عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - كاظم حبيب

صفحات: [1] 2
1
كاظم حبيب
لنعمل جميعاً من أجل تحرير المرأة الإيزيدية وبقية النساء العراقيات من قوى الإرهاب الإسلامي في يوم المرأة العالمي
وإذ يحتفل العالم بيوم المرأة العالمي في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، باعتباره يوماً يَتمَجدُ فيه نضال المرأة ويتواصل من أجل انتزاع حريتها وحقوقها المشروعة المصادرة ومساواتها التامة بالرجل وممارسة تلك الحقوق فعلاً، وإذ تَحقَقَ للمرأة في بلدان متحضرة كثيرة مجموعة مهمة وأساسية من تلك الحقوق والواجبات مع استمرار وتشديد نضالها لضمان ممارسة بقية الحقوق والواجبات ورفض تعرضهن للاستغلال والعنف العائلي والمجتمعي والحكومي، ومناهضة التمييز بمختلف أشكال وصور ظهوره، تتعرض المرأة الإيزيدية الكردية بالعراق بشكل خاص وكثرة من النساء العراقيات الأخريات إلى كارثة مرعبة ومأساة مريرة وإبادة جماعية وتطهير عرقي تسبب بها النظام السياسي الطائفي السائد بالعراق والمحاصصة الطائفية السياسية التي تمارسها الأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة بغباء شديد وعنجهية مرعبة وإصرار عجيب وما نتج عن ذلك، في ظل حكومة الطائفي البشع بامتياز نوري المالكي، من توفير الظروف المناسبة والمستلزمات الكافية لما حصل من اجتياح عدواني جبان من قبل وحوش وعصابات داعش الإجرامية لحدود العراق مع سوريا من بوابة الموصل وهروب القوات المسلحة العراقية أمام تلك القطعان واستباحتها لأغلب الأقضية والنواحي وأرياف محافظة نينوى ووصولها أو تكريس وجودها في محافظات أخرى مثل صلاح الدين والأنبار وديالى وبعض مناطق محافظة كركوك واستباحة هذه المناطق وارتكاب جرائم الإبادة الجماعية وضد الإنسانية والحرب في آن واحد ضد سكانها، وارتكاب جرائم التطهير العرقي والتطهير الثقافي والتدمير الحضاري لتراث العراق الخالد بنينوى وخطف وسبي الآلاف من النساء الإيزيديات بشكل خاص باعتبارهن "كافرات!!!" واغتصابهن وبيعهن في سوق النخاسة الإسلامي على وفق شريعة الغاب والعبودية التي ما تزال تمارس في العديد من الدول العربية بصيغ مختلفة بسبب عدم تحريم القرآن والإسلام لها ونحن نعيش في حضارة القرن الحادي والعشرين، إضافة إلى اغتصاب وقتل المزيد منهن ومن النساء المسيحيات والشبك والتركمان أيضاً، إضافة إلى قتل الآلاف من الرجال لأنهم من "الكافرين!!!".
على الإنسان العراقي الواعي والعقلاني، الوطني والديمقراطي، أن يسعى إلى تحويل يوم المرأة العالمي بالعراق إلى يوم للتضامن مع النساء الإيزيديات الأسيرات المسبيات من تنظيمات إسلامية متطرفة واللواتي تم بيع الكثير منهن في سوق النخاسة والعبودية والنضال الحازم من أجل انتزاعهن من أيدي هؤلاء القتلة المتوحشين وحمايتهن وتوفير مستلزمات عودتهن إلى الحياة الطبيعية والآمنة، وكذلك توفير مستلزمات العيش الكريم لكل النازحات والنازحين المقيمين حالياً في المخيمات وفي هياكل البنايات غير المنجزة وفي ساحات الكنائس وغيرها. يفترض أن نحول هذا اليوم إلى يوم للنضال ضد الدولة الدينية والطائفية السياسية وضد كل أشكال التمييز التي مورست وما تزال تمارس بالعراق ضد المرأة العراقية بشكل عام وضد النساء من أتباع الديانات غير المسلمة بشكل خاص.
إن العراق يخسر الكثير من أبناء وبنات أتباع الديانات والمذاهب الأخرى إما بالقتل أو السبي أو التهجير القسري إلى خارج العراق، وهي سياسة لا تمارسها التنظيمات المتطرفة والتكفيرية حسب، بل وكذلك الكثير من التنظيمات الإسلامية، التي تسمى  معتدلة، والتي مورست وما تزال تمارس في عمليات التغيير الديموغرافي لمناطق المسيحيين والإيزيديين في برطلة وتلكيف وعموم سهل نينوى وغيرها، على سبيل المثال لا الحصر، وكذلك بالنسبة للصابئة المندائيين. وسيستمر هذا الحال ما دام نظام المحاصصة الإسلامي الطائفي سائداً بالعراق، إذ إن الأسس التي يعتمدها لن توفر الحرية والأمن والاستقرار وممارسة حقوق الإنسان للمجتمع العراقي، ولكن وبشكل خاص للمرأة العراقية.
لنتضامن جميعاً في يوم المرأة العالمي مع المرأة الإيزيدية والمسيحية والشبكية والتركمانية والمرأة الموصلية والأنبارية والتكريتية والبصرية والبابلية والبغدادية وكل نساء العراق، فهن نبع الحياة ورمز المحبة والكرامة الإنسانية، وهن نصف المجتمع الأكبر المغتصبة حريته وحقوقه.
8 أذار/مارت 2015       كاظم حبيب
             



   

2
كاظم حبيب
هل ستنتصر إرادة الشعب في معركته العادلة ضد داعش وسواها؟   
تخوض القوات المسلحة العراقية حالياً حرباً ضارية ضد وحوش كاسرة تجمعت من كل حدب وصوب ومن مختلف الجماعات الإرهابية التي لا هم لها سوى القتل والنهب والسبي والاغتصاب والتهجير القسري والتطهير العرقي والثقافي باسم الإسلام وباسم إله المسلمين ونبيهم!! تساعدها في ذلك قوات الحشد الشعبي وقوات رجال العشائر وأبناء المدن التي ستنخرط في الحرس الوطني المنوي تشكيله خلال الفترة الجارية. ويفترض أن تكون كلها تحت قيادة القوات المسلحة العراقية وبعيداً عن تسمياتها السابقة وما كانت تمارسه قبل ذاك. وقد حققت المعارك الجارية تحت اسم "لبيك يا رسول الله" حتى الآن نجاحات طيبة، على وفق ما تناقلته وسائل الإعلام العراقية والأجنبية. وهو أمر يدعو للبهجة، رغم إدراك الجميع بالتضحيات الغالية التي سيدفعها أبناء العراق من أجل تحرير أرض العراق من هذه الوحوش الكاسرة ودنسها. فالمهمة الكبيرة والنبيلة لهذه القوات تكمن في استعادة السيطرة على المناطق التي اجتاحتها عصابات ووحوش داعش والتي فرطت بها حكومة نوري المالكي وقيادته العسكرية التي كان يقف المستبد بأمره على رأسها ومسؤول عنها وعن كل ما حصل أثناء وبعد هذا الاجتياح للعراق وما لحق بالعراقيات والعراقيين من كوارث ومآسي وذبح واسع للرجال والنساء وسبي واغتصاب للنساء الإيزيديات والمسيحيات وغيرهن وبيع النساء الإيزيديات دون غيرهن في "سوق النخاسة الإسلامي!" وهي أفعال لا تختلف عن الممارسات السابقة لأغلب القادة المسلمين على امتداد التاريخ الإسلامي مع النساء الأسرى اللواتي سقطن في أيديهم وهن من ديانات لم يعترف هؤلاء الأوباش بدياناتهم ولأنهم ليسوا من أهل كتاب. فما يجري في محافظة نينوى وغيرها ليست الحالة الأولى بل لنا فيها تراث وتقاليد و"مفاخر!" تعتبر عاراً في جبين من مارسها ومن قَبِلَ بها أو سَكتَ عنها، لأنها كانت صفحة مخزية وغير إنسانية من تاريخ الإسلام! فتنظيم داعش الحالي هو الوريث الشرعي الذي يعيد إنتاج ما كان يحصل في القرون المنصرمة حين كان المسلمون يفتحون (يستعمرون) بلداناً وشعوباً أخرى ويعملون على فرض الإسلام عليها ويضعوا سكانها أمام ثلاثة حلول مريرة: إما الركوع والدخول في الإسلام، وإما دفع الجزية والخراج بمذلة، وإما السيف المرهف الذي يقطع الرؤوس ويستعبد النساء والبشر. وتاريخنا الإسلامي مليء بمثل هذه الحثالات من القادة والأعوان الذين كانوا وراء سقوط تلك الدول ذات الأكثرية الإسلامية وانهيارها وسقوط المنطقة بأسرها في غياهب التخلف والتشوه فكراً وسياسة واقتصاداً وثقافة وممارسة.
إن المعركة التي تخوضها القوات المسلحة العراقية في محافظة صلاح الدين هي معركة وطنية عراقية نتوقع أن تكون البداية الناجحة لمعارك أخرى لانتزاع الموصل من أيدي الأشرار وبالتعاون الوثيق مع سكان الموصل ومحافظة نينوى الأوفياء لوطنهم وحضارتهم وتاريخهم وبالتعاون الوثيق مع قوات البيشمركة الشجاعة التي استطاعت تحرير بعض المناطق المهمة من محافظة نينوى وكركوك.
ومثل هذه المعركة التي تشارك فيها قوات الحشد الشعبي وقوات أبناء العشائر، التي ستنتظم تحت لواء الحرس الوطني العراقي، يفترض فيها أن تنزع عن نفسها ثياب المليشيات الطائفية المسلحة وأن تترك خلفها الثقافة الطائفية المقيتة وتلتزم كلها بالثوابت الوطنية، بالوطن والمواطنة وليس بالدين أو الطائفة أياً كان دين هذا الفرد أو ذاك أو مذهبه الديني أو الفكري.
لقد رفضت الحكومة العراقية تدخل قوات أجنبية في المعارك البرية التي تخوضها ضد قوات داعش. ويفترض هذا أن يشمل جميع الأجانب، سواء أكانوا من منطقة الشرق الأوسط أو من دول العالم الأخرى. إلا إذا كان ذلك على وفق اتفاق وطني عام حوله ولا يثير خلافات سياسية واجتماعية لا تفيد العراق في الوقت الحاضر وفي كل الأوقات. وهذا الأمر يمس ما يجري الحديث فيه ويشار إلى قيادة الجنرال قاسم سليماني للحشد الشعبي في حين يمتلك العراق الكثير من القيادات العسكرية القادرة على قيادة وحدات الحشد الشعبي والحرس الوطني.
لقد قدمت مقترحاً بتشكيل غرفة عمليات تضم مستشارين عسكريين من العراق ودول إقليمية ودولية تساعد العراق في معركته الوطنية الراهنة وأملي أن يعمد العراق إلى ذلك بعد أن أرسلت الكثير من الدول مستشارين عسكريين إلى العراق ومنها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا على سبيل المثال لا الحصر، إضافة إلى المدربين، وهو الحل العملي الأكثر فائدة للعراق وشعبه وقضيته. أشار السيد رئيس الوزراء حيدر العبادي في أكثر من تصريح له بأنه يرفض وجود المليشيات في الحشد الشعبي، وهو تصريح جيد، ولكن الحشد الشعبي تشكل من المليشيات أولاً ثم التحق به آخرون. ولهذا فالتصريح وحده لا يكفي بل نحتاج إلى عملية تثقيف وغسل أدمغة ضد المواقف والسياسات الطائفية لا للشيعة وحدهم بل وللسنة أيضاً، بل لجميع الطائفيين ممن أوصلوا العراق إلى المستنقع الذي نحن فيه الآن، والذي يسعى الشعب للخروج منه، ولكن هناك من يسعى لدفعه أكثر فأكثر ليغوص في وحل الطائفية المقيتة، كما يفعل بعض من بيده الحكم بالعراق حالياً، وكانوا السبب لما نحن فيه!
نعم ستنتصر إرادة الشعب العراقي في طرد قطعان داعش ومن معهم من الأوباش والخونة من أرض العراق. ولكن هذا التطهير سيصطدم عبر المعارك الجارية بمحافظة صلاح الدين لتحرير تكريت وغيرها بمقاومة شرسة وعنيفة من جانب وحوش داعش الإرهابيين ومن يساندهم في كل ذلك، لأنها ستكون بداية النهاية لهم، خاصة إذا استطاعت السياسة العراقية أن تحقق المزيد من الوحدة والتلاحم الناقصين حتى الآن في جميع المجالات. ولم يكن اللقاء الأخير مع المجموعة التي غادرت مجلس النواب وعادت إليه بعد لقاء لها مع السيد رئيس الوزراء إلا الخطوة الصحيحة في الطريق الذي يفترض سلوكه لمعالجة المشكلات القائمة وكسر شوكة الطائفية اللعينة ومعها كسر شوكة الإرهاب وعصابات وقطعان داعش المجرمة.
إن الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي،  يقفان إلى جانب الشعب العراقي في معركته ضد التطرف الديني والمذهبي ضد التكفير والعدوان والقتل والتدمير، ضد الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والثقافي، ضد السبي والاغتصاب والنهب والسلب، ويقدمان الدعم للعراق لتحقيق الانتصار وتطهير أرض العراق من دنس أوباش داعش ومن معهم.
تحية وفاء وعرفان لكل المقاتلين الأوفياء لقضية شعبهم ووحدته، تحية لكل المناضلين من أجل عراق مدني ديمقراطي اتحادي موحد، تحية لكل الرافضين للطائفية السياسية وما تنشره من كراهية وعبثية وفرقة لصفوف الشعب كله، تحية للعرب والكُرد وأتباع بقية القوميات الذين يشاركون في هذا الكفاح العنيد، وانحناءة إجلال لكل الشهداء الذين يتساقطون على طريق تطهير أرض العراق كله من دنس قطعان داعش ومن معهم من خونة العراق، وتحية لكل الجرحى وتمنيات لهم بالشفاء العاجل.
4/3/2015               كاظم حبيب   

3
*** خاطرة مهمة وأساسية في بلد متعدد الثقافات والديانات وزالمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية كالعراق***
لماذا لبيك يار رسول الله وليس لبيك يا عراق، لبيك يا وطن!
لا تريد القوى الإسلامية السياسية والطائفية المهيمنة على الحكم بالبلاد أن تعي وتعترف بأن شعب العراق متعدد الديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية والفلسفات، وبالتالي فأن الجيش العراقي يفترض أن يكونوا فيه إلى جانب المسلمين، مواطنون مسيحيون ومندائيون وإيزيديون وغيرهم من ديانات أخرى، وبالتالي فأن اختيار اسم المعركة يفترض أن لا يوحي إلى أحد هذه الديانات بقدر ما يفترض أن يتوجه صوب الوطن مثلاً : "لبيك يا عراق" أو لبيك يا وطن أو لبيك يا شعبنا أو لبيك يا ضحية الإرهاب ... الخ. أتمنى أن ينتبه أحد المسؤولين من العقلاء وغير المتعصبين دينياً ومذهبياً لكي يدرك أهمية وضع شعارات عامة تشمل الشعب كله وليس جزءاً منه حتى لو كان هذا الجزء أكثرية السكان!
لقد رفع الدواعش نفس الشعارات الإسلامية واسم الله والنبي محمد وقتلوا وسبوا واغتصبوا وخربوا ودمروا كل شيء وهم يسيرون تحت هذين الاسمين، وقتلوا بشكطل خاص المسيحيين والإيزيديين والشبك والتركمان المسلمين الشيعة وأهل الموصل من المسلمين السنة، أفلا يصح مواجهتهم بعراقيتنا ونرفع شعار "لبيك .. لبيك يا عراق" لخوض معارك الوطن والوطنية والمواطنة المشتركة والمتساوية.
اجلب انتباه رئيس الوزراء، الذي تحدث بكونه غير طائفي ولا يميز بين الأديان، إذ لا بد من أن تظهر مصداقية ذلك في التعامل اليومي، وإلا فلا مصداقية لها! إن الدواعش يضعون شرطاً على الناس في أن يكونوا مسلمين وإلا قتلوا أو هجرو أو سبوا وبيعوا في سوق النخاسة، فلماذا أيها المسؤولون تفرضون على كل الناس، بمن فيهم من هم من غير المسلمين، أن يقاتلوا تحت شعار إسلامي.. هل ستنتبهون إلى ذلك أم ستعطون هذا الرأي الصريح والصادق الأذن الطرشة.. لنرى!!
كاظم حبيب


4
كاظم حبيب
الأجواء الحزينة والغاضبة لمؤتمر
"الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ومستقبل الإيزيديين والمسيحيين في العراق"
الحلقة الرابعة
الوضع المأساوي وما المطلوب من العراق والمجتمع الدولي؟
أثناء زيارتي الأولى والثانية للمخيمات السكنية للمازحين قسراً تسلمت العديد من الرسائل التي وضعها في يدي شهود عيان لعمليات الاجتياح والاستباحة والإبادة الجماعية للمسيحيين والإيزيديين والشبك والتركمان تتضمن شهادات واقعية لما جرى للسكان على أيدي قطعان داعش المتوحشة والقتلة واللصوص. في واحدة من هذه الرسائل التي كتبها السيد خير شنگالي جاء ما يلي:
بصفتي شاهد عيان أود أن أوضح لحضراتكم ما يلي:
** في يوم 3/8/2014 هاجمت داعش قضاء شنگال (المقصود سنجار، ك حبيب) مستهدفين أكثر من (450) ألف نسمة معظمهم من الإيزيديين. بدأ النزوح الجماعي لأكثر من (250) ألف إيزيدي إلى كردستان.
** ارتكبت داعش جرائم القتل بحق الإنسانية وخير مثال على ذلك جريمة إبادة قرية كوچو في يوم 15/8/2015 حيث قتل كل ذكر يبلغ من العمر (10) سنوات وسبي النساء والأطفال لأهدافهم الدنيئة. حيث بلغ عدد القتلى أكثر من (450) إنسان مدني بريء لا لشيء سوى كونهم إيزيدين. وقبلها أعدم (86) رجلاً في قرية قني وسبي النساء والأطفال وذبح آخرين من ضمنهم المواطن يوسف إبراهيم كارس البالغ من العمر 75 سنة.
** موت مئات الأطفال من الجوع والعطش، كما حدثت حالات رمت النساء أطفالهن.
** وصل عدد السبايا الإيزيديات إلى (7000) فتاة وامرأة وقد تم اغتصاب العديد منهن وصلت الحالة إلى عقد النكاح لإحدى الفتيات لـ (7) مرات خلال ساعات محدودة.
** الوضع المأساوي للنازحين في جبل شنگال حيث يقدر العدد بـ (1200) عائلة إيزيدية يعانون من الجوع والبرد القارص وهم داخل طوق من أشرس المجموعات الإرهابية، وصلت الحالة إلى إنهم بدأوا يأكلون الأعشاب .. لا دواء ولا خدمات.
** تفجير المزارات والأماكن المقدسة وسرقة الأموال الخاصة والعامة وتفجير دور القرى والمؤسسات الحكومية، لذا ندائي لمؤتمركم الموقر ومن خلالكم لمنظمات حقوق الإنسان والمجتمع الدولي وجميع الجهات المعنية استغاثة أهلنا من النازحين في جبل شنگال والمخيمات المقامة في كردستان. وشكراً. خيري شنگالي، كاتب وصحفي
وفي المؤتمر ذاته جرى توصيف دقيق لحالة الهجوم والهروب والنزوح للمسيحيين والإيزيديين بشكل خاص من قبل بعض المحاضرين المشاركين في المؤتمر من جهة والتنبيه إلى ما ينتظر النازحين من مشكلات سياسية واجتماعية واقتصادية ونفسية خلال الفترة الراهنة واللاحقة. ومن بين هؤلاء كان الدكتور فارس كمال نظمي والدكتور، جامعة صلاح الدين، والدكتور جاجان جمعة محمد من جامعة دهوك والأستاذ نهاد القاضي من معهد الأبحاث الكردي في هولندا. تحدث الأخوة الثلاث عن الأوضاع النفسية والاجتماعية التي واجهت وتواجه النازحات والنازحين من كل الأعمار نتيجة الأحداث المأساوية والكوارث
  المتلاحقة التي مروا بها ويعيشون تحت وطأة عواقبها الراهنة.
تضمنت المداخلة المهمة للأستاذ زهير كاظم عبود، وكانت تحت عنوان " دور العراق والمجتمع الدولي في إيقاف قوى الإرهاب من مواصلة عمليات التطهير العرقي والإبادة الجماعية وتأمين الحماية المنشودة : ضد المسيحيين والأيزيديين نموذجا" والتي لم يتسن له مع الأسف تقديمها كورقة متكاملة، الإشارة الواضحة إلى إن ما جرى من اجتياح للموصل ومناطق الإيزديين على نحو خاص وما ارتكب فيها من جرائم الإبادة الجماعية، كانت في الوقت نفسه جرائم ضد الإنسانية وبلور الفكرة الأساسية على النحو التالي:
"ونتيجة العمليات العسكرية التي شنها تنظيم داعش الإرهابي ، تم ارتكاب أفعال إجرامية يدينها القانون الدولي والوطني بحق المواطنين المدنيين، حيث شكلت الأفعال المرتكبة جرائم منهجية منظمة، تم استعمال الأسلحة الفتاكة فيها ضد المدنيين العزل، كما تم ارتكاب جرائم قتل جماعية لإبادة أكبر عدد منهم لأسباب دينية وطائفية، وأدت تلك الأفعال إلى تهجير أعداد كبيرة منهم ،  تركوا  بيوتهم وممتلكاتهم  وفروا بأنفسهم إلى المناطق الآمنة المجاورة، وتتضمن مثل هذه الأَفعال القتل العمد، والإبادة، والاغتصاب، والعبودية الجنسية، والإبعاد أو النقل القسري للسكان، وجريمةِ ا
 لتفرقة العنصرية على أساس الدين وغيرها. مما يجعل الأفعال المرتكبة تقع ضمن تعريف مفهوم الجرائم ضد الإنسانية ، باعتبارها أكثر اتساعا في توصيف وانطباق الأفعال المرتكبة، بالنظر لتنوع الضحايا وعدم اعتماد إهلاك مكون دون غيره كليا أو جزئيا، وممارسة عمليات الاستعباد الجنسي والإتجار بالبشر، وعمليات الإعدام العلني دون محاكمات ، وعمليات جز الرؤوس بالسيوف والسكاكين، وقتل الأسرى، وعمليات الخطف والحجز وتقييد الحريات والحصار المادي والنفسي المفروض على الناس." وفي ضوء ذلك يؤكد انطباق ذلك على "المادة السادسة من قانون المحكمة الجنائية الدولية التي عرفت عمÙ
 �يات الإبادة الجماعية معلى إنها ارتكبت بقصد إحداث التدمير الكلي أو الجزئي (لجماعة قومية أو أثنية أو عنصرية أو دينية)، على أساس القتل الجماعي المرتكب، وإلحاق الأذى الجسدي أو النفسي بقسم منهم، وإخضاعهم عمدا إلى ظروف معيشية بقصد التدمير الكلي أو الجزئي، وفرض تدابير قسرية تعرقل سبل ووسائل الحياة، بالإضافة إلى امتهان البشر وممارسة بيعهم في أسواق النخاسة  كرقيق، مما يجعل الفعل المرتكب ضمن مفهوم الإبادة الجماعية." ولكن توصيف ما جرى في محافظة نينوى ضد الإيزيديين لا ينته بكونه جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية فحسب، بل هي جرائم حرب أيضاً لأن الأÙ
 �عال التي ارتكبت فها "تخرق بشكل جسيم اتفاقيات جنيف الصادرة  في العام 1948 و ما تلاها من اتفاقيات دولية عن جرائم الحرب". ثم يرى الأستاذ القاضي ضرورة قيام "مجلس الأمن الدولي بإحالة ملف الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق على المحكمة الجنائية الدولية، والمباشرة الجدية بالتحقيق، أسوة بالقضايا المماثلة التي تمت إحالتها من قبل الأمم المتحدة، كالمحكمة الخاصة بمجرمي الحرب في يوغسلافيا السابقة، والجرائم المرتكبة في راوندا، أو المحاكم الاستثنائية المتشكلة في كمبوديا لمحاكمة الخمير الحمر، أو المحكمة الخاصة بلبنان، والأمر يحتاج إلى وقفة فعالة ونظرة م
 نصفة من الأمم المتحدة ومجلس الأمن" لأن العراق لا يستطيع رفع مثل هذه الدعوى إلى المحكمة الجنائية الدولية بسبب عدم عضويته فيها.
ويرى الأستاذ زهير كاظم عبود في مداخلته القيمة " إن مجرد ضمان كامل الحقوق الدينية لهذه المكونات لا يكفي ما لم يقترن بضمان حق الأمن والحياة والحماية القانونية والمساواة، لذلك فأن إبقاء نص المادة ( 140 ) من الدستور العراقي دون حلول منجزة في إنهاء معاناة الناس ضمن المناطق التي سميت بالمتنازع عليها، بالرغم من الخروقات الدستورية للمدد المحددة في النص الدستوري، يجعل الحياة قلقة وغير مستقرة في هذه المناطق، بالإضافة إلى ما تعرضت له تلك المناطق من تغييرات ديموغرافية أضرت بالمنطقة وبعوامل التعايش السلمي للمجتمع، مما يتطلب مواقف وقرارات حاسمة تضع الحلول Ù
 �المصالح الإنسانية والوطنية فوق جميع الاعتبارات."
أما الدكتور فارس كمال نظمي فقد قدم ورقة بعنوان "نحو حماية التنوع في العراق والمحافظة على إرثه الثقافي وهويته الوطنية" التي أعدتها المبادرة المدنية للمجتمع المدني، وهو عضو فيها. والورقة عبارة عن رسالة موجهة إلى رئيس وأعضاء مجلس النواب العراقي. وقد جاء في مقدمة الرسالة ما يلي:
"إلحاقاً بنتائج الجلسة الحوارية (نحو حماية التنوع في العراق) التي عقدتها المبادرة المدنية برعاية السيد رئيس المجلس، في 27/11/2014 في القاعة الدستورية بمبنى المجلس، ومشاركة رؤساء لجنة مؤسسات المجتمع المدني ولجنة حقوق الإنسان واللجنة القانونية، وعدد من مستشاري المجلس، وممثلين عن وزارتي الداخلية وحقوق الإنسان، وكذلك ممثلين عن (16) منظمة مجتمع مدني محلية، ومنظمات دولية وسفارات أجنبية، وعدد من الباحثين والمختصين؛ وإلحاقاً بحوارات ولقاءات سبق أن عقدتها المبادرة المدنية في مجلس النواب بدورته السابقة؛ نضع أمامكم رسالتنا هذه المتضمنة حصيلة لنقاشاتنا و
 حواراتنا معكم، مرفقة برؤانا ومقترحاتنا العملية لحماية هذا التنوع وإغنائه ضمن إطار الهوية الوطنية الواحدة، آملين التفاعل الإيجابي معها عبر إيجاد الآليات القانونية والإجرائية المناسبة لتحقيق أهدافنا المشتركة." وتطرح المبادرة مسألتين مهمتين بالارتباط مع الأوضاع المتردية بالعراق وخاصة في أعقاب اجتياح الموصل وممارسة جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والثقافي  إذ تشير الوقائع إلى أن العراق بات اليوم يشهد نكوصاً مريعاً إلى هويات ما قبل المواطنة، مسختْ إلى حد كبير وعيَ الفرد العراقي بأهمية دوره المدني المواطني، وحشرته في أتون صراعات مصطن
 عة، فأصبحت معايير الدين والطائفة والعشيرة والعرق والمنطقة هي المحركة لسلوكه والمحددة لقيمته. وتدفع المكونات الدينية والعرقية ذات الأقلية العددية ثمناً باهضاً إضافياً لتغييب مبدأ المواطنة، بسبب افتقارها لقدرة التأثير السياسي والاعتباري للبقاء والتكيف وسط محيط طارد يمارس التمييز والإقصاء إلى أقصى الحدود. وصار الحلم الجديد لمعظم أفراد هذه المكونات هو الحصول على لجوء جماعي في بلد أجنبي "لا تُهدَر دماؤهم أو تُستباح ممتلكاتهم وأعراضهم فيه".
وفي ضوء ذلك تؤكد المبادرة المدنية لمنظمات المجتمع المدني الالتزام بحقيقتين موضوعيتين، من شأنهما إنقاذ العراق كياناً وهويةَ، وحماية تنوعه الثقافي والبشري، تغذي أحدهما الأخرى، ولا غنى عنهما لأي أصلاح فاعل منتظر، وهما:
1-      اتخاذ مبدأ المواطنة معياراً وحيداً في أداء السلطات الثلاث القضائية والتشريعية والتنفيذية ضمن إطار دستوري وقانوني. أما معايير الجنس أو العِرق أو الدين أو العقيدة فهي هويات فرعية مشروعة، يستلزم حمايتها في أطار التعددية والتنوع، لكنها لا تصلح معيارا  لتوحيد البشر.
2-      استنهاض الهوية الوطنية الموحِّدة لمكونات المجتمع وفئاته ضرورة اجتماعية تطورية تحقق أشد اقتراب ممكن من الهوية البشرية المشتركة لبني آدم القاطنين في كيان جغرافي- سياسي معين.
25/2/2015                                               كاظم حبيب




5
كاظم حبيب
الأجواء الحزينة والغاضبة لمؤتمر
"الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ومستقبل الإيزيديين والمسيحيين في العراق"
الحلقة الثالثة
زيارات ولقاءات وأحاديث على هامش المؤتمر
كانت الرغبة كبيرة لدى القادمين من خارج العراق ومن المحافظات الأخرى بالداخل في زيارة مخيمات النازحين قسراً والتاركين وراءهم أفراداً من عائلاتهم بين قتيل وأسير ومفقود أو امرأة مغتصبة أو مفقودة أو تم بيعها في سوق النخاسة "الإسلامي!" من قبل عصابات داعش وقطعانها. وكان هدفهم إبداء التضامن الأخوي مع النازحين قسراً وتأكيد تبني المؤتمر لقضاياهم العادلة والعاجلة والدفع باتجاه تحريك الرأي العام العالمي الصامت حتى الآن والمجتمع الدولي اللاهي عن مأساة البشر بالعراق، إضافة إلى ممارسة الضغط اللازم على المجتمع العراقي وعلى الدولة العراقية لصالح النضال من أجل تأمين:
1 . المساعدة الكثيفة والسريعة الضرورية وتعبئة الشعب العراقي بكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية والفكرية لتحرير المناطق التي اجتاحتها عصابات داعش واستباحتها والتي ما تزال تمارس فيها القتل والأسر والعبودية والقهر والتطهير العرقي والتدمير الثقافي؛
2 . مساعدة النازحين قسراً بتحسين الظروف الكارثية التي يعيشون فيها وتوفير الخدمات الغائبة لهم ولأطفالهم ومعيشتهم من جهة، وتعجيل أمر عودتهم إلى مناطق سكناهم التي هجروا منها قسراً وتوفير مستلزمات عودة الحياة الطبيعية إلى تلك المناطق من جهة أخرى.
3. التخلص من النظام السياسي الطائفي والمحاصصة الطائفية باعتبارهما السبب وراء ما حصل بالعراق، إضافة إلى محاسبة من كان وراء كل ذلك وإعادة الاعتبار لمبدأ المواطنة الحرة والمتساوية والمشتركة واستعادة كرامة الوطن المستباحة.
واستجابة لهذه الرغبة نظمت اللجنة التحضيرية زيارة للمشاركين في المؤتمر إلى واحدة من البنايات الكبيرة غير مكتملة البناء (هيكل كونكريتي) التي وضعها مالكها تحت تصرف النازحين مجاناً ولفترة محددة، وهي التي تدخل ضمن ما يطلق عليها بالهياكل السكنية. وضع في هذا الهيكل عدد كبير من العائلات المسيحية النازحة من الموصل ومن سهل نينوى التي وزعت على شكل مخيمات داخل هذه البناية، إضافة إلى وجود حمامات مشتركة للجميع في أحد طوابق البناية. أوضاعهم المعيشية مزرية حقاً، كل عائلة لديها عدد غير قليل من الأطفال والصبية من البنات والأولاد يتحركون بين طوابق البناية دون هدف ولقتل وقت النهار الطويل، فهم يعيشون في فراغ قاتل ومشكلاتهم متزايدة ومتراكمة وتنشأ بين الأطفال والصبية لضيق المكان وانعدام جميع أشكال الخدمات الضرورية. وجوه صفراء متعبة تشير إلى سوء التغذية والمرارة والخسارة الفادحة التي أصابت جميع هذه العائلات القاطنة في هذا الهيكل المريع، ولكن هذه الوجوه الحزينة والرقيقة للنساء والأطفال والصبية تخفي وراءها قصص وحكايات كلها مرارة تثير الحزن والبكاء لدى رواتها وسامعيها، كما إنها تتساءل في الوقت ذاته: لماذا أنتم هنا؟ وماذا تريدون منا؟ وإلى متى ستزورونا وفود غير قادرة على مساعدتنا؟ لماذا لا يمر علينا أي مسؤول حكومي من بغداد أو من أربيل ليسألنا عن أوضاعنا رغم مرور ستة شهور على مأساتنا ووجودنا في هذه الهياكل البائسة؟ وإلى متى سنبقى هنا؟
كم كان حزيناً لأعضاء الوفد الزائر وهم يستفسرون من كل شخص يمرون به عن أوضاعه وعن الخدمات المتوفرة وعن حاجاته. إجابات الجميع واحدة عما يريدون: العودة أولاً إلى مساكنهم، وإلى ذلك الحين توفير ما هو ضروري. حين كان الزائر يقطع الممرات بين طوابق هذا الهيكل الكونكرتيي المسلح والبارد جداً، يجد في الممرات رجالاً أو نساءً يقفون أمام القطع السكنية الصغيرة التي خصصت لكل عائلة، وهي بالكاد تسع لنوم أفرادها معاً وجنباً إلى جنب (حشك) وكأنهم السردين. لقد كان أعضاء الوفد يشعرون بحرج النازحين وحزنهم العميق ويلعنون الظروف التي دفعتهم إلى ترك دورهم ومناطق سكناهم في تلكيف، قره قوش، كرمليس، برطلة، باطنايا، تلسقف، القوش وغيرها، ليعيشوا في مثل هذه الحالة المزرية وينتظرون بالرغم منهم من يمد يد المساعدة إليهم في حين إن العالم ما يزال غير منتبه إلى ماساتهم ومأساة المسبيين من بنات العائلات الإيزيدية في جبل سنجار وباعذرا وفي غيرها من المخيمات في دهوك وأربي والسليمانية أو في كربلاء والنجف. كانت الجولة حزينة ومؤذية للنفس وللنازحين في آن واحد. استفسر الزائرون عن عدد القاطنين في هذا الهيكل، وإذا هم بالآلاف حيث بلغ عدد العائلات أكثر من 420 عائلة، وعن المساعدات التي تقدم لهم، فهي والحق يقال نادرة وشحيحة، وعن أطفالهم ومشكلاتهم المتفاقمة التي لا تجد المرأة الأم أحياناً كثيرة الحليب الضروري لطفلها الرضيع وقد نشف الحليب في ثدييها لشدة وعمق الصدمة وسوء التغذية.
في واحدة من استراحات جلسات المؤتمر اقترب مني رجل يبدو على وجهه الحزن والكآبة، يتراوح عمره بين الخامسة والخمسين و الستين عاماً. سلم عليّ وصافحني سألني هل يمكن أن أقدم له نصيحة في قضية تشغله جداً؟ أجبته بعيوني إن كنت قادراً على تقديمها! قال أنا من عائلة إيزيدية ولدت في هذا البلد ولدي زوجة وأطفال وأعيش مع بقية العائلات النازحة في الأقضية والنواحي التابعة لمحافظة دهوك، العائلات التي تعرضت للكارثة إياها. أفكر الآن بواحد من الحلول التالية التي أعرضها عليك وأرجو أن تعطيني النصح، فأنا في وضع نفسي لا يطاق وأشعر بالقرف من هذه الحياة ولا استطيع أن أحسم أمري رغم أني متجه صوب الحل الأول: أفكر بالانتحار أولاً لأتخلص من هذه الحياة، وأفكر أن أقتل أفراد عائلتي ثم انتحر لنخلص جميعاً من هذا الوضع النفسي المدمر والمأساة المريرة التي لم نعد قادرين على تحملها، أو أن أجد طريقة للخروج مع عائلتي من هذا العراق الذي لا يريدنا ولا أدري ماذا سيحصل لنا بالخارج لأننا نذهب وكأننا نستجدي العالم في حين أن العراق واحد من أغنى بلدان العالم، أو أن أبقى في هذا البلد وأعاني الأمرين نفسياً وعصبياً وجسدياً كما عانى منه أجدادنا أيضاً وعلى مدى قرون كثيرة؟
لقد كان الطرح مفاجأة كبيرة لي، رغم تقديري بأن الإنسان حين يكون في وضع كالذي يعاني منه الإيزيديون والمسيحيون والشبك والتركمان وأهل الموصل حالياً وغيرهم يمكن أن تبرز لديه مثل هذه المشاعر والمحاولات الجادة لوضع حدٍ لحياته ومأساته!! وقفت حائراً أمام كرامة هذا الإنسان المجروحة، شعرت بكرامتي هي المجروحة أيضا، تذكرت أمام هذه المحنة الإنسانية قول المناضل الكبير والفقيد الغالي نلسون مانديلا التالي: "ليس حراً من يهان أمامه إنسان ولا يشعر بالإهانة". انهمرت الدموع من عينيي صاحبي، وانتقلت العدوى لي، سكت للحظات ولم استطع النطق واحتجت إلى فترة لكي أقدم له النصح الذي ربما لا يغني ولا يسمن. قلت له أخي العزيز: لو انتحرت، فأنك ستحقق رغبات القتلة الذي غزو العراق وكل الأوباش الذين يمارسون التمييز بين البشر ويقتلون على أساس الدين أو الهوية الدينية والمذهبية والفكرية! إذا قتلت عائلتك وانتحرت بعدها ستنشر الفرحة في نفوس أولئك الهمج الرعاع الذين اجتاحوا العراق واستباحوا الناس، ستنجز لهم جزءاً من الأهداف الخسيسة التي جاءوا إلى العراق من أجلها. فهذا ما ينبغي أن تبتعد عنه كلية وهو ليس من شيمتك. لك كل الحق في التحري عن مكان أمن لك ولعائلتك داخل أو خارج العراق، ولكن حين تخرج من العراق أنت وأفراد عائلتك سيتحقق لهم في الوقت ذاته أحد أهدافهم الشريرة، ممارسة "التطهير العرقي والثقافي"، وهو أحد أشكال ممارسة الإبادة الجماعية والتجسيد الفعلي لها. نصيحتي لك أن تبتعد عن الحلين الأول والثاني لأنهما ليسا بحل بل كارثة إضافية، ولكن دعنا نعمل لكي تبقى وعائلتك في هذا الوطن المستباح ونعمل على إعادة التوازن للبشر فيه ممن فقدوا بوصلة المواطنة والوطن وغاصوا في الهويات الفرعية القاتلة, في التمييز الديني والطائفية السياسية المقيتة.
ألقى عليَّ نظرة بعينين دامعتين ملئها الحزن والألم، قبلني وغادر المكان! لقد كان إنساناً رائعاً بمعنى الكلمة، لم يستح من البكاءإ إذ به يجد ما يخفف من معاناته ووطأة الضغط النفسي والعصبي، لقد أبكاني هذا الإنسان الطيب حقاً وأحزنني طيلة ذلك اليوم وما بعده ولا يمكن أن أنسى وجهه الحزين بشاربيه الكثين الذين صبغهما البياض بوقت مبكر. لا أعرف كيف سيتصرف وأي من الاحتمالات التي عرضها عليَّ سينفذ، ولكني شعرت بأن بعض القناعة الإنسانية قد تجلت في عينيه الدامعتين!
لم يمر على هذا الحدث الحزين سوى ساعات حتى فوجئ صديقنا الفاضل الأستاذ زهير كاظم عبود, ونحن في دعوة عشاء من صديق إيزيدي فاضل في مركز الأكاديمية في عنكاوا، بحادث مماثل. جاءه النادل وسلَّمه رسالة من أحد ضيوف المركز في طاولة مجاورة. حين فتح الرسالة وجدها تتضمن المعلومة التالية: شاب في أوائل العشرينات من عمره، طالب جامعي من النازحين الإيزيديين يفكر بالانتحار ووضع نهاية لحياته المريعة التي يعيشها بالعراق وتحت وطأة عمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ولا يعرف مصير أفراد عائلته. تحدث الأستاذ زهير معي ومع الصديق العزيز الأستاذ نهاد القاضي حول الموضوع. أشار النادل إلى المنضدة التي يجلس عليها صاحب الرسالة. نهض الأستاذ زهير كاظم عبود وذهب إلى تلك الطاولة وتعرف على مجموعة من الشباب وهم في مقتبل العمر، وكأنهم جميعاً يفكرون بنفس الطريقة التي عرضها صاحب الرسالة ويسعون إلى تنفيذها. تحدث معهم طويلاً، وهو الرجل الحصيف وصاحب تجارب غنية وقاض واجه الكثير من الحالات الحزينة في مجتمع مليئ بالكوارث والمآسي. بعدها عاد إلينا. لم يتأخر الزميل الأستاذ نهاد القاضي، إذ سارع وذهب إلى ذات الطاولة وتحدث مع الشباب طويلاً حاملاً لهم ما يمتلكه من حيوية الشباب وآماله وأحلامه وقدرته في التغلب على الصعاب، ثم عاد إلينا ليقول، كما قال الزميل زهير بأنه حاول أن يقنع الشاب، ومن خلاله بقية الشباب، إلى الخطأ الفادح في وجهة تفكيرهم وأهمية التفكير في سبل أخرى لمواجهة الأزمة وهم في مقتبل العمر، إذ أنهم ينفذون إرادة الأوباش حين يقدم أحدهم على الانتحار ليهرب من واقعه ومن الأزمة التي يعيشها. قبل مغادرة الشباب للمركز جاءوا إلى طاولتنا، وشكروا الصديقين على نصائحهما وودعونا بأمل التخلي عن فكرة الانتحار.
التساؤلات التي أصبحت تحول في داخل قحوف رؤوسنا:  هل إن هاتين الحالتين استثناءً أم أن هناك الكثير من هذه الحالات التي لا نسمع بها، وهل هذا نزوع متنام بهذا الاتجاه لدى الناس النازحين ومن مختلف الأعمار؟ وكم من النساء قد أجبرن على الانتحار أو انتحرن فعلاً تحت وطأة المأساة؟ وكم من النساء قتلن ولم نسمع عنهن نتيجة الأحداث المأساوية بالرغم من الفتوى الصادقة والمهمة التي أصدرها الإنسان الطيب وكبير شيوخ الدين الإيزيديين بابا شيخ بمنع قتل النساء الإيزيديات اللواتي تعرضن للاغتصاب؟ وهل هناك تسجيل لحالات انتحار بعض الشباب النازح من البنات والأولاد ممن يعاني من أزمات نفسية وعصبية عميقة وكآبة مستفحلة؟ كل هذه الأمور بحاجة إلى متابعة حكومية ومدنية مستمر، بحاجة إلى معالجة، فهل لدى العراق مقومات معالجة كل ذلك؟
من هنا يأتي المطلب العادل والإضافي الخاص بإيجاد مراكز للبحث والطب النفسي بدهوك وأربيل والسليمانية وغيرها لمعالجة الناس الذين يعانون من أوضاع نفسية وعصبية ومن كوابيس مستمرة، إضافة إلى إجراء الدراسات النفسية والاجتماعية للنازحين قسراً ومساعدة النساء العائدات واحتضانهن في بيوت خاصة بهن في حالة رفض عائلاتهن استقبالهن أو مخاطر تتهدد حياتهن لأي سبب كان.
ومثل هذا الأمر يتطلب من منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال المرأة وحقوق الإنسان التحرك بهذا الاتجاه للضغط على المسؤولين العراقيين والأمم المتحدة والمنظمات الدولية ومؤسسات علم النفس للمساعدة في توفير المختصين لهذا الغرض وتأمين الأموال الضرورية للأبحاث والمعالجات. 
انتهت الحلقة الثالثة وتليها الحلقة الرابعة
24/2/2015    كاظم حبيب      
  .
     
      

   

6
كاظم حبيب
الأجواء الحزينة والغاضبة لمؤتمر
"الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ومستقبل الإيزيديين والمسيحيين في العراق"
الحلقة الثانية
حول دور العراق والمجتمع الدولي في مواجهة ما جرى ويجري بالعراق
بعد الانتهاء من كلمة اللجنة التحضيرية بدأ تنفيذ جدول عمل المؤتمر وتضمن المحاور التالية:
1. حوار مفتوح مع المسؤولين: ماذا علينا أن نفعل ، ماذا نستطيع أن نفعل لحماية الإيزيديين والمسيحيين أنموذجا في العراق.   
2. دور العراق والمجتمع الدولي في التصدي لجرائم ضد المكونات العراقية وتأمين الحماية لهم.
3. توصيف الإبادة الجماعية والتطهير العرقي الذي تعرض له الإيزيديون والمسيحيون أنموذجا من منظور القانون الدولي.
4. دور الحكومة الفدرالية وحكومة الإقليم في تأمين السبل والأدوات لمعالجة الاضطرابات النفسية والاجتماعية التي يعاني منها ضحايا الإرهاب.
 5. سبل مساعدة النازحين قسراً في العودة إلى مناطقهم ومنع التغيير الديموغرافي، ودور المنظمات الإنسانية الإغاثية.
وتضمن المؤتمر فقرة حزينة لنساء إيزيديات تعرضن لمختلف أساليب التعذيب والإساءة والإهانة هن وعائلاتهن وغيرهن من النساء الإيزيديات ،وقد جلسن خلف ستار على مسرح القاعة، ووقف الزميل السيد حسو هورمي وراء المنصة ليطرح أسئلته عن معاناتهن. لقد تدفقت الدموع من عيون المئات من الحضور الكريم وهم يستمعون إلى أجوبة السيدتين ممن يجيد أو يفهم اللغة الكردية. وقد عجزت إحداهن عن الإجابة بسبب غصة حقيقية أصابتها. لقد كانت مأساة إنسانية حقيقية ليس لهاتين السيدتين فحسب بل ولآلاف السيدات الفاضلات من أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا وعماتنا وخالاتنا وزوجاتنا، إنهن نساء العراق. والنقص البارز كان في غياب الترجمة العربية للأسئلة وإجابات السيدتين لعدد مهم من الحاضرين ممن لا يفهم اللغة الكردية. إلا إن الجو الحزين الذي ساد القاعة كان له الأثر الكبير في إشاعة الحزن والألم في نفوس حتى من لا يفهم اللغة الكردية.
أولاً: كانت الفقرة الأولى من البرنامج حواراً فكرياً وسياسياً مع أعضاء في مجلس النواب العراقي وشخصيات اجتماعية وسياسية تحت عنوان: "ماذا علينا أن نفعل، ماذا نستطيع أن نفعل لحماية الإيزيديين والمسيحيين أنموذجا في العراق" أداره الإعلامي والكاتب الأستاذ عبد المنعم الأعسم بمشاركة السادة مثال الآلوسي والدكتور ضياء الأسدي والسيدة فيان دخيل والدكتور محمد حسين احمد، عضو اللجنة العليا للجينوسايد في حكومة إقليم كُردستان، والسيد أنور هداية عضو مجلس محافظة نينوى، حيث توجه الاهتمام في الإجابة عن الأسئلة إلى الكارثة وسبل مواجهتها ومساعدة النازحين ودور المجتمع العراقي والدولي والقوى السياسية في النهوض بأعباء المسؤولية. والتقت أفكار وأراء المشاركين في الحوار عند النقاط التالية:
1. إن المشكلة الكبيرة التي تواجه الشعب العراقي تبرز في نظام المحاصصة الطائفية والتمييز الديني والمذهبي والفكري وعواقبه على المجتمع وغياب مبدأ المواطنة والتشبث بالهويات الفرعية ذات العواقب الوخيمة على المجتمع.
2. إن الكارثة التي تعرضت لها البلاد في اجتياح الموصل وما حصل فيها تعتبر من جرائم الإبادة الجماعية وعمليات التطهير العرقي والثقافي في آن واحد، وما كان لها أن تحصل لولا الأجواء غير الإنسانية والطائفية المقيتة والصراعات على السلطة والمال التي سادت والتي خلقت حواضن وخلايا نائمة لقوى داعش بالعراق ساهمت في إنجاح عملية الاجتياح والاستباحة.
3. وإن الكارثة التي ما تزال جارية كبيرة جداً ولم ينتبه الرأي العام العالمي ولا الدولة العراقية الهشة إلى عمق هذه الكارثة وشموليتها وسعتها وأبعادها الراهنة واللاحقة على المجتمع العراقي والمنطقة، مما يؤكد الحاجة إلى العمل لخلق وعي أشمل وأعمق بشمولية وأبعاد الكارثة التي حلت بالعراق.
4. كما إن المجتمع الدولي (الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي) لم يتفاعل ولم يستجيب لنداءات الإغاثة الضرورية باتجاه موجهة قوى الشر والعدوان، قوى داعش المجرمة من جهة، وتقديم الخدمات الضرورية المساعدة اللازمة للنازحين قسراً والذي يتجاوز عددهم المليون نسمة من جهة أخرى.
5. وأبرز المشاركون في الحوار المعاناة الحقيقية التي تواجه النازحين قسراً وضرورة تفاعل المجتمع الدولي والسلطات العراقية مع هذا الواقع المؤلم والمؤذي لوحدة الشعب العراقي ونسيجه الوطني.
6. ثم تحدث الحضور عن الأبعاد التي ستواجه النازحين في أعقاب الانتصار على داعش وطردها من العراق وسبل مواجهة الطائفية السياسية التي تنتج وتعيد إنتاج مثل هذه الأوضاع ذات الصراعات بين مكونات الشعب العراقي والآثار السيئة على المكونات الصغيرة من أتباع الديانة الإيزيدية والمسيحية على سبيل المثال لا الحصر.
7. وطالب المتحاورون الحكومة العراقية ومجلس النواب ورئاسة الدولة والقضاء العراقي بالنهوض بأعباء المسؤولية التي تقع على عاتقهم والتي لم يتحقق منها ما هو مطلوب حتى الآن ومحاسبة من تسبب في كل ما حصل للعراق حتى الآن.
وبشكل عام يمكن القول بأن المتحاورين شخصوا وجود نقص كبير في احتضان النازحين وتوفير الخدمات لهم من جانب الحكومة الاتحادية والمجتمع الدولي والمصاعب التي تواجههم في الفترة الراهنة ومعالجة قضايا الطفل والمرأة والبطالة والوضع النفسي والاجتماعي للنازحين وتوفير الموارد المالية الضرورية لهذا الغرض. إضافة إلى ذلك تطرق المشاركون إلى أهمية الوحدة الوطنية لمواجهة عصابات داعش ودحرها وإنقاذ الناس الذين تحت هيمنتهم في الوقت الحاضر من جرائم هذه العصابات وضرورة الإجابة عن السؤال التالي كيف حصل ذلك ومن هو المسؤول أو من هم المسؤولون عما حصل وسبل مواجهته وماذا فعلنا لمحاسبتهم.
بعد الانتهاء من هذه الندوة الحوارية المهمة بدأ المحور الثاني الذي عالج "دور العراق والمجتمع الدولي في التصدي للجرائم التي ترتكب ضد المكونات العراقية وتأمين الحماية لهم" وشارك فيه كل من الدكتور كاظم حبيب والأستاذ وليم وردة وأداره الدكتور ميرزا دياني.
قدم الزميل الدكتور ميرزا دياني كلمة افتتح بها الحوار مشيراً إلى عمق الكارثة وأبعادها على الأقليات الدينية بالعراق وضرورة العمل على تحقيق مهمتين رئيستين في الفترة القادمة وهما:
1)   الإدارة الذاتية لهذه المكونات التي تعاني من الاضطهاد والقهر والقتل الواسع النطاق، وخاصة في المرحلة الراهنة وبالارتباط مع جرائم الإبادة الجماعية التي تمارسها عصابات داعش ضد هذه المكونات؛
2)   الحماية الدولية الضرورية لهذه الأقليات الدينية لمدة 20 أو 30 سنة القادمة إلى أن يسود السلام والاستقرار بالعراق.
ثم أشار إلى مأساة النازحين قسراً والمشكلات التي تواجههم ومسؤولية الحكومة الاتحادية والمجتمع الدولي إزاء ذلك وسبل معالجة المشكلات المعقدة من جوانب مختلفة. وكان المدخل المناسب للدكتور كاظم حبيب والأستاذ وليم وردة للولوج بمضمون هذا المحور.
تضمنت مداخلة الدكتور كاظم حبيب ثماني نقاط جوهرية هي:
أولاً:   مضمون قرار الجمعية العامة حول منع الإبادة الجماعية.
ثانياً:  أهداف داعش الإجرامية.
ثالثاً:  ما هي وقائع التطهير العرقي والإبادة الجماعية الجديدة ومن هي القوى التي تمارسها فی ضوء  قرار الأمم المتحدة؟
رابعاً: التطهير الثقافي.
خامساً:  العواقب الوخيمة للتطهير العراقي والإبادة الجماعية والصراعات الراهنة بالعراق.
سادساً:  العوامل الكامنة وراء ما حصل ويحصل بالعراق حتى الآن.   
سابعاً:  سبل مواجهة الوضع الراهن بالعراق أو دور العراق والمجتمع الدولي في مواجهة الوضع.
ثامناً:  ما المطلوب من العراق لتوفير مستلزمات الخلاص من الأوضاع الشاذة الجارية منذ 12 سنة؟
قدم المحاضر ملخصاً لأبرز هذه النقاط وطرح مضمون قرار الأمم المتحدة حول الإبادة الجماعية وانطباق ذلك على ما جرى ويجري بالعراق منذ اجتياح واستباحة قطعان داعش المجرمة للعراق من بوابة محافظة نينوى. كما ركز على المسؤولية التي يتحملها نظام المحاصصة الطائفية المقيت ورئيس الوزراء السابق والمستبد بأمره نوري المالكي في ما حصل لا للموصل فحسب، بل وللعراق كله من مآسٍ خلال تسع سنوات من حكمه المقيت. ثم طرح تصوراته في سبل معالجة المشكلات التي تواجه العراق في المرحلة الراهنة بالارتباط مع عصابات داعش من جهة، وما تمارسه المليشيات الشيعية المسلحة والمتطرفة من جهة أخرى، وعن مجمل الوضع الإنساني للنازحين قسراً من الإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان وغيرهم ممن يواجه مشكلات مستعصية ولخص الفكرة فيما يلي: 

سبل مواجهة الوضع الراهن بالعراق أو دور العراق والمجتمع الدولي في مواجهة الوضع
في الوقت الذي نتحدث عن النازحين قسراً وأوضاعهم المأساوية، علينا أن نشير أيضاً إلى واقع خوض قوات الپیشمرگة وحاملي السلاح من الإيزيديين والأنصار الشيوعيين السلاح في مواجهة عصابات داعش في جبهات قتال عديدة وحققت نجاحات غير قليلة وقتلت الكثير من قوى الشر والعدوان وأعطت كوكبة من الشهداء في هذه المعارك، فإنها ما تزال بحاجة إلى دعم دولي واسع للسلاح والعتاد والمعدات العسكرية لمواجهة مظفرة وسريعة ضد هذه القوى الشريرة التي تمارس قتلاً جماعياً مستمراً ضد السكان، إضافة إلى مزيد من التعاون والتنسيق وتبادل المعلومات بين الجيش العراقي وقوات الپیشمرگة وتأمين السلاح والعتاد للپيشمرگة.
إن مواجهة الوضع الراهن والعواقب الناشئة عنه وأزمة ما بعد التحرير يتطلب العمل من أجل توفير تضامن وتعاون وتكافل دولي وإقليمي ومحلي شعبي لمعالجة المشكلات يتطلب تأمين تشكيل غرفتي عمليات مشتركة:
أ- غرفة عمليات محلية - إقليمية - دولية لمواجهة تنظيم داعش العسكري الإجرامي وما يرتكبه من جرائم على مستوى العراق وسوريا وتوسعه إلى دول أخرى بالمنطقة، رغم معرفتنا بأن العديد من الدول قد شاركت بشكل مفضوح أو مستتر بتقديم الدعم الكبير والمساعدات المتنوعة لعصابات داعش الإجرامية، ولكنها أصبحت اليوم تواجه داعش مباشرة، رغم وجود قوى في تلك الدول مثل تركيا وقطر والسعودية على سبيل المثال لا الحصر، أو قوى وتنظيمات إسلامية سياسية وأغنياء كبار في أوروبا وغيرها، ما تزال تمد داعش التأييد والدعم والمساعدة المبطنة وتساهم في تجييش الجهلة من الشباب إلى ساحات القتل والموت بالعراق وسوريا. كما إن الدول الأوروبية والولايات المتحدة أصبحت كلها تقف اليوم، شاءت أم أبت، وجها لوجه أمام عصابات داعش وخلاياها المجرمة النائمة والناهضة فجأة، كما حصل في باريس أخيرا، والتي يمكن أن تنشط في كل لحظة وفي أي مكان شاءت. إن من واجبنا أن نشير دون أدنى تردد بأن تركيا وقطر يمسكان حتى الآن بخيوط داعش إلى حدود غير قليلة، وهما دولتان راعيتان لداعش ولأسباب كثيرة. كما إن الفكر الوهابي وأبن تيمية وشيوخ الدين ومدارسهم في السعودية كلها تعتبر المعين الفكري والسياسي والاجتماعي الذي لا ينضب لفكر داعش وكل المنظمات الإرهابية كالقاعدة وداعش وأنصار السنة والنصرة، وما ينتج عن ذلك من تلاميذ يذهبون للقتال بجوار هذه المنظمات التكفيرية التي ترفع راية محمد عالياً لقتل المزيد ممن تسميهم "كفاراً"، وشيوخ في الأزهر وبالعراق يرفضون تسميتهم كفاراً لأنهم يحملون نفس الراية التي رفعها المسلمون الأوائل في فتوحاتهم تلك!!     
ويفترض أن يبنى هذا التعاون العسكري، من حيث التخطيط الاستراتيجي على أساس دولي مناهض للإرهاب ومن حيث التكتيكات اليومية المرنة والفعالة والقادرة على تسريع عملية تحرير العراق وتصفية وجود هذه العصابات بسوريا، دون أن يتطلب ذلك قوات خارجية تدخل إلى لعراق أو سوريا. إن هذا الأمر يتطلب تعاوناً وتنسيقاً واسعين ومن جوانب عديدة من أجل تحقيق النجاح المنشود، وبدون ذلك سيتعذر الوصول إلى الهدف قريباً. ولا بد لحلف الناتو والولايات المتحدة الأمريكية أن يلعبا دورهما بالنسبة إلى لجم تركيا وقطر عن الاستمرار في تقديم الدعم لأغراض توسعية وعدوانيةن عن لم يكونا متورطين في "لعبة الفوضى الخلاقة" كلها!!
علينا أن نعترف بوضوح وصراحة بأن الوضع بالعراق عموماً والعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم غير مناسبين، رغم تحسن العلاقة النسبي المحدود، لخوض المعارك المظفرة والسريعة ضد هذه القطعان المسلحة والهمجية وإنهما غير قادرتين على تسريع عمليات التحرير رغم الجهود المهمة والملموسة التي تبذل منهما لهذا الغرض، إذ لا بد من زيادة الدعم المتنوع القادم إليهما من دول الإقليم وبقية الدول الأوروبية والولايات المتحدة ومجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة.
وعلينا أن نفكر بواقع إن الولايات المتحدة توجه اليوم ضربات كثيرة في منطقة الموصل وسهل نينوى لأنها تثق بقوات الپيشمرگة الكردستانية وتريد لها النصر، في حين لديها تحفظات كبيرة على الكثير من فصائل الحشد الشعبي، وأقصد بذلك المليشيات الطائفية المسلحة التي تأتمر بأوامر تصدر عن قادة الحرس الثوري الإيراني المشارك في المعارك بالعراق ومن القائد والممثل العسكري والسياسي الإيراني الكبير المتنفذ بالعراق قاسم سليماني. إن هذا يعني أن الولايات المتحدة تدرك العواقب الوخيمة لدور إيران بالعراق ليس الآن فحسب، بل وفي أعقاب حل هذه الأزمة الشاملة التي تواجه البلاد التي تمثلت باجتياح عصابات داعش واستباحتها للشعب، كما علينا أن نؤكد بأن العراق قد تعرض لاجتياح داخلي مسنود بقوات الحرس الثوري الإيراني المتمثل بالميليشيات الطائفية المسلحة أيضاً والتي بلغ عددها الآن 42 منظمة طائفية مسلحة وبطرق وصيغ أخرى والتي لا يمكن التكهن في سبل اجتياز العراق لهذه المحنة، التي تسببت بها هذه القوى وصراعاتها حتى قبل دخول داعش إلى الأنبار ومن ثم الموصل وغيرهما، بعد الخلاص من محنة داعش. إن مستقبل العراق غير واضح، خاصة وأن من كان سبباً في كل ذلك ما يزال يمسك بالمفاتيح الأساسية للدولة العراقية وقواتها المسلحة والميليشات الطائفية المسلحة! ولم يكن عبثاً اتهام باراك أوباما، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، لرئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي بأنه وسياساته كانا السبب وراء اجتياح داعش للعراق.     
ب - غرفة عمليات محلية-  إقليمية - دولية على مستوى المؤسسات ومنظمات المجتمع المدني على الصعيدين الإقليمي والدولي ودول أوروبية وصديقة ومراكز البحث العلمي الاجتماعي والنفسي والاقتصادي لمعالجة المشكلات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي تواجه المجتمع العراقي وخاصة في المناطق التي أصيبت بطاعون داعش، إضافة إلى دراسة ما سوف يحصل بين مكونات الشعب من مشكلات اجتماعية وانعدام الثقة بين المكونات الدينية والمذهبية والقومية وسبل إعادة النازحين إلى مناطق سكناهم ومسائل الخدمات الاجتماعية بما فيها الصحية والمعيشية والنفسية ...الخ. أي توفير مستلزمات حل الأزمات التي بدأت منذ الآن لما بعد حل الأزمة الكبرى الراهنة.
إن العبء الواقع على عاتق الإقليم كبير حقاً، وكذا العراق الاتحادي، ولا بد من تنشيط التعاون على المستوى المدني والعسكري بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وتجاوز عدم الثقة الذي نشأ بسبب سياسات المستبد بأمره وبالشعب ومصالحه نوري المالكي ورهطه الهوجاء والعفنة والطائفية بامتياز، وتأمين غطاء دولي لهذا التعاون والتنسيق لتحرير العراق كله من قوى الظلم والظلام والتوحش وإنقاذ الشعب العراقي من استمرار تنفيذ جرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وتدمير التراث الحضاري الإنساني لكل مكونات الشعب العراقي الجارية على قدم وساق من جانب هذا الطاعون الأصفر والمسموم.
إن غرفتي العمليات المشار إليها في أعلاه يفترض فيهما الخروج بتوصيات ملزمة للحكومة العراقية في ما يخص الموقف من النظام السياسي القائم، إذ إن استمرار المحاصصة الطائفية يعني العودة إلى نقطة الصفر والتي يمكن أن تعيد السيناريو الذي عرفناه حتى الآن مجدداً، وبالتالي لا بد من تأمين قيام نظام مدني ديمقراطي يحمي المواطنات والمواطنين جميعاً وخاصة سكان تلك المناطق التي تعرضت للاجتياح والاستباحة مثل محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين وديالى وكركوك. إن حماية أتباع الديانات الذين يشار إليها بالأقليات الدينية يفترض أن تأتي من خلال ممارسة الضغط العادل الدولي المكثف والمتواصل على الدولة العراقية لتغيير طبيعة النظام السياسي الراهن والبديل الذي يفترض أن ينهض بالعراق على وفق ما يأتي في الفقرة التالية:

ما المطلوب من العراق لتوفير مستلزمات الخلاص من الأوضاع الشاذة الجارية منذ 12 سنة
لا يمكن للعراق أن يتخلص من تركة الماضي التي خلفها النظام الاستبدادي البعثي ورهط صدام حسين أولاً، ولا تركة النظام السياسي الطائفي المحاصصي ورهط المستبد بأمره نوري المالكي ثانياً، دون اتخاذ خطوات عملية واضحة تساعد المجتمع العراقي على المصالحة والتفاهم والتعاون والتضامن وبناء النسيج الاجتماعي من جديد التي يمكن بلورة البعض الأهم منها في النقاط التالية:
** التزام الدولة والحكومة بمبادئ إقامة المجتمع المدني الديمقراطي والذي يعني دون أدنى ريب:
1) الفصل بين الدين والدولة فصلاً تاما لصالح الدين والدولة والمجتمع في آن واحد؛
2) والفصل بين السلطات الثلاث واستقلال القضاء استقلالاً تاماً واحترام حرية الإعلام؛
3) التزام مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية واحترام الهويات الفرعية دون السماح لبعضها السيطرة على الهويات الأخرى أو الإساءة لهن؛
4) احترام حرية الرأي والعقيدة والحريات المدنية وحقوق الإنسان والمساواة التامة بين المرأة والرجل؛
5. إعادة النظر بالدستور العراقي بما يسهم في تخليصه من النواقص والشوائب التي يتضمنها الآن بسبب طبيعة الوضع الذي وضع فيه الدستور والمساومات غير العقلانية التي فرضت صيغاً متناقضة فيه وإزالة كل شكل من أشكال التمييز الديني والطائفي والتمييز ضد المرأة ..الخ. 
** إدانة أي شكل من أشكال التمييز القومي والديني والمذهبي والفكري والتمييز ضد المرأة والأخذ باللوائح الأساسية والمواثيق والعهود الدولية في مجال حقوق الإنسان.
** عدم السماح بامتلاك السلاح للفرد أو الجماعات وحل كل المليشيات الطائفية المسلحة واحتكار السلاح واستخدامه من جانب الدولة والإقليم فقط (الجيش والپيشمرگة الكردستانية باعتبارها جزءاً من القوات المسلحة العراقية)، وكذلك رفض جميع أشكال العنف وإدانة من يمارسها والأخذ بمبدأ حل جميع المشكلات القائمة عبر التفاوض السلمي والديمقراطي ولمصلحة البلاد والمجتمع وتكريس الحياة الدستورية.
** الالتزام بتحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي وفي استخدامه لصالح المجتمع والأفراد دون تمييز ومكافحة الفساد بكل أشكاله وإدانة من يمارسه.
** وضع الخطوات الكفيلة بمحاربة التدخل في الشؤون العراقية الداخلية وتعزيز استقلال الوطني السياسي. ولتحقيق هذه الغاية لا بد من مواجهة كل عصابات داعش الإجرامية والمليشيات الطائفية المسلحة وتوفير كل ما هو ضروري على المستوى الوطني لمعالجة مشكلات النازحين وتوفير الرعاية لهم والحماية وإعادتهم إلى مناطق سكناهم حال استعادة الأراضي العراق المستباحة من قوى الإرهاب.
** محاكمة عادلة لمن تسبب بكل ما يعاني منه العراق خلال الفترة التي أعقبت سقوط الدكتاتورية الغاشمة والتي يمكنها أن ترسي الأرضية الصالحة للمصالحة الوطنية بين كل مكونات العراق الوطنية، وخاصة أولئك الذين فرضوا الاستبداد على الشعب وتسببوا في كوارث الأنبار وديالى وأخيراً اجتياح الموصل وبقية محافظة نينوى ومناطق أخرى من العراق.
انتهت الحلقة الثانية وستليها الحلقة الثالثة.
22/2/2015          كاظم حبيب
   

7

   كاظم حبيب
الأجواء الحزينة والغاضبة لمؤتمر
"الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ومستقبل الإيزيديين والمسيحيين في العراق"
الحلقة الأولى
كنت لتوي قد عدت من سفرة شخصية إلى العراق في شهر كانون الثاني/ يناير 2015 زرت خلالها مخيمات النازحين الإيزيديين في باعذرا وجبل سنجار ومقاتلي جبل سنجار من الإيزيديين وپيشمرگة الأحزاب الكردستانية، كما زرت مخيمات المسيحيين النازحين في عنكاوا، حين وصلتني دعوة كريمة من الصديقين السيد كامل زومايا وحسو هورمي، باعتبارهما مسؤولين عن اللجنة التحضيرية لمؤتمر "الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ومستقبل الإيزيديين والمسيحيين في العراق"، للمشاركة في هذا المؤتمر الذي سيعقد بأربيل في الثامن والتاسع من شهر شباط/فبراير 2015. كنت تعباً من الرحلة الأولى ومرهقاً نفسياً وعصبياً بسبب معايشتي القصیرة للمشكلات الإنسانية المعقدة التي يعاني منها النازحون قسراً والمرارة الشديدة التي تعتصرهم في مخيماتهم أو سكنهم البائس حقاً في تلك البنايات غير المكتملة والتي يطلق عليها اليوم بـ "الهياكل" أو وجودهم في المخيمات المنصوبة في ساحات الكنائس بعنكاوا. ورغم ذلك رحبت بفكرة المؤتمر لأهميته للنازحين قسراً والمسبيين وذوي الشهداء وقبلت الدعوة شاكراً وقررت المشاركة بمداخلة تبحث في "دور العراق والمجتمع الدولي في التصدي الناجح لقوى الإرهاب بالعراق ومنعها من مواصلة تنفيذ جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والثقافي ضد المكونات العراقية وتأمين الحماية لهم : الإيزيديين والمسيحيين نموذجاً. ولكن المداخلة تطرقت أيضاً إلى بقية المكونات الدينية والمذهبية بالعراق، ومنهم الشبك والتركما بالموصل وأهل الموصل أيضاً.
 بدأ المؤتمر في الموعد المحدد له وبحضور كثيف ملأ قاعة الشهيد سعد عبد الله بأربيل، إذ تراوح العدد بين 900-1000 مشارك ومشاركة. شكل النازحون الإيزيديون والمسيحيون المكتوون بنار الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والثقافي القسم الأكبر من الحاضرين في اليوم الأول، إضافة إلى جمهرة غير كبيرة من الضيوف القادمين من بغداد ومن بعض محافظات الجنوب والوسط وغرب بغداد والموصل وكركوك، إضافة إلى ممثلي بعض المسؤولين ببغداد وأربيل. كان الحزن والوجوم والغضب الترقب سيد الموقف، وكانت تساؤلات كثيرة وكبيرة تحوم في أجواء المؤتمر ومن جانب جمهرة النازحين على نحو خاص، منها مثلاً: ماذا في مقدور مثل هذه المؤتمرات أن تفعله لنا نحن الذين شتتنا الكارثة الكبرى في كل الاتجاهات داخل وخارج العراق، نحن ضحايا الاجتياح والاستباحة الفعلية وعمليات الإبادة الجماعية التي مارستها وما تزال تمارسها قوى الإسلام السياسي المتطرفة، عصابات داعش المجرمة؟ من المسؤول عما جرى ويجري بالعراق عموماً وبمحافظة نينوى وصلاح الدين والأنبار وديالى وبغداد وغيرها؟ ولماذا لم ينته التحقيق حتى الآن لتشخيص المسؤولين عن كارثة الموصل؟  لِماذا لم يحضر كبار المسؤولين بالدولة العراقية وبالإقليم وهم مدعوون جميعاً لهذا المؤتمر ليلتقوا بجمهرة من النازحين ويتحدثوا معهم ويتعرفوا على أوضاعهم ومشكلاتهم من خلال زيارة مخيماتهم؟ لماذا فرطوا بهذه الفرصة؟ لِمَ هذا التمثيل الضعيف للسلطات الثلاث في هذا المؤتمر المهم الذي يمس مئات ألوف النازحين الذين تعرضوا لعمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والثقافي والذين فقدوا الآلاف من أبنائهم وبناتهم على أيدي المجرمين القتلة الذين يحملون رايات "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، في حين يشارك هؤلاء المسؤولون وعلى أعلى المستويات في حفل تأبين الذكرى العاشرة لسقوط  شهيد من شهداء حزب إسلامي سياسي في السلطة؟ لماذا تخلف عن الحضور حتى من أعطى موافقته بالحضور؟ هل في هذا من مغزى استثنائي؟ وهل في عدم الحضور أي مغزى سياسي أو اجتماعي أو ديني أو عرقي أو ..؟ وهل يتحمل الموقف من عمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والثقافي والاغتصاب وبيع النساء الإيزيديات في سوق النخاسة ومن آلام الضحايا وعائلاتهم اختلافاً وصراعاً بين مختلف القوى والأحزاب؟ هل ينبغي أن نسكت عن كل ذلك ويبقى المسؤولون يمارسون ذات السياسة التمييزية التي تعتبر المسيحي والإيزيدي والشبكي والتركماني والصابئة المندائي مواطن ومواطنة من الدرجة الثانية والثالثة بسبب وجود نظام طائفي سياسي يميز بين الناس على أساس القومية والدين والمذهب؟ كانت تدور مثل هذه الأسئلة وغيرها في أروقة القاعة وبين الحضور الذي افتقد الكثير ممن كان الوضع يستوجب وجوده ومشاركته حتى من الجانب الرمزي على أقل تقدير!!!
بعد الإعلان عن افتتاح المؤتمر قدم السيد رئيس اللجنة التحضيرية كامل زومايا كلمة اللجنة التحضيرية المهمة باسم منظمي المؤتمر حاول فيها عرض ما تعرض له الإيزيديون والمسيحيون والشبك والتركمان والمندائيون وغيرهم من كوارث قبل اجتياح عصابات داعش وعلى أيدي الكثير من المليشيات الطائفية المسلحة شيعية كانت أم سنية وتنظيم القاعدة الإجرامي. ثم كانت الكارثة الكبرى في اجتياح واستباحة الموصل وعموم محافظة نينوى من قطعان داعش الإجرامية ومارسوا عمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والثقافي على أوسع نطاق. وأشار إلى الأعداد الكبيرة للقتلى والجرحى والمفقودين والأسرى من الإيزيديين والمسيحيين، إضافة إلى المغتصبات من النسوة واللواتي تم بيعهن في سوق النخاسة، وكذلك عدد النازحين منهم.
طرح بالسيد كامل زومايا باسم اللجنة التحضيرية المطالب العادلة والمشروعة التالية على المؤتمرين مشيراً إلى ضرورة "مناقشتها واتخاذ التوصيات المناسبة بشأنها بما يساعد المنكوبين بجرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والثقافي والتي نضعها بين يديكم ومنها لضمان حماية هذه المكونات الدينية العراقية من قوى الإرهاب الساعية إلى مواصلة عمليات الإبادة الجماعية ضد المسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين وضد كل من يختلف معهم في الدين أو المذهب:
1-   اعتبار ما حصل بمناطق الموصل وبلدات سهل نينوى وغيرها من مناطق سكن المسيحيين والإيزيديين والشبك والكاكائيين والتركمان عمليات وجرائم إبادة جماعية (الجينوسايد) على وفق اتفاقية وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المرقم 96 (د – 1) والمؤرخ في 11 كانون الأول/ديسمبر 1946، والذي أقر في 9 كانون الأول/ديسمبر 1948 ونفذ في12  كانون الأول/ديسمبر 1951 بمنع الإبادة الجماعية، وتتضمن عمليات الإبادة الجماعية، عمليات التطهير العرقي، وباعتبارها جرائم ضد الإنسانية.
2-   إدانة استرقاق النساء الإيزيديات والمسيحيات وبيعهن وانتهاك كرامتهن من قبل عصابات داعش الإرهابية، والوقوف بوجه هذه الجرائم وبذل الجهود لتأهيل المجني عليهن فهن ضحايا الإرهاب الإسلامي السياسي المتطرف.
3-   وهذا يتطلب أولاً وقبل كل شيء تقديم كل المسؤولين عن التسبب في وقوع الكارثة والمنفذين لها إلى المحاكم الدولية باعتبار إن ما ارتكب بالعراق يقع ضمن جرائم الإبادة الجماعية وضد الإنسانية المنصوص عليها في قرار الجمعية العامة المشار إليه في أعلاه.
4-   قيام الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث ومؤسساتها بوضع القوانين الضرورية في جميع المجالات والمستويات التي تتناغم مع السياسات والإجراءات التي يتطلبها وضع العراق الراهن مع مضمون وبنود اتفاقية وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة حول منع الإبادة الجماعية.
5-   توفير الحماية الكاملة من جانب الدولة العراقية والمجتمع الدولي لضحايا عمليات ومجازر الإبادة الجماعية والتطهير العرقي باعتبارها جزءاً من مسؤولية العراق والمجتمع الدولي التي لا يجوز التنصل عنها.
6-   تعبئة كل الجهود والطاقات المتوفرة محلياً وإقليميا ودولياً لطرد عصابات داعش من المناطق التي اجتاحتها واستباحتها لإيقاف عمليات الإبادة الجماعية المستمرة في تلك المناطق.
7-    توفير العناية والاهتمام اللازمين من جانب الدولة العراقية والمجتمع الدولي ومنظمات المجتمع الدولي والأمم المتحدة بالنازحين من سكان المناطق التي اجتاحتها عصابات داعش بهدف توفير ظروف العيش الإنساني المؤقت والاحتفاظ بهم بالعراق وعدم استمرار هجرتهم إلى الخارج إلى حين عودتهم إلى مناطق سكناهم الأصلية. إضافة إلى الاستعداد المؤسسي والقانوني لمعالجة أوضاع ما بعد الأزمة العميقة الحالية لاستقبال الضحايا والمتضررين وتأهيلهم.
8-   توفير الخدمات الاجتماعية الضرورية، وخاصة لذوي الحاجات الخاصة والمدارس للأطفال والعناية الصحية.
9-   تأمين الحماية المحلية والدولية للأقليات الدينية بالعراق من خلال اتخاذ الإجراءات الكفيلة لمنع الاعتداء عليهم والتمييز ضدهم وتوفير مستلزمات العيش الكريم والإنساني لهم.
10-   التعجيل في استحداث محافظة سهل نينوى للمسيحيين والإيزيديين والشبك على أساس تعداد 1957 الكفيلة بالحفاظ على ثقافتهم وتراثهم ومعتقداتهم الدينية وتقاليدهم الإنسانية لهم في مناطق سكناهم. وهذا لا يعني بكل الأحوال حصر كل مسيحيي العراق في هذه المحافظة العراقية، بل لهم الحق في السكن في سائر أرجاء العراق.
11-   ولا شك في إن هناك مناطق خاصة بالإيزيديين الذين يمكن أن يكونوا في محافظة  مشتركة مع المسيحيين أو الصيغة الممكنة القابلة للدراسة والتنفيذ.
12-   تحريم كل أشكال التمييز الديني والمذهبي والقومي، وتحريم العنصرية والطائفية السياسية والمحاصصة الطائفية في حكم البلاد واعتماد مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية بدلاً من اعتماد الهويات الفرعية وصراعاتها المخلة بمبدأ وقاعدة "الدين لله والوطن للجميع". 
13-   وخلال العقود الثلاثة المنصرمة بشكل خاص تعرض العراق إلى عمليات تطهير عرقي واسعة النطاق لا بد من إعادة الأوضاع السكانية إلى ما كانت عليه في السابق ورفض ما حصل من تغيير ديموغرافي مفتعل وكان يهدف إلى تنفيذ نهج عنصري وشوفيني وطائفي في التطهير العرقي.
14-   توفير التعويضات للسكان الذين تعرضوا لعمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتخريب وتدمير المدن والسكن من أجل إعادة البناء وإعادة الحياة إلى مجراها الطبيعي لضحايا تلك الجرائم البشعة التي ما تزال مستمرة.
انتهت الحلقة الأولى وستليها الحلقة الثانية
20/2/2015     كاظم حبيب   

8
كاظم حبيب
هل تمارس المليشيات الطائفية الشيعية المسلحة ما تمارسه داعش بالعراق؟
تسلَّمت قبل عدة أيام رسالة إلكترونية من صديق عزيز وروائي مبدع جاء فيها ما يلي: 
"أنت كاتب حر حي الضمير رقيق لا تقبل العدوان، لكن اقتصارك على ذكر ضحايا الأكراد والشبك واليزيدية وحدهم غير كافٍ. إن شخصاً كبير المقام مثل حضرتك لا ينظر بعين واحدة، عندي كتاب د. يوسف ساسون "اللاجئون العراقيون" يعيش في نيويورك. ونتواصل بين الحين والآخر. وهو منتدب من الأمم المتحدة لمراقبة اللاجئين يقول إن بغداد كانت 85 بالمئة منها سنة، وأصبح الآن فيها أقل من 25 بالمئة هذا في سنة 2006، فكيف الآن، صودرت بيوت وممتلكات أكثر من أربعة ملايين. وقتل منهم مئات الألوف. قتل في الفلوجة وحدها أكثر من مئتي ألف. إن السكوت على هذه الجرائم هو الذي ولد داعش. إن ما يقوم به الحشد الشيعي والمليشيات الشيعية يفوق ما تقوم به داعش، فكلاهما وجهان لعملة واحدة."
جاء هذا التعليق من الصديق بعد أن تسلَّم وقرأ مداخلتي في مؤتمر أربيل حول "الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ومستقبل الإيزيديين والمسيحيين في العراق" والتي أشرت فيها إلى جانب الإيزيديين والمسيحيين الشبك والتركمان وضحايا الأنبار وديالى وعشيرة أل نمر والجبور والجنابيين والسبايكر وغيرهم ولم أتطرق للكُرد، وليس كما جاء في تعليق الصديق الفاضل. ومطلبه العادل يتضمن ضرورة الإشارة إلى ما يصيب أتباع المذهب السني من قهر وظلم وقتل على أيدي المليشيات الشيعية ببغداد ومناطق أخرى من العراق. ودعاني إلى أن لا أرى ما يجري بالعراق بعين واحدة. كما عاتبني صديق عزيز آخر من أهل الموصل بأننا في هذا المؤتمر لم نتطرق إلى ما يعاني منه أهل الموصل من السنة من حيف وظلم وقتل على أيدي داعش في محافظة نينوى.
يصعب عليَّ في كل الأحوال أن أنظر إلى ما يجري بالعراق أو إلى العراقيات والعراقيين بعين واحدة، أياً كانت قوميتهم أو دينهم أو مذهبهم أو اتجاههم الفكري، بعين واحد، أحاول جهد الإمكان أن أنظر إلى ما يتعرض له الجميع دون تمييز أو حساسية وبالعينين معاً، حتى إن أحدهم كتب مرة يقول بأن الدكتور كاظم حبيب مصاب بعقدة شيعية، وحين ناقشته كف عنها، وكان بمثابة اعتذار مقبول. ولكن هناك الكثير الذي يوجهون الإساءات لي بسبب رفضي للشوفينية والطائفية وإدانتي لهما، وهم ينطلقون من ذات المواقع القاتلة للعراق وشعبه ومستقبل بنات وأبناء البلاد.
أدرك تماماً حساسية القضية التي تواجه المجتمع العراقي وأدرك بأن الإنسان يمكن أن تفوته مسائل مهمة حين تتفاقم الأوضاع ويختلط الحابل بالنابل، ومع ذلك يفترض أن لا يفتقد الكاتب في الشأن العام البوصلة في مواجهة الشوفينية والتمييز الديني والطائفية السياسية المقيتة، فهي الأوجاع القاتلة لوحدة الشعب العراقي ومستقبله. وأعد الصديقين العزيزين وكل الأحبة بأني سأتابع وأراقب كتاباتي أكثر من السابق وأحرص أن أكون واعياً لما يجري ببلاد الرافدين. 
بعد يوم واحد من وصول رسالة النقد والتنبيه الإلكترونية نشرت منظمة العفو الدولية تقريراً مهماً عن الفترة في أعقاب تسلَّم حيدر العبادي رئاسة الحكومة حتى الوقت الحاضر، وأنا عضو في هذه المنظمة منذ العام 1980 وأدفع اشتراكي في مجلتها سنوياً وأثق تماماً بتقاريرها لأنها مدققة وموثقة، يؤكد ما يلي:
"اتهمت "منظمة العفو الدولية" اليوم الثلثاء ميليشيات شيعية تقاتل تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) الى جانب الجيش العراقي بـ "ارتكاب جرائم حرب ضد مدنيين سنة"، كما اتهمت خصوصا الحكومة العراقية بـ "دعم وتسليح مقاتلين شيعة يخطفون ويقتلون مدنيين سنة".
وأعلنت منظمة العفو الدولية في بيان أنها تملك "أدلة" تتعلق بـ" ميليشيات شيعية ارتكبت عشرات عمليات القتل بحق سنة في العراق" و"إعدامات عشوائية"، مضيفة أن مجموعات شيعية مسلحة تقوم أيضا بـ "عمليات خطف سنة تفرض على عائلاتهم دفع عشرات ألاف الدولارات لإطلاق سراحهم".
وأوضحت المنظمة أنه على الرغم من دفع فديات لا يزال العديد من الأشخاص معتقلين وأن بعضهم  قتل، وقالت مستشارة المنظمة لأوضاع الأزمة دوناتيلا روفيرا إن " الحكومة العراقية توافق على جرائم حرب وتغذي حلقة خطيرة للعنف الطائفي"، وذلك من " مباركتها هذه الميليشيات التي تقوم باستمرار بمثل هذه التجاوزات".
واعتبرت المنظمة أن "الميليشيات الشيعية تستخدم الحرب ضد"داعش" حجة لشن هجمات انتقامية ضد السنة"، اتهمت المنظمة في بيانها أيضا الحكومة العراقية بانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان خصوصا "التعذيب وسوء المعاملة تجاه السجناء". (راجع: جريدة الحياة ليوم 18/2/2015)
ويورد تقرير سابق لمنظمة العفو الدولية في فترة حكم المستبد بأمره نوري المالكي تحت عنوان  "إفلات تام من العقاب: حكم الميليشيات في العراق" تفاصيل مروعة للهجمات الطائفية التي تشنها الميليشيات الشيعة في بغداد وسامراء وكركوك، وهي التي ما انفكت تكتسب المزيد من القوة، وذلك ضمن ما يظهر أنه انتقام من الهجمات التي تشنها الجماعة المسلحة التي تطلق على نفسها اسم "الدولة الإسلامية".  وتم العثور على عشرات الجثث مجهولة الهوية في مختلف مناطق البلاد، وقد قُيدت أيادي أصحابها خلف ظهورهم ما يشير إلى وجود نمط من عمليات قتل على شاكلة الإعدامات الميدانية.
 وفي معرض تعليقها على الموضوع، قالت كبيرة مستشاري شؤون مواجهة أزمات بمنظمة العفو الدولية، دوناتيلا روفيرا: "من خلال منح مباركتها للميليشيات التي ترتكب بشكل منتظم انتهاكات مروعة من هذا القبيل، يظهر أن الحكومة العراقية تجيز ارتكاب جرائم الحرب وتؤجج دوامة العنف الطائفي الخطرة التي تعمل على تمزيق أوصال البلاد. ويجب أن تتوقف الحكومة العراقية فورا عن دعم حكم الميليشيات في العراق" جاء هذا في تقرير لمنظمة العفو الدولية تحت عنوان: "العراق: أدلة تثبت ارتكاب جرائم حرب على أيدي الميليشيات الشيعة التي تدعمها الحكومة." (راجع موقع منظمة العفو الدولية باللغة العربية في تقرير لها صادر في أكتوبر من العام 2014).
في لقاء لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في سفارة الجمهورية العراقية ببرلين وجه له أحد المدعوين، وجلهم من القوى والأحزاب الدينية الشيعية، عن موقفه من وجود المليشيات الطائفية الشيعية المسلحة، فأجاب دون مواربة بأنها كانت وستبقى حتى بعد الانتهاء من وجود داعش بالعراق. وهذا يعني أن رئيس الوزراء الحالي ما يزال حبيس الوضع الذي نشأ بالعراق منذ إبراهيم الجعفري وتفاقم يوماً بعد آخر في فترة المالكي وسيبقى حتى بوجود العبادي في السلطة ليدلل على إن النظام الطائفي المحاصصي لن يتغير وأن المليشيات الطائفية المسلحة ستبقى قائمة وتمارس دورها في "حماية النظام الطائفي" لتقتل، كما قتلت في السابق، السنة ومسيحيي البصرة وبغداد ومندائيي البصرة والعمارة وبغداد وغيرها ولتدفع باتجاه الحرب الطائفية المسلحة ولتنتقم ممن يمارس عمليات التفجير والانتحاريين ببغداد وغيرها!!
إن المؤشرات المتوفرة ومن مصادر حيادية وأمينة من الناحية المهنية والحرفية تؤكد بأن المليشيات الطائفية الشيعية المسلحة مثل منظمة بدر وسرايا السلام وعصائب أهل الحق وحزب الله بشكل خاص وبقية المليشيات، التي وصل عددها إلى 42 منظمة، التي تقاتل داعش تقوم بـممارسة "التطهير العرقي" ضد المسلمين السنة في المناطق التي تتحرر من عصابات داعش، وتقتل بصورة انتقامية من السنة دون رقيب أو حسيب. والتقارير الحيادية الواردة من تلك المناطق ومن بغداد أيضاً تؤكد وجود هذه الممارسات العدوانية ضد أهل السنة وبشكل واسع، تماماً كما حصل في بهرز وفي غيرها، مما يقود إلى عواقب مماثلة ضد الشيعة أن استمر الوضع على هذه الحالة المريضة والخطيرة والتي لا بد لرئيس الوزراء أن يراها بعينين واسعتين وبصيرة سليمة وإلا فسوف لن يختلف عن سلفه نوري المالكي.
أدعو رئيس الوزراء الحالي، الذي حصل على تأييد داخلي وإقليمي ودولي واسع، أن يتحمل مسؤوليته والتفكير الجدي بما تحدث به ببرلين، إذ أن عواقب ذلك وخيمة حقاً على العراق وشعبه ومكوناته كافة.
أدعو الأحزاب السياسية الديمقراطية العراقية إلى متابعة ما جرى ويجري بالعراق إزاء أتباع المذهب السني ببغداد وطردهم من العاصمة بمختلف السبل، إضافة إلى ما يقود ذلك إلى المزيد من التفجيرات ضد أتباع المذهب الشعبي كعملية انتقامية أيضاً.
وأدعو المرجعيات الشيعية التي دعت إلى الحشد الشعبي أن تدين ما يجري ضد أهل السنة بالعراق لأن عاقبة ذلك ستعود عليهم قبل غيرهم أيضاً، إذ إن قوى الحشد الشعبي كلها حالياً من أتباع المذهب الشيعي ومن أتباع المليشيات الطائفية المسلح. وإذا كان قد التحق بها مجموعة صغيرة من الشيوعيين والديمقراطيين والمستقلين فهم لا يشكلون سوى نسبة ضئيلة جداً لا تؤثر على الدور الطائفي الانتقامي لأتباع المليشيات الطائفية المسلحة التي تشكل 98% من منتسبيها، ولا الجيش المليء حتى الآن بقوى تدين بالولاء للطائفية وللنظام الطائفي وليس لروح المواطنة والعراق المدني الديمقراطي. ويمكن للمتبع أن يكتشف ذلك من الإشارات التي يحملونها على رؤوسهم وأكتافهم والأعلام التي يرفعونها!!     
إن من يقود الحشد الشعبي وفي الواجهة هو هادي العامري، ولكن من يقوده فكرياً وسياسياً ويوجهه عمليا هو نوري المالكي ومن يقود الاثنين وقيس الخزاعي وغيرهم ومن لف لفهم فعلياً فهو قاسم سليماني، القائد العسكري والسياسي الإيراني. هذه هي الحقيقة المرة التي ينبغي للشعب العراقي أن يعرفها وأن يعمل ويناضل للخلاص منها.
لقد كانت هذه المليشيات أحد العوامل الأساسية في ما وقع بالعراق من صراع طائفي، إضافة إلى سياسات الجعفري والمالكي خلال السنوات العشر المنصرمة. وبالتالي وهي تكافح ضد داعش، تهيئ الأرضية الصالحة لصراع طائفي وحرب طائفية مريرة ومدمرة بالعراق.   
19/2/2015      كاظم حبيب   
 


9
د. كاظم حبيب
دور العراق والمجتمع الدولي في التصدي لقوى الإرهاب بالعراق
ومنعها من مواصلة تنفيذ جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والثقافي
ضد المكونات العراقية وتأمين الحماية لهم : الإيزيديين والمسيحيين نموذجاً
المفردات
1.   مضمون قرار الجمعية العامة حول منع الإبادة الجماعية
2.   أهداف داعش الإجرامية
3.   وقائع التطهير العرقي والإبادة الجماعية بالعراق
4.   العوامل الكامنة وراء ما حصل بالعراق من إبادة جماعية وتطهير عرقي
5.   العواقب الوخيمة لهذه الجرائم
6.   التطهير الثقافي
7.   سبل مواجهة التطهير العرقي والإبادة الجماعية عراقياً ودولياً
8.   ما المطلوب من العراق لتوفير مستلزمات الخلاص من الأوضاع الشاذة الجارية منذ 12 سنة
أولاً:  مضمون قرار الجمعية العامة حول منع الإبادة الجماعية
قبل صدور اللائحة الدولية لحقوق الإنسان وفي أعقاب جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبت في الحرب العالمية الأولى وما اقترن بها من عمليات إبادة جماعية فعلية ضد مئات ألوف الأرمن الذين قتلوا على أيدي القوات العثمانية بتركيا في الفترة الواقعة بين 1915-1918، ومن ثم من عمليات الإبادة الجماعية الشاملة التي مارسها النظام النازي الهتلري ضد الشعوب وبشكل خاص ضد الملايين من يهود أوروبا في الفترة الواقعة بين 1933-1945، أي قبل وأثناء الحرب العالمية الأولى، ومن ثم قيام الولايات المتحدة الأمريكية بإلقاء قنابلها الذرية على مدينتي هيروشيما وناگازاكي باليابان في 6 و9 آب/أغسطس 1945، أي قبل نهاية الحرب العالمية الثانية بفترة وجيزة، صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 96 (د – 1)  والمؤرخ في 11كانون الأول 1946 وتاريخ النفاذ في 12 كانون الأول 1951 وفقاً لأحكام المادة 13 من النظام الداخلي للأمم المتحدة. وهدف هذا القرار منع وقوع جرائم إبادة جماعية أخرى بالعالم، وهو قرار يتضمن التطهير العرقي والتطهير الثقافي أيضاً، ويشمل ما يلي:
(أ) قتل أعضاء من الجماعة،
(ب) إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة،
(ج) إخضاع الجماعة، عمدا، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليا أو جزئيا،
(د) فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة،
(هـ) نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلي جماعة أخرى.
 ويعاقب القرار كل من يمارس:
(أ‌)   الإبادة الجماعية،
(ب) التآمر على ارتكاب الإبادة الجماعية،
   (ج) التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية،
  (د) محاولة ارتكاب الإبادة الجماعية،         
 (هـ) الاشتراك في الإبادة الجماعية.
ويقضي القرار بمعاقبة الحكام الدستوريين والموظفين والأفراد أيضاً الذين تشملهم الفقرات الواردة في أعلاه.
وخلال الفترة الواقعة بين صدور هذا القرار والوقت الحاضر ارتكبت الكثير من عمليات التطهير العرقي والإبادة الجماعية في أنحاء شتى من العالم، كما كانت حصة العراق كبيرة حقاً والتي اعتبرت من عمليات الإبادة الجماعية في فترة حكم البعث الدكتاتوري في العام 1988 ضد شعب كردستان والتي أطلق عليها نظام البعث الفاشي بعمليات الأنفال، وكذلك عمليات التطهير العرقي والقتل الواسع النطاق والتهجير القسري قد شملت الكرد الفيلية بالعراق منذ العام 1979/1980 وما بعدها والتي دخلت ضمن مفهوم عمليات الإبادة الجماعية. كما يمكن البحث في ما حصل للعرب الشيعة في الوسط والجنوب وبغداد وسكان أهوار العراق من عمليات تطهير أثني ومذهبي وتهجير قسري وقتل في الفترة الواقعة بين 1980-1988 باعتبارها عمليات تدخل ضمن مفهوم الإبادة الجماعية.
وها هو العراق يتعرض مرة أخرى لعمليات التطهير العرقي والثقافي والإبادة الجماعية منذ منتصف العام 2014 وما زالت هذه العليات الإجرامية مستمرة حتى الآن ونحن في الشهر الثاني من العام 2015.
ثانياً: أهداف داعش الإجرامية
برز تنظيم داعش في النصف الثاني من العقد الأول بعد أن كان حتى العام 2004 تابعاً لتنظيم القاعدة وباسم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" بقيادة أبو مصعب الزرقاوي الذي قتل فيما بعد. وكان عمله الأساسي يجري بالعراق ثم امتد إلى سوريا وتعزز هناك ليعود ويعمل بشكل أقوى وبعيداً عن القاعدة بالعراق أيضاً. وبعد مقتل زعيم التنظيم أبو عمر البغدادي في العام 2006 أصبح أبو بكر البغدادي (حامد داود محمد خليل الزاوي) زعيماً لهذا التنظيم في العام ذاته. اقترن وجود هذا التنظيم بثلاث مسائل أساسية هي:
1. حصول التنظيم على دعم واسع النطاق ومتعدد الجوانب من جانب الدولة التركية وحكومتها بقيادة رجب طيب أردوگان ولأهداف واضحة وملموسة في مقدمتها الرغبة في العودة إلى الهيمنة على طريقة السلطنة العثمانية وخاصة التوسع صوب العراق بالنسبة لولاية الموصل القديمة وكذا بسوريا، إضافة إلى صراعها التقليدي مع إيران بالعراق. كما حصل هذا التنظيم على دعم مباشر وكبير ومتنوع من دولة قطر باعتبار قادتها من التيار الإسلامي المتطرف (جماعة الإخوان المسلمين) ومن المنخرطين في التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، والتقت في التعاون مع تركيا لدعم هذا التنظيم وغيره من التنظيمات الإسلامية الإرهابية المتطرفة. كما حصل هذا التنظيم على دعم واسع من حكومات وتنظيمات إسلامية ومن وكبار الأثرياء بالسعودية ودول الخليج وأوروبا وغيرها.
2. تميز هذا التنظيم بالتطرف الصارخ وفي سعيه لـ "تطهير الدول الإسلامية" من أتباع الديانات الأخرى، إضافة إلى التخلص من الشيعة باعتبارهم مرتدين عن الإسلام، ومعاداة كل المسلمين المختلفين معه في الشريعة الوهابية وابن تيمية المتطرفة" بممارسة التطهير العرقي والإبادة الجماعية والتهجير القسري. اعتبار الأسرى من النساء من أتباع الديانات غير الثلاثة (الإسلام واليهودية والمسيحية) سبايا تحل لهم ويمكن بيعهن في سوق النخاسة واغتصابهن وقتل الرجال منهم. وفرض الجزية والخراج على أتباع الدين المسيحي واليهودي أو تحولهم إلى دين الإسلام أو الموت أو التهجير القسري لهم وهروبهم من البلاد. ويشمل هذا حسب تقديرهم الإيزيدية والصابئة المندائية وغيرهما. فهذا التنظيم المتطرف اتخذ من المذهب الوهابي وابن تيمية أيديولوجية متطرفة له واتخذ من الأساليب الفاشية القديمة والحديثة ومن تلك التي مورست في الإسلام قديماً وحديثا من قبل القوى الأكثر تطرفاً فيه. فهي بهذا المعنى قوى سياسية فاشية دموية في أساليبها ولصوصية في أفعالها وإسلامية في دعواها ورفع راية محمد في اجتياحها لحدود الدول واستباحتها باسم "إعادة الفتح الإسلامي"!!
3. التعاون الوثيق مع حزب البعث العربي الاشتراكي، تنظيم عزت الدوري، وبعض التنظيمات الإسلامية السنية الأخرى، كما التحق الكثير من الضباط البعثيين من الجيش والشرطة والاستخبارات البعثية بهذا التنظيم وشكلوا القوة العسكرية الموجهة والقائدة في المعارك.
4. وضع التنظيم هدف إقامة ما أطلق علية بـ "الدولة الإسلامية" و "الخلافة الإسلامية" وتطبيق أسس شريعتهم النكراء بالمناطق التي يجتاحونها وخاصة تدمير الجوامع والمراقد والآثار القديمة والتماثيل والنصب التذكارية ودور العبادة لأتباع مختلف الديانات والمذاهب.
ثالثاً: ما هي وقائع التطهير العرقي والإبادة الجماعية الجديدة ومن هي القوى التي تمارسها فی ضوء  قرار الأمم المتحة؟
في العاشر من شهر حزيران/يونيو2014 اجتاحت جماعة مسلحة أطلقت على نفسها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام وأعلن من جامع فيها أن أبي بكر البغدادي هو خليفة المسلمين وعلى المسلمين جميعاً مبايعته ومن لا يبايعه يحل دمه، أي قتله. ومنذ اجتياحه مدينة الموصل ضع هذا التنظيم هدفاً له يتلخص في قطع رؤوس الإيزيديين والشيعة الشبك والشيعة التركمان، ويفرض على المسيحيين واحداً من أربعة احتمالات:
1) التحول صوب الإسلام والقبول بالختان للرجال؛
2) دفع الجزية والخراج؛
3) ترك البلاد بما على جلودهم من ملابس فقط؛
و4) قطع الرؤوس. 
كانت حصيلة هذه السياسة ذات المضمون الصارخ "إبادة جماعية بما فيها التطهير العرقي بأوسع وأقسى معانيه ضد مسيحيي الموصل وجميع أقضية ونواحي وأرياف محافظة نينوى، بعد انسحاب مخزٍ للقوات العراقية (الجيش والشرطة وقوى الأمن الداخلي والمخبرين السريين) بقرار من القيادة السياسية والعسكرية العليا بالعراق أمام قطعان وعصابات داعش، فقتل الكثير منهم وتهدمت أديرتهم وكنائسهم ونهبت أموالهم واحتلت دورهم وأجبر الجميع على النزوح هرباً من الموت على أيدي "هولاكو" جديد مسلم. بلغ عدد النازحين من محافظة نينوى وحدها ما يقرب من 150 ألف نسمة يعيشون في مخيمات بعينكاوا ودهوك وأربيل والسليمانية وغيرها.
ولكن كانت الحصيلة الأبشع والأكثر وحشية وعتواً ما وقع من عمليات إبادة جماعية على أتباع الديانة الإيزيدية في محافظة نينوى حيث تم مطاردة ما يقرب من 600 ألف نسمة تركوا لوحدهم حين انسحبت قوات الپيشمرگة المعسكرة في سنجار وزمار من مواقعها هرباً دون توجيه الإنذار اللازم للأهالي، فتم هروب قسري لما يقرب من 400 ألف نسمة منهم من مناطق سكناهم إلى جبل سنجار وبعض الأقضية في محافظة دهوك. وقد تعرض الكثير منهم إلى القتل العمد وسبي المئات من النساء واغتصاب الكثير منهن وبيعهن في سوق النخاسة بالعراق وسوريا وتدمير دور العبادة وحصر ما يقرب من 1200 عائلة في جبل سنجار ولأشهر عدة حتى أمكن فك الحصار عنهم وهم ما زالوا يعيشون في الخيام في أقضية ونواحي دهوك وأربيل والسليمانية وجبل سنجار.
وكان المواطنون والمواطنات من الإيزيديين قد فقدوا منذ عام 2003 وقبيل دخول داعش إلى قضاء سنجار ما يقارب (879) شخصا ً نتيجة الأعمال الإرهابية." (قارن: تقرير الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية لعام 2014).
ثم كانت حصيلة المطاردة واجتياح مناطق سكن الشبك في سهل نينوى والتركمان في تلعفر نزوح عشرات الألوف منهم صوب المناطق الآمنة مع قتل جمهرة كبيرة من الشبك والتركمان ونهب وسلب ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة، إضافة إلى  تدمير أماكنهم المقدسة وتراثهم الحضاري. 
ولم يقتصر الأمر على هؤلاء فقد قتلت هذه العصابات المجرمة الكثير من أتباع المذهب الشيعي باعتبارهم كفرة ومرتدين عن الدين الإسلامي وقتلوا الكثير من السنة لأنهم قاوموهم ورفضوا مبايعة القتلة، كما حصل للعديد من العشائر بمحافظة الموصل أو بمحافظة الأنبار ومنهم الكثير من أفراد عشيرة نمر وعشيرة الجبور على سبيل المثال لا الحصر.
وهنا نستطيع أن نوجز حقيقة الإبادة الجماعية التي تعرض لها سكان محافظة نينوى على أيدي الغزاة الجدد على النحو التالي:

أ ** التسبب في النزوح الجماعي والقتل الجماعي والتطهير العرقي وسبي النساء
 
تشير المعلومات المتوفرة إلى عمليات النزوح القسري من محافظة نينوى على وفق الأرقام الواردة في الجدول التالي:

 ومنذ بدء الاعتداء على الأقضية والنواحي والأرياف التي يقطنها الإيزيديون في الثالث من شهر آب/أغسطس 2014 حصل لهم ما يلي:
"وكان تاريخ 3/آب/2014 على الإيزيديين يوما ً مشؤوما ً سوف تخزنه الذاكرة العراقية وأتباع الديانة الإيزيدية من إن هذا التاريخ المرير، هو يوم الظلم، والحزن الدامي، والقتل الجماعي، يوم الجرائم ضد الإنسانية، حيث أقدمت المجاميع الإرهابية التكفيرية على اقتحام قضاء سنجار وقاموا على الفور بقتل (700) شخص في قرية كوجو، وقتل (67) رجلاً إيزيديا ً من مجمع سيبا في سنجار، خطف وسبي (5000) امرأة وفتاة وطفل، تم بيع (5000) شابة في سوق القدس بمدينة الموصل، وسوق الرقة في سوريا بمبلغ من (300 إلى 700) دولار، وأكثر من (5500) شخص بين قتيل ومفقود، وتدمير مساكنهم ومصادرة ممتلكاتهم، أكثر من (10) آلاف شخص حوصروا في جبل سنجار، وتهجير (350) ألف مواطن نزحوا إلى مدن  إقليم كردستان في (محافظات دهوك - أربيل - والسليمانية ) ومنهم من هاجر إلى تركيا وسوريا  وجورجيا يعيشون في ظروف سيئة جدا.
** ب. إجمالي عدد النازحين وأوضاعهم
ونتيجة لعمليات التطهير العرقي والإبادة الجماعية التي تمارسها هذه القوى الشريرة بلغ عدد النازحين من مناطق سكناهم إلى إقليم كردستان ومناطق أخرى من العراق ما يقرب من 1200 ألف نسمة وهم موزعون على مخيمات تفتقر لكل وسائل العيش الإنساني. فعلى سبيل المثال لا الحصر يوجد 54 مخيماً في محافظتي دهوك وأربيل وقضاء عنكاوا التابع لهذه المحافظة. وهذه المخيمات تضم عشرات ألوف البشر من المسيحيين والإيزيديين وبعض القوميات وأتباع الديانات الأخرى. وهم يعانون من أسوأ ظروف المعيشة الآدمية ونقص الخدمات الاجتماعية والمصاعب اليومية في الحصول على ما يسد رمق الأطفال على نحو خاص ...الخ. فعلى سبيل المثال يوجد في مخيم آسيان في ناحية باعذرة في محافظة دهوك باعتباره مخيماً محسناً نسبياً قياساً لباقي المخيمات 3000 خيمة لسكن النازحين تضم حتى الآن 2480 عائلة أو ما يساوي 14440 نسمة. المخيم مزود بالكهرباء والماء وهو من المخيمات المحسنة نسبياً بسبب وجود مطبخ وحمام في مقابل كل خيمة.

رابعاً: التطهير الثقافي
مارست وما تزال عصابات داعش المتوحشة تمارس التطهير الثقافي ضد ثقافات المسيحيين والإيزيديين والشبك والتركمان بالعراق من خلال تدمير دور العبادة كالكنائس والأديرة والمزارات والجوامع والمساجد والحسينيات لهذه المكونات الدينية والثقافية، إضافة غلى حرق الكتب والمخطوطات الأثرية ذات الأهمية البالغة لكل الشعب العراقي وحضارته وثقافته وكذلك تدمير المواقع الأثرية والآثار العظيمة التي أنتجها أبناء هذه المكونات العريقة بالقدم في حضارة وتاريخ العراق. إنها عملية إجرامية تستهدف ممارسة التطهير العرقي ومحو أي أثر لهذه المكونات فكرياً وجسدياً وحضارياً وثقافياً. وهو أحد أبرز معالم الإبادة الجماعية التي تمارسها هذه القوى الموغلة بالسادية والعنف والكراهية ورغبة في القتل وتصفية الآخر.  واليكم بعض الوقائع:
- جرى الاعتداء على الآثار القديمة والمراقد التاريخية والمزارات والمعابد الدينية.
- جرى تدمير (17) مزارا ً حتى الآن منها:
- في 16/10/2014 فجر مسلحون من تنظيم داعش الإرهابي مزار (ناصر دين) في بعشيقة.
- كما فجروا مرقد الطائفة الإيزيدية (الشيخ مند بال) في جبل سنجار بتاريخ 24/آب/2014.
- واقتحموا كنيسة أم المعونة في منطقة الدواسة بمدينة الموصل بتاريخ 9/آب/2014 وحطموا الصليب الموجود على البرج الخاص بالكنيسة.
- وفي 3/آب/2014 فجر الداعشيون مزار شرف الدين ابن الشيخ حسن بن الشيخ عدي الثاني في سنجار.
- كتب الباحث آكي يبرز، المحلل السابق في شؤون مكافحة الإرهاب لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، نشره في صحيفة واشنطن بوست: كانت ميليشيات “الدولة الإسلامية” وما تزال تسعى لتعزيز قبضتها المتطرفة على المناطق التي أخضعتها حديثا لسيطرتها، وإلى جانب عدد لا يحصى من الإساءات، التي ارتكبتها الجماعة الإسلامية المتشددة، مثل التهجير القسري للمسيحيين وباقي الأقليات الأخرى، فضلا عن الإعدامات الجماعية وذبح رجال الدين، إلا أن الجماعة مضت في طريق تدمير الإرث الثقافي للعراق في كل مكان وصل إليه ورفرف علم الجماعة الأبيض والأسود.
فمنذ أن استولى تنظيم “داعش” على مساحات واسعة من شمال ووسط العراق شهر حزيران الماضي، عمدوا إلى إتباع أسلوب منهجي منظم لتدمير المواقع التاريخية في الموصل وحولها، مثل مرقد النبي شيت، ثالث ابناء النبي آدم وحواء، وتدمير مسجد النبي جرجيس ومرقد عون الدين.
وفي مدينة تلعفر، التي تقع على بعد ساعة الى الغرب من الموصل، عمدت الجماعة إلى تدمير ما لا يقل عن 3 من المراقد الشيعية مع 3 من جوامع الشيعة كذلك.
كما أن المواقع التاريخية والكتابية عانت كذلك دمارا كبيرا جراء الحرب خلال العقد الماضي. وعلى سبيل المثال، فإن متحف بغداد الوطني ومعه الأرشيف الوطني تعرضا للنهب والسرقة بعد الغزو الأميركي للعراق ربيع العام 2003، فيما عمدت القوات الأميركية إلى إنشاء إحدى قواعدها جزئيا خلال العامين 2003-2004 في مدينة بابل التاريخية، حيث شغلت ذلك الموقع كمهبط للطائرات ومخازن للوقود.
خامساً: العواقب الوخيمة للتطهير العراقي والإبادة الجماعية والصراعات الراهنة بالعراق
** استمرار قتل وتهجير المزيد من سكان المناطق الواقعة تحت سيطرة قطعان وعصابات داعش.
** وبسبب الخشية المستمرة من احتمال هجمات جديدة لداعش وانعدام الثقة بالقدرة على حمايتهم، قررت الكثير من العائلات أو الأفراد الهجرة إلى خارج العراق وقد بلغ عددهم حتى الآن من المسيحيين والإيزيديين على نحو خاص أكثر من 60 ألف نسمة. ويبيع الكثير من الناس دورهم بعينكاوا أو يؤجرونها ليغادروا العراق دون رجعة!
** الاضطرابات النفسية والعصبية لمن تعرض لعمليات التطهير العرقي وعمليات الإبادة الجماعية، 
** تشرد الأطفال وعواقبها المريعة باعتبارهم جيل المستقبل. ويزداد هذا الأمر صعوبة بوجود الكثير من الأيتام والمعوقين، إضافة على تزيد عدد النساء الأرامل،
** البطالة الواسعة والفراغ القاتل بين النازحين،
** السقوط في فخ عصابات الجريمة المنظمة بسبب الفقر والتشرد والتخلف،
** هشاشة الدولة وعواقبها على الفرد والمجتمع،
** الخسائر الثقافية والحضارية التي لا يمكن تعويضها؛
** الخسائر الاقتصادية والروحية للناس.   
ويزداد الأمر سوءاً بسبب غياب إستراتيجية عراقية ودولية لمواجهة الوضع الراهن للنازحين وتزايد أعداهم ومشكلاتهم اليومية العصية على الحل من جانب إدارات المخيمات.
سادساً: العوامل الكامنة وراء ما حصل ويحصل بالعراق حتى الآن   
يمكن تلخيص أبرز العوامل في النقاط التالية:
١. وجود نظام سياسي طائفي تمييزي شوه الحياة السياسية والاجتماعية وأشاع الصراعات بين الأحزاب الإسلامية السياسية ونقلها إلى المجتمع ومزق نسيج المجتمع الوطني العراقي.
٢. نشوء نظام سياسي طائفي في دولة ريعية فسح في المجال وسمح لبروز رئيس وزراء مستبد بأمره وبالشعوب والوطن وصادر حقوق الإنسان والحريات العامة، إنه نوري المالكي الحاكم المستبد بأمره.
٣. مارس النظام ورأسه سياسة التمييز إزاء أتباع الديانات والمذاهب والتهميش وساعد على نشوء عدم ثقة بين أبناء وبنات الشعب من مختلف القوميات والديانات والمذاهب ولم يتصد لها بل ساهم في تأجيجها بمختلف السبل والوسائل.
٤. عمق رئيس الحكومة السابقة الصراع بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم في مواقفه غير الطائفية المتطرفة التي قادت بدورها إلى ردود فعل متشنجة ساهمت كلها في نشوء حالة من عدم الثقة بين الحكومتين والشعبين العربي والكردي لم ينجح صدام حسين في الوصول إليها.
٥. الفساد العام الذي ساد العراق على امتداد السنين المنصرمة وساهم رأس النظام في تنشيطه بمختلف السبل ووصل إلى القوات المسلحة بمختلف صنوفها وإلى كل مفاصل وسلطات الدولة والمجتمع وتشابكت مع الإرهاب وقواه وأصبحا وجهان لعملة واحدة.
٦. لم تكن القوات العسكرية المعسكرة في محافظة الموصل موجهة ضد عدو خارجي بل كانت موجهة لهدفين هما:
أ. اضطهاد أهل الموصل وإذلالهم بمختلف السبل من منطلق طائفي مقيت من جهة؛
ب. وضد إقليم كردستان وقوات الپیشمرگة في حالة أي تحرك للاستقلال من منطلق شوفيني مناهض لحق تقرير المصير من جهة أخرى. لهذا وبسبب الفساد والرشوة لم يقف الجيش بوجه داعش وعصابته المجرمة.
٧. إن سياسات رأس النظام الطائفي وممارساته اليومية ومواقفه المتطرفة إزاء أبناء شعبنا من أتباع المذهب السني ومن الشعب الكردي بعدم حل المشكلات العالقة بما فيها المناطق المتنازع عليها على وفق المادة 140 والنفط وعدم دفع الرواتب ...الخ خلق حواضن مهمة لعصابات داعش ساهمت في اجتياح العراق من بوابة الموصل الحدباء.
٨. ولا شك في أن العراق ومكوناته القومية والدينية قد تعرضت لمؤامرة دولية وإقليمية ومحلية قذرة أرادت وما تزال تريد النيل منه وتمزيقه.
٩. وأخيرا وليس آخراً فأن النظام السياسي الطائفي حرم الشعب من حقوقه وحرياته الأساسية وقاد إلى الكارثة العظمى التي يعاني منها الشعب عموما وخاصة شعبنا من المسيحيين والإيزيديين والشبك والتركمان والكرد.
10 . ولا شك في أن دول الإقليم وخاصة المملكة العربية السعودية وقطر وسوريا وكذلك إيران بإيديولوجياتها الدينية والمذهبية المتخلفة وسياساتها الطائفية وصراعاتها على نطاق المنطقة وبالعراق قد ساعدت على تعميق المشكلات بالبلاد والسماح لهذه القوى بالولوج والاجتياح والاستباحة وممارسة الإبادة الجماعية.
11. ولا نبتعد كثيراً عن الحقيقة حين نحمل المجتمع الدولي والولايات المتحدة الأمريكية مسؤولية فرض نظام طائفي سياسي متخلف بالعراق قاد إلى ما هو عليه العراق من تمزق ومن اجتياحات واستباحات مريرة.
سابعاً: سبل مواجهة الوضع الراهن بالعراق أو دور العراق والمجتمع الدولي في مواجهة الوضع

في الوقت الذي نتحدث عن النازحين قسراً وأوضاعهم المأساوية، علينا أن نشير أيضاً إلى واقع خوض قوات الپیشمرگة وحاملي السلاح من الإيزيديين والأنصار الشيوعيين السلاح في مواجهة عصابات داعش في جبهات قتال عديدة وحققت نجاحات غير قليلة وقتلت الكثير من قوى الشر والعدوان وأعطت كوكبة من الشهداء في هذه المعارك، فإنها ما تزال بحاجة إلى دعم دولي واسع للسلاح والعتاد والمعدات العسكرية لمواجهة مظفرة وسريعة ضد هذه القوى الشريرة التي تمارس قتلاً جماعياً مستمراً ضد السكان، إضافة إلى مزيد من التعاون والتنسيق وتبادل المعلومات بين الجيش العراقي وقوات الپیشمرگة وتأمين السلاح والعتاد للپيشمرگة.
إن مواجهة الوضع الراهن والعواقب الناشئة عنه وأزمة ما بعد التحرير يتطلب العمل من أجل توفير تضامن وتعاون وتكافل دولي وإقليمي ومحلي شعبي لمعالجة المشكلات يتطلب تأمين تشكيل غرفتي عمليات مشتركة:
أ- غرفة عمليات محلية - إقليمية - دولية لمواجهة تنظيم داعش العسكري الإجرامي وما يرتكبه من جرائم على مستوى العراق وسوريا وتوسعه إلى دول أخرى بالمنطقة، رغم معرفتنا بأن العديد من الدول قد شاركت بشكل مفضوح أو مستتر بتقديم الدعم الكبير والمساعدات المتنوعة لعصابات داعش الإجرامية، ولكنها أصبحت اليوم تواجه داعش مباشرة، رغم وجود قوى في تلك الدول مثل تركيا وقطر والسعودية على سبيل المثال لا الحصر، أو قوى وتنظيمات إسلامية سياسية وأغنياء كبار في أوروبا وغيرها، ما تزال تمد داعش بالدعم والمساعدة المبطنين وتساهم في تجييش الجهلة من الشباب إلى ساحات الموت بالعراق وسوريا. كما إن الدول الأوروبية والولايات المتحدة أصبحت كلها تقف اليوم، شاءت أم أبت، وجها لوجه أمام عصابات داعش وخلاياها المجرمة النائمة والناهضة فجأة، كما حصل في باريس أخيرا، والتي يمكن أن تنشط في كل لحظة وفي أي مكان شاءت. إن من واجبنا أن نشير دون أدنى تردد بأن تركيا وقطر يمسكان حتى الآن بخيوط داعش إلى حدود غير قليلة، وهما دولتان راعيتان لداعش ولأسباب كثيرة. كما إن الفكر الوهابي وأبن تيمية وشيوخ الدين ومدارسهم في السعودية هم المعين الذي لا ينضب لفكر داعش وكل المنظمات الإرهابية كالقاعدة وداعش وأنصار السنة والنصرة، وما ينتج عن ذلك من تلاميذ يذهبون للقتال بجوار هذه المنظمات التكفيرية التي ترفع راية محمد عالياً لقتل المزيد ممن تسميهم "كفاراً"، وشيوخ في الأزهر يرفضون تسميتهم كفاراً لأنهم يحملون نفس الراية التي رفعها المسلمون الأوائل في فتوحاتهم تلك!!   
ويفترض أن يبنى هذا التعاون العسكري، من حيث التخطيط الاستراتيجي على أساس دولي مناهض للإرهاب ومن حيث التكتيكات اليومية المرنة والفعالة والقادرة على تسريع عملية تحرير العراق وتصفية وجود هذه العصابات بسوريا، دون أن يتطلب ذلك قوات خارجية تدخل إلى لعراق أو سوريا. إن هذا الأمر يتطلب تعاوناً وتنسيقاً واسعين ومن جوانب عديدة من أجل تحقيق النجاح المنشود، وبدون ذلك سيتعذر الوصول إلى الهدف قريباً. ولا بد لحلف الناتو والولايات المتحدة الأمريكية أن يلعبا دورهما بالنسبة إلى لجم تركيا وقطر عن الاستمرار في تقديم الدعم لأغراض توسعية وعدوانية.
علينا أن نعترف بوضوح وصراحة بأن الوضع بالعراق عموماً والعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم غير مناسبين، رغم تحسن العلاقة النسبي المحدود، لخوض المعارك المظفرة والسريعة ضد هذه القطعان المسلحة والهمجية وإنهما غير قادرتين على تسريع عمليات التحرير رغم الجهود المهمة والملموسة التي تبذل منهما لهذا الغرض، إذ لا بد من زيادة الدعم المتنوع القادم إليهما من دول الإقليم وبقية الدول الأوروبية والولايات المتحدة ومجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة.
وعلينا أن نفكر بواقع إن الولايات المتحدة توجه اليوم ضربات كثيرة في منطقة الموصل وسهل نينوى لأنها تثق بقوات الپيشمرگة الكردستانية وتريد لها النصر، في حين لديها تحفظات كبيرة على الكثير من فصائل الحشد الشعبي، وأقصد بذلك المليشيات الطائفية المسلحة التي تأتمر بأوامر تصدر عن قادة الحرس الثوري الإيراني المشارك في المعارك بالعراق ومن القائد والممثل العسكري والسياسي الإيراني الكبير المتنفذ بالعراق قاسم سليماني. إن هذا يعني أن الولايات المتحدة تدرك العواقب الوخيمة لدور إيران بالعراق ليس الآن فحسب، بل وفي أعقاب حل هذه الأزمة الشاملة التي تواجه البلاد التي تمثلت باجتياح عصابات داعش واستباحتها للشعب، كما علينا أن نؤكد بأن العراق قد تعرض لاجتياح داخلي مسنود بقوات الحرس الثوري الإيراني المتمثل بالميليشيات الطائفية المسلحة أيضاً والتي بلغ عددها الآن 42 منظمة طائفية مسلحة وبطرق وصيغ أخرى والتي لا يمكن التكهن في سبل اجتياز العراق لهذه المحنة، التي تسببت بها هذه القوى وصراعاتها حتى قبل دخول داعش إلى الأنبار ومن ثم الموصل وغيرهما، بعد الخلاص من محنة داعش.     
ب - غرفة عمليات محلية-  إقليمية - دولية على مستوى المؤسسات ومنظمات المجتمع المدني على الصعيدين الإقليمي والدولي ودول أوروبية وصديقة ومراكز البحث العلمي الاجتماعي والنفسي والاقتصادي لمعالجة المشكلات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي تواجه المجتمع العراقي وخاصة في المناطق التي أصيبت بطاعون داعش، إضافة إلى دراسة ما سوف يحصل بين مكونات الشعب من مشكلات اجتماعية وانعدام الثقة بين المكونات الدينية والمذهبية والقومية وسبل إعادة النازحين إلى مناطق سكناهم ومسائل الخدمات الاجتماعية بما فيها الصحية والمعيشية والنفسية ...الخ. أي توفير مستلزمات حل الأزمات التي بدأت منذ الآن لما بعد حل الأزمة الكبرى الراهنة.
إن العبء الواقع على عاتق الإقليم كبير حقاً، وكذا العراق الاتحادي، ولا بد من تنشيط التعاون على المستوى المدني والعسكري بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وتجاوز عدم الثقة الذي نشأ بسبب سياسات المستبد بأمره وبالشعب ومصالحه نوري المالكي ورهطه الهوجاء والعفنة والطائفية بامتياز، وتأمين غطاء دولي لهذا التعاون والتنسيق لتحرير العراق كله من قوى الظلم والظلام والتوحش وإنقاذ الشعب العراقي من استمرار تنفيذ جرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وتدمير التراث الحضاري الإنساني لكل مكونات الشعب العراقي الجارية على قدم وساق من جانب هذا الطاعون الأصفر والمسموم.
إن غرفتي العمليات المشار إليها في أعلاه يفترض فيهما الخروج بتوصيات ملزمة للحكومة العراقية في ما يخص الموقف من النظام السياسي القائم، إذ إن استمرار المحاصصة الطائفية يعني العودة إلى نقطة الصفر والتي يمكن أن تعيد السيناريو الذي عرفناه حتى الآن مجدداً، وبالتالي لا بد من تأمين قيام نظام مدني ديمقراطي يحمي المواطنات والمواطنين جميعاً وخاصة سكان تلك المناطق التي تعرضت للاجتياح والاستباحة مثل محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين وديالى وكركوك. إن حماية أتباع الديانات الذين يشار إليها بالأقليات الدينية يفترض أن تأتي من خلال ممارسة الضغط العادل الدولي المكثف والمتواصل على الدولة العراقية لتغيير طبيعة النظام السياسي الراهن والبديل الذي يفترض أن ينهض بالعراق على وفق ما يأتي في الفقرة التالية:
ثامناً: ما المطلوب من العراق لتوفير مستلزمات الخلاص من الأوضاع الشاذة الجارية منذ 12 سنة
لا يمكن للعراق أن يتخلص من تركة الماضي التي خلفها بعده النظام الاستبدادي البعثي ورهط صدام حسين أولاً ولا تركة النظام السياسي الطائفي المحاصصي ورهط المستبد بأمره نوري المالكي ثانياً دون اتخاذ خطوات عملية واضحة تساعد المجتمع العراقي على المصالحة والتفاهم والتعاون والتضامن وبناء النسيج الاجتماعي من جديد التي يمكن بلورة البعض الأهم منها في النقاط التالية:
** التزام الدولة والحكومة بمبادئ إقامة المجتمع المدني الديمقراطي والذي يعني دون أدنى ريب:
1) الفصل بين الدين والدولة فصلاً تاما لصالح الدين والدولة والمجتمع في آن واحد؛
2) والفصل بين السلطات الثلاث واستقلال القضاء استقلالاً تاماً واحترام حرية الإعلام؛
3) التزام مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية واحترام الهويات الفرعية دون السماح لبعضها السيطرة على الهويات الأخرى أو الإساءة لهن؛
4) احترام حرية الرأي والعقيدة والحريات المدنية وحقوق الإنسان والمساواة التامة بين المرأة والرجل؛
5. إعادة النظر بالدستور العراقي بما يسهم في تخليصه من النواقص والشوائب التي يتضمنها الآن بسبب طبيعة الوضع الذي وضع فيه الدستور والمساومات غير العقلانية التي فرضت صيغاً متناقضة فيه وإزالة كل شكل من أشكال التمييز الديني والطائفي والتمييز ضد المرأة ..الخ. 
** إدانة أي شكل من أشكال التمييز القومي والديني والمذهبي والفكري والتمييز ضد المرأة والأخذ باللوائح الأساسية والمواثيق والعهود الدولية في مجال حقوق الإنسان.
** عدم السماح بامتلاك السلاح للفرد أو الجماعات وحل كل المليشيات الطائفية المسلحة واحتكار السلاح واستخدامه من جانب الدولة والإقليم فقط (الجيش والپيشمرگة الكردستانية باعتبارها جزءاً من القوات المسلحة العراقية)، وكذلك رفض جميع أشكال العنف وإدانة من يمارسها والأخذ بمبدأ حل جميع المشكلات القائمة عبر التفاوض السلمي والديمقراطي ولمصلحة البلاد والمجتمع وتكريس الحياة الدستورية.
** الالتزام بتحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي وفي استخدامه لصالح المجتمع والأفراد دون تمييز ومكافحة الفساد بكل أشكاله وإدانة من يمارسه.
** وضع الخطوات الكفيلة بمحاربة التدخل في الشؤون العراقية الداخلية وتعزيز استقلال الوطني السياسي. ولتحقيق هذه الغاية لا بد من مواجهة كل عصابات داعش الإجرامية والمليشيات الطائفية المسلحة وتوفير كل ما هو ضروري على المستوى الوطني لمعالجة مشكلات النازحين وتوفير الرعاية لهم والحماية وإعادتهم إلى مناطق سكناهم حال استعادة الأراضي العراق المستباحة من قوى الإرهاب.
** محاكمة عادلة لمن تسبب بكل ما يعاني منه العراق خلال الفترة التي أعقبت سقوط الدكتاتورية الغاشمة والتي يمكنها أن ترسي الأرضية الصالحة للمصالحة الوطنية بين كل مكونات العراق الوطنية، وخاصة أولئك الذين فرضوا الاستبداد على الشعب وتسببوا في كوارث الأنبار وديالى وأخيراً اجتياح الموصل وبقية محافظة نينوى ومناطق أخرى من العراق.   
         د. كاظم حبيب
ملاحظة: ألقيت هذه المادة في مؤتمر الإبادة الجماعية ومستقبل الإيزيديين والمسيحيين في العراق بتاريخ 8/2/2014      


10
البلاغ الختامي لمؤتمر
الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ومستقبل الايزيديين والمسيحيين في العراق

بتأريخ  8 و 9 و10 شباط 2015 انعقدت في أربيل عاصمة إقليم كوردستان العراق أعمال مؤتمر (الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ومستقبل الايزيديين والمسيحيين في العراق) بمشاركة منظمات مدنية وشخصيات أكاديمية وسياسية وثقافية بلغ عددهم ما يزيد عن (1000) مشارك، وحضور ممثلين عن الأمم المتحدة ووسائل الإعلام المحلية والدولية.
وقد اطلع المشاركون على التقارير والدراسات والوثائق الخاصة بأوضاع الكورد الايزيديين والمسيحيين (الكلداني السرياني الاشوري) والأرمن وكافة المكونات العراقية المتضررة من جراء الأعمال الإرهابية، وتم مناقشتها ضمن (6) جلسات رئيسية احتوت المحاور الآتية:
1-   دور العراق والمجتمع الدولي في التصدي للجرائم الإرهابية ضد المكونات العراقية وتأمين الحماية لهم.
2-   توصيف الإبادة الجماعية والتطهير العرقي الذي تعرض له الأيزيديون والمسيحيون أنموذجاً، من منظور القانون الدولي.
3-   سبل مساعدة النازحين قسراً في العودة إلى مناطقهم ومنع التغيير الديموغرافي، ودور المنظمات الإنسانية الإغاثية.
4-   دور الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق في تأمين السبل والأدوات لمعالجة المشكلات الاجتماعية والاضطرابات النفسية التي يعاني منها ضحايا الإرهاب.
5-   ورشة عمل لمسؤولي المخيمات لطرح معاناتهم وتوثيقها.
6-   طاولة مستديرة بعنوان: حوار مفتوح مع المسؤوليين: ماذا علينا ان نفعل؟ وماذا نستطيع أن نفعل لحماية الأيزيديين والمسيحيين؟
*          *           *
وقد توصل المشاركون بعد مناقشات مستفيضة اتسمت بالحيوية وتفاعل الآراء وتنوع وجهات النظر، إلى الاتفاق على مجموعة من الأفكار والتصورات الشاملة حول السياسات والإجراءات الواجب اتخاذها لحماية هذه المكونات العراقية من قوى الإرهاب الساعية الى مواصلة جرائم الإبادة الجماعية ضدهم، ولتأمين أوضاع إنسانية كريمة للنازحين، وللبدء بالتحضير لمرحلة ما بعد تحرير مناطقهم، وكما يأتي:
1-    اعتبار ماحصل بمناطق الموصل وسنجار وسهل نينوى من مناطق سكن الأيزيديين والمسيحيين والشبك والكاكائين والتركمان جرائم إبادة جماعية وضد الإنسانية على وفق القانون الدولي.
2-    حتمية تقديم كل المسؤوليين عن التسبب في وقوع الكارثة والمنفذين لها الى المحاكم المختصة.
3-     إدانة جريمة استرقاق النساء الإيزيديات والمسيحيات وبيعهن وانتهاك كرامتهن من قبل عصابات داعش الإرهابية كجريمة ضد الانسانية، وبذل الجهود لتأهيل المجني عليهن.
4-    توفير الحماية الكاملة من جانب الدولة العراقية والمجتمع الدولي لضحايا الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، باعتبارها جزءًا من مسؤولية العراق والمجتمع الدولي الذي لا يجوز التنصل عنها.
5-   اتخاذ كل الاجراءات السياسية والعسكرية العاجلة للاسراع بتحرير المناطق التي سيطرت عليها الجماعات الإرهابية، عبر دعم الجهد التعبوي  للقوى الأمنية الرسمية، وحصر السلاح بيد الدولة، ومنع عسكرة المجتمع، وتأمين عودة النازحين الى مناطقهم الأصلية.
6-   توفير العناية والاهتمام اللازمين من جانب الدولة العراقية والمجتمع الدولي للنازحين من سكان المناطق التي اجتاحتها عصابات داعش، بهدف توفير ظروف العيش الإنساني لهم ومنعاً لإفراغ البلاد من مكوناتها العريقة والأصيلة.
7-   العمل على خلق بيئة اجتماعية مدنية تؤمن بثقافة التنوع والتسامح وقبول الآخر، لإزالة كل آثار التطرف والإرهاب والطائفية.
8-   في ضوء الاكتشاف المتزايد للمقابر الجماعية مؤخراً، ندعو الجهات المختصة بتفعيل المواد القانونية التي تضمن سلامة هذه المقابر وعدم ضياع الأدلة الجنائية .
*          *           *
كما توصل المؤتمر الى إقرار التوصيات الإجرائية الآتية ذات الأهمية التنفيذية القصوى:
1-   نطالب الحكومة العراقية الإتحادية بالانضمام الى نظام المحكمة الجنائية الدولية  لمحاكمة مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية وضد الإنسانية في العراق.
2-   نطالب الحكومة العراقية الإتحادية بقبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية لتحريك الدعوى ضد مرتكبي هذه الجرائم بحق الكورد الايزيديين والمسيحيين ( الكلدان السريان الاشوريين ) والارمن  وكافة المكونات الاخرى.
3-   نطالب مجلس الأمن الدولي بتحريك دعوى قضائية أمام المحكمة الجنائية الدولية عن الجرائم المرتكبة بحق الايزيديين والمسيحيين من قبل تنظيم داعش الإرهابي.
4-   ندعو مجلس النواب العراقي لإصدار تشريع فوري بعنوان (قانون حماية النازحين) يتضمن إجراءات تعويضية تفصيلية لصالح كل الجماعات والأفراد الذين نزحوا قسراً من مناطق سكناهم الأصلية داخل العراق بسبب الإرهاب وآثاره عبر تأسيس صندوق لغوث النازحين، وتخصيص نسبة من موازنة الدولة لإعادة الاعمار، وإجراء احصاء سكاني للعوائل النازحة بما يضمن توفير قاعدة معلوماتية كافية بأوضاعهم الديموغرافية الجديدة.
5-   نطالب الحكومة الاتحادية بإبداء أقصى ما تستطيع تقديمه من وسائل الغوث الإنساني للنازحين في كافة أنحاء العراق، بما فيه السكن الكريم والعناية الصحية والتعليم المدرسي واحتياجات ذوي الحاجات الخاصة، بما يكفل وصول هذه المعونات الى اصحابها المتضررين بعيداً عن أي هدر أو فساد.
6-   نطالب الجهات التشريعية والتنفيذية في الدولة العراقية الاتحادية بالاستعداد قانونياً وتنفيذياً لمرحلة ما بعد تحرير المناطق المغتصبة من العصابات الارهابية، سيما ما يتعلق بتأهيل الناجيات الايزيديات والمسيحيات وكافة الفئات المتضررة اجتماعياً واقتصادياً ونفسياً.
7-   نطالب الحكومة العراقية الاتحادية والمجتمع الدولي بدعم حكومة إقليم كوردستان العراق بتزويدها بالمستلزمات المادية واللوجستية الضرورية لتلبية حاجات النازحين المعيشية والتربوية والاجتماعية، والذين بلغت أعدادهم مئات الآلاف.
8-   نطالب المجتمع الدولي بتعزيز ودعم دور القوات العراقية وقوات البيشمركة وتزويدها بالاسلحة والتجهيزات اللازمة لمحاربة تنظيم داعش الارهابي. كما ندعو إلى تفعيل التعاون المالي والتسليحي بين المركز والاقليم.
9-   نطالب المرجعيات الدينية لكافة الاديان والمذاهب لممارسة دورها الأخلاقي بدعوة أتباعها للتعامل الايجابي مع الناجيات بما يحافظ على مكانتهن الاجتماعية وكرامتهن الإنسانية.
10-   نطالب مجلس النواب العراقي بتشريع قانون لحماية التنوع وتجريم التمييز ضد أي مكون من مكونات الشعب العراقي، يتضمن حظر تغيير أوضاعهم الإثنية واللغوية والديموغرافية، والعناية بتراثهم الثقافي، واعتبار مناسباتهم الدينية عطلاً رسمية لأتباعهم، وتثبيت حقوقهم في تبوأ المناصب العليا في الدولة، وإصلاح المناهج الدراسية لصالح ثقافة التنوع والتسامح، وإلغاء البنود القانونية السارية التي تمارس التمييز ضد أبناء هذه المكونات في مسائل الاعتناق الديني والزواج والطلاق والنسب والارث.
11-   نطالب الجهات المختصة في الحكومة الإتحادية وحكومة إقليم كوردستان العراق بتأسيس مركز أبحاث يختص بجرائم الإبادة الجماعية وضد الانسانية المرتكبة في سنجار وسهل نينوى وكافة مناطق العراق بما يضمن المحافظة على الذاكرة التأريخية للبلاد.
12-   نطالب الأمم المتحدة أن يكون لها دور متميز في التعاون مع الحكومة الاتحادية لتعويض أتباع المكونات العراقية التي تضررت من الأعمال الإرهابية تعويضاً مجزياً يعيلها اقتصادياً ويدعمها اجتماعياً ونفسياً، وإعادة بناء ما تم تدميره.

ولإعلان المؤتمر تضامنه العميق مع مأساة النازحين المسيحيين، فقد جرى عقد بعض جلسات المؤتمر داخل أحد مخيمات النازحين في ناحية عينكاوه- أربيل، وبمشاركة النازحين أنفسهم. وللتضامن الحي أيضاً مع جراح ومأساة مدينة سنجار البطلة، فقد توجه المؤتمر لتلاوة هذا البيان الختامي عند جبل سنجار في اليوم الختامي للمؤتمر، الا ان حدث عطب في احدى سيارات المؤتمر مما حال دون ذلك للاسف الشديد .
كما انبثقت من المؤتمر لجنة تنفيذية لمتابعة مقرراته وتوصياته خلال المرحلة المقبلة، عبر التنسيق والتفاعل مع الجهات المختصة محلياً ودولياً.




11
كاظم حبيب

"غراب يگول لغراب وجهك أبگع"
مثل عراقی-;- شائع
العراق يعيش منذ عقود في مستنقع القومية الشوفينية والطائفية السياسية المريعة الذي أفرزته العلاقات الإنتاجية المتخلفة والفئات الحاكمة الشوفينية والطائفية والقوى الأجنبية، الإقليمية منها والدولية، التي كانت وما تزال راغبة في تمزيق وحدة الشعب العراقي وتفكيك تعاون وتضامن قومياته العديدة وأتباع دياناته ومذاهبه الكثيرة ليسهل عليها السيطرة على العراق والتحكم بأموره ومنع استخدام موارده بصورة عقلانية لصالح تقدم شعبه وازدهاره. وإذ كان المناضلون من أجل عراق مدني (علماني) ديمقراطي اتحادي مزدهر في أعقاب سقوط الدكتاتورية البعثية الغاشمة وإيديولوجيت
 ها العنصرية والشوفينية المقيتة وجنونها العسكري والتوسعي وسادية ونرجسية قائدها الضرورة المصاب بداء العظمة يعملون من أجل ذلك، كان السياسيون الطائفيون السياسيون والشوفينيون يتمنون ويعملون على دفع العراق باتجاه إقامة نظام سياسي طائفي مقيت. وهذا ما تحقق، إذ جوبهت القوى الديمقراطية بإصرار عجيب من جانب الإدارة الأمريكية وحاكمها بالعراق بول بريمر على إقامة نظام سياسي طائفي يعتمد قاعدة المحاصصة الدينية والطائفية المقيتتين وإبعاده كلية عن اعتماد هوية المواطنة الموحدة المتساوية والكفاءة في ملء مناصب السلطات الثلاث، بما في ذلك وبشكل خاص السلطة ال
 تنفيذية، إضافة إلى إبعاد القوى الديمقراطية والتقدمية العربية عن المشاركة بحكم البلاد والتأثير في سياساته. وكان حصاد السنوات المنصرمة موت مئات ألوف البشر وخراب المدن والقرى والأرياف وتدمير جزء مهم وأساسي من حضارة عمرها أكثر من 7 ألاف سنة، وكان الحصاد تعرض أجزاء أصيلة من الشعب العراقي وثقافته إلى الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والثقافي, وبخاصة ضد المسيحيين والإيزيديين في شمال العراق، وبشكل خاص في سهل نينوى وفي مناطق مهمة من إقليم كردستان العراق، إضافة إلى الأنبار وديالى وكركوك، ولم يعد هناك تركمان وشبك في المنطقة إذ نزحوا كلهم إلى كربلاء و
 النجف وغيرهما من المدن العراقية، وقتل منهم من قتل وأسر منهم من أسر واغتصب منهم من اغتصب!!
لقد سقط العراق رهينة بيد أحزاب وشخصيات سياسية إسلامية طائفية تبنت الهويات الفرعية القاتلة والمثيرة للصراع والحقد والكراهية وأهملت هوية المواطنة المشتركة بالعراق كلية وراحت تنهب خيرات العراق وموارده وتفرط بثرواته الإنسانية الهائلة، بحضارته وثقافته المتنوعة والمتعددة.هذه الأحزاب، التي تعمل بالضد من مضمون الدستور الجديد، تتبنى الطائفية السياسية وتمارسها يومياً وفي جميع المجالات وتطالب بالمناصب الوزارية السيادية وغير السيادية وتستولي دون وجه حق على الوظائف والمراكز الأخرى لهذا الحزب الطائفي وجماعته أو ذاك، ولكنها في الوقت ذاته تتهم الطرÙ
   الآخر بممارسة الطائفية السياسية والتمييز ضدها أيضاً. والطرف الآخر هو الآخر يمارس النهج ذاته ويتهم الطرف الآخر بالطائفية، وهما يقفان وجهاً لوجه ويتحدى أحدهما الآخر بأنه ليس بطائفي بل الآخر وفي حقيقة الأمر ينطبق عليهم المثل الشعبي العراقي الذي يقول "غراب يگول لغراب وجهك أبگع"، وهما "أبگعان" معاً في حقيقة الأمر.
أقحم الطائفيون السياسيون الشعب العراقي بالصراعات الطائفية، كما جرّوا إلى هذا الصراع مجموعة من المتعلمين والمثقفين الذين تخلوا عن مثلهم الديمقراطية والتقدمية وغاصوا في مستنقع الطائفية ووحلها. والمسؤول عن كل ذلك هو أسلوب الإنتاج المتخلف والعلاقات الناشئة عنه، هو النظام السياسي-الاجتماعي القائم بالبلاد، هم الحكام الانتهازيون والمستبدون الذين يؤججون الأحقاد والكراهية في سبيل الوصول إلى السلطة السياسية والمال والنفوذ، هم كثرة من شيوخ الدين الذين لا ذمة لهم ولا ضمير ولا وعي تنويري، هم الجيران الذين لا يريدون للعراق الخير والتقدم، هم الذين يجØ
 �ون في الثروة النفطية العراقية خزيناً لهم وجوعاً وحرماناً لكل العراقيات والعراقيين ودماً ينزفونه يومياً.
كان الناس يعتقدون بأن حيدر العبادي سيتخلى عن نهج المحاصصة الطائفية الذي ميّز نهج سلفه رئيس مجلس الوزراء العراقي بامتياز، وإذا به يطلب من ائتلاف دولة القانون ترشيح أحد أعضاء هذا الائتلاف ليحل محل من انتهى عمله في محافظة بغداد. ألم يكن الأجدر به أن يترك هذا التوزيع المحاصصي ويعمد إلى اختيار شخصية عراقية مستقلة تتمتع بكفاءة عالية ضرورية للموقع الجديد.
كل المؤشرات التي تحت تصرفنا تشير إلى القيود الطائفية والحزبية الضيقة والمؤذية للعراق وشعبه التي قيّد العبادي نفسه بها حين أُجبر المالكي على التخلي عن ولاية ثالثة وتم ترشيح العبادي لها، ولم يستطع حتى الآن كسر تلك القيود والتحرر من هيمنة المالكي ورهطه على حكم البلاد وعلى المفاصل الأساسية فيه، حتى بلغ التحدي لدى نوري المالكي أن يعلن عن نفسه بكونه النائب الأول لرئيس الجمهورية، في حين أن رئيس الجمهورية أكد دون أي التباس بأن نوابه كلهم سواسية في المستوى الوظيفي وليس هناك أولا وثان وثالث، فمن أعطى المالكي حق إعلان كونه النائب الأول دون حياء؟ إنه الÙ
 �ستبد بأمره، هو الذي أعطى لنفسه مثل هذا الحق دون أن يسأل كيف ولماذا حصل ذلك، فهو يستخرط الجميع ولا يجد من يقف بوجهه ويلجم تصرفاته!!
قتل 71 من خيرة مواطني العراقي ومن المعادين للسياسات الطائفية وضد الداعشيين والقاعدة ومن منطقة أغلب سكانها من أتباع المذهب السني بدم بارد وفي مذبحة مريعة بمدينة بهرز بديالي في فترة حكم نوري المالكي ولم يتم الكشف عن هذه الجريمة في حينها، ويقال أن المالكي كان المسؤول عنها حين ارتكبت عصائب أهل الحق برئاسة قيس الخزاعي هذه الجريمة الشنعاء. واليوم تقرر تشكيل لجنة للتحقيق، أي بعد مرور ما يقرب من عام على ارتكاب الجريمة. فمن سيكون في هذه اللجنة؟ وهل سيشرف عليها نوري المالكي لتنتهي كما انتهت نتائج مئات اللجان التحقيقية التي تشكلت في عهده المشؤوم والتي انØ
 �هت إلى غلق القضايا لعدم معرفة الجاني!!!
الإنسان العراقي يشعر بالإحباط الشديد من النظام السياسي الطائفي القائم ومن وجوه هذا النظام التي تدفع بالأمور إلى المزيد من الصراع والنزاع والموت والخراب. ألا يجرأ رئيس الوزراء الجديد اتخاذ خطوة أساسية باستدعاء نوري المالكي والتحقيق معه بشأن ما حصل في الموصل وفي سبايكر وفي ديالى وفي العشرات من القضايا التي وقعت خلال السنوات التسع التي حكم فيها هذا المستبد بأمره العراق المستباح؟ إذا ما جرى ذلك وإذا ما بدأ رهط المالكي بالتفكك والمحاسبة الجادة والصارمة والعادلة، عند ذاك يمكن أن يقول الناس بأن العراق يمكن أن يسير في الدرب الصحيح. وإلى أن يصل العرا
 ق إلى ذلك يبدو أننا لمن نبدأ الخطوة الأولى في طريق الألف ميل الذي يفترض يقطعه لتصل البلاد بشعبها إلى شاطئ الأمن والاستقرار والسلام والازدهار.
6/2/2014 كاظم حبيب




12
كاظم حبيب
حيدر العبادي والحرب والمعاول الهدامة!
يعيش العراق في حالة حرب شرسة مع تنظيم عراقي، إقليمي ودولي متوحش، يطلق على نفسه "الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام". وقد أعلن موجهو هذا التنظيم المشوه "الخلافة" على المسلمين وسمي "الخليفة" المجرم "أبو بكر البغدادي". تم هذا كله بعد ما يقرب من عشر سنوات على بدء نشاط هذه المجموعة المنشقة على تنظيم القاعدة والسائرة في دربها والمزايدة بوحشيتها عليها حين قام قطعان هذا التنظيم باجتياح العراق من بوابة الموصل في العاشر من حزيران 2014 حين كان المستبد بأمره وبمصالح الشعب العراقي نوري المالكي يحكم العراق مباشرة، وحين كان الطائفي المماثل له أسامة النجيفي رئيساً لمجلس النواب وكان أثيل النجيفي محافظاً في نينوى، وحين فرطوا جميعاً بجزء كبير من أرض العراق وسمحوا بنهجهم الطائفي وسياساتهم المناهضة لروح المواطنة أن تجتاح تلك القوات القليلة العدد حدود العراق من الموصل وتهيمن على مساحة كبيرة تفوق مساحة الدولة الإيطالية وتستبيح سكانها وتسيطر على كل الأسلحة والمعدات والأعتدة الأمريكية الحديثة وغير المستخدمة ومئات الملايين من الدولارات التي سمحت لهذه العصابات من تجنيد عشرات الآلاف من المرتزقة والطائفيين وتمارس نهج الإبادة الجماعية والتطهير العرقي لسكان المنطقة من مسيحيين وإيزيديين وشبك وكاكائيين وتركمان وسبي النساء واغتصابهن أو بيعهن في سوق النخاسة، ومن ثم قتل 1700 مجند في قاعدة سبايكر وتمارس القتل بأعداد غفيرة من الشيعة والسنة ومن أبناء العشائر في الأنبار ومناطق أخرى من العراق.
وحين أجبر المستبد بأمره ورهطه من الفاسدين والمفسدين على تسليم الحكم إلى حيدر العبادي، وحين وزعت المناصب السيادية في الرئاسات الثلاث وفي تشكيل الحكومة أدركت بما لا يقبل الشك بأن قدرة العبادي على تجاوز سلطة المستبد بأمره نوري المالكي والمحاصصة الطائفية ستكون محدودة جداً أ لم نقل مستحيلة، إذ وضعت منذ البدء العراقيل والعقبات في طريق أي تغيير حقيقي في وضع البلاد، فالرجل نصب نفسه مسؤولاً عن العراق من خلال وجوده في منصب نائب رئيس الجمهورية عملياً.
سؤل رئيس الجمهورية العراقية عن نوابه فذكر بأن لكل من د. أياد علاوي وأسامة النجيفي مهمات محددة، وحين وصل الحديث عن المالكي قال لا أدري تماماً واعتقد أنه أخذ موضوع الاقتصاد والصناعة! والحقيقة هي أنه لا يدري حقاً لأن هذا السياسي الفاشل الذي مرغ جباه العراقيات والعراقيين بالتراب أمام عصابات وقطعان داعش والذي وضع العراق مع بقية القوى الطائفية المتعصبة في هذا الموقع الكارثي، هو المسؤول حالياً عن الحشد الشعبي الفعلي وهو المسؤول عن الكثير من الأمور الحساسة الأخرى، فماذا يا ترى يمكن أن يقوم به العبادي؟ وأخيراً صرح المالكي بأنه لا يريد أن يعود لرئاسة الوزراء إلا إذا أراد الشعب العراقي ذلك!!! هل تشعرون بمدى العبثية والعدمية التي يتسم بها المستبد بأمره!!
أما السيد رئيس الجمهورية، الطيب القلب، فيتحدث ببساطة عن صديقه المالكي، ونسى مع الأسف الشديد أن الصداقة لها حدود، أي صداقة كانت، ينبغي لها أن تنتهي أو تشرنق حين يتعلق الأمر بمصالح الشعب العراقي ومستقبله ومستقبل البلاد، وأن من واجبه أن يضع حداً لتدخل هذا المستبد بأمره بشؤون شعب العراق وبهذه الصورة المرضية.
مشكلة الحكم بالبلاد هي الطائفية السياسية وليس وجود الديانات والمذاهب، هي المحاصصة على أساس الدين والمذهب وليس المواطنة والكفاءة. ومشكلة الحكم بالبلاد تبرز في اقتناع الحكام الخاطئ والخطير بأن المصالحة تعني التفاهم بين الأسماء التي ما يزال يعاني من سياساتها الوطن والشعب، وليس بين أبناء وبنات الشعب العراقي، وليس بين المصالح الحقيقية لأبناء وبنات المكونات الاجتماعية، أي بين قوى الشعب العراقي. وبالتالي فهم يسعون إلى المصالحة بين هذه الأسماء والوجوه التي استُهلكت ولم تعد مقبولة لدى الشعب العراقي ولا مرغوب بها وبغيرها.
المصالحة تستوجب الدعوة إلى مؤتمر وطني تساهم فيه الفئات الاجتماعية التي يهمها مصير الوطن وتمنح رئيس الوزراء صلاحيات إجراء تغيير جذري في سياساته الراهنة، فالحزب الذي ينتمي إليه والتحالف الوطني الذي يخضع له لا يريدان المساعدة لبدء سياسة جديدة بعيدة عن الطائفية ومصالح الطائفيين، بل يسعيان إلى تكريس الطائفية والمحاصصة الطائفية ونسيان مصالح أبناء وبنات تلك المذاهب الدينية، مصالح الشعب كله.
إن أمام العبادي فرصة ثمينة للخروج من دائرة المحاصصة الطائفية إن أراد أن يقدم للعراق شيئاً ملموساً وسليماً، فهل سيكون في مقدوره ذلك والمستبد بأمره مفوض من حزبه وتحالفه بالتدخل في كل شيء ورئيس الجمهورية غير قادر على وضع حد لسلوك هذا الرجل.
كان العراق ومنذ عقود وما يزال مبتلى بالكثير، وليس الكل، من الشخصيات السياسية الحاكمة المصابة بجنون العظمة والنرجسية المرضية والسادية، مصابة بمرض الشوفينية والعنصرية مرة وبالطائفية السياسية مرة أخرى وبالا ثنين معاً مرة ثالثة. وعلة نفسية - اجتماعية واحدة من تلك العلل كانت و ما تزال كافية لإدخال الشعب العراقي في نفق مظلم، في حروب داخلية وخارجية وقمع واضطهاد وموت وبؤس وحرمان، فكيف يكون حال الشعب حين تجتمع كل تلك العلل في شخص واحد كما كان عليه صدام حسين وبقية المستبدين بأمرهم. ولم تنته هذه الدوامة فهي ما تزال تسحق بنات وأبناء العراق. والعلاقات الإنتاجية والاجتماعية المتخلفة السائدة بالعراق هي التي توفر مستلزمات الكوارث والمآسي للشعب العراقي وهي المنتجة للكثير من صعاليك السياسة والمصابين بشتى الأمراض النفسية والعصبية والموغلين بوحل الاستبداد والقسوة والعنف.
هل سيكون في مقدور العبادي كسر هذه الظاهرة المرضية التي يعاني منها العراق، وهل سيسمح له رفاقه في حزبه الطائفي وتحالفه الطائفي أيضاً وجيرانه الأكثر طائفية والتحالف الإقليم والدولي الذي شارك في كل ما يعاني منه العراق حالياً، وشعبه الذي برهن حتى الآن أن لا حول له ولا قوة وعاجز عن رؤية حقائق الوضع وأخطار الطائفية السياسية، والقوى الديمقراطية التي ما تزال حتى الآن، رغم الجهود التي تبذلها، لم تستطع تجاوز الأزمة التي تعرضت لها وتعرض  لها المجتمع والحركة الوطنية والديمقراطية العراقية منذ بضعة عقود والتي ما تزال لم تتخلص منها وتكسر الحلقة الشيطانية التي تدور فيها.
لقد تمنيت على المالكي، وكنت أدركت أنه في حزب طائفي، حين جاء إلى السلطة أن يدير اتجاه الحركة الخاطئ الذي تسبب به سلفه إبراهيم الجعفري وعمق الصراعات الطائفية وزج بالمليشيات الطائفية المسلحة في أجهزة الدولة، ولكنه خيب ظن الكثير من المتفائلين. والآن أتمنى للعبادي أن يتمكن من تغيير وجهة دفة الحكم حقاً، وإلا فالكارثة التي تنتظر العراق أكبر بكثير مما تسبب بها المالكي حتى الآن. وإذ يساهم المثقفون في الدعوة للتغيير فهم لا يستطيعون ولا يمتلكون المواقع التي في مقدورهم مساعدة العبادي في ما يتمنونه للعراق. فهم مبعدون عن التأثير المطلوب في المجتمع والإمساك بالدفة المناهضة للطائفية السياسية والمحاصصة الطائفية. فبعض التعيينات الجديدة تؤكد عجز العبادي عن كسرر الحلقة التي يدور فيها نظام المحاصصة الطائفية وما يريده رهط المالكي.
إن العراق يخوض حرباً شرسة ولا بد للسيد رئيس الوزراء من اتخاذ الإجراءات الصارمة والكفيلة بإيقاف أولئك الذين يعيقون تنفيذ السياسات والإجراءات الجديدة على محدوديتها، فالوضع الراهن لا يحتمل التساهل مع من يضع العصي في العجلة ويحلم بالعودة إلى الحكم حين يفشل العبادي، حيث تبذل الجهود الحثيثة المكشوفة والمستورة لإفشال العبادي وفرض تخليه عن السلطة لكي يعود المستبد بأمره إلى الحكم!!! إن الوضع العام يساعد العبادي على اتخاذ القرارات المناسبة التي تستوجبها عملية التغيير المنشودة! فهل سيفعل ذلك؟ أتمنى ذلك وأعمل من أجله..     
4/2/2015         كاظم حبيب       
 

   
   






   

13
كاظم حبيب
السعودية هي المعين الإيديولوجي للتنظيمات الإسلامية السياسية المتطرفة في العالم
[الحكم الصادر على رائف البدوي بجلده ألف جلدة و10 سنوات حبس وغرامة مالية نموذجاً]
"ليس حراً من يهان أمامه إنسان ولا يشعر بالإهانة" نيلسون مانديلا
أصدرت محكمة سعودية حكماً يقضي بجلد الناشط المدني رائف بدوي 1000 جلدة، على أن توزع على 20 أسبوعاً، حيث يجلد كل أسبوع 50 جلدة، إضافة إلى حبسه 10 سنوات في السجون السعودية وغرامة قدرها مليون ريال سعودي، أو ما يقرب من 380000 دولار أمريكي! صدر هذا الحكم عن أحد القضاة السعوديين بعد اعتقال دام أكثر من سنتين، إذ كان قد اعتقل في العام 2012 بتهمة "الإساءة إلى الإسلام" وارتكابه "جريمة إلكترونية" و"عقوق لوالديه"!
هذا الحكم الجائر والفاجر ضد شاب مدني وديمقراطي أثار الرأي العام العالمي وفجر السكوت الواسع النطاق في الدول الغربية على النهج الاستبدادي والسياسات المغرقة في الرجعية واللا إنسانية والتخلف والسلوك الذي لا يعود لحضارة القرن الحادي والعشرين والمواقف المتطرفة للحكام والقضاة وشرطة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في هذه المملكة العجائبية والغرائبية، المملكة العربية السعودية، مملكة الواق واق. فما طالب به رائف بدوي تركز عل دعوة الدولة السعودية إلى إقامة الدولة المدنية والمجتمع المدني الديمقراطي، فهل في هذه المطالبة ما يدعو إلى إصدار مثل هذا الحكم الجائر؟
العالم المتحضر والشعوب ذات القيم الإنسانية كلها تقول بصوت واحد كلا، فالحكم يعتبر تجاوزاً فظاً على حقوق الإنسان وعلى العهود والمواثيق الدولية كافة الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان، إنه مخالف لحق الإنسان في التعبير عن رأيه والتصريح به بمختلف السبل المتوفرة. فمن يا ترى ينبغي أن يحاكم في مثل هذه الحالة؟ هل السيد رائف بدوي الذي طرح رأياً واضحاً عبر التواصل الاجتماعي، أم القاضي المهووس بإيديولوجية متزمتة وجامدة والذي أصدر الحكم وكذلك الحاكم الذي نصب هذا القاضي والذي صادق على مثل هذه التشريعات الجائرة؟
على المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وبريطانيا وفرنسا، على سبيل المثال لا الحصر، الذي يمارس سياسة السكوت على ما يحصل بالمملكة العربية السعودية من تجاوزات فظة على حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية أو القبول بها بسبب ثروتها النفطية والغازية ورغبة هذه الدول في الحصول على جزء من الكعكة السعودية والاستثمارات السعودية في تلك الدول، ويكيل بمكيالين مما يعرض الشعب العربي في هذه المملكة إلى مخاطر المزيد من الدوس على كرامة وحقوق الإنسان وحياته، وهو أمر لا يجوز ولا يمكن قبوله وعواقبه ستكون وخيمة على هذا الشعب والشعوب المجاورة والعالم. فهذه المملكة التي ما تزال في القرون الوسطى من حيث النظام والقضاء لا تفرض سياساتها على الشعب السعودي فحسب، بل هي تُصدّر أفكارها وسياساتها إلى مختلف بقاع العالم وعبر أساليب وأدوات قديمة وحديثة بما في ذلك المدارس والكتب ووسائل الاتصال الأكثر حداثة. والغريب في هذا السكوت الدولي عما يجري في هذه المملكة هو أن العالم كله يعرف الدور الذي يمارسه الفكر الديني السعودي في ما يحصل اليوم من عنف على الصعيد العالمي.
فالوثائق والدراسات والتقارير والكتب الكثيرة المنشورة عبر وسائل الإعلام الدولية تؤكد بما لا يقبل الشك دور الفكر السلفي الوهابي الذي تلتزم به المملكة العربية السعودية في كل ما ارتكب من جرائم وقتل وتدمير وخراب على أيدي الجماعات والتنظيمات الإسلامية السياسية المتطرفة التي تشكلت وتطورت منذ العقد التاسع من القرن العشرين حتى الوقت الحاضر في جميع بقاع العالم. وهذا الاستنتاج الذي تؤكده حقائق الوضع في السعودية على نحو خاص ناشئ عن أسس وسبل التربية الدينية والكتب المدرسية والثقافة اليومية والفتاوى التي يصدرها أغلب شيوخ الدين السعوديين إن لم نقل كلهم. فالمدارس الدينية بالمملكة العربية السعودية وأكاديمياتها ومدارسها التي أقامتها منذ عدة عقود في مختلف بقاع العالم، ومنها المدارس في أفغانستان وباكستان ودول عربية وأوروبية كثيرة أخرى، وخاصة في أفغانستان وباكستان، كانت وما تزال تربي وتدرس التلاميذ وطلاب المدارس والجامعات على فكر متشدد وعنيف إزاء الآخر، فكر يرفض جميع الديانات الأخرى غير الإسلام من جهة، ويرفض جميع المذاهب في الإسلام إلاّ المذهب الوهابي من جهة أخرى، ويرفض الآخر الذي يؤمن بهذا الدين أو المذهب غير المذهب الوهابي. وليت الأمر يتوقف عند الرفض، بل يتجاوز ذلك غلى التصفيات الجسدية عملياً. والفكر الوهابي الذي يعتمد المذهب الحنبلي المتشدد في الإسلام (الإمام أحمد بن حنبل 162-241هـ أو 780-855م)، وجد في فكر وتفسير وفتاوى أحمد ابن تيمية (661-728هـ) أساساً فكرياً وقاعدة مذهبية يستند إليها في محاربة بقية الديانات والمذاهب وأتباعها. فالسعودية كما هو معروف لم تصدر الفكر السلفي المتشدد والتكفيري فحسب، بل وصدَّرت أيضا شيوخ الدين الذين يلقنون التلاميذ والطلبة بالتعاليم المتشددة المحقرة والحاقدة والكارهة للآخر ودينه أو مذهبه، والمفسرة لمذهبها المتشدد الذي يشيع التعصب في نفوس وسلوك المتعلمين في هذه المدارس والأكاديميات والكتب التي توزعها سفارات السعودية وملحقياتها الثقافية. كما إن المدارس بالسعودية وتلك التي أقامتها بالخارج كانت وما تزال تُصدّر بطرق مختلفة الأموال والكتب وتنتج "المجاهدين!" الأوباش الذين يمارسون القتل والسبي والاستباحة والاغتصاب ضد الناس من أتباع الديانات والمذاهب الأخرى.
وتعتبر المملكة العربية السعودية المسؤول الأول عن كل التنظيمات المتطرفة والعدوانية التي بدأت تتشكل كجماعات إسلامية سياسية متطرفة في العقد التاسع لمحاربة الوجود السوفييتي بأفغانستان ووجدت الدعم والمساعدة والتبني من جانب الدولة الباكستانية والكثير من التنظيمات السياسية الإسلامية فيها. وكان للمدارس الدينية وشيوخ الدين السعوديين والباكستانيين دورهم البارز من خلال التثقيف والفتاوى التي أصدورها. ونحن على يقين تام بأن هاتين الدولتين، إضافة إلى فكر الأخوان المسلمين في مصر، أصبحتا المصدر الأساس لفكر تنظم القاعدة الإرهابي وبقية التنظيمات الإسلامية السياسية السنية التي تأسست بعد ذاك ، بما في ذلك تنظيم داعش المتوحش. وقد ساهمت الولايات المتحدة الأمريكية في العقد التاسع من القرن العشرين بدور كبير في تغذية هذه التنظيمات ومساعدتها في النهوض والتوسع وكسب "المجاهدين!" بسبب الدور الذي لعبته في أفغانستان في مقاومة الوجود السوفييتي فيها. وحين أطلقت هذه الدول الوحش المفترس المعبأ بالإيديولوجية المتشددة والتكفيرية من قمقمه، أصبح من الصعب السيطرة عليه وعلى أفعاله الإجرامية. وها نحن أمام عالم يحصد ما زرعته تلك الدول في فكر الكثير من الناس المسلمين بالعالم.
توجد في السعودية الهيئات التالية التي تمارس مهمة السيطرة على الأمن الداخلي والقضاء وتطبيق القوانين:
1-- جلس الشورى.
2- الجهاز القضائي.
3- وزارة الداخلية.
4- هيئة التحقيق والادعاء العام.
5- هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
6- هيئة حقوق الإنسان.
والمشكلة ليس في تعددها ومسمياتها، بل بالفكر الذي يوجهها والسياسات المرسومة لها. فهي تنهل مجتمعة من معين فكري وسياسي واحد ولها رؤية واحدة للشريعة الوهابية، وما يهمها هو ممارسة التشدد في تطبيق الشريعة الوهابية المتشددة على المجتمع السعودي، وهو الأمر الذي لا يساعد على إجراء أي تغيير أو تطوير حقيقي في وضع حقوق الإنسان بالسعودية. فالكل شاهد على ما تمارسه المملكة العربية السعودية حتى يومنا هذا من أساليب عقابية ضد الإنسان في المملكة، وهي أساليب محرمة دولياً تدينها منظمات حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية ولكن الحكام والقضاة السعوديين لا يستمعون إلى نداء العقل والمنطق ولا يهتمون باحتجاجات الرأي العام العالمي أو مطالبة بعض الدول الخجولة جداً، وكأنها ترتكب معصية، حين تطالب بإيقاف تنفيذ الجلد بحق رائف بدوي. إننا نعيش مجتمعاً دولياً ضاعت فيه الكثير من القيم والمعايير الإنسانية وحقوق الإنسان بسبب المصالح الاقتصادية الضيقة والروح الانتهازية.
يشير موقع الموسوعة الحرة إلى النص التالي بشأن العقوبات التي تمارسها السعودية بحق الإنسان، إضافة إلى غياب حرية الدفاع عن النفس أو احترام الأسس القانونية في إجراء المحاكمات: فـ"المملكة العربية السعودية هي واحدة من حوالي ثلاثين دولة تطبق عقوبات بدنية في إطار قانوني وقضائي وهذا يشمل بتر اليدين أو الساقين كعقوبة للسرقة والجلد على جرائم أقل مثل " الانحراف الجنسي " أو السكر. ولا يوجد عدد محدد للجلدات حسب القانون لذلك فالأمر منوط بالقاضي وتأويله. ويتراوح العدد بين عشرات إلى مئات الجلدات وفي سنة 2004 انتقدت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب المملكة العربية السعودية لتطبيق عقوبة بتر الأطراف والجلد التي تقوم بها في إطار تطبيق الشريعة الإسلامية. ورد الوفد السعودي بالدفاع عن "التقاليد القانونية" التي وجدت منذ ظهور الإسلام ورفضت أي تدخل في الشأن السعودي وفي السلطة القضائية. تطبق السعودية أيضا عقوبة الإعدام،. بما في ذلك عمليات الإعدام العلنية بقطع الرأس وتطبق هذه العقوبة على عدد واسع من الجرائم بما في ذلك القتل و الاغتصاب والسطو المسلح وترويج المخدرات والردة والزنا والسحر والشعوذة، وتطبق إما بقطع الرأس أو الرجم أو رميا بالرصاص أو الصلب. وحسب تقرير منظمة العفو الدولية فقد استمرت المحاكم في فرض أحكام الجَلد كعقوبة رئيسية أو إضافية على ارتكاب العديد من الجرائم. فقد حُكم على ما لا يقل عن خمسة متهمين بالجلد من 1000 جلدة إلى 2,500 جلدة. كما نُفذت عقوبة الجلد في السجون. ووردت أنباء عن أن أفعال التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة للمعتقلين والسجناء المحكومين كانت شائعة ومتفشية وتُرتكب بدون حساب أو عقاب بوجه عام. ومن بين أساليب التعذيب التي ذُكرت: الضرب والتعليق من الأطراف والحرمان من النوم. وكان المحتجون من بين الذين تعرضوا للتعذيب والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي لعدة أيام أو أسابيع بدون تهمة أو محاكمة." (ويكيبيدا، الموسوعة الحرة، حقوق الإنسان في السعودية). وإزاء هذه المعلومات المهمة والمنشورة في كل مكان يحق لنا أن نتساءل: هل يجوز للعالم المتمدن، للمجتمع الدولي أن يسكت عن ارتكاب مثل هذه الجرائم بحق الإنسان في المملكة العربية السعودية؟ وهل يتناغم هذا مع ملائحة حقوق الإنسان الدولية؟ طبعاً الإجابة الواضحة هي: لا يجوز ذلك بأي حال. ولكن عالمنا الرأسمالي الغارق في عفونة المصالح الضيقة وتعظيم الأرباح واستغلال الإنسان والسكوت عن الجرائم في سبيل تحقيق أقصى الأرباح لا يقبل بكل ذلك فحسب، بل والكثير من دول العالم يمارسها أيضاً، كما مارستها الإدارة الأمريكية في "أبي غريب" بالعراق، أو في المعتقل الأمريكي ببولونيا، أو في معتقل غوانتانامو الأمريكي في خليج الخنازير بكوبا على سبيل المثال لا الحصر!
إن المملكة السعودية تدعي محاربتها للإرهاب الذي تمارسه قوى الإسلام السياسي بالسعودية والعالم، ولكن ألا يلاحظ السعوديون إن فكرهم وتثقيفهم وكتبهم وفتاواهم وسياساتهم بالسعودية ذاتها والقضاء السعودي يصب في طاحونة قوى الإرهاب الإسلامي العالمي للقاعدة وداعش وبوكو حرام وغيرها من التنظيمات الإسلامية السياسية المتطرفة التي تمارس اساليب فاشية مماثلة في معاقبة الناس؟ إن هؤلاء الإرهابيين ينهلون من المعين الفكري والفتاوى التي يصدرها شيوخ الدين السعوديين وأمثالهم في العالم الإسلامي والممارسات الفعلية بالسعودية. وهناك قوى إسلامية سياسية تتحدث عن داعش ومثيلاتها من التنظيمات الإرهابية التي ترفع راية "لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله"، على إنها تنظيمات إسلامية حقاً ما دامت ترفع تلك الراية ولا يجوز اتهامها بالخروج عن الإسلام! هذا ما تحدث به بعض شيوخ الدين في الأزهر بالقاهرة وبعض شيوخ الدين في مناطق أخرى من العالم. ومثل هذا الموقف يتناغم تماماً مع من يقول بأن ما يمارس من قبل هذه التنظيمات بالعراق وسوريا إزاء الإيزيديات من الناس، سواء ببيعهن في سوق النخاسة أو اغتصابهن، وقتل الرجال...الخ، هو الإسلام الحقيقي. وهذا ما صرح به بعض المفتين السعوديين!!!
إن من واجب محكمة حقوق الإنسان في لاهاي أن توجه الاتهام العاجل للقضاة السعوديين الذين يصدرون مثل هذه العقوبات بحق الإنسان، وكذلك ضد الذي أصدر الحكم بالجلد والغرامة والحبس ضد رائف بدوي، فالعقوبات الجسدية محرمة دولياً وينبغي أن تتوقف، إذ لا يكفي أن يحتج العالم ويطالب بإيقاف إصدار وتنفيذ مثل هذه العقوبات بل مواجهة الدولة السعودية بقرارات رافضة ودعوة الانتربول الدولي (الشرطة الدولية) لإلقاء القبض على القضاة الذين أصدروا هذه الأحكام الجائرة والمناهضة لحقوق الإنسان والذين يقومون بتنفيذها وكذلك ضد الحاكم الذي لا يرفضها ولا يوقف تنفيذها ويصادق عليها.
إن الرأي العام العالمي مطالب بالضغط على المجتمع الدولي لكي يتخذ العقوبات الكفيلة بردع السعودية عن تنفيذ مثل هذه العقوبات وإلزامها بتغيير تشريعاتها على وفق مبادئ حقوق الإنسان، فليس لدولة من هذا النوع مكاناً في المجتمع الدولي، في الجمعية العامة للأمم المتحدة وهيئاتها الدولية.
31/1/2015 كاظم حبيب


14

كاظم حبيب
زيارات ولقاءات ودية وحميمة في مدن كردستان الجميلة
كانت زيارتي الأخيرة لمدن إقليم كردستان العراق في الفترة الواقعة بين 2-16/كانون الثاني 2015 غنية باللقاءات والزيارات للأصدقاء وبعض المنتديات وعقد الندوات وخوض النقاشات الفكرية والسياسة الغنية التي تساعد المتتبع على وعي أعمق وأشمل لما يجري بكردستان العراق خصوصاً والعراق عموماً وفي المناطق التي اجتاحها الداعشيون الأوباش، والأوباش الذين تركوا السلاح والذين أصدروا القرارات من أعلى المستويات وسمحوا لهم باستخدام أسلحة الجيش العراقي باجتياح الموصل واستباحة أهلها وممارسة مجازر الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ضد المسيحيين والإيزيديين والشبك والتركمان إضافة إلى تدمير تراث نينوى الحضاري الإنساني الرائع بهدف محوها من الذاكرة العراقية.
حين يجلس الزائر لبعض الوقت في مقهى المثقفين التاريخي، الذي أصبح مقهى الجميع، بمكتبته البسيطة وكتبه القديمة، قرب القلعة في وسط أربيل العاصمة لاحتساء استكان چاي عراقی سنگين مع صدیق أو فنجان قهوة نسكافة، ليتمتع باستراحة قصيرة من جولة في أسواق المدينة وشوارعها الحديثة ويراقب المارة أو الجماعات العاطلة عن العمل أفي وضح النهار أو السياح وهم يستريحون أو يتنزهون في وسط الحدائق الحديثة المبنية حول نافورات عديدة قبالة المقهى والسوق الشعبي التقليدي الذي أعيد بناء دكاكينه وممراته المسقفة حديثاً. وما أن يجلس الزائر حتى يمر به صديق عزيز أو أحد معارفه بهذه المدينة التي أصبحت موطناً دائماً أو مؤقتاً لعدد كبير من أبناء وبنات القوميات الأخرى الذين تركوا مسقط رؤوسهم طلباً للنجاة من الإرهابيين الذين يفجرون أنفسهم ببغداد والعديد من المدن العراقية الأخرى وطلباً للخلاص من إرهاب وضغوط وابتزاز المليشيات الطائفية المسلحة ومافيات الجريمة المنظمة وليتمتعوا بالأمن والاستقرار المفقود عندهم!
لم تمر دقائق على جلوسي حتى وصل الصديق العزيز والمناضل في سبيل الحرية الديمقراطية علي  محمود الملقب بالسياسي والذي حمل راية الدفاع عن المؤنفلين مع رفاقه في جاك وشعب كردستان ضد الذين شاركوا في عمليات الإبادة الجماعية الأنفالية وضرب حلبچة بالسلاح الكيميائي في العام 1988. ثم لمحت الصديق العزيز الذي لم التق به منذ سنوات وهو يلج باب المقهى ومعه المهندس صباح زوج ابنته شروق. إنه الرفيق والشاعر المبدع والمناضل العنيد وربيب السجون السياسية الفريد سمعان. كان الحديث معه منعشاً وجرنا إلى الماضي والحنين إلى سني النضال العجاف. إنه دائم الابتسامة وشديد التفاؤل في أحرج الظروف التي مرت بنا وما تزال تمر على العراق. تذكرنا الفترة العصيبة في أوائل السبعينات من القرن الماضي حين كنا نعمل سوية في هيئة تحرير الثقافة الجديدة حين اضطر الكثير من الرفاق إلى مغادرة العراق أو الاختفاء عن أعين العدو البعثي الذي وجه ضربة قاسية للحزب الشيوعي العراقي في العام 1970 و1971. تذكرنا معاً الشاعر المبدع حسين مردان حين جاء ألينا في شقة هيئة التحرير والأحاديث الشيقة مع الشاعر الذي نعت في حينها بالوجودي والعدمي، أو الشاعر محمد صالح بحر العلوم الذي كان قد بدأ مشاوره الجديد المضني بعد أن جف شعراً ولم يعد قادراً على نظم الشعر بل راح يكتب شيئاً أحاديث سياسية لا معنى لها إذ غابت عنه شاعرية شاعر الشعب القديم أو كما كان عليه حين كتب قصيدته التي لا تنسى "أين حقي؟"!
كان لنا موعد مع الصديق العزيز الأستاذ عادل مراد، مسؤول المجلس المركزي للاتحاد الوطني الكردستاني بالسليمانية حيث دعينا جميعاً إلى وليمة غداء في بيته بعد أن تسنى له تحديد موعد في اليوم الثاني لي وللصديقين الأستاذ زهير كاظم عبود والأستاذ نهاد القاضي لزيارة الصديق القديم طالب الحقوق حينذاك مام جلال الطالباني حين تعرفت عليه أول مرة في العام 1956 في موقف السراي ببغداد. وكان معه حينذاك الأخ حبيب محمد كريم، بعد مكوثي 14 يوماً في التحقيقات الجنائية تميزا بالتعذيب الهمجي الشرس على أيدي الضابطين أنور عبد العزيز وأدهم العاني في غرف وسراديب التحقيقات الجنائية. وكان الصديقان قد عادا لتوهما من موسكو بعد أن شاركا في مهرجان الشبيبة والطلبة العالمي في مدينة وارشو، عاصمة جمهورية بولندا الشعبية، وبعدها غادرا إلى موسكو للقاء بقائد الثورة الكردستانية الملا مصطفى البارزاني.
تميزت زيارتنا للسيد رئيس جمهورية العراق السابق برفقة الأستاذ عادل مراد بالود والارتياح الكبيرين حيث استعدنا خلالها بعض أحداث الماضي التي اختزنتها الذاكرة والتي تعود لعقود خلت سواء في الاعتقال أم في جبال كردستان في فترة النضال الأنصاري أم في بلدان المهجر. كان الحنين إلى الماضي قد شدنا جميعاً ومنح الدقائق العشرين التي قضيناها معه ومع صحبه الكرام طعماً ونكهة خاصة. فنحن من جيل واحد ومررنا بأحداث كثيرة، وجدنا أنفسنا أحياناً متفقين وأحياناً أخرى مختلفين إلى حد الصراع والنزاع، ولكن حافظنا على العلاقات الاجتماعية بطابعها العراقي الإنساني.
تسنى لي بأربيل أن أزور بصحبة الصديق الأستاذ بوتان كويي الرفيق عزيز محمد، السكرتير الأول السابق للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراق في بيته المتواضع المليء بالكتب، فهو قارئ نهم للكتب ومحب للنقاش. انصبت أحاديثنا على الأوضاع السياسية بالإقليم والعراق والمشكلات التي تواجه المجتمع في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ العراق. لقد تميز الرفيق عزيز محمد وهو في التسعين من عمره بذاكرة طرية وذهن متفتح وحيوية متدفقة في التحليل والنقاش وفي التعبير عن وجهات نظره المدققة إزاء الأوضاع والأحداث الجارية بكردستان والعراق. أتمنى له طول العمر والعافية مع بقاء هذه الذاكرة الحية والوعي بالأحداث الجارية وتحليلها السليم. لقد لمست في تحليلات عزيز محمد نبض الشارع الكردستاني وما يواجهه وما يحلم به ويتطلع إليه، ولكنه كان يعبر عن نبض الشارع العراقي عموماً.
الناس بكردستان لا يبخلون بالحديث عن أوضاعهم وعن تأشير الجيد والصحيح من جهة والسيئ والخطأ من جهة ثانية. تلمس ذلك وأنت تجلس بجوار سائق تاكسي يتحدث العربية أو وأنتَ جالس في مقهى تتحدث إلى جار لا تعرفه، أو تزور عائلة لتفضي لك بما يجول في خاطرها وما تشعر به في تلك اللحظة. ليس هناك أكثر من سائقي التاكسي من يملكون أحداث وأسرار المدينة وتطلعات البشر فيها تماماً كما هي الحالة بالقاهرة. فسائق التاكسي هناك يعتبر من أفضل محللي السياسة واتجاه تطور الأوضاع وتنبؤات القادم من الأيام. إنهم أساتذة في علم السياسة التطبيقي وفي التحليل المادي، سواء أدركوا ذلك أم على السليقة والخبرة والمعايشة اليومية.
قمت بزيارة الرفيق والصديق كمال شاكر، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الكردستاني، في مقر المكتب السياسي، هذه البناية الواسعة والمرفهة والحديثة، وتحدثنا في الأوضاع الجارية التي يعيشها الإقليم والأعباء الثقيلة التي ألقاها الاجتياح الداعشي على عاتق الحكومة وتعاظم عدد النازحين من سوريا أولاً ومن ثم من محافظة نينوى, ثم جرى الحديث عن المهمات التي تواجه الإقليم والعراق تخلله بعض النكات التي وردت عفوياً على لسان الصديق أبو سمير والتي اقترنت بالأحداث الجارية وذات مضمون سياسي نقدي نابت عرف بها بين رفاقه وأصدقائه.
ثم كان لنا لقاء في مقر فرع الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية بأربيل وبضيافة الأخ حميد مراد وبحضور الأساتذة عبد الخالق زنگنة وزهير كاظم عبود ونهاد القاضي حيث تبادلنا الآراء حول مهمات حركة حقوق الإنسان العراقية خلال الفترة التي أعقبت لقاء برلين لجمعيات ومنظمات حقوق الإنسان العراقية في الداخل والخارج وسبل تنشيط العمل لصالح النازحين والنضال ضد القوى الهمجية التي اجتاحت محافظة نينوى وما نفذته من تطهير عرقي ومجازر إبادة جماعية ضد سكان محافظة نينوى من مسيحيين وإيزيديين وشبك وتركمان وكاكائية وغيرهم على أيدي قطعان داعش المتوحشة. وعلى أثر هذا اللقاء اقترح  الزميل حميد مراد أن أقدم أفكاراً في ندوة فكرية سياسية تعقد للبحث في أوضاع النازحين من الأقليات الدينية ومستقبلها بالعراق، والتي عقدت فعلا في المركز الأكاديمي بعنكاوا، والتي حضرها جمع مهم وكبير من المهتمين بشؤون النازحين وحقوق الإنسان ومستقبل المكونات الأساسية الأصيلة بالعراق، سواء أكانوا من المسيحيين أم من الإيزيديين أم من الصابئة المندائيين أو الشبك والتركمان. وقد نشرت الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية فرع كردستان ملخصاً بأفكار المحاضرة والنقاشات التي دارت في الندوة في موقع الجمعية. لقد طرحت أسئلة كثيرة وقدم بعض الأخوة مداخلات أغنت المحاضرة مثل رفيقي في النضال الطويل لبيد عباوي وعبد الخالق زنگنة والدكتور فارس كمال نظمي والسيدة سلمى جبو ومجموعة كبيرة من المشاركين كما قرأت الدكتورة جمانة القروي كلمة للنائب في مجلس النواب العراقي جوزيف صليوا حيا بها اللقاء وتمنى النجاح في النضال ضد قوى داعش المجرمة، عبرت عن اهتمام الحضور بموضوع المحاضرة.
وفي نهاية هذا اللقاء اقترح الأخوة في الجمعية الثقافية المندائية الذين حضروا هذه الندوة عقد ندوة أخرى أقدم فيها أفكاراً عن واقع الاقتصاد العراقي ومشكلاته تحت عنوان "الاقتصاد العراقي إلى أين". وقد عقدت هذه الندوة فعلاً في مقر الجمعية وبجوار المندي المندائي الذي يقام هناك والذي قمنا بزيارته، بما في ذلك حوض التعميد المندائي. وفي هذه الندوة طرحت رؤيتي الشخصية عن واقع الاقتصاد العراقي وسماته والمشكلات التي يواجهها في الوقت الحاضر وسبل المعالجة للخلاص من سمته الريعية الوحيدة الجانب التي تقترن دائماً بعواقب وخيمة وبشكل خاص ظاهرة الاستبداد ومصادرة الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان والفساد المالي والإداري والتخلف والتبعية للتجارة الخارجية تصديراً واستيراداً. وكان الحضور واسعاً والنقاشات مهمة بسبب بنية الحضور المتميز، إذ امتلأت القاعة بالمثقفين والمطلعين على أوضاع العراق والإقليم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
لم يكتف الأخ السيد حميد مراد بهاتين الندوتين بل اقترح لقاء تلفزيونياً مع قناة عشتار بعنكاوا والتي حصلت فعلاً ولمدة ساعة كاملة أدارها الأخ مدير الأخبار السيد شمعون متي حيث جرى الحديث فيها عن أحداث الاجتياح الداعشي والنازحين ومشكلات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ومستقبل النازحين وسبل حمايتهم وكل ما يمس القوميات الأخرى غير القومية العربية وأتباع الديانات الأخرى من غير المسلمين الذين يتعرضون للاضطهاد والتمييز والتهميش، وأخيراً القتل والتهجير والأسر والاغتصاب، وسبل توفير الحماية لهم. لقد كان لقاءً تلفزيوناً جامعاً وشاملاً للكثير من القضايا المهمة والحيوية والآنية التي تمس الناس في محافظة نينوى والإقليم والعراق عموماً.
وفي لقاء خاطف رجوت الأخ الأستاذ خليل برواري، المسؤول الإعلامي في مكتب الأخ الأستاذ فاضل ميراني، سكرتير المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردستاني، أن يسعى لتأمين سفرة لي إلى إحدى جبهات القتال التي يقاتل فيها الپيشمرگة الشجعان ضد قطعان داعش وعصابات التنظيم المتوحشة. ويبدو إن الأخ خليل برواري لم يستطيع تدبير الأمر لقصر الفترة الزمنية، ولكنه جلب لي كتاباً أهداه لي مشكوراً الأستاذ فاضل ميراني من تأليفه وبعنوان "قراءة في فكر الحزب الديمقراطي الكردستاني – الاختلاف والبناء – صادر عن دار النهضة العربية ببيروت في العام 2014. وكنت في ذات الوقت قد رجوت الرفيق كمال شاكر توفير فرصة لي لزيارة إحدى جبهات القتال الساخنة في سنجار والتي حصلت فعلا والتي كتبت عنها مقالاً في أربع حلقات نشرت في مواقع عراقية وعربية كثيرة. كما وفر لي الأستاذ خيري بوزاني، وبناء على رجائي، فرصة لزيارة مخيمات النازحين في باعذرة التابعة لمحافظة دهوك والتي قمنا بعدها بزيارة لشيخ الدين الكبير بابا شيخ في مقر إقامته في الشيخان وتناولنا معه وجبة الغداء ومع عدد من الأخوة الإيزيديين وبرفقة صديق الإيزيديين الأستاذ زهير كاظم عبود والأستاذ نهاد القاضي الأمين العام لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق. لقد تعرفت وعن قرب على الشيخ بابا شيخ باعتباره المسؤول الديني الكبير في الديانة الإيزيدية بعد الأمير تحسين بك، وهو يدرك أهمية التحولات التي يفترض أن تحصل في مجتمع الإيزيديين والديمقراطية الضرورية للمجتمع وضرورة اعتماد مبدأ "الدين لله والوطن للجميع" بالعراق. وإذ أتمنى أن يتحقق التنوير الديني والاجتماعي في صفوف أتباع الدين الإسلامي، أتمنى أن يحصل أيضاً في صفوف أتباع الدين الإيزيدي وبقية الديانات بالعراق لأنها السبيل الوحيد والناجح لتضامن والتعاون والتفاعل بين اتباع جميع الديانات والمذاهب بالعراق.
لقد تعرض الإيزيديون إلى إرهاب دموي مريع، إلى إبادة جماعية وبضمنها التطهير العرقي والتهجير القسري والأسر وبيع النساء في سوق النخاسة. لقد ارتكب المجرمون بشاعات مريعة ضد أتباع هذه الديانة المسالمة والناس الطيبين, إنها لطخة عار دائمة في جبين الذين مارسوا تلك الجرائم والذين سمحوا لهم بممارستها على صعيد العراق كله. 
لقد تسنى لي اللقاء بالكثير من المثقفين والمفكرين العراقيين من عرب وكرد ومن شخصيات من الكلدان والآشوريين والسريان في مناسبات عديدة خلال هذه الفترة. التقيت أثناء تلك الندوات أو زيارات لهم، كما حصل لي حين زرت الأستاذ ممتاز الحيدري في داره التي تضم آلاف الكتب العربية والكردية والمخطوطات التاريخية المهمة التي يصعب توفرها في أماكن أخرى والتي تستحق أن توضع في مكتبة عامة تحمل اسم آل الحيدري بأربيل. وكان في اللقاء الحميم الأخ الدكتور جمشيد الحيدري حيث تناولنا بالبحث وشحذ الذاكرة العديد من قضايا الماضي والحالة الراهنة في مجالات السياسة والمجتمع والثقافة. وتعود معرفتي بالأخ ممتاز إلى سنوات الستينيات في حين كنت مع أخيه الفقيد عاصم في منفى بدرة، القضاء التابع للكوت (واسط)، في النصف الثاني من خمسينات القرن العشرين. كما تعرفت على جمشيد في الستينيات وما بعدها أثناء الدراسة في الخارج. أما المناضل الفقيد جمال الحيدري، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي الذي قتل تحت التعذيب في العام 1963 على أيدي القتلة المجرمين من حزب البعث وفاشيي 1963، فكان لي لقاء قصير معه في أعقاب ثورة تموز 1959  ومن ثم في العام 1961 ببرلين بعد أن عاد من المشاركة في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي ممثلاً الحزب الشيوعي العراق. وحين وقع انقلاب شباط 1963 طلب عودة العديد من كادر الحزب في الخارج، وكنت من الأوائل الذ طلب عودتي إلى العراق للمشاركة في النضال السري. كان ذلك قبل اعتقاله وبعد الانقلاب مباشرة. وحين اعتقل في شهر حزيران من العام 1963 توقفت عودة المناضلين لفترة. وكنت قد تهيأت في حينها لمغادرة ألمانيا حين جاء طلب بتأجيل السفر لفترة أخرى. وفعلاً غادرت ألمانيا في العام 1964 إلى العراق على وفق الأساليب السرية المعهودة في مثل هذه الأحوال.   
وقضينا سهرة ممتعة في بيت الرفيق والصديق لبيد عباوي، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي سابقاً ووكيل وزير الخارجية العراقي سابقاً أيضاً والمتقاعد حالياً وزوجته الفاضلة سلمى جبو، المستشارة بشؤون المرأة لدى رئاسة الجمهورية سابقاً والتي تدير منظمة مجتمع مدني لتدريب النساء على الخياطة وأعمال أخرى، بصحبة العزيز الأستاذ نهاد القاضي. وقد هيمن الجو السياسي والاجتماعي العراقي على اللقاء الحميم والأحاديث الخاصة بما يعاني منه العراق في المرحلة الراهنة والعواقب التي تسببت عن سياسات المحاصصة الطائفية اللعينة وما يواجه العراق في المرحلة الراهنة. وفي الواقع أكملنا النقاش الذي بدأنا به في الندوتين السابقتين، سواء أكان حول النازحين أم واقع الاقتصاد العراقي.   
زرت أثناء وجودي بأربيل مقر رابطة الأنصار الشيوعيين، التي انتمي إليها باعتزاز، حيث التقيت بعدد من رفاقي الأنصار القدامى مثل أبو زينة وأشتي والدكتور جبار ونبيل وغيرهم، وعلمت منهم أنهم سيغادرون إلى الشيخان ومنها إلى جبل سنجار وسيحملون معم الكثير من المساعدات العينية التي اشتروها من أسواق أربيل بتبرعات أعضاء الرابطة خارج الوطن.
وعن طريق الصدفة التقيت بالرفيق العزيز جاسم الحلفي (أبو أحلام)، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، بأربيل مع أفراد عائلته الفاضلة، فدعيت شاكراً إلى وجبة غداء في مطعم هندي بأكلاته الهندية الطيبة التي لا تنشط الدورة الدموية فحسب، بل والنقاش وبمشاركة الصديق الأستاذ نهاد القاضي. ولا يمكن أن تكون مثل هذه اللقاءات بعيدة عن السياسة والسؤال عن أحوال الحزب والرفاق والأجواء العامة بعد تشكيل مجلس الوزراء الجديد القائم على ذات أسس المحاصصة الطائفية التي حصلت في عهد رئيس الوزراء السابق الذي كان مستبداً بأمره وبالشعب في آن.
في هذا السفرة القصيرة إلى أربيل التقيت بالإعلامي والكاتب الرفيق إبراهيم الحريري وزوجته الرفيقة ماجدة الجبوري، إذ كنت مع إبراهيم في منفى بدرة في النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي في بيته وعلى وليمة عشاء مشكورين بحضور الأستاذين زهير ونهاد والسيدة أم علي عقيلة الأستاذ زهير. وكانت ماجدة قد اشترت 50 ماكنة خياطة لتقوم بتوزيعها على العائلات النازحة في المخيمات لتأمين بعض العمل لهن، إذ إن البطالة في المخيمات واسعة جداً بل شاملة، إنها من الصحفيات والناشطات الفعالات في مجال حقوق الإنسان والدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب بالعراق.
ومن الظواهر الملاحظة بالإقليم كثرة الفنادق ذات النجمات الخمس أو الأربع أو الثلاث التي بنيت في فترة الانتعاش الاقتصادي وفرضت أسعار عالية على نزلائها والتي شهدت ارتفاعات سريعة في فترات قصيرة وأصبحت أغلى بكثير من أسعار الفنادق المماثلة لها في أوروبا وبشكل غير معقول. ورغم الانحسار الواضح للسائحين وأصحاب الأعمال إلى إقليم كردستان العراق منذ ما يقرب من عام ولكن بشكل خاص بعد اجتياح الموصل، فأن أسعار الفنادق لم تتغير وحافظت على ارتفاعها الكبير. وقد أجبر أصحاب بعض الفنادق على غلق أبواب فنادقهم. وعلى من يسافر إلى إقليم كردستان من أمثالي أن يفكر أولاً وقبل كل شيء بنفقات الفندق العالية حتى في فنادق ذات ثلاث نجمات أو أربع نجمات على وفق ما هو متوفر منها. كما إن أسعار المطاعم لم تتغير فما تزال عالية رغم الانخفاض الملموس في مدخولات السكان وتراجع في السيولة النقدية وغياب الكثير من الشركات الأجنبية.       
29/1/2015         كاظم حبيب               
         
       

15
بيان التجمع العربي لنصرة القضية الكردية
النصر دوماً لقضايا الشعوب العادلة: بمناسبة انتصار الشعب الكردي في كوباني

أنجز الشعب الكردي في كوباني انتصاره الرائع على قوى البغي والفساد والظلام، قوى الشر والعدوان، قطعان داعش السائبة ومن يساندها ويقف وراءها، بصموده البطولي وتطهيره أرض كوباني الطيبة من رجس القتلة المجرمين. لقد صمد أبطال كوباني الكرد وصدوا الهجوم البربري الذي نفذه تنظيم داعش المدعوم إقليميا ودوليا ودفعوا بهم وبأسيادهم إلى الوراء، فالشعب الذي يعشق الحياة والحرية والسلام لا بد له أن ينتصر على أعتى الإرهابيين  الظلاميين والمتطرفين من قوى الإسلام السياسي.
لقد برهنت الأمة الكردية على تضامنها الكبير ودفاعها الفعلي المستميت عن هذه المدينة المقدامة بأهلها باعتبارها رمزاً للنضال، فتوجهت قوافل الپيشمرگة الشجعان من جنوب كردستان وكل المخلصين والمدافعين عن قضية شعب كردستان لدعم وتعزيز المقاومة المقدامة فتكللت كل هذه الجهود بانتصار قوى الخير والسلام على عناصر الشر والخراب وتم تطهير تراب مدينة كوباني من رجس الإرهاب والوحوش السائبة.
تتقدم الأمانة العام للتجمع العربي لنصرة القضية الكردية باسم كل المدافعين عن حقوق وحريات وتحرر الشعوب بالتهنئة الخالصة لكل الشعوب المناضلة والمتطلعة نحو الحرية  والديمقراطية والسلام بشكل عام ولشعب كردستان بشكل خاص، على هذا الانتصار الكبير والساحق والمعبر الحقيقي عن إرادة الصمود والاستعداد للتضحية في سبيل حق الإنسان في الحياة والحرية والديمقراطية، وتبارك جهود الخيرين والداعمين لهذا الصمود والتحدي الذي أظهره الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي طيلة هذه الفترة  للدفاع عن الإنسان والأرض والحرية.
وفي أماكن أخرى من كردستان العراق وشماله قدم ويقدم پیشمرگة كردستان وبقية المقاتلين الشجعان في مناطق القتال الأخرى من العراق التضحيات الجسام في سبيل تحرير الأرض وطرد قطعان داعش المجرمة من سنجا وزمار وديالى وصلاح الدين والأنبار وكركوك وبقية المناطق التي دنسها هؤلاء الأشرار وأذاقوا أهلها مر العذاب سواء بالقتل أم الأسر أم التهجير القسري أم الاغتصاب أم النهب والتخريب وتدمير ألآثار العظيمة لشعوب المنطقة والمقدسات. 
 إننا في التجمع العربي لنصرة القضية الكردية نتطلع إلى مزيد من الانتصارات لتحرير كل شبر تم تدنيسه من قبل الأشرار والمتطرفين  وعصابات الإرهاب  والأجرام، ساء أكان بكردستان سوريا أم العراق أم في سائر المناطق الأخرى التي تعبث فيها هذه القوى في هاتين الدولتين الهشتين، ونتطلع أيضا إلى توفير الديمقراطية وتأمين حماية المنجزات الوطنية، والى خطوات اكبر من اجل توحيد مواقف كل الأحزاب والجبهات الكردية بما يحقق مصلحة شعب كردستان، ويسجل لهم انتصارا جديدة إلى جانب انتصاراتهم الأخرى.
كما يهنئ التجمع العربي لنصرة القضية الكردية الشعب الكردي والأمة الكردية بالانتصار الرائع في كوباني وكذلك في سنجار وزمار وسهل نینود وديالى، كما يهنئ الشعب العراقي بالنجاحات التي تحرز على الأرض في مناطق القتال الأخرى.
تحية إلى كل المقاتلين الشجعان ووقفة احترام وإجلال لشهداء الدفاع عن الحرية في كردستان وفي كل مكان.

الأمانة العامة
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية
27/1/2015


16
الحلقة الثالثة
زيارة إلى النازحين في جبل سنجار والمقاتلات والمقاتلين في مدينة سنجار

على الساعة السادسة صباحاً تركنا أربيل باتجاه شيخان ووصلنا إليها قبل التاسعة لنغادرها باتجاه جبل سنجار الحصين الذي احتمت به مئات العائلات الإيزيدية ودافع الرجال والنساء ببطولة وجدارة عن عائلاتهم ومنعوا قطعان داعش المسلحة في الوصول على تلك العائلات المحاصرة . وفي الطريق إلى هناك مررنا بدهوك ومن ثم بالمحمودية وربيعة، التي تقترب من الحدود السورية حوالي ثلاث كيلومترات لا غير، وعلى امتداد هذه القرى والمدن شاهدنا الأفعال الإجرامية لعصابات داعش المجرمة، شاهدنا البيوت والأسواق والدكاكين التي فجرها الداعشيون وحولوها إلى ركام بعد أن كانت تزخر بالحيوية والحياة. هجرها من كان فيها أو قتل أو أسر من قبل تلك العصابات. وبعد مرور أكثر من أربع ساعات إضافية قطعناها بالسيارة وصلنا إلى جبل سنجار الأشم حيث امتدت أمامنا بامتداد الجبل خيم النازحين المبعثرة هنا وهناك إلى أن وصلنا إلى المجمع الكبير للخيم الكثيرة التي تضم مئات العائلات النازحة قسراً والهاربة من بطش الأشرار. إن الآلاف من المواطنات والمواطنين الإيزيديين من مختلف الأعمار يعيشون منذ أشهر في هذه المخيمات في حر الصيف وفي برد الشتاء القارس. عشرات الأطفال الأبرياء يهرعون إلى السيارات التي توقفت وهي تحمل بعض المساعدات علَّ فيها ما يقي هؤلاء الأطفال من برد الشتاء ويخفف عنهم الإصابة بأمراض هذه الفصل. التقينا بالمقاتلات والمقاتلين الإيزيديين الشجعان وهم يحملون بنادق الكلاشينكوف على أكتافهم دفاعاً عن سكنة الجبل والمنطقة.
قضينا بعض الوقت مع سكان هذه المخيمات حيث قامت مجموعة من الأنصار الشيوعيين الذين رافقونا في هذه السفرة من أربيل وشيخان بتقديم المساعدات التي جاءوا بها معهم، وهي مهداة من تنظيمات الأنصار خارج الوطن، إلى المسؤولين عن المخيمات. وحالما فتحوا البالات بدأوا بجلب السجل وتوزيعها على العائلات حسب احتياجاتها. وهي عبارة عن مجموعة كبيرة من البطانيات والملابس والأحذية وما يحتاجه سكان المخيمات والأطفال من بعض اللوازم، وهي قطرة ماء على حجر ساخن لا يكفي لسكان هذه المخيمات الذين يعانون وهم في خيمهم البسيطة من قسوة الشتاء. بعدها انطلقنا بسياراتنا صوب قمة الجبل حيث البرج العالي، ومنه انحدرت السيارات صوب مدينة سنجار التي كانت المعارك ما تزال تدور فيها ولعلعة الرصاص يسمع من بعيد.
وصلنا إلى المناطق التي التقينا بجمهرة صغيرة من المناضلين البارتزان الكرد من كردستان تركيا وبالأنصار الشيوعيين والمقاتلين الشباب ا،ی.یچیین من سكان سنجار وتحدثنا معهم وكانت قذائف الهوانات تنطلق في سماء المدينة وكذلك لعلة الرصاص وإطلاق النيران بكثافة شديدة إضافة إلى دور القناصة من القوات المناضلة ضد عصابات القطعان الداعشيين ومن العصابات ذاتها ضد المناضلين في المناطق المحررة ومن فوق السطوح أو المناطق التي ما تزال تحت هيمنة العصابات المجرمة. وفي مناطق أخرى من سنجار وزمار كان القتال بين الپيشمرگة الكردستانية وعصابات داعش حامي الوطيس حيث تسعى تلك العصابات إلى استرداد ما تحرر من قبضتها في المعارك الأخيرة ضدها. إن المدينة التي حرر قسم كبير منها ما تزال محتلة في قسم آخر منها ولهذا فالمعارك لم تتوقف والمقاتلين مصممون على إحراز النصر في هذه المعارك المشرفة وسينتصرون بعزمهم وإرادتهم رغم نقص السلاح المناسب في مثل هذه المعارك.
إن المشكلة البارزة التي تواجه المناضلين تتلخص في قلة السلاح وفی نوعية السلاح، إذ ما تمتلكه عصابات داعش يفوق في النوعية والكمية ما تمتلكه القوات المناضلة ضد جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العراقي التي تمارسها عصابات داعش. بهذه القطعان المتوحشة غنمت كل السلاح والعتاد والمعدات التي كانت بحوزة الجيش والشرطة والأمن العراقية بمعسكرات مدينة ومحافظة نينوى، إضافة لما يصل إليها وباستمرار من تركيا وعبرها من بعض الدول العربية مثل قطر أو منكبار الأغنياء العرب بالدول العربية وبأوروبا من مؤيدي ومساندي هذه العصابات الإجرامية. وكان بجواري مسؤول تنظيم الحزب الشيوعي العراقي في سهل نينوى، الرفيق سالار، الذي أخبرني بفرح إن التنظيم قد استطاع أن يشتري قناصاً جديداً يضعه تحت تصرف المقاتلين الشباب في سنجار. وحين استفسرت منه قناصاً واحداً فقط، أجاب وهل تعتقد الحصول على قناص واحد سهلا بسبب غلاء سعره ولا نملك المال الكافي لشراء أكثر من واحد، فمدوا يد المساعدة لنا لنشتري أكثر. أخجلني الرفيق جداً، وكان على حق كبير! أردنا الدخول إلى وسط المدينة حيث القتال المحتدم. رفض المقاتلون أن ندخل المدينة حيث المعارك الطاحنة، إذ كانت خشيتهم كبيرة علينا من بنادق القناصة أو من قذيفة هاون تائهةٍ تسقط على رؤوسنا نحن القادمين إليهم لنرفع من معنوياتنا ونستلهم منهم القدرة والشجاعة على قول الكلمة الصادقة في مواجهة القتلة ومن تسبب بكل ذلك بالكلمة الفاعلة والمؤثرة، وهو أضعف الإيمان، إضافة إلى الظلام الذي بدأ يغطي سماء المنطقة. وهي في كل الأحوال لم تكن بعيدة عنا.
تبادلنا القبل مع المقاتلات والمقاتلين ودموع اللقاء تبلل وجوه بعضنا متمنين لهم الانتصار في معركة الحرية والتحرر من عصابات داعش، تركناهم وهم يلوحون لنا وكأن لسان حالهم يقول لا تنسونا فنحن نقاتل عنكم وعنا وعن العراق وكردستان في آن واحد! إنه النداء الموجه إلى كل العراقيات والعراقيين من مختلف القوميات وأتباع الديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية الوطنية بداخل الوطن وخارجه، إنه النداء الذي يطالب بتقديم ما يمكن تقديمه من تبرعات مالية وعينية إلى النازحين قسراً في تلك المناطق التي تدور فيها المعارك، وكذلك توفير السلاح والعتاد للمقاتلات والمقاتلين الشجعان. لكم النصر أيها الأبطال الذين تدافعون عن الإنسان العراقي وعن حياته وكرامته ووطنه. 
انتهت الحلقة الثالثة وتليها الحلقة الرابعة: ما العمل؟
22/1/2015       كاظم حبيب



17
كاظم حبيب
زيارات حزينة إلى مخيمات سكان النزوح القسري بإقليم كردستان العراق
الحلقة الأولى
أربيل

حين كان الزائر إلى أربيل قبل عامين أو ثلاثة يتجول في شوارع عاصمة الإقليم وأسواقها، كان يشعر بالحياة الجديدة المتحركة التي عمّت في هذه المدينة التاريخية وفي باقي مدن الإقليم مثل السليمانية ودهوك، وبالتغيرات الكبيرة جداً التي حدثت فيها، إذ إنها لم تعد تلك المدينة القرية المهملة والمهمشة التي كانت حتى منتصف التسعينات أو حتى نهاية القرن العشرين بسبب سياسات النظم السياسية التي هيمنت عليها. فخلال أقل من عقدين من السنين تحولت أربيل إلى مدينة حديثة بشوارعها وجسورها ومنتزهاتها الكبيرة والمنتشرة في أنحاء مختلفة منها وعماراتها وفنادقها الشاهقة وأسواقها التقليدية العامرة وأسواقها العصرية الحديثة (مولاتها) وكثرة الناس الذين تجدهم يتسوقون فيها، سواء أكانوا من بنات وأبناء المدينة أم من السياح القادمين إليها من أغلب مدن العراق الوسطى والجنوبية والغربية والموصل أو الأجانب الذين جاءوا ليتعرفوا على ما تحقق بالإقليم أو ليساهموا مع شركاتهم في بناء وتطوير هذه المدينة. لقد كانت حركة العمران وإقامة المجمعات السكنية تسير بسرعة كبيرة وبمعدلات عالية، إضافة إلى تأسيس الكثير من الجامعات الجديدة وتعاظم عدد الدارسين فيها لا بأربيل وحدها بل في كل محافظات الإقليم رغم المستوى الضعيف لأغلب هذه الجامعات حتى بعد مرور عشر سنوات أو أكثر علي تأسيسها، بما فيها جامعتي  صلاح الدين والسليمانية.
وإذ كانت لديَّ ملاحظات سلبية أساسية جديدة على اتجاهات التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتعليمي فلم أبخل بها على الأصدقاء بل  طرحتها مراراً وتكراراً، سواء برسائل شخصية أم عبر مقالات إلى الكثير من الأخوة المسؤولين بالإقليم وإلى الأحزاب السياسية التي تقود عملية البناء والتطوير بالإقليم أو عبر المناقشات المباشرة والتي كانت تمس الاقتصاد الكردستاني على نحو خاص، إضافة إلى قضايا أخرى تمس جوانب عديدة من الحياة السياسية والاجتماعية والتعليمية.
وقد لخصت أبرز تلك الملاحظات في حينها في ابتعاد حكومة الإقليم، كما الحكومة الاتحادية، كما أرى، عن التنمية الاقتصادية التي يستوجبها اقتصاد إقليم كردستان العراق، وأعني بذلك ابتعاد حكومة الإقليم عن المهمة المركزية التي تستوجب إجراء تغيير فعلي وحقيقي مدروس ومبرمج ومنظم في بنية اقتصاد الإقليم والتي يفترض أن تجد تعبيرها فيما بعد في بنية تكوين الدخل القومي، أي في إقامة صناعات وطنية مناسبة تتناغم مع المتوفر من الموارد الأولية بالإقليم، وتحديث الزراعة وتوفير مستلزمات تطورها وتنمية الصناعات الحرفية إلى جانب تطوير اقتصاد النفط، وليس الاقتصار على استخراج وتصدير النفط الخام، وتوجيه المزيد من رؤوس الأموال المتوفرة صوب التصنيع والتشغيل الإنتاجي بدلاً من التركيز على الاستيراد السلعي الاستهلاكي وإغراق الأسواق المحلية بالسلع الاستهلاكية والكمالية وتنشيط النزعة الاستهلاكية عند الإنسان الكردستاني والاقتصار في التوظيف على البناء وتعمير المدن والسكن والشوارع لا غير، على أهمية هذه الوجهة في التعمير وضرورتها أيضاً. وهذا يعني ضرورة إيجاد التوازن المناسب في توزيع وتوجيه الموارد المالية المتوفرة صوب الاستثمارات لأغراض التنمية الإنتاجية، أي التصنيع وتحديث الزراعة، وصوب الخدمات الإنتاجية والاجتماعية. كما لامست بوضوح موضوع البطالة المقنعة التي فاقت كل تصور والعمالة الأجنبية التي كان في الإمكان الاستغناء عن أكثرها لصالح تشغيل الأيدي العاملة الكردستانية بدلاً من توظيفهم في دوائر الإقليم. كما لم انس الإشارة إلى  الفساد المالي والإداري والمحسوبية والمنسوبية، وخاصة الحزبية، كما في عموم الدولة العراقية، وهما كانا وما زالا يستنزفان الكثير من الموارد المالية ويتجاوزان على حقوق الإنسان من هذا الجانب أيضاً. يضاف إلى ذلك طرحي موضوع العلاقة بين الحرية الفردية والأمن للمواطنين وأهمية إيجاد علاقة سليمة وفعالة لهذين المجالين الحيويين للإنسان ولحياة الإقليم الكردستاني والدولة العراقية.
وكانت ردود الفعل لملاحظاتي نادرة جداً، وحين كتب لي السيد الدكتور برهم صالح جواباً على رسالتي المفتوحة التي نشرتها بعد توليه منصب رئيس وزراء الإقليم، وكان قبل ذاك مسؤولاً عن الملف الاقتصادي العراقي، ورد فيه قبولاً نسبيا لملاحظاتي، ولكنه تضمن الكثير من التبريرات للسياسة المنتهجة عملياً، وبالتالي فيها إصرار على مواصلة الدرب نفسه الذي سار عليه الإقليم طيلة الفترة السابقة. ولا شك في أن الفكر اللبرالي الجديد كان وما يزال هو المهيمن على التصور العام عند المسؤولين عن عملية التطور الاقتصادي والاجتماعي بإقليم كردستان العراق وسعيهم للاقتداء بالنموذج الخليجي الهش والمناهض للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة. وهي إشكالية لا تقتصر على الإقليم بل هو تصور سائد لدى حكام بغداد أو العراق عموما حتى الآن، كما يبدو لي. ومن يتابع التطور في الخليج سيجد إن قشور الحضارة الغربية متوفرة تماماً أما المضمون والجوهر فهي ما تزال علاقات العشائر والبداوة، وبضمنها الموقف من المرأة والحريات العامة وحقوق الإنسان. كما إن البناء الاقتصادي فيها هش، أو كما يبني الإنسان قصراً على ارض هشة متحركة سرعان ما يتهاوى! 
حين كنت أتحدث وأناقش بشأن هذه المسائل كانت تمر في ذاكرتي وأمام ناظري كشريط سينمائي مكثف، كل ما مرَّ بالعراق من أزمات وانقلابات وموت ودمار وحروب وحصار ومصادرة حقوق الإنسان على امتداد سبعة عقود منصرمة بسبب طبيعة ونهج وسياسات الدولة الريعية وما أنتجته وتنتجه من عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع العراقي، بما في ذلك الاستبداد والقهر السياسي والاجتماعي والفقر والبطالة والحرمان والغنى الفاحش والفساد, وأعني بذلك اقتصار القسم الأعظم من موارد العراق المالية أو دخله القومي على استخراج وتصدير النفط الخام وغياب التنمية والتنوع في الإنتاج وتكوين الدخل القومي. والأبرز في كل تلك الصورة المرعبة لما حصل بالعراق من مآسي وكوارث تحملها الشعب العراقي بصبر لا يحسد عليه ، ومعه شعب كردستان العراق، بسبب سياسات النظام الدكتاتوري ونهجه الدموي وعسكرة الدولة والاقتصاد وخوض الحروب العنصرية والتوسعية الداخلية منها والخارجية، وبسبب الحصار الاقتصادي الدولي الذي دام 13 سنة من سني عجاف ومريرة على الإنسان والمجتمع والاقتصاد الوطني. ولقد خسر الشعب العراقي ما يزيد عن مليون إنسان، دع عنك الجرحى والمعوقين ومئات المليارات من الدولارات الأمريكية، وما نعيش تحت وطأته اليوم هو من نتاج تلك الفترات وما بعدها.         
وخلال السنوات الأربع الأخيرة من حكم المستبد بأمره وبالشعب العراقي كله، حكم الدكتاتور الصغير نوري المالكي، تدهورت العلاقات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم. وإذ تتحمل الحكومة الاتحادية القسط الأكبر والرئيسي من المسؤولية في هذا التدهور المتفاقم والمريع في العلاقات بين الحكومتين،  بسبب عدم معالجتها للكثير من القضايا التي كان يجب معالجتها، بما في ذلك تنفيذ بنود المادة 140 من الدستور العراقي أو المصادقة على قانون النفط الخام، أو موضوع الرواتب لقوات البيشمركة باعتبارها جزءاً من القوات العسكرية العراقية ...الخ، فأن ردود الفعل من رئاسة وحكومة الإقليم كانت هي الأخرى متشنجة وتتحمل جزءاً من المسؤولية أيضاً. وزاد الأمر سوءاً قيام نوري المالكي بقطع إيصال الرواتب وتعطيل دفع الحصة المطلوبة من الميزانية العامة للإقليم، إضافة إلى تعطيل البت في الميزانية العامة وتشديد الصراع حول عقود النفط الكردستانية بدلاً من معالجتها في ضوء إصدار قانون النفط العراقي وحل المشكلات العالقة حتى بلغ الأمر أحياناً إلى احتمال صدام عسكري بين الطرفين. لقد وصلت العلاقات في فترة حكم المالكي إلى طريق مسدود حقاً رغم محاولات المالكي إيجاد فرصة البقاء في السلطة لدورة ثالثة بمختلف السبل غير المشروعة وغير الدستورية. وإزاحته عن السلطة فتح الطريق نسبياً لمعالجة المشكلات القائمة. ولولا الانهيار الكارثي بالموصل وما نجم عنه لبقي المالكي متشبثاً بكرسيه المسحور! وقد تسبب حكم المالكي بشكل خاص في الكارثة التي يعاني منها العراق كله في الوقت الحاضر وتجلت في ما سأحاول طرحه في الحلقات القادمة.   
وحين زرت كردستان في شهر كانون الثاني/يناير 2015 رأيت ما كنت أتوقعه قبل ذلك ولم أكن أتمناه لشعب كردستان ولا للشعب العراقي الذي يعاني من نفس المشكلات. والوضع الراهن ناشئ عن عوامل سابقة متراكمة وجديدة كانت في بالي حين كنت أطرح ملاحظاتي على الأخوة المسؤولين بالإقليم أو حين كنت أطرح رؤيتي للوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي العام بالعراق.
واليوم يعاني إقليم كردستان العراق من مشكلات كثيرة. فهو من جانب يقاتل قوات داعش المجرمة التي اجتاحت واستباحت الموصل والكثير من قرى ونواحي وأقضية محافظة نينوى وبعض مناطق كركوك وديالى، ومن جانب آخر ما زال الإقليم يواجه نزوحاً مستمراً إليه من المناطق التي تعرضت للاجتياح والاستباحة أو التي يجري فيها القتال. كما أنه يعاني من نقص في السلاح والعتاد والمعدات العسكرية والتي لا تصله بالسيولة والسرعة المطلوبتين ولا بالكميات والنوعيات المنشودتين لمواجهة فاعلة ومظفرة ضد القوات الغازية.   
كما إن الإقليم يواجه تقلصاً شديداً في السيولة النقدية الناشئة من عوامل كثيرة بما فيها مشكلة أسعار النقط وتقلص إيرادات العراق من النفط الخام ...الخ، مما أدى إلى تقلص كبير في القدرة على تأمين الموارد المالية لتمويل المشاريع العمرانية بالإقليم وتقليص النسبة التي تدفع للموظفين من رواتبهم، وتوقفت الكثير من الشركات الأجنبية عن العمل وانعكس كل ذلك وغيره على السوق الكردستاني، إذ تقلصت السيولة النقدية إلى حدود بعيدة والذي يجد تعبيره في الكساد العام في أسواق أربيل والإقليم عموماً وفي توقف العمل في الكثير من المشاريع الاقتصادية وفي إنجاز مشاريع البناء وغيرها.
إن هذه الأزمة الراهنة يمكن أن تمر وينتصر العراق وينتصر الإقليم على عصابات داعش المجرمة وبقية المليشيات الطائفية المسلحة، ولكن السؤال: ماذا بعد ذلك؟ هل سيتعلم حكام العراق من كل ذلك؟ وهل سيتعلم حكام وأحزاب الإقليم من هذه التجربة الجديدة والقاسية أيضاً، دع عنك التجارب السابقة؟ هذا ما لا أستطيع الإجابة عنه، لأن الشعوب ما تزال عاجزة عن تلقين حكامها الدروس المطلوبة حين تبتعد عن أهداف التنمية الفعلية للاقتصاد والمجتمع. وإذا كان الإقليم قد وجه موارد معينة لصالح تجديد المدن وتخليصها من الرثاثة السابقة، فأن حكام بغداد لم يصلوا حتى إلى هذه النتيجة حتى الآن، إذ ما تزال العاصمة بغداد غارقة في الرثاثة المريرة وكذلك البصرة والعمارة والحلة والأنبار وصلاح الدين وغيرها من مدن وسط وجنوب وغرب العراق، دع عنك وجود بعضها تحت قبضة القطعان الأوباش من عصابات داعش المجرمة ومن الميلشيات الطائفية المسلحة التي ما تزال تمارس الهيمنة على المدن وتفرض إرهابها على الناس، تحت اسم الحشد الشعبي، رغم إن أقسام من الحشد الشعبي تمارس دورها الوطني في مناهضة القوى التي اجتاحت العراق من بوابة الموصل والأنبار وغيرهما.
نحن أذن أمام مجموعة من العوامل الفاعلة بصورة سلبية على الوضع الاقتصادي والمعيشي لشعب كردستان وعموم العراق والتي تستوجب التغيير بأسرع وقت ممكن لأن استمرارها سيكون طامة كبرى على العراق كله.
انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية، وهي بعنوان: الإقليم والنازحون قسراً.
19/1/2015       كاظم حبيب
         
       



18
كاظم حبيب
زيارات حزينة إلى مخيمات سكان النزوح القسري بإقليم كردستان العراق
الحلقة الأولى


أربيل

حين كان الزائر إلى أربيل قبل عامين أو ثلاثة يتجول في شوارع عاصمة الإقليم وأسواقها، كان يشعر بالحياة الجديدة المتحركة التي عمّت في هذه المدينة التاريخية وفي باقي مدن الإقليم مثل السليمانية ودهوك، وبالتغيرات الكبيرة جداً التي حدثت فيها، إذ إنها لم تعد تلك المدينة القرية المهملة والمهمشة التي كانت حتى منتصف التسعينات أو حتى نهاية القرن العشرين بسبب سياسات النظم السياسية التي هيمنت عليها. فخلال أقل من عقدين من السنين تحولت أربيل إلى مدينة حديثة بشوارعها وجسورها ومنتزهاتها الكبيرة والمنتشرة في أنحاء مختلفة منها وعماراتها وفنادقها الشاهقة وأسواقها التقليدية العامرة وأسواقها العصرية الحديثة (مولاتها) وكثرة الناس الذين تجدهم يتسوقون فيها، سواء أكانوا من بنات وأبناء المدينة أم من السياح القادمين إليها من أغلب مدن العراق الوسطى والجنوبية والغربية والموصل أو الأجانب الذين جاءوا ليتعرفوا على ما تحقق بالإقليم أو ليساهموا مع شركاتهم في بناء وتطوير هذه المدينة. لقد كانت حركة العمران وإقامة المجمعات السكنية تسير بسرعة كبيرة وبمعدلات عالية، إضافة إلى تأسيس الكثير من الجامعات الجديدة وتعاظم عدد الدارسين فيها لا بأربيل وحدها بل في كل محافظات الإقليم رغم المستوى الضعيف لأغلب هذه الجامعات حتى بعد مرور عشر سنوات أو أكثر علي تأسيسها، بما فيها جامعتي  صلاح الدين والسليمانية.
وإذ كانت لديَّ ملاحظات سلبية أساسية جديدة على اتجاهات التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتعليمي فلم أبخل بها على الأصدقاء بل  طرحتها مراراً وتكراراً، سواء برسائل شخصية أم عبر مقالات إلى الكثير من الأخوة المسؤولين بالإقليم وإلى الأحزاب السياسية التي تقود عملية البناء والتطوير بالإقليم أو عبر المناقشات المباشرة والتي كانت تمس الاقتصاد الكردستاني على نحو خاص، إضافة إلى قضايا أخرى تمس جوانب عديدة من الحياة السياسية والاجتماعية والتعليمية.
وقد لخصت أبرز تلك الملاحظات في حينها في ابتعاد حكومة الإقليم، كما الحكومة الاتحادية، كما أرى، عن التنمية الاقتصادية التي يستوجبها اقتصاد إقليم كردستان العراق، وأعني بذلك ابتعاد حكومة الإقليم عن المهمة المركزية التي تستوجب إجراء تغيير فعلي وحقيقي مدروس ومبرمج ومنظم في بنية اقتصاد الإقليم والتي يفترض أن تجد تعبيرها فيما بعد في بنية تكوين الدخل القومي، أي في إقامة صناعات وطنية مناسبة تتناغم مع المتوفر من الموارد الأولية بالإقليم، وتحديث الزراعة وتوفير مستلزمات تطورها وتنمية الصناعات الحرفية إلى جانب تطوير اقتصاد النفط، وليس الاقتصار على استخراج وتصدير النفط الخام، وتوجيه المزيد من رؤوس الأموال المتوفرة صوب التصنيع والتشغيل الإنتاجي بدلاً من التركيز على الاستيراد السلعي الاستهلاكي وإغراق الأسواق المحلية بالسلع الاستهلاكية والكمالية وتنشيط النزعة الاستهلاكية عند الإنسان الكردستاني والاقتصار في التوظيف على البناء وتعمير المدن والسكن والشوارع لا غير، على أهمية هذه الوجهة في التعمير وضرورتها أيضاً. وهذا يعني ضرورة إيجاد التوازن المناسب في توزيع وتوجيه الموارد المالية المتوفرة صوب الاستثمارات لأغراض التنمية الإنتاجية، أي التصنيع وتحديث الزراعة، وصوب الخدمات الإنتاجية والاجتماعية. كما لامست بوضوح موضوع البطالة المقنعة التي فاقت كل تصور والعمالة الأجنبية التي كان في الإمكان الاستغناء عن أكثرها لصالح تشغيل الأيدي العاملة الكردستانية بدلاً من توظيفهم في دوائر الإقليم. كما لم انس الإشارة إلى  الفساد المالي والإداري والمحسوبية والمنسوبية، وخاصة الحزبية، كما في عموم الدولة العراقية، وهما كانا وما زالا يستنزفان الكثير من الموارد المالية ويتجاوزان على حقوق الإنسان من هذا الجانب أيضاً. يضاف إلى ذلك طرحي موضوع العلاقة بين الحرية الفردية والأمن للمواطنين وأهمية إيجاد علاقة سليمة وفعالة لهذين المجالين الحيويين للإنسان ولحياة الإقليم الكردستاني والدولة العراقية.
وكانت ردود الفعل لملاحظاتي نادرة جداً، وحين كتب لي السيد الدكتور برهم صالح جواباً على رسالتي المفتوحة التي نشرتها بعد توليه منصب رئيس وزراء الإقليم، وكان قبل ذاك مسؤولاً عن الملف الاقتصادي العراقي، ورد فيه قبولاً نسبيا لملاحظاتي، ولكنه تضمن الكثير من التبريرات للسياسة المنتهجة عملياً، وبالتالي فيها إصرار على مواصلة الدرب نفسه الذي سار عليه الإقليم طيلة الفترة السابقة. ولا شك في أن الفكر اللبرالي الجديد كان وما يزال هو المهيمن على التصور العام عند المسؤولين عن عملية التطور الاقتصادي والاجتماعي بإقليم كردستان العراق وسعيهم للاقتداء بالنموذج الخليجي الهش والمناهض للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة. وهي إشكالية لا تقتصر على الإقليم بل هو تصور سائد لدى حكام بغداد أو العراق عموما حتى الآن، كما يبدو لي. ومن يتابع التطور في الخليج سيجد إن قشور الحضارة الغربية متوفرة تماماً أما المضمون والجوهر فهي ما تزال علاقات العشائر والبداوة، وبضمنها الموقف من المرأة والحريات العامة وحقوق الإنسان. كما إن البناء الاقتصادي فيها هش، أو كما يبني الإنسان قصراً على ارض هشة متحركة سرعان ما يتهاوى! 
حين كنت أتحدث وأناقش بشأن هذه المسائل كانت تمر في ذاكرتي وأمام ناظري كشريط سينمائي مكثف، كل ما مرَّ بالعراق من أزمات وانقلابات وموت ودمار وحروب وحصار ومصادرة حقوق الإنسان على امتداد سبعة عقود منصرمة بسبب طبيعة ونهج وسياسات الدولة الريعية وما أنتجته وتنتجه من عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع العراقي، بما في ذلك الاستبداد والقهر السياسي والاجتماعي والفقر والبطالة والحرمان والغنى الفاحش والفساد, وأعني بذلك اقتصار القسم الأعظم من موارد العراق المالية أو دخله القومي على استخراج وتصدير النفط الخام وغياب التنمية والتنوع في الإنتاج وتكوين الدخل القومي. والأبرز في كل تلك الصورة المرعبة لما حصل بالعراق من مآسي وكوارث تحملها الشعب العراقي بصبر لا يحسد عليه ، ومعه شعب كردستان العراق، بسبب سياسات النظام الدكتاتوري ونهجه الدموي وعسكرة الدولة والاقتصاد وخوض الحروب العنصرية والتوسعية الداخلية منها والخارجية، وبسبب الحصار الاقتصادي الدولي الذي دام 13 سنة من سني عجاف ومريرة على الإنسان والمجتمع والاقتصاد الوطني. ولقد خسر الشعب العراقي ما يزيد عن مليون إنسان، دع عنك الجرحى والمعوقين ومئات المليارات من الدولارات الأمريكية، وما نعيش تحت وطأته اليوم هو من نتاج تلك الفترات وما بعدها.         
وخلال السنوات الأربع الأخيرة من حكم المستبد بأمره وبالشعب العراقي كله، حكم الدكتاتور الصغير نوري المالكي، تدهورت العلاقات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم. وإذ تتحمل الحكومة الاتحادية القسط الأكبر والرئيسي من المسؤولية في هذا التدهور المتفاقم والمريع في العلاقات بين الحكومتين،  بسبب عدم معالجتها للكثير من القضايا التي كان يجب معالجتها، بما في ذلك تنفيذ بنود المادة 140 من الدستور العراقي أو المصادقة على قانون النفط الخام، أو موضوع الرواتب لقوات البيشمركة باعتبارها جزءاً من القوات العسكرية العراقية ...الخ، فأن ردود الفعل من رئاسة وحكومة الإقليم كانت هي الأخرى متشنجة وتتحمل جزءاً من المسؤولية أيضاً. وزاد الأمر سوءاً قيام نوري المالكي بقطع إيصال الرواتب وتعطيل دفع الحصة المطلوبة من الميزانية العامة للإقليم، إضافة إلى تعطيل البت في الميزانية العامة وتشديد الصراع حول عقود النفط الكردستانية بدلاً من معالجتها في ضوء إصدار قانون النفط العراقي وحل المشكلات العالقة حتى بلغ الأمر أحياناً إلى احتمال صدام عسكري بين الطرفين. لقد وصلت العلاقات في فترة حكم المالكي إلى طريق مسدود حقاً رغم محاولات المالكي إيجاد فرصة البقاء في السلطة لدورة ثالثة بمختلف السبل غير المشروعة وغير الدستورية. وإزاحته عن السلطة فتح الطريق نسبياً لمعالجة المشكلات القائمة. ولولا الانهيار الكارثي بالموصل وما نجم عنه لبقي المالكي متشبثاً بكرسيه المسحور! وقد تسبب حكم المالكي بشكل خاص في الكارثة التي يعاني منها العراق كله في الوقت الحاضر وتجلت في ما سأحاول طرحه في الحلقات القادمة.   
وحين زرت كردستان في شهر كانون الثاني/يناير 2015 رأيت ما كنت أتوقعه قبل ذلك ولم أكن أتمناه لشعب كردستان ولا للشعب العراقي الذي يعاني من نفس المشكلات. والوضع الراهن ناشئ عن عوامل سابقة متراكمة وجديدة كانت في بالي حين كنت أطرح ملاحظاتي على الأخوة المسؤولين بالإقليم أو حين كنت أطرح رؤيتي للوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي العام بالعراق.
واليوم يعاني إقليم كردستان العراق من مشكلات كثيرة. فهو من جانب يقاتل قوات داعش المجرمة التي اجتاحت واستباحت الموصل والكثير من قرى ونواحي وأقضية محافظة نينوى وبعض مناطق كركوك وديالى، ومن جانب آخر ما زال الإقليم يواجه نزوحاً مستمراً إليه من المناطق التي تعرضت للاجتياح والاستباحة أو التي يجري فيها القتال. كما أنه يعاني من نقص في السلاح والعتاد والمعدات العسكرية والتي لا تصله بالسيولة والسرعة المطلوبتين ولا بالكميات والنوعيات المنشودتين لمواجهة فاعلة ومظفرة ضد القوات الغازية.   
كما إن الإقليم يواجه تقلصاً شديداً في السيولة النقدية الناشئة من عوامل كثيرة بما فيها مشكلة أسعار النقط وتقلص إيرادات العراق من النفط الخام ...الخ، مما أدى إلى تقلص كبير في القدرة على تأمين الموارد المالية لتمويل المشاريع العمرانية بالإقليم وتقليص النسبة التي تدفع للموظفين من رواتبهم، وتوقفت الكثير من الشركات الأجنبية عن العمل وانعكس كل ذلك وغيره على السوق الكردستاني، إذ تقلصت السيولة النقدية إلى حدود بعيدة والذي يجد تعبيره في الكساد العام في أسواق أربيل والإقليم عموماً وفي توقف العمل في الكثير من المشاريع الاقتصادية وفي إنجاز مشاريع البناء وغيرها.
إن هذه الأزمة الراهنة يمكن أن تمر وينتصر العراق وينتصر الإقليم على عصابات داعش المجرمة وبقية المليشيات الطائفية المسلحة، ولكن السؤال: ماذا بعد ذلك؟ هل سيتعلم حكام العراق من كل ذلك؟ وهل سيتعلم حكام وأحزاب الإقليم من هذه التجربة الجديدة والقاسية أيضاً، دع عنك التجارب السابقة؟ هذا ما لا أستطيع الإجابة عنه، لأن الشعوب ما تزال عاجزة عن تلقين حكامها الدروس المطلوبة حين تبتعد عن أهداف التنمية الفعلية للاقتصاد والمجتمع. وإذا كان الإقليم قد وجه موارد معينة لصالح تجديد المدن وتخليصها من الرثاثة السابقة، فأن حكام بغداد لم يصلوا حتى إلى هذه النتيجة حتى الآن، إذ ما تزال العاصمة بغداد غارقة في الرثاثة المريرة وكذلك البصرة والعمارة والحلة والأنبار وصلاح الدين وغيرها من مدن وسط وجنوب وغرب العراق، دع عنك وجود بعضها تحت قبضة القطعان الأوباش من عصابات داعش المجرمة ومن الميلشيات الطائفية المسلحة التي ما تزال تمارس الهيمنة على المدن وتفرض إرهابها على الناس، تحت اسم الحشد الشعبي، رغم إن أقسام من الحشد الشعبي تمارس دورها الوطني في مناهضة القوى التي اجتاحت العراق من بوابة الموصل والأنبار وغيرهما.
نحن أذن أمام مجموعة من العوامل الفاعلة بصورة سلبية على الوضع الاقتصادي والمعيشي لشعب كردستان وعموم العراق والتي تستوجب التغيير بأسرع وقت ممكن لأن استمرارها سيكون طامة كبرى على العراق كله.
انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية، وهي بعنوان: الإقليم والنازحون قسراً.
19/1/2015       كاظم حبيب

الحلقة الثانية
الإقليم والنازحون قسراً إليه، مخيم آسيان في ناحية باعذرا

يقدر عدد سكان إقليم كردستان بـ 5 مليون نسمة أو ما يعادل 17% من مجموع سكان العراق. ولكن هذا العدد من السكان يتحمل اليوم عدداً كبيراً جداً من النازحين قسراً إلى الإقليم من عدد من محافظات العراق مثل نينوى، الأنبار، صلاح الدين، ديالى وبغداد أو غرها, إذ يقدر عددهم بين 1450000 – 1500000 نسمة، أي أن حصة كل ثلاثة أشخاص من سكان الإقليم يتحملون وجود شخص واحد من النازحين قسراً تقريباً. وهو كما يرى القارئ والقارئة عبء ثقيل وثقيل جداً على الإقليم وميزانيته وسكانه وقدراته الاستيعابية وتوفير مستلزمات احتضان هذا العدد المتزايد، رغم إن هناك الكثير ممن هاجر أو يسعى للهجرة إلى خارج العراق. يضاف إلى ذلك أن التعاون بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، رغم تحسنها النسبي، ما زالت بعيدة عن المطلوب منه في هذا الظرف الاستثنائي الذي يمر بالإقليم والعراق عموماً، كما إن الدعم الدولي ليس بالمستوى المطلوب، سواء بالنسبة لجبهات القتال أو بالنسبة للمواقع الخلفية أو السكان المدنيين والنازحين قسراً.
بلغ عدد النازحين من سوريا إلى إقليم كردستان وقبل وأثناء وبعد أحداث اجتياح داعش للموصل في العام 2014 بحدود 260 ألف نسمة، وعدد النازحين قسراً من مختلف مدن العراق وصل في نفس العام إلى 2400 ألف نسمة، منها من مدن المحافظات العراقية المستباحة بحدود 1200 ألف نسمة. ويشير تقرير الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية إلى توزيع مجموع النازحين إلى إقليم كردستان على النحو التالي:
330 ألف عائلة من الموصل وتكريت وديالى ومدن محافظة الأنبار
19  ألف عائلة من سهل نينوى والموصل
58 ألف عائلة من الموصل وتلعفر وكركوك
60 ألف عائلة من سنجار والموصل
33 ألف عائلة من مدن محافظة نينوى
120 عائلة من الجنوب وبغداد
 أقيم عشرات المخيمات للنازحين المسيحيين قسراً من الموصل وسهل نينوى أو النازحين الإيزيديين من مدن سهل نسهل وسنجار وزمار وغيرها، إضافة إلى  إسكان أعداداً أخرى في البيوت غير الكاكلة البناء والتي يطلق عليها بالهياكل أو في بيوت في عنكاوا وكذلك مخيمات في الكنائس والنوادي وغير ذلك.
توجد في دهوك خمسة مجمعات تحتوي على 20 ألف خيمة (وحدة سكنية) موزعة على النحو التالي:
آسيان 3000 خيمة في ناحية باعذرة، 3000 خيمة في قضاء بردة رش في دهوك، 3000 خيمة في عقرة، 3000 خيمة ف كابرتو، و3000 خيمة كابر بك و3000 خيمة في سميل و5000 خيمة في جامشكو زاخو. وهناك مخيمات أخرى كثيرة للنازحين قسراً في دهوك غير التي ذكرتها ويصل مجموعها إلى 18 مخيم تعيش فيه جماعات من مختلف القوميات والديانات. ومجموع الإيزيديين في هذه المخيمات يتراوح بين 120-150 ألف نسمة. ساهمت الحكومة الاتحادية بالتمويل وحكومة الإقليم في تنفيذ إقامة المخيمات وإدارتها. لا توجد إدارة مركزية لكل المخيمات. 
واليكم معلومات عن واحد من هذه المخيمات السكنية المقام في ناحية باعذره في محافظة دهوك واسمه "مخيم "آسيان". توجد في هذا المخيم 3000 خيمة للسكن تسكن فيها حتى الآن 2480 عائلة أو ما يساوي 14440 نسمة. المخيم مزود بالكهرباء والماء وهو من المخيمات المحسنة نسبياً بسبب وجود مطبخ وحمام في مقابل كل خيمة.
لا توجد مدرسة للأطفال ولا خدمات اجتماعية ضرورية ولا أي نشاط اجتماعي والبطالة منتشرة بين أبناء وبنات هذا المخيم كما هو حال بقية المخيمات. رغم صدور قرار بمنح كل عائلة مليون دينار شهرياً فالكثير من العائلات لم يتسلم هذه المنحة الضئيلة حتى الآن. أقل من نصف القاطنين تسلموا النفط والغاز في حين لم يتسلم البقية ذلك رغم قساوة برد الشتاء في المنطقة. في هذا المخيم نلتقي ب 54 معاق من ذوي الاحتياجات الخاصة و104 يتيم الأبوين.
يعاني الأطفال وكذلك الكثير من الشباب والنساء من أوضاع نفسية معقدة جداً ومن كوابيس مستمر ولا توجد أي معالجة نفسية لهؤلاء الناس. الكثير من العوامل التي تعيش في هذا المخيم خسرت الكثير من أفرادها بعضهم قتل البعض الآخر اختطف ولم يعد ولا يعرفون مصيره ومن بينهم نساء. فعائلة واحدة فقدت 38 شخصاً، منهم 23 امرأة وثلاثة أطفال و12 رجلاً من مختلف الأعمار.       
الأوضاع الحياتية في هذه المجمعات بائسة حقاً ومريعة، خاصة وان اغلبهم من سكان المدن وكانت لهم دورهم ومعيشتهم وعملهم وحياتهم الاجتماعية، وبالتالي فهم يعانون من الكثير من المصاعب اليومية التي لا تستطيع إدارة هذه المخيمات على حلها لأنها فقيرة ولا تمتلك الموارد الضرورية.
من الجدير بالإشارة إلى إن العائلات الإيزيدية قد استقبلت النساء الأسرى الذين عادوا إلى أهلهم بصورة حسنة متفهمة لأوضاعهم، فهم لم يكونوا مخيرين بل أسروا وعانوا من العذابات المريرة الشيء الكثيرة وهن يواجهن أوضاعاً نفسية وكوابيس قاسية وخشية دائمة تؤرقهم دوماً وتنغص حياتهم.   
 إن الإشكاليات التي يعاني منها النازحون قسراً لا تنتهي بانتهاء حياة المخيمات، بل ستكون عبئاً ثقيلاً على أوضاعهم النفسية والاجتماعية والاقتصادية لاحقاً، إضافة على انعدام الثقة بين المكونات العراقية، إزاء أولئك الذين شاركوا في اضطهادهم واغتصاب النساء أو قتل الأقرباء أو الاختطاف وقتل الأطفال. والطبيبة النفسية الدكتورة فيان وزوجها الأستاذ نهاد القاضي يطلقون على معاناة وأوضاع النازحين قسراً بعد التحرير بـ"أزمة ما بعد الأزمة" التي يستوجب الأمر الاستعداد لها منذ اليوم لمعالجة فقدان الثقة بين مكونات الشعب العراقي في المناطق التي تم اجتياحها واستباحتها.
                   






الحلقة الثالثة
   في مخيمات جبل سنجار الموحشة   
على الساعة السادسة صباحاً تركنا أربيل باتجاه شيخان ووصلنا إليها قبل التاسعة لنغادرها باتجاه جبل سنجار الحصين الذي احتمت به مئات العائلات الإيزيدية ودافع الناس والرجال ببطولة وجدارة عن عائلاتهم. وفي الطريق إلى هناك مررنا بدهوك ومن ثم بالمحمودية وربعة وعلى امتداد هذه القرى والمدن شاهدنا البيون والأسواق والمحلات التي فجرها الداعشيون المجرمون وحولوها إلى ركام. وبعد مسيرة دامت أكثر من اربع ساعات إضافية وصلنا إلى جبل سنجار حيث امتدت بامتداده الخيم المبعثرة هنا وهناك حتى وصلنا إلى مجمعات الخيم الكثيرة التي تضم عدة آلاف من المواطنات والمواطنين الإيزيديين ومن مختلف الأعمار، وكثرة من الأطفال. التقينا بالمقاتلات والمقاتلين الشجعان الذين حملوا السلاح دفاعاً عن وطنهم وأرضهم وعائلاتهم بجرأة فائقة. من أربيل كانت قد انطلقت سيارات تحمل مساعدات عينية إلى العائلات القاطنة في تلك الخيم، بطانيات وأحذية وقمصان وسراويل.     


19
كاظم حبيب

الأزمة المالية وإشكاليات الفساد والإصلاح الاقتصادي

حين كان السياسي الوطني ورئيس حزب الأحرار بالعراق السيد سعد صالح وزيراً للداخلية في وزارة توفيق السويدي الثانية في العام 1946، حيث كان الجو الديمقراطي الذي أعقب الانتصار على الفاشية سائداً، أكد في تصريح له أنه حين يقرأ خبراً أو تقريراً في جريدة القاعدة الناطقة باسم الحزب الشيوعي العراقي يثق بصواب هذا الخبر أو التقرير لأن الجريدة لا تنشر خبراً أو تقريراً دون التيقن من ذلك. تذكرت هذا الموقف لسعد صالح وأنا أقرأ النص الآتي الوارد في مقال نشر هذا اليوم (30/12/2014) في جريدة طريق الشعب، الناطقة باسم الحزب الشيوعي العراقي للكاتب مرتضى عبد الحميد تحت عنوان "سيف التقشف ما زال مسلطاً"، والشعب يودع العام 2014 المليء بالكوارث والمآسي والموت والنزوح والإرهاب الداعشي وغيره وغزو البلاد واستباحة شعبها، وهو يتحدث عن خواء الخزينة العراقية وعن الأزمة المالية والتقشف:
"في مجلس النواب (2500) موظفاً، بينما حاجة المجلس الفعلية هي (200) موظفاً فقط/ ويبلغ عدد حمايات أعضاء مجلس النواب (14.800) عنصراً/ مصرف الجيب لعضو البرلمان عند إيفاده إلى الخارج هو (600) دولار وفي الداخل (150) دولار، عدا الإقامة في أرقى الفنادق والمأكل والمشرب/ نفقات إدامة سيارات مجلس النواب وأعضائه تبلغ ملياري دينار/ في مجلس الوزراء (1615) موظفاً، ويقول السيد رئيس الوزراء حيدر العبادي ما احتاجه من هؤلاء هو (50) موظفاً فقط لا أكثر!/ في المساءلة والعدالة (1047) موظفاً/ في المنطقة الخضراء كلها أكثر من (28،000) موظفاً تبلغ مخصصات الخطورة التي يحصلون عليها (574) مليار دينار عدا رواتبهم في رئاسة الجمهورية (2000) موظف/ يوجد (716) وكيل وزارة/ و (4535) مديراً عاماً بالإضافة إلى حماياتهم وايفاداتهم والنثريات ومكاتبهم! بعد هذه الأرقام "المتواضعة" لا أظن أن هناك حاجة للحديث عن الفضائيين الذين يقدر عددهم بأكثر من (300،000) فضائي، ولا عن الرواتب الفلكية للرئاسات الثلاث والوزراء والنواب، ولا عن الايفادات التي تتحكم بها المحسوبية والمنسوبية، وتحولت إلى سفرات سياحية وترفيهية..الخ."
وأخيراً قرأت ما كشفه تقرير أمريكي نشره موقع "أخبار العراق"، وورد في موقع دوت مصر) وتحدث عن أغنى 17 عراقياً وصلت مجموع أموال الشعب التي حطت في جيوبهم 331 مليار دولار أمريكي، وأكثرهم غنى نوري المالكي 50 مليار دولار أمريكي وأفقرهم هو عادل عبد المهدي (3) مليار دولار والمعدل لكل منهم هو 17،4 مليار دولار تقريباً. ثم نشر قبل فترة تقرير مسرب من السفارة الأمريكية ببغداد يتحدث عن 700 مليار دولار تقبع في جيوب كبار أغنيا العراق، وهي كلها من عرق جبينهم ونحول أجسامهم المرهقة من التعب في خدمة الشعب!!!

