عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - مروان ياسين

صفحات: [1]
1
رواية ..سيدات زحل
للكاتبة لطفية الدليمي
                          اشتباك الأزمنة في بنية السّرد


مروان ياسين الدليمي


             
بتسعة فصول تنهض رواية سيدات زحل مستندة على 35 كراسة شخصية تجمعها الصحفية حنان البابلي، وهي سليلة اسرة بغدادية عريقة تمتد جذورها عميقا في تاريخ المدينة الاجتماعي والانساني، والكراسات ماهي إلاّ مذكرات تولى كتابتها عدة شخصيات في المقدمة منهم حياة البابلي وهي الشخصية المحورية الساردة للأحداث وعدد من صديقاتها،واشقائها بالاضافة الى عمها الشيخ قيدار،ترتبط هذه الكراسات بسياق مشترك قائم على استعادة صور الحياة في بغداد عبر كتابات شخصية من بعد أن تشظت المدينة بفعل الحروب التي توالت عليها : " غدت سماء المدينة سوادا موشحا بلطخات دموية واتخذ الدخان اشكال تهاويل ووحوش وتنانين تقذف اللهب من افواهها وبغداد تتنفس هواء مسموما والناس تشرب من ماء الجحيم وتهرس تحت العقب الساحقة لجيش الغزاة " .
تقودنا الكراسات الى الدخول في عوالم ذاتية لهذه الشخصيات من خلالها نتوغل في عالم آخر يزداد اتساعا وعمقا كلما توغلنا فيه لتصبح رؤيتنا مفتوحة أمام ازمنة وشخصيات اخرى كثيرة تشكل مدينة بغداد مدارا لها  تدور فيه.
صورة بغداد المدينة،وما كانت عليه  من انفتاح وتنوع في الاعراق والاصول طيلة تاريخها،يعكسها بشكل واضح المسار الحياتي لجَدِّ جَد حياة البابلي رشيد ابن الشيخ نعمان التميمي وكذلك ابناءه، فقد تزاوجوا من نساء ينتمين لأصول واعراق مختلفة،مصرية وتركمانية  وكوردية وارمنية وعربية. وعمها الشيخ قيدار خصَّها هو الآخر بكراسته التي أرَّخ فيها جوانب مضيئة من تاريخ بغداد الثقافي،وذلك برصده لمسيرة علمائها ومتصوفيها،فترك لها الكراسة محفوظة في سرداب بيته قبل أن يهجر الدنيا بعد أن اختطفت زوجته فتنة من قبل حماية احد المسؤولين الكبار في الحكومة قبل العام 2003،وبعد أن اعتقل هو الآخر بذريعة انتمائه لمنظمة سرية.
المتن الحكائي
من الجملة الاولى تضعنا لطفية الدليمي في محنة الشخصية الرئيسة(حياة)إبنة الاستاذ الجامعي البرجوازي اليساري عدنان رشيد البابلي،التي باتت تعاني ذاكرتها من التباس وتشوش كبير،وبسبب ذلك أمست عاجزة عن تحديد هويتها وحضورها الانساني،وهذا مايشكل من الناحية الفنية معادلا موضوعيا لما اصاب مدينة بغداد ـــ التي تموت عشقا بها ـــ من التباس وتشويه في هويتها وحضورها الانساني،وهي تغرق في زمن اشبه بمتاهة بات يلفُّها كل لحظة بدخان من الجحيم:" أأنا حياة البابلي،أم أنني أخرى ؟؟ ".
تعيش البابلي لحظة نفسية ووجودية قلقة لامكان فيها للشعور بالهدوء على وقع انغام حرب مجنونة تسحق المدينة ما أن تجتاحها الدبابات الاميركية ويستبيحها مسلحون ملثمون متتطرفون.ورغم هذا تبقى حياة مُصرَّة على الاحتفاء بالأمل :"مالذي يمنح الروح قدرتها على مجالدة الألم ؟ أهو الحب ؟ أم جرثومة الحياة العنيدة ؟أم هي الأحلام التي نستولدها من شحنات الأمل والحب ".
الاسماء هي أول ضحايا هذه الحرب،وفيها تكمن معاني الاشياء كما اشارت الينا الجملة التي وضعتها الدليمي في الصفحة الاولى قبل بدء الفصل الأول لتكون عتبة دخول الى عالم الرواية،كانت قد استعارتها من فيلسوف التصوف عبد الجبار النفري:"وقال لي لكل شيء شجر،وشجر الحروف الأسماء،فاذهب عن الأسماء تذهب عن المعاني.وقال لي إذا ذهبت عن المعاني صلحت لمعرفتي ".
البابلي فقدت القدرة على معرفة حقيقة الاسماء التي تختلط في ذاكرتها،فلم تعد نعرف من هي(راوية)التي تبعثت لها برسالة تعبر فيها عن دهشتها بعودة حياة من قبرص وهي بين يدي حبيبها ناجي الحجالي الى بغداد مرة اخرى بعد أن كانت قد بذلت مجهودا كبيرا في سبيل الخروج من جحيمها ؟ ومن هي  مَها ؟ ولمى ؟ وحامد المدرس ابو الطيور؟ وآمال ؟ وناجي ؟ وحازم ؟ 
من هؤلاء الذين يتكررون في الاحداث التي تُستعاد في ذاكرة مشوشة عاجزة عن التمييز،حتى أنها تخيلت نفسها وكأنها فقدت القدرة على الكلام،مثلما هي فقدت الاحساس بالزمن:"هل مر يوم ؟ يومان أم ثلاثة وأنا عاجزة عن الكلام ؟ " .
عالم شاسع بات محجوبا عن حياة بعد أن لفَّتها الكوابيس في عتمة سرداب البيت محتمية به من موت همجي يدور بين الازقة والشوارع بحثا عن ضحايا وقد يطرق بابها في اية لحظة،فالذاكرة خذلتها وهي خط دفاعها الأخير،وباتت تتوسل إليها أن تكف عن أن تكون نشيطة:"توقفي عن تعذيبي،إهمدي إلى الأبد ودعيني ..".
كانت تنطق عبارات طويلة ضالة وحكايات مبتورة واغان واشعار وعبارات عشق لارابط بينها يتخلل ذلك عشرات الاسماء وهي في حالة من الهذيان،فايقظها من تشوشها اسم الشيخ قيداروصوته الذي كان يتردد في وحدتها الموحشة وهي تقف أمام المرآة،ويحثها على عدم الاستسلام للموت،وان تقاوم،وان لاتدع هذا الجنون المستفرد بالحياة يفسد حلمها،فاضاء لها ذاكرتها في عتمة السرداب،ومن خلال اسم عمها الشيخ قيدار انكشف عالم شاسع كان محجوبا عنها وهي مختبئة في وحدتها خلاصا من الموت والجنون:"لاتيأسي،إبحثي عن عمك الشيخ قيدار، ابحثي عنه في الجهات والكتب والاسماء والرؤى ..." .
الحرب تمر على كل شيء جميل في بغداد يؤرخ نبرة النهار وفيء النخيل ورائحة الحب فيها،وتتداخل بذات البابلي مشاعر مختلفة ومتناقضة تتأرجح،مابين التوق الى الاستفاقة من هذا الكابوس أوالبقاء في اللحظة الغائبة المغيبة من الذاكرة .
شخصية حياة البابلي حملت في داخلها تحدي كبير وحبا صادقا،هو بمثابة أمل بلقاء قادم مع الحبيب المنتظر ناجي الحجالي المقيم خارج العراق ،فالحب كما تراه "إعادة خلق الزمن والمصير بأصابعنا المشتعلة " .
كان لديها اصرار على البقاء في لحظة لابقاء فيها للحب،كل شيء مهدد بالموت بالرعب بالتوحش بالخيانات،فكانت هي ايضا مهددة ومطاردة من قبل المتشددين بسبب ماتكتبه من تحقيقات صحفية،لكنها كانت تزداد اصرارا على البقاء وعلى الامل،لعلها تلتقي بحبيبها الذي لم تكف عن الايمان بلقاءه:"كلانا كان بانتظار الآخر،كلانا كان يبحث عن روح تكافىء روحه،وتغض الطرف عن نقائصنا الانسانية ".
حياة البابلي كائن له ذاكرة وحلم،كانت تؤمن بأن الجمال هو حقيقة الانسان الوحيدة في الحب وفي الموت،لذلك كان يقول لها حبيبها ناجي الحجالي:" انت تملكين مزيجا متساويا وغريبا من البراءة والغواية ".
كانت تعيش على امل كبير لاخلاص منه،كما هي متشبثة بحبها الذي لن تتخلى عنه،ومثلما هي متشبثة بعشقها لبغداد:"لبثت احرس الصمت وكراسات الغائبين وقصص البنات،متشبثة بيقين حبي وانتظاري لناجي وأمل ظهور عمي الشيخ قيدار".
تقانة السرد
في كتابه المعنون (الزمان والسّرد)يقول بول ريكور:"إن وجود الزمن في السرد حتمي،إذ لايوجد سرد من دون زمن،وهذه الحتمية هي التي تجعل من الزمن سابقا منطقيا على السرد،إذ انَّه بالإمكان رواية قصة من دون تحديد المكان الذي تدور فيه الاحداث،واستحالة اهمال العنصر الزمني في النص السردي الذي تنتظم بوساطته العملية السردية". وفي تعاملها مع الزمن وهي تبني مسار الاحداث ومصائر الشخصيات عمدت الدليمي الى ايجاد إطارين من الزمن لسرد الوقائع :
 1-زمن فيزيائي ( خارجي)  2- زمن نفسي ( داخلي ).
في اطار الزمن الفيزيائي /الخارجي انتظم ترتيب الكراسات،فجاء سياقه منتظما بشكل تراتبي تراجعي،منطلقا من لحظة الحاضر مرتدا الى الخلف لان ذاكرة الشخصية الساردة حياة البابلي كانت تحاول الهروب مِن الحاضر،من النهارات والليالي المروعة :"كان الشَّر يتنزه حولنا ويسخر منّا،يغير سحنته كل برهة،يصير صاروخا أو رجلا ملتحيا،أو عبوة ناسفة أو صديقا يخون ماأن نحدس اقترابه ونتحسب له حتى يغير سيماءه كحرباء ويكمن لنا بهيئة لانتوقعها ".
الدليمي اختارت أن تتخفى خلف قناع الشخصية المحوررية مستعيرة صوتها وضميرها المتكلم في بناء رحلتها  السردية الطويلة المتشعبة في تاريخ وحيوات مدينة بغداد،منطلقة من الزمن الحاضر المؤرخ في اعلى الصفحة الأولى  للكراسة الاولى  بشهر نيسان 2008 ولترتد الى الوراء كراسة بعد أخرى مارّة بالاعوام التي شهدتها بغداد من خلال ما شهدته الشخصية التي كتبت الكراسة من احداث ذاتية،ولتستمر رحلة السرد باصوات ووجهات نظر مختلفة مع تعاقب الكراسات، رجوعا في مسار الرحلة الزمنية التي يتداخل فيها الزمن العام/ الفيزيائي/ الخارجي مع الزمن الخاص/النفسي /الداخلي،حتى تصل الرحلة الى اللحظة التي لم تكن فيها مدينة بغداد موجودة بعد على الارض،إنما كانت في مخيلة ابو جعفر المنصور فقط عندما كان يحلم بها ويفكر في بنائها،ومن ثم تعود بنا رحلة السرد الزمنية من حيث انطلقت بعد أن  سردت لنا حكايا عن  الحب والموت،تعود بنا الى نقطة البدء،الى السرداب،حيث حياة تقف امام المرايا تتساءل مع نفسها في محاولة منها لمعرفة "أين الجهات ؟ أين الاصوات ؟ خرست الساعات ووجدتني في عراء والزمن عماء ،المكان معتم لكنني ابصر ضوءا " .
في اطار الزمن الداخلي/النفسي انتظمت الاحداث داخل كل كراسة لوحدها،وهيكلت  الدليمي مساره بصورة يبدو فيه للقارىء مشوَّشا وغير منتظم فيزيائيا،معتمدة في بنائه ــ وفق هذا الشكل ــ على ماأصبحت عليه ذاكرة حياة البابلي من تشوش واختلاطات بسبب مايحيطها من عنف وقتل باتت تشهده مدينة بغداد،فماعادت بسبب ذلك تملك قدرة على فك اشتباك الازمنة والاحداث حسب تسلسها الفيزيائي ،لذا جاء بناء الزمن السردي  على هذا الشكل الداخلي /النفسي  .
آلية البناء السردي
استعانت لطفية بتقانة المذكرات أوالكراسات الشخصية،وهي صيغة بنائية حميمة في آليات السرد،وهي اقرب التقانات الى الذات لكشف مكامنها وعوالمها الداخلية،لذلك تعددت الاصوات الساردة بصيغة ضمير المتكلم  في كشف المشاعر والاحاسيس المخبوءة،بعدد الاشخاص الذين كتبوا الكراسات،فجاءت عديد من الكراسة تحمل عنوانا يشير الى شخصية محددة تشكل محور الكراسة.وكانت الاصوات النسائية القاسم الأكثر حظورا وهيمنة في مسار السرد(التبئيري)حسب  مصطلح الناقد جرار جينيت.
سيدات زحل مصابات بلعنة زحل تطاردهن من ارض الى ارض ومن زمن إلى زمن ــ  كما تقول حياة البابلي ــ عكسن وجهة نظر نساء حالمات في زمن لامكان فيه للأحلام،وكل الرجال الذين مرَّوا باحلامهن كانوا مجرد أطياف،فالمرأة في زمن تسوده صور الحرب والعنف والقتل على الهوية تصبح فيه طريدة وفريسة سهلة لأمراء الحرب،يتم التعامل معها بابشع صور الاذلال والاحتقار الجنسي والانساني، وهذا ماكانت عليه مصائر سيدات زحل فشخصية هالة المهندسة المعمارية على سبيل المثال كان لها حلم كبير ظل يراودها:أن تصمم مَرقداً مُبهرا في معماريته للحلاج،لكن غزو الكويت اوقف المشروع،والنتيجة ان ضاعت الاحلام في مسافات التشرد بين البلدان بعد أن فقدت عذريتها داخل سجن ابو غريب من قبل الاميركان،وشخصية راوية التي انتظرت حبيبها نديم اعواما طويلة على أمل أن يعود في يوم ما من بريطانيا بعد أن يسقط النظام لتتفاجأ به وقد تحول الى مسخ،بل إلى قواد،بعد أن تخلى عنها وتزوج من بريطانية لعبت دورا كبيرا في مساعدة فصائل المعارضة العراقية قبل العام 2003 في تحقيق اتصال مع الحكومة البريطانية،ولايجد نديم حرجا في ان يعرض على راوية استعداده لتزويجها من مجنَّد اميركي شاهد صورتها وابدى رغبته  بالزواج منها ومكافأة نديم فيما لو اقنعها بذلك .
مفارقة اللغة  
لغة لطفية كما يعرفها جيدا قراءها منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي تنتمي الى مناخ سردي له معطيات انثوية بامتياز يتماوج بشفافيته مابين وقع الجملة الموسيقية في بنائها الهارموني وتجليات العشق الصوفي، وفي هذا العمل يتدفق شلال مفرداتها منفتحا على عالم الزهور والنباتات في مواجهة عالم بشع متوحش:" أشذاء الورد والياسمين وعبير طلع النخل يضوع من الحدائق والمتنزهات المهجورة وبساتين الضواحي في مناطق الدورة والتاجي والفحامة وسبع ابكار،موَّهت الأشذاء لبعض الوقت روائح الجثث المتحللة الملقاة على الارصفة ثم فضحت الشمس نتانة الموت".
الدليمي اعتمدت المفارقة في ازاحة الدلالة بمعناها اللغوي عندما نثرت في بنيتها السردية زهورا ونباتات باصناف وانواع مختلفة كانت جزءا من ذاكرة بغداد نثرتها بين سطور الرواية وفصولها وهي تتحدث عن زمن يمتد فيه الموت والرعب متوغلا في  الهواء والاصوات والاشياء،وكأنها كانت تحاول عبر صوت حياة البابلي أن تعيد لبغداد حياتها المفقودة بنكهتها والوانها ورائحتها التي تعرفها كما لو انه لم يعرف بغداد بهذه الصورة  كاتب عراقي آخر :"احترقت اشجار اليوكالبتوس والصفصاف والارجوان،بعضها قاوم الإهمال والظمأ،المروج جفت وتحولت بعض الشجيرات إلى لون ذهبي محروق،أتراها ماتت ؟؟ ألوانها النورانية تجمل الخراب الذي حاق بالمتنزه،جذوع اشجار التوت العتيقةكانت رحيمة ومتينة ليتوارى وراءها عاشقان يتبادلان القبلات تحت المطر أو غسق الخريف قبل أن يضبطهما شرطي أو عابر متشدد ".




2
فنان ، متطرف دينيا!!!
                                               
مروان ياسين الدليمي

عندما تجد فنانا شابا،ينساق فجأة كبقية القطيع وراء مناخ التطرف الذي يسود العالم،هذه الايام،ليكرس جل وقته لاقامة حفلات بائسة من الشتم والاساءة للآخرين على صفحات الفيس بوك وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي الالكتروني،بدلا من تطوير ادواته الفنية وتقديم مشاريع ابداعية ترتقي بذائقة الانسان.فلابد ان يكون سبب هذا الخلل العقلي والروحي الذي اصابه :افلاس تام في مشواره الفني،وعجز عن اثبات حضور مهم بين اقرانه وزملائه،لذا لم يجد في نفسه سبيلا وقدرة على إثارة اهتمام الاخرين به،سوى ان يركب مطية التطرف الديني،لانها بضاعة رائجة وهي ارخص مايكون في سوق الانحطاط والرداءة والبذاءة .وإلا ليس من المنطقي ولامن المعقول ان يتنازل الفنان عن مكانته السامية ورسالته الفنية بكل جمالها وعظمتها وخلودها لصالح خطاب ديني متطرف،لاقيمة له بقدر ارتباطه بمصالح واجندات سياسية ينتهي حضورها واهميتها من على سطح المشهد الانساني مع اي تبدل يطرأ على مسار العلاقات بين قوى سياسية تتصارع على النفوذ والمطامع،وليس دفاعا عن المبادىء والقيم الانسانية والدينية .
ملاحظة : ليس هنالك اي شخص محدد نقصده في هذا المقال،بقدر ماكان الهدف من كتابته،الاشارة بشكل عابر وعام لحالة يمكن ان نواجهها هنا وهناك .لأنني شخصيا لايعنيني الشخص الذي يصدر عنه الفعل بقدر ما يهمني الفعل نفسه ومدى اهميته ودلالاته ودوافعه ونتائجه على المستوى العام.

3
المنبر الحر / مَسارُ العَمى
« في: 14:41 18/02/2015  »
مَسارُ العَمى
 

                                               
مروان ياسين الدليمي

لم يعد يستفزني ولايدهشني،ماأقرأه من كتابات بعضها لأصدقاء ومعارف،من بينهم فنانون وادباء ومثقفون،ومن كل الاديان والطوائف والقوميات والملل والنحل،تنضح منها افكار متطرفة -دينية ،عنصرية ،طائفية -بعد أن اقتنعت شخصيا بأن لابد لنا من أن نبذل جهدا نفسيا وفكريا كبيرا لكي نخرج من منظومة ماتوارثناه -عبر اجيال وحقب متعاقبة -من افكار تحمل نظرة استهانة بالآخر ،إن لم تكن افكارا تحمل نظرة كراهية وتطرف اعمى،ولكي نخرج من هذه الهوة السحيقةالتي تروج لها كثير من القوى التي تتحكم بمصائر الناس -داخلية وخارجية -لابد لنا من ان نستعين بفطرتناالانسانية القائمة على التآخي،قبل القراءة والدراسة والمعرفة ،خاصة قراءة فترات التاريخ الانساني التي شهدت مانشهده اليوم من تطرف،عندها سنخرج بنتيجة واحدة تقول لنا بأن :من الغباء على الانسان أن يهين عقله وآدميته وفرصته الوحيدة بالعيش على هذه الأرض ليصدق اكاذيب الساسة ومن يروج لهم من رجال دين وثقافة وفن واعلام وصحافة،وهم يصدرون لنا كل يوم خطاب التطرف والكراهية ضد بعضنا البعض مغلفا بشعارات الدفاع عن العرق والدين والطائفة،واجدني اليوم على قناعة عميقة بأن من ينساق وراء هذا الخطاب،مندفعا دونما روية وتفكير خلف طغيان موجة مشاعر التطرف والكراهية،وهو يخوض في مياهها الآسنة،لن يتمكن من تحقيق اي نصر على من يعتقد بانهم اعداءه،فضلا عن تلويث روحه فقط،بما تفرزه الكراهية من قيح وأدران،ليتحول يوما بعد آخر ودون أن يشعر الى كائن مسخ،دميم ،كئيب،حاقد على نفسه قبل الآخرين،ولتتعبأ دواخله بمشاعر وافكار تزداد قتامة الى الحد الذي يصبح فيه العالم بعينيه بلون اسود قاتم،ولم يعد يملك مايكفي من بصيرة كافية تمكنه من رؤية الاشياء في الحياة على حقيقة الوانها الجميلة المتعددة..إنه بذلك يطعن روحه يوميا بمدية التطرف المسمومة وهو مغيب عن وعيه،ولن ينجو من هذه اللحظة الدامية إلا إذا توقف لحظة ليحاسب ذاته بما جنى،بما انتج،بما حقق من اعمال تستحق الفخر،بما ارتكب من حماقات حتى ولو كانت مجرد شتائم والفاظ، وليست افعال ،ثم ليتقدم خطوة واحدة إلى الأمام نحو النور ،نحو المعرفة،ليرى بوضوح ماحوله،ليكتشف أن وجوده كمخلوق،زائل في هذا الكون الشاسع،ولايشكل حضوره فيه سوى ذرة تراب لاترى بالعين،بينما يعتقد هو واهما،بأنه ند لهذا الكون،وانه ملك يديه،وملك مايعتقده ومايؤمن به حول نفسه ودينه وقوميته وطائفته،فقط لاغير .

4

  التّحليقُ عاليا،في مناخ شعري بعيد

   قراءة في ديوان (خارطة اللون .. قبعة السماء)*
 للشاعرة المصرية سمية عسقلاني

  مروان ياسين الدليمي

سمية عسقلاني تصارع الحياة بصوت أنثوي حرّ


كما لو أنها لوحدِها،تأتي الشاعرة د. سمية عسقلاني الى منطقة الشعر قادمة من لحظة زمنية بعيدة جدا،يعود الشعر فيها الى منابعه الأولى،حيث الصوت ولِدَ عاريا حراً،لا تكبله القواعد،ليتجلى فيه الصوت الانساني ــ الانثوي ــ بكل حساسيته ورقته،في لحظة محسوسة بالنبض.لحظة،مازالت ــ كما هي ــ على نداوتها قبل أن تكون مرئية،دون أن تكبلها أعباء واحمال ثقيلة تكدست على أصوات شعراء أخرين .وهذا ماتشير إليه عسقلاني في جملتها الأولى قبل أن ندخل عالمها الشعري:
انتبهوا
هنا عشبة لم تجف
وشعاعٌ يثقب غيمة .
الشعر يعكس تجربة الشاعر وذاتيته ازاء العالم الموضوعي،ويأتي النص محاولة من الشاعر لايقاظ الوعي في ــ ذات ــ تجربته الشعورية،بعد أن كانت الذات قد خاضت إرهاصات تلك اللحظة،والشاعرة هنا،تمارس فعل الاكتشاف، لتعيد مرة أخرى اكتشاف الاشياء التي خَبَرتها،وبنفس الوقت هي تعيش لحظة الاحساس بدهشة الحياة ساعة تتشكل بتفاصيل صغيرة تمرُّ أمامها،فتستدعيها بذاكرتها الشعرية مُحيلة إيّاها الى معانٍ أخرى جديدة،وإنْ ليس هنالك من شبه مابين الدلالات،وبذلك هي تسعى إلى أن تفصحَ طاقةُ الشعر عن نفسها،بإعادة الروح الى طاقته العضوية/ الفطرية،كما يسميها هربرت ريد في كتابه المعنون طبيعة الشعر:"حين تتوافر للعمل الفني قوانينه الفطرية الخاصة به،وينبثق عن روحه الابداعي الحقيقي ويدمج في كلِّ واحد حيّ البنية والمحتوى،فالشكل الناتج مِن ثمَّ يمكن أن يوصف بأنه عضوي ". هذا المنحى الذي تتحرك فيه الشاعرة لايتعارض مع الفعالية القصدية التي يتجوهر فيها عمل الشاعر طالما هو مدرك تماما أن:كينونته الاسلوبية التي يتطلع بها ومن خلالها أنْ تكون خارج التصنيفات النقدية الجاهزة والمتداولة .
كآبة ديسمبر ٍ
تتدحرج فوق النوافذ
وكان الزجاج يعكس صورة مشوشة
إنه القرنفل
متعدد اللون مثلي
هو الآن يغلق براعمه
في انتظار الشمس "
نصوص عسقلاني تحمل بين تجليات صورها،بما تحمله من سلاسة وتدفق وشفافية  تأملات عميقة في تفاصيل حياتية لم نعد قادرين ونحن في فوضى الحياة واحزانها أن نحسن اكتشافها،لاننا قد اصبحنا فجأة حزانى على غير عهدتنا،نسير باجساد ميتة لانبض فيها،لكثرة ما اتخمها الحزن فاحالها الى سلّة مهملات تُلقى فيها مشاعرنا كما تُلقى السجائر في المنفضة،إلاَّ أن عسقلاني تعيد صياغة الاشياء المستهلكة ــ فلسفيا ــ  من جديد كما لوأنها ترنو أن تعيدها الى دورتها الاولى.
سأتخلى عن حزني
هكذا ببساطة
سألقي به في مطفأة السجائر أو سلة المهملات
لن التفت إليه حين يرجوني لالتقطه ثانية
سأدير ظهري لدموعه المنهمرة
وأنا أنظر في ساعتي .
الشاعرة عسقلاني تأتي جملها محمولة عبر صور حسية كثيفة في دلالاتها،وفي مجمل بنيتها الشعرية تعكس في سياقها العام  ــ صوتا أنثويا ــ خاص بها،لن نجد بين مفرداته صدى لأصوات اخرى قد تأتي متسللة إليه من نفس المكان الذي تقف فيه الشاعرة داخل مشهد شعري عربي عادة ما تفصح معظم اصواته عن مشتركات عضوية لايستطيع الشاعر العربي الفكاك منها طالما كان مفهموم الشعر لديه بما هو شائع ومتداول ــ افقيا وعموديا ــ  مرهونا بماهو سياسي / اجتماعي .
هذا الفهم الفني للتجربة لايقتصر على الشعر الذي يكتب وفق المنظومة الكلاسيكية فقط،بل يتجاوزه الى بقية الاشكال والتجارب الشعرية التي ابتعدت في بنيتها الفنية عن منظومة البناء الكلاسيكي،مثل قصيدة التفعيلة،او قصيدة النثر،او النص المفتوح  ..الخ من الاشكال،فتجدها هي الاخرى لاتستطيع إلا أن تُحرِّك مفرداتها داخل  مناخات ماهو سياسي / اجتماعي،وكأن الشاعر بهذا الفَهم يعكس ازدواجيته،ذلك لأنه ظاهريا ونظريا يدَّعي التَّمرد والتجاوز في رؤيته الفنية عن كل ماله صلة بالمورث،لكنه في نفس الوقت لايستطيع أو في الأصح يخشى أن يُعبِّر عن هذا التمرد فنيا،أو الخلاص مما هو سياسي / اجتماعي في معظم مايكتبه من مفردات شعرية،وصولا الى التعبير عن ذاته الانسانية الخالصة،وعن فردانيته الانسانية، احساساً،وانطباعا،وصورا،ومفردات،وبذلك يبقى مناخه الشعري الذي يحلق فيه،هو نفس المناخ الذي ينتجه الشاعر الكلاسيكي،وليبقى الفرق قائما في إطار شكلاني فقط.وقِلَّة هُمْ اولئك الشعراء الذين يتصالحون مع ذواتهم الانسانية ــ كما هي عسقلاني ــ  دون أن يعيروا أهمية فيما لو نُزِعتْ عنهم صفة الشرعية الفنية التي تعني أن: يتطابق النص ــ شكلا ومحتوى ــ مع المشتركات العضوية التي تحدد ملامح البيئة الاجتماعية /الثقافية في المنطقة العربية توافقا وتصالحا وانسجاماً.
من هنا يأتي سِرُّ جمالية الصورة الشعرية لدى عسقلاني،في انسلاخها عن ــ المشترك ــ مع  ماهو مكتوب قبلها،ومايجاورها،في ذات اللحظة الزمنكانية التي يصدح فيه صوتها .
محيط ٌ من الصحراء
تبدو صفحتي
هوّةٌ  تبتلعني
أحكم قبضتي على الحروف
لأخفي تخلخلا واضحا في بنائي الداخلي
أتسلل من قافية الملح
وأوازن الزبرجد
اتبع اتكاء الريح
على موجة تائهة
اتناثر ...
ييدو التلاقح الواعي مع طبيعة الشعر الاجنبي خارج المنطقة العربية ــ خاصة الشعر الاوربي ـــ واضح جدا في العالم الشعري الذي تتحرك فيه عسقلاني،فالمفردة لديها تحمل صفائها وبراءتها،وكأنها مفردة تدخل الى هذا العالم المتشنج ــ بمايبعثه من صخب ــ باستحياء انثوي جميل،يعكس فطرتها ونقاوتها ونأيها عن كل مايحيط بها من اصوات،وكأن الكلمات لديها تُستَعمل لأول مرَّة،ولم يقترب منها احد قبلها،مع انها قد انتُهكت،لكثرة مااستعملت في ماهو شائع من اشعار،إلاَّ أنَ عسقلاني تراها من زاوية غير مألوفة، لم تطرقها خطوات قبلها،مع انها مألوفة بنفس الوقت.
صخبٌ داخليٌ
يتصاعد مع دقة الحذاء على رصيفٍ متكسر
أقول لمن يحادثني :
أنا بخير .. بخير .. بخير
أرددها ثلاثا حتى أسمعها
لاأحب ظلي المتضائل في الظهيرة
أطيل النظر إلى أظافر قدمي
يعجبني هذا الطلاء
معانقة الأبيض للأرجواني
يمنح الحذاء الأسود خفة موجة .
تتزاحم الاسئلة الكبرى في ذاكرة الشاعرة،دون ان تنأى بها خبث الاسئلة الفلسفية بعيدا عن الشعر،الى ذهنية التراكيب اللغوية في الاسئلة،لتبقى مفرداتها تلامس الاشياء برفق وطراوة لاتستطيع أن تطأها اقدام الفلسفة،وهذا ما يجعل تفاعلنا حميميا مع مانقرأ ونحن نلامس القسمات .
ينبغي عليك أن تواجه ألمك بلا مخدر
أن تضعه في علبة حمراء اللون
الألم الأزرق بلون العلبة
عليك أن تطمئن على وجوده
انظر إليه
لن يتجاوز الأمر وخزة
تشعرك بالحياة
لاتتركه ممدا في علبته
تنساه أو تعتاده
أخرجه كل فترة
تأمل قسماته
امسح عليه بلا رفق
حتى لايصدأ
علقه في رقبتك
ليلمس صدرك
أو اربطه في قدميك
ليبطىء خطوك
عندئذ .. قد لاتسقط .
*(خارطة اللون .. قبعة السماء)هو الاصدار الشعري الثالث للشاعرة المصرية د. سمية عسقلاني،الصادر هذا العام 2015 عن دار الأدهم للنشر والتوزيع في العاصمة المصرية القاهرة.بعد أن كانت قد اصدرت في وقت سابق مجموعتين شعريتين الأولى بعنوان(البوح بالمكنون)2012 والثانية بعنوان(وجه في دفتر الابدية)2013،ونصوص المجموعة جاءت مقسمة على ثمانية عناوين رئيسة: الزهرة،الشجرة،الجغرافيا،القصيدة،اللون،التاريخ،الحب،الزمن.وفي داخل العناوين الرئيسة هنالك عناوين فرعية تكتسب دلالاتها من تدرجات جنس العناوين الرئيسة.فعنوان الزهرة رقم 1 تتبعه صولو الريحان ،قرنفلة الشتاء ،سوناتا الياسمين،وهكذا .


5
 

رسالة الفلم : أنْ نصبح وحوشا ً

                                         
مروان ياسين الدليمي
ينبغي أن نعترف،أن لدى دولة الخلافة في العراق والشام(داعش)فريقا فنياً على درجة عالية من الاحتراف،تفتقر له ـ جميع ـ المؤسسات الاعلامية الرسمية وغير الرسمية في كل الدول العربية.والتي فشلت تماما في مواجهة الفكر الارهابي،باساليب ذكية وغير مباشرة رغم الامكانات المادية الكبيرة التي بحوزتها،ومازالت مُصرَّة على أن  تعتمد المهرجين في هذه المهمة الخطيرة وسيلة لها .
ولم يعد أمراً خافياً،أنّ دولة الخلافة باتت تراهن على الاعلام المرئي في ايصال خطابها بالشكل الذي تعجز عنه الكلمة المنطوقة لوحدها.
وماشاهدناه من مادة فلمية عن حرق الطيار الكساسبة،والتي لاأشك في حقيقتها كما إعتقدَ البعض،يكشف عن امتلاك دولة (الخلافةالاسلامية)لطاقم عمل فني واعلامي خبير،يعرف بشكل ممتاز،الكيفية التي تدار فيها كافة العناصر الفنية مجتمعة(تصوير،اخراج،مونتاج،ايقاع، موقع تصوير،مؤثرات صوتية).
ومعلوم لذوي الاختصاص السينمائي،أن لقطة واحدة في السينما، يستغرق زمنها على الشاشة ثوان معدودة، تحتاج الى ساعات مرهقة وطويلة من التحضير لها في موقع التصوير،فكيف الحال بهذا الفلم الذي ضم العديد من اللقطات ! ..وهنا سأسمحُ لنفسي أنْ اطرح سؤالا خبيثا : لماذا عجزت الاقمار الاصطناعية الاميركية الاستخبارتية التي تحتشد بها سماء الشرق الاوسط أنْ تلتقط مايجري من تحضيرات فنية على الارض،قبل وبعد البدء  بالتصوير ،ومن المؤكد أنها قد استغرقت ساعات طوال ! ؟
إنَّ جوهر رسالة الفلم المصدرة لنا من مجموع الجهات المنتجة له،أرادوا من خلالها أنْ يطفئوا الوعي في عقولنا،والرحمة في ضمائرنا،وأن نكون على الصورة التي يريدونها لنا،وأن نتحول وحوشا لاأكثر !..
والسؤال الأهم بعد هذا الفلم : هل نجحوا في تدمير ماتبقى من انسانية فينا،أم أرتكبوا خطأ جسيما ماكان في حسبانهم عندما انحرفت رسالة الفلم عن مسارها المرسوم،فأزاحت غشاوة ثقيلة عن بصيرتنا،لنرى بوضوح تام اكداسا من الركام،قوامها تاؤيلات وتفسيرات وتخريجات فقهية،كنّا رفعناها في معتقداتنا وممارساتنا إلى  حدِّ القداسة منذ قرون،ولم تكن في حقيقتها سوى أوهام وخرافات كانت قد انتجتها عقول مختلة  ؟

6
نينوى ، أنا فَرِحٌ جِداً
                                   
مروان ياسين الدليمي

يوم الاربعاء 21 // 1 / 2015إستعدتُ كرامتي التي جُرِحَت،وغاب عنّي حزنٌ مُعتَّق،وغمرتني سعادة مفقودة لاحدود لها،حينما قال أهلي في الموصل كلمتهم الفَصلْ،بجملةٍ واحدة،لاأبلغ منها إيحاءً وفصاحة ً ودقةً في التعبير،وذلك عندما رفعوا علم العراق عاليا ً تحديا لسلطة لداعش وليس علماً آخَر فوق سطح بناية مجاورة لمبنى محافظة نينوى الذي يتخذه تنظيم داعش مقرا له بعد احتلاله للمدينة في 10 / 6 / 2014 ..
خطوتهم هذه بكل بساطة هي أكبر تحدٍ  في معناه ودلالته من إية رصاصة يتم توجيهها ضد داعش،هي الأشد خطورة من كل القنابل التي تتساقط عليهم من طائرات التحالف،لأنها تأتي من إناس عُزَّل،لايملكون شيئا يواجهون به عدوهم  سوى إيمانهم بأنفسهم وأرضهم ووطنهم ولاشيء آخر . 
الموصليون يوم أمس أطلّوا على العالم المُغيّّب في وعيه وضميره بإظاليل الإعلام الرخيص،أطلّوا بجمال كلمتهم مثلما جمال مدينتهم بِكل مايملكونهُ من عِشقٍ لها ولبلدهم العراق،وأعلنوا بصوت هادىء وقوي،أطلقوه مِن دهاليز عُزلة مفروضة عليهم بقوة السلاح منذ أن سقطوا أسرى تحت سلطة تنظيم داعش.
أمس قالوا لنا،ولِمنْ خَذَلهم ومَنْ خَدَعهم ومَنْ خَانَهم،قالوالأصدقائهم وأشقائهم وللعالم أجمع بصوت واضح يَعكس مَدنيَّتهم وتحضُّرهم وانتمائهم الوطني لبلدهم أولاً وآخرا ً: - مازلنا هُنا ، كما نحنُ ، نَعبُرُ ظُلمة أيامنا بالصّبر على البلوى..
الموصليون أمس،وكما هي خِصال الشُّرفاء ساعة المحنة،كانوا في ذروة تفاؤلهم،وأعلنوا مُبكراً بيان انتصارهم، وردَّوا بمُختَصِر القولِ وأجمله على كل الذين خَانتهم ذاكرتهم وخذلتهم ثقافتهم مِن أبناء جلدتهم، فتوهَّموا فأساوا كثيرا في فَهمهم،وأخطأوا،وشتموا في كل ما  كتبوا وتقوّلوا وهزجوا ليطعنوا في العِرض،وفي النوايا.
ماجاء به الموصليون أمس،اثبت لنا،نحن ابناء المدينةأولاً،نحن النازحون والمهجرون قبل أن يثبتوا للآخرين من أشقاء واصدقاء واعداء،على أن صمتهم لن يكون أبدا تواطأً ولااستكانة ولاخضوعاً لإرادة غاصب مُحتل،  إنما مُكوثاً  في حضرة الأمل .
الموصليون العُزَّل قالوا لعدوِّهم يوم أمس:- لن نكونَ عبيداًَ لكُم ولا سِواكم، طال الزمان أو قصر،حتى لو تخاذل بعض ابنائنا وصاروا مَعكم بإرادتهم أو بغيرها،حتى لو هَربت كل الجيوش الجرارة  أمامكم .

7
المنبر الحر / نحنُ عنصريون . .
« في: 15:08 20/01/2015  »
نحنُ عنصريون   . .
   
                                     
                                             
مروان ياسين الدليمي
تعوّدنا على أن نمارس سلوكا عنصريا في ردود افعالنا اليومية إزاء بعض المواقف والاحداث،سواء كان ذلك  بوعي منّا أو دون وعي،وذلك عندما نروّج لمشاعر الكراهية والعنف والتطرف ضد آخرين لايمتّون إلينا بصلة دينية أو قومية أو طائفية.
وعادة مانعبّر عن تلك الكراهية بسيل جارف من الشتائم والالفاظ البذيئة والمهينة نتفنن في انتاجها ونحن نقذف بها الآخرين في لحظة ما في حياتنا اليومية .
قد يكون سبب انحدارنا الاخلاقي هذا سببه خسارة فريقنا الوطني بكرة القدم مع فريق خليجي أو افريقي أومصري أو أيراني أو سوري .... الخ .أو قد يكون السبب تفجير انتحاري راح ضحيته العديد من المدنيين الابرياء،كشفت لنا التحقيقات الرسمية أن الانتحاري كان افغانيا أو باكستانيا أو فلسطينيا أو سوريا أو سعوديا أو أو أو أو ....
فالمهم في هذا الموضوع أن الطرف الآخر ليس من أبناء جلدتنا،لكي تتوفر  لنا فرصة مناسبة جدا حتى نُفرِغ مافي جعبة دواخلنا من عبارات الكراهية ضد الآخرين،عادة ما كدَّستها خلال عقود وازمنة طويلة في وعينا وممارساتنا،ثقافة عامة شائعة في مجتمعاتنا الشرقية ،يتحمل مسؤوليتها عدة اطراف، منهم رجال دين متطرفين في فهمهم وقراءاتهم لنصوص الدين إلى الحد الذي لايترددون في التصريح علانية دون تردد بكل عبارات الاساءة والتحقير لأتباع الديانات الاخرى،أيضا أحزاب سياسية تراهن ايدلوجياتها دائما على ترويج قيم التعالي بين اتباعها ضد الآخرين من القوميات الاخرى بقصد الحصول على اكبر قاعدة جماهيرية من المؤيدين،كذلك ساسة وزعماء وقادة ومثقفون انتهازيون لايترددون في خطاباتهم على  استثمار عبارات  العداء ضد اديان وطوائف اخرى لاينتمون لها حتى يصلوا الى مايبتغون اليه من مناصب ومكاسب ومغانم .
لم نتوقف يوما أمام  مانردده ونلوكهُ من كلمات وعبارات عنصرية تعوَّدنا على استعمالها دون وعي منّا وكأنها أمر طبيعي لايحمل شيئا مستفزا ومسيئا للآخرين لكي نحاكمها ونجتثَّ منها ماهو شاذ ومريض وطارىء على الفطرة والثقافة الانسانية ويتقاطع مع قيم التسامح والاخوة والمحبة التي تدعو اليها ادياننا والتي طالما تبجحنا بها كلما اصبحنا في موقف حرج .
لم نتوقف يوما أمام هذه العبارات لنفكك ماتحمله من كراهية وعنف موجه ضد اخرين يختلفون عنّا في الدين والمعتقد والهوية عبرمؤتمرات وتجمعات واجتماعات عامة، وكذلك في  المدارس والجامعات والجوامع والكنائس.
ينبغي أن نعترف ونقر بأننا تعوّدنا في حياتنا اليومية وفي ثقافتنا العامة ــ ولاأستثني من ذلك حتى النخب المثقفة ــ على أن نشتم الشعوب الأخرى دفعة واحدة بكل سهولة فيما لو تهيأ لنا  ظرف ما .
ولكي نصحو من غيبوبتنا العنصرية،ونرى الاشياء بوضوح ونحدد مايستحق الادانة أو الشتم،ينبغي أن يذهب غضبنا في مساره الصحيح نحو الاطراف التي تستحق الادانة والشجب والشتيمة التي لاتتعدى الانظمة والحكومات والجمعيات والمنظمات والافراد وكل الذين يشجعون على التطرف والارهاب والعنصرية خدمة لمصالحها وليس الشعوب والاديان والقوميات مهما كان شكلها او لونها او جنسها  .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

8

عزازيل .. للروائي  يوسف زيدان
                المراوغةُ في تكثيفِ الإيهام مابينَ المتخيَّل والتاريخي


طبعة دار الشروق الاولى 2008
                                                       مروان ياسين الدليمي
السرد يتخيل التاريخ
ما يتفرد به الخطاب السردي في المشروع الروائي عندما يعود الى وقائع تاريخية من قبل الروائي،أنه يتوقف امامها ليتأملها بمخيلته،ثم يعيد قراءتها في بنية سردية مفارقة عنها،وكلما زادت شقة الافتراق عنها كلما كان اكثر قربا من الخطاب الروائي،واكثر بعداً عن السرد التاريخي .
في هذا المشغل الفني لعالم الرواية بما يملكه من مفردات وتقنيات وأدوات لتفكيك وتركيب الواقع والوقائع،لعب المخيال الروائي لزيدان دوره في مشروعية الحضوروالهيمنة التخييلية في إعادة تشكيل الواقع والوقائع الموضوعية/التاريخية في بنية معمارية،وفق رؤيته الذاتية كمؤلف سارد للتاريخ،له الحرية في أن يستثمر ادواته التقنية في مايريد أن يسردهُ،معتمدا على طاقته التخييلة وهو يتعامل مع الواقع أو التاريخ .
رواية عزازيل باعتبارها مخطوطة فنية تنهض فيها الاحداث من ماضي بعيد ـــ النصف الاول من القرن الخامس الميلادي ـــ انطلاقا من منظور سردي/ موضوعي ينزوي فيه المؤلف زيدان،متسترا بقناع شخصية اخرى ــ وهذه تقانة جوهرية في الفن الروائي ــ هي شخصية المترجم/ مؤلف ضمني .
ابتكر مخيال زيدان شخصيةالمترجم ليفتتح عبر المقدمة التي جاءت على لسانه  الصفحات الاولى من مخطوطته ممارساً من خلالها مع القارىء لعبة مرواغته الفنية،وذلك في خلق الايهام بالواقع وهويدخله الى عالم الرواية المتخيل،انطلاقا من مدخل الواقع والتاريخ،الى الحد الذي يتماهى فيه الحد الفاصل مابين الحقيقة التاريخية والصورة المتخيلة.هذا ما مضى به زيدان من خلال المقدمة التي كتبها والتي جاءت على لسان شخصية المترجم التي افترضها،والتي من خلالها اوضح قصة الرقوق الثلاثين التي تم العثور عليها في خرائب على حافة الطريق الواصل مابين حلب وانطاكية،وكيفية العثور عليها وكيف تعامل معها لمدة سبعة اعوام وهو يترجمها من اللغة السريانية الى اللغة العربية :"يضم هذا الكتاب الذي أوصيت أن ينشر بعد وفاتي،ترجمة أمينة قدر المستطاع لمجموعة اللفائف(الرقوق)التي اكتشفت قبل عشر سنوات بالخرائب الاثرية الواقعة الى جهة الشمال الغربي من مدينة حلب السورية ...ولست واثقا من أن ترجمتي هذه الى العربية قد نجحت في مماثلة لغة النص السرياني بهاء ورونقا ....وقد جعلت فصول هذه الرواية على عدد الرقوق التي هي متفاوتة الحجم.وقد اعطيت للرقوق عناوين من عندي،وتسهيلا للقارىء ايضا استعملت في ترجمتي الاسماء المعاصرة للمدن التي ذكرها الراهب هيبا في روايته ......." .
بعد هذه المقدمة التي لم تتجاوز الصفحتين،تختفي شخصية المترجم تماما،بعد أن اكتمل دورها في المهمة الموكلة إليها في تعميق وتكثيف الايهام  لدى القارىء بأن مايقرأه قد استند الى وقائع تاريخية،ولكي تكتمل عناصر اللعبة التي يمسك بطرفيها زيدان،فسح الفضاء الروائي لحضورشخصية الراهب هيبا لكي يصبح  الصوت السارد الأوحد للأحداث بدلا عن شخصية المترجم التي تختفي نهائيا .
دائرية الزمن
ينطلق الزمن السردي للأحداث بالتدفق بطريقة دائرية،بالشكل الذي تتداخل فيه الازمنة وهي تتحرك مندفعة للأمام ومن ثم تعود الى الخلف وهكذا دواليك،لكن الزمن الروائي يتوقف في لحظة الحاضر:"هاهي الايام الاربعون قد مرت،وتم اليوم التدوين ".أي أن سرد الحكاية في بنية الزمن الروائي ينتهي في الحاضر،إذ يعود الى نفس النقطة التي ابتدأت فيها لحظة السرد:"سأبدأ من الحاضر،من اللحظة الحالية،من جلستي هذه في صومعتي التي لايزيد طولها ولاعرضها عن مترين.من القبور المصرية ماهو أوسع منها ..."
تركيبة الزمن الدائرية هذه التي شكلها زيدان في بناء المسرود الحكائي،جاءت على لسان الراهب هيبا/الشخصية الساردة للأحداث،عندما يفصح عن حيرته في اختيارلحظة بدء التدوين:"فالبداية والنهاية،إنما تكونان فقط في الخط المستقيم ،ولاخطوط مستقيمة إلاّ في اوهامنا،أو في الوريقات التي نسطر فيها ما نتوهمه.أما في الحياة وفي الكون كله،فكل شيء دائريُّ يعود إلى ما منه بدأ ويتداخل مع ما به اتصل.فليس ثمة بداية ولانهاية على الحقيقة،وما ثمَّ إلاّ التوالي الذي لاينقطع ،فلاينقطع في الكون الاتصال،ولاينفصم التداخل،ولايكف التفريغ ولا الملء ولاالتفريغ..الأمر الواحد يتوالى اتصاله،فتتسع دائرته لتتداخل مع الأمر الآخر ،وتتفرغ عنهما دائرة جديدة تتداخل بدورها مع بقية الدوائر.فتمتلىء الحياة،بأن تكتمل دائرتها،فتفرغ عند انتهائها بالموت،لنعود إلى ما منه إبتدأنا..آه لحيرتي،ماهذا الذي أكتبه ؟ " . 
الصراع مع الذات
هيبا كان مطاردا من قبل عزازيل ـــ الذي هو الشيطان نفسه ـــ وهو يتنقل بين البلدان والتجارب.فالجدل والصراع بينهما كان قائما،فعزازيل كان حريصا على ان يوقظ في داخله رغبات ومشاعر وهواجس انسانية تتقاطع مع زهده عن الحياة ويثير في داخله اسئلة تجعله متأرجحا وقلقا في ايمانه وقناعاته فتتولد في ذاته شكوكا تتعرض لما كان مؤمنا به من عقيدة مسيحية اختارها أن تكون طريقا له في الحياة بعد أن كان ابوه على دين ابائه واجداده من الفراعنة،حتى انه شهد مقتل والده ـــ وكان عمره لم يتجاوز الثانية عشرة ـــ عندما كان برفقته على قارب الصيد،حينما خرج عليه مجموعة من المسيحيين كانوا قد تربصوا به عند معبد قديم يعتكف فيه مجموعة قليلة من الكهنة الفراعنة،اعتاد والد هيبا ان يجلب لهم خفية وقبل شروق الشمس نصف مايصطاده من السمك كل يومين..
عزازيل لم يكف عن مطالبة هيبا بتدوين كل مارآه في حياته مع ان هيبا على النقيض منه  كان مؤمنا بأن لاقيمة لحياته اصلا حتى يدون مارآه فيها:"انقذني ياإلهي الرحيم من وسوسته لي،ومن طغيان نفسي.انني يإلهي لازلت انتظرمنك إشارات لم تأت..ولو ترتكتني لنفسي،اضيع ..فقد صارت نفسي معلقة من اطرافها،تتنازعها غوايات عزازيل اللعين ونكايات اشواقي " .
في ليلة السابع والعشرين من شهر ايلول وبعد أن قرر الأب هيبا أن يعتكف في صومعته لمدة اربعين يوما لأجل أن يتفرغ للتدوين ــ وهو على ماكان عليه من حيرة ــ يبدأ في تدوين ماهو كائن في سيرته،واصفا مايجري حوله ومايضطرم بداخله من اهوال.على غير ماكان عليه من نيّة عندما اشترى الرقوق الثلاثين:" ياإلهي الرحيم،لك المجد،تعلم أنني أقتنيت هذه الرقوق قبل سنين،من نواحي البحر الميت، كي أكتب فيها أشعاري ومناجاتي لك في خلواتي،ليتمجد اسمك بين الناس في الارض مثلما هو مجيد في السماوات.وكنت أنوي أن أدوَّن فيها ابتهالاتي التي تقربني إليك ".
يبدأ الأب هيبا التدوين ليحكي ماجرى بينه وبين مرتا الجميلة من غوايات وعذابات ،وماكان من أمر عزازيل المراوغ اللعين،وماعاشه من حكايا منذ اللحظة التي خرج فيها من بلدته الواقعة في جنوب مصر باطراف بلدة اسوان ووصوله الى الاسكندرية،والعلاقة الحميمة التي سقط فيها مع اوكتافيا،وخروجه مرعوبا من الاسكندرية بعد الذي شاهده فيها من غلوِّ وتطرف لدى قساوستها وهم ينجحون في اقناع عامة الناس وتحريضهم على قتل وسحل وحرق هيباتيا الكاهنة الفرعونية الجميلة،التي كانت تدرِّس علوم الرياضيات والفلسفة،ومعها اوكتافيا ــ التي حاولت الدفاع عنها وإنقاذها ــ المرأة التي كانت قد ارتبطت بعلاقة حميمة مع الأب هيبا قبل أن تطرده من حياتها بعد أن اخبرها بأنه مسيحي وليس على ديانة الفراعنة التي كانت هي عليها.يخرج هيبا من الاسكندرية هائما مرعوبا مما رأى متجها الى اورشليم،لينتهي المقام به في دير صغير يرقد في أعلى جبل قرب انطاكية.
يوسف زيدان في هذه الرواية التي تدور احداثها في منتصف القرن الخامس الميلادي نسج عالما ينبض بالحياة والصراعات الفكرية والعقائدية /الدينية.والرواية تتصدى لفترة زمنية خصبة شهدت أفول عالم قديم بكل اساطيره ومعتقداته لينهض فوق انقاضه عالم روحي جديد،ومع ذلك،تطل منه مشاهد متطرفة،بعضها لاتهدأ إلا بالدم والسحل والحرق لأناس لاذنب لهم سوى انهم يحملون فكرا آخر يتحرك خارج السياق العام الجمعي،فكان القتل عقابا لهم،كما تفعل الان بعض التنظيمات الاسلاموية المتشددة.تلك الممارسات تلقي بظلال قاتمة على من كان يبحث عن الحقيقة كما هو الحال مع الراهب هيبا وهو يتوغل في رحلته بحثا عن الخلاص الروحي بينما ذاته قلقة تتأرجح مابين العالم الميتافيزقي الذي يعيش مفرداته وبين علوم الفلسفة اليونانية والرياضيات بعد أن جعلته الكاهنة الفرعونية هيباتيا يعشق دراستها عندما حضر درسا لها في اول يوم من دخوله الى مدينة الاسكندرية .

9
تقنية السيرة الذاتية
أداة لتعميق الاحساس بواقعية الاحداث



تقنية السيرة الذاتية.. في (تلك العتمة الباهرة) للطاهر بن جلون
مروان ياسين الدليمي الأحد 7 كانون الاول 2014
عتبة المدخل
"احداث هذه الرواية واقعية.. مستلهمة من شهادة أحد معتقلي سجن تزمامارت. إنَّهُ عزيز، وإليهِ أهدي هذا العمل الروائي، وأهديه ايضا إلى صغيره رضا، نور حياته الثالثة".
 بهذا التمهيد الذي كتب بلغة واضحة، قصد المؤلف الطاهر بن جلون من خلالها أن يخاطب القارئ بشكل مباشر قبل الدخول في عالم مخطوطته السردية المعنونة (تلك العتمة الباهرة) والتي استند في بناءها على وقائع حقيقية، كما اشار الى ذلك، فكان الهدف من عتبة التمهيد أن:يضع القارىء أمام حقائق واقعية تعامل معها مخياله السردي في هذه الرواية، من اجل أن يكون خطابه الفني غير بعيد عن الأمانة في كشف ماتعرض له الانسان من قمع وقهرعلى يد الاجهزة الامنية المغربية، خلال فترة زمنية محددة داخل أحداث الرواية.
 ولأجل أن يوظف جلّون مخياله السردي لتعميق واقعية الاحداث الواقعية، تموضعَ ــ تقنيّا ــ خلف ضمير المتكلم/بصيغة الماضي، الذي جسدته شخصية (سليم) الملازم في جيش المملكة، والذي يعمل والده موظفا في القصر الملكي بصفة مهرج للملك وصديقا مقرباً منه، يسليه بنكاته التي يلقيها على مسامعه. وكان هاجس الوالد/ المهرج، كما يقول ابنه سليم أن:"يخدم الملك، أن يلبث عند قدميه رهَن إشارته، ألاّ يغمض عينيه قبله، أن يسرد له القصص، يضحكه حين يكون قانطاً، أن يعثر على العبارات الملائمة، وأن يضع لكل مقام مقاله، أن يرضى بألاّ تكون له حياة خاصة به..وأن يكون على الدوام طوع مزاجه، وقبل كل شيء ألا يفقد أبداً حس الدعابة".
 المتن الحكائي
 الملازم سليم/ الشخصية الساردة للأحداث، يتم اعتقاله مع 22 عسكريا من رفاقه، على إثر محاولة انقلابية فاشلة كانوا قد تورطوا بالمشاركة بها دون أن يعلموا بذلك! في ليلة العاشر من شهر تموز عام 1971 بعد مهاجتمهم للقصر الملكي، ليتم زجهم في سجن تزممارات الصحرواي عقوبة لهم.
 سليم: "منذ ليلة العاشر من شهر تموز 1971 توقفت سنوات عمري.لم اتقدم في السن، ولم اجدد صباي.من يومها فقدت سنّي، فلم يعد باديا على محياي، والواقع أني ماعدت هناك لكي امنح عمري وجها، إذ وقفتُ ناحية العدم، هناك حيث لاوجود للزمن".
 سليم مع بقية زملائه العسكرييين المعتقلين، لم يكونوا على علمٍ بطبيعة الهدف من الواجب العسكري الذي أمرهم بالتحرك نحو القصر الملكي، فالمسألة بالنسبة لهم لاتخرج عن كونها استجابة لسياقات ضبطٍ عسكري يفرض عليهم تنفيذ أي أمر يتلقونه من سلطة أعلى رتبة منهم، ولن يكون لهم أي حق لمعرفة الاسباب الموجبة لهذا الأمر.ورغم عدم معرفتهم بحقية الهدف من واجب التحرك نحو القصر الملكي، إلاّ أن هذا لم يشفع لهم، ولم يخفف العقوبة عنهم.حتى أن والد سليم، لم يتردد في أنْ يتبرأ منه أمام الملك.
 سليم: "لم يكن لنا رأي.كنّا مجرد جنود، بيادق رتباء لاتخولهم رتبهم أن يمسكوا بزمام المبادرة".
 )ستة آلاف وستمئة وثلاثة وستين يوما)قضاها سليم مع زملائه في معتقل تزمامارت الصحراوي ، أي مايعادل(18)عشر عاما من عمره، معزولا فيها عن الحياة الأنسانية بشكل تام ، قبل أن يطلق سراحه، في 29 تشرين الأول 1991، مع آخر ثلاثة معتقلين بقوا معه على قيد الحياة، بعد أن سقط خلال هذه المدة الطويلة (19) معتقلا من زملائه الـ(23) الذين كانوا معه. وكان كل واحد منهم قد غادر الحياة بطريقة مآساوية تختلف عن الاخر.
 سليم: "معظم الذين قضوا، لم يقضوا جوعا بل حقدا.فالحقد يضعف، إنه يتآكل الجسم من الداخل، ويصيب جهاز المناعة.فعندما يقيم الحقد في دواخلنا ينتهي الأمر بأن يسحقنا".
 
جميع النهايات التي انتهى اليها المعتقلون، كشف المؤلف من خلالها عن بؤس الوضع اللانساني الذي كان يعيشه السجناء، وهم يقبعون في ظلمة زنزانات انفرادية ضيقة مغلقة، تخلوا من أية نافذة، سوى فتحة صغيرة جدا معلقة في منتصف السقف، تتيح لهم التنفس فقط من غير أن تسمح لهم حتى رؤية السماء، فيها تسرح العقارب والصراصير، والزنزانة لايتجاوز طولها 3 امتار وارتفاعها متر ونصف المتر، تفوح منها رائحة الفضلات التي تطرحها اجسادهم، ولاتتوفر على أدنى الشروط الانسانية التي تصون كرامة الانسان وآدميته.فكان وجودهم في تلك الحفرة بمثابة موت بطيء جدا .
 سليم "آه من البطء! أول اعدائنا، ذاك الذي كان يغلف جلودنا المقرَّحة فلا يلتئم الجرح الفاغر إلا بعد وقت طويل، ذلك البطء الذي كان يجعل قلوبنا خافقة على الايقاع العذب للموت القليل ، كأنَّ علينا أن ننطفىء كشمعة مضاءة بعيدا منّا، وتذوب بعذوبة الرغد".
 وبسبب العتمة الدائمة التي كانت تغلف المكان انعدم الاحساس لدى المعتقلين بجريان الزمن. سليم:"ماكان الليل يهبط، كما يقال، بل كان هناك، مكتنفا طوال الوقت..كانت صورنا ظلالاً متنقلة في العتمة، بعضها بالبعض، أو يعثرُ بكرّار الماء أو يطيح بكسرة الخبز اليابس التي يحتفظ بها البعض اتقاء لتشنجات المعدة ".
 ازاء هذه المحنة التي وقع فيها سليم، بات عليه أن يكتشف ماينبغي عليه أن يفعله، كان عليه أن يلبث واقفا، أن لاتمس كرامته من الداخل، وبنفس الوقت أن لايدين من يضعف ويتخلى عن الصراع، لينتهي بهم الامر الى الانهيار تحت وطأة التعذيب، وقد استمد عزيمته من أمه.
 سليم: "أمي التي طالما رأيتها تقاتل، لكي تربِّينا، أنا وأخوتي وأخواتي، ولم ينل منها القنوط يوما، كانت أمي قد فقدت كل أمل في أبي المُقبل على العيش، الأناني حتى الأذيَّة، الغندور الذي نسي أنه رب اسرةٍ، وراح ينفق كل ماله على الخياطين الذين يفصلون له جلبابه من حرير كل اسبوع .لكي يتبختر في قصر أسرة الباشا.وفي هذه الاثناء كانت امي تشقى طوال الاسبوع".
 
تقنية الايهام بالواقع
 جمالية الخيار التقني الذي استعاره جلّون من آلية بناء خطاب السيرة الذاتية يأتي من كونه يذهب بعيدا في تعميق الاحساس بواقعية الاحداث المروية عبر لسان الرواي/ الشخصية الرئيسة.الذي أخذ يستعيد تلك التفاصيل والاسماء بعد مضي خمسة اشهرعلى خروجه من رحلة شاقة نالت منه كثيرا، ليبدو وكأنه "عجوز ضامر قد رأى النور لتوّه" .
فالبحث عن الادوات التقنية التي اقتضى حضورها في بنية الرواية يعني التوصل الى ما قصده المؤلف عندما اختار أن يخفي وجهة نظره خلف ـــ الملازم سليم ــ الشخصية الرئيسة، من أجل أن يكشف ويعري الحياة الذهنية لذات الشخصية المحورية عن طريق الايهام الكثيف بالواقع. ومن خلالها أيضا يتم تقديم رؤية موضوعية عن 23 معتقلا كل واحد منهم يقبع في زنزانة انفرادية هي بمثابة ثقب محفور في الارض لقضاء الحاجة.لم يعد اي واحد منهم بحاجة الى اسمه، فقد كان محظورا عليهم أن ينادوا على بعضهم البعض بأسمائهم. وما عادوا ايضا بحاجة إلى ماضي شخصي يتذكرونه، ولا إلى مستقبلٍ ينتظرونه، فقد كان الهدف من نفيهم في هذا المكان هو تجريدهم من كل شيء.فالتذكر هو الموت.وماكانت ادارة السجن تريد لهم أن يموتوا، فمن يستدع ذكرياته يمت تواً، كأنه يبتلع قرص سم، كما أدرك ذلك سليم بعد مضي فترة طويلة من الاعتقال.
 سليم: "كان المُعتقل حميد الذي يحمل الرقم (12)أول من فقد عقله، وسرعان ماأصبح لامبالياً، احرق المراحل، دخل سُرداق الألم الكبير تاركا رأسه، أو ماتبقى منه عند باب المعسكر. وزعم البعض أنه رآه يوميء وكأنه يخلع رأسه ثم ينحني ليطمره بين صخرتين.دخل طليقاً، لاشيء يمسَّه، يحادث نفسه بلا انقطاع.وإذا كان رقم(12)قد فقد عقله من اللحظة الاولى، فالآخرين فقدوا حياتهم واحدا تلو الآخر بسبب ما كابدوه من صنوف التعذيب" .
 
أسعد اللحظات التي يعيشها السجناء"عندما يستحيل الموت شعاع شمس بهية"تلك التي كانت تحمل في داخلها نقيضها، وذلك عندما كانت إدارة السجن تسمح لهم بالخروج من زنزاناتهم لدفن احد المعتقلين بعد أن يلفظ انفاسه.
 سليم: "كنا سعداء، فقد شهدنا ضياء السماء..كانت أجفاننا ترف، وجعل بعضنا يبكي..طوال ساعة أو أقل أبقيت عيني مفتوحتين وفمي فاغراً لكي اتجرع ماأمكن من الضوء لكي اتنشق الضياء، وأختزنه في داخلي واحفظه ملاذاً لي، فأستذكره كلما أطبقت العتمة ثقيلة فوق جفني، ابقيت جذعي عاريا لكي يتشبع جلدي بالضوء ويختزنه كأثمن مايقتنى".
 


10
هزيمة الثقافة أم انتصار للمقاومة  ..   ؟
   
مروان ياسين الدليمي

منذ أن غادرت القوات الاميركية العراق نهاية عام ٢٠١١ والبعض يردد مبتهجاعلى مسامعنا بأن "الاميركان قد خسروا معركتهم في العراق أمام صلابة المقاومة " ! .
تبدو المعركة،لدى اصحاب هذا الرأي ــ بكل مايحمله من تبسيط وتسطيح لطبيعة الدور الذي لعبه الاميركان في العراق ـــ وكأنها ذات بعدعسكري لاغير ! .
مايؤكد خطآ هذا الاعتقاد،كل مؤشرات الواقع الذي بتنا نعيشه بكل قساوته ومرارته،بعد أن أبتلع الطعم الاميركي معظم العراقيين،وذلك عندما ازاحوا من قناعتهم،انتمائهم للوطن،ليحل بدلا عنه انتمائهم الفئوي  .
فالمعركة بوجهها الثقافي ـــ وليس العسكري ــ جوهر ستراتيجة المواجهة الاميركية مع المجتمع العراقي،من خلالها تم تفتيت ثوابته الانسانية والاخلاقية التي حصّنت وجوده واستمراره بكل تنوعه طيلة تاريخه،وكانت الثقافة بمفهومها واطارها الانساني العام،آخر جدار منيع يتخندق خلفه العراقيون عندما كانوا يواجهون المحن على مدى تاريخهم.
فالمعركة بدأت صفحتها الأولى مع بدء الحصار الدولي على العراق على اثر غزوه للكويت عام 1990،عندها بدأ العراق يفرغ  شيئا فشيئا ًمن العقول التي كانت تتنتج هويته الانسانية بكل روافدها وملامحها الثقافية،ولتنتكس متراجعة الى الخلف القيم الاخلاقية التي كانت تشكل اسسسا ثابتة يقف عليها المجتمع .
 ثلاثة عشر عاما من حصار دولي لم تشهده البشرية طيلة تاريخها تركت جروحا عميقة في بنية ونسيج العلاقات الاجتماعية،افرزت جيشا من العاطلين عن العمل والسراق والقتلة والانتهازية،مما مهد ارضية صالحة لشيوع مظاهر الرشوة والفساد الاداري في الدولة العراقية بشكل كبير لم يكن معهودا في منظومة الحياة الاجتماعية.
هذا الاجراء الذي وقفت  اميركا خلفه،لم يكن إلاّ مقدمة أولى للصفحة الثانية من المعركة عندما وطأت على ارض بغداد قدم أول جندي اميركي في 9/ 4 / 2003.
وعليه سيكون من الخطأ بمكان أنْ نصل في استناجتنا لطبيعة الصراع مع الوجود الاميركي في العراق مابين 2003 -2011 الى نتيجة لاتعكس حقيقته وجوهره،ولتُختَصَر بشكل مُبسَّط على انّها مواجهة مع مجاميع مسلحة كانت تظهر هنا وهناك  تحمل اسم المقاومة .
الأخطر في هذه المعركة لايكمن في المواجهة المسلحة،ولاعدد الضحايا الذين سقطوا ولا البيوت ولاالمنشأات التي تم تدميرها،إنما في المسار الثقافي لهذه المواجهة،وقد تكفل بهذه المهمة ساسة وقادة الاحزاب العراقية بكل انتماءاتهم الدينية والقومية،أولئك الذين كانوا يعارضون نظام حزب البعث،وجاءوا مع قوات الاحتلال الاميركي،وكانوا على درجة عالية من التبعية والضعف والخضوع لكل ماتمليه عليهم الإدارة الاميركية من أوامر وتعليمات.فتولوا نيابة عنها المضي في مسار استكمال تدمير ماتبقى من روابط وثوابت قيمية تجمعُ النسيج الاجتماعي العراقي.
كانت الخطوة الاولى في هذا المسار تفكيك مؤسسة الجيش العراقي،بما يشكله الجيش من ضمانة لوحدة العراق وامنه،ولتحل بدلا عنه ميليشيات ومجاميع طائفية مسلحة اشاعت الخوف والرعب والهلع في المجتمع،ثم تبع ذلك جملة من القوانين والقرارات،حُشرت في دستور البلاد الجديد،بموجبها تم تكريس الانقسام المجتمعي على اسس طائفية واثنية وقومية،وبتنا نسمع وفق ذلك مفردات جديدة مثل مفردة (المكوّنات) بات الساسة يرددونها بديلا عن مفردة الوطن،واصبح الشعب كذلك يرددها ورائهم مثل الببغاء،لتتحول يوما بعد آخر هذه المفردة الى قناعات وممارسات ومشاعر ومواقف،تمكنت من تقسيمه وتجزأته الى طوائف تتحصن في خنادق متقابلة وهي تكن العداء والكراهية لبعضها البعض .
لم نعد بعد هذا مع بعضنا البعض كما كنّا على فطرتنا،لم نعد إخوة،ولاأصدقاء ولازملاء،حتى أنّ الكثير منّا بات لايشعر بالألم ولاالتعاطف مع الضحايا ،عندما يجدهم يسقطون هنا وهناك،طالما لاينتمون الى مِلّتهِ ! .
بل ماعاد يتردد بعضنا  في أن يُجاهر علنا بالسخرية والاستهزاء بالمعتقدات الدينية لغيره،دون أن يراعي مشاعره ! وعلى العكس من ذلك،اصبحنا نراعي مشاعر اي ملة أجنبية تعيش بعيداً عنّا حتى لو كانت في اقصى الكرة الارضية – فقط من باب النكاية بأبناء وطننا ـ  وليس مهما إنْ كانت تعبدُ روث البقر أو تقدس زواج المرء من الكلاب ! .
فهل بعد هذا الخراب الذي اصاب ثقافتنا في عمقها الاجتماعي،يمكن للبعض ــ من دعاة المقاومة ــ أن يبقى يصدع رؤوسنا ليل نهار وهو يردد على مسامعنا بان الاميركان قد خسروا معركتهم في العراق ؟



11
الموصل خارج التغطية . . .
                                             
مروان ياسين الدليمي

بين يوم وآخر تصلنا اخبار مؤلمة - تؤكدها وكالات الانباء - تفيد بقيام عناصر داعش الارهابية في مدينة الموصل بإقامة حفلات اعدام جماعية.  ومن بين الضحايا كان هنالك اطباء وطبيبات ونواب ونائبات في البرلمان، ليصل عددهم الى اكثر من ٤٠ شخصا خلال الشهرين الماضيين،وهي الفترة التي باتت فيها داعش ممسكة بالمدينة،وآخر جرائم داعش تمت في مطلع شهر ايلول الحالي،بالقرب من منطقة باب شمس في الجانب الايسر من المدينة،عندما رُجِمَ بالحجارة شابين إثنين أمام انظار الناس - بحجة ارتكابهما فعل الزنى- الى أن توفيا .
مايثير التساؤل أنّ: كل هذه الجرائم حدثت ومازالت تحدث وليس هنالك من صورة توثقها،إذ لم يتجرَّأ ــ حتى هذه اللحظة ــ أي واحد من ابناء المدينة على التقاط صورة لواحدة من تلك الجرائم  وليعرضها فيما بعد،من خلال  وسائل التواصل الاجتماعي .! ! ؟ ؟ .
نحن ندرك جيداً،وحشيّة داعش تجاه من يفضحها ويواجهها..من هنا يتحمل التنظيم مسؤولية كافة عمليات قتل الصحفيين والاعلاميين من ابناء الموصل تلك التي جرت خلال الاعوام الماضية،الى الحد الذي كان قد وصل عددهم قبل سقوط المدينة تحت سلطة داعش  في يوم ١٠ / ٦ بعدة اشهر الى اكثر من ٥٠ قتيلا،وهذه النسبة من القتلى هي الأعلى مقارنة مع جميع الضحايا الذين سقطوا دفاعا عن الحقيقة من الصحفيين والاعلاميين في مدن العراق الاخرى بما فيها العاصمة بغداد..
إلاّ أن هذا الواقع ــ بكل قسوته وخطورته ــ لايكفي لأنْ يكون عذرا مقبولا للتخلي والتنصل عن مسؤولية التوثيق(بالصورة والصوت)لجرائم داعش. والمسؤولية هنا لاتقتصر على الصحفيين وحدهم،بل تتعداهم لتشمل جميع ابناء الموصل دون استثناء .
ولاأدري مالذي يدفع سكان المدينة إلى أن يكونوا على هذا الموقف اللامسؤول إزاء مايقع عليهم من ظلمٍ وقهرٍ،بات يتصاعد يوما بعد آخر ! ؟.
هل ينتظرون الخلاص يأتيهم من السماء ؟..هل مازالوا يراهنون على التدخل الخارجي ؟ . .
إنَّ ثمن الحرية والتحرير إعتماداً على القدرات الذاتية ــ مهما كلف من تضحيات كبيرة ــ هو الاقل كلفة فيما لو قورن بخيار الحل القادم عبر تدخل قوة اجنبية.
بنفس الوقت أجد الموصليين حتى الآن مازالت تتملكهم هواجس خوف وعدم إطمئنان تجاه قوات البيشمركة الكوردية عندما يصلهم خبر يفيد بتقدمها خطوة باتجاه تحرير الموصل من سلطة داعش . . فهل لهذا الخوف مايبرره بعد الجرائم التي  باتت تطالهم كل يوم  من قبل داعش ؟ .
ربما لهذه الهواجس اسبابها،ولم تأت من فراغ،لكنها مبالغ بها،ولربما تكمن الاسباب في قضية المناطق المتنازع عليها مابين محافظة نينوى واقليم كوردستان،فمن المعلوم أن مايقارب 16 وحدة ادارية كانت تابعة لمحافظة نينوى قبل 9نيسان 2003 اصبحت بعد هذا التاريخ تحت سلطة وادارة الاقليم قبل أن يحسم الخلاف عليها من قبل الجهات القانونية والقضائية..فكانت هذه القضية خير منفذٍ ليدخل من خلاله عدد من الاطراف السياسية العراقية لتأجيج الصراع وتغذيته مابين محافظة نينوى وحكومة الاقليم،ومن الطبيعي جدا أن يلقي هذا الصراع بظلاله القاتمة على البنية الاجتماعية،خاصة لدى الفئات والقوى التي تتبنى الافكار القومية المتعصبة.
على الموصليين إزاء ماحصل من متغيرات مؤلمة بعد سقوط المدينة تحت سلطة داعش،أن يتقدموا خطوة للأمام نحو خيار الحوار والتفاهم باتجاه تصحيح العلاقة مع اخوتهم الكورد وتمتينها بالشكل الذي يتناسب مع أبعادها التاريخية والاجتماعية،فلا أحد منهما يستطيع أن ينأى بنفسه عن الاخر ويستبدله بجار جديد،وعلى الاخوة الكورد ايضا ان يتقدموا بمثل هذه الخطوة. إن التواصل والتعايش المشترك مع الاخوة الكورد أمر طبيعي اثبتته عشرات السنين من التجاور والتعايش المشترك وخاصة مع الموصليين،فالعلاقة بينهما لها جذور تاريخية ومجتمعية عميقة جدا..فالكورد يشكلون  بثقلهم السكاني في المجتمع الموصلي أكبر نسبة بعد العرب.وهنالك عوائل وقبائل كوردية تعد عناوين بارزة للمجتمع الموصلي. .لذا ليس من السهل القفز فوق هذه الحقائق المشرقة والانسياق العاطفي وراء محاولات مشبوهة تدفع بها بعض القوى السياسية سعيا منها  لزرع الفتنة بين الاثنين .
إنَّ الاقدام نحو مزيد من التفاهم مع سلطة اقليم كوردستان،سيدفع المجتمع الموصلي الى شاطىء الأطمئنان والاستقرار،وينآى به بعيدا عن  مخططات تلك القوى السياسية التي تعتاش على خلق الازمات،وفيما لو تحققت تلك الخطوة عندها يصبح بالامكان التوصل الى حلول ممكنة وواقعية ازاء  قضية المناطق المتنازع عليها.
حتى هذه اللحظة،يبدو لي أن محنة المدينة لم يتمخض عنها اية صورة واضحة تبعث فينا احساسا قويا بالامل،فلم نتلمس من خلال هشاشة الوضع المجتمعي مايطمئننا على ان هنالك ولادة جديدة لقوى مجتمعية /سياسية تمتلك مايكفي من النضج بما يكفي  لترتقي بموقفها الى مستوى هذا الحدث الجلل.
بل على العكس من ذلك،نجد قصورا خطيرا في الرؤية،مبعثه تلك الاخطاء التي كانت قد صاحبت وجود فرق الجيش العراقي الاربع في شوارع وطرقات المدينة قبل سقوطها.
وهنا علينا أن لا نتغافل عن بعض الحقائق المهمة التي استجدت بعد هروب الجيش ودخول داعش،وخاصة فيما يتعلق بالحواجز والسيطرات ونقاط التفتيش والتي دفعت  اعداداً  كبيرة من الموصليين في الايام الاولى لسقوط المدينة الى أن يرتكبوا خطأ كبيرا عندما خرجوا  الى  الشوارع للاحتفال بتحرر المدينة (كما سماها البعض ) من سلطة الجيش،بعد أن كان قد تسبب لهم بالكثير من الأذى طيلة اكثر من عشرة اعوام.إلاّ أن ماأعقب تلك الاحداث من تداعيات خطيرة،كانت من السوء والقسوة والوحشية ما لايصح مقارنتها مع ما كان يصدر من تجاوزات طائفية لبعض من فراد الجيش العراقي،وحتى  لوتمت مقارنتها،فإن النتيجة ستصبح لصالح الجيش العراقي(مع تحفظنا ورفضنا لكل ما صدر عن بعض افراده من اساءات)،ومالم يستيقظ ابناء المدينة على جرحهم ليدركوا عمقه وخطورة تجاهله،فإن  داعش لن تخرج من الموصل حتى بعد أن تتحرك ضدها الولايات المتحدة ومعها الدول الاربعون التي تحالفت معها.
عندما تكون محافظة نينوى محتلة من قبل قوة غاشمة بربرية ترتدي ثوب الدين وتحكم بأسمه،فإن هذا الوضع يفرض على الموصليين مسؤوليات وواجبات وطنية ينبغي ان يتحملوها،دونما تردد حتى مع افتراض أن اميركا ومن معها بما يملكون من ترسانة عسكرية متقدمة سيتكفلون بمطاردة داعش وسحقهم.
والآن .. بعد أن اتضحت صورة الحكم الاسلاموي،على بشاعتها ودمويتها حتى لأولئك الذين كانوا يحملون في داخلهم تعاطفا وميلا الى دعوات الاسلامويين بإقامة الخلافة الاسلامية،بات أمراً ملزماً على مجتمع نينوى أن يخرج من حالة الصدمة التي آسَرَته طيلة الفترة الماضية وافقدته الرؤية والقدرة على الفرز والعمل،وأنْ يتحرك بوعي ومسؤولية بما يُبعد عنه تهمة الخيانة بالتواطىء مع داعش .


12
مَن يُمْسِك بصولجان السُّلطة  ..  ؟
                                         
مروان ياسين الدليمي
سأفترض أن السيد حيدر العبادي صادق بعزمه ونواياه في 
أن يبدأ مرحلة جديدة من العلاقات مع العرب السنة،تنهض على الاحترام والاستجابة لمظالمهم التي اعتصوا سلميا من أجلها طيلة عام كامل،على العكس من سلفه الذي تفنن كثيرا في التشكيك بولائهم ونواياهم ومطاليبهم،ولم يبخل بأي وسيلة من أجل أذلالهم والحط من شأنهم،وكأنه بذلك يعكس موقفا شخصيا يضمره في داخله يهدف الى تكريس الافتراق الطائفي بين الشيعة والسنة.لذا لم يكن يتردد في أن يشبِّه المعركة التي يخوضها الجيش العراقي المؤتمر بأمره ضد المدن العربية السنية على انها معركة اتباع الحسين ضد اتباع يزيد ! .
من هنا كان قرار السيد العبادي بوقف عمليات القصف الجوي على المدن (الانبار وصلاح الدين ونينوى وكركوك ) دليل على ماأشرنا اليه من تحول وتغير جوهري في النوايا والمنهج.
لكنني أجد أنّ سعي العبادي هذا ــ رغم أهميته في خلق ارضية جديدة للحوار والتفاهم مع العرب السنة ـــ سيصطدم بعقبة اساسية اسمها المالكي.
فكما يبدو من ظاهر الصورة التي جاءتنا بها الايام القليلة الماضية ــ بعد قرار وقف القصف ــ أن المالكي سيبذل كل مافي وسعه لكي يُفشل جهود العبادي،انطلاقا من فرضيتين..الأولى:عقدة الطائفية التي يحملها تجاه الاخرين ــ والتي لم يستطع اخفائها أو تجاوزها ــ وعبر عنها في اكثر من موقف ومناسبة،أبسطها تبدو واضحة في أنه لم يكلف نفسه زيارة اية مدينة عراقية ذات هوية عربية سنية،بذلك يكشف موقفه هذا عدم إستعداده النفسي في أن يلتقي بأبناء تلك المدن المعتصمين والتحاور معهم بشكل مباشر. .ثانيا: هو لايريد لجهود العبادي أن تثمر عن نتائج طيبة تصب في مسار تصحيح العلاقة مع العرب السنة، بعد أن وصلت في عهده الى مرحلة القطيعة والعداء.
وفيما لو نجحت مساعي العبادي ستنكشف بذلك اكاذيبه التي طالما روّجها عن العرب السنة وحشّد من خلالها المجتمع ضدهم وخاصة جمهوره الحزبي، بهدف تسقيطهم،تمهيدا لضربهم بقسوة ووحشية كما فعل في الحويجة والفلوجة وبهرز .
 إن المالكي مازال ممسكان بالصولجان،مستثمراً سلطة وسطوة ونفوذ القائد العام للقوات المسلحة على قيادات الجيش العراقي،رغم فشله في الوصول الى الولاية الثالثة.لكنه وإن بات يمارس مهام نائب رئيس الجمهورية لكن بصلاحيات القائد العام للقوات المسلحة ! ..
هو اليوم ــ وكما يبدو ــ يجني ثمار إصراره وتعنته على أن يمسك بيده طيلة فترة حكمه ــ ولوحده ــ بالمناصب الامنية(الداخلية،المخابرات،الدفاع)إضافة الى الفرق العسكرية الخاصة مثل(قوات سوات والفرقة الذهبية)التي كان ارتباطها به شخصيا،ضاربا بذلك عرض الحائط بكل الجهود والمطالبات التي كانت تسعى اليها الكتل والاحزاب والشخصيات المشاركة في الحكم والتي كانت تدعو إلى أن يتخلى المالكي عن تلك المناصب لتتولاها بدلا عنه عناصر كفوءة ومهنية تملك القدرة على أن تدير الملف الامني بشكل افضل،بعد أن تسبب طغيانه واستفراده بالقرارات اضافة الى انعدام الخبرة العسكرية في إحداث فوضى عارمة عمّت البلاد بأجمعها،نتيجتها كانت عشرات الضحايا يسقطون يوميا في مدن العراق بفعل قوى الارهاب،هذا اضافة إلى سقوط نصف البلاد تحت سلطة داعش وبقية التنظيمات الارهابية.
إن المالكي استطاع طيلة فترة حكمه أن يستميل اليه قيادات الجيش ويكسب رضاهم وولائهم،خاصة بعد أن حصّنهم وحماهم بعدد من الامتيازات التي  تجنبهم اية عقوبات قد تطالهم بسبب ماارتكبوه من انتهاكات وخروقات وجرائم في اكثر من مدينة، هذا اضافة الى المكاسب والمنافع المادية التي اغرقهم بها.فكان هذا النهج ــ الذي كشف من خلاله عشقه العميق للسلطة ــ خياره الذي راهن عليه،حتى يبقي الجيش والقيادات الامنية تحت نفوذه،عندما يفشل في الوصول الى الولاية الثالثة.
وعليه يتوجب على العبادي أن يضع في الحسبان مايشكله وجود المالكي في التشكلية الحكومية من تهديد وخطورة لكل مايسعى اليه من اهداف وخطط تهدف أن تبدأ صفحة جديدة من العلاقات مابين قوى المجتمع،قائمة على تبادل الثقة والعمل المشترك لمواجهة الارهاب وبناء الوطن.
وليس من سبيل أمام العبادي ــ فيما لو اراد أن لاتذهب جهوده هباءً ــ سوى تحديد وتحجيم سلطات المالكي،أو استبعاده من الطاقم الحكومي،وهذا هو الحل الاجدى،لتجنيب البلاد أوضاعا أسوا بكثير مما هي عليه  الآن، لن يتوانى المالكي في أن يوعز لقيادات الجيش أن تتسبب بها. 

13
      ماالفرق بيننا وبينهم  .. ؟

                                 
  مروان ياسين الدليمي


ليس جديدا عندما نؤكد بأن داعش:تنظيم إجرامي تعكس أفكاره وممارساته أبشع صور التطرف المذهبي،وتسببت ممارساته التي ارتكبها بحق المدنيين ــ  سواء في سوريا او في العراق ـــ بضرر كبير أصاب سمعة الدين الاسلامي والمسلمين ــ ليس من السهل محوها ــ وقد يحتاج المسلمون الى الكثير من العمل المثمر لكي يبددوا هذا الهلع والخوف الذي بات يشعر به العالم تجاه كل ماله علاقة بالاسلام .

هذا التنظيم لم يلق ــ كغيره من التنظيمات المذهبية التكفيرية المتطرفة ـــ قبولا ولاتأييدا من قبل عموم المسلمين السنة،إلاّ في حدود ضيقة جدا ــ وهذا التأييد له ظرفه وأسبابه المرحلية ـــ بالقياس الى الجمهور العام للمسلمين.
كما لم يحظ بإي تعاطف انساني، طالما لايتردد افراده في أن يقطفوا رؤوس الابرياء ويستبحيوا حياتهم وكرامتهم الانسانية
لكن،مالفرق بيننا وبين الداعشيين فيما لو وقع بين ايدينا واحداً من أولئك المجرمين،أو أي شخص مشتبه به،فإذا بنا نمارس ضده نفس اساليب داعش الطائفية / الهمجية !؟ .. مالفرق  ؟
هل يحق لنا ــ طالما نحن لسنا على مذهب داعش، أو ، لاننتمي له تنظيميا ــ في أن نكون  طائفيين وقتلة ؟
هل يحق لنا مالايحق لغيرنا ؟ .. ماالشرع الذي نستند اليه ؟ .. ماالقانون ؟
إناستبعاد سلطة القانون في حسم الصراعات التي يشهدها المجتمع والأحتكام بدلا عن ذلك،الى سياسة قائمة على ردود افعال منساقة الى مشاعر وعواطف عامة،لن تذهب بالمجتمع الى حياة طبيعية آمنة بقدر ما ستذهب به الى دوامة مهلكة من الاحقاد والقتل المتبادل.
وإذا ماكنّا نسعى،أنْ لايدفع العراقيون جيلا بعد جيل حياتهم وارواحهم قربانا للكراهية الطائفية،التي عادة ما ينفخ في نارها رجال الدين والاحزاب الاسلاموية وقادة التنظيمات الارهابية والميليشيات حتى تبقى مستعرة،ينبغي أن ندفع بالقانون لأن يقتص من كل الذين يستهينون بالحياة الانسانية،ولافرق في هذا بين قاتل محترف وبين منتسب للجهاز الامني الرسمي،بل إن العقوبة ينبغي أن تكون اشدّ على الثاني أكثر من الاول لأن خطأه ستتحمله الدولة التي ينتسب إليها وظيفيا قبل أن يتحمله هو،وسيلطخ عار جريمته سمعة الدولة قبل سمعته،ولن يمحى هذا العار أبدا من تاريخها إلا إذا إحتكمت للقانون وقدمت المجرم المنتسب اليها للمحاكمة...
معضلة العراق في أنّ سلطة الدولة هي من الضعف الى الحد الذي لم تتوانَ من أن تستعين بالميليشيات ذات الهوية الطائفية الشيعية بشكل أكبر بكثير من إعتمادها على الجيش الوطني،وبقية قواها الامنية وهي تخوض معركتها ضد التنظيمات الطائفية السنية الارهابية مثل داعش والقاعدة.
هذا المنهج -الخطأ -افرغ معركتها من محتواها الوطني،وأسبغ عليها سمة طائفية،مما دفع الجمهور العام المعتدل من الطائفة السنية،بأن ينآى بنفسه بعيدا عن تأييد الدولة في معركتها هذه.
وإذا ماأرادت الدولة معركتها ضد الارهاب،لأن تصبح معركة المجتمع بكل قواه ومكوناته،ينبغي أن يكون الجيش هو القوة الوحيدة التي يتم الاعتماد عليها.
في هذه اللحظة بقدر مايبدو الدين الاسلامي في ظاهر المشهد العام منتصراً برايات داعش،كما يعتقد الجمهور العام للمسلمين عندما يبدو لهم وقد استحوذ واستملك الواقع والعقول،إلاّ أن الحقائق على الأرض تؤكد خسارته الكثير من المؤيدين والمتعاطفين معه ــ اضافة الى المؤمنين العقلاء المعتدلين ـــ بشكل لم يخسره منذ ظهوره قبل اكثر من ١٤٠٠ عام .
فمااظهرته التنظيمات الاسلامية المتطرفة من وحشية وعنف ودنائة قد عجَّل في أن يتحول عديد من المسلمين الى قائمة اللادينين والملحدين،بذلك يكون الاسلام هو الخاسر في هذه المعركة،طالما قد تخلى عنه العقلاء،وأصطف الحمقى والاغبياء والجهلة إلى جانب من يتاجر به.
والفكر الداعشي باعتباره اقصى درجات التطرف الديني،لم يقتصر حضوره في البيئة السنية فقط ،فهو موجود ايضا بهذا المحتوى ــ وإن بشكل آخر ــ  في البيئة الشيعية،حتى لو  كان لايحمل نفس الاسم،رغم محاولات  البعض  من المتفيقهين أن يسبغ عليه بعدا اخلاقيا !! .
بعد المحن التي مرت ــ ومازالت تمر ــ علينا قد نصل الى نتيجة مُرّةٍِ مفادها:أننا شعب مازلنا في مرحلة المراهقة،ولم نصل بعد الى مرحلة من النضج،بما يكفي لكي ندرك مانحن عليه من بؤس،وماينبغي أن نتخذه من ممارسات وافعال،تعبيرا عن حضورنا ووجودنا.
وإذا ماأردنا الخروج من هذا الحضيض الطائفي،ينبغي الوصول بأسئلتنا الى مرحلة لايكون فيها للخوف سلطة على وعينا في اللحظة  نتصدى فيها  لثقافتنا بكل روافدها الاصولية.
فإلى متى سنبقى نحرص على أن نستدعي اسماءً من الماضي(علي وعمر والحسين وعثمان ،الخ .. . ) فنقسم بها،وبعدالتها،وحكمتها،في نفس اللحظة التي يكون فيها سلوكنا ضد اعدائنا أبشع واقسى من سلوك اعدائنا ؟
ماالفرق بين ذاك القاتل التاريخي وبيننا ؟ .. ماالفرق بين يزيد والشِمر وبيننا؟ ماالفرق بين قسوته ودناءته وقسوتنا ؟ .. ماالفرق بين شدّة ظُلمهِ وبشاعة ظُلمنا ؟ .. متى نصحو على ازدواجيتنا ؟ .. متى نتبرأ من الظلم فكراً ومنهجاً وسلوكاً؟ .. متى نتوقف عن ممارسته ضد انفسنا قبل أعدائنا ؟
وبعد . . 
السنا داعشيين ايضا !؟





14
          الخروج من العتمة          

 مروان ياسين الدليمي

 بسبب التواطئات والمصالح المشتركة مابين جميع الفرقاءالسياسين العراقيين بكل انتماءاتهم واحزابهم: لن ولن تظهر نتائج تحقيق اية لجنة تشكل لأجل الكشف عن الجناة المتورطين بجريمة مسجد مصعب بن عمير،وسيكون النسيان حالها،كبقية اللجان التي سبقتها من دون أن تعلن نتائجها،مثل:- جريمة الحويجة،الفلوجة،بهرز،جريمة سبايكر،اغتيال كامل شياع،اغتيال هادي المهدي،اغتيال مدرب فريق كربلاء محمد عباس،خطف واغتيال موظفي وزارة التعليم العالي،خطف واختفاء احمد الحجية رئيس اللجنة الاولمبية مع عدد من اعضاء اللجنة،خطف واغتيال المطران فرج رحو، تفجير البرلمان العراقي،اغتيال عضو البرلمان حارث العبيدي،اغتيال عضو البرلمان صالح العكيلي ، خطف واغتيال شيخ عشيرة السعدون في البصرة وغير ذلك كثير . وفيما لو اعلنت النتائج ــ وهذا أمر بعيد المنال ــ  فإن ذلك سيكون اشجع قرار يتخذه مسؤول سياسي في عراق مابعد العام 2003 ،ولاأظن وفق المعطيات الحالية لواقع المشهدالعراقي أن احداً سيقدم على ذلك . وعلى الرغم من النتائج الكارثية التي سيؤدي اليها قرار الكشف عن الجناة  فيما لو تم،إلاَّ أنه سيفضي ــ في ختام الفوضى التي تعقبه ــ الى عتبة جديدة تضع الجميع في حالة حذر شديد تجعلهم يفكرون الف مرة قبل أن يقدموا على قرار تصفية خصومهم بالقتل . المسالة هنا في هذه القضية تكمن في انعدام الشفافية كمنهج وتقليد يصونه الجميع،في مقابل الاحجام عن كشف الحقائق امام المجتمع،وهذا الامر ليس مرهونا بالسلطة التي جاءت بعد العام 2003،إنما يشمل السياق العام لمنظومة المشهد السياسي العراقي برمته منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921. فهنالك الكثير من الجرائم التي تصل الى مرتبة الابادات الجماعية كان العراق قد  شهدها خلال هذا التاريخ الطويل،لم يتم الكشف عن مرتكبيها ومن يقف ورائها،وحتى فيما لو توفرت ادلة واضحة امام الجهات القضائية وامام الرأي العام واشارت الى الجاني فلن يطاله العقاب الذي يستحقه وفق القانون.وعليه بقيت العديد من الجرائم تلقي بظلالها الثقيلة على العلاقات مابين ذوي الضحايا والدولة العراقية،كما هو الحال على سبيل المثال لا الحصر: جريمة سميل عام 1933 ضد الاثوريين التي ارتكبها الجيش العراقي وراح ضحيتها مايصل الى 3000 قتيل،وجريمة صوريا في زاخو عام 1968  التي  ارتكبها الجيش العراقي ايضا ضد سكان القرية وجلهم من المسيحيين والكورد وقد بلغ عدد الضحايا 50 قتيلا ً. الخروج من هذه العتمة،يقتضي في أولى الخطوات اعتماد الشفافية في منظومة الحياة بما فيها الكشف عن الجناة بعد انتهاء اجراءات التحقيق الاصولية،وهذا الاجراء سيعطي بلا ادنى شك تطمينات وضمانات قوية لأفراد المجتمع تجعلهم يشعرون بأنتمائهم لهذه الدولة التي تحترم القانون قبل اي شيء آخر . 

15
دلالة المشهد في خطاب التنحي

                                               
مروان ياسين الدليمي
... ثمانية اعوام عجاف بقيادة حزب الدعوة، لم تفح منها سوى رائحة القهر ،والدم،والاعتقالات،والتقارير الكيدية ،والاعدامات..هذا المسار المالكي المرعب، فيما لو قد حصل جزءا يسيرا منه في اية بقعة من العالم يتوفر فيها قدرا معقولا من العدالة لتم القبض على المسؤول الاول في هذه الحكومة وكل الذين وقفوا معه ونفذوا اوامره ،ليتم محاكمتهم امام القضاء،وليتم الكشف عن كل الغموض والتزييف والتظليل للرأي العام التي مارسته اجهزة الحكم،خاصة تلك التي تتعلق بجرائم الابادة الجماعية ،مثل جريمة الحويجة وبهرز والفلوجة والزركا،لكن ،هذه العدالة المرجوة لن يتحقق منها شيئا في عراق تغيب عنه العدالة والمواطنة وتحكمه عقلية الطائفة..ومع كل هذا ،جاء خطاب التنحي - صلفا- مليئا بعبارات الفخر والافتخار والتبجح بما حققه من انجازات اولها فك العزلة الدولية عن العراق !!! وهذا الانجاز هو اكثر مايدعو للضحك والسخرية،ذلك لانه تغافل وتجاهل حجم العزلة المحلية والدولية التي بات هو شخصيا عليها،قبل العزلة التي امسى عليها العراق،وليس أدل على ذلك سوى عبارات الكراهية التي وزعها- طائفيا - مختار العصر ،على الجميع،في المقدمة منهم، شركائه في العملية السياسية وخاصة من يمثلون الطائفة الأخرى، وليس آخرهم دول عربية اعتاد ان يرمي عليها عجزه وفشله في مواجهة قوى الارهاب،ولم يستثني أحدا من طعناته سوى حزبه..ومع كل الاكاذيب التي حفل بها بيان التنحي والتي كانت واحدة من الاسباب التي دفعت التحالف الشيعي - وفي مقدمتهم حزب الدعوة الذي يرأسه المالكي - لأن يتخلي عن ترشيحه لصالح رفيقه في الحزب حيدرالعبادي،إلاأن الطاقم الدعوجي كان حريصا على التواجد بكثافة ساعة قراءة البيان -حتى من كان على خلاف شديد مع المالكي - والاحاطة به وكأنهم يريدون بذلك ان يقولوا للآخرين :نحن معه،رغم خلافاتنا،ونقف صفا واحدا حول اي واحد منا،ندعمه ونصفق له ،حتى لو كان احمقا ،او كاذبا او حاقدا او مجرما ،حتى لو ارتكب الكثير من الخطايا بحق الوطن،حتى لو زرع الكراهية بين ابناء الشعب الواحد،او إختصر الدولة باولاده ونسبائه أو اطلق سراح الوزراء والمسؤوليين المتورطين بقضايا فساد واختلاسات أو تغاضى عن قادة خذلوا الوطن وهربوا من ساحة المعركة ماأن هجم الاعداء ...الخ الخ ..من هنا ،ومن وحي ودلالة مشهد خطاب التنحي،الذي تم اخراجه بشكل واضح وبسيط لايقبل سوى التفسير الذي أشرنا إليه: لاغرابة أن بدأنا نسمع في نفس الليلة مفردة التسامح يرددها جميع الطاقم السياسي الذي يسبح بحمد المالكي .بينما كانت هذه المفردة تعد في قاموس المحرمات،عندما كان الامر يتعلق برجالات عهد صدام من المسؤولين والبعثيين،وتحديدا اولئك الذين لم يتورطوا بجرائم وانتهاكات ضد المجتمع - وهم كثيرون - ولم يسجل ضدهم في المحاكم اية دعاوى تثبت ادانتهم !! وهذا يعني،أن ترديد مفردة التسامح هذه الأيام ،ليس بريئا،ولايقصد منه السمو بالأنفس فوق الخلافات من اجل غاية نبيلة وطنية عليا -خاصة وأن نصف البلاد في عهد المالكي قد سقطت بيد قوى الارهاب الاسلاموي المتطرف - انما يهدف الى تمهيد الأرضية والأجواء لقطع الطريق امام اي جهة تتهيأ لأن ترفع شكوى ضد المالكي ..لكن الذي اخرج لنا مشهد التنحي على الشاشة،تناسى حقيقة المجتمع الدولي الذي يعرف جيدا متى يفتح ملفات الأدانة -مثلما يعرف متى يضعها في الأدراج -حتى ولو بعد سنين،وفقا لمصالحه وحساباته.

16
موتٌ الوطنْ أمْ  مَوتُ الأملْ  .. ؟

                                                           
مروان ياسين الدليمي
منذ بداية الوعي بضرورة النهضة الفكرية في مجتمعاتنا العربية والاسلامية،التي ابتدأت مع منتصف القرن التاسع عشر،ومازالت اسئلة رواد النهضة مطروحة أمامنا،لكننا لم نصل بعد الى إجابت سليمة وصحيحة،فالمجتمعات العربية الاسلامية بقيت على حالها، قلِقةً ،تعيش حالة صراعٍ في تحديد هويتها الحضارية،وشكل ومحتوى مسارها الوجودي،لتبقى على هذا الوضع الإشكالي، مُتأرجحة ،مابين الذهاب إلى الأمَام أو الرجوع إلى الخلف، لتبقى نتيجة ذلك،تعيش واقعا حضاريا ساكناً، هشَّاً، لم يتحرك بما يكفي،لكي يجعلنا نؤمن بأنه قد أجاب بشكل مُطمئنٍ على بعض تلك الاسئلة التي طرحها رواد النهضة،هذا إنْ لم يتراجع كثيرا،وإن كنّا قد توهمنا على أنه يحمل في كثير من مظاهره على اجابات واقعية تستجيب لمتغيرات الحياة .
لن يكون الشعب العراقي مسؤولاً عما وصلت وماستصل إليه حال البلاد،بسبب جهله وانسداد وعيه،نتيجةَ مايتلبسه من معتقدات طائفية، كما قد يعتقد البعض.
لأنَّ حاله هذا ليس بجديد،ولم يدفعه هذا التخلف ولاهذا الاختلاف الطائفي مابين السنة والشيعة خلال تاريخه الطويل الى مثل هذه المرحلة الدموية من  التمزق والانهيار في بنية علاقاته الاجتماعية والانسانية.وعلى العكس من ذلك،كان دائما يتوق وينسجم الى حد كبير مع  القوى التي تدعو إلى التغيير والتقدم في منظومة القيم والافكار .. إنّما يتحمل مسؤولية ذلك كل القوى السياسية،بما كشفته ممارساتها ومواقفها مع بعضها البعض،عن جُبنٍ وخسةٍ ودناءةٍ ورجعيةٍ،بما يتقاطع تماما مع ما رفعته من شعارات وخطابات،ووتتحمل هي،ولوحدها،مسؤولية الخراب الذي وصلت إليه البلاد،وما أريقَ وماسيُراق مِن دمٍ في الايام القادمة.
الحرب الآن في العراق،وهكذا هو الحال في سوريا،حربٌ لاتاريخية،يتحرك قادتهاوأمرائها في الزمن المطلق،ولاصلة لها بالزمن الواقعي النسبي المتغير..هي حربٌ مرتبطةٌ باللأيدولوجية الطائفية،للأحزاب الدينية المتصارعة،أكثر مما هي مرتبطة بإنقسامات  طبقية حادة أو احتجاجات تعكس حالة احباط اجتماعي،نتيجة ماوقع من بؤس وحرمان على هذه الفئة أو تلك،مع الإقرار بوجود هذا الحرمان بشكل فاضح،لكن هذه العوامل،التي تشكل بتوفّرها ارضية مادية وواقعية تكفي لقيام صراع اجتماعي وتكفي لقيام ثورات وانتفاضات.إلاّ انها في الحالة العراقية تحديداً،لم تشكل اسبابا جوهرية لِما نشهده من سقوط وانهيار للدولة،في معظم المدن التي يسكنها أغلبية سنية .
الصراع في حقيقته،كما يبدو لنا،يأخذ بعده الطائفي بشكل واضح جداً،لايمكن اخفاءه ،فالتقاطع الفكري مابين الاحزاب الشيعية التي تمسك بمفاتيح السلطة،ومابين التنظيمات السنية،هوالعامل الابرز والاكثر حضورا وفاعلية وخطورة فيما يجري من احتراب على ارض العراق .
المعركة الآن،وبعد سقوط الموصل بأيدي الجماعات المسلحة السنية،يريدها كلا الطرفين المتصارين،أن تكون استمراراً لصراع يعود تاريخه الى أكثر من 1400 عام ! .
صراعٌ ، بين اولئك الذين  نادوا بشرعية  الخلافة للأمام علي بن أبي طالب بعد موت النبي محمد،وبين الذين وقفوا إلى جانب خلافة ابي بكر الصديق وعمر وعثمان.
فالمالكي بنظر مَن يسانده من الأطراف السياسية الشيعية، يبدو بالنسبة لهم رمزا لكل من  يناصر علي بن أبي طالب وال البيت وأحقيتهم في الخلافة والحكم،وقد دفع هو شخصياً بهذا الأتجاه الخطأ من التفسير للصراع القائم مع الجماعات الارهابية المتطرفة،عندما وصف في خطاباته ولأكثر من مرة،المعركة ضدهم على  أنها: أشبه بالمعركة مابين الحسين  وجيش يزيد !!.لينتزع بذلك قسراً،هذه المعركة المنظورة،بكل اطرافها،من زمنها وميدانها الواقعي،بكل وضوحه،إلى زمنٍ مطلقٍ،غامض،بعيدٍ بكل تعقيداته والتباساته التي لم تهدأ ولم تُحسم حتى الآن،رغم مرور اكثر من 1400 عام عليها ! .
بطبيعة الحال عندما تُدفع الاوضاع بهذا الأتجاه الذي يهيّج العواطف ويدمي القلوب،لجموع الشيعة،عندها لايمكنهم  إلاَّ الوقوف معه في نفس الخندق،حتى وإنْ كان طيلة فترة حكمه ــ التي امتدت لدورتين انتخابيتين امدها ثمانية اعوام ــ  قد خذلهم فيها،ولم يفِ بوعوده،ولم يستجب لتحقيق أدنى إحتياجاتهم وأحلامهم في العيش الآدمي البسيط والكريم،بعد أن ذاقوا الحرمان طيلة عقود من الزمان! .
لذا كان لابد لجموع الطائفة أنْ تقف معه وهو يخوض حربه ضد التنظيمات المتطرفة "القاعدة وداعش" إضافة إلى بقية الأحزاب والتجمعات السياسية السنية حتى وإن كانت تحمل عناوين قومية وليست دينية أو طائفية..
هذا  المسار الطائفي للمشهد السياسي،قد عكس هذه الصورة،بكل تعقيداتها واختناقاتها، طيلة الاعوام السابقة منذ العام 2003 .
جاء حدث سقوط مدينة الموصل بشكل كامل في 10 / 6 / 2014 بأيدي مجموعة من التنظيمات السنية المسلحة،أبرزها:(داعش،جيش الطريقة النقشبندية،حزب البعث،الحراك الشعبي،ثوار العشائر،تنظيم القاعدة)،ليكشف حقيقة الصراع الطائفي القائم في العراق،بشكل واضح،ولم يعد بالأمكان التغطية عليه بكل قساوته ومرارته رغم الشعارات والعبارات الوطنية الجوفاء التي طالما رددها الساسة والزعامات الدينية،دون أن يؤمنوا بها،فقط كسباً للوقت لأجل البقاء اطول فترة ممكنة في مناصبهم،بكل ماتخبئه من ثراء فاحش وأمتيازات،ولتمرير ماكانوا يخططون له في الخفاء ضد بعضهم البعض.
سلاح الميليشيات كان عُمقاً ستراتيجياً،طالما راهن عليه الطرفان الطائفيان المتصارعان،في اللحظة التي تصل فيها العلاقات السياسية بينهما،الى مرحلة من الانسداد والاحتدام،والفرق البسيط  في ثنايا هذه الصورة المعتمة،يكمن في أن الميليشيات الشيعية كانت تعمل علناً،ولا تخفي انشطتها،ولا الأدوار التي تلعبها هنا وهناك،سواء داخل العراق أو خارجه،لتأكيد:قوتها ووجودها وإنحيازها وهويتها الطائفية،كما يبدو ذلك واضحا في الدور الكبيروالواسع الذي لعبته ومازالت تلعبه في سوريا في مجريات الصراع الدموي الدائر هناك،لمساندة نظام بشار الأسد،وإنْ تم تسويق هذا الدور للرأي العام ،تحت ذريعة الدفاع عن مرقد السيدة زينب .
بينما نجد على الجانب الآخر،الميلشيات السنية، ماكانت تستطيع أن تعلن عن نفسها بشكل واضح على الارض العراقية أو خارجها،ولاأن تستعرض قواتها وامكاناتها بشكل علني،مثل قرينتها الميليشيات الشيعية،وبقيت هيكلية تنظيماتها وزعاماتها تلفها الاسراروالغموض،إلاّ أن هذا الأمر لاينطبق على التنظيمين الدوليين"القاعدة وداعش" انما  يقتصر ذلك على التنظيمات العراقية المحلية،التي لايمكن معرفتها بشكل واضح،وليس بالإمكان حصر عدد افرادها،بنفس الوقت،هنالك عدد من تلك التنظيمات،ذاع صيتها خلال مراحل معينة من مراحل الصراع السياسي في العراق،خلال الاعوام العشرة الماضية،كما هو الحال مع الجيش الاسلامي،وانصار السنة،وكتائب ثورة العشرين،وغيرها من التنظيمات التي لايتعدى عدد افرادها العشرات .
ما وصل إليه الصراع على السلطة في العراق من خطورة شديدة بعد ان اصبحت الموصل،كاملة تحت سلطة تنظيمات مسلحة سنية،ينذر بلا أدنى شك بنشوب حرب دموية طويلةالآمد،ستنهك البلاد،أكثر مما انهكت سوريا،وستقضي تماماعلى آخر أمل بالتعايش،بعد أن يكون أمراء الحرب جميعا قد أنجزوا مهمتهم وأطلقوا رصاصة الرحمة على جسد البلاد،ليتمزق إلى اشلاءــ اقاليم ودويلات صغيرة ــ لايمكن جمعها مرة أخرى تحت خيمة وطن واحد .
فهل نحن دخلنا ، في لحظةِ موتِ الوطن أمْ موت الأمل ؟

17
الهزائم الوطنية..
لاتتحملها شعوب مسلوبة الارادة والحقوق
.
                                                         مروان ياسين الدليمي

الى/ الشاعر زاهر الجيزاني بعد أن القى بتهمة الخيانة على أهل الموصل:

التشكيك بوطنية مجتمع ما،واتهامه بالخيانة،لاينبغي أن يصدر من شخص مثقف..خاصة إذا ماكان هذا المجتمع،يشعر بالقهر،وسبق له أن طالب ــ بشكل سلمي ــ بحقوقه لمدة عام كامل دونما ايّة استجابة من السلطة ، بل على العكس ، تعاملت معه بكل استهتار واستخفاف وعنف.

من الطبيعي أن يصدر حكم الخيانة،مِن رجل يعكس ويمثل رأي السلطة، لكنْ ــ وهذا مايثير الدهشة ــ أن يكون هذا الحكم لسان حال شاعر "حداثوي " وقف الى جانب معاناة أهله في يوم ما ،فهذا مايدعو إلى الرثاء على الحال الذي وصل اليه موقف المثقف في العراق،عندما نجده ينحاز للسلطة والطائفة قبل أن ينحاز الى جانب الضحية .


وإذا كانت الموصل اليوم،قد سقطت في قبضة حفنة متطرفين،فلن يكون أهلها هم المسؤولون عن ذلك،ولن يكونوا أبداً هم السبب،إنما مسؤولية ذلك تتحمله اساليب السلطة بأجهزتها الأمنية التي كانت تمسك بشرايين الحياة،وتعتاش على مصائبهم،ومعاناتهم.

أيها الشاعر الكبير،قبل أن تلقي باللائمة على الناس،عليك أن تتصل بهم ،وتصغي اليهم،وهذا أمر ليس بالمستحيل،وهو ماينبغي أن تفعله باعتبارك مثقفا،وليس رجل سلطة لايعير أهمية لعذابات البشر،ولاأنت بمواطن عادي يفتقر الى التعليم،لايهمه في هذه الدنيا الفانية سوى أن يعيش،وليس يعنيه أن يبحث عن الحقيقة من مصادرها المتعددة.

سيدي الشاعر الكبير،وإذا ماأردتم البحث عن اسباب الهزائم الوطنية،اسألوا الزعماءوساسة البلاد،ولاتلقوا بالأحمال ــ ثقيلة ــ على شعوب مسلوبة الإرادة والحقوق ،وأنت شخصيا ، أول الناس أدرى بذلك.

إن ماجرى من خراب ودمارٍ طيلة الاعوام العشرة الماضية،أصاب شعوب العالم أجمع بصدمة كبيرة،قبل العراقيين،حتى أنَّ أعتاهم لصوصية ودموية يعجز عن الاتيان بما جاء به ساسة العراق،وستنكشف بلا أدنى شك في يوم ما،صفحات سوداء كثيرة،تم التستر عليها،مثلما كُشِفت من قبل صفحات الانظمة السابقة بعد سقوطها.

ونتيجة مارتكبه ساسة العراق الجديد من تدمير للقيم الوطنية في مقابل تعميم ثقافة طائفية عفنة،تبخرت بسببها من مخيلة العراقيين الشرفاء كل الأمنيات التي داعبتهم عقودا طويلةــ بما فيهم اهل الموصل ـــ وهم يحلمون بالكرامة الانسانية و العيش الآدمي البسيط.

ليست مفاجأة بعد كل الذي شاع من قيم تتقصد تظليل الانسان عبر تمجيدها للحَجرِ قبل البشر،والماضي المُلتبسٍ السحيقٍ قبل الغد الآمن المشرق..ليست مفاجأة أن ينحاز كثيرٌ ممن يحسبون على الثقافة العراقية الى طائفته،حتى لو إرتكبَت خطيئةَ الظلم بحق طائفة أخرى .

القضية الأصعب التي باتت تواجه المجتمع العراقي،هي نسبة الجهل العالية المتفشية في أوساط النخب المثقفة.وليس في عموم الناس البسطاء.

والغريب،عندما نجد أن الكثير منهم،مازالوا يعانون من قصر نظر شديد ـــ رغم كل التجارب المريرة التي مرّبها العراق مع الانظمة السابقة ــ إلى الحد الذي يجعلهم غير قادرين تماما،على التمييز مابين الوطن والقائد،وهذا ما سيبقيهم ــ دون بقية الشعوب ــ يضحون بالوطن، من أجل عيون القائد، حتى لوكان مجرماً واحمقاً ومنحطاً !!!

نتمنى،على المثقف العراقي أن يكون على قدرالمسؤولية الانسانية، فقط ، قبل أن يتخندق مع الطائفة..عندها سيجد بأن معظم مايردده من تحليلات ومعلومات ــ على اعتبار انها حقائق ثابتة ــ ليست سوى اكاذيب سلطةٍ،لم تراع حقوق الناس،بعد أن كانت لعقود تتاجر بشعارات الحرية والمظلومية.

خلاصة اقول: إن الخطأ سيتكرر .. وستنكسرُ البلاد، أكثر مِن مرّة ، طالما ،لا أحدَ ــ حتى هذه اللحظة ــ لديه الشجاعة ، لأن يعترف ، بمسؤوليته عن الخطأ.





18


 بولص ادم .. يفوزبجائزة ناجي نعمان لعام 2014
   




                                                                 
مروان ياسين الدليمي

فاز الشاعر العراقي بولص ادم .. بجائزة ناجي نعمان لعام 2014 , عن مجموعته الشعرية " اللون يؤدي إليه ". وسبق أن كتب الشاعر شاكر سيفو عن هذه المجموعة قراءة نقدية يقول فيها  " تتفيأ نصوص مجموعة - اللون يؤدي إليه - للشاعر بولص آدم تحت شجرة الحزن بوعيها التام باللحظة الشعرية والوعي الشعري الفني العالي الذي تتسم به مخيلة الشاعر واستغراقه الطويل في اجتراح زمنه الكارثي الجنائزي عبر مجموعة نصوص شعرية تنضوي تحت سقف – النص السيرالذاتي بآقترانها بالأهداءات المتتالية واستدراجها لبنيتي الزمان والمكان واستثمار مخطوطة المناسبة – المحنة – الكارثة المتمثلة في الرحيل المبكر لشقيقه الفنان لوثر ايشو - فالنصوص تتحرك عبر خطوط متوازية في صناعة مشهدية شعرية تضج بمزاج اللغة السوداوية وايقاعاتها المتصدعة واستعاراتها- التحولية، وكناياتها وقيمات المعاني ". .الكاتب ادم ،اضافة الى كونه يكتب الشعر والقصة فهو مخرج سينمائي ، سبق ان تخرج من كلية الفنون الجميلة قسم السينما عام 1985 ، وعاش تجارب حياتية صعبة ،دفاعا عن مبادئه وقيمه الانسانية، فقد دخل سجن ابو غريب في مطلع تسعينات القرن الماضي وقضى فيه مدة عامين ونصف، بعد هروبه من الخدمة العسكرية ، ثم غادر العراق عام 1994 الى النمسا ، حيث مازال يقيم هناك . وسبق له أن أصدر مجموعة شعرية بعنوان " ضراوة الحياة اللامتوقعة " عام 2010 ، عن دار الحضارة في مصر ، اضافة الى المجموعة الشعرية الاخيرة الفائزة . . آدم ،من مواليد مدينة الموصل عام 1962 ،وينتمي لعائلة، معظم افرادها يمتلكون مواهب فنية، في المقدمة منهم الفنان التشكيلي الراحل لوثر ايشو آدم . وإضافة إلى الكتابة الشعرية والقصصية فقد كتب واخرج عددا من السيناريوهات السينمائية.. يذكر في هذا الصدد بأن هذه الجائزة سبق ان فاز بها من العراق في الدورات السابقة كلُّ من :هيثم بردى عام 2007 ، حسين رحيم ومحمد صابر عبيد وحسين الهاشمي عام 2009 ،مروان ياسين وسعد العميدي 2010 ، شاكر سيفو 2012


19
 

جنسيات مزدوجة بضمائر مزدوجة
                                   
مروان ياسين الدليمي

أصابنا قَرف شديد من سياسين لصوص يحملون جنسيات مزدوجة، سئمنا منهم، من وطنيتهم المزيفة، من كذبهم، من غرورهم، من أسمائهم، ملامحهم، عباراتهم، من تكالبهم على المغانم، على المناصب، على السلطة، فهم ليسوا إلاّ تجار دَم، يتقنون بيع أي شيء، مع أنهم لايملكون أي شيء.

وحدهم مَن جاءوا بالمحتل وقالوا عنه محرراً، وأنه جاء بجيشه وسلاحه ليبني دولة المواطنة والديموقراطية، فكانت النتيجة، أن خسرنا المواطنة، ومسحنا الارض بثياب الديموقراطية، وعوضاًعنهما سقطت على رؤوسنا دفعة واحدة فؤوس دولة "المكونات"، فتشرذمنا إلى اقليات وقوميات وقبليات واثنيات واديان ومذاهب  وطوائف !! وما عدنا نعرف من نحن ؟

كم تاجروا بنا، بعرينا، بعذاباتنا، بشحوب احلامنا أيامَ كان الحصار يقرض فيها 13 عاما، لحظة بعد لحظة، وعاما بعد عام.

كم تاجروا بدم الضحايا، كم  تاجروا بجوعنا، بأمراضنا المزمنة.

هل كان نضالهم من أجل ارواح كانت تسقط واحدة بعد أخرى، شيوخا ونساء وأطفالا ؟ . هل كان دفاعا عن حرية إنسانية طالما تغنوا بها وتباكوا على غيابها في عراق البعث؟ .

جلَّ ماكانوا يطمحون إليه كرسي السلطة، ولتذهب من بعده كل البلاد إلى الجحيم، وها نحن في الجحيم، كما شاءوا لنا أن نكون .

هي "دولة المكوِّنات"، كم صدعوا بها رؤوسنا طيلة أعوام عشرة، كم احالت حياتنا، نحن الذين نعيش في الداخل، الى موتٍ مستمر، الى شكٍّ وكرهٍ وبغضٍ وحقدٍ يزداد سعيره بيننا، يوما بعد آخر. .

بفضلها فقدنا الشعور بدفء الوطن الواحد، وبأننا ننتمي لشعب واحد.. بعد الآن ليس ممكنا أن تكون مطمئناً، ولا أن تكون آمناً وانت تقطع الطريق مابين زقاق وزقاق، مابين جنوب وشمال، فالخوف كل الخوف أن تفضحك اللهجة، أن تشير اليك الجغرافيا أن يتأمر عليك التاريخ أنْ يُعرِّيك الهندام ، فتقتلك الهويّة. .

أصبحنا نخشى أنْ تُذكر أسماؤنا صريحة، أن تُذكر ألقابنا..

حياتنا اليوم  لايَعرفُ طعمَها، مَن يقيم خارج الوطن، مهما كانت غربته قاسية عليه، ومهما كان عراقيا أصيلاً، من أبٍ وأمٍ عراقيين .

إخواننا المغتربون العراقيون، إن غربتنا هنا بين أهلنا، وعلى أرضنا، باتت أقسى  من غربتكم، كل شيء بات حولنا غريبا: الشوارع، الجيران، المناهج، قوات الأمن، الجيش، السماء، الهواء، القضاء، المدن، كل شيء، فما مِن شيءٍ يمكن أن يبعث على الطمأنينة سوى الموت.

نخاف من سيارة تقف عند الناصية لربما قد تكون مُلغَّمة، نخاف من مُعوّقٍ  نصادفه في الطريق فنخشى أن يكون انتحارياً، نخاف من الشارع إذا كان في لحظة ما هادئا بلاضجيج، نخاف الازدحام، نخاف السيطرات، نخاف "سوات"، فهل بإمكانكم أن تستبدلوا حياتكم الهادئة، أنتم وأولادكم، وتتركوا خلف ظهوركم ألإحساس بالأمن والعيش المطمئن الرغيد، لتقتسموا معنا ذُلّنا ؟

فإن كان لديكم الاستعداد، فأهلا وسهلا بكم، مواطنينَ وأعضاء في البرلمان ووزراءَ وحُكَّاما مُعزَّزين مُكرَّمين.

إخواننا المغتربون، ليس من حق أي واحدٍ منّا أن يصادر حق انتمائكم للعراق، فهذا وطنكم، ولكم أن تعودوا اليه متى شئتم، وأنْ تقرروا البقاء فيه متى شئتم.

بنفس الوقت، لاتصادروا حقنا في أن نختار من  ينصفنا، فلاتحرمونا اختيار حياةً حُرمنا مِنها، لاتسرقوا فرصتنا في العيش مثلما تعيشون أنتم وأولادكم.. 

وإذا كان بينكم مَن يسعى لأن يكون صوتنا في البرلمان، أو أن يكون رئيسنا، فينبغي أن يعيش بيننا، وأولادهُ يدرسون مع أولادنا، وله أن يَعلم مُسبقاً قبل أن يتورط في إتخاذ قراره، أنَّ مَدرِاسَنا مبنية من طين، لا مصاطب فيها، ولاتدفئة، ولاتبريد، بل إن كثيراً من الأطفال حتى بلا كتب.

عليه أنْ يقاسمنا كل شيء، أكوام الزبالة بين البيوت، حرارة الصيف بلاكهرباء، قسوة الشتاء بلا نفط للتدفئة، الوقوف في طوابيرلأنجاز معاملة رسمية مُتحملاً إهانات حراس وموظفين متعجرفين.   

لن نسمح لأنفسنا أنْ نشكك  بعواطفكم تجاه وطنكم العراق .. لكننا نقول لكم: إنَّ مسؤولية المنصب السياسي ليست بالصورة الرديئة التي قدمها سياسيو العراق، وكلهم كانوا يحملون جنسيات مزدوجة بضمائر مزدوجة، بما فيهم رجال الدين، ويساريون وقوميون ومتأسلمون، كلهم كانوا يدَّعون النضال من أجل الوطن، وأثبتت الايام كذب ما ادّعوهُ، وأنَّ ولاءهم أولاً وآخراً لوطنٍ كانوا قد لجأوا إليه، وكم كانت فرحتهم كبيرة به وبجنسيته.

الاقسى في قضيتنا: أنَّ أصحاب الجنسيات المزدوجة قد اثبتوا في كل مارتكبوه من خطايا بحقنا أن بينَهم وبين العراق ثأراً كبيرا، ولم تكن عودتهم إليه بدافع الحنين، ولا رغبة في البناء، وإنما ثأراً وانتقاماً منه: وطناً وشعباً وتاريخاً وقيماً!.

حمَّلوهُ المسؤولية كاملة عن غربتهم، عن تشردهم، وقد آن الآوان لكي يدفع لهم الثمن باهظا، مُتناسين، مُتغافلين، مُتجاهلين، عن سبقِ إصرارٍ وتعمّد، حقيقةً واضحةً لا يختلف عليها اثنان من المناضلين، في أيّة بقعة من العالم، بأنَّ من يتحمل مسؤولية النضال ضد سلطة غاشمة تحكم بلده، يتوجب عليه أن يتحمّل منذ اللحظة الأولى وحتى وفاته تبعات هذا الاختيار، مُستبعدا من حساباته أن يطالب الآخرين، من البسطاء والمغلوبين على أمرهم بأن يدفعوا له ثمن نضاله، قصوراً وأراضيَ وأرصدة في البنوك، له ولأولاده وأحفاده.

لكن سياسيناجعلونا ندفع لهم فوق هذا:أرواحنا وأبنائنا وبيوتنا ومدننا وأحلامنا.

ولو كان للعراقيين بقية وعي وإرادة، لتوجب عليهم أن لايكرروا الوقوع في الخطأ مرة أخرى، وأنْ لا يثقوا بمثل هؤلاء، فيمنحوهم فرصة للكذب عليهم مرة أخرى، ليدمروا ماتبقى لديهم من وطن.



20
لاجَدوى مِنَ النَّفْخِ  !

مروان ياسين الدليمي
رغم إيماني العميق بالخيارات الليبرالية والعلمانية في البناء السياسي لهوية الدولة والاحزاب،إلاّ انني شخص مستقل سياساً،وليس في قناعتي أن أنتمي إلى اي حزب مهما رفع من شعارات علمانية أو ليبرالية،ذلك لأنني أؤمن بأنَّ مَن يعمل في ميدان الفن والثقافة ينبغي أن يكون حراً،بنفس ألوقت لاأجد ضيراً في أن أتفق أو أتفاعل مع أي حزب،سواء في الفكر أو الممارسة،ربما أجده الأقرب إلى قناعاتي،والأفضل لمجتمعي،في مرحلة من المراحل،خاصة إذا ماتعلق الأمربثوابت أساسية مُقدسة في منظومة قيمي،تنحصر في تحقيق  الحرية والعدالة الاجتماعية .
من هنا استطيع القول بأن الاحزاب الدينية العاملة في العراق بمسمياتها المتنوعة غير قادرة على إدارة بلد مثل العراق،تتعدد فيه الأديان والطوائف والقوميات،وتجربة العشرة اعوام الماضية بعد العام 2003  اثبتت بما لايقبل الشك عدم قدرتها على أن تنآى بالبلاد إلى زمن واقعي عقلاني يحقق العيش الكريم لعموم المجتمع،كما فشلت في إيصالها إلى لحظة زمنية  يكون المناخ العام فيها نظيفاً وخالياً من سموم الاحتقان والصراع الطائفي،لأن جميع هذه الاحزاب أساس عقيدتها السياسية ووجودها،قائم على التخندق وراء ستار الطائفة التي تنتمي لها،وبذلك هي تتحمل كل صور العنف والقتل والتهجير واللصوصية.
وإذا ما شاء العراقيون الخلاص من محنتهم التي يتحملون الجزء  الأكبر من مسؤوليتهاــ لسلبيتهم في التعامل معهاــ والعودة إلى طبيعتهم الاجتماعيةالبسيطة والمعتدلة،خاصة وأنهم مقبلون على الانتخابات في مطلع شهرايار2014 ،سوف لن يكون أمامهم إلاّ خيار طي صفحة الاحزاب الدينية واعطاء الفرصة لأحزاب ليبرالية وعلمانية لايشكل الانتماء الديني أو الطائفي أي قيمة في أسس تشكيلها.
أيضا لابد من التأكيد على أن الاحزاب القومية،هي الأخرى من غير الوارد الرهان عليها طالما خطابها الايدولوجي ــ القومي ـ سيضعها اليوم أو غداً في مواجهة مع القوميات الاخرى،وتاريخنا القريب فيه الكثير من الشواهد المؤلمة التي تؤكد ذلك،خاصة بعد أن  لاحظ المواطن عودة شعارات قومية قديمة في هذه الدورة الانتخابية مثل(إذا ذُلَّ العرب ذُّلَّ الأسلام ! ) بدأت ترددها مرة أخرى كتل واحزاب في حملاتها الانتخابية،في محاولة منها لأستثمار حالة هيجان وانفعال شعبي باتت تجتاح قطاعا كبيراً من المجتمع العراقي بعد الحضور الواضح للسياسة الايرانية في رسم خارطة المشهد السياسي العراقي خاصة في عهد حكومة المالكي بدورتيها.
هذه الشعارات المتعصبة والمنغلقة،بلا أدنى شك تقفز فوق حقائق دامغة اثبتتها شعوب ومجتمعات مسلمة ــ غير عربية ــ  حققت تقدما اجتماعيا كبيراً جعلها تحظى بأحترام المجتمع الدولي خلال فترة قياسية مثل ماليزيا وتركيا وايران بينما عجز مجموع العرب المسلين عن تحقيق ذلك خلال عقود وعقود،فأمست مكانتهم بين الأمم في وضع لايحسدون عليه .
لذا لم يعد يجدي نفعاً رفع شعارات لاأساس لها من الصحة في واقع يعاني مرارة الهزيمة بمفهومها المطلق ــ الأخلاقي والعلمي والثقافي ــ وذلك لخلوها من البرامج والسياسات الواقعية التي يمكن أن تنهض بمجتمع دخل في مرحلة خطرة من التشظى والتشرذم،بفعل ما خططت له الادارة الاميركية في أن تحوِّله إلى مجتمع منقسم بشكل حاد إلى مكونات واقليات وطوائف تتصارع مع بعضها،وتسود بينها مشاعرالشّك والبغض والكره وقدنجحت في تحقيق ذلك بشكل كبير.
إن شعارات مثل هذه لازالت تبدو براقة لدى البعض ــ إما لمحدودية فهمه أو لأنه يؤدي دوراً مرسوما غير مسموح له أن يخرج عنه ــ قد فقدت أهليتها ومصداقيتها، بعد أن كانت قد رفعتها انظمة سياسية تناوبت على كرسي الحكم خلال العقود الخمسة الماضية في أكثر من بلد وفي اكثر من فرصة،لكن جميعها فشلت في أن تحقق شيئا مهما وملموساً على المستوى الحضاري يستحق الفخر أو الاحتفاء به،سواء للعرب أو للمسلمين،إضافة الى ذلك،هي لم تترك ورائها إلاّ تاريخا عناوينه هزائم وانكسارات وتخلف . 
فهل من جدوى وفق هذه الصورة المعتمة،إشهار السيوف والصراخ تحت راية " لبيك ياعلم العروبة كلنا نفدي الحِما " بدلا من رسم سياسات وبرامج تنصف المواطن بعيش لائق كريم تنسجم مع احدث ماتوصلت اليه العلوم والمعارف !؟ وهل من جدوى أن نفخ مرة أخرى في قربة مثقوبة ! ؟


21
مشعان الجبوري ..والدور القذر
                                                                                                            مروان ياسين الدليمي
يُصر مشعان الجبوري على أن يكون في واجهة المشهد السياسي العراقي، بأي ثمن رخيص يدفع له،وليس مهما في هذا،من هي طبيعة الجهة التي تدفع،وإلى ماذا تخطط ،وماهو الدور الموكل إليه .
كل هذه الاسئلة لاتعني شيئا،لواحد مثل مشعان ارتضى لنفسه أن يكون مرتزقاً يتقن اللعب في الاماكن القذرة،وتشهد على ذلك مسيرته الحافلة بالقفز على الحبال هنا وهناك.
ويبدو أن المالكي قد ادرك حقيقة هذا المخلوق المشوَّه والمشوِّه،فاوكل اليه اقذر مهمة يمكن أن يؤديها فرد تجاه وطنه وشعبه،وذلك بإشعال نار الفتنة والحرب مابين العرب والكورد،وهذا ما عبر عنه بصراحة ووضوح من على شاشة قناة العربية إذ قال بالنص :" ينبغي محاربة وطرد الاحتلال الكوردي " .
يبدو أن ترتيب هذا الدور لم يأتي بعد تداعيات مقتل محمد بديوي كما يظن البعض منّا،بل يمكن القول أن التحضير له قد بدأ من اللحظة التي هبط فيها مشعان بطائرة خاصة على ارض مطار المثنى قادما من سوريا قبل عامين من الآن،وليتم خلال اقل من ساعتين قضاها في بغداد اسقاط كافة التهم والدعاوى المثبتهة ضده من قبل القضاء العراقي،وليعود بنفس الطائرة ــ التي كان المالكي شخصيا قد ارسلها له ــ الى سوريا.
مشعان،في كل المراحل التي كان فيها لاعبا في مستنقع السياسة قبل العام 2003 وبعده،لم يكن يمثل نفسه ابدا في أي موقف سياسي عبّر عنه،ذلك لأنه كائن بلا موقف ،بلا ضمير ، بلا حياء ، بلا كرامة ، بلا قيم .
إن اهالي نينوى قبل أي مدينة أخرى يعرفون من هو مشعان جيداً .ولن يغفروا له أبداً،مارتكبه من جرائم وسرقات بحق المدينة،واكبرها سرقته للبنك المركزي العراقي في ليلة الخميس 10 / 4 / 2003 عندما سقطت المدينة واصبحت تحت سلطة الاحتلال.والتفاصيل في هذا الموضوع كثيرة وتناولها العديد من الصحفيين والاهالي في مقالات وشهادات كتبوها في صحف الموصل الصادرة انذاك،ويمكن العودة الى هذا الموضوع في وقت آخر .

اليوم يثبت مشعان الجبوري مرة اخرى أنه يستحق الاحذية التي انهالت عليه من اهالي مدينة الموصل في نهاية شهر نيسان من العام 2004 في الايام الأولى التي اعقبت احتلال العراق،عندما خرج مشعان بنفسه الى جموع المتظاهرين ضد الاحتلال امام مبنى المحافظة في محاولة منه لتهدئتهم،بعد أن كان قد اعلن نفسه محافظا على المدينة،وماأن ظهر امامهم في الساحة المقابلة للمبنى حتى تساقطت عليه عشرات الاحذية من المتظاهرين الغاضبين.فما كان منه سوى الهرب والعودة الى الداخل . 
آن الآوان،لكي يقذف بالاحذية مرة ثانية بعد أن كشف حقيقة المهمة القذرة التي أوكلت إليه وجاء لتنفيذها..
ويتوجب على رجال القانون أن يرفعوا قضية ضده بأسم الشعب العراقي  يتهمونه فيها بالدعوة الى الحرب الاهلية مابين العرب واخوتهم الكورد .

22
إعجابي،بِصراحةِ الفتلاوي

                                                
مروان ياسين الدليمي

دعوةالسيدةالنائبةحنان الفتلاوي الى ضرورة تحقيق التوازن في عدد القتلى الذين يسقطون مابين الطائفتين المسلمتين الشقيقتين المتقاتلين السنية والشيعية، التي عبرت عنها في حوار تلفزيوني،كانت صادمة لدى البعض منّا وبعثت فينا شعورا بالخيبة.
وإضافة الى كونها دعوة صريحة لتبرير جرائم القتل الطائفية المتبادلة،واستمرارها،بدلاً من البحث عن سبلٍ واقعية للتعايش والاحترام ــ وهي كثيرة ـ فيما بين الاطراف المتقاتلة، فهي تعكس مدى البؤس الذي يعشعش في عقلية طاقم سياسي يرسم مصيرنا.
بنفس الوقت تثير دعوتها هذه تساؤلات عدة:- فأنْ يصدُر هذا الكلام على لسان امرأة،أمرٌ يدعونا لاعادة النظر في مفاهيم أساسية كرستها ثقافة انسانية  تؤكد على أنَّ المرأة رمزٌ للحنان ! !. وأنا لم أجد ايَّ علاقة مابين الأسم والمُسمى.
بنفس الوقت أشعر أن السيدة حنان لاتستحق ألإدانة ولاألشجب على صراحتها مع نفسها،ولاعلى تفكيرها بصوت عالٍ بكل ما يحرص آخرون أشد الحرص على اخفائه في دواخلهم ــ من ساسة ونواب ــ من افكار وقناعات راسخة،قد يكون بعض تلك الافكار المَخفية في قلوبهم ورؤوسهم،سواء من هذا الطرف أو ذاك أشدُّ تطرفاً وقسوةً ووحشيةً مما قالته الفتلاوي،لكنهم لايمتلكون وضوح وجرأة الفتلاوي ليعلنوها أمام المَلأ.
فنحنُ أحوج مانكونُ إلى المواجهة مع النفس لمكاشفتِها وكشفِها دونما كذبٍ وخداعٍ لأنفسنا وللاخرين،لكي نختصرَ رحلة طّعنٍ من الخلف،لطالما مارسناها،ضد بعضنا،وماعترفنا بها.
كلانا يعلم جيداً أننا نُعلن غير مانُخفي،فالحبُّ قناعٌ للكُرهِ،والثقةُ قناعٌ للرِّيبة والأحترامُ قناعٌ للسخريةِ والتديّن قناعٌ للرذيلةِ والعلمانيةُ قناعٌ للتقديسِ والشيوعيةُ قناعُ للطائفيةِ والقوميةُ قناعٌ للتعصبِ والفضيلةُ قناعٌ للسرقة ِ والقناعة قناعٌ للعجز والرَّحمةُ قناعٌ للقتلِ والأخوّةُ قناعٌ للعدواةِ.
الأمثال عادة تضرب ولاتقاس،ولأنني أؤمن بحكمة صينية تقول:" شيطانٌ واضح،أفضلُ من قدّيس غامض".لذا أُعلن إعجابي بصراحة السيدة حنان الفتلاوي.
  

23
بدلة وربطة عنق وشهادة دكتوراه *

                                                                                                                 مروان ياسين الدليمي

مسؤوليتنا أمام عوائلنا تشكل جزءً كبيراً من محنتنا الشخصية،هي بمثابة قيدٍ ثقيل يلجمُ حريتنا في مواقف كثيرة،ويفرض علينا خيارات محددة،لاتتيح لنا في أغلب الأوقات اختيار ماينبغي أن نختار مما هو أكثر صحّةً وسلامةً ودقّةً من مواقف تعكس في جوهرها قناعاتنا ومبادئنا،تجاه مايواجهنا من حالات نرفضها،سواء في ألأماكن العامة أوفي أماكن العمل،وعادة مايكون أبطالهاغريبو الاطوار،أقل مايقال عنهم،شُذاذ، انتهازيون،لصوص،متصابون،كذابون، أدعياء ثقافة .
أمثال هؤلاء،لديهم من الاساليب مَايربأ البشر الاسوياء بأنفسهم،بعيدا عنها، وعن الذين يلجأون اليها تحقيقا لما يصبونَ اليه من مَالٍ أوشهرة،أو وجاهة اجتماعية طالما إفتقدوها،وذلك لخللٍ يكمن في ماضيهم أو سيرتهم الشخصية.
وبما أنَّ الحصول على لقب علمي،عبر المال  والتزوير بات سهلُ المنال، أصبح  البعض مِن هؤلاء ــ ممن يحمل شهادة اكاديمية عليا ويحرص بشكل مُبالغٍ به على أن يسبِق اسمه لقب دكتورــ لايتردد في أن يستثمر لقبه العلمي أسوأ استثمارٍ في دائرةٍ لاتخرج عن شبهة التزييف أوالتحريف أوالسرقة.وليس الأمر هذا مقصورا على دهاليز السياسة وكواليسها المظلمة،بل تعداده الى أروقة الأدب والثقافة،وهذا هو مربط حديثنا.
في كثير من المواقف تعجز تماماً منظومة الثوابت والقيم الاخلاقية،والتي عادةً ماتفصل بين سلوك الانسان وسلوك الحيوان،في صدِّ مايصدرُ  عن  هؤلاء من تحطيمٍ وتشويهٍ للقيم الانسانية،لتتهاوى بذلك أمام وقاحتهم،سُبل الحوار المُتمدن والمتحضر في أرقى صورها! 
عند ذاك،ستجد نفسك مُرغَمَاً أمام خيار وحيد،لامفرَّ من اللجوء اليه،وليس من السهولة الانزلاق فيه.
خيارٌ يدعوكَ أنْ تُنحّيَ جانباً كل ماقرأته من روايات وفلسفة وشعر،كما يدعوك لأنْ تعتذرَ من أفراد القبيلة التي تنتمي لها:شكسبير وماركس وسارتر ونصر حامد ابوزيد وديستويفسكي وماركيز وشاكر سيفو وعلي بدر وفرج فودة وزهير بردى وحيدر سعيد وعلي شريعتي وهيثم بردى وعبد الخالق الركابي ونجيب محفوظ وعبد السادة البصري وكمال سبتي والسياب وكرم الاعرجي وسعدي يوسف ورعد فاضل  وآخرين .
تعتذر لهم،وتتناسى مؤقتاً،ماتعلمته منهم خلال عقود من القراءة والبحث والتأمل،من اساليب ومعالجات وافكار وأنت تواجه الحياة.ليس لأنَّ افكارهم وفلسفتهم،باتت متخلفة وقديمة ورجعية،ولم تعد تصلح للأستعمال الآدمي.
بل على العكس من ذلك،تعتذر منهم،لأنَّ ماجاءوا به من قيمٍ،لاتصلح إلاّ أنْ تكون منظومةَ للأرتقاء بإنسانية المجتمع البشري.
ولأنك في مثل هذه المواقف،تتواجه مع فصيلةٍ لاتنتمي للجنس البشري إلاّ من حيث الهيئة والشكل والهندام: بدلة وربطة عنق وشهادة دكتوراه  .
فصيلةٌ مُستئذِبةٌ مُتوحشِةٌ،لاتَردَعُ رغباتها وشهواتها ودناءتها،حكمةٌ بليغة ٌلعلي بن أبي طالب ولاصرامة عمر بن الخطاب ولادم الحسين ولامحبة المسيح ولاتسامح مانديلا ! .
ليس أمامك هنا،إلاّ أن تعتذر من هذه الاسماء،وتنحني احتراما وتقديرا لها،قبل أن تطوي جذعك للأمام لتمدَّ يدك الى قدمك وأنتَ تفكر في أستعادةِ وأستعارةِ موقفٍ سَبق أنْ مرَّ به الرئيس الاميركي بوش الأبن،على يد صحفي شاب،قبل أن يلقي كلمته أثناء زيارته العراق في 14 ديسمبر 2008 . 
إلى كل الاسماء الكبيرة بعطائها،وأخرى لم يسعفني المجال لذكرها:- أخشى ياسادتي،أنْ أقدمَ لكم اعتذاراً بين فترة وأخرى.
*مناسبة المقال،ماجاء من إساءةٍ طالت عملي المهني،أوردَها أحد أدعياء الثقافة،في مقال خصنّي به.  جوهرها قائم على تزييف الحقائق،

24


إصبر ياصابر مع الصابرين..
اصدار جديد للكاتب الصحفي توفيق سعيد



                                                           
 
مروان ياسين الدليمي

توفيق سعيد كاتب صحفي واعلامي مهموم بقضايا شعبه الكلداني السرياني الاشوري.والأهم في هذا حيويته وفاعليته الانسانية والاجتماعية التي تجعله قريبا جدا من الاخرين وعلى تواصل معهم.وهذا مايشكل خصوصية واضحة فيه تبعث في حضوره الانساني طاقة ايجابية.فهو لايكتفي بالتأمل والقراءة عن بعد بل يذهب بعيدا في الارتماء بين طيات واخاديد وتشعبات الواقع والمجتمع بشكل ايجابي.وهذا هو نموذج المثقف العضوي الفعال كما شخصّهُ الفيلسوف غرامشي،مثقف يزاوج مابين التفكير النظري ومابين العمل الفعلي في الميدان بين اوساط المجتمع.وفي هذا الامر نجد توفيق سعيد يلعب اكثر من دور في الحياة فهو لايكتفي في كونه كاتبا وصحفيا واعلاميا بل ناشطا مدنيا فاعلا في الحياة.  
العنوان
تأتي اهمية عنوان الاصدار الاخير للكاتب الصحفي توفيق سعيد"اصبر ياصابر مع الصابرين"للتعبير عن السياق العام لأفكاره ودعوته الى التفكير والعمل،وعدم الاتكاء فقط على التغنّي بالأرث الحضاري ومنجزات الماضي البعيد.وذلك بالعمل مع الاخرين تضامناً وتوحداً  قلبا وقالبا.من خلال تحديد الهدف.لان من يفقد الهدف يصبح فاقدا للأستمرار والمقاومة. وقد اختار الكاتب عنوان احدى مقالاته التي ضمّها الاصدار ليكون عنوانا لمطبوعه الذي احتوى على 70 مقالة سبق للكاتب ان نشر بعضا منها في الصحف الورقية والبعض الاخر في عدد من المواقع الالكترونية .
الموضوعات
تتوزع طبيعة الموضوعات التي جاءت في مقالات هذا الاصدار في أكثر من منحى  :
1- موضوعات تتناول شؤونا تتعلق بالمسيحيين العراقيين الذين يتكونون من الكلدان والسريان والاشوريين.ويكاد هذا الموضوع يستحوذ على اهتمام الكاتب بشكل رئيسي مثال على ذلك المقالات التي حملت العناوين الاتية : تضامنوا مع حملة الدفاع عن القضية ،خبب كرسي من ذهب،لقد كان رجلا،باستشهاده ولد رحو من جدي،هل ستعاقبون انفسكم،وهناك مقال مهم بعنوان "للنناضل بالحق ونتكلم من اجله " يدعو فيه سعيد الى ضرورة تركيز الجهد عبر الكتابة للتعبير عن واقع واحلام الشعب الكلداني السرياني الاشووري.ايضا هناك مقال مهم اخر بعنوان " من له اذان ليسمع "يدعو فيه ابناء شعبه الى عدم الهجرة والبقاء في الوطن.من خلال استدعائه لحديث خاص كان قد تم عبر الهاتف  بينه وبين واحد من ابناء جلدته كان قد اختار الهجرة والاغتراب .
2- موضوعات ذات طابع فلسفي عام تتحرك في مطلق المفاهيم الاخلاقية والاجتماعية كما في: قولوا اللهم يارب،معايير الحقيقة،الديو قراطية تجتاز الخط الاحمر،من الغباء أن تكذب،لن ندعكم تشعرون بالعار،ولتسقط الخرافات الملعونة،حكمة التائه في جزر الواق واق .
3- مقالات تستعير من فنون كتابية اخرى ادواتها وتقنياتها في بنائها،كما في المقال المعنون "قبل أن يدخل القمر المدار"التي استعار تقنية كتابتها من الفن القصصي،وفي مقال آخر حمل عنوان "لايزال ذبح الثور مستمراً" استعار حبكته  من بنية الكتابة المسرحية .
4- مقالات تتصدى لموضوعات مهنية موضوعهاالاعلام والصحافة وشؤونهما.مثل المقال المعنون"عام تحقيق الاماني" وآخر بعنوان"سلاح ذو حدين ".
5- موضوعات ذاتية فيها مراجعة وتقييم للذات في إطار النقد والتشريح فيما ذهب إليه من اقوال وافعال كما في المقال المعنون " وقائع صادقة ".
6- موضوعات تتعلق بالادب والشعر كما هو المقال المعنون " هو كلمات واحاسيس وموسيقى " وآخر بعنوان " ياطيب القلب ".
الاسلوب
 اهم قضية تفرض نفسها في عالم الكتابة بشكل عام هي قضية الاسلوب، فمن خلاله يتسنى للكاتب أن يكشف عن  تفرد وتطور أدواته كما يكشف عن رؤية الكاتب في كيفية تناوله للموضوعات التي يكتب فيها وعنها. فالاسلوب هو الذي يُبقي اسم الكاتب حاضرا لدى القراء ويعكس ذكاءه وموهبته وتفرد شخصيته في النظرة والقراءة للأحداث.
توفيق سعيد  بأعتباره كاتبا صحفيا تبدو شخصيته قد توضحت في ادواته الكتابية،وذلك من خلال عدد من المفردات الفنية التي نجدها واضحة وشاخصة في مقالاته وتبدو لصيقة به وباتت تميزه عن غيره بصورة اوضح كثيرا من نصوصه الشعرية ،التي لاتبدو واضحة المعالم بالقياس الى مقالاته. لذا على المستوى الشخصي ارجو ان يكرس جهده في كتابة المقالات الصحفيىة التي نجده فيها مؤثراً اكثر من الشعر.
لابد أن يلتفت قارىء مقالاته الى الانسجام الواضح لديه في استخدام المتواليات اللفظية بشكل متواتر وسهل،مع لمسة ِ واضحة لحضور الصيغ التقليدية في نمط الكتابة العربية المتوارثة من الطباق والجناس والسجع في بناء جُمَله كما في  المثال الاتي:" لاتتفاجأوا بما يدور،فسنرد الصاع صاعين،ونكشف المستور،من الداخل والخارج،حتى لو اغلقوا بوجوهنا المخارج،امس واليوم وغدا،سنتكلم ولن نسكت ابداً،فلاتتفاجأوابما يدور،لان الخبر الحار يخرج من جوف التنور،والدنيا تقعد ومن ثم تدور".والملاحظ كذلك  في بنية مقالاته حرصه الدائم على استثمار الموروث الشعبي لدعم وتوضيح افكاره من خلال الحرص على استعارة امثال وحكم مأثورة ،وعادة مايستعين بها في مقالاته مثال على ذلك"القرد في عين امه غزال،وكل غريب للغريب نسيب،ماضاع حق وراءه مطالب ،تمنى لأخيك ماتتمناه لنفسك ، حارة كلمن ايدو ألو ".هذا الاستثمار يعكس بطبيعة الحال حضور الذاكرة الجمعية بما تحمله من خصوصية في القول والخطاب والفكرة للتعبيرعن ثقافة المجتمع واراءه وافكاره.
بنفس الوقت اتسمت لغته بليونتها وابتعادها التام عن التقعر واقترابها من اللغة التي تتأرجح مابين النثرية والشعرية بشكل عام،فبدت سلسة ومطواعة وموحية.هذا اضافة الى نبرة النقد المغلفة بالسخرية التي تبدو واضحة في عدد من الموضوعات التي تناولها كما في المقال المعنون "حزب الفشلة " ففي هذا المقال نجده  ينتقد الاحزاب السياسية التي جاءت بعد العام 2003 وفشلت تماما في تقديم اي شيء للوطن والمواطن.فآثر ومن باب السخرية والنقد اللاذع أن يعلن انتماءه لحزب الفشلة  فهو اكثر جدوى وصراحة ووضوحا وصدقا من كل الاحزاب الاخرى .
في عموم كتابات سعيد يبدو واضحا جدا مايسعى اليه من اهداف وافكار ينوي ايصالها.ولن يجد القارىء صعوبة في التوصل الى ما يبغي اليه، وهذا امر يبدو في غاية الاهمية عندما يرتبط الامر بفن المقالة الصحفية التي تخاطب جمهورا واسعا من القراء يتنوع في مستوياته الثقافية .
كما تعكس كتاباته ارتباطه الوثيق بالحياة،فهو على تماس حيوي ومباشر معها ومع مايطفو على سطحها من احداث عامة او خاصة تتعلق بشعبه. وهذا هو جوهر مهمة الكاتب والمثقف ومسؤوليته الانسانية والمهنية في آن واحد.وفي خضم هذا الانتماء والتفاعل مع الحياة نجده يقظا في الامساك بمسار واضح في كتاباته ينأى من خلاله عن التشتت والقفز في تناول موضوعات مختلفة.ذلك لأنه قد التزم بشعبه وقضاياه،تاركا الموضوعات الاخرى لكي يكتب عنها كتابا اخرين.
ايضا يعكس توفيق في مقالاته استجابته الواعية لماحصل من متغير في بنية الكتابة في اطار المقالة الصحفية،خاصة من ناحية  عدد الكلمات،فكل مقالاته تتراوح مابين 300 الى 500 كلمة وهذا مااصبح عليه شكل المقالة المعاصرة وماتقتضيه من ايجاز وتكثيف في بنائها والتخلي الواضح عن الاستطراد والمقدمات المطولة مما كان يعد سمات واضحة للمقالة في بنيتها الكلاسيكية .
غلاف المطبوع  
فيما يتعلق بغلاف الكتاب بما شكله من مفتتح للدخول الى عالم المؤلف فأنني قد وجدت ان المصمم رغيد جرجيس حبش كان موفقا الى حد كبير في قراءة افكار الكاتب وايجاد نص بصري موازٍ  لها ،وذلك باعتماد اللون الاسود مفردة مهيمنة على  معظم مساحة الغلاف الاول،وهذا الاختيار جاء منسجماً مع تراجيديا المكان الذي تحركت عليه موضوعات وافكار الكاتب سعيد.
تظافر مع اللون الاسود مجموعة (فيكرات)اشكال بشريية مشغولة بخطوط حادة،تتداخل وتتجاور وتتقاطع مابين اللونين الاسود والابيض،فما يلفت انتباهنا أن كل الوجوه تنظر بأتجاه واحد، لتلتقي هذه النظرة مع زاوية نظر قارىء الكتاب. وجميع هذه الوجوه (الفيكرات) تبدو لنا وكأنها  تكشف عن نظرة فيها الكثير من الترقب والانتظار، لتبدو وكأنها  تعيش حالة هي اقرب الى المحنة منها الى نكبة تحيط بها.ويشكل حضورهذه الوجوه البشرية بكليتها مفردات لغوية مختلفة تنسج متناً لحكاية انسانية.كما اضاف وجه الطفلة الذي وضعه المصمم  في الزاوية العليا اليسرى من الغلاف بعدا زمنيا وانسانيا الى التصميم،منح القارىء احساسا عميقا بحضور الصوت الانساني بكل براءته ونقاءه وطهارته وهو يأتي من الغد متأملا في لحظة تفاعل وتفكير وتساؤل،زمناً ماضياً مستسلماً،تكدَّس عليه الصمت ثقيلا.ومما عمّق هذه الفكرة أن جعل المصمم جميع الوجوه مغطاة بغلالة شفافة،غيّبَ من خلالها ملامحهم،وفي مقابل هذا منح وضوحاً واشراقاً  لوجه الطفلة،والذي شكل بحضوره معادلا موضوعيا يشير الى الغد في مقابل الوجوه البشرية بما تعكسه من انتماء للماضي والحاضر بكل مايحملانه من غموض وقلق وهواجس .
سبق للكاتب توفيق سعيد ان اصدر خمس مجاميع شعرية حملت العناوين الاتية: ديوان  الجسد عام 1985،الى السمراء قبلات وبكاء عام 2003 ،سيمفونية الرجل المهموم بسعادة عام 2004 ،أحمل زورقي لأغرق عام 2006،قناديل ومواويل عام 2008 .

25
ولأنَّها إبنةُ الحُرية .....
                                                                                                                    مروان ياسين الدليمي

مانديلا هو نفسهُ بشحمهِ ولحمهِ وسواد بشرته وابتسامته المشرقة أبداً،هذا الذي بكته الشعوب جماعات وافراد بما فيهم السَّجان الذي كان يقف عند باب زنزانته.كان قد حُكِم عليه بالسجن لمدة 27 عاما بتهمة الارهاب !!!!!!!!!!! قضاها كلها في زنزانة انفرادية.
أي أن مانديلا في يوم ما ــ في نظر السلطة والقانون الدولي ــ كان إرهابيا.!!
المفارقة هنا..أنَّ العالم بَكَاهُ ساعة موته،وتوحَّد حُزناً على من سَمَّاهُ ايقونة السلام،بعد أن كان يُعدّهُ ارهابيا فيما مضى من الايام !!!!!!!!!!!.
في مقابل ذلك ــ وكما تعودنا في الشرق ــ سيأتي يوم ليس ببعيد ولابغريب علينا،نجد فيه أنفسنا وجها لوجه،أمام زعماء كان يصفق لهم الشعب ومعه تصفق عواصم أجنبية كانوا يزورنها.سنقف ساعتها بصدور تضجُّ بمشاعر يمتزج فيها الندم مع الاحتقار،لأنّنا أكتشفنا بوقت متأخر كعادتنا بأنّا قد خُدِعنا،فالزعيم المُفدَّى داعية السّلام والتضامن والتآخي بين الشعوب والقبائل والطوائف،لم يكن طاهر اليدين ولاحكيما ولامُختارَ عصره،بل كان إرهابياً مأجوراً مجرماً !!!!!!!
وفي تلك اللحظة سيجد الزعيم نفسه وحيدا منبوذا لاناصر ولامعين له مثل الذين سبقوه من الزعماء الى مثل هذا المصير.
نفس الشعوب ونفس المحافل الدولية التي كانت تستقبله وترحب به وتصفق له وتبارك خطواته واعتقالاته واعداماته وغزواته وإباداته وميليشياته وخياناته،نفسها تلك،ستصدرالحكم عليه وتنأى بذاتها عنه وعن خطاباته وعبقرياته وسياساته واتفاقاته .
إنَّ الدنيا دوارةٌ كما توصفُ في المخيال الشعبي "يوم لك ويوم عليك " تدور غير عابئة بأقدارها على بني البشر،لايسلم منها أحد،كبيراً كان أو صغيرا،سنياً كان أو شيعيا،مسلما أو مسيحيا،ملحداً أو متدينا،لافرق بين هذا وذاك،سواء وقفت معه ايران أو أميركا أو روسيا أو فرنسا،الكل واحدٌ في سلة القدر،والمثل الشعبي يقول:"المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين ". 
إلاّ أنَّ فرصة النجاة من سوء المكتوب على الجَبَين قائمة لمن يقف على شيء بسيط مِن الحِلمْ،لينأى به قولاً وفعلاً عن الحماقة والجَّهالة والنَّدامة والسَّفالة والكذِب والتزييف والتطرُّف،مُتفادياً مُتحاشيا في ختام عُمره أسوأ الايام وأقساها .
ولو لم يكن مانديلا صادقا في نضاله من أجل حرية الانسان بشكل مُطلق  ،نائياً بنفسه عن كل ما يُفرِّقُ بين الانسان وأخيه الانسان،مِن لونٍ ودينٍ وعِرق،لو لم يكن بهذه الحكمة،لما أنحنى له في حياته قبل مماته أحتراما وتقديرا وتبجيلا،أعداءه قبل أصدقاءه،ولمَابكىيناهُ جميعا ساعة فراقه،عَربا وكورداً وأمازيغ وهنوداً وخُلاسيين وأفارقة وأوربيين،مع أننا جميعا لسنا على دين واحد ولا لون واحد ولا قومية واحدة.
هذا يعني أنَّ الحقيقةَ هي الاصدقُ والأطهرُ والارسخُ والأبقى من كل مُسمَّيات الترقيع والتلميع والتزييف،ولأنها أبنة الحرية: لاتُعتقل ولاتُقتَل ولاتنطفىءولاتموت .


26
استقالتي ...من اتحاد المسرحيين /فرع نينوى


انطلاقا من مسؤوليتي الشخصية تجاه تنظيم مهني كنتُ سببا رئيسيا في ولادته بعد شهرين من سقوط بغداد عام 2003.أعلن انسحابي واستقالتي من اتحاد المسرحيين فرع نينوى،طالما لم يعد يعكس ماكنت اطمح اليه ساعة التفكير بتكوينه.
لقد جاءت فكرة تأسيسه عام 2003 بعد مرور شهرين على سقوط بغداد، وذلك عندما وجدتُ مع آخرين،أن اجتماع الفنانين الذي كنت قد عملتُ بكل جهد لتحقيقه انذاك بالتشاور مع المرحوم الفنان فريد عبد اللطيف والفنان عادل محمود ومحمد العمر،قد ذهب بعيدا جدا عن ماكُنّا نطمح اليه من اهداف وبتأثير عدد محدود من فنانين آخرين كانت لهم اهدافهم التي إختلفنا وتقاطعنا معها جملة وتفصيلا،وقد إستلم هؤلاء فيما بعد مسؤولية نقابة الفنانين لعدة دورات،وبطريقة خلت من الاجراءات الاصولية التي عادة ماتقتضيها الانتخابات،ولسنا هنا بصدد عرضها وتشخيصها،وقد يجيء الوقت لهذه المهمة عندما تقتضي الظروف  .
 لقد اخذ ذلك الاجتماع العاصف ــ الذي عقد في شهر حزيران من العام   2003 في المسرح الصغير من الطابق الثاني داخل مبنى معهد الفنون الجميلة بالموصل ــ  مساراً مرفوضا وغير مقبول من قبلنا.
مسارٌ يتواكب ويتشاطر ويتماثلُ مع صورة مجلس الحكم الذي كان قد أسسه بول بريمر الحاكم المدني للسلطة الاميركية على العراق،وفق اسس طائفية وقومية واثنية ودينية !. وهذا ما لم نعهده في لغتنا وثقافتنا الانسانية التي نؤمن بها،وتعايشنا من خلالها داخل محيطنا الاجتماعي العراقي عامة، وفي مدينتنا الموصل خاصة.
فما كان منّا إلا أن ننسحبَ ــ من الاجتماع ــ احتجاجاً ورفضاً وقطيعةً مع ماذهب اليه من افكار خلت من المسؤولية الوطنية.. ولنجتمع مع مجموعة من الفنانين في احد صفوف المعهد يحدونا أمل كبير في البحث عن تشكيل مهني جديد ينأى بنا عن ما آلت اليه الأوضاع من رثاثة وانحراف كنّا قد استشعرنا بها ولم تكن خافية علينا.
من هنا جاءت فكرة تأسيس اتحاد يجمع المسرحيين(وكان عنوانه في بداية الامر اتحاد الدراميين).وفيما بعد جرت بقية الترتيبات التنظيمة لتأسيسه ،ولأنني لم أكن راغبا ولاطامحاً في تولي أي مسؤولية بسبب ارتباطاتي الشخصية،لم أُرشِّح في حينها لعضوية الهيئة الادارية،بل توليتُ مسؤولية الهيئة التحضيرية للأنتخابات.وليظهر بعدئذ  الاتحاد على وجه الحياة .
ولأنَّ مساره طيلة الاعوام الماضية،ومنذ تأسيسه كان على حافة النسيان والضعف والغياب،ولم يتشكَّل حضوره على أرض الواقع وفق ماكنّا نطمح له:جاء اعلان انسحابي واستقالتي منه.

                                           مروان ياسين الدليمي
                                             8/ 12 / 2013

27
المنبر الحر / سؤال خبيث..
« في: 19:46 04/12/2013  »
سؤال خبيث..
                                                                                                                  مروان ياسين الدليمي
مقدمة لابد منها :
عوّدتنا أيامنا العراقية المُظلَلَة بالخوفِ والغموضِ والدَّمِ،أنْ نتلقَّى خبراً رئيسيا في طبخة نشرات الاخبار،ولكثرة تكراره وتداوله في حياتنا المقذوفة في فراغ ٍمن الجنون،بات لصيقا بذاكرتنا المُتعَبَة بصورٍ من موت يوميٍّ لايمكن أن يكون إلاّ عبثياً.
الخبر مفاده أنَّ:"جريمة أختطاف وقتل جماعية تم ارتكابها من قبل مجموعة مسلحة،يرتدي افرادها،ملابس قوات أمنية حكومية،وكانوا أثناء ارتكابهم لجريمتهم يستقلون سيارات حكوميةمنها ماكانت ذات دفع رباعي". . انتهى الخبر. 
في موضوعة هذا الخبر الذي بات يستفزني مثلما يستفز آخرين لكثرة مايتردد على مسامعي وبنفس صياغته ــ مع اختلاف وكالات الانباء التي تبثه ــ أجدني مدفوعا الى طرح سؤالٍ واحدٍ،يبدو خبيثاً،على الاقل بالنسبة لي ! ذلك لأنني أُضَمِّنُ الجواب الذي أقصد بين طيّات السؤال،وليس من الصعوبة بمكان على أي قارىء ــ عراقي فقط ــ  حتى وإن لم يكن خبيثا على شاكلتي،التوصّل الى ماذهبت اليه ضمناً.
قد يبدو سؤالي لدى البعض طائفياً،ولدى آخرين مشروعا،أو ذكيا أومجرد سؤالٍ أطلقه شخص غبيّ يدَّعى الفَهمَ.
لابأس .. فليكن مايكون. .أنا،كُلُّ ماشاءني أن أكونَ هؤلاء البعض،ولن أدَّعي غير ذلك:- طائفيٌّ، ذكيٌّ، خبيثٌ،غبيٌّ، دعيٌّ،مدسوس.وووووو
لكنْني ــ وهذاهوالمهم ــ بصريح القول:- لست بعثياولاداعشيّا ولاصداميا ولاتكفيريا ولاوهابيا ولاسلفيا ولاقرضاويا ولاقوميا ولاقَطَريا ولاتركيا ولاسعوديا ولاصهيونيا .
يمكن أن اكون:- مُلحدا أو علمانيا أوليبراليا ًأو غير متدين،أو يساريا مسالماعلى طريقة نيلسون مانديلا وليس ثوريا مسلحاًعلى طريقة جيفارا.
ويمكن أن أكون:-لاشيء على الاطلاق..أومجرد مواطن لاأكثر ولاأقل تغمره أوحال الطرقات في فصل الشتاء،ويقتله الحَرُّ في فصل الصيف. يكافح طيلة حياته من أجل لقمة العيش،ويخاف الحكومة مثلما يخاف الله،بل إن خوفه منها قد يكون أشدُّ وأكثر،لأنه على يقين تام بأنَّ الله قد يغفر ويرحم من يخطىء في السؤال،بينماالحكومة لن تغفر ولن ترحم .
ولكي لاأطيل في مقدمةٍلاجدوى من الاطالة فيها،عنيتُ من وراءها أن أكشف جانبا جوهريا من هويتي على قدر استطاعتي لكي لايلتبس القصد من السؤال على القارىء .
السؤال :- 
لماذا يقتصر أرتداء ملابس القوات الامنية العراقية عندما يتم ارتكاب جرائم شنيعة ضد طائفة ما !؟ والامثلة هنا كثيرة،منها على سبيل المثال لا ألحصر:-إختطاف وقتل أكثر من 150 منتسب لوزارة التعليم العالي قبل عدة أعوام،إختطاف وقتل رئيس واعضاء اللجنة الاولمبية السابق أحمد الحجيّة مع عدد كبير من الذين كانوا يحضرون معه اجتماع اللجنة في نادي النفط وسط العاصمة العراقية بغداد،إختطاف وقتل شيخ عشيرة الغانم في البصرة قبل ايام معدودة !!!!!؟ ؟ ؟ .
وهكذا يمكننا أن نذكر العديد على شاكلة هذه الجرائم.ألايمكن أن يكون هذا الأجراء ماهو إلاَّ خديعة خبيثة،هدفها خلط الاوراق وتزييف الحقائق يقف وراءها قادة ينتمون للقوات الامنية الحكومية،وهؤلاء ليسوا سوى عناصر طائفية كانوا فيما مضى جزءاً من ميلشيات مسلحة طائفية واصبحوا فيما بعد العام 2008 ضمن تشكيلات القوات الحكومية بعد أن صدر قرار دمجها مع الاجهزة الرسمية اثناء حكومة الجعفري،ولتصبح عناصر تلك الميليشيات ـــ وهذا أمر ليس بعيدا عنها لان معظم تلك العناصر تفتقر الى ابسط درجات الثقافة والوعي الوطني ــ بيادق تباع وتشترى من قبل  ساسة واحزاب متنفذة،تحركها هنا وهناك،لتصفية حسابات سياسية وطائفية فيما بينها،وفي مجمل صراعاتها لاترتقي في أعلى مراتبها وقيمها إلاّ إلى اقتسام النفوذ والسلطة والثروة لاأكثرولاأقل .
ولكي يتم استبعاد الشبهة عن القوات الحكومية وعن تورطها بارتكاب مثل هذه الجرائم،يتم القاء مسؤوليتهاعلى ميلشيات ذات صبغة طائفية معروفة سواء كانت سنيّة أو شيعيّة،مازال البعض منها يتحرك علنا فوق سطح الارض وأخرى تعمل تحتها.
ألايمكن أن يكون هذا أمراً وارداً في بلد مثل العراق،ساسته واحزابه ــ  أثبتت الايام ــ تورطهم بقضايا فساد مالي واداري وسياسي،كانت فيها الشعارات الوطنية غطاءً براقاً لصفقات مشبوهة لم يكن الهدف منها سوى تقاسم الربح من غنيمةٍ إسمها الوطن ؟ 

28



الهوية العربية .. ومَنْ يزدريها

                                                                                                        مروان ياسين الدليمي

يمكن أن نغيّر أيدولوجياتنا،أفكارنا،لغتنا،أوطاننا،جنسيتنا،مذهبنا،طائفتنا، وحتى ديننا.يمكننا ذلك بنفس السهولة التي يمكن أن نغير فيها مكان سكننا.
لكن انتماءنا القومي الذي ولِد معنا،لن نستطيع أبدا أن ننزعه عنّا،ولن يقنع الاخرون ذاك حتى لو حاولنا،فالعنوان القومي يبقى علامة أساسية لفرز الفروقات الشكلية فيما بين الشعوب.
لذا من الطبيعي أن لاننكر أو نتنكَّر أو نخجل من هويتنا العربية..بنفس الوقت ليس من الطبيعي أن نشعر بالفخر والغرور فقط لاننا نحمل هذه الهوية.
وليس من الطبيعي أن يشتمنا آخرون ــ بمناسبة وبدون مناسبة ــ فقط لاننا عرب ! .
وليس من الطبيعي أن نحتقِرَ الاخرين فقط لأنهم لايحملون هويتنا العربية.
أسوق هذا الكلام لأنني أجد الكثير من الكتابات هذه الايام على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي ــ تويتر والفيس بوك وغيرها من المواقع الشبيهة ــ معبأة بشتائم وإساءات واضحة لكل ما له صلة بالهوية العربيةــ شخوصا واحداثا وتواريخ ــ حتى ماكان منها نظيفا وليس هنالك مايدعو الى الطعن فيه والاساءة له.
فمايدعو الى الاستغراب في هذا الموضع أن نجد تلك الكتابات تُحمِّلُ العرب ــ وكلمة العرب هنا بمفهومها المطلق ــ كل أخطاء وجرائم الساسة والحكام،ماضيا وحاضراً!!
فهل يصح أن يُختصر شعب ما،بزعيم إرتكب جرائم بحق  شعب آخر !؟ وهل يصح النظرإليه بإحتقار مثلما ينظر الى ذاك الزعيم ! ؟
وهل يصح أن تنسب إلى الشعب بِرُمَّتهِ مسؤولية تلك الجرائم  !؟
مثل هذا الموقف،خاصة إذا ماعبّر عنه مثقفون ــ بما يعكس من خلط للقيم وتشويه للمفاهيم الانسانية ــ يحمل في داخله بذرةَ خطيئةٍ،لأن سياقه قائم على التعميم والاطلاق،وابتعاد عن الموضوعية،واقصاء للمنطق وماتفرضه المسؤولية العلمية من بحث وفرز وتصنيف للوقائع قبل تقييمها.هذا إضافة الى مايحمله من  موقف عنصري لايمكن اخفاءه !
في نهاية الامرهذا الموقف،تنبعث من مفرداته رائحة لايخطىء المرء في تمييز عفونتها،يُشَمُّ منها مشاعر الازدراء والاحتقار لكل ماهو عربي، ويعكس  بشكله ومضمونه ازدواجية الفهم والمعايير في رؤية الذات والآخر .

29


وحدها شجرة الرمان


رواية للكاتب العراقي سنان انطون
مشهدية المكان في احتوائه عوالم انسانية سحقتها الحروب


                                                                                                           مروان ياسين الدليمي


خلال الاعوام العشرة الاخيرة طالعتنا العديد من العناوين الروائية التي انشغلت بموضوعة الحرب بما انطوت عليه من  مساحات واسعة داكنة سلبت الكثير من عمر المجتمع العراقي منذ مطلع  العقد الثامن من القرن العشرين والى مابعد سقوط بغداد تحت الاحتلال الاميركي عام 2003.
جماليات الفوضى
يأتي هذا النص الروائي  ــ وحدها شجرة الرمان ــ ليضاف الى تلك القائمة من الاعمال،فالحرب تتموضع هنا في خلفية الصورة المشهدية لتكون مرجعية واقعية يتشكل من ضراوتها السياق السردي العام للرواية،عبر تواريخ محددة تترشح من دخانها،ولتتداخل تداعيات الاحداث في سياق المبنى الحكائي وفق رؤية تنهض على الخروج من صرامة اشتراطات التسلسل الزمني ــ ماضي، حاضر، مستقبل ــ ومرتهنة بجماليات لاتتيحها إلاّ تركيبية الفوضى ــ بارتداداتها للخلف واندفاعاتها للأمام ــ لتقطيع مسار الزمن الطبيعي.من هنا بدا شكل تبادل المواقع الزمنية مهيمنا في البنية السردية للأحداث كما نظَّر له الشكلانيون الروس في نظرية (التحريف الزمني) لقطع التعاقب الطبيعي للأحداث .
لم تكن حكاية جواد كاظم الفنان التشكيلي ــ وهو الشخصية المحورية والساردة للأحداث بنفس الوقت ــ الاّ ذريعة أراد الكاتب سنان انطون من خلالها أن تكون أداته الاساسية لمعالجة موضوعة الحرب بسردية عالية ومميزة،من دون أن يذهب بعيداً في خنادقها وساحاتها إلاّ في مساحات ضيقة جداً.ذلك لأنَّ الشخصية في البنية السردية تشكل محورا أساسيا عادة مايضعها الكاتب في مقدمة اهتماماته،فمن خلال فاعليتها تنمو حركة الاحداث وتتطور،وبنفس الوقت تنعكس عليها.وهكذا تبقى العلاقة ديالكتيكية بينهما "فالشخصية تقع في صميم الوجود القصصي،فهي اشبه ماتكون بقلب السرد النابض،وتتقاطع عندها العناصر الشكلية كافة بما فيها الاحداثيات الزمنية والمكانية" 1
تضاد الامكنة
كماإحتلت دلالة المكان عناية فائقة في هذه الرواية خاصة وأنَّ حضور المكان  " يشكل عنصرا اساسيا في العملية السردية،بوصفه يمثل الارضية الفكرية والاجتماعية التي تحدد مسار الشخصيات التي يذكر فيها وقوع الاحداث،ضمن زمن داخلي نفسي يخضع لواقع التجربة في العمل القصصي " 2 .
تمظهرت مشهدية المكان في احتوائه عوالم انسانية مركونة في زوايا وامكنة مُغلقة على الحياة(المغيسل/محل غسل الموتى)خاصة وأنها مازالت أماكن بكر لم يطأها السَّرد:"أول ماوقعت عليه عيناي بعد أن قطعنا الممر ودخلنا الغرفة الرئيسة كانت دكة المرمر التي يُغسلُ عليها الموتى،والتي يرتفع طرفها الشمالي قليلا حيث يوضع الرأس،كي يسيل الماء،وكيلا يتجمع.كانت الجدران والسقف مطلية بلون ابيض مائل للصفرة،لكن الزمن والرطوبة كانا قد جعلا بعض المواضع خصوصا في السقف،تتقشر وتبدو كأوراق خريفيةعلى وشك السقوط.توسّطت السقف مروحة بدأت تدور بعد أن كبس أبي الزر على الجدار،نظرت الى اليمين فرأيت التوابيت التي يؤتى بها من الوقف وقد صُفَّت في الزاوية،وفوقها بمسافةٍ نافذة متوسطة الحجم أعلى الجدار تسمح لاشعة الشمس بإضاءة المكان،تحت النافذة كان هناك باب يؤدي إلى حديقة صغيرة فيها شجرة الرمان التي كان ابي يحبها كثيرا وبجانبه مصطبة يجلس عليها احيانا أقرباء الميت وهم ينتظرون ويراقبون،في صغري كنت آكل ثمار هذه الشجرة حين يقطفها أبي ويعود بها إلى بيتنا بنهم.لكنني توقفت عن ذلك بعد أن أدركت بأنها تشرب من مياه الموت " .
ولأن المكان في العمل الروائي لايمكن للكاتب إلاّ أن يوليه الاهمية التي يستحقها بأعتباره " الكيان الاجتماعي الذي يحتوي على خلاصة التفاعل بين الانسان ومجتمعه لذا فشأنه شأن أي نتاج اجتماعي آخر يحمل جزءاً من اخلاقية ساكنيه وافكارهم ووعيهم " 3.
من هنا رسم المؤلف مكانا آخر( كلية الفنون الجميلة )ليقابل(المغيسل /مكان غسل الموتى)ويتقاطع معه من حيث المعمار والسِّعة والانفتاح والوظيفة.  
ومابين تناقض وتقاطع هذين العَالمين وانقسامهما،يتأرجح جواد، فالمغيسل بات دلالة على:الماضي /الموت /السكون.وكلية الفنون الجميلة  دلالة على: الغد /الاحلام /الحبيبة ريم.
ومن خلال حضورهذين العالمين،افرغ انطون ماجاءت به الحرب من ذاكرة تراجيدية،ليس من السهل نسيانها والهروب منها، فأستحالت الى كوابيس تعزف لحنها الجنائزي المرعب والموجع في ذاكرته .
جواد لم تمنحه الحياة فرصة أنْ يحيا أحلام يقظته،فلاحقته الخسارات واحدة بعد الاخرى،أولها كانت مع مقتل شقيقه الاكبر امير ــ الذي كان قد تخرج من كلية الطب ــ في معركة تحرير مدينة الفاو عام 88 في نهاية الحرب العراقية الايرانية،ثم السفر المفاجىء لحبيبته ريم خارج العراق من دون أن تخبره،مع اشارة إلى انها من طائفة غير طائفته.وليعلم فيما بعد،انَّ سبب مغادرتها كان لاجراء عملية استئصال لثديها بعد أن استفحل فيه مرض السرطان.لينتهى به الحال عاطلا عن الحياة والعمل لمّا اشتدت أحداث العنف الطائفي بعد العام 2003 .
وبعد فشل سفره الى الاردن وعودته مرغما من الحدودالى بغداد وجد نفسَهُ العاجزة تقوده بكل احباطاته الى محل عمل والده،للعمل مرة أخرى في مهنة غسل الموتى كما كان يريد له والده " لايكتفي الموت منّي في اليقظة، ويُصِرُّ على أن يلاحقني حتى في منامي،ألايكفيه أنني أكد طول النهار معتنيا بضيوفه الابديين وبتحضيرهم للنوم في احضانه ؟هل يعاقبني لأنني ظننتُ بأنني كنتُ قادراً على الهرب من براثنه ؟
1-   مقاربات في الرواية والاقصوصة،بشير الوسلاتي وسعيدان سوسة .
2-   جماليات المكان الدمشقي ،شوقي بغدادي ،مجلة عمان ،العدد 34 سنة 1988 .
3-   الرواية والمكان،ياسين النصير .


30
اصدار جديد  للناقد المسرحي صباح هرمز
(قراءات في المسرح المعاصر،سبعة مؤلفين أنموذجا )
                                               
مروان ياسين الدليمي
كتاب جديد للناقد المسرحي صباح هرمز صدر عن وزارة الثقافة والشباب في حكومة اقليم كوردستان والكتاب من منشورات الدورة الثالثة لمهرجان اربيل الدولي للمسرح عام 2013 . تناول المؤلف هرمز في هذا الاصدار خمسة كُتَّاب عالميين وكاتبان عراقيان.وهم كل مِن:انطوان جايكوف،تينيسي ويليامز، اوجين اونيل،ارثر ميللر، برتولد برخت ،جليل القيسي ،محي الدين زنكنة .
هذا الاصدار للناقد صباح هرمز توفرفيه مستوى عالٍ من البحث والقراءة النقدية لمجموعة مختارة من النصوص المسرحية لكل اسم من الاسماء التي اختارها هرمز لتكون تحت مشرطه النقدي.وقد تتبع الكاتب في آلياته النقدية القيم الفنية التي توفرت في النصوص المختارة لتلك الاسماء التي شكلت فضاءنا الدرامي المعاصر خلال القرن الماضي،ومازالت تستثير القارىء والناقد والمسرحي لاستدعاءها، بالنظر لما تمتلكه من بنية فنية واضحة وقوية باتت على اثرها مرجعا كلاسيكيا واكاديميا للدراسين والعاملين في الحقل المسرحي . مكانة هذا الاصدار واهميته تأتي من كونه يعود الى ناقد مسرحي طالما اتسمت كتاباته ومتابعاته النقدية بالجدية والعمق والجرأة وهو يلاحق المشاريع المسرحية نصوصا وعروضا،من غير أن يكتفي بصيغ المجاملة والاحتفاء التي عاة ماتسود وسطنا الفني والثقافي على حد سواء من غيرأن تتصدى لتفكيك القيم الفنية التي يقوم عليها النص او العرض المسرحي . وقد سبق لهرمز ان اصدر العناوين الاتية:التقليدي واللاتقليدي في المسرح الكردي،مدخل الى المسرح السرياني في العراق،ثلاثة عقود في المسرح الكردي ،قراءة اخرى في المسرح السرياني .




31

مهرجان اربيل الدولي الثالث للمسرح
للفترة من 7 – 13 /10/ 2013

مهرجان أربيل الدولي للمسرح بكردستان العراق يجمع مسرحيي العالم
.

                                                                                                          مروان ياسين الدليمي/اربيل
من البديهي أن الاعداد لمهرجان دولي مسرحي تشارك فيه فرق تنتمي لقارات متعددة،يعد مسؤولية كبيرة جدا ليس من السهل النجاح فيها إلاّ إذا كانت عملية الإعدَاد قد بدأت منذ فترة مبكرة،وتولت لجان متعددة ومختصة مسؤوليتها،كلٌّ تعمل حسب اختصاصها ومسؤوليتها،فالمسألة لاترتبط فقط بتقديم عروض مسرحية،انما تتعلق بجوانب ادارية وتنظيمية لها صلة مباشرة بما يتم يتوفر من ارضية مادية مناسبة لاستيعاب واستقبال الوفود المشاركة في اماكن تليق بهم، وبما يوفر لهم الراحة والهدوء والتقدير العالي،بالشكل الذي يجعل جميع الفرق المسرحية تشعر بأهمية حضورها ومشاركتها في فعاليات المهرجان من دون أن يكون هناك أيّة تفرقة في التعامل فيما بينها،هذا اضافة الى اهمية المحافظة على نوعية العروض المختارة للمهرجان وذلل بالحرص على انتقاءها وفقا للمعايير الفنية التي تضعها إدارة المهرجان،واستبعاد ايّة حسابات اخرى لاصلة لها بتلك المعايير،وهذا ماسيعطي بالتالي انطباعا حسنا لدى المشاركين وجمهور المهرجان.كماسيعزز بالتالي اصرار الفرق المسرحية على المشاركة مرة اخرى في الدورات القادمة .
مسار صحيح
في تقديرنا الشخصي أن مهرجان اربيل الدولي للمسرح الذي تنظمه سنويا المديرية العامة للثقافة والفنون في اربيل ودائرة الفنون المسرحية بوزارة الثقافة والشباب في حكومة اقليم كوردستان قد بدأ فعلا يخطو باتجاه المسار الصحيح الذي اشرنا اليه في مقدمة المقال،اخذين بنظر الاعتبار حداثة مسيرته. فالدورة هذه هي الثالثة من عمره منذ أن بدأ مسيرته قبل ثلاثة أعوام.اضافة إلى حداثة التجربة بالنسبة الى القائمين على تنظيمه.وقد بدا واضحا أن ادارة المهرجان تجاوزت  بشكل كبير  الثغرات والهفوات التي صاحبت الدورتين السابقتين سواء في الجانب التنظيمي أو العروض المشاركة،فالتحسُّن بات واضحا بشكل ملموس في هذين الجانبين. 
تنوع المشارَكَات
شهدت دورة المهرجان هذا العام مشاركة سبع فرق مسرحية من جنسيات اوربية وعربية وتم تقديم14عرضامسرحيا خلال سبعة ايام،وقد جاءت الفرق المشاركة من:فرنسا،المانيا،بيلاروسيا،السويد،كتالونيا،وتونس ،المغرب، أوغندا ،بغداد، اضافة الى ثلاث فرق من كوردستان العراق.
بطبيعة الحال يعكس تنوع الفرق المشاركة سِعة أفق ادارة المهرجان وحرصها على أن يكون هذا الملتقى الفني الدولي،نقطة التقاء واسعة تقام عليها أسس  حوار جاد ومثمر لثقافات متنوعة في إطار الفضاء المسرحي.
والفن المسرحي بما يملكه من ادوات اشتغال فنية ــ نضَجَت عبر مسيرته التاريخية الطويلة ــ يتمحور عمله على مفردة التفاعل مع المتلقي ،اضافة الى كونه حقل فني ومعرفي لتبديد الظلمة عن جمال العالم،وذلك عبر مايرسله من خطاب فني تتكامل فيه عناصر سمعية وبصرية لتبرق من خلاله رسائل طمأنةٍ للأنسان في وجودٍ يسودهُ الخوف والاضطراب وذلك عن طريق اشاعة الوعي في ذاته القلقة وهي تبحث عن الحقيقة.
والمسرح في هذا الإطار من بين بقية الفنون هو الاكثر فعالية وجمالية لتحقيق هذه القيم النبيلة بشكل واقعي وملموس بعد أن بدَّدَت السياسةُ أحلام الانسانية في تحقيق مناخ آمن ونظيف للتعايش والحوار.
هذا اللقاء الدولي ستبدو بلاشك نتيجتة واضحة ــ شكلا ومضموناً ــ على صورةِ المسرح الكوردي مُستقبَلا،ومن خلاله سيكتسب خبرة عالمية تضاف الى رصيده المحلي ــ وهو أحوج مايكون اليهاــ ستؤهله بالتالي  للخروج نحو افق دولي يتسع لأحلام الواسعة . 
ومما يدلل على جدية ادارة المهرجان في الاخذ به نحو مسار سليم وطموح حتى يصل في هيكليته التنظيمية والفنية بمستوى المهرجانات الدولية أنْ عهدت مسؤولية لجنة تحكيم المهرجان الى نخبة ممتازة من الاسماء المسرحية الرصينة والمعروفة على المستوى الدولي،فقد ترأس اللجنة البريطاني البروفيسور روبرت لينج وسكرتير اللجنة د. فاضل جاف ،أمّابقية الأعضاء فهم كلُّ مِنْ:الناقد المسرحي المغربي عبد الواحد بن ياسر، وكريستوف بلا تيد مدير بيت المسرح الالماني،والمخرج الايراني قطب الدين صادقي.
بروتوكل تعاون
شهد المهرجان بالاضافة الى العروض المسرحية حضور وفد مصري كبير ضمَّ عددا من نجوم المسرح والسينما والتلفزيون في مقدمتهم النجم فاروق الفيشاوي وصفية العمري وسامح الصريطي وسامي مغاوري وخليل مرسي وايتن عامر ووفاء الحكيم وغادة طعمة وفاروق الرشيدي وعمر عبد العزيز وكمال عبد العزيز ومحمد ابوداؤود والمنتج محمد فوزي ورئيس اتحاد الفنانين العرب مسعد فودة،والأمر المهم في المشاركة المصرية هو:توقيع اتفاقية مشتركة مابين نقابة فناني كوردستان ونقابة المهن السينمائية ونقابة المهن التمثيلية.وقد وقع الاتفاقية عن الجانب المصري الفنان سامح الصريطي ممثلاً عن نقابة المهن التمثيلية إضافة إلى مسعد فودة رئيس اتحاد الفنانين العرب.وتهدف هذه الاتفاقية الى تفعيل سبل التعاون المشترك مابين الجانبين في إطار تبادل الخبرات والمشاركات في المهرجانات والفعاليات الفنية،اضافة الى تقديم كافة التسهيلات الانتاجية لتحقيق العمل المشترك مابين الجانبين.
أمَّا فيما يتعلق بالجانب الفني الذي ظهرت عليه العروض المسرحية المقدمة في المهرجان ــ خاصة ماقدمته الفرق الاجنبية ــ فقد لوحظ عليها اهتمامها بالرقص بشكل اساسي،كذلك الاعتماد على لغة الجسد في مقابل تهميش عنصر الحوار القائم على الكلمة المنطوقة،وقد تجلى ذلك واضحا في العرض الالماني والبلاروسي والفرنسي.ويعزى ذلك بتقديرنا الى محاولة تلك الفرق تجاوز عقبة اللغة في عدم قدرتها على ايصال الافكار الى جمهور الحاضرين الذي ينتمي الى لغات  مختلفة وثقافة متنوعة وهذا مايشكل بالتالي عائقا يمنع التواصل والتفاعل مابين العرض والمتلقي.لذا كان خيار الاعتماد على لغة الجسد هو الأسلم،اضافة الى إن المراهنة على مايختزنه الجسد من طاقة دلالالية تتيح للمخرج أن يتحرك بها في اطار تشفيري يمنح العرض فضاء تأويليا تعجز اللغة الادبية عن تحقيقه.وقد انعكس هذا بطبيعة الحال على مستوى القدرات الحرفية/الجسدية العالية لممثلي وممثلات الفرق الاجنبية،مقارنة بالممثلين العرب والكورد.







