم , كما وأنّ الأنسان بطبيعته يلجأ الى التغيير.
الشاعر نجم ومن خلال ماتقدم إستطاع أنْ يميز بين الخزعبلات التي جاءت بها قوى الظلام , وبين عقل الأنسان المنفتح على السموت الهادئة , فراح يرمي الى تأسيس المجتمع الحر الخالي من الطغيان كما نراه وهو يحدثنا عن الشخصية العراقية الشهيرة على مستوى العالم العربي والعالمي وهو ( أبو تحسين)  الذي إشتهر بنعاله الذي مزّق صورة الطاغية صدام حسين أثناء السقوط المدوي لبغداد على يد الأمريكان , كما نرى ذلك في نص( شحوب المرآة).

كان أبو تحسين يمسح جبهة نصب الحرية يوميا
يجوب أزقة البتاوين بصحبة عروة بن الورد
يوزع فرحا مؤجل
كان أبو تحسين حلاقا يمشط جدائل دجلة ويضع
الحناء على أطراف أصابعها
كان أبو تحسين يبيع المخلمة في كراج العلاوي
للخوذ المملوءة بالهم
كان أبو تحسين يغني في أفراح الفقراء المضاءة
في فوانيس العشق
كان يغني ويغني  .. ويغني حتى تسقط أكواخ العدومين
مغشيا عليها .

فيما يخص مفردة المرآة تستخدم لدى الشعراء والأدباء لماتحويه من تأويلات كثيرة , وما نتطرق اليه هنا هو الشحوب أو غبار الصورة , وأستطيع إيجازها عن طريق مشهد من فلم أمريكي من تمثيل براد بت زوج الممثلة الشهيرة أنجلينا جولي , براد بث هو بطل كاوبوي شجاع ومشهورعلى نطاق المقاطعة التي يعيش فيها , بعيد المنال من أعين السلطات , بطل يقوم بسرقة الأثرياء ويعطيها الى الفقراء على غرار روبن هود , لم يستطع أحد خداعه مهما كان ذكيا , ولم يستطع أحد النيل منه مهما كانت شجاعته , وفي مشهد من الفلم وفي أحد مهماته إختار إثنين من أقرباءه العاطلين عن العمل كي يعينهم في كسب قوتهم , لكنه لم يدرِ في خلده أنهم يكمنون له في صباحٍ مكفهر , يقف براد بت صباحا أمام صورة معلقة في الحائط لأطفاله وزوجته ويقوم بمحاكاتهم ووداعهم بطريقة محزنة للغاية , ويدير رأسه الىى مرآة البيت المعلقة أيضا , ويقول... مالي أرى الغبار عليكِ ليس كما عادتك , مالي أرى الضباب وشحوب عيني , أني أرى الصورة غير مكتملة, أني لاأستطيع أنْ أرى الحقيقة فيكِ كما سابق عهدكِ , أني أرى شيئاً سيحدث ,  وفي هذه اللحظةِ بالذات كان يقف خلفه أقرباءه الجبناء الذين وثق بهم , ويمطروه وابلاً من الرصاص غيلة ً وخيانة ويردوه قتيلاً , قتلوه طمعا بالجائزة التي وضعتها السلطات لقتله , لكنهم لقوا حتفهم بعد حين , أحدهم وهو الملقب بالغبي مات منتحراَ , نتيجة عقاب الضمير , والثاني الملقب بالجبان ظل ثملا على مدار السنتين لخوفه من شبح براد بث , قتله أحد المجرمين , الذي نذر نفسه لأخذ ثأر الشجاع براد بث .
الشاعر نجم هنا يحدثنا عن الغمامة التي تصيب أعيننا , أو غبار صورنا التي نراها ونحن أمام المرآة نستطلع مايجول في خواطرنا عن كثب أو ربما نستهزأ أحيانا ونحن ننظر أنفسنا بشكل مغاير , نرى الواقع المعكوس من مرايا أرواحنا لايستجيب مع ما نصبوا اليه , أو أننا أحيانا تأخذنا النرجسية كثيرا , فنأخذ الوقت الكثير لكي نستجلي الواقع بشكل أفضل ونحن أمام مرآة الروح .
أبو تحسين تلك الشخصية التي أفرزتها مرآة العراق الحقيقية , أخرجتها من بين الآف الصور الخزينة فيها ,  ومن صلب الواقع االفقير والمزري , تلك الشخصية التي أذهلت العالم أجمع من على شاشات التلفزة , ابو تحسين أراد أنْ يزرعَ الدفق في نفوسنا التي باتت ميتة من تراكمات الوضع المدمر أيام البعثيين . شخصية أبو تحسين هنا في ديوان الشاعر نجم , تتجلى في الكثير من الكادحين العراقيين , فنراه ذاك المناضل من أجل الحرية في أزقة البتاوين , أو هو الحلاق البسيط , أو البائع المتجول في كراج العلاوي , أو المطرب المغمور , الذي هو الآخر قد ذاق الويل من عدي صدام حين يدعوهم لأحياء حفلاته وهو يسخر منهم أيما سخرية , كل هؤلاء الفقراء هم عبارة عن أبي تحسين الذي إكتوى بنار البعثية وطغيان المجرم صدام حسين , فراح يصب جام غضبه بتلك الطريقة التي أراحت جميع العراقيين , أعطاهم الفرصة كي يتشمتون بصدام الطاغية الذي أذاقهم مر الهوان وها هو اليوم ذليل تحت نعال أبو تحسين . أبو تحسين لهُ من الشيم مايجعلهُ قريباً من الشاعر الصعلوك , الملقب عروة الصعاليك , عروةُ بن الورد . أبو تحسين أعطانا مصل التحريرلأنفسنا الذي سوف يقف حائلا بوجه أوجاعنا وما سوف نعانيه مستقبلا , كما نقرأ في الثيمة أدناه .....

كان أبو تحسين يجمع دمعنا في قارورة
لوردةٍ أصابها الجفاف

من الممكن سقي الورود الذابلة واليابسة أنساغها , ولكن ليس بأمكاننا أنْ نعيد لها  الحياة حتى لو فتحنا عليها أنهرا , هذا مافعله بنا صدام حسين ومافعله بنفسية الفرد العراقي التي أصابها الموت في كل شئ , ولايمكنْ لها أنْ تعيد نشاطها وحيويتها نحو الأفضل الآ بقدرة المستحيل .
أبو تحسين هو المؤاسي والمؤازر في آن واحد , أنه كان ينظر في عيون آلاف العراقيين وكأنه يقول (في قلبي الكثيرُ من الحكايا... بقدر البكاءِ المخبوءِ في عيون الأنام ) .ولذلك أراد ابو تحسين التنفيس عن العراقيين بتلك الفعلة العظيمة التي أثلجت قلب كل عراقي شريف وغيور على وطنه , أنه أعطى الديمومة من جديد لرئة العراقي الذي باتت عاجزة , أنه أفرحَ قلب كل إمرأةٍ ثكلى من الحرمان والترمل , أنه صرخ فينا مؤذنا , الوداع , لتلك الحقبة التي ولّت بلارجعة , مثلما نقرأُ أدناه ....

أيها العوسج مابالك تفضح السر المتراخي
إرجم ضوء الوداع وشبابيك الوحدة
فما زال أبو تحسين مئذنة في ركن منسي

الثورة يقوم بها الفقراء والمعدومين لكنّ اللصوص والمجرمين والخونة هم الذين يحصدون ثمارها , أما أمثال أبو تحسين قيبقون منسيين في تلك الزوايا التي لم تكن في الحسبان فهو الغائب الآن في أحد ديار كردستان يلوذ بالصمت وحيدا , أنه بحاجة الى رثاء أو مرثية خاصة بحقه , بأعتباره أحد الفوانيس العراقية التي تستحق الذكر , وقد تطرق الشاعر نجم الى الرثاء في ديوانه هذا في نصه الموسوم ( رثاء الفوانيس) والذي يخصّ به الشاعر الراحل كزار حنتوش....

ياكزار بن حنتوش
إتكأت على الديوانية
فكانت عصاك
التي لك فيها مآربُ أخرى
ذرفت دمعتك حينما عطش شط الديوانية
كي تستحم الضفاف
ثمة خوف يطارد الحزن البري
وينتهك الصمت المخيف

هنا إستطراد من قبل الشاعر بحق كزار بن حنتوش فجاءت في غاية الروعة , بدون تكلفة وبدون مواربة , أو ثناء فارغ , كزار حنتوش كان كارها شديدا للبعث . تترعرع في الديوانية وأعطاها الكثير مثلما كان له الكثير من الاصدقاء , لكن العراق وفي تلك الظروف القاسية تجعل من الصداقات كما يقول كزار حنتوش في أحد نصوصه ( أننا نغير الأصدقاء مثلما نغيّر أحذيتنا) . أنتهى الشاعر الطيب كزار مرميا على قارعة الحياة , إنتهى وكأنه ينشد ماقاله نيتشة ( إهرب ياصديقي الى عزلتك , لقد طالت إقامتك قرب الصعاليك والأدنياء , لاتقف حيث يصيبك أنتقامهم الدساس وقد أصبح كل همهم أنْ ينتقموا منك , فلاترفع يدك عليهم فأن عددهم لايحصى , وماقدر عليك أنْ تكون صيادا للحشرات , أنهم صغار أدنياء) .

في أزقة الجحيم البشري المقيت
المرايا المشلولة تشرب النبيذ الحزين وتتسلل الى الوحشة

كزار حنتوش شاعر ورجل نبيل , أنهُ يحمل خصلة من خصال السياب في بعض النواحي , أنه الشاعر الحزين والمتأسي منذ بداية مشواره الأدبي , أنه شاعر يحب الجمال والحرية ويحب الناس , وعلى طريقة السيّاب (أنا لستُ رجلا وسيما / أعرفُ حالي / فأنا القبح لكنني أحب الجمال) هذه كلمات بدر شاكرالسياب الى الأمريكي السائح في باريس والذي التقاه صدفة والذي أصبح كاتبا مشهورا فيما بعد ( هربربت ميسن) . وأيضا قال السياب( قوبلت بالرفض مرة اخرى بسبب إندفاعي وتهوري غير المحسوب لكنّ الحقيقة واضحة التي وقعت وراء كل ذلك .. المديح الغريب ..إني قبيح جدا)..هذه الكلمات قالها السياب ايضا الى نفس السائح الأمريكي , والتي تتعلق بالصحافية البلجيكية التي تركت السياب وهو يتحدث معها في باريس .
كزار حنتوش شاعر سكير, ضمآن دائم , لكنه مثل الصقور , مولع بالشعر والخمر ويسكر بكليهما . كزار كان يقضي سنوات عمره ثملا حتى مات عرقا . الشاعر الكبير سعدي يوسف قال ( كزار حنتوش قتله البعثيون عرقا) . ولكي يهرب من المجتمع المريض كان يلجأ الى المداوي وهو الخمر , على طريقة مظفرالنواب , أو حسين مردان . كزار حنتوش من خلال النص كان يريد أنْ يصل الى نقطة التساوي المطلق بين الوجود والعدم , كما كانت تفعلها بوذية ناغارجونا في الهند , والتي تؤمن بأنّ (الإنسان الذي يستقيم مع طبيعة الفراغ هذه , يستقيم مع كل الأشياء قاطبة , والشخص الذي لا يستقيم مع طبيعة الفراغ , لا يستقيم مع أي شيء) , الفراغ هو المسافة اللامحدودة بين الوجود واللاوجود .
يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع في الجزء الثاني


عراق/دنمارك



13
أدب / بعثيـــــــــون
« في: 14:45 22/06/2014  »

بعثيـــــــــون


هاتـف بشبـوش

بعثيــون...
أذا تكلّموا , تكلّموا لكماتْ
إذا تنفّسوا , تنفسوا رَفَساتْ
إذا شَهقوا , شَهقوا نّطَحاتْ
إذا تثائبوا
نفثوا العفن
إذا ضحكوا
إستهانوا
إذا صادقوا
غَدّروا
إذا عَشقوا
تركوها في الشوارعِ مجنونةً ً
كما المطربة , سهى البصري.
إذا صّفعوا
كسّروا الفكّين , كما صديقيَ مَنهل
إذا لوّحوا بأيديهم
أنذروا بالويلِ والثبورِ
إذا إحترمونا
أجلَسونا على الخوازيق
إذا أجبرونا على السجودِ لهم
نسينا السجودَ الى الله.
إذا إستغاثوا
إستدرَجوا للكمائن
كما فعلتْها العاهرةُ
لمفرزةِ الطب , في الفالوجةِ.
إذا سَعَلوا
سعَلوا مفخخاتٍ وناسفاتٍ
وداعشياتْ .
إذا تآمروا , حصَدوا
وإذا ركبوا القطارَ الأمريكي القذرِ!!!!!!!!
علينا أنْ نتركَ لهم
الماضي والحاضرَ والمستقبلَ
أنْ نعطيهم أعناقنا
ونأخذَ المناحة َوالمجاعة
أنْ نتركَ لهم
مراقصَ الغجر
ونحنُ نبقى في الكواليس
أنْ نعطيهم الآبارَ والنخيل
ولنا الحصى والرمالُ
سيكون التعذيبُ
حبنا الأولِ والأخيرِ
سيكون اللونُ الخاكي
أجملَ مافي أناقتنا
سنكونُ صراصيراً في الحرب
وهمُ الجنرالاتْ
وأخيراً...
سيصيبنا السلّ الرئوي
من القهرِ
ونقص ِالمناعةِ
وإلتهابِ الأخلاقِ
والتسمم , بالكحولِ المحلّي الفاسد

/عراق/دنمارك





14
أدب / فنجـــانُ حيدر
« في: 17:19 21/05/2014  »


فنجـــانُ حيدر

فنجانُّ , من بسيطِ البورسلين
ومن زخرفةٍ
أعدتْ من شغافٍ
تهطلُ صيرورتها عند الجلوسِ
إذا ماسالَ البنُّ , بغياب ليلى .
فنجانُّ..
تحرسهُ أناملُّ حمراء
تتواضعُ فيه الأفواهُ تلاقفاً
فيطيبُ لها أن تجعلَ أطرافَ الحديث , ناطقاً
بين مفرطِ السلوى , ورفقةٍ
تنزاحُ كثيراً
حتى خضمّ الافراح , في باحةِ مقهى فائق** .
فنجانُّ مرئي
لا يشبهُ صحناً, من العشاء الأخير
فنجانُّ...
يستطيعُ التنجيم , في ماوراء الخورنق والخضراء
يستطيعُ التنجيم , في عودةِ عوليس الى الديار
دونَ أذن الآلهة
فنجانُّ ...
يقرأُ طالعَ الشعراءِ والنسائم
فنجانُّ...
أثارَ في هشاشتي قوّة الاشياء
أثار في ذاكرتي وغبطتي .... عَبـَثي
وأنا أمسكُ فنجاناً , في مقهى أنطونيو باندرياس **
فنجانُّ...
تواعدَ , وإيقاعِ الثمانينَ عصراً لليسار
فنجانُّ بروليتاري
كما قالَ صديقيَ الشاعرُ السماويّ الكسولُ .
فنجانُّ...
رأى بعينيها أسرارَ المجانين
وهم يخبئونَ ما تصدّقهُ الأغاني
فنجانُّ...
لايَرى في الوداع الاخيرِ , قافية ًومعاني
فنجانُ...
لايؤرقُ الليلَ , ولايوهبُ العرشَ , ولا الأبراج
فنجانُّ...
يصبغُ مساءَ الرفقةِ , بوشاحِ السياسةِ والجدلِ المثير
فنجانُ...
لايستفيقُ أمامَ عينيها
ولاينامُ بين يديّ السحرِ والشعوذة
فنجانُّ...
يقرأُ القاعَ الطيني , لكلّ من جاء , بسلّةِ عنبٍ , أو صحنِ صنوبر
أو جاء هنا....
كي يبذرَ في قرارةِ الكونِ الدوّارِ في المقهى
دوحـةً ً ......الى الغصونِ المرهَفة


هاتف بشبوش/ أسبانيا/ تناريف

15
أدب / أقواسُ قُـُزَحٍ شيوعيّة
« في: 19:44 04/04/2014  »


أقواسُ قُـُزَحٍ شيوعيّة


                  الى الحزب الشيوعي العراقي في عيدهِ الثمانين
  
هاتـــف بشــــــبوش


على لوحِ الثمانين
لنكتبْ لكاسترو , لليسار في لاتين أمريكا
لشيوعييّ السماوةِ
في مقهى فائق

**********

في الثمانين
وعلى كل ضفيرةٍ , لصبيةٍ , يُرتجى لها
أنْ تتخطى الثمانين
وعلى كل ياقةٍ , لعجائز الثمانين
سأنثرُ عطرَ اليوـ زون ـ الباريسيّ
الذي أقتنيتهُ , كهديةٍ من إبنتيّ
في يومَ ميلاديَ الخامسِ والخمسين

***********

في الثمانين , سأقرأُ جذلاً
جريدةالثمانين

********

على جوادِ الثمانين
لنرفعَ راياتَ زباتا , الليندي , وفهد
وكلّ مسلاّت القديسين

*********

للمرّةِ الثمانين
أسمعُ صوتاً يهمسُ في أذني
ويناديني بحنانٍ مطلق

**********

مكافأتي
الثمانين

***********

حدائقُ الضمائرِ , التي شممتُ عبيرها
في منامي
ترحلُ مع المدنِ الفاضلة
ثم تعود
على أمواج الثمانين

***********

تحت كرمة ِ بستان الغربي
يرفعُ منجلَهُ اللامعِ
شامخاً
بعمرهِ الثمانين

***********

بحيرةُّ حمراء
قمرُّ يعكسُ ضوءاً أحمراً
فارسُّ بمهرتهِ الحمراء
كان يعدُّ نجوم الليل الحمراء
ولم يخطأ
حينما بلغَ الثمانين

**********

في الثمانين
 سنسيرُ والحشدُ الذي
لايمكن لهُ , أنْ يبتلعنا

**********

في الثمانين
نكونُ قد عبرنا سيلاً
من الويلاتِ الأبدية

***********

في الثمانين
 سوف يعلو صدى , خطى الشهداء
يلاحقوننا بأصرارهم
نراهم في أطيافنا يكدحون
مختبئين تحت الارض
مُعلّقين كالظلال

***********

في حضرةِ هذهِ الثمانين
وفي حمّى حفلُ الليلِ القادم
يعجبني
أنْ أرى رقصةَ الشيخ الشيوعي , الثمانيني :
جاسم الحلوائي