أثق تماماً بشأن جاء في هذا المقال وفي التقارير الأخرى وما جاء بصيغة أخرى في مذكرة الأخ الدكتور مهدي الحافظ، عضو مجلس النواب العراق، الموجهة إلى رئيس مجلس النواب حول ذات الموضوع وسبل تقليص هذه النفقات وليس التقشف على حساب قوت وصحة وسلامة الشعب عموماً والفقراء والمعوزين الذين ارتفعت نسبة من هم تحت خط الفقر إلى أكثر من 30% من مجموع السكان، دع عنك الذين يرتفع دخلهم اليومي قليلاً عن خط الفقر والذين تبلغ نسبتهم حوالي 20-25% من السكان. إضافة غلى  التقارير والمقالات والدراسات التي نشرت في جريدة المدى بشأن الفساد ومن يقف وراء كل ذلك.
وفي السنوات المنصرمة نشر أكثر من خبير اقتصادي عراقي دراسات ومقالات مهمة حول سبل حماية الاقتصاد الوطني خلال هذه الفترة بعد أن بدأ تقلص إيرادات النفط الخام العراقي بسبب سياسة تخفيض سعر البرميل الواحد في السوق العالمي والذي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة السعودية في لإغراق سوق النفط بكميات كبيرة، كأبرز الأسباب، والعواقب المحتملة ما لم تتخذ الإجراءات الكفيلة لمعالجة المشكلات القائمة , منها مقترحات الدكتور فاضل عباس مهدي الدكتور كامل العضاض والأستاذين عدنان الجنابي ولؤي الخطيب أو غيرهم أو ما يطرح من معالجات جادة على موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين التي يمكن الاستفادة من تلك التوصيات الأكثر نضوجاً ووعياً بواقع العراق ومشكلاته واتجاهات تطوره المطلوبة.
ولا يمكن معالجة هذه الأمور مجتمعة ما لم يتم طرح حقيقة أن العراق يعاني من نظام محاصصي قاتل للوطن والوطنية والمواطنة من جهة، وحقيقة أن الفساد قد أصبح نظاماً سائداً بالبلاد ومعمولاً به ومعترفا بوجوده من جانب الدولة والسلطات الثلاث والمجتمع من جهة ثانية، وضرورة تشخيص سبل المعالجة التي يفترض أن تبدأ بالأهم والمهم وعلى أساس سلة متكاملة من السياسات والإجراءات من جهة ثالثة.
يطالب البعض بالتقشف. ويبدو إن التقشف سيصيب الفئات المنتجة والكادحة وليس الأغنياء. فما يزال عمال التمويل الذاتي يتظاهرون مطالبين بما يلي على وفق ما جاء في تقرير لجريدة طريق الشعب:
"احتشد المئات من منتسبي شركات التمويل الذاتي التابعة لوزارة الصناعة والمعادن، يوم أمس الثلاثاء، أمام البوابة الرئيسة للمنطقة الخضراء في بغداد.
وبحماسة عالية هتف المتظاهرون، مطالبين بإلغاء التمويل الذاتي وضرورة إعادتهم إلى نظام التمويل المركزي والإسراع بصرف رواتب المحجوبة منذ أكثر من أربعة أشهر.
وردد المتظاهرون أهازيج تستهجن قلة اهتمام وعدم جدية الحكومة في رفع الظلم والحيف عن 300 ألف منتسب في وزارة الصناعة. وكان ابرز تلك الاهازيج: "بوكك جوعني باطل، على الراتب لاحكني علي بابا، التمويل الذاتي باطل، قتل الصناعة باطل، عمالنا بهذا البلد قوة حديدية".
في الخطابات والتصريحات الأخيرة للسيد رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي خلال شهر كانون الأول وكذلك أثناء زيارته للبصرة ركز على النقاط التالية:

1.   رفضه نظام المحاصصة الطائفي وبالتالي رفضه للتوظيف والاستيزار وتوزيع الأموال على هذا الأساس.
2.   تأييده لمبدأ المواطنة واعتبارها أساساً للعمل في الدولة العراقية.
3.   قناعته بوجود الفساد وضرورة محاربته مباشرة ودون تردد/ مع إدراك حقيقة أن الفساد والإرهاب وجهان لعملة واحدة.
4.   تأييده لمبدأ إقامة الأقاليم ولكن شريطة أن تناقش وتعتمد على أسس عقلانية سليمة واعتماده مبدأ توزيع الصلاحيات ورفضه للمركزية التي كانت وما تزال أحد عوامل فشل الدولة العراقية.
5.   التزام مبدأ التنمية في الاقتصاد العراقي.
6.   اعتماد مبدأ السلاح بيد القوات المسلحة العراقية فقط.
7.   معالجة جادة للمشكلات مع حكومة إقليم كردستان العراق.
إن طرح هذه النقاط سليم جداً ويمكن إضافة نقاط كثيرة أخرى عليها. ولكن هل ستسمح قيادات الأحزاب السياسية المؤتلفة في التحالف الوطني بتنفيذ هكذا توجهات، وهل سيكون في مقدوره تجاوز فكر حزب الدعوة والقيادات الأخرى التي اغتنت خلال الأعوام المنصرمة بمليارات الدولارات أن يحد من دورها وما تريد أن تحققه من زيادة ثروتها على حساب أموال الشعب. إن كان يريد ذلك، فعل أن يبدأ به مع الانتباه لما يخطط له في الخفاء. استطيع أن أتصور كيف يجري العمل الآن في سراديب النجف وبغداد وغيرها من طبخ لخطة الخلاص منه.
أورد للقراء مثلاً واحداً بصدد النقط 6 وما يرتبط بوجود "الحشد الشعبي". يتكون الحشد الشعبي من ميليشيات طائفية مسلحة ومن مستقلين أو حزبيين لا يرتبطون بميليشيات مسلحة بل تطوعوا لصالح مواجهة مجرمي داعش. المليشيات هي الجسم الأساسي للحشد الشعبي والتي تسيطر على العراق، ما عدا إقليم كردستان والمناطق التي ما تزال تحت رحمة عصابات داعش المجرمة أو شيوخ العشائر. وقد تم توزيع مناطق العراق ومحافظاته على المليشيات الطائفية المسلحة التي التحقت بما أطلق عليه بالحشد الشعبي. مناطق بغداد كلها تقريباً تتحكم بها جماعة عصائب أهل الحق التي أصبحت لها علاقة مباشرة بنوري المالكي، أما ميليشيات جيش المهدي، وبعد أن غيرت اسمها، فهي مسؤولة عن مناطق أخرى من العراق ومنها سامراء وبلد ... وغيرها. وهكذا الحال مع منظمة بدر وكتائب حزب الله وغيرها. وعليكم الذهاب إلى محافظة ديالى لتطلعوا على ما يجري فيها من إساءات كبيرة وتجاوزات من جانب قوى في الحشد الشعبي ضد السكان من جهة، وصراعاتها مع الجيش والشرطة والأمن، خاصة بعد أن تم منح قادة المليشيات درجة ضابط برتب مختلفة، وهم بعيدون عن ممارسة المهنة إلا في إطار المليشيات التي نعرف ما جرته على البلاد خلال الأعوام السابقة.
لنرى ما يستطيع عمله السيد العبادي في هذا الحضيض الذي وُضع فيه العراق منذ أكثر من عشر سنوات.
كاظم حبيب
31/12/2014
 


20
كاظم حبيب
هل الظهير الشعبي المجتمعي الذي تحتاجه القوات العراقية في مواجهة عصابات داعش المجرمة مفقودا!
مهما كانت القضية التي تقاتل من أجلها القوات المسلحة العراقية عادلة، فإنها لن تحقق النصر المنشود على قوات العدو الشرسة ما لم تمتلك هذه القوات الظهير المساند والداعم لها والمتحفز باستمرار لمساعدتها في مواجهة العدو الذي استباح أرض العراق وشعبه والقضاء عليه. وليس المقصود بالظهير الشعبي ما أطلق عليه بالحشد الشعبي، بل الجماهير الشعبية الواسعة من أتباع جميع الديانات والمذاهب ومن أبناء وبنات جميع القوميات وكل القوى والأحزاب السياسية العراقية. هذا هو الظهير المطلوب لانتصار القوات العراقية في معاركها اليومية ضد عصابات داعش ومن يقاتل معها من القوى التي ساعدت على استباحته للأرض العراقية. وهذا الظهير الجماعي المشترك لا يمكن أن يحققه نظام سياسي يعتمد المحاصصة الطائفية في بنية الدولة والسلطات الثلاث ويولي الأهمية الأولى للهوية الفرعية وليس لهوية المواطنة.
الظهير العراقي في واقع الحياة غير متوفر، وهو ليس سراً بل يعترف به الجميع في الداخل والخارج. وبتعبير أدق فالظهير الراهن جزئي لا يشمل المجتمع العراقي، ولا يشمل حتى الآن وكما هو مطلوب تلك المناطق التي استباحها العدو الغاشم، وأعني بها محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين وديالى على سبيل المثال لا الحصر. وهي الإشكالية التي لم تنجز من جانب رئيس الحكومة العراقية الدكتور العبادي، أياً كانت الأسباب والعوامل الكامنة وراء العجز في تحقيق هذه المهمة الكبيرة والحاسمة في المعارك الجارية مع العدو المجرم.
الحشد الشعبي الراهن يتكون في غالبيته من الشيعة ومن أعضاء المليشيات السابقة على نحو خاص، إضافة إلى جمهرة من الشيوعيين والديمقراطيين والمستقلين وغيرهم الذين يشكلون جزءاً محدوداً من قوات الحشد الشعبي ممن لم يرتكبوا جرائم أو إساءات ضد المجتمع منذ سقوط الدكتاتورية حتى يومنا. كما إن هناك شكاوى كثير من سلوكيات قوى في الحشد الشعبي في المناطق التي أغلب سكانها من المواطنين من أتباع المذهب السني وهو أمر غاية في السوء والإساءة للنضال الذي يفترض خوضه ضد العدو المشترك. والتقارير التي أطلع عليها حيادية، جادة ودقيقة وتشير إلى وجود مثل هذه المخالفات والتجاوزات الجدية والخطيرة.
ومقابل هذا لا نجد التعبئة الضرورية والمطلوبة من جانب سكان المناطق التي تعاني من استباحة داعش في المناطق التي يقاتل فيها الجيش وقوات الأمن والحشد الشعبي بسبب غياب الثقة المطلوبة بهذه القوات وبسبب خشيتها من انتقام تتعرض له، إذ أن المعلومات تشير إلى وجود مثل هذه السلوكيات المشينة والمعرقلة لأي تفاهم ومصالحة، وهير بما مقصودة من جانب تلك القوى التي تمارسها.
إن المسؤولية الكبرى لإزالة كل هذه العقبات يقع على عاتق رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي وكذلك المسؤول عن ملف المصالحة الوطنية الدكتور أياد علاوي، نائب رئيس الجمهورية. ويبدو لي أن ليس هناك تفاهماً ضرورياً في هذه المسائل بين المسؤولين، والتي إن استمرت ستقود إلى عواقب وخيمة، أقلها استمرار المعارك دون تحقيق النصر المنشود وخاصة في الموصل المحتلة تماماً من عصابات داعش المجرمة، وبالتالي المزيد من الضحايا والدمار.
لو تتبعنا المعارك التي تخوضها قوات البيشمركة لوجدنا انتصارات متلاحقة، بعد أن عولجت جملة من المشكلات التي تعرضت لها هذه القوات في بداية هجوم عصابات داعش المجرمة على سنجار وسمار وغيرها. وهذا الأمر يعود إلى عوامل عدة، ولكن من أهمها وجود الظهير المساند لهذه القوات والداعم لها، وأعني به الشعب الكردي بالإقليم، بمن فيهم الجماعات التي تختلف مع حكومة الإقليم في بعض سياساتها ومواقفها، لأنها تجد في تلك المعارك انتصاراً للشعب والخلاص من القوى المدمرة والفاشية المتمثلة بعصابات داعش المجرمة. وستكون الانتصارات أقوى وأكثر لو أمكن وبالسرعة الضرورية إعادة الثقة المفقودة حتى الآن بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم ومعالجة القضايا العالقة لا على أساس الحلول المؤقتة، بل على أساس الحلول الدائمة وعلى وفق الدستور العراقي ولصالح كل القوميات.
إن الواقع العراقي الراهن يتطلب مجموعة متكاملة ومتفاعلة من المعالجات السياسية، بما فيها سبل الخلاص من تركة نوري المالكي ورهطه والموقف من المصالحة السياسية واستعادة الثقة المفقودة والعسكرية والأمنية، والاقتصادية والاجتماعية، بما فيها مكافحة الفساد والفاسدين المهيمنين على مفاصل مهمة في السلطات الثلاث للدولة العراقية الهشة، وبدونها ستتعثر معركة القضاء على عصابات داعش المجرمة. كما إن استمرار وجودها يعني المزيد من الخراب والدمار والموت لمزيد من البشر، وهو الأمر الذي يفترض أن تدركه الحكومة العراقية وكل القوى السياسية العاملة معها والمجتمع بأسره. 
كاظم حبيب
28/12/2014         
 
 

21
هل الرأسمالية نهاية التاريخ؟
رأي في كتاب "راهنية أفكار كارل ماركس" للكاتب ألان وودز

على مدى ستة عقود وبضع سنين كنت احلم بالاشتراكية كنظام سياسي اقتصادي اجتماعي يسود العراق وكل الكرة الأرضية. وهذا الحلم الجميل كان وما يزال يرافقني وأنا اقترب من نهاية العقد الثامن من عمري وسيبقى كذلك إلى أن يتوقف القلب عن الخفقان وينطفئ العقل ويصمت اللسان عن النطق وتتوقف اليد عن الكتابة. إن أفكار الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية تعتبر حلم البشرية جمعاء، وهي ليست وهماً بل حلماً جميلاً سوف يتحقق يوماً ما لغيري من أجيال البشر القادمة. راودتني هذه الخاطرة وأنا أقرأ في كتاب الباحث العلمي البريطاني ألان وودز الموسوم "راهنية أفكار كارل ماركس"، وركز بشكل خاص على كتاب رأس المال، هذا السفر الكبير لكارل ماركس.
كنت قبل سنين خلت قد قرأت كتاب "نهاية التاريخ" للباحث الأمريكي فرانسيس فوكوياما الذي عاد بعد سنين ليشطب على موضوعته الخائبة هذه التي كانت تتحدث عن الرأسمالية والديمقراطية البرجوازية باعتبارهما نهاية التاريخ. وكان هذا يعني حسب رأيه السابق أن ليس هناك من نظام اقتصادي جديد يخلف النظام الرأسمالي وان هذا النظام هو نهاية التاريخ وملزم للبشرية حتى الأزل، إذ ليس بالإمكان أبدع مما كان!!
كتب فاكوياما هذا الرأي بعد انهيار التجربة السوفييتية وتجارب دول أوروبا الشرقية في بناء الاشتراكية، وكأن الفكر الاشتراكي نفسه قد انهار مع انهيار تلك النظم السياسية. وقد كتب الكثير من الكتاب التقدميين واليساريين والشيوعيين ما يفند هذه الفكرة الخاطئة والموضوعة التي توهم بها فرنسيس فوكوياما. وكنت أحد من ساهم في الكتابة عن هذا الموضوع واعتبرت أن انهيار تجارب تلك البلدان لا يعني مسألتين، وهما: انتصار الرأسمالية على الفكر الاشتراكي، ولا فشل الفكر الاشتراكي في بناء النظام الاشتراكي لاحقاً.
وما أن خطأ فوكوياما موضوعته السالفة حتى انبرى الباحث الأمريكي صموئيل هنتنكتون بكتابه الشهير الموسوم "صراع الحضارات" الذي أكد فيه نهاية الصراع الطبقي بانهيار اشتراكية الاتحاد السوفييتي وبعض دول أوروبا الشرقية أولاً، وأن الصراعات القادمة التي ستعم العالم ستكون صراعات بين الحضارات الثماني في العالم، ولكن وبشكل خاص بين الثقافات الشرقية والثقافات الغربية، وبشكل أخص بين الثقافة الإسلامية والثقافة المسيحية! وانبرى كتاب كثيرون من المعسكر البرجوازي يروجون لهذه النظرية مستفيدين من انهيار الدول الاشتراكية حتى أن وزير العمل الألماني الأسبق، نوبرت بلوم،  في فترة حكم المستشار د. هلموت كول، في العام 1990 في خطاب له في وارشوا معلنا بنشوة استثنائية وفاة الماركسية ودفنها في مقبرة التاريخ!!
وبالضد من هذا الرأي كتب الكثير من الكتاب، وأنا احدهم، ما يفند هذا الرأي الطبقي المتعجل والخاطئ، رغم واقع وجود مثل هذا الصراع الديني والمذهبي في اغلب المجتمعات البشرية الراهنة بسبب طبيعة النظم الاقتصادية الاجتماعية والسياسية الاستغلالية والقهرية السائدة في بلدان كثيرة وبخاصة في بلدان العالم الثالث. وقد اقتنع الكثير بهذا الرأي الالتفافي على حقيقة الصراع الطبقي على الصعيد العالمي أو على صعيد كل دولة من الدول، ولكنهم سرعان ما اكتشفوا أو سيكتشفون حقيقة خطأ هذه الوجهة في الحديث عن صراع الحضارات أو الثقافات أو الديانات التي يراد لها خطأً أن تكون البديل للصراع الطبقي على المستوى المحلي والدولي!
إن مؤلف كتاب "راهنية أفكار كارل ماركس" ألان وودز يعالج بصواب هذه المسألة الرئيسية التي تشير إلى النهم الجديد لمفكري الطبقة البرجوازية في الدول الرأسمالية المتقدمة وعموم العالم في قراءة كتاب رأس المال باعتباره المؤلف الوحيد الذي يقدم التحليل الأعمق والأدق لميكانزم أو آليات عمل النظام الرأسمالي العالمي وفعل قوانينه الاقتصادية الموضوعية وما ينجم عنه من أزمات دورية متلاحقة وملازمة له، ثم يشير إلى العواقب الكبرى التي تنشأ من جرائها على المجتمع، وخاصة الفئات الكادحة والمنتجة للخيرات المادية. ومن ثم الإشارة الواضحة إلى ما سينتهي إليه النظام الرأسمالي العالمي والنشوء الموضوعي لمستلزمات التحول صوب الاشتراكية.
إن قراءة كتاب ألان وودز مهم جداً لأنه بحث علمي دقيق استخدم في إنجازه التحليل المادي الديالكتيكي والمادي التاريخي لدراسة وتحليل الرأسمالية في المرحلة الراهنة وحول مستقبلها مستنداً إلى المؤشرات الرقمية التي تدعم رأيه.
حين انتهيت من قراءة هذا الكتاب المهم، الذي استمتعت به كثيراً، تكونت لدي ملاحظة نقدية واحدة ولكنها جوهرية وتمس صلب الموضوع الذي بحث فيه الأستاذ ألان وودز ولا بد لي من طرحها في هذا المقال المكثف لكي ينتبه لها القراء الكرام عند قراءتهم هذا الكتاب.
على امتداد وجود الدول الاشتراكية والأحزاب الشيوعية المرتبطة بفكر وتراث الأممية الشيوعية الثالثة، أي الأحزاب الماركسية - اللينينية، نشأت فكرتان خاطئتان صاحبتا العمل حتى انهيار الدول الاشتراكي إحداهما تستكمل الأخرى وتقترن بها، وهما: التصور بقرب انتصار الاشتراكية والشيوعية على الصعيد العالمي حتى أن خروشوف كان يتحدث عن قرب بناء الشيوعية بالاتحاد السوفييتي في العام 1964، من جهة، وقرب انهيار الرأسمالية ونهايتها التاريخية من جهة أخرى. ولا شك من القول بأن الفكرتين خاطئتين كما برهن عليه تطور القرن العشرين ومنذ انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية حتى الآن، رغم إن الفكرتين من حيث المبدأ صحيحتان لو يبتعد التشخيص عن تحديد الزمن القريب وكأن المسألة قاب قوسين أو أدنى. لا شك في نهاية النظام الرأسمالي الاستغلالي ستكون قادمة لا ريب في ذلك وسيحل النظام الاجتماعي الاشتراكي غير الاستغلالي محله على الصعيد العالمي والخطأ يكمن في الحديث عن الزمن القريب وان الأزمات التي يعاني منها النظام ستدمر هذا النظام قريباً، وانه لن يكون قادرا بالضرورة على النهوض منها وتجاوزها رغم الأضرار البالغة التي تسببها تلك الأزمات للمجتمعات البشرية في كل مرة تحصل فيها.
المؤشرات الدولية التي تحت تصرفنا تشير بأن الرأسمالية على الصعيد العالمي ما تزال تمتلك مبررات استمرارها وقادرة على تجاوز أزماتها الدورية أو حتى بعض أزماتها البنيوية ذات الموجة الطويلة، ولكنها وفي كل مرة تفقد الكثير من قوتها والمساندين لها والثقة بها. وهو الأمر الأكثر حيوية وأهمية. ولكنها وفي كل مرة تقع أعباء تلك الأزمات على عاتق الكادحين والمنتجين للخيرات المادية والروحية وعلى نسبة غير قليلة ممن يطلق عليهم بالطبقة الوسطى، إضافة إلى فئات واسعة جداً من البرجوازية الصغيرة.   
إن علينا أن نواجه بنقاش فكري يتسم بالحيوية والوضوح إزاء من يدعون أزلية النظام الرأسمالي، لأنها موضوعة خاطئة، وبذات الوقت لا بد لنا الابتعاد من إعطاء الانطباع وكأن الرأسمالية قاب قوسين أو أدنى من نهايتها، إذ إن الأخيرة يمكن لها أن تخلق بعض الأوهام ومن ثم الإحباط وتنسف بعض الأحلام لدى الإنسان البسيط والطيب حين لا تتحقق بالسرعة المشار إليها من قبل بعض الكتاب أو القوى والأحزاب اليسارية. وعلينا أن نتذكر بأن انهيار الاتحاد السوفييتي قد خلق الوهم لدى البعض الكثير بأن الرأـسمالية قد انتصرت وإلى الأبد وإنها هي نهاية التاريخ!! ولا يمس هذا التقدير الدول النامية أو ضعيفة التطور فحسب، بل يشمل الدول الرأسمالية الأكثر تقدماً وتطوراً.
ليس هناك من يمكنه التحكم بالزمن وبالعوامل التي يمكن أن تتسبب في انهيار هذا النظام السياسي-الاجتماعي-الاقتصادي أو ذاك، ولكن على الصعيد العالمي أو الصعد المحلية يمكن القول بأن حل الاشتراكية هو قادم لا ريب في ذلك، ويبقى السؤال الأكثر صعوبة هو متى؟ وليس هناك من يستطيع الإجابة عن هذا السؤال.
المعطيات التي يقدمها الكاتب ألان وودز مهمة جداً وسليمة حول عواقب أزمة 2008 الجارية حتى الآن، واتي هرست الكثير من اقتصاديات الدول والكثير من الفئات الاجتماعية، ولكنها في الوقت ذاته حققت أرباحا هائلة لقلة قليلة من الاحتكارات الدولية وكبار الرأسماليين على الصعيد العالمي، كما إن البنوك حصلت على تعويضات ودعم هائل من خزائن الدول ومن دافعي الضرائب، أي من الكادحين ومنتجي الخيرات المادية وليس من كبار الاحتكارات التي غالباً ما تتهرب من دفع الضرائب أو تعفى أصلاً. إلا إن هذه الأزمة لم تنه النظام الرأسمالي واستطاع نظام العولمة الرأسمالية تدارك الأزمة لكي لا تكون على حساب البنوك المالية وكبريات الاحتكارات بل تقع أعباؤها على كاهل الطبقة العاملة والكادحين وجمهرة واسعة من الطبقة الوسطى، حتى ظهر شعار يقول "وداعاً للطبقة الوسطى".
تواجه شعوب الدول النامية اتجاهين مضرين في النضال السياسي الوطني والديمقراطي، هما خطر الدعوة المباشرة لإقامة الاشتراكية في بلد ما يزال يعاني من علاقات ما قبل الرأسمالية وما تزال القوى المنتجة المادية والبشرية متخلفة وما يزال الوعي الديني المشوه والمزيف يهيمن على عقول وقلوب الناس، وبالتالي فهم في ذلك لا يكسبون إلا الخيبة في النضال والإحباط والتراجع. وهم في هذا لا يدركون طبيعة وفعل قوانين التطور الاجتماعي وعمل وفعل القوانين الاقتصادية الموضوعية. واتجاه أخر يبدي استعداده للمساومة مع الأوضاع القائمة دون أن يخوض النضال من اجل التغيير الديمقراطي الضروري ويتناغم مع النظم السياسية القائمة بدعوى عدم التطرف ويسكت عما لا يجوز السكوت عنه في مسيرة التطور والردة الفكرية والسياسية في هذا البلد أو ذاك. وهذا الاتجاه لا يختلف عن الأول من حيث النتائج أو العواقب المضرة. إن هذين الاتجاهين موجودان في الحركة السياسية العمالية والحركة الشيوعية والاشتراكية أو في عموم اليسار على صعيد الدول النامية والعالم.
ولكن هناك الاتجاه المناهض للاشتراكية المستند إلى الفكر البرجوازي الذي ينكر العلاقة الجدلية بين الاقتصاد والسياسة وينفي الصراع الطبقي ويدعو إلى أزلية الرأسمالية والقطاع الخاص ورفض أي دعوة لقطاع الدولة في بلد بحاجة إلى مشاركة جميع القطاعات الاقتصادية من ناحية الملكية. وهو في هذا لا يعني أو لا يريد أن يعي مفهوم ومضمون الاقتصاد السياسي جملة وتفصلا. ولا شك في أن الهدف الأساسي من هذه الرؤية البرجوازية يتلخص في التعمية والتشويش ونسف فكرة الاشتراكية أصلا وإقناع فئات المجتمع بخطأ الحديث عنها أو التبشير بها حتى على المدى البعيد.
ويبدو لي بأن الحركة اليسارية على صعيد الدول النامية، ومنها الشرق أوسطية، والعراق كجزء منها، بحاجة إلى تحديد إستراتيج وتكتيك النضال الوطني المرحلي دون أن ينسى الهدف البعيد المدى الذي يمس البشرية جمعاء، أي الخلاص من النظم الاستغلالية التي عانت منها البشرية طيلة عشرات القرون المنصرمة والتي ما تزال تعاني من النظام الرأسمالي وبقايا النظام الاستغلالي الأسبق، أي من بقايا العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية في اقتصاديات وأرياف الدول النامية وتأثيراتها المباشرة على اقتصاد ومجتمع المدن أيضاً.
أتمنى على من يريد أن يقرأ كراس " لكارل ماركس أن ينقر على الرابط التالي:
 راهنية أفكار كارل ماركس - In Defence of Marxism
www.marxist.com › Other languages › Arabic
كاظم حبيب
25/12/2014

22
كاظم حبيب
قراءة في راوية "متاهة إبليس" للروائي العراقي برهان شاوي
الكتاب: رواية تحت عنون "متاهة إبليس"
المؤلف: د. برهان شاوي
دار النشر: الدار العربية للعلوم ناشرون-بيروت
سنة الصدور: 2014

حين انتهيت من قراءة رواية "متاهة إبليس" للكاتب والشاعر والروائي المبدع برهان شاوي أدركت المخاطر المحتملة التي يمكن أن تواجه هذه الرواية في الدول العربية حيث يقرر موظفو الرقابة على الكتب منعها من دخول أسواق الكتب في هذه البلدان وتحريم قراءتها وتداولها، كما حصل لها أخيراً بالأردن، أو كما حصل لروايات أخرى للكاتب نفسه في بعض دول الخليج. وهنا تذكرت معاناة الكاتب والروائي المصري المميز علاء الأسواني في نشر روايته الموسومة "أوراق عصام عبد العاطي" مع "لجنة القراءة في هيئة الكتاب، وهي لجنة رقابية تساعد في نشر الكتب أو توقف نشرها على وفق ما يرتأيه الموظف المسؤول. وبسبب هذه المعاناة حذر الكاتب قراء رواياته من ثلاث مسائل جوهرية غالباً ما تخلط فيها لجان الرقابة الحكومية على الكتب أو بعض القراء أيضاً. فعلاء الأسواني، الذي اصدر سلسلة روايات رائعة مثل "عمارة يعقوبيان" و "شيكاجو" و "نادي السيارات" و"نيران صديقة" وغيرها من القصص القصيرة والكتب الثرية، حيث تسنى لي قراءة رواياته الممتعة، يؤكد للقارئ ضرورة الابتعاد عن الخلط أو عدم التمييز بين الأفكار والرؤى التي ترد في رواياته على لسان شخصياته وبين أفكاره وأرائه الشخصية، فهي ليست واحدة بالضرورة، إذ هو يعيد كتابة ما تنطق أو ما تفكر به شخصيات رواياته أولاً. كما يفترض في القراء أن يميزوا بين الواقع، أو الحقائق الواقعية النسبية، وبين الخيال، إذ بدون خيال خصب وحيوي متدفق تفقد الرواية الكثير من جماليتها ومتعتها، فالواقع والخيال في الرواية صنوان لا ينفصلان، ويفترض في القارئ أن يميز بينهما بحسه الثقافي وخبرته الحياتية ثانياً. وأخيراً يرجو الروائي علاء الأسواني من القراء أن يبتعدوا عن تعميم شخصيات رواياته وكأنها تعبر عن مجموع الشعب المصري. ولكن مثل هذه الشخصيات التي ترسمها ريشة الروائي موجودة في واقع الحياة اليومية، فهو لا يختلقها، ويمكن أن يساهم خياله في رسمها، ولكن في مجملها موجودة في المجتمع المصري. ويفترض في القراء أن يناقشوا الأفكار والآراء الواردة على لسان شخصيات رواياته ويقرروا مع أنفسهم القبول بها أو رفضها أو توجيه النقد لها أو رفض بعضها وقبول البعض الآخر. إنها قضية القارئ والقارئة لا غير.
كانت معاناة علاء الأسواني غير قليلة في نشر رواية "أوراق عصام عبد العاطي" أو "عمارة يعقوبيان". فقد ورد على لسان بطل رواية "أوراق عصام عبد العاطي" تسفيهاً لقول مصطفى كامل " لو لم أكن مصرياً لوددت أن أكون مصرياً"، إذ اعتبر الرقيب إن النقد الموجه لهذه العبارة إساءة كبيرة للشخصية السياسية الوطنية المصرية وتجاوز على الشعب المصري وتراثه الحضاري وتاريخه!!
واستناداً إلى هذه وغيرها من المطبات يبدو ضرورياً التنبيه إلى أن رواية "متاهة إبليس" تتضمن العناصر الثلاثة التي حذر منها الروائي علاء الأسواني بعدم السقوط في فخ الخلط بين آراء الكاتب وشخصيات رواياته، وبين الواقع والخيال أو الرغبة الجامحة لدى رقباء الكتب وبعض القراء في التعميم.   
والأسئلة التي تتبادر إلى الذهن هي: لماذا تُفرض الرقابة على الكتب، وأين تكمن المشكلة، وما الهدف منها؟ يبدو لي إن المشكلة تكمن في خمس نقاط جوهرية تعاني منها مجتمعاتنا ودولنا الشرق أوسطية، هي:
1.   غياب الحياة الدستورية والحريات الديمقراطية والتجاوز الفظ على حقوق الإنسان وحقه في اختيار ما ينبغي أن يقرأه الفردي وما يجب عليه الابتعاد عنه.
2.   اعتبار القارئ في هذه الدول لا يملك حساً نقدياً وقدرة على التمييز بين الصالح والطالح، بين النافع والمضر، بين الجميل والقبيح في ما يقرأ، وبالتالي فأن الرقيب يريد أن يفرض عليه سلوكاً ووجهة وأخلاقيات معينة فيها الإجحاف الشديد والضرر البالغ بحقوق القراء في هذه الدول.
3.   الخشية من أن تحمل هذه الروايات أو الكتب أفكاراً جديدة تسمح بتفتح عقول وقلوب الناس وتكشف لهم واقع الحياة البائسة والفاقة الفكرية التي يعيشون تحت وطأتها أو الظلم الذي يتعرضون له أو التمييز والتهميش وما إلى ذلك، وبالتالي يدركون واقع التجاوز على حقوقهم، حقوق الإنسان.
4.   وأن الموظفين الذين يمارسون دور الرقيب على الكتب يعانون من فاقة فكرية واجتماعية ومن مستوى ثقافي لا يؤهلهم احترام إرادة القراء أو احترام الكتاب والكتب بما يساعدهم على تجنب فرض الرقابة على الكتب، وهم أبناء مخلصون للحكم الاستبدادي ورغباته في قهر إرادة وحق الشعوب في الحرية وفي اختيار ما يقرأون.
5.   وفي هذا تعبير صارخ عن رغبة الحكام الاستمرار في حكم البلاد وتجنيب المجتمع أي نوع من الإثارة ضد حكمهم القائم. 
وعن مثل هذه المجتمعات والنظم الحاكمة السائدة فيها وما ينجم عنها من أوضاع اجتماعية وثقافية وسياسية تحدثنا رواية "متاهة إبليس" للروائي برهان شاوي حيث تجري أحداثها فيها. كما إن رواية المشرحة للكاتب نفسه تحدثنا عما يجري في مدينة بغداد المستباحة بالكامل من قوى الإرهاب والميليشيات الطائفية المسلحة، أو "رواية متاهة قابيل" و"متاهة حواء" على سبيل المثال لا الحصر، إضافة إلى مجمل الأوضاع الشاذة والاستثنائية التي يعيش تحت وطأتها العراق التي جعلت الكاتب العراقي اللامع والمبدع أحمد سعداوي أن يكتب للقراء بخياله الخصب من واقع الحياة رواية "فرانكشتاين في بغداد" التي حازت على الجائزة العالمية للرواية الغربية "البوكر" لعام 2014. لقد تمتعت كثيراً بقراءة رواية أحمد سعداوي والتي حازت على تقدير الكثير من القراء والنقاد في آن واحد، رغم المرارات التي حملتها للكاتب نفسه وما تحمله معها للقراء أيضاً.
لقد تمتعت بقراءة رواية "متاهة إبليس" لقدرة الكاتب على رسم شخصياته وبث الروح فيها ومتابعة حركتها وفعلها، وعلى دمج الواقع بالخيال وترك القارئ، لعمق الكوارث وسعتها وشموليتها بالعراق، يحتار في التمييز بين الواقع والخيال، إذ ما يجري على أرض العراق حقاً ينتمي إلى صنف الخيال المريض. وقد وددت بهذا المقال أن أجلب انتباه القراء إلى هذه الرواية، لأنها تضع القراء أمام حقائق الأوضاع المتشابكة بحيوية فائقة وخيال خصب للكاتب بما يسهم في تعبئة النص بالمزيد من المضامين الصارخة وتوفر للقارئ متعة القراءة.
الرواية تدور في أماكن عدة، تبدأ ببغداد حيث الشخصيات الرئيسية للرواية، لينتقل بنا الروائي معهم إلى دمشق، ثم إلى إيطاليا ليستقر فيها قليلاً، ثم يغادرها إلى باريس دون أن يتوقف فيها، ولكنه يمر على دول عديدة ليلتقط منها بعض شخصيات الرواية. الفترة الزمنية إلى حد ما محدودة، ولكنها مفتوحة بسعة رحبة على الماضي والحاضر وعلى المستقبل أيضاً. فالأحداث التي ترويها الرواية هي نتاج العلاقات السياسية والاجتماعية في هذه البلدان، وبالتالي فتكرارها ممكن وإن كان بصيغ أخرى مقاربة لها أو مختلفة عنها نسبياً. أي إن الأساس المادي لحصول هذه الأحداث هو الذي يسمح بتكرارها ما دام الأساس مستمراً في وجوده.
رواية "متاهة إبليس" تقدم لنا مجموعة من الشخصيات الواقعية الموجودة في حياتنا العراقية اليومية المعاصرة، فهذه الشخصيات عراقية عاشت طيلة أربعة عقود تحت وطأت الاستبداد القومي والبعثي الشوفيني وعانت مع بقية المجتمع من أساليب النظام الفاشية في الحكم، عرفت الحروب والدمار والخراب والحصار الاقتصادي، وعاشت الإرهاب الحكومي والتهجير القسري والتعريب والقتل الجماعي ومجازر الأنفال، عاشت القتل اليومي على أيدي جلاوزة الحكم وعرفت الفساد المالي والإداري. ولكنها عرفت أيضاً، ومعها المجتمع بأسره، بعد سقوط تلك الدكتاتورية، النظام الطائفي المحاصصي واستبداد الحاكم بأمره والإرهاب الدموي والفساد السائد على أوسع نطاق. ومثل هذه الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية تنتج شخصيات من هذا النوع، شخصيات هزيلة ومهزوزة وانتهازية ونذلة، تعيش الصدمات وتساهم فيها للآخرين.
وأبرز الشخصيات التي تروي الرواية حكايتها يلتقي القراء بشخصيتين نسويتين هما حواء الكرخي وحواء ذي النورين. كلاهما هاربتان من بغداد تلتقيان في حافلة تنقلهما إلى الشام. إحداهما تحمل مالاً كثيراً والأخرى تحمل طفلاً رضيعاً ليس طفلها. امرأتان تختلفان في العوامل التي دفعتهما للهروب من بغداد، ولكنهما مطاردتان من مسؤولين في النظام الجديد أو من مليشياتهم المسلحة أو الأجهزة الأمنية. حواء الكرخي تحمل طفل صديقتها التي قتلت في انفجار مقصود لسيارة كانت تقلهما وآخرين معهم انتقاماً منها. وحواء ذي النورين تعرضت للاغتصاب الجنسي بأمل إنقاذ أبنها المعتقل، وحين يطلع الابن على  فيديو الاغتصاب وأسبابه ينتحر في مرحاض السجن. الأم المنتحرة متزوجة من مسؤول كبير وكادر في الأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة، زوج ظالم وشرس ومرتشي في آن واحد ولديه جلاوزته. تأخذ من أموال زوجها ما استطاعت وتهرب بها إلى الشام. شخصيتان نسائيتان مختلفتان في المشكلة وفي الموقف والسلوك والمستوى الثقافي وفي الانتماء أو الموقف السياسي تلتقيان في الحافلة المغادرة إلى دمشق، الشك يسود بينهما بسبب انعدام الثقة بين الناس ودور المخبرين السريين وأجهزة الأمن والخشية من الاعتقال. ومع ذلك ينشأ نوع من التضامن العفوي بين المرأتين والاستعداد للمساعدة. فمعاناة المرأة عموماً ومعاناة كل منهما بالعراق جعلتهما غير بعيدتين عن بعضهما. وبعد وصولهما الشام افترق دربهما. حواء الكرخي يساعدها مختار العراقيين الديمقراطي بالشام، والأخرى تساعدها إيفا سميث اللبنانية القادمة من باريس لتساعد صديقتها السورية، حواء الدمشقية، التي تواجه ورطة اجتماعية. ورغم إنهما بعيدتان عن بغداد فإنهما كانا يشعران بجواسيس وعيون النظام العراقي تطاردهما.
حواء الكرخي، المرأة الديمقراطية الواعية والمثقفة، تقتل في وضح النهار وفي أحد شوارع دمشق وهي في طريقها إلى الطفل الرضيع في الشقة التي استأجرتها دون أن يتسنى لها توفير الحماية للرضيع. تقتل وتدفن ويسدل الستار على القتلة، تماماً كما يجري ببغداد وتسجل الدعوى، إن سجلت أصلاً، ضد قاتل مجهول!
وحواء ذي النورين تتعرف على مدير الفندق أدم الشامي، المنتمي إلى حزب البعث الحاكم بسوري، وهو جاسوس وقواد للمسؤولين الكبار في المباحث والجيش والشرطة وفي الجهاز المدني. شخصية معدومة الأخلاق والضمير، كما إن عائلته تمارس القوادة للمسؤولين أيضاً. وهنا يشعر الإنسان بالعلاقة التي تشد النظامين في كل من سوريا والعراق، سواء أثناء وجود البعث بالعراق أم بوجود النظام المحاصصي الطائفي وممارسات جمهرة من الحكام والمسؤولين. يوفر أدم الشامي جوازاً مزوراً لحواء ذي النورين في مقابل مبلغ كبير من المال واغتصابها في شقته في الفندق. بعدها تغادر بالجواز إلى إيطاليا وتهرب من مطارديها الذين وصلوا إلى الشام بأمر من زوجها، أحد كبار المسؤولين ببغداد.
الريشة التي رسمت هاتين الشخصيتين النسويتين ذات حرفية عالية، ذات ماهرة فنية وخيال خصب، دقيقة وحساسة وواعية لما يجري في أعماق النفس البشرية وما تعاني منه المرأة في المجتمعات الذكورية. وحين يتحدث أدم الشامي عن نفسه وعن آماله وطموحاته وعن مشاريعه يلتقي بإبليسه مباشرة، يتحاور معه، يحاول أن يهرب منه أو أن يتقمصه بالكامل، أو ينفي علاقته به, إنه إبليس أو أدم الشامي ذاته، فالشر ينطلق منه ليلقى على عاتق إبليس الذي هو وليس غيره. النسوة يعشن الخشية من أدم الشامي، ويرون إبليس  بعينه يلاحقهم في كل مكان، إنه جليسهم في مقهى الفندق أو في شوارع دمشق أو في دكاكين وأزقة إيطاليا، إنه هم لاغير!!
إن الرواية تضعنا وجهاً لوجه مع المتاهات التي تواجه حواء ذي النورين وحواء الدمشقية، وقبل ذاك واجهت حواء الكرخي. هذه المتاهات ليست سوى الرثاثة الكاملة التي يعيش فيها المجتمع بالعراق وبسوريا وببقية الدول الشرق أوسطية، إنها الرثاثة في الفكر والسياسية والحياة الاجتماعية والثقافة والبيئة، إنها الثقافة الخائبة الناتجة من الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي تعيش فيه هذه المجتمعات ونظمها السياسية ودولها، إنها الرثاثة التي تخلق الإنسان الرث في متاهاته. بعد ذلك ينقلنا الروائي المبدع برهان شاوي إلى محيط آخر، إلى المجتمع الإيطالي والحضارة الإيطالية، مع حواء ذي النورين ومع الرسام العراقي المغترب أدم بوناروتي، يطاردها إبليسها الداخلي ويقض مضاجعها ويعمق الشبقية المرضية فيها، فتشتهي الرسام وتشتهي إبليسها في آن. والرسام العراقي الذي يعيش على رسم الكاريكاتير والأشخاص يعاني من علل عديدة ويعب الخمرة كما يشرب غيره الماء فيعجز عن ممارسة الجنس ويحس وكأنه مقطوع الذكر ويخيب أمل وشبقية حواء ذي النورين!
يتنقل الروائي بالقارئ وعلى لسان الرسام العراقي بين قمم الحضارة الغربية، بين مبدعي الفن التشكيلي والموسييقيين الكبار وفن العمارة والحياة العامة، ويضعنا أمام إيطاليا كمتحف للفن الإنساني العالمي من جهة وأمام الفجوة الفاصلة بين حضارتين، حضار الشرق المتخلف وحضارة الغرب المتقدم. وبدون أن يشير إلى ذلك يدرك القارئ عمق هذه الفجوة الحضارية الراهنة وسعتها بين الشرق والغرب, والذي يتجلى بصورة صادمة في تباين الأفكار والمنطق والسلوكيات والممارسات اليومية والأجواء النفسية وسبل التعامل والعلاقات بين الناس. وفي عرضه السردي الممتع والنقاشات الفكرية والاجتماعية بين شخصيات الرواية أو مع أنفسهم أو مع أباليسهم، يضعنا الكاتب أمام مستويين من الوعي العام لدى الإنسان الشرقي المرتبط مباشرة بواقع المستوى الواطئ جداً للقوى المنتجة المادية والبشرية، ولدى الإنسان في الحضارة الغربية التي قطعت شوطاً بعيداً في تطور القوى المنتجة وفي الوعي الاجتماعي العام.
فهنا نلتقي بالحضارة الشرقية التي تعاني من التخلف والانقطاع عن مسيرة الحضارة البشرية وما قدمته هذه المنطقة في العهود الغابرة من منجزات حضارية رفيعة المستوى ومتقدمة، ولكنها عرفت الانقطاع ولم تعرف التنوير منذ قرون وحتى الآن، وهناك نلتقي بحضارة غربية متقدمة تخلصت من الانقطاع الحضاري الذي عاشته في القرون الوسطى وعرفت التنوير منذ أكثر من أربعة قرون ومعها عرفت التحول من الإقطاعية إلى الرأسمالية ومن الفلاحة إلى الصناعة المتقدمة والزراعة الحديثة. وحين يحدثنا عن سلوكيات غريبة في المجتمع الغربي نجدها تنطلق من شخصيات قادمة من الشرق المتخلف من أفريقيا أو آسيا، إنها محنة التطور والوعي الفردي والجمعي للمجتمع.
الحوارات والنقاشات التي تدور بين شخصيات الرواية من عراقيين وغيرهم متنوعة وعديدة والآراء حولها متباينة. إنها حوارات المجتمع ذاته .. حول الدين والدنيا، عن شيوخ الدين المعممين وسلوكيات الحكام منهم .. عن المال العام والجنس، حول البؤس والفاقة والخراب الاجتماعي، حول الفساد ونهب المليارات من الدولارات.. عن الفراغ القاتل للشباب عن المنافسة والاغتيالات وعن عبء كل ذلك على الإنسان الفرد والمجتمع. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل ما تتحدث به شخصيات الرواية يجسد الواقع القائم أم أنهم يعبرون بذلك عما يدور في نفوسهم، سواء أكانت مريضة أم سالمة؟ أنها في الواقع تجسد آراء وأفكار وسلوكيات شريحة واسعة من المجتمع .. عما يدور في خلد أفرادها، عما يسعون إليه وما يؤرقهم أو يضعهم أمام مشاكل عسيرة الحل. إن مثل هذه الرواية حين تمنع في بلد ما، يعني أن هذا المجتمع يعاني حقاً من علل كثيرة ويخشى المسؤولون عنها كشفها للناس، رغم إنها مكشوفة حقاً للجميع.
الرواية تبحث في مستويات عدة وأصوات عديدة وهي بهذا تضعنا أمام شخصيات باهتة مريضة، رغم عمق معلومات بعضهم الثقافية: كما في حالة الرسام العراقي أدم بوناروتي أو أدم البغدادي (أدم أبو التنك)، الأديب العراقي الذي كان شيوعياً درس في بلغاريا، ولكنه لم يعد كذلك وفقد القيم والمعايير التي تربى عليها وتحول شخص بخيل ونهم، نسى كل المبادئ التي تعلمها وفقد كرامته أمام بخله وشهية الأكل المجاني. وهو الذي خان صديقه الرسام بممارسة الجنس مع زوجته الإيطالية حين سكن في شقة زوجته بإيطاليا. من هنا يمكن أن نلاحظ بأن الكاتب قد وضعنا أمام شخصيات رثة نشأت في رحم هذا المجتمع الرث والدولة الرثة والنظام السياسي الرث.
إن ما قدمته الرواية يشكل رؤية بانورامية لما يجري اليوم بالعراق دون أن يعمم القضية على البشر العراقي كله، ولكن هذه النماذج موجودة وتمثل جزءاً من الفئة الرثة الواسعة التي نشأت في ظل الدكتاتورية والحروب والظلم والظلام. إنها رواية تستحق القراءة.
كاظم حبيب         
برلين في 24/12/2014

23
كاظم حبيب
نتانياهو والطريق المسدود في حل القضية الفلسطينية!!

مع مرور الأيام يزداد بنيامين نتانياهو وحكومته اليمينية تطرفاً ويغوص في سياسات الاحتلال المتشددة إزاء شعب فلسطين وحل القضية الفلسطينية على أساس الدولتين الجارتين ويمعن في إقامة المستوطنات في القدس الشرقية وفي الضفة الغربية وفي قتل المواطنين الفلسطينيين. وهو بهذه السياسة الجائرة يساهم بامتياز في استفزاز العرب ويدفع بالأوساط الشعبية الفلسطينية صوب التطرف والاتجاه صوب حماس، المنظمة الإسلامية المتطرفة التي تحكم غزة ويضعف بامتياز القوى المعتدلة التي اعترفت بوجود إسرائيل وتدعو إلى إقامة الدولة الفلسطينية على أرض فلسطين على وفق حدود العام 1967 وقبل بدء حرب الأيام الستة وليس كما تدعو حماس إلى إنهاء وجود إسرائيل واستعادة كل الأرض الفلسطينية لإقامة الدولة الفلسطينية الواحدة على أرض فلسطين قبل قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة في العام 1947. وهذا الموقف السياسي من وجود إسرائيل الخاطئ والخطر هو الذي يدفع بحماس وبقية المنظمات السياسية الإسلامية المتطرفة إلى رفض الحل السلمي مع إسرائيل والتحري عن فرص لمواصلة التوتر الذي تستفيد منه القوى اليمينية المتطرفة في إسرائيل لمواجهتها بالعنف. وما حصل في حرب غزة الأخيرة دليل على رغبة القوى اليمينية في الطرفين على مواصلة الوضع المتوتر الراهن والذي يهرس بسببه الشعب الفلسطيني ويخسر باستمرار الكثير من حقوقه المشروعة ويقتل منه المزيد من الأبرياء بسبب التباين في القدرات العسكرية للطرفين وعجز حماس على التصدي والمواجهة الفعلية مع الجيش الإسرائيلي المسلح بأحدث وأرقى الأسلحة المنتجة في إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. وليست القذائف الصاروخية التي تطلقها حماس ضد إسرائيل بقادرة على مواجهة صواريخ إسرائيل ولكنها تبث الرعب في نفوس الأبرياء في إسرائيل، وهو أمر لا ضرورة له إطلاقاً، في حين يدفع بإسرائيل إلى أن تطلق صواريخها الحديثة والأكثر فتكاً لتقتل المزيد من الفلسطينيين وتدمر المزيد من المناطق السكنية ودور العبادة والمدارس والمستشفيات بشكل خاص. إن ما تمارسه المنظمات الإسلامية المتطرفة مثل حماس والجهاد يبتعد عن القدرة على تحقيق المنشود، في حين أن النضال السلمي الذي اقرته منظمة التحرير الفلسطينية هو القادر على كسب الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي ويفقد إسرائيل المؤيدين لها على الصعيد الدولي وبالتالي يفرض عليها التخلي عن سياساتها التوسعية الراهنة وإيجاد حل سلمي للقضية الفلسطينية، كما يفرض على الولايات المتحدة أن تكف عن تأييد إسرائيل سواء أكانت على حق أو باطل!! 
وفي المقابل فإن سياسة حكومة نتانياهو خلال السنوات الست المنصرمة بشكل خاص قد قادت إلى عزلة حقيقية لإسرائيل عن دول الاتحاد الأوروبي وغالبية دول العالم واصطدمت بهذا القدر أو ذاك بسياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ولكن مراكز القوة في الولايات المتحدة تلعب دوراً سلبياً في تعميق المشكلات التي تواجه الشرق الأوسط والشعب الفلسطيني وشعب إسرائيل في آن واحد لأنها تقف ضد إرادة جميع شعوب ودول العالم في مواقفها الرافضة للضغط الفعلي على حكومة إسرائيل لتتخلى عن سياساتها ذات المضمون التصفوي للقضية الفلسطينية بالمحصلة النهائية.
لم تخسر حكومة إسرائيل تأييد الدول الأوروبية وغالبية دول العالم وجميع دول مجلس الأمن الدولي فحسب، بل خسرت أيضاً الكثير من الجماعات المؤيدة لها حتى في إسرائيل ذاتها. ومن المفيد الإشارة إلى أن الكثير ممن كانوا يدافعون عن نتانياهو وينتخبونه، أصبحوا اليوم ضد سياساته المتشددة. والدولة الوحيدة التي تمعن في السكوت الفعلي عن سياسات إسرائيل هي الولايات المتحدة الأمريكية التي تستخدم باستمرار حق الفيتو لمنع إدانة فعلية في مجلس الأمن الدولي لسياسات إسرائيل التوسعية إزاء الأرض الفلسطينية وعلى حساب الشعب الفلسطيني. وأصبح اليوم المزيد من الدول الأوروبية وشعوبها الذين كانوا يخشون حتى الأمس القريب انتقاد سياسات إسرائيل، بسبب تاريخ أوروبا إزاء اليهود، وخاصة ألمانيا، فأنه اليوم يميز بين ما حصل في المحارق الجهنمية العنصرية ضد اليهود وضد السامية في أوروبا وضحاياها الذين تراوح عددهم بين 5-6 مليون نسمة من اليهود، وبين السياسات الراهنة لحكومة نتانياهو ويرفضونها. ولهذا فهم رفضوا قول نتانياهو الأخير بـ "أن أوروبا لم تتعلم من المحرقة". وهو أمر جديد حقاً لم يأت عبثاً بل بسبب تلك السياسات المغامرة التي يمارسها نتانياهو، وخاصة ما حصل في الحرب الأخيرة ضد الشعب الفلسطينية في غزة والتي شكلت لجنة دولية عن مجلس الأمن الدولي للتحقيق في مجريات الحرب وما حصل فيها من إبادة جماعية وضد الإنسانية. وعلى وفق تقرير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان فالخسائر الفادحة كانت على النحو التالي: (المصدر
•   في الجانب الفلسطيني
o   174 2  قتيل، منهم 743 1 مدني (81%) و530 طفل و 302 إمرأة و64 غير معروفين و340 مقاوم 16%.)
o   870 10  جريح، منهم 303 3 طفل و101 2 إمرأة، بينما ثلث الأطفال الجرحى سيعانون من إعاقة دائمة.
o   145  عائلة فلسطينية فقدت 3 أو أكثر من أفرادها في حدث واحد وإجمالهم 755 فرد قتل. أكثر الأيام دموية هو 1 أغسطس أين قتل 160 شخص.
o      •   في الجانب الإسرائيلي:
o   70  إسرائيلي قتل، منهم 64 جندي (91%) و6 مدنيين (9%) منهم إمرأة وطفل واحد.
o   من الجنود القتلى من يحمل جنسيتين مختلفتين يوجد 57 جندي إسرائيلي، 2  جنود إسرائيليين-أمريكيين، 2 جنود إسرائيليين-بلجيكيين، 1 جندي إسرائيلي-فرنسي، 2 جنود غير معروفين.
o   720 جريح إسرائيلي.
ويوجد أيضا:
•      •   3.6 مليار دولار أمريكي إجمالي الخسائر.
•   تدمير 62 مسجد بالكامل و109 جزئيا. وتدمير كنيسة واحدة جزئيا. وتدمير 10 مقابر إسلامية ومقبرة واحدة مسيحية.
•   000 100 مهجر فلسطيني بلا مأوى.
•   132 17 منزل مدمر، منهم 465 2 مدمر كليا و667 14 مدمر جزئيا، بينما يوجد 500 39 منزل متضرر. وكذلك 5 عمارات سكنية مرتفعة تم تدميرها كاملة.
•   عدد الهجمات الإسرائيلية كانت: 210 8 صاروخ جوي، 736 15 قذيفة بحرية، و718 36 قذيفة برية.
•   استهدفت الصواريخ والقذائف الإسرائيلية: 9 محطات لمعالجة المياه، 18 منشأة كهربائية، 19 مؤسسة مالية ومصرفية، 372 مؤسسة صناعية وتجارية، 55 قارب صيد، 10 مستشفيات، 19 مركزا صحيا، 36 سيارة إسعاف، 222 مدرسة، منها 141 مدرسة حكومية و76 مدرسة تابعة للأونروا و5 مدارس خاصة، 6 جامعات، 48 جمعية، محطة توليد كهرباء واحدة.
•   11  قتيل من الأنروا، و 23  قتيل من الطواقم الطبية و16  صحفي قتلوا على أيدي القوات الإسرائيلية."
(المصدر: ويكيبيديا، الموسوعة الحرة. الحرب على غزة 2014).
ولم يخسر نتانياهو بسياساته الراهنة على الصعيد الدولي فحسب، بل وخسر الكثير من حكومات الدول العربية التي أقامت مع إسرائيل علاقات دبلوماسية وثقافية وسعت إلى تطوير علاقاتها الاقتصادية، إذ إنها أصبحت في وضع حرج جداً إزاء الشعوب العربية. وهي بهذا قد تسببت في تراجع الاتجاه صوب علاقات جديدة مع دول عربية أخرى في منطقة الشرق الأوسط.
كما إن سياسات نتانياهو ألحقت أضراراً فادحة لا بالاقتصاد والشعب الفلسطيني ووسعت من البطالة والفقر والحرمان في ما تبقى من فلسطين فحسب، بل وكذلك للاقتصاد الإسرائيلي والذي برز بشكل خاص في ارتفاع نسبة البطالة ولأول مرة منذ سنوات إلى 6,5% أو ما يعادل 243,52 ألف عاطل عن العمل. وهو رقم كبير بالنسبة لإسرائيل، إضافة إلى احتمال تجدد الصراعات والحركات الاجتماعية التي حصلت في العام 2011 بإسرائيل، إذ أن المزيد من الناس يفقدون فرص العمل ويتدهور مستوى معيشة الفئات الوسطى، دع عنك الفئات الفقيرة والكادحة وتتسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء بالبلاد. ورغم كل المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية، سواء العسكرية منها أو غير العسكرية فأن إسرائيل بدأت تعاني من تراجع في الاستثمارات الخارجية بسبب خشية الناس من انتفاضة جديدة ومن عواقب وخيمة على الاقتصاد الإسرائيلي، إضافة على المقاطعة الاقتصادية التي يمكن أن تتفاقم بسبب تلك السياسات. إن السياسات العسكرية والأمنية تحمل الدولة الإسرائيلية أعباء ضخمة جداً ترهق ميزانيتها السنوية. فعلى سبيل المثال لا الحصر بلغت تكاليف الحرب الأخيرة ضد غزة المالية الإسرائيلية وحدها بين 6,5-9,5 مليار شيكل إسرائيلي أو ما يعادل 1,7-2,4 مليار دولار أمريكي، عدا الخسائر في الأرواح والأوضاع النفسية والعصبية للسكان والرغبة في الهجرة والعيش في مناطق آمنة من أوروبا، إضافة على الارتفاع الهائل في الأسعار (التضخم) وعواقبه على مستوى معيشة السكان، وخاصة الفئات الكادحة والفقيرة. (خسائر إسرائيل المالية قدرت من وزارة المالية 6،5 مليار شيكل ومن وزارة الدفاع ب 9،5 مليار شيكل).

إن حكومة نتانياهو تدفع بسياساتها إسرائيل إلى طريق مسدود، إلى صدامات مسلحة جديدة، إلى احتمال انتفاضة شعبية فلسطينية جديدة وإلى عواقب جديدة. فهل سيسمح الشعب الإسرائيلي لهذه السياسة بأن تمر وتجلب له ولجيرانه الشعب الفلسطيني المزيد من الكوارث والمزيد من اشتداد عضد القوى الإسلامية السياسة المتطرفة (حماس والجها الإسلامي وغيرها)، أم سيرفض هذه السياسة ويدفع باتجاه القوى المعتدلة التي تطالب بحل الدولتين لصالح الشعبي ولصالح السلام والتنمية والتقدم في منطقة الشرق الأوسط؟ هناك دلائل أولية بهذا الاتجاه، ولكنها ما تزال ضعيفة وضغط قوى السلام بالعالم ما تزال غير كاف لفرض تغيير اتجاه السياسة الإسرائيلية، وإلى أن يتحقق ذلك ستواجه الشعبين مشكلات غير قليلة وعواقب وخيمة ما يتمناه أي إنسان عاقل. إن الكرة الآن في ملعب السياسة الإسرائيلية ومجلس الأمن الدولي وشعوب العالم لتحقيق الأمن والسلام الدائمين والعادلين بين إسرائيل وفلسطين ولجم قوى التطرف في إسرائيل وفلسطين وفي المنطقة بأسرها.                     

24
حوارات فكرية وسياسية ممتعة مع الصديق البروفيسور ساسون سوميخ

سمعت عن البروفيسور الدكتور ساسون سوميخ كثيرا ولم التق به، قرأت له بعض ما كتبه عن بعض روايات نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل للآداب، وعن أدب يوسف ادريس، وهما من اكبر كتاب الرواية والقصة القصيرة في العالم العربي على التوالي. أعجبت بطريقة تحليله للغة هذين الكاتبين وأسلوب كتابته السهل والواضح والمليان وإبرازه جماليات الكلمات والجمل وقوة التعبير لديهما، إضافة الى استخدامهما للغة المحكية المعبرة عن الواقع المعاش حيثما تطلب الأمر ذلك، وهو الذي يميل اليه البروفيسور ساسون سوميخ كثيرا ويمارسه في كتاباته ايضا. تعرفت بلندن على الصديق اميل كوهين، وهو عراقي المولد ويقطن لندن منذ هجرته من العراق وحصلت منه على بعض كتابات البروفيسور ساسون سوميخ ثم عنوانه حيث ارسلت له أسئلة الاستطلاع الخاصة بيهود العراق ورجوته الإجابة عنها ان وجد وقتا لذلك بهدف نشرها في كتابي الذي ينتظر الصدور في ربيع هذا العام 2015 والموسوم "يهود العراق والمواطنة المنتزعة". أجاب مشكورا ولكن باقتراب شديد لم في الغرض من توجيه الأسئلة،  ولكنه تفضل وأهداني الجزء الأول من كتابه الموسوم "بغداد امس". قرأت الكتاب وأعجبت به أيما إعجاب، إذ انه تناول به ذكرياته، بين ولادته في العام 1933 ومغادرته حالعراق في العام 1951، اذ كان عمره حين ذاك سبعة عشر عاما، وهي فترة معقدة ومتشابكة من تاريخ العراق السياسي، في وقت لم يكن الشاب ساسون سياسيا ولكن كانت ميوله العامة إنسانية ذات وجهة يسارية والتي حافظ عليها حتى يومنا هذا، وهوما قرباني اليه اكثر. وبعد قراءتي الكتاب قررت الكتابة عنه، فكان ثاني مقال اكتبه عن بروفيسور عراقي المولد يهودي الديانة ويعيش في اسرائيل. اذ كان الأول هو البروفيسور شموئيل موريه عن كتابه الموسوم "بغداد حبيبتي" الصادر في العام 2012 في اسرائيل ووصلنا منه مباشرة كهدية قيمة بعد ان كان قد نشر في موقع إيلاف في حلقات بلغت اكثر من خمسين حلقة. لقد نشرت المقال الذي كتبته عن البروفيسور الدكتور ساسون سوميخ أيضاً. وقد لقي المقالان صدى احسان عام، وبشكل خاص من الزميلين موريه وسوميخ.
من هنا بدأت صداقة جديدة بين البروفيسور ساسون وبيني دون ان نلتقي ولم يعرف احدنا الآخر من قبل. فكانت بيننا مخاطبات ومكالمات عبر الهاتف ثم لقاء ببرلين مع عائلته في أب/اغسطس من العام 2014.
وصل الى برلين مع زوجته تيري وأبنتيه وأحفاده. كان اللقاء حميما حقاً معه ومع زوجته وبقية أفراد العائلة. عاد جو الصداقة العراقي بيننا وكأننا قد تعرفنا قبل ستة عقود. كانت زوجته الامريكية المولد رائعة وحميمة ورحيمة على زوجها تخشى عليه من الهواء الذي يمس وجنبيه. وحين خضنا الحوارات الجميلة وبحضور الأخ قوجمان تأسفنا معا بأننا لم نلتق ولم نتعارف على بعضنا قبل هذا الوقت بسنوات.
حين استمعت الى أحاديثه خلال ثلاثة أيام تسنى لنا فيا اللقاء سوية، عادت الى ذاكرتي جميع أحداث ووقائع  كتابه الموسوم "بغداد امس" وما فيه من ذكريات حية كتبت بأسلوب جميل أخاذ ومليء بالحب لبغداد والحنين اليها وإلى الأصدقاء والكتاب والشعراء العراقيين، عن لقاءاته بالشعراء والكتاب وعن أساتذته الذين تتلمذ على أيديهم وتعززت لديه لغة الأم، اللغة العربية. أعاد الحديث عن الجواهري ولقائه وعن أساتذته حسين مروة ومحمد شرارة وحسن الصوري وعن شعراء شباب.
تحدثنا عن ذكريات غير مشتركة ولكنها متقاربة لأنها حصلت في ذات الأجواء البغدادية أو العراقية عموما. تحدثنا عن السياسة ايام زمان وعن اليهود بالعراق ودورهم الثقافي والإعلامي او الصحفي وعن االرواد منهم و
 نشاطهم السياسي الذي لم يتعرف عليه الا فيما بعد، اذ لم تكن لديه اهتمامات سياسية حينذاك.
ثم تطرقنا الى مجزرة الفرهود ضد اليهود التي وقعت في يومي الأول والثاني من يونيو/حزيران 1941 بعد انهيار حكومة رشيد عالي الانقلابية التي قادها قوميون يمينيون تأثروا بشكل صارخ بالفكر النازي الألماني خلال الفترة بين 1935-1945 وما بعدها. ثم الحديث عن وثبة كانون والقوى المناهضة للصهيونية ضمن يهود العراق الذين شكلوا عصبة مكافحة الصهيونية وبدعم مباشر من قيادة الحزب الشيوعي العراقي والرفيق فهد حينذاك، وكيف حوربت هذه العصبة من قبل حكام العهد الملكي وبشكل خاص من نوري السعيد، الذي أيدها ابتداءً ثم انقلب عليها حين تم طبخ مؤامرة ترحيل اليهود بأي ثمن الى اسرائيل بين بريطانيا وإسرائيل والنخبة الحاكمة العراقية.
وجرنا الحديث عن الحرب والسلام بين اسرائيل والدول العربية ولكن وبشكل خاص مع الشعب الفلسطيني، وعن دور القوى اليمينية المتطرفة والمتعصبة دينياً والرافضة للسلام من الطرفين والعواقب الوخيمة لمثل هذا النهج. فهذه القوى في الطرف الاسرائيلي تسعى الى التهام المزيد من أراضي الشعب الفلسطين قبل العام 1967، وتلك القوى اليمينية والدينية لحماس والجهاد الإسلامي وغيرها من قوى الإسلام السياسي المتطرفة في غزة التي تريد رمي الدولة الإسرائيلية والشعب اليهودي بالبحر!! ان هذه السياسة مهلكة للطرفين ولن توفر السلام  ولا بد من وجود دولة فلسطين بجوار دولة اسرائيل والتخلى عن الاراضي المحتلة من جانب إسرائيل وعقد صلح دائم وعادل برعاية الامم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، إذ بغير ذلك لن يكون هناك سلم ويبقى الموت يطارد الجميع في فلسطين وفي اسرائيل. لقد كانت وجهات نظرنا متفقة في هذا الصدد، فحل الدولتين والاعتراف المتبادل وتحقيق التنسيق والتعاون وربما التكامل فيما بعد هو الطريق الصحيح والوحيد لإرساء السلم الدائم والعادل بين شعب اسرائيل والشعب الفلسطيني والدول العربية.
لقد كانت الحوارات غنية وواضحة وصريحة وكنا نقف معا على ارضية فكرية ديمقراطية وتقدمية او يسارية ندرك معاً مأساة الصراع والحرب وعواقبها عل الشعوب وليس على الحكام وعلى مستوى حياة الشعوب. وكان موقفنا رافضاً لما حصل في غزة من جانب حكومة بنيامين نتنياهو وكذلك موقف حماس وبقية قوى الاسلام السياسي المتطرفة في غزة ولا بد من اجراء تحقيق لإدانة جرائم الحرب التي ارتكبت على وفق قرار مجلس الأمن الدولي والذي رفضته اسرائيل حتى الان ووافقت عليه الحكومة الفلسطينية.
حين عاد البروفيسور سوميخ الى إسرائيل ارسل لي الجزء الثاني الموسوم "ما بعد بغداد" الذي يبحث في الفترة الواقعة بين وصوله اسرائيل والعام 2010. وهو كتاب يدخل في باب الذكريات والإخوانيات. وقد كتب كسابقه بأسلوب سلسل وجميل يجسد قدرناه الفائقة في اللغة العربية وامساكه لزمامها وبراعته في استخدامها.
أودعته بقراءة الكتاب، وهي ما تزال مسودة غير مدققة مترجمة عن العبرية. وحين بدأت في قراءة الكتاب لم اتركه حتى انتهيت منه دفعة واحدة ودون ان اشعر بالوقت الذي مرّ سريعا.
لم تكن حياة العائلات العراقية اليهودية آلتي عادت الى اسرائيل سهلة ميسرة، بل تميزت بالكثير من التعقيدات، وخاصة لتلك العائلات الكادحة وتلك آلتي كتب على ملفاتها بأنها شيوعية او اشخاص كتب عل ملفاتهم ذلك. وتبين لهم الفرق في الاستقبال والعيش بين من يأتي من أوروبا ومن يأتي من الشرق، وخاصة الشرق العربي الذين كانوا يرشون بمادة ال" ددت DDT" حال نزولهم من الطائرة ثم توقف هذا الأجراء الوحشي فيما بعد، كما يشير الى ذلك ساسون سوميخ في هذا الجزء من الكتاب.
لقد تحدث على مدى ٢١ فصلا عن بدء حياته الجديدة بإسرائيل وعدم معرفته اللغة وغياب عائلته التي وصلت الى اسرائيل بعد عدة شهور من وصوله وصعوبة العيش البدائي مع البق الملعون الذي يشبه بق البصرة بالمقارنة مع ما كان عيش عائلته ببغداد والكثير من العائلات الغنية والمتوسطة، في حين كانت حياة العائلات الفقيرة لا تختلف عن حياة الغالبية العظمى من الشعب العراقي حينذاك. هذا الكتاب غني بما ورد فيه من تجارب العيش مع الطلبة والأساتذة الذين درس معهم او الذين درسوه او فيما بعد قيامه بتدريس مجموعة منهم أصبحت فيما بعد من خيرة الباحثين وأساتذة الجامعات او خبراء في تخصصهم.
سأفرد مقالا خاصاً عن هذا الكتاب الصغير الذي لم يصدر بعد بترجمته العربية من العبرية او الانجليزية لأهميته للباحثين في مجال الجد والمثابرة على البحث والأمانة العلمية والدأب والتواضع في العلاقات واحترام الرأي وارأي الاخر وخاصة بين الطلبة والأساتذة.
8/12/2014              كاظم حبيب

25
كاظم حبيب   
هل من مغزى لتعيين د. مظهر محمد صالح مستشاراً اقتصادياً لرئيس الوزراء العراق؟
خاض الاقتصاديون والاقتصاديات بالعراق نضالاً عنيداً، صادقاً ودؤوباً لإدانة الإجراءات التعسفية التي أصدرها رئيس الوزراء العراقي والمستبد بأمره نوري المالكي ضد إدارة البنك المركز العراقي وتجاوزه على قانون البنك المركزي والدستور العراقي لعام 2005 في آن واحد، ثم كانت الكارثة حين أيدت سلطة القضاء العراقي له ولهذه الإجراءات غير الشرعية، إذ صدور حكم على الدكتور سنان الشبيبي، محافظ البنك المركزي المعزول بصورة غير شرعية، بالحبس سبع سنوات، إضافة إلى اعتقال الدكتور مظهر محمد صالح ومجموعة من كبار موظفي البنك المركزي قبل ذاك دون مبرر قانوني وتجاوز فظ على حقوق الإنسان المنصوص عليها في لائحة حقوق الإنسان وفي الدستور العراقي. وقد اندمج الكثير جداً من الناس الواعين في هذا النضال وعبروا عن استنكارهم لمسؤولي هذه السلطات الثلاث الذين تساوموا في ما بينهم ومارسوا هذا التعسف بحق هؤلاء المخلصين والنزيهين والذي كان في جوهره عملياً إدانة للنزاهة وتشجيعاً للفساد والمفسدين وتشجيع أفعال التجاوز على الدستور والقوانين. وقد ثبت للجميع بأن السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة، فالسياسة الفاسدة تمارس سياسة اقتصادية فاسدة، والعكس صحيح أيضاً، إذ إن السياسة الصائبة والعادلة تمارس سياسة اقتصادية صائبة وعادلة. وهذا ما عشناه على مدى أكثر من تسعة عقود من تاريخ الدولة العراقية الحديثة. والسياسة الفاسدة يمارسها ويقودها فاسد وجاهل وعبيط في آن واحد، والسياسة الصائبة والعادلة يمارسها عاقل ونزيه وواع لمهمته كرئيس لمجلس وزراء. وهذا ما عاشه الشعب العراقي بنفسه خلال السنوات العشر المنصرمة وعانى من وجود الجهلاء والانتهازيين والمستبدين على رأس السلطة .
وحين صدر قرار بإلغاء محاكمة الأستاذ الدكتور مظهر محمد صالح وتعيينه مستشاراً لشؤون الاقتصاد لدى رئيس الوزراء، رحب بهذا القرار الاقتصاديون والشبكة الاقتصادية وطالبوا بإلغاء الحكم الصادر بحق الدكتور سنان الشبيبي وإلغاء محاكمة المجموعة التي كانت معتقلة من موظفي البنك المركزي. وهذا ما حصل الآن، إذ عاد الدكتور الشبيبي إلى بغداد عزيزاً ومرفوع الرأس كبقية الذين اعتقلوا وأهينوا وأسيئ إلى سمعتهم الشخصية والعائلية دون أدنى مبرر إنساني أو دستوري. والجميع ينتظر الآن تعويض ما جرى ورد الاعتبار وإدانة تلك الأفعال النكرة ومحاكمة المتسببين بها.
ولكن السؤال العادل هو: هل كانت معركتنا هذه من أجل هذه المجموعة الخيرة من العراقيات والعراقيين الذين عملوا في البنك المركزي، وهل حين انتهت قضيتهم الخاصة والمحدودة انتهى نضالنا الفعلي لصالح شعب العراق؟ إن من يفكر بهذه الطريقة يبسط الأوضاع المعقدة بالعراق ومجمل العملية النضالية من أجل التغيير تبسيطاً شديداً ويبتعد عن المهمات التي تواجه المجتمع العراقي في المرحلة الراهنة والمقبلة.           
إن المعركة المركزية التي يخوضها كل إنسان عراقي يمتلك الوعي والمسؤولية والحس الوطني والديمقراطي تنصب على مهمة الخلاص من النظام السياسي الطائفي والمحاصصة الطائفية على مستوى الدولة وسلطاتها الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، وفي جميع المستويات والمجالات وعلى مستوى المجتمع أيضاً. وهذا يعني التخلي عن الهويات الفرعية لصالح هوية المواطنة الحرة والمتساوية. وتبقى الهويات الفرعية محترمة لكل شخص أو جماعة دون أن يكون لها تأثيرها السلبي على الدولة بكل مكوناتها وعلى القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية وغيرها.
إن النضال الذي يخوضه الواعون من بنات وأبناء العراق أينما كانوا في الداخل والخارج وفي جميع مجالات الحياة يتوجه صوب احترام الدستور، رغم نواقصه والعمل على تعديله على وفق الأساليب والأسس الديمقراطية السلمية والدستورية، واحترام الفصل بين السلطات الثلاث والفصل بين الدين والدولة لصالح الدين والدولة في آن واحد، ولصالح المواطن والمواطنة على نحو خاص، فـ"الدين لله والوطن للجميع". وهذا يعني أيضاً النضال ضد الإرهاب، سواء أكان من قوى فاشية باسم الإسلام مثل داعش ومن لف لفها، أو ميليشيات طائفية مسلحة تتجاوز على الإنسان والقضاء وعلى حق الدولة في احتكار السلاح والحكم، باسم الدفاع عن الطائفة، شيعية كانت أم سنية، وضد إرهاب السلطة وأجهزتها الأمنية والعسكرية عموماً، وضد الفساد المالي والفاسدين والمفسدين وضد الفساد الإداري المتسم بالمحسوبية والمنسوبية أياً كانت طبيعتها ووجهتها، وضد التفريط بالمال العراقي من خلال منح الرواتب والامتيازات المخصصات المبالغ بها عشرات المرات، ومن أجل وضع موارد البلاد لصالح عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وخاصة من أجل تصنيع البلاد وتحديثه وتحديث وتطوير الزراعة والريف العراقي وإنقاذ العراق من الرثاثة في كل مكان من أرض العراق وحيثما يسكن أبناء وبنات العراق.
ولكي نكون صريحين وواضحين في آن واحد: لا يعني تعيين الأخ والزميل والصديق الدكتور مظهر محمد صالح تغييراً في كل ما نسعى إليه لعراقنا الحبيب، ولكنه كان أشبه بضوء في نفق معتم طويل يعيش تحت وطأته الشعب العراقي تسبب به الشوفينيون والطائفيون المقيتون والمستبدون في أرض الرافدين على مدى عقود عجاف ومريرة حتى يومنا هذا. وبالتالي فأن هذا الإجراء لن يكون له معنى وأثراً مفيداً ما لم تُتخذ الإجراءات الكفيلة بالتغيير المنشود على جميع المستويات والمجالات بالدولة العراقية. من هنا نقول بأن وجود الأستاذ مظهر محمد صالح كمستشار لرئيس الوزراء لا يغير من واقع العراق شيئاً ما لم يقترن بسياسات وإجراءات كثيرة وكثيرة جداً وهي بالضرورة ليست قصيرة الأمد بسبب التوازنات الراهنة في مجلس النواب وفي الحكومة وفي كل مجالات الحياة وحتى في المجتمع الذي نقل الطائفيون صراعاتهم العدوانية إليه أيضاً. يستطيع الدكتور مظهر محمد صالح تقديم استشاراته النقدية الجريئة، وهو ما نأمل ونثق بأنه سيمارسه، منذ الآن لرئيس الحكومة لا في مجال السياسة الاقتصادية فحسب، بل وبكل ما يرتبط بالسياسة الاقتصادية بالعراق، إنهما الوجهان المتلازمان: سياسة واقتصاد.
إلا إن الأخذ بهذا لا يرتبط بالأخ الدكتور مظهر محمد صالح بل برئيس الوزراء السيد الدكتور حيدر العبادي. ولكن تبقى مسؤولية المستشار كبيرة حين يشعر بأن استشاراته لا يؤخذ بها وأنه سيعتبر ضمن المسؤولين عن الوضع الاقتصادي المتردي، وبالتالي عليه عند ذاك تقع مسؤولية اتخاذ القرار المناسب بشأن وجوده في المنصب الذي عين فيه، لأنه ليس من الذين يوافقون على كل ما يراد منهم، وهو ما برز في الموقف من تطبيق قانون البنك المركزي العراقي مع زميله المحافظ ورفضهما التصرف بالاحتياطي كما أراد ورغب به المستبد بأمره نوري المالكي!
من هنا نقول إن من كان ينتظر من تعيين الأخ الدكتور مظهر محمد صالح كثيراً دون أن تتخذ السياسات والإجراءات الضرورية لمعالجة مجمل الوضع بالعراق، وأهمها المحاصصة الطائفية التي ابتلي بها الوطن بفعل الجماعات والأحزاب الطائفية وقوى الاحتلال الأمريكي، سيصاب بخيبة أمل. ولكن من اعتبر هذا الإجراء بمثابة خطوة بسيطة جداً على طريق طويل لا يتحقق إلا بتشديد النضال من أجل التغيير الفعلي في طبيعة النظام السياسي العراقي ومجمل سياساته وإجراءاته سيكون قد وضع قدميه على الدرب الصحيح.
وعلينا الاعتراف بأن هذا الإجراء الجيد ما يزال ناقصا تماماً لسبب مركزي هو أن الذين مارسوه ووافقوا عليه ما زالوا يحتلون مناصب مهمة في الدولة العراقية ودون أن يتعرضوا للمحاسبة القانونية على خرقهم للدستور العراقي وتجاوزهم على قانون البنك المركزي، وأعني بهم رئس الوزراء نوري المالكي ورئيس مجلس النواب أسامة النجيفي، وكلاهما يحتل اليوم ورغم تخريبهم للعراق، منصب نائب رئيس الجمهورية، ومدحت المحمود الذي يحتل رئاسة مجلس القضاء الأعلى ورئيس المحكمة الاتحادية، الذي انبرى أخيراً وفي مؤتمر صحفي ليكشف عن بعض جوانب الوضع السيئ في ظل حكومة المالكي ليبرئ نفسه وهو المسؤول الأول عن القضاء العراقي والذي شرع وبرر الكثير والكثير جداً من قرارات وإجراءات ورغبات المستبد بأمره نوري المالكي، وقبل ذاك لصدام حسين المماثل لنوري المالكي في الطبيعة والسلوك، فأحدهما قال [[جئنا لنبقى]] (صدام حسين)، والثاني قال [[أخذناها بعد ما ننطيها، ليش هو أكو واحد يكدر يأخذها]] نوري المالكي ! أحدهما دخل مزبلة التاريخ والثاني ينتظر دوره لما تسببا به للعراق وشعبه!!
29/11/2014                  كاظم حبيب         


   

26
كاظم حبيب   
أما يزال الإنسان العراقي يقف على كف عفريت، أما يزال تحت رحمة الإرهابيين؟
المراسلة مع المواطن بالوطن ضرورة دائمة لجميع المقيمين بالخارج، فهي الحبل السري الذي يربط الإنسان بالوطن وأهل الوطن وحياة الناس اليومية. إنها الغذاء الروحي اليومي الذي يتزود به الإنسان ليبقى على مقربة من حياة ومرابع الطفولة والصبا، إنه الحنين الدائم إلى أرض الأهل والأصدقاء والشعب، إنه العذاب النفسي الدائم الذي لا يحس به إلا من هو بالغربة مقيم.
تصلني رسائل كثيرة من أناس لا أعرفهم, ومن آخرين عرفتهم على عجل، ومن آخرين أعرفهم جيدا. هذه الرسائل تحمل الكثير من الآلام والمحن، ولكن البعض الكثير منها يحمل الحلم والأمل بالخلاص. بعضها يحمل شكوى يريدني أن أجعلها موضوعاً لمقالاتي اليومية تقريباً، ومع انسداد الصحف المحلية بوجه مقالاتي النقدية، فأن أبواب المواقع مفتوحة عليها دون استثناء.
الرسائل التي تصلني تساعدني على العيش اليومي مع الناس في وطني المستباح من الإرهابيين والفساد، على التفاعل مع الأحداث اليومية، على معرفة بموقف الناس باتجاهاتهم المختلفة. رسائل تجعلني أتلظى باللهيب المشتعل بالعراق، أعيش مع القتلى، مع أنين الجرحى والمعوقين وآلامهم، مع حزن وبكاء الأمهات والآباء والأزواج والزوجات الثكالى ومع الأنباء والبنات اليتامى الذين فقدوا عزيزاً أو عزيزة لهم. أبقى الليل ساهراً مفتوح العينين أفكر في من قتل أو جرح منهم، ولماذا قتل أو جرح. أتساءل عن أسباب هذه العبثية الظالمة والمجنونة والقاتلة. أفكر في الحالة النفسية والعصبية للناس جميعاً، ولكن وبشكل خاص للأطفال والصبية الذي يرتعبون من أصوات الانفجارات الهائلة التي تقع يومياً في هذه الساحة أو تلك وفي الشارع أو ذاك وفي هذا السوق الشعبي المزدحم بالفقراء من الناس أو ذاك، وتلك الانفجارات التي هزت البيوت القديمة التي تهاوت على رؤوس ساكنيها من الفقراء أو كسرت زجاجات النوافذ وجرح فيها من جرح أو قتل.
أحياناً كثيرة أنهض من سريري وأذهب إلى الحاسوب في محاولة مني لكتابة مقال عما يجري ببلاد الرافدين. أحيانا ينساب القلم سهلاً، وأحياناً أخرى يكون عصياً يعذبني. أشعر بإرهاق شديد، اترك القلم لأعود إلى السرير حاملاً معي أرقي وصور الأشلاء المتناثرة تملأ سقف وأجواء غرفة النوم!
وفي الصباح الباكر أعاود الكتابة ثانية وأضع الخطوط الأولية لمقال جديد. ما أن أبدأ بالكتابة حتى أتسلم رسائل أخرى عبر البريد الإلكتروني تروي لي ولغيري وقوع جرائم بشعة أخرى ترتكب في طول البلاد وعرضها. ضحاياها هم المسيحيون، الإيزيديون، الصابئة المندائيون، الشبكيون، الكاكائيون، البهائيون، المسملون شيعة وسنة، اللا دينيون، العرب، الكُرد، التركمان، الكلدان الآشوريون السريان، الفرس، زوار العتبات، أو المصلون في الكنائس والجوامع أو المساجد، أو طلبة المدارس أو النساء أو الرجال أو الأطفال والصبايا, إنهم ضحايا أبرياء، إنه بنات وأبناء شعب العراق، إنهم من أهل الموصل الحدباء والفلوجة وديالى وبغداد وغيرها وغيرها.
واليوم وصلتني رسالة حزينة من صديق أعتز به كثيراً جاء فيها:
"عدت يوم أمس من كردستان إلى بغداد الحبيبة ... وبعد ساعتين من وصولي خرجت انأ وابنتي ملاك (6 سنوات) إلى الطبيب وعلى بعد 10 أمتار انفجرت سيارة مفخخة قربنا، حملت ابنتي وانأ اركض وسط النار وفوق الشظايا وابنتي تقول لي باب ما أريد أموت عندي باجر امتحان .. وتسألني من الذي قام بالانفجار هل هم داعش أم العراقيين وعندما وصلت البيت وجدت زجاج النوافذ قد تكسر وان زوجتي وابني مهيمن في وضع يرثى له".
كتبت للصديق رسالة قصيرة أعلن فيها عن سعادتي بنجاته ونجاة ابنته وزوجته وابنه وتمنيت لهم الصحة والسلامة في بلد ما يزال يفتقد الأمن والسلامة. ولكن في الوقت نفسه حزنت لمن مات بفعل هذا الانفجار ومن جرح أو عوق منهم، لمن أخرج من دائرة النشاط الإنسان الاقتصادي والاجتماعي.
لقد ترك الحكام الشوفينيون المستبدون العراق، الذين عاثوا في البلاد إرهاباً وحروباً وفساداً، ساحة حرب طائفية مدمرة. الموت يحصد الناس في الموصل، في سنجار والفلوجة وهيت والسعدية وخانقين ... وبغداد.
وإذا كانت جمهرة من قادة النظام الاستبدادي القديم قد حوكمت وصدرت بحقها الأحكام العادلة، فأن قادة النظام السياسي الطائفي الذي ورث مخلفات النظام السابق وساروا على طريق الاستبداد والظلم والظلام وتسببوا بما يعاني منه الشعب في الوقت الحاضر، وفي المقدمة منهم نوري المالكي والنجيفي ومن لف لفهما، ما زالوا يحتفظون بمراكز قيادية في الدولة العراقية الهشة والمتزعزعة ويقفون حجر عثرة شرسة في طريق التحول أو الإصلاح ويتسلمون رواتب ضخمة، إلى جانب الثروات التي تكونت لهم خلال الفترة المنصرمة، وكلها من السحت الحرام. ورغم الإجراءات الطيبة الأخيرة لحكومة العبادي، فهل في مقدورنا الإدعاء بأن الإنسان العراق لا يقف على كف عفريت، وأنه لا يعاني من شراسة وقسوة وجنون الإرهابيين من الإسلاميين السياسيين التكفيريين، وأن الموت لا يراوده في كل لحظة وفي كل مكان؟
إن الاختراقات ما تزال موجودة في أجهزة الأمن والشرطة العراقية وفي الأجهزة المدنية أيضاً، وإلا لما استطاع هؤلاء القتلة ممارسة التفجير اليومي في مناطق كثيرة من العراق، كما أن الحكومة ما تزال لم تكسب ثقة الشعب لكي يساهم معها في الكشف عن المجرمين والتصدي لهم، وإن الناس ما زالوا ينتظرون التنظيف والتطهير لكبار الفاسدين والمفسدين العاملين في مؤسسات الدولة القيادية وفي كل المواقع التي يمكن أن تكون أداة بيد من لا يريد لعملية الإصلاح أن تتقدم نحو الأمام، ومن يريد الانتقام من رئيس الحكومة الجديد الذي أخذ موقعه بالرغم من قوله "أخذناها بعد ما ننطيها" وكأنها ملك والده وجده، أو كما ل صدام حسين في حينها "جئنا لنبقى" وكلاهما كان يقصد نفسه وعائلته لا غير.
25/11/2014  كاظم حبيب
   




   


27
كاظم حبيب   
أما يزال الإنسان العراقي يقف على كف عفريت، أما يزال تحت رحمة الإرهابيين؟
المراسلة مع المواطن بالوطن ضرورة دائمة لجميع المقيمين بالخارج، فهي الحبل السري الذي يربط الإنسان بالوطن وأهل الوطن وحياة الناس اليومية. إنها الغذاء الروحي اليومي الذي يتزود به الإنسان ليبقى على مقربة من حياة ومرابع الطفولة والصبا، إنه الحنين الدائم إلى أرض الأهل والأصدقاء والشعب، إنه العذاب النفسي الدائم الذي لا يحس به إلا من هو بالغربة مقيم.
تصلني رسائل كثيرة من أناس لا أعرفهم, ومن آخرين عرفتهم على عجل، ومن آخرين أعرفهم جيدا. هذه الرسائل تحمل الكثير من الآلام والمحن، ولكن البعض الكثير منها يحمل الحلم والأمل بالخلاص. بعضها يحمل شكوى يريدني أن أجعلها موضوعاً لمقالاتي اليومية تقريباً، ومع انسداد الصحف المحلية بوجه مقالاتي النقدية، فأن أبواب المواقع مفتوحة عليها دون استثناء.
الرسائل التي تصلني تساعدني على العيش اليومي مع الناس في وطني المستباح من الإرهابيين والفساد، على التفاعل مع الأحداث اليومية، على معرفة بموقف الناس باتجاهاتهم المختلفة. رسائل تجعلني أتلظى باللهيب المشتعل بالعراق، أعيش مع القتلى، مع أنين الجرحى والمعوقين وآلامهم، مع حزن وبكاء الأمهات والآباء والأزواج والزوجات الثكالى ومع الأنباء والبنات اليتامى الذين فقدوا عزيزاً أو عزيزة لهم. أبقى الليل ساهراً مفتوح العينين أفكر في من قتل أو جرح منهم، ولماذا قتل أو جرح. أتساءل عن أسباب هذه العبثية الظالمة والمجنونة والقاتلة. أفكر في الحالة النفسية والعصبية للناس جميعاً، ولكن وبشكل خاص للأطفال والصبية الذي يرتعبون من أصوات الانفجارات الهائلة التي تقع يومياً في هذه الساحة أو تلك وفي الشارع أو ذاك وفي هذا السوق الشعبي المزدحم بالفقراء من الناس أو ذاك، وتلك الانفجارات التي هزت البيوت القديمة التي تهاوت على رؤوس ساكنيها من الفقراء أو كسرت زجاجات النوافذ وجرح فيها من جرح أو قتل.
أحياناً كثيرة أنهض من سريري وأذهب إلى الحاسوب في محاولة مني لكتابة مقال عما يجري ببلاد الرافدين. أحيانا ينساب القلم سهلاً، وأحياناً أخرى يكون عصياً يعذبني. أشعر بإرهاق شديد، اترك القلم لأعود إلى السرير حاملاً معي أرقي وصور الأشلاء المتناثرة تملأ سقف وأجواء غرفة النوم!
وفي الصباح الباكر أعاود الكتابة ثانية وأضع الخطوط الأولية لمقال جديد. ما أن أبدأ بالكتابة حتى أتسلم رسائل أخرى عبر البريد الإلكتروني تروي لي ولغيري وقوع جرائم بشعة أخرى ترتكب في طول البلاد وعرضها. ضحاياها هم المسيحيون، الإيزيديون، الصابئة المندائيون، الشبكيون، الكاكائيون، البهائيون، المسملون شيعة وسنة، اللا دينيون، العرب، الكُرد، التركمان، الكلدان الآشوريون السريان، الفرس، زوار العتبات، أو المصلون في الكنائس والجوامع أو المساجد، أو طلبة المدارس أو النساء أو الرجال أو الأطفال والصبايا, إنهم ضحايا أبرياء، إنه بنات وأبناء شعب العراق، إنهم من أهل الموصل الحدباء والفلوجة وديالى وبغداد وغيرها وغيرها.
واليوم وصلتني رسالة حزينة من صديق أعتز به كثيراً جاء فيها:
"عدت يوم أمس من كردستان إلى بغداد الحبيبة ... وبعد ساعتين من وصولي خرجت انأ وابنتي ملاك (6 سنوات) إلى الطبيب وعلى بعد 10 أمتار انفجرت سيارة مفخخة قربنا، حملت ابنتي وانأ اركض وسط النار وفوق الشظايا وابنتي تقول لي باب ما أريد أموت عندي باجر امتحان .. وتسألني من الذي قام بالانفجار هل هم داعش أم العراقيين وعندما وصلت البيت وجدت زجاج النوافذ قد تكسر وان زوجتي وابني مهيمن في وضع يرثى له".
كتبت للصديق رسالة قصيرة أعلن فيها عن سعادتي بنجاته ونجاة ابنته وزوجته وابنه وتمنيت لهم الصحة والسلامة في بلد ما يزال يفتقد الأمن والسلامة. ولكن في الوقت نفسه حزنت لمن مات بفعل هذا الانفجار ومن جرح أو عوق منهم، لمن أخرج من دائرة النشاط الإنسان الاقتصادي والاجتماعي.
لقد ترك الحكام الشوفينيون المستبدون العراق، الذين عاثوا في البلاد إرهاباً وحروباً وفساداً، ساحة حرب طائفية مدمرة. الموت يحصد الناس في الموصل، في سنجار والفلوجة وهيت والسعدية وخانقين ... وبغداد.
وإذا كانت جمهرة من قادة النظام الاستبدادي القديم قد حوكمت وصدرت بحقها الأحكام العادلة، فأن قادة النظام السياسي الطائفي الذي ورث مخلفات النظام السابق وساروا على طريق الاستبداد والظلم والظلام وتسببوا بما يعاني منه الشعب في الوقت الحاضر، وفي المقدمة منهم نوري المالكي والنجيفي ومن لف لفهما، ما زالوا يحتفظون بمراكز قيادية في الدولة العراقية الهشة والمتزعزعة ويقفون حجر عثرة شرسة في طريق التحول أو الإصلاح ويتسلمون رواتب ضخمة، إلى جانب الثروات التي تكونت لهم خلال الفترة المنصرمة، وكلها من السحت الحرام. ورغم الإجراءات الطيبة الأخيرة لحكومة العبادي، فهل في مقدورنا الإدعاء بأن الإنسان العراق لا يقف على كف عفريت، وأنه لا يعاني من شراسة وقسوة وجنون الإرهابيين من الإسلاميين السياسيين التكفيريين، وأن الموت لا يراوده في كل لحظة وفي كل مكان؟
إن الاختراقات ما تزال موجودة في أجهزة الأمن والشرطة العراقية وفي الأجهزة المدنية أيضاً، وإلا لما استطاع هؤلاء القتلة ممارسة التفجير اليومي في مناطق كثيرة من العراق، كما أن الحكومة ما تزال لم تكسب ثقة الشعب لكي يساهم معها في الكشف عن المجرمين والتصدي لهم، وإن الناس ما زالوا ينتظرون التنظيف والتطهير لكبار الفاسدين والمفسدين العاملين في مؤسسات الدولة القيادية وفي كل المواقع التي يمكن أن تكون أداة بيد من لا يريد لعملية الإصلاح أن تتقدم نحو الأمام، ومن يريد الانتقام من رئيس الحكومة الجديد الذي أخذ موقعه بالرغم من قوله "أخذناها بعد ما ننطيها" وكأنها ملك والده وجده، أو كما ل صدام حسين في حينها "جئنا لنبقى" وكلاهما كان يقصد نفسه وعائلته لا غير.
25/11/2014  كاظم حبيب
   




   


28
كاظم حبيب   
هل ما يزال العراق يعيش كوارث الشوفينية والحروب والاحتلال والطائفية السياسية؟
حين يراد معالجة المشكلات التي يعاني منها مجتمع ما يتجه الباحث العلمي إلى دراسة تلك المشكلات باستخدامه الطرق العلمية المستخدمة والحديثة والمجربة في البحث والتدقيق والاستنتاج بهدف الوصول إلى العلاجات المناسبة، تماماً كما يفعل الطبيب بمعارفه وخبراته معالجة مريض ما عند معاناته من مرض ما، إذ يعمل على تشخيص المرض وأسبابه ثم يتحرى عن العلاج المناسب، وربما يحاول تبادل الرأي مع مختصين آخرين لضمان أفضل العلاجات على وفق الحالة. وهذه الطريقة يمارسها العلماء في الاقتصاد والسياسة وفي مختلف العلوم الأخرى. والسؤال الذي يحير الإنسان العراقي هو: لماذا لا يعمد حكام العراق وأغلب سياسييه إلى ممارسة هذه الطريقة العلمية المجربة في مواجهة المشكلات التي يعاني منها المجتمع العراقي؟ هل بسبب جهل أغلبهم بالعلوم والأساليب العلمية، أم بسبب استخفافهم بمجتمعهم أو انتهازيتهم أم لأي سبب آخر؟ هذا لا يعني عياب مطلق لمن هم بالمستوى المناسب ولكنهم مبعدون عن الحياة السياسية!
حين نتحدث مع علماء العراق في مختلف حقول العلم، سيخبروننا جميعاً بأن العراق يعاني من كوارث حقيقية فاعلة ومدمرة في جميع تلك المجالات التي يختصون بها. وحين نتحرى معهم عن العوامل التي تسببت بها سوف لن يترددوا في تشخيصها، وربما اختلفوا في بعض أوجهها وخاصة بالنسبة لعلماء الاجتماع والاقتصاد والسياسة، ولكنها لن تكون متباعدة.
فسياسات الاستبداد والقهر والتمييز القومي والديني المذهبي، وسياسات العسكرة والتوسع والحروب والاعتداء على الجيران، وممارسة سياسات اقتصادية غير عقلانية وتفاقم الفساد ونهب الخيرات ونقص وسوء الخدمات الاجتماعية، قد ارتبطت عضوياً بالنهج الشوفيني أو العنصري للحكام القوميين الذين مارسوا الاستبداد والحروب والعدوان وجهلهم وفاقتهم الفكرية والسياسية، ثم كانت عواقب كل ذلك احتلال العراق وما خلفه من حكم طائفي سياسي مقيت يثير الحقد والكراهية بين أتباع الديانات والمذاهب ويؤجج الصراعات والنزاعات والموت والخراب بالبلاد، وما جلبه من إرهابيين باسم الإسلام السياسي وفساد سائد ومدمر.
تحدث عالم عراقي في واحدة من الندوات التي تبحث في بيئة العراق وأشار إلى أن البلاد تعاني من بيئة كارثية تتسبب بمزيد من الأمراض السرطانية وناجمة عن سياسات تتميز بالجهل وبعيدة كل البعد عن المسؤولية والعقلانية وتقود إلى مزيد من المرضى والموتى في صفوف الشعب، وأورد مثالاً عن مصفى الدورة وانتشار الأمراض السرطانية في العمود الفقري بسبب استخدام أسوأ أنواع النفط في هذا المصفى، وهو تابع لوزارة النفط العراقية. وأشار العالم العراقي إلى أنه كتب إلى وزير النفط السابق حسين الشهرستاني موضحاً المشكلة في مصفى الدورة ومحذراً إياه من استخدام هذا النوع من النفط ولكن دون فائدة، إذ لا جواب ولا إجراء أي "صم بكم عمي فهم لا يعقلون" ! (سورة البقرة)
العراق لا يعاني من كارثة واحدة، بل من كوارث كثيرة في حقول السياسة والاقتصاد والمجتمع والبيئة، في الطب والصحة العامة والتعليم بمختلف مراحله، في النقل والمواصلات والاتصالات، في السكن وهندسة المدن وفي المجاري والشوارع وانتشار القاذورات التي تعم شوارع وأزقة البلاد في العلاقة بين الحكومة والفرد وبين أفراد المجتمع، العراق يعاني من كارثة الرثاثة في جميع المجالات دون استثناء. فمجلس النواب ما يزال يشكل بطبيعة بنيته الطائفية السياسية كارثة، وبنية الحكومة لا تختلف عن ذلك، وكذا الحال في القضاء العراقي الذي يشكل مع رئيس القضاء الأعلى واحدة من أسوأ الكوارث التي تواجه العراق والتي لمسناه بشكل صارخ في قضية ابنك المركزي التي أصبحت لطخة عار في القضاء العراقي. العراق في المرحلة الراهنة كله كارثة، ابتداءً من اجتياح محافظة نينوى من قبل عصابات داعش المتوحشة الذي حصل في العاشر من شهر حزيران حتى الآن، وقبل ذاك بوجود الكارثة الفعلية بعينها وأعني به نوري المالكي الذي كان على رأس السلطة التنفيذية لمدة تسع سنوات عجاف ومدمرة، واليوم يحتل منصب نائب رئيس الجمهورية وصاحبه يحتل منصب وزير خارجية العراق. والسؤال هو: أي من مجالات حياة الإنسان بالعراق لا نجد فيها كارثة.
فالإرهاب الدموي المستمر والقتل اليومي للناس الأبرياء والفساد الذي يشفط المليارات من الدولارات الأمريكية سنوياً، وقطاع النفط، هذه الثروة التي حبتنا بها الطبيعة، هي الأخرى تحولت إلى كارثة فعلية ببلادنا وحولت الدولة العراقية إلى دولة ريعية فقد المهيمنون عليها لعقود طويلة الإحساس بحقوق الإنسان وحقوق المواطنة الحرة والمتساوية، وحقه في نفطه.
إن العلل التي كانت وراء ما يعاني منه العراق حالياً تتلخص في الُنهج الذي مورس خلال العقود المنصرمة التي تميزت بالشوفينية والعنصرية والطائفية والتمييز الديني والتي اقترنت بحروب واحتلال وإرهاب وفساد وموت وخراب. والسياسي العاقل الذي يصل إلى هذا الاستنتاج، يدرك بأهمية الخلاص من هذه العلل الفكرية والسياسية والاجتماعية، وبالتالي يعي أهمية التخلي عن النهج الشوفيني والنهج الطائفي والتمييز الديني وربط الدين بالدولة أولاً وقبل كل شيء، وهذا يستوجب دون أدنى ريب التخلي عن المحاصصة الطائفية اللعينة والمدمرة للمجتمع وقيمه والمتجاوزة بفظاظة على هوية المواطنة الحرة والمتساوية وعلى حقوق الإنسان وعلى أتباع الديانات والمذاهب الأخرى بالبلاد.
إن هذا يعني بأن العراق بحاجة إلى رؤية جديدة للمجتمع وأفراده والعلاقات المتبادلة بينهم وبين السلطات الثلاث في الدولة العراقية والتي كلها بحاجة لا إلى إصلاح فحسب، بل وإلى تغيير حقيقي في النهج والمنهج وفي السياسة والاقتصاد والقضاء وفي معالجة أمراض المجتمع النفسية وفي الأفراد. فهل توصل السيد الدكتور حيدر العبادي إلى هذا الاستنتاج والمعالجة؟ يتمنى المرء ذلك!
المجتمع العراقي مريض نفسياً وحكامه وسياسيوه وقضاته في الغالب الأعم أكثر مرضاً والكثير منهم مصاب بعمي الألوان، وهي الكارثة الحقيقية الكبرى. وينبغي أن لا يصدمنا هذا التشخيص بعد كل الذي عانى منه الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والسياسية النظيفة على مدى العقود المنصرمة، بما في ذلك السنوات التي أعقبت سقوط الدكتاتورية البعثية الصدَّامية الغاشمة. يمكن لعلماء النفس الاجتماعيين أن يدلونا على المعالجات الضرورية. ولكن سوف لن تكون كافية ما لم يكن العلاج حزمة كاملة من السياسات والإجراءات المتشابكة والمتفاعلة في ما بينها والمؤثرة والدافعة بزخم كبير لفتح آفاق جديدة أمام المجتمع.
إن الانتصار على عصابات داعش وكل المليشيات التي تحمل السلاح تحت راياتها يتم من خلال نهج جديد وسياسات جديدة غير شوفينية وغير طائفية وغير استبدادية قهرية. والنهج الجديد يتطلب إزاحة من تسبب بما هو فيه العراق الراهن وخاصة في السياسة والاقتصاد والقضاء, وبإصدار تشريعات تنظم العلاقات وتحل المشكلات المعلقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، بين الحكومة الاتحادية ومجالس المحافظات، وفي ما بين مجالس المحافظات...الخ.
وأخيراً، وإذا أراد المجتمع، ولا بد له أن يريد، معالجة الأوضاع الراهنة، أن يعترف بكل صراحة ووضوح بأن المجتمع العراقي ما يزال، وبكل المعايير والقيم، يعاني من استمرار فعل الرؤى الشوفينية والطائفية السياسية والتمييز الديني وعواقب الاحتلال والكوارث التي تسبب بها والتي نجدها في كل مكان بما في ذلك الإرهاب الداعشي والمليشيات المسلحة والجريمة المنظمة والفساد والموت والخراب المستمرين. 
أكرر طرح السؤال على السيد رئيس مجلس الوزراء: هل توصل السيد العبادي إلى هذا الاستنتاج والعلاج؟ الإجراءات الأولى تشير إل ذلك، ولكنها ما تزال في البداية وبطيئة وما يزال بعضها متردد، ربما بسبب مقاومة من كانوا في السلطة حتى إزاحة المالكي والنجيفي من السلطة والمجلس النيابي، في حين ما يزال ثالث الكوارث، رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس المحكمة الاتحادية يحتل الموقع، وهي إساءة كبيرة لاستقلالية القضاء العراقي التي ينبغي أن تسود!   
23/11/2014               كاظم حبيب       

29
كاظم حبيب
التضامن الإنساني حاجة إنسانية ماسة وملحة في أوضاع العراق، وطننا المستباح!
تعرض شعبنا لويلات وكوارث ومآسٍ ومظالم لا حصر لها على امتداد القرون والعقود والسنين المنصرمة. وخلال النصف الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الجديد والسنوات الأولى من العقد الثاني فقد العراق أكثر من مليون وربع المليون إنسان في الحروب والاستبداد والحصار الاقتصادي وبؤس السياسات الاقتصادية والاجتماعية والإرهاب والفساد والفقر والحرمان وسياسات الاحتلال والاجتياح، كما تعرض العراقيون والعراقيات إلى رقم يقترب من عدد القتلى أو يعادله من الجرحى والمعوقين والمفقودين وثلاثة أضعاف عدد القتلى من المهجرين والمهاجرين والنازحين المتهجولين في داخل العراق وفي الشتات العراقي. دعونا نتعرف على حجم المأساة العراقية من خلال بعض الأرقام:
** تقلص عدد السكان من الصابئة المندائيين من 70000 نسمة أو يزيد إلى 5000 نسمة لا غير، والكثير ممن تبقى منهم يعيش بإقليم كردستان وليس على ضفاف نهر الفرات، موطنهم الأصلي. أكثر هؤلاء الناس لم يتركوا أرض العراق، بل فرضت عليهم الهجرة قسراً، بسبب الاستبداد الحكومي والإرهاب الديني والطائفي على أيدي المليشيات الطائفية المسلحة التي شردتهم وقتلت الكثير منهم واستولت على ما يملكون.
** بلغ عدد المسيحيين بالعراق في العام 2003 وبعد هجرة كبيرة إلى الولايات المتحدة وكندا واستراليا وأوروبا حوالي 1500000 نسمة. وانخفض العدد في العام 2013 إلى حوالي 450000 نسمة، ثم انخفض في ربيع العام 2014 إلى عدد يتراوح بين 250000-300000 نسمة. أما اليوم وبعد اجتياح الموصل والمآسي التي تعرض لها المسيحيون، فقد انخفض العدد إلى حدود 150000 نسمة لا غير. أي فقد العراق خلال 11 سنة منذ سقوط الدكتاتورية الصدامية ما يقرب من 1250000 نسمة أو ما يعادل 90 % من مجموع مسيحيي العراق في العام 2003. ومن تبقى منهم موزعون على إقليم كردستان العراق بشكل خاص وبغداد، في حين فرغ جنوب العراق منهم.
** أما الإيزيدية الذين تعرضوا للاضطهاد بسبب كونهم من الكرد ومن المناضلين ضد الدكتاتورية، فإنهم، وبعد سقوط الدكتاتورية، تعرضوا إلى إرهاب بشع من جانب قوى الإرهاب الدموي من عصابات القاعدة وقوى الإسلام السياسي الأخرى، وخاصة في محافظة الموصل ومن ثم خلال الاجتياح الأخير لأقضيه ونواحي وقرى التي أغلبية سكانها من الإيزيديين الكرد من جانب عصابات داعش التكفيرية. قدر الإيزيديون عدد نفوسهم قبل سقوط الدكتاتورية بحدود 500000 نسمة، وأغلبهم يعيش في محافظة نينوى. وخلال فترة الحكم الدكتاتوري ترك الكثير منهم العراق إلى أوروبا على نحو خاص بسبب حملات التعريب ضد الكرد التي مارسها النظام البعثي. ولكن المصيبة الكبرى والكارثة التي تعرضوا لها تمت في الاجتياح الأخير لعصابات داعش لمناطق سكناهم وبشكل خاص في سنجار وما حولها وإلى تخريب هائل لمعابدهم. وكان النزوح الكبير أو الهروب الجماعي من سنجار حيث قتل واسر الكثير منهم باعتبارهم "مرتدين!" عن الإسلام، وهي تهمة قبيحة وجريمة ارتكبت بحق أبناء وبنات الشعب الكردي وعموم الشعب العراقي. علماً بإنها ديانة قديمة وأقدم بكثير من الديانة اليهودية والمسيحية والإسلام وقاومت جميع نوائب الزمان. وبدأت أوروبا تستقبل من جديد الكثير منهم.
** وهكذا تعرض أبناء وبنات الشبك والتركمان من تلعفر إلى ما يماثل ذلك وهجر الكثير منهم إلى المناطق التي أغلبية سكانها من الشيعة، وهم، كما يشيرون، يتعرضون لمشكلات كبيرة.
** وفي جانب آخر من مأساة العراق نجدها في واقع المسلمين الشيعة والسنة. فهم أيضاً تعرضوا للإرهاب الطائفي من قبل المليشيات الطائفية المسلحة السنية كالقاعدة وأنصار السنة وغيرهم، إضافة إلى تعرض أبناء السنة لإرهاب وانتقام المليشيات الطائفية الشيعية المسلحة. وقد غادر أكثر من مليوني إنسان من شيعة وسنة البلاد العراق إلى الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا واستراليا وغيرها بسبب تلك الجماعات الإرهابية التطهيرية على امتداد الفترة الواقعة بين 2003 -2014، وكذلك النزوح الداخلي. وها نحن نعيش اليوم أيضاً اجتياح الموصل والفلوجة ومناطق أخرى من العراق وكذلك العمليات الإرهابية ضد السنة من قبل عصابات داعش وكذلك ضد الشيعة في العمليات الإرهابية الانتحارية ببغداد وفي غيرها من المدن العراقية.             
إن هذا الواقع المزري الذي ساعد عليه النظام الدكتاتوري السابق وقوات الاحتلال وعمقه النظام السياسي الطائفي السائد بالعراق والمحاصصة الطائفية في توزيع وممارسة الحكم قد أديا إلى جدب الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والتضامنية في آن واحد وحل محله الثأر والانتقام والهويات الفرعية القاتلة. وهو الأمر ليس بالمقلق فحسب بل والخطير جداً.
ولكن، ورغم كل ذلك ورغم كل التغيرات التي طرأت على أخلاقيات الإنسان العراقي وأوضاعه النفسية والعصبية والمعيشية بسبب الاستبداد والظلم والظلام الفكري والديني والطائفي والحروب والحصار، بقي نفس التضامن النسبي قائماً بالبلاد، وإلا لكانت الخسارة أفدح بكثير مما حصل له حتى الآن.
التضامن والتكافل الاجتماعي هو الذي أبقى الأمل باسترداد الشعب العراقي لعافيته بتخلصه من الحكم الطائفي ومن المحاصصة الطائفية ومن السلوك اليومي الطائفي لأبناء وبنات المجتمع، أي الخلاص من الهويات الطائفية القاتلة وحلول هوية المواطنة والوطن محلها, هوية المواطنة المتساوية والموحدة والمشاركة في بناء المجتمع العراقي. التضامن الإنساني المطلوب لا في العائلة الواحدة أو الجماعة الواحدة أو الطائفة الواحدة أو العشيرة الواحدة أو القومية الواحدة، بل بين جميع أبناء وبنات الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والسياسية الإنسانية. (التضامن الضروري والملح مع قضية البك المركزي نموذجاً لأهمية التضامن في استعادة العدل والحقوق).
لقد فُرضت على المجتمع العراقي سياسات قومية عنصرية وشوفينية ودينية وطائفية مقيتة جداً مزقت نسيجه الوطني الاجتماعي على امتداد قرن من الزمان وبصيغ وأشكال مختلفة، وهو ما يزال يعاني من أشكال من التمييز، إضافة إلى التمييز القهري المرير ضد المرأة العراقية, فهل لهذا الليل الطويل المظلم أن ينتهي، وهل لهذا النفق الطويل من ضوء يخترقه. إن الوعي بالحرية والتضامن والإخاء هو الأمل هو الوحيد للخلاص لا من الاجتياح الداعشي للعراق فحسب، بل إنه الأمل في إعادة اللحمة للشعب العراقي، الأمل بالخلاص من الحكم الطائفي والمحاصصة الطائفية، الأمل بعودة الصفاء والتضامن والإخاء لأبناء وبنات الوطن الواحد بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه. ويبدأ ذلك بالوعي وإدراك أهمية التضامن أولاً وقبل كل شيء وبالاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات للجميع دون استثناء وبمساواة تامة وبفصل الدين عن الدولة. فهل نحن سائرون على هذا الطريق؟ الأيام وحدها والشعب العراقي وحده والمخلصون من مفكريه وسياسييه هم الذين بمقدورهم الإجابة عن هذا السؤال!
21/11/2014               كاظم حبيب         

30
كاظم حبيب
رؤية أولية للمناقشة حول سبل تنفيذ توصيات لقاء برلين لحقوق الإنسان
صدر عن لقاء برلين لجمعيات ومنظمات ونشطاء حقوق الإنسان بالعراق وبالخارج في الفترة بين 8 و9 تشرين الثاني/نوفمبر 2014 (31) توصية تهم الإنسان العراقي وحياته ونشاطه ومواجهة الانتهاكات التي يتعرض لها من جهات كثيرة، سواء أكانت قوات إرهابية تكفيرية وميليشيات طائفية مسلحة، أم من جماعات فاسدة ومفسدة، أم من عصابات الجريمة المنظمة، أم من السلطات الثلاث بالدولة العراقية وخاصة من أوساط وأجهزة السلطة التنفيذية. وأهمية هذه التوصيات كونها جاءت عن معايشة جمعيات ونشطاء حقوق الإنسان بالعراق للأوضاع السائدة والمعاناة الكبيرة التي يعاني منها المجتمع، وبالتالي فهي مشكلات تمس الإنسان العراقي في وجوده وحياته اليومية، وهي تتعارض كلية مع المواد الواردة في اللائحة الدولية لحقوق الإنسان ومع العهود والمواثيق الدولية والإقليمية الخاصة بشرعة حقوق الإنسان، إضافة إلى تعارضها مع الدستور العراقي بوضعه الحالي.
إن تنفيذ مثل هذه التوصيات يفترض مساهمة الإنسان العراقي ذاته في مواجهتها ومعالجتها من خلال نشاطه في جمعيات حقوق الإنسان وبقية منظمات المجتمع المدني، ما فيها الأحزاب السياسية. ولهذا الغرض أقترح القيام بما يلي خلال السنة القادمة ولحين عقد ملتقى جديد:
1.   قيام جمعيات ومنظمات ونشطاء حقوق الإنسان في الداخل والخارج بعقد ندوات موسعة ومحاضرات تهدف إلى مكافحة الجهل القائم بمبادئ ولائحة وشرعة حقوق الإنسان والدستور العراقي، أي تعريف الإنسان العراقي بحقوقه المشروعة والواضحة الواردة في المواثيق والعهود الدولية وفي الدستور العراقي وفي الكثير من القوانين التي لا يجري تطبيقها أو يتم الالتفاف عليها أو حتى تشويهها. ويفترض في مثل هذه الندوات والمحاضرات تشخيص مواطن الخلل في المسيرة القانونية والحقوقية بالعراق ووقائع انتهاك حقوق الإنسان والجهات التي تمارس الانتهاك والعوامل الكامنة وراء ذلك وسبل التصدي لها ومنع وقوعها ومحاسبة ممارسيها. 
2.   استخدام واسع وسليم للإعلام العراقي الرسمي والخاص، ومنها المواقع الإلكترونية، من أجل نشر المزيد من المقالات والأبحاث والتقارير حول مبادئ حقوق الإنسان والتعريف بها، ثم التقارير والأبحاث الموثقة حول حالة حقوق الإنسان ووقائع انتهاكها في مختلف مجالات حياة الإنسان العراقي في الداخل والخارج، وخاصة حقه في الوجود وحماية كرامته، وتوجيه أنظار العراقيات والعراقيين إلى سبل مواجهة تلك التجاوزات ومعالجتها ومنع وقوعها.
3.   إن الهدف من وراء ذلك تعبئة الرأي العام العراقي للعمل المشترك والفعال لمنع وقوع تجاوزات على حقوق الإنسان وبناء الدولة العراقية المدنية الديمقراطية الاتحادية التي تحترم حقوق الإنسان وتنفذها لصالح الفرد والمجتمع. ويتطلب هذا تشخيص مواطن الخلل في الدستور والقوانين العراقية وفي التطبيق معاً والتي تستوجب وضع الصياغات السليمة للقوانين والإجراءات المطلوبة وتقديمها للسلطتين التنفيذية والتشريعية. 
4.   تشكيل هيئات اختصاص من ذوي المعرفة النظرية والخبرة العملية بالمشكلات القائمة والتجاوزات الواقعة على حقوق الإنسان، إضافة إلى معرفة بالقوانين العراقية، من أجل صياغة قوانين أو إجراءات معينة تتناغم مع السياقات القانونية المناسبة ووضعها تحت تصرف جمعيات ونشطاء حقوق الإنسان لتشكل أداة فعالة بيد الجماهير الشعبية في نضالها من أجل حياة حرة وكريمة ومزدهرة. 
5.   إن جمعيات ومنظمات ونشطاء حقوق الإنسان بالعراق وخارجه بحاجة إلى دعم من جانب المنظمات الدولية لدعم مراكز البحث العلمي في مجال حقوق الإنسان للمساهمة في اختيار الطرق العلمية للكشف على التجاوزات على حقوق الإنسان أو سبل مواجهتها ومعالجتها وفي السياقات القانونية والحقوقية وضمان نجاحها في هذا المسعى.
6.   مطالبة مجلس النواب العراقي بتسريع عملية إقرار القوانين المعطلة وتعديلها على وفق الدستور ومبادئ حقوق الإنسان، بما في ذلك قانون الصحافة وحرية التعبير وقانون الأحزاب واحترام استقلالية الهيئات المستقلة...الخ، إضافة إلى صياغة القوانين الخاصة بالعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم والحكومة الاتحادية ومجالس المحافظات والتخلي عن المركزية في الحكم لصالح اللامركزية.
7.   واجه العراق استبداداً فظاً وتجاوزاً رهيباً, شاملاً وطويلاً على حقوق الإنسان وحقوق القوميات وأتباع الديانات والمذاهب وأصحاب الرأي والفكر المستقل من جانب الحكومات المركزية ببغداد، ومن ثم ما جانب الحكومة الاتحادية بعد التغيير، بسبب طبيعة نظام الحكم السياسي الطائفي السائد وبسبب سياسات النظام القائمة على المحاصصة الطائفية، بما في ذلك التوظيف والقبول في الجامعات والبعثات ... وكذلك ممارسة الاعتقال الكيفي والتعذيب والإبقاء الطويل للمتهمين في المعتقلات دون تحقيق أو محاكمات عادلة أو تنفيذ أحكام الإعدام بحق المتهمين بمختلف التهم، أو بسبب فساد واسع في السلطة التنفيذية ذاتها وودورها في حماية الفاسدين والمفسدين خلال السنوات العشر المنصرمة من جهة، ومن جانب قوى الإرهاب (القاعدة وداعش وما يماثلها من تنظيمات دموية) أو مليشيات طائفية مسلحة تمارس الإرهاب بحق الناس وتمارس القتل على الهوية والاغتيالات وكل الموبقات الأخرى من جهة ثانية. وهذا الواقع يتطلب تعاوناً واسعاً من جانب جميع الجمعيات المهتمة بحقوق الإنسان ونشطاء حقوق الإنسان على الصعيد العراقي ومع المنظمات المماثلة على الصعيدين الإقليمي والدولي لمواجهة هذه الحالة المريرة التي ما يزال يعاني منها الشعب العراقي.   
8.   إن من حق وواجب جمعيات ونشطاء حقوق الإنسان أن تمارس توجيه مذكرات الاحتجاج والإضرابات والاعتصامات والمظاهرات السلمية ضد انتهاك حقوق الإنسان والمطالبة بإيقافها ومنع وقوعها وكشفها إلى الشعب العراقي والعالم أجمع وفضح ممارسيها على وفق أساليب عمل جمعيات حقوق الإنسان وآلياتها المعتمدة وصياغتها بأسلوب قانوني. 
إن المعلومات الموثقة تشير إلى إن انتهاك حقوق الإنسان ما زال متواصلاً بالبلاد وبأساليب وأدوات شتى، رغم مجموعة صغيرة مهمة من القرارات والإجراءات التي اتخذها رئيس مجلس الوزراء الجديد السيد العبادي بمواجهة التدهور الشديد في أوضاع العراق، إذ إن المسؤولين عن هذه التجاوزات ما زال الكثير جداً منهم يحتل مواقع مهمة بالدولة العراقية ولم يطله القانون. وما يؤكد ذلك تلك الندوة التي نظمها معهد التقدم للسياسات الإنمائية ببغداد بتاريخ 14/11/2014 حاضر فيها الدكتور حسن الجنابي رئيس دائرة حقوق الإنسان في وزارة الخارجية العراقية وشارك في النقاش عدد كبير من العاملين في الشأن العام. وفي الوقت الذي اقتصر حديث السفير على مبادئ اللائحة الدولية لحقوق الإنسان والدستور العراقي وبعيداً عن إبراز مواقع انتهاك حقوق الإنسان، تولت السيدة فيان الدخيل ومدير الندوة الدكتور مهدي الحافظ وبقية الحضور طرح مجموعة كبيرة جداً من التجاوزات الفظة الجارية بالعراق من جانب النظام السياسي الطائفي على حقوق الإنسان، ودور قوى الإرهاب والمليشيات الطائفية المسلحة في هذا الصدد وعن الفساد السائد بالبلاد.
فعلى سبيل المثال لا الحصر لا بد من متابعة جادة ومسؤولة من جانمب جمعيات ونشطاء حقوق الإنسان عن مدى تنفيذ القرار رقم 9 الصادر عن مجلس الوزراء العراقي بتاريخ 12/11/2014 (الفقرة 13 التي نصت على ما يلي:
- الموافقة على قيام مكتب وزير الدولة لشؤون المحافظات ومجلس النواب بمفاتحة مجلس النواب العراقي، لغرض حثه بالإسراع في تشريع القوانين المهمة بوصفها من أولويات الحكومة العراقية، وهي مشروعات القوانين الآتية: مشروع قانون الأحزاب السياسية، مشروع قانون منع استعمال وانتشار الأسلحة الكاتمة، مشروع قانون حرية التعبير عن الرأي والاجتماع والتظاهر السلمي، مشروع قانون الهيئة العامة لمراقبة تخصيص الإيرادات الاتحادية، مشروع قانون جرائم المعلوماتية، مشروع قانون تأسيس المؤسسات الصحية الأهلية، مشروع قانون إعفاء الشركات العراقية والأجنبية المنفذة للمشاريع الاستثمارية من الضرائب والرسوم، مشروع قانون التضمين، تنظيم زرع الأعضاء البشرية ومنع الاتجار بها، مشروع قانون التعديل الأول لقانون هيئة دعاوى الملكية، مشروع قانون المحكمة الاتحادية العليا. (موقع الأمانة العامة لمجلس الوزراء، جمهورية العراق)
كما إن البحث في حالة حقوق الإنسان كان موضوع نقاش واسع أدارته الجمعية الوطنية لحقوق) الإنسان ببغداد وشارك فيه الكثير من المهتمين بحقوق الإنسان واتفقت جميع هذه الندوات وكذلك ملتقى برلين لحقوق الإنسان على إن أكبر تجاوز على حقوق الإنسان يبرز في المحاصصة الطائفية للسلطات الثلاث والحكم بالعراق والعواقب الوخيمة التي تلحق بالإنسان العراقي، كمواطن ومواطنة، نتيجة وجود نظام سياسي طائفي بالبلاد. ومن هنا يفترض أن يتجه النضال الوطني لحقوق الإنسان صوب شجب وجود نظام سياسي يعتمد الطائفية في الحكم والتمييز الديني والطائفي. 
إن عقد ندوات من هذا النوع ونشر نتائجها على المجتمع العراقي سيسمح بتعبئة المزيد من البشر دفاعاً عن حقوقهم وضد استباحتها من أي جهة كانت. ولهذا تتطلع جمعيات حقوق الإنسان كما يتطلع نشطاء حقوق الإنسان إلى ذلك. فالعمل في سبيل حقوق الإنسان يمكن أن يتطلب القيام بإعداد عريضة يتم جمع التواقيع عليها وتقديمها إلى مجلس النواب أو إلى المسؤولين في وزارة ما أو محافظة ما بالعراق أو إلى إحدى المديريات المسؤولة عن واحدة من تلك التجاوزات على حقوق الإنسان. أو أن الأمر يتطلب اعتصاماً بمشاركة فعلية من المواطنات والمواطنين الذين يتعرضون يومياً لتلك التجاوزات. أو يتطلب الأمر تنظيم تظاهرة سلمية وديمقراطية تجوب شوارع هذه المدينة أو تلك أو تجمع في مكان ما ثم السير صوب الجهة المعنية لمطالبتها بإيقاف التجاوز. كما أن هناك قضايا تستوجب تدخل الرأي العام العالمي أو المجتمع الدولي أو منظمات تعمل في مجال حقوق الإنسان على الصعيدين الإقليمي والدولي تضامنا مع مطلب شعبي كبير مثل تنظيف العراق من الألغام المزروعة في كل مكان، وخاصة  في إقليم كردستان العراق، أو تنظيف العراق من اليورانيوم المنتشر في البصرة وفي مناطق أخرى من جنوب العراق بسبب الحروب الماضية، أو ضد تشرد الأطفال وتسربهم من المدارس وسوء استغلالهم بشتى السبل ومواجهة العوامل المسببة لذلك أو ضد بيع أعضاء الإنسان... الخ.
لقد قدم الأخ السيد محمد صبيح البلادي مقترحاً يدعو فيه إلى التعاون المثمر بين جمعيات حقوق الإنسان وبقية منظمات المجتمع المدني في النقاش حول حقوق الإنسان الواردة في الدستور العراقي وعن صندوق الأجيال القادمة بالارتباط مع حقيقة ما جرى وما زال يجري بالعراق مثل حجم الرواتب التي تدفع إلى جماعات وهمية تكلف الخزينة العراقية الملايين من الدولارات الأمريكية أو دفع رواتب لثلاثين شخصاً لحماية كل نائب في مجلس النواب العراقي يتسلم كل واحد منهم 900 ألف دينار عراقي، وأكثر عدداً من الحمايات للوزراء والمسؤولين الكبار الآخرين، أو متابعة قضايا الفساد السائدة بالعراق حيث بلغت ثروة فئة قليلة من السياسيين العراقيين لا يزيد عددهم عن عدد أصابع اليدين 700 مليار دولار أمريكي، على وفق ما نشر أو سرب من قبل السفارة الأمريكية ببغداد. إذ لا بد من التفكير والعمل على استعادة هذه الثروة الفلكية للشعب العراقي وإشباع بطون جياعه الذين زادت نسبتهم حالياً على 30% ممن هم تحت خط الفقر، من خلال مشاركة الشعب في تنظيم المظاهرات والاعتصامات والمطالبات باسترداد هذه الأموال وعبر تشكيل فريق من المحامين والاقتصاديين المختصين لهذا الغرض. 
16/11/2014                     كاظم حبيب   
 


31
كاظم حبيب
لنكن بمستوى المسؤولية في تنفيذ توصيات لقاء برلين لحقوق الإنسان العراقي

كانت المهمات الكبيرة للمناضلين العاملين في حركة حقوق الإنسان العراقية وما زالت وستبقى لعقود كثيرة قادمة تحتل مكان الصدارة في نشاطهم ونشاط الجمعيات التي ينتمون إليها. وخلال العقود الخمسة الأخيرة تعرضت حقوق الإنسان بالعراق إلى انتهاكات متفاقمة يوماً بعد آخر حتى أصبح الإنسان يفتقد كل الحقوق المثبتة في اللائحة الدولية الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاشر من شهر كانون الأول / ديسمبر 1948 والتي شارك العراق في صياغتها والمصادقة عليها ولم ينفذ أياً من بنودها حتى الآن، بل أصبحت كرامة الإنسان وحياته هما الضحية الفعلية حتى الآن والمهددان مستقبلاً أيضاً. وسبب ذلك يكمن في الجهل العام الذي يعم البلاد ويسمح للطغاة المستبدين بممارسة سياسات مناهضة لحقوق الإنسان ويحضون بتأييد أجزاء من الشعب ويدفعون بالصراعات القومية والدينية والطائفية والسياسية إلى ما حصل ويحصل اليوم بالعراق على سبيل المثال لا الحصر.
ورغم تزايد عدد جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان التي تتبنى في نظمها الداخلية مهمة الدفاع عن حقوق الإنسان في أعقاب سقوط الدكتاتورية الغاشمة ببغداد في العام 2003، ورغم قيام الحكومات العراقية المتعاقبة بتأسيس وزارة لحقوق الإنسان التي تغطي عادة على انتهاكات الحكومة وأجهزتها على حقوق الإنسان، فأن حقوق الإنسان في جميع أنحاء العراق دون استثناء شهدت وما يزال تشهد تجاوزات أكثر فظاظة وأكثر سعة وشمولية وعمقاً من ذات الحكومات المتعاقبة وأجهزتها الأمنية ومن المليشيات الطائفية المسلحة ومن جحافل وقطعان داعش الغزاة الذين اجتاحوا العراق من بوابة الموصل وعاثوا وما زالوا يعيثون في الأرض فساداً وفي الناس قتلاً وفي المدنية تدميراً.
وإدراكاً لهذا الواقع عُقد لقاء برلين لجمعيات ومنظمات ونشطاء حقوق الإنسان في الفترة بين 8 و9 تشرين الثاني /نوفمبر 2014. وكان اللقاء حميمياً صادقاً وصريحاً وواعياً لما جرى ويجري بالعراق منذ تأسيس الدولة العراقية في العام 1921 وحتى الآن حيث جمع جمهرة مهمة من المناضلين في سبيل إرساء دعائم المجتمع المدني الديمقراطي الاتحادي بالعراق حيث تسوده مبادئ وقواعد عمل لائحة حقوق الإنسان ومضامين بقية الوثائق والعهود الصادرة عن الأمم المتحدة ولجنة حقوق الإنسان الدولية في جنيف ومؤتمراتها السنوية وبقية منظمات حقوق الإنسان الإقليمية والمحلية.
كان اللقاء جامعاً لجمهرة من المناضلين وحدهم الهدف المركزي لهذا اللقاء: التصدي بوسائل وآليات حقوق الإنسان للانتهاكات التي تتعرض لها هذه الحقوق الإنسان بالعراق من خلال الكشف عنها وفضحها داخلياً و دولياً وتعبئة الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي ضدها والعمل المثابر والدؤوب من أجل منع وقوعها ومساعدة ضحاياها وإعادة تأهيل من تعرض لتلك الانتهاكات من النساء والرجال ورفض قوانين الإعدام التمييز والتهميش والإقصاء لأي مواطنة أو مواطن بالعراق ونشر فكر وثقافة حقوق الإنسان والسعي الجاد والمتواصل لممارستها في الحياة اليومية من جانب الدولة وسلطاتها الثلاث ومؤسساتها والفرد والمجتمع ومؤسسات المجتمع المدني كافة. 
لقد التقى ما يقرب من 140 عراقياً وعراقيةً من نشطاء حقوق الإنسان على مدى يومين عبروا عن اللحمة الإنسانية والوطنية التي تجمعهم لتحقيق الأهداف النبيلة التي تجلت في البيان الختامي الذي صدر عن اللقاء. لقد شاركت في هذا اللقاء جمهرة ضمت أفراداً من جميع مكونات الشعب العراقي القومية ومن أتباع جميع الديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية ومن أكثر من 20 جمعية ومنظمة فاعلة وعاملة في مجال حقوق الإنسان والمجتمع المدني. لقد كانت تظاهرة إنسانية عراقية وحدت المناضلين من الداخل والخارج لصالح حقوق الإنسان.
لقد شارك في هذ1ا اللقاء نشطاء لحقوق الإنسان في استراليا وأمريكا الشمالية وكندا وبريطانيا وفنلندا والنرويج والدنمرك والسويد وألمانيا وإيطاليا وأسبانيا وهولندا من الخارج، إضافة لإلى نشطاء لحقوق الإنسان من بغداد والبصرة والنجف وأربيل وكربلاء والموصل والسليمانية ودهوك على سبيل المثال لا الحصر. ومن المؤكد أن سيصدر بيان يشير إلى المشاركين في هذا اللقاء من جمعيات أو من نشطاء حقوق الإنسان من الداخل والخارج. 
لقد شارك في هذا اللقاء فنانون تشكيليون بلوحاتهم الجميلة مهداة إلى اللقاء ومعبرة عن إدراك الفنانين المشاركين لأهمية مثل هذه اللقاءات من جهة،  وعن الرابطة العضوية بين حقوق الإنسان والفن التشكيلي وبقية الفنون الإبداعية من جهة ثانية. وكان بين المشاركين فنانات كالأخوات سميرة عبد الوهاب وزينب الراوي ورؤيا رؤوف وفنانين مثل الأخوة منير العبيدي وداني منصور وموفق أحمد ومنصور البكري وموسى الخميسي وجودت حسيب وفهمي بالاي والصديق المتوفي عبد الرحمن الجابري، إضافة إلى مشاركة فرقتي ترانيم وشهرزاد الموسيقية التي يقودهما الصديق طه حسين الرهك.
وبرهن الشاعر عدنا الصائغ والشاعرة بلقيس حسن والإعلامية الشاعرة راهبة الخميسي عن التصاقهم الدائم بقضية حقوق الإنسان ودفاعهم عنها من خلال مشاركتهم في هذا اللقاء وإلقاء قصائد من شعرهم الإنساني الرائع. كما حظي اللقاء بفلم حزين ومؤثر للمخرج الشاب والفنان نوزاد شيخاني الذي هَّز ضمير الحضور وأبكى الكثير منهم للمآسي التي تعرضت لها منطقة سنجار وشعبها الأبي من أحبتنا ومواطناتنا ومواطنينا الإيزيديين الكرام. كما كان للأغنية التي عرضها اللقاء للشاعرة البريطانية جيني لويس عن كلكامش والعراق تأثيره الإيجابي بين على الحضور وعلى المقارنة بين ماضي العراق وحاضره! كما كان للإعلاميين حضورهم الإيجابي والذي تجلى في ما نشروه من مقالات وما سينشر لاحقاً عن اللقاء، سواء أكان تلفزيون قناة العراقية التي صورت جزءاً من اللقاء أو الأستاذ ملهم الملائكة عن الدويتشة فيله. كما شارك الصديقان رزكار عقراوي وبيان صالح جبرائيل كنشيطين في مجال حقوق الإنسان مثلا مركز الحق في الحياة لمناهضة عقوبة الإعدام ومركز مساواة المرأة من الحوار المتمدن.
وهكذا، وبعد يومين من الاستماع للتقارير التي أعدت من جمعيات حقوق الإنسان في الداخل والخارج ومن ثم مناقشتها في ورش عمل ثلاث على مدى ساعات ثم إقرارها في اجتماع ضم جميع المشاركين وتميز بالحيوية والشعور بالمسؤولية إزاء مصائر الإنسان العراقي والبلاد العراقية انتهى اللقاء بصدور توصياته المهمة جداً والتي نشرت في اليوم العاشر من شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2014.
لم يكن لهذا اللقاء أن يتحقق لولا الدعم المالي الذي جادت مجموعة من العراقيين لمنظمة الدفاع عن حقوق الإنسان العراقية في ألمانيا (أمريك) دون قيد أو شرط لتنهض بأعباء هذا التجمع الإنساني النبيل الذي دعت له ونفذته بنجاح وبدعم كبير ومتواصل من جمعيات ومنظمات ونشطاء حقوق الإنسان العراقي في داخل العراق وخارجه، فشكراً لهم.
أما الآن، فالكرة عادت من جديد وكما كانت إلى الملعب الرئيسي إلى العراق، إلى الجمعيات والمنظمات العراقية المدافعة عن حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني التي شاركت أو لم تشارك لأي سبب كان في هذا اللقاء وكذلك نشطاء حقوق الإنسان للعمل الجاد والمتواصل والمسؤول لتنفيذ وصايا هذا اللقاء. وتتحمل لجنة التنسيق جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان التي ارتضت أن تكون ضمن هذه التشكيلة وعلى وفق رغبتها، والتي تضم 12 جمعية ومنظمة (تسع جمعيات أعضاء وثلاث جمعيات احتياط) من الداخل والخارج، مسؤولية العمل لتعبئة جميع مناضلات ومناضلي حقوق الإنسان بالعراق وبالداخل والخارج لصالح تنفيذ تلك التوصيات المهمة والكبيرة. إنها مهمة صعبة وكبيرة ولكنها مطلوبة في كل الأحوال.
إن العبرة ليس في اتخاذ التوصيات أو القرارات ، بل العبرة في تنفيذها ومتابعة التنفيذ من جانب جميع من يدرك ويعي أهمية أفكار وممارسة مبادئ حقوق الإنسان بالعراق وفي هذا الفترة الحرجة من تاريخ العراق الدامي.
وبودي أن أقدم إلى منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان العراقية بألمانيا /أمريك, ولجنة التنسيق مجموعة من المقترحات لتطوير العمل بعد انتهاء اللقاء وصدور توصياته وعودة الجميع إلى مناطق سكناهم:
1.   العمل من أجل تشكيل جمعيات لحقوق الإنسان في كل المحافظات العراقية وفروع لها في المدن المختلفة، إذا إنها الكفيل بنشر أفكار وثقافة حقوق الإنسان ومكافحة الجهل بهذه الحقوق والمبادئ.
2.   العمل من أجل مراسلة عراقيات وعراقيين في مختلف دول العالم لتأمين تشكيل جمعيات لصالح حقوق الإنسان وتشكل منابر مهمة لدعم نضال الشعب العراقي من أجل حقوقه الإنسانية المشروعة والعادلة. ويتطلب تنفيذ هذا المقترح تكليف مجموعة من داخل أو خارج لجنة التنسيق لمتابعة هذا الأمر.
3.   العمل على تشكيل هيئة استشارية رقابية تضم المنظمات التي ليست ضمن عضوية لجنة التنسيق إضافة إلى عدد صغير من نشطاء حقوق الإنسان بالعراق وبالخارج لمتابعة ومراقبة مستوى تنفيذ التوصيات والجهود المبذولة لهذا الغرض.
4.   الدعوة الجادة لقيام جميع جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان العراقية في الداخل والخارج إلى عقد مؤتمراتها الدورية وبمشاركة الأعضاء واللقاءات وإقامة المحاضرات للتبشير بالتوصيات المتخذة وتأمين مستلزمات العمل لصالحها بشكل ملموس.
5.   السعي الجاد والهادف إلى كسب المزيد من الشباب والشابات بشكل خاص لصالح المشاركة في الدفاع عن حقوق الإنسان، إذ إن الحركة بحاجة إلى حيوية الشباب وقدراتهم في الإبداع على ممارسة سبل جديدة للوصول إلى فئات المجتمع. والعمل بين النساء يحتل أهمية خاصة بسبب تفاقم التجاوز على حقوقهن بمختلف صور التمييز والتهميش والإقصاء والإساءة لعقولهن وكرامتهن ودورهن في الدولة والحكم والمجتمع. 
6.   الأخذ بقاعدة تشكيل هيئات اختصاص كلما دعت الحاجة إلى ذلك ولمهمة محددة مثل الدفاع عن حقوق الطفل وتحريم عمل الأطفال، أو مناهضة حكم الإعدام وإيقاف تنفيذ حكم الإعدام بالذين صدر بحقهم حكم الإعدام، أو قضية المرأة وحصتها في مجلس الوزراء وفي مجلس النواب أو التصدي للتعذيب في السجون والتجاوز على حقوقهم أو الفساد المالي وملاحقة الفاسدين...الخ.
7.   التفكير منذ الآن بتهيئة المستلزمات المادية والتقارير الضرورية المتخصصة حول حالة حقوق الإنسان العراقي لعقد لقاء جديد ببغداد العاصمة في نهاية العام 2015. 
8.   التناوب بين أعضاء لجنة التنسيق على رئاستها في الداخل والخارج ولا تحصر بمنظمة أو منظمتين بل أن تكون دورية ولجميع أعضاء لجنة التنسيق.
9.   إصدار نشرة دورية عن أعمال لجنة التنسيق وعن مستوى تنفيذ التوصيات وتنامي جماهيرية نشاط جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان.
10.   العمل على إصدار كراس ينشر على نطاق واسع في داخل العراق وخارجه، كما يفترض أن ينشر عبر الإنترنيت يشتمل على التقارير التي طرحت في المؤتمر والتوصيات والمنظمات والنشطاء المشاركين في هذا اللقاء.
11.   وضع وسام يضم شعار اللقاء يمنح سنوياً لعدد من نشيطات ونشطاء حقوق الإنسان العراقي عموماً وفي داخل العراق على نحو خاص. وهو وسام رمزي له دوره المعنوي والتعبوي لصالح حقوق الإنسان.
12.   العمل على تسجيل لجنة التنسيق ببغداد بالاسم الذي تم الاتفاق بشأنه بشكل عام أثناء اللقاء وعلى وفق نظام منظمات المجتمع المدني العراقي.
ملاحظة: كتبت هذا المقال ورجوت الأخوة د. غالب العاني والأستاذين منير العبيدي ومثنى صلاح الدين محمود إبداء الملاحظات عليه، وأبدوا بعض الملاحظات التي أفادت هذه المقالة وأنا مسؤول عنها فقط. 
13/11/2014                   كاظم حبيب   

32
كاظم حبيب
من المسؤول عن ضحايا أبناء شعبنا العراقي، من إيزيديين ومسيحيين وصابئة مندائيين ومن ألبو نمر؟

لا شك في وجود جواب رئيس ومباشر عن السؤال الوارد في عنوان هذا المقال يمكن أن يؤكدها الجميع ولا يترددوا في ذكره، وهو: إن المجرمين القتلة هم عصابات داعش، هذه العصابات التي رفعت منذ بداية عملياتها الإجرامية راية مماثلة "للفتح الإسلامي!" الأول ونشرتها حيثما وصل أفراد هذه العصابات. هذا الجواب صحيح تماماً، ولكنه غير كافٍ ويتستر عن سعة وعمق وشمولية الجريمة البشعة التي ارتكبت قبل ذاك بالعراق حين غاص الطائفيون السياسيون في صراعاتهم ونزاعاتهم وقتلهم للناس على الهوية واعتقالهم وسجنهم وملاحقتهم للكثير من مواطني العراق، حتى وفرت الأرضية الصالحة لاجتياح هذه الوحوش الضالة والقادمة من القرون السحيقة إلى واجهة الأحداث بالبلاد والسيطرة على مساحة واسعة من أرض العراق وقتل المزيد والمزيد من الناس الأبرياء، إنهم الحكام الذين مارسوا الحكم عشر سنوات دون أن يفكروا ماذا سيحصل لو تواصلت صراعاتهم الدموية الخبيثة وميليشياتهم الطائفية المسلحة الموغلة بقتل الناس على الهوية، إنه الحاكم بأمره الذي حكم البلاد تسع سنوات تقريباً وعاث هو وأتباعه وغيرهم في أرض العراق وشعبه إرهاباً ونهباً وفساداً عاماً، إنه الحاكم الرث الذي غاص في طائفيته المقيتة حتى بات وكأن المجتمع كله مصاب بالطائفية الرثة التي قادت إلى هذا الوضع المرير الذي يواجه كل الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والسياسية. لم يكن نوري المالكي وحده مسؤولاً عما جرى ويجري بالبلاد، بل كان معه النائب الثاني لرئيس الجمهورية، إنه أسامة النجيفي، ومعه كل الذين شاركوه في تشديد الصراع الطائفي بالبلاد.
إن السكوت عن هذه الحالة لا توصل البلاد إلى مصالحة حقيقية دعا ويدعوا إليها الحزب الشيوعي العراقي منذ أن كان الأخ مام جلال الطالباني رئيساً للجمهورية، ولكن أهملها الطائفيون بشكل خاص. إن الدعوة يجب أن تتضمن إبعاد ومحاسبة ومحاكمة مجموعة من هؤلاء القادة الضالين الذين تسببوا في كل ذلك! إن الداعشيين قتلة مجرمون، ولكن من أوصلهم إلى البلاد ومن أوصل البلاد إلى هذه الحالة المزرية، هذه الجماعة الضالة هي التي يجب أن تقدم إلى المحاكمة أيضاً، وهي التي مارست الاستبداد الشرس لدفع البلاد إلى هذه الحالة حيث تباع النسوة العراقيات بأيدي قتلة مجرمين، إنهن مواطناتنا، إنهن أمهاتنا وأخواتنا وشقيقاتنا وأحبتنا، إنهن منا ونحن منهن، اللواتي يتم بيعهن بسوق النخاسة كجواري لمجرمين قتلة "مسلمين!"، ويُحدد لهن أسعار حسب العمر والدين (مسيحيات وإيزيديات وغيرهن أيضاً). إنها أبشع جريمة ترتكب بحق نساء شعبنا العراقي والتي ربما يفرح بها ولها الطائفيون السياسيون ممن يمارسون التمييز الديني والمذهبي بوقاحة بالغة، وممن ساهموا بتهجير المسيحيين والصابئة المندائيين قبل ذاك في وسط وجنوب العراق، وخاصة بالبصرة. إن جرائم الطائفية السياسية الراهنة والتمييز الديني لا تختلف من حيث الجوهر عن جريمة القومية الشوفينية التي أبتلي بها العراق قبل ذاك لعدة عقود.
واليوم تشن عصابات داعش الإجرامية عمليات قتل جماعية لموطني عشيرة ألبو نمر لأنهم رفضوا تأييد ومبايعة "الخليفة!" المجرم أبو بكر البغدادي، ولأنهم قاوموا عمليات الاجتياح والسيطرة على محافظة الأنبار، إنهم مقاومون أبطال يتصدون لمجرمين قتلة يفترض أن يقدم لهم كل الدعم والمساندة العسكرية وخاصة السلاح والعتاد، إضافة إلى إرسال المقاتلين من القوات المسلحة للتصدي للعصابات المتوحشة. هناك بعض المقالات التي تشير إلى إن الحكومة العراقية لم تقدم السلاح والعتاد إلى مقاتلي ألبو نمر! أتمنى أن لا يكون ذلك صحيحاً، وإلا لما اختلف الوضع عما كان عليه في فترة حكم المستبد بأمره والطائفي المقيت نوري المالكي.
العراق بحاجة إلى وحدة الصف، ولكي يتحقق ذلك لا بد من إبعاد من تسبب بتمزيق وحدة الصف، إنهم رموز شق وحدة الصف العراقي وليسوا مع لملمته وتعزيز لحمته في هذا الظرف العصيب الذي تمر به البلاد، وهم مرفوضون حتى من الناس الذين انتخبوهم. وبدأ الشاب العراقي يدرك عمق وسعة المحنة التي يعيش تحت وطأتها. وحدة الصف تستوجب إدانة الماضي والتخلي عن النهج الطائفي في سياسة البلاد وعن رموزه البالية وإبعادهم عن المناصب الأساسية والحيوية في سلطات ومؤسسات الدولة الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية وسلطة الإعلام أيضاً. فعلى سبيل المثال لا الحصر لا يمكن إبقاء من نفذ ما أراده نوري المالكي في القضاء العراقي رئيساً للقضاء العراقي، أو من كان مسؤولاً عن الإعلام وقناة العراقية ووضعها في خدمة نوري المالكي أن يبقى مسؤولاً عن شبكة الإعلام العراقي أو القناة العراقية أو جريدة الصباح الرسمية... الخ.
إن وحدة الصف لا تعني عفا الله عما سلف، بل محاسبة السلف وأفعاله. إن وحدة الصف لا تعني السكوت عن الجرائم، لأن السكوت عنها يعني العودة إلى ممارستها. لا يمكن السكوت عمن تسبب في اجتياح عصابات داعش للبلاد أو من جلبها معه ومن ساندها. إن من سرق أو ساعد على سرقة خزينة الدولة وطرد المخلصين من أبناء وبنات البلاد واعتقلهم ورماهم في السجن لا يمكن التسامح معه، لأنه تسبب بما هو فيه العراق وشعبه. إن هذه الدروس يفترض أن تكون موجهة لمن يدعو إلى وحدة الصف العراقي ولمن يدعو ويوافق على عقد مؤتمر عام وشامل للمصالحة الوطنية بين أبناء وبنات الشعب العراقي من مختلف القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية.
5/11/2014                  كاظم حبيب

33
كاظم حبيب
ستندحر الراية  السوداء لقوى داعش وأشباهها، وستنتصر إرادة الشعب العراقي

لم يكن في مقدور هذه القوى السوداء أن تحقق نجاحات على الأرض العراقية لو كان النظام السياسي العراقي نظاما جامعا شاملا للشعب العراقي بكل مكوناته القومية والسياسية، لو كان نظاماً مدنياً ديمقراطيا واتحادياً سليماً ومعافى.
وما كان في مقدور قوى الإرهاب الدموي أن تقتل يوميا أعدادٌ غفيرة من بنات وأبناء الشعب العراقي وتهجر مئات ألوف الناس وتمارس التطهير العرقي لو كان النظام السياسي العراقي نظاما غير طائفي ولا يميز بين إتباع الديانات والمذاهب، ولو كان قد فصل بوعي ومسؤولية بين الدين والدولة.
وما كان يمكن أن تستمر هذه القوى الإرهابية في البقاء على تلك الأرض المسيطر عليها أو توسع الرقعة حاليا، وهي واسعة حقاً، لو تخلت الأحزاب والنخب السياسية وحكام العراق الحاليين عن نزعاتهم الشوفينية والدينية والمذهبية التمييزية الطائفية التي لا تجسد احتراما للوطن والمواطن بل تنشر الفرقة والصراع والنزاع والموت بين الناس، وهو ما برهنت عليه السنوات المنصرمة بل وكل تاريخ العراق البعيد والقريب.
الشعب العراقي بحاجة إلى انتفاضة حقيقية في دواخل كل فرد فيه في النفس البشرية العراقية، أن ينتفض على نفسه وعلى فكره وسلوكه وعلاقاته اليومية مع الآخر في المجتمع، أن ينتفض على الماضي البالي والأسود وأن يعتز بالماضي النظيف، أني تخلى عن الثقافة التمييزية بين البشر التي ابتلي بها الناس بالعراق مئات السنين المنصرمة، أن ينتفض على الفكر الطائفي والفكر الشوفيني وعن ممارستهما اليومية في الدولة والمجتمع، وأن يحتفظ كل فرد بدينه أو مذهبه أو معتقده أياً كان ذلك المعتقد.
لولا السلوك الشوفيني والطائفي الذي ساد حكام البلاد والكثير من الأحزاب السياسية العراقية والبلاد عموما حتى بعد سقوط دكتاتورية البعث وصدام حسين، لما كان في مقدور هذه القوى الإرهابية الدموية أن تحتل الفلوجة ومن ثم الموصل وسنجار ومزار وهي هيت وبيجي ومناطق في ديالى وكركوك ومخمور وتقترب من بغداد وبابل. ولو كان الجيش العراقي قد اُبعد عن الفكر والسلوك الطائفيين لما تركت الموصل دون مقاومة ولما سلمت بطبق من ذهب إلى قوى الإرهاب الداعشي.
لقد هجرت عصابات داعش بنات وأبناء الموصل المسيحيين وهجرت وأسرت وقتلت عشرات ألوف الإيزيديين عبر عملية إبادة جماعية وضد الإنسانية، كما قتلت أكثر من ٥٠٠ إنسان عراقي من عشيرة ألبو نمر في محافظة الأنبار وهم في طريقهم إلى قتل الآلاف الأخرى من بنات وأبناء العراق، فهل سيلعب الشعب دوره في الضغط المتعاظم على النخب السياسية والحكومة العراقية ومجلس النواب، رغم تركيبتهما الطائفيتين، لتغيير الوضع والتعجيل في السياسات والإجراءات الضرورية لمواجهة الإرهاب بوحدة الشعب والمواطنة العراقية؟ هل سيعقد مؤتمراً جامعاً شاملاً للمصالحة وضمان الوحدة الوطنية العراق
 ية؟ هذه أسئلة وغيرها تدور في بالي وفي بال الملايين من الناس، والإجابة عنها ما تزال عالقة بالرغم من بعض الإجراءات الصغيرة والمهمة، عاجزة عن تحقيق الانعطاف الحقيقي لتحقيق النجاحات الضرورية لتطهير ارض العراق وإنقاذ البشر من الموت على أيدي عصابات داعش المجرمة.
من بيده الحكم هو القادر على الإجابة عن هذه الأسئلة أو على تحقيق التغيير، فهل السيد العبادي على استعداد لتحقيق هذا الانعطاف؟ من حيث المبدأ والوقائع كلها تؤكد بأن لا مناص من التغيير لمن يريد أن يكون واقعيا وعمليا وعلمياً وراغبا في السير على طريق الانعطاف المنشود.
لا شك بأن قوى غير قليلة تقف بوجه أي انعطاف حقيقي، بل هي ضد أي إجراء يدفع بهذا الاتجاه. وهي قوى تقف في معسكر الحكم، بل وفي صف الحاكم الأول بل هي في قيادة حزبه وقائمته. ولكن مطلوب من السيد العبادي أن يكون رئيساً لوزراء العراق وليس رئيساً لحزبه أو قائمته، فهل العبادي يفكر بهذه الطريقة ؟ أملي ذلك، إذ تنشر بعض الأخبار التي تشير إلى ذلك وان كان بعسر شديد.
هذا هو طريق دحر قوى الإرهاب، هذا هو طريق الانتصار على جميع قوى الإرهاب والدمار والموت.
وليس أمام العبادي وكل النخب السياسية العراقية من اجل  إنقاذ البلاد إلا سلوك هذا الطريق!
4/11/2014                                               كاظم حبيب


34
كاظم حبيب
مصائب شعب عند أحزاب إسلامية سياسية حاكمة بالعراق فوائد!!!
يعيش الشعب العراقي في حالة يرثى لها ونادرة هي الفترة التي مر بها الشعب كالتي يمر بها الآن، حتى بدأ البعض يحن للماضي، وكأن الماضي كان برداً وسلاماً. إلا إن شدة وسعة وعمق وشمولية الكوارث الراهنة هي التي تنسي الماضي وتجعل الإنسان يعيش مأساته لحظة بلحظة ويحس وكأن الموت يقترب منه، وهو في الغالب الأعم ليس ببعيد عن هذه الحقيقة إلا من يعيش حالياً في المنطقة الخضراء، ولا يعرف الإنسان إلى متى!! عاث صدام حسين وطغمته فساداً في الأرض العراقية وبشعب العراق ومرغ كرامة البشر العراقي بالتراب ودفع بهم إلى الموت بمئات الآلاف ومثل هذا العدد إلى الهجرة، ثم ترك مشكلات كبيرة ستبقى تؤرق العراقيات والعراقيين سنوات طويلة. ولكن هذا النظام الذي انتهى خلف لنا نظاماً، وبدعم حقيقي من الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها، سيئا لا يمت إلى العصر الحديث والحضارة الإنسانة والمواطنة أو الحداثة بصلة، بل يعود إلى الماضي السحيق، إلى ماض غير مشرف من الصراع الطائفي والتمييز الديني والمذهبي والقتل على الهوية في قرون السلطنة العثمانية والدولة الإيرانية ... هذا النظام الطائفي السياسي هو الذي يعيش شعب العراق تحت وطأته في المرحلة الراهنة. ومهما تغيرت الوجوه يبقى الجوهر واحداً والسلوكية واحدة والعواقب واحدة. واليكم نموذجاً مريعاً لذلك:   
الشعب العراقي كله موزع اليوم بين مواجهة الموت في محافظات الموصل وكركوك والأنبار وديالى بشكل مباشر على أيدي عصابات وأوباش داعش، وهم قتلة مجرمون من جهة، وبين القتل الجماعي على أيدي الانتحاريين والعربات المفخخة والاغتيالات والناس المقتولين المرمية جثثهم على قارعة الطريق ببغداد وكربلاء وبابل وغيرها من مدن العراق على أيدي التنظيمات الإرهابية الدموية كالقاعدة وداعش وميليشيات طائفية مسلحة من جهة أخرى، وبين القتل والتهجير والملاحقة على أيدي عصائب أهل الحق وتنظيمات مسلحة شيعية أخرى في مناطق القتال وفي أغلب المحافظات العراقية التي تتحرك تحت واجهة الحشد الشعبي وتعتبر جزءاً من هذا الحشد من جهة ثالثة. 
يواجه مئات ألوف العراقيات والعراقيين العيش بالعراء وبمخيمات وجماهير غفيرة من الإيزيديين محاصرة في جبل سنجار تخشى الذبح على الطريقة "الإسلامية!"، كما تمارسها السعودية بالسيف، على أيدي عصابات وإرهابيي داعش، ومئات ألوف أخرى تعاني من الجوع والحرمان في المناطق التي غزتها هذه العصابات.
أكثر من 30% من أبناء وبنات الشعب العراقي يعاني من الفقر الحقيقي وتحت خط الفقر، ونسبة عالية من السكان تعاني من البطالة الموجعة وأطفال بعمر الورود يواجهون التشرد والملاحقات الجنسية والاغتصاب في الشوارع وبعيداً عن كراسي التعليم. فساد وإرهاب يشكلان صورة العراق حالياً والمليارات تسرق في وضح النهار ومن قوى وأشخاص يحتلون مراكز قيادية في الدولة والاقتصاد والمجتمع..الخ.
كل هذا وأكثر من هذا يحصل يومياً بالعراق المستباح، في حين أصبح شغل وزارتين من وزارات الحكومة العراقية "الباسلة!"، وزارة التربية وزارة التعليم العالي، فرض عزل الطالبات عن الطلاب في الجامعات والكيات والمعاهد العراقية. وهما بذلك يجسدان الذهنية المتخلفة والبالية والمليئة بالعقد النفسية والجنسية للمسؤولين الكبار في هاتين الوزارتين، بعد أن تحقق لهم ذلك في المدارس الابتدائية والثانوية. إن هذه القوى الإسلامية السياسية المتطرفة تحاول الاستفادة من انشغال الناس والقوى السياسية الديمقراطية بمواجهة الموت وقتال الجيش والبيشمركة ضد عصابات داعش لتمرر ما تريده وتسعى إليه من سياسات بالية لا تعود لهذا العصر ولا حضارة العالم الراهنة، بل تعود للقرون الماضية. إنها المأساة الحقيقية التي تواجه الشعب العراقي، شعب يواجه ملهاة ومأساة في آن واحد في ظل حكومة طائفية تأخذ من الدين قشوره وتسعى إلى فرضه على البشر وتمنع عنه حريته التي قال عنها عمر بن الخطاب علوفق ما نسب إليه "كيف تستعبدون الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"، رغم ادعاء رئيس الحكومة بأنه غير طائفي وغير متعصب!!
قال الشاعر العراقي يوماً عن العلاقة بين هؤلاء المتدينين وجمهرة من شيوخ الدين ومن الذين هم في الحكم اليوم وبالتحديد في وزارة التعليم العالي
يا ذئاباً فتكت بالناس آلاف القرون
اتركيني أنا والدين فما أنت وديني
أمن الله قد استحصلت صكاً في شؤوني
وكتاب الله في الجامع يشكو
أين حق
26/10/2014                  كاظم حبيب     

35
كاظم حبيب
بطولة كوباني وجرائم داعش كشفا عن الوجه القبيح لنهج الدولة التركية!
نشر الزميل هافال زاخوي يوم أمس (22/10/2014) مقالاً مهماً يستحق القراءة والتمعن على موقع إيلاف تحت عنوان "نكسة أممية لتركيا بسبب سياساتها الخارجية الجدلية" لخص فيه الأزمة الفعلية التي يعاني منه النهج الفكري والسياسي لرئيس الدولة الجديد ورئيس الوزراء السابق رجب طيب أردوغان يستحق على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية.
فمنذ أن بدأت محاولات الترويج عربياً وإسلامياً، ودولياً أحياناً غير قليلة، لنهج وسياسة "حزب العدالة التنمية" والدولة التركية العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أدركت المطب الذي سقط فيه بعض الكتاب الديمقراطيين العلمانيين، مثل الدكتور صادق جلال العظم، في كونهم تصورا أن هذا الحزب يختلف عن بقية الأحزاب الإسلامية السياسية، وأنه أكثر تناغماً مع روح العصر والحضارة الإنسانية ومبادئ الإسلام، وأنه سيقدم نموذجاً علمانيا يقتدى به من جانب بقية الأحزاب الإسلامية السياسية بالدول العربية والدول ذات الأكثرية الإسلامية. وبنفس هذا المطب سقطت أخيراً "مؤسسة أبن رشد للفكر الحر" التي لم نكن نتمنى لها هذا السقوط، حين قررت منح الداعية الإسلامي السياسي التونسي راشد الغنوش جائزة المؤسسة السنوي، (جائزة ابن رشد للفكر الحر)، باعتباره مفكراً إسلامياً منفتحاً على العالم يخدم الفكر الإسلامي المنفتح ويقدم تجربة جديدة تختلف عن غيرها من تجارب قوى إسلامية سياسية أخرى. إن العجالة في تقدير وتقرير الأمور دون أن إعطاء الوقت الكافي للتجربة ولأنفسهم لمعرفة ما تتمخض عنه التجربة المنطلقة من هذا الفكر أو ذاك وهذا النهج السياسي أو ذاك، وفي إصدار "الأحكام السياسية" القاطعة بما فيها كيل المديح والثناء لهذا الشخص أو الجهة التي ما أن يتسنى لها الوقت المناسب حتى تمارس ذات السياسة التي مارسها محمد مرسي في مصر ليثور شباب مصر وشعبه ضد سياسات، ثم يصعب على المانح التراجع عن ذلك حين تتبين الأمور وتخرج الروائح النتنة من تلك التجارب، فيلوذوا بالصمت. إن هذا الأسلوب في منح الجائزة يسهم في توريط أولئك الناس الطيبين الذين وثقوا بهم وبصدق أحكامهم وتقديراتهم! إنه خطأ فادح وخطير يذكرنا بمنح المؤسسة ذاتها جائزة أبن رشد للفكر الحر إلى قناة الجزيرة! وكلنا كان يعرف منذ البدء ما هي العوامل التي جعلت دولة قطر وقناة الجزيرة تمارس لفترة قصيرة سياسية تبدو قومية ليبرالية، ولكن سرعات ما كشفت عن أوراقهما وأهدافها الغاطسة في التطرف الإسلامي والطائفية الفكرية والسياسية. وموقف مؤسسة أبن رشد يتضمن دعاية مجانية لغنوش وحزبه قبل الانتخابات التونسية، التي هي على البواب، سواء أكانت مقصودة أم غير مقصودة، ولكنها تصب في صالحه وصالح حزبه.
كل الدلائل التي تحت تصرفنا تؤكد بما لا يقبل الشك، سواء أكان من الناحية الفكرية أم الممارسة السياسية أن حزب العدالة والتنمية لا يختلف عن أي حزب إسلامي سياسي من أحزاب الإخوان المسلمين (السنية)، وهم جزء من المنظومة الدولية للإخوان المسلمين والتي يرتبط بها حكام قطر أيضاً، والتي تسعى كلها للقفز على السلطة وفرض الشريعة الإسلامية حسب قناعاتها على شعبها، بغض النظر عن تعدد القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية في بلادها، هذه الشريعة التي تكونت عبر مئات السنين المنصرمة ولم تتغير بل زادت سلفية وتخلفاً وبعداً عن الوقت الحاضر وعن العصر الجديد والحضارة الإنسانية الحديثة. حزب العدالة والتنمية يعتبر حزباً سياسياً شمولياً يستخدم بعض الآليات الديمقراطية تكتيكيا ولكنها لا تشكل أساساً للحكم وممارسة حقوق الإنسان. وقد كشف عن فكره وذهنيته الدينية المتخلفة والمتعالية والشوفينية في أكثر من قضية في الفترة الأخيرة بعد أن اعتقد بأن الشعب كله خلفه ويملك قوة اقتصادية يستطيع أن يتحرك بها.
وهذا النهج الذي تلتزم به وتمارسه الأحزاب الإسلامية السياسية السنية (الإخوان المسلمين) يتطابق من حيث الجوهر بالتمام والكمال مع نهج وممارسات الأحزاب الإسلامية الشيعية والتي لا تختلف عنها إلا ببعض المسائل التشريعية وفي الموقف من تاريخ الإسلام والمسلمين والخلفاء الراشدين ومن جاء من بعدهم وفي البدع التي يمارسها كل طرف! ويبقى الوهم المشترك الذي يجمعهم يتجلى في تصورهم إمكانية بناء "الدولة الإسلامية"، التي إن ظهرت سوف لن تختلف كثيراً، عن "دولة الخلافة" القرقوشية التي أعلن عنها بالموصل رئيس عصابة داعش المجرم إبراهيم عواد البكري السامرائي الملقب أبو بكر البغدادي.
منذ فترة غير قصيرة أصيب رجب طيب أردوغان بالغرور والوهم بكونه قادراً على الإعلان عن هويته الإسلامية أكثر من السابق وأن يتخذ مواقف مؤيدة للقوى المماثلة له في الدول العربية أو ذات الأكثرية الإسلامية في الجمهوريات السوفيتية السابقة، إذ تحرك عليها، وأن يكشف عن أهدافه الفعلية في المنطقة. فبدأ بترويج نهجه وسياساته في مصر وتونس والقوى السياسية المعارضة في سوريا، كما اتخذ موقفاً مناهضا لثورة الشعب المصري التي تصدت لحكم الإخوان المسلمين الشمولي والسياسات التي انتهجها محمد مرسي، ثم تجلى أخيراً في الكلمة التي ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة التي كانت تدخلاً فظاً ومرفوضا في الشؤون الداخلية للدولة المصرية. كما يتجلى ذلك في سياساته الداخلية وتخليه عمليا عن الحل السلمي للقضية الكردية حيث ساوى بين داعش ومناضلي حب العمال الكردستاني، إضافة إلى تخليه تدريجياً عن الموقف من العلاقة بين الدين والدولة، أو "العلمانية التركية!". كما كانت مواقفه إزاء الثورة السورية مزيجاً من المراوغة وتفتيت الصف الوطني ودعم قوى الإسلام السياسية المتطرفة والتكفيرية وبشكل خاص جماعة الأخوان المسلمين حيث التحق أكثر قواها بـ "جبهة النُصرة"، وبالتعاون مع قطر، ومن ثم دعم عصابات داعش الإجرامية منذ البدء. 
ورغم هذه السياسات المريبة والمكشوفة لم ينكشف الوجه القبيح لنهج الدولة التركية بالنسبة للكثير من دول المجتمع الدولي، أو كانوا لا يريدون الحديث عنها بسبب عضوية الدولة التركية في حلف الناتو. وقد انعكس هذا الموقف سلبياً على الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي باعتبارها الحليف العسكري للدولة التركية.
إلا إن المسألتين المهمتين اللتين وقعتا أخيراً كشفتا عن الوجه القبيح والمزري للدولة التركية ونهجها الشوفيني وتحالفاتها المريبة والمضرة بنضال شعوب المنطقة ضد التطرف الديني والقومي الشوفيني والتعصب والتكفير. ونعني بذلك الدعم الفعلي المشين الذي قدمته الحكومة التركية لداعش في كل من سوريا والعراق من جهة، والموقف التركي المشين من المقاومة الشعبية البطولية لكوباني ضد عصابات داعش من جهة أخرى. وقد تجلى الموقف الأول في التعاون والتفاهم بين الحكومة التركية وداعش في إطلاق سراح كل الموقوفين الترك من أعضاء القنصلية التركية بالموصل وعودتهم سالمين إلى تركيا وقبول تركيا على التحرك الداعشي على حدودها واستقبال جرحاهم في المستشفيات التركية ومرور مقاتليهم عبر تركيا إلى سوريا والعراق بالجملة، ورفضها طويلاً حتى الآن ذهاب متطوعين كُرد من كُردستان تركيا إلى كوباني لمساندة ودعم قوات حماية الشعب الكردي ثم احتجاجها الوقح على إيصال الأسلحة والعتاد لمقاتلي كوباني عبر الجو.
وأخيراً بدأ الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي يدركان الأطماع التركية (العثمانية القديمة) بـ "ولاية الموصل" السابقة والتي من ضمنها الموصل وكركوك، أو إقامة منطقة آمنة تمتد لتشمل أراض بالعراق وسوريا لتكون بعد ذلك جزءاً من الدولة التركية، وبضمنها احتلال كوباني وإلحاقها بالدولة التركية. إن تركيا بمواقفها هذه ومساواتها السيئة بين المقاتلين الكرد وعصابات داعش تعبر بوضوح كبير عن الفكر القومي الشوفيني والديني التعصبي الفاسدين اللذين يعششان في رؤوس الحكام الترك، والذي يفترض في الجميع فضحه والتعبئة ضده.
إن اضطرار الحكومة التركية على الموافقة على وصول مقاتلين كرد من كردستان العراق، على وفق القرار السليم لرئاسة وحكومة وبرلمان إقليم كردستان العراق، هو نتيجة منطقة للضغط الشعبي والدولي الهائل على الحكومة التركية واتهامها الصريح بالمساومة والتعاون مع داعش والذي يفترض مواصلته وتشديده، إذ إن تركيا تحفر بنفسها قبرها، كما يقول المثل الشعبي. فأهداف داعش أبعد بكثير من سوريا والعراق، إذ سرعان ما تتجه صوب تركيا أيضاً وتحرك الخلايا النائمة لكل القوى الإسلامية السياسية المتطرفة والإرهابية. إن الشرق الأوسط كله معرض لحملات قوى الإسلامي السياسي التكفيرية والمتطرفة من أمثال داعش والنصرة والقاعدة، وقوى التعصب الشيعية المضادة، هو الذي يتطلب مواجهته والتصدي له وإفشال مخططات كل القوى الإسلامية السياسية المفضوحة والهادفة على إقامة دول "إسلامية" متطرفة في المنطقة، سواء أكانت شيعية كإيران أم سنية كتركيا والسعودية وقطر. 
23/10/2014                  كاظم حبيب     
           
 



36
كاظم حبيب
القضايا التي توحد جمعيات ومنظمات ونشطاء حقوق الإنسان في داخل العراق وخارجه

تشكلت في فترات مختلفة منظمات وجمعيات مهمتها الدفاع عن حقوق الإنسان التي انتهكت بفظاظة شديدة داخل العراق خلال فترة حكم الدكتاتورية الفاشية. ولكن جميع هذه المنظمات تقريباً تشكلت خارج الوطن وفي بلدان مختلفة وفي ظروف متباينة ملتزمة بقوانين الدول التي عملت فيها باعتبارها جزءاً من منظمات المجتمع المدني غير الحكومية. والكثير من هذه المنظمات والجمعيات سجل رسمياً في تلك الدول ولعب دوراً إنسانياً مهماً في الدفاع عن الإنسان العراق وحقوقه في ضوء اللائحة الدولية لحقوق الإنسان والمواثيق والعهود الصادرة في الستينيات من القرن الماضي وما بعده، وفضح التجاوزات والانتهاكات والجرائم التي ارتكبت بحق الإنسان العراقي وبحق أتباع القوميات العديدة وأتباع الديانات والمذاهب الدينية وبحق أصحاب الفكر والرأي السياسي المخالف لرأي السلطة السياسية. وكان أغلب تلك المنظمات والجمعيات قد شكل في دول الاتحاد الأوروبي بشكل خاص.
وبعد سقوط الدكتاتورية الغاشمة بالعراق توجه الكثير من العراقيين والعراقيات إلى تشكيل منظمات وجمعيات غير حكومية أعلنت عن التزامها الدفاع عن حقوق الإنسان. وكان هذا النشاط مهماً وضرورياً ومعبراً عن المعاناة السابقة. البعض منها حصل على إجازة رسمية من الحكومة وبعضها الآخر لم يحصل على تلك الإجازة واستمر في عمله دون إجازة رسمية. بعضها كان جاداً وبعضها الآخر لم يكن بالمستوى المطلوب. مجموعة من هذه المنظمات تشكلت ببغداد وأربيل والسليمانية وفي محافظات أخرى في الوسط والجنوب كالبصرة وبابل والنجف وكربلاء وميسان وصلاح الدين والموصل. وتعرض الكثير من هذه المنظمات إلى المضايقات من جانب المليشيات الطائفية المسلحة التي مارست أبشع انتهاك لحقوق الإنسان وهي ما تزال لم تكف عن ذلك، كما تعرض البعض منها إلى المضايقة الشديدة أو عدم الدعم من جانب أجهزة الدولة الأمنية. وغالباً ما كانت معرضة لخطر الموت أو الاختطاف والتغييب، إذ لم تكن لها حماية لا من الدولة ولا من أي جهة أخرى، مما كان يجعلها عرضة للإيذاء على أيدي القوى المناهضة لحقوق الإنسان والمناهضة لأتباع القوميات والديانات والمذاهب المختلفة. وكان واحداً من أبرز الضحايا الذي التزم قضية الدفاع عن حقوق الإنسان هو الأخ المغيب الدكتور أحمد الموسوي، رئيس الجمعية العراقية لحقوق الإنسان، الذي اختطف ببغداد في العام 2006 ولم يعثر عليه حتى الآن، إذ ما تزال عائلته تتحرى عنه وتطالب به ونحن معها ي ذلك.
إن الظروف التي تعمل بها منظمات وجمعيات حقوق الإنسان في فترة وجود نظام سياسي طائفي بالعراق صعبة جداً ومحفوفة بمخاطر جمة. وهي الفترة التي أعقبت سقوط الدكتاتورية في العام 2003. كما إن اجتماعاتها وندواتها تعرضت ويمكن أن تتعرض لعمليات إجرامية من جانب العصابات التكفيرية والمليشيات الطائفية المسلحة وكل المعادين لحقوق الإنسان، وخاصة في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب والموصل وغرب بغداد. لهذا فهي مجبرة على عقد ندواتها واجتماعاتها في مواقع يمكن أن تضمن للمحاضرين وللحضور الأمن النسبي في بلد لا أمان فيه. وهذا يختلف كلية عن الأوضاع التي يعيش فيها العراقيون والعراقيات في المهجر التي تتميز بالأمن والاستقرار والسلام حيث تتوفر الأماكن لعقد اجتماعاتها ومؤتمراتها. ولكن بعضها لا يستطيع رغم ذلك عقد اجتماعات له ويعمد إلى عقد مؤتمراته ولقاءات هيئاته القيادية عبر الإنترنيت على اعتبار إن هذا أسلوباً عصرياً!
إن من واجبنا أن نحترم ظروف كل دولة وكل محافظة بالعراق وأن لا نتدخل في شؤونها أو نشوش عليها بهذه الذريعة أو تلك، فالموت يحيط بهم، في حين ترفرف حمامات السلام على رؤوسنا ونحن بالخارج.
إن ما يجمعنا ويوحدنا يتلخص في مبادئ اللائحة الدولية واستقلالية منظمات وجمعيات حقوق الإنسان. وكل واحدة من هذه المنظمات والجمعيات تقدر ظروفها ومع من تتعامل وتنشط دون أن يؤثر ذلك على دورها ومهماتها في الدفاع عن حقوق الإنسان. يجب أن لا يعمل أي منا وكأنه وصي على حقوق الإنسان وعلى منظمات حقوق الإنسان وعلى لائحة حقوق الإنسان.
إن ما يجمعنا هو الدفاع عن الإنسان العراقي بالسبل المتاحة لهذه المنظمة أو تلك ولهذا الناشط أو ذاك، ويفترض أن يسود الاحترام المتبادل بين جميع منظمات وجمعيات ونشطاء حقوق الإنسان. فهذه المنظمات والجمعيات والنشطاء هم الأولى في احترام الآخر واحترام ظروفه وخياراته في العمل والتعاون، والنقد الذي يوجه يفترض أن يأخذ بالاعتبار ظروف الآخر وليس الظروف التي يعيش هو فيها والتي توفر له الأمن والاستقرار والسلام.
إن ما يوحدنا هو الإنسان العراقي، رجلاً كان أم امرأة، حقوقه المشروعة والعادلة والمنصوص عليها في الدستور العراقي الذي خرق ويخرق يومياً من قبل العصابات التكفيرية والمليشيات الطائفية المسلحة وأجهزة الأمن التي لا يعرف الكثير منها معنى حقوق الإنسان.
لنقدم الدعم والتأييد والمساعدة لمنظمات وجمعيات حقوق الإنسان بالداخل، إذ إنها واحدة من أهم وأبرز مهمات منظمات وجمعيات ونشطاء الخارج.
21 / 11 / 2014             كاظم حبيب   
   



37
كاظم حبيب
من أجل إنهاض حركة حقوق إنسان شعبية بداخل العراق وخارجه
بمناسبة قرب انعقاد مؤتمر جمعيات ومنظمات ونشطاء حقوق الإنسان ببرلين
ليس هدف أي مؤتمر لحقوق الإنسان هو اللقاء وطرح التقارير ومناقشتها وإصدار بلاغ عن نتائجها والعودة إلى الوطن أو دول المهجر وانتهى الأمر وكأننا في واجب وظيفي مرهق، بل هو أبعد من ذلك بكثير وكثير جداً. إنه المناسبة التي يفترض أن تسبق عقد المؤتمر بعقد مؤتمرات خاصة وندوات فكرية حول حقوق الإنسان والانتهاكات التي تتعرض لها، ومن أجل تنشيط الاتصالات والقيام بفعاليات لنشر أفكار وأهداف حقوق الإنسان وتعبئة الناس للاحتجاج على انتهاكات يتعرض لها الإنسان العراق، امرأة كانت أم رجلاً، في حقوقه الأساسية بالعراق سواء، أكان من جانب ميليشيات وعصابات مسلحة مثل داعش والقاعدة أو مثل عصائب الحق وما شاكلها من ميليشيات طائفية مسلحة.
ليس الهدف أن ننشط عدداً من أعضاء الهيئات الإدارية للمنظمات بل واجبنا تنشيط جميع أعضاء تلك المنظمات والجماعات المحيطة بها وتعبئتها للنضال من أجل حقوق الإنسان. إذ لا بد لنا من القول بأن هناك جموداً نسبياً لدى بعض قوى حركة حقوق الإنسان، حتى بات البعض لا يمتلك القدرة على تعبئة مجموعة من الناس لعقد لقاء واسع أو مؤتمر لإعضائه ومناصريه أو زجهم في عمليات نضالية واسعة ومشغول بصراعات داخلية لا أول لها ولا أخر.
حركة حقوق الإنسان بحاجة إلى دماء جديدة تنشط منظمات وجمعيات حقوق الإنسان وتحولها إلى منظمات ديناميكية واعية ومدركة لحقوق الإنسان ولمهماتها في هذه الفترة الحرجة من حياة ومستقبل الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية السليمة. إنها بحاجة إلى عناصر شابة تتميز بالحيوية والحركية والفاعلية والقادرة على التفاعل مع الشباب ومشاكلهم والصعوبات التي يواجهونها باعتبارها جزءاً من حقوق الإنسان المنتهكة بعمق وشمولية.
لقد صرخ يوم أمس المطران العراقي قائلاً "إنهم يتقأوننا"، إنهم لا يردوننا!! لك كل الحق إيها العراقي الأصيل، أيها الإنسان النبيل، ولكن ليس الإنسان العراقي الطيب من لا يريدكم. أن من لا يريدكم هم المجرمون القتلة، هم الأوباش الطائفيون السياسيون، هم الذين فقدوا الذمة والضمير/ هم عصابات داعش والقاعدة وعصائب أهل الحق ومن ماثلها في الفكر وفاشية الذهنية والأساليب.
إن علينا كمنظمات وجمعيات حقوق الإنسان أن ندافع عن مكونات الشعب العراقي كافة لأنها تتعرض للاضطهاد والقتل والتمييز بمختلف أشكاله، علينا أن ندافع عن المسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين والشبك والتركمان، وعن الناس الطيبين من الشيعة والسنة ممن يواجهون القتل على الهوية أيضاً.
أتمنى على جمعيات ومنظمات ونشطاء حقوق الإنسان أن تنهض    قبل المؤتمر المزمع عقده في الثامن والتاسع من شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2014 ببرلين بمهماتها وتعبئ القوى وتعقد اجتماعات لتناقش ما ترغب في طرحه في المؤتمر لكي يكون المؤتمر خلاصة لعمل واسع وميداني من جهة، وليس لعدد صغير من الأعضاء لكي تتواصل ما بعد المؤتمر بمهماتها وبعزيمة أكبر وحيوية جديدة.
فإلى مؤتمر جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان نشد الرحال إلى برلين قاصدين توحيد الجهود لإنجاح المؤتمر وأهدافه ومهماته.
20/10/2014                     كاظم حبيب     
 


38
كاظم حبيب
نحو إنجاح مؤتمر جمعيات ومنظمات ونشطاء حقوق الإنسان ببرلين
دفاعا عن الإنسان العراقي وحقوقه المستباحة
منذ منتصف هذا العام والجهود تبذل من أجل التحضير وإنجاح عقد مؤتمر جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان العراقية بالداخل والخارج، إضافة إلى مشاركة مجموعة من نشطاء حقوق الإنسان ومجموعة أخرى مميزة من الفنانين التشكيلين العراقيين ممن يعيشون في المهجر العراقي، إضافة إلى مجموعة من المواقع الإلكترونية العربية والصحفيين وهيئات دولية، منها منظمة العفو الدولية ولجنة حقوق الإنسان في جنيف ومكتب السلام العالمي في السويد ..الخ.
يسعى المؤتمر إلى تحقيق ثلاثة أهداف مركزية هي:
1.   المزيد من العمل المشترك والتنسيق بين جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان ونشطاء حقوق الإنسان بالداخل والخارج لدعم منظمات الداخل في نضالها من أجل تأمين وحماية حقوق الإنسان والحريات العامة في ضوء اللوائح والمواثيق الإقليمية والدولية الخاصة بمجمل مبادئ وشرعة حقوق الإنسان. وسيشارك في هذا المؤتمر أكثر من عشرين منظمة وجمعية تعمل في مجال حقوق الإنسان، إضافة إلى بعض منظمات المجتمع المدني غير الحكومية وعشرات الأشخاص من نشطاء حقوق الإنسان. وسيصل مجموع المندوبين والضيوف إلى أكثر من 80 شخصاً. 
2.   البحث في الحالة الراهنة لحقوق الإنسان بالعراق والتي ستقدم ثلاثة تقارير أساسية وضعت من قبل جمعيات حقوق الإنسان بالداخل. والتقارير هي: أ. تقرير عن حالة حقوق الإنسان في العراق في العام 2014 ؛ ب. تقرير عن مشكلات الهجرة والنزوح والاجتياح الأخير الذي تعرضت له بعض مناطق العراق كالموصل والأنبار وديالى ومخاطر التوسع صوب بغداد وسبل الوقوف بوجهها من خلال تأمين وحدة الشعب العراقي؛ ج. الموقف من موضوعة الدولة واحتكار السلاح بيديها وتفاقم المخاطر بسبب وجود مليشيات طائفية مسلحة ونشطة بالعراق. ويتضمن التقرير ما تعرض له المسيحيون والإيزيديون والشبك والتركمان وكذل الصابئة المندائيين من جرائم إبادة جماعية وضد الإنسانية وتهجير قسري وفرض التحول عن الدين إلى الإسلام السياسي واغتصاب النساء وقتل الرجال ونهب الأموال ...الخ على أيدي عصابات داعش وقبل ذاك أيضاً.
3.   البحث في سبل الوصول إلى الرأي العام العالمي للكشف عن مختلف أشكال انتهاك حقوق الإنسان من جانب قوى الإرهاب الدموي، وخاصة عصابات داعش والقاعدة وغيرها من جهة، والمليشيات الطائفية المسلحة، شيعية كانت أم سنية من جهة أخرى، إلى جانب الانتهاك الذي يتعرض له المواطن والمواطنة في حقوقهما من قبل أجهزة الدولة الأمنية والفساد المستشري بالبلاد وعلاقته بالإرهاب الدموي أولاً، وتأمين التضامن والدعم للشعب العراقي في نضاله من أجل إقامة دولة مدنية ديمقراطية اتحادية حرة ومستقلة ومزدهرة تنتعش فيها روح المواطنة وحقوق الإنسان والحريات العامة وحماية المجتمع من الفساد والإرهاب ومن التميزي الديني والمذهبي والقومي أو الفكري والسياسي. 
ولا شك في أن المؤتمر سيتعرض ضمن مناقشاته إلى أهمية التخلص من النهج الطائفي في الحكم والمعارضة باعتباره يشكل خرقاً للدستور ولائحة حقوق الإنسان الدولية، إضافة إلى تأكيد موضوعة الوطن والمواطنة والدفاع عن حقوق أتباع الديانات العديدة بالعراق في العبادة واحترام دور العبادة وإدانة الاعتداء عليها وكذلك الدفاع عن حقوق المرأة وحل المشكلات القائمة بالطرق السلمية وبعيداً عن النزاعات المسلحة والحرب الداخلية.
وستطرح على المؤتمرين مجموعة من النصوص الإضافية التي أعدها كتاب عاملون في مجال حقوق الإنسان لتكون بين أيدي المؤتمرين، كما سيتم توزيعها عبر الإنترنيت على نطاق واسع وسيعد كتاب خاص حول نصوص وتقارير ونقاشات المؤتمر.
إن مهمة جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان بالخارج تتبلور في دعم نضال منظمات الداخل من أجل حقوق الإنسان وتنشيط عملية التضامن مع الداخل لضمان تحول الدولة العراقية صوب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان المغيبة بالداخل وإلى حدود بعيدة ومنتهكة من قبل أطراف كثيرة.   
إن برلين تتطلع إلى نجاح المؤتمر الذي حظي بتأييد ومباركة رئيس الدولة الألمانية والعديد من القوى والأحزاب الديمقراطية الألمانية وجمهرة من الأصدقاء الألمان.
إن العراقيات والعراقيين بألمانيا وبرلين المناصرين لقضية حقوق الإنسان يتطلعون لأن يصبح المؤتمر تظاهرة إنسانية نبيلة ومهمة لدعم ممارسة حقوق الإنسان بالعراق وضد مختلف أشكال وصور انتهاك حقوق الإنسان. إن ما يوحدنا جميعاً هو النضال من أجل تأمين وحماية حقوق الإنسان بالعراق.
18/10/2014             كاظم حبيب       


39
كاظم حبيب
الشعب الكُردي بـ"كوباني" يقدم نموذجاً مقداماً للمقاومة البطولية والبسالة، فهل لنا مثل ذلك بالعراق؟

الشعب الكردي بمدينة كوباني الكردية بسوريا يواجه عدوين في آن واحد، يواجه أوباش داعش المجرمة من جهة، وعنصريو الدولة والحكومة التركية وقواتهم المسلحة من جهة أخرى، كما لا يمتلك الأسلحة التي يمتلكها أوباش داعش القتلة ولا عددهم وعدته من جهة ثالثة. ولكن بنات وأبناء كوباني مصممون على المقاومة ببسالة رائعة، يدافعون عن أرض الوطن كأبطال حقيقيين، كجند مجهولين، يدافعون عن حياتهم ومستقبل أبنائهم وبناتهم. إنهم يقاتلون بعزيمة وإصرار قل نظيره. ومقاومتهم هذه استقبلت بموقف رائع من الرأي العام العالمي وبتأييد مطلق لا مثيل له بحيث أجبر المجتمع الدولي على التحرك لتقديم المساعدة والنجدة الجوية. وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية لم تمارس الضربات الضرورية في البداية، فأنها وجدت نفسها تحت ضغط هائل من الرأي العام العالمي أجبرها على توسيع وزيادة عدد الضربات الجوية ضد أوباش داعش. هذا هو الموقف العظيم الذي ننحني له إجلالاً، لأنه يمثل الشهامة الوطنية والاستعداد للتضحية دفاعاً عن الأهل والأرض والثقافة وحقوق الإنسان. ولا شك في أن تأييد كل الكرد في كل مكان لهذا النضال البطولي هو الذي ساهم بدوره في تحريك الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي لمساندة قوى المقاومة نساءً ورجالاً بمدينة كورباني الكردية بسوريا، رغم كل الأعداء الذين كانوا ينتظرون انكسار المدينة أمام الغزاة الأوباش، وفي مقدمتهم الدولة والحكومة التركية والطيب أردوغان! إن الأحزاب الكردية في جميع أجزاء كردستان تلعب اليوم دوراً مهماً في مساندة سكان كوباني ومقاتليها الشجعان، وهم أمر بالغ الأهمية، ولذلك فاللقاء الذي حصل بين السيد صالح مسلم، الرئيس الدوري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكُردي، مع رئيس إقليم كردستان السيد مسعود البارزاني، واللقاءات الأخرى مع قادة الأحزاب السياسية الكردية الأخرى من أجل تحقيق التضامن والتعاون والتنسيق لدعم وحدات حماية الشعب الكردي ووحدات حماية المرأة الكردية المقاتلة بكوباني، تحتل أهميتها الكبيرة في المرحلة الراهنة لانتصار مقاتلي كوباني على أشرار وأوباش داعش وعلى المتحالفين معهم في تركيا وتلعب دورها في تقديم الدرس في أهمية التضامن والوحدة في النضال.
لقد استطاعت قوات البيشمركة الشجاعة أن تواجه بعزيمة ثابتة، وبعد تجربة مريرة في سنجار، أوباش داعش وتصدهم وتوقف زحفهم وتستعيد الكثير من المناطق التي اجتاحوها قبل ذاك. ولم يأت هذا عبثاً بل نتيجة الإصرار على المقاومة الذي حرك الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي لإسناد الكرد وتشديد الضربات ضد الداعشيين وقتل الكثير منهم وشل الكثير من قواهم التي دفعت إلى مناطق أخرى. وما يزال الشعب الكردي بالإقليم بحاجة إلى رص صفوفه الداخلية وإيقاف الصراعات الثانوية بين أحزابه السياسية التي لن يكون استمرارها في مصلحة الشعب الكردي و انتصاره وفي دعم الجبهة الداخلية ودعم مقاتلي كوباني. إن الشعب الكردي بالإقليم بحاجة إلى مزيد السلاح والعتاد والتدريب لمواجهة العدو الزاحف، كما إنه بحاجة إلى مزيد من التراص والوحدة النضالية لكسر شوكة العدو والانتصار عليه وطرده.
إن انتصار مقاتلي كوباني من جهة، وتصاعد مقاومة البيشركة الكردستانية من جهة أخرى، وتصاعد دعم وتأييد الرأي العام العالمي لهذا النضال من جهة ثالثة، أدى إلى تزايد الضربات العسكرية الأمريكية وغيرها لقوات داعش وإلحاق الأذى بها من جهة رابعة، مما ساعد على إحراز نجاحات طيبة ومهمة. وفي مقدور كل ذلك أن يمنح القوة والعزيمة والإصرار لمقاتلي الجيش العراقي لوقف زحف أوباش داعش على محافظة الأنبار وديالي وكركوك وغيرها من المناطق، والتي يمكن أن تقترب تدريجاً من حدود بغداد، وهم الذين اجتاحوا أخيراً مدينة هيت وسيطروا عليها وانسحبت القوات العراقية منها. إن رفع معنويات الجيش العراقي لا تأتي دون فعل من جوانب عديدة منها مثلاً:
•   مدى قدرة الشعب على منح المقاتلين في الجبهات المختلفة التأييد والعزيمة والمساندة باعتباره الظهير المناضل لهذه القوات؛
•   وهذه القدرة لا تأتي من فراغ، بل من إجراءات يفترض أن تمارسها الدولة والحكومة بالعراق لا على التطهر من الطائفية السياسية المقيتة والعودة إلى المواطنة والوطن وليس الطائفة والعشيرة فحسب، بل وفي إعادة بناء القوات المسلحة العراقية والتثقيف ورفع الشارات الدينية الطائفية المقيتة الموضوعة على جاكيتات المقاتلين والتي لا تثير إلا الكراهية والأحقاد وتمنع التضامن والتفاعل والقتال المشترك كتفاً إلى كتف ضد الأعداء الأوباش؛
•   كما إن إعادة تثقيف القوات المسلحة وتأمين السلاح الجيد والتدريب الممتاز ورفع المعنويات بتأمين وحدة الشعب والموقف من الإرهابيين، سيمنع أيضاً الخوف والرغبة في النزوح ومغادرة العراق ، وسيمكنها من إيقاف الأوباش الغزاة.
إن الحكومة الحالية ما تزال تزحف كالسلحفاة في سيرها، في حين إن الحالة الراهنة تتطلب سرعة ودقة وحكمة في القرارات والإجراءات التي تتخذها وبالسياسات التي تمارسها أولاً وقبل كل شيء. إن تغييرا في الذهنية لم يحصل حتى الآن، لأن الذهنية الطائفية ما تزال مهيمنة وإعاقة الحلول العملية للمشكلات القائمة هي الفاعلة والمؤثرة. إن مجموعة المالكي التي حكمت العراق تسع سنوات عجاف هي التي، كما يتضح يوماً بعد آخر، سلمت الموصل، ومعها جماعة أثيل النجيفي وبهدف آخر، بأمل "تأديب!" أهل الموصل وأهل الأنبار وغيرهما، بعدم مقاومة أوباش داعش والانسحاب وترك كل شيء لها، سوف لن تكون بمأمن من عصابات داعش المجرمة. ولهذا ارتفع صوتها وأصوات مماثلة مطالبة بقوات أجنبية لحمايتها قبل أن تحمي العراق، في حين أن الضرورة ترتبط بالوضع الداخلي واتخاذ الإجراءات لعملية تغيير واسعة في الفكر والسياسة العراقية. وعلى العبادي أن يتحرك بهذا الاتجاه، إن كان مستعداً وراغباً في تطهير العراق من الأعداء الغزاة، إذ عليه أن يوفر شروط الانتصار، وهو الآن يملك زمام الأمور بيديه ولديه تأييد إقليمي ودولي واسعين، وبالتالي عليه أن يتصرف لا كعضو قيادي في حزب الدعوة الإسلامية وفي دولة القانون، بل كمواطن عراقي يحمل مسؤولية تخليص العراق مما تسببت به جمهرة من السياسيين الطائفيين الأوباش من عواقب على العراق وشعبه ومصالحه وحياة بناته وأبنائه.
لقد قال أحد أبرز الكتاب الألمان، وأعني به أريش كوستنر ( Erich Kästner 1899-1974) بصواب كبير ما معناه: حين تُرتكب جرائم وأخطاء يفترض أن لا نرمي اللوم على الفاعل وحده، بل نسأل ماذا فعل الآخرون لمنعه من ارتكاب تلك الأخطاء والجرائم".
لقد بقى المالكي تسع سنوات في السلطة وسلم جزءاً عزيزأ من العراق، وكل أجزاء العراق عزيزة، على طبق من ذهب إلى أوباش داعش الذين يزحفون اليوم على مناطق أخرى من العراق، ولم يفعل الكثيرون ما هو ضروري من أجل إزاحته مبكراً ومنعه من دفع العراق إلى المستنقع الذي هو فيه الآن، بل دافع عنه من شاركه في كل ذلك، ومنهم جمهرة من مدعي الثقافة والحصافة، وهم وعاظ قبحاء للسلاطين، إذ ساهموا في وضع العراق في الحالة المزرية التي هو فيها الآن.
والآن ماذا علينا أن نفعل لكي لا نجعل العبادي، الذي قال عن نفسه أنه غير طائفي، لكي يكون غير طائفي فعلاً لا قولاً، كيف ينبغي لنا أن نتحرك لكي لا نجعله يزحف في سياساته أو يطرح الأمور بشكل خاطئ في مؤتمراته الصحفية كما حصل في مرتين سابقتين، مرة في تقديره للعوامل التي سمحت لداعش باحتلال الموصل، ومرة في تصريحاته الأخيرة حول إقليم كردستان العراق!
إن مقاومة أعداء الشعب تتطلب وحدة الشعب، ووحدة الشعب لا تتحقق بالسياسات والمحاصصة الطائفية. والتي تتجلى بوضوح في عجز رئيس الوزراء حتى الآن عن تسمية وزير الدفاع ووزير الداخلية، وهما الوزارتان اللتان يفترض أن تلعبا الدور الضروري والملح في الوقت الحاضر.       
إن الطائفية السياسية والمحاصصة الطائفية تخلق الكراهية، والكراهية تخلق الحقد، والحقد يخلق الصراع، والصراع ينتج النزاع، والنزاع ينتهي إلى القتل والحرب والدمار. هذا الدرس كان ينبغي أن يتعلمه كل عراقي وعراقية منذ زمان طويل. ومع الأسف فأن التربية المدرسية والبيتية والتعليم ووزارة التعليم العالي في زمن علي الأديب علمت على كل ذلك ما يثير الكراهية والحقد وأججت الصراعات والنزاعات، وكان الأديب اليد اليمنى للمالكي في سياساته الطائفية الخبيثة. فهل سيتخلص العبادي من السياسات التي تسببت بكل ذلك، ويتخلص من السياسيين الذين تسببوا بكل ذلك ليعيد وحدة الشعب بممارسة فكر وسياسات وإجراءات جديدة؟
هذا ما ستكشف عنه الأيام والأشهر القادمة وسبل مقاومة العدو الغازي داعش وحل المشكلات الداخلية.
16/10/2014               كاظم حبيب   
 
   

       

40
كاظم حبيب
سيبقى العراق هدفاً ضعيفاً أمام قوى الإرهاب ما دام الحكم طائفياً؟
إن المقاومة الشجاعة لرفض تجديد ولاية ثالثة لنوري المالكي لم يكن هدفها إزاحة المالكي فحسب، بل كان الهدف المركزي، مع الخلاص من المستبد بأمره والسياسي الفاشل، هو التخلص من النظام السياسي الطائفي والمحاصصة الطائفية والأثنية بالبلاد. وإذ أمكن إزاحة المالكي، فأن الحكم بالبلاد ما يزال يستند إلى قاعدة المحاصصة الطائفية، وفي الغالب الأعم بقاء ذات الوجوه السياسية السابقة المرتبطة بالأحزاب السياسية. ولم يكن الحكم كله فاشلاً فحسب بل كان جميع الوزراء فاشلين أيضاً في أداء مهماتهم الوزارية وحولوها إلى وزارات طائفية وأثنية ترتبط بأحزابهم الطائفية والقومية. وهو الأمر الذي ألحق وما زال يلحق أفدح الأضرار بالعراق دولة وشعباً واقتصاداً وثقافة.
والعراق المبتلى حالياً بالطائفية السياسية وغياب الوحدة الوطنية وروح المواطنة، التي لم تبق محصورة داخل الأحزاب السياسية الطائفية الحاكمة فحسب بل تغلغلت إلى الأوساط الشعبية، أصبح اليوم أكثر ضعفاً وأقل قدرة على مواجهة قوى الإرهاب الداخلية والخارجية. وزاد في الطين بلة وخطورة ذلك الدور غير الحكيم والخاطئ الذي لعبته المرجعيات والمؤسسات الدينية الإسلامية والعنعنات العشائرية، التي أججها بقصد واضح وخبيث نوري المالكي وكل الأحزاب الدينية. ولم يكن هذا التغلغل الطائفي محصوراً بالمجتمع العراقي وبالقوات المسلحة، باعتبارها جزءاً من المجتمع فحسب، بل لعبت الأحزاب الإسلامية السياسية دورها الرئيسي والأساسي في نقل الطائفية وتكريسها بشكل صارخ إلى القوات المسلحة. وأصبحت الكثير من الظواهر السلبية في المجتمع، مثل المشاركة في اللطم والتطبير وضرب الظهر بالسلاسل الحديدية (الزناجيل) وتلطيخ الجسد بالطين وغيرها من البدع والمغالاة بالتمذهب، تمارس في العديد من وحدات الشرطة والجيش وقوى الأمن الداخلي. وكانت وما تزال موجة عاتية أطاحت بمبدأ المواطنة والوطن ومفهوميهما السليمين. لقد أصبحت الطائفة هي الوطن كل طائفة، ولم يعد العراق وطن الجميع عند الطائفيين. وأصبح مبدأ المواطنة مقتصراً على أفراد الطائفة بذاتها وليس كل أفراد المجتمع. وانتقل هذا الطاعون المعدي إلى جمهرة كبيرة من مثقفي البلاد ومن مجموعة غير قليلة من العناصر الديمقراطية، بحيث أصبح حديثها عن الدفاع عن طائفتها جهاراً نهاراً ودون أي حياء سواء إن كانت في الحكم أم خارجه، وسواء أكانت شيعية حاكمة أم سنية مطالبة بالحكم!!!
حين يناضل الإنسان ضد الطائفية السياسية لا يريد استبدال طائفية سياسية حاكمة بطائفة سياسية أخرى، بل يسعى للخلاص من وجود الحكم الطائفي أصلاً وأياً كانت القوى الطائفية التي تمسك بزمام الحكم، إذ لا يجوز أن تبنى الأحزاب السياسية على أسس دينية أو طائفية، ولا يجوز أن يبنى الحكم على اساس ديني أو مذهبي، إذ إن ذلك يدمر الوحدة الوطنية وينسف المشتركات بين المواطنين والمواطنات من مختلف الديانات والمذاهب. وهذا ما يعيشه العراق منذ أحد عشر عاماً وحول العراق إلى مزبلة فعلية وإلى أوضاع أكثر رثاثة من أي وقت مضى.
ما كان في مقدور قوى الإرهاب الدموية التي اجتاحت الموصل ومناطق كثيرة من محافظتي الأنبار وديالى أن تحقق نجاحات هناك لو كان الجيش العراقي غير طائفي وغير مثقف بالطائفية وغير مسيطر عليه من قيادات عسكرية طائفية وتحت قيادة حكم ورئيس طائفي مثل نوري المالكي، وما كان في مقدور هذه القوى أن تجتاح الموصل ويبقى الناس بالموصل سكوتاً، لو لم يكن الناس بالموصل قد عانوا الأمرين من الحكم الطائفي ومن وجود جيش طائفي هناك لم يتعامل مع السكان على أساس المواطنة والاحترام. وما كان في مقدور قوى الإرهاب منذ عشر سنوات أن يقتلوا مئات ألوف البشر لو كان الشعب موحداً وواثقاً من حكومته ومتعاوناً معها.
لقد كان العكس هو القائم بالعراق. حكومة ووزارات طائفية قائمة على أساس هذه الوزارة لك وتلك لي، وبالتالي كل وزارة لأعضاء حزب معين وليس حتى لجماهير هذا المذهب أو ذاك، بل لقيادات تلك الأحزاب وحواشيهم. وما كان يحصل الذي حصل لولا الفساد القائم وشيوع القول التالي: "بما إن الدولة محروقة في كل الأحوال، فلم لا أخذ حصتي وأهرب قبل أن احترق مع المحترقين"!!! إنها الجريمة البشعة التي ارتكبتها الأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة بالعراق، وخاصة تلك التي قادت العملية السياسية المشوهة والتي اعتمدت على الوعي المزيف للجماهير الواسعة والممارسة الشرسة للمالكي.
إن إجراء التغييرات قي قيادات الجيش والشرطة لأسباب كثيرة بما فيها الهروب أو نشر معلومات عسكرية كاذبة عن المعارك والقتلى من الإرهابيين وكل العيوب الأخرى الخطيرة التي ظهرت بالجيش وبقية القوات المسلحة، أو محاسبة وزراء أو شخصيات حزبية وسياسية معروفة ومتهمة بالفساد أو المشاركة في الإرهاب، أو ...، أمر إيجابي وضروري وملح، ولكنه غير كافٍ، لأنه لا يعالج المشكلة المركزية التي تشكل العامل الأساس والرئيس في استمرار أوضاع العراق على الحالة الراهنة واستمرار سقوط العشرات بل المئات من القتلى والجرحى والمعوقين يومياً في أنحاء متفرقة من بغداد ومحافظات أخرى بسبب التفجيرات الانتحارية وغيرها.
إن المعارك الدائرة في أنحاء متفرقة من محافظات الموصل والأنبار وديالى لا يمكن حسمها لصالح الشعب العراقي ما لم يتحول البشر العراقي إلى جانب الحكومة ويدعمها ويحس أنه يعيش في بلد يحترم المواطنة والمواطن بغض النظر عن دينه ومذهبه ورأيه. فهل هذا متاح بالعراق؟ نائبا رئيس الوزراء ووزير الخارجية، على سبيل المثال لا الحصر، هم من أكثر العناصر طائفية وعدوانية وكرهاً لأبناء الديانات والمذاهب الأخرى من منطلق التمييز الديني والمذهبي، وهو أمر في غاية الخطورة. وحين يكون هؤلاء على رأس الدولة العراقية فأقرأ على البلد السلام! لهذا كان من أكبر الأخطاء تسليم هؤلاء مراكز قيادية في الدولة والحكومة وكذا شخصيات أخرى معروفة للجميع تحتل مواقعها في الحكومة الراهنة.
تحدث رئيس الوزراء الحالي إلى صديق لي التقيت به أخيراً ببرلين وقال بأن الدكتور العبادي قال له أثناء مناقشة الأوضاع بالعراق "أنك تعرف بأني غير طائفي"! هل يكفي هذا القول لأن نقول بأن قائداً في حزب سياسي مارس الطائفية لسنوات عشر في الحكم عبر اثنين من قيادييه (الجعفري والمالكي) هو غير طائفي، أم إن النهج الذي يمارسه والسياسة التي يطرحا والموقف من المحاصصة الطائفية...الخ هو الذي يقرر طبيعة الحكم؟
لم أكتب كثيراً عن العبادي حتى الآن، لأني أريد أن أرى أفعاله، رغم قناعتي بأن الطائفية هي السائدة في الحكم والممارسة العملية حتى الآن. ولكن الوقت يمر وقتل الناس يتفاقم يوماً بعد آخر وتحرير مناطق من العراق ما يزال متعثراً رغم الضربات الجوية لمواقع الإرهابيين التي لم تؤثر حتى الآن كثيراً.
وحتى الآن لم تعالج المشكلات القائمة مع الإقليم، رغم إن العبادي قال بأنها ستعالج بعد أسبوع من تشكيل الحكومة. إن معالجة هذه المشكلات ضرورية لصالح وحدة البلاد وضد الإرهاب والفساد ووضع حدٍ لتصاعد نبرة الشوفينية في المجتمع وضيق الأفق القومي. وهي مسألة بحاجة إلى مقال خاص.
لا يمكن أن ينتظر الباحث كثيراً لكي يرى ما يحصل بالعراق. فالحقيقة أمامنا وعلينا تتبعها بشكل دقيق وتأشير مواطن الخطر المتفاقم وطرح الحلول لها ومعالجتها فعلاً.
14/10/2014            كاظم حبيب

41
كاظم حبيب
التعذيب يلاحق اللاجئين حتى في بلدان المهجر؟ ألمانيا نموذجاً!
تتفاقم الصراعات والنزاعات السياسية وتتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في عدد متزايد من دول الشرق الأوسط على نحو خاص تليها في هذا المضمار الكثير من الدول الأفريقية. ويتعرض المزيد من سكان هذه الدول إلى شتى أنواع انتهاك حقوق الإنسان، ومنها التعرض للاعتقال الكيفي الطويل الأمد والتعذيب الشرس والمحاربة بالرزق، إضافة إلى المعارك والحروب الداخلية وفي ما بين الدول والاغتيالات الفردية أو الموت على أيدي الانتحاريين الجبناء، إضافة إلى تفاقم حجم الفساد المالي والإداري الذي يسرق القمة من أفواه الفقراء. ومنذ سنوات عدة تتعرض دول المنطقة إلى تدخل متفاقم في شؤونها الداخلية من قبل دول الجوار أو من الدول الكبرى بحيث أصبحت سياسات هذه الدول خاضعة وتابعة للغير وحياة الكثير من البشر في مهب الريح. وفي السنوات الخمسة الأخيرة تفاقم دور ونشاط المليشيات الإسلامية السياسية المتطرفة والتكفيرية بحيث دفعت بالكثير من الناس إلى الهروب خشية الموت على أيدي تلك العصابات المنفلتة من عقالها والتي هدفها القتل تحت راية الإسلام التكفيري. كما أن هناك دور مماثل لمليشيات طائفية سياسية مسلحة تابعة لأحزاب في السلطة وساعية لها مارست وتمارس ذات النهج المدمر. وأكبر مثال على ذلك ما يجري منذ سنوات في كل من العراق وسوريا. وأكثر الجماعات تعرضاً للموت هم السكان من أتباع الديانات الأخرى وخاصة المسيحيين والإيزيديين والصابئة والشبك بالعراق على سبيل المثال لا الحصر، كما إن الصراع الطائفي بين الأحزاب السياسية السنية والشيعية قد قاد إلى موت الآلاف من البشر والقتل على الهوية. وقد استشهد عشرات الألوف من الناس الأبرياء في مثل هذه النزاعات والحروب الداخلية. إضافة إلى تحرك عصابات الجريمة المنظمة ودورها في زيادة تعقيد وصعوبة الحياة على الناس البسطاء والفقراء. لكل ذلك كان الهروب من تلك الأوضاع واسعاً جداً بحيث وصل عدد الهاربين إلى عدة ملايين نسمة.
وغالباً ما يتوجه اللاجئون إلى الدول المجاورة ومنها إلى أوروبا إما عبر الأمم المتحدة أو عبر عصابات الجريمة المنظمة التي تمارس تهريب الناس لقاء مبالغ طائلة وعبر وسائل نقل لا ضمان للنجاة فيها والوصول إلى الهدف المبتغى. وقد مات عبر هذه الأساليب من تهريب البشر على وفق تقارير الأمم المتحدة أكثر من 40 ألف إنسان خلال الفترة الواقعة بين 2000-2014. وهذا يعني أن معدل وفيات السنة الواحدة وصل إلى 2857 فرداً، وهو عدد كبير حقاً. والأرقام السوداء الفعلية أكثر من ذلك بكثير
تحتضن أوروبا الكثير جداً من اللاجئين السياسيين أو الهاربين من جحيم الحروب الداخلية والإرهاب والقمع السياسي والبطالة والجوع والحرمان، سواء أجاءوا من دول في منطقة الشرق الأوسط الغنية بالنفط، أم من دول أفريقية فقيرة أتى الاستعماريون القدامى والجدد على ثرواتها الأولية. ولكن ليس كل هؤلاء يحصلون على حق اللجوء في أوروبا، إذ غالباً ما يعاد الكثير منهم إلى أوطانهم. ومن يقبل منهم يوضع في دور خاصة مؤقتة طويلة الأمد إلى أن تحسم قضاياهم وأحياناً يوضعون في معسكرات واسعة لا تتوفر فيها الرعاية الضرورية. وهناك دول أوروبية تعاني أكثر من غيرها بسبب وقوعها ضمن حوض البحر الأبيض المتوسط مثل اليونان وإيطاليا التي يصلها اللاجئون عبر البحر ويموت الكثير منهم غرقاً بسبب نقلهم بسفن لا تمتلك مقومات حمولتها البشرية الكبيرة ولا مصانة من مخاطر البحر الذي يكون هائجاً أحيناً غير قليلة وأغلبها قديم وبالي وركوبها مغامرة كبيرة أدت إلى موت الكثير جداً من طالبي الهجرة واللجوء.
وخلال الأعوام المنصرمة تعرضت الكثير من دور اللاجئين المؤقتة إلى اعتداءات وتعذيب من جانب المسولين عنها. وقد كشف أخيراً عن ثلاث دور تابعة لشركة خاصة منح لها مهمة العناية باللاجئين وبشكل خاصة ببورباخ بولاية نوردراينلاند ويستفاليا وظهرت صور التقطتها عدسة الحراس أنفسهم الذين مارسوا التعذيب والتي تقترب من صور التعذيب التي تعرض لها السجناء في سجن أبو غريب بالعراق على أيدي الحراس الأمريكيين في العام 2005 وكانت فضيحة كبرى حقاً وجريمة بشعة لا تقارن إلا بما كان يمارسه جلاوزة صدام حسين ونظامه بالعراق. وربما ستكشف الأيام الكثير مما مارسه رجال الأمن الخاص بالمستبد بأمره نوري المالكي.
كما إن هناك معلومات تشر إلى أن هذه الحالة ليست مقتصرة على تلك الدار الثلاث التي حصلت فيها هذه الاعتداءات المصورة بل توجد دور أخرى في ولاية ساكسن وغيرها من الولايات الألمانية التي يحصل فيها مثل هذه التجاوزات على حقوق الإنسان. كما يشار إلى وجود غرف خاصة في تلك الدور يمارس فيها التعذيب والعقوبات بحق اللاجئين ومنعهم من التبول والتغوط مما يجبرهم على التغوط على أنفسهم والتبول من الشبابيك. إنها السادية والجريمة بعينها بحق حقوق الإنسان في بلد يحترم الشرعية وحقوق الإنسان. والسؤال الذي يدور بالبال هو: هل هذه ظاهرة فردية في المجتمع الألماني، أم إنها تشير إلى واقع حال آخر لا بألمانيا فحسب بل وبالدول الأوروبية الأخرى؟
من يعيش بألمانيا ويتابع أحوال الأجانب واللاجئين السياسيين يدرك وجود ظاهرتين متباينتين (ألمانيا نموذجاً)، وهي تشمل بقية دول الاتحاد الأوروبي بما في ذلك بريطانيا:
الظاهرة الأول: تشير إلى احتضان الشعب الألماني لمزيد من اللاجئين سنوياً الذين يتمتعون بشكل عام بالاستقرار والراحة والدعم والقبول العام، وهي الأمور التي لم يتمتعوا بها في بلدانهم بأي حال، بل كانوا معرضين لشتى صنوف انتهاك حقق الإنسان والمخاطر الجمة. وهي الظاهرة العامة والإيجابية لهؤلاء اللاجئين الذين حياتهم لا تكون في خطر.
الظاهرة الثانية: تشير إلى تنامي ظاهرة العداء للأجانب من سنة إلى أخرى منذ العقد التاسع من القرن الماضي بشكل خاص حتى الوقت الحاضر، إذ ارتفعت نسبة الخشية منهم أو الرغبة في عدم وجودهم بألمانيا والخلاص منهم بإبعادهم عن ألمانيا. وإذا كانت هذه الظاهرة عامة وليست بألمانيا وحدها بل بكل أوروبا، فأن حساسيتها بألمانيا أكبر بسبب اختلاطها مع معاداة السامية والتجاوزات المتزايدة على الأجانب وتاريخ ألمانيا. كما لا تزال التحقيقات جارية في تلك المجموعة النازية الجديدة أو المنظمة السرية التي قتلت 9 مواطنين من أصل تركي ويوناني إضافة إلى شرطية ألمانية بخلفية عنصرية ومعاداة للأجانب والتي لم ينته التحقيق بها حتى الآن وبروز معطيات ومعلومات جديدة تزيد من دائرة المشاركين في هذه الجريمة أو الذين سكتوا عنها. من يعيش بألمانيا يكون شاهد عيان على اتجاه يميني تناما في السياسات الداخلية والخارجية لألمانيا والذي تجلى أيضاً في سياسات غالبية الأحزاب والتي يشعر بها المواطن أو المواطنة بشكل خاص أثناء الحملات الانتخابية المحلية والعامة حيث تبرز شعارات شعبوية لكسب اليمين موجهة ضد الأجانب أو المطالبة بتشديد شروط قبول اللاجئين أو تعقيد إمكانية حصولهم على عمل..الخ.
لا شك في أن كثرة اللاجئين يساعد في نشوء مثل هذه الأجواء غير الودية ولكنها ليست الظاهرة الأساسية في المجتمع الألماني، رغم تزايد تأثير ودعايات اليمين القومي المتشدد والقوى النازية الجديدة ضد الأجانب وضد وجودهم بألمانيا.
إن المشكلة بالأساس تكمن في غياب إستراتيجية ألمانية واضحة لاحتضان اللاجئين والأجانب عموماً رغم حاجة ألمانيا الماسة للأجانب الشباب الذين يساهمون في تجديد الهرم السكاني بألمانيا والذي يميل إلى تراجع سن الشباب وارتفاع نسبة كبار السن إلى مجموع السكان. إن الأجانب يساهمون سنوياً بنسبة عالية في زيادة عدد الشباب، إذ أن عدد الولادات في صفوف الأجانب أعلى كثيراً مما هي عليه في صفوف الشعب الألماني.
كما إن الأجانب القادمين من دول مختلفة يحملون معهم مأساة بلدانهم ومشكلاتها وظروفها وجهل الكثير منهم بعادات وتقاليد الشعب الألماني وعدم احترام البعض الكثير لتلك التقاليد والعادات والالتزام بالقوانين المرعية، إضافة إلى وجود كثرة نسبياً من المسلمين المتشددين الذين يسعون إلى كسب الناس لدينهم أو إقلاق راحة المسلمات بالدعاية لارتداء العباءة والحجاب الذي يقود إلى نشوء مشكلات أو إلى سوء تفاهم وتجلياتها ذلك في رفض وجود الأجانب كجزء من العوامل الفاعلة في هذا الصدد. ولا بد لنا من الإشارة إلى أن 450 من الشباب المسلم المتطرف والمتشدد قد غادر ألمانيا ليساهم في تنظيم داعش الإجرامي بالعراق وسوريا وقد نشروا صوراً لهم وهم يتهددون الناس بالذبح بالسكين!!!
إن الواقع الذي مرت به ولاية نوردراينلاند ويستفاليا يجب أن لا يتكرر. ولكي لا يتكرر لا بد من وجود إستراتيجية احتضان اللاجئين وتغيير أسس وأساليب العمل الجارية في دور اللاجئين إلى ألمانيا من خلال نظام العمل والقوى العاملة فيها وأساليب وأدوات العمل والرقابة الحكومية ومنظمات المجتمع المدني على هذه الدور ووجود جهات معينة يمكن تقديم الشكاوى إليها لمعالجة المشكلات التي تنشأ فيها. كما يفترض أن لا تكون هذه الدور محل جني أرباح من جانب الشركات الأجنبية على حساب اللاجئين التي تحقق اليوم أرباحاً كثيرة بسبب تقليصها للعاملين في هذه الدور وسوء المواد الغذائية التي تقدم وتعيين أناس لا شهادات لديهم ولا معرفة أو خبرة بأسس التعامل مع الأجانب، إضافة إلى كون بعضهم معروف بنزوعه صوب العنف في تعامله مع الآخر.
إن الإدانة الشديدة من جانب الحكومة الألمانية والمسؤولين في الولاية وفي وسائل الإعلام يفترض أن يأتي أكله من خلال إجراء تغيير جذري في هذه الدور وهو أقل ما يمكن عمله، إضافة إلى ضرورة تقديم هؤلاء الذين مارسوا العنف وانتهاك كرامة الإنسان اللاجئ إلى المحاكمة لينالوا الجزاء العادل ليكونوا درساً رادعاً لغيرهم.     
2/10/2014            كاظم حبيب
 

42
بيـــــــــــــان
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية
من أجل إيقاف زحف جحافل الغزاة القتلة على كوباني والمناطق الكردية الأخرى بسوريا
منذ ثلاث سنوات وجحافل الغزاة القتلة من تنظيم داعش وجبهة النصرة من جهة، وقوات النظام السوري الدكتاتوري من جهة أخرى، تواصل قتل أبناء وبنات الشعب السوري بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه، والمجتمع الدولي كله يتفرج وكأنه غير معني بالبشر الذي يقتل هناك كل ساعة وكل دقيقة وتدمر بيوت السكن والمدارس والمستشفيات ودور العبادة والمصانع ومحلات العمل على رؤوس الناس فيها، ويجري احتلال المزيد من الأراضي من قبل هؤلاء الوحوش المنفلتين من عقالهم. ومنذ ثلاث سنوات وأبناء وبنات الشعب الكردي في كردستان سوريا يواجهون نفس المصير الذي يعاني منه بقية أبناء وبنات الشعب السوري. وقد قتل بسوريا ما يزيد على 220 ألف مواطن ومواطنة حتى الآن وهجر وشرد في سوريا وخارجها ما يقرب من 6 ملايين نسمة، كما إن الملايين منهم لا يجدون مأوى لهم أو من يقدم لهم الدعم والطعام. لقد كان وما يزال المجتمع الدولي يتفرج على هذه العملية الإجرامية، عملية الإبادة الجماعية الجارية والتطهير العرقي بسوريا من جانب قوى الإسلام السياسي التكفيرية وقوى النظام الدكتاتوري السوري، حتى أصبحت الكثير من المدن خرائب تنعب بها الغربان.
واليوم، وبعد أن حققت جحافل الغزاة القتلة من أتباع تنظيم داعش النجاحات على أرض العراق واحتلت واستباحت الموصل والكثير من المناطق الأخرى بسبب طبيعة نهج وسياسات النظام الطائفي والصراع الطائفي والأثني بالعراق وهروب القوات المسلحة أمام العصابات الفاشية، ورغم الخسائر الأخيرة التي تلقتها بالعراق بسبب الضربات الجوية الأمريكية والفرنسية ومقاومة قوات البيشمركة والقوات العراقية، فإنها حققت بزحفها الوحشي الهيمنة على المزيد من الأراضي السورية واستباحتها وقتل المزيد من الناس الأبرياء واغتصاب النساء وتشريد عشرات ألوف البشر من مناطق سكناهم.
نحن اليوم أمام مجزرة رهيبة يتعرض لها أبناء وبنات الشعب الكردي في كردستان سوريا، في القرى والأرياف الكردية السورية. عشرات الآلاف من الناس يهربون من قراهم إلى الحدود التركية خوفاً من زحف جحافل الغزاة القتلة التي ترفع راية الإسلام السياسي التكفيري. فمن ناحية كوباني والقرى الكردية الأخرى هرب أكثر من 75 ألف نسمة بمن فيهم الأطفال الرضع والصغار والنساء والشيوخ المرضى والعجزة باتجاه تركيا, وهناك الآلاف الأخرى التي تنتظر الهروب أو تواجه القتل على أيدي القتلة المجرمين من أتباع تنظيم داعش، وليس هناك من يدفع عنهم الموت أو مساعدتهم على الهروب.
إن التجمع العربي لنصرة القضية الكردية يطالب المجتمع الدولي ومجلس الأمن الدولي بتقديم الدعم العسكري واللوجستي لأبناء وبنات الشعب الكردي في كوباني والمساعدة الضرورية الفورية للذين يتعرضون للغزو من خلال ضرب مواقع الجحافل المتوحشة الزاحفة لقتل الناس الأبرياء. إن من تبقى من الناس في كوباني الكردستانية وغيرها يستصرخون ضمائر الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي لإنقاذهم من براثن الوحوش الكاسرة.
إن التجمع العربي لنصرة القضية الكردية يطالب الرأي العام العالمي ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان برفع صوت الدعم والمساندة والضغط على مجلس الأمن الدولي من أجل تقديم جميع أشكال المساعدة والدعم لصالح إنقاذ الكرد وبقية أبناء الشعب السوري من غزو واستباحة قوى الإسلام السياسي المتطرفة والتكفيرية. إن على المجتمع الدولي أن يوفر الحماية للهاربين من عصابات داعش المجرمة وينهي وجود هذه القوى الضالة التي نشأت وتقوت بفعل مساندة قوى ودول إقليمية ودولية في منطقة الشرق الأوسط أصبحت اليوم معروفة للجميع. أن دحر هذه القوى المجرمة واقتلاع جذورها سيوقف زحف أفرادها إلى أوروبا والولايات المتحدة وبقية مناطق ودول العالم وممارسة عملياتها الإجرامية فيها. فهي الوباء بعينه الذي يجب أن يكافح بكل السبل.
الأمانة العامة
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية
21/9/2014     

43
كاظم حبيب
هل من سبيل لمواجهة الطائفية السياسية في حكم البلاد؟
حين كلف السيد رئيس الجمهورية العراقية الدكتور حيدر العبادي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة لم يغب عن بالي وبال الكثير من المنادين بإقامة المجتمع المدني الديمقراطي الاتحادي الحر بالعراق بأن العبادي هو واحد من قادة حزب الدعوة، وهو الحزب الذي رشح قائدين منه لرئاسة حكومتين سابقتين ولمدة عشر سنوات تقريباً. وأن كليهما، إبراهيم الجعفري ونوري المالكي،  مارسا نهجاً طائفياً متشدداً قاد البلاد إلى الوضع الذي هو فيه الآن، وأنهما معاً رفضا ترك رئاسة الوزارة بالتي هي أحسن. وبالتالي يصعب على رئيس الوزراء الجديد أن يهرب من حزبه ومن نهج حزبه السياسي القائم على أساس طائفي ومن العواقب التي خلفها له نوري المالكي. والسؤال الذي كان يدور في بالي وبال الكثير من الناس هو: هل في مقدور العبادي الاستفادة الفعلية من سلفيه الفاشلين اللذين طردا من منصبيهما شر طردة لأنهما لم يفشلا فحسب، بل أغرقا البلاد بالصراع الطائفي والأثني، كما إن الأخير واصل سياسة سلفه وعمقها وأوصل البلاد إلى وقوع جزء مهم منها تحت رحمة أشرس قوى إرهابية تكفيرية حاقدة عرفتها المنطقة، منذ سقوط الدكتاتورية  البعثية بالعراق، ويمارس نهجاً جديداً وسياسة جديدة؟
تبرهن الطريقة التي تم بها تشكيل الحكومة الجديدة على عدة مسائل جوهرية هي:
1.   إن النظام السياسي القائم حافظ على طبيعته الطائفية وعلى المحاصصة الطائفية والأثنية، في وقت برهنت الحياة على الأخطار الكبيرة التي جلبها هذا النظام الطائفي على العراق كله، وأن استمراره سيقود بالبلاد، الدولة والحكم والمجتمع، إلى مخاطر أكبر مما أصيبت بها حتى الآن.
2.   وأن الأحزاب السياسية القائمة على أساس طائفي أو أثني هي التي رشحت الوزراء لشغل حصة كل منها في مجلس الوزراء العراقي.
3.   وأن الوجوه التي كانت في الوزارة السابقة أو التي قبلها عادت لتحتل حقائب وزارية أيضاً وأن اختلفت الحقائب التي تسلمتها، ولم يجد رئيس الوزراء ضرورة إبعاد من كان متهماً بالفساد المالي ومن ادعى رئيس الوزراء السابق إن لديه ملفات حوله، سواء أكانت ملفات فساد أم إرهاب أم الفساد والإرهاب معاً .
4.   وأن هذه الوزارات دون استثناء كانت فاشلة وألحقت أضرارً فادحة بالبلاد، لأن مسؤوليها مارسوا النهج الطائفي ونفذوا سياسات طائفية وملأوا وزاراتهم بأشخاص من طائفتهم أو قوميتهم وأحزابهم بغض النظر عن تخلفهم وضعف قدراتهم وكفاءاتهم، ولم يبق للناس المستقلين من ذوي الكفاءة والخبرة والمعرفة أي مكان يعملون فيه.
5.   وأن رئيس الوزراء سيكون حبيس الإرادة الضيقة لهذه الأحزاب وليس بالضرورة ما يجسد مصالح الشعب والوطن. وأن الصراع حول الوزارتين المهمتين، الدفاع والداخلية، ما يزال حبيس التوزيع الطائفي القاتل.
6.   وان رئيس الوزراء غير قادر على إنهاء وجود المليشيات الطائفية المسلحة بذريعة أنها تقاتل تحت راية الجيش العراقي. وإذا ما أراد اتخاذ خطوة ضد هذه المليشيات سيصطدم بها وسترفع سلاحها بوجه الحكومة، كما بدأ مقتدى الصدر حالياً بتهديد القوات الأمريكية التي تساهم في ضرب عصابات داعش التي غزت واجتاحت واحتلت مناطق واسعة من العراق بضربها والعودة إلى سابق عهده وكأن لم يحصل أي شيء جديد ومدمر بالبلاد، وهو يدرك بأن الجيش العراقي الذي بني على اساس طائفي عاجز عن تحقيق المنشود بطرد المحتل الغازي التكفيري الشرس.
7.   وأن رئيس الوزراء الجديد أخل ابتداء بالدستور العراقي حين لم يمنح النساء حصتهم المقررة دستورياُ وهي 25% من الحقائب الوزارية، وهي جريرة الأحزاب الذكورية كلها التي لم تجد الرغبة والضرورة في وضع نساء في هذا الصراع الجاري بين صقور الصراع الطائفي من الذكور.
إن رئيس الوزراء الجديد يريد إصلاح العملية السياسية بذات الشخصيات التي أساءت للعملية السياسية، يريد تصحيح الأخطاء الكبرى والفاحشة التي ارتكبها سلفه والذي قبله بذات القوى والأدوات التي استخدمها سلفه، فهل هذا ممكن؟ أشك في ذلك، بل لدي القناعة بأن عملية التخريب قد بدأت منذ الآن لوضع العصي في طريق معالجة الوضع بالعراق. إن التحدي الذي يواجهه العبادي كبير جداً لأنه يسير على وفق المثل الشعبي لذلك الرجل الذي قال لزوجته: "باقة فجل لا تفكين, رغيف خبر لا تكسرين، أكلي حتى تشبعين"! فهل هذا ممكن؟ العقلاء يعرفون النتيجة!!
المثل العراقي يقول الشق كبير والرقعة صغيرة. هذا هو حال العراق حالياً، فرغم الجهد الدولي لكسر شوكة الإرهابيين الذين احتلوا جزءاً من عراقنا الحبيب وقتلوا جمهرة كبيرة من خيرة أبناء وبنات وأطفال شعبنا وشيوخه ومارسوا الإبادة الجماعية ضد الإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان وغيرهم, وكذلك التطهير العرقي والتهجير القسري، والذين ما زالوا يعيثون فساداً وقتلاً وإرهاباً في المناطق التي تحت رحمتهم، ورغم تصريحات رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ووزير خارجيتها بأن غياب التفاهم ووحدة الحكومة العراقية سوف يعيد الوضع بالعراق إلى نقطة الصفر أو المربع الأول، نجد أن الأحزاب الطائفية بالعراق تتصارع حول من يكون وزيراً للدفاع ومن يكون وزيراً للداخلية وعلى أساس طائفي سياسي مدمر. ويلاحظ إن أسوأ العناصر الطائفية وأكثرهم تبعية لدولة مجاورة يطالب بوزارة الدفاع باعتبارها من حصة كتلته في دولة القانون السيئة الصيت والتي يقودها الشخصية الفاشلة نوري المالكي.
إن التفاؤل دون أرضية صلبة يتحول إلى كارثة حقيقية، لهذا لا بد من العمل من أجل تغيير هذه الحالة البائسة التي يمر بها العراق منذ سنوات وما يزال رغم اشتداد الوضع السيئ بالبلاد، ورغم الخسائر البشرية المتزايدة. والسؤال الذي يواجهنا هو: كيف يمكن تحقيق ذلك والطائفية السياسية وتوزيع الحصص على أساس طائفي ما تزال سيدة الموقف!!!
أترك الجواب عن هذا السؤال للشعب العراقي، للعقلاء من الناس.   
 19/9/2014            كاظم حبيب       

       


44
د. كاظم حبيب
نداء إلى محامي العراق وقضاته الكرام

خلال السنوات التسع المنصرمة احتل نوري المالكي منصب رئيس مجلس الوزراء في الحكومة الاتحادية العراقية، كما أصبح بحكم منصبه قائداً عاماً للقوات المسلحة. وقد أقسم اليمين الدستورية في الدفاع عن الوطن والالتزام بالدستور العراقي والحفاظ على مصالح الشعب ومكافحة الإرهاب والفساد. ولكن وفي فترة حكمه التي دامت طوال تسع سنوات تقريباً اُرتكبت بالبلاد الآلاف من الجرائم البشعة بحق المواطنين والمواطنات بالعراق واستشهد مئات الآلاف منهم وجرح وعوق أضعاف ذلك. وادعت الحكومة في حينها أنها شكلت لجان تحقيق لمعرفة الجناة. ولكن حتى يومنا هذا لم يعلن عن نتائج التحقيق حتى الآن. كما اغتيل خلال الفترة ذاتها كوكبة كبيرة من خيرة مثقفي العراق على أيدي مجرمين قتلة لم يُعرف حتى الآن من هو القاتل رغم تشكيل لجان تحقيق رسمية من جانب الحكومة. وكل المعلومات المتوفرة تشير إلى إن أجهزة الأمن والقوات الخاصة التي هي تحت أمرة رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة قد مارست أساليب تعذيب شرسة بحق المعتقلين على ذمة التحقيق والسجناء وممارسة الاعتقال الكيفي، وهي انتهاك صريح للائحة حقوق الإنسان وتحريم التعذيب بكل أشكاله، إذ إن العراق احد الموقعين والمصادقين على هذه الوثائق الدولية الملزمة.
ورائحة الفساد بالعراق تزكم الأنوف، إذ الفساد نظاماً سارياً ومعمولاً به، حسب تقديرات منظمة الشفافية الدولية، وشمل الغالبية العظمى أفراد النخب الحاكمة والعاملة في ما يسمى بالعملية السياسية. وأكد أكثر من مسؤول عراقي بأن الجميع متهم بالفساد إلا الشيوعيين. وهو أمر مخيب لكل مواطنة ومواطن من جهة، ولكنه مفرح أن تكون هناك قوى سياسية ما تزال نظيفة رغم الفساد والأوساخ المنتشرة حولها من جهة أخرى. وكان رئيس الوزراء العراقي يهدد بين فترو وأخرى بنشر الملفات الخاصة بالفاسدين والمفسدين والإرهابيين، ولكنه لم ينشر أي ملف سوى التهم التي وجهت لطارق الهاشمي. وبهذا يتحمل مسؤولية عدم اعتقال هؤلاء أولاً ومواصلة الفساد والقتل ثانياً.
ثم انتهك رئيس الوزراء العراقي الدستور العراقي حين فرض هيمنته على الهيئات المستقلة دستورياً وأخضعها للسلطة التنفيذية قسراً ودون وجه حق، ثم غاص في التجاوز حين انتهك الدستور وقانون البنك المركزي وأصدر أمراً عبر القضاء العراقي باعتقال محافظ البنك المركزي حل عودته من سفرة وظيفية اليابان بتهمة الفساد بحيث منعه من العودة، لأن عودته كانت تعني اعتقاله وهو رجل مريض. كما تم اعتقال نائب محافظ البنك المركزي الدكتور مظهر محمد صالح ومجموعة من خيرة موظفي البنك وأبعدوا عن وظائفهم أو أحيلوا على التقاعد أو طردوا ووجهت لهم تهم الفساد. وكل المعلومات المتوفرة تؤكد زيف الدعوى المرفوعة ضدهم. ثم دفع رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي القضاء العراقي إلى إصدار حكم جائر ضد الدكتور سنان الشبيبي قبل مغادرته منصب رئيس حكومة تصريف الأعمال بحبسه سبع سنوات.
إن من المهمات التي يفترض أن يضطلع بها فريق المحامين والقضاة دراسة الأحداث التي وقعت ببغداد في 25/شباط 2011 حين صادر رئيس الوزراء نوري المالكي حق الشعب في التجمع والتظاهر والتعبير عن الاحتجاج، وما تعرض له بعد ذاك مواطنات ومواطنو المحافظات الغربية من انتهاكات فظة على الحقوق وبدلاً من إعارة الانتباه ومعالجة المطالب التي طرحوها، وجه القائد العام للقوات المسلحة السلاح ضدهم وأدى إلى استشهاد الكثير منهم، مما ساهم في تعقيد اللوحة هناك واختلاط الأوراق واكتساح قوات داعش للفلوجة والسيطرة على مناطق أخرى من هذه المحافظات، بالإضافة إلى ما حصل من انتهاكات وجرائم بمحافظة ديالي وخاصة بمدينة بهرز من جانب المليشيات الطائفية المسلحة. وعلى امتداد حكم نوري المالكي استشهد الكثير جداً من المسيحيين والصابئة المندائيين والإيزيديين وغيرهم على أيدي عصابات القاعدة والمليشيات الطائفية الشيعية والسنة المسلحة في مناطق عديدة من العراق قبل وقوع مجزرة الموصل والهروب الجماعي للسكان المسيحيين والإيزيديين والعدد الهائل من القتلة والجرحى والمعوقين والنازحين. 
وخلال السنوات الخمس الأخيرة بشكل خاص لعب دوراً تخريبياً واضحاً في تدهور العلاقات مع إقليم كردستان العراق وتأجيج العداء والكراهية للشعب الكردي ونضاله المديد وعدم سعيه لحل الخلافات القائمة بالطرق السلمية والحوار الديمقراطي وفي أوقاتها، كما في موضوع المادة 140 من الدستور أو موضوع قطع الرواتب عن موظفي ومتقاعدي وبيشمركة الإقليم، أو مشكلة النفط وعدم إصدار قانون النفط وغيرها، والتي نعتقد أن الإقليم ارتكب من جانبه أخطاءً غير قليلة في هذا الصدد أيضاً وكرد فعل غير مبرر.   
ولكن وأبشع من كل ذلك ما حصل بالموصل ومناطق أخرى بكركوك وصلاح الدين من غزو واجتياح في فترة حكم نوري المالكي وقيادته للقوات المسلحة العراقية. وكذلك ما حصل في معسكر سبايكر، إذ ارتكبت أبشع الجرائم التي كلها تدخل ضمن التطهير العري والإبادة الجماعية وضد الإنسانية. إن ما ارتكب من جرائم في تلك المنطقة يفترض أن يمنع المسؤولين في هذه الفترة عن السفر وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة للتحقيق بأسباب هروب القوات المسلحة من الموصل وتسليم معسكراتها وما فيها من أسلحة وتعاد ومعدات لعصابات داعش وترك أهل الموصل من المسيحيين والإيزيديين والشبك وغيرهم رهينة بأيدي هذه العصابات. إن كل ذلك يتطلب التحقيق وصولاً إلى الحقيقة. لهذا أهيب بمحامي العراق وقضاته الكرام أن يبادروا إلى تشكيل فريق عمل مختص بجمع المعلومات والوثائق حول ما حصل بالعراق خلال السنوات العشر المنصرمة وخاصة في فترة وجود نوري المالكي على رأس السلطة التنفيذية.
على وفق المعلومات المؤكدة أن رئيس الوزراء المنتهية ولايته ورئيس حكومة تصريف الأعمال قد اصدر، قبل تسليم السلطة للدكتور حيدر العبادي وفي آخر أيام حكمه الكارثة، مجموعة كبيرة من القرارات لتثبيت أتباعه ومريديه والمحسوبين على قائمته وحزبه وبالضد من الوضع الدستوري الذي لا يمنحه مثل هذا الحق، وبالتالي فهي إجراءات نعتبر ضد الدستور، ومنها تعيين على العلاق، محافظاً للبنك المركزي العراقي، التي هي من صلاحيات مجلس النواب العراقي حصراً. لهذا يتطلب الأمر من اللجنة التحقيقية المقترحة التحري الجاد عن تلك الإجراءات وإبطالها ومعاقبة المسؤول عن إصدارها. 
إن من يشارك في عضوية لجنة التحقيق المقترحة ومن يدعم ويساعد جهودها ويوفر المعلومات الضرورية لها سيساهم في الوصول إلى الحقيقة ومعاقبة المسؤولين عن كل ما حصل بالعراق خلال الأعوام المنصرمة أولاً، وربما يساعد ذلك، رغم ضعف الأمل بسبب طبيعة النظام الطائفي والمحاصصي الساري، على منع تكرار ما حصل حتى الآن وعلى أيدي من وضع العراق وشعبه أمانة في عنقه وأساءوا وساهموا لما وصل إليه العراق حالياً ثانياً، خاصة وأن هؤلاء الذين أخرجتهم الاحتجاجات من الباب عادوا إليه من الشباك ليحتلوا مواقع مهمة بالدولة العراقية ومؤسساتها، وخاصة في السلطة التنفيذية والتشريعية، رغم فشلهم الذريع ورفضهم من قبل المجتمع وخاصة بعد أحداث الموصل، وكأنهم لم يفعلوا شيئاً مخالفاً للدستور ومصالح الشعب العراقي.
أتمنى على القوى الوطنية والديمقراطية العراقية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والجماعات والقوى السياسية النظيفة وبنات وأبناء الشعب العراقي دعم هذا المقترح وتأييده والعمل على إنجاحه لصالح العراق وشعبه وليس للانتقام من هؤلاء الناس الذين اساءوا لشعب العراق والوطن، بل لتحقيق العدالة.
الدكتور كاظم حبيب
برلين في 10/9/2014
إلى الجهات التالية للاطلاع والدعم والمساعدة:
مراكز البحث العلمي بالعراق
منظمات حقوق الإنسان بداخل العراق ولخارجه
منظمة العفو الدولية/ لندن
لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بجنيف


45
كاظم حبيب
لقاء شفاف مع مسرحيي وسينمائيي العراق في المعهد الثقافي العربي ببرلين
بدعوة من المعهد الثقافي العربي ببرلين ورئيسه السيد الدكتور نزار محمود حضر مساء يوم الخميس المصادف 4/9/2014 جمع طيب من المثقفين والمهتمين العراقيين والعرب للقاء بثلاث شخصيات فنية عراقية هم الأساتذة إسماعيل الجبوري، معاون مدير عام السينما والمسرح العراقي، وإبراهيم حنون، المخرج المسرحي المعروف، والدكتور حكمت مطشر، قسم السينما والتلفزيون في أكاديمية الفنون الجميلة. وكان بين الحضور شخصية فنية مميزة في السينما العربية الأستاذ قيس الزبيدي، وكذلك الأستاذ في أكاديمية الفنون الجميلة الدكتور عبد القادر الدليمي. أدار الندوة الفنان التشكيلي المبدع منصور البكري المعروف بحيويته وتعدد مواهبه. وبهذه الندوة افتتح المعهد أسبوعه الثقافي العراقي. وخصصت الندوة لطرح ومناقشة واقع المسرح والسينما بالعراق والمشكلات التي تواجههما، كما أشار إلى ذلك رئيس المعهد في كلمة الافتتاح. وخلال هذا الأسبوع الثقافي ستشارك مجموعة أخرى من المثقفين والفنانين القادمين من أرض الوطن. ومن الملفت للانتباه غياب المرأة العراقية واقتصر الحضور على الذكور!   
قدم الصديق الأستاذ منصور البكري كلمة ترحيب حيا بها المحاضرين والحضور وقدم عرضاً مكثفاً وممتعاً عن السينما العراقية والمصاعب التي تعاني منها وعن معاناة المثقفين والفنانين من الرجال والنساء في فترة تعتبر من أكثر الفترات تعقيداً وتأزماً، وهي تحمل معها الكثير من المحن والكوارث لهم ولبقية فئات المجتمع. كما استعرض المدارس الفنية وأبرز الأفلام السينمائية لكبار المخرجين السينمائيين العالميين. وكان الاستعراض النقدي ناجحاً ومفيداً.
بعدها قدم المخرج والفنان المسرحي إبراهيم حنون مدخلاً للحوار بين المحاضرين والحضور متسائلاً بصواب عن مدى إمكانية الفصل في العلاقة الجدلية والعضوية بين المثقف والفن من جهة والسياسة من جهة أخرى. أورد هذه الملاحظة بناء على رجاء رئيس المعهد بالتركيز على قضايا المسرح والسينما وبعيداً عن السياسة. وتساءل الأخ حنون هل يمكن فعلاً تجاوز المسالة السياسية حين نتحدث عن واقع المسرح والسينما أو الثقافة بالعراق أو في أي بلد آخر. نفى إمكانية ذلك وأكد إن السياسة تشكل خلفية أي مثقف عراقي، إذ غالباً ما يبحث مثقفو ومثقفات العراق في العلاقة بين الثقافة والمثقف من جهة، والسلطة السياسية وأجهزتها ونهجها من جهة أخرى. ثم تطرق إلى سنوات العقد الأخير من القرن العشرين، التي اقترنت بثلاث مسائل جوهرية هي طبيعة النظام السياسي والحرب والحصار اقتصادي الدولي، التي عرفت اندحاراً حقيقياً للمثقف العراقي وللحياة الثقافية وللشخصية العراقية وعجزاً عن مواجهة الأوضاع المزرية. ولم يكن المحاضر بحاجة إلى أن يذكرنا باضطرار جمهرة كبيرة من مثقفي العراق إلى بيع مكتباتهم وكتبهم في الشوارع بأبخس الأثمان من أجل تأمين لقمة العيش لعائلاتهم، وكم من مثقف قد توفي بسبب نقص الدواء والتغذية السيئة، أو الهجرة الكبيرة لعدد هائل من مثقفي العراق. وكم من مثقف قد لقي مصرعه في الحروب والأضاع الشاذة التي سادت بالعراق.
لقد تركز همّ المحاضر إبراهيم حنون على إبراز حالة المسرح والنشاط المسرحي في مناطق التوتر السياسي والاجتماعي والاقتصادي والمصاعب الناشئة عنها التي تواجه المسرحيين في مثل هذه الأوقات العصيبة وتقف حجر عثرة في طريق تطو المسرح والعاملين فيه. ثم أشار إلى الصعوبات التي تعيق عمل المسرحيين وتقف بوجه المسرح الجاد والملتزم والمثقف العضوي في هذه المرحلة المعقدة والمتشابكة الراهنة. ولخص باختصار شديد القسريات التي تفرض نفسها على عمل المؤسسة الرسمية للسينما والمسرح وما ينتج عنها من نتاجات رثة في الغالب الأعم، إضافة إلى غياب نشاط القطاع الخاص في مجال السينما والمسرح وغياب الفرق الأهلية. وأكد المحاضر حنون إلى اقتصار الجمهور الأساسي للمسرحيات القليلة والجادة على النخبة المثقفة. فصعوبة العمل المسرحي تكمن في تدني مستوى الوعي العام والفني للجمهور الذي يتحرى عن المتعة الرخيصة واللذة، وهي حالة مرتبطة بمستوى الوعي العام للمجتمع وغياب الجو الثقافي المشبع بروح الديمقراطية وسيادة ملامح قاتمة في الحياة الثقافية العراقية، رغم وجود جمهرة من المثقفين المبدعين الذين لا حول لهم ولا قوة ولا دعم ولا هم يحزنون. وأخيراً تبلور عند الحضور وأثناء النقاش استنتاج مفاده أن المثقف العراقي والمثقفة يعيشان حالة شديدة الصعوبة والإحباط وتحت هيمنة المؤسسة الرسمية للسينما والمسرح، وهي بدورها خاضعة لوزارة همها الثقافي بعيد عن الثقافة.
أما الأستاذ إسماعيل الجبوري فقد تحدث عن المصاعب التي تواجه المثقف والعمل الثقافي وبشكل خاص في مجال السينما والمسرح. وأشار إلى أن المعاناة الحقيقية ناشئة عن سلطة قهرية ومعاناة حقيقية حيث توقف العمل السينمائي منذ العام 1992 واستمر التوقف حتى العام 2012، أي عشرين عاماً بالتمام والكمال. ولم ينتعش إنتاج الأفلام على حساب مؤسسة السينما والمسرح إلا بالارتباط مع مشروع "بغداد عاصمة الثقافة العربية"، حيث أنتج 51 فلماً قصيراً وطويلاً لعدد كبير من فناني الداخل والخارج، ولكنها كلها محجوزة في أدراج وزارة الثقافة ولم يعرض منها أي فيلم حتى الآن. لقد فرض عليها الحجر، بما فيها فيلم المخرج والفنان فيصل الياسري وفيلم المخرج المعروف محمد شكري جميل. وحين أشار الأستاذ إسماعيل الجبوري إلى إن المؤسسة العامة للسينما والمسرح أنتجت على مدى عامين فقط 51 فيلماً حصل استغراب شديد لدى الحضور جميعاً وكان محط تساءل كبير. ثم تبين بأنها أفلام لا يرقى أغلبها إلى المستوى الفني المنشود وبعيدة عن هموم المجتمع العراقي ومشكلاته الاجتماعية التي يتطلب الوضع من قطاع السينما معالجتها، وأن هذه الحالة مرتبطة، دون أن يقول المحاضر كلمة بهذا الصدد، بالثقافة الصفراء والمنهكة والحزينة والمتخلفة التي ابتلى بها العراق والأيديولوجية الثيوقراطية الرثة للحاكمين.
وتطرق الأستاذ الجبوري إلى القرارات الرثة حقاً التي اتخذها المستبد بأمره باول بريمر التي أهشمت مؤسسات الدولة العراقية المدنية وليس القوات المسلحة وحدها. لا شك لديّ بأن المؤسسات العراقية، على خرابها في زمن الطاعون البعثي الأسود، كان ينبغي لها أن تبقى لكي لا يحصل الفراغ الذي حصل وأدى إلى عواقب وخيمة للتراث الحضاري العراقي وما لحق بالمتاحف العراقية من نهب وسلب وخسائر كبيرة جداً لا يمكن تعويضها. واليوم تواجه الثقافة العراقية طاعوناً جديداً يتمثل بقوى التكفير وعصابات داعش التي تقوم بتدمير المتاحف بالموصل ودور العبادة التاريخية، إضافة إلى قتل البشر وتشريده وممارسة حملة إبادة جماعية وتطهير عرقي إجرامي وضد الإنسانية، إضافة إلى الفاقة الفكرية لأغلب حكام العراق حالياً. فقد صرح وزير السياحة العراقي الحالي المدعو لواء سميسم بأن المتحف العراقي يحتوي على الكثير من الأصنام، وهذا يعني لا بد من تدميرها لأن الإسلام يرفض الأصنام! إنها المحنة الحقيقية التي يعيش بها العراق حالياً، يعيش مع هؤلاء الجهلة والأمويين حضارياً وثقافياً. أنه الخراب، إنها الرثاثة الفكرية والاجتماعية التي واجهت وما تزال تواجه اليوم وأكثر من أي وقت مضى، الثقافة العراقية والمثقفين والمثقفات بالعراق، إنها الحروب والاحتلال والإرهاب وطاعون الشوفينية والطائفية والتمييز الديني و الموقف العدواني إزاء الفنون الإبداعية.
أكد السيد الجبوري إن عمله في مؤسسة السينما والمسرح خضع لثلاثة محددات هي: 1) عدم الإساءة لوحدة العراق وسياسة العراق؛ 2) وعدم إثارة النعرات الطائفية؛ 3) وعدم التعرض للأديان!!! وأشار إلى عدم وجود رقابة حكومية أو رسمية، ولكن توجد لدى كل فنان عراقة وفنانة رقابة ذاتية يمارسها المبدعون والمثقفون أنفسهم على نتاجاتهم الفكرية والإبداعية. واتفق الحضور على أن الرقابة الذاتية هي أشد وأقسى وأمر من الرقابة الرسمية لأنها تحرم الكاتب حريته، إذ أنه يدرك تماماً بأن عليه أن يتجنب كل ما يمكن أن يقوده إلى المنع أو الاعتقال أو المحاربة بالرزق أو حتى الموت. وترددت في بال البعض الكثير منا أسماء واجهت الموت لفكرها الحر والنير من أمثال قاسم عبد الأمير عجام وكامل عبد الله شياع وهادي المهدي والقائمة طويلة. وعند ذكر المحددات تساءلت عن سبل التعامل مع هذه المحددات حين يكون النهج السياسي للنخب الحاكمة يدفع بوحدة العراق إلى التفكك، وكيف يمكن تجنب النعرات الطائفية في ظل نظام طائفي ومحاصصة طائفية، وكيف يمكن معالجة المشكلات الاجتماعية ونقد الفكر الديني في بلد يمارس حكامه أيديولوجية التمييز الرثة والبالية بين الديانات والمذاهب؟؟
أما السيد الدكتور حكمت مطشر فقد اقتصر في طرحه المركز والمختصر على دور الشباب في الإنتاج السينمائي وأهمية دعم الشباب الذين أنتجوا وبأشرافه أفلاماً جيدة نوعياً وأكثر عمقاً من الناحية الفكرية والاجتماعية، وهي أفضل بما لا يقاس من تلك الأفلام التي أنتجتها مؤسسة السينما والمسرح الرسمية. وارتبط هذا النشاط السينمائي للشباب بالقطاع الخاص، فكانت تكاليف الإنتاج محدودة جداً بالقياس إلى البذخ في إنتاج المؤسسة الرسمية واستخدام تقنيات حديثة في الإنتاج السينمائي.
بعد هذا الاستعراض التحليلي والنقدي للواقع العراقي في مجال السينما والمسرح تداخل الحضور وطرحوا أسئلة كثيرة وناقشوا بحيوية وشفافية عالية. وكان من الممكن أن تمتد الندوة لساعات بسبب أهمية وحيوية الموضوع. ومن خلال الأسئلة والإجابات والمناقشات يمكنني طرح استنتاجي الشخصي التالي:
إن السينما والمسرح بالعراق يعانيان، كما هو حال بقية الفنون الإبداعية، من أزمة حادة وعميقة، وهي نتاج طبيعي ومنطقي لحالة المجتمع العراقي والنظم السياسية التي سادت فيه طول العقود الخمسة المنصرمة، وسيبقى يعاني منها ما دامت الأيديولوجية الدينية والمذهبية الراهنة، أو الطائفية السياسية وظواهر التمييز الشرسة هي المتحكمة بحياة الشعب والمهيمنة على فكر الدولة والسلطات الثلاث، وخاصة السلطة التنفيذية، والتي تعتبر الكثير من الفنون حرام لا يجوز للشعب الاقتراب منها، كما في حالة الغناء والموسيقى والرقص أو فن الرسم والنحت ...الخ. إن معاناة المثقف العراقي والمثقفة كبيرة جداً، والكثير منا يدرك مدى الصلابة والحيوية التي يفترض أن يتمتع بها مثقفو العراق ومثقفاته لكي يصمدوا بوجه الجراد الأصفر والثقافة الصفراء والحياة العامة المشوهة ودور الفكر الرث في وضع العصي والعراقيل في طريق تطوير الثقافة العراقية الديمقراطية وأحياء وتطوير التراث العراقي والسير على طريق التفاعل والتلاقح في ما بين التنوع والتعدد الثقافي العراقي من جهة، ومع ثقافات الشعوب والبلدان الأخرى من جهة ثانية.
لقد وفر المعهد الثقافي العربي ببرلين مشكوراً فرصة طيبة للحوار والاطلاع على واقع السينما والمسرح أو الحياة الثقافية بالعراق من خلال دعوته لهؤلاء المبدعين لإدامة التواصل بين مثقفي الداخل والخارج. 
7/9/2014                   كاظم حبيب

46
حملة تضامن واحتجاج على صدور حكم ضد محافظ البنك المركزي السابق الدكتور سنان الشبيبي
أعلن في يوم 4 أيلول 2014 عبر بعض وسائل الإعلام العراقية عن قرار صادر عن محكمة عراقية  لم يذكر تاريخ صدوره  يقضي بحبس الأستاذ الدكتور سنان الشبيبي، محافظ البنك المركزي السابق، سبع سنوات بناء على تهم الفساد التي وجهت له ولعدد من كبار موظفي البنك المركزي، وفي مقدمتهم الأستاذ الدكتور مظهر محمد صالح، نائب المحافظ السابق، من قبل الحكومة العراقية والتي قررت اعتقاله حال وصوله العراق إذ كان حينها يؤدي عمله الوظيفي ممثلا للبنك  في اجتماع صندوق النقد الدولي في طوكيو. وجاءَ قرار الاعتقال حال وصوله ارض الوطن بتاريخ 19/تشرين الأول 2012 منعاً له من العودة وتمهيداً للتنكيل اللاحق به وإقالته من وظيفته وهو ما يُعزى إلى عدم رضوخه لمشيئة رئيس الوزراء بالاقتراض من احتياطي البنك المركزي. وكان رفضه هذا حرصاً على المال العام وتطبيقاً لقانون البنك المركزي الذي يمنع إقراض الدولة ومؤسساتها من غطاء العملة (الاحتياطي) حفاظاً على قيمة الدينار العراقي من التدهور وهو الذي يسبب انهيارا في مستويات معيشة المواطن.
لقد انطلقت حملة كبيرة ضد القرارات التعسفية الصادرة من الحكومة العراقية ورئيسها نوري المالكي حينذاك والتي كانت تستهدف سمعة هؤلاء الموظفين الأمناء على المال العام وعلى قانون البنك المركزي العراقي واعتبار أن مجلس القضاء الأعلى مسير في قرار اعتقال كبار موظفي البنك المركزي وأحالتهم إلى الاعتقال والتحقيق وهو أمر لم يعد خافياً بعد تكرر استهداف  كثير من المواطنين بتهم كيدية علاوة على مسؤولين كبار معروفين بالنزاهة عارضوا تدخلات المالكي ومكتبه في أعمال وزاراتهم وهيئاتهم كالسيد محمد علاوي وزير النقل السابق والقاضي رحيم العكيلي رئيس هيئة النزاهة الذي استقال احتجاجاً على الضغوط التي عُرٍض لها في عمله.
إن قرار المحكمة القاضي بحبس الدكتور الشبيبي قرار سياسي بامتياز وبعيد كل البعد عن المعايير القانونية، لهذا يعتبر ضمن التجاوزات الفظة والإساءات المتفاقمة بالعراق ضد الدستور العراقي وقانون البنك المركزي وضد الحياة العامة بالعراق.
نحن الموقعين أدناه نطالب مجلس النواب الحالي بفتح تحقيق جديد في انتهاكات الحقوق المدنية للكثير من المواطنين في ظل حكومة المالكي كما نطالب بإلغاء القرار وإحالة المسؤولين عن الإساءة لسمعة الدكتور الشبيبي وصحبه إلى القضاء العراقي وعلى رأسهم من أخل بالدستور واستقلالية البنك المركزي وقانونه.
الموقعون
د. كاظم حبيب          كاتب وباحث اقتصادي
د. فاضل عباس مهدي       خبير اقتصادي في الأمم المتحدة سابقاً
د. غالب العاني          طبيب ورئيس منظمة الدفاع عن حقوق الإنان العراقية/ألمانيا
مثنى صلاح الدين محمود      إحصائي وموظف سابق في البنك المركزي العراقي وناشط في مجال حقوق الإنسان
ليلى حبيب         موظفة متقاعدة


   


47
كاظم حبيب
أين دور الشعب العراقي من الأوضاع الراهنة والمزرية بالبلاد؟
تتشابك الأحداث بالعراق وتتداخل بحيث يصعب على الكثير من الناس معرفة الوجهة التي تسير إليها نتائج أو عواقب تلك الأحداث بعد أن نُكب العراق باجتياح عصابات داعش لمدينة الموصل وهيمنتها على جزء مهم وعزيز وكبير من العراق الحبيب بسبب انهيار الجيش العراقي بالموصل وهروبه غير المنظم وترك جميع أسلحة الألوية المعسكرة في الموصل وعتادها ومعداتها للقوات الغازية المجرمة واضطرار المسحيين كلهم على الهروب إلى مناطق آمنة نسبياً في سهل نينوى وبالإقليم بعد أن وضعوهم أمام خيرات ثلاثة: ترك دينهم والتحول إلى الإسلام، أو الهجرة بملابسهم فقط وإما القتل من الوريد إلى الوريد!!! ثم تقدمت عصابات داعش صوب مناطق تابعة لمحافظة نينوى إدارياً، فانهارت أمامها قوات من البيشمركة وانسحبت من مناطق كانت فيها تابعة لمحافظة نينوى مثل سنجار وزمار وسد الموصل وتركت أهلها عرضة للموت المحقق على أيدي العصابات المفلتة من عقالها. فأجبرت العائلات الإيزيدية إلى الهروب الجماعي صوب جبل سنجار، ومع ذلك فقد أسر الكثير منهم وقتل الكثير منهم أيضاً بأساليب بربرية ومات الكثير من التعب والجوع والعطش. وعرضت النسوة إلى البيع في سوق النخاسة، فكان هناك بعض الأشرار من الناس ممن شارك في شراء النساء الإيزيديات وغيرهن أيضاً. ووجد بعض الأشراف من الناس الذي اشترى بعض النسوة لإنقاذهن من هؤلاء المجرمين والحفاظ على شرفهن وحياتهن. إن هؤلاء المجرمين يرتكبون يومياً وفي كل دقيقة أحط وأسوأ الجرائم بحق بنات وأبناء شعبنا العراقي. ثم كانت جريمة حصار آمرلي التي دامت أكثر من شهرين تعرض فيه أخواتنا وإخوتنا إلى فترة عصيبة ومريرة جداً، إلى خوف دائم من الاجتياح والموت على أيدي القتلة المحترفين, وإلى الموت جوعاً وعطشاً، فمات العديد من الشيوخ والعجزة والمرضى والأطفال لنقص الغذاء والماء والدواء. وكانت بطولة الصمود والتصدي لأهل آمرلي الذين قدموا درساً بليغاً بالقدرة على الدفاع عن النفس وعن أرض الآباء والأجداد. إلى  أن تمكن الجيش العراقي من فك الحصار عنهم وتأمين الغذاء والطعام لهم ليعود الهدوء النسبي للناس، رغم العواقب النفسية المعقدة التي سيبقى يعاني منها أهل آمرلي وسكان بقية المناطق الذين تعرضوا للاجتياح والغزو ورأوا الموت يقترب من منهم والتهم غيرهم.
إننا إذ نحيي بطولات سكان آمر لي والقوات التي حررتهم وكذلك المناطق الأخرى التي تتحرر يومياً على أيدي قوات البيشمركة الشجاعة والقوات العراقية وننحني إجلالاً لشهداء الشعب العراقي والتضحيات الكبيرة لأبناء وبنات شعبنا، ندرك عمق الكارثة التي تسببت بها سياسة النظام السياسي الطائفي والمحاصصة الطائفية والمستبد بأمره نوري المالكي، هذا الدكتاتور الصغير الذي ذهب إلى آهل آمرلي متبختراً وكأنه الفاتح والمنقذ الأعرج، وهو بهذا يسعى إلى استعادة بعض ماء الوجه والبقاء في الحياة السياسية دون حياء أو الشعور بما تسبب به خلال فترة حكمه، وهو ما يزال يسعى إلى تخريب ما أنيط بالدكتور حيدر العبادي!
إن هذا المستبد بأمره نوري المالكي ما يزال يلعب دوراً تخريبياً في السياسة العراقية ويسعى إلى خلط الأوراق وسيسيء أكثر فأكثر إلى الحزب الذي يترأسه والقائمة التي يترأسها وللدكتور حيدر العبادي الذي هو من حزبه وقيادته وقائمته، ما لم يوضع حد لنشاطه ودوره وتأثيره المباشر وغير المباشر على العملية السياسية التي يراد دفعها نحو الأمام.
نحن نتابع في الوقت الحاضر حراكاً سياسياً ملموساً، ومن المؤسف أن نقول إنها تسير بذات الوجوه التي لعبت أدواراً سلبية وسيئة خلال العقد المنصرم، ولم تبرز في الساحة السياسية حتى الآن وجوهاً أكثر نقاءً وأكثر صفاءً وأكثر ابتعاداً عن الطائفية السياسية المقيتة وأكثر نزاهة وأكثر حرصاً على وحدة الشعب وحياته وإرادته ومصالحه وأمواله. ومن المؤسف أن نشير إلى أن كل ذلك يجري والشعب العراقي بكل مكوناته لا يتدخل في ما يجب أن يكون عليه الأمر بعد التجارب المريرة التي عاشها في ظل النظام السياسي الطائفي والمحاصصة الطائفية. إن الشعب ما زال مخدراً بالطائفية، بالهويات الفرعية القاتلة، وما زال الجميع يتحدث باسمها دون أن يعي بأنها يمكن أن تخرب الوجهة الجديدة التي طرحها رئيس الجمهورية ودعا إلى تشكيل حكومة وطنية تنقذ العراق من الحضيض الذي أوصله إليه نوري المالكي وحزبه وقائمته.
إن من مهمات القوى الديمقراطية العراقية عدم السكوت على أي تشكيلة جديدة تعيد العراق إلى المربع الأول، إلى نقطة الصفر، تعيد تشكيلة طائفية مقيتة لا تمر سوى فترة قصيرة ليعود العراق إلى ما كان عليه في فترة حكم المستبد بأمره والسياسي الفاشل نوري المالكي. إن من مهمات القوى الديمقراطية تحريك الشعب ليتدخل في سبيل تأصيل الإصلاح السياسي وتغيير النظام الطائفي لصالح الدولة المدنية الديمقراطية التي تفصل بين الدين والدولة وبين الدين والسياسية، وإلا ستعود الأمور إلى سابق عهدها، وهي المصيبة التي يسعى البعض الكثير من الطائفيين من شيعة وسنة أو حتى المتطرفين من القوميين من عرب وكرد إلى المواقع المؤذية لمجمل المسيرة الديمقراطية المنشودة للعراق.
إن التصريحات التي أعطاها الدكتور العبادي مزيج معقد تحمل في طياتها الأمل ولكنها تحمل جرثومة الإحباط أيضاً، يأمل الإنسان في أن يتبلور الموقف لصالح حكومة جديدة قادرة على دفع الأمور بالاتجاه الصحيح لمحاربة عصابات داعش وغيرها، وضد العصابات والمليشيات الطائفية المسلحة التي تلعب اليوم دوراً غير شريف بالعراق وتمارس القتل والتشريد والتهجير والانتقام على أساس الهوية. والمعلومات الواردة تشير إلى هذه المسالة وهي خطيرة حقاً ومروعة في آن واحد.
إن التصريحات الطيبة للعبادي يفندها البعض من أعضاء وقياديي حزب الدعوة وقائمة دولة "القانون!" ليفسدوا الأجواء التي يراد لها أن تنعش العملية السياسية، وهم ينطلقون في ذلك من الذهنية ذاتها التي تحرك نوري المالكي. إن خلاص العراق من المعاناة الراهنة تكمن في خلاص العراق من الطائفية السياسية والحكم الطائفي والصراعات الطائفية والقومية التي تأججت في فترة حكم المالكي وأججها أكثر فأكثر نهج المالكي الفكري والسياسي وسياساته وأساليبه الأمنية على حساب السياسة والحوار والتفاهم والتحري عن الحلول وليس عن تعقيد المشكلات وإنتاج المزيد منها.
 02/09/2014                كاظم حبيب         

48
كاظم حبيب
هل يمكن إيقاف الإرهاب الدموي المتفاقم بالعراق؟

هذا السؤال الذي وضعته عنواناً لهذا المقال يطرح نفسه يومياً على الكثير من العراقيات والعراقيين في الداخل والخارج: هي يمكن إيقاف الإرهاب الدموي المتفاقم حقاً ، أم إنه أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية الاعتيادية، حيث يفقد المجتمع كمعدل يومي بين 15-25 مواطناً ومواطنة، ويصل عدد القتلى أحياناً إلى أكثر من ذلك بكثير، عدا عدد الجرحى والمعوقين الذي يبلغ أضعاف عدد القتلى؟ والمجتمع لا يخسر الشهداء فقط، بل يخسر الكثير من الجرحى والمعوقين الذين يخرجون من حقل النشاط الاقتصادي الإنتاجي والخدمي بسبب عجزهم عن العمل. هذا السؤال يؤرق العراقيات والعراقيين يومياً وفي كل ساعة، كما أنهم يواجهون أسئلة مماثلة من شعوب العالم، وخاص أولئك الذين يعيشون في دول الشتات العراقي المتعاظم عدداً كل يوم.
ليس هناك من عراقية أو عراقي يستطيع الإجابة عن هذا السؤال بنعم أو لا! إذ إن السنوات المنصرمة برهنت على إن الوعود التي أطلقها كبار المسؤولين بالبلاد لم تخيب كل الآمال وباءت الجهود بالفشل الذريع فحسب، بل إن الأوضاع قد تدهورت أكثر فأكثر ووصلت إلى الحضيض وإلى قتل الآلاف من الناس الأبرياء على أيدي عصابات الدولة الإسلامية الفاجرة التي وجدت حاضنات لها بشكل خاص في المجتمع العراقي، وكذلك على أيدي المليشيات الطائفية المسلحة التي لها حواضنها في المجتمع العراقي أيضاً، ولكن كلها لديها حواضن في دول الجوار وابعد منها أيضاً.
وإذ يتعذر على المواطنة أو المواطن العراقي أن يجيبوا عن هذا السؤال، بسب إرادتهم المسلوبة وحقوقهم المهدورة حتى الآن من قبل الأحزاب الحاكمة، وخاصة أحزاب الإسلام السياسي الطائفية.   فهل هذا يعني أن الإرهاب سيتواصل بالبلاد، وهل سيقتل المزيد من الناس وتدمر المزيد من المؤسسات والمنشآت وتعطل عملية التنمية والتقدم ويعود العراق القهقرى إلى المربع الأول الذي هو فيه بحكم سياسية السلف الطالح؟ وهل ستبقى الدولة بكل مؤسساتها والسلطة التنفيذية عاجزة عن إيقاف نزيف الدم والدموع والمال؟
كما لا يمكن ولا يجوز للظلم أن يدوم من حيث المبدأ، إذ إنه إذا دام دمر، لا يمكن للإرهاب أن يدوم أيضاً، إذ إنه إذا دام إنه والظلم صنوان. كما أن للحالتين مسببات وعوامل قادت إلى بدء بروز الظلم والإرهاب في آن، فأن إزالة تلك الأسباب والعوامل تقود إلى وضع حدٍ لهما أيضاً. ولهذا فلا بد من التفتيش عن الأسباب أو العوامل التي قادت إلى الظلم والإرهاب. وباختصار شديد نشير إلى أن الأسباب الحقيقية تتلخص في الذهنية القومية الشوفينية والدينية الطائفية السياسية التي هيمنت على عقلية حكام العراق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة حتى الوقت الحاضر من جهة، وسياسات الهيمنة الأجنبية منذ البدايات وفي المسيرة الطويلة للعراق وفي أعقاب إسقاط الدكتاتورية الغاشمة للبعث من جهة أخرى، واستمرار التخندق الطائفي في ظل النظام السياسي الطائفي والقناعة بامتلاك الحق المطلق الذي يصادره كل طرف من أطراف الصراع لصالحه ويعمل على الحفاظ على هذا "الحق!" الذي بيده أو أن ينتزعه بالقوة والعنف من الطرف الآخر لصالحه. هذا هو السلوك الراهن الذي تمارسه القوى والأحزاب الحاكمة التي تتلبسها أيديولوجية دينية وطائفية وقومية شوفينية من جهة ثالثة، كما إن التخلف الاجتماعي وضعف الوعي الفردي والجمعي من جهة رابعة، وغياب الثقة المتبادلة وانعدام تام للثقة بالسلطة السياسية وإجراءاتها وأساليب عملها من جهة خامسة، كلها تشكل الأسباب للواقع الكارثي الراهن. ولا بد من إضافة عامل سادس هو الدور السلبي الشديد التأثير الذي تمارسه دول الجوار على أطراف العملية السياسية بالعراق وعلى أهدافها التي لا تتوافق بأي حال مع أهداف ومصالح الشعب العراقي.
لقد وضعت القوى الوطنية والديمقراطية العلمانية اليد على هذه المشكلات وشخصت مواطن الخلل والجراح النازفة، ولكنها كانت في السابق وما تزال حتى اليوم تواجه مشكلتين هما:
1.   إنها ما تزال ضعيفة وعلاقتها بالجماهير ما تزال واهية، وبالتالي فأن قدرتها في التأثير على مجرى الأمور والأحداث بالبلاد هي الأخرى ضعيفة وضعيفة جداً، رغم صواب الوجهة وحسن النية بشكل عام.
2.   وأن القوى الحاكمة لم تكن في السابق مقتنعة بتغيير نهجها الاستبدادي أو الشوفيني والطائفي معاً، وهي اليوم أيضاً غير مقتنعة بضرورة تغيير نهجها الطائفي وسياساتها، ولكنها مجبرة على ذلك. ولهذا بعض أطرافها الأكثر صراحة والأكثر تمسكاً بالإيديولوجية الشمولية ما يزال مصراً على دفع الأمور بالاتجاه الخطأ حتى النهاية المرة. ونجد من هذا البعض في كل الأحزاب والقوى السياسية العراقية التي تتصدر الساحة السياسية العراقية. والنهاية المرة سوف تكون وبالاً عليها، ولكنها ستكون أيضاً وبالاً على الشعب العراقي كله. وكأني بهذا البعض يصرخ "اقتلوني ومالك!!!".
إن التغيير في النهج والسياسات والإجراءات يمكن أن يحصل عبر طريقين لا ثالث بينهما:
الطريق الأول: أن تقتنع القوى الحاكمة بخطأ وخطر نهجها الطائفي أو الشوفيني أو ضيق الأفق القومي أو بكليهما معاً وتتخلى عنه باتجاه لم الشمل وتشكيل حكومة وطنية تنقذ البلاد من المستنقع الذي وقعت فيه وتكسب ثقة الشعب وتندفع باتجاه تصحيح كل المسارات والتي لا يمكن أن تصحح بين ليلة وضحاها، ولكن الخط العام يشير إلى إنها تسير على نهج جديد.
الطريق الثاني: حين يقتنع الشعب أو غالبيته وقواه الوطنية بأن لم يعد بالإمكان الانتظار أكثر فأكثر وأن القوى الحاكمة لا تريد بأي حال تغيير نهجها، وأن هذا النهج الطائفي والقومي يمكن أن يدمر ومن جديد كل شيء بالبلاد ويحرق الأخضر واليابس معاً، كما هو جار حالياً. وأن لم يعد أمام الشعب سوى النهوض المشترك والانطلاق صوب انتفاضة شعبية عارمة يقرر الحكام أنفسهم طبيعة هذه الانتفاضة بسلوكهم إزاء المنتفضين السلميين الذي نزفوا من الدماء ما يكفي ويزيد وسالت الدموع بما لا يمكن القبول بأكثر من ذلك.
وإذا كان الطريق الأول لا يمكن سلوكه إلا بعد أن يدرك الحكام بأنهم يسيرون في النهج الذي يفتح عليهم طريق الانتفاضة الشعبية التي يمكن أن تكنسهم وتكنس من يقف خلفهم ويساند حكمهم الطائفي المقيت. عندها يمكن أن يفتح درب التحول التدريجي لصالح المجتمع ووحدته ووحدة الوطن. وأن عجزوا عن رؤية الواقع الكارثي ورفضوا التغيير، فمصيرهم سيكون مظلماً وشديد الكآبة وستكون العواقب واضحة لهم قبل غيرهم، يمكنهم قراءتها في تاريخ العراق المعاصر وفي تاريخ الكثير من الشعوب المجاورة وعلى الصعيد العالمي.
وإذا كن الميل صوب الطريق الأول، وتوجد بوادر لرؤية جزئية بخطأ وخطر الطريق المنتهج حتى الآن، فما العمل لتأصيل الوجهة التي يفترض أن تمارس بالعراق؟
إن تشكيل حكومة عراقية دون أن يكون لها برنامج واضح منذ الآن وعلى مستويين من حيث البعد الزمني الآني والمتوسط المدى، وبترك برنامج بعيد المدى لما ينشأ من تحقيق نتائج نافعة ومهمة على المستويين الأولين. إذ إن تشكيل أي حكومة بدون مثل هذا البرنامج يعني دون أدنى ريب وضع الألغام في طريقها والتي يمكن أن تتفجر في كل لحظة بعد انعدام الثقة الذي أنتجته السنوات العشر المنصرمة بين القوى والأحزاب السياسية العراقية.
لا يمكن تصفية الحواضن الفعلية للقوى الإرهابية الفاعلة بالعراق، وبالتالي لا يمكن تهيئة مستلزمات تصفية الإرهاب ما لم تكسب الحكومة التي يراد تأسيسها ثقة الناس على مستوى الدولة الاتحادية وعلى مستوى الإقليم والمحافظات. ولا تأتي هذه الثقة بين الحكومة والناس من مجرد إعلان حسن نوايا الحكومة وبرنامج جيد، بل بالعمل الفوري لبناء الثقة بين النخب الحاكمة والحكومة والمجتمع. وهذا يتطلب البدء بتنفيذ البرنامج الآني بما يمتلك العراق من موارد مالية ضخمة سنوياً تصرف الآن على محاربة الإرهاب أو تنساب إلى جيوب الفاسدين والمفسدين الذين تضخم عددهم بشكل خرافي، وخرافي أيضاً الأرقام التي يتعامل بها الفساد المالي بالبلاد والتي فاقت كل تصور حيث يحتل العراق المرتبة المتقدمة بين عدة دول متهمة بالفساد المالي على الصعيد العالمي، دع عنكم الفاسد الإداري المتفاقم أيضاً.
إن تشكيل الحكومة يفترض فيه أن يتضمن خمس مسائل جوهرية:
1.   وجوه جديدة وليست تلك الوجوه التي استهلكت خلال الأعوام المنصرمة.
2.   وجوه تقنية واعية لمهمات الحقائب الوزارية التي تسلم إليها وتتميز بالنزاهة والابتعاد عن التعصب الطائفي أو التوجه الشوفيني أو ضيق الأفق القومي وقادرة في أن تكون مستقلة فكرياً بقراراتها ومستعدة للعمل الجماعي.
3.   التزامها الصادق بمصالح الشعب وتنفيذ البرنامج المتفق عليه بكل حرص وأمانة، بما في ذلك محاربة الإرهاب والفساد وتوفير الخدمات والعمل للعاطلين...الخ.           
4.   التعاون الوثيق مع الشعب ومع منظمات المجتمع المدني والاستماع للنقد الذي يمارسه الإعلام المستقل.
5.   عدم احتكار السلطة التنفيذية بوزاراتها المختلفة لأجهزة الدولة والإعلام الحكومي بل لا بد من وضعه في خدمة الجميع ودون تمييز وبحيادية عالية.
ويفترض في البرنامج أن يتضمن تغييرا ملموساً في نهج وأسلوب عمل القوى والأحزاب السياسية كلها دون استثناء، رغم التركيز يفترض أن يكون على تلك القوى التي كانت في السلطة ولم تمارس أساليب مناسبة. فليس المطلوب من القوى والأحزاب السياسية كلها ودون استثناء رفع سقف المطالب ولا طرح مطالب تعجيزية تحتاج إلى وقت أطول لمعالجتها، بل الاتفاق على برنامج مناسب يضع القدم على طريق حل المشكلات المعلقة، وبضمنها المناطق المتنازع عليها أو مشكلة النفط التي لا بد من طرح قانون النفط أولاً وقبل كل شيء، وكذلك مطالب المنطقة الغربية والتي يفترض أن يؤخذ الأهم منها على المهم، رغم أهميتها بالكامل. وكل هذه الأمور يفترض أن تستند معالجتها إلى مبادئ الدستور العراقي وليس خارج بنوده، وليس عبر اتفاقيات ثنائية أو ثلاثية سرية لا يعرف الشعب عنها شيئاً ثم يفاجأ بها وكل طرف يفسرها على وفق ما يشاء ويبقى الشعب حائراً بمن يصدق. وفي الوقت ذاته لا بد من التزام الحكومة الجديدة بمعالجة المشكلات القائمة خلال الفترة القادمة فعلاً، إذ من المتعذر حلها دفعة واحدة بعد كل ما حصل بالعراق خلال الفترة المنصرمة. نحن أمام وضع استثنائي فجزء عزيز من أرض العراق محتل من عصابات مجرمة تقتل الناس يومياً وبأعداد كبيرة. والطائفيون المتعصبون يحمون هذه العصابات بأساليب عملهم الراهنة أو يساهمون في استمرار الحواضن على احتضان الإرهابيين القتلة. 
ولا شك في أن عقد مؤتمر وطني عام تشارك فيه كل القوى السياسية العراقية وبرعاية رئيس الجمهورية وحضور دولي وإقليمي وعربي يمكن أن يقود إلى طرح البرنامج القريب والمتوسط المدى لمعالجة ما يواجه العراق حالياً. وعلينا أن نؤكد بما لا يقبل الشك أن المهمة المركزية الراهنة وبعد تشكيل الحكومة الجديدة هي مهمة تحرير ارض العراق من القوى والعصابات التي دنسته وتلك التي ما تزال تتعاون معه في قتل الناس الأبرياء وتخريب وتدمير التراث العراقي الحضاري وبيوت العبادة. إن تحرير العراق هي المهمة المركزية والخلاص من المليشيات المسلحة الراهنة التي لا تثير الفوضى والعبثية والتدمير. ولا يمكن أن تتم هذه المهمة المركزية إلا بتمتع الشعب بحريته وحقوقه الديمقراطية وتوفير الخدمات والعيش الكريم له.