32


رواية ..القريبة كاف
للكاتب الجزائري ياسمينة خضرا *

      
               لاعَمى أسوأ مِنْ ألاّ يلاحظ َأحدهم وجودك
                                        
                                                    
                                                                                                     مروان ياسين الدليمي

الناشر :دار الفارابي
ترجمة :نهلة بيضون  
الطبعة الاولى : 2011

تقنية الغموض
حبكة متواترة ومتوترة وعدد محدود جدا ًمن شخصيات تبدو وكأنها ظلال  نماذج مسرحية لكافكا أويوجين يونسكو أوهارولد بنتر،تتحرك تحت مساقط  ضوء على خشبة مسرح ذي بنية معمارية دائرية،لاتتيح لنا بشكلها هذا أن نراها واضحة،فيكتنف ماضيها غموض وظلال قاتمة،لم يشأ المؤلف أن يكشف شيئا عنه،ولاعن المكان الذي تنزوي فيه.إلاّ أنَّ القارىء يشعر بها وبأعبائها النفسية والوجودية.
تقنية الغموض إستعارها المؤلف من تضادات التعبيرية ومسرح العبث،فلعب على أوتارها،مُجَرِدا ً الشخصيات من أسماءها ودلالاتها،بأستثاء شخصية الأخ الاكبرأمين ـ الضابط في القوات المسلحةـ فبأستثناءه إرتأى المؤلف أن يختار التجريد أسلوبا في تقديم شخصياته،تحيط بهم بيئة صحراوية قاسية غير مؤطرة بخارطة جغرافية معروفة،إنعكست بقساوتها وتجريديتها على تركيبتهم النفسية،فكانت تبدو أمامنا حيوات مأزومة بعلاقتها الوجودية مع ذاتها وعلاقتها مع الآخر.
ينكشف التعارض بين الذات والموضوع ــ الذي هو الوحدة المركزية في الفلسفة الوجودية ــ في شخصية الأخ الأصغر الذي هوالشخصية المحورية /الساردة للاحداث. ومحور أزمته هو أستلاب الآخرين لذاته(الأم،القريبة كاف،الأب المشنوق وماضيه الغامض) وعجزه عن أستعادتها بالتواصل مع ذوات الآخرين .
المُنجَز الشّكل
الكتابة عن المحتوى في هذه الرواية لايشكل أولويَّة ازاء ماتُشكِّلهً تقنية الكتابة من قيمة فنيّة لجأ اليها المؤلف ياسمينة الخضرا. وبذلك يتفق نَهجَهُ مع ماجاء في مقالة ٍعنوانها(التقنية بوصفِها إكتشافا ً) للناقد مارك شورر:"النقد الحديثْ أظهر لنا،بأنَّ الحديثَ عن المُحتوى في حدِّ ذاته ليس حديثا عن الفن أبدا ً،ولكن حديثا ًعن التجربة.وأننا لانتحدث بوصفنا نقادا إلاّ حين نتحدث عن المحتوى المُنجز/الشكل،أي العمل الفني بوصفه عملا فنيا ً،والفرق بين المحتوى أوالتجربة والمحتوى المنجزهو التقنية. إذن فحين نتحدث عن التقنية فإننا نتحدث عن كل شيء تقريبا " . وفق هذا المنظورالنقدي فإنَّ المفردات التقنية الكلاسيكية في البناء السردي (عقدة وشخصية ومحيط وفكرة مركزية) لم يعد ينحصر حضورها في بنية الرواية فقط بل تعدى ذلك الى النص المسرحي.ولم يعد لها تلك الاهمية مقابل تطبيقات أخرى تتعلق بالعلاقات التي ينبغي على المؤلف الأخذ بها وتتضمن :-علاقة المؤلف بالسارد،وعلاقة السارد بالقصة،والطرق التي بواسطتها يوفران مدخلا إلى عقول الشخصيات وأمور تخص وجهة النظر.
السَّارد المُمسرَح
يفتتح المؤلف ياسيمنة خضرا روايته بهذا الأهداء: "الى اصدقائي في جمعية محبي الأدب البوليسي إلى المسافرين المدهشين الذين صادفتهم في الرحلة من سان مالمو إلى دابلن،إلى الأسبوع الزنجي في خيخون،إلى كل اصدقائي ". عتبة الاهداء هنا تعد مدخلاً مهما للقارىء وهو يتهيأ للدخول الى المبنى الجمالي للخطاب السردي في رواية القريبة كاف،بواسطتها منَحَنَا الكاتب إشارة فنية حول تقنية الكتابة بإطار بوليسي،ومن خلال هذا الإطار قصد تقديم سرديته،ومايتبع ذلك من عناصرأخرى شكلت  قيما جوهرية في أسس المعمار الفني ألذي شاءه لهذا العمل كالبِنية والصورة،والاستعارة،والرّمز التي تفرض حضورها في السرد بأعتبارها تقنيات يتم اللجوء إليها لتحقيق موضوعيته بأعتبارها وسائل قوية في تمثيل الوعي .
السارد في رواية القريبة كاف يأتي بناءه ضمن صيغةالسارد المُمَسرح الحامل لصفاتِ شخصية ٍ،كما يسمِّيه الناقد واين بوث حيث يستحوذ لوحده ــ مُهيمنا ً ــ على سرد الأحداث،إنطلاقا من وجهة نظره التي يكشف فيها مايختبىء داخله من أحاسيس ومشاعر تجاه العالم الأجرد الذي يحيط به في قريته( دارة يتيم)وتجاه القريبة كاف التي يعشقها ويكرهها بنفس الوقت لأنها تعرف كيف تستفزَّه وتستهزىء منه،كذلك تجاه والدته التي لاتشعر بوجوده،ومن خلال هذا السارد المُمسرَح الحامل لصفات ِشخصية ٍ،يوصِلُ المؤلف القِيَمَ والافكار الى القارىء:"الزمن يمضي ولاينتظرأحدا ًوكل مراسي العالم لاتستطيع أن تمسك به،لامرفأ يعود إليه،الزمن إنّه مجرد ريح تعبر ولاتعود أدراجها " .
إعتمد ياسمينة على تغيييب السارد المُنتِجَ للرواية مقابل إستحضار شخصيةالسارد الأوحد الذي يحكي لأنَّه يدرك الاحداث،باعتباره الشخصية المحورية التي تدرك وتسرد الاحداث بنفس الوقت من وجهة نظرها  لوحدها.والسارد هوالأخ الأصغر لعائلة مؤلفة من الأم وشقيقه الأكبر أمين وشقيقة متزوجة لاوجود لها في حياة العائلة حتى أن الأخ الأصغر قد نسي أسمها. "وعلى غرار سمك الشَبَق الذي قُبلتُهُ لاتنفصِلُ عن عضَّته"الأخ الأصغرلايحالفه التوفيق في كسب حُبِّ الأخرين،رغم دافع الحب الكبير الذي يحمله لجميع من يرتبط بهم ضمن دائرة العلاقات الأجتماعية لعائلته.
بأستثناء مايحمله الأخ الاكبر من حب له،لكنه هو الآخر سيغيب طويلا بعد أن يُصبح جنرالاً عسكريا مَرموقا.ورغم مثابرته لأجل أن يُعبِّر ويعكس مافي داخله من مشاعر الحب،إلاَّ أنَّ اسلوبه الأخرَق بات سببا في أن يجعل من يرغب في كسب مودَّتهم لايعيرون له أهمية رغم مايبذله من إسراف في بعض الأحيان للتعبيرعن دوافعه،بما في ذلك الشابة الذكية القريبةالنّسب المُدللة كاف،والتي تعدًّه كريها في أريحيته "أخفقتُ في كل المساعي التي بذلتُها لكي أستحقِّها رغم أن مساعيِّ كانت محمودة،لكن مافعلته لم يكن كافيا،إن الخير المصنوع بصورة سيئة هو إساءة لاتُعذر لسببين.لإخفاقها أولا.وللأنتقاص الذي تتماهى معه ثانيا ً،أمّا الشَّرالذي يَنفذُ بجلدِه فهو نجاح خالص،وكل خيرات الأرض لن تبلغ كاحله ".
تَسكُنُ الأخ الاصغر مشاعر مضطربة تتأرجح مابين الغيرة والحسد والاحساس بالدونية والعَدَم،ليسقط أسير حالة نفسية جوهرها العجزعن كسب تفاعل ومحبة الأخرين:"لاأكترث للحاق بالرَّكب،والمضي إلى عَثرات ٍأخرى،لاأعبأ بترقب العودة الخَلاصية لمسيح ما.البشر يضايقونني.الغدوات لاتغريني.خساسات الارض لاتطالني.لاأهتم لحُلم يموت أكثر من أهتمامي بورقة شجرة دلب لطَّخَها الخريف.أبقى خلف مرآتي،حصنا ًمنيعا ً،ألوذ بلحظاتِ وحدتي وأصغي،وهو فضولٌ لايورِّطني في شيء ". .
حياة هاربة
في صباح يوم بعيد عندما كان الأخ الأصغرفي الخامسة من عمره وجد والده مشنوقا ً بطريقة مهينة في زريبة حيوانات البيت وهوعار ٍ من رأسه إلى أخمص قدميه،مفقوء العينين وقضيبه في فمه.هذه الصورة تركت أثرا ً عميقا ًفي داخله،حتى أنه لم يرجع إلى الزريبة مرة ثانية كما كان يفعل للتَّنعم بمشاهدة العجل الصغيرالذي كانت بقرتهم قد ولدَته قبل أيام معدودة من الحدث :"لن أتعلق بعد اليوم بما ليس بوسعي أن أحافظ عليه ". ايضا الأهتمام المُفرط والحميم من جانب والدته بشقيقه الأكبر أمين الضابط في الجيش الجزائري يترك أثرا ً مؤذيا ً لذاته.هذه المؤثرات دفعته لأنْ يتوارى وينعزل "تعلمتُ منذ نعومة اظفاري أن أختبىء.لم أكن خائفا ً،ولاأحدَ كان يلاحقني.أختبىء حالما أتوارى عن ناظري أمي.يتراءى لي،كلما أشاحت ببصرها عني،أنني أختفي،وأكف عن الوجود".
الأم سيدة ثرية تهيمن على كل شيء في قلب دارتها الشبيهة بالحصن "يحني الناس رؤوسهم حين يخاطبونها بل يكادون يخرّون ساجدين أمامها.في البداية كان الأمر يحرجها.ومع الوقت،طاب لها هذا ألاسراف في التبجيل وتملق المتزلفين وطعم الامتيازات،فتنامت لديها متعة ماكرة بالاشراف على عالمها من عل لكي تُحسن تمريغه في الوحل" . لم تنطبع شفتاها يوما على وجنتيِّ ابنها الاصغر،ولامسّدَت أناملها شعره،وبنفس الوقت لم تضربه ولم تحرمه من شيء،يعيشان معا ولكن كل منهما يتجاهل الآخر فكان يشعرُ كما لو أنه وصَل سهوا ً إلى سيركٍ غادره روَّاده . بينما كانت الأم تبتسم على حين غرّة عندما تتكور القريبة كاف في أحضانها أو إبنها الاكبر أمين،فيتوهج وجهها الجامد القسمات،توهجا ً أشبه بهالة من نور.حتى أنّهاالتعاسة كانت تتملكها حين تشعر أن فلذة كبدها الأبن الاكبر لايعير لها اهتماما ولو للحظة.ولم تسمح لأي شخص أن يطأ غرفته عندما يكون غائبا ً،فالغرفة بالنسبة لها أشبه بمعبدٍ،وهو طفلها المدلل الذي لاترتضي لنفسها أبدا ً أن تسرقه منها( أمَل )المرأة الشابة التي إختارها أمين لتكون زوجته فجلبها معه إلى بيت والدته بعد غيبة طويلة في المدينة البعيدة التي يؤدي فيها واجبه العسكري.
 حياة الأخ الاصغر وسط بيئة كهذه كانت تهرب بغباء،يوما بعد يوم،ليلة بعد ليلة،وتستثير رغبته بالرقاد حتى يُقبِلَ الموت،إلاَّ أن َّ قراءة الكتب علمته أنَّ الكتابة تمرين إنهزامي،ومحاولة للهروب إلى الأمام،كان يقرأ كما ينبش المرء حقائق مكروهة ليصل الى قناعة كان سارتر قد سبقه في التوصَّل إليها :"الجحيم هو الآخرون ". لم يكن يعيش حياته،مكتفيا ً بوجوده كأخدود ٍ على دربْ :"فليذهب الزمن الى الجحيم ! حين لاتكون القريبة كاف  هنا،بالكاد تستحق الأمورأن يتلكأ عندها المرء " . تولدت لديه مشاعر غيرة وانتقام من القريبة كاف.الفتاة النّابغة التي تحصد الجوائز في المدرسة،والتي كلما تجيء الى بيتهم تستحوذ على كل الأهتمام،الكل يدور في فلكها،فاأدرَك أن َّالاعمى ليس من لايُبصِر،بل من لانُبصِرهُ،ولاعَمى أسوأ مِن ألاّ يُلاحِظ َأحدهم وجودك.هذه المشاعر الشريرة والحقودة كانت كافية لأن  يتورَّط بدفع القريبة كاف ــ بينما كانت تلهو وتلعب ــ لتسقط في بئر يقع وسط مزرعة قديمة مهجورة،وليعود هو إلى الدار وكأن شيئا ً لم يكن :"لا لأنني لم أدرك ماذا فعلتْ بل لأنني أعتبرتُ فقط أنَّه لاداعي للندم عليه ". يتم العثور عليها في أعماق البئر وقد كُسِرت إحدى ساقيها وجحظت عيناها رعبا ً.وباتت الظلمة ترعبها وتمضي وقتها تُنقََلُ من عيادة إلى مصحة عقلية.ولم يُخامر الشك أحدا ً بان ألأخ الاصغر هو من قام بتلك الفعلة  . وفيما بعد ستدفعه المشاعر نفسها لأن يقتل فتاة غريبة بائسةٍ،يقذف بها سائق تاكسي من سيارته،ويغادر مسرعا لتكون أمام قدرها المحتوم  في بقعة موحشة سكانها يكرهون الغرباء،ولامِن سيارة أجرة تعيدها الى بيتها في ساعة الغروب،فأهل القرية يعتقدون أن السَّفر في الليل يجلب الشؤم،لذا يتوجب عليها التريث حتى الصباح،وماكان أمامها سوى قبول دعوته لها للمبيت في دارهم.
ولأنه سجين نفسه،وفي آن واحد سجينٌ وسجانْ،يقبع طيلة حياته في جزيرة عنوانها الانتظار،جزيرة أقصيت من حولها ألآفاق.فيشعر وكأنه يتعفَّن في مأوى للعجزة.فجأة تندفع مشاعر بغض وكره تراكمت في ذاته نتيجة  تجاهُل ٍ كان قد لقيه من الأم والقريبة كاف،تنفجر دفعة واحدة عندما يجد أن الفتاة الغريبة هي الأخرى مثل القريبة كاف تنتقص منه وتعامله بتجاهل فلاتطلب منه أي شيء :"مامعنى أن لاتطلبي مني شيئا ينقصك،مالعيب في أن يرغب المرء بإسداء خدمة،أو بمدِّ يدِ العون،أو التصرف بأريحية ؟ " .فتهرع يدهُ من تلقاء نفسها لتتناول سكينا ً وتبدأ بطعن الفتاة،ولم تفلح الدماء التي لطخت ثيابه والجدران من أن تجعله يصحو من سكرة اندفاعه المحموم،ولاحتى الصمت الذي أعقب الطعنات المتلاحقة،ظل مستسلما لشعور فادح ٍ ماأنفك يلازمه على أنَّ وجوده عدم،وأنْ لاأهمية له طالما الاخرون ليسوا بحاجة إليه :"في أعماق محنتي،أنني ماكنتُ لأغير شيئا حتى لو شئت ذلك حقا "

*ياسمينة خضرا هو أسم زوجة الكاتب الجزائري محمد مولسهول، إستعاره ليكون إسما فنيا ً يطل من خلاله الى العالم .

33
المنبر الحر / الخاسر الوحيد ...
« في: 16:02 12/09/2013  »
الخاسر الوحيد ...
                                                                                                                مروان ياسين الدليمي

بين ليلة وضحاها وبعد انتفاضة السوريين في 18 آذار 2011 على نظام الأسد أصبح أللون الاسود أبيض والابيض أسود لدى الساسة في العراق ــ بكل عناوينهم الطائفية التي يقدمونها فعلا وسلوكا وواقعا ملموسا ًعلى عنوان انتماءهم للوطن ـــ انطلاقا من دوافعَ تضيقُ أمام مصلحة الوطن،وتتسع امام مصلحة الطائفة..
ساسة ٌلاضمير يوخزهم عندما يُطعَنُ وطنهم من الخلف أكثر من مرةٍ طيلة الاعوام التي أعقبت العام  2003 مِن قِبلِ نظام شمولي يحكم سوريا طيلة 40 عاما،سبق للعراقيون أن عانوا من توأمِه ِ 35 عاما قبل أن يسقُط .
وأنسياقا ً مع فكرهم الطائفي لايتردد ساستنا في أن يمدّوا يدَهُم لمصافحة من طعَنَ أهلَهُم أكثر من مرة ٍ دون أن يُفرِّقَ ساعة الطَّعن بين طائفة وأخرى..
في حقيقة الأمر لن يكون محتوى وشكل هذا التفكير إلاّ لساسة مُنحرفين في ولاءاتهم وانتماءاتهم ، ساسة ليس لهم وطن واحد ينتمون له ويدافعون عنه ويبذلون كل مافي وسعهم لإعلاء شأنه بين الامم..إنما لهم وطن ٌ ثان ٍ،هو الأهمّ ُ والأجملْ، فيه يقضون أكثر أيامهم بذخا ًوترفا ً تعويضا عن الذي فاتهم أيام النضال بما ينهبونهُ من الوطن الأول هُمْ وعوائلهم.
عشرة أعوام تسيّد فيها هؤلاء الساسة،المشهد السياسي،فسحقوا دونما رحمة وطنهم الاول بكل اساليب النَّهب،والتدميروالقهر لن نشهد لها مثيلا في أي بلد آخر،وكأن َّلاصلة تربطهم به،وكأنَّهم جاءوا لينتقموا منه ومن أهلِه ِجزاءً وقصَاصَا ًللسنوات التي قضوها في منافيهم،مع أن أختيارهم لطريق المعارضة السياسية ماكان إلاّ بإرادتهم،وهذا مايفرض عليهم أن يتحملوا ثمن هذا الاختيار،لا أنْ يحمِّلو تبعاته لوطنَهم . . فأوغلوا كثيرا ً في تعميق الانقسام الطائفي بين ابناء البلد الواحد،وكلُّ واحد منهم إحتمى بما هو طارىء وشاذ على فكر طائفته،كماأرادات وخططت له القوى الكبرى سعيا ًمنها لتفتيت مجتمعات المنطقةالعربية إلى إثنيات وطوائف وأعراق منعزلة بعضها عن البعض الآخر،لتَسودَ بينها مشاعر كُره ٍوشكٍّ وتخوين ٍوتكفير،لأجل أن يتمَّ تشكيل شرق أوسطٍ جديد تُغيَّبُ فيه الهويّة الوطنية الواحدة،لتحلَّ بدلا عنها هويّات فرعية لدويلات صغيرة هشة يمكن السيطرة عليها.
هؤلاء الساسة حاولوا ونجحوا إلى حدٍ كبير في أن يُفرغوا وطنهم الأول من قواسم مُشتركة،تربط أبناءه،بمختلف مكوناتهم(عاطفية،إجتماعية،تاريخية،دينية،نضالية)واخذوا به الى ساحة مُلتبسةٍ هي ليست ساحته،ومعركةٍ ليست معركته،وسيكون بالتالي هو الخاسر الوحيد فيها،ولن يخسروا هُم فيها شيئا،مهما بدت النتائج إنتصارا لطائفة على حساب طائفة إخرى.

34



الفراشة الزقاء.. رواية للكاتب اللبناني ربيع جابر

              
           قصديةُ الشّكلِ،وتحطيمُ العلاقةِ مابينَ المَرئي والمُتخيَّلْ
                                                          


مروان ياسين الدليمي

الطبعة الثانية 2013
عدد الصفحات 192
الناشر:التنوير/ للطباعة والنشر والتوزيع/لبنان

ماوراء القص
أيّ عمل إبداعي يصل الى مرحلة متقدمة من النضج الفني،هذا يعني أن: المؤلف قد تمكن خلال رسالته الفنية الامساك بالخيط الرفيع الذي يفصل مابين عالمين متناقضين ومتقاطعين ــ الواقع والخيال،المنطق واللامنطق،المرئي واللامرئي،الحقيقة والوهم ــ في لحظة جمالية يكون فيها مُستقبِلُ العمل مُوزعاً بين خليطٍ من مشاعر مختلفةٍ تتوزع مابين الدهشة والغموض والمتعة والتأمل والاستفزاز،متأرجحاًعند نقطةٍ تتقاطعُ وتتداخلُ فيها الوقائع والاوهام في آنٍ واحد.والنص الروائي(الفراشة الزرقاء)سار المؤلف فيه بهذاالاتجاه،وبدامُنسجماً مع ماجاءت به كتابات ماوراء القص التي تمظهرت في"اهتمامها بالعلاقة بين الواقع والتخييل.فالواقع لم يعد قابلا للفهم،والتاريخ ليس أكثر من رواية.كماأهتمت بقضية اللغة وعدتَّها نظاماً اعتباطياًاستبدادياً.وناقشت الحالة المفارقيةلسلطةالمؤلف،وجعلته بلاسلطة أحيانا.وأبرزت إلى الواجهة خيالية الروايةوالواقع على حد سواء". هذا ماوردفي كتاب الناقدة د.أماني ابو رحمة المعنون (ماوراء القص). من هنا لم يكن من السهل إستقبال مايُسرَدُ من تفاصيل داخل الحكاية الرئيسية التي بَنى عليها ربيع جابر عمله،وهذا يعود الى " رفضه للوسائط البنيوية التقليدية في سرد الحكاية ." كما يقول شانون وليامز ومايتبع ذلك من تغير جوهري في وظيفة السرد، ليذهب المؤلف في مخطوطته السردية الى انعطافات حادة ".
 قصد المؤلف أن يضَعَنا أمام تجربة جمالية تكون فيها ذائقتنا أمام تحدٍ،وهذا يستوجب منّا تفكيك ماتكدّس لدينا من اتفاقيات فنية في السرد في منظومتنا النقدية،فلم يكن من السهل علينا ونحن نقرأ النّص التوصل بسهولة الى معرفة أسم السارد/المؤلف الروائي داخل النص،وهو بنفس الوقت شخصية الحفيد الذي أُطلق عليه نفس الاسم الذي كان يحمله جده الاسكافي انطون الذي وجد مقتولا في دكانه يوم الاثنين 12 تشرين الثاني عام 1877 في بيروت،بعد ثلاثة أيام على مقتله من قبل رجالٍ من أهالي الجبل،أخذاً بثارٍقديم عليه. " خَالةٌ من خالاتي،لاأعرف مَنْ بالضبط،إقترحت أن يسمّوني سليم.لكن أبي حسم الموقف،فأطلق عليّ إسم نورعلى سبيل الدعابة ". وبعد أن يكتشف صدفةً خبر مقتل جدِّه في أرشيف مكتبة الجامعة الاميركية التي يَدرُس فيها،يطلب من صديقه الذي يشاركه الغرفة في البناية المخصصة لطلبة الجامعة أن يناديه بأسم انطون.  " ألأحساس الذي انتابني،عقب قراءة تلك الكلمات المرسومة على الشاشة الخاصة بآلة الميكروفيم،كان شديد الوطأة.فجأة بدا لي أن العالم كلّه مزيّف.كأن أنطون الصغيرالذي أسموهُ على أسم جدِّه المقتول في بيروت لم يولد قط.كأنّ بلدتنا بلدة خيالية.كأنّ غرفة الميكروفيلم ليست موجودة داخل حرم الجامعة بل فوق سطح القمر.كأنّ الجامعة ذاتها هي غير حقيقية.واستمرذلك الإحساس للحظات معدودة.فكأنّ كل شيء مزيَّف،ولا شيء حقيقي إلاّ هذا الاحساس للحظات معدودة الذي يستولي عليّ بسبب من هذه الكلمات المنشورة في صحيفة من القرن الماضي " .
تفكيك اتفاقيات القصة
المؤلف جابرلايتردد في استفزازالقارىءعندما يأخذ بنية خطابه الروائي نحو منطقة يستثمر فيها تقنية الاسطورة ليصبح المنجز الفني بالتالي تجسيداً وتشخيصاً منطقياً لكل ماهو غير منطقي.هنا تكمن الحرفية العالية للمبدع في التعامل مع أزمنة متناثرة متباعدة بأحداثها ووقائعها وشخصياتها.فالكتابة الابداعية وهي تدخل مشغل السرد الروائي لاسبيل امامها للوصول الى جوهر الاشياء والدلالات إلاّ أن تنطلق فيها مخيلة المبدع من عتبة الحرية وهو يصبو إلى بناء عالمه السردي وفق منطق التصور والافتراض على اتساع مخيلته.وهنا يشير (شانون وليامز) في مقالته المعنونة(خصائص الرواية في مابعد الحداثة):"أدب مابعد الحداثة يطبِّق فوضى الوجود المعاصر على اشكاله ويسعى إلى تفكيك اتفاقيات القصة من أجل فضح زيف الاسطورة التي تروج لنظم عقائدية مستندة إلى الوهم "  .
تخطى ربيع جابر أساليب السرد التي راكمتها الرواية العربية التقليدية عندما لجأ إلى آلية بناء المشغل السردي في كتابات ماوراء القص،وفيها يطل السارد بين فترة وأخرى ليعلن عن حضوره ." أقرأُ الجملة الاخيرة فلا أعرف ماذا سأكتب بعدها،وأحسُّ بألمٍ في صدري،وأفكِّر بأن عليَّ أن أرمي القلم من يدي وأن أمضي إلى السرير ". وفي مكان  آخر من الرواية ."أراقب البُخار يتلوّن بضوء اللمبة الصفراءأفكِّر أني وصفت هذا المشهد في رواية سابقة ".. وبهذا الصدد تقول  ليندا هتشيون:"رواية عن الرواية،أي الروايةالتي تتضمن تعليقاًعلى سردها وهويتهااللغوية ".  
انطون/السارد/المؤلف الروائي داخل الرواية،إلى جانب كونه طالب ماجستيرفي الجامعة الاميركية في بيروت،هو كاتب روائي. " كتبتُ تسع روايات ونشرت ثلاثا ًمنها ". وهوعلى وشك البدء بكتابة روايةجديدة.فالذاكرة تختزن الكثيرمن الحكايات منذ ايام الطفولة.  " هناك في البداية حكايات جدتي عن أخيها الصغير،وعن جوزف وجورجي بابازواغلي،وعن معمل تحرير الحرير من دودة القز وصاحبه الفرنساوي بروسبر بورتاليس.حكايات سكنتني منذ ايام الطفولة " . ولأنَّه لم يكن مستعداً للبدء بمشروع روايته الجديدة طالما لم يجد أنَّ ماتختزنه الذاكرة غيركافٍ لكي يصنع منها رواية إلاّ أنّ لحظة الشروع جاءت بعد فشل تجربة عاطفية عاشها مع س. "وبعد أن تركتني(س)ومضت بعيدا اكتشفت فجأة انني قد وصلت إلى البداية لتوّي.....سأكتب رواية،قُلتْ.وقلتُ إنني سأبدأها بجنازة جدتي " .
بنية الزمن
استثمر ربيع جابر مهنة الشخصية المحورية ــ بأعتباره يعمل مؤلفا روائياً ــ ليرسم مُخطَطَاً هندَسياً شيَّدَ على أساسه بنية النص،عبرمعمارفني إنشطرت فيه الحكايةالى شظايا،توزعت على أربعةأزمنة:الماضي،الحاضر،المُتخيَّل،الحُلم.هذه الازمنة تقاسمت الحضوربشكل متدفق وسريع قائم على استثمارالبناء المتوالي الذي تتيحه آلية المونتاج السينمائي في البناء السردي للحكاية بكل تشظياتها الزمنية والمكانية،لتتوالى حركة الازمنة(تقدماً ورجوعاً)في سرد الحكايات على لسان أبطالها أو على لسان(السارد/المؤلف الراوي داخل النص/الشخصية الرئيسة)،أو على لسان(السارد/المؤلف/الضمير الغائب).وتم تقطيع النص إلى حكايات كما لوأنها مُقاربة شكلية مع التقطيع الحاصل في المعالجة الادبية لبناء سيناريو الفلم السينمائي قبل مرحلة(السِّكْرِبْت) أي المخطوطةالتنفيذية:حكاية دخول جدتي في معمل بورتاليس /كيف تحولت جدتي من عاملة بسيطة الى/ جملة اعتراضية/حكاية الفراشة التي طارت/جدتي تداعبني / جوزف/ لكنه ليس انطون / الرؤية في الظلام /حياة وموت جوزف بابا زغوالي .
فالرواية حبكة فنية لمجموعة من الحكايات المرتبطة والمتشظية مِنْ مَتنٍ واحد:حكاية يوسف وابنه سهيل/حكاية سهيل وابراهيم البخعازي/حكاية الشقيقان جوزف وجورجي وصديقهما سليم/حكاية حب جوزيف لزهيّة/حكاية زواج زهيّة من سليم/حكاية زهيّة ودخولها معمل بروتاليس لتحرير الحرير/عودة جورج من الغربة بعد اربعين عاما .

الحكاية
مع منتصف القرن التاسع عشر وعلى اثر تداعيات انهيار الامبراطورية العثمانية شهدت مستعمراتها العربية ومنها بلاد الشام جوعا كبيراً إضافة الى أن هذه الفترة كانت بدايةً وصول علامات النهضة الحديثة إليها،جاء بها مبشرون ومستثمرون مغامرون غربيون سبقوا الجيوش الفرنسية والانكليزية في الدخول اليها.بنفس الوقت كانت هذه الفترة بداية الهجرة الاولى للعديد من ابناء الشام الطامحين الى الثروة والعمل الى أميركا وافريقيا،وكان من بينهم جبران خليل جبران،كذلك يعقوب صروف وفارس نمر اللذان اصدرا مجلتي (المقتطف والمقطّم)في مصر،إضافة الى جورجي زيدان الذي كان ينشر مقالاته في المجلتين المذكورتين،وزيدان يرد ذكره في النّص بأعتباره صديق الطفولة والشباب لسهيل بابازواغلي قبل أن يسرق الاسوارة من الصائغ الاعرج ويودع في السجن.أيامها كان زيدان يعمل مع والده في ادارة فندق في منطقة بتاتر،في لبنان ويحرص على قراءة الكتب التي يجلبها له سهيل بعد أن يسرقها من المكتبات،أي قبل أن يهاجرالى مصر ليصبح فيما بعد أحد اشهر الذين لعبوا دورا أساسياً في النهضة الفكرية التي شهدها العالم العربي مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في مختلف شؤون الفكر والمعرفة والادب مشاركةً مع آخرين من ابناء جلدته.
مُقدّمات أحداث الروايةــ التي تلعب الوِراثة والصُدَفُ دورا حاسماً في تقرير احداثها ومصائر شخصياتها ــ تعود بنا الى تلك الفترة العاصفة(منتصف القرن التاسع عشر)وفيها كان العالم يشهد قيام عالم جديد،تقوده قوى وآليات جديدة،على انقاض عالم آخر،كان قد وصل إلى مرحلة بدا فيها هَرِماً وماعاد قادرا على رؤية الحياة ومتغيراتها العلمية بوضوح،لذا لم يعد قادراً على المواجهة والبقاء.في تلك الفترة أراد يوسف بابازواغلي أن يصبح أبنه سهيل طبيباً أوموظفا حكوميا كبيراً مثله،لذا يرسله الى مدرسة الفرنسسيكان الداخلية.لكن الاقدارجَرت على غير ماكان يحلم.فبينما كان الأب يوسف يقضي وقته بين المعاملات الحكومية وقراءة آخر الكشوفات العلمية التي قام بها داروين وجد سهيل لنفسه طريقا ً آخرى ستفضي به إلى مستقبل غامض وخطر،عندما مدّ يده وسرق اسوارة ذهبية من دكان صائغ اعرج.فلحق به وتمكن من القبض عليه.فيتم إيداعه السجن فيتبرأ منه والده الى الابد.وليقضى ثلاث سنوات في السجن وهو يلعب الورق مع ابراهيم بخعازي المُصاب بالسّل والمحكوم لمدة عشر سنوات بتهمة قتل مراقب العمال طَعناً بالسكين اثناء عمله في أشغال جرِّ مياه نهر الكلب الى بيروت مع شركة تونان الفرنسية عام 1871. فكانت الاعوام تمر متشابهة على بخعازي لكنْ بمجيء سهيل تبدل كل شيء،فقد عرف في شخصية سهيل شاباً صادقاً.وإكراماً لطيبته معه،بعد أن كان معزولا من قبل جميع السجناء،ترك له بخعازي قطعة أرض صغيرة كتبها في وصيّة قبل أن يموت،واحتفظ بها سهيل في صندوق خشبي كَصَك ملكية في الكوخ الذي بناه على ارض الحقل بعد خروجه من السجن.وبعد عقود من السنين يموت سهيل بابازواغلي بشكل تراجيدي وهوفي حقل الحنطة وحيداً يدافع عن السنابل التي هاجمتها اسراب من الجراد بعد أن كان قد اتفق مع حفيديه على حصدها في اليوم التالي . ينتقل الصندوق الى عهدة حفيديه جوزيف وجورج اللذان يتشابهان بشكل كبيرالى الحد الذي لايمكن التفريق بينهما رغم أن جوزيف أكبرمن جورج بعام واحد.وكان جوزيف على وشك أن يتزوج من زهيّة التي أعجب بها بعد أن شاهدها تخرج من معمل بروسبر بورتاليس لتحريرالحريرالطبيعي من دودة القز،لكن الجَّراد الذي قضى على محصول الحنطة،ومن ثم القحط الذي مرعلى البلاد في تلك السنة واصابها بالمجاعة،دفع الاخوين ــ مثل كثير ٍمن ابناء الشام ـ لأن يتخذا قرارهما بالسفر الى مصروكان سفرهما قد تمَّ بعد نهاية الحرب العالمية الاولى مباشرة.عند ذاك أصبح الطريق سالكا أمام صديقهما سليم لكي يتزوج من زهيّة التي كان هو الآخر يحبها بصمت دون أن يكشف ذلك لجورجي وجوزيف،لذا كان رحيلهما عن البلاد فرصة سانحة له لكي يرتبط بمن يحبُ. وبعد اربعين عاما من الغياب يعود أحد الاخوين الى القرية ويلتقي بصديقه سليم مرة اخرى الذي لم يكن متأكدا إن كان العائد هو جوزيف أم جورجي،فالشبه الكبير بينهما أدخل سليم في حالة من الحيرة والقلق رغم ادعاء العائد بأنه جورج وأن شقيقه جوزيف قد توفي قبل عدة اعوام في المانيا على اثر اصابته بمرض السّل. "منذ اللحظة التي بدأ فيها جورجي حكايته عن حياة وموت جوزف بابازواغلي إستدارت سوسةٌ صغيرة تحت اضلاع جدي،وأخذت تنخرصدره من رأس معدته حتى حنجرته،ففقد الأمان الذي كان يملؤه،وأستعاد أرق تلك الليالي التي سبقت زواجه من جدتي". وبعد أن ينتهي جورجي بفترة قياسية لاتتجاوز الشهرين من بناء نزل واسع بغرف متعددة على نفس الارض التي كان عليها  كوخ جده سهيل بابا زواغلي وبنفس معمار النزل الذي كان محبوسا فيه لمدة ثلاثة اعوام في بيروت،يغادر سليم القرية فجأة بعد أيام على افتتاح النزل وامتلائه بحياة صاخبة دون أن يخبر أحدا عن وجهته،حتى زوجته لم يخبرها بذلك لكنها كانت قد لاحظت تحولا مفاجئا طرأ على شخصيته قبل اختفائه،فلم يعد رقيقاً معها ولامع بناته،وبات يغضب لأقل كلمة،ويفضل دائما أن يتناول طعامه وحيداً.وبعد ثلاث سنوات تعلم زهيّة بخبر  غرق سليم  في مياه البحر مع ستين راكبا،كانوا جميعاًيستقلون باخرة قادمة من اوربا إلى مرفأ بيروت وكان هو عائداً من رحلته،بعد أن إستلم مكافأة نهاية الخدمة من الجيش الفرنسي الذي عمل معه إسكافياً لأكثر من 25 عاماً. بعدها اقفل جورجي النزل نهائيا،وجلس أمام المرآة وبدأ يتكلم مع صورته: " هاأنا وحدي ياجوزيف،وأنتَ وسليم هناك.هل تفكران بي كما أفكربكما؟ ". وفي المرآة كان جورجي يرى وجهاً أصفر.ويتسائل مع نفسه. "هل هو وجهه أم وجه جوزيف ؟ ". ليُدخلنا النّص مرة اخرى في لعبة الشك والتأويل التي تنساق إليها كتابات ماوراء القص،والتي انعكس حضورها الواضح في تركيبة الحبكة التي اتقن نَسْجَها المؤلف جابر وماشَحَنَ به نصَّهُ من تعليقات،إضافة الى القصدية الواضحة في تصدير الشكل وتحطيمٍ واضحٍ للعلاقة الفاصلة مابين المرئي والمتخيل.لم يعش جورجي أكثر من عام بعد خبر وفاة سليم فمات هو الآخر وحيداً في نزله المهجور.وترك وصيّة تنازل فيها لزهيّة عن النَّزل،وبعد موتها هي الاخرى يصبح النزل ملكا لحفيدها انطون مؤلف الروايات الذي يرفض هو الآخر بيعه مثلما كان عليه موقف جدته رغم الحاح بناتها واحفادها لأنهم كانوا يفكرون بالفائدة المادية التي ستعود عليهم فيما لو تم البيع . "النَّزل يجب أن يبقى كي لاتموت الحكاية.أمّاالآن وقد كَتَبتُها،فما الضرورة من بقاء النزل ؟ "

الجنوح الى اللعب
يبقى أن نشير إلى أن الرواية عندما صدرت عام 1996 في طبعتها الأولى كانت تحمل اسم المؤلف "نور خاطر"وليس ربيع جابر!؟ وهذا بتصورنا كان جزءاً اساسياً يدخل في منظومة كتابات ماوراء القص التي انخرط فيها المؤلف بذكاء وحرفية عالية أطّرَ سرديته فيها،بالشكل الذي أباح له ابتكارعوالم داخل عالم النص،لأَجل توريط القارىء في لعبة الوهم، مما يجعله غير قادر على التَّوقع والتمييز مابين الحياة الحقيقية والحياة المُتخيّلة داخل الرواية،طالما قد جنح المؤلف الى تجاوز الحدود التي يفرضها البناء الفني الكلاسيكي المتماسك.وهذه الآلية الشكلية التي تثير البلبلة والشك سترتقي بالتالي بمستوى المهارات القرائية التي ينبغي أن يكون عليها القارىء،وتضعه هو الآخر إلى جانب المؤلف في مسؤولية المشاركة الواعية والفاعلة في تفكيك المعنى وصناعته .









35

دراما التلفزيونْ في قَبضَةِ المُعْلِنْ




                                                                                                            مروان ياسين الدليمي


الانتاج العربي
الانتاج الدرامي في المنطقة العربية شهد نموا ً واضحا ً خلال الاعوام العشرة الاخيرة مقارنة بما كان عليه قبل ظهورالبث الفضائي في منتصف تسعينات القرن الماضي، فقد لعب ظهورالقنوات الفضائية الخاصة الدور ألأكبروالأهم في تسريع عجلة الانتاج وتطوره فنيا ً،خاصة في مصر وسوريا. ليصبح التنافس شديدا ًبينهما،بهدف:السيطرة على سوق التوزيع. وحصيلة ذلك أنْ تمكّن الانتاج السوري من مُزاحمة الانتاج المصري إلى حد كبير،وبات منافسا ً شديدا ًله،من حيث الكم والنوع والتسويق،بل وضعه في موقف حرج،وصارالطلب عليه كبيراًمن قِبل المحطات الفضائية والمُعلنين،بعد أن كان حكرا ًعلى الانتاج المصري منذ أن ظهرالبث التلفزيون في مطلع ستينات القرن الماضي .
وسط هذا التسارع في الانتاج وتطوره لابد لنا أن نتسائل عن حجم وأهمية الانتاج العراقي في خضم هذا التنافس،دون أن ننسى حقيقة تاريخية ثابتة في أن :العراق هو اول بلد عربي دخله البث التلفزيوني عام 1956 !
لكن هل أرتقى نتاجه الدرامي الى مستوى هذه الاهمية التاريخية ؟
بلاشك أي متابع سيصل الى نتيجة ليست لصالح الانتاج الدرامي العراقي فيما لو تمت مقارنته مع دول عربية اخرى مثل لبنان والكويت والسعودية من غيرأن نضع مصروسوريا في الحسبان لأن المقارنة ستكون غير منصفة بلاشك،ويمكن ان نورد هنا بعض الحقائق التي من خلالها نستطيع التوصل الى صورة واضحة إلى مانشير إليه،على سبيل المثال : في سوريا مثلا يوجد اكثر من 200 شركة انتاج درامي تعمل على انتاج المسلسلات والافلام الوثائقية والبرامج التلفزيونية وافلام الرسوم المتحركة.
بينما عدد شركات الانتاج في العراق لايتعدى اصابع اليد،هذا اضافة الى افتقاد العديد منها الى المعايير الأدارية والفنية،بالشكل الذي يجعلنا نتردد كثيرا قبل أن نطلق عليها تسمية شركة. . أيضا،هذه الشركات لاترتبط مهنيا ً في اتحاد ينظم عملها ويجعلها تتحرك بقوة في سوق الانتاج والتوزيع الذي يشهد تنافسا شديدا وسط تكتلات كبيرة.
إن قضية الانتاج باتت معقدة وعلى مستوى عال ٍ من التنظيم والادارة وهي مرتبطة بشكل عضوي مع طبيعة الفعاليات الاقتصادية القائمة، ولن يتمكن أي نشاط فردي بالسيطرة عليها من غير أن يكون هنالك تنظيمات مهنية تتولى عملية التخطيط والتحرك في سوق الانتاج والمنافسة .

سلطة المال
عميقة هي المتغيرات التي حصلت في عالم الانتاج وقد لعبت دوراً حاسما في تحديد الاطارالذي يتحرك فيه سوق الانتاج الدرامي،في مقدمتها يأتي :المُعلِنون من اصحاب الشركات ورجال الاعمال والمستثمرين والتجار)،إذ بات هؤلاء يلعبون دورا أساسيا ً في النشاط الاقتصادي وأصبحوا قوة رئيسة تتحكم بشكل كامل في الانتاج التلفزيوني الدرامي والبرامجي، بعد أن صارت الاعلانات التي تروّج لمنتجاتهم ومشاريعهم ــ والتي يحرصون على عرضها في المسلسلات ــ هي التي تحدد ماسيتم انتاجه من نصوص ونجوم سيشاركون في العمل،مقابل مايتم دفعه من مبالغ كبيرة جدا ًيتم دفعها للشركات المنتجة والمحطات الفضائية.. فقدوصل سعر الساعة التلفزيونة من هذه المسلسلات يتراوح مابين 15 الف دولار إلى 45 الف دولار،أي أنَّ ثمنَ مُسلسل ٍبثلاثين حلقة يصل إلى أكثر من 000  /900 الف دولار!ووصلت اجورالممثلين من النجوم في الساعة التلفزيونية الواحدة الى 000/ 5 ألاف دولار،ومجموع مايتقاضاه أي نجم يصل إلى 000/150 الف دولار في مسلسل واحد بثلاثين حلقة !
أزاء هذه الارقام العالية لم تعد لدى إدارات المحطات الفضائية ــ الحكومية منها وغير الحكوميةــ  القدرة على الصمود والمنافسة أمام المُعلنين،وهذا مافرض على شركات الانتاج أن تفكرالف مرة قبل الشروع في الموافقة على إنتاج اي نص درامي،وأن تدرس جيدا ً فرص الاستثمارالاعلاني التي سيأتي بها،والتي من خلالها سيتم تغطية تكاليف الانتاج وتحقيق الارباح العالية،وهي بذلك تريد أن تطمئن على إستمرارعجلة الانتاج ونموها،إضافة الى ماسيتبع ذلك من تفكير دائم في تحديث ادوات الانتاج التقنية. وقد يكون هذا الأمر من أهم النتائج التي افضى اليها سوق التنافس ،وألقى على شركات الانتاج  مسؤولية مضافة دعاها لأن تضع في اولويات اهتماماتها استخدام احدث التقنيات في التنفيذ،وخاصة كامرات التصوير، بعد أن شهد العالم تطورا ًمذهلا في هذا الاطار التقني وانعكس ذلك بشكل واضح على طبيعة الصورة وجودتها الى الحد الذي باتت صورة الانتاج الدرامي التلفزيوني في تنافس شديد مع الانتاج السينمائي،بل لم يعد هنالك من فرق بينهما من حيث جودة الصورة.
وسط هذه التحولات والتطورات التي شهدها الانتاج الدرامي العربي نجد أن الانتاج العراقي مازال يعتمد في آليات عمله وتفكيره على انظمة تقليديةٍ رثّة ٍتجاوزها الزمن،وتقنيات غيرمواكبة لما هو حاصل في العالم .
كل ماأوردناه هي عوامل مهمة تقف سببا في تخلف الانتاج العراقي لايمكن التقليل من أهميتها تحت أي تبريرقد يتعكز عليه العاملون في الانتاج ومازالوا يكررونه على اسماعنا في كل مناسبة يتم الحديث فيها عن ازمة الدراما العراقية،ومن تلك التبريرات مثلا :- "أن الانتاج العراقي يواجه محاربة غيرمعلنة من قبل الشركات والدول العربية". وبتقديرنا المتواضع هذه الحجة ضعيفة،بل هي محاولة بائسة منهم للهروب من المشكلة،وإلقاء مسؤوليتها على الأخرين .
مفهوم السلعة
من هنا يمكننا القول بأن الانتاج الدرامي بات سلعة بالمفهوم الاقتصادي الدقيق للكلمة،ويخضع تسويقها لقوانين العرض والطلب،التي يقف خلفها ويتحكم بها رجال أعمال ومستثمرين وتجارعقارات ورجال صناعة ،وبذلك لم تعد الاعمال الدرامية من حيث أسباب قيامها وانتاجها مشاريع جمالية خالصة يحقق من خلالها الفنانون أحلامهم بالمدن الفاضلة،ويوصلون عبرها خطابهم الانساني لتحقيق العدالة الاجتماعية.أنما هي مشاريع إقتصادية بأمتياز،تُرصَد لها ميزانيات مالية ضخمة،تكفي لأشباع ألاف الجياع والمحرومين في عالمنا العربي،الهدف من انتاجها:- تحقيق أرباح عالية تضاف الى ارصدة الشركات ورجال الاعمال،الذين أدركوا بعد ظهورالبث الفضائي،أهمية الاستثمار في هذا القطاع الحيوي الذي يحقق صلة مباشرة ومؤثرة مع المستهلك .
هذه المنظومة الاستثمارية التي باتت تتحكم في الانتاج الدرامي العربي، منذ مطلع تسعينات القرن الماضي ــ بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وبقية المنظومة الاشتراكية التي كانت تتبعه في العديد من دول العالم ومنها منطقتنا العربية ــ تمَّ استعارتها بطريقة مستنسخة من نمط الانتاج الاميركي الرأسمالي،الذي شهد تطورات هائلة في آليات عمله منذ بداية تأسيس شركات الانتاج السينمائي في مطلع القرن العشرين مُعتمدا ًعلى منظور فلسفي(براغماتي )يتعامل مع أي عمل فني على أنه: سلعة إقتصادية استهلاكية تخضع في وجودها واهميتها وقيمتها لشروط السوق.
الوجه الآخر للصورة
بنفس الوقت،الصورة ليست بهذه القتامة إذا ماأخذنا بنظرالاعتبارالعلاقة الجدليةالتي ارتبط بها الفن الدرامي مع عجلة السوق الاقتصادية،ومانتج عنها من تطور ٍفي اساليب العمل والتفكير لدى الفنانين،في المقدمة منهم الكتاب والمخرجون والمصورون ومدراء التصوير وبقية الحرفيين،فالاجور العالية التي باتوا يتقاضونها دفعتهم الى تطوير افكارهم ومعالجاتهم الفنية،وانعكس ذلك على المستوى الفني الذي تقدم فيه الاعمال الدرامية العربية،فوجدنا كتاب الدراما ينطلقون نحو مناطق وموضوعات جديدة ومثيرة لم يكن مسموحا الاقتراب منها،كما تم تقديمها بمعالجات فنية إبتعدت كثيراعن الأطرالمستهلكة والتقليدية في الرؤية والتنفيذ،سواء على مستوى الاخراج أوإدارة التصويروالاضاءة وبقية عناصر التكامل الفني في الصورة الدرامية،خاصة بعد انخراط العديد من المخرجين السينمائيين المُمَيزين في اخراج الاعمال الدرامية التلفزيونية،وهذا مارفع من مستوى معالجاتها الفنية، لتقترب بذلك من نمط الانتاج السينمائي الذي عادة مايتمركزسياقه العام على بناء وتأثيث اللقطة الواحدة،وبالاعتماد على كامرة واحدة،وليس بناء المشهد كاملا وبأكثرمن كامرة . بهذا الصدد يمكن الأشارة إلى الكثير من المسلسلات كنموذج لما نقول، منهاعلى سبيل المثال لا ألحصر:الولادة من الخاصرة،طرف ثالث،رقم سري،اخوة التراب،الحارة، نابليون والمحروسة ،الاجتياح،هدوء نسبي، التغريبة الفلسطينية،وغيرذلك من الاعمال .
 ونتيجة لما أشرنا إليه :إزدادت مساحة الاهتمام والتلقي للأنتاج الدرامي الى حد كبير،وباتت تتكدس في ادراج شركات الانتاج عشرات النصوص الدرامية،منتظرة دورها في التنفيذ،ومن ثم ألدخول في حلبة سباق تنافسي شديد على كسب الاعلانات التجارية التي ستعرض اثناء فترة بثها، خاصة في شهر رمضان ،فقد أصبح هذا الشهر نقطة انطلاق سنوية لسباق محموم بين المحطات الفضائية تحرص جميعها قبل حلوله بشهرين على عرض مقتطفات إعلانية (برموشن ) مأخوذة من الاعمال الدرامية التي سيتم عرضها خلال شهرالصوم بقصد جذب المُعلنين وكسب أكبرعدد من الاعلانات التي سيتم عرضها خلال فترة بث المسلسل.
يضاف إلى ذلك عامل آخر مهم ساهم في تحريك عجلة الانتاج وتطوره : فبعد أن دخل على خط المنافسة والمساهمة في هذا الاستثمار،المال القادم من دول الخليج العربي بكل ثقله وامكاناته،باتت شركات الانتاج اكثر طموحا في خططها ومشاريعها الفنية،لتصل ميزانيات بعض الاعمال الدرامية ارقاما كبيرة جدا ً،إلى اكثر من 100مليون دولار.
خلاصة القول
إذا أردنا تطوير الانتاج الدرامي العراقي ينبغي أن نأخذ بنظرالاعتبار كل التطورات التي حصلت في نمط الانتاج العربي،وعدم تجاهلها والقفزمن فوقها،فالمسألة لم تعد مجرد أحلام وامنيات فنية يسعى لتحقيقها الفنانون وبقية فريق العمل، بقدر ما تتطلب المعالجة : توفير الارضية المطمئنة لأصحاب رؤوس الاموال،من تجار ورجال أعمال، لكي يستثمروا أموالهم في مشاريع فنية، تعود عليهم بالربح،وبذلك نضمن دوران عجلة الانتاج ،وتأسيس شركات انتاج ستكون هي بالتالي القاعدة الاساسية لنهوض الانتاج .
أخيرا نقول: ينبغي على العاملين في الدراما العراقية،التخلي نهائيا ًعن التفكيرالعاجزوالقائم على:-انتظار الدعم والمساعدة الدائمة من الدولة . .لأنَّ معظم التجارب الناجحة في الانتاج الدرامي ــ في معظم دول العالم ــ ،لم تضع في حساباتها ألأعتماد على ماستقدمه الدولة من دعم لها،بقدر ما كان نجاحها مرتبطا بشكل اساسي على قدراتها وامكاناتها في تحقيق فرص العمل والنجاح .   






























36
                                                       
ج1
المخرج المسرحي د.  فاضل سوداني  :


-النصُّ الأدبيُّ المُغَلق، ُيعمّقُ اغترابَ َنص ِّ العَرض المسرحي


                                     حاوره : مروان ياسين الدليمي



"انا  فنان وكاتب حالم ،أفهم العالم من خلال الحلم، والحياة بالنسبة لي
 بالرغم من قسوتها تعني لعبة حلمية،ولهذا فإن اللعب الفني هو طقس
 مسرحي يجب أن نعرف من خلاله كيف نحلم وكيف نحتفل به مع الجمهور ." بهذا التأطير يُفلسفُ فاضل سوداني طبيعة الحضور الذي
يسعى لأن يكون عليه فعلهُ ومنجزهُ الفني والانساني، بعد رحلة طويلة من الترحال والسفر بين التجارب، توزعتها خارطة ُأمكنة ٍتفصل فيما بينها ثقافات وحضارات شاء هو أن يخوض غموضها متسلحا بأحاسيس من الدهشة والتساؤل . .مدينة العمارة العراقيةهي بداية ُمنعطف ٍفي تأمل الذات والاشياء ، وبداية ُسفر ٍطويل ٍفي طقوس ِالجسد ِوالصمتِ على رقعة الخشبة،فكانت بغداد وبيروت ودمشق وكوبنهاكن توغلا ً في متاهة البحث عن قيم الجمال التي يمكن لفضاء الدراما المسرحية ان ينثرهاعلى انقاض ماض ثقيل بثرثرته المتأكلة. . والسوداني أستاذ جامعي ومخرج  وباحث أكاديمي في الفن المسرحي ،  يحمل شهادة دكتوراه في الاخراج والعلوم  المسرحية ،عمل مخرجا وممثلا لسنوات طويلة في العديد من المسرحيات العالمية في مختلف البلدان ،ساهم في إلقاء محاضرات ودراسات  في مختلف المهرجانات المسرحية وأنتدب للمساهمة في الجامعات والمختبرات المسرحية،كتب الدراسات المسرحية  في الصحف والمجلات  العربية، صمم الديكور للعديد من  المسرحيات،وهو يدعوالمؤلف المسرحي العربي الى  كتابة  النص البصري في المسرح، ويعمل على تحقيق ذلك ضمن أمكانيات مايدعوه بالبعد الرابع لفضاء العرض المسرحي، وكذلك تحقيق المسرح البصري وتطويرعمل الممثل من خلال تدريبه عن طريق  الذاكرة البصرية  المُطلقة لجسد الممثل وعلاقتها بالأشياء والفضاء المسرحي  ،
وتحقيق ذلك مع طلبة المعاهد المسرحية والممثلين عموما من خلال اقامة
العديد من المختبرات work Shop لتدريب الممثل ، اخرج وكتب العديد من
المسرحيات ، يعيش في الدنمارك منذ العام 1992 ،يعمل الان استاذا جامعيا  في جامعة دهوك في اقليم كوردستان . الزمان التقت به وحاورته حول رحلته وتجربته وتساؤلاته المسرحية  .
*ماهو شكل العلاقة  بينك و العالم  ،هل تجدها علاقة تتسم بالواقعية مع هذا الكم من الحلم الذي تغرق فيه  ؟
-من الضروري  أن نفهم العالم  وهو في كينونته الإبداعية  يعني في كينونة  المخيال والحلم ، و بالقدر الذي تكون فيه هذه  العلاقة  حُلمية -تكون  في ذات الوقت علاقة واقعية  فيها الكثير من عدم التوازن ـ فالغرباء عن العالم او غير المنسجمين معه والذين لا يفهمون تعقيداته  يعيشون في غربة ذاتية خالصة،وفي المقابل أن تحلم يعني أن تبدع، وبمعنى اكثر وضوحا يعني أن تكون غريبا وفي علاقة  متوترةومتشنجة مع هذا الشئ الغريب الذي أسمه  بالعالم ، الحلم هو أسلبة العالم المحيط  الى جوهره أو تكثيف لب معناه ، أي افراغه من سطوته واختزاله بتلك المشكلة التي تهمك والتي تكون فيها ذاتا ً متجوهرة ومتجسدة  في أشكال مشخصه ،والحلم  يعني أيضا  أسلبة للواقع ، أي ان تؤكد علاقتك مع العالم من خلال الجوهر أو لب العالم ، وأن تعرف كيف تختزله بوضوح تام من خلال الإبداع الذاتي الصرف ، وتعرف أيضا أدواتك في أن تحوله الى لوحة أو عرض مسرحي أو قصيدة ضمن شروط  العملية الفنية وليس شروط الواقع ، أي حسب زمن البعد الفني وليس الزمن الواقعي ، لهذا فان العمل الفني يتحول الى واقع افتراضي بديل فنياً و في لحظة الإبداع ، أي (الآن وهنا ) ولكون الواقع هو دائما غير مقبول نتيجة لشروطه الواقعية القاسية ، لذا يحتاج الأمر الى  كم هائل من الحلم من اجل تحّمل وقبول هذا الواقع ، أن تحلم هذا يعني ، ان تعيش الحياة الحقيقية مادام الواقع هو ثرثرة وليس غنى ديناميكي ،إذن الحلم هو الحياة في ديناميكيتها المستعادة ،وهناك شئ آخر وهو: لا يمكن أن يكون للحياة أي معنى إذا لم نعرف كيف نحلم وكيف نتذوقها ؟ وإذا لا نعرف  كيف نعيش الحياة وهي قصيرة ،وكيف نحقق مشروعنا  الحياتي ؟ فإننا سنعيش بسكون تام ،لذا، وحتى نعيش الحياة لا بد أن نتعلم كيف نحلم ، وكيف نتذوق هذا الحلم  الذي  يحدد العلاقة بيني وبين العالم .
الفنان المثقف
*من الطبيعي ان يشكل الفن خطورة على الانظمة القمعية لكن هل يمكن ان يشكل الفن خطورة على المجتمع في لحظة ما،أو في عمل ما  ؟
-عندما يفقد الفنان حريته في معالجة مشكلاته الذاتية والمشكلات الاجتماعية بوجود النظام  اللاديمقراطي  يتحول الى فنان غير متفاعل  أي انه يتكيف مع حاجات العنف والإستثناء  ويستخدم كل طاقاته الفنية والإبداعية في التكيف لمصلحة هذا الاستثناء في الحياة ، وأيضاً يعمل على تكيف المجتمع  من خلال  جعل الفن والثقافة  طريق غامض لفهم الحياة أو يعمد الى وضع الأسئلة المزيفه والأجوبة الجاهزة التي لا تعني أي شئ  لكنها تفرض الأستثناء الطائفي أو العنفي أو  لخدمة الدكتاتورية مثل هذا الوضع يهيئ الفنان غير المتفاعل الى أن يصبح  داعية لبرنامج النظام الدكتاتوري أوالشمولي ( الذي يهيئ المجتمع الى حروب لا مجدية ) وتفرض على الفن والفنان أو المثقف من قبل النظام الإستثنائي ،إضافة الى ما ذكر، حالة من استغلال ثقافته وفنه لتنمية غرائزالعنف المتوحشة في روح الإنسان في مجتمع فقد قدرته على التفاعل الإنساني والتاريخي لأنه يغرق في الخرافة لدرجة تحتل الأولوية في سلوكه ، فتتحول الى ظاهرة طبيعية في مجتمعات الأنظمة الشمولية والدكتاتورية والطائفية ،ويسبغ  هذا المثقف على مثاله السياسي ( الدكتاتور ، الطاغية  ،القائد ، الأب الروحي ، وشيخ الخرافة ... الخ  ) صفات الرسل والقديسين ، من هذا المنطلق فان المثقف أو الفنان غير المتفاعل  يبني ذاته هامشيا ، انه توريط الذات ـالمثقفة والذات الجماعية المتكيفة ـ في الالتزام بالوعي المشوه والخرافة  من خلال فنه ، مثل هذا  المثقف ـ الفنان هو جزء  لا ينفصل عن النظام  الدكتاتوري الشمولي أو النظام الطائفي المتسلط  مما يجعله هذا مساهما دائما في تزييف حقائق الواقع المعاصر والحقائق التاريخية ، فيصل الى مرحلة الإتكالية الفكرية ، ويصبح المثقف الابن المدلل ، يمنحه الدكتاتور المكرمات والهبات ويمنحه شيخ الخرافة البركات ، ولكن في ذات الوقت يحرمانه الحق في التفكير واتخاذ القرارات الفكرية الخاصة لان  القائد ـ الدكتاتور او القائد الطائفي هو الذي يفكر ويخطط بدلا عنه وعن المجتمع والأمة ،فيتحول  الفنان غير المتفاعل  إلى  منفذ فقط ،وبما أن الدكتاتورية أو النظام الإستثنائي او النظام الشمولي بحالة دائمة من التطور السلبي تحتاج هذه الانظمة الى ذلك المثقف الذي يغذي ويشيع هيكلة وأساليب الفاشية التي  سيتبناها النظام ، فليس كافيا  أن يكون مثقفا متكيفا  مع  برامجه الثقافية  فقط ، وإنما  يطالبه النظام  ان يساهم  في المتغيرات المنهجية  الجديدة  في سياسته وان يكون محركها الفكري ، وهذا يفرض على المثقف ان يلتزم المفهوم الفاشي في الثقافة  روحا وممارسة تخدعه حجج مختلفة  مغلفة بدوافع ديمقراطية زائفة ، فيتم التمسك بها  كأسلوب للتدجين ، سيباركه النظام الاستثنائي وسيبرره المثقف المتكيف إعلاميا،ومن هنا يشكل العمل الفني أو الأبداعي خطورة على الفنان أو المثقف وعلى المجتمع عموماً .
*"الحرية هذه الكلمة الحلوة ". جاءت هذه العبارة عنوانا لأحد الافلام الاسبانية في يوم ما من سبعينيات القرن الماضي. هل تذوقت طعم الحرية  ؟ واين تجدها حاضرة معك بقوة ووضوح ؟
-ليس هنلك حرية بالمعنى الحقيقي ، لكن عندما أتأمل أو أكتب نصا  شعريا  او مسرحياً، اشعر بانني أحلم بحرية شبه متكاملة، لأنني أنا الذي أقرر وارسم وأبدع العالم الذي أريد أن أقدمه أمام الآخر ولكن كابوس المحضورات هو الذي يفقد الكائن  تكامله الإنساني وبالتالي يفقد معنى  الحرية  كوجود مكثف للكائن ، نعم  الحرية هي وجود مكثف للاشياء المهملة والملغاة أيضا والضرورية للإنسان والتي يطمح في الحصول عليها  لكنها في النأي الحلمي ، فالحرمان من ممارسة الوجود الحقيقي للذات هو  إلغاء للحرية ، الكتابة الإبداعية البصرية هي الحلم  وفيها تصل الحرية الى أقصى درجاتها ، حيث  عندما تقرأ رؤيتك  في كتاب او عندما ترى أفكارك  في فضاء المسرح او عندما تواجه الجمهور وأنت تمثل وسط فضاء  المسرح الحلمي  بألتاكيد ستكون حرا ، ففي  اللحظة التي تعرف فيها كيف تتذوق الحياة عندها فقط  تعرف كيف تتذوق الحرية ، ولهذا فان تذوق الحرية الإبداعية يبدأ في لحظة  تطور  مراحل انجاز القصيدة او النص او الرؤيا الإخراجية وعندما يكتمل هذا الإبداع تشعر بأنك حراً، الحرية  المزيفة  في عالمنا عموما  هي رؤيا غير مكتملة  وتصورٌ خطر ، وعلى المبدع أ ن يجعلها تتكامل من خلال الإبداع، فيها فقط يصبح الإنسان حرا وعليه ان يحتضنها كجمرة تشتعل في الروح والقلب  حتى يمارس حريته تماما ً، بدونها لا يتكامل الإنسان ، وبدون الإبداع  الحقيقي لا تتكامل الحرية أبدا،وهذاهو حقيقة التكامل بين الحرية والإبداع ،الحرية هي لحظة الشعور بالديمومة والانتصار الأبدي على الظلم والحيف والتهميش والعدم  وحتى عبث الموت، قد يبدو كلامي فيه الكثير من القسوة لكن واقع الحال في عالمنا عموما يؤكد بان الإنسان لم يصل الى الحرية الحقيقية ، ففي العالم المتطور بالرغم من أنه يمارس الحرية إلا أنها حرية يتحكم فيها الرأسمال العالمي والبزنس، أما في مجتمعاتنا المتخلفة فإن الذي يتحكم فيها هو الخرافة والأمراض الأجتماعية والفكرية الأخرى ، تصوَّر كنتُ فرِحا جدا وشعرت بطعم الحرية عندما خرجت في الدنمارك لآول مرة في حياتي  بتظاهرة مع ابنتي التي كانت بعمر 9 سنوات للمطالبة بحقوق ترفيهية إضافية لطلبة المدارس، حزنت لأنني كنت اريد أن يكون هذا في العراق ، ولكن هل هذا شعور ساذج بالحرية أم أنه إمتلاء حر ؟

حرية اللعب
*اللعبة المسرحية حاضرة بوضوح تام في طقسك المسرحي الذي تكتبه وتنشئه ، لماذا هذا الاصرار على استثمار هذه الآلية في بناء عرضك المسرحي ؟
-من خلال اللعب أوالإيهام يمكن للإنسان أن يرجع الى مرحلة الطفوله حيث الحرية والحلم وقد يبدو العالم لعبة في متناول يد الطفولة ـ أنْ تحلم بخيال طفولي يعني أن تبدع بحرية بدون قيود ، وهذا يعني أن تضع العالم على راحة اليد وتسير مفتوناً به الى أقصى درجات اللعب والحلم ـ وليس هنالك أي فارق كبير بين مكونات الإبداع  الثلاث اللعب الحلم والعرض (عرض الحلم سواء على شكل مسرح او لوحة تشكيلية او موسيقى أو قصيدة أو رواية أو أي وسيلة إبداعية أخرى ) وهذا هو نوع من تكامل وجودي ـ إبداعي فيبدوالعالم بكامله لعبة حلم موسيقي أو شعري ، مسرحي أو تشكيلي ،أن تلعب يعني أن تشعر بأنك حر ،وعندما  أستخِدم ُ وسيلة اللعب وآلية الحلم في نصيِّ المسرحي أو رؤيتي الإخراجية يحدث نوع من ممارستي لأقصى درجات الحرية  مما يدفعني الى أن أجعل من الجمهور قريبا من العرض وفضاء اللعب ، وبالتالي أخلق شئ من ديناميكية العلاقة بين فضاء العرض وصالة المتفاعلين (المشاهدين) ،انا  فنان وكاتب حالم وافهم العالم من خلال هذا الحلم  ، والحياة  بالنسبة لي بالرغم من قسوتها تعني لعبة حلمية ولهذا فان اللعب الفني هو طقس مسرحي يجب أن نعرف من خلاله كيف نحلم وكيف نحتفل به مع الجمهور .
*الصمت يشكل ثيمة وقيمة فنية في العمل الدرامي ،انت من خلال الاندفاع التام نحو العمل المسرحي هل تهرب من الصمت أم تسعى لاكتشاف ماتخبئه لغة الصمت من جُملٍ لايرقى اليها الصوت والضجيج والفوضى في التعبير ؟
-ليس هنالك صمت بالمعنى الواقعي داخل الفنان وانما هو موسيقى  ديناميكية تضج في روح المبدع  وتعبر عن جوهر العلاقة بين الذات و العالم، فعندما تكتشف هذا الجوهر تستطيع ان تسمع الصمت أو تراه وهو لغة خاصة لها إيقاعها، فالصمت هو موسيقى الأكوان الأخرى التي لا تسمع إلا في الرؤيا الإبداعية ، الصمت هو الديناميكية وهو اشتعال الرؤيا بحركتها الداخلية فبالصمت الديناميكي نفهم ونشعر بان العالم والأشياء في ديمومتها الحركية الأبدية ، ولهذا فان الأشياء تبدو صامتة ولكن حركتها الداخلية تضج  بديناميكية الترددات الإيقاعية  والمعاني التي تحتاج الى استخراجها وكشفها بوضوح ،في رؤيا العمل الفني يجب اقتناص الصمت المبدع وهذا يعني إظهار الأبعاد الداخلية ــ الخفية للأشياء والكائن والعالم ،الصمت المبدع أو البصري هو تأكيد إنسانية الإنسان والأشياء ، وهو عكس فوضى العالم التي تحول القيمة الإنسانية الى ضجيج ، وما الصمت إلا إعادة هذه القيمة الإنسانية للكائن والعالم من جديد ، ومن هنا فان الصمت هو قيمة ولغة فكرية وبصرية في آن واحد ، والتزام الصمت الديناميكي المبدع هو استجلاء اللغة البصرية للتعبير عنه من خلال  العمل الفني ،ومن هنا فان الصمت ليس فقط يُسمع وانما  يُرى وهنا تكمن  قيمة العمل الفني فكرياً وابداعياً وبصرياً ، أن تصمت في  لحظة الإبداع هذا يعني أن تخلق لغة بصرية إبداعية ، أنها لغة أخرى للتعبيرعن الحياة ، ومن هنا جاءت أهمية المفردة الشكسبيرية في تأويل الصمت  فآخر كلمة يقولها هاملت هي : ما تبقى هو الصمت  (ثم  يموت ). وبالتاكيد فان الصمت المتبقي يعني الموت بالنسبة الى هاملت لكنه يعني الحياة المتبقية أيضا ،فإذا كان الصمت يعني الحياة ، إذن يجب ان نفهم هذه الحياة من خلال قيمة الصمت وليس من خلال الضجيج ،إن اكتشاف الصمت يعني اكتشاف جوهر الحياة لهذا فان الإنسان يعتبر الصمت شئ شاق لأنه يفرض عليه التأمل والتفكير ولهذا فهو يفضل الضجيج الذي يدخله بسهولة في ضجيج العالم والثرثرة الوجودية ، ليس هناك صمت أبداً وإنما هناك حركة ودبيب متأمل تدفع جميع الأشياء أن تكون في حركة ديناميكية دائمة وأن تسمع وأن تُرى ،وكمثال سأستجلي مثل هذا الصمت في لوحة  سلفادور دالي (الذاكرة ) ، في هذه اللوحة نسمع ونرى صمتاً بصريا ًحركيا ًمطلقا ً من خلال وجود ثلا ث ساعات واحدة منها   يتآكلها الدود أي أنَّ الزمن مأكولا من حشرات الوجود ،وجود ثلاث ساعات هذا يعني وجوداً مكثفا  ً للزمن ، ولكن هل الزمن صمت أم ضجيج ، بالتأكيد انه صمت الصمت أوجوهرالصمت مادام الأمر يتعلق بالزمن، إنه صمت متأمل ومحسوس به ، لكن الصمت هنا يتحول الى ضجيج عندما لا يشعر الكائن بالزمن مثلا هل يتحول الزمن الى ثرثرة وجودية ؟  أنا لا أعرف هذا ، هنا يتشكل وجود الزمن أما من الصمت المبدع أومن الضجيج وإيقاعه القاسي حسب التأويل، بالتأكيدأن الإيقاع هنا هو زمن صامت لكنه مرئي أي إن الصمت في العمل الإبداعي يُرى كما هو الحال مع الزمن الذي نراه وقد تحول الى إيقاع مرئي في الموسيقى، ولهذا فإننا نكتشف الصمت المبدع والديناميكي من خلال اكتشافنا للزمن والإيقاع ، لأن الصمت المبدع في العمل الفني هو موت  للضجيج والفوضى ويشكل قيمة فنية عليا في العمل الإبداعي، وعندما أكتشفه ُ وأركزُعليه في العمل الإبداعي فإنني أكتشف ذاتي الإبداعية  وهي في ديمومتها الوجودية المبدعة ، الصامتة المتأملة الضاجة بالإبداع  .
الرؤيا البصرية للعرض
*تشكل الصورة الأساس الذي يقوم عليه معمارك المسرحي ، هل تجد ان في ذلك تعميق للمناخ الدرامي الخاص بالتجرب المسرحية وازاحة كل ماله صلة بالادب ؟
-ان الثرثرة في مؤلف النص الأدبي المغلق في المسرح تعمق اغتراب نص العرض والفضاء الإبداعي ومهمات المسرح عموما أمام المتفرج المتفاعل، لذلك فمثل النص الأدبي هو اغتراب لآنية العرض البصري وللفرجة في ذات الوقت لأنه كُتب ضمن انشغالات تهدف إلى تحديد وتركيز وهيمنة الأطر الأدبية على فضاء العرض وإهمال الوسائل البصرية وجعلها ثانوية، أو جعلها تخدم البعد التفسيري للصياغات الأدبية وثرثرة المضامين الواقعية والنفسية المقيتة، وبهذا فإن النص الأدبي المغلق هنا لا يسمح بالإمكانيات البصرية للمخرج والممثل بل يحدد أفق خيالهما،وخاصة القدرات التعبيرية للممثل التي تعتمد على إطلاق الأسرار الإبداعية لذاكرته الجسدية المطلقة (وليس لذاكرة الممثل ) والتي لا يتكامل إبداعها إلا في فضاء ديناميكية العرض البصري ، و من جانب آخر فان النص الأدبي والعرض التقليدي غير البصري يخلقان الاغتراب أيضا في وعي وروح المتفرج ولا ينسجمان مع طبيعة الحوارالذي يتم بين العرض البصري والمتفرج المتفاعل وبذلك يفقدان الاتصال فيما بينهما، إن تداعي الرؤيا البصرية للمخرج لإبراز إمكانات الأنساق التي تكّون فضاء العرض يشكل لغة تجسيدية ودلالية وتأويلية لخلق التأثير والاتصال بين خيالين، خيال المتفرج من جانب وخيال الممثل ـ وذاكرة الأشياء التي في فضاء العرض ـ والمخرج من جانب آخر. لذلك فان المعادلة في النص و العرض البصري المعاصر، تفرض أدوات ووسائل ومفردات لغة بصرية جديدة، فتختلف جوهريا عما كانت عليه في النص المسرحي الأدبي المغلق ،فالمخرج وتداعياته البصرية (مؤلف وخالق الفضاء البصري للعرض ) يأخذ دوره محل المؤلف (مبدع النص البصري الذي أوحي بالعرض البصري المستقبلي ) فتنشأ رؤيا اخراجية جديدة تعتمد على جنينة النص ولهذا يتأسس ما ندعو له أي  البعد الرابع في الفضاء والزمن في العرض المسرحي، ويكشف النص والعرض البصري تلك الأحلام والكوابيس والنبوءآت وأسرار الحوارات واللغة المستترة وغياهب الجسد والصورالمشعة والمثيرة ببراءتها والأصيلة لتبهرنا وكأنها تنبثق من السديم النائي في البرزخ الكوني، ولذلك فا ن التداعي البصري للأنساق الذي يمنحه خيال الفنان البصري (صاحب الرؤيا البصرية  وليس الأدبية)هو زمن يؤثربصريا على المتفرج ويؤدي به إلى امتلاك لذة الخيال والتصور والتفكير في جوهر زمني ـ  بصري إبداعي جديد (العرض البصري الإبداعي ) أي يضعه في زمن الإبداع والحلم وميتافيزيقيا الخيال ، ومن هذا نستنتج بان المؤلف والمخرج صاحبا الرؤيا البصرية يستطيعان أن يخّلصا النص والعرض من الاغتراب من خلال التأليف بالبصريات سواء كان نصا أو عرضا، ويتم تجاوزالاغتراب بتكييف النص البصري أو العرض البصري لمعاصرة المتفرج وجوهر مشكلته ،لذلك فان النص والعرض البصري يمتلكان إمكانية تهيئة ظروف استيقاظ الفنان والمتفرج المتفاعل معا عند عتبة الوجود البصري الإبداعي فقط ،ولا تعني دعوتي لكتابة النص البصري إلى إلغاء الكلمة أو الوسائل اللغوية الأخرى عموما، وإنما على العكس فإن الكلمة تصبح إحدى الوسائل البصرية المهمة لتحقيق النص البصري إذا أحسن انتقائها، وإذا استطاع المؤلف أن يحولها من كلمة أدبية إلى بصرية تصبح جزءا من تحقيق المشهدية البصرية في العرض،وهذا كله يفرض أسس كتابة النص البصري في زمن ما بعد الحداثة ويوحي بل يفرض أيضا بعدا رابعا للزمن والفضاء البصري في العرض المسرحي.



37
                          



القندس
رواية للكاتب السعودي محمد حسن علوان


    
            تَناصٌ الخِطابُ الرِّوائي وانفِتَاحُ الدِلالة

                                           مروان ياسين الدليمي
                

اصدار دار الساقي /الطبعة الاولى 2011
رشحت لجائزة البوكر العربية/ القائمة القصيرة لعام  2013
                      
إشكالية الخطاب  
غالب،الشخصية المركزيةالساردةلأحداث رواية(القندس)كما رسمهاالمؤلف محمد حسن علوان:شخصية إغترابية في انتمائها للزمن الذي وجدت نفسها فيه،ولاتملك هاجساً قويا ًيدفعها لأن تخلق تواصلا ًحميما ًمع المحيط والاخرين.ولم يكن سفره بين فترة وأخرى خلال عشرين عاما الى مدن أجنبية لأجلِ أن يلتقي بعشيقته غادة إلاّ علامة َفشل ٍوعجز ٍتام في التفاعل مع الزمن،بموجوداته،وهروبا ًمُركبا ًمن ذاته ومن عالم ٍيُشعرهُ بأنَّ قدره قد أسقطه فيه،لذا ليس هنالك من صلة انتماء إليه،سواء كان مقيما ًفي مدينة الرياض أوعلى ضفّة نهرِ ويلامت في مدينة بورتلاند الاميركية. "وقفتُ لعلّي أرى صفحة الماء بوضوح .كانت مجموعات عِدَّة من البَط تسبح بشكل دائري وأنا أحاول تجاهل هذه الطيور الكريهة " . . تعاني هذه الشخصية من إحساس عميق بالقلق إزاءمايحيطها من اشياء وعلائق اجتماعية "محاولاتي الدائبة للانفصال لايفهمها أحَد،حتى أنا.لطالما فسَّرُتهاعلى أنّها فشل ذريع،بينما لم تكن إلاّتمرينا ًغيرمكتمل على إنفصال موعود،ولتوّهِ إكتمل بصعوبة بالغةٍ وأنا في الاربعين." .. يبدو هنا،وكأن المؤلف وهويرسم الملامح الداخلية للشخصية،يعيدُ وفق فكرة التَّناص إنتاج َنمط الفرداللامنتمي الذي سبق للأدب الروائي أن طرحه في ستينيات القرن الماضي،بمايحمله مِن قلق ٍواغتراب ٍازاء الوجود والمحيط الأجتماعي "وحده القلق الذي أبقى بينناالعهد وجَعَل كل مابيننا كعائلة مجرد عهد ".. هنا أجد تساؤلات معينة تفرض نفسهاونحن نتأمل الصورة التي بُنيت عليها هذه الشخصية المركزية :-هل يمكن بعد كل المتغيرات العميقةالتي حصلت في العالم من حيث الافكارالفلسفية والمفاهيم والايدولوجيات،والتي شملت شتى أوجه الحياة الانسانية مع مطلع العقد التاسع من القرن العشرين وماجاء فيه من احداث دراماتيكية احالت عالما ًبأكمله إلى انقاضٍ،ليبدأ عصرٌآخرلاصلة له بما سبقه من ايدلوجيات،هل يُمكن بعد هذا أنْ نقرأعملاً روائيا جديداً،يعيد لناإنتاج ماسبق أن تم طرحه ــ مِنْ افكارونماذج انسانية ــ قبل نصف قَرنٍ في عدد من الاعمال الروائية!؟ لذا نجد أنْ ليس هنالك من ضرورة مُلِحّة تستدعي طرحها مرة أخرى في سياق رؤية فنية تبدو لنا وكأنها صدى لتلك الاعمال التي عكست في حينها جانبا أساسيا وحيويا ًمن ثقافة العصرآنذاك عندما طُرحت قبل نصف قرن، بظرفه ومعطياته!؟ هذا السؤال يقودنا إلى طرح سؤال آخر:هل إنَّ انغلاق المجتمع السعودي على نفسه وهو يَتحصَّنُ خلف قشرة سميكة ٍمِنْ قيم ٍ يُهيمنُ فيها العامل الديني والقيم البدوية والاعراف الاجتماعية مقابل مايشهده من تحولات عمرانية هائلة،هوالسبب الذي أحدث تصدُّعات إشكالية عميقة في بنية الفرد ــ سبَق للمجتمع الانساني المُتقدم أنْ مرَّ بها وواجههاــ وأمسى المجتمع السعودي اليوم في مواجهة مُتأخرة معهاولاسبيل أمام المبدع لأنْ يتجاوزها ويقفزعليها ؟ إلاّ أنَّ التفاعل مع هذه المسالة الجوهرية بأسئلتها وتحديّاتها  فيما لو كانت أمراً واقعا ً فعلاً واقتضى التوقف عندهاوتناولها إبداعيا تبقى رَهن الرؤية الفنية للمبدع وخصوصيةتجربتة الذاتية،ويقتضي ذلك منه أنْ لاينشىء عمله مُنساقاً مع فكرة التّناص مع أعمال أخرى سبقته، خاصةً في إطارالمعالجة الفنية، فالتناص كما جاء في كتاب(نقاد الحداثة وموت القارىء)للدكتورعبد الحميد ابراهيم .  "حوار مع أرواح سابقة تفضي إلى النَّص الحالي بالسّر .". وهنا بهذا الصدد نُذكِّر على سبيل المثال بعدد من أعمال البير كامو وسارتر وكولن ولسن وآخرين.
قناع العنوان
"عندما رأيت القندس أول مرة شعرت بالألفة.ولابد أنّه شعر بذلك أيضا وإلاّماتسلّق الضفة الحجرية وراح يعبث في سلّتي وبساطي ...." جاء اختيارعنوان الرواية بمثابة قناع إستعارهُ ألمؤلف وألبسَهُ ألشخصية المركزية/الساردة،ليفصح من خلاله عمّا يختزنهُ من مشاعروافكار تجاه مايحيطه من موجودات وحيوات ومايحمُله من تصوّر موضوعي أسقَطَهُ على معظم افراد الأسرة الكبيرة التي ينتمي لها في مدينته الرياض(الأب والأم المُطلّقة وشيخة زوجة الأب والأخت الشقيقة بدريّة والأخوة والاخوات غيرالاشقاء سلمان ونورة ومنى)،بهذا التصوّر بَنى (غالب) في ذهنه مُعادلا صوريا/اجتماعيا لسلوك الحيوان الدفاعي،عندما يبني سدودا ً خشبية وسط ماء النهر كُلما وجَد بقعة يابسة يركن فيها مع افرادعائلته، ليجعلوا من قلب النهر مكانا ًدافئا للعيش "سيلاحظ القندس أيضا ًأن عائلتي بَكماء في مابينها،ثرثارة في محافل الآخرين.نخترع فضائحنا بكتمان رهيب حتى لايعرف أحدنا ماذا يُحاك في الغرفة المجاورة.نحن فعلنا ذلك أيضا ًلنجعل من الرياض أقل وطأة وإن لم نقض على وطأتها تماماً،ولنجعلهاأكثر وضوحا ًوإنْ لم نفتح كل الادراج.عندما نرش الماء على دائرة من العشب الضئيل نعلم أنه لن يقتل الغبار والظمأ".
الصوت الواحد
من أول ِ جُملةٍ وحتى نهاية الرواية إنفرد ضميرالمتكلم ــ وهو بنفس الوقت الشخصية المركزية ــ في سرد الاحداث،فبقي لوحده صوتا ًمنفرداً إضطلع بمهمة لملمة الذاكرة وهي تستعيد المشاعروالتفاصيل . بهذه الآلية إستند علوان بناء نصّه الروائي،مُخضِعَا ًبنيته الفنية إلى سِماتٍ إستعارها من خاصيّة ٍتتوفر في معمارية النص السير ذاتي،فالتطابق التام مابين السارد والشخصية المركزية كان قائماً،وغابت عنه المسافة التي تفصل مابين الاثنين،وإنفتحت ذات السارد/الشخصية المركزية في تشكيل بنية الحكاية وهي تتحرك وفق آلية الوصف،بهدف ألقبض على متغيرات المحيط الخارجي،لتعكس من خلالها،داخل وخارج الشخصية .  " وقفتُ، لعلّي أرى صفحة النهربوضوح. كانت مجموعات عدّة من البَط تسبح بشكل دائري،وأنا أحاول تجاهل هذه الطيورالكريهة.التي تذكرني دائما بغادة لأنها تعشق هذاالمنظرالساذج وتجرّني دائما إلى أماكن لاأجد فيها سوى خدعة سياحية بسيطة تمارسها مدن اوربا المتغضّنة " .
قصدية الخطاب
أتساقا مع الفكرة التي تؤكد على أنّ :"الادب في جوهره كشفاً للانسان والعالم "كما يقول د. صلاح فضل في مقدمة كتابه المعنون(انتاج الدلالة الادبية) يأتي هذا النص بأدوات سردية ٍمحدودةٍ.وهو لم يخرج في قصديّة خطابه شكلا ًومضمونا ًعن ثيمة أساسية لاتخرج عن:- تفكيك السياق العام لمنظومة البنيةالاجتماعية التي تفرض ثقلها وسلطتها القامعة على الشخوص والجغرافيه الاجتماعية المتزحزحة من مزاج المدن الصحراوية الصغيرة ـ مدينة الناصريةـ بإيقاعها البطيء،بإتجاه تمددات المدن الكونكريتية الحديثة ــ مدينة الفاخرية ــ التي ولدت بشكل سريع من بعد أكتشاف النفط .



ازدواجية الصراع
ومع أن موضوعة الصراع الاجتماعي بشكله المزدوج ــ الطبقي والعنصري ــ لم تشكِّل السياق الرئيس الذي بُنيت عليه تركيبة الاحداث والشخصيات إلاّ أن المؤلف أشار إليه بشكل عابرمن غيرأن يتوقف عنده طويلا،وذلك عندما تطرق إلى حقيقة العلاقة التي تربط غالب بشخصية خاله (داؤود) ببشرته السوداء التي ميّزته عن غالب وشقيقته بدريّة ووالدتهما التي كانت قد رضعت في صغرها من والدة داؤود ــ ذات البشرة السوداءــ وبذلك أصبح داؤود الذي يصغر والدة غالب بعدة أعوام ــ وحسب ماتفرضه الشريعة الاسلامية ــ شقيقها بالرضاعة.والاشارة الى اللون هنا،جاءت صريحة في محتواهاالنقدي لطبيعة التمييزالعنصري والطبقي الذي مازال يحكم المفاهيم الاجتماعية. " كان داؤود يكبرني ببضع سنوات وتكبرهُ أمي بضعفها تقريبا .جاء الى الرياض فعلّمتُه كيف يعيش فيها بين الهدى والضلال..جبتُ به شوارعها واسواقها آلاف المرات دون أن يفهم المسكين أني كنتُ أستخدم بشرته السوداء وهو يمشي إلى جواري لأبدو رجلاًعاليا ًيجذب اهتمام نساء عاليات.ولم أتوقف عن ذلك حتى شتمتنا أمرأة سليطة اللسان في مركز تجاري كبير بعد أن تبعناها كظِلها:أنتَ الحين مشخص بهالعبد اللي مَعَك ؟"
الخارج وجه الداخل
غالب كان قد إجتازالعقد الرابع من العُمر،محروماً من حنان الأم مُذ كان عُمرهُ سنتان.في ذلك الوقت غادَرَت والدته الى بيت خاله،وهي مصممة على طلب الطلاق من والده،لتتزوج بعد انتهاء العدّة الشرعية مباشرة من موظف حكومي،عَرفَت معهُ استقرارا ًعائليا ًلم تحظى به عندما كانت على ذمّة والده تاجرالسجاد،الذي تزوج هوالآخر إمرأة أخرى أنجبت له سلمان ونورة ومنى. والاخوة المُنفرطين من رحمين مختلفين ليس هنالك من شيء يجمعهم . "عندما شَعرأبي بذلك،قررأن يَطلينا بالصمغ ويلصق بعضنا ببعض كيفمااتفق حتى نبقى معا ًولو كانت قلوبنا شتى. "  فقد فشلت سياسة الأب في أن يكونواعائلة كبيرة،ولم تفلح السيارات ولا الشارع الذي حمل اسم الأب ولاالمسجد الذي بناه في الحي.وبقيت عائلة بكماء في ما بينها ثرثارة في محافل الاخرين.يخترعون فضائحهم بكتمان رهيب حتى لايعرف أحدهم ماذا يحاك في الغرفة المجاورة. سلمان الأخ غيرالشقيق الذي يسرق من الأب بمبررات شرعية،مُنى الأخت الصغرى التي تحرق الرجال وكأنهم فراشات ضالة،العمَّة فاطمة التي تقتات من قلبها مثلما يقتات الجمل من سنامه.مُشكلة غالب الدفينة،التي لم يكن يفصح عنها تكمن في كونه يعاني من اضطراب وتشوّه داخلي عميق،عَكَسَهُ المؤلف بشكل واضح في وجهه،بعدأن جَعلهُ يتعرَّض الى حادث سير ٍوهو يقود سيارته لِتنقلبَ به.  " جَمَع حادث السيارة كل تلك الملامح المبعثرة أصلا ًوبعثرها مرَّة أخرى بمعرفته " التشوّه الخارجي الذي كان يبدو واضحا ًعلى الوجه،عمَّق التشوّه الذي كان يحمله في داخله،لذا عَمَد إلى نسيان وجهه وتجاهله . " آخر مرّة رأيت فيها وجهي كاملاً كانت وأنا أراجع بيانات تأشيرة السفرالاميركية قبل شهرين في الرياض،وبعد ذلك لم أعد أراهُ سوى لِماماً في غرف الفنادق وردهات المطارات وزجاج السيارات وربما لهذا أنا أتأمل بقيّة جسدي دون وجهي،لئلا أنسى من أكون. "  حتى العلاقة العاطفية الحميمة التي ارتبط بها مع غادة زوجة السفيرالسعودي في لندن والتي شَغَلت مساحة واسعة من حكاية النص،هي الاخرى أرادها المؤلف أن تكون كشفا صريحا لعلاقة مشوَّهة تبادل فيها الطرفان مُعاشرة جنسية مُحرّمة أحتوتها غرف فنادق ٍتوزعت على أكثر مِن بلد أوربي.ولم يكتشف غالب إلا بعد عشرين عاما حقيقة هذه العلاقة الزائفة الذي ذهبت به بعيدا ًفي وهم ٍ كبير بَدَدَ فيه عمرهُ وهو يركض خلفه،عابرا ًبِحارا ً ومحيطات حتى يحتويه بين ذراعيه على أمل ٍــ قد يأتي في يوم ماــ ليصبح مُلكَهُ ولوحدِهِ. ومِما زاد في إحساسه بهذا التشوّه،طبيعة العلاقة مع والده التي كانت تشعِره بأن والده يتسرّب الى دَمِهِ مثل مرض ٍوراثي عنيد .  "يَخرُجُ أبي من فناجين القهوة أحيانا مثل مارد ٍمن البُن ويداهُمني ليلا ًونهارا ً. "  وبعد أن يفشل غالب في دراسته الجامعية يرسله والده الى اميركا للدراسة في جامعاتها ولم يفلح ايضا ليبقى هناك مُشتتا، ضائعا ً، بلا أهداف ولاطموحات يسعى اليها، كما كان حاله في مدينة الرياض،التي أدمَنَ على أنْ يُلقي عليها عَجْزَهُ وفشله،حتى أَّنّهُ وطيلة بقائه في مدينة بورتلاند الاميركية التي وجد فيها خلاصه الهَش من مدينة الرياض الراكدة،لمْ يلقِ التحية عليه سوى النُّدلَ والباعة،وكاد الصمتُ أن يلصق أسنانه ببعضها عندما لم يجد فرصة ًلائقة ًللحديث والثرثرة مع أحدهم .
الخروج من الآخر
يتجاوز غالب الاربعين من العمر بسلسلة من الاخفاقات المتوالية،بَدأتْ مع غادة،عندما حَسَمَتْ خلافاها مع زوجها السفير السعودي في لندن وعادت اليه.ثم جاءته الصَدْمة الثانية بعد وفاة والده،عندماإتَّضحَ له بأنَه لايملكُ ماكان يظنُّهُ يَملكْ . "كان هذا يعني أنَّ أبي لايملك مترا ًواحدا ًمن تلك الاراضي الشاسعة الممتدة شمال الرياض بامتداد أحلام سلمان،ولاتلك الاسهم الرابحة التي خصّها أبي بحساب ٍبنكي خاص دون بقية الأسهم الرديئة،ولاالأرض المواجهة للبحرفي جَدّة التي كثيراً ماألحَّ عليه سلمان بأنْ يبنيها ناطحة سحاب تخدش السماء،حتى بيت الفاخرية إكتشفنا أن شيخة تملكهُ وحدها منذ عشر سنوات،كل هذه الأملاك،رغم أنها مسجلة باسمه حتى اليوم في الأوراق الرسمية،كان قد تنازل عنها جميعاً بخط يده لأكثر من ستة مسؤولين كبار كان أبي يسجِّل أملاكَهم بأسمه مقابل عمولات صغيرة " .
يصل غالب متأخراً الى لحظة وعي ٍبما كان قدأقترفه من حماقات لم تترك له سوى كآبة وإحساس بالنّبذ، فما كان مِنهُ إلاّأن يَختارأقصَرالطرق للدفاع عن نفسه في أنْ يخلع قناع القندس،وأن ينكر كونهُ قندسا ً،بعدأن تراكمت عليه التُهم .  "أخلعُ عن جلدي الفروالذي ليس لي وأنزع الأسنان التي لم تقضم شيئا ًنافعاً.هذا مااستعنتُ ببورتلاندعليه منذ البداية.تملّصتُ بصعوبة من جذوري ولاأظن أحدا ًمن عائلتي فعل مثل هذا.مازالوا يجمعون الجذوع اليابسة جميعا ًمنذ عرفتهم وحتى تركتهم ولن يتوقفواعن ذلك أبدا ً،قررتُ أن أفِرَّ عن المشاريع المغلقة التي تورِّطُنا فيها الحياة وتجعلُنا قنادسَ هذا السَّد،هاجس الحماية الأزلي،مشروع مغلق لايمكن أن ينفتح على اتجاه جديد مهما تغيرت الأجيال."
بَقيَ خطاب النص في سياقه العام مفتوحا ً شكلا ًومعنى ومُبتعدا بذلك عن افتراضات التأويل التي فيما لو توفرت فيه لمنحته بنية مركَّبة في طبقات مدلولالتها القراءية،لتأخذ القارىء، نتيجة ذلك،نحو مستويات أكثر كثافة ًتترشح من خلف دلالات ألجمل والتراكيب اللغوية التي يصدُّرها النص.كما لم يتحرر من التجاور والتوازي مع ماسبق انتاجه من نصوص عالمية في إطار ماأراد تصديره على مستوى الشكل والمحتوى. ولأنَّه لم يكن مُغلقاً فنيا ًعلى ماأراد طرحَه من خطاب، ظَل المستوى الدلالي عائما ًفي تمظهرات ٍواضحة المدلولات،لم تضع القارىء في متعة البحث والتقصي العميق.إلاّ أن ذلك لم ينل من أهميّتة الفنية في الكشف عن عوالم انسانية متصارعة مع ذاتها ومحيطها في لحظات ٍتفصل بين عوالمَ متقاطعة ومتناقضة،هذا إضافة إلى تماسك حبكته في سرد المتخيل السردي،وبذلك هذا العمل يدعونا بلا أدنى شك لقراءته مرة أخرى والاحتفاء به.
وبعيدا عن كونه يأتي من بيئة ليس لها تاريخ طويل يُذكر في الادب الروائي مقارنة مع بلدان عربية أخرى ولم يكن متوقعا ًمن هذه البيئة المُترَفَة أن تضيف شيئا ًمهما ً للرواية العربية،لكن الأمانة تقتضينا أن نُقرَّ ونعترف بحقيقة مهمة باتت تفرض حضورها في المشهد الروائي العربي،بأنَّ ماتم طرحه من نصوص روائية كتبها عدد من الروائيين الخليجيين خلال العشرين عاما الماضية قد أزاح عن قناعاتنا،غشاء َوهم ٍ كبيرٍ،كنّا نُغلّفُ أنفسنا بهِ،مفاده ُأنَّ الخليج العربي ليس مكانا ًخصبا ًولامُهيَّئا ًلأنْ يُقدم لنا أدبا ًمهما ًتتوفر فيه عناصر فنية متقدمة تعكس مايملكه كاتب مُتَرف ليس لديه معاناة ولاتحدِّيات يُمكنُ أن تصلح مادة مهمة للكتابة الروائية ولاأنْ تثير أهتمام القراء. لكننا وجدنا أنفسنا أمام موعد ٍجديد وضَعَنا فيه مجموعة من الكُتّاب الشباب، سيكون له تأثير واضح جدا في مستقبل الرواية العربية .    




38

المخرج والممثل السينمائي جمال امين :

            في العراق لانملك سينما


                                                حاوره :مروان ياسين الدليمي

أكثر من ستة عقود مضت على قيام أول انتاج سينمائي عراقي إلاّأنَّ العاملين في هذا الحقل الابداعي ومنهم المخرج والممثل السينمائي جمال أمين يُقرُّ بعدم وجود سينما عراقية،رغم وجود طاقات بشرية مؤهَّلة ٍتمتلك الوعي والخبرة،هذاإضافة الى القدرات المادية الكبيرة المتوفرة في العراق والتي يمكن من خلالها قيام ونهوض هذا الفن.. في مقابل ذلك نجد بلدانا اخرى لاتملك تاريخا يذكر في صناعة الفن السينمائي بدأت تفرض حضورها أمام العالم عبر أكثر من نشاط وفعالية.. من هنا جاء حوارنا مع فنان مجتهد يحمل عشقا ً خاصا للسينما،فعلى الرغم من أن بدايته كانت عام 79 لكنه لايزال يحمل نفس الإندفاع الذي إبتدأ به قبل أكثر من ربع قرن عندما وقف أول مرة ٍامام عدسة الكامرة السينمائية وكأنَّ العقبات والتحديات لم تفلح في ثنيه عن الحلم،بل زادته هياما ًواصرارا ًعلى العمل.. حديثنا معه ذهب بعيداً،ليرصد احلام ومواجع باتت مُزمنة في مسارالعاملين بهذا الحقل الجمالي،أفرادا ًوشركات ومؤسسات، سعيا ً منّا للوصول الى تفكيك اشكالية الانتاج السينمائي في العراق، والتي كانت سببا ًهشاشتهِ وعدم قدرته في أن يكو ن حاضراً وفاعلاً في الحياة الثقافية.
هيكلة الانتاج السينمائي
*السينما في العالم حصل فيها الكثير من التحولات الانتاجية والفنية .هل إن العاملين في حقل السينما في العراق يمتلكون القدرة على التجاور مع ماحصل في العالم ؟
-هذه مسالة نسبية ولها علاقة بشخص العامل نفسه ودأبه على المعرفة والمتابعه لكن من الناحية العملية هنالك القليل ممن عملو مع بعض المجاميع الاجنبية واكتسبوا معارف جديدة ومهمة في العمل السينمائي،ايضا ينبغي علينا  أن لاننسى بأن لدينا عدد لابأس به من الفنانين العراقيين الذين عاشوا فترة طويلة في اوربا واميركا  واستطاعو خلال تواجدهم هناك ان يستفيدوا إلى حدٍ ما من الخبرة الاجنبية،وعلى اقل تقدير يمكننا القول بأنهم قد إكتسبوا بشكل مباشر وعبر الاحتكاك الكثير من تقاليد وأصول العمل في الانتاج السينمائي والتي نفتقدها عادة في العراق،وبشكل عام أستطيع أن أؤكد دون أن أكون مبالغا ًبأن جيل الشباب من المخرجين والفنيين هم الاقدرعلى تقديم الافضل،لكونهم على تواصل تام مع مايحصل من تطورات تقنية في العالم المتقدم خاصة في عالم الديجتال،والبعض منهم قد أتقن الجانب الحِرفي بدقة عالية، يتساوى فيها مع المحترفين في الغرب. ومع ذلك مازلت أجد بأن اوضاع الانتاج السينمائي في العراق فيها ضعف ونقص كبير يتعلق بماهو حديث ومتطور، مما يستوجب جملة من الخطوات ينبغي على من يمسك بزمام أمور الانتاج السينمائي القيام بها لإعادة هيكلة منظومة الانتاج السينمائي،وأولى الخطوات بهذا الإطار اقامة العديد من  الورش السينمائية، والتي من خلالها سنتمكن من تأهيل العاملين بالحقل السينمائي.
غياب المنتج
*ماهو جوهر المشكلة التي كانت سببا في عدم نمو الفن السينمائي في العراق وبقائه هشّا وبلاحضور في المشهد الابداعي العراقي؟
-هنالك اسباب عديدة أهمها: غياب عجلة الأنتاج بشكل دائم ومتواصل،سواء من قبل القطاع الخاص أوالقطاع العام،وفيما يتعلق بالقطاع الخاص فلايمكن حتى الأن المراهنة عليه،فهو مايزال رهين المزاج أوالصدف التي قد تتوفر بموجبها فرصة يتيمة تضيع  بين عشرات السنين لأنتاج فلم سينمائي،أما القطاع العام فهوالآخريخضع للقانون الموسمي ايضا ويضاف إليه (المناسباتي) مثلما نشهده هذه الايام بعد أختيار بغداد عاصمة للثقافه العربية فهذا الاختيار فرض على الجهات الحكومية أن تولي الانتاج السينمائي اهتماما ملحوظا ورصدت له ميزانيات مالية كبيرة وهذا الاهتمام بطبيعة الحال ليس مرتبطا بأهمية السينما لدى الجهات الحكومية بقدر ماله علاقه بمناسبة اختيار بغداد عاصمة للثقافة العربية والذي يفرض عليها في الاطار الثقافي والفني التزامات كبيرة ومتنوعة،ينبغي على الدولة أن تؤديها،وكلنا نعلم أن هذا الاهتمام سينتهي مع انتهاء هذه المناسبة بنهاية العام 2013 . مثل هذا الوضع سبق أن شهدناه ايام النظام السابق عندما  نشط الانتاج السينمائي أيام الحرب مع ايران، ثم جاءت سنوات الحصار التي شهدت موت الانتاج السينمائي نهائيا ً.وهنا ينبغي لي أن أؤكد حقيقة مهمة وأساسية لها ارتباط وثيق بنموالانتاج السينمائي وقد تم تجاهلها لدينا الى حد كبير،إذ أننا تغافلنا ــ سواء كان ذلك عن عمد أو جهل ــ  بأن نمو ونشوء انتاج سينمائي متميز مرتبط بشكل وثيق مع منظومة (الانتاج والتوزيع والايرادات) فالفيلم العراقي خلال أكثر من  60 عام  على ظهوره،لم يتمكن من تحقيق أيّة ارباح مالية ! وهذا سبب كافٍ لكي يجعل أي منتج يعزف تماما ً عن استثمار امواله في الانتاج السينمائي،ولاننسى أن القاعدة الاقتصادية تقول :"ان راس المال جبان". هنالك ايضا عامل آخر لايقل اهمية عمّا ذكرناه،فنحن مازلنا نفتقد الى المنتج الذي يدرك أهمية الفن السينمائي وبنفس الوقت يملك  ذكاء وخبرة تمكنانه من اعتلاء صهوة المغامرة وأقتحام عالم الانتاج،أضف إلى ذلك أن معظم  الافلام التي انتجت سابقا لم تكن مرتبطة موضوعاتها  بهموم الفرد العرقي .
*لواعدنا قراءة الانتاج السينمائي في العراق منذ البدايات الاولى قبل اكثر من خمسين عاما،هل نجد فيه مايستحق المشاهدة مرة ثانية،ويكون مدعاة للتأمل الجمالي وتتوفر فيه عناصر فنية وجمالية تضعه في خانة الفن السينمائي ؟
-هذا سؤال صعب وقاس ٍ جداً، بنفس الوقت ينم عن ذكاء السائل، لانني أمام سؤال ليس من السهولة ألأجابة عليه، لكن يمكن القول أن هنالك بعض التجارب،التي يمكن ان نذكرها ونشيدُ بها على سبيل المثال:( من المسؤول، الجابي،والظامئون، بيوت في ذلك الزقاق.) وهذا بطبيعة الحال تقييم شخصي،قد يكون فيه إجحاف بعض الشيء بحق آخرين.ومع ذلك لابد من القول بأن التجارب التي تستحق المشاهدة من كلاسيكيات الفيلم العراقي قليلة جدا ًويمكن عدّها على اصابع اليد الواحدة.في مقابل ذلك نجد عددا من الافلام الجيدة تم انتاجها بعد الاحتلال الامريكي للعراق من قبل مخرجين شباب مثل : محمد توفيق وهادي ماهود وسمير زيدان.وقتيبة الجنابي وقيس الزبيدي ومحمد الدراجي وجمال امين وميسون الباججي وفاضل عباس وطارق هاشم وغيرهم. وهذا إن دلَّ على شيءإنما يدل على أن الفيلم العراقي بدأ ياخذ شكلاً آخر أكثر نضجا وتطورا ً، في محاولة جادة من الجيل الجديد مواكبة مايحصل من متغيرات في العالم وهو حريص على أن لايتخلف عنها،من هنا أستطيع القول أن الفيلم العراقي الآن أقرب الى الفن السينمائي وإلى الجمهور والواقع.
سُبُل النّهوض
*لو توفرت الفرصة وتسلمت أنت شخصيا ً مسؤولية تأهيل الانتاج السينمائي في العراق.مالذي ستتخذه من خطوات ؟
-اولا: اقالة جميع العاملين في مديرية السينما من مخرجين ومصورين ومدراء انتاج،لأنهم عاطلون عن العمل،أونقلهم الى مؤسسات تلفزيونية حكومية تابعه الى وزارة الثقافه.ثانيا ً:المباشرة بالعمل وفق نظام العقود مع من يستحق أن تعطى له الفرصة وفقا ً لكفاءته. ثالثاً :البدء بالتحرك نحو البنوك العراقية،خاصة البنك الصناعي،والتفاوض معه جديا ًلأجل أقناعه بضرورة الأقتناع والتعامل مع عملية الانتاج السينمائي بأعتبارها مشروعا ً استثماريا ً تتشابه وتتساوى مع أي مشروع أقتصادي آخر يمكن الاستثمار فيه وجني الارباح منه. رابعاً: السعي الجاد من أجل أن تكون دائرة السينما منتجه للافلام من خلال ماتقدمه من دعم ومشاركة في الانتاج مع جهات أخرى وليس كمنتج رئيسي .خامسا ً:العمل مع الغُرف التجارية لتثقيف التاجر العراقي وتشجيعه على خوض تجربة الانتاج الفني بكل انواعه. سادسا ً:العمل على أستقطاع مبلغ من المال بقيمة الف دينارعراقي من كل فاتورة كهرباء لأجل دعم الانتاج السينمائي،بطبيعة الحال هذا المبلغ البسيط له قيمة ودلالة اكبر واعمق من قيمته النقدية تتعلق بقضية لفت انتباه الناس الى أهمية الفن السينمائي. سابعاً :السعي لتأسيس شركة لدور العرض السينمائي تكون مهمتها  المساهمة أيضا في انتاج الافلام،عبرتخصيص مبلغ من المال من عائد العروض السينمائية،كما يمكن أن يتم ادخال الاكاديميات والمعاهد كمساهم بانتاج الافلام . ثامنا ً: العمل على تنشيط المهرجانات السينمائية وإقامة نوادي للسينما.تاسعا ً : فصل مديرية السينما عن دائرة السينما والمسرح وأن تكون  ضمن دائرة واحدة متخصصة عنوانها (دائرة السينما) ولها إدارتها وكيانها وميزانيتها الخاصة. عاشرا ً: ضرورة أن يدخل العراق كمشارك فعال بانتاج افلام عربية واجنبية بقصد استقطاب الخبرات المهمة اليه ونقل معارفها الى العاملين العراقيين وقد يكون تحقيق هذه النقطة في المستقبل، نظرا ً لما يعيشه العراق من ظرف أمني مضطرب. حادي عشر: العمل على إقامة ورش سينمائية في كافة الاختصاصات،والاستعانة بمخرجين ومصورين ومدراء تصوير الخ من مختلف دول العالم المتقدم .ثاني عشر :علينا ان نوصي وزارة التربية بأن يكون ضمن برامجها التربوية عرض فيلم سينمائي في المدارس ولجميع المراحل لكي يصبح الفن السينمائي  جزءً اساسيا ً ضمن الادوات الفعالة للقضاء على عوامل الجهل في العراق والارتقاء بذائقة الجمهور العراقي. .في الحقيقة ياسيدي هنالك الكثير من الافكار التي نستطيع من خلالها أن ننهض بواقع الانتاج السينمائي،وارجو ان تكون هذه الاقتراحات مسجلة باسمي لغرض العمل بها في حال ان تتبنى الدولة هكذا مشروع.
الكليات والمعاهد الفنية
*قسم السينما في كلية ومعهد الفنون في بغداد هل تجده مؤهلا لتقديم عناصر بشرية مؤهّلة من الناحية الحرفية والفنية للعمل في الانتاج السينمائي ؟
- حاليا لااعتقد ذلك ولعدة اسباب،اهمها: عدم وجود الطاقم التدريسي الذي يواكب المناهج  وطرق التدريس الجديدة في العالم، وهذا يعود إلى أن اغلب الاساتذه لايتقنون لغة أجنبية أخرى غير العربية التي يتكلمون بها ،لذا تجدهم غير قادرين على ملاحقة مايستجد من تطورات في العالم ، كما ان الاجهزة والمعدات الموجودة في هذه المؤسسات التعليمية ماهي إلاّ اجهزة خاصة بالانتاج التلفزيوني ولاعلاقة لها بالعمل السينمائي،ايضا لاتوجد ستوديوهات مخصصة للطلبة،ولاتوجد تخصيصات مالية لانتاج اطاريح الطلبة،بلاشك كل هذه العوامل ماهي إلاَّمعوقات تؤثر بشكل كبير على مستويات الطلبة، وعليه  نجد أن العديد من الطلبة قد اعتمدوا على أنفسهم في تطوير معارفهم العلمية والفنية،ووصل قسم منهم الى نتائج ممتازة، وأحب أن اضيف إلى ماذكرت ايضا ً:أنَّ السينما، ليس الاخراج والتصوير فقط،لذلك اتمنى أن تفتتح المعاهد والاكاديميات فروعا ً اخرى مثل قسم الصوت والانتاج  والمونتاج والتمثيل والمكياج وهي اقسام فنية لاتقل أهمية عن الاخراج والتصوير، فنحن الان يتوفر لدينا مئات المخرجين لكننا لازلنا نستورد مهندسي الصوت من خارج العراق،ومع هذا نجد ان اغلب الافلام العراقية تعاني من مشكلة الصوت .
العشوائية في العمل
*مالمطلوب من العاملين في الانتاج السينمائي العراقي التوقف عنده سواء على مستوى الموضوعات او على مستوى الاساليب من اجل خلق اجواء جديدة في جسد السينما العراقية ؟
-للاسف لازال هنالك الرقيب أو الفاحص للنص في دائرة السينما والمسرح وهذا الامر يعيق عملية الانطلاق في مواضيع واساليب جديدة للفيلم العراقي، وفي اعتقادي ان الموضوع هو اهم مفصل من مفاصل نجاح الفيلم وهذا يتم كلما اقتربنا من الواقع العراقي وبشكل شفاف وعميق دون الرجوع الى لجان الرقابة. كما إن َّالعمل تحت سقف أضواءالسينما بلاشك سيطرد الزوايا المظلمة التي يتركها الجهل في المجتمع، بذلك سنستطيع الخروج بالفيلم العراقي من عنق الزجاجة، وبصراحة تامة اقول إن الفيلم العراقي لايزال يتأرجح بين تقليد الفيلم الهوليودي والبوليودي والى حد ٍما السينما المصرية، واقولها بملء الفم : نحن في العراق لانملك سينما بالمعنى الحقيقي للسينما،وهنا أعني فلسفة السينما واسلوب السينما ومزاج السينما،لازلنا نعمل بشكل عشوائي وفوضوي،ولاتوجد لدينا حتى الآن مدرسة عراقية خالصة في الفن السينمائي كما هو الحال في ايران وكوريا، ولازلنا لانملك الاب الروحي للسينما،اغلب الافلام التي انتجت سابقا هي ذات نبرة انفعالية آنية،وغالبا ًماكانت إنعكاسا ً لموضوع سياسي،واغلب ماأنتج من افلام كان باهتا ًخاصة افلام ثمانينات القرن الماضي،تبدو عندما نشاهدها الآن وكانها تقاريرحربية،نحن بحاجة حقيقية الى ان نتعمّق في مانتناوله من موضوعات،ياسيدي..العراق بلد فيه العشرات من المواضيع والافكارالتي فيما لوتناولتها عدسة السينما لتقدمنا خطوات نحو جائزة الاوسكار،لكننا ومع الاسف الشديد مازلنا  نعاني من ضعف شديد يصل حد الهزال في تناول الافكار التي نطرحها،في اختيار مواضوعاتنا. ومازلنا في مرحلة التقليد الاعمى للأخرين، لذالك أنا دائما اؤكد على عدم وجود سينماعراقية، بل هنالك افلام عراقية تنتج في العراق، بلاشك لدينا  شعراء وكتاب رواية وفنانون تشكيليون لكن لايوجد لدينا كتاب سيناريو متمكنين وهذا يعود في واحد من اسبابه الى ابتعاد وعزوف معظم أدباءنا عن الخوض في مجال كتابة السيناريو، لذا نجد المخرج العراقي بات اشبه بالسوبرمان، فهو كاتب السيناريو وهو المخرج وهوالمونتيروفي بعض الاحيان هو البطل،إضافة الى ذلك هنالك ازمة كبيرة تتجسد في غياب الحب والمودة بين الفنانين والمثقفين فيما بينهم،من هنا لانستطيع ان نعمل بمنظومة المجموعة،وهذا أمرٌ مهم جدا في انتاج افلام سينمائية متقدمة، يتوفر فيها اسلوب متميز قادرعلى أن يحقق حضوراً وتأثيرا ً في المهرجانات العالمية، و في الجمهورالعراقي قبل ذلك .
*هل من افلام معينة عراقية تم انتاجها بعد العام 2003  تجدها تستحق الاهتمام على المستوى الفني ؟ وفيما لو وجدت أين تكمن اهميتها وقيمتها ؟
- نعم هنالك افلام كثيرة، سواء كانت  افلام وثائقية أوروائية قصيرة، وهنا اعني الأفلام التي تم انتاجها في داخل العراق،والكثير من هذه الافلام  شارك في مهرجانات عربية وعالمية مهمة سواء من مخرجي الداخل او مخرجي الخارج و حصد البعض منها جوائز، وهنالك اسماء شابة مهمة في هذا المجال لكن اعذرني من ذكر الاسماء لاسباب لها علاقة وثيقة بالمزاج الصعب لشخصية المثقف العراقي،لكن لابأس من ذكر فيلم ابن بابل للمخرج محمد الدراجي وفيلم كاسيت للمخرج ملاك عبد علي وهنالك ايضا  لؤي فاضل ورانيا توفيق و هاشم العيفاري وخالد البياتي .
ضغوطات الواسطة
*كيف تنظر الى خطط وزارة الثقافة فيما يتعلق بالانتاج السينمائي وخاصة الافلام التي تم اقرارها وانتاجها  والتي ارتبط انتاجها احتفاءً بأختيار  بغداد عاصمة للثقافة العربية.هل كان اختيار الافلام قائما ً على اسس سليمة. هل سيكون لها تأثير مهم على مستقبل الانتاج السينمائي في العراق. هل ستحقق تلك الافلام شيئا مهما على المستوى الفني في المهرجانات فيما لوشاركت خارج العراق ؟
-انها خطوة كبيرة وجبارة ان تقوم وزارة الثقافة بانتاج هذا الكم من الافلام الروائية والوثائقية الطويلة والقصيرة ولكن هذه الافلام لاأعتقد ستفرز نوعا جيداً من الافلام،وهذا يعود إلى الواسطة والمحسوبية والمنسوبية والمحاصصة، وللأسف عندما نجد أن الفرص الكبيرة والمهة قد منحت لأسماء معينة بذاتها سبق أن اخذت العديد من الفرص خلال تاريخها ولم تقدم شيئا والطامة كبرى عندما يكون وكيل وزارة الثقافه هو المسؤول عن انتاج الافلام وهوشخص لاعلم له بآليات انتاج الفيلم ولاعلم له بمن يستحق أن تعطى له الفرصة بالعمل ومن هو لايستحق،أنا شخصيا تكلمت مع الكثير من المسؤولين ممن هم ادنى من درجة وكيل وزيرحول امكانية انتاج فيلم من اخراجي،علما ً بأنني كنت قد قدمته عام  2011 أي قبل الكثير من الاسماء التي اعطيت لها الفرصة، وكل الذين تحدثت معهم من هؤلاء المسؤولين قالوا لي : اذهب الى الوكيل الاقدم اواذهب الى الوزير كما فعل فلان وفلان وفلان. . ومن خلال هذا الكلام نستطيع أن نفهم بكل بساطة بأن اغلب من منحوا فرصة العمل قد وصلتهم عبرالواسطة  سواء من الوزير او الوكيل وقد تمت بضغوطات كبيرة على السيد الوزير والسيد الوكيل، ياسيدي هنالك افلام ميزانياتها كانت عالية جدا بل خرافية، بينما افلام اخرى عانى العاملون فيها من  بؤس وشقاء وتعب وسبب كل ذلك يعود الى  عدم كفائة القائمين على ادارة العمل السينمائي، وعدم كفاءة من يقرر ادارة انتاج الافلام السينمائية، نحن الان تحت رحمة إدارات يقودها ديناصورات عفى عليهم الزمن،وهم تجار ومليونيرية، وتمكنوا من سرقة الفرص من الشباب،ومنّا ايضانحن المهمشون،وهنا لدي سؤال: من هو القادرعلى ان يقول إن فلان مخرج وفلان غير مخرج حتى نستطيع أن نمنح فلان فرصة ونؤجلها عن الاخر الى المستقبل؟،بالطبع لايوجد لدينا لجنة خبراء، بل لدينا لجنة انتهازيين،ومع هذاورغم هذه الصورة القاتمة اشعر بأن بوادر تغيير تبدو واضحة في الصورة نحو الاحسن فقد  تم تشكيل لجان جديدة ورؤية جدية للانتاج السينمائي،واتمنى ان تمنح الفرص لمن يستحقها، كماانني اشك بان عجلة انتاج الافلام ستستمر ضمن خطط وزارة الثقافه في المستقبل القريب،لاني أعتقد بأن مانشهده من حركة في الانتاج ماهو إلاّ أمر موسمي ،وهذا مرتبط بأختياربغداد عاصمة الثقافه العربية،لذا اتمنى على الوزارة ان تضع خطة واضحة لانتاج افلام ضمن خطط خمسية وأن تمنح  الفرص لمن يستحقها وأن يكون الاشراف بإدارة لجنة من الخبراء.
الجيل الجديد
*على من تراهن في اعادة الروح الى جسد السينما في العراق ؟
-انا اراهن فقط على الشباب الجدد ولاغير الشباب،فنحن لدينا الآن مجموعه من الشباب السينمائي المليء بالحماس والوعي ويمتلك رؤية جديدة لمعالجة الواقع،وقد اثبت هؤلاء على الصعيد المحلي والعربي على انهم بالفعل شيء مهم وكبير.ويمكن ايضا ان نراهن على البعض من المخرجين ممن عاشوا في الغرب،لأهمية تجاربهم وضرورة الاستفادة منها  كي ننهض بواقع الفيلم العراقي، سيدي الكريم  عن طريق السينما يمكن ان تحل الكثيرمن معضلات العراق الاجتماعية،ان السينما هي مركز النور وقد كانت ولم تزل يدُ امريكا الضاربة في العالم كما كانت ايضا كذلك ايام الاتحاد السوفيتي السابق،وهكذا،فالعراق بدون سينما ينقصه شعاع من نور باهر .
الجوائز والمهرجانات
*السينمائيون العراقيون المغتربون لماذا لم نجدهم قد حققوا شيئا مهما خارج العراق،ونحن نعلم أن كل مانسمعه من جوائز حصلوا عليها هنا وهناك،هي في الحقيقة لاقيمة لها لانها جاءت من مهرجانات لاوجود لها في خارطة المهرجانات الدولية المعترف بها أين تكمن الاسباب. هل في عدم وجود الدعم لمشاريعهم في تلك البلدان مثلا ؟
-اولا نحن هاجرنا ونفينا الى بلدان ممتلئه وممتلئه جدا وهذه الدول هي الصانع الاساسي للثقافة العالمية وهي المصدر لها. ثانيا ان اغلب المثقفين العراقيين متقاطعين بعلاقاتهم ولاسباب عديدة اهمها الطاوسية التي يتمتع بها المثقف العراقي،كذالك المثقفين العراقيين يقولون مالايفعلون فتحركهم احزابهم ولا يؤمنون بالفكر الاخر. بالاضافة الى كل هذه الظروف ليس من السهولة ان تحصل على دعم لانتاج فيلم سينمائي لكن هل هذا يشمل الكل؟ بالطبع لا. فلقد حصل الكثير من المخرجين على تمويل افلامهم وبكافة انواعها من قبل منتجين اوروبيين، وانا واحد من هؤلاء، لكن لو كنا نعمل نحن المغتربين بشكل جماعي وبدون تقاطعات،لتمكنّا من الحصول على دعم كثير،لكن المشكلة اننا مختلفون فيما بيننا جدا جدا جدا. لهذا ترى نتاجاتنا قليلة ومتباعده ولها علاقه بظروف آنية سواء في الغرب او في العراق،من هنا تجد ان بعض شركات الانتاج قد انتجت افلام لبعض المخرجين العراقين وبعد ذلك قررت عدم تكرار التجربة وأعلنت إداراتها التوبة. وعلى ذلك تجد لدينا اكثر من مخرج لديهم فلم واحد فقط ! ليبقى يعيش على ذكرى هذه التجربةلمدة  30 عام،وما اكثرهؤلاء. امّا مايخص الجوائز والمهرجانات فنحن نشطون في هذا المجال ونذهب سنويا الى عدة مهرجانات سواء كانت مهمة اوغير مهم، ولااعتقد يوجد مهرجان غير مهم فكل مهرجان ماهو إلاّخطوة للامام، والجوائز في حقيقة الامر لاتعني شيء مطلقا ً لان معظمها وهذه القناعة جاءت من خلال تجربتي غالبا ماتمنح لأسباب لاعلاقة لها بجودة الفلم،فالمسألة لها حسابات أخرى، وعندما يجد اي مهرجان انّ حساباته تتلائم مع فيلم عراقي سوف نحصل على جوائز، وبالنهاية هذه قضية نسبية،لأن المهم هو ان تشارك وليس المهم الجائزة .
*اخيرا نسألك لماذا هذه العلاقة الحميمة مع الفن السينمائي ؟
-لان طفولتي كانت بالقرب من دور عرض السينما ،منها سينما الرشيد وسينما الوطني وسينما علاء الدين وسينما الشعب بسبب تواجدي الدائم مع ابي واخوتي حيث محلاتهم كانت هناك فكنت يوميا ارى فيلمين، فجذبني ذلك الصوت الجميل لماكينة العرض كذلك الضوء المنبعث من غرفة العرض والدخان المتطاير الى الاعلى حيث كنت احلم دائما بان اكون انا البطل بدلا من ابطال الافلام التي كنت اشاهدها وانا طفل، ولازلت  حتى الآن اسيرّ هذه الاجواء،الظلمة والضوء والدخان المتطاير الى الاعلى، ودائما ما كنت انام في داخل صالات العرض لاني كنت ارافق اخوتي وابي بالعمل، واود ان اقول لك شيء مهم جدا ً، انا وحتى  هذه اللحظة، عندما اتكلم وامشي وامارس حياتي دائما ماأفكر أين أضع الكاميرا، قد يكون هذا الأمرغريبا بعض الشيء،لكني بصدق اعيش اللقطه والزاوية والفن بكل لحظة، انا عاشق لضوء السينما، انا حياتي كلها عبارة عن زاوية ولقطه وفيلم، كذالك انا كنت محظوظا جدا ً عندما منحني الاستاذ قاسم حول فرصة بطولة فيلم روائي طويل وانا بعمر 17 سنة وبعدها عملت في اربعة افلام سينمائية وفي حينها كان عمري 18 سنة،كانت صوري تملاء فاترينات سينما بابل مع كبار الممثلين في ذلك الوقت،وكنت اتباهي باسمي وبموهبتي، لقد منحتني السينما كل هذا العلاقة الجميلة بالحياة،انا حياتي كلها سينما. 


















39
                

رواية .. مولانا *

            
 تَعَالق السُّخرية في بِنيَة السّرد



.
 المؤلف  :ابراهيم عيسى
اصدار دار بلو مزبري - مؤسسة قطر للنشر
الطبعة الثانية

                                                    
                                                مروان ياسين الدليمي
ستراتيجية النص
لم يذهب ابراهيم عيسى في بناء سرديته الروائية(مولانا )الى حدود التجريب بل انطلق من ثوابت نسقية سائدة في فضاءات الكتابة الروائية ولم يبتعدعنها،ودفع بنصه في حدود التماسك والنمو العضوي ضمن جماليات الايهام الواقعي، دون أن يقترب من سلطة وأمكانات التحطيم والتفتيت الفني التي أطلقتها تجارب روائية جاءت بها الحداثة ومابعد الحداثة،وهذا يعود الى ميل الكاتب نحو بناء عمل روائي يستجيب أولا وآخراً الى الإجابة ــ عبر السرد الروائي ــ على الكثير من الاسئلة التي بات يطرحها جدل الواقع في المنطقة العربية والاسلامية،بعد أن بدأت تتأكل المظاهرالمَدنيّة أمام غزو الافكار الدينية المتطرفة،لذا حاول أن يضبط بناءه الفني وفق إجراءات واقعية،مَركزُها،تعالق الخطاب السردي مع مقولات الجدل،بقصد مُحاججة وكشف هشاشة المنطق القائم على تقديس الماضي بكل التباساته،حتى لو جاءعمله الروائي على حساب تراجع ٍفي تركيبة الملفوظ السردي ومغادرته ِعتبة التعقيد والتفرُّد نحو بنية فنية مكشوفة لاتحتاج الى جهد تأملي في تفكيك شفراتها،إلى جانب ذلك تعامل عيسى مع الزمن حكائيا ً وسرديا ً( إستباقيا ً واسترجاعيا ً)وفق مايقتضيه البناء السردي في إدارة مسار الاحداث والتحكم بايقاع اندفاعاتها ونموها بالشكل الذي يعطي مساحة كافية ومريحة لنمو العلاقات الانسانية وتطورها بين الشخصيات،على اعتبارأن الزمن هو الاطارالذي تتحرك وفق مؤشراته وتواريخه،الاحداث والشخصيات،في بنية محسوبة علاماتها،لايمكن تجاوزها،خاصة عندما يكون العمل السردي قائما على مجريات واقعية كما هو الحال في رواية مولانا .                            

ازدواجية الشخصية
شخصية حاتم الشناوي كما رسمها عيسى في روايته (مولانا) نموذج لداعية إسلامي،صورتُه هي الأقرب شبها بنجوم التلفزيون والسينما وكرة القدم من رجل الدين،فهو:"عالمٌ وتاجرُعِلمٍ،مُجتهدٌ ومُقلد،ولم يَسمح لأحدهما بالفوزعلى الثاني خوفاً على الرزق وارتزاقاً من هذا الخوف،إنَّه فعلا ًمولانا،فالمولى يصح أن يكون الولي الإمام،وقد يكون كذلك مولى لأحدهم تحت رعايته وفي كنفه."
وبفعل الشهرة التي حظي بهاهؤلاء المشايخ والدعاة من خلال البرامج التلفزيونية التي يظهرون فيها في العديد من محطات البث الفضائي باتت برامجهم تدرُّ أرباحاً هائلة للمحطات التلفزيونية بسبب كم الاعلانات التي تعرض أثناء فترة بثها لذلك إرتفعت اجورهم لتصل الى ملايين الجنيهات المصرية.
الشناوي :"أنا شخصيا كِسِبتْ من الدِّين فلوس أكثر من الذي كسبها الخلفاء الراشدون والبخاري ومسلم وابن كثير وابن الأثير والقرطبي والزمخشري . "
والشناوي كما رسمه عيسى شخصية إشكالية تعيش صراعا داخليا عميقا ًمبعثه الأيمان العميق بفكرالمعتزلة الذين كانوا قد أعلوا من سلطة العقل أمام سلطةالنص المقدس دون أن يتجرَّأ على البوح بإيمانه هذا أمام جمهوره الواسع الذي إعتاد أن يخاطبه، بمنطق آخر،يتعارض تماما مع مايؤمن به في داخله،وهذا يعكس طبيعة الخوف والارهاب الذي أمسى يتلبَّس المجتمع العربي والاسلامي،نتيجة عهود طويلة من التخلف والقمع ومصادرة الحريات،أفرزتهاأنظمة دكتاتورية بوليسية،حتى وصل الحال إلى أن المجتمع نفسه بات يفرض الخوف على نفسه بنفسه،وبنفس الوقت يفرضه أيضا ًعلى رجال الدين ممن يشمُّ فيهم رائحة ترجيح ٍلسلطة العقل على سلطة النص . إضافة الى ذلك فالشناوي كان يعاني من  إحساس جارح عميق اضطرم في داخله لمّا فقد ولده الوحيد عُمَر ذاكرته بعد أن تعرَّض للغَرَق أثناء ممارسته للسباحة،فغادر البيت والبرامج التلفزيونية لمدة 22 يوما " مُتَّجِها |إلى مَسجد الحسين والسيدة زينب والرفاعي والسلطان حسن ومساجد أخرى، ينظف المراحيض ويمسحها ويزيل القذارة الناشفة في أركان الحمامات ويجلس على الارض المبلولة ويرفع الجرادل ويحمل المكانس والمسَّاحات وقطع الخيش على كتفيه متنقلا من مراحيض الى اخرى،أشعث، أغبر،مطلق اللحية،سائب الشعر،ممزق الثياب،حافي القدمين،مُحمَرالعينين،مرهق البدن"، وقد فعل كل هذا من أجل أن يكسرغروره ويضرب غضبه ويلجم ألمَه ويعاقب ضعفه. ثم تجيئه الطعنة الاعمق على غير مايتوقع،عندما تعترف له زوجته الحَاجَّة أُميمة بأقامتها لعلاقة جنسية مع الدكتورعادل الذي كان يعالج ابنهما عُمر،معللة ذلك الانحراف،نتيجة ماكان قد أصابها من شعور بالضعف والاهمال :" كنتُ ضعيفة وهشة ومفتقدة راجلي .. الدكتورعادل أستاذ المخ والاعصاب الذي كان يعالج عمر ويتابعه كان ودوداً معي وتقرّب مني،رجل في الخمسينات ومتزوج لكن حسَّسني أن هناك شخصاً مهتما ًبي، في يوم،في عيادته ،أخذني في حضنه واستسلمت،بعدها كرهت نفسي، وانهرت وحسِّيت أن ربنا سيعاقبني ويأخذ مني أبني ".
بلاشك أن بناء هذه  اللوحة الانسانية بتركيبتها ومستوياتها المعقدة في بعدها الاجتماعي والديني الشاخص عبر شخصية الشناوي جاء وفق رؤية أرادها عيسى ــ وعلى أساسها بنى مخطوطته السردية ــ  لتحمل في مقصدها وبعدها الفكري تهشيم الصورة المثالية (لنموذج ) يكتسب حضوره الصَّنمي الثقيل والمهيمن في الواقع الاجتماعي .
والمفارقة هنا،أنَّ جمهورهؤلاءالدعاة يُتابعهم ويتبعهم "دونما تفكير وتحليل وتصويب،فمعظم هذا الجمهورلايفقه الكثير مما يسمعه من أمور الدين،وتراهم يحفظونها كمن يحفظ كتالوج الثلاجة أوالتلفزيون بكل ارشاداته وتعليماته وخطوات التشغيل وطرق الصيانة والمشاكل الفنية والعيوب المحتملة " .
خيوط الحكاية
الحضورالمؤثر للرواية يبدأ بالتشكّل في اللحظة التي يتم فيها دعوة الشيخ حاتم الشناوي من قبل نجل رئيس الجمهورية وزوجته الشابة مُستنجدين به لمساعدتهم في الخروج من مصيبة بدأوا يستشعرون بها وهي تحيط بهم بعد أن بدأت تظهر علامات تحوّل ٍنحو الديانة المسيحية على(حسن) الشاب المتخرج من الجامعة الاميركية،شقيق زوجة أبن الرئيس،فكانت مهمة الشناوي أن يعيد حَسن الى جادة الصواب قبل أن يفتضح الامر في البلد فكانت هذه المهمة السرية من أشقِّ المهمات التي واجهت الشيخ الشناوي رغم مايمتلكه من عِلم وذكاء وسرعة بديهة،فأدرك الشناوي خطورة المسؤولية التي وضع فيها،ومن الممكن أن تطيح به وبسمعته ومكانته من قبل السُلطة بكل سهولة ٍفيما لو فشل فيها،ولن تشفع له حينذاك مكانته الدينية ولانجوميته التي حولته إلى رمز لجيل ٍ من الدعاة النجوم .
(حَسَن )وجد نفسه "بين تمرد ٍعلى أهله،بما يمثلونه من جبروت ونفوذ،وعلى دينه،الذي لايعرفهُ ويحمِّله مشكلة فراغه وأكتئابه وفساد قومه " وهذا مادفعه إلى أن يسقط في أحضان جماعة اسلامية متطرفة تمكنت من تجنيده بعد أن دخل وتفاعل مع عدد من المواقع الالكترونية الاسلامية التي تتخذ من الانترنت وسيلة لكسب الشباب الصغار الى جانبها فيما تدعو إليه من أفكار تهدف لأسلمة المجتمع مُتّخِذة العنف وسيلة أساسية لتحقيق ماتصبواليه من اهداف،وتمكنت تلك الجماعة من أن تُجنَّد حسن لمصلحتها ،ليكون بالتالي عنصراً انتحاريا جاهزا ًلتنفيذ مايطلب منه بعد أن نجح في إيهام عائلته بأنه جاد فعلا ً في سعيه للتحول الى الديانة المسيحية،وليتمكن في نهاية المطاف من تفجير كنيسة مصرية يحتشد فيها المصلون .
يستثمرعيسى شخصية الشناوي ليكشف من خلالها عددا ًمن القضايا التي تحتقن داخل المجتمع المصري،منها مايتعلق بالاساليب المهينة التي تلجأ إليها السلطة ــ مُمَثلة ًبأجهزتها الأمنية ــ لتحطيم كرامة المواطن حتى لوكان شخصيةعامة،سعيا ًمنها لخنق أيّ صوت يعلو مناديا ً بحرية التفكير والقول كما حصل مع الشناوي نفسه الذي يتم أحتجازه لعدة ساعات منفرداً في غرفة داخل دائرة الأمن،من غيرأن يقابله أي مسؤول أمني كبير من الذين يعرفهم جيدا ويحظى بأهتمامهم وتقديرهم،ومن غيرأن يتم التحقيق معه أو أن توجَّهَ له ايّة اتهامات،ليبقى طيلة ساعات الليل وحتى طلوع الفجرشاعرا ً بالمهانة والأذلال،تتقلبه الافكار والهواجس بحثا ًعن سبب احتجازه بهذه الطريقة المُذلة ! ولأنَّ المؤلف إبراهيم عيسى يتَّسمُ بقدرة عالية على السخرية اللاذعة من الاوضاع العامة عُرف بها في مجمل كتاباته وبرامجه التلفزيونية نجده يدفع بالشناوي إلى أن يبدأ بالتبوّل " وأطلق بَولهُ على الجدران وعلى المكتب والستائر والسجاد البالي وعلى ظهر الباب،كان بَولهُ ينافس غضبه ويسابق حريته،وكان مستعدا ًالآنَ لأيّ استجواب حين يفتحون الباب،وهوعلى يقين أنهم يرونه الآن عبر كاميرات مزروعة في الغرفة وهو يتبول عليهم جميعا ً !" هذا المشهد هو من أبلغ المشاهد التي حملت رسالة قاسية برمزيتها،وعبّأها عيسى بشحنة عالية من السخرية والتمرد وهي أشبه بصرخة قويّة ضد ضحالة الاساليب التي تنهجهاالاجهزة الامنية مع المواطن،كما أن كثافة العلامات التي حملها هذا المشهد تأتي أهميتها من أنَّ: هذا الفعل قد تم تمريره من قبل المؤلف عبر شخصية الشيخ والداعية الاسلامي الشناوي . كما أن عيسى لم يغفل في نسيج الرواية التطرق للصراع القائم بين دعاة التطرف من المسلمين والمسيحيين على حد ٍ سواء،إضافة إلى الفتاوى الدينية الغريبة والصادمة التي أمسى المجتمع الاسلامي يتلقاها من قبل خليط عجيب من الدعاة والشيوخ بعد صعود المد الاسلامي المتطرف الذي جاءت به العديد من حركات الاسلام السياسي التي كانت قد ظهرت خلال الربع الاخيرمن القرن العشرين،ومالهذه الفتاوى من آثار سلبية على عموم المجتمع الى جانب رجال الدين أنفسهم الذين توزعوا مابين معارض لها وموافق عليها.
ذاكرة الميديا
على مستوى البناء الفني أخذت المجادلات حيزا ً واسعا ًمن زمن الرواية وهذا ماأربك البناء العام إلى حدٍ ما وأثقله بمجريات حوارية مطوّلة كان تأثيرها واضحا على البناء السردي للأحداث وتطورها،ليجد القارىء نفسه وكأنه أمام مناظرة تلفزيونية أبطالها مجموعة من الشيوخ والدعاة كلُّ يسعى لإثبات صحة ماستند إليه من أحاديث ومراجع فقهية،لكن المؤلف وبما يتسم به من ذكاء عُرفَ به،أستطاع أن يمسك بمقود الحوارات وأخضعها تحت خبرته الطويلة التي اكتسبها عبر برامجه التي يقدمها من على شاشة التلفزيون.
 كما تمكن عيسى من تمرير رسالته الناقدة والساخرة من الأوضاع العامة التي تعصف بالمجتمع المصري عبر شخصية الشناوي التي أكسبها كثيرا ً من سماته الشخصية،مضيفا ً إليها ملامح بارزة ومعروفة من طباع وسلوكيات إستلها من دعاة مشهورين ومعروفين لدى جمهور واسع جدا ًفي العالم العربي والاسلامي،ويمكن لذاكرة القارىء أن تستدعي صورهم بكل سهولة،حال قراءة الرواية،ليجد الكثيرمن التشابه بينهم وبين شخصية الشناوي.
اضافة الى ذلك يرسم إبراهيم عيسى صورة واقعية لطبيعة العلاقات الوثيقة التي ترتبط بها اجهزة الأمن التابعة للسلطة مع نخبة من رجال الاعمال والفنانين والاعلاميين ورجال الدين.وفي هذا الاطار يتوقف أمام شخصية (أنور) مقدم البرامج الشهيرالذي يسيرفي برامجه التي يستضيف فيها الدُّعاة وفق خطة مرسومة ومُحكَمَة ٍ من قبل اجهزة الامن،في محاولة منها للامساك بزمام الامور، في إشارة واضحة من المؤلف على أنها لن تتردد في استخدام أقذر الاساليب اللاخلاقية لتوريط الشخصيات العامة ــ بما فيهم الدُّعاةــ في علاقات مشبوهةلأجل إيقاعهم في شرِّ أعمالهم،ليتمكنوا بذلك من الضغط عليهم وإسكاتهم ساعة تجدهم قد أصبحوا يشكلون خطرا ًعلى النظام السياسي القائم،مثلما هي العلاقة العاطفية التي تم التخطيط لها بكل دقةٍ لتنشأ مابين الشيخ الشناوي ونشوى الفتاة المحجبة،ولم تكن نشوى سوى ممثلة شابة ليس في رصيدها الفني سوى عدد من الادوار المتواضعةالتي لم تسعفها في ألوصول الى الشهرة والنجومية،فدفعت بها أجهزة الأمن لتكون من بين مجموعة من الشباب والشابات المشاركين في إحدى حلقات برنامج الشيخ الشناوي،لتؤدي دورا ً تمثيليا ً أتقنت أداءهُ، بعد أن تم تدريبها وتلقينها بشكل يهدف إلى أن تلفت نَظَرَ وانتباه الشيخ الشناوي عبر أسئلة جريئة تطرحها عليه إضافة الى ماتتمتع به من رقة وجمال،فتنجح في تنفيذ ما تم رسمه لها،ويسقط الشيخ  فريسة سهلة في حضنها.
آليات الكتابة
بنية الزمن المرسلة والمنطوية في تركيبة هذا النص الروائي لم تتحرك وفق علاقة متشظية في اطار مقاربة قراءتية للمنجز الروائي الحديث بكل انشغالاته وانشطارته بل بقيت مشحونة بآليات الكتابة السردية التقليدية التي يسهم السرد الحكواتي في بناء مسارها،وهذا يعود بتقديرنا الى أن المؤلف لم يغادر وظيفته ورسالته الاعلامية،باعتباره مُقدِما ناجحا ً لبرامج (التوك شو)على شاشة الفضائيات،فأستثمرهذه الخاصيّة كثيراً في البناء السردي لروايته التي احتشدت فيها تفاصيل دقيقة تتعلق بمايجري وراء كواليس البرامج التلفزيونية الدينية،التي يقدمها الدعاة المشهورون والكيفية التي يتم بها إنتاجها،ومَنْ يتولى تمويلها من تجار وشركات ورجال أعمال عبر ضخ اعلاناتهم فيها،وطبيعة الصفقات التي تتم فيمابينهم وبين المحطات الفضائية.
شخصنة الخِطاب
أهمية الموضوع المطروع في هذا العمل الروائي تأتي من كونه يتعرض لقضية حساسة باتت تهيمن على الواقع في البلدان العربية والاسلامية،وأمست تشكل ظاهرة ملفتة للاهتمام بعد أن استحوذت على مساحة كبيرة من الاعلام المرئي ( الميديا ) ومايشكله من تأثير كبيرفي توجيه الرأي العام،ألاوهي :ظاهرة نجوم الفضائيات، من دعاة ومشايخ،الذين باتوا يلعبون دورا ًمؤثرا ًوخطيرا ًفي مجريات الحياة الاجتماعية،عبر حضورهم الدائم والطاغي خلال فترات طويلة من البث ،ومانتج عن ذلك بفعل فتاواهم وأحاديثم التي تغيّبُ سُلطة العقل من تداعيات خطيرة أسقطت قطاعات واسعة ومتنوعة من المجتمع في بركة التطرف الديني والمذهبي،إضافة الى شيوع الفكر الغيبي والخرافات التي باتت اشبه بالمقدسات،ت ومسؤولية ذلك تحمله الانظمة السياسية الحاكمة،لأنها قد وفَّرت بيئة متخلفة ملائمة لشيوع هذه الظاهرة،مِنْ بَعد أن غيَّبتْ عن برامجها،الخطط والسياسات التنموية التي يمكن من خلالها أن يرتقي مستوى الوعي والعيش الكريم لمواطنيها.
أخيرا ً نقول: إن الرواية قد توفرت فيها ممكنات فنية في بنيتها التركيبية ماجعلها نصا ً سرديا ً متماسكا ً وممتعا ً،نجح المؤلف من خلاله في أن يفتح أمامنا فضاءً فنيا واسعا،تم تأثيثه بتفاصيل دقيقة لعوالم يحيا فيها النخبة من رجال السلطة والدين والأعمال والفن والإعلام،كما نجح إلى حد كبير في أن يقدم لنا كشفاً جرئيا ًوواقعيا ً مُستندا ًعلى أسلوب ٍ قوامه السخرية والنقد اللاذع لنماذج انسانية،مانفكّت تلعب دورا كبيرا ومؤثرا ً في رسم معتقداتنا وافكارنا وممارساتنا .  
يذكر أن للمؤلف ابراهيم عيسى إصدارات أخرى، منها :

   - مريم التجلى الأخير   - صار بعيدا   -أفكار مهددة بالقتل
   - العراة   - مقتل الرجل الكبير   - مقتل الحسين
   - كتابي عن مبارك وعصره       ومصره   - رجال بعد الرسول   - أشباح وطنية
   - لدى أقوال أخرى   - الإسلام الديموقراطي   - إذهب إلى فرعون
   - دم على نهد   - تاريخ المستقبل   - المقالات الغزاوية   -
   -  قصة حبهم   - عندما كنا نحب   - في وصف من يمكن تسميتها الحبيبة   

 *الرواية كانت مرشحة ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لعام    2013

40
 
تدوين سيرذاتي بتقانات الرواية


مروان ياسين الدليمي


  الروائي  الأفغاني خالد حسيني

  مؤلف روايتي :عدّاء الطائرة الورقية *
                     والف شمس مشرقة


              
بسبب الحروب التي عاشتها افغانستان تراكمت ظلال ثقيلة فوق الادب الافغاني المعاصر فانقطعت أخباره عن العالم الخارجي وبات في عزلة شبه تامة منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي،عندما اجتاح جيش الاتحاد السوفياتي السابق الأراضي الافغانية عام  1980 لمساندة النظام الشيوعي الحاكم بزعامة الرئيس بابراك كارمال حال شعوره بخطر السقوط بأيدي الجماعات الاسلامية المسلحة التي كانت تتلقى الدعم المادي والعسكري من الدول الغربية ومن بعض دول الخليج العربي وفي المقدمة منها المملكة العربية السعودية  .
سنوات الحرب الطويلة المهلكة بكل ضراوتها وبشاعتها وتقلباتها الدراماتيكية وما نتج عنها من دمار شامل عصف بكل جوانب الحياة، لم تترك أّيّة فرصة سانحة لمن يهتم بالشأن الثقافي، ألتفكير بقراءة عمل أدبي أفغاني جديد،خاصة بعد سيادة وهيمنة الاحزاب الاسلامية بكل تنوعاتها واختلافاتها التي لاتتعدى حدود التسميات والعناوين الشكلية ،والتي تعكس في واقع الحال طبيعة انتماءاتها القبلية والاثنية والطائفية، لكنها في مقابل ذلك ومن حيث الجوهر، تنطلق من أرضية فكرية واحدة أساسها القرآن والسنة المحمدية كما تدّعي وتسوّق في خطاباتها .
وسط زمن مُرِّ كهذا،مُلبَّد ٍ بدخّان الحروب، وسلطة أحزاب اسلامية متشددة ومتطرفة في تأويلاتها الفقهية والإجرائية غالبا ًما تأتي وفق هوى ورعونة زعمائها من أمراء الحرب،لايمكن أن يتوقع المرء نموَّ أدب ينصف حرية وكرامة الانسان وتتوفر فيه رؤى فنية متقدمة .
لكن،عندما تقرأ رواية ( عدّاء الطائرة الورقية  ) للكاتب الافغاني خالد حسيني التي صدرت بطبعت اولى مترجمة الى اللغة العربية عام 2010 وروايته الثانية(ألف شمس مشرقة ) التي صدرت هي الاخرى بطبعة اولى مترجمة الى اللغة العربية عام 2010 ايضا،لابد أن تكون أمام خيار وحيد يدعوك لأن تعيد النظر فيما تشكّل لديك من قناعات غير دقيقة حول الادب الافغاني الذي حَجَبَتْه عنّا لعلعة الرصاص وصورالمعارك الدموية التي إستمرت أكثر من ثلاثة عقود، شاءت فيها قوى دولية كبرى ـ في المقدمة منها أميركا ــ أن يستمرَّ الصراع الدموي بين الاخوة على هذه الصورة البشعة، تعبيراً وتحقيقا ًلمصالحها،حتى لوكان الثمن أن يُدفَنَ شعب كامل تحت الانقاض .
وماأن تتوفرفرصة قراءة هذين العملين لابد لك من أن تبدأ في البحث عن صوت الانسان الضائع بين ضجيج الاصوات النَّشاز،تبحث عنه  في الاعمال الفنية والادبية التي حاول المُبدعون فيها أن يجسِّدوا صرخته خارجة نقيّة مبحوحة من تحت أنقاض ِ ماتهدم من أحلام ٍوبيوت ٍوشوارع َومدارسَ وجامعات ٍومتاحف َوآثار يعود تاريخها الى ألاف السنين قبل الميلاد مثل تماثيل بوذا في مدينة باميان  التي هدمتها حركة طالبان بعد أن استولت على الحكم عام 1997.متجاهلة كل النداءات التي كانت قد  اطلقتها حكومات ومنظمات ومؤسسات دولية بعدم نسفها والحفاظ عليها لانها تشكل جزءا مهما من التراث الحضاري الانساني .
في حقبة مظلمة شديدة العتمة مثل التي عاشتها افغانستان طيلة ثلاثة عقود كيف يمكن للأدب أن ينمو ويزدهر طالما هو نشاط انساني يتحرك في فضاء الحرية الفكرية يكشف المبدع من خلاله عن المخبوء والمقموع في ذات الانسان، وهو يعمل ويفكر ويكافح من اجل غد أكثر آمانا ً وسعادة .؟
روايتا (عدّاء الطائرة الورقية والف شمس مشرقة) لخالد حسيني لاتخرجان عن إطار الاعمال الكبيرة الخالدة التي تبقى حاضرة ومؤثرة في الذاكرة الانسانية رغم تقادم الزمن عليها ذلك لانها تنصف الانسان وكرامته وهو يخوض بكل ضعفه وارادته وفطرته الانسانية صراعا مريرا ًغير متكافىء ضد قوى همجية عمياءلاتتردد أبدا ً في أن تقود البلاد والعباد الى مصير بائس لايليق بأدميّة الانسان وامنياته البسيطة في العيش بحرية وآمان.
ولكي لاتصل الحكاية الافغانية الى طريق مسدود كما أرادها ويريدها أبدا ً أُمراء الحرب ، تأتي رواية (الف شمس مشرقة ) وقبلها( عدَّاء الطائرة الورقية ) لتحديد وتقييم العلاقة مع الماضي قبل استعادته والذهاب به الى أبعد مايكون في اللحظة الموضوعانية للذاكرة حسب قول بول ريكور . فالاستعادة هنا للماضي ليس بهدف الاستذكار السلبي (انفعال ) انما هو تفكر واسترجاع في "مفترقات دلالية وتداولية ".
لم يختزل خالد حسيني الذاكرة في حدود الاستعادة للوقائع والاشياء الخارجية ولم يذهب بالخيال خارج المعرفة،أي بمعنى : لم يتم الفصل بينهما،بل تشابكا معا ً في تمثِّل الميراث والتَّصوّر لشيء غائب ومُغيَّب .
وفي إطار الاحداث التي تمفَصَل بها الفضاء السردي للروايتين إشتغل المؤلف على تقانة الذاكرة، في مواجهة حاضر ٍ يتأسطر بالموت والخراب ويغيّب الحياة عن قصد وتصميم.
في رواية (الف شمس مشرقة ) كانت الثنائيات مرتكزا ً سرديا إنسحب على أزمنة البناء المعماري للنص ( الحب / الكره ، الموت / الحياة ، الوطن / المنفى ، المرأة / الرجل ، الشباب / الشيخوخة  ). .ولعل ما يميزها ويكسبها هذا الحضور المؤثر :أنّ معظم شخصياتها الرئيسة هي شخصيات نسائية( مريم ، ليلى ، نانا ، جيتي ، حسينة ، مامي ، عزيزة )رغم أهميّة وعمق الشخصيات الرجالية التي صاغها المؤلف وشكّل بها تفاصيل ملحمته الفنية ( جليل ، طارق ، رشيد ، فايز الله ) .
بينما هيمنَت الشخصيات الرجالية بشكل كامل على  رواية (عدّاء الطائرة الورقية)(أمير ،حسان ، بابا ، علي ، آصف ،كمال ،جنرال تاهيري ) وتراجعت  الشخصيات النسائية الى خلفية الصورة .
ومن يقرأ روايتي خالد حسيني سيجد أن الكاتب قد شحنهما بعواطف ومشاعر انسانية لاتجدها إلاّ في الاعمال العظيمة التي تنداح فيها خليط من المشاعر الانسانية (الحب،البطولة،الخيانة،الحقد) في بيئة مغرقة بالمحلية وبتفاصيل دقيقة،وكأنما ذاكرة (المؤلف /السارد / الشخصية الرئيسة)تعمل بكل استدعاءاتها من اجل الحفاظ على مخزون الذاكرة الى يوم بعيد سيأتي،فكانت تجليات السرد الروائي في العملين المذكورين قائمة على ماتصبو إليه ذات المؤلف مفي بناء مساره السردي ضمن إطار (الذاكرة والمكان والذاكرة والشخصيات) مثلما هذا المقطع من (الف شمس مشرقة الذي يأتي على لسان الراوي والمتعلق بوصف جليل لأبنته مريم لدار السينما التي يملكها في المدينة:".... وصف لها السينما . لذلك فإنها تعلم أن واجهة السينما مصنوعة من قرميد أزرق وبرونزي،وهناك شرفات خاصة ،وعوارض خشبية مثبتة على السقف،أبواب تفتح من الجهتين تؤدي إلى صالة حيث إعلانات الافلام الهندية مغلفة بزجاج شفاف،وفي أيام الاثنين يحصل الاولاد على مثلجات بالمجان في جناح التنزيلات. "
قد تخرج القراءة الاولى لهذين العملين على أنهما يقعان ضمن إطار الاعمال السيرذاتية.مع أننا نتفق مع ماجاء به د. خليل هيّاس من رأي ٍ في دراسته القيّمة والمعنونة (سيرة جبرا إبراهيم جبرا الذاتية في البئر الأولى وشارع الاميرات) :"لاتختلف السيرة الذاتية بوصفها نصا ً حكائيا ًعن غيرها من الانواع الادبية في تعددية استعمال الضمائر في السرد فهي قد تروي بضمير المتكلم المفرد أو أن الراوي يتوجه بالخطاب إلى ضمير المخاطب المفرد أو أن يتحدث عن البطل بضمير الغائب المفرد ." كما في هذا النموذج من عدّاء الطائرة الورقية : " حسّان كان ممددا ًعلى صدره، موثوقا ً إلى الارض،أمسك كل من كمال ووالي بأحد ذراعيه ، ملويتان عند المرفق بحيث أصبحت يدا حسان ملتصقتان بظهره،كان آصف يقف فوقهما ،كعب حذائه الثلجي يسحق رقبة حسان، أباك لن يَعْلَمْ ، قال آصف ،وليس هناك شيء خاطىء في تعليم حمار وقح درسا ً في الاخلاق .
تمتم والي ،لاأدري .
كما تريد ،قال آصف ،والتفت إلى كمال ، ماذا عنك ؟
أنا ..حسنا ً .
إنه فقط هازارا ، قال آصف ،ولكن كمال بقي ينظر بعيدا ً ، حسنا ً ، قال آصف ، كل ماأريد أن تقوما به أيها الضعيفان أن تبقيا ثابتا ً ، هل تستطيعا القيام بذلك ؟
هز والي وكمال رأسيهما ،والراحة تبدو عليهما .
ركع آصف خلف حسّان ،وضع يديه على ورك حسان ،ورفع إليتيه العاريتين ،ثم ترك يدا ً على ظهر حسان وفكّ حزامه باليد الأخرى ،ثم أنزل سحابه ،وخلع لباسه الداخلي ،ثم توضَّع خلف حسّان ،لم يقاوم حسّان ،لم يصدر أي صوت حتى ، فقط حرك رأسه قليلاً ، فرأيت ُوجهه، رأيت الاستسلام به ، كانت نظرة لم أرها من قبل ، كانت نظرة النعجة . "
هاتان الروايتان أخذتا تجنيسهما من التقانات (الروائية ) التي لجأ اليها المؤلف،لتلتقي بالتالي مع ما أشار إليه عبد السلام المسدّي بأنّ "السيرة الذاتية إنما هي حصيلة إمتزاج نوعين من الكتابة : التدوين التاريخي والحكاية الفنية " ونتفق هنا مع هذه الرؤية النقدية الى حد كبير إذ "لافرق بين الرواية بشكل عام ورواية السيرة الذاتية من حيث طرق الكتابة ."
 إلاّ أن قراءة نقدية للعملين المذكورين تجعلنا نصل الى أنهما لاينتميان من حيث التصنيف الاكاديمي الى أعمال السيرة الذاتية لعدم توفرالتطابق بين (المؤلف والسارد والشخصية المركزية ) ولكن يبقى الاشكال قائما ومرجحا ً فيهما لدى من يدقق مرة اخرى في المقاييس الفنية التي تشير الى التفريق والتصنيف بين الاجناس .  

* تم تحويلها من قبل إحدى شركات الانتاج السينمائية الاميركية  في هوليود الى فلم سينمائي .






















الحكاية تبدأعندما اسقطت مريم طقم شاي صيني وكان عمرها انذاك خمسة أعوام فسمعت للمرة الاولى كلمة (إبنة حرام) من والدتها نانا، التي ثارت بوجهها وأمسكتها من الرسغين وسحبتها إليها،ومن خلال أسنان ٍتصرُّ قالت لها:"إنك ابنة حرام خرقاء صغيرة،هذا جزائي عن كل شيء تحملته،ابنة حرام خرقاء صغيرة بالوراثة . "
في ذلك الوقت لم تفهم مريم مامعنى هذه الكلمة( إبنة حرام) ولم تكن كبيرة كفاية لتدرك عدم العدالة في ذلك،ولترى أن مخترع هذه الكلمة هو أبن الحرام الذي يستحق اللوم،وليس أبن الحرام الذي كان ذنبه الوحيد أنه وُلِد. وقد عرفت فيما بعد أن ابن الحرام لن يحصل على الشرعية او الاشياء التي يحصل عليها الآخرون : كالحب ، الأسرة ، البيت ، القبول .
لكن والدها جليل الذي كان يزورهم كل خميس لم يقل لمريم هذا الاسم،قال عنها زهرته الصغيرة،كان مولعاً بأن يجلسها في حضنه ويقص لها الحكايات، كأحاديثه عن ولاية(هيرات) الواقعة في غرب افغانستان والتي ولدت فيها مريم عام 1959عندما كانت افغانستان تحت حكم الملك (زاهار شاه ) وكانت هيرات مهد الحضارة الفارسية ووطن الكتّاب والرسامين والمتصوفين: "لن تستطيعي أن تطئي موقع قدم دون أن تركلي شاعراً على قفاه". وقد سقطت هذه الولاية بيد حركة طالبان المتطرفة في أيلول عام 1995،وتعرضت مبانيها التاريخية الضخمة للتدمير الجزئي والكلي خلال الحروب..أخبرها والدها ايضاعن الملكة(كوهارشاد )التي رفعت المآذن المشهورة كعربون محبة لهيرات في القرن الخامس عشر. كما وصف لها حقول الحنطة الخضراء لهيرات والبساتين المجللة بالعنب المكتنز حيث المدن مكتظة والاسواق صاخبة .
لم تكن نانا سوى إحدى مدبرات منزل السيد جليل الذي يعد من أهم رجالات ولاية هيرات من ذوي النفوذ ،فبالأضافة الى دارالعرض السينمائي التي يمتلكها كان يملك أرضا في منطقة كاروك واخرى في فرح وثلاثة متاجر للسجاد ومحلا للالبسة وسيارة بويك سوداء حديثة موديل1956.
كانت نانا إحدى مدبرات منزله في منتصف خمسينات القرن الماضي الذي تعيش فيه زوجاته الثلاث واولاده وبناته التسعة حتى أنتفخ بطنها ،عندها طالبت الزوجات برميها خارجا ً.فما كان من والدها الذي كان يعمل في قطع الحجارة إلاّ أن يتبرأ منها واحتقرها،ومن ثم ليغادر بالباص إلى ايران ولم ير أو يُسمع عنه شيئا مرة اخرى . حتى أنها كانت تخاطب نفسها احيانا عندما كانت تطعم الدجاج خارج المنزل :"أحيانا أتمنى لو كان أبي لديه الجرأة ليشحذ سكاكينه،والقيام (بأشرف عمل)،ربما كان هذا أفضل لي ."
حتى جليل لم يمتلك الجرأة ايضا للقيام بعمل نبيل والوقوف في وجه عائلته وتحمل مسؤولية ما قام به . بل تم التعامل مع نانا وكأنها عشبة ضارة ينبغي ان تقتلع لترمى جانبا ً. فكان الاختيار أن تعيش في منطقة خالية وسط الحقول . حيث بنى جليل واثنان من ابنائه بيتا ً صغيرا ً من الآجر المجفف بأشعة الشمس وغطوه بالطين والقش .ولتختارهي فيما بعد نهاية لحياتها بعد أن تجد ابنتها مريم التي كانت قد تحملت كل المصاعب من اجلها تخرج عن وصيتها وتذهب لزيارة والدها في بيته .




 الرواية تتألف من أربعة اقسام ،الاول استحوذت عليه شخصية مريم والثاني ليلى المغرمة بأبن الجيران طارق والقسم الثالث تتقاسمها مريم وليلى والرابع يستحوذ عليه شخصية طارق

41

رواية .. يامريم  
للكاتب العراقي سنان انطون *


                      إنكِسارٌ في ذَاكِرة ٍخصبة


                                                 مروان ياسين الدليمي
       
رواية رشحت لجائزة البوكر العربية /القائمة القصيرة 2013.
منشورات دارالجمل /الطبعة الاولى 2012  


عتبة الذاكرة

التقط سنان انطون حدثا مهما وخطيرا عندما اقتحمت مجموعة ارهابية مسلحة كنيسة سيدة النجاة في منطقة الكرادة في العاصمة العراقية بغداد في تمام الساعة الخامسة وخمس عشرة دقيقة من عصريوم الاحد31/  من شهرتشرين الأول من العام 2010 اثناء قيام المصلين بأداء الشعائر الاخيرة من قداس داخل الكنيسة فقتلت تلك المجموعة عددا ً كبيرا ً من المصلين قبل أن تتدخل قوات عسكرية تابعة للحكومة وتقتحم المكان لتقتل ماتبقى من المسلحين وتحرر الاحياء من المصلين.
الروائي سنان أنطون إستثمر هذا الحدث ليصبح بؤرة أساسية أنطلق من خلاله في صياغة البنية السردية لروايته وشخصياتها من غير أن يشكل هذا الحدث ــ على الرغم من فجائعيته ــ  مساحة كبيرة ومهيمنة في أحداث الرواية التي توغلت في ماهو مخفي ومطمور من التفاصيل والحقائق في البنية الاجتماعية العراقية،وقد شكل المسيحيون فيها العنصر الانساني الابرز والاساس.
هذا إضافة الى أن تقديمهم في هذا العمل قد تم بعيدا ً عن الصورة النمطية والسطحية السائدة عنهم والتي كرستها العديد من الاعمال الادبية والفنية العراقية إلاّ أن سنان انطون قال في عمله هذا مالم تقله الكثير من نماذج الادب العراقي المعاصرعن هذا المكون وقد جاء ذلك بمعالجة فنية متقدمة حاول فيها أن يقدم عملا ً روائيا ً احداثه وشخوصه مستلهمة من الواقع من غير أن يكبح جماح خياله وهو يتصدى لواقع تاريخي مازالت حقائقه شاخصة وفاعلة .
تحرك المؤلف في فضاء السرد بحريّة دون أن يخضع لمركزية الجغرافية الزمنكانية التي شغلها حادث اقتحام  الكنيسة وإنساق وراء انثيالات الذاكرة الفردية للشخصيتين الرئيستين(يوسف كوركيس  ومها جورج حداد) ومن خلالهما عبرعن طبيعة الاشكالية التي تحكم العلاقة مابين الماضي والحاضر: يوسف بسنواته التي تجاوزت الثمانين،ومها التي كانت في العشرينات من عمرها.من هنا انطلق في المعالجة السردية،مُتكأ ًعلى آلية القص والاسترجاع والتحرك على مساحة زمنية طويلة تبدأ من الفترة التي جاء فيها كوركيس والد يوسف مع نهاية العقد الاول من القرن العشرين قادما ًمن تلكيف ليسكن بغداد،ولتستمرالاحداث الى مابعد ثلاثة أيام من الهجوم على الكنيسة.
وعبر ذاكرة خصبة ليوسف كوركيس اختار الكاتب أن يستعيد تفاصيل الماضي بمكنوناته الذاتية والعامة خلال يوم واحد،وذلك عندما يستقيظ في تمام الساعة السادسة والنصف صباح يوم الاحد 31 تشرين الاول من العام  2010 ولتستيقظ معه الذكريات الحميمة،من غير أن يكون بحاجة الى منبّه لكي يستقيظ في هذا الوقت المبكر بعد أن أمست عادة له منذ سنين طويلة ماأن أصبحت مثانته أفضل مُنبّه طبيعي يجبره على الاستيقاظ وزيارة الحمَّام أكثر من مرة، وسيكون تاريخ هذا اليوم هو نفس تاريخ اليوم الذي ماتت فيه شقيقته الكبرى حِنّة قبل سبع سنوات،وهاهي السنوات السبع قد مرت بسرعة منذ ذلك الصباح "سنوات كانت حِنّة ستتعجب منها لو كانت على قيد الحياة إذ فاقت كل ماسبقها، وفاقت حتى الشهور السبعة الاخيرة من حياتها بعد الحرب الاخيرة عام 2003 ".
لم يدندن يوسف أغنية من أغانيه المحببة كما كان يفعل عادة. .وقف أمام التقويم المُعلق على جدار المَمَر كما كان يفعل كل صباح وهي عادة قديمة لم يقلع عنها حتى بعدأن أُحيل على التقاعد وخلت أيامه من المواعيد وقلت مشاغله وواجباته.
لم يمت الماضي في ذاكرة يوسف بعد أن وصل الى العقد الثامن من عمره، "ولم يكن محبوسا ً في الصور المؤطرة المعلقة على جدران الذاكرة التي تمتد آلاف الأمتار وتلك المعلقة على جدران البيت والمحفوظة في الالبومات،بل مازال يتعايش مع الحاضرويحترب معه "ولم يتبقى له في اخريات أيامه سوى الذكريات والبيت الذي يعيش فيه وحيداً بعد أن تفرق الاهل في أصقاع الدنيا ومات البعض الآخر .
جميل شقيقه الاصغرغادرالعراق عام 1969هاربا الى لبنان موطن زوجته اللبنانية بعد أن أعدَمت السلطات العراقية صديقا له متهمة اياه بالارتباط بالماسونية. وسليمة شقيقته الصغرى التي أصرَّ والده على أن تحمل الاسم الاول للمطربة سليمة مراد أشهر مغنية في العراق في تلك الايام،وشقيقته حبيبة التي كانت من أول الفتيات اللواتي عمِلن في مهنة التمريض،وحِنَّة التي تحمَّلت مسؤولية رعاية العائلة بعد وفاة والدتهم نعيمة،وشقيقه غازي الذي كان يعمل في الآي بي سي في كركوك حتى العام 1961ومن ثم ليهاجر الى أميركا ويسكن ولاية ميشغان عام 1979،وشقيقه إلياس الذي درس الحقوق وتورّط بالسياسة ودخل السجن اكثر من مرة،وميخائيل أصغر أشقائه الذكورالذي عمل مترجما مع عدة شركات أجنبية بعد تخرجه من كلية بغداد قبل أن يستقر مترجما في السفارة الاسترالية عام 1977.
عاش يوسف أزمنة الخير كما يقول هوعنها ومازال يتذكرها. ولكي يُبدد هذه الوحدة القاتلة دعا عائلة مسيحية صغيرة من معارفه تتألف من المهندس الشاب لؤي وزوجته مها التي تدرب الطب في جامعة بغداد  ليسكنا في الطابق الثاني من البيت. كانت مها سعيدة بأنتقالها الى هذالمكان الذي وجدت فيه الهدوء الذي افتقدته في بيت أهلها الكائن في منطقة الدورة والذي كانت قد سكنته مع زوجها لفترة قصيرة،بعد أن كان أهلها قد هجروه قبل أكثر من عام متجهين الى ناحية عنكاوا في كوردستان العراق هربا من العنف الذي بات يستهدف المسيحيين. وعلى اثر انفجار سيارة مفخخة أمام البيت تسببت في فقدانها لجنينها قررت مغادرته مع زوجها وقبول العيش في مكان بعيد عن بيت أهلها لايُذَكِرُها بما كانت قد فقدته .وليضفي وجود مها ولؤي حيوية وروحا نديّة على حياة يوسف وعلى البيت الكبير الذي تيبست ضلوعه بعد أن تشرد معظم افراده في اصقاع الدنيا وماعاد هنالك من أمل بعودتهم بعدأن دخلت البلاد في منعطف خطير من العنف بين ابنائه فدفع المسيحيون جراءه ثمنا كبيرا ً،حتى أن البلاد باتت تفرغ منهم  .
شخصية يوسف كما رسمها المؤلف تتسم بانتماء إنساني واجتماعي قوي وعميق الى بغداد وهذا ماجعله غير قادرعلى تقبل فكرة السفر ومغادرة العراق رغم الحاح الاخوة والاخوات،إضافة الى إعتدال افكاره وتفاؤله ،فهوعلى يقين كبير بأن الاوضاع في البلاد لابد أن تعود الى طبيعتها،فكان هذا التفاؤل سببا ً في احتدام النقاش أكثر من مرة بينه وبين مها التي كانت تصب جام غضبها على الاكثرية المسلمة وتتهمها بالعنصرية والعنف والتفرقة.كما أتهمته هو ايضا في الليلة التي سبقت مذبحة الكنيسة بأنه "يعيش في الماضي".  
مَها     :" عيني .. قَيِعدمونَا بكِل  مكان بلا محكمة ،ومحَّد يحكي .الكنايس قتنحرق والناس قتتهجر وقيذبحون بينا يمنه ويسره ."
يوسف:" موبس كنايس قتنحرق بنتي .الجوامع اللي انحرقت أكثر بكثير ،والاسلام اللي انقتلو عشرات الالاف ."
مها   :" خللّي يروحون يقتلون بعضهم بعض، ويخلونا بحالنا .إحنا أشعلينا ؟"
يوسف :" موقصة علينا وما علينا، بس دولة ماكو ، والاقليات محّد يحميها غير الدولة القويّة . إحنا لاعدنا حزب، ولاميلشيا ، ولابطيخ ."
استدعى الكاتب انطون عبر ذاكرة الشخصية الرئيسية يوسف كوركيس  أحداثا ً ومنعطفات عامة،منها :احتلال العراق للكويت عام 1990 وماأعقبه من تداعيات خطيرة على المجتمع العراقي تركت اثرها العميق في اجزاء مهمة من جنوب وشمال البلاد التي شهدت انتفاضة شعبية تم قمعها بقسوة ووحشية ،ثم تلى ذلك حصارا دوليا ظالما فتتَ نسيج المجتمع العراقي بسبب الجوع والامراض التي فتكت به. فكان هذا الاستدعاء لأزمنة من الماضي القريب ماهو إلاّ إلتماساً لجأ إليه المؤلف "بحثا ً عن إجابات آتية من الماضي لكن الزمن هنا مضاعفا : زمن الكتابة وزمن الذاكرة ." كما يقول رولان بارت في كتابه النقد البنيوي للحكاية .
يوسف :" وعندما عاد التيار الكهربائي أول مرة في نيسان كان ذلك قبل يوم من عيد ميلاد صدام . ظهر في اليوم التالي يحتفل به ببدلة بيضاء ويقطع كعكته أمام أطفال يرقصون ويغنون له كأن شيئا لم يكن ."
حنّه:" يعني مايستحي هذا !، هاكذ يسوّي بعد اللي صار بينا ؟ موعيب ؟ الناس ماتت والبلد انخرب وهو يسوّي هابي بيرثدي مثل الزعاطيط ؟ أخلاق سز ."
عتبة الفوتوغراف
الصور الفوتوغرافية التي تركها أفرادعائلة يوسف كانت عتبة اساسية انطلقت بها مسوغات المؤلف في تركيب  بنيته السردية لأجل لملمة الحكايات المتناثرة بين طيّات الزمن المتشظي"توزعت الصّور فوق التلفزيون وعلى بعض جدران البيت، وهناك غيرها مئات من الصور في الالبومات وفي مظاريف وأكياس في غرفة النوم الثالثة في الطابق الارضي " إلاّ أن صورة واحدة كان يحتفظ بها يوسف في ظرف صغير في دولاب في غرفته لم يخرجها منه منذ سنين لكنه يحتفظ بنسخ معلقة في كل مكان على جدران قلبه وروحه ،صورة امرأة قلبت عالمه رأسا ً على عقب لكن قصته مع المُهندسة المُسلمة (دلال )انتهت كما تنتهي شبيهاتها من قصص الحب المحرم وفق قوانين بيئة اجتماعية لاتتسامح مطلقا بمثل هذه العلاقات.
الكثير من تلك الصورالمعلقة على جدران غرفة شقيقته حِنّه لم يكن يوسف يتذكر تاريخ التقاطها بالضبط،منها مالتقطته عدسة المصورالارمني الذي كان يمرعلى الشارع بيتاً بيتا يحاول إغراء العوائل بأن تلتقط صورة جماعية.فيختار المصّور زاوية مناسبة في باحة البيت لتقف العائلة أمامها كي تلتقط الصورة. . في واحدة من تلك الصورالتي يقف يوسف أمامها يتأملها قبل أن يغادرالبيت يبدو كوركيس والده جالسا بوقار في قلب الصورة يرتدي الصّاية واليشماغ ملفوف حول رأسه على طريقة القادمين حديثاً من قرى الشمال رغم أنه قد هجر تلكيف وجاء الى بغداد قبل أكثر من ثلاثة عقود إلاّ أنه رفض أن يغير ملابسه ويلبس "أفندي " مهما ألح ّ عليه الاخرون، وظل يرتدي هذا الزي حتى موته عام 1957 .
الصور الفوتوغرافية التي أعتمدها سنان انطوان في تأثيث المشهد السردي للرواية يمضي بها في تواتر مترابط ليقوم بمهمة إعادة بناء التفاصيل واخراجها من سكونيتها مستحضرا ًحساسية الانفعالات والعواطف الانسانية بأحتمالاتها المبهجة والمحزنة وهوفي كل هذا التأسيس والتشكيل يمهَّد بهدؤ وايقاع بطيء ـــ يتناسب مع بطىء حركة يوسف منذ إحالته على التقاعد من وظيفته في مؤسسة التمر العراقيةـــ لكي يتم ألانتقال المفاجىء الى حدث اقتحام الكنيسة الذي تأجّلت الاشارة اليه حتى الصفحة 144من مجموع صفحات الرواية البالغة 156صفحة، فكان ذلك تمهيدا ًهادئا ً إتَّسم ببطىء واضح ومقصود .

عتبة الثوثيق الفلمي
وفي سعي واضح من مؤلف الرواية على أن يعضِّد افتراضاته التخييلة  التزمَ مَساراً واقعيا وثائقيا ً واضحا ليمسك بشظايا الحدث داخل الكنيسة وفق رؤيتين تتعاضدان ولاتتقاطعان،الاولى رؤية ذاتية وذلك من خلال شخصية(مها جورج حداد ) التي تولت سرد ماجرى في الكنيسة بدقة وتفصيل أمام عدسة مراسل قناة عشتار الفضائية بعد نجاتها من المذبحة، والثانية كانت رؤية موضوعية جاءت من خلال عدسة الكامرة المثبتة في خوذة أحد الجنود الذين اقتحموا الكنيسة وطهروها من القتلة .
"ظل جسد يوسف مسجى على أرض الكنيسة لأكثر من أربع ساعات قبل أن يحمل إلى الخارج بعد تخليص الرهائن وإخلاء الجرحى . كان محاطاً بأشلاء بشرية وبقطع من الزجاج المكسور والغبار والجص وببركة صغيرة من الدم الذي ظل ينزفه . داس أحد أفراد قوة مكافحة الارهاب الذين دخلوا الكنيسة على اصابع يده اليسرى بالخطأ فهشم عظام ثلاثاً من اصابعه.كان يحمل كاميرة صغيرة معه ويصور العملية وظل يطلب من الرهائن المحررين أن ينظروا إلى الكامرةوأن يقولوا "كولوا الله " .حُمِّل الفيلم بعد أيام على اليوتوب مع معلومات عن قائد العملية وأغنية حماسية للترويج للفرقة الذهبية التي انقذت الرهائن ."
عتبة اللهجة المحلية
ربما يكون اختيار اللهجة المحلية الموصلية عائقا الى حد ما في عملية الفهم والتواصل مع مفردات ودلالات الحوار داخل الرواية وذلك لخصوصية هذه اللهجة وعدم شيوعها كثيرا خاصة لدى شعوب المنطقة العربية وهذا مايضع القارىء في مواجهة صعبة لفكِّ طلاسمها على الرغم من أهميتها وخصوصيتها هنا في التعبير عن وجدان وذاكرة الشخصيات ، ولاشك أن المؤلف كان مُدركا تمام الادراك لهذه القضية لكنه وكما يبدو لنا كان حريصا على توظيف ماتمتلكه هذه اللهجة من طاقة تعبيرية تعكس مدنية وتحضّر من يتحدثون بها وليكون بالتالي استثمارها قد جاء انطلاقا من غاية توظيفية شحنت الحوار بمرجعية محلية تُتختزن فيها ذاكرة دينية واجتماعية تتشظى بلمفوظاتها دلالات تراثية وتاريخية لشخصيات الرواية .
خلاصة القول ان سنان انطون يكشف للقارىء في هذا العمل كفاءته وقدرته على الامساك بعناصرالتشكيل الروائي،واضاف للمكتبة الروائية العربية عملاً يستحق القراءة .

*سنان أنطون:شاعروروائي ومترجم ولد في بغداد عام 1967. له روايتان "إعجام " و"وحدها شجرة الرمان " وديوان شعر بعنوان "ليل واحد في كل المدن "والعديد من المقالات بالعربية والانكليزية.تُرجمت كتاباته إلى الانكليزية والالمانية والايطالية والنرويجية والبرتغالية .عاد إلى العراق عام 2003 ليشارك في اخراج فيلم وثائقي بعنوان "حول بغداد "عام 2004 عن العراق بعد الدكتاتورية والاحتلال .ترجم أشعار محمود درويش وسركون بولص وسعدي يوسف وغيرهم إلى الانكليزية.نشرت ترجمته لكتاب "في حضرة الغياب "لمحمود درويش باللغة الانكليزية عام 2011 عن دار آرشيبيلاغو. يعمل أستاذا ً للادب العربي في جامعة نييورك منذ عام 2005.
 

42
                


ساق البامبو . .