*************

ونحنُ في الثمانين
لم نشهدُ حتى اليومَ
فيلسوفاً
إستطاعَ أنْ يكذبَ كارل ماركس

 عراق/دنمارك




16
همنغـــواي ...كيلهورن



   
همنغواي كيلهورن , فلم من إنتاج 2012 من إخراج فيليب كاوفمان , وتمثيل كل من الممثل الاسمر الجذاب  كلايف أوين بدور الروائي الكبير والصحافي أرنست همنغواي أوالبابا حسب ماكان يلقبه أصدقاءه في ذلك الوقت نظرا لمحبتهم واحترامهم  لشخصه .  الممثل كلايف غالبا مايظهر في أدواره الوطنية المساندة للفقراء والجياع . الممثلة الاسترالية الشقراء الشديدة الجاذبية نيكول كيدمان بدور الصحافية الامريكية مارتا كيلهورن , الصادمة في جمالها وعنفوانها وطاقتها  .
الممثل كلايف أوين قبل تمثيله الدور ذهب بنفسه الى كوبا ليتعرف على المنزل الخاص لهمنغواي . يقول كلايف بأنه وجد آلة الطباعة نفسها لاتزال هناك التي كان يعمل عليها همنغواي في أسبانيا , وما تزال هناك ملابسه , والكثير من اشياءه التي ظلت تذكّر الاجيال بهذا الكاتب العظيم , الكاتب الذي أشتهر على نطاق واسع بين أمريكا وباريس وهافانا وأسبانيا .
وفي لقاء مع الممثلة نيكول كيدمان قالت بأنها كانت سعيدة في عملها هذا الذي اهدته الى الصحافية الامريكية ماري كولفن التي قتلت في سوريا في عام 2012 , لأن هناك تشابه بينها وبين الصحافية مارتا كيلهورن زوجة همنغواي .
الفلم يتناول حياة الكاتب الروائي الكبير همنغواي , في الحقبة الزمنية التي عاشها مع حبيبته وزوجته الثالثة الجميلة (مارثا كيلهورن) , والتي كانت السبب في طلاقه من زوجته الثانية الكاثوليكية المتعصبة للمسيحية والمحافظة في هذه الاصول , بينما همنغواي كان متحررا منفلتا , بل وملحدا  . همنغواي كان ملاكما وساحرا و زيرَ نساء , من النوع الذي لم يقلق على عمره الجنسي أبدا , لأنهُ على دراية تامة أنّ قدراته الجنسية تعتمد عليهنّ , ولاتعتمد عليه نفسه , هنّ يعرفنَ كيف يفعلنَ ذلك وماذا يفعلن .
صحافة , حرب , حب , هذه هي حياة همنغواي , في هذا الفلم الذي استمر لأكثر من ساعتين . بعض المشاهد حقيقية قد أضافها المخرج وباللون الرمادي لمشاهد الحرب التي أضفت على الفلم الكثير من الواقعية الساحرة . كيلهورن الصحافية تأتي باحثة عن همنغواي فتلتقيه في جزيرة كي ويست في بار صغير لصيادي الاسماك , حيث كان همنغواي صيادا بارعا وشجاعا وصبورا ومتحديا في تعامله مع البحر والتي أثمرت في نتاجه الادبي الشهير ( الشيخ والبحر) . في هذا البار الصغير تلتقي العيون التي تضمر الحب من أول نظرة لهما , يتبادلان الحديث وسط إندهاش الصيادين من كانوا في البار, للجمال الصارخ لهذي الانثى القادمة لرؤيا همنغواي ,  يتفقان على الرحيل الى أسبانيا للعمل كصحافيين أمريكيين لتغطية الاحداث من هناك, حيث الحرب الاهلية في زمن الدكتاتور الطاغية فرانكو . هناك وفي أسبانيا يمارسان أجمل أيام حياتهم , بما فيها عقد قرانهم , دمار الحرب ووقع القنابل المدوّية , وآلام الحب , والخصام , وشيطنات همنغواي , وسكره , حيث كان خمارا من الطراز الاول . فيلم فيه الكثير من المشاهد العاطفية المثيرة التي تعبر عن الحب الصارخ بين الزوجين , الذي صوره لنا الفلم في أعلى درجات غليانه وحرارته , وفي لقطة من الفلم يمارسان الجنس وقوفا بين الملابس المعلقة في محل للبيع , حيث يصور المخرج همنغواي وكأنه كريم الاسطوري الذي يلتقي بحبيبته بعد طول غياب , فيشق زيق صدرها فيحترق بنار شوقه .
في أسبانيا يتعرفان على المصور الاسباني الحربي روبرت كايا , والكاتب جون باسوس الذي يكون على خلاف كبير مع الكاتب أرنست همنغواي فيما بعد . وهناك يشتركان هو وزوجته مارتا كيلهورن في نار الحرب الاهلية والقصف , حتى أنهم مرة إنظموا الى صفوف المقاومة ضد فرانكوا , نظرا لقسوة الممارسات التي كان يمارسها فرانكو ضد الشعب الاسباني . همنغواي يعمل بشكل مستمر وبجهد كبير وأحيانا تذهب زوجته الى النوم وهو يظل يعمل حتى الصباح على آلة الطباعة وبشكلٍ غريب حيث أنه يعمل واقفا على هذه الآلة وهذه الحالة هي غير مسبوقة , فعادة ًالمرء يعمل على آلة الطباعة وهو جالسا مسترخيا . يعمل دون تعب ولا كلل . ذات مرةٍ يلتفت الى زوجته و يقول , هكذا يجب أن تنزفي على الورق في سبيل إيصال كلمة الثوار , ونقل أخبار الحرب والكتابة الروائية  . ظلّ ينزف وينزف حتى  أثمر رائعته الشهيرة ( لمن تقرع الاجراس) والتي صور فيها الحرب الاهلية الاسبانية في أروع صورها والتي أذيع صيتها بين الوطنيين أنذاك وحتى اليوم , وقد ترجمت الى كافة لغات العالم لأثارتها وروعتها , ومن منا لم يقرؤها .
هناك يتعرف على ضابط روسي وتنشب بينهم مشاجرة نظرا لأختلاف الرؤى عند الروس بخصوص الحرب ضد فرانكو , فيلعبان اللعبة الروسية الشهيرة لعبة الموت بواسطة المسدس ذي البكرات وهي لعبة التحدي , وينجوان من الموت وبعدها أصبحوا أصدقاء رائعين .
كيلهورن كانت دائما تترك همنغواي كثيرا لتغطية الاحداث في بعض البلدان ومنها حينما غزا الاتحاد السوفيتي فنلندا , وتذهب ايضا الى الصين حينما غزتها اليابان , وهناك تلتقي بشوان لاي السياسي الصيني أنذاك والثائر الذي أصبح رئيسا للوزراء بعد نجاح الثورة في عام 1949 , تلتقيه على أمل اللقاء بقائد الثورة  ماو تسي تونغ قائد الثوار أنذاك ومؤسس الحزب الشيوعي الصيني .
تنشأ خلافات بين همنغواي وكيلهورن حول العمل والنشر الصحافي , تتطور الى خلافات زوجية أدت الى انهيار العلاقة العاطفية المتأججة بينهما . الحب الطاغي بين الزوجين مثلما ارتفع الى ذروته بينهما , هبط الى الهاوية نتيجة الخلافات الهامشية التي حصلت ,ونتيجة التنافر واختلاف الرؤى , وتنتهي بالفراق الابدي قصة تعتبر من القصص الجميلة , لعلاقة عاطفية شهدها القرن العشرين , بين روائي شهير وصحافية شهيرة على مستوى عالمي أنذاك . يتزوج همنغواي للمرة الرابعة من إمرأة بسيطة غاية في الغباء وشتان فرق بينها وبين كيلهورن . همنغواي يصيبه المرض وهو في عمر الثانية والستين في بيت زوجته الرابعة , وينعزل عن العالم الخارجي والادبي والصحافي ويشعر بالعزلة القاتلة , ويشعر بنفسه وكأنه أصبح عالة على الآخرين , وهو الشجاع المثابر والدؤوب في تلك الايام الخوالي , لم يستطع الصبر على ذلك , لم تطاوعه نفسه في أن يستمر في هكذا حياة رتيبة , فيسحب البندقية المعلقة على حائط البيت ويطلق رصاصة في حلقه , وبها ينهي حياة كاتب صحافي وروائي عظيم قدم الكثير للعالم وللثوار أنذاك وقد حزن العالم على رحيله الرومانسي والتراجيدي .
في نهاية الفلم تظهر لنا زوجته كيلهورن وهي في عمر الشيخوخة وطاعنة في السن وبعد خمسة عشر عاما على رحيل زوجها همنغواي , تظهر وهي تحمل حقيبة العمل كمراسلة حربية , تدخن بشراهة , ويرتفع الدخان الكثيف الى آخر صومعته , وتنظر في المرآة وتردد بحسرة وألم كبيرين ( أن الذي يقتل الحب هو الملل) . يستمر المشهد معها أمام المرآة أيضا , تردد كلمات في غاية الحزن , كلمات تثير فينا الشجن والعَبرة التي تغص في البلعوم , كلمات فيها الكثير من الحب المشوّب مع من يريد أن يوصل رسالة عتاب وتحدي في نفس الوقت الى حبيبه , وما من حيلة لذلك , لأن الموت قد غيّب الحبيب الغالي تحت التراب , وما من وقت للاعتذار والعتاب , لكنها مازالت على حبها اليه رغم كل ماحصل , وكأنها تبكي على حب ضائع من المفترض أن لاينتهي تلك النهاية الحزينة . ترفع حقيبتها أستعدادا للذهاب للعمل كمراسلة حربية ايضا , وتظهر بوجهٍ كثير التجاعيد , وجه متحدي ومحب في نفس الوقت , تردد وتقول ( أنا هنا وما زلتُ أعمل أيها الوغد). وينتهي الفلم بمشهدٍ في غاية ٍ من الأسى والحزن , مشهد يثيرُ فينا التعاطف مع هكذا إمرأة , يثير فينا الأسف على نهاية علاقةٍ عاطفية كان من الممكن لها أن تسير نحو الابدية والمدى الاوسع  .

هــاتف بشبــوش/عراق/دنمارك






17
الفلمُ الامريكي ...يــدُ الله

يد الله , لها الكثير من التفاسير لدى رجال الدين , يد الله لدى رئيس هيئة علماء المسلمين في العالم يوسف القرضاوي , هي أمريكا , حيث يقول يوسف القرضاوي ,أنّ أمريكا هي يد الله في الارض والتي سوف تضرب قوات النصيري الكافر بشار الاسد وتخلّصنا من شروره . يد الله كما زعم الكثير من رجال الدين في العراق هي أمريكا أيضا , حينما شنّت هجومها على صدام الملعون بصواريخها وألقت حممها البركانية وقنابلها التي أحرقت الحرث والنسل , ولازال العراق يدفع ثمن هذه اليد المتمثلة بأمريكا , والى اليوم يسيل الدم العراقي وبشكل لم يشهده التأريخ على مر العصور . لاأدري لمَ تكون يد الله متمثلة بأقذر دولة في العالم كي تخلّصنا من الشرور الكامن في هذا الكون الفوضوي , لمّ لم تكن مثمثلة بسويسرا على سبيل المثال .
هذه الجدلية تجعلني أفكر بمقولة الكاتب والروائي البريطاني الشهير جورج أوريل ( لاأدري لماذا الاشرار أقوياء , والاخيار ضعفاء) .
يد الله موضوعة بحثنا هي عنوان فيلم أمريكي من تمثيل ( Bill Paxton  Mathew Maconaughey ,  Powers Both ,) وهو من أفلام الجريمة والدراما , إنتاج 2013 ,  الفلم يصوّر لنا مدى جريمة الأديان وإيغالها في القتل على طريقة الارهاب الديني الذي نراه اليوم في شعوبنا العربية ,  يتناول الفلم قصة رجلٍ توفت إمرأته وظلّ يعيش مع أبناءه الاثنين , أحدهم في عمر العاشرة ( فينتون) والآخر في عمر السابعة ( آدم), الأب هو صاحب ورشة لتصليح السيارات , الأب تأتيه موجة من الخيالات والسَرحان والارهاصات والشرود الذهني الى رؤيا الله , فتجعله يرتعش كما إرتعاشة الاولياء التي نقرأ عنها , هذه الموجات هي عبارة عن مس من الجنون والخّبل , فتظهر له أثناء البرق والرعد مثلا , ومع كل ومضة ٍوسناء نراه يرتعش و يتصور أنّ الله يتجلّى اليه من خلالها , يتصور أن هذه اللحظات هي مخصصة له كي يلتقي مع الخالق والملائكة , فيزداد إيمانه يوما بعد يوم بهذه الموجات الجنونية التي تأتيه بين الفينة والاخرى . في يوم وهو منطرح أسفل السيارة لغرض تصليحها , يرى صورة المسيح تتجلّى له على هيئة نور كثيف وشعاع شمسي يسطعُ في ناظريه وكأنه قادمُّ من السماء  .
يبدأ في الكلام مع نفسه عن سر هذا الشعاع والمسيح الذي يتجلّى له على هيئة نور كثيف , والسماء والملائكة المجنحة التي تراوده في فترات متقطعة , وكلها تتكرر حسب تكرار موجات الجنون العقلية . ثم تتطور هذه الخيالات الجنونية , فتجعلهُ يسمع نداءاً من الرب يأمرهُ أنْ يقوم بنشر دعوته هذه كما الأنبياء والرسل الآخرين . تزداد حالته النفسية ِ من سئٍ الى أسوأ ,  وتؤدي به موجات الخَبل , الى رغبة متعطشة للقتل والبطش بالآخرين , الذين هم حسب رأيه يجب أنْ يُقتلوا بأوامر من الله الذي يأتيه في الحلم والخيال واليقظة , ويأمرهُ بتأدية الواجب في قتل هؤلاء الناس والتخلص من براثنهم فهم لايستحقون الحياة , هم كافرون و فاسقون .
يبدأ الأب في التفكير بنشر دعوته هذه كما الأنبياء والرسل وكما نزلت عليهم الآيات والكتب , فقد نزل عليه هو الاخر هذا التصريح الذي أوكلهُ الرب اليه , في نشر دعوته هذه بين المقربين اليه وأولهم أبناءه . ثم يبدأ بعد ذلك في التفكير والتخطيط لقتل الناس الكفار بأمر من الله كما تراود له نفسهُ المريضة. يبدأ بوضع قائمة من الاسماء الذين يحقد عليهم لسبب ما, لغرض قتلهم , ثم يقوم بالجهر برسالته التي أوكلهُ الله بها فورا , لأنّ الامر لم يعد قابلاً للتأجيل , وإلاّ سوف ينال عقاب الرب وغضبه.
يقوم بنشر نبوءته ودعوته هذه بين أبناءه ( فينتون وآدم) . وفي البيت يتكلّم معهم عن الله , وقدرته, وكيف أنّ الله لايحب الشياطين في الارض لأنهم عاثوا بها فسادا , ويستمر في تعليمهم بهذه المفاهيم لعدة أيام وهم صغارا يستطيعون إستساغة الامر وتصديقه بسهولة فائقة , وخصوصا أنّ الامر قادم من أبيهم الأعز على قلوبهم . يصيبُ الاطفال الذعر من بعض القصص التي يرويها لهم , حتى يراودهم الذعر هذا في أحلامهم بين الفينة والاخرى , وفي يوم يفز الطفل الصغير( آدم) من نومه وهو يصرخ ويقول لقد رأيت الله يأ ابي , رأيتُ الله , رأيتُ الله , فيأخذه أبيه الى حضنه ويقول له , أنتَ ولد صالح يابني ولقد رضي الله عنك .
في يوم يقول الأب لأبناءه , توجبَ علينا نحن الثلاثة أنْ نقوم بما أمرنا الله به , حيث أنّ الله أرسل له قائمة من الناس الشياطين لقتلهم وبدون أي تأخير , وفي حالة عدم قتل هؤلاء  سوف تحل علينا اللعنة نحنُ الثلاثة . الطفل الكبير( فينتون) يبدأ بالشك في ما يقولهُ أباه ,  ويقول لأبيه انت يأ ابي قد جننت , لكن أباه يقول له أنتَ ولد عاق وسوف لن يرضى الله عنك, وسوف تنزل عليك لعنته , بينما الطفل الصغير( آدم) يؤيد أبيه نوعا ما فيما يقوله , خوفا منه تارة , وتارة كما يقولون  ( التعلم في الصغر كالنقش على الحجر) .
تبدأ سلسلة الجرائم التي يرتكبها الأب بمساعدة أبناءه , الذين كانوا مرغمين على ذلك خوفا من أبيهم.أول ضحاياه موظف بسيط كان الأب يحمل ضغينة له أيام زمان , وكانت أداة الجريمة بلطة نزلتْ على رأس الضحية فأردته قتيلا في الحال . يضعونه في السيارة ويأخذونه الى مقبرة خاصة لدفن الشياطين كما يزعم الأب , يأمر إبنيه أن يحفرا حفرة لدفن الشيطان ( الضحية), الطفل الكبير (فينتون) يصاب بالهستيرية , فيتذمر على أبيه , ويمتنع عن الحفر ,  يصرخ بوجه أبيه ويقول له , يتوجب عليك أنْ تجد طبيبا نفسيا لمعالجتك , فأنتَ مجنون ياأبي, مجنون , مجنوووووووون . لكنّ الطفل الصغير آدم يقول لأخيه الكبير ( لقد صليتُ من أجلك , لانك لاتؤمن بالرب ) , الأب يثني على ولده الصغير , ويناكف ولده الكبير , ويصلّي من أجله , لعل الله يهديه الى طريق الصواب .
تستمر سلسلة الجرائم بحق الناس الابرياء , كلهم ضحية رجل مجنون يدّعي أنه وكيل الله في الارض وجبَ عليه التخلّص منهم لكونهم شياطين  .
في يوم بينما الأب يأمر أبنه الكبير في حفر الحفرة لدفن أحد ضحاياه , يتمرد الطفل ( فينتون) , صارخاً بوجه أبيه , بعد إن ذاق ذرعاً بجنونه وأفعاله ( لقد كرهتُ الله , كرهتُ الله , وإذا كان الله هو هذا الذي يأمرنا بالقتل بهذه االطريقة البشعة , فأنا أحتقره , أنا لاأؤمن به , أنه هو الشرير , هو القاتل , أنا لا أحبه , لاأحبه ).   يغضب الأب على أبنه , وأوشك على أن يقتله, لأنهُ أصبح في نظره من أحد الشياطين الذين يتوجب قتلهم بأمر الرب , حتى أبنه لم يسلم من جنون نبوءته هذه . يهرب الطفل( فينتون) ,صارخاً بوجه أبيه (أيّ رب هذا الذي يأمر الآباء لقتل أبنائهم  ) . يذهب الطفل الى البوليس , ويخبرهم عن جنون أبيه وجرائمه, وعن قصة الرب ومقبرة الشياطين وعدد الضحايا الذين قتلهم أباه , لكن رجال البوليس يستخفون به لكونه طفلا , ربما يتكلم من نسج خياله , يصر الطفل على أقواله ,  يذهبُ رجل البوليس معه لكي يرى مايدعيه الطفل عن وجود هذه الجرائم والمقبرة التي يدفنون بها الضحايا . يلتقي رجل البوليس بالأب ويشرح له ماقاله إبنه , فينكر الأب كل هذه الافعال , لكن الطفل يسحب الشرطي ويريه أحد القبور التي حفروها تواً , فيتأكد الشرطي بأن الذي يقوله الطفل , حقيقة لاغبار عليها . الأب يجد نفسه وقد إنفضح أمره , فتأتيه موجة من الصاعقة الجنونية التي تجعله يرتعش مثل إرتعاشة الاولياء وهم في حالة الاتصال الفجائية بالرب , كما تصورها لنا الاساطير والخرافات . وفي غفلة من الشرطي يسحب الأب صيخا حديديا يسقطه على رأس الشرطي فينزل عليه كالصاعقة ويرديه قتيلاً. يأمر أبناءه بدفن الشرطي مع الضحايا الآخرين , وأثناء دفن الشرطي , الطفل الكبير يضيق صبراً بأبيه , فيقوم بسحب البندقية ويقتل أبيه على مضضٍ , وفي مشهدٍ مثير لللشفقة والتشفي في نفس الوقت , فيتخلّص منه ومن شروره ويخلّص الناس من جرائمه .
يبقى الطفلان حتى يكبرا , الطفل الكبير( فينتون) يظهر في مشهد من الفلم , شاب يافع يحب الموسيقى والغناء , شاب ترفُّ , ناعمُّ , يحب الناس جميعها . بينما الطفل الصغير ( آدم)  مجرم محترف قاتل , وأول من يقتلهم أخيه الكبير ( فينتون) , يقتله لأنه في نظرهِ ولد عاق , فاسق , وكان يفكر كيف أنّ والده لم يقتله كضحية للرب , مثلما أهدى نبي الله ابراهيم إبنه أسحق قرباناً للرب وتلك القصة المعروفة في الأديان السماوية , فيقتل أخيه الكبير بدمٍ بارد , لأنّ الله قد أمره بذلك . يستمر الفلم ليظهر لنا الطفل الصغير الذي كبر وهو في عمر الثلاثين , مجرماً قاتلاً , يظهر وكأنه قد ورثَ أبيه , ليكمل الرسالة في قتل الشياطين , وأنه مأمور من قبل الرب وأنه الولي وعليه تطهير الأرض من الشياطين الذين لايريدهم الله , أنه مجنون بالوراثة كما هو حال أبيه .
أنّ مايرديده صانعوا الفلم الرهيب , هو إيصال فكرة , كيف يكون القتل على أيدي رجال الدين , والأوصياء ووكلاء الرب في الارض , وعلى شاكلة التطهير العرقي (الجينوسايد ) الذي يحصل اليوم في جميع البلدان الاسلامية دون إستثناء , على أعتبار أنّ من يقتلونهم هم من الكفار والمرتدين وما شاكل ذلك. كما وأنّ الفلم يريد إيصال رسالة ثانية مفادها, أنّ الأولياء والأوصياء هم جميعهم مصابون بالامراض النفسية والعقلية ويتوجب علاجهم.
وفي لقطة أخيرة من الفلم , يظهر لنا ( آدم) الطفل الصغير الذي كبر , يظهر لنا وهو مدير قسم شرطة لوس أنجلوس ,وكأن الرب أوكل له مهمة القانون في التخلص من المجرمين , يَظهر لنا كما المجانين الذين يدعون العقل , بوجهٍ مريض نفسيا , حاله حال القتلة الذين نراهم اليوم على الشاشات العربية , الذين ينحرون ضحاياهم بالسيف وهم يكبرون , الله اكبر , الله اكبر , وينتهي الفلم بظهوره على الشاشة بوجه يجمع بين الملائكة والذئاب , يظهر متبركاً بالرب وهو يمسح بخرقةٍ آثار الدماء من كفيه عن جريمة أخرى ٍإرتكبها تواً وهو يردد ويقول ,,إرادة الله تم خدمتها  , إرادة الله تم خدمتها.


هــاتف بشبـــــوش/ عراق/دنمارك


18
أدب / الى روح فؤاد سالم
« في: 23:05 04/01/2014  »

الى روح فؤاد سالم


هاتــف بشبــوش


خريفُ ديسمبر , ينفضُ أوراقَ أغانينا
وموسيقانا تتوهجُ خافتة ً
في دمشقِ الحرب
أزمنةُ الابداعِ , تحملُ قربانَ الصوتِ
طيفُ اللحنِ يتباكى
كلما إشتعلتِ الكلماتُ , عند جحيمها
كلما غنّت , جدرانُ المسالخِ البشريةِ
ماجاءَ على لسان:
فهد
سلام
الحيدري
الخضري
حسن سريع
عايدة ياسين.
وكلّ ماأعطاهُ الفنانُ , لغاية اليومِ الواحد والعشرين
حتى لبسَ الرداءَ الأبيض
لأغنيتهِ الأخيرةِ والحزينة
********
الليلُ يطولُ , والجيتارُ يصرخُ فينا
زيدوني حباً
فبغيرِ الحب , يذويَ صوتي
وبدون الحب
لاتمتلئ السلالَ بالبرتقال
ولايعانقُ العاملُ , ريحَ الشمال
ولايضحكُ الحصادُ في البيادر.
زيدوني خبراً
عن الطيرِ الذاهب, الى أفلاكِ بلادي
عن آلامِ الشعرِ , وعن أوتارِ القمرِ البازغِ
على قبريَ الذي , سيغني صامتاً
.........
.........
الأيامُ تموتُ في الايقونات
اللوحاتُ سحرُّ يجرجرنا , نحو الحزن الرومانسي
لكنّ الغناءّ , عبرَ أشرطة المذياعِ والمقاهي
ذاكرةُّ صوتيةُّ , تدورُ في المدى الأزلي
تعلقُ في العيون ِ , خيوطَ الدمع
وفي القلوبِ , نسائمَ ضفائرها , وحبها المنسي
وفي النهارات
تعلّقُ الشوارعَ , مطارحَ المدن , وأعناقَ الورود
وكلّ كرنفالٍ , كان يصفقَ بحرارةٍ , الى ماغنـاهُ المغني
تصفرُ , كما قطاراتِ الليلِ عند وصولها
وتجيبُ تحت الشمس , وخلال الصدى: (فؤاد!)


عراق/دنمارك





19



حميد الحريزي بين قصيدتين , يلبسُ البياضَ بجيوبٍ فارغة.....