49
كاظم حبيب
معاني غياب التضامن العربي وحضور التضامن الكُردي بالعراق ومنطقة الشرق الأوسط
من يتابع تطور الأحداث الأخيرة بالعراق والكوارث التي حلَّت بمكونات الشعب العراقي المسيحية والإيزيدية والشبك والتركمان وكذلك الكُرد والعرب من شيعة وسنة، سيجد أمامه ظواهر غريبة وسلبية لم يعرفها الشعب العراقي في السابق، أي قبل وبعد ثورة تموز 1958 بقليل. فخلال العقود الخمس الأخيرة تعرض سكان العراق إلى محن كثيرة ابتداء من تتابع الانقلابات العسكرية وسيادة الدكتاتورية الشوفينية وحملات الاضطهاد ضد القوى الوطنية والديمقراطية والحروب الداخلية ضد الكُرد في كُردستان العراق (في العام 1974/1975 وبشكل خاص في عمليات ومجازر الأنفال باعتبارها جرائم إبادة جماعية وضد الإنسانية) وضد الكُرد الفيلية في بغداد ووسط وجنوب العراق، وضد سكان الأهوار والسكان العرب في الوسط والجنوب وبغداد أيضاً، أو ضد العراقيين من أصل فارسي، وكذلك الحروب الخارجية التي فجرها حزب البعث والدكتاتور صدام حسين ضد إيران واجتياح الكويت وحرب الخليج الثانية والحصار الاقتصادي والضربات الجوية في العام 1998، إضافة إلى حرب الخليج الثالثة، الحرب التي أسقطت الدكتاتورية البعثية الشمولية والمستبد المطلق صدام حسين، كما هشمت أسس الدولة العراقية وأجهزتها المدنية والعسكرية وأحلت محلها دولة اتحادية ضعيفة وهشة ونظام سياسي طائفي. ولكن غاب خلال كل الفترة المنصرمة عن الساحة العربية والشرق الأوسطية والدولية أي تضامن حقيقي فعال ومؤثر وإيجابي مع الشعب العراقي ولصالح مكوناته القومية والدينية والمذهبية والسياسية وضد النظم السياسية الشمولية والمعاناة الحقيقة للإنسان العراقي عموماً والكادحين والفقراء والمثقفين نهم بوجه خاص.
ويمكن القول وبثقة عالية بأن الشعوب العربية والحكومات العربية وبرلماناتها ومنظماتها المهنية ونقاباتها ومنظمات المجتمع المدني وأحزابها السياسية لم تعبر بأي شكل كان عن تضامنها مع الشعب العراقي عموماً ومع الشعب الكُردي بإقليم كُردستان العراق خصوصاً، سواء ما حصل في العام 1988 حيث تعرض إلى مجازر مروعة راح ضحيتها خلال عدة شهور ما يزيد على 180 ألف إنسان كُردي مع عدة مئات من الإيزيديين الكرد والمسيحيين في كُردستان العراق أيضاً. كما لم يظهر أي تضامن مع العراقيات والعراقيين حين توجه صدام حسين بقواته العسكرية بضرب انتفاضة الربيع في العام 1991 للخلاص من نظام صدام حسين والطغمة الباغية، رغم ما فعله صدام حسين وطغمته أثناء غزوه الكويت واحتلالها من قبل القوات العراقية الغازية والجرائم البشعة التي ارتكبت ضد شعب الكويت والنهب والسلب الذي تعرض له الكويت بأمواله ومؤسساته وتراثه الحضاري. ولم تحتج على ما فعله النظام البعثي الصدّامي من قتل وتشريد وتهجير قسري وتعريب وهدر للأموال بالعراق. ولا شك في أن وراء هذا الموقف أكثر من سبب لم يكن المسؤول عنه الشعب العراقي أو الشعب الكردي بل كانت الحكومات العراقية المتعاقبة من جهة، والحكومات العربية الشوفينية والرجعية من جانب آخر، والأحزاب القومية والبعثية والإسلامية السياسية. كل تلك الحكومات وأغلب الأحزاب والقوى السياسية كانت تمارس تثقيفاً  قومياً شوفينياً وعنصرياً متخلفاً وعدوانياً، إضافة إلى التثقيف الديني والطائفي المتسم برفض الآخر ونشر الكراهية إزاء والأحقاد وعدم الاعتراف بدين ومذهب الآخر والاستعداد لممارسة العنف ضد الآخر، سواء أكان من القوميات أو الديانات أو المذاهب الأخرى. وهذا ما حصل ويحصل بالعراق ولكنه حصل ويحصل في الدول الأخرى في منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا مثلاً. مما جعل الشعوب العربية بعيدة كل البعد عما كان يجري بالعراق أو إنها كانت مغسولة بعقولها ومقتنعة بتهم باطلة كانت وما تزال توجه ضد الشعب العراقي عموماً (العراق أعل الشقاق والنفاق !!) وضد الشعب الكُردي بشكل خاص (الجيب العميل والانفصالي والانتهازي!!).
وهذه الظاهرة السلبية السيئة والمثيرة للتعصب والكراهية والأحقاد تتجلى اليوم أيضاً وبشكل صارخ في موقف الشعوب العربية وحكوماتها من غزو مدينة الموصل واجتياحها واحتلالها والتوسع صوب باقي أقضية ونواحي وقرى محافظة نينوى، إضافة إلى بعض مناطق في محافظات صلاح الدين والأنبار وديالى وكركوك، والقتل الجماعي لسكانها أو تشريدهم في الجبال والوهدان، أو تنفيذ التفجيرات الإجرامية المتزايدة يومياً في مختلف مدن العراق، وبشكل خاص بغداد العاصمة، ثم ما حصل أخيراً بأربيل وكركوك وغيرها. وأخيراً وليس أخراً المجازر الرهيبة التي نفذتها هذه القوى الفاشية في قاعدة سبايكر في محافظة صلاح الدين وفي جامع مصعب بن عُمير في قرية الزركوش بمحافظة ديالى. لقد غاب عن الساحة العربية بشكل خاص التضامن الإنساني المنشود والضروري مع ضحايا عمليات عصابات الدولة الإسلامية في شمال العراق وتهديدهم لمحفظات كُردستان العراق والمحافظات العراقية الأخرى وقتل الآلاف من الناس الأبرياء على أيدي مجرمي داعش. ويمكن القول بكل ثقة بأن عدداً من حكومات الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط وبعض المنظمات والمؤسسات والشخصيات العربية، وخاصة في بعض دول منطقة الخليج، متورطة تماماً في دعم عصابات داعش بالمال والسلاح والفكر المتطرف وفي تسهيل العبور إلى العراق، إضافة إلى إصدار بعض شيوخها فتاوى تحلل قتل أتباع الديانات الأخرى بدعوى الكفر، كما تحل دم الشيعة بدعوى الرافضة. ويزيد في الطين بلة دور إيران في تنشيط المليشيات الشيعية المتطرفة والمسلحة التي تمارس القتل لأتباع المذهب السني والشيعي المخالف لها أيضاً.
في مقابل هذا الموقف البائس للعرب بشكل عام، ما عدا قلة قليلة منهم، وقفت الشعوب الكُردية وأحزابها وقواها السياسية والمسلحة، كأجزاء من الأمة الكردية في الأقاليم الأخرى لكردستان الكبرى المجزأة، موقف التضامن القومي والإنساني والاستعداد للتضحية بالنفس والتطوع للقتال إلى جانب الشعب الكُردي بكُردستان العراق. وفي هذا الموقف الإنساني والقومي معاني الدفاع عن العراق في آن واحد. كما إن النسوة الكرديات المناضلات انخرطن في حمل السلاح وفي الدفاع عن شعب كردستان وعن العراق عموماً.
لقد تطوعت فصائل كردية من النساء والرجال من سوريا وفصائل أخرى من حزب العمال الكردستاني بإقليم كردستان تركيا وفصائل أخرى من كردستان إيران ونساء كرديات من إقليم كردستان العراق للمشاركة في الكفاح المسلح دفاعاً عن حياذ الوطن وحرية الكرد وحقوقهم المشروعة وضد الغزو الفاشي للدولة الإسلامية.
وبقدر ما يؤشر غياب التضامن العربي مع العراق خيبة أمل وسلبية حادة وإحباط، فإنها في حقيقة الأمر تجسد الواقع العربي المؤلم الراهن، والذي وجد تعبيره أيضاً في غياب التضامن العربي مع الشعب الفلسطيني في تصديه للعدوان الإسرائيلي المتفاقم والذي أدانته شعوب العالم كلها والمجتمع الدولي، ولكنه لم يحرك الشارع العربي المخدر حالياً والمستكين لكل شيء، فأن التضامن الكردي مع كردستان العراق والعراق عموماً يعبر عن وعي إيجابي وروح إنسانية عالية وشعور قومي سليم ونضال من أجل الحقوق المشروعة والعادلة.
إن العرب والمسلمين بحاجة إلى نضال فكري وسياسي وعمل فعلي متواصل ودؤوب على مستوى العراق والدول العربية والدول ذات الأكثرية المسلمة لتغيير النظرة القومية الشوفينية والدينية المتعصبة والنمطية التي زرعتها في المجتمعات العربية وذات الأكثرية المسلمة النظم السياسية والحكومات العربية والحكومات الأخرى على مدى قرون وعقود إزاء القوميات الأخرى وأتباعها وإزاء الديانات الأخرى وأتباعها والتي قادت وتقود إلى صراعات ونزاعات ودماء ودموع. وما يجري في عدد من الدول في منطقة الشرق الأوسط دليل على صحة ما اشرنا إليه في هذا المقال. إنها مهمة ثقيلة وكبيرة ولكنها نبيلة ولا بد من مواصلتها من جانب القوى الديمقراطية والتقدمية  واليسارية والعلمانية الديمقراطية لصالح التعاون والتضامن والتفاعل والتلاقح بين ثقافات شعوب وقوميات هذه الدول، وضد التطرف والتعصب والكراهية والحقد الذي تنشره الأحزاب القومية اليمينية والأحزاب الإسلامية السياسية التي لا تقوم إلا على أساس طائفي سياسي مناهض للطوائف وأتباع الديانات والمذاهب الأخرى. إن على الدول العربية وذات الأكثرية المسلمة أن تتخلى عن اعتبار الدين الإسلامي هو دين الدولة، فالدولة لا دين لها، وعليها أن تعمد إلى إقامة دول مدنية علمانية ديمقراطية ونظم حكم مدني ديمقراطي يفصل بين الدين والدولة والسياسية ويلتزم بالحكمة القائلة الدين لله والوطن للجميع.
25/8/2014                  كاظم حبيب
 

50


   كاظم حبيب
من أسقط المالكي وأبقى على النظام السياسي الطائفي بالعراق؟
الحلقة الثانية: من أبقى على النظام السياسي الطائفي بالعراق؟
منذ أن كانت المعارضة العراقية بالخارج وهي تناضل ضد النظام الدكتاتوري البعثي وقيادته الفاشية، اتفقت الغالبية العظمى من الأحزاب الكردية والأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية على تشكيل تحالف سياسي ثنائي غير معلن عنه تجلى في مؤتمر المعارضة العراقية ببيروت في ربيع العام 1991 بصيغته الأولية وبالاقتران مع الانتفاضة الشعبية التي حصلت بالعراق في أعقاب اندحار الجيش العراقي في حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت من القوات العراقية الغازية وتنفيذ القوات الأمريكية مجزرة رهيبة ضد القوات العراقية الهاربة من المعركة والكويت باتجاه البصرة، وهروب جمهرة واسعة من المنتفضين من الوسط والجنوب باتجاه السعودية ومن منتفضي كردستان باتجاه تركيا وإيران من بطش القوات العسكرية لصدام حسين لروح انتقامية مدمرة استشهد على إثرها الكثير من أبناء الشعب العراقي وبناته. وقد تطور هذا التحالف الثنائي وتجلى في نشاطات غالبية قوى المعارضة العراقية التي انخرطت في المؤتمر الوطني العراقي، والذي رعته الولايات المتحدة الأمريكية ووافقت عليه قيادة الدولة الإسلامية بإيران، في مقابل ضعف القوى الديمقراطية العراقية وتراجع دور القوى القومية العربية حزب والبعث (اليسار) المرتبط بالقيادة القومية لحزب البعث بسوريا. وشارك كطرف منفرد مع هذا التحالف الثنائي حزب الوفاق، الذي كان وما يزال يقوده الدكتور أياد علاوي. ومنذ ذلك الحين اتفقت غالبية أطراف المعارضة العراقية المنخرطة في المؤتمر الوطني العراقي والتي شكلت الغالبية، على توزيع الحصص في ما بينها في حالة الانتصار على نظام صدام حسين بعد أن كانت قد وافقت على شن الولايات المتحدة الحرب ضد النظام العراقي ومعها الدول التي تجمعت في تحالف دولي خارج إطار قرارات مجلس الأمن الدولي.
من هنا لا بد من تأكيد حقيقة أن المحاصصة الطائفية والقومية، التي كانت بالأساس مخلة بمبدأ المواطنة والعمل المشترك، بدأت قبل سقوط الدكتاتورية ببغداد وفي مؤتمرات المعارضة العراقية منذ أن تشكل المؤتمر الوطني العراقي برئاسة الدكتور أحمد الجلبي. وعملية توزيع الحصص التي أقرت في اللجنة العليا للمعارضة ولجانها الأخرى من قبل المشاركين فيها قبل سقوط الدكتاتورية، تجلت وتكرست مرة أخرى في توزيع الحصص بعد سقوط الدكتاتورية في تشكيل مجلس الحكم الانتقالي على أساس ديني وطائفي وقومي على يد المستبد بأمره بول بريمر المنفذ "المبدع!" لقرارات جورج بوش المناهضة الفعلية لتعاون وتضامن القوميات العراقية في دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية واحدة.
بارك النظام السياسي الإيراني منذ اليوم الأول لقيام النظام السياسي الطائفي والمحاصصة الطائفية والقومية بالعراق وسعى للسيطرة على سياسات واتجاهات مسيرة العراق السياسية، خاصة وأن تشكيل حكومة الجعفري بلورت الخط العام للنظام السياسي الطائفي المتشدد الجديد والذي تواصل وتعمق أكثر فأكثر في الخط العام والمنهج الفعلي لرئيس وزراء العراق في ولايتيه الأولى والثانية وفي حكومة تصريف الأعمال التي ما يزال يمارسها حتى الآن.
وخلال الفترة الواقعة بين 2003 – ونهاية 2013 وبداية 2014 حصل النظام السياسي الطائفي القائم على قاعدة المحاصصة الطائفية وبقيادة أحزاب سياسية شيعية على تأييد واسع من المرجعيات الدينية للشيعة بالنجف، في حين رفضتها الأحزاب الإسلامية السنية لأنها لا تمنحهم الموقع الأول في السلطة. وبدأ هذا التدخل للمرجعيات الدينية مع طرحها المستعجل جداً إلى تشريع الدستور والتصويت عليه وتأييد ديباجته الطائفية الصريحة والعديد من مواده التي تعتبر حمالة أوجه وليست جيدة بل وضرة، ومروراً بالانتخابات المبكرة لمجلس النواب وتأييدها للأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية والإصرار على تنفيذها رغم مقاطعة السنة لها، ثم الانتخابات الثانية وتأييد المرجعية لها مرة أخرى عملياً برغم الحديث عن الحياد الشكلي. كل هذه الإجراءات شكلت إخلالاً فعليا كبيراً بحياة البلاد وتفريطاً تدريجياً بوحدة الشعب والبلاد وقبولاً بسقوط ضحايا كثيرة يومياً حتى يقدر مجموعها بمئات ألاف الأبرياء.   
وإذا كانت سياسات الحكومة الاتحادية ببغداد مليئة بالأخطاء والممارسات الضارة بوحدة العراق وقومياته وأتباع أديانه ومذاهبه وبالاتجاه الديمقراطي وتكريس النظام الطائفي، فأن نهج وسياسات وممارسات رئاسة وحكومة إقليم كردستان العراق والتحالف الكردستاني لم تكن قليلة الأخطاء والتوتر والتشنج والتهديد المتواصل بالاستقلال عن العراق والابتعاد عن القوى الديمقراطية وتأكيد التحالف مع الأحزاب الإسلامية الشيعية الطائفية، والتي ساعدت أحياناً على إبعاد الأحزاب الإسلامية السنية أو تجاهل مطالب سكان المحافظات الغربية ومحافظة نينوى. وقد برز هذا في أكثر من قضية، ومنها موضوع استمرار الفساد المالي والإداري بالإقليم وموضوع النفط والطريقة غير السليمة التي تم التعامل بها والتي كان بالإمكان معالجتها بأسلوب آخر يخدم مصالح العراق النفطية وإيراداته السنوية دون أن يلحق أي ضرر بحقوق الإقليم أو العراق عموماً. إن سياسات ردود الفعل المتشنجة لم تكن مناسبة مما عمقت الفجوة لا بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم فحسب، بل وبالأساس ساعدت على نشوء أجواء غير ودية إزاء القضية الكردية والشعب الكردي في الأوساط العربية. وهو موقف ما كنا نأمل ولا نتوقع نشوئه في هذه الفترة بالذات باعتبار القوى الديمقراطية العربية هي الحليف المباشر للشعب الكردي وقضيته العادلة والمشروعة. لقد أشرنا إلى هذه الملاحظات كأصدقاء مخلصين للشعب الكردي بأساليب عديدة بما فيها الرسائل الشخصية آملين أن تتخذ سياسة الإقليم وجهة تساعد على تغيير الأوضاع بالعراق كله باعتبارها ضمانة مهمة في عدم قيام دولة دينية ثيوقراطية متخلفة بالعراق وأن يكون الإقليم نموذجاً طيباً للدولة العراقية المنشودة. إن من لا ينتقد الصديق لا ينفعه بل يساهم في الإساءة له. وأني لآمل أن يلعب وفد الإقليم المفاوض ببغداد دوراً مهماً وجوهرياً في إبعاد العراق عن النهج الطائفي وعن السياسات الطائفية وأن تشكل حكومة وطنية، حكومة إنقاذ وطني من الكارثة الحاصلة بالعراق، حكومة تأخذ بالاعتبار مبدأ المواطنة والوطن ولا تأخذ بالهويات الفرعية غير النافعة في المحلة الراهنة. إن الشكوى التي طرحها السيد رئيس الإقليم من وجود نهج مناهض للكُرد بالعراق والدول العربية في مكانها، وندرك بأن المالكي وحزبه قد ساهم في تأجيجها، ولكن سياسية الإقليم قد ساهمت أيضاً في نشوء مثل هذه الأجواء التي يفترض أن يعاد النظر بسياسة الإقليم لصالح الإقليم والعراق بشكل عام.     
وخلال السنوات العشر المنصرمة ورغم كل النكسات والفشل الذريع في نهج الحكومة العراقية الطائفية وسياساتها على مختلف الأصعدة لم تحرك الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ولا المرجعيات الدينية أي ساكن لتغيير الوضع، بل سعت إلى تكريسه رغم الضحايا اليومية التي كانت تسقط بالعشرات بين قتيل وجريح على أيدي الميليشيات الطائفية المسلحة، الشيعية منها والسنية، والقتل على الهوية، إضافة إلى الدور الكبير الذي لعبته قوى تنظيم القاعدة في عمليات القتل والتخريب الواسعة النطاق بالعراق. لقد كان ما جرى بالعراق ومن ثم ما حصل بسوريا هو جزء من عملية مدروسة ومخطط لها جيداً أريد بها إبعاد الإرهابيين عن الولايات المتحدة وأوروبا بعد ضربات الحادي عشر من شهر أيلول/سبتمبر 2001 ودفعهم باتجاه منطقة الشرق الأوسط وإلى العراق تحديداً وتفريغ بلدانهم تدريجاً منهم. وكان ما ما حصل بسوريا والعراق واختلاط الأوراق بسوريا بين المنتفضين ضد استبداد البعث وقيادته وبين قوى الإسلام السياسي المتطرفة الذي تعيشه سوريا في الوقت الحاضر. وقد لعبت الصراعات الطائفية بمنطقة الشرق الأوسط بين إيران وتركيا، وإيران والسعودية والدور الجديد لدولة قطر التبعي بالمنطقة دورها في تشديد الصراعات بالعراق وسوريا بشكل خاص والتي يمكن أن تمتد تدرجياً إلى دول أخرى. 
ولا نكشف عن سر مجهول حين نؤكد بأن القوى والأحزاب كافة التي سعت إلى تشكيل نظام حكم طائفي ومحاصصة طائفية وقومية قبل وبعد إسقاط الدكتاتورية الغاشمة بالعراق، هي ذاتها التي أنهت وجود المالكي في السلطة، لأنه لم يعد قادراً على خدمة مصالحها، ولكنها هي ذاتها التي أرادت الإبقاء على نظام المحاصصة الطائفية بالعراق، لأنه يحقق مصالحها وليس مصالح الشعب العراقي بكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية وغيرها من المصالح، مع استمرار الصراع على مسألة واحدة هي أن الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية تريد مواصلة فرض هيمنتها على السلطة، في حين تسعى الأحزاب الإسلامية السياسية السنية استبدال هيمنة الطرف الأول لصالح هيمنتها، وهو جوهر الصراع الدائر بالعراق، الصراع على السلطة والمال والنفوذ، بين القوى الطائفية في الجانبين. وهي المستفيدة، بمن فيهم التحالف الكردستاني من الوضع السياسي الطائفي السائد بالعراق.
ومن تابع حديث الأربعاء (20/8/2014) لرئيس وزراء حكومة تصريف الأعمال نوري المالكي يدرك بعدم حصول أي تغيير يذكر في توجه حزب الدعوة وقائمة دولة القانون ورئيسها بشكل خاص ولا بالوجهة الطائفية العامة لهذه القوى الطائفية بامتياز. وبدا ذلك واضحاً في محاولة نوري المالكي تخريب دعوة السيد رئيس الجمهورية بتشكيل حكومة مدنية لا تفرط بأحد لرأب الصدع ومعالجة ما خلفته الفترة السابقة من كوارث ومحن ومآسي وموافقة رئيس الوزراء المكلف على ذلك، بدعوته إلى تشكيل حكومة طائفية شيعية منفردة بعيداً عن التحالف الكردستاني وعن بقية القوى السياسية العراقية. إن هذا الرجل لم يتعلم الدرس وما يزال بعيداً عما جرى فهو يعيش في عالم الأوهام والطائفية المتشددة والكراهية المقيتة ويريد عمداً توريط الدكتور العبادي بالوجهة الخاطئة والخطرة ذاتها التي دفع العراق وما يزال يدفع بسببها ثمناً باهظا يقترب عدد ضحاياها الأبرياء من عدد ضحايا العراق في الحرب العراقية الإيرانية، كما سلم ثلث مساحة العراق وثاني أكبر مدنه إلى عصابات الدولة الإسلامية الفاجرة.
إن المستفيد الأول من الأوضاع غير الإنسانية التي سادت وما تزال مستمرة بالعراق هي الأحزاب التي ما تزال بالحكم، في حين أن الخاسر الأكبر هو الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية الديمقراطية وبأبنائه وأمواله وتراثه وحضارته. والمآسي التي يواجهها المسيحيون والإيزيديون والشبك والتركمان في محافظة نينوى، في جبال سنجار وغيرها دليل قاطع على السياسات المدمرة التي مارستها الحكومة الاتحادية والأخطاء التي ارتكبت أيضاً في سياسات رئاسة وحكومة الإقليم التي لا يجوز تكرارها، وكذلك موقف التخاذل والانسحاب أمام قوات داعش المجرمة الذي برز لدى قيادة قوات البيشمركة في تلك المنطقة والتي يفترض محاسبة المسؤولين عنها بصرامة شديدة. 
وعلينا أن ندخل ضحايا قرية الزركوش بمحافظة ديالى ضمن ضحايا الاتجاه الساعي إلى إفشال تشكيل العبادي للحكومة الجديدة. فسقوط 70 شهيداً دفعة واحدة عدا الجرحى والمعوقين برصاص ميليشيات مسلحة، يجب إدانته  أيا كانت القوى المجرمة التي نفذت هذه العملية الجبانة التي تقترب في طبيعتها الإجرامية والوحشية من قتل 1500 مواطن غير مسلح في معسكر سبايكر. إنها الجريمة التي ينبغي أن تدفع بالشعب العراقي إلى موقف أكثر قوة ومسؤولية في مواجهة جرائم داعش والمليشيات المسلحة الأخرى التي تعيش الآن تراجعاً شديداً بفعل الضربات العسكرية للقوات الجوية الأمريكية على مواقع داعش وبفعل وصول أسلحة جديدة لقوات البيشمركة منعها عنها نوري المالكي، وبفعل تحسس القوات العسكرية العراقية بأن عصابات داعش لا تكتفي بمحافظة الموصل التي تم تسليمها عملياً ودون مقاومة لداعش بل ستعمل للوصول إلى بغداد وكربلاء والنجف وبابل وكل العراق.
ما تزال قيادة الحكم بالبلاد بيد الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية، وبتعبير أكثر دقة وملموسية، بيد حزب الدعوة والقائمة العراقية والتحالف الوطني رغم وجود صراعات داخل هذا التحالف. ولكن التكليف يؤكد ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية، حكومة إنقاذ وطني تعمل للخروج من الكوارث الراهنة التي خلفها المالكي وحزبه وقائمته، حكومة ذات كفاءات عالية للوزارات وتقليص عددها بما يساعد النهوض بمهماتها مع وضع برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وتعليمي وعسكري وطني وديمقراطي اتحادي يبتعد حقاً عن البرامج الطائفية التي طرحتها أو ما تزال تؤكد عليها الأحزاب السياسية الإسلامية أو القومية المشاركة في الحكم والتي مارستها طيلة الفترة المنصرمة. فالعراق بحاجة إلى برنامج وطني ديمقراطي ينزع فتيل الصراعات الطائفية والقومية ويوحد الجهود صوب معالجة المشكلات والدفع بالعراق صوب تحقيق مصالح الشعب.
والسؤال المهم: هل سيكون بمقدور العبادي السير على هذا الطريق الجديد أم سيخضع لإرادة حزبه وقائمته ورئيس حزبه الذي ما يزال يدير أعمال الحكومة؟
لا استطيع الإجابة عن هذا السؤال بنعم أو لا، ولكن لا يوجد أمام الحاكم العاقل غير طريق واحد لا غير هو طريق عدم اعتماد النهج السابق والسياسات الطائفية المتشددة السابقة، بل اختيار نهج جديد وسياسات جديدة، إذ إنه حصل على تأييد واسع من مختلف الأطراف إلا من المالكي ومن معه ومن تلك المليشيات التي ما تزال تأتمر بأمره وتمارس ما يريده منها، كما أنه التزم أمام رئيس الجمهورية على ذلك وتعهد بتنفيذه 
لقد طرحت تصوراتي في مقال سابق بحلقتين وأملي أن تصل إلي أيدي السيد رئيس الجمهورية والسيد العبادي المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة. إنه طريق الخلاص من المحنة المريعة الراهنة التي وضع المالكي وحزبه العراق فيها.
وأول تلك الخطوات تتركز في تحقيق اتفاق وتوافق وطني وديمقراطي عقلاني على أساس الدستور والمواطنة مع الاستجابة الواعية والمشروعة لمطالب المحافظات الغربية ومحافظة نينوى من جهة، ومع رئاسة وحكومة وشعب إقليم كردستان من جهة ثانية، ومع مجالس محافظات وسكان بقية محافظات العراق من جهة ثالثة، يتجلى في برنامج عملي وواقعي يمكن تحقيقه فعلاً خلال السنوات الأربع القادمة مع أخذ الأهم قبل المهم من المهمات المطروحة على بساط البحث والتنفيذ وفي آن واحد وليس بالضرورة واحدة بعد الأخرى. إنها مهمة إعادة الثقة بين القوى السياسية العراقية المفقودة كلية. إنها مهمة صعبة بسبب التخريب الهائل الذي حققه المالكي وحزبه وقائمته خلال السنوات التسع المنصرمة. 
24/8/2014      كاظم حبيب           
     
           


51
كاظم حبيب
من أسقط المالكي وأبقى على النظام السياسي الطائفي بالعراق؟
الحلقة الأولى: من أسقط المالكي؟
يدور جدل واسع حول السؤال التالي: من أسقط نوري المالكي؟، ثم يليه سؤال آخر هو: ولماذا أبقي على النظام السياسي الطائفي القائم على المحاصصة الطائفية الذي تنتفي معه الهوية الوطنية للفرد العراقي، رجلاً كان أم امرأة، وتبقى الهويات الفرعية السياسية القاتلة، وهو النظام المسؤول عن كل ما جرى ويجري بالعراق حتى الآن؟ سأطرح وجهة نظري بشأن السؤالين السابقين في حلقتين: الحلقة الأولى تبحث في السؤال الأول، والحلقة الثانية تبحث في السؤال الثاني.
كل الدلائل التي تحت تصرفي كباحث تشير دون أدنى ريب إلى أن نوري المالكي هو من أسقط نفسه بنفسه وبإصرار عجيب، رغم تشبثه بالسلطة كتشبث الغريق بقشة لا تنقذه! لقد أسقط المالكي نفسه بنهجه الطائفي المتشدد وانفراده الاحتكاري بالسلطة وتحوله إلى مستبد صغير جائر. فهو الذي كرس الطائفة كنظام سياسي بدلاً من التحول صوب النظام المدني الديمقراطي الاتحادي والدستوري الرصين. وفي الواقع الفعلي سقط المالكي بعد الولاية الأولى ولكن تشبثه وتشبث إيران به تحققت المساومة بين الولايات المتحدة وإيران والقوى السياسية العراقية بطهران وبموافقة رئيس الجمهورية في حينها ومساومة الآخرين وسوء طالع الشعب العراقي. وسقوطه اليوم ليس فقط لم تذرف عليه دمعة واحدة فحسب، بل كانت هناك فرحة عارمة في القلوب لم يفصحوا عنها بسبب الكوارث والمآسي الجارية في شمال العراق وغربه والمجازر الجماعية التي تسببت بها سياسة المالكي والهجرة المليونية المستمرة.
ومن يستعيد الأحداث المنصرمة يدرك بأن المالكي انتهك بفظاظة حقوق الإنسان وسحق بقديمه مواد الدستور العراقي وشوه الحياة العامة. لقد أدرك الواعون من بنات وأبناء الشعب إلى أي منحدر يسوقه المالكي فقرروا تنظيم مظاهرات واعتصامات لإيصال رسالة سريعة له ليتجنب مواصلة الانحدار إلى المستنقع الذي هو فيه حالياً. ولكن المالكي بكل عنجهيته الفارغة عمد إلى تشويه  أهداف المتظاهرين في 25/شباط 2011 وشتمهم باعتبارهم بعثيين وتجاوز على حقوق الناس بالاعتقال والتعذيب والاغتيال من قبل أجهزته الأمنية و الأجهزة الخاصة. وتركزت تلك المطالب بمحاربة الفساد والإرهاب ومكافحة البطالة والفقر واستخدام موارد النفط لصالح تحسين الخدمات وخاصة الكهرباء ومحاسبة الفاسدين والمفسدين وشن الحرب ضد الإرهاب. ولم يكن فيها ما يتعارض مع مبادئ الدستور وحق الإنسان في التظاهر والمطالبة بما يراه ضرورياً لتنبيه الحكام. ولكن المالكي عمد بإصرار إلى استخدم العنف وتقطيع أوصال العاصمة بغداد وحرك جوقة لعينة مارقة من المطبلين ووعاظ السلطان والانتهازيين والطائفيين المتشددين الأوباش في داخل وخارج البلاد للإساءة إلى المتظاهرين ومطالبهم وتشويه سمعتهم والتحريض ضدهم.
لقد أساء المالكي إلى حرية الصحافة والإعلام وسخر إعلام الدولة لصالحه وضد الآخرين والمعارضين والقوى الديمقراطية والمستقلة. ونشط مجموعات أمنية للاعتداء على حرية الصحافة وتفتيشها أو تفتيش النوادي واعتقال الناس والإساءة لكرامتهم، كما حصل مع جريدة المدى الوطنية والديمقراطية ونادي ومقر اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين المعروف بمواقفه الوطنية الحريصة على وحدة البلاد ونشر الثقافة والمعرفة الإنسانية وكذا بعض نوادي المسيحيين ببغداد. أو ما حصل مع بناية طريق الشعب وحزب الأمة العراقي. وفي هذا الاتجاه قُتل أكثر من شخصية ديمقراطية، منهم الشهيد هادي المهدي والشهيد المتميز بدوره المدني والديمقراطي والتقدمي كامل عبد الله شياع، على سبيل المثال لا الحصر. وراح المالكي يحارب على هذه الجبهة الوطنية وترك الإرهاب يقتل بأبناء الشعب وسخر إعلام الدولة، الذي يفترض أن يعمل لصالح الشعب، ضد الشعب ولمصالح استمرار حكمه المعوج. 
لقد فرط المالكي بالتحالف مع ممثلي المحافظات الغربية وشطب عليهم سياسيا ودفع ببعض الطائفيين المتشددين منهم إلى التآمر ضده عنوة، ورفض بتجبر أرعن مطالب سكان هذه المحافظات، والتي عبرت عن عمق طائفيته وسلوكه الانتقامي. وساعد هذا السلوك على تحول تلك المظاهرات السلمية والمطالب المشروعة إلى انتفاضة شعبية واسعة، ثم برز بطريقة تعامله مع هذه الأزمة، إذ سمح فعلياً بحصول تشابك غير معقول بين القوى المطالبة بالحقوق العادلة والمشروعة وبين قوى الإرهاب الداعشي والذي قاد إلى ما هو حاصل حتى الآن في الفلوجة وتكريت وفي غيرها من المحافظات الغربية وفي مناطق من كركوك، ثم ما حصل في الموصل وعموم محافظة نينوى.
لقد فرط المالكي بالتحالف الضروري بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم ودق إسفين الصراع والتباعد من خلال جملة مواقف بما فيها تأخير معالجة المادة 140 من الدستور العراقي أو عدم الدخول بمفاوضات تعي مفهوم وصلاحيات وواجبات الفيدرالية المتقدمة في بلد يتعايش فيه شعبان عربي وكردي وقوميات أخرى، وهي بخلاف الفدراليات التي فيها شعب واحد. وأدت السياسات والسلوكيات والعنجهيات المالكية إلى نشوء جمود شديد في العلاقات ثم تحولها إلى ردود فعل حادة قادت إلى انقطاع فعلي لا في الود فحسب، بل وإلى انعدام الثقة كلية، مما أصبح من غير الممكن التعامل والتعاون وحل المشكلات. وأصبحت عقود النفط التي كان بالإمكان حلها سلمياً وديمقراطياً وتفاوضياً إلى عقدة يصعب حلها. لقد أصبح المالكي هو المشكلة وليس الحل في نظام سياسي طائفي منتج للمشكلات!
ونشَّط المالكي ميليشيات شيعية مسلحة خارجة على القانون في مواجهة سكان ديالى، مثل عصائب أهل الحق التي لفظتها كتلة الأحرار ورئيسها مقتدى الصدر، كما حصل في بهرز، بحيث أدى إلى استشهاد الكثير من البشر بذريعة مكافحة القاعدة في ديالى ومدينة بهرز.  لقد قتل هؤلاء الناس لأنهم من أتباع المذهب السني، ولم تكن لهم أية علاقة بتنظيم القاعدة أو داعش وغيرها، بل إن بعض تلك العائلات والأفراد كان محسوباً على الشيوعيين والديمقراطيين التقدميين أو المستقلين ومناهضين للبعث وقوى الإرهاب.
وساهم المالكي بسياساته الطائفية والمركزية الفجة إلى حصول صراعات بين الحكومة الاتحادية ومجالس المحافظات ومنها على سبيل المثال لا الحصر مواقف مع محافظتي الموصل والبصرة، مما نشط المزيد من الإشكاليات المعقدة التي كان في مقدور الدستور معالجتها. ورغم الأموال التي تجلبها البصرة من استخراج وتصدير ثروتها النفطية إلى خزينة الدولة، فهي من أكثر المدن العراقية رثاثة وتخلفاً، مما دفع سكانها إلى الاحتجاج والتظاهر والإضراب. وجوبهت مطالب البصريين مثلاً بالثلاثي المعروف "صم بكم عمي فهم لا يعقلون" من جانب نوري المالكي وحزبه ومستشاريه.
وذهب المالكي بعيدا في الهيمنة على السلطة منفرداً بقراراته، كما حصل في الموقف من البنك المركزي ومفوضية الانتخابات المستقلة أو هيئة الإعلام ... أو مجلس القضاء ... الخ. متجاوزاً على الدستور العراقي ومنتهكاً له. إذ لم يكتف بالسيطرة على هذه الهيئات المستقلة دستورياً عن السلطة التنفيذية وجعلها تحت إدارته واستخدامها لصالحه فحسب، بل وأحال محافظ البنك المركزي الأستاذ الدكتور سنان الشبيبي، نائبه الأستاذ الدكتور مظهر محمد صالح، وبعض موظفي البنك البارزين إلى القضاء العراقي والاعتقال والإساءة لسمعتهم وتعيين من يخضع لأوامره في التصرف بالاحتياطي المالي الموجود في البنك المركزي وهي سابقة خطيرة جداً، في حين أنهم من خيرة موظفي ومثقفي العراق ومن أكثر الناس نزاهة ودفاعاً عن مصالح الاقتصاد والمجتمع بالعراق. وما تزال الدعاوى ضدهم قائمة وبعضهم في المعتقل وأموالهم المنقولة وغير المنقولة محجوزة وجوازات سفرهم مصادرة وينتظرون المحاكمة بدعاوى زائفة ومفبركة من رئيس حكومة افتقد وبعض مستشاريه وأعوانه بوصلة المصلحة العامة.
وفسح المالكي في المجال لتفاقم الفساد المالي والإداري ولم يكافحه بشرف وأمانة، بل إن سكوته عليه كان يعني مواصلة الفساد، رغم احتجاج الناس الشديد وتظاهراتهم. وكان لذلك وما يزال أكبر العواقب السلبية على مجمل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية بالبلاد. لقد كان المالكي بهذا المعنى من أبرز وأكثر الفاسدين والمفسدين، إذ لم يحترم واجبه كرئيس وزراء في مكافحة الفساد وهو يدرك تماماً بأن الفساد يشكل الوجه الثاني والمكمل والمعمق والموسع لدائرة الإرهاب بالعراق.
لقد ترك المالكي الشعب العراقي دون خدمات رغم المليارات من الدولارات التي صرفت والتي ذهبت هدراً لإقامة محطات الطاقة الكهربائية، وبقي الشعب، والكادحين منه على وجه الخصوص، يعاني من نقص شديد في الكهرباء صيفاً وشتاءً، في حين كان المالكي يتمتع هو وعائلته ومن يقطن معه في المنطقة الخضراء بالكهرباء والماء والخدمات الأخرى 24 ساعة باليوم. وقد أَلَحقَ ذلك أكبر الأضرار بالناس المرضى وكبار السن والأطفال والمستشفيات وغيرها، وعمق من غياب الثقة كلية بالحاكم المستبد.
ولعب المالكي دوراً مكملاً لإبراهيم الجعفري في تحويل الأجهزة العسكرية كلها إلى حصن طائفي، ولكن مخترق. لقد ابتعد بالقوات المسلحة عن عقيدتها العسكرية، عن هويتها العراقية الوطنية وأدخل في تربيتها اليومية المضامين الطائفية والانتقامية وغيب مفهوم المواطنة والوطن لصالح الطائفة والهوية الفرعية التي مُسخت هي الأخرى بفعل تصادمها المباشر مع هوية المواطنة الحرة والمتساوية. حتى إن المرجعية الدينية الشيعية بالنجف وجدت نفسها محاطة بمخاطر هذا النهج المفروض على القوات المسلحة وطالبت بتغييره دون أي استجابة من المالكي، بل راح يغوص في مستنقع الطائفية ووحلها . وقد اندفع الانتهازيون ووعاظ السلاطين يجملون له سياساته وسلوكه ودوره كقائد أوحد لا يضاهى وركبه جنون العظمة والنرجسية المرضية بكل معاني هذه المصطلحات. وكانت الحصيلة الفعلية لسياسات وسلوكيات المالكي كقائد عام للقوات المسلحة العراقية وتربيته الطائفية لقواته هو الاستعداد النفسي التخاذلي وتسليم الموصل دون قتال إلى عصابات الدولة الإسلامية الفاجرة لإعلان الخلافة الإسلامية فيها وتهديدها الفعلي لبقية مناطق العراق حتى بلغ التهديد والوعيد إلى عتبة دور المرجعيات والحوزات الدينية بالنجف والعتبات المقدسة في كل العراق، مما جعلها تتدخل خشية لما يمكن أن يحصل، ولكن بعد خراب البصرة! وقد قدم إرهابيو عصابات داعش نموذجاً لسلوكهم الوحشي بتدمير بيوت الله لكل الديانات والمذاهب والتراث الحضاري العراقي بمدينة الموصل ومحافظة نينوى عموماً.
إن المالكي مسؤول مسؤولية مباشرة عن الدماء التي سالت على أرض العراق خلال فترة وجوده على رأس السلطة ومعه كل الطائفيين المتطرفين من سنة وشيعة وكل القوميين والشوفينيين وكل الذين شاركوا في الحكم ولم يسعوا إلى إنقاذ العراق من سياساته وعواقبها على الشعب والوطن.
لقد حفر المالكي خنادق واسعة وعميقة بينه وبين المجتمع، بينه وبين القوى السياسية، وكذلك في ما بين فئات وأتباع الديانات والمذاهب في المجتمع. لقد قُتل في فترة حكمه مئات ألوف الناس الأبرياء وهجر أكثر من مليوني إنسان، ولكن "القائد المغوار حفظه الله ورعاه" لم يفكر بأنه لم يعد مناسباً لقيادة العراق وشعبه وعليه أن يتخلى عن الحكم لأنه عمق الصراع والنزاع الطائفي والقومي والسياسي فحسب، بل راح يطالب بولاية ثالثة ليجهز تماماً على العراق وشعب العراق.
لقد سمح المالكي بسياساته الهزيلة والتخريبية الرثة والتسلطية بتدخل فظ من دول الجوار، ومنها إيران والسعودية وقطر وتركيا وسوريا وحزب الله بلبنان ودول وقوى أخرى على الصعيدين الإقليمي والدولي أيضاً. وكانت العواقب وخيمة على الإنسان العراق واستقراره وأمنه وحياته وهي في تفاقم حتى الآن.
لقد فرط المالكي بإمكانيات العراق ونسى كلية التنمية الاقتصادية والاجتماعية وعجز عن فهم معنى الاقتصاد والتنمية وضرورات تغيير البنية الاقتصادية العراقية والبنية الاجتماعية لصالح تغيير واقع العراق الاقتصادي والاجتماعي، فهو رجل جاهل بالاقتصاد والمجتمع ولا يمتلك رؤية عقلانية، ولم يجد في الثروة النفطية إلا مورداً مالياً للصرف وشراء الذمم وتنفيذ سياساته التي فرطت بالنفط والمال في آن واحد. ولم يستمع إلى صوت العقل، صوت الاقتصاديين المختصين وكتاباتهم ومشروعاتهم الغنية بالأفكار السليمة لتنمية الاقتصاد الوطني وتغيير بنيته. لقد ضيع على العراق سنوات عديدة ولم يع دوره كرئيس وزراء، إذ إنه لم يكن رجل دولة أبداً ولا حتى رجل سياسة عقلاني، بل رجل مغامر ومتآمر. إذ لم ير سوى الحلول الأمنية والعسكرية لمعالجة المشكلات التي تواجهه، وكانت هي المقتل الفعلي له وإسقاطه سياسياً.
هذا قليل من كثير جداً من سوءات المالكي وسياساته المدمرة، ولكن الأبشع حقاً هو ما نجم عن سياسته التخاذلية في تسليم الموصل دون مقاومة وقتال ضد عصابات الغزو والتكفير والقتل، عصابات الدولة الإسلامية التي جرّت على البلاد وما تزال كوارث هائلة بحق أتباع الديانات المسيحية والإيزيدية والشبك والشيعة التركمان وكذلك الكثير من أبناء السنة والشيعة بالموصل. لقد كانت خيانة للواجب الملقى على عاتق القائد العام للقوات المسلحة العراقية، وهو ما ينبغي أن يحاسب عليه قضائياً، وكذلك القادة المتخاذلون، إلى جانب القضايا الأخرى.
 
كانت سياسات المالكي هي العامل الأول والرئيس والأساس في إسقاطه.  لقد أخل المالكي، وليس وحده، بالقسم الذي أداه حين تسلم المسؤولية, فقد دفع إلى تشديد الطائفية وتصعيد العداء وروح الانتقام ووسع الاصطفاف الطائفي وشدد الاستقطاب بالبلاد، مما جعل الناس لا يرون غير الطائفة ويخشون عليها من ضياع حكم الطائفة، في وقت كان أتباع المذهب الشيعي غير مستفيدين أصلاً من هذا الحكم، بل كانوا ضمن المتضررين من أبناء الشعب من أتباع جميع الديانات والمذاهب. وكان المستفيدون هم الطائفيون المتشددون العاملون في الأحزاب الإسلامية السياسية، سنية كانت أم شيعية، ومليشياتهم الطائفية المسلحة. وشعر المواطنون والمواطنات من أتباع المذهب السني بأنهم خاسرون ومبعدون عن المشاركة في الحكم، وكان هذا الشعور صحيحاً، رغم مساومات أغلب القادة الذين تحدثوا باسمهم زيفاً.
لقد أخل المالكي حتى بدعائه بأنه يحترم ويمتثل لرأي المرجعية الدينية، مرجعية السيد علي السيستاني بالنجف. ولم يكن هذا الإدعاء صادقاً بل مزيفاً وثبت ذلك بالدليل القاطع وبمقالات نشرت على موقع المرجعية المذكورة. (  http://alakhbaar.org/home/2014/8/174751.html#.U_M6A-a3dJw.gmail).
إن السلطة لا دين لها والمستبد بأمره لا دين له غير الثلاث التي أشار إليها منذ أكثر من قرن عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر حين أكد بأن الصراع يدور على السلطة والمال والنفوذ.
لقد تنكر المالكي للمرجعية بطريقة فجة وعقيمة اضطرت إلى إعلان موقفها منه. حتى بعد إعلان موقفها رفض وركل قرارها ولم يتخل عن مطالبته بولاية ثالثة حتى أجبر عليها حين كلف العبادي من قبل السيد رئيس الجمهورية حيث تخلت عنه جماعته التي كانت قبل يومين فقط قد أعلنت رفضها لتكليف العبادي وأخرجت مظاهرات تتهم العبادي بالخيانة وتطالب بولاية ثالثة للمالكي. وعلى القراء والقارئات الكرام أن يروا عمق الروح الانتهازية والكذب السائدين في صفوف الكثير من النخبة السياسية الإسلامية.   
ولعبت عوامل أخرى كثير إقليمية ودولية، ومنها موقف الولايات المتحد بعد أن أصبحت عصابات الدولة الإسلامية تنمو ككرة الثلج وتحتل المزيد من المناطق ويلتحق بها الكثير من الناس وتقتل المزيد من الأبرياء من الإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان والمسلمين شيعة وسنة، وبعد أن أصبح إقليم كردستان المستقر والآمن في خطر شديد. وهنا يفترض تأكيد حقيقة أن العامل الخارجي، بما فيه الموقف الأمريكي والإيراني المترجرج، كان ثانوياً في إسقاط المالكي على أهميته. ولكنه ساهم في إنضاج سقوط المالكي وفي قطع الطريق عليه.
لقد تخلص العراق من حاكم طائفي متشدد بامتياز شاركت سياساته بتدمير العراق، ولم يكن وحده في ذلك. ولكن العراق لم يتخلص من النظام السياسي الطائفي والمحاصصة الطائفية اللعينة حتى الآن حتى بعد اعتراف الجميع بمخاطر هذا النظام على العراق وقومياته ووحدته.   
 انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية.
20/8/2014                                                  كاظم حبيب      
               
       
   






   

52
كاظم حبيب
الدكتور حيدر العبادي أمام مهمات صعبة بعد التخريب المالكي!
الحلقة الثانية
ثانياً: في الحقل الاقتصادي
كلف السيد الدكتور حيدر العبادي بمهمة تشكيل الحكومة الاتحادية العراقية الجديدة لتخلف حكومة نوري المالكي. فما هي المهمات الاقتصادية والاجتماعية التي ستواجه حكومة السيد العبادي بعد تشكيل الحكومة الجديدة؟
افتقدت حكومة المالكي خلال الأعوام المنصرمة إلى رؤية إستراتيجية لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية وعجزت عن تحقيق عملية تنمية اقتصادية فعلية وجل ما فعلته تركز في إبرام عقود كثيرة لا مبرر لها في كثرتها في قطاع النفط الاستخراجي ووسعت من الاستخراج والتصدير، في حين أهملت بشكل مأساوي قطاعي الإنتاج والخدمات. ولعب الإرهاب من جهة والفساد من جهة أخرى دوراً إضافياً في فشل حكومة المالكي فشلاً ذريعاً في المجالات السياسية واقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية ونشرت الرثاثة في كل مكان من العراق وأضافت منها الكثير لما كانت عليه في عهد الدكتاتور البعثي صدام حسين. من هنا تنشأ الحاجة الملحة والضرورية في أن يبدأ السيد العبادي بخلق التناغم العقلاني المنشود بين السياسة والاقتصاد، بين التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية والثقافية ومكافحة التلوث المتفاقم في البيئة العراقية وضمان عملية التغيير المنشود في البنية الاقتصادية ومن ثم في البنية الاجتماعية للمجتمع العراقي. ويمكن تلخيص المهمات فيما يلي:
إن الدكتور العبادي يواجه في المجال الاقتصادي مجموعة كبيرة من المهمات المترابطة عضوياً التي يفترض أن تتوافق مع الحياة السياسية التي يمارس مهمات مترافقة في آن لكي يستطيع تصحيح الخراب الذي تركته سنوات حكم المالكي وحزبه ودولة القانون. ويبدو لي إن المهمة العاجلة ولكي تسير الأمور المالية دون تعطيل هو إقرار مجلس النواب للميزانية الاعتيادية لكي تتمكن كل المؤسسات والمحافظات والدولة عموماً تسيير أعمالها بشكل اعتيادي وتجاوز ما تأخر حتى الآن. ولكن لا بد لرئيس الوزراء الجديد من البدء بما يلي:
1.   تشكيل لجنة من المختصين العراقيين والعراقيات في مجال الاقتصاد والعلوم الاجتماعية لوضع إستراتيجية تنموية واضحة المعالم وهادفة على المدى المتوسط والبعيد من أجل إخراج العراق من التخلف والتشوه والانكشاف الاقتصادي على الخارج وتبعيته الشديدة والمضرة على النفط الخام المستخرج والمصدر سنوياً، وأن يجري تنفيذ هذه الإستراتيجية التنموية من خلال خطط وبرامج اقتصادية واجتماعية بعيدة ومتوسطة وقصيرة المدى يجري تنفيذها من خلال الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم ومجالس المحافظات وبالتنسيق الكامل والشراكة الفعلية معها، لضمان التنفيذ الفعلي والخلاق لها من خلال المجتمع وليس بمعزل عنه.
2.   وأن يجري التركيز على تأمين مستلزمات التنمية الإنتاجية لقطاعي الزراعة والصناعة لتغيير بنية الاقتصاد المشوهة والوحيدة الجانب وإخراجه من طابعه الريعي المتحكم حالياً، وربط التجارة الخارجية بعملية ومهمات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والإشباع الفعلي والأساسي لحاجات السكان الاستهلاكية.
3.   تأمين علاقة فعالة ومحفزة للنمو والتثمير الإنتاجي بين قطاعات ثلاثة هي القطاع العام والخاص والمختلط في مختلف مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وأن لا يستبعد من التصور الإستراتيجي إمكانية وضرورة الاستفادة القصوى من الاستثمارات الأجنبية والتقنيات والخبرات الفنية والتنسيق على المستويين الإقليمي والدولي في ظل العولمة الرأسمالية للاقتصاد من جهة وفي ظل  النتائج الباهرة للثورة والمنجزات العلمية والتقنية وثورة المعلومات والاتصالات.
4.   جعل السياسة النفطية وكميات الاستخراج والتصدير خاضعة لإستراتيجية التنمية الوطنية ، وكذلك في مجال إبرام العقود النفطية وطبيعة هذه العقود ومداها وشروطها ..الخ. كما يفترض إقرار عاجل لقانون النفط وبذل أقصى الجهود لتأمين علاقة سليمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم والمحافظات في مجال اقتصاد النفط والاستفادة من خبرات الكثير من الدول الاتحادية في تأمين مثل هذه العلاقة. إن الإرادة السياسية واستعادة الثقة المتبادلة هو الطريق المناسب والوحيد لتحقيق التفاهم والتعاون بين الحكومة الاتحادية والمناطق التي يتوفر فيها النفط والمحافظات التي يفترض أن تستفيد من خيرات النفط أيضاً باعتبارها ملك الشعب كله وبكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية. 
5.   تأمين علاقة سليمة، عقلانية وفعالة بين السياسة الاقتصادية والسياسات المالية والنقدية والجمركية والتأمين ..الخ. فالسياسات الأخيرة تعتبر الأداة التنفيذية الفعلية للسياسة الاقتصادية وبدون هذا التناغم والتفاعل ومعرفة القوانين الاقتصادية الفاعلة فيها يصعب تحقيق أي تنمية ونمو في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
6.   على الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، التي هي في طور التشكيل أيضاً، انتهاج سياسة اقتصادية منسقة ومتكاملة ومتفاعلة في ما بينها، إذ إن النظام الفيدرالي لا يعني بأي حال انفصال السياسات الاقتصادية للأقاليم عن سياسات الحكومة الاتحادية بل أن تكون واحدة في وجهتها مع وجود مشاريع مشتركة اتحادية وأخرى إقليمية تنفذ من جانب الأقاليم. إنها الحالة المثلى التي يفترض أن تسود لتحقيق أقصى منفعة متبادلة ومعجلة للتنمية والنمو الاقتصاديين. ومثل هذا التنسيق والتكامل مطلوب بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم ومجالس المحافظات أيضاً. ويفترض أن توضع قوانين تحدد طبيعة العلاقات والصلاحيات والواجبات لكل من هذه الأطراف بما يقلل من بروز الخلافات والاختلاف في التفسير.     
7.   إعارة انتباه واهتمام خاص للسياسات المصرفية وشركات التأمين وإعادة التأمين بالبلاد والسياسة الجمركية وسياسة الأسعار بما يسمح لها المشاركة الفاعلة في العملية التنموية وتعجيل ورفع معدلات النمو.
8.   إن مثل هذه السياسات الناضجة والواعية والمحفزة ستساعد على امتصاص البطالة وعلى تقليص التعيين في أجهزة ودوائر الدولة وإعادة توزيع العاملين لصالح القطاعات الاقتصادية الإنتاجية، إضافة إلى قدرتها في تحسين مستوى حياة ومعيشة الإنسان العراقي وزيادة السيولة النقدية وامتصاص أو السيطرة على التضخم الاحتمالي والحفاظ على سعر صرف العملة العراقية مقابل العملات الأجنبية والاستقرار الاقتصادي .. الخ.
9.   كلنا يعرف بأن غالبية المدن العراقية، دع عنك الريف والعراقي والقرى العراقية، تعاني من الرثاثة الحقيقية وهي عاقبة منطقية لرثاثة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي مورست بالعراق منذ عقود، إضافة لممارسات العقد الأخير بعد سقوط الدكتاتورية البعثية الغاشمة. وبالتالي فأن فسح المجال أمام مجالس المحافظات لتطوير مدنها وقراها من جانب الحكومة الاتحادية وتوفير الموارد المالية الضرورية لهذا الغرض هو السبيل الوحيد للخلاص من الرثاثة وتوفير مستلزمات التقدم السريع لها. فالمدن العراقية لا تملك خدمات ضرورية وأساسية كافية كالكهرباء أو الماء أو النقل، وكذلك خراب التعليم والعناية الصحية ...الخ. وهي من المهمات الآنية الملحة التي تواجه الحكومة الجديدة.
10.   إن الفساد المالي والإداري سائدان بالعراق كنظام فاعل ومهيمن على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية وعلى حياة الإنسان العراقي وبالتالي فأن الخلاص منها لن ينتهي خلال فترة قصيرة وبمعجزة، بل من خلال نهج ثابت في سياسة الحكم ووضع خطط مدروسة قابلة للتحقيق. ولا يمكن تحقيقه ما لم يبدأ بالنخب السياسية الحاكمة وعائلاتها وحواشيها أولاً وقبل كل شيء وبالتعاون الوثيق مع المجتمع ومنظمات المجتمع المدني. وعلينا أن ندرك بأن الفساد بالعراق أصبح من الناحية الفعلية الوجه الآخر للإرهاب، إذ يعتبر أحدهما مكملاً للآخر ومنتجاً له ومحفزاً على استمرار فعلهما المشترك. إن محاربة الفساد بكل أشكاله يتطلب ملاحقة الفاسدين والمفسدين وتقديم من نهب ثروة المجتمع غلى القضاء العراقي بغض النظر عن مكانته الاجتماعية والسياسية أو دوره في الاقتصاد. وهو ما ينتظره المجتمع ممن أساءوا للحياة الاقتصادية وعملية التنمية وموارد البلاد المالية. 
11.   إن العراق لا يعيش في بادية أو معزول عن العالم، بل إن العالم يؤثر فيه تأثيراً كبيراً بسبب أوضاعه الراهنة بشكل خاص، وبالتالي فأن الحاجة ماسة لأن تكون له سياسة عربية وإقليمية ودولة واعية وناضجة وفعالة لصالح تسريع التنمية والتطور الاقتصادي وتغيير بنية الاقتصاد الوطني لصالح التنوع وتحسين مستوى مشاركة القطاعات الإنتاجية الأخرى غير النفط في تكوين الدخل القومي العراقي. وعليه فإن عملية التنسيق ضرورية مع تلك الدول المستعدة للعمل المشتركة والتنسيق معها وعلى أسس سليمة بضمنها المنفعة المتبادلة.
12.   إن مثل هذه السياسة بخطوطها العامة التي يمكن تعديلها وتطويرها وإغنائها بأفكار وتفاصيل يمكنها أن تسهم في تعزيز ما جاء في الحلقة الأولى من مهمات سياسية، إذ كلاهما وجهان لعملة واحدة، كما إنها يمكن أن توفر أرضية صالحة للعدالة الاجتماعية النسبية ومكافحة الاغتناء على حساب الشعب وتقليص الفجوة بين الفقراء والأغنياء المتفاقمة حالياً. إن مكافحة الفقر والبطالة والحرمان لا تأتي من خلال الدعاء والابتهال إلى الله، بل من خلال وضع وتنفيذ سياسات اقتصادية واجتماعية واعية ومدركة لعواقب استمرار الفقر والجوع والحرمان وغياب العدالة الاجتماعية ووجود المزيد من القطط السمان التي تعيش عل السحت الحارم على المجتمع وفي انتشار وسيادة الفساد والإرهاب وبروز التناقضات الاجتماعية والصراعات والنزاعات السياسية. 
ويفترض أن يستفيد رئيس الوزراء الجديد من التأييد الواسع الذي حظي به تكليفه بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة من المجتمع الدولي والإقليمي ومن إمكانية تقديم المساعدة الواسعة لحكومته لإنجاز المهمات الملقاة على عاتقها.
إن سياسة الشغب والتشويش والإعاقة التي أثارها المالكي خلال الأيام المنصرمة ورفضه تكليف السيد العبادي وتنظيم المظاهرات ضده وإقامة الدعوى ضد السيد رئيس الجمهورية، ثم تخلى عنها ليلة أمس بعد أن عُزل كلية على جميع الأصعدة والمستويات وحوصر سياسياً وبعد أن تخلت عنه حتى إيران وحزبه، خضع للأمر الواقع. ولكن المالكي يمكن أن يعود ويمارس السياسة ذاتها بأساليب أخرى من الباطن لمواصلة نهجه الطائفي-الشوفيني ذاته المناهض للمصالحة الوطنية ووحدة الشعب العراقي التي تجلت خلال ممارساته للسنوات الثماني المنصرمة. لهذا لا بد من انتباه المجتمع والقوى السياسية والحكومة ومجلس النواب لمثل هذا الاحتمال، سواء جاء منه أم من غيره.
15/8/2014                  كاظم حبيب
         

53
رسالة إلى رفاقي مقاتلي البيشمركة الشجعان، رفاق النضال الدكتاتوريات والإرهاب

وأنا أقترب من نهاية العقد الثامن من عمري أشعر بروح شبابية عالية وثابة، أحس بضرورة أن أكون مرة أخرى بينكم كما كنت معكم ضمن حركة الأنصار الشيوعيين في سنوات العقد التاسع من القرن الماضي حين حملنا السلاح لنكافح ضد الدكتاتورية والعنصرية العربية للنظام البعثي الصدامي وسالت دماء مناضلينا على قمم وسفوح ووديان كردستان الحبيب. واليوم لم يعد ممكنا حمل السلاح والسير معكم في الجبال الوعرة والغابات ومناطق المعارك الدموية، إذ سأكون عالة وثقلاً على المناضلين القادرين على صعود الجبال ومطاردة الأوباش من عصابات داعش ومن لف لفها من قوى الخيانة والتكفير والظلام.. ولكن سأكون معكم بقلمي وأسعى لكتابة التقارير عن معارككم ضد العدو الجبان، عن جرأتكم في مواجهة العدو رغم قلة السلاح والعتاد، عن انتصاراتكم في رد العدو على أعقابه ومن ثم مطاردته حتى النصر، عن تضحياتكم ومن سقط منكم في ساحات النضال الوطني والقومي، في سبيل إقليم كردستان والشعب الكردي وفي سبيل الإنسان والعراق والحياة ضد الموت والظلام.
أنا مستعد أن أكون معكم في كل لحظة، كما كنا معكم في قضايانا المشتركة طيلة عقود من السنين العجاف، ولكنها كانت مليئة بالحيوية النضالية والحماس الشبابي والاستعداد للتضحية في سبيل الحياة الأفضل ومصالح الشعب والوطن وقضية الديمقراطية وحقوق الشعب الكردي, وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره بنفسه.
أول نداء يدعوني سأكون معكم أينما كنتم شريطة أن لا أثقل عليكم، فليسمع من يريد أن يستفيد من إمكانياتي المتواضعة في الإعلام، فسأكون سعيداً لتلبية واجب النضال مع أحبتنا أهل الموصل وتلعفر وسنجار وزمار ووانة ومخمور وتلكيف وبطناية وبرطلة وجلولاء وبهرز وغيرها من المدن العراقية التي تتعرض للغزو الهمجي، غزو الصعاليك التكفيريين والظلاميين .
تحية الود والتقدير والاعتزاز إلى أحبتي وأخوتي في النضال بيشمركة إقليم كردستان العراق الذين يدافعون بإصرار وعزيمة ضد عصابات الدولة الإسلامية الفاجرة والظلامية. تحية إجلال لشهداء البيشمركة وكل الذين يقتلون على أيدي هؤلاء الأوباش بالعراق.
أثق بقدرتكم على إحراز النصر على كل الأعداء، دفن المعادون للشعب الكردي وحقوقه العادلة والمشروعة وبقى الشعب الكردي رافعاً رأسه ومناضلاً عنيداً في سبيل حقوقه المشروعة.
لتنتصر الأخوة العربية الكردية رغم الصمت العربي، لتنتصر الأخوة العربية الكردية وبقية القوميات بالعراق بالرغمن الذين كانوا وما زالوا يسعون للصيد في الماء العكر.
النصير السابق أبو سامي (كاظم حبيب)
14/8/2014       

54
كاظم حبيب
نوري المالكي، المتمرد على الشرعية الدستورية، إلى أين؟
لم التق يوماً بنوري المالكي مباشرة، ربما شاركنا معاً في مؤتمر المعارضة ببيروت في العام 1991، ولكنه لم يكن الشخصية المعروفة في ذلك الحين، وكنت منسقاً للجنة السياسية في المؤتمر. وحين أصبح رئيساً للوزراء تمنيت له النجاح بعد أن فشل رئيس حزبه السابق، إبراهيم الجعفري، في أداء مهمة رئيس الوزراء وتشبث أيضاً بالسلطة ثم اضطر على التخلي عن إصراره مقابل راتب مماثل لراتب نائب رئيس الجمهورية. وليس لي غرض شخصي مع رئيس حكومة تصريف الأعمال حين أنتقده وأشير إلى معايبه وعلله النفسية والاجتماعية والسياسية. إلا أن نهجه السياسي وسياساته الفعلية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية وعلاقاته العامة وممارساته اليومية ومواقفه المباشرة من الفساد المالي والإداري وطائفيته السياسية التميزية الشديدة وانتهاكه لمبادئ حقوق الإنسان بفظاظة شديدة هي التي جعلتني أتعرف على طبيعة المالكي وأقدر بعد سنتين أو ثلاث سنوات من وجوده على رأس السلطة، وربما كنت متأخراً في التشخيص، إن هذا الرجل لا يختلف في نزعاته صوب الفردية والتهميش والإقصاء للآخرين، ومن ثم تحوله السريع صوب الاستبداد. ولو أتيحت له الفرصة والمستلزمات الموضوعية، كما أتيحت لبقية المستبدين بالعراق، لأصبح أكثرهم سوءاً بعد صدام حسين. فهو لا يختلف عن بقية المستبدين العراقيين، وما أكثرهم بالعراق.
إن من يعمل في السياسة بالعراق ولو لفترة قصيرة، دع عنك من عمل وما زال منشغل بها منذ نيف وستة عقود، يمكنه أن يقدر أن هذا الشخص ليس برجل دولة ولا يصلح للمنصب الذي احتله وأساء إلى المنصب وإليه في آن واحد، كما يفتقد الحس والوعي الديمقراطي والممارسة الديمقراطية ولو بحدودها الدنيا، أو حتى قبوله بممارستها من قبل المجتمع.
إن الفلسفة الفكرية التي يحملها المالكي، فلسفة جميع الثيوقراطيين الشموليين الذين لا يستطيعون قبول الآخر والرأي الآخر، ويريدون فرض رأيهم وإرادتهم وتصوراتهم للدولة الدينية "الشيعية" في القرن الحادي والعشرين وبعيداً عن الحضارة الإنسانية. في وقت لم يعد ممكناً تطبيق ما يريدون في هذا العصر، بل هم يناطحون الصخر، ومن يناطح الصخر يتكسر رأسه.   
في عهد نوري المالكي، هذا العهد الأسود، قتل الغالبية العظمى ممن قتل من المسيحيين بالعراق، وكذلك من الصابئة المندائيين، ومن الإيزيديين، وكذلك من الشيعة والسنة في الصراع على الهوية. وفي عهده أحرقت وفجرت أغلب الكنائس وهدمت أو فجرت أكثر المساجد أو الجوامع والحسينيات، وفي عهده قتل أغلب المثقفين والصحفيين ومجموعة من خيرة الديمقراطيين والتقدميين من المدافعين عن المجتمع المدني الديمقراطي الحر.
في عهده وصل الفساد إلى أعلى مستوى له طيلة حياة الدولة العراقية الحديثة، إذ أصبح نظاماً سائداً معمولاً به على مستوى الدولة والحكم والمجتمع، إذ لا مفر للمجتمع من التعامل به لتسيير شؤون اليومية. وفي عهده بلغت الصراعات بين الأحزاب والقوى الطائفية أشدها وانتقلت إلى صفوف تحالفه بالذات، لأن الرجل لا يتحرى عن حلفاء وأصدقاء له، بل يفتش في كل الزوايا للعثور على أعداء ليؤلبهم عليه وعلى نظامه بتصرفاته وعنجهيته.
وفي عهد دفع العلاقات مع الكرد إلى أسوأ ما يمكن أن تكون عليه العلاقات بين حكوة اتحادية وحكومة إقليم في بلد واحد ودولة واحدة، وأجج باساليب عمله ومستشاريه ردود فعل لدى الكرد كان يمكن تجنبها. السلسلة طويلة. ولكن أسوأ ما في الأمر هذا الشعور الذي هيمن في حينها على صدام حسين حين قال "جئنا لنبقى"، وعبر عنها المالكي"أخذناها بعد ما ننطيها". لقد كان التصريح الذي دق المسمار في نعش الحياة السياسية للمالكي.
ولكن المالكي لم يقف عند هذا الحد بل تمرد أخيراً على قرار الأكثرية في مجلس النواب والسيد رئيس الجمهورية حين رفض ليلة أمس الانصياع لقرار تكليف حيدر العبادي، الذي هو من حزبه ومن قيادته ومن بيته الشيعي، ويصر على أنه المرشح الوحيد لرئاسة الوزراء. وهنا نعود إلى قول صدام حسين الثاني الذي كان يردده دوماً: "لن اترك العراق إلا على جثث وأنقاض". وها نحن أمام المالكي يقول: " أنا صاحب الحق ولسان حاله يقول: لن اترك العراق إلا على جثث وأنقاض"! إذ ما معنى توزيع ميليشيات عصائب أهل الحق وبدر وحزب الله ومن لف لفها من ميلشيات طائفية عدوانية مسلحة، وكذلك قوات عمليات بغداد التي تدين له بالولاء وليس لغيره وأجهزة الأمن الخاصة التي يمكن أن نطلق عليها "فدائيي نوري المالكي"، كما كانت قديماً في العام 1941 "فدائيي يونس السبعاوي" وفي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي "فدائيي صدام حسين".
إن المالكي يحكم على نفسه بالموت سياسياً حين لا يقف وحده كمتمرد على الشرعية الدستورية بل يسحب معه قيادة حزبه ومجموعة من أعضاء وقياديي دولة القانون في التمرد الذي يقوده ضد الشرعية الدستورية، بالتالي يحرق أوراقه السياسية وأوراق حزبه ودولة اللاقانون كلها ولا يترك خط رجعة له ولهم.
نوري المالكي فقد الرؤية الواقعية لما يجري حوله وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، فقد رؤية ما تسبب به للعراق والعب العراقي بسبب تلك السياسات الطائفية التي أصبح ثلث العراق تحت هيمنة مجرمي دولة العصابات الإسلامية، وأصبح مئات ألوف العراقيات والعراقيين والأطفال والشيوخ والمرضى والعجزة تحت رحمة القوى الإجرامية التكفيرية التي لا تعرف الرحمة ولا الذمة ولا الضمير والتي قتلت وتقتل من يقف في طريقها. إن نوري المالكي لا يريد أن يرى تأييد الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والاتحاد الأوروبي وكل دول العالم تقف ضده لأنه لم يكن سياسياً يلملم الصفوف بل كان المفرق للشعب كله. إن المالكي يعيش في أوهامه ويزيد في الطين بلة، وهو في النهاية خاسر لا محالة ولكنه سيكلف الشعب العراقي المزيد من الدماء والدموع والأحزان وطوابير من توابيت القتلى تتجه صوب المقابر.
إن المالكي أساء ويسيء التقدير لما جرى ويجري على الساحة السياسية العراقية والإقليمية والدولية. وإذا تمرد أكثر سيدفع بالمزيد من النجاحات لقوى داعش على حساب الإنسان العراقي والأرض العراقية.
كان على المالكي أن يقبل بالتحولات الجارية، أن يقبل برفض الغالبية العظمى له لا أن يتمرد ويعلن العصيان على الجميع إلا عن زمرة صغيرة تؤيده لأنها المنتفعة من فساد نظامه. أتمنى أن لا يدفع هذا الرجل ثمناً غالياً بتمرده كما دفع صدام حسين ثمناً غالياً بنفسه وأولاده وحزبه وتحالفه، أتمنى عليه أن يعقل ويقبل بالأمر الواقع، الذي هو ليس مما أريده أنا وغيري من الديمقراطيين للعراق المدني الديمقراطي الاتحادي غير الطائفي ولا يقوم على المحاصصة الطائفية بل على المواطنة الحرة المتساوية. إن الفوضى التي يريد أن يثيرها المالكي بمظاهرات نفر من أتباعه والقتال الذي يمكن أن ينشب سيقود إلى ما لا تحمد عقباه ومن يعلن التمرد على الشرعية الدستورية عليه أن يتوقع كل شيء، وهو ما أحذره منه.
أتمنى له أن يتخلص من العلل التي عانى منها طيلة السنوات التسع المنصرمة ويستخدم عقله لا لصالحه فحسب، بل ولصالح الشعب العراقي حين يكف عن الحديث عن حقه وحده في الترشح لرئاسة الوزراء.
الطغاة لا يستحقون الحياة لأنهم يسعون إلى سرقة حياة الناس!!
12/8/2014                  كاظم حبيب                         

55
كاظم حبيب
أحذروا المالكي ... إنه يستعد لتنفيذ أمر خطير ... أحذروا الانقلابي نوري المالكي !!!
يبرهن نوري المالكي على أنه مستعد أن يرتكب كل الخطايا وينتهك الشرعية الدستورية ويستخدم عصائب الحق وقوى أمنية مخلصة له لرفض تسليم السلطة والقبول بما تريده الأكثرية البرلمانية وما يقرره الدستور.
لقد نشر المالكي أعوانه من عصائب الحق في المنطقة الخضراء أولاً، وبثهم يوم أمس في المجلس النيابي ثانياً، ثم احتلت عصائبه ومريديه مواقع مهمة ببغداد، إنه يعد انقلاباً عسكرياً ضد الشرعية وضد احتمال صدور قرار من السيد رئيس الجمهورية بتكليف شخص آخر بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة. إن هذا الرجل يؤكد ما قاله مرة "أخذناها بعد ما ننطيها"! وحين كتبت، وكتب كثيرون، عن ذلك، تصور البعض إن الرجل سقط بزلة لسان، إنها كانت غلطة وبس، في حين كنت وغير نؤكد على أن هذا الرجل مصاب بجنون العظمة ونرجسي إلى حد اللعنة وسادي وعاشق مجنون للسلطة أيضاً ومستعد لارتكاب أبشع الجرائم للبقاء في السلطة.
ولنرى الآن كيف تتصرف المرجعيات التي ساندته طوال سنوات وكانت تعرف صفاته وسماته، لقد كان رجلها لأنها كانت مستفيدة منه. والآن انقلب على إرادة هذه المرجعيات وطلب منها عدم التدخل في السياسة!
المالكي شخصية مناهضة لكل ما هو ديمقراطي، شأنه في ذلك شأن الجعفري وعلي الأديب وطارق نجم ومن لف لفهم من قياديي حزب الدعوة الإسلامية، إنه انقلابي بكل معنى الكلمة ويريد أن يبقى في السلطة مهما حمل ذلك للشعب العراقي من ضحايا وخسائر.
لقد أخطأت المرجعية بدعوتها للتطوع لأن المالكي استغل هذه الدعوة لإنزال رسمي لمؤيديه من عصائب أهل الحق وحزب الله، وكلها قوى موالية لإيران وعلى الخامنئي ويهمها إبقاء العراق تحت التبعية الإيرانية. وحينها قال المالكي أن هؤلاء المتطوعين سيكونوا قوام الجيش الجديد! وها هو ينفذ ذلك، ها هو يريد إشعال نيران جديدة بالعراق، إضافة للنيران الشتعلة.
نحن أمام حالة جديدة لنرى كيف تتصرف الأحزاب السياسية العراقية الإسلامية السياسية الشيعية بعد أن نضج الوقت بالنسبة للمالكي ليعلن تمرده بذريعة السياقات الدستورية وهو يعرف إنه أول من خرق وتمرد على السياقات الدستورية منذ سنوات وما يزال.
لنقف سداً منيعاً بوجه المالكي، هذا الانقلابي المشؤوم، ضد عصائب أهل الحق وحزب الله وتلك القوى التي جندها لمصلحته وضمن وجهته في الهيمنة  الكاملة على السلطة ورفض احتمال صدور قرار بتكليف غيره تشكيل الحكومة. إنه التهديد المباشر للشعب كله. إنه الخاسر في المحصلة النهائية ولكن الشعب سيدفع ثمناً غالياً لسياساته وانتهاكاته وسلوكياته الانقلابية.
11/8/2014
   
     

56
كاظم حبيب
أرحل أنت وحزبك ودع الشعب يداوي جراحه ويستعيد عافيته!!!
أرحل.. أرحل.. أرحل أنت وحزبك إلى جــهنم وبئـس المصـــير!!!
أرحل ..أرحل.. أرحل أنت وحزبك فليس هناك من يبكيكما بالعراق!!!
يقول تاريخ الشعوب: ليس هناك من حاكم تشبث بالحكم إلا وانتهى إلى قير وبئس المصير... هكذا علمتنا أحداث التاريخ على الصعيد العالمي وبالعراق أيضا.
ليس هناك من حاكم تشبث بالحكم بالرغم من إرادة شعبه الكادح إلا وحصد نقمة الشعب وغضبه.
ليس هناك من حاكم ارتكب أخطاء فادحة إلا وحاسبه شعبه حساباً عسيراً وبصور شتى ولو بعد حين.
ليس هناك من حاكم ارتكب جرائم بحق شعبه إلا وانتقم الشعب لنفسه منه. هكذا كانت وقائع تاريخ الشعوب، ومنها تاريخ أحداث ووقائع ما جرى ويجري بالعراق منذ خمسين عاماً.
منذ تسع سنوات ارتقى إلى دست الحكم بالعراق، وبغفلة حقيقة من الزمن ومن عقلاء الشعب وأخياره، شخص لم يكن يصدق يوما أنه سيكون موظفا صغيرا في دائرة من دوائر الدولة العراقية في سدة الهندية أو طويريج، وأصبح اليوم حاكماً بأمره على شعب العراق بدعم من إيران والولايات المتحدة الأمريكية. أصبح الرجل حاكماً على بلاد تعتبر واحدة من أبرز مهود الحضارة البشرية على امتداد تاريخ البشرية. هذا الشخص الذي ارتدى رداء فضفاضا جداً وأصبح به أشبه بالمهرج الفاشل والحاكم الأفشل، ارتكب منذ أن قفز إلى سدة الحكم أبشع الأخطاء وحصد شتى التهم بارتكاب نظامه جرائم بشعة لا يجوز لحاكم أن يرتكبها في بلد مثل العراق، بلد التعدد القومي والديني والمذهبي والفكري، بلد التنوع والتلاقح الثقافي، وإلا أصبح المنافس الفعلي لنهج وسلوكيات صدام حسين. وهكذا كان!
نحن أمام شخص لا يريد أن يسمع إلا صوته، لا يريد أن يسمع نصائح الشعب والنداء الذي أطلقوه "أرحل" أرحل قبل فوات الأوان، أرحل قبل أن تتسبب بموت المزيد من البشر على أيدي قوى إرهابية أو قوى مماثلة في سلوكها الطائفي. أرحل قالها رجل المرجعية الأول على قاعدة "الحر والعاقل تكفيه الإشارة". ولكن لا حياة لمن تنادي!!!
أرحل قالها حلفاء له في الحزب والتحالف الوطني، بل وفي قائمته من قال له أرحل قبل فوات الأوان. أرحل، قالها من ساعده في الوصول إلى السلطة على الصعيد العالمي والإقليمي. ولم يسمع ولا يريد أن يسمع لأنه ليس حراً وليس عاقلاً، بل هو سجين فخ الأيديولوجية الدينية الطائفية المتبلدة، سجين عشقه للسلطة والمال والنفوذ، عبداً لمصالحه، رجل دولة وسياسة فاشل عجز عن التعامل مع الأحداث كرجل دولة.
مرة أخرى يصرخ العالم كله أرحل.. أرحل... أرحل أنت وحزبك قبل فوات الأوان، فمن يتأخر يعاقبه التاريخ شر عقاب. وهذا ما ينتظر من لم يستمع حتى إلى صوت مرجعيته الدينية والمذهبية التي ساندته وساعدته على الاستمرار في الحكم طيلة السنوات المنصرمة حتى أصبح يشكل عبئاً ثقيلا عليها وخطراً يهدد كل الطائفة التي يدعي تمثيله لها لما ارتكبه من أفعال سيحاسبه الشعب عليها شر حساب.
سترتفع أصوات مئات ألوف الضحايا من أجداثها تصرخ بوجه الحاكم المتشبث بالحكم: من المسؤول عن موتنا وهل يستحق الحكم التضحية بنا؟ وستصرخ الضحايا بوجه الطائفيين من أمثالك في الطرف الآخر: من المسؤول عن موتنا وهل يستحق الحكم التضحية بنا؟
هل تسمع بكاء وعويل الثكالى واليتامى والجرحى والمعوقين والمحصورين في جبال سنجار، هل تسمع أيها الحاكم المستبد بأمره وهل يسمع حزبك الخارج على الشرعية الدستورية وحقوق الإنسان صراخ من هرب بجلده من إرهاب الداعشيين المجرمين الذين اجتاحوا الموصل واحتلوها وجندك الذين لم يحركوا ساكنا بل غادروا الموصل زحفاً على الأقدام وتركوا كل شيء للغازي المحتل ليستخدم السلاح ضد أهل الموصل، ضد الجميع ولكن بشكل خاص ضد المسيحيين والإيزيديين والشبك والتركمان من تلعفر وضد الإقليم، ثم ليصلوا إلى بغداد وغيرها!
هل تدرك ما سيحصل للشعب العراقي لو استمر حزبك وأنت معه على رأس الحكم بالبلاد. إن العراق سيتحول إلى جحيم ما لم ترحل أنت وحزبك ونظامكما الطائفي اللعين.
أرحل يا رجل أنت وحزبك قبل فوات الأوان. أرحل ولعنة الشعب تطاردكما كما تطارد صدام وحزبه الفاشي.
10/8/2014               كاظم حبيب           



57
كاظم حبيب
نداء عاجل وملح إلى كل العراقيات والعراقيين بألمانيا
ليكن لقاؤنا جميعاً على الساعة الثانية عشر ظهراً من يوم السبت المصادف 16/8/2014
ببرلين أمام بناية مجلس البندستاغ*
بالنظر إلى الكوارث المريعة التي يمر بها الشعب العراقي في المرحلة الراهنة، سواء أكان اجتياح قوات الدولة الإسلامية التكفيرية والفاجرة للموصل وتهجير المسيحيين القسري أمام التهديد بالقتل أو التحول صوب الدين الإسلامي، ومن ثم اجتياح واحتلال مناطق أخرى مثل زمار وسنجار دفعت بعشرات الألوف من الإيزيديين إلى ترك مدينتهم ومساكنهم واللجوء إلى الجبال. وقد وقع المئات من نساء ورجال وأطفال الإيزيديين بيد القتلة المجرمين أسرى نقلوا إلى الحدود العراقية السورية وبدأوا ببيع النساء كرقيق بالمزاد العلني وقتل الكثير من الرجال الذين رفضوا تغيير دينهم. بعدها تم اجتياح مدينة قرقوش المسيحية وهجروا أكثر من 60 ألف مواطن ومواطنة منها صوب إقليم كردستان. والقتال ما زال مستمرا في مناطق كثيرة من العراق. كما اسروا وقتلوا المئات من أتباع مذهب الشبك. كما سيطرت هذه العصابات المجرمة على  سد الموصل وتهديد الكثير من المدن بالغرق، ومنها مدينة بغداد.
وفي ضوء ذلك أبلغت باتخاذ لجنة تنسيق قوى التيار الديمقراطي العراقي بألمانيا مرة أخرى قراراً بتنظيم وقفة احتجاجية جديدة أمام مبنى البوندستاغ (مجلس النواب الاتحادي) ببرلين في يوم السبت المصادف 16/8/2014 على الساعة الثانية عشر ظهراً وحتى الساعة الثانية بعد الظهر، وقفة تضامن مع شعبنا، مع بناته وأبنائه المسيحيين والإيزيديين والشبك والتركمان . إننا نريد أن لا نعبئ العراقيات والعراقيين من العرب والكرد وبقية القوميات فحسب، بل وندعوهم لدعوة الأصدقاء العرب والأجانب والألمان الذين يقفون معنا دفاعاً عن العراق وشعبه وتضامنا مع المضطهدين في بلادنا.
أتوجه بهذا النداء إلى كل العراقيات والعراقيين من مسيحيين وإيزديين وصابئة مندائيين ومسلمين، شيعة وسنة وبهائيين وغيرهم، أتوجه بهذا النداء إلى أبناء وبنات القوميات بالعراق من عرب وكرد وكلد أشور وتركمان يقطنون بألمانيا من أجل إعلان التضامن مع مواطناتنا ومواطنينا في الوطن المستباح المبتلى بقوى الإرهاب والطائفية المقيتة، من أجل الاحتجاج الشديد والإدانة  الصارمة للقوى الظلامية التي تحتل أجزاء من وطننا الحبيب، إلى المطالبة من الرأي العام الألماني والعالمي والمجتمع الدولي إلى مساندة شعبنا بالعراق وتقديم كل المساعدة الضرورية للتخفيف عن أعباء النازحين في الجبال وبالإقليم والمدن العراقية الأخرى.   
إن شهامتكم ووطنيتكم لا يمكنها أن تسكت على ما يجري بالعراق من استلاب للإنسان وحريته وحياته. وعلينا أن نبدي هنا اضعف الإيمان, أن نعبر عن تضامننا مع أبناء وبنات جلدتنا. لنعبئ القوى من أجل هذا التجمع الاحتجاجي والتضامني في آن
فإلى اللقاء يوم 16/8/2014 أيها الأخوة والأخوات الأفاضل.
* ملاحظة: موافقة الشرطة بشأن مكان التجمع لم تصدر بعد. وحال صدورها أو تغيير المكان سنعلمكم جميعاً.  كاظم حبيب برلين في 9/8/2014
 


58
كاظم حبيب
الإيزيديون العراقيون كانوا وما زالوا ضحية التشدد الديني والطائفية والتكفير!
حين يتصفح الباحث كتب التاريخ حتى الوقت الحاضر سيجد ثلاث ظواهر رافقت حياة أتباع الديانة الإيزيدية بالعراق والدول المجاورة نشير إليها فيما يلي:
1.   تعتبر الديانة الإيزيدية في هذه المنطقة من العراق وإيران وتركيا واحدة من أقدم الديانات التي ظهرت في هذه المنطقة وكانت مرافقة للديانات التي ظهرت في العراق القديم، وأعني بها المندائية، الحرانية، الإيزيدية والمانوية، ومن ثم ظهور ديانات أخرى كالزرفانية والسرادشتية على سبيل أمثال لا الحصر. ويعود تاريخها إلى العهد السومري في بلاد ما بين النهرين (ميزوبوتاميا)، فهي ليست ديانة طارئة أو حديثة العهد، كما إن أتباعها ليسوا طائفة منشقة عن الإسلام أو عن أي دين آخر، كما حاول حكام الدولة العثمانية أو مجموعة من شيوخ الدين المسلمين أو اعتبارهم أتباع يزيد بن معاوية لتأليب أتباع المذهب الشيعي ضدهم باعتبار يزيد بن معاوية هو الذي أمر بمحاربة  الحسين بن علي بن أبي طالب وصحبه. ولكن الديانة الإيزيدية، رغم انغلاقها على نفسها، تلاقحت دون أدنى شك مع ديانات أخرى وبشكل خاص مع المانوية والزرادشتية أو حتى مع الديانة الإسلامية أو المسيحية. ولقد تسنى لأحفاد هذه الديانة على مرّ العصور أين يقاوموا نوائب الزمن ويتحملوا الكوارث التي مرت بهم رغم أهوالها المريعة والموت الجائر الذي اختطف الكثير جداً منهم. وهم بعد هذا وذاك يشكلون جزءاً من الشعب الكردي أو الأمة الكردية. وأتباع هذه الديانة يؤمنون بالثنائية المتجسدة في وحدة الله أو الخالق.     
2.   تعرضت هذه الديانة إلى التشويه والإساءة من جانب المتشددين على امتداد التاريخ. والديانة الإيزيدية ديانة مغلقة على نفسها، كما إنها ليست تبشيرية، مما سمح للمتشددين من أديان أخرى التشويش عليها الإساءة لها بمحاولة تشويه أسس الديانة، رغم النهج المسالم لأتباع هذه الديانة وعدم التعرض بالإساءة للديانات الأخرى أو لأتباعها. وأغلب الإساءات التي لحقت بهم جاءت من الحكام المسلمين أو المجموعات الدينية المتشددة ومن شيوخ دين مسلمين متشددين وبعض شيوخ الدين أو الباحثين المسيحيين المتشددين، وبشكل خاص في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
3.   تعرض أتباع هذه الديانة المسالمة إلى الملاحقة والتشريد والتهجير وتنظيم المجازر الدموية ضدهم بدعوى أنهم مرتدون عن الإسلام أو عبدة أبليس وما إلى ذلك من التشويهات لغرض تعبئة الناس ضدهم ومنع التعامل معهم أو الدفاع عنهم.
إذا كان تاريخ الإيزيديين بالعراق والدول المجاورة مليء بالمصاعب والمحن، فأن معاناة أتباع هذه الديانة في المرحلة الراهنة تعيد إلى الأذهان ومن جديد ذلك التاريخ المؤلم والحافل بالتشريد والقتل والاستيلاء على الأراضي وفرض التحول من الديانة الإيزيدية إلى الدين الإسلامي ...الخ. إلى الجور المستمر الذي تعرضوا له وما زالوا يعانون منه حتى الآن. فمنذ سقوط الدكتاتورية الغاشمة ببغداد 2003 حتى الآن عانى الإيزيديون من سكان الموصل وأقضيتها ونواحيها وقراها صنوف العذاب واعتراض العمال وقتلهم أو تفجير السيارات بهم، والتي أدت إلى هجرة نسبة عالية منهم إلى الخارج أو الانتقال للعيش في مناطق إقليم كردستان. وذات المعاناة واجهت وما تزال تواجه أتباع الديانات الأخرى، وخاصة المسيحيين والصابئة المندائيين والشبك أو حتى القتل على الهوية من جانب المليشيات الطائفية المسلحة والقاعدة وغيرها لأتباع المذهبين السني والشيعي. وبسبب هشاشة الدولة العراقية وطائفية النظام السياسي والمحاصصة الطائفية وصراع الطوائف المرير ودور المليشيات الطائفية المسلحة، تعرض الشعب العراقي بكل مكوناته للمزيد من العذاب والتشريد والتهجير والقتل. ولكن ما حصل منذ التاسع من حزيران كان الأسوأ في هذه السنوات التي أعقبت سقوط الدكتاتورية. فقد سقطت الموصل في أيدي تنظيم الدولة الإسلامية الفاجرة وخُيّر المسيحيين من أهل الموصل بين التحول عن دينهم إلى الدين الإسلامي بالقسر أو الهجرة أو القتل. وعليه هُجّر عشرات ألوف المسيحيين إلى إقليم كردستان العراق. ثم جاء دور الشبك (أهل الحق) وهجّر الآلاف منهم أيضاً صوب وسط العراق وتعرض المئات منهم للموت على ايدي القوى التكفيرية المجرمة.
ومنذ عدة أيام استطاع القتلة أعضاء تنظيم الدول الإسلامية السيطرة على مدن زمار وسنجار التابعتين لمحافظة الموصل إدارياً، والتي كانت تحت الحماية الكردستانية، اجتياحها وانسحبت قوات البيشمركة بتخاذل غريب، مما وضع أهالي زمار وسنجار على نحو خاص تحت رحمة القتلة الأوباش مما دفع بهم إلى الهروب صوب الجبال. وهم الآن مطوقون بقوى داعش,
والمعلومات التي تردنا وما نشر عبر أجهزة الإعلام المحلية والعالمية تشير إلى مآسي رهيبة تتعرض لها العائلات الإيزيدية. وما نشرته جريدة طريق الشعب يؤكد ذلك:
فقد "ذكر رئيس الجمعية الإيزيدية الاجتماعية بدل إلياس خضر لـ"طريق الشعب"، إن"الأخبار التي وصلتنا، هي خطف الجماعات الإرهابية لأكثر من 300 فتاة من سكنة قضاء سنجار"، مبيناً بالقول إن "داعش تحتجزهن الآن في منطقة ما قرب مطار تلعفر".
وأوضح خضر إن "26 ألف عائلة محاصرة الآن في سنجار، فتنظيمات داعش أحاطت بهم بالكامل، ولا يمكن أن يفكروا بمغادرة الجبال تجاه أي منطقة"، منوهاً إلى أن"مسلحي داعش استولوا على جميع مدخرات العوائل في سنجار، وسرقوا رؤوس الماشية والجرافات الزراعية والآليات الزراعية، والمحاصيل التي كانت ستسوق لاحقاً".
كما أكدت النائبة فيان الدخيل، وهي مليئة بالمشاعر الإنسانية المرهفة والحزن الشديد، إلى أن العائلات الإيزيدية تتعرض إلى أبشع أنواع الإبادة على يد مسلحي داعش في مناطق سنجار، جاء ذلك أثناء مؤتمر صحفي عقدته في مبنى مجلس النواب العراقي ببغداد، إذ قالت: "إن أكثر من 500 إيزيدي ذبحوا على أيدي داعش فضلا عن سبي 500 امرأة إيزيدية، أخذهن مسلحو داعش كجواري وهن مسجونات في أماكن قريبة من تلعفر"، داعية "الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم إلى تخليص الإيزيديين من الوضع الإنساني السيئ الذي هم فيه الآن".
وتابعت السيدة دخيل إن "الوضع الأمني أدى إلى تهجير 30 ألف عائلة من سنجار"، مشيرة إلى "موت 70 طفلا و100 شيخ وامرأة بسبب الوضع الإنساني السيئ الذي يعيشونه حاليا".
إن العراق يشهد اليوم جريمة إبادة جماعية وضد الإنسانية ترتكبها عصابات الدولة الإسلامية الفاجرة ضد الإيزيديين، إضافة إلى ما جرى ويجري ضد المسيحيين والشبك الذين قتل منهم أكثر من مئة شخص وهجروا من مناطق سكناهم إلى وسط العراق. كما جرى تدمير واسع النطاق لبيوت العبادة للمسيحيين والشبك والإيزيديين.
إن هذه الكارثة الإنسانية الخانقة تتطلب مجموعة من الإجراءات العاجلة التي لا تقبل التأجيل بغض النظر عن العلاقات السياسية المتوترة جداً بالبلاد بسبب إصرار رئيس الوزراء الحالي ببغداد على ولاية ثالثة وسياساته الطائفية التي مزقت العراق والمرفوضة من غالبية الشعب العراقي ومن الكتل البرلمانية والقوى السياسية. ومن بين أهم تلك الإجراءات:
1.   التنسيق العاجل بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم عسكرياً وأمنياً لمواجهة قوات تنظيم الدولة الإسلامية الفاجرة وكسر شوكتها وطردها من الأراضي العراقية واستخدام الأسلحة المتوفرة كافة لمنع بقاء هؤلاء القتلة يدنسون الأرض الطيبة ويقتلون أهلنا.
2.   توفير الحماية السريعة لكل الهاربين في جبال سنجار والمناطق المحيطة بها وتوفير الطعام والماء وما هو ضروري لإنقاذ حياة الناس، وخاصة النساء والأطفال والشيوخ والمرضى.
3.   العمل السريع والجاد لإنقاذ النساء المسبيات من قبل التنظيم الإجرامي والمعرضات للاغتصاب والبيع كرقيق أو حتى للموت على ايدي هؤلاء القتلة.
4.   الطلب من الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والمنظمات الإنسانية والرأي العام العالمي توفير الدعم السياسي من جهة، والدعم المادي اللازم للإقليم للنهوض بما ألقي عليه من مهمات استثنائية في المرحلة الراهنة من جهة ثانية. إن الوضع الراهن لا يشير إلى قدرة الحكومة العراقية أو حكومة الإقليم على تجاوز المحنة، وبالتالي لا بد لمجلس الأمن الدولي من التفكير السريع والعملي لدعم الجهود العسكرية والأمنية لطرد الغزاة من أرض العراق.
5.   إنهاء الحصار المالي الراهن على إقليم كردستان من جانب الحكومة العراقية، إذ إن هذا الإجراء الظالم سيلحق أضراراً أكبر وفادحة في هذه الفترة الحرجة من الصراع والمعارك الدائرة بين قوات الپيشمرگة وقوات تنظيم الدولة الإسلامية الفاجرة,
6.   الدعوة العامة للرأي العام العالمي إلى تنظيم احتجاجات ومظاهرات ضد الغزاة بالعراق في جميع أنحاء العالم، وتبني الجاليات العراقية لهذه المهمة الكبيرة في الوقت الحاضر، إضافة إلى تنظيم المظاهرات التضامنية مع المسيحيين والإيزيديين والشبك وغيرهم من الشعب العراقي في جميع أنحاء العراق والمطالبة بحل الأزمة السياسية التي تعرقل وتعطل القدرة على إبعاد قوى الإرهاب الداعشي عن أرض وشعب العراق. 
7.   تنظيم حملة جمع تبرعات في جميع أنحاء العالم لصالح النازحين الذين يتعرضون لأوضاع استثنائية مهينة  وتعرض حياتهم للمخاطر الكبيرة.
8.   وأخيراً وليس آخراً تقديم كل القادة العسكريين من قوات الجيش العراقي الذين تخاذلوا وانسحبوا هاربين أمام قوات داعش التي غزت واجتاحت الموصل وكذلك قادة الپيشمرگة الذين تخاذلوا وانسحبوا من سنجار وتركوا سكانها دون حماية.
إن نساء ورجال وأطفال وشيوخ وطننا العراق المستباح والمبتلى، إن أتباع الديانة الإيزيدية في سنجار وغيرها، إنهم يواجهون اليوم الدوس على الكرامة والاغتصاب ويحاصرهم الموت من كل مكان على أيدي القتلة الفاشست، على أيدي داعش، فحري بنا جميعاً أن نعمل بحمية وشهامة دفاعاً عنهم وعن المسيحيين والصابئة والشبك وغيرهم من بنات وأبناء الوطن. حري بنا أن نتضامن معهم وأن المجتمع الدولي للتضامن معهم.
7/8/2014                  كاظم حبيب         
   

59
كاظم حبيب
الموت يحاصر الشعب وليس في النخبة الحاكمة من منقذ له!!
لقد سُجن الشعب العراقي عقوداً طيلة، لقد عاش في معسكر الاعتقال الفاشي الكبير، كان يعيش تلك العقود في ظُلمتين. كان يعاني تحت وطأة حزب ونظام البعث الدمويين. تعرض الشعب فيها لشتى صنوف العذاب والمرارة والحرمان والموت. غياب حرية الرأي والتنظيم والتظاهر والإضراب، الاعتقال الكيفي والتعذيب والقتل تحته، أو القتل بالدهس أو بالزرنيخ أو بالأنفال والكيماوي أو التهجير القسري والتعريب أو بتجفيف الأهوار وتهجير سكانها ومنع الحياة فيها أو بالحروب الدموية الداخلية والخارجية أو بالانتفاضات الشعبية ...الخ. عاش البؤس والفاقة الفكرية والحصار الدولي الظالم، عاش الجوع والمرض والجهل والخرافات والسحر والعبثية. هكذا عاش طوال أربعين عاماً أو يزيد (1963-2003م) على هذه الحالة المرعبة وفقد خلالها ما يزيد عن مليون قتيل وأكثر من مليون إنسان جريح ومعوق وأكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون مهجر قسراً أو هروباً من قتل واعتقال وتعذيب ودوس على الكرامة وعلى جميع حقوق الإنسان، ومئات المليارات من الدولارات الأمريكية.
واعتَقَدَ الناس، أغلب الناس، بأنهم سيعيشون بحرية ورفاهية وسعادة وكرامة بعد سقوط الدكتاتورية الفاشية الغاشمة، وأن الموت سوف لن يحاصرهم مرة أخرى كما حاصرهم طيلة سنوات الحروب الثلاث المتتالية واستبداد النظام وأجهزته. ولكنهم لم يدركوا إن الإستراتيجية الدولية كانت غير تلك التي كان الفرد العراقي البسيط والطيب قد فكر بها واقتنع بدعايات البيت الأبيض وسادنه جورج دبليو بوش ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية بأنهم سيعيشون في الحرية ويتمتعون بالديمقراطية والرفاهية!!! فشنت الحرب في العام 2003 وسقط الدكتاتور الصنم وانهارت الفاشية البعثية وهشمت الدولة العراقية بكل مؤسساتها وبدأت عمليات تغييب الذاكرة وتهشيم التراث وسرقته، .. وماذا بعد؟
أقيم على أنقاض الدكتاتورية القومية البعثية دكتاتورية جديدة، دكتاتورية المحاصصة الطائفية والأثنية، دكتاتورية دينية طائفية سياسية لحزب الدعوة الإسلامية ورئيسها الدكتاتور الجديد نوري المالكي. وعاد العراق منذ أكثر من عشر سنوات يعيش في دوامة الصراع والنزاع والموت. وبدأ الموت يختطف الناس على الهوية الدينية والمذهبية والفكرية، يحاصر الإنسان العراقي في كل مكان، لا منفذ له، فمن لا يموت اليوم يموت غداً أو بعد غد أو الهجرة، ومن لم يمت على أيدي الانتحاريين يموت على أيدي ميليشيات طائفية مسلحة أو على أيدي من بيده الحكم.
كان الموت في زمن الدكتاتور يمارس من قبل الحكم وأجهزته أو بسبب سياساته، أما اليوم فالموت يحاصر الناس في كل مكان ومن قوى كثيرة لا حصر لها. إنهم في كل مكان. فمن لا يموت على أيدي انتحاريي داعش والقاعدة والبعث المسلح، يموت على أيدي عصائب أهل الحق وحزب الله وبدر وجيش المهدي وما شاكل ذلك، أو على أيدي أجهزة أمنية خاصة مكلفة بتنفيذ مهمات القتل أو على أيدي قوى مكلفة بذلك، سواء أجاءوا من إيران أم من قطر أم من السعودية أم من تركيا. فكلهم قتلة جاءوا ليذبحوا الناس أو يهجرونهم كما هجروا المسيحيين والشبك وغيرهما من الموصل.
الموت يحاصر الناس في الموصل وصلاح الدين وتكريت والفلوجة وكركوك وبغداد وبابل وخانقين والسعدية، الموت يحاصر المسيحيين والشبك والإيزيديين والصابئة المندائيين والشيعة والسنة، الموت يحاصر الجميع إلا النخبة الحاكمة، إلا النخبة السياسية القاطنة في المنطقة الخضراء لأنها تشارك في حصار الناس بالموت بسبب إصرارهم على البقاء في السلطة وعجزهم الفعلي والكامل عن تحقيق الوحدة الوطنية المفقودة حالياً والتي بها وحدها وليس بغيرها يمكن مكافحة الإرهاب وصنوه الفساد.
الموت يحاصر الإنسان العراقي البسيط/ رجلاً كان أم امرأة، طفلاً كان أم شيخاً مسناً، وليس ذلك بغريب في بلد يسوده نظام سياسي طائفي بامتياز، يتنكر للهوية الوطنية، هوية المواطنة الحرة والمتساوية، يلتزم بإصرار عجيب بالهوية الفرعية الطائفية والأثنية القاتلتين، يلتزم بالتمييز بين الهويات الفرعية لصالح هوية واحدة وضد الهويات الأخرى، يحتقرها من المنطلق العنصري العدواني "أنا" و ألـ"آخر". أنا الصح والبقية خطأ! هذه هي فلسفة القوميين الشوفينيين والطائفيين المتشددين في كل مكان وزمان، هذه هي فلسفة كل الذين يمارسون الأساليب الفاشية في الحكم وعلى رأسها التمييز بين الناس في البلد الواحد أو في العالم وبغض النظر عن أي أساس أو منطلق يبنى هذا التمييز.
الحكم السياسي القائم بالعراق، حكم طائفي بامتياز يقوده حزب الدعوة وقائمته "دولة اللاقانون" ويرأسه شخص لا يحس بعذابات الشعب ومراراته، بل يساهم بها ليبقى على رأس السلطة رغم فشله الكامل سياسياً وأمنياً وعسكرياً واجتماعياً واقتصادياً، ليطبق قاعدته المجنونة "أخذناها بعد ما ننطيها!" تماماً كما كان الدكتاتور صادم حسين يردد دائماً "جئنا لنبقى". يجب أن يرحل هذا النظام الطائفي القائم بالعراق لكي ينتصر العراق، لكي يحقق وحدته الوطنية، لكي يجابه الاحتلال والعدوان الداعشي وغيره بالعزيمة الوطنية التي عرف بها. لتنتصر إرادة الإنسان العراقي في إقامة دولة مدنية ديمقراطية اتحادية، دولة المواطنة الحرة والمتساوية.28/7/2014       كاظم حبيب               

60
كاظم حبيب
النهج الإسلامي الفاشي العدواني للقاعدة و“داعش“ وما يماثلها من ميليشيات دينية طائفية وسياسية مسلحة!!!
حال وصول أدولف هتلر وحزبه، حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني، عبر الانتخابات في العام 1933 إلى السلطة، نظم ونفذ عمليات هجوم شرسة ويومية على محلات ودور العائلات اليهودية الألمانية لا في برلين فحسب، بل في كل ألمانيا. ثم أصدر في العام 1935 قوانين نورمبرغ العنصرية والمناهضة للسامية، أي المناهضة لليهود بألمانيا، التي عمل بها فيما بعد في كل الدول الأوروبية حيثما تحقق للإمبراطورية الألمانية الهتلرية الاجتياح والاحتلال والسيطرة على تلك الدول أثناء الحرب العالمية الثانية.
وسارع الحزب وكل المنظمات الفاشية التابعة للنظام إلى رسم النجمة السداسية, نجمة داود، على كل محلات اليهود ودور السكن لكي لا يتعامل بقية الألمان مع اليهود أو يقتربون منهم، ومن ثم قاموا بنهب محلاتهم ودورهم ومصادرة مؤسساتهم ومنشآتهم ومصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة، إضافة إلى اعتقال أعداداً غفيرة من اليهود وزجهم في معسكرات الاعتقال النازية التي انتشرت في أكثر من مدينة بألمانيا وكذلك في دول أوروبية أخرى مثل بولونيا وتشيكوسلوفاكيا وفرنسا ..الخ. ثم فرض على اليهود وضع النجمة السداسية بلون أصفر على ملابسهم ليتميزوا عن بقية الناس ليعزلوا وليسهل ملاحقتهم واعتقالهم. ومورس وضع النجمة السداسية كشارة على ملابس المعتقلين اليهود في معسكرات الاعتقال النازية. لقد كانت حرباً عنصرية عدوانية ظالمة شنها الهتلريون ضد اليهود، ثم أشعل ألمانيا النازية نيران الحرب العالمية الثانية. لقد قتل النازيون أكثر من ستة ملايين يهودي في جميع أنحا أوروبا، إضافة إلى جرائم الهتلريين ضد الشيوعيين والاشتراكيين والديمقراطيين وضد شعوب العالم أجمع أثناء تلك الحرب. لقد كان الهتلريون عنصريين حاقدين وساديين قساة وعسكريين قتلة.
وبالعراق بدأ إرهابيو "الدولة الإسلامية في العراق والشام" „داعش“ جرائمهم البشعة بعنصرية مماثلة وقسوة سادية مرضية، بدأوا بكتابة حرف (ن)، أي (نصارى) على دور المسيحيين بالموصل والمناطق الأخرى التي وصلوا إليها وفيها مجموعة من المواطنات والمواطنين المسيحيين. بهذا الإجراء القذر فرضوا على المسيحيات والمسيحيين إما التحول إلى الإسلام عنوة وتحت التهديد أو تهجيرهم بالقسر أو قتلهم إن بقوا في الموصل وتمسكوا بدينهم. وهي كلها إجراءات ذات طبيعة عنصرية وهمجية معادية للإنسان وحقوقه المشروعة ولبقية الديانات، وهي لا تختلف قطعاً عن رسم نجمة داود على محلات ودور سكن وصدور اليهود بألمانيا من قبل الحزب والدولة الهتلرية. إنهم فاشيون فكراً وممارسة. إنهم عدوانيون حاقدون.
لم يكتف هؤلاء القتلة بتهجير 15000-20000 مواطن مسيحي ومواطنة مسيحية تقريباً من الموصل خلال فترة قصيرة من اجتياحهم واحتلالهم مدينة الموصل وبعض المناطق المجاورة فحسب، بل راحوا يسجلون على دور المسلمين الشيعة من التركمان وغيرهم حرف (ر)، أي (الروافض) الذي يطلقه الطائفيون السنة على الشيعة بالعراق وبالعالم الإسلامي. وقد أدى ذلك إلى هروب كل الشيعة ممن كانوا في الموصل أو في تلعفر ممن لم يقتل قبل ذاك على أيدي الإرهابيين القتلة من أتباع „داعش“.
ولم يكتف الإرهابيون الفاشيون القتلة بكل ذلك بل عمدوا إلى إصدار فتوى همجية جديدة تؤكد ممارسة الختان للنساء والرجال في المناطق التي يحتلونها بين عمر 11 سنة و46 سنة عنوة. وهي جريمة محرم دوليا ممارستها بالقوة ضد النساء وتسعى الأمم المتحدة إلى نشر ثقافة الكف عن هذه الممارسة الوحشية ضد النساء بشكل خاص والتي تعود لتقاليد بالية موغلة بالقدم.
ولن يكتف "الداعشيون" القتلة بذلك بل سيصدرون الفتاوى أو أصدروها فعلاً ضد كل أتباع المذهب السني ممن هم ليسوا من أتباع المذهب الذي يؤمنون به. كما أنهم قتلوا قبل ذاك وفي سامراء عدداً غفيراً من المواطنين السنة، وبالتالي سيكون المواطنون والموطنات من أتباع المذهب السني أمام أحد ثلاث خيارات: أما الإيمان بالإسلام الفاشي الذي يؤمن به هؤلاء التكفيريين، أو الهجرة من المناطق التي يحتلها هؤلاء القتلة أو الموت على أيديهم، وسينحرون نحراً كما نحر غيرهم على أيديهم. 
لم يكن اجتياح واحتلال الفلوجة ومن ثم الموصل من جانب تنظيم „داعش“ الإرهابي والقوى المتحالفة معه ممكناً بالعراق لولا وجود نظام سياسي طائفي داس بصلافة ووحشية على قيم المواطنة الحرة والمتساوية لكل العرقيات والعراقيين من مختلف القوميات وأتباع جميع الديانات والمذاهب والأفكار، ولولا ممارسة التمييز التي ما تزال متواصلة ضد المواطنات والمواطنين بسبب القومية والدين والمذهب، ولولا نشوب الصراع الطائفي الذي ما يزال مستمراً، الصراع من أجل السلطة والمال الحرام والنفوذ أو الهيمنة على المجتمع، ولولا سياسة حزب الدعوة المتطرف في طائفيته والقوى الطائفية السنية وهيئة علماء المسلمين السنة ودور بعض المرجعيات في الدفع باتجاه الهويات الفرعية القاتلة، ولولا السلوك السياسي المشين لرئيس الوزراء العراقي، ولولا الصراع بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم على المكاسب الآنية والمستعجلة التي قادت إلى وضع مأساوي بالعراق وإلى ما هو عليه الوضع الراهن.
إن الخلاص من هذا الواقع لا يتم بالتمنيات والدعاء بل بالعمل للخلاص من النظام السياسي الطائفي والأثني، من المحاصصة الطائفية والأثنية التي يراد تكريسها بالعراق والتي لن تقود إلا إلى المزيد من الكوارث والمآسي. إن مهمتنا كمواطنات ومواطنين عراقيين وكمثقفات ومثقفين، هو العمل من أجل رفض الطائفية والأثنية في الحكم، رفض المحاصصة والعودة إلى مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية والتي لا تعني بأي حال غمط أو مصادرة أو التجاور على الحقوق القومية للقوميات بالعراق أو حقوق الإنسان أو حقوق الجماعات الدينية والمذهبية، بل يعني احترامها وممارستها ولكن على وفق أسس أخرى غير الأسس الراهنة التي قادت العراق إلى ما هو عليه حالياً. العراق بحاجة إلى دولة مدنية ديمقراطية اتحادية، إلى دولة علمانية ترفض دمج الدين بالدولة أو الدين بالسياسة، ترفض وجود أحزاب سياسية على أساس الدين أو المذهب، ترفض التمييز بين البشر أياً كانت الذريعة التي تتذرع بها القوى التي تمارس التمييز حالياً.
إن „داعش“ لا يُقهر إلا بوحدة الشعب العراقي، إلا بجيش وطني لا يعرف التمييز بين أفراده وقادته على أساس القومية أو الدين أو المذهب أو الفكر. وهذا يتطلب بداية جديدة، يتطلب تشكيل حكومة إنقاذ وطني مستقلة قادرة على إدارة دفة البلاد لسنتين أو ثلاث لكي يتم فيها إعادة تقييم وتقويم الدستور العراقي لعام 2005 وإزالة الغث منه، بوضع القوانين المنظمة للعلاقة والصلاحيات والواجبات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم ومجالس المحافظات أو ما تقرره التعديلات الضرورية للدستور العراقي الراهن، إضافة إلى وضع القوانين الأخرى كقانون الأحزاب والهيئات المستقلة عن السلطة التنفيذية وقانون الثروة النفطية وإعادة النظر بسلطة رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية ومجلس النواب بما يحقق التوازن الضروري لصالح الحياة والمؤسسات الديمقراطية العراقية. إن ممارسة الديمقراطية المؤسسية هي التي تمنع صعود دكتاتور جديد إلى السلطة بالعراق، كما حصل مع النظم السابقة والنظام الطائفي الجديد حيث ارتقى الطائفي والمستبد ورجل الأمن والداعية للكراهية والحقد بامتياز إلى قمة السلطة، إلى رئاسة مجلس الوزراء الحالي، الذي حاز على هذه الألقاب بامتياز كبير، وهو المشارك الأساسي والرئيسي، وليس وحده، بما تعرض له العراق والشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والسياسية الديمقراطية خلال السنوات العشر المنصرمة ولكن وبشكل خاص منذ التاسع من شهر حزيران/يونيو 2014.
إن „داعش“ ستسقط نهائياً حين يتوحد الشعب حول حكومة إنقاذ وطني حقيقية لا شكلية، لا كما يريدها أتباع المعارضة الطائفية السنية التي اجتمعت بعمان والتي تريد إقامة نظام طائفي سني على أنقاض نظام طائفي شيعي، وكلا النظامين الطائفيين وأتباعهما يسيئان لوحدة العراق والمجتمع وتقدمهما. إن الجماعة التي اجتمعت بعمان وجدت في "„داعش“" منقذاً لها ولأهدافها الخسيسة وتحالف البعض الكثير من هذه القوى مع „داعش“ بأمل الحصول على موطئ قدم لها. ولكن خاب فألها فقد ارتكبت جريمة كبرى بتأييدها لجماعة „داعش“ والبعث المسلح ومن لف لفهما.
إن العراق لا يمكن أن يعيش بنظام طائفي أثني مُفرقٍ للصف الوطني وللشعب بأي حال، بل يعيش ويتطور ويزدهر في ظل دولة مدنية ديمقراطية اتحادية موحدة، دولة علمانية, دولة المؤسسات المستقلة عن بعضها التي تحترم إرادة الشعب ومصالحه ومستقبل أجياله. إنه الرهان الذي نعمل من أجله ضد كل الطائفيين والقوميين المتطرفين والبرابرة الجدد وضد كل أشكال التمييز والإرهاب والاستبداد والمليشيات الطائفية المسلحة السنية منها والشيعية. لنعمل في وسط الجماهير من أجل هذه الأهداف النبيلة وضد تلك الأهداف المنحرفة عن خط الوطن والمواطنة والمتمسكة بالهويات الطائفية والأثنية الفرعية، باعتبارها هويات رئيسية، التي لن تقود إلا إلى المزيد من الآلام والدماء والخراب.
26/7/2014               كاظم حبيب       


61
كاظم حبيب

   
هل يمكن لإسرائيل أن تعيش دون سلام دائم وعادل مع جيرانها العرب   ؟
   
بلغ عمر الصراع العربي الإسرائيلي حتى الآن أكثر من 66 عاماً. وقعت خلال هذه الفترة ثلاث حروب كبيرة (1948، 1967 و1973) إضافة إلى حروب أخرى مع لبنان وغزة وأكثر من انتفاضة فلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية والضفة الغربية. ووهي حروب تتوالد بفعل استمرار الصراع وعدم الوصول إلى حل سلمي وديمقراطي. وفي كل من هذه الحروب المتتالية، كان عدد القتلى والجرحى من الفلسطينيين الذين يواجهون آلة عسكرية إسرائيلية متقدمة ومسلحة بجميع أنواع الأسلحة التقليدية الأكثر حداثة في العالم، والمزيد من الخراب والدمار. ولكن وفي كل مرة كان عدد المجندين اليهود الذين يقتلون في هذه الحرب في زيادة ملموسة، لأن الطرف الفلسطيني لا يمكنه أن يقف مكتوف الأيدي أمام القوة العسكرية الإسرائيلية. وتدلل الحروب الأربع الأخيرة بين إسرائيل ولبنان (حزب الله) وإسرائيل وغزة إلى أن عدد قتلى المجندين الإسرائيليين في زيادة واضحة، إضافة إلى استخدام المقاتلين العرب أسلحة جديدة أكثر حداثة وأكثر بعداً كالصواريخ التي استخدمتها غزة في الحرب الجارية حالياً.
لن يكف الموت عن حصد المزيد من البشر من الفلسطينيين والإسرائيليين، رغم الفجوة الكبيرة بين عدد قتلى الطرفين في غير صالح الفلسطينيين، ولن يكف الخراب عن الاتساع وشموله مناطق أخرى في إسرائيل ودولة فلسطين المحتلة ومعها غزة، ما لم تكف حكومات إسرائيل المتعاقبة عن التفكير بالتوسع على حساب ما تبقى من الأراضي التي ينبغي إقامة الدولة الفلسطينية عليها. إن حكومات إسرائيل المتعاقبة، وهذا ما يؤكده نهجها الفكري والسياسي على امتداد العقود المنصرمة، إنها تريد التوسع، بغض النظر عن الضحايا البشرية والخسائر المادية في كل من الحروب السابقة، وبناء المزيد من المستوطنات في القدس الشرقية والضفة الغربية. وهو الأمر الصارخ الذي تدركه شعوب العالم كلها وتدركه حكومات المجتمع الدولي، ولكنها لا تقوم بما يمنع تحقيق أهداف هذا النهج، مما يؤدي إلى المزيد ممن الحروب والمزيد من الموت والخراب.
وفي المقابل فقد أدى هذا النهج السياسي الإسرائيلي التوسعي والعدواني، وعلى امتداد العقود المنصرمة، إلى نمو النهج السياسي المتطرف لدى بعض الفصائل الفلسطينية وخاصة قوى الإسلام السياسي المتطرفة في فلسطين، مثل حماس والجهاد الإسلامي، أو حزب الله بلبنان، أو الدولة الإسلامية الإيرانية وتركيا أو الأخوان المسلمين في كل الدول ذات الأكثرية الإسلامية. كما إن بعض القوى القومية العربية الأكثر تطرفاً ساهمت وما تزال تساهم في ذلك. وهذا النهج المتطرف يدعو إلى إلغاء الدولة الإسرائيلية وإلى استعادة الشعب العربي الفلسطيني لكل الأرض الفلسطينية. وهو الأمر الذي ليس فقط لم يتحقق، بل ساعد على توسع إسرائيل على حساب الأرض التي كانت من حصة الشعب العربي الفلسطيني على وفق قرار التقسيم في العام 1947.
إن المتتبع للصراع الفلسطيني الإسرائيلي يستطيع أن يشخص بوضوح أن هناك جهداً استثنائياً تبذله الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من أجل عدم الوصول إلى حل للمعضلة القائمة بهدف السيطرة على مزيد من الأرض وفرض الأمر الواقع من جهة، كما إن المنظمات الإسلامية السياسية المتطرفة مثل حماس والجهاد الإسلامي أو غيرها لا تريد الوصول هي الأخرى إلى حل سلمي وديمقراطي لأنها تريد التخلص من إسرائيل كلها من جهة ثانية. وبالتالي يبقى الصراع والنزاع مستمرين والموت أيضاً. وبعكس ذلك نجد إن القوى المعتدلة في منظمة التحرير الفلسطينية وقوى السلام في إسرائيل تريدان ذلك. وبدأ الآن تمرد جمهرة من الإسرائيليين (50 امرأة ورجل) ضد تجنيدهم لخوض الحرب في فلسطين المحتلة وهي حرب غير عادلة.
إن الجهة القادرة على إحلال السلام بين الشعبين هي الدولة الإسرائيلية أولاً وقبل كل شيء من خلال عدم إعاقة الدخول في مفاوضات فعلية وحقيقية وليست شكلية بحجج واهية والاعتراف الفوري ودعم إقامة الدولة الفلسطينية الوطنية على أرض فلسطين على أساس حدود ما قبل حرب العام 1967 واعتبار القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية الجديدة، والانسحاب الكامل من كل الأراضي المحتلة حالياً على وفق اتفاقية إسرائيلية فلسطينية برعاية دولية وعلى أساس الأرض مقابل السلام وحماية أرواح جميع الناس في هذه المنطقة.
إن استمرار الصراع ليس في صالح إسرائيل على المدى البعيد لا من حيث عدد السكان ومعدلات النمو ولا من حيث تفاقم الكراهية والحقد المتبادل ولا من حيث قدرة الفلسطينيين على امتلاك الأسلحة الجديدة التي يمكنها أن تهدد كل مناطق الدولة الإسرائيلية. إن ميزان القوى على المدى البعيد، ما لم تحل المشكلة على أساس السلام العادل والدائم بين العرب واليهود وعلى أساس الدولتين، لن يكون لصالح إسرائيل. ولن ينفعها امتلاك السلاح النووي في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
إن متابعة المعارك الأخيرة والقصف المتبادل والتباين في عدد القتلى وحجم الخراب والتشرد تشير إلى حقيقة مرة هي أن الكراهية والحقد المتبادل وتجييش القوى آخذة بالتفاقم بين الشعبين العربي والإسرائيلي، وأن هذه الكراهية تجلت في المظاهرات التي وقعت في الكثير من الدول الأوروبية ومنها فرنسا وألمانيا مثلاً حيث ارتفعت أصوات جمهرة من المتظاهرين بالعداء للسامية والتي لم تحصل وبهذه الصورة والصراحة من قبل في أوروبا.
لا شك في أن عدم التمييز بين سياسة الحكومة الإسرائيلية واليهود أمر خاطئ جداً من النواحي الفكرية والسياسية والإنسانية، كما إنه يلحق ضرراً بالغاً بالقضية الفلسطينية ذاتها ويزيد في الطين بلة، كما يحول تعاطف الشعوب الأوروبية عموماً إلى مناهضة المنادين بشعارات مناهضة للسامية باعتبارها موجهة ضد اليهود فعلياً، وبالتالي تصبح ضد التفاعل مع الشعب العربي في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتأييد قضية التحرر من الاحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية الحرة والمستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. إنه شعار القوى القومية اليمينية المتطرفة وقوى الإسلام السياسية المتطرفة التي لا تؤذي الشعب الفلسطيني فحسب، بل وكل الشعوب العربية، وهو ما يواجهه العرب وغيرهم من القوميات في الوقت الحاضر، كما يجري الآن في شمال العراق أو غربه مثلاً.
إن المظاهرات السلمية لوقف نزيف الدم في المعارك الدائرة بين إسرائيل وغزة منذ أكثر من أسبوعين هو الهدف المركزي مع الأخذ بالاعتبار ما تعانيه غزة من حصار مرير. إن الحصار لم ولن يمنع حماس من الحصول على المزيد من الصواريخ أو إنتاجها ولمسافات مختلفة يمكن أن تصل إلى كل مناطق الدولة الإسرائيلية. لهذا فلا الحصار ينفع ولا استمرار الاحتلال ينفع ولا الحرب والمزيد من القتل والدمار تنفع في الخلاص من الأوضاع الراهنة والمستمرة منذ 66 عاماً، بل إن الحل السلمي والديمقراطي وإقامة الدولتين المستقلتين والمتجاورتين والمتعاونتين هو الحل الوحيد القادر على إحلال السلام لا بين عرب فلسطين ويهود إسرائيل فحسب، بل وبين الدولة الإسرائيلية وكل الدول العربية وبين الشعوب العربية والشعب الإسرائيلي. إنه الطريق الوحيد لعيش شعب إسرائيل بسلام مع جيرانهم العرب.
24/7/2014   كاظم حبيب          
         

62
كاظم حبيب
الجرائم البشعة ضد بنات وأبناء شعبنا من المسيحيين بالعراق
الجرائم التي ارتكبت ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية باسم الدين أو العقيدة أو الأيديولوجية أو العرق ليست قليلة في العالم الذي نعيش فيه، سواء أكان قد وقع ذلك في أفريقيا أم آسيا أم في قارات أخرى مثل أمريكا واستراليا وما مارسته النظم الأوروبية في القرون المنصرمة. ولم تكن النظم السياسية العربية والخلافة الإسلامية بعيدة عن المشاركة في ارتكاب جرائم من هذا النوع المريع، سواء أكان ذلك في الماضي البعيد أو في فترات الدولة الأموية والدولة العباسية والدولة العثمانية، إضافة لما ارتكب بالعراق في فترة الحكم الملكي، ولكن بشكل خاص في فترة حكم البعث الأول وبشكل أخص في فترة حكم البعث الثاني. فما تزال أمامنا جرائم حكم البعث في إقليم كردستان العراق في مجازر الأنفال وحلبچة وتهجير الكرد الفيلية وزج شبابهم في الجبهات الأمامية للقتال في الحرب العراقية الإيرانية أو قتلهم في السجون، وكذلك التهجير القسري للعرب الشيعة من منطقتي الوسط والجنوب وبغداد بذريعة التبعية لإيران. فتاريخ الدول العربية والإسلامية ليس مجيداً في هذا الجانب، كما يرد في نشيد موطني، (...، بـلْ نُعيــــدْ مَـجـدَنا التّـليـدْ مَـجـدَنا التّليـد)، بل هو أسود وملطخ بدماء الكثير من أبناء وبنات القوميات وأتباع الديانات والمذاهب وأتباع الاتجاهات الفكرية والسياسية الأخرى.
وما حصل بالعراق من صراع ونزاع طائفي بين قوى إسلامية سياسية طائفية وميليشيات طائفية تابعة لها منذ سقوط الدكتاتورية الغاشمة ببغداد/ وما حصل من قتل على الهوية الدينية والمذهبية في الجنوب والوسط وبغداد ضد المسيحيين وضد الصابئة المندائيين وضد الإيزيديين وغيرهم من أتباع ديانات ومذاهب أخرى خير دليل على سلوك إلغائي وإقصائي للآخر، سلوك سادي وقناعة جائرة بأنهم الأصوب والأصح والآخر على خطأ ولا يحق له البقاء على قيد الحياة، بل ينبغي استئصاله.
هذا ما جرى بالعراق خلال السنوات العشر المنصرمة وفي ظل نظام طائفي محاصصي كرسه البيت الأبيض بإصرار وعناد مقصود ودعت وسعت إليه الأحزاب الإسلامية السياسية ذات الهوية الطائفية المقيتة. ولم تكن القاعدة وشبيهاتها، والتي تقترن دوما بالمدرسة الدينية الوهابية المتفرعة عن المذهب الحنبلي وعن تراث الكثير من قوى الإسلام في تاريخنا العرب كالخوارج، وحدها المسؤولة عن كل ذلك، بل شاركت معها كل المليشيات الطائفية المسلحة التي اقترن اسمها بالمذهب الشيعي، سواء أكانت قد تأسست بإيران في حينها أم بعد ذلك، ومنها عصائب أهل الحق وميليشيات جيش المهدي وميليشيات حزب الله وميليشيات منظمة بدر على سبيل المثال لا الحصر. ولم يكن من هجَّرَ المسيحيين والصابئة المندائيين أو غيرهم ببغداد والبصرة واستولى على دورهم وممتلكاتهم من تنظيمات القاعدة بل كان من المليشيات الشيعية المتطرفة والتي ما تزال مستولية على كل ذلك وما تزال تمارس هذا الأسلوب. ثم شاركت تنظيمات القاعدة بعد ذلك بعمليات إجرامية مرعبة كتفجير كنيسة أم النجاة ودور المسيحيين بغداد والموصل. 
إن ما حصل بالعراق منذ التاسع من حزيران حتى الآن هو كارثة عظمى بالنسبة للشعب العراقي كله، حيث قامت قوات مسلحة مجرمة باجتياح واحتلال الموصل بساعات قليلة أمام هروب ونجاة بالنفس لأكثر من 50 ألف جندي وضابط وقائد عسكري عراقي من الموصل وترك الأسلحة والمعسكرات تحت تصرف القوات المجرمة التي هي من داعش والبعث وهيئة علماء المسلمين والنقشبندية وغيرها من التنظيمات المسلحة والعدوانية المتحالفة مع ما يسمى بـ "الدولة الإسلامية في العراق والشام" وخليفتهم أبو بكر البغدادي.
وتجلت المصيبة الأكبر في إعلان الخلافة بالموصل والبدء بتنفيذ النهج العدواني المجرم الذي اختارته هذه القوى التكفيرية لدولتها إزاء أتباع الديانات والمذاهب الأخرى بدءاً بقتل أعداد كبيرة من الشيعة وأئمة المساجد التي رفضت منح البيعة لهذا الخليفة الصعلوك، ثم قامت جريمتها الحالية بإعلان وتنفيذ خياراتها التي انتهت بهروب كل المسيحيين العراقيين من أصل أهل البلاد ومن سكنة الموصل من المدنية إلى أربيل ودهوك في إقليم كردستان وإلى بعض النواحي التابعة لمحافظة الموصل وتحت حماية حكومة الإقليم، وكذلك هروب التركمان من تلعفر باتجاه الإقليم وبغداد وبابل وغيرها.
لقد خلت الموصل من أهلها الأصليين، من المسيحيين، من بناة الحضارة العراقية وبناة الأديرة والكنائس، من مثقفيها ومنتجي خيراتها، من نسائها ورجالها وشبابها، ممن ولد أجدادهم من النساء والرجال فيها. لقد خلت الموصل من مكون ديني أساسي من المكونات الدينية والثقافية العراقية، من خيرة بناتها وأبنائها. لقد حصل هذا أمام أنظار الحكومة العراقية، وأمام أنظار كل الشعب العراقي، أمام أنظار حكومات وشعوب المنطقة والعالم. لم يحرك المجتمع الدولي والرأي العام العالمي ساكناً كما ينبغي حتى الآن. لم يقدم الدعم إلى أهل الموصل ليدافعوا عن مواطناتهم ومواطنيهم، بل شاركت جمهرة باغية منهم ومن غيرهم من العراقيين ضمن عساكر داعش والبعث وهيئة علماء المسلمين السنة وغيرهم في تنفيذ المخطط الإجرامي بحق العراق والمسيحيين وأتباع الديانات الأخرى.
حين سكتت الحكومة العراقية على ما جرى بحق المسيحيين بالبصرة وبغداد، وحين لم يكشف عن الجناة أول مرة، لم يكن يتوقع أن تتحرك الحكومة العراقية "الشهمة!" لمواجهة ما حصل ويحصل لأهل الموصل، لمسيحييها، لأهل العراق كلهم.
إن الجرائم التي ترتكبها داعش كبرى ورهيبة، إنها جريمة ضد الإنسانية وعلى المجتمع العراقي والدولي أن يتصدى لها لأنها لن تبقى محصورة بالعراق بل ستمتد إلى مناطق أخرى واحتمال امتدادها إلى إقليم كردستان واردة بالتأكيد ما لم تتوحد القوى لمواجهة هؤلاء القتلة الأوباش.
إن الصراعات الطائفية والأثنية الجارية بالعراق هي السبب وراء ما حل ويحل بالعراق منذ عشر سنوات وبعد سقوط الفاشية البعثية. ولن يستطع العراق النهوض ومواجهة ما حل به حتى الآن ما لم يتخلص من النظام المحاصصي الطائفي ومن سيطرة دكتاتورية المالكي وحزب الدعوة الإسلامية الذي حل عملياً محل حزب البعث العراقي.
إن الصدمات المتتالية والشديدة لا بد لها أن تُنهضَ الشعب العراقي من سباته العميق، سواء من اقتنع بالأحزاب الإسلامية الطائفية، شيعية كانت أم سنية، أم ارتبط بها مصلحياً، أن يدرك بأن هذه الصدمات لن تنتهي ما لم يتخلص العراق من الحكم السياسي الطائفي والأثني.                   
22/7/2014               كاظم حبيب       
   

63
كاظم حبيب
حلفاء داعش يجتمعون بعمان باستضافة ورعاية ملكية، فما الهدف؟
عقد في عمان، عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية، يوم الثلاثاء المصادف 15/7/2014 مؤتمراً أُطلق عليه مؤتمر "المعارضة العراقية" بدعوة واستضافة ورعاية من ملك الأردن عبد الله بن حسين. وأكد الناطق باسم هيئة علماء المسلمين عن مشاركة عدد يتراوح بين 150-200 معارض عراقي. فما هو هف هذا المؤتمر؟  لكي نفهم بوضوح أهداف هذا المؤتمر، علينا أن نتعرف على القوى والأشخاص الذين شاركوا في هذا المؤتمر. فقد جاء في تصريح لبشار فيضي، أحد ممثلي هيئة علماء المسلمين السنة، عن المشاركين في المؤتمر ما يلي:     
"من أبرز القوى السياسية المشاركة في المؤتمر إضافة إلى هيئة علماء المسلمين، فصائل عسكرية وقوى ثورية من سبعة محافظات غرب وجنوب العراق، فيما أكد منظمون للمؤتمر أنه يمثل أكبر التجمعات السنية منذ الاحتلال الأمريكي للعراق والجيش الإسلامي في العراق، وممثلين عن الجيش العراقي الوطني. ومن بين المشاركين أيضا، الحراك العراقي في بغداد وسامراء والمجلس السياسي العام لثوار العراق الذي يرأسه زيدان الجابري وضباط عراقيين سابقين ونقيب المحامين صباح المختار، وعبد الصمد الغريري كأحد أبرز القيادات البعثية، إضافة إلى الشيخ عبد الملك السعدي أحد أبرز علماء العراق". (راجع موقع كل الأردن. تفاصيل اجتماع المعارضة العراقية في عمان. 16/7/2014).
تتوزع هذه القوى السياسية على أربعة اتجاهات أساسية:
أولاً: قوى الإسلام السياسي الطائفية المتطرفة التي استخدمت وما تزال تستخدم العنف للوصول إلى السلطة والتي تدعي تمثيلها للعراقيات والعراقيين من أتباع المذهب السني. ومن بين هذه التنظيمات نشير إلى "هيئة علماء المسلمين السنة، هذا التنظيم الطائفي المتطرف والذي تحالف منذ البدء مع تنظيم القاعدة بالعراق وله ميليشيات مسلحة وبعض التنظيمات الإسلامية المماثلة والذي يترأسه الطائفي بامتياز الدكتور حارث الضاري. وقد تلطخت أيدي هذه المجموعة بدماء العراقيين والعراقيات.   
ثانياً: تنظيم حزب البعث العربي الاشتراكي، وهو تنظيم قومي شوفيني متطرف وعدواني وله ميليشيات مسلحة وشارك في عمليات إرهابية كثيرة  وتحالف مع قوى القاعدة والآن مع تنظيم داعش، إضافة إلى سجله المشين ونظامه الاستبدادي والعنصري الذي حكم العراق 35 عاماً, والذي يترأسه المتهم بجرائم بشعة هو عزة الدوري والذي كان اليد اليمنى لصدام حسين. وهو النظام المسؤول عن مجازر الأنفال وحلبجة وتهجير الكرد الفيلية والعرب الشيعة وتعريب مناطق واسعة وتهجير قسري للمثقفين.

ثالثاً: مجموعة من رموز النظام البعثي الساقط من عسكريين وأمنيين ومثقفين قوميين شوفينيين وطائفيين بامتياز، وهمهم الأساسي العودة بالعراق إلى فترة حكم البعث الجائرة والمريرة التي كلفت الشعب العراقي مئات ألوف الضحايا والخسائر المادية ودفع بالعراق إلى الحالة التي هو فيها الآن.
رابعاً: بعض شيوخ العشائر الذين جوبهوا بصدود من النظام الطائفي بالعراق فالتحقوا بهذه القوى وحملوا السلاح وشاركوا بتلطخ أيدي الكثير منهم بدماء الشعب العراقي.
إن هذا التحالف السياسي الطائفي السيئ الصيت قد تحالف بشكل واضح وصريح لا لبس فيه مع أكثر التنظيمات الإرهابية شراسة وعدوانية وظلامية وإجراماً، مع تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) قبل احتلال الفلوجة ومن ثم الهجوم العدواني الأخير على الموصل واجتياحها من جانب تنظيم داعش الإجرامي، وأخيراً إعلان الخلافة الإسلامية بالموصل والخليفة الجحش "أبو بكر البغدادي: أو إبراهيم عواد. وقد أيد عزة الدوري وساند وشاركت مجموعته المجرمة هذه القوى والجرائم التي ترتكبها يومياً بالموصل ومناطق أخرى من العراق.
إن البعض من هذه القوى التي ادعت إنها تمثل أتباع المذهب السني، قد تبنت في البداية شعارات ومهمات طرحتها الجماهير الواسعة في مناطق غرب وشمال غرب العراق على الحكومة الاتحادية لمعالجتها. ولم تعر هذه الحكومة الاتحادية الطائفية أذناً صاغية واستجابة ضرورية لتلك المطالب المشروعة مما أدى إلى تشابك غريب بين القوى الشعبية المطالبة بمهمات عادلة وبين القوى الإرهابية الساعية إلى تخريب البلاد وسيطرتها عليه. ورغم وجود تحالف بين هذه القوى في المرحلة الراهنة وتنظيم داعش، إلا إن الاختلاف والصراع آت لا ريب فيه في ما بينها. وقد بدأ فعلاً. ولكن إلى أن يتبلور هذا الصراع ستكون قوى داعش قد ارتكبت من الجرائم الوحشية ما لا يمكن تصوره، سواء أكان بقتل البشر العراقي من مختلف الديانات والمذاهب، أم بتدمير التراث والذاكرة الحضارية العراقية.
إن القوى المجتمعة في عمان هي قوى متآمرة رجعية وعدوانية ليس في تحالفها العدواني مع تنظيم داعش الإجرامي فحسب، بل وفي ادعائها بوجود ثورة وضرورة مواصلتها واحتلال بغداد. أي أنهم يعتبرون ما قام به تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) والبعث الإرهابي وهيئة علماء المسلمين السنة ومن لف لفها هم "الثوار" وهم الذين يقودون "الثورة الإسلامية" بالعراق ولا بد من مواصلتها وصولاً إلى احتلال بغداد وبقية محافظات الوسط والجنوب، في حين أن الشعب العراقي بكل مكوناته الواعية والشريفة تعيش يومياً الممارسات والأفعال الشنيعة التي يقوم بها داعش والقوى المتحالفة معه بالعراق. وآخر الجرائم البشعة وضد الإنسانية التي نفذها القتلة بالموصل والذي وضع مسيحيي ومسيحيات الموصل أمام أحد الخيارات الدنيئة التالية: إما التحول إلى الإسلام أو دفع الجزية أو مغادرة الموصل مشياً على الأقدام وبملابسهم التي يرتدونها فقط أو يقتلون بنحرهم من الوريد غل الوريد. إنها جريمة العصر، جريمة القرن الحادي والعشرين في العراق ومنطقة الشرق الأوسط والعالم. لقد أُجبر المسيحيون كافة هم وأطفالهم ومرضاهم والعجزة منهم على مغادرة الموصل والتوجه صوب المناطق التي ما تزال آمنة في محافظة نينوى والمحمية من قبل قوات البيشمركة الكردستانية أو إلى محافظة دهوك في كردستان العراق. لقد أدانت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والمنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان هذه الجريمة البشعة في إفراغ الموصل من أهلها المسيحيين. إنها أبشع الجرائم التي ترتكبها داعش يومياً بالموصل وبالمناطق التي تحتلها. إنها جريمة ضد الإنسانية. إن سكوت هذه الجماعة الخربة والمتآمرة مع داعش، التي أطلقت على نفسها اسم "المعارضة العراقية" التي اجتمعت بعمان، عن الجرائم التي ارتكبت بحق المسيحيين وبحق الجماعات الدينية الأخرى في الموصل والتي أجبرت على ترك مناطق سكناها هو جريمة من جهة، ولكنه يعبر عن السلوك اللاإنساني لهذه القوى المعارضة المقيمة بعمان وبدعم من الملك عبد الله بن حسين والحكومة الأردنية.
إن من واجب كل الخيرين والشرفاء من العراقيات والعراقيين أن يدين هذا التحالف المشبوه وأن يميز بين الذين عارضوا بحق وصدق نظام الطائفية السياسي السائد بالعراق وطالبوا بتغيير هذا النظام لصالح الوطن والمواطنة، وبين هذه المجاميع البائسة والطائفية بامتياز التي اجتمعت بعمان. فهؤلاء لا يريدون غير إقامة نظام طائفي آخر كالنظام الطائفي القائم حالياً وهم لا يرغبون إلا بتوزيع المنافع بينهم وبين الحكام الطائفيين الشيعة، في حين يبقى الوطن ومصالح الشعب وتبقى هوية المواطنة بعيدة كل البعد عن تفكيرهم وتجاه نشاطهم والعذابات التي يتحملها أبناء المناطق الغربية والشمال الغربي من العراق تحت هيمنة قوى الإجرام والظلام التي تعيث فساداً وقتلاً وتخريباً بمدينة الموصل والمناطق الأخرى التي تحت سيطرتها.
والغريب بالأمر إن النظام الطائفي الحاكم الذي يترأسه الطائفي بامتياز نوري المالكي، والذي يستحق أن نهزج له على طريقة الأوباش والمجرمين من البعثيين، تلك الأهزوجة القبيحة التي يستحقها "هلهولة الـ "نوري" الصامد!!!"، والذي لم يخجل عما حصل ويحصل بالموصل وهو رئيس الحكومة الفاشلة وحكومة تصريف الأعمال ويرفض الانسحاب من رئاسة حكومة تصريف الأعمال، لم يحرك ساكناً ولم يسع إلى نجدة هؤلاء الناس الذين فرضت عليهم ترك مناطق سكناهم. إن من يمارس مثل هذه السياسة ويتخذ مثل هذه المواقف السيئة يستحق تقديمه إلى المحاكمة بتهمة إساءة الحكم وعدم تنفيذ التزاماته كرئيس حكومة وكقائد عام للقوات المسلحة العراقية وكوزير للدفاع والداخلية والأمن الداخلي فعلياً.
إن على القوى الحية والوطنية بالعراق أن تدرك الواقع المزري الذي وصل إليه العراق بفعل وجود نظام المحاصصة الطائفية وبفعل الاستبداد الطائفي، وأن تتحرك للخلاص من هذا النظام الطائفي ومن تلك القوى الطائفة الحاكمة وتلك التي تدعي المعارضة وتجتمع بعمان للسيطرة على الحكم الطائفي ولإقامة حكم طائفي مماثل. وإذا كان النظام الطائفي الراهن يتمتع بتأييد ودعم مباشرين من إيران، فأن القوى الطائفية الأخرى تتمتع بدعم وتأييد مباشرين من السعودية وقطر وتركيا. وهي كلها لا تريد مصلحة العراق ولا وحدته الوطنية ولا مصلحة مواطناته ومواطنيه.
             

64
كاظم حبيب
وستنقضي الأيام والخير ضاحك     يعم الورى والشر يبكي ويلطم
عرف شعب العراق الكوارث والحروب والمحن والأزمات، عرف الكثير من المستبدين بالأرض وشعوب الأرض، عرف الحصار والحرمان والجوع والموت، عرف الخراب والدمار، عرف الوحوش الكاسرة المتلبسة بأردية وأقنعة البشر، عرف النهب والسلب واستباحة النساء، عرف قطعان الفاشية التي قدمت واستباحت كل شيء باسم القومية العربية  وباسم الدين الإسلامي، عرف جحافل الغزاة الذين قدموا من الشرق ومن الغرب، من الشمال ومن الجنوب الذين أجهزوا على أبناء وبنات الشعب العراقي ودنسوا الأرض وأحرقوا الكتب وصبغوا مياه دجلة باللونين الأحمر والأزرق، لون الدم ولون حبر الكتب، تركوا الدماء سيولاً تخضب أرض العراق، هدموا الكنائس والمساجد وبيوت الله الأخرى، عرف كل ذلك وغيره خلال القرون والعقود الكثيرة المنصرمة. ورغم كل ذلك بقي هذا الشعب صامداً بوجه الغزاة وجحافل الفاشست وأسراب الجراد الأصفر المسموم التي تلتهم الأخضر واليابس وتترك الأرض يباباً، وانتهى الكثير من المستبدين إلى بئس المصير، وهكذا كان مصير صدام حسين وسيكون مصير من جاء من بعده أو من يأتي بعد ذاك ليحكم العراق بذات الرؤية السادية والنرجسية المريضة.
والشعب العراقي يواجه منذ أعوام طائفية سياسية مقيتة وجائرة، بعد أن عانى الأمرين ولعقود عديدة تحت وطأة فكر وحكم قومي شوفيني وطائفي مريض. وإذا كان النظام القومي الدكتاتوري البشع قد أذاق الشعب العراقي مر العذاب باستبداده وحروبه وعنصريته وتمييزه بين قوميات الشعب، فأن هذا الشعب يعاني بعد سقوط ذاك النظام العاتي/ من النظام الثيوقراطي الطائفي المتخلف والمستبد والجائر الذي زرعه المحتلون الأوباش في أرض العراق، وليست له جذور عميقة، ليمزق وحدة الشعب بين مسلم سني ومسلم شيعي، وبين صابئة ومسيحي وأيزيدي، ويبعثر الجهود الضرورية والملحة لترميم ما دمر قبل ذاك، ووضع الشعب في الواقع المرير الذي هو فيه الآن. لقد ادعى وجود عملية سياسية، وهي عملية مشوهة ومزيفة قامت على تقاسم الحصص وتقاسم النهب والسلب لموارد البلاد المالية وما تزال على حالها، بل ازدادت بؤساً وفاقة فكرية وسياسية. إن هذه الفئة الحاكمة هي القشرة أو القمة للفئات الرثة بكل مراتبها التي تحكم العراق والتي نشرت الرثاثة في عراق اليوم وأكثر من أي وقت مضى. وما كان ليحص ما حصل بالعراق لولا وجود هذه الفئات الرثة على رأس الحكم بالبلاد والمسيطرة على قراراته السياسية والاقتصادية والثقافية الصفراء.
ها هو الشعب العراقي بكل مكوناته يعيش منذ أعوام تحت وطأة واحدة من تلك المحن العاتية التي تريد قلع هذا الشعب بكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية والفكرية من جذوره الضاربة في عمق الأرض العراقية، ها نحن أمام محنة لا يمكن أن تمت للقرن الحادي والعشرين بصلة، فالمجرمون قادمون من قرون خلت بعقولهم الدنسة المحشوة بأسوأ الترهات والخرافات، ونفوسهم الدنيئة المريضة. إنهم أوباش وأسوأ من الحيوانات المفترسة التي لا تقتل ولا تأكل إلا حين تجوع، إنها الضباع الخبيثة، كما عبر عنهم أحد الكتاب، لأنها لا تريد سوى إلحاق الضرر والأذى. ها نحن أمام نوع آخر من الإسلام السياسي. وإذا كان الأول قد نشر وينشر الرثاثة والقتل على الهوية بالبلاد، فأن الثاني يشاركه في ذلك ويضيف عليه القتل لكل من لا يتفق معهم في الرأي والعقيدة البالية التي يحملونها ويبشرون بها بقوة السلاح والقتل. 
جميع هذه النظم السياسية وقوى الإرهاب قد ارتكبت أبشع الجرائم بحق الإنسان العراقي وحقوقه المشروعة، وخاصة حقه في الحياة، وادعت الدفاع عن القومية، وهي منها براء، وادعت الدفاع عن الإسلام وهي ترتكب الموبقات والقتل العمد باسم الإسلام. إنها النظم والقوى الجائرة التي لا يمكن أن يكون لها في هذا القرن الجديد قرن العلم والحياة لصالح الإنسان.
هذه الموجات العاتية من القومية الشوفينية ومروراً بالطائفية السياسية الحاكمة وانتهاءً بالفاشيين الإسلاميين التكفيريين الذين استباحوا بعض مناطق العراق ويسعون لاجتياح غيرها سوف تنتهي دون أدنى ريب وتنقشع الغيوم السوداء الداكنة عن سماء العراق وستشرق الشمس ثانية وتكشف عن الوجوه الكالحة، تفضح كل الذين مرغوا جباه العراقيات والعراقيين بالتراب، كل الذين تسببوا بموت عشرات بل ومئات آلاف البشر ممن لا حول لهم ولا قوة، كل الذين نهبوا ثروات العراق وخيراته، كل الذين باعوا أنفسهم للأجنبي الاستعماري اللعين، أياً كان هذا الأجنبي، سواء أكان من الناطقين بالانجليزية أم الفارسية أم التركية أم أي لغة أو لهجة أخرى يرطن بها لأنها من غير لغات ولهجات أهل البلاد.
إن الجرائم التي ترتكب بالعراق ليست بمعزل عن فكر ودور ونشاط النظم السياسية المجاورة للعراق. فمن جهة لعبت وما تزال تلعب الدول العربية، وبشكل خاص السعودية وقطر, إضافة إلى تركيا، وقوى الإسلام السياسي التابعة لها أو المرتبطة بها دوراً أساسياً ومباشراً في كل ما حصل بالفلوجة والأنبار والموصل من حيث تنظيم العمليات الاجتياحية الأخيرة، إضافة إلى محاولة تبني شعارات المواطنين والمواطنات الصحيحة واستخدامها في نهجها الإرهابي الدموي، أي كلمة حق يراد بها باطل. إنها قدمت كل الدعم الفكري الديني والسياسي والمالي والسلاح وكل ما احتاجته هذه القوى لتحقيق ما حصل في شمال العراق والفلوجة وصلاح الدين، إنها الجريمة التي يمكن أن تنقلب على منظم وموجه هذه العمليات الحقيرة. ومن الجانب الآخر يواجه المجتمع تلك الجهود الشريرة الرسمية للدولة "الإسلامية" الإيرانية في تأمين المزيد من الدعم المالي والعسكري والتوجيهي الدعائي للمليشيات الطائفية الشيعية المسلحة التي تمارس عمليات عسكرية وعدوانية وخارج إطار الشرعية الدستورية. إنها تمارس بذلك إشاعة الفوضى والخراب والدمار بالعراق.  إن هذه الدول مسؤولة بشكل مباشر وفعلي عن الفوضى والخراب والدمار والدماء التي تسيل في الكثير من المدن العراقية، وخاصة في تلك المدن التي اجتاحها الإرهابيون أو المدن المحاددة لها. 
لنتذكر الحديث الذي جرى في العام 1921 وفي أعقاب انتهاء ثورة العشرين وتشكيل الحكومة العراقية بين القائد البريطاني السير وليم وليلكوكس والشيخ شعلان أبو الجون، إذ قال السير وليم يلكوكس (1852-1932م) لشعلان ابو الجون (توفى 1930م): ماذا تريد يا محفوظ أكثر, صار عندكم حكومة وطنية. فرد عليه الشيخ أبو الجون, وهو أحد قادة ثورة العشرين: أي يا محفوظ حكومة وطنية لكنها ترطن!". وها هو الشعب العراقي اليوم أمام حكومة ترطن مع الأسف الشديد! ورئيس الحكومة أكثرهم رطانة، ولكن لن تدوم هذه الرطانة في حكم البلاد بأي حال. فهذه الموجة العاتية، في هذا الزمن الرديء، ستمر دون أن يحني الشعب رأسه لها، ستمر دون أدنى ريب وسيعود الشعب العراقي إلى صفائه المنشود ويردد مع الشاعر
وستنقضي الأيام والخير ضاحك      يعم الورى والشر يبكي ويلطم
إن عمر هذه النظم قصير وقصير جداً، ومع ذلك فأن النضال لتغيير واقع العراق الراهن سيستغرق وقتاً غير قصير، ولكن التغيير المدني والديمقراطي آت لا ريب فيه. ومن أجل أن نقلص الزمن في وجود هذه القوى على رأس السلطة الثيوقراطية، يستوجب تعبئة القوى المدنية العلمانية والديمقراطية والوطنية المستعدة للنضال ضد ما يجري اليوم بالعراق والعمل مع الجماهير الشعبية لتوعيتها وإزالة الغشاوة الفكرية والتشويه التزييف الجاري وتبصير العراقيات والعراقيين بما جرته وما يمكن أن تتسبب بها الآن وفي المستقبل من كوارث وآلام للشعب العراقي كله.     
16/7/2014                     كاظم حبيب

65

كاظم حبيب
في الذكرى الأربعينية لوفاة الدكتور أحمد فخري الحكيم
قبل أربعين يوماً توفي رفيق النضال الطويل والصديق الدكتور أحمد الحكيم عن عمر ناهز الثمانين سنة. ولد أحمد الحكيم في عائلة ديمقراطية بمدينة كربلاء وأكمل دراسته الثانوية ببغداد والتحق بالجامعة هناك وفيها التحق بتنظيمات الحزب الشيوعي العراقي. اعتقل وأجبر مع عدد كبير من خريجي وأساتذة الكليات على الالتحاق بمعسكر السعدية في لواء ديالى في العام 1955/1956. وكان معه الكثير من المثقفين البارزين والشخصيات الوطنية، وكانت الغالبية العظمى منهم من أعضاء أو أصدقاء الحزب الشيوعي العراقي والكثير من المستقلين، وكان بينهم على سبيل المثال لا الحصر الشاعر المعروف مظفر النواب وكاتب القصة العراقية القصيرة عبد الملك نوري والفنان المبدع والمسرحي يوسف العاني والأستاذ الجامعي د. صفاء الحافظ ود. صلاح خالص وصباح الدرة والمئات من مثقفي ووطني العراق في العهد الملكي ...الخ.
بعد مغادرته العراق قبل ثورة تموز إلى ألمانيا للدراسة التحق بتنظيم الحزب وعمل مع رفيقه في النضال وفي عضوية الحزب الدكتور صباح الدرة. بناء على قرار من الحزب الشيوعي العراقي عاد في العام 1969 إلى العراق وعمل في تنظيمات الحزب ثم اعتقل في العام 1970 وعذب وصمد أمام التعذيب الشرس لقوى أمن حزب ونظام البعث العربي الاشتراكي ثم أطلق سراحه بعد تدخل جهات كثيرة.
بالعراق درس في كلية العلوم فرع الجيولوجيا وتخرج حاملاً شهادة البكالوريوس. ولكن تحول بألمانيا إلى دراسة الاقتصاد وحاز على درجة الدكتوراه وكانت موضوع رسالة الدكتوراه هو الاقتصاد والإصلاح الزراعي في العراق. 
لقد عُرف أحمد الحكيم (الرفيق ناهض) بحبه الشديد للحزب الشيوعي العراقي وللمبادئ التي آمن بها وعمل وناضل من أجلها. وكان شديد الالتزام بسياسة الحزب وما تقرره قيادة الحزب، وكان من المدافعين عن الدول الاشتراكية والاتحاد السوفييتي لإيمانه بصواب المبادئ التي التزمت بها تلك النظم. كان منفذاً ملتزماً لسياسات الحزب ومسؤوليه وبعيداً عن ممارسة النقد إزاء أي من سياسات الحزب، مما شكلت نقاط خلاف ومشاكسات مع الكثير من رفاقه وأصدقائه.
كان أحمد الحكيم واحداً من الوجوه الطلابية والسياسية البارزة والمعروفة بألمانيا الغربية أولاً وقبل انتقاله إلى ألمانيا الديمقراطية وبعدها أيضاً. كان في الغالب الأعم عضواً أو رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين بألمانيا الديمقراطية وأحد المشاركين بفعالية متميزة في نشاطات الجمعية ومؤتمراتها. كما شارك في دورات حزبية وسياسية وفي نشاطات تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي بألمانيا أو بالخارج بشكل عام. كما عمل في نادي الرافدين العراقي في فترة لم تكن ذهبية في تاريخ هذا النادي العتيد.
وفاءً للرفقة النضالية والصداقة الطويلة والمتعثرة أحياناً التي جمعتني به، وصداقتي الحميمة لعائلته الطيبة وأشقائه الكرام الأستاذ محمد فري الحكيم والأصدقاء الأعزاء الدكتور محمود فخري الحكيم والعزيز علي الحكيم وأخيه العزيز الذي توفى مبكراً هاشم فخري الحكيم والد زهير الحكيم كتبت هذه الكلمة بحق العزيز أحمد الحكيم.
التعازي القلبية الحارة لعائلة ورفاق وأصدقاء الفقيد والذكر الطيب له.
سيقام حفل تأبيني للفقيد على الساعة الخامسة من بعد ظهر يوم الجمعة المصادف 18/7/2014 في قاعة البناية Verlagsgebäude Neues Deutschland الواقعة في شارع  Berlin, Franz-Mehring-Platz 1
 القريبة من محطة Ostbahnhof
كاظم حبيب
   
   

66
كاظم حبيب
السعي المحموم للقوى الطائفية لتلويث القوى الديمقراطية بالطائفية المقيتة!!
الشعب العراقي بكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية والعلمانية يعيش محنة مركبة ومعقدة وعسيرة جداً، إنها الأكثر شدة وإيذاءً للمجتمع بالمقارنة مع كل المآسي والكوارث والحروب التي مرّ بها عبر العقود الخمسة المنصرمة. فهي ولأول مرة لا تضع الصراعات والنزاعات في دائرة القوى الحاكمة من جهة، والشعب بكل مكوناته من جهة أخرى، بل دفعت وما تزال تدفع بها إلى أوساط واسعة من المجتمع العراقي بكل مكوناته. ومما يزيدها خطورة واقع الوعي المشوه والمزيف الذي تكون عبر الأعوام أو العقود الستة  المنصرمة والذي تفاقم خلال السنوات العشر الأخيرة التي أعقبت سقوط الدكتاتورية الغاشمة، دكتاتورية حزب البعث وشوفينيته وطائفيته وعهره كنظام سياسي، لدى أوساط شعبية واسعة.
إن التحالف الدولي، الذي تكون خارج نطاق الشرعية الدولية، شرعية الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية نجح في إسقاط الدكتاتورية الغاشمة، ولكنه فرض على أنقاضها نظاماً سياسياً سيئاً يقوم على المحاصصة الطائفيةً والأثنية وسلم قيادة الدولة المهشمة بيد قوى طائفية لا يجمعها مع مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والسلم الاجتماعي أي جامع، إذ إنها من حيث الفكر والعقيدة شمولية ورافضة من حيث المبدأ لكل تلك المبادئ ورافضة للقوميات وحقوقها ومصالحها وإرادة شعوبها. هذه القوى الإسلامية السياسية الطائفية بامتياز التي تسلمت السلطة وتقاسمتها بصورة غير شرعية وبعيداً عن الدستور، الذي يؤكد، رغم نواقصه، مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية، دخلت في صراع مرير ثم تحول إلى نزاع دموي على سلطة الدولة واستغلال الشعب وخيراته وموارده المالية. ومن أجل ضمان نجاحها وبقائها في السلطة أو الحصول على مواقع أكثر قوة وتحقيق غنائم أكبر وأكثر والتي انخرط بعضها في تنظيمات وعلاقات مافيوية، لم تكتف بصراعاتها السياسية على مستوى القوى الحاكمة بل دفعت بها إلى المجتمع بكل ثقلها مقترنةً بدعم متنوع ومتعدد الأشكال والأدوار من جانب المرجعيات والمؤسسات الدينية، الشيعية منها والسنية، والتي كانت قد حرمت الشعب العراقي على امتداد الحكم الوطني من عملية التنوير الديني والاجتماعي، ولعبت دورها المميز والشديد السلبية في تكريس وتعميق التخلف والتشوه الديني وتزييف إرادة الناس.
وزاد في الطين بِلة الصراعات المذهبية الدائرة في منطقة الشرق الأوسط التي تقودها بشكل خاص إيران التي تعتمد المذهب الشيعي الصفوي المتخلف والمتشدد من جهة، وعلى السعودية التي تعتمد المذهب السني الحنبلي الوهابي المتخلف والمتشدد من جهة ثانية. ولا يعني هذا أن ليست هناك دول وقوى أخرى لعبت وما تزال تلعب دوراً كبيراً في الاستفادة وفي تعميق وتشديد هذه الصراعات وتغذيتها بالمال والسلاح والانتحاريين، ومنها تركيا وقطر من جانب، وسوريا وحزب الله من جانب أخر مثلاً.
لقد نجح الطائفيون المغامرون الذين شاركوا في حكم العراق خلال السنوات العشر المنصرمة من أمثال نوري المالكي وعلي الأديب وهادي العامري وغيرهم، أو طارق الهاشمي وأسامة النجيفي وصالح المطلك  وخاصة من بيده قيادة السلطة، الذي اعتبر السلطة إنها له وليس لغيره وأنه أخذها ولن يعيدها لغيره وإنه جاء ليبقى في السلطة وإلى الأبد، والذي لم يدرك مضمون المثل القائل" ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع"، وإنها لو دامت لغيره ما وصلت إليه، إلى نشر الحقد والكراهية في أوساط الشعب العراقي من أتباع المذهبين السني الحنفي والشيعي الاثنى عشري، هؤلاء الناس الذين لم يميزوا في الحياة اليومية بين السني والشيعي باعتبارهم مواطنين عراقيين لا غير، رغم سوءات النظم السياسية وتمييزها بين أتباع الديانات والمذاهب.
ويلعب الإعلام الحكومي وإعلام الدول العربية الرسمي وإعلام إيران بشكل خاص وقوى الإرهاب من الطرفين دوره في تشديد هذه الصراع حتى أصبحت مطالب الشعب العادلة والمشروعة والواقعية التي رفعها الديمقراطيون متهمون بالبعثية والعداء للحكم الشيعي والشيعة. كما اعتبرت المطالب العادلة والمشروعة والواقعية لأبناء وبنات المناطق الغربية والشمال الغربي من العراق هي الأخرى أهدافاً مشبوهة لا بد من مواجهتها بالعنف والقوة كما جوبهت مظاهرات 25 شباط 2011 ولكن بصورة اشد وأكثر قسوة وعنفاً وحقاً، مما أدى إلى ما نحن عليه اليوم.
إن الجرائم التي ترتكب من داعش والمليشيات المسلحة الأخرى المتعاونة والمتحالفة معها كبيرة جداً هي أقرب ما تكون إلى الإبادة الجماعية وهي لن تترك أي عراقي وعراقية من أي دين أو مذهب كانا ما لم يظهرا البيعة لهم ويؤمنوا بما يؤمنون به، ولكن في ذات الوقت تمارس المليشيات الشيعية مثل عصائب أهل الحق الشيعية الصفوية الإيرانية، التي اعتمدها نوري المالكي في صراعه مع القوى الأخرى ومع حلفائه، إضافة إلى المليشيات الشيعية المسلحة الأخرى التي تمارس كل أنواع القهر والجرائم بحق من تعتبرهم أتباع يزيد على حسب تعبير رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي حين ادعى بكربلاء: أن الصراع بين أنصار الحسين وأنصار يزيد بن معاوية. وقد أشارت إلى ذلك منظمة مراقبة حقوق الإنسان Human Rights Watch ومنظمات كثيرة أخرى وتناقلتها أجهزة الإعلام الدولية حيث تم إعدام 250 سجيناً ومعتقلاً متهماً بالإرهاب دون محاكمات، كما تم قتل 20 امرأة و8 رجال في بيتين في حي الزيتونة ببغداد يوم أمس، إضافة غلى ما مارسته عصائب أهل الحق وغيرها في مدينة بهرز حيث قتلت 48 شخصاً بسبب كونهم من السنة، رغم كونهم غير طائفيين وغير مناهضين للشيعة. إنها جرائم لا تمارسها إلا قوى وعناصر فقدت الذمة والضمير وتحمل الجريمة في رؤوسها والإيديولوجية القذرة التي تؤمن بها.
إن الخطر الداهم الذي بدأنا نتلمسه ونخشى منه على القوى الديمقراطية العراقية ممن ولدوا في عائلات شيعية أم سنية برز، وبصراحة وشفافية عالية، في  ولوج الشعور الطائفي السياسي التمييزي إلى هذه الأوساط التي لم تكن قبل ذاك ملوثة بداء الطائفية السياسية ولم تكن تعرف هذه المصطلحات أو تعيرها الانتباه. إنه يحرك مشاعر غير حضارية نتحمل مسؤولية مواجهتها ومنعها من التطور والتأثير الفعلي.
إن خسارتنا كبيرة إن أصبحت بعض القوى أو العناصر الديمقراطية العراقية، ولا أتحدث هنا عن قوى التيار الديمقراطي وحده، بل كل القوى التي تحسب نفسها على الاتجاهات الديمقراطية المدنية أو العلمانية، أرضية صالحة لهذا الوباء الناخر في جسم المجتمع العراقي. إن على  العناصر الديمقراطية أن تعي بأن هذا الصراع الطائفي يمكن أن يتخذ أبعاداً تحرق الأخضر واليابس في آن واحد، وبالتالي لا بد من مواجهته بمبادئ الحرية والديمقراطية والعلمانية ومناهضة كل أشكال الطائفي السياسي والتمييز الديني، بالضد من هذا الاتجاه النتن في السياسة، تجاه الطائفية المقيت والمؤذي للمجتمع، إنه الأخطر حقاً على سلامة المجتمع والدولة العراقية الهشة. إن المالكي لا يتحرك بمعزل عن التأييد القادم له من إيران الطائفية المتوحشة. ومن المؤسف إذا استطاعت أن تنتصر الحوزة الدينية بمدينة قم على قرارات واتجاهات الحوزة الدينية بالنجف، وهما كانا على خلاف مستمر لا في موضوع ولاية الفقيه فحسب، بل وفي شدة تعصبهما للمذهب وتجاوزه حدود المعقول والمصدر باستمرار للمزيد من البدع إلى العراقيين الشيعة الذين يمارسونها بدعم ودفع ومساهمة من إيران والكثير من الزوار الإيرانيين.
أتمنى على جميع الديمقراطيين العراقيين والعراقيات من كل القوميات والمنحدرين من عائلات شيعية أو سنية أن ينتبهوا إلى الجو الطائفي المحموم والمسموم الذي تغذيه القوى الطائفية في الحكم وخارجه وأن يواجهونه بحزم وصرامة وإدانة وأن يطرحوا البديل الديمقراطي للعلاقات بين أتباع جميع الديانات والمذاهب بالعراق، وبين جميع القوميات.
13/7/2014    كاظم حبيب

67
كاظم حبيب
ملاحظات حول دراسة تحت عنوان :الأزمة السياسية الحالية: رؤيا اقتصادية للدكتور كمال البصري والأستاذ مضر سباهي
وجه الزميل الدكتور كمال البصري رسالة إلى الدكتور مهدي الحافظ رئيس مجلس النواب، باعتباره أكبر الأعضاء سناً ، جاء فيها ما يلي:
سعادة  رئيس السن في مجلس النواب الدكتور مهدي الحافظ المحترم.
والفضلاء من المسؤولين والمعنيين بالشأن العراقي.
 
م/الازمة السياسية العراقية الحالية: رؤيا اقتصادية
 
تحية تقدير واحترام
 
الأزمة السياسية الحالية تستلزم تحليل عواملها بشكل موضوعي وبغياب مثل هذا التحليل سنصل إلى حلول عقيمة لا تخدم احد بل قد تعمق من حدة الصراع السياسي.  المقال المرفق دراسة جدية  بهذا الاتجاه.
 
في هذا الوقت العصيب نحن بحاجة إلى تبادل الرأي لغرض الوصول إلى فهم مشترك للحلول الممكنة، ويسعدني استلام وجهات نظركم.
 
مع التقدير والاحترام
 
د. كمال البصري
وقد تسنى لي  قراءة المادة المحولة لي عبر شبكة الاقتصاديين العراقيين والمكتوبة من قبل الزميلين، كما قرأت مداخلة الزميل الدكتور بارق شبر والزميل الدكتور محمد العضب. وإذ اتفق مع الكثير المهم مما ورد في مداخلتيهما، أود إبداء الملاحظات التالية :((تجدون في نهاية هذه الملاحظات دراسة الأخوين الدكتور كمال البصري والأستاذ مضر سباهي بهدف اطلاع القراء على فحوى الدراسة والملاحظات الموجهة لها).
أولاً: لم يبذل الزميلان الفاضلان الدكتور كمال البصري والأستاذ مضر سباهي الجهد الكافي، كما أرى، في تشخيص العلة أو المشكلة المركزية التي تواجه العراق منذ سقوط الدكتاتورية الغاشمة حتى الوقت الحاضر، وأعني بذلك ابتعادهما عن تشخيص كون النظام السياسي العراقي القائم هو نظام سياسي طائفي قائم على المحاصصة الطائفية المقيتة في السلطات الثلاث وفي جميع أجهزة الدولة ومؤسساته.
ثانياً: إن مثل هذا النظام السياسي لا يأخذ بمبدأ المواطنة الحرة والمتساوية، بل يعتمد قاعدة مخالفة لحقوق الإنسان وشرعته العالمية، يأخذ بقاعدة الهويات الفرعية القاتلة لوحدة الوطن والشعب. وهذا يعني إن هذا النظام يأخذ بالقاعدة غير الإنسانية وغير الأخلاقية، قاعدة التمييز بين المواطنات والمواطنين على أساس الدين والمذهب، وهي التي تتسبب بالتخلي عن الكفاءات الوطنية لصالح الدين والمذهب على نحو خاص وهي جريمة مباشرة وغير مباشرة بحق الوطن والشعب، سواء أدرك المسؤولون أم لم يدركوا ذلك.
ثالثاً: ومثل هذا النظام الطائفي لا يمكن أن يكون رشيداً ولا تتوفر لديه الأرضية الصالحة للرشادة والعقلانية أصلاً، بل يوفر مستلزمات الاستبداد الفكري والسياسي والتهميش والإقصاء للآخر. إنه نظام الفكر ذو العقيدة الواحدة والرأي الواحد ولا يختلف في ذلك عن كل المتطرفين أياً كانت عقيدتهم دينية أو مذهبية أو علمانية.
رابعاً: ومثل هذا النظام لا يحترم الشعب ولا إرادته ولا مصالحه فحسب، بل ويرتكب الكثير جداً من الأخطاء والحماقات والجرائم التي تقود بالضرورة إلى انعدام الانسجام مع المجتمع المتنوع قومياً ودينياً ومذهبياً ويقود إلى صراعات متنوعة وإلى نزاعات دموية كما يعيشها العراق في المرحلة الراهنة.
وكما اشار الدكتور محمد العضب فأنتما تتشبثان بجزء من النتائج السلبية، وهي كثيرة جداً، ولكنكما لا تسعيان إلى الغوص في أعماق الوضع بالعراق والعوامل التي تسببت في ما يعاني منه الوطن والمجتمع في حين ينصحنا الكاتب الخالد العلامة عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، صاحب كتاب "المقدمة" بقوله: إنه "لا يكفي أن تصف موج البحر، وظهور السفن، حين تريد أن تتكلم عن حياة البحر .. لا بد لك أن تفهم ما في القاع.. قاع البحر المليء بالغرائب والتيارات والوحوش… وقاع السفينة حيث يجلس عبيد وملاحون إلى المجاديف أياماً كاملةً، يدفعون بسواعدهم بضائع تحملها السفن، وثروات وركاباً .. وينزفون عرقاً، وتتمزق أجسامهم تحت السياط.. أجل، ينبغي أن تعطيني صورة كاملة، عندما تريد أن تقنعني بأمر من الأمور".  هكذا يفترض أن يعمل الباحثون الاقتصاديون والاجتماعيون وأن لا يقفوا على وعند سطح الأحداث وليس إلى سبر أعماقها.
خامساً: إن السياسة أيها الأخوة هي الوجه الآخر للاقتصاد. وبما أن السياسة طائفية وتمييزية وسطحية وبائسة، نجد تجليات ذلك وانعكاسه الصارخ على الواقع الاقتصادي السيئ الذي يعاني منه العراق.
تتحدثون عن أعلى مستوى معدل للنمو.تحقق بالعراق! تقولان هذا وأنتما تعرفان جيداً الخلل والتشوه البنيوي الذي يعاني منه الاقتصاد العراقي، إذ أن هذا النمو أيها الأخوة مشوه بكل معنى الكلمة، إذ أننا نعيش في دولة ريعية وحيدة الجانب يشكل النفط الخام النسبة العليا من الناتج المحلي الإجمالي وأكثر من 95 % من صادرات العراق. إن الاقتصاد الريعي (النفط) في دولة نامية، حيث يسود التخلف والجهل والأمية والثقافة الضحلة وغياب التنوير الديني، يحولها إلى دولة مستبدة قاهرة واتكالية ومكشوفة على الخارج وبعيدة كل البعد عن الحياة الحرة والديمقراطية وعن حقوق الإنسان. كتب الدكتور أحمد علوي بصواب في مقال له عن "الاقتصاد الريعي ومعضلة الديمقراطية" ما يلي: "تتناسب العلاقة بين العملية الديمقراطية عكسياً مع ازدياد صادرات النفط، أي أنه كلما ازدادت المداخيل النفطية للدول المنتجة للنفط ، تصاب العملية الديمقراطية بالخلل وتتراجع الحريات السياسية. وهذا على عكس ما يجري في البلدان المتطورة. فاستناداً إلى الأبحاث المختلفة، فإن حال الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات السياسية في البلدان المتطورة تتناسب طردياً مع زيادة الناتج الإجمالي الداخلي ومع دخل الفرد(Huntington 1991).  وعلى خلاف ما يجري في الدول المتطورة، فلا تؤدي الزيادة في مداخيل الدولة أو الدخل الوطني في الدول التابعة والريعية إلى التطور السياسي." (راجع: د. أحمد علوي، تعريب عادل حبة. "الاقتصاد الريعي ومعضلة الديمقراطية". الحوار المتمدن-العدد: 3540-2011/11/8). إنها مرتبطة بمستوى الوعي والثقافة ولهذا يمكن القول بإن العلاقة جدلية بين ضعف الوعي الاجتماعي والسياسي  والمستوى الثقافي الواطئ بشكل عام وغياب العملية التنويرية تزداد قدرة الحكام على فرض الاستبداد الشمولي والرؤية ذات الوجهة الواحدة، ويزداد دور وعاظ السلاطين على تشويه الحقائق والدفاع عن الدكتاتورية السافرة.
إن الفئة الحاكمة بالعراق تحولت إلى فئة رثة تعتمد الفساد المالي والإداري كنظام قائم بذاته يسود في كامل سلطات ومفاصل الدولة والحكومة والمجتمع في آن واحد. إنها المعضلة أخي الفاضل دكتور كمال البصري وأخي الفاضل الأستاذ  مضر سباهي.
هذه ملاحظات سريعة وأملي أن تكون مفيدة.
12/7/2014                       كاظم حبيب
 
 
الازمة السياسية العراقية الحالية: رؤيا اقتصادية
د.  كمال البصري
 الاستاذ مضر سباهي
المعهد العراقي للاصلاح الاقتصادي
حزيران 2014
تأتي اهمية المقال من ضرورة تحليل عوامل الازمة بشكل موضوعي وبغياب مثل هذا التحليل سنصل الى حلول عقيمة لاتخدم احد بل تعمق من حدة الصراع السياسي. حاليا يدور الحديث في وسائل الاعلام المحلية والاجنبية حول ضرورة تشكيل حكومة عراقية اكثر شمولية لشرائح المجتمع، وتنصب جميع الجهود بهذا الاتجاه ولكن السوأل هل ان توسيع المشاركة السياسية سيؤدي بالنتيجة الى استقرار سياسي؟ 
في أواخر عام   2012   وفي اكثر من بحث صادر عن المعهد العراقي للاصلاح الاقتصادي تمت الاشارة الى:
رغم ان العراق يعتبر الدولة الاكثر نموا بالعالم الا انه بنفس الوقت بلغ حالة مفترق طرق تتراوح بين الحالتين "التفاؤل" و  "اليأس" مبينا ان شروط الحالة المتفائلة غير متوفرة،  بل على العكس ان شروط حالة اليأس هي السائدة والتي تتلخص باستمرار ضعف الارادة السياسية لتطبيق مفردات الادارة الرشيده وبالتلكؤ في اصلاح البيئة القانونية، وان غياب هذه الشروط سيعيق تطور الحالة الاقتصادية، وان استمرار هذه الحالة سيؤدي الى ضعف مصداقية الحكومة، ومن ثم الى تأجيج الانقسام السياسي والطائفي والقومي (المستتر) الى صراع لا نعرف مدياته (المصدر 1).
ان مفردات الادارة الرشيدة تتجسد:
•   تبنى الكفاءة بالعمل بما يضمن الجودة وفي وضع الفرد مناسب في المكان المناسب، 
•   عدم تجاوز القوانين والتعليمات بما يضمن حقوق العاملين والمتعاقدين وسيادة القانون،
•   اتباع الشفافية في جميع القرارات بما يحقق الوضوح في التعامل ودرئ المخاطر،
•   اتباع الية المشاركة في الادارة بما يضمن الابتعاد عن الفردية،
•   واخير العمل وفق ستراتيجية لها المصداقية العلمية. 

ان غياب مفردات الادارة الرشيدة في مؤسسة ما ينجم عنها: ان القرارات التي يتم اتخاذها تكون مرتجلة ولا تستند على ستراتيجية محددة، وان الفرد المناسب ليس بالمكان المناسب، كما ان منتسبي المؤسسة لا يتحملون تبعات قراراتهم واعمالهم، وان جميع القرارات والتصرفات داخل المؤسسة لا تلتزم بالاعراف والقوانين المعمول بها، واخيرا لا تتمتع القرارات بالشفافية المطلوبة لازالة الغموض والهواجس.
واما عن اصلاح البيئة القانونية فقد باتت في غاية من الاهمية وبقى تخلف تشريعها عقبة في انسيابية الاعمال بطريقة مناسبة على الصعيد الخاص والعام. ان التشريعات السابقة تمثل مرحلة تاريخية تم تجاوزها، وقد سبب بقاؤها اختناقات في تطور عمل اللامركزية كما حرمت المؤسسات من تقديم الخدمات التي يرغب بها المواطن (كما هو الحال في المصارف المعيقة لتطور الصناعة والتجارة) و استمرار ضعف اداء القطاع العام والخاص في تنفيذ المشاريع الخدمية والانتاجية الضرورية لاشباع احتياجات المواطنين المختلفة واستيعاب اكبر قدر من البطالة،  ولعل من ابرز القوانين المعطلة والتي لها دور رائد في تفتيت الازمات السياسية هي: قانون الاحزاب، قانون النفط، وقانون البنى التحتية، وقانون الخدمة المدنية. 

ومما فاقم المشكلة هي الزيادة المتحققة في انتاج النفط (والتي ادت الى ان يتفوق نمو الاقتصاد العراقي على الاقتصاد الصينى) هذه الزيادة قد رفعت من مستوى توقعات المواطنين للخدمات الحكومية التي يمكن التمتع بها بمقابل ذلك وللاسباب المشار اليها عجزت الادارة الحكومية في الاستجابة لتلك التوقعات. على اساس ماتقدم صنف العراق بالادبيات الاقتصادية واحدة من اعجز الحكومات على الايفاء بواجباتها (المصدر 2)، كما بلغ تسلسل العراق وفقا لمؤشرات البنك الدولي الخاصة بتطبيق معايير الادارة الرشيدة اقل حتى من اقرانه في الدول العربية (وحتى اقل من ناجيريا الدولة الغارقة بالفساد!). ادت العوامل اعلاه الى ضعف ثقة المواطن بعدالة ومصداقية الاجراءات الحكومية، ومع ان التلكؤ قد اصاب كل مناطق العراق بدون استثاء الا انه ركب بعض السياسيون موجة الفشل في تسويق وتأطير الخلافات السياسية والشخصية باطار الطائفية والقومية.

ان بعض عوامل التخندق الطائفي "سلوكية" ففي كثير الاحيان يتخذ موقف فردي على البعض بسب اخفاقهم بتأدي واجب ما (بسب عدم الكفاءة او المقدرة) ويترتب على ذلك تفسير غير موضوعي (طائفي) في حين ان واقع الامر لا يستلزم ذلك، ويكون الضرر الاجتماعي او السياسي اكبر عندما يكون صاحب القرار زعيم قبيلة او زعيم سياسي، الا ان التشابك او التداخل بين العوائل العراقية و منذ القدم في فضاء التنوع المذهبي والقومي العراقي دليل على روح التأخي المتأصلة بين العراقيين، وان التخندق الطائفي الذي يروج له البعض لامكانة له عند العراقين.  ان الحراك الطائفي حالة مرضية فردية تنداب كيان العراق تعود اسبابها الى فشل فشل سياسي داخلي وتأمر سياسية خارجي يراد منها تفتيت قوة العراق (كما فتت دول شرق اوربا). 
 الحقيقة هي ان العدالة بالمشاركة السياسية (المحاصصة) لا تضمن تطور كفاءة الاداء كما بينت تجربة العراق السابقة ونتائج الدراسات السياسية المبنية على ادلة احصائية لعدد من الدول الديمقراطية (والتي فيها تعدد قومي او مذهبي) تنص على "ان المشاركة النسبية بالحكومة لا تمثل بحد ذاتها حلا مستقرا للتناقضات السياسية الكامنة إلا عندما يكون هناك تطور في مؤشر التنمية البشرية كالتعليم الذي يعتبر من اهم العوامل للاسراع بتطبيق الادارة الرشيدة" ( المصدر 3 ).
اذ المشاركة النسبية للكتل السياسية لا تؤدي بشكل طبيعي الى تطبيق قيم الديمقراطية المتمثلة بالسعي الى فرض مفردات الادارة الرشيدة، وبغياب هذه القيم لا يكون للمؤسسات المختلفة دور فعال في تقديم الخدمات العامة، وينعكس ذلك على وهن وعدم كفاءة القطاع العام، وضعف تواجد القطاع الخاص المحلي والاجنبي. ان الوهن والضعف المشار اليهما كان مادة خصبة في افتعال الازمات والخلافات  القومية والمذهبية والسياسية.
ان خير مثال على عدم فعالية المشاركة السياسية وحدها في تحقيق الاستقرار السياسي في العالم العربي هي تجربة لبنان التي لم توفق يوما من الاستقرار المنشود، كذلك  في السودان ولغرض حل مشكلة النزاع الدامي في جنوب السودان الذي كان السبب في كثير من المأسي الانسانية. عليه أقدمت حكومة الرئيس السوداني "البشير" عام 2005  بتوقيع اتفاق يمثل تسوية سياسية تتجسد بمشاركة الخصوم السياسين من الاقليات القومية في ادارة الحكم  الا ان نتائج هذه المشاركة لم تحقق للسودان الاستقرار السياسي المنشود. 
تعتبر تجربة السودان تحديا لنظرية "المشاركة النسبية بالحكم" والتي تزعم ان هذه المشاركة تمثل امتصاص لزخم الصراع القومي او المذهبي  وتدعي النظرية ان المشاركة السياسية ستكون الاطار الضامن لتطبيق مفردات الادارة الرشيدة ومن ثم الى تنمية بشرية عادلة للجميع تضمن استقرار سياسي. 
لقد توصلت نتائج الدراسات السياسية والاقتصادية الى ان الادارة الرشيدة هي العامل الحاسم في تقدم ورخاء الشعوب، وعلى اساس ماتقدم فالمشاركة بالحكم في غياب تطبيق مفردات الادارة الرشيد تعنى فوضى كما انه ليس هناك دليلا على ان المشاركة النسبية بطبيعتها تقود الى بناء مؤسسات حكومية تتجسد بها الادارة والحكم الرشيد. انه بناء يعتمد على تطور التعليم (كما حصل في دول شرق اسيا التي حققت المعجزة الاقتصادية) ولم يتحقق ذلك بفضل المشاركة السياسية الواسعة او بفضل الثراوت الطبيعية بل من خلال سياسة طموحة شملت التعليم وبتطبيق مبادئ الحكم الرشيد وبفضل قيادات مهنية.
في العراق تمت المشاركة بالحكم على صعيد المؤسسات العامة بصورة بعيدة عن ابسط ممارسات الحكم الرشيد بل كانت اقرب الى توزيع غنائم حرب: سرعان ما اتخمت دوائر الدولة بالمنتسبين على اسس غير سليمة ومتكافئة وبلغ مجموع المنتسبين بحدود 3 مليون وبقيت الدولة العراقية تعاني من نسبة عالية من البطالة. تبع ذلك شعور البعض بالاهمال والتهميش رغم ان الثروة النفطية (وفقا للدستور العراقي) يشترك جميع المواطنين بملكيتها بقدر متساوي الا ان درجة الاستفادة منها انعكست على البعض دون البعض الاخر، وتم العمل بكثير من المشاريع الاقتصادية بغياب خطط ستراتيجية متوسطة او بعيدة المدى  ... الخ  وعليه من الصعب الادعاء بان المشاركة الديمقراطية قد طبقت بشكل سليم انها اقرب الى ماجاء به القران الكريم " قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم". 
يتضح من اعلاه ان تطبيق الديمقراطية بالعراق لم يكن سليما اذا اكتفى السياسيون بالانتخابات  ولم يراعوا تطبيق قيم الديمقراطية (مبادئ الحكم الرشيد) ولا بدعم المنظمات غير الحكومية الساندة والمقومة لمسار الديمقراطية، والاغرب من كل ذلك هو امتناع الاحزاب التي تسعى الى ترشيد العملية السياسية عن تشريع "قانون الاحزاب السياسية" الذي يقنن عملها وفق المعايير الوطنية، لاشك ان هذا امتناع يضع الاحزاب السياسية بحالة مريبة (فاقد الشئ لا يعطيه). ان غياب الحرص على تطبيق قيم ومبادئ الديمقراطية قد وضع الحكومة في قفض اتهام وسرعان ما استغل السياسيون عدم رضا المواطن لتأجيج الخلافات والمساهمة في عرقلة برنامج الاصلاح وتأطير الخلافات بعناوين طائفية وقومية في حين ان اصل الخلافات تعبر مصالح ذاتية مشروعة او غير مشروعة. ان الادعاء بممارسة الديمقراطية ناقص اذا لم يصطحب ذلك الايمان بقيم الديمقراطية متمثلة بمفردات الادارة الرشيدة.
ان خصوصية العراق الحالية تتطلب حل الازمة السياسية القائمة بأختيار حكومة تكنوقراطية (من قبل الكتلة البرلمانية الاكبر) غير متحزبة غير محسوبة على الجانب المذهبي اوالقومي، وان العودة الى تشكيل حكومي توافقي على اساس المحاصصة يمثل عودة الى تجارب سنوات الماض القريب.  ان خصائص الحكومة المطلوبة لتحقيق الاستقرار السياسي هي:
ان تكون حكومة غير متحزبة تتمتع بصفة الفريق الواحد وتتمتع بمهارات عالية تتناسب وحجم التحديات التي يواجهها العراق، وأن يكون لها برنامج عمل يستند على اسس وتجارب عالمية ( كتجربة كوريا ماليزيا و سنغافورة ) ويتم اقراره من قبل مجلس النواب أبتداءا.  يتضمن برنامج العمل  :
أ‌.   الادارة الرشيدة: وضع خطة زمنية لتطبيقها في مؤسسات الدولة بما يضمن سيادة القانون والكفاءة وتحقيق العدالة في جميع الممارسات.
ب‌.       التنمية البشرية: وضع خطة زمنية  تتضمن اعطاء التعليم اولوية واستكمال متطلبات البنى التحتية  باعتماد صيغة عقود "مشاركة القطاع الخاص للعام".
ت.    اصلاح القوانين والاجراءات: بوضع برنامج زمني للاصلاح يضمن ان يصبح العراق بيئة مناسبة لممارسة الاعمال الاقتصادية.
ث.     قانون النفط: تشريع قانون ينص على اعتبار النفط ثروة  إستراتيجية لكل العراقيين وعلى ان يتناول القانون الاسس السليمة لتجنب العراق سلبيات الثروة المالية النفطية (لعنة النقط).
ج.    اللامركزية: وضع خطة لبناء القدرات الذاتية للمحافظات وبالاستعانة بالهيئات الاستشارية العالمية.
خ‌.    القطاع الخاص:  العمل على تنميته ضمن خطة متكاملة يكون من اولوياتها اصلاح الواقع المصرفي. 




المصادر

1. العراق الدولة الاكثر نمو في العالم عند مفترق طرق، المعهد العراقي للاصلاح الاقتصادي 2012
2. العراق دولة فشلة
3.
Stable democracy and good governance in divided societies: Do power-sharing institutions work? Pippa Norris
http://www.innovations.harvard.edu/showdoc.html?id=6669&p=1



 
 
 


68
قراء في كتاب "بغداد أمس" للكاتب البروفيسور الدكتور ساسون سوميخ

   
اسم الكتاب: بغداد أمس
المؤلف: البروفيسور الدكتور ساسون سوميخ
المترجم: د. محمود عباسي (الكتاب بالأصل باللغتين العبرية والإنجليزية وترجم عن اللغة العبرية).   
دار النشر: دار المشرق للترجمة والطباعة والنشر م.ض. – شفاعمرو/ إسرائيل
سنة النشر: 2011
عدد الصفحات: 176 صفحة بضمنها مجموعة من الصور للنصف الأول من القرن العشرين بالعراق.
ملاحظة: يشير الكاتب إلى إن كتاب بغداد أمس  “Baghdad Yesterday”هو الجزء الأول، في حين ستصدر ترجمة الكتاب الثاني الموسوم „Life after Baghdad“ تحت عنوان " الحياة بعد بغداد“ في صيف عام 2014-01-10
 

المدخل
نحن أمام شخصية أدبية كبيرة، أمام عالم رائع في الأدب العربي والنقد الأدبي، كتبه وكتاباته الأدبية ودراساته العميقة تجسد ذلك لمن اطلع على أبرز كتابات هذا الأديب اليساري والحداثي في آن (راجع الملحق رقم 1 في نهاية هذا المقال). لهذا فالكتابة عنه لن تكون سهلة بأي حال، ولست طامعاً في ذلك بل سأحاول أن أقرأ بعناية كتابه المترجم من الإنجليزية إلى العربية والموسوم "بغداد أمس". إنه كتاب قيم وأصيل وكتب بلغة أدبية رائعة.
 والكاتب البروفيسور الدكتور ساسون سوميخ من مواليد بغداد 1933 وعاش فيها مع عائلته حتى العام 1951 حين هاجر العراق إلى إسرائيل بعد صدور قانون إسقاط الجنسية عن يهود العراق. ولد في عائلة متوسطة الحال وعلمانية، وهي عائلة كبيرة ومعروفة عراقياً، كما انتشر أبناء هذه العائلة في بقاع كثيرة من العالم منذ النصف الأول من القرن العشرين حتى الوقت الحاضر. إلا إن أبرز شخصيات هذه العائلة القدامى هو الحاخام الكبير عبد الله سوميخ، في حين أبرز أبناء وبنات العائلة في الوقت الحاضر هو البروفيسور الدكتور ساسون سوميخ. وقد كتبت عنه في كتابي الموسوم "اليهود ومحنة المواطنة العراقية" ما يلي: " بعد بضعة قرون من التقهقر في ميدان التعليم الديني بدأت الطائفة اليهودية ببغداد بفتح مدارس دينية على مستوى عال عرفت باسم (تلمود توراه) أي دراسة التوراة، وقد تم تأسيس أولى هذه المدارس عام 1832 أعقبها تأسيس أول كلية دينية (يشيبا) عام 1840 وقد ترأسها الحاخام عبد الله سوميخ وبلغ عدد تلاميذها عام 1848 الستين" . كما كتب عنه الدكتور سلمان درويش في كتابه الموسوم " كل شيء هادئ في العيادة" ما يلي: "الحاخام عبد الله كان احد ثلاثة الحاخامين الذين تقلدوا سلطة القضاء الديني اليهودي في بغداد حيث كان التعليم الديني فيها راقياً وفيها مدرسة دينية يتولى هو رئاستها ويقوم بهذا العمل البار مجاناً، كما كان مرجعاً للرد على اليهود في مختلف الأقطار كالهند والصين وإيران والشام بالإضافة إلى بلاد ما بين النهرين من تفسيرات وإيضاحات دينية في تحليل أو تحريم مأكولات ومشروبات عصرية ومخترعات مختلفة. وكان بعيداً عن التعصب وعرف بمجاراته لروح العصر والتقدم ومتطلبات التطور الفكري الاجتماعي".
 
درس ساسون سوميخ الابتدائية في مدرسة "مدام عادل" الأهلية ثم درس المتوسطة والثانوية في مدرسة "شماش". وفي المدرستين أكثرية من أبناء وبنات العائلات اليهودية ولكنها ضمت مجموعة من المسيحيين والمسلمين أيضاً. حين تخرج من الثانوية كانت الأبواب قد أغلقت بوجه أبناء وبنات اليهود في التعليم العالي أو الوظائف الحكومية بل حتى الوظائف في القطاع الخاص. مما وجد الشباب اليهودي أن مستقبله قد أغلق بوجهه وفقد حرية الحركة هي أقسى ما يمكن أن يعاني منه الإنسان في بلد لا يعترف بالهوية العراقية بل بالهويات الفرعية ويميز بنها لصالح هوية فرعية واحدة وجزئية ضد الهويات الفرعية الأخرى، وهي الحالة التي لا تخلق المواطنة الموحدة والمتساوية، بل تدفع به إلى الهامش والهجرة إن أراد صيانة حريته وكرامته ورعاية مستقبله.
تعرف على الرؤية العلمانية للمجتمع في علاقات عائلته وفي موقفها من الدين أو الدولة أو إزاء الديانات الأخرى وكذلك في المحيط الذي كان على احتكاك به، وخاصة عبر بعض المدرسين الذين درسوه في المدرسة الثانوية ويعتز بذكر البعض منهم سواء أكان من أتباع الديانة اليهودية أو الإسلامية أو المسيحية، منهم على سبيل المثال لا الحصر أستاذ الكيمياء نسيم عزرا نسيم، والكاتب الأستاذ محمد شرارة والدكتور حسين مروة، صاحب كتاب النزعات المادية في الإسلام" الذي اغتيل بتاريخ 17 شباط 1987 في منزله ببيروت من أعداء الحزب الشيوعي اللبناني والحركة الوطنية اللبنانية. تعرف على الكثير من الأدباء والشعراء العراقيين ومنهم بشكل خاص محمد مهدي الجواهري وبدر شاكر السياب وبُلند الحيدري وعبد الرزاق عبد الواحد ورشيد ياسين ووأكرم الوتري وحسين مردان وغيرهم من شعراء تلك الفترة. بدأ بكتابة الشعر مبكراً ونشر بعض أشعاره في الصحف العراقية حين كان تلميذاً في مدرسة شماش الثانوية. لم يكن مغموراً بالسياسة كالكثير من أبناء وبنات جيله، كما لم يكن عضواً في حزب سياسي بالعراق، ولكنه كان ديمقراطي النزعة وتقدمي التوجه صوب الحداثة واليسار.
حين هاجر إلى إسرائيل كان عمره 17 سنة. تسنى له الدراسة بعد مرور عدة سنوات في جامعة تل أبيب وحصل على شهادة البكالوريوس في اللغة العبرية والتاريخ من جامعة تل أبيب في العام 1962 ومن ثم على شهادة الماجستير في اللسانيات في قسم اللغات السامية في الجامعة العبرية بالقدس في العام 1965. ثم انتقل إلى جامعة أوكسفورد بلندن لينجز رسالة الدكتوراه التي حاز عليها في العام 1968 وكانت تبحث في أدب نجيب محفوظ وثلاثيته الشهيرة بين القصرين (1956)، قصر الشوق ((1957، السكرية  (1957). وقد حازت دراسات وكتابات البروفيسور سوميخ على تأييد كبير وتقدير استثنائي من الروائي والكاتب الكبير والحائز على جائزة نوبل للآداب، إذ كتب رسالة بخط يده موجهة للأستاذ ساسون سوميخ بتاريخ 12/10/1978 وموقعة بـ "المخلص نجيب محفوظ"، القاهرة، جاء لضمنها المقطع التالي: (راجع الملحق رقم 1 ويتضمن صورة رسالة نجيب محفوظ بخط يده).
"الأستاذ ساسون سوميخ
إليك صادق تحياتي وشكري وبعد
لقد اطلعت على رسالتك بسرور صادق ، إعراباً عما أكنه لك من شكر لعنايتك الكريمة بدراسة أدبي ، وقد صرحت في أكثر من مجال بأن كتابك عني يعتبر عملاً نقدياً عميقاً وشاملاً ، وإنه يعتبر من أفضل ما كتب عني إن لم يكن أفضلها جميعاً. وطبيعي إنني لمست فيه حبك للأدب العربي ولاجتهاداتي فيه لا تحرياتك عن عقلية عدو. بل إن دراستك كانت غنية في المقام الأول وإنسانية بالمعنى الشامل والدقيق." 
 قبل إنجاز رسالة الدكتوراه عين سكرتيراً علمياً لمجمع اللغة العبرية. وبعد التخرج عمل محاضراً في مادة الأدب العربي ثم رئيس قسم اللغة العربية وآدابها في جامع تل أبيب في الفترة الواقعة بين 1972- 1984، ومنح درجة الأستاذية في الأدب العربي والنقد الأدبي في العام 1980. وفي الفترة الواقعة بين 1982 -2003 شغل كرسي الأستاذية للأدب العربي في جامعة تل أبيب. وبين عام 1996-1998 شغل مركز رئيس مركز الأكاديمية الإسرائيلية بالقاهرة. وفي العام 2004 حصل على الدكتوراه الفخرية من جامعة بن غوريون.
لقد عمل الأستاذ ساسون سوميخ أستاذا زائراً في جامعات كثيرة منها "جامعة برنستون، كلية سانت أنتوني في أكسفورد ، ومعهد بحوث أننبرغ ، جامعة نيويورك وجامعة أوبسالا." 
حاز الأستاذ ساسون سوميخ على وسام إسرائيل، وهو أرفع وسام يمنح في إسرائيل لدوره العلمي الكبير في مجال الآداب واللغة. كما كرم بعضوية شرف في مجمع اللغة العربية بإسرائيل تقديرًا له على ما قدّمه للأدب العربي الحديث من دراسات وأبحاث قيّمة أغنت المكتبة العربيّة. وهو أول كاتب وأديب إسرائيلي ممتميز من أصل يهود العراق ينال هذه الجائزة الكبيرة.  وفي هذا الاحتفال تحدثت الدكتور كلارا سروجي- شجراوي التي قدمت نبذة عن حياته وأعماله القيمة كما تحدث أساتذة وأدباء بهذه المناسبة التكريمية، إضافة إلى الأستاذ ساسون سوميخ الذي قدم كلمة بهذه المناسبة.  والبروفيسور سوميخ عضواً فخرياً في مجمع اللغة العربية بإسرائيل، وكان من مؤسسي هذا المجمع المهم الموازي لمجمع اللغة العبرية.
منذ انتقال ساسون سوميخ إلى إسرائيل التصق بالتيار الفكري اليساري دون أن ينتمي إلى حزب سياسي، فنشر في جريدة الاتحاد ومن ثم في مجلة الجديد ونشر عشرات المقالات حول الأدب العربي والنقد الأدبي متخذا مساراً واقعياً ومحفزاً لقراءة الأدب العربي أو الدعوة للمشاركة في الكتابة العربية. لقد أتقن اللغة العبرية مما ساهم في مشاركته في ترجمة الكثير من الشعر العربي الحديث، إضافة إلى مساهماته الشخصية. إن مقالاته عن الأدب العربي بشكل عام والفلسطيني منه بشكل خاص في الصحف العبرية والمجلات المتخصصة جلبت انتباه الكثير من القراء واكتسبت أهمية خاصة لنشر الأدب العربي، ومنه الشعر العربي. كصحيفة "هآرتس" ومجلة "عتون 77" ومجلة "كيشت" ومجلة "موزنايم" وغيرها. ويجد الباحث مقالات له في مجلة الكرمل المتخصصة باللغة والأدب والتابعة لكلية الآداب في حيفا، حيث نقرأ لساسون سوميخ فيها مثلاً : فن الشعر العبري في ظل فن الشعر العربي في القرون الوسطى، وبدايات الترجمة الأدبية في القرن التاسع عشر ومشكلة الأسلوب القصصي.  كما كان ينشر الكثير من مقالاته في جريدة الشرق الشفاعمرية.   
   
وبصدد الأدب الفلسطيني واهتمام الأستاذ ساسون سوميخ به كتب البروفيسور محمود غنايم مقالاً موضوعياً ومهماً نشر في جريدة الشرق الأوسط وبتاريخ 4 أيلول/سبتمبر 2001 بعنوان "من «اعرف عدوّك».. إلى البحث الاستشراقي، جاء فيه :
"أما أهم باحث في تقديري للأدب الفلسطيني فهو بلا شك البروفسور ساسون سوميخ، أستاذ كرسي الأدب في جامعة تل أبيب. وسوميخ من أصل عراقي جاء إلى الجامعة من الحياة الأدبية. فقد كان في شبابه من النشيطين في صفوف الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وقد كتب في مجلات الحزب وعرف العديد من الأدباء الفلسطينيين عن كثب وأقام علاقات ودية مع هؤلاء الأدباء، أمثال راشد حسين وسميح القاسم وتوفيق زيّاد وإميل حبيبي وحنا أبو حنا وغيرهم الكثير.
ودراسات سوميخ الأكاديمية انطلقت من وجهة نظر فنية، حيث انشغل بقضية اللغة في الأدب. وتكتسب دراسات سوميخ أهمية خاصة لأنها لم تبق محصورة في أروقة الجامعة، بل له العديد من المقالات والدراسات التي نشرت في الصحافة الإسرائيلية: العربية والعبرية. يضاف إلى ذلك رصيد كبير من الترجمات إلى العبرية لأدباء فلسطينيين، مثل غسان كنفاني، راشد حسين، إميل حبيبي، محمود درويش، ميشيل حداد، سهام داوود وغيرهم.
والبروفسور سوميخ، صاحب مدرسة في الأكاديميا الإسرائيلية، وقد تخرّج على يديه العديد من الطلاب الذين انتشروا في عدة جامعات داخل إسرائيل وخارجها.  وكاتب هذا المقال أحد تلامذته الذين اهتموا اهتمامًا خاصًا بالأدب الفلسطيني. وقد أصدر سوميخ كتابًا عن الشاعر الفلسطيني عبد الرحيم محمود وكتابًا آخر عن إميل حبيبي، وكتابًا ثالثًا باسم «المدار الصعب: رحلة القصة الفلسطينية في إسرائيل».
ولا بدّ أن نذكر للبروفسور سوميخ جديته وموضوعيته في دراسة الأدب الفلسطيني، وكذلك معالجته لموضوعه عن حبّ للأدب العربي لا من منطلق التعالي على هذا الأدب أو التعامل معه كشهادة سياسية ـ اجتماعية فحسب، وتحتل جامعة تل أبيب اليوم مكان الصدارة في دراسته هذا الأدب، وإذ يدرّس فيها أساتذة عرب يفردون حصة لا يستهان بها لدراسة الأدب الفلسطيني. وفي كل سنة لا يخلو المنهج الدراسي من مساق أو عدة مساقات لدراسة هذا الأدب".
لقد أخذت هذا المقتطف الطويل من مقال البروفيسور غنايم لأهميته في تشخيص العلاقة السليمة بين البروفيسور سوميخ والأدب الفلسطيني والأدباء الفلسطينيين والقائمة على الندية والتفاعل والحب الخالص للأدب العربي عموماً والفلسطيني والمصري على نحو خاص.   
نشر الأستاذ ساسون سوميخ الكثير من الكتب الأدبية التي يمكن ذكر العديد منها فيما يلي:
"عالم نجيب محفوظ" و "دنيا يوسف إدريس"و لغة القصة عند يوسف إدريس، كما صدر له عن إسهامات الأدباء اليهود الأدبية والفكرية في مصر وكتاب آخر يستعيد فيه ذكرياته عن العراق، عراق الفكر والثقافة. ولد كتاب آخر عن الشاعر الفلسطيني عبد الرحيم محمود وآخر عن أميل حبيبي. ثم توج إنتاجه بكتاب يعتبر قمة في البحث الأدبي الأكاديمي يتطرق فيه إلى تطور لغة الأدب في المنجزات الأدبية الحديثة. 
ترجم البروفيسور ساسون سوميخ الكثير من الشعر لشعراء عرب منهم الشاعر الفلسطيني محمود درويش. جاء في مقال كتبته مايا جاغي عن سيرة حياة محمود درويش ورد النص التالي المأخوذ عن سوميخ حول العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في شعر محمود درويش :
"وعند ساسون سوميخ, الباحث الإسرائيلي في الأدب العربي في جامعة تل أبيب والذي عرف درويش في ستينات القرن العشرين ويترجم القصيدة إلى العبرية " تهدف القصيدة إلى الحوار: إنها لا تتكلم عن الإسرائيليين كمجرمين, بل تقول : لم لا يفهمون ؟ لا معنى للقول أن هذا الرجل يكرهنا".  وهذا الموقف يجسد الفكر الإنساني الذي يحمله ويتمتع به الأستاذ ساسون سوميخ.
 

خصائص هذا الكتاب
حين فتحت كتاب "بغداد أمس" قرأت الإهداء الآتي الذي خصني به الأستاذ ساسون سوميخ "الأستاذ كاظم حبيب، من بغدادي إلى أخيه، محبتي واعتزازي، 6/10/2013". جملة مكثفة محملة بمشاعر الود والحنين إلى مدينة بغداد وأهليها وما فيها. حينها قررت الكتابة عن هذا الكتاب. ولكن انشغالي بإنجاز كتابي الموسوم "لمحات من عراق القرن العشرين" الذي صدر أخيراً بأربيل عن دار آراس، أعاقني عن البدء بإعادة قراءة الكتاب والكتابة عنه. وحين عدت إليه قرأته أكثر من مرة وتمتعت به وأعادني إلى أجواء بغداد الحبيبة. وقبل البدء ببعض التفاصيل بودي أن أشير إلى بعض الانطباعات التي تشكلت في ذهني حال انتهائي منه.
الذكريات التي كتب عنها ساسون سوميخ والتي يتراوح عمرها بين 65-75 عاماً تشعرك بحيوية الكاتب وطراوة الذكريات التي يتحدث عنها واعتزازه بها، ففي هذه الفترة بالذات تكونت في واقع الحال شخصية الأستاذ سوميخ الأديب الشاعر والكاتب والباحث والأكاديمي المميز والمترجم والناقد الأدبي الكبير وتكاملت عبر العقود المنصرمة بمعارف جمة وتراكم خبرات هائلة وجهود دؤوبة لم تعرف الكلل أو الملل.
يقدم الكاتب في كتاب لا تتجاوز صفحاته 160 صفحة (عدا الصور الأرشيفية) معلومات تحليلية غنية جداً عن حياة يهود الطبقة الوسطى العراقية، عن حياتها اليومية وعلاقاتها وزواجها والمشكلات التي تحيط بها ودورها، وعن حياة أطفال تلك العائلات ودراستهم والأجواء المحيطة بهم. إنه تكثيف رائع لمن يرغب في الحصول عن حياة الطبقة الوسطى بالعراق في الأربعينات من القرن العشرين. فالكتاب يعتبر وثيقة تاريخية مهمة جداً عن حياة الطبقة الوسطى من يهود العراق، ولكنها تنقل أيضاً لوحة قاتمة عن حالة اليهود والمسلمين الفقراء والمعوزين في مناطق سكن بائسة تؤكد التمايز الاجتماعي الطبقي في المجتمع العراقي عموماً وبين اليهود باعتبارهم جزءاً من هذا المجتمع.   
وأهمية الكتاب تبرز في قدرة الكاتب في أن ينقل بعفوية عالية جداً وبلغة جميلة بالأصل إلى القارئ حياة المثقفين العراقيين في سنوات العقد الخامس التي تميزت بالتواضع والعلاقة الحميمة والرغبة في المساعدة لدى الشعراء والأدباء والأساتذة حينذاك لمن يحتاجها ويطلبها من التلاميذ والطلبة والتي يجدها مجسدة في شخصية أستاذه في ثانوية شماش الأديب اللبناني العراقي المعروف محمد شرارة والذي يكن له جل الاحترام والاعتزاز.
وأهمية الكتاب تقدم رؤية صادقة وموثقة في مصادر كثيرة أخرى بأن الغالبية العظمة من يهود العراق كانوا مخلصين جدا للوطن العراقي الذي عاش فيه أجدادهم منذ ما يزيد عن 25 قرناً، وإن هذه الوطنية الخالصة لا تقل حباً والتصاقاً بالمجتمع والعراق عن أتباع بقية الديانات والمذاهب بالعراق. ويمكن أن نجد مصداقية ذلك في ما كتبه في دفتره الامتحاني في وصف التغييرات التي طرأت على العراق منذ الحرب العالمية الأولى حتى أواخر الحرب العالمية الثانية، وكان متأثراً بفكر أستاذه وصديقه الحميم محمد شرارة حيث كتب ما يلي: "باشرت على الفور أكتب أشياء من روح محاضراته الثورية ، وأكثرت من استعمال تعابيره الماركسية. أتذكر أنني كتبت خلاصة تسويغاتي وتبريراتي، قائلاً: بأن العراق لم يحظ أبداً بالاستقلال، لأن الاستعمار البريطاني قد تعامل مع العراق كمستوطنة له، رغم المؤشرات الخارجية للاستقلال السياسي، وأضفت والآن تبدأ مرحلة كبت مرير آخر، يتمثل بتأثير الاستعمار الأمريكي" وأضاف في كتابه ما يلي: "من كان يتخيل في تلك الأيام احتلالً أميركياً للعراق، كما حدث فعلاً في عام 2003). 
وعند قراءة استهلال الكتاب تواجه القارئة والقارئ أفكاراً جوهرية تعبر عن مدى التصاق يهود العراق حين كانوا بالعراق بوادي الرافدين، ببلاد ما بين النهرين، كما إن الكثير منهم ما يزال يمتلك الزخم نفسه حتى الآن في تتبعه لأحداث شعب العراق رغم افتراقه عنه أكثر من ستة عقود. فيهود العراق كانوا "يفتخرون ويتباهون، كما يقول سوميخ، بأقدميتهم في بلاد الرافدين"، فهم قد عاشوا على هذه الأرض الطيبة أكثر من 2500 سنة وسبقوا العرب إليها. كما إنهم يفتخرون لما أنجزوه أو شاركوا في إنجازه، سواء أكان في الجوانب الدينية أو الثقافية العامة وفي ما حمله يهود العراق من ثقافية رافيدينية صوب بلدان العالم الغربي والشرقي. ولا شك في أن يهود العراق لهم الحق الكامل بالافتخار بأنهم أول من أدخل المدارس الحديثة إلى العراق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ومن بين هؤلاء تبلورت تدريجياً الاتجاهات المدنية والعلمانية في حياة المجتمع العراقي، إضافة إلى دور المسيحيين في هذا الصدد.
إن من تبقى من المجموعة الكبيرة من يهود العراق التي أجبرت على الهجرة وانتقلت إلى إسرائيل أو الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا ما زالت ترتبط روحياً وثقافيا بالعراق وثقافة العراق والناس بالعراق وتتأثر بأحداثه. فعلى سبيل المثال لا الحصر يشير الأستاذ سوميخ إلى ما يلي:
" أنشأت مجموعة مثقفين إسرائيليين من أصل عراقي عام 1994 تقريباً جمعية جديدة تهدف إلى استعادة استذكار الماضي العراقي ليهود بغداد وعلى الأخص حياتهم إلى جوار جيرانهم المسلمين والقيام بذلك على قدر الإمكان، دون التأثر بالنزاع العربي الإسرائيلي". (ص 10).
يتحدث ساسون في هذا الكتاب عن شعبه العراقي، الذي عاش في أحضانه حتى بلوغه السابعة عشر سنة، بلغة كلها حب وتقدير وتعبير عن إدراك حقيقي لطبيعة هذا الشعب ومشكلاته وطموحاته ولا يحمّل هذا الشعب بغالبيته مسؤولية تهجير اليهود أو هجرتهم الجماعية بعد صدور قانون إسقاط الجنسية عن اليهود، بل يحمل جهات أخرى مثل هذه المسؤولية. وقد أشرت إليها في كتابي عن يهود العراق والتي لا اعتقد أنه يختلف فيها معي في هذا الصدد والتي لخصتها بثلاث قوى تتحمل هذه المسؤولية: هي الحكومة العراقية والقوى القومية الشوفينية المتعصبة، والحكومة الإسرائيلية والحركة الصهيونية والموساد الإسرائيلي والحكومة البريطانية والدور النشط لسفارتها ببغداد، إضافة إلى دعم مباشر من جانب الولايات المتحدة. إن الكتاب يسجل ذكريات الصبي ساسون سوميخ وتتركز تقريباً بين سن العاشرة ومغادرة العراق، وهي غزيرة بمضامينها الديمقراطية والاجتماعية ذات الخلفية السياسية غير المعبأة بالحزبية أو بأيديولوجية محددة.
لقد كان يهود العراق مندمجين بالمجتمع العراقي، فهم يعيشون مع مسلمين ومسيحيين وأتباع ديانات أخرى ويعملون معهم ويسكنون في مناطق مختلطة، إذ لم تعرف بغداد أو المدن الكبيرة الأخرى حيثما وجد اليهود العراقيين "غيتوات" خاصة بهم، كما كان الحال في أغلب الدول الأوروبية. لقد كانوا يعيشون بصورة مشتركة، وكان الإنسان يجد في منطقة الشورجة ثلاثة دور للعبادة: مسجد للمسلمين وكنيس لليهود وكنيسة للمسيحيين، وكانت تشكل أركاناً ثلاثة لأكبر الديانات من حيث العدد بالعراق. وكان للصابئة والإيزيديين وغيرهم دور عبادتهم أيضاً ومراقد أوليائهم الصالحين. وعلينا أن ننتبه إلى إن هذه الظاهرة الإيجابية كانت لا تعني أنه لم يكن بالعراق تمييز ديني أو طائفي ينطلق من الفئات الحاكمة ومن بعض شيوخ الدين، ولكنها كانت محدودة ولا تتحرك إلا بفعل الحكام أو بعض الأوغاد الذين يجدون في القومية أو الدين مرتعاً خصباً لمعاداة الآخرين. ونجد في كتاب "بغداد أمس" ما يؤكد على الحياة المشتركة إذ كتب سوميخ يقول:
"ويهمني أساساً أن أوجه القراء إلى تأمل تاريخ المعاصر ليهود العراق من خلال رؤية مستفيضة، أي ليس من خلال كون هذه الجماعة مجموعة بشرية منطوية على نفسها، منفصمة عمّا يجري في الدنيا, زاهدة عن التواصل مع جموع المسلمين والمسيحيين في البيئة التي تعيش فيها". (ص 11) ونجد مصداق ذلك في فصول الكتاب والعلاقة بين المثقفين من أتباع الديانات كافة.
ومن الجدير بالإشارة إلى إن المتعلمين والمثقفين من يهود العراق والمتحدثين بأكثر من لغة أجنبية، إلى جانب العربية، ونتيجة لعلاقاتهم الواسعة بأوروبا ودول الشرق الأخرى، ومع القوات البريطانية والإدارة البريطانية إلى العراق وتشكيل الدولة العراقية في العام 1921 نشأت بفترة مبكرة النواة الجديدة بين يهود العراق قبل غيرهم للبرجوازية المتوسط العاملة في ثلاث مجالات أساسية في الإدارة وفي التجارة والبنوك والثقافة والتي أصبحت حاملة للرؤية المدنية والعلمانية للدولة والمجتمع. وقد التحقت بها ذات الجماعات من أتباع الديانات الأخرى، وخاصة المسيحيين والمسلمين.                 