رواية الكاتب الكويتي سعود السنعوسي *


                   البحث عن الوطن .. في غربة الانسان



                                                      مروان ياسين الدليمي


اصدار الدار العربية للعلوم ناشرون
الطبعة الاولى 1433 ه – 2012 م



لأنَّ للعادات والتقاليد الاجتماعية في المجتمع الخليجي سطوة وهيمنة ثقيلة على حياة الافراد والجماعات دون ان تترك لهم في غالب الاوقات فرصة أختيار مصائرهم ،يخضع راشد الطاروف لمشيئة والدته بالانفصال عن الخادمة الفلبينة جوزفين التي تعمل في بيتهم والتي كان قد تزوجها سرا ً حرصا ًمن والدته (غنيمة ) على مستقبل شقيقاته الثلاث اللواتي كن ينتظرن قسمتهن في الزواج،وكان من الطبيعي لهذه القسمة المنتظرة أن تذهب أدراج الرياح بعد أن تتلوث سمعة العائلة فيما لوافتضح أمر هذه العلاقة مابين راشد ــ الشاب المثقف الذي يحلم بكتابة روايته الاولى ــ سليل العائلة الكويتية العريقة والخادمة الفلبينية التي كانت مدمنة هي الاخرى على قراءة الروايات قبل أن يقودها مصيرها الى الكويت لتعمل خادمة متخلية بذلك عن دراستها من اجل مساعدة عائلتها وهربا كذلك من واقع بائس كان من الممكن لوالدها ان يُسقِطها فيه فتصبح عاهرة كما هو الحال مع شقيقتها الكبرى إيدا.
 وحده راشد الطاروف الشاب الوسيم في منزل السيدة الكبيرة المتسلطة (غنيمة ) كان لطيفا ً جدا ً في معاملة جوزفين على عكس جميع افراد عائلته،فكان الوحيد الذي يتحدث اليها في الادب والفن وشؤون بلاده السياسية،في حين لاأحد غيره من السادة يتحدث مع الخادمات بغير لغة الاوامر :"هاتي .. أغسلي .. أكنسي .. أمسحي .. جهزي .. أحضري ". في مقطع مستل من الرواية تسرد جوزفين لأبنها عيسى/هوزيه ذكرياتها عن طبيعة علاقتها بوالده :"كنت أغسل وأكنس وأمسح طوال اليوم،لأتفرغ في نهايته لأحاديث الليل،بعد نوم سيدات المنزل،مع ابيك في غرفة المكتب..كنت أحاول أن أجاريه في أحاديثه السياسية وأن أشد اهتمامه،وأستعرض معلوماتي الفقيرة في السياسة..أخبرته ذات يوم بحجم سعادتي لفوز كورازون آكينو في الانتخابات الرئاسية،لتصبح أول امرأة تصل الى سدة الحكم في الفلبين، ولتعيد بذلك الحياة الديموقراطية من جديد بعدأن قادت المعارضة التي اسقطت الديكتاتور فرديناند ماركوس ".
رسم السنعوسي شخصية راشد الطاروف على صورة الرجل المثالي كما كانت تراه جوزفين وكما كان الجميع يراه كذلك،هادئا،يقضي معظم وقته بين القراءة والكتابة في غرفة المكتب إلى جانب اهتمامه بالصيد والسمك بصحبة أعز اصدقائه وليد وغسان،وكانت والدته تعامله معاملة خاصة،فهو رجل البيت الوحيد، فهو آخر الرجال في العائلة بعد أن اختفى الذكور من أسلافه مع سفنهم الشراعية في البحر منذ زمن طويل، وبعضهم في ظروف أخرى،أما البقية فقد حصرت ذريتهم في الاناث .
تعود جوزفين الى الفلبين خائبة مجروحة مع وعد ٍمن زوجها بأن يتكفل برعايتها ورعاية عيسى ــ الذي لم يبلغ من العمرعاما واحدا ًــ طالما هوعلى قيد الحياة،إلاّ أن غزوالعراق للكويت يتسبب في انقطاع الرسائل التي كانت تصلها منه  .
يكبر الطفل عيسى في وسط عائلة جده (ميندوزا ) من جهة والدته والذي ُنسب عيسى إليه فيما بعد ليصبح(هوزيه ميندوزا)وكان هذا الجَد سببا رئيسيا في البؤس والفقرالذي كانت عليه العائلة بسبب إدمانه على المراهنة في لعبة صراع الديكة وضياع راتبه التقاعدي المخصص من الحكومة الاميركية باعتباره أحد الذين خدموا الى جانب الجيش الاميركي في فيتنام  ولم يكن هذا الراتب سوى مائة دولار كانت تذهب دائما ً كل شهر لشراء ديك يدخل به حلبة المراهنات ،هذا اضافة الى ماكانت تجنيه ابنته الكبرى إيدا من مهنتها كعاهرة والتي أجبرها هو على امتهانها فتسبب هذا في تدميرها وتحطيمها رغم ماكانت عليه في بداية شبابها من قوة شخصية جعلتها تعاني من الشعور بالقهر والقرف من هذه المهنة لتقف في لحظة من اللحظات في مواجهة ضد والدها رافضة المصير البائس الذي رسمه لها ولم تتردد في ضربه تعبيرا عن احتجاجها، ومع هذا جرت الاقدار في آخر الامر مثلما شاء والدها ميندوزا لتنحني شيئاً فشيئا ً صاغرة مكرهة لمصيرهاولتنتهي على صورة امرأة واهنة،ضعيفة ومدمنة على المخدرات.
عيسى هو الاخر يصبح جزءاً من دوامة البؤس والفقرالذي يحيط بالعائلة كقدر محتوم ،وبعد أن يصبح شابا يافعا في العشرين من عمره يتنقل بين اكثر من مهنة على أمل كبير بأن يعود في يوم ما إلى الكويت كما وعد بذلك والده راشد الطاروف زوجته جوزفين وهي تغادر الكويت ،هذا ماكانت تقوله والدته عندما تسرد له الحكايات الجميلة عن طيبة وجمال والده وعن اصدقاءه المقربين منه،وليد وغسان،اللذان كانا قد شهداعلى زواجهما . ومع البحث عن لقمة العيش كان عيسى يبحث عن هويته الضائعة مابين الديانة البوذية التي كان عليها جده ميندوزا والمسيحية التي اختارتها له خالته ايدا والديانة الاسلامية التي كانت والدته دائما ًماتذكره بها على أعتبار انها الديانة التي يدين بها والده في الوطن الذي سيعود اليه في يوم ما والذي سيحظى فيه بعيشة رخية هانئة بعيدا عما يعانيه هنا من فقر. عيسى:"لكل منّا دينه الخاص،نأخذ من الاديان مانؤمن به،ونتجاهل ما لاتدركه عقولنا،أونتظاهر بالايمان،ونمارس طقوساً لانفهمها،خوفاً من خسارة شيء نحاول أن نؤمن به ".
ثم يأتي ذلك اليوم الموعود عندما يتصل غسان بوالدة عيسى عبرالهاتف ليخبرها بضرورة عودة عيسى الى الكويت بناء على رغبة والده راشد الطاروف قبل أن يختفي وتضيع أخباره بعد أن كان قد لعب دورا كبيراً في مقاومة الاحتلال العراقي لبلده الكويت قبل أن يتم العثور على رفاته مع اخرين في مقبرة جماعية قرب مدينة كربلاء العراقية بعد سقوط نظام صدام حسين بعدة أعوام.
يعود عيسى الى الكويت، الى المكان الذي شهد ولادته،وشهد العذاب الذي عانته والدته بعد أن اكتُشفت العلاقة التي كانت تربطها بوالده من قبل جدته غنيمة التي خيرته ساعتها بين أمرين،أما أن تعود جوزيفين الى الفلبين وينكرهو ألجنين الذي كانت تحمله بين أحشائها وكأن شيئا لم يكن،أويغادرالبيت مغضوباعليه نتيجة ما قد يحمله هذا الزواج من نتائج سيئةعلى سمعة وشرف العائلة،ومستقبل شقيقاته الثلاث اللواتي سيعزف الخُطَّاب عن طلب أيديهن بعد أن يعلم الناس في مجتمع الكويت الصغيربأمرهذا الزواج الفضيحة الذي لم ولن يتقبله بكل أعرافه الاجتماعية التي تحكمه وتسيَّره حتى وإن تقاطعت هذه الاعراف مع أحكام الدين الاسلامي التي تساوي بين البشر ولاتفاضل بينهم إلاّ بالتقوى .  
كانت عودته الى الكويت بداية التيه الذي أخذه في دروب الضياع والاسئلة التي تبحث عن إجابات وافية لكنها كانت من الصعوبة الى الحد الذي جعلته يتمنى أن يكون شبيها بأخيه الصغيرغيرالشقيق (أدريان) الذي اصيب بعطب في خلايا الدماغ عندما كان طفلا والذي أنجبته والدته بعد زواجها من جارها البرتو بعدسنتين من مغادرتها الكويت وعودتها الى الفلبين:"محظوظ أدريان .. لاتشكل له هذه الاسئلة أي قلق .. لاشك ولاأيمان ..لاحيرة ولاخوف ."
الجنة التي حلم بها عيسى في الكويت لم يجدها،وجد المال لكنه لم يجد العائلة التي كان يبحث عنها :" في بلاد أمي الفلبين كنت لاأملك شيئا سوى عائلة،في بلاد أبي أملك كل شيء سوى عائلة .. إنه قدري،أن أقضي عمري باحثا ًعن أسم ودين ووطن " .
اختار كاتب الرواية سعود السنعوسي أن يبدأ أحداث روايته من حيث أنتهت بعد أن فشلت كل المحاولات التي بذلها عيسى / هوزيه بمساندة أخته غير الشقيقة (خولة) وغسان صديق والده ليكون واحدا ًمن افراد عائلة الطاروف ، فكانت بداية أحداث الرواية عندما بدأ عيسى / هوزيه وهومايزال على أرض الكويت في كتابة سيرته الذاتية مُبتدأمن الفترة التي سبقت ولادته،آنذاك كانت جوزفين تعيش قبل زواجها في الفلبين مع عائلتها الكبيرة المكونة من الجدة  والاب والام والاخت ايدا وشقيقها بيدرو .
الناقد والاس مارتن في كتابه الموسوم نظريات السرد الحديثة الذي ترجمته الى العربية د.حياة جاسم والصادر عن المجلس الاعلى للثقافة في مصر يقول:" التقنيات الخاصة بالرواية تتضمن علاقة المؤلف بالسارد،وعلاقة السارد بالقصة،والطرق التي بواسطتها يوفران مدخلاً إلى عقول الشخصيات وأمورتخص وجهة النظر إذا افترضنا أن المؤلف يحاول أن يحقق تمثيلا ً موضوعيا ً وواقعياً ـ متحرراً من التعليق المتطفل والمعقول الذي يحيل الشخصيات إلى دمى عن طريق الحكم عليها حال تقديمهابفضل الوسائل التي بها تنفذ إلى العقول والاحداث ـ فإن تحليل وجهة النظر يغدو وسيلة لكي نفهم كيفية اندماج الشكل والمضمون في الرواية " . هنا في هذا العمل تمكن السنعوسي في تمثل هذا الفهم المتقدم لطبيعة البناء المعماري للرواية الحديثة وهي تتبنى آليات فنية في منظمومتها السردية من دون أن يستعرض مقترحاتها شكلياً بقصد الاستعراض والتمظهر، وقد نتسائل عن طبيعة الشكل الفني في البناء السردي للرواية وهو بالضرورة ليس الكيفية التي يتم بها سرد القصة على الرغم من أهمية هذا الاطار الذي يقود القارىء الى متابعة مايقرأه إلاّأنه يشمل "بنية الصورة والاستعارة،والرمز الذي ينبثق من الفعل ".
إن حداثة التجربة الروائية للكاتب الكويتي الشاب سعود السنعوسي ــ هذا هو العمل الثاني له بعد عمله الروائي الاول سجين المرايا ــ لم تجعله يقع في فخ الانشغال عن وعي وقصد بالشكل الفني الذي غالبا مايتورط به الكُتَّاب الجدد لجاذبيته أكثر من أي شيء آخر،وذلك في محاولة منهم لأثبات الحضور والتفرد،لكنه في نهاية الامر لن يُغني العمل الروائي بما هو مهم ومفيد،بينما جاءعمل السنعوسي مميزا لاعتماده على تقديم محتوى انساني،وموضوعة حاول فيها أن يتمثلَ الحياة في تنوعها،مع أنه تحررالى حد كبير من الاشكال التقليدية في بناءه السردي للزمن فتلاعب الكاتب في الخيط الواهي الذي يفصل مابين الواقع والخيال وهما القوتان الرئيستان اللتان تشكلان السرد بمهارة تخييلة عالية وقد بدا ذلك واضحا في ابسط صورة عبرشخصية مترجم النص ابراهيم سلام  وشخصية خولة راشد ًمدققة ومراجِعة النص ،وهما بنفس الوقت يشكلان شخصيتان اساسيتان داخل احداث الرواية .
إن تبني الكاتب لحكاية حافلة بتفصيلات واحداث وازمنة واقعية مع تنوع في تقنيات الكتابة أنتج عملا جماليا تمثَّلَ تجربة انسانية أعتمدت بالاساس على أحداث وتواريخ موضوعية،والرواية هنا في هذا النموذج بمثابة "المنطقة التي يُقابِل فيها الوهم (في شكل معتقدات وايدلوجيات موروثة،غرور،تصلب،رغبة رومانتيكية،الرغبة بالتملك)الواقع (الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تكوّن الاساس لتلك القلاع في الهواء ) .  
هذا العمل الروائي يستحق القراءة والتأمل النقدي بما تحمله بنيته السردية من خطاب جمالي أشتغل فيه الكاتب على :تصويرالوعي الانساني بشكل عميق وهو يتصدى للحقائق الاجتماعية والموضوعية التي تزاحمت بين ازمنة تحركت بها أحداث الرواية مابين بيئتين جغرافيتين واجتماعيتين (الكويت والفلبين) بما تحملان من تناقضات واختلافات كبيرة عميقة،من هنا جاءت الكلمة التي تصدرت وسط الصفحة الاولى من الرواية والتي إستعارها السنعوسي من الروائي الكويتي الكبير إسماعيل فهد إسماعيل "علاقتك بالاشياء مرهونة بمدى فهمك لها " لتكون عتبة تمهيدية قبل الدخول الى تفاصيل الاحداث التي يستعيدها عيسى (هوزيه ميندوزا ) وهو يكتب سيرته في سعي منه لفهم قسوة العالم المحيط الذي مازال البشر فيه يقسّمون الى سادة وعبيد وفق قوانين واعراف اجتماعية ثقيلة مبتدأ ً بأسمه JOSE كما "يكتب وينطق به في الفلبين كما في الانكليزية وجوزيه في العربية كما في الاسبانية وفي البرتغالية بالحروف ذاتها يكتب ،ولكنه ينطق جوزيه .أما هنا ،في الكويت ،فلا شأن لكل تلك الاسماء بأسمي حيث هو .. عيسى !.. كيف ولماذا ؟ هو لايعرف لأنه لم يختر اسمه ليعرف السبب ،كل مايعرفه أن "العالم كله قد اتفق على أن يختلف عليه ! وهويتمنى ـ بعد هذا النكران الذي قوبلت به هويته الانسانية ــ  لو كان مثل شجرة البامبو،لاانتماء لها : "نقتطع جزءًا من ساقها .. نغرسه ،بلا جذور،في أي أرض ..لايلبث الساق طويلا ً حتى تنبت له جذورجديدة ..تنمومن جديد ..في أرض جديدة ..بلا ماض ..بلا ذاكرة .. لايلتفت إلى اختلاف الناس حول تسميته ..كاوايان في الفلبين ..خيزران في الكويت ..أو بامبو في أماكن أخرى ".
استعارالكاتب جملة  من خوسيه ريزال محررالفلبين من قبضةالاستعمارالاسباني في بداية القرن العشرين لتكون عتبة الدخول الى الجزءالاول من الرواية"لايوجد مستبدون حيث لايوجد عبيد "ولتتصدر فيما بعد بقية الاجزاء الخمسة جملا ًأخرى لهذا الثائرالذي كان أول من أنتفض على عبودية المستعمرالاسباني فكانت تلك الجمل علامات تشير الى المسار الوجداني الذي تنطلق منه رؤية الكاتب . .
بلا شك هذا العمل الروائي بما طرحه من افكار انسانية وسعي فني واضح للخروج من أطر الانماط الثابتة في البناء السردي يستحق أن يكون في قائمة الكتب التي ترشحت للفوز بجائز البوكر العربية للعام 2013 .


*سعود السنعوسي ،كاتب وروائي كويتي
نشر عدة مقالات وقصص قصيرة في جريدة "القبس" الكويتي كاتب في مجلة "أبواب" الكويتية منذ 2005 وحتى توقف صدورها
عضو في رابطة الأدباء في الكويت
 عضو جمعية الصحافيين الكويتية 2009-2011
صدر له عن الدار العربية للعلوم:
-سجين المرايا، رواية 2010
- ساق البامبو، رواية 2012
حائز على جائزة الروائية ليلى العثمان لإبداع الشباب في القصة والرواية في دورتها الرابعة وذلك عن رواية سجين المرايا 2010
حائز على المركز الأول في مسابقة "قصص على الهواء" التي تنظمها مجلة "العربي" بالتعاون مع إذاعة بي بي سي العربية، عن قصة "البونساي والرجل العجوز"، وذلك في يوليو 2011
حصد جائزة الدولة التشجيعية في مجال الآداب وذلك عن رواية "ساق البامبو" عام 2012
اختيرت روايته "ساق البامبو" ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية "بوكر" عام 2013


  

43
أدب / مُنعطف الوقت ..
« في: 14:33 25/04/2013  »
      

مُنعطف الوقت ..



   مروان ياسين الدليمي

ساعةَ امسَكًتْ الخاتمة ُغفوتَنا
عَبَرنا بلاداً
أستيقظت منازلها على وشم العتاد .
أنَذَاك
ثقبنا أجراسَ الهواء
مُلطّخاً
بأحذية خلفها غُربَاء .

كفَرنَا برائحة التراب
وكأناّ صدّقنا ثانية ً
بأنّا سنشربُ كؤوسَ المشهد ِ
مُعمَّداً بالغَسقْ ،
وأنّ المقاهي ستحل ُّ بعد قليل  لغزَ عُزلتِا
والحكماء سيقطنون عَنابرَمن تورّط  بالحروبِ
والرهاناتِ  الخاسرةِ  ،
وأننا بعد هذا :
لن  نَتَلفَتَ بِرجولتِنا
ولن نرسم أمطارَنا
وشهوتَنا للبحر
ورائحةَ النساءِ .


رحيلنا ،
على تلك النوافذ . .  حِدادْ
مُشتهانا بلادْ  .

فوق كنيسةِ الساعة -1-
كم أيقظَ نعاس الشمس
رنين الناقوس .
كم أقتربنا من  رجولتنا  
وابتعدنا كثيراًعن طفولتِنا
فأنكسرنا
وانكسرنا
وانكسرنا .
حفاةً نمضي  
يُظَلِلُنا الغبار .

بكامل ِوعيِنا
شطَبنا الياسمينَ
مِن وجوهِنا
تعقَّبْنا أناقة النُّعاس في رطوبةِ أزقَّتِنا  
علّقنا رائحة َالاوتارِعلى حيطان ِتوبتِنا ،
كأنَّ رحيلنا
مُذ خَرَجنا من رعشة ِأُمهاتِنا
يلفّقُ المنافي لنا
أينما أتجهنا  .
 


أودّ الانَ
أن لاأستدلَّ على وجهي
أن اشطُب سَمعي
أن أطفىءَ بَصري .

أنحدِرُ بالوصايا
الى مُنعطفاتِ المراثي  
أطيلُ انتظاري بعيدا ً عنها
إلى أن  يأتي نشيدُ العَدم  .

هل أنا هُناك ؟
أستيقظ ُخارج عُزلتي
أروُّض أعترافات أصابعي
أمدُّها من نافذتي
لعلها في لحظة ٍ
قَدْ  تُمسِكُ غيمة ً هاربة ً
من نينوى - 2 - .

خلفَ أسيجة ٍتتعقبني
أجتازُ إنتظاري ،
أنا الغريبُ هناك
كما هُنا .


السكونُ
والرجلُ الطاعنُ في السِّنِ
وسائقُ التاكسي

والعابرون من المنافي تحت قلعة ِأربيل -3 -
كُلهم
يفتحُ خزائنَ الرّيبة ِ
ليستجوب سحنتي  .


مضى العُمر
وانا لاأتقنُ الا ّ لغَتي
في شوارعَ
تهدّمت أُنوثةُ النهار فيها
وتعثّر الكلام  بتجاعيدها .

اليومَ  ، رزمتُ أختلافي مع المُتمترسينَ عند ظلال الخوف ،
وهم  ينصتون بشغف ٍلمشقَّة البلاد .  

نينوى رتَّبَت شكلَ التراب على وجهي
مَشَت بي الى سماء ٍمُرتبِكة  
فهل من بلادٍ  مثلها  ؟
الشمسُ فيها باتت منازل للطارئين
الساعةُ الانَ لهم
ونحن على طاولة ٍللتجاذب
نحدِّقُ في ساعة ِموتِنا.

مُنعطفُ الوقتِ  
لا أبتداء
ولا انتهاء له .

هل أطعنُ ما أقولْ
أم لا أطعنُ ولا أٌقولْ  ؟ .

ماعدتُّ  أٌبصرُ
أيَّ طريق ٍ يقودني للظلمة    
كأناّ تقوَّسْناعلى الأسى
وأفرَغْنَا بريدَ نا على وجه ِالعَتَبات .

هَرَبْنا
ثم أحرَقْنا أسماءَنا خَلفَنا
ومَحَونا ألطريقَ
فهل أخطأنا لمّا شَطَبْنا أخطاءَنا ؟
وإن كنّا لمْ  نَزَلْ
نَقطنُ ما شَطبْنا .

                                                  

         13/ 3/2013
الهوامش
1-من أقدم الكنائس في الموصل
      2-التسميه التأريخيه (الاشورية) لمدينة الموصل
 3-قلعة تاريخية في مدينة اربيل لازالت شاخصة حتى الان



44


يوميات غياب الندى .. للروائي أسعد الهلالي

كثافة اللحظة التاريخية في الذات الساردة


                                                                                                                          
مروان ياسين الدليمي


الذاكرة هي مرتكز محوري إنطلق منه الروائي أسعد الهلالي في بناء مسارب روايته (يوميات غياب الندى) شكلا ً ومضمونا ً،والذاكرة هنا ذاتية /موضوعية ، يتداخل فيها ماهو شخصي مع العام، وليس هنالك من حد ٍفاصل يمكن من خلاله فك الارتباط والتفريق مابين هذين العالمين،اللذان تتداخلت فيهمااحداث الرواية وهي تمتد على مساحة زمنية واسعة بدايتها  كانت في مطلع ستينيات القرن الماضي ثم الحرب العراقية الايرانية في العقد الثامن منه ثم فترة الحصار الدولي على العراق على أثر غزوه للكويت  .
في كل هذه الازمنة يتداخل الخاص مع العام في بنية واحدة متشابكة ومتلاحمة، حتى بات أحدهما يعكس وجه الآخر، ومن خلال هذه الوحدة وهذا التشابك، عكس الكاتب رؤيته الشخصية المتعلقة بتاريخ طويل من عمر العراق المعاصر، يبدأ من منتصف القرن العشرين وصولاًالى ماقبل العام 2003.
تأتي أهمية هذه الرواية في معمارها الفنيّ، عندماالتجأ الهلالي للامساك بمساحة واسعة وفضفاضة من التاريخ العام ليكونَ جزءاً مُندمِجاً ومُتماهياً مع التاريخ الخاص للشخصيات في نص روائي تشكلت عناصره السردية من عتبتي الزمن والذاكرة،بنفس الوقت، نقل الهلالي هذا التاريخ العام، مرة أخرى عبر الخاص،الى العام،بعد أن أدخله في مشغل رؤيتة الابداعية ،معيداً ،من خلالها، تركيبه وتفسيره، وفقاً لمنظومة فلسفية ينطلق منهافي رؤيته للتاريخ العام الذي عصف ببلاده خلال خلال اكثر من نصف قرن من الزمان، كانت قد ارتكبت فيها سياسات الانظمة الحاكمة اخطاءً جسيمة اساءت كثيراً الى حرية وكرامة الفرد، فكان أحمد العراقي نموذجا لشخصية الفنان المثقف الذي وقع ضحية اساليب وحشية اعتادت على ممارستها اجهزة امنية قمعية لاتحترم أدمية الانسان، وهذا مايضطره بالتالي الى الهروب خارج البلاد نحو اليمن في مطلع العقد التاسع من القرن العشرين بعد أن فشلت الانتفاضة الشعبية عام 1991والتي كانت قد عمّت أغلب مدن العراق على اثر النتائج الكارثية التي تمخضت عن قرار غزو العراق لدولة الكويت،وما تلا تلك الانتفاضة من اعمال انتقامية ارتكبتها اجهزة السلطة الأمنيّة ضد المنتفضين والمواطنين على حد سواء .وفي صنعاء عاصمة اليمن تطول مدة لجوئه فيها إلى عشرة اعوام، يعيش فيها غربة قاسية لاتبددها سوها علاقة حب عميقة أرتبط بها مع ندى وهي شابة عراقية كانت قد إلتجأت مع عائلتها الى اليمن مثل عشرات غيرها بعد أن فتكت الحروب ببلدهم العراق،ولكن القرار الهجرة بعيدا عن اليمن الذي إتخذته ندى يضعه في غربة أخرى داخل غربته،لتستيقظ الذاكرة في سردية شعرية مُستعيدة ذاته الاخرى(كما يقول بول ريكور )التي أرختها شوارع اليمن في أدق تفاصيل العلاقة الشخصية الحميمة مع الحبيبة ندى .
جاء المكان في البناء السردي لهذا العمل من غير أن يشكِّل أية اهمية واضحةفي تفاصيله وملامحه التي كرستها تقاليد الرواية الكلاسيكية والواقعية،بينما أكتسب الحدث حضوراً واضحاً،فمركزيةالمكان هنا لاأهمية ولاحضور لها، ولاتشكل للمؤلف عتبة اساسية وجوهرية ينطلق منها في سرد بنيته الروائية،وهذا يعود إلى أن الماضي بكل ثقله لم يرتبط بمكان محدد طالما كانت الشخصيات في حالة هروب دائم ولم تستقر في مكان بعينه .
إذن الحضورهنا يهمين عليه ألحدث،وليس بنية ألمكان التقليدية كما شكَّلتها منظومة الرواية العربية خلال اكثر من نصف قرن،وهذا يعود كما أشرنا ألى أن معظم شخصيات الرواية كانت مطاردة ولم تستقر في المكان الذي ولدت فيه واكتسبت منه طبيعتها الاجتماعية، إنما لجأت مُضطرة ومقهورة الى آمكنة أخرى بعيدة وغريبة عنها.
تبدأ احداث الرواية في مطار العاصمة اليمنية صنعاء عندما يودع (أحمد العراقي) الشخصية الرئيسية حبيبته (ندى)،ألتي ستغادر صنعاء الى مكان آخربعيد،ومجهول،لم يحدده المؤلف،وهي إشارة واضحة الى المصيرالمجهول الذي عصف بالعراقيين خلال الفترة التي تناولتها احداث الرواية :" هدرت محركات الطائرة الفضية .. إبتلع الممر الضيق المؤدي إلى صالة المغادرة آخر الاقدام المسرعة ، مجلللاً بعضها بالدموع والآخر بخفقات قلوب إستلقى فيها فرح غامر أرهقه التقافز حتى أوشك على الانهيار ... " .
وبماأن جلّ الشخصيات قد تعرضت الى الابتعاد القسري عن المكان الذي تنتمي له،لذا كان من المنطقي أن يغيَّب المؤلف الطبيعة الطوبوغرافيةللمكان على حساب حضور الحدث واللحظة الانسانية التي تعيشها الشخصيات وهي تواجه فعل المطاردة من قبل اجهزة السلطة الامنية .  
لم تكن الشخصيات في حالة إطمئنان حقيقي حتى عندما تكون بعيدة تماما عن الامكنة التي هربت منها جغرافياً،لأن الذاكرة الشخصية بما تمتلكه من رصيد كبير اختزنته في داخلها لاتجعلها تحيا بهدوء واطمئنان حتى بعد أن أمست في منأى عن الخطر الذي كان يطاردها،فهي مازالت تننفس وتتنازع مع ماضيها المسكون بالملاحقة والخوف،:"تعلمين أني غادرت جحيمي بقدمين متهرئتين ..وأحتاج إلى الكثير من الوقت كي تتماثل قدماي للشفاء ."
الذات الساردة هنا شديدة الحساسية في فهمها وتفسيراتها لأبسط اللحظات والتفاصيل وهذا يعود لكونها ذاتُ فنانٍ شاب درس الاخراج السينمائي في كلية الفنون الجميلة ببغداد في ثمانينات القرن العشرين قادما من مدينة كربلاء ذات الصبغة الدينية الواضحة جداً، فتقاطع هذا المسار مع ماكان يريده له والده في أن يكون ضابطا في الجيش العراقي،كما تقاطعت أيضاًافكاره اليسارية مع افكار والده القومية، وعلى الرغم من فشلها في حكم البلاد بشكل سليم مرتين ،عام 63 و68 وتسببها بالكثير من الاحداث المؤلمة التي تحملها المجتمع إلاّ أن والده بقي على موقفه المدافع عن تلك الافكار ومبرراً كل اخطائها التي انعكس تأثيرها على مستقبل البلاد فيما بعد .
تبدوالشخصية الرئيسية في هذا العمل(أحمد العراقي ) وكأنها في حالة من الترنّح منذ اللحظة الاولى التي يلتقي بها القارىء ، فهي تبدو شخصية فاقدة للطمأنينة التي كانت قد تبخرت في الحرب العراقية الايرانية:-" مع أول عروس شهدتُ زفافها بملابسها البيضاء المبرقشة باللؤلؤ الصناعي ..وباقة الورد التي بعثَرَتها على عريسها المضطجع بأستسلام في نعشه وفي جبهته رصاصة بدت لعيني عروسه قبل تكفينه كقبلة حلمت ذات يوم بعيد أن تطبعها على جبينه الضاج بالرجولة والكبرياء ،عشقته فتى وشاباً ولاتملك إلاّ أن تنثر الزهور على سكونه وقد أرسلته إليها الحرب في يوم زفافه غارسة في جبهته قبلتها البارودية "
كانت الاعوام العشرة التي قضاها في الغربة بعيدا عن وطنه العراق كافية لأن يستحضر فيها السنين التي مضت لتأتي متدحرجة بعدأن خاض فيها تجربة مُرّة لايمكن أن تشطبها الذاكرة :" اضطررتُ إلى دفن سنواتي في مقابر من كانت الحرب تبعث إلينا بأشلائهم من أصدقاء ندفنهم دونما نظرة أخيرة ودونما وداع أخير .. وغالباً ما نستعجل دفنهم مع بقايا رائحة زنخة اختلط فيها التفسخ بأكداس البارود والغازات الكيمياوية السامة أحيانا .. غالباً ما كان النعش مسمراً وخطوط حمراء تنصّ على أن يدفن القتيل بنعشه وحين أصرت إحدى الأمهات على فتح تابوت ابنها معاندة بنادق الحراس عثرت على أشلاء لها ثلاثة أقدام وذراع واحدة ودونما رأس .. كفت المرأة عن البكاء .. كانت موقنة أن ابنها لم يمتلك قدماً ثالثة طوال حياته.. غادرت القبر فوراً ولم تعد لزيارته .. أعلنت أنها ستنتظر عودة وليدها.. بعد عشرة أعوام من انتظار سقيم أخبرت جارتها أنها ستبحث عن ابنها في دار الله المطلة على الأرض جميعاً.. كانت موقنة من أنها ستعثر عليه .. قرؤوا ذلك في عينيها المشرعتين حين أغمضوهما الإغماضة الأخيرة في اليوم التالي .. ودفنوها في قبر بارد مجاور لأشلاء من ظنوه ولدها الذي جلبت أشلائه الحرب قبل عشر سنين.. زارت جارتها القبر في الخميس التالي فوجدته حفرة غائرة لا تحوي سوى قطعة من الحجر هشم بها أحدهم أو إحداهن.. لا أحد يدري .. شاهدة قبر قتيل الحرب" .
الزمن التاريخي الذي شهد الوقائع والتفاصيل كان منصّة سُجلت عليها الاحداث.. هذا الزمن عادة ما يمتلكه الكاتب ليحيله في بنيته السردية الى بنية جمالية يمرر فيها أحاسيسه التي شكلت ذاته  في تحولاتها، فكانت تجربة الجنس المبكرة لأحمد العراقي مع جارتهم أميرة زوجة الشهيد سالم عبيد الذي سقط في حرب أكتوبر /تشرين عام 1973 التي جرت مابين العرب ودولة اسرائيل، فكانت تلك أولى تجاربه الحسية وهو لم يزل مراهقا، لتقرَّ حتمية زمنية جاءت في سياقٍ خارج ماكانت  الذات مهيئة له  :" تشبثت كفي بالراديو حين حاولت أميره جذبه .. ظننتُ أنها تود سرقته .. وفوجئت تماماً حين رمته جانباً بإهمال .. تعاظمت مفاجئتي حين جذبَتْ بيجامتي لأبدو كدجاجة قرعاء وأنا منكفئ على جسدي الذي لم يحتم ِسوى بسروالي الداخلي الذي لم يصمد على جسدي طويلاً إذ جذبته أميرة سريعاً فغطيتُ ما ظهر مما لا يجب أن يظهر بكفي.. فحّ صوتها ..
ـ لا أظنك تعرف شيئاً ؟
أجبتها ..
ـ ما الذي يجب أن أعرفه ؟ ..
رددتْ ..
ـ سأعلمك .. سأعلمك ..
أسرعت بخلع جلبابها الأسود فبان عريها لامعاً كالمرآة .. أشارت لنهديها ..
ـ ما هذان ؟
ـ ثديان ..
ـ لماذا غرزا في صدري لا صدرك ؟
ـ لأنك تُرضعين بهما ..
ـ حسنٌ .. ارضع قليلاً ..
ـ لكني فطمتُ منذ سنين بعيدة ..
ـ ألا تعلم أن ثدي المرأة وجد ليرضعه الطفل والرجل ..
ـ لا أعلم .. سأسأل أمي ..
ـ لن تسأل أمك أسئلة كهذه .. ما ترضعه كبيراً ليس ثدي أمك بل ثدي آخر .. ثديي مثلاً .. تعال ..
اقتربت مني .. رمقتني بنظراتها المضطربة فأخافتني .. اقترب فمي مرتبكاً من حلمتها .. رضعت وجلاً أول الأمر ثم انتابتني بعض اللذاذة .. بعد قليل كان كفاي يعتصران نهدها النافر كقبة وشفتاي ترتشفان لعابي الممتزج بعسل نهديها ".
كانت تلك التجربة اكتشافا مدهشا منحته الخبرة التي إستعان بها فيما بعد في تفجير روح العبث المتجاور مع عواطفه المتفجرة بين اروقة كلية الفنون الجميلة .
شخصية  أحمد العراقي تبدو وكأنها مازالت في حالة من فقدان القدرة على التركيز والاستقرار رغم مرور عشرة أعوام على العيش بعيدا عن وطنه الذي طالما الموت طارده فيه :-" أيّة طمأنينة ستمكث وكل بيان بهجوم يعني سربا لامتناه من النعوش واليافطات السوداء التي تكحل عيون الازقة ؟ " ..
تعيش هذه الشخصية حالة من الفوضى الدائمة،بين أوراق وصورتعود للحبيبة ندى التي غادرت الى غربة آخرى،لتتبعثر الذكريات من حوله،فتحيط به،هنا وهناك :"صور ..صور .. بعثرتها لأهمي بعيني الناثة رحيقها،مرتشفاً جبهتها الوديعة وأنفها الغائص في الذهول وشفتيها المبتسمتين في شفتيّ برقة لاموطن لها إلاّ ندى " .
يتّخذ المؤلف من صيغة المذكرات اليوميةوسيلة سردية في إدارات دفة احداثٍ بعيدة وقريبة إكتظت في ذاكرة متعبة وخائفة وحزينة عبَّر عنها المؤلف بصيغة ضمير المتكلم،يبدأها بتاريخ محدد 7/ 8 / 2001 ثم 8/ 8 / 2001 وهكذا تتوالى التواريخ اليومية متتابعة لتنتهي بالتالي بنهاية مفتوحة بهذه الجملة :"صنعاء  2001 " .
عمل المؤلف بآلية السرد هذه على استحضار الماضي من الماضي نفسه،
يوماً بيوم،وأعاد تركيب ماجرى فيه من أحداث من خلال رؤية المخرج
 السينمائي أحمد العراقي، وهي رؤية لاتخرج في شكلانيتهاعن إطارتيارالوعي في الرواية الحديثة ،أيضاً جاء بناء كل مشهد فيها وفق التركيبة السينوغرافية للمشهد السينمائي،كما لم يخرج في رؤيته هذه عن الاطار الواقعي، رغم الطاقة الشعرية التي عبّأ بها لغته وهو يشتغل عليها في إعادة تركيب الحدث من جديد :"بدت الكتل المبتلة بمطر الليلة الفائتة منتصبة على جانبي الطريق..يتكئ بعضها على بعض،هامسة بوحها الساخر لما اكتنزته ذاكراتها بما اختبأ خلف جدرانها المستسلمة لدفء الأنفاس اللاهثة،جدران تركن للصمت والسكون مشرعة مسامات التلصص الملتذة على جسدين إحتويا عريهما بين الجدران، هاربين من سياط الآخرين اللاسعة،يخبئان توقهما أول الأمر عن فضول مسامات الجدران .. يتبادلان نظرات يطفر إلى مآقيها الوله.. ينساب دخاناً لا مرئياً يلفح الوجه الآخر.. يمتزج الدخان .. تجذبه المآقي فيجذب إلى مركزه الوجهين الموشكين على الذوبان .. تبتلع المآقي دخان الوله ليغدو لعاباً سكرياً عاتي اللذة يكسو الشفاه المتلاصقة .. يمتزج .. تذوب الشفاه في اعتصار يرتج لعنفه قلبان يطفح دفئهما فيطرد ما علق بالجسدين من خِرَق .. تشرع الجدران مساماتها مرتشفة الالتصاق الأفعواني العابث للجسدين المهتاجين .. وتسرع عند بزوغ الفجر لبعثرة ذاكرة الليلة الفائتة في آذان الجدران الأخرى .. تقهقه جدران صنعاء ساخرة من انكسار قلبي فوق رصيف فندق الشلال باحثاً بعينين نهمتين عن بقايا خطواتنا المرتبكة.."
بعد أن يودع أحمد العراقي حبيته ندى التي عشقها بجنون كما عشق من قبل وفاء ونهال في كلية الفنون الجميلة :" أ أخبرتك يوما بأني لم أشعر بالطمأنينة حتى التقيتك؟ " . . يعود أدراجه الى شوارع العاصمة صنعاء مجتراً ذكرياته التي اكتنزت انفاسهما اللاهثة خلف جدرانها. :" تستقبلني جدران منزلي ..أطرق رأسي خجلاً ..سألتني صورة الفراشة الحائمة حول الشمعة المتلألئة عن ندى .. إزداد رأسي إطراقا .. تمتمتُ .
ـ غادَرتْ ..
أسرعت الفراشة بالطيران صوب لهب الشمعة فضجت الصورة برائحة شيّها .. قفزت من عيني دمعتان لابدتان في زاويتيهما المحمرتين لفرط العواء .. درتُ حول الجدران مرتشفاً رائحة ندى الفائحة من مسامات الجدران وزوايا اللوحات المعلقة وبين أضلاع التمثالين البرونزيين الصغيرين.. كانت ندى ماثلة في زوايا المنزل.. بقايا ضحكة مكركرة في حجرة النوم لم تجذبها معها ساعة مغادرتها ".
ختاما نقول إن رواية يوميات غياب الندى تستدعي قراءتها أكثرة من مرة بعد أن توفرت فيها لغة سردٍ ثرية ومكثفة عمل فيها الهلالي على انجاز بنية فنية تحمل مفرداتها حساسية شعرية عالية أضافت نسقا متعالقاً مع تركيبة الاحداث والشخصيات .



45
المنبر الحر / فيلم ..حياة باي
« في: 20:32 19/03/2013  »
نقد سينمائي 

فيلم ..حياة باي
Life of pi






              الذَّات .. فضاءٌ إنسانيٌ فسيحْ،لتقويض ِسُلطة ِالواقعْ



                                                                                                            مروان ياسين الدليمي

 إخراج   :  انج لي 
كتابة     : دايفيد ماغي
بطولة   : سراج شارما – ايرفان خان
انتاج    : 2012

قراءتنا النقدية لبنية الشريط السينمائي(باي) تشيرإلى أن سردية خطابه الجمالي قد إستعارت حبكتها الدرامية من تركيبة معمارية سوَّغت حضورها القيمي عبر مقاربة حركية للبناء السمفوني،تهيكلت منظومتها البصرية والسمعية على قاعدة بنائية تآلفت فيها في أربع حركات (سريعة ،بطيئة ،سريعة ،بطيئة) ،هذا السياق الفني الذي أجترحه خطاب الفلم ابتغى من خلاله استدراج المتلقي في كثافة أزمنة ٍ متوالية (ماضي وحاضر) تعالقت فيها الحكاية في مستوياتها وارتداداتها الى مواجهة عميقة مع ذات قلقة جامحة وهي تتأمل وتنفتح على الآخرفي بؤرة مركزية فضائها براءة الطفولة البشرية في تفردها الديني المُتمَنّع عن الانغلاق والانزواء، فأنسابت حكاية الفلم لتكشف في نسقها الذاكراتي امكانية تواشج الميراث الروحي ( الاسلامي والهندوسي والمسيحي ) سعياً ً من صنّاع الفلم العثورعلى نقطة التقاء تتجلى فيها معاني الوحدة الانسانية بين البشرعلى اختلاف منظوماتهم الدينية،هذا اضافة الى ماتوفر فيه من جنوح كبير في استثمار المؤثرات التقنية ( فن الكرافيك ) في تقويض سلطة الواقع والوصول الى ابعد نقطة في استثمار المخيلة البشرية للحاسوب بإيجاد بديل رقمي تتوفر فيه كل ماتصبو إليه رؤية الفنان من صور جمالية معبأة بأنساق لونية وبصرية يكتمل حضورها الآسر في عالم كرافيكي يعجز الواقع عنها وهذا ما رشحه لأن ينتزع جائزة الاوسكار للمؤثرات البصرية .
الحركة الاولى
بعدأن إستعادت الحكومة الهندية أرضا ًمؤجرة من قبل عائلة  كانت قد اقامت عليها حديقة للحيوان يضطر ربُّ الاسرة الى اتخاذ قراره بالسفرالى كندا مع جميع أفراد عائلته لغرض بيع الحيوانات مقابل مبلغ من المال يكفيهم للبدء بحياة جديدة هناك،وشاء القدرأن تغرق السفينة في عرض البحر بمافيها من طاقم وركّاب وحيوانات بأستثاء ناج ٍ واحد هو:باي الابن الاصغر للعائلة مع مجموعة صغيرة من الحيوانات مؤلفة من نمر وحمار وحشي وضبع وقرد .
بعد أكثر من عشرين عام على حادثة الغرق يأتي كاتب روايات كندي ليزور باي في بيته بكندا التي أستقر فيها،لأجل أن يسمع منه تفاصيل ماجرى ،جاء اليه بعد أن سمع بقصته قبل عدة أعوام عندما ذهب في رحلة الى الهند ليؤلف كتابا ًوهناك التقى عن طريق الصدفة في مقهى مع مدرب باي للسباحة (ماما جي) أيام كان طفلا صغيراً،كان هذا المدرب مغرما بأحواض السباحة ولايمكنه مقاومة أي حوض يراه إلاّ ويسبح فيه،لكن حوضا للسباحة في باريس بقي عالقا بذاكرته واعتبره أجمل حوض رأه في حياته وكان اسمه(بيسين موليتور باتيل) ولشدة اعجابه به أوصى صديقه والد باي أن يسمّي أسم طفله القادم على أسم الحوض ،فسمى باي(مختصر بيسين) تيمنا ً بذاك الحوض إلاّ أن خطأ في لفظ الحرف الاخير من قبل أصدقائه في المدرسة حوّل أسمه الى(بيسيج)بدلا ً من بيسين ليتحول بذلك معنى الاسم من حوض جميل للسباحة الى مرحاض هندي وسخ،فكان ذلك
 يثير سخرية الاطفال منه ،بل إن المدرسين أنفسهم باتوا هم ايضا ًينادونه بالاسم الخطأ،ولم يعد يجدي نفعا كل المحاولات التي كان يبذلها لتصحيح اللفظ حتى عندما استعدَّ في فترة العطلة الصيفية بشكل جيد فجمع معلومات جمّة عن معنى ودلالات أسمه، توزعت مصادرها مابين الجغرافية والتاريخ الاغريقي الى علم الرياضيات،ولمّا إبتدأ العام الدراسي إستعرض أمام طلاب المدرسة الذين كانوا يتجمعون في قاعة الدرس مع المدرسين لمراقبته وهو يكتب المعلومات الغزيرة على السبورة بعد أن كان قد حفظها عن ظهر قلب،ولم تجد نفعا كل محاولاته تلك لتصحيح الخطأ كما لم تفلح أيضا سخرية الطلاب في ثنيه عمّا كان يبحث عنه من التصالح والتسامح  بين الاديان داخل ذاته القلقة رغم صغر سِنِّه،إذ كانت موضوعة الاله المعبود من البشر بتسمياته المختلفة وفقا ًللاديان التي يمثلها هي التي قد استولت على تفكيره وأمست مصدر أهتمامه الوحيد مثلما كانت هواية جمع الطوابع ولعبة الكريكت مصدر إهتمام شقيقه وبقية الاطفال،خاصة وأن البيئة التي يقطنها كانت تتعايش فيها الديانات الهندية والاسلاميةوالمسيحية، فقد ولد(باي) في حي هندي مجاور لحي يسمىَّ بالمنطقة الفرنسية لأن من كان يقيم فيه فقط هم من الجالية الفرنسية،فيما بعد استلمتها الحكومة الهندية من البريطانين بعد نيل الاستقلال عام 1954،يجاورهذه المنطقة الجميلة التي  كانت تبدو وكأنها قطعة من جنوب فرنسا حي آخر يسكنه مسلمون وآخر يسكنه هندوس،أما عن الديانة المسيحية فقد تعرف عليها  باي عندما كان يذهب سنويا ً مع عائلته في العطلة الصيفية وهوفي عمر لم يتجاوز الثانية عشرة لزيارة اقارب لهم يقيمون في قرية سكانها من زارعي الشاي تقع في منطقة مونارالجبلية،ولأنه كان يشعر بالملل هناك مع شقيقه الاكبر أبتكر الأثنان لعبة تحديٍّ بينهما من باب التسلية وقضاءالوقت،تقتضي أن يذهب باي الى كنسية معزولة تقع على مسافة قريبة من القرية وأن يدخلها ليشرب من الماء المقدس،وبعد أن شرب الماء إلتقي برجل دين مسيحي طلب منه باي أن يفسر له :"لماذا أرسل الله إبنه المسيح ليدفع الثمن عن ذنوب عامة الناس ". فيجيبه القس :"لأنه يحبنا، فالاله جعل من نفسه بشريا ً ليتواصل معنا ولنتمكن من فهمه،فنحن لانستطيع أن نفهم الاله وكماله،لكننا نستطيع أن نفهم إبن الاله ومعاناته،فيما لوكنّا أخوة "
بالنسبة له كان هذا جواباً غير منطقي ! فما معنى تضحية الأبرياء للتكفير عن خطايا المذنبين !؟ . مما دفعه لأن يتسائل مع نفسه  :"مانوع هذا الحب ؟ ". .لكن ذلك الابن( المسيح)المضحي تكفيراً عن خطايا الاخرين لم يستطع أن يخرجه من رأسه،وبقي يتأمله ويفكرفيه،لتستيقظ في داخلة أسئلة أخرى:" إذا كان الاله كاملا ونحن لسنا كذلك فلماذا أراد أن يخلق كل هذا؟ لماذا يحتاجنا ؟". .ليجيبه القس في زيارة أخرى :"كل ماعليك معرفته أنه يحبنا  ". وكلما إستمع باي الى الكاهن خلال زياراته التي تكررت،كلما أحب إبن الاله. .يقول باي اثناء سرده لسيرته :"اهتديت لطريق الايمان من خلال الهندوسية ووجدت حب الاله عن طريق المسيح،لكن الاله لم ينتهي مني بعد،وفي إحدى المرات يمر باي بالقرب من أحد الجوامع فيشاهد المصلين المسلمين وهم يؤدون فريضة الصلاة، فيجد الاله هنا ايضا مرة أخرى وهو يقدم نفسه اليه مجدداً،ولكن هذه المرة بأسم آخر ( الله )فيدخل الى الجامع ويبدأ بالصلاة مع جموع المصلين المسلمين .هنا يعترف باي أمام الكاتب الكندي وهو يسرد له قصته في هذه المرحلة من طفولته :"رغم أن لغتي العربية لم تكن جيدة لكن الصوت والشعور بالكلمات قربتني أكثر الى الاله،وبأدائي للصلاة،أمست الارض التي كنت ألمسها بجبهتي أرضا مقدسة،كما أنني وجدت شعوراً بالسكينة والاخوية".
هذا الحوار يأتي تفسيرا ًلأول جملة كان باي قد نطق بها مع  بداية الفلم عندما قال :" أفعال الفرد هي التي تحدد مصيره.
والد باي كان له أثر كبير في أن يكون له عقل متفتح ليس من السهل خضوعه لكل الحكايات والاساطيرالتي تتحدث عن الالهة،فكان يقول له ولشقيقه وهما يسمعان ويقرأن قصصا ً عن الالهة :"لاتدعوا القصص والاكاذيب الجميلة تخدعكم ياأولاد . . الدين مُظلم " فكانت ثقافته هذه جزء من ثقافة الهند الجديدة التي ولدت بعد الاستقلال، كما أنها جاءت بعد تجربة مريرة كان قد مر بها (والد باي )عندما كان طفلا مصابا بشلل الاطفال وأعتاد أن يستلقي على السرير مستسلماً محطماً وهو يتألم ويتسأل: أين الاله؟.. في النهاية الاله لم ينقذهُ، بل أنقذه الدواء الغربي.!
وفي واحد من المشاهد المؤثرة التي يستذكرها باي،عندما كان صغيراً ،مشهد كان قد جمعه سوية مع أفرادعائلتة اثناء تناول الطعام،في هذا المشهد وقبل الشروع بتناول الطعام يبدأ باي بأداء طقوس صلوات الديانات  الثلاثة التي عرفها(المسيحية والهندوسية والاسلام)،وهذا ما يدفع والده لأن يقول له متندرا ًبعد أن انتهائه من اداء الصلوات :" أنت بحاجة الى أن تتحول الى ثلاثة أديان أخرى،وعندها سوف تقضي حياتك كلها في عطلة ". ثم يكمل شقيقه بنبرة ملؤها السخريةماكان قد بدأه والده من ملاحظة:"هل انت ذاهب الى مكة هذه السنة ايها المعلم يسوع ؟ أم إلى روما من أجل الاحتفال ،كالبابا بيوس ؟
والدة باي سيدة تنتمي الى طبقة برجوازية بخلاف والده الذي ينتمي الى الطبقة المتوسطة ،تحمل وعياً عاليا ً بذاتها دفعها الى معاندة أهلها والزواج ممن تحب رغم الفارق الطبقي بينهما،وكانت قد التقت به حينماجاء لتنفيذ مشروع حديقة للحيوانات داخل جزء من الحديقة العامة التي كانت هي تشرف عليها في المنطقة الفرنسية،لأنها كانت تحمل شهادة جامعية في اختصاص علم النباتات الطبيعية.
والدة باي كانت قد انتبهت ألى مايشغل ابنها من اهتمامات بعيدة تماما عن اهتمامات اقرانه،لذا كانت تقول عنه إنه :" مايزال يبحث عن طريقه".لكن والده كان يجابهه برأي آخر:"لايمكنك اتباع ثلاثة اديان في نفس الوقت،لأن الايمان بكل شيء في نفس الوقت هو نفسه كعدم الايمان بأي شيء على الاطلاق،وليس من السهولة العثورعلى الطريق ّإذا لم يخترالانسان مسارا  ما، وعليه بدلا ًمن القفز من دين إلى آخر،لماذا لاتبدأ بسبب ما؟ فالعِلمٌ قد جعلنا نفهم الكون بصورة كبيرة أكثر من الذي فهمناه من الدين خلال عشرة الاف سنة،وبنفس الوقت أنا لاأفضل أن يجعلوك تؤمن بأشياء كثيرة غير متوافقة بل أفضِّل أن يجعلوك تؤمن بشيء أنا غير موافق عليه عن قبولك لكل شيء بشكل أعمى،وهذا يبدأ بالتفكير المنطقي "
إلاّ أنَّ والدته كانت تؤكد له بأن :" العلم يعلمنا فعلا اشياء كثيرة لكنه لايستطيع ان يعلمنا اشياء في داخلنا ." 
يبقى باي  طيلة فترة طفولته ومراهقته باحثا ًعن شيء ما يجلب له معنى لحياته،وكان لقائه بأندي الفتاة الجميلة التي تعرف اليها في حلقة لتعلم الرقص الهندي التقليدي الذي هو جزء من طقوس العبادة الهندوسية التي يعبد فيها أكثر من 33 مليون إله،عندما حلَّ باي مكان معلمه الذي كان يدرسه الموسيقى بالعزف على آلة الطبل والذي غاب في أحد الايام ليكتشف حقيقة مهمة من خلال ماكانت تقوله مدربة الرقص من أنَّ "عدم التركيز لن يُمكِّن الانسان من التعبيرعن حبه للأله من خلال الرقص،وعلى الراقص أن يشعر بالارض تحت أقدامه،وأن يفتح نظرَه للافق،وأن يدع الطاقة الروحية تمر من خلاله الى العالم في أي مكان وكل مكان."
تأتي لحظة التحول الكبرى في حياة العائلة المستقرة بعملها الناجح في ادارة حديقة الحيوان عندما يقررمجلس المدينة إيقاف الدعم للحديقة واستعادة الارض المؤجرة لهم،فيقررالاب مغادرة الهند الى كندا ليبيعوا الحيوانات هناك. . وبعد مشهد ِوداع ٍوحيد لحبيبته لن يحظى بمثله بعد ذلك مع كل احبتة الذين سيفقدهم فيما بعد في رحلته،يرحل باي على متن باخرة يابانية مع عائلته إضافة الى الحيوانات .
ترحل السفينة اليابانية لتمرَّ في أعمق نقطة في البحر بالقرب من أحدى جزرالفلبين،وهنا تأتي عاصفة رعدية هوجاء في تمام الساعة الواحدة وخمس عشرة دقيقة بعد منتصف الليل بينما كان الكل نيام بأستثناء باي ،الذي يجد نفسه مندفعا بفرحٍ الى سطح السفينة،مستهينا بالبرق والرعد والعواصف، وغير مدرك لخطورة مايجري من حوله، فيواجه البحرالهائج برقصة بريئة يعبِّرفيها عن دهشته وفرحته بما يرى،وماهي إلاّ لحظات حتى تبدأ أمواج البحر بأغراق السفينة،فيجبره طاقمهاعلى النزول في قارب إنقاذ صغير سرعان ما ينفلت الحبل الذي كان يربطه بالسفينة لتأخذه الامواج الهائجة بعيدا ًعنها وليجد نفسه وحيدا ً وسط البحرمع حمار وحشي وقرد وضبع ونمرٍ متوحش،ومن بعيد يرى السفينة تغرق ويبتلعها البحر بكل افراد عائلته ولم يتسنى له فرصة توديعهم .
الحركة الثانية
في هذا الجزء من الفلم يعيش باي رحلة قاسية وموحشة لم تكن تخطرعلى باله يتداخل فيها الحلم مع الواقع فكانت :إختباراً لكل ماكان يبحث عنه وامتحانا ً صعبا ً لأرادته وشجاعته وضعفه وانسانيته وهو يواجه أخطارا ً شتى في عرض بحرهائج وحوله عدد من الحيوانات المتوحشة التي تبدأ صراعا ًعنيفا مع بعضها من أجل البقاء حتى يتمكن النّمر من افتراسهم جميعا ليبقى بمواجهة مع باي .
هنا لم تعد تجدي نفعا ًصرخاته في حلكة الليل وسط بحرهائج ولاكلمات الاعتذاروالاسف من والديه .
في هذا الجزء المهم  من الفلم يلعب فن الكرافيك دورا ًكبيرا ًفي صنع بيئة ساحرة بواقيعتها وجمالها وتكويناتها وألوانها، تتألف مفرداتها من سماء وغيوم وبحر وقارب وليل ونهار وأمواج ومايختزنه البحر من أسماك صغيرة وكبيرة،فكانت عملية صنعها متقنة جدا ً،عكست ماتوصل اليه فن الكرافيك من أمكانات هائلة لاحدود لها في خلق ماكان يبدو مستحيلا الى فترة قريبة ً، فبعد فلم (300 محارب) للمخرج زاك سنايدر إنتاج عام 2007 وبكلفة قيمتها 65 مليون دولار عن رواية للكاتب فرانك ميلر والتي كانت معظم مشاهده بما فيها المعارك قد تم تصويرها داخل الاستديو أمام شاشات خضراء ليتسنى بعدها لطاقم الكرافيك من مسحها وإحلال مكانها كل الديكورات والامكنة التي تجري فيها الاحداث،فكان هذ الفلم بداية جريئة وثورية في تاريخ السينما المعاصرة تبعته بعد ذلك تجارب أخرى، فأصبحنا في حيرة من امرنا ّلم نعد نستطيع التمييز في مانراه على الشاشة هل هو عالم كرافيكي أم أمكنة طبيعية؟ بما ذلك مفردات فلم باي (السفينة والبحر والنمر والقرد والضبع والحمار الوحشي والجزيرة والغابات والينابيع ) إضافة الى جمالية الالوان والصورة والتكوينات التي كانت في غاية البذخ والسحر، فكانت أقرب الى الخيال منها الى لوحات انطباعية .
في هذه  المرحلة من الصراع وسط البحر يبدأ باي بتسجيل مذكراته عن المشاق التي بدأ يواجهها دفاعا عن وجوده وحياته وعن حقيقة الاله الذي لم ينسه في خضم هذه المحنة، بل بقي يبحث عنه ، وفي لحظة عاصفة يجد نفسه يخاطب السماء :" أيها الاله أنا أهبك نفسي،أنا خادمك،أيّا ً كان ماسيأتي، أريد أن أعرف  "
كانت هذه الجملة إختصارا لمحتوى الشخصية الرئيسية التي كانت تبحث عن المعرفة وسط ثقافة دينية متنوعة ومختلفة تتعدد فيها تسمية الأله الذي يعبده البشر وصولا الى الطمأنينة والسعادة .
رحلة التأقلم مع البحر بدأت عندما باي بقراءة كتيب صغيرعثرعليه بين صندوق أغذية معلبة وجده في زاوية من القارب،كان الكتاب عبارة عن مجموعة من الارشارات والنصائح لمن يجد نفسه وحيدا ًفي عرض البحر فكانت تنصحه بأن يبقى منشغلا،وأن يتجنب المجهود الغيرضروري،لذا عليه أن يُشغِل العقل بأوراق اللعب أوالاجابة عن العشرين سؤال الموجودة في الكتاب أوالغناء، بأعتباره طريقة آخرى لرفع الروح المعنوية،وقبل كل شيء أن لايفقد الامل،وفي ذروة الصراع الشرس بينه وبين النمر،  يبدأمرحلة ترويضه ويفلح في ذلك،ليصل الى نتيجة مفادها :"لولا وجود النمر لما شعر بالطمأنينة والسلام".
ثم تأتي عاصفة قوية يجد فيها باي نفسه وكأنه يرى وجه المسيح وسط البرق والرعد والمطروالغيوم الكثيفة والبحر الهائج، فما كان منه إلاّ أن يخاطبه :"أيها المسيح أنا أحتاجك،أيها الاله،اشتقت لكلماتك،أيها الرحيم العطوف ".  . كان باي فرحا جدا ًساعتها،حتى أنه بدأ يخاطب النمر :" أخرج من مخبئك لترى كم هو جميل،إستعد لقد جاء من اجلنا ". .  لكنه عندما يجد النمر خائفا جدا ً يشفق عليه فيبدأ بمخاطبته محتجاً .:" لماذا تخيفهُ، لقد خسِرتُ عائلتي .. انا أستسلم .. ماذا تريد غير ذلك "

الحركة الثالثة
في هذا الجزء  من الفلم يصل باي الى غابة خضراء هي أقرب الى صورة من الخيال منها الى الواقع،بقعة لايتواجد عليها بشر، فقط اشجار وأعشاب وبرك مياه عذبة وأعداد هائلة جدا من حيوان صغيرأليف أسمه السرقاط وليكتشف باي بعد ذلك،أن اشجارالجزيرة ليست سوى أكلة ٍللحوم البشر، وأن كل ماموجود على الجزيرة خلال النهارمن مياه عذبة يتحول في الليل بفعل مادة كيميائية الى حوامض تحلل الاسماك،كما أن صوت حيوانات السرقاط المخيف يدفع النمرإلى أن  يجري هاربا نحو القارب ليبيت فيه طيلة الليل مقابل الجزيرة، وعندما أراد باي أن يأكل ثمرة إحدى الاشجار إكتشف سناً ً بشريا ً داخلها ولم يكن سوى سن إنسان مسكين تائه مثله،وجد نفسه على الجزيرة في يوم ما فأعتقد متوهما ًبأنه سيبقى حيا ًالى الابد في هذا المكان، لكن ماأعطته أياه الجزيرة في الصباح أخذته ليلا .
وكأننا هنا أمام احدى حكايات الف ليلة وليلة لاعلاقة لها بالمسار الواقعي الذي ابتدأت به حكاية الفلم . وهذا جزء أساسي من حبكة الفلم الجمالية التي زواجت مابين الحلم والواقع والذي يلتقي مع طبيعة باي الشخصية الرئيسية للفلم التي تحيا في منطقة متأرجحة مابين الواقع  واحلامه التي تنأى به بعيدا جدا فتتوحد فيها البشرية بأديانها وطقوسها .
 يواصل باي حديثه للكاتب الكندي فيقول :" لم احتمل أن أموت رغم الوحدة التي سأقاسيها،لذا كان علي أن أعود الى العالم أو الموت مُحاولا ً". ليكتشف  بعد تجربة السِّن الذي عثرَ عليه،أنَّ الاله حتى بعدما تخلى عنهُ كان يراقبه ويدعمه،وعندما كان قد فقد الأمل بالنجاة أعطاه الدعم وأعطاه إشارة لكي يتابع رحلته. 
يصل باي بقاربه إلى الساحل المكسيكي خائرالقوى،وينزل النمر بهدوء على رمل الساحل متجاوزا ً باي المطروح على الساحل ،متجهاً نحو الغابة دون أن يلتفت إليه، وليختفي إلى الابد، ولم يتسنى لباي توديعه هو الآخر كما حصل مع بقية افراد عائلته.
وما أن يصحو من غيبوبته بعد أن يتم العثورعليه من قبل الصيادين حتى يبدأ في البكاء كما لوأنه طفل صغير ضائع وليس ذاك الشاب الشجاع الذي واجه البحر والعواصف،لذا يقر باي أمام ألكاتب بما كان والده قد قاله له:" النمر لم يكن صديقا لك لتقترب منه " جاء حديث والده هذا بعدما كان باي قد تسلسل دون علم والده برفقة شقيقه الاكبر،وذهب الى قفص النمرفي الحديقة، محاولاً إطعامه قطعة لحم، فأمست المسافة قريبة جدا بينهما  وأمسى الموت قريبا جدا منه كذلك . .
ماترك فيه من أثر مؤلم هو:عدم وجود فرصة لقول كلمة ،وداعا، "أنا أشعر بالألم لأنني لم أتمكن من شكروالدي على كل ماتعلمته منه،ولأخبره أيضا ،أنني بدون دورسه التي علمني أياها  لم اكن لأنجو أبدا ً، أعلم أنه ليس سوى نمر، لكنْ ، كنت أتمنى أن أقول له شكرا ًلقد نجونا ، شكرا لك لانقاذك حياتي ، انا احبك، ستكون معي، لكنني لاأستطيع البقاء معك "
كثافة الجمل الاخيرة هذه تحمل جوهرالافكارالانسانية العميقة التي حملها خطاب الفلم،بدعوته الصريحة الى المحبة العميقة بين بني البشر رغم تعدد اديانهم،ولن تكون عقائدهم المقدسة عائقا لتفاعلهم وتواصلهم مع بعضهم ومع كل الموجودات التي تحيط بهم إذا ما ولدت الرغبة الحقيقة والصادقة الى ذلك ولن تمنعهم أديانهم من العيش معا متألفين منسجمين حتى وإن كانت لاتتشابه مع بعضها في تسمية الاله والطقوس التي يتعبدونه فيها فالذات الانسانية أوسع من أن تكون سجينة فكرة واحدة .
الحركة الرابعة والاخيرة
في هذاالجزء يصل وفد مؤلف من شخصين يمثل الشركة اليابانية المالكة للسفينة التي غرقت الى المستشفى المكسيكي الذي يرقد فيه باي لمعرفة ماجرى. . وبعد أن يستمعوا لتفاصيل القصة التي يرويها لهم باي بكل تفاصيلها التي حدثت لم يصدقا ماسمعاه، وأعتبروا كلامه خاليا من المنطق :" نحتاج الى قصة أبسط ". لذا طلبوا منه أن يحكي لهم قصة أخرى اكثر قبولا ومعقولية لدى المسؤولين في الشركة عندما يرفعا التقرير إليهم،   ومابين دهشته من هذا الكلام وحزنه العميق على عائلته التي فقدها،لم يجد بدا ًمن تأليف حكاية أخرى لاتقل غرابة عن الاولى تتوفر فيها تفاصيل مؤلمة تحكي عن وحشيةالبشروقسوتهم ومايمتلكونه في داخلهم من عنف ورغبة في القتل عندما يوضعون في ظرف ما،فبدت هذه القصة معقولة ومقبولة لدى وفد الشركة .
وبعد أن ينتهي باي من سرد حكايته للكاتب الكندي يلتفت اليه ليقول له :"
أخبرتك قصتين، فمالقصصة التي تفضلها أنت ؟ .فيجيب الكاتب بعد أن يذرف دمعة على خدِّه :"إنها القصة الاولى . 




















46
عرض كتاب

سينما الواقع ..دراسة تحليلية في السينما الوثائقية
للناقد كاظم مرشد السّلوم .





                                                                                                                       مروان ياسين الدليمي

السينما الوثائقية شكل تعبيري جاء حضوره مبكرا مع بداية الفن السينمائي عبّر من خلاله الرواد الاوائل عن رصدهم لجوانب وصور من الحياة اليومية، فكان هذا النمط الفني في مقولاته الجمالية متصدياً للواقع المعاش بكل صوره المرئية.وباتت الافلام الاولى التي تم انتاجها على يد عدد محدود جدا من المغامرين امثال فيرتوف وثائق تاريخية تضاف الى بقية اشكال الوثائق الاخرى كالصحيفة والكتاب والمخطوطة عادة  مايعود اليها الدارسون من اجل قراءة جوانب معينة لفترة زمنية محددة . وباتت تتعاظم اهمية الافلام الوثائقية يوما بعد آخر لدى عموم المتفرجين اضافة الى اهميتها لدى الدارسين..عن هذا الشكل السينمائي جاء الاصدار الجديد "سينما الواقع دراسة تحليلية في السينما الوثائقية "  للناقد السينمائي العراقي كاظم مرشد السّلوم، وقد صدر في نهاية العام 2012 عن دار ميزوبوتاميا بالاشتراك مع مكتبة عدنان للطباعة النشر والتوزيع ودارأفكار للدراسات والنشر. . تقديم  الكتاب جاء بكلمة تحت عنوان ( الفكرة لا الحبكة ) كتبها د. عقيل مهدي عميد كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد ،يقول فيها :" بخلاف الحبكة الروائية،والعالم الموازي التخيلي،الذي يمكث فيه الفلم الروائي إزاء الواقع تنتظم عناصر الفلم الوثائقي بصورة موثقة للواقع الموضوعي المعاش نفسه بمنهجية علمية تنشد الجمال بطريقتها الخاصة في التعبير الفني من خلال الفلم بوصفه خطابا عن افكار المخرج المتفاعلة مع العصر وإعلاء اللحظة اليومية المعاشة الى مستوى تأريخي مستقبلي ببراعة صنعته التقنية،فالمخرج يوظف ثقافته الخاصة بإطارها الاجتماعي والحضاري والمادي بعدأن امتلك الحرفة السينمائية ولغتها المميزة ومادتها الواقعية في فلمه الوثائقي" . .
فهرس الكتاب تضمن اربعة فصول سبقها مقدمة قصيرة بأربعة صفحات  بقلم المؤلف قدم فيها فكرة موجزة عن طبيعة هذا الجنس السينمائي مع ماجاء من تعريفات مختلفة على لسان ابرز من قدم هذا النوع من الافلام مثل جريرسون رائد السينما الوثائقية الذي يقول عن الفلم الوثائقي بأنه   :"معالجة الاحداث الواقعية الجارية بأسلوب فيه خلق فني " . كما لايفوت المؤلف أن يذكر تعريفات اخرى وردت على لسان نقاد اخرين مثل هيلا كولمان ومنى الحديدي،ليصل بالنتيجة الى تثبيت فهمه الخاص للفيلم الوثائقي يؤطره في تعريف محدد :" شكل متميز من النتاج السينمائي يعتمد بشكل اساسي على العلاقة بين صانع الفيلم والواقع الحقيقي،من خلال رؤيته وتحليله للواقع باعتماده شكلا فنيا في تناوله لهذا الواقع ". ويتوقف السَّلوم امام التعريف اللغوي لكلمة الواقع المشتقة من الفعل (وقع ) الشيء، ومنه يقع وقعاً ووقوعاً.. الخ ليصل هو الى التعريف الاقرب كما يتصور في اطار موضوع الكتاب هو  :"المادة الاساس المتوافرة في المعطى الحياتي والذي يتم توظيفه بكيفيات وآليات متنوعة داخل بنية الفيلم الوثائقي ليصبح الواقع بمظاهره الفيزياوية انعكاسا فنيا ً وتمثلا لصوره الفيزيائية ".
الفصل الاول يبدأمن صفحة ( 15- 43  )وقد جاء تحت عنوان "فلسفة الحقيقة والواقع في الافلام الوثائقية". هذا الفصل يتناول مفهومي الحقيقة والواقع في اطار الفلسفة على اعتبار أن صانع الفلم هنا عندما يتناول الواقع يقصد اظهار أوالوصول الى الحقيقة وفقاً لقناعة فلسفية ينطلق من خلالها في رؤيته لهذا الواقع الذي هو "مرجع الحقيقة، فكل ماهو واقعي هو حقيقي " . ويشير السلوم في هذا الاطار إلى أن "السينما الوثائقية من حيث المبدأ هي وثيقة عن الحياة والواقع تتجسد مادتها عن طريق العكس أو التصوير المباشر لهما ". كان من المنطقي أن يمر مسارالسينما الوثائقية بتحولات مهمة في المفاهيم في مايتعلق بعلاقتها وتعاملها مع الواقع فيذكر المؤلف في هذا الفصل اتجاهان حكما هذا التطور في المفهوم :" الاتجاه الاول يرى أن "السينما التسجيلية مرآة تعكس الواقع من دون تدخل المخرج أو الممثل وعبّر عن هذا الاتجاه منظرون كبار مثل الالماني (زيغفريد كراكاور والفرنسي انريه بازان) والاتجاه الثاني ينظر الى الواقع لابوصفه هدفاً بل كطريق للوصول الى الهدف وهو التعبير الفني عن الواقع من قبل الفنان ولكن من خلال مادة الواقع نفسه التي تُستخدم كوسيلة وليس كغاية بحد ذاتها وابرز منظري هذا الاتجاه هو المخرج دزيغا فيرتوف ". وهنا يذكر المؤلف مثالا مهما عندما قامت احدى الشركات السينمائية بتكليف 11 مخرجا من 11 بلدا لعمل فيلم من 11 دقيقة عن حادثة الحادي عشر من سبتمبر كل بمفرده وبحسب رؤيته للحدث تاركة لهم حرية الاختيار وبحسب تجربة وحس وخلفية المخرج الثقافية والتاريخية والفنية".
الفصل الثاني من الكتاب جاء بعنوان "الانواع الفلمية للسينما الوثائقية وأشكال تناولها للواقع ".وفي هذا الموضوع يورد الكتاب تصنيفيا نوعيا متنوعاً ومتعددا ومختلفا لعدد من المخرجين الكبار في عالم الفلم الوثائقي، ولكن على الرغم من هذا التنوع في التصنيف لكن هنالك مشتركات واضحة كما حددها رائد السينما الوثائقية جون جيريرسون وهي :"المستوى الاول وهو مستوى ادنى ويشمل الجرائد والمجلات السينمائية والافلام التعليمية والعلمية وهي تفتقر الى البناء الدرامي وتعتمد على الوصف والعرض حيث تعتمد على الاستطراد . والمستوى الثاني وهو مستوى أعلى يُطلق عليه الافلام الوثائقية وتقدم خلقا فنيا يمكن أن يبلغ مراحل الفن العليا وابراز المغزى الذي ينطوي عليه خلق هذه الاشياء ". ويستعرض الكتاب في هذا الفصل الاسس التي يقوم عليها الفيلم الوثائقي في تناوله للواقع وهي : المقابلات الشخصية،الارشيف،استخدام الممثلين،الصورالفوتوغرافية ،الرسائل والمذكرات،استخدام برامجيات الحاسوب. .كما يتطرق ايضا في هذا الفصل الى عناصر تناول الواقع في الفيلم الوثائقي والتي هي: 1- السرد الفلمي ( موضوعي وذاتي ) وتكون آلة التصوير هي الاداة الرئيسية في السرد ". ويقول المؤلف هنا:"السرد في الفلم الوثائقي يعتمد على النقل المباشر ومتابعة الفعل في فضاء المكان وهذا مايجعله حريصا على اعتماد الحاضر في نقل الاحداث من دون الغور في ارتدادات ذاتية قد تمثل وجهة نظر صانع العمل أكثر من الشخصيات المشاركة في الفيلم " 2-التصوير 3- المونتاج 4- المكان 5- الزمان 6- الصوت (الموؤثرات الصوتية +الحوار واللقاءات +الموسيقى +الصمت )7- الشخصيات . . كما يستعرض هذا الفصل صورة أو شكل البطل في الفلم الوثائقي وهوبالضرورة " ليس شرطاً أن يكون شخصية بل من الممكن أن يكون المكان والدافع بكامل شخوصه ". وهنا يشير المؤلف الى النقاط الثلاثة التي حددها كارباج لاختيار البطل في الفيلم الوثائقي وهي :"1- وضوح الحالة إذيتوجب على صانع الفلم أن يتمكن من توضيح القضية وافهامها للبطل ليعرف من اين يبدأ ،  2- العلاقة الحميمة، فكلما كانت العلاقة اكثر حميمية مع البطل نتج عن ذلك بوح بخفايا الموضوع ،3-  الصّبر ،ويعني أن يمتلك صانع العمل الصبر في الاستماع والتوغل في عينة البحث .
ويتطرق هذا الفصل ايضا الى أتجاهات الفيلم الوثائقي وهي : الاتجاه الواقعي ، الرومانسي ،السمفوني ،أتجاه السينما عين . . . ويصل المؤلف في هذا الفصل الى التطرق لموضوعة الاشكال الاساسية التي يتم من خلالها تناول الواقع فنيا في بناء الفلم الوثائقي وهي : الشكل الاول :إعادة بناء الوثيقة (إعادة بناء الحدث ) الشكل الثاني : الملاحظة الطويلة في متابعة جميع مايحدث امام الكاميرا من دون انفقطاع . لمدة طويلة من الزمن . الشكل الثالث : المعايشة والتخطيط قبل الشروع في عملية التصوير. الشكل الرابع : السينما عين ،وقد ارتبط هذا الشكل الاخير بتجربة (دزيغا فيرتوف ) .
يأتي الفصل الرابع تحت عنوان (السمات الجمالية للأفلام الوثائقية ) ليشير الى حقيقة اساسية تؤكد" امتلاك السينما للتأثير الجمالي منذ لحظة ولادتها وقد ضمن لها هذا التوجه الجمالي القدرة على التأثير لأن النتاج الفني الخالي من التأثير الجمالي يبقى في حدود المنفعة المباشرة ". وبعد أن يستعرض الكتاب مفهوم الجمال فلسفيا ونفسيا يتطرق الى طبيعة ماجاء به المؤسسون الاوائل للفلم الوثائقي من مفاهيم جمالية حيث عدّالبعض منهم أن التعامل مع بعض عناصر اللغة السينمائية انما هو تدخل في الواقع الذي تشتغل الافلام الوثائقية عليه خاصة بعد التوصل الى مفاهيم ثورية في فن المونتاج الذي منح اللقطات معنى آخرعند ترابطها مع بعضهااضافة الى الافادة الكبرى من التطور الحاصل في الات ومعدات التصوير والذي اضاف كما يشير الكتاب الى الافلام الوثائقية الكثير من السمات الجمالية لذا لم تعد وظيفة الفلم الوثائقي نقل الواقع بقدر ما تعدى ذلك الى خلق عالم جديد انساني حقاً . ثم يتعرض الكتاب الى الفروقات الجمالية مابين الفلم الوثائقي المنتج للتلفزيون والفلم الوثائقي المنتج للسينما فمنها ماله صلة بالفرق بين حجم شاشة العرض ومنها مايتعلق بخصوصية العرض في صالات السينما عنه في البيت ومنها مايتعلق بأهتزازات الكاميرا في الفلم الوثائقي والتشوهات في الصورة والتي تعد سمات جمالية خاصة به تأتي من طبيعة الاثارة التي تحدثها لدى المتلقي بسبب من مصداقية مايجري امامه كما إن عدم الاهتمام بالموازنة داخل الفيلم يعد ايضا سمة جمالية وفارقا كبيرا بينه وبين الفلم الروائي كما أن المؤثرات الصوتية الطبيعية والحقيقية هي ايضا سمة وخاصية جمالية للفيلم الوثائقي،وهنا لايفوت المؤلف الاشارة الى الفلم الوثائقي الذي يستخدم الممثل ويطلق عليه ( الدوكودراما ) وبداية ظهور هذا النوع في فيلم ( المانيا تحت الرقابة ) للمخرج البريطاني روبرت بار،والذي يرى أن :"استخدام الممثل في السينما التسجيلية يمثل نوعاً من الاثراء للافلام التسجيلية".
أما الفصل الرابع من الكتاب فقد جاء تحت عنوان ( التطبيقات ) ويقول السّلوم هنا :"حاولنا في هذا الفصل اختيار عينات تمثل اشكال متنوعة من عملية تناول الواقع في الفيلم الوثائقي ....." وقد اختار السلوم اربعة افلام يراها نماذج معبرة ومتنوعة عن الفلم الوثائقي والافلام هي : (الارض) للمخرج الستر فوتريل وهو من انتاج ال بي بي سي . وفلم (القرار الاخير) للمخرج أنور الحمداني . والفلم الثالث هو (أبيكليبس ) أو الحرب العالمية الاولى وهو من انتاج ال بي بي سي والفلم الرابع والاخير ( عالم الطيور ) وهو سلسلة تقارير شاملة عن حياة الطيور وهو من انتاج مايك سيبليري .
ينتهي الكتاب بخاتمة استخلص فيها المؤلف اشكال واسباب التنوع في الفيلم الوثائقي والتي يجملها في اربعة نقاط  :"1- شكل المعايشة 2-شكل الملاحظة 3-شكل البناء المونتاجي 4-شكل اعادة بناء تمثل الواقع  .
عموما الكتاب اضافة مهمة للمكتبة السينمائية التي تفتقر الى دراسات تتسم بالجهد البحثي الذي تتوفر فيه الاشتراطات العلمية ،والسلوم ناقد سينمائي من مواليد بغداد يحمل شهادة ماجستير سينما من جامعة بغداد كلية الفنون الجميلة وعضو في اتحاد الادباء والكتاب العراقيين ونقابة الفنانين واتحاد السينمائيين ونقابة الصحفيين ورئيس ملتقى الخميس الابداعي في اتحاد الادباء والكتاب العراقيين ويكتب النقد السينمائي في العديد من الصحف والمجلات العراقية والعربية، وفي مسيرته الفنية ثلاثة افلام تولى اخراجها وهوالان يعمل معداً للبرامج الثقافية في القنوات الفضائية . 



47


رواية .. ألعَار
             
للكاتبة البنغلاديشية تسليمة نصرين






                   التَطهُّر مِن جَحيم ِالعُنف الطائفي



                                            مروان ياسين الدليمي

توطئة ..
اثارت هذه الرواية عندما صدرت عام 1992 رد فعل عنيف جدا تجاه الكاتبة تسليمة نصرين من قبل جميع الاوساط الدينية والاحزاب الاسلامية المتطرفة في بنغلادش،إلى الحد الذي خصص أحد الاثرياء مكافاة نقدية  ثمينة لمن يقتلها. وبناء على ذلك وجدت نفسها تقف أمام القضاء للمحاكمة ،لكن تداعيات القضية دفع العديد من المنظمات الدولية المعنية بحقوق الانسان وحرية الرأي والتعبيرللوقوف الى جانبها،ولتتمكن بعد ذلك من الهرب خارج البلاد واللجوء الى النرويج.واشكالية هذه الرواية تعود الى ماأقدمت عليه الكاتبة من نقد قاس ٍ للفكر والعنف الطائفي الذي باتت تشهده بنغلادش منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي من قِبل مجموعات اسلامية متشددة .وخصوصية هذا العمل وحساسيتة جاءت من أختيار الكاتبة  لعائلة هندوسية ـــ وليس عائلة مسلمة ــ تقع عليها تبعات العنف الطائفي، فبدا ذلك للجماعات الاسلامية المتطرفة إستفزازا ً وانحيازا ًصارخا ً للهندوس ضد المسلمين ــ خاصة وأن الكاتبة إمرأة مسلمة ــ ليصل الامر بهم الى أعتبار ذلك ارتدادا واضحا وصريحا من قبل الكاتبة عن الدين تستحق بموجبه القتل .

المقولة المعمارية للنص .
ظاهرية الزمن في البناء السردي للرواية إنزاح الى محاورة تتأرجح مابين ديمومة البناء الواقعي والتعديل بأتجاه كسرالمسارالكلاسيكي للبناء وذلك بالعودة الدائمة الى الماضي ،من خلال ذلك كانت نصرين تعبُر بالسارد الى تبادل المواقع مابين الحاضر والماضي ، ليصبح السرد هنا ميدانا لتشكيل بنية الحكاية الواقعية في مخيلة المتلقي ، خاصة أن النص الروائي قد ضُخت اليه تنصيصات تاريخية متعددة كان الهدف من أستحضارها وبثها ضمن المتن الحكائي:استجماع تحققات ٍحدَثية ٍبأرقامِها وتواريخها لتحييد التزييف والتلفيق في الخطاب الفكري الذي يبثه النص،فتم الكشف من خلالهاعن مفاصل واقعيةعمّقت أرضية العنف التي تستدير حولها احداث وشخوص الرواية،ومالم ترد تلك التفاصيل بارقامها وتواريخها ماكان بالامكان إحداث هذا الوخز المؤلم في الضمير لدى القارىء خاصة وان الهدف من ولوج عالم السرد الروائي بطاقته التخييلية لمعالجة هذه الموضوعة من قبل المؤلفة لم يكن الهدف الرئيسي منه الاستغراق في منطقة البناء الفني والانشغال الجمالي في تحقيق مقولات معمارية تتواجه مع نوايا التحديث والتجديد في اطار الخطاب الشكلي للبناء الروائي ، بقدر ما كان الهدف الذي ارتبطت به أحلام الكاتبة هو الوصول الى مخطوطة روائية تتقصد من خلالها ممارسة نوع من الضغط الصريح والادانة القاسية للعنف الطائفي ،عبر لغة فنية تستعيرمن بنية الخطاب الروائي منطوقا معاصرا ًلايخرج عن معمار الذاكرة الواقعية في سياقها العام  .


مناظرة الواقع التاريخي
لاننا في إطار اهتمامنا ومتابعتنا للنتاج الروائي بقينا عند عتبة الادب الاوربي ومن ثم ادب اميركا اللاتينية بعد ذلك ولم ننعطف بأتجاه ماتنتجه المخيلة السردية الاسيوية( الصين ،اليابان ،شبه القارة الهندية ، الفلبين ، تايلند الخ ..) ،بقيت اجوبتنا ناقصة ولاتعكس في تجاذباتها الجدلية معنى وشكل المنظورالسردي بأوسع وأعمق صورة تقتضيها مقاييس الرؤية النقدية لمجمل الانتاج الروائي العالمي. مع أن التناظر السردي الاسيوي فيه الكثيرمن التفاوت والقص الذي ينبغي إستكشافه والاطلاع عليه ..
رواية العار للكاتبة البنغلاديشية تسليم نصرين هي نموذج للسرد الروائي الواقعي بسماته المرئية،ويتأمل في مزاعمه الفنية التي تأطر بها،واقعا معاصراً تعيشه بنغلادش بكل تفاصيله حتى هذه اللحظة،وقد أرتأت نصرين أن تطلق العديد من الارقام والاحداث والوقائع داخل النص باعتبارها وثائق تاريخية لتمكن القارىء من إعادة صياغة الاحداث حتى تصل الى ماكانت تخطط له من كشف ملابسات مؤلمة وفجائعية لتاريخ دموي يخضع لسلطة التخندق الديني بكل اشتباكات العلائق الاجتماعية داخل المجتمع البنغلاديشي الذي تأسس مع ظهور دولة بنغلادش عام 1971 "بعد نضال وطني وقومي طويل ،مُستقلة ٍ بذلك عن باكستان التي كانت بدورها قد حصلت على الانفصال عن الهند عام 1947 ."
ورغم ان دستورالدولة الجديدة يقوم على مبادىء علمانية ترفض التمييز أو التفريق بين المواطنين بسبب الدين أو الاعتقاد إلاّأن الواقع على الارض كان يكرِّس تصنيفا وعنفا طائفيا ، وفّر له الفقروالجهل والدكتاتورية مناخا ملائما للظهوروالشيوع، فلم يعد للعلمانية من وجود إلاّ في سطور الدستور.  .
رواية العار تبدأ من لحظة دراماتيكية معاصرة كانت قد عصفت بالبلاد في 6 ديسمبرعام 1992عندما هدم المتطرفون الهندوس في الهند مسجدا يعود تاريخ بنائه الى 400 عام . ليبدأ بعدها تاريخا وحشيا من العنف الطائفي المتبادل بين المسلمين والهندوس في القارة الهندية عموما  ولتنال  بنغلادش نصيبها كبيرا ً منه  .
الرواية تتمحور احداثها حول مصير عائلة هندوسية بنغلاديشية وما ينعكس عليها من احداث ووقائع مؤلمة نتيجة عجلة العنف الطائفي التي تدور رحاها في البلاد،وتتألف  شخوص العائلة من الاب سودهاموي والأم كيرونموي والابن سورنجان والابنة مايا،ورغم الهوية العلمانية والانتماء الايدولوجي الماركسي الذي تدين به هذه العائلة لكنها لم تستطع أن تتفادى هذا العنف .
سورنجاي الابن يخاطب والده سودهاموي :"مهما قلنا أننا ملحدون ،أو اننا إنسانيون،هؤلاء الذين في الخارج سيقولون أننا هندوس، سيقولون أننا أولاد حرام.كلما أحببناهذا البلد،كلما فكرنا أنه وطننا، كلما أجبرونا على الانحناء في الاركان .. كلما أحببنا أناس هذا البلد، كلما عزلونا .. لانستطيع أن نثق فيهم ياأبي . أنت عالجت الكثيرين منهم بدون مقابل ، ولكن كم منهم أتى ليقف بجانبك في محنتك ؟ عاجلا ً أو آجلا ً سوف نُدفَعُ جميعا تحت أحد الجسور لنموت . أبي ، دعنا نذهب ... دعنا نذهب .. "
ثم يأتي الحدث الاساس الذي تتمحور حوله الرواية عندما يتم  اختطاف الابنة مايا من داخل البيت وأمام مرأى الاب والام من قبل مجموعة اسلامية متطرفة تقتحم الدار وتبدأ بتحطيم كل الاثاث المنزلي قبل اختطاف البنت : " بجنون ووحشية واصَلَ الشبان تدمير ممتلكات آل دوتا . أفراد الأسرة العاجزة والصامتة راقبوا بيتهم وهو يتحول إلى خراب ..ثم إنفكَّ سحرالصمت عنهم عندما أمسك أحد المعتدين الابنة مايا .. صرخت أمها في رعب وتأوه وسودهاموي المريض . في محاولة يائسة للنجاة أمسكت مايا بيد السرير . جرت أمها وألقت بنفسها فوق أبنتها في محاولة مستميتة لحمايتها . ولكن المعتدين القساة جروا كيرونموي من فوق إبنتها وخلصوا قبضة مايا عن السرير ورحلوا بنفس السرعة التي جاءوا بها ، حاملين معهم الجائزة التي فازوا بها . إستعادت كيرنموي نفسها وجرت وراءهم تصرخ وتتوسل :- ارجوكم اتركوها ، ارجوكم اتركوا ابنتي ." 


بعد هذا الحدث تبدأ رحلة البحث اليائسة عن مايا  من قبل سورنجان( الابن) من خلال رحلة البحث هذه واثنائها التي يتوغل فيها بين الازقة والشواع والييوتات الخلفية التي اكتست بكل مظاهر العنف إبتدا ً من الاستيلاء على البيوت وتهجير السكان  الى حرق مصادر الرزق والاستيلاء على المزارع والحقول واغتصاب النساء وقتلهن يصل المطاف بسورنجاي الى لحظة درامية يتحول فيها هذا الشاب الثوري العلماني الذي ورث هذه الافكارعن والده الطبيب الى متطرف هندوسي هو الاخر يؤمن مرغما بالعنف كوسيلة وحيدة للرد والدفاع عن النفس وعن الانتماء الديني الذي لم يكن خاضعاً لمعرفيته التاريخية والايدلوجية ، سورنجاي :"كل هذا لغو وهراء . فريق يقتحم الميدان بالسكاكين والفؤوس بينما الفريق الآخر يرد بأصوات مرتفعة وأياد عزلاء . هذا لن يجدي .الفأس يجب أن يقاتل الفأس . من الحماقة أن نواجه سلاحا ً بأيدي عارية . "
هناتعمد الكاتبة إلى : صياغة لحظة مفارقة لشخصية الابن،وذلك من خلال مشهد يتم بناؤه بشكل مُعبّر إذ يجمع فيه سورنجاي كل ماتحويه مكتبته من كتب ومصادر معرفية كانت زاده في تأسيس مفاهيمه المعتدلة ويحرقها ، لتلتهم النار ماركس و طاغورو لينين وكل الاسماء التي صاغت فكره العلماني المترفع عن التخندق الديني والقومي الذي يؤرخن الواقع البنغلاديشي المعاصر بكل حساسية وتوتر .
ولكي ترسم نسرين تأويلها المتشائم بقصدية واضحة للواقع الذي إستندت الى أحداثه وشخصياته ورموزه السياسية الواقعية نجدها تأخذ شخصية الاب( الطبيب) المتقاعد سودهاموي الى لحظة ينهزم فيها جسده أمام رهان التفاؤل والاعتدال الذي ظل يؤمن به طيلة حياته كبرهان ٍوحل ٍلمعظلة التطرف الذي يتلبس وعي المجتمع البنغلاديش ، وليسقط جسده صريعا ، كمعادل فني لسقوط مفاهيم الاعتدال، أمام عنف الافكار المتطرفة ، ولم يعد قادرا ًعلى تحريك النصف الايمن من جسده ،وبذلك توسّع  نصرين  فصول المأسأة بكل اعتباراتها الانسانية طالما سقطت الفكرة التي ظلت تستجيب للوعي والمنطق عبر شخصية الطبيب التي لم تكن تتردد في مواجهة التباسات التطرف الديني باعمال انسانية يذهب فيها دون مراعاة للمخاطر الى أماكن الطرف الاخر لمعالجة المرضى من الفقراء دون مقابل من غير أن يتوقف أمام الانتماء الديني والعرقي،بل إنه كان سارحا بخياله واحلامه بعيدا عن عتمة الواقع : " كنت اقول أهدموا كل بيوت العبادة الى الاساس ، ولنبن مكانها حدائق ومدارس للاطفال. من اجل خدمة الانسان فلتتحول دور العبادة إلى مستشفيات وملاجىء للايتام ومدارس وجامعات ،إلى معاهد للعلوم والفنون والحرف اليدوية ،إلى حقول أرز خضراء تغمرها الشمس ، وأنهار زرقاء متدفقة وبحار صاخبة . فلتطلقوا أسما ً آخر على الدين وهو الانسانية " 
الطبيب سودوهامي الذي يمثل الطبقة الوسطى بكل حيويتها ووعيها الوطني كان مُصِرَّا ًعلى عدم مغادرة وطنه بنغلادش رغم فقدانه لكل ماكان يملكه من بيت فخم  واراض زارعية كان قد ورثها عن اجداده الذين ولدوا عاشوا في هذا المكان،ولم يشفع له اعتداله ولاعلمانيته في تفادي التهجيرمن منطقة سكناه التي ولد فيها .
ورغم ماكان قد تعرض له قَبل عشرين عاما من حادثة خطف وتعذيب على يد المتطرفين الاسلاميين مما تسبب له بعجز جنسي دائم إلاّ أنه ظل على إيمانه في أن هذا هو وطنه ولن يغادره ، لكنه في آخرالمطاف يرضخ لما ترسخ في قناعة الابن بضرورة مغادرة البلاد الى الهند خلاصا من هذا العذاب الذي اخذ منهم الابنة الجميلة مايا ،ابنة الاربعة عشرعاما والتي عثر عليها فيما بعد جثة هامدة تطفو فوق سطح مياه نهر براهما بوترا . يقول له الابن سورنجان في ختام العمل  :"مهما قلنا أننا ملحدون ،أو إنسانيون ،هؤلاء الذين في الخارج سيقولون أننا هندوس، سيقولون أننا أولاد حرام .كلما أحببنا أناس هذا البلد كلما عزلونا .لانستطيع أن نثق فيهم ياأبي . أنت عالجت الكثيرين منهم بدون مقابل ، ولكن كم منهم أتى ليقف بجانبك في محنتك ؟ عاجلا ً أو آجلاً سوف نُدفَعُ جميعا ً تحت أحد الجسور لنموت . أبي ، دعنا نذهب .. دعنا نذهب .."


48

الاسلام السياسي والسلطة .


                                                                                                مروان ياسين الدليمي / العراق
                                                                                               Yassinmarwan813@yahoo.com 

وانت تتأمل صورة المجتمعات العربية بعد سقوط عدد من رموز أنظمتها السياسية خلال العامين الاخيرين (2011 و2012)تجدها في مجمل تفاصيلها تبعث على القلق والتشاؤم بقدر ماتبعث على التفاؤل ،خاصة بعد أن صعدت على مسرح الاحداث قوى دينية سلفية باتت تمسك السلطة على أنقاض سلطة كانت تحمل صبغة علمانية بشكل أو بآخر .
مالذي جعل المجتمع يدفع بهذه القوى الى واجهة المشهد السياسي بعد أن كانت الى حدما غير معنية بعملية التغيير الثوري للانظمة انطلاقا من ثوابت عقائدية تؤمن بها إيمانا ً راسخا ً تمنعها من الخروج على الحاكم، بأعتباره ولي أمر المسلمين وهذا يستوجب الالتزام بالحكمة والموعظة الحسنة في مخاطبتة عند إرتكابه معصية تجعله يخرج عن جادة الحق والصواب؟ فالحاكم في إطارهذا المنهج ماهو إلا ّ ظل الله على الارض. وتجربة الاخوان المسلمين في مصر خير دليل على ذلك، فهم حتى يوم 25 كانون الثاني /يناير عام 2011 كانوا يرفضون الخروج مع المتظاهرين احتجاجا على النظام القائم بل أصدروا بياناتَ رفض ٍ واضحة تشجب وتدين هذا التحرك، لكنهم بعد أن تيقنوا من سقوط النظام ،خرجوا إلى الشوارع وانظمّوا الى الجموع المتظاهرة .
 هل يعد هذا التحرك جزءاً من ستراتيجية انتهازية يتم اللجوء إليها تجنبا ً لأي احتكاك واصطدام بالنظام القائم ؟ ولكي تتلافى بناء على ذلك عمليات الملاحقة التي قد تتعرض لها ؟ أم أن خروجها جاء نتيجة إدراكها بأنْ :  تعمل وبسرعة لأجل أنْ تسحب البساط من تحت اقدام القوى الجديدة التي تغلب عليها الافكار العلمانية وإنْ كانت معظمها ليست بتيارات مُلحِدة ٍ،بنفس الوقت  خطابها لايحمل هويّة دينية ؟ يبدو أن كلا الاحتمالين وارد ٌ في ماشهدناه من وقائع واحداث .
التحول نحو أسلمَة المشهد السياسي يطرح تساؤلات هامة تنبع من خطورة مايفرضه هذا المتغير خاصة وأن جُل احزاب وحركات الاسلام السياسي  تحمل منهجا ً يغلب عليه صفة التشدد،وهذا يعني أنَّ : قضية الحرية الفردية باتت في خطر،ودخلت في مرحلة الصراع لأثبات وجودها وشرعيتهاأمام ماتطرحه القوى الدينية من حزمة أفكار ٍكلها ترفض وبشكل قاطع ومطلق قضية الحرية .
مجريات الاحداث في المنطقة العربية تشير إلى أننا سنشهد يوما بعد آخر معارك سياسية ساخنة يغلب عليها التشنج والصراخ والتخوين والتكفير مابين الاحزاب الدينية وبقية قوى المجتمع المدني من أحزاب وجمعيات ومنظمات، وبلا شك سيفتقد هذا الصراع ــ وتحديدا من جانب القوى الدينيةــ الى ابسط القواعد ألا وهي :أحترام الرأي الأخرباعتباره السبيل الوحيد للوصول الى خارطة تفاهمات مشتركة لحل الخلافات والازمات التي تواجه المجتمع،وهذه إشكالية طالما لدى القوى الاسلاموية قناعة جوهرية ثابتة لايمكن أن تتزحزح من أنَّ :النص الديني مُقدَّس   ،وهوالمرجعية الوحيدة في التعامل مع الواقع ،ومن خلاله تتم الاجابة على كل الأسئلة التي يطرحها هذا الواقع مهما تقادم الزمن وجرى ماجرى من متغيرات.ذلك لأن النص ليس زمنيا ً،فهو قبل وبعد وفوق الزمن ، لذلك هو لم يأتي إستجابة وإجابة لحالة معينة بذاتها بقدر ماهو شمولي بجوهره ويتعالى عمّا هو آني وزمني .
من هنا، لاجدوى ولامعنى في قبول أيّة طروحات أخرى تأتي من خارج هذا النص وسيصبح الحوارعقيما ً قبل بدءه طالما أن أحد الطرفين المتحاورين لايؤمن أصلا من حيث المبدأ بفكرة السؤال والبحث عن أجوبة جديدة .
إذن : الاحتقان سيبقى قائما بين الطرفين ،بل سيزداد شدّة وخطورة بينهما وسيدفع بالتالي الى ظهور عوامل أخرى جديدة يغلبُ عليها عامل العنف والعنف المضاد.
ضمن هذه الاشكالية المعقَّدة التي تطرحها البنية الثقافية للمجتمعات العربية المسلمة يصبح عقل الفرد مُعطلا ، كذلك مدركاته مغيّبة وغائبة عن تسجيل الملاحظات التي يكون الشَّك مبعثها منذ بداية وعيه بذاته وبالحياة طالما هو يولد في بيئة كهذه تؤمن إيمانا جازما ًبأن خطابهاالفكري مُكتمِلٌّ ، وبناءً على ذلك يرفض رفضا قاطعاً أي جهد يشمُّ فيه رائحة بحث واستكشاف في ثوابته وملفوظاته، وستلحق بها بالتالي صفة التحريم ،لأن الأجاباتَ والأسئلة َحاضرةٌ وشاخصة ٌوقائمة ٌفي نص أزلي لايقبل الجَدل والنقاش ،خاصة بعد أن كان قد أكتمل التفسير والتأويل على يد مجموعة محدودة من الأئمة المَراجِع في الفترة المحصورة مابين نهاية القرن الاول والقرن الثالث الهجري،لم يتجاوزعددهم أصابع اليد،وكانت خاصية جهودهم تكمن في أنهم : لم يسعوا في تفسيراتهم للأتيان بأي شيء جديد يخرج ويتقاطع مع النص .
من هنا لم يعد من الجائز أمام الفرد المسلم ــ من بعد أولئك المراجع ــ أن يعيد النظر أويتأمل مابين يديه من تفسيرات للنص الديني حتى لو كانت قد جاءته قبل مئات السنين على يد أشخاص عاشوا في ظروف وازمنة أخرى غير التي يعيشها هو ومجتمعه . 
هذا الوضع أوجد قطيعة وافتراقا بيّنَا ً مابين الواقع بكل متغيراته وبين تلك التفسيرات والتأويلات البشرية التي أكتسبت صفة القداسة هي الاخرى بمرورالزمن لدى عموم طبقات وفئات المجتمع العربي المسلم وفي المقدمة منها الحركات والتيارات الاسلاموية.
القطيعة هذه باتت تفرض حضوراً ثقيلا على المجتمعات العربية المسلمة  التي تعيش على الكرة الارضية وليس في كوكب آخر، وهي بذلك جزء من المجتمع البشري، ولاتعيش بمعزل عنه،ولن تستطيع أن تكون بمنأى عنه حتى لو أرادت هي ذلك .
إن رياح التغيير المتبادلة مابين المجتمعات البشرية قائمة منذ أن وجدت رغم ماتفرضه عليها الانظمة السياسية من عزل ٍوابعادٍ بقصد إحكام السيطرة،ولاشك في أنَّ عوامل التأثيرالمتبادل بين الشعوب باتت الان أكثرعمقاً واتساعاً مما كانت عليه قبل مطلع تسعينيات القرن الماضي بعد أن بدأ البث الفضائي انطلاقته ومن ثم الشبكة العنكبوتيةعلى سطح المشهد الكوني وماتبع ذلك من ثورة هائلة في وسائل الاتصال وتبادل المعلومات والخبرات بين عموم المجتمعات البشرية .
التيارات الدينية السلفية أدركت خطورة مايحصل من تطورات سريعة جدا في عالم الاتصالات والمعلوماتية بعد أن أصبحت تفاصيلها وآلياتها حاضرة في مجتمعاتها،فكان عليها أن تفعل شيئا ما من أجل درء هذا الخطرالذي بات يهدد وجودها وفاعليتها في الحياة مع يقينها الثابت بأن ماتؤمن به كمعرفة لايمكن أن يبقى حاضراً ومؤثراً إلاّ إذا أمسكت بيدها عصا السلطة، فلاسيادة َولاحضورَ ولاهيمنة َلهذه المعرفة إلاّ إذا أمتلكت السلطة.
هذا الاستنتاج توصَلتْ اليه من خلال فهمها لصفحات بعيدة من التاريخ العربي الاسلامي، فلقد سادت افكارالمعتزلة عندما تولى المأمون السلطة ثم سادت أفكار أبن حنبل أيام المتوكل وهكذا كانت السلطة هي التي تحدد تفرض نمط ومحتوى الافكار والعقائد في عقول الناس.
من خلال هذه الرؤية يمكننا التوصل الى فهم مايجري من سعي حثيث ومحموم من قبل القوى الاسلامية في المنطقة العربية للوصول الى كرسي السلطة،من غيرأن نستبعد العوامل الدولية التي تأخذ هي الاخرى أهميتها إذا مانظرنا إلى مايجري تحت الطاولة من تحركات واتفاقات سرية تعقد  مابينها وبين القوى الغربية الكبرى وفي مقدمتها أميركا ،القصد منها : ضمان استمرار المصالح الاقتصادية الغربية في المنطقة العربية مقابل التغاضي عن صعود الاسلام السياسي الى سدة الحكم وعدم الاصطدام به .
إذن نحن الان أمام واقع جديد باتت فيه قوى الاسلام السياسي لاعباً أساسيا ًفي معادلة الصراع العلني على السلطة بعد أن غادرت نهائيا ًالمخابىء والجحورالتي كانت تختبىء فيها لعقود طويلة منذ تأسيها في الربع الاول من القرن العشرين ،هذا المتغير بكل مايحمله من خطورة على الامن الاجتماعي والسياسي، يستدعي العمل حثيثا ً من قبل التنظيمات والقوى المدنية التي تكرس في برامجها تقديس حرية الفرد والمجتمع أنْ : تعمل بكل الطرق السلمية لمواجهة مَدَّ الاسلام السياسي المتشدد منه خاصةً، لوضع حدٍ لطموحاته التي كشف عنها صراحة وعلانية في إقامة نظام سياسي إسلامي مستنسَخ ٍمن الماضي البعيد يُحاكي نظام الخلافة الاسلامية الراشدية التي جاءت بعد وفاة النبي محمد(ص).
إن الاصرار على قيام مثل هذا النظام يعني القفزعاليا وبعيداً عن الواقع بكل مشكلاته وأزماته المعقَّدة والتي تبدأ بحريّة الفرد وتنتهي بحريّة المجتمع مارة ًبمناهج التربية والتعليم والثقافة والفنون والسكن والصحة والزواج والطلاق وحقوق المرأة وووووو الخ .. ونموذج الحكم هذا لايستطيع أن يحتوي هذه القضايا ويضع الحلول المناسبة لها .       


49


الفنانة العراقية د. عواطف نعيم لمجلة إنانا : -


حُلمي أنْ يكونَ لي مُحتَرَفْي الخَاص، حتى أُحَقِقُ فيه ِمَشروعيَ المَسرَحي . 



                                                                                                     حاورها / مروان ياسين الدليمي

لكي تثمر جهود العاملين في ميدان المسرح، في خلق فضاء جيد يتأسس على أنقاض الموروث الفني ، لابد أن يكون في طليعة أدوات التغيير والتجديد ،إرادة شجاعة تمتلك القدرة والتصميم ، مع إصرار كبير، على الاستمرارفي العمل والتفكير الدائم لتطوير آليات الاشتغال الجمالي . وبطبيعة الحال لن تتوفر هذه المواصفات إلاّ في نمط ٍخاصٍ ومحدود ٍمن المبدعين عادة مايُكرِّسون أنفسهم وجُهدَهم لأجل أن يحققوا إضافة مهمة  الى ماجاء به من كان قد سبقهم في سِفر البحث والتجريب عن أزمنة جديدة للدهشة والحضور الانساني الفاعل . والفنانة العراقية عواطف نعيم تقف في مقدمة قافلة أولئك الباحثين عن منصّات جديدة لكي يرتقي فيها الخطاب الجمالي الى المستوى الذي ينصف الانسان  في سعيه الى  قيم الحرية والسعادة والجمال . مجلة إنانا إلتقت بها وحاورتها حول رحلة الفنانة العراقية وهي تخوض غمار الخلق والابتكار في عالم ٍكاد الرجال أن يحتكروه . ُ
* لو اردنا ان نتوقف لنعيد تقييم الدور الذي لعبته العناصر النسوية العراقية في تاسيس الظاهرة المسرحية العراقية ، كيف تجدين أهميته والمساحة التي يبدو فيها واضحا ً ؟ 
- كل ما في الحياة ينطلق من طبيعة المجتمعات البشرية والتي هي بالتأكيد مختلفة في تقاليدها وأعرافها وعاداتها والمرأة العراقية جزء من هذا النسيج الاجتماعي العراقي تزدهر حين يزدهر وتنهض حينما ينهض ، فما بالك والعراق مبتلى بالحروب والخسارات والمحن من حرب إلى حرب ومن فاجعة إلى فاجعة ، ومن نهوض إلى نكوص ، قل لي كيف للمرأة أن تعمل في جو من التخلف والظلامية والتراجع ، هناك نساء رائعات عملن في التأسيس للظاهرة المسرحية في العراق مع رجال مسرح متنورين لكنهن كن أولى ضحاياه وهي تضحية ليست بالهينة ، وهن من كان لهن الفضل في تعبيد الطريق وتحمل تبعات المواجهة والنبز واللمز ، لكي يأتي من بعدهن من يتواصل ويجبر المجتمع أن يحترم الفنانة ويُكن لها التقدير وأن يصبح الطريق مفتوحاً أمام أخريات ويجرأهن لكي يلجن هذا العالم الساحر المدهش والمتعب في ذات الوقت .. السيدة زينب ، السيدة زكية خليفة ، السيدة سليمة خضير ، السيدة ناهدة الرماح ، السيدة فاطمة الربيعي ، السيدة آزادوهي صموئيل ، السيدة ماجدة السعدي ، السيدة سعدية الزيدي ، السيدة هناء عبد القادر ، السيدة مي شوقي ، السيدة فوزية عارف ، السيدة فوزية الشندي ، السيدة سهام السبتي ، السيدة غزوه الخالدي ، هؤلاء سيدات مسرح لابد وأن ترفع لهن القبعات. لقد أسسن مع رجال مسرح متنورين حركة المسرح العراقي. هم أسسوا ونحن نتواصل معهم ، وليس الكم هو المهم بل تلك النوعية الفريدة من السيدات الصابرات الحالمات اللواتي لولاهن ما كان للمسرح العراقي إرثه وتأريخه وعلاماته الفارقة وهذا ليس إدعاءاً أو مبالغة ، بل حقيقة موثقة ، ومؤشرة في تأريخ المسرح العراقي وصولاً ليومنا هذا.
* على صعيد الاخراج والتاليف المسرحي لم نجد حتى الان حضورا مؤثرا ووواضحا للعنصر النسوي باستثناء التمثيل .. الى ماذا يعود ذلك ؟
-هناك أسماء عملت في مجال الإخراج والتمثيل معاً ، علماً أن ميدان الإخراج والكتابة والتمثيل ليست بالميادين البسيطة أو السهلة المنال ، فكل ميدان من هذه الميادين يحتاج إلى قدرة وغنى معرفي وجرأة في المغامرة والبحث ، ولقد كانت التجارب الإخراجية محدودة لدى بعض الفنانات لربما بفعل التخوف من الفشل أو العزوف عن المنافسة في مجال عُدَّ حكراً على الرجال ، ولكن هناك أسماء برزت وقدمت أعمالا مازالت ماثلة في خارطة المشهد المسرحي العراقي الفنانة منتهى محمد رحيم وتجاربها في مسرح الطفل ، الفنانة أحلام عرب وتجاربها في مسرح الطفل ومسرح الكبار ، الفنانة د. إقبال نعيم وتجاربها في مسرح الطفل والفنانة نغم فؤاد وتجاربها في مسرح الطفل ومسرح الكبار ، إذن هناك أسماء وهناك حركة على مستوى الإخراج أما على مستوى الكتابة للمسرح فنجد أيضاً أسماءا مثل السيدة لطيفة الدليمي والسيدة ودادالجوراني وكلتيهما كتبتا للمسرح وإن كان تواصلهما محدود بنص واحد لا أكثر لكل واحدة منهما أخذ طريقه إلى خشبة المسرح العراقي ، المهم والخلاصة أن هناك من حاول ولكن ليس بالطموح الذي نتمناه للمرأة في المسرح العراقي وهذا ليس عيباً فأنك لو لاحظت وتابعت وجود النسوة المخرجات والكاتبات في أرجاء الوطن العربي لرأيت أنهن لا يتعدين أصابع اليد الواحدة سواء في تونس أو المغرب أو الجزائر أو سوريا أو مصر أو لبنان أو الأردن وهي البلدان التي تنشط فيها حركة المسرح. فكيف بالعراق وإرثه الثقيل من الحروب والكوارث والتخلف والنظرة المتدنية لكل ما يمت الى الفن بصلة ولاسيما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق؟!
*انت الان تمارسين الكتابة للمسرح وتم تقديم عدد من نصوصك المسرحية  على الخشبة ، السؤال هنا: هل من قضية محددة تأخذ الحيز الاكبر والاهم وانت تتصدين لكتابة النص المسرحي كأن تكون قضية جمالية او اسلوبية او فكرية ؟
-كثيرة هي القضايا التي تشغلني حين أتصدى لتقديم عرض مسرحي ، فأنا أؤمن أن المسرح مدرسة مسائية للتعلم والتنوير والتحريض ولبث روح المتعة البريئة وهي وسيلة لتأشير مرحلة والإعلان عن توجه فكري جمالي وفني ، لذا يتركز اهتمامي بما يهم الناس ما يشكل أحلامهم ما يعينهم على تخطي واقع الخوف واليأس لديهم ، .المرأة بكل ما في روحها من  ألم وشجن وحلم واسع بالحرية وأن تكون  ..أحب الطفولة ، كيف تفكر لأي شيء تسعى ، كيف نحفظ لها براءتها وعذوبة أحلامها .. أنا أنطلق في الكتابة من ضمير الناس لأني أمثلهم وأتمثل حكاياتهم وأحولها إلى عروض مسرحية تمتلك بعداً إنسانياً وقدرة على مخاطبة الآخر البعيد والقريب من العراق ومن محنه ومآسيه ، أنطلق من عراقيتي أولاً ومما أكتويت به من خوف وإحباط وخيبة أمل وغياب رجاء .. كي يعلم العالم الذي أحلق فوق مسارحه بعرضي المسرحي إن رسالتي بقدر ما تملك من عمق مأساة فأنها تنفخ بروح الأمل وتحمل في طياتها ألق السلام والجمال الحاضر في عروضي المسرحية إذ أتعامل مع الحداثة والجديد والمبتكر في معالجتي الإخراجية لنصوصي المسرحية التي تُعد مشاكسة للواقع وساخرة منه في أحيان كثيرة. هناك أسلوب يمنحني بصمتي في العمل سواء نحو الكتابة أو عند الإخراج وهذا ما يلحظه من يتتبع نتاجاتي المسرحية.
*هناك رأي يقول بأن المسرح في العراق ماهو الا مسرح نخبة لاصلة له بالجمهور وهو الذي يقدم في المهرجانات وينال الجوائز والنوع الاخر ماهو الاّ مسرح سطحي هدفه الاضحاك فقط وهو يخلو من القيم الجمالية والفكرية . وبين هذا وذاك لاوجود لمسرح قريب ومؤثر في الناس ويعبر عن تطلعاتهم واحلامهم . بماذا تعلقين على هذا الرأي ؟
-المسرح في حقيقة أمره نخبوي منذ بدأ خاطب الآلهة وتعامل مع المقدس منذ عهد الأغريق والرومان والمنظرين والمفكرين في المسرح العالمي ، لكنه استطاع أن يكون لجميع الناس النخبة أو العامة لأنه امتلك القدرة على مخاطبتهم والتعبير عن ضمائرهم ، المسرح من خلال عدد من رجالاته ومصلحيه أصبح مفتوحاً وحاضرا ومحببا للناس ورغم أن المسرح في حقيقته وافد بالنسبة للوطن العربي إلا أنه تحول على أيدي بعض من الباحثين والمجتهدين والمولعين بهذا الفن في أرجاء الوطن العربي إلى مسرح عمدوا إلى تأصيله ومنحه الهوية العربية من خلال التراث والتأريخ والأسطورة والميثولوجيا بكل تجلياتها من خلال العروض المسرحية كتابة وإخراجاً. لذا نغبن المسرح العراقي عندما نحدده بمسرح نخبة ومسرح هابط وسطحي ، إذ أن هناك مسرح يقوده مسرحيون يقدمون من خلاله عروضاً فيها من الفكر والفن والمتعة ما يجعلهم يجمعون ما بين النخبة والعامة ، والمسرح العراقي قبل أن يذهب إلى خارج العراق ليختبر قدراته ويعلن عن منجزه الإبداعي يبشر عن ولادته داخل أرض الوطن ، يحصد الربح نجاحاً وإقبالاً جماهيرياً ومباركة نقدية ثم يغادر بعدها متخطياً حدود الوطن. هناك عاملون فاعلون في المسرح العراقي علينا أن لا نتجاهل جهدهم. فالمسرح ألوان وكل حر في أن يختار اللون الذي يناسبه ويشاهد العرض الذي يبتغيه لولا فاعلية هؤلاء لأندثر المسرح العراقي ومع الذين يعملون ويتواصلون بعناد منقطع النظير مع علمهم أن الدولة تغفلهم وأن وزارة الثقافة في شغل عنهم ، وأن البنى التحتية خربة وليس ثمة جديد ينبئ بفضاء مضاف أو محور أو منجز لأحلام المسرحيين وهي كثيرة لكنها مقيدة بما هو معطى وممكن ومتاح ومسموح به ، مع وجود كل هذه الثوابت الدينية والأمنية والاجتماعية الجديدة بفعل الاحتلال الأمريكي وتداعياته!!
*الاتجدين ان المسرحيين في العراق يتحملون مسؤولية كبيرة في هذا التباين القائم مابين العروض الضعيفة ــمن الناحية الجمالية ــ التي تقدم في المحافظات مقارنة بتلك العروض التي تقدم وتنتج في بغداد .. خاصة بعد مضي اكثر من مائة عام على تأسيس المسرح في العراق ؟
-العروض المسرحية العراقية التي تقدم في بغداد والتي تقدم في المحافظات تخضع إلى معايير جمالية وفنية وفكرية وهي بالتالي تعبير عن مخيلة الفنانين الذين يقودون تلك العروض سواء التي تقدم داخل بغداد أو في محافظات العراق ، ولكن المعطى في المحافظات هو بالتأكيد قليل ومحدود إزاء المعطى لفناني بغداد ، لكن هذا لا يمنع من وجود عروض مسرحية في المحافظات ولاسيما تلك التي فيها فنانون متميزون ، وميزة تلك العروض أنها مؤثرة وتدل على قدرة عالية ولاسيما على مستوى الأداء والإخراج كما هو الحال في محافظة البصرة والحلة والناصرية. المسرح لا يقاس بعدد سنواته بل بقدرات وتميز مبدعيه والمهتمين به والمفعلين لحركته وبالظروف المحيطة بالعمل ذاته.
*انا لم اجد في العراق حتى الان مايشير الى انه قد طرح المسرحيون فيه فكرا ونظريات مسرحية يمكن أن تخلق وعيا جديد يحمل أفكاراً ومناهج جديدة رغم أن هنالك العديد من الذين أصبحوا الان  يحملون شهادات عليا سواء ماجستير أو دكتوراه . فماجدوى هذه الشهادات إذا لم تأتي بشيء جديد كما هو يحصل في أماكن أخرى من العالم ؟
-يا سيدي المسرح في الوطن العربي وافد أصلاً ولكن هناك من اجتهد من المسرحيين العرب فحاول أن يؤصل المسرح ويمنحه هويته العربية ، هناك محاولات عبد الكريم برشيد والطيب الصديقي وقاسم محمد ، ما علاقة الشهادة العليا بنظريات المسرح؟؟ هناك وعي واشتغال وبحث في الظاهرة المسرحية ليس ملزم بها حامل الشهادة العليا بل الفنان المجتهد المنتمي للمسرح والفاعل في عروضه وإنجازاته ، علينا أولاً أن نجعل من المسرح ضرورة اجتماعية تؤمها العائلة العراقية سواء العروض التي تستمد متنها الحكائي من المسرح العالمي أو التي ينهض بها كتاب محليون ، علينا أن نعمل على تطوير الحركة المسرحية والاهتمام بألوان المسرح ثم بعد ذلك نبتكر نظريات مسرحية كما فعل ستانسلافسكي وبرخت ومايرخولد وكروتوفسكي وأرتو وباربا .. مازلنا حتى الآن نتعلم من المسرح ونتعرف على أسراره بعد مرور قرن على ابتكار ستانسلافسكي نظريته والتي هي حسب رأيي وقناعتي أهم وأبقى النظريات والأساسيات في المسرح العالمي والعربي .. دعنا نبني مسارح ونتفق في أهمية المسرح المدرسي وعمل النساء في المسرح ثم بعد ذلك نبتكر نظرية نحن لم نستطع أن نبتكر نظرية تعلمنا فن الحياة فنرفض كل هذا الفساد والسقم الذي يحيط بنا وتريدنا أن نبتكر نظرية للمسرح في هذا الجو الكارثي؟ أنت متفائل.
*لماذا غابت الفرق المسرحية الاهلية . خاصة وانني لاأعلق اهمية على ان غياب الدعم الحكومي هو السبب الرئيسي لذلك . ؟
-هذا السؤال لا يوجه لي بل يوجه إلى وزارة الثقافة أولاً وإلى أصحاب الفرق الأهلية ثانياً فهم أحق بالإجابة عني.
*من خلال المشاركات الواسعة  في المهرجانات، هل تجدين ان المسرح في المنطقة العربية بات يملك خصوصية ما يمكن الاشارة اليها بالمقارنة مع المسارح خارج المنطقة العربية ؟
-نعم هناك خصوصية يتميز بها المسرح العربي عن مسارح العالم إذ أنه اجتهد في الانطلاق من خصوصية طقسية وبيئية ، تعامل من خلالها مع عناصر المسرح ، فباتت جزءاً من آلية اشتغاله على المستوى الأدائي والاشتغال على الفضاء وعلى مستوى الكتابة النصية والمعالجة الإخراجية حتى للعروض التي تستمد متنها الحكائي من النصوص العالمية ولاسيما المسرح التونسي والعراقي واللبناني والمصري.
*هل الظاهرة المسرحية في العراق لها امتتداداتها الاجتماعية التي تجعلها حاضرة وبقوة في حياة المجتمع الى درجة لايمكنها الاستغناء عن حضورها في حياته ومصادر وعيه وثقافته ؟
-المسرح لم يستطع أن يؤسس وعياً فنياً لدى المجتمع العراقي يجعل العلاقة ما بين الاثنين متواصلة ودائمية .. بسبب ظروف العراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تأثرت بالحروب الاستنزافية ومن ثم الاحتلال وهجمة الإرهاب والتطرف الديني ، هذا كلها عوامل تفت في عضد المجتمع العراقي وتمنع عنه حرية الاختيار وحرية التعبير والعيش الكريم الآمن ، فكيف يفكر في المسرح وهو يفكر في أمنه وأمن عائلته ولقمة عيشه ..!! ألا ترى أن السياسة الفاسده والسياسيين الفاسدين لعبا دوراً كبيراً في تخلف الحياة الاجتماعية والثقافيه العراقية؟!

*بعد أن نلت شهادة الدكتوراه في الفن المسرحي . مالذي تغير من الاهداف والاحلام في مشوارك الفني ؟
-أحلامي هي أحلامي ومشاريعي هي مشاريعي في مسرح عراقي معافى فيه حرية الفعل والقول والمنجز مسرح يتوجه للطفل والمرأة ، مسرح يثقف ويعلم ويمتع .. مشاريعي متواصلة وهمومي لأجل المنجز المسرحي مازال موجوداً يحفزني للعمل والبحث والتجريب والمغامرة قبل أن أنال شهادة الدكتوراه وبعد أن أصبحت أحمل اللقب العلمي الذي زاد من مسؤوليتي وحفزني للعطاء أكثر ، الشهادة العلمية هي صقل وتطوير معرفي لا غنى عنه في زمن بات فيه العالم صغير لا تستطيع حتى أن تهمس فيه ، والمرأة ولاسيما الفنانة في المجتمع العراقي تحتاج إلى ما يجعلها في موضع الحماية والأمان وليس أفضل من الشهادة العلمية والغنى المعرفي والنضج الثقافي حماية ووسيلة دفاع عن المشروع الفني والذات الانسانيه .
*لماذا المراهنة على المسرح تحديدا من بين بقية الفنون والحقول الثقافية كانت لديك ِ ؟
-أؤمن بالمسرح وسيلة للمعرفة والتأثير والنوعية لذا أراهن عليه فيه وبواسطته نستطيع أن نخلق المجتمع الآمن العارف بحقوق أفراده وواجباته ، أنه المدرسة المسائية التي يتعلم فيها الكبار والصغار والنساء والرجال ، إنه المعلم الذي لا يستخدم العصا كي يعلم بل يستعين بالجمال والفكر والحكمة.
*من المؤكد ان نقاط التفاهم والتشابه فيما بينك وبين الفنان عزيز هي القاسم المشرك الذي جمعكما . لكن الى اي مدى كانت نقاط الاختلاف من العوامل المؤثرة ايجابيا ايضا في مشواركما ؟
-أنا والأستاذ الكبير عزيز خيون فنانان متناغمان نلتقي في حب الوطن والمسرح لا خلاف بيننا ولا اختلاف فيما نفكر ونحلم.
*كيف تجدين مستقبل الفن في العراق ،هل من خطورة تواجهه على مستوى الاعتراف به كرافد اساسي للمعرفة والفكر او على مستوى حرية التعبير عن الافكار ؟*
-أخاف على المسرح من الأميين والجهلة لاسيما حين يكونون في مناصب مسؤولة وقيادية ، لو لاحظت جيداً لوجدت أن لا وجود للفن في الدستور ولا في البرلمان وهو في آخر الأجندة لدى السياسيين. أخاف على المسرح لأنه يخيف الظلاميين ، لكني أثق كثيراً بمن يعملون في فضائه من المبدعين ولاسيما جيل الشباب الجديد بكل عنفوانه وجرأته ووطنيته.

*اذا اردنا ان نضع نقاط على حروف الواقع المسرحي في العراقي وصولا الى رسم خطة عمل طويلة الامد هدفها ان يكون الفن المسرحي جزا ً اساسيا من المكونات المؤثرة والحيوية للثقافة العراقية فما يمكن ان تقول عواطف نعيم بهذا الصدد . ؟
-واقع المسرح العراقي اليوم مخيف فالمسرح يحتاج ليس فقط إلى دعم الدولة بكل ثقلها ، أنه يحتاج إلى منهاج للعمل للنهوض بهذا الواقع. ليكون هذا المكون عنصراً أساسياً وفاعلاً في الحياة الثقافية العراقية ، إنه يحتاج من المسرحيين أن يجمعوا أنفسهم ويحددوا أهدافهم ويكونوا مجلسا أعلى للثقافة مهمته دعم وتنشيط المؤسسات الفنية والثقافية وإحياء الفرق الأهلية وإقامة الورش والملتقيات التي تعنى بالظاهرة المسرحية والعمل على إقامة جسور تعاون وتبادل فني مع البلدان الناشطة في مجال العمل المسرحي (ألمانيا ، فرنسا ، بولونيا ، بريطانيا ، أميركا) العناية بالبنى التحتية وتفعيل المسرح المدرسي في بغداد والمحافظات ، هي خطة عمل ومنهاج تنظيم لتحقيق إنجازات إبداعية تصبح تقليداً في نسيج الحياة الثقافية العراقية.
*اخيرا ، ماهي الامنيات والمشاريع التي تنتظر في جعبة الفنانة نعيم ؟
-هناك مشاريع وأحلام أولها أن أطبع نصوصي المسرحية الخاصة بمسرح الطفل والنصوص المسرحية الخاصة بمسرح الكبار ، أن أجمع مقالاتي وأبحاثي النقدية والنظرية في كتاب ، وأن يكون لي محترفي الذي إنجز من خلاله مشروعي المسرحي ، بيت صغير فيه مكان لإنشاء خشبة صغيرة وإقامة مسرح يشبه مسرح الستين كرسي أقدم فيه تجاربي وأجمع فيه محبي المسرح في ملتقيات وورش مسرحية ، هو حلم لمشروع جميل أتمنى تحقيقه وهو ليس بالصعب أن كانت هناك عقول تحلم بعراق آمن!!!




50
إلى المَالكي في عُزلتِهِ  .. هل ستعتذرْ  ؟

                                                                                                                  مروان ياسين الدليمي

كان من الممكن أن تكونَ لنا جميعاً وهذا أمرٌ مرهوناً خيارهُ بك وحدك، لكنكَ أخطأتْ،فذهبتَ بعيدا ًجدا ًعندما شئت أنْ تكون للحزب فقط دون شعبك، تماما ًكما فعل صدّام من قبلك،ولاأدري إنْ كنتَ مُكبّلا ًوخاضعاً بفعل انتمائك الحزبي أوالطائفي لمشيئة أخرين في هذاالاختيارأم أن هذا هوأختيارك عن وعي ٍوقصد ٍ وإصرار ٍ وتصميم ؟
يادولة رئيس الوزراء .. مالذي كنت ستخسرهُ فيما لو كان خِطابُك موجَّها ً لنا،لجميع الناس،وبِنيِّة ٍصادقةٍ،صوناً لكرامتهم الانسانية التي مرَّغَتْها الحروب والدكتاتورية وملاحقات الاجهزة الامنية عقودا ًطويلة ً؟ لكنك شِئتَ أن تكون مُختَصَراً بحزبِكَ،وهولايشكِّل شيئا ًفي حجمه ِوأهميته ِأمام عموم الناس البُسطاء، وبلاشك أنت تعلمُ ذلك جيدا ً.
لقد أضعتَ من بين يديكَ كما هي عادةُ الحكام العرب فرصة ًذهبية ًجاءتك في لحظة عابرة من مَسيرة التاريخ،أشكُّ في أنَّها كانت حاضرة ًولو حتى في خيالك.. لحظة كُنتَ أنت َفيها في أعلى هَرَم السلطة العراقية، وكنّا نحن فيها جميعاً غرقى في مستنقع ٍ من أليأس والاحباط تصطادُنا الشظايا والمفخخات ورصاصات الارهاب وكواتمه . . كان من الممكن أن تكون أنت السبيلٌ الى هذا الامل المُرتجى،وأن تكون عونا ً لنا في محنتنا لا أنْ تكونَ بلوة ًكُبرى تنزل علينا .
يادولة الرئيس . .الاحزابُ في منطقتنا العربية ليست سوى فئات ٍصغيرةٍ ظالّةٍ عن الصوابْ،لاتفكِّرُ إلاّ بنفسِها ومَصالِحِهاوأمتيازاتِها، فَلِم أرتضيتَ أن تكونَ لها ولم تكُنْ لنا ؟ 
كان عليكَ أن تُدركَ أنَّ :عرش السلطة لن يَبقَ دائما ًوأبدا ًلحزب الدعوة ومن معه في التحالف الوطني َ،حتى لو توهَّموا بذلك، ولاأظنك بحاجةٍ لأنْ أسوقَ لكَ أمثلة ًإثباتا ًوتأكيدا ًلهذا.
أنا أفترض أنَّ تاريخك السياسي الطويل قد أعطاك درسا ً بليغا ً "أنْ لاأحد باق ٍعلى الكرسي" وعاجلا ً أو آجلا ً سيأتي ذلك اليوم الذي سيرحَلُ عنهُ أو يُرحُّلُ عَنهُ عنوة ًمن يجلس مُسترخيا ًومُنتشيا ًعليه. . لكنني ومن وقائع ماشهدناه من أخطاء كارثية جاءت منكَ ومِن حزبك الحاكم،أجِدكَ لم تفكر ولو للحظة بالساعة التي سيأتي فيها أوان الرحيل،لانَّك وكما يبدو جليا ً مازلت تحيا نشوة َمُنتَصِر ٍوجَدَ نفسه فجأة يتقدمُ في ساحة ِالمعركةِ أمام جيش ٍمُثقلٍ بالجراحْ. 
دولة الرئيس .. فقط العُقلاء هم من يملكونَ الحِكمةَ َساعة َالنصر ليجدوا لأنفسهم فسحة ًمن الوقت حتى يفكروا بساعة ٍ قادمةٍ يحينُ فيها موعدالرحيل عن العرش،ولاأظنك بعد كل الذي رأيناه مِنكَ طيلة الاعوام السبعة اثناء حُكمِك للبلاد قد فكرت بها مطلقا،ولو كنتَ فعلا قد فكَّرتَ بها لجنَّبت البلاد ماهي عليه الان َمن بؤس ٍوماهي مُقدِمَة ُعليه من إيامٍ قد تكون هي ألأشَدّ صعوبة مما مضى،ولن تكون شدَّتها وقسوتها واقعة على الناس وحدهم، بل ستكون أولا ًعلى مَن سيحكُمها من حزبكم بعد رحيلك. 
المشهد المُهلِك الذي رسمتَهُ بنفسِك لنفسِك ولشعبِك ولبلدِك بلاشك ِّختامهُ لن يبعث فيكَ المَسَرَّة،ولن تكونَ بأحسَن ِحال عمَّنْ سبقوك الى كرسي الحكم ، وستكون أنتَ محشوراً في الزاوية الضيّقة التي كنتَ قابعاً فيها طيلة حكمك غاضبا ًومُتجهِّما ًومُشيحا ًبوجهِك عن عموم الناس،بينمااحتفظتَ سراً بأبتسامة عريضة لأفراد حزبك حصراً،لأنك ظننت مُتوهماً أنهم قارب النجاة لك في الدنياوالآخرة، وهم في الحقيقة ليسوا سوى حفنة ٍمانفكّت ماضية في إغراقك بوهم ٍزائف من الشعور بالقوة والسلطان،ولن يدعونَك أبدا ً تصحو منه إلا ّبعد أن تسقط من على العرش لتجِدَ نفسكَ على الارض مُحطّما ًولاأحد َ مِنهم حولك.
لك الآن ــ وانتَ في الايام ِِالاخيرة من عُمرالولاية الثانية ــ  أنْ تقفَ أمام ذاتِك كاشفا ًومٌحاسبها لها على أخطاءها، ثم عليك أنْ تقِفَ بعدَها بكل وضوحٍ وشجاعةٍ لِِتُقِرَّ  بها أمام شعبك،عندها ستحظى بالتصالح مع ذاتك، وبالطمأنينة التي طالما افتقدتَّها طيلة عمرك، ولتحظى بلاشك بمغفرة الشعب لأخطائك،وأنت هنا لن تخسر سوى حفنة من الكذابين كانوا دائما يدورون حولك.
 فهل ستفعل أم ستبقى آسير سياساتٍ حزبية ٍمريضةٍ صاغها إنتهازيون ومنافقون  . ؟

51
الاحزاب الديناصورية . .

                                                                                                                        مروان ياسين الدليمي

الاحزاب في المنطقة العربية مصابة بنفس الامراض منذ ظهورها مع مطلع القرن العشرين،ويظهر ذلك جليا بعد وصول أيا ً منها الى سدة الحكم،ونظرة سريعة الى طبيعة الاساليب وردود الافعال التي تصدرعنها إزاء أي حدث يواجه سياساتها،لنكتشف على الفوروكأنها تنطلق من عقلية واحدة،على الرغم من اختلاف الايدلوجيات التي تتحصن وراءها سواء كانت إسلامية أو قومية أو ماركسية. فنبرة التخوين والتشكيك بوطنية الطرف المعارض هي السِّمة المشتركة التي  تجتمع عليها جميع الاحزاب، ومن خلالها يتم اللجوء الى اساليب التسقيط والتزييف الاعلامي ضد الخصوم حتى لو أدى ذلك الى دفع البلاد نحو حرب أهلية يذهب ضحيتها العشرات،ولنا في ذلك أمثلة قريبة جدا، منها ماحدث في مصر قبل سقوط مبارك عندما كان الحزب الوطني الحاكم  يكيل التهم  لكل القوى الثائرة ضده متهما ً إياها بالعمالة للاجنبي وتلقيها أموالا ًمن دول معادية وتنفيذها لأجندات أجنبية. والمفارقة المضحكة أن التهم ذاتها باتت تطلقها جماعة الاخوان المسلمين على كل القوى السياسية المصرية التي اختلفت معها بعد أن تسلمت هي السلطة !.  كذلك الحال في العراق أيام حكم البعث،ونفس الوضع أيضا ً بات ينطبق الآن على من جاء بعده وتسلم عرش السلطة!.
ماذا يعني هذا !؟. . هل يعني أن العقل العربي يعاني في جوهره من أزمة مستفحلة ومستعصية في التفكير تمنعه من انتاج شيء جديد حتى في حدود الصراع على السلطة مع الاخرين ؟ ألا يدعو هذا الشعوب العربية قبل أحزابها الى الدهشة والالم  وبنفس الوقت الرثاء والخجل !؟ ذلك لأنها ارتضت لنفسها أن تبقى أسيرة كيانات واحزاب وايدلوجيات سياسية مِسخ، لاقيمة ولانفع لها على الارض، بل إن وجودهاوحضورها بكل تخريجاتها الفكرية الهجينة هوأكبر خطيئة أرتكبت ومازالت ترتكب بحق شعوبها .
لماذا تبقى الاجيال العربية تخوض في مستنقع  آسن ٍ لِسياسات الاحزاب العربية ومخططاتها المتعفنة !؟ ألم يحن الوقت لكي نرى جيلا جديداً من قادة وساسة شباب تخلوا عقولهم وارواحهم  من عقد وأمراض الساسة الكهول واحزابهم الديناصورية ؟ ألم يحن الوقت لظهور احزاب جديدة لاعلاقة لها بكل الارث الايدولوجي المُحتَقِن والمُحتقَن بكل خرافات الفكرالمتطرف سواء ماكان منه ماركسيا أو قوميا  أو اسلامويا او طائفيا ً ؟. . ألم يحن الوقت لكي توضع هذه الايقونات  في المتاحف أو ترمى في براميل القمامة ؟ ويمكن فقط ملاحظة ملامح لهذا التغيير في مصرعبر تشكيلات سياسية جديدة اعلنت عن نفسها خلال الاعوام القليلة الماضية مثل حركة 6 ابريل التي قادت عملية التغيير السياسي في مصر وكانت رأس الحربة في ثورة 26 يناير كانون الثاني 2011 وجل قادتها  واعضائها من الشباب الذين تتراوح اعمارهم مابين 20 – 26 .     
إن المجتمعات العربية ماعادت تحتاج إلى احزاب لارصيد لديها سوى  مفكرين وفلاسفة ومنظرين لاينتمون الى هذا العصر بكل متغيراته واحتياجاته مثل:  ماركس وجيفارا وميشيل عفلق وحسن نصرالله وحسن البنا . . هي الان أحوج ماتكون الى أحزاب واقعية لاترفع ايّة  شعارات سياسية إنما : برامج ومشاريع وخطط  تنموية تسعى لأستثمار الطاقات العلمية والبشرية لكل الشباب العاطل عن العمل وتقدم افضل الخدمات لعموم الشعب،من تعليم متقدم الى رعاية صحية الى سكن لائق الى عيش كريم يليق وينصف آدمية وكرامة الانسان إضافة الى تكريس الدعوة لتعميق الاخوة الانسانية بين الاديان والقوميات وعموم البشر.   
يكفي ماضاع من عمرالشعوب العربية جرّاء خطابات وشعارات ثورية طنانة تتاجر بالدين والقومية والوطنية وتسوق الشعوب الى حروب خاسرة وانتصارات وهمية ، وفي مقابل هذا تعجزعن تقديم ابسط الخدمات  لشعوبها من شارع مبلط نظيف ، وكسرة خبزلطفل جائع وعلاج لمريض لايملك ثمن الدواء،وبيت لعائلة تسكن القبوروتعتاش على المزابل . .
آن الاوان ليتوقف مسلسل التظاهرات الهزلية المُمِلةِ التي مانفكت تجيّشُها أحزاب السلطة ضد من يعترض على سياساتها ويساق عنوة إليهاموظفون ومدرسون وطلاب مدارس لكي يهتفوا دعما ً وتأييدا ًلكل سياسات ألحاكم وحزبه،وكأنَّ الناس مكتوب عليها الصمت والرضوخ والخنوع ولايحق لها الاحتجاج علنا ً إزاء  مايقع عليها من حيف أو ظلم .


52
عوني كرومي  . . في مفترق تجربته المسرحية
إنجاز لافت بين مرحلتين : البرختية والعراقية







                                                                                                           مروان ياسين الدليمي
                                                        
قصديّة الاختيار
ليس من السهل أن تُختَصرهذه الرحلة ُالثريّة والعميقة ُلعوني كرومي في الحُلم والحريةِ والرؤى ،بعدد من الاستنتاجات التي قد  يصل اليها الناقد،لان تجربة كرومي توفرت فيها العديدُ من الشروط الذاتية والموضوعية التي تضعها في موضع التقدير والاحتفاء ، ذلك لانه حاول لاكثر من اربعين عاماً أن يوقظ في الانسان لحظة َالتمرد ِعلى القهر ِوالاستلاب ِمُتسلحاً بفكر جدلي،من خلاله ِكانت تبدو رؤيته لطبيعة الصراعات القائمة في الحياة واضحة ً، وهذا ماأنعكس بطبيعة الحال في جميع أعماله التي كانت تختزن هذه الرؤية وتمررها، لذا لم يكن مسارنا ونحن نتنقل بين التفاصيل التي صاغها كرومي خاضعاً  لسلطة الاحتفاء العاطفي الذي قد يخلط الاوراق من فرط الاعجاب والمحبة بقدرما كان إرتكازا ًعلى سلطة النقد في رؤية السياق العام  للتجربة دون الحاجة للتوقف أمام كل عرض مسرحي قدمه كرومي ،ونهدف من وراء ذلك ايضا : اثارة الجدل حول تجربة فنان كبير ترك أثراً فنياً واضحاً في مسيرة المسرح المُنتَج في العراق خلال اكثرمن اربعة عقود، وما توصل اليه من حضور فني . كما شئنا أن تكون هذه القراءة  مُنطلقا للبحث عن مشترك عام يجمع عوني كرومي مع أسماء ٍ أخرى من المخرجين العراقيين ، كانوا هم ايضا قد تلقوا تعليمهم العالي للفن المسرحي في جامعات أجنبية خارج العراق ولطالما اثيرت هذه المسألة بين أوساط المسرحيين لكنها لم تنتقل الى ميدان البحث العلمي والدراسات الاكاديمية التي فيما لو تمّت ستضيء بلاشك الكثيرمن الجوانب حول تجارب العديد من الفنانين وليس عوني كرومي لوحده ، وهي قضية تستحق التناول وفيها الكثير من الاشارات التي تصلح لان تكون فرضيات ومنطلقات بحثية .
الجيل ألأوّل
شهدت الظاهرة المسرحية في العراق بعد منتصف العقد الخامس من القرن العشرين  ظهور عدد من الاسماء التي كانت قد دَرَست الفن المسرحي خارج العراق في عدد من الدول الاجنبية  التي كان الفن والانتاج المسرحي فيها عريقاً ومتقدماً من حيث تنوع التجارب التي تُقدم فيها وفق اساليبَ ومناهج َمختلفة ٍ، مثل فرنسا والمانيا وانكلترا وايطاليا وروسيا اضافة الى أميركا . وقد شكّل مجىء الجيل الاول من الرواد ( جاسم العبودي وابراهيم جلال ، جعفر السعدي ، أسعد عبد الرزاق ، ابراهيم الخطيب)  بداية الوعي بالعملية الاخراجية وفق أسس علمية ٍأكاديمية ٍ، بعيداً عن الارتجال والعفوية ، التي كانت قد شكلت الى حد كبير، مسيرة الانتاج المسرحي في العراق ، منذ انطلاقته ِمع أول ِعرض ٍمسرحي قدم عام 1880 في المدرسة الاكليركية التي اسسها الاباء الدومنيكان عام 1750 في مدينة الموصل  . ومن هذه المدرسة وصلتنا أول النصوص المسرحية  وتعود إلى الأب القس ( حنا حبش ) يعود تاريخ الانتهاء من كتابتها الى عام 1880 ، وضمت المسرحيات الاتية:
1-   كوميديا آدم وحواء
2-   كوميديا يوسف الحَسِن
3-     كوميديا طوبيا
بعدها تم  تأسيس (جمعية التمثيل العربي) من قبل محمد خالص الملا حمادي وهي أول فرقة مُجازة رسميا عام 1921 ، تبعتها بعد ذلك (الفرقة التمثيلية الوطنية ) التي اسسها الفنان حقي الشبلي عام 1927 ، والشبلي يعد مؤسس المسرح العراقي في العصر الحديث بأجماع المؤرخين .
إنّ رواد المسرح العراقي الاوائل في خمسينيات القرن الماضي وهم كل من : ابراهيم جلال ، جعفر السعدي ،جاسم العبودي ، اسعد عبد لرزاق ،ابراهيم الخطيب . والذين كانوا قد درسوا فنون وعلوم المسرح خارج العراق جاءوا بمفاهيم جديدة على الساحة المسرحية العراقية انذاك، كان لها صلة بتنوع الاساليب والرؤى الفنية ، التي يمكن للمخرج ان يأخذ بها ، وفقاً لما يراه ُهو في النص الذي يعمل عليه ، وهذا ماأحدث تحولا كبيراً في الفهم والتعامل مع ألعملية الاخراجية ، وباتت بعد ذلك تظهر نتائجُها واضحة ًفي مجمل الاعمال المسرحية  التي تم تقديمها على  خشبة المسرح العراقي، خصوصاً في العاصمة العراقية بغداد، التي إستحوذت على النصيب الاكبر في هذا التحول ، وقد أنعكس هذا فيما بعد على الاجيال الاخرى التي جاورت تلك الاسماء أوالتي عملت معها، أوالتي  تتلمذت على يديها . إن ملامح هذا النضج بدت تتضح  في فهم التجربة المسرحية بكل تفاصيلها وأبعادها لدى الاسماء التي جاءت بعد الجيل الاول ،وتمكن بعضها من أن يُشكل حضوراً واضحاً  وفاعلية كبيرة في بناء مسيرة الانتاج المسرحي في العراق، وأخذت تتضح سماتهُ الشخصية في الاعمال التي يقدمها ،وأصبح بالامكان الحديث عن مسرح له بصمته ُالشخصية للاسم الفلاني يتميز به عن أقرانه، سواء من حيث الموضوعات أوالمعالجات الفنية  والتي عكست في مُجملها العقائد والايدولوجيات التي كان المسرحيون يؤمنون بها،ويمكن هنا الاشارة الى ابرز الاسماء التي شكلت الاجيال التي جاءت مابعد الجيل الاول ، وأرتأينا ترتيبها حسب أسبقية ظهورهاعلى الساحة المسرحية وهم كل من  : (بدري حسون فريد ، بهنام ميخائيل ، سامي عبد الحميد ، خليل شوقي) ومن ثم (قاسم محمد ، محسن العزاوي ،سعدون العبيدي ،جواد الاسدي ، ، صلاح القصب ، سليم الجزائري ، عوني كرومي ، فاضل خليل ،شفاء العمري ، عادل كريم ، وجدي العاني ، فخري العقيدي ، فتحي زين العابدين )  ثم (عزيز خيون، هاني هاني، شفيق المهدي ،عقيل مهدي ، محمود ابو العباس ) وبعدهم  جاء ( ناجي كاش ،حميد صابر،غانم حميد ،حيدرمنعثر ،ناجي عبد الامير ،كاظم نصار،)  ثم تتالت اسماء أخرى أعلنت عن حضورها على خشبة المسرح العراقي،لايتسع المجال هنا لذكرها .
المسرح المَلحَمي
الحديث عن عوني كرومي يقودنا بالضرورة  التوقف عند المسرح الملحمي كما كان قد توصل اليه الكاتب المسرحي الالماني برتولد برخت بعد الربع الاول من القرن العشرين ، ويعود تاريخ ميلاد برخت الى 10 من شهر شباط / فبرايرعام  1898 ، وفي عام  1922 حصل برخت على جائزة كلايست عن أول أعماله المسرحية، وفي عام 1924ذهب إلى برلين ليعمل مخرجاً مسرحياً ، وفي عام 1933 وهو العام الذي إستولى فيه هتلر على السطة في ألمانيا، هرب برخت الى الدانمارك ومن هناك اتجه  الى أميركا عام 1941، التي استقر فيها لاجئاً سياسياً ، وليحاكم عام 1947 من قبل لجنة مكارثي المناهضة للشيوعية ، ليعود بعدها إلى ألمانيا عام 1948، ليتولى إدارة المسرح الألماني في برلين الشرقية ، ثم أسس عام 1949 (فرقة مسرح برلين إنسامبل) وبقي يعمل فيها حتى وفاته في عام 1956.
 المسرح الملحمي كما هو معروف لدى الدّارسين والمختصين لم يكن إلاّ خروجاً على القواعد الارسطية في بناء النص أولا ً والعرض المسرحي ثانياً . وكان الهدف منه اشراك المتلقي في القضيا المطروحة ودفعه لأن يتخذ موقفاً منها، من خلال هدم الجدارالرابع الذي يشكل حاجزالوهم القائم مابين الخشبة وصالة المتفرجين ليؤكد بذلك على أن مايعرض أمامه ماهو إلاّ لعبة مسرحية . كما طرح المسرح الملحمي مفهموم التغريب الذي تعود مرجعيته الى الشكلانيين الروس ومدرسة سيمياء براغ للمسرح الذين كانوا قد طرحوا نظرياتهم السيمائية في عشرينيات القرن الماضي، وكانت مدرسة براغ قد تبنت التصنيف الوظائفي لفعل التواصل اللغوي الذي وضعه (كارل بوهلر) والذي حدده بثلاث وظائف :
1-الوظيفة التعبيرية
2- الوظيفة المناشِدة
3- الوظيفة التمثيلية
ثم اضيفت بعدها الوظيفة الجمالية ، وهي موجَهةٌ نحو فنيَّةِ أو جمالية ِألرسالةِ بذاتِها ولذاتِها 1. وبات على هذا الاساس أن يتم تقسيم النص وقراءته نقدياً الى وحدات حسب وظيفتها التواصلية . والتغريبْ ، كما يقول جيفري ليج هو " تصدير واع ٍ وخلّاق للغة ومعانيها ، والتصديرُ يعني إستثمار اللغة جمالياً لإحداث مؤثرات خاصة تتصدر وعي المتلقي ، والبنية المُتصَدِرةُ تتسم عادة بالانحراف والتكرار، والانحراف هو خروج ٌعلى الاعراف القواعدية والتركيبية والمعنوية للغة القياسية لابداع صور ٍ مَجازية تُفاجىء المتلقي وتستحوذ على انتباهه " 2 . . خاصية التصديرالمنبثقة عن مفهوم التغريب لم يقتصر أمرها على اللغة بل شملت ضمن بحوث مدرسة براغ جميع الفنون ، وقد أسهم برخت في تقنين المصطلح مسرحياً، ليتمكن من إستثماره  والتعبيرعنه في عروضه المسرحية .
بات مفهوم التغريب فيما بعد عنصرا ًأساسيا ً في بناء المسرح الملحمي ، إذ لجأ برخت ضمن هذا المفهوم على تحويل الشيء إلى شيء خاص ، لكي يحقق مقصده الفني في تحقيق  الغرابة والغموض والدهشة لدى المتلقي . وقد عمل بريخت على مفهوم التغريب بعد أن تأمل عناصر متفرقة  في مناطق  مختلفة من العالم خاصة في قارة أسيا ، فانتبه الى المسرح الشرقي سواء في في اليابان أوالصين أوالهند ، ليشكل فيما بعد من دلالات مسارح هذه الحضارات العريقة ، جملة من العناصرالفنية التي دخلت في  صلب المسرح الملحمي .
كانت دعوة برشت إعلاناً لقطيعة فنية وفكرية مع الارث الارسطي ، ليتخلى بذلك المسرح الملحمي عن وحدة الزمان والمكان والحدث ، مجتازاً بذلك الوحدات البنائية التي يتموضع فيها النص الارسطي من  : استهلال وعقدة وذروة ثم حل ٍ، ليصل الى بناء نص آخر، لاصلة له بالتعاليم الارسطوية ، إعتماداً على جملة إجراءات فنية  قام بها بريخت أوصلته بالتالي الى تفتيت وحدة الزمان والمكان والاخذ بها منفصلة الى  وحدات ، ترتبط مع بعضها وفقاً للمنطق الجدلي، الذي تبنى عليه وحدات الاحداث المتفرقة داخل النص ليتواشج في النص اجناساً عدة : اغنية ووثيقة وعرضاً سينمائياً ، ورقصات . ليصبح بالتالي مفتوحاً على سعته لاستقبال كل مايمكن ان يحقق كشف اللعبة المسرحية لتعميق وعي المتلقي بحقيقة التناقضات القائمة في الواقع وليس تظليله كما يريد له المسرح القائم على البناء الارسطي .  



عوني كرومي ، صراعُ مع الأُطر المُسبَّقة
فيما يتعلق بالمخرج عوني كرومي ، نجد أن تجربة هذا المسرحي، تستحق الوقوف عندها وتأملها ، نظرا ً  لِما شَغله من مساحة مهمة في الحركة المسرحية العراقية ، فبعد أن كان قد أنهى عوني كرومي دراسته الاكاديمية للاخراج المسرحي في المانيا ونال بموجبها شهادة الدكتوراه عاد الى العراق في منتصف سبعينات القرن الماضي وأستمرّ بالعمل المسرحي الى جانب التدريس في كلية الفنون الجميلة حتى مغادرته العراق في مطلع العقد التاسع من القرن العشرين متجهاً الى الاردن ليعمل أستاذاً في جامعة اليرموك لعدة أعوام ومن ثم الانتقال الى المانيا والاستقرارفيها حتى يوم وفاته وفاته في 26/ 5 /2006 أثناء تقديم العرض المسرحي( مسافر ليل ) للكاتب  المصري صلاح عبد الصبور عن عمر ناهز الواحد والستين.
من أبرز أعماله التي وصلت حدود سبعين عرضاً مسرحياً : كشخة ونفخة، ترنيمة الكرسي الهزاز، فطور الساعة الثامنة، كاليكَولا،غاليلو غاليليه، مأساة تموز، فوق رصيف الرفض، قصائد روفائيل ألبرتي ، مس جوليا ،  الإنسان الطيب،صراخ الصمت الأخرس ، بير وشناشيل، المسيح يصلب من جديد، الصمت والذئاب، الطائر الأزرق ،السيد والعبد، مسافر ليل .
والدكتور كرومي ولد في مدينة  الموصل عام 1945 وتخرج من كلية الفنون الجميلة عام 1969 ثم سافرالى المانيـــــــــــا لإكمال دراسته هناك ، وحصل على شهادتي الماجستيروالدكتوراه من جامعة همبولدت عام 1976بتخصص دقيق في العلوم المسرحية.
كانت مسيرته الفنية تعبيراً واضحاً عن تطلعاته وطموحاته الفنية وفقاً لنظرية المسرح الملحمي التي لم تخرج عن توظيف الفن المسرحي من أجل القضايا الانسانية في ظل الظروف والاوضاع القاهرة المُسلطة على الانسان في بيئة ما ، لتحيله بالتالي الى كائن مُستلب في ظل أوضاع مجتمعية  تحكمها قوانين الصراع الطبقي .
بقي كرومي طيلة مسيرته الفنية ماركسياً حد النخاع في عقيدته الايدولوجية وانعكس ذلك في اختياراته للنصوص التي قدمها على خشبة المسرح ، سواء التي كانت نصوصاً مترجمة أو التي كانت تحمل تواقيع مؤلفين عراقيين  .
وجميع النصوص كانت تخضع للاشتراطات الفنية البريختية المسبّقة والتي كانت بمثابة مِجس يبدأ من خلالها  بتشريح الاحداث والشخوص ومنظومة العلاقات المتصارعة ليعيد تركيبها وفقاً لتعاليم الاب الروحي برتولد بريخت .
هذا الانزواء وراء ظِل ِّ الاستاذ وتعاليمه ِكان واضحاً جداً في مسيرة كرومي ،الى الحد الذي أفقده طريقه الخاص الى حدٍ ما ، والذي كان ينبغي أن يرسمه لنفسه بعيداً عن القالب الفني الذي إستله من تجارب ووصايا بريخت التي شرِبها وتمثّلها  . وأسَرَ قدراته فيها .
وفقاً لهذا الايمان الذي كان عليه كرومي بكل ماهو بريختي يمكننا ملاحظة طبيعة النصوص التي كان قد اختارها للعمل عليها وتقديمها ، منها على سبيل المثال:  غاليلو غاليليه ، كريولانس ، ورؤى سيمون مشار،  كل هذه النصوص التي اشرنا اليها كانت للمؤلف بريخت تم تقديمها وفق ماجاءت عليه مكتوبة بخصوصيتها الملحمية في البناء والرؤية الفنية دون أن يذهب بها بعيداً عن هذا الاطار الفني الذي أراده لها المؤلف، ومن غير أن يجري عليها  تعديلات وفقاً لمقتضيات البيئة المحلية العراقية التي كانت تقدم فيها،حتى أن مسرحية (الانسان الطيب في ستسوان) التي كان قد عرضها في مهرجان المسرح العربي عام 1992 تحت عنوان (الانسان الطيب )  والتي كانت ايضا للكاتب بريخت إقتصر التعديل فيها على حذف كلمة (ستسوان) من العنوان  كما تم استخدام اللهجة العراقية بديلا عن اللغة العربية الفصحى . كان ذلك إجراءً جزئياً لايكفي للدخول بفاعلية في جوهر المعالجة الذاتية للفنان عندما يُقدم على تناول نص جاهزلم يكتبهُ هو .
لانَّ اللغة في التجربة المسرحية لاتشكل العنصرالاساس التي تقوم عليها، بل هي الاضعف حضوراً وتأثيراً في بناء العرض المسرحي المعاصر، الذي يتشكل معماره من منظومة سمعية وبصرية يُمسك المخرج بمفرداتهما المتنوعة والمختلفة ليخلق منها نسيجاً سينوكرافياً يؤثث به الفضاء المسرحي . ولكن هذا لايعني مطلقاً  أن عوني كرومي لم يتعامل مع نصوص تعود لكتاب  اخرين ، الى جانب نصوص بريخت ،  إذ قدم عددا من الاعمال المسرحية التي توزعت على عدد محدود جداً من الكتاب العراقيين مثل فاروق محمد،وعباس الحربي ومحي الدين زنكة  وكتاباً اخرين غيرعراقيين مثل : صلاح عبد الصبور،روفائيل البرتي ، البير كامو .
تساؤلات
إن الفترة التي درس فيها عوني كرومي الاخراج المسرحي في المانيا كانت التجارب المسرحية في العالم قد وصلت فيها الى مرحلة مهمة من التحولات وضعت المخرج المسرحي امام مساحة واسعة من الحرية في التفكير الفني بعيداً عن هيمنة الاعراف والتقاليد الفنية مهما كان شكلها ومصدرها وتاريخ انتاجها ، وبات المبدع المسرحي لايستجيب الاّ لصوت التجديد والانقطاع عما سبق من معرفة فنية ، وهذا ماكان عليه برخت نفسه عندما تجاوز الصيغة البنائية للمسرح الارسطي، وهكذا الحال مع غروتوفسكي وبروك وكانتور واخرين كانوا في تلك الفترة يقفون في مقدمة الخارجين من كاهل المقاييس المنجزة .
 والسؤال هنا : لماذاتخلى عوني كرومي عن هذا الدورالذي بات على المخرج أن يقترن به بعد سلسلة من التحولات التي كانت قد حصلت في طبيعة ومفهوم الاخراج المسرحي خلال النصف الثاني من القرن العشرين ترتب عليها جملة من الاجراءات التنظيرية التي تتيح له بل تفرض عليه أن يكون لاعباً حرا ً في المساحة التي يريد والشكل الذي يقصد وفقاً لتجربته الخاصة  والمعرفة التي يمتلكها .
سأتوقف هنا لاتساءل عن الكيفية التي ظهرت بها الاعمال التي لم تكن تحمل أسم وتوقيع بريخت،ويمكن أعتبارها أختبارا ً له ولقدراته الاخراجية،  وهو يقف وحيداً أمام الخشبة مع نص مسرحي لكاتب آخر، من دون أن تكون كلماتُ ومعالجاتُ عرابه ِالروحي بين يديه .
 فهل تمكن من الوصول الى عمق التجربة المسرحية أم بقي على ضفتيها ؟
إن ماأشير اليه في هذه القضية ،ينطبق ايضا على العديد من الاسماء التي كانت قد تلقت هي الاخرى تعليمها الاكاديمي خارج العراق، ولمّا عادت الى الوطن، قدمت نصوصاً عالمية سبق أن تم تقديمها عشرات المرات في البلدان التي كانوا قد درسوا فيها وبأساليب ومناهج فنية مختلفة ، مثل نصوص شكسبير وبريخت على سبيل المثال وبلاشك كانوا قد شاهدوها  .
في مثل هذه التجارب المسرحية أجد من الصعب الوصول الى حكم نقدي سليم ينصف التجربة ويضعها في إطارها النقدي الذي يَلم ُّ بخواصّها وحدودها وبما يمكن أن وصلت اليه من مقولات فنية وذلك لحضورالتنّاص بشكل مُهيمن داخلها في سياق الاجراءات التي لجأ اليها أولئك الفنانون ، وقد يكون حضورهذا التنصيص غير مقصود ٍ أو جاء متسللاًعبر ما خزنته الذاكرة في دهاليز اللاوعي منها، نتيجة مشاهدات ٍ لعروض مسرحية إستندت على تلك النصوص  نفسِها والتي اشتغل عليها المخرج العراقي فيما بعد، أو نتيجة قراءات ٍنقدية ٍكثيرة ٍكانت قد تناولتها .
تبدو هذه الاشكالية ُواضحة ُفي العديد من تجارب المخرجين العراقيين الذين درسوا خارج العراق، خصوصا في الدول الاجنبية المعروفة ِبعراقةِ مسارِحها ،مثل المانيا التي درس فيها عوني كرومي ، وشاهد فيها العشرات من العروض المسرحية التي تناولت نصوصا لبرتولد بريخت مثل مسرحية غاليلو، وكريولانس ، ورؤى سيمون مشار والتي تناولها هو فيما بعد عندما عاد الى العراق .
قراءة في الاشتغالات
من خلال إجراء مقابلة نقدية مابين عروضه ِالمسرحية التي أعتمدت على نصوص ِالكاتب بريخت والعروض الاخرى التي كانت لكتاب عراقيين لم تكن قد حظيت  نصوصهم بماحظيت به نصوص بريخت أو شكسبيرمن فرص التقديم الكثيرة على خشبات المسارح لأكثر من مرة وبأكثرِ من بلد ٍ ولغة ٍ. أجدني هنا مُستنتجاً الاتي : -
إن عروضَه المسرحية التي أستندت على نصوص ٍعراقية ٍ لم تكن  بالمستوى الفني المتقدم الذي كانت عليه العروض التي استندت على نصوص  بريخت وسبق لها أن قُدمت من قبل مخرجين أخرين ــ كما اشرت سابقاً ــ عشرات المرات ، وكان هو قد شاهد بنفسه العديد منها في اكثر من نسخة وفي اكثر من بلد  بأستثناء العرض المسرحي المعنون " ترنيمة الكرسي الهزاز " للمؤلف العراقي  فاروق محمد .
ترنيمة الكرسي الهزاز
إنَّ ماساعد على نجاح هذا العرض المسرحي وأن يُحقق ذاك التأثير العاطفي والانساني على المتلقي قبل الجانب الجمالي منه ، يعود الى أمرٍ لاصلة له بشكل مباشر بالجانب الفني للعرض ذاته،بقدر ماكان الامرمتعلقاً، بطبيعة التركيبة النفسية المُحطّمة للمتلقي العراقي انذاك،بفعل مقتضيات الظرف التاريخي الذي كان يحيط بالعراقيين جميعاً، بسبب الحرب .
إّذ كانت الحروب قد أخذت الكثير من أحلام العراقيين وسحقت نفوسهم، بتوالي أرقام القتلى والمفقودين واليتامى والارامل والعوانس .
 كانت الحرب حاضرة بكل دمويتها وبشاعتها  وماتركته من ظلال قاتمة على الذات الانسانية وعلى المجتمع ولايمكن للجمهورالحاضر للعرض المسرحي آنذاك أن يتجاهلها أويغفل عنها طالما هي مازالت تلهو بحياته . وهاهي تتجسد أمامه عابثة بشخصيتين نسائيتين شاء عوني أن يَخرُج َبهما من إطار المعمار التقليدي لخشبة المسرح، مُزحزِحاً بذلك دلالات المكان  الحميم الذي اقيم فيه العرض الى مدلولات اخرى لها صلة بالحرب وفظاعاتها على النفس الانسانية .
لم يكن المكان الذي قدم فيه العرض سوى بيت عراقي ذي طراز شرقي ٍ باذخ ٍبألفته ِ وفضاءاته ِ المفتوحة على دجلة والشمس والهواءعَبَر فناءه ِالواسع  المُنفتِح على السماء  والمُحاط َبغرف ٍ ونوافذَ وسلالم َحجرية ٍ تم استثمارها مسرحياً  لتصعد من خلالها الشخصيتان النسائيتان الرئيسيتان الى الطابق الثاني من المبنى الذي تم استثماره هو الاخرليلقي بحضوره المعماري على الاشكاليات المُعقّدة والمؤلمة التي فرضتها الحرب على شخصيتي العرض  .
كان هذا الاستثمارُ الفنيُ لمعمارية ِالمكان قد أحدث تداخلاً وجدانيا مابين المتلقين للعرض ومايُعرض أمامهم ، كما أحدث تياراً جارفاً من الاطمئنان، يشبه ذاك الذي ينبعث لدى الانسان الشرقي وهو يدخل الى فناء بيته بعد رحلة من العذاب والقهر والاستغلال خارجَه ُ.  
يمكننا القول إن هذا العرض قد إمتلك شروط  تألقه ونجاحه الكبير من خلال المكان الذي عُرض فيه . مكانٌ فاجأ المُتلقي وأدخَله في ألفة ٍ يتوق اليها ، وأخرَجَه منها في آن ٍواحد،عندما طرح عليه تلك المواجِعَ مُنثالة ً في تفاصيله ِ وكأنَّها جزء منه .
وبات هذا العرض وفق ماجاء عليه من خصوصية معمارية تأطّرَ حضورهُ فيها خارج السياق البرختي الذي كان قد أخذنا به عوني كرومي في مجمل أعماله السابقة . ويمكن تأكيد ماذهبنا اليه عندما نستذكر مسرحية (بير وشناشيل ) للكاتب عباس الحربي والتي قدمها عوني قبل هذا العرض بعدة أعوام على خشبة مسرح تقليدي أي مايطلق عليه أصطلاحاً (مسرح العُلبة ) ، ورغم أن النص كانت عائديته  لكاتب عراقي إلاّ أن العرض مَرَّ مروراً عابراً في ذاكرة المتلقي ولم يترك أثراً جمالياً مهماً  كما كانت عليه أعماله الاخرى التي سبقته والتي كانت بتوقيع  برخت كمؤلف لها .

إستنتاجات
عليه نخلصُ الى مايلي :  أنّ تجربة عوني كرومي يمكننا تقسيمَها الى مرحلتين ، اعتماداً على النصوص التي تعامل معها ، المرحلة الاولى : ويمكن تسميتها ( البرختية) ، وكانت نشأتُها وحضورها قائمة على نصوص برخت وتأثيرات العروض الاجنبية المُستنِدة على تلك النصوص ،وهنا يبدو عوني كرومي في مشروعه المسرحي منجِذباً أكثر مما هو جاذباً ، مختفياً اكثر مما هو مُعلنَاً ، غائباً اكثر مما هو حاضراً ، ممتزجاً أكثر مماهو منفصلاً . لأن أيّة تجربة فنية يُقدِم عليها الفنان ينبغي أن تقوم على فكرة التحرُّر . التحرُّر من الشكل المُسبَّق ، من هيمنَته ِ، وليس إعادةُ انتاجهِ وتكراره ِ،  فالشكل في هذه المرحلة من تجربة عوني كان اداة ً مُقننة ًوموجَهة ًللسيطرة على حريته ِ وتكمِيمِيها  وفق قياسات ٍجاهزة ٍ.
المرحلة الثانية : ويمكن تسميتها (المرحلة العراقية ) ، وكانت اكثر تحرراً من سابقتها ، تعامل فيها عوني مع المُعطى وفق آلية الملاحظة والتجريب ، وصولا الى لحظة التحرر من فروضات المسرح الملحمي وإخضاع التجربة لمنطق الحرية لكي تفرض مقولاتها الشكلية كما تجلت في أنضج صورة لها في العرض المسرحي ( الكرسي الهزاز) وهذه المرحلة كانت التحول الاهم في مسيرة عوني ، تخلص  فيها من تبعة القوالب الجاهزة التي كانت تمسك به، فوجد ذاته الفنية  تستمد حضورها من التجربة الميدانية .
الهوامش :
1- سيميائية براغ للمسرح ، دراسات سيميائية - عدد من المؤلفين – ترجمة وتقديم أومير كورية – منشورات وزارة الثقافة السورية – دمشق 1977
2- المصدر السابق .
3- المسرح بين الفن والفكر – د. صليحة – مشروع النشر المشترك – دار الشؤون الثقافية العامة ( آفاق عربية ) – بغداد
4- ( النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت من ماكس هور كهايمر الى اكسل هونيث ) د. كمال بومنير – الدار العربية للعلوم ناشرون .

                                    

53
لو ، مَس َّالخَرفُ ، قَامَة ً. .

                                                                                                                   مروان ياسين الدليمي

مثلما الوسط السياسي يعجُّ بساسة إختاروا أن يتاجروا بشعارات فضفاضة ليخدعوا بها بسطاء الناس ، كذلك الوسط الفني يعرف الكثيرممن هم على شاكلة هؤلاء . مِنهُم من كانَ على هيئة ِ طَبلٍ فارغ يُردد خطاب السلطة سواء طُلب منه ذلك أو لم يُطُلب ، ومنهم من كان على هيئة قِرد يقفز هنا وهناك طمعا بلقمة ٍ يقذفها المتفرجون إليه دون أن يخجل من عورته المكشوفة أمام أنظارهم طوال الوقت ، ومنهم من أتقَن الرقص على الحبال قافزا ًعليها بمهارة وخفة يحسده عليها حتى أعدائه ، ومنهم من كان تعيس الحظ مثل الفنان شفاء العمري فتخذله موهبته الفنية ــ التي يتمناها الاخرون لانها تنقصهم ــ في أن يلعب دورالانتهازي ليخطى ء فيفشل في أستثمار موهبته الفنية في غير موضعها والتي كان قد قَدَم مِن خلالها العديد من الاعمال الفنية الجيدة خلال مشواره الفني الطويل،ليرسم بالتالي صورة سقوطه وفضيحته بنفسه هو وبإرادته ، وفشلهُ هذا يعود إلى أنَّه قد أختار لحظة التحوّل إلى ملعب آخر بوقت مُتأخر ٍ جدا ً، من غير أن يُحسن أختيارالملعب ِوتوقيتَ الدخول إليه ، مُتناسيا ًومُتجاهلا أن للعمر حقُّ على الانسان يَمنعُهُ من أداء بعض الافعال التي كان قادرا ًعلى فعلها أيام كان  شابا ً بمهارة ٍ وخفة ٍ بات الأن يتحسَّر عليها . وقد يكون للعمرأيضا ًدوره الكبير في ضياع صواب الرؤية واختيار الطريق والموقف الصحيح نتيجة ماقد يصاب به مُخُّ الانسان من عَطبٍ في بعض خلاياه عندما يتقدم العمر به الى مرحلة متقدمة لتتأثر بالتالي قدراته العقلية فتتلف الكثير من الملفات المخزونة في ذاكرته ليصبح غير قادر على تذكر الكثير من الاشياء المُهمّة التي عادة ما يستدعيها الانسان عندما يحتاجها لكي يتخذ قرار صائبا ً في لحظة ما ، وأحيانا قد تصاب خلايا المُخ بتلف ٍ كبير مما يعني إصابة الشَّخص بالخَرَف ، وهنا في هذه الحالة المُستعصية ــ التي عجزالطب عن إيجاد علاج لها حتى الآن ــ سيكون من الخطأ أن يُترَك هذا المُصاب( الفنان) لوحدِه ِدون رعاية واهتمام ، مُراعاة ً لوضعه الصحي، الذي يعجز فيه عن الادراك والتمييز وتقدير المواقف والمخاطرالتي يُقدم عليها، وسيكون الخطأ الاكبر، فيما لوتركنا هذا الفنان مُحتفِظا ً بالمسؤوليات المهنية التي كنّا قد أوكِلت إليه أيام كان واعيا ً ومُدركا ً لنفسه ولأقواله وأفعاله.  فأحتراما له ولتاريخه وليشيخوخته ينبغي على زملائه من باب الوفاء له والعرفان بدوره التاريخي أن يرفعوا عنه هذا العبء الثقيل مُراعاة له وتقديراً لصعوبة حالته الصحية،ولكي يحظى في أخريات أيامه بأوقات ٍ هانئة ٍ هادئة سعيدة ، بعيدا ًعن المسؤوليات المهنية الجسام التي كان قد تحملها بأعصابه وجهده وصواب مواقفه وأوفى بها خدمة لفنه وجمهوره وزملائه .

54
لنْ أُقَاتِلَ ، في  حَربِكُمْ هَذهِ  . .


                                                                                                                 مروان ياسين الدليمي

فيما لو ، إشتعلت نارُ حَرب ٍ، بين جيش الحكومة ِفي بغداد َوقوات البيشمركة الكوردية، ساعتها :  لن ْأكونَ مَعَها ، ولن ْ أويّدَها ، ولنْ أتوَرّط  فيها . .وعاهدتُّ نفسي التي تعشَقُ الحياةَ وتخافُ غَدَر السَّاسةِ في العراق، التي أثقَلتها حُروبُ قادة ٍمجانينَ ، بِجَبلٍ مِنْ أسَى . . عَاهدتُّها أن لا أرفعَ السلاح ضد أيّ طرفٍ فيها ، بل سأكون ضدِّها ، ضدَّ شعاراتِها وقادتِها وانتصاراتِها واناشِيدها وخطبِها وبياناتِها واكاذيبِها ، وسألتزم ُلعنَها ولعنَ مَنْ  يَسعى إليها ودفع الناس البسطاء إلى محرقتِها ، فقط سأصلي لقتلاها. 
هذه الحرب بالنسبة لي ولآخرين غيري من العرب والاكراد : خط ٌ أحمر . إنَّ قرارالحرب فيما لو إتُّخِذ َمِن ْ قِبل ِأي طرفٍ ، سيكون قراراً ً أحمقا ً، وسيدفع هذي البلاد ــ التي ابتليت بقادة لايعشقون شيئا سوى الحرب ــ الى أن تغرَق في نهر ٍ من الدَّم  مرة أخرى ، والفجيعة أن ضحاياها أخوةٌ يتشاركون في أشياء كثيرة أكثر مما يختلفون في أشياء أخرى ، فبالاضافة الى الدين الاسلامي الذي يجمعهما برابطة ٍهي الاقوى من بين كل الروابط ،هنالك نسيج متداخل من العلاقات الاجتماعية الوثيقة التي يمتزج فيها العرب والكورد بصلات مُتداخلة يصعُب جداً ً فكُّ أواصرها ، وقد فشلت كل الحروب الدموية التي تورطت في إشعالها كل الحكومات العراقية التي تعاقبت على حكم العراق منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 وحتى سقوط نظام صدام حسين عام 2003 ، وفشلت تماما في تفتيت وتحطيم هذه الروابط رغم الدَّم الذي سَال َوالمجازر ِالتي ارتُكبت بحق الشعب ألكوردي  ،وهي كثيرة ومُخجلة جدا ً،ولايمكن نسيانُها أوغفران ومسامحة من تسبب بها ، ورغم هذا بقي الشعبان على الارض يلتقيان بعيدا عن شبهات السياسة والتباساتها وتواطئاتها ويتشاركان في الافراح والاحزان والعمل معا ً، هذا لانهما مُدركان تماما ً بحسِّهما ووعيهما الفطري ،أنْ لامشكلة يمكن أن تكون سببا حقيقيا ً في قطيعة ٍأوحقدٍ قد تحصل بينهما مهما كان حجمها ، وأنَّ كليهما يرتبطان بتاريخ مشترك صفحاته مشرقة وناصعة وهي أوسع كثيرا ًمن نقاطٍ سوداء َ كانت قد  توزعت عليه هنا وهناك ،بفعل عوامل وظروف معقدة يتحمل الساسة فيها العبء الاكبر في مسؤوليتها طالما هم كانوا قد لجأوا الى الحرب سبيلا خاطئا في حلها.
وعليه فأنني مؤمن بشكل مطلق ويشاركني في هذا  الاغلبية من الشعبين ، بأن الحرب فيما لو نشبت بينهما  فهي بلا أدنى شك ستكون خطأ جسيما ً جدا ً، وسيتحمل مسؤولية نتائجها الدموية كلا قادة الطرفين على حدٍ سواء طالما كانت بالنسبة لهما خيارا ً قائما ًومحتملا ً يحتِّم عليهما اللجوء اليه في حال فشل الخيارات الاخرى في التوصل الى حل ٍ لموضوعة الخلاف القائم بينهما والمتعلق بعائدية محافظة كركوك والمناطق المتنازع عليها في محافظات نينوى وديالى والكوت، بينما تقتضي طبيعة العلاقة القائمة مابين الشعبين أن لاتكون هناك حربٌ بينهما أبدا ًوماتفرضه هذه العلاقة التاريخية من واجبات والتزامات أخلاقية واجتماعية قبل أن تكون على هيئة تشريعات قانونية كان الدستورالعراقي الجديد قد كفلها وأقرها والزَم جميع الاطراف المشاركة والمتشاركة في الحكم  بأحترامها وصونها .
ولكن هذا لايعني تجاهل وتبسيط حقيقة الخلاف القائم بين الحكومة المركزية والكورد، والاعتقاد الجازم أنَّ بالامكان الوصول وبكل بساطة الى حلٍ يرضي الطرفين عبر تجنّب قرار الحرب أولا ً واللجوء الى سُبيل الحوار والمفاوضات السياسية ثانيا ً.
ومع إقرارنا مبدأيّا ً بقدسيّة هذين الشرطين ووجوب الالتزام بهما دون قيد أو شرط باعتبارهما الخيارالوحيد الذي لابديل عنه أمام الطرفين المُختَلِفين إلاّ أننا ندرك تماما صعوبة المسالة وتعقيداتها سواء على الارض بأوجهها الجغرافية والديموغرافية أو لدى الاطراف السياسية ،مع مايتوفر لدينا من قناعة شبه تامة بأن الساسة في العراق مَلكيونَ كانوا أوجمهوريون أوقوميون أواسلاميون كلهم يتحملون وِزرَ ماوصلت اليه العلاقة مع الاخوة الكورد من تعقيد وتاريخ مؤلم مُضرج بأحداث مفجعة ٍ،عنوانها الدمٌ والدمارٌ،منذ بدئها قبل أكثر من ثمانية عقود من الزمن.
وبالنظرالى أهمية هذه المعضلة ومدى تأثيرها الواضح والكبير على طبيعة الاجواء السياسية في العراق ماضيا ًوحاضرا ًومستقبلا ًوما تَبِع وسيتبع ذلك من انعكاس سلبي مُهلك للمشاريع والخطط الاقتصادية هذا إذا ماتوقف الكثير منها تحت ضغطها وتبعا ً لِمَا ستفرضه من إستنزاف كبير للطاقات والموارد البشرية.
وفي آخر الامر ــ وهذا هو الاقسى والافدح ــ  لن يَجني منها الطرفان أي مكسب ٍ يعود بالفائدة على شعبيهما سوى انتصار عسكري ٍ زائف ٍ لاقيمة ولافائدة مرجوّة من ورائه،بعد أن يكون قد تسبب بالموت والهلاك للعشرات من المدنيين والعسكريين .
بذلك يتحقق ما تصبو وتخطط له أطراف سياسية متنوعة ــ داخلية وخارجية ــ من إحداث فتنة ٍ،وإشعال ِحرب ٍ، تُبعِد ُ العَرب والكورد عمَّا كانوا قد توصلوا إليه من تفاهم ٍوتعاون ٍوشراكة ٍ سياسية في الحكم تم الاتفاق عليها وتثبيتها دستوريا عقب العام 2003بعد نضال طويل وشاق كانا قد خاضاه سوية خلال عقود خلت من أجل الحرية والديموقراطية لكلا الشعبين، ولتدفع بالتالي بهما الى مستنقع ِ العداوة والاقتتال مرة أخرى ، حينها ، سوف لن تكون هذه الحرب فيما لووقعت ، سوى رمال ٍمتحركة ٍ ستبتلع الطرفين المتنازعين .
وبالنظرلأهمية وخطورة وتعقيد المسألة،فإن الواجب يستدعي من كلا الطرفين أن يقتنعا بأن حلها يحتاج الى وقت طويل جدا ً يستلزم الصبر والنفس الطويل يتم فيه الاتفاق على جملة من الخطوات والاجراءات العملية تتشكل بموجبها عدة لجان فنية مشتركة وبأشراف هيئات دولية تابعة للامم المتحدة، حتى لايتنصّل أيّ طرف ٍمن ايّة خطوة يتم التوصل اليها،على أن لايكون لهذه اللجان أي ارتباط بالحكومات التي تتعاقب على تداول السلطة في العراق ، سواء في بغداد أو في اربيل . وبعد أن يتم الانتهاء من كل العمليات اللوجستية التي تكون قد توِّجَت بأجراء ِتدقيق ٍ وإحصاء ٍ للسكان الاصليين لابد بعد ذلك من أن يتم إجراء إستفتاء شعبي يشارك فيه سكان المناطق التي يدورالخلاف والنزاع حولها فقط ،على أن تكون النتائج حاسمة وغير قابلة للطعن والرفض ، خاصة وأنها ستكون تحت مراقبة ورعاية منظمات دولية تستبعد كل ما قد يؤثرعلى سيرها بالشكل السليم والصحيح .
إن تجاهل هذه الحقائق التي أفرزتها تراكمات الاخطاء المتتالية للساسة والانظمة العراقية عندما تعاملت مع قضية الشعب الكوردي ، وذلك بالقفز من فوقها والانجرار مرة أخرى الى مَتاهةِ قرارات ٍكارثية لاتراعي تحقيق الامن والسلم بين مكونات الشعب وتصدُرُ عن مشاعرَ وعواطفَ منفعلة ٍومتأجِجَةٍ لساسة ٍ يتناسون حجم المسؤولية الاخلاقية التي تقع على عاتقهم وهم يقودون شعبا منهكا مازالت جراحه ندية، في لحظة حرجة ، هي أحوج ماتكون الى إلتزام الحكمة والصبر والعقل،أكثر مما تكون انسياقاً أعمى وراء قرارات تقود البلاد الى تهلكة أخرى لن تقوم منها هذه المرة سالمة أبدا ً، فيما لو سقطت فيها .
                                                                    15/ 12/ 2012

55
تشظي السرد وتعدد الاصوات
في رواية . . أبن طرّاق  .




                                                                                                                              مروان ياسين الدليمي
               

الادب الروائي لايشكل حضورا ً ملفتا في المشهد الابداعي  السعودي خاصة والعربي عامة، أولا ً لندرة الكتابات الروائية ،وثانيا ً عدم أهمية مايطرح من نصوص روائية بالمقارنة مع ماينتج من سرد روائي متقدم في عدد من البلدان العربية (مصر، المغرب العربي ،العراق،  بلاد الشام ) ، في مقابل هذا حاولت عدد من دور النشر أن تضفي  هالة من الاهمية المبالغ في تقديرها في اكثر الاحوال لبعض من الكتابات الروائية النسوية تحديدا ً،ويقف وراء ذلك غايات تجارية رغم الملاحظات الفنية المسجلة ضد تلك الكتابات ، مع اننا لاننفي توفرها على عدد من العناصر التي تمنحها اهمية خاصة ،وذلك يعود الى جرأتها وهي  تتناول موضوعات تتسم بحساسية بالغة في المجتمع السعودي عبراستثمار الفن الروائي ، كالجنس والعلاقات العاطفية الى غيرها من التابوهات الاجتماعية التي تشكل ستاراً ثقيلا يكبح جماح الشخصية السعودية التي تعيش وضعا مأزوما ً يزدادا إحتقانا ً يوما بعد آخر .
 ويشكل هذا المجتمع في بنيته صورة لما أطلق عليه نقديا مجتمعات مابعد الحداثة، وهي مجتمعات تبدو  مُتارجحة مابين تطلعاتها الذاتية نحو الحرية في التفكير واختيارات العيش وبين الخضوع تحت  هيمنة سلطات متعددة تتقاسمها تقاليد بدوية وقبلية ضمن منظومة متشددة من الافكار والمعتقدات المستمدة والمستنتجة من نصوص دينية مقدسة.
في ظل هذه الصورة البالغة الحساسية والتعقيد التي يعيشها المثقف والمبدع السعودي والتي يجد نفسه فيها مضطرا ً لأن يتعامل معها ويجاريها رغم نبرة الرفض والاحتجاج التي تتفجر بشكل خفي ومخبوء في ذاته ضدها لابد لنا ان نحتفي بأي عمل أدبي قادم من السعودية يسعى كاتبه الى كسر حاجز الخوف داخل نفسه أولا في محاولة منه لأن يمدَّ بصره خارج الحواجز والاسوار العالية التي يقبع مرهونا خلفها ، في سعي منه  لينفذ في أعماق مجتمعه المُتلفِع بالغموض الشديد والحجب الثقيلة ، سعيا ً منه لكشف الصراعات التي تخوضها الذات الانسانية في مجتمع محافظ ومتزمّت لايسمح مطلقا ً بالخروج عن الثوابت التي تعوّدت القوى المجتمعية على تقديسها والانحناء لها رغم عزلتها عن المتغيرات العميقة والواسعة التي شهدتها البشرية في إطاراحترام الحرية الفردية . وإذا ما توفر في أي نص روائي سعودي  جملة من العناصر الفنية المنجذبة نحو التجديد والخروج عن الاطر التقليدية في السرد والمعالجة عندها يكون أحتفاءنا منطلقه الاساس ، فني بحت،وليس إطراءً مبعثه التشجيع فقط .
رواية (أبن طرّاق )التي تقاسم فصول كتابتها محمد السماري وبدر السماري والتي تقع في 430 صفحة والتي صدرت طبعتها الاولى عام 2011 عن دار آثر للنشر والتوزيع في المملكة العربية السعودية / الدمام ، والدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت . تمثل نموذجا لعمل روائي أمتلك خصوصية العناصر الفنية التي توفرت عليها اساليب مابعد الحداثة ، هنا نجد في هذا العمل أن المسار الفني قد إكتمل بنائه في فصول سبعة حملت عناوينها الفرعية أسماء جميع الشخصيات التي أحتشد النص بها ، فكانت عناوين الفصول عتبات أشارية اكتسبت خصوصيتها المتنوعة من تركيبة الشخصيات مثل ( ابن طرّاق ، أبن مسمار ، الطارق ..الخ ) وفصول اخرى استمدت عناوينها من الاحداث ( محكمة 1 ، محكمة 2 ، فياجرا ، الطريق الى ماوراء الشمس ) .
 جرأة هذا النص الروائي وماأشتمل عليه من خصوصية فنية تبدو من الصفحة الاولى عندما يطالعك الاهداء بهذه الجملة :"إلى الذين ماا نفكوا ينصبون الحواجز،نشكركم كثيرا،إذ منحتمونا عزم عداء أولمبي " .
هذا المفتتح  يمْسِكَنا نحن القُرَّاء ليقودنا الى عالم ابن طرّاق كي نشهد معه الدقائق الاخيرة من حياته قبل ان يلفظ انفاسه وحيدا على سرير بارد في مستوصف القرية والخالي من المراجعين والاطباء بعد نهاية الدوام الرسمي ولايقف الى جانبه سوى صبحي المصري سائقه وكاتم اسراره الشخصي ولاأحد من نسائه الاربعة ولاأولاده ومحضياته اللواتي كان يغدق عليهن الكثيرمن العطف والمحبة والرأفة، اضافة الى ما كان يمنحهن من مالٍ بسخاء ٍواضح ٍ إفتقدنَه ُ فيما بعد في شخصية ابنه الاكبر جبل الذي تولى ادارة شؤون العائلة حسب ماتقتضي الاعراف بعد وفاة والده بأعتباره الاكبر من بين جميع الاولاد الذين تركهم ابن طراق من نسائه الاربعة ، ليجد نفسه فجأة مسؤولا عن الارث الكبير  الذي تركه والده  من الاموال والاملاك ،والذي لايعلم عنه الاّ القليل ،كما يجد نفسه منساقا الى الاستمرار في احياء الحياة السرّية لوالده  في مزرعة تقع خارج مدينة الرياض كانت تشهد سهرات اسبوعية تتكفل بتنظيمها ( لوزية ) التي كانت قد استجابت لكل طلبات أبن طرّاق ووفرة له كل مايشتهي من أصناف النساء، وفيما بعد سنكتشف أن لوزية  تعمل في النهار موظفة في سلك التعليم بدرجة نائبة مديرة مدرسة ثانوية وفي الليل تعمل ( قوّادة ) تتولى ادارة شؤون العديد من الفتيات والنساء العاهرات،بعضهن ينتمين الى اصول قبلية عريقة في المجتمع،وهذه السهرات الاسبوعية كان ابن طراق حريصا على إقامتها فكانت تحفل بالنساء الباحثات عن الحب والحرية والعطف قبل المتعة والمال وهذا هو ماوجدنَه في سهرات ابن طرّاق الذي كان يتسع قلبه لهُنَّ قبل أي شيء آخر .
مالذي يمكن أن يستدعي في الذاكرة عندما يواجه قارىء هذه الرواية في وسط أعلى الصفحة الاولى عنوانا ً يقول  : " مثل كلب "  .  فتكون هذه العبارة مفتتحا ً للدخول الى الفصل الاول منها . تلك كانت دهشة اولى يستيقظ فيها الوعي المعبأ بالمفاهيم والمقولات الجاهزة عن بيئة المجتمع السعودي، ثم يأتي بعدها حوار آخر  يتألف من جملتين:
                                     "- أسرع ياقواد
                                      - حاضر ياعم
 ليكشف فيهما الكاتبان عن مسارغير متوقع  يبعد تماما عن سطحية الصورة المترسِّبة في ذاكرة القارىء حول طبيعة مايمكن أن يكون عليه الادب السعودي من محافظة وتقليدية .
فيما يتعلق بحبكة الرواية وبنيتها الفنية التي خرجت تماما عن المنظومة التقليدية في سرد الاحداث وبناء الحكاية،  لتتشظى الى حكايات يتعاقب على سردها ضمائر مختلفة تمثل اصوات الشخصيات التي تتحرك في نسيج التفاصيل المتداخلة مع بعضها والتي تتمركز جميعها عند شخصية( أبن طرّاق ) المحورية . وهذه من الخاصايات التي أفرزتها مرحلة مابعد الحداثة حتى أن العديد من الشخصيات الروائية الهامشية تتقاطع في رؤيتها للاحداث ليجد قارىء العمل أن كاتبي الرواية هما الاخران يتحولان في لحظة ما من زمن بناء حبكة الرواية الى شخصيتين روائيتين تتقاطع رؤيتاهما مع كاتبي الرواية ايضا ً اثناء سردهما للاحداث ويترك المؤلفان محمد السماري وبدر السماري لشخصيتي المؤلِفين المُفتَرضَين للنص الروائي داخل النص الروائي نفسه حرية البناء السردي والتفكير بعيدا عما يخطط الكاتبان الاصليان محمد وبدر السماري في تأثيث معمارية البناء السردي، وهنا تكمن الخاصية الفنية للرواية والمتجسدة في تعدد الاصوات التي تنسج حبكتها وتروي الاحداث وفقا لمنطقها ووجهة نظرها ، وهذا  يتوافق مع ما أشار اليه محمد برادة في المقدمة التي كان قد كتبها عندما ترجم كتاب(الخطاب الروائي) لباختين ،إذ يقول :"خطاب الرواية خطاباً خليطاً متصلاً بسيرورات تعدد اللغات والاصوات وتفاعل الكلام والخطابات والنصوص ضمن سياق المجتمعات الحديثة القائمة على انقاض قطائع اجتماعية وابستمولوجية مع مجتمعات القرون الوسطى "
بلاشك ان هذا العمل الروائي فيه الكثير من الاشتباك الفني مع ماجاء من طروحات فنية انتجها الفن الروائي لما بعد الحداثة ، وقد اتسم في عموم بنيته الفنية بالتشظي والانشطار : "النقيض يجاور نقيضه في اتصال غير منقطع " كما يقول عبد الله الغذامي في كتابه (هويات مابعد الحداثة) ولان المجتمع السعودي هو الاخر يعيش حالة من التحولات التي تتعمق فيها الصراعات  القائمة بين تراكيب وهويات متناقضة خلال العقود الاخيرة لذا أجد هنا الكثير مما تنطبق عليه تلك المقولات التي كان قد توصل اليها هيغل عندما ربط بين شكل الرواية ومضمون التحولات البنيوية التي كان قد شهدها المجتمع الاوربي خلال صعود البرجوازية وقيام الدولة الحديثة في القرن التاسع عشر .
 ونتيجة لمايحدث في المجتمع السعودي من ارهاصات كان لابد ان ينعكس ذلك على الفن الروائي وليتحول هو الاخر مستجيبا لهذه المتغيرات ، وهذا مايبدو واضحا في تركيبة  الشخصيات التي بتنا نواجهها وهي تخوض أختياراتها وانحرافاتها بعيدة عن النمط التقليدي الذي يهمين على سطح المجتمع مثل شخصية فردوس الزوجة الشابة لابن طراق التي  يأتي  ترتيبها الرابع بين زوجاته،  فالكاتبان قدّما هذه الشخصية لتعبر عن جيل جديد يحرص على أرتداء أحدث ماتطرحه دورالازياء من بناطيل الجينز الضيقة كما لاتتردد في أن تستعرض نفسها أمام أبن زوجها (جبل)  لكي تعرف رأيه فيما لوكان البنطلون الضيق لائقا ًعلى جسدها أم لا ، هذه الشخصية بهذا البناء المتمرد الذي جاءت عليه والتي لاتصغي حتى لوصايا ونصائح ابيها تجسد نموذجا صريحا ً للقوى الاجتماعية التي باتت تجابه مايفرض عليها من عقبات تهدف الى ارغامها على الخضوع لمواضعات العلائق الاجتماعية التي عرفها وكرسها المجتمع . 
عموما  رواية ابن طراق تشكل تحديا مهما ومثيرا في الكتابة الروائية المشتركة التي سبق أن تعاطى معها عدد من الروائيين العرب،على سبيل المثال تجربة جبرا ابراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف في رواية عالم بلا خرائط . 
إضافة الى كونها عمل روائي جريء وغير تقليدي في بنيته الفنية ويعكس صورة مشرقة لطبيعة النتاج الفني الذي بات يفرض وجوده في خارطة مايطرح من أعمال روائية في المشهد الابداعي السعودي . 