هاتف بشبوش

الشاعروالكاتب والناقد حميد الحريزي, رئيس تحرير مجلة الحرية , وعضو هيئة تحرير مجلة رؤيا ,شاعرمبدع في قصيدة النثر , شاعر تهكمي ساخر , كثيرا ما يتناول القضايا الحساسة , التي تهم المرحلة الراهنة , أنه يفضح المفسدين على الدوام بأسلوبه الفني مع الحفاظ على تقنية القصيدة , وبنيتها . يكتب بالاسلوب المباشر الذي لايحمل في طياته أي نوع من الغموض , قصيدته واضحة وضوح النجوم في لجة الليل الحالك . أنه يكتب وكأنما يريد أن يقول لنا أنّ القصيدة اليوم وفي ظل المرحلة الراهنة والعصيبة والتي إختلطت فيها الكثير من الأمور , تتطلب نص واضح يعالج مايريده الناس في ذات الاوان . القارئ اليوم لابد أن يقرأ من الشاعر نصوص بلا رموز أو شفرات وتعابير مجازية تأخذ الوقت منه كي يستطيع إدراكها ثم تحويلها الى أفعال على الساحة السياسية والاجتماعية , أو فيما يريده من خدمات معيشية وترفيهية تخصهُ بالصميم . ولذلك نرى الشاعر حميد الحريزي إستفهم  واستدرك الشارع العراقي الذي في الأساس مغلوب على أمره , فراح يكتب نصوص تهكمية واضحة , علاجية , فضّاحة لهؤلاء السياسيين المفضوحين في سرقاتهم ونهبهم لأموال وقوت شعبنا .
القصيدة المباشرة يستخدمها اليوم الكثير من الشعراء العراقيين وعلى رأسهم الشاعر الكبير سعدي يوسف , ولذلك نرى القراء ينتظرون بفارغ الصبر مايكتبه سعدي يوسف , على وجه الاخص ما يخرج منه من إبداعٍ نقدي لاذع , على غرار الكثير من قصائده الاخيرة , الاسلوب الذي يحمل الكثير من المعاني الجدية , وكأنها سيف قاطع لرقاب الكلمات التي تنطلق من الذين ظلمونا اليوم وراحوا يتمادون في ظلمهم للشعب العراقي , سعدي يوسف كتب الكثير من الدواوين التي حملت أشعاراً غامضة , ولكن على مايبدو أنه يفكر أنّ لكل مرحلة نهجها وطبيعتها وما تتطلبه المرحلة من صرخة عالية , نافذة , لايوقفها أي حاجز مهما كان , ولذلك جاءت قصيدته الأخيرة والتي أدت الى سحب الجائزة التي منحته إياها منظمة شعراء بلاحدود , جاءت تختلف إختلافا كليا عن جميع قصائده التي كتبها منذ نشوء أظفار الشعر لديه وما مر به من السجون والاضطهاد السياسي , حتى اليوم , أنها قصيدة جاءت نتيجة مايراه الشاعر من التغيير المتردي جدا والذي حل بشعوب بأكملها, شعوب تدعي الحضارة والاخلاق والشيم الأنسانية . ولذلك اليوم الشارع العراقي يحتاج الى شاعر يطلق سهامه التي لابد لها أن تصيب الهدف , لابد لها أن تصل الى عيون القارئ أو آذان السامع بأسرع مايمكن , والشاعر العراقي حميد الحريزي قد جسد بشكل جلي وشجاع مايريده القارئ العراقي بالذات , كأنه يستخدم إسلوب التكتيك المرحلي في الأدب لما تطلبه المرحله الراهنة مثلما يفعل اصحاب المبادئ النزيهة لتمشية مرحلة عصيبة قد تختلط فيها الكثير من الامور . هذا التكتيك يحتاجه الأديب في صنع كلماته وصب إبداعه , لعلاج أمراض التخلف والجهل الذي أصاب شرائحنا الاجتماعية نتيجة أفعال وجرائم من يحكموننا اليوم بالمسبحة والخرافات والأرهاب .
حميد الحريزي ينطلق من السوداوية التي عمت ولاتزال تعم شعبنا الخاسر والمضحي في هذا الدوران المدمر , السوداوية التي أوصلت حالنا الى هذا المآل المتردي . حميد يدخل في لجة الظلام الدامس الذي يشكل الدائرة المغلقة التي اغلقت ثقافاتنا عن طريق السرّاق والافاقين الذين جاءوا بعد سقوط الصنم , والذين هم على غرار مانشاهده في أفلام الممثل المصري عادل إمام , وهو يفضح الذين يدعون الورع والتقية , لكنهم في حقيقة أمرهم يخفون الكثير من الدهاء والشيطنة والاجرامية في داخل سراويلهم .
لذلك نرى شاعرنا الجميل كيف ينفض الغبار المغطي لوجوه الجهلة أوبعض الشياطين في نصهِ الموسوم............( لايعني) ....

أنْ
تلبسَ السواد
لا يعني
أنكَ حسينيًا
أنْ
 تكون حسينياً
يعني
أنْ يلبسَ قلبكَ
البياض
****
أنْ
 تشج رأسك
لا يعني
أنكَ تحب حسيناً
أنْ
تكون حسينينا
يعني
أنْ
تفرغَ رأسكَ من
الخرافات
*****

نجد هذه الكلمات في غاية الوضوح , مثل اللؤلؤ والمرجان الذي نراه بحوزة الاثرياء , لثمنه الباهض , لكنه في نفس الوقت يسر الناظر اليه , أي ناظر يكون , من كافة المستويات , وذلك لأصالته ونقاءه وبهاءه . ولذلك نرى الشاعر حميد وكأنه يكتب لنا بأسلوب السهل الممتنع , والذي يسر الناظر الى كلماته , مثلما كان الشعراء يكتبون لغرض تحفيز الهمم في الملاحم والبطولات , فما نقرأه في الالياذه والاوديسة ومؤلفات العديد من الكتاب الكبار في العصور السحيقة , كان واضحا لكنه لايخرج من كونه أدبا ملحميا وشعرا خالصا . لذلك شاعرنا حميد كتب فيما تتطلبه المرحلة الراهنة لفضح المدلّسين والمزيفين , فليس كل من لبس السواد هو إستطاع أن يرينا حزنه أو أحاسيسه الحقيقية على الحسين , كمثل الاحاسيس الصادقة للخنساء على أخيها صخر . كما وأن الشاعر يتطرق الى الممارسات التي تثير السخرية , ومنها شج الرأس بالسيف( التطبير) , لغرض الاعلان والاشهار بحب الحسين , هذه الممارسات جعلت منا شعوبا في منظور الفرجة أمام العالم المتحضر , العالم الذي إنطلق ليكتشف مافي بواطن السماوات الاخرى , العالم الذي أصبح اليوم تحت طائلة العلم والعلوم , لقد خرج العالم المتحضر من عباءة الخرافات والطوطمية التي كانت سائدة لدى الكثير من الامم , والتي كانت تحكمها ثقافة القطيع , التي أطلقها الكاتب الالماني ( نيتشة) على الفرد الذي لايجهد عقله في المواقف المستجدة , مثلما نقول نحن في المثل الشائع( حشرُّ مع الناس عيد). عليه يتوجب على مجتمعنا أن يستند الى التفسير العلمي للواقع , مع القليل من المعرفة والفكر الصافي ومع التجارب الحسية , سنفضح الدين كهراء خرافي , مع الاعتماد على العقل , لأن العقل هو بمثابة نبي الانسان , يعني هو النبي الذي يعلمني حين تتعطل ساعتنا نموت وتكون النهاية , فاذا لم تعمل الساعة ينبغي علينا إصلاحها .هذا يعني أننا نستطيع السيطرة على وسائل الانتاج , وعلاقات الانتاج , وبهذه الطريقة نستطيع أن نتخلّص من الظلم , الذي يُراد له أن يُرتكب , ذلك الظلم الذي هو نفسه وقع على الحسين وأصحابه . وبهذا نستطيع تحقيق العدالة في الارض بلا بكاء وعويل أو لطم على الصدور أو ضرب الزناجير على الظهور .
ثم يتطرق الشاعر الى تقليدٍ هو الآخر يثير الريبة والاستغراب كما نرى في نهاية النص....
أنْ
تقيم الولائم
لا يعني
أنكَ
انتصرت للحسين
أنْ
تنتصر للحسين
يعني
أنْ تنتمي لثورة
 الجياع

في هذه الثيمة يتطرق الشاعر الى مايقيمه العراقي في الطقوس المعروفة لدى القاصي والداني , العراقيون ميّالون الى حب التسلط والسلطة ( الكاتب العراقي باقر ياسين) , أي عمل أو خدمة تبيح له أن يمارس السلطة تراه يذهب اليها في سبيل حب الجاه والتباهي , فالكثير من هذه الولائم التي تقام في عاشوراء ليس حباً بالحسين ومقامه , وإنما في سبيل إظهار هذا اللون من التسلط , فنجد الكثير من الاثرياء والذين ليس لديهم أية روحية إيمانية يقومون بهذه الطقوس في سبيل التغرر بالآخرين وحرفهم عن معرفة ماهيته الحقيقية , فيغطي عن جميع عيوبه واستغلاله للناس وسرقتهم  ببمارسة هذه الطقوس التي تجعل منه وجها إجتماعيا معروفا في الورع والنبل , لكنه في الحقيقة غير ذلك . ولذلك نرى صاحب الوليمة يقف دائما مشمرا ساعديه أمام الجميع ويأمر أبنه على سبيل المثال أو يوجه أوامره الى ألآخرين الذين جاءوا لغرض المساعدة , على أن يوزعوا الطعام هنا وهناك, أو يأمرهم بزيادة شرائح اللحم على الصحون الى فلان وفلان , كأن يكونوا أصدقاء مثلا أو من طبقة الاثرياء على غراره , كي يبرز أمام الآخرين مدى قدرته على إصدار الاوامر وليس حبا بالحسين  ,كما وأنه عادة يقف دون أن يأكل مع الآخرين لا لغرض التعفف وإنما لأظهار التباهي في هذا اليوم النادر.  كما وأن هذا الشخص نفسه الذي يقيم الولائم للحسين  , لايمكن أن يلطم على الحسين مع عامة الناس الفقراء والبسطاء , بل أنه يقف دائما خلف الطابور الذي يقوم باللطم , وبملابسه الانيقة وبحركة بسيطة جدا يقوم بضرب كفه على صدره دون أية تكلفة , بينما البسيط الفقير تراه يفقد صوته ويبح في ذلك اليوم من كثرة الصياح والبكاء على الحسين واللطم على الصدور .لذلك نرى الشاعر حميد في نهاية النص يعلن صرخته الى الفقراء والجياع بأن يرفعوا شعارهم الدائمي بوجه الطاغية ..... ( إعطنا خبزنا كفاف يومنا) .
الشاعر حميد يصرخ مثلما علي الوردي حينما صرخ واتهم بالزندقة للاسف لكونه إنتقد الطقوس الدينية , إنتقد الفقهاء الذين صعّبوا الدين وجعلوه أصعب دين في العالم , إنتقد الخرافة التي أدت الى تجهيل الامة بكاملها , كما نقرأ ماقاله في هذه الابيات أدناه من نص ( نبيُّ من ورق) .......
كفاكم اجترارَ ألخرافةِ
لا أرى
في الجيوبِ سِوى
أنانّيةِ
متلونةٍ بلونِ عُملةِ العصرِ
لا معنى لما تَهرِفونَ
الحبُ
الأخوّةُ
الصَّداقةُ
الوفاءُ والرياءُ
بلا قيمةٍ أن لم تكنْ سلعاً

الشاعرحميد يصرخ لكي يضع حدا لتكرار الخرافة التي لاتهدي البشر والانسانية الى المآل المرتجى , أنه لايهادن , حتى وإن كان كلامه موجها الى من هم في الخطوط الحمراء إذا ما أردنا ذكرهم في الامور المعيبة , أو الاغراض التي لاترتقي لجعل الانسان في المقام الاعلى , بل أنها تجعل من الاخوّة والحب , والصداقة والوفاء , وكل القيم الانسانية التي يمتثل اليها الشرفاء , التي يضحي في سبيلها أصحاب المبادئ أمثال الشاعر حميد , تجعل منها سلعاَ يتداولها المتمرسون في الدهاء والنصب على الآخرين , تلك الصفات التي وصلت الينا على أنها من صفات الأنبياء والرسل , لكننا االيوم نراها على صورة مغايرة , بل أنها باتت تستخدم كسلاح يفتك بالبشرية , في عالمنا الذي بات عالما مظلما لكثرة مانراه من التدليس والرياء والتمثيل والضحك على الذقون , من قبل أولئك القبيحون الذين نقرأ عنهم في كل عصر , فلكل عصر مجرميه وشياطينه , وبوجوه يتراءى للناظر بأنها وجوه أنبياء لكنها تخفي الكثير من العفن في دواخلها  الشريرة , أنها وجوه ثعالب , وعلى المجتمعات أن لاتثق بمكر الثعالب كما قال الشاعر الكبير أحمد شوقي (برز الثعلبُ يوماً بثياب الواعظين ....يمشي في الارض يهدي ويسب الماكرين ...أنهم قالوا وخيرُ القولِ قولُ العارفين ...مخطئُّ من ظنّ يوما أنّ للثعلبِ دين ) .
ثم يعرج الشاعر الى قضية في غاية الاهمية , وهي النفخ في الكلمات النظرية , دون أنْ نعرف ماهي الجدوى من التبجح هذا , دون معرفة الواقع الفعلي , فالنظرية رمادية , لكن شجرة الحياة خضراء على الدوام . لنقرأ ماقالهُ الشاعر من نفس النص.....
الفصاحةُ
البلاغة ُ، بياناتُ الرفضِ
نصوصُ الأدبِ براغيثُ قمامة
((شيكاتُ بنكٍ)) أعلن إفلاسهْ
أو
قُرط ما سٍ
في إذنِ حمار

مهما جعلتم فارقا بين اللغة الدارجة والفصحى , ومهما تكلمتم بلغة فصيحة على طريقة سيبويه والمهمداني ,والحريري ونفطويه , فأنكم تتكلمون بلغوٍ باطل وقيود لافائدة منها . مهما تكون التعابير الرنانة والفصيحة والفاخرة التي يتلفظ بها المنتفعون في كل زمان وعصر , تبقى تعابير جوفاء , لاقيمة لها , لدى المتلقي , إذا لم تداوي أمراضه ومايعانيه من ظلم ٍوألم ,  أنها كمن يضع الاكسسوارات والحلى في آذان قرد أو حمار .
هناك من يريد ان يعلن أنّ المال هو القوة العظمى المسيطرة , ونحن نقول , لامناص من ذلك , لأن هذه المسألة هي المثيرة للجدل على مر العصور , كما وأنها هي التي رسّخت الصراع بين الطبقات المختلفة , لنرَ بوحَ الشاعر في هذه الثيمة أدناه ..........
  
تَحَّسسْ جيبَكَ
إذا أهديّ إليكَ سلامُ
تَحسَّسْ رأَسكَ
لو قَبلَّك أحدَهُمْ
خارجَ دار المجانينِ
*
وفِّرْ سلامَك
فَجيوبي فارغة
وفر قبلاتِكَ ، رقبتي لازالتْ مستعبدةَ
لم يعتقها سلطان المالِ

الناس تختلف في كافة المستويات , وتتحسس من أمور كثيرة وخصوصا في أمور المال ومدى الاحترام الذي يلقاه المرء في الشعوب التي ينخر بها الجهل والتخلف , ولذلك قالوا ,,رأيتُ الناس قد ذهبُ الى من له ذهبُ ,,,لكن هذه المهاترات لم نجد لها صدى يذكر لدى أصحاب الادب الرفيع , والقيم الانسانية , أو أولئك الذين شابوا على أن يعيشوا حياة الجيوب الفارغة , أو الذين يكفيهم قوتهم اليومي , أشبعني اليوم , وأجعني غدا , أنهم أولئك الذين يكفيهم السلام والامان , لايشترون أبدا المديح والثناء كما يفعل رجال الساسة اليوم ,الذين نراهم تحت سيف سلطان المال .
ثم يطلق الشاعر صيحته الاخرى عن الخرافة والجهل كما في الآتي من القصيدة ......
كفاكمُ
خرافةً
لا محلَّ من الإعجابِ
لغيرِ
المضافِ والمضافِ اليه.

الشاعر هنا أعطانا صورة واضحة ونداء الى كل من يريد أن يكون في دائرة العقل والامان بعيدا عن الجنون الثقافي , بعيدا عن كل ماهو طوباوي لايغني ولايسمن , بل نداءا لغرض جعل الامور في نصابها الصحيح القريب من العقلانية , البعيدة عن التلون والخبل المعرفي , فالعالم اليوم لايمكن أن يركن الى عجائب الخرافة التي لاتفيد في بناء حضارة بالمستوى المطلوب, لنرَ ماذا جاء في الابيات التالية ......
كفاكمُ
خرافةً
لا محلَّ من الإعجابِ
لغيرِ
المضافِ والمضافِ اليه.

يتطرق الشاعر الى أنّ المرء يحكمه ضميره الانساني , لا الفكر الذي ينتمي اليه , ولا الطائفة ومعتقداتها , ولا الدين الذي يعتنقه , حتى الملاحدة اليوم قال عنهم بابا الفاتيكان ( لستم مضطرين للايمان حتى تدخلوا الجنة , ضمائركم الانسانية كفيلة بادخالكم الجنة ) فهذا أعتراف ضمني أن الذي يردع الانسان عن فعل الشر هو ضميره لادينه . وهذه مانجدها في هذه الأسطر أدناه من نفس النص....

من أَمسكَ منكمُ
بالضمير؟؟
هل
يأكلُ؟؟
هل يزحفُ؟؟
هل يسبحُ
أو يطير؟ُ؟
بديناَ أو نحيفاً
غنيُّ أو فقيرُ
هل يسكنُ
الأُذينَ أو البطينَ؟؟
هل يَزُورُ الأَذانَ والعيونَ؟؟؟
من علمَّهُ السباحةَ في
الدموعِ؟؟
من أسكَنهُ في فتائلِ الشموعِ
يغادِرُ مساكنهُ بِلا أثرِ
يتبخرُّ تارةً
وتارةً
( يموعُ)
نرتجف ُخوفاً حينَ يغادرُ
فرداً
فما حالُنا وقد غادرَ الضميرُ
الجموعَ؟؟؟

لكنّ الشاعر يرجع مرة أخرى , ويشير إشارة واضحة , الى الضمير وغيابه عن القلوب في هذا الزمن الردئ , الزمن الذي لم نجد ولم نقرأ عنه في العصور السحيقة ولا الحديثة , ومما وصل اليه الضمير من تردي وقسوة . الشاعر يتسائل , ومن حقه , فمن لايسأل هم الاغبياء , هم ذوي العقول الجامدة , ولذلك يظل الشاعر هنا يستفسر عن أقوال الانبياء , وما أرادوه من البشر , لكنه لم يسمع سوى الصمت , لم يعثر على شئ سوى ما قرأه في الكتب , عن تلك المبادئ والاخلاق , التي هي اليوم مغايرة تماما , ولكن من يجرؤ ويقول , نريد صحوة الانبياء , نريد يقظتهم لما وصلت اليها الشعوب من قتل ودمار , ومن لم يستطع , على أقل تقدير , ليحرق ما قرأه نتيجة الحنق , نتيجة نفاذ الصبر , نتيجة الوصول الى الطريق االمؤدي الى  العدمية في كل شئ , وبذلك تؤدي به الامور  , أن يرتمي في  ثنايا القول ( أنها حبراً على ورق ) .... لنقرأ هذه التوضيحات في الدرّة الأخيرة من النص .....
نبيُّ العصرِ
صَمتَ ولم يُجِبْ
لم يعثرْ على الضميرِ في القلوبِ
فنامَ بينَ
أَحضان الكُتبِ
من يوقظهُ يموتُ
ومَنْ يحرقُ الحروفَ يصيرُ
((نبياً من ورق)) .......

في النهاية لايسعني سوى القول أنّ الشاعر حميد الحريزي هو موسيقى ماء دجلة العذب , وسمفونية ماءالفرات الغِريَني , هو كاتب الابيات الأشد صرخةً , شاعر يسجلَ بوحهِ الشعري مثلما قال الكبير نزار قباني , بأن الشعر حالة, يضعنا فيها الشاعر بعيدا عن إطار اللغة والبلاغة المعروفة , والقواعد المدوّنة .....شاعر يستطيع أن يأخذ المساحة الكبيرة من الحرية عندما يكتب النص . شاعر وكاتب قرر انْ يقوم برحلةٍ , والتي من المحتمل أن يرى فيها الكثير من الاهوال أثناء الطريق  , لكنه قرر أنْ يكتب حتى يصل النهاية . أنه شاعرُّ ومحرضُّ سياسي , وفنانُّ قادرُّ على أنْ يعمل أفضلُ الآشياء .




عراق/دانمارك

20


جميل صدقي الزهاوي شاعر العقل ومعري العصر....