قراءة في كتاب "بغداد أمس"
يشتمل الكتاب على استهلال و25 فصلاً يستند كاتبها البروفيسور ساسون سوميخ على ذكرياته التي ما تزال حية طرية شاخصة أمام ناظريه بكل أحداثها وأبعادها ونتائجها أو عواقبها، كما تضع القارئ والقارئة في أجواء العقد الخامس من القرن العشرين، أجواء الأربعينات التي تميزت بالحركة والتطور السريع للبنات الأولية لبناء المجتمع المدني العراقي الجديد. إن ما يختزنه من ذكريات يعود لهذه الفترة بالذات وما وصل إليه عبر عائلته أو المحيط الذي تحرك فيه وتعامل معه والشخصيات التي أثرت فيه وتفاعلت معه إن ما يقدمه لنا في هذا الكتاب الكثيف يعتبر لوحة صادقة ومعبرة وصافية عن العراق الملكي، العراق الذي لم يهرب هو منه، بل أُجبر على مغادرته حين سدّت أبواب المستقبل بوجهه ووجه الكثير من شباب وشابات اليهود العراقيين في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات من القرن العشرين حيث ترك العراق في تلك الفترة بشكل خاص ما يزيد عن 120 ألف عراقي من أتباع الدين اليهودي وقبل ذاك وبعد ذاك أنتقل إلى فلسطين أو إلى إسرائيل بعد 1948 أو إلى أوروبا والولايات المتحدة ما يتراوح بين 20-30 ألف مواطنة ومواطن عراقي يهودي الدين.  لقد صدرت قرارات من الحكومة العراقية بمنع قبول خريجي المدارس الثانوية في الكليات والمعاهد العراقية في جميع أنحاء العراق: كما منعوا من التوظيف في الدوائر والمؤسسات الحكومية وفصل أو أحيل على التقاعد من كان ما يزال يعمل فيه، ثم أصبح العمل في القطاع الخاص صعباً للغاية لأغلب يهود العراق. وكانت هذه القرارات الظالمة والسيئة هي من بين الأسباب الرئيسية، إضافة إلى قانون إسقاط الجنسية السيئ الصيت، إلى هجرة اليهود، وخاصة الشبيبة منهم في البداية ومن ثم الهجرة الجماعية. لقد كان هناك موقف واضح لدى الحكومتين البريطانية والإسرائيلية بضرورة تهجير يهود الدول العربية كافة إلى إسرائيل والتي أقرتها الحكومة الملكية العراقية في حينها وعملت هذه الدول وحكوماتها على تنفيذ القرار وبإصرار عجيب. ومن يطالع الصحافة العراقية القريبة من الحكومة العراقية والقوى القومية اليمينية المتشددة حينذاك، والصحف العربية، وخاصة في نهاية الأربعينات وفي أعقاب تأسيس الدولة الإسرائيلية وحرب العام 1948 حتى وفي العامين 1950 و1951، ومنها الصحف التالية: " النبأ، الأمة، الحصون، اليقظة، الأخبار، لواء الاستقلال، الزمان، الحواداث، الدفة، النهار، الفخ والآراء."   ، سيجد إنها كانت مليئة بمقالات وإعلانات لكتاب معروفين بالهجوم العنصري والمناهض ليهود العراق والتي كانت تؤلب الرأي العام العراقي ضد اليهود وتدعو إلى عزلهم ومقاطعتهم وكأن يهود العراق هم المسؤولين عما حصل في فلسطين من تقسيم وإقامة الدولة الإسرائيلية على وفق القرار الصادر عن مجلس الأمن والأمم المتحدة في العام 1947 وتنفيذه في العام 1048 وبدء الحرب العربية الإسرائيلية.   
في الفصول الأربعة الأولى يتحدث سوميخ عن فترة الصبا والعائلة وزواج العم عزرا ويتجاوز الطفولة، ولكن لم ينس حبه الأول وهو ما يزال طفلاً صغيراً. وهي إشارة جميلة إلى إن الحب يبقى الهاجس الأساسي لدى الإنسان والذي يصل إلى الطفل بصورة عفوية وطبيعية مع حب وحليب الأم. ويتذكر ساسون حين كان يتمدد في سريره على سطح الدار كيف كان يتطلع بإعجاب ودهشة بالغة وانتعاش كبير وتساؤلات كثيرة دون إجابات يسمح بها العمر والمعرفة والخبرة إلى سماء بغداد الصافية المفروشة بملايين النجوم المتلألئة المضيئة، وهي تبعث الطمأنينة في نفسه وتنشط الخيال. وحين يشير بشكل عفوي إلى الناموسية التي كان تستخدمها العائلة على سطح الدار يتعرف الإنسان على إن العائلة متعلمة ومتوسطة الحال وقادرة على شراء واستخدام الناموسية للخلاص من البق الذي لا يرحم في لسعاته الشديدة وامتصاصه دم العراقيين. وقد قال "أبو إسحاق الصابي" في وصف ليلة شديدة الحرارة وكثيرة البق فيقول:
وليلة لم أذق من حرها وسناً      كأن في جوها النيران تشتعل
أحاط بي عسكر للبق ذو لجب       ما فيه إلا شجاع فاتك بطل
من كل شائلة الخرطوم طاعنة      لا تحجب السجف مسراها ولا الكلل
طافوا علينا وحر الصيف يطبخنا    حتى إذا نضجت أجسادنا أكلوا
وكان ساسون الصبي وهو ينظر إلى السماء والنجوم تدور في ذهنه الكثير من الأسئلة حيث كتب يقول: "من الطبيعي، أن تدور في دماغي الصغير، في تلك الليالي، وأنا داخل الناموسية تساؤلات "وجودية" مَن الذي خلق هذه الأشياء؟ متى وكيف؟ كان من الواضح لي، آنذاك، إن ما جاء في سفر التكوين ...غير "منطقي" وغير "علمي". ويبدو إن ساسون قد احتفظ بهذه الأفكار لنفسه، في حين بادرت إلى السؤال عن هذه الحالة على النحو التالي:
حين كنت في الصف الرابع الابتدائي سجلت في "المدرسة الإرسالية الإنكليزية السورية" ببيروت. وكنت أسكن مع أخي في شقة مقابلة لساعة الجامعة الأمريكية ببيروت حيث كان أخي ييدرس الطب هنا. في البيت كنت أصلي صلاة المسلمين، وفي المدرسة كنا نصلي جماعياً وعلى أنغام البيانو صلاة المسيحيين وكنت أدعو معهم، وهي ما تزال في الذاكرة كما في الذاكرة صلاة المسلمين: "أبانا الذي في السموات. ليتقدس اسمك. ليأت ملكوتك. لتكن مشيئتك. كما في السماء كذلك على الأرض. خبزنا الذي للغد أعطنا اليوم. وأغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا. ولا تدخلنا في تجربة. لكن نجنا من الشرير. بالمسيح يسوع ربنا لأن لكَ الملك والقوة والمجد إلى الأبد. آمين.". وقد فكرت وأنا الصغير في هذا التباين في أسلوب الصلاة وأسبابه ولماذا نصلي ولمن. فسألت أخي مرة: هل هناك رب أو ألله؟ فكان قد حصدت صفعة ليست قوية ولكنها كانت كافية لتسكتني في تلك اللحظة. ولكن لم يخل السؤال عن بالي. وحين عدت إلى العراق أتذكر أني كتبت قصة قصيرة وأنا في الصف الخامس الابتدائي تحوم حول الموضوع ذاته وفيها نكران لوجود الله, رغم صلاتي اليومية وقراءتي للقرآن الذي ختمته عشرات المرات في أشهر رمضان، وإلا لكان عليه أن لا يكون بين الناس فقيراً أو مريضاً، إذ كان لنا بعض الجيران المرضى والفقراء وكان ذلك ينغصني كثيراً. وأتذكر أني حرقت تلك القصة خشية أن تقع في يد عائلتي وأتقلى علقة أو "بسطة" عراقية. وذاك التساؤل هو الذي جعل مني ما أنا عليه الآن مع احترامي الكامل لأتباع كل الديانات والمذاهب ودفاعي عن حقهم في العبادة وفي اختيار الدين الذي يجدون فيه ضالتهم.
ويشارك سوميخ كل يهود بغداد، سواء من يعيش في إسرائيل أم في بلدان أخرى، في حنينهم لبغداد ونهر دجلة والسباحة فيه وشارع أبو نواس والليالي المقمرة والسمك المزگوف، ولكن ليس كلهم يستطيع أن يصف جلسة المزكوف العراقية بامتياز وعمل رجل الموقد حيث كتب يقول: "كنا نصل إلى إحدى الزوايا الهادئة لهذه الأرض البتول بالبلم، وكنا نجلب معنا للترفيه بالإضافة إلى آلات العزف (أو الغرامافون)، الأسماك الكبيرة من نوع "الشبوط" التي تعد من أفخر وأجود اسماك نهر دجلة . كنا نشعل الموقد بالأخشاب الصغيرة التي كنا نعدها مسبقاً. كان رجل الموقد المتخصص في شواء الأسماك على الموقد، يعدها للشواء المكشوف بعد تعليقها على اسياخ تحيط بالنار المتقدمة. بعد ذلك كان ينّزل السمك عن النار ويتبلها بأنواع البهارات المختلفة (على الأخص الكاري الهندي) وشرائح الطماطم. كنا نهش ونبش  وتنبسط أساريرنا في انتظار السمك الذي كان شواؤه في مراحل النضوج ... وحين كانت تتناهى إلى خياشيمنا روائح خليط البهارات ، كنا ندرك إن ساعة الاحتفال قد دنت". (ص 32).
وإذا كان الكثير من الصبية في مثل عمر ساسون حينذاك يهتمون باللعب والرياضة وأشياء مسلية أخرى، كانت سلوى الصبي ساسون القراءة واقتناء الكتب من مصروف جيبه اليومي المحدود أو إجراء الاختبارات الكيماوية التي كف عنها بعد إحداثه انفجاراً في البيت كان يمكن أن يورطه مع التحقيقات الجنائية العراقية التي كانت حين ذاك تشك بكل يهودي عراقي وكأنه صهيوني وعدو للعراق، وكانت على خطأ فاحش.
لقد عشق الكتاب، وخاصة الكتاب الأدبي نثراً وشعراً، وراح يبحث عنه وعن الكتاب والشعراء، فكان له العون في مدرسة شماش الثانوية التي عينت أساتذة عرب مسلمين يدرسون فيها اللغة العربية والأدب العربي والأحوال المدنية، ومن بينهم بشكل خاص الأستاذ محمد شرارة وحسين مروة، وهما لبنانيان جاءا إلى العراق ليدرسا في الحوزة الدينية في النجف وتحولا إلى صف اليسار العراقي، وهما كاتبان وأديبان متميزان. نشأت صداقة حميمة بين سوميخ وشرارة استمرت روحياً رغم انقطاعها الفعلي، وتواصلت مع بنات شرارة في الخارج. لقد كانت لقاءاته في مقهى حسن العجمي بصحبة الأستاذ شرارة ذات أهمية في تطوره الفكري والأدبي والتصاقه المبكر بالفكر اليسار، ومنها لقاءاته بشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري الذي كتب عن ذلك يقول:
"بعد انتهاء اليوم الدراسي، استجمعت قواي، وذهبت مع الأستاذ شرارة إلى مقهى حسن العجمي. كان الشاعر يجلس وحيداً يدّخن ويشرب الشاي"الكسكين". كنت مرتبكاً ومتوجساً. لم أعد أتذكر اليوم فحوى محادثتنا وما دار فيها، سوى أني أتذكر أن الموضوع "اليهودي" قد أثير في هذه الجلسة. حكى لنا الجواهري، كيف وجد نفسه في عام 1937 بين قضبان السجن بسبب دفاعه عن فقراء الجالية اليهودية"، (ص 136). ثم يسرد سوميخ الحكاية ويذكر الأبيات الأتية ضمن قصيدة كتبها الجواهري بعد توقيفه بتهمة "زرع الفتنة الطائفية" وهو بعيد عنها كل البعد بعد خروجه من السجن في حينها:
يا عابثاً بسلامة الوطن العزيز وبالأماني
ومفــــــرقـاً زمـــــر اليــهـــود كــــلا لـــــشـان
ما أنت والكاشير والطاريف من بقرٍ وضان
ثم يقول: "أثار بي اللقاء مع الجواهري شهيتي الأدبية، كما أدى الدفء الإنساني الذي طوقني به، إلة أن أغوص عميقاً في قراءة الأدب العربي، وعلى الأخص الشعر، وصرت أتخيل نفسي شاعراً." (ص 136). وبالمناسبة فقد كانت لي علاقات حميمة مع الشاعر الجواهري وأهداني قصيدة جميلة "إلى أبي سامر" من 31 بيتاً شعرياً ضمن ما يطلق عليه بـ "الإخوانيات" في العام 1987، وقد نشرها الصديق الفقيد الدكتور محمد حسين الأعرجي في كتابه الموسوم "الجواهري دراسة ووثائق" الصادر عن دار المدى 2002. وجاء في البيت الأول قوله:
يا أبا سامرٍ ، وأنت حبيبٌ   تتخطى الأحبابَ والأسمارا
لكَ مني شوقٌ يدغدغُ نفسي    كنسيم ٍ يُدغدغُ الأسحارا
   
لقد كان محمد شرارة الشخصية التي ساعدت سوميخ للوصول إلى أبرز الشعراء والأدباء وأصحاب الصحف المحلية في تلك الفترة وكتابها، وبشكل خاص الجواهري والسياب وحسين مروة ومحمد حسن الصوري وغيرهم. وكان لهذا الأثر الكبير والأساسي في البدء الفعلي لنشوء الشخصية الأدبية الكبيرة ساسون سوميخ الذي أعتز بصداقته الجديدة.
يستحث الأستاذ محمد شرارة هذا التبجيل الكبير الذي يكنه له صديقه المبكر ساسون سوميخ، فهو إنسان جليل وكاتب وأديب مرموق نشر العديد من الكتب والمقالات ذات الأهمية الفائقة في حياة ونضال الشعب العراقي وعلى امتداد عشرات السنين. لقد التقيت بالأستاذ محمد شرارة في بيت ابنته حياة شرارة وزوجها الصديق الدكتور محمد صالح سميسم. لقد دعيت على وجبة غذاء في بيتهم وقد كان ذلك بعد إطلاق سراحي من مديرية الأمن العامة ببغداد وبعد تعذيب كاد يودي بحياتي في حينها. وقد استقبلت بحفاوة اعتز بها كثيراً وتحدثنا عن الوضع العام بالعراق والعواقب الوخيمة لاستمرار ذلك. وكان الأحبة الثلاثة وأنا معهم قد اتفقنا على إن على الحزب الشيوعي العراقي أن يترك الجبهة مع البعث لأن البعث يمارس التعذيب والقتل بحق الشيوعيين واليساريين ويحاول أن يتستر بالجبهة القائمة. ومن المحزن تأكيد واقع أن الرفيق العزيز محمد صالح قد استشهد على أيدي البعثيين الأوباش مسمّماً ومات بعد أن أطلق سراحه بفترة قصيرة في العام 1982 وكنت قد غادرت العراق بطلب من المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي. ولقد سبق استشهاد الدكتور الطبيب محمد صالح سميسم وفاة الأستاذ محمد شرارة في العام 1979. وفي أول آب من عام 1997 وقع انفجار في بيت حياة شرارة استشهدت على أثره حياة وابنتها الكبرى مها ونجت البنت الصغيرة زينب. وتشير بعض المعلومات إلى إن البعث هو الذي دبر هذه الجريمة النكراء.           
يتحدث ساسون سوميخ في هذا الكتاب عن مسألتين مهمتين باتجاهين مختلفين في العقد الخامس من القرن العشرين تحت عنوان مشترك "بين الفرهود والوثبة" وهما حدثان وقعا في العام 1941 و1948 على التوالي. وقد عشت الأولى ببغداد وأنا صبي صغير لا يتجاوز السادسة من عمره، شاركت في الثانية وأنا بعمر الثالثة عشر في كربلاء دون أن أعي تماماً أهمية الحدث. كتب عن الحدث المأساوي الأول يقول:
"لقد انهار النظام القصير الأمد المحابي للنازية, وفرّ قادته ليجد الكثير منهم ملاذاً خارج العراق. في حين تلكأ الجيش الإنجليزي وولي العرش العراقي في فرض سيطرتهم على العاصمة العراقية من جديد. في تلك الأيام التي خلت فيها المدينة من سيطرة النظام والقانون، عاثت جماهير المشاغبين فساداً وفوضى وكان معظمهم من أبناء القبائل البدوية الذين توطنوا في ضواحي المدينة، فنهبوا وقتلوا دون تمييز في الأحياء اليهودية، خاصة الأحياء القديمة والفقيرة، وقد انضم إلى المشاغبين بعض الجنود الفقراء، بعد أن تشتت وحداتهم وتفرق شملها. ومن حسن الحظ أن المشاغبين لم يصلوا إلى معظم الأحياء الجديدة التي شيدت في الثلاثينات والأربعينات وسكن فيها عشرات الآلاف من يهود المدينة". (ص 106) ثم كتب ما يليك: تدفقت الأنباء عن أعمال النهب والقتل والاغتصاب، في أوساط يهود بغداد. لقد ذبح المشاغبون الكثير من اليهود (حوالي 150 شخصاً) دُفنوا فيما بعد في قبر جماعي، وهكذا ظلت تتوارد، على مدى شهرين، أخبار الفظائع الرهيبة وأعمال التنكيل وعبث المشاغبين والقتل بالدم البارد، واغتصاب الفتيات اللائي أحاق بهن الويل والدمار." (ص 106/107) وللحقيقة نقول بأن هناك تبايناً في عواقب تلك الفاجعة. فالتحقيق الخاص الذي قامت به رئاسة الطائفة اليهودية توصل إلى ما يلي: "كان عدد اليهود الذين قتلوا 179 قتيلاً، كما جرح 2118 شخصاً آخر، وبلغ عدد الدور التي نهبت في الفرهود حوالي 1000 دار، وعدد الحوانيت التي أفرغت 2500 حانوت، كما بلغ عدد اليهود الذين مسهم الضرر في قليل أو كثير 40 ألف يهودي" ، في حين سعى التقرير الحكومي الرسمي إلى تقليص عدد القتلى إلى 120 قتيلاً فقط.
ويشير الأستاذ سوميخ إلى العواقب النفسية والاجتماعية على يهود العراق، خاصة وأن الفرهود قد وقع بالبصرة أيضاً دون وقوع قتلى وجرحى في الأوساط اليهودية، بما يلي:
"حلت على جميع أبناء جالية بغداد صدمة عنيفة، بمن فيهم أولئك الذين لم ينلهم الأذى خلال فواجع "الفرهود" وويلاته (هكذا سمى سكان بغداد هذا الحدث الأليم ولا أدري لماذا) وقد دهمتهم الأحداث وباتوا مفجوعين مشدوهين. ترى كيف حدث أن انقلب جيران الأمس إلى وحوش ضارية؟ وهل الفرهود سيبقى حدثاً طارئاً. لن يتكرر أبدا؟ أم أنه سيكون فاتحة لعصر جديد مثير للمتاعب، في العلاقات بين المسلمين واليهود في بلاد الرافدين؟ (ص 107). ثم يواصل فيكتب:
"تجدر هنا الإشارة أن الكثير من المسلمين القاطنين في جوار اليهود في المناطق القديمة من بغداد قد دافعوا عن اليهود، ولم يترددوا في منحهم الحماية والملاذ، رغم المخاطر التي تعرضوا لها من جراء ذلك. ورغم كل هذا، قل وتضاءل الشعور بالأمن الذاتي، الذي رافق يهود بغداد". (ص 107).
هنا بودي أن أشير إلى بعض الملاحظات المهمة بعد دراستي المستفيضة والمستمرة لأحداث فاجعة وجريمة الفرهود ببغداد، وأخف من ذلك بالبصرة.
1.   لقد قاد حزب الشعب، الذي تأسس في العام 1940 ببغداد برئاسة مفتي الديار الفلسطينية الحاج أمين الحسيني، ومعه رشيد عالي الگيلاني والعقداء الأربعة ويونس بحري، الذي سمى نفسه حزبياً "فرهود"، الانقلاب على الشرعية حينذاك وشكل حكومة الإنقاذ الوطني برئاسة رشيد عالي الكيلاني دوراً كبيراً في تأجيج الدعاية ضد يهود العراق واليهود عموماً. كما لعبت العلاقات التي بدأت قبل ذاك ومنذ منتصف العقد الرابع بين القوى القومية العراقية، وخاصة نادي المثنى بن حارثة الشيباني الذي تأسس في العام 1936 ببغداد، وبين النظام النازي الهتلري دوراً كبيراً في نشر الدعاية المضادة لليهود بالعراق وخاصة ببغداد، ولعب الدكتور فرتز غروبا, الوزير الألماني المفوض ببغداد دوراً كبيراً في تطوير هذه العلاقة وفي تبادل الوفود الشبابية وفي إلقاء المحاضرات في النادي، كما لعبت إذاعة برلين (هنا برلين حيى العرب) والمذيع الضابط النازي العضو في قوات الـ SS  يونس بحري (Johannes Bahri) دعايته المضادة لليهود، إضافة إلى دور حكومة رشيد عالي الگيلاني والعقداء الأربعة ويونس السبعاوي الذي ترجم كتاب هتلر المعروف "كفاحي" إلى العربية، وكان وزيراً للاقتصاد وشكل ثلاث منظمات شبابية شبه عسكرية، بضمنها "فدائيو يونس السبعاوي. وقد طرحت في كتابي في النسخة التي ستطبع في ربيع هذا العام عن محنة يهود العراق ما يلي:
1. وقعت في يومي الأول والثاني من حزيران عام 1941 القوى الشوفينية المتطرفة ذات العلاقة الوثيقة بقوى حركة رشيد عالي الگيلاني المناهضة لليهود حملات عدوانية شرسة منظمة وواعية وهادفة ضد المواطنات والمواطنين اليهود ببغداد تميزت بالعنف والشراسة واستخدام مختلف الأسلحة الخفيفة والجارحة تساندها جمهرة غبية وغير واعية وجاهلة من الأوساط الشعبيةً ومن الرعاع الذين يتحينون أية فرصة للمشاركة في النهب والسلب والقتل الذي حفل به تاريخ العراق القديم والحديث، التي حركتها تلك القوى المنظمة سياسياً، وعصابات الجريمة والنهب والسلب. أي تلك القوى التي تأثرت كثيرا بالدعاية النازية والفاشية بالعراق والموجهة لمعاداة اليهود والتي أصيبت بخيبة أمل نتيجة انهيار الانقلاب العسكري وعودة قوات الاحتلال البريطانية للسيطرة الكاملة على العراق وتوقيع العراق على اتفاقية الهدنة التي اعتبرها القوميون الشوفينيون العرب مذلة للجيش العراقي والعراق. أطلق على هذه الحملة بـ "فاجعة الفرهود" . وكان المشاركون في حملات العنف هذه، التي اقترنت بعمليات السلب والنهب والقتل والتدمير ضد العائلات اليهودية وبيوتها ومحلات عملها ومصالحها الاقتصادية ببغداد، يهزجون في شوارع بغداد:
"حلو الفرهود كون أيصير يومية"
" حلو الفرهود كون ايصير يا خاله"
" أذاني أطرشت من كسر القفاله"
" حلو الفرهود كون أيصير يا عمه"
" أنظر على الشباب اشلون ملتمه".
هذه الأهزوجة باللهجة العراقية العامية تعني: (حلوة هي عمليات السلب والنهب والقتل وإشعال الحرائق ضد اليهود عساها أن تتكرر يومياً، أذناي يا خالتي أصيبتا بالبكم من كثرة أصوات كسر أقفال المحلات والبيوت .. وأن عمليات النهب والسلب والقتل والتدمير حلوة يا عمتي، إذ أرى كيف أن الشباب يتجمعون لممارسة الفرهود أيضاً)!! إنها تعبر عن روح الشر والغزو البدوي الذي لا يرحم والكراهية الدينية المقيتة الناجمة عن تربية دينية مشوهة ومزيفة.
لم تكن جمهرة من الجنود وحدها وراء هذه العمليات الإجرامية فحسب، بل وجمهرة من الشرطة المسؤولة عن أمن المواطنات والمواطنين والمدنيين وبتأييد من بعض الضباط وبعض رجال السياسة من المعسكر القومي الشوفيني، إضافة إلى كتائب الشباب التابعة للحركة الانقلابية وأتباع يونس السبعاوي.
2. أتفق تماماً بأن عدد كبيراً من أهالي بغداد الذين عاشوا مع مواطنيهم يهود العراق قد دافعوا عنهم وسعوا إلى حمايتهم من غضب الرعاع حقاً. وهناك وثائق كثيرة تؤكد ذلك. ولكن كان هناك من خان الجيرة وشارك في عمليات النهب والسلب والاغتصاب والقتل. وكان ساسون على حق حين تساءل: "ترى كيف حدث أن انقلب جيران الأمس إلى وحوش ضارية؟ رغم إن البعض من الباحثين اليهود العراقيين بإسرائيل يعارضون ذلك، وأعتقد أنهم ليسوا على حق، فالكثير من الكتابات التي نشرت من قبل كتاب يهود عراقيين أشاروا بوضوح إلى حقيقة محاولة عائلات عراقية سعت واستطاعت حماية البعض من يهود العراق ممن تعرضوا إلى تلك الفاجعة المريع. كتب السيد مير بصري عن هذه الفاجعة وبهذا الصدد ما يلي: "كان الحاج طاهر محمد سليم من أشراف بغداد عائداً إلى داره المطلة على شارع غازي (الذي سمى بعدئذٍ شارع الكفاح) فرأى شباب يهود ينزلون من السيارات العامة ويذبحون, فتجري دماؤهم البريئة على قارعة الطريق. أسرع في سيره ودخل مركز الشرطة وقال للشرطة: ألا ترون المذبحة أمامكم, فأين شهامتكم المسلكية وغيرتكم العربية؟ لكنهم سخروا منه وقالوا له: أذهب إلى دارك, أيها الحاج, فلا شأن لكَ في الأمر, وخرج يجر أذيال الخيبة, وحاول عبثاً ردع الرعاع, ولم يجد بداً من المضي إلى داره كئيباً."   وهذه الحقيقة المتواضعة لا تنفي الهمجية التي مارسها هؤلاء المجرمون بحق المواطنات والمواطنين اليهود في مذبحة الفرهود.

ووثبة كانون الثاني/يناير 1948 هي المسألة الثانية التي يتحدث عنها الأستاذ ساسون سوميخ، والتي نجمت عن محاولة بريطانيا عقد اتفاقية جديدة هي اتفاقية بورتسموث (نسبة على ميناء بورتسموث بانجلترا) لتحل محل معاهدة 1930 التي رفضها الشعب العراقي باستمرار في وقت كان صالح جبر رئيس وزراء العراق، وكانت الطبخة قد تمت بين الثلاثي عبد الإله ونوري السعيد وصالح جبر وبالتنسيق والتعاون الكاملين مع السفارة البريطانية وقادة القوات البريطانية في الحبانية والشعيبة. وقد استطاع الشعب بوحدته إسقاط هذه الاتفاقية ولكن لم يستطع إلغاء المعاهدة إلا بعد نجاح ثورة تموز 1958. وفي هذه الوثبة شارك يهود العراق، كبقية الموطنات والمواطنين من أتباع الديانات والمذاهب والقوميات والاتجاهات الفكرية والسياسية الأخرى في المظاهرات وتكللت بالنجاح. ويشير الأستاذ سوميخ بصواب كبير إلى وحدة الشعب العراقي حينذاك وعن الاحتفال الذي ألقى به الجواهري قصيدته الرائعة "أخي جعفر" في جامع الحيدرخانة، والذي شارك فيه طلاب مدرسة "شماش" حيث كتب:

69
كاظم حبيب
الرقصة الأخيرة: رقصة الموت السياسي لنوري المالكي!
اليوم هو العاشر من تموز/يوليو 2014. مرّ شهر كامل على اجتياح مدينة الموصل واحتلالها والتوسع إلى مناطق أخرى في صلاح الدين والأنبار وديالى من جانب قوات الإرهاب الدموية. مر شهر على الهزيمة الكبيرة التي مني بها الجيش العراقي والشعب العراقي عموماً في الفلوجة والموصل وتكريت وغيرها بسبب السياسات الاستبدادية والسلوكيات الحمقاء التي مارسها رئيس وزراء العراق منذ منتصف الولاية الأولى له على رأس الحكومة الاتحادية. الأيام تمر وقوى الإرهاب بمختلف هوياتها، سواء أكانت محلية أم إقليمية أم دولية، تقتل وتدمر الإرث الحضاري للعراق وتدفع بمئات الآلاف من العراقيات والعراقيين إلى مغادرة دورهم ومناطق سكناهم والنزوح إلى إقليم كردستان العراق وإلى مناطق أخرى من العراق بعد أن أصبح مستحيلاً عليهم البقاء بمدينة الموصل أو المناطق التابعة لها تحت رحمة قوى الإرهاب التي أقدمت على قتل الكثير من البشر وإلى اعتقال وتعذيب آخرين وفرض البيعة عليهم للمجرم "أبو بكر البغدادي"، هذا الخليفة المسعور والمصاب بجنون التطرف والرغبة في القتل.
كان وما يزال هول الكارثة كبيراً على الرأي العام العراقي بالداخل والخارج، إذ أصبح ثلث مساحة العراق ونسبة عالية من سكانه تحت سيطرة ورحمة قوات "الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) والقوى البعثية وغيرها المتحالفة معها. وهي تسعى للتمدد والسيطرة على مناطق أخرى من العراق، إذ ما تزال الفلوجة وصلاح الدين وأقسام من ديالى تحت هيمنة هذه القوى الإرهابية التي بدأت تفرض رؤيتها المشوهة والمزيفة والكريهة للدين الإسلامي على سكان هذه المناطق وتفرض على المحتجين على سياسات الحكومة الطائفية ببغداد البيعة لهذه الدولة اللقيطة ليكونوا رعايا "الخليفة" أبو بكر البغدادي وأن يسلموا أسلحتهم لتنظيم داعش.
وفي الوقت الذي يواجه الجيش العراقي قوى داعش والبعث المسلح ويخسر المزيد من الضحايا، تغيب في الوقت نفسه عن البلاد الوحدة الوطنية الضرورية وحكومة وطنية مسؤولة وعقلانية وليس حكومة تصريف أعمال لا يحق لها ممارسة صلاحيات ودور الحكومة المنتخبة القادرة على مواجهة قوى الإرهاب ودحرها.
إن المالكي لا يغامر بحياته السياسية ويتدحرج بسرعة صوب موته السياسي فحسب، بل يغامر بأمن وسلامة ووحدة العراق. إنه يرقص رقصته الأخيرة، رقصة موته سياسياً حين يرفض الانسحاب من الحكومة ولا يسمح بعقد جلسة للمجلس النيابي الجديد بانتخاب حكومة وحدة وطنية، حكومة إنقاذ وطني، حكومة بديلة للحكومة الطائفية الفاشلة الراهنة ولرئيسها الذي دفع بها إلى هذا الفشل الذريع.
إن المالكي، كما قلت في مقال سابق مصابٌ بأكثر من علة نفسية واجتماعية، إضافة إلى إنه مصاب بخلل في قدرته على التمييز بين الأشياء والأحداث، إنه عاجز عن رؤية عواقب سياساته التي تدفع بالعراق إلى حرب أهلية مريرة. وأخيراً رفع عقيرته بشتم أولئك الذين احتضنوا على مدى أكثر من عقدين من السنين الكثير من العائلات المضطهدة والمطاردة والمحرومة من الأمن والاستقرار والسلام. وها هو إقليم كردستان العراق يحتضن اليوم المزيد من النازحين من محافظة الموصل والأقضية والنواحي والقرى والأرياف التابعة لها هرباً من القتلة الإرهابيين والنجاة من احتمال ذبحهم أو تعذيبهم حتى الموت.
إن اتهام المالكي لرئاسة وحكومة إقليم كردستان بالتآمر على العراق والتحالف مع القوى الإرهابية واحتضان أعداء الشعب العراقي هي كذبة كبيرة يجب الرد عليها وإفشال ما تسعى إلى تحقيقه، إذ إنها تسعى إلى ثارة الشعب العربي بالعراق ضد الشعب الكردي. إنها البداية، إذا ما بقى في السلطة، لشن حرب ضد الشعب الكردي، ولكن لن تكون نهايته بأفضل من نهاية صاحب عمليات ومجازر الأنفال وحلبجة صدام حسين. إن الحقد والكراهية التي ينشرهما رئيس وزراء العراق ضد الشعب الكردي باتهامه بإيواء مجرمين قتلة يجب أن ترد بقوة من كل الخيرين والمناضلين في سبيل عراق ديمقراطي مزدهر تسود قومياته الأخوة والتضامن. إن وجود شيوخ وسياسيين من المناطق الغربية المحتجة والمنتفضة على سياسات النظام العراقي الطائفي لا يعني بأي حال إيواء الإرهابيين والقتلة بأربيل أو غيرها من مدن إقليم كردستان العراق. إننا هنا نميز بين قوى الإرهاب والقوى التي طرحت مطالب عادلة منذ سنتين ورفض الاستجابة لها بعنجهية شرسة وتعامل بها بالسلاح بدلاً من الحوار الديمقراطي المنتج وتحقيق الفصل بين الإرهابيين والمنتفضين.
إن نوري المالكي ما زال يغامر بحياته السياسية، لقد بدأت الغالبية العظمى من الشعب العراقي تقرأ الفاتحة على دوره في الحياة السياسية العراقية نتيجة لطائفيته البشعة وعشقه المرضي للسلطة والهيمنة على البلاد وتحكمه بالمال والمجتمع. والدكتاتور الجديد لا يختلف في ذلك عن الدكتاتور السابق صدام حسين الذي عجز عن إثارة الشعب العربي ضد الشعب الكردي بالعراق، وهو ما سيفشل فيه قطعاً.
إن وحدة قوى الشعب العراقي بكل قومياته وأحزابه الوطنية ضرورة وملحة في المرحلة الراهنة، وعلى القوى والأحزاب السياسية الواعية بما حل بالعراق وشعبه وما يمكن أن ينتظرهما من كوارث جديدة، أن تضع خارطة طريق أو برنامج ينقذ العراق من الكوارث التي حلت به خلال الأعوام العشر المنصرمة وخاصة فترة حكم الجعفري والمالكي، فترة حكم حزب الدعوة الإسلامي المنصرمة، والكارثة الكبرى التي انتهت باجتياح واحتلال الموصل، إضافة إلى الفلوجة وتكريت وغيرهما. وبدون هذه الوحدة الضرورية التي عمل ويعمل المالكي على تفتيتها سيصعب حقاً على القوات المسلحة والشعب العراقي تحقيق النصر على أعداء الشعب العراقي من كل الفصائل الإرهابية، وخاصة داعش وجماعات البعث المسلحة ...الخ. إن وحدة الشعب تتطلب الخلاص من المليشيات الطائفية الشيعية أيضاً التي تمارس اليوم شتى صنوف انتهاك حقوق الإنسان في مناطق وجودها ونشاطها العسكري وإلى اعتقال وتعذيب وقتل المزيد من الناس الأبرياء بسبب هوياتهم الفرعية. إن السلاح ينبغي أن يبقى بيد الدولة وليس بيد المليشيات المسلحة اياً كانت تلك المليشيات.
10/7/2014                  كاظم حبيب           


70
كاظم حبيب
من منهما الأكثر عشقاً ونرجسية واستبداداً في حكم العراق؟
   
ما كان لأحد أن يفكر في إجراء مقارنة بين الدكتاتور المطلق صدام حسين وحاكم العراق الجدد، لأن الكثير من بنات وأبناء الشعب العراقي قد توقعوا بأن الحكام الجدد، ومنهم الجديد، سيستفيدون جدياً ويتعلمون من دروس الماضي القريب، دع عنك البعيد، من عدوانية نهج وسياسات نظام حكم البعث أو عبد السلام محمد عارف مثلاً. ولكن ما يعيشه الشعب في هذه المرحلة بشكل خاص تؤكد بأن الحاكم الجدد، وكذلك أتباعه، لم يتعلم من الفترة الماضية بل راح يمارس ذات السياسات التي أوصلت البلاد إلى الواقع المرير الراهن.
حين وصل البعثيون إلى السلطة في العام 1968 وللمرة الثانية أكدوا بما لا يقبل التأويل على لسان صدام حسين قوله "جئنا لنبقى". وبعد سنوات وحين شعروا بوجود معارضة متنامية ضدهم صرح صدام حسين بقوله المعروف الذي كان يحلو لنعيم حداد أن يكرره: "أن الذي يري أن يحكم العراق من بعدي سيستلمه أرضاً بلا بشر" وخرائب. وكان نعيم حداد يعبر عنها بوحشية مرضية أيضا، إذ كان يقول سيتسلم العراق جثثاً وخرائب.
منذ سنتين تقريباً صرح نوري المالكي بقوله المعروف: "أخذناها بعد ما ننطيها"، ثم أردف ذلك بالقول: "ليش هو أكو بعد واحد يگدر ياخذها". هذه الجملة الواضحة وبلهجة عراقية تعني ثلاث مسائل جوهرية تجسد رؤية وطبيعة المالكي, وهي:
1.   إنه يتحدث بلغة الجمع التي يريد بها التعبير عن "تمثيله!" للطائفة الشيعية كلها و"للبيت الشيعي" كله، وكذلك حزبه الشيعي الطائفي والذي يقصد بها شخصه لا غير.
2.   وإنه مستعد لمواجهة كل من يرغب بأخذ السلطة بكل السبل المتوفرة المشروعة وغير المشروعة بالقوة والعنف.
3.   وإنه بذلك يعبر عن رفضه وعدم احترامه للمبدأ الدستوري القائل ب "التداول السلمي والديمقراطي للسلطة".
وهذه النقاط الثلاث تشير بما لا يقبل الشك أن نوري المالكي وحزبه استخدما الديمقراطية أداة للوصول إلى السلطة، ثم رفضا هذه الأداة لأنها ليست من منهجهما أو فلسفتهما أو تصورهما في حكم البلاد. ولم تأت تلك الكلمات المشابهة لتصريحات صدام حسين حول السلطة من فراغ، بل إنهما يدركان بوجود معارضة للمالكي كشخص وكممثل عن حزب سياسي هو حزب الدعوة الإسلامية وكممثل للنظام الطائفي السائد بالعراق. ورفضه كشخص يأتي من طبيعة سياساته الفردية والخطايا الكبيرة التي ارتكبها خلال الفترة الماضية من حكمه التي دامت أكثر من ثماني سنوات, فهو مرفوض من التحالف الكردستاني ورئاسة حكومة إقليم كردستان العراق، وهي الجهات التي تمثل الشعب الكردي أولاً، وتأتي من القوى والأحزاب المماثلة له بالطائفية في محافظات غرب العراق والموصل ثانياً، وهي ليست بالضرورة تمثل الطائفة السنية بالعراق، ولكنه مرفوض من أبناء وبنات الشعب في المناطق الغربية من العراق والموصل أيضاً، كما إنه مرفوض من أحزاب وقوى سياسية عديدة من الطائفة الشيعية التي تشكل معه التحالف الوطني أو البيت الشيعي ثالثاً، وهو مرفوض من قوى اتيار الديمقراطي ومنها الحزب الشيوعي العراقي والكثير من المستقلين رابعاً. وقد دفع هذا الواقع إلى أن يتخلى عنه الكثير من السياسيين حتى من جمهرة من أتباع في دولة القانون ولكنهم يخشون التعبير عن ذلك لأنهم يقفون أما مستبد عراقي جديد لا يختلف كثيراً في المنهج والسمات والسلوك السياسي عن صدام حسين. ووضع المالكي نفسه في مواجهة نسبة عالية جداً من مكونات الشعب العراقي القومية والدينية والمذهبية والفكرية. كما طرحت جهتان كانتا حاميتين له ومدافعتين عنه هما: المرجعيات الدينية الشيعية في النجف، والولايات المتحدة الأمريكية، إذ طالب الطرفان بتشكيل حكومة وحدة وطنية مقبولة من الجميع، في حين أنه لا يتمتع بتأييد الجميع بل بنسبة قليلة من الجميع. وحين أدرك إن التحالف الذي هو فيه يرفضه أيضاً، قرر أن يخوض معركة سيئة على العراق والمجتمع وأصدر بوم الجمعة المصادف 4/7/2014 بياناً جاء فيه ما يلي:
"ولن أتنازل أبدا عن الترشيح لمنصب رئيس الوزراء، فائتلاف دولة القانون هو الكتلة الأكبر، وهو صاحب الحق في منصب رئاسة الوزراء وليس من حق أية جهة أن تضع الشروط، لأن وضع الشروط يعني الدكتاتورية، وهو ما نرفضه بكل بقوة وحزم." (من نص البيان).
إن هذا الموقف، وفي ظل الظروف الراهنة، يعني نشوء عواقب وخيمة على العراق وأشبه بما صرح به صدام حسين: "أن من يريد ان يحكم العراق من بعدي سيستلمه أرضاً بلا بشر"، نشير إلى البعض منها .
1.   ضرب الوحدة الوطنية الضرورية والحكومة الوطنية الموحدة القادرة على مواجهة الأحداث الجارية، ومنها بشكل خاص اجتياح واحتلال التنظيمات الإرهابية بقيادة داعش لمناطق واسعة جداً من العراق.
2.   تعني تقسيم العراق، إذ إن هذا قد يضع الكرد في مواجهة شخصية ناوأتهم وقطعت عنهم الأرزاق وهمشت دورهم في الدولة الاتحادية وتدفع بهم إلى الانفصال، وهو من حيث المبدأ حق مشروع للشعب الكردي، حقه في تقرير مصيره بنفسه وليس بوصاية من أحد بما في ذلك حق الانفصال وتكوين الدولة الوطنية المستقلة.
3.   العجز عن مواجهة داعش واحتمال توسعها على المزيد من الأرض العراقية وتكريس حكمها الظلامي في تلك المناطق.
4.   خسارة المزيد من البشر الذين سيصبحوا ضحايا الصراع والنزاع الدموي الجاري حالياً بالعراق والذي يمكن أن يتسع ليشمل مناطق أخرى.
5.   وهذه الحالة ستمنع عقد اجتماع لمجلس النواب من خلال الامتناع عن الحضور بما يحقق ما يريده نوري المالكي حالياً، أي أن يبقى على رأس الحكومة حتى لو كانت حكومة تصريف أعمال، وممارسة سياسة استبدادية قاسية ضد كل المخالفين له، كما حصل مع أتباع الشيخ الصرخي بكربلاء حيث قتل عشرات الأشخاص من أتباعه وتراوح عددهم بين 40-45 شخصاً عدا الجرحى والمعوقين وعدا الخسائر المادية.
6.   إن المشكلة بالعراق ليست مشكلة المالكي وحده، رغم إنه الشخص الذي يجب أن لا يبقى في الحكم، لأنه لم يفشل في الحكم فحسب، بل ووضع العراق على حافة الانهيار الكامل، إن لم يكن الانهيار قد أصبح قاب قوسين أو أدنى وفي الواجهة، بل إن المشكلة تكمن في النظام المحاصصي السياسي الطائفي الذي يجب أن يتغير بحكومة إنقاذ وطني حقيقية، حكومة وطنية تدرك الواقع الذي يجد العراق نفسه فيه وتعمل لإنقاذه. ولا يمكن أن يتم ذلك بوجود المالكي وحزبه!!!
إن المالكي يدفع بالعراق إلى حافة التقسيم والحروب الأهلية والطائفية والقومية، وهو ما يفترض أن يدركه الشعب العراقي. ولكن غالبية الناس بالعراق تشكَلَ لديها خلال عقود الدكتاتورية والطائفية والإرهاب والفساد وعي مشوه ومزيف، ولهذا سيجد الناس صعوبة إدراك ما يجري على الأرض والعواقب المترتبة عن السياسات الطائفية ونهج المالكي.
إن بقاء المالكي كارثة واستمرار النظام المحاصصي كارثة أكبر والخلاص منهما هو الحل الذي سيعيد للعراق تدريجاً أوضاعه الطبيعية. إن المالكي، كما عبر عنه محلل سياسي أجنبي هو "حفار قبر العراق"، فهل سيسمح الشعب والعالم لحفار قبر العراق وحزبه أن يستكملا الحفر ودفن العراق؟ هذا ما ستكشفه الأيام والتي هي حبلى بأحداث كبيرة وذات مخاطر كبيرة.
5/6/2014                         كاظم حبيب             
 
 
 
 

71
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية
بيان حول أوضاع العراق الراهنة
منذ سنوات والعراق يواجه مخاطر جمة استنزفت وما تزال تستنزف الكثير من قدراته البشرية والمالية وعطلت عملية التنمية فيه ووضعته أمام مخاطر أكثر تعقيداً وتشابكاً من أي وقت مضى. ولم تكن هذه المخاطر بمعزل عن نظام المحاصصة الطائفية والأثنية السائد بالعراق وعن وقوع البلاد فريسة الإرهاب والفساد والصراع الطائفي. ولم تنفع كل التحذيرات والدعوات إلى ممارسة سياسات وطنية أخرى ومعالجة المشكلات القائمة بروح سلمية وديمقراطية، مما أدى إلى وقوع  الفاجعة المريرة في العاشر من شهر حزيران/يونيو 2014 حيث تعرض الوطن إلى اجتياح واحتلال واسعين لمدينة الموصل ومناطق أخرى من المحافظة، إضافة إلى تكريت ومناطق أخرى من صلاح الدين وديالى وغيرها من التشكيلات الإرهابية الدموية والتكفيرية العديدة وعلى رأسها تنظيم داعش الإرهابي. وكل الدلائل تشير إلى حصول عملية تسليم الموصل فعلياً إلى المليشيات الإرهابية من جانب القيادات العسكرية والتي يتحملها رئيس الوزراء باعتباره القائد العام للقوات المسلحة العراقية أيضاً.
إن هذا الواقع المرير يتطلب دون أدنى ريب وحدة القوى السياسية الوطنية العراقية ونضالها المشترك لمواجهة قوى الإرهاب وإفشال مخططاتها الظلامية بالعراق ومنطقة الشرق الأوسط. ولا يمكن تحقيق مثل هذه الوحدة ما لم تؤخذ بنظر الاعتبار أخطاء الماضي والحاضر بالابتعاد عن المحاصصة الطائفية في تشكيل الحكومة الاتحادية الجديدة وممارسة سياسة تعتمد مبدأ المواطنة والحقوق المشروعة في حل المشكلات القائمة. إن المخاطر المتفاقمة حالياً تتهدد كل الشعب العراقي بعربه وكرده وقومياته الأخرى وأتباع دياناته ومذاهبه ومعتقداته دون استثناء، ومناطق العراق كلها ستكون مفتوحة أمام قوى الإرهاب ما لم يرتق الجميع إلى مستوى المسؤولية الوطنية وخوض النضال الموحد ضد القوى الظلامية التي تريد العودة بالعراق إلى قرون البؤس والفاقة والجهل والتخلف.
إن الأمانة العامة للتجمع العربي لنصرة القضية الكردية، حرصاً منها على وحدة النضال والمصالح المشتركة للعرب والكُرد وجميع قوميات الشعب العراقي، تؤكد ما يلي:
1.      مارست الحكومة الاتحادية سياسة التسويف والمماطلة ولم تتخذ الإجراءات الكفيلة لتنفيذ بنود المادة 140 من الدستور العراقي بالنسبة للمناطق المتنازع عليها والتي كان المفروض الانتهاء من تنفيذها في العام 2007، وها نحن الآن في العام 2014. ولم تُصب هذه السياسة في مصلحة الشعب العراقي ووحدة العراق وتطوره الديمقراطي والسلمي. إذ كان المفروض أن تنفذ بنود المادة على وفق مواعيدها الواردة في المادة الدستورية. وقد دعونا إلى ذلك مراراً وتكراراً. وقد برز هذا التوجه التسويفي الصارخ في تصريحات وممارسات الكثير من المسؤولين في مؤسسات الدولة، منها على سبيل المثال لا الحصر اعتراف النائبة حنان الفتلاوي في مقابلة أجراها معها السيد نبيل جاسم في راديو دجلة بأنها كانت لسنوات تعرقل إجراء الاستفتاء على كركوك وتطبيق المادة 140 من الدستور، وكان هذا ديدن حزب الدعوة وقائمة دولة القانون.
2.      إلا إن هذا التسويف والمماطلة من جانب الحكومة الاتحادية المنافيان للنص الدستوري لا يتطلب ولا يسمح، وفي هذا الظرف المعقد والخطير الذي يواجه العراق بكل قومياته، ومنها القومية الكردية، والذي يستوجب التضامن والتعاون والنضال المشترك ضد العدو المشترك، أن تطرح رئاسة إقليم كردستان موقفاً يشير إلى إنها لم تعد معنية بالمادة 140 من الدستور العراقي لعام 2005، بل إن الواجب الوطني المسؤول يفرض الالتزام بالمادة 140 والإلحاح على تنفيذها على وفق روح الدستور العراقي لضمان تعزيز التضامن والأخوة بين القوميتين العربية والكردية وبقية القوميات بالعراق.
3.      كما ترى الأمانة العامة ضرورة أن تعالج الحكومة الاتحادية الجديدة بعد تشكيلها، والتي نريد لها أن لا تقوم على أساس المحاصصة الطائفية وسياسات التهميش والإقصاء للكُرد والمناطق الغربية من العراق أو غيرها من مناطق الوسط والجنوب السابقة والخاطئة والمرفوضة، المشكلات القائمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق وكذلك مع المحافظات الغربية ومحافظة الموصل وبقية المحافظات على أسس ديمقراطية وسلمية وعلى وفق الدستور العراقي والمصالح المشتركة للشعوب والقوميات المتآخية بالعراق.
إن الأمانة العامة للتجمع إذ تتطلع إلى اتخاذ موقف وطني مسؤول وحريص على وحدة النضال في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ العراق المعاصر من جانب حكومة الإقليم، تتطلع في الوقت ذاته إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تمارس سياسة وطنية مسؤولة إزاء كل مكونات الشعب العراقي القومية والدينية والمذهبية والعقائدية، ليتسنى للشعب تحقيق الانتصار في مواجهة قوى الإرهاب والتكفير والتخلف. إننا نعدو إلى ضبط\ النفس وإلى مواجهة العدو المباشر الذي يتهدد الجميع، مواجهة جرائم ميليشيات داعش والقوى المتحالفة معها. 
الأمانة العامة للتجمع العربي لنصرة القضية الكردية صدر بتاريخ 4/7/2014   
 

 


72
كاظم حبيب
هل من حلول سلمية وديمقراطية للأزمات المتشابكة والمعقدة بالعراق؟

يوم الثلاثاء المصادف 1/7/2014 سيجتمع مجلس النواب العراقي في دورته الثالثة في أعقاب صدور دستور العراق الجديد في العام 2005. ويختلف المحللون السياسيون بالداخل والخارج في تقديرهم عن مدى قدرة هذا المجلس الذي انتخب على ذات الأسس الطائفية والصراع بين القوى والأحزاب الطائفية والتي تجلت إلى ابعد الحدود في نتائج الانتخابات والقوى التي احتلت مواقع مهمة لها في مجلس النواب. فمنهم من يرى عجز هذا المجلس عن،  ومنهم من يرى قدرة المجلس، على تجاوز الطائفية السياسية وإيجاد حل سلمي وديمقراطي للحالة الراهنة. والحكمة تقول بـ "أن فاقد الشيء لا يعطيه"! فما من مجلس ينتخب على أسس الهويات الفرعية الطائفية القاتلة يكون بمقدوره تجاوز هويات الطوائف والقوميات وإيجاد حلول عملية وسلمية وديمقراطية للمشكلات التي تواجه الشعب العراقي على أساس الهوية الوطنية والمواطنة الحرة والمتساوية. هذا النقاش يدور منذ فترة غير قصيرة في أوساط المحليين السياسيين والاجتماعيين وعلماء النفس والاقتصاد داخل وخارج العراق. والغالبية تشك في امتلاك مجلس النواب الجرأة على سلوك السبيل القويم والعقلاني بالضد من السلوك المعوج الذي سارت عليه كل مؤسسات الدولة العراقية حتى الآن، ومنها مجلس النواب والحكومة ومجلس القضاء العالي في بعض أهم تفسيراته للدستور لصالح الحكومة القائمة.
تؤكد المعطيات المتوفرة على أرض الواقع العراقي بأن المعالجات العسكرية والأمنية التي التزم بها رئيس وزراء العراق نوري المالكي خلال ثماني سنوات من حكمه الفاشل قد برهنت إنها ليست عاجزة عن معالجة أوضاع العراق الرديئة فحسب، بل كانت بمثابة رش الزيت على النيران المشتعلة بدلاً من إخمادها، وبالتالي عمقت ووسعت المشكلات وتسببت بردود أفعال مناوئة وخلقت خنادق متباعدة ومتصارعة مما فسح في المجال إلى ولوج عصابات داعش والبعث المسلح الإجرامية وغيرهما على خط الاحتجاجات والانتفاضة الشعبية السلمية في مناطق غرب العراق والموصل والاستفادة منها لاجتياح الفلوجة والموصل ومدن أخرى. وكان رد الفعل هو التجييش السريع والواسع للمليشيات الشيعية المسلحة، من أمثال عصائب أهل الحق وميليشيات جيش المهدي وبدر وحزب الله وغيرها، بدلاً من إعادة تنظيم القوات المسلحة العراقية وتغيير النهج الذي سارت عليه وتلقيحها بعقيدة وطنية عراقية لا طائفية وتغيير القوى الفاعلة فيها والبدء بربط الحل العسكري بغطاء سلمي يطرح حلولاً سلمية وديمقراطية للمشكلات القائمة بما يسهم في فك الارتباطات والتشابكات التي نشأت بين قوى الإرهاب وبين قوى الانتفاضة الشعبية في مناطق غرب العراق والموصل وحل المليشيات الشيعية المسلحة التي بدأت استعراضاتها بأسلحة تقليدية متطورة وخارج الدستور العراقي! فالسلاح لا يجوز أن يكون خارج إطار الدولة وقواتها المسلحة.
إن توفرت النية الحسنة والصادقة سيكون في مقدور مجلس النواب، واستناداً إلى تجربة عشر سنوات عجاف ومريرة من سياسات المحاصصة الطائفية والصراع الطائفي بين القوى الطائفية، تكليف شخصية عراقية وطنية، سواء أكانت من أعضاء مجلس النواب أم من خارجه، بتشكيل حكومة وطنية عراقية غير طائفية تلتقي عندها أهداف الشعب كله في هذا الوطن المستباح والمخرب والفقير, رغم غناه, حكومة تمثل مصالح الشعب كله قبل طوائفه، وبالتالي فهو تمثيل مباشر للجميع دون تمييز. مثل هذه الحكومة التي تطرح برنامجاً من نقاط عدة أساسية تمس جوهر القضايا التي تواجه الشعب في أساليب وأدوات وأهداف عمل الحكومة الاتحادية، في علاقاتها مع الإقليم ومع المحافظات الغربية والجنوبية والوسط والشمال وبغداد، في علاقة الميزانية والاتحادية مع ميزانية الإقليم وميزانية المحافظات، في الموقف من سياسة النقط الخام وفي الموقف من الأحزاب السياسية والقوانين الضرورية المعطل إصدارها حتى الآن، وكذلك في الموقف الجاد والمسؤول من تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي الذي لم تعالجه الحكومات المتعاقبة منذ عشر سنوات حتى الآن، وكذلك الموقف من الهيئات المستقلة دستورياً كالبنك المركزي والمفوضية المستقلة للانتخابات..الخ. طرح برنامج يزيل الشعور بالشوفينية والطائفية السياسية والمغبونية والتهميش والإقصاء وخلق شعور واقعي وحقيقي لدى كل المواطنات والمواطنين بأنهم جميعاً مواطنون ومواطنات من الدرجة الأولى وليس هناك من هم من الدرجة الثانية أو الثالثة!!
هل في مقدور هذا المجلس أن يتجاوز واقعه الحالي وصيغة تشكيله الراهنة ويحقق ما لا يتوقعه الكثير من الناس بالداخل والخارج؟ الشكوك تحيط بهذه الرغبة الملحة لدى الإنسان العراقي، رجلاً كان أم امرأة، فهل الأزمة الراهنة واستباحة مناطق واسعة من العراق، رغم خراب الموصل قبل البصرة، تسمح بنشوء عقلانية وحكمة لدى أعضاء مجلس النواب، أم سيبقى الهاجس الطائفي المقيت يهيمن على سلوكهم اليومي كما كان في الدورتين السابقتين؟
أتمنى أن ينتصر العقل وأن تسود الحكمة والمروءة لدى غالبية نواب المجلس، إن لم نقل كلهم، بما يسمح بتبديل الوضع الراهن غير الصالح بوضع يكون صالحاً للجميع من خلال التزام الحلول السلمية والديمقراطية للمشكلات الراهنة. إلى هذا يتطلع الإنسان العراقي ويحلم به يومياً، فهل في تطلع الشعب هذا ما هو كثير عن حاجة العراق الفعلية في المرحلة الراهنة وعن قدرة مجلس النواب؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة!
29/6/2014                        كاظم حبيب     

     

73

كاظم حبيب
الإصرار على البقاء في الحكم، جريمة بحق وحدة الشعب العراقي واستمرار للصراع الطائفي!
خرج علينا المستبد بأمره رئيس وزراء العراق نوري المالكي يوم أمس بعنجهيته المعهودة ووجهه المتجهم دوماً ليعلن على الملأ رفضه تشكيل حكومة إنقاذ وطني، إذ قال : "كما انه ليس خافيا على العراقيين جميعا الأهداف الخطيرة التي تقف خلف ووراء الدعوة لتشكيل حكومة إنقاذ وطني كما يسمونها، فهي بكل بساطة محاولة من المتمردين على الدستور للقضاء على التجربة الديمقراطية الفتية ومصادرة آراء الناخبين والالتفاف على الاستحقاقات الدستورية"، ثم أضاف: "إن الدعوة لتشكيل حكومة إنقاذ وطني تمثل انقلابا على الدستور والعملية السياسية". (راجع: موقع نوري كامل المالكي-رئيس الوزراء، مقتطف من نص خطابه يوم الأربعاء المصادف 25/6/2014).
كيف يُقرأ هذا النص؟ ابتداء أشير إلى إن خطابه يعبر بوضوح عن طبيعة وشخصية نوري المالكي غير المتوازنة.
1 . إن هذا النص يؤكد بما لا يقبل الشك إصرار نوري كامل المالكي على تكريس النظام السياسي الطائفي المحاصصي وأنه لم يتعلم من دروس السنوات العشر المنصرمة أو حتى من دروس وعبر ومعاناة الشعب العراقي من سيرة وسلوك عبد السلام محمد عارف، الطائفي العراقي الأول بامتياز، أو من الطائفيين والشوفينيين الذين جاءوا بعده، أو من سياسة إبراهيم الجعفري وسياسته الغاشمة.
إن من حق كل إنسان عراقي يدرك ما حصل وسيحصل بالعراق إن يقول بأن الأغبياء والمغامرين الطائفيين السيئي السيرة والسلوك هم وحدهم الذين لا يريدون الخير لهذا الشعب ووحدته وازدهاره، وهم وحدهم من يصر على تكريس نظام المحاصصة الطائفية وممارسة التمييز بين أتباع الديانات والمذاهب، وهم وحدهم من يعتقد بأن تشكيل حكومة إنقاذ وطني، حكومة تمثل الشعب العراقي كله لمواجهة الإرهاب الداعشي-البعثي وكسر شوكة الزاحفين صوب المدن العراقية الأخرى ودحرهم وتنظيف العراق منهم بعد عزلهم عن سكان الموصل والمحافظات الغربية المنتفضين على ما جرى ويجري بحقهم من ظلم واضطهاد وعنت وتصحيح المسيرة المعوجة، هو انقلاب على العملية السياسية وعلى الدستور العراقي وعلى الشرعية.
2 . إن الشرعية الدستورية يا نوري المالكي لا تتم بالانتخابات وحدها، فهي وجه واحد من أوجه الديمقراطية والشرعية الدستورية، وهتلر كما هو معروف قد وصل إلى السلطة عبر الانتخابات أيضاً، ولكن هذه الشرعية الدستورية انتهكها هتلر بنهجه الفاشي وشوه العملية السياسية ودفع بها صوب الشوفينية والعنصرية والتمييز ضد الساميين والحرب. العملية السياسية السليمة لا تبرز بالانتخابات وحدها بل بالنهج الفكري والسياسي الذي يمارسه من وصل إلى السلطة، في الممارسات اليومية للحكم وفي العلاقات مع مكونات الشعب القومية والجماعات الدينية والمذهبية ومدى التزامه بمبدأ المواطنة الحرة والمتساوية ومدى ابتعاد من بيده الحكم عن استخدام هوية فرعية واحدة باعتبارها العامل الحاسم في ممارسة الحكم وممارسة سياسة إبعاد بقية الهويات الفرعية عن المشاركة الفعلية في حكم البلاد. إن الشرعية الدستورية تُحترم أو تُنتهك في موقف الحكم والحاكم من التمييز أو عدم التمييز بين أبناء وبنات القوميات الأخرى أو أتباع الديانات والمذاهب العديدة بالعراق وفي الموقف من المرأة والرجل، وفي الموقف من المجتمع المدني الديمقراطي الحديث. إن الشرعية الدستورية تبرز أو تختفي في الموقف من مواد الدستور ذاته، فهل كان المالكي، رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع ووزير الداخلية ووزير الأمن الوطني والمسؤول الأول عن قيادة عمليات بغداد التي تأسست خارج الشرعية العراقية، هل التزم ببنود الدستور العراقي طيلة الفترة المنصرمة وهو وحده يحتل كل تلك المناصب ويمارس لوحده صلاحيات مجلس الوزراء؟ وهل التزم المالكي بتعيين قادة الجيش العراقي على وفق ما ثبته الدستور العراقي وعبر مجلس النواب؟ وهل التزم بالدستور في منح المرأة حقها في الحصة المحددة لها دستورياً في حقائب مجلس الوزراء؟ وهل.. وهل.. وهل..الخ؟
إن رئيس وزراء العراق نوري المالكي هو أول من تجاوز على الدستور العراقي وعلى الشرعية الدستورية وانتهكهما بفظاظة شديدة ودفع إلى حرب بين القوى الطائفية وليس بين المواطنات والمواطنين من أتباع المذهبين السني والشيعي، بل هم جميعاً ضحايا هذا الصراع الدموي المشين للطائفيين. والسؤال العادل الذي يفترض أن يطرحه كل مواطن عاقل: من المسؤول عن انهيار الجيش العراقي وقوات الشرطة والأمن الداخلي أمام عصابات داعش والبعث ومن لف لفهما من تنظيمات إرهابية وتخريبية؟ أليس رئيس وزراء العراق هو المسؤول الأول باعتباره القائد العام للقوات المسلحة وهو الذي عين هؤلاء القادة العسكريين، وهو المسؤول عن حماية البلاد وشعب العراق؟         
3 . والآن، كيف وصل المالكي إلى الولاية الثانية، هل وصل عبر الاستحقاق الانتخابي فعلاً، أم كان الاستحقاق الانتخابي السابق للدكتور أياد علاوي، إذ تآمر المالكي مع رئيس القضاء الأعلى لتشويه الدستور وعلى النص الواضح فيه من جهة، كما كان في الولاية الثانية مرشح الحكومة الإيرانية وليس الشعب العراقي ووافقت عليه الولايات المتحدة دون أي حق شرعي لها بذلك. كل ذلك قد تم بطهران وليس ببغداد، وهو تجاوز جديد ومذل للشعب العراق أن يتم اختيار رئيس وزراء عراقي بقرار إيراني، كما تم رفض خلعه في منتصف ولايته الثانية بقرار وطلب من الدولة الإيرانية توجهت به إلى رئيس الجمهورية العراقية والذي لم يرد طلبها، وكانت بالضد من إرادة غالبية أعضاء مجلس النواب الذين أرادوا خلعه على وفق الشرعية الدستورية.
4 . وليخبرنا المالكي: من تجاوز على الدستور العراقي حين ضرب المظاهرات الشعبية للقوى الديمقراطية التي طالبت في العام 2011 بتغيير المسيرة المعوجة المناهضة لمصالح الشعب في سياسات النظام السياسي الطائفي المحاصصي، وخاصة الفساد المالي والإداري والإرهاب ونقص الخدمات..، ووجه كامل قوات العراق لشل الجماهير عن الحركة واتهامها زوراً وبهتاناً بالبعثية والعداء للديمقراطية، في حين كان هو من ناهض الديمقراطية وانتهك حق الشعب في التظاهر واعتقل وعذب الكثير من المتظاهرين والصحفيين وأغتيل بعدها الكاتب هادي المهدي. ومن هو الذي أهمل مجموعة مهمة من المطالب العادلة التي طرحتها غالبية الجماهير الشعبية المنتفضة بطريقة سلمية بالموصل وبالمحافظات الغربية من العراق، ومن وجه لها الاتهامات ودفع بها لكي تقع أجزاء منها فريسة قوى الإرهاب الدموي، قوى داعش والبعث المسلح؟ أليس هو الطائفي بامتياز نوري المالكي ذاته؟     
إن الذي يقود الانقلاب على الشرعية الدستورية هو نوري المالكي وحزبه وائتلاف دولة القانون، وليس غيرهم، وهم الذين ينبغي أن يقدم قادتهم إلى المحاكمة. إن من يجب أن يحاكم أولاً هو نوري المالكي قبل غيره باعتباره القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الوزراء والمسؤول الأول عن انهيار الجيش العراقي أمام العصابات المسلحة التي غزت الفلوجة ومن ثم الموصل واحتلتهما ومارست القتل والتعذيب والتهجير وحرق الكنائس والمساجد وتدمير التراث الحضاري للعراق، إنه المسؤول عن كل ذلك وغيره، لأنه لم يلتزم بالقسم الذي أداه في أن لا يكون طائفياً وأن يعامل العراقيات والعراقيين جميعهم باعتبارهم مواطنات ومواطنين عراقيين وليسوا أصحاب هويات فرعية. لقد مارس التمييز الطائفي والقومي معاً، مما أسهم بالقسط الأوفر في توسيع وتعميق الصراع الطائفي بين طائفيي العراق وحاول إيهام كل الشعب العراقي بأن الصراع بين أبناء الشعب وليس بينه، ومعه حزبه وقائمته، وبين قوى وأحزاب طائفية من أمثالهم في صفوف الشيعة والسنة، إضافة إلى سعيه الحثيث لتعميق الصراع القومي بين العرب والكُرد بقطع حصة الإقليم من الميزانية العراقية.
إن مثل هذا الرجل يجب أن لا يبقى على رأس حكومة عراقية، إنه، وكما يبدو بأفعاله، رجل مريض ومصاب بشتى العلل النفسية، مصاب بجنون العظمة والنرجسية والسادية التي لا ترحم في المحصلة النهائية حتى نفسها، إنه مصاب بالاضطراب العقلي Psychopathth الذي لا يرى الأخطاء الفاحشة التي يرتكبها، ويعتقد جازما بأن الآخرين هم من يرتكبون الأخطاء، هم المصابون بالجنون وليس هو. ومثل هذا الرجل يجب أن يوضع في مكان آخر مخصص لأمثاله قبل أن تزداد الأخطاء والجرائم التي ترتكب بالعراق. وكم كان على صواب صديقنا الدكتور رشيد الخيون حين أورد البيتين التاليين للشاعر الأفوه الأودي التي تشير إلى أوضاع العراق بشكل دقيق في مقال له:   
   لا يَصْلُحُ النَّاسُ فـوضى لا سَراة لهم        ولا سَرَاةَ إِذا جُهَّالُهمْ سادُوا
                           تُهْدى الأُمور بأهلِ الرَّأي ما صَلحت         فإنْ تَـوَلَّتْ فبالأَشـرارِ تَنـْقـاد
(د. رشيد الخيون، سلطة العراق: لا سنَّة خسرت ولا شيعة كسبت، صوت العراق، في 25/6/2014، الأفوه الأودي، شاعر عاش ومات قبل الإسلام، العباسي، معاهد التنصيص على شواهد التلخيص).
27/6/2014                         كاظم حبيب

74
كاظم حبيب
المستبدون متماثلون في السيرة والسلوك، صدام والمالكي نموذجاً!
العراق يتوجع بفعل المحن المتراكمة والمتكاثرة التي عرضت الشعب وأرض الوطن إلى الاستباحة والتي اقترنت بممارسة الإرهاب والطائفية السياسية، إنهما وجهان لعملة واحدة ومن نسيج واحد في المحصلة النهائية. هذا العراق العزيز، انكسرت عينه، كما عبر عن ذلك الطيب الذكر أبو گاطع« هذا العراق  وشعبه يئنان تحت وطأة أقدام الإرهابيين الذين دنسوا أرض العراق وسحقوا كرامة الإنسان وعمقوا العواقب الوخيمة للنظام المحاصصي الطائفي اللعين. فالناس تقتل بالجملة على أيدي الإرهابيين في الموصل والفلوجة وصلاح الدين وبيجي ومناطق أخرى من العراق، هذا صحيح تماماً وهذه مجزرة رهيبة. ولكن صحيح أيضاً ما تمارسه عصائب أهل الحق وميليشيات أخرى بقتل السجناء السياسيين الذين يقعون تحت طائلة المادة 4 أ (الإرهاب)، كما يصطادون الناس ليمارسوا القتل بحقهم أيضاً. إنها المحنة العراقية الراهنة والكارثة التي يتعرض فيها الإنسان العراقي، إنه فقدان حقه في الحياة، إنه الموت المستمر.
أما الحاكم بأمره فلا يريد اتخاذ الخطوة الضرورية من أجل استعادة التعاون بين القوى العراقية لإيقاف نزيف الدم وطرد الإرهابيين وعزلهم عن أبناء الشعب في المناطق المحتلة، عزلهم عن هذه العصابات الشريرة المشاركة باجتياح العراق.
هل تتذكرون أيها العراقيون والعراقيات ما حل بالعراق حين كان الدكتاتور صدام حسين حاكما على كل العراق. لقد ارتكب كل الموبقات من حروب وقتال وسجن وتعذيب وغدر واغتصاب وتدمير وسرقة أموال وتصدير إرهاب. لقد مارس كل ما في جعبة المستبدين من أساليب إجرامية ضد الشعب العراقي بكل قومياته. وحين اقترب موعد الحرب الخليجية الثالثة ضد نظامه اقترح أمير دولة الإمارات العربية المتحدة الطيب الذكر الشيخ زايد بن سلطان بترك السلطة بالعراق والنزوح إلى الإمارات العربية ليبقى سالماً معافى فيها. رفض الدكتاتور الأرعن هذا المقترح وهذه الدعوة وأصر على البقاء على رأس السلطة ببغداد. فكانت الحرب الخليجية الثالثة في العام 2003 حيث سقط عشرات ألوف الناس الأبرياء في ساحات القتال من طرف واحد واحتل العراق ودمرت بنيته التحتية ومشاريعه الاقتصادية وعاد العراق إلى ما قبل التصنيع وأسوأ من أعوام الثلاثينات من القرن الماضي. كما انتهى صدام حسين، بعد أن القي القبض عليه في حفرة تحت الأرض، بصدور وتنفيذ عقوبة الإعدام بحقه. ولو كان الدكتاتور قد وافق على ما اقترح عليه لجنب العراق تلك الحرب وتلك الضحايا الهائلة، وربما كان خط سير العراق غير الذي حصل في أعقاب حرب الخليج الثالثة. لقد كانت مأساة حقيقة أن تسقط تلك الآلاف المؤلفة من أبناء وبنات الشعب العراقي.
واليوم أيها العراقيون والعراقيات تواجهون شخصاً آخر مماثلاً في السيرة و السلوك، تسلم الحكم منذ العام 2006 وما يزال على رأس السلطة رغم إنه يمثل الآن حكومة تصريف أعمال، ومع ذلك يرفض ترك السلطة لتشكيل حكومة جديدة برئاسة غيره. إنه يصر على أن يلتزم بما وعد به شيوخ بعض العشائر حين قال " أخذناها بعد ما ننطيها، هو ليش أكو واحد يگدر ياخذها"، رغم الرفض القاطع لأطراف كثيرة من أحزاب الإسلام السياسي الشيعية حلفاؤه في التحالف الوطني، ورغم مطالبة حكومة إقليم كردستان العراق بضرورة تخليه عن السلطة، ورغم مطالبة جماهير واسعة من المناطق الغربية بالعراق بإبعاده عن الحكم ليتسنى لهم مقاومة الإرهاب , ورغم مطالبة الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي بأن عليه أن يترك السلطة لأنه لم يعد جزءاً من الحل بل هو جزءُ كبير من المشكلة الراهنة والمتفاقمة. إنه يرفض رغم تفاقم الأوضاع بالبلاد ورغم امتداد قوى الإرهاب إلى مناطق جديدة من المنطقة الغربية والموصل وعلى مقربة من حدود إقليم كردستان مع محافظة نينوى. إن هذه الدكتاتور الجديد يدفع بالعراق ليس إلى مأساة حقيقية جديدة فحسب، بل وإلى مهزلة حقيقية، إنها المأساة والمهزلة في آن، ولا يتحملها حزب الدعوة وقيادة هذا الحزب فحسب، بل البيت الشيعي كله. إن أي يوم إضافي يبقى فيه نوري المالكي ورهطه بالسلطة يدفع بالعراق إلى المزيد من الموت والخراب والدمار. على العراقيين والعراقيات أن يعاقبوا كل الذين لعبوا على حبال الطائفية السياسية المقيتة والمحاصصة الطائفية من أتباع المذهبين من السنة والشيعة، لأنهم قد هيئوا سبل وقوع العراق وشعبه في هذه المأساة والمهزلة المتفاقمتين.
24/6/2014                     كاظم حبيب
       
 

75
كاظم حبيب
من أجل دحر قوى الإرهاب والطائفية السياسية المستباح بهما العراق

ليس العراق وحده من يواجه قوى الإرهاب والطائفية السياسية فكلاهما نتاج عقلية واحدة، عقلية الإقصاء والإفناء والتمييز، عقلية التسلط والعنف والقسوة، عقلية "أنا" و "الآخر", أنا الصحيح والأخر على خطأ. ومن لا يسير على وفق مذهبي ويتخلى عن مذهبه الخطأ فمصيره الموت على أيدي أصحاب "الحق!". وتتغير الأسماء والعناوين والأشخاص والأماكن والأزمان، ولكنها تبقى القضية واحدة لا غير. إنها عقدة العقيدة الجامدة والإيمان الخاطئ والرؤية النمطية (Stereotype  ( القاصرة عن رؤية التنوع في هذه الحياة وروعة هذا التنوع. إنها الذهنية المغالية في التمييز وفي الكراهية والحقد. فمن ليس معي فهو ضدي وينبغي أن ينتهي. هذه هي الفلسفة التي تؤمن بها قوى التسلط والعدوان، وهي ليست جديدة ولم تقتصر على الفكر الإسلامي، بل مارسها أتباع الكثير من الديانات في فترات مختلفة، كما تجلت في ذهنية وسلوك رئيس أكبر وأقوى دولة في العالم جورج دبليو بوش الابن.
وإذا كان العراق قد اغتنى بالديانات والمذاهب الدينية والفكرية العديدة، إسلامية وغير إسلامية، دينية وغير دينية، فإنه قد ابتلى أيضاً بالسلفيين والمتشددين منهم ونجدهم في جميع الديانات والمذاهب الدينية والفكرية دون استثناء، والكثير من أتباع كل مذهب في الإسلام مثلاً، وهذا هو الواقع الجاري، يدعي أنه على حق وغيره على باطل ويتكئ على ما نسب لنبي المسلمين محمد بن عبد الله، قوله: "روى الترمذي عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو قَالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَيَأْتِيَنّ عَلَى أُمّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النّعْلِ بِالنّعْلِ حَتّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمّهُ عَلاَنِيَةً لَكَانَ فِي أُمّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ وَإِنّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ مِلّةً كُلّهُمْ فِي النّارِ إِلاّ مِلّةً وَاحِدَةً، قَالَ ومَنْ هِيَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي". أن ترويج مثل هذا الادعاء والحديث الضعيف هو جزء من تلك الأفكار الخاطئة التي تنسب خطأ إلى النبي محمد والتي تساعد على تأجيج الصراع الطائفي بذريعة كلهم على خطأ إلا نحن أصحاب هذا المذهب أو ذاك. وبهذا ينطبق عليهم بيت الشعر المنسوب للمتنبي قوله:
            كلٌ يدعي وصلاً بليلى          وليلى لا تقرُ لهم بذاكا   
نحن أمام مرحلة خطيرة جداً في منطقة الشرق الأوسط. فقوى الإسلام السياسية الإرهابية الشرسة التي أسستها بشكل خاص الدول الثلاث، الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية وباكستان، فكراً وسياسة وتمويلاً وكادراً وجماعات، لمواجهة الاتحاد السوفييتي بأفغانستان، قد أصبحت اليوم تهدد الكثير من دول منطقة الشرق الأوسط والكثير من الدول الأفريقية وهي قابلة للاتساع وممارسة كل أشكال العنف والقسوة بغض النظر عن قدرتها في الوصول إلى السلطة أم في تنفيذ أوامر القتل لمن لا يكون معها. إنها الجريمة الكبرى التي خططت لها ونفذتها تلك الدول الثلاث والتي نقلت فعل هذه القوى إلى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا والتي تعاني منها اليوم شعوب هذه الدول بعد أن أبعدتها عن دولها الغربية منذ أن قررت الحرب ضد أفغانستان والعراق بين 2001 و2003، أي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، وكان هذا الهدف أحد أهم العوامل في خوضين الحربين بأفغانستان والعراق، وليس تحرير العراق من ظلم وجور الدكتاتورية البعثية.
إن الفكر المتطرف والتوسعي والتصديري لم يقتصر على الجماعات الوهابية المنحدرة من أصل مذهبي حنبلي متشدد، بل شمل وانطلق من الفكر الشيعي السائد بإيران، إذ سعت هذه الدولة الإيرانية الإسلامية الشيعية بكل قوة وجموح إلى تصدير المذهب الشيعي إلى مناطق أخرى من العالم وتسببت بصراعات إضافية جديدة وعواقب وخيمة على  تلك الدول. وبعد سقوط الدكتاتورية الغاشمة بالعراق برزت الميليشيات الشيعية المتطرفة مثل منظمة بدر وميليشيات جيش المهدي وعصائب أهل الحق وحزب الله بجوار ميليشيات سنية متطرفة مثل تنظيم القاعدة وأنصار السنة وهيئة علماء المسلمين التي شكلت ميليشياتها الخاصة والتحمت بتنظيمات البعثيين العسكرية من جهاز الأمن العراقي السابق، إضافة إلى تنظيمات وميليشيات داعش الجديدة، وكذلك القوى الإرهابية البعثية والقومية اليمينية المتطرفة المتداخلة والمتشابكة مع الميليشيات السنية المتطرفة والمسلحة.
إن الخطر الداهم الذي يواجه الشعب العراقي كله يبرز في وجود ميليشيات مسلحة خارج إطار الدستور والقوانين العراقية والقوات المسلحة العراقية، أياً كانت هويتها الفكرية والسياسية والدينية والمذهبية، فهي التي تهدد الأمن والاستقرار والسلام بالعراق. واليوم نواجه داعش وهي تهدد الشعب العراقي بكل مكوناته الدينية والمذهبية من شيعية وسنية ومسيحية ومندائية وإيزيدية وبهائية وكاكائية وأهل الحق الشبك وزرادشتية وغيرهم، كما إنها تعتبر تهديداً للعرب والكرد والتركمان والكلد أشور والفرس أيضاً. ولكن لا يعني غياب الدور الخطير للمليشيات الشيعية المسلحة مثل عصائب أهل الحق وبدر وميليشيات جيش المهدي التي تتميز كلها بالعنف والقسوة والجور والإرهاب والاستعداد للقتل.             
إن الخطر المباشر الذي يواجه العراق كدولة وكشعب يأتي اليوم من تلك الجماعات المسلحة التي اجتاحت الموصل وتلعفر وبيجي وبعض مناطق ديالى ومناطق أخرى من محافظتي نينوى وكركوك وقبل ذاك الفلوجة وصلاح الدين والرمادي والتي تحاول خلط الأوراق مع أبناء وبنات العراق من السنة ومن ذوي المطالب العادلة. إن الدعوة لمساندة الجيش العراقي تأتي من الحرص على مواجهة هذه القوى الشريرة التي تستهدف الجميع دون استثناء، ولكننا لم ولن ننسى العوامل التي تسببت بهذه الكوارث المتلاحقة رغم التحذيرات التي انطلقت منذ سنوات. ولكن قوى النظام الطائفية لم تستمع إلى صوت العقل والعقلاء، بل استمعت إلى أصوات وعاظ السلاطين الذين سبحوا بحمد السلطان الفاشل في بناء الدولة العراقية وتوفير الخدمات للشعب العراقي والذي تنكر بالكامل للهوية والعقيدة الوطنية العراقية والتزم بالمطلق بالهوية الطائفية القاتلة وتعاون بمن يلتزم مثله بها. إن مثل هذا الرجل لم يعد يصلح لقيادة البلاد، بل مكانه القضاء العراقي ومحاسبته على ما جناه على العراق. وكم كان الأستاذ المحامي رحيم العگيلي صادقاً وصائباً حين قدم لائحة اتهامات طويلة وخطيرة ضد رئيس وزراء العراق نوري المالكي التي أؤيدها وأضع توقيعي تحتها أيضاً.
إن الدعوة إلى مصادقة القضاء العراقي على نتائج الانتخابات وبسرعة أصبحت ملحة جداً من أجل عقد جلسة المجلس واختيار رئيس وزراء جديد وتشكيلة وزارية جديدة لا تخضع، رغم طبيعة وبنية المجلس النيابي، لتقاسم السلطة على أساس المحاصصة الطائفية بل تأتي بحكومة وطنية لتنقذ العراق من حالته المأساوية الراهنة  وتعيد ترتيب الأمور بالعراق على أسس المواطنة وبعلاقات جديدة مع المواطن والمواطنة ومع الإقليم ومع المحافظات ومع المجتمع كله وبعيداً عن الشحن الطائفي الراهن. إنها مهمة عسيرة ولكنها الوحيدة القادرة على إنقاذ العراق من محنته الكبرى الراهنة ومن مخاطر الموت المتفاقم لأبناء وبنات الشعب العراقي ومن مخاطر تفاقم العدوانية في صفوف المجتمع نتيجة سلوكية العنف والقسوة والقتل التي تمارس اليوم بالبلاد. إن العراق لا يمكن أن يعتمد على العامل العسكري في إنهاء استباحة أرض وشعب العراق، بل العراق بحاجة إلى نهج جديد وسياسة جديدة وشخصيات أخرى غير التي ساهمت بتمزيق العراق وإيصاله على هذا الواقع المرير والمخزي الذي نعيش فيه. إن العبور على هذه المسألة لن يجدي نفعاً ولن يعالج المشكلة من جذرها حتى لو طرد الداعشيون والبعثيون المسلحون وغيرهما من العراق.
إن وحدة المجتمع والعودة إلى الصفاء العراقي ضروري لهذا اليوم وفي المستقبل، ويتحمل مثقفو ومثقفات البلاد من مختلف الديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية السليمة والفئات الاجتماعية مهمة أن يكونوا القدوة في نبذ الطائفية السياسية وشجبها وإدانتها وإدانة ممارسات الطائفيين السياسيين دون استثناء. عليهم أن لا يتلوثوا بها, إذ بغير ذلك سيكون عراق اليوم في مهب الريح حقاً.     
ويقع على عاتق القوى المستقلة والديمقراطية والأمينة لشعبها أن ترفع راية التغيير لإقناع من اندفع من أبناء وبنات السنة لتأييد داعش والبعث المسلح تحت وطأة ما عاشه من ظلم أو اضطهاد أو شعور بأنه مواطن من الدرجة الثانية وأنه لا يشارك في الحكم، أن يستعيد ثقته لا بنفسه فحسب بل وببقية الموطنات والمواطنين من أتباع المذهب الشيعي. إن الكارثة قد حصلت بالعراق وما يمكن أن يحصل أمرّ وأقسى ما لم تؤخذ المبادرة لإجبار من ركب رأسه في أن يعيد النظر بحساباته ويبتعد عن السلطة ويتسلمها فريق جديد يكون بمقدوره إعادة ثقة الناس، كل الناس العراقيين، بالدولة والحكم بالعراق. وبغير ذلك سوف لن يكون الحل سوى ضحك على الذقون.
22/6/2014                         كاظم حبيب 


         

76
كاظم حبيب
لتنتصر إرادة الشعب، كل الشعب، على قوى الإرهاب والظلام والطائفية المقيتة
الشعب العراقي يواجه محنة كبيرة لم يواجه مثلها من قبل. فقوى الإرهاب والتكفير والطائفية تمعن في قتل الناس الأبرياء وتحاول السيطرة على المزيد من الأراضي والمدن العراقية؟ وقوات الجيش بواقعها الراهن تواجه بإصرار تلك العصابات الإجرامية التي لا بد من سحقها بكل عزم وحزم وإصرار. ولكن لا بد من التمييز بين قوى الإرهاب الدموي من داعش والبعث الإجرامي ومن لف لفهما من التنظيمات الإرهابية من جهة، وبين أبناء الشعب العراقي من أتباع المذهب السني الذين لا يمكن ولا يجوز أن يكونوا جزءاً من أولئك المخربين والإرهابيين أو البعثيين الذين حكموا العراق وأذاقوه مر العذاب وزجوه في الحروب والسجون ومارسوا القتل والأنفال والتهجير ومرغوا جباه الناس بالتراب. على القوى السليمة في الشعب العراقي أن تميز بصواب بين هؤلاء وأولئك وإلا خسرنا المعركة مع قوى الإرهاب بتشتيت وحدة الشعب منذ الآن، وهو ما تسعى إليه قوى الإرهاب والبعث الدموي.
لنساند جميعنا الجيش العراقي في معاركه الطاحنة على جبهات القتال في محافظة نينوى، في تلعفر، وفي بيجي، وفي صلاح الدين وبعقوبة والفلوجة ومجمل محافظة الأنبار وسامراء، وأينما حاول هؤلاء القتلة إشاعة القتل والتخريب والتدمير.   
إن كان هؤلاء القتلة يتوعدون اليوم الشيعة بالقتل وتخريب مراقد الشيعة المقدسة، فأنهم في المحصلة النهائية يستهدفون السنة أيضاً ومراقد السنة المقدسة، كما يتوعدون أتباع بقية الديانات بالعراق. ولهذا لا بد لأبناء المجتمع العراقي من السنة والشيعة ومن كل الديانات والمذاهب والقوميات أن يجدوا اللغة المشتركة بينهم جميعاً، أن يواجهوا الإرهاب أن ينتفضوا على قوى الإرهاب التي تستهدفهم أيضاً وتستهدف مقدسات الجميع.
إن الجيش العراقي الذي واجه صعقة كبيرة في الموصل، ولم نعرف حتى الآن العوامل التي تسببت بتلك الهزيمة النكراء، وهي ما تزال طلاسم لا يعرفها غير من تسبب بالهزيمة المريعة، بحاجة إلى دعم معنوي وأدبي وسياسي ليستطيع مواجهة قوى الإرهاب الدموي.
إن وقفة الحزب الشيوعي العراقي إلى جانب الجيش العراقي سليمة جداً، رغم معرفة الحزب وقوى التيار الديمقراطي بالنواقص الكبيرة التي صاحبت إعادة بناء هذا الجيش العراقي الذي يفترض أن يوجه ضد الأعداء الخارجيين. إن العدو الغادر، الداخلي والإقليمي والدولي، يريد العودة بالظلاميين والفاشيين من إسلاميين تكفيريين وبعثيين همجيين إلى السلطة بالعراق للمرة الثالثة، وهي ليست جريمة فحسب بل ستكون طامة كبرى على المجتمع العراقي بأسره. ولهذا لا بد من وحدة الموقف الشعبي لمواجهة قوى الإرهاب والتصدي لأهدافها الشريرة والتمييز الصادق والمخلص والأمين للشعب العراقي بين قوى الإرهاب وبين أبناء الشعب من الشيعة والسنة.
إن اقتراح عقد مؤتمر عراقي لوحدة القوى الوطنية العراقية تسهم فيه كل القوى والأحزاب السياسية ومن كل القوميات أصبح اليوم ضرورة ملحة من أجل وحدة الصف الوطني العراقي بكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية والفكرية والسياسية، إنها الأداة العملية لمواجهة الإرهاب والطائفية ودحرهما معاً.
يجب أن لا يبقى في السلطة من تسبب في كل ذلك، سواء أكان شيعياً أم سنياً، يجدب أن لا يكون هناك أي نوع من أنواع السلاح بأيدي قوى الإرهاب الدموية أو بأيدي الميليشيات الطائفية الشيعية منها والسنية، يجب أن يكون السلاح بيد الدولة فقط. علينا تعبئة الرأي العام العراقي من أجل رص الصف الوطني بين أبناء العراق وبناته، بين مسلميه ومسيحييه ومندائييه وإيزيدييه، بين عربه وكرده وتركمانه وآشورييه وكلدانه.. بين جميع الناس الذين يحترمون الإنسان وإرادته وهويته الوطنية العراقية لمقاومة الغزو العدواني الذي تشنه قوى الإرهاب والبعث المجرم بسبب الصراعات الطائفية المحزنة والمخزية التي تصدرت الساحة السياسية العراقية خلال السنوات العشر المنصرمة. ليندحر الإرهاب ولتندحر الطائفية على الصخرة العراقية التي نريدها متماسكة ومتينة وقادرة على قهر الإرهاب الداخلي والإقليمي والدولي صخرة الوطن العراقي والمواطنة الحرة والمتساوية. 
20/6/2014                        كاظم حبيب             

77
كاظم حبيب
نداء العقل والشعب والوطن
من أجل ضمان وحدة القوى الديمقراطية والعلمانية في مواجهة الأوضاع الكارثية الراهنة!!!

يقف العراق على مفترق طرق. وصرح أكثر من طرف ومحلل سياسي بالعراق وخارجه بأن العراق لن يعود إلى ما كان عليه قبل ذاك. وهنا تطرح الكثير من الأسئلة وتوجد الكثير من الإجابات التي تستوجب التدقيق والمراجعة. ولكن العراقيات والعراقيين جميعاً، أيا كانت قوميتهم أو دينهم أو مذهبهم أو وجهتهم الفكرية والسياسية، مسؤولون عما يجري بالعراق ومسؤولون عن مستقبل هذا الوطن والأجيال القادمة وسبل التعامل مع الأوضاع الجارية، وهم بحاجة إلى تفكيك وتحليل الأوضاع برؤية واقعية وموضوعية للعوامل أو الأسباب الفعلية التي كانت وما تزال فاعلة والتي قادت إلى الحالة الكارثية التي نحن فيها اليوم من جهة، وسبل الخروج من هذه الحالة التي لم يمر بها العراق قبل ذاك ثانياً. إن ما قيل عن كون العراق لا يمكن أن يكون نفس العراق الذي كان عليه قبل بدء أحداث الأنبار والفلوجة وثم الموصل أخيراً، قول صحيح، إذ لم يعد العراق قادراً السير على النُهج نفسها التي مورست حتى الآن من قبل كل القوى والأحزاب السياسية، إذ إنها كانت المسؤولة عما وصل إليه العراق حالياً، إذ لا يمكن إعفاء أحد منها رغم التباين الكبير جداً بين المسؤولين الأوائل عن الأحداث الجارية بالعراق منذ عشرات السنين وقمتها المشؤومة في استباحة الموصل وهزيمة القوات المسلحة العراقية التي لم تمتلك العقيدة الوطنية وروح المواطنة العراقية والتي ما تزال تعاني من هذا العيب القاتل.
لقد مارست كل النظم السياسية التي حكمت العراق نهجاً قومياً شوفينياً ونزعة طائفية غالبة. ولكن هذه الطائفية الرسمية لم تكن فاعلة بين الأوساط الشعبية ولم تكن مؤثرة على حياة الناس إلا في فترة حكم البعث التي برزت بشكل خاص والتي قادت إلى بروز مرارات لدى الكرد والشيعة على نحو خاص، رغم كون الناس السنة كانوا يعانون من نظام صدام حسين أيضاً وكانوا يناضلون ضده ايضاً. وقد أعطى هذا الواقع شحنات طائفية تقمصتها الأحزاب السياسية الدينية منذ فترة غير قصيرة قبل إسقاط الدكتاتورية الغاشمة في الحرب الأمريكية – البريطانية ضد النظام العراقي. وبالتالي تجلت في مؤتمر بيروت 1991 ومن ثم في مؤتمرات فيينا وصلاح الدين ولندن وتجلى بشكل خاص في أعقاب سقوط الدكتاتورية وتشكيل مجلس إدارة الدولة المؤقت والذي كرسته الإدارة الأمريكية عبر بول بريمر. ومن الأخطاء الفادحة في الواقع الجديد أن الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية اعتبرت نفسها هي المنتصر الأساسي في إسقاط الدكتاتورية وأن السكان السنة هم المسؤولون عن نظام البعث الدكتاتوري، وليسوا ممن تعرض للاضطهاد أيضاً. وهذا الشعور وعبر تجلياته المريعة في الواقع السياسي العملي أعطى الانطباع الكامل بأن هذه القوى تريد الانتقام من السنة، في وقت لم يكن الناس السنة مسؤولين عن النظام البعثي الذي حكم العراق طيلة 35 عاماً تقريباً، لقد كان القوميون البعثيون الشوفينيون المعادون للشعب العراقي كله. وكلنا عشنا تجربة ترحيل الكرد الفيلية وترحيل العرب الشيعة إلى إيران ومجازر الأنفال ضد الشعب الكردي وكذلك العمليات المناهضة للمعارضين السنة في الموصل وغيرها.
إن الحكومات الثلاث التي حكمت العراق في أعقاب إسقاط الدكتاتورية، سواء بوجود الاحتلال الأمريكي أم بعد إلغائه رسمياً، قد التزمت بنُهج ومارست سياسات أكدت إصرارها على ممارسة سياسة طائفية خطرة وغير حكيمة بل مجنونة إزاء أتباع المذهب السني، والذي قاد بدوره إلى ردود أفعال شديدة لدى أتباع المذهب السني من الأحزاب السياسية الإسلامية ومن ثم في صفوف جماهير السنة. إن الصراع والنزاع بين الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية والسنية لن يكون سوى الشعب العراقي ضحيته الأولى، سواء أكانوا من السنة أم الشيعة. إنه الخاسر الأول والأخير بينما الرابح هو تلك الأحزاب التي لا تريد الخير للعراق لأنها نقلت المعركة إلى المجتمع العراقي, وهنا تبرز الخطورة الأساسية. والرابح تلك الدول المجاورة التي لا تريد الاستقرار للعراق وشعبه.
إن المعركة الجارية ستنتصر فيها الدولة العراقية على هشاشتها الراهنة وسيسقط الإرهاب الدموي الداخلي وما قدم من وراء الحدود وستسقط بعدها القوى السياسية الطائفية، السنية منها والشيعية، التي كانت وما تزال السبب في ما يجري اليوم لشعب العراق وما يعاني من كوارث.
إن المرحلة الراهنة تتطلب من أصحاب الفكر النير، من المدنيين والديمقراطيين، من العلمانيين الواعين لطبيعة الصراعات الطائفية أن يدركوا بأن الوقوف إلى جانب هذا الطرف الطائفي السياسي الشيعي أو السني يقود إلى عواقب وخيمة في قوى التيار الديمقراطي العراقي ممن تنحدر عائلاتهم من اعتقاد بالمذهب السني أو المذهب الشيعي. إن العناصر الديمقراطية يفترض أن تصون نفسها من الوقوع في حبائل الطائفيين السياسيين الذين وضعوا بلادنا على مفترق طرق كلاهما لا يقود غلى الخير والمحبة.
علينا أن نمتلك الحصانة الفكرية والسياسية لنبتعد عن الصراع الطائفي، أن ندينه وندين المنادين به والدافعين إليه والمروجين له، وأن ندين المليشيات الطائفية شيعية كانت أم سنية التي تمارس القتل والإرهاب على الهوية.
علينا أن نتحلى بالقدرة على التمييز بين الإرهابيين القتلة، أياً كانت الهوية التي يحملونها، وبين الناس الطيبين المطالبين بحقوقهم المشروعة والرافضين للتمييز الطائفي. العناصر والقوى الديمقراطية العراقية هي التي يفترض أن تصون نفسها من تلك التيارات المريضة لكي تستطيع مساعدة الشعب في الخروج من هذه الكارثة والكوارث الأخرى، فهي البديل الفعلي القادم إدارة دفة البلاد رغم النفق المظلم الذي يمر به الشعب العراقي، فالضوء الضعيف الراهن سيتعزز بفعل الجرائم التي يرتكبها الطائفيون في المرحلة الراهنة.         
لنرفع صوت العقل عالياً لنتضامن، لنناضل بإصرار وحزم ودأب من أجل دحر الإرهاب والطائفية السياسية، من أجل رفض العمل بالهويات الفرعية القاتلة لصالح الهوية الوطنية، هوية المواطنة العراقية الحرة والمتساوية.
إن هذا ليس بحلم، بل سيتحقق لأن الظلم إن دام دمر ولا يمكن أن يدوم. فالنصر للشعب والعقل في آن واحد.   
   

78
كاظم حبيب
نقاش هادي مع السيد أياد عبد الرزاق حول رسالتي إلى السيد السيستاني – الحلقة الثالثة والأخيرة
3-3
   
وأخيراً أنتقل إلى المسألتين المهمتين التي أثارهما السيد أياد عبد الرزاق حول موقفي من عودة البعثيين إلى مناصبهم في الجيش والموقف من الكرد، إذ يتهمني بما يلي:
6.   ويكتب أياد عبد الرزاق " انتم من أيدتم إرجاعهم إلى مناصبهم بحجه الطائفية والعنصرية" ويقصد هنا إرجاع الضباط البعثيين إلى مناصبهم السابقة.
7.   ويتحدى السيد أياد عبد الرزاق الدكتور كاظم حبيب في عدم نقده للكرد ولستالين ولينين.
*****
6. كم كان حرياً بالسيد أياد عبد الرزاق أن يعود إلى ما كتبته خلال العقود الثلاثة الأخيرة أو حتى العودة إلى ما كتبته حول السبب في اعتقالي في تموز/يوليو من العام 1978 وتعذيبي وإحالتي على التقاعد بدون تقاعد وخروجي إلى الجزائر بسبب قرار تقديمي إلى "محكمة الثورة" ببغداد بتهمة إهانة الثورة ومجلس قيادة الثورة. فهو يفترض وغير متيقن ولكنه مصر فكتب بأن اعتقالي جاء بسبب كوني ماركسياً، ونسي أن الحزب الشيوعي العراقي كان حينذاك ما يزال في تحالف حكومي مع حزب البعث. إن السبب وراء اعتقالي واعتقال شيوعيين آخرين بسبب النقد الذي وجهته كشيوعي حينذاك وكوطني عراقي ضد سياسات البعث في جريدة طريق الشعب. ويمكنك العودة إلى مقالي هذا في طريق الشعب في شهر تموز من نفس العام، كما يمكن قراءة المقابلة التي أجرتها معي مجلة المرأة في الأمارات العربية المتحدة، أو في شرحي لعوامل اعتقالي حينذاك. ثم هذا الكاتب الهميم لم يقرأ كتابي الذي صدر في العام 1984 ومن ثم في العام 2008 بعنوان "الفاشية التابعة في العراق" حول حزب البعث العربي الاشتراكي، كما لم يطلع على 2000 مقال ودراسة وبحث نشرت لي منذ سقوط الدكتاتورية الصدَّامية البعثية حتى الآن، إضافة إلى الكتب الكثيرة التي طبعت بالعراق ومنها حول حزب البعث. لم أطالب يوماً بعودة البعثيين إلى القوات المسلحة. وهنا يبرز من هو الملفق وضد من يتم التلفيق؟
من يقرأ مقالاتي سيجد فيها أكثر من تأكيد عن اندساس بعثيين وقاعديين في الجيش العراقي وفي بقية صنوف القوات المسلحة والى تسرب المعلومات إلى الانتحاريين وغيرهم من المجرمين. ولكن سياسات وبعض مساومات رئيس الوزراء البائسة هي التي جلبت البعثيين إلى مراكز المسؤولية بهدف التضييق على الكرد أو على قوى عربية سنية. مقالاتي كلها منشورة في صوت العراق والحوار المتمدن والناس وغيرها من المواقع ولا يمكنك اتهامي بما لم أقله. ولكن في ردي على شيخ الدين السيد كاظم الحسيني الحائري ميزت بين أربعة أقسام من البعثيين لأنه طالب بقتل كل البعثيين حتى من شهد على شخص ما وسجن, أي حتى على المرتزقة المخبرين السريين الذين يعششون اليوم بالآلاف في جهاز نوري المالكي الأمني والمدني والعسكري في الوقت الحاضر، وهم:
1.   البعثيون المسؤولون مباشرة عن قيادة وتوجيه النظام البعثي في الحزب والدولة وكوادر الحزب الكثيرة التي مارست الحكم والقمع والتعذيب والقتل ضد الشعب العراقي وشنت الحروب الداخلية والخارجية.
2.   البعثيون الذين التحقوا بحزب البعث بسبب خشيتهم وخوفهم من القتل والتعذيب/ وما كانوا يومياً بعثيين.
3.   البعثيون الانتهازيون الذين التحقوا بالبعث للحصول على امتيازات ومواقع حكومية متقدمة.
4.   البعثيون الذين أخذتهم الموجة البعثية وساروا في الدرب السيئ الذي ولجه حزب البعث.
لم أطالب بإعادتهم ولكن قلت لا يمكن قتل كل هؤلاء بل محاكمة من تثبت إدانته. وهذا مكتوب في أكثر من مكان ولا يمكن تصور غير ذلك. الموقف كمن البعثيين هو ليس لا يعني الموقف ضد الطائفية، فالكثير من البعثيين كانوا من الشيعة.
دعني الآن أخبرك بحقيقة يفترض أن لا تكون غائبة عنك ما دمت من غلاة الطائفيين المتحمسين للتمييز بين الناس على أساس ديني ومذهبي. وأغلب العراقيات والعراقيين يعرفون هذه الحقيقة. ويمكن أن يكون "على الشلاه" وعشرات ألوف غيره نماذج قبيحة لهذا النوع من البشر المتلون كالحرباء والصياد في المياه العكرة.
لقد احتضنت الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية منها والسنية قوافل من البعثيين الحزبيين والمؤيدين لحزب البعث تحت باب "التوبة". امتلأ بهم جيش المهدي وعصائب الحق، التي كانت جزءاً من جيش المهدي، ومنظمة بدر، التي كانت جزءاً من لواء بدر الذي هو جزء من فيلق القدس الإيراني ورئيسها الآن هادي العامري، وهي ما تزال إيرانية الهوى والعمل. لم يلتحق أي بعثي بالحزب الشيوعي العراقي ولا بالحزب الوطني الديمقراطي ولا بالتنظيمات الديمقراطية الأخرى، بل كلهم توجهوا وبمختلف رتبهم الحزبية إلى الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية منها والسنية، ومن ثم هناك الكثير من القادة البعثيين الذين التحقوا بالقاعدة وهيئة علماء المسلمين السنة وأنصار السنة وداعش الذين يمارسون القتل الإجرامي بحق أبناء الجيش العراقي.     
    لهذا لا يمكنك تلبيسي رداءً لم ارتده بل ارتداه أخوتك في الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية على نحو خاص. وهذا ليس تقولاً عليهم وإدعاءً مني ضدهم بل قالوها هم، ومن الذين قالها السيد مقتدى الصدر الذي أكد بأنهم أعلنوا التوبة!!!   
والآن بالنسبة للنقطة السابعة والأخيرة.
7. لو كان السيد أياد عبد الرزاق قارئاً جيداً لوجد مقالاتي التي كتبتها في التسعينات من القرن الماضي وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين حول الحركة الشيوعية والماركسية وحول لينين وستالين. ولكن الرجل يكتب بما لا يعرف، وهنا يبرز مكمن الخلل في أسلوب تفكيره وتعامله مع النقد. حين لا يعرف الناقد قضية ما لا يحاسبه أحد، ولكن حين يكتب الناقد عن شي لا يعرف عنه شيئاً أو سمع من بعيد أو افترض ذلك، عندها يكون الخلل كبيراً في أسس تفكير وأسلوب تعامل الشخص مع الأمور. وهو ما لا أرتضيه للسيد أياد عبد الرزاق وما كان له أن يرتكب مثل هذا الخطأ الفادح. إذ لم يكن ضرورياً أن يتحدث عن أمور لا يعرفها.
فلاديمير إيلتش لنين منظر ماركسي كبير وقائد ثورة عظيمة، هي ثورة أكتوبر 1917 رغم انهيارها بعد سبعة عقود ونيف. وقد قدمت الثورة دعماً هائلاً لحركات التحرر الوطني على الصعيدين العربي والعالمي. ولكن الخلل في عمل لينين، حسب قناعتي، برز في دعوته لبناء الاشتراكية بعد الثورة مباشرة ولم يكن الأمر صحيحاً أولاً، وحين تراجع عنه في العام 1921 لم يكن قادراً على تحقيق ما توصل إليه بسبب مرضه وعزلته عملياً، إضافة إلى الخلل الذي ارتكبه الحزب الشيوعي السوفييتي في روسنة النظرية الماركسية وتعميمها وتصديرها كماركسية قابلة للتثقيف بها والعمل بموجبها إلى جميع أنحاء العالم، إضافة إلى موقفه المتشدد من أتباع الرأي الآخر. أما ستالين الذي تجاوز على مقترحات لنين ورفض الالتزام بها وراح ينفذ الخطة الأولى، أي بناء الاشتراكية على أرضية غير ناضجة للاشتراكية، ثم مارس العنف والقوة في فرض الثورة الزراعية وبناء الكولخوزات والسوفخوزات في ظروف غير مقبولة لم يهضمها الفلاح الروسي وأغنياء الفلاحين الكولاك، وكذلك استخدام القسوة والإرهاب في قتل الشيوعيين الروس المخلصين للثورة بتهمة التحريفية أو الخيانة للثورة. لقد ارتكب جوزيف ستالين عبر جهاز الدولة الأمني وعبر الحزب جرائم بشعة والتي برزت بشكل خاص في الثلاثينات من القرن العشرين ومن ثم في فترة الحرب العالمية الثانية. لقد ارتكب ستالين إساءات هائلة إلى النظرية الماركسية وتوجيهات لينين. وكان دكتاتوراً شرساً مات بسبب سلوكه عشرات ألوف الشيوعيين الروس وشيوعيين من بلدان أوروبية أيضا وهجر العديد من المكونات القومية خشية خيانتهم للثو. لا يحتاج الإنسان إلى جرأة ليكتب مثل هذه الحقائق التي أصبحت معروفة للجميع، بل الجرأة في أن يشخص الإنسان السياسات الصائبة والخاطئة التي مارستها النخب الحاكمة بالعراق خلال أكثر من عقد على سقوط الدكتاتورية البعثية الفاشية من جهة واتخاذ الموقف السليم منها. إن ما وصل إليه العراق حتى الآن تعبر عن ارتكاب جرائم بشعة من قبل الطائفيين السياسيين وليس من الناس الطبيعيين، سواء أكانوا من السنة أو الشيعة. والخيانات التي وقعت بالعراق وفي الموصل أو غيرها سيكشف عنها وسوف لن يرحمهم التاريخ، ولكن أتمنى أن لا يرحمهم الشعب ويعيد انتخابهم كما حصل في الانتخابات الأخيرة.
ويردد السيد أياد عبد الرزاق كذبة لا تصمد أمام الوقائع والحقائق، وأعني برها فرية كوني أحجم عن نقد الكرد. وهنا لا يميز السيد عبد الرزاق بين الكرد كشعب وبين القيادات أو المسؤولين الكرد. وبهذا فهو يرتكب خطأين آخرين لا خطأً واحداً.
أنا لست مغرماً بنقد الآخرين وليس النقد لمجرد النقد فضيلة بل رذيلة. ولكن النقد حين يشعر الإنسان بضرورة توجيهه فلا بد منه، لأنه يعتقد بهذا النقد يستطيع المشاركة في إصلاح الخطأ. وهنا يمكن أن يخطئ الإنسان أو يصيب. كما لا بد من التمييز بين الكرد كشعب وبين الأحزاب السياسية أو القيادات السياسية. وأنا أميز ذلك بوضوح كبير. 
لو كان السيد اياد عبد الرزاق قد قرأ مقالاتي التي نشرتها في مجلة گولان العربية والكردية لوجد النقد الذي أمارسه بشأن سياسات الأحزاب والقيادات السياسية والحكومة الكردستانية، وفي هذا لا أخشى لومة لائم. ومقالاتي النقدية منشورة في الحوار المتمدن وصوت العراق والناس وغيرها من المواقع أيضاً.
وخلال هذا العام وحده نشرت أكثر من مقال بهذا الصدد في نقدي للسياسات الكردستانية، ولكن يبدو أن الرجل لا يقرأ إلا ذلك النقد العادل والنظيف والنزيه الذي أوجهه إلى سياسات نوري المالكي وإلى تصرفاته وسياسات حزبه وقيادته وما آل إليه العراق بسبب ذلك وبسبب سلوك المتصارعين معه من أمثاله متن الطائفيين السنة.
لو كان الرجل قد أطلع على  المقالات التي كتبتها حين وصل المالكي إلى السلطة حيث تمنيت له النجاح لأنه جاء بعد إبراهيم الجعفري الذي ارتكب الكثير من السياسات البائسة والخاطئة، ولكني شككت بقدرته على تحقيق التغيير في زجهة النظام السياسي الطائفي لأنه يقود حزباً طائفياً بامتياز. وفي الممارسة العملية سار المالكي ولمدة سنتين بشكل مناسب نسبياً، ولكنه سرعان ما ارتد على  أعقابه وتراجع بخطوات سريعة إلى الوراء ليتحول إلى مستبد صغير لا يستحق أن يكون على رأس حكومة لدولة عراقية ذات حضارة عظيمة، الدولة التي أصبحت في زمانه أكثر هشاشة وأكثر بؤساً وعجزاً عن معالجة المشكلات وأكثر طائفية من أي وقت مضى,
المشكلة التي تواجه العراق اليوم كبيرة جداً ويصعب إعادة العراق إلى ما كان عليه قبل الأحداث الأخيرة، رغم كل التمنيات بعودته إلى الوحدة والسلامة. نحن نواجه اليوم هجوماً إرهابياً شرساً من منظمات إرهابية قذرة بقيادة المجموعة المسلحة والمجرمة، سواء أكانت من حزب البعث العربي الاشتراكي أم من داعش، ومن ثم التعاون الوثيق بينهما ومع الجماعة النقشبندية وأنصار السنة وغيرهم. وتقع على عاتق الجيش العراقي وبقية القوات المسلحة مواجهة هذا التحالف الخبيث بصلابة وحزم لأنه يستهدف الدولة العراقية وليس نظامها السياسي الطائفي وحده. ولكن علينا في الوقت نفسه أن نعمل على:
** التمييز بين أبناء وبنات الشعب الذين طالبوا بالإصلاح وبالمساواة في المواطنة من رجال ونساء السنة، وشاركهم في تلك المطالب الكثير من الشيعة أيضاً. وبالتالي عدم رميهم جميعاً في قدر واحد، فهو خطأ فادح وقد كلف ويكلف الكثير جداً في النفوس والتنمية والمال.
** إيقاف نشاط المليشيات الشيعية الطائفية المسلحة التي ستزيد من مشكلات العراق ومن ضحاياه. إنها منظمات حاقدة وتمارس شتى الأعمال غير القانونية والقتل أيضاً على الهوية وضد السنة بشكل خاص، ولكنها مارست القتل مع منظماإرهابية سنية أخرى قتل المسيحيين والصابئة المندائيين والإيزيديين أيضاً. وهو ما لا يجوز السكوت عنه مطلقاً.
** إن على المجتمع العراقي أن يجد لغة سياسية مشتركة في مواجهة الوضع الراهن إلى جانب اللغة العسكرية الموجهة ضد الإرهاب والإرهابيين. علينا أن نطلق مبادرة سياسية ترفض الطائفية وتعتمد مبادئ الحوار والحقوق الأساسية للشعب العراقي بكل مكوناته.
** إن مركزية الحكم لم تعد ذات فائدة للعراق ولا يمكن الأخذ بها ولا بد من التفكير بتوزيع مهمات الحكم على أسس جديدة متوفرة في الدستور الحالي.
** لكن لا يمكن أن يتم كل ذلك وغيره مع من ساهم بخلق المشكلات، سواء أكانوا من الشيعة أم السنة. لم يعد المالكي صالحاً لأي منصب وزاري أو سياسي، فهو ليس برجل دولة ولا سياسي متزن وغير موحد للصفوف، بل هو رجل مستبد ومفرق للصفوف وطائفي بامتياز. ووينطبق هذا على حزب الدعوة الإسلامية بقيادته الراهنة. ليس من مصلحة أحد أن تكون قوى طائفية على رأس الحكم بالعراق لأنها مدمرة.
أدرك تماماً الأفعال الدنيئة التي مارسها حزب البعث العربي الاشتراكي وقيادته وأحمد حسن البكر وصدام حسين بالعراق وضد الشعب العراقي بكل قومياته، وأدرك أيضا الردة الفكرية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي يعيشها الشعب العراقي في الوقت الحاضر بفعل تلك السياسات والحصار الدولي والاحتلال الأمريكي-البريطاني ووجود أحزاب وقيادات ونخب سياسية طائفية على رأس السلطة بالعراق التي ساهمت كلها وغيرها في هذا الواقع السيئ الذي يعاني منه الاقتصاد والمجتمع والأخلاق في آن واحد. ولهذا لا استبعد أن يُهاجم بشراسة، كما فعل أياد عبد الرزاق معي، من يكتب ضد الطائفية السياسية أو يتوجه بالنقد لفتوى السيد علي السيستاني، والتي اختَلَفَ معه شيوخ دين من العراق وغيره، ومنهم السيد علي الأمين، العلامة الديني اللبناني المعروف أو الشيخ محمد اليعقوبي مثلا.       
18/6/2014                        كاظم حبيب     
ملاحظة: للأمانة العلمية، ولكي يطلع القراء والقارئات على مقال السيد أياد عبد الرزاق، يمكنهم الذهاب إلى موقع صوت العراق حيث نشر المقال يوم الأحد المصادف 15/حزيران/جون 2014.

79
 

كاظم حبيب
نقاش هادئ مع السيد أياد عبد الرزاق حول رسالتي إلى السيد السيستاني
الحلقة الثانية (2-3)
متابعة النقاش حول النقاط الثلاث التالية:
3.   لا يريد الدكتور كاظم حبيب أن يرى دور المرجعية في تأكيدها على الديمقراطية حين طالبت بسرعة الانتخابات بعد سقوط الدكتاتورية بفترة وجيزة.
4.   وأن المرجعية نفت أي تقارب بينها وبين الأحزاب الإسلامية السياسية ووقفت على مسافة واحدة منها.
5.   وأن الدكتور حبيب يلفق على المرجعية، وكأن حبيب يقول لم أعلنتم الجهاد ضد داعش أحبابنا!
كم يكون الباحث سعيداً حين يرى كيف يتابع القراء والقارئات مقالاته وأبحاثه ويمارسون نقدهم لها، إذ إن في هذا إغناء مجاني للكاتب. وتزداد هذه السعادة حين يجد أن الكاتب كان موضوعياً في نقده وابتعد عن الشوائب التي لا تساعد على موضوعية النقاش وجدواه، ولكن يصبح النقاش عبثياً حين يسعى الكاتب توجيه إساءات لا للكاتب فحسب، بل وللقراء حين يعتقد بأنهم يُخدعون بما كتبه الكاتب أو ما لفقوه ولا يفقهون ما فيه ويؤيدونه دون تمحيص لما يكتبه. ويزداد الأمر سوءاً حين يكتب هذا الناقد أو ذاك دون أن يعود إلى كتابات الكاتب الأخرى ويعتقد بأنه لم يكتب فيها. وهو ما سأعالجه حين أناقش النقاط الأخيرة الخاصة بستالين ولينين أو الموقف من الكرد مثلاً. ومن المؤسف حقاً أن السيد أياد عبد الرزاق قد وقع في فخ غضبه الطائفي وفي مطبات ما كنت أرجوها له. فمنذ كنت أستاذاً في جامعة المستنصرية أو جامعة الجزائر أدرك طلابي مدى تدقيقي للأفكار التي أطرحها أو التي أناقشها ومدى سعي لتنشيط الفكر وممارسة النقد البناء والموضوعي والهادف للوصول إلى نتائج إيجابية. وقد أخطأ الرجل في ذكر سنوات عمري أيضاً. فأنا الآن أزحف نحو الثمانين بخطوات سريعة كما الخيل حين تسابق الريح. وسماحة السيستاني من جيلي الثلاثيني. وأرجو له وللسيد أياد عبد الرزاق طول العمر وطول الرقبة، كما قال الأمام علي بن أبي طالب في نهج البلاغة "تمنيت لو كانت لي رقبة بعير".
3. لا يريد الدكتور كاظم حبيب أن يرى دور المرجعية في تأكيدها على الديمقراطية حين طالبت بسرعة الانتخابات بعد سقوط الدكتاتورية بفترة وجيزة.
إن هذا الادعاء من السيد أياد عبد الرزاق غير صحيح، فما تزال أحداث تلك الفترة طرية في بالي حين دعا وأصرَّ المرجع الديني السيد علي السيستاني بإجراء الانتخابات بالعراق في حين كان الشعب العراقي قد خرج لتوه من اضطهاد وقمع وإرهاب صدام حسين ونظامه الفاشي ورهطه المعادي لمصالح الشعب، وبالتالي كان الشعب ما يزال لم يسترد أنفاسه، وبالتالي فأن أية انتخابات ما كانت لتكون واقعية ومفيدة للشعب العراقي. ولم تحصل هذه بالنسبة للانتخابات فحسب، بل حصلت مع وضع الدستور والتصويت عليه، إذ جرت العجالة غير الضرورية وغير المفيدة، بل والمضرة في إنجازه وطرحه. فالدستور اليوم موضع خلافات شديدة ويعاني من نواقص كبيرة، كما إنه حمال أوجه، والشعب العراقي بكل مكوناته القومية وحده هو من يعاني من الانتخابات ومن دستور العام 2005 التي جاءت بنوري المالكي إلى السلطة على وفق المحاصصة الطائفية اللعينة.
لم يكن هذا الموقف من السيد السيستاني يعبر عن وعي ديمقراطي أو ممارسة ديمقراطية، بل كان لمصلحة حصول الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية على الأكثرية بسبب تأثير الحوزة الدينية على الناس في ذلك الحين. وللعلم فأن الحوزة الدينية الشيعية لا تؤمن بالديمقراطية كفلسفة بأي حال. وهذا هو موقف جميع الأحزاب الإسلامية السياسية، سواء أكانت سنية أم شيعية. وهذا ليس تجني عليها، بل هذا موقف مبدئي من جانبها إزاء مفهوم الديمقراطية. وإن كان السيد اياد عبد الرزاق لا يصدق ما أقول، فما عليه إلا أن يعود إلى الحوزة الدينية ذاتها ليسأل منهم عن صحة ما أقول. كما إن على الأديب وهو الشخص الثاني في حزب الدعوة الإسلامية ونائب المالكي في الحزب قد أكد في ندوة تلفزيونية لقناة الحرة الأمريكية قبل عدة سنوات بأنه وحزب الدعوة الإسلامية وقيادة الحزب لا يؤمنون بالديمقراطية كفلسفة بل كأداة للوصول إلى السلطة. وعليه لم يكن ذلك الموقف من جانب السيد السيستاني ديمقراطية بل كان في الواقع ضد الديمقراطية وضد التحضير الجيد للانتخابات وضد وضع دستور عراقي مدني وديمقراطي اتحادي متين.
4. ويؤكد السيد اياد عبد الرزاق بأن المرجعية نفت أي تقارب بينها وبين الأحزاب الإسلامية السياسية ووقفت على مسافة واحدة منها.
هذا القول غير صحيح أيضاً. فكل الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والسياسية كان شاهد عيان حين وقفت المرجعية الشيعية إلى جانب الأحزاب السياسية الشيعية جملة وتفصيلاً منذ أول انتخابات حتى الوقت الحاضر. وهذا ما لا يمكن إنكاره من جانب المرجعية أو من مؤيديها، وبشكل خاص في الانتخابات الأولى والثانية وفي التصويت على الدستور. وفي الانتخابات الأخيرة وقفت المرجعية إلى جانب الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية بالمطلق، ولكنها لم تميز بين هذه الأحزاب الشيعية المرشحة، أي لم تؤيد هذا الحزب الإسلامي الطائفي الشيعي أو ذاك، بل أيدت كل الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية كلها. وهنا يكمن جوهر المشكلة الحقيقي بالنسبة للموقف من الانتخابات ومن الأحزاب والقوى السياسية العراقية.
إن الموقف السليم هو أن لا تتدخل المرجعيات الدينية في الانتخابات العراقية وتبعد نفسها عنها وتجعل الأحزاب تتنافس في ما بينها على مقاعد مجلس النواب دون أن تؤيدها أو تعارضها. وهذا لم يحصل خلال السنوات التي أعقبت سقوط الدكتاتورية البعثية الصدَّامية. وها نحن نشهد صعود دكتاتورية جديدة باسم الدين يقودها نوري المالكي وحزب الدعوة الإسلامية والذي صرح بوضوح "أخذناها بعد ما ننطيها". وكان على المرجعية إن كانت ديمقراطية أن ترفض هذا القول من حيث المبدأ لأنه مخالف للديمقراطية والتداول السلمي الديمقراطي للسلطة. هذا الموقف المنحاز من جانب المرجعيات الشيعية إلى الأحزاب الإسلامية الشيعية القائمة على أساس طائفي شيعي يتوافق تماماً مع موقف الهيئات الدينية لأتباع المذهب السني بالعراق التي تتدخل هي الأخرى في الانتخابات لصالح أحزاب إسلامية سياسية طائفية سنية، وهو موقف غير مقبول ومرفوض أيضاً. وهذا الوضع هو الذي يعرض المرجعيات والهيئات الدينية الشيعية والسنية إلى الاهتزازات غير المطلوبة وغير المرغوبة.
5. ويقول السيد اياد عبد الرزاق أن الدكتور كاظم حبيب يلفق على المرجعية، وكأن حبيب يقول: لم أعلنتم الجهاد ضد داعش أحبابنا!
وهذا القول غير صحيح ومجاف للحقيقة والواقع. فأنا لم ألفق يوماً كلمة واحدة لم تقلها المرجعيات الدينية أو موقف لم تتخذه. ولم أطرح رؤية خاصة بي وحسبتها على المرجعيات الدينية، فهناك الكثير من القضايا التي يمكن ممارسة النقد بشأنها ولا يحتاج الإنسان إلى تلفيق قضايا لكي ينسبها إلى المرجعيات الدينية الشيعية أو السنية.
فحين لم يتم النصاب في المجلس النيابي العراقي وانسحبت مجموعات من  النواب من قاعة المجلس ولم يتم التصويت على قرار إعلان حالة الطوارئ، فكان يعني إن المجلس لا يريد ذلك في أغلبيته أولاً وأن ليست هناك ثقة متبادلة بين الحكومة وغالبية نواب المجلس وبالتالي فالثقة معدومة بين الأحزاب السياسية المشاركة في الحكم ثانياً، وإنها تعتقد بأن الدولة بجيشها الكبير قادرة على مواجهة الحالة دون قرار إعلان حالة الطوارئ لأنها تمتلك من الصلاحيات ما يكفيها لمواجهة الموقف ثالثاً.
بعد ذلك أعلن نوري المالكي بأنه سيشكل جيشاً رديفاً لجيش الدولة العراقية الرسمي. وهذا الأمر مرفوض وغير مقبول لأنه سيكون جيشاً شيعياً بالمطلق، وفي هذا تعريض للوحدة الوطنية واحتمال نشوب حرب طائفية. وفي اليوم التالي أنفرد السيد علي السيستاني بإعلان الجهاد أو التطوع لمحاربة القوى الإرهابية التي استباحت الأرض العراقية. وكان هذا استجابة لموقف نوري المالكي. ولو قمت اليوم بالتحري الصادق عن الذين تطوعوا حتى الآن لما وجدت عراقياً واحداً من أتباع المذهب السني أو من المسيحيين أو الصابئة المندائيين قد تطوعوا بل كلهم تطوعوا في المليشيات الشيعية المسلحة، وهذا يعني إن التطوع المعلن من السيد علي السيستاني خص الشيعة فقط لا غير من الناحية العملية. ومثل هذه الحالة يمكن أن تتسبب في إثارة إشكالية كبيرة، إذ يمكن أن يبادر شيوخ دين سنة بإعلان الجهاد المضاد والذي سوف يعني الحرب الأهلية.
إن الجيش العراقي وبقية صنوف القوات المسلحة التي تزيد على مليون وربع المليون جندي ومنتسب للقوات المسلحة هو عدد يفيض عن الحاجة لمواجهة قوى الإرهاب لو كان هذا العدد موجهاً توجيهاً سليماً وعلى أسس المواطنة العراقية وليس على أساس فكر طائفي تمييزي.
إن الأخبار الواردة من مدن عراقية مختلطة تشير إلى حصول استفزازات جدية من قبل المتطوعين الجدد, سواء أكانوا في جيش المهدي أم منظمة بدر أم عصائب الحق أم غيرها، إزاء أبناء العراق من السنة. وهو أمر يمكن أن يتطور بالاتجاه غير الصحيح. وهذا ليس ادعاءً مني بل غالبية التقارير الواردة من مناطق ببغداد أو البصرة حيث وجود أبناء من أتباع المذهب السني تشير إلى تعرضهم للمضايقات والتهجير عملياً.
ليس هناك عراقي أمين لشعبه ووطنه يوافق على وجود داعش بالعراق أو ما تقوم به من عمليات إجرامية شرسة وفاشية بكل معنى. إن مثل هذا الأساس لا إحساس عنده ولا كرامة وطنية. تنظيم داعش الإرهابي منظمة إرهابية دموية مجرمة وقاتلة وهي من نتاج الفكر السياسي الوهابي المتطرف ونتاج محلي وإقليمي لتنظيم القاعدة الإرهابي، وهو نتاج السعودية وقطر ومن يؤيدهما في موقفهما من العراق. إن داعش تنظيم يعتمد في بنيته الراهنة على قيادات وكوادر بعثية عسكرية ومدنية وعلى قوى إسلامية سياسية متطرفة من جماعة هيئة علماء المسلمين التي تحالفت في وقت مبكر مع تنظيم القاعدة وأعلنها الدكتور حارث الضاري صراحة حين كان بالأردن.
إن العمليات التي تمارسها داعش وحزب البعث المسلح بقيادة عزة الدوري وجماعة النقشبندية وأنصار السنة ومن لف لفهم هي عمليات قتل بالجملة، عمليات إبادة جماعية وضد الإنسانية، وهي التي يجب أن تدان وأن يتصدى لها الجيش العراقي كله، وأن يكون الشعب العراقي كله سنة وشيعة وغيرهم وكل القوميات العراقية ظهيراً لجيش الدولة العراقية وأن لا يكون هناك سلاحاً بأيدي أخرى غير الجيش العراقي والقوات المسلحة العراقية.
ولهذا أقول بأن إعلان الجهاد ليس هو الطريق السليم لمواجهة قوات داعش والبعث وغيرهما من التنظيمات الإرهابية التكفيرية، بل الطريق السليم هو في تعبئة القوات المسلحة العراقية كلها، بمن فيها قوات البيشمركة الكردستانية، وإعادة تنظيم قوات الجيش العراقي وتدريبها ورفع معنوياتها وتخليصها من الوجهة الطائفية السياسية وجعلها تؤمن بالمواطنة العراقية الحرة والمتساوية وليس بالهويات الفرعية الطائفية القاتلة. ومثل هذه التنظيمات، داعش والبعث وغيرهما، أو عصائب الحق أو جيش المهدي أو بدر، لا يمكن أن يكون أحباب لنا ولغيرنا من الناس الشرفاء بالعراق، بل ينبغي أن يكون الجيش العراق هو من أحبابنا وأحباب الجميع حين يحمل السلاح بشرف ويدافع عن أرض الوطن وضد قوى الإرهاب أياً كانت صفتها العدواني. ولن تنفع أحداً توجيه اتهامات باطلة للغير ومحاول استعداء الناس البسطاء ضدي كسياسي مستقل عن الأحزاب السياسية العراقية أو ضد أي تنظيم وطني ديمقراطي عراقي.
17/6/2014                   كاظم حبيب
انتهت الحلقة الثانية وتليها الحلقة الثالثة والأخيرة   
           

80
كاظم حبيب
المجرمون القتلة من بعثيين وداعشيين .. يجب أن لا ينجو من العقاب!

لقد أذل البعثيون القتلة الشعب العراقي طيلة عقود وأوجعوه بحقد وكراهية ومرغوا كرامته الإنسانية بالتراب. لقد زجوا بالآلاف المؤلفة من أبناء وبنات الوطن في السجون والمعتقلات المماثلة للسجون النازية ومارسوا معه كل أشكال التعذيب التي تعود للقرون الوسطى وتلك الحديثة التي أنتجتها المصانع المخصصة لإنتاج الرعب وممارسته التعذيب الوحشي ضد الإنسان.
لقد زجوا بالشعب العراقي بحروب كثيرة داخلية وخارجية وسلطوا عليه الفاشية السياسية بكل أبعادها والعنصرية المقيتة والطائفية التي تجلت في بنية مجلس قيادة الثورة وقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي وقتلوا الآلاف من خيرة قياديين وكوادر الأحزاب السياسية العراقية وأبناء وبنات القوميات العديدة بالعراق والناس المستقلين. لقد سعوا إلى تثقيف الشعب بممارسة القوة والعنف والروح العدوانية والشوفينية. لقد كانوا أسوأ وأبشع نظام عرفوه العراق طيلة سنوات القرن العشرين حتى سقوطهم في العام 2003.
هؤلاء البعثيون المسلحون بسلاح الدول المجاورة وأموالهم وأهدافهم القذرة يسعون إلى تعميق الشرخ الذي خلقوه بالعراق طيلة فترة حكمهم, وها هم قد تحالفوا ومنذ فترة غير قصيرة مع تنظيم القاعدة وممثلها داعش باعتباره أبشع وأقبح وأشرس تنظيم مماثل لهم في العهر السياسي والعنف والقسوة السادية والتكفير لكل البشر، تنظيم داعش الإرهابي الإجرامي الذي حمل راية الكفر والخزي والعار ودنس اسم نبي المسلمين. كما ارتبط البعثيون بتنظيمات أخرى حاقدة ومماثلة لهم كالجماعة النقشبندية وأنصار السنة وهيئة علماء المسلمين السنة التي يرأسها حليف القاعدة القديم حارث الضاري.
هؤلاء جميعاً يسعون إلى خلط الأوراق مع مطالب الشعب العادلة في المناطق الغربية من العراق والموصل وعلينا أن نعمل من أجل فك الارتباطات بين هؤلاء القتلة وبين وأبناء وبنات الشعب العراقي من أتباع المذهب السني، إذ إن الخلط سيقود إلى عواقب وخيمة لا تحمد عقباها. لقد أعدموا هؤلاء القتلة العشرات من العسكريين الأسرى بدم بارد وقسوة سادية وروح شريرة كامنة في أعماقهم.
إن النضال الوطني لمناهضة هذه القوى الشريرة أمر لا مناص منه ولا خيار آخر غير دحرها وتعبئة القوى لهذا الغرض. وأنا واثق تماماً بأن دحرها هو آت لا ريب فيه وسيكون فرحة كبيرة لجميع العراقيات والعراقيين في سائر أنحاء العراق لما كان يمكن أن ينتظره الشعب، كل الشعب، لو انتصرت هذه القوى الدنيئة والمجرمة. ولا بد من كشف الأوراق كلها لكي يتعرف الشعب على حقيقة الأوضاع بتفاصيلها ومن الذي سمح لهؤلاء القتلة بالمرور واستباحة الموصل واحتلالها والتغلغل إلى مناطق أخرى من العراق.
إن مواجهة هؤلاء القتلة أمر ضروري والانتصار عليهم لا بد منه. ولكن ماذا بعد؟ إن لم تعالج العوامل التي تسببت في كل ذلك لن يتخلص العراق من المشكلات ولن يهدأ وسيبقى التنور يشتعل ليحرق المزيد من البشر وهو لا يجوز السماح به. من هنا تأتي الرؤية العقلانية التي تطرح ضرورة التخلص من النظام السياسي الطائفي القائم وإقامة نظام مدني ديمقراطي اتحادي دستوري، نظام يثق بالشعب ويلتزم أرادته الحرة ويرفض المحاصصة الطائفية. نظام يومن بالحقيقة التالية: "الدين والمذهب والعقيدة لله والوطن للجميع".
من هنا انطلقت الدعوة إلى البدء من جديد لتجاوز الأوضاع بتشكيل حكومة إنقاذ وطني تجنب الشعب العراقي المزيد من الويلات والكوارث. إن مواجهة هؤلاء القتلة يضعنا أمام السؤال الكبير؟ لماذا وكيف استطاع هؤلاء القتلة تعزيز مواقعهم مجدداً بعد أن ضربوا بقوة أثناء وجود قوات الاحتلال الأمريكي وبالتعاون مع الصحوات التي تشكلت حينذاك؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تكشف الكثير من الحقائق المعروفة ولكن الغائبة والغامضة لدى الكثير من الناس الذين وقفوا غلى جانب الأحزاب الطائفية.
لا يمكن الهروب من الإجابة عن هذا السؤال وسيضعنا وجهاً لوجه أمام نظام المحاصصة الطائفية وأمام السياسيات الطائفية التي مارسها حزب الدعوة ورئيسه وفريق عمله الحزبي بالعراق. وهما اللذان يفترض أن يبتعدا عن قيادة البلاد، أي نظام المحاصصة الطائفية والسياسات الطائفية التمييزية المذلة.
علينا أن نتحدث بكل صراحة ووضوح في ما نرطحه من أفكار ومواقف. إن الانتصار على أعداء الشعب من بعثيين مسلحين مجرمين قتلة ومن قوى داعش الإجرامية ومن غيرها من القوى المماثلة أمر لا يجوز التشكيك به أو تجاوزه، وعلينا أن نكون صريحين مع قوى البيتين الشيعي والسني بأن العراق لا يمكن أن يسير بهدوء وأمن وسلام بسياسات وسلوك طائفي، بل بالاستناد إلى مبدأ المواطنة العراقية وليس الهويات الفرعية القاتلة، وليس السياسات الطائفية المدمرة وليس وراء السلطة للذات والمال والجاه وبعيداً كلية عن مصالح الشعب ومستقبله.
لينتصر الشعب والقوى النظيفة في القوات المسلحة على القوى الإجرامية من بعثيين وداعشيين ومن لف لفهما، لينتصر الشعب على عصائب الحق وبدر ومن لف لفها، لينتصر الشعب على المحاصصة الطائفية والسياسات الطائفية المقيتة المبعثرة والمفتتة لقوى الشعب ووحدته الوطنية، ليكن السلاح بيد الدولة والقوات المسلحة. ليكن الشعب هو سيد الموقف.         
15/6/2014               كاظم حبيب
   

 

81
كاظم حبيب
رسالة مفتوحة إلى السيد السيستاني وبقية المراجع والهيئات الدينية الشيعية والسنية
إلى حضرة السيد علي السيستاني وبقية السادة في المراجع والهيئات الدينية، الشيعية والسنية، المحترمين
تحية واحتراماً
تدركون جيداً، وأنتم في المعمعان الجاري، بأن الوطن العراقي وشعبه يمران بخطر كبير جداً، خطر اندلاع حرب أهلية أوسع مما هي عليه الآن عملياً. ومثل هذه الحرب الأهلية الطائفية ستحرق الأخضر واليابس، ستقتل مئات ألوف السكان من كل القوميات والديانات والمذاهب بالعراق، ستدمر الوطن العراقي كما دُمرت الدولة السورية المجاورة والشقيقة.
وأنتم شيوخ الدين لعبتم، مع الأسف الشديد، دوركم في ما وصل إليه العراق بسبب تأييدكم وتشجيعكم، كل من جانبه، الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية وساندتم وصولها إلى السلطة ولم تعترضوا على السياسات التي مارسوها هؤلاء الساسة إلا بعضكم وفي الآونة الأخيرة وباستحياء كبير. إن تدخلكم بالسياسة قد اقنع الكثير من السكان الطيبين والبسطاء، سواء أكانوا من الشيعة أم السنة، بانتخاب هؤلاء الأشخاص الذين أساءوا للوطن والشعب العراقي وأوصلوه إلى الحالة الكارثية التي هو فيها الآن. إنكم وبكل صراحة وشفافية وثقة تتحملون جزءاً أساسياً مما وصل إليه الحال بالعراق وما استباحات داعش وقوى البعث الفاشي المسلحة المجرمة ومن لف لفها سوى نتيجة منطقية للسياسات التي مارسها رئيس وزراء العراق الطائفي السياسي بامتياز ومن معه من طائفيين من الشيعة والسنة والصراعات التي خاضوها بعيداً عن مصالح الوطن والشعب.
إن دعوتكم إلى الجهاد ستشعل نيران حرب طائفية مدمرة، خاصة وأنكم لم تتفقوا في الموقف مع شيوخ الدين السنة ولم تدعو إلى استقالة نوري المالكي لكي تشكل حكومة إنقاذ وطني حتى يقتنع أأتباع المذهب السني بأنكم تدافعون عن مصالحهم أيضاً وليس مصالح القوى الحاكمة الشيعية التي اضطهدت السنة واستفردت بحكم البلاد بلا حكمة ولا عقلانية بل بكل رعونة وعنجهية فارغة وفساد مالي واسع النطاق.
أنكم بهذه الدعوة ضيعتم فرصة توفير مستلزمات الدفاع المشترك عن الوطن العراقي، إذ لم يأت رفض منح نوري المالكي تفويضاً بإعلان حالة الطوارئ من قبل مجلس النواب من خلال الانسحاب من جلسة يوم الخميس المصادف 12/6/2014 سوى الإعلان الصارخ والعادل عن عدم ثقة هؤلاء به وبحكومته. وكان المفروض أن تأخذوا هذه المسألة بنظر الاعتبار لا أن تستجيبوا لطلب هذا المستبد بأمره نوري المالكي  بإعلان الجهاد والتعبئة الشيعية وليس الوطنية العامة لأن المجرمين القتلة من داعش وغيرهم قد هددوا باقتحام بغداد وكربلاء لأنهم ينوون تدمير المراقد الشيعية الموقرة.
لإنني أحملكم مسؤولية ما سيحصل بالبلاد من كوارث وحرب طائفية قاتلة ومدمرة للشعب والوطن ما لم تبادروا إلى تصحيح الموقف والدعوة، رغم عدم رغبتي بتدخلكم في السياسة، إلا إنكم ولجتم هذا المجال من أوسع أبوابه المحرمة دستورياً، من خلال الدعوة إلى تشكيل حكومة إنقاذ وطني لتوحيد الشعب كله, من حيث القومية والدين والمذهب والفكر العقلاني والسياسة الحكيمة. إنكم بذلك تعلنون لجميع أبناء وبنات الشعب العراقي بأن هذا يمكن أن يصحح المواقف الخاطئة السابقة ويوقف نزيف الدم الذي بدأ واسعاً ومدمراً وسيتسع أكثر فأكثر ما لم تتخذ الإجراءات الواقية والسريعة.
أرجوا أن تلعبوا، وقد بلغتم الرابعة والثمانين من عمركم وأرجو لكم طول العمر، وبقية شيوخ الدين دوركم الاجتماعي في تجنيب البلاد حرباً تشمل العراق كله ولن يبقى الشيعة أو السنة، في مأمن من هذه الحرب بل سيشملهم الموت على أيدي المتحاربين من الطرفين. أرجو أن تحتكموا إلى العقل وحكمة الشيوخ الذين خبروا الحياة ومشكلاتها وسبل معالجتها. أعملوا على إيقاف نزيف الدم لا إلى تسهيل مهمة سفك المزيد من دماء أبناء وبنات العراق الحبيب. أعملوا لإقامة حكومة إنقاذ وطني غير طائفية لتتعامل مع الجميع على قدم المساواة، أعملوا من أجل إنقاذ الشعب والوطن لا سحقهما بالسلاح المدمر للجميع.
14/6/2014                     كاظم حبيب
               

82
كاظم حبيب
      
حكومة الإنقاذ الوطني .. هي الحل الوحيد لوحدة الشعب العراقي!!!

نادينا بصوت عال وما زلنا وسنبقى ننادي بصوت أعلى بأن الحل الأوحد والأوفق والأصدق في المرحلة الراهنة لتجاوز الخلافات وتوحيد صفوف الشعب العراقي بكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية والفكرية والسياسية العقلانية والوطنية هو تشكيل حكومة إنقاذ وطني فاعلة ومؤثرة وقادرة على مواجهة صارمة ومظفرة ضد القوى الشريرة من بعثيين وداعشيين ومختلف أصناف الإرهابيين والتكفيريين ومن لف لفهم. إن الالتفاف على هذا الشعار بالدعوة إلى الجهاد غير كافية، بل يمكن أن تشعل نار الفتنة ضد أتباع المذهب السني التي سيستثمرها الإرهابيون والبعثيون المسلحون وغيرهم باعتبارها دعوة  مناهضة للسنة، وإنها دعوة شيعية لا غير! في حين إن الدعوة للجهاد ضد القوى الشريرة التي احتلت الفلوجة والموصل وغيرها من المناطق كان يفترض أن تتم بالاتفاق مع شيوخ دين سنة أيضاً وتخرج بشكل مشترك وليس من طرف واحد، كما حصل تماماً في ثورة العشرين مثلاً. إن الشعب العراقي بحاجة إلى وحدة الصف والمالكي وحكومته لا يوفران الحد الأدنى للوحدة الوطنية بل ما يزال المالكي بغروره وصلفه وعنجهيته يزيد الطين بلة. وها هو من حماه طيلة سنين سابقة، الرئيس الأمريكي،  يعلن بأن المالكي كان السبب الأساس وراء الحال الراهن الذي وصل إليه العراق، كما إنه لم يلغ دور أقطاب القوى الطائفية السنية وجمهرة من المُدَّعين بالقومية العربية والبعثيين الذين تغلغلوا في صفوف الأحزاب الإسلامية السياسية شيعية وسنية.
على القوى الديمقراطية العراقية وكل القوى الشريفة والنظيفة والوطنية العراقية من كل القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية العقلانية أن ترفع حالاً وبدون تردد وتأخير شعار "حكومة إنقاذ وطني" لأنها الحكومة الوحيدة القادرة في الظرف الراهن على تحقيق وحدة الصف الوطني العراقي بعيداً عن نظام المحاصصة الطائفي والطائفية والقادرة على إعادة ترتيب الجيش العراقي وإبعاد العناصر الجبانة والطائفية والانتهازية التي تلبست لبوس الطائفية السياسية وهي لا تريد الخير لهذا الشعب. إن الصراخ بأن الجيش العراقي باسل لا يكفي ولا ينفع بل هو شعار مداهن وسيء، فهو لم يثبت حتى الآن على بسالة نادرة، بل علينا التعامل مع القوات المسلحة بمدى قدرتها على تحقيق النصر للشعب في مواجهة كل القوى المناهضة للشعب لا لهذه الطائفة أو تلك. وبناء الجيش الحالي قائم على الطائفية بامتياز وهو خلل كبير جداً ومخل بمضمون وبنود الدستور العراقي وبمكونات الشعب العراقي وبمبدأ المواطنة الحرة والمتساوية. إن على حكومة الإنقاذ الوطني إعادة ترتيب الأمور في القوات المسلحة العراقية كلها وقوى الأمن الداخلي وإلغاء تلك القوات التي أسسها المالكي ولا تخضع للدستور أو القوات المسلحة العراقية لأنها خارج الدستور العراقي وتجاوز عليه. وينبغي أن يبقى السلاح بيد الدولة فقط وليس غير ذلك.
إن السيد السيستاني سيخدم الشعب العراقي كله حين ينصح، في مثل هذه الظروف الأكثر حراجة،  المالكي بالتخلي عن الحكومة لصالح من يستطيع تشكيل حكومة إنقاذ وطني فعلية وليست شكلية، عندها ستُمنح الحكومة الجديدة حق إعلان حالة الطوارئ، إذ ليست هناك أي ثقة بالمالكي وحكومته ورهطه الراهن المحيط به.
لتنتصر إرادة الخير بتشكيل حكومة إنقاذ وطني، لتنتصر إرادة الشعب على القوى الشريرة والتكفيرية والطائفية السياسية التي عمقت الشروخ والجروح في المجتمع العراقي وسمحت باستباحة الشعب وأرض الوطن.     
14/6/2014                  كاظم حبيب

83
كاظم حبيب

لننتصر لأهلنا بالموصل والفلوجة ... ولكن من تسبب بالكارثة؟

عند حصول الأزمات ووقوع الكوارث يتنادى الناس للوحدة الوطنية والدفاع عن أرض الوطن، وهي مسألة إيجابية وضرورية بطبيعة الحال. ومن تابع الأحداث بالعراق خلال العقود المنصرمة لا بد أن يكون قد لاحظ بوضوح بأن من تسبب بتلك الأزمات والكوارث هو من كان يعلو صوته على صوت الجميع وطالب بنجدة الشعب، ولكن قصده كان نجدة نفسه أولاً وقبل كل شيء. ومن الأمور الخرافية المعروفة عن شعبنا هو أن الناس عموماً ضعاف الذاكرة ينسون بسرعة من الذي تسبب بهذه الأزمات والكوارث أثناء وبعد السيطرة عليها. هكذا كانت الحال، وهكذا هي الحال الآن ونأمل أن لا تبقى على الحال ذاته في المستقبل.
بالأمس استمعنا إلى الطائفي حتى النخاع أسامة النجيفي في مؤتمره الصحفي وقد رفع عقيرته بالدعوة إلى الوحدة الوطنية ونسيان الخلافات، وكأن الشعب كان مسؤولاً عن تلك الخلافات وليس هو ورهطه الطائفي وصالح المطلك ومشعان الجبوري ومن لف لفهم.
وبالأمس تماماً، وبعده مباشرة، وقف رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ومعه حشد من وزرائه وهو يصرخ بالدعوة إلى الوحدة الوطنية لمواجهة الإرهابيين الأشرار، وكأن الشعب كان مسؤولاً عما حصل في الفلوجة والموصل ومناطق أخرى من العراق وليست سياسته وسياسة كل الطائفيين من أمثاله من السنة والشيعة، سواء من كان منهم بالحكم أم خارجه.
الوحدة الوطنية في مواجهة هكذا أزمات ضرورية جداً، ولكن ماذا بعد ذلك؟ ستعود تلك الأزمات والكوارث ثانية لأن المسؤولين عن هذه الكوارث لا يزاحون عن الحكم ويمارسون ذات السياسة الطائفية المقيتة بالبلاد. من هنا جاء قولي يجب أن نواجه الكوارث بوحدة الشعب والجيش طبعاً، ولكن علينا العمل من أجل توفير مستلزمات عدم إعادة إنتاج تلك الأزمات والكوارث وببقاء الحكام أنفسهم في الحكم.
لقد نبه الكتاب العراقيون والكثير من الصحفيين وبعض الأحزاب والقوى والشخصيات الوطنية من الكارثة المحدقة، فهل استمع رئيس الوزراء إلى تلك النداءات؟ أبداً لقد أعطى هو وحزبه أذانهم الطرشة (الصماء) لأصوات المخلصين من أبناء الشعب وراحوا يوزعون ثروة الشعب ليحصدوا أصواتهم وبكل السبل المتوفرة المشروعة وغير المشروعة. ولا أعرف حتى الآن ما السر وراء مسالتين حصلتا أخيراً: الأولى سحب القوات المسلحة العراقية من الفلوجة في بداية الأمر وترك الإرهابيين يعبثون بالبلاد، ثم البدء بمعركة ضدهم. وحصل الآن نفس الأمر: أكد ضباط عراقيون بوصول قرار الانسحاب من القيادة العليا ببغداد، أي من القائد العام للقوات المسلحة نوري المالكي، بعدم  مواجهة الإرهابيين بالموصل والانسحاب من القتال، مما أدى إلى الفرار أمام قوى الإرهاب. فما الحكمة من ذلك؟ أما يحصل بالعراق أمر مشبوه ينبغي التحري عنه جيداً قبل أن يتكرر مرات أخرى.   
وأنبه اليوم أيضاً بأن الشعب والجيش، بكل الأمراض التي زرعتها الطائفية السياسية فيه، سينتصران على الإرهابيين من أتباع دعش القاعدة ومن أتباع بقايا حزب البعث المسلحين الذين التحموا بدعش بقيادة عزة الدوري وجمهرة من الضباط البعثيين القدامى المسلحين، ولكن السؤال هو: ماذا بعد تطهير الفلوجة والموصل ونواحي في كركوك والحويجة من رجس الخونة والمجرمين من العراقيين أو من غير العراقيين المرتزقة القادمين من وراء الحدود والمصطفين في دعش وأخواتها من قوى الإرهاب التكفيري الدموي.
كل من شاهد ظهور إبراهيم الجعفري على شاشة التلفزيون يوم أمس لا بد وأنه قد انتبه إلى الخنوع والمسكنة التي ظهر فيها ليدعو إلى مواجهة الإرهاب، وهو الذي بدأ بنشر الطائفية اللعينة بأجهزة الأمن والشرطة ومن ثم في الجيش وفي كل مكان حين كان رئيساً للوزراء وأعطى تركته لصاحبه نوري المالكي ليواصل مسيرته البائسة في الطائفية التي تريد قتل هوية المواطنة العراقية لصالح الهويات الفرعية الطائفية القاتلة.
نعم لوحدة الشعب والجيش، نعم لكنس الإرهاب والإرهابيين من البلاد، نعم لنجدة أهلنا في الفلوجة والموصل وكركوك في مواجهة القتلة والمجرمين من داعش وغيرها، ولكن في إطار الدستور العراقي والصلاحيات الممنوحة للحكومة، إذ ما في الدستور من صلاحيات كافية لمواجهة الإرهاب وتحرير الفلوجة والموصل من أيدي المجرمين ولا حاجة لإعلان حالة الطوارئ، فإذا ما أعلنت فستكون أداة تسلط إضافية بيد المستبد الجديد بأمره ليرينا نجوم الظهيرة هذه المرة, عندها سيبدأ النضال المرير مجدداً للخلاص من حالة الطوارئ ومن تسبب بها ومن يقودها. هذا تحذير لكل الوطنيين والديمقراطيين والشرفاء من العراقيات والعراقيين أملي أن يستمعوا إلى صوت العقل والحكمة ولا ينسون ما لا يجوز نسيانه.
11/6/2014                        كاظم حبيب
 
 
 


84
كاظم حبيب
هل هناك من هو أكثر بؤساً وفاقة في الفكر والسياسة من وزير التعليم العالي العراقي علي الأديب ؟
ما يمارسه الشخص الثاني في حزب الدعوة الإسلامية بالعراق، علي الأديب، ووزير التعليم العالي والبحث العلمي عن هذا الحزب الطائفي لم تمارسه حتى الحكومة الإيرانية "الإسلامية"، الدولة الثيوقراطية الطائفية الرجعية. لقد فاقها في التطرف الطائفي والمغالاة والسلوك الرجعي المجسد للفاقة الفكرية والسياسية التي يعاني منها. فهو يعيش انغلاقاً طائفياً مقيتاً ومميتاً للفكر والعقل عموماً.
لم يشهد التعليم العالي بالعراق، منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، حتى وصول هذا الشخص الجاهل والأمي فكراً وسياسة على رأس وزارة التعليم اتخذا مثل هذه الإجراءات الرجعية المناهضة للعلم والتقدم والحضارة الإنسانية، مثل هذه الإجراءات ذات النزعة الطائفية المتخلفة والمغالية التي لا تقود إلا إلى المزيد من التنافر بين أبناء وبنات الشعب العراقي باتجاهاته الدينية والمذهبية.
لم يكتف هذا الوزير المتخلف والطائفي بتحويل وزارته إلى جامع حسيني ومحتكرة لأتباع حزبه فحسب، بل عمل حتى الآن إلى تحويل مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي إلى جامع حسيني وإلى نهج طائفي يغالي في عدائه لأتباع المذاهب الأخرى من خلال سلوكيات محددة تلتقي مع ما مارسه سيده رئيس الحكومة الحالية حين وقف بكربلاً صارخاً بأعلى صوته "إن المعركة اليوم هي بين أتباع الحسين وأتباع يزيد". اللعنة على من يسعى إلى تفريق صفوف الشعب العر العراقي على أساس الدين والمذهب أو أي صيغة أخرى. اللعنة على من يستعدي الشيعة على السنة، اللعنة على من صرخ بهذا الشعار البائس والظالم والجائر. 
بالأمس قرر هذا المدعو علي الأديب، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، تأسيس كلية تكنولوجية خاصة بالبنات، أي فصل النساء عن الرجال في التعليم الجامعي، وهو إجراء رجعي جيدي وشديد التخلف والمرضية من جهة، وفرض من جهة أخرى على خريجي كلية الصيدلة أداء قسم المهنة في الحرم الحسيني وليس في الكلية ذاتها وفي احتفال تسليم الشهادات. وهو نهج مخالف تماماً للمستوى الحضاري الذي بفترض أن تكون عليه الجامعات العراقية، وهو تجاوز على أتباع الديانات والمذاهب الأخرى التي يفرض عليها أداء قسم المهنة في موقع ديني يعود لدين ومذهب معين غير الجامعة أو كلية الصيدلة. وسيسري هذا الموقف على بقية الكليات إذا ما استمر هذا الرجل في الوزارة.
إن هذا الإجراء لا يعتبر إلى جانب أتباع المذهب الشيعي بل هو في حقيقة الأمر ضدهم ويثير عليهم وإجراء استفزازي.
إن من واجب العراقيات والعراقيين شجب هذا النهج الطائفي المغالي الزاحف على كامل أجهزة الدولة والمجتمع والاحتجاج ضده وتنظيم مواقف معارضة لهذا الاتجاه الجديد لحزب إسلامي متطرف يريد فرض ما يريده على الشعب.
أدعو المثقفات والمثقفين كافة بالعراق إلى رفع صوت الاحتجاج عالياً وإلى تنظيم حملات تواقيع ضد النهج المناهض للعلم والثقافة الإنسانية وإلى خوض إضرابات ترفض فرض هذا الاتجاه المناهض لدستور العراق وروح المواطنة الحرة والمستقلة ووحدة الوطن. إن نجح هذا الوزير بفرض هذا الإجراء، فأنه سيواصل هذا النهج لتحويل العراق كله، مع رئيسه نوري المالكي، إلى حسينية وليس إلى دولة مدنية ديمقراطية اتحادية ذات نهج ديمقراطي عقلاني سليم.
أدعو الأحزاب السياسية الوطنية والديمقراطية التي تدارك مخاطر هذه النهج الطائفي المغالي المقيت الذي ينشر الفرقة في صفوف الشعب ويعمق الخلافات ويستعدي البعض ضد البعض الآخر.
إن هذا الأسلوب الجديد هو اعتداء صارخ على حقوق الإنسان والمواطنة وعلى النهج الديمقراطي المنشود في وزارة التعليم العالمي والبحث العلمي.
9/6/2014                      كاظم حبيب     



85
كاظم حبيب
أليست المهمة الملحة .. توفير مستلزمات دحر الإرهاب أولاً؟

ربما يختلف المحللون السياسيون في تحليل الأوضاع السياسية المتدهورة بالعراق ومعرفة أبعادها والعواقب التي ستؤول إليها والعوامل الكامنة وراء كل ذلك وماذا يراد منها. ومثل هذا الاختلاف ممكن بسبب القراءات المختلفة للأوضاع والخلفيات الفكرية والثقافية لكل من هؤلاء المحللين والمصالح الاقتصادية والاجتماعية المتباينة التي يسعون إليها. وربما ينشأ الاختلاف بسبب المواقع التي يحتلها هذا الفرد أو ذاك في ما يطلق عليه بالعملية السياسية بالعراق أو في المواقع السياسية والحزبية. كل هذا ممكن. ولكن ما لا يجوز الاختلاف عليه حقاً هو أن الإرهاب لا يمكن القضاء عليه ما لم تتوفر مستلزمات دحره والقضاء عليه.
من هنا فوجئت بكلمة المحرر السياسي لطريق الشعب بتاريخ 9/6/2014 التي نشرت تحت عنوان "الواجب الملح ... دحر الإرهاب واستعادة الأمان"، إذ لا يمكن فهم هذا العنوان بعد أن أتممت قراء المقال القصير بكامله بأي حال، لأن المقال كله لا يشير إلى ضرورة توفير تلك المستلزمات التي لا يمكن بدونها دحر الإرهاب في ما عدا قول الكاتب "وإذ نجد ضرورة للتأكيد مجدداً، على الحذر من الوقوع في شراك الخطط التي يرسمها "داعش" ومسعاه لإثارة نار الفتنة الطائفية من جديد، فإن الواجب يحتم على القوى السياسية جميعا، رص الصفوف والتكاتف وحشد القوى ضد الإرهاب والإرهابيين." هذا الخطاب السياسي، مع الأسف الشديد لم أعد قادراً على فهمه، وأملي أن لا أكون قد أصبت بالخرف وأنا اقترب من الثمانين من عمري. هل النظام الطائفي المحاصصي الذي يجري الإصرار عليه والالتزام به من جانب "البيت الشيعي" يوفر مستلزما رص الصف الوطني للمجتمع العراقي، هل إصرار المالكي على البقاء لدورة ثالثة بسياساته الطائفية المقيتة والبشعة والتي تؤكد على "الصراع بين أتباع الحسين وأتباع يزيد" توفر أرضية رص الصفوف، وهل أداء القسم لخريجي كلية الصيدلة في بابل بـ "الحرم الحسيني" بكربلاء يرص الصف الوطني ويوفر مستلزمات مكافحة الإرهاب، وهل الإصرار على تشديد الصراع مع الإقليم وعدم دفع حصة الإقليم من الميزانية، بغض النظر عن الاختلاف أو الاتفاق مع سياسية الإقليم، يعزز الوحدة الوطنية العراقية، وهل صرف المليارات والملايين من الدولارات على العزاءات الحسينية وعلى احتفالات حزب الدعوة الإسلامية في ذكرى تأسيسه بدلاً من توفير العمل المنتج للعاطلين عن العمل والفقراء بالعراق يوفر فرصة لرص الصف الوطني، هذه السياسة التي يمارسها المالكي ورهطه، التي كان بالقطع سيرفضها الشهيد الحسين بن علي بن أبي طالب لو كان موجوداً بيننا الآن، توفر اية فرصة لرص الصف الوطني، وهل الفساد المالي والإداري السائدين بالعراق يوفران فرصة لوحدة الصف أم تلك الكتب المدرسية التي تكرس الطائفية المقيتة بأبشع معانيها توفر مثل هذه الفرصة؟
كم كان بودي أن يتناول هذا المقال توفير مستلزمات التصدي للإرهاب بإبعاد المالكي عن رئاسة الحكومة، بتشكيل حكومة إنقاذ وطني لأن داعش يهيمن على الجانب الأيمن من الموصل واحتل مطار الموصل، لأن داعش يقتل هنا وهناك وبأعداد كثيرة وسيصل إلى مناطق أخرى من العراق بسبب غباء المالكي ورهطه وإصرارهم عل السياسة الراهنة. هذا القائد العام للقوات المسلحة "المحنك" جداً سيدفع بالعراق إلى أتون حرب مدمرة تريدها داعش وأخواتها بالعراق لتحول العراق إلى سوريا مدمرة.
أتمنى على المحرر السياسي لطريق الشعب أن يعيد النظر بالأسبقيات في طرح المهمات بحيث لا نضع العربة قبل الحصان. الإرهاب يُدحر حين تتوفر له مستلزمات دحره. ووحدة الصف لا تتم بوجود المالكي وعلي الأديب وحزب الدعوة الإسلامية في الحكم والسير على أساس نظام المحاصصة الطائفية اللعين. علينا أن نبتعد عن مجاملة "أبو إسراء" فهو الكارثة الراهنة الذي ساعد على تفاقم المشكلة وعلى تعزيز تنظيم "داعش" المجرم بالعراق حين رفض دراسة مطالب المنتفضين في الأنبار والفصل بين الإرهابيين والقوى السليمة بسياسة مرنة وواعية وقادرة على تحقيق الهدف. ولكن الرجل مصاب بالصمم والبكم والعمي، فهو لا يفقه شيئاً غير البقاء في الحكم بأي ثمن!
إن موقف الحزب الشيوعي ضد الطائفية والمحاصصة الطائفية واضح ولا غبار على ذلك، ولهذا فالحاجة لدى المحرر السياسي لطريق الشعب أن يدقق بشعاراته الملحة والواجبة التنفيذ. إن ما أطرحه هنا ليس تأجيل النضال ضد الإرهابيين سواء أكان دعش أم غيره من التنظيمات الإرهابية والتكفيرية المجرمة، ولكن أطالب في ذات الوقت بتوفير مستلزمات دحر الإرهاب، وهي المفقودة حالياً والتي لم يسجلها مقال المحرر السياسي لطريق الشعب.
إن موقف التحالف المدني الديمقراطي حتى الآن سليم للغاية في هذا المجال حين يرفض المشاركة في حكومة محاصصة طائفية وحين يؤكد على رفض الحكم الطائفي وحين يلح على توفير مستلزمات دحر الإرهاب. وأتمنى أن يتعمق هذا الموقف ويستمر في معارضته لما هو قائم حالياً بالعراق. إن الصراع الطائفي بالعراق قاتل وعلينا إيقاف النظام السياسي الذي تسبب في ما يجري اليوم على أرض الرافدين.
10/6/2014                        كاظم حبيب       

86
كاظم حبيب
نعم لتوفير مستلزمات التعبئة الوطنية لمواجهة الإرهاب ... لا لحالة الطوارئ بالعراق!!
نعم وألف نعم لمن يقول أن العراق يواجه محنة كبيرة عمرها عشر سنوات، محنة أججها حزب الدعوة الإسلامية ورئيسه إبراهيم الجعفري أولاً ومن ثم نوري لمالكي بسياساتهم الطائفية الرعناء والمقيتة القائمة على المحاصصة الطائفية والمجافية لمبدأ المواطنة العراقية والوطن العراقي. نعم يمر العراق بمحنة وأزمة مستديمة وتفاقمت خلال الأربع سنوات الأخيرة بشكل خاص بسبب تفاقم النهج العدواني الطائفي الذي مارسه المالكي ضد الحياة الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان ورفض الاستجابة للمطالب العادلة للشعب العراقي والتي طرحت في أكثر من مظاهرة وإضراب ومطالبات مستمرة. العراق يمر بمحنة عميقة وانعدام الثقة بين القوى السياسية وبينها وبين المجتمع. العراق يمر اليوم بأزمة عميقة وقاسية حين استطاع تنظيم دعش الإجرامي والإرهابي بإعادة بناء بنيته التحتية والتغلغل في مناطق حساسة من العراق مثل الأنبار والموصل حتى سيطر على مدينتي الفلوجة ومن ثم الموصل، وأصبح الآن يهدد مناطق أخرى ن العراق.
هذه القوى الإرهابية المكروهة والمجرمة يمكن دحرها وبسرعة كبيرة لو توفر النظام السياسي الوطني، لو توفرت حكومة وطنية غير طائفية، حكومة تدرك معنى المواطنة والوطن لا حكومة تعتمد الطائفية هوية. ومثل هذه الحكومة العاقلة والحكيمة غير متوفرة بالعراق، بل هويتها الحقيقية هو استمرار وجودها في الحكم باسم الطائفة التي تعاني من الاستغلال والتخلف والحرمان والفقر أيضاً.
إن إمكانيات التصدي للإرهاب متوفرة قطعاً بالعراق، فالشعب كله ضد الإرهاب وضد القوى الإرهابية ويريد حياة آمنة ومستقرة وسعيدة، ولا يريد القتل اليومي على أيدي الإرهابيين أو الاعتقال على أيدي الأجهزة الأمنية الخاصة بنوري المالكي ولا يريد التخريب والتدمير لحياته ومسكنه.
إمكانيات الجيش العراقي كبيرة وأسلحته متطورة وكافية وعتاده متوفر أيضاً لو توفرت له القيادات الحكيمة والكفوءة، بما في ذلك القائد العام للقوات المسلحة الفارغ من كل علم ووعي عسكري، شريطة أن يستند إلى مبدأ المواطنة في التوظيف وفي احتلال المراتب العسكرية القيادية وليس على أساس الطائفة الدينية والقرابة والمحاباة. إمكانيات الجيش والشرطة كافية لدحر الإرهاب وليس العراق بحاجة إلى إعلان حالة الطوارئ، فليست هناك ثقة بهذا الحاكم السائر على طريق الفردية والاستبداد بالحكم.
إن إعلان حالة الطوارئ مجازفة كبيرة جداً ومغامرة فعلية ستقود إلى استفراد الحاكم بأمره نوري المالكي بالشعب كله وبالحكم والمال والسلاح والجيش وممارسة الدكتاتورية الفعلية وهو ما ينبغي تجنبه. إن الصلاحيات المتوفرة حالياً كافية لكل حكومة إذا ما استخدمت بعقلانية وحكمة على دحر الإرهابيين في الفلوجة والموصل وكل الأنبار وفي أي مكان آخر من العراق.
لا ثقة بقدرة واستعداد نوري المالكي على استخدام حالة الطوارئ لصالح الشعب بل ستتحول بعد فترة وجيزة ضد الشعب. وهو ما ينبغي الحذر الكامل منه.
10/6/2014

           

87
 

كاظم حبيب
وماذا بعد انتخابات 2014 بالعراق؟

للمرة الثالثة شارك العراقيون والعراقيات في انتخابات عامة لاختيار النواب لمجلس النواب العراقي. كانت المرة الأولى في العام 2006، والمرة الثانية في العام 2010 والمرة الأخيرة في هذا العام 2014، إذ كان على ملايين الناخبات والناخبين هذه المرة اختيار 328 نائباً ونائبة. والسؤال الذي يفرض علينا الإجابة عنه هو: ماذا حصل؟ وما هي حصيلة الانتخابات من الناحية العملية بالنسبة للشعب العراقي وإرادته ومصالحه الحيوية وحياة أبنائه وبناته؟
كل الدلائل التي تحت تصرفنا تشير إلى مجموعة من النتائج التي سبقت والتي أعقبت التصويت والتي انتهت إلى النتائج التي ستقرر بنية تشكيل الحكومة الجديدة. ويمكن الإشارة إلى بعض النتائج الأولية:
1 . سبقت الانتخابات وأعقبته وقوع عمليات إرهابية واسعة جداً أدت إلى سقوط ألاف الضحايا بين قتيل وجريح ومعوق في مدن كثيرة من العراق كما في بعقوبة، وخاصة بهرز حيث استشهد العشرات فيها في شهري آذار ونيسان 2014، وبغداد وكركوك وبابل وغيرها. وفي العام 2013 مثلاً بلغ عدد ضحايا قوى الإرهاب بالعراق بمختلف هوياتهم 11215 شهيد و25684 جريح. كما بلغ عدد الذين تمت تصفيتهم جسدياً 115 شخصاً. وجرى في العام 2013 تنفيذ حكم الإعدام بـ 167 شخصاً من مجموع 1193 شخصاً ما زالوا ينتظرون التنفيذ. والعراق هو ثالث بلد في إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام بعد الصين وإيران بالنسبة لعام 2012 حيث نفذ بـ 129 شخصاً بالعراق، رغم إن حرم بـ 128 دولة من مجموع 197 دولة منظوية تحت في عضوية الأمم المتحدة. (راجع: التقرير السنوي للجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية).
2 . كما سبقت الانتخابات تفاقم الصراع الطائفي بين بعض القوى والأحزاب الشيعية والسنية، وتفاقم الأوضاع العسكرية في الأنبار، وخاصة بالفلوجة، والتي اقترنت بهجرة ألاف العائلات من هذه المدن إلى مدن عراقية أخرى.
3 . وسبقت الانتخابات قيام رئيس الوزراء العراقي بتوزيع الكثير من قطع الأراضي الحكومية على جمهرة كبيرة من العائلات بهدف مصادرة أصوات الناخبين والناخبات في تلك العائلات.
4 . كما مارس الحزب الحاكم الرئيسي وبعض القوى الأخرى أجهزة الدولة لصالح حملتها الانتخابية وهو الذي يتعارض مع الدستور العراقي وقانون الانتخابات.
5 . وجرى توزيع الكثير من الأموال المحلية والقادمة من الدول الإقليمية لشراء ذمم الناس، وخاصة الفقراء منهم والتي تأتي بحصيلة ليست لصالح هؤلاء الفقراء والمعوزين.
6 . وقد اشتكى الكثير من المرشحين من ملاحقات الشرطة لهم واعتقال البعض منهم أو اغتيال مرشحين آخرين، إضافة إلى تشويه سمعة بعض المرشحين المناضلين في سبيل الحرية الديمقراطية وحقوق الإنسان بالعراق كما حصل مع أحد مرشحي التحالف المدني الديمقراطي، الدكتور محمد علي زيني.
7 . وواحدة من الظواهر الجديدة التي تجلت في هذه الانتخابات برزت في تفتت جميع التحالفات السابقة، ومنها التحالف الوطني (البيت الشيعي) وائتلاف العراقية والتحالف الكردستاني ودخول القوى والأحزاب فيها بشكل منفرد.
8 . في مقابل هذا حصل ولأول مرة تحالف مدني ديمقراطي جديد ضم العديد من القوى والأحزاب والشخصيات الوطنية والديمقراطي والذي يعتبر البداية الطيبة لمستقبل أفضل للتحالف وللمجتمع العراق، رغم تواضع النتائج المتحققة للأسباب المذكورة سابقاً.
9. وهدد الكثير من القوى والأحزاب السياسية بأنهم سوف لن يسكتوا إن جرى التلاعب بنتائج التصويت لصالح الحزب الحاكم الرئيسي. وكان أحد أبرز من هدد هو السيد عمار الحكيم رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في العراق. وهذا يعني أنهم تلمسوا بدء واحتمال حصول تلاعب بنتائج الانتخابات لصالح رئيس الحكومة وحزبه وقائمته. 
10 . لقد سجلت جماعات المراقبة وقوى المعارضة الكثير من الخروقات والتجاوزات الفظة التي وقعت خلال الحملة الانتخابية وأثناء الانتخابات على قانون الانتخابات ولم تظهر حتى الآن نتائج التحقيق بها.
هذه الظواهر والأحداث وغيرها لا تعطينا الحق بالتفاؤل وتوقع نتائج إيجابية من هذه الانتخابات ولا في التشكيلة المحتملة لمجلس وزراء الحكومة الاتحادية بالعراق.
إن المشكلة الأساسية تكمن في طبيعة النظام السياسي القائم، نظام المحاصصة الطائفية. فالصراعات الجارية والوضع المزري الذي يعيش الشعب تحت وطأته ناشئة بسبب هذا النظام السياسي الطائفي السائد والدافعة إلى نشوب نزاعات مسلحة أفقدت المجتمع الأمن والاستقرار والسلم الاجتماعي.
إن نتائج الانتخابات تطرح على وفق التشكيلة النيابية الجديدة ثلاثة احتمالات في تشكيل الحكومة العراقية القادمة، وهي:
1.   احتمال تكليف نوري المالكي بتشكيل الحكومة الجديدة للدورة الثالثة على التوالي. وسيكون لمثل هذا المشهد باحتماليه: حكومة أكثرية أو حكومة شراكة كحكومة تصريف الأعمال الحالية. عواقب هذا الاحتمال خطيرة على الوضع بالعراق وعلى العلاقات بين مكوناته القومية والدينية والمذهبية لا على مستوى الأحزاب والقوى فحسب، بل وعلى مستوى الشارع والمجتمع. وهذا الاحتمال مرفوض حتى الآن من جانب التحالف الكردستاني، وبشكل خاص من الحزب الديمقراطي الكردستاني.
2.   احتمال تشكيل تحالف مضاد لتكليف نوري المالكي بتشكيل حكومة جديدة وتكليف عادل عبد المهدي، نائب رئيس الجمهورية السابق والعضو القيادي في المجلس الإسلامي الأعلى في العراق باعتباره جزءاً من التحالف الوطني أو البيت الشيعي. ومثل هذا الاحتمال يمكن أن يشارك فيه التحالف الكردستاني ويجد تأييد بعض الكتل والقوى الإسلامية السياسية. والكثير من القوى ترفض حتى الآن تكليف نوري المالكي رغم حصوله على أكثر من 90 مقعداً في المجلس النيابي الجديد.
3.   الاحتمال الثالث، وهو ضعيف جداً، تشكيل حكومة إنقاذ وطني يكون غالبية أعضائها من التكنوقراط. والتي يفترض أن تكون غير طائفية وتمارس سياسة وطنية لإخراج البلاد من مستنقع الطائفية.   
والعقلية السائدة بين القوى والأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة لا تعي، رغم كل الكوارث التي مر بها الشعب العراقي خلال الأعوام العشرة المنصرمة أسباب هذه الكوارث والمحن والموت غير المنقطع للناس بالعراق، ضرورة قيام نظام سياسي غير طائفي وبعيد عن المحاصصة الطائفية ويعتمد الآهلية والكفاءة في تشكيل حكومة وطنية وتمتلك إرادة التغيير للواقع المرّ الراهن. ولهذا ستبقى تحوم حول واحد من الاحتمالين الأولين وتترك الاحتمال المهم الثالث! 
ورغم إن الحل الثاني لا يغير من طبيعة النظام السياسي الطائفي والقائم على المحاصصة الطائفية ولا يشكل تغييراً في الوضع، إلا إن البعض يعتقد بقدرته على تخفيف التدهور المتواصل والاحتدام الشديد في العلاقات بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق أولاً، والتي تقود تدريجاً وكأنه صراعاً بين العرب والكرد، ومن ثم بين القوى والأحزاب الشيعية والسنية من خلال ممارسة سياسة أكثر مرونة وأكثر استجابة للمطالب وأكثر استعداداً للمساومة المتبادلة لتحقيق أهداف مشتركة مستفيدة من تجارب السنين العشر المنصرمة.
ورغم قناعتي بصعوبة تحقيق أي تغيير حقيقي ومهم في الوضع الراهن ما دام نظام المحاصصة الطائفية السياسية هو السائد وما دامت الرؤية بعيدة عن هوية المواطنة وسيادة الهويات الفرعية، فإن البعض يعتبر الاحتمال الثاني خطوة أولية على طريق الخلاص من عناصر طائفية مقيتة بامتياز أدت إلى الحالة المزرية الراهنة وخطوة على طريق الخلاص من النظام الطائفي المقيت.
أرى بأن المهمة الراهنة التي تواجه الشعب العراقي وقواه الوطنية والديمقراطية الحية التي فقدت حلم التغيير عبر الانتخابات التي جرت في الثلاثين من نيسان/أبريل 2014 وترفض الحكم القائم على قاعدة المحاصصة الطائفية القاتل لوحدة الشعب العراقي والممزق لنسيجه الوطني والاجتماعي، أن تبدأ بوضع برنامج مكثف ومحدود الأهداف يعمل على تعبئة أوسع الجماهير الممكنة للنضال من أجل التغيير دون هوادة باستخدام جميع الأساليب السلمية والديمقراطية المتوفرة والممكنة في النضال اليومي. وأجد أهمية استثنائية في أن يتضمن البرنامج المكثف مجموعة من النقاط منها بشكل خاص:
1.   النضال من أجل تشكيل تحالف وطني من كل القوى والأحزاب والشخصيات على صعيد العراق كله، حتى بمشاركة تلك العناصر من داخل الأحزاب التي فازت بالانتخابات والتي ترفض الطائفية في الحكم، للمطالبة بتشكيل حكومة إنقاذ وطني تقوم على أساس الكفاءة والنزاهة والمقدرة على معالجة أوضاع الشعب الراهنة. لأن تشكيل حكومة على أساس المحاصصة الطائفية سيتواصل الإرهاب والوضع الدموي الراهن ولن يستطيع معالجة المشكلات الأساسية بالبلاد.
2.   إطلاق مبادرة حقيقية من جانب حكومة الإنقاذ الوطني لمعالجة جادة وحقيقية للمطالب المطروحة والعادلة سواء أكانت من المنطقة الغربية أم إقليم كردستان العراق أم من المحافظات التي كانت وما تزال لها كلها مشكلات مع الحكومة الطائفية بامتياز، حكومة نوري المالكي. وهي كلها مشكلات يمكن معالجتها في ضوء الدستور العراقي رغم الخلل والنواقص الجدية التي يحملها منذ إقراره ووضع القوانين الكفيلة بمعالجة تلك المشكلات، ومنها قانون النفط وقانون الأحزاب والسجناء والمعتقلين دون وجه حق وقانوني...الخ.
3.   إن هذا التوجه لحكومة إنقاذ وطني توفر الأرضية المناسبة والوحدة الشعبية لمواجهة ثلاث مسائل أساسية تدمر حالياً وحدة وحياة المجتمع العراقي والاقتصاد الوطني، وأعني بها:
أ‌.   التصدي للإرهاب الدموي غير المنقطع والمتفاقم الذي يلتهم المزيد من الناس البشر ويعطل قدرة آخرين على المشاركة في الحياة العامة.
ب‌.   إعلان الحرب على الفساد المالي والإداري السائدين يلتهمان موارد البلاد المالية صوب الخارج وفي جيوب الفاسدين والقطط السمان على حساب حياة ومعيشة الشعب واقتصاده الوطني وإعاقة عملية التنمية الوطنية والتصنيع وتحديث الزراعة.
ت‌.    وضع حدٍ فعلي للتدخلات الخارجية الفظة في الشؤون الداخلية للحكومة العراقية من جانب دول الجوار بشكل خاص.     
4.   عقد مؤتمر واسع يضم أتباع جميع الديانات والمذاهب بالعراق يؤكد ثلاث مسائل جوهرية، وهي: 
أ‌.   البدء بحوار بين المؤسسات الدينية العراقية للأديان والمذاهب كافة من أجل عقد اتفاق مبدئي يؤكد إبعاد الدولة عن التدخل في الشؤون الدينية وإبعاد الدين عن السياسة والسياسة عن الدين.
ب‌.   رفض معالجة الاختلافات الدينية بالقوة بأي حال من الأحوال والعمل على تربية أتباع كل الديانات والمذاهب بالاعتراف والاحترام المتبادلين لصالح وحدة الوطن الذي هو للجميع.
ت‌.   رفض عمليات التكفير ورفض الإرهاب الذي تمارسه قوى متطرفة تدعي الدفاع عن الإسلام وتقتل الناس بغير حق.
5.   البدء، واستناداً إلى اتفاقات سابقة العمل على إجراء تعديلات في الدستور العراقي بما يخلصه من التشوش والتفسير المزدوج من جهة، ووضع القوانين الضرورية لتحديد صلاحيات الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وكذلك صلاحيات المحافظات بما يسهم في الوصول إلى إمكانية التنسيق والتكامل في نشاط مؤسسات الدولة وأجهزتها الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والخدمية وغيرها من جهة ثانية.
6.   وضع رؤية إستراتيجية لعملة التنمية الوطنية على صعيد البلاد كلها، ثم البدء بوضع خطط وبرامج للحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم والمحافظات وتوحيدها في خطة متكاملة تنفذ من كل طرف من هذه الأطراف بما يساعد على تحقيق التنسيق والتكامل بالبلاد ولصالح الاقتصاد الوطني والمجتمع والتعجيل بالخلاص من التشوه والتخلف والفوضى ونقص الخدمات السائدة في الاقتصاد العراقي والمجتمع في الوقت الحاضر.
إن حكومة الإنقاذ الوطني يمكنها أن تكون الحل السليم في المرحلة الراهنة لتفادي حصول مضاعفات في حالة بقاء الحالة على ما كانت عليه قبل الانتخابات والتي ستقود إلى تعميق الصراعات الطائفية والأثنية بالعراق وستمنع وضع أسس جديدة لمجتمع مدني ديمقراطي حديث يأخذ بمبدأ وقاعدة الدين لله والوطن للجميع.
حزيران/ يونيو 2014            كاظم حبيب
 

88
كاظم حبيب
الأعمار بيد الله ... والموت حق، ولسنا مسؤولين عن موت العراقيات والعراقيين بالجملة!!!

هذا هو العنوان المختصر الذي يجسد فلسفة ونهج وممارسة المستبد بأمره حاكم العراق وولي الله الجديد على أرض الرافدين الحاج أبو أحمد المالكي الذي تسببت سياساته المعوجة والطائفية بامتياز إلى مواصلة إغراق العراق منذ أكثر من ثماني سنوات بالدم والدموع والخراب وتعطيل التنمية ونهب خيرات البلاد والمزيد من التناقضات والصراعات والنزاعات والمعارك الدموية في مناطق عدة من العراق. وهذا هو عنوان ومضمون فكر حزب الدعوة الإسلامية في العراق ورئيسه الراهن ونائبه. وقد ساهم وساعد بهذه السياسات الطائفية الجامحة إلى فسح المجال بعودة قوى الإرهاب المتطرفة وإلى إعادة بناء وتعزيز بناها التحتية وتجميع المؤيدين لها وتشكيل تحالفات جديدة مع قوى البعث الإرهابية المسلحة وجماعة حارث الضاري ومن لف لفهما في مناطق مختلفة من العراق. وها نحن نشاهد كيف يقتل الناس هنا وكيف تُخرب تلك المناطق وكيف يجبر سكانها على الهجرة إلى مناطق آمنة ولكنها مليئة بالعذابات والحرمان والبؤس والفاقة، إضافة إلى موت الكثير من أبناء وبنات الشعب الأبرياء في المعارك الدائرة مع قوى الإرهاب المسلحة بأسلحة سعودية وقطرية أو حتى إيرانية. إن فلسفة الحاج أبو إسراء المالكي تقول الأعمار بيد الخالق وهو المسؤول عن موت الناس ولسنا نحن نوري المالكي حاكم العراق أو حزب الدعوة الإسلامية، فكل إنسان حين يولد بالعراق مكتوب على جبينه يوم موته وأسلوب هذا الموت. كما إن الموت حق، فالناس جميعاً هم مرشحون لموت مؤكد، سواء أجاء عزرائيل ليقبض الروح هذا اليوم أو جاء غدا. ورغم تعدد أسباب وأساليب الموت فهو واحد لا غير. وعلى هذا الأساس لا يرى المالكي سبباً في تحميله وحزب "الدعوة الإسلامية" مسؤولية موت الناس على أيدي التكفيريين وغير التكفيريين من المليشيات المسلحة السنية والشيعية العراقية والإيرانية والقطرية والسعودية أو غيرها.. فهو ليس مسؤولاً عن موت الناس فهو حاكم فقط وبإرادة الله ولن يستطيع أحد أن ينتزع الحكم منه "أخذناها بعد ما ننطيها" حتى لو طلعت نخلة برأس الشعب.
حصد المالكي والجماعات التي معه 92 صوتاً من شيعة العراق، ودعونا لا نتحدث عن كل أشكال التزوير والتزييف والرشوة وشراء الذمم وتوزيع أراضي الدولة قبل موعد الانتخابات بفترة قصيرة وطبيعة تشكيل مفوضية الانتخابات "المستقلة" كلش ...الخ. ولكن هذا التصويت بالذات يدلل بما لا يقبل الشك على طبيعة وعمق المشكلة الطائفية التي يعاني منها المجتمع العراقي والتي أججها وكرسها المحتل الأمريكي والأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية منها والسنية. وإذا كان المالكي وبعض الأحزاب الدينية الطائفية الأخرى قد حصدت أصوات الكثير من أتباع المذهب الشيعي، فأن قوى طائفية سنية حصدت أصوات الكثير من أتباع المذهب السني. وهي التي تؤكد اجتياح الهوية الطائفية واستباحتها للمجتمع وإزاحتها لهوية الوطن والمواطنة من الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية العراقية. ولهذه الحقيقة المرة عواقبها المدمرة التي نعيشها منذ عشر سنوات وسنعيشها في الغد إذا استمر هؤلاء في السلطة. إنها هويات فرعية مخربة مزقت وحدة النسيج الاجتماعي الوطني للشعب العراقي. وهذا الموت اليومي والاعتيادي الذي هو حق، أصبح هاجساً يومياً ثقيلاً يطارد الشعب العراقي دون حق ويخطف أرواحهم لا في مواعيدهم، بل على وفق إرادة الإرهابيين، هو النتيجة المنطقية للحكم الطائفي والسياسات الطائفية التي ولدت وتولد الإرهاب والفساد والظلم والاستبداد بالبلاد.
قوى الإرهاب الدموي مقتنعة تماماً، كما حزب الدعوة الإسلامية ورئيسه الحاج المالكي، بأن الموت حق إذ يستندون على قول الله "فإذا جاء ساعة أجلهم لا يستأخرون ولا يستقدمون"، فهم أداة الله لاستئصال من جاء أجله وفي الموعد المحدد. وهم بهذا لا يرتكبون جريمة بل ينفذون إرادة الله على الأرض. وعلى هذا الخط يلتقي أولئك بهؤلاء على درب موت المزيد من الناس على قاعدة الموت حق.. والأعمار بيد الله.
إن المشكلة التي تواجه المجتمع العراقي تكمن حالياً في هيمنة الفكر الطائفي السياسي التمييزي بين البشر على أفكار وممارسات الغالبية العظمى من سكان العراق، وهي تزحف تدريجاً لتشمل كل العراق أولاً، بعد أن شملت جمهرة كبيرة من المتعلمين والمثقفين أيضاً!! إنها العلة المركزية الحالية التي عجزت كل قوى التيار الديمقراطي العراقي على مواجهتها وكسر شوكتها وإقناع الناس بأهمية وضرورة الالتزام بمبدأ المواطنة ورفض تحويل الهويات الدينية والطائفية أو القومية إلى الهويات الأساسية واعتبارها الهويات المركزية التي ينتمي إليها العراقيون والعراقيات!! إنها الجريمة التي ارتكبها الاحتلال حين كرس هذا في الحكم رسمياً وجريمة ارتكبتها وما تزال ترتكبها كل الأحزاب الإسلامية السياسية التي لا تقوم ولا تعمل إلا على أساس الطائفة والتمييز الطائفي.
الشعب العراقي استمع إلى خطبة نوري المالكي في كربلاء حين قال إن الصراع الجاري بالعراق هو صراع بين أتباع الحسين وأتباع يزيد. والشيعة جميعاً، إلّا المثقف والواعي والإنساني منهم يدرك غير ما تقوله الميثولوجيا الشعبية التي لعب عليها بحقد وكراهية وخباثة كاملة نوري المالكي، بأن أتباع الحسين هم الشيعة وإن أتباع يزيد هم السنة، وهذا يعني بصريح العبارة إن الصراع بين الشيعة والسنة بشكل مطلق. هذا هو الرجل الذي يحكم العراق، هذا هو من يعمق الانشقاق في وسط الشعب العراقي لا لأن اسمه نوري المالكي كشخص، بل لأنه ينتمي إلى فكر طائفي تمييزي وإلى حزب يلتزم الفكر الطائفي السياسي وحكم يقوم على عقلية وممارسة طائفيتين. إنها المعضلة المركزية التي تواجه المجتمع وهي التي تتطلب منا العمل على تخليص المجتمع منها، وهي عملية معقدة وطويلة وصعبة ولكنها ليست مستحيلة. فهؤلاء الناس الطائفيون يرتكبون من الأخطاء يومياً ما تجعلهم يفقدون مواقعهم في صفوف الشعب، ولكن علينا أن نكون مستعدين لمواجهة أخطائهم دون مجاملة وبحزم صارم وموضوعية عالية. علينا أن لا نرحم الطائفية السياسية، أن لا نسكت عما جرته من عواقب وخيمة على  الشعب العراقي، وما تزال تجره وستبقى تدفع بالشعب إلى المزيد من العواقب السيئة ما لم يتخلص منها الشعب بإزاحتها من حكم البلاد عبر الطرق النضالية السلمية الواعية والهادفة والقادرة على ربط المهمات الوطنية بمهمات وحاجات ومصالح الشعب اليومية.
لا يمكن للشعب أن يسكت باستمرار على موت هذا العدد الكبير من الناس على أيدي مختلف الفرق الإرهابية وعلى جرح وتعويق العشرات منهم يومياً. ولا بد له أن يعي ما يجري بالبلاد ويدرك تدريجياً أسباب ذلك ويبدأ بمواجهتها. وهذا اليوم آت لا ريب فيه.
31/6/2014                             كاظم حبيب
     
       

89
كاظم حبيب
الأعمار بيد الله ... والموت حق، ولسنا مسؤولين عن موت العراقيات والعراقيين بالجملة!!!
هذا هو العنوان المختصر الذي يجسد فلسفة ونهج وممارسة المستبد بأمره حاكم العراق وولي الله الجديد على أرض الرافدين الحاج أبو أحمد المالكي الذي تسببت سياساته المعوجة والطائفية بامتياز إلى مواصلة إغراق العراق منذ أكثر من ثماني سنوات بالدم والدموع والخراب وتعطيل التنمية ونهب خيرات البلاد والمزيد من التناقضات والصراعات والنزاعات والمعارك الدموية في مناطق عدة من العراق. وهذا هو عنوان ومضمون فكر حزب الدعوة الإسلامية في العراق ورئيسه الراهن ونائبه. وقد ساهم وساعد بهذه السياسات الطائفية الجامحة إلى فسح المجال بعودة قوى الإرهاب المتطرفة وإلى إعادة بناء وتعزيز بناها التحتية وتجميع المؤيدين لها وتشكيل تحالفات جديدة مع قوى البعث الإرهابية المسلحة وجماعة حارث الضاري ومن لف لفهما في مناطق مختلفة من العراق. وها نحن نشاهد كيف يقتل الناس هنا وكيف تُخرب تلك المناطق وكيف يجبر سكانها على الهجرة إلى مناطق آمنة ولكنها مليئة بالعذابات والحرمان والبؤس والفاقة، إضافة إلى موت الكثير من أبناء وبنات الشعب الأبرياء في المعارك الدائرة مع قوى الإرهاب المسلحة بأسلحة سعودية وقطرية أو حتى إيرانية. إن فلسفة الحاج أبو إسراء المالكي تقول الأعمار بيد الخالق وهو المسؤول عن موت الناس ولسنا نحن نوري المالكي حاكم العراق أو حزب الدعوة الإسلامية، فكل إنسان حين يولد بالعراق مكتوب على جبينه يوم موته وأسلوب هذا الموت. كما إن الموت حق، فالناس جميعاً هم مرشحون لموت مؤكد، سواء أجاء عزرائيل ليقبض الروح هذا اليوم أو جاء غدا. ورغم تعدد أسباب وأساليب الموت فهو واحد لا غير. وعلى هذا الأساس لا يرى المالكي سبباً في تحميله وحزب "الدعوة الإسلامية" مسؤولية موت الناس على أيدي التكفيريين وغير التكفيريين من المليشيات المسلحة السنية والشيعية العراقية والإيرانية والقطرية والسعودية أو غيرها.. فهو ليس مسؤولاً عن موت الناس فهو حاكم فقط وبإرادة الله ولن يستطيع أحد أن ينتزع الحكم منه "أخذناها بعد ما ننطيها" حتى لو طلعت نخلة برأس الشعب.
حصد المالكي والجماعات التي معه 92 صوتاً من شيعة العراق، ودعونا لا نتحدث عن كل أشكال التزوير والتزييف والرشوة وشراء الذمم وتوزيع أراضي الدولة قبل موعد الانتخابات بفترة قصيرة وطبيعة تشكيل مفوضية الانتخابات "المستقلة" كلش ...الخ. ولكن هذا التصويت بالذات يدلل بما لا يقبل الشك على طبيعة وعمق المشكلة الطائفية التي يعاني منها المجتمع العراقي والتي أججها وكرسها المحتل الأمريكي والأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية منها والسنية. وإذا كان المالكي وبعض الأحزاب الدينية الطائفية الأخرى قد حصدت أصوات الكثير من أتباع المذهب الشيعي، فأن قوى طائفية سنية حصدت أصوات الكثير من أتباع المذهب السني. وهي التي تؤكد اجتياح الهوية الطائفية واستباحتها للمجتمع وإزاحتها لهوية الوطن والمواطنة من الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية العراقية. ولهذه الحقيقة المرة عواقبها المدمرة التي نعيشها منذ عشر سنوات وسنعيشها في الغد إذا استمر هؤلاء في السلطة. إنها هويات فرعية مخربة مزقت وحدة النسيج الاجتماعي الوطني للشعب العراقي. وهذا الموت اليومي والاعتيادي الذي هو حق، أصبح هاجساً يومياً ثقيلاً يطارد الشعب العراقي دون حق ويخطف أرواحهم لا في مواعيدهم، بل على وفق إرادة الإرهابيين، هو النتيجة المنطقية للحكم الطائفي والسياسات الطائفية التي ولدت وتولد الإرهاب والفساد والظلم والاستبداد بالبلاد.
قوى الإرهاب الدموي مقتنعة تماماً، كما حزب الدعوة الإسلامية ورئيسه الحاج المالكي، بأن الموت حق إذ يستندون على قول الله "فإذا جاء ساعة أجلهم لا يستأخرون ولا يستقدمون"، فهم أداة الله لاستئصال من جاء أجله وفي الموعد المحدد. وهم بهذا لا يرتكبون جريمة بل ينفذون إرادة الله على الأرض. وعلى هذا الخط يلتقي أولئك بهؤلاء على درب موت المزيد من الناس على قاعدة الموت حق.. والأعمار بيد الله.
إن المشكلة التي تواجه المجتمع العراقي تكمن حالياً في هيمنة الفكر الطائفي السياسي التمييزي بين البشر على أفكار وممارسات الغالبية العظمى من سكان العراق، وهي تزحف تدريجاً لتشمل كل العراق أولاً، بعد أن شملت جمهرة كبيرة من المتعلمين والمثقفين أيضاً!! إنها العلة المركزية الحالية التي عجزت كل قوى التيار الديمقراطي العراقي على مواجهتها وكسر شوكتها وإقناع الناس بأهمية وضرورة الالتزام بمبدأ المواطنة ورفض تحويل الهويات الدينية والطائفية أو القومية إلى الهويات الأساسية واعتبارها الهويات المركزية التي ينتمي إليها العراقيون والعراقيات!! إنها الجريمة التي ارتكبها الاحتلال حين كرس هذا في الحكم رسمياً وجريمة ارتكبتها وما تزال ترتكبها كل الأحزاب الإسلامية السياسية التي لا تقوم ولا تعمل إلا على أساس الطائفة والتمييز الطائفي.
الشعب العراقي استمع إلى خطبة نوري المالكي في كربلاء حين قال إن الصراع الجاري بالعراق هو صراع بين أتباع الحسين وأتباع يزيد. والشيعة جميعاً، إلّا المثقف والواعي والإنساني منهم يدرك غير ما تقوله الميثولوجيا الشعبية التي لعب عليها بحقد وكراهية وخباثة كاملة نوري المالكي، بأن أتباع الحسين هم الشيعة وإن أتباع يزيد هم السنة، وهذا يعني بصريح العبارة إن الصراع بين الشيعة والسنة بشكل مطلق. هذا هو الرجل الذي يحكم العراق، هذا هو من يعمق الانشقاق في وسط الشعب العراقي لا لأن اسمه نوري المالكي كشخص، بل لأنه ينتمي إلى فكر طائفي تمييزي وإلى حزب يلتزم الفكر الطائفي السياسي وحكم يقوم على عقلية وممارسة طائفيتين. إنها المعضلة المركزية التي تواجه المجتمع وهي التي تتطلب منا العمل على تخليص المجتمع منها، وهي عملية معقدة وطويلة وصعبة ولكنها ليست مستحيلة. فهؤلاء الناس الطائفيون يرتكبون من الأخطاء يومياً ما تجعلهم يفقدون مواقعهم في صفوف الشعب، ولكن علينا أن نكون مستعدين لمواجهة أخطائهم دون مجاملة وبحزم صارم وموضوعية عالية. علينا أن لا نرحم الطائفية السياسية، أن لا نسكت عما جرته من عواقب وخيمة على  الشعب العراقي، وما تزال تجره وستبقى تدفع بالشعب إلى المزيد من العواقب السيئة ما لم يتخلص منها الشعب بإزاحتها من حكم البلاد عبر الطرق النضالية السلمية الواعية والهادفة والقادرة على ربط المهمات الوطنية بمهمات وحاجات ومصالح الشعب اليومية.
لا يمكن للشعب أن يسكت باستمرار على موت هذا العدد الكبير من الناس على أيدي مختلف الفرق الإرهابية وعلى جرح وتعويق العشرات منهم يومياً. ولا بد له أن يعي ما يجري بالبلاد ويدرك تدريجياً أسباب ذلك ويبدأ بمواجهتها. وهذا اليوم آت لا ريب فيه.
31/6/2014                             كاظم حبيب
     
       

90
نداء موجه إلى نقابة المحامين العراقية
وإلى التحالف المدني الديمقراطي بالعراق

خلال الحملة الانتخابية لعام 2014 تعرض الزميل الدكتور محمد علي زيني، الاقتصادي العراقي المميز والمختص بالشؤون النفطية، المرشح للانتخابات العامة للمجلس النيابي العراقي في العام 2014 إلى إساءة شديدة للسمعة وإلى تعريضه للإهانة من خلال مراجعاته للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات لرفع الحيف عنه في ممارسة حملته الانتخابية وإلى تعطيل حملته الانتخابية بسبب رفع اسمه من قائمة التحالف باعتباره متهماً بـ "الإرهاب"، ثم رفع المنع بعد جهد جهيد وبعد أن اقترب موعد الانتخابات. وقد أقام الدكتور محمد على زيني دعوى أمام القضاء العراقي ضد وزارة الداخلية وضد المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق لتوجيه تهمة مفبركة لا تمت إلى الواقع وحقيقة الدكتور محمد علي زيني بصلة. أهيب بكل صاحب ضمير حي من المحامين والمحاميات في نقابة المحامين العراقية ذات التراث الديمقراطي وبالمحامين والمحاميات في التحالف المدني الديمقراطي إلى تبني هذه القضية والدفاع عن حقوق الدكتور محمد علي زيني ورفع الحيف والإساءة للسمعة التي تعرض إليها دون وجه حق دون مقابل لكي نقدم نموذجاً رفيع المستوى عن تضامن الحقوقيين العراقيين مع كل مغبون ضد من يتجاوز على حقوق وسمعة وشرف الآخرين دون مبررات ودون وجه حق ودون إدانة من محكمة.
أتمنى على الأصدقاء أن يتبنوا هذه القضية  مع خالص الاحترام
د. كاظم حبيب 

91
كاظم حبيب
   
عبد الحسين شعبان يسيء من جديد للحزب الشيوعي العراقي وللمناضل عامر عبد الله!!

الكتابة فن وعلم وثقافة في آن. ويمكن أن يتلمس القارئ ذلك من أسلوب تناول القضايا التي يبحث فيها هذا الكاتب أو ذاك. ويسقط الكاتب في مطبات كثيرة حين يكون أسلوب تناوله لموضوع ما خاطئاً أو فاقداً للموضوعية. ويزداد الأمر سوءاً حين يكون أسلوب تناول شخصية ما تناولاً خاطئاً ومضراً بالشخصية مدار البحث وبالكاتب ذاته من خلال التحامل. وقد تعلمنا منذ الشباب وبداية الكتابة بأن من يريد أن يذم شخصاً عليه أن يكثر من مدحه إلى الحد الذي لا يصدقه أحد. ويزداد هذا الأمر سوءاً حين تجري محاولات مقارنته بشخصيات لم يكن هو بالذات يقبل بمقارنته بها، لأن كل شخصية لها سماتها ومميزاتها ودورها في العملية النضالية مثلاً، كما يكون الأمر سيئاً حين يمدح شخصاً ليذم حزب هذا الشخص وشخصياته الوطنية.
لقد قرأت كتاب عبد الحسين شعبان عن عامر عبد الله. ثم قرأت ملاحظات الرفيق جاسم الحلوائي. بعدها قرأت رد فعل عبد الحسين شعبان على ملاحظات الحلوائي. لقد تشكلت لدي جملة مهمة من الملاحظات الجادة على كتاب عبد الحسين شعبان عن عامر عبد الله الذي كتب بأسلوب التحامل وقصد الإساءة للحزب الشيوعي العراقي، كما إنها إساءة كبيرة لعامر عبد الله أدركها عبد الحسين شعبان أم لم يدركها بسبب تعصبه وشدة كرهه للحزب الشيوعي العراق وللكثير من شخصياته الوطنية. تعاطفت مع ملاحظات الرفيق جاسم الحلوائي، رغم إنها قد اقتصرت على مسألتين هما دور الرفيق عامر عبد الله في مواجهة دور الرفيق سلام عادل في الحزب والكونفرنس وتقرير الكونفرنس، ومن ثم دور الرفيق عامر عبد الله في ثورة تموز وجبهة الاتحاد الوطني في مواجهة دور الرفيق سلام عادل، قائد الحزب حينذاك. ثم كان ردّ عبد الحسين شعبان الذي خلا من اللياقة في النقاش والنقد وتجاوز الكثير من القيم الحضارية في الحوار وارتكب أخطاءً فادحة في تناول شخصية الرفيق المناضل والطيب الذكر عامر عبد الله، ثم في تناوله بتحامل شديد ضد الحزب الشيوعي وقياداته. وأشير هنا إلى أبرز تلك الأخطاء:
1.   المبالغة في سمات ومميزات وقدرات عامر عبد الله، رغم قناعتي بأن الرجل كان ذكياً ومناضلاً وواعياً وكاتباً بارعاً ومثقفاً متميزاً ويمتلك سمات حسنة، ولكنه لم يخل من عيوب ونواقص لم تكن متناغمة مع شخصيته ومكانته.
2.   مقارنته بشخصيات حزبية وسياسية من منطلق الإساءة لتلك الشخصيات والتي لا شك وإنها كانت استفزازية ومرفوضة لأنها غير واقعية.
3.   الانطلاق في تقييم شخصية عامر عبد الله من مواقع الحقد والكراهية للحزب الشيوعي العراقي وليس من مواقع الحرص على الحزب الشيوعي وشخصياته الوطنية والأممية.
4.   اتخاذ مناقشة الرفيق جاسم الحلوائي ذريعة لشن هجوم كاسح ولكنه أعرج، ضد الحزب الشيوعي العراقي وبطريقة سمجة
5.   إن المنطلقات التي اعتمدها عبد الحسين شعبان في ردّه كانت باهتة ومسيئة من شأنها أن تدفع البعض بالاتجاه المعاكس، وربما هذا ما كان يريده ويسعى إليه عبد الحسين شعبان، أن يسيء أيضاً لشخصية عامر عبد الله عن طريق آخر غير درب المبالغة بالمديح. ولكن لم يقع في هذا المطلب من كتب حتى الآن مناقشاً ما كتبه عبد الحسين شعبان، ومنهم الأصدقاء جاسم الحلوائي وعادل حبه وفرات المحسن مثلاً.
لقد كان الأجدر بعبد الحسين شعبان، وهو الذي أينما يذهب ليلقي محاضرة، يطلب من مقدمه أن يقول عنه "المفكر الدكتور عبد الحسين شعبان!"، وكأن الآخرين لا يفكرون، أن يستخدم الأدوات العلمية في دراسة عامر عبد الله وتحليل شخصيته الفكرية والأدبية والنضالية وأن يبتعد كلية عن القيل والقال أو عن الذاكرة التي لا يمكن اعتمادها في البحث عن شخصية وطنية مثل عامر عبد الله. لولا قناعتي بأن عبد الحسين شعبان قد أساء لعامر عبد الله أكثر مما أفاد هذه الشخصية الوطنية العراقية، وإنه أساء للحزب الذي انتمى إليه عامر عبد الله وقضى نصف قرن من عمره يناضل في صفوفه، لما بادرت بالكتابة في هذا الموضوع وتجنت الخوض في القضية كلها.
لقد أساء عبد الحسين شعبان للحزب الشيوعي العراقي كثيراً وأساء لشخصيات قيادية رائعة في الحزب لا من باب ممارسة النقد العقلاني والسليم، بل من باب الكراهية للحزب ولتلك الشخصيات. بمعنى معين أن الكاتب كان قد وضع استنتاجاته السلبية إزاء الحزب وشخصياته، ومنهم عامر عبد الله، مسبقاً. لقد كانت مسبقة الصنع، وهي طريقة سيئة وغير سليمة في البحث والكتابة من رجل يحمل شهادة عالية وصدرت له بعض الكتب غير المعمقة. إن عبد الحسين شعبان افتقد الرؤية الموضوعية والنزاهة في ما كتب وافتقد التواضع الضروري لكل باحث علمي واع لمسؤوليته في البحث.
لقد كان الرفيق جاسم حلوائي على حق حين ناقشه في مسألتين لا غير، لأن عبد الحسين شعبان أخطأ تماماً في تناول القضيتين. لم يكن عامر عبد الله الشخصية الموجهة لسلام عادل ولم يكن المنافس له أبداً، ولم يكن الشخص الذي كتب تقرير الكونفرنس الحزب الثاني، بل كان سلام عادل هو المحرك الفعلي في تلك المرحلة وكاتب التقارير والساعي إلى وحدة الحزب وتحقيق القيادة الجماعية وتبني عدداً من القضايا المركزية والأساسية، كما لم يكن الرجل الذي أنجز جبهة الاتحاد الوطني بل كان سلام عادل ومعه قيادة الحزب حينذاك، منها:
1.   أهمية تشكيل الجبهة الوطنية وضرورة تحقيقها بعد أن تحققت وحدة الحزب الشيوعي العراقي.
2.   الموقف السليم من القضية الكردية حيث طرح في الكونفرنس والتقرير حق تقرير المصير للشعب الكردي.
3.   الموقف السليم من التضامن والتفاعل مع حركة التحرر الوطني العربية والموقف الصائب من القضية الفلسطينية.
4.   التزام وربط القضايا اليومية لمختلف فئات الشعب العراقي بالقضايا الوطنية الأساسية، وهو النهج الذي سار عليه الرفيق فهد قبل ذاك أيضاً.
وكان لقيادة الحزب الجديدة الناضجة، التي ضمت سلام عادل، كمسؤول وسكرتير أول، وجمال الحيدري وعامر عبد الله وعزيز شريف وغيرهم، دورها في بلورة وطرح القضايا الأساسية وفي إنجاح الكونفرنس الحزبي الثاني وفي الوصول إلى قرارات صائبة عبرت عن الجماعية في اتخاذ القرارات والتي تحققت فيما بعد.
وكان رد فعل عبد الحسين شعبان على مناقشة الرفيق جاسم الحلوائي سيئة جداً وطفح الغيظ وظهر القصد السيئ من وراء كتاب إصداره كتاب عامر عبد الله الذي كان وما زال يحمله ضد الحزب الشيوعي العراقي وفقد البوصلة التي كان عليها أن تساعده في التمييز بين النقد والمغالطة، بين النقد والتشنيع.
لقد مارست النقد إزاء سياسات الحزب الشيوعي العراق، وهو حق مشروع للشيوعي وغير الشيوعي، للحزبي وغير الحزبي، كما هو حالي، ولكني لم اسع إلى الإساءة لهذا التاريخ النضالي المجيد. وحين لم يفهمني البعض وأساء لي واتهمني بقضايا ليست جزءاً من تاريخي النضالي بأي حال، لم أرد عليه لأن الكذب والمغالطة والتهديد واستخدام الأسماء المستعارة لا يرد عليها، كما لم ينبر أي قائد شيوعي سابق وجديد للرد على تلك التخرصات. كما أني واثق من تاريخي السياسي وقيادة الحزب الشيوعي العراقي تعرفني وكذا رفاق وأصدقاء الحزب. ما كان أحد يرد على عبد الحسين شعبان لو لم يتجاوز الحقائق بفظاظة. كان على عبد الحسين شعبان أن يميز بين النقد وبين التجريح والإساءة، ولكنه لم يعد قادراً على ذلك حين يكتب عن الحزب الشيوعي العراقي وشخصياته الوطنية لأنه مليء بالحقد والكراهية إزاء هذا الحزب. لقد وردت جملة مهمة عند الرفيق جاسم الحلوائي حين قال بأن هناك الكثير من القضايا التي تحتاج غلى بحث وتقصي وتحليل أو حتى تشكيل لجان لهذا الغرض. لم يقل أحد بأن الحزب الشيوعي لم يخطأ، الذي لا يخطأ لا يعمل أصلا وهو خطأ بذاته، ولكن كيف نتناول ذلك وبأي روحية يتم تناولها. 
كان رد الرفيق عادل حبة في محله وتناول جوانب مهمة من طبيعة عبد الحسين شعبان، وهو الذي كان مسؤوله لسنوات طويلة، لم تكن في نيته تناولها وطرحها علناً لولا الروح الاستفزازية والمغالطات التي تجلت في رد شعبان على الرفيق جاسم حلوائي.
سوف ابتعد عن جل الخطايا التي أعرفها عن عبد الحسين شعبان، وهو يعرف بأني كنت عضوا في المكتب السياسي للحزب ولدي ما يكفي من المعلومات عن شخصية عبد الحسين شعبان التي ليس من حقي طرحها هنا، فهي من حق الحزب وحده طرحها حين يرى ذلك ضرورة، وسأتناول قضية واحدة لا غير، قضية مشاركته في وفد سييء الصيت تشكل ممن أطلق عليهم بالمعارضة العراقية، لمقابلة معمر القذافي طالبين منه المساعدة المالية العامة والشخصية. وحين جاء دور عبد الحسين شعبان للسلام على "القائد المغوار في قتل البشر!" قدم له عدداً من كتبه في القانون وقال له تلك الكلمة التي جرحت كرامة كل إنسان يحس بكرامته وشعرت بالخجل من هذا الأسلوب المداهن الذي لا يليق بإنسان دع عنك حامل شهادة الدكتوراه في القانون وعضو سابق في الأمانة العامة للمنظمة العربية لحقوق الإنسان: أنه يتشرف أن يقدم كتبه في القانون إلى راعي القانون القائد القذافي، وكان يعلم علم اليقين أن القذافي هو القاتل الفعلي للسيد موسى الصدر والسيد منصور الكخيا، الذي اعتقل في العاشر من ديسمبر 1993، أي في يوم الذكرى السنوية لصدور اللائحة الدولية لحقوق الإنسان، إذ كان منصور الكخيا وعبد الحسين شعبان، وكاظم حبيب أعضاء في المنظمة العربية لحقوق الإنسان! وكنت حاضراً حين تناقشنا عن اختطاف الكخيا في المنظمة وشجبنا هذا الاعتقال وطالبنا بإطلاق سراحه. في هذا اللقاء مع القذافي تيقنت بان تصرفاً من هذا النوع أياً كان الشخص الذي يمارسه، تصرفاً يسمي فيه رئيس نظام دموي براعي القانون، لا يعي معنى المبادئ الحقوقية وتغلب عليه روح الانتهازية الشرهة والوجوه العديدة.
لقد كان عامر عبد الله رفيقاً مناضلاً وشجاعاً، ولكنه كان يتطلع لأن يكون المسؤول الأول في الحزب بعد استشهاد سلام عادل، ولكنه لم يكن الرفيق المناسب لقيادة الحزب بأي حال رغم جملة من سماته الجيدة. ولم يكن كل الرفاق الأعضاء في اللجان المركزية العديدة خلال ثلاثة عقود كلهم ضد شخص عامر عبد الله، بل كانوا يعتقدون ويقدرون بأن وجود عامر عبد الله على رأس الحزب لا يحقق وحدة الحزب، وإنه الشخص غير المناسب لقيادة الحزب، ولكنه كان مناسباً في عضوية اللجنة المركزية والمكتب السياسي، وهكذا كان ولفترة غير قصيرة. ولم ينتخب في المؤتمر الرابع للحزب في العام 1985.         
حين رجتني زوجة عامر عبد الله المحامية السيدة بدور زكي الددة في أن أشارك في تأبينه في الذكرى العاشرة لوفاته وافقت مباشرة وكتبت المطالعة الآتية بحقه. لقد برّزت خصاله وإمكانياته ونضاله، ولكني لم اعتبره الأفضل والأبرز بين رفاق الحزب القياديين في حينها، بل كان بحق أحد الشخصيات البارزة في الحزب. إن ما كتبته في تأبيني ليس من باب "أذكروا حسنات موتاكم" بل ما كنت أعرفه فيه، وإذا ما أردت أن أكتب عنه فعلي أن أعود لمراجع كثيرة ووثائق لا أمتلكها ولا يحق لي تجاوزها. عينا جميعاً أن نضع الرفيق عامر عبد الله في موقعه المناسب بعيداً عن المبالغة بحسناته أو المبالغة في لإساءة إليه، كما فعل عبد الحسين شعبان عملياً. 
لقد عملت مع عامر عبد الله سنوات كثيرة في عضوية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي وعرفته عن قرب وعرفت جوانبه الإيجابية وبعض جوانبه السلبية. وليس هناك أي إنسان على هذه الأرض ليس فيه مثل هذين الجانبين. وعلينا أن نحتاط لمن يحاول جرنا للإساءة إلى الرفيق عامر عبد الله لأنه مناضل وطني وشيوعي مقدام ولأنه كان أحد القادة البارزين في الحزب الشيوعي ولأنه جزء من تاريخ الحزب ونضاله. ومحاولات عبد الحسين شعبان سوف لن تنجح في هذا السبيل.
أليكم ما كتبته عن عامر عبد الله في ذكرى تأبينه.
في الذكرى العاشرة لوفاة عامر عبد الله
عامر عبد الله الكاتب والأديب والمناضل الوطني والشيوعي المقدام

لم يُكتب إلا القليل جداً عن السياسي العراقي الفذ والمناضل الشيوعي المقدام والفقيد المتميز الرفيق عامر عبد الله (أديب), رغم مرور عشر سنوات على وفاته. إلا أن حياته ونضاله وما تركه لنا من أفكار وكتابات تستوجب البحث والنشر والإفادة منها وتعريف الأجيال القادمة به وبجيله من المناضلين.
وإذ لم يتم الاحتفاء به في أي من أعياد ميلاده, رغم ما قدمه للشعب والوطن والحركة الوطنية العراقية والحزب الشيوعي العراقي, الذي انتمى إليه واستمر يناضل في صفوفه أكثر من نصف قرن, من خدمات جليلة ومواقف متقدمة وتنويرية ستبقى معلماً مهماً من معالم الثقافة السياسة الوطنية والتقدمية العراقية, فجدير بنا اليوم أن نحتفي بتأبينه في ذكرى وفاته العاشرة وبمبادرة طيبة وجديرة بالتقدير من زوجته السيدة بدور محمد, إذ لم يكن الاحتفاء بأعياد الميلاد من تقاليد شعبنا وقوانا السياسية, ومنها الحزب الشيوعي العراقي.
رحل عنا وهو لا يزال  معطاءً من الناحيتين الفكرية والعملية ويمتلك الطاقة والحيوية على بلورة أفكاره ونشر تجربته النضالية المعقدة والمديدة. ويتجلى ذلك بوضوح في الحوار الرائع الذي أجراه معه الكاتب والصحفي المتميز الأستاذ حازم صاغية ونشر في العدد الثاني (1994) والعدد الثالث (1995) من مجلة أبواب التي كانت تصدر عن دار الساقي ببيروت ولندن. ففي هذا الحوار تبرز شخصية عامر عبد الله الفكرية والسياسية والأدبية وروحه الوطنية الوثابة والأممية الصادقة ودقة متابعاته وصدق ملاحظاته وذاكرته الحية والنشطة. فمدينة عانة التاريخية الجميلة التي كانت مستلقية كامرأة ساحرة وهانئة على ضفاف نهر الفرات قد أنجبت الكثير من الشخصيات الوطنية والديمقراطية والعلمية والأدبية التي يعتز بها العراق دوماً. وكان مؤلماً له ولأبناء عانة ولنا جميعاً أن تصبح هذه المدينة الطيبة غارقة في مياه الفرات, إذ لم يبق من ملاعب الطفولة والصبا لهم غير الذكريات.     
نشأ الطفل عامر في وسط عائلة كادحة كريمة النفس, عانى من الفقر والعوز وتركت آثارها السلبية لاحقاً على وضعه الصحي العام وعلى عينيه. وكان لهذه النشأة وأجواء الفقر العام في عانة وتجليات ذلك في حياة المدينة السياسية اليومية وبروز شخصيات وطنية فيها, كان لها دورها البارز على الحركة الوطنية العراقية وعلى نزوع الشاب وأترابه صوب اليسار الديمقراطي العراقي, صوب الفكر الماركسي – اللينيني, سواء كمؤيدين ارتبطوا بحزب الشعب أولاً ومن ثم بالحزب الشيوعي العراقي.
لعب عامر عبد الله إلى جانب سلام عادل وجمال الحيدري وعبد الرحيم شريف دوراً بارزاً ومهماً في تعزيز لحمة الحزب ودوره في الحياة السياسية العراقية بعد إعادة الوحدة للحزب الشيوعي العراقي في العام 1956 وبعد أن التحقت منظمة النضال (بقيادة عزيز شريف) وجماعة راية الشغيلة (بقيادة جمال الحيدري) بالحزب. وكان من العاملين بحماس لصيانة هذه الوحدة وتشكيل جبهة الاتحاد الوطني في العام 1957. ولا شك في أن لوحدة الحزب ودور قيادته الجديدة وبرنامجه السياسي الواضح الذي أقره كونفرنس الحزب الثاني في العام 1956 والتزام الحزب بالعمل لتشكيل الجبهة الوطنية الدور البارز في تشكيل جبهة الاتحاد الوطني ولجنتها العليا, وكان لعامر عبد الله دوره الفاعل في ذلك أيضاً.
كان عامر عبد الله كاتباً سياسياً دقيقاً ومتميزاً, كما كان أديباً بارعاً ومقلاً, تتسم لغته بالشفافة والانسيابية وما يطلق عليه بالسهل الممتنع. وكان سياسياً بارعاً ومفاوضاً محنكاً, كما كان إدارياً ودبلوماسياً ممتازاً.
لعب دوراً كبيراً في الحياة السياسية العراقية, سواء أكان في مرحلة النضال السري الصعب وفي أوساط الديمقراطيين والوطنيين العراقيين منذ النصف الثاني من العقد الخامس وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية مع حزب الشعب, الحزب الذي ترأسه الشخصية الوطنية البارزة والماركسي المعروف وقائد حركة السلام في العراق الأستاذ والرفيق عزيز شريف, ومن ثم في صفوف الحزب الشيوعي العراقي, أم كان على المستوى السياسي العلني, وخاصة في أعقاب ثورة تموز 1958 وفترة حكم عبد الكريم قاسم, ومن ثم في فترة حكم البعث الثانية, أي في الفترة بين 1968-1978, ثم واصل العمل السياسي إلى حين وفاته.
لقد كان عامر عبد الله أحد أبرز مفكري الحزب الشيوعي العراقي ومن القلة التي برزت خلال سنوات النضال السري والعلني واحتل لسنوات طويلة عضوية اللجنة المركزية والمكتب السياسي. وكان الكاتب المفضل في إعداد مسودات تقارير اللجنة المركزية للحزب لسنوات كثيرة. لقد كان كاتباً ملتزماً بما تقرره اجتماعات اللجنة المركزية, ولكنه كان في الوقت نفسه مستقلاً في تفكيره وفي تكوين رأيه المستقل, والتي خلقت له في فترات مختلفة غير القليل من المصاعب والمشاحنات.
كان عامر عبد الله رقماً كبيراً ومهماً في الحزب الشيوعي العراقي وفي الحركة الوطنية العراقية, حاز على احترام رفاقه, سواء من اتفق معه في أرائه ومواقفه الفكرية والسياسية أم من اختلف معه. لم يكن يعتمد الأساليب القديمة في الصراع الفكري أو المحاجة القائمة على اقتطاع المقولات من الكتب التاريخية, بل كان يقارع الحجة بالحجة, ولم يكن مستعداً لمحاباة أحد.     
كان عامر عبد الله مثقفاً ماركسياً متقدماً في وعيه وفي قراءته للماركسية وفي قراءة الأوضاع في العراق في ضوء المنهج المادي الجدلي, المنهج الماركسي العلمي, وكانت له اجتهاداته, ولهذا السبب يمكن القول بأن الفقيد كان سياسياً واقعياً, رغم خصوبة خياله وطموحاته وأحلامه الوردية الطيبة, التي اشتركنا بها معه, في بناء مستقبل أكثر إشراقاً وأكثر عدالة لشعب العراق ولحركة التحرر الوطني, بناء عراق اشتراكي وديمقراطي متقدم على المدى البعيد.       
في فترات النضال الطويلة شارك عامر عبد الله في الصراعات الفكرية داخل الحزب ومع القوى الفكرية والأحزاب السياسية الأخرى, وخاصة مع القوى القومية العربية اليمينية. وكانت لمواقفه الفكرية في هذا الصدد خير عون في فضح من كانوا يتاجرون بالقومية العربية على حساب شعوبهم وقضاياهم العادلة, ومنها القضية الفلسطينية أو الوحدة العربية, أو العراق الجديد في أعقاب ثورة تموز 1958, التي قادت اتجاهاتهم المتطرفة إلى ضياع ثورة تموز ومنجزاتها الوطنية الكبيرة في انقلاب شباط 1963 الدموي البغيض. لقد كان صارماً في موضوعاته المناهضة للفكر القومي الشوفيني العربي, وكان بذلك يناضل ضد مشوهي أهداف حركة التحرر الوطني العربية ويناضل من أجل رفع الوعي الديمقراطي لفهم أبعاد النضال القومي والوطني في العراق وعدالة حقوق القوميات الأخرى.   
اختلف الناس في اجتهادات ومواقف عامر عبد الله الفكرية والسياسية, فمنهم من اتهمه باليمينية وآخر من رآه صادقاً مع نفسه في فهم واقع العراق في فترات مختلفة, ولكن لم يتهم يوماً باليسارية المتطرفة ومرض الطفولة اليساري. ولكن عامر عبد الله كان في كل ذلك صادقاً مع نفسه ومع ما كان يسعى إليه ويرى أنه الصواب للعراق ولم يخش في ذلك لومة لائم.
كان عامر عبد الله من بين من درس مبكراً الانهيار الذي هز العالم كما هزه في العام 1917 ميلاد دولة الاتحاد السوفييتي, الدولة الاشتراكية الفتية, ثم تدحرجت كرة الثلج لتلف معها بقية دول المعسكر الاشتراكي في أوروبا, محاولاً توضيح العوامل الكامنة وراء مقوضات النظم الاشتراكية. ولم ير في هذا الانهيار نهاية الحلم والأمل في بناء اشتراكية من نوع آخر, اشتراكية تقوم على المجتمع المدني الديمقراطي الحر والعدالة والمساواة. وجد في سقوط النظم القائمة تجسيداً لاحتقان وأزمة داخلية وليست مؤامرة من الخارج, كما وجد فيها منفذاً لتحولات لاحقة باتجاه الأفضل, إذ جاء في كتابه الموسوم "مقوضات النظام الاشتراكي العالمي وتوجهات النظام العالمي الجديد" ما يشير إلى قدرته الجيدة على التحليل والرؤية النقدية للماضي دون فقدان البصيرة والثقة بالمستقبل وبقوانين التطور الموضوعية. فقد كتب ما يلي: "أن عملية التطور لا تتخذ في أية حالة (جزئية أو عامة) طابعاً إنسانياً هادئاً أو مستقراً. ففي المجتمع (كما في الطبيعة), هناك حركة دائبة, تولدها عملية الصراع بين المتناقضات الكامنة في كيان الظاهرة أو العملية, لتؤول بالنتيجة وبصورة حتمية إلى الانفجار وبالتالي إلى التحول النوعي أو استحداث حالة نوعية جديدة." إن سقوط النظم "الاشتراكية" في الاتحاد السوفييتي وبقية الدول "الاشتراكية" وليس الاشتراكية كفكر, لا يعني بأي حال انتصار الرأسمالية أو صواب وعدالة نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي, كما لا يعني بأي حال فشل الاشتراكية كفكر إنساني حر يسعى متبنوه إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين البشر والسلام الدائم, بل كان الانهيار يعني فشل تلك التجارب في فهم العلاقة الجدلية بين الاشتراكية والديمقراطية, بين العدالة الاجتماعية وحرية الإنسان, ثم في التفسير والفهم أو القراءة الخاطئة للماركسية كعلم ومعرفة ومنهج مادي جدلي.   
 كان عامر عبد الله قائداً وطنياً وشيوعياً متميزاً ومناضلاً من أجل غدٍ أفضل للبشرية خال من القهر والاستغلال والحروب, من أجل تحقيق الحلم الذي كان يراوده ويراود كثرة هائلة من الشيوعيات والشيوعيين على صعيد العراق والعالم. فقد كتب عامر عبد الله يقول: "إن الاشتراكية –بمبادئها الإنسانية, ومثلها العليا, وقيمها الرفيعة- لا بأحكامها القاطعة, ولا بنماذجها ونظمها, كانت أملاً مرتجى, وهدفاً مبتغى, وطريقاً إلى الحرية والعدل والمساواة. لقد كان هذا ما كنت أحلم به وأسعى إليه, كما كنت أعمل سوية مع غيري لبلوغه وتحقيقه, وبكل مثابرة واندفاع. وكان هذا أيضاً وما يزال مهمة من ينتدب نفسه لقيادة الشعب, أو وعده بالخلاص".
لم تكن الأجواء الحزبية باستمرار هادئة أو بعيدة عن العلاقات الشللية التي كانت تؤذي بالضرورة عمل الحزب وجميع الرفاق وفي فترات مختلفة, ولم يكن عامر عبد الله بعيداً عنها, ولا بقية رفاق القيادة وخاصة في الفترة التي أعقبت ثورة تموز 1958. ويبدو لي أن القراءة المتمعنة لكتابه الموسوم "مقوضات النظام الاشتراكي العالمي وتوجهات النظام العالمي الجديد", سيجد القارئ أو القارئة بعض المواقع التي ينتقد فيها عامر عبد الله بعض تلك الأجواء التي رافقت عمل الحزب في مراحل مختلفة بما فيها فترة الثمانينات من القرن العشرين.
وإذ هو قد بدأ بإعادة النظر بالتجربة الاشتراكية وبمواقفه وسياسات الحزب الشيوعي, راح يطالب الآخرين بصواب بأهمية مراجعة أنفسهم والتعلم من الماضي وطرح الجديد. فقد كتب يقول:
""..إن الواقع لم يكن ولن يصبح رهين الأحكام والأحلام. إنه واقع مأزوم يدعو بصوت جهير, كل الذين يعملون لتحقيق المبادئ والقيم الإنسانية للاشتراكية أن يراجعوا أنفسهم ونهجهم ... أن يقرأوا الواقع بعيون بصيرة... وأن يبادروا إلى تعديل النهج, والنظام, والموقف, والوسيلة, وبما يؤمن في النهاية, بلوغ الهدف المرتجى ونجاح المسيرة".
وفي آخر حياته رفض عامر عبد الله التحزب الأعمى وليس الحزبية العقلانية ذات الرأي المستقل والمفعم بالواقعية, وذات الأذن الصاغية للنقد وللرأي الآخر وذات القدرة على التعلم بتواضع, إذ قال بوضوح:
"أما المتحزب والمتحيز, والمتعصب والمتحجر, ثم القائد المعتز بجلالة قيادته وسلطان ماضيه, أو الحريص على استبقائه أو استعادته, فلن يكون بمقدوره أن يعدل المسار, أو أن يحقق الهدف المبتغى". 
وقف عامر عبد الله إلى جانب المظلومين والمضطهدين وساند حركة الشعب الكردي وتأثر بفكر ومواقف عزيز شريف من القضية الكردية التي تميزت بالوضوح والمبدئية العالية ورفض كل وصاية على حركة ونضال الشعب الكردي وحقوقه المشروعة بما في ذلك حق الانفصال وإقامة الدولة الوطنية المستقلة التي كانت ولا تزال تتجلى في برنامج وسياسات الحزب الشيوعي العراقي. كما وقف إلى جانب حقوق بقية القوميات الثقافية والإدارية, وساهم باستمرار وبحيوية في صياغة برامج الحزب التي طرحت في مؤتمراته التي شارك فيها, أي في المجلس الحزبي الموسع الثاني 1956, وفي المؤتمرين الثاني 1970 والثالث 1976. 
لم يكن عامر عبد الله سهل المراس كما لم يكن في نقاشاته سهلاً, بل كان صعباً وحاداً في بعض الأحيان نتيجة اعتداده الشديد برأيه. ولم يكن بالضرورة وباستمرار على صواب, كما هي حالة بقية بني البشر. لقد رفض الوقوف إلى جانب إيران في الحرب مع العراق, وخاصة بعد أن استطاعت دفع القوات العراقية الغازية إلى خارج حدودها, وكان على صواب في ذلك, رغم أنه شجب النظام العراقي الذي بدأ بشن الحرب على إيران واحتل جزءاً من أراضي الدولة الجارة, وكان يتطلع إلى أن تنتهي الحرب بسقوط النظام. ولم يحصل ذلك وأحس بإحباط ملموس. وبقدر ما ناهض وناضل نظام البعث الدكتاتوري في العراق, ناهض وأدان نظام الاستبداد في إيران.   
كان عامر عبد الله, كما أرى, يتطلع إلى قيادة الحزب, وأن لم يعلن عن ذلك جهارا  ولم ينافس أحداً على الموقع الأول, إذ كان يجد في نفسه الجدارة القيادية والفكرية والسياسية على تولي مسؤولية قيادة الحزب. وقد أثر ذلك على علاقاته ببعض رفاقه في قيادة الحزب وربما على بعض أحكامه إزاء الآخرين. لا شك في أن عامر عبد الله كان يمتلك مواصفات القائد والقادر على ذلك كالبعض الآخر من رفاقه, ولكنه لم يحض بموافقة وتأييد غالبية رفاق القيادة وفي فترات مختلفة والتي اقترنت بتباين المواقف الفكرية والسياسية ووفق موازنات معينة.           
لقد اتفقنا في الرأي واختلفنا أيضاً, ولكن بقيت علاقاتنا ودية وقائمة على الاحترام المتبادل. لقد أغنى عامر عبد الله المكتبة العربية بالعديد من الأفكار والكتب والترجمات والدراسات والمواقف السياسية التي يفترض أن يعاد جمعها ونشرها. ولا شك في أن عامر عبد الله كان أحد الشخصيات البارزة والمتميزة العاملة في الشأن العام في العراق ولعقود عدة, وبالتالي فأن دراسته وبلورة جوانب فكره ونشاطه بمختلف صفحاتها وأبعادها مهمة جداً لمن يعمل في الشأن العام حالياً وفي المستقبل. إنها أمانة في أعناقنا جميعاً.
الذكر الطيب للفقيد العزيز الرفيق والصديق والمناضل الوطني الشيوعي عامر عبد الله.

برلين, منتصف شهر مايس/أيار 2010          كاظم حبيب



92
كاظم حبيب
قراءة في مسرحية "مهاجرون" للكاتب البولوني سلافومير مروجيك

الكتاب: مسرحية "مهاجرون Emigranten "
المؤلف: سلافومير مروجك Slawomir Mrozek
الترجمة العربية: عبد الواحد المهدي وماجد الخطيب
دار النشر: المطبعة والوراقة الوطنية-مراكش / المغرب
سنة النشر: طبعة أولى 2013م
عدد الصفحات: 111 صفحة

صدرت للكاتب المسرحي والصحفي العراقي ماجد الخطيب مجموعة مهمة من المسرحيات التي كتبت خلال السنوات المنصرمة. وهي تعالج موضوعات عراقية آنية وملحة تمس المجتمع وحياة المثقفين،  منها مثلاً "الوسام" عام 2003 و"عاشق الظلام" عام 2006، و"ريام في بلاد الأحلام" عام 2010, و"حفرة السيد" عام 2011، و"ثور فالاس" عام 2013، إضافة إلى دراسته المعمقة والواسعة عن حياة وشعر هاينرش هاينه بعنوان "هاينرش هاينة روح الشعر الألماني" التي صدرت في كتاب أنيق عام 2012، كما ترجم مجموعة من المسرحيات التي قال عنها في لقاء صحفي معه أجراه السيد صفاء فاخر في العام 2009 ونشر في الحوار المتمدن ما يلي: " وهكذا ترجمت حتى الآن 10 مسرحيات من ثلاث لغات مختلفة هي الانجليزية والألمانية والهنغارية. أنا فخور بترجماتي للمسرحيات الهنغارية ومسرحيات" المهرج" داريو فو"، والمسرحيات التي عرضت أكثر من مرة على المسرح". ومن أهم المسرحيات التي ترجمها ماجد الخطيب نشير إلى "عائلة توت" و"الضيف" و "أبو الهول" عن الهنغارية، ومسرحيات "التنين" و"مقتل فوضوي" و"امرأة واحدة" و "سامحني يا أبي، فقد أثمت" عن الإنجليزية، ومسرحية "المنصور" لهاينرش هاينه عن الألمانية. وفي العام 2013 شارك مع السيد عبد الواحد المهدي بترجمة وإصدار مسرحية "مهاجرون" للكاتب البولوني سلافومير مروجك. وكتب لي الصديق ماجد الخطيب حول هذه المسرحية ما يلي:
" ترجمنا المسرحية عام 1984 وعرضت في بودابست( تمثيل اسعد راشد و عدنان يوسف وإخراج ثامر الزيدي) عام 1985. ثم أخرجها ومثلها اسعد راشد ثلاث مرات في السويد ومرة ببرلين. مثلت أيضا في الأرض المحتلة(فلسطين) وفي المغرب عدة مرات وفي سوريا عدة مرات. لكن الفرصة لم تسنح لنشرها قبل الآن.
يمارس الخطيب، إلى جانب كتابة المسرحيات وترجمتها، الصحافة، وكتب الكثير من التقارير والمقالات الصحفية. ولعبت دراسته للطب دون أني نهيها دوراً كبيراً في الكثير من كتاباته الصحفية العلمية.   
أما الكاتب سلافومير مروجك (1930-2013م)، صاحب مسرحية مهاجرون، فهو واحد من أبرز كتاب المسرحية في بولونيا. ولد قرب مدينة كاركو وعاش فيها حتى العام 1968، إذ بعدها قرر الهجرة إلى باريس وطلب اللجوء السياسي فيها احتجاجاً على الأحداث التي وقعت في براغ في نفس العام، تلك الأحداث التي أطلق عليها في حينه بـ"ربيع براغ". وعاش الكاتب سنوات كثيرة بالمكسيك وتجول ببلدان كثيرة أخرى واكتنز عبر هذا التجوال الكثير من المعارف والخبرات.
سلافومير مروجك مهندس معماري ومختص بالدراسات الفنية وتاريخ الفن، إضافة إلى كونه رسام كاريكاتيري وروائي وصحفي وكاتب مسرحي. أنتج الكثير من الأعمال الأدبية والمسرحية التي يأتي على ذكر العديد منها المترجمان المهدي والخطيب مثل "تمثيل الآليات المجنزرة" عام 1953، و"الفيل" عام 1957، و"الزفاف الذهبي" عام 1959، والديك الرومي عام 1960، و"الأحدب" عام 1965، و"الشرطة" عام 1965، و"تانغو" عام 1964، ثم مسرحية "مهاجرون" التي كتبها في العام 1974 بباريس.
ومسرحية مهاجرون، التي نحن بصددها، تحتل أهمية استثنائية في المرحلة الراهنة، كما أحتلت ذلك قبل خمسة عقود، حيث أصبحت الهجرة البشرية بين الدول معلماً بارزاً ومؤرقاً في عالمنا المعاصر. فالمعلومات المتوفرة تشير إلى إن الهجرة الدولية قد وصلت في العام 2010، حسب تقارير منظمة الهجرة الدولية، إلى أكثر من 214 مليون إنسان (الموسوعة الحرة)، سواء أكانت هذه الهجرة ناشئة عن أسباب سياسية، بما فيها الحروب والنزاعات الإقليمية والحروب الأهلية بمختلف أسباب وقوعها، إضافة إلى القمع والاضطهاد والدكتاتوريات السائدة، أم كانت لأسباب اقتصادية واجتماعية وبيئية. وأهمية مسرحية "مهاجرون" تبرز، كما يشير المترجمان في تقديم الكتاب، إلى طابعها الشمولي، فهي غير محددة بزمان أو مكان ولا بأشخاص بعينهم. فهي قد حصلت وتحصل في كل مكان خارج الأوطان. إنها جزء من حياة الشتات العالمي، حياة الغربة، الذي قال عنه أحد العراقيين حين سئل عن أحواله وهو في الغربة: "الوطن أم والغربة زوجة الأب". ولكن علينا أن نعترف بأن الوطن يصبح في أحيان غير قليلة هو زوجة الأب والغربة هي الأم التي تحتضن الغرب كابن أو ابنة لها. ويمكن للكثير من المهاجرات والمهاجرين أن يؤكدوا هذه الحقيقة.
والمسرحة جزء من الأدب المسرحي الساخر الذي يطلق عليه "الكوميديا السوداء"، لأنها تصور حياة البؤس والفاقة الفكرية والضياع والخواء التي تعاني منها شخصيات المسرحية وتعرضها بروح الساخرة اللاذعة التي لا ترحم وترفض التعاطف مع مثل هذه النوعيات من البشر بهدف محاربة هذه الأخلاقيات والسلوكيات. ويمكن أن نجد هذا الأسلوب في التعبير في الكثير من الأفلام ومنها بشكل خاص بعض أبرز أفلام شارلي شابلن. 
ومسرحية "مهاجرون" تتحدث عن ليلة ليلاء في عيد من أعياد الميلاد الذي يتكرر كل عام حيث يحتفل به المسيحيون بشكل خاص. وينقل لنا الكاتب ما يجري من حوار متوتر ومشحون بالعداء والخواء والتعاطف في آن بين شخصيتين مهاجرتين هما (س) و (ص), مجهولان من بلد مجهول. إنهما شخصيتان متباينتان من حيث الثقافة والعمل، مختلفتان ولكنهما تلتقيان في الضياع. هذان الشخصان يعيشان في غرفة واحدة وينامان على سريرين متقابلين وكل منهما يشعر بثقل صاحبه ولكنهما لا يفترقان، وكأن الحبل السري هو الرابط بينهما.   
الاحتفال والحوار يدوران في غرفتين في طابقين في عمارة واحدة ولساعات قليلة قبل أن يعلن عن انتهاء عام وبدء عام جديد. أشخاص من أهل البلاد يحتفلون بفرح ومسرة حيث تعزف الموسيقى وترتفع أصوات الغناء في غرفة في طابق علوي، في حين يحتفل شخصان مهاجران ذات الأمسية بشجار غير منقطع ولساعات عديدة دون أن يدركا البؤس والفاقة الفكرية التي يدور فيها حوارهما المرير ودون أن يعيشا فرحة الناس المحتفلين بعيد رأس السنة الميلادية.
ينقل لنا الكاتب عبر الحوارات سلوك الشخصين وتصرفاتهما الخبيثة. فالثقة غائبة بينهما والشك يهمن على علاقاتهما المتبادلة. كل منهما يضع حاجاته في حقيبة تحت سريره ويقفلها خشية سطو الآخر على ما فيها.
الأحاديث الدائرة بينهما لا معنى لها، إنها مجرد ثرثرة واتهامات متبادلة وسوء فهم متبادل بين مثقف غادر الوطن خشية القمع والاعتقال والموت، وعامل كادح وجاهل في السياسة جاء إلى المهجر بأمل وحلم جمع المال ليعود إلى زوجته وأطفاله ليبني داراً ويعيش عيشة مرفهة وسعيدة وبعيداً عن العمل المرهق الذي يجمع به نقوده في المهجر. هذا الهدف الذي جاء من أجله نبيل من حيث المبدأ بسبب عجزه عن الحصول على عمل وأجر يعيش به مع أفراد عائلته. أحدهما غير مهتم بالنقود وهو المثقف الغارق في الكسل، والآخر فرض عليه سبب الهجرة ممارسة التقتير الشديد الذي تحول عملياً إلى بخل مقيت وجشع مدمر لصحته دون أن يعي ذلك حتى بدأ يأكل معلبات منتجة خصيصاً للحيوانات الأليفة كالكلاب. يدخن دون أن يشتري علبة سجاير، ويحتسي الخمر على حساب س دون أن يشتريه، ويتحدث عن حلم بممارسة جنسية مع شابة جميلة وغنية في مغسل عام في محطة السكك الحديد دون أن يكون حقيقة. يدخر أجرته اليومية من عمل مجهد في المجاري المدينة في دمية كلب خشية فقدانها.
وتقدم لنا مسرحية "مهاجرون" الشخص الثاني، إنها شخصية المثقف الذي فقَدَ حلم وأمل العودة إلى الوطن، يقضي أوقاته ممدداً على سريره في هذه الغرفة القذرة والبائسة في ما تحتويه يطالع المجلات والكتب ويحلم بإنجاز كتاب لا ينجز أبداً، يدور حول مراقباته لسلوك الناس أو سلوك نزيل غرفته ص. لا يبذل أي جهد لإنجازه. ومع ذلك يعيب على صاحبه حياته المنهكة بالعمل دون أن يتمتع بالأجر الذي يأتيه من عمله، وينسى واقعه كمثقف لا عمل له ولا نشاط فعلي غير القراءة والنوم والتمتع بالكسل!
يعيشان معاً في غرفة واحدة دون أن يكون بينهما أشياء مشتركة سوى كونهما من المهاجرين ومن بلد واحد، كما يبدو، ولكن ليس بالضرورة. بسبب الفراغ والخواء الداخلي وغياب البوصلة التي تهديهما، يسعى كل منهما إلى إغاظة الآخر وإحراجه وإثارته، أنها تسليتهما الوحيدة في ليلة عيد الميلاد، وهي التجسيد للفراغ والخواء الداخلي القاتل. يتبادلان التهم في التجسس لسلطة بلدهما، ولكنهما عاجزان عن تأكيد ذلك، ولكنهما يعبران بذلك عن الشكوكية المرة التي يعاني منها المهاجرون من البلدان التي تسيطر عليها الدكتاتوريات. فالتقارير السرية التي يكتبها المخبرون السريون حتى يومنا هذا عن المهاجرين لا تهدد المهاجرين أنفسهم بل تهدد عائلاتهم في الوطن المبتلى بالدكتاتورية بشكل خاص.
الحوار الأحمق والعدواني والمليء بالإساءات المتبادلة قاد فعلياً إلى محاولتين فاشلتين كادتا تؤديا بحياة س قام بهما ص للخلاص من ثرثرة س ومن الإساءة المتعمدة إليه، مرة كاد يخنقه، وأخرى كاد يهوي بالفأس على رأسه. والسؤال الذي يحتاج إلى إجابة: ما الذي يشد بعضهما إلى البعض الآخر بحيث يبقيان معاً بالرغم من المشاكسة المستمر وما تنطوي عليه من كراهية أحدهما للآخر، بالرغم من البون الشاسع بينهما في المستوى الثقافي والتعليمي وبعض الطباع؟ هل هو الشعور بالوحدة والغربة؟ هل هو الشعور بأن أحدهما يُعتبر بالنسبة للآخر وكأنه جزء من الوطن المفقود وطباع الناس في الوطن وأخلاقياته ومشكلاته؟ هل هو الحنين الخفي للوطن الذي يتجلى بهذا التلازم غير المنطقي وغير المفهوم بين القادمين من نفس البلد؟ س يدفع الإيجار ويتهرب ص من إعطاء حصته منه، رغم امتلاكه للنقود وتخزينها. (س) يطعم (ص) ويقدم له السجائر والخمر، والآخر يحاول حتى سرقة بعض السجاير من علبة س، دون أن يؤدي "ص" أي خدمة لـ (س). هل هي إحدى الظواهر التي ينتجها الشعور العميق بالوحدة والاغتراب والضياع وعدم الاستعداد للاندماج في المجتمع الجديد؟ يضعنا الكاتب أمام شخص، وأعني به "ص"، يرفض تعلم لغة بلد المهجر رغم مرور ثلاث سنوات على وجوده بالبلد بذريعة إنه سيعود إلى عائلته ولا يحب أهل هذا البلد ولا لغته. إنها المحنة التي يعيش تحت وطأتها الكثير من المهاجرين، إذ يبقى بالوطن الجديد دون أن يعتبره وطنه الثاني ودون أن يندمج بالمجتمع رغم مرور السنين ودون أن يعود لوطنه، ويبقى معلقاً "لا يطير ولا ينكض باليد"، ويبقى يراوح في مكان خائباً مدحورا من الناحيتين الاجتماعية والنفسية. وينطبق عليه المثل الشعبي العراقي القائل "بين حانة ومانة ضيعنا إلحانه"، أو "لا حظت برجيله ولا اخذت سيد علي"!           
حياة وعيش س وص ليست غريبة عن حياة وعيش مهاجري جميع البلدان، سواء أكان ذلك في الماضي أم في الوقت الحاضر. فهما يمثلان جمهرة كبيرة من المهاجرين من شتى البلدان القادمين من أوطانهم إلى أوطان ثانية ولأسباب كثيرة ومتباينة. يكفينا أن نقرأ عن حياة المهاجرين الروس في زمن القيصرية، هؤلاء الذين تركوا روسيا وعاشوا في الدول الأوروبية الأخرى, أو عن المهاجرين الأسبان في زمن الدكتاتورية فرانكو، أو عن المهاجرين الشيليين في فترة حكم الدكتاتور أوغستو بينوشية، أو حياة المهاجرين البرتغاليين في زمن الدكتاتور سالازار، أو الكوبيين في عهد دكتاتور كوبا باتيستا. ولم يشذ عن ذلك مواطنو الدول العربية في علاقاتهم وأوضاعهم في المهجر. ويمكن أن تقدم العلاقات بين جمهرة غير قليلة من العراقيين أو العائلات العراقية في عهد الدكتاتور صدام حسين نموذجاً مشتركاً لما تضمنته مسرحية "مهاجرون". لقد كانت المشكلات والخلافات، سواء أكانوا سياسيين أم غير سياسيين. لقد نخرت الغربة وخربت نفسيات الكثير منهم وتعقدت ظروف حياتهم. فكان بينهم من انتحر أو قتل آخر أو سقط ضحية الإدمان على احتساء الخمور أو لعب القمار أو النزوات النسوية...الخ. وكان الجواسيس والعيون والمخبرون السريون، وما زالوا، يلعبون دورهم في تخريب بيوت الكثير من العائلات في أوطانهم نتيجة التقارير السرية التي يرفعونها إلى السلطات الحاكمة في بلدانهم  ضد المغتربين. 
ما هو الهدف من وراء هذه السخرية اللاذعة، هذه الكوميديا السوداء التي نجدها مجسدة بعمق وشمولية في هذه المسرحية وفي الحوارات المرة بين المهاحرين س وص؟ الهدف، كما يبدو لي، وهو ما أكده المترجمان، تسخيف حياة الغربة والعيش في المنفى وضرورة العودة إلى الوطن، وإبراز إن المنفى يقود إلى خراب النفس وعذاب الروح ويدعو بهذا الشكل أو ذاك إلى العودة للوطن. أشعر بأن الكاتب نفسه قد عاش أو تعرف على مثل هذه العلاقات النتنة في صفوف المهاجرين. ونحن الذين نعيش الغربة نرى أمامنا الكثير من المشاهد التي لا تختلف عن تلك التي جرت في تلك الغرفة التي أطلق عليها (ص) بالزريبة، وربما يحدث مثل هذا في نوادي وجمعيات وفي علاقات ما بين الأفراد والعائلات، ومنها ما يجسد الحسد والغيرة أو الانحطاط الأخلاقي أو انعكاسات ما يجري في أوطانهم على حياتهم اليومية في المهجر وفي علاقاتهم المتبادلة، كما يلعب المال دوره المميز في ذلك أيضاً. 
وكان الكاتب المسرحي على حق حين شوه بقسوة بالغة حياة هذين الشخصين غير المعروفين لكي يبشع حالة الفراغ والخواء الداخلي التي عاشا فيها رغم اختلافهما من حيث الثقافة والوعي الاجتماعي. ويبدو لي أن الكاتب كان يهدف أيضاً إلى استنهاض همم الآخرين حين يقرأوا هذه الحياة المسخ التي يحياها س وص وهذا الحوار العبثي الذي ينتقل بهما بين الكسر الكثير إلى الجبر القليل. إنه الانتقام من الذات التي أصبحت ثقيلة على كل منهما من خلال الهجوم على الآخر!
لا شك في إن هدف الكاتب نبيل وإنساني من حيث المبدأ. ولكن ما قدمه لنا ليست هي الصورة الوحيدة للمهاجرين، سواء أكانوا من المثقفات والمثقفين أم الذين هاجروا أوطانهم بقص الحصول على عمل أو غير ذلك، وسواء أكانوا من السياسيين المجبرين على الهجرة، أم من المهاجرين لأسباب اقتصادية. فمن عاش في المهجر يشاهد أمامه نماذج كثيرة، سواء أكانت مماثلة أم أخرى غنية في مضمون حياتها وأسلوب معيشتها وما أحرزته من معارف وخبرات وما قدمته من نتاجات فكرية وأدبية وفنية وعلمية.
إن الكاتب قد مسك بزمام الكوميديا السوداء ودفع بالحوار اللامنطقي واللاإنساني إلى أقصى حدوده، فمرة يهدئ من التوتر المتبادل ومرة أخرى يصعد به إلى أقصاه  بحيث دفع ص إلى تمزيق نقوده التي جمعها طيلة ثلاث سنوات عجاف والتي اكتشف مخبأها س في دمية الكلب التابعة لـ ص، فضاع حلم العود وأمل بناء الدار ورؤية الزوجة والأطفال. لقد نسج الكاتب الحوار إلى أبعاده الدرامية التي تجلت في الاستفزاز المتفاقم من جانب س والمليء بالعدوانية الذي دفع بـ "ص" إلى هذا الموقف غير المنتظر، إذ كان س يحشو رأس ص بحقيقة أنه لن يعود إلى الوطن أبداً وأنه سيبقى هنا في هذه الغرفة البائسة ويعمل حتى الموت في المجاري. وقد حقق الكاتب التوتر المنشود والدراما المطلوبة في هذه الكوميديا السوداء التي دفعت بـ (ص) إلى أن يتخذ خطوة أبعد من تمزيق نقوده، أن يرتقي المنضدة ليشنق نفسه برباط عنقه وهو المخمور، مما لم يكن متوقعاً بسبب طبيعة الشخص وسلوكه العام. لقد وعى الوضع المأساوي الذي يعيش فيه، ولكنه لم يع أسباب ذلك، وبالتالي اتخذ القرار الخاطئ بشنق نفسه. إنه التصعيد الدرامي الكوميدي. ولكن تراجع (س) وتوسلاته جعلته يتخلى عن ذلك، وخاصة حين عرف بأن نقوده يمكن أن يستعيدها بعد أن يعاد لصقها. إنها المأساة والمهزلة لحياة المنفى في آن. لقد لعب الكونياك دوره في الشجار وفي المزيد من المماحكات والشتائم بينهما. إنها النهاية الخائبة التي لا رحمة فيها لمن يعيش على هامش الحياة.   
المسرحية تستحق القراءة، وخاصة من قبل المهاجرين أو ممن يرغبون بالهجرة، ففيها ما يساعدهم على التعلم وتجنب الوقوع بأوضاع مماثلة ومزالق والحياة الخاوية والخائبة.
21/05/2014                  كاظم حبيب     
         

93
كاظم حبيب
حين تكون الفئات الرثة في الحكم تنتشر الرثاثة في كل مكان!