56
السينما والمثقف العربي





                                                                                                                      مروان ياسين الدليمي

أُطر ضيّقة

في محيط يتسم بمحدودية المساحة المتاحة امام المبدع في الاختلاف والاستقلال وهو ينجز مشروعه الفني أمست القراءة المتفاعلة مع الفن السينمائي مُتَّسِمَة بقصور ٍ واضح لفهم طبيعة الخطاب الجمالي الذي يحتشد داخل البناء الفني للفلم ، وقد بدت ملامح هذا  القصور مرافقة للفن السينمائي منذ دخوله الى المنطقة العربية في عشرينيات القرن الماضي وحتى الان .
بعد هذه الرحلة الطويلة التي عبرت حدود قرن كامل يبدو من اللافت للنظر  أن الفن السينمائي في العالم العربي مازال عاجزاً عن أن يكون جزءاً من منظومة المقترحات والتأسيسات  التي تطرحها الانساق  الثقافية التي تشكل بأسئلتها ومشاريعها فضاء الوعي في المجتمعات العربية والتي من خلالها يتم إعادة  تسمية الاشياء من جديد  وفقاً للمتغيرات التي يشهدها الواقع ، وبقي تأثير هذا الفن ضمن أطر ضيقة ومحدودة لاتتعدى هامش النخب العربية المثقفة .
التجربة الفنية بشكل عام سواء كانت شعراً او رواية او لوحة تشكيلية  أو فلم سينمائي تتحدد أهميتها وحضورها الفاعل والمؤثر من خلال ماتطرحه من تجديد واضافة ومقترحات في لغتها  إضافة الى ماتتطرحه التجربة من اسئلة تتقصى وتبحث في مناطق بِكر من خلال زوايا نظر جديدة  لم ينتبه لها أحد ، ايضاً ما تطرحه هذه اللغة من علاقات جديدة  تقوم على انقاض القديم مع الموجودات من أشياء وكائنات وشخوص وأمكنة وذكريات وطقوس .
الشريط السينمائي لايخرج في مقاصده عن هذا الاطارفيما يذهب اليه من إقتراح ِافق ٍوكتابة ٍجديدة لطبيعة العلاقات التي يحتويها ضمن حبكته المعمارية .بعد أن يقودنا الى منطقة من التفكير والتأمل ، ترتبك فيها مفاهيمنا وثوابتنا بعد أن كانت تعيش مرحلة الثبات والاستقرار في دواخلنا .
وهنا وضمن هذا المفهوم الذي نؤكد عليه يقول ادونيس : " أنا اعتقد ، تعقيباً ، أن النص الاكثر حداثة اليوم ، هو الفيلم السينمائي . حين أرى فيلماً لفلليني ، مثلاً، أو بازوليني ، فأنا أعتقد أن هذا الفيلم يمكن أن يحقق مفهوم النص بمعناه الحديث . ففيه الصورة ، الشعر ، نثر ، القصة ، فيه كل شيىء ، ولعلنا نطمح في أن نكتب نصاً ( بالكلام ) يشبه النص السينمائي بطريقة أو بأخرى " 1 .
هذاالفهم العالي لطبيعة الفن السينمائي من قبل شاعر ومثقف عربي استثنائي في تجربته الشعرية وفي رؤيته النقدية للثقافة العربية . وهذا الطرح فيما يعنيه ان الشريط السينمائي هو الاخر مثل بقية الفنون الابداعية الاخرى خاضع لقانون التطور الذي يقتضي تغيراً في الاشكال وليس من المنطقي الخضوع في القول تحت أردية الاخرين التي سبق ان ابتكروها للتعبير عن افكارهم هم لذا ينبغي التعامل مع  اية تجربة سينمائية تخرج في خطابها الجمالي عن المعجم الذي وضعنا فيه الارث السينمائي سواء العربي منه او الاجنبي على انها تجربة سينمائية ينبغي قراءاتها والتعامل معها معها على هذا الاساس مثلما حصل في العديد من دول العالم التي شهدت تجارب حاولت الخروج من القوالب الجاهزة  في المعالجات الفنية كما في فرنسا والبرازيل وكوبا وايطاليا . فليس من المنطقي ان يعبر جميع البشر عن مايريدون قوله بنفس الطريقة في القول وبنفس الصياغة التركيبية للكلام . فلكل منّا طريقته في القول تبعاَ للتركيبة التي تقوم عليها شخصيته وبالتالي سيكون لكل مخرج سينمائي فلمه الخاص الذي من خلاله يعكس طريقة بنائه للمفردات والجمل الصورية التي تتابع على الشاشة وفقاً لتجربته ورؤيته الشخصية التي تطرح قواعدها الخاصة في طريقة القول والطرح وايصال المضامين والافكار .اذ ليس من المنطقي ان نبقى نتحرك ضمن اطار دورة من القوانين والمفاهيم جاء بها ايزنشتاين وبودوفكين وغريفث الخ من الاسماء التي كانت قد اسست القيم الجمالية والبنائية لهذا الفن في بداياته ولو تعامل السينمائيون الذين جاءوا بعدهم وفق هذا المنظور لما شهدنا افلاماً لفلليني وكلود ليلوش ودي سيكا وكوبولا الخ من الاسماء التي كانت تكتب على الشاشة رؤيتها الخاصة في بناء وتركيب الجملة السينمائية بعيداً الاشتراطات المسبقة والجاهزة التي تآلف معها الجمهور وامست جزءاً من ثقافته ومدركاته الثابتة .


في مقابل  هذا النظرة التي عبر عنها ادونيس في حديثه الذي اشرنا اليه سابقاً نجد امامنا نظرة اخرى على النقيض منها ، مافتئت مهيمنة وبقوة لدى غالبية النخبة المثقفة مع عموم الناس حول الفن السينمائي لاتتعدى كونه : وسيلة للتسلية والمتعة ألآنيّة التي تتشابه مع أية لعبة أخرى وإن بدرجة أكثر تشويقاً .

إغتراب السينما

تكدست خلال قرن كامل على ظهور الانتاج السينمائي في المنطقة العربية وتحديدا مصر نمطاً من القيم الفنية  تتمحور ضمن اطار ثابت منغلق على نفسه بكل سطحيته القائمة على مفردات شكلية في السرد والمعالجات يتم تكرار انتاجها مع كل فلم مُنتَج ، بحيث تشكلت وفقاً لهذا السياق مشكلة لايمكن تجاوزها بسهولة من قبل المبدعين الذين يقصدون الابحار ضد هذا التيارسعياً منهم لتفتيت هذا المعجم من الجمل السينمائية الجاهزة من اجل طرح معالجات جديدة تقوم على البحث واكتشاف معجم سينمائي جديد وهم يطرحون افكارهم وتأملاتهم على الشاشة . ومازالت جهود هؤلاء السينمائيين تصطدم بهذا الجدار الذي تعاون على تشيده عامة الناس والنخب المثقفة على حد سواء في الخروج من معايير السينما التي يقتصر دورها على سرد الحكايات بطريقة تستجيب لمعايير سابقة متفق عليها في معجم يحفظ مفرداته عن ظهر قلب  المنتِجون والمتَلقون.
هذا الاغتراب أمسى سمة واضحة للفن السينمائي في العالم العربي على العكس من بقية الفنون التي وفدت هي الاخرى مع مطلع القرن العشرين من خارج المتن الثقافي المندرج في المؤسسات الثقافية العربية التقليدية مثل الفن المسرحي والتشكيلي والروائي والقصصي ، وأمست هذه الفنون الوفدة بتراكم النتاج الفني لكل منها   جزءاً اساسياً من هذا المتن  رغم  محاولات الكثير من الباحثين العرب لأن يثبتوا عبر بحوث اكاديمية  الوصول الى جذور وملامح واشكال أوليّة لهذه الفنون الابداعية في ماضي وتراث الثقافة العربية في محاولة منهم لاثبات شرعيتها .!
ولكن رغم وجود ملامح غائمة  في فترات من الماضي البعيد تلتقي الى حد ما ولو بخيط رفيع مع الاسس الفنية التي تقوم عليها تلك الفنون الوافدة إلاّ ان هذا لم يشكل عائقاً أو عقبة في تجذّرها ونموّها في خارطة الثقافة العربية المعاصرة ، على العكس مما هو قد حصل مع الفن السينمائي الذي بقي معزولا ومهمشاً من قبل النخب المثقفة  .
من الملاحظات التي تؤشر على طبيعة الفهم النقدي السائد سواء لدى النخبة او لدى عامة الناس عند مشاهدة اي شريط سينمائي هي هذه المقابلة القسرية للتجربة الابداعية  في الفلم السينمائي مع الواقع ،احداثاً وشخوصاً وتفاصيل ووقائع . وهم بذلك يريدون من الفلم ان يكون كما وثيقة تاريخية وهذا ابعد ما يهدف اليه المبدع في شريطه فهو في المحصلة النهائية لايسعى الى استمالة التاريخ ولا الى الوصول الى ابسط متلق بقدر ما يسعى الى فهم ذاته والعالم المحيط بها هذه هي محور العلاقة الجدلية التي تربط الفنان بالحياة من خلال الاعمال التي يقدمها .
هذا التصور القائم على  إزاحة الوظيفة الجمالية والمعرفية للفن السينمائي من قبل النخبة المثقفة والتي تنسجم مع بساطة الفهم  والتقييم لدى بقية طبقات المجتمع بقي ينطلق من تقييم لايتعدى حدود التسلية االقادمة من  الحكايات التي يتم سردها عبر الشريط السينمائي ، وتم اختصار الخطاب المركب لهذا الفن على أنه :  وسيلة جميلة لسرد الحكايات فقط وتم تجاهل مايحمله من امكانات ثرية في انتاج خطاب جمالي لرؤية للحياة بكل مستوياتها وتنوعها ، وبكل مايشغل الذات الانسانية وهي تتحرك في محيطها الاجتماعي .
هذا القصور في التقييم يعود بنا الى البدايات الاولى لدخول الفن السينمائي الى البيئة العربية ، ومعلوم لدينا طبيعة الروافد الماضوية التي تشكل ثقافة هذه البيئة وبالتالي مايترتب على ذلك من  محدودية الافق الذي تتتحرك به وحدود الحرية التي يمكن للوعي الانساني أن يخطوبها وهو ينظرالى حركة الحياة ماضياً وحاضرا ومستقبلا .

حدود الحرية
من الطبيعي أن يجد الفن السينمائي  والذي تشكل الصور المُستنتجة من الواقع قيمة اساسية من اسس بنائه الفني  صعوبة في تحقيق حضوره المهيمن في الثقافة العربية المعاصرة طالما بقي المنتج الثقافي بكل اشكاله وحقوله يخرج من اطار مؤسسات تقليدية تتحكم بمركزية واضحة في منظومة القيم الفكرية والجمالية التي ينتجها المجتمع اضافة الى حدود المساحة الضيقة التي ينبغي على المثقف ان يتحرك بموجبها وعلى اساسها ، ولن يكون بمستطاعه أن يتجاوز ماهو مسموحا له ضمن هذا الاطار الواضح والثابت ولو حاول أن يتجاوزه فإنه بلاشك سيكون في موضع حرج جداً وستترك معركته هذه والتي سيخوضها وحيداً أثاراً واضحة علىه وفي ابسط صورها سيجد نفسه غير قادر على الاستمرار في تحقيق مايصبو اليه من مشاريع ، فهو لن يجد ساعتها وسط هذا الصراع الغير متكافىء من حيث العدة والعدد من سيغامر ليقف الى جانبه مستثمراً أمواله في مشروع سينمائي لن يأتي بثماره تجارياً .   
هذا السياق يتقاطع تماماً مع طبيعة الخطاب الذي يسعى اليه الفنان السينمائي ويشدد عليه وعلى حضوره في رؤيته ومعالجاته الفنية  خلف صورة واقعية تبدو بسيطة لكنها تملك من المستويات المركّبة والمتداخلة مايجعلها قادرة على خلق علاقة تبادلية في التجاذب والتحاور والتأمل مابينه وبين الجمهور الذي يتشكل عادة من فئات وطبقات اجتماعية متباينة في الفهم والتلقي .
في عتمة هذه الصورة التي تشكلها ثقافة مُغترِ ِبة عن متغيرات الحاضر والمستقبل يبدو هنا الانسان العاجز والمُستهلِك للثقافة السائدة انساناً مُتصالحاً مع ثقافة المؤسسات التي يرتكز عليه المجتمع وأعتاد على انتاجها واستمراها وحضورها في حياته قيماً واعرافاً وسلوكا وعلى العكس من ذلك يبدو الفنان السينمائي المطوّق بالحرية وكأنّه  ملتاث العقل لا لشيء إلاّ لانه يغرد خارج سرب  الثوابت الثقافية  التي طوّقت  المجتمع وتكامل بها عبر عشرات السنين .

غياب المشروع الثقافي 
في عشرينيات القرن الماضي إنتبه طلعت حرب رجل الاقتصاد المصري الى هذا الفن الجديد وبدأ في منح القروض المالية انطلاقاً من دوافع اقتصادية الى من كانوا يسعون للعمل في هذا الميدان ، وبدأت تتوالى المشاريع السينمائية في مصر نتيجة هذا الدعم ، لكنه ورغم ماقدمه من فرص كبيرة لانبات الفن السينمائي في البيئة المصرية إلاّ انه لم يتعامل معه باعتباره مشروعاً ثقافياً يسعى من وراء دعمه الى تشكيل وعي جديد في مواجهة وعي آخر يتسم بالخضوع لسلطة الماضي ، بل كان  منطلقه في ما ذهب اليه من مساندة وتشجيع لايخرج عن كونه مشروعاً اقتصادياً لاغير ، اي أن الفعالية الثقافية كانت غائبة عن هذا الاستثمار ، وهذا ماشار اليه الباحث السينمائي عدنان مدانات في كتابه المهم ( سينما تبحث عن ذاتها ) وهنا يقول مدّانات بهذا الصدد " ان ظروف التطور الاجتماعي والاقتصادي في مصر أعطت السينما المصرية الناشئة زخماً خاصاً عندما أستوعبت البرجوازية المصرية الصاعدة ظاهرة السينما باعتبارها ظاهرة صناعية عصرية ووسيلة استثمار هامة " . 2
بقي هذا المنطلق الاقتصادي البحت هو المحرك الاساس لاستمرار عجلة الانتاج ، وإن كان هذا الفهم الاقتصادي ناقصا في استيعابه لطبيعة ماينبغي ان يتوفر عليه من قاعدة مادية  لدعم هذا الاستثمار حتى يأتي بأرباح تتنامى عاما بعد اخر ، ومشروعاً بعد آخر ،  كما حصل في بداية السينما الاميركية ، التي انتبهت الى أهمية القيمة الاقتصادية والاستثمارية لهذا الفن الجديد الذي كانت اوربا هي الارض الذي تم اكتشافه فيها وشهدت فرنسا اول عرض سينمائي عام 1896 . لأن رجال الاعمال الاميركان بما يملكونه من شهوة وطموح كبير للمغامرة والمقامرة بدأوا منذ مطلع القرن العشرين في وضع الاسس المادية لقيام صناعة سينمائية قادرة على تمويل مشروعاتها بنفسها فتأسست بناءً على ذلك شركات الانتاج السينمائي وتبعها في خطوة مهمة جداً بناء العديد من دور العرض السينمائي الخاصة بكل شركة انتاج لضمان  استرجاع رأس المال وتحقيق الارباح عبر احتكار عرض الافلام  في دور العرض الخاصة بها ، وهذه هي الخطوة الاقتصادية  الاساسية التي  لم ينتبه لها صناع السينما في البلدان العربية  .
ولكي لانذهب بعيدا في الحديث عن السينما ضمن اطارها الاقتصادي الذي ليس هو مانهدف اليه نعود لنقول إن لحظة التحول في النظرة الى الفن السينمائي بأعتباره خطاباً ثقافياً وجماهيرياً يمكن ان يحقق الكثير مما تعجز عنه مؤسسات حكومية اخرى جاءت مع سقوط النظام الملكي في مصر عام 1952 ومجيء العسكر الى الحكم .

أدلجة الخطاب
هنا في هذه اللحظة الفاصلة من تاريخ المنطقة حدثت نقطة التحول الكبيرة في التعامل مع الفن السينمائي ، وبدا واضحا ان القيم القومية  التي جاء بها الزعماء الشباب العسكر تحت راية الضباط الاحرار كانت الدافع الاساس نحو انتاج ثقافة جديدة تستجيب لمقتضيات التحول الاجتماعي الذي اعلنه عبد الناصر ورفاقه ضد القوى الاجتماعية التقليدية في المجتع المصري القائم على بنية طبقية واضحة يشكل الفلاحون فيها  الطبقة الاكبر مقابل قوى الاقطاع والبرجوازية التجارية في الطرف المقابل . .
اخذت السينما في هذه المرحلة ــ بأعتبارها منتوجاً ثقافيا اضافة الى كونها نتاجا فنياً ــ بعداً ايدولوجياً واضحاً في معظم الافلام التي انتجتها الدولة من خلال القطاع العام الذي أوجده النظام السياسي الجديد في مصر بعد أن تم تأميم العديد من القطاعات الاقتصادية ومنها قطاع الانتاج السينمائي . 

يقول الناقدالناقد السينمائي أمير العمري عن هذه الفترة من تاريخ الانتاج السينمائي في مصر " خلال الستينيات، شهدت السينما تطورات درامية، بعد أن اتجهت أنظار الدولة أيضا إلى ضرورة دعم الصناعة، وتشجيع إنتاج الأفلام التي لا يستطيع المال الخاص تمويلها، وهي فترة ظهر فيها الكثير من الأفلام الجيدة دون شك، لكن هذه السياسة أصبحت مثار جدل ربما حتى وقتنا هذا، ولم تمر دون مجازفات ومخاطر بل ومنزلقات. فلم يكن ممكنا أن تتيح الدولة حرية النقد في مراحل وصفت بأنها ' مصيرية، وعرفت مواجهات عسكرية مسلحة مع إسرائيل، وهو ما استدعى أن يكون هامش حرية التعبير محدودا للغاية، غير أن السينمائيين كانوا يستخدمون الهامش إلى أقصى مداه، ويلجأون إلى الرمز والاستعارة والتشبيه."3
وعلى الرغم من هيمنة الخطاب الفكري الذي روّج لافكار المرحلة الجديدة على حساب الرؤية الذاتية للفنان الذي يقف وراء بناء العمل الفني إلا أن هذه المرحلة كانت نقلة نوعية في مسار تقييم وفهم طبيعة الخطاب السينمائي ومدى التأثير الفكري الذي يمكن أن يحدثه في العقل الجمعي .
بقيت هذه العلاقة مع الفن السينمائي التي رسمتها  ثقافة السلطة الجديدة تشكل تحدياً واستفزازاً آخر أضيف الى ثالوث التحديات التقليدية ( السياسة  ، الدين ، الجنس ) تواجه الفنان السينمائي في المنطقة العربية خاصة بعد أن تم استساخ نمط هذه العلاقة في معظم الدول العربية التي عرفت  فيما بعد الانتاج السينمائي  .

على هامش الفكر
 وضمن هذا الاطار الدرامي الذي كان يتمحور فيه طبيعة الصراع القائم مابين المشروع السينمائي بمحمولاته الجمالية والمعرفية من جهة والبنية الثقافية للقوى المجتمعية التي تتخندق بولاءاتها القبلية والدينية من الجهة الاخرى كانت النخب المثقفة في المنطقة العربية من مفكرين وادباء وشعراء تقف في المحصلة النهائية في خندق القوى التي تعاملت مع الفن السينمائي انطلاقاً من نظرة هي  ليست سوى فريسة لفهم بسيط الى هذا الفن باعتباره أبعد من أن يكون في حاضنة الفنون الابداعية التي يمكن أن تحمل خطاباً ثقافياً ثريا بمحمولاته الجمالية والمعرفية التي تعكسها عادة حقولا إبداعية تقليدية كالشعر والرواية والقصة إضافة الى بقية الحقول التي يشتغل فيها الفكر من نقد وفلسفة ، ومازال هذا الفهم بكل الفجوات التي يحملها يشكل ظاهرة  قائمة في الثقافة العربية .
ومن مظاهر هذا الفهم الذي  يبدو وكأنه راسخاً في اذهان النخب المثقفة : -  اهمال النتاج السينمائي واستبعاده من دائرة اهتمام  المفكرين والمثقفين وعدم ادراجه في لائحة بحوثهم ودراساتهم الاكاديمية والبحثية  التي عادة ماينشغلون بها طيلة مسيرتهم الفكرية . هنا يشير الناقد السينمائي المغربي محمد نور الدين افاية في بحثه المعنون : " السينما – الكتابة والهوية إذ يقول " الفكر العربي المعاصر لم يعمل على مقاربة السينما كظاهرة ثقافية مركبة الابعاد " 4. ويقول أيضا في مكان آخر من البحث  " الفكر العربي المعاصر لم يدمج حقل السينما في اهتماماته كحقل للابداع الثقافي أو كمجال خصوصي للتذوق الجمالي ولانتاج الايدولوجيا ، فما زالت السينما على هامش التفكير العربي بالرغم من كونها تشكل إحدى الروافد الاساسية لتشكيل الحساسية العربية المعاصرة " 5
هذا الاستنتاج يشير بوضوح  الى أن هذه النخب تعيش وضعاً مُستلباً ومزدوجاً جاء نتيجة خضوعها امام ألخيارات الثقافية المطروحة امامها والتي تستطيع من خلالها ان تتستر باللغة لتتفادى المواجهة مع منظومة الثقافة المستأثرة بسلطة الواقع الاجتماعي مراهنة بذلك على ان لغة الادب والشعر لايملك العامة من الناس القدرة على التواصل معها وتفكيك رموزها باستثناء الذين يقرأون ويكتبون على عكس الفن السينمائي الذي يتفرد  بقدرة واسعة للوصول الى عموم الناس  ، لذا لن يشكل خطابها  خطورة مباشرة لها مع ثقافة المؤسسات التقليدية القائمة ولو الى حين ، ويمكنها بذلك ان تبقى بمنأى عن الاخطار والمواجهات التي قد يأتي بها الخطاب السينمائي مهما كان مُركباً وملغزا ً في بنيته الجمالية كما هو الحال مع  افلام يوسف شاهين على سبيل المثال ، الذي شكلت مسيرته الفنية خير نموذج لما ذهبنا اليه من صراع عنيف مع المؤسسات المجتمعية التقليدية . وهنا نستعيد  رأي الناقد السينمائي المصري  أمير العمري وهو يتحدث عن  سينما يوسف شاهين فيقول عنها " كانت فنا وثقافة إضافة إلى عنصري التسلية والامتاع. كما أن تجربة شاهين السينمائية سوف تثير شهية النقاد الجادين وتحفزهم على الكتابة النقدية الرصينة" 6

تحديث السينما
لو عدنا قليلا الى الوراء لاكتشاف الاسباب والعوامل التي احدثت تحولا ونضجاً كبيراً في طبيعة الفن السينمائي واخذت به بعيداً جداً نحو فضاء اكثر سعة وثراء من حيث المحولات الفكرية والجمالية التي يمكن ان يستوعبها ويرسلها بالتالي الى المتلقي لوجدنا ان من وقف وراء تلك التحولات اناساً جاؤا من حقول فكرية وادبية بعيدة عن الفن السينمائي ، تنوعت مابين الفلسفة والسيميائية هذا مانجده في خمسينات وستينات القرن الماضي عندما دخل الى حقل الفن السينمائي في ايطاليا وفرنسا مجموعة من الاسماء التي جاءت من تلك الميادين الفكرية وبدأت في طرح تنظيراتها وافكارها حول طبيعة ومفهموم الفن السينمائي محاولة تفتيت الرؤية القديمة التي قام عليها هذا الفن والتي كانت تختصره بسرد الحكايات على الشاشة .
وادخلت ماكانت قد توصلت اليه البحوث والدراسات في اطار اللغة والسيميائية وعلم الجمال ، كان الهدف من ذلك الارتقاء باللغة السينمائية وطبيعة الافاق الذي يمكن ان تذهب فيه محمولات الخطاب السينمائي بعيداً عن بساطة الموضوعات والطروحات والمعالجات الاسلوبية للارث  السينمائي المتراكم منذ بدايات الفن السينمائي .
ونتيجة لدخول تلك الاسماء الى الحقل الكتابي والتنظيري السينمائي  والتي جاءت من ميادين بعيدة عن المشغل السينمائي وقريبة جداً من مشغل الفكر والفلسفة واللغة والادب حدث التحول الكبير في تاريخ الفن السينمائي على مستوى الفهم والاسلوب والمعالجة والموضوعات ، وذلك عندما ظهرت السينما الواقعية في ايطاليا  والسينما الجديدة في فرنسا . وكان ذلك ايذاناً ببدء مرحلة جديدة ومهمة من تاريخ الفن السينمائي مازالت اثارها ونتائجها واضحة وسارية حتى الان ، ولولاها لما شهدنا هذا النضج والنمو في البنية الجمالية للخطاب السينمائي بعيداً عن النمط التقليدي للفلم السينمائي  الذي تنتجه السينما الاميركية والذي تتحكم بقيمه الفنية الثابتة قواعد ومنظومة السوق الاقتصادية .
لم يكن المخرج الايطالي بازولويني عندما جاء الى الفن السينمائي بعد الحرب العالمية الاولى سوى شاعر متمرد على سكونية اللغة ومحدودية مدلولالتها فنقل ثورته تلك الى الفن السينمائي ليبدأمعه رحلة التغيير والرؤيا الجديدة لما يحتمله هذا الفن من فضاء واسع وشاعري في آن واحد وهكذا الحال مع انطونيوني ، وكودار وجان كوكتو الفرنسيان ، ولويس بونويل الاسباني واخرين لامجال لذكرهم .
إذن معظم الذين جاءوا بالوعي الجديد في فهم الفن السينمائي كانوا كتاباً وشعراء ونقاداً ، ارادوا من خلال كتاباتهم التي كانت تتحرك في محيط ثقافي ينطلق من فكرة التجديد في بنية ولغة الخطاب الثقافي بكل تجلياته الابداعية والفكرية وبقية الانشغالات الادبية التي كانوا قد  انطلقوا منها في بداية مشوارهم لتحقيق ذاتهم ومشروعهم الذي كانوا يدعون اليه ، ولولا هؤلاء لما حدثت هذه النقلة النوعية والقاطعة والمفارقة في تاريخ وجمالية الخطاب السينمائي .
في منطقتنا العربية لو نظرنا الى العاملين في حقل الفن السينمائي خاصة في المواقع الاساسية منها : الكتابة والاخراج  ، لوجدنا ان هنالك عدد محدود جداً قد جاءوا من حقول الادب أو الفكر ليعملوا في الفن السينمائي باعتباره خطاباً ابداعياً فيه من المساحة الواسعة التي تنتج زمنا ً مركباً يمنح الاستعارة والرمز والدلالة طاقة من الازاحة تزاحم  إختزال البلاغة التي يتيحها الادب والشعر .
وهنا ينبغي ان لاننسى تلك التجارب السينمائية التي كانت تحمل في ثناياها ملامح منطوق جديد غير مكتوب في تاريخ السينما العربية ولم يكن منسجماً مع المخيلة التقليدية التي صاغت معظم الارث السينمائي العربي والتي ابتدأت مع مطلع سبعينات القرن الماضي ، نذكر البعض منها على سبيل المثال لا الحصر انطلاقاً من أهميتها وتأثيرها الذي تعدى الفترة التي جاءت فيها ويمكن أن نذكر تجارب عدد من المخرجين السوريين الذين كانوا قد مارسوا انشطة كتابية في النقد والادب أضافة الى ألعمل في السينما وهو مايمثل القاعدة المفقودة التي نبحث عنها هنا لانتاج سينمائي يستوعب منطق ومخيلة الابتكار لانه يستند الى حبكة معرفية ينطلق منها العاملون المبدعون في الفن السينمائي منهم على سبيل المثال محمد ملص وقيس الزبيدي (العراقي الاصل)  كذلك في مصر جماعة السينما الجديدة الذين انبثقت في حركتهم  دينامية جديدة على سطح الحياة السينمائية ،وذلك عندما اصدروا عام 1968 أول بيان سينمائي نظري قصدوا من خلاله سنَّ قيم جديدة لسينما يطمحون الى تحقيقها جاء فيه : " إن الذي نريده سينما مصرية ، أي سينما تتعمق في حركة المجتمع المصري وتحلل علاقاته الجديدة وتكشف عن معنى حياة الفرد وسط هذه العلاقات ،ولكي تكون لدينا سينما معاصرة لابد أن نمتص خبرات السينما الجديدة على مستوى العالم كله، وعندما تكون السينما واقعية محلية الموضوع عالمية التكنيك واضحة المضمون بفضل تعمق السينمائيين بواقعنا فسوف تستعيد جمهورها كما تحقق انتشاراً عالمياً " 7
وفي وسط هذه الاجواء التي جاءت نتيجة هزيمة العرب عام 67 امام اسرائيل بدأ يسود بين اوساط  السينمائيين الشباب في مصرتيار من الافكار تدعو الى سينما أخرى بديلة، فتشكلت مجموعة سينمائية شابة تضم نقاداً ومخرجين سينمائيين كان قد بادرالى تأسيسها الناقد مصطفى درويش واطلقوا عليها تجمُّع  (السينما الثالثة ) وتوصلت هذه المجموعة في قراءاتها النقدية الى أن هناك ثلاث سينمات في العالم: الاولى هي (السينما الاميركية) بكل نمطيتها وآليتها الانتاجية الكبيرة ، وهذه السينما بما يقف خلفها من شركات انتاج عملاقة وبرؤوس اموال هائلة تسعى أولا وآخراً الى تحقيق الارباح الطائلة ، لاتعطي أيّة مساحة من الحرية للمخرج وافكاره، بقدر ماتنظر الى  اليه على أنّه ليس سوى منفذ لما تريده الشركة من اهداف. والثانية هي (السينما الاوربية )وفيها  يُشكل المخرج العقل المفكروالخالق الوحد للشريط السينمائي، ولايزاحم موقعه هذا أي عنصر انتاجي آخر، وأخيراً ( السينما الثالثة ) وهي التسمية التي كانت عنوانا للتجمع وكانت تهدف في منطلقاتها الى بناء قطيعة جمالية وانتاجية مع النموذجين السابقين ،وذلك بطرح نموذج جديد  يؤكد على أهمية الدور الذي يلعبه الفن السينمائي في الوعي الجمعي ، لذا جاءت هذه السينما لأن تكون أداة للتثوير والتحريض على  كشف الواقع، والانقلاب عليه ،هذاالطرح جاء احتفاءً وتقليداً لنمط الانتاج السينمائي الذي قدمته عدد من دول  اميركا اللاتينية.
ولكن رغم هذه الطموحات والاحلام في تغييربنية الخطاب السينمائي جمالياً وفكرياً والتي تمت على مستوى النقد، لكنها لم تصل الى تحقيق نتيجة عملية واضحة ومؤثرة في واقع الصناعة السينمائية ذلك لانها لم تحظى بالدعم المادي من قبل الشركات المنتجة كذلك لم تلقى المساندة التي ينبغي أن تكون من قبل المثقفين . وبالتالي شهدت الانتاج السينمائي  منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي وكنتيجة لسياسة الانفتاح وخصصة القطاع العام  تراجعاً كبيراً جدا في المستوى الفني للانتاج السينمائي، وظهرعلى السطح مايُعرف بسينما( المقاولات ) التي يقودها طبقة من الاثرياء الجدد الذين افرزتهم المرحلة الجديدة وفي هذه السينما يتم إنجاز أي فلم خلال مدة قياسية لاتتجاوز الاسبوعين ! .  وعليه تراجعت المتابعات النقدية للانتاج السينمائي وبات مايكتب في الصحف الفنية لايخرج عن اخبار نجوم السينما وحياتهم وخصوصياتهم الى غير ذلك من المعلومات التي لاصلة لها بالفن ولابالعملية النقدية . " ويطرح موضوع غياب النقد ووقوع الكتابة النقدية في مُنْزَلقَي المدح والهجاء ، وتحوّل الفعل الثقافي إلى قوة تخدم ماعداه ، بما يجعل الابداع والفكر تابعين للسياسة " 8
ايضاً شهد المغرب العربي منذ مطلع سبعينات القرن الماضي  سواء في الجزائر أو المغرب  ظهور عدد من الاسماء والتجارب كانت تسعى الى تحطيم الجُمل السينمائية التقليدية التي تجذرت في الذائقة الجمعية العربية بفعل محاكاة مُستنسخة ومشوهة للنموذج الاميركي .
 لكن تلك التجارب لم تصل مبادراتها ومشاريعها الفنية الى المرحلة التي توقِفُ زحف المنطوق الفني ألقديم بكل إستعاراته وترميزاته المباشرة والسطحية ، وبقيت هذه التجارب الجديدة تكافح من أجل البقاء والحفاظ على استقلالية بنيتها الجمالية في بيئة أبعد مايكون من أن تكون متهيئة لاستيعابها والقبول بها . ومما ساهم في ذلك ايضاً هو: غياب العلاقة التفاعلية بينها وبين  النخب المثقفة خاصة من المبدعين ،كتاباً وقصاصين وشعراء   فقد أعرض أغلبهم عن الانخراط في بناء الخطاب السينمائي والمساهمة في تجديده  .
قبل ان نختتم طرحناهذا نختتم المقال بجملة بليغة لمؤرخ الفنون والاستاذ بجامعة برنستون الاميركية "إروين بانوفسكي " إذ يقول : "إن السينما ، سواء أحببنا أم لم نحب، هي القوة التي تصوغ – أكثر مما تصوغ أيّة قوة أخرى – الاراء ،والاذواق ، واللغة ، والزّي  ، والسلوك ، بل حتى المظهر البدني لجمهور يضم أكثر من ستين في المائة من سكان الارض ". 9

هوامش :
1- جريدة "الاضواء"  البحرينية 11/ 4/ 1987 ، حوار بين ادونيس وعدد من ادباء البحرين .
2- "السينما تبحث عن ذاتها "– عدنان مدّانات- منشورات وزارة الثقافة – المؤسسة العامة للسينما – الجمهورية العربية السورية – دمشق 2005

3- "شخصيات وافلام من عصر السينما "ـ أمير العمري ـ مكتبة مدبولي

4- "السينما .. الكتاب والهوية" : المؤلف – محمد افاية ، مجلة " الوحدة " العدد 37م 38 تشرين الاول – اكتوبر / تشرين الثاني – نوفمبر ، عام 1987 . )
5- نفس المصدر السابق
6- "شخصيات وافلام من عصر السينما "ـ أمير العمري ـ مكتبة مدبولي
7- "السينما تبحث عن ذاتها "– عدنان مدّانات- منشورات وزارة الثقافة – المؤسسة العامة للسينما – الجمهورية العربية السورية – دمشق 2005
8- "الدليل إلى الاعلام الثقافي والفني – تقنيات الكتابة النقدية "د. جورج كَلاّس – منشورات الجامعة اللبنانية – قسم الدراسات الاعلامية .
9- "السينما آلة وفن – تطور فن السينما منذ عهد الافلام الصامتة الى عصر التلفزيون " البرت فولتون – ترجمة صلاح عزالدين وفؤاد كامل – مراجعة وتقديم عبد الحليم البشلاوي .















57
 
الفنانة هند كامل في حوار صريح :

                             العمل الدرامي العراقي يقف في اللامكان !
 

                                                                                                    حاورها : مروان ياسين الدليمي



ليست كل العناصر النسائية العراقية التي عملت في ميدان الفن الدرامي استطاعت أن تبقى في ذاكرة المتلقي ، متوهجة،  في مساحة زمنية واسعة ، رغم ان البعض من تلك الاسماء،  كانت تحرص على الحضور بشكل دائم على الشاشة،  في أغلب الاعمال ، دون حرص ٍ منها على أختيار ما تواجه به الجمهور . بينما البعض الاخر،  كانت تُقنن حضورها على الشاشة ، بأختيارها هي ، سعياً منها ، لأن تبقى محافظة على رصيد المحبة والاحترام ، الذي كسبته من جمهورها ، نتيجة حرصها ،ودقتها في اختيار مسار فني رصين يليق بها ، كما يضع الفن في إطار مسؤوليته الجمالية ، والفكرية أولا ًوآخرا ً، من غيرأن تُعيرأهمية لايّة أعتبارات أخرى قد يجني الاخرون منها شهرة سريعة أومالا ً كثيراً . كل هذا ينطلق من درجة الثقافة التي يكون عليها الفنان ، فكلما كان حريصا على القراءة والمتابعة الدائمة لكل ماهو جديد في عالم الفن والثقافة والفكر ، كلما نمت موهبته ، وتجددت قدراته التعبيرية ، وعرف كيف يخطو دائما الى الامام . هند كامل ، فنانة عراقية تقف على أرض صُلبة منذ انطلاقتها الاولى في السهرة الدرامية  المُميزة (رائحة القهوة ) بمشاركة الفنان قاسم الملاك ، قبل اكثر من عشرين عاماً .  هذا التألق في الحضور، والفاعلية ، لم يأتي من فراغ أو نتيجة لضربة حظ عابرة ، فبالاضافة الى ماتوفر لديها بالفطرة من موهبة وذكاء، عملت هي بجد وحرص كبيرين على استثمارماتملكه من  قدرات بالشكل الصحيح،  فكانت حريصة على تنمية ثقافتها،  بقراءات جادة في الشعر والادب والفن ، من هنا كان تميزها واتساع رصيدها من المحبة والتقدير لدى الجمهور . .. ولانني كنت زميلاً لها على مقاعد الدراسة في كلية الفنون الجميلة لمدة أربعة أعوام ، فقد عرفتها عن قرب،  وعرفت الجوانب الانسانية التي تتحلى بها،  ومدى الحرص الذي تتمسك به ، من أجل أن تكون في الموقع الرصين،  الذي يعكس صورة مشرقة عن الفنان وشخصيته وتطلعاته الجميلة لصنع الحياة ، ولما أردت أن اجري حوارا مع شخصية نسائية متميزة في الحقل الفني حتى حضرت في ذهني مباشرة صورة الفنانة هند كامل ذلك لانها نموذج للفنانة  المعاصرة المنفتحة على الحياة بكل جدية وتواضع ملفتين من هنا كان هذا الحوار معها .

*مالذي يجعلك تنتمين الى العمل الفني . ؟ هل هي حالة الوهم التي يقوم عليها العمل الفني ؟ ام  تحقيق لحالة من التوزان النفسي مع العالم ؟ 
-لا أخفيك ،الحالتين مجتمعتين مع بعض...ولربما الشطر الآخر من الجواب هو أكثر قربا الى نفسي،،بالتأكيد هذا الفرز أتى متأخرا ،،يعني عندما نضج المفهوم الاحترافي لدي.
*انت تشاركين بشكل فعال منذ اكثر من ربع قرن في الدراما العراقية مالذي تجدينه قد تغيرفيها من حيث الشكل أومن حيث الموضوعات المطروحة ؟ 
-كل شيء تغير! لأن العمل الإبداعي فنا ًوتأثيراً لا يمكن فصله عن المتغيرات السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي تنتج عن المتغيرين السابقين. وبالتالي ستنتج عنهما فن وثقافة بمفاهيم جديدة ــ بغض النظر عن جودتها أو تخلفها ـــ لمتلقي بذوق  آخرجديد غير منفصل عن الواقع الذي يعيش فيه ، مثلاً أنا لاحظت حرية كبيرة في طرح عدد من الموضوعات ، على مستوى المضمون بغض النظر عن الجودة  الفنية ! كذلك ، لاحظت أن كثرة الفضائيات أدى الى تنافس شديد، وبالتالي اصبح هناك كثرة في الانتاج ايضا، بغض النظر عن النوعية ، لكن الشيء الوحيد الذي بقي على حاله ،هو الوضع المادي المتردي لشريحة الممثلين ،كما ظهرت أو لنقل تعاظمت قضية الاستسهال الفني على كل الاصعدة، لكن هذا لا يمنع وجود اسماء محترمة ، تتسم بالجدية والمثابرة الفنية والفكرية  ،كما ظهرت  أعمال تستحق الاحترام وتنتمي الى مفهوم العمل الابداعي.


*اذا اردنا ان نعقد مقارنة مابين العمل العراقي الدرامي والاعمال العربية ( مصرية وسورية ) كيف يمكن ان تري الصورة انت ؟
-العمل العراقي يقف في اللامكان. نعم في اللامكان ، وشرح ذلك يطول ، لان الفن ، لعبة ابداعية وبصرية وفكرية ، والذي يمتهنها عليه ان يكون كالحاوي او الساحر،  الذي يوهمك بالمستحيل ، لكنه في الحقيقة واقع بسيط مع مهارة عالية  .
*هل من اعمال عراقية  شاركت بها كان لها تأثير واضح على مسارك الفني ؟
-كل ما قدمته منذ بدايتي كممثلة اذاعية بعمر ١٦ سنة حتى هذه اللحظة هو مهم لي ، وكان مؤثراً بحضوره ، بالتأكيد هناك أعمال أكدت موهبتي عند جمهوري الأهم . وأقصد  الجمهور العراقي،  مثل ،تمثيلية رائحة القهوة التي اخذت جائزة التمثيل والاخراج في مهرجان الخليج  للتلفزيون، كذلك الذئب وعيون المدينة ، المرايا، نساء في الذاكر ،رجال في الذاكرة، الذخائر ، الجرح، الهاجس، قضية عبدالله  س ،  إقتفاء أثر..  وبالتأكيد كل الافلام السينمائية ،مثل فلم :  حيث لم يقف القطار طويلا ، والحدود الملتهبة، وليلة سفر، بابل حبيبتي ،والفلم الجديد( بغداد ..حلمي الوردي) ..تأليف الروائية ميسلون هادي،وسيناريو واخراج فيصل الياسري مع دائرة  السينما والمسرح ، كمحاولة جادة للنهوض من جديد بواقع السينما العراقية،
*ماهي مصادر الوعي والثقافة لدى هند كامل ؟
-والدي ،والدتي ..العائلة ، القراءة المبكرة،تحمل المسؤولية في عمر مبكر،  لكوني الابنة  الكبرى في عائلتي والمدللة في ذات الوقت ، والتي الكل يُنتظر منها الافضل والنجاح والتميز..  الوعي المبكر استمدته من  جدتي {والدة ابي} التي كانت تعيش في بيتنا الكبير ،بيت بابا ، ابنها الاكبر،كانت سيدة أميّة اي لاتقرأ ولاتكتب لكنها ذات وعي عالي جداً  بالحياة،  وبالمفهوم الاجتماعي ، وفهم الآخر بإنسانية عالية الجناب،،والدتي دون شك ساهمت بشكل كبير في توجيهي ، كذلك كان الكتاب المفردة الاولى في البيت والحياة ، هذا اضافة الى المنافسة في تطوير الذات حيث كانت هديتي عندما تخرجت من الابتدائية هو سلسلة كتب المعرفة أهداني اياها والدي الذي كان يحمل فكراً بغداديا متحضراً ،  وترافقه ثقافة أميريكية نتيجة دراسته الجامعية في أميركا خلال  منتصف خمسينات القرن الماضي فكان حضوره بمثابة  الحجر الاساس في دعمنا جميعاً وخصوصا وقوفه الى جانب والدتي الممثلة فوزية الشندي ، كذلك كان هو الحامي لنا،  أنا وأختي هديل ، بثقته العالية وإيمانه بنا ، وبدور المرأة المهم  في بناء الحياة.
*لمن تقرأين من الكُتّاب ؟ 
-للكل وفي كل شيء....ونقيضه
*الممثل العراقي هل من ملاحظات على طبيعة اداءه بالمقارنة مع اداء الممثل العربي .؟ ومالذي ينقصه لكي يكون بنفس المكانة والتأثير الذي يمتلكه الممثل االعربي ؟
-الموهبة موجودة .لكن الوعي والحضور والثقافة السلوكية والمهنية! في بعض الاحيان أهم من الموهبة،وأن ينتمي الى العصر الذي يعيش فيه،ويراقب الآخر ،واقصد بالآخر ،أنداده، والاشتغال على الذات ،والمثابرة ،والاستعداد الدائم لكل ادوات الممثل الظاهرة وغير الظاهرة.والتخلص من الغنائية في الاداء واللاتلقائية والابتعاد عن المباشرة في الأداء...
*ماهي مكانة فيصل الياسري الفنان في مسيرة هند ؟
-فيصل الياسري...ساهم في نوعية ومستوى الاعمال التي عملت فيها معه والتي تميزت بفكرها العالي ،ساهم بشكل واضح في زيادة رقعة وعي ومفاهيمي حول الفن،وودفعني للاشتغال بمثابرة أعلى على نفسي كممثلة،وعلى مفهوم التمثيل وتقمص الشخصيات بعمق أكبر،لان الادوار التي لعبتها في اعمالنا المشتركة كانت تتطلب مستوى آخر من التناول لمفهوم التمثيل الذي اعتدنا عليه،وبالتأكيد اعتمادا على الاسس التي هي موجودة ومبنية بوضوح عندي .


*مالذي يحدد طبيعة الموضوعات التي ينبغي طرحها في الانتاج الدرامي ؟
-ليس هناك شيء يحدد طرح أي موضوع ،الفن هو انعكاس للحياة وللمجتمع ،وما نحتاجه في الحياة ، علينا ان نتحدث عنه دراميا،  ونجد الحلول ،او نساعد على ايجادها.
*هل الممثل العراقي يملك خيار انتقاء الاعمال التي يشارك بها ام لاخيار له ؟
-يملك الحق في الاختيار عندما يكون مكتفيا ماديا ،وليست مهنة التمثيل للإرتزاق فقط.............. ؟
*هل انت راضية عما حققت ؟ ام ان مشاريع وطموحات اخرى لم تتحقق بعد  ؟
-لا هناك الكثير من الاحلام وأدَها الوضع السياسي في عراقنا والحروب التي سرقت من أعمارنا وطموحاتنا وحيوات من نحب ،،و،،،و..ولا يزال العراقينهض  من كبوة ليسقط في أخرى........ فبالتأكيد هناك الكثير لم يتحقق ،وكان بمكان العراق بما يملك على كل الاصعدة،ان يكون عين القلادة ،لكن لا تزال هناك احلام نتمنى ان نحققها لكن ليس بأي ثمن........... !



58
تي تي ،مثل مارحتي ، جيتي  ! ؟
                                                                                                                      مروان ياسين الدليمي

سألني صديق لماذا لست مدعوا الى مهرجان المسرح الدولي للشباب المقام في بغداد هذه الايام ، وأنت المتابع للحركة المسرحية العراقية ؟ ولك في هذا العديد من الانشطة والمقالات النقدية ؟ ، اضافة الى كونك قد عملت في المسرح منذ العام 73 وحتى الان ! ؟ .وكان من الممكن ان يكون حضورك فاعلا عبر ماسينتج عنه من متابعات نقدية للعروض المشاركة ؟ ، بينما تمت الدعوة للعديد من الاشخاص الذين لن يغنوا المهرجان لابتواجدهم ولابحضورهم ؟ . . وينطبق عليهم المثل الشعبي القائل ) تي تي مثل مارحتي جيتي ) . .وسيكتفون بالتقاط الصور التذكارية فيما بينهم ومع الاسماء الفنية المعروفة . التزمت الصمت امام سيل الاسئلة ، مغالبا ً حيرتي ازاءها ، وإزاء هذا التجاهل والجهل التام بمن يستحق الحضور اكثر من غيره ، مع علمي التام بأن العلاقات الشخصية تلعب الدور الرئيسي في توجيه الدعوات للاصدقاء والاصحاب والاحباب قبل غيرهم حتى لوكان ذلك على حساب المعايير المهنية والاهداف الثقافية الكبرى المرجوة من المهرجانات .وهذا هو ماتعودنا عليه في معظم الفعاليات الفنية التي اقيمت في العراق منذ عقود ، سواء في مهرجانات الشعر او في المسرح أو في غيرهما من الفعاليات . وأكاد أجزم  بأن الوجوه ذاتها تتكرر دائما في كل الدعوات وكأن لاأحد سواهم مع بعض الاسماء الجديدة  التي يتم اضافتها احيانا ً لاسقاط الحجة لدى المنتقدين أمثالي  . ويبدوأن  الاصرار على هذا النهج الاقصائي سيبقى قائما من قبل الجهات المنظمة  في التعامل مع الاخرين ممن لايحسبون على المريدين والخلان  . وهذا يعني ان التقاليد الثقافية لدينا  تعكس بصورة واضحة عمق التخلف الذي يحكم ضوابط الافعال لدى من يتولى ادارة الشؤون الثقافية والفنية في بلادنا سواء كانوا يمثلون مؤسسات حكومية او غيرها ، فلا فرق في هذا بين الاثنين .


59



امس الثلاثاء 6/11 / 2012 انطفأت جذوة الروح في جسد الفنان المسرحي عبد الرزاق ابراهيم بعد أن اتعبه المرض في الاشهر الاخيرة . وابراهيم من مواليد مدينة الموصل 1958 ويحمل شهادة بكالوريوس اخراج مسرحي من كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد .عام 83 -
84 . وكان قد ابتدأالنشاط المسرحي منذ مطلع سبعينات القرن الماضي في الفرق المسرحية التابعة لمراكز الشباب لينتقل بعدها في العمل مع فرقة مسرح الرواد وفرقة نينوى للتمثيل وليدخل بعدها اكاديمية في كلية الفنون الجميلة عام 1979 ليكمل دراسته فيها . وليعود بعد تخرجه للعمل كمدرس للفنون المسرحية ورئيسا لقسم المسرح في معهد الفنون الجميلة بالموصل / وخلال مسيرته الفنية التي امتدت لاكثر من اربعة عقود قدم خلالها العديد من الاعمال المسرحية ممثلا ومخرجا . ومن ابرز هامسرحية (السود ) لجان جينيه ( اهمس في اذني السليمة ) لوليم هانلي ( في انتظار كودو )لصموئيل بيكيت . هذا إضافة الى عمله كمخرج وممثل فقد كتب العديد من النصوص المسرحية منها (الصبي كلكامش) و(سنة الجوع ) ... الصورة المرفقة هنا يظهر فيها الفنان الراحل عبد الرزاق ابراهيم في يمين الصورة ،ايام كنّا طلابا في كلية الفنون الجميلة، ويظهر الى جانبه الفنان شهاب أحمد وريسان رشيد ومروان ياسين . . بهذا المصاب الجلل اعزي نفسي أولا بعد اهله كما اعزي اصدقائه الذين فقدوا برحيله فنانا مثابرا كان تربطه بالفن المسرحي علاقة عشق لم تفلح كل الظروف التي مرت عليه وعلى العراق من فك اواصراها . وحده الموت من تمكن منه .


60
المخرج السينمائي العراقي المغترب سمير زيدان :

                 
التأؤيل يُضفي سِمات جمالية على الفلم 




                                                                                                     حاوره / مروان ياسين الدليمي

كان عمره ثمانية عشر عاما ً عندما  غادر العراق عام 1979حاملا ً حقيبة أحلامه على ظهره  متجها الى اوربا ساعيا ً وراء تحقيقها ، كان هدفه الوحيد  أن يصل الى مكان ما في اوربا، حتى يتمكن من خلالها دراسة الفن السينمائي بشكل اكاديمي والتعرف عن قرب على تفاصيل الانتاج بصورته الاحترافية ، وليكون ذلك فيما بعد منطلقا ً له لتحقيق ماكان يصبو اليه من احلام سينمائية ، بعيداً عن نمط الانتاج الضعيف الذي كان سائدا ً في بلده العراق أو في المنطقة العربية أنذاك، فكان معهد وودج السينمائي في بولونيا محطته الاولى والاساسية لتلقّي العلوم السينمائية وهو نفس المعهد الذي كان قد تخرجت منه اسماء كبيرة ومهمة في السينما العالمية المعاصرة منها : رومان بولانسكي وادريه فايدا وكيشلوفسكي . وبعد أن انهى دراسته اتجه الى النرويج ليكمل مشواره السينمائي هناك ، وليصبح أحد الاساتذة المختصين في تدريس فن الاخراج السينمائي بمدرسة الشمال للفن التشكيلي والسينمائي، إضافة الى عمله كمخرج ومنتج . . والمخرج سمير زيدان من مواليد مدينة الموصل عام 1958 وسبق أن عمل في منتصف سبعينات القرن الماضي في مسارح الموصل قبل مغادرته لها  مخرجاً وممثلا في العديد من العروض المسرحية . . وآخر انشطته كان عضواً في لجنة تحكيم الافلام الروائية القصيرة والتسجيلية في مهرجان مالمو للافلام العربية الذي اقيم هذا العام 2012 في السويد .
التقينا به وتحاورنا معه حول رحلته الطويلة في مشوار الفن السينمائي وأرائه وملاحظاته حول العديد من القضايا التي تتعلق بالانتاج والفن السينمائي العالمي والعربي والعراقي . 

*بداية  نودُّ أن  نتعرف على طبيعة الاعمال السينمائية التي حملت اسم سميرزيدان،والمشوارالطويل الذي قطعه من أجل أن يحتفي بحلمه السينمائي الذي طار خلفه من بلاد مابين النهرين حتى امسك به في النرويج؟
ما زلت اتذكر أول عرض مسرحي رأيته على خشبة النشاط المدرسي في مدينتي الموصل ، كانت رحلة مدرسية لمشاهدة مسرحية (كنز الحمراء)  وكان الفنان الراحل علي احسان الجراح  يؤدي الدورالرئيسي فيها ، وبعد هذه المشاهدة باتت كل حكاية أسمعها مترتبطة بعناصر التمثيل في ذهني. بعدها تعلمت اصول  التمثيل ومبادئه مع زملائي نذير العزاوي وكريم جرجيس ورعد حسين من المخرج الراحل علي المهتدي في محاولة مسرحية كانت تحمل عنوان كفر قاسم لكنها  لم تنجح، بعدها تعلمت الكثير عن عالم الاخراج المسرحي من استاذي الكبير المخرج المبدع راكان العلاف ،ومن ثم من المخرج الكبير والمُشاغب شفاء العمري ، كذلك من زملائي الممثلين في السبعينيات،  انذاك كانت مدينة الموصل زاخرة بانتاجات مسرحية تقليدية ومسرحيات تجاور التقليد منطلقة بحرية لخلق أجواء تشاغب الذهن لتجعل المتفرج يغوص بعمق في أجواء فنية تسعى لأن تلامس الطبيعة البشرية، أجدها الان بعد هذه الاعوام الطويلة التي مرت عليها أنها كانت مسرحيات تجعل المتفرج يتفاعل مع عناصر التلقي المدروس والتجريبي ، والكثير من تلك العروض كانت بلا شك صادقة في اهدافها التي تهدف الى إغناء الروح ، وبنفس الوقت فيها الكثير من المناطق الجمالية التي تشتغل على مفردة التأويل ، وأجد فيها الان وأنا استعيدها عمقاً واتقاناً لدى عدد من مخرجي مدينتي الموصل . بصدق اقول أن  خشبة المسرح انذاك كانت  تتوالد فيها أجواء لم يكن لها أن تظهر لولا جرأة اولئك  المخرجين القادرين على تجاوز المسرح التقليدي كالعلاف والعمري ،  فخوض تجربة تمثيل معهما كانت لي ولباقي العاملين في المسرح في تلك الفترة (علي احسان الجراح ،مروان ياسين،عبد الرزاق ابراهيم،محمد العمر،غانم العبيدي،موفق الطائي، صبحي صبري، نجم الدين عبد الله سليم، طلال الحسيني، حسين احمد، محمد المهدي، عصام عبد الرحمن، صلاح الدين الريكاني، ماجد البرزنجي، فارس جويجاتي. نزار محمد وآخرين ) كانت تعني فرصة للروح أن تسمو وللذوق أن يجرب نكهة أجواء ٍولحظات تتجسد في مشاهد تمنحنا فرصة لتأمل وكشف ما لا يمكن قوله إلا بالمسرح ، ليس فقط سياسيا ،بل على المستوى النفسي والسوسيولوجي والفلسفي ، في تلك التجارب تعلمنا كيف يكون تشريح الصمت المخلوق على الخشبة ، وما زلت حتى الان  أغرف من تجربتي المسرحية في عملي السينمائي عندما اخرج فلماً وكذلك عندما أدرس الاخراج السينمائي لطلبتي .


*أين الذاكرة الشخصية لسمير زيدان في احلامه السينمائية ؟

ذاكرتي هي شخوص مدينتي بأزقتها وتقاليدها بقراها ونهرها العظيم دجلة الخالد كذلك بتجاربي الشخصية وبكل الشخوص التي مرت بي وعرفتها . ذاكرتي مازالت تنبض بكل هذا مازلت اعيش كل هذه التفاصيل ، في الحقيقة أنا  لدي مشاريع كبيرة لها صلة وثيقة بهذه الذاكرة الثرية ،  لكن التمويل دائما يقف عائقا ً امام تحقيقها .

*انت الان تُدرّس الفن السينمائي في النرويج بعد أن قطعت شوطاً طويلا من الدراسة الاكاديمية لهذا الفن اضافة الى العمل .. هل تجد أن من السهولة لفنان شرقي أن يُدرِّس هذا الفن للاوربيين ، ومالذي يمكن أن يضيفه لهم ؟
الصورة في الغرب لها تاريخ عريق ،وهناك جمالية خاصة متأصلة في ثقافة التواصل مع الجمهور العريض عبر الصورة، هذا يبدو ظاهرا ً في منحوتات الكنائس قبل أن تدخلها ، أمّا الكتابة  فقد كان امرها مقتصرا ً على  الطبقات العليا من المجتمع الاوروبي،  بينما في ثقافتنا نحن العرب لم تكن  الصورة هي لغة التواصل مع الجماهير العريضة إنما كانت الكتابة أوبالاحرى الحكاية ، كما في الجامع أو في المقهى لدى الحكواتي . هذا اضافة الى أن ملوك أوروبا كانوا يقتنون الصور والتماثيل بينما الخلفاء الامويون والعباسيون كانوا يدفعون الكثير للشعراء.  . طبعا عندما تقوم بتدريس الاخراج السينمائي في الغرب هذا يعني أنك قد تمكنت من إحتواء جماليات الصورة الاوربية وهرمونية ميزانسينها، ومن لغة التواصل بين البشر، بعيدا عن اختلافاتهم الثقافية  فما يجمعنا نحن البشر هو أكثر بكثير مما يفرّقنا ، وبأعتباري  سليل ثقافات  شرقية ومُعايش ٍلثقافات غربية هذا بالتالي سيجعلني أتميز بهذا الغنى عن الآخرين..الفيلم او المسرح او الفن التشكيلي يستخدِمُ لغة ًمشتركة بين البشر، لذا لا يوجد فرق كبير بين استاذ اوروبي واستاذ عراقي في هذه الناحية ، لكننا نختلف بخلفياتنا الثقافية،  وهنا في هذه النقطة أنا لا أعني الثقافة المستمدة من القراءات إنما أعني ثقافة العوالم المُعاشة ،فأنا تربيت بثقافة مختلفة، وهي ثقافة عراقية بحتة ، ولكن حتى في مدينتنا الموصل هناك عوالم ثقافية مختلفة ومتنوعة، هناك العائلة المنغلقة على نفسها التي لا يدخلها صديق، وهناك العوائل المنفتحة حيث الصديق يدخل ويخرج دون حرج، إضافة الى أن كلمة ثقافة تطلق تقريبا على كل شيء يمارسه الانسان، كثقافة المطبخ على سبيل المثال ويشمل هذا  نوع الاكل، واصول ومراسيم تناوله الخ. . أما الثقافة بمفهومها الشائع أي المستمدة من الكتب وهنا أعني ثقافة الفنان بشكل عام سواء كان تشكيليا او مسرحيا او سينمائيا، فلا أجد أن هناك فرقا ً  بين أوربي وعراقي سوى المشاهدات ، وبما ان الفيلم إستطاع تجاوز المكان فغالبا ما تكون المشاهدات ايضا متقاربة  ،أنت تعلم تماما أن  الجيل الذي انتمي اليه  من الفنانين المسرحيين  والذي كان قد ابتدأ العمل بالمسرح في منتصف سبعينات القرن الماضي كان يقرأ ذات الكتب التي يقرأها المثقف المسرحي الاوربي ، إذن نحن نمارس لغة مشتركة سواء كان الاستاذ فرنسيا أم أمريكيا أو صوماليا وسنستخدم المراجع العلمية نفسها من نصوص مسرحية ومن تقنية تمثيل ستانسلافسكية الخ.. لذا يمكنني القول لو أن اساتذتي راكان العلاف وشفاء العمري  توفرت لهما الفرصة لأن يكونا  في أية مدينة اوربية لما ترددت ادارة تلك المدينة في أن تخصص لكل منهما مسرحا ً خاصا ً  ليعمل به ويكون تحت ادارته وتصرفه ،وسيكون حولهما الكثير من الطلاب ليتعلموا منهما .

* باعتبارك مخرجاً سينمائيا ،ولك احلام وطموحات ،هل تواجه صعوبات ما في المغترب الاسكندفاي رغم الفترة الطويلة التي مضت عليك وانت تقيم هنا ؟
طبعا هناك صعوبات في كل مكان، لكني الآن امارس التدريس، وهو يمنحني نفس النشوة التي أحس بها اثناء عملية الخلق الفني، فكل حصصي أشعر وكأني ممثل على خشبة المسرح،وأجاهد كثيرا كي لاتكون محاضراتي مملة، وبما انها محاضرات عملية أكثر مما هي نظرية لذا هي  أقل رتابة لي و لطلابي كذلك .  كما اني اتابع طلابي دائما ً ومشغول بهم ،ليس فقط فيما يتعلق بتعليمهم النواحي التقنية، لأن الاخراج ينشد تحقيق نظام منسق ودقيق للوحدات الفلمية،  فأبدأ معهم من نقطة الصفر ، كي تتأطر معرفتهم الذاتية بدراسة اكاديمية. بعد ذلك أتولى تدريس كيفية تحقيق عملية ربط هذه الوحدات ببعضها بشكل عضوي ومنطقي ومتفاعل ، ثم اتولى تدريسهم ترتيب الزمن، بقصد أن يكون  الموضوع  المطروح في الفيلم مشوقا ، وبما ان الفيلم هو عبارة عن عالم بحد ذاته،  و المخرج هو المسؤول عن بناءه ، وأي عالم يحتاج فلسفة له ، لذا لابد ان يكون المخرج فيلسوف عمله ، من هنا يبدو عمل استاذ الاخراج  السينمائي يتطلب متابعة مستمرة  لكل طالب على حدة، لذلك اخذ التدريس تقريبا كل وقتي ، وهكذا ركنت مشاريع طموحة وكبيرة على الرفوف   .

*عادة مانلاحظ ان العديد من الافلام التي تنال جوائز كبرى في المهرجانات العالمية غالباً ماتسبب الضجر للمتلقي ، ومن الصعوبة ان يتحقق التواصل الحيوي والفعال معها لدى عموم المتلقين. ويمكن نذكر هنا بعض النماذج ، مثلا سينماالمخرج الهندي ساتيا جيت راي أوالياباني كيراساوا أوالسويدي برغمان أو الايراني عباس كيروستامي واخرين  رغم القيم الفنية والجمالية العالية التي تحملها افلام هذه الاسماء الكبيرة ،  اين المشكلة في هذا الموضوع ؟
المهرجانات الفنية دائما تبحث عن الافلام التي تطرح الشكل والموضوع بجرأة، ومن خلال  تجربتي الأخيرة كعضو لجنة تحكيم للافلام القصيرة والتسجيلية في مهرجان مالمو للافلام العربية في هذه السنة فقد منحنا الجوائز للافلام التي كانت جريئة بطرحها ومتمكنة من لغة سينمائية عالية. فلا يمكن لمن يجلس في لجان التحكيم منح جائزة لفيلم تقليدي لم يتقصد مخرجه وهو في مخاض الابداع أن يقوم ولو  بمحاولة واحدة لكي يقدم شيئا جديدا او لقطة واحدة تحمل نوعا ً  من الأصالة. فمن البساطة جدا ان تسير في شارع مبلط ،او في جبل ومسالكه واضحة وترى أن من سبقوك إليه كثر. هذه المهرجانات تبحث عن مخرجين أصلاء غير مقلدين ، مرة تجدهم يتسلقون صخرة ومرة أخرى يفتتوها من أجل أن يستمروا في طريقهم ويشكلوا مسالكهم الخاصة، ومن ثم لتسمى جمالية عوالم افلامهم باسمائهم هم  أي بأسلوب كياروستامي أو اسلوب بيرغمان، وهم عادة يخلقون افلام تحتاج من المتفرج ان يقدم جهدا ذهنيا ليتواصل مع الفيلم المعروض أمامه، بينما  الغالبية من الجمهور يريد وجبات سريعة ،أي افلام خفيفة للتسلية،  ولهذه الافلام ايضا ًمهرجاناتها. لكن المشكلة هنا تكمن في الاعلام ، فالنقاد والصحفييون الذين يكتبون عن الافلام الجادة  فهم الذين يتسببون في احداث الخيبة لدى المتلقي الباحث عن المتعة والتسلية،عندما يذهب الى دار العرض السينمائي  ويتفاجأ بعدم وجود كل ما تم ذكره من قبل  النقاد ،وذلك لانهم يقحمون مقالاتهم تلك على صفحات الاعلام الذي هدفه التسلية فقط وليس اثراء الحياة الثقافية ولو قرأ المتفرجون الانتقائيون المقالة في مجلة سينمائية جادة لوافقوا كاتبها بأن هذه الافلام من أروع ما شاهدوه بل ان المقال أعمق مما أولوه... الخ.

*ماهي مواصفات الفلم الجيد الذي يجعل سمير زيدان يتوقف أمامه أكثر من مرة ، هل له شكل محدد ؟ هل له اشتراطات معينة في البناء الفني  ؟
إنه الفيلم الذي يطرح الحياة الداخلية الغنية للبشر بلغة جمالية واضحة وعالية . .ايضا هو الفيلم الذي تشعر بأن  تتابع مشاهده تتشكل وفق حركة متناسقة مابين الكاميرا والممثلين ومتماسكة بشكل عضوي ، والغرض منها أظهار المشاعر العميقة للشخصيات ومعايشاتها في نفس الوقت من قبل المتلقي ،هذا الميزانسين يُسهِّل لنا قول ما لا يمكن تحديده قولا ، وما لا يمكن رؤيته ،في جو مخلوق بين الشخصيات والمتلقي، والذي يترك ايضاً مجالا ً للتأمل.

*عندما تنوي القيام بعمل سينمائي الى ماذا تهدف من وراء ذلك ،هل تريد تحقيق رد فعل ما لدى المتلقي  ؟ وهذا السؤال بذات الوقت  يدفعني لكي أسألك عن وظيفة السينما كما يراها زيدان نفسه ؟
السينما بالنسبة هي للمتعة والراحة ولكنها  بنفس الوقت اداة للتنوير والتعمق بدواخلنا كبشر، هي تمنحنا الفرصة لان نعايش حالات البطل فنصول ونجول في ساحات القتال والوصال ، ونحيا ونموت كابطال أغنياء وفقراء، وتهفهف ارواحنا مع رقصات ظلال اوراق الشجر ، نرقص ونغني، انها الحلم الذي يمنحنا المعايشة التي لا تمنحها إياها  حياتنا اليومية،  فهي مختزلة ببلاغة صورية مما يخلق لنا  فهما وضحا ً  ومعايشة أمينة لما يحدث وذلك لتوافر المنظور الزمني ، ففي حياتنا اليومية ينقصنا الوعي بمعايشاتنا الحقيقية ، فالسينما تضيف حيوات كثيرة لنا ، انها المشاكسة التي تثيرنا حسيا جماليا وذهنيا، فهي تضحكنا وتبكينا وتجعلنا نفكر في احتمالات تواجدنا في حالات البطل، هي التي تستطيع ان تطهرنا من أدران النفس كما كان يقصد اورسطو (بالكاتارسيس) حالة التطهير.
 
*اجمل الاشعار هي التي يكتنفها الغموض وتبقى عصيّة على الفهم بسهولة ،وهكذا الحال مع المقطوعات الموسيقية العظيمة التي عادة ماتكون غامضة ولايمكن تأطيرها في معان مُحددة ، هلى يمكن ان تنطبق هذه المعايير الجمالية على الفلم السينمائي ؟
ليس الابهام بحد ذاته هو الهدف ، لكن دواخل النفس أصعب من أن تطرح بشكل ظاهر وواضح، ذلك لأنها تتسطح وتصبح غير مقبولة واقعياً أو فكرياً، فترك فسحة للتأمل والتأويل هو بحد ذاته عنصر من عناصر الدراما لان ذلك  له علاقة مباشرة بعملية التقبّل ، ولكن هذا أيضا يشترط وجود جمهور لا يطلب الوجبات السريعة ، بل يحاول أن يتمعّن الحالة ويشارك بفهمها.

*هنالك العديد من المهرجانات السينمائية العربية التي تكاثرت وازدادات خلال الاعوام الاخيرة . لكننا على ارض الواقع لانجد الافلام المشاركة فيها  في دور العرض الجماهيرية . ألايدفع  هذا الوضع الغريب المنتجين الى عدم الاندفاع باتجاه الاستثمار في صناعة الفلم الرصين ، ثم ماهي الصيغة التنظيمية التي تدعو اليها انت من خلال ماتملكه من خبرة لتحقيق مستوى جيد من التسويق  لهذه الافلام ؟

السينما صناعة أي بمعني أموال ، ثم انتاج وتوزيع،  ومن بعد ذلك إمّا تحقيق  الربح أو تجرع مرارة الخسارة ، فهل يمكننا أن نجد سوقا ً للفيلم العربي  وسط  هذا الانتاج العالمي المتقدم  خصوصا ً الاميركي الذي يعرف كيف يفكر اقتصادياً وهو يسوق انتاجه ؟ والسؤال الاهم هنا هو : ما هو عدد الصالات الموجودة في البلدان العربية؟   . هل تعلم أن النرويج بتعداد سكانها القليل والذي يقل عن خمسة ملايين نسمة يوجد فيها عدد من الصالات يصل الى  492 دار عرض حسب احصائية عام  2004 ، والجدير بالذكر هنا ــ وأرجو الانتباه الى ذلك ـــ إلى أن أغلبية هذه الصالات هي ملك للبلديات في مختلف محافظات النرويج ، اي أن 301 صالة عرض سينمائي هي ملك للدولة.. وعليه اقول نحن في العراق طالما مازلنا في بداية القفزة التاريخية بعد حروب وحصار وقهر ٍ  بحاجة الى  الانفتاح التكنولوجي لبناء بلدنا ، لذا اقترح على مجالس محافظاتنا بناء مسارح ودور عرض سينمائية ،  وإن لم تستطع إدارات المحافظات فعل ذلك فعلى الاقل ينبغي  أن تفرض على كل من سيحاول بناء مولات (اسواق مغلقة السقف بمساحات شاسعة) أن يضيف صالتا عرض مسرحية وسينمائية .  نحن الان في العراق  أحوج مانكون الى بناء الشخصية العراقية بالثقافة والترفيه، وليس فقط فتح الابواب أمام الشركات المستمثرة في حقول النفط ،علينا أن لا نترك الأمور للغَيب اذا اردنا التقدم ، بل يتوجب علينا التخطيط لكل ماله صلة بحياتنا وحياة الاجيال القادمة  وليس البقاء في حالة من  النواح والبكاء على مامضى  والاكتفاء بالدعاء لدخول الجنة في العالم الآخر.. المسألة تحتاج الى عمل وتفكير بالمستقبل القادم  نحن كعراقيين نستحق كباقي الشعوب جنتين وليس جنة واحدة ، ألاولى في هذا العالم والثانية في  العالم الآخر ،ايضا ً لتكن لدينا صالات كبيرة للمتفرجين الراغبين برؤية الافلام المُسلية ،و صالات صغيرة أخرى للمتفرجين اللذين يجدون بأن الفيلم ماهو إلاّرحلة اكتشاف مضنية وعملا ً فنيا راقيا يختزل العالم برموز واحداث ويتحمل التأويل ويحث على التفكير والتأمل بحياتنا كمتفرجين وككائنات واعية.

*السينما في البلدان العربية حتى هذه اللحظة لم تستطع أن تدخل من الباب الكبير للمهرجانات السينمائية العالمية الكبرى رغم أن مصر مثلا لها تاريخ طويل في الانتاج ولها أسماء مهمة في الاخراج السينمائي . . برأيك مالاسباب ؟
السينما المصرية يغلب عليها الطابع التقليدي والتجاري وهذا أصل السينما فالسينما صناعة أولاً ، ومحترفو هذه الصناعة كثيرون في مصر، لكن بنفس الوقت هناك أيضا من تركوا بصماتهم الواضحة في السينما العالمية ، ورغم هذا فأنا أجد أن هناك عدد من المخرجين الشباب في مصر يحاولون إيجاد طريق لهم ، لكن مشكلة التمويل تقف عائقا أمامهم.

*هل تجد أن السينما في العالم العربي قادرة على أن تكون مؤثرة وفاعلة في تحريك الوعي الانساني مع وجود جُملة من المُحرَّمات التي تمنعها من تناول الكثير من الموضوعات ؟
الفن يعني ايضاً مشاكسة الواقع، برنادشو يقول :"ان التفكير المنطقي لا يولد شيء جديد أما المجانين فهم من يجلبوا الجديد"  ولهذا نرى أن العلماء والأنبياء والفنانين غالبا ما يتهموا من قبل العامّة في البداية بالجنون ، لأنهم يستخدمون طرقا ً تخرج عن الخطوط العامة التي اعتاد الناس عليها  ، والفنان يجد نفسه ملزماً  بإثارة ما هو محضور، وفي كثير من الاحيان كثرة المحرمات تفيد وتزيد من قيمة العمل السينمائي ، وهذا مايحدث الآن فعلا مع السينما الايرانية.

*السينما في العالم العربي لم تستطع ان تضيف شيئاً جديدا ومهماً للبناء الشريط السينمائي فنيا ً رغم اننا لانستطيع نكران أو تجاوز ما تسعى إليه  معظم الافلام الروائية القصيرة المنتجة في العالم العربي الى شخصنة الاسلوب والى طرح معالجات فنية  بعيداً عن السياق التقليدي ، كيف تنظر الى هذه الظاهرة ، والى ماذا تعللها ؟
الفيلم القصير هو مجال لشخصنة الاسلوب، فالفيلم القصير لا يشترط به تواجد عناصر التشويق كما يتطلبه الفيلم الروائي الطويل ، لذا يمكنه أن يكون تجريبيا أكثر من الفلم الطويل ومشاكسا للجمالية المعتادة والنمطية الواقعية ،  كما أن من يتحمّل تمويل هذه الافلام   يعلم مسبقا بخسارة أمواله ذلك لانه لا توجد سوق لهذه الافلام  سوى المهرجانات، والمهرجانات الفنية تعشق كل من يبحث عن أصالة حقيقية.

*الموضوعات السياسية اخذت الكثير من الوقت والجهد في النتاج السينمائي العراقي ،هل تجد في ذلك واحدا ً من أسباب نكوصها ؟
نكوص السينما العراقية يعود الى تهميش الفيلم ، وعدم إرساء مدرسة سينمائية جيدة، لماذا المسرح العراقي إستطاع أن يثبت وجوده على الصعيد العربي .. السبب واضح : لوجود أساتذة عمالقة في مدارس المسرح، بينما بقيت دراسة السينما تعتمد على كفاءات بسيطة، وبما أن مدرسة السينما تتطلب تقنيات وأموال لم توفرها أي من الحكومات العراقية السابقة لذا بقيت السينما العراقية تتأرجح بين يدي من شارك بدورات تدريبية هزيلة في الخارج وطموح شخص عراقي آخر يحاول تأبط الغيوم ، وهذا واضح في الانتاجات الممولة من النظام السابق. وفي الوقت الحاضر لا يوجد دعم لهكذا مدرسة رغم وجود خبرات عراقية كبيرة خارج الوطن .  ايضا ً فقدان الأمن ، وخراب صالات السينما، وعدم وجود دعم كاف ٍمن الدولة سيكرس  هذا النكوص ،نحن في العراق بحاجة ماسة لمدرسة فيلم عملية ، فالفيلم فن شامل للفنون الاخرى،  مما يجعله أصعب الفنون لأنه يحتويها كلها بشكله النهائي، كصورة وصوت،  وليس فقط معاهد او كليات للسينما  لا يتوفر فيها  سوى قاعات للمحاضرات من  دون أن تتوفر فيها أجهزة سينمائية متكاملة للتصوير والانارة والتقطيع والمكساج الصوتي الخ.

*تقنية البعد الثلاثي مالذي يمكن ان تضيفه الى عمل المخرج السينمائي ،هل يكفي أنها خلقت احساساً طبيعياً في الصورة السينمائية اكثر مما هي في الصورة التقليدية ؟
شخصيا لا ارى لفيلم البعد الثلاثي مستقبل فمنذ اكتشافه قبل 90 سنة بقي كظاهرة تثير الفضول ليس إلا.
 
*هل مازلت تشعر بأنك عراقي ؟
هذا امر محتوم انا عراقي وشاشات الفضائيات العراقية تحاصرني ولا يمكن أن يمر يوم دون أن اذكر الوطن وأعرف أخباره.

*لابد انك تراقب من هذا المكان البعيد وطنك الاول العراق ، كيف تراه الان ؟ والى اين يسير؟

مع الاسف الجهل انتشرفي بلادنا بشكل لم نكن نتصوره وهناك ساسة يحثون على نشر الجهل ليغرق الناس بفيضان ليل يمتد سنوات وسنوات بدل الامساك بشموع تغربل الظلام بالنور لتعود الطمأنينة وترقص أرواحنا مع وهج الشموع في عيون بعضنا البعض. أنا أتأمل أن يأتي ذاك اليوم الذي  أحمل فيه معكم احدى تلك الشموع.






61
فرقة ناجي عطالله تحت عيون النقد الفكري قبل الفني

حين يسقط الفن في اوهام الاعلام الرسمي

               

                                                                                                      مروان ياسين الدليمي

في خضم الوضع المشوَّه والمُلتَبس على الناس البسطاء لعِب الفن العربي في كثير من منتوجه الدرامي دوراً مسانداً في ترويج وتعميم الخطاب الرسمي الذي كان يقفزفي طروحاته  فوق الحقائق المؤلمة والفاضحة ليرسم صورة مزيفة عن بطولات عربية لاوجود لها على ارض الواقع إلاّ في فيما يروجه الاعلام الرسمي ، وقد ساهمت الحكومات العربية لاكثر من نصف قرن في خلق ومساندة اسماء معينة في الوسط الفني من خلالها مررت ما كانت تريد ايصاله من اكاذيب وحقائق مُظَلَلة ومُظلِلة  معتمدة بذلك على سذاجة الكثير من اولئك الفنانين بعد أن وجدت فيهم محدويةً في الوعي والتفكير إضافة الى اقتصار طموحهم على نيل الشهرة والمجد والثروة لاأكثر ، من دون ان يكون في حسبانهم ان يكرسوا فنهم لتحقيق متعة فكرية وجمالية تساهم في إيقاظ الوعي لدى الفرد .
يأتي عادل امام في مقدمة الفنانين الذين كانوا غارقين حتى آذانهم بكل الخرافات والاظاليل التي كانت تنتجها السلطة ، وكان  خير وسيط لتمريرها الى عقول الناس البسطاء عبر مُجمل أعماله الفنية ، مساهمة بذلك في الاساءة لعقول الناس البسطاء واستغبائهم، وغالباً ماكانت اعماله تنتهج  سياسة التعميم ،التي  لم  تخرج عن اطار التسفيه والسخرية والتسقيط للعديد من  القضايا الشائكة والمعقدة في المجتمعات العربية كالجنس والدين والارهاب  دون الخوض في معالجة  الاسباب والمقدمات التي انتجتها ،  بل كان ينمذج القضايا  ويعممها من غير ان يتناولها موضوعياً بالنقد والتحليل بل كان  يضع مايتناوله  من شخصيات وموضوعات ضمن اطار نمطي  مكرر  في كل اعماله .
في الاعوام الاخيرة التي سبقت سقوط نظام مبارك لم يعد عادل امام يملك ذاك  البريق الذي كان عليه ، ولم يعد  يمتلك الاهمية الجماهيرية الكبيرة التي تربع عليها لاكثر من ثلاثة عقود خصوصاً بعد ظهور عدد من النجوم الشباب الذين زاحموه على عرش النجومية ،وجاء هذا الانهيار بطبيعة الحال منسجما تماماً مع ماكان يمر به النظام السياسي نفسه من اختناقات وانهيارات ، لذلك عندما جاءت اللحظة التي سقط فيها النظام سقط  هوايضاً  معه  بكل المجد الذي بناه باعتباره جزءا منه ومن منظومته الايدلوجية خصوصا بعد التصريحات التي ادلى بها في الفترة المحصورة مابين 25 ينايركانون الثاني 2011  وحتى يوم سقوط نظام مبارك التي أساء فيها الى الشباب المعتصمين بميدان التحرير وكانت تحمل نفس عبارات التخوين  الجاهزة التي اعتاد  النظام نفسه أن يسوقها  عبر اجهزته الاعلامية .
انتكاسة للديموقراطية
 وشاء الحظ  أن يخدمه مرة اخرى من حيث لايدري  وذلك بعد نجاح الثورة باشهر معدودة عندما أخطأت  جماعة اسلامية برفع دعوة قضائية ضده تتهمه فيها بالاساءة للاسلام، وليصدر بالتالي وفقاً لهذه الدعوى حكما  قضائيا من المحكمة يقضي بسجنه  لمدة ثلاثة اشهر، هنا جاءته الفرصة الذهبية التي لم يكن ينتظرها عندما وقفت الى جانبه ولمساندته معظم  القوى اللبرالية والعلمانية واليسارية  احتجاجاً ورفضاً للقرار القضائي الصادر ضده وانطلاقاً من ايمان تلك القوى  بحرية الفكر والتعبير ، على اعتبارأن الحكم الذي صدر بحقه  ماهو إلاّعودة الى الوراء وانتكاسة  للديموقراطية وحرية الرأي التي ناضلت من اجلها ،فكان رد الفعل هذا غاية  مايتمناه إمام ليعود مرة اخرى الى واجهة المشهد الفني بزخم وقوة  كما كان عليه  في مامضى من الايام التي سبقت التغيير السياسي في 25 يناير كانون الثاني  ، وليبدو امام العالم نموذجا للفنان الذي يدافع عن حرية الرأي والتعبير .
ورغم ماحصده من نتائج كبيرة  من هذا الحكم القضائي إلاّ أنه لم يستثمرها بالشكل الصحيح ليعيد تقييم ماكان يقدمه بل وجدناه يعود مرة أخرى ليقدم لنا في مسلسل  فرقة ناجي عطالله ماكان حريصا على تقديمه فيما مضى  من تزييف وتسطيح وتسخيف للحقائق ،فإذا بنا  مرة اخرى نشاهد شخصية اليهودي في هذا العمل كما تعودنا أن نراه في مجمل الاعمال الدرامية العربية  : ساذجا ،بخيلا ،جبانا ،غبيا ، ومن السهولة جدا ان يتم الضحك عليه من قبل العربي  ناجي عطالله وفي عقر داره   !. وليأخذنا إمام مرة اخرى في وهم ِالبطولات الزائفة التي ننتصر فيها دائماً على اليهود  رغم خساراتنا الدامية معهم على ارض الواقع ، هذا يقودنا بالتالي لان نسأل انفسنا : اذا كان اليهود ودولة اسرائيل بهذا الشكل من الضعف والسذاجة ،كيف إذن تمكنوا من تحقيق الانتصارات تلو الانتصارات العسكرية في صراعهم مع العرب ؟  كيف تمكنوا من بناء دولة اسرائيل والحفاظ عليها وسط  الصراعات الكبيرة التي يخوضونها ضد العرب  ؟ .  كيف تمكنوا من  تحقيق ذلك ،إن كانوا بهذا الغباء وهذه السذاجة وهذا الجبن ؟
لاينبغي للفن ان يقع في قبضة الاوهام والخرافات التي اعتاد الاعلام الرسمي العربي صنعها وتسويقها الى المواطن العربي . انما ينبغي عليه ان يتحلى بالجرأة والمصداقية في رؤية الحياة وفي نقد الذات .


62
حفل تأبين للراحل قاسم مطرود



استذكارا لمسيرة المسرحي الراحل قاسم مطرود وعطائه والذي لايليق الاّ بمن كان اكبر منه عمرا وتجربة ارتأى منتدى عنكاوا للفنون ان يخصص تمرين العرض المسرحي الذي يستعد لتقديمه في يوم السبت 8/9 /2012 تأبيناً للراحل الكبير وللوقوف احتراماً وتثمياً لهذا الكاتب العراقي الذي غادرنا فجأة وهو في ذروة عطائه . فكانت امسية اقتصر الحضور فيها على اعضاء المنتدى والبعض من اصدقائه . في بداية حفل التأبين تحدث رئيس المنتدى الفنان رفيق نوري عن الفقيد الكبيرقاسم مطرود وعن اهميته في المسرح العراقي ،بعدها تحدث المخرج المسرحي المغترب فاروق صبري عن ذكرياته وافكاره عن الراحل وماشكله من اهمية في مسيرة الكتابة المسرحية .بعد ذلك تحدث الشاعر والمسرحي مروان ياسين الدليمي عن تجربة مطرود والمساحة التي يشغلها في ذاكرة المسرحيين العرب .ثم جاء دور عازف العود ليث الرافدين ليقدم قطعة موسيقية انسجاماً مع طقوس هذه الامسية التأبينية .بعدها تم تقديم مشهد من العرض المسرحي "الوردة الحمراء" وهي من تأليف واخراج فاروق صبري وتمثيل رفيق نوري حنا وجيهان طه.
والراحل  مطرود كان قد تخرج من قسم الفنون المسرحية جامعة بغداد عام 98 وغادر العراق بعدها ليستقر في هولندا ومن ثم بعدها الى المملكة المتحدة . اصدر مطرود اكثر من عشرين نصاً مسرحياً ترجم العديد منها الى لغات مختلفة . كما  اسس في نهاية عقد تسعينيات القرن الماضي وقد اسس موقع مسرحيون الالكتروني وهو اول موقع يهتم بالشأن المسرحي . ونال خلال مسيرته العديد من الجوائز التكريمية اخرها كانت من مهرجان المسرح العربي في القاهرة .

.


63

رؤية نقدية في الانتاج الدرامي العراقي 
هل يُذِلُّ المنتجون ، الممثلين والمخرجين حقاً ؟ 




                                                                                                                مروان ياسين الدليمي

متابعة المسلسلات العراقية التلفزيونية لابد أن تصيب المتلقي  بالملل ،  وهذا الشعور مبعثه جملة من العيوب والنواقص الفنية عادة ماتكون موزّعة على مجمل الاعمال، لذا باتت اشكالية الانتاج العراقي  تبدو اشبه بمعضلة مستعصية لن يتم التوصل الى حلها على المدى المنظور، وهذا يعود في بعض من الاسباب  الى حالة من الوهم الكبير يعيشيها معظم العاملين في قطاع الدراما العراقية منتجين ومخرجين وكتاب وممثلين على حدٍ سواء ، ويذهب بهم هذا ألوهم الى الاعتقاد : بأهمية ماينتجونه من الناحية الفنية ، بل لايترددون في أن يضعونه في مرتبة تؤهله لمنافسة الاعمال المصرية والسورية  ! . لكنهم عادة مايرجعون عدم نجاحه وانتشاره عربياًالى نوع من العداء المستحكم لدى القائمين على الفضائيات العربية  ضد كل ماهو منتوج  فني عراقي ،ذلك  لانه وحسب اعتقادهم واوهامهم انه سيربح الرهان فيما لو دخل ساحة المنافسة مع الاعمال العربية على شاشات القنوات الفضائية العربية  !  هذا هو مايحسبه معظم الفنانين العراقيين ،غافلين ومتجاهلين عن قصد او بدون قصد ماتحمله اعمالهم من جوانب ضعف فنية واضحة اذا ماقورنت بالاعمال الاخرى المنتجة في مصر وسوريا .

منافسة الدراما السورية
إن اي متابع بسيط للانتاج الدرامي العربي والعراقي سيصل دونما جهد الى نتائج واضحة  لاخلاف ولااختلاف عليها وهي في اخر الامر ستضع الاعمال العراقية في مستوى متدنٍ بالقياس الى الانتاج العربي  فيما لوتمت المقارنة مابين نمطي الانتاج ،  ذلك لان الاعمال العربية كانت دائماً في حالة نمو وتطور على المستوى الفني  اخراجاً وتصويراً وتأليفاً ومعالجات فنية .وهناك محاولات واضحة وملموسة عبر عدد من الاعمال للخروج من نمطية البنية التقليدية للمسلسل الدرامي العربي الذي تشكّل منذ بدء البث التلفزيوني مع مطلع ستينيات القرن الماضي وتظهر هذه المحاولات في الاعوام العشرة الاخيرة التي شهدت بدء ونمو البث الفضائي خاصة بعد ان دخلت الدراما السورية ساحة المنافسة وبقوة مع الدراما المصرية بل انها تخطتها فنياً في العديد من الاعمال التي يقف خلفها  مخرجون سينمائيون أكفاء درسوا الفن السينمائي في البلدان الاوربية مثل باسل الخطيب وشوقي الماجري ونجدت اسماعيل انزو وحاتم علي ،وهنا نسأل : كم من مخرج عراقي يعمل في الدراما التلفزيونية قد درس الفن السينمائي خارج العراق ؟ أنا اقول : لاأحد . . اذن التطور الذي حصل لدى الاخرين لم يبنى من فراغ ولم يكن ضربة حظ ولا حلماً عابراً  بل جاء نتيجة عوامل موضوعية اساسها : الاعتماد على عناصر متعلمة وعارفة الى اي هدف هي ذاهبة .
وعليه فإن هذا التحول في الدراما السورية وضع شركات الانتاج المصرية في مأزق كبير وأصبح نتاجها الفني على المحك بعد أن كان يتربع على العرش لعقود طويلة، من هنا بدأت تشعر بخطورة ماوصلت اليه الدراما السورية من مستوى فني متقدم خصوصا من الناحية الاخراجية بعد أن استأثرت بأستقطاب عموم المشاهدين في العالم العربي . من تلك الاعمال  على سبيل المثال : اخوة التراب ، الفصول الاربعة ، الزير سالم ، ابناء الرشيد ،اسمهان ،الاجتياح ، هدوء نسبي ، الارواح المهاجرة ، ايام الغضب ،نساء صغيرات ، رسائل الحب والحرب ، عائد الى حيفا ، الولادة من الخاصرة ، فارس المدينة ، الفصول الاربعة ، التغريبة الفلسطينية الخ .
لذلك عمل المصريون بكل جهدهم من اجل تصحيح المسار الانتاجي لكي يعودا بأعمالهم الى الواجهة ، وبدأوا  في البحث عن اسباب تراجع مستوى انتاجهم بالقياس الى نمط الانتاج السوري الذي بدا متقدما عليهم من حيث المعالجات الفنية التي باتت تلفت النظر الى  مدى خصوصية المخرج السوري والتي اقتربت في صورتها النهائية من طبيعة المعالجة السينمائية سواء في حركة الكامرة اوالتصوير أوبناء الميزانسين والجو العام.
وبداللمتابعين والمهتمين  بالانتاج الدرامي وكأن نمط الانتاج السوري قد اعاد الى الاذهان ماكانت قد احدثته السينما الواقعية الايطالية في خمسينيات القرن الماضي من حيث : - نزولها الى الشارع ،وابتعادها عن الاستديوهات ، وطبيعة الشخصيات الواقعية المستلة من الحياة ،  وجرأة المعالجات ، وطبيعة الطروحات الفكرية والفنية للموضوعات الانسانية التي اخذ يتناولها بعيداً عن نمطية الانتاج المصري الذي كان قد حبس نفسه داخل الاستديوهات وغارقا في عدد من الموضوعات المستنسخة والمكررة في اطار بنية تقليدية ماعادت تثير الدهشة وتحبس الانفاس مثلما هي الحال في الدراما السورية التي استعار مخرجوها الكثير من تقنيات السرد السينمائي المُستند الى التكثيف والايحاء والاهتمام الواضح في بناء الصورة ، مع اننا لايمكن هنا ان نتجاهل او ننسى الاعمال الكبيرة التي قدمها  اسامه انور عكاشه ووحيد حامد للدراما المصرية على مستوى التأليف ليس إلاّ .

دماء جديدة
 وبعد حوارات طويلة وصريحة دارت بين العاملين في الانتاج الدرامي شهدنا جزءا منها خلال الاعوام الاخيرة على شاشات الفضائيات المصرية تناولوا فيها ماآلت اليه من تراجع في مستوياتها الفنية والتسويقية ،  بدأنا بعدها في الاونة الاخيرة وخصوصا العام  2011 والعام 2012 نشهد نتاجاً مصريا مميزاً اعاد الثقة به وبأهميته وريادته ، والصحوة هذه جاءت بناء على عدد من المعالجات التي توصل اليها القائمون على الانتاج ،  كان في اولويتها : الاستعانة بدماء جديدة من المخرجين السينمائيين سبق أن اثبتوا حضورهم وكفاءتهم في عدد من الاعمال السينمائية التي حملت بصمتهم في العمل ، فكانت هذه الخطوة اساسية ومهمة على طريق تصحيح ومعالجة الخلل الذي شاب نمط الانتاج ،وعليه شهدنا خلال هذين العامين نتاجات مصرية مهة ومميزة على مستوى : الرؤية الفنية والتناول ، اضافة الى تحسن وتطور واضح جدا في الصورة التلفزيونية بعد ان ادخل هذا الجيل الجديد من المخرجين عدداً من التحديثات في نمط الانتاج مبتدئين ذلك باستعمال احدث انواع الكامرات السينمائية في تصوير المسلسلات على سبيل المثال تم استعمال كامرات  ( RED ) و (( 5DMARKIII التي تستخدم في الانتاج السينمائي العالمي ، وهذا بدوره انعكس بطبيعة الحال على نوعية الصورة التلفزيونية وجودتها لتصل في نوعيتها الى مستوى الصورة السينمائية ، وقد تطلب الوصول الى هذه النتائج اللجوء الى استخدام مدراء تصوير سينمائيين من ذوي الخبرة والحرفية العالية امثال سعيد شيمي ومحسن نصر وطارق تلمساني ، لهم القدرة على معرفة ماتحتاجه هذه الكامرات من معدات الاضاءة وكيفية توزيع مساقط الضوء لكل لقطة داخل المشهد الواحد كما هو الحال في السينما ـــ وليس المشهد ككل كما هو سائد في نمط الانتاج التلفزيوني ــ  بالشكل الذي يخلق جواً درامياً يتلائم ويتوافق مع الفكرة والمعالجة الفنية التي يتوخاها المخرج  ، وهذا مايمكن ملاحظته في  عدد من الاعمال  التي عرضت خلال هذين العامين مثل : المواطن X  ، أهل كايرو، شارع عمر بن عبد العزيز، الحارة ، طرف ثالث ، الهارب ،رقم سري ،  وغيرها من الاعمال .
وهنا بعد هذا الاستعراض لما جرى من تحولات كبيرة  في الدراما المصرية والسورية ، هل فكر المعنيون بالانتاج الدرامي العراقي في عقد جلسات نقاشية يشارك فيها ذوي الاختصاص من اكاديميين وكتّاب دراما  ومخرجين سينمائيين محترفين شيوخا وشباباً من اجل التوصل الى مكامن الضعف والخلل في نمط الانتاج العراقي الذي بقي يراوح في مكانه وكأنه يدور في حلقة مفرغة وغير قادر على تجاوزها . ولابأس في اشراك عدد من الخبراء من غير العراقيين يتم تكليفهم بمعاينة نماذج من الانتاج العراقي للخروج بملاحظات نقدية وتقويمية بهدف البدء بمسار سليم يتسم بالنضج والحداثة التي طالما افتقدها .
إن الاستمرار بهذه الصورة الرثة من الانتاج تعود مسؤوليتها الى عوامل واطراف عدة يقف في مقدمتها: 1- المخرجون  2- كتاب الدراما  3- المنتجون .
- المخرجون : إن المخرجين العاملين في الدراما العراقية  يتحملون المسؤولية الكبرى في ماوصل اليه الانتاج من ضعف وتسطيح ذلك لان غالبيتهم لم يتلقوا تعليماً اكاديمياً عالياً في فن الاخراج التلفزيوني أو السينمائي وإن كان الكثير منهم قد تخرج من كلية الفنون الجميلة ــ ذلك لان دراسة السينما والتلفزيون تحديدا في كلية الفنون الجميلة ليست على درجة عالية من التعليم والتأهيل الاكاديمي والمهني ،  لذا من الطبيعي أن  يسجل عليها الكثير من الملاحظات  التي ليست بصالحها ـــ  هذا اضافة الى ان العديد من المخرجين  كانوا قد جاءوا الى هذه المهنة بطريقة اوبأخرى لاعلاقة لها بما يحملونه من هموم  او مشاريع فنية تؤرقهم ويسعون لتحقيقها، بقدر تعلق الامر بأسباب اخرى لها صلة وثيقة بما يملكونه من علاقات شخصية وثيقة مع المنتجين وبقية الحلقات الانتاجية الاخرى ، وهذا بالتالي نتج عنه استبعاداً واقصاءً  لعناصر تمتلك الموهبة الفنية لكنها لاتملك خاصية بناءعلاقات اجتماعية يملكها اخرون غيرهم تنقصهم الموهبة  . وهنا ينبغي الاشارة الى ان الممثل العراقي غالباً ما يتجلى حضوره المؤثر والفعال فيما لو عمل تحت ادارة مخرج عربي ، بينما نجد نفس الممثل  يتراجع مستوى ادائه كثيرا  فيما لو عمل تحت ادارة مخرج عراقي وليسقط ادائه  في اطار التشنج والمبالغة في التشخيص.ولنا مثال واضح على هذا عندما نتذكر الاداء الجميل للممثل خليل فاضل خليل عندما عمل في مسلسل هدوء نسبي للمخرج التونس شوقي الماجري ، مما رشحه ادائه هذا  لنيل جائزة افضل ممثل واعد في مهرجان القاهرة  وبنفس علينا أن نتذكر ضعف ادائه في مسلسل الملك فيصل ،وهذا يعود بطبيعة الحال  الى افتقار معظم المخرجين العراقيين الى القدرة على توجيه الممثل وتنظيم عطاءه بالشكل الذي ينسجم مع حساسية الكامرة التي تفضح اي مبالغة في التعبير والاداء ويمكن استثناء المخرجين باسم عبد القهار وحسن حسني من ذلك  . وهذا يعني ان الممثل العراقي في غالب الاحيان يعتمد على ذاته في بناء الشخصية (افعال وردود افعال ) ولامن دور مؤثر لشخصية المخرج العراقي عليه . 
- المنتجون : امّا فيما يتعلق الامر بحلقة الانتاج والمنتجين ،  فنحن هنا  بلاشك سنتوقف امام اهم حلقة  تلعب دوراً اساسياً في نمو وتطور الدراما  أوتدهورها ، واذا ماعلمنا ان معظم المنتجين العراقيين الذين ظهروا منذ تسعينيات القرن الماضي كانوا قد جاءوا من مهن وحرف واعمال لاصلة لها مطلقاً بالعمل الفني ، فإن من الطبيعي سيكون تقييمهم للعناصر الفنية التي سيعتمدون عليها في انتاج اعمالهم لن يكون لها صلة  بالمقاييس الفنية السليمة والصحيحة ، وقد ابتدأ هذا المسار في انحراف الدراما العراقية في منتصف تسعينيات القرن الماضي مع انتاج نمط من الافلام اطلق عليها في حينها (افلام السكرين) وهي اعمال تحتشد فيها كل العناصر المشوهة والمشوهة للقيم الفنية والانسانية اعتمدت جميعها على استسنساخ  اكثر الموضوعات الميلودرامية سذاجة وتفاهة ورخصاً ،وليستمر بعدها اولئك المنتجون بالعمل  بعد ان حققوا ارباحا كبيرة في ذلك النمط الهابط من الانتاج اضافة الى ماأستثمروه  في انتاج عروض مسرحية كان ابطالها بلا منافس الغجريات وراقصات الملاهي الليلية .
وبناءً على ماجاء نقول : إن ألخروج والابتعاد عن هذا الرهط من المنتجين ،الذين لايدركون طبيعة ماينبغي ان يقدم من مستوى فني ــ ولن يكون هذا من اولويات اهتماماتهم ــ  يحتّم على الفنانين أولاً ( ممثلين ومخرجين ومصورين ) ــ قبل اي جهة اخرى ــ التفكير والسعي الجاد من اجل تكوين شركات فنية مساهمة حتى يمسكون العصا من المكان الصحيح لكي تصبح ادارة عجلة الانتاج الدرامي بأيديهم ، وبالتالي يمكن من بعد ذلك تصحيح الاوضاع بأنفسهم ، ذلك لان الخروج من هذا الوضع المزري الذي يعانونه نتيجة الاستغلال البشع لجهودهم وطاقاتهم من قبل المنتجين الذين اشرنا اليهم  لن يحل عليهم صدقة او منحة من اية جهة حتى لوكانت حكومية ، ولن ينزل عليهم هبة ً من السماء. إن جميع العاملين في الدراما العراقية  يعرف  تمام المعرفة بأن المنتج العراقي قد تفنن كثيراً وبأساليب مختلفة  في إذلال الفنان العراقي خاصة الممثلين منهم . فَهُم الحلقة الاضعف في عقل وضمير المنتج ، وهم لارأي  ولاحول ولاقوة لهم فيما يُعرض عليهم من اعمال ،لانهم يدركون تماما انهم فيما لو عبروا عن رفضهم لاي دور يعرض عليهم انطلاقاً من عدم قناعتهم به ــ ولاسباب مختلفة ــ  ستكون نتيجته حرمانهم من العمل ، إن هذا الوضع يبدو شاذ جدا ، وقد لانجد له مثيلاً بهذا الشكل السافر والمزري  في اي بلد عربي آخر، إذ ليس من المعقول ان  نجد الممثلين العراقيين لايملكون القدرة على الاحتجاج والرفض لكل انواع الاستغلال البشع الذي يتعرضون له ! ويمكن ان نضرب مثلا على مانقول : إن اجر ايّ ممثلة او ممثل مصري او سوري من الدرجة الثالثة اوالرابعة في الساعة التلفزيونية الواحدة  هو أعلى اجراً بمايعادل خمسة اضعاف اجر الممثل العراقي المُصنّف على انه من الدرجة الاولى . ! وقيس على ذلك حجم الاستغلال البشع الذي يتعرض له الممثل العراقي وبقية العناصر الفنية الاخرى .
-كتاب الدراما :  أن معظم كتاب الدراما التلفزيونية العراقية هم هواة وليسوا كتابا محترفين بالمعنى الدقيق للكلمة ، جاءوا الى هذا الميدان لاسباب مختلفة منهم من فشل في الادب أوالشعر ومنهم من كان ممثلا يسعى من خلال الكتابة الى البقاء في دائرة الضوء ، ولاننفي هنا  وجود مواهب مهمة قدمت نصوصاً جميلة ومميزة لكنها وللاسف الشديد ضاعت بين ايدي مخرجين لم يتمكنوا من تقديمها بالشكل الذي تستحقه ومن هؤلاء  الكاتب حامد المالكي واحمد هاتف وعبد الخالق كريم اضافة الى الكاتبين الكبيرين صباح عطوان وعادل كاظم . . إلاّ أن الملاحظة الاساسية التي تنطبق على الجميع : انهم جميعاً لم يتلقوا تعليماً اكاديمياً في معاهد متخصصة يُدرَّسُ فيها علم وفن الكتابة الدرامية للسينما أو للتلفزيون ــ وإن كان بعظهم قد تخرج من معاهد وكليات فنية داخل العراق  ــ لكن فن الكتابة الدرامية  لم يكن  الاختصاص العلمي الدقيق الذي دَرَسوه ، هذا إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار افتقار معاهدنا وكلياتنا الفنية الى المناهج العلمية ،والى الاختصاص الدقيق ، والخبرة الاحترافية التي تتولى تدريس  هذا الحقل المهم والاساسي في العملية الابداعية  .
اخيرا نقول لاجل تجاوز هذا الخلل الكبير في مسار الانتاج الدرامي العراقي نضع الملاحظات الاتية للخروج مما وصلت اليه اوضاع الدراما العراقية من هشاشة وبساطة وسذاجة في المستوى الفني : -
-السعي الجاد لفتح دورات تخصصية لكتاب الدراما ،من خلالها يتلقون دروسا ومحاضرات حول اصول الكتابة الدرامية، بشرط أن يتم اختيار محاضرين من ذوي الخبرة والدراية ومن الاسماء العربية المعروفة والمحترفة  في ميدان الكتابة .
- ان يتم استحداث فرع للكتابة الدرامية  في كلية الفنون الجميلة داخل قسمي السينما والتلفزيون .ليكون هذا قاعدة اساسية لشيوع المعرفة العلمية في معرفة وتمثّل اصول وقواعد الكتابة ، وليخلق بالتالي جيلا جديدا من الكتاب يعرف جيداَ اسرار الكتابة بعيدا عن العفوية والتقليد الاعمى الذي عادة ماتتسم به معظم النصوص العراقية التي تلهث بشكل محموم الى تقليد كل ماتطرحه الدراما العربية في مواسمها المتغيرة ولكن بطريقة مستنسخةٍ ومشوهةٍ .

من المسرح الى السينما
- الاستعانة بمخرجين عرب أكفاء ومشهود لهم بالتميز فيما يقدمونه من اعمال لكي يتم نقل خبرتهم الى بقية العناصر العاملة معهم من العراقيين .وهذا مابدأنا نلاحظه في الاونة الاخيرة . 
- اعطاء الفرصة للمخرجين السينمائيين الشباب العراقيين الذين اثبتوا حضورا واضحاً وتميزاً في نتاجاتهم السينمائية على سبيل المثال : محمد الدراجي ، عدي رشيد ، جمال امين ، هادي ماهود .  فهولا ء بما يمتلكونه من فهم سليم لطبيعة البناء الدرامي داخل المشهد السينمائي والوعي السليم بالعناصر الفنية التي ينبغي توفرها في بناء المادة الفلمية من ايقاع وحركة كامرة الى الميزانسين وتوزيع الاضاء والجو العام ونمو الفكرة وتطور الصراع ،يمكن الاطمئنان الى تجديد صورة الدراما العراقية اعتمادا على ما ستكتسبه من جمالية البناء للفلم السينمائي والتي لايعيها  معظم المخرجين العراقين العاملين في الدراما التلفزيونية ألاّ قلة ً منهم  ، هذا إذا ماعلمنا أن الكثير من المخرجين  قد جاء من خشبة المسرح ممثلا او مخرجا ، لذا من الطبيعي أن يكون  مفتقراً الى الكثير من المعلومات الاكاديمية التي تتعلق بفن الاخراج السينمائي او التلفزيوني او التصوير او بطبيعة الكامرة والعدسات واهمية حجم اللقطات والزوايا . فكل هذه المفردات تشكل عناصر اساسية  لاغنى عن فهمها ودراستها دراسة علمية اكاديمية  قبل الدخول في ميدان العمل الاحترافي . وفيما إذا تم تجاهلها ستكون النتيجة ماهي عليه الان من صورة بائسة في  الاعمال العراقية .




64
رموز سريالية تزاوج بيت التراث الرافديني والحداثة
قراءة نقدية في تجربة الفنان التشكيلي اياد العبار .


مروان ياسين الدليمي / الموصل

قيمةُ الفضاءِ لدى الفنان التشكيلي إياد  العبار تتيحُ للمتلقي الخروجَ بانطباعاتٍ مختلفةٍ عما هو يتوقع ان تصلَه من السّطح البصري،  ويتحقق هذا الاختلافُ في التلقي نتيجة َالمساراتِ اللونيةِ والتعبيريةِ التي تمر بمراحلَ من التشكيلِ الرؤيوي بعيداً عن  المستوى الواقعي . هنا يخرجُ العبار من اكتشافاتهِ الواقعيةِ ليعمقَ اسلوبيَتهُ الخارجة َفي  طابعها السريالي ،الذي بقي متألفاً معهُ ومتكاملاًَ مع استجاباتهِ الانسانية،  التي ترفض الانصياعَ للقيود .
رُغمَ مرور الاعوامِ الطويلة ِعلى غربته في ايطاليا الاّ انه مازال متمسكاً باستجاباته الميثولوجية والانسانية التي جاء منها . وكأنه في رحلته البعيدة ْ يسعى لاكتشاف ذاتهِ الاولى التي تشكلت من فضاء بلاد مابين النهرين .إذ بقيت انطباعاتهُ الانسانية بكل تشكيلاتها البصريةِ تنبني على شاعريةِ النظرةِ  التي يتفرد بها الانسانُ الشرقيُ بكل قيمهِ الروحية ، التي بَسَطتها الاشعارُ والاساطيرُ والحكايات، والتراجيديا الانسانية التي تتوفرُ عليها بيئتهُ الملتهبةُ بالرمال ووالغزوات والحروب وقصص العشق المميت .
إن في نصوصِ العبار البصريةِ مَهارةٌ يتم استعراضُ امكاناتها  بقصديةٍ واضحةٍ لغرض بناء ِفضاءه السريالي على انقاض الاسسِ الواقعيةِ التي تأخذ حّيزها الواسع في الكتلِ والفراغاتِ والاشكال المتحركةِ من انثيالات الزمن المرئي والمحسوس في لوحةِ المرصود امام العين .

حداثة النص التشكيلي .

 إنّ مُجملَ اعماله الفنية تضعنا امام حداثوية  النص التشكيلي المُعاصر الذي يعيد انتاجَ العلاقة مابين العمل الفني والمتلقي بالشكل الذي يُعمّقُ الشراكة مابين الاثنين في انتاج المعنى للنص ، مُزيحاً بذلك الصّياغة المُهيمنةَ التي تحتكرُ الرؤيا في جُعبة الفنان وليبقى المعنى غَائباً ومُغيباً قصدياً في لوحات الفنان إياد العبّار، يستلزِمُ استدعائَه قراءاتٍ متعدةٍ للمتلقي  تستمدُّ اشاراتها من وحي اللحظةِ والتجربةِ الذاتية للفنان والمتلقي في آنٍ واحد ،  اذ يحتفي النصُّ البصريُّ لديه  بتراكيبَ وجدانيةٍ تمتلكُ وتفرز دلالاتها الجمالية على السطحِ التصويري بأشاراتٍ إيحائيةٍ يُنتجها عادةً رمزاً واقعيا مؤسلباً في مستوياتِ التقنية السريالية .
والمُلاحظ على أعمالِ العبّار أنّها تحلّق في مستوياتٍ مُتراكبةٍ بين ثنايا الطقوسِ والرموزِ التي إعتمَدها من كينونتهِ الرافدينية ، وكأنه يستنشقُ الهواءَ مِنها في مُحيط الصمتِ والاغترابِ الذي بات يُثقل كيانهُ يوماً بعد آخر، فهو في تجربتهِ الجمالية يستعيدُ ذاتهُ المفقودةَ في مرئياتِ المساحاتِ الغريبةِ التي احاطت به اعواماً طويلةً  ويعلن صوته بكل امتدادتهِ العراقيةِ الحاضرةِ في غياباتهِ ، كما يسعى دائما في تجاربهِ التي تمتدُّ لاكثر من اربعةِ عقود مَضت لِأنْ يحتوي جمالَ العالم ، مُدناً وحضارةً وانساناً وتاريخاً وغداً أجمل .

الفن والذائقة المؤلفة .

إن العمل الفني بظواهرهِ التي يستفزُّ بها الذائقةَ المالوفةَ بكل تراكيبها المنغلقةِ على حدودٍ صارمةٍ من القيمِ الفنيةِ ليس سوى نبوءةٍ تحتشدُ فيها الافكارُ والرؤى التي تتصاعدُ في وعي الفنان ولاسبيل الى اظهارها سوى اللونِ والاشكالِ والسطوحِ ، فمن خلالِها يُمسِكُ باستقلاليةِ وعيهِ أمام فوضى العالم وغموضهِ والتباساتهِ ، والعبّار يستثيرُ المُتلقي بأحاسيس ومشاعر تعيدُ صلته الحيوية والآسرة بالانسان .
رغم ان السريالية باتت فناً كلاسيكياً بالقياسِ الى ماجاءَ بعدها من تحديثاتٍ اسلوبيةٍ في التعبير التشكيلي إلاّ أن إياد العبّار مازال يمنحُها هويتها المتجددةِ في اعمالِهِ ،وثمّةَ انشغالٌ دائم في اعادة انتاج الِبنية التوليدية  لذاكرةِ الفضاء السريالي ، وهي محاولةٌ منهٌ للارتقاء بالتصوير النّصي لتجريداتهِ الذهنية التي تتخذُ من مُفردات الميراث الرافديني وجسد المرأة وعالم الفرد المعاصر ، سعياً منهُ في  ترحيلِ شفراتهِ المخادعةِ  الى بناء  علاقات تصميمية تقتربُ في حضورها الدلالي من الامساكِ بطقوسيةِ اللحظةِ الميثولجية .
إنَّ الخطابَ الفني في لوحات العبّار يتعاطى بكل مفرداتهِ وسطوحهِ وكيفياتهِ مع المُحفِّزات الانسانيةِ بعلاقاتها الخاصةِ والجدليةِ دون أن يتورّط في محاولةِ تقديم ابعاد توضيحية لاسناد الرؤية وإيصالها ، فهو ليس مَعنيُّ بالاسهابِ بقدر ماهو معنيُّ بتكثيف الرؤى الفلسفيةِ في تفاعلاتِ المفرداتِ التشخيصيةِ الانسانيةِ على سطح اللوحةِ . فالفن بالنسبة له يبقى اشتغالا في ميدانِ التساؤلِ وحاجةً انسانيةً داخليةً وليست ترفاً جماليا يتسيّجُُ ويتزوّق بالالوان انما هو استئثارٌّ بالمعنى عبر طروحاتٍ شكليةٍ تستعرضهُ في مساحاتٍ لونيةٍ ومعمارية .
لم يكنْ هاجسُ العبّار في اشتغالاتهِ اللونية الوصولَ الى تحقيقِ استثاراتٍ وانطباعاتٍ عاطفيةٍ ينقلها الامتاعِ البَصَري الذي تتشكلُ مِنهُ السلعة الفنية انما كان يذهبُ بكائناتهِ الى بُقعٍ ضوئيةٍ تغتسلُ بالصّمتِ  ليكتشفَ من خلالِها اغترابهُ في صَرامةِ هذا العالم الذي تنقّل بين اوهامهِ واحلامهِ وأسْيِجَتِهِ شارداً من لحظاتِ العَتمَةِ التي كانت تُلاحقُ خطواته بكل صخب .
إنّ طبيعةَ العناصر المؤثرة في مسارهِ الفني والتي تستمدُّ صيروتَها من ذاكرةٍ خصبٍ ومتجذرةٍ في ماضٍ بعيدٍ جداً طالما تعايشَ وتعاشقَ مع ذاتهِ في مدينتهِ الاولى نينوى ، التي طالما وجَدَ فيها ــ  مُنذ بواكير وعيهِ ــ  ان  منحوتات اجدادهِ مِنَ الاشوريين إنّما تُعبِّرُ عن مفاهيم واعتقاداتٍ فلسفيةٍ شَكّلتها مَلحميةُ المَسار الحياتي والانساني التراجيدي الذي وجدوا أنفسهم فيهِ لذا كان لابُدّ أن ترتبط ذاكرتُهُ البَصَرية بما كان ينبثقُ من تلك الارض من مظاهرَ تصويريةٍ تنتمي الى ذاتٍ جَماعيةٍ تحملُ في تمظهُراتها فردانية الفنان التشكيلي الاشوري وهنا وجد العبّار نفسهُ وهو يتحرّك في مساحة خاصة به ، لها فاعليتُها المحسوسة ُ، ومن خلالها يسعى لاستحضارِ ذاته الغائبة / الحاضرة في تجلياتٍ انشائيةٍ تندرجُ في اطارِ البَحث عن الازاحات البَصَرية التي لاتقبلُ التآلفَ والتجانسَ مع بِنية المرئي .

خطاب واقعي مع بنية اجتماعية .

إنّ صياغاتهِ البلاغية التي مرّت بتحولاتٍ ملموسةٍ منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي تعاملتْ مع مفرداتِ الذائقةِ السائدةِ وفق معطياتِ القيم الجّماليةِ التي مَنحَها الفنُّ المُعاصر بتشخيصاتهِ التي ابتعَدت مُغتربةً عن الخطاب الواقعي لتعكس اشراقاتِ وعيه الذاتي في كشفِ متراكماتِ الزّمن في أبعادهِ الاجتماعية والتاريخية فكان نتاجهُ تمريراً بلاغياً لحركةِ الافكارِ وصيرورتِها داخل ذاتهِ التي لم تتوقف عن التساؤل لازاحة مايتلبسها  من غموضٍ وقلقٍ لن تُخطىء العين في الوصولِ الى تمظهُراتِهما على السّطح التصويري في لوحاته ِ .  

























65
  كثافةاللغة الشعرية واغتراب المساحة الدرامية
 في العرض المسرحي . .   مقامات بغدادية .
               


تقديم  : فرقة قره قوش للتمثيل
تأليف : جوزيف يشوع
اخراج : وسام نوح
تاريخ العرض:  23/6/2012
مكان العرض : قاعة فرقة قره قوش للتمثيل


                                          مروان ياسين الدليمي / الموصل

الدخول الى بناء النص المسرحي من باب الجملة الشعرية بما تختزنه من صور وتكثيف لغوي لن يقترب من خشبة المسرح اكثر مما سيزيد المسافة بينهما ويضيّق بالتالي البناء الدرامي الذي ينبغي أن يتمركز في متن النص وليتشضىّ في تفاصيل العلاقات القائمة بين الشخصيات ، والعرض المسرحي ( مقامات بغدادية ) الذي تولى كتابته جوزيف يشوع،  القادم بقوة من الاجراءات السردية القصصية التي تمرّس عليها في كتابة القصة القصيرة .
هذا العبور الذي شاءَ يشوع الخروج عبرهُ من اشتراطات جنس ادبي الى جنس ادبي آخر دون أن يقترن ذلك بهيمنة الصنعة المسرحية التي تستلزم وتفرض اجراءتها التقنية  معايير وقوانين ترغم من يروم التعاطي مع المواضعات الدرامية المسرحية مُجارتها والالتزام بها قدر المستطاع .
 لم يدخل هذا العبور ضمن السياق الدرامي الذي يُحتمهُ الفضاء الدرامي للخشبة ، لذا بقيت القراءة (الكتابية ) للنص يترشح منها الاغتراب الاجناسي المسرحي، ومقتربة في بنائيتها  من التدوال الشعري .
النص من خلال شخصية المغترب العائد الى الوطن كان قد ارتكز في لعبته الفنية على اضاءة مساحة واسعة من ذاكرته التي مازلت مكتنزة بصورٍ تسبح في اشارات ماض ٍ جميل وعبق وهو يطأ ارض بغداد ليجدها على النقيض مما كان يهيمن عليها من تفاصيل وجمال باذخ بأبسط الاشياء، يجدها مشحونة بالقحط والخراب والموت .
 بهذه الصورة الفجائعية  جاءت في مجمل الحوار الذي كان اشبه بمنولوك  طويل تم تقطيعه لتتعكز عليه بين فترة واخرى حوارات لشخصيات اخرى. منولوك تنبعث منه معطيات شعرية اكثر مما هي درامية تدفع بالحدث الى الامام ،و شاء المؤلف أن يؤثثه  على لسان الشخصية الرئيسية وكذلك بقية الشخصيات التي لم تكتسب طبيعتها الدرامية بل بقيت تستجيب بشكل متوازٍ مع ذات الشخصية الرئيسية في منطقة واحدة غير منشطرة عنها .
ان الذاكرة التي كانت منطلقاً في ايقاظ ماهو انفعالي في هذا العرض عززت حركة الطاقة السردية / الشعرية وأقصَتْ التركيبة الدرامية بما تستدعيه من مكونات ومستويات تصادمية وتصارعية بين الشخصيات ، وهذا ادى بالتالي الى تحديد منافذ الرؤية واختصارها بطبقة واحدة من الشخصيات المحالة الى بنية معمارية واحدة متجانسة متماثلة .
اما فيما يتعلق بعناصر التشكيل الاخراجي التي اعتمدها المخرج في محاولة منه للاحاطة بطبيعة الرؤية الفنية التي اشتغل عليها المؤلف في بنيته الادبية التي تمظهر فيها البناء اللغوي بطاقته البلاغية المحكمة  فقد جاءت ادواته ذات مرجعية واقعية سعى من خلالها في لحظات مجتزأة ــ لكنها لم تدم طويلاً في سياق التوالي الواقعي ــ  باتجاه ألنأي بها بعيداً عن هذا القص لكنها بقيت  ممارسة مضغوطة ومختزلة لم تتعدى افتتاحية العرض وبعض اللحظات المتباعدة والبعيدة زمنياً هنا وهناك اثناء عرض مسرحي اتسم بزمنه الطويل والمرهق كان بالامكان ضغطه وتكثيفه زمنياً الى الحد الذي يمكن ان يصل الى نصف ساعة بدلا من ساعة ونصف الساعة ولم يكن هذا الاجراء فيما لو تم  إلاّ تداولاً منفتحاً على اهمية عنصرالزمن في عملية التلقي ولن يؤثر بالتالي على عملية الايصال .
وكان ينبغي ان تتعمق وتتباين قراءة المخرج للنص ،وأن يتم تحميله بإضاءات صورية معبأة بطاقة الازاحة لماهو مألوف، والاخذ به الى تحميلات جمالية كالتي ابتدأ بها العرض وجعلتنا نتعلق بأهداب انثيالات صورية مثيرة ومدهشة حققت بمروها القصير امام اعيننا طاقة من التساؤل الكثيف .
إن هذا العرض رغم النحو الذي ذهب به المخرج مستجيباً لمقتضيات النزعة التقليدية في محاكاة الجملة والمشهد مسرحياً الاّ انه كان تجربة ثرة للمؤلف الذي تجاوز تدرجه القصصي الى اشتغال اخر يقتضي منه العيش في التجربة المسرحية والاندماج فيها حتى تستجيب افكاره لمنطق الفضاء المسرحي . وهو فيما اعطانا من مساحة وسطوة بلاغية محملة باسماء وامكنة وتواريخ بغدادية  اختلط فيها الماضي البعيد بالحاضر المعاش القريب قد تمكن من شحن المتلقي بطاقة من الاحتفاء بالذات الانسانية التي بقي الحب يستدرجها الى امكنة محاصرة ومأسورة بالموت والخوف .
ولان حدود التأويل والترميز والتشفير لم يتم الاقتراب من خاصيتها بالشكل الذي يستفز المخيلة ويقصيها الى مسافات ومساحات واسعة لذا كان من الطبيعي ان   ينعكس هذا على طبيعة الجسد وطاقته التعبيرية للممثل إذ لم يمتلك وظيفته المفارقة في الايحاء والتنوع طالما بقي  ضمن السياق المحكي والملفوظ ،أي داخل حدود واطار النص  بشكل مباشر وصريح . أما فيما يتعلق باداء الممثلين فهنا  لابد ان نشير الى طاقة شابة واعدة افصح عنها العرض وهي الممثلة (  حنين فرح   )التي تمتلك احساساً متوقداً في التعبير والانتقال مابين الحالات الشعورية التي اجتمعت في تركبية الشخصية التي تحملت مسؤولية أدائها وهي خامة مسرحية  تستحق الاهتمام بها والاخذ بيدها ، اما بقية الممثلين وفي المقدمة منهم الفنان المثابر  نشأت مبارك فقد تضمن اداءه لحظات متوهجة لكنها كانت مبعثرة في زمن طويل . . كذلك لابد ان نحتفظ بذاكرتنا بأسم الممثل ( وعد توماس   ) الذي سيكون له شأن واضح ومهم في المستقبل القريب .
اخيراً لابد ان نشير الى ان فرقة قره قوش وخلال مسيرتها التي تمتد لاكثر من ربع قرن تسعى بما تملكه من طموحات وتطلعات فنية الى أن تحتل ــ بما تقدمه من اعمال جادة  ــ بقعة مهمة وفاعلة في المشهد المسرحي من خلال اصرارها على العمل والعطاء رغم محدودية الامكانات المادية المتاحة وهي بين فترة واخرى تقدم لنا معطيات تبعث على الامل والتفاؤل رغم بؤس الواقع المحيط بنا وبها . وما تجلىّ في هذا العرض ــرغم ملاحظاتنا ــ من ظهور اسم جديد في عالم التأليف المسرحي ( جوزيف يشوع ) إلاّ تأكيداً ودلالة على عمق الانتماء الذي يربط عناصر هذه الفرقة بالفن المسرحي باعتباره خبرة جمالية ومعرفية  لايمكن للانسان ان يستغني عنها .



66
إخترنا لكم / لْوثَرْ . .
« في: 18:18 11/06/2012  »
        لْوثَرْ . .   *

السّماءُ التي حَاكَت  زُرقَتَها مِن صَمتِك َ اتكأتْ عَليكْ
ثم ألقتْ على خطوط ِ كفّيكَ خَريفَ ثيابِها
الخوفُ استفاقَ مبكراًعلى  جَفنيكْ
فيما الناسُ كَانوا تحتَ وطأة ِالنِّسيان نِيامْ  .
.
انتَ البعيدُ ، في فَراغ ٍ موصِليٍّ طَاعِن  ٍهواه
كُنتَ بِه ِمُعتَكِفاً في مِحرابِ وَردِكَ ،
لاهواءَ يأتي مِن شَوارِعه ِ
لاصَوتْ
لا أهلْ
لاصُحبةْ  .
انتَ المُسافِرُ في هوى قِبلَة ٍ ،
ظِلالُها قُبُّراتْ
عَرفْتَ الكَثيرَ غَيرَها
وَلمْ تَعرفْ سِواهَا
فهل نَدِمتَ لمَّا تَرنَّحَ صَوتُكَ  سَاعةَ الوداع   ؟
أَمْ الحَيرَةُ ألقَتْ مَتاريسَ عصيانِها عَليكْ   ؟ 
أَعْلَمُ أنَّكَ مَازِلتَ لاجِئاً في جِلدِها
قاصداً غِبطتَها .
هي ضراوة الحياةِ اللامُتوقَّعَة
على حَجر ٍ نَقَشَها بولص آدمْ
ثم حَمَلها بَعيداً عَن  أسوارِ نينوى   .
هي  الليلُ في  شِارع ِالرّشيدِ من أولِ هَذيانِهِ إلى الآنَ
يَنسابُ قصائدَ عِشق ٍ، مِن بَختِهِ يَكُتبها زُهير البُردى .
هي شَرقٌ تُقشَّرُ الغَازَ وحشَتِه ِ
على بُعدِ خطوةٍ مِنْ كَنيسةِ السّاعة 
قَبلَ أنْ يَتوقفَ مَاهِرُ حَرْبِي في مُنتصف ِالشّارع ِ
مُصَاباً بِالذّهولِ ليتفتادى رصَاصةً 
أخطأتْ  في الوصُول ِإِليهِ  ،
في مَسَاءٍ لافَجرَ لهُ .
 
هو ثَامِنُ يوم ٍ تَلكأ فِيهِ الطِّفلُ آدمُ سَاعة َالقُدّاس
فشَاءَ شَاكر سِيفو إلاّ أنْ  يُبقي السّماءَ عَلى لونِها
والاسماءَ بِنفسِ مَعانِيِها .

هي قَصَصٌ قَصيرة ٌ جداً لهيثم البُرْدَى ،
عن أعرَاب ٍتَكسَّر السّرابُ تَحتَ أقدَامِهِم
على ضِفّةِ نَهرٍ ذي لِحيَة ٍ بَيضَاءَ.
.
هي ضوءٌ يقطفُه ُ رَائد فَرحَانْ 
ليَرسِمَ مِنهُ وَجه َامْرَأة ٍ
تنتظرُ مَسرَّات ٍ قدْ تَهطلُ مِن خَلفِ زُجَاج ِالنّافذة ِ
والثّلج ُيسّاقَط
بَينَ إِطَار ِاللوحَة ِوالشّباكْ  . . .
 
عَلَى بَوَّابَاتِ المَدينةِ  أسئلةٌ   
في عِيون ِالضَّحَايَا أسئلة ٌ
كُلّمَا جَاء صَوتُ خْلِيِفُ مَحْمود ليقولَ لكْ : -
أنا بَاق ٍ هُنا ، فِي خَاصِرة ِ المَصِير التّافه ِ هَذا ،
حتى وإنْ إِكْتَضَّتْ مُدنٌ ومَطَارَات ٌفي جَوازِ سَفَري ،
بَاقٍ بِما يَكفي مِن الحُبْ . 

قَبلَ عَام ٍ  كُنتَ مَعَنا
وَحِيدا ً فِي  شُرفةِ الهَواجِسِ
فَتَكسَّرَت ْ أسئلة ٌعَلى شَفَتيكْ: ـ
هل نَسيَ مُزاحمُ النَّاصريُّ  أنْ يَرسِمَ  وجُوهَنَا ،
مُكتَفِياً بِالعُزلة ِعَلى شَاطِىء ٍ فِي الخَليج ِالعَربي يَموتُ الحَمَامُ مِنْ وحشتِهِ !؟
هل ابتَلعَ الصَّمْتُ عَاصِمَ هَادي تَحتَ صَقيع ِالغُربَةِ فَطَوَاهُ النِّسيانْ ؟   
هل سَتَشِيخُ الرؤى فِينَا ؟
كُنَّا مِنْ غُربَتِنا نَسكُبُ الفَرحَ عَلى الجنفَاصْ .
أينَ نَحنُ ؟
ما عُدْنَا نُداري شحوبَ الرّيِح ِبالالوانْ
لم نَعُد نَحن ُ
هل هؤلاء ِ نحن !
أخَافُ الانَ عَلى  الوَردِ في ألواني
أخافُ عَليهِ في السّواقي ،
في أخْطَائي 
أخَافُ عَلى النِسيانِ مِن النسيانْ  .

ـ كَمْ قَرأُنَا يالوثرسطورَ وحشَتِنا فِي وَجْهِكَ أسئلةً !
وأجْسَادُنَا الغَضَّة ُ في شَاحِناتِ (الِأيفَا)  مِن الضَّيمِ كَانَتْ تَهتزُّ
والأعوامُ فِي لونِ قُمصَانِنا الخَاكي خَبتْ أضْوَاءُهَا
وأنْت َكَما أنْتَ
تَرْصُدُ أزْمِنَةً دَاسَتْ عَلى بَهجَتِنَا 
تَرْصُدُ الآتي .

الكَمائِنُ مِنْ  كُلِّ الجِّهاتِ حَاصَرَتْك َ
يَافِطَاتٌ
وأنَاشِيدٌ 
وخَطَايَا 
ولِانَّ روحَك َغَيمَة ٌ
بِطَعْمِ البَنفْسَج ِ
أزهَرت َ مُدُناً  ، أينَمَا التَفتَنَا 
كُنتَ تَسكُبُهَا وَرْدَاً فَوقَ شحوبِ نَوافِذِنَا 
عَلى طولِ ليلِنَا 
أو على رَصِيف ٍ مِن الأُمْسِيَاتِ مُدهِشَةٍ فِي بَغْدَادَ
أردْنَا أنْ نَعُدَّ النّجومَ فِيها فَأخْطَأنَا فِي العَدِّ مَرّةً وأخْرَى
 أنَا
وأنْت َ
وبولصُ
وريسانُ رشيد
ومُحَمّدُ المَهديُّ
أوعِندَ مُنْحَدرٍ كُلَّ مساءٍ كُنتَ تَحتفي بِهِ
كُلّما شقَّ بِعَجَلاتِهِ قِطارُ الموصلِ صَمْتَ الفَضَا.

كَمْ تَراجَعَت الخَطواتُ سَاعَتَها
شَوقاً لِدجْلة َ
للشَّجَرِ الغَافي فِي الغَابَاتْ
للبَرد ِالقَارِس ِفي كَانون الثّاني
لبَساتينِ الفُستُق ِفي حيِّ الطيرانْ 
للمُذهِل سَالم إِيشو
قَبلَ أنْ يَغيبَ عَنّا مُنتحِراً . .

في جِيوبِنا الفَارِغَة
دَسَستَ أسئلة ً
ثم فَارَقتَنَا : -
هَلْ  سَيُغْسَلُ هَذا الليلُ بِالغناء ْ ؟
هَلْ سَنَحْزِمُ هَامَاتِنا بِزهرَةِ البَيبونْ ؟ .
صَمَتنَا ،
ومَاعَرَفْنَا الأجْوِبَة ْ.

بَينَ كَفَّيكَ كَانت تَرقُدُ مِحنَتُنا
كَمْ سَألنَا أنفُسَنا  : -
مَاذَا أعْطَينَاكَ لِتَبقَى بِكُلِّ الوفَاءِ مَعَنَا ! ؟
أيَّ شَيءٍ كَسِبْتَه ُ مِنّا   !؟
لِماذَا رَحَلتَ قَبل أنْ تُخَاصِمَنَا  !؟
قَبلَ أنْ تَصْرُخَ بِوجْهِنَا ! ؟
قَبلَ أنْ تَشتُمَنا ! 
كنَّا بِحَاجةٍ لِأنْ  تَفضَحَنَا 
لَاَ أنْ تُسَامِحَنَا ،
فَإنْ كُنّا لانَستَحِق ُّ أنْبِياءَنَا
فَهلْ نَستَحِق ُّ أوطَانَنَا  ! ؟  . . .
نَم ْ يالوثَر 
نَم ْ
فبَعْدَك َضَاقَتْ بِنَا الدُّنْيَا
ومَاعَادَتْ هِيَ الدُّنيَا .
هَذَا مَايَقوُلُهُ صَديقُكَ مُحَمّد العُمَر .

نَمْ بِلاَ سُهْد ٍ
ولاألم ٍ
ولاخَوفٍ
ولاقَلقٍ ،
نَمْ هَانئاً
مُطْمَئنّاً
كَمَا لَمْ تَنَم ْ
طَوَالَ عُمْرِك َ .

                                                 مروان ياسين الدليمي/ الموصل
                                                                         ‏نيسان 2012

*كل  الاشخاص الذين وردت  اسمائهم في النص هم  اصدقاء الفنان التشكيلي  لوثر ايشو الذي توفي في قضاء قره قوش بمدينة الموصل بتاريخ 18/6/2011 اثر نوبة قلبية. ولوثر من مواليد 1955 . ويعد من اهم الاسماء المؤثرة  في الفن التشكيلي العراقي  المعاصر، وكان للحداثة حضور طاغٍ في انتاجه الفني .


67
التشكيلي إياد أل عبار يتحدث عن رفقته مع سيلفادور دالي وآخر أيام بيكاسو  .

-   روضت الغربة وصنعت منها خوذتي ولوحتي 


-   تعلمت الكثير من دالي برغم انه كان يرفض أن يتكلم معي عن الفلسفة




 


حاوره : مروان ياسين الدليمي / الموصل

أنت القادم من شرق مُبتلى بالعسس،أن تكون متمرداً ومتماهياً مع ذاتك وانت ماضٍ في دربك الطويل الذي اخترت فيه الاستيقاظ في خرائط مدن لاترتوي الاّ من كؤوس الحرية والحداثة سعياً منك للامساك بصولجان الرؤى، كنت ساعتها على موعد مفاجىءمع من شاء أن يُسقي عشبة الفراديس في ذاكرة الانسان ،على موعد مع حلم ٍباذخ كان يبدو بعيداً في محطات الغربة. . فأن تفتح عينيك لتكون في قارب واحد مع بداية المغامرة برفقة روفائيل البرتي وسلفادور دالي وبيكاسو ! دون ان تخطفك الدهشة وانت تخطو اياما ًوليالٍ معهم في مساحات مُلونة تكتبها تعابير متشابكة دفعة واحدة . فهل سيكون هذا أمراًعابراً في كثافة الايام العابرة.  إياد العبّار شاعر ورسام واكاديمي عراقي الاصل  يقيم في ايطاليا منذ اربعة عقود ويُدرِّس في جامعاتها. . مدينته الموصل التي يقول عنها "عشيقتي في السراء والضراء " غادرها في مطلع العقد السابع من القرن العشرين ولم يعد إليها رغم انه مايزال يحلم بدجلة والفرات كلما وضع رأسه على الوسادة كل ليلة . العبَّار غادر العراق عابراً البحار والمحيطات بحثاً عن المعرفة في مجهول الازمنة والامكنة البعيدة ،حاملاً حقيبته على ظهره وهويشيح بوجهه للحرائق التي بدأ يستشعر انها قد امست قريبة وستأتي ، متجها الى مصر ، ليدرس فيها ومن ثم لينتقل الى ايطاليا ليكمل دراسته العليا للفن هناك وليبقى فيها حتى هذه الساعة .
أقام العبار معارض شخصيةلأعماله الفنية من رسم ونحت في جميع أنحاء أوربا،بعض منها تتواجد في متحف الفنون للفن المعاصر في نيويورك، وكذلك في اليابان وأيطالياوفرنسا وإسبانيا وألمانيا ،أكثرمحاضراته عن الفن والأدب والدين والفلسفة تم نشرها في معظم المجلات والصحف الاوربية وفي دور النشر الأكاديمية التابعة لمختلف الجامعات،كمانشرالعديد من نتاجاته في دور النشر الاوربية ،من قصص ودواوين شعرية ودراسات،ايضا له مسرحية شعرية بعنوان: الشيخ والفنار كانت قد نشرت في إيطاليا باللغة العربية والإيطالية. كما أعاد كتابة ملحمة جلجامش شعراً وكلفه ذلك ثماني سنوات من عمره ،وله ايضا مجموعات من القصائد والقصص التي نشرت في صحف ومجلات اوربية وعربية منها :
الحصار ـ قصة ـ باللغة الإيطالية 1991ـ دار النشر ـ پالا َّديو ـ
الفريسة ـ قصة ـ  باللغة الإيطالية 2001 ـ دار النشرـ جانكارلو دزدِّي ـ
جروح في قلب الزمان ـ مجموعة شعرية ـ باللغة العربية والإيطالية  2002 ـ دار النشر ـ آنـَنـْكي ـ  .
التقينا بالشاعر والفنان التشكيلي المغترب إياد العبار واجرينا  معه هذا الحوار . . .



*اولا وقبل أن نبدأ بالحديث الذي إنْ بدأ فلن ينتهي ، أود ان اطرح السؤال الاتي على اياد العبار: - بعد هذا الابحار الطويل في سفر الحياة، والشعر، والرسم ، متنقلاً مابين مدن وقارات تفصلها ازمنة وحضارات ، من انت ؟
- قبل أن أجيب على أسئلتك، أود أن أشكرك على هذا الإهتمام وعلى هذا الإطراء. لقد أيقظت فيَّ ما كان قد سَبَتَ منذ حين طويل. شكراً جزيلاً يا أخي مروان. . من انا؟! ليس غريبا عليّ هذا السؤال، وإجابتي الصادقة والصادقة جداً هي أنني لا أعرف. كل ما أعرفه هو أنني كنت قد بدأت ولم أنتهي بعد. بدأت بالعلم والدراسة ولمَّا أنتهي. كنت أُلاحِقُ ولاأزال كل ما يشدّني إلى المعرفة. إيماني الوحيد هو أن الخلاص يكمن في المعرفة والمعرفة لها قوانين ومقامات: الصبر والعزيمة، الطاقة الكبيرة من التحمل والإصرار، الإنفعال والغضب واحتراق الأعصاب، الفرح والحزن، الكراهية والأنحباس في عوالم الشوق وأغلال التتيم حتى النخاع، تواصل الرحيل فكريا، أخلاقيا وجسديا من مقامة إلى أخرى ومن فكر إلى آخر حتى تترابط  وتتسلسل الدرب دون انقطاع ودون توقف، كل ذلك يتوجب العشق والحب وهذان لن يكونا بدون ألم ومعانات وشعور بشيئ من الجوع والبرد والخوف، بالكثير من الألم والحرمان والحاجة، العيش على مبدأ الخسران: أنت تخسر كي تحصل وأنت تحصل كي تكبر وتكبر كي تستعيد ما خسرته بطريقة أو أخرى. لم يبق مكاناً على الكرة الأرضية إلاّ وزرته إلا َّّ نيفاً، لم يبق فكراً إلاّ ودخلته مهما كان الثمن ومهما كانت الوسيلة. الإيمان بالمعرفة هو الإيمان بالله. والإيمان بالله يُؤكّد لك بأنك لا تعرف نفسك إلاّ إذا اتَّخذت المعرفة طريقا لك. .أنا كنت في كل الجوامع والمعابد في كل أنحاء العالم وكان السؤال هو هو.... أتعرف نفسك؟! وهل عرفت أنا نفسي؟ إذاً أعيد السؤال مِن جديد: هل عرفت مَنْ أنتَ؟
 
*عندما نقرأ سيرتك الذاتية نجد ان خروجك من العراق في اوائل سبعينيات القرن الماضي كان ُمبكرا جدا على ماجرى من حروب  واحداث جسام ،  ومنذ أن غادرته لم تعد اليه  ابداً. هل كنت تستشعر بما سيجري من دمار وتراجع حضاري  فقررت الخروج منه مبكرا ؟ أم انك كنت منساقاً الى ماكنت تحلم به من مشاريع فنية وادبية كنت تخطط لانجازها؟
- نعم،  كنت أشعر بذلك. كان خروجي من الوطن مبكرا. هذا ما حدث، ولكني كنت قد عدت ولأيام قليلة وذلك في أواخر سنة 1976. بَقيت يومين ونصف اليوم ثم رحلت من جديد!. أنا لست مُتـَنـَبـِّئ، ولكن كان بي شعور يدفعني إلى المضيئ أماماً، إلى عدم التوقف... إلى الخروج ثائراً على كل ما يمنعني من الإستمرار في طريقي. كان في داخلي شعور بالضيق والخضوع المجبر لحالة لا تحتمل من الضغط والحد من وجودي وتفكيري، هذا ما جعلني أندفع الى الخارج قبل أن يحدث ما لم يكن في الحسبان! كنت أُمنـَعْ مِنِ الدراسة والقراءة! إذا قرأت لكارل ماركس قيل عني شيوعيا، وإذا قرأت لسيد قطب قيل عني هذا من الإخوان! وإذا قرأت لجون بول سارتر قيل هذا وجوديا وإذا قرأت عن داروين يُحتارُ ماذا يمكن أن أكون...إلخ! إذا عرضت لوحة في معرض ما بالإشتراك مع الأستاذ ضياء أو عبد الحميد أو ستار الشيخ قيل عن عملي غير مفهوم أو أنه مرفوض جذريا، والويل لي إذا نشرت قصيدة! وشرطة الأمن تلاحقني وأنا لم أكن قد جاوزت من العمر السابعة عشر!
كذلك في مصر، عندما كان يصدر لي مقال في جريدة "الأهرام" أو في "الجمهورية" في الصباح، تأتِ شرطة الأمن بعد الظهر لتأخذني إلى السجن، بالرغم من أن مقالي كان عن الأدب أو الفن أو الفلسفة أو غيرها، إذ أنَّهُ كان هناك من القلائل الذين يقرؤون مابين السطور ويكشفون حقيقة ما كنت أريد قوله!  نعم، كان بي ذلك الشعور بأنَّ شيئاً ما، بل أنَّ أشياء كثيرة ستحدث وإنـَّها لأحداثٌ جسام ودمارٌ وتخلـُّفٌ حضاريٌّ كان من غير شك سيهلكني، هذا إذا ما كنت سأقف أمامه شاهدا لا حراك لي، أم كنت سأردُّ وأنتهي كما حصل ذلك مع الكثير من جيلي، كان يجب أن أختار بين إثنين: إمـّا أن أواجه الواقع مواجهة مباشرة، وفي هذا الحال سأخسر، سأخسر كلَّ شيئ وأنا الذي كنت ضعيفاً ضعف نبيٍّ سُرِقـَتْ منه عصاه! وإمـّا أن أرحل ومن ثمَّ أُعِيد الكرَّة والحرب سجالٌ، كرٌّ وفرٌّ. .لذا رحلتُ، أشياء أخرى كانت تجعلني أكثر تحرُّقاً إلى الشرود والرحيل، منها التحدي، تحدي العالم الذي كنت فيه مُحتـَضِراً " مدفون بالحياء" والعالم الذي كنت أجهله، أجهل الـ " لماذا وكيف وأين ومتى ... إلخ" قد وصل إلى ما وصل سلبيا وإيجابيا. كان قد قيل: ستعيا، ستعاني كثيرا، ستـُكسر... وها انا بالرغم من كل ما جرى! كان في داخلي إذ َّاك وأنا أودع عبود عبدالله بكر وناظم ويونس وغيرهم، شعور غريب، شعور بأنَّ الكثير الكثير سيحدث، كنت أشعر بأنَّ تلك الأرَضَةَ قد بدأت تتحرك وتأكل وأن كثيراً ممَّا ليس بالغيب ولامحالة واقع! وهذا الكثير سوف يحطم كل مافي وجودي من رغبة وزخم للشروع بالمسير بذاك الذي خـُلِقتُ من أجله. لم يكن دواري دوار سائح ولكن التنقل من مدينة إلى أخرى، من جامعة إلى أخرى ومِن حضارة إلى أخرى باستمرارية وبدون توقف أعطاني القوة كي أخدع الزمان وآخذ منه قبل أن يأخذ مني:ـ ( الوقت كالسيف إذ لم تقطعه قطعك).
 
*انت شاعر ولك في ميدان الفن التشكيلي تجربة ثرية جداً ، خصوصا انك رافقت لفترة  ما  الفنان سلفادور دالي في مشغله الفني  ، كيف توصلت الى هذه الرفقة مع دالي وكيف وجدتها . نريد ان تطلعنا عن تفاصيل  العلاقة مع هذا  الاسم الكبير ؟
-كنت، في مدينة فلورنسا، طالبا في أكاديمية الـ" سينيوريـَّة" للفنون الجميلة، في السنة الثانية، في السنة الأكاديمية 1974ـ 1975، كنت تحت زخم الإمتحان للنصف الأول من البرنامج الأكاديمي للرسم والنحت، كنت قد توقفت عن العمل، عن الرسم، وذلك لأنه كان قد سُمِحَ لي لأخذ ساعة من الوقت للغداء. ذهبت الى مطعم الطلبة وكالعادة أخذت صينية ووضعت عليها اطباق الطعام والشراب الذين اخترتهم وجلست الى جانب احد رفاقي في الأكاديمية لآكل. على حين صادف نظري دخول بعض أساتذتي ومعهم رجل لا أعرفه، كان أشهب الرأس واللحية، ذو وجه أسمر تميل تعابيره الى الحزن الذي كان يكاد يخفيه. كانوا متوجهين إلى حيث كنت جالسا. إقترَبوا وسلموا، نهضت، أردفت على السلام. قال أحد أساتذتي، أقدَّمُ لك الشاعر الإسباني الكبير رافئيل ألبيرتي! نهضتُ أسلم، قال ألبيرتي: أنا اليوم بدأت زيارتي لأكاديميتكم العظيمة! ودخلت أزور أكثر أنحائها، وصدفة، كنت قد دخلت المرسم الذي تعملون فيه لأجل الإمتحان ورأيت أعمالكم، أعجبتني لوحتـَكَ كثيرا، بل أدهشتني وأنا أُهَنـِّئـُكَ على هذا العمل الرائع! شكرته كثيرا، قال: إني ذاهب إلى باريس بعد ثلاثة أيام لزيارة صديقي بيكاسو لأنني سمعت أنه مريضا وأريد أن أطمئن نفسي عليه فهل تأتي معي؟ قلت: بلى بكل بهجة وشرف، قال: إذاً، ألقاك ونسافر سوية، قلت نعم! جلس ألبيرتي وأحد أساتذتي يأكلان معي. وكان الحديث إيـَّاه ـ الشعر والأدب والفن والفلسفة! حتى إذا جاءني النداء: إلى المرسم، إلى المرسم يا آل عبـَّار وإلاّ سترسب في الإمتحان! كنا أنا وألبيرتي في باريس. دخلنا غرفة بيكاسو، رأيته طريح الفراش، كان قد انتهى توا من أخذ فطوره ودواءه. وكان حديثا طويلا: كلمات بالفرنسية وأخرى بالإيطالية وأخرى بالإسبانية وأخرى بالإنكليزية وأخرى أيضا بالعربية! قال لي بيكاسو لقد سمعت عنك، قصائدك وكتاباتك ولوحاتك تنبع من نور أنا كنت قد عرفته! ورأيت صورا لبعض أعمالك، أنا أهنئك، أنت شاب ذا موهبة، ليكن الله بعونك! بعد أيام قليلة رحل بيكاسو الى العالم الآخر وكانت جنازة رائعة بقيت في ذهني حتى اليوم. أنا و ألبيرتي ذهبنا الى إسبانيا والتقيت بـ دالي، وكانت سيرتي معه صحبة وعداوة، إذ أنه كان رجلا نرجسيَّ الطباع، متكبَّـرا على الآخرين ومكروها من قبل مجموعة السرياليين عامةّ. حدثٌ وخطبٌ سيئ وثقيل كان قد صار بينه وبين الآخرين الى جانب تكبـُّره عليهم. كان قد هرب هو وخطيبة الشاعر الفرنسي بول إلـْوار ـ كانت روسية الأصل ونبيلة من نبلاء الروس ـ كان إسمها " ڴلاَهْ Galàh ". في مرسم دالي كنا نتباد الآراء ونحن نعمل "نرسم"، حول الكثير من المواضيع عن الفن عامة وعلم النفس وخصوصا عن فرويد والأدب والفن الكلاسيكي والمعاصر، ولكنه كان يرفض أن يتكلم معي عن الفلسفة! تعلمت منه الكثير ولو أننا لم نكن نتفق على الكثير من القضايا، كان يقول: لاأحداً بعدي!. كان أكثر حديثنا ينتهي بعبارات كهذه: إبقَ أنت وتعجرفك هذا، لا تنسى بانني أنا الأعظم!، إذهب إلى الجحيم، أنا لا أوافقك بهذا الرأي، أنت لاتدري شيئا... أنت وإستمناءُكَ الفكري هذا سوف تلقى نهاية عسيرة! وهكذا. كلما افترقنا إزدادت صداقتنا عمقا وكلما التقينا تبدأ مفارقاتنا لعبتها الأولى! معه تعرفت على الكثير من الأُدباء والفنانين والمخرجين السينمائين والممثلين. دالي، وبعد موت گلاه كان قد ذهب هو الآخر ولو فكرياً ونفسيا فقط ، إن العشر سنوات التي كانت قد بقيت له من حياته كان يعيشها وهو أشبه بالحي الميت! دالي كان صديقا ومعلـِّماً عبقريا.       
*الاغتراب شعور عميق طالما رافق المبدع حتى وهو داخل وطنه . فكيف بك وانت قد عشت الشطر الاعظم من عمرك مُغترِباً . مالذي تركته فيك هذه التجربة ؟ ماذا اضافت لك ؟ وماذا اخذت منك ؟
-" الغنى في الغربة وطن والفقر في وطن غربة!" الغنى والفقر ليس بمعنيهماالمادي فقط ولكن هما أيضاً بالمعنى الكوني أي  الروحي والفكري والأخلاقي. الإغتراب هوالمادة الحية التى تعطي وتأخذ وهو القدر الذي يلاحق الإنسان منذ تواجده على هذه الإرض. الغربة يمكنها أن تسحق وتـُبيد ويمكنها أن تـُعطي وتـُثمر، الغربة هي تلك "الغولة" المخيفة القاسية التي لا ترحم والتي يمكنها هكذا بلحظة أن تمحيك وتجعل منك نسيا منسيا. وهي، إذا ما رُوِّضَتْ وأُخْضِعَتْ تـُعطيك الكثير!جامعة تلو أخرى وإمتحان تلو الآخر ودراسة تتبع أخرى والفقر والحاجة هما أمهات الإختراع والإبداع. تراني أستعير كتابا إذا لم أكن قادراً على شرائه وبعد أن أنتهي منه، أعيده شاكرا وممتنا. تراني أشتري القليل القليل من الألوان والفِرَش والقماش، أشتري إزميلاَ و مِطرقة مُسْتـَعـْمَلـَيْن وحجارة لها قيمة رخيصة جدا، ثم أبدأ العمل. أنجح في الإمتحان وأرسمُ لوحة ذات مستوى فنـِّي عالٍ وأنحتُ تمثالاً يجعل الرَّائي عاشقا. أبيع اللوحة والتمثال مختومين بإسمي وألقي محاضرة وأُكْرَمُ عليها لأني كنت قد أجدتُّ بدراستي وصُنعي وفنـِّي وأجلس في إحدى مقاهي فلورنسا أو باريس أو مدريد أو أي مدينة أخرى، آكل  لفـَّة ًمن الخبز والجبنة وأشرب كأسا من النبيذ وقهوة حلوة، أدخن سيجارة وأكتب، أقرأ وأرسم  بقطعة من الفحم أو قلم من الرصاص مايمر أمام عيني، ومن ثم أسافر عائدا إلى الوطن! في سفري هذا أرى وأسمع وأُحِس!ُ بما لم تره عين ولم تسمعه أذن ولا خطر ببال بشر! تبزغ الكلمات وتـُولدُ أمهات الألباب وتـُطحَنُ الجُمَلُ والعبارات وتخرج ذوات السحر فتسحرن وتعزفن ألحانا من الضياع والشرود، من الموت والخلود من العطش والجفاف، من الضمأ والإشتياق، من الحب والحزن، من العشق والحرمان، تولد عروس البحر أو راعية الغنم في واحة الصحراء أوفي وادي الجبل، تولد نادلة المقهى أو عاملة في المصنع، تولد الغجرية أو الأميرة، الأخت والأخ والأُم والصديق الذين هم في منفى منفايَ، يولد كل شيئ ومن ثم يختفي كل شيء! أظلُّ وسيجارتي حتى غروب الشمس. أعود الى منزلي... أحتضن الكحل والحنـَّاء، أضع رأسي على وسادتي وأحلم بدجلة والفرات! هذا مثال بسيط لما تركته في وجودي الغربة. الغربة روّضتـُها وصنعت منها خوذتي وسيفي ودرعي وهي أعطتني فرساَ عربية أصيلة، أتـَتْ بها من وادي الرَّافدين فكنت ذلك الفارس العربي الذي لا يهدأ ولا يستكين. هذا ما تركته فيَّ الغربة. .في أواخر دراستي وأنا أقدِّم أطروحتي عن الحلا ّج مقارناً فكره بفكر فريدريك نيتشه، كان علي أن أجتاز أمتحان من الإمتحانات  المقررة الأخيرة، إمتحان صعب جدا وهو " تاريخ الفكر الإنساني الفلسفي العلمي" لمؤلـِّفِه لودفيك جايموناه"Storia del pensiero filosofico” scientifico _ Ludovico Geymonat”، الكتاب مؤلف من تسعة أجزاء، كل جزء مختص بمرحلة وعصر، من بداية التاريخ إلى يومنا هذا! إلى جانب ذلك كان مطلوبا مني أن أقدم للإمتحان الأعمال الكاملة لفيلسوفيْن حسب إختياري، وكنت قد إخترت الفيلسوف الإنكليزي دافيد هيوم والفيلسوف الألماني عمَّانوئيل كنت، فكان ممَّا يجب عليَّ تقديمه للإمتحان مالا يقل عن 37ألف صفحة!
كنت أرسم وأنحت وأدرس بصيغة مترادفة ومتوالية. في الإمتحان كان السؤال الأول، قال أحد أساتذة لجنة الإمتحان: حدِّثنا عن مفهوم "الجوهر" وذلك إبتداءً من آرسطوطاليس وحتى سبينوزا ! أي بمعنى آخر : مفهوم هذه الكلمة عند كل مفكر وفيلسوف عبر التاريخ إبتداءً من آرسطو إلى سبينوزا وهذا يعني سرد كل ما يتعلق بهذه الكلمة خلال أكثر من ألفي عام!. بدأت الجواب مرورا بالفلسفة العبرية والمسيحية والعربية الإسلامية  حتى انتهيت إلى فكر سبينوزا. مرَّ على حديثي هذا أكثر من ساعتين وأساتذتي أمامي مبهورون بقوة ذاكرتي وسُداد جوابي. قال رئيس لجنة الإمتحان: يا بني، أشفيت غليلنا من هؤلاء! خذ هذه هي علامة نجاحك 30 من 30 إمتياز وليباركك الله. .عدت إلى منزلي، أكلت القليل وشربت أكثر ثـُمَّ احتضنت الكحل والحنَّاء ووضعت رأسي على الوسادة وأنا أحلم بدجلة والفرات!هذا مثال عمَّا أضافت إليََّّ الغربة. .أذكر أنني بعد أن ألقيت محاضرتي عن الفلسفة التنويرية La filosofia dell’illuminismo في القاعة الكبرى لإحدى الجامعات في مدينة فيينـَّا، سألني أحدهم فيماإذا أستطيع أن أوضِّحَ بلغة سَلِسَةٍ النظرية النسبية لألبيرت آينشتاين. إجابتي، عند نهايتها جعلت الجمهور يُصفـِّق ويُصفـِّر! . سألَني آخر: يا أستاذ، وأنت على كل هذا من العلم أتـَستطيع أن تـُجيبَ على سؤالي... " ولو أنني أعتقد أنـَّه محرجا"... ماهي الرُّوح؟! . الصمت كان يُطبق على القاعة كلـِّها وكاد يخنِقني... أجبت الروحُ هي من عند ربـَي وأنا لا أدري ما هي، فلاسفة الفكر التنويري يقولون بأنـَها طاقة الحياة ولكن ماهذه الطاقة، ما كنهها، هل هي طاقة كهربائية أم أنها نووية أم غير ذلك؟ أنا لا أدري إلا َّ ما علـَّمني ربـِّي. .عدت إلى منزلي، لم آكل ولم أشرب، لكنني احتضنت الكحل والحنـَّاء وألقيت رأسي على الوسادة مشاركا بكاء دجلة والفرات.
هذا مثال آخر عمَّا أخذته منـِّي تجربة الغربة. .في تلك السنين وأنا طالب في أكاديمية الفنون في فلورنسا، كان بعض الأساتذة يطلبون منا الخروج والعمل، الرسم، في الخارج. كنت أذهب إلى ضواحي المدينة وأرسم بعضا من مناضر الطبيعة وصادف أن كنت أرسم حصانا وهو يمد برأسه ليأكل من غصن لشجرة عنب، كان أحدهم يراقبني من الخلف وأنا أرسم. قال كم أنت ماهر في الرسم، فقد رسمت رأس الحصان بأقلِّ من دقيقتين! قلت: لا هذا غير صحيح، أنت نسيت أكثر من خمسة عشر عام وأنا أحاول رسم رأس حصان بأقلِّ من دقيقتين! هذا مثال آخر عن الغربة. عدت إلى منزلي وأنا أغني أغنية عراقية: شيگولون... شيگولون... توَلَّعْ بالمّحّبـَّهْ وصار مجنونْ... خلْهُمْ يڴولونْ!!! إحتضنت الكحل والحنـَّاء وشيئاً فشيئاً أغمضت عينيَّ ورأسي على الوسادة أحلم بدجلة والفرات.

*لو عدت الى الوراء اربعة عقود  هل كنت ستختار نفس الطريق الذي سلكته ؟
-نعم، بكلِّ تأكيد كنت سأختار نفس الطريق الذي سلكته بكل ما كان وصار، بل أنه بودي لو أضفت إليه، وسَّعته، طوَّلته، عمَّقته أكثر وأكثر وأكثر.

*حياتك حافلة بالتنقل والاسفار والتجارب ، هل من محطات معينة كان لها تأثير عميق واساسي في رسم مسارك الانساني والابداعي ؟
-نعم، هناك محطات جغرافية ـ مكانية: منها الموصل، هي عشيقتي في الجهر والخفاء، في اليسر والضرَّاء، كانت قد سُمَّيَت زوجة لآخر، لكنني خطفتها ورحلت! روما وفلورنسا وفينيتسيا وباريس و بيتر بورگو( (Pietroburgoو مدريد وبرشلونة...و...و...وهناك محطات فكرية:الحضارات القديمةـالسومرية،البابليةالآشورية، المصرية القديمة، الإغريقية واللاتينية، الحضارات الشرقية اليابانية ـ الصينية ـ الهندية، المكسيكية "المايا" وأميركا الجنوبية، حضارات أميريكا الشمالية " ألاسكا" والهنود الحمر، الفكر الإجتماعي ـ الحضاري ـ الأنثروبولوجي الإفريقي، حضارة أوربا القديمة والحديثة المعاصرة... الفكر العربي الإسلامي  والمسيحي والعبري... من كل هؤلاء ومن غيرهم أخذت الكثير ولم أشبع بعد ولم أرتوي. هناك إتجاهات متعددة للفكر الغربي معاصرة وحديثة منها في الفن: الفن الشعبي ـ الپوپ آرت Pop arte الفن الفضائيL’arte spaziale والتوب آرتTop arte ...إلخ، هذه الحركات الفنية وغيرها الكثير كانت بداياتها في الستينات حيث أنها جاءت بعد الدادائية والمستقبلية والتكعيبية والسريالية وهذه الأخيرة كانت في بدايات القرن الماضي. حركات فنية تشكيلية إلا َّ أنـَّها كانت تتعدى ذلك الى الأدب والفكر عامة، حركات فنية تولد صباحا وتموت مساء! الشعر في الغرب وصل إلى الحضيض بشكله ومضمونه إلا َّ القليل منه. القصة والروايا مازالتا تحتلاَّن القسم الأوسع والأعلى في الأدب الغربي. السينما والمسرح  في سقوط  رهيب في أوربا بعد أن خضع الإعلام كله تحت ثقل الإنتاج الأميريكي المادي المبتذل. الفكر الفلسفي يحاول النهوض وذلك عن طريق الإتجاه المعاصر الحديث للفيلسوف الألماني هانز جورج ﮔاديميرHans Georg Gadamer وهي فلسفة الإرمَنِيْوتِكهْ     Ermemeutica  وهو إسم مأخوذ من إسم إله البريد واللصوص "إيرمسErmes" في الميثولوجيا الإغريقية القديمة أو " ميركوريوسMercurios" في الميثولوجيا اللاتينية، وكان هذا الإسم يستعمل للإشارة إلى الفلسفة التفسيرية ـ الترجمية للكتب المقدَّسة في العصور الوسطى، أخذه ﮔاديمير ليوسع رقعة معناه إلى: أنَّ كل تفسير ترجمي أو ترجمة تفسيرية لأيِّ موضوع أو كتاب أوأيِّ عمل هي بحد ذاتها موضوع آخر لا يمت بصلة قط إلى الموضوع الأول إيـَّاه! .الفكر الغربي عامة يتخبط مابين المادية الإستهلاكية البراجماتية Pragmatism وهي الفلسفة الذرائعية التي تقوم على الإستشراف العملي المادي للأُمور والمشكلات.  .منذ البداية في حلـِّي وترحالي كنت قد اتخذت منهجا معيناً أعمل به ولاأزال: يقول أفلاطون :" الحياة مقياس وحساب، إذا خرجت عنهما فإنـَّك الخاسر". ثمانية أشهر من الدأب بالدراسة وأداء الإمتحانات والتدريس والمحاضرات والعمل للحصول على مايكفي، شهر للراحة والتحضير للسنة القادمة وثلاثة أشهر للسفر والرحيل. نعم السفر والتأمل والتفكير العميق والكتابة.
بعد محاضرة ألقيتها في جامعة روما" لاسبيينسهْLa Sapienza "
عن مفهوم التخصص في مجال معين من العلم ما بعد الشهادة التي يحوز عليها الدارس، سألني أحدهم، قال:من أنت؟ شاعر، رسام، نحات، أديب، كاتب، فيلسوف،عالم فزياء كمِّيَّة أم ماذا؟ أجبت: أنا كل هؤلاء وغيرهم ولستُ أحدا منهم! التخصص له إيجابياته وسلبياته، فمن جهة يجعل الدارس قد توصَّل إلى أعلى درجة من المعرفة في حدود تخصصه ومن جهة أخرى يجعله أكثر جهلاً بما يحيطه من العلم والمعرفة. كل أدب وفكر قرأته لأيِّ أمَّة لاشكَّ وأنـَّه قد ترك بصمة وتأثيرا في مساري هذا، مع ذلك لم أتـَّخذ عظيما  ما بعينه  من العظماء كمثال أعلى لي أو أنني اتخذت فكراً معينا أو إيديولوجية بحد ذاتها. الكل له دوره في بناء هذا الوجود الذي يحتويني. أنا أُسَمِّي ميكل آنجلو الجد وليوناردو الجد الآخر و سقراط الأب الكبيروآرسطو المعلم الأول وإبن رشد المعلم الثاني وغيرهم الكثير الكثير ممن أحتذي بهم وأحتسي مما تركوه لكل الإنسانية. كل أديب، شاعر، فنان، عالم وفيلسوف من أيِّ أمة كان ومن أيِّ عصر، ليس إلا َّ مرشدا ومعلما ورفيق درب أتبادل معه مما في وجداني وأتعلم منه أكثر مما يتصور هو بنفسه. لم أتبع سياسة أو سياسياً أو رجل دين، من أيِّ جهة كان. أنا أعتبر السياسيين ورجال الدين هم مَنْ يهدمون الحضارة والإنسانية! ستقول لي ولكن هؤلاء هم يشكلون العمود الفقري للمجتمع بتعاملهم مع الشعوب لإيجاد الطريقة المثلى للسعادة والرفاهية وأنا أقول هو كذلك! ولكن السياسي أورجل الدين، يبدأ بذاته وما يفيدها ثم يتجه الى الآخر"هذا إذا ما قرَّر الإتجاه إليه"!ـ هذا ما يحدث عادة ـ بالضبط على عكس العالم والفيلسوف والفنان والأديب. أخلاقية السياسي ورجل الدين هي أخلاقية شخصية ذاتية يبدأ بها فكره وينتهي بها ولا يبتعد عن ذلك ولو بخطوة واحدة، إنـَّه لا يرى أبعد من أرنبة أنفه شيئاً على الإطلاق! ذلك كي يحوزعلى السلطة والقوة التي يحكم بها. مهما يكن حكمه، سلبيا أم إيجابيا، دكتاتوريا أم ديمقراطيا سيكون ذا طابع خاص وشخصي متحيز ليس إلا َّ. لذلك تراني ومنذ شبابي لم أتبع حزبا أو سياسة. أنا مسلم، أأمنُ بالله الواحد ونبيـِّه محمد "صلعم"، أأمن بالأنبياء والأولياء من قبله، أحترم كل مذهب وكل دين يحترم إيماني هذا.
عفواً. خرجت قليلاً عمَّا كنت فيه... أستميحك عذراً. أنا رجل طمَّاع! أطمع أن أحصل أكثر وأكثر من كل حدبٍ وصوبٍ ذلك كي أعطي أكثر وأكثر وأكثر.


*منذ بدء مشوارك الشعري في مطلع سبعينيات القرن الماضي كان للميثولوجيا حضور طاغ في نصك الشعري الذي نشرته في المجلات العراقية انذاك ومن يقرأ اخر ماكتبته من نصوص عام 2012 يجد ان العبار  مازال ينهل من  هذه الاجواء الملحمية التي تحتشد في تربة العراق والجزيرة العربية كما في  (آكِلُ المِرار، ذو يَزِن ، ذو َمحَن ْ، مَالِكُ ابْنِ ِالرَّيب) . مالذي يجعل هذه العلاقة متسمة بهذه  القوة  وهذا التلازم ؟ . وهل كان للاغتراب دور في تعميق هذه الصلة وتأصيلها ؟ أم ان الماضي مازال يسكن فيك  رغم ابتعادك جغرافياً عنه ؟
- نعم، هو كذلك. والحديث ذو شجون! .كنت في الصف الأول الثانوي وبدأت من هناك. إشتريت كتاباً مستعملاً: " العروض مبسطا لحسن دندشي" بمئتي فلس! درجة النجاح في إمتحان مادة ما كانت 100من 100 وكنت أحصل على 40 من 40 في الإنشاء و3 من 30 في النحو! 14من 15 بالإملاء و15 من 15 في حفظ النصوص الأدبية، فتكون درجتي النهائية في اللغة العربية 72 من 100!. دخلت الإعدادية ـ القسم العلمي ـ كنت أحب الجبر والرياضيات والفيزياء ..إلخ، إلى أن إلتقيت بالأستاذ يونس والأستاذ ذوالنون الإطرقجي. كنت أريهم ما كتبت والجواب كان أن العروض جيد والنحو مكسور بصيغة شنيعة! علـَّموني ومن ثم أكملت في جامعة عين شمس في القاهرة ـ كنت أدرس النحو العربي في الأزهر على يد الأستاذ شحاته الطنطاوي والذي كان كل مايعرفه من الحياة شيئين فقط لا غير: النحو العربي والفقه الإسلامي! وصلت إلى أن تكون أطروحتي للتخرج هي " التفسير والتعليق على ألفيـَّة إبن مالك" ومقارنة أراء سيبويه بما يعللونه الكوفيون في النحو مثل الكسائي و المبرّد. خلال تلك الحقبة كنت أدرس، أحفظ، أتعلم وأخزن الكثير في كل مكان يناسب: في سراديب الفكر، في غرف القلب الأربعة، في الصدر وبين الأضلاع، في الأحشاء وفي الشرايين حتى أنني كنت قد أُتـُّهِمتُ بالشره والطفيلية ـ كل التاريخ والفلسفة والأدب العربي وإلى يومنا هذا، لم يفتني شيئ إلا َّ ما شاء الله ـ، كنت قد حفرته في كياني ـ. الميثولوجيا هي هوية وجنسية لكل حضارة، هي ذلك النبيذ المُعَتـَّق وتلك النكهة التي تعطي إسماً وشكلاً وجسماً لكل الوجود، تمنح الرائحة الزكية والزي الرسمي والتقليدي، تهب جماليات الزمان والمكان والسببية للزهو والشرف وكل قيم الوجود وميتافيزيقيته.  كل هذا يجعلني أستشف وجودي، المفعم بالفرحة والحزن وأرسم أبعاده الثلاثة باحثاً عن البعد الرابع، من الأُسطورة!
الغربة تجبرك على الإنصياع والذوبان فيما هو أبعد من المادة الهشة ويومياتها المخنقة، تجعلك تثابر كي تجد العلاج لجروحٍ وكسور وكدمات، تمنحك القدرة على الحصول على الإكسير الشافي الذي يعيد لك القوة والزخم اللاَّزِمَيْن للمضيئ أماماً. الأُسطورة هي راعية الغربة والغربة إذا لم تـُرعى تضيع وتضيع أنت معها! .الماضي هو الوجود بعينه! إذا قلت أنَّ شيئاً ما هو "الآن" فإنـَّه قد مضى! والحاضر، كل الحاضر، كل وجوده يتوالى في الماضي القريب ولا مناص له أبداً من ذلك. المستقبل هو أسطورة الماضي الذي فيه يتكررالحاضر، والماضي هو أُسطورة نفسه! "إذن"... إذاَ...فإنَّ آكل المرار هو أنا وهو أنت وكل من يتجرَّأ ويفرض وجوده فرضاً قسريّاً وقدريـّاً ولامحالة إلاَّ أن يكون. البعد جغرافياً وجسدياً مهما يكن من طوله وارتفاعه وعمقه وعرضه يبقى موصولاً بالروح، بالعشق والهيام والغرام، هذا الوصل يكون أعمق ما يكون عندما يحمل صليب البعد، عندما يتعدَّى المسافات ويختزلها فتصبح على قاب قوسين أو أدنى! فمن ثمَّة قبلة تحرق الشفاه وتمتدُّ إلى القلب فتجعل العين تدمع فيعود طوفان نوح وتغسل الأرض من كل خطاياها!
يا أخي مروان كلنا ماضٍ وكل ماضٍ هو ميثولوجيا الوجود! الحاضر هو تلك اللحظة التي قد مرَّت. الماضي هو الخلود!.

*انت المثقف والمبدع القادم من الشرق عشت المشهد الثقافي الغربي وعرفته عن قرب وتداخلت معه وكنت جزءاً منه لاكثر من ثلاثة عقود،. السؤال هنا : كيف تنظر الى دور المثقف العربي وحضوره وفاعليته في محيطه العربي بالقياس والمقارنة مع المثقف في الغرب ؟ هل من ازمة يعاني منها هذا المثقف ؟ وأين تكمن  هذه الازمة ،مع نفسه ؟ مع مجتمعه ؟ مع النظام السياسي العربي  ؟
-نعم، أنا الرجل الآتي من الشرق ليس إلا َّ. عشت وأعيش المشهد الثقافي الغربي، عرفته وتداخلت معه وبه طيلة هذه السنين، لم أبتلعه هكذا مرَّة واحدة، كما يحدث عادة مع الأكثرية، ولكن إستوعبته وأكلته مضغة مضغة، سرت خطوة خطوة، كل خطوة كانت لها أبعادها: بدايتها، مسيرتها، زمنها، عمقها، طولها، عرضها وارتفاعها. إنَّ كل تطور حضاري له صفاته وزمنه وليس من الممكن إلـْتـِقـَافـُه هكذا مرَّة واحدة. الثقافة الغربية هي مسخ جبار وعجيب، له أساليباً وطرقا تعجُّزيَّة تستطيع أن تبتلع كل شيئ دونما تترك له أثراً، لم أتواطأ معها بل كنت ولاأزال نِدّاً: خصماً، عدوّاً وصديقاً! لم أنتظر كي تعطيني بل أخذت منها ماأشاء، كانت تتكبـَّرعليَّ وكنتُ أذلـُّها، كانت تتحدَّاني وكنت أبارزها: في مَحْضََرِ الجميع أضرب وجهها بقفازي وأواعدها عند الفجر لإنهاء القضية بمبارزة معطيا لها حق إختيار السلاح والمساعد الذي تفضِّلـُهُ! وعند الفجر نلتقي ويبدأ النزال فأجرحها بالـ"متنبـَّئ" وترد بـ"لورنزو العظيم" أقطع نفسا من أنفاسها بـ" أبي العلاء المعري" وتردُّ بـ " دانتي"... وهكذا يطول الصراع حتى الغروب وكلـُّنا قد أخذ منه التعب والعطش والجروح ما أخذوا، نتوقف كرجلين نبيلين لنعقد الصلح أو أن نكمل المبارزة غداً! في أكثر الأحيان وحكماً  بما تقتضيه الحال يكون هناك نوع من التلاحم والتداخل فكل ماهو غربي يصبح شرقيا والعكس صحيح أو أن الكل يفقد حدوديته ويصبح التعبير الفكري خارج الزمان والمكان والسببية. مهما كان الشكل والاُسلوب وأينما قيل ولاَيِّ سبب كان، يصبح ذلك التعبير كونياً فيتعدى كلٌ مِنْ شكسبير وابن المقفع، دانتي وأبو العلاء المعري، جابر بن حيان إبن الهيثم الكوفي الجبري وإقليدس، الفارابي وسيبيليوس، حدود المكان والزمان والسببية. هكذا يصبحُ هؤلاء بلا حدود تحدُّهم ولا زمان يتسلـَّط ُ عليهم ولا سببيـَّةٍ تـُعَلـِّلُ وجودهم وفكرهم. هم أحرار، يتواجدون ويختفون، يرحلون ويعودن لا حدود توقفهم ولا زمان يتعداهم ولاسببية تعصب أعينهم أو تسد أفواههم. هم قد توحدوا بالحرية المطلقة إلى أبد الآبدين!
إنَّ دور المثقف العربي في الغرب محدود بصيغة أو بأخرى اللهمَّ القليل منهم من إستطاع اختراق الحدود. أما حال المثقف العربي في داخل وطنه " فالعياذ بالله!" إنـَّه محكوم قبل أن يتنفس، قبل أن ينبس بحرفٍ واحد. على مرِّ التاريخ نحن رأينا وسمعنا وقرأنا عن أًولئك الذين ثاروا ودفعوا الثمن غالياً، أذكُرْ معي يا أخي مروان كيف أُلـْقِيَ بإبن المقفع في التنـّوُر وهو حي وكيف أُحْرِقَ جوردانو برونو وهو حي، والحال لم تتغير عبر الزمن. حتى هنا في الغرب هناك ثمن يدفعه من يثور على القيود فكيف هي الحال في أوطاننا؟. في الوطن إمَّا أن تكون مهرِّجا أو أن تكون ببغاءً وإلاَّ! مَنْ ذاك الذي وقف في وجه أحد الحكام العرب "عرب بالإسم فقط" وقال لا، بأوسع ما تنفتح به شدقتيه؟ ومَنْ كان قد فعل، نحن نعرف ماانتهت به الحال إليه. إنَّ الأزمة التي عانى منها المثقف العربي ولازال هي أزمة لها شكلان بجوهرين، الأول المحيط الذي يعيش به من سياسة وتقاليد إجتماعية ودين مفسَّر على طريقة المنفعية والسيطرة والأخذ بزمام الحكم وفرض ما تشتهي نفس هذا وذاك من الحكام ورجال الدين. الآخر هو النفس والضمير، العقل والقلب، تلك الخلفية المليئة بالمأساة والقمع والأبتزاز التي يعاني منها المثقف العربي. طالما تابعتُ وقرأتُ وكلما وجدت مايستحق وما يمكن الأخذ به يكون قد ضاع واختفى. الكثير منـَّا في الخارج ومنهم في الداخل يأمل! ولكن هل ياترى من منقذ أو أنَّ قدراً ما يخرجنا؟ أو أنَّه كما يقول المثل الإيطالي:" مَنْ يعش مُؤَمِّلاً يموت مُنـْفـَجـِراً"!
*الشعراء العرب منذ النصف الثاني من القرن العشرين كتبوا الكثير من البيانات والتنظيرات الشعرية التي تؤسس لنماذج كتابية جديدة للنص الشعري ومن المؤكد انك قد اطلعت عليها . هل تجد هذه الكتابات كانت تقليداً وتأثراً بشكل واضح  بتجارب غربية أم انها كانت محاولات اصيلة لكسر الجمود الشكلي الذي رافق الشعر العربي بصيغته التقليدية ؟
-إنَّ الطفرة الأولى في التجديد ( والتجديد ليس غربياً أو شرقياً) كانت لبدر شاكر السيَّاب ولنازك الملائكة لنشرهما لأولى قصائد الشعرالحر وذلك في سنة 1945 ـ 1946. ذلك التجديد كان عبارة عن كسر وتحطيم القصيدة العمودية السائدة وذلك بعدم الإنقياد بعدد التفعيلات الموجودة والمحددة في البحر الواحد من بحور الخليل الستةعشر واستعمال مايجوز فيه من خبنٍ وطيٍّ وما إلى ذلك للتفعيلة نفسها، بل إلى هذا أضف أنـَّهما كانا قد إعتمدا على مايسمى بكسر التفعيلة نفسها وإجازة التدويرأي:
مستفعلن مستفعلن مستفعلن ـ.ـ.ــ./ ـ.ـ.ــ./ ـ.ـ.ــ.
مستفعلن مست ـ.ـ
ـ فعلن مستفعلن .ــ./ ـ.ـ.ــ.
مس ـ ـ.
ـ تفعلن ـ.ــ.
...إلخ.
أوائل القصائد للشعرالحر كانت تـُنظم على البحور الصافية أي التي تحتوي على تفعيلة واحدة متوالية: مستفعلن مستفعلن...، وليس على البحور المختلطة أي التي تحتوي على تفعيلتين مختلفتين: مستفعلن فاعلن أو فعولن مفاعيلن. .من بعد ذلك بدأ الشعراء بتوسيعهم لهذه الثورة في شكل القصيدة العربية بحيث أضافوا أشياء أخرى لم تكن نازك الملائكة نفسها راضية عنها! بالأحرى كان يجب عليها أن تفكر بأنَّ من فتح الأبواب وكسر القيود سوف لن يتوقف أمام المتاريس والعوائق المقبلة، بل أنـَّه سوف يواصل الطريق بكلِّ ما يحويه من المخاطر والوقعات والسقوط والعلو. إجمالاً كانت هذه هي الخطوة الأولى. .إنَّ إحدى الميـِّزات الأساسية واللازمة لكي يكون ما نكتبه يسمى قصيدة وليس أي نتاج أدبي آخر هو الوزن ـ الموسيقى " هذارأيي". هذه الموسيقى، هذا اللحن وهذه الغنائية  هي التي تعطي القوة القصوى للكلمة كي تخترق العوائق والجدران الإسمنتية المسلـَّحة وتصل إلى الأعماق. بهذا فالكلمة لاتكون هي الواسطة للتعبير ولكن الموسيقى التي تغلـِّفها وتحتويها فتجعل منها الغاية التي موقعها في الأعماق. الكلمة هي كالفكر تتواجد في كل زمان ومكان، فإمـَّا نائمة وإمـَّا هي في سباتٍ عميق:ـ هذا الشاعر قال ماكنت أفكِّرُ به!... وذاك المُهَلـْهِلُ غنـَّى ما عجزت أن أُصْدِحَ به! الموسيقى هي لغة كونية وعندما تحتوي الكلمة  ـ(المُتـَّفـَقُ عليها مِنْ قِبَلِ مجموعة مِنَ البشر) ـ ، تجعلها متـَّسِمة بكونيتها فتقضي على الحواجز والعوائق كلها وتصبح الكلمة روحاً لا يحدها شيئ على الإطلاق. لم أتوقف في يوم من الأيام عن مواصلة القراءة والإطـَّلاع على كل ما يجري سواءً في الوطن العربي أم في الأنحاء الأخرى من العالم، لذا فمن خلال تواصلي وجدت الكثير، منه ما اعتبرته تجربة فاشلة لأنها تقليداً أعمى للآخرين لا لشيئ بل لمجارات " الموضة" ومنه ما  اعتبرته قابلاً للتعامل معه. التجديد يجب أن يكون ومن دونه سيطغي الموت والتحجر. وهذا التجديد يجب أن يكون في كل زمان ومكان ولكن القضية وما فيها أن هذا التجديد يجب علينا أن نفهمه أن نتدارك محتواه وشكله بصيغة موضوعية وليست إعتباطية.
النص المكتوب دون الموسيقى يسمى نثراً والمسرد منه يسمى رواية أوقصَّة أو أي تسمية أخرى وليس بالشعر. شكل التعبير مهما يكن ومهما سمي تجديداً كان أم تقليدا فإنَّ محتواه يجب أن يصل الى الغاية وإلا َّ كان تعبيراً مبتوراُ، أعرجاً، مشوهاً! " بالمناسبة، التشويه هو نوع من التعبير، أليس كذلك يا أخي مروان؟!"

*على هذا : أنت مازلت تحتفي بالغنائية وتعدها مرجعية فنية يتنفس فيها نصك الشعري حريته  ؟ وضمن هذا الاطار ايضا ،ماهو رأيك بالتجارب الشعرية العربية التي باتت تستثمر السرد في بنية النص الشعري ؟
-أظنني قد أجبتك عن هذا السؤال بالذي قلته من قبل، ولو بطريقة غير مباشرة، ولكن لاحرج أن أحكي: إنَّ خمرة الشعر هي غنائيته وخمرة القصيدة ليست أيَّ خمر محرَّمةً أو محلـَّلة كانت، بل هي موسيقيتها التي بدونها لا يمكن أن تكون القصيدة. أيَّ نصٍّ نقرأه نقول عن هذا قصَّة وعن ذاك نثرا وعن ذلك مسرحا وآخر نقول عنه سردا بسيطاً ... إذن والحال هذه فإنـَّنا قد اعتدنا " والعادة، يا أخي مروان، العياذ بالله منها!" على أن نسمِّي الأشياء بأسماء سمَّيْناها، فهل يمكن التغيير؟ نعم يمكن أن نغيِّر، حتى وإنْ كان تغييرا غير معقول"كمسرح اللاََّمعقول": نسمِّي البقرة باسم " أنا ـ Io" وهي إحدى عشيقات الإله جوبتر وأن نسَمِّي أيَّ شيئ بأيِّ إسم كان. التسمية ليست مهمة بهذا القدر بل هو مضمون النص وما يرمي إليه. مثلا: في الفن خاصة والأدب عامة " في الغرب خصوصا" تطلق تسميات على العمل الفني أو الأدبي، هذه التسميات ثابتة وغير قابلة للتغيير مطلقا، فأنت تسمي هذا النتاج الفني أو الأدبي كلاسيكيا وذلك حسب مرجعية صفات معينة كانت قد ثـُبـِّتـَتْ من قبل ولا يجوز تغييرها. مثل" أن العمل الكلاسيكي يسمى كذلك لأنـَّه يكون تقليدا تامّاً للطبيعة" وهذه هي إحدى خصائص الكلاسيكية. وذلك العمل هو من المدرسة الكلاسيكية الجديدة لانـَّه يحتوي على خصائص أخرى لا يحتويها العمل الكلاسيكي... وهكذا من الكلاسيكية الجديدة الى الفيَمِّنـﮔو ومن هذا الى الرمزية والى الإنطباعية و... الى ... فكلٌ له خصائصه شكلا ومضمونا. كذلك ما يتعلـَّق بالشعر ـ " رأيي" ـ هو أنَّ الغنائية ـ الموسيقية ـ هي الواسطة الأكثر لازِمِيـَّة بل من المستحيل الا َّ ترافق القصيدة. مع ذلك، إذا سألتني: هل هنال من نصٍّ يستطيع أن يكسر القيود ويتعدى الحدود كلـِّها وهو ليس بالقصيدة التي اعتدنا تسميتها؟ أقول نعم. بل هناك ما يفوق ذلك! ولكن سمِّهِ ماتشاء وليس بالقصيدة.