هاتف بشبوش


في العاصمة بغداد بتأريخ 2/11/2013 حيث كنت وصديقي الخالدي في زيارة الى الأديب المتميز والنشيط الدؤوب , الشاعر الصديق والناطق الاعلامي لأتحاد الادباء , إبراهيم الخياط . قبل أن نصل الى إتحاد الادباء عرجنا على مقر الحزب الشيوعي العراقي الكائن في نفس المنطقة والذي يبعد بضعة أمتار من أتحاد الادباء , أدينا السلام والتحية على الحاضرين والمناضلين هناك وجلسنا بعضا من الوقت بعد الترحيب العالي من قبل الرائع جاسم أبو يسار وجميع العاملين هناك , رأينا صورة الشهيدين الغاليين وضاح عبد الامير والشهيد كامل شياع , أنهما حقا رمز التضحية والسفر نحو رياض الخلود . كانت لدينا رغبة شديدة في أن نلقي التحية والسلام على المناضل حميد مجيد موسى , أبوداود , فلم نحظى بلقاءه لأنه وللآسف كان في زيارة الى أربيل . ودعنا الشيوعيين وجميع العاملين هناك ونحن في سعادة لاتوصف.
في طريقنا الى إتحاد الأدباء الكائن قبالة مستشفى بن زايد , قلتُ لصديقي الخالدي الذي رافقني رحلتي هذه من الدنمارك , لنشرب الشاي العراقي على الماشي , فتوقفنا في زاوية حيث يقفُ فتىً يافعاًّ يبيع الشاي على السابلة . سألنا فتىً آخراً , إبن التاسعة عشرة كان واقفا بالقرب من بائع الشاي عن موقع إتحاد الأدباء بالتحديد , فأشار لنا أنْ هناك في تلك الزاوية التي إستطعنا أن نراها عن كثب , لكنه أردف قائلا , من هو الذي تسألون عنه ؟, فقلت له ونحن في خوف من أمرنا لكثرة مانسمع عن مايحصل في بغداد من النصب والأحتيال والقتل بشتى الطرق , فقلت له بعد تحفظٍ وتأني , نحن نبتغي إبراهيم الخياط , فقال مبتسما وواثقا من حاله , لايمكنكم أن ترونهُ الآن , فقلتُ ومن الذي أوحى اليك بذلك , فقال لديه محفل أدبي اليوم وبهذه الساعة بالتحديد , ثم ضحك مرة اخرى , فقلت ماالذي يضحكك ؟, فقال أنا أبنه , انا أبن ابراهيم الخياط , أنا حيدر , حدقتُ في وجهه فوجدت سيماء أييه على محيّاه , فقلتُ قافزا ً ياللمصادفة الرائعة , فضحكنا كثيرا لهذا الحظ الجميل والغريب في نفس الوقت والذي لايمكن أن يحصل إلاّ نادراً  , فعانقنا الشاب الودود إبن الشاعر الجميل والمبدع إبراهيم الخياط . أردنا أن ندفع الشاي , لكنه لم يقبل منا , وقال أنتم ضيوف أبي , وهذه أصول وعادات العراقيين , فشكرناه أيما شكر وذهبنا صوب الاتحاد بعد توديعه . وبالفعل وجدنا إبراهيم الخياط في إتحاد الأدباء في اللحظات الاخيرة , حيث كان يريد ان يشد الذهاب الى فندق بغداد حيث المحفل الأدبي هناك وهو من أحد المشرفين الرئيسيين في المحفل .  وبعد الترحيب الرائع من قبل الاستاذ الجميل إبراهيم الذي كان مستعجلا , قال لقد أتيتم في وقت مناسب جدا,  فقال هيا بنا الى قاعة فندق بغداد حيث يقام الآن محفل أدبي لرد الاعتبار للشاعر العراقي الكبير جميل صدقي الزهازي الذي لم يأخذ حقه بكونه أديبا ورائدا وفيلسوفا وشاعرا للعقل على المستوى العراقي والعربي في تلك الفترة المنصرمة .  أخذنا التاكسي من إتحاد الأدباء بأتجاه فندق بغداد , وفي الطريق قال الشاعر إبراهيم عن الوضع الامني في بغداد وبجملة مختصرة ( لاندري حينما نذهب في مشوار ما , هل سنرجع أم لا , لكثرة السيارات المفخخة والعبوات الناسفة والكواتم ) . حقا أن هؤلاء الرجال أمثال إبراهيم الخياط والكثيرين معه , حياتهم على كف عفريت . إنهم مواضبون على الدوام , ينذرون أنفسهم لأعلاء كلمة الحق والذود عن الوطن العزيز . وصلنا فندق بغداد وهو من الفنادق الفاخرة في العاصمة بغداد , أردنا أن ندفع أجرة التاكسي وبعد إصرار كبير لم نستطع أن نقنع الاستاذ الكريم إبراهيم بذلك , كما هو حال أبنه حيدر في إصراره على دفع الشاي  , فدفع الاجرة بنفسه وقدرها خمسة آلاف دينار عراقي  .
دخلنا الفندق فوجدنا العديد من الوجوه الادبية والسياسية المشرفة على المهرجان , والقادمين من أجل حضور هذا المحفل الجميل والمثير للغاية , ومن الصدف التي أسعدتني كثيرا هي رؤيتي الى الشاعرة القادمة من الحلة ( نضال القاضي) والتي كانت زميلة لي في جامعة السليمانية , إذ أننا لم نلتقي منذ اكثر من خمسة وثلاثين عاما , صدق من قال , عمر الشاقي باقي .
 نظرنا الى محتويات القاعة فوجدنا شعار المحفل بارزاً ( جميل صدقي الزهازي شاعر العقل ومعري العصر) مع لافتة أخرى كتب عليها من كلمات الشاعر الكبير الجواهري بحق الشاعر جميل صدقي الزهاوي والتي تقول( قم ياجميل ... ياحامي الادب العراقي ) ثم بدأ الحفل ..................
القائمين على المحفل كل من الكاتب والمحللل السياسي المعروف عبد المنعم الاعسم وإبراهيم الخياط وخيال الجواهري .
إفتتح المحفل المحلل السياسي والكاتب المعروف عبد المنعم الاعسم بكلمة ترحيبية هادئة كهدوءه المعروف لدى المشاهدين حينما يظهر على شاشات التلفاز , ثم قدّم لنا العازف والموسيقي ستار الناصر , الذي أتحفنا بأغنية من كلمات الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري , ثم أغنية للشاعر المعروف أبو القاسم الشابي ( إذا الشعب يوما أراد الحياة .. فلابد أن يستجيب القدر) , فكانت الحنجرة صداحة شجية تطرب النفوس وتثير الهمم .
ثم بعد ذلك قدم الاستاذ عبد المنعم وكيل وزير الثقافة الاستاذ الرائع فوزي الاتروشي ليلقي كلمة وزارة الثقافة بحق الشاعر العراقي الكبير جميل صدقي الزهاوي . بعد إنتهاء كلمة فوزي الاتروشي تقدم الى المنصة الشاعر الكبير إبراهيم الخياط ليلقي علينا بعض من أشعار الزهاوي ومنها قصيدة (سليل القرد) والتي يؤيد فيها الزهاوي نظرية النشوء والارتقاء لداروين على انّ القرد هو أصل الانسان , القصيدة أضحكت الحاضرين لما فيها من شدة السخرية والتهكم ,  وأدناه بعض من أبياتها :
عاش القردُ في الغاب دهرًا طويلا
قبل أن يلقى للرقي سبيلا
ولد القرد قبل مليون عام
بشرًا فارتقى قليلًا قليلا
أي شيء ألم بالقرد حتى
هجر الغاب نجله والعتيلا
إنه لولا العقل كان ضعيفًا
وعليه الحياة عبثًا ثقيلا
وعلى رجليه مشى بعد أن سار
على أربع زمانًا طويلا.
.......
يا له من تطور حوَّل القرد
لإنسان يحسن التخييلا
ثم قدمت لنا المبدعة خيال الجواهري الكاتب الكبير الذي ناهز الثمانين من عمره الاديب عبد الحميد الرشيدي وهو يتكأ على عصاه , وقد شرح موجز حياة الزهاوي ونضاله الادبي والسياسي .  الزهاوي هو من أصل كردي ومن عائلة إيرانية كانت تسكن منطقة زهاب , ومن عادة الكرد حينما يتكلمون يقلبون الباء الى واو  وقد أصبحت زهاب تلفظ زهاو , ولذلك لقب الشاعر الكبير بالزهاوي . وقد ذكر الرشيدي ماقاله الزهاوي ( عش هكذا في علواء أيها العلمُ) , هذا الكلام ينم عن أن الوطنية وحب العراق في ذلك الوقت هما اللذان يسكنان قلب الشاعر والمناضل , هما الهوية التي يتحلّى بها كل عراقي غيور يريد أن يدافع على وحدة بلده من التشرذم , بينما اليوم نرى المحسوبيات والعشيرة والطائفة تنخر في الجسد العراقي وما أتت به الاحزاب المتأسلمة من تفرقة ومغالاة في تطبيق الشريعة والدين مما أدت الى ظهور الارهاب الذي يفتك بالعراقيين قتلا وتشريدا وتهجيرا .
تطرق الاديب الكبير عبد الحميد الرشيدي الى روح الدعابة والنكتة التي كان يتحلّى بها الزهاوي ومنها حيث يقول( إذا حيا الانسان في الحياة لاقى منكراً .... وإذا مات لاقى منكراً ونكيرا) . الزهاوي كان مدخنا شرها وفي موقف له , اذ كان ينتظر شاعر الهند الكبير رابندرنات طاغور في باب المعظم , كان يدخن سيكارة تلو الاخرى دون أن يشعل الكبريت وقد تجاوز في انتظاره ذلك على الثلاثين سيكارة كما مبين من أعقاب السكائر في الصورة التي أخذت له في ذلك الوقت وهو ينتظر طاغور.
أما عن الحياة السياسية للزهاوي فهناك من يزعم ويتهم الزهاوي بأنه كان عميلا للاحتلال وذليلا لهم , ومتملقا , بينما هذا الكلام هو مجافٍ للحقيقة  , وإنما كان يفعل ذلك بتقربه الى الاحتلال , لدرء الخطر عن أبناء جلدته كما فعل قبله الكثير من الادباء .
تخلّلَ المحفل بين فترة وأخرى قيام الشاعر الكبير إبراهيم الخياط الى المنصة لقراءة بعض أشعار الزهاوي
وقد كانت من الاشعار الرائعة التي كانت تزخر في تلك الايام وتثير الحماس في قلوب العراقيين على إختلاف مشاربهم .
ثم قدم لنا الكاتب عبد المنعم الاعسم رئيس دائرة المسرح العراقي شفيق المهدي , وقد تكلم بموجز عن حياة الزهاوي , لكنه أغنى المحفل حول ما يتعرض له الكتاب العلمانيين اليوم من تهديد , لما تحتويه كتاباتهم رفضا للسياسات المتبعة من قبل الاحزاب والكتل السياسية الطائفية التي أوصلت البلد الى هذا الوحل , والسرقات من قبل الشخصيات والمسؤولين والاحزاب الحاكمة , التي لم يشهد لها مثيل , لا في التأريخ العراقي الحديث ولا القديم.
في نهاية الحفل وزعت الجوائز من قبل الاستاذ وكيل وزارة الثقافة فوزي الاتروشي على الشعراء والمبدعين العراقيين ومنهم :
*الشاعر الكبير محمد آل ياسين
*الشاعر كاظم الحجاج
*الشاعر عبد الزهرة الزهوي
*الشاعر موفق محمد
*الشاعر شيركو بيكص
*الشاعرة نضال القاضي
*الشاعرة نجاة عبداللة
وقد أختتم الحفل من قبل الكاتب عبد المنعم الاعسم  في تقديمه الشكر والامتنان للحاضرين على أمل اللقاء في محافل أخرى لأحياء الكثير من القامات الادبية العراقية التي قدمت الغالي والنفيس لعراقنا الجريح لغاية هذا اليوم  .
 في نهاية المحفل تناولنا المعجنات والشاي والعصائر , تخللها الحديث بين الجميع , والتعارف واتباع البروتوكولات في هكذا محافل . بينما أتناول الشاي جائني الاديب الكبير إبراهيم الخياط حاملا صحنا من المعجنات , وسألني فيما إذا كنا قد إرتحنا وأرحنا , ثم اردف قائلا , أنني قد نسيت أن أٌقرا قصيدة الزهاوي الشهيرة ( مزقي ياإبنة العراق الحجابا........أسفري فالحياة تبغي إنقلابا) , فقلتُ له بادياً رأيي في ذلك , ليس مهما أن تقرأ قصيدة كلنا نعرفها ونحفظها عن ظهر قلب , ولو قرأتها , فأنها سوف لن تثير أنتباهنا وذهولنا مثلما أثارت ذهولنا وأنتباهنا قصيدة (سليل القرد) ,,فأجاب لقد أصبت ياهاتف في ذلك وأرحتني في هذا الالتفاتة الجديرة بالاحترام . إنتهى المحفل وأنتهينا من الاحاديث والمجاملات التي لابد أن تحصل , ثم جهّزنا أنفسنا للرحيل أنا وصديقي الخالدي , أدينا التحية والسلام على الآخرين ثم صافحنا الاديب إبراهيم الخياط , وأطلقنا الباي باي. ثم تمتمتُ مع النفس , ياترى هل سنلتقي مرة أخرى وبغداد ترتعُ بالسلام والامان .

عراق/بغداد




21
أدب / قربَ تمثالِ فاهان تيريان**
« في: 20:18 29/08/2013  »


قربَ تمثالِ فاهان تيريان**



هاتــف بشبــوش



أجلْ..أنا هنا
تحت فيئ شجرِ الكستناء
الحارسُ..
قامتكَ الاشتراكية ِالفارعة
أجلْ... أنا هنا
ولم أزلْ شيوعيا , في هذا الكون ِالمتماهي
مع الضياع
شيوعياً صارخاً مرةً , وصامتاً تارة ًأخرى
مثلُ معدنِ تمثالكْ ,  الذي جانبَ البحيرةَ
حيث يتزاحمُ الناسُ , و تثرثرُ الافواهُ
في مقهى براكاست pragast
ذاتَ الواجهة الحمراءِ , كدليلٍ على هوية الزبائنِ
الضالعينَ , في الماضي العتيد .
أنا هنا...
أرى في شَعرِكَ المسرّحِ , إعصاراً وزلزالْ
أرى كيفَ تأتيكَ الخطى على الدوام
وأرى عينيكَ صوبَ الافق , تندفُ الاملَ المستحيل
تكفرُ بالرقّ والعبيدِ , تصلّي لأكتوبر
وتقبلُ كلّ جميلة تخاصرُ خاصرَكْ.
أنا هنا.....
واقفاً متأملاً , كل ّمنْ ناضلَ وارتحلْ
مع لينين , بفانوس الثورة ِ
بداية َالقرن ِالماضي
**
التمثالُ , بين شجرٍ كثيفٍ , في يريفان القديمةِ
أيامَ كنتَ , وأيامَ الاتحادِ الرصينِ
الناسُ , تتنفسُ ضوع َالياسمين
وأنا أتابعُ ممشايَ الوئيد حولَ الثمثالِ
وأقولُ:
ما أبعدَ المدى!!
ما أكثرَ الحسرات!!
لأنكَ بدوتَ في التمثالِ , وسيماً , يافعاً
رشيقا
مثل عمرك َالقصيرِ
الذي تجاوزَ على عمر شيوعيتي الثلاثين , بخمس
عمركَ
الذي يتغلغلُ الانَ , بين نعاسِ أجفاني
***
مباركُ أنا , أمامَ ذراعيكَ المبسوطتين
مباركُّ أنتَ , باليمامتينِ اللتين ِ, حطتا فوق رأسكَ
مباركُّ كلُّ منْ , يمر ويشتهي رؤياكَ عن كثبِ.
فيا إمرأةَ الخبزِ , يامن ْآنـَسَتني في الحلم الماضي
فلّي شعركِ جيدا
وامنعي الريح َالصرصرِ
عن هذا المكلّل بأعراسِ العذارى
طهّري الدوحة َ هذي , من رجس ِالعالمِ الجديد
.............
.............
الناسُ هنا ليستْ مثلي , إذ أنني أتناهبُ الرؤيا
وأنا سائحُّ , يؤلمهُ ترحُ الوداعِ على عجَلِ
ولذا.....
سوف أذهبُ , الى أقربِ مشربٍ
لأحتساءِ قليلاً من الفودكا الروسيّة , التي كثيراً
ما رَفعَتـْها في الانخابِ , أناملكْ
أشربُها ظهراً
كي أترهّبُ وحدي ...


**فاهان تيريان vahan teryan .....شاعر ارميني اشتراكي شيوعي..1885ـ1920 عمل مع لينين وستالين.

أرمينيا/يريفان 2013/6/23


22
أدب / حديقةُ ُمكسيم غوركي
« في: 15:48 13/08/2013  »


حديقةُ ُمكسيم غوركي



هاتـــف بشــبوش


الطيبُ دائمُّ , في العشيّةِ والصباح
الورودُ , كألوانِ الطيفِ الشمسي
على جانبي الفسحةِ البراّقةِ
منَ الحصى المغسولِ , بين ضحىً وغداة.
رملُ ملعبِ الاطفالِ رطيبُّ , من ندى الليلِ
حوضُّ زجاجيُّ تزركشَ بالسمكِ الملوّنِ
آسُّ وداليةُّ من السوفيتات
توتةُّ تبليسيةُّ , حمراءُ قانيةُّ , يهزّها كلّ من هبّ ودبّ.
والناسُ يجيئون.
الممشى طويلُّ , مفروشُّ بتويجات الزهرِ الاصفرِ
والاحمر, الازرق , والابيضِ ..
زهورُ الاوركايد, كالندفِ الثلجيّةِ , تنقرها العصافيرُ
**
الممشى طويلُّ , حتى يصلُ , بهاءَ الطريقِ الضيّقِ
الذي أوصَلنَي الى البيتِ المهلهَلِ
حيث كان الطالبُ مكسيم ُ يسكنْ .
 طريقُّ أشعلَ في قلبي لهيبَ الحب
الى تلك الأم ... الأمُ التي قرأتها في الصفحاتِ
قبل ثلاثينَ عام
**
شابُّ أشقرُّ بصحبةِ حاسوبه ِالمحمولِ
منتبذاً تلك الزاويةِ التي
تشيرُ لتأريخِ مكسيم , أيام الثورةِ والصبا
حادثتهُ عن مبتغاي في جورجيا
وعن مكسيم , بعبرةٍ باديةٍ على محيّاي
عبرةُّ جعلتْ منهُ شفيقاً متسائلاً
عن حاليَ الغريب
وعن أسفي على ذكرى الاتحاد السوفيتي
وفرَحي منْ شيوعيتي التي
سترافقني حتى المماتْ........
**
الحديقةُ ,  تتعثرُ بأقدام شيخٍ كئيبٍ
تركتهُ الشيوعيةُ وحيداً هنا
وحيداً .... ومجهولاً
ليس مثلُ هذا الاثر المرئي , المنحوتُ
لصقَ حائط البيت الطلاّبي , حيثُ تعلّم مكسيم
..............
...............
حديقةُ الورودِ هذي rosesgarden
أخبرَتني عن التفاصيل التي
مرّتْ بها عشرةُ أيامٍ هزّت العالم
أخبرَتني عن الغياب ِوالحضور
وعن الاجيالِ التي تنفستْ , من عبيرِ مكسيم وشيوعيتهِ
حديقةُ الورود ِهذي , بغفوتها
ولقائي َ القصيرِ بها
علّمتني , أشياءاً وأشياء

جورجيا/تبليسي 2013/6/14



 


                      

23
أدب / الطريقُ الى يـريفــان
« في: 14:46 26/07/2013  »


الطريقُ الى يـريفــان



هاتـف بشبـــوش

على جانبيّ الجبينِ اللُجينِ
يشعرُ المرءُ , بأنّ الروحَ تُبتلى بكثافةِ الاخضرِ
صباحُ النسائمِ , الباردُ صيفاً
يحاولُ أنْ يُبلّلَ أوداجنا بالرذاذِ
ودفعُ المرسيدس ...
يتناغمُ مع الموسيقى الجورجيةِ والتركيةِ
التي وضعَها السائقُ , كي يريحينا من عناءِ الطريقِ.
والأغاني بالتأكيد , لاتشبهُ صوتَ العزاءاتِ
ولا النعيُ الغبيّ
على طولِ الطريقِ المقفرّ , من السماوة ِالى بغدادَ.
**
مساربُ الطريقِ , تلتوي كلما تصاعدنا
وأشرَفنا على الأوديةِ السحيقةِ
وأغراءات الطبيعةِ للنواظر.
النهارُ مكلّلُّ بقرص الشمسِ
وعبرَ الزجاجِ المفتوحِ , تدخلُ بين الفينة ِوالاخرى
فراشةُّ تلهينا , أو نحلةُّ زاهية ُمن ثمار الاشجارِ
أو نلمحُ أرنبة ًتفزُ على الطريق ِمرعوبة ً
من ضجيجِ العجلات .
قلتُ إذن:
نحنُ بعيدونَ , عن كلابِ المدن المتحضرةِ
نحنُ في حضن الطبيعةِ
وبينَ ذرّات هشيمٍ يابسٍ , تناثرتْ فوق المروجِ المرئيةِ
وبين مقاهي الريفِ على الجانبينِ
ودكاكينَ فقيرةً , تبيعُ الخبزَ والخضارَ
والسمكَ المملّحِ , أبتعناهُ في وقفةِ إستراحة .
أو بينَ مايشيرُ..
الى مالاقاهُ الكولاكُ ,أيامَ ضياعِ آمالهم
**
في الطريقِ الى يريفان , الداراتُ كثيرةُّ
والبيوتُ الريفية ُ, لم يبقَ منها , إلاّ طنينُ هاجريها
فقلتُ:
ربما البيوتُ هذي , كانت لفلاحينَ شيوعيينَ
تداعوا , بعد انهيارِ السوفيتات.
ثم أردفتُ:
لكنّ هذا لم يكن جزءاَ من حلمي.
فعدتُ لم أستطعْ النظرَ جيداَ
اذ أختلطتْ, أشجارُّ وأشجارُّ وأشجار , مع الفئ
المطلّ ِمن قمم الجبالِ
والريحُ , عبر النافذة ِ ,عادة ًما تتعبُ العينَ والانفَ
فتختلّ البهجةُ نوعاً ما
**
أتحفنا السائقُ الجورجي , ذو النسبِ الشيوعي المخضرم ِ, وقالَ:
هنا , قربَ هذا الجسرِ الحديدي الصدئ , القديمِ
هنا , كانت جيوشُ البطلِ ستالين , هنا كان البلاشفة ُ يربضونَ
هنا معالمُ القوقازِ , البروزُ , وأرارات
هنا قد سجّل َالجنودُ الحمرُ تأريخهم
هنا إندحرتْ جرائمُ هتلر
هنا قد تجمدَ في الثلج , دمُ النازية ِوالفاشيةِ
................
................
سلامُّ , على بندقيةِ الشهيدِ
وسلامُّ , على وداعاتهِ الاخيرةِ , قبل حشرجة النزعِ
سلامُّ , على السناجبِ التي حرَستهُ
سلامُّ , على كلّ هبّةِ ريحٍ تناغت ْو الراياتِ الحمرِ
سلامُّ , على الطيور المجفَلةِ
سلامُّ , على الاغصان ِالمثقلة ِ, بالتوت ِالاحمر والاجاصِ
سلامُّ , على بنفسج ِالوديانِ الشاسعةِ
سلامُّ , على فردوسِ جبال ِيريفان الخضرِ
سلامُّ , على مقالعِ العمالِ المهجورةِ  بأنفاس ِأحجارها
سلامُّ على مُلصَقِ الكونياكِ الارميني الشهيرِ  Ararat
سلامُّ ... سلامُّ .... سلامُّ
على مفرقِ الطريقِ الى يريفان ِ..... حيثُ وصلنا
سلامُّ على شارعِ موسكو .....حيث قرأنا وعرفنا