نشر الزميل الدكتور فارس كمال نظمي في موقع الحوار المتمدن/ العدد 4342، بتاريخ 22/1/2014 مقالاً قيماً يستحق القراءة والتعليق والترويج له لأهميته في فهم سلوك الحكام الجدد تحت عنوان "سيكولوجية إنتاج الرثاثة في المدينة العراقية". وأهمية هذا المقال تكمن في تشخيصه الدقيق لجملة من الظواهر الاجتماعية والنفسية والسلوكية المميزة في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ البلاد على صعيد المجتمع والدولة والمدينة العراقية والناشئة عن طبيعة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية السائدة والمرتبطة عضوياً بالبنية الطبقية للمجتمع من جهة وللفئات الحاكمة من جهة أخرى. وهذا التشخيص ينسجم تماماً مع التشخيص الذي انتهيت له في تحليلي للواقع العراقي في مقالي المكثف والمنشور في موقع الحوار المتمدن/ العدد 4004، بتاريخ 15/2/2013 ومواقع أخرى كثيرة (صوت العراق، الناس ومركز النور...) تحت عنوان "السياسة الاقتصادية والبنية الطبقية للنخبة الحاكمة بالعراق" والذي أكد بأن القراءة الموضوعية لواقع الاقتصاد العراقي وسياسات الحكومة الاتحادية تكشف لنا بما لا يقبل الشك إن جزءاً أساسياً وغالباً من النخبة الحاكمة الحالية ينحدر من فئات اجتماعية هامشية وغير هامشية والتي أطلق عليها مصطلح "الفئات الرثة", سواء من هم في الحكومة أم في مجلس النواب أم يجلسون على مقاعد وثيرة في أجهزة الدولة والقوات المسلحة أم، وبشكل أوسع، في الجزء الأكبر من النخبة السياسية العراقية. وهذه الفئة تسعى إلى الاغتناء على طريقة القطط السمان وتستنزف موارد الدولة من الباطن وبأساليب المافيا المعروفة وأساليب الرشاوى والنهب والسلب العلنيين. وهذا الجزء المؤثر والحاسم في النخبة الحاكمة يطبع عمل الحكومة كله ويميزه ويمنحه سلوكية معينة وإجراءات محددة تسعى هذه الفئة من خلاله إلى إنعاش الفئات التي يصطلح عليها بالطفيلية, سواء في المضاربات المالية أم في العقار أم في المقاولات أم في العقود النفطية والسلاح والتجارة الأخرى أم في المجالات الاقتصادية الأخرى وفي المجتمع. وتنشط هنا إلى جانب ذلك العلاقات والسلوكيات العشائرية التي لم تعد تنسجم مع القرن الواحد والعشرين، بل تعود لعلاقات ما قبل الرأسمالية أو في فترة الهيمنة الإمبريالية على سياسات واقتصاد العراق. وتزيد في الوقت ذاته من اعتمادها على شيوخ الدين والمؤسسة الدينية عموماً لأنها تمارس الطائفية وباسمها تتحرك المافيات المتنوعة في البلاد. ولا يوجد أي تناقض بين هاتين الظاهرتين بل تتكاملان لتعيقا التطور الاقتصادي وتحافظا على ما هو قائم وتعيدان إنتاج ذات العلاقات , وتحت شعار ليس في الإمكان أبدع مما كان. إلا إن الواقع يشير إلى تدهور مستمر في الأوضاع. فالوضع القائم بالبلاد يعكس تشابكاً عجيباً, ولكنه قائم فعلاً ويخدم على المدى القريب مصالح النخب الحاكمة من الفئات الرثة ذات النعمة الحديثة التي لا يهمها تنمية وتطوير الاقتصاد الوطني والمجتمع المدني, بل همها يتركز في سبل زيادة ثروتها من السحت الحرام وتعظيم حساباتها المصرفية الخاصة على حساب الاقتصاد الوطني وقوت الشعب, وتركز ذكائها في هدف أساسي هو: كيف تحافظ على الوضع القائم وعلى وجودها في السلطة وإدامته بما يسهم في زيادة فرص نهبها لموارد الدولة". ويزيد في الطين بلِة طبيعة الاقتصاد العراقي الريعية والاستهلاكية التي تسعى الفئات الحاكمة إلى الحفاظ عليه وإعادة إنتاجه وتكريسه.
 لم تخل المجتمعات الرأسمالية من وجود مثل هذه الفئات البينية التي تبرز في مراحل وفترات انتقالية في إطار النمط الإنتاجي الرأسمالي أو في أثناء عملية التحول من النمط السابق للرأسمالية، وكذلك في مرحلة التراكم البدائي لرأس المال أو حتى في مرحلة متطورة منه. ويختلف دور وتأثير هذه الفئات في المراحل المختلفة من تطور الرأسمالية. ونشأت مثل هذه الفئات في البلدان النامية بفعل السياسات التي مارستها وفرضتها الدول الاستعمارية على اقتصادياتها وبالتعاون الوثيق مع الفئات الاجتماعية لنمط الإنتاج ما قبل الرأسمالي الرافضة للتطور الصناعي والتنمية الاقتصادية أو المعرقلة له والمكافحة ضد الحداثة وتغيير البنية الاجتماعية. وقد نشأت مثل هذه الفئة الرثة في الدول الاشتراكية وأحزابها الحاكمة لأنها تخلت عملياً عن المبادئ التي حملتها عندما وصلت إلى السلطة، وكان أهم أسباب انهيارها من الداخل أولاً وقبل كل شيء.
وإذا كان العراق قد عرف الفئة الهامشية أو الرثة في ظل الهيمنة البريطانية على العراق والسياسات الاقتصادية التي مارستها النخب الحاكمة المعبرة عن مصالح شركات النفط الاحتكارية ودولها الرأسمالية ومصالح فئة الكومبرادور التجاري وكبار الإقطاعيين والملاكين للأرض الزراعية وفي ظل اقتصاد نفطي ريعي، إلا إنها لم تكن ذات تأثير كبير على المجتمع والاقتصاد العراقي في ظل الحكم الملكي، كما إنها لم تكن في الحكم، فإن العراق أصبح في ظل حكم البعث والقوميين، الذي بدأ في العام 1963 تحت هيمنة هذه الفئة الرثة بكل أوساخها وما أفرزته من عواقب وخيمة على المجتمع والاقتصاد الوطني ومستقبل أجيال العراق. وقد تواصل وجود هذه الفئة في العقود اللاحقة تحت سيطرة القوميين ومن ثم البعثيين، وبشكل خاص منذ منتصف العقد التاسع من القرن الماضي. ومع تفاقم عواقب الحروب والحصار الاقتصادي والسياسات الاقتصادية والاجتماعية المناهضة لمصالح الشعب، اتسعت قاعدة الفئات الاجتماعية الهامشية، وتبلورت أكثر فأكثر هذه الفئة الاجتماعية الواسعة والمتسعة باستمرار والمتنوعة من حيث المنحدر الطبقي وازداد دورها في الفترة التي سبقت سقوط الدكتاتورية. لقد كانت قيادة البعث والحكم البعثي النموذج الفعلي للفئة الرثة التي قادت بالبلاد لمدة 35 عاماً وزجته في أعقد وأسوأ المحن والكوارث والموت الشنيع لمئات الألوف من أبناء وبنات  العراقي. ولكن هذه الفئة الرثة التي توجهت لقيادتها ضربة قاسية مع سقوط الدكتاتورية البعثية الصدَّامية الغاشمة وهيمنة الاحتلال الأمريكي – البريطاني على العراق، أخلت مكانها بالقوة إلى ذات الفئة الرثة، ولكن بقيادات وكوادر وأحزاب أخرى لتحكم البلاد بذات الذهنية الرثة ولكي تسود الرثاثة بالعراق. هذه الفئة المتسعة والمتعاظم دورها في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية عبر الدولة وأجهزتها التشريعية والتنفيذية والقضائية والقمعية على نحو خاص هي التي نطلق عليها بالفئة الرثة، وهي الحاكمة بالعراق في الوقت الحاضر، بل ومنذ 2003. وهي التي وجدت الدعم والتأييد والمساندة الكاملة من سلطان البيت الأبيض، جورج دبليو بوش، وواليه المستبد بأمره وبالعراق، باول بريمر.
هذه الفئة الرثة ليست حديثة العهد بل كانت في قوى المعارضة السياسية للنظام السابق، وهي التي اتفقت مع الإدارة الأمريكية ومنذ مؤتمر المعارضة ببيروت أن تتسلم الحكم بذريعة أنها تمثل الغالبية العظمى من السكان من الناحية الدينية ومن ثم المذهبية. وبالتالي فأن غالبية قوى المعارضة حسمت الأمر على هذه الصورة الطائفية والأثنية في بنية قيادة المعارضة التي وافقت على شن الحرب في العام 2003 ضد النظام الصدَّامي. وكانت تشكيلة الحكم الطائفية القائمة على أساس المحاصصة مطلوبة من الإدارة الأمريكية ومناسبة لمصالحها بالعراق ومنطقتي الخليج والشرق الأوسط، إذ بهذا الصورة يبقي العراق دون استقرار وفي صراع ونزاع مستمرين يبعده عن التنمية والتغيير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لما بعد حكم صدام حسين الشوفيني المقيت.
ما هي السمات التي تميز الفئة الاجتماعية الرثة والتي تخلق الرثاثة بالبلاد؟ علينا ابتداءً أن نشير إلى ضرورة التمييز بين الفئات الهامشية والفئة الرثة، فهما لا يعنيان بشكل أوتوماتيكي شيئاً واحداً، كما إنهما ليسا مترادفين، ولكنهما يلتقيان ببعض السمات المشتركة وأهمهما، موقعهما من الإنتاج ومن الملكية لوسائل الإنتاج وفي بعض الأخلاقيات. فالفئة الرثة الحاكمة بالعراق لا علاقة لها بالإنتاج المادي، وهي غير مالكة حتى الآن لوسائل الإنتاج، ولكنها تهيمن على الاقتصاد الوطني من خلال موقعها في الدولة والحكم وفي الأحزاب السياسية المهيمنة حالياً على الساحة السياسية العراقية والحكم. وهي تهيمن على موارد البلاد، وخاصة النفط الخام وعوائده المالية المتأتية من التصدير السنوي للنفط الخام، والذي يشكل أكثر من 97% من صادرات العراق، ونسبة عالية من الناتج القومي الإجمالي ومن الدخل القومي. وهو بيد هذه الفئة الاجتماعية الرثة التي توجه الموارد المالية صوب مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة وبعيداً كل البعد عن مصالح الشعب والاقتصاد الوطني والتنمية الاقتصادية، وبشكل خاص التنمية الصناعية أو حتى استخدام النفط في التصفية وفي الصناعة التحويلية أو في تطوير البنية التحتية، بما في ذلك الطاقة الكهربائية ونظافة المدن والبناء  والشوارع ..الخ. وهي فئة نهابة للثروة الوطنية ويسود بالبلاد في ظل حكمها الفساد المالي والإداري بكل صوره وأبعاده وعواقبه على الاقتصاد والمجتمع، كما أنه  ينتشر الخراب والبؤس والفاقة الفكرية والسياسية والاجتماعية والمدنية والحضارية في المدن. إنها الرثاثة التي تنشرها الفئة الرثة في المدن وفي عموم البلاد. ويزيدها سوءاً انتشار الإرهاب الدموي المنطلق من ذات المواقع الفكرية والسياسية، وبسادية وقسوة مرضيتين وبصورة أكثر دموية وتخريباً وتدميرا. ومن هنا يأتي اتفاقي مع تحليل السيد الدكتور فارس كمال نظمي لواقع المدينة العراقية والفئات التي تقف وراء هذه الرثاثة والعواقب الوخيمة لما يجري بالعراق على مستقبل الشعب وثقافة المجتمع وفنونه الإنسانية وتطوره اللاحق وعلى المرأة التي تعتبر في عرف الفئة الرثة "ناقصة عقل!".وكان على حق كبير حين بين الرثاثة في المدن العراقية الكبيرة والصغيرة في الوسط والجنوب وغرب بغداد حيث الحكومة الاتحادية مسؤولة عنها، وبين التطور والتحسن الكبيرين في المدن الكردستانية التي تفقد يوماً بعد آخر الرثاثة التي ورثتها من النظم الرثة السابقة.
إن الفئات الرثة العراقية تفتح لها حساباتها المصرفية في خارج البلاد وتغتني على حساب ثروة الشعب وموارده المالية وعلى حساب حياته ومعيشته. ولكنها لا تعيش على موارد البلاد حسب، بل وعلى موارد من يدفع لها من الخارج لكي تنسق معه وتتعاون في مختلف المجالات. فلا تكتفي أجزاء مهمة من الفئة الرثة بما تحت تصرفها من أموال الشعب والسبل المشبوهة في استخدامه في غير صالح المجتمع، فهي تمول أجهزتها الإعلامية بأموال تأتيها شهرياً من إيران، وبعضها من السعودية والخليج. ويمكنكم أن تستفسروا من رؤساء الأحزاب الإسلامية الشيعية منها والسنية أو من شبكة الإعلام العراقية حول من يدفع رواتب ومصروفات قنوات التلفزة التي سجلت باسمها وصاحبها دافع مصروفاتها الشهرية. الفئة الرثة لا تعرف الوطن ولا الدين الذي تتبناه شكلياً ولا المذهب الذي تدعي الانتساب إليه ولا الطائفة التي تتبجح كذباً بالدفاع عنه، فمصالح كل فرد فيها هو الغاية الأساسية، هو الوسيلة والهدف، إنها السلطة بما تعنيه من نفوذ وهيمنة ومال وجاه واستئصال للفكر الآخر والشخص الآخر والحزب الآخر. ولو كان في مقدورها أن تحكم بدون الناس لتخلصت منهم أيضاً. فلا عجب أن يعيش العراق بعد عشر سنوات في خضم هذا الصراع والنزاع والخراب والدمار والموت غير المنقطع، إضافة إلى هيمنة الثقافة الصفراء بكل ما تعني من انتشار للجراد المسموم في الثقافة العراقية، فالعملة الرديئة الرثة بدأت بطرد العملة الجيدة لأن الفئة الرديئة والرثة في السلطة. هذه هي الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها في رؤية الوضع بالعراق وما يجري فيه وما سيؤول إليه إن استمرت الفئة الرثة في حكم البلاد.
                               كاظم حبيب              
 







94
كاظم حبيب
ماذا بعد انتهاء مؤتمر "أصدقاء برطلة" ضد التغيير السكاني لمناطق مسيحيي العراق؟

تؤكد المعطيات التي تحت تصرفنا أن المؤتمر الأول لأصدقاء برطلة الذي عقد في خريف العام الماضي قد حقق نجاحا مهماً على صعيد التعبئة وطرح المشكلة التي تواجه المسيحيين بالعراق قبل وبعد سقوط الدكتاتورية الغاشمة بالعراق وحتى الوقت الحاضر. ويمكن الإشارة فيما يأتي إلى العوامل التي كانت وراء نجاح هذا المؤتمر:
•    تأييد ومساندة رئاسة وحكومة إقليم كردستان العراق والأحزاب العراقية والكردستانية ومنظمات مجتمع مدني أخرى لهذا المؤتمر، إضافة إلى حضور السيدة عقيلة رئيس الجمهورية وممثل عنه وعن رئيس الإقليم والكثير من الضيوف المسؤولين ونيافات المطارنة، وكذلك الضيوف الأجانب من الأمم المتحدة والبرلمان الأوروبي ومكتب السلام العالمي في السويد.
•    مشاركة واسعة من المثقفين والمهتمين بالقضية من أتباع الديانة المسيحية في سهل نينوى وعنكاوة ودهوك ومجموعة من الشبك، إضافة إلى الكرد.
•    مشاركة شخصيات عامة وأدبية وسياسية من العرب وغيرهم من بغداد ومحافظات الوسط والجنوب، إضافة إلى شخصيات من محافظات كردستان وكركوك وكذلك الموصل.
•    كما كان لمشاركة نيافات المطارنة وبعض شيوخ الدين المسلمين ,قع طيب في نفوس الحضور.
•    انتهاء المؤتمر بتشكيل منظمة مجتمع مدني تحت اسم "المنظمة الديمقراطية ضد التغيير السكاني لمناطق المسيحيين الأصلية بالعراق" وإقرار نظامها الداخلي وانتخاب هيئة إدارية لإدارة شؤون المنظمة والعمل على إنجاز المهمات. وإذ انتخب شخص من الإيزيدية في الهيئة الإدارية، لم يحصل ذلك مع الأسف لعضو من الشبك، وأملي أن يتم تجاوز ذلك.
•    الخروج بتوصيات مهمة وأساسية جداً لصالح أتباع الديانة المسيحية عموماً ولسكان سهل نينوى خصوصاً وضد التجاوزات على السكان المسيحيين بالإقليم وفي مناطق أخرى من العراق. وهي توصيات غير موجهة ضد أي من المكونات الدينية أو المذهبية بالعراق.
•    وكان المهم في هذا الأمر هو التأييد الواسع الذي حضي به المؤتمر من سكان العراق المسيحيين الذين وجدوا فيه الخطوة الأولى والصحيحة على طريق إيقاف عمليات التغيير الديموغرافي لمناطق سكناهم وأساليب البيع والشراء المناهضة لبقاء المسيحيين بالعراق.
توصيات مؤتمر أصدقاء برطلة
وإذا كانت هذه أبرز المعالم لنجاح المؤتمر فأن السؤل الذي يفرض نفسه علينا ماذا تحقق من التوصيات التي خرج بها المؤتمر؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بد من ذكر التوصيات الصادرة عن المؤتمر الأول لأصدقاء برطلة والتي يمكن إيرادها فيما يلي:   
إن التغيير السكاني الحاصل على مناطق سكن المسيحيين الأصلية في سهل نينوى قد تسبب في تغيير التناسب بين السكان الأصليين والمهاجرين بصورة غير شرعية سواء من الشبك أو من العرب بحيث أصبح في الكثير من المناطق يتجاوز عدد ونسبة المهاجرين أضعاف عدد السكان الأصليين كما في تلكيف (90:10) وفي برطلة (60:40) وهو أمر غير مقبول وغير دستوري على وفق المادة 23/ثالثاً/ب من الدستوري العراقي ومخالف لقرار المحكمة الاتحادية الصادر في العام 2013. وهذا يؤثر سلباً ويرفع من حجم الهجرة المسيحية إلى الخارج، إضافة إلى خلق إشكالية معقدة يصعب معها ممارسة الطقوس والتقاليد الدينية والمذهبية للمسيحيين والشبك في المنطقة وتخلق نقاط احتكاك غير سليمة. ولهذا يتطلب الأمر اتخاذ التدابير التالية:
أ.الدعوة إلى تشكيل لجنة تضم ممثلين عن الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم ومحافظة نينوى لدراسة المشكلات واقتراح الحلول العملية للمشكلات القائمة.
ب‌. العمل على إيقاف التغيير الديموغرافي الجاري حالياً لضمان عدم تفاقم المشكلة وما ينشأ عنها من تعقيدات ومشكلات إضافية وبما يساعد على إيجاد أرضية صالحة لمعالجة المشكلات القائمة.
ت‌. العمل على معالجة التغيير السكاني بطريقة إنسانية وعملية والذي وقع على مناطق المسيحيين في العقود الأربعة المنصرمة في سهل نينوى.
ث‌. وضع الآليات والوسائل التي يفترض استخدامها لتحقيق هذين الهدفين الواردين في 2 و3 ومن خلال تفعيل الأجهزة التشريعية والتنفيذية والقضائية.
ج‌. توفير مستلزمات تحقيق هدف إلغاء التغيير السكاني الحاصل في مناطق المسيحيين الأصلية في سهل نينوى والتي يمكن تلخيصها في نقاط أساسية تالية:
ح. تفعيل قرار مجلس الوزراء المتخذ في تشرين الثاني 2012 والقاضي باستحداث ناحية بازواية لوضع حد للتجاوز على مناطق المسيحيين، والإسراع في استحداث أقسام بلدية في قرى الشبك وتطويرها خدمياً وتنموياً.
خ‌. توفير الخدمات العامة، ومنها الصحية والتعليمية والبنية التحتية والمواصلات المفقودة حالياً في مناطق الشبك مما يدفع بهم إلى الرحيل والسكن في مناطق المسيحيين. كما يستوجب تنشيط العملية التنموية في سهل نينوى لصالح تطوير الحياة الاقتصادية وتوفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة.
د‌. توفير الحماية الأمنية للشبك وكذلك للمسيحيين في الموصل وفي مناطق سكنهم بسبب تعرضهم المستمر لإرهاب القوى التكفيرية والمليشيات المسلحة الذي يدفع بهم للهجرة القسرية.
ذ‌. دفع تعويضات مالية مناسبة للنازحين الشبك في مناطق المسيحيين بغية إعادتهم إلى مناطق سكناهم الأصلية لبناء دور لهم والعيش الكريم واللائق فيها.
ر‌. أن يحصر الموظفون العاملون في التقسيمات الإدارية والبلدية بأبناء تلك المناطق.
ز‌. ضرورة بناء الثقة والاحترام المتبادلين بين المكونات الدينية والمذهبية في منطقة سهل نينوى وحق كل مكون في ممارسة طقوسه وشعائره وعباداته بكل حرية في مناطق سكناهم الأصلية لإبعاد احتمال التصادم بين احتفالات وأعياد المسيحيين وطقوس شعائر وتقاليد الشبك الدينية والمذهبية.
2. إنهاء ملف ما تبقى من التجاوزات التي شرعت حكومة إقليم كردستان في رفع التجاوزات على الأراضي المملوكة للمسيحيين في الإقليم وتكملة ما تبقى من التجاوزات والعمل على مساعدتهم في تطوير مناطقهم التاريخية.
3. تفعيل أحكام المادة 23 /ثالثاً/ب من الدستور العراقي والتي نصت على "يحضر التملك لأغراض التغيير السكاني" في جميع مناطق تواجد المكونات العراقية وخاصة مناطق المسيحيين.
4. العمل على وضع تشريع يمنع شراء الأراضي في مناطق سكن المكونات الدينية في سهل نينوى لغير أبناء المكون في مناطق سكناهم والتي تدخل ضمن مفهوم التغيير السكاني.
5. محاسبة من يمارس التغيير السكاني والتجاوز على أرض ودور الغير ومجازاته أمام القضاء العراقي.
6. إلغاء القوانين المجحفة الصادرة من النظام الدكتاتوري السابق بحق الشبك والمسيحيين وإعادة الحقوق إلى أصحابها، بما في ذلك القرار رقم 117لسنة 2000 وقرارات مماثلة.
وأثناء استقبال السيد رئيس إقليم كردستان العراق لوفد من المؤتمرين أثناء انعقاد المؤتمر وطرح المشكلات التي تواجه المسيحيين في برطلة وفي غيرها من النواحي التابعة لمحافظة نينوى ومدى إمكانية رئاسة وحكومة الإقليم على مساعدة العائلات المسيحية لمواجهة التغيير السكاني الزاحف على مناطقهم وتقديم الكثير من لوثائق المهمة في هذا الصدد، اقترح الأخ السيد مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان العمل على تشكيل لجنة من ممثلين عن الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم ومجلس محافظة نينوى لدراسة القضايا المطروحة في المؤتمر وإزالة كل المعوقات والعقبات التي تقف في طريق تنفيذ ما هو ضروري لصالح سكان المنطقة ومتابعة قرار المحكمة الاتحادية وقرارات مجلس محافظة نينوى. وأرى بأن هذا المقترح مهم جداً ويفترض ممارسة مزيد من الجهد لتشكيل هذه اللجنة ومتابعة عملها من جانب "المنظمة الديمقراطية ضد التغيير الديموغرافي لمناطق المسيحيين في العراق" ومنظمات المجتمع المدني الأخرى لتحقيق مصالح وإرادة سكان المنطقة المسيحيين دون أن تخل بمصالح المكونات الأخرى في مناطق سكناها الأصلية. كما يفترض أن يأخذ النواب المسيحيون والنواب الديمقراطيون على عاتقهم السعي بهذا الاتجاه أيضاً، خاصة وأن هناك قرارات صادرة المحكمة الاتحادية وعن مجلس الوزراء الاتحادي العراقي ومجلس محافظة نينوى، وهي تنسجم تماماً مع توصيات مؤتمر أصدقاء برطلة.
ما هي حصيلة العمل بعد مرور سبعة شهور على مؤتمر أصدقاء برطلة؟
بعد مرور أكثر من سبعة شهور على انتهاء المؤتمر وصدور بيانه الختامي والتوصيات نحاول الإجابة عن السؤال التالي: ماذا تحقق لمسيحيي العراق من تلك التوصيات المهمة.
لقد صدر عن المحكمة الاتحادية نص القرار التالي في تفسير المادة 23 من الدستور العراقي:
تشكلت المحكمة الاتحادية العليا بتاريخ 23/7/2013 برئاسة القاضي السيد مدحت المحمود وعضوية كل من السادة القضاة فاروق محمد السامي وجعفر ناصر حسين وأكرم طه محمد وأكرم احمد بابان ومحمد صائب النقشبندي وعبود صالح التميمي ميخائيل شمشون قس كوركيس وحسين أبو التمن المأذونين بالقضاء باسم الشعب وأصدرت قرارها الآتي:
الطلب : طلب مجلس النواب العراقي بموجب كتابه الديوان / الدائرة البرلمانية /شؤون الأعضاء / المرقم (1/9/4901 ) في 2/7/2013 من المحكمة الاتحادية العليا تفسير المادة (23/ثالثاً / ب ) من الدستور العراقي أدناه ونصه الآتي:
تحية طيبة :
(( لاتخاذ الإجراءات اللازمة لغرض إعلام مجلس النواب تفسير المادة (23/ثالثاً/ب) من الدستور التي تنص على ( يحضر التملك لأغراض التغيير السكاني ) فيما يتعلق بالنقاط التالية :
1-      المكان : ما هو الحيز المكاني الذي يشمله التغيير السكاني على مستوى المدن والقرى ذات الخصوصية والكثافة السكانية التاريخية ؟ أم يتعدى ذلك ؟
2-      المدة : أليس بالضرورة أن ما يحدث كثيرة تغييراً سكانياً في منطقة ذات خصوصية قومية او اثنية أو دينية فأن قليله يمنع ؟ فليس بالضرورة أن يحصل التغيير السكاني مرة واحدة ولكن قد يحصل على مراحل عدة وبأعداد مختلفة .  
3-      التملك : ان مفردة التملك الواردة في المادة الدستورية , تعني توزيع الدولة للأراضي والوحدات السكنية وعمليات البيع والشراء بين المواطنين لاستملاك أراضي والوحدات السكنية لصالح المواطنين من خارج الوحدة الإدارية ذات الخصوصية المغايرة والتي تحدث باستمرارها تغييراً سكانياً . مع التقدير :
القرار :
لدى التدقيق والمداولة من المحكمة الاتحادية العليا وجد ان المادة (23/ثالثاً / ب ) من دستور جمهورية العراق لعام 2005 والتي تنص على (( يحضر التملك لأغراض التغيير السكاني )) ويعني ذلك ان الدستور العراقي حظر تمليك أو تملك الأشخاص أفرادا أو جماعات للعقارات بكل أجناسها وأنواعها وفي اي مكان من أرجاء العراق سواء كان ذلك على مستوى القرية أو الناحية أو القضاء أو المحافظة وبأي وسيلة من وسائل التمليك أو التملك وذلك إذا كان وراء ذلك التمليك أو التملك هدف أو غاية التغيير السكاني وخصوصياته القومية والاثنية أو الدينية أو المذهبية , حيث نص ان المادة (23/ثالثاً/ب) من الدستور ورد مطلقاً في حكمه وهادفاً مع النصوص الدستورية الأخرى في الحفاظ على الهوية السكانية بمناطقها الجغرافية في العراق القومية منها والاثنية والدينية والمذهبية وما شكل مقيداً لنص المادة ( 23/ثالثا/ أ) من الدستور التي أجازت للعراقي تملك العقار في أي مكان في العراق, لان نص المادة (23/ثالثاً /ب ) من الدستور ورد بعد نص المادة (23/ثالثاً/أ) من الدستور من حيث الترتيب التدويني ولأنه كما تقدم ورد بصيغة المطلق والمطلق يجري على إطلاقه وصدر القرار بالاتفاق في 23/7/2013.
وبعد صدور القرار صرح الخبير القانوني طارق حرب لجريدة الزمان بما يلي:
" قال حرب لـ(الزمان) أمس إن (قرار المحكمة العليا جاء تنفيذاً للمادة 23 من القانون الدستوري الذي يهدف إلى الحفاظ على سكان المناطق من اجل عدم التغيير الديموغرافي إذ يمنح التمليك لهم ويمنع دخول الآخرين لها). وأضاف ان (مجلس محافظة نينوى قام بتوزيع قطع أراضي في منطقة الحمدانية وهذه مخالفة قانونية دستورية للمادة 23 فهي ليست ضد العرب ولا المسيحيين ولا ضد أية كيانات أخرى). وكان النائب المسيحي خالص أيشوع قد رفض اتهام تجمع شبكي لقيادات مسيحية بممارسة التمييز العنصري ضد المسلمين في سهل نينوى مؤكداً أن (قرار حظر تمليك وإيجار العقارات لغير المسيحيين إجراء دستوري يهدف للحفاظ على حقوق الأقليات). وقال ايشوع في تصريح أمس (قدمنا تفسيراً للمحكمة الاتحادية عبر مجلس النواب لتفسير المادة 23 التي تقول بحظر التملك لإغراض التغيير السكاني وقد ردت المحكمة في قرارها بحظر تمليك أو تأجير العقارات السكنية لغير المسيحيين) مشيراً إلى أن (القرار دستوري ويهدف للحفاظ على حقوق كل العراقيين بضمنهم الأقليات). وأضاف ايشوع (لسنا بحاجة إلى التحريض والتصعيد في هذا الوقت بقدر حاجتنا إلى التهدئة وفهم الأمور كما هي وعدم تصويرها على إنها دعاية انتخابية) مبيناً أن (الدستور الذي يعد اسمي القوانين في العراق هو من أقر وفرض ذلك). وأشار ايشوع إلى أن (الشبك أنفسهم تعرضوا إلى تغيير ديموغرافي في منطقة باي بوخت وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها في حينه) متسائلاً (لماذا إذن يحلونه على أنفسهم ويحرمونه على الآخرين؟).
وكان مجلس الوزراء العراقي قد أوعز إلى وزارة البلديات والأشغال العامة بتنفيذ توصيات اللجنة المشكلة بموجب الأمر الديواني (61) لسنة 2012 بشأن استحداث البلديات والأقسام البلدية ورفع التريث في استحداث الوحدات الإدارية وتخويل ذلك إلى مجالس المحافظات لممارسة حقها في الاستحداث والدمج وتغيير الأسماء على وفق المادة 7 من قرارات مجلس الوزراء للجلسة أعلاه والتي تضمنت ما يلي: 1- سهل نينوى الجنوبي أ- استحداث ناحية بازواية وتبقى تابعة لقضاء الحمدانية.
كما أصدر مجلس محافظة نينوى قرارات مماثلة بتنفيذ قرار المحكمة الاتحادية ومجلس الوزراء.
احتل قرار المحكمة الاتحادية أهمية خاصة لأنه يساعد على تنفيذ التوصيات المتخذة في "مؤتمر أصدقاء برطلة"، وخاصة تحريم بيع العقارات الزراعية والأراضي والدور السكنية الواقعة في مناطق المسيحيين لغير المسيحيين، كما يمكن في ضوء هذا القرار استعادة الأراضي والدور التي جرى الاستيلاء عليها أو شرائها من غير المسيحيين في مناطق المسيحيين أيضاً، لأن ما أقيم على باطل فهو باطل أولاً ، كما يفترض أن تدفع الدولة تعويضات للذين اشتروا تلك العقارات والدور أو استخدموا عقارات زراعية لأغراض سكنية لمقابل إعادتها للعائلات المسيحية في مناطق المسحيين. وإذ توقف البيع والشراء حالياً فأن الفقرة الثانية لم تتحقق. كما أن استحداث ناحية بازواية لم يحصل حتى الآن وكذلك نواحي أخرى في المنطقة. وسبب ذلك عدم وجود جدية في تنفيذ القرارات وعدم وجود متابعة لتنفيذ القرارات من جانب السلطة القضائية والسلطة التنفيذية وكذلك من جانب السلطة التشريعية.
ومن الجدير بالإشارة إلى إن مناطق المسيحيين والشبك تحتاج إلى خدمات اجتماعية وبلدية عاجلة لأنها تعاني من التخلف والشوارع غير مبلطة والنظافة غائبة تماماً عن شوارعها.
إن الحصيلة جيدة ولكنها ما تزال بعيدة لما يفترض أن يكون عليه الوضع. فمن اكتوى بنار التغيير الديموغرافي عليه أن يتذكر المرارات التي تتركها والعواقب الوخيمة على نفوس البشر وعلى العلاقات الحميمة التي يفترض أن تسود بين مواطنات ومواطني العراق كافة، إضافة إلى إنها تعتبر منافية لمبادئ حقوق الإنسان والدستور العراقي. كما يفترض أن تقوم الهيئة الإدارية المنتخبة في المؤتمر بدور المتابع لتنفيذ توصيات المؤتمر لأنها التزمت بذلك أمام المؤتمرين ومن حق المشاركين متابعة ومساءلة عمل الهيئة.
13/5/2014                     كاظم حبيب  

95
كاظم حبيب
ما هي مشكلة عراق اليوم؟

جرت حتى الآن ثلاث دورات انتخابية عامة في الأعوام 2006، 2010 و2014. في الدورتين السابقتين أفرزت الانتخابات فيهما برلمانياً طائفياً بامتياز، كرس الصراع الطائفي السياسي في المجلس ونقله عبر ومع الحكومتين الطائفيتين اللتين تشكلتا، إلى أجهزة الدولة والحكم والمجتمع. وقد كان للدولة الإيرانية الثيوقراطية من جهة، والحوزة الدينية وشيوخ الدين ومؤسساتها من جهة ثانية، والتزوير بأساليب كثيرة وماكرة من جهة ثالثة، وضعف الوعي الفردي والمجتمعي من جهة رابعة، إضافة إلى وجود سلطة الاحتلال وحكومة طائفية سياسية من جهة خامسة الدور المتميز والحاسم في التشكيلة البرلمانية والسلطة السياسية في الدورتين السابقتين. ومنذ ذلك الحين تأجج الصراع الطائفي وتغلغل تدريجاً في نسيج الدولة والحكم والمجتمع. فماذا جرى في الانتخابات الأخيرة في 30 نيسان/ابريل 2014؟ إذا كان النفوذ الأمريكي المباشر قد اختفى وركن في السفارة الأمريكية في صوب الكرخ ليذكرنا بمنلوج الطيب الذكر عزيز علي "مختار ذاك الصوب هم ممنون منه والنبي ..الله مصلي على النبي" ولم يكف عن التدخل، وإذا كانت حينذاك السفارة البريطانية، فهي اليوم السفرة الأمريكية. وتعزز النفوذ الإيراني وتغلغل في شعاب الدولة وسياسات الحكومية العراقية وتدخلها الشديد في الانتخابات الأخيرة إعلاماً ومالاً وأعواناً وأتباعاً. وإذا كانت المرجعية قد انتقدت دور الحكومة في الفترة المنصرمة، فإنها تحدثت عن وقوفها على الحياد، في حين إن من مصلحة البلاد ومصلحتها تتطلب إبعاد الأحزاب الإسلامية والمراجع الدينية عن السياسة والحكم لصالح دولة مدنية ديمقراطية تحترم الأديان وأتباعها دون استثناء وتُحترم في آن. ولم يكن تدخل بشير النجفي، وهو الأكثر رجعية وتطرفاً وطائفياً بامتياز، سوى إساءة جديدة وإصراراً على تدخل شيوخ الدين في الحياة السياسية والانتخابات العامة. كما إن عمليات التزوير بمختلف صورها، بما في ذلك شراء ذمم الناخبين الفقراء والمعدمين والمعوزين لم تكن أقل من المرات السابقة، بل كانت الأموال التي انسابت إلى جيوب الناخبين والدعاية الانتخابية البائسة كبيرة جداً وأكثر من المرات السابقة.        
ولهذا فأن الانتخابات التي جرت في الشهر الماضي سوف لن تفرز برلماناً نزيهاً وشفافاً ويحمل طابعاً غير الطابع الطائفي السياسي السابق الذي ميز الدورتين السابقتين، ولن يغير من هذه الطبيعة حصول التحالف المدني الديمقراطي على عدد محدود من الأصوات رغم أهميته في إشارته للرغبة في التغيير. إذ حتى لو فاز التحالف المدني الديمقراطي وبعض التشكيلات الديمقراطية الصغيرة الأخرى بأي عدد من المقاعد، فسوف لن تتجاوز نسبة الأصوات التي سيحوز عليها على الـ 5% من أصوات الناخبين في أحسن الأحوال في ظل الأوضاع المأساوية الجارية بالعراق منذ أكثر من عشر سنوات.
أن السؤال الذي غالباً ما يطرح هو: أين تكمن مشكلة العراق حالياً وما هو الخطأ في هذه البلاد ذات التراث العريق والحضارة الإنسانية القديمة التي قدمت للبشرية الكثير وتنتظر من المجتمع الدولي الكثير أيضاً؟
ليست هناك من إجابات كثيرة، بل هناك إجابة واحدة لا غير تقول: إن المشكلة الأساسية والرئيسية تكمن موجة الطائفية السياسية والصراع الطائفي في المجتمع العراقي الذي كرس حتى الآن نظام المحاصصة الطائفية والمرتبط بضعف الوعي الاجتماعي وغياب هوية المواطنة العراقية على مستوى الدولة والحكم والمجتمع لحساب الهويات الفرعية القاتلة للوحدة الوطنية، ولحساب أحزاب إسلامية سياسية طائفية شكلاً ومضموناً. إنه الخطأ الفادح الجاري منذ عشر سنوات بالعراق، وقبل ذاك كانت الشوفينية والعنصرية والاستبداد هي المشكلة والخطأ والتي تسببت في توجيه ضربة قاسية للوعي الوطني والاجتماعي بسياسات مدمرة. إن النظام السياسي الشوفيني السابق والنظام السياسي الطائفي الجديد قد عمقا النهج المناهض لهوية الوطن والمواطنة والديمقراطية وأسسا للصراع القومي والديني والطائفي على صعيد المجتمع.
ويتجلى هذا الخطأ بشكل صارخ في دور حزب الدعوة الإسلامية الحاكم وقيادته السياسية، المؤمنة حتى النخاع بالطائفية السياسية والتي تمارس التمييز الطائفي على مستوى الحكم والمجتمع، ومن ثم الدور الاستبدادي الذي يمارسه رئيس الحزب في حكم العراق وفي تنفيذ سياسة هذا الحزب بعلاقات التبعية الراهنة لإيران. وهذا القول لا ينفي ولا يقلل من دور بقية الأحزاب الإسلامية السياسية من العاقبة الوخيمة التي يعيشها المجتمع حالياً، سواء أكانت أحزاباً شيعية أم سنية.
إن المؤشرات الأولية عن نتائج الانتخابات مخيبة للآمال بسبب حصول الأحزاب الإسلامية السياسية على نسبة عالية من الأصوات، سواء أكانت أحزاباً شيعية أم سنية، في حين إن القوى الديمقراطية بكل تفرعاتها لن تكون قادرة على تغيير طبيعة هذا النظام السياسي الطائفي القائم بالبلاد عبر انتخابات هذا العام. وهي المشكلة المركزية التي تواجه المجتمع العراقي. وهذا يعني احتمال تشديد الصراع السني الشيعي على مستوى الشارع والجماهير الشعبية، وهو خطر محدق حقاً. وتغيير المالكي مفيد لا شك في ذلك، ولكن لا يغير من طبيعة الحكم الطائفي ولا من سلوكياته إزاء مكونات المجتمع القومية والدينية والمذهبية والفكرية إذا ما أقيم الحكم بمنهجه السياسي الطائفي على الأساس ذاته الذي جرى بموجبه تشكيل الحكومات الثلاث السابقة، على أساس المحاصصة الطائفية المقيتة المناهضة لمبدأ الوطن والمواطنة.
إن الخطورة الكبيرة التي تواجه العراق حين يعاد تشكيل التحالف الطائفي المتمثل بالبيت الشيعي السابق ليقود البلاد بالتحالف البائس مع التكتلات التي تبعثرت لقوى الأحزاب السنية الطائفية أيضاً، ثم يلتحق بها التحالف الكردستاني لتعيد من جديد ممارسة ذات المشاهد التي حصلت في العقد الذي بدأ في أعقاب الحدث الكارثي حين تم تشكيل مجلس إدارة الدولة المؤقت على أساس طائفي واثني من قبل سلطة الاحتلال الأمريكية بإدارة الحاكم المستبد بأمره بول بريمر.     
والسؤال هو: هل تسمح الأوضاع العراقية الراهنة ومستوى الوعي في الشارع العراقي، والذي تجلى في الانتخابات الأخيرة ومؤشراتها الأولية، بإجراء تغيير نوعي كبير في الأوضاع القادمة، بأن تمارس القوى الديمقراطية لا بالقسم العربي من العراق فحسب، بل وفي القسم الكردستاني، دورها في تضافر جهودها وتعبئتها للمجتمع لصالح الضغط باتجاه عدم الاعتماد على تغيير الوجوه التي كانت في الحكم فحسب، بل وإلى إقامة التحالفات على أساس برنامج سياسي وغير طائفي أو أثني؟ 
إن واحدة من المهمات الكبيرة التي يفترض أن نفكر بها خلال الفترة القادمة تتلخص في كيفية تعبئة فئات الشعب العراقي لممارسة أساليب نضالية سلمية لتغيير موقف الإنسان، لتغيير الطراز النمطي في التفكير بين "أنا" و "الآخر" ولتغيير الوضع بالعراق، لفرض وجهة أخرى في الحياة السياسية، لرفض المحاصصة الطائفية لتشكيل الحكومة الجديدة، في أساليب نضالية تتلخص بالإضرابات والاعتصامات والمظاهرات والمقاطعة المدنية للحكم إذا ما أصرت الأحزاب "الفائزة!" في الانتخابات بتشكيل حكومة محاصصة طائفية كالتي سبقتها، سواء أكانت حكومة شراكة طائفية مخلة أم حكومة أغلبية طائفية. ويبدو لي أنه الطريق الوحيد المتبقي للشعب العراقي لتحقيق التغيير هو العمل على إنضاج وعي الإنسان العراقي لكي يخوض مثل هذا النضال الوطني المسؤول وأثناء دورة انتخابية جديدة، أو يتسنى للشعب فرض انتخابات جديدة مبكرة لتغيير الأوضاع الراهنة.
إن إبعاد حزب الدعوة الإسلامية برئاسة نوري المالكي عن الحكم خطوة مهمة أولى على طريق طويل، ولكنها خطوة غير كافية لتغيير النهج السياسي الطائفي بالعراق، ولهذا يفترض الحصول على دعم دولي لهذا الغرض وليس من الولايات المتحدة الأمريكية التي كرست هذا النظام الطائفي المقيت، بل من الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، تماماً كما ورد في مذكرة السادة أحمد الحبوبي وأديب الجادر ونوري عبد الرزاق حسين إلى أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون. والتي تتحدث عن مسؤولية الأمم المتحدة إزاء العراق الحضاري وشعبه المستباح.
إن مسؤولية الأمم المتحدة عما يجري بالعراق ما تزال قائمة لأنها لم تكن المسؤولة عن الحرب بل رفضتها ونفذها تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا، ولكنها كانت المسؤولة عن إصدار قرار جائر عن مجلس الأمن الدولي رقم 1483 لعام 2003 أعطي الحق للدولتين المذكورتين بفرض احتلال العراق والتصرف كدولتين محتلتين والذي تجلى في سلوك باول بريمر السيء الصيت، والذي تسبب بنسف الدولة وأجهزتها وخلق المزيد من المشكلات والويلات والموت والدمار، إضافة إلى ما تسببت به الحرب الخليجية الثالثة من تدمير شامل للبنية التحتية والمنشآت الاقتصادية والاجتماعية. لقد أخلت الأمم المتحدة بمسؤوليتها إزاء الشعب العراقي حتى الآن، ولا بد من تعديل ذلك وممارسة الأمم المتحدة المسؤولية الكاملة لصالح الدفع باتجاه تشكيل حكومة إنقاذ وطني، حكومة تكنوقراط مستقلة عن الأحزاب السياسية العراقية وملتزمة ببرنامج وطني يتم الاتفاق عليه مع الأمم المتحدة ويبتعد كلية عن الأثنية والطائفية السياسية وعن التمييز بين المواطنات والمواطنين على أساس القومية أو الأثنية أو الدين أو المذهب أو الجنس أو اللغة، وينهي المعارك الجارية حالياً ويسمح بالكفاح ضد الاستبداد والانفراد بالحكم والإرهاب والفساد المالي والإداري والعسكرة ويكرس العمل لصالح ممارسة حقوق الإنسان وحقوق القوميات.
إن الأمم المتحدة يفترض أن تكون مسؤولة عن تطبيق مبادئ حقوق الإنسان وحقوق القوميات وإرساء أسس المدنية والديمقراطية في حياة البلاد لإبعاد الدين عن السياسة والدولة والحكم، وهي جزء أساسي من أبرز المهمات التي تواجه البلاد بما في ذلك الفصل بين السلطات الثلاث. إن هذا لا يعني إلغاء دور الشعب، ولكنه الآن بحاجة إلى دعم دولي لا مناص منه.                 
إن استمرار الوضع على ما كان عليه قبل الانتخابات الأخيرة سيعني احتمال كبير بوقوع الكارثة المحدقة بالبلاد، حصول الحرب الطائفية وما يقترن بها من عواقب وخيمة على المجتمع والاقتصاد الوطني ووحدة العراق وشعبه.
إن الولايات المتحدة التي شنت الحرب لإسقاط الدكتاتورية السابقة تسببت في خلق أوضاع قادت إلى نشوب الصراع والنزاع وعدم الاستقرار بالبلاد، وكان هذا، كما يبدو، أحد أهداف الحرب الأمريكية لإسقاط النظام السابق وليس تحرير العراق من الاستبداد والتمييز والاضطهاد ووضعه على طريق الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية والسلام. إن الوقائع الجارية على الأرض العراقية تبرهن على الأهداف الخفية التي كانت تعمل على تحقيقها الولايات المتحدة الأمريكية بالعراق، وهي جزء من أهداف مكشوفة أمام شعوب منطقة الشرق الأوسط، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقها وبخلاف رغبات شعوبها والتقدم الاجتماعي فيها. وتتحول ثروة النفط العراقية، التي كانت السيطرة عليها واحدة من أهم أهداف الولايات المتحدة الأمريكية، قد أصبحت مقترنة بنزيف مستمر للدم العراقي ودموع الثكالى بدلاً من أن تكون عوناً مباشراً لبناء حياة أفضل وأكثر استقراراً وازدهارا للعراق وشعبه.
أرى بأن على القوى الديمقراطية والتقدمية العراقية أن تسعى لإشراك الأمم المتحدة جدياً في تغيير الوضع الجاري بالعراق، لأن الموت سوف يكون مصير المزيد من البشر العراقي إذا ما أصبح المالكي رئيساً للوزراء أو إذا استمر الحكم بتحالفات طائفية مقيتة ومحاصصة منهكة للمجتمع ومدمرة للاقتصادي الوطني.
13/5/2013                        كاظم حبيب       

96
كاظم حبيب

البرازيل والمونديال ومظاهرات الكادحين ومونديال قطر 2022

العالم كله على موعد مع مباريات كأس العالم لكرة القدم التي ستبدأ أولى المباريات في 13/6/2014 بـمدينة  "سانت باولو" بالبرازيل. وقد اقترن التحضير لهذه المباريات ولأول مرة بمزيد من المظاهرات الشعبية الاحتجاجية والتي لم تقتصر على العاصمة ري ودي جانيرو فحسب، بل امتدت إلى المدن البرازيلية الأخرى وشملت أوساطاً شعبية واسعة. والسؤال هو لِمَ هذه المظاهرات في وقت يعرف الجميع عن الشعب البرازيلي كونه من عشاق كرة القدم ومنتجي إبطالها، إضافة إلى حبه العارم للرقص، وخاصة السامبا، وإقامة الكرنفالات الأكثر شعبية ومشاركة والأوسع شهرة بالعالم؟
علينا ابتداءً أن نشير إلى حقيقة أن هذه المظاهرات الشعبية لم تبدأ مع قرار الموافقة على إقامة مونديال هذا العام بالبرازيل، بل سبقت ذلك بعدة شهور، ولكنها تضاعفت كثيراً واتسعت الحركة الاحتجاجية وحاولت الشرطة البرازيلية قمعها، مما أدى إلى تعاظم الحركة ووصولها إلى أوساط جديدة وانتشرت أخبارها.     
يبلغ عدد سكان البرازيل 202,6 مليون نسمة (2014). يتوزعون عمرياً على النحو التالي: 0-14 سنة: 23,8%، 15-24 سنة: 16,5%،  25-54 سنة: 43,7%، 55-64 سنة: 7,6%، 65 سنة فما فوق: 7%. ومنه يتبين إن نسبة من هم في سن العمل تصل إلى 67,8% من مجموع السكان، علماً بأن نسبة النمو السكانية السنوية تبلغ 0,8%. وسكان البرازيل يتوزعون بنسبة 87% حضر و13% ريف، ويتقاسم اللإناث والذكور عدد السكان تقريباً. والمعلومات المتوفرة تشير إلى إن 107,3 مليون نسمة هم من القوى العاملة (2013)، وأن نسبة البطالة الرسمية تصل إلى 5,7% في العام 2013. وتشير الأرقام الرسمية أيضاً إلى إن معدل حصة الفرد الواحد من السكان من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2013 بلغ 12100 دولار أمريكي، وإن المديونية الخارجية للبرازيل بلغت في العام نفسه 475,9 مليار دولار أمريكي. وعلى وفق المعلومات العامة المتوفرة فإن نسبة البطالة بالبرازيل تبلغ أكثر من الرقم الرسمي بكثير، وهي تشمل بشكل خاص الجزء الأسود من الشعب البرازيلي الذي تبلغ نسبته 43,1% من مجموع السكان، في حين تصل نسبة البيض 47,7%، والسكان الآسيويين 7% على وفق إحصاء العام 2010. (راجع: The World Facebook, USA. 2014).
تشير المعطيات المتوفرة إلى إن الدولة البرازيلية قد استطاعت خلال العقدين المنصرمين تحسين الأوضاع الاقتصادية والنهوض بالعملية التنموية وتقليص نسبة الفقر كثيرا، ولكن النسبة الأخيرة ما تزال عالية، إذ بلغت نسبة الفقراء المعدمين في العام 2012 7,5% من مجموع السكان وهو رقم حكومي، والرقم الحقيقي للفقراء يزيد عن ذلك بكثير. وإن معدل حصة الفرد الواحد من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً لا يكشف بأي حال حقيقة الفجوة المتسعة باستمرار بين الفقراء والأغنياء من جهة ولا يكشف عن الفساد المالي المتفشي في بنية الاقتصاد والمجتمع وأجهزة الدولة البرازيلية. وإذ تتحسن المناطق التي يسكنها الأغنياء والمتخمين من السكان، تبدو مناطق سكن الفقراء والبيوت القصديرية أكثر بشاعة من ذي قبل. ومما يزيد الأمور سوءاً هو انتشار المخدرات والعنف والجريمة المنظمة.
يعتبر اقتصاد البرازيل واحداً من عشر اقتصاديات قوية بالعالم، ولكن هذا الاقتصاد يبدو منهكاً وبحاجة إلى تحديث وتجديد وخاصة في البينية التحتية، حيث لا تتوجه لهذا القطاع الاقتصادي المهم ولا للقطاعات الاقتصادية الأخرى استثمارات مالية جديدة وضرورية، مما يعيق تقدم الاقتصاد الوطني البرازيلي ويضعف القدرة على امتصاص القوى العاملة العاطلة والزيادات السنوية في القوى العاملة التي تدخل إلى سوق العمل البرازيلي. من هنا يتبين لنا بأن المجتمع بالبرازيل يعاني من ضعف النمو الاقتصادي وضعف الاستثمارات الضرورية في البنية التحتية وعموم الاقتصاد وارتفاع المديونية الخارجية واستنزافها لنسبة مهمة من الدخل القومي السنوي وارتفاع نسبة البطالة ونسبة عالية من الفقراء، رغم تحسنها بالقياس لعقدين سابقين، أي في العام 1994 حيث بلغ أكثر من 35 مليون إنسان، ونتيجة ذلك حصل تحسن مهم في نسبة وعدد أفراد الطبقة المتوسطة إلى مجموع السكان. ولكن الفجوة المتسعة في مستوى المعيشة ونوعية الحياة بين السكان الأغنياء والفقراء لصالح الأغنياء هي التي تثير المزيد من المتاعب للمجتمع وللدولة البرازيلية وللفقراء المعدمين، خاصة وإن ديون العائلات الفقيرة آخذة بالتفاقم وتزيد من حالة الإملاق في هذه النسبة العالية من فقراء المدينة والريف، وهي مقترنة بطبيعة السياسة الائتمانية والنزعة الاستهلاكية المتنامية والتي تشجعها الكثير من شركات الدعاية والحكومة البرازيلية ذاتها، إضافة غلى غياب سياسة عقلانية في توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي والابتعاد كلية عن التفكير بالعدالة الاجتماعية التي يفترض أن تجد تعبيراً لها في سياسة الأجور وفي الخدمات التي تقدم للمجتمع، ومنها الخدمات الصحية والتعليمية والريف البرازيلي. 
في مثل هذه الظروف المعيشية والمديونية الخارجية العالية ونقص الاستثمارات للبنية التحتية التي بدورها لا تساهم في تقليص البطالة والفقر القائم، تأخذ الحكومة البرازيلية على عاتقها إقامة المونديال في بلدها. وكان يمكن أن تكون الفرحة عارمة لدى الأوساط البرازيلية كافة لولا الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية البائسة التي تعاني الفئات الكادحة. إذ إن قرار إقامة المونديال بالبرازيل تطلب إقامة 12 ملعباً دولياً كبيراً لكرة القدم في أثنى عشر مدينة برازيلية كلف الخزينة البرازيلية مبالغ طائلة جداً، مع العلم بأنها سوف لن يستخدم أغلبها بعد الانتهاء من المونديال وستتحول إلى عبْ ثقيل على الميزانية العامة للدولة، سواء من حيث الإدامة والصيانة، أو إذا ما تركت دون استخدام فستنهار وستكون خسارة كبيرة. من هنا ينشأ هذا التذمر لدى الأوساط الشعبية، وخاصة الكادحة منها، لأن المبالغ التي تصرف على المونديال لا تجلب ربحاً مماثلاً للخسارة التي يتحملها الاقتصاد الوطني من جراء الصرف الكبير والباذخ على إقامة الملاعب وغيرها لسكان البرازيل، في وقت كان من الضروري توجيهها لتحسين وتطوير البنية التحتية وإيجاد فرص عمل ثابتة للعاطلين عن العمل. كما إن الرابح من إقامة المونديال هي الشركات الكبرى وليس الناس الفقراء والمعدمين. فالمبالغ التي تصرف على إقامة الملاعب تؤخذ من دافعي الضرائب ومن تلك الحصة التي يفترض أن توجه لصالح الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها.
إن احتجاج السكان الفقراء والمعدمين لا يتوجه صوب كرة القدم، عشيقة الشعب البرازيلي، بل ضد السياسات غير الحكيمة للحكومات المتعاقبة بالبرازيل في المجالات الاقتصادية والاجتماعية. لا شك في أن إقامة الملاعب الكروية ستسهم في تشغيل جمهرة من العاطلين على العمل مؤقتاً وتخفف من بطالة وفقر مجموعة غير قليلة ولكنها تبقى مؤقتة وبعدها تبدأ المعاناة ثانية لتلك العائلات أيضاً. إن شعب البرازيل يستخدم هذا التجمع الدولي من محبي الرياضة ليعلن إلى العالم الظروف القاسية التي يعيش تحت وطأتها الفقراء كافة. إنها مناسبة مهمة تستطيع البشرية كلها أن تعرف أوضاع الكادحين المزرية بالبرازيل. وقد أجبرت تلك المظاهرات رئيسة البلاد ديلما روسيف، (من أصل بلغاري)، على تقديم التزام أمام الشعب بأنها ستمارس سياسة جديدة تخفف من أوضاع الكادحين، وهي امرأة معروفة بنضالها السابق ووطنيتها، وهي عضوة في حزب العمال البرازيلي وكانت سجينة ثلاث سنوات في فترة الحكم الدكتاتوري. فهل ستفي بوعدها أم إن البرجوازية الكبيرة بالبرازيل ستمنع حصول ذلك مما سيثير موجات جديدة من المظاهرات والاحتجاجات. 
هذا عن المونديال البرازيلي الذي سيبدأ بعد شهر واحد من الآن، ولكن ماذا عن المونديال الذي سيقام بدولة قطر؟
قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا FIFA) إقامة المونديال للعام 2022 بدولة قطر بدلاً من إقامته في الدولة المنافسة لها، وأعني بها الولايات المتحدة الأمريكية. وحينها نقل راديو "سوا" عن الرئيس الأمريكى باراك أوباما قوله للصحفيين، "لدى خروجه من البيت الأبيض لاستقبال حكام الولايات الأمريكية اليوم الخميس: "إننى أعتقد أن هذا القرار كان سيئا".  (راديو سوا). وقد وجهت اتهامات صارخة تؤكد إعطاء رشوة مالية من خلال منح عقد معين لكي تحصل الموافقة. والتحقيق الذي أجرته فيفا لم يؤكد ذلك! 
هذه الدولة الخليجية الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها من العرب والأجانب في العام 2014 عن 2,123,160 نسمة، منهم 40% من العرب،أي 849,264 نسمة، ولكن ليس كلهم من القطريين العرب بل نسبة كبيرة منهم من الدول العربية. أما بقية السكان فهم من الهنود 18%، والباكستانيين 18%، والإيرانيين 10% ومن بلدان أخرى 14%. ونسبة النمو السكاني السنوي فيها يصل إلى 3,58%.
بلغ الناتج المحلي الإجمالي 213,1 مليار دولار عام 2013، ومعدل حصة الفرد الواحد منه في العام نفسه بلغ 102,100 دولار. (راجع: The World Facebook, USA. 2014). ورغم إن الناس يعيشون في بحبوحة، ولكن الفجوة الدخلية بين العائلة الأميرية وحواشيها أخذة بالاتساع مع بقية أبناء الشعب القطري.
هذا البلد الغني بنفطه وإيراداته السنوية قد وافق على إقامة المونديال بقطر. وهو أمر ليس سيئاً من حيث المبدأ، بل جيد أن يقام المونديال ببلد عربي. وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن تكاليف إقامة "البنيات الرياضية 200 مليار دولار، أي أربعة أضعاف ما صرفته روسيا خلال ألعاب سوتشي الشتوية." (تقرير نشر في راديو سوا ترجمة حنان براي بتاريخ 23/4/2014).
والمعلومات المؤكدة تشير إلى أن قطر سوف لن تستفيد من هذه الملاعب حال الانتهاء من مباريات كأس العالم لسعام 2022 وستتحول إلى عالة حقيقية على الخزينة الاعتيادية وعلى الشعب القطري. وعلينا أن نأخذ بنظر الاعتبار قلة السكان القطريين، وعدم وجود تراث حضاري وتقاليد في لعبة كرة القدم فيها عموماً. هذا البلد الغني الذي توجد فيه أكبر قاعدة عسكرية أمريكية وأكبر ترسانة للأسلحة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، والبلد الغني حتى التخمة، يُشغّل جمهرة كبيرة من العمال الأجانب، وليس من القطريين، في بناء تلك الملاعب الكروية. وقد "أفادت الكونفدرالية الدولية للنقابات بأن 1200 عامل أجنبي من النيبال والهند توفوا في قطر منذ أن فوضت لهذه الدولة مهمة تنظيم كأس العالم سنة 2010. كما "توقعت جمعية حقوقية بأن 4000 عامل في المنشآت الرياضية المرتبطة بكأس العالم سيلقون حتفهم" (راجع المصدر السابق نفسه)، إلى حين الانتهاء من العمل في إقامة الملاعب الكروية. ولكن السوأل المنطقي هو: ما السبب وراء حصول ذلك؟ كل المعلومات التي تناقلتها الصحف ونشرات الأخبار العالمية ناشئة عن عوامل عدة:
1.   إن الحكام القطريين يتعاملون مع العمال الأجانب، بمن فيهم الخدم من النساء والرجال الذين يشتغلون في بيوت العائلات القطرية الغنية، كعبيد لا غير. ويمكن الإشارة هنا إلى أن الحكام القطريين باعتبارهم من المسلمين "الأقحاح" ومن أتباع الإخوان المسلمين ومسانديهم لم يحرمون استخدام العبيد، باعتبار أن الدين الإسلامي لم يحرم على  العبيد وشجع فقط على تحريرهم، وبالتالي فهم يعمدون إلى استخدام العبيد في القرن الحادي والعشرين معتمدين في ذلك على "موقف" الإسلام من "العبيد!"، رغم قول عمر بن الخطاب "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهم أحرارا!!
2.   لم تتوفر لعمال بناء الملاعب سكن آدمي بل تسكن جماعات في أسوأ أنواع السكن الذي يعود للقرون الوسطى.
3.   يشغل العامل الأجنبي ساعات إضافية كثيرة دون أن يحصل على أجر إضافي. ويمنح على الساعة الواحدة 57 سنتاً لا غير.
4.   بأجره هذا لا يستطيع الحصول على وجبات غداء إنسانية ولا على الماء الحلو بل يشرب الماء المالح، مما يضعف مناعته أمام عمله الشاق والمرهق.
5.   لا يحصل على المعالجة الطبية وعلى الأدوية وبسبب مشاق العمل وغياب العناية الصحية مات الكثير من العمال الأجانب ويتهدد الكثير المصير ذاته.
6.   لا يمنح العمال الأجانب التقاعد ولا العطل ولا الضمان الصحي أو الضمان الاجتماعي. إنهم يعيشون حياة هي أسوأ من حياة العبيد.
7.   حال وصولهم إلى قطر تسحب جوازاتهم وتحفظ في الإدارة لكي لا يغادروا البلاد دون موافقة الإدارة ولا تمنحهم الموافقات.
8.   إن ما يجري بقطر هو انتهاك صارخ لحقوق الإنسان، للعمال الأجانب كما "حث المدرب الفرنسي الفيفا علي التدخل لوضع ما يكفي من الضغوط علي الحكومة القطرية لمعالجة نظام الكفالة ، بما يضمن عدم انتهاك حقوق الإنسان ، مضيفاً بالقول لصحيفة "ذا جارديان" البريطانية:" الفيفا يجرى تحقيقاته في هذا الشأن ، ونأمل في أن يغير هذه القواعد." (موقع منتديات كروية تحت عنوان: "فينجر للجارديان : أطالب الفيفا بالتدخل لحل مشكلة عمال مونديال قطر").   
إنهم يعانون من استغلال بشع يعود حقاً للقرون الوسطى. تفشت أخبار هذه الأوضاع المزرية على  الصعيد العالمي، مما أجبر الفيفا  FIFAالاتحاد الدولي لكرة القدم، الذي كان يعرف بالضرورة ما هو حاصل في قطر من مأساة إنسانية للعمال الأجانب، على التحرك والطلب من حكومة قطر تغيير أوضاع العمال الأجانب. أوعدت حكومة قطر بالتحقيق واتخاذ اللازم. ولكن اتخاذ اللازم والواقع كان وسيبقى بعيداً جداً عما يجب أن يكون عليه أوضاع العمال الأجانب بقطر.
هذه الدولة الغنية التي تعتبر أحد بيادق السياسة الأمريكية, والبيدق الآخر هو المملكة العربية السعودية، التي تمارس سياسة التدخل في الشؤون الداخلية لجميع الدول العربية وتساند الأخوان المسلمين في سياساتهم المتطرفة وتفسد نهج الثورات العربية بدعم القوى المتطرفة والعدوانية كالتنظيمات الإسلامية السياسة الإرهابية، كما في سوريا، وليس الثوار الحقيقيين الذين انتفضوا ضد الدكتاتورية والطغيان البعثي السوري، تعامل العمال الأجانب أسوأ معاملة ممكنة، وهو ما يجري في السعودية والعديد من دول الخليج أيضاً.       
إن من واجب القوى الديمقراطية بالعالم أن تحتج على ما يجري من تعامل غير إنساني مع الإنسان الأجنبي العامل بقطر. فالرياضة التي تهدف إلى التعاون والتفاهم والأخوة والسلام بين الشعوب يجب أن لا تتحول إلى أداة للاستغلال، كما يمارس اليوم بقطر.
عقدت بتاريخ 8/5/2014 ندوة حوارية في القناة التلفزيونية لدويتشة فيله DW ببرلين، وكنت أحد المشاركين الثلاثة فيها, طُرح مقترح سليم جداً اتفق الحضور عليه مفاده: من المفيد أن تقام دورة المونديال في الدول العربية، ولكن من الأفضل أن يتم الاتفاق على ما يلي:
1.   أن يتوزع بناء الملاعب الضرورية للدورة على أغلب الدول العربية مع تحمل تكاليفها من الدولة التي تسعى لأن تكون راعية لهذه الدورة.
2.   أن تتوزع المباريات على تلك الدول التي تقام فيها الملاعب الدولية الجديدة.
3.   وبهذا تتم الاستفادة من الملاعب بشكل عقلاني ولعدد كبير من شعوب الدول العربية.
ومن الممكن إضافة ملاحظة أخرى مفادها أن تكاليف إقامة الملاعب وما يرتبط بها يمكن أن تتحملها الدول العربية الريعية الغنية التي تستخرج وتصدر النفط الخام وعدم تحميلها للدول العربية الفقيرة.   
     12/5/2014                        كاظم حبيب       
         

97
نقاش مفتوح مع الأستاذ الدكتور كامل العضاض
حول الطبقة الوسطى واقتصاد إقليم كردستان العراق


الأخ الفاضل السيد الدكتور كامل العضاض المحترم
تحية طيبة
أولاً لكَ شكري الجزيل وتقديري لاهتمامك بمقالي وتقديم ملاحظات مهمة على ما كتبته بشأن الطبقة الوسطى بالعراق أو بالإقليم الذي هو جزء من الجمهورية العراقية الاتحادية. كما أقدر الجهد الذي تبذله في هذا الصدد والمستوى الطيب لحواراتك الفكرية والاقتصادية والسياسية. إن الطريق للوصول إلى الأفضل هما الحوار والنقاش وليس غيرهما, وهما مفيدان للكاتب والناقد والقراء. النقد ينير طريق الكاتب ويساعده على تلمس مواطن ضعفه، سواء في ما كتب أو ما غفل عنه. وسأحاول هنا خوض الحوار والنقاش في آن واحد، وبتعبير أدق طرح وجهة نظري المتواضعة حول ملاحظاتك. (ملاحظة: حرصاً على أمانة الحوار أو النقاش أرفق في نهاية الملحق 1 والملحق 2 وهما يتضمنان رسالة وملاحظات الزميل الدكتور كامل العضاض لاطلاع من لم يتسن له الاطلاع عليهما).
1 . قرأت ملاحظاتك بإمعان حول كتابات وأفكار كارل ماركس ومن أطلق عليهم فيما بعد بالماركسيين، ولم يتدخل هو أو فريدريك انگلز في هذه التسمية. وكما تعرف فإن القراءة الماركسية ليست واحدة بل كثيرة وهي خاضعة لعوامل كثيرة، أو تعتمد على من يقرأها ومستواه الفكر وخلفيته الثقافية ومدى عمق وسعة فهمه للمنهج المادي الديالكتيكي والمادي التاريخي، إضافة إلى مدى وعيه للواقع الذي يراد دراسته وتحليله. ولهذا فاحتمال الاختلاف بين المفكرين الماركسيين قائم فعلاً وشهده العالم منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر وعلى امتداد القرن العشرين وحتى الآن. وليس في ذلك أية غرابة. والغرابة كانت وما تزال في اتهام البعض ممن فسرها بالتحريفية مثلاً. وما حصل في الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية الأخرى تؤكد الفهم المتباين والأخطاء المحتملة التي يمكن أن يرتكبها من يعتقد بأنه أخذ أو يأخذ بالنظرية الماركسية أو حتى بالمنهج الماركسي. فالخطيئة ليس بالمنهج بل بمن يستخدمه وبمن لا يأخذ بالاعتبار التغيرات التي طرأت على العالم منذ ما يزيد على قرن ونصف قرن.
لهذا لا اختلف معك في الموقف من كتابات ماركس التي وضعت قبل أكثر من 150 عاماً، وهي كما قال انگلز ليست عقيدة جامدة بل نظرية هادية، إنها منهج علمي للبحث والتدقيق والاستنتاج. ومن يأخذها كما هي دون وعي بالتغيرات الجارية في الواقع والوقائع والزمان والمكان يرتكب أخطاءً فادحة.
تشير لي في رسالتك إلى ما يلي: " رأيت أن أعطي هذه المقدمة لكي تأخذها بحسبانك، كوجهة نظري الماركسية المنهجية، .." أشكرك على تذكيري بذلك. حين أحاور شخصاً أو أناقش أفكاره وملاحظاته حول أي مسألة كانت لا أنطلق من خلفيته الفكرية والسياسية بل مما كتبه، لأني أناقش ما كتبه أساساً، ولا أنطلق من كونه يعي أو لا يعي المسائل التي يناقشها أو ليست لديه خلفية ثقافية بما يناقشه، بل أنطلق من احترام كامل للأفكار والآراء التي يطرحها المناقش لمقالاتي ولما أطرحه من أفكار، سوى التقيت أم اختلفت معه، فهذا لا يغير من الأمر شيئاً. الكثير من المتغيرات والتغيرات تحصل على الإنسان وليس من حقي أناقشه على ذلك بل أحاور أو أناقش ما هو مطروح أمامي. لهذا زميلي العزيز فأنا لم أنطلق ولن أنطلق من مناقشة أفكارك وكأنك لم تدرس الماركسية أو لم تكتب بها. هكذا كان موقفي الفكري فيمن أتحاور معهم أو أناقشهم في أفكارهم ومواقفهم بشكل عام.      
لم أتطارح أو أتصارع يوماً بالمقولات الماركسية ولا استخدمها سلاحاً ضد أصحاب الأفكار الأخرى، فهي ليست طريقة للبحث أو النقاش. فالحوار الفكري هو الذي يساعد في الوصول إلى الجديد لا في مجال الاقتصاد فحسب، بل وفي مجال علم الاجتماع وعلم الجمال والفنون وغيرها. وقد كتبت عن هذا في أوائل التسعينات من القرن الماضي حين أجرى الأخ والصديق الشهيد كامل عبد الله شياع مقابلة صحفية طويلة معي نشرت على عددين في مجلة الطريق اللبنانية حول الرأسمالية والاشتراكية والفكر الماركسي أو الماركسية والحركة الشيوعية. كما تجد ذلك في الحوار الفكري والسياسي الجدي والرصين الذي جرى بين الصديق الفاضل الأستاذ الدكتور سيار الجميل وبيني بهذا الصدد. وتجد ذلك في كتابي الموسوم "العولمة من منظور مختلف" في جزئين (وزارة الثقافة العراقية - بغداد 2005) أيضا. كما إن المنهج العلمي لماركس يمكن أن يغتني ويتطور على وفق تطور العلوم والتقنيات والفكر الإنساني، إذ لا يمكن أن يبقى على حاله طيلة العقود المنصرمة. ومنذ النصف الثاني من القرن العشرين ظهرت الكثير من المناهج التي ساهمت في تطوير الحوارات الفكرية والتي استندت إلى الماركسية أو إلى مناهج أخرى، كما في منهج ميخائيل باختين (1895-1975) الفلسفي والأدبي الرصين والمجدد، [فيلسوف ولغوي ومنظر أدبي روسي]. ولم يدر في بالي يوماً أن المنهج الماركسي هو الصيغة الوحيدة للدراسة والتحليل وكأنه نهاية التاريخ. ولكن على وفق علمي ومداركي يعتبر المنهج الذي يساعدنا في الوصول إلى أفضل النتائج وأكثرها قرباً من الواقع لو أمكن استخدامه بشكل سليم ودقيق ودون ارتكاب أخطاء مثل الانطلاق من الرغبات الذاتية أو وضع الاستنتاجات المسبقة الصنع، أو وضع العربة قبل الحصان. ولقد أشرت إلى ذلك حين قلت في مقالي الأول عن الطبقة الوسطى ما يلي:
"ولكن هذا التعريف العلمي غير ملزم للجميع، إذ أن هناك من يرى الأمور من زاوية أو منظور أو منهج آخر، كما في تحليل ماكس فيبر، عالم الاجتماع الألماني للطبقة عموماً وللطبقة الوسطى خصوصاً على  سبيل المثال لا الحصر، كما أشار إلى ذلك السيد الدكتور مظهر محمد صالح." نحن أمام اجتهاد في التحليل الطبقي للمجتمع. وليست هناك نظرية واحدة، كما إن النظريات متحركة وليست جامدة ومتغيره في جوانب كثيرة منها عبر الزمن والمكان. فالنظرية تستند إلى تجريد الواقع وتجسيده وتدقيقه، وحين يكون الواقع متغيراً، فالنظرية تكون هي الأخرى متغيرة، في ما عدا القوانين الاقتصادية والاجتماعية الموضوعية، سواء العامة منها أو الخاصة بالنسبة لكل مرحلة من مراحل التطور التاريخي.     
2 . لا شك في أن العالم عرف الكثير من العوامل التي قادت في الماضي البعيد والقريب وتقود في عصرنا الراهن إلى الصراعات والنزاعات والحروب. وما أوردته أنت من أمثلة هو قليل من كثير. ولكن السؤال الذي يفترض الإجابة عنه هو: ماذا يكمن وراء تلك الصراعات والنزاعات والحروب في المحصلة النهائية وعلى امتداد تاريخ البشرية؟ دعني أخي العزيز أن أتوسع قليلاً معك في هذا الصدد: ما هي طبيعة الصراعات والنزاعات والحروب التي جرت أو وقعت في العهد البابلي عبر دراستنا لتاريخ السلالات بالعراق القديم؟ وما هي طبيعة الصراعات والنزاعات التي عرفها العهد الفرعوني والمجتمع اليوناني أو الإغريقي القديم أو مجتمع روما؟ وماذا جرى في شبه الجزيرة العربية ومنطقة الشرق الأوسط منذ ظهور الإسلام في مكة ومروراً بالخلفاء الراشدين والعهدين الأموي والعباسي ومن ثم العهد العثماني وهل كانت بعيدة عن الصراعات الاجتماعية والاقتصادية؟ وما السبب في نشوب الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية؟ أو ما هي الأسباب التي كانت وراء ثورة العشرين وثورة 14 تموز 1958 والانقلابات الدموية اللاحقة؟ وما هي العوامل التي تكمن وراء العنوان الكبير "الطائفية السياسية؟ أليس الثلاثي الذي تحدث عنه ماكس فيبر: السلطة والمال والنفوذ أو الجاه؟       
أكد صموئيل هنتنكتون، في مقالاته في أوائل العقد الأخير من القرن العشرين وفي كتابه الموسوم "صراع الحضارات" الصادر في العام 1996 مع عنوان فرعي يقول "إعادة تصميم السياسة الدولية في القرن الحادي والعشرين"، أن القرن الحادي والعشرين سوف لن يكون عصر الصراع الطبقي والاقتصادي، بل سيكون عصر صراع الحضارات أو الثقافات بالعالم، بين الثقافة أو الحضارة الغربية والحضارات الشرقية الأخرى، وهي ثمانية، ولكنه يركز بشكل خاص على الصراع بين الثقافة المسيحية الغربية والثقافة الإسلامية الشرقية. فهل هذا يعني أن صموئيل هنتنكتون كان على حق في ما ادعاه؟ لا أرى ذلك. إن الصراعات التي تجري أمامنا حين تكون حول مشاكل الحدود أو المياه, أو الصراع الراهن الدائر بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، ومعها دول الاتحاد الأوروبي بحدود معينة، حول القرم وأوكرانيا، فإنها لا تقوم على أساس ديني أو مذهبي بل على أساس اقتصادي وجيوسياسي. وهكذا كانت الحروب الثلاثة التي أثارها أو تورط بها النظام الدكتاتوري بالعراق، رغم إنها كانت تبدو وكأنها حروب دينية أو مذهبية أو قومية، ولكنها كانت خلفيتها اقتصادية – اجتماعية توسعية بكل معنى الكلمة.
الصراع الطبقي أو الصراع الاقتصادي في المجتمعات المختلفة لا يلغي الصراعات الأخرى القائمة أولاً، ولا يعني أن الصراعات كلها وفي كل الأحوال طبقية أو اقتصادية. إن فهم هذه المسألة أساسي، كما إن العامل الاقتصادي ليس هو العامل الوحيد في الصراعات التي تجري بالعالم، مع أنك تستطيع أن تجد لها مدخلاً اقتصادياً، كما يجري اليوم من صراع دموي في الدولة الجديدة في جنوب السودان أو الصراع الجاري بالعراق حالياً بين الأحزاب الإسلامية السياسية السنية منها والشيعية وليس بين الجماهير ذات العقيدة المذهبية السنية أو الشيعية. ومن يعمل في معالجة الصراعات والنزاعات بالعالم يستطيع أن يعي الفارق بين هذه الصراعات ويمكن أن يستخدم المنهج العلمي ليدرك العامل الرئيسي الذي يثير ويؤجج هذا الصراع أو ذاك. وقد تسنى لي أن أعمل لسنوات عدة في معهد مختص بمعالجة وفض النزاعات المحلية والإقليمية أو الدولية.
3 . كتبت في رسالتك لي ما يلي: "يَفهم كثير من اليساريين والشيوعيين، حتى النشطاء منهم، بأن كارل ماركس اكتشف كل الحقائق العلمية، وإن اشتراكيته العلمية هي الجواب النهائي والأزلي للعالم". أود أن أشير بهذا الصدد إلى ما يلي:
من درس كتابات ماركس وانجلز وكتابات الكثير من المفكرين الملتزمين بالمنهج العلمي المادي الديالكتيكي والمادي التاريخي بصورة صحيحة لا يرى على وفق ما ذكرته في رسالتك بأن كارل ماركس قد اكتشف كل الحقائق العلمية، ومن يعتقد ذلك فهو جاهل بتاريخ وتطور العلوم على الصعيد العالمي. وأنا لست منهم، كما أرى. ولكن كان وما يزال هناك من الشيوعيين واليساريين من آمن بالماركسية ربما دون أن يدرسها ويعي المنهج الذي اعتمده ماركس وانجلز وغيرهما، وبالتالي تصبح الماركسية عنده أشبه بدين، وهذا بعض ما عانته الحركة الشيوعية العالمية والحركة اليسارية بشكل عام، ولكن ليس كلها طبعاً. كما إن البسطاء من اليساريين والشيوعيين ممن لم يتسن له دراسة الماركسية لأي سبب كان، وبينهم نشطاء فعلاً، يمكن أن يكون متعصباً لفكره كأي شخص آخر مؤمن بقضيته ولكن لم يستوعبها. إن هذه الخطيئة ليس سببها المنهج أو النظرية الماركسية التي لا يمكن أن تكون ثابتة إلا بما اكتشفته أو اكتشفه غيرها من علوم وفنون وتنقيبات وقوانين اقتصادية واجتماعية موضوعية، كما إن المكتشفات العلمية وتطوير المنهج لن تتوقف أيضاً. الإنسان يفتش عن العدالة الاجتماعية، وهكذا كان ديدن البشرية وسيبقى كذلك.
طرح ماركس، على ضوء دراساته العلمية، مفهوم الاشتراكية والشيوعية ولم يتوسع فيهما بأي حال. وكانت بالنسبة له تعني العدالة الاجتماعية. والوصول إليها ليس واحداً، كما برهنت الحياة، بل هناك الكثير من الدروب وهناك الكثير من التعرجات أو الزگزگات في الوصول إلى العدالة الاجتماعية. لقد طرحت فكرة دكتاتورية البروليتاريا تشبث بها الشيوعيون، وأنا أحدهم، ولكن الحياة برهنت حتى الآن خطأ هذا المفهوم المتعارض مع الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية. وتخلى عنها من تخلى من الشيوعيين واليساريين، وتشبث بها من لم يستطع إدراك التحولات العميقة والشاملة الجارية في عالمنا المعاصر. فدكتاتورية البرجوازية لا تقهر بدكتاتورية البروليتاريا بل بالنضال الشعبي الواسع ضد الاستغلال والقهر الاجتماعي حين يكون الوعي عنده عن الاستغلال لا ينحصر بتعرضه إلى الاستغلال فحسب، بل وبالأسباب الكامنة وراء حصول الاستغلال، عندها يستطيع النضال من أجل إزالة هذا الاستغلال.     
وإذا ما طبقنا ما قلته في رسالتك كمقدمة لتقديم الملاحظات حول ما جاء في مقالتي عن الطبقة الوسطى، فأجد نفسي مختلفاً معك. إذ أن التشخيص العلمي للطبقة الاجتماعية الذي استندت إليه، صحيح عموما كما أرى، ولكنه ليس الوحيد في نظري وفي نظر الآخرين، واستخدمته أيضاً على وفق الظرف الراهن حين أشرت بوضوح على التوسع الجاري في مفهوم الطبقة العاملة الذي لم يعد يشمل من يبيع قوة عمله العضلية لقاء أجر، بل من يبيع أيضاً قواه الفكرية لقاء أجر مثلاً. وهم جمهرة كبيرة في الدول الرأسمالية المتقدمة ويعانون من الاستغلال وربما أقل ممن يبيع قوة عمله العضلية، كما إن الثورة العلمية والتقنية (الأتمتة وغيرها) وثورة المعلومات والاتصالات الإلكترونية والعولمة قد قلصت إلى حدود بعيدة العمل اليدوي لصالح العمل الفكري وقلصت رأس المال الحي (المتحرك) لصالح رأس المال الميت (الثابت). وقد ركزت في ما كتبته عن الطبقة الوسطى في ظروف العراق بشكل ملموس ولم أختلف مع الأستاذ الدكتور مظهر محمد صالح عن هذه الطبقة في الدول الرأسمالية المتطورة، والتي يمكن أن أعالج الموضوع في ضوء واقعها بألمانيا في فترة لاحقة. إن مفهوم الطبقة يستوجب الاستكمال على وفق التغيرات الحاصلة بالعالم.
4. أما ملاحظاتي الأخيرة حول إقليم كردستان العراق فقد جاءت جواباً على ملاحظات الأخ آسو گرمياني ولم يكن تفصيلاً حول الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بالإقليم. لقد نشرت الكثير من المقالات على امتداد السنوات السبع المنصرمة باللغة العربية والكثير من المقالات التي ترجمت للغة الكردية والمنشورة في مجلات كردية بالإقليم عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بالإقليم وعن العلاقة مع الحكومة الاتحادية والتي لم تنشر باللغة العربية، سواء أكانت تلك المناقشات قد توجهت لمناقشة سياسة واتجاهات حكومة إقليم كردستان أم سياسة ومواقف الأخ الدكتور برهم صالح، حين كان مسؤولاً عن الملف الاقتصادي العراقي أو حين كان رئيساً لمجلس وزراء إقليم كردستان، بما في ذلك موضوع النفط الخام والتجارة والتصنيع..الخ. لهذا جاءت ملاحظاتي مكثفة جداً ومختصرة لأنها ملاحظات طلب مني الأخ آسو گرمياني توضيحها.
5 . أما بشأن ملاحظتيك عن الإقليم فأشير إلى ما يلي:
الملاحظة الأولى: لقد أشرت ابتداءً وبوضوح إلى أن سمات اقتصاد الإقليم هي من سمات الاقتصاد العراقي لأن الإقليم واقتصاده يشكلان جزءاً عضوياً منهما أولاً، فطبيعته ومشكلاته واحدة. ثم أشرت إلى أن اقتصاد الإقليم ريعي يعتمد على النفط الخام ويفتقد للصناعة المحلية والإنتاج الصناعي ثانياً، إضافة إلى ضعف القطاع الزراعي فيه، وأن إنتاج القطاعين المنتجين لا يشكلان إلا نسبة ضئيلة جداً جداً من الدخل القومي بالإقليم ثالثاً، وأن الاقتصاد الكردستاني يرتبط بالتجارة الخارجية في استيراده للسلع الاستهلاكية والكمالية كباقي أنحاء العراق، وأن نسبة كبيرة جداً من حصته من الدخل القومي العراقي تذهب لهذا الغرض وعلاقته بشكل خاص مع تركيا وإيران على التوالي من حيث حجم الاستيراد رابعاً. وأشرت من أجل تأكيد ذلك إلى إنه مكشوف على الخارج أو على التجارة الخارجية وأشرت إلى مخاطر ذلك. بعد ذلك أشرت بوضوح إلى ضعف القطاع الصناعي الصغير الحرفي رغم سعته النسبية بالقياس إلى الإنتاج الصناعي التحويلي الحديث والمتوسط الذي نادراً ما تجده بالإقليم. ومن هذا التوصيف المكثف الذي نشأ بسبب الرؤية الخاطئة للاقتصاد ودور النفط الخام والابتعاد عن التصنيع وتحديث الزراعة أشرت إلى البنية المشوهة للتركيب الطبقي بالإقليم باعتباره التجلي للتشوه في البنية الاقتصادية وتخلف الاقتصاد خامساً.
 كان من واجبي أن استفيد من ملاحظتك هذه لو لم أكن قد تطرقت إلى المسألة ذاتها في ملاحظاتي في المقال الأول ومن ثم في الإجابة عن الأسئلة الخاصة بإقليم كردستان العراق. أرجو أن تعود إلى المقال والإجابة بهذا الصدد.
6 . حين يجري الحديث من جانبي عن الصناعة التحويلية بإقليم كردستان العراق فأعني بذلك الصناعة التحويلية الخفيفة والاستهلاكية التي يمكن أن تشبع جانباً من حاجات الاستهلاك المحلي الكردستاني وربما العراقي أيضاً، ولا أعني بطبيعة الحال إنتاج الفرع الأول، أي إنتاج وسائل الإنتاج، أو الصناعات الثقيلة. وكنت أعتقد بأن هذا مفهوم وواضح لأي اقتصادي يقرأ مقالي بهذا الصدد، إذ لا بد وأنه يعرف واقع الاقتصاد الكردستاني وإمكانياته وقدراته...الخ. كان وما يزال همي يتركز في سبل تنشيط الإقليم ليساهم في توظيف بعض إيراداته النفطية في التنمية الصناعية والبنية التحتية التي تخدم الصناعة والزراعة وكذلك تنشيط القطاع الخاص ليتوجه صوب التصنيع المحلي التحويلي الخفيف والاستهلاكي الصغير والمتوسط, وبهذا نكون قد نشطنا نشوء وتطور البرجوازية الصناعية الوطنية المتوسطة بالإقليم بدلاً من توظيفها في التجارة أو بالعقارات أو وضعها في البنوك الخارجية. ونشوء البرجوازية الصناعية المحلية بمشاريعها الصناعية وما يرتبط بها من منشآت أخرى تكميلية ستنمو الطبقة العاملة الكردستانية الحديثة أيضاً. ومعهما سيتغير، بهذا القدر أو ذاك وليس ميكانيكياً، الوعي الاجتماعي والاقتصادي والتقاليد والعادات العشائرية والذهنية الفلاحية المهيمنة في المجتمع، رغم خلو الكثير من ارياف كردستان من الناس وهجرتهم إلى المدينة، من جهة، ومعهما ستبرز إلى الواقع الاجتماعي الطبقتان الاجتماعيتان الحاملتان للمجتمع المدني الديمقراطي. وهذه الوجهة ستساعد على تغيير نسبي مهم في بنية الدخل القومي الوحيدة الجانب حالياً. اعتقد ما من أحد، دع عنك أي اقتصادي، يتطلع في أن يكون اقتصاد إقليم كردستان مثل اقتصاد سنغافورة مثلاً. إن همي هو كيف يمكن إبعاد النموذج الخليجي عن تفكير المسؤولين بالإقليم لكي يبنى الاقتصاد الوطني على قاعدة مادية متينة وليس على أرض رملية مهزوزة، كما هو همي في ما يخص الاقتصاد العراقي عموماً.     
7. والملاحظة الثانية ترتبط بالصناعة المحلية وعلاقتها بالسوق والاقتصاد العراقي. أعرف مدى دقة الملاحظة لديك عزيزي الدكتور كامل. ولكن أرجو أن لا يكون قد فاتك ما أشرت إليه باختصار شديد في النقطة 5 بما يلي:         
"5. ويزداد لديَ الشعور بأن محاولة الابتعاد عن اقتصاد بقية أنحاء العراق ليس في صالح الاقتصاد الكُردستاني، بما في ذلك الموقف من السياسة النفطية ومحاولة الانفراد بالاستخراج والتصدير. إنه خطأ تمارسه الحكومة الكُردستانية ولا بد من تصحيحه لصالح العراق عموماً والإقليم خصوصاً على المدى القريب والبعيد. وكثيراً ما تحدثت بهذا الموضوع أو كتبت عنه في مقالاتي عن الإقليم." ربما تعتبر إن ذلك غير كاف، ولكني في عشرات المقالات ذكرت تفصيلاً حول أهمية التنسيق والتكامل الاقتصادي بالعراق/ ومنه الإقليم. وقد أشرت بوضوح...، بما في ذلك الموقف من السياسة النفطية.
ليس إقليم كردستان العراق وحده بحاجة إلى أسواق لتصريف ما ينتجه من سلع صناعية في المستقبل، بل الاقتصاد العراقي ذاته، وبضمنه الإقليم طبعاً، بحاجة ماسة إلى أسواق أوسع من أسواقه الراهنة لتصريف ما ينتجه من سلع صناعية حين يبدأ فعلاً بالتصنيع المحلي التحويلي، لهذا فهو يحتاج إلى التنسيق والتكامل الصناعي مع الدول العربية والدول المجاورة والدول النامية أيضاً. إن الإنتاج الكبير والحديث يساعد على تقليص تكاليف الإنتاج، ولكن يحتاج إلى أسواق تستوعب هذا الإنتاج وإلا سيصبح عالة على الاقتصاد الوطني، كما حصل مع الاقتصاد المصري الذي توسع في الصناعة التجميعية والإنتاج الكبير نسبياً ثم عجز السوق المحلي على استيعاب حجم السلع المنتجة ولم يجد أسواقا خارجية عربية وغير عربية إلا بحدود ضيقة لاستيعاب المنتج من تلك السلع. لقد أشرت إلى هذا في رسالة الدكتوراه التي اختصت بالاقتصاد المصري في العام 1967/1968 ونشرت مقالين حول ذلك في مجلة الطليعة المصرية حينذاك وفي مجلة دراسات عربية ببيروت. وبالمناسبة فقد درّست مادة اقتصاديات الدول العربية والتخطيط الاقتصادي في الجامعة المستنصرية سنوات عدة ولم أهمل هذه الجوانب الاقتصادية والاجتماعية المهمة في محاضراتي أو في المقالات التي كتبتها عن التنسيق والتكامل الاقتصادي بين الدول العربية. 
لا يمكن، كاقتصادي، أن اغفل هذه النقطة. ولكن من الضروري أن يقيم الإقليم صناعته المحلية، ويجب أن يأخذ بالاعتبار الحجم المناسب، ولكن من المفضل له ولبقية أنحاء العراق والواجب أن يجري التخطيط المشترك للاقتصاد العراقي أو التنسيق بين الخطط المعدة من حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية، وكذلك المحافظات والاهتمام بالتوطين الصناعي بما يسهم في استخدام الاستثمارات على أفضل وجه ممكن وأن تكون نوعيات وتكاليف وأسعار السلع المنتجة مناسبة للاقتصاد الوطني والسوق المحلي والإقليمي مثلاً. ولكن يجب أن يلتزم بالقاعدة القديمة التي تتحدث عن التكاليف لنسبية إلا بحدود معينة، إذ أن هذا سيعني عدم إقامة أية مشاريع صناعية بالعراق كله، وهو ما كان وما زال تدعو إليه الدول الرأسمالية المتقدمة بالنسبة لاقتصاديات الدول النامية ومنها العراق.
مرة أخرى الشكر الجزيل لمن بادر وطرح موضوع الطبقة الوسطى للنقاش، وأعني به الزميل الأستاذ الدكتور مظهر محمد صالح، ومن ثم الزميل الأستاذ الدكتور كامل العضاض وعلق بسرعة الزميل الدكتور ناجح العبيدي، وأملي أن يثير كل ذلك المزيد من النقاش الفكري البناء.
9/5/2014                            كاظم حبيب                       
ملحق 1
عزيزي دكتور كاظم حبيب المحترم
تحية أخوية
 يفهم كثير من اليساريين والشيوعيين، حتى النشطاء منهم، بأن كارل ماركس إكتشف كل الحقائق العلمية، وإن إشتراكيته العلمية هي الجواب النهائي والأزلي للعالم. وأنا كمتابع ومعجب بالفكر الماركسي، وكتبت عنه أفضل بحوثي في دراستي الجامعية العليا في بريطانية، أعتبر هذه النظرة التبجيلية هي إساءة للفكر الماركسي الثاقب النظر، ولكن في ظروف الدولة الرأسمالية البريطانية قبل أكثر من قرن ونصف القرن. اعتقد إن ماركس أعطانا منهجا وليس تصميما مفصلا لكل إقتصاد، يكون دائما جاهز للتطبيق بمجرد إستدعاءه. هذه النظرة التبجيلية تبدو لي ساذجة، لإن التطور، كما رصده ماركس ورفيقه فريدرك أنجلز، من خلال رصد التأريخ الأنساني وتشخيص حالة الصراع الطبقي عبر أنماط الإنتاج، من حالة العبودية أو الرق الى الإقطاع الى التجارية الى النمط الصناعي، كما كان قبل أكثر من 150 سنة. نعم، الصراع موجود وسيبقى، بل وسياخذ وأخذ طابعا غير طبقي تماما، بل احيانا عرقي، وأحيانا ديني ومذهبي، كما في أوربا في القرون المتوسطة، والصراع الدموي بين الكاثوليك والبروتستانت، والحركة البروتستانتية هزت أوربا بقياد لوثر، وفي سويسرة لاحقا بقيادة كالفن، فالمذابح والتهجير والنفي والحرق بالنار تمثلت بصفحات دامية يضج به تأريخ أوربا في تلك القرون. هل كان الصراع بسبب إنماط الإنتاج ما قبل الصناعي؟ كلا، فلوثر نفسة كان صاحب إقطاعيات، كلا كانت دينية، ولكنه، أي الصراع، قد إستبطن مصالح إقتصادية وتجارية، فمثلا، عمد لويس الخامس، على ما أتذكر في فرنسا، قد أحرق الصناع البروتستانيين في عام 1563، وكانوا من أمهر الصناع الحرفيين اليدويين، فهربوا من فرنسا الى بريطانية التي آوتهم، ربما هنا يكمن تضادد بالمصالح بين الإقطاع الذي كان لايزال نافذا، والصناع الذين بدوا يعصفون بالنظام الإقطاعي الشائع آن ذاك، ربما! ما أعطاناه المفكر الفذ كارل ماركس هو منهج للتحليل وليس وصفة أزلية قابلة للتطبيق في كل زمان ومكان. ونحن، كماركسيين أو مثقفين مترعين بمنهج التحليل الماركسي يجب أن نعكف على هذا المنهج ونجتهد لتطوير أدواته، مع الحفاظ الكامل على الأساس الأخلاقي الإنساني لهذا المنهج الذي وقف به ماركس متحديا العالم الراسمالي آنذاك، دفاعا عن الكرامة البشرية للعمال، ولكنه لم يدع الى  إستباحة أوهدر كرامة البرجوازية، بل أخذ زمام الأمور من يدها، فدعى الى الثورة البوليتارية، اينما نضجت. وحينما تنضج ستبقى بحاجة الى برجوازية المثقفين والمهندسين والمخططين، لتحقيق أهداف إقامة مجتمع لاطبقي في النهاية
رأيت أن اعطي هذه المقدمة لكي تأخذها بحسبانك، كوجهة نظري الماركسية المنهجية، لإحيل لإطلاعك مقال نشر لي مؤخرا في موقع الأخبار، ردا على كاتب، قد تعرفه، إسمه صائب خليل، وهو، كما يبدو ماركسيا تبجيليا، ويرى أن كل الفكر الإقتصادي غير الماركسي هو أحابيل وخداع، الى آخره. رددت عليه، لإنه يتصور الماركسية وجدت ليتعبدها الناس، كما يتعبدون على شباك الحسين والكاظم وعلي! أرجو التكرم، إن وجدت الوقت أن تقرا مقالي المرفق، بعنوان، "صائب خليل والنظريات الإقتصادية، ومنها فائض القيمة"! وأرجو أن اسمع منك ملاحظاتك الحصيفة دائما
بالمناسبة أنا علقت على مقالك في الحوار المتمدن عن حالة الطبقة المتوسطة في إقليم كردستان. وذلك، في حالة عدم وجود وقت لديك للرجوع الى موقع الحوار المتمدن لقراءة التعليقات، إن وجدت، انسخ في أدناه تعليقي لإطلاعك الكريم، كما أرفق مقالي المشار إليه. وتقبل خالص مودتي
كامل العضاض

ملحق 2 تعليقي في الحوار المتمدن؛


عزيزي د. كاظم المحترم
قرأت ببعض الإستغراق مقالكم المهم والمتميز عن حالة الطبقة المتوسطة في إقليم كردستان. ويتوازى مقالك هذا مع كتبته حضرتك عن الطبقة المتوسطة في العراق عموما، تعليقا على مقال زميلنا الدكتور محمد صالح بهذا الخصوص، وكنت قد علقت على مقالك هذا. لي ملاحظتان بهذا الخصوص؛ الأولى هي أن تحليل البنية الإجتماعية الطبقية في أي مجتمع تفرزها عادة البنية الإقتصادية للإقتصاد في ذلك البلد، وعليه لابد من تحليل الهيكل الإقتصادي للبلد ومقدار ونوعية إرتباطه بالتجارة الخارجية، تصدير وإستيرادا. نعم، إنك اشرت الى ذلك ضمن تحليلك الوصفي، وكانت إستنتاجاتك صائبة. وربما كان التحليل بحاجة الى توصيف كمي وليس إستطرادي لغوي، ولكن، ربما لم تتوفر لديك البيانات الإحصائية اللازمة. والنقطة الثانية هي إغفال توضيح أثر الحرص على التكامل الإقتصادي، وبالضرورة السياسي مع بقية العراق. فبقية العراق يشكل ليس فقد منفذا إستراتيجيا لإقليم كردستان، ولإن منافذه الأخرى غير مجزية ولوقت طويل، إنما أيضا لإن بقية العراق يمثل سوق يبلغ حجمها الآن( بدون كردستان طبعا)، حوالي 30 مليون نسمة، فأي تصنيع في الإقليم الصغير لا يصبح ذي جدوى بدون سوق محلية واسعة وجاهزة. حتى أن التصنيف الدولي للإقتصادات يقسم الى إقتصادات كبرى ومتوسطة وصغرى، والتصنيع يكون عادة ناجحا ومجزيا إقتصاديا في الفئتين الكبرى والمتوسطة، والبيانات والمؤشرات الدولية أشارت أنه يندر أن تكون دولة صغيرة بحجم يقل عن 10 مليون نسمة قادرة على التصنيع التصديري وليس مجرد الإستهلاكي الخفيف، ما عدا إستثناءات قليلة، كما في سنغافورة وهونك كونك، بسبب موقعهما كمرفأين دوليين، وإرتكازهما على الخدمات التجارية والسياحية والتأمينية والتصنيع الخفيف ذي الطابع الإستهلاكي، فالطبقة المتوسطة في هذين البلدين كبيرة، وهي تجارية وخدمية الى جانب وجود طبقة عاملة أصغر حجما في صناعات التعبئة والتغليف وصناعات التجميع والصناعات الإنشائية والإستهلاكية، وهي طبقة عاملة منظمة وقوية، رغم صغرحجمها النسبي في السكان ككل.
أقدم إعتزازي بكتاباتك النيرة، وارجو أن تكون ملاحظاتي هذه ذات فائدة ما!
أخوكم: كامل العضاض


98
كاظم حبيب
رأي في الواقع الاقتصادي والاجتماعي بإقليم كُردستان العراق
وصلتني ملاحظات قيمة من الزميل الأستاذ آسو گرمياني على مقالي حول الطبقة الوسطى.
الملاحظات تطرح ثلاث مسائل هي:
1 . الموقف من الطبقة الوسطى على الصعيد العالمي بالارتباط مع التحولات العاصفة التي حصلت بالعالم وبالارتباط مع الثورة العلمية والتقنية والاتصالاتية ويرى ضرورة إعادة النظر بمفهوم الطبقة الوسطى. 
2 . حول البنية الطبقية في المجتمع الكُردستاني وعدم معالجتي له بشكل ملموس.
3. يوجه نقداً لحزبه الشيوعي الكُردستاني حول عدم معالجته لهذه المشكلة الاجتماعية والسياسية وما يرتبط بها من تحالفات على مستوى السلطة والشارع.
لقد كان همي في هذا المقال هو الطبقة الوسطى بالعراق وليس الطبقة الوسطى على مستوى الدول الرأسمالية المتطورة أو الدول النامية عموماً، رغم اشتراك البعض منها مع العراق في سمات مشتركة. ولكن العراق ونتيجة الدكتاتورية التي عاش الشعب تحت وطأتها والحروب التي عانى منها سواء أكانت داخلية أم خارجية والحصار الاقتصادي الدولي ومن ثم سقوط الدكتاتورية بالحرب ضدها ونشوء وضع سياسي جديد يتسم بنشوء نظام سياسي طائفي بامتياز في دولة ريعية تتجه صوب الاستبداد، وهي تختلف في العديد من الأوجه عن تجارب ومسيرة الكثير من الدول النامية في ما هو عليه العراق حاليا،ً ويلتقي معها في أوجه أخرى غير قليلة، كما حاولت إبراز السمات المعينة التي تميز الطبقة الوسطى بالعراق.
سأحاول تناول مسألة الطبقة الوسطى في العالم المتقدم، والتي لا تختلف كثيراً عن تحليل الأستاذ الفاضل الدكتور مظهر محمد صالح ، في فرصة أخرى 
إقليم كُردستان العراق هو جزء من العراق والتحليل العام ينطبق بهذا القدر أو ذاك على إقليم كُردستان العراق, ومع ذلك سأحاول تناوله بشكل مكثف.
أما بصدد الموقف من سياسة الحزب الشيوعي الكُردستاني وقلة معالجاته للوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بالإقليم فأحيل هذا السؤال على الرفاق في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الكُردستاني ليجيبوا عنه، إذ أن السائل هو عضو في الحزب الشيوعي الكُردستاني، كما ورد في رسالته لي والمنشورة على الفيسبوك.
حول إقليم كُردستان العراق
الوضع في إقليم كُردستان العراق من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية يختلف بعض الشيء عن الوضع في بقية أنحاء العراق ويلتقي معه في الكثير من السمات أيضاً. فرغم التحولات العمرانية التي طرأت على إقليم كُردستان العراق، فالذهنية العامة السائدة في الإقليم والمجتمع ما تزال ذهنية ريفية، إذ ما تزال العلاقات العشائرية هي المهيمنة على الساحة السياسية أيضاً وعلى السلطة في الإقليم وفي الأحزاب السياسية. وسيصعب تجاوزها ما لم تتغير البنية الاقتصادية للاقتصاد الكُردستاني التي تساهم في تغيير البنية الاجتماعية والوعي الاجتماعي أيضاً. فالاقتصاد الكُردستاني اقتصاد ريعي يعتمد على النفط الخام في تكوين القسم الأعظم من دخله القومي، وهو جزء من الدخل القومي الريعي بالعراق كله. لا توجد صناعة حقيقية بالإقليم وبالتالي لا توجد طبقة عاملة كُردستانية إلا في مجالات محدودة جداً وأغلب العمال العاملين بالإقليم هم من الأجانب الذين سيرحلون. من هنا يمكن القول بما يلي:
1.   لا توجد طبقة برجوازية صناعية بالإقليم، ولكن توجد برجوازية تجارية كومبرادورية مرتبطة مباشرة بمصالح ضخمة بالشركات الأجنبية، أي مع الخارج (إيران، تركيا مثلاً). كما توجد برجوازية مقاولة، وهي بدورها تابعة مباشرة للمقاولات الأجنبية العاملة بالإقليم ومرتبطة مصلحياً بها وبوجودها بالإقليم، إضافة إلى برجوازية عقارية تستفيد من منح الأرض لها لبناء العمارات مجاناً. ونشأت بالإقليم برجوازية مالية تصدر الكثير من أرباحها صوب الخارج ولا تستثمرها في التنمية الصناعية أو الزراعية. هذه الفئات لا تريد صناعة ولا زراعة بل تريد التجارة والمقاولات والعمل في قطاع البناء والطرق والجسور. وهي على أهميتها ليست بيد الكُردستانيين بل بيد المقاولات الأجنبية والكُردستانيون يلعبون دوراً ثانوياً في هذه العملية. كما نشأت برجوازية بيروقراطية واسعة تستفيد من الانقسام الحاصل في توزيع الوزارات والمهمات والمؤسسات ولا تريد وحدتها فعلياً. إنها تصبح يوماً بعد أخر طفيلية لا تعمل لصالح وحدة الإقليم ووحدة سياساته.
2.   لا توجد طبقة عاملة كُردستانية حديثة وبالمعنى العلمي للكلمة. لأن هذه الطبقة مرتبطة عضوياً بالطبقة البرجوازية الصناعية. ويوجد عمال أجانب في الغالب الأعم ويعملون في قطاع النفط الخام تنقيباً واستخراجاً.
3.   توجد بالإقليم برجوازية صغيرة تمارس نشاطات حرفية تقليدية معروفة منذ عقود سابقة وفي مختلف المجالات، والتي يمكن أن تقوم بمد المقاولين ببعض منتجاتها، رغم إن المقاولين الأجانب يستوردون كل شيء لمشاريع العمرانية. وهو لا يساعد على تقدم وتطور اقتصاد المدينة بالإقليم. إنها فئات واسعة نسبياً وتعمل بالمدن الصغيرة والكبيرة في آن.
4.   أما الطبقة الوسطى الكُردستانية فهي في اتساع واضح في أجهزة الدولة الإدارية والإدارات المحلية وفي الوزارات والمؤسسات الخدمية التعليمية والصحية وغيرها. وبينهم الكثير من التقنيين أو الفنيين في مختلف الاختصاصات. وهذه الطبقة في اتساع كبير وتضخم لا مثيل له وتستنزف نسبة عالية جداً من ميزانية الإقليم السنوية، وهي تشكل عبئاً كبيراً على الدخل القومي وعلى الاستثمارات التي يفترض أن توجه لصالح التنمية الوطنية. وهي تتوزع على فئة عليا صغيرة نسبياً وأخرى وسطى ودنيا واسعة نسبياً.
5.   وتشكل فئة المثقفين جزءاً من الطبقة الوسطى أو جزءاً من البرجوازية الصغيرة والتي لها دور بارز ومتميز في الحياة الثقافية الكُردستانية ويمكنها أن تلعب دوراً أكبر في التنوير الاجتماعي والديني والسياسي.
6.   أما فئات الفلاحين بالإقليم فهي في انحسار دائم وغالباً وأفرادها في الغالب الأعم من كبار السن الذين يعملون في الزراعة ويعيشون في الريف. أما الشباب فوجهتهم المدينة أبداً ووظائف الدولة والقوات المسلحة والشرطة والأمن الداخلي. ونسبة سكان الريف أصبحت قليلة جداً بالقياس لما كانت عليه هذه الفئات قبل التدمير الواسع للقرى والأرياف الكُردستانية الذي مارسته الدكتاتورية الصدامية والحكومات الأخرى قبل ذاك. إن مشاركة الريف في إنتاج الدخل القومي محدودة جداً ولا يعتد بها، كما هو حال الصناعة التحويلية.
لا استطيع الحديث عن دور الأغوات القدامي في الريف الكُردستاني في الوقت الحاضر، إذ ليست لدي المعرفة الملموسة عن ذلك، في حين أن شيوخ العشائر وكبار الملاكين القدامى عادوا إلى واجهة الوضع الطبقي بالعراق وفي أحداثه ودورهم يزداد يوماً بعد آخر من خلال الأحزاب الحاكمة التي تسعى إلى ذلك. 
يمكن تلخيص المشكلات التي يعاني منها الإقليم بنقاط محددة أشير هنا إلى البعض المهم منها:
1.   إقليم كُردستان العراق، كما هو حال بقية أنحاء العراق، مكشوف على الخارج في اقتصاده ودخله القومي وميزانيته، إضافة إلى مشكلاته مع الحكومة الاتحادية المحتملة والتي يشاهدها المتتبع في الوقت الحاضر. ولهذا الواقع أثار سلبية حادة على الاقتصاد والمجتمع وموقع الإقليم ذاته. وعلينا هنا أن نشير إلى أن دول الجوار ليست من محبي الشعب الكُردي وتطلعاته أو لكُردستان عموماً، وهو ما يفترض أن يؤخذ بنظر الاعتبار في السياسة بصورة جدية.
2.   إن إقليم كُردستان العراقي إقليم ريعي بكل معنى الكلمة، كما هو حال الدولة العراقية الريعية، فهو جزء منها. ومن المحزن أن نشير إلى بأننا لا نشاهد جهوداً جدية لتغيير هذه الحالة السيئة. فمن يعتمد على النفط فقط سيلاقي المصاعب من الداخل والخارج في آن، ومن لا يفتش عن الأمن الاقتصادي لبلاده أو إقليمه، يقصر في خدمته لشعبه وإقليمه، شاء أذلك أم أبى.     
3.   إقليم كُردستان العراق يعاني من بنية اقتصادية مشوهة ومتخلفة وذات طبيعة ريعية لا يجوز استمرارها لأن تجلياتها تبرز في البنية الطبقية للمجتمع الكُردستاني. ولا بد للإقليم التوجه صوب التصنيع الحديث وتحديث الزراعة وتنميتها للمشاركة في الإنتاج المادي وإشباع جزء مهم ومتزايد من حاجات المجتمع للسلع الاستهلاكية والمشاركة في إنتاج الدخل القومي.
4.   البنية الاجتماعية للسكان مشوهة حالياً وبعيدة كل البعد عن حضارة القرن الواحد والعشرين، كما هو حال بقية أنحاء العراق، رغم الناحية العمرانية المتزايدة بالإقليم. ولا يمكن تغيير هذه الحالة وبناء مجتمع مدني ديمقراطي حديث دون تغيير بنية الاقتصاد الكُردستاني.
5.   ويزداد لديَ الشعور بأن محاولة الابتعاد عن اقتصاد بقية أنحاء العراق ليس في صالح الاقتصاد الكُردستاني، بما في ذلك الموقف من سياسة النفط ومحاولة الانفراد بالاستخراج والتصدير. إنه خطأ تمارسه الحكومة الكُردستانية ولا بد من تصحيحه لصالح العراق عموماً والإقليم خصوصاً على المدى القريب والبعيد. وكثيراً ما تحدثت بهذا الموضوع أو كتبت عنه في مقالاتي عن الإقليم.
6.   إن سياسة الإقليم الاستثمارية تتجه صوب الخدمات فقط وليس صوب الإنتاج وهو خلل كبير لا بد من تجاوزه. إن من الضروري حقاً أن تحرك حكومة الإقليم استثماراتها المالية المتأتية من النفط الخام صوب الصناعية الوطنية في قطاع تابع لها أو قطا دولة وكذلك في قطاع مختلط مع القطاع الخاص. ومن الملاحظ أن القطاع الخاص المحلي يحجم حتى الآن عن التوظيف في القطاع الصناعي، كما يلاحظ ذلك على الاستثمارات الأجنبية التي لا ترغب إلا في قطاع النفط والمقاولات والتي تتمول بها من إيرادات الحكومة في غالب الأحيان. إن اقتصاد كُردستان العراق بحاجة إلى توظيفات القطاعين العام والخاص والقطاع المختلط وإلى استثمارات أجنبية أيضاً.
7.   إن إقليم كُردستان يعاني بشكل شديد من بطالة مقنعة تمتلئ فيها أجهزة الدولة الإدارية حتى أصبح الموظفون لا يداومون سوى يومين أو ثلاثة أيام في دوائرهم ويعملون لصالحهم في أعمالهم الحرفية أو سائقي تاكسي أو غير ذلك. إن هؤلاء يستنزفون الدخل القومي ولكن ليس ذنبهم، بل هو ذنب السياسة التي مارستها وتمارسها القيادات السياسية بالإقليم ونتيجة للصراعات السابقة والتي لم تنقطع حتى الآن ونأمل أن لا تتفاقم.
8.   يعاني الإقليم من ظواهر سلبية حادة لا يتوجه الاهتمام الكافي لمعالجتها، وأعني بها الفساد المالي والإداري. فالمحسوبية والمنسوبية والحزبية الضيقة جداً والولاء الشخصي هي الحالة السائدة، كما هو الحال ببقية أنحاء العراق. ولا يمكن القول بأن الإقليم يعاني أقل من ذلك. وإذا كانت الحكومة الاتحادية تعاني من توزيع طائفي للوزارات ومن يعمل فيها، فأن الإقليم يعاني من ذات المسألة ولكن على أساس حزبي بشكل خاص. فلا يعين مواطناً كُردستانياً مستشاراً في أي من المهمات ما لم يكن مرتبطاً بهذا الحزب أو ذاك, وكذا الحال بالنسبة للخبراء الكُردستانيين وليس الأجانب منهم. إن هذا الوضع يلغي بدوره مبدأ المواطنة ويعتمد قاعدة الحزبية الضيقة أو العشائرية التي تتجلى في الأحزاب ذاتها وتضيق الخناق على المواطنات والمواطنين غير الحزبيين والتي بمرور الزمن تثير المتاعب على قيادة وحكومة الإقليم. إن هذا الواقع قد وسع الفجوة وقلص بشدة من العلاقة الثورية السابقة بين الأحزاب التي كانت تناضل في الجبال وبين الجماهير الشعبية صاحبة المصلحة الحقيقية بتلك الثورة ونتائجها. وعليَّ أن أشير هنا إن المستفيد من هذه الأوضاع هو بعض الأحزاب الإسلامية السياسية التي تفضح عن حق النواقص والسلبيات، ولكن تهدف إلى قضايا أخرى.
9.   ورغم نشوء طبقة وسطى واسعة في أجهزة الدولة إلا إن الفجوة الدخلية بين أغنياء وفقراء كُردستان العراق في اتساع مستمر لصالح الأغنياء وبعيداً كل البعد عن أي رقابة أو "من أين لكَ هذا؟ وإذا كان هذا الأمر ما يزال لا يثير إشكاليات اجتماعية، فأن المستقبل لا يضمن استمرار ذلك.
10.   إن المكسب الأساسي الذي يعم إقليم كُردستان العراق يبرز في وجود الأمن والاستقرار الأمني الذي ساعد ويساعد على حركة العمران بالمدن الكُردستانية. كما قلل من نسبة الفقراء بالإقليم بالقياس لما هو عليه الحال ببقية أنحاء العراق التي لا يعمها الأمن والسلام ونسبة الفقراء فيها عالية جداً وتصل إلى أكثر من 20% من مجموع السكان.   
10/5/2014                        كاظم حبيب


 

99
كاظم حبيب
أراء حول الطبقة الوسطى بالعراق وقضايا اقتصادية أخرى
الحلقة 3-3
نشر الزميل الفاضل الأستاذ الدكتور مظهر محمد صالح دراسة جادة، كما في كتاباته الأخرى، عن "الطبقة الوسطى في العراق" وعن تطورها التاريخي منذ نشوء الدولة العراقية الحديثة وعن التغيرات التي طرأت عليها وواقعها الراهن ودورها في التحولات المنشودة بالعراق. كما عرض تحليلاً لبنيتها الداخلية بالارتباط مع طبيعة النشاطات التي تمارسها ومستوى دخلها ونوعية حياتها. وها أنا أدلو بدلوي المتواضع في هذا الصدد.
** يدور نقاش واسع بين اقتصاديي العراق وسياسييه وفي أوساط المجتمع بحدود ضيقة جداً حتى الآن حول دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وبالتالي عن دور القطاعين الخاص والعام ودورهما في العملية الاقتصادية والاجتماعية. لقد بدأ هذا النقاش والتباين في وجهات النظر منذ العقد الرابع من القرن الماضي خاصة بعد أن بدأ العراق يجني جزءاً من إيرادات النفط الخام المصدر من قبل شركات النفط الاحتكارية (أربع شلنات ذهب عن كل برميل يصدر)، ومن ثم في أعقاب الحرب العالمية الثانية واتسع بعد أن بدأ العراق يجني مناصفة مع شركات النفط الأجنبية من عوائد النفط الخام المصدر. لقد كان هناك موقفان مختلفان: الأول يرفض أي تدخل للدولة في الشؤون الاقتصادية، والثاني يرى ضرورة ولزوم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي. وإذا كان الأول يدعو لأن يلعب القطاع الخاص الدول الأول والقيادي في مجمل العملية الاقتصادية، في حين كان الثاني يرى أن يلعب قطاع الدولة الاقتصاد الدول الأول والقيادي في مجمل العملية الاقتصادية، في حين كان الاتجاه الثاني يدعو إلى أن يلعب القطاع العام الدور الأول والقيادي في عملية التنمية والتطور الاقتصادي. وإذ استند الاتجاه الأول إلى الفكر البرجوازي اللبرالي واعتمد الأخذ بفكر وتجارب الدول الرأسمالية المتقدمة في عملية التنمية والبناء الاقتصادي، فأن الاتجاه الثاني استند إلى الفكر اليساري والاشتراكي والشيوعي واعتمد الأخذ بفكر وتجارب الدول الاشتراكية، وخاصة الاتحاد السوفييتي، في التنمية الاقتصادية والبناء الاقتصادي.
ولعبت سنوات الحرب الباردة بين المعسكرين دورها البارز والحاسم في تشديد هذا الاختلاف في الفكر أو الرؤية لعملية التنمية ودور القطاعين في اقتصاديات الدول النامية. إلا إن الحياة قد برهنت بما لا يقبل الشك بأن تجارب المعسكرين لا يمكن أن تكون إلا في إطارها العام مفيدة للطرفين وليس في تفاصيلها ووجهتها وفي حركة القوانين الاقتصادية الفاعلة والواقع الملموس في كل بلد من هذه البلدان. فلا النماذج الرأسمالية ولا الاشتراكية كانت تتناغم مع حاجات وواقع ومستوى تطور الدول النامية وضرورات التنمية فيها. لقد فشلت الدول النامية بشكل عام، ومنها العراق والدول العربية، في تحقيق التنمية المنشودة وتغيير بنية الاقتصاد الوطني والبنية الاجتماعية وحياة ومعيشة السكان، سواء أكان من دعا إلى اللبرالية أو إلى الفكر الاشتراكي. وإذ ساد الفكر البرجوازي العام في الدول النامية، ومنها العربية وبشكل مشوه، فأن هذه البلدان لم تجد أي تطبيق اشتراكي لها فيها رغم إدعاء البعض بذلك. وما جرى بالعراق في فترة حكم حزب البعث العربي الاشتراكي لم يكن سوى رأسمالية دولة خاضعة لاستبداد النخبة الحاكمة وفاشلة، ولم يكن فيها أي ملمح من ملامح الاشتراكية العلمية. ولهذا يرتكب البعض خطأً فاحشاً حين يشير إلى فشل تجربة الاشتراكية بالعراق، إلا إذا كان يقصد الاشتراكية الوطنية بمفهوم الحزب النازي الهتلري الألماني، وهو حزب عنصري وفاشي مريع ولا علاقة له بالاشتراكية والعدالة الاجتماعية، وكان قطاعها الحكومي خاضع للاحتكارات الرأسمالية والنهج العسكري العدواني للرايخ الألماني الثالث بقيادة هتلر وحزبه النازي الفاشي.
إن اقتصاديات الدول النامية المتخلفة بحاجة إلى رؤية اقتصادية جديدة، إلى رؤية واقعية ملموسة وإلى اقتصاد سياسي يعي طبيعة المرحلة وواقع الحال ومستوى تطور القوى المنتجة وطبيعة علاقات الإنتاج السائدة والمهمات الراهنة والمستقبلية التي تواجه هذه المجتمعات وتستخدم المنهجية والأدوات العلمية في تحليلها ورسم لوحة المستقبل لهذا البلد النامي أو ذاك، والذي تختلف تجربة هذا البلد عن تجربة البلد الثاني بشكلها الملموس، رغم إن أوضاعها متقاربة ولكنها ليست بالضرورة متماثلة ويمكن أن تكون الحلول المطلوبة متقاربة ولكن ليست بالضرورة متماثلة.   
وفي الوقت الذي يجد المتتبع اتفاقاً عاماً بين جمهرة من الاقتصاديين الديمقراطيين بأهمية وضرورة مشاركة قطاع الدولة والقطاع الخاص، إضافة إلى القطاع المختلط في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإن المرحلة التي يمر بها العراق تستوجب تضافر جهود الدولة والمجتمع لبناء الاقتصاد العراقي وتطويره وتقدمه وتغيير بنية المجتمع، يبرز في الوقت نفسه تباين في مدى رؤيتهم للوزن النوعي لكل من القطاعين العام والخاص في العملية التنموية. كما أن هناك موقفاً واضحاً لجمهرة من الاقتصاديين العراقيين التي يتناغم موقفها مع موقف اللبرالية الجديدة والتي ترفض تماماً حتى الآن دور الدولة وتدخلها في الشأن الاقتصادي، بما في ذلك قطاع النفط الاستخراجي، إذ يرون ضرورة خصخصته وخصخصة بقية قطاعات الاقتصاد الوطني. وإذ اختلف كلية مع هذا الاتجاه المغالي، كما أرى، اتفق مع الرأي القائل بعدم إمكانية الاستغناء عن أي من القطاعين أو إضعافهما، كما لا بد من بناء وتطوير قطاع اقتصادي مختلط بين القطاعين العام والخاص. كما لا بد من الاستفادة من القطاع الخاص الأجنبي حيث تبرز الحاجة الفعلية إلى استثماراته ومعارفه وخبراته والتقنيات الحديثة التي بحوزته. وعلى الاقتصادي أن لا ينسى بأن العراق يشكل جزءاً من هذا العالم المعولم ومن الاقتصاد الدولي وأن احتل موقعاً متخلفاً وتابعاً ومكشوفاً فيه، وأن من واجبنا الاستفادة القصوى والموضوعية من العولمة الرأسمالية، على أن نسعى قدر الإمكان تجنب تأثيراتها السلبية الحادة على الاقتصاد الوطني ومهمات التنمية والتغيير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
وفي المرحلة الراهنة أتابع بوجع كبير تخلي الدولة الريعية عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة، وغياب انشغالها بدعم القطاعين العام والخاص من جهة ثانية، ليمارسا دورهما واستثماراتهما في عملية التنمية الوطنية. وهي سياسة حازمة ومقصودة من جانب النخب الحاكمة تستهدف الإبقاء على التخلف واستنزاف موارد البلاد المالية في غير صالح الاقتصاد الوطني. إذ أن عملية التنمية الاقتصادية تعني التصنيع الحديث والزراعة الحديثة واستخدام التقنيات الحديثة التي ترفع من مستوى كفاءة ومهارة القوى المنتجة البشرية ووعيها الاجتماعي والذي يهدد بدوره حكم القوى الإسلامية السياسية بالصميم التي وقفت حتى الآن بوجه التقدم المنشود وعلى المستويات والمجالات كافة، في ما عدا اقتصاد النفط الاستخراجي لما يدره من أموال عليها وينسيها الشعب ومصالحه وإرادته. إذا كان العراق في فترة حكم صدام حسين قد ابتلى بالاستبداد القومي الشوفيني المطعم بطائفية سنية تجلت في قوام مجلس قيادة الثورة وبنية الحكومة، ولم يكن فاعلاً على مستوى الشعب، فأن العراق في المرحلة ما بعد السقوط وفي ظل حكم نوري المالكي يعاني من الاستبداد الديني الطائفي السياسي غير المطعم حتى الآن بالقومية الشوفينية، إلا إن المشكلة في الواقع الجديد أن الأحزاب السنية مستفيدة من هذا الوضع الخطير وليس الجماهير السنية، في حين انتقل الصراع الشيعي السني إلى المجتمع بما يهدد بحرب أهلية. إن الأحزاب الإسلامية السياسية، شيعة أم سنية، تمارس سياسات خاطئة وتلحق أفدح الأضرار بالدولة والمجتمع والعلاقات اليومية بين الناس، كما تلحق أفدح الأضرار بالتعليم والعلم لصالح المزيد من الخرافات والخرافيين والشعوذات والمشعوذين وأعمال السحر .. إننا نبتعد يوماً بعد أخر عن العلم ونقع في كماشة إخطبوط من السياسات والمواقف التي تعزى إلى الدين لتكافح العلم والعلماء والتي بدأت مع "أبو حامد محمد الغزالي 450-505 هجرية/ 1058-1111 ميلادية بمحاربة العلم والفلسفة وكل ما كان يمت بصلة إلى التقدم، واعتبار العلم والفلسفة ضد الدين، وبالتالي دفع بالحضارة العربية، التي كانت قد انتعشت بشكل خاص في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، إلى التراجع والتدهور والوقوع في مستنقع الخرافات والشعوذة والسقوط المتسارع في الحضيض الفكري الثقافي والحضاري وتراجع العلم والفلسفة والطب وغيرها والذي عمقه احتلال العراق في العام 1258 ميلادية، والتي يعيش تحت وطأتها العالمين العربي والإسلامي، ومنهما العراق حتى الآن. (راجع: الدكتور عبد العزيز الدوري. تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت طبعة ثالثة 1995).     
إن العراق بحاجة ماسة إلى استخدام موارد النفط المالية الحالية، وهي موارد الشعب كله. إلا إن هذه الموارد المالية بيد الدولة والمفروض دستورياً إنها مؤتمنة عليها وأقسمت اليمين على حمايتها وتطوير الاقتصاد الوطني وإغناء الثروة الاجتماعية، ولكن الواقع يشير إلى التجاوزات الفظة وغير المنقطعة على هذه الأمانة والشعب بشكل مريع. والشعب بحاجة إلى هذه الموارد المالية لتطوير البنية التحتية، وخاصة الطاقة الكهربائية والماء وطرق المواصلات والاتصالات الحديثة والتخزين والري والبزل ..الخ من جهة، وتحقيق التنمية الصناعية التحويلية والزراعة الحديثة وتنويعهما عبر خطط اقتصادية يشارك فيها القطاع الخاص والقطاع العام والقطاع المختلط، إضافة إلى مشاريع الصناعات الصغيرة في آن واحد من جهة أخرى. ويمكن للقطاع العام بقدراته الدولة الاستثمارية أن يوسع ويعجل في توفير مستلزمات تنشيط القطاع الخاص ومشاركته في التنمية الوطنية ويرفع من وتيرة النمو الاقتصادي. ولهذا فإن العراق الراهن بعيد كل البعد عن التفكير بالاستغناء عن هذا القطاع أو ذاك من القطاعات الثلاثة. وليس في مقدور القطاع الخاص، من النواحي الاستثمارية والفنية والظروف المحيطة به، أن يلعب في المرحلة الراهنة الدور القيادي في عملية التنمية الاقتصادية، وخاصة التصنيع والتحديث الواسع للزراعة وتنويعهما وإنجاز مشاريع البنية التحتية، بل هذه المهمة يفترض أن يشارك بها القطاع العام وكذلك القطاع المختلط لدعم القطاع الخاص وتوفير الاستثمارات المناسبة له عبر المصرفين الصناعي والزراعي والمصارف الحكومية والأهلية الأخرى بقروض ميسرة وبمشاركة 50% مثلاً بينهما.
إن العيوب التي عرفناها حتى الآن في نشاط قطاع الدولة الاقتصادي ليست ناجمة من طبيعة هذا القطاع، بل كانت العيوب وما تزال في الدولة الريعية والاستبدادية وغياب الديمقراطية عن الحياة العامة والحياة الاقتصادية، وكذلك في نهجها في تبديد الموارد المالية المتأتية من اقتصاد النفط الاستخراجي المصدر، وفي عدم وعيها واعتمادها للمعايير والجدوى الاقتصادية في إقامة هذه المشاريع الصناعية والزراعية أو تلك وفي مدى تأثيرها على المجتمع وتحديثه حضارياً ومدى ملائمتها للبيئة لمواجهة التلوث الذي يعاني منه العراق كثيراً، إضافة إلى سوء اختيار النظم الإدارية المناسبة والابتعاد عن الإدارة والتنظيم العلميين من جهة، وسوء اختيار العاملين القائم على العلاقات المريبة في هذا القطاع الاقتصادي المهم من جهة أخرى، وبسبب سيادة الفساد المالي والإداري بما في ذلك المحسوبية والمنسوبية في التوظيف في قطاع الدولة، إضافة إلى سياسة عسكرة المجتمع والاقتصاد الوطني من جهة ثالثة.
إن وجود مثل هذه الظواهر السلبية في هذا البلد أو ذاك لا يتطلب رفض وجود قطاع الدولة الاقتصادي، كما يسعى إلى ذلك بشكل خاص اللبراليون الجدد والمحافظون في آن، بل لا بد من وجود هذا القطاع مع ضرورة توفير نظام إداري علمي مناسب وكوادر إدارية وتنظيمية وفنية واقتصادية واعية ومتقدمة وذات خبرة مناسبة ومدركة لمهماتها من الناحيتين الاقتصادية الاجتماعية. إن الخلل في آليات العمل وليس في أداة العمل. فالقطاع العام هو أداة بيد الدولة والمجتمع لتنمية الاقتصاد الوطني، ويقع على عاتقها استخدام هذه الأداة بفعالية عالية وعلى أسس الجدوى الاقتصادية والاجتماعية المتقدمة. والقطاع العام الاقتصادي ليس هدفاً بل أداة أو وسيلة لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية، وإغناء الثروة الوطنية. والقطاع الخاص هو الآخر أداة بيد الرأسماليين لتحقيق التنمية وتحقيق الربح لهم.   
يواجه العراق في هذه المرحلة نموذجين من الاقتصاديين في المرحلة الراهنة. بعضهم يدعو إلى القطاع الخاص والأخذ بما يمليه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ويتجلى ذلك في تصريحات بعض الاقتصاديين والمستشارين وفي كتاباتهم والبعض العامل في أجهزة الدولة، في حين يؤكد البعض الآخر على ضرورة وجود قطاع دولة اقتصادي مع الاهتمام بالقطاع الخاص. ويتجلى ذلك في كتابات الدكتور مظهر محمد صالح والدكتور ماجد الصوري أو في كتابات الدكتور كامل العضاض والدكتور صالح حسن ياسر والدكتور عباس كاظم الفياض أو في كتاباتي، كما نجده في الرؤية الموضوعية لبعض العاملين في اتحاد أصحاب الأعمال بالعراق الذين يدركون أهمية القطاعين في المرحلة الراهنة للنهوض بعملية التنمية وتوفير فرص التشغيل للعاطلين عن العمل، ومنهم الأستاذ باسم جميل أنطوان أو السيد حسام الساموك.
إن موقفي لا يمس تأكيد ضرورة وجود قطاع الدولة في الاقتصاد الاستخراجي ودوره في اقتصاد النفط والغاز الطبيعي فحسب، بل وأهمية وضرورة وجوده في بعض أهم الفروع الصناعية الضرورية ودوره الفاعل فيها، وكذلك في مجال التأمين والبنوك لتقديم القروض وتنشيط دور الدولة والقطاع الخاص في آن واحد. إذ لا يمكن الاستغناء عن أي منهما ولا عن القطاع المختلط أو القطاع الأجنبي في المرحلة الراهنة ولعشرين أو حتى ثلاثين سنة قادمة. كتب الدكتور مظهر محمد صالح بصواب في دراسته الموسومة "الطبقة الوسطى في العراق" ما يلي:
" إن الاقتصاد العراقي في ظروفه الريعية الراهنة هو أحوج ما يكون إلى دور اقتصادي للدولة،يسهل الشراكة واندماج الدولة مع النشاط الإنتاجي الخاص،وعلى وفق إيديولوجية  أو منهجية اقتصادية منافية للمنهج الليبرالي الاستهلاكي السائد،وتمثل عودة متجددة لمفهوم الماركنتالية الاقتصادية والترويج لايدولوجيا النشاطات الخالقة للسوق ذات النمط المنتج المتمثل بالشركات المساهمة المختلطة التي تعمل على وفق مبادئ الحوكمة الإدارية الجيدة والانتقال إلى النظام الريعي-الماركنتالي المنتج (كبديل للنظام الريعي-الليبرالي(المستهلك) الحالي والعمل الى تشيد نظام سياسي ديمقراطي يبتعد عن (الدولة-المكونات) الراهن ويقترب من مفهوم (الدولة-الأمة) ويتخطاها بإحلال( الدولة- المواطنة العراقية)من منطلق ان الولاء للعراق.راجع/مظهر محمد صالح/متلازمة السياسة الاقتصادية في الأنموذج الريعي –الليبرالي في العراق/بغداد 2013."
منه هنا يتبين لنا ومن خلال شخصية اقتصادية كانت في موقع المسؤولية عن السياسة النقدية في الاقتصاد العراقي، وأعني به الدكتور مظهر محمد صالح، إلى أهمية وضرورة الاعتماد وفي هذه المرحلة الراهنة على نحو خاص على ثلاثة قطاعات اقتصادية أساسية من حيث الملكية، هي القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع المختلط من جهة، والاهتمام بالفروع الاقتصادية الإنتاجية، "على أولوية الجانب الإنتاجي في العملية الاقتصادية" من جهة أخرى (ص 17)، وبشكل خاص على قطاعي الصناعة والزراعة المهملين كلية من جانب الحكومات الثلاث التي تعاقبت على الحكم، ولكن وبشكل خاص حكومة المالكي التي تسلمت الحكم بعد إقرار الدستور العراقي في العام 2005، أي منذ العام 2006 حتى الوقت الحاضر من جهة ثانية. إننا وفي المرحلة الراهنة ولسنوات طويلة بحاجة ماسة إلى دور الدولة في العملية الاقتصادية مع الاستفادة القصوى والابتعاد عن الأخطاء التي ارتكبت من جانب الدولة الريعية في نشاط قطاع الدولة الاقتصادي والإدارة الاقتصادية والمفاهيم الخاطئة في هذا المجال والذي أدى إلى الاعتقاد بعدم الحاجة إلى قطاع الدولة الاقتصادي. ولكني مدرك تماماً بأن النظام السياسي الطائفي الراهن عاجز عن وعي وغير راغب أصلاً بوضع إستراتيجية تنموية وتنمية القطاعين العام والخاص والقطاعين الإنتاجيين الصناعة والزراعة، بسبب سيره على نهج السلف الطالح في تعميق الطابع الريعي للدولة العراقية والطابع الاستبدادي للحكم والنخبة الحاكمة والحاكم بأمره.               
حول معدل حصة الفرد الواحد من الدخل القومي السنوي بالعراق 
** كتب الدكتور مظهر محمد صالح حول التصنيف الاقتصادي للطبقة الوسطى في العراق ما يلي:
" قد يكون من الصعب تصنيف الطبقة الوسطى العراقية على وفق الدخل السنوي لتحديد شرائح الطبقة الوسطى في اقتصاد ريعي شديد الأحادية إلى حدِ ما. إذ ما زال إنتاج الثروة النفطية يتقاسم نصف الدخل القومي السنوي، كما إن 95% من الموازنة العامة للبلاد تعتمد على موارد الريع النفطي في إدامة التشغيل والاستثمار. فهناك 5-6 ملايين أسرة عراقية يمثلون 20 مليون نسمة تعتمد بشكل مباشر على المرتبات الحكومية الشهرية، سواء من الموظفين أو المتعاقدين مع الدولة الذين يبلغ عددهم جميعاً بنحو 4 ملايين منتسب حكومي عدا شريحة المتقاعدين وغيرهم." (ص 4 من المقال المشار إليه سابقاً).
هنا أود أن أشير إلى ملاحظة حول النص السابق الذي يشير إلى "اقتصاد ريعي شديد الأحادية إلى حد ما". إنه في الوقت الذي يكون شديد الأحادية لا يمكن أن يكون إلى حد ما. والتقي معه في صعوبة تصنيف الطبقة الوسطى على وفق الدخل السنوي لتحديد شرائح هذه الطبقة على وفق ما جاء في القسم الأول من مقالي هذا. وإذ أشار بصواب إلى التطور الحاصل في حجم الإنتاج الإجمالي ومعدل حصة الفرد الواحد منه وانعكاس ذلك على الدخل القومي أيضا، استكمل اللوحة بما يلي:
" وعلى الرغم من ذلك، فقد صُنف العراق من قبل البنك الدولي مؤخراً بكونه واحد من مجموعة  البلدان التي تقع في الجزء العلوي من المجموعة الدولية المتوسطة الدخل. فمتوسط دخل الفرد العراقي السنوي يلامس 7000 دولار في الوقت الحاضر مرتفعاً من متوسط بلغ 750 دولار سنوياً في مطلع الألفية الثالثة ذلك إبان فرض العقوبات الدولية على العراق. وإذا ما أخذنا معيار متوسط الدخل السنوي للفرد العراقي، فان الواقع يقتضي التعرف على شرائح الطبقة الوسطى ومقدار اقترابها أو تشتتها عن المتوسط العام لدخل الفرد السنوي." (ص 4).
وإذ أتفق مع الدكتور مظهر محمد صالح في إبراز التمايز الموجود في الدخل السنوي لمختلف شرائح الطبقة الوسطى، فإن الصورة تبدو أكثر قتامة وأشد قسوة حين نقارنها مع الدخل السنوي لفئات من الشعب الكادح. إذ إن المشكلة لا تكمن في هذه الأرقام العامة بل في تفاصيلها والتي تطرق إليها الدكتور صالح بوضوح أيضا. لقد أشرت مرة إلى الملاحظة التي يثيرها الاقتصاديون حول المؤشرات الإحصائية التي تشبه المايوه البكيني، فهي تكشف عن جسم المرأة، ولكنها تخفي الأماكن الحساسة والأكثر أهمية من الجسم. فمعدل حصة الفرد الواحد من حجم الإنتاج الإجمالي، أو لنأخذ الدخل القومي، يخفي الحقائق التالية:
*** التشوه والتخلف والمكشوفية على الخارج في بنية الإنتاج الإجمالي أو الدخل القومي التي تعتمد على النفط الخام في تشكيل النسبة الأكبر منهما وأكثر من 95 من الميزانية الاعتيادية السنوية، وأكثر من ذلك من صادرات العراق.
*** التوزيع غير العادل للدخل القومي بين أبناء المجتمع. فهذا التوزيع لا يقوم بأي حال على العدالة الاجتماعية، وهو أشبه بالمثل الذي أوردته عن راتبي المدير العام والفراش. فالفجوة بين الفئات الفقيرة والفئات الغنية تزداد سعة وعمقاً في غير صالح الفقراء والمعوزين في المجتمع. ومعدل حصة الفرد الواحد من الدخل القومي السنوي يغطي ويتستر على هذا التمايز الطبقي المتفاقم. ويزيد في الطين بلة ذلك الفساد المالي السائد بالبلاد.
*** كما يبرز التمايز لا في توزيع الدخل القومي فحسب، بل وفي إعادة توزيعه في المجتمع من خلال الخدمات العامة والاجتماعية التي يفترض أن تقدمها الدولة للجميع وبالتساوي (أي استخدام وتوزيع حصة الاستهلاك الاجتماعي). 
وفي الختام أشير إلى أن الأستاذ الدكتور مظهر محمد صالح قد أثار الكثير من النقاط الأخرى التي تستحق البحث والتحليل والمناقشة في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في موضوع المواطنة والأمة والعولمة وغيرها. ولكن هناك الكثير من الكتاب الاقتصاديين الذين لا شك سيخوضون النقاش أيضاً، إذ لدى العراق من علماء الاقتصاد ما يكفي لأكثر من دولة للمشاركة في تقدمها وتطورها، ولكنهم جميعاً تقريباً مبعدون، ومن يعمل منهم لا يجد ما يسعده على تقديم ما لديه من علوم ومعارف وخبرات تفيد الوطن والشعب وتقدم الاقتصاد الوطني. وهكذا هو حال علماء الاجتماع وعلماء علم النفس الاجتماعي والطب النفسي وبقية الاختصاصات العلمية التي تخضع اليوم كلها لوزارة التعليم العالي التي تقاد من شيوخ دين لا يمتون إلى العلم بصلة ونزعوا عن الوزارة العلم وأبعدوا العلماء.   
إن الشكر يتوجه للزميل الدكتور مظهر محمد صالح لنشره هذه الدراسة التي تسهم في تنشيط وتطوير النقاش لا بين الاقتصاديين وفي شبكتهم الاقتصادية الخاصة على أهميتها، بل وبين الناس والمهتمين بالشأن العراقي المتعدد الجوانب.
4/5/2014                   كاظم حبيب


100
كاظم حبيب
أراء حول الطبقة الوسطى بالعراق وقضايا اقتصادية أخرى
2-3
نشر الزميل الفاضل الأستاذ الدكتور مظهر محمد صالح دراسة جادة، كما في كتاباته الأخرى، عن "الطبقة الوسطى في العراق" وعن تطورها التاريخي منذ نشوء الدولة العراقية الحديثة وعن التغيرات التي طرأت عليها وواقعها الراهن ودورها في التحولات المنشودة بالعراق. كما عرض تحليلاً لبنيتها الداخلية بالارتباط مع طبيعة النشاطات التي تمارسها ومستوى دخلها ونوعية حياتها. وهنا أدلو بدلوي المتواضع في هذا الصدد.
الدولة الريعية والنظام السياسي بالعراق
يتفق أغلب الباحثين الاقتصاديين العراقيين، إن لم نقل كلهم، على إن الريعية هي السمة الأساسية المميزة والمتحكمة بالدولة والاقتصاد والمجتمع بالعراق، كما إنها المولدة للنظم السياسية غير الديمقراطية والدكتاتورية بالارتباط مع طبيعة علاقات الإنتاج السائدة. فالاقتصاد والمجتمع بالعراق يعتمدان على إيرادات النفط الخام السنوية في تكوين أكثر من نصف الدخل القومي وأكثر من 95% من ميزانيته الاعتيادية، مع غياب فعلي وعملي للتنمية والميزانية التنموية في المرحلة الراهنة. أي أن استخراج وتصدير النسبة العظمى من النفط الخام هو الذي يجلب للعراق هذه النسبة العالية من الدخل القومي، ولكن في ذات الوقت يستخدم الحكام نسبة عالية من هذا المورد المالي لاستيراد السلع الاستهلاكية والكمالية دون أن يوجهوا نسبة مناسبة منه لأغراض التثمير الإنتاجي في الاقتصاد العراقي. أي أن الاقتصاد العراقي كان وما يزال وحيد الطرف ومشوه في بنيته الداخلية والذي يتجلى بوضوح في تشوه بنية المجتمع الطبقية أيضاً. والتخلف الذي يعاني منه العراق يتجلى بشكل صارخ في مجموعة من المؤشرات الأساسية منها ضعف شديد إلى حد غياب الصناعات الوطنية التحويلية الأساسية التي يستوجبها بناء القاعدة المادية الصلبة للاقتصاد العراقي إذ تتوفر بالبلاد كل الإمكانيات الضرورية للنهوض بصناعة وطنية تحويلية حديثة ومتنوعة وواسعة وغير ملوثة للبيئة. كما ينعكس ذلك في طبيعة القطاع الزراعي المتخلف جداً في هيكله الإنتاجي وإنتاجيته بسبب تخلف القوى المنتجة المستخدمة في الزراعة. إن التخلف الحقيقي والعام بالعراق لا يتجلى في ما أشرنا إليه فحسب، بل وفي طبيعة العلاقات الإنتاجية السائدة فيه من جهة، وتخلف وتدهور مستوى قواه المنتجة المادية والبشرية وفي مستوى التعليم والبحث العلمي النظري والتطبيقي، في مستوى الجهل والأمية في الريف وخاصة بين النساء وانتشار الفكر الظلامي بين الفلاحين بعد عقود من الاستبداد والقهر والحروب والتجويع من جهة ثانية.
هذا الواقع المريض، وكما برهنت تجربة الفترة 1980-2003، يشير إلى أن الاقتصاد العراقي مكشوف على الخارج تصديراً واستيراداً، وبالتالي فهو مكشوف على الاقتصاد الدولي في تكوين دخله القومي وفي بنية هذا الدخل وفي توزيعه واستخدامه. وينشأ عن ذلك ارتباط عضوي بين دور العامل الدولي أو الخارجي وبين مستوى معيشة وحياة الفرد العراقي. ويمكن التدليل على ذلك من مقارنة بسيطة بين متوسط حصة الفرد الواحد من الدخل القومي في العام 1979 ومستواه في أعوام النصف الأول من العقد الأخير من القرن العشرين مثلاً، ومن ثم في الفترة التي تم الاتفاق على قاعدة "النفط مقابل الغذاء"، أو بين تلك الفترة والعام 2013 مثلاً. والأوضاع المأساوية التي عاشها الشعب العراقي في سنوات الحصار الاقتصاد الدولي العجاف (13 سنة) تؤكد للجميع وبما لا يقبل الشك عن مدى مكشوفية العراق على الاقتصاد الدولي ومدى اعتماده السلبي على اقتصاد النفط الخام وموارده المالية.
إن هذه السمات تسمح للباحث تأكيد ما يلي:
* أن الاقتصاد العراقي يشكل جزءاً من تلك الدوائر المتخلفة التي تدور في فلك المراكز الأساسية الثلاث للنظام الرأسمالي العالمي، وأن العراق يشكل جزءاً من هذا النظام الرأسمالي الدولي، ولكنه ضمن جزئه المتخلف والتابع وغير المتكافئ. وهذه الحقيقة ناجمة عن واقع تشوه عملية إعادة الإنتاج أو مجمل العملية الاقتصادية بمراحلها الأربعة (الإنتاج والتوزيع والتبادل والاستهلاك). واشتدت هذه التبعية في العقدين الأخيرين بسبب القفزة الكبيرة في العولمة والتي ارتبطت عضوياً بالثورة العلمية والتقنية والإنفووميديا على صعيد الاقتصاد والحياة الاجتماعية والثقافية والبيئية والعسكرية، إضافة إلى الآثار المتناقضة لغياب الحرب الباردة بين المعسكرين وبوادر العودة إليها مجدداً ولكن على وفق أرضية وقواعد جديدة بسبب تراجع حلم إقامة إمبراطورية القرن الواحد والعشرين، إمبراطورية الولايات المتحدة الأمريكية حسب التعبير الذي استخدمه زبغنيو بريجينسكي Zbigniew Brzezinski ، والذي بدأ يبشر اليوم باحتمال نشوب حرب عالمية ثالثة.
إن تخلف الدول النامية كالعراق يبرز بشكل خاص في مجالات التعليم والبحث العلمي ومستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية، إضافة إلى انتشار الأفكار الدينية المضللة والمشوهة للعلم والعلمانية ودورهما في بناء الدولة والمجتمع والاقتصاد الوطني والثقافة. وهذا الدور السلبي للدين ناشئ عن الدور والمستوى الضحل لثقافة أغلب شيوخ الدين وغياب عملية التنوير الديني والاجتماعي وخلق صدام فكري وسياسي واجتماعي وثقافي بين الدين والعلم بدلاُ من الفصل بينهما وسعيهم المحموم لرفض العلم والعلماء.     
* وإن العملية الاقتصادية الجارية بالعراق هي عملية متخلفة ومشوهة ومحبطة للنمو الاقتصادي والدخل القومي، أو بتعبير أدق إن عملية إعادة الإنتاج الموسعة الضرورية للنمو والتطور الاقتصادي وإغناء الثروة الوطنية من خلال تنمية وتطوير اقتصاد النفط الخام بصناعات تحويلية لا تتم بشكل موسع عملياً في الاقتصادي العراقي بل تستكمل دورتها في الاقتصاد الدولي بتبعية مكشوفة وتبادل غير متكافئ يعرقلان تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومنع التراكم الرأسمالي في الاقتصاد الوطني وإضعاف معدلات النمو لزيادة الثروة الاجتماعية من خلال عملية إعادة الإنتاج الموسعة. وهذا يعني بدوره إن الاقتصاد العراقي عاجز حتى الآن عن تطوير عملية إعادة الإنتاج الموسعة في الصناعة والزراعة التحويلية، إذ لا يمارس عملية توسيع الاستثمارات والتثمير الإنتاجي في هذا القطاعين الأساسيين بشكل خاص، وبالتالي فهو لا يحقق التراكم الرأسمالي فيهما وفي مجمل الاقتصاد الوطني ولا يغنيان عملياً الثروة الوطنية، كما لا يخلقان فرص عمل جديدة فيهما ولغيرهما بصورة مباشرة وغير مباشرة. إذ إن عملية التراكم وما ينجم عنها من إغناء للثروة الاجتماعية تتمان في الاقتصاد الدولي وبعيداً عن الاقتصاد العراقي، إذ أن الاقتصاد الدولي يستعيد نسبة عالية من الأموال المدفوعة عن استيراد النفط الخام عبر استيرادات العراق للسلع الاستهلاكية من الاقتصاد الدولي ليعيد توظيف نسبة عالية منها في اقتصاد تلك الدول الرأسمالية المتقدمة والمصدرة للسلع الصناعية والزراعية الاستهلاكية والكمالية إلى العراق، وهي لا تساهم في تصدير السلع الإنتاجية أو المساهمة في تنمية القطاعات الإنتاجية. وهكذا يبرز بوضوح أن العملية الاقتصادية بحلقاتها الأساسية تستكمل في الاقتصاد الدولي وليس في الاقتصاد العراقي وما يتم في الاقتصاد العراقي هما مرحلتا التوزيع والاستهلاك. وهما حلقتان لا تسهمان في توفير فرص عمل مناسبة للاقتصاد العراقي، في حين إن حلقة الإنتاج بشكل خاص هي التي تسهم في توفير فرص عمل كثيرة للاقتصاد الدولي.
* إن هذه الحالة تتسبب دوماً في خلق أزمات ومشكلات حادة للاقتصاد والمجتمع بالعراق وإلى شتى المحن، كما حصل حين فرض الحصار الاقتصادي الدولي على العراق وتوقف تصدير النفط ثم سمح له بالتصدير بمقادير محددة قادت إلى حصول كوارث للسكان إضافة إلى كوارث الدكتاتورية والحروب.
إن التجارب الغنية للعراق على مدى العقود المنصرمة وتجارب الكثير من الدول الريعية تؤكد أن الاقتصاد الريعي ساهم ويساهم بشكل استثنائي في حرث الأرضية الصالحة لظواهر سلبية فعلت فعلها المأساوي والكارثي في الاقتصاد والمجتمع والتي يمكن تلخيص البعض منها في النقاط التالية:
1.   اقترن اكتشاف وتصدير النفط الخام العراقي بالمنافسة الدولية الحادة وبخضوع العراق للاحتلال بهدف السيطرة الكاملة على منابع النفط واستخراجه وتسويقه واستغلال الشعب العراقي أسوأ استغلال. بدأ هذا التنافس على العراق ونفطه قبل الحرب العالمية الأولى وفي فترة حكم الدولة العثمانية بالعراق واستمر طيلة الحكم الملكي والجمهوريات الخمس التالية، ثم تجلى بشكل صارخ في الحرب الأمريكية- البريطانية الأخيرة في العام 2003 والتي لم تكن بعيدة بأي حال عن موضوع النفط الخام.
2.   واقترن بدء استخراج وتصدير النفط الخام بالعراق وزيادة الكميات المصدرة منه بنزيف غير منقطع ومتزايد للدم العراقي، بحيث أصبحت كلمة النفط في الميثولوجيا الشعبية الحديثة تقابل كلمة الدم. ففي واحدة من الأهازيج الشعبية الحزينة والاحتجاجية كان سكان الجنوب والوسط، وهي المنطقة الغزيرة بالنفط الخام والغاز الطبيعي، تقول : 5% من النفط ما طاح بدينية يا علي الله وأكبر!!، أي إن الشعب العراقي لم يستفد حتى بنسبة 5% من إيرادات العراق النفطية.
3.   وهذا يعني أن الدولة التي كان يراد لها أن تكون دستورية مدنية وديمقراطية وبرلمانية في العام 1921 حسب الدستور الملكي وقبل البدء باستخراج وتصدير النفط الخام، تحولت إلى دولة غير ديمقراطية، وأصبحت حتى بعد الغاء قرار الانتداب واقعة تحت الهيمنة السياسية البريطانية غير المباشرة وهيمنة العلاقات الإنتاجية الإقطاعية، حيث تراجع فيها الالتزام بحقوق الإنسان وحقوق المواطنة وحقوق القوميات ونحي الدستور جانباً وتم تزييف الحياة البرلمانية. وقاد هذا الوضع وغيره إلى ثورة تموز 1958. ولكن سرعان ما اختفى إشعاع الثورة القصير وهيمنت الدكتاتورية ابتداءً من شباط 1963 حيث فرضت الأساليب السياسية الفاشية في الحكم والمناوئة للشعب وحقوقه ومصالحه الأساسية. وبهذا المعنى كتب الدكتور أحمد علوي بصواب في مقال له عن "الاقتصاد الريعي ومعضلة الديمقراطية" ما يلي: " تتناسب العلاقة بين العملية الديمقراطية عكسياً مع ازدياد صادرات النفط، أي أنه كلما ازدادت المداخيل النفطية للدول المنتجة للنفط ، تصاب العملية الديمقراطية بالخلل وتتراجع الحريات السياسية. وهذا على عكس ما يجري في البلدان المتطورة. فاستناداً إلى الأبحاث المختلفة، فإن حال الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات السياسية في البلدان المتطورة تتناسب طردياً مع زيادة الناتج الإجمالي الداخلي ومع دخل الفرد(Huntington 1991).  وعلى خلاف ما يجري في الدول المتطورة، فلا تؤدي الزيادة في مداخيل الدولة أو الدخل الوطني في الدول التابعة والريعية إلى التطور السياسي." (راجع: د. أحمد علوي، تعريب عادل حبة. "الاقتصاد الريعي ومعضلة الديمقراطية". الحوار المتمدن-العدد: 3540-2011/11/8).   
4.   وفي مثل هذه الدولة الريعية ومع تنامي إيرادات النفط الخام المصدر نشأت وتواصلت حالة من الاتكالية لدى الحكام على موارد النفط الخام المصدر وتم إهمال بقية القطاعات الاقتصادية وتراجعت السياسات الضريبية والجمركية وتبرز ظواهر سلبية حادة في الدولة والمجتمع. وجد هذا الاتجاه في الحكم تأييداً واسعاً من الدول الرأسمالية المتطورة التي لا تريد للدول النامية، ومنها العراق، أن تخرج من دائرة التخلف والدوران في فلك المراكز الرأسمالية الدولية. ويمكن إيراد عشرات الأمثلة على هذه السياسة وعلى الدول التي عانت منها.
5.   وأبرز تلك الظواهر يجدها الباحث في تراجع فرص العمل في القطاعات الإنتاجية التحويلية لغيابها من جهة، ولزيادة التوظيف والاستخدام في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية وينشأ التضخم فيها. وتبدأ هذه الأجهزة باستنزاف نسبة مهمة من إيرادات النفط أو من الدخل القومي. وفيها تبرز بوضوح محاولة الحكام المستبدين استرضاء الناس بهذه الطريقة البائسة والمضرة بالاقتصاد الوطني وبالمجتمع. ولكن في ذات الوقت تنشأ ظاهرة مقصودة وهادفة تشير إلى حالة الارتباط والتبعية لفئات الموظفين والمستخدمين للدولة الريعية والحكم القائم والتي يسعى الحكم إلى إخضاع إرادة هذه الفئات له ويدفع بهم ليكونوا ضد المجتمع وإرادته وحاجاته ومصالحه الأساسية. إنها معضلة كبيرة حيث تصبح الأجهزة المدنية والعسكرية ونسبة عالية من السكان من أفراد عائلات الموظفين والمستخدمين خاضعة في معيشتها ونوعية حياتها للدولة الريعية ولإرادتها ومصالح الفئة الحاكمة المستبدة والرثة تفكيرها وممارساتها.
6.   كما تنشأ حالة أخرى من التبعية والمصالح المشتركة بين الفئة الحاكمة المناهضة لإرادة ومصالح الشعب في الدولة الريعية وبين الدول المستوردة للنفط الخام والمتحكمة بسوق النفط الدولي. فحين تتعرض مصالح المستوردين للنفط الخام إلى مخاطر معينة، مثل التأميم أو إجراء تعديلات على الامتيازات القديمة، كما حصل حين صدر قانون رقم 80 لسنة 1961 بالعراق وحين بدأ العراق يتعامل مع الدول الاشتراكية، وخاصة مع الاتحاد السوفييتي لتطور قطاع الصناعات الوطنية التحويلية، بدأت الدول الرأسمالية الكبرى وشركات النفط الاحتكارية الدولية بالتآمر ضد النخبة الحاكمة والنظام السياسي لإسقاطهما والمساعدة في تسلم السلطة من قبل أعوانها، كما حصل في انقلاب شباط الدموي والفاشي في العام 1963 ضد الجمهورية الأولى وحكومة عبد الكريم قاسم، حيث وصل الانقلابيون إلى الحكم بقطار أمريكي، كما ثبت أخيراً لا بتصريحات علي صالح السعدي وغيره من قادة الانقلاب الدموي فحسب، بل ومن قبل السفير الأمريكي ببغداد بعد إسقاط الدكتاتورية ولمنع الشيوعيين من الوصول إلى الحكم على حسب تعبيره ورأيه.
7.   ومن الظواهر البارزة في وجهة نشاط القوى الحاكمة في الدولة الريعية، وبسبب نشوء العداء بين السلطات الثلاث وبين الغالبية العظمى من المجتمع لغياب الديمقراطية والحياة الدستورية وتفاقم الفساد المالي والإداري، سعي الحكام الواضح لامتلاك ترسانة كبيرة من السلاح والتحول إلى عسكرة الاقتصاد وتشكيل قوات عسكرية (الجيش والشرطة والأمن الداخلي والأجهزة الخاصة والمخبرين السريين)، لأنها تريد بذلك إسكات الشعب وقمعه ورفض مطالبه والبقاء في السلطة. ويمكن أن نتابع هذه الحقيقة في ما حصل ويحصل حتى الآن بالعراق وبدول الخليج كلها دون استثناء، إضافة إلى الدول العربية الأخرى والدول النامية عموماً. وكان في مقدور المبالغ التي وجهت حتى الآن للأغراض العسكرية من جانب الحكومات العراقية المتعاقبة مثلاً أن تخلق أجواءً رائعة من الحرية والديمقراطية وممارسة حقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية وتنمية الاقتصاد الوطني والتشغيل الواسع وتحسين مستوى معيشة وحياة الشعب بفئاته كافة. ولكن هذا لم يحصل في الدول النامية والتابعة خلال العقود المنصرمة ولا يمكن أن يحصل فيها إذا استمرت العلاقة السائدة حالياً بين موارد النفط المالية والديمقراطية والتي هي عكسية تماماً، وما لم يجر تغيير فعلي في البنية الاقتصادية والسياسية في الدولة والمجتمع. وحكم صدام حسين هو النموذج السابق من جهة، والنموذج الجديد للحكم الطائفي السياسي الذي يقوده نوري المالكي هو النموذج الجديد والمماثل من جهة أخرى، باعتمارهما نموذجين صارخين على هذا الطريق وتلك العلاقة العكسية بين موارد النفط المالية والديمقراطية.
8.   إن هطول الأموال الشديد من اقتصاد النفط الخام المصدر كالمطر على رؤوس الحكام في الدولة الريعية، ومنها العراق، أدار وما يزال يدير رؤوسهم وخرب وما يزال يخرب عقولهم ودفع وما يزال يدفع بهم إلى الشعور بالقوة والعملقة، ومن ثم التوجه صوب إقامة أكبر ترسانة للأسلحة الدفاعية والهجومية في آن واحد ليستخدموها في حل مشكلاتهم في الداخل ومع الخارج بقوة السلاح. ويصبح شعار هذه الدولة وحكامها " الحق هو القوة، والقوة تعني الحق، وأن ما يعتقدون به حقاً لهم يجب أن ينتزع بالقوة. وتبدأ لدى هؤلاء الحكام الرغبة في التوسع. وهنا يمكن إيراد مثالين هما إيران والعراق. حين بدأت الدولة الخمينية بمحاولة التوسع في نشر الثورة الإيرانية والمذهب الشيعي في الدول المجاورة وإلى أبعد المناطق ومن ثم ما حصل بينها وبين العراق. والمثال الثاني هو الدولة الصدامية في حربها ضد إيران واحتلال الكويت. ويمكن أن نتابع سياسات السعودية وقطر وتدخلهما الفظ في شؤون الدول الأخرى في المنطقة على سبيل المثال لا الحصر.
إن الرغبة في التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي والعسكري بالعراق يتطلب ويستوجب تبني القوى الوطنية والديمقراطية العراقية سياسة الضغط المتواصل على الحكومات العراقية التي ستأتي لاحقاً، أو إن جاءت هي إلى السلطة، توجيه نسبة عالية من موارد النفط المالية صوب التنمية الإنتاجية والبنية التحتية، صوب التصنيع التحويلي المحلي وتطوير القطاع الزراعي وتغيير بنيتيهما لضمان مجموعة من المهمات الأساسية لمستقبل العراق وأجياله القادمة:
أ‌.   الاهتمام باقتصاد النفط يفترض أن يرتبط بالمسائل التالية:
***  مدى الحاجة للموارد المالية التي يفترض أن تتحقق للعراق من استخراج وتصدير النفط الخام بالارتباط مع عملية التنمية الشاملة وحاجة الاستهلاك المحلي.
*** مدى الحاجة لاستخدام النفط والغاز الطبيعي لعمليات التصفية والتكرير والصناعة التحويلية.
***أن يحتفظ العراق بنفطه الخام, باعتبارها ثروة ناضبة, للأجيال القادمة، إذ سيبقى ولعقود قادمة مطلوب عراقياً وعالمياً.
ب‌.   تغيير البنية الأحادية للاقتصاد العراقي وتقليص اعتماده على النفط الخام وتقليص مكشوفيته على الخارج.
ت‌.   التوجيه الواعي والهادف لموارد النفط المالية لصالح عملية التنمية وتغيير بنية الاقتصاد، بما في ذلك البنية التحتية وتحديثها بما يسهم في تعجيل عملية التنمية والتحديث للاقتصاد والمجتمع.
ث‌.   تغيير البنية الطبقية في المجتمع لصالح الطبقة البرجوازية الصناعية المتوسطة والصغيرة والطبقة العاملة وفئة المثقفات والميثقفين باعتبارها الطبقات الوطنية الحاملة للدولة المدنية الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي الحديث، وما يرتبط بذلك من تغيير للوعي السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتنوير الديني.
ج‌.   توفير فرص عمل للأعداد المتزايدة من العاطلين عن العمل في دولة يشكل الأطفال والشباب نسبة عالية من السكان.
ح‌.   تحسين مستوى معيشة الأفراد، وخاصة المنتجين والطبقة الوسطى والتخفيف من حجم الجهاز الخدمي، وخاصة الإداري والعسكري، لصالح القطاع الإنتاجي. 
خ‌.   المساهمة في توفير الأمن الاقتصادي للعراق، بما في ذلك مشكلة شحة المياه، الذي يمكن أن يتعرض في كل لحظة لمخاطر جدية عرفها العراق خلال العقود الثلاثة المنصرمة.
د‌.   تغيير البنية النوعية للتربية والتعليم المهني والتعليم العالي بمختلف مستوياته والبحث العلمي النظري والتطبيقي بما يسهم في توفير مستلزمات النهوض بالتنمية الوطنية الشاملة والممنهجة والموزعة على برامج وخطط اقتصادية واجتماعية مستندة إلى الجدوى الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع وآفاق تطوره.   
4/5/2014                   كاظم حبيب             يتبع

101
كاظم حبيب
أراء حول الطبقة الوسطى بالعراق وقضايا اقتصادية أخرى
الحلقة 1-3


نشر الزميل الفاضل الدكتور مظهر محمد صالح دراسة جادة، كما في كتاباته الأخرى، عن "الطبقة الوسطى في العراق" وعن تطورها التاريخي منذ نشوء الدولة العراقية الحديثة وعن التغيرات التي طرأت عليها وواقعها الراهن ودورها في التحولات المنشودة بالعراق. كما عرض تحليلاً لبنيتها الداخلية بالارتباط مع طبيعة النشاطات التي تمارسها ومستوى دخلها ونوعية حياتها.
وبسبب أهمية هذا الموضوع وأهمية التحليلات والآراء التي طرحها الزميل صالح في هذه الدراسة والتي نتجت عن وجوده في خضم الواقع الاجتماعي وفي قلب الأحداث الجارية بالبلاد منذ عدة عقود ومشاركته في التدريس أو عمله كنائب سابق لمحافظ البنك المركزي أزيح منه خارج نطاق الشرعية الدستورية وقانون البنك المركزي، نشّطت لديّ، وربما ستنشط لدى آخرين، الرغبة في المناقشة والإدلاء بدلوي من خلال العودة إلى بحث قضايا اقتصادية واجتماعية ونفسية مهمة تمس بنية المجتمع مباشرة بعد أن أشغلتنا السياسة بمشكلاتها وأبعدتنا عن التفكير النظري بما جرى ويجري بالعراق من تغيرات وتحولات طبقية واجتماعية عميقة الأثر في أفعال الإنسان وتصرفاته ومواقفه والتي ارتبطت بالدكتاتورية والقمع والحروب والحصار والاحتلال والطائفية السياسية والإرهاب والفساد وغياب الرؤية الإستراتيجية السليمة والخطط الاقتصادية العقلانية عن رؤية الدولة الحكم بالعراق، وهي كلها أسباب وظواهر ونتائج تستوجب وتستحق الدراسة والبحث والتمحيص من جانب الاقتصاديين والاجتماعيين وعلماء علم النفس الاجتماعي، مع حقيقة أساسية يفترض أن لا تنسى هي أن السياسة والاقتصاد هما وجهان لعملة وعملية واحدة متلازمة، كما يتبين ذلك من مضمون الدراسة التي قدمها لنا السيد الدكتور مظهر محمد صالح. فالسياسات الصائبة تنتج سياسات اقتصادية جيدة، والسياسات  الرثة تنتج اقتصاداً رثاً، والعكس صحيح أيضاً. إلا إن كل ذلك يرتبط بصورة عضوية بطبيعة وبنية الفئات الحاكمة ونهجها السياسي والاقتصادي والاجتماعي في ماضي العراق القريب وحاضره. 
يطرح الدكتور مظهر محمد صالح مجموعة مهمة من المسائل الحيوية للمناقشة، سواء جاءت بصورة مباشرة أم غير مباشرة، والتي وجدت مفيداً ومناسباً تلخيصها في نقاط أساسية، وأملي أن لا أكون قد أخطأت في تلخيصها فيما يلي:
** ما هو مفهوم الطبقة الوسطى ومدى علاقته بالتحليل الطبقي للمجتمع، وما هو الموقع الذي تحتله شرائح هذه الطبقة في عملية إنتاج وتوزيع الدخل القومي؟ وما هي الحدود الفاصلة بين هذه الفئات أو الشرائح في إطار الطبقة الوسطى؟ 
** ما هو موقع فئة المثقفين، باعتبارهم جزءاً من البتي برجواز أو الطبقة الوسطى، وما أهمية دورهم بالعراق على وجه التحديد؟
** ما هي السمات التي تميز الدولة الريعية العراقية وما حجم مكشوفيتها على الخارج في إطار العولمة الرأسمالية الجارية؟ وما هي العلاقة بين الدولة الريعية والاستبداد ومصادرة الدستور الحريات الديمقراطية والعسكرة؟
** ما هو الموقف من القطاعين العام والخاص في دولة ريعية كالعراق؟
** وما أهمية الحديث عن معدل حصة الفرد الواحد من الناتج المحلي الإجمالي السنوي في إنتاجه وتوزيعه في دولة ريعية كالعراق؟
** وأخيراً وليس آخراً كيف يمكن للقوى السياسية الديمقراطية أن تستفيد من مثل هذه الدراسات في التحالفات السياسية الوطنية والديمقراطية؟
إن المواضيع والأسئلة الكثيرة التي تثيرها هذه الدراسة المرتبطة عضوياً بالاقتصاد والمجتمع والطبقة الوسطى والإجابات التي يقدمها الدكتور مظهر محمد صالح عنها تشير إلى أهمية وغنى الدراسة من حيث تأشيرها لطبيعة الاقتصاد العراقي وبنية المجتمع والمشكلات الكبيرة التي تواجه العراق في هذه المرحلة الحرجة والمعقدة من تاريخ العراق المعاصر من جهة، والتي تتطلب بدورها خوض النقاش والتحليل واستخلاص النتائج والاستنتاجات الضرورية من قبل المختصين ومراكز البحث العلمي والمجتمع من جهة أخرى. كما إنها ذات أهمية كبيرة للأحزاب السياسية الوطنية التي تتسم بالجدية والحرص على المجتمع واقتصاد العراق وعلى تأمين التحالفات المناسبة لعمليات التغيير المنشودة. 
مفهوم الطبقة الوسطى
أصبح مفهوم الطبقة الوسطى شائعاً ومستخدما في الكثير من الأدبيات الاقتصادية على الصعيد العالمي والذي يراد له، كما يبدو، أن يحل محل التحليل الطبقي للمجتمع بشكل عام ومنه المجتمع العراقي. فما هو مفهوم ومضمون الطبقة الوسطى؟
استند المفكرون والعاملون بالشؤون الاقتصادية في استخدام مصطلح "الطبقة الوسطى" إلى وجود جماعات بشرية تقف في كل مجتمع من المجتمعات وفي ظل هذا النظام الاقتصادي أو ذاك بعلاقاته الاجتماعية المميزة بين الطبقتين الرئيستين في المجتمع، بين السادة والعبيد، بين الإقطاعيين والفلاحين، بين البرجوازية (الرأسماليين) والطبقة العاملة. فهم خليط من البشر لا ينتمون إلى مهنة واحدة أو عمل واحد، ولا إلى أيديولوجية أو فكر واحد, ولا إلى مصالح أو إرادة واحدة، كما أنهم يعيشون في مستويات وأوضاع اجتماعية متباينة. وعلى هذا الأساس استند توزيعهم إلى فئات عليا ووسطى ودنيا في إطار الطبقة الوسطى.
ولكن هذا التوزيع يفتقد من حيث المبدأ إلى التحليل الطبقي من حيث موقعها من وسائل الإنتاج في إطار علاقات إنتاجية محددة أو أسلوب إنتاجي معين. كما إنه يبتعد ويختلف عن المفهوم الماركسي للطبقة الاجتماعية. فالتعريف الماركسي يؤكد أن الطبقة جماعات كبيرة من البشر تتباين في ما بينها من خلال موقعها وعلاقتها بوسائل الإنتاج في إطار نظام اقتصادي اجتماعي قائم على أسلوب إنتاجي (نمط) محدد وعلى علاقات إنتاجية سائدة في المجتمع ومحددة لطبيعته، إضافة إلى دورها في تنظيم العمل الاجتماعي، ومن ثم حصتها من الثروة الاجتماعية المنتجة. وغالباً ما تكون علاقة هذه الجماعات بوسائل الإنتاجية مكرسة في الدستور وفي تشريعات وقوانين ملزمة. أي إنها خاضعة لطبيعة العلاقة بين هذه الجماعة البشرية وملكية وسائل الإنتاج وما ينجم عنها ويرتبط بها من تقسيم للعمل الاجتماعي ومن توزيع للثروة الاجتماعية. ولكن هذا التعريف العلمي غير ملزم للجميع، إذ أن هناك من يرى الأمور من زاوية أو منظور آخر كما في تحليل ماكس فيبر، عالم الاجتماع الألماني للطبقة عموماً وللطبقة الوسطى أيضاً مثلاً، كما أشار إلى ذلك السيد الدكتور مظهر محمد صالح.
إن التعريف الماركسي للطبقة الاجتماعية، حسب قناعتي، يتسم بالعلمية والعملية لأنه يستند إلى تلك العوامل الحاسمة التي تقرر في المحصلة النهائية شكل وطبيعة توزيع حصيلة العملية الإنتاجية أو الإنتاج المادي، بين مالك وسائل الإنتاج، سواء أكان سيداً أم إقطاعياً أم رأسمالياً من جهة، أو عبداً أو قناً أو عاملاً لا يملك سوى قواه الفكرية والعضلية من جهة أخرى. وفي المجتمع الرأسمالي تنشأ علاقة جديدة بين الرأسمالي أو البرجوازي المالك لوسائل الإنتاج وبين العامل المالك لقوة عمله تختلف تماماً عن العلاقات السابقة التي سادت في النظام العبودي أو في النظام الإقطاعي، إذ إنه يقوم بين مشترٍ لقوة العمل بما يملكه من رأس مال، وبين عامل حر مستعد لبيع قوة عمله، وهو من حيث المبدأ شراء وبيع حر في إطار القوانين الاقتصادية الموضوعية الخاصة والعامة السائدة في أسلوب الإنتاج الرأسمالي. فالعامل هنا يملك حريته في بيع قوة عمله لهذا الرأسمالي أو ذاك، ولكنه مجبر على بيعها لأي منهم لكي يستطيع العيش هو وأفراد عائلته. فهو حر من جانب وهو مجبر من جانب آخر على بيع قوة عمله في سوق العمل الخاضع للمنافسة، لقوانين العرض والطلب. وفي هذا اختلاف كبير عن بقية النظم الاقتصادية الاستغلالية السابقة للرأسمالية المستغِلة.
يتكون المجتمع الرأسمالي من الطبقة البرجوازية بفئاتها المختلفة والطبقة العاملة بمراتبها المتعددة، خاصة وأن العمل الفكري بدأ يتخذ مستويات متقدمة يجبر فيها الإنسان على بيع قوة عمله العضلية والفكرية، وبالتالي فأن الكتلة التي تتشكل منها شغيلة الفكر والعمل قد كبرت واتسع عدد أفرادها بالارتباط مع تطور وتقدم القوى المنتجة المادية منها والبشرية والتي تتجلى في التقنيات الحديثة التي ينتجها الإنسان وفي قدرات وكفاءات ومهارات ووعي القوى المنتجة البشرية ذاتها. كما إن التقنيات الحديثة قد قلصت إلى حدود بعيدة، وستقلص أكثر فأكثر في المستقبل، الحاجة للقوى العضلية لصالح استخدام القوى الفكرية عند الإنسان. وقد أشار إلى ذلك كلاسيكيو علم الاقتصاد منذ ما يقرب من قرنين ونراه الآن يتجلى في ثورة الاتصالات (الإنفوميديا) والعولمة الرأسمالية الجارية.     
بجوار هاتين الطبقتين الرئيستين في المجتمع الرأسمالي، البرجوازية والطبقة العاملة، يجد الباحث في المجتمع الرأسمالي فئات من البرجوازية الصغيرة مثل صغار مالكي وسائل الإنتاج من كسبة وحرفيين منتجين للسلع المادية التي تدخل ضمن الطبقة البرجوازية، كما أن هناك البتي برجواز كالطلبة والمثقفين وموظفي الدولة ... الخ الذين يشكلون فئات ومراتب تقع بين هاتين الطبقتين الرئيستين أيضاً، ولكنها ليست متجانسة من حيث جنس العمل أو العمل العضلي أو العمل الفكري الذي تحصل من خلاله على دخلها السنوي  ومستوى معيشتها ونوعية حياتها. في هذه المجموعة الكبيرة من الفئات الاجتماعية من البرجوازية الصغيرة والبتي برجواز يجد الباحث فيهم من يبيع قوة عمله الفكرية أو العضلية، ولكنه يملك في الوقت نفسه وسائل إنتاجه، وهناك من لا يملك شيئاً ولكنه ينحدر من عائلة برجوازية صغيرة، كما في حالة الطلبة، أو يعتاش على نتاجه الثقافي/ كالأدباء والكتاب وغيرهم.
نحن هنا أمام معيار أساسي يحدد طبيعة الطبقة وموقعها في العملة الإنتاجية لا يتحدد بمقدار الدخل الذي يكتسبه الفرد أو الجماعة فحسب، بل وبالأساس يتحدد بعلاقته بوسائل الإنتاج أو بملكيته أو عدم ملكيته لوسائل الإنتاج، ومنها بشكل خاص رأس المال أو الأرض أو قوة العمل.   
إن هذا التحديد ليس شكلياً بأي حال بل ينطلق من حقيقة أن هذه الملكية لوسائل الإنتاج، للرأسمال، هي التي تحدد قدرة هذا الشخص الرأسمالي على شراء قوة عمل الشخص الآخر غير المالك لوسائل الإنتاج (الرأسمال)، في حين أن الأخر هو مجبر على بيع قوة عمله لمن يمتلك وسائل الإنتاج لكي يستطيع الحصول على أجره اليومي ليصرف على عيشه وأفراد عائلته منه. وحين يشتري الرأسمالي قوة عمل العامل يتسنى له السيطرة على فائض عمل العامل، ذلك الجزء من وقت العمل الذي لا يدفع للعامل نتيجة استهلاكه لقوة عمله، وبمعنى آخر إن العامل ينتج بقوة عمله قيمة أكبر من القيمة التي دفعت له لاستخدام قوة عمله ساعات معينة في اليوم. وهذا الفرق في الوقت أو في السلع المنتجة هو الذي يطلق عليه بالوقت الزائد وبفائض القيمة (الربح والفائدة والريع)، الذي يشكل مع الأجر والمداخيل الفردية الدخل القومي السنوي لبلد ما، وهو جزء عضو من حجم الناتج الإجمالي الذي يتضمن الجزء المندثر والمستخدم من وسائل الإنتاج. (كاظم حبيب. العوامل المحفزة لنمو الدخل القومي. الموسوعة الصغيرة 15، منشورات وزارة الثقافة والفنون، بغداد 1978).   
حاول ماكس فيبر إضعاف هذه العلاقة المركزية التي تربط الطبقة بأسلوب الإنتاج الرأسمالي، أو بعلاقات الإنتاج القائمة، أي ملكية وعدم ملكية وسائل الإنتاج أو الرأسمال، بإضافته عوامل أخرى لتحدد مفهوم أو تعريف الطبقة، ولكنها لم تتمكن من انتزاع جوهر الفكرة الماركسية عن مفهوم وتعريف الطبقة التي صاغها فيما بعد لينين والتي أشرنا إليها في اعلاه.
إن الحديث عن الطبقة الوسطى فيه الكثير من الهلامية والتشوش بسبب طبيعة الخلطة الواسعة بين فئات ومراتب كثيرة يقترب بعضها أو يبتعد عن البرجوازية من جهة، وعن الطبقة العاملة من جهة أخرى. وهي تبدو غير مناسبة في الجانب السياسي ولا تسهل تحقيق التحالفات السياسية المنشودة لصياغة المهمات والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها الفئات الاجتماعية المختلفة في مراحل النضال المختلفة. إن الحديث عن الطبقة الوسطى يفترض أن لا ينسي الباحث لحديث التمايز الكبير القائم بين مراتبها المختلفة والتي أشار إليها الأخ الدكتور مظهر محمد صالح (الطبقى الوسطى العليا والطبقة الوسطى الوسطى والطبقة الوسطى الدنيا)، إذ لا بد في مثل هذه التحالفات أن تؤخذ مصالح مختلف الفئات والمراتب لأغراض التزام مصالحها وكسبها للبرامج التي تطرحها الأحزاب السياسية. فلو أخذنا، على سبيل المثال لا الحصر، جزءاً واحداً مهماً من كتلة الجماعات التي يطلق عليها مصطلح "الطبقة الوسطى" وأخضعناه للتحليل المجتمعي أو للتفكيك مثل فئة موظفي الدولة، لوجدنا فيها الغني المتخم والميسور والفقير المعوز. وهناك حقيقة تجلت في المزحة الواقعية الآتية التي غالباً ما تذكر في هذا المجال: حين سأل أحد الصحفيين فراشاً يعمل في إحدى دوائر الدولة العراقية عن راتبه الشهري، فكر قليلاً ثم أجاب: راتبي وراتب السيد المدير العام معاً 210 دينار عراقي (أيام كان الدينار ديناراً ويعادل 3,3 دولار أمريكي). فرد عليه الصحفي قائلاً: أنا أريد أن أعرف منك مقدار راتبك وليس راتبكما معاً. نظر الفراش إلى الصحفي بعدم ارتياح واضح وقال: أخي راتبي 10 دنانير لا غير! هذه الحالة فيها جانب آخر تشير إلى أن الفراش يدرك أنه يعاني من الفقر، ولكن ربما لا يدرك بالضرورة لماذا هو فقير، وهذه تنطبق على الفارق الكبير بين ما يشار إليه بوعي العامل بذاته ولذاته!
كتب الباحث المصري الصديق الأستاذ الدكتور رمزي زكي، الذي توفى مبكراً، في كتابه الموسوم "وداعاً للطبقة الوسطى" (إصدار دار المستقبل العربي، ط 1، القاهرة 1997، ص 84) عن الطبقة الوسطى بصواب ما يلي:
"ونأتي الآن لتحليل معنى مصطلح الطبقة الوسطى Middle Class. ونسارع هنا، بادئ بدء، إلى التنبيه، بأن هذا المصطلح هو –في الحقيقة- مصطلح هلامي وفضفاض، حيث يفتقد إلى الدقة العلمية، إذا ما استندنا على صرامة المفهوم العلمي لمصطلح "الطبقة"... أما مصطلح الطبقة الوسطى فهو يضم في الواقع كتلة واسعة من الفئات الاجتماعية التي تتباين في ما بينها تبايناً شديداً من حيث موقعها من عملية الإنتاج ومن ملكية وسائل الإنتاج، وتتباين، بالتالي، في حجم ما تحصل عليه من دخل. وإذا كان من المفترض، أن الطبقة، أذا تبلورت وجوداً وتمايزاً، تتسم غالباً بوحدة الوعي الطبقي بين أفرادها وتجانسهم، وبالتالي في المواقف الاجتماعية والسياسية، إلا إن هذا الانسجام غير موجود في حالة الطبقة الوسطى، حيث غالباً ما يسود بين صفوف هذه "الطبقة" مختلف ألوان الفكر الاجتماعي والسياسي. وبهذا، هناك من يرى، أنه من الأفضل أن نتحدث عن "طبقات وسطى" وليس طبقة واحدة". (عن الطبقات الوسطى راجع خلدون حسن النقيب: المجتمع الجماهير ومستقبل التنمية في المشرق العربي، ورقة قدمت إلى الحلقة النقاشية الحادية عشر للمعهد العربي للتخطيط بالكويت -1988). من هنا يمكن القول بأن استخدام هذا المصطلح فيه جانب سياسي ومجازي بشكل خاص.                 
يتضمن مصطلح الطبقة الوسطى فئات تساهم في إنتاج الدخل القومي، مثل فئات البرجوازية الصناعية المتوسطة والصغيرة المالكة لوسائل الإنتاج والمشاركة في إنتاج السلع المادية في آن، ولكنها تتضمن أيضاً من لا يشارك في إنتاج القيم المادية، ولكنه يشارك في إنتاج القيم الروحية، ورغم التباين في ذلك فهما ضروريان للإنسان، رغم أن الأخير لا علاقة له بوسائل الإنتاج ولا يملكها. ولكن هذه الفئات تشارك في اقتسام الدخل القومي ولها حصة منه، رغم إنها لا تنتجه. 
 كما لا بد من إبعاد الفئة العليا من مصطلح الطبقة الوسطى بالعراق لأن هذه الفئة الواسعة نسبياً قد أصبحت ضمن البرجوازية البيروقراطية الطفيلية واتسعت علاقاتها ومصالحها المباشرة وغير المباشرة بفئة البرجوازية العقارية والبرجوازية المقاولة والكومبرادور التجاري، وهي بهذا الموقع لم تعد دافعة للتقدم والتطور بل كابحة لهما وخاصة في مجال التنمية الاقتصادية والتصنيع وتحديث الزراعة والعدالة الاجتماعية، إضافة إلى ابتعادها كلياً عن رغبة هذه الطبقة الوسطى في إقامة مجتمع مدني ديمقراطي. وهي بهذا المعنى أصبحت فئة رثة في الفكر والممارسة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتي تجد مدلولات ذلك في واقع العراق المعاش حالياً. لهذا يطرح السؤال المهم التالي: كيف هو حال العراق طبقياً في هذه المرحلة من مراحل تطوره المليئة بالتعقيدات والصعوبات والفوضى؟
من غير السهل ممارسة التحليل الطبقي بالعراق في وقت لا توجد إحصائيات دقيقة ومفيدة للبحث العلمي. فخلال الفترة الواقعة بين 1980-2014 وقعت بالبلاد أحداث جسام غيرت الكثير من بنية المجتمع العراقي وأثرت سلبياً على هذه البنية الطبقية من خلال تأثيرها المدمر على البنية الاقتصادية واختفاء الكثير من المنشآت الصناعية التي أقيمت خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية حتى العام 1979/1980. فهي فترة تفاقمت فيها الدكتاتورية وتعددت الحروب المدمرة، الداخلية منها والخارجية، والحصار الاقتصادي الدولي والاحتلال الأمريكي-البريطاني للعراق، ومن ثم إقامة الحكم الطائفي السياسي المقيت وتفاقم والإرهاب وانتشار الفساد المالي كنظام معمول به وسائد ووقوف العراق على حافة الحرب الأهلية نتيجة سياسات الدكتاتور الجديد والطائفي بامتياز رئيس الحكومة العراقية وغياب التنمية الاقتصادية على امتداد الفترة التي تقع بين 1980-2014. وقد تم تدمير الكثير جداً تلك المنشآت الصناعية ومنشآت البنية التحتية التي أقيمت في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية حتى أواخر السبعينيات من القرن الماضي.
يشهد العراق الراهن نموا مستمراً في فئة البرجوازية الطفيلية الموزعة على مجالات عديدة. بعضها يحتل مراكز مهمة في السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، وبعضها الآخر يعمل في المقاولات والعقار، والبعض الثالث يشرف على العقود وعلى اقتصاد النفط الخام، وبعضها الرابع يعمل في التجارة، ومنهم من يلتقي في طبيعة نشاطه بفئة الكومبرادور المرتبطة مباشرة بالشركات التجارية الأجنبية والتي تعمل لصالحها تلك الشركات ومصالحها الخاصة. إن هذه الفئات الطفيلية لا تعيش على حجم رواتبها ومدخولاتها العالية فحسب، بل وعلى السحت الحرام وأساليب نشاط غير مشروعة وتستنزف أموال الدولة من الداخل أيضاً. هذه الفئة الميسورة جداً التي تهّرب الكثير من أموال البلاد بالعملة الصعبة إلى الخارج ولها حساباتها في البنوك الأجنبية وقصورها العامرة يمكن اعتبارها من الفئات الرثة في سياساتها المتعددة الجوانب والمؤذية للمجتمع وللمدينة والريف في آن. وهي مناهضة عملياً للتنمية الاقتصادية والتقدم الحضاري بالبلاد. إنها تتوزع على الأحزاب الحاكمة ذات الخلفية الدينية الطائفية والقومية الشوفينية من الناحيتين الفكرية والسياسية. إنها فئات تلحق أفدح الأضرار بالمجتمع العراقي ومستقبل أجياله، إنها المأساة والمهزلة القائمة بالعراق حالياً. إن الواقع القائم بالعراق واتجاهات التطور الراهنة يدفع بهذه الفئة الاجتماعية خارج إطار الطبقة الوسطى ويصنفها في خانة الفئة الحاكمة الرثة المستغِلة للشعب وموارده المالية على طريقة القطط السمان والسحت الحرام وهي معرقلة لكل تقدم منشود للخروج من مستنقع الطائفية السياسية المقيت والمفرق للصف والنسيج الوطني والاجتماعي.
كما تنتشر بالبلاد مجموعة كبيرة من متوسطي وصغار الموظفين والعاملين في الأجهزة المدنية والعسكرية. وهم الذين يمكن إدخالهم في مصطلح "الطبقة الوسطى" والذين يتسلمون رواتبهم من خزينة الدولة وتعيش نسبة عالية من السكان، عائلات الموظفين والمستخدمين، على هذه الرواتب. وفي هذه المجموعة نجد فئة دنيا من حيث الراتب ومستوى المعيشة ونوعية الحياة وفئة وسطى، وهم الفنيون أو التقنيون والمدراء وضباط الجيش والشرطة والأمن الداخلي. ويمكن أن ندخل جمهرة كبيرة من المثقفين الذين يتوزعون في الغالب الأعم على المرتبة الوسطى والدنيا ولا نجد بينهم من الفئة العليا إلا النادر الذي أصبح جزءاً من الحكم ووعاظ السلاطين!
وبالعراق نجد اليوم جمهرة واسعة جداً من السكان تحسب على فئة أشباه البروليتاريا، فئة واسعة هامشية ورثة في مستوى معيشتها ونوعية حياتها وهي غير مسؤولة عن واقعها الراهن: كما إنها ليس بالضرورة رثة في فكرها، ولكنها في الغالب الأعم تعيش وضعاً فكرياً وثقافياً واجتماعياً متخلفاً. فهم في الغالب الأعم عاطلون عن العمل وعمال موسميون وباعة المفرد في الشوارع وجمهرة الحمالين والكناسين والشحاذين .. الخ. أنهم يعانون من الفقر المالي والفاقة الفكرية في آن، وهم الذين في الغالب الأعم يعيشون تحت خط الفقر وعلى هامش الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والذين تتراوح نسبتهم بين 20-25% من مجموع سكان العراق.   
أما الطبقة العاملة العراقية فقد تقلص حجمها ووزنها النوعي في البنية الطبقية العراقية الحالية وبالقياس إلى العقد الثامن (السبعينات) من القرن العشرين. وقد اتسع وجودها نسبياً في قطاع التنقيب عن النفط واستخراجه، في حين تقلص عددهم كثيراً في القطاع الصناعي التحويلي وفي الزراعة كعمال زراعيين كانوا يعملون في مؤسسات الدولة الزراعية وفي محطات المكائن والمعدات الزراعية في السبعينيات من القرن الماضي. وهذا العامل يرتبط بدوره بضعف البرجوازية الصناعية العراقية التي تراجع حجمها ووزنها النوعي ودورها وتأثيرها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لصالح البرجوازية الطفيلية والعقارية والمقاولة والكومبرادور التجاري والبيروقراطية. إنها البرجوازية الصناعية الوطنية المتوسطة التي لعبت دوراً مهماً في النضال الوطني بالعراق في الأربعينات والخمسينيات من القرن الماضي وكذلك في الستينيات ثم توجهت للمجمل البرجوازية الوطنية الضربة القاسية في تأميمات القوميين الناصريين العرب والحزب الاشتراكي العربي في العام 1964، والتي توجهت بشكل خاص ضد البرجوازية الصناعية العراقية.
إن ضعف حجم ودور البرجوازية الصناعية يقود إلى ضعف حجم ودور الطبقة العاملة، وهو ما نعيشه اليوم كما يقود إلى ضعف في الوعي الاجتماعي والسياسي ويتجلى في فكر وثقافة المجتمع في المرحلة الراهنة من جهة وإلى ضعف القدرة على بناء المجتمع المدني العراقي، إذ أن هاتين الطبقتين هما حمالتا المجتمع المدني الديمقراطي بالارتباط مع فئة المثقفين العراقيين ذات الدور المحدود حالياً، بسبب دور الحكومة الموجه ضد الفكر الثقافي الحر والديمقراطي ومكافحته بمختلف السل والوسائل ودعمها اللامحدود وتبنيها للفكر الأصفر البالي المرتبط بجمهرة من شيوخ الدين المتخلفين، وليس كلهم، وبالأحزاب الطائفية السياسية.
أما فئات الفلاحين فهم لا يعانون من شحة الماء وخصوبة الأرض المتدهورة فحسب، بل ويعانون من عودة المشيخات والمشايخ والإقطاع وتقاليده البالية وأساليب توزيع المحصول الزراعي إلى الواقع العراقي في الزراعة. ولم يعد هناك أي اهتمام فعلي بالزراعة وحياة الفلاحين والريف العراقي. وتغرق سياسة الحكومة البلاد بالسلع الزراعية والصناعية المستوردة مما لا يفسح أي مجال إيجابي لتطور الصناعة والزراعة بالبلاد. وقد تراجع نفوس سكان الريف لصالح سكان المدينة الفقراء والمعوزين والعاطلين عن العمل، ولصالح القوات العسكرية، الجيش والشرطة والأمن، إذ بلغ تعدادهم حالياً أكثر من مليون وربع المليون فرد. وهو أعلى رقم بلغه تعداد القوات المسلحة في تاريخ العراق كله.
ولا نتجاوز الحقيقة حين نقول بأن وعي الطبقة الوسطى في أغلبيتها ما يزال بعيداً عن الوعي الضروري لإدراك ما يجري بالعراق وما ينبغي أن يكون عليه كما لا يعي كل أفرادها بدورها في المجتمع، وبالتالي فأن هذه النسبة الكبيرة من هذه الفئة تساهم شاءت أم أبت في استمرار الوضع المأساوي القائم حالياً والمهدد بمخاطر جدية كثيرة. وإذا ما أضيف إليه ضعف الوعي لدى الفئات الاجتماعية الفقيرة والمعوزة من جهة، ودور الفئات الرثة الحاكمة من جهة أخرى، ودور المؤسسات والحوزات الدينية من جهة ثالثة، وتأثيرات دول الجوار والولايات المتحدة من جهة رابعة، لأدركنا عمق الأزمة والمحنة التي تواجه المجتمع العراقي في المرحلة الراهنة.     
أما فئة المثقفين فتعتبر ضمن فئات البتي برجوازية (small bourgeoisie) و(Petty- bourgeoisie) التي تشارك في بناء الإنسان فكرياً وثقافياً وروحياً واجتماعياً، وهي مؤهلة لأن تلعب دوراً إيجابياً بالعراق. وتاريخ العراق الحديث شاهد على دور هذه الفئة الاجتماعية الطليعية في الفترة قبل أو، وبشكل خاص، بعد الحرب العالمية الثانية حتى الوقت الحاضر بالرغم من كل الصعوبات والتعقيدات التي صاحبت وما تزال تصاحب عمل المثقفات والمثقفين. فئة المثقفين بالعراق موزعة على موقعين، على الداخل والخارج. ويمكن الادعاء بأن نسبة كبيرة حقاً من مثقفي ومثقفات العراق تعيش وتعمل في الخارج، ولكن يتوجه فعلهم في الغالب الأعم صوب الداخل ولصالح الداخل. أما النسبة الكبيرة التي تعمل في الداخل فموزعة على اتجاهات عدة ، فبعضهم أصبح جزءاً من وعاظ السلاطين والمدافعين عن المستبدين وعن الدكتاتورية أو النظام الطائفي وقادة هذا النظام، وهم من مشوهي ومعرقلي دور ومهمات الثقافة والمثقف، في حين يبذل البعض الآخر قصارى جهده لتغيير الحالة الراهنة لصالح الثقافة العراقية الحرة والديمقراطية ورفض المحاولات المستميتة لإبعاد المثقفات والمثقفين عن لعب دورهم المطلوب في الحياة الثقافية والاجتماعية وفي التنوير المطلوب لتغيير العقلية والحالة المزرية الراهنة التي يعيش الشعب تحت وطأتها. إن المثقفات والمثقفين الذين يعون دورهم الثقافي والاجتماعي هم حملة مشاعل الحرية والحياة الديمقراطية وهم الذين يشاركون بفعالية في إنارة الطريق صوب المجتمع المدني الديمقراطي وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية. ولكن هذه المشاعل يراد حجب نورها ودورها وتأثيرها عن الغالبية العظمى من أفراد المجتمع لصالح الفكر والطقوس المتخلفة المليئة بالخرافات وأعمال السحر والشعوذة والتي تقود إلى استمرار تخلف التنوير الديني والاجتماعي بالبلاد. ومع ذلك فأن فئة المثقفات والمثقفين تشكل، على وفق مصطلح الطبقة المتوسطة، وليس الشريحة العليا من هذه الطبقة، جزءاً مهما منها، والتي يمكنها أن تتحمل مسؤولية كبيرة في تخليص الفكر من تخلفه وتنوير عقول الناس لكي تسعى وتشارك في التغيير المنشود. رغم قناعتي بالدور المهم الذي يمكن أن يلعبه المثقفون، ومنهم التكنوقراط، في حياة البلاد الفكرية والثقافية والاجتماعية، فأن هذه الفئة لها دور مكمل وتنويري فاعل لدور البرجوازية الوطنية الصناعية المتوسطة والفئات المنتجة للخيرات المادية في عملية التحول صوب المجتمع المدني الديمقراطي الحديث الذي يفصل بدقة متناهية بين الدين والدولة وبين الدين والسياسة. وفي هذا احترام للدين وأتباع الديانات والمذاهب، وتكريس لديمقراطية الدولة وحياديتها إزاء الأديان والمذاهب.   
30/4/2014                  كاظم حبيب

102
كاظم حبيب
قائمة التحالف المدني الديمقراطي ضمانة أساسية للخلاص من الإرهاب والاستبداد والفساد والمحاصصة
نحن أمام الكثير من القوائم والأسماء المرشحة للانتخابات البرلمانية القادمة، ولكن نحن أيضاً أما تجارب غنية ومريرة مع الكثير من تلك القوائم التي عاشها الشعب العراقي خلال الأعوام العشرة المنصرمة، تجارب أذاقته مرّ العذاب والحرمان وموت الكثير من البشر على أيدي الإرهابيين والميليشيات الطائفية والبعثية المسلحة، على أيدي ممثلي الكثير من تلك القوائم الحاكمة بالعراق حالياً. نحن أمام تجارب مريرة أظهرت للشعب كيف ينهب علي بابا والأربعين حرامي الجدد إيرادات النفط المالية السنوية ولم توجه أو تستثمر لخير الشعب وتقدمه والدفاع عن مصالحه وتطور البلاد اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً. نحن أمام العديد من القوائم التي جلبت الرثاثة للشعب العراقي وللمدن العراقية والريف العراقي وأبقت بل وعمقت تلوث البيئة العراقية وصادرت حقوقه الأساسية. نحن أمام العديد من القوائم التي عمقت الطائفية السياسية والكراهية في المجتمع. نحن أمام من سعى ويسعى بعناد وإصرار غريبين على تقسيم الشعب بين مريدي الحسين بن علي بن أبي طالب وبين مريدي يزيد بن معاوية، وهي كذبة شنيعة لا تمت إلى العراق الراهن بصلة، وكان على القضاء الأعلى بالعراق تقديم قائله إلى القضاء لينال جزاء نشره مثل هذه الكذبة الشنيعة وسعيه لتقسيم الشعب وضرب وحدته الوطنية ونسيجه الاجتماعي. نحن أمام قوائم ضربت هوية الوطن والمواطنة لصالح قوائم فرعية مهلكة، بل وقاتلة، لأنها تشجع على التمييز بين المواطنين والمواطنات وتبعث على الصدام المسلح بين الناس بسبب التباين في الدين والمذهب أو الفكر. نحن أمام مجموعة من الناس برهنت خلال الأعوام العشرة المنصرمة أنها لا تستحق منحها أصوات الناس الطيبين من بنات وأبناء الشعب العراقي.
ولكن هناك بالمقابل قوائم وطنية وديمقراطية ترفض تلك السياسات وترفض نشر الأحقاد والكراهية، ترفض إثارة النعرات العشائرية والدينية والمذهبية والفكرية وتدعو إلى وحدة الصف الوطني والأخذ ببرنامج وطني وديمقراطي لتغيير الأوضاع السيئة القائمة. إذا كان العراق قد عاش مأساة قاسية ومريرة في زمن البعث وصدام حسين، فأنه اليوم يواجه احتمال العيش في أجواء المأساة والمهزلة في آن واحد، وهو ما ينبغي مواجهته بعدم منح الأصوات لمن عمل أو ساهم في خلق أجواء الاحتقان الديني والطائفي، وفي توفير مستلزمات تشديد الصراعات القومية والدينية والطائفية كما هو عليه الوضع الراهن بالعراق بدلاً من تجميع الكلمة وتوحيد الصف وحل مشكلات البلاد المتزايدة تعقيداً وصعوبة.
إن قائمة التحالف المدني الديمقراطية تقدم وتلتزم بعدد من المسائل الجوهرية التي تجعلنا نصوت لها وندعو الناس للتصويت لها ومنح مرشحيها الثقة للوصول إلى مجلس الناس وتحقيق ما عجزت القوائم الأخرى عن تحقيقه بل ساهمت في تعميق وتشديد الصراعات القومية والدينية والطائفية والتي يمكن أن تتحول إلى حرب أهلية ما لم يتداركها المجتمع، إنها القائمة التي تلتزم بما يلي:
** رفض الاستبداد والشمولية في الحكم أيا كان الغطاء الذي يتستر به، وتدعو للجماعية في العمل والقرارات التي تمس مصالح الشعب كله والوطن في آن.  
** رفض التميز الديني والطائفي واعتبار كل العراقيات والعراقيين هم مواطنون ومواطنات متساوون في الحقوق والواجبات.
** رفض ممارسة القوة والعنف للوصول إلى السلطة والالتزام بالدستور والمنافسة الحرة والنزيهة والديمقراطية في الوصول إلى ممارسة الحكم لصالح الشعب.
** رفض الإرهاب بكل أنواعه وإدانة الإرهابيين والمليشيات المسلحة والعمل على تطهير البلاد منهم، وكذا الفساد والمفسدين وتقديمهم للمحاكمة العادلة لينالوا جزاء نهبهم واستعادة أموال الشعب المنهوبة.
** تحويل مجلس النواب إلى منبر للشعب في الدفاع عن مصالحه وتطلعاته نحو الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية، ومحفزاً على التقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي والعلاقات الدولية القائمة على التكافؤ وعدم التدخل والاحترام المتبادل. والعمل على الفصل بين السلطات واحترام استقلال القضاء والهيئات الخاصة التي حررها الدستور من هيمنة السلطة التنفيذية.
** الالتزام بتطوير القطاع الخاص والقطاع المختلط وتوفي الحماية لهما إلى جانب تطوير قطاع الدولة باعتبار البلاد مالكة للثروات الخامية التي يفترض فيها أن تستثمر مواردها لصالح المجتمع والاقتصاد الوطني. وبالتالي توفير مستلزمات التقدم ومكافحة الاستغلال والجشع ومحاربة الفقر والفاقة والبطالة.
إن برنامج قائمة التحالف المدني الديمقراطي أغنى البرامج وأكثرها قرباً من الواقع ومن القدرة على تحقيقها. كما إن الشخصيات المرشحة هي من أنظف الشخصيات الوطنية ومن يشذ عنها لا يجد له مكاناً فيها، وتميز القائمة نفسها عنه وعن تصريحاته المخلة، كما حصل مع فائق الشيخ علي، لأن الالتزام بالبرنامج وسياسة التحالف المدني الديمقراطي هما البوصلة التي يستوجب الالتزام بها من جانب المرشحين دون استثناء. والمنافسة بين المرشحين تبرز في مدى قدرة كل منهم على تنفيذ البرنامج وخدمة مصالح الشعب وليس بقدر ما يستطيع إشباع رغبات هذا الفرد أو ذاك وجشعه للأموال والسحت الحرام.
إن القوى الإرهابية بمختلف التسميات التي تحملها لا تتحمل مرشحين ومرشحات يحملون هوية الوطن والمواطن، لهذا تستعدي عليهم وتعرضهم للكثير من المضايقات والإساءات وإلى القتل أيضاً كما حصل مع شهيد نينوى الجديد مهدي مصطفى وادي أو التجاوزات التي تجري على المرشحين في ذي قار.
إن قائمة التحالف المدني الديمقراطي لا تملك غير إرادتها الحرة وأصوات الناخبات والناخبين الشجعان الذي يدركون بأن الطريق للتغير يمر عبر انتخاب مرشحي ومرشحات هذه القائمة الموحدة والقوائم المرتبطة بها في المحافظات العراقية الأخرى.
لتنتصر إرادة الناخب الحر والديمقراطي الذي يدرك أهمية خوض الانتخابات والإدلاء بصوته لصالح قائمة التحالف المدني الديمقراطي وسيكون صوتي واحداً من الأصوات الهادة التي ستمنح لصالح هذه القائمة.
22/4/2014                كاظم حبيب      


103
كاظم حبيب
المأساة والمهزلة في عراق نوري المالكي
محمد علي زيني إرهابياً والإرهابيون الفعليون حمامات سلام!!!

إذا كان العراق في زمن الدكتاتور الفاشي صدام حسين واستناداً إلى كل المعايير قد عاش مأساة حقيقية دامت 35 عاماً، فأنها أصبحت اليوم وفي زمن الدكتاتور الطائفي المقيت نور المالكي مأساة ومهزلة فعلية في آن واحد. فهو باسم حزب إسلامي شيعي متطرف يحكم العراق، وهو بإرادة إيرانية-أمريكية أصبح حاكماً للمرة الثانية على العراق، وهو باسم الأحزاب الشيعية الطائفية وتحالفها المفكك يحكم العراق ويريد أن يحكمه ربما للمرة الثالثة، وهو باسم الإله الواحد الأحد أصبح كيل الله في أرضه، وسرعان ما سيخلع الجاكيت والسروال وربطة العنق ليرتدي العمامة وما تحتها من عفاريت ليحكم العراق لأنه أخذها وبعد ما ينطيها، ويصبح بعدها المرشد الأعلى للدولة الإسلامية العراقية!! إنه هو وفي زمانه ولا غيره قد أصبح العراق يملك أكثر من مليون وربع مليون عسكري، والذي لم يتجاوز في زمن الدكتاتور الأهوج عن المليون مجند. لقد أخضع كل شيء لإرادته ومن لا ينصاع له سيجد نفسه في عداد الإرهابيين الذين سيُجبرون على الهروب من العراق والنجاة بجلودهم، كما حصل مع الدكتور غسان العطية، أو أن يقبعوا في سجون النظام الجديدة السرية التي أبدعت وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية الأخرى في توفيرها للحاكم الجديد ولمعارضيه.
لقد تحول الدكتور الاقتصادي البارز والمميز والمختص بشؤون النفط بالعراق محمد علي زيني بين ليلة وضحاها إلى إرهابي من الدرجة الأولى، إلى رجل خطير يهدد أمن العراق وسلامة الوطن وحياة الشعب، وأصبح في ذات الوقت أخطر المجرمين وأكثرهم بشاعة في الدفاع عن القتلة والمجرمين من عهد الدكتاتور صدام حسين حمامة سلام ترفرف في سماء العراق!! لك الله يا عراق!!
لا يمكن أن يحصل مثل هذا الذي يحصل اليوم بالعراق إلا في بلاد يحكمها الحكام القرقوشية، في بلاد الواق واق، في بلد لا حرمة للقانون فيه ولا مبادئ ولا معايير إنسانية يستند إليها، في بلد يرتفع نجم المخبر السري ويسود القتل على الهوية ويمارس التعذيب حتى الموت أو الاغتيال في الشوارع، إلا في بلد تصدر وزارة داخليتها اتهاما لإنسان مسالم يخشى حين يسير على الأرض من سحق نملة تدب عليها، إنسان عرفه أهل النجف أبناً باراً وعرفته الولايات المتحدة متخصصاً بشؤون النفط وكاتباً مجداً، وعرفته لندن واحداً من العراقيين الذين يعملون من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. هذا الإنسان النبيل يتهم من وزارة الداخلية بالإرهاب ويتحول إلى إنسان خطير رغم إنه لم يُتهم قبل ذاك حين رشح للانتخابات السابقة في العام 2010 ولم يفز لأسباب معروفة تعود عليها العراقيون باعتبارها من الممارسات الاعتيادية لحكام العراق، فهم يمارسونها بكل حرية وبحماية كاملة من وزارة الداخلية وغيرها من أجهزة القمع المحلية.
وفي ذات الوقت أصبح مشعان الجبوري، هذا الرجل المعروف لنا جميعاً بسماته وصفاته وسلوكياته والذي بجل وجمل وعظم الإرهابي الكبير صدام حسين حتى بعد موته، بأنه غير إرهابي وغير مهووس بكراهيته للكرد وغير طائفي كاره للشيعة ومحفز ضدهم وغير متهم بالسرقة وغير شتام للناس ليمنح صك الغفران ويعطى الحق بالترشيح في الانتخابات القادمة. هل نحتاج إلى أكثر من هذا الدليل لنعرف كيف تتصرف أجهزة السلطة التنفيذية والقضائية بالعراق لصالح ما يريده الحاكم بأمره نوري المالكي.
ليست هناك مسخرة أكثر من اتهام الدكتور محمد علي زيني بالإرهاب وحرمانه من المشاركة في الانتخابات!
هل يمكن أن تفتح هذه المهزلة وغيرها من مهازل النظام السياسي الطائفي والمحاصصة الطائفية اللعينة عيون العراقيين والعراقيات على ما يجري بالعراق، أم ستبقى مغلقة عيون الكثير والكثير منهم أمام كل ذلك ويعيدوا انتخاب من دفع البلاد إلى مستنقع الطائفية المقيتة والحرب الأهلية والموت اليومي لعشرات الناس الأبرياء والخراب الاقتصادي والفساد المستشري.
نحن أمام تجربة جديدة لم يمر بها العراق الحديث من قبل، تجربة يصبح فيها الإرهابي والفاشي والبعثي والحرامي حمامة سلام، ويصبح فيها الإنسان الأمين لشعبه ووطنه وصاحب مبادئ وخلق قويم وصاحب برنامج أصيل إرهابي يجب أن يحرم من حق الترشيح لانتخابات مجلس النواب العراقي القادم. إنها المحنة العراقية الجديدة التي يواجهها الشعب العراقي بفضل حزب الدعوة الإسلامية ورئيسها ونائبه والتحالف الشيعي أو البيت الشيعي. وإذا ما سكت الشعب العراقي على كل ذلك، فأنه سيواجه الكثير والكثير من المحن القادمة والمآىسي المريرة التي ستدمر العراق وأهله وربما أكثر بشاعة مما حصل في زمن الدكتاتور الأرعن صدام حسين.
لترفع رأسك عالياً يا دكتور محمد علي زيني فقد أتهمتك وزارة داخلية الزمن الرديء بالإرهاب، ومن الموت والخراب والفساد الذي يعيش الشعب العراقي تحت وطأته، إنها سنوات عجاف على الناس الطيبين من أمثالك، وهي شهادة نادرة لك صديقي العزيز على وفق قول الشاعر
وإذا أتتك مذمتي من ناقص                               فهي الشهادة لي بأني كامل
أتمنى على مثقفي العراق أن يمارسوا حملة واسعة لإدانة وزارة الداخلية العراقية على فعلها القبيح ورفض قبول إبعاد الدكتور محمد علي زيني من لائحة مرشحي التحالف المدني الديمقراطي في العراق. لنكن أمناء للمبادئ التي نحملها دفاعاً عن الوطن والشعب والمبادئ والناس المخلصين فيه.
23/4/2014                        كاظم حبيب

104
كاظم حبيب

لمن ستعطي صوتك؟ صوتي سيكون للتحالف المدني الديمقراطي العراقي وليس لغيره

سألني صديق عزيز: لمن ستعطي صوتك في الانتخابات القادمة؟ أجبته بوضوح وبدون تردد: سأعطي صوتي للتحالف المدني الديمقراطي العراقي وليس لغيره. ثم جاء سؤاله الثاني مباشرة، ولماذا ؟ فكان جوابي له أكثر تفصيلاً، خاصة بعد أن وصلتني الكثير من الاستفسارات والأسئلة في ضوء ما نشرته من مقالات في الآونة الأخيرة حول الانتخابات والحكومة الحالية وعواقب سياساتها الطائفية بالبلاد. وقررت نشر إجابتي التي قدمتها للصديق آملاً أن تُقرأ من عدد متزايد من الناس الذين لم يقرروا بعد لمن يعطون أصواتهم أو الذين أعطوا سابقاً أصواتهم لقوى أخرى بمن فيهم القوى والأحزاب الدينية ليساهموا معي ومع جمهرة متزايدة ومتسعة من الناس في التصويت لصالح قائمة التحالف المدني الديمقراطي رقم 232، قائمة الإخاء والتضامن والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، قائمة قوى الخير والنور والسلام وضد الشر والظلام والحرب. 
لا ينطلق إعطاء صوتي لقائمة التحالف المدني الديمقراطي في الانتخابات العامة القادمة من حالة مزاجية أو رغبة ذاتية خالصة لا تمت إلى المجتمع وحاجاته وطموحاته بصلة، بل يستن إلى رؤيتي وتحليلي لواقع العراق ومشكلاته وما نشأ في أعقاب إسقاط الدكتاتورية الفاشية البعثية والاحتلال وتشكيل حكومات تقوم على أساس المحاصصة الطائفية وتكريس نظام سياسي طائفي بالبلاد قاد إلى نشوب صراعات ونزاعات وقتل جماعي وفردي على الهوية الدينية والمذهبية وعمليات إرهابية ما تزال مستمرة وفساد مالي وإداري وغياب التنمية الوطنية والتصنيع وتنمية الزراعة وتشغيل الأيدي العاملة العاطلة في الإنتاج الوطني. لقد اطلعت على البرامج الانتخابية للأحزاب الإسلامية السياسية وبعض القوى القومية وغيرها، ولكن، والحق يقال، لم أجد برنامجاً وطنياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعيا وثقافياً أفضل من برنامج التحالف المدني الديمقراطي العراقي. وهذا لا يعني أن هذا البرنامج لا يمكن استكماله وتطويره وتعزيزه. إلا إنه وبصورته الراهنة يعتبر الأفضل، لأنه يقدم ما يفترض أن يتحقق للشعب العراقي خلال السنوات الأربع القادمة بل ويمتد لدورة أو دورتين قادمتين. إن برنامج التحالف المدني الديمقراطي يعترف بهوية المواطنة العراقية، امرأة كانت أم رجلاً، ولا يميز بين المواطنات والمواطنين على أساس الدين أو المذهب أو حتى الرأي الفكري والسياسي، ويعتبرهم جميعاً شركاء يتساوون في الحقوق والواجبات في هذا الوطن العزيز. إن هذا الموقف يحترم جميع الديانات والمذاهب ويحترم جميع أتباعها وحقهم في ممارسة عباداتهم وطقوسهم.
كما يدعو البرنامج إلى تغيير بنية الاقتصاد الوطني وإقامة البنية التحتية وتطوير الخدمات العامة والاجتماعية وبموازاة مطلوبة مع تنمية القطاع الصناعي والزراعي بما يساعد ‘لى إنتاج ما يكفي تدريجاً لإشباع حاجات المجتمع الاستهلاكية وتشغيل الأيدي العاملة العاطلة. أي إن البرنامج يطرح رؤية إستراتيجية واضحة لعملية التنمية الوطنية وأساليب وأدوات وضع الخطط الاقتصادية وتنفيذها ومتابعة التنفيذ لهذه الخطط بما يحقق مصالح المجتمع بفئاته كافة. نحن أمام برنامج يتضمن مصالح وحاجات ومتطلبات فئات المجتمع خلال السنوات القادمة ابتداءً من الفلاحين والعمال والكسبة والحرفيين والعاطلين عن العمل والمثقفين والطلبة والنساء، وكذلك مصالح البرجوازية الوطنية من خلال احترام حق الملكية الخاصة وتطوير القطاع الخاص وتنمية قدراته التنموية ومشاركته في التنمية الصناعية والزراعية وإغناء الثروة الوطنية والتشغيل والتنسيق مع قطاع الدولة الاقتصادي. كما يتطلع البرنامج إلى الاستثمار الجيد لموارد النفط المالية في عملية التنمية وتطوير قطاع الدولة الاقتصادي وبالتنسيق والتكامل مع القطاع الخاص وتنمية القطاع المختلط بينهما.
إن البرنامج الوطني والديمقراطي للتحالف المدني الديمقراطي يؤكد بوضوح إلى إن النساء يشكلن أكثر من 50% من نفوس المجتمع، وبالتالي فلا بد لهذا النصف المهم أن يساهم في البناء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والحياة السياسية. ولكي يشاركن في كل ذلك لا بد أن يتمتعن بحقوقهن المشروعة كاملة وإنهاء مختلف أشكال التمييز والتفكير الدوني ضدهن، أي منحهن حقوقهن كاملة غير منقوصة وتطوير واستكمال نواقص قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 لصالح إغنائه بمبادئ حقوق الإنسان بدلاً من إصدار قانون الأحوال الشخصية الجعفري الموجه في واقع الحال ضدهن تماماً وضد الطفولة.
إن هناك الكثير من المواد التي تعبر عن مطالب ومصالح فئات المجتمع، ومنها بشكل خاص النضال من أجل إنهاء الإرهاب وقلع جذوره ومنع تصديره لنا من خارج البلاد. فالمجتمع العراقي عاني منه وما يزال الكثير وفقد الكثير من أبلنائه وبناته والكثير من الخيرات المادية، وهو ناجم عن واقع النظام الطائفي السائد بالبلاد والتمييز الطائفي والمحاصصة الملعونة والمشوهة. فالعراق يبدأ وينتهي يومياً بعشرات القتلى والجرحى والمعوقين، والشعب يعيش المآتم والعزاءات ولبس السواد والحزن الدائم في بيوت متزايدة في أنحاء مختلفة من العراق.
والتحالف الديمقراطي يعمل من أجل مكافحة الفساد المالي والإداري السائدين بالعراق حالياً والذي يحسه ويعاني منهما المواطنون والمواطنات بشكل موجع جداً. وأيدي التحالف المدني الديمقراطي نظيفة وبعيدة بعد السماء عن الأرض عن الفساد المالي والإداري والرشوة، كم أن مرشحي هذا التحالف المدني الديمقراطي ليسوا من القطط السمان ولا أصحاب نعمة حديثة ولا نهابة الثروة النفطية أو أموال خزينة الدولة بمختلف السبل.     
إن برنامج التحالف المدني الديمقراطي يلتزم أمام الشعب بتغيير المناهج التربوية والتعليمية بما يحقق مناهج وطنية ديمقراطية تعزز التعليم المهني والعالي على أسس ديمقراطية وحديثة ويبتعد كلية عن الإساءة لأتباع الديانات الأخرى أو المذاهب في الإسلام ويعزز البحث العلمي وينشر فكر الوئام والسلام والحوار بين أتباع الديانات العديدة بالعراق.
كما يسعى إلى تنشيط جمهرة المثقفين الكبيرة بما يسهم في تطوير الثقافة العراقية الديمقراطية والتنوير الجديني والاجتماعية  ونشر الفنون والآداب وتعميق التفاعل والتلاقح بين ثقافات العراقيين المتعددة وتنشيط الجوانب المشرقة والمتقدمة والتقدمية في الثقافة العراقية والعربية والكردية  وبقية ثقافات العراق. 
إن إعطاء صوتي لمرشحي التحالف المدني الديمقراطي لا يأتي من حالة ناجمة عن التدهور المتواصل في أوضاع العراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية فحسب، بل ومرتبطة عضوياً بالعواقب التي نجمت عن وجود قوى وأحزاب سياسية طائفية وقومية شوفينية في الحكم بالعراق ويقف على رأسها مستبد بأمره يمكن أن يدفع بالعراق إلى الحرب الطائفية التي ستدمر العراق وأهله. 
لذا أدعو جميع مواطنات ومواطني العراق إلى منح أصواتهم المهمة القادرة على تحقيق التغيير المنشود بالبلاد إلى قائمة التحالف المدني الديمقراطي.
11/4/2014                         كاظم حبيب

105
كاظم حبيب
هل سيكون الفوز للأحسن في انتخابات العراق القادمة؟
تتباين التحليلات والآراء الناتجة عنها والتقديرات السياسية على الصعد المحلية والإقليمية والدولية حول ما ستنتهي إليه الانتخابات العامة القادمة بالعراق بالارتباط مع ما جرى ويجرى بهذا البلد المستباح من الإرهاب والفساد والطائفية السياسية بعد أن استطاع الاحتلال الأمريكي للعراق تكريس هذه السمات التي تميز الوضع، سواء أكان هذا التكريس بشكل مباشر أم بصورة غير مباشرة، إذ إن الحصيلة واحدة. والتباين في الآراء والتقديرات ناجم عن صعوبة الوصول إلى تحليل مواقف العراقيات والعراقيين من القوائم الانتخابية في ضوء الخبرة التي اكتسبوها خلال الأعوام العشرة المنصرمة وهل تحول الوعي من رؤية الطائفية والإرهاب والفساد والفقر والفجوة المتسعة والمتفاقمة بين الفقر والغنى في المجتمع ونمو الاستبداد السياسي كحالات قائمة، إلى أدراك ناضج للعوامل أو الأسباب الكامنة وراء كل ذلك من جهة، والقوى التي تؤجج وتستفيد من الشحن والتصعيد المستمرين للسياسات والصراعات الطائفية وكذلك ومن جديد للصراعات القومية من جهة أخرى، وما ينشأ عنهما من اصطفافات واستقطابات طائفية وقومية على الساحة السياسية الشعبية العراقية. وبالتالي، هل توصل العقل الفردي العراقي وكذا العقل الجمعي إلى رؤية صافية لما يفترض فيه أن يتخذه من موقف في الانتخابات القادمة ولمن يعطي صوته: هل يعطيها إلى ذات القوائم التي كانت السبب وراء هذا الواقع المزري وهذه الاستباحة للوطن والشعب من قوى الإرهاب والمليشيات الطائفية المسلحة، شيعية كانت أم سنية، والفساد والطائفية السياسية المقيتة والتزام الهوية الفرعية الطائفية القاتلة لوحدة الشعب، أم سيمنح صوته لتلك القوى التي لم تتلطخ أيديها بدماء الشعب ولم تدنسها بسرقة ونهب أموال الشعب العراقي وأكل السحت الحرام؟ هل ستنتخب ذات القوى الحاكمة حالياً والتي مارست كل الموبقات بحق الشعب العراقي، أم ستنتخب من يستطيع إنقاذها من هذا الواقع المرير، الذي يعيد إلى الأذهان ما عاشه العراق طوال عقود؟ إن العاقل والعاقلة من أبناء وبنات الشعب العراقي يدركان بوضوح العواقب الوخيمة لانتخاب تلك القوى التي أعطت الوعود وأخلت بها كلية وتركت العراق يسبح بدماء أبنائه على أيدي قوى الإرهاب الدموي والمليشيات الطائفية المسلحة ويعيش البطالة والفقر لنسبة عالية من فئات الشعب نتيجة التخلي العملي عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وبالتالي يفترض أن لا يمنحا صوتيهما لهذه القوى بل ينتخب القوى الديمقراطية البديلة لهذه القوى، القوى المدنية والديمقراطية ذات البرنامج الوطني الذي يتبنى مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية لكل أبناء وبنات الشعب العراقي بغض النظر عن هويته القومية أو الدينية أو المذهبية وبغض النظر عن كون رجلاً أم امرأة.
لو سارت الانتخابات القادمة في الثلاثين من شهر نيسان/أبريل 2014 على نمط ما حصل في انتخابات 2006 و2010 فإنها ستكون كارثة حقيقية للشعب العراقي ولن ينتخب الأحسن من المرشحات والمرشحين لحجز مقاعد البرلمان، بل ستأتي بأسوأ مجلس نيابي وأسوأ نماذج من النواب في غالبيتهم ممن لم يدركوا سوى مصالحهم الذاتية ونسوا الشعب والكوارث التي ألمت به والعيش غير الكريم الذي عاشت فيه الأكثرية العظمى من السكان.
وعلينا أن ندرك بأن وجود نظام سياسي طائفي قائم على المحاصصة الطائفية والأثنية وحكومة طائفية سياسية بامتياز ورئيس حكومة طائفي حتى النخاع ومستبد بأمره واستمرار وجود الإرهاب والفساد المالي والإداري لا يمكن أن يوفر الأجواء المناسبة ولا تمارس فيها الأساليب الديمقراطية لخوض انتخابات عامة نزيهة ونظيفة وإنسانية بحيث يمكن أن يفوز الأحسن فيها.
إن العراق الراهن لا يملك دولة دستورية ديمقراطية قائمة فعلياً وليس نظرياً وعلى الورق تستند إلى تفاعل سليم واستقلالية مطلوبة بين سلطاتها الثلاث. فهذه السلطات الثلاث هشة وغير ديمقراطية ومتداخلة وتعمل بالاتجاه الخطأ الذي لا يخدم مصالح المجتمع بكل طبقاته وفئاته، بكل مواطنيه. فالنظام السياسي القائم في هذه الدولة الهشة هو نظام طائفي محاصصي متصارع بين الأحزاب والقوى الدينية والقومية المشاركة في الحكم على وفق المحاصصة الطائفية والتي ابتعدت كلية عن مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية. فهو نظام يمارس التمييز باتجاهات عدة وخال من الحيادية إزاء الفئات والقوى والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني. يتجلى ذلك بشكل صارخ ومرضي في الموقف من أتباع الديانات الأخرى وإزاء أتباع المذاهب في الإسلام وإزاء المرأة على نحو خاص، إضافة إلى التمييز بين القوميات والمناطق والأقاليم والمحافظات أو حتى بين المدن وبين المواطنين بشكل عام ... الخ. والحكم الراهن بالعراق يعتمد في سياساته وسلوكه اليومي الاستبداد الفظ والتعصب الطائفي الفج، وهما اللذان قادا البلاد إلى الجحيم الذي يعيش تحت وطأته الشعب العراقي بأغلبيته. 
وفي هذه الانتخابات تستخدم الأحزاب الحاكمة أجهزة الدولة وإعلامها لصالح مرشحيها بشكل غير حيادي، وتبدو مفوضية الانتخابات عاجزة تماماً عن إيقاف هذه الممارسات أثناء الحملة الانتخابية أو أثناء العملية الانتخابية ذاتها، تماماً كما حصل في الانتخابات السابقة. وبالتالي فليس هناك أي حياد من جانب أجهزة السلطة التنفيذية إزاء قوائم المرشحين والمشاركين فيها، بل تجري الرياح لصالح القوى الحاكمة. وقد نشرت الصحف والمواقع ونشرات الأخبار الكثير من المخالفات الدستورية وقانون الانتخابات من جانب القوائم التي تمثل الأحزاب الحاكمة وخاصة الحزب الذي ترأسه رئيس وزراء العراق المهيمن على كل السلطة التنفيذية والمتحكم إلى أبعد الحدود بالسلطة القضائية والمعطل، بالتعاون مع رئيس السلطة التشريعية بتعطيل مجلس النواب عملياً، سواء نسقا في ما بينهما أم لم ينسقا.
وفي هذه الانتخابات لا يجد المتتبع أي تكافؤ للفرص بين القوائم الانتخابية التي تخوض الحملة الانتخابية. فعلى سبيل المثال لا الحصر ينعدم التكافؤ كلية بين قائمة التحالف الوطني الحاكمة، التي تتجمع فيها الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية، وبين قائمة التحالف المدني، التي تمثل قوى وأحزاب التيار الديمقراطي العراقي، في مسائل كثيرة بما في ذلك الصرف المالي المفتوح لقائمة دولة القانون، بما في ذلك أموال الدولة، وعجز حقيقي عن الصرف المالي لدى القائمة المدنية، أو في استخدام أجهزة الإعلام الحماية الضرورية الحكومية وتسخير بقية الأجهزة التنفيذية لصالح الحملة الدعائية لقائمة ومرشحي دولة القانون، وهي بعيدة كل البعد عن قائمة التحالف المدني حتى إن مرشحي هذه القائمة لا يحظون بالحماية الضرورية من أجهزة الدولة المسؤولة عن الأمن.
وفي هذه الانتخابات تمارس بعض المرجعيات الدينية الدعاية الفظة والمناهضة لدستور البلاد. فكيف نفهم تأليب الشيخ كاظم الحائري العراقيات والعراقيين ضد انتخاب المرشحين العلمانيين، وبالتالي فهو يدعو صراحة إلى انتخاب قائمة التحالف الوطني. إن مكان هذا الرجل المؤجج للعداء والكراهية ضد أبناء وبنات الوطن الذين يعتمدون مبادئ المجتمع المدني والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ويدعون إلى دولة مدنية ديمقراطية اتحادية هو الوقوف أمام المحاكم العراقية لينال جزاء تأجيجه الحقد والكراهية، إذ إن تبني هذه المبادئ الإنسانية هو حق مشروع من حقوق المواطنة والمواطن بالعراق في ضوء الدستور العراقي، رغم نواقصه. إني حين أنتقد رئيس الوزراء العراقي فنقدي يستند إلى الدستور الذي يمنع ممارسة السياسات الطائفية والتمييز ضد المرأة مثلاً والتي لم تمنح حقوقها في ظل حكومة نوري المالكي من حيث تمثيلها في جلس الوزراء مثلاً، أو حين يصرح بعنجهيه غريبة وعشائرية بالية "الدم بالدم .. وأنا ولي الدم" في حادث يمكن أن يحصل يومياً بسبب شجار بين شخصين عربي وكردي، فيحوله إلى عداء "عربي ضد الكُرد" بتعمد مقصود، وهو رئيس وزراء للعراق كله، أو حين يعبر عن استبداد وعدم احترام للتداول السلمي والديمقراطي للسلطة حين يقول "أخذنا بعد ما ننطيها" للسلطة، تماماً كما كان صدام حسين يقول "جئنا لنبقى" لينتهي على الحفرة ومن ثم تحت التراب!! 
إن المشكلة التي تواجه الانتخابات القادمة ترتبط بضعف الوعي لدى جمهرة واسعة جداً من الناس بالعراق عن الأسباب الكامنة وراء فقرهم أو وراء الإرهاب الذي يقتل المزيد من البشر يومياً أو الفساد الذي يستنزف موارد البلاد المالية أو الاستبداد الطائفي الذي يتحكم بالشارع العراقي ويتسبب بالصراعات والنزاعات الطائفية.
 يتحدث الكثير من الناس عن الأموال التي تملأ جيوب الكثير من الساسة العراقيين قبل وأثناء الحملة الانتخابية، بعضها يصل إلى تلك الجيوب من داخل العراق، والكثير منها يأتي من الخارج لتستخدمها قوائم بعينها في حملاتها الانتخابية، بما في ذلك لشراء ذمم الناس، وجهل الناس وفقرهم يسهم في تنشيط هذه العملية الجائرة.
والسبب الذي يدعو إلى تصديق مثل هذه الاتهامات التي تدور في الشارع العراقي وعلى نطاق واسع يبرز في الغنى الفاحش لجمهرة كبيرة من المرشحين أو أولئك الذين يسندون قوائم بعينها والذين لا يعلم "إلاّ الله والراسخون في العلم" من أين وصلتهم هذه الأموال الطائلة التي تبنى بها العمارات والفنادق أو تشترى بها القصور بالخارج أو تصرف الملايين على الأعراس. إنهم أصحاب نعمة حديثة وقطط سمان يلتهمون أموال الدولة من خلال نظام الفساد السائد بالبلاد ومن قوى أجنبية لها مصلحة في ذلك، وليست هناك جهة واحدة تمارس هذا السلوك بل جهات عديدة.   
إننا نتمنى أن تكون الانتخابات نزيهة، عندا سيفوز الأحسن من بين المرشحين، وهذا تمني لا غير في ظل الأوضاع الراهنة. ومع ذلك نقول بأن من يريد الخلاص من هذا الوضع المزري، من يريد التغيير يفترض أن ينتخب قائمة ومرشحي التحالف المدني الديمقراطي 232 فهم الذين يمثلون القوة الفكرية والسياسية والثقافية القادرة على تحقيق التغيير الذي ينشده الشعب ويتناغم مع حركة التقدم الاجتماعي ويحملون مهمات وأهداف هذا التغيير ومستعدون له، بخلاف الجماعات الطائفية التي تحمل الانقسام والتشتت في المجتمع العراقي وتساهم في تعميق الصراعات وتحويلها إلى نزاعات دامية، كما يعيشها الشعب في الوقت الحاضر.
9/4/2014                         كاظم حبيب

106

كاظم حبيب

[في الذكرى الحزينة]
مرور 26 عاماً على ارتكاب الدكتاتورية البعثية الفاشية
لجرائم الإبادة الجماعية وضد الإنسانية (جينوسايد) الأنفال بإقليم كردستان العراق

منذ أن أُلحقت ولاية الموصل, بعد أن كانت خاضعة للدولة العثمانية حتى العام 1918 إذ أصبحت منذ نهاية الحرب العالمية الأولى تحت الاحتلال البريطاني, بالدولة العراقية الملكية الحديثة في العام 1926 على وفق قرار مجلس عصبة الأمم, واجه الشعب الكردي في إقليم كردستان العراق سياسات قومية يمينية شوفينية وعمليات عسكرية أجهزت على أرواح الكثير من الكرد وخربت العديد من المنازل بفعل القصف الجوي, إضافة إلى التهميش وعدم الاستفادة من إيرادات الموارد الأولية المتوفرة في الإقليم ومنها النفط الخام المستخرج والمصدر والغاز المصاحب الذي كان يحرق دوماً, وكذلك تخريب بعض المناطق الكردية, وخاصة الأرياف والقرى الفلاحية والغابات, وكان المفروض على أساس الاتفاق الذي تم بين الملك فيصل الأول والحكومة من جهة ومجلس عصبة الأمم من جهة أخرى أن يمنح الشعب الكردي الكثير من الحقوق المشروعة والعادلة دون أن تتحقق له. لقد ناضل الشعب الكردي مع الشعب العربي ضد سياسات النظام الملكي وقامت الثورة ضد هذا النظام بسبب التمييز والتهميش وغياب الحريات الديمقراطية ومصادرة الحياة الحزبية ومنظمات المجتمع المدني واتساع البطالة والفقر وعدم المساواة ووجود كثرة من الحكومين سياسياً في السجون وكثرة من الموقوفين في المعتقلات..الخ.
وفي العهد الجمهوري الأول, ورغم الاعتراف بشراكة الكرد مع العرب في الوطن الواحد, ولكن بالممارسة العملية لم يمنح الشعب الكردي حقوقه القومية المشروعة التي ناضل من أجلها طويلا, كما تعرض لعمليات عسكرية واسعة في العام 1961 مما أدى إلى انطلاق ثورة أيلول في نفس العام. وبسبب عدم التحول صوب المجتمع المدني الديمقراطي والدولة الدستورية والبرلمانية والاستجابة لإرادة الشعب, تجمعت الكثير من العوامل السلبية ونشأت جبهة معادية لحكومة عبد الكريم قاسم ومضامين الثورة الوطنية التي قادت إلى سقوط الجمهورية الأولى بانقلاب قومي شوفيني واغتيال قادة الثورة ومنهم عبد الكريم قاسم في العام 1963. بعدها تعرض الكرد لمحنة جديدة على أيدي البعثيين والقومين العرب, بما في ذلك بدء القتال من جانب الحكومة ضد الشعب الكردي. ثم جاءت الجمهورية الثالثة ذات الوجهة القومية اليمينية الشوفينية التي شنت الحرب ضد الشعب الكردي لإيقاف نضاله المشروع والعادل من أجل حقوقه القومية في العام 1965 و1966.
وإذ تحمل الشعب الكردي الكثير من التضحيات البشرية والمادية خلال نضالاته لأكثر من أربعة عقود في ظل الملكية والعهد الجمهوري بسبب السياسات الشوفينية والرجعية للحكومات المركزية ببغداد, فإن القوات النظامية خسرت الكثير من الجنود والموارد المالية دون أن تعي تلك الحكومات المتعاقبة أهمية حصول الشعب الكردي على حقوقه وإرساء دعائم الأخوة بين المكونات القومية للشعب العراقي والكف عن التفكير بالحرب ومصادرة الحقوق.
ولكن ما تعرض له الشعب الكردي في ظل البعث, الذي وصل إلى السلطة في انقلاب القصر الجمهوري في العام 1968 يفوق كل العذابات وألآلام والخسائر البشرية والمادية التي حصلت خلال العقود السابقة والمرارات التي ذاقها الشعب وسقوط عدد من الشهداء من أبناء هذا الشعب. لقد أجبر نضال الشعب الكردي بالتضامن مع القوى الديمقراطية العراقية حكومة البعث في العام 1970 على الاعتراف بوجود القومية الكردية وحقوق الشعب الكردي والموافقة على إقامة الحكم الذاتي على أرض كردستان العراق, والذي تجلى في بيان أذار 1970. ولم يك هذا الاعتراف صميمياً وأصيلاً, بل جاء نتيجة الخشية من تعرض نظام البعث إلى الاهتزاز والسقوط وهو في بداية وصوله الثاني إلى السلطة.
كانت الإيديولوجية القومية اليمينية والشوفينية التي ترتقي إلى مستوى العنصرية في الموقف من القوميات والشعوب الأخرى قد برزت وتكرست منذ التأسيس الأول في العام 1947/1948 في مبادئ وسياسات وممارسات وأهداف حزب البعث العربي الاشتراكي, ومن ثم في سياسات ومواقف وسلوك دولته الجديدة وسلطته السياسية وقادته. فالذهنية العسكرية والتطلع للهيمنة والتوسع على حساب الغير والتمسك بالعنف والحرب باعتبارهما الطريق لتأمين الأهداف كانت السياسة التي ميزت وجود البعث في السلطة طيلة نيف وثلاثة عقود من السنين. 
لم يمض وقت طويل على البدء بتطبيق الحكم الذاتي في أغلب محافظات إقليم كردستان حتى بدأ البعث يتآمر على الشعب الكردي وعلى الحكم الذاتي وعلى الحركة التحررية الكردية بشكل عام والتي تجلت في البداية بمحاولة فاشلة لاغتيال الملا مصطفى البارزاني قائد الثورة الكردية والشعب الكردي بتاريخ 29/9/1971, ومن ثم في الهجوم على الشعب الكردي وخوض معارك دموية في العام 1974. وانتهى ذلك بعقد اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران في العام 1975 برعاية الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل, التي قادت إلى انهيار سريع وشديد للحركة الكردية الوطنية المسلحة مؤقتاً. إذ سرعان ما نهضت وبدأت كفاحها الوطني والقومي المسلح وبقوى أكثر وأوسع واشد عزيمة على النضال.
لم تمض فترة طويلة على ذلك حتى بدأ النظام الدكتاتوري حربه العدوانية ضد الشعب الإيراني في العام 1980, وكان قبل ذاك قد بدأ بخوض المعارك ضد قوات الحركة الكردية المسلحة المتمثلة بقوات البيشمركة الكردية التابعة لعدد من الأحزاب الكردستانية, إضافة إلى تشكيل الحزب الشيوعي العراقي لقواته الأنصارية والتحاقها بالحركة الوطنية المسلحة بالإقليم أيضاً.
وبسبب الحرب مع إيران خسر الشعب العراقي والشعب الإيراني مئات ألوف القتلى والجرحى والمعوقين ومئات المليارات من الدولارات الأمريكية وتدمير البنية التحتية والكثير من المشاريع الاقتصادية, إذ استمرت الحرب طوال ثماني سنوات عجاف. وقبل نهاية هذه الحرب المجنونة لم يكف النظام الدكتاتوري عن شن هجماته العسكرية ضد قوات البيشمركة والأنصار ويخوض المعارك ضدها. وكان الهدف المحدد إيديولوجياً وسياسياً من تلك المعارك العدوانية ليس الحركة الكردية المسلحة فحسب, بل ومجمل الحركة الكردية التحررية والشعب الكردي. وقد بدأت أشرس تلك العمليات في ربيع العام 1987 حين وجه النظام أسلحته الكيماوية ضد قرى ونواحي كردستانية, كما حصل في الهجوم بالأسلحة الكيماوية على كل من سركلو وبركلو، وفي اليوم التالي, أي في 16/4/1987, قامت القومات النظامية الحكومية بقصف قرى باليسان, شيخ وسان, حيث استشهد الكثير من المواطنات والمواطنين الكرد وجرح عدد أكبر. وكانت هذه العمليات هي البداية لما حصل في شباط/فبراير من العام 1988 حيث بدأت عمليات الأنفال الإجرامية بأبشع صورها وأكثر فاشية وعنصرية ودموية. تضمنت العمليات الأنفالية في ثماني مراحل استمرت طوال تسعة شهور, وكانت على النحو التالي:
"* الأنفال الأولى: منطقة السليمانية، محاصرة منطقة (سركه لو) في 23 شباط لغاية 19 مارت/1988.
* الأنفال الثانية: منطقة قرداغ، بازيان ودربنديخان في 22 مارت لغاية 1 نيسان.
* الأنفال الثالثة: منطقة كرميان، كلار، باونور، كفري، دووز، سنكاو، قادر كرم، في 20 نيسان من نفس العام.
* الأنفال الرابعة: في حدود سهل (زيي بجوك) أي بمعنى منطقة كويه وطق طق وآغجلر وناوشوان، في 3 مايس الى 8 مايس.
* الأنفال الخامسة والسادسة والسابعة: محيط شقلاوة وراوندز في 15 مايس ولغاية 26 آب.
الأنفال الثامنة: المرحلة الأخيرة، منطقة بادينان، آميدي، آكري، زاخو، شيخان، دهوك، في 25 آب ولغاية 6 ايلول من نفس العام." (راجع: جريدة الاتحاد. "الأنفال.. مرحلة متقدمة من الإبادة الجماعية (الجينوسايد) التي تعرض لها شعب كردستان",
بقلم سالار محمود/ رئيس اللجنة القانونية في برلمان كردستان).
استخدم النظام البعثي في هذه الحملات الإبادية أغلب صنوف القوات المسلحة التي يمكن استخدامها في المنطقة, إضافة إلى قوات من الجيش الشعبي وأجهزة الأمن والشرطة والجواسيس وجمهرة من الجحوش الكرد الذين تعانوا مع النظام ضد إرادة وحقوق ومصالح وحياة بنات وأبناء شعبهم المقدام. ولكن بشاعة هذه العمليات تجلت في استخدام السلاح الكيمياوي الواسع لضرب مدينة حلبچة وقتل ما يزيد عن 5000 مواطنة ومواطن من مختلف الأعمار بتاريخ 16/3/1988, أي في نهاية المرحلة الأولى من هذه الحملات, بمن فيهم الشيوخ والمرضى والأطفال الرضع, إضافة إلى عدد أكبر من هذا بكثير من الجرحى والمعوقين. وتشير المعلومات إلى ما يقرب من 182000 إنسان قتل أو غيب أو دفن حياً, وهم كلهم من الكرد في ما عدا جمهرة صغيرة من المسيحيين من سكان المنطقة.
إن الإجراءات والسياسات والممارسات الفعلية لنظام البعث الدكتاتوري بقيادة صدام حسين وابن عمه علي حسن المجيد تؤكد بما لا يقبل الشك بإن هذه العمليات كانت منذ البدء تستهدف القيام بإنهاء حركة التحرر الوطني الكردية وتصفية فعلية للشعب الكردي من خلال ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية وضد الإنسانية, إنها الجينوسايد بأبشع صورها وأعلى مستوياتها.
والسؤال الذي لا بد من الإجابة عنه هو: لماذا تدخل العمليات الأنفالية في إقليم كردستان العراق في العام 1988 من النواحي الفكرية والسياسية والعسكرية والثقافية ضمن المفهوم الدولي لجرائم الجينوسايد ضد الشعب الكردي؟
إن دراستي المستمرة لجرائم الأنفال تؤكد أنها تتطابق مع الأسس الدولية المحددة لمفهوم ومضامين الجينوسايد في القانون الصادر بهذا الصدد في العام 1948. ويمكن تلخيص الإجابة عن السؤال بالنقاط التالية:
1.   إن القيادة التي خططت ونظمت ووجهت لتنفيذ جرائم الأنفال تحمل إيديولوجية شوفينية وعنصريًة مناهضةً للقوميات الأخرى وتؤمن بممارسة الأساليب الفاشية القمعية في الوصول إلى أهدافها وفي مناهضة القوى المناضلة في سبيل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والحقوق القومية العادلة.
2.   وإن هذه القيادة قد خططت ووجهت ونفذت هذه الجرائم بوضوح إيديولوجي عنصري ممنهج وتصميم فاشي عنفي للوصول إلى أهداف محددة هي القضاء على الحيوية النضالية للشعب الكردي وعلى إصراره لتحقيق أرادته ومصالحه وحقوقه المشروعة والعادلة والمقرة دولياً على وفق لائحة الأمم المتحدة. فهي ليست عمليات عفوية بل مع سبق إصرار وتصميم حتى لو انتهت بإبادة جماعية. ويمكن لواحدة من الوثائق المهمة التالية في هذا الصدد أن تكشف حقيقة وجوهر ووجهة هذه الحملات الإبادية للشعب الكردي:
"قيادة مكتب تنظيم الشمال التاريخ 1987 /6
/6/1987  العدد
مكتب السكرتارية
من / قيادة مكتب تنظيم الشمال إلى/قيادة الفيلق الأول/قيادة الفيلق الثاني/قيادة الفيلق الخامس
الموضوع / “التعامل مع القرى المحذورة أمنياً"
بالنظر لانتهاء الفترة المعلنة رسمياً “لتجميع هذه القرى والتي ستنتهي موعدها يوم 21 حزيران 1987 قررنا العمل ابتداءً من يوم 22 حزيران 1987 بما يلي (1) نعتبر جميع القرى المحذورة أمنياً والتي لم تزل لحد الآن أماكن لتواجد المخربين عملاء إيران وسليلي الخيانة وأمثالهم من خونة العراق (.) (2) يحرم التواجد البشري والحيواني فيها نهائياً “وتعتبر منطقة عمليات محرمة ويكون الرمي فيها حراً “غير مقيد” بأية تعليمات ما لم تصدر من مقرنا (.) (3) يحرم السفر منها وإليها أو الزراعة والاستثمار الزراعي أو الصناعي والحيواني وعلى جميع الأجهزة المختصة متابعة هذا الموضوع بجدية كل ضمن اختصاصه (.) (4) تعد قيادات الفيالق ضربات خاصة بين فترة وأخرى بالمدفعية والسمتيات والطائرات لقتل أكبر عدد ممكن ممن يتواجد ضمن هذه المحرمات وخلال جميع الأوقات ليلاً ونهاراً وإعلامنا (.) (5) يحجز جميع من يلقى القبض لتواجده ضمن قرى هذه المنطقة وتحقق معه الأجهزة الأمنية وينفذ حكم الإعدام بمن يتجاوز عمره (15) سنة داخل صعوداً إلى عمر (70) سنة داخل بعد الاستفادة من معلوماته وإعلامنا(.) (6) تقوم الأجهزة المختصة بالتحقيق مع من يسلم نفسه إلى الأجهزة الحكومية أو الحزبية لمدة أقصاها ثلاثة أيام وإذا تطلب الأمر لحد عشرة أيام لا بد من إعلامنا عن مثل هذه الحالات وإذا استوجب التحقيق أكثر من هذه المدة عليهم أخذ موافقتنا هاتفياً أو برقياً وعن طريق الرفيق طاهر العاني (.)
(7)  يعتبر كل ما يحصل عليه مستشارو أفواج الدفاع الوطني أو مقاتلوهم يؤول إليهم مجاناً ما عدا الأسلحة الثقيلة والساندة والمتوسطة أما الأسلحة الخفيفة فتبقى لديهم ويتم إعلامنا بأعداد هذه الأسلحة فقط وعلى قيادة الجحافل أن تنشط لتبليغ جميع المستشارين وأمراء السرايا والمفارز وإعلامنا بالتفصيل عن نشاطاتهم ضمن أفواج الدفاع الوطني (.) مكرر رئاسة المجلس التشريعي (.) رئاسة المجلس التنفيذي (.) جهاز المخابرات (.) رئاسة أركان الجيش (.) محافظو (رؤساء اللجان الأمنية) نينوى، التأميم، ديالى، صلاح الدين، السليمانية، أربيل، دهوك (.) أمناء سر فروع المحافظات أعلاه (.) مديرية الاستخبارات العسكرية العامة (.) مديرية الأمن العامة (.) مديرية أمن منطقة الحكم الذاتي (.) منظومة استخبارات المنطقة الشمالية (.) منظومة استخبارات المنطقة الشرقية (.) مدراء أمن محافظات - نينوى، التأميم، ديالى صلاح الدين، السليمانية، أربيل، دهوك (.) يرجى الإطلاع والتنفيذ كل ضمن اختصاصه (.) انبؤونا.
(التوقيع) الرفيق علي حسن المجيد
عضو القيادة القطرية - أمين سر مكتب تنظيم الشمال".
(11 راجع: شمال عادل سليم، الأنفال فرمان قراقوشي لإبادة الجنس البشري( 2 - 2 ) ، موقع الناس في 18/4/2006. راجع أيضاً: نصيف الناصري، لفصل السادس، مقدمات إبادة الأكراد وتهجيرهم وتهديم مدنهم وقراهم ..، معركة جبل { أحمد رومي } ليلة 15 / 1 / 1988. المقصود بالقرى المحذورة هنا بالقرى المحظورة التي يمنع وجود البشر فيها. ك. حبيب )

3.   اطلق الدكتاتور صدام حسين على هذه العمليات اسم الأنفال, وهي سورة من سور القرآن للتغطية على العمليات الإجرامية لضمان ثلاثة أهداف:
أ‌.   إعطاء الانطباع لمن يسمع بالعمليات الأنفالية بإنها مقدسة وضد مجموعة من الكفار الذين يستحقون الموت.
ب‌.   وهي قادرة على إقناع الجهلة من الجنود المؤمنين والأميين والشوفينيين المتعصبين باستخدام الشدة وعدم الرحمة في محاربة الكرد.
ت‌.   منح الجنود والشرطة ومن يشارك في القتال مع الجيش النظامي الحق في ممارسة القتل والسلب والنهب دون محاسبة كما كانت تجري في الحروب أثناء الفتوح الإسلامية والتي ترافق كل الحروب.       
4.   وقد سبق تنفيذ هذه الجرائم اتخاذ النظام الدكتاتوري مجموعة من الإجراءات العدوانية لتهيئة الأجواء ومستلزمات تنفيذها في مقدمتها:
أ‌.   التهجير القسري لسكان كرد من مناطق سكناهم وقراهم ومدنهم الكردية إلى مناطق أخرى في جنوب ووسط العراق من أجل تعريبهم وإبعادهم عن النضال لإضعاف الشعب الكردي.
ب‌.   إجراء التغيير الديمغرافي للمدن والنواحي والقرى الكردية بنقل سكانها الأصليين إلى مناطق عربية وإحلال عائلات عربية من الوسط والجنوب في المدن الكردستانية. ويمكن أن نتابع ذلك في كركوك وخانقين وبعض المدن في محافظة ديالى.
ت‌.   تغيير التشكيلات الإدارية للمناطق الكردية وذلك باقتطاع الكثير من المدن والنواحي والقرى الكردية وإضافتها إلى المحافظات العربية, كما حصل في إدماج بعض مناطق محافظة كركوك بمحافظة صلاح الدين.
ث‌.   عمليات تعريب الكرد في مناطق سكناهم واعتبارهم وتسجيلهم عربا بالقوة وفرض التنكر لهويتهم القومية, وقد حصل ذلك في كركوك وخانقين وغيرها من المدن الكردستانية.
ج‌.   حشر جماهير واسعة من الكرد من قرى وأرياف ونواحي كردستانية في مجمعات سكنية قسرية يمكن الرقابة والسيطرة عليهم من قبل قوات الجيش والأجهزة الأمنية القمعية وعزلهم عن بقية الناس ومناطق سكناهم الأصلية ومجالات عملهم ونشاطهم الاقتصادي, إضافة إلى عزلهم عن المشاركة في نضال شعبهم بل وأحياناً قتل عدد غير قليل منهم لأسباب قرقوشية,
ح‌.   زج أعداد غفيرة من الكرد في السجون والمعتقلات وتسليط التعذيب ضدهم وقتلهم أو دفعهم إلى الصفوف الأمامية في القتال ضد إيران وموت الكثير منهم في الحرب,
خ‌.   تهجير جميع العائلات الكردية الفيلية من العراق إلى إيران أو زج شبابهم في السجون وقتلهم أو وضعهم في الجبهة الأمامية للقتال مع إيران وموت الكثير منهم في الحرب. وقد اعترف البرلمان العراقي بأن حملات التهجير والقتل ضد الكرد الفيلية تجسد فعلياً جرائم إبادة جماعية أيضاً. 
5.   تنظيم حملات إعلامية وتثقيفية للتلاميذ والطلبة والمجتمع وممارسة الدعاية الملفقة ذات المضامين العرقية والعدوانية ضد الشعب الكردي وحقوقه القومية المشروعة بين الجماهير الشعبية لتأليب الرأي العام العربي بالعراق وبالدول العربية ضد الشعب الكردي.
6.   البدء بتنفيذ المخطط الموضوع من قبل قيادة النظام والهادف إلى تنفيذ حملات الإبادة الجماعية المناهضة للإنسان و حقوقه التي أدت إلى تغييب أكثر من 182000 إنسان كردي من سكان الإقليم باستخدام الأساليب التالية :
أ‌.   هجوم أرتال من القوات المسلحة وأجهزة الأمن والشرطة على مدن ونواحي وقرى كردستانية وجمع الناس ووضعم في شاحنات كبيرة ونقلهم جميعاً إلى مناطق نائية وقتلهم جمياً بمن فيهم النساء والرجال والأطفال ثم استخدام جرافات لدفنهم في مقابر جماعية, أي في حفر واسعة معدة سلفاً لهذا الغرض.
ب‌.   نقل أعداد كبيرة من الرجال من مختلف الأعمار بشاحنات إلى مناطق نائية ودفهم في حفر معدة سلفاً ودفنهم أحياءً بعد سلبهم ما يملكون من نقود وساعات وخواتم وغيرها.
ت‌.   سلب النساء من حليهم وقتلهم ثم نقلهم ودفنهم مع أطفال رضع أو صغار السن سوية في مقابر جماعية.
ث‌.   نقل الكثير من النساء الكرديات إلى مناطق نائية وهم أحياء وتركهم فترة طويلة ثم اللجوء إلى قتل الكثير منهم تدريجاً.
7.   استخدام السلاح الكيماوي عبر صواريخ قذفت بواسطة الطائرات الحربية في العام 1987, ومن ثم في العام 1988. وهي الضربة الكيماوية الانتقامية المدمرة التي استهدفت مدينة حلبجة وأودت بحياة أكثر من 5000 آلاف إنسان كردي, إضافة إلى ألاف مماثلة من الجرحى والمعوقين الذين ما زال الكثير منهم يعاني من آثار السلاح الكيماوي رغم مرور ربع قرن على تلك الجريمة.
8.   تم إشعال الحرائق في القرى الكردستانية وفي الغابات والمزارع في الإقليم عبر الطائرات الحربية التي أدت إلى تدمير حولي 4250 قرية في مختلف مناطق الإقليم. وفرضت على الفلاحين مغادرة قراهم ومزارعهم. وقد استشهد الكثير من المواطنات والمواطنين الكرد بسبب هذه العمليات الإجرامية ودمرت مزارعهم ومحاصيلهم.
9.   جرى تنفيذ هذه العمليات من قبل القوات المسلحة وتوابعها في فترة اختارها النظام لأسباب كثيرة, إذ كان الجهد الدولي منصب على إيقاف الحرب بين العراق وإيران, وكان الموقف الدولي متحيز لصالح العراق ضد إيران. وقد توقفت الحرب فعلاً في خريف ذلك العام, التي غطت هذه الحرب على تلك الحملات الإبادية الإجرامية ولم تحرك شعور التضامن الدولي والرأي العام العالمي مع الشعب الكردي وضحاياه, بل حاولت بعض الدول الكبرى أن تشكك بالضربة الكيماوية مثلاً وتتهم إيران بها بالضد من الحقيقة التي كانت ناصعة ولا تقبل الشك.
10.    أجبرت هذه الحملات الإجرامية عشرات ألوف الكرد ومن القوميات الأخرى القاطنة في الإقليم على الهجرة إلى خارج إقليم كردستان العراق والعيش في الشتات المجاور أو في الدول الغربية.
نجح الدكتاتور صدام حسين ونظامه السياسي الفاشي والعنصري في تنفيذ تلك الحملات الإجرامية دون ضجة دولية وإقليمة أو حتى عراقية أو عربية ودون احتجاج وإدانة لها.
كشفت محاكمات بعض أقطاب نظام البعث وصدام حسين عن العقلية التي كانت تسير الأمور وعن الرغبة الحقيقية لدى هؤلاء المجرمين لتحقيق أقصى ما يمكن من إبادة سكانية للكرد وتصفية قضيتهم العادلة وحقوقهم المشروعة.
ومن المؤلم حقاً أن هناك غالبية شعوب الدول العربية وكذلك الكثير من عرب العراق الذين ما زالوا حتى الآن, ورغم الكثير من النشر حول هذا الموضوع والتعريف بهولوكوست الأنافا ضد الشعب الكردي, يرفضون الاعتراف بوقوع هذه الجرائم البغيضة ضد الشعب الكردي, تماماً كما يرفض النازيون الجدد الألمان حتى الآن الاعتراف بالجرائم البشعة (الهلوكوست) التي تعرض لها اليهود بألمانيا وأوربا في المعتقلات النازية وفي المحارق الهتلرية. فقد تراوح عدد اليهود الذين قتلوا في الهولوكوست ما بين خمسة وستة ملايين يهودي ويهودية من أصل تسعة ملايين من السكان اليهود الذين كانوا يعيشون حينذاك في أوروبا. (قارن: موقع الهولوكوست نداء الوجدان. أخذ المقطع بتاريخ 22/1/2013). وهذا يعبر إما عن جهل بأحداث التاريخ ووقائعه, وإما بسبب السقوط في مستنقع الشوفينية والعنصرية والحقد والكراهية ضد القوميات أو الشعوب الأخرى, وبسبب الدعايات التي مورست أو ما تزال تمارس بتشويه سمعة الشعب الكردي وحقوقه العادلة والمشروعة بالدول العربية وكذلك ما يمارسه البعض حتى الآن بالعراق.   
لقد اعترف البرلمان العراقي وكذا الحكومة العراقية بأن تلك الحملات الأنفالية كانت حملات إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية. ويترتب على هذا الاعتراف الرسمي مسؤولية كبيرة ورئيسية على الحكومة الاتحادية ببغداد, باعتبارها حكومة تسلمت المسؤولية والتبعات التي تقع على عاتق الحكومة المركزية البعثية ببغداد التي مارست تلك الجرائم.
وهذا لا يعني الاعتذار للشعب الكردي عن ذلك فحسب, بل والالتزام بتعويض الإقليم وذوي الضحايا وبالخسائر المادية بما يتم الاتفاق عليه من لجنة حيادية محلية أو دولية, إذ يفترض أن توزع تلك التعويضات على ذوي الضحايا من جهة وإعادة بناء ما خربته تلك الحملات من دمار وخراب من جهة أخرى.
ويمكن العودة إلى مقال لي تحت عنوان " حملات مجازر الأنفال ضد الشعب الكُردي  ومواقف العرب منها "في الذكرى السنوية الرابعة والعشرين لمجازر الأنفال المشؤومة", نشر في مجلة "كه وانه" باللغة العربية التي تصدر في السليمانية. وقد تطرقت فيه إلى ما يفترض القيام به محلياً وعربياً ودولياً لصالح ذوي ضحايا الأنفال والمناطق التي دمرت في حينها.
أربيل في نيسان2014                       د. كاظم حبيب