*بينك وبين العراق فاصلة زمنية شاسعة هل كنت تتابع مايجري في المشهد الابداعي ؟ وفيما لوكنت متابعاً له ، هل  من ملاحظات عليه ؟ خاصة  بعد العام 2003 ؟
-نعم. هذا ما أعتقد أنني قد أجبت عنه من قبل أيضاً، ولكن أقول أنني تابعت كلَّ صغيرة وكبيرة، ما كان سلبياً وأيجابياً، لاحظت الكثير ولكن، قبل التاريخ المشؤوم ـ المـُنـْتـَظر! الذي ذكرته كان السكوت والقمع هما الأقوى وبعد ذلك كانت الشذرات هنا وهناك. براعم أرجو لها أن تكبر سريعاً، براعم منتشرة بين الكثير من الموت والحطام  والرماد، بين مخلـَّفات وسموم أرجو أن تتحول إلى سماد وعون كي تنمو البراعم وتـُورق وتـُزهر.

*هل لديك نية لزيارة العراق او العودة اليه ؟ أم ان العراق امسى جزءاً من الذاكرة وجزءاً من الماضي البعيد ؟
- نعم، سَأعود! أنا رجل يسكنني الحزن والعتاب! هذا الحزن ذو أنفة وكبرياء، كما العراق ذو أنفة وكبرياء, والعتاب به ألم وحسرة، كألم وحسرة أرض العراق وسمائه، الحزن لا يأكل إلاَّ من طعام راقي الصنع ولا يشرب إلاَّ من دجلة والفرات! العتاب اختناق وغصَّة وتعلثم، كلمات متقطِّعة تكاد لا تـُسمع، حشرجة بها لوعة ومأساة، أنين آتٍ من  أبعد الأبعاد وحرقة تـُفـْحِمُ القلب! . العراق ليس ذكرى، بل هو وجود خالد إلى ما شاء الله. الذكرى هي أنا: رجل ولد ومرَّ في أحشاء العراق وهو راحل غداً، والعراق باقٍ إلى ماشاء الله. أنا إبن من أبناء الرَّافدين الثائرين... آهِ لو تعلـَّمت الثورة بسلاح غيرالقلم والفرشاة والإزميل! هناك من يقول: سلاحك أقوى أجمل. ربَّما، ولكن،يا أخي مروان، قد أثرت مالا يجب إثارته وأطعمت للنار عظاماً تكاد تكون رماداً.

 


-   روضت الغربة وصنعت منها خوذتي ولوحتي 


-   تعلمت الكثير من دالي برغم انه كان يرفض أن يتكلم معي عن الفلسفة


                               حاوره : مروان ياسين الدليمي / الموصل

أنت القادم من شرق مُبتلى بالعسس،أن تكون متمرداً ومتماهياً مع ذاتك وانت ماضٍ في دربك الطويل الذي اخترت فيه الاستيقاظ في خرائط مدن لاترتوي الاّ من كؤوس الحرية والحداثة سعياً منك للامساك بصولجان الرؤى، كنت ساعتها على موعد مفاجىءمع من شاء أن يُسقي عشبة الفراديس في ذاكرة الانسان ،على موعد مع حلم ٍباذخ كان يبدو بعيداً في محطات الغربة. . فأن تفتح عينيك لتكون في قارب واحد مع بداية المغامرة برفقة روفائيل البرتي وسلفادور دالي وبيكاسو ! دون ان تخطفك الدهشة وانت تخطو اياما ًوليالٍ معهم في مساحات مُلونة تكتبها تعابير متشابكة دفعة واحدة . فهل سيكون هذا أمراًعابراً في كثافة الايام العابرة.  إياد العبّار شاعر ورسام واكاديمي عراقي الاصل  يقيم في ايطاليا منذ اربعة عقود ويُدرِّس في جامعاتها. . مدينته الموصل التي يقول عنها "عشيقتي في السراء والضراء " غادرها في مطلع العقد السابع من القرن العشرين ولم يعد إليها رغم انه مايزال يحلم بدجلة والفرات كلما وضع رأسه على الوسادة كل ليلة . العبَّار غادر العراق عابراً البحار والمحيطات بحثاً عن المعرفة في مجهول الازمنة والامكنة البعيدة ،حاملاً حقيبته على ظهره وهويشيح بوجهه للحرائق التي بدأ يستشعر انها قد امست قريبة وستأتي ، متجها الى مصر ، ليدرس فيها ومن ثم لينتقل الى ايطاليا ليكمل دراسته العليا للفن هناك وليبقى فيها حتى هذه الساعة .
أقام العبار معارض شخصيةلأعماله الفنية من رسم ونحت في جميع أنحاء أوربا،بعض منها تتواجد في متحف الفنون للفن المعاصر في نيويورك، وكذلك في اليابان وأيطالياوفرنسا وإسبانيا وألمانيا ،أكثرمحاضراته عن الفن والأدب والدين والفلسفة تم نشرها في معظم المجلات والصحف الاوربية وفي دور النشر الأكاديمية التابعة لمختلف الجامعات،كمانشرالعديد من نتاجاته في دور النشر الاوربية ،من قصص ودواوين شعرية ودراسات،ايضا له مسرحية شعرية بعنوان: الشيخ والفنار كانت قد نشرت في إيطاليا باللغة العربية والإيطالية. كما أعاد كتابة ملحمة جلجامش شعراً وكلفه ذلك ثماني سنوات من عمره ،وله ايضا مجموعات من القصائد والقصص التي نشرت في صحف ومجلات اوربية وعربية منها :
الحصار ـ قصة ـ باللغة الإيطالية 1991ـ دار النشر ـ پالا َّديو ـ
الفريسة ـ قصة ـ  باللغة الإيطالية 2001 ـ دار النشرـ جانكارلو دزدِّي ـ
جروح في قلب الزمان ـ مجموعة شعرية ـ باللغة العربية والإيطالية  2002 ـ دار النشر ـ آنـَنـْكي ـ  .
التقينا بالشاعر والفنان التشكيلي المغترب إياد العبار واجرينا  معه هذا الحوار . . .

*اولا وقبل أن نبدأ بالحديث الذي إنْ بدأ فلن ينتهي ، أود ان اطرح السؤال الاتي على اياد العبار: - بعد هذا الابحار الطويل في سفر الحياة، والشعر، والرسم ، متنقلاً مابين مدن وقارات تفصلها ازمنة وحضارات ، من انت ؟
- قبل أن أجيب على أسئلتك، أود أن أشكرك على هذا الإهتمام وعلى هذا الإطراء. لقد أيقظت فيَّ ما كان قد سَبَتَ منذ حين طويل. شكراً جزيلاً يا أخي مروان. . من انا؟! ليس غريبا عليّ هذا السؤال، وإجابتي الصادقة والصادقة جداً هي أنني لا أعرف. كل ما أعرفه هو أنني كنت قد بدأت ولم أنتهي بعد. بدأت بالعلم والدراسة ولمَّا أنتهي. كنت أُلاحِقُ ولاأزال كل ما يشدّني إلى المعرفة. إيماني الوحيد هو أن الخلاص يكمن في المعرفة والمعرفة لها قوانين ومقامات: الصبر والعزيمة، الطاقة الكبيرة من التحمل والإصرار، الإنفعال والغضب واحتراق الأعصاب، الفرح والحزن، الكراهية والأنحباس في عوالم الشوق وأغلال التتيم حتى النخاع، تواصل الرحيل فكريا، أخلاقيا وجسديا من مقامة إلى أخرى ومن فكر إلى آخر حتى تترابط  وتتسلسل الدرب دون انقطاع ودون توقف، كل ذلك يتوجب العشق والحب وهذان لن يكونا بدون ألم ومعانات وشعور بشيئ من الجوع والبرد والخوف، بالكثير من الألم والحرمان والحاجة، العيش على مبدأ الخسران: أنت تخسر كي تحصل وأنت تحصل كي تكبر وتكبر كي تستعيد ما خسرته بطريقة أو أخرى. ل

68
مساحة ُ الدهشة ِ والانزياح ْ. .
 في العرض المسرحي الجان والمجنون .


الخروج من ذاكرة المتلقي
                                                       
                                                                        مروان ياسين الدليمي / 

تأليف واخراج : بيات محمد مرعي
تقديم             : تربية نينوى
تاريخ العرض : 16/4/2012
مكان العرض  : قاعة فرقة مسرح قره قوش


الخروج من ذاكرة المُتلقي
مشهدية العرض المسرحي المعاصر في مدينة الموصل تكاد أن تنحسر بشكل واضح في تجارب معدودة يمكن الاشارة اليها بعيدا عن السقوط في الارتباك والغموض اللذين يمكن ان يصيبا الناقد فيما لو كان يتحرك بقلمه النقدي في مشهدٍ مزدحم ٍ بتجارب مسرحية عديدة  تتحرك في اطار الخروج عن النمط المُتراخي والمُتأكسدِ في حدود بركة التحليل والتفسير للنص او للعرض المسرحي دون ان يسعى هذا المشهد  الى تحقيق ازاحات فنية وفكرية يقف العرض المسرحي عليها من اجل ان يكون كتابة جديدة بصرية وسمعية .
إن مدينة مثل الموصل يمكن الولوج الى المساحة المتوهجة فيها دون عناء وذلك لندرة العروض التي تنهل من مُنحنيات القراءات المُستنطِقة لِما وراء الدلالات المَبثوثة بين أسطر الجُمل والصُور المسرحية التي يحملها النص الادبي . وغالبا ما تصبُّ مُجملُ العروض في قوالب فنية مُدونةٍ في ذاكرة المُتلقي، وهي لاتخرج عن استغراقٍ ٍ احتفالي بالنص الادبي لاغير ! بما يَحملهُ من افكارٍ وصورٍ تستمدُّ حضورها من  طاقة الوضوح دون ان ترحلَ نحو الاستغراق في تفتيت المؤطِراتِ المُتمظهِرةِ  التي عادة مايتخَلجَنُ المؤلفُ فيها ويُضفي عليها هالة ًمن  القداسة ، وهذا المُعطى لايقتصرُ أمرهُ على الموصل فقط بل يشمل العاصمة ايضا ولكن ليس  بالصورة التي تندرج عليها العروض في المحافظات . وهذا لايعني أن النشاط المسرحي خارج العاصمة مستمرٌ في ركوده الفني على مستوى الاساليب ، ذلك لاننا بين فترة واخرى نجد انفسنا ننتقل عبر عرض مسرحي جديد هنا او هناك  الى زمن مُتدفق ٍ يطرقُ جدار الركود والصمت ليزرع في زخم ماتكدّس من اسمال ٍ مسرحية غيمة ًماطرة تبعثُ الامل بومضةٍ أشرقت  على وجه عشاق الفن المسرحي ومتذوقيه..


تشفير الفضاء المسرحي
من بين العروض الجديدة التي استوقفتني خلال الايام الماضية مسرحية الجان والمجنون للمؤلف والمخرج بيات محمد مرعي فهذا العرض قد كثف مساحة الامل بما يُمكن أن يحمله المشهد المسرحي الموصلي من طاقة شعرية مُبهرة  تمتلكُ الكثير من عناصر الاختزال والايحاء والتأويل . ليصبح بالتالي هذا  العرض صياغة فنية غير تقليدية ازاحت ومضاتها الخاطفة التي اثثها مَرعي بمُخيلة ٍمجنونة ٍ إستَقت ْ تشردها وانتمائها في آن واحد من روح الشِعرْ الذي يدرك اسراره بيات محمد مرعي وهو الكاتب القصصي والروائي الذي يكتب جُمَلهُ عادة وهي معبأة بخمرة الشعروليقتحم بها ذائقة المتلقي المسرحي التقليدية في رؤية الاشياء الواقعية على المسرح وهي تمضي في تشكيلات غير مأهولة ٍ ، حتى ان الدفوف التي كانت مُلازمة للمجموعة شكّلت  عنصرا اساسيا في بناء العرض مع الشخصية الرئيسية ( المجنون ) باتت تحمل  وظيفة درامية تنطوي على هاجس جمالي يذهب بها الى محمو وظيفتها التقليدية كما هو شائع في المناقب والموالد لتواكب بانزياحها الدلالي هذا التشكيلات البصرية  التي تنوعت منها المدلولات التي حمّلها اياها المخرج في كل خطوة كان العرض يخطوها الى الامام وهو يجنح في رسم ذات المجنون واحلامه الانسانية البسيطة في العيش بوطن آمن يوفر له لقمة خبز وهو يصرخ : - انا جائع.     بساطة ُ الحلم الذي كانت تكتنزهُ ذاكرةُ المجنون ( سعيد) وهو يواجهُ حياة ًشقية ًيتنقل فيها بين القبور والاموات بينما كانت اصوات خفية مُرعبة تأتيه وتلاحقه من أزمنة مُتداخلة تتأرجحُ مابين الوهم والواقع ، الماضي والحاضر، أوحت لمُخيلة المُخرج مَرعي ان تُبقي فضاء الخشبة خالياً من قطع الديكور باستثناء عدد من المكعبات الصغيرة التي أمعن في تشفيرها وهويستثمرها في خلق توليفاته ِالصورية مع مصابيح الليز والدفوف وليفجر في لحظات العرض المتتابعة مُناخات مُتخيلة مُتتالية تعكس الصراع الداخلي المتوتر الذي كان يعصف بذهن وذاكرة المجنون سعيد .  من هنا فقد نأى  التشكيل السينوغرافي للعرض عن حبكة المفردات الصورية الواقعية وعَلّق ثيماته ِفي ما يمكن أنْ تنتجَهُ المخيلة ُمن تخيلات موغلة ٍفي الدهشة والغرابة عبرأدوات ٍ بسيطة ومحددة  وإلى أن تكون الخشبة مساحة رحبة تتحرك فيها المجموعة على هيئة اشباح وهي ترتدي  زياً مسرحياً مُوحَداً يتراوح لونه مابين الاسود والابيض وهو يغطى جسد كل فرد من افراد المجموعة حتى وجوههم التي مُسِخَت  واختفت وضاعت ملامحها لتبدو بشكل ٍ واحد وملامح واحدة . هذا الاختزال الذي كان سمة هذا العرض استثمر القيمة الدرامية للضوء في ازاحاته التعبيرية التي فكَكَ الضوءَ بتدرجاته ِاللونية ، العوالم الثُنائية المتضادةَ والمتصارعة مابين الذات والعالم والتي اختزلتها بؤرة الصراع القائم مابين سعيد والمجموعة فكان الضوء ملفوظة بصرية تتحرك داخل متن الحكاية الدرامية وليس على الهامش منها ، ولم يكن للعمل من دونها  ان يوصِلَ جملتَهُ البصرية التي اطلق من خلالِها مِعمَارهُ الفني المعبأ بالدهشة .
ان هذا العرض المسرحي الذي تحرك نسيجه الدرامي في لوحة بصرية أنيقة ٍ دون بذخ ولاإسراف إنتاجي ، استطاع أن يُزيح عنّا  حالة التساؤل  والشك التي باتت تُصاحبُنا نحن المسرحيون  خلال الاعوام القليلة المنصرمة حول  جدوى الفن المسرحي ؟ ومالذي يمكن ان يدفع المتفرج للذهاب الى صالة العرض المسرحي بعد ان  امتلك الفن  السينمائي امكانات تقنية هائلة وفرتها له التقنية الرقمية  مكنته من تقديم كل ماكان يبدو مستحيلا قبل عدة اعوام ؟ .
في هذا العرض تلمست الجوابَ عن هذه الاسئلة ، وانزاحت بقدر كبير تلك الشكوك بجدوى الذهاب الى العرض المسرحي ،  فلقد كشف هذاالعرض عمّا يمكن أن يصل اليه المسرح من مساحات واسعة ورحبة في الرؤية الفنية واشكال التعبير عنها قد لاتستطيع السينما ان تنافسه فيها اذا ماأخذنا بنظر الاعتبار محدودية المكان الذي تُنسَجُ فيه عوالم فضفاضة تتفجر منها صور انسانية . .


طواعية الجسد في الاداء المسرحي
اما فيما يتعلق بالاداء المسرحي للممثل الرئيسي في هذا العمل، الفنان احمد الجميلي ،  فلقد تمكن الجميلي ان يمنح الشخصية بُعدها الانساني وهو يتحرك برشاقة وحيوية على الخشبة وكانت قدراته الجسدية ولياقته البدنية قد أسعفته بذلك ، وهذا يعني ان الجميلي يُدرك تماما ان الدخول الى التجربة الانسانية في العرض المسرحي بكل ابعادها تستدعي اقتفاء التفاصيل والافعال دون تعقيد ودون اللجوء الى الاسراف في التعبير والمشاعر وهذا ماسيؤدي بالتالي الى لحظات آسرة في آداء الممثل وهو يتحرك بكل حرية مابين الحلم والواقع ،ومابين المتخيل والملموس ، واذا لم يكن جسد الممثل رشيقاً وبدنه مَرِناً ومطواعاًُ فلن يتمكن من تفجير الحياة ونبضها في جسد الشخصية التي تتحرك على الخشبة .
 كما اختصرت الممثلة غادة التي ادت شخصية سعيدة شقيقة المجنون حسرَتنا على غياب العنصر النسوي من النشاط المسرحي الموصلي خلال الاعوام الماضية واكتملت بحضورها جوقة المبدعين الذين ايقظوا فينا مشاعر من الحب والعشق للفن المسرحي كانت قد خبت جذوتها بفعل كم من العروض التي لاتخرج عن سياق التكرار والاجترار  لعروض مسرحية  سابقة .

69
إخترنا لكم / المُمَثِلونْ ..
« في: 16:57 23/04/2012  »


المُمَثِلونْ  ..  
 

مروان ياسين الدليمي


  اهداء / الى كل ممثلٍ مسرحي


"نكونْ أو لا نكون ْ
ذلكَ هو السؤالْ ".  .*
أصواتُنا  تَهمي مِن أقداحِ ِ يقظَتِنا ،
ننسُجُها  ُ: أقنعة ً
أبجَديّةَ َ مَرايا
حَيواةًً تَنبِضُ فيها الروحْ  
مَلكا ً مخدوعا ً  يَهِيمُ على وجهِه ِ،مطعوناً في شيخوخَتِه ِ
إمرأةً ألمانية ً، تُواجِهُ هَمجية َ الحَربِ بشجَاعةِ  الانبياء ْ
أُميراً دانماركياً يَنقصهُ الاِقدَامْ
فُقَراءَ يَدفنونَ أحلامَهُم في حَضيض ِ روسيا القيصيرية ْ
مُشعوِذِينَ يَرتَقونَ سَلالمَ السُُّلطةْ بِشكل ٍ خَاطفْ
نُبلاءَ يَخونُهُم أتباعُهُمْ
فارساً مغربيا ً يُقتُلهُ الشّكُّ مِن فَرط ِالعِشق ْ
غُزاةً  مُبتَهِجينَ ، يَلتقِطونَ صُورا ً للذكرى وهُمْ يَرفَعونَ إشارة َالنصر ِ
على مؤخِّراتِ الضّحايا .

هي مَسَاقِط ُ ضَوءٍ نَسكبُها مِن عُشبِ أرواحِنا  
الليلُ فيها  يَرمي َصمتَه ُ
يَستدلُّ على وجهِهِ
يَرتدي ثوباً مُرصّعاً بالنجوم ْ
كُلما ضَاقَت الايامُ على الخَلق ِ في المُدنِ الواسعة  المُنتَظرة ْ.

من نكونُ نحن ُ في هذا السِفْر المُتقلّبِ
بينَ الظُلمة ِ والضوء ْ
بين قناع ٍوقناعْ
بين الرؤية ِوالجُرحْ
بين اليقظة ِ والحُلُم ْ   . . ؟
من نكون ُغَير َ أطفالٍ نُخبّىء في جيوبِنا  مُعجِزات ْ
لاأحدَ يعبأ بِها سِوانا
من نَكونُ نحنُ غَيرَغُرباء يبتسمونَ في غُربتِهمْ
من نكونُ نحنُ غَيرَ مُدن ٍ للتأمُّلِ  لاسأمَ يَسكنُ  فيها  
أجسَادُنا  
بِها نَهتكُ  ُظلمة َالمرئي
نُقيمَ  شَجرَ المَعنى .  . .
ماكانَ لنا بَحرٌ في صحراءٍ نَمضي بِها
ماكانَتْ لنا أرضٌ
ماكانَ لنا بيتٌ في اغتِرابِنا . .
كانَ لنا ماسيكونْ
وَمالمْ يَكُنْ  
ومايَنبغي أنْ يكونْ . . .

كانَ لنَا ماينأى الاخرونْ عَنهُ
كانَ لنَا قلقٌ لانفارِقَهُ ولنْ يُفارِقَنا ،
نقيمُ فيهِ ويُقيمُ فِينا
نَتوقُ اليهِ إنْ غَابَ عنّا  . . .

نَحنُ كواكِبُ شاردة ْ
بَراءَتنا إحتَسَتْها البِلاد ُخلفَ الكواليسِ ِ
جُرعةً ً
جُرعة ً
فَبِتنا على شَكلِها ولونِها ومَقاسِها ،
بحلوِها ومُرِّها وحموضَتِها    
فكانتْ لنا  وكنّا لها في خِتام كُلِّ مَشهد ٍ ، طَعنة ً ٌفي الحُنجرة ْ .
نحنُ الممثلونْ
نحنُ الهائمونْ
نحنُ الباذخون ْ
نحنُ الطّالعون مِن نبوءات ٍ ثيابُها طَاهرة ْ
موحِشا ًبعدَ اسدالِ السِّتار كانَ الوقتُ يدورُ مِن ْ حَولِنا .

•   جملة شعرية شهيرة لشكسبير في مسرحية هاملت .

                                                                                              13/4/2012

70
تهشيمُ العلامات الارسطية

  قراءة نقدية لتجربة المخرج المسرحي بشار عبد الغني

                                                                                                                مروان ياسين الدليمي
يمثل بشار عبدالغني  صورة واضحة لافاق المشهد الاخراجي في المسرح العراقي الحديث في مدينة الموصل ، مسرح  يطلق العنان لسلطة التاويل وهو يسعى لتأسيس فضاء  جديد لخطاب  ألعرض المسرحي . ان هذا المخرج الشاب يهدف في مشروعه الاخراجي : الوصول الى ما هو جوهري . من خلال اكتشاف العناصر الجمالية  والتجوال داخل اهتزازات الروح . وعلى الرغم من قلة اعماله . لكنها تستقر بنا الى قناعة واضحة: بان هذا الفنان حينما يتصدى بكل طاقته الانسانية لخشبة المسرح فهو يسعى لتأثيثها بتراكيب وانشاءات حاضنة لانفعالاته الذاتية المختزنة ، وهو يختلف عن غيره باستنهاضه للمقاربات الجمالية التي تسير الى مقاصده التجريبيـة . عندما يلعب لعبته على المسرح ، ومع كل ما يفعل فهو يرتـمي في عوالم كبيرة جداً لكنه يصر على اختزالها ،وهو  بنفس الوقت ينفتح عليها بكل طاقته العاطفية ، وعادة تتسم عروضه بطغيان التشكيل على مساحة واسعة من سينوغرافيا العرض  مستوعبة بذلك كل علامات واشارات الخطاب المسرحي .. ومن هنا يمكننا القول ان بشار قد اقترب خطوة خطوة من اكتشاف خبرته الجمالية ، وكان للقراءة المستمرة والاطلاع على تجارب الاخرين : الميدان الذي حرره من قيود المتوارث من الاساليب والمعالجات ، وبدأ يمضي باتجاه آخر ، ومسارات اخرى،  لم ترسمها فرشاة العملية الاخراجية في مدينة الموصل ، كما اعاد صياغة الاسئلة الاخراجية في نتاجاته المعدودة  ليصل الى ما هو ابعد مما هو مرئي ، وبدأ واضحاً هذا الخطاب الجمالي الجديد في عمله المسرحي (رحلة الطيور الخشبية) التي سعى من خلالها الى بناء منظومة انساق مشفرة  تهيمن عليها العلامات التي تضع المتفرج في موقف حرج وتقذف به الى شواطىء التأويل وهو يسعى من خلالها الى التجوال مع الشخصية التي رسمها في دروب الاسى – داخلاً وخارجاً – وانتج بعمله ذاك عجينة ثنائية للوطن والمنفى ،  الشرق والغرب ،  المادة والروح .
لقد حاول بشار منذ بدايته الاولى ان يسبغ على مشروعه الفني شكلاً مشتعلاً بالحداثة  حاول من خلاله ان يستنهض كل جماليات الواقع الكافر ثم لينقلب عليها ويجد لها معادلاً صورياً احال المفردات الواقعية الى ارتباطات متشابكة  ولو شئنا العودة الى نقاط الشروع الاولى والتأسيسية للفضاءات الجديدة في المسرح العراقي والتي كانت افتراقاً جمالياً ورؤيوياً للمهمة الاخراجية، فلا بد لنا ان نتوقف عند عراب الحداثة في المسرح العراقي  المخرج صلاح القصب – الذي وضع اللبنة  الاولى لنهج تفكيري جديد تصدى لكل المفاهيم التقليدية المستغيثة عادة  ( بالحوار ،ووحدة المكا ن والزمان ) . وليفتح الباب واسعاً بهذا النهج امام سلطة جديدة تسعى لتهشيم  التمركز الكائن في مرئيات الواقع والاقتراب نحو الحدس كشكل وآلية للمعرفة الذهنية المجردة  للوصول الى الحقيقة ، هنا اصبحت الذات هي المنطلق للتعبير عن كل الاحباطات  والهواجس  والاحلام والعوالم المحيطة .
ان هذه الثورة الفنية التي اعتمدت على التخاطب "الصوري" حلقت بالعرض المسرحي الى افاق عالية جداً بعيداً عن "الشيئية" لتصبح لغة المسرح لغة اخرى لا تسقط في المناهج المعيارية المتوارثة  بل أسست خلاصاً بصرياً ذي منظومة لغوية خاصة .
لقد كان لهذا المشروع الحداثوي في المسرح والذي بدأت تتضح معالمه في ثمانينات القرن الماضي على خشبة المسرح العراقي ، وبدأ يزج بكل ثقله في تسعينات القرن الماضي  أن يطيح بكل مفردات ومفاهيم المنطق الفني للمسرح الارسطي والذي ظل يهيمن على السياق العام  للمسرحي العراقي منذ التاسيس وحتى مجيء المخرج صلاح القصب ،  وهكذا شهدنا اسماء كثيرة ولِدت من رحم هذا التيار الجارف وشكلت تقاطعاً حاداً مع ما سبقها من اجيال وتجارب  والمخرج بشار عبد الغني  من  بين هؤلاء الذين حلقوا بعيداً عن القياسات الارسطية التي قيدت المسرح العربي عقوداً طويلة والقى بنفسه خارج المنطق الموضوعي للاشياء وهو يتلمس طريقه الفني على خشبة العرض  في محاولة منه لتاكيد اللامنطقي واللامعقول في حركة الاشياء المرئية / المنطقية ..


اننا عندما نعاين البناءات الجمالية لهذا المخرج الشاب  نجده يهشم كل العقد والعلامات الارسطية من احشاء النص المسرحي . ليبدأ هو في صياغة نص آخر لا يصلح للقراءة اكثر مما يصلح للمشاهدة هذا النص الجديد يحمل لغة مشفرة تعطي الذات السلطة الكاملة.
لتوليد الصور بلا حدود وليلعب الخيال لعبته الحرة في تكوين انساق العرض  ولتصبح الصورة اكثر الانساق تاثيراً في العرض  لانها تصدم ثوابت وافاق المتلقي لما تحمله من تكوينات حركية مشفرة تنقل الخطاب المسرحي الى مستويات عليا من الدلالات .
ان براعة بشار في قدرته على التحويل الثوري للعلاقة الايقونية مع الاشياء الملموسة . ليجعل من التشفير هو القانون الذي يحكم العلاقة بين كل الاشياء إذ لم تعد مفردات  العصي الخشبية  والماسحات وجسد الممثل  والسرير  بنفس الوظـيفة الواقعية المتداولة . بل بدأت تأخذ ابعاداً ودلالات اخرى اكثر فاعلية ولتصبح  حاملة لمستويات متعددة من المدلولات والاشارات التعبيرية .
ان المخرج بشار يوغل كثيراً في تشفير انساق العرض المسرحي (السمعية والبصرية) لينشىء خطاباً مسرحياً معباً بالدلالات  والتي ليس من السهولة فك رموزها ،  فالامر هنا يقتضي من المتفرج جهداً ابداعياً للامساك بها  وهذا يعود الى ان العرض المسرحي لدى مخرجنا ممغنطاً بالكثير من القيم الرمزية ذات الامتدادات اللامتناهية والتي تجعل الخطاب المسرحي بانساقه المشفرة مفتوحاً على مستويات تأويلية متعددة.


سيرة ذاتية للمخرج بشار عبد الغني :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تولد : 1968 موصل
بكالوريوس من كلية الفنون الجميلة / جامعة بغداد / اخراج مسرحي
نال شهادة الماجستير من كلية الفنون الجميلة / جامعة بغداد  / اخراج مسرحي
يستعد لمناقشة اطروحته لنيل شهادة الدكتوراه من  كلية الفنون الجميلة / جامعة  الحلة /اخراج مسرحي .
يعمل حالياً مقررا لقسم الفنون المسرحية في كلية الفنون الجميلة /جامعة الموصل .
اعماله المسرحية :                     
عنوان  المسرحية                          المؤلف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ         
الأخوة ياسين                            حسين رحيم
 هجرة الطيور الخشبية                بشار عبد الغني
 هبوط تيمورلنك                   عبد الفتاح قلعجي
 الظلمة                                جالواي
 الفيل يقيم مآدبة سمر               نورمان سيكلنج
شعر مستعار                           مروان ياسين الدليمي
لاآت إمرأة                               حسين رحيم
الحريق                                 قسم محمد
رقعة شطرنج                         تأليفه وأخراجه

71

زَمنُ المُخَادعينْ   .  .

من الطبيعي جداً ، حين تشير الى الخطأ بكل صراحة ووضوح ، في وسط يعشعش فيه الكذب وتسوده الفوضى وتغيب عنه القيم السليمة في العمل ، ستصبح بلاشك هدفا مقصوداً لاساءات الخاطئين . اولا ً لانهم الاكثر ، وثانياً لانك تسببت في تعريتهم . هذا هو ماتعودنا عليه في منظومة القيم والسلوكيات التي تحكم افعال الافراد في مجتمعاتنا الشرقية عموماً  رغم مظاهر التديّن التي نتشدّق بها عبر كل سلوك يصدر عنّا أو اي جملة نتلفظ بها ونحن  نسندُها بآية او سورة مستلة من الكتب المقدسة  ، والبعض يحفظ ماجاء بتلك الكتب عن ظهر قلب لكنه وللاسف الشديد يرددها كالببغاء التي لاتفهم ولاتعي ماتقول ،والشخص المعني بقولنا هذا  يستهلك الكثير من الوقت في اداء الطقوس والشعائر الدينية تعبيراً عن تدينه وايمانه ومعرفته التامة والبيّنة بين ماهو حق وماهو باطل اضافة الى خوفه الشديد من الله ،هذا مايعتقده هو ولاعجب في ذلك  .
إن هذا النموذج  لايتردد في لحظة ما الى اقصاء واستبعاد مايحفظه من قيم نبيلة تعبّر عنها تلك الايات المقدسة التي يحفظها والتي طالما رددها امامنا بمناسبة وبغير مناسبة ، لايتردد  في تنحيتها جانباً من ذاكرته ومن لسانه بكل بساطة عندما يجدها تتعارض مع مصالحه ورغباته الشخصية اومع مصالح ابنائه أواقربائه أو عشيرته أو طائفته أو اصدقائه  .!
 مثل هذه النماذج  ليست غريبة علينا ولاطارئة ، بل غالباً ماتحيط بنا وتعيش بيننا  وقد تعودنا عليها وكأنها أمر طبيعي ينبغي التعايش معه   وهي ليست وليدة اوضاع سياسية معينة طارئة بقدر ما هي حالة شائعة باتت دائمة في معظم مجتمعاتنا التي امست  تقدس الخرافات والاساطير يوما بعد اخر ولم تعد تملك القدرة على التمييز بين ماهو مقدس وماهو لايستحق التقديس، بين الحق والباطل، الحلال والحرام ، وما عاد القلق هاجساً دائما ينتاب رب الاسرة فيما لوكانت لقمة العيش التي يطعمها لاولاده  حلالاً كانت أم  حراماً .
مجتمعات ادمنت الكذب والتلفيق حتى ضاعت الرؤية من بصيرتها لذا من الطبيعي جدا ان لايكون للعمل في حياتها اية اهمية  ولن يحظى من يعمل بجد واخلاص بأي تقدير واحترام ، بل غالباً ما يصبح مثار سخرية وتندر باعتباره (ستايل قديم )  ولايصلح لاخلاقيات هذا الزمن الذي يتسم بالسرعة ! .
لكن في ختام الامر علينا ان لاننسى أن الازمنة التي تعتاش على الخديعة تنهدم بلاشك في لحظة مفاجئة على رؤوس الكذابين والمخادعين فيها ، لان الحياة  بطبيعتها لاتستقيم الاّ بالوضوح وبالقيم النبيلة والخيّرة .




                                             مروان ياسين الدليمي

72
الممثل محمد العمريتحدث عن وجع ومسرّات السنين على المسرح  :
أنا مع نخبوية العرض المسرحي





حاوره : مروان ياسين الدليمي 
في مسيرتهِ الفنية الطويلة التي شهدتها خشبة ُالمسرح في مدينة الموصل  والتي تعود بدايتها الى العام 1974 تجاهل الممثل محمد العمر بوعي ٍ واصرار ٍ كل المغريات الماديّة  اضافة ًالى الشهرة  الواسعة ِالتي يمكن ان يحظى بها فيما لو ارتضى لنفسهِ ان يقايضَ موهبتَهُ بأدوار سهلة ٍالمسافة ُ بينها وبين خداع  المتلقي  قصيرة جداً ، وآثرَ العُمَر خلال اكثر من ثلاثين عاماً إلاّ ان يكون مُتجَدِداً ومُجَدِداً في عشقه الدائب والدائم  للتجريب  داخل اطار التمثيل المسرحي بحثاً عمّا يحررُ جسد الممثل من أُطر التعبيرالتي استهلكته ، وذلك من خلال انغماره في عروض مسرحية نخبوية همُّها الارتقاء بمفردات اللغة الجمالية للتجربة المسرحية ..

*المسرح في مدينة الموصل كان المنطلق لمسيرة المسرح العراقي قبل اكثر من مئة عام وتحديدا عام 1882 لكنه ورغم هذا التاريخ البعيد عن نقطة البداية هو الان يعاني من ضعف شديد منذ عدة عقود ويكاد ان يكون هناك غياب تام للعروض المسرحية . باستثناء مايتم انتاجه من قبل الطلبة والاساتذة في كلية ومعهد الفنون الجميلة ، هل يمكن ان تشخص لنا الاسباب والظروف ؟
- من الطبيعي جدا ان يكون المسرح جزء من حركة وديناميكية الواقع الذي تعيشه المدينة فهو يتأثر بها ويؤثر فيها سلباً وايجابا ومن تبنى المسرح في البدايات اي في نهاية القرن التاسع عشر هم الاباء الدومنيكان والمجتمع الموصلي كما تعرف مجتمع محافظ وقد رسم الكثير من الخطوط الحمراء حول هذا الفن وهو لاينظر الى المسرح او العاملين فيه نظرة احترام . فظهرت في خمسينيات القرن الماضي فرق مسرحية قدمت اعمال بسيطة ثم ظهرت في ستينياته فرق مسرحية اخرى منها فرقة نادي الفنون وفرقة الرواد وفرقة المسرح العمالي وكانت هذه الفرق اكثر تخصصا نتيجة وجود عناصر فنية كانت قد تخرجت حديثاً من معهد الفنون الجميلة في بغداد امثال حكمت الكلو وعلي احسان الجراح وراكان العلاف . إلاّ أن تلك الاعمال لم تنتج هوية مسرحية واضحة للموصل كما ينبغي إلاّ بعد ظهور الفنان  شفاء العمري حيث قدم منذ ستينيات القرن الماضي وحتى ثمانينياته اكثر الاعمال اهمية من حيث الشكل والمحتوى وتعددت المذاهب والاتجاهات الفنية التي تعامل معها الفنان العمري حتى اصبح اسمه عنوانا للمسرح في نينوى . اما كلية الفنون الجميلة فهي حديثة العهد لكن معهد الفنون الجميلة الذي سبقها في التأسيس فيمكن القول ان في بدايات تأسيسه في النصف الثاني من سبيعينيات القرن الماضي اكثر نشاطا مما هو عليه الان .
*هل لك ان ترسم لنا صورة لمستقبل المسرح في الموصل . هل ستكون استمرارا لهذا التدهور ام ان هنالك مايدعو الى التفاؤل ؟
-ياسيدي ان فايروس التدهور لم يشمل المسرح فقط وانما عطل كل مرافق الحياة لكنني رغم هذا اعود مرة اخرى لاقول ان هذا الوضع ليس إلاّ وضعا مؤقتاً فالمسرح هو جزء من حركة المجتمع الثقافية ، وزهرة واحدة لاتصنع ربيعاً ، وهذا الشعب ، شعبٌ حي ونينوى مدينة ولاّدة للكتاب والشعراء والمسرحيين فمثلما انجبت الشاعر الراحل الكبير سالم الخباز ومحسن عقراوي فقد انجبت الشاعر معد الجبوري ورعد فاضل واملي كبير بالشباب الاخرين من اساتذة وطلبة في كلية ومعهد الفنون الجميلة .

*هل هنالك اسماء معينة من الشباب يمكن المراهنة عليها في البدء بخطوات جديدة تضع المسرح بفاعلية واضحة ومؤثرة في واجهة المشهد المسرحي العراقي . ؟
-بالتأكيد هناك اكثر من فنان ينبغي ان تتوقف وتنصت اليه وتتابع اعماله سواء على مستوى التأليف او التمثيل او الاخراج . ومن الاسماء المؤثرة على سبيل المثال في ميدان التمثيل نبدأ اولا بالشاعر الكبير معد الجبوري ورعد فاضل وناهض الرمضاني وبيات محمد مرعي ومروان ياسين . اما على مستوى الاخراج فقد انجبت كلية الفنون الجميلة اسماء شابة مهمة مثل بشار عبد الغني ومنقذ محمد والفنان د. محمد اسماعيل .

*عادة ماتكون العروض المسرحية التي كنت ومازلت تعمل فيها والتي تستغرق شهورا عدة من التحضير والتمرين عروضا نخبوية لايشاهدها سوى عدد محدود من المتفرجين ولايستغرق عرضها سوى اياما معدودة لاتتناسب مع الجهد المبذول ومع القيمة الفنية العالية التي تحملها . ياترى اين تكمن سعادتك في هذه العروض .. ألا تصاب بالخيبة ومالذي يدعوك الى الاستمرار ؟
-حسب تصوراتي المتواضعة بأن التمثيل والاخراج على الاقل في الموصل هي من فنون الاثر حيث تكون جماليتها تكمن في لحظة ولادتها ومن ثم تصبح اثراً أما التأليف فهي حياة ديناميكية مستمرة مع تقدم الازمنة . لكن المتنفس الحقيقي الذي يشعرني بالسعادة وحب الاستمرار هو ناتج لعشق المسرح والذوبان فيه واشباع الانا الداخلية .

*هل انت مع نخبوية العرض المسرحي ؟
-نعم أنا مع نخبوية العرض المسرحي .

*مالذي يعيق نمو وتطور الحركة المسرحية في المحافظات تحديدا والعراق عموماً سواء فيما يتعلق بعمل الفرق المسرحية او المؤسسات الفنية؟
-يمكن ان يعزى هذا الوضع الى مجموعة من الاسباب منها سياسية واقتصادية وغياب الرواد عن الساحة الفنية كما ان المردود المادي المتواضع جدا ادى الى توجه الفنانين الى الفضائيات العربية اضافة الى الرغبة في الانتشار السريع .

*ازاء التطور الحاصل في السينما والتلفزيون على مستوى الاساليب التي بدأت تستقطب المتلقي من جديد ألاتجد ان هذا قد يكون واحدا من الاسباب التي جعلت المسرح لم يعد في دائرة اهتمامات المتلقي التي تستقطب اهتمامه وتثير دهشته على الاقل في العراق ام ان المسرح له خصوصية في اساليب العرض والتقديم لخطابه لاتؤثر عليها الاساليب والتحديثات التي حصلت في السينما والتلفزيون ؟
-مما لاشك فيه ان للسينما والتلفزيون تأثيرواضحح في استقطاب المتلقي كما اثرت فعلا الاساليب والتقنيات الحديثة في عالم التشكيل إلاّ ان المسرح يبقى محافظا على خصوصيته على نبضه الحي الذي يساعد على ان يبقى متماشيا مع العصر هو التطور والتغيير الذي شمل المسرح بتقنياته التي ترسم سينوغرافيا العرض المدهشة .

*هل لك ان ترسم لنا صورة موجزة عن اهم المحطات التي وسمت مسيرتك الفنية ؟
-ان مجرد عملي مع استاذي الكبير شفاء العمري اعتبره محطة اختصار وايجاز لكل المحطات ومنها اقطع تذكرة الذهاب الى اجمل الامكنة الساحرة ومن ثم اعود الى محطتي لاسافر بعدها الى اماكن اكثر بهجة وجمالاً فأنا انظر اليها من الاتجاه المعاكس حيث انطلق من الامكنة البعيدة متجها الى المحطة الاساس التي يقف فيها شفاء العمري .

*بعد هذا العمر الطويل الذي قضيته على خشبة المسرح بكل حلوها ومرها مالذي خرجت به من افكار وهل يستحق منك كل هذا الجهد وهذا الوفاء ؟
-يقول الشاعر الكبير معد الجبوري : الكل باطل وقبض ريح متى يدق الموت بابي وأستريح .

*الممثل العراقي عادة مايحصل على جوائز مهمة في المهرجانات التي يشارك بها هل تجد ذلك امرا طبيعياً تبعاً لما يمتلكه من خصوصية في الاداء أم ان هنالك اسباب اخرى تقف وراء هذا التكريم خصوصاً اننا نجد ان الساحة العربية فيها الكثير من الطاقات الكبيرة فماذا تقول عن هذا وعن الممثل العراقي ؟
-على مستوى المسرح نعم المسرح العراقي مسرح واعي ومدروس وعندما يشتغل المخرج العراقي او الممثل العراقي تجده يعمل بكل حب وصدق وحرفية فهو فنان يلاحق عمله بكل تفاصيله بكل صدق وبكل وعي انا اوافق على ان المسرح العراقي دائما كان يحصد الجوائز في كافة المهرجانات التي يشارك فيها وهو يستحق تلك الجوائز .

*هل شاركت في مهرجانات خارج العراق. ؟
-لم اشارك في اي مهرجان خارج القطر للاسباب لان بغداد احتكرت كل المشاركات الخارجية بل اقتصرت على اسماء معينة . ولكن نتأمل من دائرة السينما والمسرح بأدراتها الجديدة بعد العام 2003 خصوصا مع وجود د. شفيق المهدي ان تلتفت الى فرق المحافظات وتشركها في المهرجانات ونحن بالانتظار

*انت تعمل ضمن اطار مسرح لاينتمي الى طراز المسرح التقليدي مالذي يخبئه هذا النمط من المسرح من تفرد وخصوصية الى الحد الذي يستبقيك فيه طيلة اكثر من ثلاثة عقود ؟
-التميز وصعوبة الاداء والبحث الدقيق في تفاصيل الشخصية هذا اضافة الى الجمل التمثيلية المدروسة التي اشتغل عليها لاضعها للشخصية فأنا اتصور ان ادائي كاللغة العربية الفصحى  تكتشف جمالها ومستويات التعبيروالتأويل فيها عندما تضعها امام اللهجات العربية . ؟

*فلاطون كان يقول الجسد قبر . انت كممثل كيف تنظر الى مسألة الجسد واستخدامه من قبل الممثل ؟
-الجسد بحد ذاته لغة يمكن ان تتفاهم بها وبواسطتها مع الاخر . والجسد كما يقول بريخت وستانسلافسكي هي الادوات الخارجية التي يملكها الممثل لتجسيد مايمكن ان تقوله الادوات الداخلية وان بدايات تعلم الانسان للكلام كانت عن طريق الرقص . فالجسد هو اللغة التي كان يتحدث بها الانسان اما على مستوى المسرح فقد قدمت اعظم الاعمال عن طريق لغة الجسد .
 

73


اسألُكم . . وأجيبُ عن اسئلتي  ؟

هذا الوطنُ المُتخم ُبالثروات ِ مَدينٌ لي حتى قيام ِالساعة ْ
مع أني لاأملِك ُ شيئاً ُيذكر فيه.
سوى ازمنة ٍلغناء الروحْ 
وقلبٍ  تسكُنُهُ امرأةٌ تمنحُني صباحات ٍحلوة ْ
أُغْمِضُ جفنيّ على صورتِها كل مساءْ
في بلد ٍيهربُ من قسوته ِالشعراءْ  .
دون منافس
يتربّعُ على عرشِ القمعِ
بين جميع ِالبلدانْ . . . .
اه ٍكم كان بخيلاً  بالحُب ِّ
مذ كنتُ صغيراً،
أتهجّى
وأُخطِىءُ
في نُطق ِحُروف ِاللُغة ِ
حتى عَبرتُ العقد َالخامس َمن عُمري
 وأمسى لونُ الشعرِ الفاحِم ُ أبيضْ. . . .

أشعرُ أنّي مازِلتُ فتيّاً ً
أغفو  فوق ضفافِ البحرِ
أستمتعُ بالشعرِ
أركضُ خَلفَ  فراشات ِالحُلم ِ
رُغم َ تجاعِيد ِالوجهِ
والضَّعفَ الواضِح َفي البَصَرِ،
كُلُّ حياتي يقظاً كنتُ
لم تأسِرْني همومُ الدنيا . . . . .
ليس مهماً ياوطني
أن اتغاضى عن بعض ِديوني
فنحن سوياً كنّا
في كل فصول َالعمرِ ،
تركُلنا
ازمنةٌعاصفةٌ بالقلق ِ
وشعورٌ دائمْ  بالغمِّ ،
فالعِشرةُ لاينكُرُها الاّ من كانَ بلا شرف ٍ .  . . . .

يُمكنُني مثلاً  أن اتغاضى :
 عن صفعة ِشرطي لي 
عن تجربةٍ فاشلة ٍفي الحُبِّ
عن حر ِّالصيف ِ
عن حرب ٍمُهلكة ٍ ماانفكّت
حتى أخذت  رُغماً عني
ثمانية َاعوام ٍ من عُمري  . . . . . . .
هذا الشعبُ عجيبْ ،
رُغْم جراحاتِهْ
ورغم حضاراتِهْ
ورُغْم الخيرِ الطافح ِمن  تُربته ِ
ورُغْم تَفرُّده ِوتمرُّده ِوتقشُّفه ِوتنعُّمه ِوتقدُّمه ِوتأخُّره ِوتحطُّمه ِوتسوُّلهِ وتعفُّفهِ  وتجزُّئه ِ,وتهوُّره ِوتجبُّره ِوتحسُّره ِوتماسُكه ِ وتقهقُرهِ وتكبُّره ِوتثلُّمه ِ.
لم يفهم  ابداً ْمعنى الحُريّة َ.
معنى أن يُصْبِح َ لعبةَ َشطرنج ٍ بين الدول ِالكُبرى والدول ِالصُغرى والدول ِالطارئةِ والطامحة ِوالجائعة ِوالحاقدة ِوالخاسرةِ والناكرةِ والحاسدة ِوالناشئة ِوالزائلة ِوالناقصة  ِوالمعتوهة ِ والمرهونةِ ِوالمجنونةِ . . . .
لم يَفهم معنى :
أن يَسقُط َفي فَخ الساسةِ وبعض ِرجال ِالدين .
أن يَعْبُد َ رئيسَ ُالدولةِ أو الحزب ِحَدّ التقديس
ويُصَدِّق بكلِّ  بساطة إِعْلامَاً تنتجْهُ ماكنة ُالسلطة ْ
 بِدأً مِنْ أحوال ِالطقس ِ
وحتى اخبار ِالبحث ِبشكل لايَقبلُ ايَّ جدال ٍ
عن سبل ٍوقواسمَ  مُشتَرَكة ْ، قد تجمع  ابناء الوطن الواحد ،
من كل الفرقاءْ
لم يَفهَم ْمعنى أن يُسْرَقَ صوتَُهْ
 من زعماء ِالكُتل ِالكُبرى 
لم يَفهَم اخطاء َالماضي
فوضى الحاضر
لم يَفهَم ماذا عَليه أن ْيَفهَم :
 أحلامَهْ
أعداءَهْ
إخوانََه ْ.
لم يفهم حتى ذاتَه ْ. . . . .
لم يَفهَم رُخْصَ بيانات  ِالشّجبِ وخطابات ِالتهديد ِ المبتذلة ْ
رُغْم َعُهود العُهر ِ
عفواً ،
رغم عُهود القَهر ِ
ورُغْمَ شعارات ٍ واناشيدَ ٍوكتابات ٍكاذبة ٍ
تتغنى  بالثورة ِوالوحدة ِوالتحرير ْ
لم يشبع منها ِ ابداً ، تندلقُ
من تحت بَساطيل ِالعسكرْ
فوق رؤوس ِالناس ِالبسطاءْ . . . .
لم يَفهَم أبداً
ماذا عليه أن يَفهَم . . . .
هو شعب ٌفطريٌ ،قروي ٌ،بدوي ٌ، طيّبٌ جداً.
حضريٌ ،  متخلفٌ ، متعصّبٌ جداً. 
يَنسى الحِكْمَة َوالدَّرسَ سريعاً
في اقسى لحظات الشدة . . . .
لكن . .
هل يُعقلُ ان ينسى احداثا ًمرّت في الموصل ِايّام الشّواف ْ؟
هل ينسى الانفالْ؟
سجنَ ابي غريب ْ؟
اعتقالَ الناس ِ بشكل ٍعشوائيْ  ؟
أم ينسى سيفو وسميل وصوريا وقضاءَ حلبجة ْ؟
أم ينسى اعواماً ضاعت منه
بين دروب ِالغربة ِ والتهجير ْ؟
أمْ
أمْ
أمْ
أمْ .  .  .  . .

يُمكنُ  أن أتغاضى بكل بساطة ْ: عن حِرماني َمِن َالتعيينْ، فأرغمَني هذا  أن أعمَل  في تسعينيات ِالقَرن الماضي ،بمِهن شتى  لكسَبِ الرِّزقْ ، فكانت بالنسبة ِلي وللناس ِجميعاً ايضا هي الاقسى في سِفر ِالايام ْ، بأستثناء ِالتجار ِوأزلام  َالسلطة  ِوالقادة َفي الجيشِ ِوضباط َالامن  ِومن يحمل ُاوسمةَ َ الحزب ِعلى صدره ْأوكان صديقا للقائد ،أو من يكتُب َتقريراً سرياً عن أيِّ كلام ٍعابر ْ قد لايَعني شيئاً إطلاقا في مَجرى أحاديثِ الخَلْقِ سواءٌ في المقهى أو في الشارع أوحتى في البيت ، يُمكنُ أن يتَعلّق بِغلاء الاسعار، أوبالطقس .اوبنكات ٍتتعلقُ بالمطرب سعدي الحلي . . .
ومع هذا،
يُمكنني ُانْ اتجاهلَ مثلاً :
 - أني لاأملِكُ شِبراً واحدْ في بلدي
 - خوفي َالدائمَ  مِن ْ يوم ٍ قادمْ
 - أنْ تأكُل عائلتي من عَلف الحيوان ِرغيف َالخبز ِثلاثة عشر عاما 
   تحت حصار ٍدُوليّ ظالمْ.
- أو اعمالاً مخجلة يفعلُها الساسةُ ُِبعد التاسع ِمن نِيسان من العام ِالثالث ِ
   بعد الالفين  . . . .
يمكنُ أن اتجاهل هذا ،  بكل بساطة . .
 يُمكنُني هذا ،
لكنّي . .  وأنا اقبع في  وطني
يقتُلُني،
احساسٌ بالغربةِ
 قاسٍ
 مافارقني ...
اسألكم
هل يمكنُني أن اتغاضى عنه .
هل يمكنُني ؟

مروان ياسين الدليمي     
20/11/2011


74
ثوبُ البلاد ِيُرتَّق بأوهَام ِالسُلطَةِ
           
اخطأ المالكي من حيث يقصد أولايقصد في حساباته السياسية التي راهن على تحقيقيها بعد انسحاب القوات الاميركية من العراق إعتماداً على الفراغ الذي ستتركه ، ويبدو ان المالكي قد ذهب به الوهم كثيرا جداً ليعتقد جازماً ان بأمكانه ان يملأ هذا الفراغ مستندا على الدعم الايراني الذي سيحل بديلا عن الوجود الاميركي الذي  كان يشكل مانعا ًقويا امامه لتحقيق حلم ٍطالما ظلّ ُيداعب خياله وطموحه السياسي هو والعديد من قادة التحالف الوطني ، لم يكن يخرج عن : تصفية عقد الشراكة السياسية الهشّة التي قامت عليها العملية السياسية في العراق وفق مبدأ التوافق في اقتسام السلطة بين الشيعة والسنة والاكراد منذ الاطاحة بنظام صدام حسين عام 2003والتي كان قد تم الاتفاق عليها بين جميع تلك  القوى والاطراف السياسية التي بدأت تشغل المشهد السياسي العراقي .
ان المنهج الايدلوجي الذي يتخندق خلفه المالكي والذي يتمثل في تكريس سلطة طائفية تحكم البلاد تقودها احزاب شيعية بزعامة حزب الدعوة ، لم يعد أمراً خفيا يتستُّر بمنطق ( التقية ) وماعاد مقتصرا تداوله في الاجتماعات السرية والادبيات الداخلية لتلك الاحزاب ،ولاعبر تصريحات فردية تطلقها هنا وهناك شخصيات لها صفة حزبية أو دينية كما كانت تفعل في المؤتمرات التي كانت تعقد خارج العراق قبل سقوط نظام صدام او حتى خلال السنوات التسع التي اعقبت السقوط ، بل خرج الامر هذه الايام الى العلن بشكل صريح بعد خروج الجيش الاميركي وعودة المالكي من زيارته الاخيرة لاميركا التي جاءت بعد يوم واحد من خروج اخر جندي اميركي من العراق .
وقد شهد العالم  تنفيذ الخطوة الاولى من هذا الانقلاب السريع على الشريك السني من خلال عرض سلسلة من الاعترافات لعدد من الاشخاص الذي ادعوا مسؤوليتهم عن عدد من الجرائم  كانوا قد ارتكبوها بحق عدد من الاشخاص والمؤسسات الحكومية خلال الاعوام 2006 و2007 و2008 بعد أن كانوا قد تلقوا الاوامر بالتنفيذ حسب ماأدّعوا من طارق الهاشمي نائب الرئيس العراقي نفسه ،و تم عرض الاعترافات تلك على شاشة التلفاز، وسبق للمواطن العربي والعراقي ان شاهد  العشرات من مثل هذه الاعترافات على شاشات التلفزة الرسمية ومازلنا نشاهد مثلها كما هو الحال في سوريا خصوصا بعد أن انكشف الوجه الطائفي لنظام الحكم القائم فيهامن خلال ردود افعاله العنيفة التي قابل بها موجة الاحتجاجات الشعبية التي تعم البلاد منذ اكثر من ثمانية اشهر، فكان لجوء النظان السوري الى مثل تلك الاعترافات اصراراً واضحاً على استغباء الناس وخداعهم بحفنة من المشاهد المفبركة .
المالكي هو الاخر أعاد انتاج نسخة من تلك الاعترافات  في حربه التي اعلنها ضد شركائه في الحكم والتي طالما كانت  ديدن الانظمة العربية السياسية التقليدية الجمهورية التي تهاوت واحدة بعد الاخرى ،والتي غالبا ماتلجأ الى مثل هذه  الاساليب الساذجة  ــ والتي لاسبيل امام العالم المتمدن الذي يحترم حقوق الانسان أن يصدقها ـــ كلما وجد النظام السياسي الحاكم نفسه محاصراً بازمة أو فضيحة عادة مايكون هو سببها لتفوح منها أمام الملأ رائحة فساد ٍأوكارثة ٍأو صفقة ٍمريبة ٍضد مصلحة البلاد ودافعه الى اتباع مثل هذه المنظومة المتهرئة من الاساليب الاعلامية هو : دورانه حول نفسه واعتقاده الجازم بوهمٍ ورثه ُعن عصور ٍسحيقة ٍمن التخلف سبق أن مرت على البشرية كان عموم الناس فيها يغطون في جهل واضح  اسبابه تعود الى بطىء وبساطة وسائل الاتصال ونقل المعلومات التي عادة ماتلعب دوراً رئيسياً في تشكل الرأي العام ليس بالصورة المتقدمة  كما هي عليه اليوم . وهنا يكمن الخطأ الفادح الذي مازالت تعيش فيه وترتكبه هذه الانظمة بحق شعوبها وفي نظرتها القاصرة اليها ذلك لانها : انظمة تقليدية في المنهج والتفكير، تجاوزها الزمن وتجاوزتها حركة الحياة بكل متغيراتها،وهي اليوم تعيش لحظة مصيرية مفارقة باتت فيها تنازع وتكابر قبل ان تلفظ انفاسها الاخيرة،لكنها وبنفس الوقت هي مُدركة تمام الادراك أن آوانها قد فات ،ورغم ذلك فهي ازاء هذه الحقيقة المرّة غير مؤهلة ولاقادرة على الاقرار والاعتراف بذلك ، لان الاعتراف بالخطأ لم يكن منهجاً تقر به في منظومتها الفكرية تواجه به نفسها قبل ان تواجه به شعوبها ،ونتيجة لغياب هذه الشفافية في ادارة ومواجهة القضايا التي تعالجها وتواجهها فليس مستغرباً اذن ان يكون ذلك سبباً لأن تحفر قبرها بنفسها .
من هنا كان حتمياً عليها ان تعمل  بكل ماتبقى لديها من وقت قصيرجداً من عمرها الى أن  تَسْعَى حثيثاً ــ بكل ماتملك من اذرع مسلحة تتحرك على الارض وتأتمِرَ بأمرها تحت اغطية ومسميات متنوعة اضافة الى قوى اخرى طبقية مساندة لها ومرتبطة بها وبمصالحها ــ  لدفع شعوبها الى محرقة  ُتلتَهَمُ فيها  الاعراق والطوائف والاديان ثمناً لخروج السلطة  من أروقة السلطة وزوال عهدها وهذا هو مايحصل في اليمن والبحرين وسوريا ومصر اضافة الى العراق الذي سبق شعبه شعوب هذه البلدان في تجرع مرارة هذه التجربة وقسوتها ومازال شعبه المبتلى بالقهر الازلي يتجرعها حتى لتبدوصورة غَده ِ رغم وعود الديموقراطية التي جاء بها إليه الاميركان ليست بافضل حال مما هي عليه اليوم وهي تعجُّ باعتقالات عشوائية بالجملة دون امر قضائي ، وعمليات قتل متواصلة تتم باسلحة كاتمة للصوت في وضح النهار ضحاياها رموز علمية وثقافية دون ان يتم الكشف عن الجناة في معظم الحالات التي تم فيها اعلان القبض عليهم مما يثير الشبهات واصابع الاتهام الى تورط جهات حكومية او شخصيات سياسية فاعلة في السلطة، هذا اضافة الى الصاق تهمة  الارهاب بكل من يعلو صوته كاشفاً صورالفساد والتعذيب التي عادة ماتجري بعلم البعض من المسؤولين الحكوميين  ولا يتم التراجع عن اسقاط تلك التهم قضائيا حتى لو اثبتت التحقيقات التي تجريها المنظمات الدولية المستقلة براءة احد المتهمين من التهم المنسوبة اليه وهذا مثل ماحصل مع عضو البرلمان العراقي السابق محمد الدايني الذي برأته منظمة الشفافية العالمية مما نسب اليه من تهم تتعلق بمسؤوليته في محاولة تفجير البرلمان والذي كان قد اثار غضب الحكومة وحقدها عليه بعدما استضافه الكونكرس الاميركي في إحدى جلساته بأعتباره احد اعضاء لجنة حقوق الانسان  في البرلمان العراقي  ليقدم في تلك الجلسة  ادلة ووثائق لايرقى اليها الشك  تثبت أن  شخصيات عراقية سماها بالاسم  تتولى مسؤوليات حكومية في الدولة العراقية متورطة بجرائم قتل وتعذيب ضد المواطنين اضافة الى مسؤوليتها المباشرة في تشكيل فرق للقتل لتصفية الخصوم السياسين انطلاقا من دوافع طائفية .فكان ذلك سببا كافياً للتعجيل في اسقاط الدايني سياسياً باللجوء الى الصاق اسمه بالعملية الارهابية التي كانت تستهدف تفجير البرلمان ومن ثم رفع الحصانة عنه وملاحقته قضائيا وهو الان هارب خارج العراق ومطلوب للعدالة العراقية رغم تبرئته من التهم المنسوبة اليه من قبل منظمة الشفافية العالمية .
ان اي مواطن بسيط لم تعد تنطلي عليه اساليب ساذجة مثل هذه طالما روّجتها برامج السلطة الدعائية كان الهدف منها دائماً تسقيط ومحاربة معارضيها ومنتقدي سياساتها ،وهو يدرك تماما ان اعتراف أي مواطن قد يَظهرعلى شاشة التلفزيون الرسمي لابد ان يكون قد تم  تحت اساليب من الضغط والتهديد والتعذيب والترهيب والتشهير تم اللجوء اليها  لالشيء سوى  تشويه صورة خصم سياسي سواء كان فردا ًاو جماعة  أمام جموع الشعب تمهيداً اولياً لاسقاطه في المجتمع ومن اللعبة السياسية ، وهذا ما جرى العرف عليه في مستنقع السياسة الذي اعتاد الحكام العرب ان يخوضوا فيه وليس في نيتهم العيش خارج قذارته .
 جرت في العراق خلال الايام الاخيرة من شهر كانون الاول من العام 2011 احداث دراماتيكية احتوت على  مؤشرات خطيرة مسّت تحديداً شخصيات سنية سياسية تتولى مناصب متقدمة في الحكومة العراقية وقد جاءت تلك الاحداث مباشرة بعد خروج الجيش الاميركي المحتل من العراق ، وكانت قد ابتدأت باعترافات من على شاشة التلفزيون الرسمي لعدد من الاشخاص أدعوا بأنهم يعملون في الحماية  الشخصية لطارق الهاشمي نائب الرئيس العراقي ثم تصاعدت الاحداث بالطلب الذي قدمه المالكي الى البرلمان والذي يوصي فيه بحجب الثقة عن نائبه  صالح المطلك ولتتوّج بصدور مذكرة اعتقال قضائية  بحق الهاشمي ومداهمة بيته ومكتبه ومصادرة ماوجد فيه من وثائق واوراق وحواسيب بعد ان كانت قطعات عسكرية حكومية قد طوقت بيته قبل ذلك بعدة ايام ، وهذا يؤشر بشكل صريح الى : بدء مرحلة جديدة وخطرة من عمر اللعبة السياسية يمكن تسميتها (بالانقلاب ) ستؤدي بالعراق شعباً وارضاً الى الدخول مرة اخرى في نفق اشد ظلمة من الذي كان فيه طيلة العهود التي سبقت العام 2003 وقد  يكون من نتائجها ــ وهذا امر قد يبدو غير مستبعد ــ  تخندق طائفي  واضح وصريح لدى كل الاطراف التي كانت تربَأُ بنفسها عن هذا النهج دفاعاً عن وجودها ومصالحها المرتبطة بالقاعدة الشعبية التي تنتمي لها وتمثلها وهذا بدوره سيفضي الى تقسيم ٍوتمزيق ٍلجغرافيا العراق الادارية وتحوله الى اقاليم ودويلات صغيرة قائمة على الانتماءات العرقية والطائفية وقد بدا ذلك واضحا في الدعوات التي جاءت من محافظة صلاح الدين وديالى والانبار وسيكون هذا الاختيار بمرارته اخر ملجأ للاطراف السنية التي كانت ترفض الفدرالية حتى العام 2010 كما جاءت صيغتها في دستور مابعد 2003 فكانت موقفها واضحاً في رفض كل الدعوات التي تساند قيام عراق فيدرالي وكان التحالف الكوردستاني الذي يضم معظم القوى السياسية الكردية اضافة الى غالبية الاحزاب الشيعية مثل الدعوة والمجلس الاعلى تساند هذه الدعوة ،  لكن سياسات التهميش والاقصاء ونقص الخدمات والتمويل اضافة عمليات الاعتقال التي اخذت تتصاعد يوما بعد اخر ضد ابناء المحافظات السنية بحجة الارهاب دفعتها لتغيير موقفها تماما من الفدرالية وصارت هي التي تطالب بها بصورة اكثر الحاحاً حتى من بعض المحافظات الجنوبية كمحافظة البصرة  التي كانت اول المحافظات العراقية التي اعلنت رغبتها في أن تتحول الى اقليم ومازالت مصرة على هذا الطلب .   
المالكي رئيس الوزراء وازاء تفاعلات هذه الاحداث كان ينتظر الفرصة المناسبة لكي يقول كلمته بكل وضوح دون لف ٍ أو دوران بعد أن ساق لنفسه تفسيرا جاهزا اقنع به نفسه على الاقل  والتحالف الوطني الذي ينتمي له لكل مايجري من حراك مطالب بالفيدرالية  في هذه المحافظات وماتبعه من مواقف مؤيدة لها من قبل زعماء الكتل السياسية السنية الفاعلة في العملية السياسية والمشاركة فيها ، وتفسير المالكي لايخرج عن الصاق تهمة الطائفية لكل الدعوات المطالبة بالفدرالية ،هذا اضافة الى تحولها فيما لو تحققت ـ حسب ادعائه ــ الى حاضنة للبعثيين والصداميين والتكفيريين وهي تهمة  جاهزة طالما الصقت جزافا على كل من يختلف ويتقاطع في الرأي مع الحكومة المركزية في بغداد خصوصا من كان مسقط رأسه يعود الى واحدة من تلك المحافظات ولن يبرأ من هذه التهمة حتى لوكان تاريخه حافلا بالشواهد التي تدل على معارضته للبعث ولنظام صدام كما هو الحال مع نائب مجلس محافظة صلاح الدين سبهان الملا جياد  الذي كان شيوعيا قبل سقوط نظام صدام  وقدعانى هو وزوجته اياما قاسية في السجون والمعتقلات بسبب مواقفه المعارضة للسلطة انذاك ، ولم يكن هذا كافيا ًليشفع له عند المالكي والدائرة الحزبية والحكومية المحيطة به طالما كان قد اعلن سبهان  بنفسه بيان مجلس المحافظة والقاضي بأعلانهااقليماً ادرايا واقتصادياً فكان ذلك سبباً كافياً لتجريده من تاريخه النضالي المعارض للبعث وليكون في نظر المالكي بعثيا صداميا شاء ذلك ام لم يشأ .
الفرصة التي كان ينتظرها المالكي للرد على كل تلك التحركات التي كانت تعني له : تفتيتاً لسلطته الواسعة، وتحجيماً لها. اخيراً جاءته بعد طول انتظار عندما غادر اخر جندي اميركي  ارض العراق ، فبدأ باتخاذ خطوته الاولى لملء لفراغ اللوجستي الذي خلفه  خروج الاميركان  بالطريقة والشكل الذي كان يحلم به ويخطط له هو والذي يلتقي ويلتحم مع ستراتيجية نظام الملالي الحاكم  في ايران وتشير ملامح الخطة الى  :  العمل على بناء نظام ِ حُكمٍ طائفي شيعي في العراق يعتمد على اللعب بورقة الاغلبية السياسية  بعد ان يتم إستبعاد كل الاطراف المذهبية الاخرى تحت ذريعة فشل سياسة التوافق التي كانت تقوم عليها العملية السياسية طيلة الاعوام الماضية فكانت نتيجتها كما ادّعى المالكي  في اكثر من تصريح ادلى به بعد خروج الاميركان الى وصول عدد من الزعماء السياسين المتورطين بأعمال ارهابية ضد مؤسسات الدولة وتم التغاضي عن ذلك بذريعة الحفاظ على سياسة التوافق واستمرار العملية السياسة ونص الحديث هذا جاء على لسانه في المؤتمر الصحفي الذي عقده في بغداد بعد عودته من رحلته الاخيرة الى اميركا والذي جاء بعد يوم واحد فقط من صدور  مذكرة الاعتقال  بحق نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي .
وبناء على تلك الرؤية السياسية الجديدة التي اعلنها صراحة في ذاك المؤتمر سيكون  من المنطقي جداً ووفق هذا التحول والانعطاف لمستقبل العملية السياسية ان يكون العرب السنّة في مقدمة المستبعَدين خصوصاً أن معظم الذين تدورحولهم الشبهات والتهم هم من العرب السنّة .
 ووفق هذا التخطيط الذي اعلنه المالكي لن يكون الاكراد بمنأى عن ذلك وإن كان ذلك لايبدو واضحا على المدى القريب المنظور، لكنه ليس ببعيد عما يخطط له طالما يستمد قوته واندفاعه بهذا الاتجاه  من ايران التي اعلنت صراحة في اكثر من موقف دعمها للمالكي  فكيف بها الحال اليوم وهي تمسك بكل خيوط اللعبة السياسية على الارض العراقية  بعد خروج الاميركان منها .
ان النتائج المترتبة على هذا النهج  ستدفع البلاد الى مازق خطير يقودها الى حالة من الاحتقان والاقتتال الطائفي العنيف َطرفاهُ السنة والشيعة وقد يكون اشد قوة وعنفاً مما كانت قد شهدته البلاد خلال الاعوام 2006 ـ 2007 ، اضافة الى ذلك فإن الاطراف الاقليمية لن تقف صامتة ومكتوفة الايدي ازاء مايجري بل ستدخل بكل ثقلها اكثر من ذي قبل لتغذية هذا الصراع المميت  كلُّ حسب مصلحتها  التي عادة ماتغذيها دوافع مختلفة منها ماهو: طائفي أوديني أوقومي ، أو مما هو قد يكون جزاً من حسابات دولية بين القوى الكبرى التي تتكالب على اقتسام النفوذ والثروات وتصريف السلاح في منطقة الشرق الاوسط والخليج العربي ولن تترد من اجل ذلك الى السعي لتأجيج  وتفجيروتوسيع مديات هذا الصراع لأجل أن تكون هذه الفوضى مدعاة لخلق افضل الاجواء المناسبة لها والتي من خلالها تدعم تواجدها الدائم عبر صور مختلفة  ليس بالضرورة ان يكون الوجود العسكري من ضمنها .
ومن المؤكد أن نهاية  هذا الصراع فيما لو حُسِم ـ وهذا امر بعيد تماما عن حسابات من يغذيه ويستثمره لصالحه ـ فأنه لن يحسم  بأية صورة من الصور لصالح انتصار طرف على حساب هزيمة طرف اخر ،انما  ستكون نتيجته بلاشك : تدمِيرُ ما تبقى من امال ٍ للناس وسط كومة من الانقاض ، في  بلد ٍمازال يئن من ثقل جراح لم تندمل بعد .


                        مروان ياسين الدليمي


75
مروان ياسين الدليمي يجد نفسه في فضاءات مختلفة وصولا الى المتعة .

المسرح يجعلني اقاطع الماضي

حاوره – سامر سعيد الياس / الموصل
أسفار عديدة دونها مروان ياسين في رحلته مع الحياة حيث وجدها محطة لإعلان تمرده ، بعد تجارب مؤلمة استقاها من محطات حياتية حزينة مر بها افراد من عائلته، دعته لان يقول كلمته في هذا العالم ، فلم تكن كلمة،  بل كانت على خشبة المسرح صرخة خرقت حاجز الماضي وصالحته مع العالم ،عبر علاقة جديدية ، بينما كانت حروفه على صفحات الجرائد بمثابة بصمات تركها على رمال لم تكن متحركة ، بل بقيت راسخة بثباته راصداً للواقع الثقافي، تارة بالكاميرا ،او بالجلوس على كرسي المخرج ليحبك مشهدا ثقافيا لكن بكلمات مبدعيه من الادباء ،يرصدهم ياسين في محافلهم وعلى منابرهم، ليقولوا كلمتهم كما هو،  حيث قال ماجال في خاطره ازاء رحلته مابين المسرح والقصيدة في سياق حوارٍ تلك هي تفاصيله :
اقع
*ايهما ينبض اكثر في اعماق مروان ياسين المسرحي ام المخرج ام الشاعر ..؟
قبل كل شيىء اجد نفسي اشعر بالرضا وأنا اتنقل في خضم هذا التنوع والتوزع مابين انشعالات فنية وادبية وابدو مثل الذي يمتلك القدرة على التفكير والحديث  باكثر من لغة ، هذا الوضع المتحرك والحيوي يضعني امام حالة من الاحساس بالحرية الذاتية تمنحني اكثر من فرصة ٍ واختيار للتعبير والاكتشاف ، فأنْ تمتلك اكثر من لغة ٍمعناه انك تستطيع ان ترى ذاتك والعالم بطرق وادوات متنوعة وان لك فضاء واسع لبناء عوالم مختلفة ، رغم انني في بعض الاحيان تنتابني حالة من الضياع والتشتت نتيجة هذا التوزع الاجناسي في الانتماء والتعبير ، وهنا ينبغي المرور سريعا على سيرتي الذاتية التي كان لها الاثر الكبير بما اشرت اليه فلقد وجدت نفسي اخوض في تحولات كبيرة ، قادتني اليها معطيات خارجية هيمنت على الحياة بشكل عام خلال العقود الثلاثة الاخيرة التي مرت على المنطقة وعلى العراق تحديدا، وهذا ماشكل اطارا ومناخا عاما احاط بي ورمى بكل ثقله على كاهلي اضافة الى تجربتي الذاتية التي تحتشد فيها احداثا درامية ابطالها كانواافراد عائلتي التي انتمي اليها . فكان من الطبيعي لشاب في مقتبل العمر ان يلجأ الى المسرح حتى يستخرج كل مشاعر القهر السياسي التي تضج في داخله نتيجة للوضع الذي وجد عائلته فيه  بسبب موقفها المختلف والرافض للمنهج السياسي العام الذي كان مهيمنا على الحياة طيلة عقود الستينيات والسبيعنيات من القرن العشرين، اضافة الى  تجربة السجن المريرة التي مر بها معظم افراد العائلة بسبب عدم انخراطهم في حاضنة التدجين الفكري والسياسي الذي كان قد استوعب قطاعات واسعة من المجتمع ،  ثم جاءت فترة الحصار خلال تسعينيات القرن الماضي ، من هنا تشكلت لدي نظرة اخرى ومفهوم اخر لماينبغي ان اكون عليه بعد ان وجدتُ الحياة الانسانية ُتهانُ بطريقة بشعة ،فاأقتضى الموقف مني ان احافظ على ذاكرتي من الخَرَف والانهيار الذي بدا يترك بصماته واضحة على عقول الناس بعد ان بدأالجوع والاذلال يهتكها، لذا كان ينبغي ان تحدث مواجهة مع ذاتي ومع ماكان يجري.  فكان لابد من اللجوء الى الكتابة لمواجهة التدمير الذي بات يمتد ويزحف على الذاكرة مثلما كان يترك اثره في صور الحياة المادية ، فأنتعشت ذاكرتي بفعل الكتابة مقابل ذلك الانهيار الحاصل في الواقع الموضوعي حينها كتبت اول مجموعة شعرية لي، كما اعدت قراءة النشاط والتجارب المسرحية في مدينة الموصل خلال اكثر من نصف  قرن ،وكانت تلك القراءة ومازالت مثار لغط ورفض واستهجان شديد من قبل اجيال هرِمة ٍفي التفكير ،اعتادت على كلمات التبجيل والاعجاب المزيف ، مما جعلها تعيش وهما ًمضحكا يثير الرثاء عليها ، كان ذاك الوهم قد اوصلها الى حالة باتت فيها  تعتقد جازمة بريادتهاوانها قد انجزت تاريخا فنياً يستحق التبجيل والتعظيم ،بينما هي واقع الامر لم تترك شيئا يذكريستحق البقاء،فجاءت دراستي تلك والتي نشر بعض فصولها على صفحات جريدة الزمان بمثابة صدمة كبيرة لهم وغير متوقعة لكنها وللاسف الشديد بدلا من ان تجعلهم يستيقظون من ذاك الوهم ليتوقفوا لحظة امام انفسهم ليعيدوا النظربما قدموا  ازدادوا تعنتا وتمسكا بمنهجهم الفني المتهرئ والذي يعود في منظومته الى العصور الوسطى وهي اشد العصور انحطاطا في الوعي والتعبير الفني، المهم في هذا الامر انني فيما يتعلق بموضوع التنوع في الانتماء والانجذاب مابين المسرح والسينما والشعر اجد نفسي دائماً في فضاءات مختلفة وأنا في حالة من الاكتشاف والبحث ،وهذا بحد ذاته يجلب لي المتعة . 
*بدات مشوارك الابداعي من خشبة المسرح ،برايك ما تاثير المسرح على المكنون الابداعي  لمروان ياسين ..؟
المسرح كما اراه في تجربتي الشخصية كان  بداية القطيعة مع الماضي وتأسيس لعلاقة جديدة ومدهشة مع العالم كان فيها الكثير من الشجن والانعتاق والتارجح مابين الانا والعالم كانت انتمائي للمسرح نقطة فاصلة مابين انتمائي للواقع الملموس والواقع المتخيل ،مابين العزلة والبوح ،مابين الحقيقة العارية والحلم .  كان المسرح بمثابة توق الى العبور الى نقطة مجهولة لاأعرف اين تكمن والى اين ستؤدي بي . وماأن توغلت خطواتي شيئا فشيئا في عالم الدراما المسرحية وأنا في مقتبل العمر  بدأت بقراءة معظم النصوص الدرامية التي شكلت علامات اساسية في التطور الدرامي ابتدأً من الكتاب الاغريق ومروراً بكتاب الواقعية الاشتراكية السوفييت وصولا الى كتاب العبث واللامعقول  . هذه القراءة المبكرة للمسرح ايقظت في ذاتي مساحة واسعة من اليقظة في  كيفية تلمس واكتشاف الجانب الدرامي في صور الحياة ومظاهرها وكيفية التعبير عنها فانثالت الاسئلة المقلقة والمحيرة منذ اللحظة التي ارتبطت فيها بالمسرح . لذا حققت هذه العلاقة تحولا في الوعي والقدرة على رؤية الذات والعالم اضافة الى ان المحاكاة في المسرح كما يراها ارسطو ليست استنساخا بل خلقاً جديد للعالم المستعاد ، فاأنت  عندما تواصل التمرين المسرحي لعدة شهور معناه انك ستمر كل يوم اثناء التمرين بتحولات واكتشافات جديدة لان الممثل لايحاكي صفات الشخصية التي يمثلها كما يفترض ان تكون في الحياة الطبيعية انما يسعى بكل جهده من اجل محاكاة الفعل وهنا يكون للخيال والتخييل الدور الاساس في هذه العملية الانتاجية للفعل المسرحي ، لاننا خلال التمرين المسرحي نتوصل الى صور متعددة للشخصية وهذا يعني تمرينا عمليا في التفكيروالانصهار بحرية واسعة مع التنامي والتقابل والانشطار عن الذات ضمن منهج يعتمد الانزياح في الوصول القيم الجمالية في التعبير والبناء ولك ذلك يأتي في  اطار ديموقراطي نموذجي بين افراد المجموعة العاملة  لاتجده في اي نظام سياسي .  فليس اجمل من ان تعيش الحرية في التفكير والتعبير والخلق داخل المشغل المسرحي الذي يبقي الذهن والمخيلة في حالة من اليقظة والتوتر والانتاج ، وليس امرا غريبا ان يبقى الفن المسرحي قائما وصامدا حتى هذه اللحظة رغم مرور الاف السنين على ظهوره رغم المتغيرات التي حصلت وتحصل الان على مستوى التقنيات في السينما والتلفزيون وهذا يعود كما قلت الى ان المسرح يقدس الحرية ولايمكن ان يعاد العرض المسرحي في اليوم التالي بنفس ماعرض في اليوم السابق ففي كل يوم وفي كل عرض هنالك تغيير وتجديد ، وهذا مالاتقوى السينما وبقية الفنون على الاتيان به ومجاراته .
*بدات قصائدك في الاونة الاخيرة ترتدي ثوب التوثيق والارخنة  فلكل مناسبة اوذكرى صدى في نزيف الروح لدى مروان ياسين ،برايك ما مدى حضور المناسبة ورد فعلها في انتاج قصيدة..؟
انا لاأستطيع ان اكون بمعزل عن الحياة بمعناها الواسع وهي في حالة من الصيرورة ، والشعر بطبيعته لايتعامل مع ماهو ظاهر وعابر ، الشعر تجربة ونشاط معرفي وروحي يسعى لاعادة اكتشاف الذات والاشياء مرة اخرى للوصول الى الجوهر، الى قيم انسانية وجمالية جديدة ، وهذا يأتي من خلال اعادة الفحص والقراءة للوقائع والثوابت من جديد بعيدا عن هيمنة القيم المطلقة والثابتة التي تحكم الواقع بكل التباساته الاخلاقية وموروثاته ، بلاشك اي نظام سياسي واجتماعي لابد ان يقوم وينهض مستندا على اسس فلسفية يمررها من خلال الممارسات والاساليب والوقائع التي يحدثها في الواقع ، والشعر في واحدة من  مهماته الجمالية يسعى لتفكيك هذه الفلسفة ودحضها عبر رصده للصور والتجارب المعاشة والمتخيلة  في اللحظة الشعرية ، وله في ذلك اليات فنية تنهض من خلال المخيلة الشعرية التي تنتج تداعياتها الصورية . انا اجد ان النص الشعري العربي له خصوصيته التي  تجعله بمكانة خاصة  إذا ماقورن مع النص الشعري الذي يكتب في اوربا او في اميركا ، قد نجد له مشتركات كثيرة مع الشعر الذي يكتب في اسيا وافريقيا واميركا اللاتينية فمابيننا توجد قواسم مشتركة وزعتها علينا انظمة سياسية قمعية بتسميات مختلفة انتجت مجتمعات تتشابه في البؤس والتخلف ، اذن نصنا الشعري  نص ينتمي  الى بيئته التراجيدية رغم التطور الذي طرأ على بنائه الفني الذي  جعله منقطعا الى حد كبير مع كل الموروث الشعري الذي يمتد الى اكثر من الف وخمسمائة عام لكن التجربة الشعرية بقيت تعكس وعي الشاعر واسئلته وموقفه من الحياة بكل مستوياتها من خلال نسق فني خضع الى تغييرات كبيرة وفقا لمفاهيم مختلفة تسعى لاقتناص اللحظة الشعرية كما يسميها فوزي كريم  والنسق الفني الذي اطرح من خلاله قلقي وهواجسي يتوزع مابين قصيدة النثر  والنص المفتوح الذي اجدني انساق اليه اكثر من اي شكل اخر ومن خلاله  استدرج اليه اجناسا تعبيرية مختلفة انحتها داخل تجربتي لتكون ضمن السياق الفني العام، واذا كانت الفلسفة قد انقطعت علاقتها مع الاساطير التي شكلت اسئلتها الاولى فإن النص الشعري المفتوح اعاد اكتشاف هذه العلاقة مع الاسطورة من جديد عندما اسطر الواقع والوقائع التي يعج بها وانا هنا لاأكتب عن مناسبات عابرة كما  يكتب شعراء القصيدة العمودية انما احاول ان اكتشف الكليات التي تختفي وراء تفاصيل الاحداث اليومية التي تمر بي ومن حولي ، بحرية اسلوبية يتداخل فيها الغنائي والدرامي والملحمي .
*مادمنا في فلك القصيدة فهل لقصيدتك بيئة معينة تسعى لان تعيش خلالها اجواء المخاض والولادة ..؟
بما أن مانكتبه من نصوص نثرية معبأة بطاقة الشعر وجنوحه وخيالاته وصوره دون ان نستند الى العروض والقوافي ولم نتعكز على قواعد بلاغية توارثناها لعشرات السنين كالكناية والاستعارة الخ من المفاهيم التقليدية في الشعر الكلاسيكي فهذا معناه اننا نتحرك في بيئة اخرى جمالية جديدة نقطع فيها صلتنا مع الماضي الى الحد الذي ليس بالامكان ان نلتفت الى الوراء او ان نصغي لاصوات تنادي علينا ان نتريث حتى نحملها على اكتافنا. ان الشاعر المعاصر الان يسير في بيئة ليس من السهولة  السير فيها طالما فيها الكثير من المفاجأت التي قد تأتي بها ، فكل نص شعري ماهو الاّ تجربة قائمة بذاتها لاتسعى الى لاعادة انتاج نموذج سابق،  قد نجد بعض المشتركات هنا او هناك لكنها تأتي عرضا وليس قصدا مركزيا في سياق التجربة الذي يميل الى القطيعة مع ماسبق والتأسيس لشيء جديد مغايروالانفتاح الشعري على كل اساليب السرد . وبيئة النص الذي نكتبه ونتحرك في فضائه ليست واضحة المعالم والحدود أويمكن تتبعها من نقطة البدء الى نقطة الختام . فليس هنالك من نقطة بدء ولا نقطة ختام ، ولايمكن التكهن بمسار القول وماسيدرج فيه من صور ودلالات ، وهنالك الكثير من التداخل والتقاطع والانعطافات الحادة التي تصدم المتلقي وهو يقرأ النص بعينيه ويجد نفسه وسط بحر متلاطم من المفردات والصورالمزدحمة المتنافرة والمتداخلة ، مشكلة عالما شعريا مركبا وغامضا حتى في اشاراته التي تبدو مباشرة . وهذه البيئة التي يخلقها الشاعر في نصه تستدعي ان يكون الشاعر في قلب الفلسفة المعاصرة بكل اسئلتها المحيرة لتستحيل بمخيلة الشاعر الى طاقة شعرية .
*البرنامج الذي يحمل عنوان(المشهد الثقافي ) والذي يبث على قناة عشتار يوفر لك رؤية واسعة عن مديات الثقافة العراقية ، فمالذي استنبطته من معطيات ازاء واقعية المشهد الثقافي ؟
على المستوى العام المشهد الثقافي العراقي مرتبط بمايجري من تحولات في الواقع ومايجري فيه يشير في مجمله الى صورة هزيلة من الانغلاق والتردي والانحطاط في جوهر وشكل الخطاب الفكري العام للواقع الذي يبدو واضحا انه قد اصيب بكل امراض وعوامل الهزيمة الفكرية التي كانت قد ابتدأت منذ اكثر من نصف قرن بعد ان تجاهل المجتمع العربي اشارات النهضة التي كانت قد بدأت مع نهاية القرن التاسع عشر التي تحملها رواد النهضة العربية .وظلت عوامل الهزيمة تواصل تفاعلاته منذ النصف الثاني للقرن العشرين ولايوجد اية إشارة حتى هذه اللحظة  لتجاوز هذا الانحدار في الوعي العام . فصور الانغلاق مازالت  تمتد وتولد وتتكاثر في كل الاتجاهات وتكتسب صفة القداسة والتبجيل لكل مالايستحق التقديس والتبجيل وفي مجمله يكرس الماضي ويدور حوله بشكل يثير الرعب والريبة فيما ستؤول اليه الاوضاع الانسانية . فهل من المعقول ان نصل  الى ماوصلنا اليه من تقديس لبشر وطقوس تلغي وتعدم فرصة التفكير عند الفرد وتضعه في مسار القطيع  في دوامة من التخدير والتأنيب والتعذيب لنفسه عقوبة ًعلى ذنوب واخطاء لم يرتكبها ؟ وبما أن المثقف يخوض عملية جدلية في التواصل مع المحيط ماضيا وحاضرا ومستقبلا لذا امست الثقافة العراقية امام اشكالية كبيرة قائمة على الانقطاع لان مايمتلكه المثقف من رؤية نافذة وواسعة لشمولية الحياة تتقاطع مع ضيق الرؤية والاهداف لدى بقية القوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة والمحركة للواقع بل ان الصراع بين الاثنين بات شرسا خصوصا مع الاطراف التي تقف في  الضفة الاخرى المواجهة للمثقف وهي لم تعد تخفي خطابها الذي يستهين ويحتقر الفعل الثقافي بكل اشكاله وتعبيراته . ودليلنا على مانقول مانشهده هذه الايام من صور تثير تساؤلات مخيفة سواء في مصر او تونس او غيرها من البلدان عما آل اليه الربيع العربي الذي انتظرناه طويلاً والمسار المُقلق  الذي وصل اليه بعدما قفزت الحركات السياسية الدينية المتطرفة الى الواجهة لتستلم  دفة القيادة . 
*لديك مشاركات في مهرجانات ومسابقات ثقافية وقد زخرت سيرتك بالعديد من الجوائز والشهادات التكريمية ،ماالذي تمنحه تلك الجوائز للمثقف  وهل هي فرصة لالتقاط الانفاس نحو خطوة اخرى توازي السابقة ام مرحلة للتامل فيما مضى..؟
هنالك جوائزبعينها  تستحق ان يسعى اليها المبدع،بعدما توفرفيها جملة من الشروط تضعها في مكانة عالية يتشرف الشاعر او الاديب ان يكون بين الساعين لنيلها مثلا جائزة نوبل ، فالكل في داخله يتمنى ان تصل اليه رغم كل الاقاويل التي يمكن أن تقال هنا وهناك عنها . والمهم هنا ان لايكون سعي المبدع الاول والاخير هو الحصول على جائزة . انا عن نفسي اعترف على تواضع تجربتي بالقياس الى اخرين لم اكن اتوقع مطلقا ان انال جائزة ادبية لانني كنت اشعر ومازلت بأنني لم اقدم شيئا مميزا ومتفردا يستحق جائزة  في اطار الشعر بالقياس الى اخرين  . ذلك لانني اجد ان الساحة تحتشد بالعديد من الاسماء الكبيرة التي اقف امامها منحنيا بكلل احترام وتقدير ، وكثير منهم  لم ينل جائزة ادبية في مسيرته ، فهل هذا ينتقص من مكانته وتجربته ؟ بلاشك هو يبقى كبيرا وشامخا رغم ابتعاده وابتعاد الجوائز عنه . ومعلوم ان هنالك حسابات كثيرة لاعلاقة لها بقيمة المنتوج الادبي تؤخذ بنظر الاعتبار في عملية التقييم من قبل اللجان المشرفة على التقييم في معظم الجوائز.وقد تكون حسابات سياسية في غالب الاحيان ، يمكن هنا ان نورد  بعضاً من الاسماء الكبيرة التي لم تحظى بجائزة  منهم : الشاعرالعراقي ابن مدينة الموصل رعد فاضل فهذا الصوت الشعري بتقديري وتقديرالعديد من الاسماءالنقدية الكبيرة من اهم الشعراء العراقيين الذين جاءوا مع مطلع سبيعينيات القرن الماضي ومازال مستمرا في الكتابة الشعرية ،ايضا شاكر سيفو وكرم الاعرجي وزهير البردى ومحمد صابر عبيد . اضافة الى ذلك ان الحصول على جائزة لابد أن  يضعك في واجهة المشهد لتكون تحت مرصد الاخرين نقادا وادباءً ينتظرون منك ان تقدم شيئا جديدا دائما تؤكد فيه استحقاقك للجائزة .ايضا يضعك في مواجهة شديدة مع نفسك حتى تتفوق على قدراتك بالطريقة التي لاتكررفيها تجاربك السابقة رغم تفوقها . فالجائزة اذن رغم طعم التفوق والنجاح الذي تمنحك اياه لكنها ترمي بثقل المسؤولية عليك  .
*ابداعك ينتشر في مجالات عدة فما بين الصحافة وحواراتك مع الادباء وتحليلاتك التي ترتدي في احيان كثيرة تناول الشان العام وفي الجانب الاخر يبرز مروان الشاعر والناقد المسرحي فهل هنالك مجال للتواصل ما بين تلك المحطات ؟
انا هكذا ولاأستطيع الاّ ان اكون بهذا الشكل ، ولانني اعيش في قلب المهزلة لذا لم يكن  بأمكاني ان اتفادها ، ولابد من اليقظة والحذر في  مثل هذه المواجهة ، والتعبير عنها باشكال تعبيرية متنوعة وفقا لما يفرضه عليك منطق الصراع الغير متكافىء وماتفرضه عليك طبيعة المعركة  وماتريد ان  تقوله ، ومحدوية وخطورة عقل  الطرف الاخر المتطرف الذي تخاطبه . كل هذا اضعه في اعتباراتي وانأ اتحمل مسؤوليتي كمثقف . . فأنا عندما اوجه خطابي الى طبقة السياسين اولئك الذين يملكون زمام الامور، وبيدهم يمسكون عصا السلطة التي  تحرك الاوضاع وتوجهها وفقا لما تشتهي مصالحهم الضيقة ، الجأ الى المقالة والتحليل السياسي الذي اجده يتناسب تماماً مع سطحية وضحالة المستوى الثقافي الذي يحيط بعقول هولاء الساسة عموما ، ولوتوفرت الفرصة لك وسألتهم  مثلا عن جاك دريدا  أوعلي بدر أو او سعدي يوسف أوغائب طعمة فرمان او سان جون بيرس أو عدنان الصائغ لما عرفوا الاجابة . لذلك من الخطأ وانت في مواجهة مع الاغبياء ان تلجأ الى لغة لايستوعبونها مثل اللغة التي تتواجد  في الشعر او الرواية او القصة عندها ستبدو انت امامهم احمقا ومجنونا مهما كان خطابك راقيا وساميا ومتفردا وحداثويا . لذا عليك ان تخاطبهم بلغتهم وأدواتهم وانت تسعى لايصال ماتريد قوله لهم في الوقت المناسب والمكان المناسب واللغة المناسبة .
*انطلقت من مدينة الموصل والان بحكم عملك فانت قريب من مشهد ثقافي اخر مكتنز بالكثير من الاسماء فما هو الرابط بين عالمي  محطة الخطوة الاولى  ومحطة العمل والترقب ؟
انا  هنا في هذا المكان والزمان البعيد عن الخطوة الاولى اشعر بخليط متناقض من المشاعر لكنني في العموم اشعر بالسعادة والامتنان لانني هنا . فلقد وفر لي الابتعاد عن مدينتي رؤيتها بشكل واضح بكل تفاصليها ، بجمالها الباذخ وعيوبها القاتلة ولولا هذه الفرصة لما استطعت ان اتحرر من عبئها واخطائها ومن ثم لاكتشافها من جديد وكأنني لم اعرفها ولم أعش ابدا فيها  ، كان الرحيل عنها ضروريا بعد ان امسكت بها مخالب الخوف والتخوين والترهيب ولم يعد بأمكانك ان تتمتع بلحظة من الحرية في التفكير والقول سواء كنت تنظر الى الماضي او تفكر في المستقبل ، في هكذا حال من الطبيعي أن تموت كلمة الحرية على شفاهنا قبل ان نتلفظ بها فما معنى ان تبقى سجينا ومعتقلا بمحظ اختيارك طالما  ان الفرصة متاحة امامك للخروج من المعتقل ؟
مامعنى ان تبقى صامتا ولاتقوى على الاشارة باصبعك على موطن الجرح ؟
مامعنى ان يحيط بك الكذب والكذابون اينما كنت رغم صور الهزيمة والخراب التي تحيط بك ولاتقوى على ان تقول شيئا من  الحقيقة ؟ إنَّ أنا الشاعر والفنان هاجسها التمرد ورفض الواقع بشكل دائم لان ذاته تحلم دائما بالغد وهي متواشجة بما فيها من قلق وافكار وتساؤلات مع عالم اخر متخيل .
*اسماء كثيرة كنت على تماس مباشر معها في خطوة الالف ميل ،وبعد هذه المحطات لمن توجه يد العرفان ..؟
انا مدين لاسماء كثيرة كان لها فضل التأثير على ذاتي الانسانية او شخصيتي الفنية سواء بشكل مباشر او غير مباشر . فهنالك اسماء لم التقي بها وكانت سببا ودافعا في بناء شخصيتي مثل العديد من الادباء والشعراء والفلاسفة الذين قرأت لهم، وهناك اسماء كانت قريبة جدا مني ورافقتني في محطات مهمة من حياتي ، مثلاً جدتي لأمي التي تعلمت منها معنى الكفاح والاعتماد على النفس وخالي الذي عدم عام 93 بسبب نشاطه السياسي المعارض والذي كان قد ايقظ في داخلي معنى الدفاع عن المبادىء حتى لو كان الموت هو الثمن . والمخرج شفاء العمري الذي من خلاله  ادركت معنى ان يكون الفنان مفكرا وحيويا في تفكيره وهو يقرأ العالم من خلال العمل الفني الذي يقدمه  .
*تتخذ القصيدة لديك طابعا مباشرا حينما تلتقي فيها ببؤساء وسياسيين فهل توجه دفة القصيدة الى القاريءدون منعطفات ؟
على المستوى الفني وضعتنا تراجيدية الحياة العراقية امام خيارات صعبة وقاسية فرضت علينا ان نقذف بانفسنا في بركة السياسة الاسنة رغماً عنّا لنسبح فيها دون ارادتنا بعد ان وجدنا مياهها القذرة تحيطنا بناوتحاول اغراقنا فلم يكن امامنا من  سبيل سوى أن نواجهها . لذا بعض القصائد التي اكتبها تجدها   تنعطف الى تناول ماهو يومي  ، وهذا يأتي عندما اكون مصاباً احياناً بحالة قاتمة من اليأس والاحباط نتيجة ماأرى من صور استهتار بحياة وكرامة الفرد رغم الحرمان الذي عاشه لعقود طويلة .ونتيجة لهذه الاوضاع  ترتسم في مخيلتي صور مخيفة عن الغد الذي سيمر على الاجيال اللاحقة والتي ستدفع هي الاخرى ثمناً باهظا من اعمارها واحلامها مثلما نحن دفعنا ،عندها لاأستطيع أن امنع نفسي من كتابة نص  تتسلل اليه تفاصيل كثيفة من الحياة اليومية لكنها لن تبقى في اطار صورتها المباشرة الفوتوغرافية التي اتلقاها في الوهلة الاولى انما اعيد انتاجها في مشغلي الشعري ولتأخذ بها مخيلتي الشعرية الى حدودها المطلقة والكونية ، لانني بكتابتي لها اوسس لعلاقة جدلية مابين الانا والذات ، الخاص والعام وبقدر ماأقترب من هذا اليومي فاأنا بنفس الوقت اسعى لافلات منه الى ماهو قرب الى التجريد الى ماهو متخيل رغم انني اريد ان اخاطب بهذه النصوص تحديدا عموم الناس وليس النخبة التي تربطني معها لغة اخرى وخطاب اخر .



76
                                           
                                                       نقد مسرحي :     
                                        مروان ياسين الدليمي / اربيل


الحرامية . .

إتقان اللعبة في صياغة الخطاب المسرحي  .






تأليف واخراج : رفيق نوري
تمثيل : حمه سعيد ، نوزاد رمضان ، تارا عبد الرحمن ، كوفار أنور ، تحسين اسماعيل ، كمال دانيال
مدير انتاج : هيوا سعاد
تاريخ العرض : 31/10/ 2011
مكان العرض : قاعة الشعب في اربيل
تقديم : منتدى عنكاوا للفنون بالتعاون مع مديرية الفنون المسرحية في اربيل
                                           

المنطق الجدلي
الدراما فن يستند في بنائه على الجدل بين الحاضر والماضي ، بين الواقع المرئي والمحسوس وبين واقع مفترض متخيل ، وفيما لو غاب الجدل عن الرؤية التي تحكم هذه العلاقة غابت الدراما ، فما جدوى ان تقلب صفحات الماضي دون ان تمتلك مجسا ناقدا يدقق من جديد في كنه ومسار الاشياء والاحداث ؟
 من هنا كانت اهمية الاعمال المسرحية لعدد من الكتاب الذين مروا في تاريخ المسرح العالمي ، ذلك لانها لم تخرج في بنائها عن المنطق الجدلي الذي كان يحكم رؤية الكاتب للاحداث والعلاقات الانسانية التي تناولها في نصه ليخرج بافتراضات وتصورات قائمة على توفر المنطق في بنائها .
وهنا ليس  بالضرورة ان يكون مايتوصل اليه الكاتب باعتباره حقائق ثابتة ينبغي تصديقها والقبول بها  باعتبارها استنتاجات لاتقبل الجدل والتقاطع والرفض ، بل يبقى مايتوصل له اي كاتب ماهو الا من باب الفرضيات التي تحتمل اوجها عدة تتراوح مابين الرفض او القبول لكن يبقى المنطق هو اللبنة التي ينبغي توفرها كقاسم مشترك في اية فرضية يتم طرحها من قبل الكاتب .
وفيما لو  ذهب الكاتب الى الاتجاه الاخر باعتبار مايطرحه من افكار ماهو الا حقائق ثابتة فأنه بذلك يكون قدم حكم على عمله بالفشل ، وبالتالي سينعكس ذلك على موقف ورد فعل المتلقىء للعمل الدرامي والذي سيتسم هنا بالرفض وعدم التواصل مع العمل ، ذلك لانه ينطلق من قاعدة خاطئة في تحديد ورؤية العمل الفني عندما يضعه في اطار مقفل على الافكار المطروحة فيه دون ان تكون  عرضة للنقاش والحوار والجدل في ذهن المتلقي . وهذه القاعدة الخاطئة تجعل من النص يسقط في هوة بعيدة تقصيه عن جنسه ومساره الفني المفتوح كما تلصق كمامات على فم المتلقين كي لايدخلوا معه في حوار جدلي،  وهذا هو ماينبغي ان يقوم به العمل الدرامي واي عمل فني .
 فما جدوى ان تقدم عملا فنيا دون ان تفتح الابواب مشرعة لحوار يتقاسمه المؤلف مع الاحداث والشخصيات التي يتناولها من جهة والمتلقين من الجهة الاخرى ولن ينتهي هذا الحوار مع انتهاء العمل الفني بل يبقى قائما حتى بعد الانتهاء من قراءة او مشاهدة العمل لفترات قد تطول او تقصر تبعا لعمق ومستويات الافكار والرؤى المطروحة بين طيات الحوار والصور الفنية التي يحملها العمل الفني .

المخرج المؤلف
مسرحية الحرامية التي كتبها وقدمها (نصا وعرضا مسرحيا ) الفنان رفيق نوري حنّا توفرت فيها جملة من العناصر الفنية  التي اشرنا اليها في المقدمة . فلم يكن نوري وهو يكتب هذا العمل يسعى الى تقديم مجموعة من الشخصيات الانسانية المتواجدة والمقيمة في مستشفى للامراض النفسية والتي تعاني امراضا نفسية مختلفة نأت بها معزولة عن المجتمع لتجتمع في مكان واحد افترضه فنيا  حتى يكون حاضنة مكانية مكثفة يمكن عبرها ومن خلالها بناء نسيج من العلاقات الانسانية فيما بينها لتكون توطئة للوصول الى اعماق تلك الشخصيات وصولا الى رسم دائرة واسعة من الاحداث والدوافع التي جعلت منها بالتالي مهزومة ومأسورة بمشاعر وهواجس وخيالات مريضة غيرواقعية انتهى بها هذا الحال في نهاية المطاف الى ان تكون في مستشفى للامراض النفسية والعقلية .
 ولكي نبقى في اطار المفاهيم الدرامية التي انطلق منها وبنى عليها هذا العمل لابد من الاشارة الى  ما يحسب له لصالح هذه التجربة عندما يكون مؤلف النص الادبي هو مخرج العرض .  نظراً لعمق التجربة المسرحية للفنان نوري التي تمتد لاكثر من ثلاثة عقود توزعت مابين التمثيل والاخراج وتدريس الفن المسرحي في معهد الفنون الجميلة ،  فقد انعكس ذلك بشكل واضح على طبيعة النص المكتوب على الورق الذي اتيحت لي فرصة الاطلاع عليه وقراءته والذي لم يكن سوى بمثابة مسودة اخيرة للخطة الاخراجية التي بني عليها العرض المسرحي .
وينبغي الاشارة هنا الى لغة النص التي كانت مكثفة وموجزة وخالية من الزخرفة اللفظية والبلاغية ــ التي عادة ماينشغل بها كتاب نصوص الادب المسرحي التقليديين ـــ ولتذهب اللغة في فضاء الايماءة والايحاء الذي يمنحها طاقة درامية تأويلية تحث المتلقي على التأمل والتفكير في مايراه ويلتقاه من شظايا الافكار التي تتاجج  وتتطاير نتيجة الصراع المحتدم في ذات الشخصيات ومع ذوات الشخصيات الاخرى .
ايضا ينبغي ان نشير الى ما توفرفي المسودة او المخطوطة الادبية من  نقاط انطلاق فنية كانت بمثابة هيكل فني واضح الملامح  لمعمار ألعرض المسرحي ، وقد خلا  في مجمل عناصره ( الاحداث ، الحوار ، الشخصيات ، فضاء الاحداث ، الافكار ) من اية تفاصيل  فائضة عن الحاجة يمكن التغاضي أوالاستغناء عنها .
وهنا يتضح مدى النضج الدرامي  الذي يمكن ان يتوفر في اي عرض مسرحي عندما يأتي من  مشغل مؤلف درامي له تجربة عملية بكل تفاصيل الشغل المسرحي على عكس النصوص التي يكتبها اولئك الذين يأتون غالبا من حقول الفن القصصي او الروائي او اي فن ابداعي اخر وهم لايملكون  اية تجربة عملية وميدانية مسرحية مما يوسم اعمالهم بطبيعة الحال بالترهل ، والاستطراد ، والحشو ، اضافة الى  احتوائها على تعليمات وملاحظات اخراجية لاقيمة ولاجدوى من الالتزام بها ) ومجمل ذلك لايساهم في بناء وتطوير الحدث الدرامي .
هذا اضافة الى ضعف المعرفة في بناء تفاصيل الفضاء الدرامي الذي تتحرك فيه الشخصيات  في اغلب هذه النصوص ، فأما ان يكون فضاء خياليا غير قابل للتنفيذ على رقعة الخشبة المسرحية لعدم توفر الدراية الواقعية الكافية بما تمتلكه من طاقة وقدرة وامكانات . او يكون فضاء غارقا في طبيعيته مما لايترك اية فسحة للخيال ان يلعب دوره في التجربة الفنية ،وليصبح بالتالي كتلة ثقيلة على الخشبة ، قد تؤدي اي وظيفة ممكنة الا الوظيفة الدرامية التي تغيب عنها  .

 سلطة المخرج
كان عرض الحرامية الذي تصدى لتقديمه مجموعة من الممثلين الكوردالمحترفين عرضا مسرحيا توفرت في منظومته ( البصرية والسمعية)  مجمل العناصر الفنية التي عادة ما  تسود الاعمال الفنية التي تنجح في استقطاب وعي المتلقي ووجدانه وتجعله وهو يتلقى التجربة الجمالية للعرض الفني وهو في حالة من التواصل والتوقد  الذهني والشعوري ، وهذا قصد جوهري لايغيب عن وعي المبدع  مطلقا كلما  اراد ان يكون في المواجهة مع اي مشروع فني جديد لم تتضح ملامحه بعد وكلما تصدى لتقديم عمل فني يعبىء فيه هواجسه وتأملاته وقراءاته الفلسفية والجمالية للقضية التي يسعى  لطرحها باطار رؤيته ومعالجاته الفنية التي تكتسب رشاقتها وتفردها الاسلوبي من خلال عمق التجربة الانسانية له بكل روافدها وهو يحرص كل  الحرص على نشدانها واكتمالها في البناء العام للتجربة الفنية  لكي يصل الخطاب المسرحي الى المتلقي في سياق جمالي وهو يمتلك عنصر المتعة بمعناها المطلق والشمولي( الفكري والعاطفي)  .
"المخرج هو المبدع الكللي للعرض المسرحي وهذا هو دوره الطبيعي الذي لاينافسه فيه احد"  اي بمعنى هو الذي يتحمل المسؤولية الكاملة عن النص والتمثيل وتصميم الاطار المادي للعرض (السينوغرافيا ) والمخرج رفيق نوري مارس دوره السينوغرافي كاملا في هذه التجربة  متلمسا طريقه على خشبة المسرح بالاعتماد عى مجساته الذاتية التي رسختها حرفيته ومهنيته المسرحية التي نطقت بجمله الدرامية  في مفردات لغة العرض البصرية والسمعية بعد ان طوعتها ووظفتها لخدمة الجملة الدرامية وهو يرحلها في البقع الضوئية التي كتبها بالوان محددة مابين الازرق والاحمر والاصفر لتنتشي اللحظة التعبيرية بطاقة من البوح والكشف الاستفزازي الايحائي .
كذلك  انغمر المكان الذي تدور فيه الاحداث ( المستشفى ) بمستويات متدرجة لقطع الديكور التجريدية التي جنحت لان تكون سلالالم غير متناظرة انفتحت في اغترابها التجريدي على واقعية العذابات التي حملتها اليها الشخصيات وحملتها بالتالي مدلولات جديدة وبعيدة عن ايقونيتها وهي تتحرك عليها بتعدد مستوياتها . هذا اضافة الى مفردة الاسرّة المتحركة على عجلات والتي دون عليها المخرج نوري اكثر من جملة درامية باشكال وتوظيفات متنوعة ومختلفة وهو هنا قصد أن ينحت اشكاله من وحي فهمه وتبنيه لمنهج الحداثة ولتحمل الدلالات  لديه بالتالي مدلولات متعددة ومتنوعة اخرى بعيدة عن وظيفتها الاجتماعية المستهلكة والمتداولة.

وفيما يتعلق بالممثلين المحترفين الذين اعتمد عليهم فقد تفادى نوري ان يزج نفسه في اشكالية قد لاتكون لصالحه عندما لم يغامر في الاستغراق باستثمار الطاقة الجسدية بما تمتلكه من كشوفات مشفرة  كما هو الحال في التجارب المسرحية الحديثة . ذلك لانه يدرك بحكم خبرته وفهمه لطبيعة الواقع ماهية القدرات المتاحة امامه والتي تربّت على نمط من الاداء الكلاسيكي يستند بشكل اساس على التعبير الصوتي ولايعير اهمية كبرى للطاقة التشفيرية  التي يملكها الجسد . وذلك للغياب التام في  استثمار( البيو ـ ميكانيك )  الذي كان قد توصل اليه مايرخولد كطريقة في اعداد الفيزيقي / البدني للمثل بهدف الانجاز الخارجي العاجل للمهام التي يكلف بها .وهو نقيض منهج المعايشة الداخلية للمعلم الاول ستانسلافسكي ، لذا حاول نوري  ان يستمثر مايمتلكونه من خزين حرفي ّوخبرة متراكمة في الاداء النمطي  ليوظفه بالاتجاه السليم  الذي يدخل في السياق الفني الذي يسعى لتقديمه . وهذه قضية فنية تواجه المخرج المعاصر في سواء في اقليم كوردستان او في العراق اذ مازالت اساليب اعداد الممثل لجسده ضعيفة جدا ولم  تأخذ اي جزء من اهتمامه ، لذا من الطبيعي ان تتعطل الطاقة التشفيرية لجسد الممثل ويبقى الصوت هو الوسيلة التي يعتمد عليها الممثل دائما  في التجسيد والمحاكاة والتشخيص .  وعليه لابد ان تأسف كثيرا عندما تجد ممثلا شابا يملك موهبة ناضجة وجميلة في التمثيل مثل (     ) ويملك اطلالة قوية جدا على الخشبة بما يتسم به ادائه من استرخاء وعفوية في اداء الفعل ورد الفعل قد يعجز عن الوصول اليه  الكثير من نجوم المسرح العراقي ، وهنا نستذكر مقولة للمعلم ستانسلافسكي " الشيء الرئيسي في فن الممثل لايكمن في الفعل ذاته بل في نشأة الميل الى الفعل نشأة طبيعية فهذا الميل هو بالضبط نصف الموهبة " فمثل هذا الممثل بهذا الحضور الاسر تأسف كثيرا له عندما تجده لايهتم ببناء جسده وترشيقه الى الحد الذي يمكنه  الخروج من حالة الترهل التي يعانيها والتي تسبب له البطىء الواضح في الحركة وبالتالي التعطيل التام لطاقة جسده التعبيرية . وهكذا هو الحال مع الممثلين المبدعين  (     ) و(   ) اللذان نجحا في تقديم دوريهما اعتمادا على مايمتلكان خبرة طويلة في المسرح الكوردي .وطالما الحديث هنا عن التمثيل لابد من  لذا ينبغي ان يصار الى اقامة دورات مستمرة لتدريب وتنمية المهارات والفعاليات الجسدية وبتعبير ادق ( مختبرات مسرحية ) ينتظم فيها من يعمل في مهنة التمثيل  حتى ترتقي قدرات الممثلين الى مديات افضل ولكي يستطيع المخرجون ان يستثمروا ويفجروا الطاقات المخزونة في جسد الممثل الكوردي . لان الجسد ماهو الاّ وسيط فاعل بين الانا والاخر .
اخيرا لابد من الاشادة بهذا العمل الذي امسك بخيوط اللعبة المسرحية بمهارة واضحة استثمر فيها المخرج رفيق نوري نزعته الى المزاوجة بين اساليب ومناهج متنوعة توزعت بين ماهو  تعبيري وتجريدي ورمزي . وقدم للمسرح في كوردستان عرضا فنيا ملأ فراغا واضحا بعمل مسرحي يتسم بمتعة الخطاب الفني  في المسرح الكوردي هو بأمس الحاجة اليه حتى يستعيد المسرح جمهوره الواسع الذي افتقده . ذلك لان مصطلح المسرحانية كما يؤكد د. صالح سعد في كتابه (الانا ـ الاخر ازدواجية الفن التمثيلي ) الصادر عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية يشير الى "الدور البارز الذي لعبه بقاء العرض المسرحي على خارطة الفنون  والاداب الانسانية كتعبير ضمني عن شوق الانسان الغريزي الى الفرح والاحتفال كمساحة مفتوحة للمشاركة وللابداع الجمعي "                                             
وختاما تحية لكل الممثلين والعاملين  الذين ساهموا فيه .

77

 
  المشهد السياسي العربي . . .  والكيل بمكيالين

الكيل بمكيالين عُرف بات يُمسك بمنظومة المشهد السياسي العربي بكل وضوح وهذا امر  ليس بجديد أو طارئ لكنه وبتقديرنا قد كََشف عن وجه سافر ومقلق مع بدء الحرب العراقية الايرانية عندما انقسم العرب وقتها على انفسهم وفي مواقفهم وفي ردود افعالهم ازاء تلك  الحرب ، وبدلا من ان يتحملوا المسؤولية كاملة في لعب دور فعال لايقاف نزيفها الذي كان يزداد يوما بعد اخر وعاما بعد اخر تحمّل البلدين ايران  والعراق  نتائجه الكارثية ثمانية اعوام على حد سواء.
في تلك الحرب  شاء الحكام العرب ان يكتفوا بمواقف جُلّها سلبية ، بعضها اتّسم باللؤم عندما اثر ان يكون في موقف المتفرج وكأنه يشاهد فلما حربيا يسقط فيه قتلى وجرحى بالعشرات على شاشة التلفزيون وهو مستمتع كل ليلة بما يشاهد ،ومواقف اخرى اتسمت بالتجاهل التام  لصور الموت والدمار وكأن لاشيىء يحدث ، واخرى ارتأت ان تزيد من سعير الحرب الطاحنة وتغذيها وذلك بالوقوف الى جانب احد الطرفين المتقاتلين  امّا علنا او خفية  من خلال مشاركة فعلية فيها ، سواء بجيوش اوقطع سلاح أو تمويل .
ونتيجة لكل تلك المواقف التي اطالت من عمر الحرب والتي  اقل مايقال عنها انها كانت مواقف تتسم بنفاق وانتهازية واضحين ، هذا اضافة الى تغليب للمطامح والمطامع  الشخصية بكرسي الزعامة على حساب  المصالح والقيم الاخوية والانسانية التي تجمع  الشعوب العربية مع الشعب الايراني الذي يرتبط معه بعلاقات تاريخية ودينية عميقة جدا.
ومن تداعيات  ذلك الانحطاط في مستوى الوعي والمواقف الرسمية العربية ازاء قضية ولحظة تاريخية فارقة ومفارقة أن سيكون له نتائج وتفاعلات اقليمية ودولية كبيرة  فيما تلاها من الاعوام  وسيدفع بالتالي منطقة الشرق الاوسط الى هاوية ومنزلق سياسي خطير لاوضوح لصورته النهائية وكانت اولى مقدماته : حرب الخليج الثانية عام 1990 بعد ان غزا العراق الكويت بقرار خاطى ء ومتسرع ومنفعل تورط فيه صدام حسين وورط العراق وشعبه ومستقبله فيه .
تلك الحرب جاءت بالاساطيل والقطع العسكرية الى منطقة الخليج  لتقيم فيها اكبر القواعد العسكرية الاميركية  لتكون منطلقا الى كل البقاع التي كانت تحلم بالوصول اليها في قارة اسيا طيلة ايام الحرب الباردة التي كانت قائمة بينها وبين الاتحاد السوفيتي سابقا قبل انهياره عام 1990. ولتسيطر على منابع النفط الذي كانت تسعى للوصول اليه  منذ العام 73 حينما لعب النفط دوره الفاعل والمؤثر في حرب تشرين ، عندما اوقفت السعودية صادراتها النفطية الى الغرب في تلك الحرب فأدركت في حينها اميركا والغرب معها خطورة بقاء مصادر الطاقة النفطية في الشرق الاوسط بعيدا عن سيطرتها وتحكمها. وسعت لاجل ذلك ألعمل بكل ماتملكه من قدرات استخبارتية من اجل الوصول الى منابع النفط .
وهاهي الفرصة قد جاءت مثلما ارادت وخططت عندما  استثمرت ماكان يحلم به صدام في تصدر الزعامة العربية بعد ان كان قد خَرج من حربه مع ايران وهو ممتلىء بمشاعر القائد المنتصر ، فدفعه ذلك الوهم والشعور الطاغي  بالقوة والقدرة التي لاتحدها حدود  ودون ان يدري الى الاندفاع كالاعمى نحو محرقة الموت بغزوه لدولة  الكويت ، ولتكون هذه المغامرة مقامرة على حياته ووجدوه ونظامه ولتصبح بالتالي  بمثابة الحجة التي امسك بها الاميركان للوصول الى ماكانوا ينوون الوصول اليه .
يمكن القول ان حلما واحدا فقط كان لوحده يجمع الزعماء العرب في كل المواقف والازمات والحروب التي عصفت بمصير الشعوب العربية ألا وهو : الطموح بالفوز بكرسي زعامة إمة عربية واحدة موحّدة لاوجود لوحدتها السياسية  الاّ في الشعارات والخطابات  السياسية الطنّانة ، بعد ان اصبح كرسي الزعامة شاغرا بغياب عبد الناصر، الذي كان ظله مهيمنا عليه ،طيلة وجوده في الحكم  .
ان المواقف الرسمية للحكام والانظمة العربية التي اشرنا اليها عندما قامت الحرب العراقية الايرانية عادت لتكرر نفسها مرة اخرى عندما سقط  نظام صدام حسين عام 2003 لكن هذه المرة كان تأثير تلك المواقف اشد قسوة وخطورة على المجتمع العراقي ، لان المعركة هذه المرة كانت في الداخل وليس على الحدود الخارجية للعراق ، أي في عمق المجتمع العراقي، في وجدانه وقيمه الدينية والمذهبية والقومية .
 فالمواقف العربية الرسمية بكل تنوعها وتقاطعها  كانت تصب في هدف واحد هو : اشعال وتأجيج الصراع داخل المجتمع العراقي نفسه ،وذلك بالاعتماد على التنوع المذهبي والديني والقومي الذي يتشكل منه الشعب العراقي ، خصوصا بعد أن تضررت وضعفت  العلاقات التي كانت تجمع هذه الفسيفساء العراقية لعقود طويلة  واصاب العفن بعض اجزائها  نتيجة للسياسات الخاطئة التي مارستها كل الحكومات العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921.
 وقد ازدادت تلك السياسات خطورة وعنفا وخطأً منذ ان تسلم صدام حسين زمام السلطة عام 1979 ، مع اننا لانعفي احدا من كل الحكام العراقيين من مسؤولية الاخطاء التي ارتكبت بحق الاقليات والطوائف والقوميات دون استثناء . فالاقصاء والتهميش كان جاريا على قدم وساق طيلة قرن كامل وإن بدرجات متفاوتة بين حكومة واخرى وبين زعيم واخر .
ان الساسة العرب كانوا يعرفون جيدا التركة الثقيلة التي خلفها  نظام صدام بعد ما رحل عن سدة الحكم ، لذا لم يتركوا هذه الفرصة تضيع سدى دون ان يتم  استغلالها  بالاتجاه الذي يخدم مصالحهم المختلفة والمتقاطعة مع بعضهم  البعض،  لكنها  تلتقي وتجتمع رغم هذا الاختلاف عند نقطة واحدة كما التقت بكل تناقضاتها سابقا  اثناء  الحرب العراقية الايرانية الا وهي : اضعاف العراق بثقله ووزنه الدولي ، فهذا البلد بعمقه التاريخي والحضاري لم يزل يلقي بظله وحضوره واضحا على خارطة السياسة الدولية بسبب موقعه الجغرافي والاقتصادي رغم ضعف وهزالة  اغلب الساسة الذين حكموه طيلة قرن من الزمان ، فكيف الحال به عندما يحكمه خليط من الساسة الذين لاشأن لهم بأمور الحكم ! ؟ هذا اضافة الى انهم لايمتلكون اية خبرة في ادارة البلاد واثبتت الاعوام التسعة التي مرت بعد العام 2003  انهم  جاءوا الى الحكم  وكأن ليس في نيتهم بناء دولة حديثة تقوم على احترام حرية الانسان بكل صورها انما جاءوا وهم يحملون في دواخلهم رغبة عارمة في الانتقام من كل ماله صلة بنظام صدام وحزب البعث الذي طاردهم  واعتقلهم وشتتهم في المنافي حتى لو احترق جراء ذلك الاخضر مع اليابس ، وليتركوا في الاذهان صورة مشوشة وخاطئة عن معنى النضال والكفاح ضد الظلم وانظمته الفاسدة الذي عادة ماتتحمله نخبة من المجتمع تسموا فوق جراحها وعذابتها لتنهض وُتنهِـِضِ معها الشعب المقهور مما هو فيه قابع فيه من بؤس ،صورة تدعو الى الرثاء على كل المناضلين والمفكرين والفلاسفة الذين غيروا مجرى التاريخ في اكثر من لحظة تاريخية ولم يطلبوا لقاء ذلك ثمنا ، لاقصورا فخمة ولاحسابات خيالية في البنوك ولارواتب تقاعدية خرافية الارقام لهم  ولاحفاهم  .
 ومع ذلك لو كانت سياسة  انزال العقاب الصارم قد اقتصرت على من تسبب  بالظلم والقهر للشعب  العراقي من اركان ورموز النظام السابق لكان من الممكن قبول تلك الرغبة العارمة بالانتقام .
 لكن ان يتم تحميل طائفة بكاملها مسؤولية واخطاء وجرائم كل ماحدث قبل العام 2003 بكل قضّها وقضيضها لا لشيء إلاّ لانها الطائفة التي ينتمي لها كل الحكام الذين مروا على تاريخ الدولة العراقية منذ تأسيسها وانتهاء بصدام حسين فهذا بلاادنى شك خطأ كبير، وقد بانت نتائجه خلال الاعوام التسعة التي مرت من عمر البلاد عندما وجدناها تغرق في دوامة  من العنف والفوضى حتى هذه الساعة ،  ووفرت بذلك ارضية مناسبة لكل القوى العربية اولا والاقليمية ثانيا لان تدخل الساحة العراقية من النوافذ والشقوق والجحور تحت جنح الظلام الكثيف الذي صار يخيم عليها وصارت تلعب فيها وفقا لما تهوى وتشتهي في التدمير ،وكانت  مشاعر الانتقام والتصفية التي اتصف بها معظم الساسة العراقيون واستبعادهم لاية فرصة حقيقية وجدية لطيّ صفحة الماضي والبدء في صفحة جديدة تقوم على اشاعة روح التسامح والعفو عمن لم يرتكب جرما من اتباع ورموز  النظام البعثي قد أوجد الفرصة المناسبة لتلك القوى حتى تلعب دورها هذا بكل حرية وقوة  .
كان ينبغي على ساسة العراق الجدد فيما لو ارادوا ان يبنوا بلدا جديدا على انقاض ماخلفه نظام صدام  ان يتخذوا من تجربة نظام جنوب افريقيا بزعامة نيلسون مانديلا نموذجا لهم في كيفية التعامل مع حقبة مؤلمة ومُرّة بكل رموزها ، وهذا استدعى منهم ان يمضوا الى الامام  ولم يتوقفوا عند الحقبة السياسية السابقة لهم  طويلا ، لذا لم يغرَقوا في رمالها المتحركة ، بل انطلقوا من فكرةٍ ومبدأ واضح يقوم على احترام القانون والعدالة دون التورط في القفز والتجاوزعليه ليصبح  مطيّة سهلة يتم استخدامها وفقا للاهواء والرغبات والمصالح الضيقة للساسة والاحزاب الحاكمة مثلما هو حاصل في العراق .والصورة الاقرب الينا من تجربة جنوب افريقيا  هي : تجربة اقليم كوردستان العراق عندما لجأ قادته الى الصفح والمغفرة عن كل الاكراد الذين كانوا في خدمة نظام صدام وحزبه ، واعطيت لهم  الفرصة للتكفيرعن خطاياهم ،وذلك بالسماح لهم مرة اخرى بالاندماج بين صفوف المجتمع ليصبحوا مواطنين صالحين يشاركون في بناء كوردستان التي بدأت تفرض حضورها وتجربتها الناهضة شيئا فشيئا امام العالم  واصبح البون شاسعا بينها وبين بقية اجزاء ومحافظات العراق .
وهنا اتسأل واوجّه اسئلتي للساسة الذين يحكمون العراق كيف يمكن قبول اسقاط التهم والجرائم المنسوبة الى عدد من الارهابين الذين يحملون جنسيات عربية غير عراقية ممن تورطوا بجرائم بشعة ضد العراقيين الابرياء تنوعت جرائمهم مابين  تفجير وتفخيخ اضافة الى عمليات قتل وتطهير جماعي وسبق أن اعترفوا بها وعلى اساس اعترافاتهم تلك  تمت ادانتهم . كيف يمكن قبول فكرة اطلاق سراحهم بعد ان توسط القادة والزعماء العرب الجدد في  ليبيا وتونس  الذين استلموا زمام السلطة في بلدانهم بعد ان كانوا قد ثاروا على ظلم وعبودية وفساد حكامهم . . كيف يمكن قبول هذا ؟  . . ولنفترض ياساسة العراق  انكم قبلتم الوساطة وعملتم بمبدأ المسامحة وطي صفحة الماضي مع من اجرم وقتل شعبكم ثم اطلقتم سراحهم اكراما لعيون الغنوشي وعبدالجليل . أما  كان من الاولى والاجدر بكم  ان تسامحوا ايضا نظرائهم من ابناء شعبكم وجلدتكم  ؟
نرجوا منكم ساستنا وحكامنا وقادتنا ان تعدلوا وأن  لاتكيليوا بمكيالين كما فعل الحكام العرب مع شعبكم .


                                  مروان ياسين الدليمي
                                 
   

78
لاأحد يعلم سوى الحكومة . .


الدعوات التي وجهت من قبل الغنوشي زعيم حزب النهضة الاسلامي في تونس ومصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا الى الحكومة العراقية بالعفو عن عدد من اعضاء تنظيم القاعدة من الذين يحملون الجنسية التونسية والليبية ممن ثبت تورطهم  في جرائم ارهابية ضد الشعب العراقي وادينوا امام القضاء بها وصدر بحقهم احكاما تتراوح مابين الاعدام والمؤبد تلك الدعوات تثير الريبة والشكوك حول الاهداف والدوافع التي تقف ورائها ،كما تلقي بظلال من الشك حول وجود علاقة وثيقة مابين تنظيم القاعدة وعدد من القوى والاحزاب الكبيرة والفاعلة ذات التوجهات  الاسلامية في النظم الجديدة التي اسقطت القذافي وزين العابدين وحلت مكانهما في الحكم . وإلاّ مامعنى ان تأتي هذه الدعوات بالعفو عن  اشخاص ثبت ارتباطهم التنظيمي والعقائدي بالقاعدة . ؟
ان هذا يبعث القلق في ماستؤول اليه اوضاع المجتمع المدني وحقوق الانسان وحرية التعبير والتفكير في هذين البلدين.وهي اشد خطورة فيمالو قورنت بمصر وكما يبدو من ظاهر الصورة فيهما للمشهد السياسي ان تنظيم القاعدة يتحرك بمساحة واسعة جدا من خلال عدد من الاحزاب التي تحمل تسميات اسلامية لكنها تنتمي من حيث الجوهر والاهداف البعيدة  الى الفكر المؤيد والمساند لتنظيم القاعدة .  وهذا ماكانت قد اشارت اليه التقارير من ان قائد الجناح العسكري للمجلس الانتقالي الليبي كان عضوا في تنظيم القاعدة وانه كان  معتقلا في معسكر غوانتاناموا وتم تسليمه بعدئذ الى السلطات اللليبية ايام القذافي .
كما ان الكلمة التي القاها مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي الليبي في يوم اعلان النصر بعد القضاء على القذافي من مدينة بنغازي والتي اكد فيها على اعتبار الشريعة الاسلامية هي المصدر في القوانين التشريعات التي ستصدر في ليبيا الجديدة بعد القذافي . اعطت الدليل والبرهان على المشتركات المنهجية والعقائدية التي يرتبط بها القادة الجدد مع تنظيم القاعدة .
من هنا يمكن الوصول الى حقيقة الدوافع التي تقف وراء تلك الدعوات باصدار العفو عمن تورط بجرائم ارهابية من الليبين والتونسيين في العراق . ويبدو ان الحكومة العراقية من خلال التزامهاالصمت ازاء تلك الدعوات تفكر في رد الجميل الى ليبيا بعد ان زودتها بمعلومات عن محاولة انقلاب في العراق كان يتهيأ لها البعثيون بدعم من القذافي شخصيا قبل سقوطه . حتى لو تغاضت عن الدماء الزكية التي سفكت من العراقيين الابرياء
 من قبل اولئك المجرمين .



     مروان ياسين الدليمي
الاحد ‏، 15‏ تشرين الثاني‏، 2011




79

 دلالاتُ المشهدِ الاخير للقذافي .

من مصائب الزعماء العسكرالذين ابتليت بهم وبأنظمتهم  المجتمعات العربية  أنهم  لم يفكروا جدياً بأية ستراتيجية تنموية تنتشل بلدانهم من واقع بائس ومتخلف كان قد تغلغل في  كل الاصعدة والبنى ــ اقتصادية واجتماعية ، وثقافية ــ  بل على العكس من ذلك كانوا منشغلين بكل مايملكون من قدرة محدودة على التفكير ــ بفعل ضحالة ثقافتهم العلمية وبكل ماكانت تملكه البلاد من قدرات اقتصادية ــ في بناء المنظومة الامنية بكل تسمياتها وتشعباتها التي تؤمّن لهم اسكات الناس وقمع احتجاجاتهم  ولم يكن ذاك الجهد يرمي في حقيقته واهدافه سوى الحفاظ على عروشهم وكروشهم التي تضخمت وترهلت  لتصل كما يطمحون ويخططون الى احفادهم واحفاد احفادهم ، والقذافي كان واحداً من اولئك الزعماء العسكر،  وفي المقابل كانت الشعوب العربية تزداد بؤسا وفقرا وجهلا.
 وهكذا استمر هذا الحال على ماهو عليه طيلة ستة عقود واكثر لتصل  فيه المجتمعات العربية الى حالة من غياب الوعي التام الى درجة لم تعد تدرك ماوصلت اليه من بؤس في الوجود وفي الفاعلية  اخذين بنظر الاعتبار  ان وسائل الاتصال والاعلام المرئي لم تكن بهذا الشكل من الاتساع والتقدم وسرعة في ايصال المعلومة كما هي عليه في يومنا هذا ، لذا كانت المجتمعات العربية حتى مطلع تسعينيات القرن الماضي ــ عندما ابتدأ البث الفضائي الدخول الى عالمنا العربي ــ تعيش عزلة قسرية مفروضة عليها حتى بعد ان دخل البث التلفزيوني في مطلع ستينيات القرن الماضي ، ذلك لان هذا البث كانت  السلطة قد احتكرته ووظفته ودجنته بشكل سيء وخبيث بما يخدم خطابها وايدلوجيتها التي اعتادت ان تكذب في كل شيىء حتى في نشرة الاحوال الجوية، وبدت الشعوب العربية ازاء ذلك وكأنها قد آمنت بقدرها وأن لامفر ولاخلاص من ارادة القدر التي شاء الله ان تكون هكذا . . لقد ترسخ هذا الاعتقاد وهذه القناعة لدى عموم الشعوب العربية التي كانت ولم تزل تشكل نسبة الامية فيها 70 % من مجموع السكان ، وكان لعوامل كثيرة اخرى تظافرت مع المخططات الامنية للانظمة العربية السياسية  من اجل ان تبقى عموم الناس قابعة في جهلها ومعتقداتها الغيبية التي تعلق عليها  بؤسها ولعل اخطرها واشدها فتكا في عقول العامة هي منظومة الفكر الاسلاموي التكفيري الذي ساهمت الانظمة العربية في نموه واشتداد على الرغم من اختلافها وتقاطعها معه وقمعها له في غالب الاحيان  لكنها ورغم ذلك كانت في جوهر تفكيرها السياسي  وخططها الامنية  تضعه في خانة الاصدقاء الذين تمد  لهم يد العون لتساعدهم على الظهور كلما شعرت السلطة بخطر ما قد يهدد وجودها واستمرارها في الحكم  من قبل القوى الليبرالية والعلمانية واليسارية ، لذا كان اصحاب هذا الفكر المتطرف ودعاته بكل تشكيلاتهم الحزبية ومسمياتهم السياسية لايترددون في انتهاز الفرصة التي كانت الانظمة السياسية تمنحها لهم للاعلان عن انفسهم في مواجهة اعداء المجتمع من ليبراليين وعلمانيين ويساريين كفرة  ـ كما يصفونهم  في خطاباتهم ــ  والحد من نشاطهم وفعالياتهم بشتى اساليب الترهيب والترغيب والتكفير وهذا مافعله كل القادة العرب ابتدأً من السادات وانتهاء بالقذافي رغم ان نهاية البعض من زعماء العرب كانت قد انتهت بشكل مأساوي على ايدي أولئك  المتطرفين دينيا !.

التطرف يدخل من الابواب
هذا الوضع الشائك والمعقد الذي ابتليت به المنطقة العربية بدأ يفرز قيحه مع سقوط نظام صدام حسين وليستمر تدهورا وخطورة مع ربيع الثورات العربية التي ابتدأت بثورة الشعب التونسي  وسقوط علي زين العابدين ومن ثم نظام حسني مبارك وبعده القذافي .
فالصورة الان في هذه البلدان التي شهدت هذا التغيير( العراق ، تونس ، مصر ، ليبيا )  تثير الكثير من القلق بل الرعب لدى الكثير من المراقبين والقوى التي تقدس الحرية الفكرية  وتحترم الحريات والحقوق المدنية التي ينبغي ان يتمتع بها الانسان  بعد أن كانت مدعاة للتفاؤل بمستقبل مشرق وجديد لحرية ألفرد والمجتمع ، اذ برزت على سطح المشهد المجتمعي  قوى سياسية  عديدة ذات هوية دينية اسلامية يغلب على معظمها سمة التطرف في الفكر والممارسة موجهة ضد احزاب وفعاليات سياسية غير اسلامية ، اضافة الى بقية مكونات المجتمع الاخرى التي  تختلف عنها في الانتماء الديني أو الطائفي . واخذت هذه القوى تمارس دورا ارهابيا واضحا ضد مكونات مختلفة من المجتمع أفرادا وجماعات ولم يقف امامها اي رادع قانوني مستغلة بذلك  ضعف وانهيار المؤسسات الامنية والعسكرية للسلطة بعد سقوط رموزها وافتضاح دورها المشبوه في افتعال ازمات واحتقانات داخل مكونات وقوى المجتمع مما جعلها غير قادرة على الرد والسيطرة على ماتشهد البلاد من فوضى وعنف وتطرف .
ان من يراقب الاوضاع التي ترسم صورة المشهد السياسي والمجتمعي للمنطقة العربية لابد ان يشعر بالقلق الشديد ازاء ماستؤول اليه مجريات الحراك السياسي بين قوى لها سمة دينية يغلب عليها التطرف واخرى تنأى بنفسها وبهويتها عن الصبغة الدينية .
فالصراع هنا بدا واضحا بين قوتين وفلسفتين ومنهجين ، يسعى كل منهما لاقامة نظام سياسي يقود المجتمع والبلاد ويرسم صورته وهويته التي تحدد علاقاته وصداقاته واعداءه في الداخل والخارج .
ويبدو حتى هذه اللحظة ان الغلبة للقوى الدينية ( تونس ، مصر ، ليبيا ، البحرين ، سوريا ، اليمن ، ) وذلك يعود لعدة اسباب ،تعود في مجملها لمصلحة سرعة رواج مشروعها السياسي ، فالبيئة المتخلفة التي تحيا بظلها المجتمعات العربية المغيبة عن الوعي بفعل عوامل الفقر والامية والتاريخ الطويل من القهر والتسلط  وسياسات التجهيل الحكومية ليست سوى ميدان نموذجي  يتحرك فيه  الفكر الاسلامي المتطرف بحيوية وتأثير لاحدود لهما  تعجز بقية القوى الاخرى عن التحرك والتأثير فيه  مثلها .
وعلى هذا  فلن تأخذنا الدهشة ونحن نرى جيش الفقراء والمقهورين الذي التحق بالثورة وركب موجتها في البلدان العربية ــ دون ان يعرف الى اي مصير غامض تتجه به ـ  لن يتوانى أبدا عن ارتكاب افضع الجرائم واكثرها حماقة ضد رموز الانظمة البائدة  وضد كل القوى الاخرى التي تختلف عنه في الدين والطائفة والايدولوجيا ،وهو بذلك يرتكب مرة اخرى كل السيئات والاخطاء التي سبق ان ابتلي بها ووقعت عليه من قبل النظام السابق الذي ثارهو عليه . !  . . وهو هنا في هذا السلوك الذي انزلق إليه يبيح لنفسه ماكان يحرّمه على غيره ،من عنف وقتل وقهر وانتهاك لحقوق الانسان وكرامته الادمية .

لم يعد الطريق آمناً
لقد كانت لحظة القبض على القذافي من قبل الثوار  خير دليل وشاهد على مانذهب اليه ، اذ كان سلوكهم بمافيه من قسوة وعنف ووحشية ماهو إلاّتعبير صارخ وواضح  على أن عموم الشعوب العربية قاطبة معبأة بطاقة كامنة من مشاعر بدائية غاضبة وعنيفة مازالت تستمد طاقتها من : تربة قيم بدوية وقبلية  لم تستطع ان تثلمها برامج التمدن الشكلية التي اقامتها تشكيلات الانظمة السياسية للدول العربية الحديثة منذ تأسيسها في مطلع القرن العشرين .وعقول مغيبة عن الوعي والادراك بحقوق الانسان نتيجة مارتكبته الانظمة السياسية التقليدية العربية من سياسات منظمة كان هدفها ان تبقى عقول عموم الناس البسطاء وهم الاغلبية مقفلة ترزح تحت سلطة محرمات ومقدسات يختلط فيها الواقع بالخيال والمنطق بالخرافة .
 بل يمكننا القول ونحن ازاء هذه الصورة القاتمة ان نقر بصعوبة الطريق الشائك الذي يمتد امام القوى التقدمية ( احزابا  ونخبا مثقفة علمانية وليبرالية اضافة الى النقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني ) وهي تخوض من اجل اثبات وجودها وشرعيتها فقط صراعا ونضالا مدنياً سلميا في مجتمع شرقي عربي عاد الى الوراء في منظومته الفكرية والاخلاقية الى ماقبل الثورة الصناعية كما صرح بذلك الساسة الاميركان عندما كانوا يستعدون لشن هجومهم العسكري على العراق بعد غزو صدام حسين لدولة الكويت 1990 وتحقق لهم ماسعوا لاجله . في خلق مجتمعات عربية تسودها الفوضى ويعمها صراخ القوى المتصارعة على السلطة كل يسعى بمايملك لفرض اجندته وافكاره حتى ولو تم ذلك بالترهيب والتخوين والتكفير .









                               مروان ياسين الدليمي

80
المدارس لتلقّي  للعلم فقط  . .

تعليقا حول قرار متوسطة الحكمة في ناحية عنكاوا . .
 بعزل الطلبة بصفوف  وفقا لانتمائهم الديني !


تاريخ خاطىء 
عندما نريد ان نبني دولة قائمة على تقديس المواطنة على انقاض نظام عاش فيه الناس تحت ثقل منظومة من القوانين المتخلفة عن العصر وعن المنطق والعدالة الانسانية، كانت تكرس التفرقة والتمييز بين المواطنين على اسس لامعنى ولاقيمة لها ( قومية ،دينية ،طائفية )  فمن الطبيعي  ونحن في مرحلة البناء لمنظومة جديدة  للقيم الانسانية التي ينبغي  للفرد وللمجتمع ان يؤمن بها و يتمسك بها ان نترجم هذه القيمة الفلسفية لمعنى المواطنة  اولا في المؤسسات التربوية والتعليمية بكل مراحلها وخصوصاً في مراحل التعليم الاولى ( رياض الاطفال والمرحلة الابتدائية ) في المناهج وفي اساليب التعامل . ذلك لاننا عندما نضع الحجر الاساس للمجتمع الجديد القادم وبدون ان نولي هذه المؤسسات التربوية هذا الاهتمام لن نتمكن من السير في الاتجاه الصحيح والسليم الذي خططنا له ونحن نتوق لبناء مجتمع خال من التعصب والانغلاق والتطرف .
ومعلوم لنا ان مجتمعاتنا الشرقية تعاني شعوبها بمختلف انتماءتها العرقية والدينية وخصوصا( الاقليات ) من شعور قاس بالانغلاق على نفسها بسبب عدم انفتاح المجتمع بمكوناته الاخرى عليها وعلى بعضها البعض .
و في بيئتنا الشرقية يسود شعور عام بالشك الدائم من المكون الاخر وعدم الثقة به وانتهاز اية فرصة للنيل منه ، ولم يكن هذا الوضع المعقد والملتبس بجديد او طارىء على مجتمعاتنا بل كان ملازما له لعقود طويلة تمتد الى بداية تأسيس الدولة العربية الاسلامية ( الاموية والعباسية ) واستمرت تتفاعل هذه المشاعرخلف الستار وتحت سطح المجتمع الذي يبدو خاليا من هذه الاحتقانات في الظروف التي تكون فيها سلطة الدولة قوية ومسلطة على الناس،  لكن ما أن يدب الوهن والضعف في جسدها عندها تبرز على السطح مشاعر الكره والشك والتخوين مابين المكونات الدينية والقومية  ليصل في كثير من الايام والاحداث الى حد شيوع عمليات النهب والقتل لكل الاديان والطوائف والاقليات التي لاتنتمي الى الاغلبية التي  يتكون منها المجتمع  وهذا مانجد له شواهد في كل العهود والانظمة التي مرت علينا طيلة اكثر من الف عام  سواء في العراق او في بقية المناطق العربية .
والملاحظ اننا لم نجد في مسيرة هذا التاريخ حاكما او نظاما سياسيا سعى جادا من اجل ان يكون افراد المجتمع متساوون امام القانون او السلطة بغض النظر عن الانتماء الديني او الطائفي او العرقي وحتى فيما لوحاول احد ما فأنه غالبا ما يكون قد اخفى وراء ذلك هدفا اخر يسعى اليه لاصلة له بالنية المعلنة بتحقيق العدالة للمواطنين .

الصحو على عالم اخر
 وعليه ونتيجة لهذا التاريخ الخاطىء للكل المنظومة القيمية التي حكمتنا، اصبحنا في مطلع القرن الواحد والعشرين في ازمة حقيقية مع انفسنا اولا ومع العالم ثانيا بعد ان خطى العالم خطوات واسعة خلال القرن العشرين في تثبيت القيم الانسانية التي تدعم حقوق الانسسان في حرية المعتقد والتفكير بينما بقيت الشعوب في  المنطقة العربية على حالها المزري  الذي ورثته منذ اكثر من الف عام . وكان لثورة الاتصالات التي شهدها العالم في مطلع القرن الواحد والعشرين الدور الاهم في تحريك الوعي لشعوب المنطقة العربية والسعي لنسف وتغيير منظومة القيم التي تحكمها والتي تكرس بموجبها العنف والفقر والتطرف .
كان للعراق بعد العام 2003 دور وحصة فيما حصل  من تغيير في المنطقة .رغم ماتمر به التجربة العراقية من امتحان عسير يبدو من خلال مؤشرات الاحداث وسلوك الساسة والزعماء الذين يقودونه من المنطقة الخضراء انهم غير جادين في بناء دولة المواطنة التي تقدس حرية الفرد وتحترم القانون دون ان يكون للانتماء الديني او القومي او الطائفي اي تأثير في ذلك .
فكل الوقائع تشير سواء في ماتم تثبيته في الدستور او فيما ينتج من مواقف الساسة وزعماء الاحزاب لايقدم الدليل الدامغ على ايمانهم بالشعارات التي طالما يتاجرون بها في خطاباتهم وتصريحاتهم من على شاشات الفضائيات . بل غالبا ماينساقون مندفعين  وراء ردود افعال تدفعهم اليها انتماءاتهم العرقية والدينية والطائفية وهذا ما دفع بأوضاع البلاد الى الاحتقان والعنف المستمر بين المكونات منذ العام 2003 على عكس ماكنا نتوق ونحلم به بعد ان شنفت اذاننا من قبل الساسة بمفاهيم الديموقراطية والعدالة والتعددية الخ من المفاهيم الانسانية التي خلقت اوربا واميركا بوجبها مجتمعات يسودها القانون والحرية الفردية والانتماء للوطن اولاً واخراً،  رغم تعدد واختلاف الاعراق والمكونات التي تشكلت منها تلك المجتمعات .

 القرار الخاطىء
كان لابد من هذه  المقدمة الطويلة  قبل الحديث عن مسالة مهمة اثارتني واستفزتني هذه الايام مع بدء العام الدراسي الجديد في اقليم كوردستان العراق ، عندما علمت من ولدي الذي ابتدأ مشواره الدراسي في الاول متوسط هذا العام في مدرسة ( الحكمة ) التي تقع في ناحية عنكاواالتابعة لمحافظة اربيل بأن ادارة المدرسة قد فصلت الطلبة المسلمين عن المسيحيين فأصبح للمسلمين صفوفا يدرسون فيها والمسيحيون صفوفا اخرى وذلك لكي يتجنب الطلبة المسلمون الخروج من الصف اثناء درس السرياني الذي يتلقاه الطلبة المسيحيون وايضا لكي يتجنب الطلبة المسيحيون  الخروج من الصف اثناء درس التربية الدينية الذي يتلقاه الطلبة المسلمون . . لقد عملت ادارة المدرسة هذا الاجراء سعيا منها لتلافي الاحراج الذي قد يصيب الطلبة من كلا الطرفين. ! وبات امرا معلوما ان كوردستان العراق قد وفر مكانا امنا لالاف العوائل العراقية النازحة والمهجرة منذ اندلاع العنف الطائفي بعد العام 2003
وانخرط ابناء تلك العوائل من مسيحيين ومسلمين وصابئة في مدارس الاقليم اضافة الى المدارس التي تدرس باللغة العربية والتي انشئت خصيصا لابناء هذه العوائل .
أنا لاأظن ان هذا الاجراء الذي توصلت اليه ادارة مدرسة الحكمة يفضي الى الحكمة والعقل في معالجة القيم الخاطئة التي ابتلينا بها لعقود طويلة والتي اشرنا اليها في المقدمة الطويلة اعلاه واعلم جيدا ان العقلاء في الاقليم يشاطرونني رأي هذا وهم يبنون وطنا امنا وعادلا يتسع للجميع .
 نحن بحاجة الى قيم تدعو افراد المجتمع اديانا وقوميات وطوائف الى الاندماج والتفاعل مع بعضها البعض دون حواجز وعقبات لاصلة لها  بقيم المواطنة التي ينبغي ان نكرسها وحدها دون غيرها .


العقدة امام المنشار
ان الاجراء المتسرع  الذي اتخذته ادارة متوسطة الحكمة دون دراسة معمقة
 ـ  ودون ان تقصد من ذلك سوءاً بالتأكيد  ـ  سوف يزيد الشقة والحساسية والانعزال بين الطلبة على اساس الدين وينسف بذلك كل القيم الاخوية والانسانية التي تجمعهم قبل اي انتماء اخر .وقد عبر ولدي بدوره عن امتعاضه ورفضه لهذا الاجراء الذي ابعده عن اصدقاءه وزملاءه وكان موقفه هذا هو الدافع لكتابة هذا المقال .
وكان ينبغي على من وضع المناهج الدراسية ان يستبعد تماما الدروس الدينية منها لكي لاتوضع العقدة امام المنشار ، فالتربية الدينية مكانها الكنائس والجوامع والبيوت وليست رياض الاطفال والمدارس ، والا سوف نجعل من المدارس حواضن طبيعية للشك بالاخر وعدم الثقة به ومن ثم ستصبح المؤسسات التربوية ميداناً لنمومشاعر العزلة والتطرف والعنف .




                                          مروان ياسين الدليمي

81
المنبر الحر / من يحكم العراق !؟
« في: 13:20 11/09/2011  »
من يحكم العراق !؟

من حقنا ان نسأل فيما لو كان ينظر الينا من قبل الزعماء والساسة على اننا نملك صفة المواطنة الكاملة في وطن اسمه العراق، ولدنا وعشنا فيه، ودفعنا ثمنا باهظا لاجله من اعمارنا واحلامنا . .
من حقنا ان نسأل ــ لكي نزيح دهشتنا واستغرابنا ــ عن الحاكم الفعلي  للعراق، هل هو مقتدى الصدر أم نوري المالكي بعد ان تناقلت وكالات الانباء خبرا مفاده ، ان المالكي قد استنجد بالحكومة الايرانية لكي تقنع الصدر بأن لايدعو اتباعه للخروج بمظاهرة !؟
ومن حقنا ان نسأل ايضا ، هل نحن متساوون أمام القانون في العراق الفدرالي التعددي الديموقراطي الجديد ؟
وهل يحق لي ، انا المواطن البسيط ، مايحق لغيري في الاحتجاج والرفض والتظاهر ضد الفساد والسرقة والبطالة  دون ان اتعرّض للمضايقة والملاحقة والضرب او الاعتقال  ؟
هل نحن  حقا في دولة مدنية ــ طالما حلمنا بها ــ ولامكان فيها لاية مظاهر عسكرية أومسلحة ،أم اننا نحيا في دولة اخرى لم نفهمها بعد  ،يحق فيها لكل فرد او جماعة ان تشكل مليشيات وجيوش طائفية أومذهبية ؟

هل خرجنا من بركة تقديس القائد الفذ الملهم  الضرورة أم اننا مازلنا ندور في نفس الحلقة المفرغة  لكن بتسميات اخرى ؟
وسؤالنا الأهم هنا  : هل يحق لنا مايحق لغيرنا  في التظاهر علنا ، في الشوارع والساحات العامة وبشكل منظم اقرب في صورته الى التنظيم العسكري سواء في المسير، أوالزي، أوالهتاف ،أوالشعارات . . وأن نختار لهذا الاستعراض  التوقيت الزمني  الذي نريد ، والمكان الذي نريد ؟
هل يحق لنا ـــ دون ان يعترض رغبتنا احد ما ــ  ان نشكل جيوشا ونسلحها ونستعرضها امام اجهزة الدولة ــ الامنية والعسكرية ــ وامام العالم كله ؟

وهل يحق لنا ان نطالب اجهزة الدولة الامنية بحمايتنا ورعايتنا فيما لو خرجنا الى الشارع واستعرضنا قواتنا وقدراتنا، و أن نلزم كذلك  الاجهزة الاعلامية الرسمية ــ السمعية منها والمرئية ــ  ان تقوم بتغطية مباشرة لااستعراضاتنا من الالف الى الياء ؟

من حقنا ان نسأل :
ماهو شكل الدولة التي نحيا فيها ؟
من يحكمها ؟
من المحكوم فيها
من المواطن فيها ؟
اين حدود الحرية فيها . .  ومن يرسمها ؟

اخيرا نقول : هل يحق لنا أن نسأل هذه الاسئلة  أم  اننا ــ دون ان نعي ــ  قد تجاوزنا خطا احمرمرسوما لنا ، وصدقنا بكل براءة وطيبة وسذاجة ــ أنفسناــ  بأن هنالك فعلا من سيسمعنا ؟


                              مروان ياسين الدليمي

82
ملاحظات عامة  في الانتاج الدرامي العراقي


وانا في صدد التعليق بشكل موجز على  الانتاج الدرامي التلفزيون العراقي . . في البدء اقول ان الدراما العراقية التلفزيونية لازالت لاتمتلك شخصية خاصة بها كما هو الحال مع الدراما المصرية والسورية وايضا المغربية التي لم نلتفت لها بسبب حاجز اللهجة المغربية التي لم نتعود عليها بعد  .
فالدراما العراقية تسعى دائما لاستنساخ مايتم انتاجه سواء في مصر او في سوريا ، وهذا على الاقل يظهر بشكل صارخ في الموضوعات التي يتم تناولها ( الحارة الشعبية ، دور الضباط في صنع تاريخ العراق السياسي . المطربات وعلاقاتهن مع علية القوم من الشخصيات السياسية . الخ ) والى جانب هذا الاستنساخ الذي اضر كثيرا في بناء دراما عراقية ذات خصوصية وملامح  عراقية فإن الجانب الفني هو الاخر يعد المشكلة الاساسية التي عادة ماتعجل في القضاء على اي ( سيناريو )يمكن ان تتوفر فيه عناصر درامية ناضجة لدى كتاب مشهود لهم بالخبرة والدراية الحرفية  كما هو الحال مع صباح عطوان وحامد المالكي على سبيل المثال .
 والجانب الفني نقصد به  ( الاخراج + الاضاءة + التمثيل + الانتاج ) فكل عنصر من هذه العناصر الفنية لم يصل المشتغلون فيه الى مستوى عال من الحرفية الى الحد الذي يمكن ان يضيف (فنيا)  الى ماهو موجود في النص من امكانات درامية بل على العكس نجد هذه العناصر قد ساهمت في مجمل الاعمال العراقية المعروضة باضعاف نقاط القوة الدرامية التي توفرت في تلك النصوص .
ولو اخذنا كل عنصرعلى لوحده وتأملنا فيه لتوضحت الفكرة التي نود الوصول اليها : فالمخرجون العراقيون بشكل عام( الذين يعملون في اطار الدراما التلفزيونية تحديدا )  لاتشكل حركة الكاميرة ولاحجم اللقطة بالنسبة لهم مفردة تعبيرية يصوغون من خلالها بلاغة جملهم الاخراجية . فالمهم بالنسبة لهم ان تكون الشخصية والحدث موجودان امام العين ضمن اطار اللقطة. وليس مهما الحجم والزاوية او حركة الكامرة التي يتم الرصد والرؤية بها .
 اما مايتعلق بالتمثيل فمازال معظم الممثلين العراقيين يتسمون بالمبالغة والافراط في التعبير ( الفعل ورد الفعل/  الاستلام والتسليم ) ولم يتكيفوا مع ماتفرضه حساسية العدسة وقدرتها على التقاط ادق التفاصيل التعبيرية التي تتشكل على الوجه والجسد البشري دون حاجة لان يبذل الممثل جهدا( جسديا ) واضحا ومبالغا به لكي يقنعنا بصدق مايقوم به  وهذا يعود في مسؤوليته ايضا الى المخرجين العراقيين لانهم لايبذلون جهدا في تنظيم جهد الممثل التعبيري وتكثيفه ليبقى جهدا ايحائيا غير مباشر في التعبير والبوح وغالبا مايتولى الممثل  بناء الشخصية دون رقابة وتنظيم المخرج .
 اما مشكلة الاضاءة فهي الاخرى مازالت لاتتعدى من حيث الفهم لدى اغلب العاملين سوى ( انارة المكان ) وليس اضاءته دراميا وفقا لما تقتضيه الفكرة الفلسفية التي يسعى الى تأكيدها المخرج . مما يعني العمل على بناء معمارية ضوئية تتوخى خلق تدرجات ضوئية ولونية وفقا للفكرة الدرامية التي يسوقها الموقف داخل المشهد وارتباط هذا الشكل الدرامي داخل المشهد الواحد  مع السياق العام او الجو العام للعمل الفني .
 ويبقى عنصر الانتاج ، مشكلة المشاكل في الدراما العراقية المتلفزة ذلك لانه  يدير العملية الانتاجية كلها بطريقة تخلو من التحضير المسبق الذي قد يستغرق اشهرا واعواما لدى شركات الانتاج المحترفة في الدول الاخرى ،اضافة الى غياب الدقة التاريخية في مفردات وعناصر الانتاج وهذا مايتعلق بالاعمال التي تتناول فترات زمنية ماضية ، سواء كانت بعيدة او قريبة . كما ان الانتاج يفتقر غالبا الى الفقر الواضح في تأثيث المشهد بقطع من اكسسوارات وديكورات غالبا ماتكون رديئة وغير متوافقةمع بقية المفردات سواء من حيث (اللون والشكل والاسلوب ) وهذا مالايمكن للمتفرج المعاصر ان ينطلي عليه بعد الان  . .
وعودة الى الباعث الذي حفزني لكتابة هذا  المقال والذي هو :   صوت المطربة (شوقية )الذي بات امراً مقررا ومكررا وبشكل ممل في العديد من المسلات العراقية التي انتجت في الاعوام الاخيرة خاصة تلك التي انتجت في سوريا. مع ان صوت هذه المطربة عندما يقارن بصوت اخريات غيرها لانجد فيه ماهو مميز او ملفتا للاسماع بل ان فيه عدم تمكن في تقنية اداء المقامات رغم عملها في بداية مشوارها الفني في فرقة الانشاد العراقية مع مطلع سبعينيات القرن الماضي !  ويمكننا ان نقول ــ مع احترامنا الشديد  لشخصها الكريم ــ ان مايشفع لها في الحضور والتواجد انها في يوم ما غنت الى جانب المطرب الكبير فؤاد سالم في اغنية ( ياعشكنا ) التي مازالت كلما سمعناها تحظى بنفس الوهج والبريق ( اقصد الاغنية ) . هذا هو فقط كل تاريخ المطربة شوقية ولاشيىء اخر تملكه ــ بعد هذه الاغنية ــ يستحق ان نستمع ونصغي اليه .
 فما هو السر العجيب الذي يدفع مخرجينا لان يصروا على استخدام صوت لايملك اية مقومات فنية يمكن ان  تميزه عن ابسط واقل المواهب النسوية في العراق !  إذ لا يكفي ان تكون مطربة يسارية التفكير والهوى لان تفرض على تايتلات الدرما العراقية ! لايكفي هذا .. مع بالغ تقديري للفكر والتاريخ اليساري السياسي والنضالي في العراق . .
ان تطور الانتاج الدرامي العربي ( السوري والمصري ) على سبيل المثال وتعدد القنوات الفضائيةــ عربية واجنبية ــ  ساهم الى درجة كبيرة في ارتقاء الذائقة لدى المتلقي ولم يعد بالامكان استغفاله والضحك عليه بطرق واساليب كنا قد تعودنا عليها ايام كانت لدينا محطة تلفزيونية واحدة رسمية،كنا مرغمين على مشاهدة ماتعرض لنا ، مهما كان ماتعرضه علينا ،  سطحيا وهزيلا .   



                              مروان ياسين الدليمي     

83

الفنان التشكيلي رائد فرحان :

التشكيل العراقي إضافة عالمية

حاوره : مروان ياسين الدليمي 

غالبا ماتكون فرشاته  مبلولة بغيمة من نينوى ،وكأنه وهو ينام بين وردها على موعد مع  الحنين اليها. . له موعد مع الوقت،يستظل به فيما تبقى منه في المرمر الموصلي.. له موعدٌ لم يفت آوانه بعد ، فرّ به من زهرة البيبون، له طعم النهاروشكل الربيع في سماء المدينة، له اكتظاظ اللون وله شكل دجلة .. البقاء في مشغل الابداع والخلق طيلة اكثر من ثلاثة عقود يعني الانفتاح والدخول في متاهة الاكتشاف لاشارات تتراءى من مفارقات التجربة وتفاعلاتها ..هكذا كان الفنان رائد فرحان ولم يزل ينشىء منصّته الانتاجية في تسويقات تنطوي على طبيعة تتجاوز ماهو مستهلك الى ماهو مَخفي ومُحتمل ، دون أن يَنغلق َمنطوقه في اطاروسائط وتقنياتٍ عادة ماتتوزع انشطتها في مقاصد الاخرين وهي تؤطر تحركاتهم وتشخيصاتهم على اللوحة. . الحركة الفنية في العراق عبر تاريخها كانت ولم تزل فيها  ظاهرة  غُيّبت من خلالها الكثير من الاسماء ،ومازلنا ننتظر ذاك الوقت الذي تصبح فيه هذه الظاهرة جزءاً مقصورا على حقيقة الماضي. ويمكن تسمية هذه الظاهرة ( تواطىء مع المعتاد ) وكأننا لم نزل نلهث وراء الثابت ونمشي وراءه ولانعير اهمية لما هو ُمتغيّر حتى لو سقطنا في هاوية الحياد عن التحديق من شرفة الغد . . . اسماء كانت توشح نفسها دائما بالارتعاش وتمضي في مشوارها المشدود الى اليقظة وهي تنسج اشرعة المغامرة ،تماهت تلك الاسماء مع التفاصيل الغضة ، مع البراءة والوقت المزجج بالامنيات ،ولانها كذلك : وُضِعَت ْخارج اطار المشهد الغارق بالضوء !. قد تحمل هي جزءاً من مسؤولية هذا الاقصاء وهذا الاغتراب ،لكن الاستحواذ على بؤرة الصورة  والذي طالما  أتقنه البعض هو الذي نأى بها خارج اطارها قسرا وعمداً . . جاء رائد فرحان الى شرفة اللون والتكوين ، في منتصف العقد السابع من القرن العشرين مع اخرين من زملاء الدراسة اثناء مرحلة الدراسة الاعدادية منهم لوثر ايشو ، مزاحم الناصري ، عاصم هادي ،خليف محمود واخرين .. جاءليكتب نصه البَصَري  بعد ان بدأت ذاته تتلمس بدهشة ٍجمال الاشياء حوله في مدينة الموصل ،شوارعها ،معمارها ،ربيعها، كل شيىء فيها ، فأأستيقظت تحت مطر الفرشاة مشاعر الفرح ،  تحتفي بقلقها وشواطئها واسواقهاوفلكلورها ووجوه ابنائهاوبأزقة نينوى القديمة  وهي تلم البيوت الى اضلعها ليس كما في المدن الاخرى ..هكذا تناثرت فتنته بمدينته مذ اول لمسةٍ لفرشاته . .  فرحان بدد صمته وخصّ الزمان بهذا الحوار:

*الفنانون التشكيلون في الموصل هل تجد لهم خصوصية فنية بشكل عام ضمن المشهد التشكيلي العراقي . ؟
 مدينة الموصل مدينة جميلة بواقعها البيئي والاجتماعي, لها عمق حضاري وتراث غني ومتنوع وامتداد ثقافي يبدا من فجر الحضارات البشرية  وانعكس هذا على الجانب الثقافي  لمجتمع هذا المكان  وبالتاكيد الفنانون التشكيليون في الموصل هم جزء من هذا النظام المعرفي و لهم خصوصية من  نواح عدة تمثلت في طبيعة اللون والتكنيك , بحكم البيئة الطبيعة ذات الجو النقي والالوان الزاهية تنوع  التركيب الاجتماعي للمدينة  (القومي والديني ) حدا بهم الى ميزات اجملها بما يلي : الالوان نقية  (اساسية في مجملها  ) وواضحة الصفة والمعالم ومتضادة فنيا وبصريا . . التكوينات تمثل تجمعات شكلية ( كتل , شخوص الخ ) تمثل البنية الاجتماعية للبيئة الموصلية . .التاريخ الحضاري والسياسي والبنية الشكلية للانسان في المدينة جعل منهم يميلون الى الموضوعات الملحمية والبطولية اقترابا من الفن الجمعي وتكون حاضرة في اعمالهم. .البحث عن التواصل مع الموروث الحضاري الفني الذي يمتد بعمق 3500 سنة ق.م باستخدام مفردات واشكال قد تكون طوطمية مستعارة من هذا الارث الحضاري والشعبي. وميل الى التشخيص الشكلي الايحائي بالمضمون.
لهم ميل عالي لامتلاك الحرفية بدقة متناهية كنوع من التفرد والخصوصية .

 
*انت دخلت عالم الفن التشكيلي قبل اكثر من ربع قرن وكانت لديك صورة للاسلوب وللشكل وللعالم التشكيلي الذي تنوي الوصول اليه  فهل حققت ماكنت تسعى اليه ومالذي تغير بعد هذا المشوار من العمل والتجربة والدراسة الاكاديمية ؟

عالم الفن التشكيلي غير محدد باسلوب أو نمط وهو متجدد بتجدد المعرفة والتقنية ، لذا من الطبيعي ان يكون الفنان التشكيلي مواكب لعصره ،مضافا الى الموروث الذي يمتلكه ، ومع وجود كم هائل من الاساليب والقدرات والتقنيات سواء على  المستوى المحلي او على المستوى العالمي ويمكن القول بان اختراق هذا المجال يحتاج الى قدرة ووعي وفهم لهذا المجال  من هذا المنطلق يمكن القول بانني استطعت ان اولج عالم الفن التشكيلي من خلال الخصوصية باستخدام المفردات  التي امتلكها. والقدرة في الاداء من ناحية التقنية والحرفة العالية ، هضم ماهو موجود وتطلع الى التفرد والخصوصية في عالم الفن التشكيلي. يمكن القول هناك بصمة واضحة اسمها (رائد فرحان ) سواء كان العمل حداثوي او واقعي .
 
*منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي انت كنت في بغداد وفي حينها توفرت لديك الفرصة لان تحظى بشرف الالتقاء بجيل الرواد فائق حسن وحافظ الدروبي وشاكر حسن ال سعيد ونوري الراوي واسماعيل الشيخلي واخرين كيف تصف هذا الجيل خصوصا ان البعض منهم قد درسك في كلية الفنون مثل فائق وحافظ ؟
-يمثل جيل الرواد جيل المعلم الذي قدم خبرته ومعرفته وما تعلمه من الثقافة الغربية بامتداها من عصر النهضة وصولا للعصر الحديث ونقله لهذه المعرفة للاجيال اللاحقة وخصوصا التقنيات وطرق المعالجة والتعريف بما يمكن ان يستفاد منه والتحول باتجاه عالم الشخصية (الاسلوب ) ، اي انه وفر للاجيال الاسس العلمية والفنية للفن التشكيلي وقدم البنية الحقيقية للفن الاوربي للمتعلم المحلي والعربي من خلال تاسيس معهد الفنون الجميلة ومن بعده اكاد يمية الفنون الجميلة اللذان ساهما بشكل فاعل بتشكيل الهوية الاقليمية والمحلية للفن التشكيلي واحياء الموروث الحضاري للفنون الشرقية القديمة (الرافدينية والفرعونية ). ووضع المفاتيح امام الاجيال اللاحقة.
                                                                                       
*في العراق كانت ولازالت مسألة الاجيال تشكل حضورا واضحا في النقد ليس في الفن التشكيلي فقط بل في مجمل الحقول الابداعية . وقد لاتجد هذا المنهج في التصنيف لدى بقية الدول العربية . مالاسباب برأيك التي دفعت بالنقاد الى اتباع هذا المنهج وهل اعطى هذا نتايج مهمة ومفيدة لصالح الحركة التشكيلية العراقية ؟
الحقيقة ان مسالة تصنيف الاجيال على وفق المراحل الزمنية لاتمثل الحقيقة في الجانب الابداعي بيد انها من الممكن ان تمثل نوع من الارشفة لمرحلة ظهور بوادر الابداع لدى الفنان ضمن الحقبة الزمنية لذلك العقد باعتبار انه يمثل حالة متميزة على اقرانه من نفس الجيل .ويبدو ان الناقد التجأ الى هذه التصنيف لسهولة الموضوع ولقصر الفترة الزمنية للفن التشكيلي المعاصر اذا ما اعتبرنا ان مرحلة تاسيس قسم الفنون التشكيلية في معهد الفنون الجميلة ابتدا عام 1939 وان المرحلة السابقة له هي ليس بمعنى احترافية الفن وتداوله لدى المجتمع والطبقة المثقفة وانه كان مجرد مزاولة للهواية لدى بعض ضباط الجيش , على ان هذا التصنيف كان موجود لدى الغرب كما هو الحال في فترات عصر النهضة (فن القرن الثالث عشر او الرايع عشر ... الخ) بيد ان الحقبة الزمنية تختلف بامتداد قرن من الزمان اما الفن التشكيلي العراقي فلا يتجاوز تاريخه الكلي لقرن من الزمان . اعتقد انها قدمت تصنيفا مهما بالنسبة للباحثين والنقاد يساعد في الوصول الى النتائج الاكثر علمية .

 
* انت والفنانين العراقييين التشكيلين الذين هم من جيلك مالعلامات الفنية التي تؤشر خصوصية تجربتكم وتضعها في اطار محدد واضح المعالم يمكن للدارس والناقد ان يتوقف عنده ؟
من الممكن ان تكون التجربة التي مر بها جيلي واقراني من نفس الجيل تجربة مضيئة ذات سمات واضحة الخصوصية والتفرد بالاضافة الى التنوع في الاتجاهات والاساليب و تشكل ثقل واضح في التشكيل العراقي المعاصر, ذلك انها استطاعت ان تبني جسرا ثقافيا واضحا ومتواصلا مع المنجز الثقافي العالمي وتؤسس لتجربة محلية يشار اليها في الحركة التشكيلية العربية والعالمية على انها حالة متقدمة على الاجيال السابقة .وهذا كان واضحا من خلال المهرجانات والمسابقات المحلية والاقليمية والدولية . فالتقنية  المعاصرة التي تعامل معها هذا الجيل كانت لاتقل اهمية عما يجري من تجارب تقنية في الفن العالمي المعاصروكان هناك تفرد واضح في الاسلوب  لدى الكثير من الفنانين لهذا الجيل لابل اصبح منطلقا لاعادة حساب كثير من فناني الاجيال السابقة لنمطية وطبيعة الفن المقدم للمستقبل مجاورا لهؤلاء المبدعين .

*الفن التشكيلي العراقي له تاريخ ثر ومميز وطويل هذا بشهادة النقاد والمعارض الدولية .انت كفنان وكأستاذ اكاديمي يدرس الفن كيف تنظر الى مسيرة الفن التشكيلي العراقي .وماهي التجارب المميزة التي توفرفيها الاسلوب الشخصي الذي لانجده استنساخا او لنقل محاكاة لتجارب عالمية اخرى ؟
اثر الفن التشكيلي العراقي بشكل متميز على الفن العربي من خلال المنجز الذي طرحه خلال القرن الماضي ذلك انه اسهم في اعطاء الخبرة للدارسين من مختلف الاقـــــــطار العربية لابل زاد في نقل الثقافة التشكيلية من مختلف بلدان العالم الغربي والشـــرقي الى العراق والبلدان العربية من خلال المهرجانات العالمية واســـتضافة كثير من اعمـــال وفناني العالم . منذ تاسيس معهد الغنون الجميلة واكاديمية الفنون الجميلة ومعارضهم السنوية، و تعزيزا لدور الجمعية والنقابة ومن ثم وزارة الثقافة والاعلام مضافا اليهم المعارض الجماعية والفردية التي اقامها الفنانون العراقيون في بلدان العالم وملحقياتها المختلفة . ويمكن اعتبار تجارب كثيرا من الفنانين العراقيين تجارب شخصية متميزة كتجربة الفنان الرائد المرحوم جواد سليم لتاسيس جماعة بغداد للفن الحديث وتجربة الفنان الرائد محمود صبري في البحث عن مضمون ومحتوى جيد عبر نظريته في ( واقعيةالكم) وتجربة المرحوم شاكر حسن ال سعيد جماعة البعد الواحد وتجربة المرحوم كاظم حيدر عبر نقله الفن التشكيلي من نخبي الى جماهيري بمحتوى اسطورى محلي ولا ننسى تجارب الاجيال الاخرى في مطلع ستينات الفرن المنصرم والسبعينا ت كجماعة تموز وجماعة الاربعة ، التراث ،وهناك تجارب مميزة وفريدة للفنانات العراقيات امثال وداد الاورفلي ، بهيجة الحكيم , ليلى العطار ، بتول الفكيكي ، سهام السعودي واخريات . وتعدى الفن العراقي هذه المرحلة لينتج في مطلع الثمانينات ونهاية القرن الماضي تجارب واساليب شقت طريقها وسط زحام التشكيل العراقي الثر والزاخر بخطوات ثابتة وواثقة من النتائج واضافت للفن العراقي الصفة العالمية امثال ارداش  ، فيصل لعيبي ، نعمان هادي ، وليد شيت ، رافع الناصري واخرون من الجيل الثاني لنفس المرحلة .
 
* لمدة تزيد على العشرين عاما كنت مقيما في بغداد طالبا ومن ثم مدرسا في كلية الفنون الجميلة اضافة الى نشاطك الدائم هناك في المعارض والفعاليات الفنية والان انت عدت الى مدينتك الموصل وحالياً انت تعمل تدريسياً في كلية الفنون الجميلة التابعة لجامعة الموصل . مالذي دعاك الى اتخاذ قرار العودة والتخلي عن كل ماانجزته خلال ربع قرن في بغداد .. وهل تجد ان الموصل يمكن ان تكون مرحلة مهمة وجديدة في مسيرتك الفنية ؟
 بالتاكيد لايمكن المقارنة مابين بغداد والموصل  من ناحية الفن والفعاليات الفنية والانشطة الثقافية التي كانت تقام قبل 2003 , وحقيقة عودتي الى مدينة الموصل كانت اختيارا صعبا الا انه كان صائبا لهول مايحدث في العاصمة !!!!!  الحالية .اما مدينة الموصل فيمكن اعتبارها المحطة التقاعدية لاي (مبدع ) موظف ؟  . كاي مدينة اخرى باستثناءالعاصمة .

84
إنقلابُ قاسم  . . وكُتّابُ السَلاطين  !

مجمل الكتابات التي نشرت حول ماجرى في الرابع عشر من تموز عام 1958 كانت تؤكد على ان ماجرى كان ثورة وطنية ، وان قاسم كان رجلا يتسم بالبساطة والتواضع والاخلاص للشعب الفقير اضافة الى ذلك عدم تورطه بأية جريمة من تلك الجرائم التي ارتكبت في عهده !. . ونادرا ماتجد من بين تلك الكتابات مقالة تبتعد ـ  فيما تريد قوله ـ  عن التناول المبسّط للتاريخ  والتخلي عن الدقة والموضوعية في رؤية  ألاشخاص أوالاحداث . .
ان حدثا كبيرا مثل اللي  صنعه العسكر في 14 من تموز عام 1958 كان له أثر كبير وخطير على مسار النظام السياسي وشكله في العراق ينبغي ان لايخضع لاهواء ورغبات حزبية وفئوية وقفت الى جانب الزعيم للاسباب ايدلوجية أو طائفية بل يستدعي قراءة مسؤولة تتوخى الوصول الى الحقيقة سعياً من وراء ذلك للخروج بنتائج تكون بمثابة اشارات ودلالات ترسم الطريق واضحا أمام الاجيال اللاحقة لكي لاترتكب مرة اخرى نفس الاخطاء التي وقع فيها الذين سبقوهم في الرغبة والسعي الى التغيير .
ان العراق مازال يدفع ثمن تلك المغامرة الانقلابية على النظام والدستور، اذ لم نشهد بعد ذاك التاريخ سوى ازمنة مُرّة تعصف بها انقلابات واغتيالات وحروب لها أول وليس لها اخر، وكانت تلك اللحظة التاريخية من عمر العراق فاتحة له لمنحدر خطير  شهد من بعدها  صعود عدد من القادة والزعماء العسكر الطامحين الى السلطة دون ان يكون لديهم مايقدمونه للشعب من برامج وخطط تستثمر قدراته وامكانياته ،  بل اشترك الجميع في تبديد الثروات الطبيعية والبشرية اضافة الى تدهور وتمزق العلاقات السياسية مع معظم دول الجوارولم يكن قاسم بعيدا عن ذلك ، فعلاقته مع سوريا ومصر وتركيا لم يكن يحسد عليها اما علاقته مع الكويت فلا أحد يستطيع ان ينكر انه كان اول من وضع فتيل الازمة معها عندما طالب بضمها وضرب عرض الحائط بكل المشاورات التي كانت تجري بين طرفي البلدين بشكل سري في احدى دول اوربا الشرقية انذاك كما كانت تسمى  عندما ارتجل خطابا في حفل تخرج دفعة من الضباط توعد فيه بعودة الكويت الى العراق في نفس الوقت الذي كانت المفاوضات قد قطعت شوطا كبيرا من التقدمواقتربت الى توقيع معاهدة جديدة لترسيم الحدود وتنظيم العلاقة بين البلدين ، ولو طال العمر به بناء على ماجاء من افعاله لما تردد في ارتكاب تلك  الحماقة نفسها التي تورط بها صدام حسين وورط العراق وشعبه معه عندما غزا الكويت في 4من شهر اب عام 1990 طالما كان هذا الحلم بالتوسع والزعامة يداعبه وهو نفس الحلم الذي من اجله استبعد عددا من الضباط الذين كانوا معه في الحركة الانقلابية الى خارج بغداد وفي المقدمة منهم الشواف الى الموصل ورفعت الحاج سري الى كركوك لكي يبقى هو ولوحده في دائرة الضوء تصفق له الجماهير مما استدعى من اولئك الضباط ان يتمردوا عليه .   
فالزعيم كان كغيره من الذين جاءوا بعده وحكموا العراق طامحا بالسلطة وراغبا فيها حتى لو كان طريق الوصول اليها معبدا بدم العائلة الهاشمية التي كانت تحكم العراق ولم يكن ــ  وهذا ماأظهرته الايام والوقائع ـــ  على انه كان على استعداد لان يشاركه اي شخص اخر في منصب الزعامة على حكم البلاد . وليس هنالك ايضا ًمايشيرالى انه كان ينوي إقامة حكم ديموقراطي يقوم على احترام رغبات وتطلعات الشعب والاخذ بها ،ولايكفي هنا  ان يبني عددا من البيوت المتواضعة بدلا من بيوت الصفيح التي كانوا يسكنها مهاجرون فلاحون فقراء من جنوب العراق  لكي نغلق ابصارنا عن رؤية بقية المشهد الدموي الذي شهدته عدة مدن واماكن عراقية ، بل ان بعض المحللين والمؤرخين من  يجد ان بناء تلك المساكن ــ التي سميت في حينها مدينة الثورة ـــ لالاف من الفلاحين كانت سببا في زحف واكتساح عادات وتقاليد (قروية وعشائرية )  الى مدينة متحضرة مثل بغداد ، ومن دون ان يتم توفير فرص عمل منظم لهم من قبل الحكومة   . 
علينا  بعد هذه الاعوام  التي  مرت  ّعلى ذاك اليوم  ونحن نستعيده ونتذكره، نظراً لاهميته وخصوصيته وتأثيره على ماجاء من بعده من احداث ان نسعى لرؤيته من زوايا اخرى جديدة لم نقترب منها ونحن ننظر اليه سعياً منّاً لاكتشاف ماغفلناه من حقائق ( بقصد او بدونه ) بفعل الحماسة الوطنية التي اضاعت وضيّعت الكثير من الشخصيات والاحداث وشطبتها من ذاكرة الناس والمراجع دون وجه حق واخرى وصمتها باوصاف جاهزة طالما تعودت عليها اسماعنا في كتابات وخطابات وبيانات الساسة الذين يتربعون على سدة الحكم أوحتى  الذين يقفون في صف المعارضين لهم .
 ولنسأل هنا من جديد : هل كان عبد الكريم قاسم يملك رؤية نظرية ثورية لمستقبل العراق يمكن تلمسها في خطاباته وافكاره وكتاباته يستحق على اساسها ومن خلالها ان يطلق عليه صفة الثائر . ؟ . هل يمكن ان يكون ثائراً دون ان يترك ولو قصاصة واحدة من الورق مُسجلاً فيها ماكان يحلم به لهذا الوطن ؟ ماهي رؤيته للاحداث والوقائع التي كان هو  شاهدا عليها في بلده وفي المنطقة العربية بشكل عام قبل ان يصل الى السلطة ؟ لماذا لم يكن لقاسم اي حضور واضح وملموس في المشهد السياسي العراقي على الاقل في الايام أو الاعوام الاخيرة من العهد الملكي بينما على العكس منه كان هنالك اخرون غيره لهم دورهم  البارز في تفاصيل الحراك السياسي القائم انذاك ؟ . هل يمكن لشخص مغمور في المؤسسة العسكرية لايملك تاريخا شخصيا  يميّزه عن اقرانه  سواء على  مستوى الفكر أوعلى مستوى الفعل ان يتحول بين ليلة وضحاها الى ثائر وقائد تاريخي  ؟ هل تكفي اربعة اعوام من عمر زعيم ما  في بلد من بلدان الشرق الاوسط لم يكن قد مضى على خروجه من عهدة المستعمر البريطاني سوى فترة قصيرة جدا و شهدت ماشهدت تلك الاعوام الاربعة من حكمه من تمرد وانشقاق بين اقرب المقربين اليه اضافة الى  تراجع واضح عن قيم ومبادىء كان قد تعهد بها الزعيم نفسه وانقلب عليها كما حصل مع القضية الكوردية التي شهدت في عهده مرة اخرى عودة الى التعامل بقوة السلاح معها ومع طلائع القوى الكوردية السياسية التي كانت قد استبشرت خيرا بمجيىء سلطة جديدة الى الحكم لم تتردد في اول صعودها الى السلطة في اطلاق الوعود الوردية بحل سلمي وعادل ينصف الاكراد وقضيتهم!؟ . . هل يمكن ان اغفال  ماشهده ذاك العهد  من صراع دموي عنيف بين مؤيدي السلطة الحاكمة ومن يختلف معهم من بقية  الاطراف والاحزاب السياسية التي كانت موجودة على ارض الواقع انذاك ــ  والتي هي ايضا تتناصف المسؤولية فيما حدث ــ وراح ضحية ذلك  الصراع  العشرات من المواطنين الابرياء كما حصل في الموصل وكركوك ويمكن القول ان قاسم  كان  سببا رئيسيا في اندلاعه وتأججهه ذلك لانه مال بشكل صريح وواضح  لصالح طرف ضد طرف اخر رغم خطورة وخطأ هذا الموقف،  ولن  يعفيه من الخطأ هذا انه لم يكن مدركاً لجسامة ماسيحدث (فإن كنت تدري فتلك مصيبة وان كنت لاتدري فالمصيبة اعظم  ) .  هل يمكن لنا ونحن ازاء هذه الفوضى وهذا التخبط وهذا الدم المراق ان نطلق جزافا على من كان يقود البلاد في حينها صفة الزعيم والثائر والخالد الخ من الصفات التي  يعجز الرجال العظام  عن نيل واحدة منها  رغم مايقدمونه من خدمات ومواقف ومشاريع لبلدانهم ؟ 
انا لاأستطيع مطلقا ولا أحد اخر غيري ان يشطب على العديد من المزايا الشخصية الانسانية التي كان يتحلى بها قاسم  وهذا امر طبيعي فهو رجل  كافح من اجل ان يصل الى ماوصل اليه من مرتبة متقدمة في سلك الجيش الذي أمتهنه ، وهوبنفس الوقت ينتمي الى مجتمع عراقي فيه الكثير من خصال الطيبة والشهامة والكرم وهذه العادات والتقاليد المتوارثة  لايستطيع اي فرد عراقي بشكل عام ان يتملص منها ويخرج عليها اذا ماعاش بشكل طبيعي  في وسطها ، وهنا يشترك هو مع غيره من القادة الذين جاءوا من  بعده في الكثير من هذه الصفات الشخصية الانسانية حتى وان كانوا طغاة ! لكن هذا لايمنع اي واحد منهم من ارتكاب الاخطاء والحماقات التي قد يدفع الشعب ثمنها باهظا .
ولايعفينا هذا من مسؤولية تحديد اخطاءهم . 
مرة اخرى نقول : على كل الذين سيكتبون عن تاريخنا المعاصران لايتسرعوا في اطلاق  الاحكام ، وان لايستمروا كما اعتدنا ان نجد ذلك كتابات تدور في فلك لعبة التزييف والكذب التي طالما  عوّدنا عليها اغلب كتاب السلاطين والامراء في مجمل تاريخنا العربي والاسلامي ،الذين طالما كتبوا لنا صفحات وصفحات من التاريخ المزيف ، عادة ماتحوّل فيه الطغاة ابطالا والقتلة  ملائكة .


                                         مروان ياسين الدليمي
                                           17/ 7/ 2011

85
     الشاعر بولص آدم للزمان :   

- على الشاعر العربي ان  يتخلي عن احساسه الدوني تجاه النص الأجنبي.