 أرمينيا/ 2013/6/22









24
أدب / هارلـم شيـــك
« في: 18:56 25/05/2013  »


هارلـم شيـــك


هاتـف بشبـــوش /عراق/دنمــارك

بعيونِ جون لينون
لاأرى العالمَ العربيّ , يتصاعدُ خفقاناً وتصوراً
على إيقاع البيتلز
إبتداءاً من تونس , حتى مسرحِ بغدادَ
حينما رقصتْ الجميلةُ , بنصفها العاري .
القتلُ بين مضارب البداوةِ
الممتدة ِمن صفين الى حروبِ الردّةِ
والى كلّ الساحات العربيةِ المسلوبةِ
من اللحى الصفراء .
هذا القتلُ .......
لايعجبُ الديكُ
الديكُ المنتظِرْ ,  رقصتهُ الاخيرةِ , بأسم الله
ولا الطيور
ولا الحمارُ المبتورِ الساقِ من التفخيخ
ولا قارعات الطبولِ والأجراس
حينما يَفـلنّ الشعور  , إيذاناً بالترملْ
ولا أنا , الميتُ آلاف المراّت
بين الحيواتِ العديدة خلف الشمس
ولا أنتَ المنغمس في شهواتك
وحلمكَ في التتويج , كذكرٍ لملكاتِ النحلْ
هذا القتلُ .......
لايعجبُ اليوناني زوربا
ولا الراقصُ ترافولتا
ولا المغنيّ
ولا الرسامُ والنحّات
ولا الشاعر
ولا المجنون
فعلامَ إذن؟
نرى الربّ والحربّ , كلماتُّ تترادفُ
عند مداخلِ المدن العربية ِ,  بدل الحب!!!
ولمَ لاتكونُ الساحاتَ , لعرضِ الازياءِ والرقص
أو مقصفٍ ليلي كثقافةٍ وهوية
بدلاً ...
منْ تلاوة ِآية ٍ , من ترياق الضغينةِ والحقد .
فيا أيتها الوجوه الغامضة
ويا أيتها الوصايا المفعمةِ بالنار
خذي تجاعيدكِ وارحلي عنا
فنحنُ لم نولدُ من السدى
ولا من اليقينِ
ولا من الصلصال ونفخةِ أرواحنا
بلْ........
من الشجر الصاعد , من الورق المملوءِ
حبراً واحتجاجْ
بلْ........
من أوّلِ هزّةٍ للوركين
كانت تفعلها النساءُ في البراح
بل.ْ..........
من الغصن الراقص , مع إيقاع الطبيعةِ والريح




25
أدب / شكري بلعيــــد
« في: 09:44 24/03/2013  »



شكري بلعيــــد



هــاتف بشبـــوش

أنتَ الغالبُ
لأنكَ من فرطِ الحُبّ , صرتّ شهيداً
أنتَ الغالبُ
لأنكَ صرتَ الروح , التي تتحدّث ُ
دونَ فمٍ ودونَ شفاه
أنتَ الغالبُ
حينّ إمتطيتَ جوادَ النفوسِ البسيطةِ للجياع
أنتَ الغالبُ
إذ ْ غسلتَ أدرانهم , وحطمتَ قلاعهم
أنتَ جيلُ حي
ولم تنجرفْ لحبائل السلطان والطغاة
أنتَ الحتميةُ والقدر
وكلّ حسرةٍ هزّتْ , سلاسلَ التكبيل .
قد طارَ عندليبك َ, لاخوفاً من أزيز رصاصهم
بلْ , من ديارٍ ,  تستأهلُ أنْ تموتَ الزنابقُ فيها
إكراماً , للطبيعةِ والبشر
أنتَ الغالبُ
وهم السقوط المروّعِ , في تلك الهوّةِ من تزاحم المللْ
هم الدوابُ المتخمة
التي , ترممّت ْفوق رؤوسها طحالبُ الجهل
هم السحابةُ الكئيبةُ
التي , لاتجلبُ غيرَ المآتمِ والظلام
فطوبى لوداعكَ المولَعِ بالارتقاء
وطوبى لسلطانِ خطابك , ولحزننا وبكانا عليك
......................
.......................
نحنُ نشهدُ في زمان البرد
الذي مات َحول حرارة ِدمكَ المسفوح
أنكَ رضعتَ , من أثداءِ نشيدِ أبي القاسم
نشهدُ أنّ هذا الفجر
يموتُ فيه اليساريون , من الاصرارِ والرفض والارهاب
وزوبعة الدراويش
ومن الدمى الضارعة , في الكهوفِ وفي التكايا


/عراق/دنمــارك


26
أدب / عـــودة ُماركـــــس
« في: 11:46 20/02/2013  »
 



عـــودة ُماركـــــس



هــاتف بشبــوش


ها أنا عدتُ
في صلب أحداثكم المروّعة
عدتُ كما كنتُ حينذاك
لم أشارك ْ, في تقسيم تفاحةٍ , بسكين العاهات المستديمة
ولابنصل الفرق بيني وبين الآخرين
عدتُ كما ترون.......
ليس لي حفيداً , قد جالسَ الاوغاد في قاعات سايكس بيكو
وليس لي زوجةُ  تتكأ على التعاويذ
أو ترتدي زيأً مغلقاً , يثير القيأ والدوار .
عدتُ........
كي أقول , للأبرشيّ ,  للسيد  , والولي
أنّ كومونة باريس
أنجبتْ رامبو , وكل الفتية المارقين والملحدين
وكل من رفع الرايةَ ضد القداس , وكل من إنظمّ الى اللواء الزاحف
الى رمال تماثيلكم , التي سرعان ماتناثرتْ
تحت وطأةِ صرخات , من يريدون القوت الخزين
الذي يملآ كروشكم.
جئتُ سعيداً.............
وأنا أرى عن كثبٍ , كل الذين تشافوا
من كوكايين الليكود , ومورفين اليسع , وهيرويين الحرمين
وهاشِ الفضيلةِ المداف مع عسل الاماميّة.
عدتُ................
تاركاً ورائي مجاعة السنين , وما من وليمة ٍ تحفّزُ فيّ الشهيّة والنهم
عدتُ............
محدقاً الى منْ هزّت الارض بيمينها
والى رجال المسيرة العظمى , المعلقين بخيط الامل
عدتُ .........
رافعا يدي السمحاء , أغمسها باللازورد ملوّحاً
لمجئ البحر في قوارب النجاة , وصمت الانهار
وأبجدية الوجودِ ,  في مدائنِ الجنان ْ
عدتُ.......
بزيٍ قديمٍ فوق سور الصين , وبعيني زرقاء اليمامةِ
لكي أرى أجيالكم وقوافلكم , شعوبكم , سلاطينكم
وقد أهلكها الطوفان , إبتداءا من وول ستريت.
عدتُ.......
كي أرى شاهقاتكم تتهادى
بسلاح المنبوذين  , وراء النجم اللاهوتي البدوي المظلم
عدتُ........
تحت المطر الهاطل خيراً وغزارةً


عراق/دنمارك

27
أدب / الشــعرُ في ســطور.
« في: 14:12 21/01/2013  »


الشــعرُ في ســطور




الشعرُ خبزيّ اليومي , وأريدُ له ان يكونَ خبز الناس جميعا
سعدي يوســف     

هـاتـف بشبـوش
/عراق/دنمــارك



الشعر هو سطوع الضياء من جنة الكلمات الصامتة والصارخة بوجه جحيم الطغاة , الشعر هو اختراع أصبح مُلك الانسانية جميعا , مثلما اخترع أديسون الضور فأصبح مُلك البشرية جمعاء , ومثلما ميكو موتو الياباني الذي اخترع اللؤلؤ وأضاء فيه أعناق النساء , فهناك ايضا مخترع  للشعر الذي أظهر مفاتنهنّ , الشعر هو الميراث البوحيّ القادم من الازل , هوالميراث الذي لايباع ولايشترى. في الشعر تستطيع الكلمات ان تذرف حروفها اللامنتهية على السطور, الشعرهو هدير الماء وعليل الهواء المترامي في السموت, هو ايقاع الكون وطقوس الازاهير, هو الجَمال المترامي في الأودية والجبال والهضاب والوهاد. الشعر ماء العين , دم القلب , هو الذي أطلق لنا مفاهيم الحب , هو الرغبة في حياة بلاموت , وبما انه ليس ثمة حياة اخرى , فالشعر أخبرنا بأنها حياة رائعة .
في الشعر نستطيع ان نجد كيف ان اللغة واللسان هما عضوان فعالان , أنه كلام الانسان النابع من نهر خياله , والذي يصب في محكمة العقل , أنه الاسمى من الايديولوجية , أنه الانفعال المنبعث من الروح القلقة , أنه الجنون الابداعي , أنه الباكي حرقة ًوألماَ على المصير المفقود والضائع لبني الانسان .
الشعر هو الحقيقة والوهم في نفس الوقت , أنه اللسان الحذق , واللبق , والمتدفق , أنه لايحب الحَذر ولايحب اللجام , يدركه الكبار ويذكره الصغار , الشعر عابر الحصون والقلاع , يلوّح دائما ويغني للعابرين في قطارات العمر اللامنتهية , الشعر له الاف العيون , التي نراها في السحب والشمس والانهر والاثير , و في كل ماهو جميل لايحب النظر الى القبيح من الاشياء والافعال , انه منشد الاغاني في الساحات والمدارس والمحافل وحشود الثورات  , أنه مثير الحماس , حليف موسيقى الروح , مسرف في عطاءه , هو المديح والهجاء , هو الخمر والغزل , هو الوجوم والغضب الساطع , هو الوطن الصاعد فوق أديم الغيم , هو المأثور الشعبي والاساطير , هو الشعور واللاشعور , هو سلاح لايحتاج الى شحذ . هو العمق التأريخي والتناقض الداخلي , هو مفهوم إيجابي على الدوام , هو الذي يقوم بأبراز العناصر الثورية , هو الديالكتيك , هو القدرة على الانتصار , هو ذلك البطل المنتمي للمعدمين والجياع  ,هو الذي يجسد لنا الابوّة والامومة والبنوّة والاخوّة , أنه القضية التي ترتبط مع العوامل البيئية والثقافية , هو المقامرة الواعية اللامسؤولة , هو الذي يشرح لنا المآسي الضاغطة على صدور الشعوب , هو كل تلك السمات والملامح الانسانية التوّاقة الى الحياة والحرية والكرامة .

الشعر هو ذلك الشكل الهندسي الذي تشكّلت أبعاده من الشواطئ التي تنضح بروائحها , ومن المحيط الذي يلعق الساحل بهدوء رائق , ومن صخور الغرانيت التي تماثلت دعاماتها بألياف الطحالب غير المشذبة , ومن الموج المتلاطم بعنفوان في مقدمة البحر المفتوح , ومن الاسفنج بكامل رقته بين الآجر والحصى المثلومة , ومن المراكب العارية التي تذكّرنا بالسفر والحدود المشرّعة , ومن البواخر التي تلوح في الافق البعيد , ومن غفوة النساء على ياقات الاقمصة المخملية للرجال عند الاضطجاع على السواحل , ومن أصابع النوارس وهي تترك مايشبه الختم على الرمل الغافي , ومن كل ماهو مرئي وغير مرئي في هذا الكون الفسيح   .
الشعر هو ذلك الجنس الادبي الذي يرتكز الى فهم جدلي برّاق للاممية والتراث الايجابي , هو العصارة الكلماتية التي تخرج من عمق مبدعيها وتشكل الاواصر القوية مع الجماهير , هو التجربة الذاتية للشاعر بكونه عضوا فعالا لاينفصل عن التجارب الموضوعية للحشود العامة . الشعر هو ذلك الضرب الفني الذي له القدرة على عكس الواقع والخيال في آن واحد . هو ذلك الممر الخرافي الطويل العريض الذي يفتح آفاقا مستقبلية عن طريق جمالية التوظيف .
هو التشكيل البوحي اللامنهجي الذي يستنهض تواريخ الشعوب بما يمور فيها من صخب واهتزازات وصراعات ولواعج الانسان الذي عاش مع ازمة حب او غواية ومات كمدا أو جنونا . هو الذي يجعل من الشخصيات الثائرة مشجبا تراجيديا . الشعر نستطيع ان نجده  في ألسنة السادة الاحرار والعبيد  , حتى غدا صراعاً بينهم من أجل المساواة  . هو الزي الخاص الذي نستطيع من خلاله التعرف على حقبة زمنية معينة وقرائتها واستكشاف مايدور في بواطنها من تفاصيل دقيقة . الشعر في أغلب الاحيان لايحب القدرية والخنوع , بل يميل الى التحدي وامكانية التغيير وحتمية التمرد , واصراره على اجتياز المسافات  بين الظلم والفاقة , أنه دافع المعدَمين الى اعتماد البدائل الثورية ضد الطغيان , والى نسيان الخلاص الغيبي والحلول القابعة في السماء .
الشعر هو الهوية الخالدة على مر العصور , كما نراها في عنترة ابن شداد , وامرؤ القيس , محمود درويش ,  ولوركا  , بابلو نيرودا , ناظم حكمت ,بورخيس , وولت وايتمان  , وكل الذين سطروا أجمل الملاحم .





28



حطـــــام ُّ متنــــاثــرُّ

هــاتف بشبــوش

فوق أرضيةِ اللودس, بين الرمال ِ والدماء
لسبارتكوس والفريق ِ المجالدِ , صولةُّ
هزّتْ , كبرياتَ محمياتِ الرومان
في ذلك اليوم , حيثُ أعلنوا فيه
الثورة َ ..... الثورة َ.َ..... الثورة
وأطلقوا فيه قرارَهم
أنْ يقتلوهم جميعاً في قصورهم.
اليوم....................
الطغاة ُ كثيرونَ يا سبارتكوس
فكيفَ سنحمي القلوبَ والعقولَ من دسائسهم؟
وكيفَ لنا انْ نقوّم مساميرا ً معوجة ً على خشب السيسبان؟
ومن أيّ الدروب سنقتفي أثرَ المتبرّكين باللاهوت؟
وليس لدينا غيرَ أنْ نخفي ضجرنا, وسخطنا
وراءَ المزاحِ والضحكِ وهستيريا العجز
ولم نتسلّح , إلا بما تنطقُ أفواهنا
التي جعلتنا شاخصين في عنادٍ الى الارض.
لكننا نحملُ الكثيرَ من النعوش
فوق رؤوسنا , بأشرطتها السوداء ِ الخفاقةِ
التي ضيّعتـْها الاقاويلُ
بين مأذنةٍ تلهجُ باسم ِ علي
وأخرى باسم ِ أبابكر والخطاب.
والمجرمون ينذرون بالويل
بقيم ٍ رماديةٍ تسبحُ في السماء
بينما الناسُ مطاريد ُّ, تطاردُ بعضها البعض.
لقد أجدبتْ أفكارهم , ولم تنجبْ , غيرَ أبالسة ٍ وأشباح
تتلوا آياتا َ بالمقلوب
وترمي بالفقرِ والجوع ِوالمرض ِ
الى أرواحِ بيوتِ الطينِ والصفيح.
..............................
.............................
لسوف ننقرضُ مثلما إنقرضَ فتيان افريقيا
في مناجم ِ ومزارع ِالامريكات
سوف نُخضَعُ الى الـــ(ربيكاتيف) (1)
مثل (جاكوب كايتين) , طفل غانا الحالم (2)
و سيؤولُ بنا هذا الوهنُ الطائفي
مثلما آلَ بالافريقيين , في أنْ يباعوا في سوق العبيد
كما تباعُ نسائنا في أسواقِ الهوى العربيةِ
أو نبادُ , مثلما أبيدَ الهنودُ الحمرِ , وشعوب نيوزيلندة واستراليا
و مثلما فعلَ الالمان في ناميبيا , او البلجيك مع الكونغو.
سوف نُطحنُ تحتَ رحى التفوّق الحضاري
لأننا بدائيون لانملكُ غير العمةِ السوداء والبيضاء
ولأننا شعوبُّ تمتهنُ الثرثرةَ َ
سيأتي يومُّ , تـُسدلُ علينا ستارة ُ النسيان
بينما كلّ فرقةٍ منا , تدّعي أنها الناجية
لم يبق َ لنا , غير أنْ نوسمَ بأسياخ ٍ محميةٍ
ليستدلّوا علينا , لأي شركةٍ لتجارة ِالعبيدِ ننتمي؟؟؟
إيطالية ُّ, أمريكيةُّ , بلجيكية ُّ أو هولندية
أو نقفُ , بكامل ِ عُرينا
فوق صخرةٍ عاليةٍ, في سوق النخاسين
لربما سوف نُخصى, ونعودُ الى عارِ فجر ضمير البشريةِ
و نكون مثل ( محمد كرا) الاب الشيخ. (3)
أو محضُ تراتيلٍ ورعةٍ عقيمةٍ بلا جدوى
والأبناء تشتمُ ما كان عليهِ الاباء
والرب بكلّ تجلياتهِ وأسماءهِ , يصبحُ حديثا ًعابراً
ونحنُ , مثل حشودِ ذبابٍ , على جيفة حيوان ٍ
في دهليز ٍ مهجور................
 
(1) الـ( ريبيكاتيف) الدخول إجبارا في الاسر الثقافي/
(2) جاكوب الاسود تم خضوعه للعبودية منذ طفولته حيث بيع الى تاجر هولندي ودرس اللاهوت إجبارا وأصدر كتابا يدافع فيه عن العبودية فعاد الى بلده أشد غربة.
(3) محمد كرا وصل الى قمة مناصب حاشية السلطان في دارفور, فقام يخصي نفسه ليدفع عنه تهمة خيانة سيده السلطان (تيراب)



عراق/ دنمــارك




29

ذاتَ كــلامُّ قليــــل

هاتـف بشـبوش

على سليقتـِها , وعبرَ أميلها الخاص
أجابتــني , بكلّ ترافة ٍ وحنــان
على قصيدة ٍ , باتتْ بلا إهــداء
وقالــت:
أنـّهــا قليلة ُ الكلام , ومحبطةُّ على الــدوام
قلتُ عجيــبُّ !!!!!!
كلُّ هذا الدفـق الوجيــب , وكلُّ هذا الــدلال المثيــر
البادي على صورتها الملصوقةِ  , في المايكروسوفت
التي تعني , إطلالة ُّ ضحوكُّ , هي الاكثرُ رفعة ُّ
وكلّ مايدركني في التحديق ِ  الشغوف ِ
لأرتعاش ِ مفاصلها , وحريق ِ دواخِلها في الخفاء
كــلّ هـــذا......
وتحشــرُ وقتها , ضيقاً وإحباطــاً
............................
............................
تمنيتُ لو صيرتُ نفسي مذياعا ً ثرثاراً في دارتِـها
ثرثارُّ كثير السؤال , عن ماهية ِ الوجوم
لأمرأة ٍ  , قادحة ٍ في القص
لأمرأة ٍ , يتجلّى في سحنتِها , بيدرُّ وبيلسان
لأمرأةٍ , قد عرفتُ من ثراء ِ يراعِها
أنّ الحبّ ............ قامةُ سنديان
لأمرأةٍ  ,حَفرتْ  فوقَ زنديها , شفتين ِ محمرّتين
وعدّتْ مع الريح , التي  لَعَبــت ْ , بعفاف ِ قميصِها
لأمرأةٍ , عند وصولنا قربَ محيطها , ربما سنكونُ
جثـةُّ مرمية ًً فوقَ أمواجها العتيّة ِ
جثة ُّ بدهشتها ...... منها وعليهـــا
لأمرأة ٍ لو كنـّـا  أمامَــها , لانتحينا في حضرتـِها
ووقفنــا حائــريـن , بينَ خافقنا السريع
وانتظارِ بسمتها العريضة ِ , المعهودة ِ في الويـــب
لأمرأةٍ , تتقنُ ترتيبَ مساءاتٍ , تغفو بين الساتان ِ والحرير
......................
.....................
إذنْ , فلتبداَ َ النشيدَ , عن سؤالي َ الالف , بل المليار
وأكيدُّ .... ستكون ُ أسئلتي ملولة ً  بطيّ لسانها
حتى تُثــارُ  أعصابها من السؤال ِ والثرثرة
فلربّما تصيبُ سهامُها الخضراء ُ خيولَ دمي.
وفي ليل ِ الخفوتِ
حيثُ يراقُ العنفوانُ , على هلوسةٍ , ودمدمةٍ
فيدركها الحديــثُ الماطرِ
فوق ذاك الاجداب المشاع ِ, في جنباتهــا
عندها , يكون إحراقُ زيت َ البرتقال ِ
بعيدا ً ......... عن دائرة , الصمت ِ والاحباط


عــراق/دنــمارك




30
أياد احمد هاشم.......( ليس كالامس) نص لم يكتب على صفحة المايكروسوفت بل على صفحة  من الزمن تكاد أنْ تتحوّل الى وثيقة اجتماعية وسياسية .