107
كاظم حبيب
هل ما يجري في مدينة بُهرز في ديالى عمليات انتقامية للشيعة ضد السنة؟!!
العراق الراهن يعيد الماضي البعيد ويعيش فيه وتحت وطـأته بالتمام والكمال، يعيش مرة أخرى حياة الجهل والتخلف وسيادة قانون الغاب والغزو العشائري وصراخ "الدم بالدم" والصراعات والنزاعات الطائفية والقتل بسبب التباين في الدين والمذهب. هكذا أصبحت الحياة بالعراق الطائفي التي يعاني منها شعب العراق منذ سقوط أبشع دكتاتورية عرفها العراق الحديث، دكتاتورية البعث "العربي الاشتراكي!" والمجرم صدام حسين وطغمته الحاكمة وأخوته في الفكر والممارسة الذين حكموا العراق قرابة 50 عاماً بين 1963-2003 والتي أدت إلى موت واستشهاد مئات ألوف العراقيات والعراقيين في أقبية السجون وأثناء التعذيب وفي الشوارع والحروب الداخلية والخارجية أو بسبب الجوع والحرمان ونقص الأدوية الناجم عن الحصار الاقتصادي الدولي. هكذا يريد الطائفيون القدامى الجدد، سواء أكانوا من الشيعة أم السنة، أن يكون عليه العراق، أن يعيش شعب العراق في دوامة القتل الإرهابي وأن يكون القتل مسلطاً وفي كل لحظة على رقاب الناس، إنهم يسعون لجعل الشعب يعيش حالة القتل المتبادل، سني يقتل شيعي وشيعي يقتل سني والجميع يقتلون الجميع. هل يريدون حرباً طائفية؟ كل الدلائل تشير إلى أنهم يسعون إليها ويدفعون بالشعب إلى أتون حرب طاحنة لا ينجو منها لا سنة ولا شيعة ولا غيرهم من أتباع الديانات الأخرى.
ليس المواطنين الاعتياديين أو الطبيعيين السنة هم من يقتلون الشيعة، كما وليس المواطنين الشيعة الاعتياديين أو الطبيعيين هم من يقتلون السنة، بل إن القتلة هم الإرهابيون التكفيريون من مختلف الأصناف ومن المليشيات الطائفية المسلحة، شيعية كانت أم سنية وكذلك جمهرة من البعثيين المسلحين والمتحالفين مع تلك القوى الإرهابية، وكذلك القوى المتعاونة معها في أجهزة الدولة المدنية منها والعسكرية. وهذه هي الحقيقة وليس غير ذلك.   
بالأمس طلع على الناس وجه طائفي سياسي مسموم ينشر سموم العداء والطائفية في أجواء العراق، طلع على الناس من على شاشة قناة الحرة الأمريكية وجه امرأة اسمها حنان الفتلاوي، التي أصبحت في الزمن الرديء جداً نائبة عراقية، يجسد الحقد والكراهية بكل بشاعتهما, يصرخ "أريد مِن ينقتلون سبعة شيعة، أريد گبالهم ينقتلون سبعة سنة"!!! تباً لكِ من امرأة فاشية النزعة والهوى والأساليب الدعائية البشعة. هذه النائبة المصونة التي تريد "الدم بالدم"، تريد الثأر الانتقامي، تمثل قائمة دولة القانون التي أسسها ويرأسها نوري المالكي، ولا يمكن أن تكون بعيدة عن موافقة رئيس والكثير من أعضاء القائمة، إذ أن صراخها يذكر الجميع ومن جديد بصرخة نوري المالكي في القناة العراقية التي صاحبته استعراضاً بعد مقتل محمد البديوي "الدم بالدم...".
هذه المرأة، التي تمثل كتلة المالكي وقائمته "دولة القانون!" تدعو صراحة وبدون أي حياء أو خشية من قانون إلى ممارسة قتل السنة لأخذ ثأر الشيعة. هل نحن نعيش في دولة القانون أم في دولة يغيب عنها القانون؟ هذا السؤال موجه إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى ليفتي بالأمر!! ، أم إنه لم يسمع صراخ هذه المرأة المسعورة في قناة الحرة.   
والسؤال الكبير الذي يواجهنا هو: هل ما يجري في بُهرز من قتل أناس أبرياء هم من أتباع المذهب السني يعتبر عملية انتقامية منظمة وموجهة لمقتل الشيعة على أيدي الإرهابيين في مناطق مختلفة من العراق وفي مناطق شيعية؟ وهل إن هؤلاء يقتلون بحماية الحكومة ودعمها لأن رئيس الحكومة شيعي وطائفي بامتياز وممثلته تدعو إلى أخذ الثأر والقتل على طريقة السن بالسن والعين بالعين؟ هل تحولت دولة القانون وقائمته إلى دولة اللاقانون وقائمته قائمة اللاقانون؟ وهل كانت حنان الفتلاوي تعبر وتؤيد صراحة عما يجري في بهرز من قتل انتقامي مثير للقرف والاشمئزاز ويعمق الكراهية والحقد في المجتمع العراقي المتعدد الأديان والمذاهب عن فكر وممارسات ورأي قائمة دولة القانون ورئيسها؟
إن ما قالته المرأة المدعوة حنان الفتلاوي (وهي مفرغة من كل حنان) سيخضع لمحاسبة قضائية صارمة، لأنها تثير الكراهية والحقد وتدعو إلى القتل العمد انتقاماً لمن يقتل على أيدي الإرهابيين؟ كما لم يحاسب قضائياً حتى الآن رئيس الوزراء على صرخته "الدم بالدم". هذه المرأة مكانها ليس مجلس النواب بل قفص الاتهام أمام محكمة غير خاضعة لرئيس الحكومة وقراراته. في دولة دستورية وديمقراطية تحترم نفسها لا يكون مكان مثل هؤلاء الناس غير مستشفى الأمراض النفسية لمعالجتهم من عللهم الاجتماعية الطائفية والكراهية والحقد وعدم اعترافهم بالقانون أو السجن.                   
إن قتل الإنسان، أياً كان، جريمة لا تغتفر، ويزداد ثقل الجريمة بشاعة وعدوانية حين يقتل لكونه شيعي المذهب. وكذا الحال حين يقتل السني المذهب أو المسيحي أو المندائي أو الإيزيدي أو البهائي أو غيرهم، فهي جرائم وانتهاك صارح لحقوق الإنسان في الحياة وفي الاعتقاد والعبادة.
ويزداد الأمر بشاعة حين تدعو منظمات إرهابية تكفيرية إلى القتل العمد بسبب الدين أو المذهب. ولا يختلف الأمر حين تجلس حنان الفتلاوي في قناة الحرة وأمام الملايين من البشر بالعراق وخارجه وتدعو إلى قتل سني حين يقتل شيعي!     
لقد ازداد نشاط قوى الإرهاب التكفيرية والميليشيات الطائفية المسلحة واتسع خلال السنتين المنصرمتين، ولكن وبشكل خاص في هذه الأيام حيث الانتخابات على الأبواب. إنها محاولة لتشديد الصراع الطائفي واصطفاف القوى الطائفية واستقطابها لصالح هذا الطرف أو ذاك. إنها جريمة بشعة بحق الشعب العراقي يجب أن تتوقف. ولا يمكن أن يوقفها هؤلاء المتصارعون على السلطة والنفوذ والمال على حساب حياة ومصالح الشعب العراقي، وعلى وفق القاعدة القائلة "الغاية تبرر الواسطة"، بل لا بد من تغيير كامل الطاقم الحاكم، النخب الطائفية الحاكمة ورفض الهوية الطائفية السياسية، والأخذ بقاعدة ومبدأ المواطنة الحرة والمتساوية وانتخاب من يلتزم بالهوية الوطنية العراقية والمواطن أو المواطنة العراقية، إنها الأساس للخلاص مما يجري منذ عشر سنوات بالعراق الحبيب.
إذا كان العراق قد ابتلى بالقوميين العرب المتطرفين والمستبدين، فإنه اليوم مبتلى بالطائفيين المتطرفين المستبدين الذين لا يرعون حرمة الإنسان ولا حقوقه ويمارسون القتل بدم بارد، سواء أكان الضحية مسلماً شيعياً أم سنياً، أم من ديانات أخرى.
لنعمل من أجل وقف عمليات القتل بالعراق، لنعمل من أجل دحر الإرهاب بكل أنواعه، لنناضل من أجل دحر الفكر Is what happening in the city of Buhriz in Diyala is reprisals for the Shiites against Sunnis
الطائفي السياسي والانتقامي والثأري الذي ينتهك الدستور والعراقي القوانين المعمول بها بالبلاد، لنعمل من أجل سيادة القانون الديمقراطي وضد قانون الغاب السائد بالعراق حالياً. لنوقف عمليات القتل الجارية في بُهرز وتجريف البساتين.
لتنتصر إرادة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والسلم الاجتماعي والسلام والعدالة الاجتماعية بالعراق المستباح حالياً والذي غابت عنه ولعقود كثيرة هذه المبادئ الإنسانية.
2/4/2014                        كاظم حبيب       


108
بيان عن
المنظمة العراقية للدفاع عن حقوق الإنسان في العراق OMRIK
الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الإنسان  في السويد
الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية
الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الإنسان  في هولندا
حول العمليات الإجرامية ضد أهالي بهرز في ديالى (العراق)

تراقب جمعياتنا بقلق متزايد عمليات منظمة ذات طابع طائفي تستهدف أبناء وبنات شعبنا من المكون السني في محافظة ديالى كان أخطرها ما حصل في بلدة بهرز الواقعة على بعد 4 كم جنوبي بعقوبة.
و بالاعتماد على مصادرنا التي اعتمدت شهود عيان ذوي مصداقية وأفلام فيديو منشورة تمثل مقابلة مع السيد ممثل السيد رئيس الوزراء تكوّن لدى منظماتنا انطباع بأن أعمال القتل التي جرت في بلدة بهرز كانت بفعل القوات الحكومية أو إنها تمت تحت نظرها وبعلمها ودعمها، وأن الضحايا جميعا كانوا من الناس الأبرياء العزل من النساء والشباب والشيوخ ممن اقتيدوا من منازلهم ونفذ فيهم حكم الإعدام بدم بارد. إنها باختصار عمليات انتقامية تمارسها قوى عدوانية ضد الناس المسالمين في بهرز، إذ لا يوجد أي دليل على أن من بين المغدورين أي عنصر من داعش أو القاعدة، بل لدينا الأدلة الكافية بأنهم جميعا، بمن فيهم ثلاث نساء، من الأناس المسالمين والعزل ولا علاقة لهم بالمنظمات الإرهابية التكفيرية.
وقد قام الطيران العراقي بقصف منازل المواطنين بعد أن غادر المسلحون الذين مارسوا تلك العمليات المنطقة، إذ كان القصد كما يبدو استهداف الأهالي. إذ قامت بعد ذلك عمليات نهب واسعة طالت ممتلكات المواطنين حيث نهبت البيوت وتمت سرقة الأموال و السيارات الحديثة فيما أطلقت النيران بكثافة على السيارات المتوقفة في الشوارع لتخريبها.
و تتسائل منظماتنا كيف استطاعت سيارات الحمل التي اصطحبها معهم المسلحون المرافقون للقوات الحكومية من التحرك و نقل المسروقات التي شوهدت معروضة للبيع في مدن مجاورة ، كيف استطاعت هذه العناصر بمركباتها المتعددة مغادرة بهرز فيما لم يسمح لسكانها بما في ذلك المرضى و المسنون من الهرب من العنف إلا سيرا على الإقدام تلاحقهم القذائف و اطلاقات القناصة.
و قد استطاعت منظمتنا جمع قائمة بأسماء الضحايا تضعها تحت تصرف المسؤولين.
إن اللجنة التحقيقية المرسلة من قبل مجلس الوزراء نعتبرها خطوة في الاتجاه الصحيح و لكنها لن تكون كافيه ما لم تراع الأمور التالية :
1 ـ التوصل لتشخيص المسؤولين عن جرائم القتل و النهب و الاعتداء و محاسبتهم وفق القانون.
2 ـ اعتبار الضحايا شهداء مع كل ما يترتب على ذلك من حقوق.
 3 ـ تعويض الأضرار المادية التي لحقت بممتلكات المواطنين.
4. وضع حد فعلي لمثل هذه العمليات الإجرامية بحق أبناء شعبنا في بهرز وفي بقية مناطق محافظة ديالى.
5. العمل على منع الدعم الذي يصل إلى منفذي مثل هذه العمليات الإرهابية ضد السكان الآمنين من وراء حدود البلاد.
وتجدون في أدناه قائمة بأسماء 28 شهيداً من ضحايا بهرز:
•    ناظم القيسي
•   مهدي صالح عبد القادر
•   محمد علاء حسين الحربي
•   ياسين عزيز عبد الكريم  الدبش (أبو سرمد )
•   نجاح حمدي آل يحيى
•   صلاح حمدي آل يحيى
•   المهندس المدني كريم مهدي صالح وأبنه
•   علي صالح عبد الكريم (ابن شقيق المهندس منعم)
•   المهندس الزراعي عادل عبد الله حسن البياتي وابنه
•   سرمد عادل عبد الله حسن
•   حميد عبود كحيوش
•   زيد ابن حجي محمد زيدان البياتي
•   محمد جواد العزاوي
•   عمر عدنان (بيت حوت)
•   يوسف عدنان (بيت حوت)
الأخوين
•   احمد مهدي صالح
•   عمر مهدي صالح
و  عمهم
•   علي صالح
•   عدنان خماس الزيدي
•    أسماء منذر آل حربي (صاحبة مختبر)
•    علي ناصر جدوع ( شرطي)
•   عيدان درويش حسن
•    علاء الدين ناصر علي
•   زياد داوود علوان
•    بشرى محمود احمد
•   كرجية مجيد إبراهيم
•   فوزي كشكول سالم
•   مصطفى سلمان عباس





109
كاظم حبيب

إلى متى يبقى المواطن بالعراق بلا أمن ولا استقرار والموت يلاحقه في كل مكان؟
"ويلٌ لحاكمٍ عاجز عن توفير الأمن والاستقرار والسلام
والتقدم لشعبه، وويلٌ له حين يبقى متشبثاً باغتصاب الحكم!"
                  ك.ح.
[1]
الصمت على ما يجري بالعراق أو الدفاع عن نظام المحاصصة الطائفية والأثنية القائم يعتبر مشاركة فعلية في توفير مستلزمات وشروط استمرار معاناة الشعب من المآسي اليومية التي يتعرض لها والأحزان التي تتراكم عليه. وتزداد هذه المسؤولية السياسية والأخلاقية على كل من يسعى إلى تبرير عجز هذا النظام وحكامه في توفير مستلزمات الأمن والاستقرار والسلم الاجتماعي بالوطن المستباح والشعب الذي أصبح موت مواطنيه ومواطناته مباح لكل القوى المعادية للشعب من التنظيم الإجرامي داعش وبقية قوى الإجرام من التكفيريين الإرهابيين والمليشيات الطائفية المسلحة ومن لفَّ لفّهم.
ليس السكوت على ما يجري بالعراق فضيلة، بل جريمة ورذيلة في آن، إذ لا بد أن يرتفع صوت الشعب مطالباً بإيقاف المجازر اليومية التي يتعرض لها الناس في الكثير من المحافظات والمدن العراقية، إضافة إلى الاغتيالات اليومية المستمرة التي لا يسمع بها الناس في غالب الأحيان، وهي كثيرة حقاً. ولكن الأفظع من ذلك يبرز في محاولات البعض من وعاظ السلاطين وأتباع المحاصصة الطائفية السعي لتبرير عجز الحاكم عن مواجهة الإرهاب الدموي الجاري يوميا بالعراق. فالموت بالجملة بات حالة يومية لم تعد تشير إليها نشرات الأخبار العالمية إلا كهامش على الأحداث، وهي الحالة الأكثر سوءاً لما يمكن أن يصيب شعب ما، حين يصبح القتل اليومي حالة اعتيادية لا ينتبه إليها الناس.
ليس السكوت على هروب الجنود العراقيين من المعارك الجارية في غرب العراق بالجملة وعدم البحث في الأسباب وفضحها على نطاق واسع وتعرية المسببين لها فضيلة بأي حال ، بل مشاركة فعلية في السماح باستمرار الأوضاع الشاذة التي أصبحت اعتيادية والتي تذكرنا بهروب الجنود العراقيين من الحرب العراقية–الإيرانية أو من حروب النظام الدكتاتوري العنصري الأخرى الداخلية منها والخارجية.
حين يرفض الحاكم بأمره الانصياع إلى صوت العقل والحكمة والدروس المستخلصة من تجارب العقود المنصرمة، حين يرفض الحاكم مراجعة سياساته الداخلية والإقليمية على امتداد دورتين وزاريتين وتجارب وزارتي علاوي والجعفري السابقتين له ويصر في السير على ذات النهج الذي أوصل العراق إلى الحالة الراهنة، وحين يرفض الحاكم بأمره ممارسة الحوار السياسي والاستجابة لمطالب أجزاء مهمة من الشعب العراقي ويصر على ممارسة سياسة القوة والعنف والسلاح في معالجة المشكلات القائمة، حينها يعتبر السكوت عنه وعن أفعاله ليس فضيلة بل رذيلة ومشاركة جدية في الجرائم التي ترتكب يومياً بالعراق.
حين يفقد الإنسان الأمل بأن الحاكم بأمره لا يستجيب حتى لتلك النداءات التي توجهها الجهات التي أوصلته وساعدته في الوصول إلى الحكم، ومنها بشكل خاص المرجعيات الشيعية وبشكل أخص مرجعية السيد علي السيستاني، وحين يُصعّد ويفجر باستمرار أزمات جديدة بين الأطراف السياسية، وحين لا يأتمر إلا بأوامر تأتيه من وراء الحدود الشرقية، من إيران على وجه التحديد، فإن اللغة التي يستحقها تختلف تماماً عن اللغة اليومية الاعتيادية بين البشر، لأنه لا يتسبب بموت الذباب أو البعوض، بل يكون السبب الأول في موت المزيد من البشر، موت الإنسان العراقي امرأة وطفلاً وشاباً يافعاً وشيخاً ومن مختلف القوميات والديانات والمذاهب وفي أنحاء مختلفة من العراق.
[2]
كلنا يدرك بأن توجيه النداءات للقتلة الإرهابيين من قاعديين وتكفيريين وداعش وبعثيين مسلحين ومشاركين في القتل لا ينفع بأي حال، لأنهم مرسلون لغرض القتل والتدمير والتخريب وإشاعة الفوضى، وكلنا يدرك بأن إدانة الجرائم البشعة التي يرتكبونها لا تهمهم بل تفرحهم لأنهم جاءوا لأغراض قتل أكبر عدد ممكن من الناس العراقيين والعراقيات والمزيد من التخريب وإشاعة الفوضى بالبلاد. ولهذا فالنداءات والإدانة ليست هي المطلوبة فحسب، بل المطلوب بشكل خاص توفير مستلزمات المواجهة الناجحة والموفقة لهذه القوى الإجرامية القذرة مع العمل الفكري والسياسي والحوار مع فئات وقوى المجتمع وأحزابه.
وكلنا يعرف، ومن لا يعرف هو بعيد عن واقع ما جرى ويجري بالعراق منذ سقوط الدكتاتورية الفائتة حتى الآن، أن الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية منها والسنية دون استثناء قد غرفت ما يزيد على عضويتها الأساسية بمئات المرات من أعضاء ومرشحي ومجرمي حزب البعث، سواء من كان في القوات الخاصة أم في أجهزة الأمن أم في المنظمات "الشعبي" أم الاستخبارات والمخابرات العراقية، وهم الذي يساهمون في تعميق الصراعات الطائفية ويشددون من العمليات التي تدفع باتجاه الكراهية والحقد بين أتباع المذهبين الشيعي والسني في الإسلام، والكثير منهم ما زال يمارس هذا الدور الشرير. وحزب المالكي وقواته الخاصة ليسو بعيدين عن ذلك بل احتضنوا ببشاشة وفرح الكثير جداً من هؤلاء البعثيين الذين أجرموا بحق الشعب وليس كل البعثيين ممن دخل هذا الحزب نتيجة الخوف منه أو لانتهازيته.   
[3]
إن توفير مستلزمات تفكيك الصراع الطائفي والمحاصصة الطائفية لا يسعى إليه الحكام الحاليون ولا يريدونه، سواء أكانوا في الطرف الشيعي الحاكم أم الطرف السني المشارك في الحكم، لأن كل طرف منهما يريد الحكم له وليس لغيره وليكون اللاعب الأول في السياسة العراقية، في حين أن الحكم يجب أن لا يكون للطائفيين جميعاً، سواء أكانوا سنة أم شيعة، أي يجب أن لا يكون للأحزاب السياسية الإسلامية الطائفية التي مرغت كرامة الإنسان ودنستها وشاركت وساعدت على سفح دماء العراقيين والعراقيات على أيدي الإرهابيين وأيدي الكثير منهم، لأنها لا تتبنى ولا تعمل على وفق مبدأ المواطنة العراقية الحرة والمتساوية أمام القانون وفي الواجبات والحقوق، ولأنها تأخذ بالهويات الفرعية، شيعية وسنية، على حساب الهوية الوطنية العراقية، وهي في مثل هذه الحالة هويات فرعية قاتلة ومدمرة لوحدة الشعب والوطن.
[4]
كلنا يدرك بأن هناك من يستفيد فائدة كبرى من هذا الوضع الفوضوي السائد بالعراق، من يغتني على حساب أموال ومصالح وحقوق وصحة وفقر وحرمان الشعب، هناك من يستفيد من عمليات عسكرة البلاد والمجتمع، وهناك من يربح على حساب الدم المسفوح. ولكن هناك الشعب المتضرر من هذا الواقع المزري، إنهم القتلى والجرحى والمعوقون والعاطلون عن العمل والمحرومون البؤساء، إنهم المرشحون الجدد للقتل ولكل العذابات الأخرى، إنهم الكادحون في المناطق الفقيرة من العراق وليسوا من المحصنين في حي الخضراء. وإذا كانت هناك أصوات لصالح الطرف الأول المستفيد، وهم أتباع نظام المحاصصة الطائفية ووعاظ السلاطين ومن لف لفهم، فلا بد أن تكون هناك أصوات صارخة للطرف الثاني المتضرر من واقع الحال الراهن بالعراق. ولا يمكن لأتباع الطرف الأول أن يُسكِتوا أو يغتصبوا أصوات الطرف الثاني بأي حال، لأنهم يجسدون صوت الشعب الذي يفقد يومياً عشرات العراقيات والعراقيين من قتلى وجرحى ومعوقين ويعبرون عن إرادته المغتصبة ومصالحه المهدرة وطموحاته المشروعة ومن أجل خلاصه من الطائفية المقيتة السائدة في حكم البلاد.
[5]
الإنسان الحر والواعي يحترم أتباع الديانات والمذاهب كلها دون استثناء ولا يميز بينها، ولكنه لا يريد لها أن تتصارع في ما بينها، بل أن تتمتع كلها بكامل حريتها وحقها في ممارسة عباداتها وطقوسها المحترمة والمقبولة اجتماعياً ومتناغمة مع حقوق الإنسان وبعيداً عن السياسة. وما يجري اليوم بالعراق هو بعيد كل البعد عن المطلوب. فأتباع الديانات بالعراق تتعرض لعمليات التمييز والتهميش والتشريد والتهجير والقتل، كما يجري لأتباع الديانات المسيحية والمندائية والإيزيدية والشبك والكاكائية والزرداشتية والبهائية. كما إن، وبسبب المحاصصة الطائفية والصراع الطائفي، يتعرض أتباع المذهبين الشيعي والسني إلى ذات العواقب. فالمسؤول الأول عن ذلك هو نظام المحاصصة الطائفية والقوى الطائفية، سنية أم شيعية، والسياسات الطائفية التي تمارس بالبلاد.   
[6]
إن السكوت أيها الأخوة وأيتها الأخوات على ما يجري بالعراق ليس من ذهب بل هو رذيلة بكل معنى الكلمة, لأنه يعني الموت لمزيد من العراقيات والعراقيين على أيدي قوى الإرهاب الدموي من داعش وغيرهم من التكفيريين أو على أيدي البعثيين في المليشيات الطائفية المسلحة أو قوى أخرى وميليشيات طائفية مسلحة مثل هيئة علماء المسلمين السنة أو عصائب الحق أو جيش المهدي أو منظمة بدر، أو الموت على أيدي القوات المتصارعة حين تحُصر وتُحشر في وسط المعارك، كما يجري اليوم في الرمادي والفلوجة أو في ديالى أو على أيدي أجهزة أمنية وحرس ثوري وميليشيات إيرانية تعمل بالعراق ليل نهار لتقتل من تشاء وتمارس ما تشاء دون رقيب أو حسيب .
إن السبب وراء فضح سياسة نوري المالكي ليس بسبب عداء شخصي ضده، فلم التق بهذا الرجل طول حياتي، بل لأنه مارس وما يزال يمارس سياسات أوصلت البلاد إلى هذا الخراب النفسي والعصبي، وإلى هذا القتل الجماعي المتواصل، وإلى هذه الفوضى والانفلات الأمني الشديدين في أغلب أنحاء البلاد. إن المالكي وحزبه والأحزاب التي تواليه والشخصيات التي تدافع عنه، أياً كان السبب الذي تتذرع به، مسؤولون مسؤولية كاملة عن كل ما يحصل بالبلاد، كما تتحمل المرجعيات والمؤسسات والهيئات الدينية الأخرى مسؤولية ذلك لأنها عملت ونشطت وساعدت على وضع دستور طائفي النزعة وساهمت في وصول الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية، شيعية أم سنية، إلى حكم البلاد وعززت مواقعها وبالتعاون الوثيق مع الإدارة الأمريكية التي رغم تغيرها ما تزال تواصل النهج ذاته الذي مارسه السياسي المهووس بالدين والعنف والحرب وبالنموذج الأمريكي "للحرية" واللبرالية الجديدة جورج دبليو بوش.
إن الدرب الذي يسير عليه نوري المالكي هو درب الصد ما رد، كما هو حال درب كل الطائفيين من شيعة وسنة، ولكنه وإلى حين انهياره سيكلف الشعب العراقي آلاف القتلى والجرحى والمعوقين والخراب والدمار بالبلاد والإرهاب ونهب أموال الشعب وتعطيل التنمية والفقر والبطالة. إنه لا يريد أن يترك الحكم إلا على أنقاض وجثث، تماماً كما كان صدام حسين يريد ذلك، وهو ما انتهى إليه والعراق معاً وفعلاً.   
30/3/2014            كاظم حبيب 
   


110
الرفيق العزيز حميد مجيد موسى المحترم /سكرتير اللجنة المركزية  للحزب الشيوعي العراقي 
الرفاق الأعزاء في المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي المحترمين
تحية رفاقية حارة
بمناسبة قرب حلول الذكرى الثمانين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي أتوجه لكم ومن خلالكم إلى رفاق اللجنة المركزية وأعضاء ومرشحي وأصدقاء الحزب كافة بأحر التحيات وأعطر التمنيات راجياً للحزب ونشاطه النجاح والتقدم على طريق تحقيق الأماني الكبار في بناء وطن حر وشعب سعيد.
يمر العراق وشعبه في ظروف غاية في الصعوبة والتعقيد والتشابك، وهي وليدة عقود من الاستبداد والظلم والقهر السياسي والاجتماعي من جهة، ونتيجة منطقية لمخلفات الاحتلال الأمريكي-البريطاني وزرع نظام المحاصصة الطائفي والأثني السائد حالياً وممارسة سياسات التمييز بكل أشكالها وإسقاط هوية المواطنة العراقية لصالح الهويات الفرعية القاتلة من جهة أخرى، إضافة إلى التدخل الفظ من حكومات دول الجوار في الشأن العراقي الداخلي وما يرتبط به وينشأ عنه من عمليات إرهابية دموية تقتل وتجرح وتعوق العشرات من بنات وأنباء العراق يومياً وتزرع الفتنة والفوضى في البلاد. ومما يزيد في الطين بلة تحول الفساد المالي والإداري من كونها كانت ظواهر منفردة إلى نظام فعلي سائد ومعمول به على مستوى الدولة والحكم والمجتمع.
وليس سهلاً، وفي مثل هذه الأوضاع المتشابكة محلياً وإقليمياً ودولياً، رسم سياسة وطنية وديمقراطية قادرة على تخطي الصعاب ومواجهة الأزمات الحادة المتواصلة التي تعم البلاد مؤهلة لتعبئة الجماهير عموماً، والكادحين وشغيلة الفكر واليد منهم على وجه الخصوص، حولها لمواجهة الوضع الراهن وتجاوزه، خاصة وأن المجتمع يعاني من ضعف هائل في التنوير السياسي والاجتماعي وهيمنة الأفكار المريضة وتراجع القيم الإنسانية الحضارية وسيادة العنف وغياب الاستعداد والقدرة على الحوار بين القوى والأطراف السياسية الحاكمة.
إن التوجه السليم للحزب الشيوعي العراقي صوب تجميع القوى الديمقراطية والتقدمية في تحالف مدني ديمقراطي متين ومتماسك يضم إليه كل المناهضين لنظام المحاصصة الطائفية والرافضين للاستبداد والتسلط في الحكم أياً كان نوعه، والعاملين من أجل بناء دولة مدنية ديمقراطية اتحادية وحكم وطني ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان، ومنها حقوق المرأة كاملة غير منقوصة، وحقوق المواطنة الحرة والمتساوية، وحقوق القوميات وأتباع الديانات والمذاهب، ومن أجل العدالة الاجتماعية، وكل الساعين لبناء اقتصاد وطني متنوع وديناميكي وغير مكشوف على الخارج ، وكل المناضلين ضد البطالة الخانقة والفقر والفساد والإرهاب، والرافضين للتدخلات الخارجية المستمرة في سياسات العراق الداخلية، والفضح المستمر للسياسات الراهنة المفرقة للشعب والقائمة على أساس الحلول العسكرية والأمنية وبعيداً عن الحلول السياسية الديمقراطية، يشكل المدخل الفعلي لعملية التغيير السلمية والديمقراطية المنشودة لأوضاع البلاد المزرية الراهنة. إن عملية التغيير الديمقراطي المنشودة ليست سهلة، بل هي سيرورة وصيرورة معقدة ومتشابكة ومرهقة في آن، كما تحمل معها التضحيات الجسام، ولكنها ملحة وضرورية وقابلة للتحقيق.
يمتلك الحزب الشيوعي العراقي، مدى العقود الثمانية المنصرمة، تجارب غنية في النضال من أجل بناء التحالفات الوطنية والديمقراطية وفي النضال من أجل حياة حرة وكريمة وديمقراطية، قدم في سبيلها الكثير والغالي من التضحيات وعانى فيها مرارات الفشل وأفراح النجاح، وهي التي ستكون بغنى دروسها الضوء الذي ينير طريق الحزب والقوى المدنية والديمقراطية العراقية في هذه الفترة العصيبة من حياة ونضال الشعب العراقي.
إنها ذكرى مجيدة تعيد إلى الأذهان نضال المبادرين الأوائل لتأسيس الحزب والمسيرة النضالية الطويلة غير المنقطعة للشيوعيين العراقيين والتضحيات الغالية التي قدمها حتى الآن، فهو شيخ الأحزاب العراقية من جانب، ولكنه الفتي في نضال المتواصل من جانب آخر والغني بتجاريه المتراكمة عبر العقود الثمانية المنصرمة. 
لتنتصر إرادة الإنسان العراقي ببناء الوطن الحر والمستقل والآمن والمزدهر والشعب السعيد.
لتكن هذه الذكرى حافزاً لكل الشيوعيين وأصدقاء الحزب ومؤيدي سياساته الوطنية والديمقراطية لمزيد من النضال لتحقيق البرنامج الوطني للحزب الشيوعي العراقي والبرنامج الانتخابي للتحالف المدني الديمقراطي العراقي.
الذكر الطيب لشهداء الحزب والحركة الوطنية العراقية.
الصحة الموفورة والسلامة لكم وللشعب العراقي ولتنتصر قيم المحبة والوئام والسلام في صفوف الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع أديانه ومذاهبه واتجاهات الفكرية والسياسية الديمقراطية.
كاظم حبيب               
28/3/2014

111
كاظم حبيب
إياكم والفتنة التي يسعى رئيس وزراء العراق إلى إشعالها بين الشعبين العربي والكُردي
القول الفتنة (الدم  بالدم ...وأنا ولي الدم)
سقط الأكاديمي والصحفي العراقي محمد بديوي قتيلاً برصاص ضابط من الحرس الرئاسي. جريمة بشعة وقعت يوم 23/3/2014 شُجبت من كل الأحزاب والقوى السياسية ومن منظمات حقوق الإنسان والصحفيين ومن الكثير من الشخصيات السياسية والاجتماعية العربية والكردية وغيرهم. كما أصدرت الأحزاب الكردية إضافة إلى رئاسة الجمهورية بيانات إدانة لهذه العملية الجبانة التي وقعت بعد شجار بين الدكتور محمد بديوي والضابط الأهوج. قامت عقيلة رئيس الجمهورية بزيارة عائلة القتيل وقدمت تعازيها واعتذارها وحزنها للجريمة المرتكبة ووجدت صدى استحسان لدى عائلة القتيل.
وقعت جرائم قتل لأكثر من 300 صحفية وصحفي عراقي وعشرات الأكاديميين العراقيين والعراقيات خلال السنوات العشر المنصرمة. وقبل فترة وجيزة قتل برصاص الغدر كامل شياع المستشار في وزارة الثقافة العراقية والصحفي والكاتب هادي المهدي ومدرب نادي الرياضي في كربلاء وعشرات غيرهم. وفي كل هذه الجرائم لم يظهر رئيس الوزراء العراقي إلى مواقع القتل ولم يجلب معه قيادة عمليات بغداد وجيش جرار من الضباط والجنود، كما لم يصرح بما يلي: "الدم  بالدم ...وأنا ولي الدم". ماذا يعني هذا التصريح؟ ولماذا يطلق رئيس وزراء العراق مثل هذا التصريح مع مقتل الدكتور محمد بديوي دون غيره من القتلى الصحفيين والأكاديميين؟
1) يبدو لي إن المالكي يريد خلق فتنة كبرى بين العرب والكُرد بعد أن عجز عن استثمار الخلافات بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق على إثارة الصراع بين العرب والكُرد وإشاعة عداء العرب ضد الكرد، كما عجز قبل ذاك صدام حسين الذي كان يسعى إلى ذلك طوال عهده المشؤوم. وكما يبدو إنه يريد أن يكسب عشيرة الشمرية العربية إلى جانبه بتبني الثأر للقتيل لا من القاتل وعائلته بل من الشعب الكُردي كله، ويبدو إنه محتاج إلى ذلك وهو مقبل على انتخابات لا يبدو أنه قادر على كسب المزيد من الأصوات التي يحتاجها لولاية وزارية ثالثة بالعراق. إنه العربي الذي يريد أن يثأر للقتيل العربي من القاتل الكُردي! بئس العقل والفكر الذي يحمله في رأسه، بئس الموقف وبئس السلوك المشين الذي سلكه رئيس وزراء العراق الذي يفترض أن يقود حكومة في بلد الحضارات القديمة، في بلد يريد أن يخطو صوب المدنية، وإذا به يتصرف كعشائري بدائي متخلف يعود لقرون خلت. حتى العشائر لا تنادي بهذه الطريقة السمجة والمثيرة للفتن. تباً لك من رئيس وزراء عشائري متخلف يريد إثارة شعب ضد شعب آخر مستثمراً ومستخدماً جريمة قتل لإنسان أكاديمي وصحفي نبيل كان يقوم بواجبه. تباً لك من إنسان لا يحترم القضاء العراقي ولا يريد وضع القضية كلها بيد القضاء بل يريد أن يثأر للقتيل بنفسه! وهنا يريد أن يقدم نموذجاً سيئاً للمجتمع كله كما قال الشاعر
إذا كان ربُّ البيت بالدفِ ناقراً               فشيمةُ أهل البيت كُلهم الرقصُ
ولكن حاشا الشعب من هذا السلوك المشين، فالإدانة لتصريحات رئيس الوزراء ملأت الصحافة العراقية والأخبار التي تدلل على وعي الناس بما يسعى إليه رئيس وزراء العراق ورغبته في استعداء العرب على الكُرد، إلى فتنة جديدة ليس فقط بين الشيعة والسنة، بل وبين العرب والكُرد أيضاً.    
حتى الآن لم يستطع نظام المحاصصة الطائفية أن يكشف عن قتلة عشرات الصحفيين العراقيين وأن يقدمهم إلى المحاكمة لينالوا جزاء أفعالهم الشنيعة، كما لم يستطع وضع حدٍ للقتل اليومي الجماعي الذي يتعرض له العراقيون والعراقيات. ولكن رأس النظام مستعد أن يظهر في مكان الجريمة وكأنه "رامبو" العراق أو "عنترة بن شداد" ومعه جمهرة من قواته الخاصة ، قوات عمليات بغداد لكي يقول "الدم بالدم ... وأنا لي الدم". أنت لست ولي دم محمد بديوي بل القضاء العراقي، ولكنك مسؤول مسؤرولية مباشرة عن كل الدماء التي أزهقت بالعراق خلال السنوات الثماني المنصرمة لأنك رئيس وزراء العراق وليس رامبو العراق.    
2) يشكل الحرس الرئاسي جزءاً من القوات المسلحة العراقية وليس جزءاً من قوات الپيشمرگة الكردستانية، وهي قوات تخضع لقيادة رئيس الوزراء العراقي باعتباره القائد العام للقوات المسلحة العراقية. والحرس الرئاسي قوة عسكرية مكونة من كرد وعرب وتركمان وكلدان، أي من القوميات كافة ومن أتباع الديانات العراقية العديدة، فلماذا تجري محاولات لإثارة الفتنة من البعض القليل الذي يريد اعتبار الحرس الرئاسي جزءاً من قوات الپيشمرگة الكردستانية؟ ألا يهدف ذلك إلى إشاعة الصراع والكراهية ضد الكرد وضد الپيشمرگة. إنه السبيل المعوج الذي لا يخدم وحدة الشعب العراقي بقومياته وأتباع دياناته ومذاهبه كافة، إنه النهج الطائفي العدواني المفرق للصفوف والذي يفترض أن يدان قبل أن يؤذي المجتمع العراقي كله.
ليسقط الشعب العراقي الفتنة التي يريد رئيس وزراء العراق، كما يبدو، إشعالها لتخدم أغراضه العامة وللانتخابات البرلمانية القادمة على نحو خاص.
ليتخذ القضاء العراقي مجراه في التحقيق وفي تقديم الجاني إلى المحاكمة لينال الجزاء العادل الذي يتفق مع قانون العقوبات البغدادي.
لنعمل من أجل إشاعة ثقافة الحوار والتسامح والسلام ونشر الأمن والاستقرار بدلاً من تكريس وتعميق ثقافة القوة والعنف والثأر والانتقام والسلاح على مستوى الأفراد والجماعات بالعراق.
25/3/2014  
  
        

112
كاظم حبيب

تحية للشعب الكردي وكل الشعوب المحبة للسلام والتآخي والوئام بمناسبة عيد نوروز الكبير

بمناسبة حلول العيد الوطني والشعبي الكبير لشعب كردستان في أقاليم كردستان الكبرى كافة أتوجه بالتحية والتمنيات الطيبة لكل أنباء وبنات هذا الشعب الصديق الذي نرجو له ولكل الشعوب المتعايشة والمتآخية معه في منطقة الشرق الأوسط الحرية والديمقراطية والسلام والعيش الكريم.
لقد مرت الكثير من أعياد نوروز وكان الشعب الكردي بإقليم كردستان العراق يعاني من الحرب والدكتاتورية والإرهاب الدموي والحرمان، وكانت أبشع تلك الفترات حين تعرض الشعب الكردي لجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية في عمليات الأنفال من قبل النظام الدكتاتوري الفاشي والعنصري، نظام البعث والطغمة الحاكمة بقيادة الدكتاتور صدام حسين. ففي تلك الفترة من عام 1988 سقطت القنابل والصواريخ المحملة بالسلاح الكيماوي على رؤوس أبناء وبنات حلبجة فقتل 5000 ألاف إنسان وجرح أكثر من ذلك، كما شهدت كردستان بقية جرائم الأنفال البشعة على امتداد تسعة شهور التي قتل فيها مباشرة أو غيب ما يقرب من 182000 إنسان كردي في أغلب مدن كردستان وقراها وخرّب ودمّر على امتداد فترة الحرب ضد الشعب الكردي أكثر من 4250 قرية كردستانية. وقد ساد الصمت المريب في العالم كله على هذه الجرائم الصدامية البشعة.
لقد استطاع نضال الشعب الكردي وتضحياته الغالية أن يحقق انتصاراً هاماً وكبيراً في إقليم كردستان العراق، وأن يقيم فيدرالتيه الوطنية ضمن الدولة العراقية التي أقرها المجلس الوطني الكردستاني في العام 1992، ثم كرسها دستور الإقليم في حينها ومن ثم الدستور العراقي الجديد في العام 2005. إننا إذ نهنئ الشعب الكردي بهذا الإنجاز الكبير، نرجو له تعزيز مكاسبه الوطنية والقومية أكثر فأكثر ليكون نموذجاً يقتدى به أمام بقية أبناء وبنات الأمة الكردية في أقاليمها الأخرى. إن هذا يتطلب سياسة حكيمة تتسم بالديمقراطية والشفافية ومشاركة الشعب الكردي في رسم السياسة العامة والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلام الحر والديمقراطي ومحاربة الفساد والمواجهة الحازمة لبعض الجماعات الإرهابية والتكفيرية التي تحاول اختراق الوضع الأمني وتوجيه ضربات هنا وهناك وبين فترة وأخرى ضد سكان الإقليم الآمنين.
إننا نتطلع إلى معالجة جادة وسلمية للمشكلات القائمة على وفق مبادئ الدستور العراقي، بالرغم من نواقصه الكبيرة، وبالرغم من السياسات الخائبة للحكومة الاتحادية على صعيد العراق كله، لكي لا ندع مجالاً للطعن بسياسات الإقليم التي هي بحاجة إلى إعادة نظر وإلى تقييم وتقويم جديدين ومناسبين من جهة، والسعي الجاد للاتفاق على صياغة قوانين تنظم العلاقة بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية من جهة أخرى. وقد عبّرت في أكثر من مرة عن ملاحظاتي بشأن السياسة النفطية وسياسة التحالفات غير المبدئية مع القوى السياسية الطائفية، وسياسة الابتعاد عملياً عن التحالف الضروري والملح مع القوى الديمقراطية العراقية والتي كان بالإمكان تعزيز مواقعها من خلال التعاون الوثيق والتضامن معها في بقية أنحاء العراق، خاصة وإنها كانت المتضامن الرئيسي والأساسي على امتداد تاريخ النضال العراقي ونضال الشعب الكردي في سبيل الديمقراطية والحريات العامة للعراق كله، ومن أجل الحقوق القومية والإنسانية المشروعة والعادلة للشعب الكردي. ولهذا احتلت شعارات مثل "الديمقراطية للعراق والسلام لكردستان" أو "الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان" وأخيراً كان الحزب الشيوعي العراقي والقوى الديمقراطية هم من أوائل من رفعوا شعار الفيدرالية لكردستان العراق وحيوا الشعب الكردي على تحقيقها.     
إن نهج الحكومة الاتحادية بقطع رواتب الموظفين أو اتخاذ إجراءات عقابية ضد الشعب الكردي بسبب التباين في وجهات النظر لن يعالج المشكلات القائمة بل يزيدها تعقيداً ولن يسمح بحصول حوارات هادئة وضرورية، كما إن التهديد بإجراءات غير محسوبة العواقب وغير مناسبة هي الأخرى، كما في قطع المياه أو إيقاف تصدير النفط مثلاً، لن تعالج المشكلات القائمة، ولكنها ترفع من حدة التوتر وتنقلها إلى المجتمع. لهذا نتطلع، مع حلول عيد نوروز الكبير/ مواقف ومعالجات هادئة من جانب الإقليم ليمكنها الكشف عن السياسات الخائبة التي تمارسها الحكومة الاتحادية لا إزاء حكومة الإقليم فحسب، بل وإزاء العراق كله ويفرض عليها ممارسة سياسات أخرى.
أما في بقية أجزاء الأمة الكردية فهي ما تزال تعاني من الاضطهاد والحرمان والحرب المعلنة أو السرية، كما هو الحال في أقاليم كردستان تركيا وإيران وسوريا، وما زال الشعب الكردي في هذه المناطق يخوض النضال لانتزاع حريته وحقوقه وكرامته الوطنية ويقدم الضحايا الغالية في سبيل ذلك، ولا بد لهذا النضال أن ينتصر على النظم الحاكمة المستبدة.
لنناضل من أجل إطلاق سراح كل المعتقلين الكرد في إيران وتركيا وسوريا، ولنرفع صوت الاحتجاج ضد النظم الحاكمة التي تضطهد الشعب الكردي، وضد تصعيد الصراع في العراق ومن أجل معالجة ديمقراطية وعلى وفق الدستور العراقي للمشكلات القائمة.
التحيات النضالية والتمنيات للشعب الكردي بمناسبة أعياد نوروز. 21/3/2014   

113

كاظم حبيب
رسالة مفتوحة إلى السيد الدكتور حسن الخفاجي
   نشر الدكتور حسن الخفاجي بتاريخ 17/3/2014 مقالاً بعنوان "هل استعداء العراقيين من مصلحة الأكراد يا سيد مسعود؟ تطرق فيه إلى قضايا عدة مهمة. وجدت نفسي ملزما على مناقشتها بكل موضوعية وبالهدوء المطلوب بعيداً عن محاولته الإساءة لمن أراد الإساءة لي ولغيري من العاملين المتطوعين في التجمع العربي لنصرة القضية الكردية. لقد قررت أن أجعلها رسالة مفتوحة لأن هناك من يشترك معه في التصورات الخاطئة والمضرة التي طرحها والتي وجدت لزاماً إسماع الآخرين بمضمون هذه الرسالة.
القضية الأولى: حول استعداء العراقيين من جانب السيد مسعود البارزاني
لم تكن التهديدات والعقوبات يوماً السبيل لمعالجة المشكلات القائمة ليس بالعراق فحسب، بل في جميع أنحاء العالم. ولا يجوز أن تكون هناك ردود أفعال خاطئة لإجراءات خاطئة أيضاً. كما إن التوقف عن الحوار بين الأطراف التي تواجه في ما بينها مشكلات محددة لمعالجتها ليس الطريق السوي وفي غير صالح كل الأطراف والمجتمع. ومن هنا فأن عقوبة عدم تحويل رواتب الموظفين في إقليم كردستان العراق لا تعالج المشكلة القائمة والخلافات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم بأي حال، كما إن التهديد بقطع الماء والنفط ليس السبيل لتهدئة ومعالجة المشكلات بل يزيد الأمور تعقيداً ويحول وجهة الصراع بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم صوب الشعب العراقي وهو جانب سلبي وغير نافع للعراق كله بما فيه الإقليم. ومن هنا أشاطر الأخ الدكتور حسن ملاحظته هذه ولكني أدعوه أيضاً إلى رفض استعداء الشعب الكردي من جانب الحكومة الاتحادية بعدم تحويل رواتب الموظفين في الإقليم. إن المشكلات القائمة بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية عديدة تبدأ بالموقف من تطبيق المادة 140 من الدستور العراقي ومروراً برواتب البيشمركة .. وانتهاءً بالموقف من عقود النفط ومد خط أنابيب عبر تركيا وتصدير النفط الخام ...الخ. وهي مواقف لكل منا رأيه فيها. وقد كتبت الكثير من المقالات حول عقود النفط ورأيي واضح بها وكذلك بشأن المادة 140 من الدستور. ومن قرأ مقالاتي يستطيع أن يدرك بأني لست إلى جانب عقود النفط الموقعة من جانب الإقليم وقد كتبت عنه منذ عدة سنوات، كما طرحت هذا الموقف على السيد رئيس الإقليم مباشرة وبحضور خمسين ضيفاً من العراق والدول العربية, ومن بينهم الدكتور مهدي الحافظ. لهذا لا يستطيع أحد أن يزايد على مواقفي التي أتحمل مسؤوليتها بالكامل.
القضية الثانية: موضوع التجمع العربي لنصرة القضية الكردية ومواقفه
لقد تشكل هذا التجمع بمبادرة من عدد من الأصدقاء منذ العام 2004 للدفاع عن قضايا الشعب الكردي ليس بالعراق حسب، بل في المنطقة بأسرها. ومن تابع بيانات التجمع سيجد إنها تعالج المشكلات في كردستان العراق وتركيا وإيران وسوريا. وهي ليست إلى جانب الحكومات والأحزاب السياسية الكردستانية، بل لها مواقفها المستقلة، وهي في أحيان غير قليلة ناقدة لمواقف الأحزاب الكردستانية أو رئاسة الإقليم أو الحكومة الكردستانية، لأننا نميز بين القضايا الكردية وبين سياسات الأحزاب والحكومة بإقليم كردستان العراق. ولهذا فالتحدي الذي يطرحه الأخ الدكتور حسن الخفاجي لا معنى له، لأن ليس في التجمع من يقبل بسياسة التهديدات والعقوبات من أية جهة انطلقت، بل يدعو إلى الحوار لمعالجة كل المشكلات القائمة. ومن حضر مؤتمر التجمع قبل عامين لأدرك صواب هذا الموقف المستقل وما طرحه التجمع من ملاحظات نقدية على سياسة حكومة إقليم كردستان، ولكنه انتقد أيضاً سياسة الحكومة الاتحادية لقناعته بضرورة وعي الحاجة إلى الحوار لا إلى التهديد. أن التجمع يراقب ما يجري على الساحة العراقية وعلى ساحة كردستان الكبيرة وليس القسم الموجود ضمن الدولة العراقية من كردستان فقط. ومتابعتنا تعطينا الحق بأن نؤكد بأن الحكومة الاتحادية تتحمل مسؤولية كبيرة في التباطؤ بحل مشكلة المناطق المتنازع عليها على وفق بنود المادة 140 من الدستور العراقي لعام 2005، كما لنا موقف ناقد لعقود النفط الموقعة من جانب حكومة إقليم كردستان مثلاً. كما يرفض التجمع عدم تحويل رواتب موظفي الإقليم من جانب الحكومة العراقية ويرفض في الوقت ذاته التهديد بقطع الماء والنفط عن بقية أنحاء العراق! وحين عالجنا موضوع التجاوز على أراضي المسيحيين في برطلة ومناطق أخرى أشرنا إلى إن موظفين كرد في الإقليم يسهلون مهمة التجاوز على أراضي المسيحيين من منطلق ديني مرفوض، إضافة إلى مواقف القوى والأحزاب الإسلامية السياسية وإيران التي تقوم بتوفير الأموال لعمليات التجاوز على أراضي ودور المسيحيين في المناطق التابعة لمحافظة نينوى. ومواقفنا من انتحار أو قتل النساء في الإقليم أو في موضوع حرية الصحافة والصحفيين منشور ومعروف تماماً. إن الحكومة الكردستانية تعرف مواقفنا التي نشرناها بوضوح وشفافية عالية. لهذا فلمز وغمز موقف التجمع العربي لنصرة القضية الكردية من جانب الأخ الدكتور حسن الخفاجي لن يغير من مواقفنا المؤيدة للشعب الكردي حين تكون تلك القضايا عادلة وناقدة للحكومة الكردستانية حين يتطلب الموقف ذلك وحين نرى أن تلك القضايا غير عادلة. كما إن هذا الأسلوب ليس من مستوى الدكتور حسن الخفاجي!
القضية الثالثة: يتمنى لو إن أحد الذين يقبضون رواتب كبيرة من الإقليم أن يتصدى لتلك التهديدات.
ليس هناك من يتسلم راتباً في الإقليم وعضو في الأمانة العامة للتجمع العربي لنصرة القضية الكردية غير الدكتور كاظم حبيب. وهنا تتوجه إساءة الدكتور حسن الخفاجي لي مباشرة. ولا بد من التطرق للمسألة بتفصيل مناسب.
يعرف الدكتور حسن الخفاجي بأني كنت أستاذا في الجامعة المستنصرية ونقلت بقرار من مجلس قيادة الثورة إلى عضوية المجلس الزراعي الأعلى بدرجة خاصة ومتفرغ. وكان الهدف إبعادي عن الطلبة وتدريسي لهم وعلاقتي بهم. وقد قالها أحمد حسن البكر صراحة في المجلس الزراعي الأعلى حين زار المجلس في العام 1976. وقد عبرت له عن سبب نقلي إلى المجلس بحضور أعضاء المجلس كافة بمن فيهم الدكتور مكرم الطالباني. ثم كانت لي مواقفي النقدية الشديدة واتهامي لإعدام 32 شيوعياً وديمقراطيا في العام 1978 واتهامي للنظام بالفاشية في اجتماع للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في آذار/مارس 1978, ثم كتابة مقال نشر في تموز/يوليو1978  ضد سياسات حزب البعث الاقتصادية في جريدة طريق الشعب ومقالات نقدية عن المسألة الزراعية في مجلة وزارة الزراعة، التي كانت سبباً في اعتقالي وتعذيبي بشراسة وإحالتي على التقاعد بدون تقاعد وإنزالي درجتين وظيفيتين، ومن ثم تقديمي إلى محكمة الثورة بتهمة إهانة مجلس قيادة الثورة والثورة.
أجبرت على مغادرة العراق بقرار من المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي بعد أن عرف الحزب أنهم يريدون دهسي في طريق إلى داري, والدكتور مهدي الحافظ شاهد على ذلك، إذ هو وعامر عبد الله قد اكدا لي ذلك في حينها. وغادرت إلى الجزائر للعمل كأستاذ في كليتي الاقتصاد والقانون في الجزائر العاصمة. وكنت أتسلم راتباً عالياً واتسلم 70% منه بالعملة الصعبة.
في العام 1980، أي بعد خروجي من العراق في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 1978 متوجهاً إلى الجزائر، أرسل صدام حسين وشبلي العيسمي الدكتور غسان حداد، السوري الجنسية ووزير تخطيط في وزارة يوسف زعين بسوريا يرجواني من خلاله العودة إلى العراق وتسلم أي وزارة أرغب بها أو أي منصب ابتغيه. لم أرفض العرض فحسب، بل طلبت منه عدم العودة إلى طرح مثل هذه الأمور معي، وأني أرفض العروض كافة لأن الوضع بالعراق دكتاتورية بغيضة ومجرمة. كان هذا قبل البدء بالحرب العراقية الإيرانية. لو كنت يا دكتور حسن أتنازل عن مبادئي وأداجن الحكام في سبيل "قبض الراتب" لكان بالإمكان عمل هذا مع  صدام حسين ونظامه البغيض أو مع الحكام الحاليين ببغداد.
في العام 1981، وكنت ما أزال أستاذاً في الجامعة الجزائرية، قررت ترك الجزائر والانتقال إلى إقليم كردستان للنضال ضد الدكتاتورية المجرمة مع رفاقي الأنصار في الحزب الشيوعي العراقي وتركت راتبي الكبير والدسم في الجامعة الجزائرية، بل تركت عائلتي وأطفالي لمدة أربع سنوات ونصف يعيشون على ما وفرته من راتبي في الجامعة الجزائرية وما جلبه أخي الدكتور مهدي حبيب لزوجتي مما تركته بالعراق من مال قليل وسيارة "كفاءات" جرى بيعها، وهو الأخ الذي أجهز عليه البعثيون وهو في المستشفى بسببي، إذ لم يكن الرجل سياسياً ورفض السفر لإقناعي بالعودة إلى العراق كما طلب منه الأمن العراقي حينذاك، كما أجهزوا على ابن أختي الدكتور صاحب عبد الهادي مهدي بسببي أيضاً لأنه لم يكن سياسيا!
لم أطلب من الأخوة الكرد أن يمنحوني راتباً تقاعدياً، بل كان المفروض أن أحصل على راتبي التقاعدي لخمسين عاماً تقريباً من مديرية التقاعد العامة التابعة للحكومة العراقية التي لم تدفع رواتب تقاعدية لمئات من الناس المستقلين والشيوعيين والديمقراطيين وغيرهم لأسباب سياسية، ولكنها دفعت ... وأنت أدرى لمن دفعت وتدفع حتى الآن!
لقد بُلغت بأن لي راتباً تقاعدياً. رجوت من بلغني من الرفاق أن يجدوا أحد الرفاق من هو بأمس الحاجة وأكثر مني لراتب تقاعدي، والرفيق الذي تحدثت معه على قيد الحياة وأرجو له طول العمر، ولكن كان السيد رئيس الجمهورية هو الذي أتخذ الموقف وبالاتفاق مع الحكومة الكردستانية.
يكفي أن تعرف أخي الدكتور حسن الخفاجي بأن من يذهب إلى حركة الأنصار في الإقليم في حينها لا يفكر أنه سيحصل على راتب تقاعدي من أي حكومة كانت، وشاهد على ذلك استشهاد مئات الشيوعيين والديمقراطيين وغيرهم، كما إن من بقي منهم على قيد الحياة، وأنا منهم، ما كان يفكر بأنه سيأخذ راتباً تقاعدياً من الحكومة العراقية أو حكومة كردستان. ولهذا فاتهامك لي بأني "أقبض" رابتاً عالياً ومن حكومة كردستانية هي جزء من الدولة العراقية لقاء سكوتي على سياسات معينة لحكومة الإقليم هي إساءة أرفضها من إنسان كنت لا أتمنى أن يجازف بطرح هذه الإهانة لي لأنه كان يحتل موقعاً طيباً في قلبي ولست راغباً أن أردد قول الشاعر ... في هذا الموقع لمكانته الطيبة في نفسي. تسلمي لراتب تقاعدي من الإقليم ليس سراً بل نشرت عنه مقالة كاملة وقد سجلت تسلمي للراتب في برلين لدى دائرة الضريبة الحكومية ولدى التأمين الصحي. 
إن كنت تريد أن لا أتسلم راتباً من حكومة الإقليم، وهي حكومة كردستانية عراقية، فاطلب من الحكومة الاتحادية العراقية أن تصرف رواتبي التقاعدية التي أستحقها طيلة الفترة المنصرمة، إضافة إلى ما يدفع لمن أجبر على الهجرة هروباً من المحاكمة أمام محكمة الثورة التي كان من يتهم أمامها مصيره الإعدام، ومن سجن وعذب واضطراري للعمل في الخارج .. لا أملك داراً بكردستان العراق ولا في كل العراق ولا أرضاً ولا هم يحزنون، رغم استحقاقي لكل ذلك.
لن أهادن أحداً في حياتي ولن أهادن ولن ترعبني مثل هذه التحديات التي تبدو وكأنها عملية ابتزاز ... لا تنسجم مع مستوى كاتب المقال.
17/3/2014                        كاظم حبيب
 

           
       
     
 

وموقف التجمع العربي لنصرة القضية الكردية من هذه القضية وقضايا أخرى واضحة وقد كتب التجمع عنها ونشر رأيه دون أدنى تردد، سواء أكان مع رئاسة الإقليم والحكومة الكردستانية أم نقدها لبعض سياساتها، وسواء طرحت بشكل علني أم باللقاءات المباشرة مع القيادة الكردستانية. ولكن الغريب في الأمر إن البعض لا يريد التمييز بين نصرة القضايا الكردية الأساسية وبين موقف التجمع من رئاسة وحكومة إقليم كردستان العراق، رغم معرفة البعض لهذا التمييز الضروري ولكنهم يصرون على الخلط غير المبرر.
   


   





هل استعداء العراقيين من مصلحة الأكراد  يا سيد مسعود؟
حسن الخفاجي
 
للسيد مسعود بارزاني كثيرا من المواقف والتصريحات التي يجب الوقوف عندها ، لكن آخرها هو الأجدر بالوقوف عنده .
السيد بارزاني بتهديداته الأخيرة خرج من مرحلة المناكفات والمساجلات والتشنجات مع الحكومة العراقية إلى مرحلة استعداء الشعب العراقي .
 
عندما يلّمح على قدرته على "قطع إمدادات  النفط والمياه" ، و"استعداده مواجهة الجيش" فان ذلك يدخل خانة محاربة العراقيين واستعداءهم .
لان الماء والنفط لا يخصان حكومة المالكي بل يخصان كل العراقيين .
 
لتذكير السيد برزاني فقط: أن جميع جولات قتال الأخوة الأكراد مع مختلف الحكومات العراقية لم تجلب للشعب الكردي الشقيق الأمان والأعمار ، بل بالعكس جلبت له الآلام ، مثلما جلبت الموت والآلام لفقراء العراقيين الذين دفعتهم السلطات لمحاربة إخوتهم الأكراد .
 
لا ينسى السيد بارزاني موقف كثير من عقلاء العرب العراقيين ، بعض مراجعهم الدينية والبعض من مثقفيهم وساستهم ، واغلب العراقيين وقفوا مع الأكراد في محنتهم  بالضد من السلطات التي حاربتهم .
يجب ان لا نفسح مجالا لكي تنمو طحالب الأحقاد والتعصب لتقتل هذه الأخوة والعلاقة التاريخية.
الحوار دائما عند العقلاء هو الطريق الأسلم لتجنب ماسي الحروب والدمار.
 
تصريحات السيد البارزاني أحرجت من ظلوا متحالفين معه إلى وقت قريب بالضد من الحكومة المركزية.
 
ليقل السيد بارزاني للسيد المالكي والحكومة والساسة ما يشاء ، لكنه يجب ان لا يشبك الشعب العراقي ولا يهدده في صراعه مع الحكومة.
 
البعض يقول إنها مواقف ربما تخدم السيد بارزاني في كسب ود المتشددين والمتعصبين من الشعب الكردي  في الانتخابات ، لكن عقلاء الشعب الكردي هم الأكثرية واليهم يجب ان يوجه الخطاب . اعتقد إنهم لا يقبلون بتصريحات السيد مسعود الأخيرة.
 
كم كنت أتمنى ان يبادر احد من المثقفين والسياسيين العراقيين ، الذين ذهبوا إلى كردستان وعقدوا مؤتمرا لنصرة الشعب الكردي في العام الماضي! ، أو احد الذين يقبضون رواتب كبيرة من الإقليم ، يبادروا لنصح السيد بارزاني بان استعداء الشعب العراقي ليس لمصلحته ولا لمصلحة الأكراد.
 
إذا أصبحت تهديدات السيد مسعود واقعا ، حينها ستقع على العرب والأكراد كارثة ليس بمقدور السيد بارزاني أو غيره من العرب والأكراد معالجتها .
 
أملي كبير بالسيد بارزاني ان يراجع تصريحاته الأخيرة ، وان يتجنب استعداء العراقيين .وأملي بالساسة والمثقفين من العرب والأكراد أن لا يسمحوا لطبول الحروب  ان تدق ، وان نلغي أو نخفف من لغة العداء والتناحر من أي طرف تصدر، حتى وان كانت لدواعي انتخابية.
يجب ان لا نعمد لتوقيت صدام ، ولا ندع عقارب ساعته ان تعود للعمل ،لان
الكراهية والبغضاء ان  تناسلت تنجب الموت والدمار .
 
"أما أن نعيش معا كإخوة أو الفناء معا كأغبياء" مارتن لوثر
 


114
كاظم حبيب
بؤس العلم أم علم البؤس هو ما تدعو إليه أيها الشيخ محمد اليعقوبي!!
محنة المرأة مع شيوخ آخر زمان!!
قدم وزير العدل حسن الشمري، وهو أحد رعايا حزب الشيخ محمد اليعقوبي في حكومة المالكي، مشروعاً مشوهاً سمي بـ "قانون الأحوال الشخصية الجعفري". لينهي العمل بقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 الذي شرّع في فترة حكم عبد الكريم قاسم والذي وجد التأييد والدعم من الشعب العراقي بأغلبيته. ولم يكن غريباً على حكومة المالكي أن توافق على هذا القانون المسخ وترسله إلى مجلس النواب لمناقشته بهدف إقراره. ولكن الغريب بالأمر أن التحالف الكردستاني، المشارك في هذه الحكومة المستهلكة، لم يعلن عن عدم موافقته على هذا القانون، وبالتالي فهو مشارك في إقرار إرساله إلى مجلس النواب، بمن فيهم نائب رئيس الوزراء الدكتور روژ شاويس والوزراء الكرد. لقد أقر مجلس الوزراء هذا القانون على طريقة المساومات البائسة والمناهضة جدياً لمصالح المرأة العراقية وحقوقها وحرياتها الأساسية قبل الانتخابات العامة القادمة وانطلاقاً من نفس الذهنية الرثة التي تمارس فيها السياسات الحكومية في المرحلة الراهنة.
واجه إرسال هذا القانون الجعفري الطائفي بامتياز إلى مجلس النواب معارضة كبيرة في أوساط المجتمع العراقي خشية منها على تمزيق وحدة الشعب العراقي التي تعاني اليوم من صراعات ونزاعات شديدة الخطورة من جهة، واحتراماً للمرأة ودورها في المجتمع وحقوقها المعترف بها دولياً الذي يتطاول عليها هذا القانون الذي يريد إعادتها إلى فترة العبودية الغاشمة، فترة الهيمنة المطلقة للذكور على الإناث من جهة أخرى. ولكن هذا القانون المسخ واجه معارضة واضحة من عدد من الشخصيات الإسلامية التي تحترم نفسها وتحترم المرأة أيضاً، إذ رأت فيه مخالفة صريحة للفقه الإسلامي وتجاوزاً فظاً على المرأة وهي تعيش في القرن الحادي والعشرين.
ولكن الأهم من كل ذلك وجد القانون رفضاً قاطعاً من النساء العراقيات الواعيات لما يراد لهن عبر هذا القانون المسخ، إذ لم يطل الوقت حتى نهضن حاملات راية النضال الديمقراطي ضد هذا القانون ومطالبات بسحبه فوراً ومحتجات ضد من يريد الإساءة لهن وسلب حقوقهن المشروعة وحرياتهن العامة وإعادتهن إلى حياة العبودية. لا يمكن أن ينتظر الإنسان من حكومة مثل حكومة المالكي أفضل من هذا القانون الذي يعبر عن طبيعة هذه الحكومة وعن هويتها وسياساتها الطائفية. ليس سوى رائحة كريهة نتنة تزكم الأنوف مليئة بالحقد والكراهية والتمييز الموجهة ضد المرأة العراقية هي التي تصدر عن هذا القانون وتميزه.
لقد وجّه الشيخ اليعقوبي إهانة كبيرة للمرأة العراقية واعتدى على حقها في الاحتجاج وإعلان رأيها في ما يراد لها وكذب عليها في ما ادعى عيها. إنك يا شيخ من نفس تلك الجماعة التي أقرت قاعدة المفاخخة التي أفتى بها سيدك الخميني حين نشر الفتوى التالية في كتابه الموسوم "تحرير الوسيلة"، وإلى القارئات والقراء نصها:
لا  يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين دواماً كان النكاح أو منقطعاً . وأما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة أو الضم والتفخيذ فلا بأس بها حتى في الرضيعة." [الخميني تحرير الوسيلة، مسألة 12]
هل هذا ما تريده لبناتك وبناتنا أيها الشيخ اليعقوبي، هل أنت في كامل عقلك وأنت تشتم النساء المتظاهرات والمحتجات على قانونك السخيف الذي يفضح سوءات الكثير من شيوخ الدين من أمثالك أمام العالم كله وتجعلهم يسفهون فتاواكم البائسة والرثة في مضمونها وما تريدون بلوغه.
كم أتمنى أن تعي المرأة العراقية ما يراد لها حين يسعى هؤلاء المدعون بفقه الدين ممارسة عدوانيتهم ضد المرأة بإلغاء القانون رقم 188 لسنة 1959 لصالح قانون معوج وهزيل ومسيء لأكثر من نصف المجتمع العراقي، للمرأة، ولأغلب النصف الآخر منه، أي للرجال الذين يحترمون أنفسهم باحترامهم للمرأة وحقوقها وحرياتها كاملة غير منقوصة.  
تباً لشيوخ الدين من هذا الطراز الذين يريدون إفساد حياتنا بمثل هذه القوانين التي تريد إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء بأكثر من 1400 سنة. أنتم أيها الشيخ اليعقوبي تخوض معركة خاسرة لأنها ضد الحياة وضد طبيعة الإنسان وضد العصر، أنتم أيها الشيخ اليعقوبي تقاومون التقدم وحقوق المرأة كاملة غير منقوصة، ولكن المستقبل كفيل بسحق مثل هذه الأفكار البائسة والمناهضة للمرأة الحرة والكريمة.    
كم كان موقف "هيومان رايتس ووتش" (مراقبة حقوق الإنسان) صادقاً ومعبراً عن الموقف الدولي من هذا المشروع حين أكد كارثية هذا القانون وتمييزه الموجه ضد سيدات العراق ويكرس الانقسامات الدينية والطائفية بالبلاد. ثم أكد السيد جو ستورك، ممثل هذه المنظمة، بأن هذا القانون يتعارض تماماً مع التزام الحكومة العراقية القانوني بحماية حقوق السيدات والفتيات ويضرب بها عرض الحائط. (المدى بريس).  
 
إن إسقاط القانون وإلزام الحكومة على سحبه فوراً والاعتذار للمرأة والمجتمع عن تقديمه أصلا وعن الإساءة والإهانة المتعمدة، التي وجهت للمرأة ضمن تصريحات وخطب الشيخ اليعقوبي لتبرير هذا القانون المسخ، كما جاءت على لسان رعاياه وأتباعه، يتطلب رفع روح النضال المشترك للمرأة والرجل ضد هذا القانون وضد التوجهات المماثلة للحكومة العراقية الحالية حماية لنسائنا وبناتنا وأطفالنا ابتداءً من الرضاعة، فالتفخيذ يهددهم!!!
أي علم بائس تعلمته في قم أيها الشيخ اليعقوبي، وأي بؤس يجلبه مستواك الفقهي المتخلف لعلوم الدين بهذا القانون الذي تقدم به وزيرك أيها الشيخ اليعقوبي والذي تدافع عنه بحرارة منقطعة النظير وتشتم نساء العراق بلا حياء أيها الشيخ!!
كم كان الشاعر محمد صالح بحر العلوم، وهو من النجف، مدركاً لسلوك جمهرة من شيوخ الدين، وليس كلهم، حين كتب في قصيدته الشهيرة "أين حقي" يقول:
ليتني استطيع بعث الوعي في بعض الجماجم
لأريح البشر المخدوع من شر البهائم
وأصون الدين عما ينطوي تحت العمائم
من مآسي تقتل الحق وتبكي:
أين حقي؟
14/3/2014                     كاظم حبيب    


115
كاظم حبيب
سياسات السعودية وقطر الطائفية في تصريحات رئيس مجلس وزراء العراق!
نشر موقع إذاعة فرنسا العربية 24 بتاريخ 9/3/2014 أهم النقاط التي تناولها اللقاء الصحفي الذي تم بين مراسلها ورئيس وزراء العراق نوري المالكي. وقد أكد المالكي في هذا الحوار على المسائل التالية:
** إن السعودية وقطر أعلنا الحرب على العراق لأسباب طائفية وسياسية. وأنهما مسؤولتان عن أزمة العراق الراهنة!
** كما إن هاتين الدولتين تقومان بدعم المنظمات الإرهابية، وبينها القاعدة، سياسياً وإعلامياً ومالياً بشكل غير محدود.
** وإنهما يقومان بإيواء الإرهابيين ويجندان الجهاديين ويشتريان لهم السلاح والعتاد.
هذا باختصار جوهر ما صرح به وأكده مراراً وتكراراً رئيس وزراء العراق وسوف لن يكف عن ترديده ما دام باقياً على رأس السلطة بالعراق. ولم يأت بجديد، إذ إن هذا معروف لكل العراقيات والعراقيين، سواء أكانوا مؤيدين أم معارضين لنوري المالكي، وسواء أكانوا مناصرين لتدخل هاتين الدولتين أم معارضين له، أو مناهضين لسياساتهما بالعراق والشرق الأوسط.
لا شك في أن هاتين الدولتين تتدخلان يومياً في الشأن العراقي وتمارسان ما أشار إليه رئيس الوزراء العراقي، وهما يساهمان بقوة في سقوط المزيد من الضحايا البريئة بالعراق بسبب موقفهما الرافض للنظام الطائفي الشيعي بالبلاد. هذا صحيح. ولكن من غير الصحيح القول بأنهما المسؤولان عن الأزمة السياسية القائمة بالعراق منذ ما يقرب من عشر سنوات، بل إن المسؤول عن ذلك في حقيقة الأمر هو النظام السياسي الطائفي الحالي والمحاصصة الطائفية اللعينة التي تمارسها القوى الحاكمة، إضافة إلى وجود أحزاب إسلامية سياسية طائفية، شيعية وسنية، مقيتة بالعراق. هذه القوى وبدعم من الولايات المتحدة، وبالتحالف المتين والمتزعزع حالياً بسبب الصراع على المصالح، مع القوى الكردية، أقامت هذا النظام الطائفي وأصرت على الأخذ بالقاعدة المشوهة التي تعتمد المحاصصة الطائفية والأثنية، وبالتالي ألغت مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية للإنسان العراقي رجلاً كان أم امرأة، عربياً كان أم كردياً أم تركمانياً أم كلدانياً آشورياً أم من قوميات أخرى, مسلما كان أم مسيحياً أم مندائياً أم إيزيدياً أم بهائياً أم كاكائياً، وشيعياً كان أم سنياً أم شبكياً، وأحلت محل ذلك الهويات الفرعية التي لا تكون في مجتمع مثل العراق سوى هويات مفتتة للوحدة الوطنية وقاتلة.
لا نأتي بجديد حين نؤكد بأن السعودية وقطر دولتان مستبدتان وطائفيتان ومشوهتان للدين الإسلامي وتؤججان النيران المشتعلة في منطقة الشرق الأوسط، ولكنهما من حيث المبدأ غير مسؤولتين عن جذر الأزمة بالعراق, بل هما تشاركان في مواصلة الأزمة وتشديدها، إذ أن جذر الأزمة موجود في داخل العراق وليس في خارجه. جذر الأزمة هو النظام الطائفي وسياساته الطائفية المقيتة التي نراها سياساته الطائفية المسمومة يا رئيس وزراء العراق. وما لم تقطع تلك الجذور من الأساس لتموت تلك السياسات المسمومة لا يمكن أن تقوم للدولة العراقية قائمة. إن الدولة العراقية حالياً دولة مشوهة، دولة اللادولة، وفيها حكومة خائبة ومُخربة ومهورة من الداخل، لا يمكنها حماية شعبها، بل لا يمكنها حماية نفسها لولا الحي الأخضر الذي تتسكع به النخب الحاكمة العراقية وتحمي نفسها من ضربات القوى الإرهابية العراقية والعربية والأجنبية.
لا يمكن للإرهاب الأجنبي أن يعشش في بلد ما ما لم تكن له حاضنة محلية، وما لم تكن له قوى تحميه وتغطي على أفعاله. ولا يمكن أن توجد مثل هذه القوى إلا في بلد تمارس حكومته سياسة طائفية لعينة وملعونة تقود إلى ما هو عليه الوضع الراهن بالعراق.
أول أمس قتلى ببغداد، ويوم أمس أكثر من 45 قتيلاً وأكثر من 150 جريحاً ومعوقاً بالحلة، فهل يا ترى مثل هذه الحكومة التي لا تستطيع حماية شعبها من ضربات التكفيريين من أتباع داعش والقاعدة وغيرهما تستحق البقاء في الحكم؟ لو كان الوعي الإنساني سائداً لما وصلت هذه النخب الحاكمة إلى السلطة بأي حال!!
السعودية وقطر استطاعتا أن تلعبا لعبتهما بالعراق لأن النظام القائم بالعراق بطبيعته الطائفية سمح لهما بمثل هذه اللعبة القذرة التي تمارسانها بالعراق، إضافة إلى تحالفه الطائفي المشبوه مع إيران، الحليف الذي لا يألوا جهداً في تعميق الخلاف الداخلي وتشجيع قوى إرهابية شيعية أيضاً مثل عصائب الحق ومنظمة بدر ورئيسها الأرعن هادي العامري وما فعله ابنه مع الطائرة اللبنانية تجسد طبيعة هذه الفئة الرثة التي تسلمت الحكم بالبلاد، وميليشيات جيش المهدي الفاعلة حالياً دون رئيسها المستقيل مؤقتاً من العمل السياسي، وكأن في السياسة استراحات مؤقتة!!.       
يمكنك يا رئيس وزراء العراق أن تخدع الناس الطيبين والبسطاء والسذج من الشيعة، ويمكنك أن تجند الكثير من الانتهازيين ووعاظ السلاطين الفاسدين، ولكن لا يمكنك أن تخدع الناس العارفين بما يجري بالبلاد عبر رمي مسؤولية الأزمة على الخارج، إنها الأزمة التي سببها حزبك وبقية الأحزاب الإسلامية السياسية ذات النهج الطائفي بالبلاد وأما الخارج فهو المستفيد منها والمحفز لها والمساعد على ديمومتها.
إنك تريد بإصرار استمرار هذه الأزمة واستمرار هذا القتل بالشيعة الأبرياء لأنك تعتقد بأن هذا الموت سيساعد على الفوز بأصوات الناخبات والناخبين الشيعة في الانتخابات القادمة، ولأنك تعتقد بأن الشيعة ما زالوا بعيدين عن الوعي السليم والمدركين لما يجري بالعراق والدور التخريبي الذي تلعبه الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية منها والسنية منذ سقوط الفاشية بالعراق وإقامة نظام طائفي تمييزي عنصري يقوم على التمييز الديني والمذهبي وليس القومي بالضرورة.
إن خلاص العراق من الأزمة الراهنة والمستفحلة لا يتم إلا بالخلاص أولاً وقبل كل شيء من النظام الطائفي والمحاصصة الطائفية المشوهة للمواطن والمواطنة. هكذا ينبغي وضع الأمور في نصابها ووضع النقاط على الحروف وليس الحديث عن عواقب الأزمة التي نعيشها يومياً. كم أتمنى أن يدرك الشعب العراقي بأتباع كل أديانه ومذاهبه طبيعة الأزمة الفعلية ويتخلوا عن هذه الأحزاب الشيعية منها والسنية التي لم تجلب للعراق سوى الموت والخراب والدمار، كما لن لن تجلب له في المستقبل، أن استمرت في السلطة، سوى الموت والخراب والدمار. وإن على الشعب أن يدرك بأن عليه أن يعي واقع الحال وأن يتحرى عن القوى التي يمكنها أن تنقذه من النار الطائفية المشتعلة بالعراق، إنها القوى التي تتبنى الحرية و الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات وأتباع الديانات والمذاهب وتسعى إلى إقامة نظام مدني ديمقراطي يمارس مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية ويبتعد كلية عن الهويات الفرعية مع احترامه لها. إنه الطريق الوحيد لإنقاذ الشعب من الجحيم الذي هو فيه حالياً ومنذ عشر سنوات، إضافة لما عانى منه قبل ذاك.
10/3/2014                           كاظم حبيب   







116
كاظم حبيب
هل من سبيل لعقلنة النخب السياسية الحاكمة بالعراق؟

تزداد يوماً بعد يوم الكوارث التي يتحملها الشعب العراقي والمخاطر الجدية التي تواجه مصير كل عراقية وعراقي، عدا سكنة الحي الأخضر وما جاوره مثل حي القادسية، فهم محميون تماماً، واحتمال أن يموتا في كل لحظة، سواء أكان الموت بسيارة مفخخة بعشرات الكيلوغرامات من المتفجرات أو انتحاري جبان مفخخ بالمتفجرات التي تنتهي بقتل العشرات وجرح المئات من السكان في سائر أنحاء مناطق الوسط والجنوب وغرب بغداد والموصل وكركوك متى شاء القتلة المجرمون من أتباع القاعدة وداعش وما شابهها من تنظيمات إسلامية عدوانية وفاشية.
ويزداد يوماً بعد آخر السلوك الجنوني للحكام الطائفيين بالعراق، سواء أكانوا من الأحزاب الإسلامية الشيعية أم السنية، في صراعهم القاتل للناس من أجل السلطة والمال والجاه أو النفوذ لفرض هيمنة كل من هذه الأحزاب على المجتمع العراقي وعلى وجهة تطوره لصالح كل منهما. فالموت لا يمس هؤلاء الساسة الذين لم يتعلموا من دروس الماضي القاسية والتي كلفت الشعب العراقي مئات ألوف القتلى والجرحى والمعوقين والمشردين والمهجرين ومئات المليارات من الدولارات الأمريكية والخراب الاقتصادي والبنية التحتية. فهم ما زالوا يلعبون بالنار الحارقة.
أتساءل يومياً مع نفسي: ألا يحتاج هؤلاء الحكام القساة والطائفيون الفاقدون للضمير والشعور بإنسانية الإنسان إلى أمهاتهم ليقلن لهم كلمة ناصحة: كفوا يا أولاد عن اللعب بالنار فأنكم بذلك ستحرقون أيديكم والبيت العراقي ومن فيه من الناس؟ كفوا يا أولاد لا تتسببوا في قتل وهدم بيوت الناس!!!
يفقد العراق يومياً العشرات من أبنائه وبناته، ويبتعد عن النشاط الاقتصادي بسبب الجروح أو التعويق عشرات أخرى، ويجد المئات من العراقيات والعراقيين أنفسهم في طريقهم إلى الهجرة من البلاد للخلاص من الأوضاع المزرية والمتفاقمة وخطر الموت على أيدي القتلة التكفيريين من داعش والقاعدة وأنصار السنة والشبيحات المنتشرة في البلاد تحت عناوين مختلفة بمن فيهم عصائب الحق أو منظمة بدر أو ميليشيا جيش المهدي أو فدائيو المالكي الجدد أو ميليشيات هيئة علماء المسلمين السنة لصاحبها الشيخ حارث الضاري ...الخ.
إلا ينبغي لنا أن نتوجه إلى أمهات أو من تبقى من أمهات النخب السياسية الحاكمة بالعراق ونطالبهن بالسعي لدى أبنائهن ليكفوا عن اللعب بالنار الحارقة لهم ولأبناء وبنات الرافدين ولوادي الرافدين، والكف عن ممارسة سياسات تدفع بالبلاد إلى حرب طائفية لا تبقي ولا تذر؟ والسؤال هو: هل سيستمع هؤلاء الصبية إلى أمهاتهم، إلى صوت العقل، أم إنهم أصبحوا لا يسمعون سوى أصواتهم المعبرة عن نرجسية مرضية وسادية خانقة وقاتلة وعن جموح مجنون في التشبث بالسلطة أو رغبة في الوصول إليها وإزاحة الآخر؟
تساءل الأستاذ الدكتور سيار الجميل عن حق: لم هذا الصمت من جانب الشعب العراقي الذي لم يصمت أبداً؟ وأجاب بوضوح عن هذا السؤال.
لا شك في أن من يضع نفسه في وسط هذا الشعب بعد معاناته المريرة والطويلة، والحديث هنا لا يدور عن قرون وقرون من الاستبداد الشرقي في الدول الشرقية والظلم والقسوة والأساليب الشرسة في التعذيب والقتل والحرمان (سواء أكان في الدولة الأموية أم العباسية أم الفارسية أم العثمانية أو حتى قبل ذاك، وعن التربية الدينية والمذهبية المريضة وعن كثرة من شيوخ الدين الذين فقدوا الذمة والضمير، بل أتحدث عن العقود الخمسة الأخيرة التي عانى الشعب العراقي الأمرين على أيدي الحكام السابقين، وهم قتلة مجرمون، ومن ثم الحكام الحاليين الذين يسيرون على خطى من سبقوهم، وأتحدث عن قوى الاحتلال الهمجية التي مارست شتى أساليب التعذيب الوحشية في معتقل "أبو غريب" ومعتقلات أخرى والتي ما تزال تمارس من قبل أجهزة الأمن وغيرها في سجون وأقبية سرية غير معلن عنها، وعبر الاغتيالات بكواتم الصوت وباعتقالات أو قرارات بالاعتقال تفرض على الصحفيين والمعارضين مغادرة بغداد والسفر إلى إقليم كردستان، كما فعل سرمد الطائي، أو السفر إلى لندن، كما فعل الدكتور غسان العطية, وأتحدث عن شيوخ ومؤسسات دينية ومرجعيات تنفخ في العداء الطائفي وتبرره وتدعو له ليل نهار. فهل بعد هذا يبقى مجال للاستفسار عن أسباب هذا الصمت؟ إن العراق مبتلى وكذا الشرق الأوسط بهذه الأوضاع المريضة والمؤلمة!  
أشعر إن الحاجة ماسة إلى فهم ما يجري بالعراق من صراع طائفي عدواني مرير وقاتل وأن نتوجه صوب الإنسان العراقي لفهم أوضاعه وسبل إنهاضه من كبوته الراهنة، من صمته، الذي إن استمر، سيقود إلى وقوع كوارث جديدة بالبلاد. أشعر بضرورة أن يدرك من يحس بأدميته في هذه البلاد أن يدعو إلى العمل على نشر الوعي السياسي والاجتماعي، إلى وعي يرفض الطائفية والأثنية المقيتتين ويدعو إلى المواطنة العراقية الحرة والمتساوية، إلى وحدة الشعب في مواجهة القوى الطائفية السياسية، أن يدعو إلى اللحمة بين القوى المدنية والديمقراطية في سائر أنحاء العراق، فهو الطريق الضامن والوحيد للخلاص من الطاعون الطائفي الذي يعاني منه المجتمع في الوقت الحاضر. 7/3/2014            كاظم حبيب      

117
كاظم حبيب
موقف الحكام الدجالين وسفهاء العقل من المرأة بالعراق
وافق مجلس وزراء العراق على "قانون الأحوال الجعفري" وأرسله إلى مجلس النواب للمصادقة عليه. وهو قانون مسخ تقدم به أحد الدجالين الصغار الذي يقف على رأس وزارة العدل العراقية المدعو حسن الشمري (حزب الفضيلة)، الذي حمل مشروع القانون هذا ودسه كأي دجال محترف في شباك ضريح الأمام محاولاً خداع الرأي العام الشيعي بهذا العمل المنافي للقيم العراقية والبعيد كل البعد عن الفضيلة الإنسانية وعن مصالح الشعب العراقي عموماً والمرأة على نحو خاص.
إن أي مجلس وزراء يوافق على مثل هذا القانون المشوه والسيئ لا يمكن إلا أن يكون مجلساً دجالاً بكل أعضائه ما لم يعلن كل من رفض الموافقة على هذا القانون عن نفسه ويتبرأ منه، سواء أكان من العرب أم الكرد أم التركمان أم من غيرهم من أتباع القوميات والأديان الأعضاء في مجلس الوزراء العراقي. وهذا يساعد المخدوعين من الناس بهذا المجلس القائم على أسس المحاصصة الطائفة اللعينة أن يدركوا مع أي مجلس وزراء بائس ومتخلف يتعاملون.
إن هذا القانون يعتبر منافياً لبنود الدستور العراقي نصاً وروحاً، تلك البنود التي تبحث في شؤون المرأة والأسرة والتي تؤكد التزام العراق بحقوق الإنسان والمجتمع المدني. وهو قانون يتعارض مع لائحة حقوق الإنسان الدولية التي شارك العراق في وضعها في العام 1948 وصادق عليها، ومع العهود والمواثيق الخاصة بحقوق المرأة وحقوق الطفل كافة. وهو تجني صارخ على المرأة وجريمة بشعة على الأطفال من البنات اللواتي يبلغ عمرهن سن التاسعة. ويذكرنا هذا القانون بفتوى المفاخذة السيئة الصيت (الاستمتاع الجنسي بالأطفال، أي إدخال الرجل قضيبه بين فخذي الطفلة...) التي تسمح لأي رجل خُطبت له طفلة لا يتجاوز عمرها حتى السنة الواحدة أن يفاخذها، وهي جريمة بشعة جداً يفترض أن يحاكم عليها ويسجن أي رجل يمارس ذلك باعتباره مصاباً بمثل هذا الشذوذ النفسي والجنسي، بشخص غير سويّ. حتى الحيوانات لا تمارس ذلك!!!
إن الموقف العدواني من المرأة العراقية برز في موقف رئيس الوزراء العراقي حين لم يضم إلى وزارته نساءً وتجاوز بذلك على الدستور الذي منحهن الحق بـ 25% من الحقائب الوزارية، ولكنه اختار امرأة واحدة كانت أشد قسوة على النساء العراقيات من بعض الرجال ناقصي العقل. ولا يمكن أن يكون هذا القانون إلا من مبادرات رئيس الوزراء الذي فرض على مجلس وزرائه الموافقة على هذا القانون الخطير الذي يعمق الخلافات والصراعات بين أتباع الديانات والمذاهب بالعراق ويزيد من حالة التوتر السياسية المستعصية.
إن مشروع قانون الأحوال الجعفري يتعارض نصاً وروحاً مع واحد من أهم القوانين التي أصدرتها ثورة تموز 1958, قانون الأحوال الشخصية رقم 188 الذي منح المرأة بعض الحقوق الأساسية التي افتقدتها قبل ذاك، في حين إن مشروع قانون الأحوال الجعفري ينزع عن المرأة ومنها كامل حقوقها ويجعلها أداة للجنس بيد الرجل لا غير. إن من يفكر ويخطط ويكتب مثل هذا القانون يفترض أن يرسل إلى المختصين بعلم النفس الاجتماعي لمعالجته، إذ إنه يعاني من علل نفسية شديدة الخطورة على المجتمع.
لتشل اليد التي كتبت مشروع القانون وليخرس أولئك الذين وافقوا على إرساله إلى مجلس النواب للمصادقة عليه. إن على المجتمع العراقي وقواه الوطنية والديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني ذات الحس الإنساني أن تتحمل مسؤوليتها الاجتماعية والسياسية وتعمل بقوة على إسقاط مشروع القانون وسحبه من مجلس النواب وإبقاء القانون رقم 188 ساري المفعول لمنع تعميق وتفاقم الصراعات الدينية والطائفية المتفاقمة أصلاً بالبلاد.
ليكن من بين أهم أهداف قائمة التيار المدني الديمقراطي وأبرزها إسقاط مشروع "قانون الأحوال الجعفري" باعتباره معادياً للمرأة العراقية وحقوقها المشروعة وحريتها وكرامتها, وباعتباره ولد مشروعاً ميتاً ومنافياً لطبيعة وقيم الإنسان السوي وينبغي أن يقبر.
4/3/2014                         كاظم حبيب       

 

118
كاظم حبيب
   
كيف يمكن تدارك    الأوضاع الاقتصادية الراهنة بإقليم كُردستان العراق
يمر إقليم كُردستان في حالة مالية صعبة لم يشهدها إلا في فترات الحصار الاقتصادي المزدوج الذي فرض لفترة غير قصيرة على الإقليم من جانب الأمم المتحدة والنظام الدكتاتوري البعثي ببغداد. وكانت المعاناة شديدة لكادحي كُردستان وصغار الموظفين والفلاحين وعمال الخدمات وباعة المفرد وأصحاب الدكاكين الصغيرة والذين يشكلون القسم الأعظم من شعب كُردستان العراق. وهي ذات الفئات التي بدأت تعاني من قرار رئيس الحكومة الاتحادية ونائبه ووزير المالية الاتحادي بعدم  صرف حصة الإقليم من رواتب موظفي الدولة العراقية بهدف معاقبة رئاسة وحكومة الإقليم على عدم التزامها بموقف رئيس الحكومة الاتحادية بإيقاف تصدير النفط الخام من الإقليم مباشرة ودون التنسيق معها.
لا أريد هنا أن أتحدث عن رأي في هذا الصدد فقد طرحته على السادة المسؤولين بالإقليم، وخاصة في موضوع استخراج وتصدير النفط الخام، منذ عدة سنوات. ولكن أود هنا الإشارة إلى إن العلاقات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم يمكن أن تتعرض باستمرار إلى أزمات ومشكلات سياسية أو اقتصادية أو اختلاف في وجهات النظر والموقف من تطبيق بنود المادة 140 من الدستور العراقي الخاصة بالأراضي المتنازع عليها، كما يمكن أن تنشأ حالات أخرى مماثلة للحالة الراهنة التي تواجه الإقليم. ورغم ضرورة وأهمية أن تضع الحكومة الاتحادية وبالتنسيق مع حكومة الإقليم القوانين المنظمة لجميع هذه العلاقات والتي عَرفَت التلكؤ غير المعقول وغير المقبول على مدى السنوات المنصرمة بعد سقوط الدكتاتورية الصدَّامية، فأن الأوضاع السياسية وطبيعة السلطة بالعراق والإقليم والمشكلات القائمة كانت وما تزال تعطل مثل هذا التوجه السليم والضروري لوضع العلاقة على أسس قانونية سليمة وأن لا تكون حمالة أوجه، كما تستوجب رؤية عقلانية وموضوعية من جانب رئاسة وحكومة الإقليم للواقع الكُردستاني وتعقيدات العلاقات مع الحكومة العراقية ودول الجوار ووضع سياسات مدروسة جيداً تأخذ بالاعتبار موازين القوى السياسية القائمة بالعراق والمنطقة والمتغيرة باستمرار على مختلف الأصعدة، وأن تتضمن برنامج اقتصادي اجتماعي يهدف إلى تغيير بنية الاقتصاد الكُردستاني الريعي وتحقيق عملية تنمية اقتصادية – اجتماعية – ثقافية برؤية إستراتيجية ناضجة. إنها الطريقة الوحيدة لمواجهة مفاجئات محتملة من جانب السلطة الاتحادية وبغض النظر عن من هو المسؤول في حصول مثل هذه المفاجئات السلبية.
إن وجود اقتصاد نفطي استخراجي ريعي يميز طبيعة الاقتصاد العراقي واقتصاد إقليم كُردستان العراق يوفر بطبيعة الحال أموالاً طائلة للبلاد من جهة، ويساهم في استمرار التخلف الذي تعاني منها القطاعات الاقتصادية الأخرى كالصناعة التحويلية والزراعة من جهة أخرى, ويقود في الوقت نفسه إلى بروز عواقب سلبية كثيرة من بين أهمها، وهو ما يلاحظ في جميع الدول المالكة لموارد أولية ذات طبيعة إستراتيجية مهمة، نشير إلى ما يلي:     
** يخلق حالة مريرة من الاتكالية الشديدة على موارد النفط المالية في تكوين القسم الأعظم من الدخل القومي وإهمال بقية القطاعات الاقتصادية المنتجة للدخل القومي وبالتالي يستمر الطابع المميز له كاقتصاد وحيد الجانب ومتخلف ومكشوف على الخارج.
** يحول النخب الحاكمة إلى فئة طفيلية تعيش على موارد النفط المالية وهي التي تقوم بخلق فئة واسعة من موظفي الدولة التي تعتمد بدورها على رواتب الحكومة المتأتية من الاقتصاد الريعي والتي تساهم في تكريس هذه السمة في الاقتصاد الوطني.
** إن التضخم في أجهزة الإقليم قد نشأ لأسباب كثيرة، ولكنها في المحصلة النهائية أصبحت مجهدة جداً لاقتصاد الإقليم ومعرقلة لأشغال الناس ومثيرة للمشكلات الجديدة والمستنزفة لنسبة عالية من الدخل القومي أو الميزانية السنوية.
** وتنشأ بجوار هذه الفئة وتتداخل معها عضوياً الجماعات الفاسدة التي تعيش على نهب موارد البلاد من الباطن والمهربة للأموال صوب الخارج وتساهم في منع تطوير الاقتصاد الوطني وتقلص من قدراته على الاستثمار الرأسمالي وتحقيق التراكم الرأسمالي البدائي المنشود. إن هذه الفئة ليست فاسدة فحسب، بل ومفسدة لموظفي الدولة والمجالات الأخرى.
** كما إن فئة الكومبرادور التجاري التي اغتنت من خلال الاستيراد الواسع النطاق وإغراق الأسواق بالسلع تلحق أضراراً فادحة بالتنمية الصناعية والزراعية وتتصدى للتنمية الصناعية والزراعية وتساهم في التفريط بالموارد المالية المتأتية من النفط الخام.
** كما نشأت فئة عقارية وأخرى مقاولة تساهمان معاً في تحقيق الكسب العالي ورفع أسعار شراء الدور والشقق السكنية ورفع أسعار الإيجارات مما تتسبب في زيادة معاناة الكادحين من هذه الظاهرة التضخمية. وهنا نعيش فقدان الرقابة على النوعية والمواد المستخدمة في البناء وغيرها مما يجعل الأبنية معرضة للخراب بسرعة عجيبة.
** وفي مثل هذا الاقتصاد يواجه المجتمع إفراطاً لا مثيل له في البذخ الاستهلاكي، سواء بإقامة المشاريع، أم في بناء القصور الفارهة والفاخرة والمكلفة غالياً والتي لا تتناسب مع حاجات السكن وتتعارض مع حاجات التنمية الوطنية، أم في اقتناء السيارات الحكومية ذات الأسعار العالية جداً والصرف المستمر عليها وتبديلها بسرعة ومنح الكثير منها لكبار الموظفين مما يزيد من مصروفات الدولة والإقليم.     
إن اقتصاداً من هذا النوع يشبه بناءً كبيرا بني على أرض رملية سرعان ما تعصف به الرياح ويسقط على ساكنيه. إن رئاسة وحكومة ومجلس نواب إقليم كُردستان العراق بحاجة إلى تغيير إستراتيجيتهم الاقتصادية والاجتماعية وبنيتها التعليمية والثقافية، إضافة إلى ربط التنمية بالتعليم والبيئة منذ الآن. إن من واجبهم الوطني الاستماع إلى المستشارين المخلصين منهم والمختصين في الجانب الاقتصادي والاجتماعي وأن تكون لديهم إذن صاغية لما يقوله هؤلاء المستشارون.
لا اعتقد بأن المخلصين من أبناء إقليم كُردستان المختصين بالشأن الاقتصادي والعارفين بقضايا التنمية وغير المتبنين لنظرية اللبرالية الجديدة ومنهجها الاقتصادي المؤدلج لا يقدمون النصح للمسؤولين السياسيين غير المختصين بالشأن الاقتصادي، إذ من غير الممكن أن لا يتحدث الدكتور فرهنك جلال، العالم الاقتصادي والعليم بأهمية الصناعة وضروراتها ودورها في اقتصاد العراق والإقليم لا يقدم مثل هذا الاستشارة الضرورية للمسؤولين وكان مستشاراً هناك وربما ما يزال، على سبيل المثال لا الحصر.
أقترح على مسؤولي الإقليم أن يبادروا بتشكيل هيئة (بورد) صغير من سبعة علماء اقتصاد واجتماع من أبناء وبنات شعب كُردستان الحريصين على تقدم الإقليم وحمايته من إجراءات انتقامية أو عقابية محتملة محلية أم إقليمية، لتقديم المشورة السريعة أو لإعداد برنامج لبناء الصناعة الوطنية بالإقليم وكذلك المشاريع الزراعية والبدء بتنفيذها والتي تستغرق فترة غير قصيرة لإنجازها ولكن البدء بها ضرورة ملحة لا يمكن الابتعاد عن التنمية الصناعية والزراعية أو إهمالهما، إذ لا أعرف حتى الآن ما هي الاستشارة التي قدمها المستشار والخبير الدكتور طالب مراد والدكتور أنور عبد الله وآخرون غيرهما إلى المسؤولين في القطاع الزراعي والذين عملوا سنوات طويلة بأربيل لهذا الغرض، إذ ما يزال هذا القطاع بعيداً جداً عن المشاركة في إشباع حاجات الناس بالإقليم من المنتجات الزراعية. أو أنهم يتحدثون، ولكن ليس هناك من يسمعهم بأذن صاغية جادة!   
لست في هذا المقال أمام مهمة تقديم نموذج مناسب لتنمية الإقليم، كما ليس في مقدوري ذلك، بل هي مهمة وزارات التخطيط والاقتصاد والصناعة والزراعة والموارد المائية والتعليم.. التي تمتلك مستلزمات وضع مثل هذا النموذج والمشاريع الاقتصادية الإنتاجية، وهي مهمة مجلس الوزراء بالإقليم وهو قادر على ذلك إن أراد وصمم على ذلك. وبدون ذلك سيبقى الاقتصاد الكُردستاني في مهب الريح وعرضة للتأثير السلبي عليه وعلى معيشة الشعب الكُردستاني، كما سيبقى بانتظار حصول عواصف من هذا النوع الذي أصر عليه رئيس الوزراء ونائبه ووزير ماليته.
 25/2/2014                كاظم حبيب     


119
كاظم حبيب
ماذا وراء اعتقال الدكتور مظهر محمد صالح؟
واجه المجتمع العراقي وعلى امتداد تاريخه الطويل وحتى الآن مسلسلاً مليئاً بالأحداث المريرة، مسلسلاً لحكام مارسوا الاستبداد والظلم والتعذيب والقتل بحق الناس الأبرياء وسجلوا أسماؤهم في سجل المناهضين لمصالح الشعب أو سفاحي دمائه واستحقوا لعنته. وكانت غالبية الشعب تتمنى وتتوقع بعد إسقاط الطاغية صدام حسين، باعتباره جلاد الشعب الأول، البدء بتجربة جديدة ووضع حد لوصول شخصيات سياسية تتحول بسرعة غريبة إلى حكام طغاة مستبدين همهم الأول فرض هيمنتهم وسطوتهم على الشعب والتمتع بمعاناته. ولكن خاب ظن الغالبية، وخاصة أولئك الذين كانوا يتوقعون من الولايات المتحدة أن تأتي بالديمقراطية للعراق وأن تفتح للشعب أبواب الحرية على مصراعيها وتمنع وصول مستبد بأمره جديد إلى دست الحكم!
وخلال فترة وجيزة تسلم الحكم ثلاث شخصيات سياسية كانت في صف المعارضة القومية والإسلامية كلها فشلت في حكم البلاد لأنها لم تكن ديمقراطية ولم تع معنى الديمقراطية ومشكلات الشعب وحاجاته، كما لم تأخذ من دروس العراق الغنية وتجاربه زاداً لها في حكم البلاد. وحين وصل الحاكم الثالث، نوري المالكي، إلى رئاسة الوزراء في أعقاب علاوي والجعفري، شعر بأنه جاء ليبقى، ومن ينشأ لديه هذا الشعور يتحول وبسرعة فائقة إلى مصاف المستبدين. فحاكم العراق الجديد جاء ليبقى، هكذا عبر عن رؤيته للحكم بالعراق، وهو  ولا يألوا جهداً للبرهنة على هذا الموقف الراغب في البقاء في السلطة وبأي وسيلة كانت. وحين يكون الأمر على هذه الشاكلة تبدأ التجاوزات الفظة على حقوق الإنسان وحرياته وكرامته وتسود الفوضى ويعم الفساد والإرهاب بالبلاد. فالحكم الراهن والحاكم بأمره لا يملكان الحكمة والمروءة، وكذا الكثير من أطراف المعارضة السياسية التي تشارك الحكم والحاكم بهذه السمات السيئة، وهي المأساة والهزلة التي يعيش الشعب العراقي تحت وطأتهما منذ قرون. فالتخلف والاستبداد يعاد إنتاجهما.   
كل يوم يسقط عشرات القتلى والجرحى على أيدي الإرهابيين والمليشيات المسلحة وعلى أيدي آخري نيطلق عليهم بالشبيحة! بالأمس القريب قتل بدم بارد كامل شياع، ثم هادي المهدي وغيره، وبالأمس اعتدت الشرطة على كرامة الشاعر المميز عبد الزهرة زكي، ثم صدر قرار باعتقال الكاتب والصحفي سرمد الطائي، وقبل ذاك صدر أمر باعتقال الدكتور سنان الشبيبي والدكتور محمد صالح مظهر ومجموعة من موظفي البنك المركزي. ثم أُجبر الحكم على إطلاق سراح البعض، ولكنه أبقى على البعض الآخر, ومن بينهم نساء، في المعتقل. وكان من بين من أطلق سراحه بكفالة الدكتور مظهر محمد صالح بانتظار محاكمته.
الدكتور مظهر محمد صالح واحد من أبرز علماء الاقتصاد والمال بالعراق، وكان نائباً لمحافظ البنك المركزي ويمتلك معرفة نظرية واسعة وعميقة وخبرة عملية كبيرة بالنشاط المالي والمصرفي بالعراق. كما إنه كان أستاذاً جامعياً مرموقاً. وبالعراق نلتقي بعدد كبير من طلبته الذين يحملون اليوم مختلف الشهادات العلمية في علم الاقتصاد. وحين اعتقل الدكتور مظهر محمد صالح انبرى للدفاع عنه مجموعة كبيرة من اقتصاديات واقتصاديي وحقوقي العراق لأنهم يقدرون فيه جملة من السمات الرفيعة، ومنها:
علميته وثقافته العالية وتميزه في اختصاصه الاقتصادي والمالي؛ خبرته الطويلة وقدرته الإدارية والتنظيمية، نزاهته ونظافة يديه، وطنيته وحرصه على المال العام. وهو يلتقي بهذه الخصائص وغيرها مع زميلنا الدكتور سنان الشبيبي محافظ البنك المركزي المعزول قسراً. ولهذه السمات تم اعتقاله لأنه ومحافظ البنك المركزي رفضوا تسليم المال العام بيد رئيس السلطة التنفيذية ليتصرف بالمال كما يشاء. لقد تم التجاوز الفظ على قانون البنك المركزي والدستور العراقي.
اليوم وصلتنا المعلومة التي تؤكد اعتقال الدكتور مظهر محمد صالح في مطار بغداد بعد عودته من سفرة إلى إقليم كردستان العراق كان يتحرى فيها عن عمل له هناك. حين غادر بغداد إلى الإقليم لم يعتقل، ولكن حين عودته من الإقليم إلى بغداد اعتقل بالمطار. ويبدو واضحاً إن أمر الاعتقال ليس قديماً بل حديثاً، وإلا لكان قد اعتقل أثناء مغادرته بغداد وليس بعد عودته. من يقرأ الصحف العراقية ويستمع إلى نشرات الأخبار والتقارير يمكنه أن يتذكر بأن الدكتور صالح قد صرح بتاريخ 11/2/2014 إلى موقع خندان بما يلي:
"إن لجوء حكومة إقليم كردستان للتعامل بالدولار بدلا من الدينار العراقي يمكن أن يسهم في تجاوز الأزمة المالية الراهنة التي يمر بها إقليم كردستان والمتمثلة بنقص السيولة المالية في المصارف الحكومية في الإقليم والتي نتج عنها تأخر صرف رواتب الموظفين." كما قال بأن "التعامل بالدولار في عموم العراق هو أمر طبيعي، ويمكن لحكومة إقليم كردستان صرف رواتب موظفيها والمستحقات الأخرى المترتبة بذمتها بالدولار الاميركي، في حال امتلاكها الاحتياطي النقدي الكافي من الدولار." (موقع خندان بتاريخ 11/2/2014). كما بين الدكتور صالح "بان التعامل بالدولار أسهل وأفضل وانجح الوسائل للتغلب على المشكلة المالية في إقليم كردستان، شريطة توفر الاحتياطي الكافي من الدولار لدى حكومة إقليم كردستان، مشيرا إلى إن اغلب المدفوعات الضخمة في العراق تدفع بالدولار الاميركي وان غالبية التعاملات التجارية تتم بالدولار الاميركي أيضا، كون المجتمع العراقي يتعامل حاليا بعملتي الدينار والدولار معا." (المصدر السابق نفسه). فهل كانت هذه التصريحات الجدية والواقعية هي السبب وراء هستيريا اعتقال الدكتور مظهر محمد صالح؟ لا أستبعد ذلك، فرئيس وزراء العراق لم يعد يتحمل النقد أو التصريح الذي يعتبره مضاداً له بصدد العلاقة المتوترة الراهنة بين حكومة إقليم كردستان العراق والحكومة الاتحادية ببغداد. والحاكم بأمره هو الذي أوقف صرف رواتب الموظفين بالإقليم ليمارس الضغط على حكومتها، كما يريد أن يبرهن للجميع، بمن فيهم أتباعه، بأنه قادر على اعتقال أي إنسان في أي زمان ومكان، ومستعد لتعريضهم للإهانة على أيدي الشرطة والأجهزة القمعية التابعة له، إنه يريد أن يسقي مثقفو العراق مرارة العيش بالعراق بدون كرامة، أو عليهم مغادرة البلاد، وإلا فالسجن هو مكانهم المفضل تماماً كما فعلوا مع الدكتور غسان العطية، الذي بُلّغ من رئيس جهاز المخابرات العراقي وبكل وقاحة، بضرورة مغادرته العراق وإلّا سيعتقل ويرمى في السجن، هكذا صرح الدكتور غسان العطية في ندوة تلفزيونية قبل فترة وجيزة.
إن الدكتور مظهر محمد صالح مطلق سراحه بكفالة ولم يهرب إلى خارج العراق، بل قام بزيارة إلى إقليم كردستان العراق وعاد إلى العاصمة بغداد، فلماذا يتم اعتقاله ثانية ويوضع في سجن المطار؟
إن هذا الإجراء الزجري الظالم والمبيت ضد واحد من أبرز علماء الاقتصاد بالعراق إهانة توجه لكل الاقتصاديين والمثقفين بل ولكل الناس الذين عرفوا في هذا الرجل الوطنية والنزاهة، كما هي في زميله الدكتور سنان الشبيبي الذي أُجبر على البقاء خارج البلاد لكي لا يعتقل ويهان في مطار بغداد. وحين طلب التعهد بعدم اعتقاله حين وصوله إلى مطار بغداد واستعداده الكامل للمثول أمام القضاء العراقي ليواجه ما يتهم به ويدافع عن نفسه وضد الإساءة التي أراد الحاكم بأمره وما يزال توجيهها له ولغيره، لم يمنح ذلك التعهد لأنه لا يريد أن يأتي الشبيبي إلى العراق ثانية.
أورد الصديق والكاتب الساخر الأستاذ خالد القشطيني في مقال ظريف وطريف له مغزى كبير حول حادثة قتل فيها رجل أعمى بصيراً للكاتب المصري الساخر إبراهيم المويلحي ما يلي:
" إذا أصبح الأمي محررا ، و الأعمش مصورا، و أصبح الوزير شاكيا و المغني باكيا ، و أصبح القاضي محتالا و الوصي مغتالا، و أصبح العالم مخرفا و الجاهل مؤلفا، و أصبح الأجنبي مدللا و الوطني مذللا، و أصبح مدير المعارف أعجميا ، و مفتش المدارس عاميا، و أصبح عميد الشيطان يتعبد و يتهجد، و اسلم المسلم خريستو بعد احمد، و أصبح الدعي حسيبا نسيبا ... فليس من غريب المقادير أن يفتك الأعمى بالبصير...!" (خالد القشطيني. إبراهيم المويلحي, جريدة الشرق الأوسط، العدد 1435, 23/2/2014)، وأن يعتقل المالكي الاقتصادي القدير مظهر محمد صالح!   
ويختم الأستاذ القشطيني مقالته: "وما أشبه هذه الأيام - يا سادتي الكرام - في شتى ديار الإسلام بالبارحة، لا، بل وقل أسوأ وأغرب وأظلم! (المصدر السابق نفسه) وأضيف باللعنة على الزمن الرديء الذي يعيش فيه الشعب العراقي ويعاني منه الناس الشرفاء.
إني كاقتصادي وكمواطن عراقي أطالب الأخوات والأخوة الأساتذة والطلبة في الجامعات العراقية واتحاد رجال الأعمال واتحاد الصناعات العراقي وغرفة التجارة ونقابة المحامين واتحاد الأدباء والكتاب وأعضاء شبكة الاقتصاديين العراقيين والمثقفين كافة، وكذلك الأحزاب السياسية العراقية ومنظمات المجتمع المدني والناس الطيبين كافة بالوقوف إلى جانب الدكتور مظهر محمد صالح والتضامن معه ضد مغتصبي حريته والساعين إلى إهانة كرامته وتشويه سمعته، والمطالبة بإطلاق سراحه فوراً وإلغاء الدعوى المقامة ضده والمطالبة بتعويضه عما لحق به من أضرار صحية وبالسمعة ومحاسبة كل من تجاوز عليه وعلى قانون البنك المركزي باعتباره هيئة مستقلة عن السلطة التنفيذية. وكذلك إلغاء قرار اعتقال الدكتور سنان الشبيبي وإعادته إلى وظيفته كمحافظ للبنك المركزي ومعه إعادة كل المعتقلين والمفصولين دون وجه حق إلى وظائفهم والاعتذار لهم وتعويضهم.
إننا أمام ضحية، إنه الدكتور مظهر محمد صالح، الذي اعتقل في مطار بغداد ويراد من خلال هذا الإجراء كم أفواه الناس وعدم مقاومة القرارات الخاطئة التي تتخذها السلطة التنفيذية. إننا وبكل براءة نتساءل من المسؤول عن هذا الاعتقال؟     
24/2/2014                     كاظم حبيب

120
كاظم حبيب
هل عبر مقتدى الصدر عن حقيقة وطبيعة نوري المالكي؟
من أطلع على مقالاتي طيلة السنوات المنصرمة يدرك الأسباب الواقعية والموضوعية التي دفعتني إلى توجيه النقد الشديد والمتواصل لنهج مقتدى الصدر وسياساته الفعلية التي ألحقت أضراراً فادحة بالمجتمع العراقي وساهمت بتأجيج الصراع الطائفي والقتل على الهوية، سواء أكان من خلال ميليشيات جيش المهدي أم عصائب الحق أم جماعات أخرى تشكلت وشاركت في عمليات الاعتقال والتعذيب والقتل ولم تكن إيران بعيدة عن هذه الوجهة بل كانت المحرضة عليها والمساعدة والمساهمة فيها والمتبنية روحياً لها. وكانت تلك العمليات قد جرت تحت واجهة مكافحة الاحتلال الأمريكي، ولكنها كانت أحد الأسباب الحقيقية وراء الفوضى التي سادت العراق طيلة سنوات والقتل الواسع النطاق. ومقتدى الصدر وحزب الأحرار وميليشيات جيش المهدي كانوا وما زالوا جزءاً من البيت الشيعي الذي أساء للشيعة كثيراً وعمق الصراع بين الشيعة والسنة، وهي ما تزال تلحق الضرر بهم من خلال الأحزاب الإسلامية السياسية الأعضاء في هذا البيت الطائفي السياسي. ولقد وجه نوري المالكي في العام 2008 ضربة قوية لميليشيات جيش المهدي كانت تستحقها لأنها عاثت في البلاد قتلاً وتخريباً وفوضى. وقد أيدت المالكي في حينها لأنها كانت ضرورية لوضع حد لعمليات إجرامية كانت تتم تحت واجهة مكافحة الاحتلال الأمريكي وعلى أيدي بعثيين سابقين أو طائفيين متطرفين.
وخلال السنوات الثلاث المنصرمة غير مقتدى الصدر سياسته وحين التقيت بأبرز عضو قيادي في جماعته بأربيل في نهاية عام 2013 أشار إلى حصول تغير كبير في نهج وسياسة مقتدى الصدر، إضافة إلى اللقاء الصحفي مع الكاتب والصحفي سرمد الطائي، الذي أمر المالكي باعتقاله. اعتقد بأن من الصالح العام أن أنهي مقتدى الصدر عمل كتلة الأحرار باعتباره حزباً إسلامياً سياسياً وحل جماعته وجيشه. إذ أن السياسة والدين لا يجتمعان. ومن حقه كشخص أن يساهم بالسياسة كمواطن عراقي وأن يبدي رأيه بكل القضايا المطروحة، وأن يكون له وزنه السياسي. ومثل هذا الموقف سيكون له أثره الطيب على الحياة السياسية، إذ ينبغي أن تنتهي علاقة الدين بالسياسة أو بالدولة، وبالتالي سيكون للصدر قبول أوسع حين يقدم النصح من موقع أقرب إلى مواقف الطيب الذكر السيد أبو الحسن الأصفهاني في الأربعينات من القرن العشرين. ويتمنى الإنسان أن تمارس كل الأحزاب الإسلامية هذا الموقف وتتخلى عن السياسة كأحزاب ويمارس العاملين حالياً فيها كمواطنين أو أحزاب مدنية لا يدخل الدين في أجندتها العامة أو بالشأن العام.
طرح مقتدى الصدر موقفه المعارض لنوري المالكي منذ ثلاث سنوات وحقق نجاحاً في الانتخابات الأخيرة أكثر بكثير من قائمة نوري المالكي. وكان يسعى إلى إبعاد نوري المالكي عن السلطة لولا تراجع رئيس الجمهورية الطالباني بضغط معروف من جانب إيران. وهو موقف لم يكن إيجابياً بأي حال وألحق ضرراً بالغاً بالوضع العام وأفسد القدرة على الخلاص من دكتاتور جديد فرض نفسه في الساحة السياسية العراقية، وما زال يمارس دوراً مسيئاً للوحدة الوطنية، تماماً كما يفعل الطائفيون المتشددون في الطرف الثاني.
وبالأمس تحدث مقتدى الصدر عن الطاغية العراقي الجديد، عن نوري المالكي، فهل ما قاله يطابق الحقيقة؟
لنستمع إلي السيد مقتدى الصدر في شرح طبيعة الحكم الراهن وطبيعة المالكي:       
إن "السياسة أصبحت باباً للظلم والاستهتار والتفرد والانتهاك ليتربع دكتاتور وطاغوت ليتسلط على الأموال فينهبها وعلى المدن فيحاربها وعلى الطوائف فيفرقها وعلى الضمائر فيشتريها وعلى القلوب فيكسرها ليكون الجميع مصوتا على بقائه".
لا يمكن للصدر أن يتحدث بهذه اللغة والوضوح لو لم يكن يملك من الوقائع ما يستطيع به دمغ النظام ورأسه. إذ إن هذا التشخيص دقيق للغاية ويعتمد على الوقائع الجارية يومياً بالبلاد. فإلى جانب النهب والسلب القائم على أوسع نطاق ممكن ومن داخل الدولة، أو ما يطلق عليه المصريون النهب من الباطن لموارد البلاد المالية، وإلى جانب تمزيق وحدة الشعب العراقي بنهج طائفي سياسي وسياسات رعناء تُنشط الهويات الفرعية القاتلة على حساب هوية الوطن والمواطن، وإلى جانب شراء الذمم والضمائر بتوزيع أموال الشعب بأساليب شتى، إلى جانب كل ذلك نجد الاستبداد الفردي في رسم السياسات واتخاذ القرارات وانفراد برئاسة مجلس الوزراء ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية ووزارة الأمن الوطني والقائد العام للقوات المسلحة والمسؤول عن الأجهزة الأمنية والمخابرات والأجهزة الخاصة وما يمكن أن يُطلق على أعضائها بـ "فدائيي نوري المالكي" الشبيهة تماماً بـ "فدائيي صدام حسين" وقبل ذاك بـ "فدائيي محمد يونس السبعاوي" وزير الاقتصاد والمسؤول عن أمن بغداد وغيرها في حكومة رشيد عالي الگيلاني وكان اسمه الحزبي في حزب الشعب القومي "فرهود"، وهم الذين نفذوا  مع رعاع بغداد والمناطق المجاورة الفرهود ضد مواطناتنا ومواطنينا من يهود العراق في الأول والثاني من شهر حزيران من عام 1941.
لقد أصبح العراق في ظل حكومة نوري المالكي يحتل واحداً من المواقع الأربعة المتقدمة في الفساد المالي والإداري بكل أشكاله على الصعيد العالمي، بضمنها الرشوة والنهب والسلب والتحايل والخديعة والمحسوبية والمنسوبية والشهادات المزورة وما إلى ذلك. كما أصبحت بغداد، مدينة البؤس والفاقة والخراب ومكب نفايات، لأنها محكومة من فئات أغلبها رثة بكل معنى الرثاثة.
وكان مقتدى الصدر في خطابه الأخير صادقاً مع نفسه ومع الناس بالعراق ومع الرأي العام العربي والعالمي حين أكد قائلاً:
إن "العراق يحكمه ذئاب متعطشة للدماء أو نفوس تلهث خلف المال تاركة شعبها في بحبوحة العذاب والخوف يرتع في برك الماء وليال مظلمة على ضوء قمر أو شمعة، وعراق تعصف به الاغتيالات لأجل تسقيط أو خلاف تافه والحكومة تتفرج، عراق تحكمه ثلة جاءت من خلف الحدود لطالما انتظرناها لتحررنا من الدكتاتورية لتتمسك هي الأخرى بالكرسي باسم الشيعة والتشيع".
لا شك إن مقتدى الصدر قد سمع حديث المالكي مع شيخ عشيرة شيعي حين قال له "دير بالك لا يأخذوها منّا" ويقصد الشيعة، فرد عليه: "أخذناها بعد ما ننطيها", ثم أضاف بتحد صارخ يجسد سلوكه الاستبدادي المطلق تماماً: "ليش هو أكو واحد يگدر بعد يأخذها منا" ويقصد هنا الشيعة!!! وهنا نسى الانتخابات والتداول السلمي للسلطة .. الخ.
ثم يتابع مقتدى الصدر خطبته فيقول:   
"إن العراق أصبح بلا حياة ولا زراعة ولا صناعة ولا خدمات ولا امن ولا أمان ولا سلام وانتخابات يذهب ضحيتها الآلاف لتتسلط علينا حكومة لا ترعى" إلا " ولا ذمة، وبرلمان بكراسيه البالية لا يستطيع دفع الضر عن نفسه فما باله لدفع الضر عن الآخرين، ولعله يستطيع أن يجمع في التصويت داخل قبة البرلمان في حالة واحدة هو إذا كانت فيه امتيازات له أو نفع شخصي، وعندما وصل الأمر إلى نفع شعبي عام تخاذل الجميع، أو يصل الأمر إلى مجلس الوزراء فينقضه" 
لم يتجاوز الرجل على واقع النظام الطائفي القائم، بل حدد بوضوح ما يعاني منه العراق:
ليست هناك عملية تنمية اقتصادية، ليست هناك عملية تنمية صناعية وزراعية واستثمارات في هذه القطاعات الإنتاجية، كما لا يزال الشعب يعاني من نقص الخدمات وفي مقدمتها الكهرباء والنقل والصحة والتعليم بمختلف مراحله والمدارس المخربة. أما طبيعة الاقتصاد العراقي فقد تعمقت طبيعته الريعية النفطية إلى أشد مما كانت عليه طيلة العقود المنصرمة، وهو أمر مخل بالمال العام ومصالح البلاد ومصالح الأجيال القادمة. واتسعت قاعدة البرجوازية الطفيلية وأصحاب النعمة الحديثة والرثة. أما بشأن غياب الأمن الذي يشير إليه الصدر فقد كتبت قبل ثلاثة أيام ونشرت مقالاً عن القتل بالجملة وعن الاغتيالات بالعراق، وهو ما أكده مقتدى الصدر في خطابه. أما البرلمان فهو الكارثة الحقيقية التي تواجه البلد بعد السلطة التنفيذية، وحدث عنه ولا حرج، فهو من الرثاثة ما لا يمكن تصوره. وكم كان صادقاً بشجب مواقفهم حين صوت هؤلاء النواب لصالح امتيازاتهم في الرواتب والحمايات وغلاء المعيشة والسيارات المصفحة والتقاعد وغيرها، ولكنهم أساءوا للشعب ورفضوا الموافقة على كل ما يمس مصالح الشعب والاقتصاد الوطني وحجرية الإعلام...
وقد عبر بوضوح عن طبيعة الحكم والفكر المعوج الذي يُسّيره حين قال:
"ولكن جاءت حكومة تكتم وتكمم الأفواه وتقتل المعارض وتفجر أصحاب الألسن المعارضة لتملأ السجون بهم وبكل مقاوم حاول تحرير بلده من دبابة الاحتلال أو طائرته ..حكومة استأثرت لنفسها كل شيء ولم تعد تسمع لأي احد على الإطلاق حتى صوت المرجع وفتواه وصوت الشريك وشكواه، مدعومة من الشرق والغرب لما يستغرب له كل حكيم وعاقل".
لنتذكر جميعاً ماذا فعل المالكي وأجهزته القمعية ووعاظه الكارهين خير الشعب ومصالحه والسائرين وراء المستبد بأمره حين توجهوا جميعاً بإدانة مظاهرات 2011 المطالبة بمكافحة الفساد والإرهاب والاستجابة لمطالب الشعب الأساسية, والتي أدعى رأسهم بأن البعثيين وراء تلك المظاهرات واعتقل من اعتقل وعذب من عذب وحَرك الطائرات المروحية لتكنس الناس من الشوارع وزج الجيش والشرطة في كل أنحاء بغداد فقطعت أوصال العاصمة بأمل وهدف كم أفواه أبناء وبنات الشعب الصادقين مع شعبهم. لنتذكر الإساءة التي لحقت من أجهزة المالكي بالكاتب والشاعر والصحفي الديمقراطي عبد الزهرة زكي، أو شهداء الكلمة والصحافة والثقافة بالعراق. 

لقد قال مقتدى الصدر بأنه سيشارك في الانتخابات العامة القادمة. وهو موقف سليم. ثم قال بأنه سيعطي صوته "لكل شريف يخدم شعبه". والسؤال هل سيعطي صوته لقائمة التحالف المدني الديمقراطي ليبرهن على سلامة موقفه الجديد الراهن، إذ إن مرشحي هذه القائمة وباعتراف الجميع هم ممن لم تتوسخ أيديهم وذممهم بالفساد، كما لم تلطخ بدماء الشعب العراقي ولا بالسحت الحرام. إنه إذا فعل ذلك ونصح من يؤيده، فهذا يعني أنه قد أدرك فعلاً أهمية المساهمة في عملية التغيير المنشودة بالعراق صوب المجتمع المدني الديمقراطي المنشود الذي يغيب عنه المستبد والمستبدين والإرهابيين والفاسدين لا بالأقوال والتصريحات حسب، بل وبالأفعال الفاضلة. لدي الثقة بأن الرجل عاجز عن اتخذا موقف من هذا النوع وأن الماضي يلاحقه ويلاحق أتباعه والعزة بالإثم تمنع من الاعتراف بالأخطاء الفاحشة التي ارتكبت.
20/2/2014                                كاظم حبيب





121


كاظم حبيب
القتل بالجملة والاغتيالات مستمرة بالعراق المستباح
كل يوم يسقط المزيد من الشهداء بين القوات المسلحة العراقية، الجيش والشرطة، على أيدي قوى الإرهاب الدموي، وكل يوم يسقط المزيد من الناس الأبرياء على أيدي قوى الإرهاب والمليشيات الطائفية المسلحة، وكل يوم يتم اغتيال الكثير من الناس من مختلف الديانات والمذاهب. بالأمس قُتلت مجموعة من الجنود والشرطة، واليوم قتل 16 من أفراد القوات المسلحة أيضاً، وبالأمس أصدر "اتحاد الجمعيات المندائية في دول المهجر" بياناً أعلن فيه عن استشهاد الشاب الصائغ سمير سامي ياسين الخميسي الذي اغتالته قوى الإرهاب الدموي في عقر داره في حي الزيونة ببغداد. وكما يرى الجميع فأن البلاد مفتوحة على مصراعيها أمام قوى الإرهاب تفعل فيه ما تشاء وكما تشاء ومتى تشاء، ووهكذا تشير الإحصاءات الرسمية إلى إن عدد الشهداء تجاوز ما بلغه في أعوام 2006-2008. ليس هناك من إنسان عراقي، امرأة كانت أم رجلاً، بمنأى عن قوى الإرهاب والمليشيات الطائفية المسلحة، سواء أكانت شيعية أم سنية، في ما عدا الفئة الحاكمة المحصنة في حي الخضراء.
لا شك في أن الشعب سيعاقب هذه القوى الإرهابية والتكفيرية الشرسة، وكذلك المليشيات الطائفية العدوانية  المسلحة، سواء أكانت من عصائب الحق، أم من أتباع هيئة علماء المسلمين السنة أم من غيرهما ممن يتمتعون بحصانات وحمايات وقدرات إضافية تساعدهم على ارتكاب المزيد من الجرائم. 
ولكني على قناعة وثقة تامتين، إذ أرى المستقبل بوضوح كبير، بأن هذا الشعب المستباح حالياً والموجوع بسياسات طائفية خرقاء ومقيتة تتسبب بمزيد من الموت لأبناء وبنات الشعب وبمزيد من الخراب والدمار بالبلاد، سيحاسب حكام العراق حساباً عسيراً وسنجدهم يقفون في قفص الاتهام على السياسات المناهضة لمصالح الشعب التي مارسوها وعلى الشهداء الذين سقطوا بسبب تلك السياسات وعلى الخراب الاقتصادي والحرمان وعلى غياب التنمية وعلى الموارد المالية الهائلة المتأتية من اقتصاد النفط الخام والتي تذهب هباءً وبعيداً عن مصالح الشعب. لا يحتاج الإنسان أن يكون راسخاً في العلم ليتيقن من هذا الإجراء القادم سيحصل لا محالة، فالشعب يمهل ولا يهمل, وسيحصد الحكام عاقبة افعالهم. 
الحاكم المستبد بأمره يخرج على الشعب كل أسبوع مرة واحدة، دع عنك تصريحاته ولقاءاته الأخرى المرهقة لأبناء وبنات الشعب، ليعلن للشعب بما قام به ونفذه خلال أسبوع! ومن يتابع هذه اللقاءات الأسبوعي يستغرب من هذه الشخصية المأساوية والهزلية التي توعد ولا تنفذ والخواء الحقيقي في هذه اللقاءات الأسبوعية والفاقة الفكرية التي تتميز بها. فهو يهدد ويتوعد، وإذا القتلى هم من أبناء الشعب في بغداد وفي مناطق أخرى من العراق وعلى أيدي قوى الإرهاب التي يتهددها دوماً أو من المجرمين من أتباع عصائب الحق الذين يرتبطون بألف صلة وصلة بقوى حاكمة متنفذة بالبلاد، وهي ذراع لدولة جارة هي إيران كان ينبغي أن تقطع منذ فترة طويلة. إن العراق بحاجة إلى كتاب ساخرين ليكتبوا بسخريتهم اللاذعة عن الحاكم بأمره، عن الزمن الرديء الذي أوصل هؤلاء الناس إلى دست الحكم، إلى وصولهم في غفلة من الزمن وبسبب الغيبوبة التي ما يزال الشعب يعاني منها حالياً.
ليس أمامنا إلا أن نقدم التعازي لذوي الشهداء والذكر الطيب لهم، كما لعائلة الشهيد سمير الخميسي.
إن إرادة التغيير تتطلب المشاركة في الانتخابات العامة القادمة ومنح الناس الطيبين الغيورين على مصالح الشعب والوطن أصواتهم لقائمة التحالف المدني الديمقراطي وبرنامجها الذي يفتح الطرق على وضع آخر غير الوضع المأساوي الذي يعيش الشعب تحت وطأته منذ أكثر من عقد من السنين، دع عنك العقود التي سبقت إسقاط الدكتاتورية البعثية الصدامية الغاشمة.
 15/2/2014     كاظم حبيب   



122
كاظم حبيب
هل لعقلاء العرب والمسلمين من مصلحة في نفي الهولوكوست ومحارق النازيين ضد اليهود في أوروبا؟
استهلال

قرأت الكثير من المقالات والكتب الصادرة باللغة العربية أو المقالات المنشورة على مواقع الإنترنيت حول الهولوكوست، هذا المصطلح الذي يعني عمليات منظمة وممنهجة ومباشرة وفعلية ضد يهود ألمانيا وأوروبا في الفترة الواقعة بين 1933- 1945 استناداً إلى الفكر النازي العنصري المعادي للسامية، باعتبارها أكذوبة يهودية صهيونية عالمية وأسطورة لا يجوز الاقتناع بها. ويحاول البعض الآخر أن يؤكد كذبها من منطلق إن الاعتراف بها يفيد إسرائيل كدولة معادية للعرب والفلسطينيين. وهو منطق أفلج بطبيعة الحال فالاعتراف بالحدث شيء وسبل الاستفادة منه شيء آخر تماماً. ومن حق إسرائيل ويهود العالم أن يستفيدوا منه ليمنعوا وقوعه ثانية في أي مكان من العالم. فلو قرأت مقال السيد إدريس الكنيوري في إسلام ويب بعنوان "أسطورة الهولوكوست، أو مقال السيد هاشم محمد والسيدة سمر الشافعي على موقع "محرس" تحت عنوان "لماذا تهول الآلة الإعلامية اليهودية من الحدث؟ .. "الهولوكوست" أسطورة إسرائيلية.. لذبح المفكرين المنكرين لها!  " حيث ورد فيه " استفادت إسرائيل بشكل منقطع النظير من فكرة "المحرقة" أو "الهولوكوست " التي زعموا أن زعيم الحزب الألماني النازى هتلر أمر بها، والتي ادعوا أنه عذب اليهود خلال الحرب العالمية الثانية في محاولة منه لاجتثاث العرق اليهودي من جذوره،.." (موقع حرس في 27/1/2010)، إضافة إلى مئات المقالات التي دبجت من العرب والمسلمين في إنكار هذه المحرقة والمجزرة البشرية التي تعتبر بحق "جريمة إبادة جماعية وضد الإنسانية".
كتب الأستاذ مصطفى الرافعي مقالاً بعنوان " العرب و المحرقة اليهودية .... زيارة ميدانية"
جاء فيه بصواب ما يلي:
" و في هذا السياق لا يفوتني أن أذكر الشعبية الكبيرة التي يحظى بها الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي في العالم العربي، نظرا لاعتناقه الإسلام وإنكاره لأهوال المحرقة النازية. فهل العربُ قومٌ تحكُمُهم الأهواءُ و الانفعالات و حب الانتقام أكثر من طرح الإشكالات في سياقها التاريخي الإنساني و الموضوعي. فقد صدّق العرب و المسلمون كل ما ورد في كتابه دون تدقيق و لا تمحيص لمحتواه. و قد تمّتْ محاكمته حينها و انتهت بإدانته لإنكاره الهولوكوست في تصريحاته وكتاباته، كما شهدت تعبئة كبيرة للنازيين الجدد وأتباع نظريات المؤامرة والمشككين بالهولوكست، الذين حضروا لمؤازرته أمام محكمة باريس.
فقد شكَّكَ غارودي في هذا الكتاب بالتطهير العرقي، الذي تعرض له اليهود الأوروبيون، معتبرا أنه مجرد ادعاء من أجل تبرير سياسة إسرائيل العدوانية. وبسبب فقرات مختلفة في الكتاب تشكك بحدوث الهولوكوست حكم على غارودي سنة 1998 في الجلسة الأولى بالسجن لمدة تسعة أشهر مع وقف التنفيذ وغرامة مالية بلغت 160 ألف فرنك فرنسي. مما جعل عدة دول من العالم الإسلامي و العربي تحتفي به بصفته نجما كبيرا واستقبل خصوصا في مصر والأردن سنة بحفاوة كبيرة في الجامعات والملتقيات الكبيرة ونظر إليه كبطل أو "شهيد مطارد" في الغرب ومن طرف "الصهاينة" بسبب تصريحاته المنكرة لوقائع المحرقة.." (الحوار المتمدن، العدد 3196 بتاريخ 25/11/2010).
لقد دفعتني هذه القراءات إلى كتابة المقال التالي ونشره، ومن ثم توسيعه وإغنائه بمعلومات إضافية من أجل أن يكف العرب المسلمين والمسلمين من غير العرب عن ممارسة الافتراء المتعمد والمستمر بإنكار جريمة الإبادة الجماعية ضد اليهود التي ارتكبت في ألمانيا وأوروبا في الفترة الواقعة بين 1933-1945. فالأحداث التي تعرض لها يهود أوروبا ليست أكاذيب بل حقائق دامغة، ولكن إنكارها يعتبر مأساة ومسخرة حقاً وتعتبر عن جهل في الأحداث أو محاولة للانتقام أو كما كان الهتلريون النازيون الألمان يرددون مقولة غوبلز "افتروا ثم افتروا ثم افتروا، لعل بعض افتراءاتكم تعلق بأذهان الناس".
           هل جريمة الإبادة الجماعية ضد اليهود في أوروبا حقيقة أم أسطورة؟
 
حين وصلتُ إلى ألمانيا في نهاية العام 1958 وفي الفترة اللاحقة قمت بزيارة لأكبر معسكرات الاعتقال النازية الموزعة على مناطق مختلفة من ألمانيا. وانطلاقاً من كوني أمارس السياسة وسجيناً سابقاً رغبت الإطلاع على واقع تلك المعسكرات ومعاناة الإنسان فيها، سواء أكان عبر التعذيب النفسي أم الجسدي والتجويع والتشغيل المميت وعذابات وموت بالجملة بالمحارق أو الأفران النازية أو غرف الغاز التي شملت النساء والرجال والأطفال بمن فيهم الأطفال الرضع أو النساء الحوامل. فكان لي أن زرت أول معسكر في مدينة داخاو)  Dachau) مع مجموعة من الطلبة العراقيين في ألمانيا الاتحادية. وحين انتقلت للدراسة في ألمانيا الديمقراطية تسنى لي زيارة معسكري بوخنفالد (Buchenwald) في ولاية تورنگن (Tuerengin) وعلى مقربة من مدينة وايمر (Weimar) الثقافية والتاريخية, مدينة العملاقين في الأدب الألماني گوتيه وشيلر والموسيقار العالمي ليست. ثم زرت معسكر ساكسن هاوزن ( SachsenHausen) القريب من مدينتي برلين-براندينبورگ في ألمانيا الديمقراطية مع مجموعة من الطلبة الأجانب. وفيما بعد زرت ضمن وفد اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ضم الرفيق عزيز محمد سكرتير الحزب والرفيق الراحل مهدي عبد الكريم، عضو اللجنة المركزية، في العام 1974 معسكر أوسشفتز (Auschwitz) في بولونيا. وتسنى لي فيما بعد زيارة معسكرات اعتقال أخرى في مدن أوروبية أخرى. وقد كانت الصدمة الأولى شديدة القسوة والأثر النفسي لما شاهدته من حقائق صارخة على أرض الواقع والتي يصعب على الإنسان وصفها وتصور ما حصل فيها في تلك الفترة السيئة والمرعبة من تاريخ ألمانيا النازية. إن المواقع التي شاهدتها والكتب التي قرأتها والناس الذين التقيت بهم من مختلف الأطياف الفكرية والسياسية الذين كانوا في معسكرات الاعتقال النازية وقضوا فيها سنوات من عمرهم والأفلام التي شاهدتها, والتي لم تنتج لأغراض الدعاية بل كانت من الأفلام الوثائقية, والمتاحف التي قمت بزيارتها, كلها تؤكد بما لا يقبل الشك أحد احتمالين: إما أن يكون الناكر لهذه الحقائق إنسان جاهل ولا يمتلك المعلومات الكافية, وبالتالي فهو يردد بغباء كبير من سبقه من الناس في التشكيك بكل ذلك والادعاء بعدم صدق تلك المعلومات الخاصة بضحايا النازية, أو أنه عنصري تافه وغبي بامتياز, بغض النظر عن القومية أو الدين الذي ينتسب إليه, فمثل هذا الإنسان يكون عموماً عاجزاً عن التفكير بعقلانية وسوية حول ما حصل في ألمانيا بين 1933-1945.
من درس تاريخ ألمانيا وفترة الحكم النازي بين 1933-1945 يعرف بأن البوليس الألماني التابع لوزارة الداخلية أقام خلال عام 1933 ستين معتقلاً وزعت على كل الإمبراطورية الألمانية للسياسيين المناهضين للسياسات الفاشية الهتلرية من الأحزاب والقوى الأخرى, وكانت تابعة لوزارة الداخلية وتحت رقابتها. إلا أن هذا الوضع لم يستمر طويلاً إذ سرعان ما هيمنت عصابات ألـ إس إس SS الألمانية (أمن الدولة) على تلك المعسكرات وراحت تعيد تنظيمها وتجميعها في معسكرات كبيرة. وفي العام 1937 كانت هناك ستة معسكرات اعتقال في ألمانيا تضم عشرات الألوف من السياسيين. ثم كانت المرحلة الثانية التي تجمعت في معسكرات أخرى حتى بلغت في العام 1942 (22) معسكراً للاعتقال.
وفي المحصلة النهائية وفي وقت مبكر جمع النازيون كل السياسيين من مختلف الاتجاهات السياسية واليهود والسلافيين والسنتي والروما  Sinti & Roma (الغجر) والمثـليين والمعوقين والمجرمين ومن يطلق عليهم بالباحثين في الإنجيل في معسكرات مشتركة. وأعطي لكل نوع من هؤلاء لون معين على قطعة قماش تخاط في مقدمة قميص المعتقل, فكان على اليهود حمل النجمة السداسية بلون أصفر على صدورهم, كما فرض على السياسيين حمل قطعة قماش دائرية حمراء اللون, وللمشردين اللون الأسود, وللمجرمين اللون الأخضر, وبحاثة الإنجيل اللون البنفسجي واللاجئين اللون الأزرق. وقد وزعت هذه المعسكرات في ألمانيا وبولونيا والنمسا وفرنسا وغيرها من الدول الأوروبية. وكانت السجون الأخرى, وكذلك الجيش الألماني, يرسلون الكثير من المعتقلين إلى ألمانيا للعمل القسري في معامل الإنتاج الحربي وتحت ظروف عمل قاسية ومريعة جداً ولساعات طويلة تفوق قدرة الإنسان على التحمل, إضافة إلى التجويع المتواصل الذي أدى كل ذلك إلى سقوط ضحايا قدرت بمئات الآلاف من المعتقلين من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية والجنسيات والأديان والمذاهب الدينية.
ورغم أن القتل الجماعي قد شمل كافة المعتقلين, إلا أن القتل الجماعي كان من حصة مواطنات ومواطني يهود الدول الأوروبية بشكل خاص بدافع الحقد العنصري الأسود الذي تميزت به العقيدة النازية وكافة القوميين الآريين الهتلريين. فوفق المعلومات المتوفرة والصادرة عن مراكز البحث العلمي التاريخية فقد بلغ عدد معتقلي هذه المعسكرات خلال فترة الحكم النازي 18 مليون إنسان, قتل منهم بأساليب مختلف 11 مليون إنسان (راجع القاموس السياسي الصغير, ديتس فيرلاگ Dietz Verlag, برلين 1985, ص 516). أما عدد اليهود الذين قتلوا وينحدرون من دول أوروبية خلال العهد النازي في الفترة الواقعة بين 1933 - 1945 فقد تراوح بين 5-6 مليون إنسان. وإذا جمع هذا الرقم مع عدد الذين انتحروا بعد التحرير لأسباب ترتبط بعواقب وجودهم السابق في معسكرات الاعتقال فأن العدد يرتفع ليتراوح بين 6156185 – 6261185 نسمة وكلهم من أتباع الديانة اليهودية. هذا هو العدد, الذي اتفقت واستقرت عليه كل المصادر العلمية التي يمكن الثقة بعلميتها ونزاهتها العلمية وبعدها عن التأثيرات السياسية في البحث. وهذا العدد الكبير موزع على النحو التالي:    
„الإمبراطورية الألمانية 165000, النمسا 65000, فرنسا وبلجيكا 32000, هولندا 102000, لوكسمبورغ 1200, إيطاليا 7600, اليونان 60000, يوغسلافيا بين 55000-60000, تشيكوسلوفاكيا 143000, بلغاريا 11000, ألبانيا 600, النرويج 735, الدنمرك 50, هنغاريا 502000, رومانيا 211000, بولونيا 2700000, الاتحاد السوفييتي بين 2100000-2200000“ .
لقد قتل الكثير من السنتي والروما حيث بلغ عدد ضحاياهم خلال ذات الفترة وبمعسكرات الاعتقال النازية 500000 إنسان. كما فقد السلافيون الكثير من البشر بسبب الكراهية والحقد العنصريين, إضافة إلى من قُتل من الشيوعيين والاشتراكيين والمسيحيين وجمهرة كبيرة من المثقفين ممن لم يتسن لهم الهرب من ألمانيا بسبب الاختلاف الفكري والسياسي, إضافة إلى قتل اليهود بسبب عنصري، إنه العداء المسموم ضد السامية.
إن هذه الجريمة البشعة التي ارتكبت بحق أتباع الدين اليهودي لا يمكن أن تغتفر ولا يمكن نسيانها وستبقى في ذاكرة التاريخ حية تعبر عن الفكر العنصري والشوفينية والقسوة السادية المريضة والحقد الأعمى والكراهية للآخر ولا يجوز بأي حال نسيانها لأنها عار في جبين الإنسانية كلها. ولا بد للعرب والمسلمين أن يعترفوا بها وأن يدينوها لأنها كانت جريمة إبادة جماعية ضد الإنسانية, ولا يجوز لهم إنكار حصولها. فهي حقيقة واقعة, وإنكارها ليس فقط رؤية عنصرية, بل وأكبر غباء وحماقة سياسية. ولا يمكن أن ينكرها سوى أولئك الذين يكرهون اليهود من منطلق عنصري وكراهية الإنسان الآخر والدين الآخر, وهم أولئك الذي يتبنون الفكر القومي العربي اليميني الشوفيني الذين مارسوا الجريمة ضد اليهود في العام 1941 في العراق, وكذلك في مجازر الأنفال في كردستان وحلبچة أو تهجير وقتل الكُرد الفيلية أو العرب الشيعة من الوسط والجنوب, أو الذين يرفضون حتى الآن إدانتها رغم كل الوقائع الدامغة التي ظهرت في محاكمات المجرمين المسئولين عنها. وتقدم المعاهد العلمية ومراكز البحث العلمي المتخصصة الكثير من الأدلة التي يمكن سوقها فيما يلي:
"  * الدراسات الديموغرافية المتعلقة بأعداد اليهود المقيمين في أوروبا قبل الحرب وبعدها؛
•   التقارير اليومية الصادرة عن القادة النازيين المشرفين على معسكرات الموت وعلى فرق القتل في المناطق المحتلة في الأقاليم ؛
•   شهادات القادة النازيين في فترة ما بعد الحرب النازية ؛
•   الأدلة الحديثة التي ظهرت، على سبيل المثال، بعد اكتشاف المقابر الجماعية للضحايا اليهود في أوكرانيا.
•   الإشارات العديدة التي ألمح إليها قواد النازية حول إبادة اليهود ، بما في ذلك:
- يوميات جوزيف غوبلز ، رئيس الدعاية في عهد هتلر، 1948 ، ص 86 و 147-148، منها:
- 14 شباط / فبراير 1942 : يشير الفهرر (هتلر) مرة أخرى إلى عزمه على تنظيف أوروبا من اليهود بلا رحمة. يجب إلا يكون هناك أي مكان للحساسية العاطفية إزاء هذا الموضوع. اليهود يستحقون الكارثة التي تحل بهم الآن. لا بد من تدمير تلك الأسلحة جنباً إلى جنب مع تدمير أعدائنا. ويجب علينا أن نسرع هذه العملية مع التزام القسوة الباردة." (موقع الهولوكوست، 9/2/2014).

كتب الحاج أمين الحسيني، مفتي الديار الفلسطينية، في مذكراته اليومية، وكان صديقاً للدولة النازية ومعجباً بسياسات هتلر إزاء اليهود، نقلاً عن هملر في حديث مباشر معه ما يلي:
"    

 
كان الرقم الذي ذكره هملر عن عدد الضحايا اليهود في معسكرات الاعتقال النازية في صيف عام 1943، في حين إن الهمجية الهتلرية قد تصاعدت في السنتين اللاحقتين وقبل سقوط ألمانيا وبقية دول المحور في الحرب العالمية الثانية، وبالتالي فأن الرقم الذي تشير إليه مؤسسات ومراكز ابحث العلمي حول ضحايا اليهود في معسكرات الاعتقال الألمانية وبقية الدول الأوروبية، وبشكل خاص في بولونيا، صحيح تماماً ولا يقبل الإنكار.
وفي أول لقاء بين هتلر والحسيني قال هتلر، على وفق ما جاء في مذكرات الحاج الحسيني ما يلي:


وهذا التصريح يؤكد النية المبيتة التي كانت لدى هتلر والحزب النازي على تصفية اليهود أينما وجدوا. والغريب بالأمر إن الحاج أمين الحسيني لم ينتبه ويفكر بشكل موضوعي عن حقيقة أن الفكر العنصري الذي يؤمن به ويلتزم بتنفيذه هلتر وروزنبيرغ وهملر وغوبلز وكل الجوقة النازية موجه ضد جميع الشعوب التي يطلق عليها بالسامية والحامية، أي شعوب آسيا وأفريقيا لصالح الشعوب الآرية، وبالتحديد لصالح الشعب الجرماني. وكان العرب من ضمن الشعوب الموضوعة في أسفل سلم نظرية الأعراق النازية.
وأخيراً فإن من تعرف على معتقلات صدام حسين يستطيع أن يدرك طبيعة الأساليب الفاشية السادية اللعينة التي مارسها جلاوزة صدام حسين بحق المعتقلين السياسيين بالعراق. لقد مات الكثير من البشر تحت التعذيب وقتلوا بصيغ شتى. ولا شك في أن صدام حسين وجلاوزته هم من بقايا أيتام الفكر النازي على وفق عقلية المتخلفين من العرب والرجعيين والعنصريين. إنها الإجابة الواضحة والصريحة عن السؤال الذي ورد سابقاً حول طبيعة المحرقة التي نفذتها الفاشية في ألمانيا وأوروبا ضد اليهود، إنها أبشع جريمة ارتكبت بحق اليهود في العالم وأبشع ما ارتكب في الحرب العالمية الثانية، إنها جريمة إبادة جماعية وضد الإنسانية. وقد سبقتها جريمة أخرى ارتكبتها الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى ضد الأرمن والتي أدت إلى موت أكثر من مليون مسيحي أرمني في العام 1915، وكانت من أبشع جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبت في تلك الحرب والتي تلبست بالذهنية العنصرية والدينية المتعصبة والعدوانية للحكام العثمانيين والدولة العثمانية.
أتمنى على العرب وعلى المسلمين في كل مكان أن لا يخلطوا بين الحقائق التاريخية وبين ما يحصل من صراع في الشرق الأوسط, الصراع بين دولة إسرائيل والشعب الفلسطيني، أو احتلال إسرائيل لمزارع شبعا أو الجولان السوري, أو العقوبات الجماعية التي تمارسها إسرائيل في الأراضي العربية المحتلة في فلسطين, فهما قضيتان منفصلتان عن بعضهما من حيث المكان والزمان والقوى والعقلية. ونكران تلك الجريمة هو عداء وكراهية لليهود وغباء ودون وجه حق وعار لا يجوز السكوت عنه ولا يعبر مثل هذا الموقف عن رؤية ومشاعر إنسانية وعقلانية سياسية. وإذ من واجبنا أن ندين تلك الجرائم التي ارتكبت بحق اليهود حينذاك, علينا أن ندين ونشجب السياسات اليمينية المتطرفة التي تمارسها الحكومة الإسرائيلية ضد العرب في فلسطين وتسويف حل المشكلة لصالح إقامة دولتين والتجاوز على قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي. وفي الوقت ذاته علينا أن نتلمس السياسات الخطرة التي تمارسها حماس والقوى العربية اليمينية والمتطرفة, بدعم مباشر من إيران وأتباع إيران في المنطقة, لعرقلة أي حل للقضية الفلسطينية, وبالتالي فهم يدعمون اليمين الإسرائيلي الذي يرغب في ذلك أيضاً.
   
10/2/2014                      كاظم حبيب



   

123
د. كاظم حبيب
الجمهورية الثانية بالعراق
الفصل الأول
حزب البعث العربي الاشتراكي على رأس السلطة

استهلال
في الثامن من شهر شباط/فبراير من العام 2014 تمر على العراق أبشع كارثة عاشها الشعب العراق، إذ كانت البداية لسلسلة من الكوارث والفواجع والانقلابات وسياسات الاستبداد والعنصرية والعسكرة والحروب والمجاعات وهدر الكرامات والموت بأعداد لا حصر لها من بنات وأبناء  العراق، فاجعة انقلاب شباط الدموي 1983 الذي قاده البعثيون والقوميون اليمينيون الشوفينيون الذين سقطوا في مستنقع الخيانة الوطنية ومعاداة مصالح الشعب والحركة الوطنية والديمقراطية العراقية. مناسبة هذه الذكرى الحزينة والمأساوية التي تذكرنا بالطيبين والمناضلين من الناس من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية الديمقراطية ومن القوميات كافة الذين ننحني إجلالاً واحتراماً لهاماتهم الشريفة ومقاماتهم المرفوعة والشامخة دوماً في سماء العراق، أنشر هنا أجزاء من كتابي عن الجمهورية الثانية، جهورية البعث الدموية، جمهورية السلف المجرم للخلف الذي عاد ثانية إلى الحكم في انقلاب تموز 17-30 1968، وكان أكثر إجراماً وبشاعة واستبداداً. وإذا كان الانقلاب الأول مأساة، فأن الانقلاب الثاني كان مأساة ومهزلة في آن، والذي انتهى في العام 2003 بحرب الخليج الثالثة واحتلال العراق لتبدأ معها مأساة ومهزلة جديدة حيث سلّم الحكم إلى القوى الإسلامية السياسية الطائفية التي تتصارع وتتناطح في ما بينها على النفوذ والمال والجاه وبعيداً عن مصالح الشعب والوطن، فأدخلت العراق في نفق مظلم وظالم في آن واحد، في جحيم لا يطاق. سيزول هذا الجحيم قطعاً كما زالت النظم الجائرة التي سبقته، والسؤال هو متى وكيف؟
                              ك.ح. 
   
المبحث الأول: القوى التي شاركت في انقلاب شباط/فبراير 1963

في الثامن من شباط/فبراير 1963 نجح الانقلابيون الجدد في الإطاحة بحكومة عبد الكريم قاسم الوطنية واختطفوا السلطة. واقترن هذا الانقلاب بسيل من دماء قادة ثورة 14 تموز 1958 ومن مناصري الجمهورية الأولى من قادة وأعضاء القوى الوطنية العراقية. ولم تكن حركة الانقلاب الناجحة مفاجئة لأغلب القوى السياسية العراقية, إذ كانت تتوقع ذلك في كل لحظة, حتى الفريق الركن عبد الكريم قاسم كان يعرف أن حركة انقلابية تتجمع خيوطها لتطيح بنظام حكمه, وكان يريد إلقاء القبض على المتآمرين حين بدء تنفيذ المؤامرة. ذكر الأستاذ الراحل محمد حديد أن حديثاً جرى بينه وبين الزعيم قاسم منبهاً إياه إلى وجود مؤامرات تحاك ضده, فكان جوابه أنه يعرف ذلك وينتظر بدء تحركهم. فقد جاء في كتاب مذكراتي لمحمد حديد ما يلي بهذا الصدد:
"كان هناك أعضاء من "الحزب الوطني التقدمي" يطالبون باتخاذ موقف أكثر صراحة للمطالبة بتغيير الأوضاع, بل إن بعضهم قدّم لي مذكرة مشتركة في هذا الشأن. وكان بعضهم ينقل إليّ تخوفه من وجود تآمر على النظام بسبب النشاط المتزايد لحزب البعث العربي الاشتراكي والحركات القومية, إضافة إلى التهجم المتواصل على النظام العراقي من جانب الصحف العربية المناوئة للنظام, وكذلك إذاعة "صوت العرب". وكنت أنقل هذه المشاعر إلى عبد الكريم قاسم الذي كان يرد على ذلك بالقول إنه مسيطر على الوضع, ولا يستطيع أحد تهديد النظام. وفي الرد على وجود اتخاذ إجراءات احتياطية, كان يشير إلى أنه يجب انتظار شروعهم في الحركة ليقبض عليهم متلبسين بالتآمر".  كان هذا في النصف الثاني من العام 1962. ويعلق الأستاذ محمد حديد على هذا الموقف فيقول:
"وكان ذلك زيادة في الاعتداد بالنفس والقدرة على السيطرة على جميع الأوضاع, إذ ظهر في ما بعد أن كثيراً ممن كان عبد الكريم قاسم يظن أنه يعتمد على ولائهم, كانوا إما مشتركين في التآمر, وإما تخلوا عن ولائهم ولم يقوموا بعمل جدي للدفاع عن النظام" .       
كان عبد الكريم قاسم يعتقد جازماً بأن الشعب كفيل بإسقاط المحاولة وإفشال الواقفين وراء العملية, إضافة إلى  تصوره الخاطئ بولاء كل من كان قريباً منه وأبدى شكلياً جانب الولاء له, رغم تلقيه التهديد الواضح الذي جاء على لسان مندوب شركات النفط الأجنبية عضو الوفد المفاوض وممثل شركة ستاندارد أويل أو نيوجرسي حيث جرى الحديث التالي بين الأخير وعبد الكريم قاسم: (مقطع من نص الحديث المتبادل)
"الزعيم : هل تريدوننا أن نكون مثل الحكومات السابقة ننفذ ما تريدونه؟
فيشر   : كلا, وإنما نريد أن تفحصوا وجهة نظرنا.
الزعيم : لقد فحصنا وجهة نظركم.
فيشر  : ولكنكم لا تعترفون بأن ما نقوله صحيحاً.
الزعيم : أعتقد إننا جئنا معكم لدرجة كبيرة ومع ذلك فإننا لا نريد أن نؤثر على موقف الشركات, ولكننا يجب أن لا نخسر لأننا أصحاب الحق في هذا البلد. ليس لدينا شيء الآن ونعتبر المفاوضات منقطعة بسبب تعنت الشركات في وجهات نظرها وعدم موافقتها على إعطاء حق العراق ولا يمكن لنا أن نصبر على ضياع حق العراق مدة طويلة. أنكم تريدون كل الأمور في صالحكم, وعلى كل حال أتمنى لكم الخير.
____________
   حديد, محمد. مذكراتي- الصراع من أجل الديمقراطية في العراق. دار الساقي. لندن. 2006. ص 460/461.
   المصدر السابق نفسه. ص 461.




فيشر   : شكراً وأرجو كل الخير لسيادتكم وللشعب العراقي.
الزعيم : هذه آباركم باستطاعتكم استغلالها كما تريدون وأني آسف لأن أقول لكم بأننا سنأخذ بقية الأراضي بموجب تشريعاتنا الجاهزة حتى لا يكون ذلك بمباغتة لكم وأشكركم على حضوركم.
فيشر   : نشكركم على إخباركم بذلك وسننتظر ماذا ستكون النتائج.
الزعيم : أية نتائج؟
فيشر   : أقصد أن علينا أن نتخذ الخطوات اللازمة لحماية مصالحنا.
الزعيم : نحمي مصالحنا ومصالحكم كذلك" .
التقط عبد الكريم قاسم التهديد بوضوح حين استفسر منه: أية نتائج؟, ولكن فيشر استدرك ليدفع بالموضوع إلى وجهة أخرى, ولكن بقى التهديد واضحاً وصريحاً.  إذ كانت النتائج التي يقصدها فيشر واضحة وهي تشديد التآمر ضد حكم عبد الكريم قاسم. وكان عبد الكريم قاسم مخطئاً باعتماده المطلق على أجهزته الأمنية وعلى قدرة الشعب في التصدي للمؤامرة وهو الذي انتزع من الجماهير كل أسلحتها النضالية والوقوف إلى جانبه, كما عمل كل شيء من أجل إثارة كل المناهضين له للتوحد والعمل المشترك ضد وجوده في السلطة وضد الجمهورية الأولى, والتي حاولنا الإشارة إليها في الكتاب الخامس من أجزاء هذا الكتاب العشرة.
يتحمل عبد الكريم قاسم الجزء الأساسي من مسؤولية تدهور الوضع السياسي في العراق وانعدام الحياة البرلمانية الديمقراطية القائمة على أساس دستور ديمقراطي ومدني حديث. كتب الأستاذ الراحل إبراهيم كبة بشأن دور حكومة قاسم في سقوط الجمهورية الأولى مؤكداً أن حكم قاسم مَّر بمرحلتين, المرحلة التي تميزت في السنة الأولى من الثورة, ثم الفترة الثانية التي شهدت الآنتكاسة حيث كان الفكر الرجعي يحاول طمسها, فهو يؤكد ما يلي: 
"..., تبذل كل المحاولات لطمس الجوهر الحقيقي للانحراف القاسمي في سنواته الأخيرة المتمثل في الدكتاتورية الفردية ومعاداة الديمقراطية وتمزيق الوحدة الوطنية وإطلاق العنان لليمين البرجوازي والقوى الوسطية والبيروقراطية المتفسخة, والمساومة المكشوفة مع الطبقات الرجعية وأصحاب المصالح المركزة والفئات الآنتهازية, وهو الأمر الذي لم يؤد فقط إلى تجميد الثورة بل تمكين قوى الردة تنفيذ مخططها لإسقاط الحكم القاسمي لا لتطوير جوانبه الإيجابية والعودة لمنطلقات ثورة تموز الأصلية, بل للإجهاز على الجوانب المذكورة في عملية واضحة لتصفية جميع إنجازات الثورة والعودة بالعراق لعهد ما قبل تموز. إن انقلابي شباط وتشرين, كما أثبتت الأحداث, كانا (تتويجاً) للانحراف
______________
  إسماعيل, عبد الله. مفاوضات النفط العراقية 1952-1968. لندن, دار اللام. 1989259/260.
راجع أيضاً: علاوي, إبراهيم. البترول العراقي وحركة التحرر الوطني. بيروت. دار الطليعة. ط1. 1967. ص 171/172. 



 القاسمي في جوهره الدكتاتوري الفردي المعادي للديمقراطية, مع تطوير هذا الآنحراف خطوات واسعة للأمام, وتحويله إلى السياسة الرسمية للدولة" .     
لا شك في أن القوى والأحزاب السياسية الوطنية كافة تتحمل مسؤولية ما آل إليه الوضع في العراق حينذاك ابتداءً من شد الصراع غير العقلاني على السلطة ومروراً بالموقع المتميز فيها والعداء المستحكم الذي نما وتطور بين القوى السياسية المختلفة, وانتهاءً بعجزها عن فهم طبيعة القضية الكُردية ومهماتها وضرورات التجاوب مع مصالح القوميات المختلفة في العراق. كما أنها عجزت عن فهم حقيقة النشاط الكبير الذي كانت تمارسه القوى الخارجية المناهضة لحكم عبد الكريم قاسم بسبب سياسته الوطنية إزاء شركات النفط الأجنبية, وكذلك الموقف غير السليم الذي أعلنه قاسم من الكويت, إضافة إلى موقف دول حلف بغداد التي وجدت في النظام سبباً لاهتزاز نظامها الأمني والعسكري في المنطقة. وقد حصدت جميع القوى السياسية الوطنية الثمار المرة للسياسات التي مورست من قبلها في أعقاب الثورة مباشرة. إلا أن القوى السياسية المباشرة, التي بدأت ببث الفرقة ورفع الشعارات المفرقة للصف الوطني والمحفزة على الصراع والعدوانية السياسية والروح الانقلابية منذ الأيام الأولى للثورة وعمدت إلى وضع العصي في عجلة التطور السياسي بهدف توفير مستلزمات الاستيلاء المنفرد على السلطة, كانت بالأساس قوى البعث وبعض الحركات القومية العربية.
لقد كان الانقلاب الذي هيأت له ونفذته دمويا بكل معنى الكلمة, إذ مارس الانقلابيون مختلف الأساليب الفاشية لتصفية أقطاب الحكم الوطني والخصوم السياسيين, وخاصة قتل الشيوعيين والديمقراطيين التقدميين وجمهرة من أنصار قاسم. وإذا كانت المواقف السياسية للقوى القومية قد بدأت منذ فترة مبكرة للإطاحة بقاسم, فأن تحالفها الفعلي نشأ منذ العام 1961 حيث تشكلت الجبهة القومية من ثلاثة أحزاب قومية هي حزب البعث العربي الاشتراكي وحزب الاستقلال وحركة القوميين العرب. ولم يسجل التحالف القومي من حيث المبدأ سوى هدف رئيسي وأساسي واحد هو الإطاحة بنظام الحكم وانتزاع السلطة من عبد الكريم قاسم.
لقد نشا التحالف المناهض لحكومة عبد الكريم قاسم على قاعدتين, قاعدة طبقية اجتماعية وأخرى فكرية وسياسية تستند إلى إيديولوجية قومية شوفينية وخلفية دينية متزمتة. ولم ينفرد حزب البعث العربي الاشتراكي بالتحضير لانقلاب شباط وتنفيذه, بل شاركت معه مجموعة من القوى الاجتماعية والأحزاب السياسية الآتية التي كان يهمها الخلاص العاجل من حكومة عبد الكريم قاسم, رغم وجود فوارق واضحة في الجهد الذي بذل من جانب مختلف القوى لتنفيذ المخطط الانقلابي. ويمكن بلورة القوى التي شاركت في هذا التحالف من الناحية الطبقية الاجتماعية فيما يلي: 
_________________
   كبة, سلام إبراهيم عطوف. إبراهيم كبة غني عن التعريف. مصدر سابق. ص 10.

* فئات البرجوازية التجارية الكبيرة والبرجوازية العقارية وأوساط غير قليلة من البرجوازية البيروقراطية التي كانت ثورة تموز 1958 قد وجهت ضربات سياسية واقتصادية واجتماعية قاسية إلى مواقعها ومصالحها في البلاد وأجهزت على نظام حكمها الملكي الإقطاعي.
* فئات الإقطاعيين وكبار ملاكي الأراضي الزراعية التي أصابت الثورة مصالحها الاقتصادية في الصميم فصادرت مساحات واسعة جداً من تلك الأراضي التي كانت في حوزتها وأضعفت نفوذها وتأثيرها السياسي والاجتماعي, علماً بأن هذه الفئات قد استطاعت منذ عام 1961 استرداد الكثير من مصالحها المفقودة بإجراءات وقرارات صدرت عن حكومة قاسم نفسه.
* بعض أوساط البرجوازية المتوسطة, وخاصة التجارية منها, التي أرعبتها حركة الجماهير وتصاعد نضال العمال والفلاحين وتنامي نفوذ الشيوعيين في أوساط الشعب وتأثيره على الشارع والمبالغة بقوته. وعلى المتتبع أن لا ينسى بأن بعض فئات البرجوازية العراقية كانت على صلة متينة بالريف والأرض, وكانت تمتلك مساحات غير قليلة وتحصل على جزء غير قليل من الريع المتحقق في الزراعة, وبالتالي لم تكن منسجمة مع قانون الإصلاح الزراعي, رغم أن القانون كان إصلاحياً برجوازياً يخدم مصالح البرجوازية المتوسطة والصناعية وتنشيط عملية تراكم رأس المال والتنمية الزراعية الحديثة.
* أوساط قليلة من البرجوازية الصغيرة العاملة في القوات المسلحة ودوائر الدولة ومن حملة الفكر القومي. وجدير بالإشارة إلى أن جمهرة غير قليلة من الضباط القوميين العرب قد وجدت نفسها بعيدة عن مواقع المسؤولية في الثورة, وأن الثورة قد سارت, حسب رأيهم في طريق مناهض للوحدة العربية, وبالتالي بدأوا يمارسون مختلف النشاطات لمناهضة حكومة قاسم وإسقاطها سواء بصورة علنية أم سرية وبالتعاون مع بقية القوى المناهضة لحكومة قاسم. لقد أصيبت هذه القوى بخيبة أمل كما يشير إلى ذلك بصواب الأستاذ الراحل حنا بطاطو.
* القوى القومية الكُردية التي اصطدمت بسياسات قاسم إزاء المسألة الكُردية ولم يستجب لمطالبها العادلة في الاعتراف بوجود شعب كُردي له حقوق وواجبات, كما له الحق في تقرير مصيره بنفسه, وبالتالي اصطفت مع القوى المعادية لحكومة قاسم والراغبة في إسقاطه والخلاص من نظامه السياسي.

وخلال الفترة التي سبقت الثورة وما بعدها لم تتوفر مستلزمات نشوء أحزاب سياسية يمكنها أن تعبر بشكل واضح عن مصالح جميع تلك الطبقات والفئات الاجتماعية بسبب غياب الحياة الحزبية
______________
   بطاطو. حنا. العراق. الكتاب الثالث. الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار. ط 1. بيروت. مؤسسة الأبحاث العربية. 1992. ص 282.

السليمة والحرية الضرورية, لهذا تجمع أكثر المعادين لحكومة قاسم في أحزاب سياسية قومية أو دينية أو تجمهرت حولها وأيدت مشروعها السياسي.
وعلى صعيد القوى السياسية فقد كان التحالف المباشر وغير المباشر بين القوى المناهضة لحكومة قاسم قد ضم إليه القوى والأحزاب التالية:

1. الجماعات القومية:
+ حزب البعث العربي الاشتراكي.
+ الحزب القومي الناصري.
+ حركة القوميين العرب التي كانت قد انسحبت من الجبهة القومية, إلا إنها حافظت على علاقاتها ونشاطها السياسي المناهض لحكم عبد الكريم قاسم.
+ الرابطة القومية.
+ الحزب العربي الاشتراكي.
+ التجمع القومي العراقي في القاهرة.

2. جماعات الإسلام السياسي المناهضة لعبد الكريم قاسم:
+ جماعة الأخوان المسلمين (الحزب الإسلامي).
+ حزب التحرير الإسلامي.
+ حزب الدعوة الإسلامية الشيعي.
3. الحزب الديمقراطي الكُردستاني.

ولم تقدم هذه الأحزاب في فترة حكم قاسم على طلب إجازة أحزابها بل مارست العمل على أساس الدمج بين السرية والعلنية ( في ما عدا الحزب الديمقراطي الكُردستاني الذي حورب ابتداءً من أوائل عام 1961). وقد وجدت بعض الأوساط العشائرية والقوى التي كانت تعمل مع حزب الإتحاد الدستوري وحزب الأمة الاشتراكي في فترة الحكم الملكي مجالا رحبا للتعاون مع تلك الأحزاب ومدها بالدعم المادي. 
وعلى الصعيد الخارجي يمكن القول بأن تحالفاً واسعاً قد نشأ يمكن بلورة أهم مكوناته على النحو التالي:
+ تحالف سياسي عربي قائم على أساس العداء الشديد لحكم عبد الكريم قاسم وسياساته في المنطقة, ضم إليه عملياً وعبر الجامعة العربية الدول العربية التي كانت تقودها قوى قومية, وتلك التي كانت لا تخفي تحالفها المباشر مع الدول الاستعمارية وسياساتها في المنطقة.
وتجدر الإشارة إلى أن القوى القومية والبعثية وبعض القوى الدينية في الأقطار العربية والقوى اليمينية المناهضة لحكومة عبد الكريم قاسم وللإجراءات التي اتخذتها في السياسة الاقتصادية والاجتماعية قد ساهمت في دعم قوى الانقلاب.
+ الدول غير العربية في المنطقة وبشكل خاص إيران وتركيا وباكستان باعتبارها كانت أعضاء في حلف بغداد (السنتو), إضافة إلى إسرائيل التي كانت ترى في سياسة قاسم تحدياً لها وإسناداً متنوعاً للقوى الفلسطينية.
+ الدول التي تضررت مصالحها النفطية وشركاتها في العراق, وبشكل خاص كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. وكانت الاحتكارات النفطية من بين أكثر القوى الدولية شراسة في عدائها لحكومة قاسم ورغبتها في التخلص من هذا الحكم الوطني.

تجمعت جميع هذه القوى والأحزاب والدول تحت شعار واحد أساسي:
" يا أعداء عبد الكريم قاسم, ويا أعداء الشيوعية اتحدوا".
إلا أن ترجمة هذا الشعار كانت تعني بلا شك الإطاحة بالحكم الوطني وإقامة البديل القومي الشوفيني, أي إنها كانت تخوض صراعا حول السلطة. ومن الجدير بالإشارة إلى أن قوتين أساسيتين من بين القوى القومية هما اللتان لعبتا دورا حاسما في الإطاحة بحكم قاسم, وأعني بهما حزب البعث العربي الاشتراكي بجناحيه المدني والعسكري, والقوى القومية العربية الناصرية بجناحيها العسكري والمدني.
لقد وفر هذا التحالف السياسي الواسع عدة فوائد للانقلابيين, وهي:
** ضمان قاعدة واسعة نسبياً من المناهضين المستعدين للمشاركة في عملية الآنقضاض على النظام.
** ضمان انسياب المعلومات الاستخباراتية الضرورية حول تحركات النظام واختيار اللحظة المناسبة لتوجيه الضربة.
** ضمان دعم سياسي وإعلامي دوليين واسعين يساعدان على تعبئة تأييد سريع وفعال ضد حكومة قاسم والقوى المساندة لها من جهة, ودعم أهداف الانقلابيين والدعاية الخارجية لهم من جهة أخرى.
** تأمين الموارد المالية لتعبئة القوى الضرورية لتأييد الحركة الانقلابية.
عند العودة إلى تلك الفترة سيجد الباحث نفسه مجبراً على تسجيل جملة من الحقائق المهمة التي سبقت الانقلاب وكانت ضمن عمليات التهيئة له, والتي يمكن بلورتها في النقاط التالية:
1. القيام بسلسلة واسعة من عمليات الاغتيال الفردي لعدد كبير من الشيوعيين والديمقراطيين في مناطق مختلفة من العراق بهدف إشاعة الفوضى وعدم الاستقرار وزعزعة الثقة بقدرة النظام على حفظ الأمن وسلامة المواطنات والمواطنين.
2. شن حملة دعائية هادفة ومركزة ضد الشيوعيين بدعوى تمزيقهم القرآن أو الإساءة للإسلاميين والدين أو بتهمة الإلحاد والخروج عن الآداب العامة للإسلام...الخ!
وبعد نجاح الانقلاب أقتسم البعثيون والقوميون السلطة بصورة غير متكافئة إذ هيمن البعثيون على المراكز الأساسية في الدولة وفي توجيه دفة الحكم, في حين كان نصيب القوميين محدوداً وغير مؤثر في الأحداث السياسية اليومية. وكان هذا الواقع أحد أوجه الخلاف الذي نشب هادئا بين القوتين وغطى عليه الصراع الداخلي الذي تفجر بين أجنحة البعث الحاكم, الذي لم يكن في كل الأحوال صراعا حول المبادئ بل حول السلطة ومراكز القوة فيها. وقد أضعف هذا الصراع قوى البعثيين ومهد السبيل أمام القوى القومية للتعاون في ما بينها والتخلص من حليف الأمس, من البعثيين في تشرين الثاني من نفس العام (1963). وأعلن عبد السلام محمد عارف نفسه رئيسا للجمهورية.
كما أن هذه القوى قد أبعدت عملياً بقية القوى التي ساندت البعث والقوى القومية عن مراكز السلطة, وبالتالي أسست لصراع جديد معها.
وعلى صعيد آخر فقد تخلت القوى التي قادت الانقلاب عن الإيفاء بوعودها إلى الحركة الكُردية المسلحة التي كان يقودها ملا مصطفى البارزاني في كُردستان العراق, وبالتالي تفجرت الحرب من جديد, وكانت أحد العوامل الأكثر قوة في إضعاف هذا النظام أيضاً فقاد مع بقية العوامل إلى دفع النظام إلى حتفه بسرعة.
وعند البحث في الفترة الواقعة بين 1963-1968 يصعب التفريق بين الفترة الأولى الواقعة بين شباط/فبراير 1963 -18 تشرين الثاني/نوفمبر 1963 التي انتهت بسقوط البعث وتولي القوميين السلطة في الفترة بين 18 تشرين الثاني/نوفمبر 1964 وسقوطهم في 17 تموز/يوليو 1968, وتولي البعث السلطة مرة أخرى للسلطة, من حيث جوهر السياسة الاقتصادية والاجتماعية أو الموقف من الحياة الديمقراطية أو من العلاقات العربية, في ما عدا ميل البعثيين إلى الحكم البعثي في سوريا, الذي كان قد أعلن قبل ذاك الآنفصال عن الوحدة مع مصر, وبين ميل القوميين العرب إلى سياسة جمال عبد الناصر في مصر. وفي العام 1964 عمدت الحكومة الجديدة إلى عقد سلسلة من الاتفاقيات الاقتصادية والتبادل التجاري والتعاون الفني مع العديد من الأقطار العربية وفي مقدمتها الجمهورية العربية المتحدة والكويت, إضافة إلى بعض الاتفاقيات مع بعض الدول الاشتراكية وغيرها.
وتمثل في قيادة الحكم الجديد اتجاهان بارزان في الحركة القومية العربية اتجاه ناصري يسعى إلى تحقيق المزيد من التقارب والتماثل بين اتجاهات التطور في البلدين واتجاه يميل إلى إبعاد العراق عن الوحدة مع مصر وتطوير علاقات التعاون معها وفسح المجال أمام البرجوازية التجارية والعقارية للعمل على نطاق واسع.
ومن الأسئلة التي تستوجب الإجابة في هذا الكتاب نذكر ما يلي:
لِمَ هذا الانقلاب, أي ما هي أهدافه؟ وهل تحققت فعلاً في ضوء ما كان يجري الإعلان عنه؟ ولِمَ هذا العنف والقسوة اللذان مورسا بشراسة منقطعة النظير ضد المعارضين؟ سنحاول هنا أن نشير إلى الأهداف التي أعلن عنها والتي حمل البعثيون والقوميون وغيرهم شعاراتها أولاً, ثم نحاول الإجابة في نهاية الكتاب وعبر صفحات الكتاب ذاته عن مدى تطابق تلك الأهداف مع النتائج التي توصل إليها الانقلابيون.
تحدث البعثيون والقوميون في صحافتهم وأدبياتهم ودعاياتهم في الداخل والخارج بأنهم يلاحظون انحراف النظام القاسمي عن الأهداف التي يسعون إليها, والتي يمكن تلخيصها, بناءً على أدبيات هذه القوى فيما يلي:
1 . أن النظام القاسمي نظام غير قومي عربي, بل مناهض للقومية العربية. وهو مناهض للوحدة العربية, ومنها الوحدة مع سوريا ومصر.
2 . وبهذا المعنى, فهو نظام شعوبي يخدم مصالح غير عربية ويرفض التعاون مع جمال عبد الناصر أو السير تحت قيادته.
3 . وأن النظام القاسمي خاضع للحزب الشيوعي العراقي وتابع لسياساته, وبالتالي فهو يسير في ركاب المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي.
4 . وأن عبد الكريم قاسم مستبد بأمره لا يحترم الحرية والديمقراطية.
 5 . ولهذا فهو يكافح التيارات البعثية والقومية والإسلامية في العراق ويمارس اضطهاد هذه القوى.
واستناداً إلى كل ذلك رفعت شعارات تدعو إلى الوحدة العربية وإلى الالتزام بالقومية العربية وضد الشيوعية وضد الاستبداد والدكتاتورية, كما دعت إلى "الحياد الإيجابي" بعيداً عن مفهومه الناقص وبعيداً عن الاتحاد السوفييتي, حين رفعت شعار لا غربية ولا شرقية. كتب أحد قياديي حركة القوميين العرب الراحل الدكتور باسل الكبيسي بهذا الصدد يقول:
"وخلاصة القول أن "حركة القوميين العرب" انتهجت, خلال هذه المرحلة, البرنامج الذي وضعته لجنتها التنفيذية في عام 1959. ويتضمن هذا البرنامج ما يلي: التركيز على قضية الوحدة العربية, الصراع ضد الشيوعيين المحليين والقوى الرجعية في الوطن العربي, التأكيد على سياسة الحياد الإيجابي. دعم الثورة الجزائرية, وأخيراً وليس آخراً دعم الجمهورية العربية المتحدة على الصعيدين الداخلي والخارجي" .     
أما القوى الإسلامية السياسية فكان همها يتركز في ثلاث نقاط, هي:
1 . أن النظام القاسمي غير إسلامي.
2 . وهو نظام شيوعي ملحد يتعاون مع الشيوعية المحلية والدولية.
3 . وأن النظام يرفض الالتزام بالشريعة, بل أصدر قوانين ضد الشريعة الإسلامية, ومنها قانون الأحوال الشخصية وحقوق المرأة.
واتفقت على هذه الوجهة في محاربة نظام الحكم الجمهوري الأول القوى والأحزاب الإسلامية السنية والشيعية, رغم التباين والصراع في ما بينها على امتداد فترات طويلة. والآن أصبح النظام القاسمي عدوهما المشترك.
أما فئة كبار الملاكين وجمهرة صغيرة من الإقطاعيين فكانت تتفق مع الأفكار والسياسات المعادية لقاسم التي تطرحها هذه القوى, كما تضيف إليها بأن النظام القاسمي قد سلبها أرضها حين طبق قانون الإصلاح الزراعي وسلبها سلطتها حين أسقط الملكية, وسلبها نفوذها الاجتماعي والسياسي وحرمها من امتيازاتها الكبيرة التي تجسدت في قانون العشائر الذي كان ساري المفعول في ظل النظام الملكي وألغي من قبل حكومة قاسم بسبب انطلاق الفلاحين الفقراء والمعدمين يناضلون في سبيل تطبيق قانون الإصلاح الزراعي.       
 أما القوى القومية الكُردية فقد كان النظام القاسمي قد رفض تحقيق جملة من المطالب التي طرحتها وأصرت عليها ورفض عبد الكريم قاسم الاستجابة لها, رغم عدالتها, بغض النظر عن الطريقة أو الأسلوب أو الوقت الذي طُرحت فيه تلك المطالب. وكانت أبرز تلك المطالب تتلخص في ثلاثة, وهي:
1 . اعتبار القسم العربي من العراق جزءاً من الأمة العربية, وليس كل العراق وأن العراق يعيش فيه شعبان رئيسيان هما الشعب العربي والشعب الكُردي, إضافة إلى وجود أقليات قومية.
2 . منح الشعب الكُردي الحكم الذاتي في إطار الدولة العراقية.
3 . تحقيق جملة من المطالب الأخرى الخاصة بحقوق الشعب الكُردي كاللغة الكُردية وإزالة آثار التمييز ضد الكُرد ...الخ.
أما بصدد الدول العربية والدول المجاورة فقد كانت الإشكالية تتلخص في النقاط التالية:
1 . رفض أسلوب الثورة الذي مارسه الضباط الأحرار والذي يمكن أن ينتقل إلى البلدان الأخرى. ولم تلتق مع هذا الموقف كل من سوريا ومصر.
2 . أن نظام عبد الكريم قاسم يوفر أرضية صالحة لنمو الشيوعية الإلحادية التي يمكن أن تنتشر وتصل إلى مناطق أخرى, وهي بالضد من مبادئ الإسلام وسياسات الدول الجارية حينذاك.
3 . كما أنه يمارس سياسة إصدار القوانين المخلة باتجاهات تلك الدول الفكرية والسياسية والموقف من بعض الإجراءات مثل قانون الإصلاح الزراعي أو قانون الأحوال الشخصية أو قانون العمل والعمال ...الخ.
4 . أنه يشكل موقعاً مناهضاً للتحالف مع الدول الغربية وتعزيز علاقاتها المتبادلة, ويقيم أفضل العلاقات المشبوهة مع البلدان الاشتراكية, وخاصة مع الاتحاد السوفييتي. وأكبر دليل على ذلك هو خروج العراق من حلف بغداد ومن منطقة الإسترليني وعقده اتفاقيات اقتصادية وثقافية مع الاتحاد السوفييتي وتشيكوسلوفاكيا وغيرها.
5 . وأنه يشكل نموذجاً خطراً في التعامل مع شركات النفط الاحتكارية التي يمكن أن تؤثر سلباً على العلاقات الودية بين حكام تلك البلدان وشركات النفط الأجنبية.
6 . وأنه يسقط الاحتكار الذي فرضته الدول الرأسمالية المتقدمة على أسواق الدول العربية ودول المنطقة عموماً وعلى تجارتها الخارجية واستثمار مواردها الأولية. ومثل هذا النهج الذي يتبعه قاسم ويرسي دعائم سياسة خارجية جديدة متحررة ومستقلة لا يرضي حكام الدول العربية ويضعف تحالفها التبعي ويقلص من حماية الدول الرأسمالية وشركاتها الاحتكارية لتلك النظم العربية من شعوبها الغاضبة.
من هنا يتبين للمتتبع وجود نقاط التقاء كثيرة بين جميع هذه القوى, مع وجود بعض الاختلافات في ما بين البعض الآخر. إذ يمكن الإشارة إلى بعض نقاط الخلاف مع القوى الكُردية أو مع مصر وسوريا, ولكنها فقدت قيمتها العملية المؤثرة بسبب العداء المشترك الذي استحكم ضد حكومة قاسم وضرورة إزاحته من السلطة.
 
 الثاني
العوامل الكامنة وراء نجاح انقلاب شباط/فبراير 1963
 
شكل حزب البعث العربي الاشتراكي الهيكل الرئيسي والعقل المدبر والمنفذ الفعلي لانقلاب الثامن من شباط/فبراير 1963,  في حين لعبت القوى القومية الأخرى, وخاصة في الجيش, الدور المساند والداعم له مثل عبد السلام محمد عارف وعبد الكريم فرحان وصبحي عبد الحميد وعارف عبد الرزاق وعبد الهادي الراوي, إضافة إلى مشاركة بعض المؤمنين المتدينين من الضباط المسلمين المتشددين من أمثال عبد الغني الراوي وغيره, في عملية التنفيذ وليس في التحضير للانقلاب , وكانت المجموعة الأخيرة ترتبط بالجناح القومي الناصري من الحركة السياسية العراقية, في حين كان العقيد الركن عبد الغني الراوي يرتبط بشكل أقوى وأوضح بالتيار السياسي والديني للملكة العربية السعودية, وإن كان يعمل تحت خيمة التيار القومي الناصري بجناحه اليميني. لقد بني هذا التعاون السياسي في فترة الانقلاب في ضوء التحالف القديم الذي نشأ في العام 1959 بين القوى القومية بمختلف أجنحتها والقوى البعثية والذي أطلق عليه في حينها بـ "التجمع القومي" رغم انفضاض عقده بعد سقوط الوحدة المصرية السورية وانسحاب سوريا من تلك الوحدة الشكلية في أعقاب انقلاب 1962, وكذلك التحالف السياسي المباشر المناهض لحكم عبد الكريم قاسم بين قوى البعث والقوى الكُردية. أما التحالف بين القوى القومية والقوى الإسلامية السياسية, شيعية كانت أم سنية, فقد كان تحالفاً عملياً تحقق على الأرض وفي الموقف العام من حكم قاسم وفي الشارع, رغم الفجوة التي كانت قائمة بين فكر وممارسات حزب البعث وبين قوى الإسلام السياسي الشيعية. وإذا كانت قوى الإسلام السياسي الشيعية قلقة من موقفها المناهض لقاسم بسبب أن غالبية أتباع المذهب الشيعي كان تميل إلى جانب عبد الكريم قاسم, في حين أن نسبة غير قليلة من أتباع المذهب السني ضد قاسم.
كانت القيادة الفعلية للانقلاب محصورة بيد النواة الصلبة المكونة لقيادة حزب البعث والتي تمثلت قبل انقلاب شباط بالثلاثي على صالح السعدي, أمين سر القيادة القطرية حينذاك, وحازم جواد وطالب شبيب, وكلاهما كان عضواً في القيادة القطرية لحزب البعث, وكلهم من الشباب الذين لا تزيد أعمارهم حينذاك عن الثلاثين عاماً, إضافة إلى كل من أحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش وعبد الستار عبد اللطيف ومنذر الوندواي, وهم من أعضاء المكتب العسكري لحزب البعث, وكذلك قيادة فرع بغداد, التي كان حازم جواد مسؤولاً عنها.  وكانت هذه المجموعة الصغيرة تدير نشاط القيادة القطرية والمكتب العسكري لحزب البعث في آن واحد وتخطط للانقلاب. وكان المكتب العسكري لحزب البعث مسؤولاً عن تنظيم وتأمين العلاقة مع الضباط المرتبطين بحزب البعث أو المساندين لحركة الانقلاب ضد حكومة عبد الكريم قاسم وتوزيع المهمات على المشاركين في الانقلاب. لم يكن للانقلابيين عدداً كبيراً من الضباط المساندين لحركتهم بقدر ما كان للشيوعيين والقاسميين والديمقراطيين من الضباط. ومع ذلك نجح الانقلاب البعثي وأطيح بحكم قاسم واستولى البعثيون على السلطة السياسية. والسؤال المشروع الذي يفرض نفسه في هذا المجال هو: لِمَ انتصر الانقلابيون وفشل قاسم في الاحتفاظ بالحكم؟ لا شك في أن الكتاب السادس من هذه المجلدات العشرة قد حاول الإجابة عن هذا السؤال بصورة جزئية, في حين يمكن في هذا الكتاب البحث بشكل أوسع في الموضوع. ويبدو لي مفيداً بلورة الإجابة عن هذا السؤال بنقاط محددة لإدراك عمق المشكلات التي اقترنت بعملية الإطاحة بحكم الفريق الركن عبد الكريم قاسم.
ويفترض أن نتابع حركة القوى المتصارعة حينذاك, أي كيف كانت تعمل القوى التي تساند وتقف بمستويات مختلفة إلى جانب قاسم, وكيف كانت تعمل القوى المضادة لحكم عبد الكريم قاسم؟ وبصدد الجزء الأول من هذا السؤال يمكن بلورة الجواب بالنقاط التالية:
* هيمنت فردية قاسم على علاقته مع القوى الأخرى وسيطرة القناعة لديه بأنه الحاكم المعبود من الشعب والقادر على قهر كل المتآمرين, وهي صيحة اقرب ما تكون إلى "دار السيد مأمونة" التي أطلقها نوري السعيد حينذاك وقبل إسقاط نظامه. لم تساعد السمة الفردية والغرور على الاستعانة بالآخرين لمساعدته في التعرف على الواقع السياسي في البلاد. ورغم معرفته باحتمال حصول انقلاب واعتقال بعض البعثيين, إلا أنه لم يستطع إدراك عمق الأزمة التي كان يعيشها نظامه والعراق كله في آن وسخر بالقوى المناهضة له وبإمكانياته, ولهذا لم يتخذ وينفذ مجموعة كبيرة من الإجراءات التي كانت ضرورية والتي كان في مقدورها وضع حد أو إعاقة وقوع الانقلاب أو إفشاله عند وقوعه. والجدير بالإشارة أن عبد الكريم قاسم لم يأمر أو يمارس التعذيب ضد المعتقلين من البعثيين قبل الانقلاب بأيام, للحصول على أسرار الانقلاب, وهو أمر يحسب لصالح قائد ثورة تموز.  لقد كان قاسم فرداً مستبداً برأيه في تعامله مع الأحداث والواقع العراقي ومع آراء الآخرين الذين نصحوه وحذروه من النشاط التآمري ضده, ولكنه لم يقم نظاماً دكتاتورياً مطلقاً في البلاد.
* الحرب المجنونة التي مارسها عبد الكريم قاسم ضد الشعب الكُردي والتي استنزفت الكثير من قواه الداخلية والعسكرية وتسببت في زيادة معارضة بنسبة عالية من السكان في الموقف من الحرب, إضافة إلى مطالبة القوى السياسية العراقية من قاسم في إيقاف القتل وحل المسألة الكُردية بالطرق السلمية وعبر التفاوض المباشر.
* كما أن سياسته غير العقلانية إزاء الكويت ودعوته إلى إلحاقها بالعراق وادعاء عائديتها للعراق وسعيه الفعلي لاستعادتها بالطرق العسكرية.
* وفي ما عدا عن ذلك فأن الثقة العالية التي كانت لدى قاسم بنفسه أولاً, وبأن الشعب سيدافع عنه في اللحظة المناسبة ثانياً, ورغبته في تجنب أي حرب أهليه ثالثاً, ساهمت كلها في نجاح الانقلابيين في إسقاط حكم عبد الكريم قاسم. إذ أنه حتى اللحظة الأخيرة رفض إعطاء السلاح للمدافعين عنه خشية وقوع حرب أهلية, خاصة وأنه كان يعتقد جازماً بأن المجتمع منقسم على نفسه بين مؤيد للشيوعيين ومعارض للبعث أو العكس وبالتالي فأن الحرب ستكون شرسة والضحايا كبيرة.
* ارتفاع مستوى الشك في الحزب الشيوعي العراقي, الذي كان يدعم عبد الكريم قاسم أكثر من أي قوة سياسية أخرى في البلاد, رغم اختلاف الحزب معه في جانبين, في سياسته الفردية ونزوعه إلى الهيمنة وابتعاده الفعلي عن الممارسات الديمقراطية من جهة, وحربه ضد الشعب الكُردي التي كانت تستنزف قوى البلاد من جهة أخرى. ونشأ هذا الشك عن أسباب عدة, وهي:
   - المعلومات التي بلغت قاسم عن نية بعض الضباط الشيوعيين بتنظيم انقلاب ضده, رغم أنه كان يعرف بأن قيادة الحزب الشيوعي رفضت هذا المقترح, وأنها تسانده ولكن تريد تغيير سياسته. ومع ذلك بقى الشك لديه بالحزب الشيوعي كبيراً.
    - تكرار قيام قيادة الحزب الشيوعي العراقي إبلاغ عبد الكريم قاسم عن مواعيد كانت قد وصلتها وتشير إلى احتمال تنفيذ عملية انقلاب ضده من جانب البعثيين والقوميين, كما أصدر الحزب الشيوعي العديد من البيانات والتحذيرات من احتمال وقوع انقلاب وشيك, وكان آخرها في 25/1/1963 , أي قبل 13 يوماً من وقوع الانقلاب الناجح. ويبدو أن تلك المواعيد التي لم تكن كاذبة, كانت تلغى من قبل المخططين لها وتؤجل لموعد أخر. فارتفع الشك لدى قاسم بأن الشيوعيين يريدون التشويش على علاقته بالبعث والقوى القومية وأنهم يريدون أثارته ضدهم, حتى بلغ به الأمر دعوة القوميين إلى ترشيح ثلاث شخصيات جديدة لتدخل الوزارة ممثلة عنهم, وتم ذلك عبر محمد صديق شنشل, رغم أن البعثيين رفضوا ذلك. ومع أن قاسم قد اعتقل بعض قادة البعثيين, إلا أنه لم يمس القيادة الفعلية بشكل كامل ليستطيع بذلك شل الحركة ومنع تنفيذ المخطط المرسوم. 
    - وقوف الحزب الشيوعي إلى جانب شعار "الديمقراطية للعراق والسلم لكُردستان" التي أغاظت عبد الكريم قاسم ودفعته إلى ممارسة إجراءات جديدة ضد الحزب الشيوعي وزج المزيد من كوادر وأعضاء الحزب بالسجن وإصدار بعض الأحكام ضدهم.
* أدى هذا الشك بالحزب الشيوعي إلى اتخاذ قاسم مجموعة من الإجراءات ضد الشيوعيين, وأهمها:
فصل الكثير من الضباط الشيوعيين من القوات العسكرية أو إحالتهم على التقاعد أو نقلهم إلى مراكز بعيدة أو غير فعالة.
   - الكف عن التحاور معهم أو استشارتهم أو استشارة المقربين منهم إليه.
   - شن حملة واسعة ضد الشيوعيين من قبل أجهزة الأمن والاستخبارات قادت إلى ارتفاع مستوى المناهضة الفعلية لعبد الكريم قاسم في القاعدة الحزبية للشيوعيين ولدى الكادر الوسط.
* غياب أي شكل من أشكال التعاون الفعلي المنشود بين القوى السياسية العراقية من جهة, وحكومة عبد الكريم قاسم من جهة أخرى, لمواجهة أي محاولة انقلابية محتملة, وغياب الاستعداد الفعلي لمواجهة أي انقلاب محتمل. وكل المؤشرات تؤكد وجود صراعات وخلافات في المعسكر المساند لقاسم بسبب الاختلاف بالمواقف حول سياساته ومواقفه إزاء الديمقراطية والحياة الدستورية والحرب في كُردستان والموقف من الكويت ... الخ.
* عدم وجود أسرار في معسكر عبد الكريم قاسم يمكن أن تبقى خافية على الانقلابيين بسبب وجودهم المنتشر في أجهزة الأمن والاستخبارات وفي وزارة الدفاع أيضاً.
* وجدير بالإشارة إلى أن عبد الكريم قاسم لم يكن يعتبر القوى البعثية أو القوى القومية من الناصريين وغيرهم عدوة له, بل كان يعتبرها اتجاهاً فكرياً وسياسياً يختلف معه, ولكن يحق له الحياة والعمل في العراق. ولهذا سكت عن النشاطات التي كان يقوم بها حزب البعث وبقية القوى القومية, رغم إدراكه بأنها موجهة ضده.     
وفي مقابل هذا تمتعت القوى المناهضة لحكم عبد الكريم قاسم بعدة امتيازات ساعدتها على إسقاط حكم قاسم, نشير إلى أهمها فيما يلي:
- الموقف السياسي المشترك لدى القوى البعثية والقومية الناصرية المعارضة لحكم قاسم المصممة على إسقاط النظام, في مقابل التفكك في مواقف القوى المساندة لقاسم.
- حرية الحركة الواسعة التي تمتعت بها القوى البعثية والقومية وكل القوى المناهضة لحكم عبد الكريم قاسم, فهو رغم سياسته الفردية والاستبدادية, تساهل مع القوى المناهضة له التي كانت تريد الآنقضاض عليه وعلى نظامه على أساس مبدأ "عفا الله عما سلف".
 - حرية العمل في القوات المسلحة لأغلب البعثيين والقوميين الذين استطاعوا بفعل وجود قوى لهم في مواقع المسؤولية تركيز وجودهم العسكري في مناطق حساسة وقريبة من بغداد ومعسكر الرشيد وقادرة على استخدامها لتوجيه الضربة.
- القدرة في الوصول إلى أدق المعلومات عن تحركات عبد الكريم قاسم ومجموعة الضباط المؤيدين له والقوى المعارضة للانقلابيين من خلال جهاز الأمن وجهاز المخابرات ووزارة الدفاع.
- إشاعة الرعب في صفوف الناس من خلال عمليات الاغتيال ضد الوطنيين أو إشاعة الفوضى بتنظيم الإضرابات الطلابية التي بدأت في 24/12/1962 , أو حول أسعار البنزين قبل ذاك بكثير وما إلى ذلك.
 - التذمر الشعبي من بعض سياسات قاسم التي أبعدت جمهرة من الناس عن الالتفاف حول نظامه.
 - التحالف الواسع الداخلي والعربي والإقليمي والدولي الذي تحقق في مناهضة حكم قاسم والسعي لإسقاطه.
لقد كانت الأرضية صالحة جداً لتنفيذ الانقلاب, وكانت القدرة على إيقافه وصدّه محدودة جداً, بسبب عدم تعاون قاسم مع القوى المساندة له وغياب الموقف المشترك.
تميز الانقلاب الذي وقع في الثامن من شباط/فبراير 1963 بالعنف والدموية وروح الآنتقام والثأر من قادة وقوى ومساندي الحكم الجمهوري الأول. وإذ عجز عبد الكريم قاسم عن الدفاع عن نفسه واحتمى بوزارة الدفاع التي اعتبرها "عريناً" له, فأن القوى السياسية الأخرى, ومنها قوى الحزب الشيوعي العراقي بشكل خاص, رفضت الاعتراف بهذا الانقلاب والاستسلام للانقلابيين وقررت بناء على قرار قيادة الحزب وسكرتيرها الأول, سلام عادل, مقاومة الانقلاب والسعي لإفشاله, رغم إدراك سلام عادل بأن إمكانية النجاح في المقاومة ضعيفة جداً بعد أن أدرك ومن خلال اتصاله المباشر بقاسم, بأن الأخير غير مستعد لتسليح الجماهير المدافعة عنه وعن الجمهورية الأولى.
وقفت إلى جانب الحزب الشيوعي في مقاومة الانقلاب قوى شعبية واسعة في العديد من أحياء بغداد وفي أنحاء أخرى من العراق, كما في البصرة التي تصدت بإخلاص وقوة للانقلابيين, ولكن دون أن تمتلك السلاح والقدرة الفعلية على المقاومة, في ما عدا البعض الذي كان قد اختزن سلاحه الشخصي أو استطاع الحصول عليه من بعض مراكز الشرطة في الكاظمية مثلاً. ليست تفاصيل المقاومة التي نهضت في أنحاء من العراق وفي أحياء كثيرة من بغداد, مثل الكاظمية وحي الأكراد الفيلية أو الكرادة أو المواقع والشوارع القريبة من وزارة الدفاع وباب المعظم وغيرها هي التي تهم الباحث والبحث, إذ كتب عن هذا الموضوع كثيراً, بقدر ما يهم البحث مدى صواب أو خطأ تلك المقاومة, ومدى التحضير لها والتنسيق مع القوى السياسية الأخرى ومع الحكم في ضوء الاختلال في ميزان القوى الذي تحقق بفعل موقف عبد الكريم قاسم الفعلي من موضوع المقاومة وخشيته من اشتعال حرب أهلية.
كل الدلائل تشير إلى ثلاث وقائع مهمة, وهي:
1.   لم يكن هناك أي تنسيق عملي بين القوى التي كانت تساند عبد الكريم قاسم وبين قاسم نفسه, رغم معرفة الجميع بأن الانقلاب قاب قوسين أو أدنى, وأن قاسم قد نبه إلى ذلك واتخذ بعض الإجراءات, سواء أكان باعتقال بعض البعثيين القياديين, أم بنقل بعض الضباط البعثيين والقوميين ومصادرة بعض الأسلحة التي كانت في مخازن خاصة وضعت لصالح الانقلاب من قبل ضباط بعثيين, كما حصل مع الضابط البعثي خالد مكي الهاشمي. 
2.   لم تكن خطة الطوارئ التي وضعت من قبل الحزب الشيوعي لمواجهة الانقلاب كفيلة بضمان مقاومة ناجحة للانقلاب, خاصة وأن الحزب كله لم يكن على وفاق في سياسته مع حكومة قاسم. ولهذا تعثر تنفيذ الخطة ابتداءً من قبل المسؤول العسكري للجنة العسكرية للحزب الشيوعي والمسؤول عن تنفيذ الخطة أصلاً. حتى أن المسؤول عن تنفيذ الخطة قائد القوة الجوية العراقية الشيوعي والشخصية المحبوبة في القوات المسلحة العراقية الزعيم الطيار جلال جعفر الأوقاتي لم يبلَّغ بضرورة مغادرته البيت إذ أن من كان عليه إيصال الخبر تعطلت سيارته, ولم يعمد إلى أخذ سيارة أجرة لإيصاله إلى دار السيد الأوقاتي الذي قتل على مقربة من داره وهو بصحبة أحد أبنائه الصغار صبيحة يوم الانقلاب , كما لم تكن هناك خطة بديلة في حالة تعثر أي من مراحل الخطة لأي سبب كان.
3.   لم يكن الشعب العراقي موحداً في موقفه من حكم عبد الكريم قاسم, خاصة وأن موقف الغالبية الكُردية كانت ضد حكومة قاسم ومتحالفة مع قوى البعث والقوى القومية لإسقاط حكومته, كما أن جمهرة كبيرة من العرب لم تعد تثق بسياسة قاسم غير الديمقراطية. أما القوى الشعبية التي كانت تريد الدفاع عنه فكانت لا تمتلك القيادة السياسية والعسكرية الموحدة والقادرة على منحها التوجيهات والأسلحة لكسب المعركة ضد الانقلابيين.
وعلينا أن نعي مسألة أخرى هي كثرة من الجماهير التي ركضت في مظاهرات انتصار ثورة 14 تموز 1958, يمكن أن تركض وراء كل انقلاب يحصل في البلاد, فهم جزء من المجتمع الهامشي المسحوق الذي كان ينتظر من كل حركة انقلابية الحصول على مكاسب معينة, إذ لا تربطه بالانقلابيين أياً كانوا أي توافق أو تناغم فكري وسياسي بأي حال. وأن هذه الجماهير التي استفادت من الثورة في البداية تعرضت إلى الكثير من المشكلات حيث بدأت الثورة بالتعثر والوضع السياسي بالتراجع. 
إن الدعوة إلى مقاومة الانقلاب استندت لدي قيادة الحزب الشيوعي العراقي إلى عدد من الركائز المهمة, وهي:
1.   القناعة التامة بأن المغامرين الجدد ينفذون سياسة مرتبطة بهذا القدر أو ذاك بالاستعمار البريطاني والشركات النفطية الدولية والولايات المتحدة الأمريكية, وهي بالتالي تشكل جزءاً من مخطط دولي يستهدف المنطقة بأسرها ويقوم على مناهضة حركة التحرر الوطني العربية وفي المنطقة, إضافة إلى كونه موجهاً ضد الاتحاد السوفييتي والحركة الشيوعية. ولم تكن الحركة الوطنية العراقية مخطئة حين اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بدعم الانقلاب في العراق وأن الانقلابيين جاءوا بقطار أمريكي وفق تصريح علي صالح السعدي في العام 1963, إذ أن السفير الأمريكي الحالي هيل أوضح بتاريخ 19/2/2010 في تصريح واسع له عن أوضاع العراق والآنتخابات قوله:
"وأشار بشكل صريح الى انه في الستينيات عندما كانت الولايات المتحدة قلقة جداً من احتمال انتشار الشيوعية إلى العراق، كان البعث يرى باعتباره بديلاً عن الشيوعية، حيث كانت الولايات المتحدة في حقيقة الأمر تفضل البعثية في عملية عام 1968 والتي أدت إلى عودة البعثيين و كانت الولايات المتحدة تفضل ذلك على أن يصبح فيها العراق شيوعياً".
2.   والقناعة بأن الانقلاب مناهض لمصالح الشعب وحرية الوطن ولا يخدم قضية الديمقراطية والتقدم الاجتماعي, بل هو ردة رجعية تدفع بالبلاد إلى ا

124
كاظم حبيب

هل من دور للمثقفات والمثقفين في الحياة السياسية العراقية في المرحلة الراهنة؟
الكاتبة والروائية الجزائرية أحلام مستغانمي ذكّرت القارئات والقراء بحقيقة مرّة كانت شعوب الدول العربية وما تزال تعيش تحت وطأتها وتعاني منها، سواء أكانوا من العرب أم من قوميات أخرى كالكُرد والأمازيغ والتركمان والكلد-آشور، لخصتها بما يلي:
"يقضي الإنسان سنواته الأولى في تعلمه النطق، وتقضي الأنظمة العربية بقية عمره في تعليمه الصمت!" (أحلام مستغانمي. ذاكرة الجسد، ط 1، دار الآداب-بيروت، 1997). إنها تعبر بدقة ووضوح عن المأساة الفعلية والمصادرة الحقيقية لحقوق الفرد في هذه المجتمعات حيث النظم السائدة فيها دكتاتورية وعموماً فاقدة في أغلبها للشرعية الدستورية وقامعة للأفراد والمجتمعات. وإذا كانت ذه الظاهرة معروفة للجميع، فإنها ومنذ أكثر من ثلاثة عقود قد تفاقمت إذ لم تعد النظم السياسية القمعية العربية تكتفي بتعليم الإنسان الصمت حسب، بل تقوم بخنق صوته من خلال زجه في سجون تحت الأرض وأخرى صحراوية، أو قتله تحت التعذيب أو دهسه بسيارة, أو اغتياله بكاتم صوت في أماكن عامة وفي وضح النهار. وهذا الأساليب شائعة حالياً بالعراق وسوريا والسعودية، إضافة إلى بعض دول الخليج وإيران.
وبالعراق يستطيع المثقف والمثقفة أن يتحدثا بما يشاءان ويكتبا ما يشاءان وينشرا ما يشاءان، ولكن العاقبة لا تخرج عن الوقوع تحت طائلة :
1.   إما التهديد بالاعتقال ودفع المثقف إلى ترك العراق هارباً، كما حصل مع الأستاذ الدكتور غسان العطية؛
2.   أو الاعتقال الفعلي أو الاختطاف وفقدان أي أثر للمختطف؛
3.   أو الاغتيال، كما حصل لعدد من سياسي ومثقفي العراق والذين لا يمكن نسانهم ومنهم كامل عبدالله شياع وهادي المهدي ووضاح حسن عبد الأمير (سعدون) واغتيال الصحفي كاوة الگرمياني .
ومع ذلك فهناك الكثير من المثقفات والمثقفين الذين يتصدون لهذا الواقع ويناضلون بعناد داخل العراق نتيجة أوضاع معينة لا تسمح باغتيالهم أو إسكاتهم بسهولة، ولكن يبقى الخطر يحوم حولهم!
في عهد دكتاتورية البعث الصدَّامية كان الناس وعائلة المثقف أو الإنسان الاعتيادي يعرفون تماماً الجهة التي كانت تقوم باعتقال أو اختطاف أو اغتيال هذا المثقف أو تلك المثقفة، إذ لا يخرج الفاعل عن دائرة قوى الحكم ذاته. أما اليوم فلا يمكن معرفة الجهة التي تمارس الاختطاف أو الاعتقال أو الاغتيال، إذ أصبحت الجهات الفاعلة كثيرة ومتنوعة الأهداف وتمارس فعلها بأساليب عديدة وخسيسة، ولا يمكن نفي هذا الأسلوب عن الحكومة، بل كثيراً ما يثار الحديث وتتوجه أصابع الاتهام صوب قوى في الحكومة أو في الأجهزة الأمنية الخاصة.
إن الوضع الراهن بالعراق يشير إلى عدد من الحقائق التي تزيد من عمق المأساة التي يعيشها الفرد والمجتمع بالعراق، وأعني بذلك:
أ‌.    ممارسة الأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة أو المشاركة في الحكم، الشيعية منها والسنية، سياسة تصعيد الصراع الديني –المذهبي وتشديده ودفع البلاد إلى الاصطفاف والاستقطاب الطائفيين بما يمكن أن يقودا إلى حرب أهلية دموية.
ب‌.   ومثل هذه السياسة تلعب دوراً مباشراً وفاعلاً على المثقفات والمثقفين الذين يعانون من هشاشة في ثقافتهم وفي وعيهم السياسي وضعف إدراكهم لمخاطر الحرب الطائفية التي يمكن أن تشتعل بسبب الاصطفاف والاستقطاب في الساحة السياسية العراقية، فيتجهون صوب واحد من تلك الأحزاب السياسية الطائفية ليمنحوه أصواتهم بدعوى المظلومية السابقة أو المظلومية الراهنة.
ت‌.    إن سير المثقفة أو المثقف في ركاب قوى وأحزاب إسلامية طائفية سياسياً ودعم دعاياتها المضرة بالمجتمع ووحدة نسيجه الوطني، يدفع بالكثير من الناس إلى اللحاق بهذه القوى شيعية كانت أم سنية. خاصة وإن القوى المتصارعة شددت من نشاطها المصاحب لعمليات إجرامية لقوى الإرهاب التكفيرية على صعيد المنطقة الغربية ومحافظات عراقية أخرى من حيث التفجيرات الانتحارية والسيارات الملغمة أو ما يجري اليوم في الفلوجة مثلاً.
إن النخب الحاكمة ومنها الحكومة والحزب الحاكم الأول، حزب الدعوة الإسلامية، الذي يمارس سياسات ضد نهج المواطنة المتساوية والهوية الوطنية، وكذلك الأحزاب الإسلامية السياسية الأخرى، سنية أم شيعية، تمارس كلها سياسة تهميش المثقف والمثقفة وإبعادهما عن التأثير في الحياة السياسية بوجهة وطنية وديمقراطية وتنويرية، وهي محاولة لقتل الصوت الشريف لصالح الأصوات النشاز لوعاظ السلاطين الذين يعملون بشكل مباشر أو غير مباشر لصالح القوى الطائفية والحكم الطائفي بالبلاد.
 الموقف النضالي الوطني يتطلب من كل أبناء وبنات العراق، وبشكل خاص من مثقفاته ومثقفيه، ومن المتعلمات والمتعلمين، أن يرفضوا هذه الصراعات المرتبطة بالهويات الفرعية المسيَّسة والقاتلة والرافضة للهوية الوطنية المتساوية، أن يمتنعوا عن دعم هذه القوى الطائفية، أن يرفضوا التصويت لقوائمهم في الانتخابات القادمة، سواء أكانت أحزاباً وقوى وقوائم شيعية أم سنية، فهي كلها ترفض الوطن والمواطن والمواطنة، إنها الخنجر المسوم الذي يغرس في ظهر هوية المواطنة المنشودة لعراق موحد، مدني وديمقراطي وإنساني في آن. أن الموقف الوطني يحترم أتباع جميع القوميات والديانات والمذاهب, يحترم الشيعي المذهب تماماً كما يحترم السني المذهب أو المسيحي أو اليهودي أو الصابئة المندائي أو الإيزيدي أو الكاكائي أو الشبكي، فهم جميعاً مواطنات ومواطنون من الدرجة الأولى وليس هناك مواطنين أو مواطنات من الدرجة الثانية أو الثالثة. هذا هو الموقف الذي يتناغم تماماً مع لائحة حقوق الإنسان الدولية وكل العهود والمواثيق الأخرى ضمن شرعة حقوق الإنسان.   
إن النداء الذي أوجهه إلى أخوتي المثقفين وأخواتي المثقفات بالعراق وخارجه كافة يتلخص في أن من واجبنا أن نعي جميعاً دورنا الثقافي التنويري ومسؤوليتنا الوطنية في الانتخابات القادمة، أن نعطي صوتنا لمن يدافع عن الهوية الوطنية، لمن يرفض التمييز بين أتباع القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية الديمقراطية، لمن يرفض التمييز بين الرجل والمرأة لصالح الحقوق والواجبات المتساوية، لصالح الإنسان العراقي ومصالحه الأساسية في هذا الوطن الجريح والمستباح، لصالح الأجيال الحالية والأجيال القادمة، لصالح وضع الثروات الوطنية في خدمة عملية التنمية وتغيير بنية الاقتصاد والمجتمع وفي سبيل العدالة الاجتماعية والاستخدام العقلاني للدخل القومي والتوزيع وإعادة التوزيع العادلتين للدخل القومي, ولصالح دحر الإرهاب والطائفية السياسية والفساد المالي والإداري وإعادة بناء العراق الجديد على أسس مدنية وديمقراطية وبناء حياة آمنة مستقرة متطورة وسلام دائم.
29/1/2014                        كاظم حبيب     
 
     


125

كاظم حبيب

شرطة المالكي تهين كل مثقفي العراق بالإساءة للشاعر عبد الزهرة زكي!!

حين اُعتقلت في شهر تموز/يوليو من عام 1978 من قبل أجهزة الدكتاتورية الغاشمة ببغداد ووضعت في زنزانة انفرادية، ثم جرى تعذيبي بوحشية من قبل قوى الأمن في مديرية الأمن العامة في البتاويين. وبعد مرور أسبوعين تم أطلق سراحي وأحلت على التقاعد بدون تقاعد. بعدها أعلن عن تقديمي لمحكمة "الثورة" بسبب إهانتي للثورة ومجلس قيادة الثورة، ولكني كنت قد غادرت العراق إلى الجزائر للتدريس في جامعتها. بعد إطلاق سراحي حضرت اجتماعاً للمكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي لأتحدث لهم عما جرى معي في المعتقل. قلت لهم بصراحة ووضوح بأن "لم تعد هناك لحية مسرحة مع هذا النظام الدكتاتوري، وعلينا أن ننهي الأمر بأسرع ما يمكن". وكانت بداية النهاية في علاقة الحزب الشيوعي مع حزب البعث ومع الحكم والنظام.
واليوم وبعد أن قرأت خبر الاعتداء الغاشم والآثم على الشاعر العراقي المميز عبد الزهرة زكي ومحالة الشرطة الإساءة إليه، أدركت أن لم "تعد في العراق لحية مسرحة" تماماً كما قدرت ذلك مع نظام الدكتاتورية البعثية وصدام حسين. فها نحن أمام دكتاتورية حزب الدعوة الإسلامية والدكتاتور نوري المالكي. وقبل هذا أُجبر المثقف العراقي البارز والشخصية القومية الديمقراطية الدكتور غسان العطية أن يترك العراق على عجل، بسبب إبلاغه أحد أمرين من قبل جهاز المخابرات العراقي الذي يهيمن عليه وعلى بقية أجهزة الأمن والمخابرات وجواسيس العراق رئيس الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة نوري المالكي، إما المغادرة أو الاعتقال في جحيم النظام الطائفي الجديد. وقبل ذاك قامت أجهزة نظام المالكي بالاعتداء على مقر اتحاد الأدباء والكتاب في العراق أكثر من مرة، كما جرى الاعتداء على جريدة ومؤسسة المدى البغدادية، كما قتل الصحفي والكاتب هادي المهدي دون أن يعلن عن قاتله، وقبلها قتل الصديق والمناضل الشيوعي كامل عبد الله شياع دون أن يعلن عن قاتله!   
لقد صرح الشاعر والكاتب والشخصية الوطنية عبد الزهرة زكي حول الحادث الوقح الذي تعرض له صباح هذا اليوم بما يلي: " لا يستطيع فيه إنسان مثلي الاطمئنان ليس على حياته فحسب، وإنما حتى على كرامته، لا خيار سوى الكف عن كل شي. سأعتكف إن "شرطيا نزقاً ساعده ضابطان أكثر نزقاً منه، وجميعهم بعمر أولادي، لم تكن من مهمة يقومون بها سوى الإذلال والاعتداء وحتى رفع الأيدي في محاولة منهم لتطوير المشكلة إلى عراك، تفاديته احتراما لنفسي في مكان عام".. ثم واصل قوله: إن "بلدا كهذا في بيتي، سأتوقف عن الكتابة نهائيا، سأنهي علاقتي بعملي، سأنتظر الموت أو أغادر البلد في أية فرصة، وهو الخيار الوحيد الذي يقبر فيه الإنسان نفسه ويقبر معه كرامته حتى لا يلوثها سفهاء وجهلة". علينا أن نتذكر قول الشاعر:
إذ كان رب البيت في الدف ناقر          فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
إن ما حصل للشاعر عبد الزهرة زكي هذا اليوم يمكن أن يتكرر مع مثقفين آخرين، كما حصل قبل ذاك حين اعتقل الكثير من الكتاب والصحفيين وأهينوا وعذبوا من قبل أجهزة المخابرات والأمن والقوات الخاصة التابعة لرئيس الحكومة.
أني أتوجه إلى كل مثقفي ومثقفات العراق إلى شجب وإدانة هذا الفعل الجبان والمزري من جانب شرطة النظام والمطالبة بالاعتذار للأخ الشاعر ومحاسبة هؤلاء الذين لا يمكن أن يكون تصرفهم بعيداً عن الحزب الحاكم أو رأس الحكم ذاته أو من يحيط به وأجهزته.
إن واجبنا الإنساني والأخلاقي يتطلب منا جميعاً إعلان تضامننا مع الشاعر عبد الزهرة زكي، وإن لم نفعل فسيأتي هؤلاء المشوهون للإساءة إلى كل مثقفي العراق ومثقفاته واحداً بعد الآخر.
20/1/2014                        كاظم حبيب   

     
حملة للتضامن مع الشاعر عبد الزهرة زكي واحتجاج شديد ضد الاعتداء على  مثقفي العراق

تعرض يوم أمس الشاعر والكاتب العراقي المميز عبد الزهرة زكي إلى إساءة واعتداء وقح على كرامته في شارع "أبو نواس" وسط العاصمة بغداد من قبل بعض رجال الشرطة العراقية. ونتيجة هذا الاعتداء الآثم صرح الأستاذ عبد الزهرة زكي بما يلي:
" لا يستطيع فيه إنسان مثلي الاطمئنان ليس على حياته فحسب، وإنما حتى على كرامته، لا خيار سوى الكف عن كل شي. سأعتكف إن "شرطيا نزقاً ساعده ضابطان أكثر نزقاً منه، وجميعهم بعمر أولادي، لم تكن من مهمة يقومون بها سوى الإذلال والاعتداء وحتى رفع الأيدي في محاولة منهم لتطوير المشكلة إلى عراك، تفاديته احتراما لنفسي في مكان عام".. ثم واصل قوله: إن "بلدا كهذا في بيتي، سأتوقف عن الكتابة نهائيا، سأنهي علاقتي بعملي، سأنتظر الموت أو أغادر البلد في أية فرصة، وهو الخيار الوحيد الذي يقبر فيه الإنسان نفسه ويقبر معه كرامته حتى لا يلوثها سفهاء وجهلة".
نحن الموقعين أدناه إذ نعلن عن تضامننا مع الشاعر المبدع واحتجاجنا الشديد وإدانتنا لهذا السلوك المشين من قبل الشرطة الذين مارسوه والذي لا يمكن أن يكون قد تم دون علم ومعرفة وتحريض من بعض المسؤولين في الحكم والذي تكرر ضد مثقفين آخرين من قبل أجهزة أمنية وقوى أخرى وأودى بحياة آخرين، كما تعرض الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق لاعتداءات آثمة كثيرة قبل ذاك، نطالب بتشكيل لجنة حيادية من شخصيات مستقلة للتحقيق بالأمر وتقديم الفاعلين والمسؤولين عن هذا الفعل إلى القضاء العراقي لمحاسبتهم وإيقاف مثل هذه الأفعال المشينة. كما نطالب بتقديم المسؤولين عن هذا الاعتداء ومن يقف خلفهم الاعتذار للشاعر عبد الزهرة زكي.
الموقعون     

126
أ‌.   د. كاظم حبيب، برلين - ألمانيا

قراءة في كتاب "أحاديث برلينية حول قضايا أوروبا والإسلام وفي الأدب والفكر" للكاتب الدكتور حامد فضل الله
   
   

اسم الكتاب: أحاديث برلينية حول قضايا أوروبا والإسلام وفي الأدب والفكر
اسم المؤلف: الدكتور الطبيب حامد فضل الله
الناشر: دار الدليل للطباعة والنشر – برلين ،

سنة النشر: تشرين الثاني/نوفمبر 2013
عدد الصفحات: 458 صفحة
اللغة: العربية والألمانية

بدعوة من الجالية السودانية ببرلين/ براندنبورغ عقدت مساء يوم الجمعة المصادف 17/1/2014 ببرلين ندوة فكرية – أدبية حول كتاب الدكتور حامد فضل الله الموسوم "أحاديث برلينية حول قضايا أوروبا والإسلام وفي الأدب والفكر" حضرها جمع واسع من مواطنات ومواطنين الدول العربية المقيمين ببرلين، كما تضمنت الدعوة تقديمي لكتاب الصديق العزيز حامد فضل الله   
 

محتويات الكتاب
صدر عن دار الدليل للطباعة والنشر ببرلين كتاب جديد للكاتب والقاص والطبيب الدكتور حامد فضل الله من السودان والمقيم ببرلين تحت عنوان "أحاديث برلينية حول قضايا أوروبا والإسلام وفي الأدب والفكر". وقد كرمني الصديق بهدية قيمة هي نسخة من كتابه الجديد فشكراً جزيلاً له.
يتضمن إهداءً ومقدمةً وستة فصول وقسم خاص في نهاية الكتاب باللغة الألمانية مع مجموعة من الصور التذكارية ورسائل من أرشيفه الخاص.
الأديب والدبلوماسي السوداني الأستاذ خالد موسى دفع الله كتب مقدمة الكتاب وجعلها تحت عنوان ناجح ومُعبّر "تأملات في حياة مثقف استثنائي"، وهي قطعة أدبية تبحث وتناقش في وجهات نظر الكاتب وما ورد في الكتاب من أفكار لكتاب آخرين، إضافة إلى جملة من المسائل الفكرية والعملية من وجهة نظر الكاتب وكتاب آخرين حول قضايا الهجرة والغربة والهوية والإسلام وموضوعات حيوية أخرى التي كتب عنها أو ترجمها وناقشها المؤلف د. حامد فضل الله.
وفي الفصل الأول يتذكر المؤلف صباه ودراسته في أمدرمان والخرطوم والقاهرة ولايبزك وعلاقاته الصداقية ونشاطاته السياسية والاجتماعية والثقافية الشبابية وتتبعه للندوات الفكرية ورغبته العارمة في الإطلاع والقراءة وتأثره بالفكر الإسلامي عموماً والإخواني على وجه الخصوص، ثم عودته إلى السودان ومن ثم السفر بزمالة دراسية إلى ألمانيا الديمقراطية وعودته منها بعد التخرج إلى السودان ورجوعه الثاني إلى ألمانيا للعمل والاستقرار فيها.
أما الفصل الثاني فيبحث بحيوية فائقة قضايا الاندماج والانصهار والهوية وتفاعلات العرب والإسلام في أوروبا. وتضمن هذا الفصل العديد من الترجمات التي قام بها المؤلف لكتاب مختصين ألمان بشؤون الإسلام والمسلمين والمغتربين. وهي كتابات غنية وترجمة ممتازة تجسد المعرفة الدقيقة للكاتب باللغتين العربية والألمانية. وتقدم للمكتبة العربية دراسات قيمة وهادفة في هذا الصدد.
أما الفصل الثالث فيبحث في قضايا فكرية تدور حول الاقتصادي المميز الكبير سمير أمين وعن مشكلات التعذيب ومشاركة العرب في الحرب الإسبانية ضد الفاشية الفرانكوية وعن مشكلات الثقافة السودانية في دولة استبدادية، كما يبحث في الأحزاب السياسية وقوى الإسلام السياسي في السودان والطبيعة الانتهازية لبعض هذه القوى.
أما الفصل الرابع فيأتي تحت عنوان الوجه مرئيا، وهو عنوان قصيدة أدونيس التي ترجمها مؤلف الكتاب ونشرها سابقاً. في هذا الفصل نقرأ بعض كتابات المؤلف وكتاب آخرين عن الروائي السوداني الطيب صالح، سواء باستعراضها أم تحليلها ونقدها أم بترجمة نصوص منها.
ويبحث الفصل الخامس عن شخصيات في الخاطر، وهي من نمط الإخوانيات في الشعر العربي يتحدث فيها عن مجموعة من أصدقائه الذين احتفظ لهم في ذاكرته مكاناً طيباً.
أما الفصل السادس فكتب تحت عنوان الأجنبي وقصص أخرى للكاتب. وهي مجموعة فريدة لكاتب القصة القصيرة المبدع حامد فضل الله وقراءات في قصص أخرى. ثم يتضمن الكتاب قسماً خاصاً أسماه من الأرشيف البرليني وكتابات أخرى باللغتين العربية والألمانية وبعض الصور من أرشيف المؤلف.