                                                                                        حاوره : مروان ياسين الدليمي
مابين السينما والشعر يمدُّ الشاعر بولص ادم خيطا من الاسئلة المعبأة باحلام نحيلة لها طعم طريق جبلي رشيق طالما اعتاد أن يصعد منه الى شجر الطفولة في قرية ديري التابعة لقضاء العمادية . .  وحدها الظلال ظلت تحرسه من فداحة الحروب التي  داست عليه . .  وتلك الرؤى التي استيقظت من كثافة الصمت المكدّس فوق التفاصيل ظلت شاسعة ولم تستطع جدران من الصمت والفولاذ في سجن ابي غريب أن  تكسرها  عندما وجد نفسه فجأة ولمدة تزيد عن عامين مسوراً بها لالشيىء سوى انه ادار ظهره للحرب ! . . في مجموعته الشعرية الاولى  "ضراوة الحياة اللامتوقعة " تصطخب الاسماء بالتراتيل والساعات بغبارالاساطير. . انه بولص ادم شاعر ومخرج سينمائي عراقي من مدينة الموصل يحمل الجنسية النمساوية ولم يزل يجري في شرايينه دم الاشوريين . 
مغامرات لم تكتمل 
 *مالذي تبحث عنه وانت الذي  اخترت الخروج من الوطن قبل اكثر من خمسة عشر عاما، وماذا وجدت بعد هذه الرحلة ؟
 - كنتيجة للحالات المؤذية المتكررة التي تربصت بحياتي في الوطن ، ظهرت علامات الأ نتحار البطئ .. كنت في أيامي العراقية الأخيرة اشبه بشبح يبحث عن وجهه في السراب ، اتذكر شفقتي الذاتية على حياتي التي لم يعد لها اي شكل واضح على مرآة الواقع المشلول ثقافيا والمجروح اثر انتهاك صارخ .. وبعد سنتين من العمل الأبداعي الشاق البديل مع خامات الحجر المتعددة وهي تجربة انتهت في ذروة نضجها نظرا لأرتباط ذلك مع حالة الحصار على العراق ، في الأشهر الأخيرة ارتفعت اسعار التقنية اللآزمة ومن ثم بدأت بالشحة والأختفاء ، تلك المغامرة كانت مفيدة جدا ،  اثبت بنفسي على الأقل جدوى الجهد الجماعي وفق تفاهم انساني منضبط ومتفتح ، حلاوة النجاح حتى في اصعب الظروف.. تطلب ذلك الأنجاز استعدادا بدنيا وقدرة على الأبتكار والخلق .. تلك المغامرة كان بالأمكان استنساخها وتشكيل شركة سينمائية اهلية صادقة مثلا (نظريا وليس عمليا بسبب القمع الفكري ومصادرة حرية التعبير)

فرصة ثانية للحياة

*كيف تصف حالة الرحيل عن العراق والاغتراب عنه . . .  ؟
- الرحيل رغما عني كان محاولة لملاحقة الأ سباب والتأمل في الماضي بحرية ، استمرار نزيفي العقلي في ايامي تلك كان في اقصاه . ظلال مشهد المحطة من فيلم (الرجل الفيل ) وصرخته محاصرا من قبل الحشد ( انا رجل، انا انسان ولست حيوان )  اتذكر لحظات لقائنا الأ خير في صالون حلا قة شعبي ، تبادلنا جملا مختصرة كما هو الحوار السينمائي في مشهد ذروة، ثمة لحظات صمت لكأنها ابجدية عالم آخر،  كان مشهدا انطباعيا بعفوية شعرية خامتها الوداع ، الرجل المتجهم برأسه المكعب تحت المقص المتنقل بين اصابع يدك، ظل يتلصص علينا بنظرات في غاية الظن وفي منتهى الجحيم .. لم يكن لي وجهة اكيدة وواضحة للجوء . في الساعة الأ خيرة من ذلك اليوم كنت في طريقي نحو الحدود ، مدمرا تماما ، احمل جثتي المفترضة الى مكان مجهول . في تلك الساعات الصعبة شعرت بأنني شخص يرتكب حماقة بمغادرته ، أجيب على سؤآلك بصراحتي ، نعم قرار الرحيل كان مخاضا صعبا وكان ثالث قرار من نوعه بعد محاولتين فاشلتين، عقب مرحلة سجن بين حربين . . ذلك الكائن الذي كنته بعد دراستي السينمائية كطاقة سينمائية  للتوهج والبذل، اصطدم بالغول المجنزر الساحق يواجهه .. لكن غواية البحث عن السلام كانت اقوى من اي غواية اخرى، وهكذا وجدتني بعيدا عن العراق، اعتقد  بأن النهايات المأساوية لكل البدايات الطيبة النوايا خلفت فقدان الثقة بالمصير نفسه، فكان الرحيل من اختارني بقوة غامضة انتزعتني بعيدا عن الأستلا ب والغربة داخل الوطن لتقدم لي غربة جديدة ذات سمات عالمية هذه المرة! الأنتقال الكامل من الجغرافيا الدكاتورية الى الديمقراطية كان مربكا وشديد التأثير ، الأكتشافات كانت صادمة .. وجدتني عريانا تماما ازاء الحرية الكاملة ! تعلمت بالتدريج كيفية التآلف كواقع مع نفسي كسيد في حياته ولمعنى وجوده .. كان صعبا علي تصديق ذلك وحصولي على فرصة ثانية في الحياة .. ان تكون في مكان لك فيه عمل وسكن وتعيش بسلام ، بيئة صالحة متسامحة عفوية ومكفولة مدنيا وقانونيا ، وان تكون الكتب والأفلام قريبة منك ، لاعذر لك كمبدع حينها .. عليك ان تنتج ما هو مؤجل ومايعاصرك . اليس كذلك ؟ كيف يكون عليه الحال ، عندما لايصدقني الموظف المسؤول عن توقيع قرار اللجوء عما اذا كنت مسجونا في (ابي غريب ) ام انني ادعي ذلك ؟! انتظروا لسنوات طويلة وُجمّدت حالتنا لسنوات حتى تم التأكد من ذلك عبر وثيقة مصدقة من لجنة الصليب الأحمر ، لولا تمرسنا في مواجهة اشد واشرس المواجهات مع الواقع هناك لما تصالحنا مع واقعنا هنا ايضا .
*كيف تنظر الى الحياة الان بعد ان عشت هذه المدة الطويلة في اوربا ؟
- موهوم هو من ينتظر حياة تتنقل على عربة محمية في طريق معبد بالسجاد التبريزي ، الحياة ذاتها لغز .. الم يضع كازنتزاكس رأيه على لسان زوربا حول الحياة كأشكالية كبرى ازاء سهولة الموت وحتى عبثيته .. حياتنا المعبأة بالخوف المزمن ، زالت غمامات سميكة هنا عند قراءتي بالألمانية لمقدمة في مصطلح الخوف ( كتاب سورين كيركغهارت ) .. بأسلوبه الساتيري والظريف تارة وبأختراقه الكانتي التجريدي لدهشة العرض عندما يقرأ علينا رواية مخاوفنا . لم يوفروا لك تلك الكتب ومنعوك من السفر والوقوف بمواجهة البحر لتلقي عليه تحية بريئة يجازيك عليها بموجة تلف روحك وتأخذ بانحسارها مخاوفك ! خوفنا صنع اسطورتهم وعند زوال كل خوف من المخاوف ، سقط وبسرعة البرق رجال أباليس . ..
*أين هي  الحرية التي كنت تحلم بها ؟
 - حريتي لم تكن بأرتداء قميص نمساوي معطر بياسمين حديقة على الدانوب ، بل كانت حرية ادت الى ماهو جوهري واعمق ، حرية تفحص الوقائع الملوثة والأكاذيب المعلبة من قبل فوج الحرس الخاص للأديولوجيا ، التزوير تعاقب على تزوير،  تفخيم قشورالأكاذيب لحماية بذرة العنف التي تضخمت بشكل كبير وعندما فجرتها المطالعة المزورة للدين ، أدت الى ذبح الأبرياء .. نجحوا ببراعة وحشية في خلق قصة من قصص الجريمة التاريخية .

الماضي لم يعد حنيناً فقط .
* الماضي ، امكنة واسماءً وازمنة واحداثاً ،  شكل ثقلا كبيرا في مجموعتك الشعرية الاولى ضراوة الحياة اللامتوقعة التي صدرت عن دار الحضارة في القاهرة . كيف تفسر هذه العلاقة مع الماضي ؟
- لن تضيف لي شيئا جديدا عقلية النضال الأبداعي انطلاقا من المقهى او البار ! وحتى عقلية الأكتفاء بصورة البطل المضحي في السجن ، العمل الأبداعي الحر هو هدفي وخلاصة نقاوتي وشفافيتي .. خبرت تلك الأشياء بنفسي واشياء اخرى ايضا ، الماضي في اللغة ليس له الأستمرارية الكافية كفعل، علينا التذكير كل مرة بأن الماضي مستمر، كيف نتجاهله وهو مستمر ويتجاوز الراهن شعرا وسردا ، رسما ونحتا، سينما وتمثيل .. الماضي الواقعي مستمر ولم يتوقف، التحليل الأنثروبولوجي في البيولوجيا من قبل  (غيهلن ) خلال فحص سؤال (كانت ) الذي سلط عليه الضوء وطرحه من جديد ماكس شيللر ( ماهو الأنسان ؟) في كتابه ( موقع الأنسان في الكون ) ... هناك فصل خطير في محاضرة لغيهلن ، رحب به النازيون وتبنوه، ذلك الفصل تم حذفه لاحقا، لكن ثمة مكتبات تحتفظ به وقد قرأته فتخيلت حجم الأحتقار، غيهلن هو أحد مؤسسي الأنثروبولوجيا، في الجانب الآخر تخفى ( بليسنر ) الألماني ايضا عن اعين الغوستابو في غرفة عليا تحت سقف عمارة في روتردام المحتلة ، هناك عاش في ملجأه السري وكتب كتبا انثروبولوجية ، اضافت شيئا الى الحضارة الأنسانية ! وعندما اطلق سارتر مفهوما اتهاميا للآخر لم يكن جاهلا بتلك الأمور ولم ينطلق من عقلية مقهى دوماغو الباريسي ، انما كان شاهدا على مذبحة تصفية الحسابات اوربيا خلال الحرب الكونية الثانية! كان الماضي مستمرا خلال الحرب الباردة، دعنا نتأمل تأثر الطلاب بفلسفة ( ادورنو) في ثورتهم الطلابية، ادورنو لعب دورا كبيرا في فضح التزوير ورد على من اتهم الألمان بأنهم غير مؤهلون للنظام الديمقراطي بدعوى ماضيهم النازي !!! سافر الى اميركا هو و (هانا أردنت ) وآخرين ودخلوا في حوارات والفوا كتبا والقوا المحاضرات ، في محاولة سلمية عميقة لغسل العار، لم يكتفوا بدور المتفرج على الأرهابي الألماني النازي ليكون من يعبر عن المانيا في صراع الحضارات !.. كيف لي ان اتجاهل الماضي والماضي لم يعد حنينا ولوعة وفقدان ، الماضي مستمر وحقق انتصارا علينا بأيقونة التدهور . لنأخذ تعبيري التجريدي الذي تولد قبل عدة كلمات في هذا التداعي ( أيقونة التدهور ) ! خذ هذا التعبير وضعه عنوانا للوحة تشكيلية او رقصة تعبيرية مثلا ، سأكون رساما تارة ومحركا لمجموعة راقصة في لوحة تعبيرية على الخشبة تارة اخرى، لنفرض بأن اللمحة توحدت مع اللحظة المستقبلة عند المتلقي فاقتنع بالصياغة اللفظية للتركيب اللغوي وقال في نفسه ( ياللروعة ، حقا للتدهور أيقونة !) متلقي آخر قد يقول ( ماهذا الهراء ، الم يكن بمقدوره التواصل برشاقة اكبر ؟!) لاهذا ولا ذاك بمقدورهما الغاء الحقيقة في كواليس ذلك التعبير، وكلاهما على حق ربما ، وانا ايضا على صواب ربما نيتي كانت تقديم تجريد تشخيصي في تجاور لغوي وكنت اعني شيئا معينا ..
البحث عن اساليب جديدة .
*لو تطرقنا الى عملية التلاقح والتداخل الاتصالي بين الفنون المعاصرة كيف ترى شكل العلاقة مابين الشعروالسينما وهل يمكن ان ترسم لنا  منطقة التعبير التي يلتقي فيها الاثنان خصوصا وانك سينمائي قبل ان تكون شاعر ؟
- صهر الخصائص الجمالية للسرد والشعر هو رقعة تفاعلي ونشاطي في الكتابة، صهر الخصائص شمل السينما والتشكيل في اغلب نصوصي تجنبت في وقت مبكر فرض قالب السيناريو على الشكل في السرد والشعر فلم اقطع النص الأدبي الى مشاهد والمشاهد كلقطات مباشرة كما فعل غيري، فذلك يصب في خانة السيناريو المكتوب لصنع فيلم شعري خالص ويدعي لنفسه ادبا موظفا لمفهوم تنظيم المعالجة السينماية كمخطط جاهز للتفريغ والتصوير .. صهر البنى الجمالية لايعني اغفال وسائط كل نوع او جنس، بل هو، وخاصة عندنا نحن الذين لجأنا الى الأدب قادمين من الدراما مسرحا وسينما، اكثر البؤراثارة ودراية ..لايعني ذلك بأن ضعف الأحساس السينمائي لدى بعض الأدباء في العالم بأنهم ليسوا مبدعين، لكنه في حالتنا وفرة حسية مضافة، اعترف اكثر من ناقد بصعوبة تحديد ملامح واضحة لتجربتنا في هذا الجانب رغم انهم اكدوا على حداثة البنية النصية الجديدة وغناها الجمالي! تلك حالة ايجابية جدا، فالنصوص تستفز النقاد وتجعلهم ينهمكون في بحثهم وزيادة معلوماتهم من اجل اللحاق بالنصوص تحليلا وتقييما. فكلانا (المبدع والناقد) نسعى الى هدف واحد فيما يخص البحث عن اساليب جديدة .

اشكالية الشعر العربي هي فرض الوصاية من خارجنا وترويضنا.

*انت متابع وقارىء جيد لما ينشر من نصوص شعرية هل تلمست اشكالية ما تسود الشعر العربي بشكل عام ؟
 - اشكالية الشعر العربي هي فرض الوصاية من خارجنا وترويضنا لفرض ذائقة نموذجية ! وعود الشعر العربي كبيرة وغزيرة بغزارة انتاجه .. الشعر العراقي صادق في التعامل مع تلك الوعود، وعندما قلنا بأن الوقت سيطول حتى ظهور النصوص الجريئة حول همومنا وآلآمنا فقد حدث ذلك وظهر ديوان الحرب الذي كتبه عشرات الشعراء ووفوا بوعدهم تماما والمهمة مستمرة فالماضي مستمر، الديمقراطية التي قذفت بشخصي الى احضانها بتمردي متخذا من طائرة وسيلة لنقلي وانتشالي من البيئة الدكتاتورية في بلدي منتصف التسعينيات !
*كيف تقرأ معنى الزمن الحاضر في المنطقة العربية ؟
-التحولات على ارض الواقع في العراق لم ولن تكون بتلك السرعة ، اليس رهان التحولات مهددا بالعطب رغم زلازل التحولات الأخيرة ؟ لماذا وقف ألأديب العربي عاجزا في تضامنه ومن خلال نصوصه مع النزيف على أرض الرافدين ؟ كتب هيثم بردى نصه القصصي ألأول تحت عنوان ( تل الزعتر) في بغديدا العراقية في السبعينيات، لماذا لم يقدم القاص الفلسطيني نصا عن استشهاد عدد كبير من أهالي بغديدا مثلا؟ ام انه بحاجة لوقت طويل ليفعل ، آمل ذلك والنوايا طيبة على طول الخط فيما يخص الأشكاليات! .. هناك جوقة من الشعراء العرب تكتب مؤخرا سيمفونيات شعرية وفي غاية الحداثة البدوية ارضاءا لفضول الزميلات الشاعرات (ويستحسن اختيار كاتبات الأيروتيك منهن)!! ثمة شاعر أرفق نصه بصورة له جالسا وكوعه على بار تايلندي وسبابة اليد الأخرى ملصقة على  جبين التأمل في وجه نادلة من نساء السياحة الجنسية ، النص كان ساخنا ولم يغفل التذكير بالملاك والشيطان في النهار البورخسي..الخ  من البهارات المسروقة ، وكتب في نصه وبخط غريزته عبارة ( أجمع الكلمات بزبّي ) !! اذا كانت الحداثة تنطلق من الكبت والحرمان ، فليراجع الشاعر العربي من ذلك الصنف عيادة نفسية وسيكون عندها لنا حديث من نوع آخر وحول اشكالية اخرى !! .. النص الشعري الصحافي يخلق اشكالية مربكة للمشهد الشعري ويقدم المقالي السياسي على البذار الشعري ويدفن النص في مقبرة النصوص .. ابرز ماعثرت عليه في الخطاب الشعري العربي هو العمل الدؤوب على تنقية الشعر من المسلمات ، لكن التكريس لايلبث ان يكرس صفوة من الأسماء البارعة في انتاج المسلمات بقوالب حديثة ! هم أشبه بفعلة الميكانيكي الذي يقوم بتجميل سيارة قديمة مهلهلة ويعرضها للبيع من جديد، تلك السيارة عمرها قصير بالضرورة . نجح الشاعر العربي في الأحتفاظ بالحماس في النص وبأمكانه نقل حرارته الى ابعد حد وتلك صورة ابداعية مشرقة، وظف الأسطورة والتاريخ وتعامل مع الأزمنة وبعث ألأنا الشهيدة، وعليه التخلي عن احساسه الدوني تجاه النص الأجنبي،
*من هو الشاعر في وقتنا الحاضر. .  ؟
- الشاعر هو من لاينتظر بل عليه ان يكون سباقا جريئا طفلا كبيرا في الروح وفيلسوفا في تشربه بالآفاق ، لاينفعه دفء الجيل والحشر في انطولوجيا مبنية بطريقة ماكرة ولايخلده الناقد المعروف ..الشاعر المبدع بأمكانه الكتابة عن نبتة خضراء على وجه جدار قديم مدى الحياة ، والشاعر يقدم لنا تسامحه الواعي مع البعد النفسي الثالث للصامت والناطق للرجل والطائر والمدفون تحت الأرض ، الشاعر وحده من يساعدنا على رؤية مالايرى بالعين ولايلمس بالأصابع ولاينطق به فم آخر! الشاعر الشاعر لن اسجنه في اللغات فقط ! البارحة مثلا ، قص لي اخي وصديقنا الفنان لوثر ايشو ادم ، بأنه رسم أجنحة تخرج من الرؤوس ، اليس هذا شعرا في نص اللوحة البصري ؟! الشاعر ليست اداته الحروف فقط بل الصورة السينمائية واللقطة الفوتوغرافية ، المقام النغمي والسرد، الميزانسين وسينوغرافيا العرض المسرحي، اللوحة بمختلف خاماتها والنحت بكل تشضيته تحت المطرقة في تكويناته، الشاعر المنتمي الى العائلة الفنية كلها.. هو المتفاعل هربا من الخمول، الشاعر تعثر عليه عند ازنيشتين وحتى ( شجرة الحياة ) فيلم (تيرنس مالك) ألأخير ! ليس في المشاهد التي تمط الزمن للحصول على ثقل حسي للقطات ولا بالنعمة السوريالية على المعالجات فقط، كل الأفلام الراقية لاتخلو من ضربة شعرية تقض مضجع المشاهد ، ليخرج من الصالة ، انسانا مكتنزا بماعليه ان لاينساه، حتى عند صاحب الصنعة الفنية المفضوحة ( تارنتينو ) يظهر الشاعر من حيث لا تتوقع ، المشهد الأفتتاحي في ( أوغاد شائنون ) هو فيلم شعري قصير داخل فيلم فاشل طويل ! عشرون دقيقة كافية لعرض الواقع الوحشي .. الشراشف البيضاء المنشورة على حبل الغسيل وتسلل العدسة التقطت المخفي من الأسرار حول مايخبئه القدر داخل ذلك البيت الفرنسي الريفي.. يأخذك الممثل ( كريستوف فالتز ) في رحلة شعرية بتمثيله، هناك شعر لايرى كما تراه تقليديا على الشاشة .. اذا كان شخص كتارنتينو مثيرا في خطابه فماذا نقول عن تاركوفسكي وفاسبندر.. عن كارلوس ساورا او عن المودافار .. عنك يامروان في فيلمك القصير ( إكسباير ) ام انك كتبت بالصورة السينمائية نصا ينتمي الى ما أُعلِنُ عنه بوضوح اكبر في هذا الحوار ، ( اكسباير ) هو نص من نصوص الواقعية الوحشية !! .....كاتب رواية (العرس الوحشي) سينمائي في الرواية وكالفينو ، كاتب قصة قصيرة جدا في روايته( مدن غير مرئية ) وشاعر في ملحمة المدن ، (خوان ميرو) شاعر في لوحة (الببغاء ).. هذه اختيارات عفوية من عدد كبير من الشواهد التي اطلعت عليها بشغف ، الذائقة البصرية والتجربة العنيدة قادتني الى كتابة الواقعية الوحشية ، والماضي في كتابي ( ضراوة الحياة اللآمتوقعة ) هو ماضي الواقع المستمر وتلك ابرز جماليات واقعيتي الوحشية .
                                                   

________________________________________

86
                                                     حاوره : مروان ياسين الدليمي




المخرج السينمائي عبد الخالق الجواري :

                         كامرتي لن تتعب من التجوال .


ليس ثمة طريق يؤدي الى اكتشاف الحقيقة سوى البحث عنها . . هذا ماأشترطه على نفسه المخرج السينمائي عبد الخالق الجواري عندما اختار أن يذهب بعيدا بعدسة كامرته في رحلة لاتخلو من المتعة والتعب في آن واحد  بين المسافات والازمنة بصحبة الفلم الوثائقي . . متوغلا في مناطق وموضوعات عبث الغبار فيها .. باحثا عن الضوء،والالم،والمعرفة،خلف اكوام من الحجارة وبين الملامح أو في شقوق الجدران . . ومن اجل ان نقتسم معه متعة العشق للصورة والفكرة والرؤية اجرينا معه هذا الحوار .


*الفلم الوثائقي في العراق لم يشهد اهتماما ملحوظا خلال العقود التي مضت سواء من قبل الفنانين أومن الدوائر الفنية المعنية ،الى ماذا يعود ذلك،هل يعود الى قصورفي الفهم للعمل السينمائي واختصاره بالفلم السينمائي الدرامي ام ان ذلك يعود الى صعوبة العمل في الفلم الوثائقي او قد يعود  ذلك الى اسباب اخرى؟
- لم يحظ صناع الفيلم الوثائقي أوالروائي على مر الازمان المتعاقبة في العراق بما حظي عليه زملائهم في اوربا والأمريكتين من اهتمام ودعم علما ان بلاد مابين النهرين تمثل إرثا غنيا  وشهيا لانتاج عشرات الافلام الوثائقية المتميزة ولا يمكن حصر القصص والاحداث  التي يمكن تحويلها الى انتاج فني . ان العراق بيئة بكر لم تستثمر . فهنالك الكثير من الازمنة والاحداث التي مازالت مدفونة في ذاكرة الناس  والمكان تحتاج الى من يقترب منها .  يقول ايرول موريسوهو من افضل مخرجي الوثائقيات في العالم الان :-ان الشرق يمتلك ثلثي سحر العالم وغموضه.

*انت عملت في القنوات الفضائية معدا ومخرجا للبرامج ذات الهوية الوثائقية كيف تقيم تجربة انتاج مادة وثائقية للقنوات الفضائية . هل وجدت القائمين عليها يخضعون ماتفكر فيه وفقا لمقتضيات وخصوصيات البث التلفزيوني الذي يراعي الكثير من الضوابط والاشتراطات الاجتماعية.  والاخلاقية على حساب الحقيقة والجرأة والموضوعية التي هي شروط اساسية لنجاح الفلم الوثائقي  ؟
- تنوعت القنوات الفضائية العراقية إلى عدة أنواع ، منها  قنوات خاص هدفها الربح ومنها حكومية والتي عادة ماتكون خاضعة لقوالب واشتراطات وضعتها الدولة ومازالت تلعب نفس الدور التقليدي الذي عفا عليه الزمن ،اما بقية القنوات الاخرى  المطروحةعلى الساحة الفضائية ليست سوى قنوات حزبية فئوية ذات نظرة محدودة وضيقة لاتتجاوز مكانها وزمانها وبيئة نشئتها ، ولا يمكن طبعا مع ماتحمله هذه القنوات من توجهات اسيرة ايدلوجيات لاترى الواقع الاّ بعين واحدة لايمكن لها ان تنشر الوعي الوثائقي من اجل صناعة أفلام تؤرشف ذاكرة بلد غني وحافل بالأحداث والحروب والتغيرات السياسية في ظل عالم يلهث وراء الاقتصاد وجني الأرباح. ذلك لان هذا النمط من الافلام يحتاج الى هواء الحرية في التفكير والتعبير والمعالجة وهذا مالايتسع له صدر اي مسؤول في هذه القنوات التي لاتسعى الاّ لتنفيذ ايدلوجياتها السياسية ولو على حساب التضحية بالحقيقة .  يقول جيمس كارتن وهو  أحد أهم صناع الوثائقيات الاميركان: - ان الامة التي بلا وثائقيات هي امة بلا ذاكرة.

 


*نلاحظ في الاعوام الاخيرة ظاهرة الاحتفاء بالفلم العراقي في المهرجانات الاقليمية ، لماذا برأيك هذا الاهتمام ، هل يعود ذلك الى اسباب فنية يحتويها الفن السينمائي في العراق؟ ام ان ذلك ينسحب من خصوصية الواقع العراقي  فقط .؟

-الاحتفاء الذي اشرت اليه بالفلم العراقي جاء اولا لاهمية مايجري على ارض العراق من احداث وثانيا لوجود محاولات جادة لعدد من الشباب السينمائيين لاثبات وجودهم وقدراتهم رغم أن الكثير من تلك التجارب مازالت  تفتقر الى  الموضوعية والاحتراف ،وهذان امران جوهريان يقف عليهما بناء ونجاح الفلم الوثائقي ، وعليه فيما لو لم يتوفر هذين العنصرين في الفلم فمن الطبيعي ان  ينتهي تأثيره مع انتهاء المهرجان ، وليصبح بالتالي رقما يضاف  في   سجل قائمة الافلام العراقية المنتجة ، اي يصبح جزاً من الكم المنتج لايستدعي العودة اليه لقراءته وتأمله من جديد بين فترة واخرى من قبل الدارسين والاكاديميين . لعدم احتوائه على الجرأة في الطرح شكلا ومضمونا . فما فائدة ان تقدم عملا فنيا  دون ان تحرك المياه  الراكدة دون ان تثير القلق لدى المتلقين الفن لاينبغي له ان يبعث التخدير في حواس ومشاعر المتلقين كما لو كان شيئا مخدرا نحتسيه . بل ينبغي له ان يكون ممتعا في فيما يثيره من اسئلة لها صلة بحياة ومصير الانسان والبشر   وينبغي ايضا ان تتوفر في العمل الفني مستويات متعددة  من   الافكار .
*هنالك الكثير من النتاجات السينمائية العراقية منها :ماهو وثائقي ومنها ماهو روائي قصير ،هل استوقفتك تجارب معينة ؟
- في الحقيقة استوقفتني أعمال وثائقية كثيرة منها فيلم لمخرج عراقي مغترب هو باز شمعون البازي، يسجل المخرج في هذا الفيلم عبر اسلوب واقعي قصصاً لمجموعة  من الاطفال العراقيين ومن شتى المكونات ، يذهبون في رحلة علاج الى اوربا بعد ان كانوا قد تعرضوا الى اصابات وتشوهات جسدية بسبب التفجيرات التي تعرضوا لها من قبل عصابات الإرهاب ، في هذا الفلم نجد اولئك الاطفال في رحلة علاجهم يضطرون  للعيش والسفر معا وهم ينتمون اصلا الى قوميات واديان وطوائف مختلفة ،وهنا يعيد الفلم اكتشاف الشخصية العراقية وتناغمها فيما بينها رغم ما يحدث على الأرض المشتعلة من تقاطعات وتشنجات يقف وراءها السياسيون وتجار الحروب الذين يلبسون ازياء مختلفة . ومن الفرص الجميلة انني كنت ضمن المجموعة التي  اشرفت  على مرحلة مابعد الإنتاج لهذا الفيلم الروائي الطويل . ايضا  أعجبتني كثيرا التقنيات في بعض مفاصل فيلم ابن بابل للمخرج محمد الدراجي  رغم تحفظي على جوانب من الفلم خصوصا مايتعلق بالسرد الوثائقي .

*بعد عشرين عاما من العمل في انتاج البرامج الوثائقية كتابة واخراجا كيف تنظر الى تجربتك انت ، هل تجد نفسك قد توصلت الى شيىء ما في هذا المضمار ،يمكن ان نجد له صورة واضحة في الايام القادمة ؟



- منذ عدة سنوات وأنا  أحاول مطاردة بعض القصص بالبحث والتقصي المتكرر                  فالأساس لأي فيلم هي المقولة التي أؤمن بها كثيرا (ابحث ثم ابحث وفي كل مرة ستجد  شيئا) ومن اجل ذلك سعيت لمخاطبة مؤسسات عربية وغير عربية لإنتاج فيلمي الذي اعمل عليه منذ مدة طويلة ، حتى استقر المشروع على مؤسسة ألمانية كبرى jena bild التي رحبت بإنتاج هذا الفيلم بمشاركة شركة kic film الكندية وبرعاية مؤسسة الفيلم القومي الكندي وقد شرعنا فعلا  بكتابة السيناريو معا انأ والأستاذ قيس الزبيدي السينمائي العراقي المعروف والفيلم من إخراجي , يتناول الفيلم رحلة عالم الآثار ماكس مالوان وزوجته الكاتبة أجاثا كريستي في العراق في فترة الثلاثينيات من القرن الماضي . كما أنهيت عمل مائة حلقة من برنامج وثائقي عنوانه  (حكاية صورة) بواقع عشردقائق لكل حلقة وهو من إنتاج شركة عراقية ، وسوف يعرض قريبا على أكثر من قناة فضائية والبرنامج يتناول 100 حدث من خلال صور الشخصيات نفسها،  في محاولة منّا لارشفة الوثيقة العراقية التي داستها سنابك خيول المحتل واوشكت على طمر الكثير والثمين منها.
شرعنا في ذات الوقت ايضا في كتابة وانتاج فيلم وثائقي لصالح احدى القنوات  العربية وهي تجربة جميلة في الكتابة والاخراج المشترك بيني وبين المخرج السينمائي الاستاذ قيس الزبيدي الذي سيكون لي الشرف وللمرة الاولى ان اوقع باسمي الى جانب اسمه العالمي الكبير، كما اني وبعد دورة مكثفة عالية التخصص  تمكنت من الحصول على شهادة اول مخرج عربي على كاميرات Redcinama)) Arri alexa) )وهذا النوع من الكاميرات جديد تماما على المنطقة برمتها وهو الذي سيجعل العمل السينمائي اكثر سهولة بدون استخدام الفيلم 35ملم ، وبعد نهاية الدورة اعمل الان على تدريب  مخرجين ومصورين في اكاديميتين خاصتين هما:
Focus Academy)) و Drama Academy))

*عندما تبدأ في التفكير في انتاج عمل ما ،هل هنالك موضوعات معينة دائما ماتدور في وجدانك ، ام انك تلتقط الموضوعات مما قد يدفعه الواقع الى السطح ، ام انك تسعى لاكتشاف الموضوعات ؟
- لقد استفدت كثيرا من التجوال في كردستان العراق من أقصاها لأقصاها خلال أكثر من 3 سنوات أنتجت فيها بالتعاون مع قناة عشتارالفضائية  أكثر من سبعين برنامج وثائقي له خصوصية وشكل معين يمكن مقارنته بادب الرحلات،  وبواقع نصف ساعة للحلقة الواحدة ، حاولت في هذه التجربة ان أسرّع في عملية الإنتاج التفيذي والضغط  في كلفة الانتاج حتى تتلاءم مع الميزانية المتواضعة  لقناة محلية ، فأنا أؤمن تماما بقضية اساسية وهي : لكي تكون مخرجا وثائقيا ناجحا عليك ان تكون خلاقا حتى في تقنين النفقات الإنتاجية!

*هنالك العديد من التجارب العالمية في الفلم الوثائقي ، هل تعتقد ان الفنان العراقي قريب من تلك التجارب ، هل قرأها بشكل جيد ، هل حاول ان يكتشف مافيها من عناصر فنية . ؟



- لاتزال التجارب العراقية محلية وضيقة ،ولا تتجاوز خارطة ولادتها ، لكني لا اعتقد ان هذا الواقع سيطول ، لأننا اليوم نراهن على الطاقات الشابة النخبوية الجديدة التي تسعى لاستخدام الثقافة استخدام أمثل من أجل خلق صناعة سينمائية ووثائقية. مازلنا بحاجة لرؤية تجارب الاخرين الذين سبقونا في هذا المضمار . لان رؤية هذه التجارب على تنوعها في الرؤية والمعالجة والاساليب سيفتح افاقا كبيرة في نمط تفكيرنا ويجعلنا نسعى لان لانستسهل البدء في اي مشروع فني وثائقي . فهذا العمل يحتاج الى وقت طويل من التحضير والاستعداد على الورق قبل البدء في التنفيذ . وهذا فرق جوهري بيننا نحن في العراق وبين التجارب المتقدمة في  العديد من دول العالم .
*نود ان تعطينا فكرة عن طبيعة التجارب والاعمال المهمة التي انجزتها ؟
- ابتدأت العمل في الفلم  الوثائقي منذ نهاية التسعينات عندما رافقت المخرج الايطالي القس(Director: Jan-Marie Benjamin) اثناء انتاجه فيلم في العراق تحت اسم Iraqi solidarity أثناء تلك التجربة سحرني الموضوع كثيرا وتعلمت منه ان الصبر هو حقا مفتاح الحل في الفلم الوثائقي وان خلق مجابهة  واستهلال وخاتمة امر نتركه للحدث نفسه وينبغي علينا ان لانظيف ولانتطفل عليه.

*بماذا تفكر الان . . ماهي المشاريع التي تسعى لتحقيقها ؟ 
- أسعى منذ فترة لخلق بيئة عمل وثائقية  جديدة وذلك عن طريق تأسيس مدرسة لتطوير الشباب الراغبين في العمل بهذا المجال ،  ولدي أيضا قيد الانجاز  كتاب وصل الى مراحله  النهائية يتحدث عن أسس بناء الفيلم الوثائقي وهو بعنوان(الإعداد المسبق . . إكسير النجاح).


87
المنبر الحر / انت لم تكن ابدا ً !
« في: 21:45 18/06/2011  »
انت لم تكن ابدا ً   !

الى/ لوثر ايشو


لاأعرف  لماذا يَضيق الفضاء  حتى على أوهامنا 
لاأعرف  لماذا المبررات  التي لاتملك دماثة الخُلق تؤازنا 
هل سنكون سعداء هكذا دائما رغم انوفنا
هل سنكون حزانى  هكذا بمحظ ارادتنا
هل سنبقى نمسك بالمرآة ونحن نهذي بالكلمات
 بينما النار تقبع على  اكفنا   !   . . .

نينوى طقسها اليوم  ليس كعادته
الهواء فيها مثقل بالندوب
الماء بطعم التعاسة
والصمت يجلد الدروب . .

التشابه بينك وبينها ، لن  يمر بعد الان على البيوت القديمة في بغديدا
ولن يذكره الجنود المكدسين في العربات
ولا الامهات ينتظرن الابناء
ولاالمهجرين
ولاالغائبين
ولاالنازحين
ولامن أخطا الطريق الى بغداد
النوافذ لن تفتح بعد هذا الغياب المُر في قرية ديري 
انكسر الحلم  فيها هذا الصباح 
انكسرنا نحن
انكسر اللون في اللوحة
في العشب
في الاشجار
في الورد
في زرقة السماء .

اعرف ان لاأحد سيبقى بعدك في الطريق متجها  الى المدن المأسورة بالخوف 
ولاأحد سيمضي اليها ،
انت وحدك . .  كنت فيها
انت وحدك . .  سكنت طويلا في الغائب منها
وتركت وجهك  في الحاضر الشاحب من لياليها
وحدك . . كنت منتصبا في الحنين الدائم اليها
وحدك المسكون بها
 بعتباتها
بفصولها
بألوانها
بقلاعها
بأسوارها
بمن ودع الامنيات على  حيطانها .

أنا بعد موتك لاأشك بموتك
لاأشك بعودتك
لكني  . .  وعذرا ياصديقي ، اشك اصلا بوجودك
فاأنت لم تكن ابدا
ولاجئت
ولاعشت
ولارسمت
ولافرحت
ولاأنتظرت
ولاتألمت
ولن اصدق ابدا انك كنت .

                                              مروان ياسين الدليمي
                                                 18/6/2011

88
الروائي يونس صديق توفيق الحمداني :

-انا عراقي في خانة الكتاب الايطاليين   
                                               



  حاوره :مروان ياسين الدليمي



ثلاثون عاما في المغترب الايطالي وهو يبتكر صور حضور ٍآسر ٍ في مزاج المدن المسكونة بالبحر و والضوء وغواية العشاق . .  ثلاثون عاما وهو يحلق عاليا ً في سماوات الغربة  بعيدا ً عن موطن ارتعاشته الاولى  . .
 لكن الذاكرة مازالت تطرق ابوابا مقفلة ، تطرح اسئلة في دروب الموصل العتيقة ، لعلها تمسك بأسماء وتفاصيل تركها هناك منثورة على العشب في ربيع  نينوى وحول اسوارها . .  مازالت الروح نابضة  تضج برائحة النقوش على باب الدار ، وظلال النهارات التي اغتسلت بماء دجلة ، مازالت تطل من الشرفة البعيدة ،تتعقب البراءة في  انكسارات الازمنة الحاضرة /الغائبة . .
ونحن ازاء سيرة مكتضة  بالامطار والاسفار والروايات والاشعار والاحلام  كان علينا ان نقتنص الوقت لنسجل ـ بعد غياب دام ثلاثة عقود عن الوطن ـ  حديثا مع يونس صديق توفيق الحمداني الايطالي الجنسية العراقي الاصل  وهو أول كاتب أجنبي يكتب أول عمل روائي مباشرة  باللغة الإيطالية وبدون أي وسيط  . 

 سيرته تقول أنّ له العديد من المؤلفات  منها : (الغريبة ) رواية صدرت عن داربومبياني في ميلانو عام ١٩٩٩، (مدينة إرم) رواية صدرت في ميلانو عن دار (بومبياني) عام ٢٠٠٢. (اللاجئ)رواية صدرت في ميلانو عن دار (بومبياني) عام ٢٠٠٦. (عراق صدام) راوية تاريخيةصدرت في ميلانو عن دار (بومبياني) عام ١٩٩٩. (إسلام) بحث تاريخي صدر عن دار إيديا ليبري عام ١٩٩٧. (حضور السيدة البابلية) ديوان شعر صدر في تورينو عن دار آنكولو مانزوني عام ١٩٩٤ . (القمر بين اليدين) ديوان شعر صدرفي تورينو عن دار (آنانكي) عام ١٩٩٤.(السلام عليكم . الحديث بالعربية ) دراسة لغوية صدر في تورينو عن دار أنانكي عام ١٩٩٩. اضافة الى ذلك فهو يكتب في صحف ايطالية عديدة مثل : لاستامبا والميسّاججيرو والجورنالي  ويرأس المركز الثقافي العربي - الايطالي دار الحكمة منذ عام2000. كما يشغل منصب عضو استشارية وزارة الداخلية الايطالية لشؤون الإسلام الايطالي منذ عام 2006. اضافة الى انه  يشغل منصب أستاذ اللغة والأدب العربي في جامعة جنوة كلية الآداب منذ العام 1999..


البحث عن فضاء جديد
* قبل اكثر من ثلاثين عاما غادرت العراق للداراسة في ايطاليا ، واثرت البقاء فيها ، مالذي وجدته في ايطاليا ولم يستطع العراق ان يعطيك اياه ؟
-لقد غادرت العراق لهدف الدراسة والمعرفة وكان أملي هو العودة رغم إدراكي لحساسية الوضع السياسي الذي بدأ يسود البلاد آنذاك. في داخلي كان التوق الى الحرية يقودني بعيدا حيث البحث عن قيمة الإنسان ومساحات التواصل مع الذات والآخر، من أجل إكتشاف وتحسس واقع الوجود والكينونة الفكرية الذين كانوا في مرحلة التطور في أعماقي. كنت أحتاج الى فضاء يسمح لي بالحركة والإرتقاء، الى مجالات تسمح لفكري ولإبداعي بالتطور دونما رقيب أو تحديد آيديولوجي أو شروط مفروضة من واقع سياسي وفكري معين. إيطاليا منحتني الوجود والإحساس بقيمتي كإنسان. عرفت معنى الحرية بالنسبة للأديب وتعلمت، رغم بعض المشاكل، أن للحياة قيمة تستأهل التضحية من أجلها.

*عندما  خرجت من العراق كان عمرك ثمانية عشر عاما وها أنت تعيش  في اوربا منذ  اكثر من ثلاثين عاما ومع هذا عندما كتبت اعمالك الروائية ونلت عليها جوائز اوربية كانت معظم الشخصيات والازمنة والامكنة ذات هوية عربية . .  مالذي دفعك الى ذلك . هل كنت تحاول ان الدفاع عن تلك  الجذور امام الغرب  ام هي محاولة لاكتشاف الذات و تعريتها ومدواتها مما اصابها من ضرر ،ام هي محاولة منك لاستثمار الدراما الانسانية التي عادة ما تحتشد في تفاصيل الحياة الشرقية والتي يتمنى اي كاتب اوربي ان ينهل منها لكن الفرصة ليست متاحة امامه مثلما هي لك ؟
- البعد عن الوطن يترك في الأعماق الدفينة جروح
عميقة لا تنفك تنزف وتؤلم. وأعمالي تحمل كل الجراحات وثقل الذكريات وجنون الوحدة القاتل. عالجت الشعور بالحنين والعزلة التي يعاني منها المهاجر والتي، مع مرور الوقت، تقتل فيه عنصر الإرتباط بالجذور، وفي الوقت نفسه تغلق في وجهه أبواب الإندماج. كانت الكتابة ومازالت هي الفضاء الذي يمنحني القدرة على التواصل مع الهوية والبعد الثقافي الأصلي، والدفاع عنها ليس سوى ردّ فعل للكثير من الجهل الذي يعاني منه الغرب تجاه حضارتنا وديننا. كانت أيضا عملية لاكتشاف الذات التي أنهكها البعد والشوق بل ونهشتها الوحدة حتى العظم. وجدت الحاجة في (رواية الغريبة) الى طرح قضية الهجرة السرية والتضاد بين كيانين: واحد معلق بين عالمين ولاينتمي الى أيّ واحد منهما  رغم إعتقاده الراسخ بأنه قد تعدى مرحلة الإندماج  والآخر متمسك بجذور الأرض التي جاء منها، طرية ولاينسلخ عنها رغم موته البطيء في قفص عزلته. عالجت الإحساس بالوحدة وكيف أن جرح الحنين والبعد عن الوطن لايبرأ أبدا وكيف أن الذاكرة هي العالم المتوازي الذي يعيش فيه المهاجر ويجد فيه ملاذه ومنفاه. كما أنني وجدت نفسي منقادا الى ضرورة معالجة تراكمات فكرية وذكريات وصراعات طفت على السطح فجأة بعد سقوط النظام  (رواية اللاجيء) في عمل درامي يعكس الحاجة الى طرح الوضع العراقي (السياسي والإجتماعي) على طاولة التشريح وتقديمه للقاريء الأوربي بصيغة ملحمة عائلية تقربه من المأساة عن طريق معايشتها عن قرب.
أنا أعتبر أول كاتب أجنبي يكتب أول عمل روائي مباشرة  باللغة الإيطالية وبدون أي وسيط. وهذا حتم عليّ في بعض الأحيان أن أستغل بعض الدرامات الإنسانية لأنني أعرف الناس بها ولكوني عشتها أو كنت شاهدا عليها. كل أبطال رواياتي أناس حقيقيون عاشوا ماساتهم بصمت وماتوا بصمت. وجدتني رغما عني في موقف من يتكلم بلسان الآخر ويعالج معاناته بصيغة أدبية غيرت من مفهوم القاريء الإيطالي وجعلته ينظر الى المهاجر على أنه إنسان وليس مخلوقا بلا هوية.


*في العراق وفي منتصف سبعينيات القرن الماضي حصلت على  الجائزة الاولى في مسابقة الشعراء الشباب مناصفة مع الشاعر لؤي حقي وتم تكريمك  انذاك من قبل رئيس الجمهورية احمد حسن البكر ، ماهي المساحة التي يتحرك بها الشعر الان  في مشوارك الادبي ؟
- كان ذلك التكريم قد شكل منعطفا مهما في حياتي الأدبية. حينها كان عمري ثمانية عشرة عاما تقريبا حين وجدت رئيس الجمهورية والوزراء يصغون الى شعري بإهتمام  ويكرمونني، كما أنني كنت في إمتحان مصيري أمام فطاحلة الشعر في العراق ومنهم رئيس لجنة التحكيم الشاعر الكبير عبد الرزاق عبد الواحد. كانت لحظات جميلة جعلتني أعيش الشعر وكأنه عملية داخلية من التطور الذاتي للإبداع حتى أن القصيدة أصبحت ألوان حياتي التي أرسم بها وشريط أفكاري التي أصور به وأوراق مشاعري التي أكتب فيها. لقد وضفت الشعر في سياق الرواية، بتفاعل مع النثر بهارمونية موسيقية لكي يكون الصيغة الفنية الأكثر صدقا وفاعلية في التعبير عن خطورة الحدث وثقله. أدخلت القصيدة في حيز الرواية، أقحمتها بين السطور فكانت إطارا متكاملا، وهذا يعتبر، في مفهوم النقد الأوربي، عملا خطيرا قد يقضي على مسيرة الكاتب. كنت متشبثا في تغيير قوانين ألوان الكتابة الروائية وخلق نوع من التزاوج بين فن الشعر وفن الرواية إنطلاقا من تراثي القصصي العربي: المقامات وألف ليلة وليلة وكان النجاح الذي لم أتوقعة تذوق القراء الشعر مثلما تفاعلوا مع العمل القصصي.


الشعر هو الحقيقة التاريخية .
*كيف تنظر الى اشكالية  المصطلح والمعنى لانواع الشعرالعربي الحديث ، دقة وفهما علميا اكاديميا ، ابتدأ بمايسمى الشعر الحر وقصيدة النثر والنص المفتوح . وهل ارتقت هذه التسميات الى مستوى التعبير والتأطير الدقيق لهويته؟
- الشعر يجب أن لايخضع لإشكاليات وأطر معينة. فهو عبارة عن حركة ديناميكية متطورة، مرتبطة بتطور الحضارة الإنسانية. الشعر كان حرّا حتى حينما كان يخضع لقواعد ونظم ضيقة تتمثل بالشكل والمحتوى، بينما هو الآن، وبالأخص في هذه المرحلة، بحاجة ماسة الى أن يخرج من حدود التحجر والخمول. في الخمسينيات كان المحيط الإجتماعي والسياسي والثقافي يتوق الى إيجاد صيغ شعرية جديدة ولكن فترة الستينيات كانت مرحة التدفق الحقيقي لما  يمكن أن يسمى بالشاعرية المتألقة في أكبر تعبير عن الإندماج الإبداعي بين الشكل والمحتوى. اليوم، وحتى هنا في أوروبا، أصبحت قصيدة النثر هي الشكل الفني الأمثل، والذي يمنح مساحات فضائية تتماشى مع حركة الإنسان في بيئة مفتوحة تبدأ من الإنترنيت ثم الفيس بوك وانتهاء بالحركة الأفقية للموجودات والتي أصبحت تقريبا ضوئية بفعل التطور العلمي. إذا كل مرحلة ولها إبداعها الفني والأدبي والشعر ليس بمعزل عن هذا بل هو الحقيقة التاريخية والشاهد الأكثر صدقا على واقع العصر.


*كيف تنظر الى منظومة الثقافة العربية الحديثة . . هل تجدها بعيدة عن التفاعل مع المتغيرات . وان نتاجها في مجمله ليس سوى طريقة شكلية للمثاقفة مع الاخر؟
- منظومة الثقافة العربية تحتاج الى الخروج من خطابيتها ومن خضوعها الى التقليد. نحن لدينا الطاقة على التحرك والتحرر ونحن بطبيعتنا شعوب ديناميكية وحضارتنا كانت دائمة الإرتباط بحركية الزمان والمكان. هذا التشبث العبودي بالشكل والنظر المتواصل الى الخلف جعل من منظومة الثقافة العربية عبارة عن مؤسسات بورقراطية تهدف الى الإنتاج المتسلسل لأعمال تسعى الى الإبهار. هناك محاولات جيدة من أجل كسر هذا الخط ولكنها لاتتمتع بدعم مؤسساتي بل نجد أن في كثير من الأحيان يكون الجمهور هو الفاعل الأساسي في الإختيار والتقييم بل والتسويق حتى. هناك انتاج أدبي عربي يرقى الى العالمية ويصل الى درجة ابهار المهتمين لكن ومع الأسف فالأمر ينحصر في أعمال قليلة جدا وهذه نادرا ما تكون مرتبطة بمؤسسة أو منظومة ما. نحن لدينا الطاقات والتجارب والإمكانيات المادية من أجل الخروج من أطر الكلاسيكيات ومنح العمل الأدبي حرية الإنطلاق والنمو. علينا أن ناخذ بعين الإعتبار تطور المجتمع والمرحلة الزمنية التي نعيشها كي ندرك أن العمل الفني هو الناتج الحقيقي لما هو حاصل في المجتمع وهذا ماحصل بعد ظهور الإسلام وخلال الفترة العباسية وهكذا.


*المسرح ، القصة ، الرواية ، الشعر الحديث بشكله الاوربي كل هذا الثراء المتنوع ماهو الاّ نتاج حديث على ثقافتنا العربية المعاصرة ،وكان للشكل الاوربي فيها الحضور الاكبر والاهم لكن الملاحظ ان مايعرف لدينا بقصيدة النثر اخذت الحيز الاكبر في الجدل الذي وصل الى حد الخلاف والرفض والتشنج في الاوساط الادبية منذ اكثر من اربعين عاما ومازال بينما الاشكال الادبية الاخرى لم تتعرض الى مثل هذا الجدل . . مالاسباب في رايك؟
- الفنون الأدبية في عمومها دخيلة علينا وخاصة المسرح بصيغته الأوربية وفن الرواية بشكله الحالي أيضا يعتبر مولودا متبنى  رغم أن التراث العربي عرفه منذ قرون. وكما سبق وقلت فإن الشعر هو من الفنون الأدبية العربية الأكثر أصالة وقصيدة النثر هي التطور الطبيعي للسجع والقصيدة وصولا الى الشعر الحرّ وقصيدة النثر التي فجرت الجدل والخلاف بل والرفض أحيانا. أتصور أن هذا اللغط المفتعل هو ليس سوى ردّ فعل طبيعي لمن يريد حماية فن أدبي عربي أصيل ومن أجل هذه الأبوية المبالغ فيها يصل الأمر بالبعض الى وضع هذه الفرس العربية في قفص ضيق يجعل منها ومع مرور الزمن عاقرا. أنا لست من دعاة الدفاع عن التطور على حساب الأصل بل يجب ترك الحرية لكل أشكال الإبداع مع تشجيع البحث والتجربة والخلق الذي يأتي من الداخل مع الإستفادة من التجارب الخارجية وهذا ما حصل في الماضي وسيحصل مستقبلا شئنا أم أبينا.


*لاشك ان النثر مازال يحتل  لدى العرب  ـ سلطة وشعوب ـ  مرتبة ثانية من حيث الاهمية والتقييم امام الشعر الذي مايزال يحتل المرتبة الاولى مع الاخذ بنظر الاعتبار جملة المتغيرات الفنية التي حصلت في كل انواع النثر سواء في ميدان الرواية او القصة او المسرحية . كيف تنظر الى هذه المسألة ؟
- نحن شعوب محافظة، والقصيدة هي أول الفنون الأدبية العربية التي جعل منها شعبنا البدوي وسيلته الإعلامية والتوثيقية الأكثر فاعلية وأمانة والتي حافظت في أرشيفها الغني على تراثه وهويته. العرب شعب "أورالي" أي أنه يعتمد على الرواية الشفهية، والشعر هو أسهل الفنون الأدبية التي يمكن حفظها وتناقلها بين الناس في الأسواق والمجالس والمقاهي. لاضير في هذا لأننا ملزمون بالحفاظ على هذا الفن وتطويره ولكن هذا يجب أن لايكون على حساب باقي الفنون الأدبية حتى وإن كانت هذه بدورها غريبة أومتبناة ولكنها أصبحت، وبعد خضوعها للإندماج، فنونا إبداعية عربية تتطلب الأخذ بعين الإعتبار بل ويلزم البحث عن كل الصيغ الجديدة كي نتبناها ونطورها كما فعلنا دائما.



ثقافتنا اليوم  ليست في حالة تبعية
* المثاقفة امر لابد منه لكن ، الاتجد ان الثقافة العربية مازال دورها سلبيا  فهي  مازالت  تستورد وتستهلك المصطلحات والتصنيفات الغربية دون ان تساهم في انتاجها . . اذ مازالت مرجعية  المثقف العربي الاصطلاحية ترجع الى المعجم الاوربي . لماذا برأيك لم تخرج الثقافة العربية من هذه التبعية  ؟
- ثقافتنا الآن تمرّ بمرحلة تكوين الهوية الحديثة وهذه تتطلب الإستهلاك والنمو. إنها عملية تطور طبيعية تنهش كل شيء يمر في طريقها. الثقافة الأوربية مرت بهذه المرحلة الطبيعية قبل ألف عام تقريبا ولغتهم مليئة بمصطلحات من أصل عربي بل وحتى هناك صيغ أدبية وفنية صدّرناها نحن الى أوربا عن طريق الترجمات والرحالة والحجاج. كوميديا دانتي الإلهية مثلا تحتوي على الكثير من العناصر الفنية والثقافية الإسلامية، شعر الدولجي ستيل نوفو وعلاقته بالشعر العذري والموشح الأندلسي وقصص البوكاججو وعلاقتها بألف ليلة وليلة، حكاية روبينس كروز وعلاقتها بقصة الحي ابن يقظان وغير ذلك، هذه كلها أعمال أدبية لها علاقة مباشرة بفنون الأدب العربي والذي دخل أوربا مع الترجمات والمثاقفة. فثقافتنا العربية اليوم ليست في حالة تبعية  وإنما داخل بودقة مرحلة التطور الطبيعي للثقافات المتفاعلة. فقط الثقافات النشيطة تلتقي وتتفاعل  وسوف نخرج من مرحلة التأثير والتأثر هذه عندما ننتهي من تكوين هويتنا الثقافية الحديثة وهذا يتطلب وقتا. الأمر ليس في المصطلح وإنما في ديناميكية التطور وفي كيفية خلق صيغ إبداعية أصلية تعكس حالات خاصة لها علاقة بواقعنا، بفكرنا المعاصر بوجودنا في عالم دائم التطور والتغيير.

*هل مازلت تشعر بالوحدة والاغتراب ؟
-نعم. بصراحة هذا شعور كان يستحوذني حتى عندما كنت في وطني وبين أهلي فما عليك الآن وأنا في منفى الإغتراب. هي حالات داخلية تنشأ من حساسية مفرطة تجاه واقع معين أو حالة معينة. أنا لست سوى غريب في عالم ظاهري وغالبا ماأشعر وكأنني هائم في عالم البرزخ بين انتمائي الجذوري والذي يشكل كل خلفيتي التراثية وهويتي الأصلية وبين واقع أعيشه وكلي وعي بانني لاأنتمي اليه وبأنه هو بحد ذاته ينظر اليّ بريب وبحذر وبأنه لايتقبلني كما أنا بل يطلب منّي أن أتغير وأن أصبح كما يريدني هو أن أكون عليه.



*لو سألتك الان بعد هذه الرحلة الطويلة في البحث والقراءة والاغماس في الثقافة الاوربية ،  فهما وتجربة وحياتا ودراسة وتدريسا . لو سألتك من انت بما تجيب ؟ 
- غريب يبحث عن جذوره وهويته في عيون الوقت الذي يجري جارفا الذاكرة والحلم. انا لست سوى أبيات شعر هرمت وصور إصفرت وألوان بهتت وأصوات بحّت وعيون جفّت دموعها وضعفت رؤيتها. الشيء الوحيد الذي أنا متأكد منه هو أنني عراقي وأن فيّ حنين قاتل لوطني ولمدينتي ولأهلي.




دار الحكمة جسر الى العالم

*جزءأً مهما  من نتاجك الفكري كان ترجمة العديد من كتب التراث الفلسفي الاسلامي  لاهم المفكرين والمتصوفة والفلاسفة المسلمين . مثل الجاحظ والإمام أبو حامد الغزالي والشيخ الصوفي ابن عربي ومؤلفات جبران خليل جبران العربية وشعر الشنفرى. السؤال هومالدوافع التي اخذتك الى تلك الازمنة لتعيد تقديمها الى الثقافة الاوربية ومالذي يمكن ان تلعبه في تصحيح وتعديل الصورة عن الاسلام في اوربا بعد ان شهدت ضررا كبيرا لحق بها في الاعوام الاخيرة؟
- بعد دخول القوات العراقية الى الكويت وخاصة في الفترة التي سبقت حرب التحرير كان الغرب  يعيش في حالة من الخوف والهلع من إحتمال قيام حرب عالمية جديدة، والقاريء الإيطالي خاصة كان يبحث عن أي شيء له علاقة بالثقافة العربية والإسلامية ودور النشر بدأت تبحث عن مؤلفات تملأ الفراغ الشائع والجهل الذي جعل الغالبية العظمى تتساءل عن موقع العراق والكويت على الخارطة وهل أن الإسلام دين أم معتقد وهل أن القرآن منزل أم كتبه الرسول (صلع). كان من الضروري المساهمة في صنع برنامج توعية يعيد للحضارة العربية كرامتها ويساعد الإنسان في الغرب على فهم فكرنا وإبداعنا بل وتصحيح الكثير من الحكم المسبق والفهم الخاطيء الذي نال من ديننا وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. لم أتوقف فقط على الترجمة بل التأليف مثل كتاب "إسلام" الذي ترجم الى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والألمانية والهولندية وكذلك دراسات وروايات تعالج الكثير من القضايا مثل رواية "مدينة إرم" التي تتعرض لمسألة الحوار بين الحضارات. لقد ساهمت أيضا وبشكل عملي في النضال من أجل تصحيح صورة الإسلام وتشجيع الحوار بين الأديان والتصدي للفكر التكفيري وتشجيع الإندماج الصحيح للمهاجرين في المجتمع المضّيف وذلك عن طريق تأسيس المركز الثقافي العربي – الإيطالي دار الحكمة عام الفين والذي هو عبارة عن مركّب ثقافي يحتوي على مطعم عربي ومركز ثقافي يحتوي على صالة كبيرة للنشاطات الثقافية والمعارض صف للدراسة ومكتبة ومقهى عربي إضافة الى حمام تركي على الطريقة الشرقية. هذا المركز الفريد من نوعه في إيطاليا أصبح وجهة لكل من يريد التعرف مباشرة على حضارتنا وتراثنا العربي وفكرنا الإسلامي المنير عن طريق تنظيم نشاطات تقريبا يومية.

*هل تجد للثقافة العربية المعاصرة حضور ملموس في الثقافة الاوربية ، واين يمكن تلمس هذا التأثير ؟
- نعم، حضور الثقافة العربية المعاصرة بدأ يأخذ حيزا كبيرا في الثقافة الأوربية سواء بفضل كتاب عرب يكتبون بلغات أوربية أو عن طريق الترجمات. التواصل خلق نوعا من الصيغ الأدبية الجديدة التي كانت غائبة عن أطر الكتابة الغربية. نجد اليوم كتابا أوربيون يعالجون قضايا كانت غائبة عن مواضيع أعمالهم إن لم تكن من المحرمات. القضية الفلسطينية مثلا، الحرب على العراق والإحتلال، وكذلك بالنسبة لأفغانستان ومسائل الهجرة وتبعاتها. يجب أن لاننتقص من جهد الكتاب العرب الذين يكتبون بلغة غير العربية لأنهم يقومون بعمل مهم في تعريف القاريء الأوربي بقضايا عربية تبدأ من المواضيع التي طرحتها سابقا الى مسائل تتعلق بحقوق الإنسان وحقوق الأقليات انتهاء بالأحداث الأخيرة والثورات التي هزت كراسي  وقلبت الموازين في بلداننا.

*انت  تحمل الجنسية الايطالية  منذ اكثر من ربع قرن ومن خلال جهدك الفكري انت تشكل جزءاً من سياق الثقافة الاوربية . . هنا يبرز سؤالان ، الاول يتعلق بك انت  وهو : بأية هوية تسعى وتحرص لان  تقدم نفسك وانت تشارك في صنع المشهد الثقافي الاوربي  وفي الجانب الاخر كيف تجد الصورة التي ينظربها المثقفون الاوربيون اليك ؟
- أنا أحاول أن أكون جسرا بين حضارتين عن طريق الربط بين تراثي الأدبي والحضاري وذلك المكتسب. الأمر ليس بسيطا ويحتاج الى جهد كبير. فكوني أحمل الجنسية الإيطالية لايعني أنني انسلخت عن هويتي العراقية وقلبي الذي ينبض عربيا. كثيرا ما أكتب الشعر بلغتي الأم وأعيد كتابته بالإيطالية أو ترجمته وأنا الآن أعمل على إعادة كتابة روايتي "الغريبة" باللغة العربية، بفكر عربي وبصياغة عربية. أنا ورغم علاقاتي الطيبة مع الجميع وبرغم أن المؤسسة الثقافية الإيطالية تحترمني وتثمن أعمالي وبرغم أنني حزت على ستة عشرة جائزة من كبريات الجوائز الأدبية الإيطالية إلا أن الجميع هنا يعتبرني كاتبا عراقيا ولا أحد يضعني في خانة الكتاب الإيطاليين، بل ولاحتى دار النشر التي تنشر لي أعمالي تعتبرني مؤلفا إيطاليا بل تضعني بين الكتاب الأجانب. هذا هو أحد أسباب شعوري بأحقية بلدي عليّ وبأن الوقت قد حان للعودة وبأن الغريب يبقى غريبا لو مهما فعل.

*كيف تنظر الى مايجري الان من المنطقة العربية من تغييرات وثورات شعبية ، هل تشكك في الجهات التي تقف ورائها ؟ ام تجدها ثورات حقيقية خرجت  تماما من حسابات الدوائر الاستخباراتية الاجنبية ؟ وكيف تنظر الى مستقبلها؟
- لا. أنا ليس لديّ أدنى شك بأن ما يحصل هو تطور طبيعي لحالة عربية خاصة وصلت الى نهايتها. منذ نكسة 1967 ونحن نعيش سلسة من النكسات والتداعيات حتى أننا وجدنا أنفسنا سجناء عقدنا والقناعات التي زرعها فينا زعمائنا على أساس أننا شعوب لاحول لها ولاقوة، نؤله جلادينا ونخشى كلابهم الليلية ونرتعد خوفا حينما يطل الفجر. لقد علمونا كيف ننتقص ونزدري من ذواتنا. لقد أوهمونا بأن كل مشاكلنا ومصائبنا سببها إسرائيل وبأننا ضحايا نكسة مستديمة لاقيام لنا منها. كانوا يستغلون الشماعة الإسرائيلية لتعليق كل اسقطاتنا وذنوبهم وسر بقائهم عليها، وكانوا يشغلون الرأي العام العربي بهذا الكيان الذي يسمم حتى الهواء الذي نتنفسه الى درجة أنهم جعلوا من الدولة الصهيونية  وحش خرافيّ لايقهر وقوة ليس لنا عليها قدير. إنها ثورات خرجت من كل الحسابات سواء الداخلية أم الخارجية. . إن إسرائيل نفسها ترتعد الآن بسبب مايجري وتنتظر المفاجآت التي لابد وأنها قادمة. إنه تمرد شباب واعي ومتفتح  والذي يشكل اليوم  سبعين بالمئة من القوة السياسية والإجتماعية العربية على آلة القمع والسرقة والإغتناء الغير مشروع على حساب الفقراء والمظلومين من ابناء الشعوب . هذا السيل الذي جرف كل شيء خرج من ينابيع القهر والإضطهاد والفساد والمحسوبية حتى أنه تفجّر كعين ماء في قلب الصحراء. جيلنا كان ضحية النكسة وضحية العجز الذي وضعنا فيه حكامنا، وها نحن قد هرمنا بين الحروب والحصارات والمنافي، وقد حان الوقت لهذا الجيل أن يفيق وينهض، إنه زمنه وهاهو قد فعلها فما علينا الا أن نترك له زمام القيادة. قد يخطىء وقد يخسر لكنه فعل مالم يتجرأ أحد على فعله إلا ذلك الذي قام به الثوار في زمن اليقظة الأوربية في القرن الثامن عشر. كان من المفروض أن يجري هذا مباشرة  بعد سقوط تشاوشيسكو في رومانيا، ربما كنا الآن قد وفرنا حتى على عراقنا تبعيات الدمار والإحتلال.  إن ردة فعل الحكام العرب أثبتت أن هذه الثورات هي ناتج طبيعي وموضوعي لحالة عربية وصلت الى درجة لاتحتمل. حاكم يهدد ثم يضرب ثم يقمع ثم يقتل. ومن يقتل؟ أبناء شعبه الأبرياء وخيرة شبابه فقط لأنهم تظاهروا وطالبوا بالإصلاح. رد الفعل هذا هو الدليل الأكبر على أن هؤلاء الحكام هم قتلة ومجرمون وليس فيهم ذرة من الوطنية، كما يدعون، بل هم أول أعداء أوطانهم وشعوبهم. الحاكم يحترم شعبه بل ويضحي بنفسه من أجله وليس كهؤلاء المتسلطين الذين استباحوا دماء أبنائهم. هم يتصرفون وكأنهم أصحاب البلد وكأنهم ورثوها عن آباءهم وكأن الشعوب عبيد لهم يسرقون ويورثون ويقتلون بلا رحمة. هذه حالة عربية خاصة سكتنا عنها طويلا ويجب أن نخجل منها.
لندع، إذا، المستقبل لصانعيه  فأنا ليس لديّ الجرأة على التنبوء بما قد يحصل لأن المفاجآة قادمة.


غياب الحضور العربي
*انت منخرط الى حد واضح بالحياة السياسية في ايطاليا ولك حضور لدى الجالية العربية والمسلمة وخصوصا الجالية المغاربية  مالذي دفعك الى ذلك ،والى ماذا تسعى ؟
- كان هناك فراغ في الحضور الأدبي العربي فشاركت في ملء جانب منه، وكان هناك فراغ في التصدي لحملات التعرض للإسلام فشاركت في الشرح والحوار وكان هناك فراغ في الدفاع عن حقوق المهاجرين فساهمت في إعطاء صوتي لهؤلاء المستظعفين. اليوم هناك الكثير من المثقفين الفاعلين والمنظمات والجمعيات التي تقوم بواجبها وأنا من ضمنها. الجالية المغربية هي الجالية الأكبر في إيطاليا وزوجتي مغربية وقد زرت المغرب عشرات المرات وأجد أنه بلد رائع الجمال ومتنوع وغني لكننا أهملناه كثيرا وما علينا إلا تبنيه عربيا لأنه كريم ومتشبث بحضارته الإسلامية التي حافظ عليها بحرص منذ زمن الخروج العربي من الأندلس وهو فخور بتنوعه الثقافي والأثني الذي يجعل منه غنيا في تنوعه هذا. وفي كل هذا النشاط أنا أسعى الى أن يكون لنا حضورا عربيا فاعلا وتأثيرا في الحياة السياسية والثقافية الأوربية لأن هذه القارة هي خلفيتنا الثقافية والإقتصادية التي لاغنى لنا عنها رغم الإختلافات والصدامات والتناقضات لكن من الخطأ إعتبارها عدوا يجب التقارع معه لأن الوقت قد تغير والشعوب تغيرت مفاهيمها ووجهات نظرها.

*مالذي يقوم به المركز الثقافي العربي الايطالي ( دار الحكمة ) والذي قمت بتأسيبسه منذ العام 2000 ؟
-المركز يقوم بدور فاعل في التقريب بين الثقافات والحوار بين الحضارات وترشيد الإندماج عن طريق الندوات والمحاضرات والورشات التدريبية الخاصة بشباب الجيل الثاني. لقد استظاف المركز العديد من الكتاب والمفكرين العرب والأجانب في لقاءات ثقافية من بينهم الكاتبة نوال السعداوي  والشاعر سميح القاسم والكاتب والباحث يوسف زيدان والكاتبة سعاد العامري والكاتب سلمان ناطور والشاعر العراقي جبار ياسين والكاتب الطاهر بن جلون وغيرهم. كل هذا يدخل في إطار تنشيط الوجود الثقافي الذي يعكس الزخم الكمي والنوعي الذي يميز ثقافتنا الغنية والحاجة الى التعريف بها. كما أن الجالية العربية تحتاج الى ذلك التواصل مع حضارتها ومثقفيها من أجل إثبات وجودها وإعطاء الحياة لجذورها وهويتها.

ماتبقى في الذاكرة 
*مالذي تبقى من  بلد اسمه العراق ومن مدينة اسمها الموصل في الذاكرة  ؟
- بقي كل شيء، كل ما علق في ذاكرتي وكل ما حملته في حقيبة سفري حال خروجي من ذلك البلد الذي بكيته طويلا. بقيت نجوم الموصل وأقمارها، عبق أزهارها وأزقتها، دجلتها والجسر القديم، صروحها وآثارها العريقة  وتلك الخطوات الحالمة التي مازلت أسمع وقعها البعيد على إيقاعات ألحان أغاني عبدالحليم التي كنا نغنيها وصوت رياض أحمد الذي كان يطلقه أحد الأصدقاء الطيبيين ونحن نتمشى على ضفاف النهر أو بين أشجار الغابات، نعانق هبة شبابنا ونطارد أحلامنا. ذاكرتي أبيات من الشعر سمعتها من أحد شعراء الموصل الأصدقاء وقصة قصيرة قرأها عليّ أحد الكتاب الذين رحلوا، في الحرب العراقية-الإيرانية  والآخر رمى بجسده بين أمواج دجلة كي تبتلعه الى الأبد. صور وأصوات وألوان تتواكب في ذهني كصدى البعد. بقي الكثير من عراقي لكن هموم الشوق وعذابات الغربة والحزن الذي حمّلني إياه هذا الوطن قتل فيّ الفرحة وجعلني كالذي "ينتظر الطوفان ولايأتي الطوفان"...

*اخيرا وليس اخرا  انت حلمت وحققت الكثير مما حلمت به فهل من حلم مازال يرواد يونس صديق توفيق الحمداني ؟
- لاأحد يحقق كل شيء، فالأحلام لاتنتهي. حلمي الأهم الآن هو العودة الى الوطن، والنوم بين ذراعي أمي وزيارة قبر والدي والمرحوم أخي وشرب القليل من ماء دجلة. أحلم أن أتمكن من المساهمة في بناء العراق الجديد، العراق الديمقراطي، الحرّ حيث الجميع ينعم بالسلام والحرية والكرامة. دون تمييز عرقي ولاطائفي عراق العراقيين، عراقي أنا.

89
منهجية التطرّف . . محنة المسيحيون العرب
 


                                                
الى حد ما تمكن الفكر المتطرف والذي لبس ثياب الدين الاسلامي دون ان يغتني بمحتواه الانساني ومنهجه الوسطي وراح بعيدا جداً  في الترويج للكثير من الافكار التخوينية والتكفيرية ضد مكونات اساسية في المجتمعات العربية ، نال فيها المسيحيون العرب الجزء الاكبر من هذا الاستهداف اضافة الى عموم المسلمين وليوضعوا بالتالي في خانة واحدة مع مسيحيي الغرب (اوربا واميركا )  دون ان يضع هذا الفكر في حسبانه حقيقة  الاختلافات القائمة مابين هذين المجتمعين الاخلاقية منها والقومية والتي تشكل بمجموعها دليلا قاطعا على أن المسيحيين يشكلون جزاً اساسياً من التكوين الديموغرافي للمنطقة العربية ولاصلة لهم اطلاقاً  بمسيحيي الغرب، أو حتى  اولئك الذين  ينتمون جغرافيا وقوميا الى  اي مكان اخر خارج المنطقة العربية .
المسيحيون في المنطقة العربية هم في الاصل يرجعون الى اصول قومية وجدت وعاشت في هذه  المنطقة ( سوريا ،فلسطين ،مصر ، الاردن ، بلاد مابين النهرين ، ) وقد حَكموا هم سياسيا هذه الجغرافيا بعناوين حضارية تمتد لالاف السنين قبل ان يتحول الجزء الاعظم منهم الى الديانة المسيحية ، اي بمعنى انهم ينتمون الى الجذور الاساسية للمجتمعات البشرية التي سكنت هذه المناطق  بكل المكونات القومية التي شكلتها انذاك ولم يكونوا طارئين على هذه الارض، وعندما جاء المسلمون من الجزيرة العربية الى هذه الامكنة التي شهدت اولى الحضارات الانسانية نشأت علاقة اندماجية انسانية ومجتمعية مع فيما بينهما ومع من تحول منهم الى الدين الجديد ولم تنشأ في السنين الاولى للدعوة الاسلامية  فيما بين اتباع الديانتين المسيحية والاسلام وحتى مع اليهود ايضا علاقة تصارعية ـــ على الاقل في السياق العام لتاريخية وطبيعة تلك العلاقة ــ  تهدف الى رفض الدين الاخر عن طريق قتاله ومحاربته ، بل على العكس من ذلك كانت هذه الجغرافية الواسعة حاضنة طبيعية نموذجية لتعايش اديان مختلفة والسبب في ذلك يعود الى ماتّسم به سلوك ورد فعل سكان البلاد الاصليون ( كلدان ، اشوريون ، اقباط ) وهو إن دل على شيء انما يدل على خُلق ٍعال ٍوقد ضم بين طياته وتفاصيله قدرة على التعايش والتفاعل والتواصل الانساني مع اتباع الدين الاخر الجديد  بينما كان  اتباع الديانة المسيحية انذاك يشكلون الجزء الاكبر من تلك المجتمعات ،وهم بموقفه المتوازن والمعتدل ذاك  كانوا قد انطلقوا من جوهر الديانة المسيحية التي تؤكد على قيم المحبة والتسامح مابين البشر واستبعاد كل الدوافع وردود الافعال العدوانية والعنيفة فيما بينهم .

بيئة انسانية منفتحة
 لذا وجد الدين الاسلامي الجديد انذاك واتباعه بيئة منفتحة لاستقباله ولم يواجه اية صعوبات ومحن مع من كان يدين بالمسيحية حتى وهو يبشر بتعاليمه بينهم بل العكس من ذلك فأن سادة قومهم ،كانوا  في مقدمة من لجأ اليهم محمد (ص) في اللحظات الحرجة الاولى من نزول الوحي عليه ، فما كان منه إلاّ ان يلجأ الى من كان مبعث ثقة واطمئنان، كورقة بن نوفل ، لما كان يمتلكه من اعتقاد راسخ بالله الواحد الاحد ، ذلك لانه كان على دين عيسى بن مريم (ع) ولانه رجل عارف وحكيم يملك العلم والفهم بالميثولوجيا والاديان والمعتقدات وتاريخ المنطقة ،وقبل هذا كله ماكان قد نشأ من علاقة وثيقة كانت قد نضجتها الاعوام الطويلة التي تقادمت عليها،مابين محمد وعمه ابوطالب مع رجال دين مسيحيين ـ منهم الراهب بحيرة ـ   كانوا يستقبلونهم في اديرتهم ويبيتون عندهم عدة ايام وليالي طلباً للراحة من عناء السفر في اشهر محددة من السنة وهم يتحركون بقوافلهم التجارية صيفا مابين الشام والجزيرة العربية وماكان يتناقل فيما بينهم من معارف وافكار وفلسفات .
ودعونا نتأمل قليلا مع انفسنا لنستجمع صورة واقعية عن طبيعة وقوة تلك العلاقة التي كانت قد نشأت بينهم ،اخذين بنظر الاعتبار اننا لم نجد في كتب السيرة والتاريخ مايشير بسوء اليها ويثلمها بل وجدنا دائماً  مايُثني على تلك العلاقة وعلى ما فيها من لحظات مهمة طالما اعتز فيها المسلمون في كل الحقب اللاحقة بعدها كلما أستذكروا تلك الرؤية النافذة للراهب بحيرة عندما  وجد في لحظة ما ذلك الشاب محمد بن عبد الله قادما مع القافلة برفقة عمه ابو طالب والغمام يظلله في عز الصيف ليترسخ في اعماقه حقيقة تؤكد بأن هذا الشاب سيكون له شأن كبيرفي المستقبل وكانت تلك  بمثابة الرؤيا لدى الراهب بحيرة .
لاشك ان تلك العلاقة التي كانت قد  جمعتهم سوياً تحت سقف الدير عكست في معانيها ودلالاتها نظرة انسانية فيها الكثير من التقدير والاحترام والايمان والثقة المتبادلة فيما بينهما وخصوصاً في جانبها الفطري لدى محمد (ص) تجاه المسيح واتباعه ابتدأً من المرحلة المبكرة لطفولته وشبابه قبل ان ينزل الوحي عليه ويعلن رسالته ، ولم تتغير نظرته ومواقفه تلك حتى بعد ما نزل عليه الوحي اول مرة إذ لم يلجأ حينذاك الى  اي واحد من افراد عشيرته او اقاربه ليبدد قلقه باستثناء ورقة بن نوفل.
 هذه هي العلاقة الاجتماعية التي جمعت المسلمين مع المسيحين على هذه الارض وكانت بشكلها وجوهرها بيئة نقية وصالحة ودافعة لكي يتقدم الاسلام خطوة اثر خطوة الى الامام .

كي لاتغرق السفينة  
لاينبغي هنا ان يتم التجاهل المتعمد من قبل الحركات الاسلاموية المتطرفة للقبائل العربية التي كانت تدين بالديانة المسيحية وكانت تشكل بحضورها ثقلا وعلامة بارزة من التاريخ المجتمعي العربي قبل وبعد الاسلام فهل يمكن ان نشطب قبيلة تغلب وربيعة وبكر ؟ وهل يمكن ان نمحو من تاريخنا العربي مملكة كندة وهل بالامكان ان نغيّب من ذاكرتنا الثقافية اشعار امرؤ القيس وعمر بن كلثوم والمهلهل والاخطل وغيرهم الكثير من الاسماء التي شكلت وعينا وخصوصية ذائقتنا الانسانية التي نفاخر بها امام شعوب العالم ..؟
ولنا في الدولة والخلافة الاموية الاسلامية قدوة حسنة عندما اختار خلفاؤها الذين تعاقبوا على ادارتها الشاعرالاخطل  ليكون شاعرها الاوحد بلامنازع رغم كونه مسحياَ .
فهل يصح نكران هذا التاريخ الجميل والنظيف الذي كان مابين اتباع هاتين الديانتين ومحوه من ذاكرة الاجيال ليحل محله شكل اخر من العلاقة طالما روّجته جماعات اسلاموية متطرفة احالت العالم الى جحيم بطروحاتها وهي  لاتملك سندا ولانصا ً صريحا مُتّفق عليه يمكن ان يؤطر ماتدعو اليه في خطاباتها وبياناتها المتشددة ضد المسحييين من  ابناء هذه المنطقة لتضعهم بكل سهولة في خانة واحدة مع مسيحيي الغرب متناسية ومتجاهلة  كل ذاك  التاريخ المجتمعي والانساني المشترك سواء البعيد منه أوالقريب عن عمد ٍاو جهلٍ  ولتزيد العلاقة مابين المسلمين والمسيحيين يوماً بعد اخر سوءاً وخطورة عندما تلصق بهم صفة الخيانة والانتماء والارتماء في احضان الغرب وحكامه وساسته ومفكريه ومنظريه ،  هذا الغرب الذي تسبب مع زعماء واحزاب المنطقة بكل الدمارالذي لحق  بشعوب المنطقة العربية برمتها .
آن الاوان على قطاع واسع من شعوب المنطقة العربية المسلمة ـ لايستهان بحجمهاوثقلها ـ بعد ان صَحَتْ من غفوتها التي طالت عقوداً طويلة وهي ترزح مُظللة بوعيها وارادتها تحت حكم قادة شاؤا بوعيهم وبارادتهم ان يؤسسوا ويساهموا في ترويج وتشجيع وتعميم كل ما يؤجج الاحتقان الديني والطائفي فيما بين مكونات المجتمع العربي من اجل ان يكون ذلك الخلاف والاحتقان شماعة وفزّاعة يعلقون عليها عجزهم وتخلفهم وعدم قدرتهم في صنع مستقبل افضل للفرد والمجتمعات في اوطانهم وليكون هذا الخلاف ايضا بكل تشظياته  شاطىءَ آمان ٍلهم لاستمراربقائهم في السلطة .
آن  الاوان لتصحيح مارُتكب من اخطاء في الفهم والنظرة والممارسة لدى دعاة التشدد والتطرف في مجتمعاتنا تجاه المكوّن المسيحي العربي لاننا نركب سفينة واحدة تعوم  في بحر هائج متلاطم الامواج .  
.  
                                                            مروان ياسين الدليمي

90
مُسَمّياتُ المَشهدِ المُنهار ْ


أليات الثورة
ثورة العرب في  تونس ومصر قدمت نفسها بشكل مدني  متحضر بأطار سلمي بكل التفاصيلها التي  رسمتها اجيال شابة جديدة عكست من خلالها وعيا متقدماً  في فهم جوهر المشكلة التي راكمت التخلف في المنطقة العربية من المحيط الى الخليج  عقوداً من الزمن ، كما عكست تعبيراً واضحاً عن تطلعات المجتمع وأهدافه عبر ممارسات وفعاليات احتجاجية واعتصامية مبتكرة جاءت بها وتوصلت اليها واتفقت عليها القوى السياسيةالتي ساهمت وشاركت بها  من خلال حوارات ونقاشات ابتدأت  من العام 2008 على مستوى فردي وجماعي  ووضعت لها تسميات وعناوين لها دلالات سياسية واضحة على مواقع التواصل الاجتماعي ( facebook twitter  (واكتسبت تسمياتها تلك من واقع احداث مؤلمة استفزت مشاعر المجتمع  المصري عندما تعرض فيها افراد عاديون مثل الشاب خالد سعيد لقمع شديد دون مبرر من قبل اجهزة السلطة على اثرها فارق الحياة ، وكان تأثير عرض مقطع فلمي قصير لم يتعدى زمنه ثلاث دقائق تم تصويره بكامرة هاتف محمول عبر موقع(YouTube  ) يظهر فيه ذلك الشاب وهو يتلقى الضرب من قبل قوات الشرطة أثر كبير جداً حتى تتشكل على اثره مجموعة ( كروب ) على موقع الفيس بوك تحمل اسم خالد سعيد تدعو الى ضرورة تنظيم الوعي والجهود من اجل احداث تغيير جذري في نظام الحكم السياسي القائم في مصر منذ ثلاثة عقود ، ويقف وراء تأسيس تلك المجموعة على شبكة الانترنت شاب مصري  اسمه وائل غنيم في العقد الثالث من عمره يحمل شهادة عليا (ماستر) في علوم الحاسبات ويعمل مديراً للمركز الاقليمي في الشرق الاوسط لشركة محرك البحث كوكل على الانترنت ،ايضاً تشكلت مجموعة اخرى على نفس موقع الفيس بوك حملت اسم حركة(  6 ابريل)  ويشير هذا  التاريخ الى اليوم الذي كان قد خرج فيه هولاء الشباب الذين كانوا يتحركون علناً عبر واقع افتراضي الى الواقع الفعلي في اول اعتصام لهم عام  2008 . كما استجابت  بكل حيوية وسرعة الجمعية الوطنية للتغييرالتي يتزعمها د. محمد البرادعي لهذه المتغيرات في آليات الدعوة للتغيير واسست لها هي ايضاً مجموعة( group  ) على موقع الفيس بوك وتويتر يحمل اسمها حتى لاتكون بعيدة عن روح العصر وايقاعه المتسارع الذي يجسده الشباب خير تجسيد . 
أزمنة القسوة    
على هذا الشكل الذي يحمل روح وايقاع العصر  تشكلت عناصر الثورة في تونس ومصر واعلنت الثورة عن نفسها للعالم فكان   ال 14 من شهر يناير/كانون الثاني هو موعد إعلانها  في تونس وتاريخ ال  25 من الشهر نفسه موعد اعلانها  في مصر، وفيما بعد من الايام القريبة جداً من هذين التاريخين لحقت بهذه الثورة  بقية شعوب البلدان العربية مقتفية اثرها وخطواتها وآلياتها في التعبير شكلاً ومضموناً  لتواجه طغاة ،عتاة ، قساة ، ظلمة ، لم يقدموا  لشعوبهم مشروعاً تنموياً مثمراً وناضجاً لشعوبهم يستحق التقدير طيلة عقود طويلة مضنية مُهلكة ومُستهلِكة للزمن والطاقات البشرية والمادية ،كانوا فيها هائمين عائمين بعوالم وردية لازوردية ناعمة مترفة لاصلة لها مع واقع معيشي غيرانساني يعيشه ويتجرعه ويرزح تحته اغلبية قطاعات الشعوب في البلدان العربية ، اولئك الحكام ظلوا  لعقود طويلة جاثمين على رؤوس شعوبهم لم يفعلوا شيئاً يساعد في انتشالها من العيش تحت مستوى خط الفقر الذي وصلت نسبته  كما تشيرالى ذلك  المنظمات الدولية التابعة الى الامم المتحدة الى 40 % من مجموع العدد الكلي للسكان في العديد من البلدان العربية وفي المقدمة منها مصر التي وصل عدد سكانها  حتى العام 2010 الى 80 مليون نسمة ! . لم يفعل اولئك الحكام مايشير الى انهم يحترمون ادمية الانسان في العيش امناً داخل بيته ووطنه دون ان تنتهك كرامته وحريته ويتم اعتقاله وزجه في السجون والمعتقلات دون أمر قضائي ودون ان يكون قد ارتكب جناية ودون ان تترك له فرصة للدفاع عن نفسه ،وقد يكون ذنبه انه قال كلمة عابرة في حديث شخصي عابرتعليقاً على امرعابر وشاء ان تواجد لحظتها بالقرب منه مخبرسري بشكل عابر فأوصل مالتقط اذناه الى من كان شغله الشاغل الترصد والتنصت والتجسس على كل صغيرة وكبيرة ،الوارد والشارد في حياة الناس، لافرق في هذا بين  كبير وصغير،  بين متعلم وجاهل . فالكل متهم ومشكوك فيه وبنواياه وبولائه وعدائه  للسلطة والقائد والحزب الحاكم  .
اولئك الحكام انشغلوا  حد الهوس والمرض  والجنون بتكريس  انظمة سياسية امنية مرعبة ومرعوبة ،متخلفة وفاسدة ، وحينما بدأت تتهاوى وتسقط واحدة اثراخرى تحت ضغط شعبي سلميّ اخذ يتصاعد يوماً بعد اخر، لم تخلف وراءها سوى تاريخ  قذر من القهر والفقروالفساد  وسجل حافل بهزائم عسكرية وسياسية مع عدو اجنبي وانتصارات وهمية صدعت بها رؤوس الناس البسطاء لم يكن  لها اي وجود على ارض الواقع الاً في أناشيد وكتب ومؤتمرات وخطابات وتجمعات مفتعلة مزيفة كاذبة ساذجة تفتقد الى الحد الادنى من المنطق والمصداقية والاقناع كما هو الحال في نمط افلام المقاولات التي كانت قد شاعت في مصرخلال  ثمانينيات القرن الماضي .
انقلابات ُأم ثورات
هذه ثورة بالمعنى  والمصطلح الاكاديمي الدقيق عندما  نصف جوانبها  وآلياتها واهدافها ودلالاتها وشعاراتها وممارساتها وقواها الشابة التي فجرتها وبقية فئات وطبقات الشعب التي تظافرت معها ونظمتها وقادتْها في مسارها بشكل مميز ومدهش سالكة طرقاً  لم تكن تخطرأبداً على فكر ومنهج  اجهزة الامن والمخابرات والاستخبارات لكل الانظمة العربية  الحاكمة والقوى السياسية المخضرمة المعارضة لها خلال التاريخ المعاصر الذي يمتد على طول القرن العشرين وماتلاه من السنين ،بل يمكن القول بشكل مطلق ان كل ماكان قد جاء قبلها واطلق عليه جزافاً وتحريفاً وتزييفاً وخداعاً على انه ثورة لم تكن سوى انقلابات عسكرية قامت بها زمرة من الضباط  المغامرين الطامحين الى الحكم لاأكثر من ذلك ، ولم يكن في جعبة اية مجموعة  منهم عندما كانت  تخطط للتمرد على النظام القائم  او حينما وصلت الى كرسي الحكم اي برنامج تنموي نهضوي يستثمر ويستنهض قدرات وطاقات وامكانات البلاد ، ارضاً وشعباً وثروات ،  وكل الذي كان  قد حمله افراد تلك المجموعات في جيوب بزاتهم العسكرية : ليس سوى ورقة سجلت فيها شعارات طنانة رنانة طالما تم التركيزعليها من قبل قادة تلك الانقلابات المتوالية  انطلاقاً من قصور وعيها وانعدام خبرتها السياسية وضآلة طموحاتها الذاتية في الوصول الى كرسي الحكم لذا كانت لاتملك وسيلة ناجحة لكسب الناس اليها وجرها مخدوعة الى صفها سوى ان تخاطب غرائز واحاسيس ومشاعر وطنية جامحة فياضة وصادقة عند جموع الشعب العربي الفقير البسيط الامي ّ، ولم تكن تخرج في عموم نلك البيانات والخطابات وتفاصيلها عن اطار محاربة الاستعمار والرجعية والصهيونية والشعوبية وقوى الكفر والالحاد ومن لف لفهم ! وغالباً ماكانت تلك البيانات يتم كتابتها على عجل في الساعات والثوان التي تسبق اعلانها من وراء ميكرفون الاذاعة أومن على شاشة التلفزيون . ولم تشهد تلك الانقلابات التي سميت ثوارت  في الايام والسنين التي اعقبت لحظة نجاحها اي حوار جدي ملموس وصادق تم فتحه مع  بقية القوى السياسية والفكرية التي كانت تتواجد على سطح المشهد المجتمعي وتؤثر فيه من اجل التشاور معها والاصغاء لها والاخذ بما تطرحه من افكار وملاحظات تهدف في مسعاها الى  الاخذ بواقع ومستقبل البلاد نحو مرحلة جديدة تعقب ماسبقها لترفع عن كاهل المواطن بعض ما كان يئن ويرزح تحته من ظلم وبؤس اجتماعي واقتصادي ،  كما لم  تشهد تلك الفترات محاسبة قضائية  تتوفر فيها ابسط الشروط والضوابط القانونية لرموز العهد السابق لها، لتكتسب على الاقل وفي الحدود الدنيا شكلا من الشفافية يوسمها  بالعدالة  التي ينبغي توفيرها  للمتهم للدفاع عن نفسه ازاء مايوجه له من تهم  .
أزمةُ ُالعقول ِالمتأكسدة
ان ماجرى بكل انقلابات العسكر في خمسينيات القرن الماضي وماتبعها من متغيرات سياسية طيلة النصف الثاني من القرن العشرين سواء في مصر أو العراق أو ليبيا أو سوريا أو اليمن  جاء على عكس مانشهده اليوم في ثورة  تونس ومصر من حراك وحوار وتحركات وافكار يعبرعنها شباب الثورة  باصدق واجمل وانضج صورة ، وقد فتح هذا الفضاء الرحب الجديد الذي خلقته هذه الثورة  للقوى والاحزاب السياسية مجال الرؤية والتفكير بشكل اوسع واكثر حيوية مما كانوا قد تعودوا عليه في آليات عملهم السياسي المعارض خصوصاً مايتعلق منه بعلاقتهم مع بعضهم البعض او مايتعلق بطبيعة الخطاب السياسي المطروح  الذي بدت ملامح التغييرفيه  واضحة في ألنبرة واللهجة المتصلبة والمتحجرة والمتطرفة لدى العديد من القوى التقليدية ذات الصبغة الدينية والقومية  على وجه الخصوص بعد ان وجدت نفسها امام خيار وحيد خلقه مناخ عام يسود المجتمع  يتوق فيه الى : بناء نظام سياسي مدني برلماني يحتكم فيه الى شرائع وقوانين واضحة مثبتة في دستور جديد ينبغي كتابته على انقاض دستور صوري كانت قد  صيغت فقراته الاساسية لاجل ان يضمن للحاكم وحزبه الامساك بعصا السلطة الى فترة غير محددة ومعلومة ، ويضمن لابنائهم أن يرثوا الحكم من بعدهم  .
منظومة التزييف الدولية
ان شباب تونس ومصر آلوا على انفسهم أن لا يوقفوا دواليب الثورة عن الدوران الى ان ترسي ركائزها على ارض ثابتة واضحة بعد ان تكون قد اقتلعت منها كل ماله صلة بذاك الارث الفاسد الذي انتفضت وثارت عليه من رموز وافكاروقوانين ودساتيرومؤسساتٍ وممارسات خاطئة اساءت واجرمت  بحق الوطن والمواطن في أحزانه وأفراحه ودمه وأحلامه وأطفاله ولقمة عيشه، ولو شاءت ان تتوقف بمجرد سقوط رأس النظام، وتراخت فيها الافكار والامال والسواعد  ومالت ولو قليلا الى المرونة والليونة والتسامح مع النظام القديم وكل رموزه عندها لن يكون للثورة من معنى جديد  وستكون  ساعتها قد ارتكبت اول واكبر اخطائها واعطت الفرصة  لالتقاط الانفاس مرة اخرى لمن كان قد  تسبب بكل هذا الارث من التخلف والتراجع والتردّي واعطى  نتيجة لذلك : ساسة الغرب وامريكا الحجة والعذر في أن يوصم العرب والمسلمين بسمة التطرف والتخلف والتعصب والارهاب وأنهم باتوا يشكلون خطراً وتهديداً شديداً ومرعباً على أمن وسلامة العالم والكرة الارضية مما يستدعي ويستوجب ان تتكاتف وتتآزر وتتحالف وتتعاضد كل الامم المتحضرة المسالمة ضدهم ،وتتخذ من اجل ذلك اجراءات وقرارات دولية ظالمة ومجحفة ، سواء كانت قد  اكتسبت الصفة القانونية التي تقرها مواثيق هيئة الامم المتحدة أو لم تكتسبها ، ولواقتضى تحقيق هذا الهدف اللجوء الى  الكذب والتلفيق والتزوير في وثائق  ومستمسكات فلن ولم يترددوا في اللجوء الى ذلك ،  وهذا ماحصل فعلاً وقولاً عندما قررت  اميركا ان تغزو العراق وتحتله ، إذ لم يعد خافياً على أي مراقب ومطلع على ماجرى من احداث  وما قامت به واختلقته وانتجته  منظومتها السياسية والاعلامية من اجندة واساليب مخادعة لتزويرالحقائق والوقائع التي قدمتها بأعتبارها وثائق دامغة تؤكد وتثبت مايشكله العراق بزعامة صدام حسين ونظامه من خطر كبير يهدد العالم لما يمتلكه من اسلحة دمار شامل .
نصف الحقيقة
ومع مواققتنا التامة على كل الملاحظات والتقارير التي كانت تدين نظام صدام وحزب البعث الحاكم في العراق وتتهمه بالعنف والقسوة والوحشية في تعامله مع من كان  يختلف معه ويعارضه من ابناء شعبه إلاّ أننا نختلف مع الرأي الذي تم  الترويج له وتعميمه من قبل اميركا وحلفائها الغربيين وبتسويق من  الاحزاب العراقية المعارضة انذاك بأن :  صدام قد اقتصر ظلمه على الشيعة والاكراد وبقية الاقليات واستثنى من ذلك  الطائفة السنية التي ينتمي لها .  بينما هنالك العشرات من الدلائل والوقائع والاحداث التي تدحض هذا التظليل الذي طالما سوقته الدعاية الاميركية والمعارضة العراقية انذاك التي تؤكد بالدليل القاطع على ان نظام صدام كان  يوزع ظلمه بالتساوي على الجميع ولم يسلم من ذلك حتى من كان هو اقرب الناس اليه صلة بنسب الدم ، ويكفي ان نتذكر ما آل اليه مصير صهريه الشقيقان حسين وصدام كامل، اضافة الى قائمة طويلة من الذين تم اعدامهم من الطائفة السنية التي ينتمي اليها .مثلما حصل عند ما تم اعدام  الحكيم راجي التكريتي بعد أن وجهت له تهمة التأمر على الحكم  والضابط في الجيش العراقي محمد مظلوم الدليمي  ومن كان معه من الضباط والجنود بعد ان اتهموا بالتخطيط للاطاحة بنظام الحكم وسطم الجبوري الضابط الذي فشلت حركته التي كان ينوي فيها اسقاط نظام الحكم فأعدم هو ومن معه في الحركة والتنظيم من جنود واعضاء اخرين مدنيين . اضافة الى اسماء عديدة اخرى يطول تعدادها كلها كانت من الطائفة السنية . 
غزوٌ .. على نار هادئة
 كانت  الاساليب والاكاذيب التي لجأت اليها القيادة الاميركية وخدعت بها الامم المتحدة على لسان وزير خارجيتها كولن باول وبقية الساسة الاميركان هي  التي هيّأت الارضية المناسبة لان تتخذ قررات دولية خطيرة لاسابقة لها في تاريخ العلاقات الدولية التي ترعاها الامم المتحدة وفرت  من خلالها لاميركا  الغطاء القانوني الذي يعطي المشروعية في  غزو واحتلال العراق فاستباحت ارضه وتمكنت من ثرواته ، وهذا هو بيت القصيد الذي كانت تختفي وراءه تفاصيل هذه اللعبة التي تم التخطيط لها وطبخها على نار هادئة  مستثمرين كل الظروف والعوامل التي كانت قد ساندتها وعجلت بها والتي تتمحوراولاً واخراً  بتلك السياسات المتهورة والمتشنجة التي كان قد ارتكبها صدام حسين شخصياً انطلاقاً من طبيعته التي تتسم في جوهرها على احتواها لمخزون متناقض  من المشاعر والاحاسيس والافكار المتطرفة والتي تختلط فيها  الدوافع الانفعالية القبلية المتعصبة مع احساس متفاقم بالحرمان يعود الى سني الطفولة مختلطاً بوعي طبقي يميل الى التعاطف مع الفقراء لكنه يصل الى درجة عالية من  الكره والحقد تجاه طبقة اصحاب الاملاك والاموال  من العوائل العراقية الغنية المتحضرة . إضافة الى مارتكبه من جرائم جماعية  بشعة ضد شعبه تحمل الجزء الاكبر منها الشيعة والاكراد،  يضاف الى ذلك طبيعة العلاقات المتوترة والمتشنجة التي تسبب بها مع العديد من  الدول العربية ( الكويت ، السعودية ، مصر ،سوريا ) او مع ايران و بعض الدول الغربية الكبرى  .
الزمن العصيب
وليزداد بعد ذلك  وضع العراق بعد دخول الاميركان وسقوط نظام صدام   سوءاً بعد سوء ويغرق في ازمنة مظلمة مهلكة اكثر مما كان عليه قبل التاسع من نيسان عام 2003 ، ولتكون الفرصة سانحة اكثر من ذي قبل لكل القوى المتطرفة والمتخلفة  في المنهج والفكروالعقيدة قومية ودينية  لكي تصحو مرة اخرى من نومتها وغفوتها  لتنتعش وتحيا وتتسع وتتاجر بالدين والطائفة والعِرق والنسب والقبيلة والدم ، بعد ان تغلّف تخندقاتها الضيقة  تلك  بشعارات وطنية فضفاضة زائفة، وليدخل مستقبل بلد مهم وعريق وغني مثل العراق في زمن عصيب  غامض مقلق ٍ مرعب غير مطمئن ، بات العراقيون فيه بعد العام 2003 مهددين بحياتهم وارواحهم وامنهم ومستقبلهم في كل لحظة وأمسى بلدهم ساحة لصراعات دولية واقليمية لايدفع ثمنها الباهض سوى المواطن العراقي بدمه وامنه ومستقبله ، وليصبحوا في مقدمة  الشعوب التي تقف طوابيراً  امام ابواب مفوضيات شؤون اللاجئين  في العديد من دول العالم طالبة  اللجوء الانساني  وهذا ماأقرته احصائيات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين خلال الاعوام الثامنية الماضية ، إذ وصلت اعداد الذين  خرجوا هاربين منه  بسبب الاوضاع الامنية المتردية والظروف المعيشية السيئة  الى اكثر من خمسة ملايين شخص . 
سؤال واحدٌ لاغير   ؟
وهنا يبرز سؤال يتكرر طرحه بأشكال وصيغ مختلفة من قبل اوساط مراقبة مختلفة ومتنوعة  :
من يتحمل مسؤولية  ماجرى يجري هذه الايام  من احتجاجات وانتفاضات واحداث تتسم بالعنف والدموية ويسقط جراءها يومياً العديد من القتلى والجرحى في معظم البلدان العربية دون استثناء من المحيط الى الخليج  ؟ من أوجد الارضية الخصبة لكل هذا التوتر والتشنج والانفجار في الشارع العربي   ؟ من  كرّس شعوراً دائماً بالانكسار والضعف والهزيمة  لدى الفرد العربي؟ من أورث  المجتمعات العربية هذا المستوى المفجع من الفقر؟ من دحس في ادمغة الناس البسطاء  بشعارات وطنية براقة تنادي بالوحدة والحرية والاشتراكية لعقود طويلة ولم يحقق منها شيئاً ؟  من باع ثروات ألبلاد الوطنية بثمن بخس لشركات ودول اجنبية لأجل ان يتنفع هو لوحده مع اعوانه وازلامه من تجار ورجال اعمال ولصوص كبار ويحرم الشعب من عوائدها ؟ من حرم اولاد الفقراء  من التعليم ؟ من اسكنهم علب الصفيح والمقابر وبيوت الطين ؟ من اعطى الفرصة سانحة سائغة  للهمرات والدبابات والطائرات والبارجات والقاصفات الامريكية والصهيونية والغربية حتى تقصف وتدك بيوت  الناس على رؤوسهم ؟ من سمح للجندي الاميركي ان يهتك بابشع صورة شرف الابناء  في سجن ابي غريب ويهزأ امام العالم  بكرامتهم  ؟ من قتل الشاب المصري خالد سعيد في مصر؟ ولماذا ضرب ؟ وبأي حق ؟  من الذي  دفع الشاب التونسي البوعزيزي لان يبيع الخضروات على عربة  يدفعها متنقلاً  بين الدروب والشوارع وهوالقروي الفقيرالذي كان قد تمكن بجهده وكفاحه بعد سنين طويلة  قضاها في تلقي العلم على مقاعد  الدراسة  من الحصول على شهادة جامعية ؟ من اوصله الى حافة اليأس من هذه الحياة بعد ان كان قد عجز عن الحصول على وظيفة بسيطة تليق بشهادته الجامعية ليقرر بعدها الخلاص من ذل الحياة  في وطن اهانه وذله ومسح تعبه وجهده وكرامته ومرّغها بالوحل  ؟ من قاده الى وسط الشارع ليصرخ بأعلى صوته محتجاً وغاضباً وحانقاً عندما وجد السلطة مازالت صماء بكماء عمياء عنه وعن كل المواطنين الذين كانوا قد تجمعوا حوله وصاروا يرددون خلفه  الهتافات والشعارات المنددة بالسلطة ؟ من  أوقد في جسده النارواحرقه ليموت من الحسرة والكمد ؟ من الذي كان قد تسبب في اصابة الشاعر المصري نجيب سرور  بالكآبة والجنون والتشرد  وهو الذي يعد واحداً  من اهم الشعراء الذين انجبتهم مصر مابين  العقد السادس والسابع من القرن العشرين ؟ من يقف وراء اختفاء اي اثر للمفكر العراقي  الكبير عزيز السيد جاسم بعد اعتقاله  في مطلع تسعينيات القرن الماضي ؟ من بنى سجوناً ومعتقلات سرية حتى يسحق في ظلمتها ابناء الوطن الشرفاء ؟ من بنى غرفاً للتعذيب تحت الارض في الجادرية وقصر النهاية وسجن بادوش وابوزعبل وليمان طره ؟ من كافأ سراق قوت الشعب والمال العام بالعفو والمغفرة ثم الترقية والتكريم ؟  من حرم الشعوب العربية من التنعم بثرواتها كبقية شعوب الارض وبددها في بناء جيوش جرارة عاجزة عن تحرير ولو شبر واحد من الاراضي المغتصبة؟ من تسبب بكل هذا الارث  المفجع والمخزي ؟ أليس القادة والزعماء والملوك العرب ومعها الاحزاب الحاكمة منذ العقد الخامس في القرن العشرين حتى الساعة  ؟
هل مازالت الفرصة قائمة ؟
آن الوقت أن ُتزاح  تلك القوى المتحكمة المتغطرسة المتجبرة المتخلفة الجبانة الهشة الضعيفة المريضة العاجزة الشائخة عن واجهة المشهد ، وأن لايسمح لها ابداً ان تأخذ فرصة اخرى في الطموح والصعود الى الحكم مرة اخرى ذلك  لانها فشلت في التجربة تماماً  واستنفذت كل الفرص التي اعطيت واتيحت لها ولم يعد ممكنا القبول بها وبمسمياتها وافكارها وشعاراتها وعقائدها بعد ان تركت لنا وللاجيال التي ستأتي ومن سيقود البلاد بعدها ارثاً ثقيلاً ومعقداً.
ان على البعض من تلك القوى الحزبية والسياسية العربية  التي كانت في يوم ما صادقة ونظيفة في مبادئها وتطلعاتها الثورية والقومية في لحظة من  لحظات بدايات نشؤوها وتأسيسها قبل اكثر من نصف قرن قبل ان تصل فيما بعد الى سدة الحكم وتربعت على عروش وكراسٍ عقوداً طويلة  يتوجب عليها إذا مارادت واصرّت ان تبقى في المشهد :  ان تنزوي بعيداً مع ذاتها لفترة ما تطول او تقصر حسب ماتقتضيه المراجعة مع النفس  والتحديق ملياً فيها ، وان تواجه  بكل شجاعة وصراحة ماضيها وتجربتها وافكارها ، وتنقد نفسها بنفسها،  وتتنازل بإرادتها طائعة مرغمة عن تعنتها ومكابرتها ، وتكشف اخطائها وجرائمها علانية امام نفسها وامام المجتمع ، وتقدم اعتذاراً صريحاً وواضحاً عما ارتكبت من اخطاء  بحق شعبها .
وفيما لوفعلت ذلك يمكن لها ان تعطى  هي لنفسها فرصة اخيرة لصياغة وعيها من جديد ، وفهم الواقع الذي تنكرت له على حقيقته الناصعة بكل متغيراته وملامحه وقواه التي كانت قد غفلت عنها وتجاهلتها عن عمد ٍ وغباء ٍ وغرور في آن واحد ، حتى تخرج برؤية موضوعية سليمة وواضحة ، تمكن المجتمع بقواه الفاعلة والمتعددة من القبول بها بين صفوفه ومكوناته المتنوعة .
وإن لم تفعل ماينبغي عليها ان تفعله وركبها  مرة اخرى العناد والغرور كما كانت عليه طيلة مشوارها معتقدة اعتقاداً واهماً  جازماً بصواب مسيرتها وعظمة ماأنجزه قادتها بينما هي تعيش الان لحظات قاسية تتجرع فيها مرارة الهزيمة والانهيار ، عندها ستكون قد حكمت هي على نفسها بالموت قبل ان يحكم عليها الناس والتاريخ . 





                                       مروان ياسين الدليمي
                                           
                                         


91
ماذا بعد تسعة اعوام على سقوط نظام صدام  ؟

دخل العراق في عامه التاسع بعد سقوط نظام صدام حسين . . إذن هي تسعة اعوام مرت على شعب كان يغفو كل ليلة بعد نهار شاق وطويل معبد بالمفخخات والخطف والبطالة على املِ ِان يصحو على غد ٍجديد ٍيبعث فيه الشعور بالاطمئنان في وطنه بعد ان وجد الحالة المزرية والبائسة التي طالما حلم بزوالها عقوداً طويلة لم تتغير، وبقيت الاوضاع الانسانية فيه متردية كما كانت عليه قبل التاسع من نيسان عام الفين وثلاثة ، بل ازدادت سوءاً يوماً بعد اخر وعاماً بعد اخر .
ان تجربة التغيير السياسي التي حصلت في العراق بعد ان تمت ازاحة نظام البعث الذي امتد حكمه لأكثر من خمس وثلاثين عاماً. كان معولاً عليها ان تحدث تغييراً جذرياً في المسار السياسي لبلد مهم مثل العراق ظل لاكثر من من نصف قرن بعد سقوط النظام الملكي عام الف وتسعمئة وثمانية  وخمسين خاضعاً لإهواء ِوامزجة ِحفنة من الزعماء العسكر الذين كانوا قد جاؤا الى سدة الحكم  اثر انقلابات عسكرية قاموا بها . ولم يقدم اولئك القادة  طيلة حكمهم اي مشروع تنموي تستثمر فيه طاقات البلاد ارضاً وثروات وشعباً . بل على العكس من ذلك ذهبت كل الثروات هباءً في بناء ترسانة عسكرية اثقلت اقتصاد البلاد وتسببت في افقار شعبه وحرمانه من ابسط حقوق العيش الكريم .
كان من الطبيعي ان يشعر المواطن في العراق بالكثير من الفرح والتفاؤل وهو يستقبل سقوط النظام السابق الذي تسبب في تدهور اوضاعه وحِدة معاناته وبؤسه الانساني عندما كان قد اغرقه في سلسلة طويلة من حروب مهلكة ،كلفته الكثير من دماء ابنائه ،اضافة الى الغياب التام لحرية التعبير والرأي .

كان العراقيون يتوقعون ان يشهدوا عهداً جديداً يقفون فيه على درجة واحدة مع بقية الشعوب التي تنعم بالحرية ، اضافة الى الرفاه الاقتصادي الذي كانوا قد حرموا منه طيلة عقود طويلة .. فهل تحقق كل الذي كان يتمناه المواطن العراقي ؟
ان الاجابة على هذا التساؤل تقتضي الدقة والموضوعية والانصاف في رؤية ماتحقق على الارض ومالم يتحقق وينبغي هنا الاشارة الى الاسباب والظروف التي احاطت وتحيط التجربة السياسية الجديدة في العراق وتشكل تحدياً لها .
 فليس من الانصاف القول بفشل التجربة كاملة والشطب عليها دفعة واحدة  فيما لو اردنا ان نتقصّى تفاصيلها بما لها وماعليها من نجاح او فشل .
علينا ان نقر هنا اولاً ومن حيث المبدأ : ان نظام الحكم الجديد في العراق من حيث الشكل والمحتوى هو الافضل والاصلح للعراق ولمستقبله السياسي اذا ماقورن بما سبقه من انظمة حكمته منذ تأسيس الدولة العراقية .  فهذا النظام الجديد يقوم على مبدأ جوهري واساسي في النظام الديموقراطري  هو التدوال السلمي للسلطة  وفق آليات شكلٍ سياسي ديموقراطي تعددي برلماني قائم على منظمومة دستورية  تم الاتفاق والتصويت عليها من قبل الشعب . رغم العديد من الملاحظات السلبية  التي سجلت على الكثير من فقرات هذا الدستور  ودعت ومازالت اصوات قانونية واطراف حزبية الى ضرورة تغييرها واعادة صياغتها .
كما ان هذا النظام قد اتاح للعراقيين الفرصة للتعبيرعن افكارهم وارائهم السياسية بعد ان كانوا قد حرموا منها لعقود طويلة ، وبات امام العراقيين فرص واسعة للاطلاع على كل مايدورحولهم داخل وخارج البلاد بعد ان كانوا معزولين تماماً عن كل مايجري من حولهم، ولم يكن يصلهم سوى صوت النظام السياسي واجهزته الاعلامية التي كانت تكذب في كل صغيرة وكبيرة . وتحرص على اخفاء المعلومات التي لها صلة بحياته ومستقبله . .
ولكن هذا لايعني بأن النظام الجديد قد خلا تماماً من هذه السُّبة . ذلك لاننا مازلنا نجد الاعلام الرسمي المقروء منه والمسموع والمرئي يرتكب الاخطاء نفسها التي كان يرتكبها النظام السابق . فهو مازال يلجأ الى تجميل صورة الاداء الحكومي بكل اجهزته ويتغاضى عن الاخطاء والتجاوزات والمخالفات التي ترتكب من قبل طواقمه الادارية والمسؤولة ، وهذا ما  يدفع المواطن الى اخذ المعلومة والخبر الصحيح من قنوات اعلامية اخرى غير رسمية تتوفر فيها الكثير من المصداقية التي باتت تفتقدها الاجهزة الاعلامية الرسمية .
ان على النظام السياسي الجديد في العراق بعد تسعة اعوام على قيامه ان يعيد النظر في الكثير من سياسات اجهزته الادارية والامنية والاعلامية . بعد ان تراكمت الاخطاء تلو الاخطاء في التعامل مع كل ماله صلة بحياة وامن المواطن .
ان التجربة في العراق رغم كل الملاحظات التي تسجل عليها تعد الافضل من بقية البلدان العربية التي نشهد فيها هذه الايام ثورات عارمة تجتاحها دون استثناء، ويمكن القول عنها دونما تحفظ انها الرائدة في مسار التغيير والتحول نحو البناء الديموقراطي في شكل نظام الحكم . الذي طالما حُكِمَت بموجبه  شعوب المنطقة العربية عقوداً طويلة ، ولم ينجز ذاك النظام السياسي العربي التقليدي سوى الازمات والتخلف في شتلى ميادين الحياة .
ولكي يأخذ هذا النظام السياسي الديموقراطي الجديد في العراق الفرصة كاملة في التجذر والاستمرار بشكل صحيح وسليم ينبغي ان تكون الشفافية اولاً واخراً هي المنهج الذي تتمسك به الحكومات التي تتعاقب على حكم البلاد بعد كل دورة انتخابية . لان في ذلك سيمنح الحكومة ثقة المواطن بها . كما سيقطع الطريق على من يسعى لممارسة الفساد في اجهزتها ..
ان التجربة في العراق بأمس الحاجة الى تعميق الشفافية في ممارساتها ضماناً لنجاحها في كل الذي تخطط له لبناء العراق . كما يعني ايضاً هزيمة لكل القوى الداخلية والخارجية  التي تسعى لاجهاظ هذه التجربة .



                                              مروان ياسين
                                             9/4/2011

92
حوار مع القاص والروائي هيثم بردى .

كاتب أي نص، يتماهى فيه السارد والناقد ،ويتعّسس عليهما الرقيب.



يقف القاص العراقي هيثم بردى في أزمنة تنفتح على تتداخل وتشابك الواقع والحلم والافتراض داخل مشغله السردي ، منطوياً بمخلوقاته ومشغولاته على هاجس حميم يتوق فيه الى أن يمسك لحظةً من البياض تنهمر في فضائها براءة التجريب والدهشة،ولأجل ان نشهد على سيرة مفتونة بالاجتراح والتشابك والتجاوز والنسج الفني في ظلال السرد القصصي والروائي ، اجرينا معه هذا الحوار . 
-إذا أردنا أن نستكشف مفهوم القصة القصيرة الذي ينسج من خلاله هيثم بردى عالمه القصصي، فما الذي يمكن أن يقوله بهذا الصدد؟
 إن عالمي القصصي, حسب تعبيرك, مستلٌ قطعاً من الفضاء الواقعي, فالحياة زاخرة بثيم لقصص وروايات, فليس ثمة عالم متخيل أو افتراضي, ولكن الواقعي قد يتحول إلى مفترض من خلال قدرة القاص والروائي على الموائمة والاصهار بين العالمين, وبناءً عليه من الممكن أن يتحول النص السردي إلى مجرد صور شاحبة متعاقبة لمصور هاوٍ بذائقة مضببة يلتقط الحيوات بروح ناقلة ناسخة وبزوايا التقاط محنطة, أو يتحول إلى تهويمات متداخلة متداعية لا تفصح عن كنه وناسوت النص, فيتحول إلى فسيفساء سفسطائية لا معنى ولا قيمة له، وأيضاً قد يتحول النص, إذا أمسك القاص بأداته بحرفنة إلى كيان ينبض بالحياة يستدعي كل تقانات النص الحديث, إنني عندما أنسج نسيجي القصصي, لا أحاول أن أوازن العصا من منتصفها تعزيزاً للمقولة الشائعة: خير الأمور....؟ بل أُدخل الثيمة والوحدات الأرسطية في فرني السردي الخاص بعد أن أعززهُ بعناصر تؤازره وتعاضدهُ لتكوين بنيان قصصي يتشرب التجديد بنسب محددة تدفع بالنسيج إلى البهاء والسحر..
-أنت أيضاً كتبت القصة القصيرة جداً وقطعت شوطاً في هذا المضمار نصوصاً وبحثاً. فما الذي دعاك إلى أن تتبنى هذا النمط من الكتابة؟ وهل يمكن للقصة القصيرة جداً أن تستجيب لما يود قوله هيثم بردى أكثر من حقول سردية أخرى؟
كانت ومضة وامضة قدحت في الذاكرة فأضاءت المدى فوراً, وأكثر ما أدهشني فيها قصرها واكتنازها ولغتها المضغوطة الموحية ونهايتها الواخزة التثويرية, فأحسست أنني اجترعت فعلاًً عجائبياً أشبه بميتافيريقيا الميتافيزيقيا, ولم أتوقع أن قصتي الأولى (صدى) هي أولى لبناتي التي شيدت مع مثيلاتها اللائي خرجن من عتبة أخيلتي لاحقاً, دارتي الخاصة المتواضعة في مدينة القصة القصيرة جداً.
بالتأكيد, إن القصة القصيرة جداً أصعب وأعسر الأجناس السردية وهي ضمن مواصفاتها القابلة للتطور والنماء والتجدد تستجيب قطعاً لما أُريد قوله, فهي مذراتي التي تقتنص الزبدة (الحبة) وتبدد الزبد (القشة), وبأقصر معالجة فنية وأنسب المفردات التي تمخضت من ذائقتي, والتي لو أخضعناها للبؤرة المشعة اللاّمة فإننا نجدها فضاءً وسيعاً يستدعي تبئيرها بأقصى ما تكتنزه من خصائص وسمات لا يتوشح بها أي جنس آخر.
-من أين جاء التجنيس للقصة القصيرة جداً لدى هيثم بردى؟ هل بفعل التجربة الكتابية الذاتية، أم من خلال الحس النقدي الذي تمتلكه؟ أم وفقاً لقياسات واشتراطات عالمية؟
كاتب أي نص, يتماهى فيه السارد والناقد ويتعّسس عليهما الرقيب, فهو حين يكتب نصه يكون الرقيب فيه جالساً على يمينه يراقب إبداعه ويتسّقط التابوات التي يخط عليها بمداده الأحمر ليبتر ويطفئ جذوة الإبداع في نصه, وحسه النقدي على يساره يلعب مع الرقيب لعبة التخفي, وبين صرامة هذا وبداهة ذاك ينبني نص يسعى نحو التكوين.
-الملاحظ أن الكتابات القصصية القصيرة تنحو باتجاه التجريب والشكلانية إلى حد كبير في مجال اللغة خصوصاً إلى الحد الذي تختفي الأفكار وتضيع في مشغل اللغة العالي الذي يبدو واضحاً في بناء شكلانية القصة القصيرة. ألا يدعو ذلك إلى انحسار القراء عن هذا الفن؟
ما كان بدهية قبل ستة عقود أو سبعة, صار الآن بفعل فعالية وتوالي الزمن الفائت وبتعاضده مع الزمن القابل في ذاكرة الزمن, فان اليوم الذي تصرّم قبل العقود السبع كان يختزن حيوات ورواسخ ونظريات خضعت للتطور أو حتى للتغيير, وفقاً لتقادم السنين, فلا عجب إذن أن تظهر خلال هذه الفترة اصطلاحات وتنظيرات ورؤى تحاول أن تشطب أل: ما قبل وتبشّر بـ أل: ما بعد... فالمدارس النقدية التي كانت تتبنى الشكل والمضمون وتعتبرها مدرسة راسخة، تقوضت تحت سطوة معاول المدارس النقدية الجديدة, وهذه المدارس لم تأت من فراغ بل هي خلاصة مخاضات وتبرعمات لتلك الرؤى النقدية, وبهذا فإن هيمنة التجريب والشكلانية – حسب قولك -, والكائن المنتفض المتولد من ذاته بكل عنفوان, ... وأقصد به اللغة, هو الوليد الشرعي والمنطقي لتينك المدارس النقدية, وأن البنيان السردي المشّيد من لغة مشفرة موحية جزلة متشابكة, وبتشكيلٍ عالٍ من البناء السردي واللغوي يشيده بّناء محترف. يكون الناتج تحفة فنية راقية.
أما ما يتوفر من تلك اللبنات إلى سارد (بنّاء) لا يخلط أولياتها حسب القياس, فان ما تخرجه أصابع ذاكرته تسيء إلى اللغة باعتبارها الأداة الرئيسية المهمة والخطيرة التي يبنى عليها النص, فتكون دارته السردية مجرد بهرجة وسفسطة وغموض, تماماً مثل طلاء فاقع متداخل بنسب لونية متنافرة لدار سكنية يملكها إنسان لا يفهم التناغم الهرموني للألوان.
 وفي المحك, ...إن النص السردي المبني على لغة وحبكة متينة وبتشفيرٍ عالٍ, وإيحاءٍ زاخر, لن... ولن ينأى عنه المتلقي الذواق المثقف.
-ما هي مصادر قراءاتك، ولمن تقرأ عراقياً وعربياً وعالمياً؟
لأكثر من مرة أسأل هذا السؤال واحتار في الإجابة, فالمفاضلة والنسبية والإطلاق لا مكان لها في أجندة ذاكرتي, فإنني أقرأ كثيراً أية ورقة مطبوعة أو مجلة قديمة أجدها عند الحلاق, أو في صالة انتظار عيادة طبيب, أو صحيفة مدعوكة على أرضية مرآب, أقرأها حتى لو كانت عن الأبراج. فضلاً عن قراءاتي المنوعة المتعددة, فالقاص والشاعر والناقد والروائي ...الخ, الذي يقرأ فقط كتب القصة والشعر والنقد والرواية, تاركاً القراءات الأخرى الموزعة على مشارب المعرفة, يكون نتاجه شاحباً قاصراً قميئاً.
إني اقرأ الأدب والفلسفة والفن وعلم النفس والاجتماع وأي كتابٍ يضيف إلي رصيداً وزاداً معرفياً جديداً, وفي باب الأدب, القصة والرواية تحديداً أُحاولُ أن أحيط بكل ما يصدر فيها عراقياً وعربياً وعالمياً (من خلال الترجمات), والنتاج الجيد المميز يفرض حضوره في الذاكرة, إن كانَ لقاصٍ أو روائي يمتلك تجربة بعيدة في الكتابة أو لقاصٍ أو روائي شاب واعد.
-كيف تفهم الحرية كشرط إنساني للحياة، وكيف تتعامل مع الحرية إبداعياً؟
الأديب بصورة عامة, مهما تمتع بالحرية يربض في ذاكرته شرطي... ربما لا تكون وظيفته اشتراط الممنوعات وتصفيد الذاكرة, قدر ما تكون البصبصة الدؤوبة التي تشعر الأديب بأنه مراقب دوماً, وتأسيساً على هذه الصورة المفترضة قد يغيب التعامل الشفاف مع الحرية كمفهوم في رقعة الفعل السردي بحيث أن الإفراط في تعاطيها قد يسيء كثيراً إلى النص تماما مثل الذي يغمض ذائقته عن الكثير من أساسيات التعامل الحر مع الثيمة والموضوع, والذي يسيء بالتالي إلى النص.
-هل يمكن للقاص هيثم بردى أن يضعنا أمام نماذج من التحولات الفنية في القصة القصيرة: عراقيا عربياً سريانياً؟
منذ البواكير وحتى آخر قصة نشرت اليوم أو ستنشر غداً, خضعت القصة العراقية إلى تحولات جوهرية دفعت بالإبداع إلى التجديد, فإذا تقصينا وبحثنا مراحل التحول نجد قدحتها الوامضة الألقة في الخمسينات من القرن الماضي حين تفيأ القص العراقي الواقعية الانتقادية واحتداماتها وإرهاصاتها وشواهدها.
ومن ثم حدثت الثورة المضادة, إن جاز التعبير, فظهر جيل حمل على منكبيه راية المغامرة والمغايرة والمغادرة, وترك بصمته وأثره, وربما لحد كتابة إجابات هذا الحوار, في الأجيال اللاحقة... ثم عادت الواقعية بسمتها الاشتراكية في السبعينات وأفرزت جيلاً محدوداً, تحول فيما بعد, في العقد الثمانيني إلى الواقعية السحرية التي سحرت القاص العراقي والعربي لمدة عقدين من السنين, والآن... وبعد الألفية الجديدة, يحاول القاص الجديد والواعد والمكرّس والمخضرم أن يكتب قصته التي تشير إلى عراقيتها... وما ينطبق على القاص العراقي ينطبق أيضاً على القاص العربي بنسب تتوائم مع معطيات الواقع وإفرازات هذا الواقع, رغم التماثل الجيوغرافي والطوبوغرافي مع العراقي.
أما القصة السريانية, فاني وبعد تقصٍ معمق وشبه مكتمل لما ينشره القاص العراقي السرياني, فان الأمل لا يزال قصياً يربض في إدراج الأفق البعيد.
-كيف كنت تنظر إلى الواقع فنياًَ وأنت تستعين به تجربتك السردية؟
ثمة تواشجات عديدة ومتنوعة تحصلت بين الواقع والفن بكافة أطيافه ومنها الأدب القصصي والروائي, وتشكلت مدارس رسخت اصطلاحاتها المندرجة تحت لواء المدرسة, فهناك الواقعية النقدية والواقعية الاشتراكية والواقعية السحرية, وقد تظهر الواقعية المستقبلية والوحشية والرمزية... الخ, والواقع يشكل الثيمة الرئيسية لبنيان كافة المدارس, وما يختلف فيها هي زاوية التناول.
-ما الذي يشغلك في الكتابة، اللغة أم المعالجة أم الشكل؟ فيما إذا لو أردنا أن نتعرف على منظورك ألتقييمي إلى هذه القيم والعناصر الفنية من حيث أولويتها أو من حيث مفهومك عنها المنعكس في كتاباتك؟
الذي يولي اهتمامه للغة فقط, ويهّمش المعالجة أو ينأى عن الشكل, تكون نظرته للأدب كحالة توليد إبداعي قاصر يستمد هويته وكنهته من جزء من تلك الينابيع, أما الذي يقوم بتبئير تلك الأسانيد والعناصر وأعني بها أدوات الإبداع, ينبثق نص يحمل سمات النضوج لا ينظر إلى كميات وأوزان المواد الأولية التي دخلت في تكوينه, بل ينظر إليه كنسيج مترابط متمازج متماهٍ.
-هل تبحث عن هوية وأنت تكتب؟ وهل من شكل وإطار لتلك الهوية التي تبحث عنها؟ والهوية هنا فيما يتعلق بالجانب الإنساني والجانب الفني والمعرفي كذلك؟
عندما نقرأ نصاً أدبياً, شعرياً كان أم سردياً, غفلاً عن اسم مبدعه, وتعرف كاتبه أو ناظمه من خلال (النص) فتلك ميزة تسجل لصالح النص وواضع النص, فبذا يكون لواضع النص هوية, والهوية في تقديري تترسخ مع تعمق التجربة, والمبدع – يقيناً – يحاول أن ينشئ إطاراً لصورته وكينونته الإبداعية, وبناءً عليه, فإننا لو قرأنا رواية (صورة دوريان جراي) في أية صورة مقاربة تبغي التعمية دون أن نضع على غلافها اسم الروائي, لن يغادرنا اليقين قط أن واضعها هو أوسكار وايلد, ولو قرأنا (ليس لدى الكولونيل من يكاتبه) سيترادف فوراً اسم ماركيز, وكذلك لو قرأنا (ملحمة الحرافيش) فان نجيب محفوظ سيتأصل في ذاكرتنا, وعندما أسس هؤلاء والمئات من المبدعين الآخرين لهوياتهم الخاصة, ما فعلوا ذلك بتبني جانب وترك الجوانب الأخرى, فلو فعلوا هذا لما كان وايلد وايلداً, وماركيز ماركيزاً، ومحفوظ محفوظاً, ولما تحولوا إلى رموز وطواطم في الأدب السردي العالمي.
واني – وبتواضع غير مصطنع – أحاول أن أُشَّكل هويتي الخاصة التي تشير إليّ, وعندما أفلح أكون قد حققت المرتجى: الهوية, وعندما أفشل يكون لي شرف المحاولة.
-بعد التجارب العديدة التي اشتغلت عليها وأنتجتها في ميدان السرد القصصي، ما الذي يشغلك سردياً؟
-تشغلني جميعها, فاني حالياً مواظب على كتابة سيرة قصصية للأطفال, ولي في المطابع مجموعة قصص قصيرة, ولازلت أكمل روايتي الجديدة, ولكن القصة القصيرة جداً تبقى ساحرتي الأزلية, فهي تملكتني قبل ثلاثة عقود ونيف, وستبقى آسرتي الجميلة, وإنا أتمتع بفراديسها الرائعة حتى تشرق فيّ آخر شهقة.



                              مروان ياسين الدليمي

93
ألأم   . . غيابٌ بشكل حضور . 

قد يكون يوم 21 من شهر اذار مارس من كل عام الذي هو مناسبة الاحتفال بعيد الام  في معظم ارجاء العالم من اكثر المناسبات الاممية التي تستحق منّا ان نتوقف عندها بأجلال وقلوبنا تفيض بمشاعر محبة صادقة وعرفان لاحدود له تجاه الأم التي هي رمز مطلق للعطاء دون ان ينازعها على هذه المكانة اي رمز اخر ، ولاأحد يمكن ان يدانيها في هذا العطاء .


في التاريخ المعاصر للمنطقة كانت جمهورية مصر العربية هي اول دولة اتخذت من هذا اليوم عيداً رسمياً بعد دعوة كان قد وجهها الصحفي الشهير علي امين من خلال الصحيفة التي كان يرأسها عام الف وتسعمئة وستة وخمسين . طالب فيها المجتمع بكل فعالياته السياسية والثقافية اضافة الى مؤسسات الدولة الرسمية الى ضرورة ان يكون هنالك يوم واحد من ايام السنة يخصص للاحتفال بالام من قبل المجتمع بما يليق بمكانتها ودورها الحيوي والاساسي في بناء الحياة الانسانية . وبعد تلك الدعوة التي لاقت في حينها  ترحيباً وقبولاً من قبل كافة الجهات المعنية في المجتمع، تم الاتفاق على ان يكون يوم الواحد والعشرين من شهر اذار مارس هو اليوم الذي يحتفل فيه رسمياً  بالأم .


منذ العام ستة وخمسين ونحن نحتفل بهذا اليوم اعترافاً منّا بقيمة هذا الكيان الانساني والاجتماعي الذي كان سبباً في وجودنا وسعادتنا ونجاحنا والمكانة التي وصلنا اليها . اذ لولا التضحيات التي قدمتها الأم من اجلنا من اجل أن   نحيا بسلام بعيداً عما يؤذينا وماقد يصيبنا من شرٍ في هذه الحياة التي تعج بالصراعات والافخاخ التي تنصب في طريق الانسان اينما سار وحط الرحال ، فلولا حرصها هذا علينا لما كنا ننبض بالحياة وماكنّا كما نحن الان ننعم سعداء بنعمة الحياة .

لو تأملنا مسيرة كل الرجال العظام الذين مروا في تاريخ البشرية لوجدنا ان لشخصية الام في تلك المسيرة كان الدور الاكبر فيما وصل اليه اولئك الرجال العظام الذين لعبوا دوراً كبيراً ومتفرداً في توجيه مسار التاريخ والشعوب في لحظات معينة منه . فكان دور الام في بناء تلك الشخصيات امراً لايمكن المرور عليه بشكل عابر  بعد ان  كان لها الفضل الاول في بناء منظومة الاخلاق والقيم النبيلة التي كانت قد زرعتها في الاعوام الاولى من طفولة تلك الرموز . فكانت الدافع الاساس الذي إستندت عليه في رؤية الغد بالصورة التي كانوا يحلمون بيها ، وإصرارهم على تحقيقها مهما بدت في نظر العامة بعيدة المنال .

وبعد هذه الاعوام التي مرت علينا ونحن نحتفل سنوياً بعيد الام افراداً ومنظمات مدنية ومؤسسات وهيئات حكومية . هل كنا منصفين تماما معها؟ هل اعطيناها ماتستحقه من مكانة وحقوق ورعاية انسانية واجتماعية تليق بها ؟ هل وفرنا الارضية القانونية والتشريعية في دساتير البلاد عبر تشريع جملة من القوانين التي تحفظ لها هيبتها وكرامتها وانسانيتها بعد ان تكون قد وصلت الى مرحلة متقدمة من العمر تبدو فيه عاجزة عن مساعدة ورعاية نفسها ؟ هل بنينا مؤسسات حكومية تتمتع  بضوابط متحضرة ومتقدمة توفر الفرصة للامهات  اللائي يجدن  انفسهن ــ بعد رحلة كفاح طويل مع الحياة من اجل الابناء ــ وحيدات مشردات بعد ان يتخلى عنهن الابناء والبنات ماأن  يشتد ساعدهم ليمضي كل منهم الى غايته دون ان يلتفت ايّاً منهم  ولو بنظرة عطف او لمسة حنان او كلمة طيبة الى من كانت قد افنت عمرها لاجله . 


ان المجتمعات العربية والشرقية بشكل عام لم تصل فيها الفعاليات الاجتماعية والسياسية الرسمية وغير الرسمية الى تلك اللحظة الناضجة والمسؤولة التي تقدر فيها حق التقدير مكانة الام ، ولم تقدم ماينبغي عليها ان تقدمه من اجلها ، فهي غائبة تماماً عن كل مشاريعها وبرامجها التي تروج لها وتسعى لتحقيقها، وحتى لو وردت بشكل عابر في واحدة من تلك المشاريع فأنها لن تكون سوىّ فقرة دعائية غايتها خداع العامة من بسطاء الناس، ليتم استثمارها في تحقيق مكاسب لاصلة لها بقضية الام وانصافها .

اننا بهذه المناسبة نتوجه بالدعوة الى كل الجهات المعنية الفاعلة والمسؤولة في المجتمع العراقي الى النظر بجدية لمكانة الام والعمل بشكل فاعل لسنِّ القوانين والتشريعات التي تهيىء الارضية والمناخ الملائم لوضع الأم في المكانة والزمن الذي ينصفها ويرعاها بالصورة التي تليق بها ،وفاءً لها  بمااعطت وانجزت لنا دون ان تطالبنا بحقها . وإن بقينا على هذا الفهم القاصر والجاحد تجاهها فان صورة المجتمع الذي نسعى لبناءه لن تكون مطمئنة ولن توفر الفرصة الطبيعية لنشؤ مجتمع جديد قائم على الوفاء .                                 







مروان ياسين الدليمي



94
لُعبة الازمنة . . في العرض المسرحي الكوردي إغماضة عين .
النساء يفرشن اجنحتهن على فضاء الوجع .



هنالك العديد  من نقاط التشابه والتماثل في مناطق الاشتغال الاسلوبي  وفي منظومة المنطلقات النظرية التي أطّرت  المسار الفني لكل التجارب المسرحية التي احتشدت على خشبة المسرح في اقليم كوردستان . ويمكن القول ان المسرح الكوردي بدأ متأثراً بشكل واضح بطبيعة التوجهات الفنية التي مرت على المسرح العراقي اكثر من تأثره بأي منطقة جغرافية اخرى تجاوره . هذا التوصيف النقدي ينطبق على مجمل النتاج المسرحي الكوردي منذ خطواته الاولى التي تزامنت مع بدايات المسرح العراقي في مطلع القرن العشرين .

رؤية تجريدية

الموسم المسرحي الجديد لمديرية الفنون المسرحية التابعة لاقليم كوردستان لعام الفين واحد عشر ،ابتدأ بمسرحية  جديدة للمخرج( محمد جميل)  عنوانها  ( إغماضة  عين ) وهي من تأليف بينتر سنوسن. وتمثيل : دلفين محسن ، ساية حسين ، روجين ، تم تقديم العرض على خشبة مسرح قاعة الشعب في منتصف شهر كانون الثاني الماضي .
اعتمد العرض المسرحي على ثلاث شخصيات نسائية محورية استحوذت على مساحة واسعة من رقعة وزمن الاحداث ،ليتشكل العرض في بنائه على رؤية تجريدية في معالجة موضوعة واقعية تتعلق بثلاثة شخصيات نسائية تعيش وضعاً انسانياً مأزوماً.
 نص العرض  اعطى اشارات واضحة تشير الى بيئة اجتماعية شرقية  محددة ،وفي اطار واضح  لزمن معاصر يحيط بتلك الشخصيات ،التي كانت تعاني من انتهاك ً لاحلامها وهواجسها،  التي بقيت مكبوتة في دواخلها  لتستحيل بالتالي الى كوابيس تنحو بها في لحظة ما نحو الانحراف . . 

دلالات التشفير  
الفن بشكل عام ماهو الاّ محاولة من الفنان الى تمثل تجربة حياتية في سعي منه الى اعادة اكتشافها ومحاولة فهمها للوصول الى تحديد دلالاتها القيمية . وعليه فأن التجربة الفنية ليست الاّ تشكيل نسقي رمزي يصوغه الفنان بناءً على اقامة علاقة جدلية مابين الحاضر /الماضي ، المرئي / غير المرئي ، المبدع / المتلقي . . ومن اجل ايصال هذا الجدل القائم فيما بين التجارب الفردية ، والافكار التي تنصهر في ذوات الشخصيات النسائية الثلاث ،  اعتمد العرض على لعبة فنية  تتبادل فيها الشخصيات الادوار فيما بينها  ضمن اطار الحدث الرئيس الذي تتحرك فيه  ليتم من خلال هذه اللعبة  الوصول الى طبيعة الاحباطات النفسية والاجتماعية التي تلقي بظلالها الثقيلة عليهن .
المخرج محمد جميل كان مدركاً لطبيعة الاطار الفني الذي ينبغي عليه ان يتحرك في فضائه العرض ، منطلقاً من نظرية مفادها  ان الشكل الفني لايمكن فصله عن المضمون،  ولان العمل الفني تجربة حية متكاملة ومتوحدة مابين  الشكل والمضمون وأن الجدل هو الذي يحكم تفاصيل هذه العلاقة . ولان غياب هذا التناول والفهم الجدلي يحيل التجربة الفنية الى تجربة ميكانيكية لانبض فيها .  من هنا جاء  البناء السينوكرافي  لهذا العرض معادلاً صورياً بُنيت علاماته على فهم واضح لطبيعة الصراع القائم في موضوعة العرض والقوى التي تتحكم بآلياتة واتجاهاته ، ومن اجل  تحقيق هذه  الرؤية عمد المخرج الى استثمار دلالات  ليست مألوفة في انتاجية العروض المسرحية العراقية والكردية معاً ، هما مادتي (ورق الصحف ،و مادة النايلون الشفاف )،فهاتان المادتان  لم يتم استثمارهما بشكل استهلاكي في تأسيس الدلالات التشفيرية للعروض المسرحية العراقية  بشكل عام ، على الرغم من استخدامهما في عروض تُعد ُّعلى اصابع اليد كان قد شهدها المسرح العراقي في فترات متباعدة سواء في معهد الفنون الجميلة او في كلية الفنون الجميلة   .
  المخرج محمد جميل شاء أن يغطّي  مقدمة المسرح واطاره وسقفه الامامي  بورق الصحف ليشيرمن خلال ذلك  الى تقاطع الواقع بكل احباطاته مع ما يكتب في الصحف من اخبار لاتشيردائماً  الى مايخبئه من اسى وعنف ، ولكي يعمّق هذا المدلول ، فاجئنا اكثر من مرة باندفاع كائنات مرعبة غير ادمية  من تحت الصحف التي تغطي ارضية المكان التي تحيا عليها الشخصيات ، وجاء خروجها عنيفاً وصادماً في زمنين اثنين : الزمن الذي يمرُّ عسيراً على الشخصيات،  وزمن اخر نطل من خلاله نحن المتفرجون على مايجري امامنا ، لنتوحد بالتالي مع شخصيات العرض  في لحظة واحدة يتداخل فيها الحلم مع الواقع .
طاقة التأويل 
 ومن اجل ان المضي  بعيداً في تحقيق هذا التداخل أحال المخرج  مادة النايلون الشفاف لتكون طاقة تشفيرية يؤسس من خلالها هذه العلاقة  :   مابين الحاضر والماضي ، المرئي واللامرئي . .  اضافة الى هذه العلاماتية التي أشّرها المخرج بكل وضوح وشفافية، اراد ايضاً ان  يحدد للفعل الدرامي جغرافيته بشكل واضح،  ليتمكن من خلالها ان يشيرالى حضور الماضي بتفاصيل شاخصة ،تم تكثيفها  بدلالات ملموسة جاءت على شكل  (دمى، ومانيكانات،) عادة ماتستخدم في ميادين الرمي .
مخرج العرض المسرحي محمد جميل حاول ان يستثمر دلالة النايلون  بأكثر من مدلول مانحاً اياها طاقة تأويلية اخرجتها من سكونيتها المعجمية اخذاً بها الى تشظيات سيميائية اكسبتها مرونة تعبيرية ، من خلالها تمكن  من أن يوصل الى المتلقي جملاً مشفرة دون ان يلجأ الى التصريح بها مباشرة ، كما عودنا على ذلك المسرح التقليدي الذي عادة مايضيّق في فضائه مسار الحرية الابداعية أمام المبدع .
القدرات النسائية التي تولت مهمة تقديم  الادوار الرئيسية في هذا العمل اتسمت بأمكانات جيدة وجريئة في التعبير عن الافكار التي احتشدت داخل العرض . وإن كانت في مرحلة البناء الاكاديمي لقدراتها التعبيرية
( الصوتية والجسدية )  والتي تحتاج الى قدر من  الخبرة والاستمرار في العمل لكي تفصح عن نفسها بشكل افضل مستقبلاً  .





                             مروان ياسين الدليمي
                                    اربيل 


95
فاطمة الربيعي . . تسمو في اطراف الحديث

     "كنت اتمنى ان يتم تكريمي في العراق قبل اي مكان اخر" .

توقفت امام  هذه الجملة التي  قالتها الفنانة العراقية  فاطمة الربيعي اثناء حوار كان قد أجراه معها الاعلامي مجيد السامرائي ضمن برناج اطراف الحديث الذي بثته قناة الشرقية في ليلة يوم الاحد 6/ 3/ 2011 . .
الربيعي قالت هذه الجملة و كانت تبدو عليها حسرة واضحة في نبرة الصوت والتعبير والملامح علت وجهها المُعبّر دائماً عن الاصرار والتحدي والتفاؤل رغم السنين الطوال التي مرت عليها وهي تمارس بكل جد واخلاص العمل في الميدان الدرامي، مسرحاً وسينما وتلفزيون، دون ان تفكر ولو للحظة واحدة حسب ماقالت في ذلك الحوار أن تكسب من وراء عملها في الفن أيّة ثروة كبيرة كما هو الحال لدى زملائها في هذه  المهنة في معظم البلدان العربية والاجنبية .
ويكفيها فخراً انها كسبت من كل هذا الجهد وهذا الكفاح المضني محبة الناس ورضاهم عنها فقط ، رغم الخسارات المادية التي تكبدتها وهذا امرٌ لم يكن يعلم به احد طيلة مشوارها الفني الطويل الذي يمتد لاكثر من اربعة عقود ولم تكشف عنه سابقاً الاّّّّ في برنامج اطراف الحديث ،الذي عرفنا من خلاله  أنّ الربيعي سليلة عائلة ثرية جداً ، وقد ترك لها والدها مع اشقائها بعد وفاته قبل سنين مضت املاكاً واسعة،ولو كانت قد نالت نصيبها منها حسب مايقتضيه الشرع والقانون لأصبحت الان من طبقة الاثرياء والملاكين ، لكنها مع شقيقتها زهرة قد حرمتا من حقهما الشرعي بهذا الميراث من قبل  اشقائهما، لا لشيء الاّ لانّهما كانتا قد اصرّتا على المضي في مشوارهما الفني حتى النهاية ولم تستجيبا لرغبة اشقائهما بالتوقف نهائياً عن العمل مقابل الحصول على حصتيهما  ، ولو كان لهذه الفنانة الكبيرة وشقيقتها زهرة طمع في مال الدنيا لتخلتا تماماً دون لحظة تفكير وتردد عن الفن الذي لم يمنحهما شيئاً سوى محبة الناس،ولجلستا في بيتهما تنعمان بثراء واسع لن تنالا ولو بجزء بسيط منه حتى لو عملتا  بكل جد واجتهاد الى اخر لحظة من حياتهما في حقل الفن .
 مالذي دفعهما لان تضعا نفسيهما في مثل هذا الموقف الدرامي الذي لايليق الاّ بالابطال التراجيدين الذين قرأنا سيرهم في النصوص المسرحية الرومانسية عندما كانوا يجدون انفسهم في لحظة ما امام مفترق طرق يضعهم اما خيارين لاثالث لهما امّا الاندفاع وراء  مشاعر الحب النبيلة او الخضوع لسلطة الواجب الذي  تفرضه القوانين والاعراف الاجتماعية .لم يكن امامهما الاّ ان تختارا  الوقوف مع نبل مشاعرهما وعواطفهما بمواجهة تراجيدية ضد سلطة اعراف ٍمجتمعية ٍلامنطق يسندها  .
هكذا كانت فاطمة وزهرة الربيعي في مشوارهما الحياتي والفني. .  فأنت هنا امام انموذج الفنان المتصالح والمتطابق مع نفسه الانسانية ، ولن تستطيع ان تفصل مابين شخصية الفنان والانسان بعد ان تداخلا ببعضهما واصبحا وجهان لعملة واحدة .
 وبعد هذا الموقف المشّرف والمشرق الذي جاءت به هذه الفنانة الكبيرة فاطمة الربيعي لصورة وحقيقة الفنان وهو يعلو بأهدافه واحلامه الى مراتب تسمو به عالياً فوق مايسعى اليه عامة الناس في مجتمع عربي شرقي همُّهُ الرئيسي كسب المال والتمتع بالدنيا في ظل بحبوحة من العيش الهادىء مجتمع مازال يخضع تحت سطوة قوانين واعراف تنظر بازدراء واضح  لشخصية الفنان رغم الدور الكبير الذي يضطلع به باعتباره واحداً من ادواة الثقافة المهمة في عملية التغيير والبناء والتجديد في بنية وشكل الحياة ولتسمو به ايضاً فوق مايسعى اليه الساسة  دائماً من اعتلاء مراتب السلطة والوجاهة دون ان يقدموا شيئاً مفيداً لحياة ورفاهية شعوبهم .
دائما ماكان المجتمع في معظم فعالياته النخبوية يتعمد اذلال الفنان بتجاهله ، فهو غائب تماماً عن كل المشاريع التي عادة  ماتطرح بعد اي تغييرسياسي يحصل في اي بلد عربي ،  ولافرق في هذا الموقف  بين بلد مهم وكبير مثل مصر له تاريخ عريق في الحراك الثقافي والسياسي يمتد لعقود طويلة  وبين بلد اخر مازالت تحكمه الاعراف القبلية مثل اليمن او السودان او لبنان او العراق ، فالقادة والنخبة السياسية في كل البلدان العربية قاطبة ودون اتفاق مسبق  تلتقي جميعاً عند نقطة اذلال الفنان بتجاهله ، ومايؤكد هذا القول اننا لم نشهد حتى هذه اللحظة ان تم استدعاء اي نخبة من الفنانين من قبل قادة العهد الديموقراطي الجديد حتى يشاركوا جدياً في صياغة مستقبل اي بلد من تلك البلدان ! والعراق بعد التاسع من نيسان عام 2003 هو اقرب شاهد على مانقول، كذلك هو الحال مع تونس ومصراللتان  شهدتا بشكل متتابع تحولات سياسية جذرية مع مطلع العام 2011 في منظومة الحكم التي كانت تمسك بهما طيلة نصف قرن من الزمان  لتخرجهما من ظلمة مستنقع آسن ٍ  اساسه دكتاتوريات فردية عائلاتية حزبية شمولية فاسدة مجرمة متخلفة ،وانعطفت بهما هذه التحولات  الى اعتاب مجتمع آخر يقوم في جوهره على  تقديس الحريات المدنية ،وعلى عكس التصريحات والشعارات والحوارات والخطابات الرنانة المعلنة التي تمجد الحرية ، بدأنا نسمع ونشهد مواقف صادمة لعدد من قادة ورموز العهد الجديد في العراق تفوح منها بكل صراحة ووضوح رائحة مخيفة لاأشد منها تخلفاً الاّ جماعة طالبان في افغانستان،وقد خلّفت فينا تلك المواقف والتصريحات التي حرّمت تدريس الفن الموسيقى والمسرحي في المعاهد والكليات الحكومية مشاعر مختلطة مابين الحيرة والدهشة والخيبة، وبتنا نستشعر نواقيس الخطر وهي تدق معلنة الخوف على مستقبل الفن والفنان في بلد يحرص قادته في كل مناسبة يتواجدون فيها على اعلان تمسكهم الجاد والصادق  في بناء نظام ديموقراطي تعددي برلماني فدرالي يحترم الحرية والكرامة الانسانية بعد ان كان المجتمع والفرد معاً  قد حرما من كل هذه الحقوق  في ظل النظام السابق !.
ان الفنان العراقي بصورته المشرقة التي عبرت عنها  الفنانة فاطمة الربيعي بكل مسيرتها الفنية ، لاشك هو الان في  محنة  اكبر مما كانت عليه في العهود السابقة منذ تأسيس الدولة العراقية في مطلع العقد الثاني من القرن العشرين، لان مكانته ودوره في المجتمع  تتعرضان الى ازدراء واضح وكبير لم  يشهد له مثيلاً ، بل ان مايشهده الفنان خلال الاعوام القليلة الماضية من تضييق واضح للمساحة التي يتحرك فيها والخطوط الحمر الكثيرة التي باتت توضع امامه سواء كانت دينية أوطائفية أوسياسية عندما ينوي الاستعداد لتقديم اي عمل فني تجعلنا  لانتردد في رسم صورة قاتمة لما تخبئه لنا الايام والاعوام القادمة .
اقف هنا لاستعيد تلك الجملة التي قالتها  الفنانة فاطمة الربيعي واشاركها اياها تلك الامنية واقول لها : ياسيدتي ،  لقد نلت من التكريم مالم ينله ولن يناله اي سياسي يتربع على عرش السلطة حتى لو بقي  طيلة حياته   متوهماً ومخدوعاً مع نفسه بأن الناس تكن له مشاعر الحب والاحترام ، بينما هي في حقيقة الامر تكن له كل مشاعر الكره والاحتقارفي دواخلها  .
 لقد كنت  ياسيدتي على درجة كبيرة من الصواب عندما قلت " انا بسبب الفن فقدت ثروة مالية كبيرة ، لكنني في مقابل ذلك  كسبت حب الناس وهذي ثروة لايمكن تقديرها  بثمن ما " .. فشكراً لك مرة اخرى ،لانك تستحقين ان تكوني فخراً لنا ولبلدك بما قدمت ، ولك كل التكريم وليس لغيرك .
                                                 مروان ياسين الدليمي /اربيل
                                                Marwan_ys2000@yahoo.com
                                                 


96
المنبر الحر / ثورة الحُفاة . .
« في: 18:06 01/03/2011  »
ثورة الحُفاة . . 

هو شعب يمشي حافياً وتحت قدميه كل ثروات الارض!..

تناقلت وكالات الانباء يوم الاثنين 21/2/ 2011تصريحاً لرئيس البرلمان العراقي اسامة النجيفي  يعلن فيه فقدان مبلغاً مالياً قدره 40 مليار دولار عراقي من صندوق تنمية العراق ولاأحد يعرف مصيرها ! ولاجل ذلك سيتم تشكيل لجنة تحقيقية لمعرفة الجهة التي ذهبت اليها تلك الاموال، الى هنا ينتهي الخبر كما اوردته وكالات الانباء  .
مثل هذا الخبر ماعاد يشكل صدمة للمواطن العراقي ولن يكون هو السبب المباشر لأي  رد فعل غاضب يدفعه الى التظاهر والاستنكار لمعرفة المسؤول عن سرقة امواله،ذلك لان هذا الشعب  كان قد تلقى خلال الاعوام السبعة التي مضت عليه ، الكثير من الاخبار الصادمة والفاجعة وهو يرزح  تحت حكم السادة ممن يدّعون الديموقراطية ، سواء  كانوا من رجال دين او  من السياسين المحترفين في خنادق اليمين أو اليسار .
اولئك الذين جاؤا تحت راية الحرية الاميركية  . . حرية جاءت بصواريخ سقطت على رؤوس العراقيين  منذ اول يوم في  21 / 3 / 2003 بمايعادل (250) الف طن من القنابل التي تلقاها الشعب العراقي، وهذا الرقم هو  اكبر(  48 ) مرّة من حجم القنبلة الذرية التي كانت قد القيت من قبل القوات الاميركية على مدينة  هيروشيما اليابانية في نهاية الحرب العالميةالثانية عام 1945 . ! . . اضافة الى "(000//000/ 1) مليون عراقي ذهب (ضحية )لهذا التحرير ، و(000/ 500(  خمسمائة الف مواطن (مفقود)  نتيجة اعمال العنف وفرق القتل الطائفي ، وأهدرت أدارة الاحتلال الامريكي ما يقارب( تريليون)  دولار من مداخل العراق من النفط والضرائب والاستدانة والهبات المانحة،ولم يرتقي شبح الدولة العراقية  في أدائها الداخلي والخارجي الى  15% مما كانت عليه مؤسساتها قبل التحرير ! "  . . كل هذا جاء في دراسة كان قد  أعدّها باحثون في جامعة "جونز هوبكنزالاميركية ، اتُبعت فيها طرائق منهجية وعلمية لمقارنة الوفيات قبل الحرب وبعدها، وبذلت قصارى جهدها للتأكد من الوفيات التي  قد حدثت فعلا،وقد أحصت الدراسة الزيادة في عدد الضحايا حتى شهر تموز/ يوليو 2006 بـ (654,965 ) شخصا الى هامش (942,636)  مع هامش ثقة (95% ) وتشير الدراسة منذ ذلك الحين الى ان وتيرة القتل بتزايد مطرد ،كما أن عدد الجرحى ضعف عدد القتلى وتخلص الدراسة الى الجردة الإجمالية لن تقل بأية حال عن المليونين شخصا قد قتل حتى عام 2010.
إن مايدفع الشعب العراقي الى الغضب الذي عبرعنه في يوم الجمعة  25 شباط الحالي اسباب كثيرة ماعادت خافية على احد، ويمكن القول : ان الرواتب العالية جداً للمسؤوليين الحكوميين وحاشيتهم ،وعائدات النفط الكبيرة التي تتصاعد عاماً بعد اخر دون ان يكون لها اي تأثير ملموس على دخل العراقيين الفقراء ، و قد تكون عمليات النهب المنظم للمال العام من قبل المسؤولين الحكوميين هي القشة التي قصمت ظهر البعير، اذ لم يعد الشعب العراقي يحتمل هذا التجاهل وهذا الاستهتار وهذه  المرواغة من قبل المسؤولين ازاء مايجري من سرقات .
يكفي ان نعود بالذاكرة الى  الفترة  الاولى لولاية نوري المالكي عندما اعطيت حقيبة وزارة المالية للسيد  بيان جبر صولاغ ، حينها  حدثت اكثر من ست سرقات خلال الاشهر الثلاثة  الاولى من تاريخ تسلمه لهذه الوزارة  وتمت كل تلك السرقات في وضح النهار واثناء الدوام الرسمي،وارتدى السراق في كل عملياتهم تلك  ملابس  قوات الداخلية وركبوا  عجلاتها . !
وعلى اثر ذلك  تم تشكيل لجان تحقيقية  لمعرفة من كان يقف وراءها  ، لكن حتى هذه اللحظة  لم يطلع المواطن العراقي على نتائج اي من تلك التحقيقات، وبقيت طي الكتمان ولم يعلم بها الاّ الله والسراق ومن كان ورائهم ! . .
ايضاً الناس مازالت تذكر مصرف الزوّية في بغداد عندما تم سرقته من قبل عصابة كانت ترتدي ملابس قوات الداخلية وتقود  سياراتها ــ وتم في حينها متابعة السراق من قبل المواطنين وهم يغادرون المصرف ليدخلوا مختبئين  بعد ذلك مكتب صحيفة تابعة لواحد من  الاحزاب الكبيرة الحاكمة للبلاد ــ ولم تكشف  التحقيقات فيما بعد مايثبت تورط اي احد من الذين كانوا يديرون تلك الصحيفة ومن يقف ورائها !
بل على العكس من ذلك وجدنا  العديد من الشخصيات الدينية والسياسية تتهجم وتتوعد باشد انواع الكلمات قسوة وتهديداَ وبذاءة لصحفي شاب كان قد ألمح في مقال له الى من يكون قد تورط بسرقة المصرف مخمناً الطريقة التي  سيتم بها  استثمار تلك الاموال المسروقة وذلك  بشراء بطانيات توزع على الشعب الفقيرلخدمة اغراض انتخابية . .
ليس من السهل سرقة 40 مليار دولار .   وليس باستطاعة اية عصابة ان تسرق هذا المبلغ الاّ اذا كانت على درجة عالية من الحرفية تمكنها من تحويل هذا المبلغ الى حساباتها دون ان يتم ضبطها . اذن نحن امام مجموعة من اللصوص  لهم تاريخ طويل في السطو بهذه الطريقة وبهذا الحجم ..  سطو لايقدر عليه الاّ من تمرّس فيه ، و يملك قوة  تقف خلفه وتحرسه وتؤمن له الطريق حين يدخل و يخرج في وضح النهار دون ان يثير اية ريبة ٍ.
ولو حاولنا ان نقسّم هذا الرقم (40 مليار دولار)  على 25 مليون مواطن عراقي،لاصبح نصيب كل واحد : (مليون وستمائة الف دولار!  )  . .
ماذا لو وزعت الحكومة العراقية هذا المبلغ على الشعب العراقي . وتسلّم كل فرد حصته التي تساوي: مليون وستمائة الف دولار. . ألم يكن بهذا المبلغ ولوحده ان يتحول هذا الشعب الفقير بين ليلة وضحاها الى اغنى شعوب الارض ولانتهت الى الابد من ذاكرة العراقيين كل قرون الفقر التي مرت عليه منذ ان اندثرت حضاراته الاولى وحتى الان  وماعدنا نشهد بعد ذلك شعباً يبكي كلماظهر على شاشات الفضائيات من الجوع والفقروالقهر.؟.
 
لماذا يجابه الشعب الجائع عندما يعلن عن حقه بالتعبير بطريقة سلمية تكفلها له كل القوانين الدولية بسيل من الاتهامات الباطلة لاتنتهي الاّ بخراطيم الماء والهروات والاعتقالات والضرب واطلاق الرصاص عليه  . . ! ليسقط الشهداء في الموصل والانبار وبغداد والكوت .
هل يريد السيد المالكي ان يبقى الشعب صامتاً خانعاً راضياً يتلقى ضربات الفاسدين طالما هو قد تخلص من  صدام  وحزب البعث!؟  اي منطق اعوج  هذا الذي يروجه المالكي واعلامه الرسمي . !

ان اسطوانة البعث والصداميين والتكفريين باتت قديمة جداً ومملة جداً  ولم تعد تنطلي هذه الديباجة على اي عاقل . وينبغي على حكومة المالكي اذا ماارادات ان تبقى في موقعها حتى نهاية مدتها أن تحترم الناس وتصغي لهم وتستجيب لكل مطاليبهم واحتياجاتهم قبل فوات الاوان ،وإلاّ ستأتي الامور والاحداث بما لاتشتهي ، والامثلة  التي شهدناها في تونس ومصر مازالت قريبة منّا ، واخرى مازالت تجري على نفس المنوال في ليبيا واليمن والبحرين والمغرب والكويت والاردن والسعودية  والحبل على الجرار كما يقول المثل ، ولن تكون الحكومة العراقية بمنأى عمايجري . فهي بكل اخطائها ليست بأحسن من شقيقاتها الحكومات العربية .
كان الشعب العراقي لعقود طويلة يحلم بغد ٍاخر يمنحه حرية وكرامة انسانية طالما  تمرغت بالحروب والخوف والمعتقلات من قبل السلطات  التي حكمته منذ العام 1958 ، حتى جاء يوم التاسع من نيسان عام 2003 . مبشراً العراقيين بحريته المفقودة وبعيش رغيد ظل يحلم به .
والان بعد سبعة اعوام مضت على هذا التاريخ بات واضحاً ان الشعب امسى اكثر سخطاً من ذي قبل على حكامه وعلى نفسه ايضا لانه ادرك تماماً كم كان مخدوعاً.





                           مروان ياسين الدليمي
                        Marwan_ys2000@yahoo.com

97
الفيس بوك ، يقود ثورة المقهورين عبر الانترنت .   



هذه الايام ليست كمثل الايام التي مرت على شعوب المنطقة العربية منذ مايزيد على نصف قرن،هي ايام قِصار ، ستمحو ماتبقى من ايام ٍطوال، ايام بدت فيها شعوب عربية تصحو فجأة من كابوس ثقيل مرّ ومازال يمر على بعض اخر منها.
الان تُكتب صفحة مشرقة من التاريخ ، ستطوى فيها مرحلة مؤلمة ومخزية من عمر العرب ، اجيال فيها مضت وهي تلوك احلاماً بسيطة لها مع شعارات فضفاضة  كانت دائماً تنادي  بالوحدة والحرية والاشتراكية ، عاشت معها بفقرها وبؤسها وجراحاتها وشهدائها ومعتقليها ولم تنلها . ستون عاماً مرت عليها ، تشابهت  فيها الاحزان والخطابات والانقلابات والاكاذيب والمحن واللوعة وأشباه ُالقادة ِ. لافرق في هذا بين ملوك وثوار، بين ضباط وقادة احزاب ، كلهم كانوا في سلّة واحدة ، وأقل مايقال عنهم انهم طغاة ، تعودوا أن لايبصرون ولايفهمون ولايسمعون ، وتعودوا أن يتفننوا  في اذلال شعوبهم ، فالكل تلطّخت بدم الشعب  أياديهم .
الايام هذه ،علامة فارقة في من عمر انظمة سياسية تقليدية ــ مَلكيّة وجمهورية ــ تحكم شعوب المنطقة منذ منتصف القرن الماضي بشتى اساليب القهر مع غياب تام لأي مشروع تنموي يستثمر الموارد والطاقات المادية والبشرية لشعوبها ، وهذا ماأوقع المنطقة برمتها بنمط رثٍ من الاقتصاد الكولونيالي ، نظام هجين ، لاشكل له ، يتأرجح مابين انماط شتى ،متنافرة ومتناقضة، هو خليط عجيب وغريب من الاشتراكية والرأسمالية والاقطاعية ، من هنا ضاعت ثروات البلاد الوطنية بأيدي اللصوص ، ساسة وتجاراً ورجال اعمال .
  ان رياح التغيير التي تشهدها الساحة العربية هذه الايام لاتتعلق بالانظمة الحاكمة فقط انما بدأت تكنس بقوتها التي عبر عنها شباب تونس ومصر كل  الاحزاب العربية والحركات السياسية التي تقف على الضفة الاخرى المواجهة للانظمة بكل برامجها التقليدية للتعبير عن معارضتها .
ان انتفاضة الشباب  التونسي التي امتدت لاكثر من شهر جاءت  لترفع درجة اليقظة والوعي لدى الشعوب العربية بأجمعها بأهمية الحرية الانسانية واهمية الدفاع عنها .
وهنا اتوقف امام تونس تحديداً وليس امام غيرها ،لأوكّد حقيقة فرضتها وقائع الاحداث التي سبقت الانفجار الذي وقع فيها وفي مصر بعدها ،  لتقودني هذه الحقيقة الى القول : لو كانت الانتفاضة قد حدثت أولاً في السودان أو في اليمن أو في مصر وليس في تونس لما كان لها هذا التأثيروهذه الاهمية . . لماذا ؟
ان هذه الاهمية التي اكتسبتها  تونس فيما يجري من انتفاضات شعبية تجتاح المنطقة دون غيرها من تلك البلدان التي ذكرناها ، مع ان انظمة تلك البلدان لها ماض معروف وسيىء جداً في انتهاك حقوق الانسان ومصادرة الحريات، بينما تونس لم تكن في يوم ما تشغل الرأي العام ولم تكن موضع شبهة كبيرة من قبل المجتمع الدولي فيما يتعلق بحقوق الانسان ومصادرة الحريات ، حتى وإن كانت تصل  منها بين فترة واخرى  تقارير الى المنظمات الدولية المعنية بهذا الشأن  تشير الى تفاصيل تتعلق باعتقالات تطال مثقفين ومفكرين وناشطين سياسين ، كان العالم لايتعامل معها  بأهمية وجدية  تستحقها ،لا لشيىء إلاّ لأن تونس غير ذي اهمية ستراتيجية للمصالح والسياسات الغربية في المنطقة العربية .
هذا اضافة الى ماتنتهجه السلطة التونسية من اساليب عادة ما كان ينتهجها النظام السياسي العربي لاخفاء المعلومات وتزويرها وتظليل الرأي العام العالمي لها صلة بحقيقة مايجري في الاقبية والسجون السرية والمعتقلات التي لاتصلها المنظمات الدولية  والتي عادة ماتعج بسجناء الرأي .
وعليه يمكننا القول : لو كانت تونس  بلداً يمتلك اهمية جغرافية واقتصادية مثل العراق لكان العالم برمته ــ منظمات ،وحكومات، وشركات، واحلاف ـ مشغولاً به ، لكن وبما أنه  بلد  يفتقد الى موقع جغرافي واقتصادي مهم  مثل الذي يملكه العراق، ويفتقر كذلك الى ماتمتلكه مصر من اهمية ودور حيوي يتعدى العامل الاقتصادي والجغرافي  الى عوامل اخرى اقليمية وسياسية لايمكن لأي بلد اخر ان يحل محلها ولايمكن للدول الكبرى ان تتجاهلها . وهكذا هو الحال ايضا مع السودان واليمن اللذان يمتلكان  من الاهمية مالايقل عن بلدين  مثل العراق و مصر .
هنا لايمكننا تجاهل جملة من الظروف والحقائق الموضوعية  ونحن ننظر الى تونس ونقيّم اهمية ماجرى فيها وانعكاسه وتأثيره على المنطقة.  فهذا البلد الصغير لايملك ثروات طبيعية هائلة تجعله محط اهتمام الشركات الاحتكارية التي تصنع ستراتيجية السياسة الاميركية في العالم،وتتركز معظم خططه الاتقتصادية على المشاريع السياحية التي يعتاش عليها اقتصاده بما تدرُّ عليه من عائدات مالية ، اضافة الى قطاع الزراعة . ايضاً  لاتمتلك تونس حدود اً مع دولة اسرائيل التي تشكل بؤرة الصراع الدولي في المنطقة ، ولاتجاور تونس  بلداً مثل ايران ، يسبب قلقاً وتهديداً دائماً للمصالح الاميركية والغربية . وليس فيها تنوعاً (طائفياً ،أثنياً ،دينياً ،قوميا)ً يجعلها ميداناً رحباً لتدخلات دولية تنشأ بسببها نزاعات تستند الى تلك التنوعات .
ازاء هذا تبدو تونس ،بلد تغلب عليه صفة  التجانس الاجتماعي والاثني  ويخلو من كل العوامل التي قد تخلق منه نقطة جذب لصراعات دولية سواء كانت  سياسية او اقتصادية او حتى جغرافية . 
من هنا تأتي اهمية الثورة التي قامت فيها ، وهي هنا تبدو بمستوى الاهمية التي كانت عليها الثورة الايرانية عندما قامت عام 1979 سواء من حيث  التأثير الاقليمي أوالدولي ولكن ليست بنفس الاهمية التي تحظى بها ايران من الناحية الجغرافية والسياسية ، ذلك لان الثورة الخمينية عندما قامت ــ واستندت في قيامها انذاك على اشرطة الكاسيت ــ  ارعبت في حينها الانظمة العربية والقوى الاقليمية ، اضافة الى الدول الكبرى وفي المقدمة منها اميركا ، مما استدعى ذلك منها ان توفر الحماية  لكل الانظمة العربية  القائمة انذاك والتي ترتبط بها بمصالح سياسية واقتصادية ستراتيجية ، وأن تعمل بكل ماتملك وبأقصى سرعة حتى لاتتوفر لهذه  الثورة الوقت والفرصة الملائمة لكي تقف على قدميها .
وعليه كان لابد ان يدخل العراق حرباً بالنيابة عن اميركا وقوى الغرب مع ايران ، واستثمرت من اجل ذلك كل الظروف والعوامل التاريخية والمذهبية ـ التي تجمع وتفرّق بنفس الوقت ـ  مابين البلدين الجارين ، اضافة الى المراهنة على احلام وتطلعات صدام حسين الحاكم الجديد للعراق بتزعم الامة العربية في نضالها القومي وصراعها مع الغرب والذي لم يمضي على تسلمه لقيادة البلاد انذاك سوى اشهر معدودة  وكان في بداية صعوده الى قمة هرم السلطة في العراق . الحرب تلك التي امتدت ثمانية اعوام  كانت حصيلتها مئات الاف من القتلى والجرحى من قبل الطرفين ، وعجز في ميزانية البلدين وتوقف شبه تام لعجلة النمو الاقتصادي  ، وضياع لاجيال من الشباب في حرب مهلكة  خرج منها الطرفان خاسرين بكل الاصعدة .
لايختلف اثنان من المراقبين على ان تونس ماكانت البلد التي ينتظر ان تأتي منها شرارة العصيان المدني والثورة الشعبية المنتظرة ضد النظم التقليدية التي تجاوزها الزمن بكل متغيراته ، بل ان كل التوقعات لمن كان يراقب الاحداث كانت تشير الى ان الاشارة ستأتي من مصر أو السودان او اليمن. ولم تكن تونس حاضرة في تلك التوقعات . بل كانت غائبة تماماً . ذلك لانها لم تشهد خلال الاعوام القلية الماضية  تعبيراً احتجاجياً واضحاً ومستمراً ضد السلطة القائمة التي كانت تحت سيطرة زين العابدين بن علي الذي تسلم حكم البلاد  في منتصف ثمانينيات القرن القرن الماضي بعد انقلابه على سيده الحبيب بورقيبة .
ويمكن القول ايضا بهذا الصدد ان مصر كانت هي المرشحة الاولى التي ستشهد هزة سياسية ستضرب اركان النظام السياس الحاكم المتمثل بالرئيس حسني مبارك والحزب الوطني الديموقراطي الحاكم  الذي يسيطر على الحياة السياسية منذ اكثر من ثلاثين عاماً .
 ان  المسيرة السياسية التي انتهجها الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم في مصر بكل مافيها من تزوير للانتخابات سواء في انتخاب اعضاء مجلس  النواب او في انتخابات الرئاسة او في انتخابات المنظمات المهنية والنقابية او في فرض قوانين الطوارىء التي عطلت الحريات المدنية في البلاد وصادرتها لمصلحة الحزب الحاكم وكانت تلك الاجراءات  قد اتاحت للقوى الامنية ـ التي كانت تتسع وتتضخم عاماً بعد اخر ـ  لان تستبيح الحقوق الانسانية للمواطن المصري،  ووصلت به الى ان يصبح حال 40% من الشعب المصري تحت مستوى خط الفقر كما تشير بذلك التقارير الدولية المعنية بهذا الموضوع ، ورغم هذا القهر والتعسف، كانت الاصوات الرافضة  تعلن عن نفسها عالياً طيلة العقود التي مرت على حكم مبارك وحتى في الفترات التي سبقت مجيئه للحكم . وكان شعبها بطبقاته المسحوقة وبطبقته المثقفة يؤكد مرة بعد اخرى واعتصاماً بعد اخر انه شعب حر وشعب واعٍ ولايترك فرصة تمر دون ان يعبر عن موقفه ورفضه لما يجري من فساد من قبل رموز السلطة . وشهدت مصر خلال العقود الماضية العديد من الاحتجاجات والاعتصامات من قبل فئات ونقابات مهنية مختلفة من محامين وصحفيين ومثقفين  متجاهلين كل العنف الذي كانت تقابل به من قبل  السلطة وقواها الامنية .
إلاّ ان هذا الحراك السياسي المواجه والرافض للنظام لم يتبلور الى حركة شعبية واسعة تهدد مستقبل الحكم القائم كما صارت عليه هذه الايام التي نشهدها والتي ابتدأت في يوم الثلاثاء 25 / 1/كانون الثاني ، ووصلت الى ذروتها في يوم الجمعة 28/ 1/ 2011 . وهنا لابد ان يسجل التاريخ للشباب المصري الذي يتراوح اعماره مابين 18 الى 35 عاماً هذا الموقف وهذه الانعطافة في مسيرة الصراع مع السلطة السياسة القائمة ، والذي ابتدأ ينظم صفوفه على صفحات العالم الافتراضي على شبكة الانترنيت ومواقع الفيس بوك وليس على ارض الواقع ولا في الغرف المظلمة والاجتماعات السرية ، كانت ثورته معلنة ومكشوفة امام العالم كله لحظة بلحظة وكلمة بكلمة ، وتمكن هؤلاء الشباب الذين انضووا تحت عناوين ومواقع ومدونات واضحة صنعوها على صفحات الشبكة العنكبوتية مثل  موقع (شباب 6 ابريل ) وموقع (كلنا خالد سعيد ) . ان يوحدوا الكلمة ويزيحوا حاجز الخوف من السلطة ، وبالتالي استطاعوا ان يُخرِجوا الناس بأعداد غفيرة الى الشوارع ، في اوقات وأماكن  محددة ، ليعلنوا رفضهم للنظام السياسي القائم  .
 وتمكنت اساليبهم الجديدة تلك ان تتغلب على كل اجهزة السلطة القمعية،وهذا الامر وضع كل الاحزاب السياسية امام مأزق كبير وجدت فيه نفسها عاجزة عن مجارات العصر وفهمه ، واكتشفت تلك الاحزاب من خلال هؤلاء الشباب ان الزمن قد تجاوزهم وتجاوز اساليبهم البدائية  التي صارت كما يبدو  تنتمي الى عصور اخرى ، وفقدت بذلك الكثير من القيادات السياسية التقليدية المعارضة بريقها وقدرتها على التأثير والتواجد كما هو الحال مع الاخوان المسلمين مثلاً ،الذين كانوا يملأون الدنياً جعجعة وطنينياً بخطاباتهم ، اضافة الى اساليبهم الاخرى التي تعتمد على العنف ويختلط من جراءها الاخضر  مع اليابس كما يقول المثل الشعبي .
والان بعد ان جرى ماجرى في مصر  من احداث أعقبت التجمع الشعبي الكبير في ميدان التحرير الذي يتوسط العاصمة المصرية ،والذي دعا اليه الشباب المصري  يوم الجمعة 28/ 1 عبر الفيس بوك .والتي قوضت اركان النظام السياسي الحاكم  ، لابد هنا  ان نتوقف امام المتغيرات الجديدة التي بدأت تباشيرها تطرأ على الساحة السياسية العربية والتي بدأت تطلق اشارات الانذار والرعب لدى العديد من الرموز السياسية القائمة والتي مضى على وجودها في الحكم عقوداً طويلة لم تستطع خلالها ان تخلق ايّ تنمية اقتصادية تنعكس بشكل واضح على د خل الفرد القومي .
ان كل الانظمة القائمة الان بدأت تشعر بخطر زوالها، وان ماتبقى من عمرها لن يسعفها تحت اي اجراء تتخذه لترقيع واصلاح مايمكن اصلاحه في ابقائها على رأس السلطة . لان عصر الفيس بوك والانترنيت والمدونات بكل بساطة قد وضعها عارية ومكشوفة بكل عنفها وقسوتها ووحشيتها وظلمها مع شعوبها امام العالم  وانتهى بسبب ذلك  عصر قديم كان تلعب فيه بكل حريتها ونزواتها المريضة  بمصائر البشر خلف اسوار من التعتيم والتظليل والتزوير، كان اعلام السلطة فيها يقوم به على اكمل واقبح وجه ، ويرسم للعالم صورة مزيفة عما يجري خلف الاسوار الحديدية، صورة تخلو من الملاحقات والمطاردات للمثقفين  والمطالبين بحقوق الانسان وحريته .صورة تخلو من الفقر الذي ينخر جسد البلاد من اقصاها الى اقصاها . 
اليوم باتت اللعبة مابين الحاكم والمحكوم بكل ادوارها مكشوفة للعالم لحظة بلحظة ولن تذهب قطرة دم سدى ،طالما عدسة الموبايل قادرة على تسجيلها وبثها عبر الانترنت الى كل ارجاء الكرة الارضية بعد ثوان من سقوطها .







                                     مروان ياسين الدليمي / العراق
                                        Marwan_ys2000@yahoo.com
                                   
 

98
ماذا يحدث  في ميدان التحرير ؟
خصوصية التجربة
لم يكن متوقعاً ابداً لدى المراقبين ان يحسم امر التغيير السياسي في بلد مهم وكبير مثل مصر بين ليلة وضحاها . فالامر فيها ليس من السهولة بمكان ان يتم ازاحة زعيم له على الاقل تاريخ عسكري مُشرّف ويمسك مع حزبه الحاكم  بالمسار السياسي للبلاد لأكثر من ثلاثين عاماً مضت والمجيء بشخص اخر بدلاً عنه . أولاً : لان مبارك قد حصّن نظام حكمه من السقوط السريع بأعتماده على بناء مؤسسة عسكرية قوية ، ضمن منها الولاء له ، حتى ان التغييرات الحكومية التي كان قد اجراها مضطراً بعد 25/ يناير 2011 تحت الضغط الشعبي جاءت لتؤكد اعتماده بشكل اكبر على قادة الجيش ، فرئيس الوزراء البديل ( احمد شفيق ) ضابط سابق في سلاح الطيران  ، وعمر سليمان نائب الرئيس  هو الاخر رجل عسكري .
 ثانياً :  إن طبيعة الحياة السياسية التي تعيش بظلها مصر  منذ مطلع  القرن الماضي تتسم الى حدٍ ما بمرونة واضحة تتيح الكثير من ألممارسات ذات الطابع الديموقراطي لم تتوفر في معظم البلدان العربية الاخرى .فلقد عرفت مصر منذ العهد الملكي المجالس النيابية والانتخابات البرلمانية  التي كانت تجري في عموم البلاد لانتخاب الاعضاء فيها ، كما أمست التعددية الحزبية واحدة من سمات الحياة السياسية ، رغم ماكان يشوبها بين فترة واخرى من تضييق وتجميد لها كانت تفرضه السلطة بشخص رئيسها وحزبه الحاكم سواء في عهد عبدالناصر او خلفه  السادات او في عهد مبارك .ورغم ذلك لم يتوقف عمل الاحزاب المعارضة في الشارع المصري، وغالباً ماكانت تجد نفسها في صراع واضح ودستوري مع الحزب الحاكم مع كل لعبة انتخابية كانت تجري سواء لانتخاب اعضاء مجلس الشعب اوفي انتخابات المنظمات والنقابات المهنية ، ورغم عمليات التزوير التي كانت تمارسها السلطة بكل الطرق المكشوفة منها وغير المكشوفة والتي غالباً ماكانت تتيح لها الفوز باكبر عدد من  المقاعد الاّ ان ذلك لم يكن يمنع من وصول الاحزاب المعارضة الى نيل نسب من الاصوات تتيح لهاان تمتلك  مقاعد بنسب تتفاوت بين انتخاب واخر، توفر لها فرصة ولو صغيرة لايصال  صوتها المعارض  .
قوانين الطوارىء
 كل ذلك كان يأتي وفقاً لأليات دستورية تجعل من العمل السياسي في مصر  يتحرك وفق التشريعات والانظمة التي يكفلها القانون المثبّت في دستور البلاد وإن كان الدستور قد تعرض في الكثير من الفترات الى عمليات تجاوز وخرق وفقاً لقانون الطوارىء الذي كان يكبّل الحياة السياسية بقيد ثقيل منذ عدة عقود . وقد اتاح هذا القانون للسلطة ان تكمم الافواه وتعتقل الاصوات التي تتقاطع مع سياسات النظام القائم ابتدأ من منع التظاهرات الى الرقابة على  المطبوعات مروراً بحرية تشكيل الاحزاب والحركات السياسية.
بداية الانحراف

ان تعقيدات العلاقة القائمة بين الاحزاب السياسية المصرية ونظام الحكم السياسي القائم في مصر اخذت هذا المنحى المنحرف باتجاه القمع من قبل السلطة لها ابتدأً من العام 1954 اي في العام الذي نحىّ فيه عبد الناصر اللواء محمد نجيب عن زعامة  قيادة ثورة يوليو في 14 نوفمبر من ذلك العام وتسلمه هو زمام قيادتها بعد ان اختلف الاثنان فيما بينهما خلال العامين الاولين اللذان اعقبا ألانقلاب العسكري عام 1952 حول مسائل جوهرية تتعلق بطبيعة وشكل النظام وطبيعة العلاقة التي ينبغي ان تكون عليها العلاقة مع الاحزاب المصرية ، وتقاطعت وجهتا نظريهما ولم تلتقيا الاّ بالافتراق والقطيعة ، وقد بدا واضحا بعد ذلك لمن تصفح مسار القادة الجدد ان الصراع بين اللواء محمد نجيب والبكباشي جمال عبد العناصر سينتهي بهما  الى مفترق طرق ، وبدا الاثنان لايلتقيان عند نقطة التقاء واحدة  في رؤيتهما لمستقبل الحياة السياسية في مصر،  فاللواء نجيب كان يأمل في بناء تجربة تحترم التعددية الحزبية وتفتح هامشاً واضحاً للديموقراطية تتيح للاحزاب ان تشارك في العملية السياسية وفقاً لشراكة وطنية يكفلها الدستور وكان أول خلاف بينه وبين ضباط القيادة  يتعلق  بمحكمة الثورة التي تشكلت لمحاكمة رموز العهد الملكي، ثم حدث خلاف اخر بعد صدور نشرة تأمر باعتقال بعض الزعماء السياسيين وكان من بينهم رئيس الوزراء في العهد الملكي مصطفى النحاس، فرفض هواعتقال النحاس لكنه فوجئ بعد توقيع الكشف بإضافة اسم النحاس، كما أصدرت  محكمة الثورة على أربعة من الصحفيين حكماً بالمؤبد عليهم  وصادرت  صحفهم بتهمة إفساد الحياة السياسية.، يضاف إلي هذا قرارات أخرى صدرت رغم أنه  كان قد رفض التوقيع عليها منها : قرار جمهوري بسحب الجنسية المصرية من ستة مواطنين مصريين  ينتمون الى جماعة الاخوان المسلمين ، واكتشف  ايضاً أنهم يصدرون اوامر بنقل الضباط دون الرجوع الى مشورته، كما رفض زكريا محي الدين وجمال سالم وكانا من مجموعة الضباط الاحرار أن يؤديا اليمين الدستورية أمامه بعد تعيينهما بمناصب حكومية .بينما وقف عبد الناصر على الضد منه ليمنح مجلس قيادة الثورة كافة الصلاحيات لقيادة البلاد دون الرجوع الى  الاليات الديموقراطية التي تتيح للاحزاب ان يكون لها رأي وموقف من تلك القرارات التي انفرد بها مجلس قيادة الثورة الذي اصبح هوالمشرع للقوانين التي تنسجم اولاً واخراً مع الاهداف التي يرسمها المجلس . هذا الخلاف بين الاثنين لم يحسم الاّ بأستبعاد اللواء محمد نجيب الذي اصبح لوحده يغرد خارج سرب الضباط الاحرار الذين  كانوا  مجموعة من الشباب يملأهم الحماس الوطني  بقيادة البلاد دون ان يكون لهم خبرة ورؤية سياسية تستثمر الكثير من عناصر البناء السياسي الديموقراطي الذي كانت تتسم به الحياة السياسية النيابية ايام الملكية . بل على العكس من ذلك اطاحوا بذاك التراث الذي كان قد بني طيلة اكثر من اربعة عقود من عمر الحياة السياسية التي كانت تشكلها مجموعة من الاحزاب والشخصيات السياسية شهدت على طبيعة نضالها قبة البرلمان .
التجربة الدكتاتورية 
وماأن تسلم عبد الناصر قيادة مجلس الثورة حتى بدأ في مصر زمن اخر طويت فيه صفحة برلمانية مشرقة بالقياس الى ماجاء بعدها،وانطفأت في سماءه اسماء واحزاب وطنية ، وليبقى اسم واحد وقائد واحد وحزب واحد يتحرك وسط المشهد ، وليتحمل القائد لوحده مسؤولية قيادة البلاد في كل صغيرة وكبيرة وليكون مسؤولاً عن كل القررات المصيرية التي ستقرر الطريق والوجهة التي ستمضي اليها . وهنا ابتدأت لحظة  مصيرية من تاريخ شعوب المنطقة العربية يمكننا الان القول عنها بأنها اللبنة الاولى في تأسيس منظومة النظام السياسي الدكتاتوري الذي ستشهده البلدان العربية بعد ذلك واحدة اثر اخرى ، ولم تكن في حقيقتها الاّ استنساخ للتجربة المصرية بامتياز بعد ان توفرت في شخصية عبد الناصر عوامل ذاتية بدا من خلالها نموذجاً للقائد الذي يحلم به الفرد العربي للخروج من هيمنة الاستعمار والشعور المفقود  بالعزة والكرامة الوطنية التي كانت قد  سلختها منه القوى المسيطرة على وسائل الانتاج من ملاك الاراض والقوى الاقطاعية . جاء ذلك بعد ان اتخذ عبد الناصر سلسلة من القررات الثورية بموجبها استولت الدولة على اراضٍ شاسعة كان يملكها الاقطاع  والملاكون ثم وزعها على الفلاحين . وبهذا انهى عبد الناصر حقبة مهلكة من تاريخ الفلاح المصري تمتد لمئات السنين كان يعيش فيها في نمط قاس من العلاقة العبودية لم توفر له احساساً بذاته وكرامته الانسانية رغم ماكان يبذله من جهد لم يوفرله شيئاً في الارض التي يعمل فيها طيلة العام . بل كان يزداد فقراً ومهانة مقابل ماكان يجنيه اسياده من محصول وفير نتيجة عرقه .  كما واجه عبد الناصر الدول الكبرى(اميركا وبريطانيا ) عندما اتخذ قراراً مصيرياً بتأميم قناة السويس عام 1956 . وهذا ما وضعه في مواجهة مباشرة مع قوى كبرى كانت تقتسم العالم بجيوشها ومصالحها . فاضاف له ذلك  بريقاً وجاذبية ساطعة بأضوائها ، كانت تكفي لتحجب عن عيون الناس داخل وخارج مصر  كل الاخطاء  التي كان يرتكبها مع القوى والاحزاب السياسية الوطنية داخل مصر والتي كان نتيجتها ان يبقى تنظيم  الاتحاد الاشتراكي الذي كان يتزعمه عبدالناصر يتحرك بحرية تامة  في المشهد السياسي المصري  بينما تعاني  القوى التقدمية من سوء نظرة السلطة اليها وتعاملها معها، فكانت السجون والمعتقلات تستقبل بين فترة واخرى عناصر وقيادات تلك التنظيمات وفي المقدمة منهم الحزب الشيوعي اضافة الى حركة الاخوان المسلمين التي انتهت علاقتها مع عبد العناصر منذ العام 1954 عندما حاولوا اغتياله داخل قبة البرلمان وبقيت محظورة من العمل والتواجد العلني في الحياة السياسية  حتى يوم 25 يناير 2011 .
البطل الشعبي
وتشكلت على نمط شخصية عبدالناصر زعامات عربية في بلدان  اخرى بعد ان وجدت هذه الشخصية مكاناً لها في وجدان بسطاء الناس من الشعوب العربية التي كان  ينقصها التعليم بنسبة 70% من مجموع تعدادها ، فكانت الاميّة ميداناً رحباً وارضاً خصبة لكي تتجذر وتمتد فيها شخصية الدكتاتور ولكن بصورة البطل الشعبي الذي كانوا يسمعون عنه في الروايات والقصص الشعبية الخرافية . وليصبح الدكتاتور بطلاً قومياً يعبر عن تطلعات امة كسرتها وهزمتها جيوش المحتلين من تتار وصفويين ومماليك واتراك وبريطانين وفرنسيين . امة غابت عنها مكانتها التي كانت عليها بعد الفتح الاسلامي شرقاً وغرباً لتمتد في أراض ٍوممالك وقارات بعيدة . وامست تغرق في ذل وجهل وفقر وعبودية قروناً عديدة وجاء اليوم الذي يقف فيه شاب وسيم بوجه العالم المتغطرس ليوقظ في وجدان الناس البسطاء مشاعر جديدة الهبت حماسهم في وحدة الانتماء الى امة عربية واحدة ، ورسم لفقراء الناس عالماً تسوده العدالة الاجتماعية ، وأزال القاباً من الحياة الاجتماعية كانت تكرس الطبقية في العديد من  صورها . وازاء هذا لم يكن امام الشعوب العربية الاّ ان تتبع عبد الناصر في كل مايفكر فيه دون ان تشعر بالخوف مما قد يترتب على تلك  الخطوات التي يأتي بها ، ذلك لانها وثقت به بعد أن وقف الى جانبها ضد الاغنياء والبشوات وملاك الاراضي وكل القوى الاجنبية الطامعة بالبلاد  .