نص ( ليس كالامس) بدا فيه الشاعر ليس كأمسهِ فعلا,. اي  لم يبدو كلاسيكيا في قصائده كما عودنا بل حداثيا , يتيه بنا الى مغامرة مدهشة , يتحرك بها الشخوص بفعل عواطف شديدة القوة , سامية, نص يحمل ابداع لفظي, بحيث ان القارئ يتوقف مذهولا عند عظمة ( الاستروفيات), وقد اصر الشاعر ان يجعل من الشعر مهنة الاقلية اوالنخبة, , مهنة المتمرد والمعتزل والذي بالضرورة ان ينال رضا الجماهير, كما وان الشاعر قد سعى ان يكون مع المبشرين بالحداثة, لان جل كتاباته هي من الكلاسيك, واليوم هو اراد ان يلعب مع الرمزية , ونجح فعلا , وهذه قلما تحصل لدى الشعراء ,في حالة حصول نقلة نوعية  متميزة من الكلاسيك الى الحديث.
تناص شعري يتقاطع في محورين, الاول زماني والثاني مكاني, نص يتطلع الى الرغبة في البقاء والتحدي والادامة نص يحمل رغبة في التشكل , نص جعل من الزمن والتاريخ مكثفا وواقعيا .
الشاعر هنا شيأ آصرة ً عن الكلمة , بين المرئي واللامرئي, بين الفكرة والشئ..بين الموضوع والتجريد..وقد حول معاني الغضب والحب . والعاطفة والعطش والاصرار والتحدي الى شخوص قد صنعهم في مخيلته , واحيانا الى شخوص بكامل أوصالهم وشرايينهم , ليعبر عنهم بالبقاء, وهذه الشخوص لديه تفرقت في وقت ما ومن ثم لم شملها من جديد  واختلقت احاديثا فيما بينها كما يفعل بنوا البشر رجالا ونساء... لكنهم في المخيلة ...واراد ان يقول بشكل رمزي (اليغوري).. بما تتطلبه القصيدة الحقيقية’التي تتطلب الرمز والتكثيف والمظهر الجمالي في آن واحد...ولذلك جاءت ثيماته مقدسة وعلى هيئة صور..لكنها تخفي بعض المعاني.....لغاية في نفس الشاعر. ثيمات كلها تحكي لنا ماتعرضت له الساحة العربية والعراق من عاصفة هوجاء هزّت ركائز الانظمة الجائرة ... ورؤى أخرى متشعبة فيما يتطلبه النص بشكل عام , لكي يكون المعنى والمفاهيم مترابطة  لكي تعطي بنية القصيدة  مظهرها البراق والزاهي على كافة المستويات التي تتعلق بمفهوم القصيدة الحديثة.

ما تبقّى من الماءِ يكفي
على بعدِ مشربةٍ
من ضفاف القرى
وانحسار السحاب
ودمعٍ جرى
تفتَّقَ من نثيثِ الندى
دمُكَ المختفي ولازلت تشرقُ
حتّى سرى من فسيل الرِّقاب

 هناك سنين عجاف مرة وحاصرت  فئات اجتماعية كبيرة لايستهان بها   .....وبالرغم من التخفي الذي كان لابد منه .. نظرا للظروف القسرية التي جعلت من شعوب الشرق الاوسط  ,وجعلت شريحة اجتماعية لها وزنها الثقيل في تاريخ العراق الحديث ان تكون تحت ضربات اللوياثان الموجعة مما أدى الى إختفاء ومضها من المشهد السياسي لعقود من الزمن.. لكنها مازالت معطاءة وعادت من جديد بعد السنين العجاف ومن اللاشئ وكانها العنقاء ,,, فعاد سراجها. .
صورة رائعة ..بنبرات متناسقة..... وكذلك التعابير والاحداث التي تؤدي الى الادهاش..والتي تتناوب مثل الموجات الموسيقية في الكونشرتو’..والتي تؤدي غايتها ..في التاكيد والاستمرار ... مثلما خطت يده الرائعة هذا الاستمرار والتحدي في هذه السمفونية  , الذي يشير الى البقاء للشعوب ,أو لأرادات عربية وعراقية مناضلة ...انه هنا قد رسم تطلعات جميلة وخيّرة, تطلعات ثورية وتحررية , انها قصيدة تتطلع الى الانعتــاق بعيدا وبعيدا جدا عن الاستبداد والعبودية .

ما تبقّى من الماء يكفي
لغرس المرافئ
وانتظار الشراع
إن فجرَ الشوارعِ ينبئ بالمطر
والبيوتُ القديمة أدارت ظهرها
للعابرين
تحاورُ جدرانَها
تبتكرُ الاعتذارَ،
كي ما يمرّونَ بعدَ اغتراب
 
 الشاعر هنا يريد ان يبني من المستحيل , الشئ لذي يصبو اليه, في سبيل تحقيق مستقبل افضل( لغرس المرافئ) الغرس او الانبات رمز الحياة او المستقبل الذي يتطلع الى الغد المشرق , مستقبل يترك ادران الماضي القديم وماحواه, من مآسي وويلات, وماجلب على الشعوب وعلى الذين سلكوا درب الحرية والنضال ,من شقاء وتعسف على ايدي الحكام الطغاة, واليوم ايظا يشير الشاعر الى ان الكراسي لن تدوم  ,حتى لاؤلئك من يتصورون انهم يحكمون باسم الاله , زورا وبهتانا, ولذلك نراهم راحوا يختلقون الاعذارفي سبيل ردع الشعوب ,ووقفوا لهم بالضد كي مايعبروا الى ضفة النجاة, لكن التغيير هو آت لامحال كما يلمح الشاعر( فجر الشوارع ينبئ بالمطر)..

وكلُّ المسامير عادتْ تلوِّحُ
أن الصليب سيحملُ كلَّ مسيح
ليس كالأمسِ
كانت أمانيكَ تأخذنا
والغرابُ الذي علَّمَ القادمينَ
كيفَ يوارونَ سوآتِنا
عادَ
يحملُ قابيلَ
والقرابينُ التي ساقها
تقبَّلَها الآنَ وحيٌ عتيد 
 

ان الشاعر هنا ينبض بالحياة والاثارة وثورة النفس ووعي الذات التي لاتترك مجالا للذاكرة الهشة ان تستقر في راسه, بل يريد ان يكون دائما بمثابة الناقد الليبرالي ,ويضع الدين في مجاله الخاص, ويريد ان يضع التضامن بين المواطنين لا على اساس الفضيلة , بل على اساس القوانين الوضعية التي تجعل من الفرد في حرية تكفل له ان يكون بعيدا عن الارهاب الذي لايخلق سوى الهوة الكبيرة التي تجعل من الضحية والجلاد متنافرين ولايمكن التصالح فيما بينهما .
انه يريد اقامة نظام عقلاني وعادل خالي من النزاع والاضطهاد, ولايريد للولاءات ان تولد اللعنات ,ويريد ان يفرق بين الحب والتفقه, ان يقول للذين كانوا يدعون النضال بالامس ,انكم اليوم ايها السادة حالكم حال روبسبير والرعب الذي خلفه الى وردسوث وتعاطفه الجيروندي.
اذن الموالاة احيانا تكون لحاجة البشر لتصحيح مسار الحياة التعيسة والظلم القائم من الطغاة السابقين. ولكن بفعل الاستمرار, فان المعتقدات والتقاليد القديمة , تهترئ وتنهرش نتيجة كثرة الخرافات , كما وانها ممكن ان تتحول الى اصنام مرعبة ,فالايمان الذي ينشأ في الهوة الفارغة المتخلفة والذي يطعم نفسه على حساب العقل, فانه ايمان قاس وبائس , كما حصل للثورات الدينية بايمانها التعسفي في دول اوربا( 1618ـ1648) بعد الدمار الشامل في عقلية الكائن البشري الاوربي وانسحاقه وتنافره وتخاشنه, ادت هذه الحروب الى ثورة اصلاحات والتي كانت الشرارة والنواة التي بنت على اساسها هذه الشعوب مجتمعاتها ولاتزال تزخر بالرفاهية والامان الاقتصادي والاجتماعي حتى يومنا هذا. بعد ان اجتاحها زلزال من التناحر والتشاحن ادى بها الى ان  تصرخ ( كفانا ايمان بالكنيسة , كفانا ايمان , كفانا .. )حتى حصل الانبجاس الحقيقي بعد الانفجار الايماني المتشاحن  فادى بهذه الشعوب ان تستقر والى يومنا هذا .

لا تغادروا حواسيبكم
إنهم يتساقطون تباعاً
كانوا يختبئون خلف العربة *2
بدمٍ بارد
يبيدون شعوبَهُم
ويأكلون ما تبقّى
شعاراتُهُم
الحُكّامُ يريدون إسقاط الشعوب
وأنتم تريدون إسقاط النظام

الذي أثار قريحة الشاعرلكتابة هذا النص وهذه الثيمة بالذات هو الواقع العربي والعراقي الجديد , كما وأننا نتذكر من خلال النص الكثير من الشعراء الكبار الين استلهموا من غضب الجماهير كمادة دسمة لكتابة روائع قصائدهم , ومنهم الشاعر العظيم الجواهري في قصيدته( ماتشاؤون فاصنعوا)حيث قال.........
 ماتشاؤون فاصنعوا....وفرصة لاتضيعوا
فرصة أن تحكّموا.........وتحطوا وترفعوا
ماتشاؤون فاصنعوا.... لكم الارض أجمع ُ
فهنا نرى الجواهري وما لقصيدته من زعزعة للنفوس واثارة للاعصاب بين الجماهير الملتهبة التي كانت بحاجة الى من يشعل الفتيل بينها ....فكان الجواهري حين يوحد بين نفسه وبين امته وحين يمزج بين غضبه وغضب امته , كان يفعل هكذا شئ , لكي يجعل منه غضب الامة جميعها , فهنا دعوة ساخرة من قبل الجواهري للشعوب الذليلة والمهانة من قبل الحكام الطغاة.
فيبدو ان الشاعر اياد احمد قارئ جيد لتاريخ الادب العراقي واستطاع ان يوظف  هذا التاريخ في كتابة مثل هذا النص بنمط حداثي مذهل.
لكن الشاعر اياد احمد قد دعا الغضب الى الجاهير وطلب منها ان تبقى على الاتصال على شبكة الفيس بوك ( لاتغادروا حواسيبكم) حتى اسقاطهم  واسقاط انظمتهم المهترئة  , وهنا دخلت الحداثة بشكل واضح جدا لان الحواسيب هي رمز الحداثة والرقي  في تمييز الشعوب .
كما وانه دعا الى ان تبقى الجماهير الجياع في ساحاتها دون المغادرة حتى تطهير البلاد من سموم الرجعية والتخلف , وهنا اشارة الى ان النص تجاوز حدود بلد الشاعر , ليشمل الكونية العربية وما حصل بها  من احتجاجات في الفترة الاخيرة لتدك انظمة الاستبداد.
فالشاعر هنا متوقد سياسيا, وقد دخل مضمار تجربة المجابهة والمقارعة بالقلم المستوحى من غضبه .. ولكنه الغضب الغير ماحق الذي يليق به كشاعر.
الشاعرقد تفنن في رسم هذه الثيمة الرائعة و في وصف الاطار الدرامي الذي ينم عن عمق التوتر والفجيعة, انه شاعرقد نبع غضبه من اغوار الاضطراب والشفقة على مصير هكذا شعوب, ولم يكن روحانيا مستكشفا وفضوليا على دخيلة الفرد , لكنه من الشعراء الذين يدركوا ان الادب المحتقر اليوم في عراقنا والمسمى ( باللاادباء) كما اطلق البعض على هذه الشريحة المهمة في الشعب العراقي. ادرك الشاعر ان الشعر لاينفصل عن الدفاع عن الحرية والمساواة وانصاف صرخة المضطهد, وهو مرتبط بالاهتمامات السياسية التي تنخر في المجتمع بين الفينة والاخرى.
كما وان الشاعر لايريد ان يرى نفسه ومن حوله من الاخرين ذلك الوجود المهان لشعب وقع ضحية مجانية للانظمة الجائرة , وقوف الشاعر هنا ومهما يكن انتمائه الى جانب الحرية والعدل هو بحد ذاته موقف يحسب له , كما قال الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي ( إن كان ليس لديك حزب أو جريدة .. فحروف منشوراتك الخضراء ساطعة جديدة)...
فالشاعر اياد احمد وقف هنا وقفة شجاعة بدون العنتريات التي لاتغني ولاتسمن , وليس بحاجة ان يؤكد الشاعر على دوره بأن يكون بطلا ادبيا ,او اظهار المفاخرة  والتحدي المبالغ فيه , لانها تؤدي الى افساد الحداثة , والدخول في الهرطقة والتقليد.
لقد اثبت الشاعر بأنه كان مؤهلا لاختراع غضب جماهيري  في ميادين وساحات الشعر , وسبك الابيات الصورية بشكل مذهل, كما وان هناك رغبة ملحة لدى الشاعر  للتغيير في نفسه, يكاد يقترب الى (الانا الفولتيرية) , بحيث أنه يريد ان يقول لنا بأنه يقف خارج دنيا الظلم واللاعدالة.

إن الدروبَ التي أخذتنا إليكَ
استدارتْ لتقضي عليكَ
كأنكَ في خيمةٍ للعزاء
تمرِّغُ وجهكَ بالحزنِ
تجترُّ ما قالت الأمَّهاتُ
يا نبياً لم يصدِّقهُ قومُهُ
فاستنجدَ بالإفكِ والخرافات

صورة رائعة لدعم المقصد الدلالي الغير مباشر, والمؤطرة بأناقة متعمدة,لاؤلئك المتزلفين والافاقين, الذين افتضحت امورهم, وغيّهم,فراحوا يبثون التجهيل ومفاهيم الخرافة والخوف التي لم تنقذهم من القوم الذين كشفوا اللثام عنهم وبان المستور الذي يخفي وراءه اللصوصية والفساد ,  والمزايدات السياسية , فلم يعد يُصدق بهم . ولقد بات الوطن من جراء اعمالهم ملئ بالشوك , مفازة , ومجاري مليئة بالقاذورات ليس لها قرار , وقد استطاع الشاعر عموما ان يوفق في رسم الصورة الساعية لفهم اعمق بين الخرافة والعلم , بين الدين والاسطورة , بين الطوطمية  والعصر الحديث.

اخيرا أقول أن الشاعر لم يفقد السيطرة على تصوير المجاز , فلم  تظهر لديه صورة منفلته بل جاءت مجسدة , حركية , مذهلة بمذاقها وجدّتها. كما وأن التكرار  للشذرة الرائعة(ماتبقى من الماء يكفي ) مهمة جدا وتفرض نفسها دون أن نشعر بتكرارها .. كما قال (أوكتافيو باث) .. ان التكرار هو مبدأ اساسي من مبادئ الشعر ... كما وان هذه القصيدة جعلت من الشاعر  في تغيير مفصلي في حياته الادبية ..اذ أنه خاض مضمار القصيدة الحديثة بعد مضمار ليس بالقليل مع القصيدة العمودية وكان موفقا أيما توفيق .
المبدع اياد احمد هاشم يمتلك مطاطية لغوية فائقة , ونفسا فياضا وطاقة شعرية مميزة, وبراعة لايستهان بها في اختيار النص الملائم في الوقت الملائم , واختيار الكلمات اللاذعة بحق من يراهم مخطئون بحق شعوبهم , وحسب مقتضيات الضروب والزمن, كما وأنه يختار المواد الحميمية بكياسة منفردة, بعيدة عن الاستطراد ,لكنها تتسم بقوة اندفاع مدهشة, خالية من الايماءات والاثارات التي تعتمدها قصيدته العمودية ,وخصوصا نحن اليوم في ظل قضايا عربية مصيرية كبرى ولابد للشاعر ان يكون في صميمها.
القصيدة امتلكت الجمال والدلالة المعنوية, والمغامرة الكبرى التي خاضتها القصيدة للتعامل مع الواقع العربي والعراقي على حد سواء,اقتطاف المجازات من جوانب الحياة المختلفة, تجنب التعبير المباشر , لكنه رغم ابتعاده عن الكلاسيكية التي اعتاد عليها الا انه ظل محتفظا بالموروث المتميز برفعة اللغة وموسيقاها المنعشة , والروي الذي لم يستطع التخلص منه بشكل نهائي , ولقد اثبت الشاعر من خلال هذا النص بانه ينتمي بقوة الى هذا العصر, بغضبه المكبوت , الخفيض, وبغلاله الوافرة , وبدرره النادرة ,ونبراته غالبا ماتأتي هادئة مطمأنة , والتماسك الداخلي جاء بشكل جلي بين جميع  شذرات القصيدة , وقد اتسم شعره بالادراك العميق , وبصورة غريزية فياضة , متناسقة مع المعنى الشامل للقصيدة, وهذه كلها تعتبر خطوة جادة بحد ذاتها نحو الطقوس الحقيقية لعالم الحداثة .


وادناه النص الكامل لقصيدة( ليس كالامس).........

 ما تبقّى من الماء يكفي
ليس كالأمس
وأنتم تجولون حولَ الحواجز
تقولون!!
إن البلادَ التي أنجَبَتْها الروافدُ
لم تعدْ بعدُ بكراً
تُلوِّنُ بِيضَ الثياب
تتنفسُ أهلَها من جديد
تناديهُمُ مَهْجَراً مَهْجَرا
وتنثرهُمْ فوق وجهِ التراب
 
ما تبقّى من الماء يكفي
لغرس المرافئ
وانتظار الشراع
إن فجرَ الشوارعِ ينبئ بالمطر
والبيوتُ القديمة أدارت ظهرها
للعابرين
تحاورُ جدرانَها
تبتكرُ الاعتذارَ،
كي ما يمرّونَ بعدَ اغتراب
 
ما تبقّى من الماءِ يكفي
على بعدِ مشربةٍ
من ضفاف القرى
وانحسار السحاب
ودمعٍ جرى
تفتَّقَ من نثيثِ الندى
دمُكَ المختفي ولازلت تشرقُ
حتّى سرى من فسيل الرِّقاب
كما أنتَ
لا تقبلُ الغرباء
إن الدروبَ التي أخذتنا إليكَ
استدارتْ لتقضي عليكَ
كأنكَ في خيمةٍ للعزاء
تمرِّغُ وجهكَ بالحزنِ
تجترُّ ما قالت الأمَّهاتُ
يا نبياً لم يصدِّقهُ قومُهُ
فاستنجدَ بالإفكِ والخرافات

ما تبقّى من الماءِ يكفي
لدرء العناقيد كي لا تطيح
أتحسبُ كلَّ الخطى تحت أقدامنا
أن تميدَ بنا؟
لتُبقي على آخرِ حرفٍ لديكَ
ترممُ بالعريِ قفرَ المكان
أتحسبُ أضلاعنا لا تصيحُ
وكلُّ المسامير عادتْ تلوِّحُ
أن الصليب سيحملُ كلَّ مسيح
ليس كالأمسِ
كانت أمانيكَ تأخذنا
والغرابُ الذي علَّمَ القادمينَ
كيفَ يوارونَ سوآتِنا
عادَ
يحملُ قابيلَ
والقرابينُ التي ساقها
تقبَّلَها الآنَ وحيٌ عتيد 
ليسَ كالأمسِ
وأنتم تسيرون مثل الشموع
تحملون نيرانكم فوق رؤوسكم
ولا زال من ماء يكفي؟!
( لنْ نمضيَ ليبقون )*1
لنجمَعَ الفديةَ ولو من بقايا الخبز
ونستقبلَ اليومَ وحياً جديدا
 
لا تغادروا حواسيبكم
إنهم يتساقطون تباعاً
كانوا يختبئون خلف العربة *2
بدمٍ بارد
يبيدون شعوبَهُم
ويأكلون ما تبقّى
شعاراتُهُم
الحُكّامُ يريدون إسقاط الشعوب
وأنتم تريدون إسقاط النظام
لا تغادروا ..
الساحات لكم مستقرٌّ
الشوارعُ بيوتٌ
والبردُ يحتفلُ معكم دافئاً
لن تخذلَكُمْ الأصابعُ هذه المرّة
لقد انقلَبَت العربة!!!
وما تبقّى من الماء يكفي
.................................
1 (يمضون ونبقى) من الشعارات
2 عربة محمد البوعزيزي

هــاتـف بشــبوش/ دنــمارك/عــراق



31

نــوروزُّ يتكــلّمُ


أنا الكوردي......
كنتُ طفلا ً  مدللاً ً  , وقد هَدهَدني الحدّادُ
يبن الجبال ِ الشاهقات
بعدَ إن كان دمي غذاء ً دافئا ً للأفاعي
ولي وطن ُّ خبأتهُ , منذ قرون ٍ , بين قماطي
واليوم لمّا أزل أخبئهُ , تحت سروايلي العريضة
ولغتـــي.........
ليس سوى اليوم أطلّتْ , بيراعها
كي تخط ّ تأشيرة ً خجلى
أنا الكوردي....
حفرتُ  في كلّ الزنازين ِ تاريخا ً
ورسمتُ لمقابري صوتاً صارخاً
وياما ...... ضغطتُ على الزنادِ قسرا
وياما....... بين الوهادِ وكهوفِ الجبال
كنتُ عاشقا ً للوجع ِ المميت
ولنْ يتزعزع َ الهوى مني
والحربُ , لنْ تقلعَ منْ وجهيَ المرهق.
لكنّ الشفقَ الكئيبَ سينجلي
والطيورُ ستفلتُ من آسارها
والارضُ تتزخرف  ,بسهولها الخضراء
والشمـــسُ......
بسطوعها , تثيرُ البهجة َ والجمالَ المتراقص
من بتلاتِ الليلك
والأم ُّ, تلكَ الفتاة الحرون , بكعبيها التفــّاحِ ِ , ستمرّ
ستمـــرّ.........
بحصانها المطهّم ِ , بسرج ٍأحمر
والذاهبونَ الى تلّ النارِ عابـرون
لامحالة عابـرون.
......................
.......................
فأينَ الملك الضحّاك وأفاعيهِ , وأينَ الكيمياويّ الأشرّ
كلّهم زالوا...........
ونحنُ النازلونَ من الجبال ِ , لمّا نزلْ , نـهدُ قلاعـَهم


هاتـف بشبــوش/عــراق/ دنــمارك



32
إخترنا لكم / كنيســة ُ النجـــاة
« في: 11:14 16/12/2010  »
كنيســة ُ النجـــاة
هــاتف بشبــوش

بوجيبِ الحطبِ المسيحيّ
يتراءى...........
الدمُ النازفُ , حديثا ً
في الواحنا الدينيةِ وعقدها الكثيرةِ
المفصودةِ
على جميعِ أزمنتنا الغابرةِ
الالواحُ القاسيةُ
لهشيم التراكم ِ اللاّهوتي
والهباتِ الحقيقيةِ , لمشاريع القتل ِ
وتعاويذِ الاشجارِ المهجورةِ
في جنّات الخلدْ
................
................
لا, لم يستفقْ , مَنْ تكلّلَ
بوثائق ٍ مقدسةٍ
تخوزقَ فيها , قبل الف عامْ
تلك وثائقُّ خطّتْ:
أنْ لايجتمعَ الاحبارُ والنصارى
في خرائبنا
وثائقُّ
إستنفرتْ لتلميع ِ أحذيتهمْ
بالورع ِ النبيلِ
وثائقُّ
جعلتْ من الانسان ِ
كحيواناتِ القنص ِ والطرائدِ
..............
.............
أيهٍ , ياكنيسة َ النجاةِ
لمَ لمْ تهجعي ْ
على موسيقى الجنازِ لموزارتْ
كما كنيسةِ نوتردام
بمقاعدها الخشبيةِ الثقيلةِ
والكونشيرتو الهادئةِ
وجدرانها المزينةِ بالفنون ِ والمعمار
والتأريخِ الدينيّ الآفل ِ
وأحدبها!!!!!!!!!
العاشقُ الصامتُ
الذي أنقذَ الحبّ والعدالة َ
بعد إنْ رمى الطاغوتَ الدينيّ
من أعلى الكاتدرائيةِ
حتى أصبحَ صرخةُّ ,  كان صداها
في آذان ماركس ولينين , بمثابة ثورةٍ
ثورةُّ...
على كلّ الذين اتخذوا أفواهَهم دكاكيناً
كي يبيعوا فيها , أكاذيبَهمُ الورعة


عراق/دنمــارك





33
إخترنا لكم / نســــــــــاء......3
« في: 18:43 16/09/2010  »
نســــــــــاء......3


هاتف بشبوش



كثيراَ.......
ماكانَ يهلـُكني
النظرْ ,من الشرفةِ
الى زيق ِ صدرِها العاري
وسيقانِها الغليظةِ
عند غسلها الطناجـرْ
و صحونَ البورسلين
على الحوض ِ الصغير
منتصفْ , فنــاء ِ دارتهــــا

*******************

لـَـمْ أكنْ أعرف
ماهو السرُّ, في جسدْ
تلكَ الجميلةِ, حينذاك
إلاّ بعدَ سنين ٍ عشرين
عندما تذوقتها......
على فراش الصدفةِ
في سوريا..........