رؤية في الكتاب
قليلة هي الكتب العربية التي تطبع ببرلين، عاصمة ألمانيا الاتحادية. ونادرة هي الكتب التي تطبع طباعة جيدة وغلاف ناجح. وهذا الكتاب هو الأكثر ناجحاً من حيث الطباعة ومن حيث بنط الحروف (14) بحيث يمكن أن يقرأ من الشباب وكبار السن في آن واحد دون جهد كبير، إضافة إلى جودة تصميم وطباعة الغلاف, مع ثقل غير مستحب في الورق المستخدم في طبع الكتاب.
في هذا الكتاب القيم وجدت نفسي أمام إنسان مثقف كبير واسع الأفق والاطلاع، كثيف القراءة وكثير التنوع في قراءاته ابتداء من الشعر والنثر والقصة والرواية والاقتصاد والتاريخ وعلم النفس والفلسفة والطب، الذي هو اختصاصه المباشر، كما إنه متعدد الكفاءات وعميق في رؤيته وتحليلاته للأحداث والوقائع ، يمتلك أسلوباً رشيقاً في الكتابة وسلسا في التعبير عما يدور في باله. عرفته منذ ما  يقرب من ربع قرن في نشاطات الشأن العام والتزام الدفاع عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني ببرلين وتوطدت علاقتي به لما تميز به من ود استثنائي حميمي في صداقته وسعيه للمساعدة واستقلالية عالية في التفكير وفي اتخاذ المواقف والقرارات وفي الأدوات التي يستخدمها في معالجة المشكلات التي تحيط به أم بالسودانيين أم بأصدقائه العراقيين والسوريين وبقية العرب، وفي مواقفه الإنسانية إزاء القوميات والشعوب الأخرى. الود حامد يحمل حساً وطنياً وقومياً نظيفاً لا تشوبه الشوفينية وضيق الأفق، فبقدر ما يحترم ويحب وطنه وشعبه يحترم ويقدر القوميات والشعوب الأخرى ويثمن عالياً نضالاتها في سبيل الحرية والديمقراطية والسلام والعدالة الاجتماعية. واحدة من خصاله الأصيلة رغبته الصادقة وممارسته الفعلية في الفصل بين الصداقة والعلاقات الاجتماعية من جهة، وبين المواقف والعلاقات السياسية من جهة أخرى. فهو بقدر ما يكون سمحاً وودودا وصادقاً في علاقاته مع جميع الناس أيا كانت وجهتهم الفكرية والسياسية، بقدر ما هو صارم وواضح في الموقف السياسي إزاء النظم الدكتاتورية والشوفينية ومنها النظام السوداني، فلا يجامل في ذلك رغم جلوسه مع السفير السوداني أو الملحق الثقافي أو الاقتصادي وحواره الودي معهم وفي الوقت نفسه لا يتراجع عن نقد هذا النظام أمامهم بصراحة ووضوح. والبعض من الأخوة العرب الذي يقيم معهم علاقات واسعة، وأعتقد بأنه العربي الوحيد الذي يقيم أوسع العلاقات مع الجاليات العربية في برلين وعلى مستوى ألمانيا بسبب هذه الروح السمحة التي يحملها قلباً وعقلاً، يشكك في علاقات د. حامد مع السفارة السودانية ويصعب عليهم وعي طبيعة هذه الشخصية ومزاجها والمبادئ التي يعتنقها. وإذا كان في أول شبابه يؤيد الإخوان المسلمين فإنه قد تخلى عن هذا التأييد منذ عقود ولم ينتم إلى أي حزب سياسي سوداني أو عربي أو في أوروبا، ولكنه يقيم علاقاته مع الجميع وله قيمه ومعاييره ومبادئه التي يسير عليها. لقد عرفته عن قرب، لهذا توطدت صداقتي به وحرصت، كما حرص علي ديمومتها وتطورها بين العائلتين.       
إن ما تضمنه هذا الكتاب يجسد شخصية الكاتب بتنوعه الثقافي وسلوكه الإنساني وحبه للمعرفة وخبرته الطويلة والتجارب الغزيرة التي مر بها ورغبته الصادقة في عمل الخير وحيويته الفائقة في المتابعة الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية على مستوى السودان والعالم العربي وألمانيا وحبه للترجمة لإغناء المكتبة العربية.   
يمدنا الكاتب في الفصل الأول بالكثير من المعلومات عن الحياة الثقافية بالقاهرة في الخمسينات من القرن العشرين والصراعات الفكرية بين الأحزاب والمجموعات السياسية وملاحقته للفكر وتتبعه لندوات طه حسين وغيره من الأدباء والكتاب المصريين من رواد القصة المصرية والشعر، إضافة إلى تتبعه للثقافة السودانية والحوارات حول استقلالية هذه الثقافة وتفاعلها وتلاقحها الطبيعي مع الثقافة العربية والثقافة الإسلامية والثقافة الأفريقية، وهي من حيث المبدأ نقاشات حول الهوية الوطنية والثقافية في آن.
ثم يسجل ذكريات انتقاله من أجواء القاهرة والخرطوم وأمدرمان إلى أجواء لايبزك ودراسة اللغة والأخوة السودانيين الذين رافقوه في الدراسة وأجواء الطلبة وصراعاتهم السياسية التي أثقلت عليهم ومنعتهم من وحدة الصف لأسباب ترتبط بالجمود الإيديولوجي للمسؤولين عن الاتجاهات الفكرية والسياسية في هالة/صاله، والتي هي نموذج لحياة الطلاب العرب في ألمانيا وفي كل أوروبا. وغالباً ما يشعر القارئ بحنين شفيف لفترات الدراسة والصداقات التي نشأت وليالي الشباب والنقاشات الحامية والأصوات المرتفعة التي تعج بها المقاهي التي يؤمها الأجانب، والعرب منهم على وجه الخصوص. يمنحنا الكاتب هنا، وخاصة الشباب منا، فرصة الاطلاع على تلك الفترة وعلى بعض الأحداث ويستخلص منها الدروس دون أن يؤكدها، فهي تصل إلى القارئ سلسة دون أن تحمل معها عصا الواعظين.
يشتمل الفصل الثاني المكون من 100 صفحة على ستة أبحاث مهمة تعالج إشكاليات العرب والمسلمين في ألمانيا. الأول منها للمؤلف ويبحث في موضوع "المسلمون والعرب وإشكالية الاندماج في المجتمع الألماني ودور النخب العربية" في حين تعود بقية الأبحاث لكتاب وأساتذة مختصين ألمان قام المؤلف بترجمتها ونشرها، وأحياناً بالتعاون مع آخرين، لأهميتها لفهم إشكالية الإنسان العربي والمسلم في ألمانيا عن طريقة تفكير الألماني، والأوروبي عموماً، إزاء العرب والمسلمين في مجتمعاتهم.
يشكل بحث الدكتور حامد فضل الله أهمية خاصة لمعالجته الجيدة لموقف العرب والألمان من إشكالية الاندماج في المجتمع الألماني والمصاعب التي تعترض هذا الطريق والخشية المضخمة لدى العرب والمسلمين من فقدانهم للهوية العربية أو للهوية الإسلامية باندماجهم في المجتمع الألماني. ومع واقع وجود تمايز بين مصطلحي الاندماج والانصهار، فأن تلك الخشية غير المبررة تعرقل إلى حدود بعيدة عملية الاندماج الضرورية والملحة لكل الأجانب القادمين والقاطنين في ألمانيا لأن الاندماج هو الطريق الوحيد للعيش والعمل المشترك والتفاهم والتفاعل والتلاقح أو التأثير المتبادل بين الثقافة القادمة وثقافة أهل البلاد الأصليين، دون أن يؤثر ذلك سلباً على الهوية القومية أو الدينية للعرب والمسلمين أو على هوية وثقافة الألمان، إذ بين الألمان من يخشى على هويته الثقافية الألمانية، التي يطلق عليها بعضهم بالثقافة الأصيلة والقائدة، من تأثير ثقافات الأجانب، وخاصة ثقافة ودين المسلمين والعرب. ولكن هذه المجموعة من الألمان صغيرة عموماً وذات تأثير محدود في المجتمع الألماني، وأغلبهم من النازيين الجدد. إن المجتمع الألماني متعدد الثقافات (MultiKulti)، وأجبرت الأحزاب التي كانت تتشبث برفض ذلك على الاعتراف بذلك لأنها بحاجة إلى الأجانب، ومنهم العرب والترك والفرس وغيرهم لعدد كثير من الجوانب الاجتماعية والسكانية وغيرها. 
إن البحث المنهجي والموضوعي الهادف الذي أنجزه المؤلف نتيجة خبرته وعمله في مجال حقوق الإنسان ومنظمات كثيرة أخرى وعلاقاته الواسعة بالألمان من خلال عمله كطبيب نسائية ومن خلال علاقاته الاجتماعية  ومندمج إيجابياً بالمجتمع البرليني، يشير بوضوح إلى الخسائر الكبيرة التي يتحملها العرب والمسلمين حين يبتعدون عن الاندماج في مجتمعهم الجديد، سواء في جانب الحصول على فرصة عمل أو بالنسبة للعلاقات العامة أو تشكيل لوبي عربي من العرب الألمان للتأثير إيجابياً لصالح القضايا العربية في السياسة الألمانية، إضافة إلى تأثيره السلبي على لغة الأبناء والبنات من الأجيال اللاحقة.
وينطلق الدكتور حامد فضل الله من نقطة جوهرية في موقف الدولة والمجتمع في ألمانيا من الدين، وأعني بذلك تيقنه من علمانية الدولة والأحزاب والمجتمع في ألمانيا. فالدولة العلمانية والمجتمع الألماني المدني العلماني يحترمان كل الديانات والمذاهب وفي الوقت نفسه يفصلان بوضوح بين الدين والدولة وبين الدين والسياسة، وبالتالي فأن الدين بالنسبة للغالبية العظمى من الألمان لا يعتبر مشكلة بحد ذاتها، ولكنها يصبح مشكلة لهم ولغيرهم من القاطنين في ألمانيا حين يقترن بالعنف والدعوة البائسة والخطرة "للجهاد"، كما فعل بعض شيوخ الدين الترك أو غيرهم، أو ممارسة الدعاية الفجة لكسب الناس للإسلام أو ممارسة أساليب يرفضها المجتمع المدني العلماني الديمقراطي. إن هؤلاء الناس يذكروني بشخصية دون كيشوت التي تعيش أوهاماً وتحارب الطواحين وتعتقد أنه جيوش جرارة لا بد من محاربتها وهي تحارب أتباع دينها الذي انحرفت عنه وغاصت في مستنقع التكفير.
إن معايشتنا للألمان سنوات طويلة تؤكد بما لا يقبل الشك إن الإنسان العربي والمسلم قادران على الاندماج بالمجتمع الألماني دون أن يؤثر ذلك على موقفهما من دينهما أو مذهبهما الديني أو قوميتهما التي ينحدران منها، فالمهم عند الإنسان الألماني وعند كل إنسان احترام أتباع الديانات والمذاهب والقوميات الأخرى تماماً كما يحترم الفرد دينه أو مذهبه أو قوميته أو فكره..
لا يتحمل العربي والعربية أو المسلم والمسلمة وحدهم مسؤولية ضعف الاندماج، وإن كانوا يتحملون المسؤولية الكبرى، إذ إن سياسات الدولة الألمانية في السابق وإلى حد ما الآن تتحمل الجزء الآخر من المسؤولية. فهي لم تبذل الكثير من الجهد في سبل تحقيق الاندماج، كما إن سياسات بعض القوى، كما في الحزب الاجتماعي المسيحي على نحو خاص، وبعض فئات المجتمع المناهضة للأجانب عموماً، والنازيين على وجه الخصوص، وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 ، لعبت وما تزال تلعب دوراً سلبياً في هذا الصدد. إن هذه الفترة خلقت ما يطلق عليه برهاب الإسلام أو الخشية منه Islamophobia)) نتيجة لتصاعد وتيرة العمليات الإرهابية، سواء تلك التي وقعت في أوروبا، ومنها اسبانيا، أو التي وقعت في الدول الأفريقية، نيروبي، أم في الدول العربية والتي تفاقمت خلال السنوات الأخيرة. وخشيتهم بالتالي ليست دون مبرر من المتطرفين بعد أن تطوعت مجموعة من العرب المسلمين أو من غير العرب من ألمانيا للوحدات الإرهابية لقوى القاعدة وداعش والنصرة في سوريا والعراق.
يقدم الدكتور حامد فضل الله بعض الحلول العملية لهذه المشكلة. ولكن لا يجوز المبالغة في حجم وتأثير هذه المجموعة في موقفها الخاطئ من الأجانب عموماً، ومن العرب والمسلمين خصوصاً، كما لا يجوز أن تكون السبب في عدم اندماج جماعات كثيرة من العرب والمسلمين في المجتمع الألماني.
إن العرب والمسلمين يعيشون في هذا المجتمع ومع سكانه الألمان وتقع على عاتقهم مسؤولية التعاون في إيجاد الصيغة المناسبة والضرورية للاندماج من جهة، والحفاظ على هويتهم القومية والدينية، وبتعبير أدق الثقافية، من جهة أخرى، إذ ليس هناك من يعترض على احتفاظهم بهويتهم الثقافية أو الدينية والقومية، إذ إن المجتمع الألماني يعمل على قاعدة مهمة جداً وصحيحة تماماً تقول بأن "الدين لله والوطن للجميع". وهذا يعني إن المجتمع الألماني علماني ديمقراطي متسامح يتجلى ذلك في ما أشار إليه الدكتور حامد في بحثه بصواب كبير حين كتب ما يلي: "يصل عدد المساجد والمصليات في ألمانيا إلى نحو 2300 مسجد ومصلى- أو 100 مسجد بالتعريف الكامل للمساجد. أول مسجد شيد في ألمانيا بالقرب من برلين وافتتح في 13/6/1915". (ص 90/91) ولم تتعرض هذه المساجد إلى التخريب أو الحرق في ألمانيا، في حين تعرضت مئات المساجد في الدول العربية والدول الأخرى ذات الأكثرية المسلمة إلى التخريب والحرق إضافة إلى حرق وتفجير الكثير من كنائس المسيحيين وقتل الكثير جداً من الناس على أيدي المتطرفين والإرهابيين ممن يدعي الإسلام ويرتدي عباءة المؤمن والمدعي بالتحري عن الثقافة التأصيلية أو السلفية المغرقة بالرجعية، كما جرى ويجري في مصر والعراق وسوريا على سبيل المثال لا الحصر.
ويُذكر الدكتور فضل الله القراء والقارئات بمؤتمرات الحوار السنوية التي بدأت منذ العام 2006 بين الحكومة الألمانية ممثلة وزارة الداخلية ومنظمات إسلامية تمثل نسبة تقل عن 15% من المسلمين المقيمين في ألمانيا من أجل تنشيط الفهم المتبادل والتحريك صوب الاندماج والتعايش السلمي والديمقراطي في المجتمع الألماني. ويقدم الدكتور حامد رؤيته العملية والواقعية لسبل معالجة مشكلة الاندماج وتطور حالة التعايش الإيجابي في المجتمع الألماني، ومنها تعلم اللغة الألمانية واحترام الثقافة الألمانية بما فيها التقاليد والعادات والتراث الألماني وتكوين علاقات صداقة وتنشيط منظمات المجتمع المدني باتجاه الألمان والمجتمع الألماني والعمل في الصحافة والثقافة والأحزاب السياسية الألمانية وتشكيل لوبي عربي فاعل ومؤثر في ألمانيا لصالح القضايا العربية الأساسية والسليمة.
وتضمن هذا الفصل دراسات قيمة ترجمها الدكتور حامد فضل الله والدكتور عصام حداد تصب في معالجة إشكاليات مهمة منها مثلاً رأي البروفيسورة أنجليكا نويفرت التي تبحث في كون القرآن يشكل جزءاً من أوروبا كما هو حال التوراة والإنجيل، وبالتالي فالإسلام هو الآخر يشكل جزءاً من ديانات ألمانيا وأوروبا، وكذا فإن المسلمين والمسلمات يشكلون جزءاً عضوياً من المجتمع الألماني وكذا الأوروبي، فهي مجتمعات متعددة الثقافات. إنها دراسة غنية ومهمة لواحدة من أبرز الباحثات والباحثين في ألمانيا وهي صديقة واعية للعرب والمسلمين.
وينشر المترجم  فضل الله والمترجمة فايدة فضة للباحث البروفيسور هاينر بيلفيلد بحث مهم عن صورة الإسلام في ألمانيا وآخر عن "المسلمون في دولة القانون العلمانية". وهما بحثان أصيلان ومهمان لكل قارئ عربي ومسلم لأنه يعالج المشكلات بجدية وموضوعية عالية ومن منطلق الصداقة للعرب والمسلمين. وهكذا هو الموقف من بحث المواطن اللبناني الألماني الدكتور رالف غضبان حول الداعية الإسلامي طارق رمضان. ثم في هذا الفصل بحث للبروفيسور أودو شتاينباخ بعنوان الإسلام والحداثة، وآخر للبروفيسور كريستيان ترول بعنوان "الفكر التقدمي في الإسلام المعاصر" وكلها أبحاث تعالج المشكلات الراهنة التي تواجه العرب والمسلمين في ألمانيا وتستحق القراءة والمناقشة ولم تكن ترجمة هذه الأبحاث عفوية أو عبثية بل جدية لأنها تريد أن يتعرف العرب والمسلمين على كيفية تفكير العلماء الألمان والمجتمع الألماني حول قضايا الاندماج والإسلام والمسلمين. وعلينا أن نشير هنا إلى إن هؤلاء الباحثين هم من أصدقاء العرب والمسلمين ويسعون إلى إيجاد علاقة سليمة بينهم وبين الشعب الألماني الذي ينتمون إليه وإلى فتح الأبواب أمام العرب والمسلمين لمعالجة قضايا القرآن والإسلام وغيرها بروح نقدية واعية وعقلانية، كما تجري الأبحاث في ألمانيا أو في أوروبا دون قيود أو حدود كما هو حال البحث العلمي المتخلف والمقيد باستبداد النظم الحاكمة في الدول العربية أو في الدول ذات الأكثرية الإسلامية، وخاصة الأبحاث في قضايا الإسلام والمسلمين، فهي من المحرمات. ويمكن أن نشير هنا إلى حالة القيود الظالمة التي تفرض على البحث العلمي وعلى دخول الكتب إلى القراء العرب في الدول العربية من خلال الإشارة إلى منع واحدٍ من أبرز الكتب العربية الصادرة في نهاية العام 2013 المتسم بالعلمية والموضوعية والجدلية في البحث العلمي، وأقصد به كتاب العالم السوداني البروفيسور الدكتور محمد أحمد محمود الموسوم "نبوة محمد: التاريخ والصناعة، مدخل لقراءة نقدية"، هذا السفر الجليل الذي يجسد العقلانية والموضوعية في البحث الجدلي العميق والدقيق والمعتمد على مئات المصادر والمراجع المشهود لها بالتوثيق.           
أما الفصل الثالث فيشتمل على عدة مقالات احتلت حوالي 80 صفحة من الكتاب. وأول هذه المقالات قراءة للدكتور حامد فضل الله في كتاب محمد محمود شاويش الموسوم "نحو ثقافة تأصيلية". وقد تسنى لي أن أحضر ندوة عرض هذا الكتاب ببرلين ثم قرأت الكتاب ذاته وكتبت عنه دراسة نقدية واسعة منشورة في موقع الحوار المتمدن ومواقع أخرى. وقد اشتركنا في الموقف من مضمون هذا الكتاب بشكل عام. واختلفنا في بعض جوانبه، إذ قيمته بأنه كتاب يجسد الخشية الكبيرة من الحضارة الغربية رغم اعترافه بمنجزاتها، كما إنه كتاب تعميمي يفتقد الكثير من الموضوعية والعلمية، إنه ذو نزعة صارخة ضد الغرب والحضارة الغربية، كما يبدو لي غاص في الفكر السلفي المتخلف جداً والبعيد عن واقع الحياة المعاصرة والتغيرات الحاصلة في المجتمعات البشرية. إنه نص لا يمت إلى الواقع بصلة ولا يبحث عن ثقافة تأصيلية بل ثقافة سلفية صفراء ويؤكد على إن القرن العشرين هو قرن الاستلاب الفكري والثقافي للعرب من طرف الغرب. وهو خطأ فادح يرتكبه السيد شاويش حسب تقديري. يسجل الدكتور حامد فضل الله ملاحظات ذكية على كتاب السيد شاويش ويذكر النص الآتي ضمن مجموعة من الملاحظات النقدية للكتاب التي أؤيدها: "بالرغم من الغيرة القومية والتباهي بالذات في أكثر من موضع في الكتاب والتمسك الذي يكاد يصل إلى حد التعصب للخصوصية والهوية أحياناً. والأحكام المطلقة دون تبصر مسألة بالغة الخطورة...". وهي السمة الأساسية لكتاب السيد شاويش.
ويتضمن هذا الفصل العديد من الدراسات عن سمير أمين، الاقتصادي المصري المتميز بكتاباته وتنظيراته الجريئة عن الرأسمالية واقتصاديات ومجتمعات الدول النامية وقدراته العلمية الفذة. وقد حاز على جائزة أبن رشد للفكر الحر باستحقاق كبير، وهو شخصية عالمية ومعروف في الأوساط الألمانية، وخاصة التقدمية منها وعلى مستوى المختصين. كما نجد دراسات أخرى مهمة منها عن دور العرب في الحرب الأسبانية ضد الفاشية الفرانكوية وعن السودان والجبهة القومية السودانية ومقال عن الجبهة الإسلامية القومية الانتهازية في السودان بقلم المؤلف د. حامد فضل الله.   
أما الفصل الرابع فيتضمن دراسات مهمة لكتاب ألمان عن الروائي السوداني الكبير الطيب صالح تستعرض فيها أهمية هذا الكاتب المقيم في بريطانيا والقادم من أفريقيا السوداء والمالك لزمام اللغة العربية والقدرة على تصوير الأشخاص والولوج في دواخلهم والتعبير عن أفكارهم ومشكلاتهم وأفراحهم وأحزانهم وتقاليدهم وتراثهم الشعبي وطموحاتهم بصدق وأمانة وحرص كبير. وتحتل رواياته الثلاث "موسم الهجرة إلى الشمال" و"عرس الزين" و "بندر شاه" مكانة خاصة في رؤية الكتاب الألمان له وما ترجم من رواياته إلى اللغة الألمانية. إنها جديرة بالقراءة للإطلاع على كيفية تقييم الكتاب الألمان، بمن فيهم البروفيسورة الدكتورة روتراود فيلاند والبروفيسور الدكتور هانز بيتر كونش والدكتور لودفيج أمان وقراءاتهم لهذا الروائي المتواضع والكبير في آن. وعلينا هنا أن نتذكر الدراسات الأدبية النقدية القيمة التي كتبها وحاضر بها عدد كبير من الأدباء والكتاب العرب في يوم الاحتفاء بذكرى واحد من عباقرة الرواية العربية، الذي دخلت رواياته ضمن القائمة الذهبية لأفضل مائة رواية في تاريخ الأدب الروائي العالمي.(خالد موسى دفع الله, مقدمة كتاب الطيب صالح للأستاذ خالد موسى دفع الله. وقائع ندوة أدبية ببرلين وفاء لذكرى عبقري الرواية العربية الطيب صالح. عزاوي ميديابرنت، برلين. إصدارات سفارة السودان. برلين 2012، ص 7). ومن بين تلك الدراسات نشرت دراسة مهمة للشاعر والأكاديمي والكاتب الأستاذ الدكتور حميد الخاقاني بعنوان الطيب صالح ومعضلة الهوية. وهي تتضمن تحليلاً علمياً وأدبياً قيماً دقيقاً للكاتب ولكتاب "موسم الهجرة إلى الشمال". أما الدكتور حامد فقد كانت له كلمة الافتتاح ثم دراسة بعنون الطيب صالح بعيون الألمان. (المصدر السابق، ص 39-54).
وفي هذا الفصل نلتقي بمقالين للمؤلف الدكتور حامد فضل الله أحدهما يبحث في الكاتب الديمقراطي السوداني المعروف الدكتور حيدر علي إبراهيم وكتاباته القيمة في قضاي الإسلام وحقوق الإنسان والمجتمع المدني الديمقراطي، وعن مجلة "كتابات سودانية" التي كان يصدرها، وخاصة أبحاثه القيمة في قضايا الإسلام والعلمانية وموقفه الثابت إلى جانب حرية الفكر والكتابة النقدية في قضايا الديانات دون قيود أو شروط ومواقفه المدنية أو العلمانية. والمقال الثاني يركز فيه المؤلف على أدب الحوار في نقد بعض الكتابات التي هاجمت كتاب الأستاذ الدكتور محمد محمود الصادر بلندن في العام 2013 والموسوم "نبوة محمد التاريخ والصناعة, مدخل لقراءة نقدية" وهاجمت من كتب عن هذا الكتاب ومنهم الأستاذ الدكتور حيدر علي إبراهيم. وكان الدكتور حامد فضل الله على حق كبير في نقده للدكتور محمد وقيع الله بشكل خاص والسيد خالد موسى اللذين اتهما الكاتب والكتاب من يسانده بالإلحاد, في حين أن الكتاب لم يتطرق لموضوع الإلحاد بأي حال بل استعرض الأحداث والوقائع التاريخية من مراجعها ومصادرها الأصلية. وقد تسنى لي أن اقرأ هذا السفر النفيس وأكتب عنه مقالاً نشر في مواقع الحوار المتمدن وصوت العراق والناس ومركز النور وغيرها. وبسبب خروج بعض الكتاب في نقدهم للدكتور محمد محمود وإبراهيم حيدر عن أدب الحوار كتب الدكتور حامد فضل الله مقالاً تحت نفس العنوان جاء فيه ما يلي: " إن عفة اللسان والتربية واحترام شعور القارئ الذي ربما لم يطلع على مقالات د. محمد وقيع الله تمنعني أن أردد له الكلمات الجارحة والمخجلة التي وصف بها الأستاذين الفاضلين محمد وإبراهيم". ثم يواصل فيكتب "إنني لم التق بعالم يثق بنفسه وعلمه إلا وكان متواضعاً ومحترماً لرأي الآخر". (ص 306). ونحن نردد دوماً إن "من زاد علمه زاد تواضعه, ومن زاد جهله زاد تعاليه". وهناك حكمة مندائية رائعة تقول: "ويل لعالم لا يمنح من علمه وويل لجاهل منغلق على جهله". إن الاتهام بالكفر والإلحاد سمة المتخلفين والعاجزين عن خوض الحوار والنقاش الفكري الموضوعي، سمة الخاسرين.
وأخيرا يستعرض المؤلف في مقال مهم عن محاضرة "ما بين الباريسي والبدوي" للأستاذ الدكتور جلبير أشقر حول كتابه "صدام الهمجيات"، ومحاضرة الأستاذ أصلان عبد الكريم الذي كان مسجوناً لستة عشر عاماً في سجون الدكتاتورية السورية في عهد الدكتاتور حافظ الأسد. وقد تركز النقاش بين المحاضرين حول دور الماركسية والفكر القومي والبرجوازية الصغيرة في الدول العربية. وقد اختلفا في التقييم والتقويم. لقد تركت سنوات السجن الموحش والظلم الجارح آثارها على رؤية الكاتب السوري وعلى استنتاجاته الفكرية والسياسية.
ويتضمن هذا الفصل قراءة المؤلف لرواية صدرت في ألمانيا وباللغة الألمانية للكاتبة غونر ياسمين بالشي، وهي من أصل لبناني وتركي مختلط، تدور أحداثها عن صبي تركي متمرد على المجتمع والتقاليد وناقم ويمارس الكثير من الموبقات ابتداءً من السطو والسرقة إلى ممارسة القسوة في التعامل مع التلاميذ والقضايا الأخلاقية، إلى المخدرات ...الخ وكثيراً ما دخل السجن، إنه صبي عربي شقي يعيش ببرلين. إنها رواية واقعية يأخذ الدكتور حامد على الكاتبة أنها قدمت نموذجاً سيئاً لا يمكن تعميمه فهناك نماذج أخرى حسنة لصبيان من الشرق العربي أو من تركيا وغيرها. ولكن السؤال هو: هل قدمت الكاتبة هذا الصبي نموذجا للصبيان العرب أو الترك في ألمانيا؟ لا اعتقد ذلك. ويفترض أن نقول بأن هذا النموذج موجود حقاً في الحياة اليومية وهي تصف مقطعاً مهماً من حياة جمهرة غير قليلة من حياة الصبيان القادمين من الشرق أو المولودين في ألمانيا ولكنهم يعيشون الحياة الشرقية في بيوتهم وفي الأزقة التي يلعبون فيها مع أقرانهم. وهي لم تقدم صورة نمطية مسبقة الصنع عن هذا الصبي وصبيان آخرين، كما إن الكاتبة لم تعمم هذه الصورة وتركت مجالاً لنماذج أخرى صالحة ومجدة، وهي تمثل الأكثرية. إن الكتابة النقدية عن النماذج السيئة والمخلة ضرورية جداً لإبراز الآثار السلبية لهؤلاء على الموقف من العرب والمسلمين بألمانيا وأوروبا وعلى مستقبل هؤلاء الصبية في المجتمع الألماني شريطة أن لا يصار إلى تعميم هذه الحالة، وكأنها النمط الوحيد الموجود. والكاتب بالشي لم تفعل ذلك.   
وأخيراً يطرح المؤلف مجموعة قليلة من القصائد التي قام المؤلف بترجمتها لشعرا عرب وألمان ومنها قصيدة أدونيس وبرتولد بريشت، والأخيرة ذات أهمية كبيرة في فهم طبيعة النظم الاستبدادية. وهي قصائد مختارة بعناية لأهميتها للقارئ والقارئة من الدول العربية. وأخيراً نقرأ مقالاً مهماً للمؤلف عن المريد البرليني للطيب صالح (مفتوناً وراوياً وباحثاً) يتحدث فيه عن رسالة دكتوراه قيمة للباحث أمير أحمد علي ناصر عن الطيب صالح وأدبه وأثر البيئة الداخلية على كتاباته.                           
أما الفصل الخامس فيتضمن مقالات عديدة للمؤلف تدور حول عدد من أصدقائه وهي مماثلة لما يطلق عليه في الشعر العربي بـ "الإخوانيات". وهي عبارة عن انطباعات شخصية عن عدد ممن رافقه في فترات مختلفة في العديد من المناطق ومنها برلين. يجد القارئ فيها كفاءة وقدرة المؤلف على التشخيص وتسجيل الانطباعات الإنسانية عن علاقاته العامة. وتجد هنا روح المحبة والتسامح والتفاعل مع الأصدقاء، وإذ يبتعد عن النواقص يلتصق بالحديث عن حسنات الأصدقاء، وفي هذا يأخذ بقول الشاعر العربي العباسي بشار بن برد:
اذا كنت في كل الأمور معاتباً ****** صديقك لم تلقَ الذي لا تعاتبه
أما الفصل السادس والأخير فيتضمن مجموعة من قصصه القصيرة الذكية في التقاطه للأحداث وقدرته على التعبير المكثف عما يسعى إليه، وهي مستلة من حياته كطبيب سوداني في ألمانيا ومن طرائف الحياة اليومية وما واجهه هو كسوداني عربي أفريقي أسمر البشرة أو غيره في المجتمع الألماني. وقد أعجبت كثيرا بهذه القصص وقرأتها بلذة وابتسامة تحوم على شفتي لصدق ما جاء فيها. إنه كاتب قصة قصيرة يمتلك ناصية فن القصة القصيرة وناصية اللغة والقدرة الباهرة على تكثيف الكلمات لمعاني كثيرة.
ثم يتضمن الكتاب بعض القصص التي كتبها باللغة الألمانية وقد حصدت إعجاب زوجتي الألمانية ومن قرأها من الألمان حسب علمي وتتبعي.
لقد قدم المؤلف كتاباً قيماً عن حياة العرب والمسلمين ومشكلاتهم في برلين وفي عموم ألمانيا وعن القضايا التي تشغل بال العرب والمسلمين والألمان في آن واحد وعن مشكلة الاندماج والمخاوف من الإسلام Islamophobia)) والمسلمين الذكور وقدم تحليلات عميقة لهذه القضايا وحلولاً تستوجب المناقشة والأخذ بالكثير منها لصالح العرب والمسلمين في ألمانيا.
تحية لكاتبنا المبدع ونأمل أن نقرأ له المزيد في المستقبل ونأمل أن يجلب انتباه العرب والمسلمين في ألمانيا وغيرها، إذ إن المؤلف شاهد مهم وكيس وعميق في رؤيته لأحداث العصر الذي نعيشه في ألمانيا وبرلين.
كانون الثاني/ يناير 2014                كاظم حبيب   


127
كاظم حبيب
لتتوحد جهود الشعب والجيش لدحر قوى الإرهاب، ولكن لا ينبغي إفلات رئيس الوزراء من العقاب!
الشعب العراقي يواجه هجوماً عاماً وشاملاُ وشرساً لقوى الإرهاب الهمجية على العراق. الشعب يواجه قوى ظلامية مجرمة استطاعت أن تفرض نفسها في مناطق معينة من العراق وخاصة في الأنبار والفلوجة وفي بعض مناطق الموصل وكركوك وبعقوبة. وهي تسعى الآن للانتشار إلى مناطق أخرى ولديها خلايا نائمة في الوسط والجنوب وبغداد تقوم يومياً تقريباً بتفجيرات تقتل بها عشرات الناس وتجرح عشرات أخرى. الشعب يواجه تنظيمات إجرامية تضم عراقيين وعرب من دول عربية ومن بلدان أخرى مثل داعش وقوى القاعدة ومن لف لفها من التنظيمات التي تتعاون مع هذين التنظيمين التكفيريين. وإزاء هذه الهجمة العدوانية لا بد للشعب أن يتوحد وأن يضع نصب عينية دحر هذه القوى واعتقالها أو طردها من حدود العراق بكل السبل المتوفرة لدى الشعب وقواته المسلحة.
هناك قوى ظلامية أخرى خارج الحدود تتمثل بدول تمارس التدخل الفظ والوقح في شؤون العراق الداخلية، دول تغذي الإرهاب وتمده بالمال والسلاح والدعم الإعلامي وبالأوباش من أشباه الرجال، إنها دول مثل السعودية وقطر ودول خليجية أخرى، إضافة إلى وجود قوى سياسية في هذه الدول وفي تركيا التي تساعد الانتحاريين الجهلة في الولوج إلى العراق لممارسة الفعاليات الإرهابية ضد الشعب العراقي. كما إن هناك إيران التي تسعى إلى تشديد التيار الطائفي المتشدد بالعراق في غير صالح وحدة الشعب وتسند القوى الطائفية المتعصبة وتمدها بما تحتاجه لممارسة هذه السياسة. إنها تتدخل في شؤون العراق الداخلية بشكل فظ يسقط عملياً استقلال وسيادة البلاد.
لا بد أن هذه القوى التي تتغذى اليوم على أموال الشعب في الدول العربية الريعية والاستبدادية ستنقلب على هؤلاء الحكام وتمارس الإرهاب ضدهم تماماً كما فعل أتباع بن لادن الذين خلقتهم الإدارة الأمريكية بالتعاون مع المملكة السعودية وباكستان، وبعد أن انتهت معركتها مع السوفييت في أفغانستان شكلت تنظيم القاعدة وانقلبت ضد الولايات المتحدة وكانت أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 وضد الدول التي تعاونت في خلقها. وكما انقلبت تلك القوى ضد سوريا التي دعمت قوى الإرهاب لتفجير الوضع بالعراق، وهي اليوم ترفع رايات الإسلام التكفيري ضد النظام السوري الاستبدادي. ورغم ذلك فما تزال الأموال تنساب إلى قوى الإرهاب بالعراق ومن دول كثيرة وقوى وتنظيمات سياسية ظلامية أخرى خارج العراق. والمثل الشعبي العراقي يقول "يا حافر البير لا تغمج مساحيها، خاف الفلك يندار وانت التگع بيها".
إن الشعب العراقي، بكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية، سيقف موحداً بوجه هذه الهجمة الشرسة لقوى الإرهاب وسيدحرها بالقطع وسيرمي بهؤلاء المجرمين القتلة في السجون أو خارج الحدود تلاحقهم لعنة الشعب وازدراءه.
ولكن، هذه العملية التي ستنجح في طرد الإرهابيين الأوباش وتصفيتهم ستكون ذات نجاح مؤقت، كما حصل في السابق نتيجة تخلف معالجة المشكلات السياسية التي سمحت لهؤلاء الأوباش بولوج البلاد ثانية وإعادة بناء بنيتهم التحتية, ما لم يدفع الشعب بالنخب الحاكمة إلى التزام معالجة المشكلات القائمة سياسياً وبعيداً عن الروح الطائفية المسيطرة على أذهان غالبية قوى الأحزاب الإسلامية السياسية العراقية، سواء أكانت شيعية أم سنية، وسواء أكانت في الحكم أم خارجها.   
إذا كانت الأحزاب المشاركة في الحكم والمعارضة لرئيس الحكومة العراقية تتحمل جزءاً غير يسير مما وصل إليه الوضع في البلاد حالياً، فأن رئيس الحكومة الحالية والذي يحكم العراق منذ ثماني سنوات، يتحمل المسؤولية الأولى والكبرى في الوضع الراهن بسبب طائفيته وانفراده بالحكم وهيمنته على السلطة السياسية واعتماده الأساليب الأمنية والعسكرية بعيداً عن الحلول السياسية القادرة على معالجة المشكلات التي كانت وما تزال قائمة.
إن رئيس وزراء العراق يفترض أن يُحاسب أمام القضاء العراقي على سياساته وإجراءاته التي قادت إلى الوضع الذي يعاني منه الشعب العراقي في الوقت الحاضر، الوضع الأمني المختل جداً الذي تحدث عنه أمين عام الأمم المتحدة، بان كي مون، والذي يعاني منه العراق وبشكل خاص منطقة غرب بغداد. إن رئيس الوزراء العراق وكل من تسبب في نشوء هذا الوضع ينبغي أن يحاسبوا أمام القضاء العراقي بتهم واضحة هي ممارسة الدعاية والكراهية الطائفية وإثارة الأحقاد في صفوف الشعب ورفض الجلوس إلى طاولة المفاوضات لمعالجة المشكلات القائمة والدفع المستمر باتجاه التصعيد لصالح الاصطفاف والاستقطاب الطائفيين في البلاد لكي يحصدوا نتائج أفضل في مناطق الشيعة والسنة الانتخابية، وهي سياسة بشعة لا يجوز السكوت عنها. ولكن يتأمل الإنسان أن يرتفع مستوى إدراك الشعب إلى الحد الذي يستطيع تشخيص هذه القوى التي كانت السبب وراء ما يجري اليوم بالعراق ويكف عن انتخابهم ويعاقبهم قبل أن توجه لهم التهم من جانب القضاء العراقي إن كان القضاء مستقلاً وقادراُ على مواجهة السلطة التنفيذية.
لتتوحد الجهود حالياً لمواجهة قوى الإرهاب الدموية أينما كانت بالعراق وبكل صرامة وحزم، ولكن يجب أن لا ينسى الشعب والقضاء محاسبة من تسبب في نشوء الوضع الراهن الدامي بالبلاد.
13/1/2014                     كاظم حبيب 


128
كاظم حبيب
برنامج التحالف المدني الديمقراطي والموقف من الملاحظات التي ترد عليه
علمت ببالغ السرور إن الأخوة، وليس هناك أخوات، في قيادة التحالف المدني الديمقراطي قد قرروا دراسة جميع الملاحظات التي وردت على برنامج التحالف المدني الديمقراطي الذي نشر بشكل واسع على صيغة مقالات كتبت ونشرت في مواقع كثيرة. ومن جانبي أبديت بعض الملاحظات المتواضعة التي وجدت ضرورة إبرازها. وهذا لا يعني أن ليست هناك ملاحظات أخرى، إذ لم ارغب أن أثقل على البرنامج والعاملين في هذا المجال الصعب والمعقد.
وأشير هنا أيضاً إلى سروري الكبير في وجود مناقشات جادة وملاحظات مهمة من عدد من الشخصيات الوطنية التقدمية على هذا البرنامج التي ستفسح في المجال فرصة لإغناء البرنامج وتعزيزه وتوسيع قاعدة القوى والشخصيات المشاركة في تبنيه من خلال الإشارة إلى بعض نواقصه من وجهة نظر الكتاب. ولا شك في إن اللجنة القيادية المسؤولة في التحالف المدني الديمقراطي ستدرس كل الملاحظات بغض النظر عن كاتبها وبغض النظر عن مدى موافقتها عليها أو عدمه، فإنها بذلك تبرهن عن جديتها وعن هواء نقي يمارس دوره في عمل قوى التحالف المدني الديمقراطي.
ولكن ومع الأسف الشديد قرأت مقالات قليلة تشكك بكاتبي بعض تلك المقالات النقدية ونسيان حرص الكتاب على المشاركة في تبيان وجهة نظرهم مع كونهم يساندون وحدة القوى الديمقراطية ولكن ومن وجهة نظرهم يريدون الكمال لهذا العمل الجديد والمهم. أشعر بأهمية وضرورة الانفتاح على كل القوى والشخصيات والاستماع لصوتها ورأيها وما تكتبه، فليس في هذا الاستماع أي عيب أو نقص في التحالف المدني الديمقراطي عندما يمارس ذلك بل يؤكد حرصه على سماع كل الآراء بما فيها تلك الآراء التي تعارض التحالف المدني الديمقراطي أو حتى الآراء التي تبدو معادية له.
إن القدرة على الاستماع للصوت الآخر والرأي الآخر مزية أو خصلة كبيرة لدى الإنسان أو الأحزاب السياسية أو الشخصيات العاملة في الشأن العام أو المواطنات والمواطنين عموما، إذ في ذلك فائدة كبيرة وليس في هذا أي خسارة يتحملها المستمع بإصغاء وتدقيق وإيجابية للفكر والرأي والصوت الآخر.
إن ملاحظات الفنان التشكيلي والمثقف المميز والتقدمي في الفكر والممارسة الأستاذ منير العبيدي لم يطرح ما يخل بعمل التحالف المدني الديمقراطي، ولكنه أشار بملاحظاته المهمة إلى قضية ذات أهمية فائقة في الصراع الدائر حالياً بالعراق وبالمنافسة الانتخابية في أن البرنامج يجب أن لا يسجل ما يريد أن يحققه في الدورة القادمة في ما إذا انتخب أعضاء التحالف المدني الديمقراطي لعضوية المجلس النيابي القادم وتشكيل الحكومة الجديدة فحسب، بل يفترض أن يسجل لماذا يريد ذلك، لأن الحكومات المتعاقبة منذ عشر سنوات لم تحقق ذلك وسياساتها كانت مخيبة للآمال في هذه المجالات الأساسية ذات العلاقة اليومية بمصالح الناس ومكانة العراق ودور العراق إقليمياً ودولياً. وما قاله الزميل منير العبيدي انعكس في البيان الذي أصدره التحالف المدني الديمقراطي فيما بعد.
إن الاختلاف يبرز في أسلوب التناول. ففي الوقت الذي طرح التحالف المدني الديمقراطي برنامجه للانتخابات، عرض بجواره وبعد أيام قليلة نقده المباشر للسياسات غير العقلانية والمشتتة لقوى المجتمع التي مارستها الحكومية العراقية التي يترأسها نوري المالكي في مختلف المجالات، في حين إن ما اقترحه الأستاذ منير العبيدي هو الجمع بين الاثنين في البرنامج، السياسة الحكومية والبديل لها في آن واحد لتكون المقارنة واردة وقوية وواضحة بين برنامج التحالف المدني الديمقراطي من جهة، وسياسات القوى الحاكمة, وخاصة حزب الدعوة الحاكم ورئيسه نوري المالكي، من جهة أخرى. كما طرح الأخ العبيدي نقاط أخرى لم ترد في برنامج التحالف المدني الديمقراطي وفي البيان الصادر عنه أيضاً.
أؤكد ثقتي التامة بأن التحالف المدني الديمقراطي، بما عرف عن شخصياته القيادية من علمية وموضوعية وتواضع ومستوى ثقافي رفيع وخبرة طويلة في العمل السياسي بالعراق وشعور عال بالمسؤولية، سيأخذ بجدية عالية جميع الملاحظات التي ترد على البرنامج بحسن نية ومسؤولية لأنها تريد مصلحة التحالف وسياساته ومواقفه وليس غير ذلك.
5/1/2014               كاظم حبيب         
     

129
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية
بيان حول اغتيال الصحفي الشيوعي كاوة كرمياني في السليمانية

أعلنت الصحف وأجهزة الإعلام الكردستانية والعراقية نبأ اغتيال الصحفي الشيوعي الكردي كاوة كرمياني أمام باب منزله بمدينة كلار التابعة لمحافظة السليمانية في يوم الخميس المصادف 5/12/2013.
تعلن الأمانة العامة للتجمع العربي لنصرة القضية الكردية عن احتجاجها الشديد وأسفها البالغ لاغتيال الصحفي الشيوعي الكردي الشاب كاوة كرمياني، كما تعرب عن قلقها الكبير لهذه الظاهرة السلبية في حياة المجتمع الكردي حيث تمتد الأصابع الخبيثة لاغتيال الصحفيين والتي تكررت عدة مرات خلال السنوات الأخيرة.
وأشار بيان صادر عن الحزب الشيوعي الكردستاني وصلنا للتو إلى إن هذا الصحفي الشاب تميز بالشجاعة في ملاحقته لقضايا الفساد ونشره المواد الموثقة عن الفساد والمفسدين بالإقليم والذين ما زالوا يمارسون نهبهم لثروة المجتمع الكردستاني دون عقاب. ويتوجه الا تهام بهذا المعنى إلى تلك الجهات التي تتضرر من نشر مثل هذه المعلومات على شعب كردستان.
إن الكلمة الحرة والشجاعة تحتاج دوماً إلى كتاب وصحفيين شجعان من أمثال كاوة كرمياني لا يخشون لومة لائم ولا رصاص القوى الغادرة والفاسدة التي ترسل قتلتها لاغتيال كلمة الحق التي نطق بها هذا الصحفي الشاب لصالح شعب وثروة كردستان.
إننا إذ نطالب حكومة إقليم كردستان بالعمل على ملاحقة القتلة الجبناء والكشف عن هوياتهم وتقديمهم للقضاء ليعطي كلمته العادلة فيهم، نرجو لعائلة الشهيد وحزبه والقوى الديمقراطية في كردستان الصبر والسلوان وللفقيد الشجاع الذكر الطيب.
  الأمانة العامة
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية
9/12/2013

130
كاظم حبيب
هل ينسجم وضع صورة المالكي في "جواز سفر إلى حقوق الإنسان" مع حقوق الإنسان؟
مع مرور الأيام يزداد التماثل والتشابه بين سلوك رئيس وزراء النظام الطائفي المحاصصي الجديد نوري المالكي ومجموعة من وزرائه وسلوك رئيس النظام الدكتاتوري السابق صدام حسين وطغمته التي حكمت العراق 35 عاماً. وكل من عاش تحت هيمنة ذلك النظام وعرف أساليب حكمه ودعايته وأجهزته من جهة، ويعيش اليوم تحت سيطرة هذا النظام المحاصصي ويعرف أساليب حكمه ودور أجهزته الأمنية من جهة ثانية، يدرك المخاطر الجسيمة المرافقة لسلوكية النظام السياسي الطائفي الجديد ومستقبل الشعب وقواه السياسية المظلم ما لم تتحد كل القوى الخيرة من أجل تغيير فعلي وعبر النضال السياسي اليومي لقوى الشعب لهذا النظام ورئيسه المستبد بأمره. وإليكم آخر بدعة لوزارة حقوق الإنسان بالعراق حيث نشرت صورة رئيس الوزراء في جواز حقوق الإنسان، تماماً كما كان يأمر بفعله صدام حسين أثناء حكمه وتتعلم أجهزته في المبادرة إلى فعله قبل أن يأمر بما يريد!!!
عُقد في نهاية شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2013 مؤتمراً لحقوق الإنسان في أربيل بحضور جمهرة من المدعوين. وزعت على الحاضرين وثيقة على شكل جواز سفر تحت اسم "جواز سفر إلى حقوق الإنسان" Passport to Human Rights حمل في صفحته الأولى تعريفاً بمنظمة حقوق الإنسان في العراق يسجل عليها اسم الشخص ومعلومات أخرى. ولكن وعلى الوجه الآخر من الصفحة وضعت صورة كبيرة لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي باعتباره حامي حقوق الإنسان والمدافع عنها. وفي الصفحة الثالثة صورة وزير حقوق الإنسان في العراق المهندس محمد شياع السوداني. ويبدو الفارق بين حجم الصورتين كبيراً لصالح صورة الدكتاتور الجديد وصغر مقام ويزره! والسؤال هو: هل يمكن الادعاء بأن نوري المالكي، الذي وضعت صورته الكبيرة في الصفحة الثانية من أول جواز يصدر لحقوق الإنسان، هو الحامي لحقوق الإنسان، أم إنه في واقع الأمر هو المرتكب للكثير من الخطايا الفظة ضد حقوق الإنسان وحقوق الجماعات بالعراق والذي يدوس يومياً بقدميه عليها؟
لا يمكن أن يتقبل العالم أن توضع صورة شخص مثل نوري المالكي، إذ بدأ الناس يهتفون "بالروح بالدم نفديك يا نونو"، في مثل هذا الجواز، إنه خطأ فادح سيحاسب عليه من وضع هذه الصورة في جواز حقوق الإنسان. إذ يمكن تقديم الكثير من تلك الخطايا الفظة والدوس اليومي على حقوق الإنسان والتي يفترض أن يحاكم عليها رئيس الوزراء حين ترفع الحصانة عنه، تماماً كما حوكم رئيس وزراء إيطاليا السابق برلسكوني نتيجة تصرفاته المشينة. فيومياً يستشهد في البلاد عشرات الأشخاص ويجرح ويعوق أضعاف هذا العدد، وهو المسؤول الأول عن أمن المواطنين وعن حياتهم، ويومياً يُسرق الشعب العراقي بأمواله نتيجة الفساد المنتشر في كل العراق، وهو المسؤول الأول عن حماية أموال الشعب العراقي، كما إنه المسؤول الأول عن الملفات التي لا يكشف عنها، ولكنه يهدد يومياً بنشرها ولا ينشرها ولا يضعها تحت تصرف القضاء العراقي ليحاكم القضاء من اتهمهم بالقتل والفساد، وهذا السلوك لا يختلف عن أولئك الذين مارسوا القتل أو النهب والفساد! وهو الذي قدم ابنه كـ "رامبو" لا يقهر للشعب العراقي، والتي لم يفعلها حتى المهووس بأبنائه صدام حسين، وكأنه يعد أبنه ليخلفه في الحكم بعد أن قال "أخذناها بعد ما ننطيها!". وهو الذي يعرف أن هناك أكثر من 7 ملايين فقير في البلاد، في وقت يزداد فيه عدد أصحاب الملايين والمليارات من أصحاب النعمة الحديثة والقطط السمان والنهابة الكبار من الفئة الرثة في المجتمع التي ينتمي إليها.
لقد أخطأ وزير حقوق الإنسان بهذا الفعل غير السليم، سواء أكان بوضع صورة المالكي غير الودودة أم صورته هو بحجم أصغر في هذا الجواز الخاص بحقوق الإنسان، وسوف لن يحمل هذا الجواز سوى القلة، لأن فيه صورة المناهض العنيد لحقوق الإنسان في العراق بالتمام والكمال. 2/12/2013               كاظم حبيب

131
رسالة مفتوحة إلى سماحة السيد عمار الحكيم
حول سهل نينوى
الأخ الفاضل سماحة السيد عمار عبد العزيز الحكيم المحترم
تحية طيبة
كنت قد توجهت إلى سماحتكم برسالة دعوتكم فيها إلى التفكير ودراسة مقترحي بشأن تحول حزبكم "المجلس الإسلامي الأعلى في العراق " إلى حزب مدني يدين بالولاء للمواطنة أولاً وقبل كل شيء، وليس لهوية فرعية مذهبية أو طائفية باعتبارها هوية أساسية ورئيسة. وأشرت فيها إلى إن هذا لا يعني بأي حال بأن تخلي حزبكم عن الدين والمذهب اللذين يؤمن بهما، بل يعني التزامكم عدم التمييز بين المواطنات أو المواطنين على أساس الدين أو المذهب أو القومية من جهة، وسعيكم لخدمة الشعب العراقي بكل مكوناته الدينية والمذهبية والقومية من جهة ثانية، ويبعد المجتمع عما يعاني منه اليوم بسبب النظام السياسي الطائفي والالتزام بالتوزيع المحاصصي الطائفي والأثني للسلطة وبقية مؤسسات الدولة العراقية الهشة حالياً.
 وقد كتبتم لي في حينها أنكم ستطرحون هذا المقترح على أول مؤتمر يعقد لكم وقد استبشرت خيراً من هذه الإشارة. منذ ذلك الحين حتى الآن وأنا أتابع أعمال حزبكم ولم أجد ما يسعفني في التعرف على أي تغيير مناسب في هذا الصدد. وهو أحد الأسباب التي تجعلني أطرح عليكم ما يتسبب به هذا الموقف الملتزم بالهوية الفرعية من عواقب سيئة على مكون آخر وعلى عموم المكونات الدينية والمذهبية في العراق.
بتاريخ 23-24/11/2013 أخترت رئيساً للجنة التحضيرية العليا لأصدقاء برطلِّة التي عقدت المؤتمر الأول لأصدقاء برطلِّة. وبرطلِّة كما تعرفون ناحية تقع في سهل نينوى، وهي ناحية كانت بالأساس مسيحية بالكامل على غير ما هي عليه الآن. وسهل نينوى تابع إدارياً لمحافظة نينوى.
عقد المؤتمر في مدينة أربيل في يومه الأول وفي ناحية برطلِّة في يومه الثاني. وحضره في اليوم الأول جمع غفير اقترب من الألف نسمة. وكان ممثل عنكم بين الحضور الكريم. كما حضرته السيدة الأولى عقيلة السيد رئيس الجمهورية وممثل عنه وممثلون عن السيد رئيس الإقليم ونائبه وعن الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني من العرب والكرد وغيرهما، إضافة إلى حضور ممثل عن الأمم المتحدة وآخر عن البرلمان الأوروبي وثالث عن مكتب السلام العالمي في السويد ونيافات المطارنة وضيوف عراقيون من الخارج وكثرة من الضيوف من المثقفين العرب والكرد والمهتمين بهذا الشأن من داخل البلاد.   
جاء عقد هذا المؤتمر نتيجة لواقع التغيير السكاني الواسع النطاق الذي حصل وما يزال يحصل في سهل نينوى وفي أكثر من ناحية فيه في غير صالح المسيحيين على نحو خاص. بدأ هذا التغيير السكاني في عهد دكتاتورية البعث وصدام حسين في قضاء ""تلكيف" ومن ثم في ناحية "برطلِّة وكذلك إزاء الشبك. ولكن تواصل ذلك حتى بعد سقوط الدكتاتورية البعثية الصدامية بصورة أوسع وأكثر خطورة على المسيحيين دفع الكثير من الناس بعقد مؤتمر أصدقاء برطلِّة. فمن يتابع الوضع السكاني في قضاء تلكيف سيجد إن القضاء الذي كان قبل ذاك بالكامل مسيحي، أصبح اليوم قضاءً "عربياً" بحكم التغيير السكاني ووجود أكثر من 90% من العرب السنة والعسكريين السابقين وغيرهم فيه، في حين أصبحت نسبة المسيحيين أقل من 10% فقط. وفي ناحية برطلِّة التي كانت حتى وقت قريب كلها تقريباً مسيحية ما عدا بعض بيوت الشبك، أصبحت اليوم أكثر من 60% شبك شيعة جعفرية, وفيها أقل من 40% مسيحيين لا غير. إن هذا الوضع يعبر عن عمليات تغيير سكاني (ديمغرافي) غير مقبولة على وفق الدستور العراقي لعام 2005 وغير مقبولة دولياً على وفق اللوائح الدولية للأمم المتحدة ولوائح حقوق الإنسان وحقوق الجماعات الدينية والقومية.
وتشير المعلومات التي تحت تصرفنا إلى مسألتين سلبيتين مرفوضتين نود أن نذكرها لكم وهما:
أولاً: أنكم شخصياً، ومعكم آخرون، تساهمون في مثل هذا التغيير السكاني من خلال سعيكم إلى بناء حسينيات وجوامع في قلب المدينة المسيحية وتجبرون الناس عملياً في التخلي عن الاحتفال بأعيادهم الدينية والقومية لأنها تصطدم باستمرار مع فعاليات الأحزان والعزاءات الكثيرة التي يمارسها الشيعة الجعفرية سنويا والمتكاثرة باستمرار والتي بدأت تغير الطابع المسيحي للمدينة حتى بدأت منظمة بدر تلصق شعاراتها على جدران الكنيسة والتي صورت من قبل الصحفيين لتنتشر في أنحاء العالم لتجسد التجاوزات على طقوس وشعائر أتباع دين آخر غير دينكم وفي مناطق سكناهم. وإن شئتم سأرسل لكم الصور المتوفرة لدي عن هذه الحالة إضافة إلى وثائق بتلك التجاوزات والتغيير الديمغرافي والطابع المسيحي المتغير للمدينة. ويشار أيضاً إلى إنكم تمولون شراء الدور والحوانيت لجماعات من الشبك الشيعة الجعفرية في هذه الناحية وتأتي على حساب المسيحيين مباشرة.
ثانياً: يشار إلى إن القنصل الإيراني يزور ناحية برطلِّة مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع ويحمل معه أحياناً كثيرة الأموال لتعطى لمن يرغب بشراء دور هناك أو بناء حسينيات وجوامع وإقامة المواكب الحسينية والعزاءات التي ملأت المدينة الصغيرة بإعلامها وشعاراتها، كما إن السفير الإيراني في العراق قد تدخل لإعاقة تأييد المؤتمر من جانب الكرد وعجز عن ذلك، ولكنه مع ذلك يعتبر هذا تدخلاً في الشأن العراقي وضد المسيحيين في العراق.
إن هذا الأمر يقلق الجميع، إذ بإمكانكم مساعدة الشبك الشيعة الجعفرية من خلال الدعوة إلى أربع مسائل مهمة:
1.   تنفيذ قرار مجلس الوزراء العراق باستحداث تقسيمات إدارية وبلدية في المنطقة التي يسكنها الشبك، ومنها ناحية بازواية مثلاً لكي يستطيع الشبك العيش في مناطق سكناهم.
2.   توفير الخدمات الأساسية والضرورية مثل التعليم والصحة والطرق والنقل والاتصالات.. الخ بما يسهم في بقائهم في مناطق سكناهم.
3.   بناء المجمعات السكنية لهم في مناطق سكناهم وليس في مناطق المسيحيين، وكذلك بناء الحسينيات أو الجوامع التي ترغبون إقامتها في مناطق سكناهم الأصلية أيضاً.
4.   تأمين الحماية والأمن للشبك الشيعة الجعفرية من المتطرفين الأوباش من أمثال تنظيم القاعدة وغيرها في سهل نينوى. وقد علمنا بأن أكثر من 1200 إنسان شبكي قد استشهد على أيدي قوى الإرهاب التكفيري ضد الشبك، وهو أمر يزيدنا قلقاً واحتجاجاً ورفضاً لمثل هذه الحالة. وتقع مسؤولية ذلك على الحكومة الاتحادية ومحافظ ومجلس محافظة وقوى أمن محافظة الموصل.
أنا مقتنع بأن الشبك والمسيحيين هم مواطنونا مواطناتنا وعلينا الحفاظ عليهم وعلى حياتهم في داخل العراق وكل في منطقة سكناه الأصلية وينبغي رفض أي تغيير سكاني لأي من المكونين أو غيرهم. فمثل هذا التغيير يقود إلى عواقب كثيرة منها:
1- الاختلاط غير السليم بين طقوس وشعائر وتقاليد وعادات المكونين المسيحي والشبكي بما لا يساعد على خلق أجواء صافية وودية بين المكونين.
2- بدء الصراع والنزاع بين الطرفين كما حصل في العام 2009 وأدى إلى حرق كنيسة وقتل وجرح العديد من المسيحيين في برطلِّة بسبب الاعتداء الذي حصل عليهم نتيجة احتفالاتهم بأعيادهم وتعارض ذلك مع مناسبات حزينة للشبك الشيعية الجعفرية.
تشير المعلومات إلى إن الشبك الشيعة الجعفرية يشترون دوراً ودكاكين المسيحيين بأسعار خيالية لا يملكونها أنفسهم بل تصل لهم من قوى وأحزاب إسلامية عراقية ومن إيران، وهو ما يجب أن تنفوه عنكم بالفعل وليس بالأقوال فقط. وهذا لا يتم في سهل نينوى بل في بغداد أيضاً، ويشار في هذا الصدد إلى شخصيات مهمة في حزبكم بشكل خاص لا نود الإشارة إليها لأننا نعتبرها في باب الإشاعات حتى الآن إلى حين التيقن الثابت منها. ونبذل الآن جهداً للتيقن من ذلك.
3. هجرة الكثير من المسيحيين إلى خارج العراق مما أدى، وبمساعدة قوى الإرهاب، إلى تقلص عدد السكان المسيحيين إلى أكثر من 250000  نسمة بقليل فقط بعد أن كانوا يعدون بأكثر من مليوني إنسان في العراق. وإن هذا الأمر يذكر الناس بما حصل ليهود العراق حيث كان التآمر ضدهم من جانب الحكومة العراقية والحكومة الإسرائيلية والموساد والحكومة البريطانية والحكومة الأمريكية. واليوم يجري الحديث عن إصرار الأحزاب والقوى الإسلامية السياسية العراقية والتكفيريين على تهجير كل المسيحيين من العراق وإفراغ العراق منهم. وهو أمر واتهام خطير يجب أن تنفوه عنكم بالعمل وليس بالأقوال فقط. وأنتم أدرى بما حصل لكنيسة النجاة في بغداد ولكنائس كثيرة أخرى في الموصل وبغداد وما حصل في البصرة قبل ذاك. وقد استشهد الكثير من المسيحيين على أيدي الإرهابيين والمليشيات الطائفية المسلحة.
أرى إن ما يحصل هو إساءة للعلاقة الودية والتاريخية بين الشبك والمسيحيين وندعوكم إلى المشاركة الفعالة في تحسين هذه العلاقة من خلال العمل على إيقاف الهجرة الجارية من الشبك الشيعة الجعفرية إلى مناطق المسيحيين الأصلية والتي من شأنها إيقاف هجرة المسيحيين المستمرة وإلى تقليص خسارة هذا المكون الجميل كباقي المكونات العراقية الدينية والمذهبية والفكرية الجميلة. وإلى اتخاذ الخطوات الضرورية لعودة الشبك الشيعة إلى مناطق سكناهم الأصلية.
لقد التقيت مع أعضاء في مكتب اللجنة التحضيرية بوفد من الشبك الشيعة الجعفرية وأخبرناهم بأن المؤتمر غير موجه ضد الشبك بأي حال بل من أجل تحسين العلاقات بين الشبك والمسيحيين من خلال توصيات  تتفق مع مصالح الطرفين وهو الذي انعكس في المؤتمر وفي توصياته وفي جلساته بحضور الشبك أيضاً ومساهماتهم في ألقاء أكثر من كلمة في المؤتمر. وقد اقتنعوا بموقفنا الذي لا يقف مع مكون ضد مكون آخر.
لقد وجهنا رسالة نستطلع بها رأي سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني وننتظر جوابه. ويتطلع عشرات ألوف المسيحيين إلى موقف إيجابي منكم يساهم في تخفيف الاحتقان الذي يمكن أن يتحول إلى كراهية وأحقاد وعداء مستحكم ما لم يبادر العقلاء والحكماء وكذلك الحكومة الاتحادية ومجلس محافظة نينوى وحكومة إقليم كردستان العراق إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمعالجة المشكلات الراهنة.
لهذا نقترح تشكيل لجنة حكومية من هذه الجهات الثلاث لدراسة ومعالجة الموقف على ضوء قرار المحكمة الاتحادية برفض التملك بقصد التغيير السكاني في العراق والذي صدر في العام 2013 لصالح المسحيين وكل المكونات الأخرى وعلى  ضوء الدستور العراقي.
مع خالص التقدير.
كاظم حبيب
برلين في 1/12/2013
 
 

132
    كاظم حبيب
قراءة في كتاب صيدُ البطَّ البرّي للروائي محمود سعيد
   
   
صورة غلاف الكتاب
عنوان الكتاب: صيد البط البري
المؤلف: محمود سعيد
دار النشر: دار ضفاف للنشر- الشارقة – بغداد
سنة النشر" طبعة أولى 2013
ما أن تقرأ عنوان هذه الرواية للكاتب والروائي المبدع الأستاذ محمود سعيد الطائي حتى يخيّل لك أنك ستقوم برحلة مع مجموعة من الأصدقاء لصيد البط البري في أحدى الغابات أو المناطق التي تعيش فيها هذه الطيور الجميلة. ولكن ما أن تبدأ بقراءتها حتى تفاجأ بمسألة أخرى بعيدة كل البعد عن رحلة ممتعة لصيد البط البري، بل يضع الكاتب القارئ والقارئة أمام فاجعة كبرى، أمام مأساة إنسانية مريعة، أمام عملية صيد وقتل مباشر وخارج القانون للبشر العراقي, لأبناء وبنات الحضارة البابلية.
وحين تبدأ بقراءة هذه الرواية الإنسانية القيمة "صيدُ البطِّ البرّي" تجد نفسك غير قادر على تركها، فتواصل القراءة حتى تنتهي منها وأنت مفجوع بأحداثها المريعة وعواقبها المريرة وعمق تعلق الكاتب بحب الإنسان وحياته وكرامته. ستجد نفسك بشكل عفوي أمام استنتاج أساسي لا مفر منه: كانت الحروب في الماضي وما تزال حتى الآن وستبقى أفعالاً غير إنسانية مدمرة للحياة البشرية ومخربة للحضارة الإنسانية، كما إنها تتسبب في العيش بكوابيس مرهقة لا حصر لها للشعوب، وإن الإنسان الذي عاش أحداثها يبقى يعاني طوال عمره من كوابيس منهكة للصحة والنفس. وتجارب الشعوب والأفراد تؤكد بأن كوابيس الحروب مريعة، متفاعلة، متداخلة ومنغصة لعيش الإنسان، ولن تفارقه رغم معالجات الطب النفسي.
كما يتأكد لك بأن حطب الحروب أو وقودها هم الناس الأبرياء، وليس الحكام الأغبياء والأوباش الذين يزجون شعوبهم بتلك الحروب أو يشعلونها لتحقيق أهداف غير إنسانية. ولا شك في أن حروب العراق كلها تدخل في هذا السياق، سواء كانت تلك التي أشعلها النظام ذاته في الداخل والخارج، أم تلك التي أشعلتها الولايات المتحدة ومن تحالف معها لـ"تحرير الكويت" في العام 1991 أو لإسقاط الدكتاتورية في العام 2003. والحروب بالمحصلة النهائية لا تحل أية مشكلة قائمة حين يعتقد مشعلوها بقدر الحرب على حلها، بل العكس هو الصحيح، إذ تزيدها تعقيداً وتضيف إليها مشكلات جديدة، كما تخلق جروحاً عميقة تترك ندبها العميقة طويلاً في العلاقات الإنسانية بين الشعوب.
رواية "صيد البط البري" تعتبر واحدة من أروع روايات محمود سعيد التي يعالج فيها بعض أبرز العواقب الوخيمة والمفجعة لحرب الخليج الثانية (1991) وما نشأ عنها وارتبط بها فيما بعد في حرب الخليج الثالثة (2003) ضد العراق. إنه تسجيل أمين وذكي ومؤثر لعواقب حربين ما كانتا ينبغي أن تحصلاً، وما كان للشعب العراقي أن يعاني منهما، إضافة لما حصل بينهما، وما يعاني منه منذ سقوط الدكتاتورية حتى الآن. إن ما نقرأه في الرواية هو البعض البارز من عواقب تينك الحربين.
تقدم لنا هذه الرواية إنساناً عراقياً طبيعياً تخرج من كلية اللغات وجُند بالرغم منه، وكبقية العراقيين، في القوات المسلحة العراقية التي اجتاحت واحتلت الكويت في العام 1990 بعد أن كان العراق قد خرج لتوه مثخن الجراح من حرب مجنونة ضد إيران دامت قرابة ثماني سنوات. وجد المواطن المجند منصف نفسه في الكويت ضائعاً بعد غزو جنوني. تعرَّف على التذمر الذي شمل كل مواطني الكويت والعاملين فيه من العراقيين والعرب وغير العرب. شاهد بأم عينية كيف كان يمارس السلب والنهب في الكويت. ولكن كان مفجوعاً بما كان يحصل والعواقب المحتملة. لم يطل فيه المقام حتى وجد نفسه مع مئات ألوف العراقيين الجنود والضباط وغيرهم في عملية هروب جماعية من الكويت صوب العراق.
وجد منصف نفسه في وسط ألاف الجنود والضباط الهاربين من الجحيم المرتقب. كان تهديد القائد العسكري الأمريكي صارخاً: سنصطاد العراقيين كما نصطاد البط، هكذا نقل راديو مونت كارلو تصريح هذا القائد. وهكذا كان على الطريق الدولي الصحراوي الطويل باتجاه الأراضي العراقية. كانت أصوات وبيانات الدعوة إلى الهروب تسمع وتقرأ في كل مكان تذيعها وتوزعها القوات الأمريكية.
ابتعد منصف بمعطفه العسكري وبسطاله الثقيل عن الطريق العام وسار بالاتجاه الصحيح وهو يغوص ويتعثر في رمال الصحراء. هده التعب وأنهكه الجوع ومع ذلك واصل السير. ربض في حفرة بعيداً عن الطريق الدولي. غفا قليلاً. استيقظ على اهتزاز الأرض كزلزال شديد. "رفع رأسه، ارتقى تلة وحدق بالشارع، استخدم ناظوراً عثر عليه في الطريق بعد أن تخلص منه صاحبه. "رأى لهباً يمتد عشرات الكيلومترات على طول الطريق الدولي. يعلو، يحرق الظلام. انفجارات جبارة، شظايا تتناثر على بعد مئات الأمتار، سقط بعضها مدوياً على بعد مئتي متر منه، بالرغم من بعده أحس بالخوف. ماذا يعصمه من شظيّة ضالّة!". (ص 10) هكذا يصف لنا محمود سعيد حالة الجندي منصف الهارب من الكويت. رأى منصف "أسراباً هائلة من الطائرات ترمي حممها. قذيفة تقسم شاحنة عسكريّة قسمين، يتطاير العشرات من فوق السّيّارة، ينقذفون إلى الأعلى، تلتهمهم النّيران، يحرّكون أيديهم وأرجلهم كأنهم يسقطون من علٍ. طفل يلتهب، يرتفع نحو ثلاثة أمتار، ثم يسقط، سيّارات مدنيّة تغرقها النّيران، تنفجر، يتطاير زجاجها، أبوابها، ما فيها، من فيها. مئات آلاف النّاس يحترقون على طول الطّريق، ينقذفون في الهواء كأنهم تماثيل خشب. كاد يتقيّأ.. ظلت الطائرات تلقي بالقنابل ، بالمتفجرات، بالوقود حتى بداية ضوء الفجر .. عندئذ بدأت الطائرات السمتية بقنص من بقي حياً: جنود، مدنيون، نساء، أطفال، كما يقنص الصياد ضحاياه." (ص 10) أليس هذا جحيماً فعلياً نفذته القوات الأمريكية ضد العراقيين والعراقيات، أطفالاً ونساء وشيوخاً عجزة.
السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: إذا كان الضباط والجنود يهربون بأعداد غفيرة من الكويت باتجاه العراق، عشرات الألوف منهم سيراً على الأقدام وبعضهم في عربات، الكثير منهم ترك سلاحه ولم يعد قادراً على القتال ولا يرغب به أصلاً، فلماذا استخدمت دول التحالف القذائف المحتوية على اليورانيوم المنضَّب في عدوانها على العراق في العام 1991؟ لماذا استخدمت هذه القذائف ضد أهداف مدنية وضد البشر الهارب من الكويت والذي لم يعد في أتون المعركة؟ ألم يكن هذا بمثابة انتقام وحشي من العراقيين والعراقيات لأنهم، كما قال قائد العمليات العسكرية في العراق حينذاك شفارتس كوبف, انتخبوا صدام حسين مدى الحياة؟ وهل حقاً انتخب سكان العراق هذا الدكتاتور الأرعن أم إن قمع النظام وإرهاب الدولة هو الذي فرض عليهم صدام حسين؟ إن ما حصل على الطريق الدولي كان مجزرة بشرية مرعبة، مجزرة نفذتها الولايات المتحدة مع سبق إصرار وتصميم! لنقرأ معاً وصفاً لأرض معركة تدور من طرف الولايات المتحدة ضد عزل هاربين من الجحيم، كما كتبه لنا محمود سعيد: 
"غادر مخبأه، اقترب من الشّارع، كاد يتقيّأ ثانية بالرّغم من جوعه، ماتزال الدماء تسيل من بعض الجثث، لكنّ بعضها بات أسود، السّيّارات، الجثث، عشرات آلاف العائلات متفحّمة في سيّاراتها، خارج السّيّارات. رجال، أطفال، نساء، جنود عرفهم من أحذيتهم الكبيرة المميّزة، لم يبق منهم سوى أجساد متفحمّة قرب حدائد سلاح كانوا يحملونه. الوجوه تماثيل من الفحم. عظام سود. لم يدرِ لماذا كانت عيون بعضهم بارزة ومتفحّمة، توقّف. ما هذا؟ لا، لن يصدّقني أحدٌ لو رويت له ما أشاهد الآن. رجل وراء مقود السّيّارة، كلّه من الفحم، يلتفت إلى اليسار، الشّبّاك حديد فقط، ليس هناك زجاج، كلّ من في السّيّارة متفحّم، هيكل امرأة في المقعد الأماميّ مع السّائق، ثلاثة أطفال في الخلف، لماذا كلّهم منحنون نحو الأسفل؟ مقاعد السّيّارة محترقة. حديد أسود. نوابض سود، أجساد بشريّة سود، السّائق وحده تمثال فحم منتصب ينظر إلى اليسار؟ أفاجأه اللهب فأحرقه وجمّده كنصب منحوت؟ يا لعذابه! لماذا ينظر إليه؟ الكرتان السّوداوان اللتان كانتا محجريه بارزتان، خارجتان من الجمجمة، تلمعان في ضوء الشّمس، من يصدّق؟ عينان متفحّمتان لامعتان في جُمجمة متفحّمة! في حافة الطّريق الدّولي المبلّط وعلى بعد متر واحد، اثنان تغطّي الرّمال رأسيهما، أيديهما وحدها تتمرّد على الرمال، مرتفعة متفحّمة مع أصابعها، هل نبشت القنبلة الرّمال ودفنتهما؟ سيارة يبدو سائقها كاملاً، كلّه من الفحم حتى شعره، يغطي نافوخه، كباروكة صغيرة، عيناه مفتوحتان، فمه مفتوح على أسنان كاملة قاومت اللهب، لم يحترق شيء منها، كفاه وحدهما على "دشبول" السّيّارة مستريحتان متفحمتان، حتّى ملابسه كما هي لكنّها من الفحم. جنديّ بملابسه، قتله الّلهب وطلاه بالسّخام. عينان مفتوحتان. فم مفتوح. شاربه كما هو، شعر رأسه باقٍ كاملاً لكن كل ذلك من فحم. سبعة جنود ببطانياتهم وملابسهم، أحدهم قرب الآخر، ثلاثة جنود مدفع مضادّ للجوّ متكومين على بعضهم متفحّمين، لماذا معظم المتفحّمين بلا رؤوس؟ مئات سواق السّيّارات العسكريّة متفحّمون في مكانهم، عشرات آلاف الضّحايا من فحم، منبثّون على الطّريق المبلّط الدّولي وجناحيه من الرّمال الشّاسعة كأن الصّحراء أنبتتهم، وزّرعتهم بعبثية، ومن دون نظام في أرض تمتد عشرات الكيلومترات." (ص 10/11)
وحين وصل إلى بغداد بعد عذاب مرير وجد بيت والديه فارغاً. أخبرته أخته والبكاء يشل نطقها، إنهما قتلا في "مخبأ العامرية مع جمهرة كبيرة من البشر البريء الذي "راح يبغي نجوة من هلاك فهلك! مصائب متتالية شملت ملايين البشر بالعراق. 
يا لبشاعة جرائم الحرب المرتكبة, جرائم إبادة جماعية وضد الإنسانية، يا لفظاعة الهدف الذي سمح بقتل عشرات ألوف البشر في يوم واحد لا غير... هل يمكن لإنسان يرى كل ذلك أن لا يصاب بعلل نفسية، أو أن يبقى سالماً معافى، أو أن لا يصاب بكوابيس تفسد عليه حياته وتقوض كيانه؟ وهل من المستغرب أن يتكرر العيش مع هذه الكوابيس في الليل والنهار، وبالتالي أن يسرح وهو يقود عربته بسرعة فائقة فتصطدم بعمود كهربائي محاولاً في اللحظة الأخيرة تجنب إصابة امرأة وطفليها بموت محقق؟ إن الاختصاصيين يطلقون على حالة منصف بـ "صدمة ما بعد الحرب"، وهي لعمرى أقسى الصدمات المنغصة لعيش الإنسان الذي يرت كل تلك المآسي ويبقى على قيد الحياة! 
إن منصفا ليس إلّا نموذجاً لعشرات الآلاف من العراقيين الذين يعيشون كوابيسهم اليومية في أعقاب حروب متتالية وحصار وموت جماعي خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين وما بعدهما. 
لم تكن القوات الأمريكية وحدها شرسة وقاسية مع الشعب العراقي ومع المجندين على نحو خاص، بل كان النظام العراقي شديد الشراسة مع الشعب العراقي وشديد القسوة قبل الحروب وإثنائها وما بعدها. فالجندي أو الضابط الذي ينجو من الموت أثناء الحرب ويتراجع ويعجز عن حمل سلاحه بسبب الجوع والإنهاك وفي حالة هروب جماعي من قوات العدو التي تطارده، يجبر عملياً على ترك سلاحه, ولكنه يحاسب ويحكم عليه بالموت. هذا ما تشير إليه الرواية في الحوار التالي بين مجموعة من الجنود وضابط عراقي، بعضهم يريد الذهاب إلى الولايات المتحدة:
"توقّع كمعظم النّاس، العاديّين، المثقّفين سقوط الحكومة بين لحظة وأخرى. إن تغّيرت الحكومة فلم الذهاب؟ ردّد غير واحد ذلك. لكنّ الجميع فوجئوا باتّفاق خيمة سفوان مع الأمريكان. هتف أحدهم بألم: "سيبقى الوضع، لن يتغيّر." "سيعود كلّ شيء إلى ما كان عليه" "التّغيير حلم، بعيد المنال" أحسّ بخسارة مضاعفة. حتّى وفاة والدّيه لم تدخل البؤس إلى قلبه، أصابته بحزن عميق فقط. لكنّ بقاء الوضع خلخل كيانه. هتف أحدهم بلوعة: "بعد كلّ التّضحيات، والموت، والحرق والدّمار سيبقى السّيف مصلّتاً على الرّقاب". اجتثّ خبر الخيمة ما تبقى من فرح، سعادة، أمل في الحياة. أحسّ أنّ الشّؤم ساد في جوّ المقهى ثقيلاً، قاتلاً. لكنّ أحدهم نظر بغتة إلى الصّورة المعلقة على الحائط، هتف بسخرية: أهلاً! أهلاً بالنّشمي! ضحك غير واحد. علّق أحدهم: أسد عليّ وفي الحروب نعامة.
- منصف؟
التّفت إلى الدّاخل، شخّص المتكلّم، عميد تقاعد قبل الحرب ببضعة أشهر. رآه بين حين وحين من قبل في غير مناسبة، أوّل مرّة يتكلّم معه، كيف عرف اسمه؟ في الوقت نفسه دخل المقهى كهل حنطيّ اللون، متوسط القامة، لم يتجاوز الخمسين. شعر وجهه لم يحلق لبضعة أيام، سروال كحلي وسترة جلد، ملامحه حزينة، وقف قرب مسطبته. أجاب منصف: "نعم". جاء صوت العميد قويّاً مباشراً من زاوية المقهى. هتف: "أنت مازلت جنديّاً. أين سلاحك؟". ارتجّ على منصف: لا أدري تركته في قلعة صالح. لماذا؟
ستُستدعى وتُسأل عنه، ستُحاسب أنت وغيرك.
ارتفع غير صوت في المقهى: أبني جنديّ. أخي جنديّ، أولاد أخي جنود، ألآلـ..
قاطع العميد: كلّهم سيُسألون عن السّلاح، القانون نفسه موجود قبل الحرب وبعدها، مادام النّظام باقياً سيحاسبون، سيُعاقبون، سيكون مصيرهم الإعدام أو السّجن، قانوناً هم متخاذلون، يعني جبناء، يعني إعدام أو سجن إن رأف بهم القاضي، أعدم عزّة الدّوري أكثر من ألف منسحب من المحمرّة." (ص 14)
منصف، الذي هاجر إلى أمريكا بواسطة مكتب الهجرة التابع للجيش الأمريكي، يعيش في الولايات المتحدة حياة معقدة, يعيش الماضي بكل حذافيره ومآسيه يومياً، وحين يجد الفرحة في الجنس أو اللقاء بأصدقاء له ولو لساعات، تعود إليه الكوابيس، وكأنها تنتقم من سعادته القصيرة، فيصرخ إلى الحد الذي يرعب النساء اللواتي يمارس الجنس معهن. يهربن مرتاعات من صراخه ولا يعدن له، رجل يعيش الرعب الوحشي. واحدة فقط عشقته ووافقت على العيش معه، إنها حليمة، ولكنها لعوب!
رواية صيد بط بري لا تقدم لنا طريق الآلام والحزن والأسى في حرب "تحرير الكويت" حسب، بل وتجعلنا نقف غاضبين أمام مأساة "ملجأ العامرية" الذي قصف بقنبلتين "وزن الواحدة ألفا رطل، اخترقتا سقفاً بسمك يزيد على مترين" حيث قتل فيه 400 إنسان معظمهم من النساء والأطفال والمسنين، مبنيهم والد ووالدة منصف"، إضافة إلى ما أعقب حرب الخليج الثالثة من جرائم بشعة ارتكبتها القوات الأمريكية ورجال الأمن الأمريكيون في سجن "أبو غريب". هكذا كانت الولايات المتحدة في قنابلها النووية على هيروشيما ونغازاكي وفي حربها ضد الفيتنام ويوغسلافيا، وكذلك بالعراق.
لقد دوختنا الإدارة الأمريكية بدعايتها الباهتة عن حقوق الإنسان والقيم الحضارية الحديثة، وإذا بها ترتكب أبشع الجرائم بحق السجناء، بغض النظر عن الجرائم التي ارتكبها هؤلاء السجناء، فهم أمانة في عهدة القوات الأمريكية ويفترض أن يحاسبون أمام القانون، وإذا بهم يسامون سوء العذاب من تعذيب نفسي وجسدي يفوق ويتماثل مع ما كان يرتكبه صدام حسين. وقد تعلمت أجهزة الأمن العراقية الجديدة و"المؤمنة بالله والرسل والمعصومين من أهل البيت والآخرة!" من تلك الأجهزة الأمريكية وأجهزة الدكتاتور صدام حسين الكثير من أساليب التعذيب الوحشية التي تمارس ضد المعتقلين والسجناء في الوقت الحاضر.
والكاتب لا يقدم لنا صورة مفصلة وأمينة عن عواقب الحروب ومآسيها الفردية والخاصة، بل ينقل  لنا لوحات عميقة المعاني والأبعاد عن نماذج من العراقيين والعراقيات الذين يعيشون الغربة والصراع الداخلي من جهة، والاختلاف ما بين ثقافتين وانعكاسات ذلك على تصرفاتهم الشخصية، رغم وجود قيم عامة وشاملة. فحليمة المرأة العراقية المتزوجة ثماني مرات هي عاشقة مولهة بمنصف وتشتعل فيها نيران بابا گرگر في داخلها (آبار النفط السطحیة فی كرکوك). والحوار التالي بين حليمة ومنصف يعبر عن التحولات التي تطرأ على الإنسان حين ينتقل من ثقافة ليعيش في أجواء ثقافة أخرى أكثر تحرراً وامتلاك الفرد لحريته، مع بقاء الخشية التي تحيطه بسب المحيط العراقي القريب منه:
"قهقهتْ ساخرة: "شرب الخمر و "باب گرگر " "أشارت إلى وسطها العاري" وتديّن؟ أنت منافق." ظلّ يحدّق فيها! تطالبها عيناه بالتّوضيح. مدّت ذراعها، حددت نحو خمسة وعشرين سنتمتراً من ساعدها، قالتْ: "أضحّي بهذا الطّول." نظر إليها شاكّاً، مدّ ذراعه، وضع أصبعه على منتصف ساعده: "بهذا الطّول؟ "هزّت رأسها، وهي تخرج ذؤابة لسانها متلمّظة: "نعم". انفجر ضاحكا: "منذ متى وأنت تعاشرينه؟". ردّت جادّة: لم أعاشره قطّ. تزوّجنا. طلّقته بعد ثلاث سنوات زواج، ثمّ تزوّجت المكسيكيّ خمس سنوات، عندما سمع أن المكسيكيّ طلّقني، جاء مستعطفاً، لم أدخله بيتي. ظلّ يتوسّل، حتّى أقنعني بالزّواج مرّة أخرى. لم أعاشر أحداً من دون زواج سواك.
 وقف خلفها، أخذ يفرك كتفيها العاريين: "لماذا طلّقته؟". أمسكت يمينه، قبلتها: ضرب ابنتي، طردته، ثم طلّقته، لكنّا ظللنا أصدقاء". لم يقتنع، سأل ضاحكاً: "والمكسيكيّ؟". أجابت حالاً: "ظنّ أنّني أخونه." وضع خديها بين كفيه: "أفعلتِ؟". ارتجت، تحرك ثدياها: "بالطّبع لا، الخيانة زنى، حرام". ابتسم: "لكنّا كنا نلتقي". انفجر ضاحكاً، حدّقت به مستغربة: "عندما يسافر فقط".
 - أليست هذه خيانة؟   
 - أنت وحدك.   
ابتسم وهو يهزّ رأسه: "الزّنى معي إخلاص، ليس خيانة؟". أغمضت عينيها: "إنّه موضوع آخر". جلس، أخذ ينقر على المنضدة، ويشرب الشّاي: ما هو؟
 - يخونني مع أخريات.
 - أأنت متأكّدة؟
 - نعم.
 - لماذا لا تصارحينه.
 - لا أملك الدّليل." (ص 57).   
 وحين التقى في بيت صديقه بكر بفتاة من شيكاغو أثناء احتفال بعيد ميلاد صديقة لها، راحت إليزابيث تغازله منذ النظرة الأولى وتعبر عن حبها له بعفوية رائعة وعشق معلن، وهي الوحيدة التي تولع بها حقاً وربما رغب بالزواج منها، لولا الخشية من كوابيسه وصراخه الذي لم ينفعه الطبيب النفساني كثيراً.
ثم التقي بتلك العاملة المكسيكية التي تتجنبه أثناء عملها ورفضت العلاقة به، ولكن حين تجنبها لاحقته والتقت به ومارست الحب معه، ولكنها لم تحتمل صراخه أثناء النوم حتى أجبرته على مغادرة دارها ولم تعد إليه، إنها الكوابيس المرعبة التي يعيشها باستمرار.
تقدم الرواية لنا جوانب أخرى من الحياة في الولايات المتحدة، عن الحب والحركة وحياة الناس. تقدم لنا لوحات منوعة عن تضامن الملايين مع الشعب العراقي ضد الحكومة الأمريكية وقراراتها بالحرب والتجويع وعن تخلف العراقيين والعرب عن المشاركة فيها.
تبدأ الرواية بالربط المحكم والسلس بين الكوابيس والارتطام بالعمود الكهربائي ومديرة الشركة التي يعمل فيها. بسر المرأة الصارمة التي أطلقوا عليها مسز تاتشر".، المديرة التي زادها صرامة وجهامة تلك اللصقتان اللتان وضعتهما على خديها فزادها قبحاً، رغم رشاقتها وقدها الجميل وشعرها الأشقر. وكان الجميع يعتقد بأنها أمريكية أو من أمريكا الجنوبية. وفاتحته بالحادث الذي ارتكبه وهو غاطس في أحد كوابيسه. ساعدته لينجو من العقوبة ودفعته للاستقالة من العمل لتشغله عندها ولو لفترة. التزم تعليمها الضرب على الحاسوب الإلكتروني مقابل أجر مغري. وفي بيتها فوجئ بأنها عربية وتريد تعلم الضرب على الحاسوب بالعربية واسمها سناء وإنها جميلة جداً. اكتشف ذلك حين دعوته إلى عشاء في مطعم فاخر فلم يتعرف عليها لولا صوتها. وكانت قد رفعت اللاصقين عن خديها الجميلين. أدرك سبب جمال ابنتها فجر التي رأى صورتها في بيتها. وتساءل مع نفسه، لماذا كانت تمارس لعبة اللاصق على الخدين ولا تكشف عن هويتها العربية وتمارس القسوة والصرامة رغم رقتها وعذوبة صوتها؟ هل كانت خشية من ملاحقة ومضايقة العرب لها أو غيرهم لجمالها، أو التخلص من محاولات التقرب لها للحصول على مكاسب في العمل أو الجنس؟ لا أحد يدري.
والرواية تنتهي بمفاجأة أكبر من البداية، بدراما فعلية, بمأساة شخصية لسناء، لكنها كانت قد حسبت لها وتوقعت ذلك حين طلبت منه أن يكون عونها حين تحتاج إليه. وافق. اكتشف إنها حين استقالت من عملها في الشركة لم تعمل في الخليج كما أخبرته، بل نجحت في اختبار العمل مع القوات الأمريكية بالعراق، وإن تعلمها العمل على الكومبيوتر والكتابة على الحاسوب بالعربية لم يكن إلا بهدف العمل بالعراق. وكان يعتقد إن عملها في الخليج سيجلب لها المال الكثير، وإذا بها تعمل مع الأعداء الذين رفض هو العمل معهم حين خير بين البطالة والتسكع والعمل مع القوات الأمريكية كمترجم وبراتب كبير جداً لا يحلم به. كانت المفاجأة حين اتصلت ابنتها به راجية منه مساعدتها، وهو الذي أوعد أمها بمساعدتها عند الحاجة. وحين التقت به أخبرته بالمفاجئة الكبيرة، أمها سجينة في سان دييغو بعد أن صدر الحكم عليها من محكمة عسكرية بسبب أسرار سربتها من العراق. وإنها الآن بحاجة إلى مساعدته. وعرف منها إنها ملاحقة وتحتاج إلى مساعدته، وأن هناك من اتصل بها يريد رؤيتها سراً وفي وقت محدد. إنها مفاجأة كبيرة ومليئة بالأسرار والأخطار. رافق البنت إلى محامي متطوع للدفاع عن الناس في مثل هذه الحالات. الأم متهمة بتسريب معلومات عن سجن أبو غريب وسجنت لهذا السبب. رجل مجهول اتصل بالابنة وطلب حضورها في موعد وكان معينين ليسلمها شيئاً. نظم منصف توزيعاً للأدوار، صديقه بكر في مكان والصديق الآخر الأيمن في مكان آخر يراقبان الطرق, هو وإليزابيث وفجر وقفوا في المكان المحدد. "كانت الدقائق الأخيرة بطيئة مشحونة بالقلق والترقب" توقفت فجأة، ودون أن يشعرا بذلك، دراجة بخارية يقودها ملثم سلم فجراً كيساً كبيراً وأسرع بدراجته بعيداً عنهم لا يلوى على شيء. حين فتحوا الكيس وجدوا أنه مليء بالأشرطة التي هربتها أمها نحو الخارج وهي كلها تدور عن سجن "ابو غريب" وربما عن قضايا أخرى غير أبو غريب ضمن الأفعال غير الشرعية التي ارتكبتها القوات الأمريكية بالعراق. بهذا تنتهي الرواية تاركةً للمستقبل كشف ما في هذه الأشرطة من أسرار حين يكون الوقت مناسباً، واتخذ المحامي الخطوات الأولية للقاء بين الابنة والأم في سجنها والدفاع عن الأم في محكمة التمييز والقلق يؤرقهم، بين الأمل والواقع المرّ.
لهذه الرواية نكهة خاصة. فهي تطرح موقفاً واضحاً من أكثر من حرب واعتداء، من احتلال وتعذيب وموت بالجملة، من شعب ما يزال يعيش عواقب تلك الحروب والسياسات. فالرواية تتسم بالحبكة المتماسكة والسلاسة في تصوير الأحداث ولا تخلو من نكتة ومداعبة أو ضحك حتى على النفس. كما إنها من الروايات الهادفة التي تدفع بالقارئ أو القارئة نحو إعمال العقل والتفكير بالأحداث برؤية تستند إلى القيم والمبادئ العامة والشاملة. إذ إنها تطرح الكثير من التساؤلات عبر السرد أو الوصف أو تسجيل المواقف. وللكاتب على امتداد الرواية تشعر بالجهد الذي بذله لكتابتها ولتحديد موقفه الثابت والواضح من تلك الأحداث والذي يتجلى في الموقف الصارم والحازم لمنصف الذي يدين الحرب والمآسي والآلام التي تحملها الشعب العراقي في الطريق الدولي بين الكويت والعراق وعذابات وآلام سجناء أبو غريب وضحايا ملجأ العامرية والعمل مع القوات الأمريكية بالعراق أو حتى بأمريكا. وفيه إدانة واضحة وصريحة لكل من عمل ويعمل مع القوات الأمريكية. ولكنه في الوقت ذاته يقف مفكراً بجدية حين يكتشف القرار الذي اتخذته سناء، ذات الهوية العربية الفلسطينية، في العمل مع القوات الأمريكية، بهدف فضح سياساتهم وأفعالهم بالعراق.               
لا شك، إن الرواية تطرح الصراع الفكري الذي يعاني منه المغترب، الصراع بين القيم والمعايير التي اكتسبها من ثقافته الشرقية الإسلامية والعربية وبين الثقافة الغربية الأمريكية بقيمها ومعاييرها الحديثة، وما يصاب به المغتربون من توترات بينهما ومن ضياع في بعض الأحيان بين "مدينتي لا ونعم" حسب وصف الشاعر الروسي أفتوشنكو. ورغم التحرر الذي يبدو عليه منصف, بطل الرواية، فإنه يبقى خاضعاً لأخلاقيات شرقية يحاول فرضها على الآخرين، كما في قضية زواج ابنة حليمة من أمريكي مسيحي وهي مسلمة، والعكس صحيح أيضاً حين يحاول الأمريكي "الحضاري" فرض مسيحيته على البنت للزواج في الكنيسة. ولكن الصراع الداخلي يبدو أكثر شدة حين يخضع لرقابة الدين والحرية الفردية، بين القلب المتعطش للحب وبين الدين الذي يفرض عليه موقفاً معيناً، فهل يجوز لنا أن نضع الدين رقيباً على قلوب وعقول الناس؟ هذا السؤال يفرض نفسه حين نقرأ الحوارات بين بين حليمة ومنصف. إذ يضع الكاتب بطل الرواية أمام امتحان عسير، بين الوظيفة التي يفترض الذهاب للمقابلة من جهة والسفر إلى حبيبته الجديدة إليزابيث بشيكاغو أو إلى حليمة بسان دييغو وبين المشاركة في مظاهرة واشنطن ضد الحرب. فيقرر ودون أدنى تردد المشاركة في المظاهرة الاحتجاجية. ويضعنا القارئ أمام حالة أخرى تستحق المقارنة. في المظاهرات التي شارك فيها أكثر من مليوني إنسان في مختلف المدن الأمريكية عرض بواشنطن حماراً يحمل اسم بوش. وليس هناك من حاسب الفاعلين. لو حصل هذا بالعراق ووضع اسم نوري المالكي أو قبل ذاك صدام حسين أو أي مسؤول عراقي آخر على حمار مماثل، فماذا كان سيحصل للفاعل أو الفاعلين؟ كلنا يدرك عواقب ذلك!!   
إن الرواية باختصار جديرة بالقراءة والتفكير بما وقع للعراق خلال العقود الأخيرة وما يعاني منه اليوم. إنها شهادة مهمة لتلك الأحداث ولو لجزء مهم منها.
لقد تمتعت بقراءة هذه الرواية ولم يكن الكتابة عنها سهلاً، وتمتعت بالكتابة عنها وتعلمت منها، وسيطرا عليَّ الحزن والكآبة، ولو لفترة، لأن الرواية تتسم بانتقالات بينية، تمنح فرصة التغيير بين الحزن والفرح، بين الجنس والكوابيس، تلك اللفتات الجميلة والحوارات المنعشة واللقاءات مع الطالبات والطلبة ومع حليمة وإليزابيث وسناء في بيت بكر والأيمن.
تشرين الثاني/ نوفمبر 2013                كاظم حبيب     
 

133
د. كاظم حبيب
قراءة في كتاب السيدة بلقيس شرارة
الموسوم "محمد شرارة من الإيمان إلى حرية الفكر"



صورة الغلاف الأول
عنوان الكتاب :  محمد شرارة من الإيمان إلى حرية الفكر
اسم الكاتبة   :  بلقيس شرارة
الناشر        :  دار المدى
الطبعة الأولى :  2009
عدد الصفحات : 460
   
المدخل
كان "جدار بين ظُلمتين" هو أول كتاب قرأته للسيدة بلقيس شرارة، هذا الكتاب القيم الذي أنجز مناصفة بينها وبين زوجها المعماري الكبير والفنان المبدع رفعة الجادرجي، إضافة إلى ما قرأته لها من مقالات قبل وبعد ذلك، كما كنت متابعاً لنشاطها السياسي في بغداد في الخمسينيات من القرن العشرين. وبسبب إعجابي بالكتاب الأول، نشرت مقالاً حاولت فيه تبيان أهمية كتاب "جدار بين ظُلمتين" من الناحيتين المعرفية والتاريخية وما تضمنه من تسجيل لوقائع حقيقية ومعاناة إنسانية يومية مشتركة وأن اختلف المكان، فأحدهما في سجن صغير ولكن الثاني في سجن كبير يحتضن السجن الصغير من جهة، وعن مدى التناغم والتفاعل في ملامسة الحس الإنساني العميق بين زوجين حبيبين في تجلياته الواقعية الرائعة وفي ظروف الفرج والشدة، العسر واليسر، العتمة والضياء من جهة ثانية، وكذلك الأسلوب الجديد الذي تم اختياره لإنجاز الكتاب مناصفة وبتعاقب في الفصول من جهة ثالثة. إنه التجسيد عن معاناة زوجين فصل بينهما نظام ظالم متوحش لا يعرف السجين مصيره ولا يعرف أحياناً كثيرة لِمَ اعتقل أصلاً! 
من هنا كنت متشوقاً لقراءة كتابها الجديد الذي يبحث في الشخصية الأدبية الرومانسية المتميزة والسياسية الوطنية المناضلة محمد شرارة (1906-1979)، عن الرجل الذي حمل في ثناياه روحاً إنسانية أخاذة تأسر من يلتقي به بأسلوبه الهادئ والرصين في الحديث والمحاجة، إذ كنت أحد قراء مقالاته التي كانت تنشر في الخمسينات من القرن الماضي، كما اطلعت على كثرة من مقالاته التي نشرت في مجلات عراقية كانت تصدر في الثلاثينات من القرن الماضي والمتوفر بعض مجلداتها لدى الصديق الأستاذ عباس سميسم في غوتبورغ في السويد.
تعرفت على الأستاذ محمد شرارة في آب/أغسطس من العام 1978 وفي فترة حرجة من تاريخ العراق السياسي، التقيت به في دار الصديق الدكتور محمد صالح سميسم حين دعاني وزوجته حياة شرارة لزيارتهم. تمتعت بأمسية فكرية منعشة مع الأستاذ محمد شرارة والأخت حياة شرارة وزوجها الدكتور محمد صالح سميسم. جرى الحديث بيننا عن الشأن العام واستمعت إلى الأستاذ شرارة بأذن صاغية وهو يحلل الوضع السياسي حينذاك ويشير إلى التردي المتسارع في سياسات سلطة حزب البعث والعواقب الوخيمة المحتملة لاستمرار الدكتاتورية على الشعب العراقي برمته. وكان محمد شرارة قد رأي العاقبة التي سينتهي إليها نظام البعث مبكراً بحسه الوطني المرهف وموضوعيته العالية، ولكنه أدرك أيضاً بأن نهاية البعث ستقترن بالمزيد م
 الويلات للشعب العراقي، رغم أنه كان لا يريد أن يفقد الأمل بقدرة الشعب على الخلاص من تلك الطغمة الفاسدة والظالمة والمتجبرة. وكانت في نبرة حديثه عتاب ودود لعواقب ذلك التحالف البائس بين الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث العربي الاشتراكي، وكأني به يقول "الم نكتف بشباط/فبراير 1963 و 1970/1971؟! وكانت المحنة ولا تزال كبيرةً!
مميزات كتاب السيدة بلقيس شرارة

قرأت كتاب السيدة بلقيس شرارة بعناية كبيرة. فهو كتاب قيم بتميز وجهد مشكور لشحذ ذاكرة من عايش محمد شرارة وتعرف عليه أو من قرأ له، كما إن الكتاب يهدف إلى جلب انتباه الشبيبة المثقفة لواحد من أبرز مناضلي العراق في مجال الأدب والشعر والمقالة والقضايا الاجتماعية والسياسية، ومن أجل أن لا يطويه النسيان، كما أشارت الكاتبة في المقدمة. وكم أتمنى أن ينتبه إلى ذلك أساتذة كلية الآداب وكلية العلوم السياسية لدراسة جوانب مختلفة من حياة وأعمال هذا الرجل اللبناني المولد والعراقي التكوين.
يتميز الكتاب بعدد من النقاط المهمة التي تستوجب الإشارة إليها سلفاً، ومنها:
1. يتضمن الكتاب دراسة تحليلية نقدية معمقة ومتعددة الوجوه لشخصية وحياة وأدب وشعر ومجمل تراث محمد شرارة بشكل مكثف غير مخل لفترة تزيد عن نصف قرن. فهو عبارة عن مسح تحليلي نقدي وليس مروراً عابراً لمحطات أساسية في حياة الشخصية الوطنية وكتاباته وشعره ونشاطه السياسي والاجتماعي وعلاقاته الخاصة والعامة بدءاً من مغادرته لبنان وهو ابن الرابعة عشر ودخوله المدرسة الدينية في النجف، التي ساهمت في تكوينه، ولكنه تحرر منها لينهل من ينابيع الفكر المتحرر ويتمتع بحرية الفكر المستقل بعد معارك فكرية واجتماعية غير قليلة في أجواء المدارس الدينية النجفية حينذاك.
2. ويمنحنا الكتاب فرصة التعرف على أهم وأبرز المواقف الأدبية والثقافية العامة والاجتماعية والًسياسية التي تبناها ومارسها محمد شرارة دون أن يمنعه عن ذلك تلك العواقب السلبية المحتملة التي يمكن أن تلحق به وبعائلته والتي حصلت فعلاً.

3 . كما يتضمن الكتاب رؤية نقدية مباشرة وغير مباشرة مارستها الكاتبة بلقيس شرارة في البعض الأهم من تلك الأحداث والاتجاهات الفكرية والفنية والأدبية والسياسية التي كانت مشاركة فيها أو شاهداً عليها أو تحاورت بشأنها أو اتخذت موقفاً منها.
4 . ويتعرض الكتاب بحيوية وانفتاح على جوهر المعارك الفكرية والدينية والاجتماعية ومن ثم السياسية التي خاضها محمد شرارة ابتداءً من عملية التنوير والإصلاح الديني انطلاقاًً من النجف حيث تعلم في مدارسها الدينية ومروراً بحقوق المرأة وحريتها ومساواتها بالرجل، وانتهاءً بالموقف من الاستعمار والهيمنة ومصادرة الحريات الديمقراطية وتشويه الدستور. وتشخيص الكاتبة كان سليماً حين أكدت بأن نضال محمد شرارة لم يكن بالقلم فحسب، بل بممارسة النضال الفعلي ودخول السجن والتعرض للفصل والطرد من الوظيفة والعيش مع عائلته في حالة الكفاف من أجل ذلك.
5 . ويتعرف القارئ من خلال الكتاب على التحول الفكري الذي صاحب تكوين شيخ الدين محمد شرارة في النصف الثاني من ثلاثينيات، والذي كان والده قد خطط له أن يدير جامعاً ومدرسة دينية في إحدى بلدات لبنان، وتبني الماركسية، أو المنهج المادي الديالكتيكي، في أوائل الأربعينيات من القرن العشرين، أي كان الرجل قد حدد النهج الذي التزم به وهو في سن النضوج الفكري والسياسي وتراكم الخبرة والمعرفة. وقد حافظ على ذلك حتى غيابه الأبدي عنا، رغم كل الضربات الموجعة التي تلقاها الماركسيون بسبب السياسات غير العقلانية وبسبب النهج الفكري والسياسي الخاطئين في فهم وقراءة الماركسية في الاتحاد السوفييتي وبقية الدول الاشتراكية والتي ساهمت في وقوع الانهيارات في دول المعسكر الاشتراكي في نهاية العقد التاسع وبداية العقد الأخير من القرن العشرين.
6 . ومن خلال الكتاب يتعرف القارئ، وكذا القارئة، على آراء ومواقف وعلاقات مجموعة كبيرة من الشخصيات الأدبية والثقافية والفنية والاجتماعية والسياسية التي عاشت خلال الفترة الواقعة بين سنوات العقد الرابع والعقد الثامن من القرن العشرين من خلال تشخيصات محمد شرارة ذاته أو من خلال شخصيات معروفة حينذاك أو كتابات لشخصيات عراقية وعربية عاشت وتفاعلت مع أحداث وشخصيات تلك الفترة، وكذلك من خلال الدراسة المتأنية والدؤوبة والدقيقة التي نهضت بها السيدة بلقيس شرارة والتي تتجلى في متن الكتاب.
7. والكتاب يقدم بلغة رشيقة وشفافة لوحة أدبية وعلمية نموذجية من حيث المنهج في كتابة السيرة يمكن أن يحتذى به، إذ أن الكاتبة لا تقدم لنا مادة جامدة يجري الحديث فيها عن الشخص فقط دون أن تترك الأبواب مشرعة على العصر الذي عاش فيه وطبيعة علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج والأفكار التي انتعشت وتصارعت حينذاك والتي تجلت في البنى الفوقية التي ميزت الدولة العراقية ووسمت التشويهات الكثيرة في تطبيق الدستور الملكي والمؤسسات الدستورية الشكلية، وحياة الميسورين والأغنياء وكبار ملاك الأراضي الزراعية وكبار التجار، من جهة، وحياة الفقر والفاقة والعوز للغالبية العظمى من الشعب العراقي، وكذلك مجمل الحياة الاجتماعية بالعراق من جهة أخرى، إضافة إلى حياة البؤس والفاقة للمعلمين وحملة الشهادات والمثقفين بشكل ملموس ومن خلال التعرف على الوضع المعيشي والضنك المالي والتنقلات الكثيرة سعياً وراء العيش الكريم.
8 . والكتاب ينقل إلينا صورة صادقة عن حياة سكان المدن والريف العراقي وعن المشكلات التي كانت تواجه الشعب العراقي بقومياته العديدة وأديانه ومذاهبه الكثيرة، عن معاناة الكُرد وعن عواقب تلك المعاناة في الممارسة اليومية الشعبية للكُرد في الموقف من العرب واللغة العربية، وكذلك عن المدرسة والتعليم ومصاعب المعلم وما كانت تعانيه العائلات من جراء تلك الأوضاع حينذاك.
9 . كما يستعرض الكتاب محللاً أوجه الحياة الثقافية والفنية، وخاصة في أعقاب الحرب العالمية الثانية حتى سقوط الملكية ودور المثقفين ومدارسهم المختلفة في الرسم والشعر والأدب عموماً. وتتحدث عن أبرز الرسامين والكتاب والشعراء، ومنهم جواد سليم ومحمود صبري وبدر شارك السياب ونازك الملائكة ...، وتبد موقفاً نقدياً بصورة غير مباشر للنشاط السياسي الاجتماعي الذي نقله محمود صبري إلى أجواء الفن التشكيلي، في حين أرى بأن محمود صبري شكل ظاهرة فنية مهمة وجوهرية في مجال الفن التشكيلي خلال الفترة التي سبقت مغادرته العراق والبقاء في الاتحاد السوفييتي ومن ثم في تشيكوسلوفاكيا بلوحاته الاجتماعية الجميلة والمعبرة عن واقع العراق حينذاك، وهو اليوم مشغول بعرض نظرية الكم الفيزيائية في الفن والتي عليها خلاف كبير عن مدى جدوى ذلك في مجال الفن.

وإذ ينتقل الكتاب من المرحلة الملكية إلى المرحلة الجمهورية ويؤشر الخيبة التي أصيب به المثقفون والسياسيون الديمقراطيون بعد سقوط الملكية الدستورية التي شوهت الدستور في الممارسة العملية، وبين الجمهورية التي أسقطت ذلك الدستور وتشويهاته، ولكنها عجزت عن إقامة دولة دستورية ومجتمع مدني وممارسة سياسات مدنية عقلانية، بل حافظ الثوار العسكر بالسلطة بأيديهم حتى تجرعوا وجرعوا غيرهم الموت على أيدي الانقلابيين الأوباش. ولكن الكتاب يقدم تحليلاً ذكياً وواضحاً عن مضامين وممارسات النظام السياسي الذي ساد في الفترة الملكية والتي كانت السبب وراء نشوء الرغبة العارمة في الخلاص من سياسات النظام الملكي ومن حكوماته المتعاقبة التي مارست الاضطهاد والظلم ضد قوى المعارضة السياسية حيث كانت ثورة تموز 1958 السبيل للخلاص من الملكية برمتها. أي أن الكتاب ينطوي على رؤية واقعية للعلاقة بين المجتمع والسلطة، بين أجهزة الدولة، وخاصة الأمنية والشرطة، وبين الشعب وقوى المعارضة السياسية التي كانت تعاني الأمرين من حياة السجون وعذاباته وآلام وحرمان عائلات السجناء.

أين تكمن أهمية وموضوعية كتاب بلقيس شرارة عن محمد شرارة؟

يبدو لي أن أهمية وموضوعية وشفافية هذا الكتاب تكمن في الأسلوب العلمي الجدلي والأدبي الرصين والتحقيق الدقيق الذي اتبعته الكاتبة بلقيس شرارة في وضع وتنفيذ مفردات هذا الكتاب. ويمكن بلورة بعض النقاط في هذا الصدد:
1.   فالكاتبة لا تطرح أفكاراً ومواقف محمد شرارة وكأنها كلها صائبة، بل تقدمها للقارئ والقارئة كما كانت تعيش في ذهن وتتجلى في ممارسات محمد شرارة، وهي أفكار ومواقف قابلة للنقاش، بل هي تمارس النقد أحياناً إزاء بعضها بسبب تقليديتها أو رومانسيتها أو العواقب الوخيمة التي تترتب عليها.. الخ، وهي بالتالي دعوة صريحة وجدية للنقاش والحوار المفتوح، والذي يسهم في إغناء الجميع.
2.    هي تطرح مواقف ورؤى سياسية لأحداث تاريخية اعتبرتها صحيحة، ولكنها، كما أرى، قابلة للنقاش وتستوجب إعادة النظر لا من قبل الكاتبة حسب، بل ومن المؤرخين لأحداث العراق، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الموقف من ثورة العشرين والذي سأحاول مناقشته لاحقاً.
3.   ثم تطرح أفكاراًً لمحمد شرارة وما يخالفها أو يستكملها الأستاذ رفعة الجادرجي في موضوع الخلود لنص أدبي أو عمل فني، والذي أرى ضرورة التوسع به ومناقشته لما له من أهمية بالنسبة إلى مفاهيمنا المعرفية وسطحية التفسير له في الفكر السياسي السوفييتي وفي الموقف من الفن والثقافة والحداثة.
4.   وتطرح الكاتبة أسئلة كثيرة غير مباشرة في الحقول الأدبية والفنية والاجتماعية والسياسية في آن، وهي تحتاج إلى إجابات لا ترديد لما قيل سابقاً، بل تسعى إلى إجابات فيها التجديد والتحديث واكتشاف العلاقات في ما بين الظواهر التي تساعد على تشخيص اتجاهات التطور اللاحقة. وهي في بعضها تطرح دراسة العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل، بين المتراكم من المعرفة والآثار الفنية والأدبية، وبين ما هو جديد، لا يقفز على الماضي ولا يتخذه متكئاً للراحة ولا يبتعد عن الواقع القائم، بل من خلالهما يدرك حركة التاريخ وقوانينها الموضوعية ثم يكتشف الجديد القابل للحياة بصورته الأكثر إنسانيةً وجماليةً واكتمالا.
5.   والكاتبة، وهي تبحث في ماضي حياة وأدب وشعر وآراء ومواقف محمد شرارة، تثير فينا بشكل عفوي جميل وبلا تصنع، رغبة المقارنة بين ماضي وحاضر حياة ومشكلات الشعب العراقي، فرغم المصائب التي عانى منها في العهد الملكي أو في أعقاب تراجع ثورة تموز 1958، وبين ما عانى منه العراق منذ وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة والحروب الداخلية والخارجية التي خاضها والاستبداد والقسوة والتدمير الذي مارسه إزاء المجتمع، إضافة لما يواجهه اليوم من قضايا أكثر تعقيداً وتشابكاً،   ما في موضوع الطائفية السياسية أو المحاصصة الطائفية في السلطة أو القتل على الهوية أو الصراع وضحالة الفكر الديني المتخلف الذي يهيمن على الشارع العراقي حالياً وغياب النقد الديني وضعف التنوير بالمقارنة مع سنوات الثلاثين من القرن العشرين مثلاً وتفاقم السلفية والتطرف والعدوانية.           

قراءة في بعض المسائل الفكرية والسياسية لمحمد شرارة

اختارت السيدة الكاتبة منهجاً علمياً وعملياً في دراسة والولوج إلى فكر وحياة ونشاط والدها محمد شرارة بحيث سمح لها منحنا رؤية بانورامية نادرة، فكانت واثقة من المادة التي بين يديها، بعيدة عن المبالغة بدور والدها أو التقليل من دوره أو إهمال بعض جوانب مهمة من نشاطه الأدبي أو السياسي أو علاقاته الواسعة والحميمة والخصبة مع الذين عرفهم من النساء والرجال، سواء أكان ذلك في مجال الأدب والشعر أم في مجال المشكلات الاجتماعية أو العمل السياسي أم في مجالات التعليم ومشكلات التنوير الديني والاجتماعي والمرأة. ولم تغفل حبه الجارف وهو ابن الرابعة عشر لبنت الجيران، ثم الخيبة الأولى في الحب وزواجه من غير من أحب وعلى طريقة النظام الأبوي في بلداننا العربية والشرق الأوسطية. ثم الحديث عن صراعه الداخلي في البيت حول الموقف من حرية البنات والعباءة وانتصار الحديث على القديم رغم الجراح الداخلية التي تتركها الخسارة في نفس الأم المؤمنة على طريقة أهالي النجف وكربلاء. وكان شعره في الحب رومانسياً يحلق في فضاءات وردية جميلة، رغم مرارة الحياة الواقعية في المجتمع الذي يعيش فيه، وكأن الشعر يداوي مواقع الخيبة في نفوس البشر، وخاصة في نفوس الشعراء.
عاش متنقلاً بين المدارس الثانوية في المدن العراقية واكتسب الخبرة والمعرفة بأمور الناس ومستوى التعليم والمعلمين. كتب عن حياته في أجواء الناصرية ومدرسيها قائلاً:
"فأنا أحيا ... حياة جافة جامدة لا أثر فيها للعاطفة المشبوبة أو الخيال الجامح أو الروح الملتهبة. حياة أقل ما يقال عنها أنها "ميكانيكية" بكل ما في لفظ الميكانيك من "معنى جاف". ولو كان لي مورد ضئيل من الرزق أحفظ به كرامتي  و عزة نفسي، و أحفظ به عائلتي من الفاقة لضربت هذه "الوظيفة" ضربة فيها الكثير من الحقد  و النقمة و الإهانة و السحرية لا لأنها "جنت" عليَّ بل لأنها قربتني من أناس أنا أبعد ما أكون عنهم روحاً و تفكيراً و عاطفة و خيالاً. قربتني من أناس لا يرون العلم إلا بقصاصة ورق ... والتجديد بالسترة والبنطلون ... ." (راجع: نفس المصدر، ص 88).
ورغم الموقف ألأممي الواضح لمحمد شرارة في تأييد حقوق الشعب الكردي بالعراق، فقد عانى من مصاعب غير قليلة في التعامل اليومي حين عين وعمل  في أربيل لتدريس اللغة العربية، إذ كان الموقف من الكُرد ومطالبهم العادلة من جانب الحكومة العراقية غير ودي وغير سليم وقهري، مما كان ينعكس في ردود فعل الناس بشكل عام وتجلياته في الموقف من العرب أو من تعلم اللغة العربية.     
سأحاول أخيراً أن أتناول بالتعليق على البعض القليل من المسائل المهمة التي عالجتها السيدة بلقيس في هذا الكتاب بدراية جيدة ، حيث وجدت مناسباً التطرق إليها وجلب انتباه القارئات والقراء لها بأمل أن يحظى كل الكتاب بنقاش حيوي من جانب الكتاب والشعراء والدارسين. فكثرة الجوانب المهمة التي عالجتها الكاتبة تحتاج إلى عدة مقالات لتغطية البعض المهم من تلك الجوانب، ولكن سأقتصر على عدد من المسائل العقدية.   
1.   الموقف من الاستعمار وثورة العشرين

ولد محمد شرارة وتربى في بيت ديني وأدبي لبناني كارهٍ للهيمنة الأجنبية والاستعمار. وحين وصل إلى النجف كانت ثورة العشرين قد أخمدت بعد معاناة ومظالم كثيرة ارتكبت بحق الثوار من جانب القوات البريطانية. تشير السيدة بلقيس شرارة إلى هذا الموضوع بما يلي:
"لقد بدأت الثورة العراقية لعام 1920 كاحتجاج عام ضد الحكم البريطاني و لكنها انتهت بثورة لمنطقة الفرات الأوسط. إذ "كانت الثورة بالنسبة إلى العراقيين حرباً وطنية من أجل الاستقلال. رفعت شعار الوحدة العربية إلى جانب استقلال العراق... كانت بمعاركها البطولية باعثاً قوياً لنشر الوعي الوطني، أغنت ممارسات الناس الحياتية وتجاربهم النضالية، وغذت العمل السياسي ضد الأجنبي ومصالحه غير المشروعة....". ثم تستعير مقطعاً من كتاب حسين جميل "شهادة سياسية 1908-1930 لتأكيد هذا التقدير للثورة. وتشير إلى أن الفتى محمد شرارة قد "أحس بما خلفته من غبن وتعسف وقسوة في إخمادها بين الناس. وخلفت في أعماق الصبي المتوقد الذهن ، أثراً عميقاً من التمرد والثورة على الغبن، وتحدي الظلم" (راجع: بلقيس شرارة في كتاب "محمد شرارة". ص 33/34).             
لا شك في أن هذا التحليل منطقي وسليم من حيث المبدأ ويتماشى مع ما طرح حتى الآن من تحليل حول ثورة العشرين. وبدا لي أن الدكتور علي الوردي حاول الإشارة إلى هذه المسألة بصيغة ما، وأشعر بضرورة الإشارة إلى مسالتين بشأن ثورة العشرين، وهما:
1. إن الاستعمار البريطاني وبسبب طبيعته الاستغلالية قد أجبر وبصورة عمياء، شاء أم أبى، على فتح نافذة مهمة للعراق على الحضارة الإنسانية الغربية الحديثة بعد ظلام وظلم داما أربعة قرون تحت هيمنة الثيوقراطية العثمانية الكالحة. وبالتالي وبالرغم من كرهنا لهذا الاستعمار البريطاني، فقد كان السبب وراء الانفتاح على العالم وفي الحصول على دستور ديمقراطي بعد فشل الثورة وولوج أولي للعلاقات الإنتاجية الرأسمالية في قطاع التجارة والنقل وفي قطاع استخراج النفط الخام، ولكنها فرضت أسلوباً جديداً مرفوضاً في التعامل مع العراق حينذاك. 
2. إن المشاركة الواسعة لشيوخ الدين والحوزة الدينية لم تكن كلها منطلقةً من روح وطنية، بل كان فيها الكثير جداً من الخشية الفعلية من ثلاثة اتجاهات محتملة:
أ. الانفتاح على الحضارة الغربية، وهي حضارة مسيحية تعتبر كافرة بالنسبة لشيوخ الدين المسلمين بشكل عام. وقراءة سريعة في بيانات شيوخ الدين حينذاك تؤكد هذه الحقيقة.
ب. وكان الانفتاح على العالم الخارجي يعني دون أدنى ريب بدء التقلص في نفوذ المؤسسة الدينية ودور شيوخ الدين في حياة الناس، كما تكون البداية لبناء المجتمع المدني والذي تبلور فيما بعد في دستور 1925.
ج. وكانت هذه الوجهة تعني بدء دخول العلاقات الإنتاجية الرأسمالية إلى اقتصاد البلاد، وهي بالضد من العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية، وكانت نذيراً بقرب نهايتها، وكذا المجتمع العشائري، رغم المساومة التي حصلت فيما بعد وفق قوانين "اللزمة" و"تسوية حقوق الأراضي" مع مجيء الخبير البريطاني "أرنست داوسن" من الهند إلى بغداد. وبالتالي فهذا التوجه كان يحمل في طياته خسارة كبيرة لشيوخ الدين الشيعة الذين كانوا يحققون جزءاً من إيراداتهم السنوية وإيرادات الحوزة الدينية من الإقطاعيين وكبار الملاكين في الوسط والجنوب وعلى حساب الفلاحين، بخلاف شيوخ الدين السنة الذين كانوا يتسلمون رواتبهم من السلطنة العثمانية ومن ثم من الدولة العراقية. لقد كان هناك تحالف اجتماعي وسياسي واقتصادي بين شيوخ العشائر والقوى المدافعة عن العلاقات شبه الإقطاعية وبين المؤسسة الدينية الشيعية على نحو خاص التي كانت تجد الرعاية والحماية من النظام الملكي والحكومات العراقية المتعاقبة.      
 ومن هنا يفترض أن نؤكد بأن قيادة الثورة لم تكن تحمل طابعاً وطنياً معادٍ للاستعمار حسب، بل كانت ذات مضمون رجعي مناهض للتقدم والتنوير والعلمانية أيضاً، خاصة وأن قيادتها كانت بيد شيوخ الدين وليس بيد التجار أو المثقفين حينذاك. لقد كانت دفاعاً عن السلطة والنفوذ والثروة لهذه القوى أساساً.    
إن هذا لا يقلل من أهمية ثورة العشرين ولا من هبََّة جماعة أبو الكلل في العام 1918 في النجف أو في انتفاضة العام 1919 في السليمانية بقيادة الشيخ محمود الحفيد من جانب، ولا يقلل من أهمية النضال اللاحق الذي خاضه الشعب العراقي ضد الوجود البريطاني ومعاهدة 1930 وضد محاولة فرض معاهدة بورتسموث 1948 وما بعدها من انتفاضات والمشاركة الجادة من جانب محمد شرارة في هذا النضال الوطني. إلا أن الأهداف المتباينة للقوى التي كافحت حينذاك يفترض أن نضعها نصب عيوننا لنستطيع أن نقدر اتجاهات التطور اللاحقة التي عاشها العراق. كما يفترض أن نلاحظ التناقض الذي يحمله الاستعمار معه للبلدان المستعمرة والتابعة. ومثل هذا التحليل يساعدنا على تقدير ما يجري اليوم بالعراق أيضاً من جانب قوى الإسلام السياسية المتطرفة وتلك التي يطلق عليها بالمعتدلة أيضاً.
لقد كان محمد شرارة مناضلاً صلباً في سبيل التحرر والاستقلال والتقدم الاجتماعي، كما كان مناضلاً ضد الحروب وفي سبيل السلام وكان عضواً في مجلس السلم الوطني بالعراق، إذ عاش الرجل حربين عالميتين وأدرك مخاطرها في ظل السلاح النووي ونتائجه البشعة في هيروشيما ونغازاكي، واطلع على عواقب الحرب الفيتنامية والحرب الكورية وحرب التحرير الجزائرية والحرب في فلسطين، وقبل ذاك حرب التدخل في الاتحاد السوفييتي في العام 1918-1922. وقد دخل السجن وفصل وعانى من شظف العيش ومرارة البطالة نتيجة تلك المواقف المشرفة ضد الاستعمار وسياسات الحكومات القمعية والقهرية حينذاك. وقد كتب عشرات المقالات في التعبئة العامة ضد الاستعمار والهيمنة الأجنبية وفي سبيل التحرر والديمقراطية والتي وجدت مكاناً مميزاً لها في كتاب السيدة بلقيس شرارة، ونعم ما فعلت.

2.   محمد شرارة وثورة 14 تموز 1958

اتخذ الأستاذ محمد شرارة موقفاً مؤيداً لثورة 14 تموز 1958 واستبشر بها خيراً لشعب العراق، الذي أصبح محمد شرارة منذ فترة طويلة جزءاً منه، رغم أنه لم يستطع تحمل الألحان والأغاني الحزينة الباكية ولا عمليات التطبير والضرب بالسلاسل وبقية البدع التي لم يجرأ جمهرة كبيرة من شيوخ الدين على مواجهتها ورفضها، فمحمد شرارة ولد في لبنان وترعرع هناك، حيث لم تكن هذه البدع معروفة هناك، والتي أدخلها خلال الأعوام الأخيرة ومنذ الحرب الأهلية بلبنان ومع تشكيل حزب الله اللبناني في إيران منذ العام 1982.
وقف محمد شرارة مع الحزب الشيوعي في دعم عبد الكريم قاسم وسياساته في الإصلاح الزراعي وقانون العمل والعمال وإلغاء معاهدة 1930 والخروج من حلف بغداد ومنطقة الإسترليني وإصدار قانون الأحوال الشخصية لصالح المرأة وبعض حقوقها المهمة...الخ. ولكنه تلمس أيضاً، وبعد فترة وجيزة من مسيرة الثورة، بروز الفردية في سياسات وسلوك عبد الكريم قاسم وإهماله للحريات الديمقراطية والدستور واتخاذه مواقف سلبية من الحياة العامة ومن الاعتداءات التي بدأت تمارسها القوى القومية الشوفينية والرجعية ضد الشخصيات الديمقراطية والتي تعرض هو شخصياً إليها. . (نفس المصدر، ص 316/317). وقد كتب محمد شرارة مقالاً يعبر فيه عن التدهور الجاري في مسيرة الثورة والعواقب المحتملة والتي وردت في مقال له تحت عنوان "كرامة المعلمين". جاء فيها قوله:
"و اعتقد الناس أنهم دخلوا في عصر جديد و أن تموز محا جميع المفاهيم السابقة وأحل محلها مفاهيم تتناسب مع روحه وفجره وإشراقته. ولكن العقائد – على ما يبدو – مسرفة في التفاؤل. فالمفاهيم التي ثار عليها تموز تحولت إلى أشباح و اختفت هنيهة في الكهوف. ثم أخذت تطل علة الحياة إطلالة الأفراخ الخائفة أخذت تحاول أن تظهر بمظهر النور. كل ما بناه تموز هوجم و كل مفاهيمه تعرضت للطعن و الضرب. و كان بإمكانه أن يعتمد الهجوم بإشارة من سبابته و لكنه ترك الهجوم يسير وتخلى عن شيء كبير من مفاهيمه ... ".
إن هذا النص الواضح، وبدلاً من أن يدفع بعبد الكريم قاسم إلى أن يعيد النظر بسياساته ويحاور الكاتب، أمر باعتقاله وتقديمه للمحاكمة وحبسه ثلاثة شهور، فكان الرجل سجين الرأي في العهد الملكي وسجين الرأي أيضاً في عهد عبد الكريم قاسم. ولم ينفع تأييد الديمقراطيين له، مثل حسين جميل وكامل الجادرجي، واحتجاجهم ضد صدور قرار حكم بالسجن على كاتب مخلص للعراق وشعبه مثل محمد شرارة بسبب مقال نقدي كتبه والذي اعتبره عبد الكريم قاسم تجاوزاً وإساءة له. وكان قاسم قد بدأ السير حينذاك في العد التنازلي لنظامه. إن من يتجاسر على تقديم كاتب مثل محمد شرارة وغيره من المخلصين للعراق وشعب العراق إلى المحاكمة والحكم عليهم بسبب مقالات نقدية لواقع العراق حينذاك، لا بد أن يكون قد تجاوز الكثير من الخطوط الحمر وأنه قد بدأ يحفر قبره بيديه.


محمد شرارة والموقف من الماركسية والحزب الشيوعي العراقي
تبني محمد شرارة الفكر الماركسي الجدلي من اجل تعميق عملية التنوير الديني والاجتماعي. وكان يعيش في مجتمع مديني ضيق ومحدود ومغلق على نفسه وتقاليده وعاداته، وهو مجتمع يحاصر الإنسان ويدفع به إما إلى التناغم معه والخضوع له أو التمرد والثورة ضده. والبيت الذي تعلم فيه والثقافة التي تزود بها لم تسمح له بالخضوع والقبول بواقع تلك المجتمعات فتمرد وثار عليها. وهذا ما نجده في تمرد وثورة الكثير من أبناء وبنات هذه المدن العراقية التي تغلق أبواب الأمل والانطلاق والتفتح أمام الشبيبة بشكل عام، فتتحرى عن سبل وأدوات للخلاص من ذلك والتزام الفكر الذي يساعدها على السير بهذا الاتجاه.
وبرزت بالعراق في تلك الفترة موجتان فكريتان سيطرتا حينذاك، أي في الثلاثينيات وبداية الأربعينيات، على الساحة الفكرية والسياسية العراقية:
موجة الفكر القومي اليميني التي تجلت في توجه الكثير من الشباب صوب النازية والتي أججت فيما بعد الحرب العالمية الثانية ومارست سياسات معاداة الفكر الآخر والقوميات الأخرى والعرق الآخر وارتكبت أبشع الجرائم في معسكرات الاعتقال النازية.
موجة الفكر الماركسي التي تجلت في ثورة اكتوبر الاشتراكية 1917 ومنجزات الاتحاد السوفييتي حينذاك ومشاركته الحرب ضد النازية وفي سبيل مصالح الطبقة العاملة وعموم الكادحين.
وقد اختار محمد شرارة الاتجاه الفكري الثاني بسبب ما في هذا الفكر من مواقف أممية ومن معاداة للاستعمار والرجعية ومن دعوة للعدالة وإنصاف الفقراء والكادحين ومساواة المرأة بالرجل ....الخ. وهذا الموقف هو الذي وضعه فيما بعد في صف الشيوعيين العراقيين ونضاله معهم.
كتبت السيدة بلقيس شرارة ما يلي:
"ظل محمد شرارة مؤمناً بالنظرية الماركسية، و ذلك بالرغم من أنها تطورت، خاصة بصيغتها الشيوعية، التي تتمثل بنظام دكتاتورية البروليتاريا، أي تفرد الحزب في قيادة الرؤية الماركسية واعتبر نفسه المالك لها دون غيره. وعلى تلك الرؤية أنبنى التفرد في قيادة المجتمع. و لم يتحدَ طلبات الحزب، بالرغم من الإنسانية التي كان يتحلى ويؤمن بها، والمتجلية عاطفياً في مختلف كتاباته في الشعر و النثر، لذا نجد أن هناك تناقضاً بين تلك الإنسانية و بين خضوعه التام لدكتاتورية الحزب." [خط التشديد تحت مؤمناً من عندي، ك. حبيب] (نفس المصدر ص 322 .
عند القراءة المدققة لهذا النص القصير يجد القارئ بعض النقاط المهمة التي تستوجب التوقف والمناقشة، وهي:
1.   هل كان محمد شرارة مؤمناً بالنظرية الماركسية أم مقتنعاً بها؟ لا شك في أن الفرق بينهما كبير جداً ولا يخفى ذلك على الكاتبة والأديبة السيدة بلقيس شرارة. فالإيمان يحول النظرية لدى المؤمن بها إلى دين، والدين لا يرقى إليه الشك لدى المؤمنين به وغير قابل للنقاش، في حين أن القناعة تنشأ عن دراسة وتدقيق وقبول من جهة، وهي قابلة للنقاش والتغيير والتعديل أو أنها تتطور مع حركة الزمن والتحولات الجارية في العالم ومع تطور المستوى الثقافي للفرد ذاته من جهة ثانية.
2.   فليست هناك نظرية ثابتة، بل هي متحركة ومتغيرة بتغير الظواهر التي تسببت في نشوء المقولات. والإيمان هو الذي كان يميز الجمهرة الغالبة من الشيوعيين في سائر أرجاء العالم، وبشكل خاص شيوعيو الدول النامية ومنها العراق، وخاصة الجانب السياسي الذي يرتبط بالدفاع عن الفقراء والمعوزين وضد الأغنياء والظالمين وضد الاستعمار والهيمنة الأجنبية. في حين أرى بأن محمد شرارة بغزارة فكره وسعة اطلاعه وثقافته المميزة لم يكن مؤمناً بل مقتنعاً قناعة فعلية، إذ حين زار الاتحاد السوفييتي استطاع أن يكتشف الخلل ورفض ما يجري هناك ومارس النقد بشأن الأوضاع في الدولة السوفييتية والحزب الشيوعي السوفييتي، إذ أنها كانت تتناقض مع دراسته وقراءته للماركسية أولاً، ومع ما قرأه عن إيجابيات النظام والحياة والمجتمع في الاتحاد السوفييتي والتي لم تكن تتطابق الحقيقة والواقع القائم في الاتحاد السوفييتي حينذاك ثانياً. وهكذا كان موقفه من الصين الشعبية.
3.   لدى القناعة بأن محمد شرارة قد التزم بالمنهج المادي الديالكتيكي والمادي التاريخي بالأساس، وهو الذي ساهم في جعل الكثير من مقالاته، أو قل أغلبها، ينزع إلى المناقشة والحوار والعلمية الرصينة، كما أنه قد التزم الموقف المناهض لاستغلال الإنسان لأخيه الإنسان والذى كشف عنه بصورة جلية كتاب رأس المال لكارل ماركس.
4.   لم يقدم ماركس رؤية متكاملة عن الاشتراكية، بل كانت إرهاصات في هذا الصدد وتطلعات، في حين أنه درس الرأسمالية بكل أبعادها، وكتابه رأس المال يشكل إرثاً إنسانياً كبيراً للبشرية كلها يدرسه الرأسماليون قبل الاشتراكيين والشيوعيين. والحزب الشيوعي هو من نتاج الفكر اللينيني في أعقاب الصراع الذي حصل في إطار الأممية الثانية (الأحزاب الاشتراكية الديمقراطي بشأن الموقف من الحرب العالمية الأولى على نحو خاص) وفي أعقاب ثورة أكتوبر 1917. وفي هذا تحدد الموقف من دكتاتورية البروليتاريا والتفرد بالسلطة التي آمنت بها كل الأحزاب الشيوعية وعملت من اجل ذلك. وهي بطبيعة الحال رؤية شمولية ومنافية للديمقراطية وكنت أحد الملتزمين بها والعاملين في سبيلها. ولكن تجارب الاتحاد السوفييتي وبقية بلدان المعسكر الاشتراكي ومعايشتي لها أكدت خطأ هذا الأسلوب في الحكم والذي شخصته روزا لوكسمبورغ في العام 1918 في كتابها الموسوم "الثورة الروسية" والذي كتبته وهي في السجن وقبل اغتيالها مع رفيقها كارل ليبكنخت بعدوانية شرسة في كانون الثاني من العام 1919، وقد شتمها لينين قبل ذاك ونعتها بـ "السياسية العاهرة" بسبب نقدها للمسيرة السوفييتية حينذاك، ولم يكن عادلاً ولا سليماً في هذه الشتيمة السياسية، بل كانت على حق ورأت المستقبل برؤية جدلية آفاقية سليمة. إلا أن غالبية الأحزاب الشيوعية في الوقت الحاضر قد تخلت عن هذه الموضوعة، ومنها الحزب الشيوعي العراقي، والذي انعكس في برنامجه الجديد ونظامه الداخلي الذي أقر في مؤتمره الخامس في العام 1993 والمؤتمرات التالية على وفق اطلاعي عليها.
5.   كان الحزب الشيوعي العراقي في فترة قاسم يعيش صراعاً بين اتجاهين بارزين، اتجاه يسعى للخلاص من قاسم وتسلم السلطة، واتجاه آخر يعتبر ذلك مغامرة تقود إلى عواقب وخيمة. وبين هذين الاتجاهين وقع الحزب بأخطاء شديدة زادها تأثيراً سلبياً ردود فعل الحزب إزاء سياسات القوى القومية الشوفينية وبعض الدولية العربية (مصر وسوريا) التي كانت تدعي سعيها للوحدة العربية، وكذلك الدول الإقليمية الأعضاء في حلف بغداد (السنتو) حينذاك والدول الكبرى وشركات النفط الاحتكارية، وكذلك سياسات قاسم ورغبته في البقاء مع العسكر في السلطة وتفاقم النزعة الفردية في حكم البلاد.
6.   لا شك في أن قيادة الحزب الشيوعي العراقي كان تطالب جميع أعضاء الحزب وعلى كل المستويات بالتزام مبدأ التضحية ونكران الذات في تلك الظروف، والتي كانت ثقيلة على الجميع وعلى عائلات الشيوعيين، ولم تنتبه لعواقبها الوخيمة على عائلات الشيوعيين التي لا يفترض أن تكون كذلك. وكانت الديمقراطية الداخلية غائبة عن الحزب حينذاك وعن العلاقات مع القوى الأخرى. ورغم التزام الحزب بالنقد والنقد الذاتي، فأن ممارسة ذلك كانت بعيدة عن حياة الحزب الداخلية ومغامرة غير محسوبة العواقب، وتشديد المركزية على حساب الديمقراطية و"نفذ ثم ناقش" كان هو المبدأ المعمول به عملياً حينذاك! إن هذا الواقع وبعض تلك الأسس في العمل قد ألحقا أضراراً فادحة بالحزب ذاته وفقد الكثير من قياداته وأعضاء الحزب حياتهم أو دخلوا السجون. ويبدو لي أن هناك تغييرات كثيرة جرت منذ ذلك الحين وخاصة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، ولدي القناعة بأن هناك الكثير الذي يفترض أن يتغير في هذه الأحزاب لكي تكون قادرة على التناغم مع الجديد وتسعى إلى استيعاب أوضاع العالم في عصر العولمة وتفاقم المشكلات الدولية والإقليمية والمحلية وسبل تعبئة الرأي العام لصالح القضايا العادلة والمشروعة.               
7.   إن الحديث عن الحزب الشيوعي العراقي خلال الفترة موضوع البحث، يفترض أن لا يُنسى بأي حال دور الحزب في عمليات التنوير الاجتماعي والديني والسياسي، سواء كحزب أم كأعضاء ومثقفين ارتبطوا بالحزب بصيغ شتى، إضافة إلى دوره في النضال ضد الاستعمار والأحلاف العسكرية ومن أجل التنمية والتقدم الاجتماعي والسلام. لقد استطاع الحزب أن يعبئ جمهرة كبيرة من المثقفين حوله وزجهم في النضال من أجل قضايا الشعب. ولا شك في أن الحزب قد ارتكب أخطاء غير قليلة على هذا الطريق، وليس هناك من يعمل ولا يرتكب أخطاءً، إلا من لا يعمل وهو الخطأ الأكبر الذي يرتكبه الإنسان. إن الأخطاء التي ارتكبها الحزب نشأت من واقعين:
    أ . من المستوى الفكري (النظري) والثقافي العام الضعيف لقيادة وكوادر وأعضاء الحزب بشكل عام حينذاك. وهذا لا يلغي بأي حال وجود عناصر مثقفة ثقافة عالية، ولكن الحديث هنا على المستوى العام.
   ب . من التزام الرؤية السوفييتية للنظرية الماركسية القائمة على أساس اللينينية والبراغماتية في سياسات الدولة السوفييتية.
لقد كان محمد شرارة شيوعياً ملتزماً من الطراز اللينيني، وكنا جميعاً من هذا الطراز أو من هذه المدرسة اللينينية. وقد برهنت الحياة، كما أرى، على خطأ الكثير من أفكار تلك المدرسة، وخاصة في مسائل التنظيم أو الانفراد بالسلطة أو سبل تشكيل الجبهات والدور القيادي لحزب الطبقة العاملة أو دكتاتورية البروليتاريا...الخ.
إن الأخطاء التي ارتكبناها في القيادة (وأنا كنت أحدهم) جعلتني كعضو في الحزب وفي القيادة سابقاً أن أقدم اعتذاراً شخصياً في الذكرى الأربعينية لوفاة الكاتب هادي العلوي حين قدمت دراسة عنه في ندوة عقدت في أمستردام نظمها الناقد الأدبي والكاتب الأستاذ ياسين النصَّير،  لكل من يمكن أن أكون قد أسأت إليه دون قصد بسبب الالتزامات الحزبية والسلوك اللينيني لي كعضو أو كمسؤول في الحزب حينذاك.

محمد شرارة ومسائل فكرية واجتماعية أخرى
1 . محمد شرارة والموقف من مأساة المرأة العراقية وحقوقها
أحسنت السيدة بلقيس كثيراً حين برزَّت، وفي هذه الظروف الجديدة بالذات حيث تعاني المرأة من ردة فعلية ضد مصالحها وضد ما صدر في زمن عبد الكريم قاسم من قانون خاص بالأحوال الشخصية بشكل خاص، الموقف الإنساني الرائع الذي التزم به ومارسه الأستاذ محمد شرارة في حياته الفكرية والاجتماعية والتنويرية والسياسية في الدفاع عن حقوق المرأة وإنارة الطريق أمامها وكشف المظالم الكبيرة التي كانت تتعرض لها. وقد تجلى هذا الموقف في علاقاته العائلية في البيت ومع زوجته وبناته الثلاث (مريم، بلقيس وحياة) ومع أبنائه، وفي نضاله اليومي. لقد كانت مساواة المرأة بالرجل واحدة من أبرز وأهم أهدافه النضالية. وكما نعرف فقد بدأ الكفاح من أجل حرية المرأة وضد الحجاب بالعراق مبكراً بعد إقامة الدولة العراقية ومنذ أن بدأت جريدة الصحيفة، لصاحبها حسين الرحال وصحبه، بنشر مقالات تتميز بالقوة والصراحة والجرأة تطالب فيها بحقوق المرأة، ومنها حقها في التعليم وضد الحجاب وحبسها وراء جدران المطبخ والدار ومن أجل مساواتها بالرجل. وقد لمع في هذا المجال بعض اليساريين واللبراليين، ومنهم حسين الرحال وأمينة الرحال ومصطفى علي وحسين جميل وزكي خيري كما شارك في هذا الكفاح من أجل المرأة جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي وغيرهما من المثقفين والشعراء العراقيين، سواء أكان عبر الكتابة والنشر الواسعين حول هذا الموضوع أم في خوض النقاشات في مختلف المحافل. كما بدأت جماعة الأهالي ومن ثم الإصلاح الشعبي والحزب الشيوعي النضال في سبيل هذه القضية أيضاً.
ولج محمد شرارة في الثلاثينات من القرن الماضي في هذا المعمعان وتحمل الكثير من النقد والاتهامات لهذا السبب، ولكنه كان صارماً في الموقف وحازماً في المطالبة بحقوق المرأة وحريتها ودورها في المجتمع رافضاً المساومة عليها. وقد تكرس هذا الموقف حتى قبل تبنيه الفكر الماركسي. وحين كان يعيش كمعلم تقدمي في الكثير من مدارس المدن العراقية، كان يصف لنا حالة المدينة والريف والظلم والاضطهاد المضاعفين اللذين تتعرض لهما المرأة من جانب الرجل والدولة والمجتمع. وقد وظف الشعر لهذا الغرض، كما كتب الكثير من المقالات القوية والشفافة والهادفة دفاعاً عن حقوق المرأة. ويكفي ما زودتنا به السيدة بلقيس شرارة في هذا الصدد حين نشير إلى مقطع واحد حول المرأة الريفية بعد أن شاهد بأم عينيه بؤس المرأة والعائلة الفلاحية والاستغلال البشع الذي تتعرض له من جانب الإقطاعيين وكبار ملاكي الأراضي الزراعية بشكل مباشر أو عبر السراكيل، إذ كتب يقول: 
"أما هذه الفتاة التي وقفت على الربوة تغني بصوتها الشجي "هلي يا ظّلام" و هي: أهلي أيها الظالمون ، تلقيها الفتاة بصوتها الحزين فتلوح لك الدنيا سحباً مدلهمة و أجواء محلولة، ويخيل إليك أن كل شيء حولك ينادي "هلي يا ظلام". إنها كلمة بسيطة و لكنها زوبعة. فالمرأة في الريف العراقي مظلومة لو كانت كلمة "مظلومة" كافية لتدل القارئ على معاملة هذا المخلوق المجاهد الذي لا يقل كفاحه في شق الأرض و زرعها و سقيها و حصدها عن كفاح أقوى الآلات الفولاذية. تلك المعاملة التي تتصل بأعمق أعماق العصور الجاهلية و أبعدها استهانة بحقوق الإنسان... لقد كان بلاء الشرق بعمائمه و  قلانسه، فكيف الآن و قد تحالفت الطرابيش و البرانيط أيضاً مع القلانس و العمائم، و شكلت موكباً واحداً و جوقاً موسيقياًٍ واحداً يضرب على وتر واحد و يغني لحناً واحداً."، (نفس المصدر، السابق. ص 164)، وهذا يعني لحن ظلم مضاعف ومشترك موجه ضد المرأة ومن اجل استمرار اضطهادها وممارسة القسوة الشرسة بحقها.
         
2 . الموقف من مسألة الخلود في النص الأدبي والفني

تشكلت لدى محمد شرارة فكرة الخلود للأعمال الأدبية بعد أن تبنى الرؤية السوفييتية للآداب والفنون بشكل عام، وهي رؤية ضيقة عموماً وقاصرة وقائمة على تسييس الآداب والفنون التي تخدم قضية الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي ومصالح الدولة السوفييتية وتساهم في تكريس دكتاتورية البروليتاريا، وبتعبير أدق دكتاتورية الحزب الواحد لـ"خدمة" الطبقة العاملة! وهي رؤية ضيقة تبلورت في فترة ستالين وروج لها نظرياً وعملياً ديمتري جدانوف في النصف الثاني من العقد الرابع وأوائل الأربعينيات من القرن الماضي. ولم يبتلِ بهذه الرؤية محمد شرارة حسب، بل الغالبية العظمى من الأحزاب الشيوعية والشيوعيين في العالم حيث كانت التنظيرات الفكرية والمواقف العملية القادمة من الاتحاد السوفييتي في فترة ستالين ووجود الكومنترن، بل حتى بعد حله في العام 1942، باعتباره المركز التنفيذي للحركة الشيوعية العالمية، هي الأكثر صواباً، وكان الشعار العام هو "التعلم من الاتحادي يعني تعلم تحقيق النصر!". ومن هنا اعتبرت الأعمال الأدبية والفنية التي تخدم قضية الطبقة العاملة وفق المفهوم السوفييتي وفي المرحلة التي يمر بها المجتمع هي التي يكتب لها الخلود. ومن هذا المعين الفكري انبثقت مقالة محمد شرارة تحت عنوان "الخلود الأدبي".
أشارت السيدة بلقيس شرارة إلى هذه المسألة بصواب حين كتبت تقول:
"... اعترض محمد شرارة في هذا المقال على  بعض الكتاب الذين كانوا يكتبون عن بعض الآثار الأدبية من أنها خالدة و هي لا تستحق هذه التسمية. و تخوف من الجمود الذي أضفى على الآثار الأدبية كما حدث في الصين، و نشأ تقديس للماضي والثناء عليه، ومن نافذة هذا التقديس المتزمت أطل الخطر على  تطور الحياة فرمي الكتاب الذين حاولوا التجديد بالوقاحة الإلحادية، وكان من أثر ذلك أن نشر التقديس أجنحته على الكتاب الكلاسيكيين، و ألقى على اللغة الصينية وشاحاً من الجمود، و أوقفها عن التطور منذ فجر التاريخ." ثم يتساءل عن الخلود و ما هو الخلود؟ فكتب:
"الخلود. ما هو الخلود؟ حتى يهون هذا الهوان، ويبتذل هذا الابتذال! إنه كلمة هائلة لو قدر لها الوجود فيما ينتجه العقل الإنساني لأوقفت عجلة التاريخ عن الاندفاع، و أوقفت جرثومة الحياة عن التطور، وأبقتها في دائرة خاصة من الدوائر الضيقة التي تصاب معها العقول بالشلل و الأفكار بالالتواء و في ذلك ما فيه من الخطر على سير الإنسانية، و حركتها المستمرة الصاعدة! ... فأن كان الأدب "تصويراً" للحياة – و هو ما نؤمن به -  فخلوده يدور في الفلك الذي دارت به الحياة. فقد قيل عن "روميو وجوليت" في الأدب الإنكليزي إنها خالدة، ولكن القصة الإنكليزية أحيطت بظروف وعادات وقتية لم يبق لها أثر في الحياة الإنكليزية الحديثة، وإذا كانت العناصر التي استمدت القصة و روحها قد زالت في العصر الجديد فكيف يمكن أن يبقى الشيء خالداً وهو معدوم الروح؟! (نفس المصدر، ص 169).
ترفض السيدة بلقيس شرارة هذا الرأي بحق وتتبنى رأي الأستاذ رفعة الجادرجي الذي حاور محمد شرارة بهذا الخصوص فكتبت تقول:
"ولكن يرجئ رفعة الجادرجي الخلود إلى "الابتمال في الفن":
" إن مبدأ الخلود في الفن الجيد هو تصوير للحياة كما كتب محمد شرارة، حيث يعبر عن حالة اجتماعية معينة، نتيجة فكر معين و عاطفة معينة في وضع اجتماعي معين. لذا فهو ضمن التاريخ ويكتسب أهميته و زواله مع أهمية التعبير عن الحالة العاطفية في زمنها، وما أن زالت الظروف فتزول أهميتها. وهذا الموقف من الفن هو بتأثير النظرة السوفييتية، التي حددت مفهوم العلاقة بين الفن و التفاعل الاجتماعي و لم تستطع أن تتوصل إلى مصطلح الابتمال – "“optimal في الفن". فالفن ليس فقط تصويراً للحياة، "و قيمته بقيم الحياة التي تعبر عنها فقط، و إنما يتضمن الفن التعبير عن عاطفة الإنسان و قدرة هذه العاطفة في التعبير عن نفسها. فإذا تمكن الأديب أو الفنان أن يتجاوز الحاجة الزمنية المعينة ويعبر عن عاطفة الإنسان العم

134
كاظم حبيب
هل من أخطاء فادحة ارتكبتها المعارضة السورية؟

ابتداءً أقول لا يمكن ممارسة السياسة دون ارتكاب أخطاء، هذا بشكل عام وفي كل البلدان والأحزاب والمنظمات دون استثناء. وتزداد نسبة ارتكاب الأخطاء في تلك البلدان التي غابت وتغيب عنها شمس الحرية والحياة الديمقراطية وحقوق الإنسان والمؤسسات الدستورية وحين يهيمن حزب واحد على السلطات الثلاث وسلطة الإعلام عقوداً عديدة، كما هو حال الدول العربية دون استثناء سواء أكانت ملكية أم جمهورية، وحين يكون الوعي العام في المجتمع ما يزال ضعيفاً ومتخلفاً عن وعي الحالة التي يعيش فيها، سواء أكان الظلم أم الاضطهاد والقمع أم الفقر، ومتأثراً بشيوخ الدين الذين يوفرون غطاءً لكل ذلك، إضافة إلى العشائرية بتقاليدها البالية وطبيعة العلاقات الإنتاجية والاجتماعية السائدة. هذا الواقع لا يسمح لقوى المعارضة، وهي تناضل في ظروف السرية التامة وضد نظم دكتاتورية بغيضة وقمعية إلى ابعد حدود القمع التي يمكن تصورها، أن تكون ديمقراطية كما يفترض أن تكون أو كما يشتهي الإنسان، بل يأخذ الكثير منها، إن لم نقل كلها، سمات النظام وخصائصه وسلوكياته ذاتها لأنه يعيش تحت وطأته ويعاني منه.
هذه الرؤية للمعارضة السياسية في الدول العربية هي التي جعلتني في العام 1995 أن أسجل في كتابي "ساعة الحقيقة: مستقبل العراق بين النظام والمعارضة" ما يؤكد "أن أغلب قوى المعارضة السياسية بالعراق التي تكافح ضد نظام البعث وصدام حسين، إن لم نقل كلها، لها من السمات والسلوكيات الأسوأ من سمات وسلوكيات الدكتاتور صدام حسين". ومع الأسف الشديد برهنت الحياة على صحة هذا القول حين تولت المعارضة العراقية الحكم بالبلاد بعد سقوط الدكتاتور الأرعن صدام حسين وحزبه ونظامه الدموي، التي تمارس اليوم ذات الأساليب غير الديمقراطية والاستبدادية والتخلف الفكري والحضاري، والتي لا تعود إلى حضارة القرن الحادي والعشرين ولا تمت بصلة حتى إلى الدستور العراقي الذي أقرته القوى الحاكمة بعد أن صوت عليه الشعب. ومنها منع المظاهرات بذرائع واهية لا تصمد أمام الحاجة الفعلية للتظاهر لمنع الإرهاب والفساد والتعبئة ضدهما وضد الحكومة التي تسمح بوقوع كل ذلك في هذا العراق المستباح.
هذه الحقيقة المرة تجلت في سلوكيات المعارضة السورية الحالية التي هي خليط غير متجانس (لملوم) من قوى فكرية وسياسية كثيرة. لا شك في أن هذه المعارضة عاشت وما تزال تعيش تحت وطأة دكتاتورية بغيضة فاشية بكل معنى الكلمة في أساليب حكمها وقمعها وقتلها للناس في سوريا منذ أكثر من سنتين بشكل خاص. وقبل ذاك تصور البعض وكأن دكتاتورية حافظ الأسد وابنه بشار هما أهون على الناس السوريين من دكتاتورية صدام حسين وحزبه ونظامه ونسوا إن أساليب البعث في الحكم واحدة لأنها واحدة في الفكر والسياسة وإزاء المجتمع، وكان الفرق بين النظامين في البلدين يبرز في أن التناقض والصراع الداخلي بالعراق كان في حينها أشد وأعمق مما كان عليه في المجتمع السوري، مما دفع الدكتاتورية الصدامية إلى ممارسة أعنف أساليب القهر السياسي والاجتماعي ضد القوى المعارضة وتمارس سياسة الإبادة الجماعية وضد الإنسانية ضد الشعب الكردي وضد الكري الفيلية وضد عرب الجنوب والوسط بشكل لا يمكن إنكاره. ووحين تفاقم التناقض بسوريا وبدأت التجمعات المدنية تطالب بالديمقراطية يأد النظام السوري يتحرك كما كان النظام العراقي الصدامي يتحرك. واليوم يمكننا تأكيد حقيقة أن النظام السوري لم يكن أحسن من النظام العراقي والجرائم التي يرتكبها اليوم تدخل في عداد جرائم الإبادة الجماعية وضد الإنسانية والتي يفترض أن يحاكم رأس النظام وجمهرة من قياديي الحزب الحاكم والنظام كله أمام محكمة الجنائية الدولية في لاهاي/هولندا.
لا يختلف اثنان من المدافعين عن حقوق الإنسان حول طبيعة النظام السوري وجرائم قيادته السياسية وعائلة الأسد وبخاصة بشار وماهر الأسد لكي لا يذهب البعض ويتصور بأني أدافع عن هذا النظام المجرم حين أشير بعبارة صريحة وواضحة ومن موقع الحرص على الشعب السوري وقضيته العادلة إلى إن المعارضة السورية قد ارتكبت، وما تزال ترتكب، أخطاءً فادحة واحدة تلو الأخرى ومتربطة في ما بينها والتي يمكن بلورتها بالنقاط التالي:
1.   الاعتماد غير المعقول وغير المقبول على نظام سياسي قمعي كالنظام السياسي في قطر، هذا النظام الذي نذر نفسه ليكون قاعدة أساسية في الدبلوماسية لصالح تنظيم الإخوان المسلمين ولصالح كل القوى الإسلامية السياسية المتطرفة والإرهابية وخاصة قوى القاعدة بأفغانستان وباكستان والعراق والآن بسوريا، حيث تشير وكالات الأنباء العالمية والعربية والعراقية, حيث يقدم لـ "جبهة النُصرة" جميع أشكال الدعم بالمال والسلاح والعتاد وبالسياسة والإعلام. وقد وضُعت قناة الجزيرة التابعة للشيخ الحاكم بأمره في خدمة هذه القوى والأهداف، رغم البداية الخادعة التي بدأت بها قناة الجزيرة. ولكن من كان يملك وعياً بحقيقة سير الأوضاع في قطر وعلاقتها بالولايات المتحدة ووجود أكبر خزين للسلاح الأمريكي في المنطقة فيها إضافة إلى وجود قوات أمريكية بذريعة حماية ترسانة السلاح، لأدرك بسرعة وسهولة طبيعة قطر وقناة الجزيرة ونشاطهما في المنطقة الذي يفوق حجمها معاً. وقد اختلفت مع الأخوة في مؤسسة ابن رشد للفكر الحر حين منحوا جائزة ابن رشد لهذه القناة ولم أحضر الندوة التي منحوا فيها جائزة العلامة الكبير أبن رشد لهذه القناة. واليوم كشف أمر هذه القناة ولم تعد تؤثر على الناس كما كانت عليه قبل. وبرزت على حقيقتها مع انهيار النظام الإخواني الشرس في مصر والذي تناغم مع موقف الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموماً. وقد كتبت في بدايات عمل القناة واتجاهها المعاكس مقالاً حول طبيعة عمل القناة منع من النشر في جريدة الزمان اللندنية في حينها وكان الصديق الأستاذ عبد المنعم الأعسم مديراً لتحريره وما يزال سعد البزاز رئيسها. إن التحالف مع قطر يعني التحالف مع قوى الإخوان المسلمين في سوريا وقوى جبهة الُنصرة في آن واحد، وهو الخطأ الأكبر الذي ارتكبته المعارضة السورية
2.   والخطأ الثاني يرز في اعتمادها على الغرب وليس على الشعب السوري ونضاله وقدراته النضالية مما ساعد على انتقال الصراع المحلي ضد النظام إلى الساحة الدولية وجعله بين الغرب وحلف الناتو من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى، والذي أدى إلى نسيان القضية المصيرية للشعب السوري وسقطت سوريا في حمى المصالح الحيوية لدول الكبرى بسوريا والمنطقة.
3.   الخطأ الثالث يبرز في تبني المعارضة السورية وبسرعة لسياسة الكفاح المسلح. وهي نتيجة منطقية للتحالف مع قطر والسعودية والغرب التي كانت كلها تريد التصعيد ونقلها للصعيد الدولي، في حين كان بالإمكان خوض وتطوير النضال السلمي ضد النظام وفضحه حين يعمد إلى استخدام السلاح بما يعريه ويوسع قاعدة المعارضين لإسقاطه. وقد سمح هذا الوضع بتدخل مقابل من جانب إيران وحزب الله اللبناني الإيراني في المعارك الدائرة بسوريا.
4.   والخطأ الرابع يبرز في أنها لم تميز نفسها عن قوى الإسلام السياسي التي تتبنى إقامة دولة إسلامية بسوريا والتي لا يمكن أن يركن إليها في النضال من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية، فهي ضد هذه الأهداف الخمسة بكل تأكيد، وهو ما برهنت عليه الحياة مجدداً بمصر وليبيا والعراق وتونس، وكذلك بسوريا.
5.   والخطأ الخامس يبرز في عجز المعارضة السورية على توحيد جهود القوى المدنية والديمقراطية والعلمانية في الكفاح ضد النظام المجرم في سوريا، فبعضها متعاون مع قوى غير سليمة ومتصارع مع قوى أخرى ضمن القوى الديمقراطية والعلمانية والرافضة لتدخل الدول الكبرى في الصراع السوري.
6.   إن الخطأ الفادح السادس برز في السكوت غير المسموح به نضالياً عن الموقف الطائفي المقيت والصارخ من جانب قوى إسلامية سياسية متطرفة وإرهابية صارخة، ولكنه برز أيضاً في تحليلات ومواقف شخصيات علمانية مثقفة ما كان يجوز أن يُطرح في تحليلاتهم مثل هذه القضية التي شجعت قوى النصرة على قتل المزيد من العلويين والمسيحيين والكرد ..الخ.   
إن الضحايا التي سقطت في سوريا كبيرة جداً وتجاوزت الـ 120000 نسمة، دع عنك عدد الجرحى والمعوقين الذي يزيد عن ضعف هذا العدد، إضافة إلى أكثر من مليوني نسمة من المهجرين في الشتات السوري. إن تصحيح الأخطاء ممكن ولكن من الضروري الخلاص من التحالف مع الحليف الخبيث "حكام قطر" وقناتهم "الجزيرة" ومع السعودية. إن هذا يفتح الدرب على تصحيح بقية الأخطاء تدريجاً. كما لا بد من الخلاص من التعاون مع التحالف الدولي الذي لا يريد الخلاص من نظام الأسد بل من أسلحة الدمار الشامل (السلاح الكيمياوي). ورغم صواب الخلاص من السلاح الكيمياوي بسوريا، الذي استخدمه النظام ضد شعبه، ولكن هذا التحالف الغربي لا يريد بالضرورة تغيير النظام، فهو الآن يمكن أن يكون الأكثر خضوعاً للغرب بعد قلع أسنانه الكيمياوية. لهذا أقول من جديد، كان لا بد من الاعتماد على الشعب السوري ذاته وعلى طاقاته الفعلية. وكان عليهم أن يأخذوا من تجربة العراق درساً ثميناً لهم ومانعاً من الاعتماد على الدول الكبرى. فالعراق الآن في أسوأ أحواله، وخاصة القسم العربي من العراق. إن الدول الكبرى لا تفكر إلا بمصالحها ومصالح أقرب الحلفاء إليها. إن اللجوء إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا سمح لتحويل القضية إلى صراع دولي بين تلك الدول من جهة، وروسيا والصين بشكل خاص من جهة أخرى. وهو الذي عقد اللوحة السورية أكثر فأكثر. فما أن بدأ تدمير السلاح الكيمياوي بسوريا حتى بدأت محاولات جون كيري، وزير خارجية الإدارة الأمريكية, بإعادة تأهيل النظام السوري على حساب 120000 قتيل ومئات ألوف الجرحى والمعوقين والخراب الشامل بسوريا إذ أصبحت الكثير من المدن السورية حتى دمشق خرائب ومدن أشباح. وسيستمر القتال لمزيد من الدمار والموت والخراب وستجبر المعارضة السورية على الدخول في المفاوضات بميزان قوى ليس في صالحها وبخلاف ما كانت عليه المعارضة في بداية الحركة النضالية ضد النظام.
9/10/2013                  كاظم حبيب
 
 
   



135
كاظم حبيب
جرائم بشعة متلاحقة ترتكب يومياً بالعراق!!!
لا يمضي يوم على الشعب العراقي دون أن تسقط له عشرات الضحايا بين قتيل وجريح ومعوق. شهداء بالعشرات، جنائز يومية تنقل إلى النجف لتدفن هناك أو تدفن في مقابر أخرى. جرحى هم أقرب إلى الموتى منهم إلى الأحياء، بعضهم يموت بعد يوم أو يومين، عندها لا يحسب في عداد الموتى ولا يذكر في الأرقام التي تنشر يومياً في الصحافة العراقية ونشرات الأخبار المحلية والعربية والدولية. ألاف القتلى في أقل من سنة وألاف مضاعفة من الجرحى والمعوقين.
شهداء وجرحى يتساقطون على الجسر الرابط بين الأعظمية والكاظمية وهم في طريقهم إلى زيارة الأمام محمد الجواد، إنه جسر الأئمة، تماماً كما حصل على هذا الجسر ذاته إذ سقط عشرات الشهداء والجرحى والمعوقين حين كان الخائب والطائفي بامتياز إبراهيم الجعفري والراكض وراء المزيد من المال رئيساً للوزراء. العشرات من الشهداء والجرحى والمعوقين تساقطوا في تلعفر، بينهم الكثير من تلاميذ المدارس والنساء والرجال. كل هذا جرى في يومين متتالين وقبل ذلك سقطوا العشرات أيضاً في كل يوم. هكذا  يقتل العراقيون والعراقيات يومياً وتحمل الجنائز على الأكتاف وتقام الفواتح.
المجرمون القتلة يمارسون هوايتهم في القتل يومياً وعلى هواهم وأينما شاءوا ومتى ما شاءوا وكيفما شاءوا، كما إن عدد الضربات اليومية مفتوح على مصراعيه. عشرات السيارات في خدمة الإرهابيين وعشرات الإرهابيين المستعدين للانتحار وأبواب العراق مفتوحة للمزيد منهم. أما الحكام العراقيون فهم في صراع دائم على البقاء في السلطة أو انتزاعها وعلى المال والنفوذ أو الجاه، وليست مهمتهم إيقاف نزيف الدم، فهذا أمر الله الواحد القهار وإنا لله وإنا إليه راجعون!!! إنهم يتصارعون لا من أجل جماهير الطائفة الشيعية أم السنية بل من أجل مقاعدهم الوفيرة في الحكم وفي جني المزيد من السحت الحرام.
الأوباش يمارسون لعبتهم مع الشعب ويقتلون منه يومياً المزيد من البشر، والحكام لاهون في ملء جيوبهم بالمال، بأموال النفط الخام المصدر وبالمزيد من الزوجات مثنى وثلاث ورباع وما ملكت إيمانهم..، والمزيد من العمليات لرأس ومؤخرة النواب وغيرهم ما دامت الدولة العراقية هي الدافعة لفواتير المستشفيات الأجنبية والمحلية.
أحمد الجلبي لا يجد كفاية في عدد القتلى الذين سقطوا بالعراق خلال السنوات العشر المنصرمة والذين يتساقطون يومياً على أيدي المنظمات الإرهابية والمليشيات الطائفية الإرهابية المسلحة التابعة للأحزاب الإسلامية السياسية، بل يدعو رسمياً وعلى ميليشيات "جيش المهدي" للعودة إلى الساحة العراقية وحماية منطقة الصدريين، ونسى الجرائم التي ارتكبها هذا الجيش المليشياوي، ومنه عصائب الحق، بحق الشعب العراقي، وشيخ دين آخر يدعو منظمة بدر التي شاركت بكل تلك الأحداث الجهنمية والقتل على الهوية لتأخذ على عاتقها حماية العراق، لأن الحكومة لا تستطيع حماية الشعب وسيقتل الشعب كله قبل أن تستطيع الحكومة حماية الشعب.
كلا الأخوين .. لا يطالب بتغيير الحكومة وتشكيل حكومة سياسية وليس حكومة أمنية يرأسها، على وفق ما نشرته صحف أجنبية وعربية، أنه متورط مع حزب الله اللبناني الإيراني الهوية والعائدية، بتفجير السفارة الأمريكية ببيروت في 18 نيسان/أبريل 1983، والله أعلم!!
إن أحمد الجلبي يفضل أن يدعو ميليشيات جيش المهدي الطائفية المسلحة لحماية مدينة الثورة (الصدر حاليا) لتدخل في حرب مع ميليشيات طائفية سنية وتكون سبباً لتعميق الصراع الطائفي، بدلاً من أن يدعو إلى إزاحة حاكم وقائد فاشل للقوات المسلحة العراقية، لأنه يخشى على تكتل البيت الشيعي من أن يفقد الحكم، وهو الذي دعا إلى تأسيس هذا البيت الخربة، ليواجه بيتاً خرباً وطائفياً آخر يترأسه رئيس "هيئة علماء المسلمين السنة" حارث الضاري.
إن تخلي الأحزاب الإسلامية السياسية والحكومة العراقية ورئيسها عن السياسة واندفاعهم في طريق العمل الأمني لا غير مع هيمنة فعلية لنظام سياسي طائفي بامتياز يمارس المحاصصة الطائفية اللعينة، سيطيل أمد الإرهاب والقتل اليومي للناس, واستشراء الفساد السارق لقوت الشعب الكادح وامتلاء الكروش بالسحت الحرام.
أما نائب رئيس الوزراء العراقي لشؤون الطاقة والمسؤول الفعلي عن ملف النفط بالعراق غير مهتم إلا بزيادة صادرات النفط والإعلان عن الكمية المنتجة والمصدرة، ولا يهمه رغم كونه نائباً لرئيس الوزراء من يموت وعدد الموتى والجرحى والمعوقين الذين تفنيهم المتفجرات ويقتلهم انتحاريون جبناء، إضافة إلى الاغتيالات الجارية بكواتم الصوت من أبناء وبنات الشعب العراقي. فهو رجل متدين يؤمن بأن الموت حق ومكتوب على جبين كل إنسان متى سيموت وليس هناك من داعٍ للقلق فكل نفس ذائقة الموت, وكل إنسان يموت حسب وقته ومسجل في جبينه!! كما لا يفكر بتوفير الطاقة لهذا الشعب الذي يغرق في عرقه في السف ويتجمد في الشتاء لغياب الكهرباء ساعات وساعات في اليوم.
   
ليس أمام الشعب من طريق غير طريق توسيع أرضية التحالفات الديمقراطية، توسيع قاعدتها الاجتماعية والسياسية، توسيع الانفتاح على كل القوى الراغبة في النضال من أجل الخلاص من الوضع الدامي اليومي بالعراق. المجرمون القتلة لا يملكون ضميراً وهم يقتلون البشر، ولكن لا ضمير له من يمارس الحكم ولا يتصدى لهؤلاء القتلة المجرمين ويوقفهم عند حدهم وحين يعجز لا يعلن عن ذلك ويتخلى عن الحكم. إن على القوى الديمقراطية أن تفتح ذراعيها لاحتضان المزيد من قوى اليسار ويسار الوسط وكذلك القوى الوسطية وقوى أخرى ترتضي إقامة مجتمع مدني ديمقراطي بما يسمح ببناء تجمع واسع يستطيع التأثير الفعال في أوساط الشعب ويسحب تدريجاً البساط من تحتد أقدام الطائفيين والشوفينيين ويساهم في خوض نضال مظفر لتحقيق أماني وآمال الشعب العراقي في الحرية والديمقراطية والحياة الدستورية والنيابية النظيفة والكريمة وبعيداً عن الإرهاب والفساد والموت اليومي.
 7/10/2013                  كاظم حبيب 
   

136
كاظم حبيب
قراءة أولية في كتاب "نبوة محمد" للكاتب الدكتور محمد محمود



اسم الكتاب: نبوة محمد – التاريخ والصناعة – مدخل لقراءة نقدية
اسم الكاتب: محمد محمود (أكاديمي من السودان)
دار النشر: مركز الدراسات النقدية للأديان
مكان النشر: لندن ، بريطانيا
سنة النشر: ط 2 /2013
عدد صفحات الكتاب: 474  صفحة

المدخل:
يتضمن البحث العلمي المميز لذي أنجزه الباحث الأكاديمي والكاتب السوداني الدكتور محمد محمود مقدمة قصيرة ولكنها تكشف عما يمكن أن يواجهه هذا الكتاب من المتشددين والمتطرفين والجهلة من محاولات للتشويه والإقصاء والتشكيك بكل ما هو علمي وخاضع للتحليل المادي التاريخي والمصاعب التي يواجهها البحث العلمي عموماً في هذه المرحلة التي بدت وكأنها صعود للفكر غير التنويري الغائص في الأساطير والخرافات والخزعبلات الفكرية والرافض للفكر النقدي من جهة، ويشعرنا من جهة أخرى بأهمية الخوض في مثل هذه الأبحاث مستنداً إلى الحكمة التي طرحها أبن خلدون في كتابه "المقدمة" إذ كتب ما يلي: "إنه لا يكفي أن تصف موج البحر، وظهور السفن، حين تريد أن تتكلم عن حياة البحر .. لا بد لك أن تفهم ما في القاع.. قاع البحر المليء بالغرائب والتيارات والوحوش… وقاع السفينة حيث يجلس عبيد وملاحون إلى المجاديف أياماً كاملةً، يدفعون بسواعدهم بضائع تحملها السفن، وثروات وركاباً .. وينزفون عرقاً، وتتمزق أجسامهم تحت السياط.. أجل، ينبغي أن تعطيني صورة كاملة، عندما تريد أن تقنعني بأمر من الأمور". ثم يضيف الدكتور محمد محمود مسألة مهمة جداً تمس استقلالية وجدية البحث العلمي حين يؤكد ضرورة رفع القدسية عن كل شيء حين يراد التعمق حتى القاع في البحث العلمي بهدف الوصول إلى الحقائق الصلدة وليس برؤية مسبقة، ولكن بافتراضات علمية يسعى البحث للتيقن منها أو رفضها, أي البحث بهدف الوصول إلى الاستنتاجات العلمية التي يصعب دحضها من خلال إيراد الأساطير التي تناقلتها المجتمعات البشرية منذ العهود السومرية والأكدية والآشورية والكلدانية وعموماً البابلية أو الفرعونية أو غيرها كالتوراة والإنجيل والتلمود والمدراش ...الخ والمسطرة من جديد وبصيغ وأساليب أخرى في القرآن.
حين كنت أدرس في الجامعة المستنصرية كان الأستاذ الكبير إبراهيم كبة يدرس تاريخ الفكر والمذاهب الاقتصادية. وكنت في حوار معه حول الدين الإسلامي والفكر الديني عموماً فأشار بما معناه: عزيزي أبا سامر، أنا أعالج في محاضراتي نقد الدين والفكر الديني المسيحي بشكل مباشر وواضح، وهذا يتوجه مباشرة إلى الدين والفكر الإسلامي، فهما في الجوهر واحد، ولكن الأوضاع وهيمنة الفكر الديني المتخلف لا تسمح بتوجيه النقد المباشر للإسلام أو الفكر الإسلامي". هكذا كان وهذا هو واقع العراق والدول العربية في الموقف من الدراسات والأبحاث العلمية في الدين والفكر الديني، وهي المشكلة التي عانى منها اليهود والمسيحيون في القرون الوسطى وبعدها بفترة غير قصيرة, ولكن فترة التنوير والتطور الرأسمالي، وخاصة المجتمع البرجوازي الصناعي لعبا دورهما في تغيير اتجاه التفكير والعقل في أوروبا والولايات المتحدة وكند واستراليا على وجه الخصوص، رغم إن المدارس الدينية فيها ما تزال تمارس أسلوبا مقارباً للماضي مع تفتح نسبي أفضل وعجز عن مواجهة الدراسات والبحوث العلمية. في حين إن الإسلام ما يزال يعيش الفترات التي عاشتها منذ قرون الديانة المسيحية وقبل ذاك الديانة اليهودية. ( بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية بالعراق دعيت لإلقاء محاضرة في نادي اتحاد الأدباء والكتاب في العراق وقد تطرقت إلى  أهمية نقد الدين والفكر الديني. وبعد الانتهاء من المحاضرة قدم أحد مسؤولي الاتحاد نقداً لي بشأن نقد الدين وقال يفترض أن نتحدث عن نقد الفكر الديني. أدركت حينها المصاعب التي تواجه الاتحاد من قبل قوى الإسلام السياسي المسيطرة على السلطة السياسية ولم ارغب وأنا الضيف والزائر أن أخلق مصاعب إضافية للاتحاد، فقلت نعم كما تريد نقد الفكر الديني، في حين كنت أقصد بالتحديد نقد الدين والفكر الديني الكثير من المقالات قبل ذاك, كاظم حبيب).
كما يتضمن الكتاب الذي نحن بصدده ثلاثة عشر فصلاً وخاتمة. بحث في الفصل الأول بزوغ النبوة في الإسلام وأساسها الفعلي المنطلق من أرضية الإيمان اليهودي المسيحي بوحدانية الله والمرتبطة أيضاً بالحنيفية التي كانت منتشرة في حينها في مكة والمنطقة بأسرها، والتي كانت بدورها توحيدية الإله ورفضت كثرة الآلهة كما عرفها العرب والتي تجلى وجودها في "بيت ألآلهة أو "الكعبة".
وركز الفصل الثاني على البيئة الاجتماعية والفكرية والسياسية العامة والديانات التي برزت حينذاك والتي أثرت في نبوة محمد. أما الفصل الثالث فيبحث في نبوة محمد ولحظته التأسيسية لدينه الجديد الذي لم يكن مفاجئاً للكثير من العرب حينذاك بسبب معرفتهم لهذه الظاهرة الإنسانية وولهم تجارب مع الديانتين اليهودية والنصرانية وقبل ذاك مع الحنيفية. أما الفصل الرابع فيتطرق بتفصيل وعمق إلى مرحلة النشوء الأولى في مكة والمصاعب الكبيرة التي واجهته من القوى التي انحدر منها وتبنى فكرها وعقيدتها وآمن بآلهتها ولم يثقوا باحتمال أن يكون نبياً أو مرسلاً من إله واحد أحد، في ما عدا قلة من القريبين منه وممن لم تكن فكرة الإله الواحد غريبة عنهم. لقد عانى أتباع محمد الكثير في مكة، وكان المؤمنون بدين محمد مسالمين ولم يكونوا عنيفين في مواجهة مناهضيهم. وخصص الباحث الملتزم بعلمية عالية الفصلين الخامس والسادس للمرحلة الجديدة، لفترة الهروب إلى المدينة وبدء خلق التضامن والتآخى بين المهاجرين والأنصار في يثرب وبناء دولته (دولة المدينة) التي لم يكن غيره فيها نبياً ومشرعاً ومسؤولاً عن الدعوة للحروب والغزوات والاقتصاد وترتيب معيشة قواته المتنامية التي نشطت لديهم الرغبة في التوسع على حساب مناطق أخرى وللحصول على المزيد من الأموال والأسلاب والرقيق والجواري. وهنا نتابع معاركه المستمرة ضد اليهود والمذابح التي نظمت ضدهم وخاصة بني قريظة. لقد كرس محمد سلطته وسيطرته على المدينة وعلى أتباعه وبدأ سعيه الجديد للعودة إلى مكة التي بدأ بها دعوته وفشل في إقناع أهلها واجبر على الهروب منها.
الفصلان السابع والثامن يعالجان المعارضة المستمرة له في مكة حتى بعد عودته إليها ونجاحه في العودة. ويحلل هنا قوى المعارضة في مكة، في حين يخصص الفصل الثامن للمعارضة اليهودية والمسيحية في المدينة. وإذ يبدو إن محمداً في عداء مستحكم ضد اليهود، فإنه كان قليل الشدة في مواجهة أتباع الديانة المسيحية. لقد تحول محمد أثناء وجوده في المدينة بالمقارنة مع فترة وجوده الأولى في مكة إلى ساع للحروب والتوسع والقتل لنشر الدعوة وكسب المؤيدين والحصول على المزيد من الأراضي الخصبة والثمار والأموال والعبيد. لقد تميزت الفترة بالعنف الصاعد الذي اقترن ليس بالحروب فحسب، بل وبالاغتيالات والتمثيل بالموتى أو حتى أثناء قتلهم، ولكن في مرحلة لاحقة حرم المثلة بالميت، كما جاء في القرآن.
وخصص الكاتب الفصل التاسع لمواجهة المنافقين, أي مواجهة الأوس والخزرج وغيرهم ممن لم يؤمنوا بدين محمد إيماناً صحيحاً، وكان عليهم شديداً، أدى إلى قتل الكثير منهم، وفيه التعبير الصارخ عن حالة إقصاء الآخر ليستتب له ولدينه الأمر في المدينة وحاوليها.
أما الفصول الأربعة التالية فتبحث في الرسالة المحمدية وما بثه من الشعائر كالصلاة والصوم والآذان، وكذلك في الأخلاق التي تقترب جداً من الوصايا العشر الواردة في الديانتين اليهودية والمسيحية، أو التي لا تختلف عنها إلا بالصياغة والأسلوب ولكنها واحدة في المضامين. وهنا يأتي الموضوع المهم والبارز في الفصلين الثاني عشر (صناعة محمد من البداية إلى الكلمة) والثالث عشر (الفعل والصفات الخصوصية) حيث يبحث الكاتب بعناية كبيرة، كما في الفصول السابقة، صناعة محمد وصناعة الجماعة والمجتمع للنبوة ومن ثم دور السلطة في هذه الصناعة وفي نشر الدين. ويتجه صوب ثلاث مسائل جوهرية هي:
1) خصوبة خيال محمد وتجربته واطلاعه على الديانتين اليهودية والمسيحية وعلى الحنيفية وقدرته على استخدام هذا الخيال في صناعة القصص والأساطير أو إعادة صياغة القديم منها وتقديمه لأتباعه.
2) دور الصناعة الجمعية المجتمعية للنبوة من جانب أتباعه الذين ساهموا في نشر الدعوة والترويج لها وخيالهم في ابتداع معجزات عند محمد لم يحققها ولم يسجلها لنفسه، بل من عنديات أتباعه مقترنة بسياسة التوسع على الأرض وكسب المزيد من الناس للدين الجديد، الإسلام.
3) أما القوة الثالثة التي لعبت دوراً في صناعة النبوة فهي السلطة، تلك السلطة الفعلية التي تمتع بها محمد ومن هم حوله. وكان النبي محمد يمسك بيديه عمليا ما اصطلح عليه حديثاً بالسلطات الثلاث السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، بما فيها المالية، وسلطة القضاء أو إنزال العقاب بمن يخالف ما جاء به ونص عليه. فهو صاحب القرآن حيث التشريع, وهو صاحب القرار في الحروب والسلام وتوزيع الأسلاب والأموال والأسرى أو العبيد وهو القضاء في حسم الخلافات وإنزال العقاب والثواب. لقد أضافت السلطة السياسية عملياً الخيال الثالث لصناعة النبوة ونشرها بقوتين قوة الإقناع وقوة السيف، فمن لم يقتنع بالحجج التي يقدمها المريدون يأتي دور السيف، ولهذا يرفع المسلمون في أعلامهم السيف، كما هو  الحال في السعودية، أو كما عبر عنه العرب في تقاليدهم وثقافتهم: 
السيف أصدق أنباء من الكتب       في حده الحد بين الجد واللعب
والسيف، أي القوة والعنف، هو الذي ساهم في التوسع على الأرض في فترة وجود محمد وفي زمن الخلفاء الراشدين ومن ثم في الدول التي تبنت الإسلام للتوسع، سواء أكانت الدولة الأموية أم الدولة العباسية أم الدولة العثمانية أم الدول الأخرى أينما وحيثما نشأت على دين محمد وديدنه في الحكم.
ثم يتضمن الكتاب خاتمة مهمة تلخص النتائج التي توصل إليها الكاتب والتي ستجد الكراهية والحقد والإساءة من المتطرفين والمتشددين وأشباه المثقفين ممن لا يعون أهمية البحث العلمي وضروراته. ويبرز أمامي في هذا الصدد مقال خالد موسى ممثل النظام الإسلامي الاستبدادي السوداني في ألمانيا والمعبر عن هذا الموقف الإقصائي لكل من يفكر بعقلانية وعلمية، فعنده التفكير لا يبتعد عن قاعدة "لا تفكر لها مدبر!" وكفى الله المؤمنين شر القتال. أما الرأي والرأي الآخر فلا مكان لدى هؤلاء الناس الذين تعلموا في الكتاتيب ولم يغادروها فكراً وممارسة. 
أين تكمن قوة كتاب نبوة محمد؟
إنها على وفق قناعتي تكمن في النقاط التالية:
1.   في معرفته الممتازة لأصول وأسس وقواعد الأديان التي سبقت التوحيدية ومن ثم التوحيدية قبل الإسلام ومن ثم الدين الإسلامي المستلهم منها بسبب دراساته المقارنة وتدريسه لها، وبالتالي فهو يتحدث عن معرفة معمقة وموسوعية في مجال الديانات عموماً والدين الإسلامي خصوصاً.
2.   استخدامه للمنهج العلمي النقدي والشفاف في دراسة الأديان الثلاثة التي يطلق عليها بالسماوية، اليهودية والمسيحية والإسلام، والتحري عن أصولها المشتركة وتفرعاتها والتمايز في ما بينها، سواء في مكان ظهورها أو زمن هذا الظهور أو الظروف التي أوجبت بروزها، إضافة إلى فعل وتأثير الديانتين وكتابيهما على القرآن وعلى عملية جمعه فيما بعد.
3.   استخدامه لأبرز وأكثر المصادر العربية والإسلامية والأجنبية التي بحثت في تاريخ نشوء وتطور الإسلام والتي يشهد لها بأنها الأكثر إلى الصواب في ما نقلته أو تحدثت به، إضافة إلى تحليل أساليب وأدوات نشر الدعوة الإسلامية وصناعة النبوة الجمعية الاجتماعية.
4.   في جرأته وصراحته في الكشف عن الحقائق الصلدة دون اعتبار لتلك القوى التي ستسعى بعد نشر الكتاب إلى نهشه. فالحقائق رغم نسبيتها صخور صلدة من لا يعترف بها يصطدم رأسه بها ويتحطم، كما يقول المثل الانجليزي. لقد كشف عن طبيعة النبوة وكونها نابعة من خيال خلاق للإنسان وبالتالي فالنبوة صناعة إنسانية وليست صناعة إلهية، وبالتالي فأن الله لم يصنع الإنسان كما إنه لم يصنع النبوة والمرسلين أو الأنبياء  بل الإنسان والأنبياء هم الذين صنعوا إلههم الواحد الأحد.
5.   وكان الكاتب محللا دقيقاً ومدققاً وواضحاً جداً في تشخيص العوامل التي دفعت محمد إلى التحول في حالات ثلاث جوهرية هي:
أ. من دين كان موجهاً لأهل مكة ومن فيها إلى دين موجه للمدينة ومكة ومن ثم للعالم.
ب. من الموقف السلمي في نشر الدعوة، إلى موقف يتميز بالعنف والسادية المرضية في الحروب والقتل والتعذيب والاغتيال والتمثيل ورفض الآخر والدعوة إلى مقاتلته.
ج. من الدعوة لدين جديد هو الإسلام إلى العمل من أجل الحكم والسيطرة والتوسع على حساب الغير. وما يرتبط بهذا التحول من متطلبات اقتصادية، أي من غزو وسلب للأرض والأموال والثمار من أجدل تأمين التوسع في القوات والمزيد من حروب الغزو أو "الفتح" الإسلامي.
6. الأسلوب الذي انتهجه النبي محمد في إقصاء الآخر سواء أكان الدين وثنياً أم يهودياً ومن ثم مسيحياً. فرغم إنه اعترف بها وبوجودها ولكنه أكد أنها بنشوء الإسلام انتهى دور الأديان الأخرى ولا بد أن يكون الجميع في صفوف المسلمين، وأنهى عملياً "لكم دينكم ولي دين". ولم يكن هذا الطرح دفعة واحدة بل تدرج بها ليصل في المحصلة النهائية إلى عدم صلاحيتها, والإسلام هو للجميع. كما بشر بأن دين محمد أو دين الإسلام هو آخر دين ينزله الله لبني البشر وأغلق الباب على كل من يريد أن يدعي النبوة. كما إن روح الإقصاء استمر فعلها لدى شيوخ المسلمين والأحزاب الإسلامية السياسية حتى الآن وبعد مرور أكثر من 14 قرناً على بدء ظهور الإسلام. ويبرز هذا الإقصاء في حينها صارخاً في تهديم الأوثان وفي محاربة اليهود وقتل عدد كبير يصل إلى 600 رجل في بعض الروايات و3000 رجل في روايات أخرى مع سبي النساء والأطفال وتحويلهم إلى عبيد وصوب الإسلام، كما حصل هذا مع بني قريظة المؤمنين بالديانة اليهودية، أو ما حصل مع الأوس والخزرج وغيرهم. (ملاحظة: استوطنت في يثرب قبل ظهور الإسلام بعدة قرون ثلاث قبائل آمنت بالديانة اليهودية وهي بنو قريظة، وبنو قَيْنُقاع وبنو النضير. طرد محمد قبيلة بني قينقاع وبني النضير من يثرب بعد أن تعززت سيطرته حين رفضوا الإسلام ديناً بديلاً عن دينهم وليكون درساً لبني قريظة، التي تعرضت فيما بعد للمذبحة الرهيبة التي ذكرتها في أعلاه رغم حفاظها على العهد ولم تدعم قوى الأحزاب المكية ضد محمد والمسلمين. ك. حبيب). 
أورد الكاتب صلاح يوسف في مثال له بعنوان "الأسباب الحقيقية للتكفير... بعض الآيات القرآنية التي تدلل على رفض محمد والإسلام للديانات الأخرى في الفترة الثانية التي تميزت بالتحول صوب العنف وعدم التسامح مع أتباع تلك الأديان: "يقول محمد في القرآن ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون )، كما يقول ( يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ) كما يضيف ( وإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ) كما يقول ( كتب عليكم القتال ) ويقول أيضاً ( اقتلوهم حيث ثقفتموهم ) !! القرآن إذن يضج بالأوامر ( الإلهية ؟ ) التي تحرض المؤمنين على قتل الكفار وقطع رؤوسهم كما فعل محمد بقبيلة بني قريظة التي ذبح رجالها وسبى نسائها واسترق أطفالها ونهب أموالها .. لماذا ندفن رؤوسنا بالرمال ولا نجرؤ على البوح بالكلمة الحرة الصادقة ؟؟!" (الحوار المتمدن, صلاح يوسف, الأسباب الحقيقية للتكفير, العدد 4420 بتاريخ 19/9/2013).         
7. ويستخلص الكاتب محمد محمود بدقة سليمة إن الانغلاق الفكري على البحث العلمي والتفكير العقلاني قد دفع بالدين الإسلامي والمسلمين إلى الأزمة الحضارية الراهنة، فهم يعيشون في حضارة القرن الحادي والعشرين من حيث استخدام أعلى مستويات منتجات ومنجزات الثورة العلمية والتقنية وثورة الأنفوميديا من جهة، ولكنهم يعيشون في ما يشبه القرون الوسطى من حيث الفكر ومستوى العقلية والحرية والحياة الديمقراطية، بما في ذلك حرية البحث الأكاديمي وحرية المرأة ...الخ من جهة أخرى. إنها المحنة والتناقض الذي يدفع بالمسلمين باتجاهات عدمية ومتطرفة. فهم يعتقدون بالقدرة على العودة إلى الماضي السلفي في الفتح والتوسع وإقامة دولة الله على الأرض بعد مرور 1434 سنة هجرية، ويحق لهم استخدام الحروب والغزوات والعنف كما استخدم في سالف الزمان ليعودوا إلى حكم الخلافة حتى لو مات الملايين من البشر، وهو ما يشاهده ويعيشه الناس في العمليات الإرهابية والقتل الواسع النطاق لتنظيم القاعدة والتنظيمات الإسلامية السياسية المتطرفة والإرهابية، وهي نتاج للتثقيف والتربية الدينية في المملكة السعودية وإيران والسودان والعراق وغيرها، أو في محاولات قوى إسلامية سياسية تسمى معتدلة ولكنها في المحصلة النهائية تصل إلى نفس العواقب السيئة والسلبية كما حصل في مصر على أيدي جماعة الأخوان المسلمين أو ما يجري في العراق والسودان وغيرها.
إن الاستنتاج الأساسي الذي سجله الدكتور محمد محمود والذي أثار ويثير غضب المهووسين بمناهضة البحث العلمي والعلمانية والمتشبثين بقدسية الدين والفكر الديني هو الافتراض الذي طرحه في مقدمة الكتاب وبرهن عليه على امتداد الفصول الـ 13 والقائل: " وننطلق في كتابنا هذا في النظر لنبوة محمد وللنبوة عامة من افتراض أولي مؤداه أن النبوة ظاهرة إنسانية صرفة، وأن الإله الذي تتحدث عنه النبوة لم يحُدِث النبوة ويصنعها وإنما النبوة هي التي أحْدَثَت إلهها وصنعته." (المقدمة صفحة ح). وبهذا المعنى فالنبوة فعل إنساني خلاق، خيال نشط وإبداعي فردي، ولكنه يخلق معه خيال مجتمعي جمعي يلتزمه ويدعو له ويعزز وجوده، ثم يكرسه خيال سلطوي تسلطي يذود عنه ويشرع له. يومكن أن نتابع ذلك في الدول ذات الأكثرية الإسلامية التي تتحدث عن الدين باعتباره دين الدولة وتكرسه في دساتيرها وتمنع أي بحث في نقد الدين أو الفكر الديني كما في المادة 126 من الدستور السوداني السيئ الصيت أو دساتير أخرى بالدول العربية.
إذن نحن أمام حقيقة علمية مهمة قيلت قبل قرون من الفارابي وبن رشد وغيرهما في أن الإنسان هو الذي خلق إلهه وليس الإله من خلق الإنسان، وليس الإله من خلق النبوة، بل النبوة هي التي خلقت الإله.
لم يكن محمد هو النبي الثالث في التوحيديين, بل كان هناك 25 ألف نبي في هذا العالم الفسيح وجلهم أن لم يكونوا كلهم في هذه المنطقة من المشرقين الأدنى والأوسط. وعلى وفق رأي محمد وما ورد في القرآن فأن هناك 25 نبياً يحتلون الصدارة وقد وضعت في نص على النحو التالي كما كنا نتعلمه في المدرسة أو في البيت والذي حفظناه عن ظهر قلب أو في الصدر:
خــمــس وعشرون فخذ بياني
هـم آدم إدريـــس نــوح هود***يــونــس إليــاس يــسع داودُ
ثــــم شــعــيــب صالح أيوب***إســحـــاق ثم يوسف يعقوب
هارون إبراهيم لوط موسى***ذو الكفل يحيى زكريا عيسى
ثــم ســلــيــمـان وإسماعيل***خــاتــمــهــم مـحـمـد الـخـليلُ
ولكن الكثير من الأنبياء الذين ظهروا وأعلنوا عن نبوتهم في العالم لم يسعدهم الحظ لبناء دين جديد، والكثير منهم كان كبقية الأنبياء من الذين تبنوا أفكاراً إصلاحية بغض النظر عن النتائج التي وصلت إليها في المحصلة النهائية تلك الأفكار والأديان.
برلين في 2/10/2013                كاظم حبيب 


137
كاظم حبيب
قراءة في كتاب [هروب موناليزا "بوح قيثارة"] للشاعرة بلقيس حميد حسن




 
الكتاب: هروب موناليزا، بوح قيثارة
الكاتبة: بلقيس حميد حسن
دار  النشر: دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع
مكان النشر: بغداد
تاريخ النشر: طبعة أولى، 2013   
عدد الصفحات: 275 صفحة
 
صدر حديثاً للشاعرة المبدعة وعاشقة الحب والحياة بلقيس حميد حسن كتابها الجديد أو كما ثبت على الغلاف الأول "سيرة ذاتية للكاتبة ولنساء عرفتهن في طريق الحياة", وهو يجسد مجرى مسيرتها الحياتية والنضالية ومن عرفتهن في طريق النضال الطويل. فماذا حمل إلينا هذا الكتاب الجديد وهي الشاعرة المبدعة التي أتحفتنا بجميل شعرها، بباقات من شعرها الفواح بعطر الحياة وسحر الحب والجمال ورقة الكلمات.
حين كنت في هولندا للمشاركة في احتفال تكريم الصديق العزيز والكاتب البارز الأستاذ جاسم المطير, أهدتني الشاعرة والصديقة العزيزة لي ولأم سامر كتابها الجديد، وكانت هدية جميلة فشكراً لها ولهديتها.   
تتميز بلقيس بتعدد المواهب والكفاءات، فهي شاعرة موهوبة ومبدعة ورقيقة، تمتلك صوتا غنائياً منعشا ومشنفاً للأسماع ورقصها ساحر وأناقتها وذوقها في اختيار ملابسها يتسم بالبداعة ويعبر عن حس مرهف للألوان وتناسقها أو علاقاتها المتبادلة، ولها طباع تغري الإنسان بحبها, إنها باختصار امرأة, نفاذة لا تنسى وجميلة في آن.
سمعتها تشدو شعراً لها بصوت غريد سحرتني وسحرت من استمع إليها من النساء والرجال الذين طلبوا المزيد فزادت باستحياء ولكن مقرونة بالثقة بالنفس، إذ كانت تصدح بأبيات من شعرها الرشيق والرقيق، الحزين أحياناً والسعيد الضاحك المقهقه أحياناً أخرى، العاشق حتى الثمالة أو المنكوب بعشقه، الثائر كبحر هائج، والهادئ كخرير المياه في نهر صغير، إنها النسمات الصباحية المنعشة والمحفزة للحياة.
قرأت لها مقالات فتعلمت منها أسلوبها وعمق مضامينها ومفرداتها وسعة افقها ورقة أحاسيسها وجميل قولها.
تحادثنا فكانت غزيرة بمعارفها العامة وحافظة كبيرة للشعر وذات اطلاع واسع وقدرة غنية على تبادل الرأي والحوار بتواضع جم، تملك روح النكتة وقادرة على الضحك على نكتة أو موقف يخصها. 
نشأت في بيت شعر عاشق وحافظ للشعر. الأب، الذي أصبح نموذجاً للطفلة والصبية والمرأة الناضجة بلقيس، كان يدفع بها وبأخيها إلى حب وحفظ الشعر العربي والتمتع به وفهم معانيه وفك رموزه. لقد نقل حبه للشعر وموهبته في حفظه لابنته وابنه، رغم اختلاف المشارب، إلا حفظ الشعر ونظمه، وأن اختلفا في الفكر والاتجاه والمضمون والمنحى العام. 
قرأت لها أخيراً سيرتها الذاتية التي أسمتها هروب موناليزا "بوح قيثارة"، إنه عنوان جميل لقصيدة أو أغنية أو قصة أو سيرة ذاتية تسجيلية وتحليلية ذكية، وكانت الأخيرة. إنها بوح ونوح ومسرة قيثارة في آن، هي لوان قزحية متناسقة، إنها أغصان جميلة معطاءة مطعمة بشجرة غريبة، ذات ثمار كثيرة، على وفق تعبير الشاعر صلا نيازي الذي عنون سيرته الذاتية بكتاب "غصن مطعم بشجرة غريبة"، إنها شجرة الناصرية ذاتها، المدينة التي ولدت فيها وولد فيها قبلها الشاعر المبدع صلاح نيازي. إنها مزيج من مشاهد كثيرة يصلح بعضها الكثير أن يمثل على المسرح بعد أن وقعت أحداثه في الواقع المعاش ولم تنقطع عن مسرح الحياة الفعلي. إنها رواية تسجيلية لسيرة ذاتية وسيرة مطعمة بسير أخرى يشتبه القارئ لأو القارئة لها، أو قل إنها أرادت لهما ذلك، أن تتمشكل عليهما اللوحة وكأنها تقول لهما إنها أنا بلحمي ودمي وأعصابي، عشقي وجنوني في الحب والهوى، وإنها هي تلك المرأة التي تتصورونها، أو إنها هن كلهن فلا فرق في ذلك.
قبل أن أبدأ بمطالعتها قال لي الصديق الأستاذ فارس الماشطة إنها روايتها الأولى، وهي بديعة بانتقالاتها الرشيقة من وتر إلى آخر, من موقف إلى آخر، من الطفولة البريئة إلى الصبية اليافعة, إلى السياسية الثائرة، إلى النساء الرفيقات المعتقلات المعرضات للتعذيب الهمجي في سجون النظام، إلى شرطة الحدود وقرارات منع الناس من السفر المخالفة لأبسط حقوق الإنسان، وطيبة الشرطي أو رجل الأمن الذي لم يعتقلها وتركها تعود إلى بغداد، ثم الهروب بجواز مزور عبر الحدود العراقية والغربة، إلى الحديث عن الحب والحياة المنعشة، إلى سلخ سلوك الفحولية المزيفة لدى الذكور التي تستحق الجلد، إلى الرجل الذي أهمل زوجته وراح يلوط بالصغار من الأولاد وكيف يقنعهم بإدخال سهل غير مؤذٍ، إلى الرجل الذي يغشى زوجته ولا يعرف الوفاء لحبيبته ولا لزوجته، إلى الحنين الطاغي للوطن وملاعب الأطفال رغم المآسي التي يعيش تحت وطأتها الناس بالبلاد، إلى الحوار مع الأب الذي لن يعود، الأب المغرم بأبنائه والشعر وبالبنت الشاعرة المغرمة بأبيها أيضاً، إلى الأم الطيبة التي تخشى على ابنتها من أي تنوير نسوي، إلى اللعب بالعصفور من طفل صغير ومن ثم من رجل محروم ومكبوت إلى حد اللعنة في مجتمع ملعون بالمحرمات، وخاصة الاختلاط بالمرأة.
ثم قرأت الرواية واعدت قراءة بعض أوتارها. القارئ المتعجل سيجد فيها متعة جنسية في مشاهد معينة لا غير، وربما البعض الآخر سيجد فيها الشطط عن المقبول والمعقول في مجتمع متخلف مصاب باللعنة، عندها سيخرج باستنتاج متعجل أيضاً. وهو أمر طبيعي. ولكن القارئ المتمعن والمتأني سيطرح على نفسه السؤال التالي: هل هذا هو هدف الرواية؟ ليس هذا هو الهدف، حسب قناعتي، ولكنه يحقق جانباً مهماً منه، لأن الحب هو الحياة والعشق أو الهيام بكل أنواعه، هو غاية الإنسان في الحياة وجوهر وجوده، وهو من خصائص الإنسان وطبيعته بالفطرة. لهذا لا أشك في أن تتمتع القارئة ويتمتع القارئ وهما يقرأان رواية هروب موناليزا (بوح قيثارة) بوقت جميل والشعور بأحاسيس جياشة ورغبة داخلية في التعبير عن الذات أيضاً. ومن جانبي فقد تمتعت حقاً بها وبأوتارها ومشاهدها. ولكن السؤال الذي طرحته على نفسي هو: ما هي الخصائص التي ميزت هذه الرواية أو السيرة الذاتية للشاعرة الحالمة والمتيمة دوما بحب الإنسان والحياة؟ أود أن الخص ما تلمسته أثناء القراءة بالنقاط التالية:
إن الرواية جسدت رغبة جامحة لا يمكن إيقافها في التعبير عن الذات، في الكشف عن المكنون، في وضع ما يسمى بالحياء المفتعل جانباً، في قول ما يجب أن يقال بكل شفافية وصدقية وأمانة بالغة مع النفس والقارئة والقارئ. إنها الصراحة التي تجعل كل كتاب مرغوباً ومطلوباً ومقبولاً.
والرواية تسجل شاعرية الكاتبة بلغتها الرشيقة والرقيقة التي استخدمتها في انجاز تلك الأوتار الصداحة بالحزن والفرح والألم الدفين والرغبات الجامحة والشبق الذكوري أو النسوي الشديد. إنها شفافة ورقيقة حتى في المواقع التي تتحدث فيها عن القسوة كما عبرت عنه وهي في بيت عائلة رجل الحدود الذي منعها من السفر ولكنه لم يسلمها لقوى الأمن، إنها التفاتة إنسانية لم تفت على شابة ذكية وجميلة مثل بلقيس رغم خشيتها من نظرات الرجل الشرقي المغرم بعصفور المرأة لا غير، على حد تعبير الأستاذ الكاتب والساخر خالد قشطيني (أبو نايل) في واحد من مقالاته الغزيرة بالمعلومات والسخرية، وأن سما العصفور الطفولي باسمه الأصلي.
والرواية تكشف بلا رحمة عن المكنون والمخفي أو "السر" المعلن في المجتمع، عن حقيقة وسلوك الناس، عن الازدواجية المرضية التي تفرضها تقاليد وعادات وتربية المجتمع، عن المشاعر التي يخفونها ويخشون الإعلان عنها، عن شتمهم للواط وممارسته على أوسع نطاق، عن رفض السحاق وممارسته على نطاق واسع، عن بؤس وفاقة الفكر والعقل في المجتمع الإسلامي المأزوم دوماً والخالق للبشرية أزمات غير قليلة.
إنها تكشف بإصرار صارخ وموضوعي مطلوب عما كانت تعيشه وتحسه وهي صبية يافعة، كيف كان البعض يتعامل مع براءتها بسبب الكبت الذي كان يعيشه الجار الشاب أثناء مشاهدة التلفزيون والتي تجسد ذلك الكبت الذي يعاني منه الرجل في مجتمع لا يقدس ولا يجد غير منع الاختلاط وحماية العصفور، حسب تعبير بلقيس، إنه الشرف المزيف للعائلة والمجتمع في وقت تدنس الأنظمة العائلة والمجتمع بشتى الموبقات يومياً. إنها اللعنة حقاً، إنه الجذام الذي أصيبت به المجتمعات الإسلامية، ومنها الإسلامية العربية. 
والرواية تعبر ببساطة وعفوية منشودة عن العلاقة الملتبسة دوماً، العلاقة بين القاهر والمقهور, بين السلطة والمواطن والمواطنة، بين سلطة تريد له أن يعيش تحت هيمنتها وظلمها وقهرها واستغلالها وفسادها وإرهابها وقمعها، وبين مواطن يريد ببساطة العيش بكرامة وحرية واستقلالية. والمحصلة لهذه العلاقة هي الانتفاضات والرفض الشعبي والثورات، والتي يمكن أن ترتبط بإعدامات وقتل وسجون وتعذيب الذي يصيب ولا يرحم حتى الأطفال والشيوخ والمرضى، دع عنك الرجال والنساء.
وتقدم الرواية لوحة واقعية عن المهاجرين من بلاد الشرق إلى بلاد الغرب، من بلاد التخلف والحرمان إلى بلدان التقدم والحرية والمشكلات التي يعانون منها في مختلف المجالات، ومنها الجنس والعلاقة بين المرأة والرجل. الواقع الذي أعرفه ان نسبة عالية من العراقيات والعراقيين قد تركوا أو طلقوا زوجاتهم أو أزواجهن، وإن علاقاتهم بالنساء الغربيات محفوفة بالمخاطر. تحدث لي صديق تعرف على امرأة غربية صادقها بعد أن غادر العراق وكان محروماً من النساء سنوات طويلة وربما كل عمره، فما كان منه إلا أن يحبها أو يدخل فيها أكثر من مرة في اليوم الواحد فصبرت عليه ثلاثة شهور صعبة وقاسية حتى أعلنت إنها غير قادرة على العيش على رجل لا يعرف غير الجنس فتركته، فصادق غيرها وسار  على نفس الدرب المعوج فتركته بعد شهر واحد لا غير. إن هذا الصديق ليس الوحيد في هذا الأمر، فالكثير من الرجال الشرقيين، وخاصة المسلمين، يقعون في هذه المزية السيئة بسبب الكبت والحرمان وغياب العلاقة الطبيعية بين المرأة والرجل.
إلّا إن السمة المميزة لهذا الكتاب تبرز في طرح الكاتبة وتبنيها الصادق والدائم للموضوع الأساسي في حياة مجتمعاتنا بالعراق والدول العربية وبالدول ذات الأكثرية المسلمة، وأعني به حقوق المرأة وحريتها ومساواتها التامة بالرجل ونضالها المستديم من أجل هذه الغاية. في أغلب صفحات هذا الكتاب يشعر القارئ أو القارئة بأنهما أمام صورة المرأة المغدورة بحقوقها وحريتها وكرامتها لا بسببها بل بسبب موقف المجتمع والقوانين والأعراف والتقاليد البالية والذكور من المرأة التي لم ينصفها الإسلام ومنحها نصف حق الرجل في الميراث وأطلق عليها ناقصة العقل والدين ...الخ من الترهات التي تتناقض مع دور وقدرات وكفاءات وحقيقة المرأة وتتعارض معها. وفي الكتاب صرخة مدوية ضد هذا الواقع المزري الذي تعيش المرأة تحت وطأته، وهي التي تقدم النموذج المتفتح والمنفتح على الحرية والثقافة والحضارة الحديثة. هذا هو من حيث الأساس جوهر الكتاب ومضمونه.
ويتجلى ذلك في التحليل الواقعي لشخصيات الرواية، سواء لشخصها أو لتقمصها شخصية سومر أو تقمص سومر شخصيتها، والأمر في المحصلة سيان. إذ أن التحليل الاجتماعي والنفسي الذي تقدمه عن امرأة شرقية مغرمة مولهة برجل شرقي متزوج من امرأة غربية غنية، متسلطة بمالها ورصيدها في البنك وحقوقها كزوجة، يجسد من جهة عند سومر القلق والتردد والخوف والغيرة وآلام الحب والسهر والانتظار الذي يقارب الموت التدريجي، ويجسد من الجهة الأخرى عجز الرجل الشرقي وفقدان حريته إزاء اتخاذ قرار حاسم بين زوجته المعلن عنها وزوجته السرية. إنها الخشية منها ومن غياب النعيم المالي الذي يعيش في بحبوحته، وليذهب الجميع إلى الجحيم. إنه رجل مسكون بشهوته الجنسية، يأتي متى تؤرقه هذه الشهوة، ومتى لا تكفيه أو لا تشبع غريزته المرأة القديمة، وليس للمرأة الثانية سوى فتح ساقيها له ليشبع تلك الغريزة ويغادر المنزل ليعود متى شاء هو وليس متى تشاء هي، إذ ليس لها، أو للمرأة في قاموسه الذكوري من حقوق ومصالح. إن الصراع الداخلي الذي عاشته سومر يدمر وضعها النفسي ويزيدها تعقيداً، كما يجسد أوضاع المرأة الشرقية وحالتها النفسية ليس في حالة واحدة هي الزواج من رجل متزوج، فهذه الحالة نموذج لأوضاع أخرى تعيشها المرأة كفرض الزواج على شابة ما تزال في مرحلة بين الطفولة والصبا من رجل بلغ سن الشيخوخة والكهولة...الخ، أو التزويج كصة بكصة ...الخ.
وأخيراً يقدم الكتاب لوحات جميلة عن حب إنساني عميق، عن تفاعل روحين وجسدين في حركة واحدة تعبر عن ذوبانهما في لحظة هانئة.
أتمنى أن يتسنى للجميع قراءة هذا الكتاب ليجدوا في المتعة والثقة في أنفسهم والجرأة في التعبير الحضاري والإنساني عما يشعرون به ويتمنون ممارسته.     
                       
1/10/2013                     كاظم حبيب






138
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية

بيان إدانة للجريمة الإرهابية التي وقعت بأربيل

حال إعلان نتائج الانتخابات العامة شبه النهائية في إقليم كردستان العراق التي مارس الشعب الكردي فيها حقه في انتخاب ممثليه في البرلمان الكردستاني، هذه الانتخابات التي شاركت فيها نسبة عالية من الناخبين لانتخاب 111 نائباً ونائبة في الدورة النيابية الجديدة والتي اتسمت بالنزاهة العامة حسب تصريحات المفوضية العامة للانتخابات والمراقبين الأجانب والمحليين والتي تميزت بالهدوء العام وبمستوى حضاري متقدم، حتى جن جنون أعداء الشعب الكردي والقوى المناهضة لفيدرالية إقليم كردستان ولتقدمه المتواصل في البناء والتعمير وتغيير وجه الإقليم الذي عرف الإهمال والتهميش على امتداد العقود التي سيطرت الحكومات المركزية على مقدرات الإقليم، فنفذت جريمة نكراء جبانة بحق الناس الأبرياء حيث سقط ستة شهداء و42 جريحاً ومعوقاً بمدينة أربيل التاريخية وعاصمة الإقليم.
إن القوى الإرهابية المعادية التي نفذت هذه الجريمة البشعة استهدفت إشاعة الفوضى وعدم الاستقرار بالإقليم لتحوله إلى ما هو عليه الوضع في بقية أنحاء العراق من قتل وتخريب وتدمير غير منقطع، ولكنها خسئت فلن يكون في مقدورها تحقيق ذلك، فالشعب الكردي كله يقف لها بالمرصاد وسيفشل كل الخطط الجهنمية الموضوعة في الرؤوس المريضة للقوى المعادية للشعب الكردي.
لقد نفذت قوى الإرهاب الأسود جريمتها البشعة ضد الجهاز الأمني الكردي (الأسايش) باعتباره الجهاز المسؤول عن حماية الأمن والاستقرار في الإقليم والذي نجح في منع وقوع جرائم من هذا النوع ولسنوات كثيرة وبدعم من الشعب الكردي الذي ساهم في إحباط مثل هذه المحاولات.
إن الأمانة العامة للتجمع العربي لنصرة القضية الكردية إذ تدين بشدة هذه الجريمة البشعة ضد الناس الأبرياء وأجهزة الأمن بهدف إشاعة عدم الاستقرار، تتوقع بأن الجهات المختصة ستكثف الجهود الحثيثة للكشف عن القتلة المجرمين وتقديم من يقف خلفهم للمحاسبة القانونية ومنع تكرارها. ومن المؤلم والمؤسف حقاً أن نشير إلى أن بقية أنحاء العراق تعاني من استمرار القتل والتخريب والتدمير دون أن تتمكن الحكومة الاتحادية وأجهزتها الأمنية من إيقافها ووضع حد نهائي لها.
أن الأمانة العامة إذ تقدم أحر التعازي لعائلات وذوي الشهداء ولرئاسة وحكومة إقليم كردستان، ترجو للشهداء الذكر الطيب والشفاء العاجل للجرحى والمعوقين، وهي على ثقة بأن المجرمين لن يفلتوا من العقاب العادل.
لتشل يد الإرهاب الدموي بأربيل وبكل أنحاء العراق ولتتعزز وحدة الشعب الكردي وعموم الشعب العراقي في مواجهة قوى الإرهاب الدموي. 
الأمانة العامة
التجمع العربي لنصرة  القضية الكردية
الاثنين المصادف 30/9/2013         

139



كاظم حبيب

بشاعة الجرائم الدموية التي ارتكبت بمدينة الثورة ببغداد، فمن هم القتلة؟

يوم أول أمس كان يوماً دامياً بالنسبة لسكان مدينة الثورة الكادحة وللشعب العراقي بأسره، كان يوماً حزيناً فجعت عشرات العائلات بسقوط عشرات الشهداء مضرجين بدمائهم وأشلائهم المتناثرة في كل مكان وتلك التي يحملها الباء والأخوة, إضافة إلى عشرات الجرحى والمعوقين. عشرات الناس الباكيات واللاطمات على موتاهم وأصواتهم تقطع نياط القلوب. كان يوماً مريراً لكل من يملك ضميراً نقياً وحساً وطنياً وإنسانياً شريفاً ومن يدرك بشاعة الجرائم التي ترتكب يومياً بالعراق في ظل حكومة طائفية فاشلة يائسة غير مهتمة بشعبها بل همها \ان تملأ جيوبها وجيوب أحزابها ومستشاريها بالسحت الحرام وبالتوقيع على وثيقة شرف جديدة، وكأن ما اتفق ووقع عليه سابقاً لم يكن من وثائق الشرف، ومنها الدستور العراقي ذاته.
استشهد يوم أول أمس 73 إنساناً عراقياً وأكثر من 180 جريحاً ومعوقاً، كما قتل قبل ذاك وفي الأشهر الثلاثة الأخيرة عدة آلاف من المواطنات والمواطنين وجرح وعوق ألاف مضاعفة أخرى، وكذلك ما أشرنا إليه في مقال سابق عما يجري لأبناء وبنات البصرة والناصرية والكوت من تهجير قسري وتهديد بالقتل والقتل لأنهم من المؤمنين بالمذهب السني في الإسلام، ومنهم الكثير والكثير جداً من عشيرة آل السعدون وعائلات جنوبية أخرى. فإلى متى يستمر هذا القتل الإجرامي وهذا التهديد بالقتل والتهجير القسري بحق الناس البسطاء، بحق أبناء وبنات الشعب العراقي، إلى متى تفقد العائلات المزيد من البنات والأبناء والمعليلين، إلى متى يصمت هذا الشعب ويرى بأم عينيه سقوط ما يزيد عن ستة ألاف قتيل خلال هذا العام ولحد الآن فقط وأكثر من عشرة ألاف جريح ومعوق. وكم مواطن قتل قبل ذاك بقليل من الشبك والترك في محافظة الموصل. 
إنها لكارثة حقاً أن يحكم العراق سياسيون من هذا النوع، فهم ليسوا برجال دولة يحترمون أنفسهم وشعبهم وقضية العراق ووحدة شعبه. إنهم سياسيون مخادعون يضحكون على ذقون الناس دون خجل أو رادع أو وازع من ضمير. فهذا الخزاعي يستبدل فكرة المؤتمر الوطني التي طرحها رئيس الجمهورية، الراقد حالياً في المستشفى، لمعالجة مشكلة العراق المركزية المتجلية بانقسام الشعب إلى طوائف متصارعة بفضل الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية وسياساتها المقيتة, إلى مجرد دعوة للتوقيع على وثيقة شرف ليخلق، كما يعبر عنها بالعراق "لا تطير ولا تنكض بالأيد"!
وكما عبر عن ذلك هذا الخزاعي، المهتم جداً جداً، هو ورئيس التحالف الوطني (البيت الشيعي) إبراهيم الجعفري، بتكوين طبخة عجينة متماسكة من الموزائيك العراقي، وهما، ومعهم رئيس الوزراء، الذين لعبوا الدور المركزي عبر سياساتهم الطائفية المريرة في تفتيت وحدة الشعب العراقي. أي عجينة هذه التي يريدون تكوينها هذه المجموعة السياسية الطارئة على حياة البلاد والغارقون في عفونة الطائفية، هكذا يستفسر الناس بالعراق!!
إنهم يوقعون على وثيقة شرف لتحقيق السلم الاجتماعي، ولكن أين هي السياسة التي تسهم في تحقيق السلم الاجتماعي بالبلاد.
لقد نفذ الإرهابيون جرائم بشعة بمفخخاتهم وانتحاريهم. ولكن من هم هؤلاء القتلة؟ لا يعرف الشعب بالضرورة من القاتل، فقد اختلط الحابل بالنابل والمتسربون على أجهزة الدولة والمشاركون في الحكم كثيرون ومن هويات عديدة. ولهذا فمن حق الشعب أن يسأل: هل القتلة هم من قوى تنظيم القاعدة المجرمة فقط، أم لهم من يساعدهم من قوى محلية وخارجية ومن دول أخرى، هل إنهم من قوى أخرى تسعى للانتقام من جماعة الصدر بسبب سياساتها النقدية لسياسة المالكي خلال السنة الأخيرة على نحو خاص؟
يا حكام العراق، يا حزب الدعوة الإسلامية الحاكم والمنفرد بسياساته الطائفية سوف لن يكف القتل والموت العشوائي أو الهادف بالعراق ما دام الحكم طائفياً مقيتاً ويشارك بذلك بكل ما يحصل بالعراق، إذ ما دام الصراع بين أحزاب إسلامية سياسية طائفية، وما دام هاجس الحاكم المستبد بأمره والغارق في نرجسيته هو الأمن وليس غير الأمن وليست لديه أية حلول سياسية للمشكلات القائمة بالبلاد. وإذا كان الحاكم بأمره لا يملك حلولاً ولم يطرح حلولاً حتى بعد التوقيع على "وثيقة الشرف" الهزيلة والمهزلة، فلماذا هذا التوقيع على وثيقة ليست سوى "ورقة إنكعها ونشرب ميها" ليس إلا، كما يقول المثل الشعبي العراقي.
لقد تحول العراق إلى مآتم بعد أن كان هناك مأتمان في مدينة الثورة بفعل المجرمين العتاة الذين لا هم لهم سوى مطاردة الكادحين من أبناء وبنات الشعب العراقي وقتلهم بمختلف الصور. ورغم هذا الموت الواسع يتحدث الحكام وبعض سفرائه بالخارج عن سلامة العراق وسيادة الأمن فيه وتقدمه!!!
يا حاكم العراق الراهن، يا من في عهده أرتفع عدد القتلى والجرحى والمعوقين العراقيين والعراقيات إلى أعداد مخيفة،    سوف لن يغرف لك الشعب ما تمارسه اليوم من سياسات تقود على مثل هذه الصراعات الدموية والعواقب الوخيمة ثم توقع على وثيقة أشبه بالقانون الذي تحكم به بالنهار وترقص عليه ليلاً.
لقد بلغ السيل الزبى وطفح الكيل يا رئيس حزب الدعوة الإسلامية والحكومة العراقية والقائد العام للقوات المسلحة "حفظه الله ورعاه!"، يا حزب الدعو الإسلامية، يا البيت الشيعي ، لا بد لكم، ومن معكم من مستشارين الذين لا هم لهم سوى المال، أن تدركوا بأن المجرمين قتلة الشعب العراقي لن يتوقفوا عن إجرامهم اليومي فهذه المهمة البشعة قد أوكلت لهم، ولكن على الحكومة التي تحترم نفسها وتحترم شعبها أن تعمل بما يضع حداً لنشاط القتلة المجرمين في بلاد الرافدين، وأن تتخلى عن الحكم حين لا تستطيع القيام بذلك. وهي تبرهن بألف دليل ودليل ويومياً بإنها عاجزة عن توفير الأمن والحماية للشعب.
إنكم مهمومون بالانتخابات القادمة وتسعون إلى إقامة تحالفات في ذات الدائرة الطائفية والقوى المستعدة على  المساومة معكم من طائفة أخرى ليبقى الحكم طائفياً وبعيداً عن الوطن والمواطنة وهموم الشعب، وربما سيستمر استفادتكم من المخدر الذي تجرعه الشعب منذ سنوات، مخدر الطائفية اللعين الذي ما يزال مؤثراً في أوساط الكادحين والفقراء والذين غاب عنهم التنوير الديني والاجتماعي على نحو خاص، ولكنه مرض الطائفية شمل جمهرة من المثقفين الذين أصيبوا بطاعونها وهم يشاركون في بث سمومهم دفاعاً عن القوى الطائفية الحاكمة وعن الحكم الطائفي. ولا يمكن إنكار طائفيتكم سواء حين كنتم في المعارضة أم حين أصبحتم في السلطة، فرئيس الوزراء هو رئيس حزب طائفي بامتياز وعضو البيت الشيعي العراقي الطائفي بامتياز في مقابل رؤساء طائفيين لأحزاب طائفية أخرى من الطرف الثاني، وهكذا تلعبون لعبتكم البائسة في تشديد الصراع الطائفي فعلياً وتوقعون على وثيقة شرف ليست سوى مأساة ومهزلة في آن.
وأخيراً، إلى عائلات شهداء مدينة الثورة ببغداد وكل الشهداء الذين سقطوا خلال الأسابيع والأشهر الأخيرة وك السنين السابقة على أيدي الإرهابيين والطائفيين المقيتين التعازي الحارة والرجاء بالصبر والسلوان وللجرحى والمعوقين الشفاء العاجل وللشهداء الذكر الطيب.
24/9/2013                        كاظم حبيب   

140
كاظم حبيب
هل وقع حكام العراق على وثيقة شرف جديدة, أم إنها محاولة جديدة للضحك على ذقون الشعب!

 غريب وعجيب أمر ساسة العراق الجدد الذين يحتلون السلطات الثلاث في الدولة العراقية الهشة والمشوهة فكراً وممارسة ويتصرفون بها وكأنها ملك صرف (طابو) مسجل بأسمائهم وأسماء أبنائهم وأحفادهم وأقاربهم، فهم كما عبر عن ذلك رئيس وزراء هذه الدولة المشوهة نوري المالكي "أخذناها بعد ما ننطيها"! فهم لا يتحدثون بشفافية وصراحة حتى لو جزئية للناس ليعبروا عن نواياهم وما يسعون إليه، بل يمارسون ما يسعون إليه مباشرة وبخلاف ما يطرحونه علناً. فهم ضد العنصرية والشوفينية والطائفية، ولكن ماذا تجسد سياساتهم ومواقفهم الفعلية وما يجري على أرض العراق في مختلف أنحاء العراق وآخرها ما يحصل لأهل السنة في البصرة والناصرية، ومنها ما يحصل لآل السعدون، أو المفخخات والاغتيالات التي لا يمكن أن تحصل دون حماية معينة أياً كان الحامي لهذه التنظيمات الإجرامية من القوى الحاكمة والحلفاء في الدول المجاورة. الشعب شاهد على ما يجري، ولكن هذا الشعب مخدر بالطائفية المقيتة وبأولئك الذين يسروا للطائفيين بأحزابهم وأيديولوجياتهم الطائفية أخذ السلطة، سواء أكانت الإدارة الأمريكية أم المراجع والمؤسسات الدينية.
كم مرة وقع هؤلاء الحكام على مذكرات تفاهم واتفاقات خلال السنوات العشر المنصرمة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما جرى في طهران وأربيل، وكم من مرة أخلَّوا مباشرة ودون حياء، ولم يكن حبر تواقيعهم قد جف، بتلك الاتفاقات والتفاهمات. فهم شركاء في ضرب كلمة الشرف عرض الحائط، إذ لم تعد تواقيعهم تستحق أي اعتبار، وما يوقعونه في الساعة الواحدة ظهراً ينسف في الساعة الواحدة والدقيقة الواحدة، إذ الأعمال بالنيات والنيات غير صادقة وغير أمينة وغير ...!
ماذا تعني وثيقة شرف لسياسيي العراق الراهن؟ ليس لهذه الوثيقة أي قيمة اعتبارية لأن موقيعها ينسون مضامينها وما وقعوا عليه حال خروجهم من تلك الاجتماعات وفي سرهم جميعاً دون استثناء ينزلون اللعنات على بعضهم ويتهمون بعضهم الآخر بكل ما أنزل الله من تهم باطلة وصحيحة على إبليس.
العراق الراهن يعيش محنة هؤلاء السياسيين الجدد وأغلبهم من أصحاب النعمة الحديثة ممن عثروا على كنز العراق النفطي فبدأوا يغرفون منه ما يشاؤون دون حسيب أو رقيب, والكثير منهم من الفئات الاجتماعية الهامشية أو الرثة التي كانت تعاني من علل اجتماعية ونفسية قاتلة بدأت تصدر عللها تلك إلى المجتمع وتسوقه إلى مستنقع الصراع القومي والديني والطائفي. إنها المحنة الحقيقية التي يعاني منها المجتمع العراقي.
أأروي لكم أيها السياسيون العراقيون، يا من وقعتم على هذه الوثيقة وغيرها، عن حكاية كتبت للأطفال ولكنها تليق بأغلب سياسيي العراق: تقول الحكاية إن أخوين ورِثا ثروة أبيهم الذي مات لتوه. جلسا ليتقاسما التركة بينهما. اقترح الأخر الأكبر أن تبقى الثروة لأحدهما بعد خوض سباق سباحة بينهما والرابح هو الذي تعود له ثروة أبيه. والشرط هو أن يعبرا صباح اليوم التالي دون تناول فطور الصباح نهر المدينة من جهتهم إلى الجهة الأخرى سباحة. وافق الأخ الأصغر على اقتراح أخيه.
الأخ الكبير الذي يعيش مع عائلته تناول فطوراً أعدته له زوجته، وجاء إلى الموعد قوياً قادراً على السباحة مسافة طويلة، وكان هذا أول إخلال بالشرط من جانب الأخ الأكبر وكان هو صاحب الاقتراح. في حين التزم الأخ الأصغر بالشرط ولم يتناول الفطور صباحاً. لم يبلغ الأخ الكبير أخيه الأصغر بما حصل. نزلا إلى النهر وانتهيا بفوز الأخ الكبير. فتسلم كل الثروة التي ورثاها عن أبيهما. قرر الأخ الصغير مغادرة المدينة ليعمل ويعيش في مكان آخر. حمل عليجته (حقيبة ظهر) وضع بها طعاما وشرابا واتجه صوب مدينة مجاورة. وبعد سير طويل أراد أن يستريح قليلاً فجلس تحت ظل شجرة وارفة وتناول بعض طعامه وشرب بعض مائه ثم نام قليلا. وفي المساء سمع صوت طير من على الشجرة يناديه باسمه، فنهض من نومه واستمع للطير العجيب القادر على الكلام. قال له الطير قم الآن وسر بنفس اتجاه طيراني وسأدلك على تل تصعد إلى قمته. وفي أعلى القمة ستجد حفرة مليئة بالذهب والمجوهرات النفيسة. املأ عليجتك بما تريد شريطة أن لا تبقى في الحفرة حين تشرق الشمس إذ إن شروق الشمس يعني ذوبان الذهب والمجوهرات وموتك الحتمي داخل الحفرة. استمع الصبي واقتنع بما قال الطير ونفذ ما أراد. سار خلف الطير وصعد على قمتها وشاهد العجب. حفرة مليئة بالذهب والبلاتين والمجوهرات النفيسة. بدأ يضع في عليجته ما يستطيع حمله من الذهب والبلاتين والمجوهرات. وقبل أن تشرق الشمس ترك الحفرة وتوجه صوب مدينته التي تركها دون ثروة ولا بيت يسكن فيه. وحال وصوله اشترى قطعة أرض وجلب لها معماريا وعمالا ليبنوا له بيتاً جميلاً. عرف الناس وكذلك الأخ الكبير بما صار لإليه الأخ الأصغر من ثروة كبيرة. سارع الأخ الكبير إلى أخيه الأصغر ليستدرجه ويعرف منه كيف حصل على هذه الثروة. ذكر الأخ الصغير لأخيه مباشرة ما حصل وتحدث له عن الطير العجيب وأخبره بحديث الطير والشرط الذي التزم به لكي لا يحترق بذوبان الذهب عند شروق الشمس.
فرح الأخ الكبير بالرواية وحمل في صباح اليوم التالي، بعد أن صنعت له زوجته عليجة كبيرة ليحمل بها كمية أكبر من الذهب والمجوهرات، وسار بالاتجاه الذي سار فيه الأخ الأصغر. وصل إلى الشجرة ذاتها فأكل وشرب قليلاً ونام تحت ذات الشجرة, ثم سمع في نومه صوت الطير فنهض واستمع إلى حديث الطير يخبره بما حدثه به أخوه. فحمل عليجته وأفرغ كل ما فيها لكي يستطيع حمل أكبر كمية من الذهب والمجوهرات وسار باتجاه طيران الطير. وصل إلى التل وارتقى إلى قمتها ورأى الحفرة المليئة بالذهب والمجوهرات. نبهه الطير العجيب مرة أخرى بضرورة ترك الحفرة قبل شروق الشمس. ضحك الأخ الكبير في سره وأكد له بأنه سيلتزم بالنصيحة. نزل إلى الحفرة وأخذ يغرف منها ما فيها من ذهب وبلاتين ومجوهرات وليرات ولم يتعب من ذلك. حتى بدأ الفجر يطل. فقال بصوب مسموع فليذهب أخي والطير إلى الجحيم فهما لا يريدان أن أحمل أكبر كمية ممكنة من هذه الثروة النفيسة فهدداني بالذوبان. الشمس لا تذيب الذهب والمجوهرات أبداً وواصل الغرف بيديه حتى أشرقت الشمس ولم يجد الأخ الأكبر نفسه إلا وهو يغوص شيئا فشيئاً في الحفرة ولم يستطع الإمساك بأي شيء ينجيه من الغرق في الذهب الذي بدأ يذوب بسرعة فائقة. غرق الأخ الكبير في داخل الحفرة ومات فيها وغطاه الذهب السائل ولم يعد إلى بيته ثانية. أدرك الأخ الصغير أن أخيه قد طمع في كنز الذهب والمجوهرات ولم يستمع لنصيحة الطير وتجربته فمات في الحفرة.
وهكذا كان، وهكذا هي الشمس تعطف على الناس الطيبين غير المخادعين وتوفر لهم الدفء والحنان والأمل، ولكنها تكشف عن الطماعين والنهابين والمخادعين بنورها وتحرقهم بشدة حرارة أشعتها. وهكذا سيكون دور الشعب العراقي حين يعي ما يجري له ويبتعد عن الطائفية المقيتة المهيمنة على جل تفكيره، وعلينا أن نتذكر بأن العراقيين غالباً ما رددوا وسيرددون "الشمس طلعت على الحرامية وبانت أفعال النهيبية"! إذ إن هذا هو ما يجري اليوم بالعراق الحبيب المبتلى الذي سقط بأيدي من لا رحمة في قلوبهم ورفضوا الالتزام بالدستور عملياً الذي وضعوه هم أنفسهم، فكيف والحال مع وثيقة جل ما تسعى إليه هو الضحك على ذقون الشعب.
العراق يمتلك دستوراً، على نواقصه المعروفة، يعتبر ميثاق شرف أقرته الغالبية العراقية وعلى الجميع الالتزام به, فما حاجة البلاد إلى وثيقة شرف يوقع عليها أولئك الحكام الذين يفترض فيهم أن ينفذوا بنود الدستور ولم يلتزموا به بل شوهوه بقانون انتخابات ليضمن لهم "أخذناها بعد ما ننطيها" أو "جئنا لنبقى" على حد قول الدكتاتور الأهوج صدام حسين، إذ إن القولين لا يختلفان بالمعنى والمقصود.
ليس في هذه الوثيقة أي جانب إيجابي، فهي تريد كسب الوقت إلى حين الانتخابات وسوف تساهم بتصعيد الصراع الطائفي وصولاً إلى المزيد من الاصطفاف والاستقطاب الطائفيين ليساعدا على وصول الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية التي مزقت وحدة الشعب العراقي إلى مجلس النواب ثانية واستمرار الحكم بأيديهم وبدء عملية المخادعة والنهب والسلب لأموال الشعب ثانية وثالثة ورابعة ما دام نوري المالكي قد قالها "أخذناها بعد ما ننطيها".
ولكن الحكمة الشعبية لا مرد لها إذ تقول "ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع"، خاصة إذا حاول الطيران بأكثر من طاقته وأبعد مما تسمح له قدرته، هذا ما يحصل الآن بالعراق من قبل رئيس الوزراء العراقي ومن لف لفه.
21/9/2013 كاظم حبيب


141
كاظم حبيب
لماذا يُعقد مؤتمر أصدقاء برطِّلة بالعراق؟
منذ فترة نشر أخ كريم مقالاً في موقع إلكتروني يشكك فيه بأهداف عقد مؤتمر أصدقاء برطلِّة واعتبار هذا المؤتمر مؤامرة ضد هذه الناحية وأهلها وضد المسيحيين عموماً. وقد كان هذا الاتهام مفاجأة غير سارة لي وللأخوة الذين تطوعوا دفاعاً عن مصالح مسيحيي العراق ومناطق سكناهم التاريخية، لأن هذا الاتهام جاء في أعقاب نشري مقالاً حول أهداف ومهمات مؤتمر أصدقاء برطلة في المرحلة الراهنة وفي المستقبل، كما نشر أخوة أخرون مقالات عديدة حول أهمية وضرورة عقد هذا المؤتمر, ومنهم السيد الدكتور صادق اطيمش والأستاذ زهير كاظم عبود والدكتور تيسير الآلوسي على  سبيل المثال لا  الحصر. لم يكن اختيار برطلة إجراءً عبثياً أو عفوياً من جانب المبادرين للدعوة لعقد هذا المؤتمر، بل جاء نتيجة ما وقع في هذه المنطقة ومناطق أخرى بالعراق من اضطهاد متنوع ضد أتباع الديانة المسيحية. وبالتالي فناحية برطلِّة تمثل رمزاً للنضال في سبيل الدفاع عنها وعن المناطق الأخرى في محافظة الموصل التي تتعرض للتجاوز والتغيير الديموغرافي، ومنها الحمدانية وتلكيف وتل اسقف وغيرها وعموم سهل نينوى.   
أدرك تماماً أن هناك خلافات بين سياسيي المسيحيين بالعراق وخارجه حول تسميات القومية أو القوميات التي ينتمي إليها مسيحيو العراق. وأدرك أن هذه الخلافات تؤثر في غالب الأحيان سلبياً على مصالح ووحدة موقف المسحيين بالعراق وحتى على تمثيلهم في المجلس النيابي والمجالس المحلية. وهو أمر يلحق الضرر بالمسيحيين ومصالحهم في بلد يئن تحت وطأة الطائفية ومحاصصاتها المشينة.
ولكني أدرك أيضاً بأن مسيحيي العراق قد تعرضوا خلال السنوات العشر المنصرمة إلى الكثير من الإرهاب والتهديد والتهجير والقتل، سواء حصل ذلك بالبصرة أم الموصل أم بغداد أم بمدن أخرى عراقية، كما تعرضت كنائسهم ودورهم إلى الهجوم وإشعال الحرائق والتدمير، وليس أدل على ذلك إشعال النيران والمتفجرات في كنيسة سيدة النجاة ببغداد في 31/تشرين الثاني 2010 التي وقع من جراء ذلك مئات القتلى والجرحى والمعوقين مع تدمير فعلي للكنيسة ذاتها, أو إلى قتل القساوسة كما حصل بالنسبة إلى القساوسة بولص إسكندر وباسيل جورج ومنذر الدير ورغيد كني ومعه ثلاثة من الشماسة بالموصل. وأعرف تماماً أن عمليات كثيرة وقعت خلال نصف القرن المنصرم (1963-2013) نتج عنه تغيير ديموغرافي لمناطق سكن المسيحيين ببغداد والموصل على نحو خاص، وأن هذه المحاولات جارية على قدم وساق في الوقت الحاضر، إضافة إلى تجاوزات على صعيد العراق عموماً.
كلنا يعرف بأن هجرة المسيحيين إلى خارج العراق وقعت خلال فترة الدكتاتور صدام حسين. ولم يكن السبب ديني بل كان سياسياً بسبب مواقف الوطنيين المسيحيين من الدكتاتورية الغاشمة. ولكن هجرة هذه الفترة ناجمة عن مواقف دينية تمييزية متطرفة ومعادية لأتباع بقية الديانات والمذاهب، بل وأحياناً ضد اتباع الدين المسيحي. لقد تقلصت نسبة مسيحيي العراق من 5% من مجموع الشعب العراقي إلى حوالي 2% فقط. وهو أمر مخيف ولا يبشر بالخير للموازئيك العراقي الجميل. والخشية أن العراق سيفقد المسيحيين كما فقد قبل ذاك يهود العراق ومنذ أكثر من ستة عقود. لقد لعب المسيحيون دوراً ثقافياً وحضارياً كبيراً على امتداد تاريخ العراق والآثار التي تكتشف في محافظات الوسط مثل كربلاء والنجف وغيرها من المدن العراقية تؤكد هذه الحقيقة الناصعة والتي لا نريد أن تغيب عن أذهان الشعب العراقي والعالم. لقد تحدثت مع قساوسة من الكنيسة البروتستانتية وكذلك مع القساوسة الكاثوليك رجوتهم أن لا يندفعوا بدفع المسيحيين للهجرة من العراق، بل يفترض أن نحافظ على هذا المكون الإنساني بالعراق ذاته، وكان رد الفعل إيجابياً بهذا الصدد.
إن اقتراح عقد مؤتمر أصدقاء برطلِّة جاء متأخراً بالقياس لما حصل حتى الآن من عمليات تغيير ديموغرافية وتجاوزات ضد مناطق المسيحيين بالعراق، ولكن حصوله ولو متأخراً أفضل من عدم عقده دفاعاً عن مناطقهم واستعادتها على وفق قرار المحكمة الاتحادية الصادر مؤخراً بهذا الصدد. علماً بأن هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب بالعراق قد تبنت بقوة قضية المسيحيين ونشرت الكثير من البيانات والاحتجاجات حول ما يتعرض له المسيحيون بالعراق، كما إن المؤتمر الأول للهيئة قد تبنى قضايا المسيحيين بوضوح كبير.
لقد تجنبت اللجنة التحضيرية العليا المشرفة على عقد مؤتمر أصدقاء برطلِّة, والتي أتشرف مهمة منسقها مع نخبة من الشخصيات العراقية الديمقراطية المعروفة بدفاعها عن حرية الرأي والعقيدة وعن مبادئ حقوق الإنسان، التطرق إلى قومية واحدة أو قوميات، سواء في صفوف مسيحيي العراق سواء بوع فوارز بينها أم بدونها, وركزت على ذكر الدين الذي يجمع كل العراقيات والعراقيين من اتباع الديانة المسيحية. إن هذا الموقف يجعل اللجنة ومؤتمرها على الحياد بشأن الخلافات السياسية ولا يوقعهما بمطب في غنى عنه من جهة، ويساعد على جمع كلمة المسيحيين حول هذه القضية الحياتية بالنسبة لهم من جهة أخرى. كما أكدت اللجنة بما لا يقبل الشك بأن اللجنة ومؤتمرها مستقلون تمام الاستقلال في مواقفها وما يتخذ من قرارات في المؤتمر، كما لا تتبع اللجنة هذا الحزب أو ذاك أو هذه الجماعة أو تلك أو هذه الحكومة أو تلك.
أنا مثلاً لست بشيخ دين ولا متدين، ولكني أحمل هماً أساسياً هو حق الإنسان الكامل وحريته المطلقة باختيار الدين أو المذهب أو العقيدة أياً كانت أو الرأي السياسي والاجتماعي والثقافي أو الفكر الذي لا يتعارض مع حقوق الإنسان وحريته (أي أن لا يكون فكراً عرقياً –عنصرياً- أو شوفينياً أو فاشياً أو طائفياً أو يميز بين الأديان والمذاهب أو فكراً يميز ضد المرأة) ومع حق الإنسان في ممارسة طقوسه وعباداته شريطة أن لا تكون ذات طبيعة سادية مؤذية للإنسان وصحته وتهدد حياته بالخطر وتتجاوز على كرامته.
ونحن بالعراق نشاهد اعتداءات مريعة متواصلة ومتفاقمة منذ عقود حتى الآن على الإنسان وحقه في الحياة وحقوقه المدنية والإنسانية المشروعة وحقه في العمل والحياة الكريمة، إضافة إلى حرمانه من حقه في اختيار الدين او المذهب أو الفكر. واليوم نشهد قتلاً متواصلاً بالجملة والمفرد وتهديداً بالقتل والتهجير القسري من خلال التهديد بالقتل والخشية على الحياة وتهديماً للبيوت والحياة العامة والحياة الثقافية من جانب قوى الإرهاب الدموي بمختلف فصائلها وانتماءاتها، إضافة إلى عجز حقيقي للحكومة ورئيسها والوزارات التي أمرها بيديه عن توفير الحماية للشعب العراقي بكل أتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والسياسية، والهم الأساسي للحكومة الاتحادية هو توفير الحماية لسكنة المنطقة الخضراء وبعض دور السكن. أما الشعب فالإرهابيون فيتعرض إلى ضربات مميتة ومتواصلة من جانب قوى الإرهاب التي يتحكمون بضرباتهم في المكان والزمان ونوعية الضربة!!!
إن التهديد الذي يواجهه المسيحيون, والآن الشبكيون أيضاً، هو الذي دفع بي وبآخرين من الأصدقاء إلى تبني موضوع المسيحيين. ويمكن أن أتبنى عقد مؤتمر آخر دفاعاً عن الشبكيين وآخر عن الصابئة المندائيين أو البهائيين, وكذلك دفاعاً عن المسلمين سنة وشيعة، من عبث وإجرام الإرهابيين والطائفيين المقيتين. كما يمكن لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق، التي يترأس أمانتها العامة الأستاذ المناضل في سبيل حقوق الإنسان نهاد القاضي، أن تتبنى مؤتمراً جديداً بعد أن عقدت مؤتمرها الأول في نهاية العام 2012 في السليمانية بضيافة السيد رئيس الجمهورية جلال الطالباني والذي يستوجب التحضير له وتوفير ما هو ضروري لعقده وتعبئة الناس حوله.
لهذا أتمنى على من حاول الإساءة لهذا المؤتمر أن يفكر جيداً ويعيد النظر باتهاماته غير الموضوعية والواهمة، إذ ليس هناك من هدف آخر غير الدفاع عن مواطناتنا ومواطنينا المسيحيين وعن مناطق سكناهم التي بدأ البعض من شيوخ الدين أو من المسؤولين في أحزاب دينية السعي لشراء الأراضي أو السعي لتحويل جنسها بهدف السيطرة عليها وبناء مساجد عليها في قلب المناطق المسيحية وهو أمر غير مقبول ومرفوض في آن واحد وتجاوز لا يجوز السماح به بأي حال، وإن سكوت السلطة التنفيذية على ذلك أو مشاركة من هم في الحكومة بمثل هذه الأعمال يعتبر مخالفة صريحة للدستور العراقي.
16/9/2013                         كاظم حبيب


142
كاظم حبيب
البعث الصدامي وبعث الأسد وجهان لعملة وجريمة واحدة!!!
أرتكب حزب البعث العربي الاشتراكي بالعراق جرائم بشعة يندى لها جبين البشرية كلها وعلى امتداد عقود عدة ابتداءً من السياسات المناهضة لحقوق الإنسان والاستبداد والقسوة والقمع ومروراً بسياسات التعريب والتهجير القسري والتغيير الديموغرافي وتصعيداً إجرامياً باستخدام السلاح الكيماوي ومجازر الأنفال ضد الشعب الكردي التي كانت بمثابة جرائم إبادة جماعية وضد الإنسانية، وكذلك السياسات العنصرية ضد الكرد الفيلية وعرب الوسط والجنوب والحروب الدموية الداخلية، وانتهاءً بالحروب الخارجية المريرة التي كلفت الشعب العراقي مئات ألوف القتلى وأكثر منها من الجرحى والمعوقين والخسائر المادية والحضارية الهائلة.
وها نحن أما نظام بعثي آخر بسوريا لا يختلف عن شقيقه نظام حزب البعث العربي الاشتراكي المقيت بالعراق. فالبعث السوري بقيادة طبيب العيون بشار الأسد استخدم لعدة مرات خلال السنتين المنصرمتين أكثر من مرة السلاح الكيمياوي ضد الشعب السوري، ضد النساء الأبرياء في المناطق السكنية ليقتل المزيد من البشر ويجرح ويعوق أكثر. إنهما حزبا الجريمة اللذان رضعا الحليب من فكر قومي يميني شوفيني متطرف وعدواني. فما من إنسان يشعر بالحب والاحترام لشعبه يستخدم الأسلحة الكيمياوية ضد شعبه إلا وكان مجرماً ومشبعاً بالحقد والكراهية.
إن هذا الحزب يجب أن لا يبقى في السلطة لا بسوريا ولا بأي بلد عربي آخر ويجب أن يحارب الفكر العدواني الذي يحمله والذي يسمح له باستخدام مثل هذه الأسلحة لقتل البشر من أجل أن يبقى في السلطة ولو على جثامين مئات ألوف القتلى والجرحى والمعوقين والدمار الشامل للبلاد.
والسؤال هو: من المسؤول عما وصل إليه الوضع بسوريا؟
اشعر بالغثيان حقاً حين أدرك بأن الجميع مسؤول عما يجري اليوم بسوريا. فالنظام السوري هو المسؤول الأول وهو الذي ارتكب ويرتكب الجرائم المباشرة ضد الشعب ويشددها ويزيد عليها دون توقف. وأشعر إن المعارضة تشاركه في ذلك لأنها لم تستطع أن توحد نفسها وشعاراتها وأساليب نضالها وفسحت، والنظام الدموي معها، في المجال بتطور وتفاقم دور قوى الإسلام السياسي المتطرفة, وخاصة "جبهة النُصرة" وجماعة الإخوان المسلمين، في النزاع المسلح الدائر بسوريا.
إيران وحزب الله والعراق من جهة، وقطر والسعودية من جهة أخرى يتحملون معاً وسوية ورغم التباين في الوجهة، مسؤولية كاملة وكبيرة عما يجري بسوريا لثلاثة أسباب هي:1) الدعم السياسي المتواصل بوجهتين مختلفتين ؛ 2) الدعم العسكري بالسلاح والذخيرة والمقاتلين؛ 3) وبالمال. وهي عوامل أطالت بعمر هذا النظام المقيت. ولهذه السياسة عواقب وخيمة على العلاقة بين الشعب السوري وبقية الشعوب التي تقدم نظمها السياسية الدعم غير المشروع للنظام السوري أو للقوى المتطرفة من المعارضة السورية.
الدول الكبرى, وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى, تتحمل مسؤولية كبرى في النزاع المسلح الجاري بسوريا بسبب صراعها حول مناطق النفوذ بالمنطقة والمصالح الضيقة لدولها والتي هي على حساب حياة ومصالح الشعب السوري.
واليوم يقترب الغرب من احتمال استخدام أسلوب الضربات العسكرية الواسعة على القوات العسكرية السورية وعلى مناطق نفوذ النظام السوري لشل قدراته العسكرية التي يواصل بها ضرب الشعب السوري. فهل ستكلف الكثير من المدنيين حياتهم، تماماً كما حصل بالعراق؟ وهل ستنفع هذه الضربات ستسقط النظام السوري المجرم؟ وهل ستساهم في حل النزاع المسلح الجاري بسوريا أم إنها ستحول سوريا إلى مزيد من الموت والدمار والخراب؟
كل الاحتمالات مفتوحة على مصراعيها في حالة قيام الغرب بتوجيه ضربات عسكرية لم تعد استباقية للقوات السورية، بل هي انتقامية بسبب استخدامه للأسلحة الكيمياوية التي تعتبر خطاً أحمر والذي تم تجاوزه فعلاً ومرات عدة. وفي كل هذه الاحتمالات يبقى الموت والخراب والدمار هو السائد بسوريا. إذ إن سقوط الدكتاتورية الراهنة غير مؤكد أولاً، كما سيبقي الصراع والنزاع المسلح بين القوى المتعددة الفاعلة بسوريا في الوقت الحاضر قائماً حتى لو سقط النظام السوري الراهن، وإنها ستُمد بالسلاح المتنوع من مختلف الجهات، خاصة وإن القوى المدنية ما تزال ضعيفة بسوريا بسبب المكافحة الهمجية التي تعرضت لها من قبل النظام السوري وسكوت الجميع عن هذه الجريمة البشعة التي تواصلت منذ أكثر أربعة عقود، أو منذ ما سمي بعملية التصحيح الغادرة.
لا نستطيع أن نوقف توجه الغرب بإنزال الضربات العسكرية القادمة من الغرب والتي يمكن أن تقع في كل لحظة وربما خلال أسبوع أو اقل، فالقرار ليس بأيدينا، ولكن كيف يمكن تجنيب الشعب السوري المزيد من الخسائر كما حصل وما يزال يحصل بالعراق، وكيف يمكن دعم القوى المدنية والديمقراطية السورية، لا كما حصل بالعراق، لكي لا تسمح لقوى الإرهاب الإسلامية السياسية، خاصة قوى القاعدة المحلية الفاشية، وتلك القوى النازحة إليها من العراق وبقية الدولة العربية وذات الأكثرية الإسلامية، أن تتسلم السلطة بسوريا أو أن تكون الأقوى في النزاع الجاري بسوريا وتمارس القتل والتدمير والمتفجرات على نطاق واسع لتحول سوريا إلى عراق آخر؟
لقد انتهى حزب البعث إلى قير وبئس المصير بسبب اتجاهاته الفكرية الشوفينية وأساليبه الفاشية في الحكم وخارجه وبسبب عدوانية سياساته ومواقفه على الصعد الداخلية والإقليمية والدولية، وبالتالي فالأسد وجلاوزته سيذهبون إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم في كل الأحوال. ولكن ماذا سيحصل بعد ذلك؟ هل سيواجه العلويون والمسيحيون سيف الإرهاب والانتقام بسبب وجودهم في الحكم بالنسبة للعلويين، وبسبب كونهم أقلية دينية غير مسلمة من جانب قوى جبهة النصرة أو الإخوان المسلمين أو أتباع المذهب السني المتطرفين؟ أتمنى أن لا يحصل كل ذلك، ولكن التمني رأس مال المفلس أحياناً غير قليلة. 
المسألة مرتبطة بالقوى المدنية والديمقراطية بسوريا وبمدى قدرتها على تسلم الحكم وإدارته بعقلانية ومدنية وبروح ديمقراطية. كما إن على القوى الديمقراطية والعلمانية في المنطقة والعالم تقديم التضامن والدعم اللازمين لهذه القوى من أجل أن يسود السلام والتقدم بسوريا وكذلك من جانب الدول المحبة للسلام وليس تلك المتاجرة بالسلاح والحروب.
28/8/2013                           كاظم حبيب     
 
     

143
كاظم حبيب
يواجه الشبك إرهاب القاعدة وغياب الحماية الحكومية

منذ انهيار الدكتاتورية الغاشمة بالعراق في العام 2003 سقط حتى الآن 1240 شهيداً من أتباع الشبك. وتم تهجير 6000 عائلة من الشبك أيضاً من مناطق سكناهم بالموصل عبر تهديدات بالقتل. ومنذ منتصف شهر تموز 2013 حتى الآن أُجبرت 500 عائلة من الشبك على الهجرة وترك منازلهم ومناطق سكناهم، إذ صرح  ممثل الشبك غزوان حامد الداوودي قائلاً بسبب ".. تهديدات بالقتل والتصفية لأسباب طائفية تم تهجير أكثر من 500 عائلة من الشبك من داخل مدينة الموصل خلال الشهرين الماضيين" من هذا العام (2013)، جاء ذلك في مقال نشر في طريق الشعب بتاريخ 10/9/2013 تحت عنوان "تهجير أكثر من 500 عائلة في الموصل- الشبك يستنجدون: انقذونا من الجماعات المسلحة".
وتشير المعلومات المتوفرة إلى إن الحملة ضد الشبك مستمرة ولم تنقطع رغم المناشدات والاحتجاجات والمطالبات من جهات حكومية رسمية بضرورة اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية الشبك من إرهاب قوى القاعدة والمتطرفين كافة الذين يسعون إلى تهجير كل من لا يؤمن بما تؤمن به هذه الجماعات المتطرفة والعدوانية التي تمارس الإرهاب من تهديد وتهجير قسري وقتل وترويع للأطفال والنساء وتهديم مستمر للدور بالمتفجرات. ورغم هذه المطاليب فليس هناك من مجيب أو مستجيب!
وإذا كان المسيحيون والصابئة المندائيون قد فقدوا الكثير والكثير جداً من أبنائهم وبناتهم على أيدي قوى الإرهاب والتطرف الديني والمذهبي خلال عقد من السنين المنصرمة، وإن عشرات الألوف منهم قد أجبروا على مغادرة العراق باتجاه العالم الغربي للنجاة بأرواحهم وأرواح أفراد عائلاتهم، فإن الإرهاب والتهديد والتهجير والقتل قد شمل الشبك والإيزيدية في الموصل وعلى امتداد هذا العقد أيضاً. وكل هذا يجري في دولة تسمى دستورية ومستقلة وحكومة تسمى نفسها حكومة دولة القانون حيث لا قانون ولا حماية للناس في هذه الدولة الهشة والحكومة الطائفية الفظة.
إن مشكلة هذه الجماعات السكانية من أتباع الديانات العديدة بالعراق تكمن في كونهم لا يريدون التخلي عن دينهم أو مذهبهم، وهو حق مشروع مثبت في لائحة وشرعة حقوق الإنسان وتضمنه الكثير من دساتير العالم ومنها الدستور العراقي الذي أقر في العام 2005، وإن توفير الحماية الحكومية لأتباع هذه الديانات أو المذاهب هو الواجب الأهم من واجبات الحكومة العراقية على وفق الدستور والأسس والأعراف الدولية، وإن التخلي عن هذه المهمة يعتبر تخلياً عن الالتزام والتمسك المبدئي بالدستور وبمبادئ حقوق الإنسان وما يمليه القانون الدولي. وعندما تتخلى الحكومة فعلياً عن هذه المهمة، كما يجري اليوم بالعراق، فأن على هذه الحكومة تقديم استقالتها والدعوة لإجراء انتخابات عامة جديدة، إذ لا يجوز ولا يمكن الاتفاق مع الرأي القائل بأن حل هذه المعضلة الإرهابية لا يتم إلا باستمرار تقديم التأييد لهذه الحكومة الفاشلة.
إن من تعز عليه كلمات الحرية الفردية والحرية العامة والحياة الديمقراطية، يفترض فيه أن يتحرر من كابوس منسي أساساً, كابوس الإرهاب الدموي ضد المجتمع, رغم حصوله يومياً وقتل ما يزيد عن ثلاثين شهيداً كمعدل يومي وبشكل خاص خلال السنة الأخيرة، إذ يستوجب منه النضال بعناد في سبيل إلزام الحكومة الاتحادية ببغداد على تنفيذ الخطوات التالية بصدد الشبك الذين يواجهون الإرهاب مباشرة:           
1.   توفير الحماية اللازمة لأتباع مذهب الشبك في الإسلام من إرهاب القوى المتطرفة وخاصة قوى القاعدة المجرمة؛
2.   إعادة المهجرين قسراً منذ العام 2003 حتى الآن إلى مناطق سكناهم وتعويضهم وتوفير الحماية لهم من عبث المتطرفين والمجرمين القتلة؛
3.   محاسبة المقصرين في أداء واجباتهم وعدم توفير الحماية للشبك أو لغيرهم من أتباع الديانات والمذاهب العديدة بالعراق؛
4.   تعويض المتضررين منهم وتقديم الدعم المالي لهم بما يسهم في استعادة ما فقدوه من أموال منقولة وغير منقولة أو تأمين السكن المناسب لهم.
إن حماية المواطنة والمواطن بالعراق هي من أولى وأهم مسؤوليات الحكومة الاتحادية والسلطة التشريعية والقضائية وأجهزة الأمن والشرطة وغيرها، وإن سقوط هذا العدد الكبير من الشهداء في صفوف الشبك وتهجير هذا العدد الأكبر من عائلات الشبك خلال السنوات المنصرمة، وخاصة في هذه السنة الحالية، يعبر عن تقصير كبير وصارخ في أداء الحكومة الاتحادية ورئيسها وكذلك رئيس ومجلس محافظة الموصل والمسؤولين في مناطق سكن الشبك مباشرة. ومن هنا تأتي المطالبة الملحة والعاجلة باتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية الشبك في مناطق سكناهم ومواجهة ما يتعرضون له من محاولات جادة للتغيير الديموغرافي في هذه المنطقة وفي غيرها من مناطق العراق. كما نناشد الرأي العام العراقي والعالمي بالضغط على الحكومة الاتحادية ورئيسها ورئيس ومجلس محافظة الموصل والأجهزة الأمنية لتأمين الحماية للشبك ومنع وقوع الإرهاب والتهجير والقتل ضدهم.
إن سيادة الأمن والاستقرار وتوفير الحماية لكل المواطنات والمواطنين بالبلاد هي الوجه الأول لعملة من وجهين في أي دولة مستقلة وحكومة تحترم نفسها وشعبها، أما الوجه الثاني فيتجلى بتوفير الحرية الفردية والحريات العامة والحياة الدستورية والديمقراطية والقضاء المستقل وعدم التمييز بين البشر والعدالة الاجتماعية. ولكن هذين الوجهين مفقودان بعراق اليوم وبفضل رئيس الحكومة وحزب الدعوة والإسلامية والبيت الشيعي وكل القوى الطائفية شيعية كانت أم سنية. ولهذا يفقد المجتمع عدداً كبيرا من القتلى يومياً والمهجرين قسراً بفعل الأوضاع المزرية حتى بلغ عدد العراقيات والعراقيين خارج البلاد حالياً أكثر من 4 ملايين نسمة، بعد أن كان أكثر من 3 ملايين نسمة بقليل في فترة حكم البعث المجرم.   
12/9/2013               كاظم حبيب
 
 

144
كاظم حبيب
مع حركة الأنصار الشيوعيين العراقيين في مؤتمرهم السابع
عقد في الفترة الواقعة بين 31/8/-1/9/2013 بمدينة غوتبورغ بالسويد المؤتمر السابع لرابطة الأنصار الشيوعيين  العراقيين. نُصبت خيمة واسعة وسط غابة غناء وسكن هادئ على بعد عشرات الأمتار من بحيرة واسعة جميلة تحيط بها الأشجار الباسقة من كل صوب، إذ  كان لها الدور الملموس في شحذ خيال ونشاط وحنين وأحاديث النصيرات والأنصار الشجعان أعضاء وأصدقاء الحزب الشيوعي العراقي حيث عقدت فيها جلسات هذا المؤتمر على مدى يومين مليئين بتقديم التقارير وخوض النقاشات والتمتع بالأغاني والموسيقى، وأحياناً "التمتع" بضجيج لا يسمح بسماع المتحدثين بسبب الود والرغبة في لقاءات لم تتحقق لبعضهم منذ ربع قرن تقريباً.
كانت اللقاءات ذات طابع حميمي صادق عبرت عن الود الرفاقي الأنصاري الصادق الذي تفولذ في أجواء النضال ضد الدكتاتورية الغاشمة وفي سبيل الخلاص من ليلها المظلم لبناء عراق جديد خال من الاستبداد والظلم والطغيان, خال من الإرهاب والفساد والنهب لثروات البلاد، خال من الطائفية والشوفينية والحقد والكراهية. تضمنت هذه اللقاءات الذكريات الحزينة عن أولئك الرفاق الأنصار الشجعان الذين استشهدوا على طريق النضال, أو سقط البعض الكثير منهم على أيدٍ "صديقة!"، كما يعبر عنها في المصطلحات العسكرية.
شارك في هذا المؤتمر 96 نصيراً، منهم 16 نصيرة و80 نصيراً، إضافة إلى أكثر من عشرة ضيوف، بينهم الرفيق النصير محمد جاسم اللبان (أبو فلاح)، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، والرفيق النصير عبد الرزاق الصافي وممثلين عن منظمة الپيشمرگة الشيوعيين للحزب الشيوعي الكردستاني والرفاق الأنصار زهير الجزائري وعواد ناصر وغيرهم وأنا منهم.
کانت التقارير الإنجازية وتعديل الدستور والمالية وبعض رسائل الأنصار قد طُبعت ووزُعت أو أُعلن عنها. بدأ المؤتمر بالوقوف دقيقة حداد على أرواح شهداء حركة الأنصار والپيشمرگة والشعب العراقي عموماً. بعدها قدم الرفيق النصير الفريق نعمان علوان سهيل (أبو عايد)، وهو واحدً من أقدم أنصار الحزب الشيوعي العراقي منذ العام 1963، كما إنه كان القائد الفعلي لحركة الأنصار الشيوعيين ورئيس رابطة الأنصار الشيوعيين في العراق، قدم كلمة اللجنة التنفيذية.
تم انتخاب هيئة رئاسة المؤتمر ولجنة الاعتماد ثم تقرر تشكيل ثلاث ورشات عمل وزعت عليها تقارير المؤتمر الثلاثة للمناقشة والخروج بمشاريع توصيات وقرارات تطرح في الجلسة العامة لمناقشتها وإقرارها. وهو ما تحقق فعلاً.
لست هنا بصدد الكتابة عن النقاشات والتوصيات والقرارات، إذ إنها ستصدر بتقرير واف عن اللجنة التنفيذية الجديدة المنتخبة، بل أحاول هنا المرور السريع على أجواء وبرنامج المؤتمر والعمل الكبير الذي أنجزته اللجنة التحضيرية في مدينة غوتبورغ لهذا المؤتمر.
مثلت الوفود المنتدبة فروع رابطة الأنصار الشيوعيين في العراق (بغداد) وبريطانيا وهولندا والنرويج والسويد والدنمرك وألمانيا وهنغاريا وفرنسا, وضيوف من پيشمرگة إقليم كردستان.
شارك في فعاليات المؤتمر فنانون تشكيليون عرضوا عدداً من لوحاتهم الفنية، ومنهم أبو بسام وعباس العباسي الدليمي وثائر (أبو تحرير) ومحمود أبو الصوف (العتابي). كما شاركت فرقة موسيقية من مدينة مالمو مكونة من عازف الكمان أبو نجيب وعازف القانون فيصل، إضافة إلى عازف العواد وضابط الإيقاع حمودي شربة وأبو الصبا ومعهم الفنان البارز الرفيق النصير طالب غالي والفنان الرفيق النصير حمودي شربة (أبو سنان), رغم وضع الأخير الصحي المقلق الراهن الذي أرجو له الشفاء العاجل. وقد أحيت هذه المجموعة الفنية وأنصار آخرين معهم ثلاث ليالي جميلة تمتع الجميع بأحلى الأغاني والعزف الموسيقي والرقص الشعبي. لقد أبدع كثيرون في هذه الحفلات إذ انطلق النصير والكاتب زهير الجزائري (أبو نصير) ليغني لنا (كوكوكوكو) والنصيرة لينا وعائدة وأبو بسام وأبو سراج وغيرهم. لقد كانت حفلة زاهية ومنافسة طيبة في الغناء.
وقرأ لنا في ليلة الختام الشاعر المبدع والنصير عواد ناصر مجموعة جميلة من شعره البارع بمضامين شدَّت إليها الحضور وذكرتهم بمعاناتهم السابقة ونضالهم الصعب وحياتهم الراهنة والأحلام الجميلة والنبيلة التي كانت تراود هؤلاء الشجعان من النصيرات والأنصار. لقد كان عواد بلبلاً صداحاً أنعش القلب والعقل في آن وتميز بالسعادة الفائقة كصاحبنا زهير الجزائري.
وضمن الفعاليات كانت هناك مسرحيتان تميزتا بالحزن للمخرج الفنان المسرحي سلام الصگر. المسرحية الأولى كانت من تأليف الشاعر والكاتب والنصير سهيل (أشتي) وتمثيل النصيرة نضال عبد الكريم، وكانت موضوعها في ذكرى المناضلة النصيرة والشهيدة الرفيقة أم ذكرى زوجة النصير الفقيد أبو ذكرى، التي أحرقت بريدها الحزبي ونفسها ببغداد حين أدركت إنها ستقع في أيدي النظام البعثي المجرم، وكانت قد أُرسلت إلى بغداد للعمل في صفوف تنظيمات الحزب بصورة سرية، وكانت النصيرة أم ذكرى قد دخلت المدرسة الحزبية في پشت أشان قبل مغادرتها حركة الأنصار للعمل في تنظيمات الداخل. واتسمت بالشجاعة والهدوء والتواضع الجم. ثم قدم النصير المخرج والممثل والمؤلف سلام الصگر مسرحية عن حياة وعلِم واعتقال العالم العراقي الكبير الأستاذ الدكتور عبد الجبار عبد الله، وهو الرئيس الأول والأفضل لجامعة بغداد. ومن المؤسف حقاً إن منظمي فعاليات المؤتمر لم يخصصوا وقتاً لإجراء مناقشة بين المشاهدين والمؤلف والمخرج والممثل سلام الصگر حول العملين الإبداعيين. إذ جرى بين بعض الحضور، وأنا منهم، نقاشات جانبية اختلفت الآراء بشأن أسلوب الإخراج والتمثيل والحزن الشديد الذي سيطر على المسرحية حول العلامة عبد الجبار عبد الله أيضاً.
لقد نوقش في هذا المؤتمر، إلى جانب التقرير الإنجازي، تعديلات النظام الداخلي وأهداف الرابطة الأنصارية التي جرى التركيز على كونها منظمة مجتمع مدني ديمقراطي تناضل في سبيل بناء دولة ديمقراطية اتحادية مستقلة، آمنة ومستقرة ومتطورة. وقد شجب المؤتمرون نظام المحاصصة الطائفية المقيتة والإرهاب الدموي والفساد ونقص الخدمات وكل المشكلات التي يعاني منها المجتمعالعراقي في المرحلة الراهنة. وتمنوا للرابطة النجاح في عملية المشاركة الواعية والفاعلة في بناء المجتمع المدني الديمقراطي الاتحادي المنشود للعراق.
وضمن التوصيات تقرر إجراء مسابقة بين الفنانين العراقيين لوضع مقترح "لوگو" جديد، على أن يستمر اللوگو الراهن إلى حين إقرار المشروع الجديد من اللجنة التنفيذية والمؤتمر الثامن، على أن يؤخذ بنظر الاعتبار تاريخ ونضال الأنصار في السابق ونضالهم في هذه المرحلة باعتبارهم يعملون الآن في منظمة مجتمع مدني ديمقراطية وفي مجتمع يراد إقامته على أساس مدني ديمقراطي اتحادي، وهو بالتالي يختلف عن مرحلة الكفاح المسلح ومهمات النضال الراهن غير تلك التي كانت سابقاً.
جرى في اليوم الثاني والأخير من أعمال المؤتمر انتخاب اللجنة التنفيذية بالاقتراع السري. وقد فاز بعضويتها الرفاق الأنصار أبو عايد ومحسن ونبيل وأشتي وأبو خلود وأبو زينة وأبو زياد. فالتهاني الحارة لهم على الجهود التي سيبذلونها، كما التمنيات لهم بالنجاح في عملهم في خدمة أعضاء رابطة الأنصار الشيوعيين والشعب العراقي وأهداف المنظمة. وقد شكر المؤتمرون اللجنة التنفيذية السابقة على الجهود التي بذلتها، وتمنوا على اللجنة التنفيذية الجديدة التركيز على الجوانب الثقافية العديدة في عمل ونشاط الرابطة.     
في الحفل الختامي حضر ممثل عن مجلس السلام العالمي ومجلس السلام السويدي وكذلك ممثل عن منظمة الأجانب في مدينة يوتبوري والقيا كلمة تحية للرابطة وتمنيات لها بالنجاح. كما ألقى في هذا الحفل الرفيق النصير أحمد رجب كلمة رابطة الأنصار الشيوعيين للحزب الشيوعي الكردستاني وتحيات من رابطة المرأة العراقية والعديد من المنظمات الأنصارية والأنصار. 
وفي الختام لا بد لي من الإشارة إلى الظاهرة المهمة التي سبقت ورافقت فعاليات هذا المؤتمر، إلى السيدات من غير النصيرات والرفاق الأنصار من فرع المنظمة في غوتبورغ (يتبوري) الذين لعبوا دوراً أساسياً في توفير الراحة والغذاء الجيد والسكن المريح والخدمات المستمرة طيلة أيام المؤتمر, سواء أكان في العمل في المطبخ أم في ترتيب القاعة أم في تحضير الشاي والقهوة والماء أم في التنظيف وإزالة ما تركه الأنصار خلفهم وبمشاركتهم. لقد كان لهم الفضل الكبير في إنجاح التحضير لعقد المؤتمر واستمرار أعماله ونجاحه. ويصعب هنا ذكر كل الأسماء ولكن نشير إلى أبي حسن وأبي سيف وأبي أمير وأبي حبيب وأبي أنعام و"عقيل وابي بسام" من مناطق أخرى" وسيدات المطبخ من غير الأنصار وأخرين، إضافة إلى الدور البارز لأبي حيدر. فشكراً جزيلاً للمنظمة الحزبية والمنظمة الأنصارية والبيت الثقافي العراقي في غوتبورغ على المجهود الكبير الذي بُذل لإنجاح هذا المؤتمر، باعتباره محطة من محطات النضال القادم ضمن المجتمع المدني الديمقراطي الذي نسعى إلى إقامته بالعراق بديلاً عن نظام المحاصصة الطائفية والأثنية.
وعلى هامش المؤتمر شارك ضيوف المؤتمر بالتجمع العراقي الاحتجاجي الذي حصل في وسط مدينة يتبوري في اليوم الحادي والثلاثين من شهر أب/أغسطس تأييداً لمظاهرات بغداد والمدن العراقية الأخرى الاحتجاجية ضد الرواتب التقاعدية التي يتسلمها النواب دون حق وضد الإرهاب والفساد والطائفية المقيتة بالعراق التي جلبت انتباه السويديين بما كتب من شعارات ومطالب باللغتين العربية والسويدية. وشجب المؤتمرون والمتظاهرون الأساليب القمعية التي مارستها قوى الأمن الداخلي وعصابات "سوات" أو "فدائيي رئيس الوزراء" التي باتت تهتف بـ "الروح بالدم نفديك يا نونو!!" لفض المظاهرات واعتقال البعض من المتظاهرين وبأساليب قمعية مناهضة لحقوق الإنسان والدستور العراقي.
6/9/2013                         كاظم حبيب       

145
كاظم حبيب
هل نسى نوري المالكي أن الشعب العراقي يمهل ولا يهمل!!
تماماً كما نسى صدام حسين وحزبه هذه الحكمة وانتهيا معاً إلى "قير وبئس المصير" وإلى مزبلة التاريخ، ينسى اليوم نوري المالكي وحزبه هذه الحكمة أيضاً ويتجاوزان بفظاظة وعدوانية شرسة على الشعب العراقي وقواه الوطنية والمطالبين بحقوق وحريات ومصالح الشعب ويتصدون للمتصدين لاستبدادهم والإرهاب والفساد والمحسوبية والمنسوبية ونهب ثروات الشعب السائدة في البلاد. وكل الدلائل ستؤكد عاجلاً أم آجلاً العاقبة التي سيتحملها نوري المالكي وحزبه, حزب الدعوة الإسلامية، وهما يدوسان يومياً على كرامة الإنسان العراقي والعراقية ويعجزان عن توفير الأمن والاستقرار والخدمات والحماية للشعب من عبث أتباعهما وقواتهما الخاصة (سوات) وما أقامه رئيسهم من قوات مسلحة خارج بنود الدستور العراقي.
تاريخ العراق يذكر من لم يعش تلك الفترة تلك القوى العسكرية أو الميليشيات المسلحة التي شكلها وزير الاقتصاد العراقي في حكومة رشيد عالي الگيلاني الانقلابية في العام 1941 باسم فدائيو "يونس السبعاوي"، وكانت هذه الميليشيات ذات توجه قومي شوفيني وتربية فاشية. ثم شكل البعث قوات خاصة بعد تنفيذ انقلاب شباط الدموي الأمريكي في العام 1963 ضد نظام الجمهورية الأولى، هي قوات "الحرس القومي" التي كانت قوات قومية شوفينية وفاشية النزعة في الفكر وأساليب العمل وأغلب أعضاء هذه المنظمة المسلحة كانوا من رعاع البعث والعنفيين، فمارسوا مختلف أنواع الجرائم البشعة بحق الوطنيين الشيوعيين والديمقراطيين والمستقلين التقدميين. ثم كانت المرة الثالثة التي شكل صدام حسين مجموعته القتالية بقانون والتي أُطلق عليها اسم "فدائيي صدام" حسين، وكانت من طبيعة وسلوك البعث والحرس القومي بتدريب عسكري أفضل وفاشية أكثر وعياً وعدوانية في الممارسة.
وها نحن اليوم أمام قوات (سوات) المسؤولة عن حماية رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ووزير الداخلية ووزير الأمن الوطني ووزير الدفاع الفعلي ورئيس حزب الدعوة الإسلامية (حفظه الله ورعاه!!!)، وبقية الأسماء الحسنى التي ستصله تباعاً إن لم يُلجم، والمسؤولة عن اعتقال و"تأديب" من يتجاوز ويتظاهر مطالباً الحكومة بتغيير الحالة الراهنة التي لم تعد تحتمل. إنها من ذات الطبيعة التي جربها الشعب العراقي خلال العقود الخمسة الأخيرة وعرف نهجها العدواني وأساليبها القذرة في اعتقال وتعذيب المتظاهرين والمناهضين لسياسة رئيس الحكومة الفاشل جداً والذي أصبح يشكل كارثة على العراق وشعبه.
إن على حركة الشعب المناهضة للسياسات الراهنة للحكومة العراقية التي تبتعد يوماً بعد آخر عن مصالح الشعب وطموحاته وتخضع لإرادة الحاكم المستبد بأمره وتعجز كلياً عن توفير الخدمات له وحمايته من جرائم الإرهابيين والبعثيين من أتباع عزت الدوري القتلة وعن إيقاف النهابين لموارد البلاد المالية عن مواصلة نهبهم وإبعاد المعرقلين جدياً لعملة التنمية الوطنية. إنها حكومة فاشلة وممعنة بالتجاوز على حقوق الشعب وحرياته الواردة نصاً وروحاً في الدستور العراقي لعام 2005.
إن دام الظلم دمر، هكذا تقول الحكمة الشعبية، وعلينا مواجهتها قبل استفحالها بحيث يصعب إزاحتها إلا بتقديم المزيد من التضحيات الغالية والعذابات الجديدة والتي هي في طريق التحول السريع صوب جمهورية الرعب.
إن من يطالع موسوعة العذاب ذات الأجزاء السبعة للطيب الذكر عبود الشالجي سيجد الكثير من أساليب العذاب راح يمارسها نوري المالكي وأجهزته القمعية الخاصة بحق الشعب العراقي وهي مشحونة بالكثير من الكذب والرياء والخداع من أجل كسب الوقت لا غير لتحقيق ما وعد به "أخذناها بعد ما ننطيها" وكأنه يتحدث باسم إلهه ويعرف إنه سوف لن يعيطها لغيره. ويعتقد إن ذلك يتم بإرادته ونسى حركة القوانين الموضوعية التي حين يمارس بالضد منها يفشل و يتحطم رأس كل من يعاند حقائق الحياة كالذي يناطح الصخور الصلدة.
4/9/2013                      كاظم حبيب
 

146
كاظم حبيب
سلوك السفير العراقي ببرلين هو الاحتجاج والهروب بدلاً من الإصغاء لملاحظات الناس!!