نقاط القوة والضعف

لاشك في صدق النوايا الوطنية لعبد الناصر سواء في وقوفه الى جانب الفقراء والفلاحين او في صدق انتمائه لوطنه والدفاع عنه ضد كل القوى الاجنبية التي كانت تسعى لنهب ثرواته . هذا امر لااحداً  يشكك فيه ، لكن مايعاب عليه ويسجل ضده من نقاط جوهرية هي في  طبيعة  وشكل النظام السياسي الجمهوري  الذي بناه وكرسه في مصر على انقاظ نظام سياسي ملكي دستوري مَرِن ٍ كانت تعيشه  مصر قبل العام 1952  .
فالنظام الجديد الذي جاء به وكرسه كان نظاماً سياسياً  أقل مايقال عنه انه عطّل الحرية وغيبها بكل اشكالها ، لينزوي في الظلمة مثقفين ومفكرين واحزاب سياسية،  ولينعدم دورهم ومشاركتهم الايجابية في صياغة الحياة . مما يعني انعدام الفرصة امام المواطن العربي ليحيا لحظة مشبعة بالحرية الانسانية تمكنه ان يفكر بصوت عال بعيداً عن هيمنة السلطة وخطوطها الحمر التي كانت تتسع وتكثر يوماً بعد اخر لتضيّق الخناق على المواطن وتكسر فيه الحلم والارادة.
حضور الغد بصورة الماضي
تكرر نموذج النظام  الذي بناه عبد الناصر في بلدان عربية اخرى بنفس المواصفات والمقاييس مع اضافات ولمسات محلية وشخصية اكثر قسوة وعنفاً تبعاً للمنظومة الثقافية التي تتحكم بكل مجتمع عربي مر عليه ذلك النموذج وتبعاً  لروافد كل تجربة ، لكن جميعها  كانت تلتقي عند عامل سيطرة الاعراف والتقاليد العشائرية التي عادة ما تختلط في كثير من الاحيان والمواضع بخرافات وصور وتفسيرات شعبية للدين بطريقة تجعلها تصل الى حد التقديس . نظام كرس العبودية والتبعية للقائد  وبموجبه تعطل الفكر والعقل وسادت مشاعر الخوف والخضوع ، وماعاد هنالك من فرصة لان يأخذ المثقف دوره كاملاً في الحياة بل تعمد هذا النمط من النظام الذي امتد لاكثر من نصف قرن ان يهمش دوره تماماً في صناعة الحياة .ليبقى المواطن العربي يحيا اسير الماضي بكل سذاجته وبساطته وتخلفه ولم يكن  يرى الغد الاّ على صورة الماضي الذي طالما مجده القائد بكل منظومة الثقافة التي اسسها في نظامه منتقياً فيها صوراً بعينها  من التاريخ البعيد لم تكن تخرج عن اطار الحروب والمعارك والغزوات التي يعج بها الماضي البعيد ،مستبعداً ومتجاهلا عن غفلة وعن عمد صوراً اخرى تؤكد على التسامح والاخوة والانسانية بين البشر والشعوب طالما حفل بها التاريخ العربي والاسلامي . ونشأ بناءً على ذلك  نظام سياسي لايحترم الحرية الانسانية ولايمجد العقل .ووفقاً لهذا السياق كان لابد ان ينهارهذا النظام القائم على سلطة الخوف ماأن يَكسِر المجتمع فيه حاجز الخوف  .
فاتورة الثورة الرقمية 
 لكن لحظة الانهيار للنظام السياسي العربي الذي تأكسد بتقادم الزمن  والتي  استغرق مجيئها زمناً طويلاً جداً ، جاءت ، بعد أن توفرت لها وسائل وظروف موضوعية عمّت اركان الكرة الارضية ووصلت الى الشعوب العربية التي ظلّت تعاني الكثير من التراجع والتخلف عن بقية الشعوب ، وقد جاءت هذه اللحظة مع مجيىء ثورة الاتصالات الحديثة من موبايل وانترنيت ، كانت هذه الوسائل الرقمية ادواة ثورية جديدة كانت الناس المقهورة  بأمس  الحاجة اليها حتى توصل للعالم صوتها ،  ولقد استوعب شباب العرب بسرعة كبيرة  هذه التقنيات الحديثة بالاتصال  مما مكنهم من  التعامل معها واستثمارامكاناتها بطريقة  ثورية  لم تكن ابداً  في حسابات النظام السياسي العربي التقليدي ، ولو كان هذا النظام يعلم انه سيدفع فاتورة هذه الوسائل التكنلوجية الرقمية  من وجوده بهذه السرعة وهذه الطريقة الدراماتيكية  لما سمح مطلقاً بدخولها ووصولها. .

القطيعة مع الماضي
اذن نحن امام مرحلة جديدة تعود فيها مصر مرة ثانية لتلعب دوراً ريادياً في  تأسيس نظام سياسي عربي جديد يضع حداً فاصلاً مع نظام سياسي عربي قديم كانت هي ايضاً المسؤولة عن بنائه وتعميمه الى بقية شعوب المنطقة العربية . فمايحدث فيها الان بعد  ثورة شبابها المتعلم في 25 يناير كانون الثاني من حوار ساخن جداً مابين القوى السياسية مع بعضها من جهة وبينها وبين اركان النظام السياسي المنهار من جهة اخرى . يشير الى ان مصر تخوض الان مرحلة من اهم مراحل تاريخها المعاصر بعد انقلاب يوليو العسكري عام 1952  . ولن تقتصر نتائج هذا الحوار الجاد والعميق على مصر وحدها  بل سيتعداها الى معظم الدول العربية .
اننا لم نشهد في منطقتنا العربية  ثورة شبيهة بتلك التي تعيشها مصر هذه الايام . فهي  ثورة تحمل نمطاً  وشكلاً واداوتاً  غير التي تعودنا  عليها خلال تاريخنا السياسي المعاصر منذ منتصف القرن الماضي ،فهي اولاً ثورة تسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية بزعامة مجموعة من الشباب الذي ينتمي الى طبقة اجتماعية مرفّهة اقتصادياً وتلقى تعليمه في ارقى المدارس والجامعات الاجنبية وهذا امر لاسابقة له في تاريخ الثورات العالمية التي شهدتها البشرية على طول تاريخها القديم والحديث . فمعظم الشباب الذي دعا الى الثورة ضد النظام القائم لم يكن يعاني من فقر ولانقص في التعليم ولامن مكانة اجتماعية متدنية  . وجل ماكان هذا الشباب  يسعى اليه  من وراء ثورته هو تحقيق تغيير جذري لشكل ونمط الحياة التي يعيشها المجتمع . اضافة الى ذلك ، فأن اهمية هذه الثورة يأتي من عوامل اخرى منها : اننا لم نرى فيها  توجّهاً من قبل الثائرين للسيطرة على وسائل الاعلام لقراءة  البيان رقم واحد كما تعودنا في تاريخ الانقلابات والتغيرات السياسية التي شهدناها في منطقتنا ، ولم نرى فيها ايضا  قادة جيش يتصدرون شرفة القصر الرئاسي او وزارة الدفاع ليحيوا الجماهير التي تهتف للثورة ،  كما لم نرى صوراً لرموز النظام المباد وهي تغرق بدمائها على صفحات الجرائد . ولم نرى غياباً تاماً لوجوه السلطة القديمة عن المشهد الجديد ، كما لم تنتهي الثورة  في حسم  وجود النظام القديم بساعات معدودة .  ايضا لم تقدّم الثورة رمزاً واحداً يمثلها، ولم يرفع الثوار شعارات فضفاضة تهاجم الاستعمار والامبريالية والصهيونية وتدعو لتحرير الارض المغتصبة طالما تعودنا عليها في مثل هكذا احداث  .
الثورة هذه ابنة عصرها ، ولاتنتمي مطلقاً لما جاء قبلها من ثورات ، وكان حضورها في المشهد السياسي العربي اعلان قطيعة مع الماضي بكل رموزه ، انظمةً ًحاكمة ًواحزاباً معارضة . هي قطيعة شبه تامة مع منظومة ثقافية ومعرفية متهرئة ،لم تعد  تصلح لللاجيال الجديدة الطالعة في القرن الواحد والعشرين .
وهذا ما يستوجب من كل القوى التي كانت تنظّر وتثقّف وتُمنهج التعليمَ في كل المراحل الدراسية ان تتنحى . كما ينبغي ان يتم تغييركل المناهج  الدراسية والتربوية القائمة والتي لاتنتمي الى هذا الجيل الجديد والتي طالما كرست ثوابتاً  وافكاراً  وعلوماً  مزقت هوية الوطن والمواطن، وسلبت منه وطنه وحريته ، وقسمته  بين انتماءات طائفية وعرقية وقومية وعشائرية باتت مقدسة اكثر من  الانسان نفسه  في وطنه   .
                                    مروان ياسين الدليمي

99
ماذا يحدث  في ميدان التحرير ؟

خصوصية التجربة
لم يكن متوقعاً ابداً لدى المراقبين ان يحسم امر التغيير السياسي في بلد مهم وكبير مثل مصر بين ليلة وضحاها . فالامر فيها ليس من السهولة بمكان ان يتم ازاحة زعيم له على الاقل تاريخ عسكري مُشرّف ، ويمسك مع حزبه الحاكم  بالمسار السياسي للبلاد لأكثر من ثلاثين عاماً مضت والمجيء بشخص اخر بدلاً عنه ،أولاً : لان مبارك قد حصّن نظام حكمه من السقوط السريع بأعتماده على بناء مؤسسة عسكرية قوية ، ضمن منها الولاء له ، حتى ان التغييرات الحكومية التي كان قد اجراها مضطراً بعد 25/ يناير 2011 تحت الضغط الشعبي جاءت لتؤكد اعتماده بشكل اكبر على قادة الجيش ، فرئيس الوزراء البديل ( احمد شفيق ) ضابط سابق في سلاح الطيران  ، وعمر سليمان نائب الرئيس  هو الاخر رجل عسكري ، ثانياً :  إن طبيعة الحياة السياسية التي تعيش بظلها مصر  منذ مطلع  القرن الماضي تتسم الى حدٍ ما بمرونة واضحة تتيح الكثير من ألممارسات ذات الطابع الديموقراطي لم تتوفر في معظم البلدان العربية الاخرى .فلقد عرفت مصر منذ العهد الملكي المجالس النيابية والانتخابات البرلمانية  التي كانت تجري في عموم البلاد لانتخاب الاعضاء فيها ، كما أمست التعددية الحزبية واحدة من سمات الحياة السياسية ، رغم ماكان يشوبها بين فترة واخرى من تضييق وتجميد لها كانت تفرضه السلطة بشخص رئيسها وحزبه الحاكم سواء في عهد عبدالناصر او خلفه  السادات او في عهد مبارك .ورغم ذلك لم يتوقف عمل الاحزاب المعارضة في الشارع المصري، وغالباً ماكانت تجد نفسها في صراع واضح ودستوري مع الحزب الحاكم مع كل لعبة انتخابية كانت تجري سواء لانتخاب اعضاء مجلس الشعب اوفي انتخابات المنظمات والنقابات المهنية ، ورغم عمليات التزوير التي كانت تمارسها السلطة بكل الطرق المكشوفة منها وغير المكشوفة والتي غالباً ماكانت تتيح لها الفوز باكبر عدد من  المقاعد الاّ ان ذلك لم يكن يمنع من وصول الاحزاب المعارضة الى نيل نسب من الاصوات تتيح لهاان تمتلك  مقاعد بنسب تتفاوت بين انتخاب واخر، توفر لها فرصة ولو صغيرة لايصال  صوتها المعارض  .
قوانين الطوارىء
 كل ذلك كان يأتي وفقاً لأليات دستورية تجعل من العمل السياسي في مصر  يتحرك وفق التشريعات والانظمة التي يكفلها القانون المثبّت في دستور البلاد وإن كان الدستور قد تعرض في الكثير من الفترات الى عمليات تجاوز وخرق وفقاً لقانون الطوارىء الذي كان يكبّل الحياة السياسية بقيد ثقيل منذ عدة عقود . وقد اتاح هذا القانون للسلطة ان تكمم الافواه وتعتقل الاصوات التي تتقاطع مع سياسات النظام القائم ابتدأ من منع التظاهرات الى الرقابة على  المطبوعات مروراً بحرية تشكيل الاحزاب والحركات السياسية.
بداية الانحراف
ان تعقيدات العلاقة القائمة بين الاحزاب السياسية المصرية ونظام الحكم السياسي القائم في مصر اخذت هذا المنحى المنحرف باتجاه القمع من قبل السلطة لها ابتدأً من العام 1954 اي في العام الذي نحىّ فيه عبد الناصر اللواء محمد نجيب عن زعامة  قيادة ثورة يوليو في 14 نوفمبر من ذلك العام وتسلمه هو زمام قيادتها بعد ان اختلف الاثنان فيما بينهما خلال العامين الاولين اللذان اعقبا ألانقلاب العسكري عام 1952 حول مسائل جوهرية تتعلق بطبيعة وشكل النظام وطبيعة العلاقة التي ينبغي ان تكون عليها العلاقة مع الاحزاب المصرية ، وتقاطعت وجهتا نظريهما ولم تلتقيا الاّ بالافتراق والقطيعة ، وقد بدا واضحا بعد ذلك لمن تصفح مسار القادة الجدد ان الصراع بين اللواء محمد نجيب والبكباشي جمال عبد العناصر سينتهي بهما  الى مفترق طرق ، وبدا الاثنان لايلتقيان عند نقطة التقاء واحدة  في رؤيتهما لمستقبل الحياة السياسية في مصر،  فاللواء نجيب كان يأمل في بناء تجربة تحترم التعددية الحزبية وتفتح هامشاً واضحاً للديموقراطية تتيح للاحزاب ان تشارك في العملية السياسية وفقاً لشراكة وطنية يكفلها الدستور وكان أول خلاف بينه وبين ضباط القيادة  يتعلق  بمحكمة الثورة التي تشكلت لمحاكمة رموز العهد الملكي، ثم حدث خلاف اخر بعد صدور نشرة تأمر باعتقال بعض الزعماء السياسيين وكان من بينهم رئيس الوزراء في العهد الملكي مصطفى النحاس، فرفض هواعتقال النحاس لكنه فوجئ بعد توقيع الكشف بإضافة اسم النحاس، كما أصدرت  محكمة الثورة على أربعة من الصحفيين حكماً بالمؤبد عليهم  وصادرت  صحفهم بتهمة إفساد الحياة السياسية.، يضاف إلي هذا قرارات أخرى صدرت رغم أنه  كان قد رفض التوقيع عليها منها : قرار جمهوري بسحب الجنسية المصرية من ستة مواطنين مصريين  ينتمون الى جماعة الاخوان المسلمين ، واكتشف  ايضاً أنهم يصدرون اوامر بنقل الضباط دون الرجوع الى مشورته، كما رفض زكريا محي الدين وجمال سالم وكانا من مجموعة الضباط الاحرار أن يؤديا اليمين الدستورية أمامه بعد تعيينهما بمناصب حكومية .بينما وقف عبد الناصر على الضد منه ليمنح مجلس قيادة الثورة كافة الصلاحيات لقيادة البلاد دون الرجوع الى  الاليات الديموقراطية التي تتيح للاحزاب ان يكون لها رأي وموقف من تلك القرارات التي انفرد بها مجلس قيادة الثورة الذي اصبح هوالمشرع للقوانين التي تنسجم اولاً واخراً مع الاهداف التي يرسمها المجلس . هذا الخلاف بين الاثنين لم يحسم الاّ بأستبعاد اللواء محمد نجيب الذي اصبح لوحده يغرد خارج سرب الضباط الاحرار الذين  كانوا  مجموعة من الشباب يملأهم الحماس الوطني  بقيادة البلاد دون ان يكون لهم خبرة ورؤية سياسية تستثمر الكثير من عناصر البناء السياسي الديموقراطي الذي كانت تتسم به الحياة السياسية النيابية ايام الملكية . بل على العكس من ذلك اطاحوا بذاك التراث الذي كان قد بني طيلة اكثر من اربعة عقود من عمر الحياة السياسية التي كانت تشكلها مجموعة من الاحزاب والشخصيات السياسية شهدت على طبيعة نضالها قبة البرلمان .
التجربة الدكتاتورية
وماأن تسلم عبد الناصر قيادة مجلس الثورة حتى بدأ في مصر زمن اخر طويت فيه صفحة برلمانية مشرقة بالقياس الى ماجاء بعدها،وانطفأت في سماءه اسماء واحزاب وطنية ، وليبقى اسم واحد وقائد واحد وحزب واحد يتحرك وسط المشهد ، وليتحمل القائد لوحده مسؤولية قيادة البلاد في كل صغيرة وكبيرة وليكون مسؤولاً عن كل القررات المصيرية التي ستقرر الطريق والوجهة التي ستمضي اليها . وهنا ابتدأت لحظة  مصيرية من تاريخ شعوب المنطقة العربية يمكننا الان القول عنها بأنها اللبنة الاولى في تأسيس منظومة النظام السياسي الدكتاتوري الذي ستشهده البلدان العربية بعد ذلك واحدة اثر اخرى ، ولم تكن في حقيقتها الاّ استنساخ للتجربة المصرية بامتياز بعد ان توفرت في شخصية عبد الناصر عوامل ذاتية بدا من خلالها نموذجاً للقائد الذي يحلم به الفرد العربي للخروج من هيمنة الاستعمار والشعور المفقود  بالعزة والكرامة الوطنية التي كانت قد  سلختها منه القوى المسيطرة على وسائل الانتاج من ملاك الاراض والقوى الاقطاعية .  جاء ذلك بعد ان اتخذ عبد الناصر سلسلة من القررات الثورية بموجبها استولت الدولة على اراضٍ شاسعة كان يملكها الاقطاع  والملاكون ثم وزعها على الفلاحين . وبهذا انهى عبد الناصر حقبة مهلكة من تاريخ الفلاح المصري تمتد لمئات السنين كان يعيش فيها في نمط قاس من العلاقة العبودية لم توفر له احساساً بذاته وكرامته الانسانية رغم ماكان يبذله من جهد لم يوفرله شيئاً في الارض التي يعمل فيها طيلة العام . بل كان يزداد فقراً ومهانة مقابل ماكان يجنيه اسياده من محصول وفير نتيجة عرقه .  كما واجه عبد الناصر الدول الكبرى(اميركا وبريطانيا ) عندما اتخذ قراراً مصيرياً بتأميم قناة السويس عام 1956 . وهذا ما وضعه في مواجهة مباشرة مع قوى كبرى كانت تقتسم العالم بجيوشها ومصالحها . فاضاف له ذلك  بريقاً وجاذبية ساطعة بأضوائها ، كانت تكفي لتحجب عن عيون الناس داخل وخارج مصر  كل الاخطاء  التي كان يرتكبها مع القوى والاحزاب السياسية الوطنية داخل مصر والتي كان نتيجتها ان يبقى تنظيم  الاتحاد الاشتراكي الذي كان يتزعمه عبدالناصر يتحرك بحرية تامة  في المشهد السياسي المصري  بينما تعاني  القوى التقدمية من سوء نظرة السلطة اليها وتعاملها معها، فكانت السجون والمعتقلات تستقبل بين فترة واخرى عناصر وقيادات تلك التنظيمات وفي المقدمة منهم الحزب الشيوعي اضافة الى حركة الاخوان المسلمين التي انتهت علاقتها مع عبد العناصر منذ العام 1954 عندما حاولوا اغتياله داخل قبة البرلمان وبقيت محظورة من العمل والتواجد العلني في الحياة السياسية  حتى يوم 25 يناير 2011 .
البطل الشعبي
وتشكلت على نمط شخصية عبدالناصر زعامات عربية في بلدان  اخرى بعد ان وجدت هذه الشخصية مكاناً لها في وجدان بسطاء الناس من الشعوب العربية التي كان  ينقصها التعليم بنسبة 70% من مجموع تعدادها ، فكانت الاميّة ميداناً رحباً وارضاً خصبة لكي تتجذر وتمتد فيها شخصية الدكتاتور ولكن بصورة البطل الشعبي الذي كانوا يسمعون عنه في الروايات والقصص الشعبية الخرافية . وليصبح الدكتاتور بطلاً قومياً يعبر عن تطلعات امة كسرتها وهزمتها جيوش المحتلين من تتار وصفويين ومماليك واتراك وبريطانين وفرنسيين . امة غابت عنها مكانتها التي كانت عليها بعد الفتح الاسلامي شرقاً وغرباً لتمتد في أراض ٍوممالك وقارات بعيدة . وامست تغرق في ذل وجهل وفقر وعبودية قروناً عديدة وجاء اليوم الذي يقف فيه شاب وسيم بوجه العالم المتغطرس ليوقظ في وجدان الناس البسطاء مشاعر جديدة الهبت حماسهم في وحدة الانتماء الى امة عربية واحدة ، ورسم لفقراء الناس عالماً تسوده العدالة الاجتماعية ، وأزال القاباً من الحياة الاجتماعية كانت تكرس الطبقية في العديد من  صورها . وازاء هذا لم يكن امام الشعوب العربية الاّ ان تتبع عبد الناصر في كل مايفكر فيه دون ان تشعر بالخوف مما قد يترتب على تلك  الخطوات التي يأتي بها ، ذلك لانها وثقت به بعد أن وقف الى جانبها ضد الاغنياء والبشوات وملاك الاراضي وكل القوى الاجنبية الطامعة بالبلاد  .

نقاط القوة والضعف
لاشك في صدق النوايا الوطنية لعبد الناصر سواء في وقوفه الى جانب الفقراء والفلاحين او في صدق انتمائه لوطنه والدفاع عنه ضد كل القوى الاجنبية التي كانت تسعى لنهب ثرواته . هذا امر لااحداً  يشكك فيه ، لكن مايعاب عليه ويسجل ضده من نقاط جوهرية هي في  طبيعة  وشكل النظام السياسي الجمهوري  الذي بناه وكرسه في مصر على انقاظ نظام سياسي ملكي دستوري مَرِن ٍ كانت تعيشه  مصر قبل العام 1952  .
فالنظام الجديد الذي جاء به وكرسه كان نظاماً سياسياً  أقل مايقال عنه انه عطّل الحرية وغيبها بكل اشكالها ، لينزوي في الظلمة مثقفين ومفكرين واحزاب سياسية،  ولينعدم دورهم ومشاركتهم الايجابية في صياغة الحياة . مما يعني انعدام الفرصة امام المواطن العربي ليحيا لحظة مشبعة بالحرية الانسانية تمكنه ان يفكر بصوت عال بعيداً عن هيمنة السلطة وخطوطها الحمر التي كانت تتسع وتكثر يوماً بعد اخر لتضيّق الخناق على المواطن وتكسر فيه الحلم والارادة.
حضور الغد بصورة الماضي
تكرر نموذج النظام  الذي بناه عبد الناصر في بلدان عربية اخرى بنفس المواصفات والمقاييس مع اضافات ولمسات محلية وشخصية اكثر قسوة وعنفاً تبعاً للمنظومة الثقافية التي تتحكم بكل مجتمع عربي مر عليه ذلك النموذج وتبعاً  لروافد كل تجربة ، لكن جميعها  كانت تلتقي عند عامل سيطرة الاعراف والتقاليد العشائرية التي عادة ما تختلط في كثير من الاحيان والمواضع بخرافات وصور وتفسيرات شعبية للدين بطريقة تجعلها تصل الى حد التقديس . نظام كرس العبودية والتبعية للقائد  وبموجبه تعطل الفكر والعقل وسادت مشاعر الخوف والخضوع ، وماعاد هنالك من فرصة لان يأخذ المثقف دوره كاملاً في الحياة بل تعمد هذا النمط من النظام الذي امتد لاكثر من نصف قرن ان يهمش دوره تماماً في صناعة الحياة .ليبقى المواطن العربي يحيا اسير الماضي بكل سذاجته وبساطته وتخلفه ولم يكن  يرى الغد الاّ على صورة الماضي الذي طالما مجده القائد بكل منظومة الثقافة التي اسسها في نظامه منتقياً فيها صوراً بعينها  من التاريخ البعيد لم تكن تخرج عن اطار الحروب والمعارك والغزوات التي يعج بها الماضي البعيد ،مستبعداً ومتجاهلا عن غفلة وعن عمد صوراً اخرى تؤكد على التسامح والاخوة والانسانية بين البشر والشعوب طالما حفل بها التاريخ العربي والاسلامي . ونشأ بناءً على ذلك  نظام سياسي لايحترم الحرية الانسانية ولايمجد العقل .ووفقاً لهذا السياق كان لابد ان ينهارهذا النظام القائم على سلطة الخوف ماأن يَكسِر المجتمع فيه حاجز الخوف  .
فاتورة الثورة الرقمية 
 لكن لحظة الانهيار للنظام السياسي العربي الذي تأكسد بتقادم الزمن  والتي  استغرق مجيئها زمناً طويلاً جداً ، جاءت ، بعد أن توفرت لها وسائل وظروف موضوعية عمّت اركان الكرة الارضية ووصلت الى الشعوب العربية التي ظلّت تعاني الكثير من التراجع والتخلف عن بقية الشعوب ، وقد جاءت هذه اللحظة مع مجيىء ثورة الاتصالات الحديثة من موبايل وانترنيت ، كانت هذه الوسائل الرقمية ادواة ثورية جديدة كانت الناس المقهورة  بأمس  الحاجة اليها حتى توصل للعالم صوتها ،  ولقد استوعب شباب العرب بسرعة كبيرة  هذه التقنيات الحديثة بالاتصال  مما مكنهم من  التعامل معها واستثمارامكاناتها بطريقة  ثورية  لم تكن ابداً  في حسابات النظام السياسي العربي التقليدي ، ولو كان هذا النظام يعلم انه سيدفع فاتورة هذه الوسائل التكنلوجية الرقمية  من وجوده بهذه السرعة وهذه الطريقة الدراماتيكية  لما سمح مطلقاً بدخولها ووصولها. .

القطيعة مع الماضي
اذن نحن امام مرحلة جديدة تعود فيها مصر مرة ثانية لتلعب دوراً ريادياً في  تأسيس نظام سياسي عربي جديد يضع حداً فاصلاً مع نظام سياسي عربي قديم كانت هي ايضاً المسؤولة عن بنائه وتعميمه الى بقية شعوب المنطقة العربية . فمايحدث فيها الان بعد  ثورة شبابها المتعلم في 25 يناير كانون الثاني من حوار ساخن جداً مابين القوى السياسية مع بعضها من جهة وبينها وبين اركان النظام السياسي المنهار من جهة اخرى . يشير الى ان مصر تخوض الان مرحلة من اهم مراحل تاريخها المعاصر بعد انقلاب يوليو العسكري عام 1952  . ولن تقتصر نتائج هذا الحوار الجاد والعميق على مصر وحدها  بل سيتعداها الى معظم الدول العربية .
اننا لم نشهد في منطقتنا العربية  ثورة شبيهة بتلك التي تعيشها مصر هذه الايام . فهي  ثورة تحمل نمطاً  وشكلاً واداوتاً  غير التي تعودنا  عليها خلال تاريخنا السياسي المعاصر منذ منتصف القرن الماضي ،فهي اولاً ثورة تسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية بزعامة مجموعة من الشباب الذي ينتمي الى طبقة اجتماعية مرفّهة اقتصادياً وتلقى تعليمه في ارقى المدارس والجامعات الاجنبية وهذا امر لاسابقة له في تاريخ الثورات العالمية التي شهدتها البشرية على طول تاريخها القديم والحديث . فمعظم الشباب الذي دعا الى الثورة ضد النظام القائم لم يكن يعاني من فقر ولانقص في التعليم ولامن مكانة اجتماعية متدنية  . وجل ماكان هذا الشباب  يسعى اليه  من وراء ثورته هو تحقيق تغيير جذري لشكل ونمط الحياة التي يعيشها المجتمع . اضافة الى ذلك ، فأن اهمية هذه الثورة يأتي من عوامل اخرى منها : اننا لم نرى فيها  توجّهاً من قبل الثائرين للسيطرة على وسائل الاعلام لقراءة  البيان رقم واحد كما تعودنا في تاريخ الانقلابات والتغيرات السياسية التي شهدناها في منطقتنا ، ولم نرى فيها ايضا  قادة جيش يتصدرون شرفة القصر الرئاسي او وزارة الدفاع ليحيوا الجماهير التي تهتف للثورة ،  كما لم نرى صوراً لرموز النظام المباد وهي تغرق بدمائها على صفحات الجرائد . ولم نرى غياباً تاماً لوجوه السلطة القديمة عن المشهد الجديد ، كما لم تنتهي الثورة  في حسم  وجود النظام القديم بساعات معدودة .  ايضا لم تقدّم الثورة رمزاً واحداً يمثلها، ولم يرفع الثوار شعارات فضفاضة تهاجم الاستعمار والامبريالية والصهيونية وتدعو لتحرير الارض المغتصبة طالما تعودنا عليها في مثل هكذا احداث  .
الثورة هذه ابنة عصرها ، ولاتنتمي مطلقاً لما جاء قبلها من ثورات ، وكان حضورها في المشهد السياسي العربي اعلان قطيعة مع الماضي بكل رموزه ، انظمةً ًحاكمة ًواحزاباً معارضة . هي قطيعة شبه تامة مع منظومة ثقافية ومعرفية متهرئة ،لم تعد  تصلح لللاجيال الجديدة الطالعة في القرن الواحد والعشرين .
وهذا ما يستوجب من كل القوى التي كانت تنظّر وتثقّف وتُمنهج التعليمَ في كل المراحل الدراسية ان تتنحى . كما ينبغي ان يتم تغييركل المناهج  الدراسية والتربوية القائمة والتي لاتنتمي الى هذا الجيل الجديد والتي طالما كرست ثوابتاً  وافكاراً  وعلوماً  مزقت هوية الوطن والمواطن، وسلبت منه وطنه وحريته ، وقسمته  بين انتماءات طائفية وعرقية وقومية وعشائرية باتت مقدسة اكثر من  الانسان نفسه  في وطنه   .
                                    مروان ياسين الدليمي

100
أين هي الاموال المخصصة من الحكومة المركزية  لمساعدة المهجرين في اربيل ؟

لايوجد بيانات رسمية دقيقة عن اعداد النازحين والمهجرين العراقيين الذين شاءت الاقدار ان يتجهوا الى اقليم كردستان العراق بعد تغيير النظام السياسي في العراق في 9 نيسان  عام 2003.. ولكنني يمكن القول ان وجودهم من السّعة بحيث يبدو واضحاً جداً  لدى اي مراقب حينما يتجول في شوارع وازقة الاقليم  . كما يمكن ملاحظة ذلك عندما كان يتجمع هولاء الذين نكبوا في بيوتهم واموالهم في فترات متباعدة على ابواب المنظمات الانسانية لغرض الحصول على المساعدات التموينية والغذائية التي تقدمها لهم تلك  المنظمات الدولية بين فترة واخرى !وهم الان لايتلقون مساعدات  منذ مايقرب العام .
ويلاحظ على اوضاعهم  في الاقليم عدم اهتمام دائرة الهجرة والمهجرين بهم ، فهي لم تبذل جهد اً وملموساً  للالتقاء بهم ولمعرفة طبيعة احتياجاتهم ومشاكلهم، بل اكتفت فقط بأخذ المستمسكات الرسمية منهم اكثر من مرة لغرض تثبيت اسمائهم او لغرض اصدار الهويات الخاصة بهم  .   
ومايثير القلق في موضوعهم ايضا ، ان دائرة الهجرة والمهجرين في اربيل لم توزع ما كانت قد أقرّته الحكومة المركزية عام 2008 من تخصيص  مبلغاً من المال  بقيمة (000/500/ 1 )مليون وخمسمائة الف دينار، اعلنت انها  ستوزعه عليهم واكتفت الدائرة في اربيل بتوزيع قسط واحد فقط من هذا المبلغ،قيمته 450 الف دينارعراقي فقط  . ولم يتم توزيع القسطين الاخرين المتبقيين ! ؟ والبالغ قيمتهما مليون دينار عراقي. وكلما َسَأل المهجّرون موظفي دائرة  الهجرة والمهجرين عن ذلك ، كانوا يجيبون :" بأنهم لم يستلموا بقية المبلغ من الحكومة العراقية المركزية وان موضوعه اصبح معقداً بعد ان تم حل الوزارة التي كانت  ترعى شؤون المهجرين في حكومة الاقليم  قبل عامين والتي كان يرأسها الوزير محمد إحسان ، وقد اعيدت تلك المبالغ الى بغداد بعد ان  حلّتُ تلك  الوزارة ونحن بأنتظار ان تعيد حكومة بغداد ارسالها لنا مرة اخرى ، وعندما  تصل سوف توزع عليكم "  .!
 وهكذا بقيت الحال على هذه الصورة  طيلة العامين الماضيين،  ودخلنا مع سنة 2011  في العام الثالث على استمرار هذا الموضوع الذي لم يحسم، بينماعلى العكس من ذلك ، فقد تم تسليم المبلغ كاملا على ثلاث دفعات في جميع محافظات ومناطق العراق الاخرى التي يتواجد فيها النازحون والمهجرون  قبل اكثر من عام !
كما لم يتم توزيع مبلغاً  اخر قيمته 250 الف دينار كانت قد اقرته الحكومة العراقية ليتم توزيعه على المهجرين قبل عيد الفطر المبارك عام 2010 .! والقضية الاهم  هنا هي  ان المهجرين في اربيل لم يُوزّع عليهم  الراتب الشهري  الذي كانت الحكومة العراقية قد خصصته لهم  والذي قيمته 300 الف دينار لكل عائلة بينما تواصل العوائل المهجرة في مجمل محافظات العراق استلامه من البنوك شهرياً  ! وعندما يسأل المهجرون  دائرة الهجرة والمهجرين في اربيل عن ذلك . يجيبون "بعدم علمهم بهذا الموضوع وانهم لم يستلموا اية تعليمات بذلك " .
اتمنى من وزارة الهجرة والمهجرين وكل الجهات المعنية بهذا الموضوع ان تزيح  الغموض الذي يلف هذه القضايا  .
كما ندعو الجهات المعنية الى ان تلتفت الى دائرة الهجرة والمهجرين في اربيل حتى يتم مساندة المهجرين والنازحين الذين هم بأمس الحاجة الى العون والمساعدة  وسط غلاء الحياة والمعيشة في الاقليم اسوة بالعراقيين المهجرين خارج العراق .



                                                      مروان ياسين 

101
من حق المواطن نوري المالكي  أن نجيب  على اسئلته  !

لماذا نصاب بالدهشة والاستغراب عندما نسمع  المالكي وهو يوجه اسئلة لنا نحن المواطنون البسطاء  في مؤتمر صحفي يوم 6/2/ 2011 والتي جاءت تعليقاَ  منه على شكل ردة فعل ٍ غاضبة ضد  ماجرى من اطلاق رصاص ٍ  من قبل قوات حكومية  ضد متضاهرين خرجوا في مدينة الديوانية احتجاجاً على سوء الاوضاع الخدمية والانسانية التي يعيشونها وسقط على اثرها ثلاثة مواطنين كانوا ضمن المحتجين ، وقبلها ايضاً في نفس الاسبوع حدث نفس الامر في مدينة الشعب ببغداد ، اضافة الى عدد من الاحتجاجات التي  شهدتها مدن عراقية اخرى لنفس الاسباب تزامناً مع مايجري من ثورة ضد فساد النظام القائم في مصر العربية  .

بدا رئيس الوزراء في ذلك الحديث وكأنه احد قادة المعارضة الذين يكيلون للحكومة جملة من الاتهامات لعجزها عن  الايفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها وهذا امر يبدوغريباً جداً عندما تصدر مثل تلك التساؤلات من قبل اعلى مسؤول في الحكومة العراقية يكاد ان يمسك بيديه كل المفاتيح التي تفتح الابواب المغلقة بوجه المواطن العراقي .

مازلنا لم ننسى بعد  اصراره على البقاء في منصب رئيس الوزراء لولاية ثانية حتى لو كان ذلك رغماً عن الدستور وعن ما تفرضه استحقاقات القائمة العراقية التي كان ينبغي وفقاً لنتائج الانتخابات ان يخرج من بين صفوفها من يتسلم هذا المنصب ، لكن المالكي ماطل كثيراً في البقاءبمنصبه  ولمدة تصل الى عام كامل بعد انتهاء مدة ولايته من ا جل ان يكسب وقتاً كافياً  يمكنّه من  ادارة الصفقات مع عدد من الاطراف السياسية ، احزاباً وقادةً ، وصولاً الى تحقيق ماكان يصبو اليه في البقاء على كرسي الحكم . ولاية ثانية ، حتى ان الكثير ظن خيراً بأصرار المالكي على هذه التجاوزات الدستورية التي اعانته عليها عدة اطراف في المقدمة منها المحكمة الاتحادية واللجنة القانونية في مجلس النواب ومجلس القضاء الاعلى . وقد بنوا ظنونهم تلك على افتراض : ان الرجل طيلة السنوات الاربع التي قضاها في منصبه كان يضع الاسس والثوابت والخطط ، للعديد من المشاريع التنموية والخدمية والامنية التي ترتبط بمصلحة المواطن العراقي . وبناء ً عليه  يتوجب على الاطراف السياسسية ان تتفهم اصراره على التمسك بمنصبه ،لانه يبغي من وراء ذلك  ان يستكمل مابدأه في الولاية الاولى  ليجني مع المواطن المسكين ثمرة مازرعه له من امال وامنيات طالما حلم بها معه منذ ان كان يناضل في صفوف المعارضة العراقية . الملاحظ أن لغة المالكي في حديثه الذي اشرنا اليه كانت توحي لكل مراقب وكأنه  لم يغادر تلك الفترة التي كان فيها معارضاً  للنظام السابق ، فمازالت نفس الاسئلة التي كان يوجهها على حكومة البعث متهماً اياها بمسؤوليتها  الكاملة عن تخلف العراق  في كل الميادين دوناً عن بقية شعوب الكرة الارضية ، فلم يتوقف عن طرح جملة من الاسئلة البديهية التي تعود ان يطرحها قبل العام 2003  داخل مؤتمرات حزب الدعوة الذي ينتمي اليه وامام وسائل الاعلام ايضاً والتي ينبغي ان يجيب هو عليها الان بعد ان تسلم المنصب الاول في ادارة الدولة العراقية منذ اكثر من خمسة اعوام لاأن يطرحها مرة اخرى امام وسائل الاعلام . فلاأحد يملك القدرة من المواطنين البسطاء على الاجابة عليها فهم عاجزون  عن اية حلول للمشاكل المستعصية التي طرحها ضمن اسئلته ، فالمواطن العراقي لايستيطع جواباً  لسؤال المالكي مثلاً  عن أسباب  تخلفنا بالقياس الى بلدٍ مثل  سويسرا يتصدر دول  العالم في انتاج الشكولاته بعد ان كان لاوجود لها ضمن قائمة الدول المصنعة لها . ! وهكذا الحال مع اسئلة اخرى وجهها ووزعها على الحضور الاعلامي وعلى المواطنين تتعلق باسباب بقاء الطرق غير مبلطة  وتملأها  المطبّات والحفر ! واخرى تتعلق باستمرار انقطاع التيار الكهربائي عن المواطن لساعات طوال!  أو الحالة المزرية التي  يعيشها الطفل العراقي وهو يتلقى علومه في ابنية مدرسية بائسة مبنية من مادة الطين وكأن العراق بكل ثرائه النفطي مازال يعيش في عصور ماقبل اكتشاف الكهرباء ! اسئلة كثيرة وجهها المواطن نوري المالكي ! الى المواطن العراقي  وهو يبحث عن اجوبة لها  بعد ان يئس هو الاخر وضاق ذرعاً من بقاء الوضع البائس هذا محيطاً للمواطن العراقي  .

 وفي حقيقة الامر لاينبغي لنا ان نصاب بالدهشة ونحن نسمع المالكي وهو  يسأل  كل هذه الاسئلة . لانه اولاً وأخراً مواطن عراقي ومن حقه ان يتمتع بفضائل الديموقراطية التي نعيش بضلها والتي تتيح له كما للجميع ان يصرخ بصوت عال منطلقا من ثوابت دستورية  تكفل له حقه  كمواطن من الدرجة الاولى وهو يسألنا  عن اسباب تراجع الخدمات ، نعم من حق المالكي ان يسأل حتى وإن كان يمثل  أعلى سلطة في الدولة ويملك بيديه سلطة تنفيذ اخطر واهم القرارات.  فالديموقراطية ليست حكراً  على احدٍ  .ومن واجبنا نحن كمواطنين ان نجيب على تساؤلات رئيس الوزراء نوري المالكي بأعتباره مواطناً مثلنا يعاني في البحث عن اجوبة مقلقة ومتعبة  ولابد لنا  ان نعينه في الوصول اليها .   


مروان ياسين الدليمي

102
حين تصحو البلاد على جرحها  . .

الفيس بوك يقود ثورة المقهورين

هذه الايام ليست كمثل الايام التي مرت على شعوب المنطقة العربية منذ مايزيد على نصف قرن،هي ايام قِصار ، ستمحو ماتبقى من ايام ٍطوال، ايام بدت فيها شعوب عربية تصحو فجأة من كابوس ثقيل مرّ ومازال يمر على بعض اخر منها.
الان تُكتب صفحة مشرقة من التاريخ ، ستطوى فيها مرحلة مؤلمة ومخزية من عمر العرب ، اجيال فيها مضت وهي تلوك احلاماً بسيطة لها مع شعارات فضفاضة  كانت دائماً تنادي  بالوحدة والحرية والاشتراكية ، عاشت معها بفقرها وبؤسها وجراحاتها وشهدائها ومعتقليها ولم تنلها . ستون عاماً مرت عليها ، تشابهت  فيها الاحزان والخطابات والانقلابات والاكاذيب والمحن واللوعة وأشباه ُالقادة ِ. لافرق في هذا بين ملوك وثوار، بين ضباط وقادة احزاب ، كلهم كانوا في سلّة واحدة ، وأقل مايقال عنهم انهم طغاة ، تعودوا أن لايبصرون ولايفهمون ولايسمعون ، وتعودوا أن يتفننوا  في اذلال شعوبهم ، فالكل تلطّخت بدم الشعب  أياديهم .
الايام هذه ،علامة فارقة في من عمر انظمة سياسية تقليدية ــ مَلكيّة وجمهورية ــ تحكم شعوب المنطقة منذ منتصف القرن الماضي بشتى اساليب القهر مع غياب تام لأي مشروع تنموي يستثمر الموارد والطاقات المادية والبشرية لشعوبها ، وهذا ماأوقع المنطقة برمتها بنمط رثٍ من الاقتصاد الكولونيالي ، نظام هجين ، لاشكل له ، يتأرجح مابين انماط شتى ،متنافرة ومتناقضة، هو خليط عجيب وغريب من الاشتراكية والرأسمالية والاقطاعية ، من هنا ضاعت ثروات البلاد الوطنية بأيدي اللصوص ، ساسة وتجاراً ورجال اعمال .
  ان رياح التغيير التي تشهدها الساحة العربية هذه الايام لاتتعلق بالانظمة الحاكمة فقط انما بدأت تكنس بقوتها التي عبر عنها شباب تونس ومصر كل  الاحزاب العربية والحركات السياسية التي تقف على الضفة الاخرى المواجهة للانظمة بكل برامجها التقليدية للتعبير عن معارضتها .
ان انتفاضة الشباب  التونسي التي امتدت لاكثر من شهر جاءت  لترفع درجة اليقظة والوعي لدى الشعوب العربية بأجمعها بأهمية الحرية الانسانية واهمية الدفاع عنها .
وهنا اتوقف امام تونس تحديداً وليس امام غيرها ،لأوكّد حقيقة فرضتها وقائع الاحداث التي سبقت الانفجار الذي وقع فيها وفي مصر بعدها ،  لتقودني هذه الحقيقة الى القول : لو كانت الانتفاضة قد حدثت أولاً في السودان أو في اليمن أو في مصر وليس في تونس لما كان لها هذا التأثيروهذه الاهمية . . لماذا ؟
ان هذه الاهمية التي اكتسبتها  تونس فيما يجري من انتفاضات شعبية تجتاح المنطقة دون غيرها من تلك البلدان التي ذكرناها ، مع ان انظمة تلك البلدان لها ماض معروف وسيىء جداً في انتهاك حقوق الانسان ومصادرة الحريات، بينما تونس لم تكن في يوم ما تشغل الرأي العام ولم تكن موضع شبهة كبيرة من قبل المجتمع الدولي فيما يتعلق بحقوق الانسان ومصادرة الحريات ، حتى وإن كانت تصل  منها بين فترة واخرى  تقارير الى المنظمات الدولية المعنية بهذا الشأن  تشير الى تفاصيل تتعلق باعتقالات تطال مثقفين ومفكرين وناشطين سياسين ، كان العالم لايتعامل معها  بأهمية وجدية  تستحقها ،لا لشيىء إلاّ لأن تونس غير ذي اهمية ستراتيجية للمصالح والسياسات الغربية في المنطقة العربية .
هذا اضافة الى ماتنتهجه السلطة التونسية من اساليب عادة ما كان ينتهجها النظام السياسي العربي لاخفاء المعلومات وتزويرها وتظليل الرأي العام العالمي لها صلة بحقيقة مايجري في الاقبية والسجون السرية والمعتقلات التي لاتصلها المنظمات الدولية  والتي عادة ماتعج بسجناء الرأي .
وعليه يمكننا القول : لو كانت تونس  بلداً يمتلك اهمية جغرافية واقتصادية مثل العراق لكان العالم برمته ــ منظمات ،وحكومات، وشركات، واحلاف ـ مشغولاً به ، لكن وبما أنه  بلد  يفتقد الى موقع جغرافي واقتصادي مهم  مثل الذي يملكه العراق، ويفتقر كذلك الى ماتمتلكه مصر من اهمية ودور حيوي يتعدى العامل الاقتصادي والجغرافي  الى عوامل اخرى اقليمية وسياسية لايمكن لأي بلد اخر ان يحل محلها ولايمكن للدول الكبرى ان تتجاهلها . وهكذا هو الحال ايضا مع السودان واليمن اللذان يمتلكان  من الاهمية مالايقل عن بلدين  مثل العراق و مصر .
هنا لايمكننا تجاهل جملة من الظروف والحقائق الموضوعية  ونحن ننظر الى تونس ونقيّم اهمية ماجرى فيها وانعكاسه وتأثيره على المنطقة.  فهذا البلد الصغير لايملك ثروات طبيعية هائلة تجعله محط اهتمام الشركات الاحتكارية التي تصنع ستراتيجية السياسة الاميركية في العالم،وتتركز معظم خططه الاتقتصادية على المشاريع السياحية التي يعتاش عليها اقتصاده بما تدرُّ عليه من عائدات مالية ، اضافة الى قطاع الزراعة . ايضاً  لاتمتلك تونس حدود اً مع دولة اسرائيل التي تشكل بؤرة الصراع الدولي في المنطقة ، ولاتجاور تونس  بلداً مثل ايران ، يسبب قلقاً وتهديداً دائماً للمصالح الاميركية والغربية . وليس فيها تنوعاً (طائفياً ،أثنياً ،دينياً ،قوميا)ً يجعلها ميداناً رحباً لتدخلات دولية تنشأ بسببها نزاعات تستند الى تلك التنوعات .
ازاء هذا تبدو تونس ،بلد تغلب عليه صفة  التجانس الاجتماعي والاثني  ويخلو من كل العوامل التي قد تخلق منه نقطة جذب لصراعات دولية سواء كانت  سياسية او اقتصادية او حتى جغرافية . 
من هنا تأتي اهمية الثورة التي قامت فيها ، وهي هنا تبدو بمستوى الاهمية التي كانت عليها الثورة الايرانية عندما قامت عام 1979 سواء من حيث  التأثير الاقليمي أوالدولي ولكن ليست بنفس الاهمية التي تحظى بها ايران من الناحية الجغرافية والسياسية ، ذلك لان الثورة الخمينية عندما قامت ــ واستندت في قيامها انذاك على اشرطة الكاسيت ــ  ارعبت في حينها الانظمة العربية والقوى الاقليمية ، اضافة الى الدول الكبرى وفي المقدمة منها اميركا ، مما استدعى ذلك منها ان توفر الحماية  لكل الانظمة العربية  القائمة انذاك والتي ترتبط بها بمصالح سياسية واقتصادية ستراتيجية ، وأن تعمل بكل ماتملك وبأقصى سرعة حتى لاتتوفر لهذه  الثورة الوقت والفرصة الملائمة لكي تقف على قدميها .
وعليه كان لابد ان يدخل العراق حرباً بالنيابة عن اميركا وقوى الغرب مع ايران ، واستثمرت من اجل ذلك كل الظروف والعوامل التاريخية والمذهبية ـ التي تجمع وتفرّق بنفس الوقت ـ  مابين البلدين الجارين ، اضافة الى المراهنة على احلام وتطلعات صدام حسين الحاكم الجديد للعراق بتزعم الامة العربية في نضالها القومي وصراعها مع الغرب والذي لم يمضي على تسلمه لقيادة البلاد انذاك سوى اشهر معدودة  وكان في بداية صعوده الى قمة هرم السلطة في العراق . الحرب تلك التي امتدت ثمانية اعوام  كانت حصيلتها مئات الاف من القتلى والجرحى من قبل الطرفين ، وعجز في ميزانية البلدين وتوقف شبه تام لعجلة النمو الاقتصادي  ، وضياع لاجيال من الشباب في حرب مهلكة  خرج منها الطرفان خاسرين بكل الاصعدة .
لايختلف اثنان من المراقبين على ان تونس ماكانت البلد التي ينتظر ان تأتي منها شرارة العصيان المدني والثورة الشعبية المنتظرة ضد النظم التقليدية التي تجاوزها الزمن بكل متغيراته ، بل ان كل التوقعات لمن كان يراقب الاحداث كانت تشير الى ان الاشارة ستأتي من مصر أو السودان او اليمن. ولم تكن تونس حاضرة في تلك التوقعات . بل كانت غائبة تماماً . ذلك لانها لم تشهد خلال الاعوام القلية الماضية  تعبيراً احتجاجياً واضحاً ومستمراً ضد السلطة القائمة التي كانت تحت سيطرة زين العابدين بن علي الذي تسلم حكم البلاد  في منتصف ثمانينيات القرن القرن الماضي بعد انقلابه على سيده الحبيب بورقيبة .
ويمكن القول ايضا بهذا الصدد ان مصر كانت هي المرشحة الاولى التي ستشهد هزة سياسية ستضرب اركان النظام السياس الحاكم المتمثل بالرئيس حسني مبارك والحزب الوطني الديموقراطي الحاكم  الذي يسيطر على الحياة السياسية منذ اكثر من ثلاثين عاماً .
 ان  المسيرة السياسية التي انتهجها الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم في مصر بكل مافيها من تزوير للانتخابات سواء في انتخاب اعضاء مجلس  النواب او في انتخابات الرئاسة او في انتخابات المنظمات المهنية والنقابية او في فرض قوانين الطوارىء التي عطلت الحريات المدنية في البلاد وصادرتها لمصلحة الحزب الحاكم وكانت تلك الاجراءات  قد اتاحت للقوى الامنية ـ التي كانت تتسع وتتضخم عاماً بعد اخر ـ  لان تستبيح الحقوق الانسانية للمواطن المصري،  ووصلت به الى ان يصبح حال 40% من الشعب المصري تحت مستوى خط الفقر كما تشير بذلك التقارير الدولية المعنية بهذا الموضوع ، ورغم هذا القهر والتعسف، كانت الاصوات الرافضة  تعلن عن نفسها عالياً طيلة العقود التي مرت على حكم مبارك وحتى في الفترات التي سبقت مجيئه للحكم . وكان شعبها بطبقاته المسحوقة وبطبقته المثقفة يؤكد مرة بعد اخرى واعتصاماً بعد اخر انه شعب حر وشعب واعٍ ولايترك فرصة تمر دون ان يعبر عن موقفه ورفضه لما يجري من فساد من قبل رموز السلطة . وشهدت مصر خلال العقود الماضية العديد من الاحتجاجات والاعتصامات من قبل فئات ونقابات مهنية مختلفة من محامين وصحفيين ومثقفين  متجاهلين كل العنف الذي كانت تقابل به من قبل  السلطة وقواها الامنية .
إلاّ ان هذا الحراك السياسي المواجه والرافض للنظام لم يتبلور الى حركة شعبية واسعة تهدد مستقبل الحكم القائم كما صارت عليه هذه الايام التي نشهدها والتي ابتدأت في يوم الثلاثاء 25 / 1/كانون الثاني ، ووصلت الى ذروتها في يوم الجمعة 28/ 1/ 2011 . وهنا لابد ان يسجل التاريخ للشباب المصري الذي يتراوح اعماره مابين 18 الى 35 عاماً هذا الموقف وهذه الانعطافة في مسيرة الصراع مع السلطة السياسة القائمة ، والذي ابتدأ ينظم صفوفه على صفحات العالم الافتراضي على شبكة الانترنيت ومواقع الفيس بوك وليس على ارض الواقع ولا في الغرف المظلمة والاجتماعات السرية ، كانت ثورته معلنة ومكشوفة امام العالم كله لحظة بلحظة وكلمة بكلمة ، وتمكن هؤلاء الشباب الذين انضووا تحت عناوين ومواقع ومدونات واضحة صنعوها على صفحات الشبكة العنكبوتية مثل  موقع (شباب 6 ابريل ) وموقع (كلنا خالد سعيد ) . ان يوحدوا الكلمة ويزيحوا حاجز الخوف من السلطة ، وبالتالي استطاعوا ان يُخرِجوا الناس بأعداد غفيرة الى الشوارع ، في اوقات وأماكن  محددة ، ليعلنوا رفضهم للنظام السياسي القائم  .
 وتمكنت اساليبهم الجديدة تلك ان تتغلب على كل اجهزة السلطة القمعية،وهذا الامر وضع كل الاحزاب السياسية امام مأزق كبير وجدت فيه نفسها عاجزة عن مجارات العصر وفهمه ، واكتشفت تلك الاحزاب من خلال هؤلاء الشباب ان الزمن قد تجاوزهم وتجاوز اساليبهم البدائية  التي صارت كما يبدو  تنتمي الى عصور اخرى ، وفقدت بذلك الكثير من القيادات السياسية التقليدية المعارضة بريقها وقدرتها على التأثير والتواجد كما هو الحال مع الاخوان المسلمين مثلاً ،الذين كانوا يملأون الدنياً جعجعة وطنينياً بخطاباتهم ، اضافة الى اساليبهم الاخرى التي تعتمد على العنف ويختلط من جراءها الاخضر  مع اليابس كما يقول المثل الشعبي .
والان بعد ان جرى ماجرى في مصر  من احداث أعقبت التجمع الشعبي الكبير في ميدان التحرير الذي يتوسط العاصمة المصرية ،والذي دعا اليه الشباب المصري  يوم الجمعة 28/ 1 عبر الفيس بوك .والتي قوضت اركان النظام السياسي الحاكم  الذي كما يبدو لم يبقى من عمره الاّ ساعات . لابد هنا  ان نتوقف امام المتغيرات الجديدة التي بدأت تباشيرها تطرأ على الساحة السياسية العربية والتي بدأت تطلق اشارات الانذار والرعب لدى العديد من الرموز السياسية القائمة والتي مضى على وجودها في الحكم عقوداً طويلة لم تستطع خلالها ان تخلق ايّ تنمية اقتصادية تنعكس بشكل واضح على د خل الفرد القومي .
ان كل الانظمة القائمة الان بدأت تشعر بخطر زوالها، وان ماتبقى من عمرها لن يسعفها تحت اي اجراء تتخذه لترقيع واصلاح مايمكن اصلاحه في ابقائها على رأس السلطة . لان عصر الفيس بوك والانترنيت والمدونات بكل بساطة قد وضعها عارية ومكشوفة بكل عنفها وقسوتها ووحشيتها وظلمها مع شعوبها امام العالم  وانتهى بسبب ذلك  عصر قديم كان تلعب فيه بكل حريتها ونزواتها المريضة  بمصائر البشر خلف اسوار من التعتيم والتظليل والتزوير، كان اعلام السلطة فيها يقوم به على اكمل واقبح وجه ، ويرسم للعالم صورة مزيفة عما يجري خلف الاسوار الحديدية، صورة تخلو من الملاحقات والمطاردات للمثقفين  والمطالبين بحقوق الانسان وحريته .صورة تخلو من الفقر الذي ينخر جسد البلاد من اقصاها الى اقصاها . 
اليوم باتت اللعبة مابين الحاكم والمحكوم بكل ادوارها مكشوفة للعالم لحظة بلحظة ولن تذهب قطرة دم سدى ،طالما عدسة الموبايل قادرة على تسجيلها وبثها عبر الانترنت الى كل ارجاء الكرة الارضية بعد ثوان من سقوطها .







                           مروان ياسين الدليمي
 

103
الشاعر وعدالله ايليا :
 إن مختبري الشعري طافح بالرؤيا ، ليضيء المسافات في ظلام هذا العالم.



خلال مسيرته الشعرية التي تمتد لاكثر من عقدين من الزمان اصدر الشاعر وعد الله ايليا  خلالها ست مجاميع شعرية باللغة العربية .اضافة الى عدد من الاصدارات الاخرى باللغة السريانية  التي هي لغته الام . ولانّهُ حاصل على شهادة البكالوروس اداب لغة فرنسية من جامعة الموصل ،فقد  ترجم ايليا العديد من النصوص الشعرية من اللغة الفرنسية الى اللغة العربية لأهم الاسماء الشعرية الفرنسية . ورغم توزع انشطته الثقافية مابين رئاسته لتحرير مجلة المثقف السرياني، وعدد اخر من المطبوعات السريانية  ورئاسته لمركز السريان للثقافة والفنون في ناحية بغديدا، الا ّ انه يحرص بكل هاجسه الثقافي على ابقاء جذوة الشعر ملتهبة في مسيرته الابداعية، الشاعروعد الله ايليا  ، من مواليد ناحية قرقوش عام 1962 ،  كانت بداية ظهوره على خشبة المشهد الشعري العراقي في نهاية ألعقد السابع من القرن الماضي .



 لنبدأ بالتفاصيل الاولى ونتحدث عن البدايات  التي شكلت ملامح الشاعر . الطفولة . . الشباب. ؟

-طفولتي الشعرية بدأت وسط غابات الشعر المتشابكة الناطقة بالنبوءة والرسالة ورحيق النور الذي كان بمثابة بداياتي ونقطة شروعي الأولى التي كانت في المرحلة المتوسطة حيث كنت أسعى بكل أفرازات المراهقة الدخول  إلى عالم الكلمة واللحظات الشعرية التي كانت تتقدُ في وعيي الداخلي وجروحاتي ،كي أتوغل إلى عالم الكتابة. من هنا دخلتُ إلى حقل الشعر بعد أن طاردتُ عذاباتي لأكتشف ذاتي ووجودي.  هكذا كانت طفولتي الشعرية تنطق بالحُبِّ والألم والأمل، ثم جاءت المرحلة الإعدادية لتكشف عن غموضي الجميل وغلياني اللامتناهي ،  ولأدخل  أبواب الشعر الحقيقية وحنينه الأزلي وتوهجاته وهكذا أنشدتُ نشيد انشادي الشعري الأبدي.
هل للمكان الذي ولدت فيه دور واضح في ايقاظ الوعي وتشكيل التجربة ؟
-إنَّ بلدتي العريقة (بغديدا) كان لها الدور الفاعل في إيقاظ وعيي وتشكيل تجربتي الإبداعية وحفر إسمي في عالم الإبداع، كيف لا وبلدتي هي عاصمة الثقافة السريانية في العراق، بغديدا التاريخ والأصالة والتجدد والتجذّر،لقد أسست في داخلي بلدة شعرية جميلة وحضارة رائعة ومناخ شعري قادر على صنع تاريخي وأسطورتي الخاصة وعالمي الشعري الخفي الضاج بالرؤى، هنا بزغ فردوس الشعر عندي ونمت روح الإرتباط والإنشداد والإنطلاق ونبتت بذرة إبداعي.
متى جاءت اللحظة الشعرية الاولى ؟
-جاءت اللحظة الشعرية الأولى حينما رأيتُ الكون أمام إستدارته والحياة حتى نهايتها دفعة واحدة ،إذ كان مختبري الشعري طافح بالرؤيا ليضيء المسافات في ظلام هذا العالم، وتتخصب اللحظة الشعرية بالألم والجرح والوجود حتى وصولي إلى الذات,
س: هل كان الشعر زمناً أمناً تلجأ اليه من قسوة العالم ام كان زمناً متمرداً عليه ؟
نعم.. لقد كان الشعر بالنسبة لي بمثابة سؤال لا ينام أبداً إذ كنتُ أواجه الموت داخل فضاء الحياة وفق رؤية خاصة ،عالمها مصاغ من سعي دؤوب لإنهاء نقص العالم غايته قراءة المجهول .
بما انك شاعر قبل ان تكون كاتباً واعلامياً  ولك تجربة مهمة في الكتابة الشعرية . من اين يولد الشعر ؟
-يولد الشعر من حيث يتمزّق الشاعر بمعاناته وعذاباته بحثاً عن الحقيقة والصفاء والإنسان، فالشعرُ عالم مرعب يكشف عن المرئي واللامرئي، ويولد الشعر حينما يظهر جماله المخفي.
هل من تجارب شعرية كان لها تأثير مهم في تشكيل وعيك الشعري . وهل يمكننا ان نسأل اذا كان لك اب شعري تقتف اثره ؟
-كانت هناك تجارب شعرية خاصة أثرت بشكل أو بأخر تأثيراً كبيراً في تشكيل وعيي الشعري ونهوض شعريتي على ما هي عليه الآن إذ أضافت قيمة شعرية إلى متحفي الشعري الذاتي.
ماذا ينبغي أن يتوفر في النص الشعري الجيد والمؤثر ؟
-كي يكون النص الشعري جيداً ومؤثراً ينبغي أن يتوفر فيه عنصر الوعي والزمن وبتوفر هذين العنصرين تتكون طبقات النص من خلال تكثيف اللغة وغرابة الصور بالبحث عن اللامنظور والكشف عن المجهول.
هل تشغلك مسألة الشكل الفني في الكتابة الشعرية وكيف تنظر اليها ؟
-نعم.. تشغلني كثيراً مسألة الشكل الفني في الكتابة الشعرية وتنمو بداخلي مع نمو القصيدة ذاتها، لأنه لا توجد صورة جاهزة يمكن رصفها ضمن القصيدة للتعبير عن المشاعر بل تخضع الصورة لطبيعة الشعور الكامن في نفس الشاعر، والصورة الجاهزة لا تمكننا من الخوض في أعماق التجربة الإنسانية.
الى ماذا ترمي وانت تكتب الشعر . الى أين تريد الوصول ؟
-وأنا أكتب الشعر لأواصل رحلة الحياة والشعر معاً وأبقى في حالة إنفعال ما يحدث في العالم، وفي أغلب الأحيان تتقدمني القصيدة ولا أدري إلى أي مكان تقودني. أريد الوصول إلى عالم الصدق والحقيقة والمجهول لأن الشعر يختبيء بين خلايا دمي ويضخ في روحي مشاعر وأحاسيس جديدة. الشعر بحد ذاته حركة وبدونها لا يمكن أن يكون له حياة، أطمح أن أؤسس منطقة شعرية كونية تمثل تاريخي الشعري الجسدي والروحي وذاتي العميقة في رؤيتها لكل العوالم المجهولة.


                                       مروان ياسين الدليمي




104
أدب / قُدّاسٌ . . لم يكتمل ْ
« في: 23:53 05/11/2010  »
قُدّاسٌ . .  لم يكتمل ْ
                                                 الى / شهداء كنيسة الرجاء في بغداد


لاأحدَ ، سيملأُ  الفراغ ،   بعد هذا الدمْ
 لاأحدَ،  بعد هذا الاسى،  وهذا الرصاص .
لاأحدَ هنا
لاأحدَ هناك . . . 
غاب الوقتُ عنا
حين توغلت اناشيدُنا  في الحلم .
 ربما ، اخطأنا
ربما توهّمنا
ربما خُدعنا
ولربما اخطأ الطريقُ وغابَ عنّا
ربما ، تضرّجَ، بالخديعة ِ
بالحزامِ الناسفِ
 بالكُرهِ
 بالحقد ِ
 بالتكفيرِ. 
يومُنا هذا ، توشّحَ بأسى التراتيلِ ،
بالبراءة
بالامنيات
بالرجاء
بالدم الطهور. . .
  . . .
ألمٌ مقدسُ هنا ، 
في القلبِ يغفو 
في الصليبِ
في باحة الكنيسةِ
في قُدّاس َينْشُد ُ الرجاء َ،  لم يكتمل ْ. .
ألم ٌ ، مازال يُحدِّقُ فينا ،
بالخاطفين َ
بالمنددينَ
بالشامتين َ
بالساكتين َ.
بعالم مشبوهٍ ،
بصمتٍ  مُريبٍ ،
يومٌ بعد اخر
وانفجارٌ بعد اخر
وتواطئٌ بعد اخر
موحشٌ امسى حزنَُهُ ، لمحنتنا
وغريب ٌ صار اعتذارُه منّا .
 . . .
 من جسدِ البلادِ
من شحوبِ صباحاتِها
 ذهب الاحبّة ُ بأخرِ صلواتِهم الى السماء .
. . .
هي المدنُ التي وقفتْ على عتبات ِطفولتِنا، ومايحلو لنا ،
هي المدنُ التي كانت عمرَنا
وتواريخَ رجولتِنا
اشاحتْ بوجهها عنا ، وشردتنا
وغابت من بين اصابِعِنا .


ثمةَ َاطفالٌ
ثمة َاناشيدٌ
ثمة َادعيةٌ ٌ
ثمة َاصواتٌ لنا ،  كانت قبل لحظات ٍ،  هنا .



   مروان ياسين الدليمي
Marwan_ys2000@yahoo.com
                               





105
        ياأثرياء العراق . .
                        لتكن أوبرا وينفري،  خير أنموذج لكم .





منذ فترة  قد تصل الى عامين أصبحت متابعاً لكل البرامج التي تقدمها مقدمة البرامج الاميركية الشهيرة اوبرا وينفري . ويوماً بعد اخر يزداد اعجابي بهذه الشخصية  لِمَا تتمتع به من خصال انسانية رائعة ، اضافة الى ماتمتلكه من مواصفات حرفية ومهنية عالية ، تضعها في مقدمة الشخصيات الاعلامية التي عرفها العالم خلال الخمس وعشرين عاما الماضية .
 وبكل ماقدمته من تقارير وحوارات وقضايا تناولت الشأن الانساني سواء في اميركا اولاً أو في بقية دول  العالم ثانياً ، يجعلها هذا أن تنال على جهودها تلك احترام وثناء العالم باجمعه .
فهي لم تترك اية قضية تشغل الرأي العام الاّ واقتربت منها وسلطت الاضواء عليها . ابتدأ من الجرائم البشعة التي هزت الاوساط الاجتماعية في اميركا مروراً بالخيانات الزوجية ، ومأسي الاعاصير وماتخلفه من كوارث اقتصادية واجتماعية، الى أهم الاصدرات في عالم الكتب والطبخات والازياء ، الى اللقاء بالعوائل المشردة جراء الازمة الاقتصادية التي مرت على اميركا منذ العام 2008.
لقد كانت أوبرا في مهنيتها العالية،  تقدم أنموذجاً متقدماً للاعلام الذي يقف الى جانب القضايا والمشكلات التي تعصف بكيان المجتمعات ، دون أن تتورط في افتعال الاثارة من أجل نجاح ماتقدمه ، وعوضاً عن ذلك ،  أستثمرت كل نجاحاتها  المتواصلة التي حققتها في مهنتها منذ خمسة وعشرين عاماً لخدمة القضايا المجتمعية لاجل ان يكون الاعلام خير وسيلة لتقديم يد العون الى من يحتاج العون ،اضافة الى مهامته الاساسية في الكشف عن الحقيقة ،وتسليط الضوء الساطع ،على الازمات والمشكلات التي تواجه المجتمعات .
 أوبرا كانت كريمة جداً، مع كل الذين يحتاجون دعمهاً ورعايتها طيلة  مشوارها الفني وهي تتألق في مسارعملها يوماً بعد أخر وسنة بعد أخرى لتصبح في نهاية الامر، صاحبة أكبرامبراطورية اعلامية ،وهي لم تكن سوى  تلك المرأة السوداء الفقيرة التي بدأت مشوار حياتها بعد ان كانت قد تعرضت في طفولتها الى  التمييز والاغتصاب . وأدركت بحسها الانساني وذكائها المهني،  ماينبغي عليها ان تفعل،  لكي تتجاوز محنتها وترتقي الى مستوى طموحاتها ، ولتصل بكفاحها الى ماوصلت اليه من نجاح مهني جعلها تعرف جيداً أهمية العمل الانساني الذي يخدم المجتمع ، وتعرف جيداً من  يستحق ان تقف الى جانبه من عامة الناس .
 ولأنها أمرأة تتسم بالارادة والشجاعة منذ خطواتها الاولى في مطلع ثمانينيات القرن الماضي ، عندما ابتدأت العمل  كمذيعة ومقدمة للبرامج في احدى المحطات الاذاعية المحلية،كانت تقف دائماً مع بسطاء الناس الشجعان، الذين يقاومون الصعاب، سواء كانت اقتصادية او خلقية أو اجتماعية ، لتمد لهم يد العون،  دونما حساب لكمية ماينبغي ان تعطي .
وكم هي تلك الخدمات التي قدمتها الى من كان يحتاج لها ، لكي  يبقى واقفاً على قدميه متمتعاً بكرامته الانسانية .
إن اميركا على الرغم من كل المساؤى التي تحفل بها ، من سياسة استعمارية قذرة ، واستعلاء على شعوب الارض الفقيرة، واستغلالها البشع للثروات الطبيعية لبلدان العالم الثالث،  إ لاّ ان نمط الحياة فيها ،ونظامها الاجتماعي  ،شجّع  دائماً على احترام وتقديس العمل الخيري لمن يملك القدرة على تقديمه الى المجتمع .
 ويبدو واضحا ان النظام الاقتصادي الاميركي  بما فيه من قوانين صارمة تفرض على اصحاب رؤوس الاموال ــ من رجال المال والاقتصاد ونجوم المجتمع،  سواء من الفنانين او الاعلاميين ــ الى  ان يبادروا لتقديم الاعمال الخيرية،  وتأسيس الجمعيات الانسانية  التي ترعى فئات من المجتمع بحاجة الى دعم . وقد ساهم بدرجة كبيرة جداً  الى اشاعة ثقافة انسانية بين عموم الاميركان ، قوام تلك الثقافة  :  احترام العمل التطوعي ، الذي يقدم خدمات ضرورية الى من هم بحاجة الى  الدعم والمساندة المادية والمعنوية.
لذاغالباً ماكنّا نجد العديد من المشاريع الانسانية الكبيرة ، التي عادة  مايقف وراءها نجوم السينما والرياضة،  من اجل دعم المرضى والمعوقين والمشردين والفقراء،  سواء داخل اميركا او حتى خارجها، كما هي الحال في الكثير من تلك المشاريع في افريقيا واسيا .
ويبدو ان أوبرا قد وصلت في طموحاتها ومشاريعها الانسانية الى درجة  لم يصل اليها احد قبلها ، عندما اطلقت هذا العام مشروعاً  طموحاً ،عنوانه
( تحقيق الاحلام الجامحة ) .
يأتي هذا المشروع الكبير بعد ان اعلنت في مطلع عام 2010  نيتها التوقف نهاية هذا العام عن تقديم برنامجا التلفزيوني الشهير الذي مضى عليه 25 عاماَ ، لتبدأ مرحلة اخرى جديدة من حياتها المهنية في  مطلع عام 2011  عندما يبدأ بث قناتها الفضائية الخاصة بها . 
في مشروعها الجديد ( تحقيق الاحلام الجامحة ) الذي تختتم به مسيرة برنامجا التلفزيوني الشهير، سعت أوبرا  الى جمع 250 متابعاً لبرنامجها التلفزيوني ، وسبق لهولاء المتابعين ان عرضت أوبرا  قضاياهم  في تقارير خاصة عبر برنامجها ، ابتدأ من أول حلقة عرضت قبل ربع قرن،  وانتهاءً بأخر حلقات قدمت في الاسابيع الماضية من هذا العام . وبعد ان جمعتهم بدأت في تحقيق احلامهم الخاصة،  مهما كانت كلفة وصعوبة تحقيق تلك الاحلام،  فلا شيىء يقف امام الاصرار الذي تتحلى به هذه السيدة الشجاعة عندما تعزم على تحقيق امر ما .
لذا لم يكن غريباً عليها ان تشتري لسيدة مكافحة سبق ان ابتليت بمرض غريب اصاب يديها وقدميها بعد ولادتها لابنتها وعجز الاطباء عن معرفته مما اضطرهم  الى بتر اطرافها العليا والسفلى . لكن الروح القوية التي كانت تتحلى بها تلك المرأة جعلتها تقف صلبة امام وضعها الجديد ولم تستسلم ابداً واستمرت في تأدية دورها الطبيعي كأم وكأن شيئاً لم يكن .
امام هذا النموذج وقفت اوبرا امام العالم لتقول لها:  انك المرأة القدوة لنساء الارض . . ثم بدأت أوبرا في تحقيق ماتحلم به تلك السيدة المعاقة ،  ابتدأً من شراء بيت فخم لها ، ودفع كافة تكاليفه نقداً،  الى تصميم اثاث ومطبخ البيت وفقاً لوضعها الغيرطبيعي وهي المرأة الفاقدة الاطراف  حتى تستطيع ان تتعامل مع الاشياء والادوات بناءً على وضعها الخاص هذا .
وهكذا تتوالى عملية تحقيق احلام 250 امرأة خلال الايام والاشهر القادمة من عمر البرنامج في عامه الاخير . اضافة الى العديد من المساعدات الانسانية التي ستوزعها اوبرا في معظم قارات الارض لنساء ورجال سبق ان عرضتهم في حلقات برنامجها .
ان أوبرا هناتقدم صورة اخرى للاعلام ، غير تلك الصورة البرغماتية التي تعودنا عليها ، سواء في اميركا او في مناطق اخرى من العالم ، اعلام مسؤول ، يتحلّى بكامل المسؤوليةالاخلاقية تجاه مجتمعه وتجاه المجتمع الانساني عموماً ، وتجاه الاشخاص الذين يقدمهم في البرنامج  عندما لايقطع الصلة معهم بل  يبقى على تواصل دائم بهم ،  يتابع سيرهم في الحياة ، وهم يحملون مشكلاتهم معهم .
ماأنوي الوصول اليه في هذا المقال هو:  الغياب التام  للمشاريع الانسانية التي تخدم المجتمع فيما نقدمه من برامج في قنواتنا الاعلامية،  باستثناء قناة الشرقية التي خلقت لنفسها نهجاً متفرداً في هذا المضمار، وهذا أمر يحسب لها ولأدارة القناة ، منذ اطلالتها الاولى عام 2004 عبر اكثر من برنامج من خلال  تقديم العون والمساعدة لشرائح وفئات وافراد من المجتمع العراقي المبتلى بتركة ثقيلة من الازمات والمشكلات،  تبدأ  بالحروب والمعوقين، والعاطلين عن العمل ،والمهجرين ، وتنتهي  بطبقة سياسية فاسدة لاهم لها سوى ادامة الفوضى  لا لشيء سوى استمرارها في الجلوس على كرسي الحكم ، ونهب الثروة العامة ، وعدم الالتفات الى مايعانيه هذا الشعب من محن تفتك به .
إضافة الى ذلك  غابت  هذه المشاريع الانسانية عن رجال الاعمال والطبقات الثرية العرقية ، التي ازدادت ثراء بعد التاسع من نيسان الى حد مخيف ، ولو دققنا في مجمل انشطتها التجارية لن نعثر  في اجندتها  اي مشروع يسعى لتوظيف ولو جزء بسيط من تلك الثروات الهائلة لخدمة فئات من المجتمع هم بحاجة الى الدعم والمعونة .
فهل ياترى  سيأتي ذاك اليوم الذي نتحلى فيه  بصفات اخلاقية وانسانية دعانا اليها ديننا الاسلامي ! تحتم علينا ان نخصص جزءاً من ثرواتنا وبملء ارادتنا لاقامة مشاريع وجمعيات، تقدم العون للاخرين المحتاجين  لنا ، وساعين من خلال هذا العمل ، لان نكون متطابقين مع انفسنا ومع طبيعة ديننا الحنيف ، وأن نكون ايضاً  اعضاء نافعين ومؤثرين في صنع السعادة والامان لمجتمعاتنا . !؟
من الغريب هنا ،  ان نجد ماينبغي ان نكون نحن عليه كمسلمين متجسداً بأبهى صورة لدى الغرب ،  أولئك الذين دائماً ما نتهمهم  بالكفر. .!
نعم ،  قد يكون في نمط الحياة الاميركية ، الكثير من التفاصيل التي ندينها ولكن في المقابل ، علينا ان نحترم جوانب أخرى مشرقة فيها ، منها مايتعلق بموضوعة العمل التطوعي والخيري الذي يكاد ان يكون ثقافة مشاعة هناك .
 إن  منطق الامرهنا  وكما يقتضي بهذا ديننا ،  أن نكون نحن المسلمون  السباقون الى تقديم العمل الخيري والتطوعي على اولويات حياتنا ، أليس كذلك ؟ 
لكننا وياللاسف،  لسنا هكذا ، بل نكاد ان نقيم الدنيا ونقعدها من اجل الدفاع عن ممتلكاتنا الخاصة ،والسعي المحموم لزيادتها، حتى لو جاء ذلك  على حساب خراب بلداننا ومجتمعاتنا ، بل إننا مازلنا نحتمي بعقلية قروية لايهمها في هذا العالم سوى الارض التي نملكها  ونزرعها ، وليذهب الوطن والعالم بعدها الى الطوفان ، بمافيهما اقرب الناس الينا .
وعلى العكس من هذا السلوك وهذا الفهم وهذه الثقافة ، فيما لو سادت بيننا  ثقافة اخرى،  هي تقافة العمل الخيري والتطوعي ، وشهدنا صورها متجسدة في سلوك الاثرياء عبر المشاريع التي يقدمونها الى المجتمع . ماذا سيحصل في حينها .  من المؤكد  سنجد انفسنا لسنا بحاجة الى ماستقدمه الدولة لنا من هبات ومساعدات قد تحتاج الى زمن طويل جداً لكي تصل الى من يحتاجها ، وقد لاتصل ابداً،نتيجة للفساد وللاجراءات الروتينية والرسمية التي تثقل مؤسسات  ودوائر الدولة .
اخر القول لنا  :  هي دعوة لرجال الاعمال وألاثرياء العراقيين، أن  يعيدوا النظرتماماً في علاقتهم ببلدهم، ومجتمعهم ،وقيمهم ، واهدافهم ، وأن يكرسوا شيئاً مما يملكون لاقامة مشاريع خدمية انسانية تساهم  في نهضة بلدهم الجريح الذي لامكان لهم خارج حدوده ، وما سيقدمونه له ، ما  هو إلاّ واجب اخلاقي يفرضه عليهم انتمائهم لهذا البلد . ولتكن أوبرا خير أنموذج لهم لكي يحذوا حذوها .



                                                    مروان ياسين الدليمي
                                           Marwan_ys2000@yahoo.com


106

             الفنان الرائد  رفيق نوري حنا  . .
                                        حركة دائبة ونشاط لايهدأ




وجودي في اقليم كردستان وفي عنكاوا تحديداً مضى عليه اكثر من اربعة اعوام كنت قريباً جداً فيه من الانشطة والفعاليات الفنية  التي تشهدها اربيل وناحية عنكاوا تحديداً المسرحية منها والسينمائية ، ولايمكن ان اطلق حكماً عاماً على مجمل تلك الانشطة التي يختلف ويتباين المستوى الفني فيما بينها  بدرجات واضحة وهذا يعود الى من يقف من الفنانين وراء تلك الاعمال الفنية  تبعاً لخبرتهم ومستواهم الفني ومدى عشقهم لهذا الدرب الطويل والشاق الذي يتطلب من العاملين فيه الكثير من الجهد والتضحية والصبر الطويل، ذلك لان الاعمال ذات المستويات العالية والتي تنطق بافكار فنية وجمالية تحتاج الى وقت طويل من التحضيرا ت الاولية والى فترات من التمرين والمعاينة والبناء والتعديل . وهذا ماسيؤدي بتلك الاعمال الى النمو المتصاعد في بناءها الفكري والفني لتصل بعد شوط طويل الى مستوى من النضج يمكنها من تحقيق التأثير المطلوب في المتلقي سواء اثناء فترة العرض او خارجه .
وبما ان مدينة صغيرة مثل عنكاوا لاتملك  ذاك العددالكبير من خريجي المعاهد الفنية فان النشاط الفني قد انعكس عليه  هذا الوضع بالتالي لينحسر فيها النشاط الى اعمال فنية موسمية . ورغم ذلك فأن وجود فنان ذي خبرة طويلة في العمل الفني مثل (رفيق نوري)  له العديد من التجارب الفنية التي ساهم فيها سواء في اقليم كردستان اوفي بغداد اثناء تواجده هناك ايام الدراسة في منتصف سبعينيات القرن الماضي في معهد الفنون الجميلة لدى  اهم الاسماء الفنية المسرحية العراقية وفي المقدمة منهم الفنان الراحل
( قاسم محمد )قد اعطى له خصوصية فردية مكنته ان يرسم له تاريخاً فنياً مشرفاً ومهماً على مستوى اقليم كردستان .
 فكان تاريخه الفني حافلاً بالعديد من الاعمال المهمة التي تُعد بحق علامات مضيئة في المسرح السرياني والمسرح في اقليم كردستان . ولم يتوقف هذاالفنان طيلة مسيرته الفنية التي تمتد لاكثر من اربعة عقود فنية كان خلالها يكتب العديد من العروض المسرحية التي يقدمها باللغة السريانية واللغة الكردية . وحتى في تلك الفترة التي كان فيها ملتحقاً بالبشمركة في ثمانينيات القرن الماضي، مقاتلاً من اجل الحرية كان يمارس عمله الفني  هناك على الجبال وعند القرى الكردية المحررة ولم ينقطع عن ممارسة عشقه للعمل الفني بل تمكن بمايمتلكه من خبرة وعلم في ميدان علم النفس ــ الذي درسه ونال عنه شهادة اكاديمية اضافة الى الفن المسرحي ــ  ان يشرك ابناء القرى في تقديم عدد من العروض الفنية التي كان يدعوهم فيها وعبر افكارها التي كان يصوغها هو الى حب العلم والمعرفة اضافة الى  عشق الحرية والدفاع عنها .
وفي الاعوام الاخيرة بعد عام 2003 اتسعت دائرة نشاطه الفني داخل الاقليم ليقدم افلاماً سينمائية باللغة السورث اضافة الى اعمال مسرحية جادة باشكال فنية تتوزع مابين الغنائي والتجريبي والدعائي  تبعاً لمقتضى الفكرة التي كان يدعو لها .
 ومجمل تلك الاعمال التي قدمها  كانت من بناة افكاره ومن صياغاته الفنية التي فيها الكثير من المسحة الاكاديمية باعتباره مدرساً للفنون المسرحية في معهد الفنون الجميلة / اربيل،  اضافة الى  الحرفية الواضحة والعالية التي جاءت بفعل الممارسة الطويلة والخبرة المتراكمة .
ورغم ضيق المساحة التي يتحرك عليها الفنان نوري  في المنتدى الذي يتولى ادارته ( منتدى عنكاوا للفنون ) الاّ انه تمكن ان يحشّد الكثير من العناصر الشابة التي اخذت تعمل معه تطوعاً دونما تفكير باي مردودات مالية  قد تعود عليها بالنفع، والكثير من تلك العناصر لم تكن لها اي تجارب فنية سابقة ، لكن وجودها في المنتدى والدور الفاعل لرفيق نوري في تدريبها وصقل موهبتها وتربيتها فنياً مكنها من  ان تخطو خطوات واسعة وتتضح ملامح شخصيتها الفنية، فبرز منهم  العديد من الاسماء الشابة على مستوى الاداء المسرحي والدرامي وكذلك في ميدان الموسيقى والغناء . واتسعت نشاطات المنتدى يوماً بعد اخر وعملاً بعد اخر ليكون بؤرة ثقافية يجتمع فيها العديد من الفنانين الكورد والسريان والعرب من خلال الانشطة والفعاليات الفنية التي داوم المنتدى على تقديمها اسبوعياً من اجل تعميم الثقافة والتذوق الفني لدى عموم الناس وهذا هو ماكان يهدف اليه الفنان رفيق نوري .
 فتعدت نشاطات المنتدى الى مديات واسعة توزعت مابين العروض المسرحية  والعروض السينمائية للافلام الكوردية الحديثة، هذا  اضافة الى مارافق تلك العروض من حوارات ونقاشات دارت  مابين الجمهورالحاضر  و مخرجي تلك الافلام .
ولم يقتصر الامر عند هذا الحد بل اقيمت عدد من الامسيات الموسيقية والشعرية التي احتفى بها المنتدى بعدد من المبدعين وفرسا ن الكلمة . ليؤكد المنتدى على دوره الحقيقي في المساهمة الجادة في تنشيط وتفعيل المشهد الثقافي والفني في ناحية عنكاوا وفي اربيل . والى احتفاءه بالابداع والمبدعين كماحصل مع الشاعر مروان ياسين الدليمي عندما اقام المنتدى له امسية تكريمية بمناسبة نيله جائزة ناجي نعمان الادبية في بيروت  . ولولا وجود فنان مخلص لفنه مثل رفيق نوري لما شاهدنا هذه الانشطة الثقافية والفنية التي توزعت على عمر المنتدى الذي لم يمضي عليه اكثر من ثلاث سنوات .
والفنان رفيق نوري  حركة دائبة من النشاط الذي لايهدأ طيلة ايام السنة فهو موزع مابين عمله كمدرس في معهد الفنون الجميلة وعمله كمخرج للبرامج في قناة عشتار ومدير لمنتدى عنكاوا للفنون،  وهذا جهد كبير لايقوى عليه الاّ من كان يملك  طاقة من الحب لعمله لاحدود لها وطاقة من العطاء لاتوصف .
 ولو توفر ت الامكانيات المادية التي يحتاجها من مقر واسع وقدرة انتاجية تستجيب لمشاريعه الفنية الطموحة لتمكن من تحقيق الكثير من الاعمال المهمة والتي سيتوقف عندها الوسط الفني باعجاب وتقدير .
 لذا انا ادعو كافة المؤسسات الفنية المعنية بفتح الابواب امامه وتقديم مايحتاجه من دعم مادي ومعنوي  لان هذا الفنان يمتلك من القدرات الفنية مايمكنه من ان يخلق ارضية فنية واسعة وصلبة يقف عليها الكثير من الاعمال الفنية الجيدة والكثير من العناصر الفنية الشابة الطموحة .





                                        مروان ياسين الدليمي

107
تأويل الصوت والجسد . .  في مسرحية حديقة الانسان .


الحلم الاميركي الذي طالما صنعته الالة الاعلامية الاميركية لم يعد بذاك البريق الذي طالما تبجح به الساسة الاميركان ، وكم  تناول ذلك  العديد من كتاب المسرح الاميركي الحديث منذ مابعد الحرب العالمية الثانية . والكاتب  ادوارد البي واحد من طلائع الكتاب الذين تمردوا على هشاشة القيم التي صنعتها الرأسمالية الاميركية عبر نصوصه التي طرق بها وبعنف على جدران العزلة المفرضة على الذات الانسانية المهشمة . ومسرحية حديقة الحيوان نموذج يتخذ السخرية  المرّة  ضد نمط الحياة التي تسحق الفرد.
هذا الفرد  الذي  يبحث عن  علاقات انسانية تبعث الدفء في روحه المنطفئة ، خلف  جدران  شاهقة من الصلب والكونكريت امست تخنق الطبيعة والانسان في ان واحد .
الفنان شفاء العمري قدم عرضا مسرحياً بعنوان ( قصة حديقة الانسان ) في 29 / 7/ 2010 على خشبة فرقة قرقوش المسرحية في بغديد ا/ قرقوش  التابعة لمحافظة نينوى ، وسبق له ان قدم هذا العرض في مطلع شهر تموز الماضي في بغداد على خشبة مسرح كلية الفنون الجميلة . وهو من انتاج دائرة السينما والمسرح في بغداد .
نص المسرحية يعود للكاتب الاميركي ادوارد البي المعنون  ( قصة حديقة الحيوان ) وهي تسمية تنطلق من اسلوبية النص الذي يحلق في فضاء العبث ، الذي ينتمي له  الكاتب البي .
هنا النص  يتناول موضوعة العزلة التي تسحق الانسان  الاميركي المعاصر وهو يحيا في بيئة تتسارع فيها حركة النمو الاقتصادي والمادي الى الحد الذي سحقت تحت عجلاتها المسننة القيم الانسانية والاخلاقية ،مما ادى الى عزلة خانقة للفرد  داخل اطار مجتمع تشكله اثنيات وقوميات واجناس مختلفة ومتعددة  تتشارك في انتمائها وانتسابها للوطن على الرغم من هجرتها اليه من دول وقارات متباعدة.


شفاء العمري سبق له ان تناول هذا النص في منتصف ثمانينيات القرن الماضي ولم يكن في حينها عازماً على اجراء اي تعديلات جوهرية عليه مكتفياً انذاك  في تقديم رؤيته الفنية التي اكد ًفيها على الجوانب الانسانية للشخصيتين الرئيستين وهما يقعان تحت  شعور حاد من العزلة.
 والعمري هنا يتناغم مع ماجاء به النص من افكار، دون ان يسعى الى التقاطع او الانزياح عنها في العرض المسرحي  .
 اما في قراءته الثانية للنص عام 2010 فقد انعطف فيها كثيراً عن مسار القراءة الاولى ، ليخلق مقاربة جديدة تتحرك بحرية ٍ وقصدية واضحة  مابين دلالات النص الاصلي  ومدلولات ماجرى من تداعيات جسيمة بعد الغزو الاميركي للعراق عام 2003 .وهذا هو مايبرر جدوى اعادة انتاجه بعد اكثرمن ربع قرن على انتاجه في المرة الاولى  دون  الخضوع لمحددات العرض الاول ، ليقف العمري هنا حراً، وبعيداً عن هيمنة الماضي ،وقريباً جداً من منطقة الابداع التي يعزف على اوتارها الفنان المفكر وهو يتلقى بوعي متوقّد ومخيلة جامحة متغيرات واعاصير الحياة ،وليعكس في مجابهاته الجمالية رؤيته الفنية عندما  يعيد قراءة الاعمال والنصوص المسرحية المهمة التي تحتشد فيها مستويات متعددة ومتصاعدة من الافكاروالموضوعات التي عادة ما تمنح الفنان المكتشف مساحات واسعة من الضوء وسط العتمة، للتحرك داخلها ،ليكشف ِ ما يختفي بين السطور .
 هذه هي الارضية الفكرية التي هيكَل  عليها العمري مشروعه الفني الجديد /القديم ، وهويعيد قراءة قصة حديقة الحيوان. لنقف امام عرض جديد ينحاز الى المغامرة ويزيح  بعد ربع قرن سلطة خطاب عرضه الاول  .
 في نسخة العرض الاخيرة ، تناثرت شواهد قبور الجنود الاميركان القتلى في العراق على خشبة المسرح لتصبح حديقة الحيوان : حديقة لرفات من  تورط في حرب لاناقة له فيها ولاجمل . هي حربُ كتب سيناريو حكايتها وتفاصيلها وافكارها ، رجال السياسة والمال ، كتبوها  بحرفية عالية تداخلت فيها الوقائع بالاكاذيب، من اجل صنع طبخة فنية مقنعة وممتعة ومشوقة من اجل خداع العالم لاأكثر،  كما هي عادة السينما الاميركية بكل ماتملك من حيل وخدع تقنية ،تمكنها دائماً من تحقيق المعجزات على الشاشة ضاربة المنطق والحقائق بعرض الحائط .
مايمتلكه العمري من مخزون معرفي وخبرة متراكمة تشكلت خلال نصف قرن من العمل الجاد في ميدان المسرح ،وساعياً  فيها الى  مواكبة التطورات الحاصلة في ميدان المسرح العربي والعالمي وصولاً الى تكوين شخصيته الفنية المميزة عبر تقديم اعمال مسرحية تستجيب لدوافع التجديد في معمارية العرض المسرحي وتشكيل رؤية فنية تنظيرية لمسرح محلي عربي يستثمر كل الممكنات التي تختفي وتتناثر بين سطور التراث والطقوس والفلكلور والتاريخ ، القريب منه والبعيد .
وفي ذروة  تطلعاته تلك لم يتردد في  الاستناد على نصوص مسرحية كتبها اخرين ،او قد يلجأ هو الى كتابة نصوص مسرحية وفقاً للمناخات التي ينوي اجتراحها عندما لايجد لدى الاخرين مايمنحه فرصة التحليق بعيداً في فضاء العرض المسرحي .
هذا الهاجس الدائم بالعمل والبحث وطرح الافكار طيلة نصف قرن اوصله في السنين الاخيرة الى ان يمتلك رؤيته الفنية الخاصة لشكل العرض المسرحي، وبدا ذلك واضحاً في عمله  الاخير وكذلك في الاعمال التي سبق ان قدمها في تسعينيات القرن الماضي . وقد اقترب هذا الشكل الى منظومة من الاشتراطات الفنية التي يستنطقها غالباً كلما تصدى لعمل ما. . ويمكن لنا ان نستوفيها في الملاحظات الاتية  :  الابتعاد شبه التام عن استخدام قطع الديكور ،والاكتفاء بالانسان وبحضوره الواضح في فضاء الخشبة ،وهذا المساريضع اي مخرج اخر امام اشكالية بصرية تفرض عليه جهداً مضاعفاً في تشكيل سينوكرافيا العرض المسرحي معتمداً فقط على جسد الممثل وصوته وهو يتحرك على الخشبة العارية الاّ من قطع معدودة جداً من الديكور والاكسسوارات اضافة الى الاضاءة المسرحية .


وهنا يبدو شفاء العمري قد وصل في ذروة تجربته الطويلة. اي الى تلك الخطوة الاولى التي سبق ان انطلقت منها الظاهرة المسرحية قبل الاف السنين عند الاغريق، عندما كان الممثل يشكل بؤرة العرض على خشبة المسرح العارية .
 لقد جاءت هذه العودة ــ باعتبارها مشروعاً فنياًـــ   الى نقطة البداية بعد ان امتلك العمري فلسفته التقنية في استثمار  الوسائل والاساليب الفنية التي تمكّنه من تكثيف وتحرير  مايمتلكه الممثل من طاقة جسدية الى الحد الذي يصبح فيه هذا الجسد لغة حية تتشكل منها حروف وجمل وتراكيب بلاغية تنبض بصورافتراضية  دون ان يتوقف المتلقي بمايحيط بهذا الجسد من مفردات وقطع مادية . ذلك لان سعة الرؤية لدى المخرج تكتفي هنا  بصوت الممثل وجسده لرسم صورة  العالم الذي ينشده او يرفضه على الخشبة  ومن خلالهما( الصوت والجسد ) يطرح مايلح عليه من رؤى وافكار .
في هذا العرض ( قصة حديقة الانسان ) اخذنا العمري الى حديقته دونما ضجة ولا بهرجة لنقف امام عالم جمالي شكّله ممثلان اثنان فقط لاوجود لغيرهما على الخشبة . الاول كان الممثل القدير محمد العمر والثاني كان الفنان الرائد علي احسان الجراح .
نص المسرحية يقترب من  مناطق مظلمة في الحياة والثقافة الاميركية من خلال لقاء عابر يتم في حديقة عامة لشخصيتين لاصلة سابقة بينهما،احال المخرج شفاء العمري جزءاً منها الى مقبرة لجنود اميركان  سقطوا قتلى في  العراق .
وقد تحمل الفنان محمد العمر العبء الاكبر في تقديم  هذا العرض،وهو يؤدي شخصية (جيري) التي تستحوذ على رقعة واسعة من مساحة الاحداث التي تدور في بقعة مكانية واحدة لاتتعدى حدود مصطبة خشبية  تتشارك  الشخصيتان في الجلوس عليها  .


الممثل محمد العمر يمتلك  قدرات فنية عالية تتظافر فيها ،طاقته الجسدية،ولياقته ، ومرونته ،في التعبير عن التحولات النفسية ،اضافة الى مايمتلكه من مخزون شعوري وانفعالي غالباً ما أحسن َ هذا الممثل الخبير في استدعائه واستنطاقه، في الوقت والشكل الذي يبتغيه هو ، ووفقاً لما يفرضه منطق الفكرة الفنية التي يسعى خطاب العرض الفني الى توصيلها.
ان هذا العرض بما يشكله من ثقل على من يتولى  تأدية  شخصية (جيري. يفرض ممثلاً من نمط خاص،  تتوفر فيه جملة من العناصرالفنية  المميزة جسدياً، وصوتيا،ً وذهنياً ،وطاقة شعورية متوقدة .
 والممثل( العُمر)  بتاريخه المسرحي الطويل الذي قطعه بكل اخلاص مع مدرسة شفاء العمري المسرحية خلال ثلاثة عقود من عمر الزمن خير من يستحق ان توكل اليه مهمة تشخيص هذا العرض ، والجهد الذي بذله يضعه في مقدمة الممثلين المعاصرين العراقيين الذين يدركون تمام الادراك وبفهم واسع، كيفية التعامل بتقنية عالية مع ايقونية الجسد بمدلولات مفتوحة وهو يرسم  معمارية الشخصية الانسانية في حدود المؤطر منها داخل العرض المسرحي ،ذاهباً  بها وفقاً لعمليات الاشتغال والتجريب الدائم طيلة فترة التمرين  الى ايقاف سطوة المستهلك من المدلول ومفجراً افاقاً جديدة ومدهشة تتجدد مع كل عرض .
لقد رافق محمد العمر المخرج شفاء العمري منذ مطلع سبعينيات القرن الماض وهو لم يكن في حينها سوى ذاك الشاب الرياضي  الذي كان قد قطع شوطاً جيداً في عالم رياضة الجمناستك والجمباز. ورغم تفرغه التام بعد ذلك  لعالم شفاء العمري المسرحي إلاّ أنه  ظل محافظاً على لياقته، وبنيته الرياضية، من اجل ان يكون جسده قادراً على الاستجابة التعبيرية المكثفة  لكل المستويات البنائية للمشغل الاخراجي  . وهو امر غالباً مايهمله الممثل العربي والعراقي . والذي دائماً مانجده مترهلاً وبطيئا في حركته بسبب وزنه الزائد وضعف لياقته البدنية .
اما الشخصية الثانية في هذا العرض فقد كانت من نصيب الفنان الرائد على احسان الجراح . وهو اول خريج مسرحي في مدينة الموصل تخرج من معهد الفنون الجميلة في مطلع ستينيات القرن الماضي . ورغم بلوغه العقد السابع من العمر وتجاوزه بعدد من السنين الاّ انه لم يزل يواصل عمله في المسرح . والمفارقة في هذا الامر ان علي احسان الجراح كان المعلم الاول الذي تتلمذ على يده شفاء العمري مع مطلع العقد السادس من القرن العشرين  . لذا امريدعوالى الغبطة أن  تتواجد في هذا العرض ثلاثة اجيال مسرحية من الاساتذة والتلاميذ في أن واحد. الاول  جيل تشكلت تجربته في خمسينات القرن الماضي ويمثله الممثل علي احسان الجراح  وثانٍ في ستينياته ويمثله تلميذه شفاء العمري  وثالث في سبعينياته ويمثله تلميذ شفاء الممثل  محمد العمر  .


يتسم المخرج شفاء العمري بخاصية لانجدها الاّ لدى قلة من المخرجين المحترفين الذين يملكون القدرة على تفجير الطاقات الكامنة لدى المواهب الفنية التي تعمل في مشغلها الفني . ويملكون الطريقة والاسلوب لتطويرها . إذ عادة مايستمر التمرين فترة طويلة لدى العمري إذ يحاول فيها ان يكتشف دائماً مناطق جمالية جديدة في تفاصيل النص الذي يشتغل عليه . ويصب الكثير من جهده على تدريب الممثل . والعمري يملك من الوسائل الفنية التي تراكمت بفعل الخبرة والثقافة العالية التي يتسلح بها مايمكنّه من رسم طرق ومسالك رحبة ومتعددة للممثل من اجل ان يصل الى امكنة بعيدة في بناء الشخصية التي يقدمها على الخشبة .
يقول المخرج القديرشفاء العمري في كلمة معبرة ثبّتها في كراسة  العرض التعريفية ، لها دلالة واضحة على عمق وصدق ارتباط هذا الفنان  بخشبة المسرح  ، يقول فيها  : بعد هذه السنوات التي مضت على اخر عمل اخرجته للمسرح تأتي هذه التجربة المتواضعة التي اشعرتني بأني لم ازل احيا .  




 مروان ياسين الدليمي
Marwan_ys2000@yahoo.cm


108
الحالمون عند نقطة الصفر . .  

                              
قراءة نقدية ، لنماذج سينمائية
من كوردستان العراق . .       ج1  
                                                                         
            


نظرة تاريخية :
قبل الحديث عن السينما في كوردستان العراق، اجد من الضروري التوقف قليلاً عند الملامح الاولى لظهور الشكل الفني للفلم السينمائي . أي اقتفاء اثر اللحظات الاولى التي كانت السينما فيها لاوجود لها كفن .حتى  نرصد الخطوات الاولى لظهورها على سطح المشهد الثقافي الانساني .
 ونحن بهذه العودة الى تلك السنين نسعى لان نضع السينما في كوردستان العراق ضمن اطارها الموضوعي والتاريخي ، ذلك لانها لم تولد من فراغ ، ولم يكن ميلادها قد جاء بفعل الصدفة ، او تعبيراً عن رغبة انية لفرد ما ، انما جاء ت بفعل تحولات اجتماعية وتاريخية شهدها العالم بشكل عام والمنطقة الجغرافية التي تحيط بالشعب الكردي  بشكل خاص . وهذا بدوره قد انعكس بطبيعة الحال على المجتمع الكوردي سلباً وايجاباً لكنه في نهاية المطاف كان له الاثر البالغ في نمو ويقظة الوعي الذاتي والقومي في المجتمع الكوردي ، الذي شهد صوراًً جرب صور شتى للتعبير عن هذا الوعي عبر مراحل نضاله الوطني وكفاحه الطويل من اجل اثبات وجوده على ارضه المستلبة، ومن اجل اعلان هويته التي ظلت تتعرض لعمليات تدمير منظمة بقصد محوها أو اذابتهافي هويات شعوب وقوميات اخرى . من كل هذا المخاض الصعب كان الشعب الكردي لايتردد في الانفتاح على اي سبل ثقافية وفنية الى جنب الكفاح المسلح، للتعبير عن صوته وكشف الظلم الذي كان واقعاً عليه .
 وكان الفن السينمائي واحد من تلك السبل التي حرم منها بسبب ظروف النظال التي كانت تتواجد في بيئة جبلية صعبة بعيدة عن المدن ،وبسبب مايتطلبه العمل السينمائي ايضاً من امكانيات ماديةضخمة .
 لكنه وبعد ان نال شيئاً من حريته بعد انتفاضته الشعبانية عام 1991 ، بدأت اولى الخطوات العملية لاستثمار الفن السينمائي لتوثيق ذاكرته المعاصرة قبل ان يطولها النسيان ، هذه الذاكرة المثقلة بالاحداث الجسام والتواريخ المرة والمتوزعة مابين القتل الجماعي والتهجير القسري والنفي في الصحارى والتغييب في السجون والمعتقلات المطمورة تحت الارض ، كان لابد من العمل سريعاً على لملمة شظايا الجروح والمآسي التي كانت  تختزنها الروح سواء جاء ذلك عبر اعمال وثائقية او افلام روائية ،وهذا ماتحقق فعلاً في عدد من الاعمال التي توزعت من حيث الشكل الفني على هذين النوعين من الانتاج الفلمي في النصف الثاني من عقد تسعينيات القرن الماضي  .


ان السينما باعتبارها فناً ، لم تكن في يوم ما ترفاً فنياً لاقيمة له جمالياً كان او فلسفياً او توثيقياً، انما  كانت السينما منذ اللحظات الاولى لولادتها عندما جاءت صامتة ،  تشيء بفن كبير اشارت كل الدلائل على  ان قاموس مفرداته سوف يتسع  فلماً بعد اخر وإسمَاً سينمائياً مغامرا بعد اخر،
 وهنا انتبه لهذا الفن افراد افذاذ ، خُلِقوا لكي يكونوا فلاسفة مكتشفين ومطورين للفن السينمائي ،كما هو الحال مع (كريفث) الاميركي  و(ايزنشتاين ) الروسي ، اللذان اقتحما ارضاً بكراً مجهولة، لم تطأها قدم  شخص اخر قبلهما بقصد (الاكتشاف  والتنظير والتغيير والاستثمار ). وكان لهما ما حلما به،وبدأت فعلاً على يديهما تتضح معالم فن جديد، لم يكن العالم يعرفه ، وانتبه التجار والمستثمرون الاميركان لمايختزنه هذا الفن الجديد  من قدرات هائلة تجارية مخزونة فيه وعلى اشرطة السلولويد التي تطبع عليها القصص والمغامرات والمطارات . لذا لم يتوانوا في تأسيس  تأسيس وانشاء دور للعرض السينمائي في المدن الاميركية ، واخذت  تتسع اعداد تلك الدور يوماً بعد اخر، كما اخذت ادوات العرض تتجدد هي الاخرى تبعاً للمتغيرات الحاصلة في الصناعة التقنية للسينما ايضا .
 ومن هنا بدأت رؤوس الاموال القادمة من الفن السينمائي  تتضاعف وتتراكم لدى المنتجين والمستثمرين في هذا الفن . ليصبح لهذا المال  ثقلاً رئيسياً في ميزانية الدخل القومي الاميركي في النصف الاول من القرن العشرين . ولم يكن تأثير الفن السينمائي مقتصراً منذ البداية على الجانب الاقتصادي فحسب بل بدا واضحاً لدى صناع القرار في اميركا تحديداً ، مدى التأثير الخطير لهذا الفن الدرامي البصري على عقول وثقافات واذواق الشعوب، الى الحد الذي تمكنت فيه السينما من تحقيق ماكانت قد عجزت عنه حقولا ثقافية وفنية  اخرى كالادب والمسرح من الوصول الى ماوصل إليه الفن السابع من قدرة على نشر وتعميم نمط الحياة الاميركية الى ايما بقعة يصل اليها الفلم السينمائي الاميركي بعد أن اكتملت كل عناصر النجاح المادي والتقني  لهذه الصناعة ،ابتدأً  من رؤوس الاموال الضخمة الى معدات التصوير، والاضاءة ،والخدع الفنية التي يتم تطويرها يوماً بعد اخر، وصولاً الى بناء مؤسسات اكاديمية فنية على درجة عالية من الحرفية والعلمية  يتلقى فيها عشاق الفن السينمائي  من الذين يطمحون للعمل فيه ادق المعلومات الحرفية واحدثها في مجمل تفاصيل انتاج الفلم السينمائي . .  
من كل هذا الارث الذي تراكم خلال قرن كامل اصبحت السينما اليوم ابرز واخطر واهم الفنون الدرامية جاهيرية وتأثيراً على الرأي العام،  وامست عاملاً اساسياً لدى الساسة الاميركان وهم يرسمون الطريق لاحلامهم الستراتيجية التي تمتد على طول وعرض الكرة الارضية وخارجها .
وهناك من الدلائل الملموسة مايثبت صحة ماذهبنا اليه وهذا امر لم يعد جديداً ومستغرباً على احد ٍ . ويكفي الاشارة فقط الى عدد الافلام التي انتجت عن الحرب الاميركية في فيتنام وضخامة تلك النتاجات لا لشىء سوى تبرير وازاحة كل الشبهات عن تلك الحرب القذرة اضافة الى مساهمتها في اعادة الثقة بالنفس وبالكرامة  للمواطن الامريكي بعد تلك الهزيمة التي تلقتها في المستنقع الفيتنامي .



 

 وهكذا لعبت ايضاً نفس الدور في معركتها ضد الارهاب القادم من الشرق الاسلامي كما روجت الدعاية الرسمية ! وأعطت بذلك  مبررات الدخول الى مناطق جغرافية  كانت السياسة الاميركية تحلم بالوصول اليها ــ منذ الحرب الباردة ـــ  واقامة قواعد عسكرية واستخباراتية فيها ، من اجل هدف بعيد  يحظى بالاولية لدى دوائر صنع القرار هناك: وهو السيطرة على ثروات الشعوب الفقيرة بأحوالها ،والغنية جداً بأراضيها والتي تختزن اهم واوسع ثروات العالم .
وفي المقابل لهذه الصورة السينمائية التي تم استغلالها بشكل بشع لخدمة اغراض واهداف اضرت كثيراً بالانسانية وبالشعوب الفقيرة والمبتلية بحكام طغاة واغبياء ، كانت هنالك صورة اخرى اكثر اشراقاً للسينما يتم انتاجها ايضاً في عجلة السينما الاميركية والاوربية ، صورة اقتربت كثيراً جداً من الذات الانسانية الجريحة بكل احلامها وامالها ، وكانت السينما هنا منطلقاً رائعاً لكل الفنانين الحالمين بعالم اجمل، وشهد العالم خلال قرن كامل اعمالاً سينمائية خالدة مجدت الانسان بكل طاقات الخير والنبل التي جُبل عليها واقتربت كثيراً من مشكلات واحداث فردية ومجتمعية قدمتها بتحف فنية تسري بين لقطاتها ومشاهدها مشاعر وعواطف واحاسيس انسانية تمكنت من اعادة التوازن الى الذات الانسانية التي كانت تتعرض الى شتى صنوف التهديد والخوف المجتمعي والسياسي . لتصبح السينما هنا تجربة جمالية تتظافر فيها فنون شتى وتتماهى مع بعضها من اجل الارتقاء بالذائقة الانسانية وابقاء الامل مفتوحا امام الانسان اينما كان وهو يشق طريقه في الحياة .
انتبهت شعوب عديدة  بعد نهاية الحرب العالمية الثانية الى اهمية وخطورة الفن السينمائي بعد ان نالت تلك الشعوب ثمار نضالها وحريتها من اجل الاستقلال والخروج من تحت هيمنة القوة الاجنبية المستعمرة سواء في اميركا اللاتينة او في افريقيا او في اسيا . وظهرت خلال نصف قرن من الزمان تجارب سينمائية متفرقة هنا وهناك شهدتها تلك القارات والبلدان التي تقع فيها ، وتباينت نسب الانتاج بين مد وجزر تبعاً للظروف المحلية لكل بلد وقارة، خاصة ونحن نعلم ان كل البلدان التي تحررت والتي امست  زمام امورها خاضعة لحكومات وطنية كانت قد ورثت تركة ثقيلة لتلك العهود الطويلة من النهب والاستعباد ، لكن الشيىء المؤلم والموسف له،  ان تلك  الفرصة التاريخية التي حظيت بها تلك الحكومات والزعامات الوطنية  لم يتم استثمارها بالشكل الصحيح والمجدي ، بعد ان اساء الحكام الوطنيون الجدد استغلالها  اسوأ استغلال خدمة  لمناصبهم  ومصالحهم ،وبدلاً من التفكير جدياً في خلق فرص تنموية لبلدانهم وتطويرها على  النحو الافضل خدمة لشعوبهم،ذهبوا بعيداً جداً في عسكرة المجتمعات وبناء شبكة متضخمة من الاجهزة الامنية والقمعية والترسانات العسكرية  التي ارهقت اقتصاد البلاد واصابته بالعجز والشلل والتضخم ولم يكن الهدف من تلك السياسات  سوى السيطرة على شعوبهم بالقوة وقمع اي قوة تطالب بالحرية والعدالة الانسانية ولتكون السينما في هذه البلدان على شكل واحد من التشابه والاستنساخ في القارات الثلاث ( اسيا افريقيا واميركا اللاتينة ) ولتصبح هي الاخرى ضحية كبقية ضحايا المجتمع .
وعليه لم تشهد تلك البلدان نمواً وتطوراً في الانتاج السينمائي إلاّ فيما كان يخدم النظام الحاكم وايدلوجيته المخادعة والمزورة لكل شيىء ابتدأً من التاريخ البعيد ومروراً بالحاضرالقريب  بكل التفاصيل البوليسية التي يحيا بظلها الانسان . لكن نماذج هذه السينما الحكومية لم تستطع ان تقنع الناس البسطاء في تلك البلدان بقيمتها الفنية ومصداقيتها.
 وهكذا ايضاً فشلت تلك الافلام فشلاً  ذريعاً في الوصول الى المهرجانات الدولية التي كانت تحرص الدوائر الرسمية الحكومية على التواجد فيها من اجل تلميع صورتها والاستمرار بنفس اللعبة دولياً لخداع العالم كما كانت تخدع مواطنيها . وبذلك لم تتمكن من تحقيق ماكان يصبو اليه الحكام .
 وعلى ذلك لم يكن غريباً ولاأمراً يدعو للدهشة او الاسف  ان يذهب كمٌ هائلٌ من النتاج السينمائي السوفيتي ومن الكتلة الاشتراكية في اوربا الشرقية كان قد تم صنعه على مدى نصف قرن  الى حاويات الزبالة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي ..


 لقد تم محو تاريخ طويل من الفن الدعائي الكاذب والمزور لكل شيىء . وسقطت من ذاكرة الناس والتاريخ اسماءً فنية  كثيرة  عملت لعقود طويلة من اجل خدمة الانظمة السياسية الحاكمة فقط ، وتجاهلت دورها الطبيعي ودور الفن الحقيقي في الكشف عن الحقيقة وانصاف الانسان المقهور والمستلب بحريته وانسانيته وهويته ولقمة عيشه واحلامه  وارتضت تلك الاسماء لنفسها ان تنزلق الى منحدر ومستنقع اسن ٍ، الى فن ٍ وسخ،  ساهم مساهمة واضحة في الاساءة لكرامة الانسان وحريته .
وبعد سقوط جدار برلين كرمز لسقوط حقبة سوداء من تاريخ البشرية لم يقتصر تأثيرهذا الحدث  وتداعياته على اوربا فقط بل تعداه  الى العالم اجمع وبدأ العالم يشهد عهداً  اخر من تاريخ الانسانية ،عهد ايقظ الامل في الشعوب الصغيرة والاقليات المهمشة التي طالما سحقتها القوانين الجائرة للقوى المجتمعية الكبيرة المهيمنة على الحياة . وبدأنا نشهد الكثير من مظاهر التعبير الفني لتلك الشعوب والاقليات عكست من خلالها ماتختزنه من عشق كبير للحياة وقدرات ابداعية هائلة ظلت مقموعة لعقود طويلة وهكذا نال عدد من المبدعين ينتمون لتلك الاقليات والاعراق  على العديد من الجوائز الفنية في الكثير من المهرجانات الفنية ،وسجلوا حضوراً مميزاً لهم ولشعوبهم بعد ان توفرت الفرصة لهم للتعبير عن انفسهم وعن قدراتهم . وهذ ماحصل على سبيل المثال لاألحصر مع مخرج فلم(  اسامة ) للمخرج الافغاني ( صديق بارمك ) والمخرج الكوردي التركي ( يلماز كوني ). وعدد من الاسماء السينمائية الايرانية (محسن مخملمباخ )و(سميرا مخلمباف) واسماء اخرى تنتمي لجنسيات وقوميات اخرى  كانت غائبة ومغيبة عن ذاكرة العالم .







                                                               مروان ياسين الدليمي

109
لكي ننصف المبدعين  . . .

ملاحظات . .
على احتفال المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية
بذكرى يوم المسرح العالمي  . 




في 27 من شهر اذار من  كل عام يلتقي المسرحيون في كل بلدان العالم المتحضر والمتخلف منه ، للاحتفال بيوم المسرح العالمي، وقد اصبح الاحتفال  بهذا اليوم بمثابة عرفا وتقليدا امميا ، تحرص المؤسسات المسرحية الرسمية منها وغير الرسمية ، من فرق مسرحية وغيرها من الانشطة والفعاليات التي لها صلة بالنشاط المسرحي على الاستعداد له بالشكل الذي يليق بهذه المناسبة، والاستعداد يمتد ليشمل طيلة ايام السنة التي تشهد عروضا وانشطة مسرحية ولايقتصر على يوم الاحتفال فقط .
 بل ان جهد القائمين على تنظيم الاحتفال يقتضي منهم متابعة جادة ودؤوبة  لنشاط كل الذين يعملون في الميدان المسرحي طيلة موسم مسرحي كامل من مؤلفين الى مخرجين وممثلين ومصممي اضاءة ومصممي ديكورومصممي ازياء ومصممي موسيقى ونقاد مسرحيين وقبل حلول يوم 27 اذار باسبوع او اكثر يلتقي يومياً اعضاء اللجنة المكلفة رسميا من قبل وزارة الثقافة والتي عادة ماتضم ممثلين عن نقابة الفنانين ورابطة المسرحيين ونقابة الصحفيين ونقاد المسرحو اتحاد الادباء ، من اجل مراجعة وتقييم الفعاليات والانشطة المسرحية وكذلك استعراض كل الاسماء المسرحية بكل الاختصاصات  وتقييم دور العاملين فيها  ليتم بالتالي اختيار مجموعة من الاسماء التي تستحق التكريم المميز دونا عن غيرها وفقا للقيم الاعتبارية التي اتفقت عليها اللجنة بمختلف اختصاصات اعضائها والتي تاتي في المقدمة منها التميز في العطاء من خلال المشاركة الفاعلة والمتفردة  بعمل فني واحد في الموسم المسرحي المنصرم مثال على ذلك:  يتم اختيار المخرج الفلاني كافضل مخرج عن عمله المسرحي الفلاني ،  ويتم اختيار الممثل الفلاني كافضل ممثل عن دوره في المسرحية الفلانية،  وهكذاالحال  مع بقية العاملين بكل الاختصاصات ،
كما يجري في هذا اليوم ايضا في بعض الاحيان تكريم بعض الاسماء الفنية لالحجم الدور الابداعي الذي لعبته في مشوارها الفني الطويل فقط ، انما  يتم تكريمها لاجل استمرارها في العمل لعقود طويلة من العمل او تكريما لمجمل اعمالها . 
كما يتم ايضا تخصيص جائزة لعدد من الاسماء الفنية الشابة الواعدة التي دخلت الميدان المسرحي واثبتت تميزها بشكل ملفت للنظر خلال فترة قصيرة من ظهورها في النشاط المسرحي وتاتي هذه الجائزة من اجل تشجيع هذه الطاقات الشابة واعطائها دفعة قوية من الامل.
 اذا كل تفاصيل التكريم الذي يتم في يوم المسرح العالمي ماهي الاّ احتفاء بالمبدعين المميزين في عطائهم بعمل ما ضمن الموسم المسرحي المنصرم ولن يكون التكريم في هذا اليوم جزافاً ، او ينثرعلى رؤوس جميع العاملين دونما تفريق بين الذي يعطي بتميزعن الذي لم يكن مميزاً خلال عمله  او ان تمنح الجوائز وشهادات التكريم وفقاً لمنطق العلاقات الشخصية التي تحكم العاملين في الميدان المسرحي مع الجهة التي تتولى التكريم .
ان الغاية من هذا الاحتفال السنوي ماهي الاّ تثمين وتكريم  وتفعيل للجهد الفني المميز، ووضع اسم الفنان الذي يقف وراءه في المكانة العالية التي يستحقها هو لوحده لما بذله من جهد لم يرتقي اليه اخرون عملوا ايضاً معه في نفس الموسم .
الذي دعاني الى كتابة هذه البديهيات التي يعرفها كل المسرحيون في العالم هو الاحتفال الذي قامت به المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية في يوم المسرح العالمي . وقد بدا واضحاً  ان المديرية لم تكن مستعدة له بالشكل والطريقة والوقت الملائم الذي اشرنا له في بداية المقال .
 لذا ذهبت  الجوائز والدروع التكريمية التي منحتها المديرية الى غير مكانها الصحيح .
 وحرمت منها اسماء اخرى كان ينبغي ان تكون هي على رأس المكرمين تبعاً لما قدمته من عطاء مميز في الموسم المسرحي الماضي منهم في عنكاوا ، من الرواد :
 الفنان رفيق نوري حنا ، والناقد صباح هرمز ، ومن الشباب : جاكلين سامي ، كمال دانيال ، هدير صباح ، راستي بولص . ومن  سهل نينوى : وسام نوح ، عماد نوري ، نشأت مبارك ، نصار مبارك ، ابراهيم كولان ، طلال وديع . واخرين قد تخوننا الذاكرة في نسيانهم ولنا العذر في ذلك لكثرتهم  .

هذا اضافة الى ان المديرية قد نسيت في هذا الاحتفال  انها مسؤولة عن كل النشاط المسرحي السرياني فرقاً واسماءً متواجدة على ارض العراق من البصرة وحتى زاخو وليس نشاطها التكريمي مقتصراً على عنكاوا ذلك لان عنوانها الواسع يقول انها المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية !
 اي انها معنية بكل الثقافة والفنون السريانية اينما وجدت على ارض العراق لذا من الخطأ ان يتم حصر جوائزها التكريمية على منطقة جغرافية محددة ويتم  استبعاد رقعة واسعة من مسؤوليتها بكل جهود الفنانين المسرحيين الذين عملوا طيلة موسم مسرحي بكل اخلاص وجهد  .
لقد بذل عدد من العاملين في الميدان المسرحي جهداً مميزاً خلال الموسم الماضي سواء في عنكاوا او في سهل نينوى او في دهوك وكان ينبغي على المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية التوقف امام عطائهم ، وتكريم عدد من تلك الاسماء التي تستحق هي ولوحدها التكريم  وليس تلك الاسماء التي تم تكريمها في الاحتفال والتي لم تكن بأفضل درجة من العطاء والتميز عنهم    !
 ولكن بما ان المديرية لم تلجأ الى تشكيل لجنة على غرار ماشرنا اليه في مقدمة المقال ،لذا لم تتوفق في مسعاها التكريمي هذا . وأنا لاأشك مطلقاً في النية السليمة التي استندت عليها المديرية وهي تقيم هذا الاحتفال  وهذا يعود الى طبيعة وحجم الدور المهم والكبير الذي اضطلعت به المديرية منذ تأسيسها الذي لم يمضي عليه اكثر من عامين  ، لكنها وهذا امر لاشك فيه  تمكنت من القيام بالكثير من المسؤوليات الملقاة على عاتقها والتي تهدف الى تنشيط وتفعيل الثقافة السريانية عبر العديد من الملتقيات والندوات والاصدارات التي كانت وراءها .وهي بذلك جسدت الحلم الذي طالما راود المثقفين السريان بأن يكون لهم مؤسسة ثقافية تحقق لهم جملة من الاحلام التي طالما بقيت حبيسة الصدور والاقلام . وقد يكون ماحصل من خطأ في ذكرى يوم المسرح العالمي يعود في اسبابه الى غياب التمسك بهذا التقليد في مؤسساتنا الفنية عموماً . فكيف الحال اذاً ،  فيما لو كانت هذه هي المرة الاولى التي تتولى فيها مؤسسة رسمية ثقافية مسؤولية الاحتفال بهذا اليوم  فمن المؤكد ان ذلك سيوقعها بعدد من الاخطاء .
لكن الدور الذي اضطلعت به المديرية في الشأن الثقافي السرياني  عموماً خلال العامين الماضين لايعفيها من الخطأ الذي حصل بذكرى الاحتفال بيوم المسرح العالمي .27/ 3/  2010  ونرجومن القائمين عليها  ان يلحظوا ذلك مستقبلاً وان  لايتكرر في المواسم القادمة .
كما نرجو ان تكون ملاحظاتنا التي اشرنا اليها في مقدمة المقال حول الالية التي يتم بها التكريم محط عنايتهم واهتمامهم وهذا مانتوقعه منهم .   لكي تبقى المديرية خير من يضع الامور في نصابها السليم ، وهذا مايعول عليه  كل المثقفين السريان وفي المقدمة منهم المسرحيون .

                                                         مروان ياسين الدليمي

110
ماعدت اعرف وطناً . .  اسمه العراق . 


ترددت كثيراً قبل ان اسجل افكاري  في هذه المقالة التي ستضعني في موقف لاأحسد عليه من قبل العديد من الذين سيقروأنها ، وقد يُقدِمُ البعض منهم ــ وهذا امر مؤكّد ــ  على كتابة رد ٍقاس سيكون بمثابة درس اخر لي  في الوطنية لطالما شنفت اسماعنا به ،من خلاله يُفنّدُ الكاتب المفترض ، ارائي التي اقل ماسيقول عنها ،انها متطرفة ،وانها إذا ماعبََّرت عن فكرة ما، فانها لم  تعبرإلاّ عن انانيتي المفرطة ،ومحدودية افكاري، وانتهازيتي الواضحة الخ من الصفات اللاوطنية التي ستلصق بي،هذا اذا ما لم يتهمني البعض الاخرممن سيردون عليّ ويقولون عني بأنني حاقد ، أومصاب بمرض نفسي.وقد يصل البعض بهم لان يشكك بولائي أوبأصلي وفصلي وحسبي ونسبي، 
على اية حال ومهما ستكون ردود الافعال نحوي ، سأكون أنا في ذلك الوقت مستعداً لكل التهم التي ستلصق بي، ومع ذلك لن اكلف نفسي عناء الرد عليها  .

اقول مرة اخرى ترددت كثيراً قبل ان اسجل افكاري في هذه المقالة ، ذلك لانني نشأت في عائلة تعلمت منها الصبر امام المحن ، وعدم الشكوى الاّ لله ، لان الشكوى لغير الله  مذلة .
وهكذا عشت طوال عمري وانا اكظم غضبي كلما واجهتني ظروفاً صعبة وقاسية في مشوارحياتي من اجل ان احيا محافظاً على عزة نفسي ،رغم الفقر الذي احاط  بعائلتي التي عاشت برفعة عالية  في مجتمع موصلي محافظ .
ومع هذا الظرف الذاتي الذي أحاطني انا وعائلتي ، الاّ انني وجدت نفسي مُنخرطاً دون إرادتي بقراءة الادب والشعرومتابعة الشأن السياسي ، سواء في العراق أو العالم .
لذا كُنتُ على استعداد دائم للدفاع عن انتمائي لهذا البلد الذي ولِدتُ وعشت فيه طوال حياتي ، ولم اغادره طوال خمسون عاماً من عمري الى اي بلد اخر، وعليه لم اكن احمل في جيبي غير جنسيتي العراقية ، ودائماً كنت اشعر بقوة لاحدود لها تسحبني اليه وتمنعني حتى من التفكير بمغادرته في اقسى الظروف والمحن التي مرت عليه ، وشهدت انا فصولها لحظة بلحظة وحدثاً بحدث مع انني كنت أمنحُ العذر لمن يغادرالعراق من مواطنيه الشرفاء خلاصاً من الازمنة التي كان البلد يضيق فيهاعلى مواطنيه ،والتي غالباً ماتعود اسبابها الى ملابسات العمل السياسي وتعقيداته الدموية في بلد  عجيب مثل العراق لم يكن في يوم ما يحترم فيه ساسته وقادة احزابه خصومهم، وماكانوا يترددون ابداً في قتل بعضهم البعض واللجوء الى التصفية الجسدية في احسن الاحوال وليس اسوأها ماأن تحين الفرصة لهم .
 ومع هذا الوضع السياسي البائس الذي عانت منه ايضاً عائلتي ودفعت ثمنه خيرة شبابها ، إلاّ انني كنت متمسكاً بعراقيتي وبجذوري العميقة في هذه الارض، مدفوعاً بأمل واسع كنت واثقاً جداً من قدومه إما اليوم أوغداً  وسيتحقق فيه ماكان يصبو اليه الناس دائماً من نظام سياسي عادل يعيد الاوضاع الى نصابها الطبيعي وتتحقق العدالة الاجتماعية بين الناس بعد ان ذاقوا ماذاقوا من ظلم واجحاف من قبل كل الانظمة السياسية التي حكمت العراق منذ عام 1958بعد أن خُدع عموم الناس بشعارات وطنية زائفة ، لم يجني منها سكان هذا البلد إلاّ مزيداً من المعتقلات والحروب، وتراجعاً خطيراً في مستويات التنمية والخدمات والحرية .
وفي محصلة هذا الدمار الذي اخذ يأتي على البلاد ، عاماً بعد اخر، وحكماً بعد اخر، وزعيماً بعد اخر، فقد المواطن العراقي اي شعور بالامان في وطنه العراق ، ولم يعد  يؤمن بان الغد سيكون مطمئناً له ولعائلته، بعد ان تم تجريده من ابسط حقوقه الانسانية والمدنية ، وباتت اسس العيش الاولية للانسان بعيدة عنه ، وماعاد من السهولة بمكان الحصول عليها الاّ بعد ان يصل الانسان الى ارذل العمرولايحصل عليها مطلقاً .
وإذا ما ماكان الانسان غير حامل لشهادة علمية  تؤهله للحصول على وظيفة تأتي له براتب شهري يؤمن له احتياجاته الانسانية ، فإن عليه ان يبقى طوال عمره يركض وراء لقمة العيش دون ان يكون متأكداً من الحصول عليها ، بل يترتب عليه ازاء هذا الوضع ان يشقى طوال عمره من اجل ان يكون له بيتاً يسكنه هو وعائلته، وقد لايتمكن في أحسن الاحوال من تحقيق هذه الاحلام المتواضعة ، والتي تعد من الاولويات التي غالباً ماتحققها الكثيرمن بلدان العالم لمواطنيها ماأن يبلغوا سن الرشد ،لان في ذلك حق واضح للمواطن كفله الدستور وعلى الدولة ان تتكفل بتحقيقه مع بقية الخدمات الاجتماعية والصحية التي تلتزم بتوفيرها اجهزتها ومؤسساتها تجاه المواطنين .
 - فهل التزمت اي حكومة ــ  اخذت نصيبها من حكم العراق ـــ  بواجباتها
   كاملة تجاه مواطنيها؟
- هل احترمت ارائهم وقناعاتهم الشخصية،ولم تراقبهم ،وتتلصص عليهم
 وتستجوبهم ،متى ماأرادت، واعتقلتهم متى شاءت ،وعذبتهم كيفما        شاءت ؟
 -  وهل أمنّت لهم العلاج والتأمين الصحي طوال حياتهم ؟   
 -  وهل وفرت لهم السكن اللائق على ارضهم ؟
 -  وهل صَدَقَتْ معهم ولم تكذب عليهم في كل علاقاتها وخلافاتها   
    السياسية مع اصدقائها وخصومها ؟ 
- وهل احترمت دماء الشهداء الابرياء الذين سقطوا دفاعا عنها او عن   
  الوطن كما تدّعي . ؟
-   هل اعتذرت من المواطنين عندما صافحت الاعداء ؟
-   هل خجلت حين عادت الاخوة والاصدقاء ؟
لن اكون متطرفاً حين أتّهم كل الحكومات العراقية التي تربعت على عرش السلطة بأنها لم تفي بوعودها تجاه المواطن، ولم تكتفي بذلك، بل أوغلت في الاساءة إليه بشتى السبل والاساليب ،ولم تكن الحكومات العراقية بكل مؤسساتها سنداً للمواطن، بل كانت تتفنن في اساليب احتقاره وأنكاره وتهميشه،ابتدأً من الطريقة المتعالية والمتعجرفة التي ينهجها اي موظف بسيط في اية  دائرة حكومية عراقية وهو يتعامل مع اي مواطن عراقي بسيط لاسند له سوى عراقيته ، وصولا الى اعلى سلطة في الدولة لايتردد ممثلها  في استرخاص ارواح المواطنين ارضاءً لنزواته وطموحاته السياسية .
هكذا كانت الحال ولم تزل تجري على العراقيين طوال عقود من الازمنة التي مرت عليهم منذ تأسيس الدولة العراقية في مطلع القرن العشرين وحتى هذه اللحظة ، ولكي اكون دقيقاً اكثر اقول ابتدأً من  صعود العسكر الى هرم السلطة العراقية عام 1958 .
 فمنذ ذلك التاريخ بدأ سقوط الدولة العراقية التي حاول بناتها الاوائل أن  يوجدوها على ارض الواقع من العدم ،وقد تمكنوا بذلك  فعلاً لاقولا ً انطلاقاً من صدقهم وفهمهم  مضافاً الى ذلك  تجربتهم المُرّة التي كانوا قد عاشوها عندما كانوايقاتلون في اراض ٍغريبة عنهم ،واقصد هنا تلك  النخبة من الساسة والعلماء والضباط الذين كانوا قادة في الدولة العثمانية، كانت تلك الصفوة من القادة  تحلم دوماً في بناء بلدها،وما أن جاءت ألفرصة المناسبة لها،لم تتوانى في استثمارها  .
هكذا بدأوا في بناء العراق الجديد بدولته الحديثة بكل مؤسساتها التشريعية والتنفيذية ،والتي لم تكن موجودة قبل عام 1921 .
 لكن  الذي حصل بعد ذلك،أن كل الذي تم بناءه خلال اربعون عاماً ، من مؤسسات دستورية مدنية لدولة فتية قد انتهى في اللحظة التي جاء فيها  العسكرالى السلطة  ابتداً من العام 1958 بكل احلامهم المريضة ،  ليهدموه،زعيماً بعد اخر، حتى امسى العراق خلال نصف قرن من الزمان ،  بلداً تعصف به الانقلابات، والاحقاد والصراعات الدموية  التي كان يقودها حفنة من المراهقين والمغامرين والاشقياء لايملكون من العقل والحلم شيئاً
فكانت النتيجة بعد ذلك  : ان المواطن العراقي بات محطماً وفاقداً للرؤية ،  ولم يعد قادراً على التمييز مابين الحرية والعبودية، بين الماضي والحاضر، بين القائد والمجرم ، بين المفكر والدجال . بين العدو والصديق . 

 لقد اختلطت عليه القيم والافكار والمفاهيم ، لان ظروف  الحياة الصعبة التي وضِع فيها ، كانت قد سحقته بعجلات الحكومات والاحزاب التي كانت ولم تزل تحكمه ، بقوة التخويف والترهيب الى حيث ما شاءت اهواءها وطموحاتها ومصالحها الضيقة ،  والتي لاتخرج عن هدف الحفاظ على السلطة بأيديها لاأكثر .
ان ماوصل اليه حال البلاد والعباد الان في الاعوام التي اعقبت 9/ 4/ 2003 لم يكن من نتائج مافعلته القوات الاميركية وبقية القوات الاجنبية التي تجوقلت معها انما ابتدأ ذلك مع انقلاب تموز عام 1958 واستمرهذا التداعي والانهيار في البنى التحتية والفوقية للمجتمع العراقي طيلة نصف قرن من الزمان ، حتى انهار كلياً في 9/4/2003 . إذ لم يكن ذاك البناء إلاّ بناءً هشاً وكاذباً في كل شيىء فيه .
كان لابد لي من اسوق هذه المقدمة الطويلة ، قبل ان أُعبّر عن قناعات جديدة  بدات تستولي علي ّوتُمسِك بي ، واجدُني غير قادر على رفضها ،  بل بِتُّ مقتنعاً بها يوماً بعد اخر، طالما كنت اجد في كل يوم من المواقف والاحداث مايجعلني اصل الى مرحلة ، أكفُّ فيها ، عن الزّهو بعراقيتي وأتخلى عن ذاك الاصرار الذي طالما لازمني ، وحثني على البقاء داخل وطني.
ان اقسى مايمر على الانسان في وطنه ـ  الذي قاتل من اجله ودفع دمه ودم احبائه لاجل كرامته وحريته، وجاع سنيناً طوال صبراً على مايمر به من محن ـ   هو: ان يتنكر وطنه له ويصد وجهه عنه ولايبال به عندما يحتاج اليه ليثبت انتمائه له ، والاكثر مرارة في ذلك ،عندما يكتشف المرء بعد كل الذي قدمه لوطنه ، ان لاوطن له ، وانه في حقيقة الامر لاحقوق له عليه مثل بقية المواطنين .   
 إذ لايكفيه ان يكون من اب وأم عراقيين ليكون بالتالي عراقياً ويكتسب صفة المواطنة العراقية . ولايكفيه ان يحمل هوية احوال مدنية عراقية ، وجنسية عراقية ، وبطاقة سكن حمراء عراقية ، وبطاقة تموينية عراقية ، نعم لايكفيه ان يملك  كل هذه المستمسكات الرسمية حتى يثبت عراقيته ، وعلى ذلك  لن يكون بأمكانه في اغلب الاحيان ان يتملّك اية قطعة ارض او بيت في اية بقعة يختارها هو من ارض العراق .
إذن : كل هذا الذي كنت افخر به طوال خمسون عاماً من عمري ،  اتضح لي ، ماهو إلاّ خواء  . . . . .  وانْ لافائدة من كل  المستمسكات الرسمية  التي تثبت عراقيتي ولايمكن  بموجبها ان امتلك ارضاً في وطن توهمت دائماً انه وطني ،  سواء في  الوسط أو في الجنوب أوفي كردستان العراق. 
وعلى هذا كان علي ان اصحو من غفوتي وغفلتي الطويلة التي جعلتني ادرس طوال ثمانية عشر عاماً ،حتى انال شهادة جامعية  اسعى من خلالها  ان اخدم ماكنت اعتقد انه وطني . وليس هذا فحسب فلقد تنقلت بين الخنادق والجبهات ثمانية اعوام بليالها ، دفاعاً عما كنت معتقداً انه وطني ، كما كان  عليّ ان اشطب على كل السنوات العجاف التي كنت فيها ممنوعاً من التوظيف ،لا لشيىء اقترفته ولالذنب ارتكبته ، سوى أنني اخترت ان اكون منتمياً لِما كنت معتقداً انه وطني ، ولم انتم لاي حزب سياسي  .
كان عليّ وانا صرت على هذه الحال ، ان امحو من ذاكرتي كل احلامي التي تقاسمت فيها مع من كنت معتقداً انه وطني .
والان بعد خمسون عاماً من الوهم ، بعد خمسون عاماً من الخديعة ، 
ماعدت اعرف وطناً ولدت وعشت فيه اسمه العراق
طالما اشاح بوجهه عني ،
ولم يثبت لي في يوم ما انه وطني  .
                                               مروان ياسين الدليمي
                                        Yahoo.com Marwan_ys2000@




























111
ليس من السهل . . الخروج من اللعبة


لم اكن  متفائلاً حتى هذه اللحظة  بطبيعة النظام السياسي الذي حل بيننا بعد سقوط نظام صدام في 9/ 4/ 2003 . ذلك لانه كرّس  في حياتنا مفاهيم متخلفة وظلامية نسفت كل القيم الانسانية والوطنية التي كانت ولم تزل  تجمع العراقيين على اختلاف انتماءاتهم الدينية والعرقية والطائفية رغم قسوة الانظمة السياسية التي حكمت العراق ابتداً من حكم العسكر عام 1958وحتى هذه اللحظة .
 إلاّ انني كنت اتأمل ـــ  مثل عامة العراقيين البسطاء والمغلوبين على امرهم منذ عقود طويلة تحت جور الانظمة السياسة التي حكمت العراق منذ سقوط النظام الملكي على ايدي ابناء المؤسسة العسكرية ـــ ان يشهد العراق نقلة نوعية في طبيعة النظام والحياة السياسية انطلاقاً من تصريحات ساسة العراق الجدد الذين قضوا عقوداً طويلة من نضالهم منفيين ومشردين  خارج الوطن ، عرفوا خلالها معنى الظلم القهر والحرية بعيداً عن وطنهم .
كنت مقتنعاً الى حد كبير بوطنية كل القوى السياسية العراقية المعارضة للنظام السابق ( دينية وعلمانية ) ولم اكن اشك بصدق ولائها وانتمائها للوطن لانها دفعت الكثير من الشهداء والمعتقلين خلال مسيرة صراعها مع نظام صدام حسين ،لذا كنت اقف معها في نضالها من اجل التغيير وتحقيق العدالة الاجتماعية في العراق دون ان اتوقف امام انتماءاتها الطائفية التي لم تكن مُعلنة في بياناتها وخطاباتها ومؤتمراتها التي كانت تعقدها خارج العراق والتي كنت اتتبعها عبر وسائل الاعلام السمعية التي كانت الوسيلة الوحيدة لنا لمعرفة مايجري خارج العراق كبقية العراقين قبل ظهور البث الفضائي للقنوات التلفزيوني الذي لم نشهده إلاّ بعد سقوط نظام صدام عام 2003 .
ولكن الاعوام التي اعقبت السقوط وماحفلت به من احداث جسام وخسارات فادحة في الاحلام والارواح دفعها الشعب العراقي وضعتنا امام مرحلة جديدة من الوعي بعد ان استوعبنا العديد من اللحظات والمواقف الصادمة والتي كان ابطالها عددا ليس بالقليل من الساسة الجدد في العراق هذه المرحلة الجديدة  من الوعي التي انتقلنا اليها والتي جاءت متأخرة مكنتنا من الوصول الى حقيقة لم يعد ختلف عليها اغلب العراقيين . إذ اكتشفنا بعد فوات الاوان ان اغلب تلك القوى السياسة التي كانت تعارض النظام السابق وكانت تحمل عليه قسوته ودكتاتوريته لم تكن في حقيقتها وفي بنيتها الايدلوجية وخطابها السياسي  تختلف عنه شيئاً في احتقارها لدور المواطن العراقي ولارادته الحرة في بناء وطن جديد يخلو من ظلم السلطات،وقسوتها وكذبها عليه .
بل اتضح لدى المراقبين وبسطاء الناس كذلك ،ان القوى السياسية الجديد التي وصلت الى الحكم بمساندة الاميركان وبدأت تحكم الحياة السياسية في العراق   ماهي إلاّ قوىً اشد فظاعة من النظام الذي حاربته عقوداً طويلة ، وما يعشش في ادمغة قادة هذه الاحزاب  من فكر طائفي مقيت لم يعد يصلح  لانسان القرن الواحد والعشرين ، إذ لم  يعد هذا الانسان غافلاً ولاجاهلاً عمّا يجري ويدور في كل بقاع الكون،ومرت عليه رياح التغيير والفهم والوعي بفعل الثورة الحاصلة في ميدان وسائل الاتصالات ونقل المعلومات .  لذا  لم يعد المواطن العراقي هو نفسه ذاك المواطن الذي كان عليه الى ماقبل عام 2003 عندما كان متعاطفاً مع شعارات المعارضة العراقية واحزابها السياسية دون ان يتعرف حتى على اي واحد من قادتها ولايعرف شكل او ملامح اي واحد منهم . لان المواطن العراقي كان يحيا في وطنه وهو مسّور بجدران عالية من الممنوعات والمحذورات ابتدأً من السفرالذي كان يكلف العراقي  اموالاً طائلة من اجل الحصول على جواز السفر ومروراً بالصحف والمجلات العربية والاجنبية التي كانت محظورة من الدخول الى العراق اضافة الى السجن والاعتقال لمن كان يتم ضبط صحن لاقط للقنوات الفضائية في بيته .
وبناءً على تلك العوامل التي ساهمت في تجهيل المواطن العراقي  اضافة الى عوامل اخرى كالحروب الطويلة الطاحنة التي مرت عليه والحصار الدولي الذي مزق النسيج الاجتماعي للعائلة العراقية بعد ان حطمها الجوع  ، كان لابد في اخر الامر ان يكون المواطن العراقي في موقف هش ٍلايحسد عليه، كان لابد ان يكون وهو على تلك الحال المزرية من الدمار والحطام التي أمست بها حياته ان يكون مصدقاً بكل القوى العراقية  المعارضة للنظام انذاك،  ومؤمناً  بكل الشعارات الوطنية التي رفعتها من اجل الديموقراطية وكانت تبدو ساعية للترويج لها و انباتها على ارض العراق المحرومة من الامن والسلام والحرية .
لقد صدّق المواطن العراقي وهو على تلك الحالة  كل ماطرح من افكارسياسية في سلّته الفارغة ساعياً من وراء ذلك الى نقطة ضوء تخرجه من النفق المظلم الذي كان يقبع فيه منذ عقود طوال .
رجال الدين الذين كان عدد منهم بين صفوف المعارضة العراقية ، كانوا  يتمتعون برصيد عالٍ من التقدير والاحترام من قبل عامة الناس،  لانهم وقفوا الى صف الشعب المظلوم بالحروب والانظمة الدكتاتورية الفاسدة التي سممت حياته لاكثر من ستة عقود مرت عليه .
ولكن بعد سقوط النظام بدأت تتضح الكارثة الجديدة  التي حلت على شعب العراق عاماً بعد اخرعندما بدأت تتكشف نوايا الكثير من تلك الاحزاب العراقية التي كانت تقاوم نظام صدام لعقود طويلة . واتضح من خلال امساكها بزمام السلطة السياسة غياب المشروع الوطني من جعبتها تماماً وسعيها المحموم من اجل بناء نظام سياسي تتوفر فيه كل الممكنات الطائفية ،وعملت لاجل ذلك وبشكل واضح ودون ان تشعر بالخوف او التردد على سحق كل الاصوات التي تنتقد نهجها وسلوكها الطائفي ، ووصل الامر الى حد التصفية الجسدية التي يسبقها عادة حملة اعلامية لتشويه وتسقيط تلك الاصوات من خانة المواطنة . ولم يسلم من  ذلك العقاب احد ،ليطال سياسيون ومثقفون وصحفيون ونواب في البرلمان ومن كل الطوائف دون استثناء . وأمست كل  التُهَم التي تلصق بهم جاهزةً ومعدةً سلفاً وقد حفظها عامة الناس واصبحوا يتندرون بها فيما بينهم .
في خضم هذه الاجواء الفاسدة التي بدأت تشهدها الحياة السياسية الجديدة في عراق مابعد صدام حسين كان المواطنون العراقيون قد وصلوا الى مرحلة من الياس وماعادوا بناءً على هذا الوضع يملكون اي ثقة  بكل الساسة الذين يتصدرون واجهة المشهد السياسي العراقي ، ً وبدأوا يخصّون البعض منهم بدرجة عالية من الرفض والاحتقار لِم َكان يصدر من اولئك الساسة ورجال الدين  بين فترة واخرى من تصريحات تنم عن فكر طائفي مقيت لم يعهده العراقيون سابقاً .
 البعض من اولئك الساسة كانوا يلبسون العمائم والبعض الاخر كانوا يلبسون الاربطة والبدلات الانيقة، لكنهم كانوا يشتركون جميعاً في تخندقهم داخل مستنقع الطائفية وما يحملونه من حقدٍ وكره ٍلاحدود له  ضد ابناء الطائفة الاخرى أياً كانت تلك الطائفة .
هذا ماكشفته الاحداث التي مرت على العراقيين، وردود افعال تلك الزُمرة من الساسة ورجال الدين العراقيين  تجاهها ،وهذا ما حصل بعد  تفجير قبة الامامين في سامراء وماتبعها من تداعيات دموية يندى لها جبين الانسانية خجلاً،  تمثلت  بالقتل على الهوية، والتهجير  الطائفي .
 لم يكن يترد اولئك الساسة ورجال الدين  والبرلمانيون من التصريح جهراً بأفكارهم الطائفية،  ولم يترددوا في تحريضهم لجهلاء القوم على العنف والقتل استناداً على الهوية، والبعض منهم استخدم دور العبادة والمناسك الدينية اسوأ استخدام ،لترويج افكاره السوداء  الداعية للقتل وظلم الاخر من الطائفة الاخرى .
 لقد  نجح هؤلاء  لفترة ما ليست بالقصيرة في تظليل اعداد لابأس بها من عموم الناس البسطاء، إلاّ ان الاغلبية من الشعب العراقي لم تنطلِ عليها تلك ألاكاذيب والخطب والتصريحات المشحونة بالحقد على عموم الشعب وليس على طائفة بعينها ، وهذا ماأثبتته الايام بعد ذلك.
كانت الانتخابات الاخيرة في 7 / 3/ 2010 هي الحد الفاصل لسقوط  تلك الاسماء والرموز التي توهّمت طيلة الفترة الماضية بأنها قد نجحت في تمرير خطابها الداعي الى تفتيت مكونات الشعب العراقي وصولاً الى تجزأته وتقسيمه وفقاً للاجندة المشوّهة والغريبة التي حملوها معهم من الدول التي سبق ان احتضنتهم قبل 2003 . .
الانتخابات الاخيرة رغم ماشابها من ملاحظات سلبية كانت في ابسط معانيها  صفعة قوية ومفاجئة َ، تلقتها  تلك الاسماء التي كانت تطالعنا طيلة الاعوام الماضية من على المنابر وشاشات التلفزة ومواقعها الالكترونية الخاصة بها ولم تكن تتوقعها مطلقاً خصوصاً انها جاءت من القاعدة الواسعة التي كانت تعتقد انها تستند عليها بقوتها ووجودها وخطابها ليتأكد لها وللعالم ان الشعب العراقي رغم مايقع عليه من ترهيب وتخويف وترغيب لم يسقط في الفخ الطائفي الذي نصبه له عدد من الساسة والمعممين، وان هذا الشعب رغم فقره وجراحه لازال يملك من القيم النبيلة الكثير ومازال يضع شرفه الشخصي على درجة واحدة مع شرف الوطن الذي ينتمي له قبل اي انتماء ديني اوعرقي او طائفي . والشواهد التي جاءاتنا بها  بعض مدن العراق خير دليل على ذلك .
 والاصوات المعدودة والمضحكة  التي حصل عليها المرشحون الذين كنا نعنيهم في هذا المقال   بعضهم حصل على 22 صوتاً . واخر 4 اصوات واخر19 صوتاً ــ  تعني في ماتعنيه من دلالات واضحة وصريحة :  ان لامكان لهم  على ارض العراق بكل مايحملونه من فكرطائفي مسموم ، سواء لبسوا  الاربطة او العمائم ومهما كان لونها سوداء او بيضاء . لامكان لهم بين هذا الشعب الطيب والصبور  الذي  صبرعليهم سبعة اعوام ،سمع منهم الكثير من الوعود والخطب الكاذبة  ولم يجد له بين تلك الوعود العريضة ،  بيتا يسكنه ولاعملاً يؤمن له العيش الكريم له ولعائلته ، ولا أياماً آمنةً يحيا بظلها في وطنه كما لم  يرأى منهم إلاّ الكثير من الحقد والكُره الذي لم  يسلم منه أحد  لاهو ولاحتى جيرانه الذين ينتمون الى اديان وطوائف اخرى .
 لقد اشعل هولاء  النيران في وطن لاينتمون إليه  ولايشعرون بأية محبة له . وجاءت اللحظة التي عصفت بهم وبكذبهم وفكرهم المريض ، عبر الناس فيها عن رأيهم  بتلك الاسماء والعناوين  بطريقة حضارية وديموقراطية لاكما يفعلون هم عندما يختلف الاخرين معهم بالرأي .   كما حاولوا أن يسرقوا من الشعب هذه الفرصة حتى اللحظة الاخيرة من ساعات العد والفرز للاوراق الانتخابية  عبر محاولات  التزوير ، وسرقة الصناديق ، ورمي الاوراق الانتخابية في براميل الزبالة ، والتشكيك في عمليات العد والفرز الالكتروني . وغيرها من الاساليب التي وصلوا عبرها في الدورة الانتخابية السابقة . لكنهم فشلوا هذه المرة  وقال لهم العراقيون  : لقد انتهى الوقت وآن لكم ان تغادروا الشاشة بعد ان فعلتم بنا مافعلتم .
المراقبون  للوضع السياسي الشائك في العراق والذي تولد بفعل الاخطاء التي ارتكبها الساسة الاميركان في العراق بعد 2003 يدركون جيداً ان الخروج من هذا المازق ليس من السهولة بمكان ، لكنه ليس امراً  مستحيلاً والانتخابات الاخيرة بما افرزته من نتائج ،  تقدم فيها  الخيار الوطني لدى الشعب العراقي عموماً على بقية  الخيارات الطائفية والقومية المتطرفة، خير دليل على يقظة قوى الشعب العراقي وصحوته من الغيبوبة التي اوقعته فيها المشاريع السياسية  المريبة التي روجتها عدد من القوى السياسية العاملة في المشهد السياسي العراقي والتي لعبت دوراً كبيراً في ماوصلت اليه الاوضاع في البلاد من دمار وخراب وقتل وتهجير وتخوين . وستكون نتائج هذه الدورة الانتخابية بداية جديدة لمرحلة سياسية اكثر نضجاً للشعب العراقي . كما يضع  القوى السياسية الخاسرة  امام مرحلة جديدة من اعادة التفكير بهيكليتها الفكرية والسياسية التي تفرض عليها استبدال كل الوجوه والاقنعة والرموز التي كانت تستند عليها . وإلاّ ستنهي عاجلاً أم اجلاً  الى زوايا النسيان غير مأسوفاً عليها .
مع اننا ندرك ان  ليس من السهل عليها ان تغادر اللعبة السياسية التي ساهمت هي وبدرجة كبيرة  بوضع  قوانينها وشروطها . وستفعل مابوسعها ان تفعله  ، انتقاماً من الشعب الذي صوت ضدها وضد مشروعها الطائفي . وستشهد الايام على ذلك، كما كانت قد شهدت عليها من قبل في ايام الاربعاء الدامي والثلاثاء الدامي والاحد الدامي، سعياً منها لجعل بقية الايام دامية هي الاخرى على رؤوس العراقيين الشرفاء الذين لم يصوتوا إلاّ للخيار الوطني .




                                                          مروان ياسين الدليمي

112
توأمة الجهد   . .
في دروب المحنة  .
               

مابين قناة عشتار الفضائية ونور سات






في الثالث عشر من شهر أذار الحالي تعود مرة اخرى قناة عشتار لتؤكد حجم المسؤولية  الوطنية الملقاة على عاتقها  في التعبير عن ابناء شعبنا في كل الظروف والمحن والمناسبات التي مرت وتمر عليه .
وتمكنت في هذا اليوم من تحشيد كل امكاناتها الاعلامية من اجل ان يصل صوت ابناء شعبنا الى العالم وهو يعاني مايعاني جراء عمليات القتل والتهجير المنظم الذي يتعرض له منذ سقوط النظام السابق في 9 من شهر نيسان عام 2003 .
كما نجحت قناة عشتاربشكل كبير  في توحيد جهدها مع قناة نور سات الفضائية اللبنانية  من اجل ان يكونا معاً قوة اعلامية واحدة  على نهج واحد من اجل شن حملة اعلامية تتصاعد يوماً بعد اخر مع اشتداد الازمة على ابناء شعبنا حتى  يتعرف العالم على مايقع من ظلم على المسيحيين في العراق .
ويبدو لي ان هذا الهدف  النبيل والكبير قد تحقق  عبر العديد  من المفردات البرامجية التي لها صلة مباشرة  بموضوعة العنف والقتل والتهجير الذي يتعرض له المسيحيون في العراق.
و بدا ذلك واضحاً  في البث اليومي للقناتين خلال الفترة الاشهرة الاخيرة الماضية من هذا العام .
 وكان يوم 13 من هذا الشهر ذروة التفاعل مابين القناتين نور سات وقناة عشتار عندما تم تخصيص فترة بث هذا اليوم بكل ساعاته لاجل الشهداء المسيحيون الذين سقطوا في العراق بفعل عصابات الغدر والموت التي مازالت  تصول وتجول في شوارع ومدن العراق لتصطاد ابناء شعبنا دونما شعور بالخوف من المحاسبة والقصاص . بعد ان تم التستر بشكل فاضح  على كل المجرمين الذين سقطوا في ايدي القوات الامنية ــ كما ادعت تصريحات المسؤولين في اكثر من مناسبة ـــ . وبفعل هذا التواطىء والصمت المريب من قبل الاجهزة الحكومية المسؤولة عن شؤون الامن في  البلاد لم يعد المواطن العراقي اولاً والمسيحي ثانياً يثق بكل التصريحات والوعود الرسمية التي تطلق جزافاً عبر وسائل الاعلام والمؤتمرات الصحفية للسادة المسؤولين في عموم المناطق التي تشهد العنف والقتل الذي يطال المسيحيين  لتحقيق الامن والامان وملاحقة المجرمين والعصابات التي تستهدف المسيحيين العراقيين !
 
من هنا كان لابد ان تتحرك قناة عشتار بطريقة اكثر فاعلية من اجل تحشيد كل الجهود الاعلامية  القادرة والفاعلة لنصرة ابناء شعبنا . فكان ثمرة هذا التحرك ماشهدناه من تغطية اعلامية مكثفة من قبل القناتين في 13 من شهر اذار الحالي  لكل الفعاليات التي توقفت اجلالاً لارواح الشهداء الابرياء الذين سقطوا على ارض الاجداد في بلاد الرافدين .
وكان الشعار الذي رفعته قناة نور سات بالتعاون مع قناة عشتار الفضائية :
 ( يوم تضامني مع مسيحيي العراق وتحت شعار : صليب العراق ينزف . . فمتى القيامة ) .
والحملة الاعلامية هذه من قبل القناتين سوف لن تتوقف ،بل  ستستمر متصاعدة من اجل ان يتشكل لدى الرأي العام العالمي ( منظمات حكومية رسمية وغير حكومية )  موقفاً قوياً ضاغطاً على الحكومة العراقية حتى ترضخ لصوت الحق والضحايا ، انصافاً لهم ،  بعد ان ضاقت كل السبل امامهم في وطنهم .
اننا هنا نسجل تحيتنا لهذا التعاون المثمر مابين قناة عشتار الفضائية وقناة نور سات اللبنانية من اجل انصاف شعبنا الذي يعاني مُرّ العذاب في وطنه العراق . وهنا كان لابد لنا ان  نتوقف امام ملاحظة مهمة ينبغي ذكرها في هذه المناسبة. ففي  خضم هذه الحملة الاعلامية المكثفة التي شهدها العالم  والتي تعاونت على رسمها قناة عشتار ونورسات ،كان هنالك منابر اعلامية اخرى تحيا في عالم اخر لاصلة له بما كان ولم يزل يجري على المسيحيين العراقيين ،رغم ان تلك المنابر طاما أدّعت  دفاعها عن ابناء شعبنا . وكان الاجدى بها في هذه الايام والظروف ان تُكرّس هي الاخرى جهدها الاعلامي من اجل هذه القضية والتي ينبغي ان تكون من  اولى المهمات التي تتحمل اعبائها المؤسسات الاعلامية لكل الاطراف التي تدعي تمثيلها للمسيحيين العراقيين بكل الوانهم وخصوصياتهم المذهبية والقومية .  وكان لجهود عشتار الدور الاكبر في ايقاظ العالم من غفوته على مايجري ويقع على ابناء شعبنا  من حملة منظمة للقتل والتهجير الجماعي  في  العراق   .




                                                    مروان ياسين الدليمي

113
اغنية واحدة . . لاتكفي لشطب عشتار .

 
 
ياسيدي الكريم عمانوئيل تومي : لن نسمح لانفسنا ان نرفع السكاكين ونطعن الاخرين في الخاصرة ونحن نمضي في طريقنا الى الحوار مع من يختلف معنا كما تعودنا . ولم نلجأ في يوم ما الى اصدار الفتاوى ضدهم . و ارجو ان لا تمضي في انفعالك الى مدى بعيد يأخذك الى منعطفات التشكيك في قدرات الاخرين ونواياهم واخلاقهم وانت تتناول بالنقد اللاذع اغنية عرضت من على شاشة قناة عشتار علماً ان قناة عشتارلم تكن المنتجة لتلك الاغنية اصلاً . .
كما ينبغي عليك وانت المليء بالحماسة الفائضة على شعبك ان تكون اكثر روية وهدوءاً وانت تتناول اغنية وليس ادانة لعملية ابادة جماعية او خطف لاناس ابرياء او تفجيراً وتدميراً لكنائس . ارجو ان توفر هذا الحماس الوطني والاخلاقي الى قضايا كبرى تمس شعبك ومستقبله .
ولكي تكون منصفاً وعادلاً في حكمك على الاخرين وعلى اعمالهم التي انتجوها رغم كل الصعوبات منذ اكثر من اربع سنوات ينبغي ايضاً ان لاتتبع اسلوب ذر الرماد في العيون لان ذلك لايليق بمن درك اهمية الكلمة وخطورتها .
سيدي الكريم عمانوئيل تومي هنالك في عشتار الكثير الكثير من البرامج المتنوعة والمختلفة التي أقتربت من قضايا شعبنا، تاريخاً وتجارب مُرةً واحداثاً جسام مرت عليه وكاد النسيان ان يطويها .الاَ ان قناة عشتار اعادت تقليب تلك الصفحات التي كان الغبار قد علاها، وكان لعشتار ان تمسحه بكفيها وتظهر الصورالمنسية لشعبنا الى العالم، متجاوزة كل الحواجز والتخندقات التي يغرق فيها البعض .
واذا كنت ياسيدي تملك قليلاً من الرؤية المنصفة لكانت ذاكرتك بلاشك قد اسعفتك بالكثير من اسماء تلك البرامج التي تم عرضها خلال الدورات البرامجية التي حرصت عشتار على ان تتجد كل ثلاثة اشهر ملتزمة بذلك بكل المقاييس السليمة التي تنتهجها افضل القنوات الفضائية رغم ان عشتار لاتملك 20%من الامكانات المادية والانتاجية لتلك القنوات وهذا امر قد لاتعرفه انت وكثيرون غيرك ايضاً . واذا كنت مصراً وبتعمد واضح على عدم تذكر اي برنامج من تلك التي انتجتها عشتار، اسمح لي ان أسرد لك بعضاً منها لعلني اعيد لك شيئاً من الذاكرة والتي ارجو ان لايصبها العطب :
بعض من برامج عشتار :
 
.
ضحايا : والذي تابع قصص ابناء شعبنا وهم يدفعون الدماء زكية وطاهرة
على ايدي قوى الارهاب والظلم في بلدنا العراق بعد عام 2003
حنين : الذي وثق عبر العديد من الحلقات كل الاحياء السكنية التي عاش
فيها ابناء شعبنا في العراق وتحديداً في بغداد ومضى البرنامج في
مسارات متعددة متناولاً كل الانشطة والشخصيات والتواريخ التي
كانوا جزءاً منها او عاصروها ومسجلاً بهذا البرنامج قصصاً
وحكايا عن ازمنة جميلة كانوا قد عاشوها في العقود الماضية .
رحلة : الذي صور كل قرانا المتوزعة والمتناثرة في اماكننا التاريخية
المتواجدة في اقليم كردستان والذي دام انتاجه اكثر من ثلاثة اعوام
متواصلة يدور فيها فريق عمل هذا البرنامج بين الاودية والشعاب
والجبال ومتحملاً متغيرات وقسوة المناخ من الوصول الى اقصى
الامكنة التي يتواجد فيها ولو عدد قليل من ابناء شعبنا .
منبر عشتار: وقد واكب هذا البرنامج المخاض الصعب الذي يخوضه
شعبنا والنخبة المثقفة منهم من اجل الحفاظ على وجودنا
وهويتنا وحقوقنا في هذا المخاض الصعب اثناءوبعد كتابة
الدستور .
حكاية عمر : الذي سلط الضوء على اهم الاسماء الرائدة في مختلف حقول
المعرفة والفن والفكر والنضال الوطني من اجل ان نحتفظ
لهم ولنا بمادة وثائقية تعكس ماقدموه في مسيرتهم الكفاحية
لشعبهم ووطنهم وقائمة الاسماء في هذا البرنامج تطول
ولايمكن حصرها .
 
عشتار في المهجر : وهذا البرنامج الذي تجاوزعدد حلقاته اكثر من مئتي
حلقة توزعت على مئتي شخصية بل واكثر، من ابناء
شعبنا الذين يتواجدون في دنيا الاغتراب مابين كندا
واستراليا والسويد والدنمارك والمانيا واميركا وقد
تناول البرامج النخبة الخيرة من ابناء شعبنا من الذين
يمتلكون شطراً كبيراً من العطاء الانساني أوالفكري
أوالوطني ..
اضافة الى العشرات من البرامج الاخرى مثل /اللغات السامية وتفرعاتها / وبرنامج لغتنا / والمشهد الثقافي /وزهرة عباد الشمس / وشمخ / الخ .
 
ياسيدي الكريم هذا الذي استعرضته من البرامج التي انتجتها قناة عشتار في عمرها القصير ماهو الاّ غيض من فيض عطاءها الذي لم يزل مستمراً رغم الكثير من العثرات التي صاحبتها والمعوقات التي تصادفها والتي رغم كل ذلك لم توقف عطاءها .
للاسف الشديد لايسعني هنا إلاّ أن اقول لك : لقد تخليت عن الموضوعية والنزاهة في النظر الى مسيرة قناة عشتار التي تمتلك الان بما انتجته من برامح ــودون غيرها ــ اضخم تراث صوري وصوتي لابناء شعبنا وبذلك صار لعشتار اهم مكتبة تضم في رفوفها اثمن الوثائق التي حفظت ذاكرة هذا الشعب. ولولا جهود العاملين في قناة عشتار ــ الذين تسرّعت كثيراً جداًوالصقت ببعضهم وللاسف الشديد اسوأ الصفات ــ لما تم انجاز هذا العمل الكبير الذي لايقدر بثمن بل ان قيمته تزداد يوماً بعد اخر كلما تقادمت السنين .
كما ينبغي عليك ان لاتنسى الدور الكبير الذي اضطلعت به عشتار في تسليط الضوء على مايعانيه ابناء شعبنا من المهجرين وايصال صوتهم الى العالم ومالحق بهم من غبن وحيف عبر العديد من البرامج والتقارير التي كانت ولم تزل تتابعهم اينما كانوا .
ولاتنسى ايضاً ذاك الدور الذي لعبته عشتار في تكريس ساعات طويلة من البث المباشر ايام المحن التي اصابتنا ونحن نفقد رموز شعبنا من رجال الدين ومن الشخصيات الاخرى الوطنية كما هو الحال مع الشهيد المطران فرج رحو او الشهيد يشوع مجيد هداية او الشهيد رغيد وغيرهم من الاسماء . اضافة الى العديد من البرامج الوثائقية واللقاءات التي تناولن ابشع جرائم الابادة البشرية التي طالت شعبنا خلال القرن الماضي كما في صوريا وسميل .
ماذا تريد ان اعدد لك بعد ياسيدي الكريم عمانوئيل تومي لكي تبدو الصورة واضحة لعينيك . وارجو ان تكون قد وضحت . واخشى ان لاتكون قد وضحت لبصيرتك ايضا.
كما ارجو ان نتحلى بالحكمة والعقل والمهنية ونحن نطرح مالدينا من ملاحظات ضد الاخرين وان لانصدر الاحكام سريعة ونحن في حالة من الانفعال والهيجان قد يكون سببه مشاكل شخصية نعاني منها ولسنا بقادرين على حلها . وقد يدفعنا ذلك الى تفريغ فشلنا واحباطاتنا في مقالات متشنجة نسيىء بها الى انفسنا قبل ان نطعن بنجاحات الاخرين ونسيىء اليهم !
فاأغنية واحدة لاتكفي لشطب تأريخ الاخرين .
ولن تكون سبباً مشروعاً لطعن الاخرين في الخاصرة . . اليس كذلك !؟
 
 
 
 
 
مروان ياسين الدليمي
مخرج في قناة عشتار

114


       
        مبدعون بلا افكار  . . .  !؟
       



         لاتنسبوا الاعمال الى غير اصحابها ،
         ولاتهِـِبوا حقاً لمن لايملكه ....

                           
                           

لست هنا بصدد كتابة مقال نقدي عن الفلم التلفزيوني الذي كتبته تحت عنوان ( عنكاوا . . مدينة من الغد ) والذي تحول الى عنوان اخر:
( عنكاوا . . الق وعطاء دائم )  من قبل مخرج الفلم دون استشارتي ،
وهذا العنوان الثاني يصلح ان يكون شعاراً وطنياً فضفاضاً  ولكنه لايصلح ان يكون عنواناً ادبياً مكثفاً للفلم كما هو الحال مع  العنوان الاصلي الذي وضعته اولاً . ذلك لان عنوان اي عمل فني او ادبي  يقتضي توفرعدد من الاشتراطات الفنية لكي يمتلك صلاحيته كعنوان  ،  منها :  ـ
الايجاز، والايحاء ، وقصر العبارة . 
ورغم انني سجلت الكثير من الملاحظات الفنية ضد الفلم بعد مشاهدتي له ، منها ماله صلة بأبتعاده عن اية شروط فنية يمكن ان  تضعه في خانة الفلم الوثائقي ، ابتدأ من :ـ
 اصرار المخرج على ان يتخلىّ تماماً عن  استثمار ( الجو العام ) طيلة الدقائق الستين، التي هي زمن عرض الفلم ، مما افقدنا الاحساس بالبيئة والمكان وما يختزنان من اصوات حقيقية تعبر بصدق عن حركة وحيوية الحياة وليفتقد الفلم بالتالي اهم عنصر توثيقي للزمان والمكان .
وإذا ماتناولنا عنصر الايقاع في الفلم فأننا وجدناه مترهلاً  وثقيلاً جداً
بسبب بطىء حركة الشخصيات الدرامية داخل الفلم وطول المشاهد الفلمية التي كانت تستغرق وقتاً طويلاً ومملاً على الشاشة.  ومثالنا على ذلك : الدقائق العشرون الاولى من الفلم  والتي كانت  تتعلق بالصحفي الشاب وهو يكتب على الالة الكاتبة . وكذلك مشاهد عودة والده الاسير الى مدينته ، وهذا المشهد  يعد من أضعف المشاهد واكثرها مدعاة للتعجب ! ذلك  لان الصوت الخارجي ( التعليق ) المصاحب للصورة كان يشير الى ان الاسير عاد في منتصف الليل الى عنكاوا ( لكن المشهد تم تصويره في النهار ) .
 وبعد ان يطرق الاسير  البا ب عدة مرات يخرج الجيران على صوت تلك الطرقات  نساء ورجال كبار في السن ( لم نرى الاسير على  يطرق الباب بل وجدناه يمشي في الزقاق ويتوقف ليسأل فتىً شاب ) ،ثم يستقبله الجيران  بالاحضان وبالمشاعر الدافئة التي عوضته للحظات  سنوات الاسر
والحرمان ( لم يكن بين المستقبلين  الجيران اي رجل كبير اوامرأة كبيرة
 في السن ،بل على العكس من ذلك لم يظهر على الشاشة سوى شباباً صغاراً في السن ) ..  من هنا حصل الخلل في المعالجة الاخراجية لهذه المشاهد ،نتيجة للتناقض الحاصل مابين المعلومة الواردة في التعليق والمعادل الصوري لها . مما تسبب في فقدان الصورة للمصداقية الواقعية في التعبير عن الفكرة .
اما تلك المشاهد التي تتعلق   بوصول الصحفي الشاب الى عنكاوا ونزوله من الطائرة ووصوله الى الفندق والنزول من السيارة وحمل حقائب السفر والدخول الى الفندق والوقوف امام موظفي استقبال الفندق وانهاء اجراءات الحجز والصعود الى عبر المصعد الى الغرفة .فقد كانت هي الاخرى طويلة جداً واصابت ايقاع الفلم بالترهل والبطىء .
وهنالك الكثير من  المشاهد  الدرامية الاخرى التي لاتصلح للعرض ،وذلك يعود الى تحديق الممثلين المباشر بعدسة الكامرة ( مشهد الصبيان وهم يلعبون لعبة الدعبل ومشهد الفلاحين وهم يسنّون  المناجل استعداداً للحصاد ).وهذا يعد من البديهيات التي ينبغي ان يعرفها اي مخرج .
 وهنا ايضاً لابد من الاشارة الى ان  مخرج الفلم  لم يتردد في أستخدام نفس الصبيان الذين كانوا يلعبون الدعبل في مشهد سابق من الفلم ، عاد  مرة اخرى لاستخدامهم   في تمثيل دور الفلاحين وهم يسنون المناجل وهم يحدقون بين لحظة واخرى في عدسة الكامرة  . ! وهذا خطأ جسيم  لايمكن تبريره ،  ساهم ايظا في ضياع المصداقيةفي  توصيل الخطاب الفني الى المتلق ِ .
 اما الاغنية  التي صاحبت معظم مشاهد الفلم باعتبارها موسيقى تصويرية مصاحبة له فلم تكن الاً  فهماً خاطئاً لدور الموسيقى التصويرية في بناء معمارية الفلم السينمائي ، وكانت الاغنية بذلك عنصرا فنياًً غريباً وطارئاً  على الفلم  رغم ان كلمات الاغنية كانت تنطق باللغة السورث ، وهي هنا لم تساهم ولو بأية درجة  بسيطة في اغناء الخطاب الفني والفكري للفلم،   
 ان الفلم الوثائقي تقتضي عملية بناءه الفني :
 الاستغناء التام  عن  اية موسيقى خارجية لاصلة لها بأحداث الفلم ،  وينبغي  دائماً  الحرص على استثماراي  عنصر موسيقي وصوتي من داخل الفلم وليس من خارجه ليصبح الايقاع والصوت بالتالي جزأً لايتجزأ من الطبيعة الوثائقية للفلم .
اما فيمايتعلق (بالتصوير). . فقد اتسم هو الاخر بجملة من المشاكل والاخطاء التي لاتظهر الاّ لدى المصورين المبتدئين . . ومثالنا على ذلك :ـ
عدم وضوح الصورة ( أوت فوكس ) في الكثير من اللقطات والمشاهد .
تغيّر الوان المَشَاهد ،وهذا يعود الى عدم المعرفة الدقيقة بعملية اعداد وتصحيح الالوان قبل عملية التصويراي مايصطلح عليه فنياً (وايت بلنس ) .

ولو تناولنا كذلك  اللقاءات التي اجريت مع عدد من رموز وشخصيات مدينة عنكاوا والتي ظهرت في الفلم،  نجدها هي الاخرى كانت  تتسم بطول زمنها الواضح على الشاشة ،وساهمت بدورها ايضاً في تراجع ايقاع الفلم الى الوراء .
اضافة الى ذلك يلاحظ :  الغياب التام لعنصر الاضاءة الطبيعية والصناعية،وعدم الاهتمام بها في بناء وتصميم ( باك راوند وفورك راوند)  الصورة والمشهد واللقاءات ، بالشكل الذي يرتقي بلغة الصورة السينمائية التي تنفرد عن غيرها من بقية الفنون اولاً واخراً باستثمارها الدرامي لعنصر الضوء ،سواء كان طبيعياً او صناعياً .
 ومن الاخطاء الاخرى التي وقع فيها الفلم  ايضاً ، ظهورعلم كردستان بشكل واضح في احد المشاهد التي ينبغي ان تكون في كندا حينما يكون الصحفي لحظتها  يتجول امام داره !

عودة الى موضوعة  المقال الرئيسة  :

وبعد هذه الملاحظات السريعة عن الجانب الفني للفلم ، لابد لنا ان نعود الى موضوعتنا الرئيسة والتي كانت الدافع الاساس  لكتابتنا هذا المقال والتي تتعلق اولاً واخراً بالقيم والثوابت المهنية والاخلاقية التي ينبغي تواجدها وتوفرها في وسطنا الفني حتى نتمكن من  الانطلاق بشكل سليم في بناء نهضتنا الفنية التي ننشدها في عنكاوا وحتى نقطع الطريق ــ ابتدأً من الخطوة الاولى ــ على كل الطارئين اللذين لايترددون في الصعود على اكتاف الاخرين، لالشيء إلاّ  من اجل تحقيق مجد كاذب .!

مع بداية شهر تشرين الاول الماضي 2009 كلفت من قبل فرقة اور المسرحية التابعة لجمعية الثقافة الكلدانية  ان اكتب فلماً تلفزيونياً عن مدينة عينكاوا ،وقد كلف السيد طاهر سعيد نيابةً ً عن الجمعية في ابلاغي بهذا التكليف . وفي حينها اشار علي ّ السيد سعيد بأن اتناول في السيناريو  كل مايتعلق بعنكاوا، ماضيها وحاضرها ورجالاتها .  واكتفى بهذه الاشارة فقط . ولم يملي علي ّ باية فكرة أومعالجة  فنية اخرى تتعلق بكيفية تناول الموضوع . 
ومن اللحظة الاولى لتحملي هذه المسؤولية بدأت  في قراءة  معظم المصادر والكتب التي تناولت تاريخ  هذه المدينة ،وقد  جلب لي السيد طاهر سعيد مشكوراً معظم تلك المصادر من جمعية الثقافة الكلدانية  .
 ثم بدأت بعد ذلك مرحلة جمع المعلومات التاريخية عن المدينة  ومؤسساتها ورجالاتها وابرز الاحداث التي مرت عليها .
 بعدها . . بدأت مرحلة اخرى ،وهي الاصعب في بناء الموضوع وتشكيله ،  وهي مرحلة  البحث عن  المعالجة الدرامية ( اي الرؤية الفنية ) التي ستصبح مدخلاً منطقياً لبناء مشاهد واحداث الفلم  .
 كذلك كانت مسألة  البحث عن الاسلوب الفني ـــ الذي ينبغي ان اتكىء عليه لتوصيل المعلومة التاريخية ـــ  لاتقل اهمية عن مسألة الرؤية الفنية.
إذ ينبغي  للاسلوب في العمل الفني  ان يكون ممتعاً وسهلاً في توصيل  المادة التاريخية الى المتلقي  مهما كانت  ثقلية  و جامدة .
 وفي اخر الامر توصلت  الى خلق و بناء خط درامي ممثلاً بشخصية صحفي شاب اسمه ريمون ولد وعاش في كندا ،  تعود جذوره  الى مدينة  عنكاوا التي لم يرها ابداً. . . يكلف هذا الصحفي بالسفر الى العراق وكتابة ريبورتاج عن المدينة التي كانت  الموطن الاصلي لوالده الذي سبق له  ان سقط اسيراً على يد القوات الايرانية التي كانت تخوض حرباً مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي . وبعد عشر سنوات  كان قد قضاها في اقفاص الاسر يعود الى العراق بعد احدى عمليات تبادل الاسرى بين العراق وايران  والتي جرت في مطلع تسعينات القرن الماضي  .  لكن هذا الاسير العائد يتفاجأ أن عائلته قد هاجرت الى كندا .
وبعد ان علمت عائلته  المقيمة في كندا منذ عام 86 بعودته من الاسر،  بذلت كل ماتستطيع من اجل ان يلتحق بهم ابنهم الى هناك ،بعد ان كانوا قد فقدوا اي امل ببقائه على قيد الحياة  .
 وبعد عام من وصوله الى كندا تزوج  من امرأة  شابة تعود بصلة قرابة الى والدته  ومن ثم ليرزقا بطفل اسمياه ريمون . وقد حرص جده وجدته على ان يحكيا له عن كل مايتعلق بعنكاوا.
 فنشأ ريمون وهو يحلم برؤية هذه المدينة التي كانت موطن اجداده .
وتحقق له هذا  الحلم حين كُلف بكتابة ريبورتاج عن هذه المدينة بعد سقوط نظام صدام عام 2003 . ومن اجل ذلك كان قد اتفق عبرحوارات متواصلة أجراها من خلال شبكة  الانترنت مع مسؤولة مكتب الصحيفة في اربيل  على ترتيب  اجراءات اقامته لمدة عشرة ايام في عينكاوا .ليتمكن من خلالها التعرف على المدينة وعلى ابرز معالمها .
وهكذا تتم الرحلة الى عنكاوا وكانت بمثابة رحلة استكشاف لذاته وروحه . وبعد ان تنتهي الايام العشرة يعود ريمون الى كندا ليكتب رسالة الى سوزان مسؤولة مكتب الصحيفة في اربيل ،معبراً فيها عن سعادته الغامرة بالايام التي قضاها في  موطن اباءه واجداده ومعرباًعن الانعطافة الكبيرة التي حصلت في حياته بعد تلك الزيارة . وليقرر في اخر الامرالعودة مرة اخرى الى عنكاوا في اقرب فرصة .
هذه هي المعالجة الدرامية التي كنت قد اوجدتها من اجل خلق معادل درامي للمادة التاريخية التي ينبغي طرحها عبر الفلم . وهنا اعود مرة اخرى لاؤكد واقول : ـ
 لم يكن لاي شخص اخر اي دور أو مساهمة ــ لامن قريب ولامن بعيد ـ  اثناء جميع مراحل كتابة الفلم التي استغرقت مني  مدة اسبوعين بالتمام والكمال، ولم التقى فيها باي شخص من اعضاء فرقة اور او من اعضاء الجمعية منذ لحظة تكليفي (شفهياً ) من قبل السيد طاهر سعيد وحتى  تلك اللحظة التي حضرت  فيها الى مبنى الجمعية وجلست في احدى غرف الطابق الثاني من المبنى مع عدد من اعضاء فرقة اور بعد ان كنت قد انتهيت من عملية الكتابة وكنت في حينها  قد طبعت نص الفلم ايضا وقدمته لهم .وفي ذاك اللقاء الوحيد  الذي جرى يوم 30/ 10/ 2009 على ماأذكر  في مبنى جمعية الثقافة الكلدانية وهو اللقاء الاول والاخير مع عدد من اعضاء فرقة اور كنت حريصاً في وقتها  على ان أقرأ  لهم الصفحات الاولى من النص ، والتي تتضمن بوضوح  ملامح المعالجة الدرامية التي توصلت اليها وكتبتها .  وكنت قد لمست عن كثب الشعور بالدهشة والمفاجأة  على وجوه جميع الحضور ،وقد عبروا عن اعجابهم ذاك بكل وضوح وصدق انذاك . وهذا ما دفعهم الى ان يطلبوا مني ان اكتب لهم جزءاً ثان وثالث للفلم . لكني طلبت منهم ان يتريثوا قليلاً  وان لايستعجلوا حتى نرى نتيجة الجزء الاول بعد العرض . 
كما وجدت في ذلك اللقاء ايضاً  ان لدى ادارة (فرقة اور) ممثلة بالسيد مهيب ، لهفة واستعجالاً من اجل انجاز الفلم بأسرع وقت ممكن حتى  يكون جاهزاً  للعرض في مطلع شهر 12كانون الاول 2009  ليكون ضمن فقرات الحفل الذي يجري الاستعداد له احتفالاً بتأسيس الجمعية . وقد اعربت لهم في حينها عن خطأ مايخططون له، وأوضحت لهم بضرورة التأنيّ. وضرورة  ان تكون هناك فترة محددة  لتهيئة المستلزمات الانتاجية  للفلم ، وان لاتقل تلك المدة  عن شهركامل (30 ) يوماً . .  اضافة الى ان الفلم لايمكن انجازه بأقل من ثلاثين يوماً  . اي انهم بحاجة الى شهرين لانجاز الفلم بالشكل الذي يفرضه السيناريو الذي كتبته ،  والذي يضم( 41) مشهداً،  تحتوي العشرات من الامكنة التي ينبغي ان تنتقل اليها الكاميرا ،
 اضافة الى مجموعة كبيرة من الصور الفوتوغرافية التي تتعلق بأحداث مرّت على المدينة وكذلك بشخصيات عامة من ابناء عنكاوا  ينبغي البحث عنها والعثور عليها وتحضيرها قبل البدء بالتصوير نظراً لاهميتها في بناء
الفلم  لكنني وبعد  من ايام معدودة على ذلك اللقاء اصابتني الدهشة عندما  اعلمني المخرج طاهرسعيد بأنه قد انتهى من انجاز الفلم !. وان موعد العرض قد تم تحديده في مطلع كانون الاول 2009 .
 عند ذاك ادركت ان النتيجة ستكون مخيبة لي،  وان الجهد الذي بذلته وللاسف الشديد قد ضاع سدى وقد افصحت بهذه المشاعر لعدد من اعضاء جمعية الثقافة الكلدانية ومنهم الاستاذ كوثر نجيب  الذي كان عضو سابقاًفي الهيئة الادارية لجمعية الثقافة الكلدانية في الدورة السابقة .
وبعد عرض الفلم جاءت النتيجة مثلما توقعت . فكان الفلم صورة مشوهة  ومسعجلة وغير منصفة  لما هو مكتوب على الورق .. ولاأريد هنا ان اعدد  مرة اخرى المشاهد الكثيرة  التي اصابتني بالاسى . لذا كان عليّ ان اغادر قاعة العرض مباشرة بعد انتهاء الفلم   وانا في غاية الالم .
 ومع ذلك . .  لم يكن في نيتي الكتابة نقدياً عن الفلم مطلقاً ، لانني شئت أم ابيت كنت قد  اصبحت جزءاً منه ومن طاقمه طالما كنت انا الذي تحملت مسؤولية كتابته .
لكنني  قررت الكتابة بعد ان اطلعت على (فولدر) العرض وتايتل الفلم  وقدكتب عليه عبارة تشير الى ان   فكرة  الفلم تعود الى - ستيفان شاني !
ومما زادني اصراراً على الكتابة من اجل وضع النقاط على الحروف  ماأبلغني  به الفنان خليل كاكا من  ان هناك اكثر من شخص من غير ستيفان شاني يدعي هو الاخر مساهمته الفاعلة في اقتراح المعالجة الدرامية وفي خلق شخصية الصحفي الشاب .
 وهنا قررت الخروج من الصمت  وكتابة مقال اوضح فيه تفاهة ماجرى من غير علمي بذلك ، واوّضح فيه كذلك معنى وخطورة ان تنسب فكرة الفلم الى شخص اخر غيري لم يسبق لي ان التقيت  به ولم اتعرف عليه حتى هذه اللحظة ولم يجمعني به  في يوم من الايام اي لقاء .؟  ولو حدث ألان ، أن  وقف امامي المدعو ستيفان شاني    فلن اتعرف عليه مطلقاً!   لقد اخذني العجب والدهشة مما رأيت وسمعت حينما وجدت  شخصاً مجهولاً بالنسبة لي يتحول  بقدرة قادر،  وفي لحظة  لاوجود لها ، الى خالق  لفكرة الفلم  الاساسية  مع اني ّلم التق به ابداً !؟  . .
 وهكذا جرت الامور ببساطة تامة وتمت مصادرة الجهد الذي بذلته في كتابة الفلم وبمباركة واضحة ــ يلفها الغموض ـــ  من قبل السيد المخرج . !
ويبدو لي ــ وأرجو أن اكون مخطئاً ــ  أن لدى السيد المخرج مصلحة ما تقتضي منه ــ وأكراماً للسيد ستيفان شاني ــ  ان يضرب عرض الحائط بكل القيم والاصول المتفق عليها في الاوساط الادبية والفنية منذ عشرات السنين وليسلب بالتالي  حقاً  يعود لي وحدي  ــ لايملكه هوــ  ويمنحه بكل سهولة  الى من لايملك شيئاً . وإلاّ كيف يمكن تفسير ماجرى !؟

هذا اضافة الى ان  استخدام كلمة (اعداد ) التي سبقت اسمي  في اعلانات وتايتل الفلم  لاوجود لها في قاموس السينما ، وكان ينبغي على الاخ المخرج طاهر سعيد ان  يستخدم كلمتي ( سيناريو وحوار ) وهذا هو ماتم الاتفاق عليه عالمياً  وثبت في معجم المصطلحات السينمائية  بدلاً عن  كلمة ( اعداد) التي عادة ماتستخدم في تايتلات  البرامج التلفزيونية ولايتم استخدامها  في صناعة  الافلام   .