**************

أنا الشرقيّ
في ليلة َ عُـرسي
ماكنتُ بحاجة ٍ
لأنْ أتفحّصَ , تفاحة ً ناضجة ً
 تصرخُ بي .... كـُـلني
 
**********************

أرخيتُ نفسي ,على الاريكةِ
ووزعتُ شتاتيَ
في أنحائكِ الغائبةِ
وبلا إرادةٍ
تركتُ نفسيَ سارحة ً وتنظرْ
الى فستانكِ الشديدِ البياض
في صورتكِ.........
المعلـّقة في الحائط ْ

 *****************

في مرقص ٍ أسباني
كانَ يرتادهُ بيكاسو
غمغمتُ مع النفس............
في هذا العمــرْ
مِنَ الافضل ِ  لي.........
أنْ لاأحصيَ عدد السنوات
فحسبيَ أنني , بصحبتها الان ْ
تتأبـّط ذراعي
وأنا ماسكُّ بيدي , كأسَ جعةٍ باردةْ

****************

أجريرة ُّ علينا يا أنثاي
إذا نشرنا ساقينا وذراعينا
والتصقنا ..............
كي نهزّ الجماع َ
مدوياً بالسعادة

******************

كان لي صديقا ً, شيوعيـا ً, شاعرا ً
 انهكتهُ دوامةُ العشق ِ بلا وصالْ
بلا حديث ُّ يزيلُ اللواعج
بلا رؤيا , ولالمس ِ حتى أظافرها
هذا يعني , حبُّ , بالنظراتِ , وعن بعد ٍ فقط
وفي يومٍ , صيفي ٍ , باردٍ, منعشْ
تبدو فيه النساء , مدلّعاتُّ في بيوتهنّ
جائني جذلا ً............
:يصيـح ُ بي ويقول
أياصديقي...... أياصديقي
لقد رأيتُ الحبيبة َ ,على العتبةِ تكنسْ
وقد بانَ طِيـــــــــــ..............رها
  


عراق/دنمارك

34
إخترنا لكم / صيـــفُ البـصــرةِ
« في: 19:59 18/07/2010  »
صيـــفُ البـصــرةِ


هاتف بشبوش

الحياةُ على خافقــِها
تذوبُ في قرص الشمس ِ اللاهبةِ
وعلى أشدّها ساعةُ الجحيم
وثمةُ إيقاع ٍ لعناق ِ الفردوسْ.
الموعودون..........
بتهاليل ِ الفئ البريّ
موعودون بزهور ٍأكثر يباساَ
وموتٍ يلوحُ في الوقت المناسبْ
الموعودون..............
أكثرهم غافلين, حتى في طقوسهم الحضاريةِ
يلطمونَ على الصدورْ, في قيظٍ تموزيٍ ٍ
متفاخرٍ , في شرب الشاي.
اللهبُ الصيفيّ  ,قد صارَ عقابا ً
حتى يقتربُ المبتغى كاملا ً, بالصدفةِ المحضة
ويجثمُ على ذاكرة الشعبِ, الذي لم يستطعْ
إمتصاصَ بكاءهِ على مَـرّ السنينْ
ولم يستطعْ , إبتكارَ أناقة ٍ ونظافةٍ
تزيلُ مافي القلوب من حشرجةِ المقدّس.
هاهم الان بتيارٍ لافح ٍ, أوصلهم الى حافةِ اليأسِْ
يتواشجونَ بقوانين الارض ِ
بعدَ إنْ كانوا باسطينَ أذرعَهم للسماء
حالمينَ أنْ تأتي الغرانيقُ
بريبعها من مرج ٍ الى مرجْ
على أكفّ الدعاءِ ,وزيارةِ الاوهام
وتقبيل ِ الابواب المحنـّاة  , بفمٍ يابس ٍ
وبصيفٍ يشتمهُ , حتى القابعونَ في غرفٍ
تحرسها , آلهة ُ البرد ِ في ديسمبر
......................
......................
تحيةُّ لحـــرّ البصرة ِ, والجمهرةِ الشاسعةِ
التي تعزفُ على آلةٍ عملاقة ٍ
في لفح ٍ يذيبُ الجلدْ, وصيفٍ مفتوح ٍ على مصراعيه.
والفقراءُ ينشدون مع كلّ أفـأفــةٍ :
أما تعِبَ القـــيظ ُ
أما زالَ النهارُ حارا ً
أما زالَ النهارُ لهبـــاً .....
أما زالَ النهـــارُ..............
أمــــــا زال...................؟


عراق /دنمارك




35
إخترنا لكم / نســاء..2
« في: 00:00 07/06/2010  »
نســاء..2
هاتف بشبوش

بينما تكنسُ  باحة َ منزلها, المفتوحةَ َ
على فضاءِ عينيّ الزائغتين
كانت تنحني.........
لأجل ِ أنْ تريني , لمعة َ فخذيها
وأنا......
في عمر ٍ
كانَ فيه الشبقُ , رقةُّ وظرافة

*******

اذا ما أرادت الاوربيةُ
أنْ تمنحني الحبّ
تتفحصني…………
من مفرق ِ رأسي , حتى أخمصَ قدمي
واذا ناسبَها مقاسي
إتخذتني
آلةً ً آيروتيكية…….

****************

قالتْ لي شاكرةًُّ
عن الوقت الذي
قضيناهُ
فوقَ الحرير
أنّه ُ……
كامتصاص ِ البرتقالْ

***************

في لحظاتِ الكمال
المجنونْ ……
أرادَ أنْ يدخلَ قبرَ ليلى
لا لكي ينامَ برفقتها , ويذوبُ حبا ً
بل أرادَ………
أنْ يتفسخا , ويتحلّلا معا

*******

حينما أستفيضُ
بوصفِ مَنْ أهوى
ليس المهم
أنْ تكونَ نشيطةُّ في الفراش
بل.........
أهمُّ مايثيرني ويناسبني
هو القياس العراقي
في ردفيها..........

*******

أنا......
شفافُّ ,رقيقُّ , وجميلْ
وفي طاعتي
لأغوائهنّ , أ ُثــــابْ
لأنني...........
ليسَ كما الاقطاعيّ القذر
الذي......
لايغازلُ فلاّحاتهِ
في أوقاتِ عَملهنّ
مهما.....
نازَعهُ الشبق


****


فاتنة ُّ جديرة ُّ
أثناء صلاتكِ وركوعكِ
بجيدٍ ليـّن ٍ
لايعكرُ صفو إغرائي
وأنا...... أتلمّسُ الثنيات َ
الثنيات كلّها
المترعة َ , بريالة الجنس
في البطن ِ والفخذ
وجميع ِ...........
اللحم ِ المعافى


عراق/دنمارك


36
إخترنا لكم / لا أكترثُ بجلبابهم
« في: 11:50 29/04/2010  »
    لا أكترثُ بجلبابهم

(1)
من الرقص ِ
على الطبول ِ وربُّ هند
من حطب البكاء ِ
ذاك الذي لم يجفْ
الاّ...........
وألف أرملة ٍ تنوح مع الخنساء
الى تلاويح
الراية الملقاة على الطريق
بلا يد ٍ او نبؤة
…………………….
........................
شربوا السؤال بكفّ الفأل
وعلى سدّة الصبحِ بيأس الماضين
الى رتل الجحيم
يقعُ النشيدُ من أقاصي الألم
غمامُّ من السأم المخمور يضحكُ ملء الحطام
خزائنُ الأفواه وقهوتها النرجسيةِ
في غابات النفوس سيدة الشتول
مزاحمُ تشفيرٍ وأقفالُّ خرساء
نهرُّ يجرُ نفسه الى عرش منبعه
فتنةُّ غسلتْ سرّ خلودها بأصداء الضحايا
أرضُّ تفترش العظام وظلّ منْ مضغوا الموتَ
إنثيالاتُ أزمنةٍ والعرّافُ صريحُّ وخرقته العمياء
لا تكشفُ أبخرةَ الهول
رهان جليد ٍ وثوب الماء
جرعةُّ من رحيل الموج
أفرطتْ من حولي
كلّ من تحذلقوا كالنبلاء
……………………
أدوّنُ أنفاسي فوق رماد
منْ أستراحوا في رحاب الردى
أقتصّ من كنانتي ما يشير لشعاع سيف
أقطف ُمن ريش الطيور ارتعاشة قحطٍ
يكفيني إذا ما صاحبي علّني كأسا ً
أنْ أكون مزهوا ًوعليهم اله
وما من دواع ٍ لآن أشحذ فطنتي
وأنا على سفح الوعود
التي جرفتْ تفاحة الهديل
لكني أزدرد وجعا ًً
يستدلّ على الثآليل
التي طفحتْ
من عدّي للنجم البعيد
(2)
حسناً
قلتَ لي لم يتغير مكان
ولا تاريخ تلك الطاولة
وأنا قلتُ أنّ الطلاءَ لغةُّ ثقيلة
لا يتماسك فيها الموتُ والميلاد
إصطفينا على أنْ نشربَ الأنخاب
فداهمَ صفوَنا تفاصيلُّ صغيرة

من ديوان[ الشمسُ تأتي من دفء مخدعكِ]

هاتف بشبوش
عراق/دنمارك


 

37



هـذيانُ عرائس ِ السابع ْ

               
                    الى/الشيوعيين في 31 آذار/ بعد الانتخاب

                   
النهارُ........
جنائزيُ الضوءِ والريح
الماءُ والكافور
قد مسدا جسمَ أبي, المُلقى بلا حراك
الحزنُ عميقُّ, تحت همسِ الضحى
السعادة ُ, تتحطمُ بين صخرتين
كنتُ اقف بينهما كحارس ِ مرمى
وانا اصرخُ صامتا
مع كلّ قفزةٍ جنونيةٍ , صَوْبَ الكرة  المرميةِ
 لقد ماتَ أبي
لا ... لم يمتْ أبي
بل مات
لا...بل....لا...لم يمتْ
فتكونُ الصرخة ُ دون قرار
بل دوائرُ, تتسع في المدى
...........................
...........................
اليوم, وبعدَ إنْ , إقترعَ المقترعون
في جحيم ِ البلدِ الثاوي
بين انقاض ِ دجلة َ والفرات
قد خرجتْ صرختي منْ معدتي
وحطـّتْ , في مسمع الاوغادْ
كما أتيحَ لي.............
أنْ أرى فلاحاً يسافرُ في دمائي
بمليون ليلكةٍ وأغاني
أو أرى عاملا ً صار كقطعة سكر ٍحمراء
وشيوعياً أحمرَ[قـرصْ] حتى الموت
شيوعياً تزدادُ فيه الشمسُ ضوءاً
وفي صفحات الجرائدِ كيف يحظى
حبي وشِعري ويومَ ميلادي
وكيف يكونُ آذار الآتي, بين الاستئثار المخزي
لأناس ٍ يتمتعون بألهٍ معتلّ
زيّنوا عرائسهم بالنائحاتِ, لمأتم الانتصار
وسط ديانات ترتقي, وديانات تحلم أوتئن
وثانية تدعي أنّ الديمقراطية َ في مجلس الشورى
وهيئةِ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر
ودياناتٍ تهبط الى دساتير المغول
وأخرى تتهدمُ الى الابد , ويحل محلّها الستربتيز
والمتاجرة بالنساء..................
وأخرى ستحبو بصوامعها, وفي الليل ِ
تكونُ مرتعاً للخمارين وعطر النبيذ
وأنا أتمــددُ وحدي........................
سائلا ً الرَبعْ , أنْ إستقلّوا مااستطعتم سبيلا
ماسكا ً قيثارتي التي فجّرتْ
مايقولُ الرجالُ , منشدة ً
لحنَ الفردوس ِ الموحشِ
ولحن َالارض التي سوفَ تغور
في الاعماق الامريكيةِ القذرة
ولحنَ عواء الذئاب
لحمّى الذهب, في ثلج كاليفورنيا
ولحنَ التراب الذي يُغتـَسل بالدم
لعلّ الواحد الابدي
يظهرُ في بهاءٍ آخر
لكني............
لبستُ, تاجيَ البرقُ
وكرهتُ أنْ أموتَ بأحدى السخرياتْ
فأدركتُ بعقل ٍ مُشعشعِ
أنّ المنجلَ
قد كان َ
فوقَ عنق أبي............


هاتـف بشـــبوش
عراق/دنمارك






38
إخترنا لكم / شمـران
« في: 10:08 10/02/2010  »
شمـران
هاتف بشبوش

فوقَ جبل شمران, قبالة َ نفق القنـّاصين
إذ تضيقُ الطريقُ, ويشتدّ القصف   
واستحالة أنْ أخرجَ حيا
الحـــربْ.......
لم تشبعْ بعد , من حداء الندّابات
الموتُ يندبُ في كلّ الزوايا
والعــمـرْ......
يتبدّدُ هدرا, بين آمر فوج ٍ بعثي ٍ نذل ٍ
وآخــر ٍ ........
يمارسُ زيفا, هواية َ تقريع ضمائرنا
وهباءات ٍ في رائحة البارود
......................
....................
وبآمال ٍ بسيطة ٍ
لمحارب ٍ يفكرُ بالفرار
قد نسيتُ مصيري غافيا ً
حتى أفقتْ
على صرخةِ ضابطٍ سافل
قد بترتْ ساقه ُ
بقذيفةِ إفطار ٍ
وشظايا.....
رمضانية المنشأ, والتوقيت
بينما.......
عمامة الاعرج العربي, سعد بن أبي وقاص
تصولْ
في الثكنات الموبوءة ِ
بحثالاتٍ  ..........
تزهو معاطفهم
بالاوسمةِ  الفضيةِ  والذهبية

عراق - دنمارك

39
الاخ شاميرام..... شكرا لاطلاعك واتمنى ان تكون قد استمتعت بقراءة الموضوع


محبــتي
هاتف بشبوش

40
الاخت العزيزة انهاء

والصمت .. شبح
يكسرهُ زفير الحسرة
جنون
يغمر وديان العقل
وأكتاف هزيلة
لحمل النعوش
تبكيها اجراس الكنائس
آه .. ليوم من الطين عماده
كم تمنى الزمن
لو فيه لم يولد !!


في قصيدة للشاعر الكبير ناظم حكمت يقول فيها.... أجمل الاطفال ذاك الذي لم يكبر بعد ....
القصد من ذلك ان الانسان مخلوق بائس...مهدد بالكوارث التي هي من صنع البشر  كالحروب والطغيان وماشابه.. ومن ثم الكوارث الطبيعية...التي تجعلنا حزانى على حين غرة.. وتاخذ منا اجمل اطفالنا بينما هم في سن يرتجى فيه  طول اعمارهم... وقد ادخلت اجسادهم ذمة القبر.....

رائع منك يا انهاء ان تتذكري فاجعة اطفال مدينتك.....هذه الفاجعة التي تؤلم القلوب

احترامي
هاتف بشبوش

41
كادر موقع عين كاوة المحترمون... هنيئا لكم ولنا جميعا  هذا العيد العشري..انه بحق موقع الثقافة وموقع الابداع الدائم.. موقع الفسيفساء العراقي الرائع.. نشكر جميع العاملين  والفنيين والقائمين على ادارة هذا الموقع ... نتمنى لموقعنا الجميل العيد العشريني مع العطاء الدائم...


مــــــودتي
الشاعر هاتف بشبوش

42
إخترنا لكم / رد: جرمانا
« في: 21:51 15/03/2009  »
 
الشاعر الدكتور العزيز بهنام عطا الله..تحية الود... لقد اسعدني مافعلته لاجلي بنشرك للقصيدة في جريدة بخديدا.. لقد اطلعت عليها...وسررت كثيرا ... فالف شكر لتفانيك واخلاصك للساحة الادبية.. وهذا يدل على اطلاعك المستمر ومتابعتك الدؤوب للجديد في ماينشر من الادب والشعر...
انا سعيد بمعرفتك....... دعائي ورجائي ان تكون بخير.

مودتــــي
هاتف بشبوش




43
أدب / رد: أنثى
« في: 23:53 13/03/2009  »
الشاعرة المميزة هبة هاني......الف تحية
من رهافة الكلمات... والاحساس الرقيق للنص.. وعذوبته..وجماليته.. والسلاسة والفكرةالقصصية
الجذابة... يستطيع القارئ ان يميز النص ويقول انه لشاعرة مميزة.......

ودمت لابداعك وشاعريتك


هاتف بشبوش
احترامي

44
فمن يحملني وجذوري عنيدة

فهل اموت ؟!!

والنعش

صَمْتُ الوقت لبرهة ٍ

ثم

تستطيل ساعاتي ..




وأعود ... !!

الشاعرة المبدعة انهاء...تحيتي

نص جميل.. اغبطك عليه... والى مزيد من العطاء

هاتف بشبوش
فائق احترامي

45
إخترنا لكم / رد: جرمانا
« في: 23:37 13/03/2009  »
[
هذه المرأة تخطو

وبين طياتِ عباءتها مرارةُ الوطنِ / تلوح بها للقادمينَ إلى الجنةِ
الجنةُ التي لا تشعرُ بها  /  إلا في بلادِ هجينةٍ
بلادٍ فقدتْ عُذريتها عنوةً  /  وحكتْ للآخرينَ قصص
السفر الطويل...
لاأدري مالذي فعلناه نحن العراقيون..سنظل نلهث وراء الجنة المفقودة.. ولن نحصل عليها ابدا ..حتى وان توسلنا الى الله عند عتباته.......

نص جميل يادكتورنا العزيز
هاتف بشبوش
حبي واحترامي

46
هبة هاني.. تحياتي,,, هكذا هي الحياة نفي ووصال..حتى نصل آ خر المحطات متعبين... وحتما آخر المحطات سنحتضن العراق.......



فائق تقديري

هاتف بشبوش

47
انهاء...... تقديري واحترامي.. لهذا التواصل والمرور الكريم..  والاسطر البسيطة التي ساتذكرها دائما


احترامي
هاتف بشبوش

48
د. بهنام  عطالله...  الشاعر والكاتب والمسرحي المبدع ...محبتي واعتزازي بك.. ساتذكر كلماتك الجميلة هذه... وشكرا لاطراءك ومتابعتك..ومرورك الشفيف باجواء القصيدة¨::

انه الموت يغزو احلامنا
يبعثر امانينا ودمى اطفالنا
صباحاتنا غدت اخبارا مفخخة
مساءاتنا قلقة
ربما ستنفجر في اية حاوية
انه الموت الزائر
ينام بين عيوننا
يغزو حلمنا
يفخخ حياتنا
برائحة البارود
 ومشاجب السلاح الصدئة
وهي تزكم انوف حدائقنا


حبي واحترامي
هاتف بشبوش

49
إخترنا لكم / رقـــصُّ أزلـــي
« في: 17:09 22/09/2008  »

     رقـــصُّ أزلـــي


في معبد ايزيس
صبوةُ الرجال ِ كاهنةُّ
أغوتني
بسرّتها المشتعلة
تستحثّ الطاقة َ
بهزّ الوركين وانقباض البطن
لايسعفني ان اتذكر
قبل ان يبدأعصر الميثولوجيا الشمسية
وضروب السحر
نجم الدين القمريّ أنذاك
قد افل, ووهنتْ انثاه
وأحيلتْ 
الى الحلكة وهيمنة الفحول
............................
الرقص المقدّس انتهى, في طقوس الترفيه
الملكية, والشعبية, والتدنيس
وكل ما عرفته عن[ تيتانيا] بسبع خمائلها
ورعشات ذراها بين حراس الجحيم
بات سحيقا امام الفرعون
والمحترمون البارزون اولئك
هم من وصلوا[ كاثيس]
بجدارة الفارس وحماسة[ اوفيد]
...........................
في المعابد القديمة للاغريق
حيث العذارى الراقصات
كنتُ اتغذى بقوةٍ الهّيةٍ, تخاتلُ شهوتي
ولكي اصلح للحرب, اتقنتُ فنون الرقص
حتى غدوتُ افضل محارب لدى سقراط
لكنّ اليوم اناث الخصب, دمىً يشدُّ عروضها
الطبال المسكين, وارتعاش الردفين
.........................
هذه الجذوة المرحة, تطبع اثارها
على خفة زوربا, وهو يزيح
ضباب الهواجس المشتهاة
يقتحم الانظار على نغم طلي
هائما بتوأميه, أجنحة الرشاقة
ونسيم الابدية التي , تظلّ غضّة ً رّيا
 


هاتـــف بشبــوش/عراق

50
يكتنزكَ اللهيبُ وأنتَ عابرُّ

هاتف بشبوش



وأنتَ تطلقُ النارَ
على جسدٍ أثقلهُ الخمرُ
يُرمي بأوزارهِ
كلما أبتعد الوطن
في أخرِ قلعةٍ تقتاتُ
منها الذاكرة
وأنتَ تفتكُ بقصيدةٍ
صارتْ حطباَ وسلاحاَ
لحربٍ على وشك الابتداء
وأنتَ تطأُ القلبَ المتثاءبَ
بما يُحزنُ الاقدام
وقلقُ الاناملِ المرتجةِ باللمس
وأنتَ تحيكُ تحت رائحة البرقِ
أخيلةَ ً لمقابر الثلجِ والندى
ما أوسع أزاهيركَ في الجحيم
ولمْ تدركْ أنّ عمركَ مصلوبُّ
خلف زجاج الفردوس
بينما أنا دافئ فوق الهزيعِ
اليانعِ عند ضفة النزيف
وتأشيرةُ أصابعي البيضاء
أقطرُ بين أطرافي تأريخاَ شارداَ
أحصى أنفجارات الروح
ألممتدةِ الى السهاد
رافلاَ بين أنقاض المحطات
بعينٍ
هذبها بؤس الكفيف
وأغفاءةٍ
فوق شغاف الحداد



عراق/دنمارك
من ديوان: الشمس تأتي من دفء مخدعكِ
عن دار الوركاء
بغداد 2007


   

51
بأرجاء ِنهريكَ الباقيات
 
هاتف بشبوش



في أروقة اللوعات
يهللُ الصبرُ عند استماعك للهدير
حتى ينسطل راسك
وهيهات لحنوك الملفلف بالاباء
ان يرى شفة ً تغني
خلا شدوا
َ تبوح به زفير اساك
تمد يديك في هواء الليل
فيبدو لك العمر طويل
من الخير لك
ً انْ تزيح همهمة ً
لاتلبث ان تبددها الريح

في ارض بقايا الرب
لاتبحث في عطش المناحةِ
عن ثياب الرحمة
في نهارات الامتحان وثرثرة الامل
ستفتش عن كعبةٍ
تستجدي نهاراً بلا ابرهة
أبدا ترتب ماتيقنت لتراثك النحس
وفي دمك النديّ
دمك المجنون بلحن بكاك
تسبحُ أحذية ُ المحاربين


الحروب على قلقها
ضفة اوجاع
ساسةُّ تزيّن القتل بالقابٍ كثيرة
وقدحُ قيامة بآخر دمعة من شفيفك
تاريخ ُّ له طعم الهباء
وخطابات
لايهمها
انْ تلقي تحية عورتها
من تحت عباءة صابرين

الرصاص في السور والنزيف
على طول الخنادق لن يستريج
لاهواء ينقي التوابيت
بمفردها تشق الارض
الرعبُ المهول يهمي حولك
ولاطوق يحمي يراعتك
من دواليك الغمام
ورغم فيضك العصي
تذوي وراء الخوافي
تشدُّ على قبضتيك وترسم صمتا
في عيون اللائي يجلبنَ الحظ
وتترك مفاتيح ذاكرتك الفوتوغرافية
فوق جسر ٍ للكينونة وقلبٍ من الزبد
البعيد عن الضفاف


ايها الطالع مرفوع اليد
حين تخمن تاريخ الغيم الماطر
وانت مثــَّاقلُّ بين الوصل ورُدْن ِ هيامك
سيكون الرمل أجمل بين النهرين
فلاتعوّلْ أن تفرح
وفي الربيع المسيّج بالكبريت
ابسط كفيك لجمر الهوان
مازال المشهد يبتلع الاجساد
على سكة الدم والمحن


عراق/ دنمارك

من ديوان[ الشمي تأتي من دفئ مخدعكِ] عن دار الوركاء/بغداد/2007

   

52
الشعر في عمق التأريخ


هاتف بشبوش



سيأتيكم شعري قويا , خشنا , ناضجاً
كما دخل حياتكم الصرف الصحي
الذي أخترعه عبيد روما
                                              مايكوفسكي

                                                                           

القصد من الشعر هو صنع فكرة او احساس من داخل القلب في بناء متسق من اللفظ يدغدغ النفس الاخرى واعماقها من غير تعب او كلفة او ملل , وهو من الفنون التي هي أقرب الى اللاشعور, كما ان هبة الشعر هي  منحة تصحبهامؤثرات خارجية لدى الشاعر, أولها اللغة التي تعتبر النفس الذي يعطي الديمومة والحركة الابداعية للشعر. فكلما أزداد الشاعر من الكم اللفظي أستطاع ان يوظف صورة دقيقة لما يريد قوله بشكل موسيقي , حيث ان اللغة هي رداء الادب بشكل عام وهذا الرداء يختلف من حقبة زمنية واخرى اعتمادا على الذائقة وما توصل اليه المجتمع من تطور في كافة المجالات , التكيف الاجتماعي اضافة الى الطاقات الفنيه تتعاون هده مجتمعة على تكوين الجانب العقلي للشاعر , القريحه الشعرية هي المقدره الفنية التي تيسر للانسان النبوغ في الشعر , او هي الذكاء الخاص بابداع الشعر. وقد يكون بعض الشعراء ذا قدرة هائلة تمده بالنتاج الخصب وتزداد مع الوقت والاحداث حدة ًواتقادا ًوتاتي في موضوعات مختلفة كالمديح والهجاء والوصف والسياسه الخ... أيضا سعة افق الشاعر احيانا في موضوع واحد والتدقيق في الجانب الجزئي من ذلك الموضوع , اذ نجده ازاء فكرة بسيطة يسلط عليها ملكته الفنية , ويطوف بارجائها ويزرع في جوانبها الحياة. كما وان الادراك والاحساس الانساني ليس جامدا او محصورا في فناء معين , لو تمكن الشاعر ان يقفز من القديم  لوجد نفسه منسرحا في افاق  فضائية شاسعة لاحدود لها ومستنشقا  رياح التحديث ونسماته الباردة ..  في عصر ماقبل التنوير كان الغرب  متجها الى الدين ثم تحول الى البرناسية ثم الواقعيه التي تطورت الى الرمزية وعرفت اليوم باسم الحداثة , هذا يعني ان عموم الادب اليوم وغدا هو خاضع للديالكتيك ولايعرف السكون والجمود اطلاقا . حاول عدد من الشعراء لاباس به ان يرسم صورة لشعرجديد يلائم عصر الحداثة ويرتقي به الى المدى الذي يستحق التقدير . اتت الحداثة وما افرزته من شعراء أستطاعوا خلق حساسية شعرية جديدة غيرت من مسار الشعر العربي وفتحت امامه آفاقا مستقبلية كبيرة , كنازك الملائكة والسياب الذين اتوا بالتجديد واتخاذ التفعيلة في الشطر الشعري وثورة على القافية والوزن كي ياخذ الشاعر مجالا رحبا في التعبير عن خلجاته . نازك الملائكة ادخلت الفلسفة في الشعر حين تقول[ انا لاافهم الحياة .... كيف لي ان افهم الموت ] , بالرغم  من ان هذا البيت ينتمي الى مقولة فلسفية لكونفوسيوش 555 ق م  ولم تغير الشاعرة  من هذه المقولة شئ حيث انها نقلت هذا البيت حرفيا من كونفوسيوش حينما سألوه عن مدى معرفته بالموت فاجاب[ نحن لانفهم شيئا عن الحياة , فكيف لنا ان نفهم شيئا عن الموت ] , ولربما قالته الشاعرة الكبيره على سجيتها فجاء الالهام بهذا البوح المتشابه وهذا يحصل كثيرا.
في القديم كان الشعراء يصنعون فنا ملحميا على سبيل المثال  حروب بني تغلب وهوميروس في الياذته , هذه بحد ذاتها هي  ملاحم تاريخية يستطيع القارئ من خلالها الاستفادة من الشعر والتأريخ في آن واحد .
الذي يعيب الشعر العربي هو ان غالبيته شعر المناسبات وهذا النوع من الشعر ضعيف في حين ان الالهام يأتي من داخل النفس بكامل عواطفه وأحاسيسه  . الابتعاد عن التمليق والمآثر المادية يظهر لنا  شعر النفس لاشعرالمناسبةالتي لاقيمة لها ولانص , والابتعاد عن ما أوتي به السلف والاكتفاء بالجيد  مما أفرزته الحقول القديمة وبروح جديدة وكساء جديد يتلائم وروح العصر . من شعراء العالم الذين تخطوا المناسبة وتسلّقوا سلّم الوجود كله هو لوركا قاهر الحرس الاسود الفاشي لدى الجنرال فرانكو .
ان الكنزاالشعري هو موروث في اللاوعي في مسار أجيال الامم وعوالم الشعوب ومسيرة حياتها. ومهما حصل النكوص في حياة الامم لكن الشعر يبقى ازليا يدلل على تلك الكنوز التي ترسل شعاعا نحو الانسانية كما يقول توفيق الحكيم )  اذا ابصرت شعاعا فاعلم ان وراءه كوكبا واذا رايت ادبا فان وراءه حضارة وما من خطر يهدد الشعاع الا انفجار الكوكب(  .
الشعر ظاهرة  نفسية للشخص يشدو به حين تفيض نفسه بظاهرة ما او احساس ولايستطيع ان يكتمه فتظهر القصائد على شكل الانفة وعن الحرب والحنين الى الوطن وعن المنفى.
الالهام هو الفيض المضئ لدخيلة الشاعر ولايمانه وعواطفه وكل وجوده , ومن حق الشاعرأن يسعى لكسب حرية الشعور والعاطفة والتعبير عنها وان يسمو فوق مطامع المادة ومزالق الذلة والخضوع لوضيع الشهوات . فن الشعريحكي التطور الطبيعي للمراحل التي مرت به مؤثرات  العصر القديم و الحديث والاشكالات الفنية في الشعر تحتاج الى زمن ليس بالقصير حتى تتطور, اضافة  الى تاثيرها بعوامل النهضة . كما ان تطور الفن الشعري يرافق تطور الفنون الاخرى , خصوصا اذا ما اعطي الشاعرالانتقاء والابداع بحيث يستطيع اضافة الجديد من مفاهيم التجديد الغربي في المعاني والصور والشعر التخيلي والقصصي, كما قال ميخائيل نعيمه في كتابه الغربال [ لا الاوزان ولا القوافي من ضرورات الشعر] وامين الريحاني في كتابه انتم الشعراء تطرق الى هكذا تطور . ظهرت نخبة من الشعراء جددوا في بنية القصيدة فاصبحت لاتقتصر في الالفاظ , فبرز الاحساس الصادق والمعبر عن تجربة الشاعر الصادقة اتجاه همومه.من الضرورات المهمة الاخذ عن الثقافات الاجنبية لكي ننهض في مختلف الحقول واذا ظلت بالاكتفاء الذاتي في المجال الثقافي والادبي لااعتقد بانها ستحقق نقلة نوعية في عموم مسار الشعر. ولذلك كان من مهام[ معهد الدراسات العربية العالية] المؤسس في مصر هو عرض واقع الادب في سائر الاقاليم العربية عن طريق اختيار مجموعة من مفكري وادباء العالم العربي ومطاليبهم بتقديم دراسات مسحية تفسيرية تقويمية لعتبة الشعر في بلدانهم. كما وان الثقافة لاحدود لها ولا وطن وهي لاتنتهي عند غاية من اي قطر او بلد من بلدان العالم. ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران وامين الريحاني الذين تاثروا بالشاعر الامريكي[ والت وايتمن] فنقلوا عنه القصيدة الحديثة او قصيدة النثر.
الكلمة باقية وهي بمثابة غذاء الروح التي تمهد من اجل عالم افضل وكون تسوده الحرية والعدالة دون موت ودمار واذلال .
لو ناخذ امثله بسيطة عن مدى فاعلية الكلمة لعدد من الادباء  عربيا وعالميا , مجنون بني عامر يقول  الشعر والخوف والعشق سيان[ نحن قوم اذا عشقوا ماتوا] حيث نستدل من هذه الشذرة على ان تلك الحقبة الزمنية تتمثل بالشعر بابهى صوره والحب وما يلاقيه العاشق من اهواله .  المتنبي يصف السيماء الحقيقية لمن يبدو عليه الهوى أذ يقول[ بادٍ هواك صبرتَ أمْ لم تصبرا ... وبكاك أن لم يجرٍ دمعكَ أو جرا] . الجواهري في بيته الذي يقول فيه [ أكلما حُدثتُ عن نجمٍ بدا ...حدّثتني النفس ان ذاك انا] حيث يتبجح فيها الشاعر ويوضح لنا مدى استعلائه الكبير شعورا بذاتيته.
سعدي يوسف يقول[ تحت الاسوار ولدنا وعلى الاسوار نموت .... لم نعرف في بابل غير القتل لاجل القوت] , هنا يرسم الشاعرصورة تاريخية لبلد لم يعرف الراحة والامان , سوى العنف ولغة السيف والمسدس وكثرة الجلادين والجلاوزة , وهنا يتفق الشاعر مع ما قاله السياب [ ما مامرّ عام والعراق ليس فيه جوع] , نفهم من هذا ان لون الدم هو الطاغي على سماء هذا البلد على مر العصور.
لو انتقلنا الى ادونيس وما قاله عن العالم العربي [ في عالمنا كل شئ ميت عدا الله والحاكم] .
أراغون كان شيوعيا  وقد تحول من السورياليه الى الواقعيه الاشتراكيه الشيوعيه بعد روايته [ فلاح باريس] , الا انه لم يكتب بالاسلوب التحزبي بل بالاسلوب الشمولي الانساني رغم شيوعيته . الشاعر ناظم حكمت كان على العكس  , حيث كتب باسلوب الادب الحزبي وهو شيوعيا حتى مماته وكذلك الحال بالنسبه للشاعر الكوردي عبد الله كوران  الشيوعي الذي كتب بالاسلوب التحزبي ايضا. لكننا لو انتقلنا الى نزار قباني نجده في امبراطوريته الاسلوبية الخاصة به , حيث يقول [ساكتب للعصيان والحب وأغني خارج السرب] كما انه لن يسمح لاي سلطة تعلو سلطة الحب.
الكلمةايضا في الشعر وفاعليتها لاتعرف الجاه والمنصب , هوشي منه كان اول رئيس لجمهورية انغولا وكان شاعرا , ماو تسي تونغ كان شاعرا ايضا , وزير الدفاع الامريكي السابق رامسفيلد كان شاعرا ايضا , لو نزلنا الى المراتب الدنيا من الشعراء حسين مردان الشاعر المشرد , أدغار الن بو الذي مات مخمورا في احد شوارع نيويورك والذي يتوقد خياله تحت تأثير النبيذ . أو شاعرا شفيفا باذخا كاحمد شوقي . نستطيع القول هنا اجمالا ان الادب هو بمثابة الاصرة المشتركة بين جاه ومكانة البشر ان كان رئيسا او كان متواضعا او سكيرا او مشردا وياله من رابط مشترك رائع تتكسر عند عتبته كل معاني الغطرسة والاستبداد. الشعر يدخل بيوتنا شئنا ام ابينا سواء ان كان عن طريق اغنية ندندن بها بين انفسنا او في جلسة ديوان او في بار يدخله الندامى في سبيل الترويح عن النفس او المباهاة والمبالغة في طرح الهموم والمبارزة الشعرية , او بعض القصائد الخالدة التي يحفظها حتى الناس الذين ليس لهم في الشعر لاناقة ولاجمل مثل قصيدة مظفر النواب [ اوتار ليلية] , حيث اصبحت هذه القصيدة مثل نشيد يومي يردده غالبية العراقيين والعرب لما حملته من دلائل وطنية وكشف لعورات العالم العربي الذي نعيشه , حتى اصبحت من القصائد الخالدة . اذن الشعر هو صرخة عاليةيسمعها حتى الاصم وليس بالضرورة لهذه الصرخة ان تغير من حالة الشعوب وانما لتفسير  الواقع المريربالدلالات والرؤى المختلفة  وبشكل بانوراما تسلط الضوء بايماءة خاطفة وثرية وكثيفة ومؤثرة بحيث انها تكون كافية لدمار السلطان .



 الدنمارك




53
إخترنا لكم / يومُّ عراقي
« في: 22:34 03/03/2008  »
يومُّ عراقي

هاتف بشبوش



دمُّ في صباح التمنّي
حديثُّ عن الاشلاءْ
برابرةُّ يلوكون بعد التشظّي
خطاياهمْ
كلُّ سيل الرصاص وتحت السراويل
مزاليجُّ ما تشير الى الجنة
ولحمُّ شواء
.....
جاءتْ
مع الرذاذ المرّ من سيح القتيل
وبان لها صوت الجريح
قالَ لها
بحزامه الكيدادُ صلّى
حوّمَ في المكان
أبصرتُ السماءَ كزوبعةٍ
ثمّ دويُّ قد حدثْ
......
بكتْ الشماءْ تودعهُ
هذيانها المنشود
كلُّ هذا الموت سبحانك
وراحتُ ترممُ القدمين تلك
المقطوعتين في الركنِ
تبحثُ عن يدٍ جرداءْ هنا نزفت
وعن ملاكٍ فطيمٍ
.....
ومضتْ بظلّها المكسور
دائخةَ والامهات لها سنداً
وما من زهورٍ في الاواني
ولمّا يزل النهار
يهدهدهُ التفخيخ
نصلُ السيف
والعلُبُ الادمية الفاسدة




عراق/دنمارك


  

54
الاكفانُ أخرُ موضةٍ في بلدي

(الى ضُحى, شهيدة كلية التربية)


هاتف بشبوش


ذات فجرٍ موشومٍ بدالية الشمس
وصوتٍ يستدرك ايماءات الطفل
باجفان الخوف من سماء الغفلة
وصلاة صقلتها الهة الشوق
كانت أختي بهمس النعناع
تحدثُ روح العالم
بهدهدةٍ لضحاها
حالمة بزغاريد ولادتها البكر
تتباهى بتمتمةٍ لو اطلّتْ
من الصراخ العادي لوليدها
تهفو اليها بحشا الاميمة
وضمةٍ تميل بهيبتها فينداح الوجد رحيقا وحياة
ضحاها
قريبا ستحبو
سترسم بالطبشور ازاهيرا ونخيل
ستغدوا في المدارس احلاهن
ستغمر الشرفات بالضفائر
وأنّى لها العلمُ في وقت الرخاء   
انّ الفجيعة َ المخضلةُ وطقوس العويل
تخط شواهد الموت الثقيل   
الذي سيلبس اقراطها المرمية
بين انقاض صاروخهم , اولاد قراد الخيل*

ضحى
بعدُ لم تعرف أطياف السحر
وايقاع الروح بليل الغزل
صورتها
دهشة عينيها
لم تزل
على المراة دافئة
خواتمها الفضية, مشطها البني
اساورها, قنينة عطرها, خمائلها
هناك
في درج خزانتها ملالاةًَ
                                                                                                                                                     
في اخر يوم ٍ تركتْ شعرها حرا ً فوق القميص 
من سقوف الخجل ارخت ضياء براءتها
في لبلاب الصبح كانت تنصت للمدى
لفتتها الحزينة تفضح كل من صافحها على قلق ٍ
الظلالُ قاتمةُّ هوت على كل السعادات
و انتفضتْ قلوب

ضحى بطيب رونقها
هفتْ الى العلياء
حيث لاشئ فوق هامتها
تخيط من التراب فستانا لزفافها الابدي
وحقائبَ فارغةَ ,سوى تقويم هارب
ومواعيد ملغاة, تضئ القبر دون قصف ٍ او قنابل
ايتها الصغيرة, خليكِ هناك, على ميناء نشيدي
ونزف رجائي
فالموت صار في بلدي قوافل
والاكفان آخرُ موضةٍ ينقصها الاعلان وعارضات الازياء
نامي قرونا واشهدي ان الخاتمة في الجبين
والاعداء
مهما اداروا مصاحفهم
تمايلوا فوق سجاياهم باحذية الارامل
ستنطفئ بنادق حرب الاديان
وساحرق اوراق القديس أوغسطينوس
فوق اغاني البدء
حتى أخضعُ بعدَكِ للسكون



اولاد قراد الخيل........... مظفر النواب *



العراق-دنمارك



صفحات: [1]