السادة الكرام اعضاء فرقة اور المسرحية  :
ليس من العدل والانصاف ان تنسب الاعمال الى غير اصحابها بدون وجه حق . وليس من الاخلاق ان يرتضي البعض لانفسم ان يرتكبوا مثل هذا الفعل المعيب والذي لايليق حقيقة  بمن يعمل بجد واخلاص  في الميدان الفني . . كما لايليق بالسيد المخرج ان يتواطىء مع من  لايتردد في صنع تاريخ كاذب له !
ويقتضي الامر من نقابة الفنانين في كردستان بعد  ان يصلها الامر بمثل هذه القضايا أن  تتخذ اجراءاتها  الواضحة والقانونية بحق من يسىء الى الاصول والتقاليد الفنية التي تحرص كل المؤسسات  والجمعيات والشركات الفنية الرصينة على الالتزام بها حفاظاً على حقوق الاخرين المعنوية .
  و ليس من المعقول ايضاً ان تسرق جهود الاخرين وبشكل سافر وصريح دونما رادع يتخذ ضدهم من قبل نقابة الفنانين  في كردستان وكذلك من قبل المؤسسات والجمعيات التي ينتمون لها ويمثلونها لانهم بمثل هذا السلوك يسيئون لها ايضاً  .
الاخوة المحترمون  في فرقة اور المسرحيةالتابعة لجمعية الثقافة الكلدانية في عنكاوا :
  لقد كنت حريصاً وأنا اكتب الفلم على ان اقول  شيئاً جميلاً  يليق بهذه المدينة وبتاريخها ،  لانني  منذ ان سكنت فيها قبل اكثر من اربعة اعوام بحكم عملي في قناة عشتار الفضائية  احببتها بعمق لما اتسم به اهلها من وداعة وطيبة . ولكنني وياللاسف ، صدمت بهذه الافعال الصبيانية التي اقترفها البعض والتي لاتنم  إلاّ عن سذاجة وسوء تقدير !
واخيراً ليس لي إلاّ ان اقول :  إن اي فنان يحترم فنه،  وتاريخه، وشخصه، سوف لن يتورط  في صنع تاريخ كاذب له . ولن يتورط في سرقة جهد الاخرين،  ولن يتورط أبداً  في أي  فعل قد يسىء له ،أويخدش قليلاً  صورته ،  وسمعته امام  زملاءه وجموره .


                                                         مروان ياسين الدليمي
                                                   
                                                          5/ 12/ 2009

115
خطوط حُمر  . . في اليوم العاشر



عالمنا الممتد من المحيط الى الخليج ،لم يزل  يحيا في زمن مظلم  ثابت غير متحول  منذ مطلع خمسينات القرن الماضي ، اي منذ تلك  اللحظة التي بتدأت فيها الزعامات الوطنية تتسلم مقاليد السلطة .
 من هنا بدأت لحظة اعتقال العقل العربي وراء قضبان ايدلوجيات الاحزاب الحاكمة وقادتها الملهمون . لتبدأعندها مذ ذلك الوقت مرحلة طويلة ومهلكة ولم تنتهي بعد. ولم تكن تلك الايدلوجيات إلاّ منظومة امنية تتشكل من سياسة لاتخرج عن إطار: التخوين والتخويف والترهيب والتسويف والتبجيل والتعظيم والتنكيل والتحريم والتخديروالتعذيب والتقتيل والترويع والتفجيع الخ  من اشكال القسوة والقهر والقمع .
ومع ان الكثيرمن  الحكام قد تبدّلوا أوأُستبدلوا أو غابوا أو غيُبوا أو تغيبوا إلا أن ماتركوه من ميراث ضخم ومرعب  في فنون وجنون واساليب السيطرة والحكم والتعامل مع من يختلف معهم في الرأي والرؤية بقي حاظرا ،ًويافعاً، ونافعاً، وناظراً. ولم تتنكر له الوجوه والعقول الحاكمة الجديدة ، علمانية كانت أومتدينة،  ألاّ في الايام العشرة الاولى من توليها الحكم فقط ، لتعاود هي ايضاً مرة اخرى في اليوم الحادي عشربعد جلوسها على عرش السلطة لتمسك بيد من حديد صولجان  الوصاياوالتقاليد الذي  ورثته عمن  سبقها من أولئك الحكام، الذين ثارت عليهم وطهرت البلاد من رجسهم . وبالتالي فإن الوجوه الحاكمة الجديدة لن تكون في حيرة من امرها  ولن يكون عليهاأبداً  ان تبدأ من الصفر في كيفية حكم البلاد والعباد .
كم تفاقمت ازمة الوعي والثقافة العربية مع مطلع ثمانينيات القرن الماضي مع بداية ظهور الجماعات الدينية المتطرفة في مصر وهيمنة هذا الفكر بكل تشدده على مساحات واسعة من المنطقة العربية وقد شجع على ذلك الاحتلال السوفياتي لافغانستان والدعم المالي الكبير الذي تلقته تلك التنظيمات الدينية المتطرفة سواء من بعض دول الخليج انذاك  أو من قبل اميركا وبريطانيا اللتان لم تبخلا بكل ماتملكان من خبرة عسكرية في اعداد وتنظيم تلك الجماعات  وامدادها بالسلاح والعتاد والمعلومات الاستخباراتية .
ولما جاءت اللحظة الفاصلة التي حققت فيها  الانتصار العسكري على الجيش الاحمر ( الملحد) ملحقة به شر الهزيمة ومن ثم  سيطرتها على افغانستان، كان لابد لها  ان تشعر بالزهو والقوة التي لاحدود لها ،وعليه ايقنت اشد اليقين انها هي ولوحدها من تملك  وتحتكر  تطبيق شريعة الله على الارض وينبغي عليها أن تفرضها على  الارض والعباد بقوة السلاح والارهاب دون الرجوع الى الحكمة والعقل والحوار والارشاد والمجادلة   .
 كان انتصارها ذاك اعلاناً واضحاً لهزيمة كبرى  لكل من يخالفها من القوى والعقول والتيارات الفكرية  ولكل من  لايؤمن بما تسعى اليه هي  من هدف  واضح :في اقامتها  للامارة الاسلامية .
في تلك اللحظات الدرامية  من نهاية العقد الثامن من القرن العشرين ومع انتصارها في افغانستان بدأت هزيمة العقل والحرية في عالمنا العربي امام طغيان الملالي والامراء وفتاويهم في تجريم وتحريم الحياة الانسانية المدنية بكل اوجهها وانشطتها العلمية والانسانية .
لقد طالت اذرع محاكمهم وفتاويهم اسماءً وانشطة وتجمعات على طول الارض العربية وحتى خارجها سواء في اميركا او في اوربا . ولم يسلم منها حتى اللذين لاصلة لهم بأنشطة الفكر والسياسة وألفن والثقافة ولم يكونوا في يوم من الايام ، شعراء ولاأدباء ولاممن يكتبون القصة ولا الرواية ولاالمقال ولاكانوا بمطربين ولاممثلين ولاصحفيين بل كانوا يشكلون جزء اً من موظفي الدولة لاغير ! التي هي في نظرهم ومعتقداتهم كفرُ وعبادة للشيطان وكل من يعمل فيها ويساهم في بنائها وتطويرها وخدمتها يقع عليه حكم مايقع على الكافرين .
ويوماً بعد اخر وسنة بعد اخرى امتد هذا الفكر ودخل بيوتنا وجامعاتنا ومؤسساتنا العلمية دون ان يستأذن أو يطرق الابواب .
دخل مع رغيف الخبز اليابس الذي نحصل عليه بشق الانفس،
ومع الاجراليومي المتدني للعامل وهو يشقى طيلة ساعات النهارولايحصل على مايسد به رمقه او ابسط الاحتياجات الانسانية لعائلته  ،
ومع الاطفال وهم يفتشون في المزابل عما يمكن ان يسد رمقهم ،
 مع المشردين في الخيام،
مع العاطلين عن العمل من الخريجين لسنين طويلة،
من اطباء ومهندسين، ومدرسين لاتكفي رواتبهم لاكمال نصف دينهم ،
مع اليتامى من ابناء الشهداء الذين اخذتهم الحروب القومية الى فلسطين ولم يعودوا بها ومنها ،
مع المثقفين المعتقلين في زنزانات الامن والمخابرات،
مع ارتفاع الاسعار وغلاء المعيشة ،
 
مع سكان الصفيح وبيوت الطين والمقابر والمزابل والعشوائيات .
في ظل هذا الموت البطيء
في ظل هذا ألعذاب ،
في ظل هذا الاسى ،
وفي ظل هذا الخراب ،
نَمَا اليأس والتطرف ،وشاعت ثقافة الموت وماتت ثقافة الحياة ، ولم يعد امام من ينتج الثقافة متسع طبيعي من الزمن والمساحة  لحرية القول
والتفكير.  وتراجع المجتمع بثقافته الى الخلف قروناً من الزمن محشوراً في اقبية وسراديب مظلمة يتردد فيها صدى تمتمات وتعاويذ وطلاسم مرعبة ، وهَزَم المجتمع العربي  منجزه الثقافي والمعرفي الذي تناوبت على أنتاجه اجيال واسماء كبيرة .
 لذا  لم يكن غريباً إذن  ازاء تداعيات هذا المشهد : ان تصدر فتاوى تدعو الى حرق وتحريم نتاجات ثقافية احتفت بها اوساطنا الثقافية والاجتماعية قبل اكثر من ثلاث عقود كما في رواية (وليمة لاعشاب البحر) . لحيدر حيدر ،(وأولاد حارتنا لنجيب محفوظ ). ومجمل كتابات الدكتورة نوال
السعدواوي وليصل الامر الى ماوصل اليه  معبراً عنه في محنة الدكتور
نصر حامد أبو زيد ، وبعدها جاء دور الشاعر موسى حوامده
واحمد عبد المعطي حجازي وصلاح حسن وعدنان الصائغ .  واخيراً وليس أخراً ماتعرض الشاعر العراقي احمد عبد الحسين في شهر آب 2009  من تهديد وتلويح بالقتل لالشيىء إلاّ لانه مارس دوره الطبيعي كمثقف في الدفاع عن حرية شعبه التي خنقتها العمائم الثقيلة التي أمست تحكم ادق تفاصيل الحياة العراقية  وتسيطر عليها بميليشياتها الطائفية  المسلحة التي لاتتوانى ابداً عن  قتل  الناس على الهوية ،ولن تخشى ابداً في أن  تسرق وتنهب ممتلكات الدولة في وضح النهار مستعينة كذلك بالياتها وعجلاتها الرسمية  وليس هنالك من  قوة حكومية قادرة على أن  تردعها أوتحاسبها بل حتى لايمكنها  أن تتجرأ ولو بالاشارة اليها عبر بيان رسمي يستنكر أو يشجب افعالها .
  إن قائمة المثقفين والمفكرين والفنانين الذين بدأت تطالهم فتاوى التكفير والتجريم والقتل في عالمنا العربي بدأت  تطول لتصل كل من يقترب ولو حتى خطوة واحدة الى فضاء الحرية للتفكير في شؤون الخَلقِ ِوالخَلقْ  .
 إن هامش الحرية  بدأ يضيق ويضيق بشكل مرعب ومخيف  امام من يشتغل في اي حقل من حقول الثقافة .
 ونحن اليوم  امام مد طلباني (نسبة الى حركة طالبان) التي سبق أن أحالت الحياة ألانسانية بكل اشكالها الى مثواها الاخيرحين توفرت الفرصة لها وتسلمت مقاليد الحكم  في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي  .
 إن حالنا أليوم لن يكون باحسن من حال شعب افغانستان او الصومال فيما لو بقيت اغلب انظمة الحكم القائمة تتعامل مع مواطنيها باستحقار ودونية وهي بذلك توفر الفرصة المناسبة للفكر الديني المتطرف لكي يتسارع نموه في بنية مجتمعاتنا .
كما يعني ذلك ايضاً حجرُللعقل الانساني المفكر والمبدع .وسيادة ازمنة التقديس والتدليس .
هذا هو الاطار العام الذي بات الكاتب العربي يحيا بظله ويموت بظله . وهوظرف وجودي ليس هنالك من ظرف اسوأ منه إلاّ تلك الازمنة التي مرت على البشرية ايام محاكم التفتيش .
ومن الطبيعي ازاء هذا الضغط والقهر والكبت الذي ينهال على جسد الحرية الانسانية ان ينشأ زمن اخر للكتابة مضاد لما هو قامع وهاتك لحرية التفكير والابداع الانساني . وهذا الامر ليس من البساطة بمكان في أن نضعه بكل سهولة وأستخفاف في خانة ألاملاءات الخارجية وتسطيح النص الادبي وتحويل الادب الى اداة لتحطيم الوعي العربي المترنح اصلاً !
إن الادب لكي يساهم في تشكيل الوعي العربي من جديد لاسبيل امامه إلاّ بأمتلاكه الحرية المطلقة في طرق وفتح كل الخطوط الحمر و الابواب المغلقة ،وهو بذلك سوف لن يجنح الى خدش الحياء ولن يدنس المقدسات انما سيعيد للعقل حريته المعتقلة وسيمنح الانسان فرصة لاغنى عنها في قراءة جديدة لذاته المتبلدة الخائفة ،والخانعة .
لكني اجد ان مجتمعاتنا ابعد ماتكون عن تلك الفرصة التي خلقتها  لنفسها الجماهيرة الايرانية  الغاضبة والمحتقنة بكل ادران التحريم والتخوين والتخويف  فيما لو بقيت اسيرة التابوات والخطوط الحمر المقدسة .    

                                                     مروان ياسين الدليمي
                                                                                                                      
                                                          18/ 10 / 2009

116
المنبر الحر / سرقة مقال . .
« في: 13:14 08/10/2009  »
سرقة مقال . .



كان ينبغي عليك ياسيدي رحيم العراقي ان لاتورط نفسك في سرقة المقال (وداعاً جلال جميل ) المنشور في صحيفة الزمان بتاريخ 2/ 9/ 2009 للكاتب مروان ياسين الدليمي الذي هو انا . وتنسبه الى شخصك ولتنشره بعد ذلك في (موقع النور) وفي جريدة( ثقافات )التي تصدر عن وكالة انباء عراقيوان في الموصل . مع تغيير لعنوان المقال فقط لاغير .
وادعوا جميع القراء ان يدخلوا الى موقع صحيفة الزمان والى صفحات (الف ياء) وان يكتبوا اسمي فقط عندها سيجدون صحة ماأقول .
 سيدي الكريم رحيم العراقي . انت كاتب ساخر جميل لك الكثير من الكتابات المسرحية النقدية التي تثبت قدرتك وامكانياتك الكتابية .لذا انت لم تكن بحاجة الى ان تسخر من الاخرين الذين يحترمون شخصك وكتاباتك عندماسمحت لنفسك بسرقة مقال بسيط ،لم يكن الاّ محاولة متواضعة مني لكتابة سيرة موجزة عن صديقي واستاذي واخي د. جلال جميل الذي رافقته منذ منتصف العقد السابع من القرن العشرين وحتى فاته . فمالذي دعالك الى ان ترتكب مثل هذا الخطأ الذي سوف لن يغنيك في شيء بقدر ما قد يسيء لك ولمصداقيتك . ؟ ومن المؤكد ان الكثير من رصيدك الشخصي الذي بنيته في سنوات طويلة من الكتابة والقراءة سوف يعيد النظر فيه الكثير من القراء الذين ينظرون لك بعين ملؤها التقدير والاحترام لمسيرتك المهنية والابداعية .
 قد يكون الدافع الذي دعاك لسرقة هذا المقال البسيط وليس مقالاً(دسماً ) اخر ، هو عدم امتلاكي للشهرة التي يمكن ان يتمتع بها كتاب اخرين مما يوفر لهم ذلك من حصانة تمنع الاخرين وتردعهم من سرقة مقالاتهم . .لكن ذلك لايعفيك من ارتكابك لخطأ قاتل . ولايمكن نسيانه وغفرانه لك من قبل قرائك الذين يحترمونك وانا واحد منهم .
ملاحظة اخيرة : قد لاتذكرني ياسيدي الكريم رحيم العراقي . لكني اذكرك جيداً وقد عشنا سوية في منتصف ثمانينيات القرن الماضي في وحدة البرامج الاذاعية والتلفزيونية التابعة للاعلام العسكرية ايام كنا جنوداً وكان معنا في حينها . الكاتب رضا الاعرجي . وعبد الكريم السوداني الذي هو حالياً مدير شبكة الاعلام العراقي . والممثل هاشم سلمان . والمرحوم كريم قاسم عبود . والصحفي عماد عبد الامير . واخرين .
لك مني تحياتي وارجوا منك ياأخي العزيز ان لاتتورط مرة اخرى بارتكاب صغائر الامور .لانك كاتب كبير .

مروان ياسين الدليمي

117
إخترنا لكم / أنأى . . عن الأتي
« في: 23:58 21/09/2009  »
أنأى  . .  عن الأتي 




كم  توغلت عابراً رداءة الأيام المكسورة على طول  الطريق
ولاأكاد أفكر في شيء يتصل بالأمل . 
هذا الذي كنت ادّعي أنيّ لن اتورط فيه :  أن ادافع عن نفسي !
كنت زاهداً بنزقي
علّني أمنح العالم شيئاً لايهدده بالخطر  .
بالامس لم أكن مثلما أنا عليه الان  : كنت مقتنعاً بجنوني ، بأخطائي، بغبائي، بقلقي الواضح من غموض مستقبلي ، بأفكاري المثالية وأنا أطمح لتغيير العالم ، بحرماني من اية صورة لأبي ، بخجلي وأنا أحكي  أمام أناس غرباء ، بضعف تديّني، بحماقتي ساعة أن أغضب ، بعلمانيتي الساذجة ،بهروبي من البيت وإدماني على أرتيادِ دور السينما ،بقِصرِ قامتي، بفقرعائلتي القدري الذي لاخلاص منه ، بشهوتي للنساء البيض الرشيقات،بضجري من القشرة في شعري الأجعد ،بكأبتي الدائمة ، بنزواتي، بحقدي على رجال الشرطة والمخابرات ، بقوّتي ،بفرحي وأنا حافٍ أركض  في عزّالبرد والمطر يزخُّ أياماً وليال في شهر شباط ، بطائرات ورقية مصنوعة من ورق اسمر وأنا ارقص كالطير على السطح في منتصف نهارات الصيف الملتهبة وكفّي الغضة  تمسك بالخيط  وكأني كنت ألمس وجه الغد  .
 
كنت زاهداً بكل ذاك  ،
كنت كمن يبدو وكأنه يفجرالكتمان بما تبقىّ من وجوه مستوحشة  فيما بين أفراس الروح  ورائحة البسطال .
فهل بالغت  في تشبُّثي بأحصاءات من تمارين محتملة أطرق بها ظلال الشراشف المبللة بعطر ٍ من  نساءٍ كأنهن  فراشاتْ ، وأطراف نعاس غض لم يعد حاضراً في شوارع باتت ترتعش ماأنْ  يستيقظ الفجرفي احضان  نينوى  ؟


أنا احتمل الفكرة في وقتها المزعوم للتنفيذ ،
وسأجد فكرة أخرى للتماهي مع المرآة المفككة تحت اقدامي بعد أن لفَظَ الحلاق الشاب أخر انفاسه مطروحاً فوق الرصيف غارقاً بدمه وعلى بعد أمتار من دكانه .
في حالتي هذه التي لم أتخيلها منذ اكثر من اربعين عاماً ،
لم يعد بوسعي أن أُثير الرّيبة وأنا أبتكُر ألحُجج لمحو أعدائي وابتكارهم على طريقتي الخاصة .
لم أعد أرى وجوهاً أحبها
ولم أعد انشد خاصرة الاكتراث
ولاظاهرة الموت .
حتى في ذاك الوقت الضارب بالوحشة كنت أُهندسُ  ألمناديل الورقية في ساحة الفردوس حين أضطربت ألحرب بمزاج بارد وثقيل تحت تمثال من ألنزق، ونقشتُ بحذاء طفلٍ عابث على قساوة البرونزصورة وطني مسوّرة في  جسد الوحشة، فغشاني الوقت بوضوحه ساعة جسّ الخوف وجه المدينة وانكسرت أجنحة الفضاء بغتة ًفوق جسر السنك .

دونما اسف ٍ
دونما فرح ٍ
دونما . . 
دوّنت بسبابتي أليمنى على رمل يرتجف ــ  كُلما مسّه  ماء دجلة ــ  عنوان بيتي في الجزء العتيق من الساحل الأيمن لمدينة الموصل القديمة  في منطقة تدعى خزرج . وغفلت عن أكتشاف رائحة الزهور إذ مررت بتاريخ العاشر من أيار من العام الخامس بعد ألالفين في تمام الساعة التاسعة صباحاً  بحديقة ألشهداء خطأ ًوتثاقلتُ في محو ألضباب عن عدسات نظارتي ألطبية وأنا أمشي عند جدارمن ألحلاّن ألموصلي ألصقيل  لكنيسة اللاتين أصغي لصوت ألناقوس  لمّا دقّت أجراس الساعة السادسة مساءً قبل انفجار العبوة الناسفة بعشر دقائق ، ورددت مع نفسي : هل سنُعصَفُ من الشرفات مع وشاحاتنا بعيداً عن أحضان نسائنا المتشبثات بالسماء رغم فداحة أوهامنا ؟  .

لعلي  نسيت خشونة  أطباع جيرتي القرويين
وجثة والدي التي اختفت في مياه دجلة وأنا لم أزل حينهاغافياً في بطن أمي.
وحنان جدتي الذي يُبكيني حين أذكرهُ، وذاكرتها التي انطفأت فجأة في العقد السادس من عمرها ولم تعد تذكر شيئاً من دنياها المضطربة لا أسماء بناتها السبع ولاأولادها الثلاثة  ولاأصلها التُركي  ولابساتين الجوز في مدينة ماردين . ولاقصة أعتقالها سنة ست وسبعين وأختفائها سنة بأيامها ولياليها في سجون ألأمن  .

كم سهوت أن أصلّي صلاة ألعصرفي ميقاتها
فأخطأت الطريق الى ضريح ابي القاسم يحيى
حين فاضت علينا السماء فجأة بالنار  .
 
فهل اخطأت الطريق مرة اخرى الى جامع الحامدين حين انشغلتُ وأنا  أُحصي ماتبقى من حجارة تناثرت على أخر جدارمن كنيسة الطاهرة بفعل سيارة مفخخة   ؟   

هل أخطأت الطريق ؟
أم الطريق أخطأ بي ؟ . .

كلما التراب علّقني متقدماً  على حافة مشحونة بالتناقضات
تكدّس الوجوم على زجاج نافذتي المطرّز بأثار الشظايا .
ماذا يمكن أن أشهد بعد الان ؟
ماذا يمكن بعد إنكسارالنهار في أضلعي  ؟

وقفت  أنأى عن الأتي
فأخطأت مرة أخرى   
وأفرغت في المصابيح المطفأة،
وحشتي
والدروب
ومدينتي
وطابور
أخطائي.
                                                            مروان ياسين الدليمي
                                                                1/ 8/ 2009
                                                                    عينكاوا
                                                                                                   







118
المنبر الحر / صوريا . . *
« في: 15:29 15/09/2009  »
صوريا . . *
                                                         


مازلنا نتعقب اثاراقدام الموت ، مازلنا نتعقب رماد ألهلع ، لنمسك ذاك الوجع المقدس  براحة اليد ،  ،  اربعون سنة تأخرنا عن موعدنا هذا  ،  ،  لكنّا اليوم سنطرق ذاكرة ٍ منكسرة ونلملم اشلاء من رحلوا ،
 لعلنا نجمع شظايا المشهد المفجع . . .
اليوم سنطرق أبواباً  ظلت مقفلة  ، سنمضي إليها بين ذرات هذا التراب نفتش خلفها ،عن ارواح، واصوات، واسماء ، لم تزل ترتعش ،
حين تكدست عليها أجساد مضرجة بدمائها،
وذنبها ، انها كانت أبداً طاهرة .
.   .   .   .   .
  الذاكرة مازالت تمسك بذاك المشهد ، وعلى رخام  الشواهد مازالت  تُنثر التراتيل  وماء الورد ، ،
   اليوم سنصمت ،  ماأن تحكي صوريا قصتها،
لتسرد لنا في تلك الساعة محنتها ، حين انسكبت فوق ثراها  رائحة الموت .  
.   .   .   .   .
 صوريا التي انكسرت  خارج الوقت،
كانت ترخي جذائلها على غيمة شاردة من دجلة .
دجلة الموغل في صمته ،دجلة الدائم بحزنه .
وحده ، من شهد الخوف
وحده ، من خبأ الاسرار
وحده ،  من يملك المفتاح
لكلام كان أبداً غير مباح  .
.   .   .   .   .
كان الضحايا اخوة بالدم والشهادة ، فلاحون مسيحيون ،وأكرادُ مسلمون .
يقتسمون محبتهم مع رغيف الخبز، ولاشيء يقسِّمهم
في هذي الدنياالمضطربة  .
 لهم الجرح سوية ،ولهم عطر السنابل .  .  .
كانوا صرخة واحدة ،
  و شهقة واحدة ،
و قطرة دم ْ.
 لمّا صار الوقت سُخاماً فوق سماء القرية
 وانكسر الفجر برصاص القاتل .
.   .   .   .   .
آن لنا أن  نخرج من طوق الوهم ،ونكف تماماً  عن تبرير الصمت
آن لنا  ان نرفع رايات العدل البيضاء ،لنكشف عن أزمنة النسيان . .
ونردد بصوت عالٍ :
ياهذا العالم آن لك ان تصحوا معتذراً ،لتعيد الحق ،
وتنصف كل ضحايانا ..
.   .   .   .   .
على ثرى  هذا  التراب ،استدرج الموت احبة لنا. .
ازاح بظلمة كفّه
اصواتهم
وطيبتهم
وسنابل أفراحهم .
.  .  .  .  .
بعد اربعين عاماً من عمر نكبتها  : وحين اقتربت مرة اخرى ساعة طلقِها  اصر ابناء صوريا على ان تعود صوريا كما هي  مرة اخرى ،
جنة لأسرارألمحبة،وأن تُبنى بيوت اخوتهم المسلمين ،مثلما ستبنى لهم بيوتهم  . ولتبقى صوريا كما هي  صوريا : فردوسا ً يسمو براياته ،
 فوق الحرائق  ،
والطوائف
 والاديان .
.   .   .   .   .
رغم الهواء الذي فرّ مذعوراً ساعتها،ورغم الدم،ورغم الصرخات . . .  مازال الصمت هو العنوان ،ولم يستيقظ كل دعاة القانون الدولي .
مازال الصوت الداعي لرفع الظلم وانصاف الحق يقبع في ادراج النسيان .
يكفينا حتى تُكسرُ اسوار الصمت ،دقيقة صمت وحداد في اروقة الامم المتحدة ، قد يستيقظ فيها من غفوته ضمير العالم .

.   .   .   .   .
ولأن البلاد المسكونة بالحب لن تموت ،
 عادت الاحاديث توئثث الدروب بالاحلام ،
عادت  النهارات دافئة  في صوريا.
عاد الصباح،
 عاد الامل ،
وعادت الارض من جديد تغزل بهجتها
وتعانق ماتبقى من  ابنائها .

                                                         مروان ياسين
                                                       15/ 9 / 2009


*في ذلك اليوم المصادف  السادس عشر من شهر ايلول عام الف وتسعمئة وتسعة وستين انفجر لغم مضاد للاليات تحت ناقلة عسكرية ،قتل وأصيب على اثره عدد من العسكريين .ونظراً لان قرية صوريا هي الاقرب من غيرها الى محل الانفجار فقد اختيرت لان تكون هدفاً من قبل القوة العسكرية للانتقام منها ومن اهللها العزل فكانت مذبحة راح ضحيتها العشرات من النساء والاطفال والشيوخ .



                                                        





119
المخرج : شوقي الماجري  .  .

                      وجماليات الخطاب الفني في الدراما التلفزيونية .



رغم الكم الهائل من  الاعمال الدرامية التي تبثها عشرات القنوات الفضائية العربية خلال شهر رمضان إلاّ ان الكثير من تلك الاعمال لايستحق عناء ومتعة المشاهدة لاكثر من الدقائق الاولى ، لتكتشف وبكل سهولة  رداءة الطبخة  الدرامية التي قدمت لك  رغم الاسماء اللامعة من النجوم التي تم حشوها في تلك الاعمال من دون جدوى.   
هذا الامر يتكرر سنوياً في الانتاج الدرامي العربي الذي بدأت دوائر انتاجه تتسع سنة بعد اخرى بعد انطلاق وتوسع حجم القنوات الفضائية  التي كان عليها أن  تغطي الكثير من ساعات بثها بالاعمال الدرامية والتي تأتي في اولويات استقطاب المشاهد العربي الذي يعاني مايعاني من هزائم حياتية شتى بفعل فشل الانظمة السياسية في بناء وتنمية مجتمعاتها وهذا مايدفع مواطنيها  الى الارتماء في أحلام وبطولات خيالية تصنعها وتخيطها له شركات الانتاج الدرامي على مقاس احباطاته وعجزه ويأسه ولتساهم بالتالي هي الاخرى وبالتواطىء مع الانظمة العربية في تخديره وابقاءه في حالة من الكسل الفكري والارتكان الى حالة من الشعور بالمتعة السلبية الاستهلاكية وهو يشاهد تلك الاعمال الدرامية التي تزيد من كثافة العيش في الخرافات  الاوهام والبطولات الزائفة  . وتشترك في ذلك (الاعمال الكوميدية و الدرامية الجادة . والميلودرامية .) .
لكن وسط هذا الكم الردىء غالباً مايطالعك عمل فني يغرد خارج السرب ليمنحك متعة فنية وفكرية تغنيك عن مشاهدة بقية الاعمال . ودائماً مايقف وراء هذه الاعمال النادرة فنانون يتسمون بقدر عال من الاحترام لانفسهم وللمشاهد الذي يحسبون له الف حساب حين يقررون الاقدام على انتاج عمل فني جديد .
من تلك الاسماء التي ارتقت بالدرما العربية الى افق اخر جديد  لاصلة له بالارث الردىء الذي تشكل عبر عقود طويلة من الانتاج أسم بدأ يمهر  بصمته واضحة ومتفردة في ذاكرة الشاشة الفضية خلال الاعوام العشرة الاخيرة   .
شوقي الماجري المخرج الذي اكد حضوره الرصين والمميز عبر عدد من الاعمال الدرامية( الملحمية ) التي تصدى لاخراجها.
 حالفني الحظ ان اتابع مسيرة هذا المخرج ابتدأً من مسلسل ( اخوة التراب ) بجزأيه في مطلع تسعينات القرن الماضي والذي تناول فيه ملحمة النضال الوطني التي خاضها الشعب العربي السوري لنيل حريته في مطلع القرن العشرين . ثم جاء عمل اخر بعنوان (بيت الارواح ) ثم عمل اخر بعنوان (عمرالخيام ) واعقبه بعمل اخر بعنوان( الاجتياح ) تناول فيه صور الكفاح الفلسطيني من اجل الحرية واثبات الحقوق في ملحمة تلفزيونية احتشدت فيها نماذج انسانية لم تقترب منها معظم نتاجات   الدرما العربية وهي تتناول الصراع الفلسطيني الفلسطسيني والفلسطيني  الصهيوني إ لاّ بعض الاعمال مثال على ذلك مسلسل( التغريبة الفلسطينية ) للمخرج بسام الخطيب .واخيراً جاء العمل الاخير للمخرج شوقي الماجري( هدؤ نسبي ) الذي مازال عرضه مستمراً على شاشة عدد من القنوات الفضائية  والذي تناول فيه وبموضوعية  وجرأة يحسد عليها ، الايام الاخيرة  لنظام صدام حسين ومن ثم سقوطه السريع والمفاجىء امام القوات الاميركية والجيوش المتحالفة معها .  كل ذلك يتم من خلال وجهة نظر مجموعة من  الاعلاميين والصحفيين العرب والاجانب الذين تواجدوا في تلك الايام والساعات التي شهدت نهاية  ذاك النظام  وسقوط بغداد تحت الاحتلال الاميركي وهمجيته وما تبع ذلك من تداعيات لم نزل نشهدها حتى اللحظة وهي ترسم امامنا صورة وطن تشظى وغاب عن اعيننا في فوضى الصراعات الحزبية والطائفية التي يتحمل مسؤولية ظهورها وانتعاشها وتأجيجها المحتل الاميركي والصراعات الاقليمية التي ألقت  بظلالها على الساحة العراقية الملتهبة .
المخرج شوقي الماجري تصدى لهذا الموضوع المعقّد والشائك.  وتكمن خطورة هذا العمل في راهنيته ووقوعه في الزمن الحاضر وهو لم يزل  يتشكّل بحضوره الكارثي  والثقيل  بيننا إضافة الى  رسمه لمسار حياتنا وغدِنا الغامض .
 ومع ذلك كانت ملامح الصورة التي رسمها شوقي الماجري ، لما جرى من احداث ومايزال يجري على ارض الواقع العراقي واضحة ودقيقة في تفاصيلها ومبتعدة عن المبالغة والتضخيم سواء في رسمها للاحداث او الشخصيات .
 ولو تابعنا مسيرة هذا المخرج  الحافلة والغنية على الرغم من قصر ظهوره على الساحة الفنية لوجدنا ان له نمط من التفكير والقناعات الفنية التي تجعله يقتفي وبوعي تام اساليب الفنانين الكبارفي رسم ملامح تجربته الفنية،  ابتدأ من  اختياره للنصوص والتي غالباً ما تتناول في جوهرها صراع الانسان لاثبات انسانيته .
تأتي هذه القيمة التي غالباً مايحتفي بها الماجري  ضمن اطار ملحمي
( زماناً ومكاناً ) .  . ففي اعماله ليس هنالك من بطل فردي يستحوذ على الاحداث انما هنالك دائما عدد  كبير من الشخصيات الانسانية الرئيسية والثانوية التي تتحرك وتنبض داخل الازمنة والاحداث التي تتسع رقعتها لتشمل مديات عمودية واسعة .
ولن يكتفي شوقي الماجري في التوقف والاهتمام بالشخصيات الرئيسية . انما تأخذ معظم الشخصيات نفس الاهمية والاهتمام من قبله في تقديمها داخل المشهد . كما ان تربيته الاكاديمية السينمائية جعلته يعتمد في بناءه للمشهد على الصورة اولاً فيما تحمله من مفردات وفيما يحمّلها هو من مدلولات وتأويلات مستغنياً بذلك عن الثرثرة في الحوار الذي يشكل مرضاً قاتلاً في الدراما العربية ،مكتفياً بجمل قصيرة مكثفة تساهم اولاً واخراً في صياغة  وبناء الشخصية، وفي دفع وتطور الاحداث درامتيكياً الى الامام  دون السقوط في الاستطراد والاطالة التي ادمن عليها المخرجون تحت رغبة شركات الانتاج التي تسعى الى تلك الاساليب لاغراض ربحية ! حتى لو كان ذلك على حساب التخلّي عن القيم والاشتراطات الفنية المكثفة  والمطلوبة في بناء اي عمل فني .
 كما يتضافر مع ذلك لدى الماجري  بناء المشهد/ الصورة  .  وذلك بالاهتمام العالي في تصميم اضاءة المشهد درامياً وتأثيثه بجمل وتراكيب  بلاغية من البقع والمساقط الضوئية واللونية  التي قد لانجدها الا في الاعمال السينمائية لكبار المخرجين العالميين .
من هنا يأتي حرصه على التعامل مع مدير التصوير البولوني الجنسية في كل الاعمال التي اخرجها . وذلك لادراكه الكبير لأهمية ان يكون الى جانبه مديرتصوير يمتلك خبرة وكفاءة ووعياً درامياً يمكنه من  فهم ما يفكرفيه المخرج ومايريده في كل لقطة وفي كل مشهد . وهذا مالانجده في معظم النتاجات الدرامية العربية التي لايولي مخرجوها اية اهمية لدور مدير التصوير .وغالباً ماتراهم يكتفون بأضاءة المكان والشخصيات دون ان
يكون للاضاءة اي دور في رسم وايصال الافكار والاجواء التي ينبغي ايصالها للمتفرج . .
 ان شوقي الماجري التونسي الجنسية والمتخرج من احد معاهد السينما في بولونيا في منتصف العقد الثامن من القرن العشرين . هوبحق نموذج للفنان الذي يكافح من اجل الدفاع عن عشقه للفن والتعبير عنه بأجمل الصور واكثرها بلاغة . ولم يثنيه عن ذلك  ضعف ومحدودية دعم الانتاج السينمائي في العالم العربي عن التوقف وانتظار فرصة العمل السينمائي . كما فعل الكثير من الموهوبين السينمائيين  في عالمنا العربي . بل آثر ان يقتحم ميدان التلفزيون المتكلّس منذ عقود   بالأطُر والفورمات الجاهزة .
وآثر ان يدخله بعُدّته السينمائية التي إكتسبها من غنى السينما الاوربية واصالتها التي تختلف في خطابها وجمالياتها المميزة عن صناعة السينما الاميركية وقوالبها الجاهزة في معالجة الشخصيات والاحداث .
 ومعلوم لدى العارفين والمتابعين لتاريخ السينما في العالم  مدى البون الشاسع الذي يفصل مابين نمط الانتاج السينمائي الاوربي والانتاج الاميركي . واقل مايمكن قوله في هذا الموضوع ان السينما الاوربية تنطلق من اسس انسانية وجمالية في بناء الفلم السينمائي  رغم بساطة الكلفة الانتاجية التي تقف وراء انتاج الفلم قياساً الى الفلم الاميركي الذي تتضاعف ارقام انتاجيته الى عشرات بل مئات اضعاف من انتاجية الفلم الاوربي .
من هذه التقاليد الاوربية الرصينة التي شكلتها فلسفات وافكار تمجد الحرية للانسان والشعوب وانتجت معظم المناهج والتيارات الفنية المعاصرة في كل الفنون  جاء شوقي الماجري ليضع مع قلة اخرين الحجر الاساس لبناء دراما تلفزيونية جديدة شكلاً ومضموناً وتمكن في سوريا من تحقيق احلامه التي بدأت تشكل علامة فارقة في الدرما العربية . 






                                                  مروان ياسين الدليمي
                                                            العراق


120
قراءة . .  في المحنة العراقية


عدم الاعتراف بالخطأ  يمنح عدوك الفرصة للنيل منك مرة اخرى . . ويجردك من فرصة  المحافظة على مكانتك وهيبتك فيما لو  تعاملت دون  شفافية مع الاحداث  ..
وماذا لو كانت الحكومة  قد أوقعت نفسها  في مثل هذا الموقف أكثر من مرة،ماذا ستكون النتيجة ؟
بلاشك إن ذلك سيترك وراءه تداعيات جمة قد تؤدي الى تفاعلات جانبية وعرضية تزيد من تعقيد الاوضاع العامة وقد لايكون من السهولة بمكان السيطرة عليها ،هذا إذا مادفعت الاحداث  الى مزيد من التدهور الى الحد الذي قد يهدد مستقبل الحكومة والدولة والبلاد في بعض منها.
ونتيجة لذلك ،فإن المسؤول ألاول في الحكومة سيضع  نفسه في موضع  لايحسد عليه من  ألمساءلة والحساب امام الصحافة ووسائل الاعلام ومن ثم  أمام القانون ، ذلك لان فشله أول مايعني سؤ استخدام الادارة والسلطة الممنوحة له من قبل المجتمع وتعريض مصلحة وحياة الناس الى الضرر والخطر والدمار .
هذا ماتعانيه الحكومة والدولة العراقية  من ازمات مستفحلة جعلتها ترتكب الاخطاء تلو الاخطاء بإرادتها أوبدونها .مما جعلها تعود الى المربع الاول الذي كانت تعاني منه السلطة السياسية التي سبقتهم في الحكم قبل عام 2003 حينما مارست التظليل  على الناس واوهمتهم بمقدرتها على مواجهة التحديات التي كانت تعصف بالبلاد وهذا مما عجّل في سقوطها وانهيارها. ولولا ذلك لما كانت قوات الاحتلال قادرة على اسقاطها بتلك السرعة الدراماتيكية .
اليوم تعود الحكومات العراقية التي جاءت بعد التاسع من نيسان الى ارتكاب نفس الاخطاء في معرض ادارتها للازمات التي تواجهها وتواجه البلاد . هذا اضافة الى عامل اخر لايقل اهمية وخطورة عماذكرنا ألاوهو أستمرارها في الخضوع  لضغوط  واضحة بفعل علاقات ترتبط بها مع بعض الدول . ومن الواضح انها لاتستطيع الخلاص من وزرها بحكم قدم تلك العلاقات وماتفرضه ومافرضته من  قيود ثقيلة عليها  مذ كانت معظم احزابها بزعاماتهاالتقليدية في المنفى ايام صراعها مع النظام السابق. وقد ترتب على ذلك عدم قدرة الحكومة على معالجة الكثير من الاحداث الخطيرة من قتل جماعي وتفجيرات بشفافية مطلوبة منها امام شعبها وامام العالم الذي ساندها ووقف معها حتى تمكنت من اسقاط نظام صدام حسين والوصول الى الحكم . بل انها عمدت في كثير من الاحيان الى ان تضع نفسها في  موقف افقدها المصداقية امام الراي العام، عندما كانت تفاجأ الرأي العام وعبرمؤتمرات صحفية يتناوب على اقامتها عدد من المسؤولين الحكوميين باعلانها اسماء عدد من المجرمين الذين قبضت عليهم وتعرض صورهم على الاعلاميين ثم ليفاجأ الرأي العام بمؤتمر اخر يتم الاعلان فيه عن شطبها لتلك الاسماء واستبدالها بأسماء اخرى . وهكذا تستمر هذه اللعبة  التي تم تسويقها في قضايا خطيرة سبق ان راح ضحيتها العديد من الضحايا الابرياء كحادث تفجير مرقد الامامين في سامراء او مقتل الاعلامية اطوار بهجت كما تعاملت بلا اية مسؤولية تجاه قضايا اخرى لاتقل اهمية عما ذكرنا كقضية اختطاف رئيس اللجنة االولمبية احمد الحجية وعدد من اعضاء اللجنة بينما كانوا يعقدون اجتماعاً في احدى القاعات الكبرى وسط العاصمة العراقية بغداد وكذلك اختطاف اكثر من 150 موظفاً من مبنى وزارة التعليم العالي في بغداد واختفائهم . في كل تلك القضايا كان موقف الحكومة العراقية الذي اتخذ موقف الصمت وعدم التحقيق الجدي وعدم متابعة وملاحقة  الجناة الذين كانوا لحظة ارتكاب جرائمهم يرتدون ملابس وزارة الداخلية ويستخدمون سياراتها كل ذلك قد وضع الحكومة في موضع الشبهات طالما هي  لم تتعامل مع هذه القضايا بجدية ووضوح وشفافية .
هنا يبدو ان الحكومة لم تستفد من دروس التاريخ القريب الذي عاصرته وعاصره الناس وإلاّ مامعنى ان ترتكب نفس الاخطاء التي سبق ان ارتكبتها السلطة التي سبقتهم من صمت وتعتيم مع كل القضايا التي لها مساس بحياة ومصير الناس . . مامعنى ذلك؟ ألن يؤدي ذلك الى نفس النتائج والاضرار التي أحاطت بما سبقهم  ؟
مالذي يدعو الحكومة الان  الى ان تلجأ الى نفس الاساليب الخاطئة  التي كانت تعيبها على من سبقها من الحكومات في التعامل مع الاحداث ؟ سؤال ينبغي الاجابة عليه .
كان من الاخطاء الكبيرة التي تتحملها اولاً وأخيراً الولايات المتحدة الاميركية هو سيطرة الاحزاب الدينية على الحياة السياسية في العراق وبات واضحاً أن ذلك لم يكن  خطاً ارتكبته الادارة الاميركية  بل كان امراً مخططاً له من قبلها في تسهيل  صعود تلك الاحزاب الى الواجهة وقد يعود ذلك الى اسباب عدة كانت في حسبانها منها:
 - ابقاء العراق لاطول فترة ممكنة في حالة من التخبط (والفوضى الخلاقة) التي ستوفر لهاالحجة والزمن والجو الملائم للبقاء اطول فترة ممكنة دون ان تجد من يطالبها بمغادرة العراق .
- ولكي تزيد من تحطيم بنية المجتمع العراقي الذي سيغرق في دوامة من الخرافات والجهل والعنف ، ليست هنالك من بيئة اكثر صلاحية لها من هذه  لبقائها واقامة قواعدها وتهيئة الارضية المناسبة لتكبيل البلاد بقيود ثقيلة من المعاهدات والاتفاقيات.
إن  صدام حسين لم يكن يشكل عقبة او مشكلة تؤرق الحكومة الاميركية لاتستطيع حلها وهي القوة العظمى القادرة على حلها فيما لو ارادت ذلك دون الخوض في حروب تجهز لها جيوش العالم  ولنا في التاريخ المعاصر تجارب شهدناها تثبت قدرتها على ازاحة زعماء وحكومات لايشكل صدام حسين من حيث القوة شيئاً امامها وابسط مثال هو الاتحاد السوفيتي بكل جمهورياته وترسانته العسكرية والنووية الذي اسقطته اميركا دون ان تورط نفسها في مواجهة عسكرية معه . فكيف الحال بدولة صغيرة مثل العراق قياساً الى سعة الاتحاد السوفيتي وامكاناته العسكرية والاقتصادية . فماذا يشكل صدام حسين هنا إزاء هذه المعادلة ؟
المسالة إذن لم تكن بالخطورة التي كان يشكلها نظام حسين كما روجت اميركا ووسائل الاعلام الغربي المتواطىء معها .
كانت الادارة الاميركية بكل الحكومات التي تعاقبت عليها تفكر في ايجاد الغطاء والمبررللدخول الى منطقة الخليج  دون ان تتسبب في احداث رد فعل دولي ضدها . وقد اعطى صدام حسين هذه الفرصة لها على طبق من ذهب دون ان يدري،حينما اتخذ قرار غزو الكويت منساقاً وراء ردود افعاله المتسرعة التي غالباً ماكانت تقوده الى اتخاذ قررات خاطئة لايمكن للبلاد أن  تتفادى مخاطرها وتداعياتها . وهنا كان مقتل النظام السابق الذي كان قد علّق مستقبل البلاد بشخص واحد ،ولاأحد يستطيع  أن يرده عن قرارخاطىء يتخذه  وبالتالي تدفع ثمنه البلاد..
  وتبعاً لذلك كان من المنطقي أن يكون من مصلحة الادارة الاميركية التي قادت التحالف الدولي لاسقاط نظام صدام حسين وأحتلال العراق ان لايقود العراق بعد ذلك احزاب ليبرالية أوعلمانية كافحت طويلاً من اجل حرية ومستقبل العراق عقوداً طويلة .
 ومن المؤسف جداً بعد كل المحن أن يقع بلد مهم وكبير وحيوي مثل العراق بأيدي احزاب وزعامات تحكمها ايدلوجيات دينية، كانت سببا رئيسياً في الفشل  بأدارة البلاد .
كان رهان الشعب  كبيراًقبل التاسع من نيسان عام 2003 على الاحزاب
ألتي كانت تعارض صدام حسين في ان يكون على يديها الحل للخروج من تلك الازمات الازلية التي نخرت جسد الدولة العراقية منذ عام 1958  تلك السنة التي قفز العسكر فيها الى الحكم واسقطوا البلاد في سلسلة من  الانقلابات والفوضى المتعاقبة.
وجاءت الاعوام التي تلت سقوط عام 2003 لترسم صورة اخرى اكثر مرارة للزمن الذي يحيا بظله الانسان العراقي ،زمن تجزأ فيه كل شيىء. الجغرافية والدين والوطنية والحق والعدالة والشرف وبذلك لم يسلم من عفونة الفكر الطائفي أي شيىء.
لقد أمن الناس في السنة الاولى التي اعقبت عام 2003  بأن الغد يحمل بين طياته الكثير من الاحلام والوعود الجميلة التي طالما كانت مكسورة ومجروحة بين جوانحهم . لكن سرعان ماتبددت تلك الوعود الكاذبة.  واتضح أن ليس هنالك من  مشاريع كبرى قد  تنهض باقتصاد البلاد ، ولامساكن للفقراء تأويهم تحت سقفها بعيداً عن الخيام و بيوت الصفيح والطين ولاإنصافَ للمظلومين الذين قبعوا في السجون سنين طويلة لانهم نطقوا بكلام ألحق في ازمنة لاتعرف الحق ، ولاعقاب للصوص والمجرمين اللذين انتفخت بطونهم وجيوبهم وهم يسرقون المال العام  ولاتشغيل لجيش عرمرم من  العاطلين عن العمل ، ولاكرامة للانسان  أمام شرطي ،ولاحصانة لشرف النساء والرجال في السجون والمعتقلات  ولارحمة للعاجزين كبار السن في اواخر ايامهم ، ولاشفقة للاطفال الذين حرموا من طفولتهم ، ولانظافة للشوارع التي تتكدس فيهاالقذارة والازبال التي صارت عنوانا لبلد اسمه العراق، ولاملاحقة للمجرمين  الذين يستبيحون الدم الانساني بأبشع الطرق وأخسها، ولاعقاب للمستهترين بأموال الناس ،ولاتعويض لمن خسر عمره وشبابه يدافع عن الوطن سنين طويلة .
كانت السنوات السبع التي مضت من عمرالعراقيين وهم ينتظرون ويتأملون ان يأتي الغد الذي وعدوا به وبما سيحمل من برق ورعود وخير وفير يعوضهم عن سنين الحرمان ماهي إلاّ عقود حفلت بالموت والرعب والخوف والقتل والذبح والتهجير والسرقة . واخيراً وليس اخراً الكذب .

ان  التهم الجاهزة التي باتت ترميها الحكومة  على كل منتقديها بعد كل انهيارامني تشهده البلاد  من المؤكد سيغرق البلاد بالدم والعنف والخراب يوماً بعد اخر لان هذا الاسلوب في رمي التهم الجاهزة على جهات محددة قبل اجراء اي تحقيق يعني أولاً وأخراً التغطية على القتلة الحقيقين والمساهمة الواضحة في عدم سقوطهم بأيدي العدالة واعطائهم الفرصة السانحة لكي يعاودوا مرة اخرى لارتكاب جرائمهم . وهنا تصبح الدولة شاءت ذلك ام أبت في موضع شبهة  فيما يجري من عنف وخراب .
ومتى ماتراجعت الاحزاب الكبيرة عن اسسها الايدولوجية الضيقة التي قامت عليها (دينية ، طائفية، عنصرية  ) وأعادت صياغة بنيتها الفكرية على اسس انسانية ووطنية فقط مستبعدة كل المنطلقات والاسس الضيقة والمهلكة التي اشرنا اليها ، عند ذاك تكون قد وضعت لنفسها وللبلاد الاسس السليمة والقوية لبناء دولة معافاة من العنف والتطرف .

ولكي يتم الوصول الى ذلك الهدف النبيل في بناء دولة تحقق الامان والعيش الكريم لكل ابناءها دونما تمييز قائم على عرق او دين او طائفة ينبغي :

-   فصل الدين عن الدولة:  فمامضى من سنوات عجاف بعد التاسع من نيسان 2003 والتي هيمنت عليها احزاب دينية ، اثبتت للناس البسطاء قبل غيرهم من المثقفين والمفكرين ان الاحزاب الدينية لاتملك مشروعاً وطنياً يرتقي بالبلاد الى مستوى افضل ولاينتشل المجتمع ولاألانسان من برك ومستنقعات أسنة طالما غيّبت وعيه وجردته من انتمائه الانساني والوطني لتسقطه في منحدر القبلية والطائفية والمناطقية ..
 
-   صياغة واقرار قانون ينظم اسس وبناء الاحزاب السياسية . بما يعني استبعاد ورفض قيام اي تنظيم حزبي وسياسي يتشكل وفقاً لاجندة واهداف واسس دينية أو طائفية أو عنصرية . لان في صياغة مثل هذا القانون يعني تقديم المشروع الوطني وتغليبه على كل المشاريع الضيقة الاخرى في تأسيس اي حزب . ومما يعني ايضاً غلبة اصحاب  الكفاءة العلمية والخبرة العملية في حضورها الكمي والكيفي داخل القواعد والقيادات للاحزاب السياسية .
-   الغاء المحاصصة الطائفية والعرقية من الحياة السياسية ومن الدستور العراقي . والتعامل مع المواطن العراقي وفقاً لهويته الوطنية فقط .  بعد أن اثبتت تجربة السنين السبع الماضية ان المحاصصة بكل اشكالها قد اصابت عجلة الدولة العراقية بالشلل والفساد حين اعطت الفرصة للرجل الغير مناسب في المكان المناسب بفعل المحاصصة البغيضة . ومن هنا امست الدولة العراقية تحت رحمة من لاينتمي لها ولايدافع عنها ولاعن مصالحها بل جاء الى المنصب واقصى مايسعى اليه هو التعبير عن طائفته وقوميته بالتقاطع مع مصالح الطوائف والقوميات العراقية الاخرى ولتكون الدولة العراقية هي الخاسر الاكبر في نهاية هذه اللعبة القذرة .

-   تعزيزثقة الدولة بالمواطن بكل مؤسساتهاالتنفيذية واعطاءه الفرصة كاملة للمشاركة في صنع واتخاذ القرارات بعد ان ارتكبت كل الحكومات السابقة منذ تأسيس الدولة العراقية خطأ استبعاد المواطن عن المساهمة الفاعلة في صنع مستقبل البلاد وكانت الدولة تكتفي فقط بالاحتماء به والالتجاء إليه حينما تواجهها محنة اوازمة خارجية تهدد مستقبلها . وبعد أن  تسفك الدماء الطاهرة دفاعاً عن الحكومة والدولة وتعود الاوضاع الى مايبقي الحكومة سالمة تعود اجهزة الدولة مرة اخرى الى استبعاد المواطن من دائرة اهتمامها ومن فاعلية مشاركته في صنع القرارات .

-   رغم كل الملاحظات السلبية التي اشرنا اليها إلاّ أننا نمتلك من الايمان بالغد الشيىء الكبير بأن هنالك الكثير المخلصين والشرفاء داخل تنظيمات الاحزاب التي تحكم العراق وممن يمتلكون الفكر الواضح والنوايا الصادقة والقدرة الكافية على اصلاح اوضاع البلاد والسير بها الى ضفة اخرى اكثر اتساعاً وحرية واماناً لجميع العراقين . لان العراق بلد حي وهذا سر بقاءه رغم كل النكبات والطعنات التي وشمت جسده إلاّ أن روحه بقيت تنبض بالحياة والحب والشعر ولولا سر تعلقه بالغد وبالحياة والتي عبر عنها منذ الاف السنين قبل الميلاد في ملحمة كلكامش . لما بقيت ارضه تنجب الشعراء والمفكرين الذين ملاءواكل بقاع الارض .






                                                                 مروان ياسين الدليمي
                                                                       العراق           

                       


121
حرب مهلكة تدق الابواب . .



لاأحد يستطيع أن ينكر بأن المجتمع الموصلي ولعقود من السنين كان معافى من علاقات التطرف فيما بين الاطياف التي تكونه من عرب وأكراد  ومسيحيين وأكراد ويزيدية وشبك ،وحتى تلك الفترات التي اصطبغت بصراعات دموية لم تكن إلاّ بتأثير الصراعات السياسية  ولم يتورط بها عامة الناس البسطاء وهذا ماحدث بالضبط بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها الشواف عام 59 في محاولة منه لتصفية حسابات بينه وبين الزعيم عبد الكريم قاسم  كانت لاتخرج عن نطاق الصراع على السلطة وكرسي الحكم .
 ان  التوافق الاجتماعي الذي كان ولم يزل سمة للمجتمع الموصلي خصوصاً والعراقي عموماً دائماً ماكان السياسيون العراقيون  يسعون لاستثماره من اجل الوصول الى غاياتهم ،وليس من اجل تعزيزه وادامته لالشيء الا َ من اجل كسب الاصوات وتوسيع القاعدةالحزبية  حتى لو كان ثمن ذلك  الدفع بالاحداث الى التوتر والانفجار  فليس  مهماً ما قد يسقط من ضحايا ابرياء ،لان موتهم سيتم استثماره في اخر الامروليصبح الضحايا المساكين في المحصلة النهائية غنيمة لتلك الاحزاب التي ستسرع  في رفع لافتات سوداء بهذه المناسبة  ترفع فوق المقرات الحزبية .
هذا هو ماشهدته الساحة السياسية العراقية بكل معاركها وتعقيداتها الدموية  منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1922وحتى التاسع من نيسان عام2003
 بل ازدادت الاوضاع تعقيدا وسوءاً واحتقانا مبرمجاً أفتقد إلى النظرة السليمة التي تدعوا اولاً الى بناء دولة تخلو من كل الاخطاء الكارثية التي كانت تحملها الدولة العراقية طيلة قرن من الزمان .
فبدلاً من ان تُقبر الطائفية تم الترويج بشكل مؤدلج وصريح لكل ماهو طائفي وبدلاً من انصاف الشعب العراقي المقهور بكل حقوقه الانسانية التي سلبت منه لعقود طويلة وجعلته في ادنى درجات السلم قياسا الى كل شعوب الارض عامة وشعوب المنطقة العربية امسى الشعب العراقي عرضة مرة اخرى لجشع الفاسدين الذين بدأوا يمتصون دمه وغذاءه وصحته مقابل صفقات فاسدة من الاغذية والادوية تدر عليهم بمليارات من الدولارات لهم وللاولادهم واقربائهم . وبدلا من ان يعود الذين كانوا قد غادروا مرغمين من بلدهم هرباً من غياب الحرية  اضيفت اليهم الملايين من الهاربين هرباً من دكتاتورية الاحزاب الطائفية والمليشيات وفرق الموت وعصابات الجريمة المنظمة   .
 وهنا اتسأل عمايحدث الان في الموصل . من هوالخاسر ومن هو المستفيد من اجواء الصراعات القائمة التي بدأت تشهدها الموصل بعد احداث التاسع من نيسان عام 2003 ؟
 لن أتردد في القول  :ان الكل سيكون خاسرا في نهاية الصراع الذي لن تكون له نهاية ،  وللاسف الشديد لن أكون متشائماً حين اقول بأننا سوف  لن نشهد والى مابعد خمسين عاما من الان نهاية هذا الصراع !
 قد اكون متشائما في نظر البعض لكني لن كون متفائلا ابدا على حساب القفز على حقائق وطبيعة الصراع القائم وطريقة معالجته .
 لقد دفع المواطن الموصلي ولوحده الثمن ولم يزل، وبالتالي خسرت المدينة كل الفرص التي كانت متاحة امامها من اجل النمو والازدهار وغادرها رجال الاعمال والتجار ليستثمروا اموالهم في الدول المجاورة . كما غادرها الكثير الكثير من خيرة الاطباء والجراحين الاكفاء الذين ذاعت سمعتهم داخل وخارج البلاد وهكذا الحال مع بقية اصحاب الشهادات العلمية في معظم الاختصاصات . ويوماً بعد اخر وسنة بعد اخرى تحولت المدينة الى خراب . حتى ان هنالك عدداً من الاحياء الكبيرة من المدينة وخصوصاً في الجانب الايمن منه مثل حي اليرموك والاصلاح الزراعي ودورة بغداد وموصل الجديدة وباب البيض ورأس الجادة والمأمون وتل الرمان والمنصور وحي العامل والرسالة . امست أمكنة يعم الخراب والدماركل الطرق المؤدية اليها وفيها وتعطلت فيها عجلة الحياة بكل اوجهها لما شهدته من انفجارات ومواجهات مسلحة بشكل يومي منذ عام 2004 وحتى وقت قريب من عام 2009 الذي شهد انخفاضاً ملحوظاً في صور العنف فيها .

لقد عملت  اطراف  عدة الى نسف الهدؤ والاستقرار الذي تميزت به المدينة من بين كل المدن العراقية بعد التاسع من نيسان عام 2003 إذ  لم تشهد المدينة خلال عام كامل من بعد السقوط اي مظهر من مظاهر العنف التي اتسمت  به بقية مدن العراق بل استمرت الحياة فيها وكأن شيئاً لم يحدث ،  لتثبت لكل العراقيين سلوكاً حضارياً ومدنياً وسياسياً متقدماً فاجأ الجميع سواء كانوا ساسة عراقيون أم غيرهم ، على عكس ماكان شائعاً عنها ويروج له الكثير من  الاطراف  بأن  المدينة  بمواطنيها  وخصوصاً العرب منهم على أنها من  المدن التي  تحسب  بولائها  التام والمحسوم للنظام السابق  .إلاً أن ماشهدته المدينة من هدؤ واستقرار خلال العام الذي تبع سقوط بغداد  أثبت للجميع  ان سكان المدينة وفي المقدمة منهم العرب ليسوا كما كان يتصور البعض بتبعيتهم العمياء  لشخص أو جهة . بل كانوا
كغيرهم من العراقيين لايسعون الا من اجل العيش بسلام وأمان  وهذا ماأثار استغراب  الكثير ممن كان يحمل فكرة خاطئة عنها ،كما اثار  ذلك نوازع الشر لدى البعض الاخر  ممن كانوا يخططون لان تجري الاحداث  في المدينة بعد سقوط النظام على غير هذا المسار المتمدن الذي يعكس طبيعتها الحضارية التي عرفت بها منذ ازمنة بعيدة منساقين وراء دوافع شتى كانت تحركهم  !. وعلى ذلك  انتشرت في المدينة في أول الامر، حرب اعلامية دعائية ضدها ، تم الترويج لها عبر العديد من ( النُّكات) التي بدأ الموصليون يسمعونها والتي كان تصفهم( بالجبن والضعف وتشبههم
بالدجاج !)مقارنة بالمدن العراقية الاخرى التي كانت تشهد صراعات دموية بكل الالوان والاشكال  .
لم يكن سهلا على تلك القوى ان تجد رجالات المدينة بكل قومياتهم واديانهم وطوائفهم  وقد احتكموا الى العقل والى ارث عميق وغني من العلاقات الانسانية الطيبة التي تربطهم في مواجهة ماكان يخطط لها من  اجل توريط المدينة واهلها في لعبة خطرة  ومكشوفة لديهم ، ذلك لانها سبق ان مرت بظروف صعبة ومُرّة  في فترات ليست ببعيدة عن ذاكرة  الكثير من اجيالها التي عاشت تلك الاحداث وعانت من جراءها . لذا كان اهل المدينة قد حفظوا ذاك الدرس جيدا وحتى الاجيال الجديدة كانت  قد ورثت  الحكمة عن تلك  الاجيال التي سبقتها . الا ان اطرافاً سياسية  ابت إلاّ ان تزج أبناء المدينة في صراع خاسر ، له بداية ولكن ليس له من  نهاية، وهاهي الايام تتوالى على ابناء الموصل وهم يدفعون الثمن غالياً من ابنائهم الابرياء ، علماء اطباء ورجال قانون ولاأحد يعلم من القاتل ولن يعلم احد من القاتل!
 لان اللعبة شائكة ومعقدة ولها اوجه متعددة ويبدوأن جزأً من اللعبة أن لايتم الكشف عن القتلة والمأجورين الذين كانوا الاداة في عمليات التنفيذ كما هو الحال بما يحدث في بغداد من تفجيرات كارثية .
وانا على يقين تام بأن يوم الكشف عن اسماء القتلة سيبقى مطوياً الى يوم
الدين.
ورغم ذلك فأننا  سنخاطب ماتبقى من ضمير وانسانية لدى الاطراف الفاعلة على ارض الموصل ، لعلهم يستثمرون أية  فرصة تتاح لهم ليحتكموا الى العقل ويرموا بكل اسلحة التخوين والترهيب والتخويف والتاجيج والتحريض والتزييف ، ويلتقوا وجها لوجه عند النقاط المشتركة  الكثيرة والتي لاخلاف عليها  . 
لقد عانت شعوب المنطقة من المتاجرة بالقضية الفلسطينية من قبل كل الحكام العرب دون استثناء ولم تزل حتى هذه اللحظة ، لالشيءإلاّ من اجل الحفاظ على المناصب والزعامات الفارغة التي أهلكت ألاجيال وداست على احلامها باحذيتها، بحجة النضال ضد الصهيونية والاستعمار وتحرير فلسطين من الغاصب المحتل  ولم تكن تلك، إلاّ شعارات فجة وكاذبة انطلت على أجيال وأجيال، وضاعت بالتالي على البلدان فرصة النمو والاستقرار والعيش الكريم  وقبع الشرفاء في السجون والمعتقلات وأُلصقت بهم شتى التهم من الخيانة الى العمالة  لالشيء إلاّ لأنهم لم ينخدعوا كبقية طبقات وفئات الشعب بالشعارات التي كان الزعماءالابطال والحكام الافذاذ يحشون بها ادمغة الشعوب العربية  المسكينة والتي سعى ولم يزل كل الحكام الى بقاءها خائفة وجائعة وجاهلة لكي يسهل دفعها الى جبهات الموت بعد أن يتم خداعها بشتى الاضاليل التي تقنعها بأنها ذاهبة الى جنات الخلد لتحيا مع الشهداء والصديقين .
وهانحن اليوم نعيش بداية كارثة تبدو ملامحها واضحة جداً لكل عاقل . فالحرب المهلكة التي تستعد لتدق ابواب الموصليين امست قاب قوسين أوأدنى ، ولو قامت لاسامح الله لأحرقت في اتونها الجميع ولن ينجو منها
 أحد،بعيداً كان أوقريباً، والثمن سيكون باهظاً ،لأنه لن يحسم في يوم ولافي سنة ولافي عقود من السنين. 
لذا ينبغي على كل الاطراف المتصارعة على ارض  الموصل ان تلتقي وتجلس حول مائدة الحوار وتفتح صفحة جديدة ،  فيها الكثير من التنازل عن كل مايثير الاحتدام والاقتتال . وأن يضعوا في حسبانهم ماعاناه الشعب العراقي عموماً  من حرمان وقهر وتجهيل وموت منذ تأسيس الدولة العراقية التي بنيت  كثير من اسسها على مفاهيم  خاطئة وغير منصفة للكثير من القوى المجتمعية المهمة داخل بنية الشعب العراقي .
إن الفرصة الان  متاحة لكي يتم البدء بمسار جديد ،  بعيدا عن المصالح الضيقة وقريباً من الامنيات الواسعة لتطلعات هذا   الشعب المسكين . والاّ ستكون النهاية خسارة للجميع  .
 



                                                 مروان ياسين الدليمي





122
إخترنا لكم / أنأى . . عن الأتي
« في: 19:08 05/08/2009  »
أنأى  . .  عن الأتي 




كم  توغلت عابراً رداءة الأيام المكسورة على طول  الطريق
ولاأكاد أفكر في شيء يتصل بالأمل . 
هذا الذي كنت ادّعي أنيّ لن اتورط فيه :  أن ادافع عن نفسي !
كنت زاهداً بنزقي
علّني أمنح العالم شيئاً لايهدده بالخطر  .
بالامس لم أكن مثلما أنا عليه الان  : كنت مقتنعاً بجنوني ، بأخطائي، بغبائي، بقلقي الواضح من غموض مستقبلي ، بأفكاري المثالية وأنا أطمح لتغيير العالم ، بحرماني من اية صورة لأبي ، بخجلي وأنا أحكي  أمام أناس غرباء ، بضعف تديّني، بحماقتي ساعة أن أغضب ، بعلمانيتي الساذجة ،بهروبي من البيت وإدماني على أرتيادِ دور السينما ،بقِصرِ قامتي، بفقرعائلتي القدري الذي لاخلاص منه ، بشهوتي للنساء البيض الرشيقات،بضجري من القشرة في شعري الأجعد ،بكأبتي الدائمة ، بنزواتي، بحقدي على رجال الشرطة والمخابرات ، بقوّتي ،بفرحي وأنا حافٍ أركض  في عزّالبرد والمطر يزخُّ أياماً وليال في شهر شباط ، بطائرات ورقية مصنوعة من ورق اسمر وأنا ارقص كالطير على السطح في منتصف نهارات الصيف الملتهبة وكفّي الغضة  تمسك بالخيط  وكأني كنت ألمس وجه الغد  .
 
كنت زاهداً بكل ذاك  ،
كنت كمن يبدو وكأنه يفجرالكتمان بما تبقىّ من وجوه مستوحشة  فيما بين أفراس الروح  ورائحة البسطال .
فهل بالغت  في تشبُّثي بأحصاءات من تمارين محتملة أطرق بها ظلال الشراشف المبللة بعطر ٍ من  نساءٍ كأنهن  فراشاتْ ، وأطراف نعاس غض لم يعد حاضراً في شوارع باتت ترتعش ماأنْ  يستيقظ الفجرفي احضان  نينوى  ؟


أنا احتمل الفكرة في وقتها المزعوم للتنفيذ ،
وسأجد فكرة أخرى للتماهي مع المرآة المفككة تحت اقدامي بعد أن لفَظَ الحلاق الشاب أخر انفاسه مطروحاً فوق الرصيف غارقاً بدمه وعلى بعد أمتار من دكانه .
في حالتي هذه التي لم أتخيلها منذ اكثر من اربعين عاماً ،
لم يعد بوسعي أن أُثير الرّيبة وأنا أبتكُر ألحُجج لمحو أعدائي وابتكارهم على طريقتي الخاصة .
لم أعد أرى وجوهاً أحبها
ولم أعد انشد خاصرة الاكتراث
ولاظاهرة الموت .
حتى في ذاك الوقت الضارب بالوحشة كنت أُهندسُ  ألمناديل الورقية في ساحة الفردوس حين أضطربت ألحرب بمزاج بارد وثقيل تحت تمثال من ألنزق، ونقشتُ بحذاء طفلٍ عابث على قساوة البرونزصورة وطني مسوّرة في  جسد الوحشة، فغشاني الوقت بوضوحه ساعة جسّ الخوف وجه المدينة وانكسرت أجنحة الفضاء بغتة ًفوق جسر السنك .

دونما اسف ٍ
دونما فرح ٍ
دونما . . 
دوّنت بسبابتي أليمنى على رمل يرتجف ــ  كُلما مسّه  ماء دجلة ــ  عنوان بيتي في الجزء العتيق من الساحل الأيمن لمدينة الموصل القديمة  في منطقة تدعى خزرج . وغفلت عن أكتشاف رائحة الزهور إذ مررت بتاريخ العاشر من أيار من العام الخامس بعد ألالفين في تمام الساعة التاسعة صباحاً  بحديقة ألشهداء خطأ ًوتثاقلتُ في محو ألضباب عن عدسات نظارتي ألطبية وأنا أمشي عند جدارمن ألحلاّن ألموصلي ألصقيل  لكنيسة اللاتين أصغي لصوت ألناقوس  لمّا دقّت أجراس الساعة السادسة مساءً قبل انفجار العبوة الناسفة بعشر دقائق ، ورددت مع نفسي : هل سنُعصَفُ من الشرفات مع وشاحاتنا بعيداً عن أحضان نسائنا المتشبثات بالسماء رغم فداحة أوهامنا ؟  .

لعلي  نسيت خشونة  أطباع جيرتي القرويين
وجثة والدي التي اختفت في مياه دجلة وأنا لم أزل حينهاغافياً في بطن أمي.
وحنان جدتي الذي يُبكيني حين أذكرهُ، وذاكرتها التي انطفأت فجأة في العقد السادس من عمرها ولم تعد تذكر شيئاً من دنياها المضطربة لا أسماء بناتها السبع ولاأولادها الثلاثة  ولاأصلها التُركي  ولابساتين الجوز في مدينة ماردين . ولاقصة أعتقالها سنة ست وسبعين وأختفائها سنة بأيامها ولياليها في سجون ألأمن  .

كم سهوت أن أصلّي صلاة ألعصرفي ميقاتها
فأخطأت الطريق الى ضريح ابي القاسم يحيى
حين فاضت علينا السماء فجأة بالنار  .
 
فهل اخطأت الطريق مرة اخرى الى جامع الحامدين حين انشغلتُ وأنا  أُحصي ماتبقى من حجارة تناثرت على أخر جدارمن كنيسة الطاهرة بفعل سيارة مفخخة   ؟   

هل أخطأت الطريق ؟
أم الطريق أخطأ بي ؟ . .

كلما التراب علّقني متقدماً  على حافة مشحونة بالتناقضات
تكدّس الوجوم على زجاج نافذتي المطرّز بأثار الشظايا .
ماذا يمكن أن أشهد بعد الان ؟
ماذا يمكن بعد إنكسارالنهار في أضلعي  ؟

وقفت  أنأى عن الأتي
فأخطأت مرة أخرى   
وأفرغت في المصابيح المطفأة،
وحشتي
والدروب
ومدينتي
وطابور
أخطائي.
                                                            مروان ياسين الدليمي
                                                                1/ 8/ 2009
                                                                    عينكاوا
                                                                                                   







123
إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس . فتذكر قدرة الله عليك


                                                          علي بن ابي طالب (رض)




ماحدث من اقتحام وحشي لمعسكر اشرف من قبل قوات امنية  تابعة للحكومة العراقية يعد امراً مخالفاً لكل الاعراف والاصول الانسانية والقانونية المتفق عليها دولياً . اضافة الى خروجها عن تعاليم واخلاق الديانة الاسلامية التي تحرص كل الحرص على حياة وكرامة من كان اسيراً . كما أن التقاليد والاعراف الاجتماعية العربية لاتسمح مطلقاً بالعبث والاستهتار بمن التجأ اليك والى ارضك محتمياً بك .
 من هنا فإن ماتم اقترافه من جرائم ضد سكان عزل في معسكر اشرف ومن قبل عناصر الشرطة والجيش العراقي يستحق الادانة والمساءلة القانونية امام الهيئات الدولية . لكشف المتورطين بهذا الفعل بشكل مباشر . وكذلك لكشف من اصدر الاوامر ، ومن كان يقف محرضاً على ذلك .
ان الحكومة العراقية الحالية  هي بأمس ماتكون الى ان تقدم للعالم صورة اخرى غير تلك التي كان النظام السابق عليها والتي كانت مثار سخرية العالم ورفضه والتي كانت سبباً في عزلته الدولية وسبباً في كل ازماته الداخلية والخارجية والتي ادت في نهاية الامر الى سقوطها الدراماتيكي السريع دون اسفٍ أو شفقة من عاقل ومساند للحرية والحق الانساني .
لذا لم تكن الحكومة العراقية بنظامها الديموقراطي التي روجت لتطبيقه بديلاً عن النظام الشمولي التي عارضته عقوداً طويلة ،بحاجة لان تضع نفسها في مثل هذا الموقف المخجل والذي لايؤكد قوتها ولايثبت صدق نواياها وشعاراتها الديموقراطية والانسانية المعلنة . بل على العكس تماماً هو يشير بوضوح تام الى ضعفها والى عدم نضجها وعدم وعيها بمسؤوليتها الاخلاقية والانسانية تجاه الاخرين الذين يملكون كامل الحق الانساني في التعبير عن مواقفهم تجاه حكوماتهم . متجاهلة تلك السنين التي كان فيها اغلب اعضاء واحزاب الحكومة العراقية التي تحكم الان لاجئين في دول اخرى . فماذا لو كانت تلك الدول قد تعاملت معهم بنفس الطريقة الوحشية التي تعاملت بها الحكومة العراقية مع سكان معسكر اشرف ، ماذا سيكون موقفهم انذاك ؟ وماذا سيقولون ؟ هل سيمنحون حكومات تلك الدول كامل الحق والعذر في سلوكها الهمجي معهم ؟ هل سيقبّلون ايايدهم تعبيراً عن شكرهم وامتنانهم لما ارتكبوه بحقهم ؟
لقد نسي رجال الحكم في العراق سنوات التشرد والمنفى بكل الامها وقسوتها . نسوا عذاب الحرمان من الوطن . ونسوا قسوة البعد عن الاهل والاحبة . نسوا قسوة الطغيان على الانسان . نسوا كل القيم النبيلة والوطنية الشريفة التي ذاقوا من اجلها عذاب المعتقلات والتعذيب والتهجير والنفي عقوداً من السنين بين المنافي والملاجىء . نسوا كل شيىء يوماً بعد اخر. ولم يعودوا يتذكرون شيئاً من كل ذاك. وكأنهم قد اصيبوا بحالة من فقدان الذاكرة والوعي . أو ان ذاكرتهم كانت مغيبة طيلة سنوات النظال والدفاع عن القيم والعدالة الانسانية وهاهي  قد عادت لهم بعد أن استلموا مقاليد السلطة والحكم  ! ؟
يامن كنتم تقارعون ظلم الدكتاتور : لم تكن هذه صورة  العراق التي  كنا نحلم برؤيتها عندما كنا نصغي لخطاباتكم عبر المحطات الاذاعية الموجهة من خارج الوطن ايام نضالكم الشريف. ليس هذا هو  الوطن الذي كنا نستشف ملامحه ونحن نقرأ سراً بياناتكم  وكتاباتكم  وأشعاركم  وتنظيراتكم  معرضين حياتنا ومستقبلنا ومستقبل عوائلنا لخطر الموت تحت
سياط الاجهزة الامنية التي لم تكن بأقل قسوة وشناعة مما ارتكبته قواتكم قبل ايام في معسكر اشرف .  لاتجعلوننا نشعر رغماً عنا بأننا كنا مخطئين في تعاطفنا معكم ايام كنتم معارضين للنظام السابق . لاتجعلونا نشعر بأنكم كنتم تخدعوننا في كل الشعارات التي رفعتموها ضد الظلم والقهر الذي كان يقع على الانسان العراقي . وأن كل الدماء الزكية التي اريقت من اجل حرية الانسان قد ذهبت سدىً وان كل الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن مستقبل العراق وحرية العراق كانوا مغفلين وحمقى ويستحقون ان نضحك عليهم كما تفعلون انتم الان حين لاتحترمون حرية الاخرين وكرامتهم الانسانية .لاتجعلوننا نشعر اننا كنا مخطئين حين ترفعنا بكامل وعينا وايماننا عن الطائفية وانتماءاتنا الطائفية ونحن نقف معكم ومع مشروعية  نظالكم .
تذكروا انكم تقودون بلداً اسمه العراق وليس من بلد اخر اسمه العراق بلد ليس ككل البلدان . ولاترتكبوا اخطاء كل الحكام الذين سبقوكم بالحكم حين لم يدركوا ابداً معنى ان يكون  الانسان حاكماً لبلد عريق وعظيم كالعراق إلاّسياسياً معاصراً واحداً فقط  وهو نوري السعيد . وهاهي الايام يوماً بعد اخر تثبت ذلك . 
يتوجب عليكم وانتم الان تقودون العراق  ان تكونوا اقوياء بحكتمكم . وأن لاتسيئون للانسان الضعيف ولاتدوسوا الضيف اللاجىء الى دياركم بأقدامكم وهمراتكم . .
 وتذكروا دوماً نعمة الله عليكم وانتم تحكمون العراق. كلما نظرتم الى الخلف وقلبتم صفحات مامضى من الايام والسنين .
 وتذكروا قول الامام علي رضي الله عنه : إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدر الله عليك .








                                                               مروان ياسين الدليمي



124
 
امسية ثقافية  للكاتب والناقد المسرحي مروان ياسين الدليمي

اقام البيت الثقافي في عينكاوا التابع لوزارة الثقافة والاعلام يوم الاحد  التاسع عشر من هذا الشهر امسية ثقافية  للكاتب والناقد المسرحي مروان ياسين الدليمي  تناول فيها تجربة الراحل الكبير  قاسم محمد . الذي وافاه الاجل قبل اسابيع في مدينة الامارات العربية المتحدة  عمر ناهز الستين عاما ً . بعد ان ترك وراءه ارثاً فنياً  مسرحياغاية في الاهمية .سواءفي مجال الكتابة او في مجال الاعمال والتجارب المسرحية التي اخرجها. والفنانين وقد حضر الامسية جمهورمن المثقفين والاعلاميين
قدم الكاتب مروان ياسين في الامسية دراسة نقدية لمسيرة الفنان قاسم محمد
تناول فيها تجربته الابداعية ابتدأً من عمله الاول النخلة والجيران الذي قدمه عام تسعة ستين من القرن الماضي بعد عودته من موسكو. مروواً بعد ذلك بكل المحاولات الجادة التي انجزها في تناوله للتراث ومحاولاته للتقريب بين المسرح والكثير من المقاربات الشكلية التي نقب عنها في ازمنة الماضي البعيد . والتي اطلق عليها في حينها  تسميات متعددة منها (الحالة المسرحية )(والسوق) (والمسرح الاحتفالي ) . ليصل الناقد مروان الى ان  قاسم محمد استطاع ان يهز اركان الثوابت الفنية على مستوى الشكل والموضوع . ويرتقي بالتجربة المسرحية وبدور المخرج الى فضاءات جديدة . 
   


125
في معرضه التشكيلي  الاخير :   الفنان احمد دخيل



ألحنين . .  إلى المنابع ألاولى
 والبحث ، عن المدينة المفقودة .


الفنان احمد دخيل وجد نفسه امام تحد كبير وهو يقف امام اللوحة مابين المحافظة على التراث او الانسياق وراء الرؤى الغربية في نظرتها  الى النص التشكيلي . فكان نتاجه بالتالي يعكس ملامح تحولاته وانطلاقاته في تأصيل التشكيل باعتباره خطاباً جمالياً . فكانت مدينة الموصل  اسطورته التي ينطلق منهاللعودة الى الجذور وتمفصلات الحياة اليومية المحتشدة في ذاكرة الامكنة . والامكنة هنا تتشكل من خلال التركيزعلى الانساق المتمظهرة للاشياء .
 إن  النصوص التشكيلية للفنان دخيل تنتعش بسرديتها لمفردات الذاكرة المنسجمة مع المكان المتشكل في الوجدان حتى وان غاب عنه كملموس . هنا الذاكرة تعيد رسم طفولة ألاشياء عبر كتل لونية ومساحات مؤثثة بالمشاعر قبل الاشكال والخطوط الواضحة . و خلف الاشياء المشكّلة على سطح القماش هنالك دهشة واثارة في المفردات الواقعية التي تنشد الاحتفاء بكل ماهو واقعي الا ان رؤية الفنان لها تحيلها الى صياغات فنية تمنح العلاقات الثنائية مابين( الشباك والباب )( الزقاق والانسان)  (المرأة والنافذة) مساراً يلامس الوجدان عبر ايحاءات غامضة تتشكل من الكتل الموزعة على السطح بضربات شفافة وايقاع خافت يحيل المتلقي الى جو من الحنين والالفة.
 ان اعمال الفنان احمد دخيل ماهي الاً ابحار في فضاءات الازمنة البعيدة القريبة ومحاولات افتراضية للامساك بالمنابع الاولى . والنص البصري هنا يعبر عن عمق الشكل واللون في تأثيث الوحدات الواقعية بغلالات شفيفة فيها الكثير من مجازات التعبير عن مفردات  الحنين والوداع لاشياء تعاند المغادرة من ذاكرة الفنان والتي تبقى مشعة بظلال الماضي واساطير الواقع المعاش.
في تجربة الفنان دخيل لامكان للثرثرة البصرية في المساحات اللونية التي يمتلك الخبرة الواضحة في الكشف عن ماهو مخبؤ تحت الاشكال التي الفتها عيناه ، لتحلق تلك الاشكال العتيقة في بناءات لونية منسابة . .
ان نزعة الفنان هنا تميل ان تحيل اللحظات الماضية بكل سكونيتها وغموضها البعيد  إلى موتيفات تحمل عناصر التجربة البصرية لتندرج في اطار فن الرسم لا لشيء اخر . فالرسم لديه ليس سوى مدخلا للتجاور مع لحظات الاحتفاء التفصيلية لمظاهر الحياة الانسانية والاشياء ولاوجود لالتباسات التفسير والغموض المتقصدة . بل هنالك تأملودهشة في مسارات  مألوفة للعين.
بعد معارض ستة يأتي المعرض الاخير للفنان احمد دخيل الذي اقامه في منتصف شهر اذار الماضي 2009 على قاعة معهد الفنون الجميلة في الموصل . جاء هذا المعرض مكملاً لمشواره الفني الذي ابتدأه مع معرض الباتك الاول الذي اقامه عام 1976 في الموصل وبغداد .
 لقد مرت سنوات طويلة على ذاك المعرض ليصبح اثراً بعد متغيرات عديدة حصلت في اسلوبية الفنان ورؤيته للاشياء والمواد التي يستخدمها . غير ان الذي استقر في خضم كل تلك  التحولات التي شهدتها تجربة الفنان هي التقاطه المستمر لمفردات محلية تعج بها مدينته الموصل التي لم يبارحها في معظم اعماله بمايكفي لتصبح هي الموضوعة الاثيرة لديه وكأنه يعلن بذلك عن حضورها الوحيد في حياته، ولامدن اخرى يمكن ان يعثر فيها على مستقر لقلقه الجمالي  غير مدينة الموصل .


جاء المعرض الاخير احتفاءً بزمن اخر بدأ يختفي ويندثر امام فوض الموت المجاني الذي ينسج ايقاعه لحظة بعد اخرى ويوماً بعد اخر . وهو محاولة للعثور عن المدينة المفقودة في عالم متغير نحو الدمار والموت.
 هنالك الكثير من اشراقات الجمال التي ينتصر لها الفنان في عالم يخبو في عالم عابر لايتوقف امام الحكايات التي تفيض بها ازقة المدن / الحلم . .
لم يزل احمد دخيل في معرضه الاخير يقف عند النوافذ المفتوحة على الشوق والحنين مطلاً على جدران مشققة بالحكايا والقصص . تتميزاعماله الاخيرة  بقدرتها على احداث التجاوب والتماس الحميم مع مفراداتها الواقعية في سياقات افتراضية من الالوان في مسارات مترادفة مع المنظور الحديث في رؤية الاشياء. هنالك الكثير من الصور التراثية والفلكلورية في النصوص البصرية تحتشد بها لوحة الفنان دخيل دون ان يسقط في فخ النمطية والتكرار وهذا مامنح مشروعه تلك الاصرة القوية مع الحداثة . ان التفاته الدائم الى الوراء ليس الغاية منه الهروب او العجز عن تناول الراهن بل كان ذلك نوعا من الاحتكام الى مسرات جمالية لاتتواجد الا في البيئة الشعبية التي انتبه اليها الكثير من الفنانين الذين ينتمون لهذه المدينة ليعبروا من خلالها عن ذواتهم بكل احتمالاتها المتقلبة مابين الحاضر المؤلم والماضي الاسر الجميل . ان تاريخ الحركة التشكيلية العراقية زاخر بالاسماء التي نقبت في الماضي القريب من اجل انتاج نص بصري تحتشد فيه القيم اللونية والتكوينية المستندة على تمظهرات الواقع . والحركة التشكيلية في الموصل فيها الكثير من الاسماء التي لم تضع في حسابها إلاّ ألانغماس في الموروث المحلي والطبيعة المحلية لمدينتهم التي لها سحرها ووقعها الخاص عليهم . ابتداً من جيل الرواد نجيب يونس وضرار القدو وحازم الاطرقجي . مروراً بالاجيال الاخرى التي تبعتهم وجاءت بعدهم .
ان اصرار الفنان هنا للوقوف امام وجه المدينة المفقود بين طيات الزمن الحاضر المعبأ بالاسى والحزن . محاولاً استعادة ذاك الوجه بكل تفاصيله المغيبة امام هوس وجنون الشظايا والعبوات الناسفة للروح . ذاك الوجه الذي التصق بالذاكرة رغم ماتتعرض له من محاولات التهشيم والازاحة .
واستطاع احمد دخيل ان يجد لنفسه اسلوباً يميزه عن غيرمن الفنانين في تناوله للمفردات المعمارية المميزة لمدينته التي طالما تأملها بفرشاته منزوياً في دروبها العتيقة وجدران بيوتها العالية . وكأنه يراها للمرة الاولى وهو ينظر الى الظلال التي تحتمي بها الوجوه من حرارة الشمس  .






                                                مروان ياسين الدليمي
                                                      الموصل

126
ابحث عن مهنة اخرى . . .

                                                                           اذا كنت لاتصغي الى النقد .



من خلال متابعتي للحركة المسرحية في سهل نينوى وجدت ان هنالك تبايناً واضحاً في المستويات الفنية لكل الكوادر العاملة في في الفرق المسرحية  . وقد انعكس ذلك على مستوى الاعمال التي قدمتها تلك الفرق .
فمابين فرق ارتقت بمستوى الطروحات الفنية التي تضعها في مصاف الفرق المسرحيةالمتقدمة في العراق،  وفرق اخرى تحتاج الى جهد كبير في تدريب وتطوير عناصرها الفنية حتى تدرك القواعد والاصول الفنية في صياغة التجربة المسرحية .
 والاسباب التي قادت الى هذا التباين في مستوى الانتاج والفهم يعود الى حداثة التجربة بالنسبة لبعض الفرق التي لم يمضي على دخولها الى ميدان العمل الا سنين معدودة . وهي لم تقدم خلال تلك السنين سوى عدد محدود من الاعمال المسرحية  ومعظمها تم تقديمه اثناء الاحتفال بعدد من المناسبات الدينية او الوطنية متداخلة مع انشطة فنية لاصلة لها بالعمل
 الفني , اضافة الى ان معظم كوادر تلك الفرق هم من الهواة الذين لم يتلقوا المعرفة الاكاديمية في مؤسسات فنية اكاديمية الا ماندر من تلك  الكوادر والتي قد تملك شهادة فنية لكنها لم تتسلح بخبرة معرفية اكتسبتها بفعل التجربة والاستمرار .
 والاهم في هذا الموضوع هو الغياب التام للحركة النقديةالتي تواكب العروض المسرحية بعيداً عن (عبارات المجاملة ) والتي غالبا ماكانت سائدة في المتابعات الصحفية لاعمال الفرق المسرحية .
 ان غياب الحركة النقدية المسرحية السليمة  في سهل نينوى قد تسبب في الكثير من الامراض والاوهام لدى البعض . الذي ذهب بعيداً في اوهامه معتقداً جراء ذلك الوهم بأنه قد امتلك ناصية الفن والعبقرية التي تجعله بمنأى عن الاخطاء والفشل وهو لم يزل في اول الطريق !. وان كل مايقدمه ماهو الا تحفاً ثمينة من الفن الاصيل غير مسموح لاي ناقد ان يتناولها بالنقد والتحليل .
 ولوحدث أن  اخطأ احد النقاد واشار باصبعه الى بعض جوانب الخلل
 ـــ التي يمكن حتى الاسماء العظيمة ان تقع فيها  ـــ  لوجد نفسه متهماً بتهمة جاهزة  ترمى على كل من يتجرأ ويسجل ملاحظات ليس في صالح اعمالهم ( انك مدفوع من جهة او شخص ما ! ) . وماأسهلها من تهمة . .
 بهذه التهمة الجاهزة  يتم اختصار جهود كل النقاد والباحثين عن القيم الفنية . (فهم ليسوا إلاً اناس قد دفعتهم جهة ما للنيل من اعمال تلك الفرق ! )  وبهذه التهمة البائسة والرخيصة  : يشطبون على جهود المئات من النقاد الذين شهدتهم البشرية وانحنت لاعمالهم   منذ خمسة الاف سنة قبل الميلاد ابتدأً من ارسطو وانتهاء باحدث ناقد مسرحي في السنة التاسعة من بعد الالفين .
 وهم بذلك يتناسون ويتغافلون ـــ دون ان يعلموا ــ  ان المسرح لم يصل الى ماوصل اليه من تجارب حديثة بكل اشكالها وارهاصاتها إلاّ بوجود حركة نقدية رافقت التجربة المسرحية ووضعتها على مصطبة التشريع والنقد دون الاخذ بنظر الاعتبار اية علاقات شخصية اواية ظروف واجهت انتاج العمل . لان العمل ما أن يعرض على الجمهور يصبح ملكاً مشاعاً للجمهور المتلقين ،  ينظرون له وفقاً لتصوراتهم . كما أن نخبة النقاد يتعاملون معه على انه تجربة فنية ينبغي التوقف عندها وقراءتها نقدياً لمعرفة اسرارها .وتقييمها فنياً لوضعها في الاطار والمكان الذي تستحقه .
 ان من يشتغل في العمل المسرحي عليه ان لايكون متطيراً من النقد الذي لايجامله ولايصفق لعمله . بل ينبغي عليه  ان يتوقف امام اي كتابة نقدية تتعرض لعمله بمشرط التحليل لكل تفاصيل التجربة . من اجل ان يتعرف على مااستطاع التوصل اليه ونجح فيه، وما فشل في الوصول اليه . وذلك سوف يصب في نهاية الامر لبناء تجربته مستقبلاً بشكل افضل .
 اما اذا كان رد فعل الفنان  سلبياً وعنيفاً مع من  لايتفق مع عمله الفني فمن الاجدى له ان يبحث له عن مهنة اخرى لاتحتاج الى نقاد ولا الى جمهور ومثل هذه المهن الشريفة كثيرة في الحياة والتي يمارسها كل عباد الله البسطاء .
 ولكن طالما اختار الواحد منّا أن  يقتحم التجربة الفنية بكل ظروفها ومغامراتها وصعوباتها  فينبغي عليه  ان يتحمل كل النتائج بشجاعة وعقل متفتح،وان  يصغي لللاخرين ولملاحظاتهم ولايتعالى عليها،  والاهم من ذلك ان لايبقى أسيراً  لتصوره الدائم  بأن ألاخرين مدفوعين ضده ! خصوصاً اذا كان  هذا الفنان في اول الطريق الفني .  هذا الطريق الشائك والصعب والذي  يحتاج الى الكثير من الصبر والتواضع والكثير الكثير من الوعي واحترام اراء الاخرين . هكذا استطاع يوجين يونسكو وارابال وصموئيل بيكت واوزبورن وكل كتاب المسرح الطليعي الذين ظهروا بعد الحرب العالمية الثانية بكل كتاباتهم التي تجاوزت المألوف والتقليدي في الطرح والمعالجة . استطاعوا ان يغيروا وجه ومسار المسرح العالمي ،  بعد ان كان النقاد قد قالوا عنهم في اول ظهورهم بأن كتاباتهم لاتساوي شيئاً ولاتستحق ان تكون ورقاً للتواليت ! ماذا فعلوا  أنذاك  حين قيل عنهم ذاك الكلام ؟ هل اقاموا الدنيا واقعدوها ؟  هل طالبوا بمناظرات تلفزيونية  لتأكيد صحة كتاباتهم ؟  هل اتهموا النقاد بأنهم مدفوعين ضدهم ؟  بل على العكس من ذلك . قرأوا كل ماكتب عنهم وتوقفوا عنده  متاملين إلاّ انهم استمروا في مشوارهم الطويل . حتى استطاعوا ان يصبحوا قادة التغيير في القيم والمفاهيم المسرحية . . اخيراً اقول علينا ان نكون متواضعين امام تجاربنا وان لانخدع انفسنا بأنفسنا فليس بيننا غروتوفسكي ولابيتر بروك ولا أريان موشكين ولاشاينا . والشجرة المثمرة تميل دائماً  .




                                             مروان ياسين الدليمي

127
إعتزال فنان مسرحي  . .  رُغماً عنهُ !

حتى لايقتل الصمت الكافر . .  ابناءنا المبدعين . .



الفنان طلال الحسيني ينتمي الى جيل جديد يملك وعياً وحساسية جديدة في فهم العمل المسرحي ، كذلك في رؤيته،  لشخصية الفنان التي تم تداولها من قبل الاجيال التي سبقتهم ،  بمفاهيم سطحية ومهزمومة ،  امام اشكال المتراكمات الاجتماعيات المتعفنة في طقوس وتقاليد جاهزة .
 اعلن  جيل طلال الحسيني عن ظهوره في مطلع سبعينات القرن الماضي ليتربع على عرش خشبة المسرح طيلة عقدين من الزمان مابين ممثل (طلال الحسيني ومحمد العمر ومنهل احمد ومروان ياسين ) ومخرج
( عبد الرزاق ابراهيم وموفق الطائي ) .
كان هذا الجيل يحمل في داخله ثقافة جديدة، اختارت اليقظة الاكاديمية في خطابها الفني، متزامنة مع حركية التغيير الاجتماعي التي بدأت تؤكد خصوصية معاييرها الجديدة  . .  ومنذ اللحظة الاولى لظهور هذا  ألجيل وجد نفسه امام مواجهة شرسة مع اقطابٍ ورموزٍ كاذبة ٍلم يعد لديها شيئاً يمكن ان تقوله وتقدمه على الخشبة،  بل انكشفت بفعل تلك المواجهة  الفنية كل الكلائش المستهلكة والقوالب الطنانة والفارغة التي كان الجيل السابق يجترّها ويتقيئّئها على الخشبة . بفعل ماإمتلكه جيل طلال الحسيني من استيعاب وفهم واستلهام للمناهج الفنية العلمية التي تسعى لتطوير الادوات التعبيرية انطلاقاً من التنقيب في مستويات واغوار عالم الذات الانسانية، مبتعدين عن كل الاساليب والاقنعة الجاهزة التي طالما إتكأ عليها الجيل السابق لهم . كما عبرجيل الحسيني 
بحظورهم الفني ، عمّا ينبغي ان يكون عليه موقف الفنان، ازاء العلاقة التي تحكمه مع مجتمعه، من خلال حرصهم على تأكيد الموقف الوطني والانساني للفنان، رافضين السقوط في مستقنع التبعية للاخرين أوالانجرار وراء المكاسب السريعة التي غالباً مايكون ثمنها قمعاً واسكاتاً لصوت الضمير .
 
ولم تهدأ حركتهم طيلة اكثر من ربع قرن ،حتى جاءت فترة الحصار الاقتصادي الدولي التي فرضت على العراق طيلة عقد التسعينات ، ليختار معظم افراد هذا الجيل الركون إلى الصمت والمراقبة من بعيد ،  بعد ان اجتاحت مسارح العراق موجة كارثية من المسرح الرديء الذي اعتمد على  مخاطبة الغرائز المنحطة في الانسان ،  وقد سقط في حبائل ذاك المسرح الكثير من الفنانين وفي مقدمتهم اسماء كثير من الاجيال التي سبقت جيل الحسيني،  ولم يعد هنالك من علامة فارقة يمكن للمتفرج من خلالها  ان يميز مايتم تقديمه على خشبة المسرح،  ومايقدم في مواخير الملاهي اللليلية.  .  وذلك : لانّ من كان يعمل في تلك الملاهي وبعد قرار اغلاقها من قبل السلطات الحكومية  انذاك انتقل مباشرة للعمل  على خشبة المسرح.  وبالتالي لتسصبح اسماء معروفة ومتدوالة أنذاك  في بيوتات الكاولية والمراقص الليلية والبيوتات المشبوهة الاخرى نجوما في سماء المسرح العراقي !  والذي كان رجاله ــ منذ البواكير الاولى لتأسيسه ـ هم  في طليعة القوى التي كانت تقف وتناصر قضايا الشعب العراقي المبتلى بحكومات فاسدة ، وكم ضاقت المعتقلات والسجون العراقية باسماء شريفة من الفنانين العراقين ،  لالشيء  ، إلاّ لأنهم كانوا ينتمون الى وطنهم فقط ،  بمهنية وانسانية عاليتين  .
إن طلال الحسيني وجيله  استمرارُ لذاك الجيل الوطني النبيل والذي  لم يشأ إلاّ أن يعلن عن نفسه بعد دخول قوات الاحتلال الى ارض العراق الطاهرة محاولاً أن يعيد رسم صورة الفنان من جديد وسط الفوضى والخراب اللذان بدأَ يعُمّان البلاد ،  بعد أن سقط من سقط في احضان المحتل ،وعقد العزم  مع عدد من الشباب على تقديم عمل مسرحي بعنوان
( أخرجوا ) كتب اشعاره كاتب المقال ،  ليتولى طلال عملية اعداده واخراجه للمسرح . إلاّ أنه لم يجد من يقدم له الدعم المالي لتقديم العمل سوى مبلغ رمزي بسيط تلقاه من نقابة الفنانين في الموصل ولايكفي هذا المبلغ أن يسدد  ثمن اجور طبع النص المسرحي .
 وذهبت كل المحاولات سدىً من اجل اقناع اطراف عدة لدعم انتاجية العمل ،  بل ان دائرة السينما والمسرح وبشخص رئيسها د. شفيق المهدي هي الاخرى مارست معه المماطلة والتجاهل ، رغم كل الاتصالات الهاتفية والتي غالبا ماكانت ً لا تجد اذاناً صاغية . كذلك مارست قوىً سياسية  محلية نفس الاساليب اياها  وفي محاولة منها لكسب ألوقت ، استثماره في عملية انتخاب مجالس المحافظات، وحين فشلت في سعيها الانتخابي ولم تحظى إلاّ بنسبة مخيبة لأمالها . اقفلت كل خطوطها الهاتفية مع الحسيني ولم تعد تكلف نفسها بالرد عليه . وهاهي الايام تمضي ولامن بارقة امل جديد يظهر في الافق يُحي الامال لدى الحسيني وممثليه الشباب الذين كانوا مندفعين بكل مشاعرهم من اجل تقديم عمل مسرحي امنوا به لانهم وجدوا فيه فرصة للتعبير عما يجول في خواطرهم وهم يرون وطنهم العراق على كف عفريت  يتناهبه السراق والافاقون . .
وأخيراً . .  وفي لحظة من لحظات اليأس والجزع ،  قرر طلال الحسيني مغادرة خشبة المسرح والاعتزال نهائياً عن العمل ـــ  وفي داخله غصة حارقة وخنجر مسموم مغروساً في ظهره ـ إحتجاجاً لما آلت إليه الامور من كذب ورياء . .

ومن هنا : أنا ادعو كل المخلصين في هذه المدينة والوطن ــ وهم كثر بلا أدنى شك ـــ  ان يقفوا مع هذا الفنان  المبدع والشريف ، من اجل أن لايقتل الصمت الكافر ابناءنا المبدعين ونأسف بالتالي وبعد فوات الاوان على غيابهم .


                                                         مروان ياسين الدليمي
                                                             18/ 3/ 2009
                                                                  الموصل

128
الفنان : منتصر بويا . .  في معرضه الاول


           
الخطوط والاشكال،
                         في الوصول الى الغايات .





فن الملصق واحد من الفنون التي عبر من خلالها الفنان التشكيلي عن رؤيته للمعاني والافكار منطلقاً من معالجات شكلية تكتسب خصوصيتها الواضحة من وظيفة هذ الفن . .  الفنان منتصر بويا واحد من الفنانين الشباب الذين يقفون عند الخطوة الاولى للولوج في مشاكسات هذا الفن الجميل . بمنتهى الشفافية وعبر الالوان الواضحة القصد والدلالة والخطوط المنسابة بمتعة وليونة مطلقة .
    جاءت اعمال الفنان منتصربويا في معرضه الاول لفن الملصق والذي اقامه على قاعة نادي شباب عينكاوا . كاشفاً عن طاقة واعدة في مضمار التجارب الفنية التي تقدم سلطةالفن على اي شيء اخر  ،
يتمسك فن الملصق بتفاصيل عالمه المتنوع رغم اشتباكه مع عالم اللوحة التشكيلية الثر ،إلا أن فن الملصق يحتفظ بسر حركيته وجمالياته إبتدأًمن هيمنةالبساطة والاختزال في بناء المفاهيم التي يسعى الى ترويجها .دون الولوج في عالم اللوحة التشكيلية المدجج بالتأويل والانفتاح على  متعة الغموض الاسر .
تأخذنا الموضوعات التي عالجها الفنان منتصر بويا على الرغم من بساطتها، الى الاستمتاع بحركة الخطوط واندفاعاتها الشعورية عبر اشكاله وخطوطه المرسومة   بأناقة وتكثيف في التفاصيل الفسلجية للكائن الانساني وهو في ذروة  لحظات فرحه وانطلاقه .
وليس ببعيد عن هذا الفنان الشاب القادم من حضارة يعود تأريخها الى اكثر من اربعة الاف سنة قبل الميلاد أن يلتفت الى الماضي الحضاري البعيد للامساك بالنقاط المضيئة من تلك الازمنةالقادمة من حضارة وادي الرافدين او من الحضارة الفرعونية  وإحالتها الى الزمن المعاصر
ليطرق من خلالها ظواهر وسطوح مرئية في ازمنة معاصرة له . لان الفنان ليس بأمكانه التحليق بسهولة وسط اشتباكات وتقاطعات ماهو راهن الى  ماهو اقتراب من مديات الروى والافكار التي تضج بها الحداثةالفنية إن لم يكن يمتلك فهماً وتصوراًواحتواءً لاشكال التعبيرفي  ألازمنة الموغلة من عمر حضارة الانسان .
إن التلميح بمحمولات النص البصري للفنان منتصر لايمرعبر مفردات لغة فنية متوارثة من مفردات الالفاظ الصورية التي اكتسبت شرعيتها من البيئة الفنية الضيقة التي فرضت عليه ان يكون مأٍسورا ًبانتماءه اليها. بل ينطلق من حيوية رصده لتركيبة الحركة العمودية للتشكيلات الانتاجية للحركةالفنية العراقية .
ورغم أن  فن الملصق الذي انشدّ اليه الفنان منتصرلايتيح له كما في الفن التشكيلي ان ينهل مما تحتشد به الذات من مخزون عاطفي  ولايتكىء على الذاكرة المعبأة بالصوروالاصوات والخدوش . إلا انه انطلق لتاسيس خطوط واشكال بسيطة ترتكز الى منظومة بصرية واضحة في توصيل غاياتها دون ان تتداخل مع بعضها ودون ان تتقاطع بالاحتدام . 

 
 


                                                            مروان ياسين



129
المنبر الحر / أنا . . غائب عنّي
« في: 16:42 29/12/2008  »
أنا . . غائب عنّي      


اهداء    :


إلى / يونس  صدّيق توفيق الحمداني
الى /  وجه  اضعته في زواية مغسولة بالترقب
مابين ارتباك بدويّ  يباعد بين نينوى الخجولة من خوفها
وبين حرارة الانفاس لاأصابع امراءة من روما، يتوهج الليل بحضورها قبلات، وهي تخطو  على قلب رصيف حجري في تورينو.
الى / بلاد لوّحنا لها فأشاحت بوجهها عنّا .
بلاد ، عودتنا أن تسحل ملوكها وتُربّي الذئاب  في ثكناتها ً 
لادَمْعَ سيُذرف على قبرها
لاوردَ سيُحمل الى نياشينها
لاأحد سيلتفت إليها
لاأحد سيمشي خلف جنازتها ، أمّا بالنسبة لي سأعلن الحداد على طريقتي 
:
أولاً سأطفىءالستلايت ، وثانياً سأرتشف قدحاًمن الشاي ، وأنا اقرأ أي  رواية لكارسيا ماركيز ، مستمتعاً بظل  شجرة برتقال، زرعتها بنفسي في حديقة الداريوم ولد ابني الوحيد محمد الطيب في  الخامس والعشرين من كانون الاول من العام الف وتسعمئة وتسعة وتسعين ، في مدينة الموصل ،مدينتي التي غادرتها مرغماً في السنة السابعة بعد الالفين . حرصا مني على ولدي  بأن يحيا حرا في بلد آمن لايقتل فيه الشرفاء .


     
الدخول الى متن الحكاية  :


كاذبة هذي البلاد في ابتسامتها لنا
امتهنت الكذب علينا ستين سنة 
في مراحيض العساكر من قادتها رمت احلامنا،
والعارفون منا :
الفاهمون المثقفون
 قوميون وشيوعيون وماركسيون
أخوان مسلمون وناصريون إشتراكيون .
كلهم دفنوا اسماءهم تحت بساطيل قادتها .
 لكسب الود منها وإرضاءً لخاطرها .

كيف خُدعنا ؟  .   .   .  لاأدري ! . . 
اذكر انّا رددنا اناشيد الثورة الاف المرات قبل الاكل وبعد الاكل ،
في ساعات ألنوم أو الصحو.
في اقصى  لحظات النشوة كل صباح في المدرسة .
والأوطان تلوذ بصمت مشبوه مطبق
 كانت  تقتل فينا الحب والرغبة في العيش!

نحن، لم نعد نشبه مانحن
نحن،  من إقترف  من حماقات تحت نجوم نامت في ثيابنا
نحن ، ماصنعنا من طغاة .
و نحن ايظاً ماقتلنا و مابكينا من اولائك  ألطغاة .
نحن اختلفنا عن الامس ، واختلف الامس عنا
الليل هنا  لم يغادرنا
 ثملاَ بالفؤوس يركض خلفنا
بحروب قصيرة جداً وحروب طويلة جداً
محترقا بنا
بخيباتنا المفخخة
بالرصاصات الطائشة 
بالشهوات العابرة .
بمن يتربص بنا
في زحمة الاسواق .
في  يوم الاحد بعد القداس
 في المكروباص
في الهاتف الخليوي
في المطعم
امام باب المسجد
في عرض مسرحي 
في صفيحة للزبالة
بمن يلاحقنا ليجز اعناقنا .

غير انّ يقظتنا،  نامت معنا ولم تقبل التعليق أوالهروب منا.
كان ألرهان على الموت ،
مَرّة  بقفازاتنا المتهرئة في رطوبة  الحانات
واخرى بعد ان نأكل اليقطين المدوّن في جدول أيامنا .
حين الرسائل غابت هي الاخرى عنّا
وأقتربنا من غيمة الكلام المر نمحو اسماءنا ،
نبادل الصمت ساعي البريد ، ونسجد في سجل الحضور وخانة الغياب،
 في ألخرائط التي ذرفتنا ولم تعد تتقن رؤيتنا .

أعرف أن  العمر بكفّيه قد  بعثرني وماعاد  يجدي التحديق بوجهي  وفي باطن كفي .
كما أعرف أن التشرد تداخَل فيّ، ولم يعد التلصص على الاخطاء
يدهشني.
وأعرف ان المعجزات حرة في حضورها الا معي .
وليس لي إلا أن ألقي بأسئلتي بوجه اسئلتي  ولن أنتظر اجوبة مني .
أنا حاضر .
بل أنا غائب عني ، مذ  قَتل المشيرالبراءة (1) في قصر الزهور، ومشى على سجادة حمراء الى مبنى الاذاعة   ليقرأ بيان الثورة ، وفي جيبه بيان اخر لانقلاب اخر،  ولم يكتف ،
 وقرأ البيان في مرة اخرى، لثورة  اخرى  ولم يكتف ، غسل كفيه بدم الزعيم  ولم يكتف . 
 والغربان فجراً على سقف قطار الموت(2) حطّت زاعقة، تنتظر الفا ومئة من الضحايا،   ولم تكتف، ضباطاً واطباءً ،مهندسين مدنيين وعسكريين ،
ستمضي العجلات بهم تحت لهيب الشمس الى حتفهم  ،
 من معسكر الرشيد حتى نكرة السلمان (3) . 
الخوف  عانقني انذاك ـــ دون أن ادري ـــ بخدوشه المُرّة في ذاكرتي ،
ولم يكتف ، بات  يحصى خطواتي والتفاتاتي والوان قمصاني واسماء صحبتي واسماء اعمامي واخوالي  ، ، من كان  يصلي ومن  كان  يحتسي  الخمر ، من هرب ، من هاجر،  من كان ضد الثورة ، ومن كان معها . من مات منهم ومن كان على قيد الحياة  .
تلك السنوات التي  كانت بطعم الفولاذ، اندست في اصابعي، وشطبت ماتبقى من دمي وافلاك ذاكرتي  . كانت المشانق فيها اهزوجة لنا . . . !

لِمَ المشانق؟
لِمَ ألفوارق؟
لم الحكمة لاتأتي إلا من فم الزعيم أو الفريق أوالعقيد  أو المهيب
أيعقل أن  يرسم أمي أوشرطي أو عريف في الجيش . 
 على قالب من الثلج أحلام أمة  !؟ 
لِمَ الضالعون بالقتل هم دائما احبابنا واسيادنا !؟ 
لِمَ الانقلابات الدموية  مثل الظل تتبعنا  ؟
   

من نحن ؟
كم سألناأنفسنا هذا السؤال   .
من نحن ؟
ونحن في  متاهة الاسلاك، نستيقظ على الفجرمغبراً في معسكر التاجي
أوفي نقطة تفتيش للحرس القومي(4)
اوفي جثة تسحل عارية على الاسفلت والشعب بصوت واحد يهتف (ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة) (5)
اوفي ليل يحاصرنا بالموت في حفر الباطن اوفي الشلامجة أوبنجوين أوعلى قمة جبل، يرقد فيه  فوج مغاوير الفرقة السابعة والثلاثين ، وضابط  التوجيه السياس يصرخ من جوف الملجأ ( ياحوم اتبع لوجرينا ) (6).

من نحن ؟
 سقط ألسؤال مع الثلج ــــ  شظاياــــ على وجوهنا ،أنا وبولص أدم
 توارت عنا اوهامنا  !
والطرقات التي  خبأنا فيها  اخطاءنا
سحلتها كلاب سائبة في بغداد او في منصورية الجبل اوفي الوزيرية او فندق الوفاء او في اكاديمية الفنون الجميلة اوفي مسرح الرشيد ، لاأدري .
وأجمل ألاشعارالتي دحسناهافي بساطيلنا، هي الاخرى  لم تعد تعرفنا .
ايّة مرارة قَذَفناعلى صحيفة داستها اقدام الركاب، حين عثرنا عليها تحت المقعد الجلدي ذي اللون البني الداكن  في  الباص الاحمرالبغدادي المُجهَد باخر جولة مابين ساحة الاندلس وباب المعظم ونحن سكارى  نضحك من جيوبنا الفارغة  بعد الساعة العاشرة  من ليل بغداد الثقيل .
لاصوت يأتي من كوكب الشرق يقيل الضجرمن  احاديث المقاهي
الحرب تعثرت بأعمارنا  ودهنت ماسورتها بقمصاننا المفتوحة للريح
َوالدم الطهور تدحرج على عتباتنا  مذ تهدج الصوت في ليلنا .
 صديقي بولص نسج قصة محكمة  لهروبه من ورطة الحرب .إستوحاها من عدة اشرطة سينمائية تجريبية ، وحين انتهى من كتابتها وجد نفسه فوق جبل ماوت،في كهف يقتسم الخبز اليابس في اخر ساعات  الليل مع البشمركة وبيده رشاش روسي  . كان البرد شديداً جداً خارج الكهف، حين اشعل سيكارة سومر وكتب رسالة لي يقول فيها  :

[ العزيز مروان . . في طريقي داخل مدينة  العمادية قابلني صلاح الريكاني من وراء زجاج سيارته، وعلمت بأنه أصبح (أبي نورس ) فكانت فرصة سريعة لكي استمع الى اصوات،  لم اسمعهامن سنتين ، وأتحدث معه بالعربية .
أنت الان تدريسي ومحمد (طالب ) وريسان . . . ووو. . .
تعلمت أن اتقبل المحتوم لأجعل منه شيئا مفيداً،  أنا الان  هارب أكثر مما ينبغي ، بدأًمن الحدود وحتى ايامي في ماوت وجوارته وأزمر وشوان والسليمانية ، وأيامي ألحالية كذلك في ديره لوك وديري وألعمادية ووو. .
موغل في صمتي،  سواءً حينما اضطرني واجبي مع فوج علي الحاج شعبان مؤخراً  ًلقضاءخمسةعشر يوماً بين الثلوج في مواجهة قبر والدي في قرية ديري المهجورة . . أو. . أوعندما كنت واقفاً في السيطرة الخارجية من السليمانية نحو ماوت الصيف الماضي . . أحدق في وجهه، ويحدق في وجهي  فقط وهو داخل (الايفا ) أقصد ( خالد النجار ) نجار لوائنا القديم (ريسان يعرفه ) دون أن نتحدث . . أردت أن أسأله عن ريسان العزيز مثلاً . . ولكنني بقيت واجماً على ( يَطَََََغي ) وبندقية الفرسان في يدي، ولأني علّقت الاسئلة فوق مشابك المستقبل، ولأني لم أعلم ماهو مصيرهُ في الليلة التالية ،
 ( تقدموا نحو مرتفع محاذي لمرتفعنا ) و. .
أنت تتوقع أن أكون متفائلاً جداً  ؟  وهذا صحيح . .
راقبتُ ببطء زوال صفات كثيرة مني ، وفي فترة التغرب هذه هربت من زمني نحو مجهول . .
والاسطورة الكردية (ممي ألآن) تقول بأن ( رأس الرجال ياولدي جبل عالٍ يجب أن يحيط بقمته الضباب وألدخان ) . .

أنني بحاجة إلى السلام وأرجوه لكم . .
أين حياتي الحقيقية ؟ وإلى متى سوف أعتقد بأن الانسان ليس بحيوان نصف عاقل بل كائن مخصص للخلود ؟ . تحياتي واشواقي والسلام . . وإلى ريسان  . .
التوقيع
بولص ايشو ادم
24/ 6/ 1988
العمادية .]
(7)

لِم َ اقتربنا من ظفيرة العتمة  ونسينا اصواتنا خلف ظهورنا كلما تشقق الوقت بحشرجة ؟
لِم البيوت التي سكنتنا تسربت من اصابعنا ؟
وتلك الظلال التي ركضنا خلفها هوت فوق رؤوسنا .؟
على تلك السلالم الحجرية  في اكاديمية الفنون  كانت الطرقات تتغير امام تراكيب الكلمات المكتفية بمراسيم الدهشة، والمقابر تختفي  تحت تلك النخلة الوحيدة في الكلية  كلما ازحت الدخان  من الهواء في ازقة الوزيرية بجملة من كلام تمنح للفوضى طفولتها ، ( أنا وعزام صالح وهادي ياسين علي ومحمد المهدي وعبد الامير شمخي وعلي سالم وعلي جنح وعوده مغامس وسعد كرنه ومحمد اسماعيل وضياء ربيع وعلي داخل وأميل جورج ونجم عبد شهيب)(8) . . . تسبقني عادتي في التدخين وأنا احتسي الشاي المطعّم بالكافور كاشفاً ظهري  لماسورة المسدس بينما  أستعيد  خطأ توقعاتي  لمسارألاحداث في فلم  (الرؤيا الان )(9) رغم أني لم اخلد الى  ألنوم ليلة السابع من كانون الثاني من العام الف وتسعمئة وواحد وثمانين حتى انهيت  رواية( ساعة نحس ) .(10)
 
لست وحدي بهذا الاسى اعاشر الانتظار
امشي بمرارتي  الى  خريف العربات
أكدس الغيم على حانات تم شطبها من خطوط يدي
واشم رائحة الخطوات في قلب الرماد .

خطا راهنت على اليوم التالي لانكسار الطين في يدي
وكشفت للصدفة مظلتي .
خطاهذا العمود اليومي  في الصفحة الاولى
خطا مايرتق من سطور لديباجة التعزية
خطا أرقام الضحايا 
خطااصدقاء تراجعوا وخافوا، وأصدقاء هاجروا وتغيروا 
خطا نحن . خطا أنتم . . .

لِمَ اخطأنا ؟
لِمَ حاربنا ؟
لِمَ دافعنا ؟
هنا التراب معلّب بإمضاءات لاتفاصيل لها
لينهال على رؤوسنا في تواريخ شتى ، وتحت راياتها تنحر رقابنا
هي النياشين والانواط نافذة البلاد كانت  الى ماتكرر من رماد في اضلعنا
هي التي لاحقتنا
وتأمرت علينا
وضيّعتنا

 شطبت سماءنا من اكفنا
وكفنتها بين قصر النهاية وابي غريب وسجن الكوت وسجن رقم واحد والحلة وبادوش والجادرية والكاظمية والموصل والفضيلية والامن العام والمخابرات وسجن المطار وبوكا . 
عبثاً نستذكر الامس 
عبثاً نكهة الشاي وقصيدة النثر وبيانات الحداثة في مقهى حسن عجمي 
عبثاً جواد سليم  ونصب التحرير وجدارية فائق حسن ومسرح بغداد والفن الحديث وغائب طعمة فرمان ومحمود جنداري ومحمد خضير 
عبثاً تمشي المرأة سافرة في الشارع
عبثاً تعمل، تعشق، تتعلم
عبثاً تأكل وتشرب
عبثاً من عُذب ومن تظاهر واستشهد
عبثاً مسرح الصورة ،وصلاح القصب، وشفاء العمري ،وخليل شوقي 
وزينب ، وناهدة الرماح .وزكية خليفة
عبثاً علي الوردي
مظفر النواب
عبثاً من ناضل وصمد  وقاتل
عبثاً محمود صبري ونوري الراوي وكمال سبتي  ومحمد مهر الدين وشداد عبد القهار  ولوثر ايشو وقاسم حول وعبد الهادي الراوي وقاسم محمد وسعد جاسم
عبثاً شارع المتنبي
عبثاً نزيهة الدليمي وهادي العلوي وجبرا ابراهيم جبرا وخزعل الماجدي وفالح عبد الجبار وسلمان داؤود محمد وصلاح حسن وزاهر الجيزاني  ورعد فاضل وحميد قاسم وعبدألرزاق ألربيعي وسعدي يوسف والبياتي وهيثم البردى وزهير البردى وشاكر مجيد سيفو وعبد الحميد كاظم الصائح
عبثاً كدحُنا وركضُنا وكل مانجمع
عبثاً طه باقر وفائق بطي وكامل الجادرجي وسركون بولص والاب الشاعر يوسف سعيد

عبثاً مارسموا وماكتبوا وما فكروا وماأنجزوا وماحلموا
غير اني ـــ ورغم يأسي وكأبتي ـــ متفائل
فالكون هذاعجيب وجميل و مدهش
والناس ـــ  في مر الهزيمة ـــ   تموت ولم تزل عن فجرها  تبحث .

                                                            مروان ياسين الدليمي
                                                              20/ 12/ 2008
                                                                     

1-   رئيس جمهورية العراق المشير عبد السلام عارف من سنة 63 الى 1966
2 –بعد  انقلاب 8 شباط 1963 تم اعتقال مايقارب الف ومئة من ضباط الجيش العراقي . ووضعوا في
     سجن معسكر الرشيد . وبعد تمرد العريف حسن سريع وقمع هذا التمرد . تم شحن كل الضباط المعتقلين
     في قطار ذاهبابهم الى سجن نكرة السلمان في صحراء السماوة ، وفي ظروف بائسة لاإنسانية 
3 – سجن شهير في عمق صحراء السماوة
4- ميليشا اسسها حزب البعث العربي الاشتراكي بعد انقلاب 8 شباط
5- اهزوجة كان الشيوعيون يرددونها بعد تمرد عبد الوهاب الشواف في الموصل عام 1959
6- اهزوجة شاعت ايام الحرب العراقية الايرانية عام 1980
7- هذا نص الرسالة التي وصلتني من صديقي بولص ادم بعد هروبه من الجيش الى شمال العراق
8- اصدقائي في كلية الفنون الجميلة في النصف من ثمانينيات القرن الماضي
9- فلم للمخرج فرانسيس كابولا تناول الحرب الفيتنامية وحاز على جائزة الاوسكار
     10- رواية للكاتب الكولمبي كارسيا ماركيز 

130
المهرجان الاول للافلام الروائية القصيرة
لفرقة شمشا المسرحية / في عينكاوا .
 


                                      حـلــم كبيـــر ..

                                                       لمدينة صغيرة
.



عينكاوا هذه المدينة الصغيرة لوحت بإشارة من يدها الغضة بأن يوضع اسمها على خارطة المدن الشهيرة التي تفتخر بمهرجاناتها السينمائية . على الرغم من خلوها من اي معهد اومؤسسة فنية متخصصة تدرس او تنتج فنا سينمائيا . الا أن وجود شاب اسمه خليل كاكا سبق ان تخرج من كلية الفنون الجميلة /جامعة بغداد / في منتصف العقد الثامن من القرن الماضي . وهو يحمل شهادة اكاديمية في الفن السينمائي . هيّأ الفرصة للامساك بالحلم الذي قد لايكون أن مر ببال اي مثقف اوفنان يسكن هذه المدينة. إلا ان خليل كاكا ما أن تخرج من الكلية ، حتى عاد الى مدينته ليستقر فيها رغم الفرص التي اتيحت له في العاصمة بغداد لكي يمارس نشاطه السينمائي باعتباره مصورا سينمائيا ممتازا يملك الكثير من السيطرة الحرفية والمهنية لكل التفاصيل التقنية والفنية لعالم  التصويرالسينمائي  . ومن عينكاوا انطلق في ممارسة نشاطه الفني عبر عدد من الاشرطة القصيرة التي كان ينتجها بنفسه اضافة الى العمل بنشاط في تجارة اجهزة التصوير السينمائي والتلفزيوني والفوتوغراف . اذ لم يستطع هذا الحالم  ان يغادر عالم التصوير حتى في كسب لقمة عيشه بل احال هذا الكفاح الى نجاح كبير جعله قادرا على تاسيس شركة للانتاج السينمائي ولتجهيز الموسسات الفنية بالاجهزة الفنية التي لها صلة بالانتاج التلفزيوني  والسينمائي .  إلا ان هذا النجاح الكبير على المستوى التجاري لم يفقده احساسه الجميل بعالم الفن السينمائي . من هنا كان مصمما على ان يبدا في عينكاوا مرحلة جديدة يخرجها من هدوئها بل من خمولها وكسلها  الثقافي . ولتدخل  هذه المدينة عالم المدن الكبيرة في ماتسعى اليه من فعل ثقافي . لذا جاءت فكرة اقامة مهرجان سينمائي للافلام القصيرة خطوة اولى في مشوار طويل نتمنى ان يتحقق ويستمر لمعانقة النور . لكن خليل كاكا شاء ان يستبق المهرجان بدورة تعليمية لاعضاء فرقة شمشا المسرحية التي ارتكز عليها في بناء المشروع . استمرت هذه  الدورة اكثر من شهرين، كان خليل كاكا هو  المحاضر الوحيد في الدورة . نقل خبرته ومعارفه الاكاديمية في كل شؤون الانتاج السينمائي الى طلاب دورته الذين لايتجاوزون اصابع اليد . ابتدأ من كتابة السيناريو والتصوير السينمائي والاخراج والمونتاج والاضاءة والديكور والاكسسوار .وفي نهاية الدورة كان على كل مشارك فيها ان يقدم سيناريوتنفيذي  لفلم سينمائي قصير. وليبدا التنفيذ بعد ذلك . فكانت النتيجة ستة افلام قصيرة يتراوح زمن عرضها مابين الدقيقه وخمسة دقائق :
الافلام المشاركة :
ـــــــــــــــــــــــــ

1- حلم صغير              اخراج  خليل كاكا
2- بريد سريع              اخراج  هوكر كويي
3- جرعة مورفين         اخراج خليل كاكا
4- فقاعة ثقافية             اخراج ايفان سعدي
5- الحقيقة في الظلام      اخراج ميلاد عبد المسيح
6- براعم                    اخراج مؤيد ابراهيم


الفلم الاول( حلم صغير) :  يسرد مشاعر طفل صغير يأسرهُ شعور  بالحرمان العاطفي ،نتيجة فقدان والده ، كما يتفاقم هذا الشعور عندما يمارس المجتمع دورا سلبيا في تجاهله وعدم الاهتمام به.
.
والفلم الثاني( بريد سريع) :  يستعرض عمليات النصب والاحتيال والسرقة التي تمارسها بعض من منظمات المجتمع المدني التي تدعي مساندتها لشرائح المجتمع الضعيفة .

اما الفلم الثالث (جرعة مورفين):  فهو واحد من اافلام المهمة على مستوى الشكل والموضوع وهو اقرب الافلام الى البناء والشكل السينمائي اذ يتناول البناء الوهمي الهش الذي تصنعه الانظمة الايدولوجية الشمولية . وتنجح لسنين طويلة في السيطرة على شعوبها عبر اعلام مزيف وكاذب يروج لنظام من القيم المريضة لاينتجها الا عقل مريض .

اما الفلم الرابع (فقاعة ثقافية ) : فيقدم نموذجا لمن يحاول ان يستثمرمظاهر الثقافة لخداع الناس والضحك عليهم . وفي اخر الامر ماهو الا فقاعة فارغة لاتملك فعلاثقافيا يمكن ان تقدمه للمجتمع .


اما الفلم الخامس (الحقيقة في الظلام ) : فانه يتعرض الى الفساد الادراي الذي يختفي وراء الازمات التي يعيشها المواطن ومنها ازمة الكهرباء .

واخير الفلم السادس  (براعم ):  الذي يرصد حلم امراءة حامل . تحلم للطفل القادم ان يحيا في بيئة طبيعية وصحية بعيدا عن واقع تحتشد فيه الاشواك والادغال التي تمنع الطفولة من العيش والتحليق بسعادة في الفضاء الانساني الرحب .
اعلن عن موعد  افتاح المهرجان للفترة من 11- 12/12/2008 بعد ان تلقى دعما كبيرا من السيد سركيس اغاجان الذي لن يتردد في دعم اي مشروع يهدف للنهوض بواقع الثقافة السريانية . لقد شاهد جمهور عينكاوا ولاول مرة افلاما سينمائية قصيرة من انتاج ابناء المدينة الذين لم يتخرجوا من معاهد سينمائية سوى الدورة التي كانت اول باب يفتح امامهم للتعرف على عالم الفن السينمائي الصعب .
على ذلك :  فإننا  لن نقتل فتنتنا واعجابنا بهذه الافلام بالتوقف امام الكثير من مفاصل الضعف التي  بدت واضحة لنا في معظم  الافلام المعروضة . بلى أثرنا أن ننحي احتراما لجهود الفنان خليل كاكا لما أقدم عليه من فعل ثقافي ستذكره عينكاوا دائما . فهو بهذا المهرجان كتب الاحرف ألاولى من مشهد سينمائي جديد سينهض هنا في عينكاوا،  قد يطول الزمن حتى نرى نتائجه المهمة ،  لكن يكفيه فخرا انه قد  دحرج الصمت بقدميه، خارج صالة جمعية الثقافة الكلدانية التي اقيم عليها المهرجان وليصغي الحضور ويشاهدوا من وسط الظلمة ابطال الغد على الشاشة . ولكي تكتمل الصورة التي ايقظت عينكاوا على حدث ثقافي جديد لاصلة له بكل ماشهدته من فعاليات ثقافية مستمرة طيلة السنوات الماضية  .
 وبعد نهاية عرض الافلام اقيمت ندوة مفتوحة  وصريحة تحاور فيها  جمهور من المثقفين والفنانين مع المخرجين العينكاويين الشباب وبحضور الفنان خليل كاكا . . في هذا الحوار تم التوقف امام عدد من الملاحظات الفنية التي سجلها جمهور النخبة المثقفة على الافلام المعروضة . وتكاد ان تتمحور معظم الملاحظات على نقاط محددةبدت واضحة في الافلام الستة المعروضة،  من هذه الملاحظات :
1-   ضرور تكثيف زمن عدد من الافلام  مثال/ فلم : جرعة مورفين +براعم صغيرة
2-    قصور في استثمار الموسيقى والصوت من داخل الفلم (الجوالعام ).
مثال/  فلم : حلم صغير
3-    بعض الافكار تحتاج الى معالجات اكثر عمقا لكي تخرج من الاطار التلفزيوني التي تتسم طروحاته بالبساطة قياسا الى المعالجات السينمائيةالتي تنحو الى الجرأة والاستفزاز مثال / فقاعة ثقافية + الحقيقة في الظلام  +بريد سريع
4-   السقوط في التعقيد والغموض في ايصال الافكار. مثال/  فلم :  براعم صغيرة .
5-   بدا واضحا رغبة المخرجين الشباب في طرح افكار نقدية تتناول اوضاعا اجتماعية وادارية تتسم بالفساد . وهذا امريدعو الى التفاؤل عندما تكون بداية الوعي بمسؤولية الفن السينمائي ازاء القضايا المجتمعية مثال/ فلم : بريد سريع + حلم صغير + الحقيقة في الظلام

اخيرا وليس اخرا ياتي هذا المهرجان خطوة هادئة و جريئة للخروج من العتمة الى الضوء رغم العثرات .




                                                        مروان ياسين الدليمي






 



 


131
مناديل المحبة للغائبين عن العتبات. .
 
                                                   في كمب الارمن
   

                                                                              ( 1 )

انزوى الاستقرار والهدوء الذي كان الحي ينعم به ، وحل مكانه شعور  بالخوف مما هو اتٍ ، ولم يعد الغد مطمئناً، وأمست الحروب تلقي بظلالها على السكان ، ومع مطلع العقد السابع من القرن العشرين ،بدأت رحلة النزوح والهجرة عن الحي وكأن غيوماً كثيفة احتشدت في السماء لتنذر بما هو قادم .

كمب الارمن ، أومايعرف كذلك بحي الكيلاني : هو حي سكني شهير في العاصمة العراقية بغداد . سمي بكمب الارمن وذلك لان معظم ساكنيه من الاقلية الارمنية التي استوطنته منذ الربع الاول من القرن العشرين . عاش الارمن فيه طيلة عقود من الزمان في جو من الاخوة والمحبة العميقة مع باقي مكونات المجتمع العراقي . إلاأن حال الكمب لم يعد كما  كان، وتغيرت الاحوال من حال الى حال. بعد التاسع من نيسان من العام الثالث بعد الالفين

عبر عقود وازمنة بعيدة توحد المسيحيون في كمب الارمن . وكانوا ينعمون بالحياة ،  تحت خيمة من الاخوة ، جمعتهم بكل مذاهبهم ، مترفعين  عن اية خلافات، وتوحدوا بدينهم ومحبتهم ، فتشاركوا بقناديل ايمانهم ، بكسرة من الخبزوالحب ، وليطرزوا حياتهم بعلاقات وزواجات سَمَت فوق التسميات المختلفة.
كان الارمن والاثوريون يؤرخون لإصالتهم في الحي . ولم ينقطعوا عن تقاليدهم وعاداتهم وطقوسهم التي انحدرت معهم الى حيثما تواجدوا وعاشوا كانت النذورالمرتبطة بأسماء القديسين حاضرة في أوقاتها دوما ، تتناقلها البيوتات والاجيال . جيلا بعد جيل . لتوطين شجرة المحبة والالفة بين سكان الحي ولكي تبقى القلوب صافية .
إن أول مايفكر فيه المسيحيون وهم يحطون الرحال في ايّما مكان يذهبون اليه ، بناء الكنائس ، لتكون ملاذاً أمنا ًيؤمون إليه لكي تبقى رسالة المسيح تفيض بنورها على دروب الانسان . وهو يشق طريقه في مسالك ومفاجأت
الحياة  .
كم يؤرقنا ألحنين  ، الى امكنة ، كانت المحبة ترفرف ظلالاً وحضوراً.
في ازقة ودروب ناعسة من كمب الارمن  . . علّنا نمسك اخر اليمامات
قبل ان تهتف اليها الامكنة البعيدة . . .
 إليك ايتها البيوت النائمة بين اساطير العشق والالم . .
إليكَ أيها ألدرج ألمَحني بجنة أحلام الساكنين البسطاء ، وهي ترنو للصعود عالياً. لينكشف الكلام عن الفراشات ، وهي تحترق فوق السطوح المهتوكة بالخجل . والفناءات المسيجة بالفراغ .
على تلك العتبات سهرنا مع الحكايات ، وسارت معنا أيامنا . . كنا نعطي للزقاق أسرارنا وأُلفتنا ،ويمنحنا ألزقاق ينابيع فتنته . .
تغيرت الاحوال ، وانكسرت مناديل الصمت ، وتبددت سحب السكون بمطارق الفوضى ، بعد ان كانت الدروب ملاذاً للساهرين ، تبللهم أحرف الكلام المتفتح على شفاه العجائز وهم يستظلون بالالفة امام البيوت .
امست رائحة الخوف تمتد هنا وهناك بين زوايا الحي ، لتتسلق علامات الدهشة جدران الكنائس ، بعد أن تناقص المصلّون  يوماً بعد أخر، طالما مسيرة الهجرة والنزوح عن الحي لم تعد  تتوقف .
كما هم دائماً ،يسعى الارمن إلا أن يطرقوا ألابواب الموصدة والسير دونما تردد في الطرقات والاختيارات الصعبة . وهم بذلك أختاروا ألعمل في المهن التي تنهل من جذوة وحيوية العقل في ظهورها وديمومتها ولم يرتضوا لانفسهم إلا أن يخلعوا على شخصيتهم صفة التميز والانشغال في ميادين العلم .
كيفوركيان ـ الوايرمان ـ
كل صباح حين يطبق ضلفتي الباب على صدى الاحبة البعيدين .
 يقف عند عتبة الدار لحظات ، يتأمل أسماءً وأرواحاً . كانت تسكن هنا
وتملاّْ المكان بضجة الحياة وحلاوتها . كانت اضلع الزقاق تضم براءة الاطفال وشغبهم وجمالهم . هكذا مضت اشرعة الاحبة ،
وخلفت وراءها الوحشة والصدى .
مخالب الخراب احاطت حتى بالكنائس ، ولم تسلم منها بعد ان كانت الامكنة التي تتواجد فيها دور العبادة فيما مضى من سالف الايام ، ملاذاً للسكينة والهدوء والنظافة . اما اليوم فقد امست ـــ كما هو الحال في كمب الارمن ــ
تختنق بالعربات والانقاض والاسمال . لترسم صورة بشعة ومخيفة عمّا ألت اليه تلك الامكنة .
لكن ، لم يزل هنالك رجال مخلصون للرب  ، مثلما هو الاب صلاح هادي خدر . باقون في الحي . يمسكون  بالامل ومصرون على استمرار إقامة الصلوات رغم التناقص المخيف للمصلين بسبب هجرتهم بعيداً عن الحي وعن الوطن .

بعد أن تلاحقت على جسد الوطن ألكوارث والمحن ، غادر ابناء المسيح مرغمين ومضطرين ، موطن اباءهم واجدادهم . قافلة بعد اخرى . .
بقيت في الحي شواهد وحكايات مُرةً ، لاناس مأهولين بالحنين ، حاصرتهم قسوة الدهر ، وامتطت رصيف شبابهم في بيوت مهترئة مؤثثة بالحسرة على اصدقاء وجيران غابوا . بيوتا امست تحت وطأة أزمنة غابرة ، تحيا بين شقوقها كائنات ادمية بأعمار وأحلام مؤجلة الى يوم مؤجل هو الاخر .

هم يحتسون الاقدار . ويمضون في عيشهم وكأن شيئاً لم يكن ، تتكدس المسرات بعيدا عنهم . . هي المعجزات إذاً ملاذاً لهم ، وليس سواها .
يعقدون امالهم إليها . ليس سوى المعجزات يمكنها أن تقصي الاقدار المختومة بالموت  والانتظار .
صديقي خاجيك كتب لي يقول :
ثمة الكثير من الصباحات التي نشتهيها ، ونوقد الشموع وننشد الورد لها ،
للتراب ، للفجر يلوح للمساكن المتعبة ،
 ايها الرب: افتح ذراعيك لنا واحتوينا     
اجعل الخُطاة يقصدون ابواب الندم .
ياأبانا ألذي في السموات : علّق فوق مساءات اليتامى سحب الرحمة وادفع عن اطفالنا قسوة المصير . 
يد الصمت امتدت شيئا فشيئاً واطفأت النور في الحي . بعد أن غيبت الهجرة ابناء المسيح عن ثرى وطنهم بلاد الرافدين ، امست العتبات والمصاطب واسعة بالفراغ ، يتفتت الانتظار عليها  شظايا  لترقد فوقها ولاأحد يأتي .
هنالك هم . .  أمسوا في البعيد . إلا أنهم مازالوا هنا ، في البلد القريب القريب . .  يصلّون هناك . حتى تهبط الظلال على مُقلة الحي . ويعود الابناء الى وطنهم ، يلهجون بالتراتيل من فيض الايمان الطافح بفضاءات الروح .
موضع الكنيسة ، في وسط ألحي :
ماتبقى من ذاك الجمال لذاك الحي المسمى: كمب الارمن ، مازال بهيجا ً، رغم الخراب المحيط ، هو خراب جسيم يزحف كالحماقة يومابعد اخر . ليطفىء زرقة السماء ، ويرغم المسافة الموصلة الى بيت الرب للانزواء ، والميل الى زاوية الغروب . . نفايات وانقاض وعربات تجثم على هذا الطريق وذاك الزقاق ، حتى يضيق ويتعب المصلّون .


على دكة، اعتاد كبار السن، ان يلتقوا ويتفرقوا  :
هنا . . تنفرط تضاريس الزمان البعيد ،
ــــ حينما يستعيد القلب المتعب بين مفردات الحوار، ربيع تلك الفصول على هذه الدكة وفوق ذاك الرصيف المكتظ بالعابرين ـــــ تهبط الساحات وتطلع الوجوه، ونصغي الى الاصوات وهي تجيء من هناك، من صدى تلك الايام وتلك الليالي ، تحمل ورداًمستعاداً، وحكايا غابت وغيّبتنا خلف ابواب باتت موصدة .
 نحن هنا على هذه الدكّة، نصطحب الكلمات في نزهة، حيث السنين الهاربة من زقاق الارمن الى طرقات لاتعود منها ، إلاانها مازالت تسكن بيننا، في اضلعنا ، في تجاعيد الوجه ، وانحناءة الظهر . ولن تغادرنا حتى نغادرها .
الفوضى :
تسور كمب الارمن بالورش الصناعية والعربات ، ولم تعد الازقة تحتفي بطقوس الجلسات امام الابواب . ذهبت تلك اللقاءات والمواعيد ، حينما كانت اوقات العصر تؤذن للهواء ان يدق الابواب ليخرج الجيران ويستريحوا هناك ، يقتسمون الحب والشاي ، ويقطعون الليل الطويل بأجمل الكلام .
الطريق لم يعد يتسع للصبايا  . بعد أن سحقته العربات واصوات الباعة والحدادون وعمال الورش . ضاعت تلك الوجوه بين زحمة الطريق وثرثرة العابرين اليه من كل الجهات  !
استجبت لنداء رغبتي وأخذت أدور حول الزقاق ، لعلي أستريح الى ظل أو شجرة . كانت قدماي تمضي وتدور بي في حلقة مفرغة وكأني لم أبرح مكاني . . ألتشابهُ الفضّ ، سوّرالزقاق ، داهمني  القلق وانا ارى ماأرى
من غياب واختفاء صورة الكمب الجميلة خلف الزحمة المهلكة .
لاشيء يدلني الى أزمنة الكمب التي عرفتها . . لاربيع ، لاورد ،لاصبايا في كف الطريق . مازلت ادور في مرآة موحشة ، ولاسبيل للوصول الى ذاكرة هاربة ترسم  صورة للكمب عرفتها . 
مازالت الايام تمضي ببعض طقوسها ألمعبأة بالايمان والحب . مايزال المصلون يهبطون بأقدامهم الى بيوت الرب يسوع ، يعطرون أرواحهم بالايمان . الرب يجمعهم بنوره ويلمّهم إليه وهم حزانى بين اضلعه . يصب عليهم نوره ، كاشفاً لهم بكلماته دروب رحمته . ورحمة دروبه . طالما يستيقضون على شكره .

ماذا يقول الصبّاغ  وهو يطلي الجدران باللون الابيض :

رغم الظلمة والسواد المتسكع في الطرقات ، إلا أن البياض مازال يرسم ظله على الجدران . هنا إشارات البقاء ، ولاخروج من تحت هذه السقوف المعمّدة بالاوتاد والحصير والخشب . سنضيء البيوت مرة اخرى . وأخرى
ولن نصغي لنداء المسافات البعيدة . نحن هنا ، بفيء بيوتنا نصغي الى صوت أباءنا وأجدادنا .
الاطفال في الازقة :
الاطفال هذه الاجساد الغضة . ينابيع الفجر . مازال الكمب يتدفق بهذا الشجن الناعم . يخرجون من جسد الزقاق وبيوتاته يبذلون فرحهم بين الطرقات ويلمّون وحشتنا ، ولولاهم لاستفرد الحزن بنا . لولاهم لما عشنا .
هم يشحذون روحنا بالهوى والحب ، بلعبهم وفرحهم .
من سخريات القدر التي مرت على البعض من سكان الحي ، أن يساق أبناءهم للحروب وتسفك دماءهم زكية دفاعاًعن تربة الوطن . بينما يحرمون من اكتساب صفة المواطنة ليتم إبعادهم الى خارج الحدود . بأعتبارهم تبعية أجنبية . .  هكذا هي المقادير . دم وثكالى واوسمة للخديعة
يعقوب بيجان :
لسكان كمب الارمن قصص كثيرة مع الحروب. يعقوب بيجان هذا الرجل صاحب القلب الكبير الذي منح عمره وحياته لابن أخيه مذ أبصر النور . . تبادلت معه الاقدار، لعبةً ًمُرةً، تركت في قلبه جرحا لم يندمل . رغم السنين التي مرت على ذلك الحدث . حينما تسلم جثة ابن اخيه  الذي سقط شهيدا في الحرب العراقية الايرانية .  ليتركه مرة اخرى وحيدا .
لم يكن ممكناً لسكان الكمب من المسيحيين إلا أن يتركوا بصمتهم في نهارات العراق الجميلة . وهنا من هذه الازقة . ومن هذه البيوت خرج العديد من النجوم الى ملاعب الرياضة والفن وملاوا الدنيا وشغلوها طيلة النصف الثاني من القرن العشرين .
لم تسلم الكنائس من شظايا الاحداث والحروب التي عصفت بجسد العراق
فتعرضت هي كذلك الى اضرار بالغة نتيجة سقوط القذائف العشوائية عليها في فترات متعددة ومتباعدة
بعد أن كان كمب الارمن واحة يتفيأ بها وإليها المسيحيون. هاهي اليوم بغداد تودعهم واحدا بعد الاخر . . لتخلو الدروب من خطواتهم. ولم يعودوا يشكلون خصوصية ملامحها وهيئتها . . هاهي اليوم تودع تلك السمات لتحل صورا ًوأشكالاً  أخرى بديلاً عنها ! وكأن الهواء ضاق بهم وزرقة السماء لم تعد تعرفهم ، تلك ألسماء  التي شيدوا أحلامهم تحت ظلها أشاحت بوجهها عنهم  وأستدرات بعيداً عن صوتهم .
مازالت بعض الاحداث التي شهدها تأريخ حي الكيلاني حيةً ًفي ذاكرةِ من كان شاهداً عليها ،وكأن السنين لم تمر عليها وكأنها مازالت موشومة على ظاهر الكف أو خطّها طفل فرحُ بالكتابة على جدران الحي ولم يشطبها .
 
تقول الجدة سوسيك وهي تنسج بلوزة من الصوف عند عتبة الدار  :
الايام ، تنسج أقدارها وأنا هنا  أنسج حنيني إلى مامضى من الايام . أشم قداسة التراب وتلك الصباحات في برد شتاءنا البغدادي الجميل ينثر الغيوم على أكتاف بيوتنا ألدافئة . . نحن هنا ، على عتبات ابوابنا  ، نغزل من الروح مناديل ألمحبة لابناءنا الغائبين .



( 1) كتب هذا النص خصيصاً لبرنامج تلفزيوني عنوانه ( حنين ) يتناول عدد من الاحياء المسيحية المعروفة في بغداد . منها كمب الارمن . وقد تم انتاجه في قناة عشتار الفضائية عام 2007 . وهو من اخراج الكاتب ايظاً.



                                                                                                   

                                                      مروان ياسين الدليمي
                                                             
                                                      5/ 10 / 2007 


132
ألمحبة . . لم تعد فجراً لنا    !
           
هل ضاقت الارض تحت اقدامنا ولم نعد كما كنانبصر الحق وننشد الاغاني للانسان وننصف المظلوم  ونخاف الله ؟ . .  هل اصابنا ألعمى ولم نعد نحتمل اخوتنا بيننا، فأهدرنا دمهم وعرضهم ومالهم وحلالهم وتأريخهم واعلنّا الغزوعليهم منحدرين الى متاهات وابواب مقفلة، نسيرفيها الى معركة هزيمتنا؟
هل باتت سبل الخلاص ـ  وصولاً الى ظلال جنة الخُلد ـ  هي العبور على اجساد ابناء  المسيح، واجتثاث ربيع ذكرياتهم وملامحهم من موطنهم
وموطن ابائهم واجدادهم في ارض الرافدين  ؟
هل بات الوطن  متاهة وحكاية  مُرةً  للشرفاء في وطنهم ؟
هل باتت النهارات معلقة مابين الرصاص والموت والاختطاف ؟
هل بات الزمن بوقاً للفزع وطبلاً للظلام ؟
اكثر من الفي عام والمسيحيون ينضحون عرقا ومحبة واخلاصا لهذه الارض ،  ميراثهم هنا ،  احلامهم، دمهم، فرحهم مشاعا بين ذرات ترابها
.وماكانو الا : ّنهاراته المعلقة على سماءه الدافئة .
هل جاءنا ذاك اليوم المشؤوم ،ليصبحوا قرابين لحروبٍ ،عناوينها الجنون ؟
تراب هذه الارض يشهق الماً على حفاد اشور واكد وبابل، لماذا أمسوا  مطاردين يترصدهم الرصاص والتهجير، وترتوي الدروب البعيدة والمنافي بدمعهم ، وليصبحوا مشردين لاجئين بعيداً عن ثرى وطنهم !؟
باتت الايام تخبرنا،ان المحبة لم تعد فجرا لبغداد والموصل،ومدن العراق الاخرى وان بيارق السلام امست طبولا وابواقا، لاإقتراف الالم، بحقِّ من سار في طريق الالم، صامتا مؤمنا ،مرة اخرى!
هكذا ترتفع راية القهرمرة اخرى، راية صلب اتباع المسيح :
ـــ  بيوتكم ، اموالكم ، تعب اجدادكم ، ميراثكم كله ، ملك لنا .
هكذا تُدلق البيانات على الضلوع في وضح النهار .
 
ها أنا ذا أسمع  اخوتي  يصرخون في سرِّهم  ويرُدُّ الصدى عاليا ًفي المدى من وجع الفراتين،  من هناك ، من شط العرب ، الى اغنيات لم تزل ندية على حجر من اشور، لم يزل يستريح عليه الثور المجنَّح ، في جنة اسمها  خَنَسْ  :
     ( 1)                                                           
ـــ لسنا طارئين ولاغرباء عن منازل لنا ،نحن هنا بين دجلة والفرات، منذ ان تشكل النهار على تربة الرافدين قبل الالاف السنين . على هذه الدروب كانت المحبة ناعمة تمضي، تمطر شمسا مبللة بالاس والورد، تعانق الابواب والجدران  وتحتفي بالساكنين،  تنساب الحكايا ،عند كل باب ودكة  تكحلت بالفيء ،حين ينسكب الكلام من لوعة العشق لهذه الارض ، لهذا العراق.

                                                                 مروان ياسين الدليمي



 
(1 ) خنس منطقة اشورية  تقع على الطريق المؤدي الى مدينة دهوك . فيها كان يتم صنع الثيران المجنحة الاشورية . ويتم نقلها الى اماكن مختلفة من الامبراطورية الاشورية . ولاتزال هنالك الكثير من الشواهد الواضحة على ذلك في خنس .




 

133
والان . .  بعد أن بدأت سياسة تهجير أخوتنا المسيحيون ،  في الموصل  .

ماذا ينتظر   : 

 الفنانون والمثقفون واساتذة الجامعات والطلاب والسياسيون  ،   الموصليون    !؟ 


لماذا التزم الجميع سياسة الصمت  ازاء مايجري من تهجير واستباحة لحرمات وبيوت واعراض  وارواح المسيحين ابناء الموصل .وسكنتها الاصليون . لماذا لم تخرج هذه  الفعاليات السياسيه والثقافية في مظاهرات واحتجاجات علنيه الى الشوارع لتعلن موقفها الرافض لمايجري بحق اخوانهم وشركائهم في الوطن . مالذي يمنع ادباء ومثقفي الموصل؟  مالذي يمنع فناني الموصل؟  مالذي يمنع الاحزاب السياسية  واساتذة الجامعات من الخروج الى العلن والوقوف في الساحات العامه والشوارع . ليعلنوا رفضهم لما يجري ويعلنوا تضامنهم ووقوفهم الى جانب اخوتهم المسيحين في محنتهم التي ابتلو بها وحدهم ولاأحد يقف الى جانبهم ؟

 ان الدولة بكل مؤسساتها لن تفعل لهم شيئا ولن ترفع الظلم عنهم . لانها متورطه دون ارادتها بكل مايجري . ذلك لانها مخترقه با لقتله والمجرمين ورجال العصابات والميلشيات . ولن تتمكن الدولة  من ان تفرض سلطتها على ارض الواقع طالما لم  تستطع ان تبعد عن اجهزتها ومؤسساتها كل هذه العناصر .
 ان ماوقع على اخوتنا المسيحيون امر خطير جدا لانه جردهم من حقهم كمواطنين من الدرجة الاولى وتعامل معهم على انهم غرباء لاحقوق لهم . ينبغي طردهم بكل قسوة دونما شفقة من احد . والا مامعنى ان يسود الصمت و لانسمع سوى التصريحات الجاهزه وبيانات التنديد التالفه من قبل البعض سواء كانوا مسؤولين رسميين في الدوله او في الاحزاب السياسيه .
 ان ردود الافعال الميته هذه لن تجدي نفعا ولاتشفي جروح اخوتنا . التي كثرت وزادت عمقا والما .
نحن بحاجة الى الوقوف تحت الشمس وفي منتصف الساحات واعلان الصوت موحدا وعاليا بالرفض لما يجري . والخروج من خلف متاريس الخوف التي تخندق بها الجميع . الخوف من ان يطالهم عقاب القاعده ودولة العراق الاسلاميه . نعم هنا يكمن الخوف .
ولكن بما ان هاتين الجهتين اعلنتا صراحة وعبر بيانات اصدرتاها ان لاصلة لهما بما يجري للمسيحين في مدينة الموصل . وقد اكد ذلك وكيل وزارة الدخليه ( عبد الكريم خلف ) وبعد تحقيقات دقيقة لما جرى ويجري  فما الذي يدعو الى الخوف ؟
 ان تنظيم  القاعده ودولة العراق الاسلاميه لوكان لها صلة بهذا الموضوع لما ترددت في الاعلان عنه  وتبنيه . وهي على مايظن الجميع لاتشعر بالخوف اوالتردد. عن الاقدام عن اي امر تنوي تنفيذه .
 انا هنا لست في موضع الدفاع عنهما . لكنني اسوق هذا الكلام للوصول الى الاسباب والدوافع التي منعت الاحزاب والمثقفين واتحاد الادباء ونقابة الفنانين من االتحلي بابسط صورة من صور الانتماء الوطني الشجاع في لحظة تعد هي الاقسى والامر في تاريخ العراق .
 ألم يخرج الاساتذه والطلبه في جامعة الموصل ،  منذ السقوط وحتى هذه الحظه في مظاهرات عده تعبيرا عن استذكارهم لمناسبات امست في طي الماضي ولم يعد يجد نفعا الاحتفاء بها !؟ . بل ذهب نتيجة تلك المظاهرات عددا من الضحايا دونما جدوى . الم يخرج الاساتذة في مظاهرات كثيره يطالبون فيها بزيادة رواتبهم ومخصصاتهم التي ارتفعت الى الحد الذي رفع اسعار المواد الغذائية  وبالتالي   لتغدوالحياة جحيما على بسطاء الناس ؟  اين نقابة الفنانين في الموصل . التي لم تحرك ساكنا تجاه كل المجريات الدمويه التي تسقط على كاهل الوطن والمدينه ؟ . لكن يبدوان نقابة فناني الموصل مشغولة بشخص نقيبها في كيفية جمع الاموال من المنظات ـ التي لايعلم الا الله مرجعيتها ـ  بحجة اقامة الدورات لتطوير المهارات . متناسية هذه النقابه دورها واهميتها لان تكون طليعة في التصدي لكل المشاريع التي تهدف الى تدمير الوطن ونسيجه الاجتماعي .
 لسنا بحاجة الى اعمال مسرحية لاتشير الى الجرح  ولسنا بحاجة الى حفلات واغان راقصة والبلاد تئن تحت ضربات المحتل و العصابات والقتله .
على الجميع ان يرتقي بمواقفه الى مستوى من الوضوح والجرأه والفاعليه لنصرة اخيه المسيحي،  لنصرة جاره الذي شاركه الشهادة والدم الطاهر دفاعا عن الوطن منذ ان تـأسست الدولة العراقيه واقتسم معه رغيف الخبز طيلة سنوات الحصار الظالم . وتلقى واياه كل اسلحة الدمار والموت الشامل من اجل تحرير زائف روجته اميركا وحلفاءها .
 ان المسيحيون في الموصل هم سكانها الاصليون . وهم اقدم سكانها . ولهم كامل الحق في العيش فيها قبل سواهم . وواجب على كل الفعاليات الاكاديميه والثقافيه والحزبيه في الموصل ان تكون بمستوى هذا الحدث والا لن تكون هذه الايام العصيبة الا وصمة عار في جبين الجميع ولن تموحوها كل عاديات الزمن .   



                                                     مروان ياسين الدليمي

134
المنبر الحر / مجتمعات الخوف :
« في: 15:31 12/10/2008  »
مجتمعات الخوف :



                                                                                                مروان ياسين الدليمي



ان اي مسلم مؤمن بالله الواحد الاحد وان الله هو الخالق لهذا الكون والمسؤول عنه . وتسييره الى ماشاء هو . لابد ان يشعر بالخجل والحرج الشديد وهو يرى امام عينيه اخوة له في الوطن من المسيحيين يتم الاساءة لهم وتجريدهم من مواطنتهم وحقهم في العيش على تربة وطنهم .دون ان يحرك ساكنا . وقد يكون للناس عذر في ذلك، لقسوة ودموية الجهات التي ترتكب تلك الاعمال الانسانية . وعدم ترددها في ارتكاب ابشع الاعمال ضد من يقف في طريقهم . اويختلف معهم في رأي اوأمر . لكن هذا لايعفينا جميعا من مسؤلية مايحدث .
 نعم نحن عامة الناس من المسلمين  اولا وليس السلطات .من يتحمل مسؤولية مايحدث لاخوتنا في ألوطن . لقد تغاضينا بسكوتنا وصمتنا عن كل الاصوات التي كنا نسمعها عبر منابر شتى، تؤجج مشاعر الحقد والكره والرفض والتسفيه والتحقير لكل ابناء الاديان والطوائف الاخرى غير المسلمه . وكأن هؤلاء ليسوا شركاء لنا في الوطن . يقتسمون معنا فرحه وحزنه وكل المحن والصعاب التي مرت عليه . طيلة وجوده . وكأنا نحن فقط من نمتلك الايمان والحق بهذا الوطن . وكل الاخرين في عداد الغرباء والخونه . من اعطانا الحق ان نجرّم الاخرين .؟ من اعطانا الحق ان نكفر الاخرين ؟ من اعطانا الحق ان نطرد الاخرين من ارضهم ووطنهم ؟ وبأي حق نستنكر على الصهاينة ان يطردوا الفلسطينيون من ارضهم . ونصفق في ان واحد لمن يطرد مسيحيا من وطنه ؟ اي عصر من النفاق والكذب نعيش . ان الدين حق والحق لايقبل القسمة والتجزئة . نحن لطالما ادنّا وشتمنا  العالم الغربي كونه يكيل الامور بمكيالين وهو يتعامل مع قضايا تخص العرب والمسلمين . لكننا لاندين انفسنا قبل ذلك ونحن نقيس الامور في اوطاننا ومع ابناء شعبننا بالف مكيال . ونحن بذلك عنصريون وطائفيون وقبليون وهمجيون قبل ان يكون العالم معنا عنصريا وطائفياوهمجيا .


 نحن الذين اعطينا الفرصة للعالم لكي يتعامل معنا بمثل مانتعامل مع انفسنا ومع ابناء جلدتنا . ان تهليلنا وتصفيقنا وترحيبنا لكل اساليب العنف والموت والدمار في علاقتنا مع الاخر هو الذي هيأ الارضية المناسبة لموت كل المشاعر الانسانية فينا ولم نعد نشعر بالاسى والحزن على الضحية التي تسقط امامنا . بل بتنا نتلذذ في التمثيل بها وسحلها وحرقها وتعليقها على اعمدة الكهرباء والجسور بل ونرميها بين النفايات والقاذورات .هكذا فعلنا حين سقط الحكم الملكي بأيدي العسكر عام 1958  . وهكذا فعلنا ايام الشواف في الموصل وكركوك .1959  وهكذا فعلنا في الكثير من قرى الاكراد منذخمسينات القرن الماضي وحتى نهاية القرن . وهكذا فعلنا في الكويت . وهكذا فعلنا في كل ارجاء العراق حين سقط النظام السابق . لنُسقِط نحن معه كل العراق،  بما ارتكبناه من نهب وسلب وقتل . والامر لم ينتهي بعد . . .  هكذا حلت بنا قيم وممارسات وحشية، بديلة عن كل القيم النبيلة التي يدعو اليها الاسلام .
أنا ، ياخذني العجب من الملايين التي اراها تتوجه الى دور العبادة وهي تسجد لله وتذرف الدموع اثناء دعوات الخطباء والائمة . خوفا من غضب الله وطلبا للرحمة والمغفرة منه . حين ارى تلك المشاهد على الشاشات الفضائيه . بينمااصطدم بالواقع المر بكل قسوته وقذارته و دمويته،  اصاب بالذهول . اي مجتمع نحن ! يلبس الف قناع وقناع . . .  يغلفنا الكذب والنفاق من رأسنا الى اخمص اقدامنا . .
ان مايحدث الان ماهو الا مقدمة لسقوط دراماتيكي كبير ومهول لمجتمعاتنا العربيه والاسلاميه . مادمنا تخندقنا وراء متاريس التخوين والتخويف والترهيب . لكل من لايشاطرنا الرأي او الدين اوالقومية او الطائفة اوالمذهب . او القبيلة اوالفخذ . او المدينة او الحي !  امسى هذا المجتمع العربي الاسلامي يعيش وهم الخوف . الخوف من كل شيء . من الحاضر والماضي والمستقبل والعلم والعالم ،   يخاف الاقليه ويخاف من الاكثريه يخاف من الطبيب فيقتله . يخاف من الاستاذ الجامعي فيقتله . يخاف من الفنان فيقتله . يخاف من الشرطي والجندي فيقتلهما . يخاف من المدني فيقتله . يخاف من الناس في الاسواق فيقتلهم . يخافهم في المستشفيات فيقتلهم . يخافهم في الجامعات فيقتلهم . يخافهم في الجوامع فيقتلهم . يخافهم في الكنائس فيقتلهم . بات الخوف يحكمنا في كل شؤونا ، وبتنا نخاف من كل شيء حولنا . الا الله ، لم يعد يخافه احد في مجتمعاتنا .


 فهل يحق لنا بعد كل الذي نقترفه ونشارك بارتاكبه صمتا وسكوتا . ان نقول نحن مسلمون .ان  محمد (ص) وصحبه الكرام . كانوافي بداية الدعوة بضعة انفار ، الا ان القيم الانسانيه التي حملوها كانت اكبر من ان تتسع لها كل الجزيرة العربية . واتسعت لهم  كل بقاع الارض التي وصلوا اليها بايمانهم قبل سيوفهم . لانهم كانو ا مدركين،  ان قوة الخوف والارهاب للاخرين لن تغير عقول وقلوب الاخرين . لان هذه القوة  زائلة في يوم ما . ولتعود الناس الى ماكانت عليه . بل اشد عنفا وتطرفا .. كان ايمانهم اولا واخرا بالعقل والحكمة التي تقود الناس لرؤية النور من بين الظلمة . وان قيادة الشعوب لاتحتاج إلا ان تخاطبهم باللتي هي احسن،بالحكمة والموعظة  .
 ان مايجري من ترهيب وتهجير للمسيحيين لن يخدم المسلمين بشيء . وغبي من يعتقد خلاف ذلك بل مجرم من  يعتقد ويؤمن بذلك . فما من الحكمة ولاالشجاعة ان تميل الى استعمال القوة الغاشمه مع من كان اضعف منك قوة وعددا .. ولن تشعر بالرضا مع نفسك ولابالامان بعد ان تكون قدظلمت من كان بحاجة الى عونك . .
ان الظلم والظالمين لم ولن يكونوا بعيدا عن عقاب الله سبحانه وتعالى . والامثلة القريبة التي مرت بنا كثيره . فكم من باغي وطاغيه توهم بقدرته وقوته على تسيير الحياة مثلما يشاء لكن الله كان له شأن اخر ومسار اخر . ان الله واحد احد لايشاركه في الحكم احد . فلاتتوهموا وتحكموا على مصائر الناس بديلا عن الله ، مثلما تشتهي انفسكم  . . فالمكر السيء لايمحق الا بأهله . 

135
الخروج . .  عن مسار اللعبه


نقد مسرحي   


                        -    الفيل ياملك الزمان -


تقديم                  :     فرقة شمشا للتمثيل                           
تأليف                :       سعد الله ونوس                           
اخراج               :     د. فيصل المقدادي                             
ترجمها الى السريانيه  :      فلاح نجيب / ميلاد عبد المسيح
             
تمثيل               :    تلان موسى / لاناكامل / رامان رمزي /
                           كارلوس صباح / ايفل مسيح / ميلاد عبد المسيح
                           مهيب صباح / مادلين حنا / ميلانيا دلشاد /
                           رئد عبدو / ديلون كوركيس / روفان موسى
                            هدير صباح .
اضاءه               :  راستي بولص / بسام عبد المسيح
موسيقى             :  ريفا جبار يلدا
ديكور               :  ميلاد عبد المسيح / راستي بولص
لوحات ديكور      : صبا سمير
مكياج               :  مؤيد فقي
كومبيوتر وتصميم     :  كوران عبد الجبار 
دعايه واعلام          :  فلاح نجيب عظمت /هوكراندراوس يلدا
مدير المسرح والانتاج :  راستي بولص               
مكان العرض     :    مسرح جمعيةالثقافه الكلدانيه
تاريخ العرض    :     10 ـ 11ـ 12ـ /9 / 2008

                                             

ابتداءًمن العقد السادس من القرن العشرين حدث تحول كبيرفي بنية التجربه المسرحيه العربيه  نصاً وعرضا مسرحيا . اذ تجلى ذلك عبر الاشتغال الجمالي في بنية النص الادبي المسرحي في محاولة لتتبع الاشكال الفلكلوريه والتراثيه والطقوس الشعبيه الدينيه  المقاربه للشكل المسرحي   والقابعه في المورث الشعبي، واستنطاقها في تاسيسات نصيه لتكون منطلقا واطارا لهوية كتابية مسرحيه عربيه . وتجلى ذلك في استثمار شخصية الحكواتي ،ومقامات بديع الزمان .وخيال الظل ،  وتشابيه عاشوراء ، واتاح هذا الاشتغال تداول وهيمنة مفاهيم جديده لمشاريع مسرحيه ، كالمسرح الاحتفالي ، ومسرح البساط ، ومسرح السامر ، ومسرح الحكواتي . وانتعشت الظاهره المسرحيه وافرزت عددا من الاسماء في حقل الكتابه المسرحيه مثال:  سعدالله ونوس، وعبدالكريم برشيد .  .
  كذلك مخرجين مؤلفين،  اقترحوا عروضا مسرحيه مهادنة لماهو موروث من التراث المسرحي العالمي . نهض منها انجازات دراميه كسرت اشكال الكتابه التقليديه . منطلقة من بؤرة مركزية هي خشبة المسرح بكل فضاءها وخصوصيتها . وفي طليعة هولاء المخرجين المؤلفين ، الطيب الصديقي ،قاسم محمد  ، روجيه عساف
عملت هذه الاسماء على مسرحة التراث والاساطير الشعبيه والطقوس الدينيه . الا ان سعدالله ونوس من بين كل هولاء امتلك رؤية نافذة لقراءة الحكاية الموروثة واخراجها برؤية وتركيبة عمقت حدة التناقضات والصراعات الطبقيه . كما كانت كشفا وتعرية لكل اشكال القهر والموت الذي تمارسه موسسات السلطه في مجتمعات العالم العربي . كل ذلك جاء بتخريجات كتابيه تطرح نفسها على شكل لعبة تنكريه .  .  يقول ونوّس( ان الحكايه وحدها هي التي تخفف العذاب وتداوي الجرح )، لقد راهن ونوس
على اشكال مسرحيه اقل مايقال عنها انها تورط المتفرج في الصاله وتجعله مشاركا في صياغة العرض المسرحي .سواء في مغامرة رأس المملوك جابر ، الملك هو الملك ، وموضوع نقدنا مسرحية : الفيل ياملك الزمان.

حكاية النص : الفيل المدلل الذي يملكه احد المللوك . يتسبب دائما في تدمير ارزاق وحيوات الناس الذين يعيشون في المملكه .مسببا لهم اذىًنفسيا وماديا . احد مواطني المملكه يعقد الهمة ويحرض الناس على مواجهة الملك لعرض مشكلتهم عليه لايقاف هذا القهر الذي يتسبب به الفيل . وماأن يحدث اللقاء مع المللك . يتملك الناس الخوف والرعب من شخص المللك .ليقترح عندها من قاد الشعب الى الثوره الى ان يرتمي باحضان المللك مقترحا عليه تزويج الفيل حتى تنعم المملكه بذرية الفيل . ليلقى هذا المقترح التاييد والفرح منقبل الملك وحاشيته وبالتالي ينعم المللك على من قاد الشعب في البداية للثورة ضد ه، ان يكون احد افراد حاشيته , لينال نصيبه من التكريم والحضة لدى المللك .   
جاء هذ النص قراءة واستنطاقا لواقع كرسته هزيمة الخامس من حزيران
كتبها ونوّس عام 1971  ضمن مشروع لمحاكمة بنية السلطه السياسيه
العربيه والتدقيق في شكل العلاقه القمعيه التي تحكم هذه ألسلطه مع المواطن . فكانت حكاية الفيل المستعارة من نتاج المخيلة الجمعية اشارة رمزية الى فساد وقسوة السلطة . مع تاكيد واضح من قبل ونوّس على سلبية
معظم الشخصيات والقوى الاجتماعية والسياسية  وخلوها من المبادىء وسقوطها في مستنقع الانتهازية والوصولية والنفاق السياسي  ،



ان  نصوص سعدالله ونوسّ لاتخلو من ادانة صريحة لقوى المجتمع . ومسؤوليتها الكامله عن كل الدمار الذي يلحق بها نتيجة لتراخيها ولامبالاتها ازاء مايجري ويقع عليها من حيف وظلم .
 العرض الذي قدمته فرقة شمشا واخرجه د. فيصل المقدادي، لم يبتعد عن هذه الفكره . في قراءته الفكريه للنص . بل كان مصمما على تأكيدها . وهو هنا يعكس النظرة التي سبق للمؤلف ان طرحها قبل اكثر من ربع قرن دون اية اضافة من قبل المخرج . وهنا سؤال يفرض نفسه :  مالذي اراد ان يقوله المخرج بعد ربع قرن على ماكان  المؤلف قد قاله   ؟
 انا اجد ان المخرج لم يقل شيئا طالما أعاد انتاج خطاب المؤلف بكل حيثياته . وكأن الزمن يدور في حلقة مفرغه .   !. مالذي يمكن ان يقدمه المخرج اذا لم يكن في موقف المواجه لخطاب  ألمؤلف بقراءة جديدة لمخطوطة النص .التي كتبت قبل اكثر من ربع قرن ؟
 تلك هي اشكالية هذا العرض الذي توحّد بل انحنى امام مقولات النص وكانها تحيا في صورة من الاكتمال الفكري المقدس . لاينبغي الاقتراب منه ومحاورته. .  من هنا فان هذا التاسيس القائم على الركون والانزواء  في زمن وخطاب  المؤلف .معناه اسقاطاً للدور الانتاجي لسلطة المخرج ابداعيا .  وتكريسا لسلطة وخطاب المؤلف . وبالتالي سينعكس هذا ، جماليا على الرؤيه الفنيه للمخرج وهو يتناول نصا مسرحيا ، كتب منذ سنوات عده .
  و لن يأتي بشيء جديد عن منظومة المؤلف الدراميه . طالما غابت تلك  العلاقه الجدليه مابين المؤلف والمخرج .وهذا ماوقع فيه هذا العرض .
علما ان سعدالله ونوس حينما انغمس في عالم الكتابه المسرحيه لم يتورط بالسقوط في شباك سلطة  المرجعيات الفنيه . وهو يبتكر عوالم تجلياته المسرحيه . بل كانت نصوصه ماهي الا مقترحات وابواب مفتوحه لطرق ومسالك ينبغي على منتج العرض ان يجتهد في اختيارها . هذا لان الحريه كانت المتن الذي اشتغلت عليه كل النصوص التي اقترحها ونوّس لخشبة المسرح . فليس غريبا اذا ان يترك ونوّس هامش الحريه واسعا للمخرج بل شرطا اساسيا لكل من يتصدى لاي نص من نصوصه .


د. فيصل المقدادي ، وهو ينشىء معمارية عرضه المسرحي اثقل خشبة
 العرض بلوحة تشكيلية مرسومة بطريقة واقعيه، وبحرفية اقل مايقال عنها متواضعة جداً، استحوذت على النصف الاعلى ليمين  خشبة المسرح  ،  اعادتنا هذه اللوحه  الى بدايات الظاهره المسرحيه في العراق قبل مئة عام وكاننا امام عرض مدرسي  . هنا بدا تعامل المخرج مع الجمهور على انه
جمهور ساذج لايفهم الاشارة ولاالرمز . فاثقل عليه بتلك اللوحه الواقعيه ليؤكد له   جغرافية المكان !. ومما زاد الامر غرقا في الفوضى الاسلوبية ان يكدس في الجانب الايسر من خشبة المسرح براميل نفط لتكون دلالة على هذه الماده التي كانت سببا في دمار شعوب المنطقه العربيه . الا ان توظيفها وتوزيعها تم بشكل فوضوي ، لم يضف شيئا في تطوير الفعل الدرامي، طالما بقيت بدلالتها الايقونيه ساكنة على الخشبه ، ولم يتم  اطلاقها في توظيفات و مدلولات اخرى، بعيدا عن مفاهيمها المعجميه .
ان العرض المسرحي مغامرة بحثية وجماليه للكشف عن منضومة جديدة من  اليات الخطاب الفني وابتعاداًوتغريباًللمدلولات عن الثوابت الجمعيه
 من هنا فان فضاء الخشبه في هذا العرض  تم  أسره وتدميره بكتل ومفردات لم ترتبط مع بعضها دراميا (براميل النفط +عرش الملك +لوحة العرض الخلفي التشكيليه ) . هذا أضافة الى ان استثمارها جاء احاديا وبشكل فني  مباشر وفاضح ،مع ان القيم الجمالية لاتفصح عن نفسها إلاّعبر وجودها الموحي والمُختَزلَ. 
وليست الاضاءه المسرحيه بمعزل عن انفراط منظومة العرض السمعيه والبصريه، اذ سقطت  الاضاءه هي الاخرى في مسار الازاحه عن المشاركه في تشكيل المناخ الدرامي وتأسيس توقيعات دلالية دراميه . بل اكتفى حضورها في حدود الكشف عن الشخصيات والمكان .
 واقتراباًمن المعالجه الاخراجيه لتطور الاحداث والشخصيات نجد ان المخرج لم يبصرنا من الشغل الاخراجي التمهيدي  مع الممثلين قبل ان ينقلبوا على مواقفهم الرافضه لعربدة الفيل وموقف المللك اللامبالي لذلك . اذ جاء تحول الشخصيات وانقلابهم على ذواتهم ومواقفهم  سواء من ارتمى بحضن السلطه او من سقط ميتا وهو يعلن مواجهتها . جاء هذا التحول المهم في مسار الشخصيات فجاءةً دون تمهيد  وتبرير منطقي، ينبغي لناكمتفرجين ، ان نلمس تمظهره على الخشبه، بوسائل تقنيه عديده توفرها خشبة العرض امام المخرج . وهذا ماجعل  مجموعة الشعب فارغة من  بعدها الانساني . و لينحرف بالتالي مسارالعرض وجوهر خطابه النقدي القاسي الى عرض هزلي يستدر ضحكات الجمهور . وليذهب سدى ذلك  الخطاب النقدي والتحريضي للنص والعرض على حد سواء .
واجد الاشارة ايظا الى ان اسلوب كسر الجدار الرابع والاختراق البريختي التحريضي  اليتيم للجمهور من قبل الممثلين   في بداية العرض ، لم يجدي نفعا ولم يعد ينسجم مع ماأنتهى اليه العرض من نهاية تشيع الاحساس باللاجدوى والعجز .
ورغم كل ملاحظاتنا هذه ، الا ان المخرج فيصل المقدادي كان موفقافي توزيع الشخوص وتحريكها على رقعة الخشبه ، باشكال وخطوط مكثفة منحت العرض حيوية وايقاعا متدفقا . تظافرت معه جهود الممثلين الشباب . الذين ارتقت قدراتهم بشكل ملموس بفضل الجرعات الاكاديميه التي منحهم اياها د. فيصل المقدادي اثناء فترة التدريب على العرض، لما يمتلكه من خبرة اكاديمية في تدريب الممثل والتي تراكمت جراء سنوات طويلة قضاها في تدريس مادة التمثيل في كلية الفنون الجميله . .



                                                     مروان ياسين الدليمي



136
المسرحيه الغنائيه : مورن لا                نقد مسرحي





تقديـــم            : مديرية الفنون المسرحية في اقليم كردستان ./ فرقة انانا
                      للتمثيل                   
تمثيل              : نشوان بنوشا ، ايفان ، جاكلين ، ديفيد
تاليف موسيقي   : وليد زيا ، توني برخو
تاليف واخراج  : رفيق نوري
تاريخ العرض : 12/ 7/ 2008

رغم ان هنالك الكثير من المفاهيم الحديثه التي استجوبت الميراث المسرحي العالمي . وعملت بالتالي على تحريك ماكان راكدا ومتعفنا، ولطرده خارج اللعبة المسرحيه ابتدا من راينهارت ، وماير هولد . وانتونان ارتو . مرورا ببرشت وغروتوفسكي وبروك . رغم كل كل ماحققه هؤلاء من ازاحات جذريه للمفاهيم المستهلكه  . الا ان العرض المسرحي بكل تلك المواصفات الجاهزه الكلاسيكيه . لم يندثر وظل يعيد انتاج نفسه شاطبا كل التحولات وغير  مصغي لها  . كما بقي جمهور هذا المسرح وفيا له . ولكل عناصره الجماليه . ان العرض المسرحي الدائر في فلك المنهج الارسطي رغم كل المتغيرات التي عصفت به وزحزحته عن الكثير من مساحات مملكته . لم يزل يحتفظ ببريقه وسلطته الجماليه على المتلقي . ومازال يمتلك القدرة على ايصال الافكار والاشكالات التي تواجه الانسان المعاصر ..  ومسرحية مور لان شيدت بناءها الفني على قيم ومفاهيم هذا المنهج الارسطي العتيد . لتؤكد بحضورها : ان بصمة المسرح الكلاسيكي مازالت تحمل خطوطها وملامحها واضحة .

(مورن لا )  . . مسرحية غنائيه ،  قدمتها فرقة انانا التابعه لمنتدى الثقافه والفنون السريانيه في عينكاوا  . ابتدا من 12/7 / 2008 على خشبة مسرح المنتدى،   وهي من تاليف واخراج الفنان رفيق نوري ..
 ونحن اذ نحاول ان نقراء نقديا هذا العرض ، ينبغي ان نضعه في سياق عموم الحركه المسرحيه العراقيه . لانه جزء منها في نهاية المطاف ،
 رغم كيانيته السريانيه . . .  ومن هنا تحدونا الرغبة في تدوينه منهجيا في معمارية المسرح الغنائي المنتج في في محيطنا الاقليمي . .
 ان محاولة المخرج رفيق نوري في بناء تجربة جمالية مسرحيه
 يستولدها من خصوصية الجملة اللحنية خلقت لنا عرضا
لامس بشفافيه الفضاء الدرامي للعرض المسرحي الغنائي . رغم ان التجارب المسرحيه الغنائيه الناجحه   قليلة جدا سواء في المسرح العراقي او المسرح العربي ، باستثناء تجربة الرحابنه في لبنان التي اضاءت خشبة المسرح لسنوات عديده ، معتمدة تلك التجربة  علىخصوصية الالحان والاشعار.  لللاخوين رحباني .  .
لقد اعتمد الفنان رفيق نوري على نص شعري درامي كتبه هو بنفسه . ومن هنا تمكن المؤلف المخرج من تنظيم العلائق اللغويه والايقاعيه الشعريه مع ا لمتطلبات الحرفيه لبناء المشهد المسرحي .
 وفي هذ السياق انجز تركيبة متفاعله بين الجسد والموسيقى والاضاءة . هذه المنظومة السمعيه والمرئيه، التي تحرك بها العرض المسرحي على خشبة مسرح صيفي صغير ،  والذي لايتسع لكل الاشراقات الجميله لحركة مجاميع الممثلين التي احتواها العرض .
 الا ان المخرج بخبرته الاكاديميةالطويلة في المسرح. تمكن من خداعنا بصريا وجعلنا نتخيل  هذه الخشبة بمساحة واسعة لاتضيق بهذا العدد الكبير من الممثلين الذين تجاوز عددهم اكثر من خمس وثلاثين ممثلا وممثله . .  احتوى هذا العرض على فكرة رئيسية :تدعو الى السمو فوق التسميات المختلفه والايمان بفكرة الشعب الواحد  .. تأتي هذه الفكره المحورية للعرض. باعتبارها خطابا ومطلبا شعبيا لمسيحي العراق للخروج من متاهة التمزق والتشرذم وراء رايات وتسميات لن تقدم حلا لكل التهديدات والمشكلات الخطيره التي تهدد الوجود المسيحي في العراق . رغم كونهم سكانه الاصليون .
 على ذلك فان اختيار مؤلف العرض للشكل الموسيقي في بناء الفكره
و حبكة الحكايه قد اسهم في الخروج من ا لثرثرة الخطابيه  للاهداف السياسيه . ليكون الشكل الفني للمسرح الغنائي معالجة فنيه  موفقة جميله  للوصول الى مايبتغيه العرض من افكار ..لاشك ان المخرج رفيق نوري يسعى دائما  من خلال اعماله الفنيه ان يكون حاضرا باسئلته التي  يطرحها على المتلقي . ليكون العرض المسرحي لديه محكوما بقدرته على اثارة وعي المتلقي وتحريك ماهو ثابت في قناعاته .
 كما تمكن مؤلف  العرض المخرج رفيق نوري من  تحريك عناصره الفنيه على الخشبه واستثمارها دون اسراف ومبالغه . وهذا ماجعل ايقاع العرض ينمو بشكل متصاعد حتى يصل الى الذروة  في ختام العرض . ليلتحم الجمهور المتعطش لوحدة الكلمه مع الممثلين و ليرددوا معا اغنية الختام . ومع  ذلك اجد ان المخرج رفيق نوري قد اثقل كاهل خشبة المسرح الصغيره بكتلة ضخمة وثقيلة من الديكور الذي تشكل على هيئة قلعة تجمع في تصميمها ملامح معمارية من كل الحضارات العراقيه القديمه ولو كان قد ارتكز على ماتحمله حركية الفن الحديث في خطوطه وايحاأته الايحائيه لتمكن من التحرر من هذه الكتلة الضخمة ولتوفرت له مساحة وفراغا واسعا يمكن ان يستثمره لبناءمنظومته الصوريه .
  اخيرا  لابد ان اشيد بجهود المثلين الذين قدموا عرضا جيدا .دون الوقوع في شرك الصراخ او المبالغه او التشنجات الانفعاليه والعضليه التي غالبا ماتظهر على اداء الهواة . فكانت  خطوات نشوان بنوشا على المسرح متسمة بالارتكاز والاسترخاء الواضح ،  ويكاد يكون هذا لدى جميع الممثلين،  ابتدا من الممثل ايفان وكذلك جاكلين وديفيد وسالي وديانة و وانيس . وحتى الاطفال استطاع المخرج ان يوجههم بالشكل الذي جعلهم يؤدون ادوارهم وكانهم يمتلكون الخبرة في فهم الفعل ورد الفعل عل خشبة المسرح .
 تحيه اولا لجهود مؤلف العرض المخرج رفيق نوري،
 وتحيه لمن صاغ الحان هذا العرض المميز وليد زيا وتوني برخو اللذان اكدا بامكاناتهما الموسيقيه انهما لايقلان موهبة وعطاء عن الكثير من الاسماء الموسيقيه ،  سواء في المنطقه العربيه اوالاقليميه . وفيما اذا  لوتوفرت لهاذين الموسيقيين الشابين اية فرصة للعمل خارج الحدود المحليه لتمكنا من تحقيق مكانة مهمة ومميزه في البناء اللحني الدرامي . وتحية لكل من ساهم في هذا العرض .
اخيرا اقول الى من يعنيهم الامر : ان هذا العرض يستحق ان يعرض في امكنة عديده خارج الاقليم . وهو افضل رسالة فنية وحضارية للتعبير عن تطلعات واحلام الناس .


                                                            مروان ياسن الدليمي
 


 

صفحات: [1]