عقد بين 22/8/-24/8/2013 مهرجاناً ثقافياً سنوياً ببرلين حضره جمهور عراقي وعربي للمشاركة على مدى ثلاثة أيام بتقديم أو الاستماع لمحاضرات ومداخلات في قضايا الفكر والشعر والمسرح والفن التشكيلي وخوض النقاش الثقافي المتفتح والمتحضر.
بدأ المهرجان بكلمة مكثفة وهادئة قدمها رئيس نادي الرافدين الثقافي العراقي ببرلين الدكتور مجيد القيسي لم يتعرض فيها إلى وضع العراق السياسي بل تحدث بجملة مكثفة ومختصرة عن الحياة الثقافية والمثقفين وأشار إلى بعض معاناتهم  ودعا إلى تحسين أوضاعهم.
كان من بين الحضور المدعوين لهذا المهرجان سفير العراق الدكتور حسين الخطيب ومعه ثلاثة من طاقم السفارة. أعطيت للسفير الكلمة بعد رئيس النادي مباشرة. حال بدئه الكلمة أشار إلى إن كلمة الدكتور مجيد القيسي كانت ظالمة بحق العراق لأنه تحدث عن واقع المثقفين والحياة الثقافية بالعراق وقال بأن من ينتقد العراق عليه أن يتحدث عن جوانبه الإيجابية أيضاً. ثم بدأ بسرد ما يراه من جوانب إيجابية في العراق على مدى 15 دقيقة، إذ أكد بأن المثقفين يعيشون في حالة ازدهار ويسر لا مثيل له وإن الثقافة في تقدم وانتعاش وتحدث عن منجزات تحققت للعراق خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى الحرية والحياة الديمقراطية والانتعاش الفكري والثقافي. ويبدو إن الشعب العراقي نفسه لم يسمع ولم ير عن هذه المنجزات التي حققها النظام السياسي بالعراق! ثم تحدث عن أهمية الاستماع للرأي الآخر وخوض النقاشات الهادئة وإن على الماركسي أن يستمع للآخر وأن على الديني أن يستمع للماركسي. أي تحدث عن المجتمع المدني وأهمية تطوير الحوار والاستماع للرأي والرأي الآخر.
ورغم ابتعاد خطاب السفير عن جو المؤتمر الثقافي وواقع العراقيات والعراقيين ببرلين والبدء بحديث سياسي طويل وممل عن منجزات غير موجودة إلا في رأس السفير ورئيس وزرائه، فأن حديثه عن الاستماع بإصغاء للرأي والرأي الآخر كان مقبولاً. لقد حصد كلام السفير استياءً عاماً لدى الحضور لأنه تحدث عن قضايا غير موجودة بالعراق، بل كان يحلم. وكانت هناك رغبة لدى الكثيرين في أن يردوا على خطاب السفير العراقي الدعائي وكأنه في مدرسة ثانوية ألمانية يتحدث لطلابها عن منجزات النظام وهم لا يعرفون شيئاً عن العراق ولم يسمعوا بما يجري فيه.
إزاء هذا التزويق المتعمد لواقع العراق السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وإزاء حديثه وترحيبه بالاستماع للرأي والرأي الآخر، طلبت من الهيئة المشرفة على تنظيم المهرجان السماح لي بتعليق موجز. وافقوا على ذلك.
تحدثت عن أهمية تطوير العلاقة بين النادي الثقافي العراقي والسفارة العراقية باعتبارها بيت العراقيين، ثم تطرقت إلى واقع العراق الراهن من حيث الأوضاع المعقدة التي يمر بها وما يفعله الإرهابيون والبعثيون الصداميون المجرمون من تعاون في القتل والتدمير وسقوط ما يقرب من 30 قتيلاً يومياً كمعدل وتزايد عدد الجرحى والمعوقين. هذا يحص في وقت يزداد الصراع السياسي بين الأطراف الحاكمة وعجز الحكومة عن توفير الحماية للشعب حتى الآن رغم مرور عشرة أعوام على سقوط الدكتاتورية المجرمة. واشرت إلى إن الأزمة بالأساس هي بنيوية ترتبط بوجود نظام سياسي يقوم عل ى المحاصصة الطائفية. كما تطرقت إلى أوضاع الثقافة والمثقفين الفعلية وإلى عدد القتلى من الصحفيين, دع عنك عدد القتلى من الأطباء والمثقفين وغيرهم. ثم أشرت على كلمة رئيس الوزراء في الاحتفال التأبيني الذي أقيم في ذكرى استشهاد محمد باقر الصدر حين هاجم الملحدين والعلمانيين واللبراليين والماركسيين دون وجه حق ودون أدنى مبرر. وحين بدأت بالحديث عن هذا الواقع بدأ السفير العراقي يتململ في مكانه ويحدث جارته من طاقم السفارة العراقية وبدأ يقول بصوت مسموع بأن هذا غير صحيح وهذا غير مقبول وأنا سوف أخرج. قلت له أخي الفاضل حين كنت تتحدث لنا استمعت لك بإصغاء رغم اختلافي معكم، ولكن من واجبكم كسفير للعراق أن تستمعوا إلينا أيضاً وأن تنقلوا رأينا للحكومة العراقية. ولكنه رغم ذلك نهض دون أن يحترم الحضور أو يحترم نفسه وطلب من طاقم السفارة أن ينهضوا معه وغادروا القاعة. وحصد استياء الحضور لهذا السلوك المشين للسفير العراقي ببرلين. وأثناء خروجه كان يردد لمن طلب منه العدول عن الخروج: هذا ما مقبول أبداً وتماماً وسوف لن أحضر بعد الآن!!
لقد سقطت مصداقية السفير العراقي الدكتور عبد الحسين الخطيب في هذا اللقاء مع العراقيين والعرب ببرلين بعد أن كان تحدث عن الاستماع بإصغاء للرأي والرأي الآخر باعتباره مدنياً أو كان يعمل في إطار منظمات مجتمع مدني دينية حين كان مواطناً في هولندا، إذ لم يحتمل أن توجه ملاحظات واقعية عن الوضع بالعراق.
ومن الغرابة بمكان أن يكون سفيراً للعراق ببرلين ولم يتتبع خطب رئيس وزراء العراق، ومنها خطابه في الحفل التأبيني للشهيد محمد باقر الصدر، إضافة إلى مئات المقالات التي كتبت نقداً لذلك الخطاب العدواني ضد الرأي الآخر.
إن هوية السفير الدكتور حسين الخطيب الحزبية ينبغي أن لا يحملها معه كسفير للعراق، بل عليه أن يحمل الهوية العراقية أولاً وأخيراً. وهذا لم يحصل في هذا اللقاء. ولا يهمني أنه قد غير هويته من عضوية المجلس الإسلامي الأعلى بالعراق إلى عضوية حزب الدعوة الإسلامية, فهذه قضية تهمه شخصياً، ولكنها تعبر عن روحية معينة يدركها هو قبل غيره. ولكنه برهن في هذا اللقاء على إنه ضيق الأفق وضيق الصدر ومحدود في فهمه للمجتمع المدني وعاجز عن وعي ما يجري بالعراق، كما إنه عاجز عن أن يدرك بأن عليه أن لا يكون كالنعامة تدفن رأسها في الرمال حين ترى العدو، بل عليه أن يواجه حقائق الوضع في البلاد ويتحرى عن حلول لها لا عن إخفائها بغربال لا يمنع من اختراق أشعة الشمس. 
كم كان بودي أن يكون حديث السفير واقعياً لهللنا جميعاً له لأن ذلك يهم كل مواطن ومواطنة بالعراق في أن يكون العراق مزدهراً. ولكن الوضع بالعراق بالعكس من ذلك تماماً. لقد كان السفير حالماً واهماً تماماً ونائماً وبعيداً عن واقع العراق الراهن.
إن من واجبي كمواطن أن أطرح على وزير الخارجية العراقي الأستاذ هوشيار زيباري سلوك السفير العراقي الدكتور حسين الخطيب ببرلين والذي لم يمارس موقفاً حضارياً سليماً، إذ لم يكن النقد موجهاً له شخصياً، بل لمضمون الحديث الذي تقدم به والذي عرض الأمر وكأن العراق یعیش فی عالم سحري وخيالي جميل, وهو في ذلك أشبه ما يكون بما عبر عنه المثل الشعبي العراقي القائل صور الأمر بالعراق وكأن "الهور مرگ والزور خواشيگ" .
لقد خرج السفير من المهرجان محتجاً ولم يستمع لرأي الآخرين، إذ تحدث بعدها الأستاذ زهير كاظم عبود الذي أشار إلى التباين الشديد بين حديث السفير الدكتور حسين الخطيب وبين الواقع الثقافي وحالة المثقفين بالعراق وأوضح المصاعب الجدية والمشكلات المعقدة التي تواجه البلاد في ظل الإرهاب والعجز عن مواجهتهم حتى الآن كما شرح باختصار ووضوح المعاناة والتهميش الذي تعيشه الثقافة والمثقف في العراق مما يجعل خروج السفير تناقضا مع ما طرحه في قبول الأخر.
وألى القراء والقارئات بعض صور من المهرجان تتعلق بالسفير العراقي الدكتور حسين الخطيب وهو يلقي كلمته وأخرى وهو يستمع للمتحدثين بالمهرجان وثالثة تمثل الدكتور كاظم حبيب وهو يلقي تعليقه.
 

 


147
كاظم حبيب
مرة أخرى من يجب أن يحاكم بالعراق: الدكتور مظهر محمد صالح أم نوري المالكي؟
مرة أخرى يقترب موعد محاكمة الأستاذ الدكتور مظهر محمد صالح نائب محافظ البنك المركزي السابق بتهمة غير واضحة موجهة لكل الكادر السابق للبنك المركزي العراقي بمن فيهم المحافظ الدكتور سنان الشبيبي ومجموعة من خيرة كوادر البنك المركزي. فالتهمة غير معروف فحواها حتى الآن ولا الأسانيد التي اعتمدها القضاء العراقي في اعتقال وإحالة هؤلاء إلى المحاكمة. وكل القرائن التي تحت تصرفنا تشير إلى إن القضية سياسية بامتياز وليست قضائية. وإن الموقف المستقل لإدارة البنك المركزي ورفض الاستجابة لمطالب نوري المالكي المالية من البنك هي السبب وراء هذا الموقف العدواني من هذا الكادر. من هنا يشعر المتتبع بأن محاكمة هؤلاء الناس عيب كبير على القضاء العراقي في أن يمارس هذه اللعبة التي يلعبها رئيس وزراء العراق نوري المالكي بمحاكمة هذه النخبة الطيبة والمختصة من اقتصاديي العراق الممتازين وأن يكون أداته في الإساءة إلى سمعة الناس وإنزال الظلم بهم.
والسؤال الذي يطرح نفسه على الجميع خاصة ونحن نقترب من موعد المحاكمة الذي حدد يوم الأحد القادم المصادف 25/8/2013 هو: هل يجب أن يحاكم الدكتور مظهر محمد صالح, الذي لا يعرف الناس التهمة الموجهة لهم ولا حتى القضاء العراقي ذاته، كما يبدو، أم يفترض أن يتوجه القضاء صوب نوري المالكي، رئيس الوزراء، الذي أخفى وما يزال يخفي القضايا التالية:
1.   ملفات كثيرة ارتكب أشخاصها الإرهاب الدموي البشع الذي ذهب ضحيته الكثير من المواطنات والمواطنين العراقيين، كما لا يزال يموت الكثير من الناس على أيدي هؤلاء.
2.   ملفات كثيرة عن ممارسة الفساد من جانب الكثير من كبار موظفي الدولة وتقدر بمليارات الدولارات الأمريكية من خزينة الدولة وبصور وأساليب وأدوات مختلفة. 
إن ما ورد أعلاه ليس عندياتي ولا هي ادعاء مني بل إنها من أقوال رئيس الوزراء نوري المالكي، إذ هو الذي أخبرنا بذلك ولعشرات المرات من خال خطبه وتصريحاته خلال السنوات الخمس الأخيرة. إن هذا الإعلان من جانب رئيس الوزراء يشير إلى عدة أمور مهمة:
** إن هناك جرائم ترتكب بحق الشعب العراقي يموت بسببها الكثير من الناس ويعرف رئيس الوزراء بأمر مرتكبيها ويملك ملفات كاملة عنهم ولا يعلن عنهم كما لا يحيل ملفاتهم إلى القضاء لمحاسبتهم. وهذا يعني أن هؤلاء ما زالوا يمارسون القتل العمد بمعرفة رئيس الوزراء حسب أقواله. 
** وأن هناك سرقة واسعة لأموال الشعب العراقي يعرف بها رئيس الوزراء ولديه ملفات كثير ولا يحيل أصحابها إلى القضاء العراقي لمحاسبتهم. وهذا يعني أيضاً إن هؤلاء مستمرون على سرقة ونهب المال العام دون رادع وبمعرفة رئيس الوزراء.
إن هذا الفعل الذي يمارسه رئيس الوزراء, والذي عبر عنه بلسانه في أكثر من مناسبة، سواء أكانت خطابات أم تصريحات، يعتبر عملاً جنائياً يحاسب عليه القانون ويفترض أن يتخذ القضاء العراقي قراراً بإحالة رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، إلى المحاكمة ليضع ما لديه من ملفات أمام القضاء العراقي ويتخذ الأخير الإجراءات اللازمة بحق هؤلاء المتهمون من جانب رئيس الوزراء.
كما يفترض أن يُحاسب رئيس الوزراء من جانب مجلس النواب والقضاء العراقي بسبب عجزه عن حماية الشعب العراقي من الإرهابيين والنهابين لأموال الشعب ولا يقدم استقالته لكي يأتي من يمكنه حماية الشعب من جرائم هؤلاء القتلة والسراق. فخلال هذا العام وحده قتل أكثر من 4500 عراقي وعراقية على أيدي الإرهابيين ولا أعرف تماماً عدد المليارات من الدولارات الأمريكية المنهوبة من خزينة الدولة العراقية خلال ذات الفترة أو السنوات السابقة بأساليب شتى. فأن لم يكن رئيس الوزراء المسؤول الأول عن كل ذلك، فمن المسؤول أذن؟
لا يجوز للقضاء العراقي أن يسكت على مثل هذه القضايا الكبيرة والخطرة، في وقت يقدم الدكتور مظهر محمد صالح وصحبه إلى المحاكمة بتهمة غير واضحة ولم تنشر حيثياتها.
أدعو الاقتصاديين كافة أن يرفعوا صوت الاحتجاج على هذه المحاكمة وأن يطالبوا بمحاكمة رئيس الوزراء العراقي بما هو متاح من وثائق صرح بامتلاكها ولم يسلمها للقضاء العراقي حتى الآن.
كما أدعو الرأي العام العراقي وكل الخيرين بالعراق وكل الحريصين على شعبهم ووطنهم وعلى المخلصين من أبنائه وبناته أن يرفعوا صوت الاحتجاج والمطالبة بإنهاء هذه القضية السياسية ذات الطبيعة الانتقامية أولاً، وإطلاق سراح من لا يزال من الأخوة والأخوات قيد الاعتقال ثانياً وأن يطالبوا بمحاكمة من لديه ملفات ولم يسلمها للقضاء العراقي.
21/8/2013         كاظم حبيب












148
كاظم حبيب
هل سيقرأ الشعب المصري الفاتحة على حزب "جماعة الإخوان المسلمين" ؟
كانت تلك مغامرة كبيرة أن يسمح الشعب المصري لجماعة "الإخوان المسلمين" أن يصلوا إلى السلطة"، نتيجة الخلافات والصراعات الفكرية والسياسية في أوساط قوى الشباب الناهض والثائر والقوى الديمقراطية والعلمانية، كما كانت مؤامرة كبيرة تجسدت في تواطؤ مجموعة صغيرة من دول العالم والمنطقة لفرض وصول هذه الجماعة الإسلاموية المتطرفة إلى السلطة في أكبر دولة أفريقية وعربية تشكل القلب النابض للعالم العربي والطرف الفاعل في أفريقيا. لقد كانت مؤامرة كبيرة على ثورة يناير التي فجرها الشعب المصري وأطاح بحكم الدكتاتور محمد حسني مبارك حين تم تنصيب شخصية هزيلة هو الدكتاتور الإسلاموي الجديد القيادي في جماعة الإخوان المسلمين ليدفع بالبلاد إلى الُظلم والظَلام. لم يكن ذلك طبيعياً، بل كان مطلوباً، رغم كل ما نشر عن التزييف والتزوير اللذين حصلا في السجلات وتعداد الأصوات. لقد كان هناك تحالف جديد قد نشأ وتكرس منذ سنوات بين ثلاثة أطراف أساسية هي: "الولايات المتحدة الأمريكية وجماعة الإخوان المسلمين على صعيد تنظيمهم الدولي بموافقة جماعة الإخوان المسلمين بمصر ودويلة قطر. لقد كان هناك اتفاق في أن تأخذ جماعة الإخوان المسلمين الحكم بمصر وتونس وليبيا وسوريا ثم تلتحق بها بعض الدول العربية الأخرى تدريجاً مقابل حماية مصالح الولايات المتحدة الأمريكية أولاً، والابتعاد عن التحرش بإسرائيل ثانياً، وتقليل الدعم وتقليص المساعدة فيما بعد عن حماس في غزة، رغم كونهم إخونچية، لكي تبتعد عن إثارة المشاكل مع إسرائيل، إضافة إلى مكافحة التيار الديمقراطي العلماني في المنطقة. لقد كانت هذه العلاقات قائمة قبل ذاك، ولكنها تبلورت وتكرست مع بدء الربيع العربي في محاولة للالتفاف على نتائجه. ويمكن أن نتعرف على أسلوب الولايات المتحدة في التعاون مع قوى الإسلام السياسي المتطرفة وما حصل في أفغانستان وبروز تنظيم القاعدة فيما بعد، وبذل الإدارة الأمريكية وسلطة الاحتلال بالعراق أقصى الجهود لتكريس الحكم الطائفي المحاصصي والوقوف بوجه القوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية. والشعوب العربية أدركت منذ البدء الأهداف الفعلية الكامنة وراء هذا النهج والتحالف الجديد. وعلينا أن نؤكد بأن نهج الإدارة الأمريكية أثناء حكم جورج دبليو بوش أو حكم أوباما لم يتغير من حيث المبدأ، فاستراتيجية المصالح الأمريكية واحدة بالنسبة لأي حاكم أمريكي بغض النظر عن نعومة أو  خشونة التنفيذ, والفارق الوحيد يتجلى في بعض جوانب السياسة الداخلية.
لست من الداعين إلى تدخل الجيش في الحياة السياسية اليومية في أي من الدول العربية. ولكن هل كان بإمكان القوات المسلحة المصرية السكوت عن مطالب أكثر من ثلاثين مليون مصري طالب برحيل الإخوانچي محمد مرسي من رئاسة الجمهورية ورفع يد جماعة الإخوان المسلمين عن السلطة وأجهزة الدولة ومؤسساتها والإدارات المحلية في المحافظات وعن الحياة السياسية والثقافية؟ ومن المهم بمكان أن يعود الجيش إلى ثكناته بعد أن تستكمل خارطة الطريق التي طرحها السيسي ويجري وضع دستور جديدة وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية تنهي فترة الانتقال المحددة بستة شهور.
اليوم يدرك الجميع بأن جماعة الإخوان المسلمين التي أسست جناحها العسكري في العام 1940 ما يزال فاعلاً حتى الآن وجرى تعزيزه بوصول محمد مرسي إلى رئاسة الجمهورية فتشكلت ميليشيات فاعلة في أغلب المدن المصرية ومنطقة سيناء الواسعة موازية للقوات المسلحة المصرية. وأنها مارست توزيع الأدوار بينها وبين قوى سلفية متطرفة وعدوانية في سيناء ومناطق أخرى بهدف الهيمنة التامة على حكم البلاد وعلى الاقتصاد والمجتمع بمصر. وهذه المليشيات هي التي تمارس اليوم المحاولة اليائسة للعودة إلى الحكم وإسقاط ثورة يونيو التي فجرها الشعب المصري ثانية لتصحيح مسار ثورة يناير التي سرقها عنوة جماعة الإخوان المسلمين. إن القتل والحرائق، سواء في المباني العامة أم مراكز الشرطة أم الكنائس المسيحية على وجه الخصوص، هو الأسلوب المفضل لقوى الإخوان المسلمين والقاعدة في آن واحد وجذرهما واحد وخايس ومتعفن.   
تواجه مصر اليوم تواطئاً عالمياً أطرافه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بقيادة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، ودول أخرى في المنطقة تلعب تركيا "الإسلاموية" الدور الفاعل فيه، وقطر باعتبارها الشبيحة الأمريكية الفعلية والدويلة اللقيطة بالمنطقة، إضافة إلى الدور غير المباشر لإيران. كما حرك التنظيم العالمي للإخوان المسلمين أتباعه في الدول العربية والدول ذات الأكثرية الإسلامية لتنظيم المظاهرات الاحتجاجية ضد الوضع الجديد بمصر.
والسؤال هو: هل سينجح هذا التحالف في إعادة جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة، أم إن الشعب المصري قد دخل معركته الحاسمة ضد جماعة الإخوان المسلمين وبقية القوى المتطرفة المرتبطة بهذا الشكل أ ذاك بهذه الجماعة؟
ليست المعركة السياسية الدائرة بمصر في هذا الفترة الحرجة سهلة وسريعة. فالمعركة الجارية ذات أهمية استثنائية لحاضر ومستقبل مصر والشعب المصري، إنها معركة الهوية المصرية, هل هي دولة دينية وطائفية ظلامية ومتخلفة، أم دولة مدنية ديمقراطية حديثة, إنها معركة الدستور المصري هي يكون دستوراً إسلامياً يفرق بين الناس على أساس الدين أم يكون دستوراً مدنياً يوحد بين المواطنين على أساس الهوية الوطنية المصرية وليس غير ذلك, إنها معركة بين الغالبية العظمى من الشعب ومعها القوات المسلحة من جهة، وجماعة الإخوان المسلمين ومن لف لفها من جهة أخرى. ولهذا فأن المعركة لن تكون سهلة بل معقدة وصعبة. والأسباب وراء ذلك عديدة، منها بطء حركة القيادة المدنية الجديدة والقوات المسلحة في مواجهة تحركات جماعة الإخوان المسلمين بحيث سمح لها بالتعبئة الواسعة وتنظيم الصفوف، وخاصة ميلشيات الجماعة المسلحة، والتدخل الأجنبي الفظ بإرسال المزيد من الوفود للوساطة، بما أعطى المجال لمزيد من الفاعلية لجماعة الإخوان في الدعاية وتقوية معنويات أتباعهم بالموقف الدولي البائس والمناهض للثورة المصرية التصحيحية، إضافة إلى نقل المزيد من السلاح من ليبيا إلى جماعة الإخوان المسلمين بمصر وتوفير ما هو ضروري لإشاعة الفوضى والدمار ومقاومة قوى الشعب والقوات المسلحة. إن الدول الغربية مصابة بخيبة أمل في أوهامها وفي انهيار أول حليف لها من هذه الجماعة على صعيد المنطقة والدول العربية واحتمال كبير بسريان ذلك على تونس وليبيا وغيرها لاحقاً. وهو الموقف الذي يتناقض تماماً مع الدعاية الأمريكية وحديث الغرب الدائم عن حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام إرادة الشعوب، ومنها الشعب المصري.
من يتابع تصريحا قادة ألمانيا الاتحادية من الحزب الديمقراطي المسيحي وحزب الديمقراطيين الأحرار يشكل خاص، وكذلك تصريحات الرئيس الفرنسي والجمهوري الأمريكي جون سيدني ماكين يدرك بأنهم تلقوا ضربة موجعة نزلت على رؤوس الجمهوريين على نحو خاص فأفقدتهم صوابهم وجعلتهم كالمهووسين بحب الجماعة في تصريحاتهم المناهضة للشعب المصري وقواه الثورية ومتباكين على "دمقراطية الإخونچية" بمصر. لقد فشلوا حتى الآن في إعادة محمد مرسي إلى رئاسة الجمهورية ثانية، وهو الذي أفقدهم صوابهم. وعلى المتتبع أن يبحث عن أسباب ذلك، وهل للنبأ الذي طرح سابقاً من عمالة محمد مرسي للمخابرات المركزية الأمريكية  CIA أم لأسباب أكثر عمقاً وشمولية من ذلك؟ إنها الاثنان.
علينا أن نتابع أجهزة الإعلام الغربية التي تشن حملة شعواء ضد الشعب المصري والقوات المسلحة ولصالح جماعة الإخوان المسلمين. ويمكن أن نتابع بوضوح دور "قناة الجزيرة" التي افتضح أمرها وتقلص وزنها وتأثيرها على صعيد العالم العربي والعالم، إذ اتخذت هذه القناة المهرجة موقفاً منحازاً بالكامل وبصورة عدوانية ضد الشعب المصري وإلى جانب جماعة الإخوان المسلمين ومشوهةً حقائق الوضع هناك. إنها بذلك تجسد كون المعركة التي يخوضها الشعب المصري تعبر عن مصالح شعوب المنطقة بأسرها ضد قوى الإسلام السياسي المتطرفة والراغبة في الهيمنة على الحكم في دول المنطقة. ويبدو لي إن الدولة الأكثر انفعالاً وفقداناً لصبرها هي تركيا التي دعت لعقد جلسة لمجلس الأمن الدولي لبحث العنف الحكومي بمصر. وقد نسى نجيب طيب أردوغان لأخطل دوره المخزي والإرهابي في فض اعتصام الناس الترك والكرد في "ساحة تقسيم" بإسطنبول واستشهاد العشرات على أيدي الجندرمة، والآن يعطي لنفسه الحق في التدخل بشؤون مصر وكأنه القيم عليها. إن سقوط جماعة الإخوان بمصر يهدد جدياً موقعه وسلطة حزبه بتركيا.
إن هذه السياسات والمواقف الدولية والإقليمية السيئة والمؤذية لشعب مصر يمكنها أن تطيل عمر المواجهات بالقاهرة أو غيرها قليلاً وستقود إلى موت المزيد من الناس وإلى خراب ودمار كبيرين، ولكنها ستكون معركة حاسمة حقاً مع تنظيم جماعة الإخوان المسلمين بمصر، وبالتالي ستكون لها تداعياتها الكبيرة والمتواصلة على صعيد المنطقة كلها. 
ولكن هذه العمليات الإجرامية غير السلمية التي بدأت تمارسها جماعة الإخوان المسلمين على نطاق واسع نسبياً دليل على إفلاسها ويأسها من جهة، كما إنها الدليل على طبيعتها الإرهابية والدموية التي اقترنت بنشأتها من جهة ثانية، وإدراكها بأنها تخوض معركة حياة أو موت من جهة ثالثة. وهي معركة غير متكافئة في غير صالحها ، رغم التأييد الدولي الراهن لهذه الجماعة الضالة. فميزان القوى في الداخل المصري هو الذي سيحسم المعركة السياسية لصالح الشعب المصري بدعم حقيقي والتزام ثابت من جانب القوات المسلحة.
إن الشعب المصري، كما يبدو من تطور الأحداث, سيقرأ الفاتحة على نعش جماعة الإخوان المسلمين بمصر، ولكن الحقيقة تشير إلى إن هذه النهاية التي ستدفع ببعضهم إلى العمل السري، ستكون بداية النهاية لدور قوى الإسلام السياسية الطائفية والضالة والمناهضة للمجتمع المدني والحياة الحرة والديمقراطية لا بمصر بل بالدول العربية الأخرى تدريجيا, وسينتهي شعار "الإسلام هو الحل" أو "الحاكمية لله".  وها نحن نقترب أكثر فأكثر من قول الشاعر التونسي
إذا الشعب يوماً أراد الحياة                   فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بــد لليــل أن ينـجـلــي          ولا بـد للقيــد أن ينــكـسر
وهذا ما سيحصل بالعراق وغيره من الدول العربية المبتلاة بنظم سياسية "إسلامية" طائفية مقيتة أيضاً.
18/8/2013                     كاظم حبيب

149
كاظم حبيب

في الذكرى التسعين لميلاد الرفيق والصديق الأعز الفقيد صفاء الحافظ
ستبقى في ذاكرتي أيها الرفيق والصديق الغالي ما دمت حياً, ولكنك ستبقى في ذاكرة العراق والشعب العراقي أبناً باراً ومناضلاً شجاعاً في سبيل قضية الشعب والوطن, وشيوعياً واعياً ومدركاً تبعات هذا الفكر في بلد لا يحترم حكامه الفكر الحر والعقل المتنور.
عرفتك عبر العمل الحزبي رفيقاً جاداً وإنساناً رائعاً ونبيلاً ومدافعاً أميناً عن قضية الكادحين والمحرومين، كنت دوماً حافظاً للود وساعياً له، كريم النفس ومتواضعاً مثل أي عالم يحمل في صدره وعقله حب منح الآخرين ما يملك من علم ومعرفة وخبرة، فكنت بذلك مثالاً للحكمة المندائية القائلة "ويل لعالم لا ينفتح على غيره وجاهل منغلق على نفسه" وكنت في ذلك قدوة لمن عمل معك أو عملت معه.
عرفتك صديقاً عزيزاً وفياً وقريباً إلى نفسي, عرفتك ونحن نعمل سوية في هيئة تحرير الثقافة الجديدة فكنت المستمع الجيد والمتحدث الهادئ واللبق والكاتب اليساري الموضوعي الذي يزن كلماته بدقة ويلتزم قضايا الشعب والوطن والحزب.
كنت أستاذا واسع العلم وعميق الفهم في اختصاصه ومثقفاً من طراز جديد. عملنا سوية في لجنة ومعنا الأستاذ الفقيد والصديق الفاضل عبد الرزاق زبير، وفيها تعمقت علاقاتنا الصداقية ووعينا المشترك لما يواجه العراق في ظل البعث المجرم.
حين خرجت من المعتقل دعوتني وأم سامر إلى بيتكم فالتقينا بزوجتك وشريكة حياتك، تلك الإنسانة النبيلة أم عمار التي منحتنا من ودها ودفء إنسانيتها وإنسانيتك ما جعلنا نشعر وكأننا في بيتنا وبين أحبتنا, وأدركنا في حينها عمق الحب الرفيع الذي يجمع بينكما والاحترام الكبير المتبادل بينكما. وفي حينها وحتى الآن كنا سعداء بهذه العلاقة العائلية الودية التي لم تدم طويلاً. لقد تشبعت بمبادئ الثورة الفرنسية في فترة دراستك بفرنسا والتزمت بتلك المبادئ النيرة التي أعلن عنها ثوار أكتوبر 1917 ودافعت بحرارة عن مبادئ ثورة العشرين والتزامت بقضايا الأخوة العربية الكردية وحق الشعب الكردي في تقرير مصيره ودافعت بقوة ووعي عن الحقوق الكاملة للمرأة ومساواتها بحقوق الرجل وعن مكانتها في المجتمع.
رجوتني أن أروي لك ما جرى لي في جهاز الأمن البعثي. رويت لكما ما جرى لي وللمئات الذين حشروا حينذاك في بيت الذئاب المتوحشة. رأيت الحزن الذي ارتسم على وجيهكما، حاولت التخفيف والتقليل من اللوحة القاتمة، ولكنها كانت قاتمة جداً لمئات الشيوعيين والديمقراطيين الذين حشروا في مواقف جهاز الأمن في البتاوين وغيره من مدن العراق. ولكني نبهت في ذات الوقت إلى ما ينتظرنا جميعاً وينتظر الشعب كله في ظل البعث المجرم، ونبهتك بالذات لأنهم حاقدون على الحزب الشيوعي العراقي وكارهون لمبادئه وغاضبون لنشاطه ودور المثقفين الشيوعيين والديمقراطيين على نحو خاص. لقد كان صدام حسين قد كتب بخط يده ما ينبغي أن يجري لي أثناء وجودي في أقبية أجهزة الأمن. أراني إياها فاضل البراك، مدير الأمن العام، وكانت تحوي على 12 فقرة تعذيب. شعرت بفرحتك حين علمت أن البعث لم ينجح في إسقاطي سياسياً ولم ينتزع مني كلمة ضد الحزب أو دفاعاً عن البعث أو أن أكتب مقالاً وأنا في المعتقل لتنشر في جريدة الثورة أو حتى في طريق الشعب ليكسر الحملة المطالبة بإطلاق سراحي.
أنا واثق تماماً, رفيقي العزيز, من أنك كنت رافع الرأس شامخاً ومقداماً أمام جلادي وصعاليك وأقزام البعث المجرم، هؤلاء القتلة الذين تربوا على الجريمة والقتل والتعذيب، هؤلاء الذين يجن جنونهم حين يواجهون شيوعياً أو مناضلاً صامداً بوجه أساليبهم الفاشية في التعذيب النفسي والجسدي. إنهم الدراگولا، إنهم مصاصو دماء الشعب، وهم الذين كانوا وراء ما يعاني منه الشعب في المرحلة وتسببوا في غزو العراق وسقوطه في أحضان الطائفية والإرهاب والفساد والموت اليومي الراهن.
أعرف أن أخي وصديقي ورفيقي صباح الدرة قد واجه نفس المصير الذي واجهته أنت، وأعرف يقيناً وبقناعة تامة أنه لقي نفس المصير الذي لقيته, وكان مثلك بطلاً صامداً بوجه الطغاة والمجرمين، وكلاكما ومعكما عائدة ياسين حافظتم على شرف وكرامة الإنسان أولاً وقبل كل شيء.
بُلّغنا في العام 1985 أن صفاء الحافظ وصباح الدرة وعائدة ياسين ما زالوا على قيد الحياة، فأدركنا مباشرة أن المجرمين قد ارتكبوا جريمتهم النكراء، وفي حينها لم استطع حبس الدموع ومنع الاختناق الذي ألم بي، فخسارتنا بكم فادحة. لقد كان المجرم صدام حسين يريد أن يساوم الحزب حين أرسل خبراً إلى الرفيق عزيز محمد بذلك. ولكن كانت كل الدلائل تشير إلى إن القتلة الأوباش قد ارتكبوا جريمتهم النكراء بالتصفية الجسدية بحق هؤلاء الأبطال الثلاثة وبغيرهم حينذاك وبعد ذاك.     
كم أنا حزين لاستشهادك أيها الإنسان النبيل والصديق الحميم، وكم أنا حزين لما عانته الإنسانة الرائعة أم عمار لبعدك عنها وعن أطفالكم الذين اصبحوا الآن كباراً ولهم أطفال ولكما أحفاد يفتخرون بأبيهم وجدهم والعزيز الغالي الذي فقدوه.
لقد فقدتك عائلتك الطيبة، وفقدك حزبك المناضل والكثير من رفاقك وأصدقائك، وأنا منهم، وكذلك طلابك ومحبي كتاباتك وقراء كتابك عن القطاع العام في العراق، كما فقدك شعبك، الذي كان وما يزال بأمس الحاجة لأمثالك. لتبقى ذكراك خالدة أيها الصديق والرفيق العزيز, ولتبقى شعلة الفكر الذي اخترته وقادة تنير طريق الأحرار في كل مكان.   
15/8/2013                        كاظم حبيب       

150
كاظم حبيب
"أنا" النرجسية المرضية لدى رئيس وزراء العراق!!

إذا كان الشك، ولو قليلاً، قد لازم البعض من القارئات والقراء بما كتبته عن "دولة" رئيس وزراء العراق في مقالاتي السابقة، فأجزم بأن هذا البعض قد تيقن الآن تماماً بما كنت أكتبه عنه وعن سياساته وعواقب ذلك، وخاصة بعد اللقاءات والتصريحات الأخيرة، بما فيها اللقاء الأخير الذي عقده رئيس الوزراء مع بعض الاقتصاديين والسياسيين والصحفيين العراقيين وكانوا قلة. وأقول بملء الوعي والقناعة "إذا كان حاكم العراق السابق مأساة فعلية, فحاكم اليوم مأساة ومهزلة في آن واحد!!!
هل استمعتم إليه وهو يتحدث عن نفسه: عشرات المرات وردت كلمة "أنا" في جلسة قصيرة في حديث لا يزيد عن دقائق معدودات. هذه الـ "أنا" جاءت لتقارن نفسها بـ "الآخر", وهي تعني ضمناً ذلك. فأنا المؤمن وأنا الذي فعلت وأنا الذي سافرت إلى البصرة, وانا الذي لم أنم الليل كله, ولكن الآخر لم يفعل كل ذلك! أنا ابن جلا وطلاع الثنايا                             متى أضع العمامة تعرفوني
هل تعرفون من قال ذلك, إنه الحجاج بن يوسف الثقفي الذي قال أيضاً "أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها..." هذه الـ "أنا" تجسد لنرجسية غير اعتيادية، نرجسية مرضية مهلكة. فماذا تعني النرجسية المرضية؟ إنها عشق الذات, إنها الحب الذي سار بالاتجاه الخطأ, إنها الذاتية القاتلة, إنها جنون العظمة, إنها الغرور المتضخم, إنها القناعة بأنه الوحيد القادر على كل شيء بخلاف الآخرين غير القادرين على شيء، إنها ترى في أعمالها منجزات، وليست الجوع والحرمان والفساد والإرهاب، إنها تحول الانكسارات والخسائر إلى انتصارات ومكاسب، إنها مركب نقص متفاقم، إنها الكارثة على الشعب حين يكون الحاكم المستبد بأمره مصاباً بهذه النرجسية المرضية القاتلة، إنها المشكلة التي يواجهها الشعب في المرحلة الراهنة.
كان الأستاذ باسم جميل أنطوان صريحاً وواضحاً في ملاحظاته النقدية الجادة, وذكرني المتحدث الثاني بمساحي الچوخ أو لماعي صورة رئيس الوزراء غير القابلة للتلميع وواعظ لا يعي ما يعظ به من شدة حماسته وانتهازيته.
قال الخبير الاقتصادي الأستاذ باسم جميل أنطوان كنا نسعى منذ سنوات لكي يتحقق مثل هذا اللقاء ولم نفلح! والسؤال المشروع الذي يتبادر للذهن هو: لماذا لم يحصل إلَّا الآن, ولماذا طلب رئيس الوزراء نفسه تنظيم هذا اللقاء في هذه الفترة؟ الجواب لا يحتاج إلى ذكاء خاص, إنه واضح، لم يكن بحاجة قبل الآن، ولكنه وبعد انتخابات مجالس المحافظات ونتائجها بحاجة ماسة لهم، فالانتخابات العامة على الأبواب, ولأن نجمه آخذ بالأفول رغم نرجسيته، ولأن حصيلة أعماله تشكل مأساة ومهزلة في آن واحد, رغم حديثه البائس عن النمو بالعراق وهو نمو في موارد النفط يا سيد العارفين بالاقتصاد وبكل شيء!! 
لقد استمعت بإصغاء إلى الأستاذ باسم جميل أنطوان وهو يتحدث عن مشكلات الاقتصاد الوطني وعن هموم الناس وعن أوجاعهم, عن الفشل في توفير الكهرباء للناس بعد عشر سنوات, مع العلم إن النظام السابق ورغم الضغط والحصار والمشكلات الكبيرة استطاع أن يعيد بناء الكثير في فترة قصيرة, هكذا ذكره ليعي واقعه. أشار السيد أنطوان إلى مشكلة السكن والحاجة إلى 3 ملايين وحدة سكنية وحالة الناس البائسة، إلى مشكلة الصناعة والزراعة وغياب الاستثمار فيهما وعدم دعم القطاع الخاص ليساهم في التنمية، غياب التنمية أصلاً، أشار إلى المنافسة القاتلة من جانب السلع الأجنبية المستوردة للسلع المنتجة محلياً أو منعها عملياً لأي استثمار في الصناعة والزراعة عملياً، طرح عن البطالة المتفاقمة والفقر الواسع, والفساد المهيمن، وتحدث بشكل غير مباشر عن البطالة المقنعة دون أن يذكرها بالاسم. لقد وضع الأستاذ باسم جميل الأمور في نصابها في الجانب الاقتصادي والاجتماعي, وهي تجسيد للحالة السياسية باعتبارها الخلفية المتسببة في كل ذلك. وكان الحاكم بأمره يسجل ملاحظات لما كان يقوله الاقتصادي. وقد ذكرني ذلك بما كان يمارسه صدام حسين حين كان يسجل ملاحظات من يتحدث, ولكن في قرارة نفسه كان يشتم الطرف المقابل, فهل مارس رئيس وزراء العراق نفس ما كان يمارسه صدام حسين.
لقد انطلق الرجل, وهو خالي الوفاض من أي منجزات خلال السنوات الثماني المنصرمة, عدا زيادة استخراج وتصدير النفط الخام ويعتبر ذلك منجزاً كبيراً في حين نسلى وتناسى أهمية إقامة مشاريع لتصنيع النفط, وقدم له مقارنة بين عوائد النفط الخام وعوائد تصنيعه, ومنها الصناعات البتروكيمياوية, انطلق لا ليجيب عن ملاحظات الأستاذ أنطوان بل ليتحدث عن بطولاته ومنجزاته بالبصرة في العام 2008. وكيف نصحوه بأن لا يسافر، ولكن الفارس المغوار والبطل الهمام قرر السفر، كيف لا يسافر وهو المنقذ الذي أرسله الله للشعب العراقي كما أرسل قبل ذاك صدام حسين.. ولم تنقطع ألـ "أنا" عن لسانه.. ثم أنا.. وتبعتها أنا... أنا سافرت وأنا قلت وأنا عملت وأنا اعتقلت... حتى الحاكم المستبد بأمره صدام حسين لم يستخدم هذه الأنا القاتلة بهذه الكثرة في لقاء واحد, لو حاول المشاهدون تعدادها لوصلت إلى ستين مرة أو أكثر. ثم جاءت الـ "أنا" في موقع آخر: أنا المؤمن, أنا المجاهد، أنا مؤمن منذ صغري، أنا جدي محمد حسن أبو المحاسن ممثل المرجعية في كربلاء ووزير معارف اسبق، ولكن يا رئيس الوزراء العراق, يا رجل اتقي ربك في ما تقول:
إن الفتى من يقول ها أنا ذا               وليس الفتى من يقول كان أبي
كلما كثرت تصريحات ومؤتمرات وخطب "القائد المغوار" حفظه الله ورعاه!, كلما ازدادت الأخطاء التي يرتكبها, أأدرك ذلك أم لم يدركه, وهو في الغالب الأعم لا يدرك ذلك, فالنرجسي لا يعي أحياناً ما يقوله لأنه سكران وغائب بمكاسبه عن الوعي بحب ذاته. إن هذه النرجسية المرضية ليست بلعنة على الرجل ذاته بقدر ما هي لعنة على هذا الشعب المستباح بحزب الدعوة الإسلامية وقائده "المؤمن".
أتمنى أن يكتشف الشعب بسرعة الكارثة التي ابتلي بها قبل فوات الأوان وقبل تعرضه لمزيد من الآلام والمصائب، فالنرجسي لا يترك المقعد الذي استولى عليه في غفلة من الزمن بسهولة، بل قالها هو "أخذناها بعد ما ننطيها, هو أكو بعد واحد يگدر يأخذها", لا مو بالحيف عليكم! هل یتذکر رئيس وزراء العراق الحالي ما كان صدام يردده باستمرار "جئنا لنبقى"، فأين هو الآن؟؟!!
7/8/2013                     كاظم حبيب

151
كاظم حبيب
حالة التدهور الأمي نتيجة لحالة التدهور والارتداد الفكري والسياسي الجاري بالعراق
      
عند متابعة أوضاع العراق الأمنية المتردية يوماً بعد آخر يصاب الإنسان في أي بلد من البلدان بالذهول ،والحزن الشديدين إلى جانب الغضب على هذه المجازر اليومية الجماعية لأبناء وبنات العراق. فمن غير المعقول أن يستشهد خلال الفترة الواقعة بين شهر كانون الثاني/يناير ونهاية شهر تموز/يوليو 2013 ما يزيد على 3000 شهيد وآلاف الجرحى والمعوقين. لقد سقط في هذا الشهر الذي نحن فيه، شهر تموز/يوليو وحده وحتى الآن 700 شهيد وآلاف الجرحى والمعوقين حسب إحصاء الأمم المتحدة. وكما أشارت الفضائية البريطانية العربية بأن هذا العام قد فاق ما سقط من شهداء وجرحى في العام 2006، الذي كان عام المليشيات المسلحة والقتل على الهوية. لقد عادت طاحونة الموت تحصد المئات والآلاف من العراقيات والعراقيين الأبرياء وليس هناك من يكبح دمويتها. بل إن الإرهابيين استطاعوا زج المزيد من الإرهابيين لقتل المزيد من البشر بالهجوم على السجنين وإطلاق سراح ما يقرب من 1000 سجين!!!
فما هي العوامل الفاعلة التي قادت إلى عودة طاحونة الموت لتقتل المزيد من العراقيين أو تبعدهم عن النشاط الاقتصادي والحياة العامة؟
لا شك في أن أجهزة الأمن والشرطة والأمن الوطني كلها مخترقة بهذا القدر أو ذاك ومن هذا الطرف السياسي أو ذاك ومن هذه المليشيات الطائفية المسلحة أو تلك، سواء أكانت في الطرف المعارض أم الحكومي، ومن هذه القوى الإرهابية كالقاعدة أو البعث، إضافة إلى اختراقها من إيران والسعودية وبعض دول الخليج وتركيا وغيرها من الدول المجاورة، دع عنك الوجود الواسع النطاق من جانب الولايات المتحدة وبريطانيا على سبيل المثال لا الحصر. ولا شك في أن إدارات السجون والمعتقلات هي الأخرى مخترقة، وإلا لما حصل ما حصل من هروب جماعي لألف سجين، أو كما يقول المثل الشعبي (لاگفة الوضعية طين وغاطسة بالوحل حتى قمة رأسها). ويشمل الاختراق الوزارات دون استثناء، بل وفي الغالب الأعم مجلس الوزراء أيضاً ومجلس النواب. وهذا الأمر يسهل على قوى الإرهاب ضمان الحصول على معلومات حساسة ودقيقة عن المناطق العربية كلها بالعراق من جهة، وعلى توفير غطاء أمني لها بحيث تتحرك دون خشية كبيرة من جهة ثانية، وتوجيه الضربات أينما تشاء من جهة ثالثة. المعلومات العامة المتوفرة تشير إلى :
1. إن تنظيم القاعدة قد استطاع إعادة تنظيم قواه، وزيادة عدد العاملين معه والفاعلين في عملياته الإرهابية سواء أكانوا عراقيين أم غير عراقيين. كما استطاع هذا التنظيم إعادة بناء بنيته التحتية بشكل محكم بحيث تبيح له التحرك بحيوية وسرعة لتوجيه الضربات في سائر أنحاء العراق بمحافظاته العربية، بما في ذلك بغداد. وليس أدل على ذلك من الضربات الجهنمية المتتالية باستخدام عشرات المفخخات وفي أنحاء متفرقة من بغداد ومحافظات أخرى في شهر تموز/يوليو الجاري.
2. وإن تنظيم حزب البعث المدني والمسلح قد استطاع من إعادة بناء تنظيماته في أنحاء مختلفة من العراق بمحافظاته العربية وتوسيع قاعدته وزيادة تأثيره السياسي والاجتماعي على مجموعات غير قليلة من الناس.
3. وإن هناك قوى إسلامية سياسية ذات نهج عنفي إرهابي مليشياوي طائفي شيعي وسني، هو الآخر استعاد نشاطه بصيغ مختلفة،
4. وإن تحالفاً متيناً قد نشأ بين ثلاثة أطراف هي القاعدة والبعث وهيئة علماء المسلمين السنة حيث التحقت بالهيئة وجماعة القاعدة والبعث قوى من الصحوات السابقة ممن فقدوا الثقة بالقوى السياسية التي تعاونت معها سابقاً، أي القوى المتنفذة في الحكومة أو الأحزاب الشيعية وخاصة التي بيدها السلطة الفعلية.
5. إن هذا الواقع يسمح بالادعاء عن وجود حاضنة فعلية بالعراق لهذه القوى تساهم في توفير الغطاء لها وإلا لما استطاعت أن تمارس ذلك بهذه السهولة من جهة، وأن هناك قوى سياسية تمارس سياسات تساعد على حصول مثل هذا الاحتضان وتوفير الغطاء غير المباشر للإرهاب من جهة ثانية.
6. وإن هذه القوى بقدراتها الجديدة ساعدت على بدء قوى الإرهاب والبعث بابتزاز الناس للحصول على الدعم اللوجسنتي – المعلوماتي والحصول على الأموال والسيارات والأفراد وما إلى ذلك، خاصة وإن الثقة بالحكومة وأجهزتها أصبحت بالحضيض في الوقت الحاضر.
إن الخراب الأمني الداخلي الجاري بسرعة والدافع إلى مزيد من الفوضى وربما الانهيارات السياسية لم ينشأ من فراغ، بل لأسباب حقيقية تجنب الخوض بها الحاكم بأمره في لقائه الأخير مع الأساتذة والصحفيين هو الخراب السياسي والاقتصادي الذي يمر به الشعب ويعيش تحت وطأته جمهرة الكادحين والفقراء، وهم غالبية الشعب، في المرحلة الراهنة ومنذ عدة سنوات ولكن الوضع في تفاقم.
المشكلة تكمن في فكر القوى الحاكمة التي بيدها قيادة السلطة وفي سياساتها الفعلية الجارية على جميع المستويات. فمن يتابع الوضع الجاري يستطيع أن يتيقن مما يلي:
** إن الفكر الذي يحكم العراق هو فكر ديني متخلف وظلامي وطائفي يعمق الصراعات بين اتباع الديانات المختلفة لأنه نظام يمارس التمييز والإقصاء إزاء اتباع الديانات والمذاهب الأخرى وإزاء الاتجاهات الفكرية والسياسية غير الدينية. وقد انبثقت عن هذا الفكر سياسات متخلفة وتمييزية صارخة لا يمكنها أن تستمر طويلاً ،ً وإلا لأحرقت الأخضر بسعير اليابس، وهو ما يجري حالياً.
** الحكم الطائفي المحاصصي هدَّم الكثير من الجسور وأحرق الكثير من المراكب الموصلة بين الأطراف المختلفة، فهو نظام مفرق وغير جامع للقوى والأحزاب والجماعات والشعب.
** لقد فرط بتحالفاته السابقة من خلال رغبة الحاكم بأمره الانفراد بالحكم وفرض الهيمنة على الجميع والبقاء بالسلطة دون أن يسمح للمنافسين أن ينافسوه عليها ديمقراطياً. وبالتالي، لم يعد الحكم يمثل ذات الأطراف التي تشكلت منها الحكومة في دورتها الثانية رغم عدم انسحابها من الحكم حتى الآن لاعتبارات مؤذية للشعب ومصالحه.
** لقد فرط النظام الطائفي المحاصصي بالصحوات من خلال الامتناع عن احتضانها ودفع الرواتب المخصصة لها ودفع بها عنوة أو دفع بعض أطرافها المهمين صوب التحالف أو الالتحاق بقوى أخرى من القوى المناهضة للحكم والراغبة في إسقاطه والمستخدمة للسلاح ضده أو احتضان تلك القوى وتوفير الحماية لها.
** والحاكم بأمره، وهو جاهل بالعلوم السياسية والأمنية بكل معنى الكلمة، يمسك بيديه زمام الوزارات العسكرية كافة وهو القائد العام للقوات المسلحة ويتحكم بها وبوجهة عمل هذه القوات.
** إن هذا الوضع سمح لقوى كانت أو ما تزال في الحكم تتحول إلى حاضنة بصورة مباشرة أو غير مباشرة لقوى الإرهاب وموفرة له الغطاء السياسي والاجتماعي المناسبين لمواصلة سياسات القتل والتدمير. وهذه القوى تشارك في دفع العراق إلى حافة الحرب الطائفية.
** وإن الحاكم بأمره الجاهل في العلوم الاقتصادية وضع البلاد في حالة يرثى لها في مجال التنمية الصناعية والزراعية وقطاع الخدمات وخاصة الكهرباء، وهو الذي يمتلك مورد مالي سنوي كبير جداً، وقد سعى لرمي عبء هذا الفشل الذريع على عاتق الوزراء، ونسى نفسه باعتباره رئيساً للوزراء ومسؤولاً عن كل الفشل الحاصل في البلاد وفي جميع المجالات.
العراق واقع في دوامة منذ سنوات، في محنة كبيرة، ومحصور في عنق زجاجة. لا يمكن أن يخرج من كل ذلك إلا بكسر الحلقة أو كسر عنق الزجاجة بما يساعد على تحرره وانطلاقه صوب فضاءات أرحب وأكثر اتساعاً للشعب وقواه الوطنية وحلوله الديمقراطية للمشكلات القائمة وبعيداً عن ضيق أفق وجهل الحاكم بأمره بأمر الحكم، بعيداً عن الأجواء الطائفية والتمييز والإقصاء والتغييب بمختلف أشكاله وتلاوينه، من أجل توفير الأرضية الصالحة لمكافحة الإرهاب والفساد والتخلف.
إن الوضع الراهن بوجود الحاكم بأمره وصراعاته ودوره غير المجيد وغير المحمود وغير المطلوب في الساحة السياسية العراقية ستسير الأمور من سيء إلى أسوأ وسيزداد القتل بفعل المزيد من تلك الجماعات التي تلتحق بالإرهابيين لا بسبب العوامل الواردة في أعلاه فحسب، بل وبسبب الأوضاع المعيشية والخدمات المفقودة وفشل الحكومة ورئيس الوزراء ووزير الكهرباء وتعاظم الكذب والضحك على ذقون الناس قبل الانتخابات التشريعية القادمة. ولكن أيها الحكام ألا تعرفون بأن حبل الكذب قصير ورجليه قصيرتان وأقصر مما يتصوره الحاكم بأمره ونوابه ومستشاريه.
إن معالجة المشكلات القائمة لا تحل بالترقيع ولا بتصريحات رئيس الوزراء الفارغة من كل مضمون ومن كل أمل بالتزام العقلانية والحكمة في الحكم. وستزداد مشكلاته وأخطاءه إن عقد كل أسبوع مؤتمراً صحفياً أو قدم خطاباً "للأمة"، لن يكون سوى محاولات يائسة للالتفاف على والابتعاد عن الحلول المسؤولة للوضع القائم والمتردي. ورغم القناعة لدى البعض الكثير بأن ما جرى بمصر لن يحصل بطريقة ما بالعراق أيضاً، فأن الوقت بدأ يُنضّج شروطاً وعوامل أخرى ستقود إلى ما لا يتوقعه البعض الكثير.
إن مستلزمات التغيير ستطول نسبياً، ولكنها تساهم مع الوقت في تنضيج وبلورة عوامل الحراك الشعبي المنشود ضد الوضع القائم. ولو كان سلوك القوى المتحركة في غرب بغداد في الفترة الأولى بعيدة عن تلك القوى البعثية والإسلامية المتطرفة لأمكن كسب الكثير من قوى الوسط والجنوب التي تعاني الفقر والبؤس والتخلف والحرمان لتشاركها في حملة الاحتجاجات والتظاهرات. وهو ما يأمله الإنسان بمرور الوقت.
إن الحكومة بائسة تذكرني بقول الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري:
أي طرطرا ، تطرطري .. تقدمي ، تأخري
تشيعي ، تسنني .. تهودي ، تنصري
تكردي ، تعربي .. تهاتري بالعنصر
تعممي ، تبرنطي .. تعقلي ، تسدري
تزيدي ، تزبدي .. تعنزي ، تشمري
في زمن الذرّ إلى بداوة تقهقري
إلى أن يقول متفائلاً من وضع لا يمكن أن يستمر:
بالرافـديـن ازدهـــري ،، وبـالأريـج السـومـري
ياغـيـمـة مـــن دررِ.. حـان نشـيـد المـطـرِ
ستورقـيـن ذات يــوم ،، رغــم أنــف الـقـدر

وأقول، وعذراً للجواهري الكبير، ما يلي:
أي طرطرا تطرطري تقدمي تأخري
وزارة من گرگري يرأسها حبنتري


152
كاظم حبيب
هل رئيس الوزراء العراقي ... خراعة الخضرة أم ماذا؟

"اغفروا لي حزني وخمري وغضبي وكلماتي القاسية,
بعضكم سيقول بذيئة لا بأس
أروني موقفاً أكثر بذاءةً مما نحن فيه".
مظفر النواب 

بالأمس سقط أكثر من 65 شهيداً في أنحاء متفرقة من بغداد والموصل.. بالأمس وحده سقط 190 جريحاً ومعوقاً .. وبالأمس نزفت من جديد كالأيام الأخرى التي سبقته دماء العراقيات والعراقيين في شوارع ومناطق بغداد والموصل.. بالأمس غاص الإرهابيون بدم العراقيين مزقوا ونهشوا لحومهم .. بالأمس هوجم سجنان من سجون العراق المليئة بالسجناء والمعتقلين بمختلف الأسلحة لإطلاق سراح السجناء وقتل ما يقرب من 40 شخصاً في السجنين ومن السجناء إضافة إلى الحراس وبعض المهاجمين الانتحاريين, ولا يعرف حتى الآن عدد السجناء, وربما من الإرهابيين, قد هربوا حقاً من السجنين... كل هذا يحصل وفي الأيام السابقة حصل أيضاً وربما اليوم وغداً وبعده أيضاً سيحصل المزيد من القتل والخراب والدمار, وبعد كل هذا يقال للشعب: بالعراق يوجد رئيس وزراء وقائد عام للقوات المسلحة ووزير داخلية بالوكالة ووزير أمن وطني بالوكالة ووزير دفاع أصيل, رغم وجود خيال المآته, في وزارة الدفاع, ورئيس دولة قانون ... فهل مع كل هذه المناصب يكون رئيس وزراء العراق والقائد العام للقوات المسلحة خراعة خضرة أم ماذا؟ السؤال عادل ومشروع. والأسئلة التي باتت تدوخ البشر بالعراق كثيرة منها مثلاً: ما هي مهمات رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة إذا كان عاجزاً عن وضع حد لقتل العراقيات والعراقيين في أنحاء مختلفة من العراق؟ لِمَ يبق هذا الرجل على رأس السلطة وهو عاجز عن حماية أرواح العراقيات والعراقيين وأموالهم؟ هل العراق أصبح جزيرة "الواق واق" التي لا دستور فيها ولا قوانين تحمي ساكنيها؟ لٍمَ هذه الفوضى العارمة وغياب الأمن بهذه الصورة الكارثية بالبلاد؟ هل أصبح همه أن يبقى على رأس السلطة حتى لو قطعوا رؤوس العراقيات والعراقيين كافة، حتى لو نَصَبَ كرسيه على جثث شهداء قوى الإرهاب والطائفية؟ هل أصبح رئيس الوزراء بلا ذمة ولا ضمير بحيث يسمح بكل ذلك ولا يوقف نزيف دم العراقي ولا يترك مكانه لغيره؟ هل هذا هو حكم دولة القانون حيث يموت كل يوم عشرات الأبرياء من أبناء وبنات الوطن المستباح؟
خلال ثلاثة شهور قتل 3100 شخص وأكثر منهم من الجرحى والمعوقين. هذه أرقام رسمية من الأمم المتحدة, دع عنك الرقم الحقيقي الذي لا يُذكر أبداً. ومعنى هذا إن معدل القتل اليومي يصل رسمياً إلى 35 شهيداً وأكثر من الضعف من الجرحى والمعوقين. ليحاسبكم إلهكم أيها الإرهابيون يا من تقتلون البشر في بلادي ، إن كان لكم إله تعبدونه، وليحاسبك إلهك يا من تعجز عن حماية الإنسان في بلادي وتصر رغم ذلك أن تجلس على الق..!!! ما دام الشعب ساكتاً عنهم وعنك !!!
في بلدان أخرى يقتل إنسان واحد فتنقلب الدنيا ولا تقعد، الحكومة تعتذر وتستقيل والشعب يتظاهر ويعلن رفضه للقتل والساكتين عنه, وها هو الشعب العراقي يفقد يومياً عشرات القتلى والجرحى ولا يحرك ساكناً, وكأن الطائفية قد خدَّرتهم وأماتت في الناس الحس العراقي الرهيف في مواجهة هذا الحاكم والحكم وهما عاجزان عن الدفاع عن حياة وحرمة الناس, بل يغوصان يوماً بعد آخر في سياسات مناهضة للشعب شاء المشاركون في الحكم أم أبوا الاعتراف بذلك !!!
وبالأمس، حيث قُتل وجرح أكثر من 250 إنسان عراقي برئ، تم إحراق مقاهي وأغلقت أخرى ببغداد من جانب قوى مسلحة "مجهولة الهوية" بسبب وجود عاملات في تلك المقاهي.. هذا العراق بلا قانون، تحكمه شريعة الغاب والشقاوات والعناترة, في زمن يقال لنا إن الحكم بالعراق بيد دولة القانون ورئيسها.. وبالأمس واليوم يشحذ مئات ومئات الصبية والنساء في شوارع بغداد من أجل الحصول على لقمة خبز لهم وما يحصل للكثير منهم يومياً يعرفه القاصي والداني في بلد يصل إيراده السنوي من النفط وحده إلى 120 مليار دولار أمريكي... بالأمس وفي حر الصيف اللاهب انقطع الكهرباء لسكان بغداد لساعات وساعات والشعب يسمع صراخ وزير الكهرباء الذي يصم الأذان ويخدشها بأنه سيغرق الشعب والبلاد بالنور, بالكهرباء المفقود فانتظروا حتى يأتيكم الفرج ممن لا فرج منه ولا بركة فيه (عيش يا كديش حتى يطلع الحشيش!)، دع عنك المحافظات الأخرى في الوسط والجنوب وغرب بغداد وما تعانيه من نقص شديد في الخدمات كافة... وبالأمس أعلن البنك المركزي، بعد أن باع في ما يسمى بالمزاد 348 مليون دولار أمريكي, عن شكه بوجود طلب على 90 مليون دولار في المزاد لم يستجب له لاحتمال أن يكون المبلغ من غسيل الأموال... وطلب الدكتور بارق شبر الإعلان عن صاحب الطلب والكشف عن حقيقة الموضوع.. ولم يعلن البنك عن شيء جديد, والكمية التي باعها البنك المركزي يوم أمس 21/7/2013 تفوق ما باعها البنك المركزي حين اُتهم المحافظ ونائب المحافظ ومجموعة من خيرة موظفي البنك المركزي العراقي بشتى التهم كهدر المال العام وتمويل الإرهاب والفساد والتواطؤ وفصلوا من الوظيفة واعتقل البعض منهم وهذا البعض ما يزال معتقلاً دون وجه حق, عدا الشخصية الفاضلة والنزيهة الدكتور مظهر محمد صالح الذي أطلق سراحه بكفالة وينتظر المحاكمة, والدكتور سنان الشبيبي الذي يواجه الاعتقال إن عاد إلى العراق دون وجه حق. وبالأمس (21/7/2013) كتب سالم مشكور عن مدينة الطب ما يلي: "ضمن مجمّع مدينة الطب ، وتحديدا في مستشفى الجراحات التخصصية ، يوجد ثمانية عشر مصعدا كهربائيا شيدت أوائل الثمانينات . لا يعمل منها حاليا سوى مصعد واحد فقط . فترى العشرات يتجمعون أمام بابه في كل طابق بينهم مرضى يأنون من الألم والأمصال معلقة في أيديهم والبعض معصوب الرأس بعصابة مشبعة بالدم . المصعد يصل فيفتح بابه ليكتشف المنتظرون انه مملوء بالبشر". كل هذا يحصل ويقال للشعب العراقي المستباح من الإرهابيين ومن بعض أبرز القوى الحاكمة بأن لديه رئيساً للوزراء بالعراق يحكم بالعدل والقسطاس ويتابع شؤون الناس يومياً!!، وأن هذا الرئيس هو القائد العام للقوات المسلحة ووزير الداخلية ووزير الأمن الوطني ووزير الدفاع فعلياً، كما منح المزيد والجديد من أسماء الله الحسنى التي تسمَّى بها صدام حسين، وإن هذا القائد المغوار من سكنة المنطقة الخضراء التي لا تصلها أيدي الإرهابيين، ولكنها تصل إلى "أولاد الخايبة"، وهم غالبية الشعب العراقي فيقتلون زرافات زرافات.
من المسؤول عن استمرار تدهور هذا الوضع البائس؟ من المسؤول عن إبقاء رئيس الوزراء "الفحل!" في أعلى سلطة بالبلاد التي يقتل منها يومياً ويجرح ويعوق عشرات الأبرياء من الناس؟ أليست الأحزاب الإسلامية السياسية المشاركة في الحكم؟ ألا تتحمل ذات المسؤولية في هدر دماء العراقيات والعراقيين لأنها مشاركة في الحكم ولا تريد تغيير الوضع خوفاً عل حكمها الطائفي المحاصصي المقيت! تباً لكم فأذانكم فيها وقر لا تسمعون بكاء وعويل الجرحى والمعوقين والأمهات الثكالى والأيتام, تباً لكم هل فقدتم الإحساس بالشعب والوطن ووجدتم ذلك من إرادة إلهكم الذي علمكم السحر!!
منذ ما يزيد عن عدة سنوات كتبت وكتب الكثير من الناس بأن الأزمة ليست في هذه المشكلة الصغيرة أو تلك، بل هي في بنية النظام الطائفي المحاصصي المقيت؟ إنها أزمته المركزية, ولكن قلة قليلة من قرأ ذلك ومن أيد ذلك ومن كتب عن ذلك لأن الطائفية تسيطر على عقول كثرة من الناس التي تخشى على ما يسمى زوراً بحكم الشيعة! إن رئيس الوزراء يسيء إلى الشيعة وأحزابها السياسية أسوء إساءة حين يحكم باسمها ويقود الناس إلى قبورهم يومياً على أيدي الإرهابيين وغيرهم. إن من يريد تمثيل الشيعة لا يعرف السياسة ولا يمارسها وهاجسه هو الأمن ولا يجيدها، والنتائج كما ترون موت مستمر ونزيف لا يتوقف.
أيها الناس، يا شيعة العراق هذا الحكم ليس حكمكم كمواطنين أصحاء، بل هو حكم لا يحترم الإنسان ولا يحترمكم، وإلا لما سكت عن القتل اليومي للناس شيعة وسنة وغيرهم ولوضع الحد لهذا الموت الجهنمي.
إنها المأساة التي يعيشها الشعب وما لم تجدوا حلاً للمشكلة فستكتسحكم الهبة الشعبية المنتظرة والمتوقعة كما اكتسحت محمد مرسي و"الإخوان المسلمون"، بسبب السياسات المناهضة لمصالح الشعب، بسبب سيادة الإرهاب وسيطرته على الشارع العراقي وتحكمه بمن يريد قتله من البشر وأينما أراد ومتى ما أراد والعدد الذي يريد قتله، وسيادة الفساد المالي والإداري ... الخ.
بالأمس استمعت إلى الدكتور أحمد الجلي وهو يتحدث بحماس عن فضائح الحكومة بالعقود التي كانت تريد عقدها حول البنية التحتية، لقد كان يصرخ حقاً بوجه مدير الندوة منفعلاً ولم يفتعل ذلك، وهو الذي أسس البيت الشيعي الخرب الذي أساء للشعب العراقي كله. ويقول مجلس الوزراء هو الذي أقر عقوداً وصل إجمالي المبلغ حوالي 6.5 مليار دولار أمريكي مع شركات أجنبية غير معروفة الوزن ولا خبرة لها، ولكن اللجنة النيابية المختصة أوقفت إمرار هذه الصفقة المشبوهة. ويعتقد الجلبي هكذا تكون العقود إذ يحصل المتعاقد العراقي, اياً كان فرداً أو جماعة، على الحصة أو القومسيون المتفق عليه سلفا ويحول إلى مصرف خارجي ويوضع في رصيد الفاسد أو الفاسدين ليشتري أو يشتروا بالسحت الحرام البيوت أو القصور هناك. حسناً فعلت هذه اللجنة. كما تحدث الدكتور الجلبي عما يحصل في البنك التجاري وغيرها من المسائل تؤكد وجود فساد يمر من تحت أيدي وأقدام مجلس الوزراء، ولكن لا أفهم لِمَاذا لا يعمل ويتعاون مع البيت الشيعي، الذي أسسه, ولكن رُكل منه ركلة موجعة، على إزاحة من يراه غير مؤهل لحكم العراق. ليس هذا ادعاء مني أو من أي شخص آخر يا وعاظ السلطان، بل هو حديث الدكتور أحمد الجلبي عضو المجلس النيابي ومسؤول عن لجنة العقود وهذا كان حديثه في القناة الفضائية (الفرات) التابعة للمجلس الإسلامي الأعلى في العراق وتم هذا اللقاء مساء يوم أمس 21/7/2013.               
لا يمكن ولا يجوز أن يستمر هذا الوضع فمن يؤمن بالقدر في موت هؤلاء الناس يرتكب خطيئة بالغة بحق الرب الذي يؤمن به لأنه الرب يطلب من الحاكم أن يوفر الأمن لشعبه لا أن يتركه لقمة سائغة لقوى الإرهاب والطائفية الذميمة.
22.7.2013                     كاظم حبيب

153
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية

بيان حول الأوضاع الراهنة في إقليم كردستان العراق

منذ سنوات ينعم إقليم كردستان العراق بوضع أمني ممتاز لا تتمتع به بقية محافظات البلاد مما فسح لها المجال في البناء والتعمير والتشغيل وتغيير وجه المدن الكردستانية التي أهملت كثيرا في السابق. وهو جهد مشكور ويقيم عالياً من جانب الشعب الكردي ومن تهمه مصلحة هذا الشعب وأمنه واستقراره. وقد أصبح الإقليم محط أنظار العراقيات والعراقيين في المحافظات الأخرى، وكذلك أتباع الديانات التي تعرضت للاضطهاد والقتل والتشريد في محافظة الموصل وبغداد والبصرة وغيرها، وبشكل خاص العائلات المسيحية والمندائية، وكذلك إيزيدية الموصل. كما حط فيها الكثير من المسلمين من أتباع المذهبين الشيعي والسني في فترة القتل على الهوية، والتي بدأت مجدداً في محافظات الوسط والجنوب وبغداد.  وكان هذا الوضع السليم محط ارتياح كبير لدى أخيار العراق وهم يدركون عظم المآسي والكوارث التي تعرض لها الشعب الكردي في عقود نظم الحكم القومية الشوفينية وأساليبها الفاشية في التعامل مع الكرد والقوى المعارضة لها بشكل خاص. وصور مجازر الأنفال ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية ماثلة أمام أنظار الشعب تذكر بجرائم حكم البعث الدموية في العام 1988. كما يشير التجمع بارتياح إلى تقلص ملموس في نسبة الفقراء والمعوزين في الإقليم إلى 5% من إجمالي السكان, والذي يمكن تقليصه أكثر, في مقابل نسبة تزيد عن 20% في بقية أنحاء العراق.
ولكن التجمع لاحظ في السابق ويلاحظ اليوم أيضاً وفي ذات الوقت بعض المظاهر السلبية التي تستوجب المعالجة لكي لا تكون بؤرة للتوترات الاجتماعية والاقتصادية ومن ثم السياسية. ومن يعيش في الإقليم أو يتابع أخباره كالتجمع العربي لنصرة القضية الكردية يتلمس ذلك، وكذلك الكثير من الناس بالإقليم. وإذا كان التجمع قد كتب في السابق مذكرات عديدة إلى المسؤولين في الإقليم حول هذه المواضيع وأصدر عدة بيانات، فإنه ينطلق في كل ذلك من حرصه المسؤول على تجربة الإقليم وتطوره وتقدمه ليكون نموذجا للشعب العراقي كله والدولة العراقية.
ومن المشكلات التي واجهت وما تزال تواجه الإقليم، تشير الأمانة العامة، حسب قناعتها وتتبعها للأوضاع فيه، إلى النقاط المهمة التالية:
1.   ضعف التوجه نحو التنمية الاقتصادية الصناعية والزراعية والتركيز على قطاع النفط الخام مما يضعف القدرة على خلق فرص عمل جديدة وتشغيل الأيدي العاملة العاطلة وتخليص الاقتصاد من البطالة المقنعة الكبيرة بالإقليم التي ترهق خزينته، وزيادة التراكم الرأسمالي والتثمير الإنتاجي من أجل تنويع وتحسين بنية ومستوى الدخل القومي.
2.   رغم أهمية البناء والتعمير والتوسع فيهما وتطوير البنية التحتية، فإن هذا لا بد أن يقترن بتنمية اقتصادية مستدامة تعزز الأمن الصناعي والزراعي والاقتصادي عموماً بالإقليم. كما أن سياسة الباب المفتوح أمام الاستيراد يرهق خزينة الإقليم من جهة، ويعرقل التنمية الصناعية والزراعية من جهة أخرى، وهي التي يفترض أن تتغير، إذ أن الإقليم مكشوف بالكامل على الخارج وعلى الاحتمالات السلبية الناشئة عن ذلك.
3.   وجود ظاهرتي الفساد المالي والإداري والمحسوبية والمنسوبية، ومع تأشيرنا إلى الحجم النسبي المختلف لوجود ظاهرتي الفساد المالي والإداري والمحسوبية والمنسوبية في الإقليم عنه في العراق الفيدرالي, إلا أنهما تبقيان ظاهرتين ملموستين تثيران الناس وتخلقان عدم الثقة بالحكم الذي يقوده الحزبان.

4.   هناك معادلة مهمة جداً بين الحرية الشخصية والأمن التي يفترض أن يحققها النظام السياسي، إذ لا يجوز أن يتغلب أحدهما أو يتجاوز على الثاني، بل الحفاظ على توازن عقلاني من خلال الالتزام بالدستور والمؤسسات التشريعية، والفصل بين السلطات واستقلال القضاء. وهي الإشكالية التي يواجهها الإقليم في المرحلة الراهنة، وخاصة سبل الالتزام بمبادئ المجتمع المدني والديمقراطية بما يسهم في مشاركة المجتمع في السياسة العامة وفي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
5.   إن ارتكاب أخطاء في هذا المجال تؤشر لنا أربعة احتمالات سلبية على صعيد الإقليم وهي:
أ - عدم الارتياح والتذمر لدى السكان في الإقليم، مما يسمح بقبول الدعايات المضادة للوضع العام بالإقليم.  
ب - تنامي دور قوى الإسلام السياسي المتطرفة وما يسمى بالمعتدلة الراغبة في تغيير وجهة تطور الإقليم صوب الحكم الديني الظلامي الذي لا يصلح مع حضارة القرن الحادي والعشرين وتقدم الإنسان.
ج - إضعاف الجبهة الداخلية للقوى الكردستانية والمجتمع الكردستاني مما يسهم في إضعاف القدرة التفاوضية للكرد مع قوى الإسلام السياسي الحاكمة ببغداد وتأثيرها على الوضع بالإقليم، والتي بدأ المتتبع يشعر بتأثيرها.
د - زيادة تدخل الدول المجاورة في الشؤون الداخلية للإقليم وتعزيز دور وتأثير امتداداتها السياسية والأمنية بالإقليم والعواقب المترتبة على ذلك كثيرة ومؤذية، خاصة وأنها تمتلك اليوم مواقع اقتصادية واجتماعية وأمنية قوية بالإقليم وقادرة على التأثير السلبي المباشر وغير المباشر في أوضاعه.
6.     ضعف التعاون بين القوى الديمقراطية بالإقليم، ومنها التحالف الكردستاني، مع القوى الديمقراطية على صعيد العراق كله، مما يسهم في إضعافهما معاً من جهة، ويعزز دور القوى الأخرى التي لا تريد الخير لهما في آن واحد من جهة أخرى.  
إن المتتبع للوضع السياسي بالإقليم يدرك العواقب غير السليمة المحتملة للصراعات الجارية والتي يتسم بعضها بالمهاترات والتخوين بين القوى السياسية الفاعلة والمؤثرة في الحياة السياسية. والتي، كما يرى التجمع، سوف لن تبقى محصورة بأعضاء الأحزاب السياسية ومؤيديها في المجتمع، بل ستنتقل إلى المجتمع بأسره، وهو الذي يمكن أن تنتج عنه عواقب مضرة، ما لم يسارع الجميع إلى ممارسة الخطاب السياسي العقلاني والحضاري والحكمة في النقاش المتبادل والابتعاد عما يثير المشاعر ويعمق الكراهية بين صفوف الشعب الواحد.
إن الإقليم بحاجة إلى البناء والتنمية والتشغيل والتقدم والالتزام بمبادئ الدستور، الذي لم يقر حتى الآن، وإلى خلق أجواء التفاهم والتفاعل الإيجابي والكف عن النبش في الدفاتر القديمة التي لا تساعد في الخروج من التأزم السياسي الراهن.
إن حرص التجمع، الذي التزم منذ تأسيسه الدفاع الثابت عن قضية الشعب الكردي والأمة الكردية على امتداد ساحتها السياسية الموزعة على الدول الأربع في الشرق الأوسط والذي يقف على مسافة واحدة من كل القوى السياسية الديمقراطية الكردية، هو الذي يسمح للأمانة العامة للتجمع في التعبير الصريح والواضح عن رأيها وحرصها على سلامة الوضع في إقليم كردستان العراق ليكون نموذجاً للكرد في كل مكان ونموذجاً للشعب العراقي بأسره. إن التجمع حريص في أن يُذكَّر الإخوة والأخوات في كردستان، مسؤولين وعاملين في الحقل السياسي جميعاً، بأن من واجبهم أمام الشعب الكردي والأمة الكردية وضع مصالح الشعب الكردي بالعراق أمام عيونهم، وقبل كل شيء، لكي يتجنب الإقليم ما يعقد أوضاعه ويزيد من احتمالات تحول الخلاف والصراع السياسيين إلى صراع مرير ومدمر عرفته سنوات العقد الأخير من القرن العشرين والذي لا يستفيد منه سوى أعداء هذا الشعب.
الأمانة العامة
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية       صدر في 14/7/2013             

154
كاظم حبيب
هل تعلم سياسيو المرحلة الراهنة من تجارب العراق الغزيرة؟
" اغفروا لي حزني وخمري وغضبي وكلماتي القاسية, بعضكم سيقول بذيئة, لا بأس ... أروني موقفاً أكثر بذاءة مما نحن فيه ". مظفر النواب

عاش شعب العراق خلال العقود التي أعقبت ثورة تموز 1958, أو حتى قبل ذاك, تجارب غزيرة وكدس معارف وخبرات كثيرة ومهمة يمكنه, لو أراد, أن يستفيد منها في مراحل مختلفة من نضاله في سبيل الحرية والديمقراطية والحياة المدنية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية والسلام. وكما يمكن للسياسيين أن يستفيدوا منها إن أرادوا ذلك حقاً. يمكن ذلك حين لا تكون للشعب وسياسييه ذاكرة قصيرة ينسون أو يتناسون ما حصل بالأمس القريب ويتجاوزونها وكأنهم لم يلدغوا من جحر مرات ومرات. لقد مرَّ الشعب بنظم سياسية عديدة وبحكام وسياسيين لا حصر لهم. أسماء الحكام اختلفت والنظم السياسية تبدلت أوصافها ومسمياتها, ولكن سلوكيات الحكام ونظمهم وسياساتهم إزاء شعبهم العراقي بكل مكوناته القومية والفكرية والدينية والمذهبية كانت في المحصلة النهائية واحدة لا تتسم بالديمقراطية ومصلحة الشعب, بل غالباً ما كانت عدوانية متوحشة  وجامحة الى الهيمنة التامة على إرادة الناس ومقدراتهم وعقولهم وسلوكهم اليومي, إضافة إلى تحقيق مصالحهم على حساب مصالح الشعب.
بالأمس القريب, في نهاية العام 1969 وجد صدام حسين نفسه أمام مأزق كبير هدد وجود حزب البعث في السلطة ووجوده ونظامه السياسي في آن واحد, فما كان له إلا وبادر ووافق على حصول الشعب الكردي على الحكم الذاتي وصدر بيان آذار في العام 1970. فهلل له جميع من كان يتعاطف ويلتزم الدفاع عن قضية الشعب الكردي وحقوق الشعب المشروعة باعتبارها الخطوة الأولى على الطريق الطويل. ولكن سرعان ما استطاع صدام حسين أن يلعب لعبته في تفكيك العلاقات النضالية للقوى الديمقراطية العراقية بفعل سياسات البعث وتكتيكاته إزاء إقامة تعاون مع هذا الطرف الوطني لضرب طرف آخر, ثم مع حزب آخر لضرب حزب رابع وهلمجرا, إلى أن تحقق له الانفراد بالساحة السياسية العراقية.. وهكذا كان, لقد صفى الساحة السياسية العراقية من معارضة كانت موجودة على الأرض العراقية مباشرة. غاص البعض القليل تحت الأرض, ووجد البعض الآخر نفسه في السجون أو في المنافي أو دفن في أقبية جهاز الأمن والمخابرات, أو صعد إلى أعالي جبال كردستان العراق, ومنهم الكثير ممن حط الرحال في إيران أو سوريا أو الدول الغربية وفي حينها بعض الدول الاشتراكية ايضاً.
كان صدام حسين يقول لمن يلتقي بهم من السياسيين: "أي موجة سياسية تأتي سأركبها, سواء أكانت يسارية أم يمينية, وسأقودها بنفسي وأنهي دورها لصالحنا". هذا هو مضمون قوله المشهود والذي اقترن بقول آخر: "العراقيون بعثيون وأن لم ينتموا", أو "لن أترك العراق إلا على جثث وخرائب" وهكذا كان.
نحن اليوم أمام حالة جديدة مشابهة من حيث الجوهر وأن اختلفت من حيث الأشخاص والأدوار والظروف والأساليب والزمان.
منذ ثماني سنوات عجاف جلس الحاكم بأمره نوري المالكي على رأس الحكومة العراقية ولم يبذل الجهد البسيط لمعالجة القضايا العالقة مع الشعب الكردي أو رئاسة وحكومة الإقليم أو مع القوى السياسية الأخرى, ثماني سنوات ماطل وعقد الأوضاع وشدد الصراع الطائفي السياسي وعمق الخلافات القومية وساعده في ذلك من بيده السلطة أيضاً بأساليب مختلفة. وعلى حين غرة انبري السيد نوري المالكي ليعالج الخلافات القائمة مع رئاسة الإقليم. لماذا هذا التغير في الموقف؟ هل يجسد رؤية سليمة للأوضاع التي يمر بها العراق أم إنها تنطلق من تكتيكات سياسية تستند إلى ذهنية انتهازية استبدادية خطرة يفترض الانتباه إليها والحذر منها؟       
كان المالكي حتى نهاية انتخابات مجالس المحافظات قد ركب رأسه ورفض الكثير من محاولات حلحلة الأمور, بل كان يفجر قنبلة أو يدفع بواحد من أتباعه ليؤجج الحالة ويدفع بها إلى نقطة الصفر. والسؤال: هل من جديد في الواقع العراقي؟ يتطلب الأمر الإمعان في ما حصل بالعراق خلال الفترة الأخيرة والتي يمكن تلخيصها بالنقاط التالية:
1.   انتهت انتخابات مجالس المحافظات بنتائج لم يكن يتوقعها نوري المالكي فخسر الكثير من مواقعه.
2.   وبهذه النتائج بدأت تنشأ تحالفات جديدة في المحافظات تختلف عما كانت عليه قبل ذاك وخسرت قائمته مواقع مهمة في منطقتي الوسط والجنوب.
3.   بدأت الأوضاع في سوريا تزداد تعقيداً وتهدد بدورها الوضع بالعراق.
4.   وأوضاع محافظات غرب بغداد لم تنته بعد وهي تشكل عبئاً كبيراً عليه وعلى حزبه, رغم إنه مستمر  في تشديد سلوكه وسياسته الطائفية.
5.   كما إن الأوضاع المعيشية والخدمات ما تزال بعيدة كل البعد عما يريده الشعب والوعود الباطلة التي لم تتحقق تكشف عن عيب سياسات المالكي وحزبه وحكومته. فالبطالة كبيرة والفقر أوسع والفساد مستشري والإرهاب يقتل يومياً المزيد من البشر والخطط الأمنية فاشلة لأسباب ترتبط بفلسفة الحاكم بأمره بشكل خاص.
وفي الطرف المقابل, في الطرف الكردي نتلمس ما يلي:
1.   استمرار واشتداد الصراع على السلطة في إقليم كردستان العراق ليس بين المعارضة والأحزاب الحاكمة فحسب, بل وفي داخل الأحزاب الحاكمة, إلى حد المهاترات والإساءات المتبادلة.
2.   وكانت النتيجة أن أصدرت الأحزاب الحاكمة في الإقليم قراراً بتأجيل الانتخابات المستحقة دستورياً في شهر أيلول/سبتمبر من هذا العام لمدة سنتين, أي حتى العام 2015.
3.   وجود تذمر في الساحة الكردستانية, رغم وجود الأمن المهم والضروري للمجتمع, بسبب البطالة المقنعة وارتفاع الأسعار والفساد الواسع وعدم التوجه صوب التنمية الصناعية الضرورية للإقليم.
4.   وجود ضغوط سياسية متزايدة من الطرف الإيراني على الإقليم باتجاه المصالحة مع حكومة نوري المالكي.
إن قراءة المالكي للأوضاع في العراق عموماً وفي إقليم كردستان دفعته إلى ركوب الموجة ليبدو وكأنه المنقذ الأعرج,  المعروف في التاريخ, ليقفز فوقها ويمتطي  الموجة لتصفية بعض الأمور لصالحة في الانتخابات القادمة, بعدها سيكون في وضع أفضل يستطيع به مواجهة الخصوم الذين أًجبر على تبادل الكلمات الطيبة معهم وتوزيع الابتسامات العريضة التي تكشف زيفها.
لست إلى جانب تشديد الصراع في الساحة السياسية والشعبية العراقية, إذ إن عواقبها وخيمة على الشعب العراقي, وكان الكثير من الناس الحريصين على مصالح الشعب يبذلون الجهد لتخفيف وتهدئة الأوضاع. هذا صحيح وضروري في آن. ولكن هذا الموقف لا ينفي بأي حال ضرورة التنبيه الجاد والتحذير المستمر مما شاهدناه جميعاً من على شاشات التلفزة التي مررنا بها في سنوات العهد الصدامي وسُقينا مرارتها وعرفنا بأنفسنا عواقبها المريعة.
كانت عواقب ثماني سنوات من حكم المالكي على الشعب العراقي صاعقة, كانت النتائج ليست مخيبة للآمال بل عواقبها كانت وما تزال مدمرة لوحدة الشعب العراقي وضد مصالحه وحصد الشعب المزيد من الدماء والآلام والبؤس والبطالة. أن رؤيتي للمالكي لا تتحدد بمعرفتي الشخصية به, بودي أو كرهي له شخصياً. فهذه الأمور لا تتحكم بموقفي السياسي من هذا الحاكم أو ذاك, بل تتحدد بسياساته ومواقفه. فنوري المالكي كشخص وكرئيس حزب لا يفهم الديمقراطية ولا يريد أن يفهمها إلا حين تكون سلماً للصعود والوصول إلى قيادة الحكم, وحين يكون على السطح أو بعد جلوسه على كرسي الحكم يركل السلم بقدميه, ثم يمارس سياسة الحزب الواحد والشخص الحاكم الواحد والدكتاتور الأوحد. ولم تعد الديمقراطية مفيدة له أو ضرورية لحزبه. ورغم إن الظروف لا تتناسب مع هذا النهج غير الإنساني وغير الحكيم. إلا إن المالكي بحكم كونه ليس ديمقراطياً بل شخصية طائفية سياسية حتى النخاع, فأنه سيواصل هذا النهج الخطير ولا أتوقع له تغييره. وهو القائل "أخذناها بعد ما ننطيها" وهو "أكو واحد يگدر يأخذها بعد". والمقصود هنا هو شخص المالكي, هم الأحزاب الشيعية أو بتعبير أدق حزبه الشيعي الطائفي السياسي, الذي لا يختلف عن الأحزاب السنية الطائفية وليس جماهير الشعب من الشيعة والسنة. المالكي قناص فرص ولكنه يتشبث بها حتى النهاية المأساوية, إذ إنه برهن خلال ثماني سنوات عن ذهنيته الفكرية والسياسية وعن سلوكياته العملية في السلطة, إذ  لم يدخر وسعاً في شراء المزيد من الأعداء في سبيل تعميق الصراع والاصطفاف والاستقطاب الطائفي, إضافة إلى شراء الذمم. ويمكن في كل لحظة أن يتحول إلى قومي شوفيني زائداً ديني متشدد وطائفي متعصب!   
ينبغي أن لا يكتفي الساسة الكرد بما يحققونه لهم, بل يفترض أن يفكروا بأن حماية حقوقهم تكمن في الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والحياة الدستورية بالعراق كله. إن المساومة على المبادئ الأساسية لن تمر بسلام وتعود بالضرر على الجميع. هكذا علمتنا تجربة العقود المنصرمة, وهكذا يفترض أن نتعلم من تجاربنا وتجارب الشعوب الأخرى.     
وهذا لا يعني إن سياسة الإقليم كلها كانت في الفترة المنصرمة صائبة أو ديمقراطية. بل تميزت بقدر كبير من التشنج والتوتر ومحاولة الابتعاد عن التنسيق والتكامل مع بقية أنحاء العراق. لقد تحدث المسؤولون الكرد أمراً مهماً واحداً مهماً وصحيحاً هو أنهم كشعب كردي وكأحزاب سياسية لا يريدون العيش تحت هيمنة الدكتاتورية مرة أخرى بالعراق, فقد عانوا منها الكثير ولا يمكن أن يعيدوا التجربة ثانية أو ثالثة. وهذا يتطلب منهم تقديم النموذج الديمقراطي في الإقليم لكي تحصل المصداقية المطلوبة. إن إقليم كردستان العراق بحاجة إلى مزيد من وحدة الموقف في الظرف الراهن, ولكن هذا يمكن أن يتم حين تسود الديمقراطية والحياة الحرة والالتزام بمواد الدستور. وهو لم يحصل حتى الآن وهو الذي يثير المزيد من الخلاف والصراع في الساحة الكردستانية, وهو الذي تستفيد منه قوى الإسلام السياسي على نحو خاص.
إن منطقة الشرق الأوسط , وبلادنا جزء منها, تتحرك على براكين, بعضها تفجر وبعضها الآخر ينتظر أن يتفجر في كل لحظة, ولا يمكن أن يكون العراق بعيداً عن تلك البراكين, بل هو جالس في القلب والمركز منها ويتحرك معها. وإذا ما استمر الحكام ممارسة سياسة قصر النظر وسياسة ضعف الذاكرة أو نسيان الأحداث المنصرمة التي كلفت الشعب العراقي بكل مكوناته القومية والدينية والسياسية مئات ألوف القتلى والجرحى والمعوقين وخسائر مالية وحضارية فادحة وهائلة, فإن الكارثة ستكون كبيرة وأفظع مما مر به العراق حتى الآن. إن السبيل الوحيد أمام حكام العراق جميعاً هي العودة إلى مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان, مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية للنساء والرجال وكل المكونات والتخلي الفعلي عن الأحزاب القائمة على الدين والطائفية الدينية والتمييز القومي والديني والطائفي والفكري والسياسي وضد المرأة ومصادرة حرية الأفراد وحقوقهم المشروعة وكرامتهم الإنسانية ودفع المزيد منهم للهجرة وخاصة بين اتباع الديانات الأخرى وفئة المثقفين.
10/7/2013                     كاظم حبيب 


155
كاظم حبيب
الإسلام دين للأفراد وليس نظاماً للدولة والمجتمع

لم يكن الدين يوماً نظاماً لدولة ما ولن يكون, وإذا ما حصل ذلك فستكون الكارثة على الدين والدولة في آن, وهو ما تعيشه شعوب بعض الدول ذات الأكثرية الإسلامية. وهذه القاعدة لا تمس الإسلام وحده بل الأديان كافة, سواء تلك التي يطلق عليها بـ "السماوية" أم الوضعية, وهي كلها كذلك. والدين يمكن أن يكون علاقة بين الفرد وما يؤمن به, سواء أكان إلهه أم غير ذلك. ولهذا نشأت في العالم العربي القاعدة السليمة التي استخدمها لأول مرة مصطفى النحاس, رئيس حزب الوفد بمصر, ثم استخدمها وثبتها في صدر صحيفته "الحاصد" في العشرينات من القرن الماضي الكاتب والصحفي والشاعر العراقي الشهير أنور شاؤل والقائلة, "الدين لله والوطن للجميع". وهي تعني بصحيح العبارة فصل الدين عن الدولة. والدولة, كما هو معروف, شخصية معنوية لا دين لها, والدين, أي دين, هو ما يؤمن به هذا الإنسان أو ذاك أو لا يؤمن بأي دين.
قواعد الدين عموماً مستقرة أو ثابتة عموماً وطويلة الأمد, في حين إن قواعد الحكم متغيرة ومتطورة مع الزمان والمكان والناس وما يختارونه من نظام حكم لهم, وهي مرتبطة عضوياً بطبيعة علاقات الإنتاج السائدة في بلد ما ومستوى تطور لقوى المنتجة والوعي الفردي والجمعي للمجتمع.
الدين علاقة روحية وليست مادية, وحين تتحول إلى مادية تفسد تماماً. وقد برهنت الحياة على صحة هذا القول على امتداد تاريخ الأديان والدول. فالمسيحية حين اختلطت بالدولة واندمجت بالحكم في أوروبا على سبيل المثال الصارخ, تحولت الدولة إلى حكم استبدادي مقيت يمارس التمييز إزاء الديانات الأخرى وأتباعها وساد التعذيب ضد الآخر وانتشرت المظالم والقتل. وحين تم الفصل بين الدين والدولة على امتداد عقود كثيرة في أوروبا أمكن تحويل الدولة بالارتباط مع التغييرات التي جرت في علاقات الإنتاج والقوى المنتجة والوعي الاجتماعي إلى دولة مدنية علمانية سعت إلى تكريس مبادئ الديمقراطية, رغم إن الفجوة ما تزال قائمة بين المبادئ والأفكار الديمقراطية وبين تطبيقاتها في مختلف الدول رغم مرور أكثر من قرنين على ذلك.و نحن نواجه اليوم دولاً أوروبية وغير أوروبية تأخذ بالديمقراطية وقد فصلت بشكل واضح بين الدين والدولة وحررت الدين من قيود الدولة وحررت الدولة من قيود الدين الذي لا علاقة له بنظام الحكم بل له علاقة بالإنسان الفرد لا غير.
ومنذ عقود وجماعة الإخوان المسلمين ومن شاكلهم يمطرون الشعوب التي تدين بالإسلام, بدون أي اعتبار واحترام لواقع وجود ديانات ومذاهب أخرى ولها أتباع بجوار الإسلام في البلدان التي تعيش مع الأكثرية, بسيل غامر وخانق من شعارات دينية مؤدلجة لا تمت إلى حياة الناس ومشاكلهم وحاجاتهم وتطلعاتهم وطموحاتهم بصلة, بل هي من تركة وبقايا القرون السالفة التي لم تبرهن الحياة على صحتها مثل "الحاكمية لله" و "الإسلام هو الحل" وما شاكل ذلك. وهذه القوى الإسلامية السياسية لم تغرق العالم بهذه الشعارات المؤدلجة فحسب, بل ومارست العنف, باعتباره جهاداً في سبيل نشر الإسلام, ضد الكثير من الناس في الدول ذات الأكثرية المسلمة وكذلك في الدول ذات الأكثرية غير المسلمة, كما حصل في الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 في الولايات المتحدة, أو حين وصلت قوى الإسلام السياسي إلى الحكم, كما في أفغانستان وإيران والسودان أو قبل ذاك في السعودية على سبيل المثال لا الحصر.
وأخيراً كانت الانطلاقة الشعبية الرائعة في ما أطلق عليه بـ "الربيع العربي في عدد من الدول ذات النظم الاستبدادية في الحكم مثل تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا التي ما تزال في المخاض, والعراق الذي سوف لن يفلت منها أيضاً.
ولكن استطاعت قوى الإسلام السياسي في عدد من هذه الدول السيطرة على الحكم أو خطفه بحكم عوامل خمسة داخلية وخارجية مهمة:
1.   التنظيم الجيد لقوى إخوان المسلمين في تلك الدول أو تنظيمات إسلامية مماثلة لها وامتلاكها لموارد مالية كبيرة تأتيها من دول وتنظيمات وشركات وغيرها.
2.   جهل الناس بهذه القوى وسياساتها الديماغوجية الفعلية حين تكون خارج الحكم وتأثير الدين وشيوخ الدين على فكر الناس وسلوكهم ,
3.   ضعف الوعي العام للغالبية العظمى من الناس في تلك الدول, خاصة وأن الغالبية العظمى تعاني من البطالة والفقر والاضطهاد من جانب النظم الحاكمة.
4.   ضعف وتشتت وتنافس القوى الديمقراطية المعارضة لنظم الحكم الاستبدادية ورغبة كل منها في الوصول إلى سلطة الدولة مقرونة بنرجسية مرضية لدى البعض الكثير من هذه القوى, وهي جزء من ذات الوسط الاجتماعي الذي نشأت فيه قوى الحكم والقوى الأخرى.
5.   تأييد الدول الغربية لهذه القوى بدعوى إنها تعبر عن الأكثرية المسلمة في بلدانها ولأنها تستجيب لمصالح الغرب في بلدانها, وخشية الغرب من القوى الديمقراطية والاشتراكية في هذه الدول.   
 ونحن اليوم شهود على الواقع التالي: ما أن تسلم الإخوان المسلمون الحكم في مصر حتى بدأت عيوبهم القاتلة بالبروز والانكشاف للعالم كله. وبدأت الممارسات المؤدلجة تحل محل الواقع المصري الذي كان يتطلب حلولاً عملية للمشكلات القائمة لإنهاء مظالم فترات نظم الحكم السابقة ومفاسدها واستبداها وتفاقم البطالة والفقر والحرمان لنسبة عالية من السكان. فكان الغرور الذي هيمن على سياسات وسلوك الدكتور محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين وبدأوا بمحاولة الهيمنة على كل الوظائف والدوائر الحكومية والإدارات المحلية والمحافظين ونسوا مشكلات البطالة والفقر بل وتخلوا عما كانوا يمارسونه قبل ذاك من توزيع بعض الأرزاق على الناس ليكسبوا تأييدهم, وأمعنوا في محاربة استقلالية الإعلاميين والقضاء المصري والقوى الديمقراطية ودفعوا بالكثير من الصحفيين ليواجهوا اتهامات ومحاكمات لا معنى لها, مما رفع من مستوى التذمر والاحتجاج ودفع الشعب المصري إلى هبة جديدة في الثلاثين من حزيران/يونيو 2013 مطالباً برحيل مرسي وجماعة الإخوان المسلمين من السلطة. وخلال فترة وجيزة استطاعت حركة التمرد وحدها أن تجمع أكثر من 22 مليون توقيع لرحيل مرسي والنظام من سدة الحكم, إضافة إلى إن نسبة مهمة من مؤيدي الإخوان المسلمين قد كفت عن تأييد مرسي وجماعته.
وكانت الهبة الجديدة التي بدأت في الثلاثين من حزيران من هذا العام قد عبأت الملايين من البشر في تظاهرات عامة في سائر أنحاء مصر وليس العاصمة وحدها, وكانت تقترب تدريجاً من إعلان العصيان المدني ضد حكم مرسي وجماعته المتسلطة والمتجبرة, قد قادت المجتمع إلى أزمة شاملة كان في مقدورها أن تعصف بالبلاد. دفع هذا الواقع المتأزم في الشارع المصري القوات المسلحة إلى التدخل وحسم الموقف لصالح الشعب ومطالبه وعزل مرسي وتنصيب رئيس المحكمة الدستورية العليا بمصر رئيساً مؤقتاً للجمهورية إلى حين إجراء تعديلات على الدستور الذي فرضته جماعة الإخوان دون أي احترام للرأي الآخر وإجراء انتخابات عامة وانتخاب رئيس الجمهورية في ظل الدستور الجديد وعلى وفق الصلاحيات الديمقراطية والعمل على بناء دولة مدنية ديمقراطية علمانية, ومجتمع المواطنة الحرة والمتساوية وفصل الدين عن الدولة.
لقد حصل الإخوان المسلمون على فرصتهم للحكم بمصر وبرهنوا على سوء سلوكهم وعنجهيتهم وبؤس الإيديولوجية التي يدعون لها والشعارات التي يحملونها والتي لا تحاكي الواقع المصري. وهذا ما تعيشه تركيا في الوقت الحاضر مع حزب التنمية والعدالة هناك, ونقدر تماماً ما يحمله المستقبل للعراق الطائفي المحاصصي أو لإيران الثيوقراطية المتطرفة أو لتونس حيث يحكم حزب النهضة بتحالفات سياسية أو لما سيجري بليبيا.
إن الوضع بمصر يتطلب من القوى الديمقراطية أن تكون يقظة وحذرة مما يمكن أن تحمله الأيام القادمة من محاولات إشاعة الفوضى من جانب الإخوان المسلمين ومن لف لفهم, وهم يجدون التأييد والدعم من تنظيم الإخوان المسلمين على الصعيد العالمي أو من قوى مجاورة مثل حماس على سبيل المثال لا الحصر. إن وحدة القوى التي نهضت بالثورة له أهمية كبيرة في قادم الأيام. وستكون فاتحة خير لبقية الشعوب في المنطقة.
إن ثورات الشعوب في الدول العربية في بدايتها ولم تنته, وإن ربيع الشعوب لن ينتهي بخريف طموحاتها وتطلعاتها المشروعة وخاب فأل من تمنى ذلك. أن الشعوب تتطلع ليكون لها ما تسعى إليه, إنه الربيع الدائم.
4/7/2013                        كاظم حبيب           

156
كاظم حبيب
من أجل إيقاف عمليات التغيير الديمغرافي لمناطق مسيحيي العراق
مارس النظام الدكتاتوري والفاشي لحزب البعث العربي الاشتراكي بأساليبه وأدواته سياسات عدوانية ضد الشعب العراقي عموماً, كما انه مارس عمليات التغيير الديمغرافي ضد مناطق الكرد  ومناطق المسيحيين وغيرها بالعراق بصور شتى وأجرى تغييرات واسعة في حدود المحافظات وأسماء الألوية والأقضية السابقة, إضافة الى تحويل صنف الأرض من زراعية إلى سكنية ليتم بيعها لمن يشاء, كما أجرى تهجير وتنقلات سكانية واسعة في تلك المناطق مما خلق مشكلات كبيرة ومعقدة ما يزال يعاني منها العراق في الوقت الحاضر, وسيبقى يعاني منها لفترة غير قصيرة قادمة, وهي مشاكل معبئة بالألغام التي يمكن أن تنفجر في كل لحظة.
ولو عدنا إلى التقسيمات الإدارية لعام 1962, أي في العهد الجمهوري الأول, وقبل بدء التغييرات التدريجية والواسعة في الجمهورية البعثية – القومية (شباط 1963-تشرين الأول 1963) وفي الجمهورية القومية الأولى (تشرين أول 1963- تموز 1968), ومن ثم في الجمهورية البعثية الثانية (1968-2003), لوجدنا بوضوح حجم وسعة تلك التغييرات الحاصلة التي ساهمت في خلق المزيد من المشكلات وعقدت الأوضاع. وغالباً ما كانت تلك المشكلات مقترنة بكوارث ومآسي إنسانية فعلية مدمرة, وخاصة التهجير القسري وانتزاع الأراضي والقتل. ولا يمكن حل هذه المشكلات المتراكمة إلا عن طريق سلمي وديمقراطي في ظل حكومة مدنية ديمقراطية واعية تدرك أهمية إعادة الأمور إلى نصابها ولصالح مكونات الشعب العراقي القومية كافة وبعيداً عن التمييز والفساد والتجاوز.
واليوم وبعد سقوط الدكتاتورية الصدامية, ماذا يجري بالعراق؟ هل أزيلت آثار تلك السياسات العدوانية ؟
لا أتحدث هنا عن التهديد بالقتل والقتل الفعلي والتفجيرات الواسعة والتهجير الواسع وتدمير المساكن وحرق الكنائس والجوامع والمساجد وبقية دور العبادة لأتباع الديانات والمذاهب بالعراق, لا أتحدث عن التمييز في التعامل إزاء مكونات الشعب العراقي القومية وإزاء أتباع الديانات والمذاهب بالعراق, ولا أتحدث عن الاغتيالات بكواتم الصوت والقتل على الهوية مجدداً بالعراق, فهذا كله معروف للناس إذ يعيشونه يومياً. فلا غرابة من أن نسمع بأن عدد قتلى العام 2012 وحده بلغ 14 ألف شهيد على وفق تقرير الأمم المتحدة, وهو أكثر من ذلك بكثير, فكيف الحال مع العام 2013؟ أوليس غريباً في ظل هذه الاوضاع أن يكون عدد المهجرين والمهاجرين من العراق حتى الآن قد بلغ أكثر بكثير مما كان عليه الوضع في زمن الدكتاتور صدام حسين وحزبه ونظامه الدموي, إذ تجاوز 4,5 مليون عراقية وعراقي. ولكن ما أريد الكتابة عنه في هذه المقالة يدور حول عملية التغيير الديمغرافي الجارية منذ ايام النظام البعثي وما تزال مستمرة بأساليب مختلفة, وهي عملية موجهة في الغالب الأعم ضد عائلات مواطناتنا ومواطنينا من أتباع الديانة المسيحية بالعراق, كما يجري ذلك ضد العائلات الإيزيدية في محافظة نينوى. إذ إن هناك محاولات جادة للزحف المنظم وغير المشروع على القرى والنواحي والأقضية التي كانت تاريخياً وما تزال مناطق يسكنها المسيحيون. علماً بأن عمليات التهديد والقتل والتهجير والتفجيرات ...الخ كلها تساعد على تنفيذ عمليات التغيير الديمغرافي للسكان.
لقد عمد النظام السابق إلى أسلوب إطفاء الأراضي الزراعية في قرى ونواحي وأقضية المسيحيين لغرض تحويل صنفها من زراعي إلى سكني. وتتم هذه العملية بالرغم من إرادة سكان المنطقة وضد مصالحهم وبدون تعويض يذكر. وحين يتم التعويض فيكون رمزياً مما دفع الأهالي إلى رفض تسلم مبلغ التعويض. وكان النظام السابق يوزع تلك الأراضي التي تم إطفاؤها على رجال المخابرات والأمن وحاشية ومريدي النظام ورأسه. وكان هذا الإجراء يعني دخول أناس من مناطق أخرى, وأغلبهم من المسلمين إلى مناطق المسيحيين. والوثائق تشير إلى بيع تلك الأراضي على سبيل المثال لا الحصر الى جماعات من الشرقاط والقيارة وربيعة ليأتوا ويبنوا مساكن لهم في تلكيف والحمدانية مما جلب ذلك معه الكثير من المشكلات الاجتماعية. وإذ تم إلغاء قرارات مجلس قيادة الثورة على عموم العراق في ما عدا محافظة نينوى التي التزمت حتى الآن بتطبيق مضمون قرارين سيئين هما القرار 111 لسنة 1995 والقرار 117 لسنة 2000, وهما يعنيان الاستمرار بإطفاء الأراضي الزراعية وتحويل صنفها إلى أراض سكنية وتوزيعها على مستفيدين من مناطق أخرى ومن غير المسيحيين.
وبخلاف ذلك تقريباً يجري في إقليم كردستان العراق حيث تقوم الحكومة بإطفاء الأراضي الزراعية وتحويلها إلى أراضي سكنية, ولكنها تمنح مالك الأرض قطعتين سكنيتين, وتوزع البقية على من تريد. وكان هناك قرار حكومي بمنع توزيع أراضي عنكاوة (المسيحية الطابع)على غير المسيحيين, ولكن جرى الالتفاف عليه إذ بدأ التوزيع على شركات أجنبية ومحلية, وبالتالي امتلأت عنكاوة اليوم بغير المسيحيين أيضاً.   
كيف تجري عمليات التغيير الديمغرافي منذ سنوات؟ تباع أراضي واسعة في مناطق كانت وما تزال منذ قرون تعود للسكان المسيحيين مثل سهل نينوى ومناطق في دهوك لأشخاص وهيئات وقوى إسلامية عراقية من مناطق مختلفة في سهل نينوى ودهوك وعنكاوة؟
يتم ذلك عبر شراء دور المسيحيين بأسعار باهضة وخيالية من عائلات فقيرة أو يجري شراء أراضي زراعية تعود لعائلات فقيرة بأسعار عالية جداً لا يستطيع أهالي المنطقة دفع أثمانها. كما تجري عملية بناء مساجد وجوامع وحسينيات في منطقة برطَّلة وغيرها ومن قبل أحزاب إسلامية سياسية. وقد ورد اسم رئيس حزب إسلامي  في العراق" في موضوع بناء جامع هناك لصالح الشبك, في حين هو قادر على بناء مثل هذا الجامع في منطقة الشبك ذاتها.
إننا هنا أمام تجاوزات فعلية لا تمارس الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان موقفاً صارماً منها لصالح هذه المناطق وسكانها الأصليين, وبالتالي تساهم في دفع الكثير منهم إلى الهجرة, رغم إن حكومة الإقليم قد استقبلت الكثير من المسيحيين الذين هددت حياتهم في بغداد ومناطق الوسط والجنوب (وتعرضت) إلى الخطر وقدمت لهم بعض المساعدات الأخرى. ولكن هذه مسألة وقضية التجاوز على مناطق سكن المسيحيين مسألة أخرى مدانة دولياً. ولقد عانى الكرد من هذه الحالة في ما مضى وما تزال تلك القضايا شائكة ولم تحل حتى الآن.
إن الوثائق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان وحقوق الأقليات القومية والدينية (كما يطلق عليها في تلك الوثائق الدولية) تدين عمليات التغيير الديمغرافي المتعمدة في مناطق القوميات وأتباع الديانات الأخرى في العالم. وما يجري بالعراق يقع تحت حكم وطائلة هذه الوثائق الدولية الرافضة لما يجري في سهل نينوى ودهوك.
إن هذه الحالة التي جرت وتجري منذ سنوات لا بد من إيقافها وإعادة الأوضاع إلى نصابها وسابق عهدها, وإلا ستخلق مشكلات إضافية لشعبنا بكل مكوناته وهو ما يزال لم ينته من معالجة المشكلات السابقة. ولهذا السبب تشكلت لجنة تحضيرية عليا ولجنة تنفيذية للتحضير لمؤتمر أطلق عليه "مؤتمر أصدقاء برطَّلة" من المزمع عقده في الأشهر القريبة القادمة من هذا العام (2013) في إقليم كردستان العراق وستشارك فيه نخبة واسعة من العراقيات والعراقيين من الداخل والخارج وشخصيات أخرى تناضل ضد ممارسة مثل هذه السياسات على الصعيدين الإقليمي والدولي يأخذ على عاتقه تشكيل منظمة تسعى لإيقاف هذا التغيير الجاري وبالتعاون مع الحكومتين الاتحادية والإقليم وإعادة ما حصل قبل ذاك لصالح العائلات المسيحية والحفاظ على وجودهم في مناطقهم وعدم الزحف عليها وتهجير سكانه وإحلال عائلات مسلمة أو بناء مساجد وجوامع وحسينيات مكانها. إن أراضي المسلمين واسعة بالعراق ومن يريد أن يبني دوراً للعبادة فليبنها أينما يشاء دون التجاوز على أراضي المسيحيين ومناطقهم التاريخية.
إن وجهة عمل مؤتمر أصدقاء برطلة تؤكد على ثلاث مسائل جوهرية هي:
1.   إيقاف عمليات استيلاء وإطفاء الأراضي الزراعية وتحويلها إلى أراض سكنية في مناطق المسيحيين والإيزيديين في سهل نينوى ودهوك وعنكاوة وغيرها.
2.    رفع التجاوزات والتغييرات التي حصلت في مناطق سهل نينوى على وفق منطوق المادة 140 وتلك التي حصلت في إقليم كوردستان(كردستان)؟, وخاصة في دهوك وعنكاوا.
3.   الابتعاد عن أي إجراء يراد به تغيير ديمغرافي سكاني لمناطق المسيحيين والإيزيديين أو بناء جوامع ومساجد في تلك المناطق.
ولهذا, فإننا نهيب بالمسؤولين في الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان في أن تتخذ الإجراءات الكفيلة لإيقاف هذا الزحف غير المسؤول وغير المشروع والمؤذي للعلاقات الإنسانية والاجتماعية بالعراق, إذ إن حملة عالمية, ومنها دول الاتحاد الأوروبي, في طريقها إلى النهوض ضد هذه السياسات.
ليقف الشعب العراقي كله ضد سياسات التغيير الديمغرافي لمناطق المسيحيين, كما يفترض أن الدفاع عن الصابئة المندائيين الذين هُجّروا بذات الطريقة من مناطق سكناهم بالعمارة والبصرة وبغداد وغيرها. ولنشحذ الهمم ولنعبئ الطاقات والقوى المخلصة من أجل إنجاح هذا المؤتمر وتحقيق اهدافه النبيلة, والتي تصب في المحصلة النهائية لصالح الشعب العراقي بكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية.
29/6/2013                           كاظم حبيب 


157
لمن يرغب في التوقيع عللى الحملة في الحوار المتمدن رجاءً


نداء من الاقتصاديين والمهنيين والمثقفين العراقيين حول محاكمة الدكتور مظهر محمد صالح نائب محافظ البنك المركزي العراقي


نداء من الاقتصاديين والمهنيين والمثقفين العراقيين حول محاكمة الدكتور مظهر محمد صالح نائب محافظ البنك المركزي العراقي


بعد الحملة التشهيرية التي طالت البنك المركزي ومحافظه المقال بطريقة غير قانونية ولا دستورية، الدكتور سنان الشبيبي، ونائبه الدكتور مظهر محمد صالح واعتقاله، واعتقال عدد من موظفات وموظفي البنك المركزي بعضهم كان مسؤولاً عن اعمال تنفيذية بمزاد العملة الاجنبية للبنك المركزي، جاء الآن دور نائب المحافظ الدكتور مظهر محمد صالح، بعد اطلاق سراحه، ليمثل امام القضاء بتهم غير واضحة، وليستكمل بذلك مسلسل تغييب الكفاءات العراقية المعروفة عن الاسهام بصياغة السياسة النقدية في العراق، والتي حققت استقرارا ملحوظا بسعر صرف الدينار العراقي بعد عقود من الانه  يار. وكما هو معروف على نطاق واسع، فان الحملة على آخر قلاع العمل المهني الاقتصادي في الدولة العراقية، البنك المركزي العراقي، كانت بهدف الوصول الى احتياطي العملة الاجنبية الذي وقف المحافظ السابق ضد استخدامه بشكل غير قانوني لاقراض الحكومة.
الدكتور مظهر محمد صالح اقتصادي متمرس بشؤون السياسة النقدية ويعرفه الكثيرون منا ايضا عبر لقاءاته مع وسائل الاعلام، وقد عمل في البنك المركزي منذ السبعينيات، وتدرج في عمله هناك، حتى صار نائبا للمحافظ خلال الاعوام القليلة الماضية، وله ايضا اسهامات معروفة في الادبيات الاقتصادية العراقية وغيرها.
اننا كاقتصاديين ومهنيين ومثقفين عراقيين، نبدي شديد قلقنا مما استمر حدوثه لبضعة اشهر في استهداف البنك المركزي عن طريق استهداف كفاءاته وكوادره المهنية، ومنها زميلنا الدكتور مظهر، الذي نتضامن معه، ومع الدكتور سنان الشبيبي، ومع السيدين حسن هاشم الحيدري، وحازم نجم العاني الذي حكم ظلما لستة اشهر، علاوة على السيدتين فوزية كاظم علي وهيفاء بطرس، من موظفات البنك اللواتي ما زلن يقبعن في المعتقل ولبضعة اشهر دون حق اطلاق سراحهن بكفالة رغم ظروفهن الانسانية الصعبة. ونطالب باطلاق سراحهم فورا، وابطال جميع الملاحقات غير القانونية واللادستورية بحقهم،     ارجاع جميع حقوقهم كموظفين في البنك المركزي.
اننا كاقتصاديين ومهنيين ومثقفين عراقيين نعبر مرة اخرى عن تضامننا الاخلاقي الكامل مع زميلنا الاقتصادي المعروف الدكتور مظهر محمد صالح، الذي يعاني من امراض مزمنة كارتفاع ضغط الدم والسكري وغيره من الامراض الصعبة لمن في سنه، ونحمل الدولة واجهزتها القضائية المسؤولية في حال تعرض صحته لأي تدهور. اننا ايضاً نطالب باحترام قانون البنك المركزي الصادر في 6 آذار من العام 2004 وتطبيقه على موظفي البنك المركزي العراقي وتحريرهم من هذا التعسف القانوني، حالهم في ذلك حال الكثير من موظفي البنوك المركزية المحترمة عالمياً.
 

الموقعون الاوائل
د. فاضل عباس مهدي المدير السابق لقسم التحليل الاقتصادي في الامم المتحدة (الاسكوا) / كاتب في الاقتصاد السياسي للتنمية د. كاظم حبيب استاذ جامعي سابق في علم الاقتصاد وناشط سياسي د. ماجد الصوري خبير اقتصادي مسجل في سجلات الامم المتحدة منذ عام 1989 د. بارق محمد رضا شُبَّر مستشار حكومي سابق و خبير اقتصادي دولي د. فرهنك جلال مستشار اقتصادي د.هاشم العلي خبير دولي في الإقتصاد الكلي والتخطيط المالي د. كامل العضاض مستشار إقليمي سابق في الأمم المتحدة د. كاترين ميخائيل اكاديمية وكاتبة فؤاد الكاظمي خبير نفطي ذاكر عباس طالب دراسات عليا اقتصاد د. عمر طارق القاضي دكتوراه اقتصاد د. ناجح العبيدي صحفي اقتصادي د. عبد السلام الادريسي استاذ جامعي سابق في علم الاقتصاد د. سلام سميسم مستشارة اقتصادية واستاذة جامعية سابقة حمزة الجواهري خبير نفطي د. حسين الكرطاني مدير عام في مكتب نائب رئيس الوزراء د. كامل مهدي اكاديمي وباحث اقتصادي د. جاسم العلي اكاديمي وباحث اقتصادي د. محمد علي زيني اكاديمي وباحث اقتصادي موفق محمود خبير مصرفي عمل سابقا ً في البنك المركزي العراقي د. مدحت القريشي اقتصادي واستاذ جامعي د. زيد هادي حبة استشاري في تقنية المعلومات جورج منصور وزير شؤون مجتمع مدني سابق في الإقليم د. سعد فتح الله اقصادي ومستشار في وزارة حقوق الانسان طارق شفيق خبير نفطي د.ستار البياتي اكاديمب وباحت اقتصادي سلام صفار مهندس في كندا د. خالد الحيدر اكاديمي وناشط مدني الهام حسين ماجستير علوم لؤي الخطيب المدير التنفيذي معهد العراق للطاقة – لندن د صادق البلادي طبيب وكاتب باسم مشتاق احمد الربيعي ليث محمد رصا كاتب اقتصادي فراس سعدون اعىلامي واستاذ جامعي منتظر ناصر صحفي وقاص صفاء خلف صحفي وشاعر حيدر سعيد باحث د. جعفر عبد الغني مستشار صناعي سابق لدى منظمة التنمية الصناعية التابعة للامم المتحدة علاء مهدي مدير ائتمان واعلامي د. فوزي القريشي خبير ومحلل اقتصادي د.حسن حلبوص طبيب وناشط في مجال حقوق الانسان د. تيسير عبد الجبار الآلوسي كاتب وباحث ورئيس جامعة بن رشد في هولندا د . عبد علي عوض باحث أكاديمي وكاتب - أستاذ جامعي سابق في التحليل الإقتصادي د. احمد الربيعي طبيب ورئيس رابطة الأكاديميين العراقيين في استراليا د. محسن الشبيبي اكاديمي متقاعد سلام صفار مهندس سهاد بابان مترجم وناشك مدني -منسق تيار الديمقراطيين العراقيين في كندا سوزان جميل شاعره و أعلاميه خلود بابان فنانه تشكيليه فراس البصري فنان تشكيلي ليث رؤف حسن مهندس مدني إستشاري صناعي فاطمة سلمان على مهندسة مدني إستشارية وناشطة إجتماعية د. منيرة أميد دكتوراه في الاحصاء والعلوم الادارية ،أكاديمية وباحثة - ورئيسة مركز كلكامش للدراسات والبحوث الكوردية د. محمد الموسوي أستاذ جامعي متقاعد وكاتب طالب العواد اعلامي وناشط سياسي عادل حبه كاتب نهاد القاضي مهندس استشاري د. جبار ياسر الحيدر صفاء البلادي حيدر عبد الجليل الميّاحي ماجستير رياضيات/معيد في قسم الرياضيات/كلية الهندسة/جامعة كويلف د. حميد الخاقاني استاذ جامعي باسل جعفر ماجستير هندسة، مهندس اتصالات د. زكي فتاح مستشار اقتصادى د. ميثم لعيبي اكاديمي وباحث إقتصادي عصام الصفار اكاديمي واعلامي طالب العواد أعلامي وناشط سياسي د. علي مرزا باحث إقتصادي ميسون الدملوجي مهندسة معمارية عزام علوش مهندس واستاذ جامعي صادق المعموري ماجستير اقتصاد سياسي د. منى الصفار مستشارة وباحثة طبية في علوم الاجنة


الموقعون 
khabib@t-online.de   
2013 / 6 / 27

   نرجو عدم الارسال المشاركات بالبريد الالكتروني حيث يمكنكم المشاركة والتوقيع بشكل اوتوماتيكي من خلال الضغظ على زر - المشاركة والتوقيع - وملء المعلومات المطلوبة
 

( 9 ) Signatures Total     
Show Signatures 0 - 9 - قائمة الموقعين
Nr    الاسم - Name    المهنة - Job    الدولة - Country    التاريخ - Date    التعليق والملاحظات - Comment
1   د . حسين علوان حسين      أديب و أستاذ جامعي   العراق   2013 / 6 / 28   عار على حكومة المالكي محا
2   دلال محمود      كاتبة واديبة   المانيا   2013 / 6 / 28   نحن مع الدكتور مظهر صالح محمد نائب محافظ البنك المركزي العراقي , والذي تعرض للظلم دون وجه حق.
3   سلام ابراهيم كبة      خبير طاقة كهربائية   العراق   2013 / 6 / 29   ضياع القيم في عصر المتاهة والانحطاط السياسي
4   الدكتور محمد علي الحكيم      خبير هندسة كيمياوية   روسيا الاتحادية الفدراليةا   2013 / 6 / 29   
هذا واقع عراقنا الكوادر العلمية تحارب وتقتل وتهجر ومزورى الشهادات يحكمون وينهبون انه من الكوادر المشهود عليها يا حكام العراق الجدد كفى استهتار ارفعوا ايدكم عن العلماء واطلقوا سراح الابرياء وعليكم اخذ الدرس من حكم من قبلكم واضم صوتي مع زملائي الاعزاء
5   فاضل الحسني      ناشط سياسي   المانيا   2013 / 6 / 30   -
6   د.قاسم الجلبي      طبيب اطفال وناشط في الدفاع عن حقوق الانسان   المانيا الاتحاديه   2013 / 6 / 30   . يجب انصاف المخلصون من الشعب العراقي , و محاكمه الفاسدون والمختلسون من اموال الشعب العراقي للحكومه الحاليه والسابقه
7   د.احمد موسى فاخر      طبيب   الاردن   2013 / 6 / 30   -
8   د. غالب العاني      طبيب وناشط في مجال المجتمع المدني وحقوق الإنسان   ألمانيا   2013 / 6 / 30   -
9   مثنى صلاح الدين محمود      اقتصادي وناشط في مجال المجتمع المدني وحقوق الإنسان   ألمانيا   2013 / 6 / 30   -


158
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية

_____________________________________
بيان
من المسؤول عما يجري في كركوك من قتل إجرامي يومي؟

تتناقل وكالات الأنباء يومياً أخباراً مؤلمة ومقلقة وحزينة تشير إلى تزايد يومي لعدد شهداء وجرحى ومعوقي الشعب العراقي. وهذا الفعل الإجرامي يتكرر باستمرار وبدون انقطاع في مدينة كركوك مما أجبر محافظ كركوك على البدء بحفر خندق يحيط بالمدينة ليمكنه من حماية أهاليها من عمليات إجرام يمارسها القتلة أياً كانت هويتهم والقوى التي تدفع بهم وتساندهم وتخفي آثارهم. وقد تركز القتل الإجرامي الأخير ضد التركمان من أبناء المحافظة وخاصة مدينة كركوك وضواحيها, فما السبب وراء ذلك ومن يقف وراء هذه العمليات الإجرامية؟
كلنا يدرك الخلافات القائمة بين أبناء المدينة من الكرد والتركمان والعرب حول جغرافية المدينة, وهل هي تابعة للدولة الاتحادية أم إنها تابعة لإقليم كردستان ضمن الدولة الاتحادية العراقية. وهي خلافات ليست جديدة, بل هي قديمة ومتجددة. وكلنا يعرف بأن بقاء المشكلة دون حل واقعي وإنساني يقود إلى احتمال تصاعد المد القومي المتطرف الذي يمكن أن يقود إلى وقوع أعمال تتسم بالعنف والثأر والانتقام المتبادل. وقد حصل هذا من قبل حقاً وعاش الجميع مآسيه وعواقبه وينبغي أن لا يتكرر. ولكن كلنا يعرف أيضاً بأن هناك جماعات عدوانية غريبة تسعى إلى دق أسفين الخلاف بين هذه المكونات الثلاثة بالمدينة واتهام بعضها للبعض الآخر بأنها وراء هذه التفجيرات والاغتيالات والقتل الواسع. وهو أمر يقود إلى عواقب وخيمة على سكان المدينة والمحافظة كلها.
ليست لدينا معلومات دقيقة عن القتلة ومن يقف وراء هذه الأعمال الإجرامية. ولكننا ندرك بأن هذه الأفعال لا يمارسها إلا قتلة لا تخدم أهل المدينة بكل مكوناتها أولاً, وندرك أيضاً بأن استمرار عدم حل الخلاف الجاري منذ عقود, ورغم وجود آليات جديدة لحل الخلاف الذي نص عليه الدستور العراقي على وفق المادة 140 منه, يساعد على وقوع مثل هذه الاعتداءات الآثمة بحق التركمان في المدينة وفي عموم محافظة كركوك ثانياً, وندرك أيضاً بأن هناك الكثير من الأعداء, سواء أكانوا من قوى القاعدة المجرمة أم من قوى البعث المسلحة التي تريد إشاعة الفوضى وعدم الاستقرار بالمحافظة وبالبلاد ثالثاً, كما يمكن أن تكون قوى خارجية أو دول أجنبية تدعم قوى مجرمة في الداخل لممارسة هذه الجرائم في البلاد رابعاً, كما لا يمكن استثناء أفعال محتملة من جانب قوى متطرفة من هذا الطرف أو ذاك تريد إثارة وتعميق الخلاف والصراع ومن ثم النزاع بين الكرد والتركمان على نحو خاص خامساً.
إن التجمع العربي لنصرة القضية الكردية إذ يدين هذه الأعمال الإجرامية بحق مواطنينا ومواطناتنا من التركمان في محافظة كركوك أياً كان المسؤولون عنها, وإذ يدين كل الأعمال الإجرامية التي ترتكب في كل أنحاء العراق, خاصة ما حصل ويحصل في طوزخورماتو وبغداد وديالى وغيرها من مدن العراق, يدرك تماماً بأن حماية أرواح التركمان في محافظة كركوك وأرواح بقية العراقيات والعراقيين في سائر أنحاء العراق, هي من أولى وأهم مهمات الحكومة العراقية وأجهزتها الأمنية ومسؤوليتها أولاً وأخيراً. كما إن التجمع يسجل واقع ضعف وتشوش الإداء الحكومي المركزي وغياب الرقابة والمتابعة على نشاط وأداء أجهزة الدولة, ومنها الأمنية والشرطة.
ولهذا فأن التجمع إذ يطالب الحكومة العراقية والمسؤولين في كركوك بذل اقصى الجهود لحماية أرواح الناس الأبرياء, يطالب أيضاً باتخاذ الخطوات العملية والفعلية ودون تسويف لمعالجة المشكلات القائمة بالسرعة الضرورية لتجاوز الخلافات والنزاعات المحتملة وحرمان القتلة من أعداء الشعب العراقي إمكانية استثمار الخلافات لإنزال المزيد من الضربات الإجرامية بحق التركمان وبحق غيرهم من بنات وأبناء الوطن.
إننا إذ نعزي أهالي الضحايا الأبرياء من التركمان وبقية الضحايا ونتمنى الشفاء العاجل للجرحى والمعقين, نؤكد أهمية إيجاد الحلول العملية والواقعية لقضية كركوك وبقية القضايا العالقة.
الأمانة العامة
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية
28/6/2013           

159
كاظم حبيب
أينما يرتقي الوعي الاجتماعي تنتفض الشعوب ضد مستبديها!!!

في آخر محاضرة للدكتور صادق جلال العظم في برلين شخَّص بصواب الرؤية أو الفكرة الدقيقة التالية:
" الربيع العربي هو ببساطة عودة السياسة إلى الناس وعودة الناس إلى السياسة بعد اغتراب وابتعاد طويلين بسبب من المصادرة والاحتكار المديدين لكل ما هو سياسي في مجتمعات عربية معينة من جانب نخب عسكرية ومن لفّ لفّها من مصالح طبقية وتجارية..." (د. صادق جلال العظم. الربيع العربي والإسلام السياسي, موقع الجدلية على الإنترنيت).
هذا ما حدث في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا والعراق, بغض النظر عن النتائج التي تحققت حتى الآن, إذ إنها البداية ولم تنته بعد, وهذا ما يحدث اليوم في تركيا والبرازيل, وما يمكن أن يحصل في دول أخرى. إذ كلما ارتفع وعي الناس بظروف حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والبيئية وما يعانون منه من كوارث وآلام بسبب وجود حكومات رجعية وظالمة واستبدادية وما ينشأ عن ذلك من واقع انتشار الفقر والبطالة المكشوفة والمقنعة, إضافة إلى الفساد والإرهاب الحكومي أو من جانب قوى سياسية متطرفة وعدوانية أو عصابات الجريمة المنظمة حتى في أغنى دول العالم المنتجة والمصدرة للنفط الخام والغاز والمواد الأولية ذات الأهمية الاستراتيجية الأخرى, اتجه نحو إعلان رفضه لسياساتن هذه النظم والاحتجاج عليها والانتفاض ضدها.
وحين تتحرك هذه الشعوب أو تنتفض وتطالب بحقوقها المسلوبة وتغيير واقعها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والبيئي بطرق سلمية, سرعان ما تتصدى حكومات تلك البلدان لهذه الشعوب وتواجهها بخراطيم المياه وقنابل الغاز المسيل للدموع أو بالرصاص المطاط ومن ثم بالرصاص الحي ليسقط من يسقط ويعوق من يعوق فوجود هذه الحكومات في السلطة هي الغاية الأولى والأخيرة لحكام هذه الدول. إذ من خلال هذه السلطة يصلون إلى المال والجاه وما يريدونه لهم ولمن يساعدهم على الاستمرار في السلطة.
فما هي ذريعة هؤلاء الحكام الأوباش باستخدام أساليب العنف في قهر حركات أو انتفاضات شعوبهم بوجه الظلم والاستبداد والقهر؟ كل التجارب التي عشناها خلال السنوات العشر الأخيرة تؤكد بأن هؤلاء الحكام لا يختلفون في توجيه الاتهام مباشرة إلى قوىً خارجية تتسبب في إثارة هذه الشعوب لتتحرك وتنتفض ضد حكوماتها.
ويبدو لي أن ليس في مقدور هؤلاء الحكام الذين وصلوا إلى السلطة بأساليب وظروف مختلفة أن يفكروا بأن السبب وراء كل ذلك هي سياساتهم أو سياسات الحكومات التي يترأسونها والأحزاب التي يمثلونها. ليس في مقدورهم أن يفكروا بما تفكر به شعوبهم, رغم إن بعضهم قد جاء إلى السلطة السياسية بدعوى رفضه للسياسات الظالمة للحكام الذين سبقوه أو لرفضه لسياسات قهر الشعوب.     
لنتابع معاً ما حصل بالعراق في العام 2011 حين نهضت قطاعات مثقفة وشعبية من النساء والرجال من الشعب العراقي تحتج وتطالب بتغيير الأوضاع المزرية وسياسات القهر الاجتماعي والفقر والبطالة ونقص الخدمات وخاصة الكهرباء واستمرار الإرهاب والفساد السائد. وقف نوري المالكي يشتم المتظاهرين وينعتهم بشتى النعوت الظالمة والمسيئة بهدف تأمين إمكانية ضربهم بقسوة دون أن يحصلوا على تأييد شعبهم, أو ما يحصل الآن في المحافظات الغربية والعواقب الوخيمة المحتملة لسياسات المالكي وحكومته الطائفية اللعينة. وشكل المالكي جوقة المهللين لسياساته والمسبحين بحمده والسائرين بركابه.
ولنأخذ ما يحصل منذ سنيتن في سوريا. قتل وتشريد وتدمير متواصل. حتى أُجبر العالم على التدخل لصالح الشعب السوري. ولكن هناك بعض الدول التي تريد الاستفادة من استشهاد الناس في سوريا لصالحها مثل السعودية وقطر بشكل خاص, وكذلك جماعة الإخوان المسلمين ومن لف لفهم. وقد أرتفع عدد القتلى إلى أكثر من 100000 إنسان سوري وأكثر من هذا الرقم من الجرحى والمعوقين وملايين المهاجرين قسراً إلى الأردن وتركيا ولبنان والعراق وإلى عدد من الدول الأوروبية هرباً من القتل أو الاعتقال أو الجوع والحرمان.
أو لنأخذ نموذجاً آخر هي تركيا. لقد توهم رجب طيب أردوغان بأنه قد اقترب من تحويل تركيا إلى إمبراطورية عثمانية جديدة تحت قيادته وفي ظل الإسلام السياسي, إلى دولة إسلامية تفرض سياستها وهيمنتها على المنطقة ودول أخرى من الجمهوريات السوفييتية السابقة. فبدأ يبشر بالنموذج التركي للإسلام السياسي ويعلن عن "علمانيته" المزيفة مرة وعن "ديمقراطيته" المشوهة مرة أخرى, ولكنه راح في الوقت نفسه يتدخل في شؤون الدول التي بدأت الحركات الشعبية المناضلة فيها تتوجه ضد حكوماتها ونظمها السياسية ليدفع بها صوب اختيار طريق الإسلام السياسي. وكأنه يقدم شيئاً جديداً فهلل له البعض في أوروبا وفي الدول العربية, ولم ينتظروا قليلاً ليروا حقيقة ما يجري في تركيا, ولم يطل الوقت إذ سرعان ما بدأ يهاجم كمال أتاتورك, بعد أن كان يمدحه في السابق, وبعد أن شعر بقوته داخل تركيا وقبوله كمسلم متجدد, وبدأ يبشر بالعودة إلى الأصول, إلى الإسلام لإقامة مدارس إسلامية اغلقها كمال أتاتورك وزيادة عدد الجوامع التي قلصها والعودة إلى "تقاليد" إسلامية متخلفة حاربها أتاتورك, وإلى "الحرية" التي خنقها أتاتورك! ولم يقصر في مهاجمة وسائل الإعلام وزج بأكثر من 100 صحفي تركي وكردي في السجون التركية واتخذ جملة قرارات فيها ردة فكرية على الفكر العلماني الذي اعتادت عليه تركيا.
وأدرك الكثير من الترك والكرد وغيرهم عن أي إسلام سياسي جديد يتحدث رجب طيب أردوغان, عن إسلام قديم بلباس جديد مزيف, مما دفع بأوساط واسعة من الشعب التركي أن تتحرك ضد هذه الحكومة التي تدفع بالبلاد صوب الظلامية الإسلامية السياسية تدريجاً وعبر تزييف وتشويه الوعي الاجتماعي لدى الإنسان التركي. لقد عاد إلى حزبه القديم الذي خرج منه في العام 1999, حزب الفضيلة الإسلامي بقيادة نجم الدين أربكان وشكل مع عبد الله غول حزب العدالة والتنمية. وحين تحركت أوساط واسعة من هذا الشعب ضد هذا التوجه الإسلامي المتشدد تدريجاً, استخدم أردوغان العنف والقسوة الصارخة ضد المتظاهرين والمحتجين واتهمهم أولاً وقبل كل شيء بأنهم مدفوعون من "الخارج", وهم بالتالي عملاء لحكومات أخرى. إنها الشماعة التي يعلق عليها الحكام المستبدون ذرائعهم  لضرب الاحتجاجات والانتفاضات الشعبية. ولم يكتف أردوغان بذلك بل إنه اتهم في آخر خطاب له المتظاهرين في البرازيل بأن هذه الانتفاضة الشعبية هناك حرَّكتها قوى خارجية أيضاً, وهي تهمة لم توجهها رئيسة الدولة في البرازيل للمتظاهرين الذين زاد عددهم على مليوني متظاهر. إنها لوقاحة ما بعدها وقاحة حقاً!!

كم هم أغبياء هؤلاء الحكام؟ حالما تعي شعوبهم بمرارات العيش في ظل سياسات قهرية, يتهمونها بالارتباط بالخارج وتلقي التعليمات من الخارج ولا يريدون وعي حقيقة إن هذه الانتفاضات لا تأتي بتأثير من الخارج, بل هي نتاج عملية معقدة وطويلة وصعبة حتى تستطيع الشعوب التغلب على خشيتها من الموت والسجن والتعذيب وتمارس السياسة, حين يتعذر عليها العيش في ظل الأوضاع الجارية وحين يصل التراكم الكمي للقهر السياسي والاجتماعي والاقتصادي إلى مستوى جديد, إلى كيفية أو نوعية جديدة. والعامل الخارجي في مثل هذه الحالات لن يكون سوى المشجع والمساند لا غير, أي لن يكون العامل الرئيسي بأي حال ضمن العوامل المحركة للشعوب.
ندرك بأن التناقضات الاجتماعية والسياسية حين لا تجد حلولاً لها تتحول إلى صراعات سياسية واجتماعية متنوعة, وحين تصل إلى مرحلة معينة من التفاعل تتحول تلك الصراعات إلى نزاعات سياسية تكون أحياناً سلمية وأخرى عنفية أو مسلحة على وفق الحالة التي يمر بها كل شعب من الشعوب وأسلوب مواجهتها من جانب الحكومات. هذا ما تؤكده دراسات علوم الاجتماع والسياسة والأبحاث الخاصة بالنزاعات الداخلية وسبل فضها أو عواقب العجز عن حلها.
إن ما يحصل في البرازيل اليوم يعبر عن غوص الحكومات المتعاقبة في غيها: فالبلاد غنية بشعبها ونفطها, ولكن استخدام وتوزيع الثروة ظالم وفاسد, فالبطالة سائدة والفقر واسع جداً والفجوة الدخل المتسعة بين طبقات وفئات المجتمع واسعة ومتسعة باستمرار في غير صالح الكادحين, والفساد منتشر ويقترب من حالة الفساد بالعراق, والموت على أيدي عصابات الجريمة المنظمة والمخدرات مستمر ومتفاقم والبذخ الحكومي والتفريط بأموال الشعب لا حدود له, وجاء أخيراً قرار صرف المليارات الكثيرة التي خصصتها الحكومة لتنظيم سباقات كرة القدم الدولية في العام القادم في وقت يتضور الناس جوعاً ولا سكن للملايين منهم يليق بالآدميين.
لدى القناعة, ورغم الطائفية السياسية السائدة حالياً بالعراق, التي منعت وما تزال تمنع تحرك واسع لكل الشعب العراقي ضد حكامه, بأن الشعب العراقي الذي لم يمسح عن نفسه حتى اليوم غبار الخوف الذي ولده نظام البعث الدموي وصدام حسين في نفوس الناس, سيغسل هذا الغبار قريباً وينطلق ليكنس بنضاله من لا يريد الخضوع لإرادة الشعب ومن لا يريد الخلاص من الطائفية السياسية في الحكم ومن لا يتصدى للإرهاب الذي يقتل ويجرح ويعوق يومياً عشرات الناس الأبرياء في أنحاء شتى من البلاد, ومن لا يقف ضد الفساد لأنه هو الفساد بعينه.
حين يكون الوعي الاجتماعي والسياسي ضعيفاً, وحين تسود الطائفية السياسية المقيتة في بلد ما, وحين يستخدم الدين "كأفيون" فعلي ضد توعية الشعوب بحقيقة أوضاعها وما يراد لها, يصعب حقاً تحرك الشعوب ضد مضطهديها وسارقي خبز يومها وناهبي ثروات أوطانها. لهذا لا بد من القول بأن المعركة الفعلية الدائرة اليوم تتركز في سبل مسح الغبار المتراكم على وعي الناس, غسل التشويه والتزييف الذي لحق به من جراء سياسات النظم السابقة وقوى الإسلام السياسي التي تجد في الوعي الطائفي السياسي استمراراً لسلطتها في حين ترى في وعي المواطنة والوطن خسارة وتهديداً لوجودها في السلطة وفي العمل السياسي عموماً.
إن على القوى الديمقراطية والمدنية والعلمانية واللبرالية خوض النضال الفكري ضد الطائفية السياسية وضد الدمج بين الدين والسياسة, ولكن في الوقت نفسه, ربط ذلك بالعمل على تغيير الواقع الاقتصادي الذي يساهم بدوره في تغيير البنية الاجتماعية ومن ثم ومعه تغيير وعي الإنسان بشكل عام وإنقاذه من التزييف والتشويه اللذين يعاني منهما وعي الإنسان بالعراق وفي كثير من الدول الأخرى حالياً.
سيكون النصر للشعوب وسيندحر الحكام المستبدون دون أدنى ريب في خاتمة المطاف, كما انتهى الكثير من النظم السياسية والحكام الأوباش, ولكن سيتسببون طيلة وجودهم في الحكم بمزيد من الدماء والموتى والقبور والآلام والكوارث والأحزان. لنعجل برحيل هؤلاء من خلال نشر الوعي والنضال في سبيل مصالح الشعوب والأوطان.
23/6/2013                        كاظم حبيب                         


160
كاظم حبيب
قراءة في كتاب "غُصن مُطعَّم في شجرة غَريبة" (سيرة ذاتية)
للدكتور صلاح نيازي




اسم الكتاب: غُصن مُطعَّم في شجرة غَريبة
اسم الكاتب: صلاح نيازي
دار النشر : دار ميزوبوتانيا للطباعة والنشر والتوزيع
مكان النشر: بغداد
سنة الإصدار: 2013
المدخل
تسنى لي في ربيع العام الجاري (2013)  اللقاء بالأخ الدكتور صلاح نيازي في احتفال تأبيني حزين, في الذكرى التاسعة والثلاثين للعدوان الذي نفذه النظام البعثي الدكتاتوري بالعراق ضد جامعة السليمانية في العام 1974 في مدينة قلعة (دي زه) مستخدماً طائراته الحربية في قصف الاحتفال ببدء الدراسة فيها. فراح ضحية هذا القصف المجرم 167 شهيداً ومئات الجرحى والمعوقين. وجهت الدعوى لكلينا من الأخ والصديق رئيس المجلس المركزي للاتحاد الوطني الكردستاني الأخ الأستاذ عادل مراد. وإذ قدمت كلمة قصيرة في هذا الاحتفال, القى الصديق صلاح نيازي قصيدة رائعة حول تلك المجزرة اللعينة والفاجعة الحزينة التي كان قد كتبها في العام 1989 جاء فيها:
قال لي صديقٌ هاربٌ توّاً:
كنتُ مثلَ أعمىً مهدّدٍ بالاغتيال
يركضُ في كلّ اتجاه وأُذُناه في دردور
كيفَ تُواسي أعمى مهدّداً بالاغتيال؟
اتخذ الجنودُ مواضعَ الرمي بالذخيرةِ الحيّة
عينٌ مغلقةٌ، وعينٌ محشوّةٌ بالرصاص
سدّوا الطرقات، كالأسلاك الشائكة
آلاف الآدميين بثياب النوم
داخلَ اللوريّات الخاكية
مائةٌ وثلاثون ألفَ صراخ محصور
ممنوع عليها الأكلُ والشربُ والمراحيض
كمْ طفلٍ بال على نفسه من الخوف الآن


وخلال وجودنا المشترك ومع مجموعة من الأصدقاء في السليمانية لمدة أسبوع ازدادت المعرفة بيننا وشرفني بإهدائي بعض كتبه, ومنها كتابه المعروف : "غُصن مُطعَّم في شجرة غَريبة" سيرة ذاتية للكاتب صلاح نيازي..
الدكتور صلاح نيازي شاعر وكاتب ومترجم عراقي قدير بتميز, يعيش منذ العام 1963 في لندن وصاحب مجلة الاغتراب الأدبي التي أصدرها في العام 1985 واستمرت حتى العام 2002 بجهود فردية استثنائية وبدعم من زوجته الكاتبة والقاصة العراقية سميرة المانع. ومن اطلع على المجلة يدرك الدور المهم الذي لعبته في نشر الفكر والثقافية الديمقراطية والتقدمية وفي مواجهة الفكر والثقافة الصفراوين حينذاك.
كان صلاح نيازي وما يزال غزير الإنتاج شعراً وأدباً, إضافة إلى أبحاث ودراسات ومقالات, ومجموعة من الكتب الغنية والمهمة وكذلك ترجمات لكتب ذات أهمية في الحياة الأبية والثقافية العالمية. نشر صلاح نيازي في المجالات التالية:
** "الشعر:
كابوس في فضة الشمس ـ بغداد 1962
المفكر ـ بغداد 1976
الهجرة الي الداخل ـ بغداد عام 1977
نحن ـ بغداد عام 1979
الصهيل المعلب ـ لندن 1988
وهم الأسماء ـ لندن 1996
أربع قصائد ـ لندن 2003
ابن زريق وما شابه ـ بيروت 2004
** البحوث والدراسات:
تحقيق ديوان ابن المقرب العيوني مع دراسة نقدية، أطروحة دكتوراه مقدمة لجامعة لندن ـ 1975
البطل والاغتراب القومي ـ بيروت 1999
المختار من أدب العراقيين المغتربين الجزء الأول/ المقالة
** السيرة الذاتية:
غصن مطعم بشجرة غريبة ـ بيروت 2002
** الترجمة:
رواية العاصمة القديمة لكاواباتا ـ دمشق 1999
مسرحية مكبث لشكسبير ـ بيروت 2000
رواية يوليسيس لجيمس جويس ـ دمشق 2001
مسرحية ابن المستر ونزلو لترانس راتيغان ـ بيروت 2002
مسرحية هاملت / ترجمة
ملحمة گلگامش / دراسة نقدية.   
ترك صلاح نيازي العراق في العام 1963 على اثر الانقلاب الدموي الذي وقع  8 شباط الدموي ضد الجمهورية الأولى واعتقل وأسيء إليه, كما أسيء إلى الكثير من أبناء وبنات الشعب العراقي وعذب منهم الألوف المؤلفة وقتل المئات من خيرة أبناء وبنات الشعب.  واجه حياة الغربة والاغتراب الداخلي حتى حين كان في الوطن. والكتاب سيرة حياة ذاتية للكاتب فريدة من نوعها ومليئة بالأحداث والمفاجئات. الكتاب يختلف عن عشرات الكتب التي سجلها أصحابها باعتبارها سيراً ذاتية. ولم تكن تماماً كذلك. لقد ارتدت غالبية من كتب سيرته الذاتية أقنعة وكتبت ما تشاء واعتقدت بأن الناس لا يرون وجها الحقيقي أو لم تقرأ عنها شيئاً ولا تعرف سيرتها. أما كاتبنا المميز فقد خلع كل الأقنعة التي كان في مقدوره أن يرتديها, وهو القدير, وفضل الاستلقاء على سرير طبيب نفساني هو ذاته, وترك لنفسه حرية الحديث المفتوح والصريح والشفاف عن نفسه والصادق مع نفسه وعن معاناته ليتخلص علله النفسية وأوجاعه الجسدية psychosomatic التي تسبب بها المجتمع والنظم السياسية التي سادت العراق والتي طاردته طوال عقود. والسؤال المشروع هو: هل تخلص منها بعد أن نكثها عن نفسه؟ أشعر, كما هو يرى ذلك أيضاً, إنه ما يزال يحمل بقايا من تلك العلل والأوجاع التي تحدث عنها في كتابه ولم يبل منها تماماً, ومن يرافقه لفترة يستطيع أن يتلمس ذلك ويدرك الأسباب الكامنة  وراء ذلك والتي شخصها الدكتور صلاح نيازي ذاته بجرأة ومسؤولية عالية.
استناداً إلى هذا التقدير, وربما أكون مخطئاً فيه, وجدت أن الكاتب قدم لنا كتاباً تحليلياً عميقاً غاص في عمق المجتمع العراقي الشرقي ونشر غسيله بقوة وحيوية عالية وقناعة تامة, فهو يحمل في ثناياه تناقضات الإنسان والمجتمع والحياة ذاتها والكاتب في آن. والكتاب ليس جديراً بالمطالعة فحسب, بل يسهم وإلى حدود جيدة في مساعدة الإنسان على التعرف على نواقصه ومشكلاته وعلله, وخاصة أولئك الذين يريدون كتابة سيرهم الذاتية أو من يعمل في الشأن العام, وأنا منهم, من أجل أن يفيدوا أنفسهم وينفعوا الناس.
الكتاب يحمل إصالة وفرادة في آن. استخدم الكاتب لغة بارعة رشيقة وأنيقة وفيها أحياناً زمجرة الأسد الجريح أيضاً. اللغة التي كتب بها الكتاب ذات نكهة شعرية جميلة يحس القارئ أو القارئة من خلالها بمعاناة الكاتب في اختيار الكلمة والجملة المناسبتين رغم سلاسة ما وصل إلينا منه. فالكلمة لها جدليتها الخاصة ومكنوناتها.
لم يكن صلاح نيازي وحده في الحالة التي عاش بها بالعراق أو حين خرج منه, حين كان يتمنى أن يموت بعيداً عمن يريد قتله بطريقة أخرى غير التي هو يريد الموت بها, ولكن ليس كل هؤلاء حملوا ذات الهموم وذات المشاعر وذات الأحاسيس التي حملها وعبَّر عنها صلاح نيازي بكتابه المفعم بروح إنسانية حالمة. حين تقرأ كتابه "غصن مطعم في شجرة غريبة" يفرض عليك الكاتب أن تحلق في فضاء أوسع, فعنوان الكتاب حمال أوجه عديدة ومعانٍ كثيرة وأبعادٍ عديدة, إنه اللحن الجميل والمعذِب, إنه لحن الحياة النابض المزروع في أرض قاحلة, إنه لحن الواحة في سراب الصحراء الممتد بعيداً في الأفق, إنه الغصن المعطاء والمطعم في شجرة مزروعة في أرض سبخاء.
خرج صلاح نيازي من العراق وهو يعاني من علل نفسية وأوجاع وزواج جميل تم لتوه في أوضاع مرَّة, كان يريد أن يموت كما يرغب هو وليس كما يريده الأشرار له, فالأشجار الشامخة تموت وهي واقفة ولا تحني شموخها للعواصف الصفراء أو تموت بها. كتب يقول:
"كانت أمنيتي الوحيدة لا الوصول إلى لندن, لا العيش فيها, ولكن الموت في مكان آخر, الموت بإرادتي, أردت "أن أحس اللذة السوداء في الوفاة"... أردت أن أختار نوع موتي, كما اختار السهروردي موته." (ص 47).         
الكتاب الذي بين أيدينا يمنحنا فرصة التعرف على حياة شخصية عراقية متفردة في نشيجها وفي ما تحملته من هموم وأحلام وأوهام وشكوك وخشيات وقلق مستفحل كامن ومستقر لا يغادرها, وهي شخصية لا تريد أن تترك كل ذلك, فهي التي ساهمت وساعدت في أن يكون على ما هو عليه الآن: إن يكون شاعرنا الكبير وكاتبنا المقدام ومترجمنا الذي لا يضاهى, إضافة إلى كونه إنساناً بديعاً وصديقا لا يعوض ومتحدثاً لبقاً لا يكل ولا يمل إذ يحمل معه إرثاً حضاريا وتجربة غينة.
"غصن مطعم في شجرة غريبة": نحن أمام كاتب دوخته الدنيا وأتعبته الحياة وعجنته المصائب والمصاعب وأذاقته السنين العجاف مر العذاب والحرمان والجوع, ولكنه لم يركن إلى الكسل ولا إلى الملل ولم يترك المقاومة والنضال في سبيل البقاء على قيد الحياة والتقدم, فانتصر عليها وأن تركت بصماتها وآثارها بارزة في حياته اليومية وعلى شخصيته. فهو شخصية حالمة يتمتع ببراءة الأطفال حين يكون في صحبة النساء الحسناوات ويتباهى بهن, فما تزال نفسه خضراء بتعفف أبوي وروحه زاهية بتوثب وقدرته على العطاء غير محدودة.
صلاح نيازي ابن الرافدين وابن حضارات سومر وأكد وبابل, وواحدة من مهود الحضارة الإنسانية, إنه سليل ذلك الشاعر المجيد والخالد الذي سجل لنا ملحمة گلگامش. ابن بلد الشعر والغناء والرسم, ولد في ذات البلد الذي تحدث عنه الشاعر گلگامش في ملحمته. لم يكن گلگامش يبحث عن سر الوجود والخلود, ولم يكن قوياً ومقداماً فحسب, بل كان قاسياً وظالماً في آن. 
كتب في قصيدة المنزل عن العراق كمنزل وعن أهل هذا المنزل يقول:


ذكرتَ الحضارات,
بيتي التقاء العصورْ
جنائن بابل فوق الجدار
معلقة , همَّ يمشي بها الماءُ , سبّاحة في سماها الطيور
وذلك حارس بوابتي أسد سومريٌّ هصور
مصغَّرة نينوى فوق مكتبتي يشرئب بها الكهنة
وعروة كوز قديم أرى
بزرقة فخّارها عطش الذائبين بأتربة الأزمنة
العراق بلد العلل والأوجاع النفسية, بلد الأحزان والآلام, بلد الحب والعطاء, بل الخشونة والقسوة واللارحمة والاستبداد. يصور لنا صلاح نيازي, وهو في بداية الكتاب كيف عاش تجربة سادية مريعة وهو ما يزال صبياً تركت أثرها الشديد في نفسه, حين قام واحد من أبناء الجيران "البدو!" بقتل قطة صلاح نيازي التي كانت تكره المسبحات السوداء وتزعج المارة بسلوكها, ويقارن هذا السلوك البشع بأسلوب التعامل الإنساني لطبيب بريطاني متحضر مع قطة صلاح نيازي المريضة التي كان لا يرجى شفاؤها. (ص 16). حين يتحدث عن هذه الحادثة الأليمة وتشعر وكأنه يتمنى أن يستطيع كنس تراث القرون الوسطى الذي ما يزال يعشش في العراق. 
قبل عدة سنوات قرأت مقالاً لعراقي يحمل لقب بروفيسور ودكتور يتحدث به بفخر واعتزاز وشموخ كيف إنه أدب شخصاً في محطة التلفزيون ببغداد باللكمات والبوكسات والرفس والركل والهجوم على المرمي على الأرض. وقد تألمت وشعرت بالحزن لهذا الرجل والنفور منه وهو يعيش منذ عقود في وسط الحضارة الغربية ولكنه لمي تعلم منها شيئاً حضارياً ويتعز بعمل قبيح قام به قبل خمسين عاماً.
حين يتحدث صلاح نيازي عن الإنسان وتواضعه ويقارن بين عراقي يتحدث كثيراً عن نفسه, وبين بريطاني يبتعد عن ذلك, يشير إلى زميلته في الإذاعة التي كان يحدثها عن وضعه ومشاريعه فكتب ما يلي: "مرة, وقد أشبعتها مشاريع ومطامح, قالت بخفوت من بين شفتيها الطريتين:
„AS USUAL, SETTING THE THAMES ON FIRE“
لم اسمع بهذا القول, فابتسمت وكأنني فهمت ما الذي تعنيه, ثم حجبت وجهها بين صفحتي رواية ذات حجم كبير, قلت لا بد إنها غارقة فيما تقرأ. ل أحاول أن أعرف في الحال, ولا في اليوم الآخر ولا في السنة التالية, لأنها انتقلت, ولم يكن يعنيني من أمرها شيء, لأن غروري كان أكبر من أي عارض مرحلي. عرفت بعد حوالي سنتين, وانا أسترجع تلك الفتاة في ذاكرتي أنها لدغتني مهذبة, كلدغة القطرة في العين. هل كنت فعلاً كما قالت الفتاة الإنكليزية ساخرة, اجترح المعجزات وآتي بالمستحيل؟ لماذا كل هذا التشبع بالذات؟ من المسؤول عن خرابي النفسي؟"
يلاحظ القارئ والقارئة إن السؤال يوحي للقارئ والقارئة بجواب واحد لا غير: إنا ضحية, ضحية هذا المجتمع. ويؤكد ذلك حين يقول في مكان آخر: "أنا ضحية العقلية الشفاهية السائدة بالعراق".
ثم يعرج صلاح نيازي حول قضية أخرى ويشير إلى التباين في الرؤية والتحليل والتفسير بين العراقيين والبريطانيين, كيف نقف نحن عند سطوح الأمور وهم يوغلون عمقاً, يلجون في عمق المسائل المدروسة,  ونحن نبحث في القشور, يقول الكاتب: "نحن نتحدث عن الغابة والبستان, وهم يفحصون كل نبتة على حدة, طولها, عرضها, خلاياها, أنساغها, لحاءها, استنباتها, تطويرها, أفضل بيئة لها" ويخلص إلى القول "أنا ضحية العقلية الشفاهية السائدة في العراق" (ص 83). هذا الإحساس العميق بأنه ضحية رافقه طوال حياته, وما يزال يعاني منه!
وفي موقع آخر يقول صلاح "لماذا نتحدث عن أنفسنا بهذا الإفراط لدرجة الإسفاف؟ أحزاننا أكبر من كل الأحزان, وأفراحنا ممتلئة بالأنانية. وفي بعض الأحيان يكون فرحنا تشفياً, بالآخرين". (ص 181) ألا يبرهن لنا هذا الكتاب ذاته عن صحة ما توصل إليه الكاتب وهو مستلقي على سرير الطبيب النفساني, الذي هو نفسه, ليعالج نفسه بنفسه؟ لقد ترك لروحه وحياته حرية الحديث عن نفسيهما, وقد أجادا تسجيل حقائق الأمور, أجاد التعبير عنها ونفع من يريد الانتفاع منها.   
كتب الصديق صلاح نيازي: "قال لي أستاذي المشرف على أطروحتي بثقة طبيب وكأنه يعالجني من مرض: إنك تكثر من ألـ "أنا" وهذا لا يجوز في الأطروحات الأكاديمية, ولم يُكمل قراءة الفصل. كانت الوصفة الطبية ناجعة فعلاً, أولاً لأن الـ "أنا" قُرِنت بمرض, وثانياً لأن الأطروحة لن تقبل بوجود هذه العاهة". (ص 182). اعتقد بأن الأستاذ نيازي يعرف جيداً بأن الإكثار من ألـ "أنا" غير محمودة, سواء أجاءت في أطروحة دكتوراه أم في الأحاديث العامة والحياة اليومية.
يواصل الزميل قوله: "كان العلاج صعباً وتطلب سنوات, وما زلت أشكو من عقابيله". (ص 182). مرة أخرى يستلقي الزميل على سريره فهو متيقن حتى الآن بأنه ما يزال بحاجة إلى معالجة هذه الظاهرة. كم أنت صادق مع نفسك, كما أنت حكيم.
يشخص صلاح نيازي مشكلة اجتماعية ونفسية كبيرة وعميقة الجذور يعاني منها الإنسان العراقي. إنها الحدث عن الـ "أنا" المضخمة والمفخمة والغرور والاعتداد بالنفس ويعتبرها أمراضاً تستوجب العلاج, وهي ناشئة من تربية الأجيال المتعاقبة, فكيف الخلاص منها؟ إنه فخاخ منصوبة للإنسان!
كتب عن نشوء هذه العلل النفسية لدى الإنسان وهو طفل رضيع وصبي في المدرسة ما يلي:
"الأم العراقية ترضع طفلها الغرور مع الحليب: أجمل طفل, أفضل طفل, في المدرسة, درجاته أعلى الدرجات بين أقرانه, المعلمون يستغربون من ذكائه, جاء بالمرتبة الأولى. بجمل كهذه تنمي الأم في طفلها روحاً ديكية, قوية في المظهر, هشة في الداخل, والديك مهما كان نطوسه أجبن من عليها". (ص 64). ثم يتحدث عن المجتمع والمدرسة ويخلص إلى خصيلة واقعية ومحزنة:
"شربت الاعتداد بالنفس والطموح, منذ البداية, وها أنا اليوم أحاول شيئاً مستحيلاً. أريد أن أعزل حليب الأم الأول عن تلك الأمراض الخطرة المعدية". (ص 65). أجدد إعجابي وصداق احترامي لجرأته في تحديد ما عانى وربما يعاني منه حتى الآن.
يثير الدكتور صلاح الكثير من الأسئلة المهمة التي يجيب على بعضها ويترك البعض الآخر لمهمة القارئ والقارئة. ويريد أن يشعرك بأنه قد تغير تماماً عما كان عليه من قبل حين كان ثورياً بالعراق, إذ كتب يقول:
"باختصار, لم تعد الشعارات الثورية, تلهب في دمي النار, وأصبحت فلسفة "التغيير من الجذور, تفزعني." (ص 68). ولكن صلاح نيازي نفسه كتب عن الجمود الذي يلف العراق والذي هو بأمس الحاجة إلى التغيير:
منذ مئات السنين, لم يتغير شيء في سومر. نفس الوجوه المتأزمة, نفس الأحاديث الشاتمة والعنجهية, نفس الغرور المزهوّ بذاته, وفي الإحباط هم قصيرو الرقاب يلوذون كحيوانات منهورة ووجوههم كامدة كخيم محترقة". ص (203). 
ليس هذا بغريب عن إنسان عاش المصاعب والمصائب بالعراق, ثم هو الآن يعيش في بلد تركت الروح الثورية منذ قرون خلفها واستساغت التطور الإصلاحي أو التدريجي, كما إن العمر والثقافة وطاقات الإنسان تلعب كلها الدور البارز في تحديد الموقف من عمليات التغيير الاجتماعي. أحس بأني لم أعد ثورياً بتلك الصورة التي كنت عليها قبل عقدين مثلاً, ولكن ما زلت أطمح إلى التغيير الجذري في المجتمع وعن طريق سلمي وديمقراطي.
يواصل الدكتور صلاح نيازي تسجيل رؤيته للتغير فيشير إلى ما  يلي:
"لا يمكن للحضارة أن تبدأ بين عشية وضحاها. إنها كالبذور لا بدَّ لها من نمو بطيء. قد تعجل في خلق مجتمع متعلم, ولكن من الصعوبة أن تخلق مجتمع متحضر, في فترة زمنية قصيرة". ص (68)
التمييز بين التعلم والتحضر أمر سليم ومسافة غير قصيرة. ولكنها ليست مسافة فقط, بل ما يفترض أن يحصل خلال الفترة الواقعة بين التعلم والتحضر, إضافة إلى ماذا نريد من تعلم الفرد والمجتمع؟ كانت الإجابة عن هذا السؤال ضرورية ولو بصورة غير مباشرة. علي هنا أن أشير إلى إن المشكلة تكمن أيضاً في الانقطاع الحضاري بين سومر والعراق الراهن, إذ بينهما الإسلام وما أدراك ما حصل خلال الفترة الواقعة بينهما, إنه الانقطاع الحضاري الفعلي الطويل يا صديقي العزيز.
ليست مهمة الكتاب وضع المعالجات للمشكلات القائمة, فهو كتاب يتحدث عن سيرة ذاتية, فهو ليس بكتاب تعليمي, رغم ما فيه من حكم ودروس وإيحاءات وإشارات نقدية قوية في هذا الصدد. ولكني أدرك تماماً بأن الوصول إلى التعليم والتحضر يفترض أن يرتبطا عضوياً وجدلياً بتغيير البنية الاقتصادية المشوهة والمتخلفة الراهنة والتي ستساهم بدورها كعلمية سيرورة وصيرورة مترابطة في تغيير البنية الطبقية للمجتمع وبلورة الفئات الاجتماعية الحاملة للمجتمع المدني والديمقراطية. إذ إن التغيير الاقتصادي والاجتماعي يقترنان بتغيير في بنية التعليم والتربية وفي الوعي لدى الإنسان, وكلها تدفع وعبر عملية اقتصادية- اجتماعية- ثقافية –تعليمية وتربوية منزلية وسياسية معقدة وطويلة وصعبة للغاية, ولكنها غير مستحيلة, باتجاه خلق مجتمع ليس متعلماً حسب, بل ومتحضراً. فالمجتمع البريطاني لم يكن قبل عدة قرون أفضل من المجتمعات العربية أو المجتمع العراقي بصدد تلك العلل. والمسافة بين المجتمع البريطاني والعراقي حالياً بعيدة وكأنها قرون تفصل المجتمع العراقي عن المجتمع البريطاني, ولكنها ليست قروناً من السنين فقط, بل وانقطاعاً حضارياً مديداً. دعني أقول ما ذكره الصديق الدكتور زهدي الداووي في إحدى نقاشاتنا, وهو مؤرخ وروائي في آن. ما يلي:
"مشكلة معظم الأدباء والفنانين العراقيين في الغربة هي المقارنة بين وطنهم العراق وأوروبا،
دون فهم الخلفية التاريخية لعملية التطور. العراق ليس امتداداً عضويا لسومر وأكد بدليل أن الإسلام قد أدى إلى انقطاع حضاري عن الجذور، الأمر الذي أدى إلى ركود هائل في عملية التطور وكان أن تخلف العراق والبلدان الأخرى عن مواكبة الثورة الصناعية التي تسببت في نشوء وتطور البورجوازية الصناعية", وهو رأي صائب أتفق معه تمام الاتفاق.
يقول صلاح نيازي:
"خرابنا في داخلنا وهذه أتعس طامة, أصبحنا كالخشب المأروض. لأكُن مريضي وطبيب, رأس عيادتي. لأتعرف عليَّ, أولاً, وعلى جذوري الخفية." (ص 195). هذا بالضبط ما أشرت أليه في البداية في كونه استلقى على سرير طبيب نفساني هو صلاح نيازي ذاته. أعود فأقول لا يكفي أن نشخص العيب, بل لا بد من رؤية وتشخيص سبب العيب, إذ عندها يمكن معالجة العيب! إذ إن الحيرة أمام هذا الواقع لا تدفع بنا خطوة إلى الأمام.
كتب يقول بلغة وصورة شاعرية: "ما الذي حدث؟ هل جعلتني الغربة شبحاً لأجوس ف الأطلال؟ كفلاح صينيّ وازنت العصا والسلتين على ظهري. سومر بكفة وبغداد بكفة وعدت إلى لندن. رششت التراب الذي حملته من العراق على طول حديقتي. لماذا فعلت ذلك؟ لا أدري". لا نحتاج إلى كثير عناء لنعرف السبب. نشر المركز الثقافي العراقي في شباط/فبراير من هذا العام (2013) مقالاً لكاتب لم يذُكر اسمه جاء فيه:
"كلما ابتعدنا صرنا نلتفت إلى الوطن أكثر، نبحث في ما حولنا عن إشارة أو ذكرى أو ابتسامة أو حتى دمعة تشير إليه، لذا حين تطالعنا كلمات الشاعر العراقي الدكتور صلاح نيازي يمكن أن ندرك أي جهات تبددت أمامه وهو يلتفت دوما نحو العراق". العراق يعيش في بريطانيا, ولكنه يعيش الغربة ويعيش الحنين, شاء ذلك أم أبى وهو الذي كتب القصية البديعة التالية:
هكذا، من بلدٍ إلى بلد
أفتّش بين النجوم عن بنات نعش
وأقول إذن من هنا العراق
درجت معهنّ منذ الطفولة
أعرّفهن واحدة واحدة، ويعرفنني من بين كل الصبيان
في بعض الأحيان يغمزن لي حين أكون وحيداً
يومها دخلت رهبوت السر، وانتشيت كطائر، كطائر
هنّ كالقناديل في صواني العرس يطفن في السماء
وفي الليالي الغائمة احزن وتختلّ الدنيا
أتفقدهنّ لأنّهن كلّ ما أملك من أمان
مجرد وجودهن دليل الثبات والديمومة، يا للاطمئنان
تعوّدت أن أراهنّ فوق رأسي
إلى اليمين قليلاً، أمامي قليلاً.
هذا هو مكانهنّ الثابت، جذوري التي في السماء.
أحببت صغراهنّ التي تلهث وراءهن في رحيل دائم
تلهث وتعرج وتلهث في رحيل دائم
ما انتظرنها يوما، ولا هي قادرة على اللحاق
قيل عرجاء، تلهث وتعرج، ومن حبي لها سمّيتها مليحة
هكذا من بلدٍ إلى بلد إلى بلد
افتش بين النجوم عن مليحة العرجاء
واليوم اسمع لهاثها ولا أراها في هذه السماء الغريبة
نظرت كالمعتاد إلى المكان الثابت في السماء
الى اليمين قليلاً، إلى الأمام قليلاً، وما من أثر
حينما تتغير خريطة الأشياء تستنفر الحواس
هذه هدية الغربة
     
سألت صديقاً عن وضعه في الشتات العراقيو فأجابني قائلاً: "الوطن أم, والغربة مرة الأب". وفي أوضاع العراق الراهنة: "الوطن مرة الأب والغربة هي الأم", كما عكسها صديق آخر. 
مارس صلاح نيازي أعمالاً كثيرة وأبدع فيهاو سواء أكان ذلك في الإذاعة أم التدريس الجامعي أم في الترجمة, ولكنه لم يمارس العمل اليدوي, ولذلك تجد تجربته قد تكثفت في تلك المجالات التي عمل فيها ولم تنعكس أو تتجلى في ما يعاني منه العمال والفلاحين والكسبة والحرفيين. ولم يكن مطلوباً منه أن يمارس ذلك. ولكن حين كان جائعاً جداً وحين كان عاجزاً عن تأمين خبز يومه, يطرح السؤال التالي: لماذا لم يفكر في العمل اليدوي ويسعى إليه ليوفر عيش يومه, كما فعل الكثير جداً من المثقفين العراقيين الذين غادروا صوب الشتات العراقي في الستينيات والسبعينيات وما بعدهما حتى الفترة الراهنة. سؤال طرحته على نفسي وأنا أقرأ الكتاب, إذ كانت هناك إمكانيات غير قليلة للعمل اليدوي في بريطانيا وهي ليست بالضرورة ثقيلة على الإنسان كما في حالة العمل في دائرة البريد أو محطات القطار أو غيرها.
أنهى الكاتب الكبير الدكتور صلاح نيازي كتابه بجمل حزينة جداً تعبر عن حيرة محيرة, إذ يقول, ما الفائدة في كل هذا؟ الشيء اليقين في حياتي الآن هو الحيرة... فتشت في البداية عن لقمة العيش وكأنها الإكسير, واليوم أفتش عما ينسيني حيرتي التي تزداد وتستفحل بمرور السنين. سأخرج من حلبة الحياة بحيرة أكبر. الحيرة ميراثي الأول والأخير, فأتخبط :
في كلِّ آلة موسيقية, آلاف الأنغام لم تكتشف بعد
في كلِّ شجرة, أصباغ بقدر عيدان الأعشاش
في كلِّ صخرة, عدد لا يحصى له من تماثيل لم تنحت بعد
يولد الإنسان وفي صدره مدن مطمورة
في حنجرته لغات مدحور. لغات منقرضة
لغات في تابوت. لغات في زفاف.
ملامحه ليست ملامحه
ويداه مجدافا نوح دائماً
هل نحن الحقيقة أم الصورة؟ أم صورة الصورة إلى ما لا نهاية
هل نحن أغصان مطعمة في أشجار غريبة؟     
برلين في 19/6/2013                كاظم حبيب
_________________
   السهروردي: هو شهاب الدين السهروردي , يحيى بن حَبَش بن أَمِيرَك كنيته أبو الفتوح ولقبه شهاب الدين (545هـ -  586هـ)  قتل في قلعة حلب بحكم قرقوشي أصدره صلاح الدين الأيوبي. اختار السهوروري  طريقة موته في أن يترك في الصحراء دون طعام أو ماء ليموت وحيداً وبعيداً ومتفرغاً لنفسه وفلسفته الإشراقية. نشر موقع المعرفة بعضاً من أبيات شعره وهو يتوقع موته القريب:
أبداً تحنّ إليكـــمُ الأرواحُ        ووصـالكمْ رَيحـانُها والراحُ
وقلوبُ أهل وِدادكمْ تشتاقكـمْ     وإلـى لـذيـذ لقــــائكمْ ترتـاحُ
وا رحمتا للعاشقـين! تكلّفوا        سترَ المحبّة، والهـوى فضّاحُ
بالسرّ إن باحوا تباحُ دماؤهمْ     وكــذا دمـــاءُ العـاشقيــن تُبـاحُ
   مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود بابطين للإبداع الشعري. المعجم.


161
كاظم حبيب
هل يحق للشعب التفاؤل أم ما يزال العراق يواجه المربع الأول؟

هل يحق للشعب العراقي أن يعيش التفاؤل أم إن العراق, ورغم تلك اللقاءات والبوسات والكلمات المرحة, ما يزال يقبع في المربع الأول الذي يهدد الشعب بحرب طائفية أو اثنية؟ هذا السؤال طرحته على نفسي مرات ومرات أثناء متابعتي للقاء النجف الذي دعا له السيد عمار الحكيم ولم يخرج إلا بمصافحة حزينة بين رئيس السلطة التنفيذية ورئيس السلطة التشريعية وابتسامات عريضة ماتت على شفاههما قبل وصولهما إلى مقعديهما الوثيرين في دار ضيافة المجلس. ثم تابعت التعليقات التي وردت حول اللقاء الذي كان حضوره مقيداً بألف شرط وشرط بما لا يسمح بأي حلحلة للأوضاع الراهنة وترك الأمور على ما هي عليه. فرئيس الوزراء السيد نوري المالكي يريد أن يحتفظ بالمبادرة بيديه وليس بيد غيره! ولكن أي مبادرة؟
ثم جاءت زيارة السيد نيجرفان بارزاني إلى بغداد نتيجة وساطة مستمرة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وإيران على نحو خاص وانتهت بتشكيل لجان عدة للشروع ببحث المشاكل المعلقة. ويم يحصل شيء!
ثم جاءت مبادرة السيد نوري المالكي بعقد جلسة لمجلس وزراء الحكومة الاتحادية بأربيل, عاصمة الإقليم. ولا يمكن أن يتم هذا الاجتماع دون اللقاء برئيس الإقليم السيد مسعود البارزاني. وحصل هذا اللقاء وظهرت على شاشات التلفزة مرة أخرى تلك الابتسامات العريضة الباهتة والمتبادلة التي هي الأخرى ماتت على شفاه جميع الحضور بعد لحظات من انتهاء الرسميات.
من عاش العقود الخمسة المنصرمة يتذكر جيداً, وكأنه شريط سينمائي يتكرر أمام ناظريه, كيف كان المسؤولون يلتقون تتملأ وجوههم ابتسامات عريضة واحتضان وبوسات حارة واحيانا رباعية وليس ثلاثية فحسب, ولكنها كانت تنتهي إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم! لماذا؟ لأن الجميع لم تكن لديه الثقة بأن الأخرين سينفذون ما يتوصلون إليه. ولأن نيات البعض كانت بعيدة كل البعد عن حل المشكلات القائمة ولأن الشوفينية كانت تهيمن على قادة الحكم بالعراق. وهكذا كان الأمر, فهل ما شاهدناه في مطار أربيل واللقاءات ستنتهي إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم أيضاً؟
ليس فينا من يتمنى ذلك. وليس فينا من كان يريد أو ينتظر أن تصل الأمور بالعراق إلى هذا التوتر المهدد بخطر اندلاع حرب أهلية طائفية ماحقة.. وليس في القوى الديمقراطية العراقية, كما اعتقد جازماً من يهلل لمثل هذا الأمر. بل كانت القوى الديمقراطية قلقة جداً ومتوترة تماماً لما يمكن أن يحصل إن واصل الحكم سياساته وواصلت الأطراف الأخرى نهجها!
يبدو لي إن الأمر لا يتعلق بمثل هذه اللقاءات التي يبدو إن الهدف منها تخفيف التوتر لا غير. وتخفيف التوتر مفيد, ولكنه لا يعني حل المعضلات القائمة. والسؤال العادل والمشروع والمطلوب هو: لماذا لا ينتهي الفرقاء إلى حل عقلاني لصالح الشعب العراقي كله؟
الجواب لا يختلف عليه أثنان, حتى رئيس الوزراء يكرره دوماً, ولكن لا يسير عليه بل يبتعد عنه يومياً بسياساته الفعلية. الجواب يكمن مباشرة وصراحة في النظام السياسي الطائفي والمحاصصة الطائفية والأثنية التي وضعت العراق ليس في مركز الصراع الطائفي الداخلي فحسب, بل وفي مركز الصراع الإقليمي الطائفي الجاري بين الدول والتنظيمات والأحزاب والمؤسسات التي تعتمد على تفرعات مذهب السنة والجماعة, وتلك التي تتبع تفرعات المذهب الشيعي في المنطقة. إنه تجسيد للصراع المتواصل بين السعودية وإيران أولاً, وبين إيران وتركيا ثانياً, وكلاهما يشكل خطراً على وحدة شعب العراق بالدرجة الأولى. فالوضع الراهن بالعراق هو تجسد حي للأزمة البنيوية التي يعاني منها النظام السياسي العراقي الذي لا يمكن أن يتخلص من أزمة إلا ليسقط في أزمة أخرى.
من استمع إلى رئيس وزراء العراق في لقائه مع رئيس الإقليم لوجد أن كل شيء سيحل ولكنه مؤجل إلى حين الانتهاء من التعداد السكاني, رغم إن أكثر من وزير تخطيط ومسؤول عن الجهاز المركزي للإحصاء أكدو إمكانية إجرا التعداد السكاني فوراً, إلى أن توضع القوانين من السلطة التشريعية ...إلى "أن" ..إلى "أن" ولن تنتهي هذه إلى "أن" لأنها تلتقي مع "لو" لتلحق بها إلى "أنٍ" أخرى و "لو" أخرى وهلمجرا. وستذرع رئيس مجلس النواب بذات السلوكيات السابقة بحيث لا يعقد مجلس النواب جلساته الاعتيادية وحضور أكثرية قابلة لإنجاز مشاريع القوانين. من استمع إلى تصريحات رئيس الوزراء وهو يهاجم الطائفية في وقت نعرف جميعاً بأنه يقف على رأس القوى الطائفية وهو الجاثم على صدر الحكم في العراق ويتنافس مع راس القوى الطائفية الآخر الجاثم على صدر المجلس التشريعي, وكلاهما يريد الحكم لنفسه باسم طائفته ولكن الحكم بالأساس له وللنخبة من طائفته وليس للشعب, إذ لو كان للشعب لتخليا عن أحزابهم الطائفية وشكلوا أحزاباً وطنية عراقية بعيدة عن الطائفية بدلاً من شتم الطائفية وهم أصحابها, وهم كمن يقتل إنساناً ويسير خلف جنازته!
أيها السادة جميعاً أخاطبكم دون استثناء وأقول لكم يتواضع وحرص على الشعب وقضيته العادلة: إن المطلوب منكم في المرحلة الراهنة أن تكونوا
1.   غير طائفيين سياسيين تتخلون عن الهوية الطائفية لصالح الهوية الوطنية!
2.   أن تكونوا غير قوميين يمينيين تضحون بالهوية الوطنية لحساب الهوية القومية, في حين أن العيش المشترك يتطلب الهوية الوطنية أولاً وقبل كل شيء!
3.   صريحين شفافين مع الشعب العراقي وأن تبتعدوا عن المناورات التي لن تنفع أحداً بل تلحق الأذى بالشعب كله!
4.   أن تلتزموا بالدستور العراقي رغم نواقصه ولكل منكم وغيركم له الحق في تغييره عبر النضال السلمي والديمقراطي!
5.   أن تبتعدوا عن القوى الإقليمية التي لا تريد إلا مصلحتها وهي التي تلحق الأذى بمصالح الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والسياسية!
6.   وطنيين هدفكم مصلحة الشعب لا مصلحة الحزب أو النخبة أو المسؤول الأول وحاشيته!
7.   أمناء على هذا البلد وشعبه وثروته التي هي ثروة الشعب وأن لا تسمحوا للفاسدين والمفسدين التهام أموال الشعب الجارية على قدم وساق, إذ أمام أعينكم تجري عمليات نهب الشعب وسلبه وقتله!
8.   مناهضين للإرهاب والتعذيب بكل أنواعه, سواء أكان فكرياً أم دينياً أم طائفياً أم حزبياً أم عشائرياً أم فردياً, وسواء أكان جسدياً والقتل بالجملة أو بالاغتيالات أو التعذيب الجسدي والنفسي في السجون والمعتقلات!
إن الابتسامات والقبل والأحضان لن تعالج المشكلات, بل مغادرة الطائفية السياسية المقيتة ومحاصصاتها والأخذ بمبدأ المواطنة الحرة والمتساوية والثقة بالشعب وبمصالحه الأساسية والأخذ بالحريات الفردية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات, فهو الطريق الوحيد لإخراج العراق من أزماته الراهنة والمستفحلة, فالقبل والأحضان والابتسامات العريضة لن تعالج المشكلات القائمة ولن تحل الأزمة البنيوية التي يعاني منها العراق دولة وحكومة وشعباً.   
إنه التحدي الذي يواجهكم, فهل أنتم قادرون؟       
12/6/2013                           كاظم حبيب


162
كاظم حبيب
خلوة مع النفس إزاء الوضع الراهن بالعراق

حين يخلو الإنسان إلى نفسه يفترض أن يكون صريحاً معها وهو يدرس بعناية الملاحظات التي ترد إليه من اصدقاء ومعارف حول الآراء التي يطرحها والمواقف التي يتخذها وأساليب تناول تلك الآراء والمواقف. ولا شك في أن الإنسان وهو يمارس السياسية في بلادنا يمكن أن يرتكب الأخطاء, إذ إن الانسان العراقي يواجه سياسات مجنونة وسياسيين أنصاف آلهة وأخطاء لا أول لها ولا آخر. ومن هنا ينشأ الاحتمال بارتكاب خطأ هنا أو هناك.
في الغالب الأعم كنت وما زلت وسأبقى شديد المحاسبة مع النفس, وحين أجد نفسي قد أخطأت في مكان ما أو قضية ما, أكف عن الكتابة لفترة لأفكر في القضايا والأساليب التي يفترض بي تناولها حين أطرح أفكاري وأعترف بالخطأ, إذ إن مسؤولية الكتابة كبيرة أمام القارئات والقراء والكتاب والكاتبات, خاصة إذا كان الإنسان من المشاركين في معمعان النضال السياسي والحياة السياسية العراقية منذ ما يزيد عن ستة عقود.
قبل يومين اتصلت بصديق عزيز, ينحدر من ذات المدينة التي ولدت فيها ويعيش في ألمانيا, أسأله عن حالته الصحية وإذا به يعاتبني على شدة نقدي لرئيس مجلس الوزراء العراقي نوري المالكي. ناقشته في ما أرى في سياسات نوري المالكي, ولكنه كان مصراً على رأيه واكتفيت بالقول: لكل منا رأيه. وبالأمس اتصلت بصديق آخر مشترك بيننا ومن جنوب العراق ويعيش بالأردن, أسأله عن حالته الصحية بسبب مرض ألم به, وإذا به يقول لي بأننا نحن بعض الأصدقاء نرى بأنك شديد على المالكي وبنفس الأسلوب والحجج التي طرحها الصدق الأول, إذ بينهما اتصال مستمر. لم اشأ أن أعكر صفو الصداقة مع الأخير ورجوته, وهو المالك للخبرة السياسية أن يعيد النظر بما يراه في كتاباتي. وليس أمام إلا أن أقول لهم لكم رأيكم ولي رأيي, وكما جاء في القرآن, لكم دينكم ولي دين!
ورغم ذلك فكرت كثيراً في ما قاله الصديقان وخلوت إلى نفسي حقاً افكر في ما قالاه لي والحجج التي استندا إليها. توصلت إلى ثلاث حقائق مرَّة في ما طرح عليَّ من ملاحظات:
1.   إن الصديقين يعتقدان بأني ومن منطلق التأييد للكرد من جهة, ولأياد علاوي من جهة أخرى, أقف هذا الموقف من نوري المالكي.
2.   وإن الصديقين وهما ضمن المتعلمين والمثقفين قد أثرت فيهما بهذا القدر أو ذاك الموجة الطائفية السائدة حالياً بالعراق, وهو أمر لم يعد خافياً على المجتمع العراقي بأن جمهرة من المثقفين أنجروا بهذا القدر أو ذاك خلف الصراعات الثقافية والخطاب السياسي الطائفي, وهذا الأمر غير محصور بالشيعة فقط, بل يشمل السنة أيضا.
3.   وإن هذين الصديقين لم تؤذيهما سياسية نوري المالكي ولم يتضررا من جراء ما يجري بالعراق حتى الآن.
وجدت ضروريا أن أكون صريحاً كعادتي في ما أطرحه من أفكار وملاحظات بغض النظر عن العواقب التي يمكن أن تواجهني. وسأحاول أن أتحدث عن هذه القضايا الثلاث في الآتي وبالتسلسل السابق:
1.   أرى بأن الصديقين قد ارتكبا خطأ فادحاً في عدم تمييزهما بين موقفي من الشعب الكردي وقضيته العادلة, وبين موقفي من سياسة رئاسة وحكومة الإقليم والأحزاب السياسية العاملة في إقليم كردستان. وهذا التمييز ضروري بالنسبة لي ولكتاباتي لأن الدمج بينهما خطأ فادح. من الممكن أن يلتقيا أحياناً في الموقف, وأقصد هنا الشعب الكردي والحكومة والقوى والأحزاب السياسية, ومن الممكن أن يختلفا بحكم الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي القائم في إقليم كردستان. ومن المؤسف حقاً إن الكثير من الأخوة لا يقرأون مقالاتي النقدية لسياسات الإقليم, أو ملاحظاتي النقدية التي اقدمها لمن ألتقي بهم من المسؤولين أو ما نعبر عنه في "التجمع العربي لنصرة القضية الكردية". وأميز هنا بين النتائج المتحققة للناس في المناطق التي تحت الحكم الاتحادي والمناطق الأخرى تحت حكم الإقليم. ويمكن أن يقرأ من يرغب الكثير من مقالاتي المنشورة في الحوار المتمدن وصوت العراق وغيرهما والتي تتسم بالرؤية النقدية لسياسات التحالف الكردستاني أو رئاسة وحكومة الإقليم, سواء بالنسبة لغياب التحالف مع القوى الديمقراطية بالعراق, أم بالنسبة للسياسة النفطية الكردستانية, أم بالنسبة للحريات العامة بالإقليم, إضافة الى العلاقات العشائرية السائدة في الإقليم والحزبية الضيقة وتوزيع الوظائف السياسية الأساسية إلى حدود المستشارين والخبراء والمدراء العامين والمدراء بين الحزبين الحاكمين نزولا الى ابسط المناصب في دوائر الحكومة, وكذلك وجود انتشار واسع للفساد المالي والإداري يعترف به المسؤولون ولكنهم يطالبون بعدم المبالغة!! وأشرت الى إن الأسباب وراء الصراع الدائر بين حكومة الإقليم والحكومة  الاتحادية ناشء عن اسباب كثيرة منها بشكل خاص: صياغات دستورية غير دقيقة وغالباً ما تكون حمالة أوجه في مسألة تحديد الصلاحيات للحكومتين الاتحادية والإقليم؛ غياب القوانين الضرورية المنظمة لهذه العلاقات؛ رغبة الحكومة الاتحادية بفرض المركزية الشديدة كتقليد عراقي قديم, ورغبة رئاسة وحكومة الإقليم بالاستقلالية الزائدة وما ينشأ عن ذلك من اختلاف وصراع؛ وهو ما نلاحظه بين الحكومة الاتحادية ومجالس المحافظات والمحافظين أيضاً, وكذلك الابتعاد عن إيجاد حلول عملية للمشكلات القائمة والتسويف بها, ومنها ما يطلق عليه بالمناطق المتنازع عليها, وتراكم هذه المشكلات وتفاقم عواقبها السلبية...الخ, إضافة إلى انعدام الثقة المتبادلة بين القوى والأحزاب السياسية الحاكمة, وكذلك بالنسبة للاختلاف بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم التي لم تنشا من طرف واحد, بل إن الطرفين مسؤولان عن التوتر الجاري في هذه العلاقات, وبالتالي من الخطأ الفادح التفكير بأن موقفي ناشئ عن انعكاس لمواقف الكرد من حكومة نوري المالكي. إن سياسة المالكي تكسب الأعداء والمعارضين يوماً بعد آخر وعاجزة عن كسب الأصدقاء والمؤيدين والمؤازرين.
 في هذه الأيام قرر الطرفان (الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم) التهدئة بينهما, لأن نوري المالكي متورط في المشكلة مع القائمة العراقية وقوى أخرى في المحافظات الغربية, وبالتالي فهو يريد أن يتفرغ لهم من خلال فترة استراحة مع الإقليم ومساومة معينة, ولكن سرعان ما يتراجع عنها. وقلت إن موقف القيادة الكردية غير سليم لأن هذا يضع الجماعات الأخرى في مواجهة حكومة المالكي التي سوف تزيد اللوحة تعقيداً, ومن ثم يتحول الملكي صوب إقليم كردستان بعد أن ينتهي من القائمة العراقية ومن المعتصمين في المحافظات الغربية, تماماً كما كان يفعل صدام حسين في تكتيكاته المجنونة والخائبة. وقد نشرت هذا الرأي قبل عدة ايام في مقال لي تحت عنوان "الكارثة المحدقة .. كيف يعالجها الشعب".
أشعر بأن جواً قومياً ضيقاً وشوفينيا ينمو بين مجاميع من العراقيين العرب موجه ضد الشعب الكردي بذريعة سياسات حكومة الإقليم. يفترض بهؤلاء أن يمارسوا النقد ضد سياسات رئاسة وحكومة الإقليم, إن كانت لديهم ملاحظات كما أفعل انا, بدلاً من اتهام الشعب الكردي بالانتهازية وعدم التمييز بينه وبين الحكومة أو التحول ضد الشعب الكردي من منطلق شوفيني مرفوض.

أما بالنسبة للموقف من القائمة العراقية فقد أشرت وفي أكثر من مقال بأن القائمة العراقية تلهث وراء السلطة, تماماً كما تلهث قائمة دولة القانون, وكلاهما لا يعمل لصالح الشعب, حسب رأيي, بل لصالحه الخاص, أي لصالح المالكي وعلاوي وكلاهما انتهازي ومستبد وقد جربنا الاثنين. كلاهما ينطلق من مواقع ذاتية ولا يمكن تأييد علاوي أو أسامة النجيفي وأخيه لأنهما طائفيان وشوفينيان بامتياز, وأرى إن هؤلاء الساسة غير صالحين لحكم العراق. وهم يشكلان جزءاً من المحاصصة الطائفية المسؤولة عن مصائب البلاد.
أما نوري المالكي فهو رئيس الوزراء وتمنيت له حين جاء الى الحكم أول مرة أن ينجح في الابتعاد عن الطائفية التي وقع فيه رئيسه السابق , إبراهيم الجعفري, وأن يسلك سلوكاً مدنياً ديمقراطياً رغم صعوبة هذا الموقف عليه بسبب طبيعة الحزب الذي يترأسه والتربية التي نشأ عليها طيلة حياته والهيئات التي قادها في حزب الدعوة قبل الوصول للحكم وبعده. ولكنه برهن بما لا يقبل الشك بأنه ليس برجل دولة وهاجسه الأساسي هو الأمني والقوة وليس الحوار. والمصائب التي تواجه الشعب في هذه الأيام لعب المالكي دوراً كبيراً في إيصال البلد إليها, وهو من دعاة التقسيم الطائفي للبلاد عملياً, رغم اتهامه للآخرين بذلك. ولهذا أنا ضد سياسات نوري المالكي ولست ضد شخصه. فأنا لا أعرفه شخصياً ولا أحتاج إلى التعرف عليه, ولكني أتعرف عليه يومياً من خلال المنهج الذي يسلكه والسياسات التي يمارسها والعواقب التي نجمت حتى الآن من تلك السياسات واتوقع المزيد من المشكلات إن واصل الحكم بهذا النهج.
اقول للجميع وبصراحة تامة ما يلي: لو إن المالكي توفرت له ما توفر لصدام حسين من ظروف لأصبح مثله وأكثر منه, ولكن ظروف البلاد والاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة ومسؤولية الأمم المتحدة ووجود العراق تحت مطرقة البند السابع ووجود إقليم كردستان العراق ووجود معارضة سياسية لم ولن تسمح له في أن يكون صدام حسين الثاني, ولكنه يمتلك مستلزمات تؤهله لتقمص مثل هذه الشخصية السياسية.
إن الدولة العراقية حبلى بالأحداث الخطيرة والتي لم تكن لتصل إليها إلا بسبب سياسات المحاصصة الطائفية المقيتة والركض وراء المصالح الحزبية والشخصية الضيقة من جانب الأحزاب الحاكمة, وهي ليست مسؤولية نوري المالكي وحده, بل مسؤولية القوى السياسية المشاركة في الحكم كافة. ويبقى رئيس الحكومة يتحمل المسؤولية الأكبر لأنه يشدد من الصراع الطائفي ويدفع بالآخرين لتشديده لأغراض تكتيكية قصيرة النفس تذكرنا بتكتيكات الحكم السابق وإن كانت باتجاهات أخرى ولكنها تخلق ذات العواقب. ولا شك في إن مستشاريه سيحاسبهم الشعب على طريقة عملهم معه والعواقب الناشئة عن دورهم في ما يجري بالبلاد.

2.   من تابع بإمعان مجرى الانتخابات السابقة, وكذلك الأخيرة إلى حدما, سيجد نفسه أمام حقيقة مفادها أن جمهرة من المتعلمين والمثقفين قد اتجهوا صوب الالتزام بالطائفة والطائفية وانجروا وراء الشعارات التي تتحدث عن "يريدون السنة أخذ السلطة منا ولن نعطيها لهم", تماما كما قالها نوري المالكي في إحدى تجليات صراحته القليلة. وما تزال هذه الظاهرة فاعلة إلى حد كبير بين اوساط أشباه المثقفين وبعض المثقفين والانتهازيين. وقد كتب عن ذلك الصديق الدكتور فالح عبد الجبار بصواب في مقالته الأخيرة الموسومة " في تقسيم الأوطان: خبل السياسي وارتباك المثقف" المنشورة في الحوار المتمدن يوم 2/6/2013 حيث كتب يقول بصواب " وإذا كان خبل السياسي في جنوحه الى التقسيم خوفاً على ضياع سلطته المباشرة جلياً ومفهوماً، فإن ارتباكات المثقف وأوهامه بصدد الانقسام الطائفي وسبل ترميمه، تطفح أحياناً بسذاجة كاملة في الأوساط العراقية كما السورية. فهناك غياب شبه تام لأي حس نقدي تجاه الظاهرة، بل ثمة تماهٍ احياناً مع الانتماءات الطائفية بحجة وجود «وعي» سنّي أو شيعي، أو بحجة حداثة مفتقدة في وعي وفي حركة النشطاء (الأولى نقد الحداثة المفتقدة في وعي المثقف).". أكتفي بهذا القدر. اتهمني أحد الكتاب مرة بأني مصاب بعقدة "الشيعة", وأجبته على اتهامه, واقتنع بأجوبتي وكف عن ذلك وأصبح اليوم أحد اشد الناقدين لسياسة الحكومة المالكية.
3.   أدرك إن الصديقين لا بد وإنهما يحسان بآلام وآمال الشعب العراقي والكوارث التي يعاني منها الشعب, باعتبار أنهما يقفان في مواقع وطنية وتقدمية, ولكن مع ذلك يجدان في كتاباتي النقدية الأخيرة لسياسات المالكي زيادة عن اللزوم! ولكن أين هي الزيادة وأين الخطأ في مواقفي؟ يتفقان بالوضع الكارثي الذي يعاني منه العراق ولكنهما لا يجدان البديل غيره, وهذه الحجة يوردها أنصار المالكي ذاته, ولكن ليس المعارضين له. لو غير المالكي سياساته باتجاه تصويبها وحل المشكلات القائمة على اسس فكرية وسياسية وليس أمنية وعسكرية لما وقع في هذا الوحل الراهن ولحل الأزمات المتشابكة والمستعصية سياسيا واقتصادياً واجتماعياً.
إن الصديقين مثلي يعيشان في الخارج, ولكني اقوم بأكثر من أربع الى خمس مرات في السنة بزيارة العراق وتصلني عشرات الرسائل شهرياً حول الوضع بالعراق وحول سياسات المالكي واقرأ كتابات القوى والأحزاب الحاكمة والمعارضة واتابع سياسات الحزب الشيوعي العراقي والتيار الديمقراطي والشخصيات السياسية المستقلة. وكلها تشير إلى الكارثة المحدقة التي وضع العراق بها كل من المالكي وعلاوي وغيرهما من الحاكمين بسياسة المحاصصة والصراع على السلطة والمال والتحكم بهما. 
لو غير المالكي نهجه وسياساته الراهنة ومارس السلطة بحكمة وعقلانية وتجنب الفردية في الحكم هل يمكن تأييده؟ لماذا لا؟ طبعاً ممكن تأييده, ولكه هل هو قادر على ذلك, وهل يسمح له من هم حوله في الداخل والخارج أن يغير هذه السياسات؟ وهل تسمح له طبيعته الإيديولوجية وتربيته "الدينية" المشوهة؟ هنا هو المقتل وليس في مكان آخر.
ورغم هذا أقول للصديقين وفي خلوتي التي اطرحها بصوت مرتفع:
لكم حقكم في ما تذهبون إليه ولي حقي في الرؤية والتحليل والاستنتاج والكتابة والنشر. ونترك للزمن أن يقرر من كان منا على حق! شريطة أن يسود الاحترام المتبادل في تبادل وجهات النظر وبعيداً عن الاتهامات والإساءات التي لا تستند إلى حقائق الأمور.
3/6/2013                      كاظم حبيب                     
                     

163
المنبر الحر / استطلاع الرأي
« في: 20:19 06/06/2013  »
الأخوات والأخوة الكرام
تحية طيبة
حبذا لو تسنى لمن يرغب الإجابة عن الأسئلة التي أسجلها في نهاية هذه الرسالة حول يهود العراق, وخاصة أولئك الذين يتذكرون يهود العراق أو يعرفونهم أو قرأوا عنهم. هناك أيضاً من أنجز رسائل علمية حول يهود العراق أو له اهتمام بشأن يهود العراق.
إن الإجابات ستنشر في كتاب لي عن يهود العراق.
يحق لمن لا يرغب أن يظهر اسمه أن يشير إلى الحروف الأولى من أسمه أو أي اسم يرغب به. من المفيد ذكر اللقب العلمي أو المهنة أو الحرفة والمحافظة أو الدولة التي يعيش فيها وعمره, ولكن كلها طوعية وغير ملزمة.
يمكن للإخوان والأخوات إرسال أجوبتهم على عنواني الإلكتروني التالي:
khabib@t-online.de
مع خالص الود والشكر سلفاً.
كاظم حبيب
استطلاع الرأي
أسئلة تدور حول كتلة كبيرة من البشر قطنوا العراق منذ أن جلبوا إليه قسراً وأسراً قبل ما يقرب من 2600 عاماً, إنهم يهود العراق الذين صدر بشأنهم قانون إسقاط الجنسية في العام 1950.
وجهت أسئلة لمجموعة من يهود العراق المقيمين في لندن وفي أمريكا وغيرها, إضافة إلى البعض الذي يعيش بإسرائيل وقد وصلتني إجابات منهم.
أوج الأسئلة التالية إلى جمهرة من العراقيات والعراقيين الذين أمل أن أتسلم منهم إجابات عنها مع شكري وتقدير سلفاً وهي أسئلة لأغراض البحث العلمي ولنشرها في كتاب لي يفترض أن يصدر في نهاية هذا العام عن يهود العراق

س 1 : كيف تنظر إلى دور ومكانة يهود العراق أثناء وجودهم بالعراق, وخاصة منذ تأسيس الدولة العراقية الملكية في العام 1921؟
س 2 : كيف تقيم دور مثقفيهم في الحياة الفكرية والثقافية العراقية؟
س 3 : كيف تقيم دورهم في الحياة السياسية العراقية وفي النضال الوطني العراقي؟
س 4 : هل تعتقد في تأثير الحركة الصهيونية قد أثرت في موقف يهود العراق الفكري والسياسي أثناء وجودهم بالعراق في الأربعينيات من القرن الماضي؟
س 5 : هل لعبت النازية بفكرها ومعاداتها للسامية دوراً ملموساً في تنشيط العداء لليهود في الحركات القومية العربية بالعراق؟
س 6 : كيف تنظر إلى عملية الفرهود في الأول والثاني من حزيران/يونيو 1941 ببغداد والبصرة؟
س 7 : كيف تنظر إلى ظاهرة  التمييز التي تعرض لها اليهود بالعراق؟
س 8 : كيف تقيم قانون إسقاط الجنسية عن يهود العراق في العام 1950؟ ومن المسؤول عن هجرة يهود العراق الجماعية؟
س 9 :كيف تنظر إلى استمرار تعلق يهود العراق بالعراق وشعبه وتحسسهم لمشكلاته وتطلعاته؟
س 10 : كيف تنظر إلى رغبة يهود العراق باستعادة جنسيتهم العراقية باعتبارهم مواطنين ومواطنات بغض النظر عن عودتهم أو عدم عودتهم للعراق؟ وكيف تقيم رغبتهم في استعادة أموالهم المنقولة وغير المنقولة المجمدة بالعراق؟
 

164
كاظم حبيب
الكارثة المحدقة ... كيف يواجهها الشعب؟

دلائل الوضع كلها تشير إلى توجه منظم ومقرر من جانب قوى أساسية في التشكيلات السياسية القائمة والحاكمة بالعراق صوب المزيد من تسعير الوضع وصولاً إلى تفجيره, وهي ترى في ذلك الطريق الوحيد لبقائها الطائفي السياسي "الشيعي!" على رأس السلطة, أو للوصول بقواها الطائفية "السنية!" إلى رأس السلطة. وهي تدرك جيداً مخاطر هذا الوضع الطائفي وعواقبه الوخيمة, ولكنها مستعدة لخوض غمار هذه المغامرة المدمرة لوحدة الشعب العراقي والحياة الاقتصادية والاجتماعية, وهي تعتقد بوجود قوى سياسية ودول مجاورة مستعدة لمساندتها ومدِّها بما يسهم في مواصلة هذه المغامرة القذرة. وغالبا ما كانت وتكون حسابات المستبدين في العراق غير إنسانية وغير دقيقة وغير محسوبة العواقب, وبالتالي تقود إلى نهايتها غير المشرفة, وغالباً ما وجد ويجد هؤلاء الناس في المحصلة النهائية أنفسهم في حفرة شبيهة بحفرة الدكتاتور الأهوج الذي أوصل البلاد والشعب إلى ما هما عليه الآن.
لقد لعبت سياسة رئيس الحكومة الحالية دوراً كبيراً في تأجيج الطائفية السياسية, ولعب الحليف في الحكم والمعارض في آن واحد دوراً مماثلاً للوصول إلى موقع رئيس في السلطة بنهج وأهداف طائفية وليس لأهداف تخدم مصالح الشعب والوطن. 
وكلنا شاهد على إن فاجعة الحياة السياسية الراهنة عكست واقعها السيء على الحياة الاقتصادية, والحياة الاقتصادية المتزايدة تعقيداً تجلت في التدهور المستمر لحياة ومعيشة الناس الفقراء والكادحين اليومية. وكل المؤشرات تؤكد إلى استمرار التفاقم في الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الراهنتين وإلى تراجع في سعر صرف الدينار وإلى تدهور شديد في القدرة الشرائية للدينار العراقي والمزيد من البطالة والفقر وعواقب ذلك على مستوى حياة ومعيشة الناس وتوفير حاجياتهم الأساسية.
إن النداءات الحماسية ومطالبة المسؤولين بمراجعة ضمائرهم والعودة إلى العقل لم تعد تنفع مع من وفر أو ساهم في توفير مستلزمات الأزمة السياسية الراهنة وعواقبها على بقية مجالات الحياة العامة, لأنه كان راغباً في نشوء هذا الوضع المأساوي, وإلا لكان قد فكر بذلك قبل البدء بتوتير الأجواء واستخدام أجهزة الأمن والشرطة والجيش والقوات الخاصة لخوض المعركة ضد الحليف السياسي المعارض بدلاً من الحوار والمساومة للوصول إلى نتائج إيجابية.
كلنا شاهد بأن رئيس الحكومة قد بدأ بتوتير الأجواء مع حكومة الإقليم, رغم التحفظات على بعض سياسات الإقليم, ليسعى إلى كسب ود القوميين والأحزاب الإسلامية السياسية المشاركة في الحكم, وبعد نجاحات بسيطة, أدرك بأن هذا لن يساعده على تحقيق غاياته, فبدأ بتهدئة الأوضاع مع حكومة الإقليم ليشددها بزخم متزايد مع القوى القومية العربية اليمينية والإسلامية السياسية ليصعد المعركة ويمارس مغامرته بعيداً عن الكرد كمرحلة أولى. وضاعت في خضم هذه التكتيكات الفاشلة مصالح ومطالب الناس العادلة واقترب الوضع من كارثة فعلية محدقة.
إن رئيس الحكومة الراهنة يمثل الأحزاب السياسية الشيعية المتصارعة في ما بينها والتي لا تزال عاجزة عن إبعاده لأنه يجد التأييد والمساندة من إيران أولاً وقبل كل شيء, وتخشى, وهي الطائفية بامتياز, على وجودها الطائفي على رأس السلطة, وهي بهذا مستعدة حتى الآن على قبول التضحيات الكبيرة التي يتحملها الشعب من جراء سياسة ممثلها الواقف على رأس السلطة. وستكون العاقبة عليها جميعاً شديدة ومدمرة بعد حين.
إن نداءات السيد عمار الحكيم بعقد اجتماع رمزي لكل القوى السياسية العراقية أمر كان مفيداً لو استجاب رئيس الحكومة لنداءات رئيس الجمهورية قبل ستة شهور أو سنة أو حتى قبل سنتين وقبل أن تصل الحالة إلى حدود الكارثة المحدقة! ولكن لا أتصور إنها ستكون نافعة اليوم لأن رئيس الحكومة وقد أبدى موافقته على حضور هذا الاجتماع,
 هدد في الوقت نفسه بالويل والثبور لمن يتجاوز على الأمن العام, علماً بأن الأمن العام مفقود والموت يومي تمارسه قوى الإرهاب بمختلف هوياتها بكل حرية وتأتي على حياة المزيد من البشر يومياً. إن رئيس الحكومة وحزبه هما الكارثة الراهنة في عراقنا "الجديد!".
ليس أمام القوى التي تريد الخلاص من هذا الوضع البائس والمخاطر الجدية التي تهدد الشعب بحرب طائفية قذرة سوى التوجه للعمل بأربعة اتجاهات ثلاثة:
1.   تكثيف وتوسيع العمل مع الفئات الاجتماعية الشعبية التي تعاني من الواقع الراهن ومع منظمات المجتمع المدني والدفع باتجاه التظاهر وتنظيم المسيرات والاحتجاجات ضد السياسات التي تمارس حالياً. إنه الطريق الأضمن والأكثر أهمية في مجمل العملية السياسية الجارية. وإذا تطلب الأمر التفكير الجاد بمدى إمكانية تنظيم تدريجي لاعتصامات وعصيان مدني.
2.   السعي لتشكيل جبهة أوسع من جبهة قوى التيار الديمقراطي الراهنة, من كل الذين يدركون مخاطر الأزمة الراهنة وعواقبها على المجتمع, سواء من يعمل مع الحكومة أو خارجها والضغط على قوى التحالف الكردستاني لتمارس بدورها الضغط على الحكومة وليس مساومتها على أهداف آنية تسهل عليه الهجوم على الآخرين, وحين ينتهي منهم يتحول إلى مكافحة الكرد, تماما كما لعب صدام حسين هذه اللعبة القذرة في أوائل حكم البعث الثاني بالعراق.
3.   تعزيز وتطوير دور المثقفين والمثقفات بالعراق لتلعب دورها المحفز للإنسان العراقي والرافع من الإحباط الذي يعاني منه الآن والساعي إلى انتزاع حقوقه من مضطهديه, من النخبة الحاكمة الراهنة.
4.   التوجه إلى الأمم المتحدة والرأي العام العالمي لتحريكه باتجاه مساندة الشعب العراقي والوقوف بوجه السياسة الطائفية المغامرة والمدمرة التي يمارسها الحكم الطائفي والقوى الطائفية السياسية بالعراق والذي جاء بسبب مهادنتها وسكوتها على ما يجري بالعراق, وهي المسؤولة عن البند السابع وعن مسيرة العراق, إضافة إلى الدور السيء والمشين الذي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية بالعراق والمؤيدة بهذا الشكل أو ذاك لسياسة المالكي المُشرذِمة لقوى الشعب والمفرقة للصفوف والمبعثرة لموارد البلاد المالية والجاثمة كالغول على صدر الشعب العراقي, وكأنها سياسة مبرمجة ومقصودة من جانب الإدارة الأمريكية ومراكز القوة فيها.   
لا تنفع النداءات مع من تسبب بنشوء هذا الوضع وهو غير راغب وغير قادر إيديولوجياً ولا يفكر بحل الأزمة, بل يري تصعيدها, رغم ما يبديه أحياناً من تخفيف مع هذه المجموعة أو تلك أو مع هذا الشخص أو ذاك, إذ سرعان ما يطلق تصريحاً أو يرسل من يدلي بتصريح لينسف الوضع كله ويعود إلى ما وراء المربع الأول ليزيد من الصراع ويعمقه ليجني, كما يعتقد, ثمار ذلك, وهي ثمار مرة للشعب العراقي كله, ولكنها حلوة للمفسدين والمستبدين والطامعين في المزيد من الحكم والسحت الحرام ولو مؤقتاً.
إن على الشعب وقواه السياسية غير المتورطة بالصراع غير الإنساني الجاري إدراك عمق وشمولية الأزمة, إداك حقيقة المستنقع والدرك الأسفل الذي يخطط له الحاكم بأمره رئيس الحكومة الحالية ويدفع بالوطن والشعب للسقوط فيه. إن على من يؤيد الحكم الراهن أن يعيد النظر بحساباته وأن ينطلق من مصالح الشعب والوطن وليس من حساباته المالية المصرفية الوقتية والتي تكلف الشعب المزيد من الأرواح البريئة والمزيد من الدمار والخراب.
30/5/2013                     كاظم حبيب     


     

165
الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الراهن في العراق
والتحديات والمهمات التي تواجه القوى الديمقراطية ومنها قوى التيار الديمقراطي

تحية شكر واعتزاز للجنة تنسيق قوى التيار الديمقراطي العراقي في بريطانيا على دعوتها الكريمة وشكري الجزيل لهذا الحضور الواسع والمتميز. ورغم قناعتي بأنكم ملمون تماماً بأوضاع البلاد والمجتمع من النواحي المختلفة, فأن طرحي لما يجري اليوم في العراق يستهدف إثارة الحوار والنقاش الفكري والسياسي الموضوعي. شكري يتوجه للسيد الدكتور محمد علي زيني على كلماته الطيبة وإدارته للجلسة.
كنت قبل عام وقبل ثلاثة أعوام هنا في هذه القاعة وقدمت مطالعة حول الوضع السياسي في العراق. وقد تصور البعض بأني من المتشائمين بسبب صراحتي وقناعتي بأن الوضع آيل إلى التدهور والتفاقم. والبعض لم يكن منسجماً مع هذا الرأي وهذا حقه. واليوم سأحاول أن أقدم لكم رؤيتي للواقع العراقي وبذات الصراحة التي ينبغي ان يكون عليها الباحث.   
سأحاول في هذا اللقاء أن أتطرق إلى ثلاث مسائل تواجه العراق في المرحلة الراهنة, وهي الوضع الاقتصادي والاجتماعي, ثم الوضع السياسي وأخيراً التحديات والمهمات التي تواجه الحركة الديمقراطية العراقية وتيارها الديمقراطي.
أولاً : الوضع الاقتصادي والاجتماعي 
•   إعلان وزير التخطيط العراقي عن فشل خطة التنمية للفترة 2010-21014
اعلن وزير التخطيط العراقي في الحكومة التي يرأسها نوري المالكي قبل حوالي أسبوعين عن فشل الخطة الاقتصادية في تحقيق الحد الأدنى من أهدافها المنشودة في تقديم الخدمات للمجتمع. وهذا صحيح تماماً. ولم يكن بين الاقتصاديين العراقيين الموضوعيين والواعين لواقع الحال في العراق وطبيعة الحكم من يعتقد بقدرة حكومة المالكي على تحقيق الحد الأدنى من أهداف الخطة, ولهذا فالتصريح كان من باب تحصيل حاصل, فهي لم تكن خطة استثمارية إنتاجية, بل خدمية, ورغم ذلك لم تحقق أهدافها في حين احتلت محافظات إقليم كردستان المرتبة الأولى في تحقيق أهدافها الخدمية في الخطة على وفق تصريح وزير تخطيط الحكومة الاتحادية ببغداد. رغم إن حكومة الإقليم حسب علمي لا تمتلك حتى الآن خطة اقتصادية لتطوير الصناعة التحويلية والزراعة أو التنمية الصناعية والزراعية, وهي تشترك مع الحكومة الاتحادية بالاهتمام باقتصاد النفط, ولكنها وبخلاف الحكومة الاتحادية تبدي اهتماماً أكبر في تقديم الخدمات وتطوير البنية التحتية.
والأسئلة التي تواجه المجتمع والباحثين هي: أين الفشل عموماً؟ وما هي العوامل الكامنة وراء هذا الفشل؟ ومن يتحمل مسؤوليته؟
سنبدأ بالإجابة عن السؤال الأخير, إذ تكمن عوامل الفشل في النقاط التالية:
•   الواقع السياسي العراقي الذي سأتحدث عنه لاحقاً والذي يقترب من كارثة فعلية.
•   غياب الرؤية الاستراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وغياب وضوح الرؤية السياسية والاقتصادية التي تستوجبها تنمية الاقتصاد الوطني وتغيير بنيته الاقتصادية وبنية الدخل القومي والمرتبطة عضوياً بالإيديولوجية الباهتة والصفراء التي يحملها المسؤولون عن الحكومة وملفها الاقتصادي والاجتماعي. وهي الرؤية التي تركز على توقيع المزيد من عقود النفط لمزيد من التنقيب والاستخراج والتصدير لتتعمق الطبيعية الريعية النفطية والاستهلاكية والخدمية وغير الإنتاجية للاقتصاد الوطني العراقي وليزداد انكشافه على الخارج من خلال التصدير والاستيراد.
 إن الاعتماد الكلي على عوائد النفط الخام والتوسع غير المدروس وغير العقلاني بالعقود وبخيال توسيع الانتاج والتصدير وزيادة الإيرادات النفطية ستؤثر سلباً على مجمل العملية الاقتصادية وعلى استمرار الظواهر السلبية وإلى ارتهان العراق لعقود قادمة للشركات الاحتكارية الدولية, رغم إنها عقود خدمة, ولكنها طويلة الأمد. كما إن عقود كردستان العراق غير مناسبة وذات وجهة سياسية لا تساعد على ضمان وحدة الموقف العراقي إزاء شركات النفط الأجنبية والقوى التفاوضية للعراق, كما إنها عقود مشاركة في الإنتاج ما كان ينبغي أن يتورط بها الإقليم وتحقق أرباحاً خيالية لشركات النفط الأجنبية على حساب الاقتصاد والعائدات المالية العراقية..   
•   ويتجلى غياب الرؤية السليمة في الإهمال الكلي للتصنيع الوطني وتنمية وتحديث الزراعة لضمان الأمن الاقتصادي, ومنه الأمن الغذائي, من جهة وتغيير بنية الاقتصاد الوحيدة الجانب حالياً لصالح تنويعه وزيادة دور الصناعة التحويلية والزراعة في تكوين الدخل القومي.
•   كما تمارس الحكومة سياسة إنهاك شديد للدخل القومي من خلال توجيه عوائد النفط المالية إلى إغراق الأسواق المحلية بالسلع المصنعة والسلع الزراعية والاستهلاكية المستوردة.
فما هي العواقب الوخيمة لهذا الواقع الاقتصادي؟
** استمرار الانكشاف على الخارج استيراداً وتصديراً والذي مر به العراق خلال الحروب المنصرمة.
** تحول عقود النفط إلى عبء ثقيل على الاقتصاد الوطني والمجتمع, كما إنها تؤثر سلباً على سوق النفط العالمي من نواحي العرض والطلب والسعر.
** استمرار التخلف والتشوه في بنية الاقتصاد الوطني وبنية المجتمع الطبقية.
** الابتعاد الفعلي عن الاستثمار في القطاعات الإنتاجية مما يقلص القدرة التراكمية الرأسمالية في الاقتصاد الوطني ويمنع إغناء الثروة الوطنية بفروع اقتصادية تسهم في تكوين الدخل القومي والتشغيل.
** استمرار نمو البطالة بين القوى القادرة على العمل والتي تزداد سنوياً بنسبة كبيرة.
** تفاقم البطالة المقنعة ووصولها إلى مستويات مخيفة تتراوح حالياً بين 60-70 % من القوى العاملة في أجهزة الإدارة والدولة. والتي يمكن أن تزداد مع تزايد عدد الخريجين سنوياً.
** استمرار وجود نسبة عالية من العائلات التي تعيش تحت خط الفقر أو عليه أو فوقه بقليل, حيث يشار إلى إن نسبة 30% من السكان تعيش تحت خط الفقر وما يقاربها على أو فوق خط الفقر. ** تفاقم الفجوة بين المدخولات السنوية  لأفراد المجتمع ومستوى المعيشة بين الفئات الكادحة والمنتجة والفقيرة من جهة والفئة الغنية من أصحاب الملايين والمليارات من جهة أخرى. إذ يمتلك العراق في الوقت الحاضر مجموعة كبيرة من القطط السمان وأصحاب النعمة الحديثة من العاملين في السلطة التنفيذية وأجهزتها المختلفة وفي السلطة التشريعية وكذلك في السلطة القضائية وفي المقاولات والتجارة والعقود الخارجية والداخلية وفي العقارات والسمسرة المالية...الخ. وهذا الواقع مرتبط عضوياً مع سيادة الفساد المالي والإداري في البلاد وتحوله إلى نظام معمول به ومقبول! 
** نشوء طبقة وسطى غير حاملة لمقومات مجتمع مدني في الإدارة البيروقراطية والفئات الطفيلية. لا شك في أن فئة من الموظفين تتسع يومياً بشكل غير معقول وغير مقبول ومستنزف للدخل القومي بنسبة عالية سنوياً ومتزايدة ايضاً. إنها ضمن الفئات الوسطى, ولكنها غير الدافعة صوب المجتمع المدني بسبب طبيعتها وعلاقتها الوظيفية – المالية بالدولة الريعية الخدمية غير الإنتاجية. وهذا بخلاف ما يحتاجه العراق من نمو للطبقة الوسطى الصناعية والزراعية ونمو الطبقة العاملة باعتبارهما حاملتي المجتمع المدني الديمقراطي, وهما لا ينموان في الوقت الحاضر.
** إن عدم تغيير بنية الاقتصاد الوطني يعني بدوره عدم تغيير البنية الطبقية للمجتمع العراقي التي اتسعت قاعدة الفئات الاجتماعية الرثة التي تجد في السلطة التنفيذية والتشريعية نسبة عالية تنحدر منها, وهذا يعني إبقاء الوعي المتخلف على المستويين الفردي والجمعي على حاله.

** إن الواقع الاقتصادي الراهن يجسد لنا حقيقة واقعة هي غياب العدالة الاجتماعية كلية في توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي وفي سوء توزيع واستخدام الدخل القومي, مما يؤدي بدوره عاجلاً أم أجلاً إلى:
** تنامي واشتداد التناقضات الاجتماعية والصراعات السياسية واحتمالات تفجرها بما لا يمكن تقدير نتائجها حالياً.

ثانياً: الوضع السياسي
إن هذا الواقع يمنحنا رؤية عدة حقائق ملموسة غير مجردة:
1.   إن النظام السياسي القائم في العراق غير مدني وغير ديمقراطي وطائفي يعتمد قاعدة المحاصصة الطائفية, رغم وجود دستور يؤكد مبدأ الديمقراطية والحياة البرلمانية.
2.   اعتماد الهويات الفرعية في الحكم بدلاً من هوية المواطنة والوطن وهي هويات فرعية قاتلة حقاً ومدمرة لوحدة النسيج الاجتماعي الوطني العراقي.
3.   اعتماد قاعدة التمييز بين المواطنين والمواطنات على أسس دينية وطائفية وأثنية وإقليمية وفكرية وسياسية.
4.   الصراع والنزاع على المصالح الحزبية المتشابكة بتشوه من قبل القوى الطائفية المذهبية السياسية.
5.   كما إن هذا الواقع يسمح لقوى الإرهاب الدولي والإقليمي والمحلي على ممارسة المزيد من عمليات الإرهاب والقتل على الهوية والقتل المتبادل وسيادة الفوضى وانعدام الأمن والاستقرار وبدء حملة هجرة واسعة لبنات وأبناء الشعب وخاصة لمن يمتلك القدرة على المغادرة من مناطق مختلفة من العراق, وكذلك اللجوء إلى كردستان الآمن والمستقر أمنياً.
وكلنا يتابع ويلاحظ بما لا يقبل الشك بأن الوضع السياسي يتسم بالتعقيد والتشابك وتفاقم الأزمات وتعددها وتفاعلها المتبادل, وهي ناشئة عن طبيعة النظام السياسي الطائفي القائم المتعارض مع الواقع والمهمات والمصالح الوطنية والشعبية التي يفترض أن توجه العملية السياسية في العراق.
أي إن الإشكالية الكبيرة والرئيسية تكمن في محتوى النظام السياسي الطائفي القائم وفي طبيعة القوى المذهبية الحاكمة وفي فردية الحاكم والاستبداد الحزبي الطائفي الذي يمارس به الحكم في البلاد.
إن المحاصصة السياسية الطائفية تخلق تنافساً طائفياً على الدور القيادي وعلى المصالح الطائفية وليس على السياسات الوطنية التي يفترض أن تمارس. كما إن فردية الحكم والحاكم وعدم فهمه لطبيعة المرحلة والمهمات تدفع بالبلاد إلى مهاوي كارثة محدقة. إن الحاكم عاجز بحكم خلفيته الإيديولوجية الدينية الطائفية المشوهة والمزيفة عن إدارة الصراع في الحكم والمجتمع.
فالحاكم الفرد يستبدل الفكر والسياسة بالهاجسين الأمني والعسكري, وهما يقودان العراق في واقع الحال إلى ما هو عليه حالياً.
فالحاكم الفرد يهيمن على الحكم بالكامل وعلى الهيئات المستقلة وعلى السلطة القضائية ويستطيع إيقاف القدرة على اتخاذ قرارات في السلطة التشريعية. ورغم المسؤولية الأساسية والرئيسية للحزب الحاكم والحاكم الفرد, إلا إن جميع المشاركين في الحكم يتحملون مسؤولية الوضع الراهن لأنهم ارتضوا المحاصصة الطائفية المشوهة للمجتمع والحكم في آن ويتصارعون على تحقيق نظام بائس للمصالح الطائفية المقيتة.
وخلال السنوات الخمس المنصرمة جرت مصادرة متفاقمة للحريات والحقوق الأساسية للإنسان بما في ذلك الحق في الحياة والعمل والكرامة. والموت على ايدي الإرهابيين وعلى أيدي قوى الاغتيال لمن لا يسكت عن حق مسلوب وطرح رأي مطلوب. 
كما يضاف إلى ذلك الامتداد الإقليمي في داخل العراق بسبب وجود قوى داخلية تابعة أو مرتبطة أو محمية من تلك القوى والدول الإقليمية, وخاصة إيران والسعودية وقطر وبعض دول الخليج الأخرى. وهي التي تتحكم اليوم بالصراعات الداخلية ووجهة تطورها. ولا شك في أن عواقبها وخيمة على الشعب كله.
أما العامل الدولي فهو يتحرى عن مصالحه أولاً وقبل كل شيء وبالتالي لا يهمه موت عشرات الناس وجرح المئات يومياً في العراق وكان هدفه المهم في الحرب الأفغانية والعراقي نقل حرب الإرهابيين ضد الغرب إلى هاتين الدولتين, وهو ما نتابعه اليوم وتتأكد صحة هذا الموقف وهذا النهج العدواني.   
السؤال الذي يؤرقنا جميعاً هو ما العمل؟
القوى الحاكمة في البلاد, وخاصة الإسلامية السياسية الطائفية, تعتمد على أركان معينة هي:
1.   الجهل وضعف الوعي الفردي والجمعي وتشوهه والسعي لمزيد من تزييفه بدعاوى دينية بائسة, هي ماهرة فيه.
2.   وهي ناشئة عن طبيعة القاعدة الاقتصادية المشوهة والمتخلفة القائمة في البلاد.
3.   ومن ثم البنية الاجتماعية الناشئة عن هذه القاعدة الاقتصادية غير الرأسمالية المرتبطة بعلاقات إنتاجية متخلفة وما قبل الرأسمالية.
4.   وعن وجود مجتمع يستند إلى المؤسسة العشائرية والمؤسسة الدينية, وهما مؤسستان تلعبان دوراً كبيرا في المرحلة الراهنة وتؤثران بصورة مباشرة على حركة المجتمع واتجاه تطوره السلبي الجاري. إنهما ساهما في الوصول إلى هذا الواقع الراهن, ويحتميان بالحكم والحكم يحتمي بهما في المحصلة النهائية!
إن الحكومة الراهنة برئاسة نوري المالكي, التي تلتزم خطاً طائفياً متشدداً, مارست خلال السنوات الخمس الأخيرة نهجاً تصعيدياً بهدف تشديد الاصطفاف والاستقطاب الطائفيين المقيتين بهدف الفوز في انتخابات مجالس المحافظات للتصويت لصالح حزب الدعوة بشكل خاص وبقية القوى والأحزاب الشيعية وستواصل هذا النهج بهدف الفوز في انتخابات مجلس السنوات في السنة القادمة. وفي المقابل لم يقصر أتباع القائمة العراقية والأحزاب الإسلامية السياسية والقوى المتطرفة عن ممارسة ذات السياسة بتحقيق الاصطفاف السني إلى جانبها. ولا يمكن لأحد تبرئة هذه القوى المتنفذة في البلاد عن مسؤوليتها المباشرة عما يجري في البلاد وعن موت الأبرياء من الناس على ايدي الإرهابيين والبعثيين المسلحين وهيئة علماء المسلمين السنة.       
أنها حلقة مفرغة شيطانية لا بد من العمل لقطعها. ولكن, كيف؟ أرى إن عملية التغيير للواقع الراهن لن تكون سريعة بل بطيئة ومليئة بالصعاب والمآسي والكوارث, وبالتالي نحن بحاجة الى عمل صبور وطويل الأمد وهادف إلى تحقيق مصالح الشعب والوطن أولاً وأخيراً. وهذه الوجهة تتطلب ما يلي: 
** العمل على تغيير بنية الاقتصاد الوطني وتخليصه من وحدانية الجانب وتنشيط التصنيع وتحديث الزراعة والتشغيل وتغيير بنية الدخل القومي وتوزيع واستخدام هذا الدخل لصالح التنمية المستدامة.
** وهذا يعني بدوره تغيير بنية المجتمع الطبقية التي تسهم في توفير مستلزمات
** تغير الوعي الفردي والجمعي الذي يفتح بدوره الباب أمام التنوير الديني والاجتماعي.
إنها عملية طويلة, معقدة وصعبة جداًفي آن واحد ولكن لا مناص منها.
** العمل على تعبئة المجتمع حول برنامج متعدد الأوجه والأهداف والمهمات.
من يقوم بها؟
   المجتمع العراقي يعيش ردة واسعة ومستمرة في مجال الفكر والسياسة والأخلاق والقيم والعلاقات, وهي حصيلة تحولات في الواقع الاقتصادي والاجتماعي خلال العقود الخمسة المنصرمة. والمجتمع يتكون من الناحية الفكرية والسياسية من خمس تيارات:
* التيار الديني الطائفي, سواء أكان شيعياً أم سنياً, وهما اتجاهان في تيار واحد متصارع.
* تيار محافظ.
* تيار قومي باتجاهات عدة عربي , كردي تركماني, كلداني  أشوري سرياني.
* تيار ديمقراطي متعدد الاتجاهات ولكنه ضمن حركة ديمقراطية.
تواجه قوى التيار الديمقراطي تحديات تغيير هذا الواقع, ولكنها غير قادرة على النهوض بها وتغيير ميزان القوى ما لم تسعى إلى:
1.   تعبئة قواها بصورة كاملة تقريباً بحيث تضم القوى المدنية والعلمانية واليسارية ويسار الوسط والقوى اللبرالية كافة.
2.   التعاون والتحالف مع قوى تدخل ضمن التيارات الأخرى ولكنها مستعدة للتعاون مع قوى التيار الديمقراطي للخلاص من الواقع الراهن المذل للمجتمع.
3.   وضع برنامج ديمقراطي أكثر انفتاحاً واستجابة للواقع القائم وأكثر استعدادا لقبول الآخر.
4.   أن تتوزع مهمات البرنامج على شرائح وفئات المجتمع على وفق ظروفها وحاجاتها ومطالبها بما يسمح بتبني تلك المطالب وتعبئتها حول تلك البرامج.
5.   العمل على كسب الشباب والنساء بشكل خاص للعمل من أجل مصالحهم ومصالح المجتمع بسبب المعاناة الكبيرة لهاتين الشريحتين في المجتمع, كما إنهما المحرك الفعال والمنشط في المجتمع.
6. توسيع نطاق عمل قوى التيار الديمقراطي إلى محافظات إقليم كردستان, إذ إن قوى التيار الديمقراطي لا تقتصر على المنطقة العربية بل إلى منطقة كردستان العراق أيضاً, إضافة إلى إن قوى التحالف الكردستاني تتحدث عن كونها تشكل جزءاً من القوى الديمقراطية. وإذا كان الأمر كذلك, وهو كذلك, فعليها أن تعمل مع قوى التيار الديمقراطي وتدعم جهوده لصالح تغيير الواقع السياسي المتدهور حالياً ومنذ عشر سنوات.
7.   وأن يكون شعار قوى التيار الديمقراطي " قووا تنظيم الحركة الديمقراطية تتقوى وتتعزز تنظيمات المشاركين فيها كافة".

إن نتائج الانتخابات الأخيرة تعطينا الحق بالقول بأن هناك تغييراً جزئياً قد حصل. أين حصل هذا التغيير الجزئي رغم الاصطفاف والاستقطاب الطائفي الذي عمقته القوى الحاكمة المتصارعة؟ إنه حصل في الموقف من دولة القانون التي فازت في عدد منها ولكنها خسرت مواقع لها؛ وفي حصول حراك في صفوف بقية القوى الإسلامية السياسية, وكذلك في حصول قوى التيار الديمقراطي على عدد من المندوبين أكثر من السابق.
لا أدري إن كان عدد الأصوات الذي صوت لصالح التيار الديمقراطي قد ازداد, خاصة وإن نسبة المشاركة كانت 50% تقريباً, إلا إن هذه الأصوات قد تحققت بفعل ثلاث عوامل مهمة:
تحرك واسع نسبياً لقوى التيار الديمقراطي وتحرك شبابي ونسوي جيدين نسبياً, النضال الموفق في تغيير طريقة احتساب الأصوات؛ وفي التعاون الذي تحقق بين قوى التيار الديمقراطي لخوض الانتخابات المحلية.
ولكن مع ذلك هناك حراك فكري وسياسي ما يزال بطيئاً ويستوجب المزيد من الجهد على مختلف المستويات الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والتعبوية.
كاظم حبيب
ملاحظة: القيت هذه المحاضرة المكثفة على قاعة الكنيسة في منطقة هامرسمث بلندن بدعوة من لجنة تنسيق قوى التيار الديمقراطي في بريطانيا في مساء يوم الجمعة المصادف 17/5/2013.



167
كاظم حبيب
اشتكى المالكي من الطائفية.. والشكوى لله!!
هل لكم أن تتصوروا معي عمق المأساة والمهزلة التي يعيش تحت وطأتها الشعب في عراق اليوم, عمق غضب الناس الطيبين وشدته وهم يستمعون إلى تصريحات أكثر المسؤولين بالعراق "الجديد!" التي تدين الطائفية وتعتبرها فتنة في المجتمع, في الوقت الذي يعاني عراق اليوم من طائفية الحكم القائم. دعوني أتساءل مع الكثير من الناس الشرفاء الذين ارهقتهم الطائفية السياسية: من هم الطائفيون في هذا العراق المستباح من القوى الطائفية السياسية المقيتة؟ هل القوى الديمقراطية والمدنية العلمانية أم الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية منها والسنية؟ هل الحكم بيد القوى والأحزاب السياسية الديمقراطية المدنية أم بيد الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية على نحو خاص؟ إلا تجسد ممارسات الحكم الحالي سلوكاً طائفياً مريعاً أدى إلى خلق اصطفاف طائفي واستقطاب له على مستوى المجتمع كله؟ ألم تبدأ المأساة مع بدء المحاصصة الطائفية بعد سقوط الدكتاتورية الغاشمة التي أذلت الشعب العراقي وأزهقت أرواح أكثر من مليون نسمة, تبدو اليوم وأكثر من أي وقت مضى بعد سقوط صدام حسين المهزلة الفعلية بالبلاد حين يتحدث المسؤول الأول في الحكومة الحالية ويدين الطائفية وهو الممارس الرئيسي لها قبل غيره.
بالأمس تحدث رئيس مجلس وزراء العراق, نوري المالكي, عن الفتنة الطائفية في البلاد فقال: "كلنا ثقة ولدينا من سعة الصدر والشعور بالمسؤولية أن ننفتح على كل المشاكل وفق قاعدة الاحتكام إلى الدستور والمصالح المشتركة ووحدة البلد وضرورة تجنيبه الفتنة الطائفية التي يراد لها أن تكون".
لم أخطئ في ما نقلته عن نوري المالكي, فهذا قوله بالتمام والكمال, بل قال أكثر من ذلك عن الفتنة الطائفية. ولكن ألا يفترض فيه وهو يتحدث بهذه اللغة أن ينظر إلى نفسه بالمرأة الاعتيادية, وليس بتلك المرأة السحرية التي تقلب الحقائق والأقوال, فيبدو فيها القبيح جميلاً والجميل قبيحاً بقدرة قادر! أليس من واجبه أن يدرك بأن الناس يعرفونه جيداً وهم ليسوا بجهلة. فنوري المالكي يقود حزب الدعوة الإسلامية بعد أن انتزع رئاسة الحزب من الطائفي الآخر إبراهيم الجعفري, وينافسه على الرئاسة اليوم الشخص الأكثر طائفية, وأعني به علي الأديب! هذا الحزب الإسلامي السياسي طائفي بامتياز. ونوري المالكي رئيس قائمة دولة القانون الطائفية الشيعية بامتياز أيضاً, وهو وقائمته أعضاء في التحالف الوطني, البيت الشيعي, الطائفي بامتياز ثالث والذي يقوده إبراهيم الجعفري أيضاً, اليس هو الذي قال "أخذناها بعد ما ننطيها: أي أخذناها نحن الشيعة وبعد ما ننطيها للسنة!
إن الطائفية السياسية تهيمن اليوم على حياة البلاد السياسية, وأنه هو وراء تفاقم الطائفية وتصاعد النبرة والنعرة الطائفية لدى الأطراف السياسية الأخرى, أو لدى سنة البلاد العرب. ومن المحزن حقاً أن يُجبر الناس على الحديث عن الشيعة والسنة العرب في العراق الذي أريد له, كما أدعو, أن يكون ديمقراطياً!
إنها لمحنة حقاً أن يعاني رئيس مجلس وزراء العراق من ازدواجية في شخصيته, فيتحدث ضد الطائفية أمام الصحافة والعشائر, ولكنه في الوقت نفسه يحكم باسم الطائفية وسياساته تجسد الطائفية السياسية التمييزية بأجلى معانيها.
لا يمكن أن تمر مثل هذه التصريحات والخطابات دون أن تدان من قبل المثقفين الذين يدركون بأن المالكي قد حصل على أكثر الأصوات في مجموعة من المحافظات العراقية في انتخابات مجالس المحافظات بسبب دوره في تشديد الاصطفاف الطائفي السياسي وسعيه لاستقطاب هذا الصراع بهدف تعميق وتوسيع الخنادق القائمة والفاصلة بين أتباع الطائفة الشيعية وأتباع الطائفة السنية, إنها المحنة والمأساة والمهزلة في آن. وهو الفاعل الأول والمستفيد الأول من نشر العلاقة السلبية بين "أنا" الشيعي و"الآخر" السني, وهي جزء من رؤية النمط التقليدي الجامد والمكرس في لا وعي الإنسان العراقي الفردي والجمعي بين الـ "أنا" والـ "آخر" Stereotyp. 
اشتكى المالكي من الطائفية ... فلتصل شكواه لربه عسى أن يكشف عنه الغمة. ولكن ألا نتذكر ذلك التهكم العراقي الذي يقول: "ضربني واشتكى وغلبني بالبكاء"!             
إن زحف بعض أبرز العناصر البعثية ممن كان في الجيش وفي مرافق أخرى بالدولة العراقية في فترة حكم الدكتاتور صدام حسين إلى مرافق العراق "الجديد" يراد منه التكتكة لتفتيت المعسكر الآخر من جهة, والترويج ضد الكرد من جهة أخرى. وهي تقدم لنا لوحة قاتمة عن مستقبل العراق الذي لا نريد له أن يعود إلى وضع دكتاتوري جديد يكلف الشعب المزيد من التضحيات البشرية والمادية. إن الغالبية العظمى من الشعب العراقي تريد عراقاً مدنياً ديمقراطيا حديثاً وتنمية اقتصادية جديدة وتحسين مستوى حياة الناس والقضاء على البطالة والفقر والفاقة الفكرية والسياسية. فهل في مقدور من يهاجم الطائفية بالكلام ويمارسها فعلياً أن يمارس سياسة جديدة تحقق ما يطمح له الناس؟ لن يستطيع ذلك, كما أرى, خاصة وإنه من أبرز الطائفيين وخالقي الأزمات في العراق ولن يكون قادراً على حلها!
3/5/2013                        كاظم حبيب

168
كاظم حبيب

تحريم تشكيل الميليشيات المسلحة لمواجهة القوات المسلحة العراقية

علن الشيخ علي حاتم سليمان, أحد شيوخ محافظة الأنبار, عن تشكيل ميليشيا مسلحة باسم جيش شيوخ العشائر في المنطقة بهدف انتزاع حقوق أهالي وشيوخ عشائر محافظة الأنبار بالقوة المسلحة ومقاومة تدخل الجيش العراقي في التصدي للمظاهرات والاعتصامات والأعمال المسلحة.
أجد لزاماً على كل مواطنة ومواطن عراقي أن يرفض هذا الموقف جملة وتفصيلا, وأن يرفض أي موقف مماثل من أي جهة كانت, سواء أكانت شيوخ عشائر أو أحزاب إسلامية سياسية شيعية أم سنية. إذ إن هذا لا يعني سوى الفوضى واستعرض العضلات والقوة ودفع البلاد إلى أتون صراعات ونزاعات مسلحة دموية لن يخرج منها العراق إلا مدمراً ومقسماً أكثر بكثير مما يعاني منه الشعب السوري في الوقت الحاضر من ظلم النظام السوري ومن أفعال شنيعة لبعض القوى الإرهابية المسلحة من تنظيمات القاعدة وتحت اسم النصرة والتي تبرز على شكل تفجيرات انتحارية وسيارات مفخخة عرفها الشعب العراقي وما يزال يعاني منها ومن القوى التي تمارسها.
من الواجب هنا أن نؤكد على جملة من المبادئ الأساسية التي نص عليها الدستور والتي يفترض أن تحكم العلاقة السياسية بين أطراف العملية السياسية بالعراق, رغم النواقص الهائلة التي تعاني منها هذه العملية والتي تحولت إلى صراعات مخلة بحقوق الشعب العراقي وحياته الحرة الكريم, ومنها:
1.   لا يجوز إقحام قوات الجيش العراقي بمهمات داخلية ومواجهة مطالب ومظاهرات واعتصامات أو عصيان مدني لقوى الشعب, إذ إن مهمات الجيش العراق تقتصر على حماية حدود البلاد وحرمته من أي تجاوز داخلي, ومكانه الفعلي هي الثكنات في وقت السلم والحدود في أوقات أخرى حين يضطر الشعب حماية حدوده.
2.   إن من واجب الحكومة الاتحادية العراقية عدم زج القوات المسلحة (الشرطة والأمن الداخلي) بعمليات عسكرية ضد المظاهرات والاعتصامات والعصيانات المدنية السلمية, إذ إن هذه النشاطات الاحتجاجية والمطلبية لا تخالف الدستور العراقي بل تتناغم معه, وحين يُستخدم العنف من جانب قوى إرهابية فعلية وليس من جانب المتظاهرين, عندها يكون من واجب قوى الشرطة والأمن الدالي التدخل لمنع استمرارها وتطور أعمال العنف.
3.   لا يجوز تشكيل ميليشيات مسلحة بأي حال من الأحوال لفرض إرادة هذه الجماعة أو تلك على الحياة السياسية العراقية, بل يفترض أن يكون النضال سلمياً وديمقراطياً, والنضال السلمي والديمقراطي يستطيع تعبئة كل الشعب حوله ما دامت المطالب واقعية وتستجيب لإرادة الشعب ومصالحه الحيوية.
4.    لا يجوز استخدام العنف من أي طرف كان لإجراء تغيير سياسي في العراق, بل يفترض ممارسة الأسلوب السلمي والديمقراطي في التداول السلمي والديمقراطي للسلطة. وهنا يفترض أن تؤمن كل القوى السياسية الفاعلة في العملية السياسية بالعراق بهذا المبدأ وبعيداً عن المناورة والخديعة للبقاء في السلطة دون وجه حق دستوري.
إن الحكم بالعراق وبعض القوى السياسية المعارضة ابتعدا كثيراً جداً عن المبادئ العامة التي أقرها الدستور العراقي. وهو ما يعتقد به الكثير من الناس بالبلاد. فالحكومة تمارس التهميش والإقصاء وممارسة الطائفية السياسية في الحياة اليومية, وبالتالي بدأت قوى سياسية وأحزاب وجماهير تعاني من هذه السياسة, وخاصة في مناطق غرب بغداد, أو ما بدأ يعرف سلباً بالمناطق السنية, رغم إن المناطق الشيعية لم تستفد هي الأخرى من الحكم الطائفي الذي تقوده الأحزاب الإسلامية الشيعية, بل تستفيد منه النخب الحاكمة الشيعية فقط. ومن الطرف الآخر رفعت بعض القوى سقف مطالبها لتطالب تحقيقها بقوة السلاح, وهو الأمر المرفوض أيضاً.
إن الخلاص من هذا الوضع يتطلب تعبئة الشعب وتوعيته للنضال من أجل التخلص من نظام المحاصصة الطائفية اللعين الذي يمزق الشعب ولا يجمعه ويقود إلى الخراب والدمار والحرب الطائفية. إن الخلاص من الوضع الراهن يتطلب استيعاب مطالب القوى المتظاهرة والمعتصمة التي تستند في معظمها إلى الدستور العراقي والتي أيدتها غالبية القوى السياسية العراقية, بمن في ذلك قوى وأحزاب في مجمع الإسلام السياسي الشيعي. ولكن عملية الجرجرة وكسب الوقت وتشكيل لجنة لا تمتلك صلاحيات حل المشكلات والاستجابة للمطالب العادلة, أدى إلى دخول قوى إرهابية معادية للحياة الحرة والديمقراطية على الخط وفرض شعارات متطرفة بما في ذلك إطلاق سراح الإرهابيين من أتباع القاعدة أو مجرمي البعث المدانين بأحكام يستحقون البقاء في السجون العراقية, أو المطالبة بإطلاق سراح من حمل السلاح من البعثيين وساهم بقتل العراقيات والعراقيين بتحالفه مع قوى القاعدة الإرهابية.
إن وحدة الشعب لا تتحقق بالتمييز والتهميش والإقصاء أو الإصرار على البقاء في الحكم دون وجه حق أو عدم الإصغاء إلى مطالبة الغالبية العظمى من الشعب بإجراء انتخابات مبكرة لصالح تغيير الوجوه الحاكمة, خاصة وإن من أنتج الأزمة لا يمكنه معالجتها. إن وحدة الشعب تتحقق بخلق الأجواء الديمقراطية والتحول صوب ممارسة السياسة وليس الحلو الأمنية والعسكرية والتخلي عن المحاصصة الطائفية التي يلعنها الشعب ليل نهار ويمقتها ويدرك عواقبها.
إن على الأطراف السياسية العراقية العودة إلى العقل والحكمة والابتعاد عن استخدام الجيش العراقي في الخلافات السياسية الراهنة وصراعات الحكومة, وكذلك الابتعاد كلية عن تشكيل ميليشيات مسلحة باسم جيش العشائر أو غير ذلك, إذ إن الحالتين تعتبران مخالفة صريحة للدستور العراقي الذي يؤكد على الحوار السلمي والديمقراطي لمعالجة المشكلات القائمة.
إن المشكلة الجوهرية التي يعاني منها الشعب تبرز في عجز من بيده الحكم عن إدارة الصراع ديمقراطياً وسلمياً, إذ يسيطر عليه الهاجس الأمني والمخبر السري والحلول العسكرية بدلاً من الحلول السياسية التي تستند إلى الدستور العراقي. وبالتالي تدفع هذه الحالة القوى الأخرى بدورها إلى التجاوز على الدستور العراقي وتنشأ حلقة مغلقة من المخالفات المتبادلة للدستور ولإرادة الشعب ومصالحه الحيوية.
والموقف هو: إما أن يدعو العقلاء إلى مؤتمر وطني عام, كما اقترحه الحزب الشيوعي العراقي, ودعا له السيد رئيس الجمهورية وسعى إليه قبل إصابته الأخيرة بالمرض والذي عطله عن المشاركة في الحياة السياسية اليومية, تشارك فيه كل القوى السياسية الفاعلة في العملية السياسية, رغم قصور هذه العملية وتفريغها من محتواها الحقيقي المطلوب, لمعالجة المشكلات القائمة, وإما الدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة تقودها حكومة حيادية, من أجل أن تحسم الصراعات والنزاعات الجارية حالياً بالبلاد سلمياً, إذ بغير ذلك يمكن أن تدفع الأزمات الراهنة بالأمور إلى الكارثة المحدقة التي عاش الشعب إرهاصاتها خلال الأسبوعين الماضيين والتي لم تعالج أسبابها حتى الآن, وأعني بها الحرب الطائفية التي يعرف الجميع منذ الآن عواقبها المدمرة إن وقعت فعلاً.
1/5/2013 كاظم حبيب


169
كاظم حبيب
جلال ذياب ضحية النضال في سبيل الحرية والمساواة
اُغتيل المواطن والمناضل الشجاع في سبيل الحرية والمساواة بين أبناء وبنات الشعب العراقي, بغض النظر عن القومية والجنس ولون البشرة والدين والمذهب والعقيدة, ورئيس جمعية "أنصار الحرية الإنسانية" جلال ذياب يوم السبت المصادف 26/4/2013 في محافظة البصرة, جنوب العراق. جاء هذا الاغتيال بسبب نشاطه وحيويته في الدفاع عن حرية المواطنات والمواطنين السود ومساواتهم التامة ببقية المواطنين والمواطنات العراقيات. لقد ارتبك المجرمون جريمة بشعة أخرى بحق الشعب العراقي باغتيال هذا المناضل الشجاع. وقد أدان الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في العراق السيد مارتن كوبلر هذا الاغتيال بقوله: "إنني أشعر بحزن عميق لفقدان شخصية مهمة في الدفاع عن حقوق الإنسان في العراق، وقد  التقيته أكثر من مرة.", كما أشار إلى إن هذا الفعل الدنيء "مخجل ومهين" أيضاً. (راجع موقع أين, وكالة كل العراق الإخبارية" بتاريخ 27/4/2013).
وكتب الأستاذ سعد سلوم مقالاً مهماً , حزيناً , مؤثراً واحتجاجياً شديداً في جريدة المدى بعددها 2785 - الثلاثاء, 30 نيسان 2013 بعنوان "To Be Black In Iraq  أو مارتن لوثر كنغ فـي البصرة ", ضد اغتيال المناضل جلال ذياب. فهو مواطن من ذوي البشرة السوداء من أحفاد ثورة الزنج التي انتصرت لرعايا الدولة العباسية من ذوي البشرة السوداء الذين كانوا يعملون في شتى الأعمال بما في ذلك وبشكل خاص بتلك المهنة المرهقة والمميتة بجمع الأملاح "السبخ" جنوب العراق وفي تلك العهود حيث اقتيدوا عنوة من مناطق مختلفة من القارة الأفريقية إلى العراق لتفرض عليهم العبودية في العراق العباسي ومن جانب الخلفاء العباسيين الذين حكموا العراق باسم الدين ومارسوا العبودية بكل أنواعها وأجلى معانيها, إضافة إلى استعبادهم من قبل المستحوذين على الأراضي الزراعية التابعة للدولة حينذاك. 
والسؤال الذي يرقنا جميعاً هو: من هم القتلة في هذا العراق "الجديد!"؟ كان القتلة في فترة حكم الاستبداد معروفين للمجتمع العراقي, كان تشخيصهم سهلاً, فهم من جلاوزة البعث وأمنه القمعي. ولكن من هم قتلة اليوم؟ هل يمكن وضع اليد عليهم, هل يمكن تشخيصهم؟ هل يمكن اعتقالهم؟ يبدو لنا بوضوح إنهم كثر لا يمكن حصرهم بجهة واحدة, فالعديد من الجهات تمارس القتل ضد الناس الطيبين, ضد المناضلين الشجعان في سبيل الحرية والديمقراطية والمجتمع المدني الحديث, إنهم كثر أولئك الذين يكرهون ويحقدون على من يناضل في سبيل المساواة بين المواطنين والمواطنات بغض النظر عن قوميتهم وجنسهم ولون بشرتهم ودينهم أو مذهبهم أو عقيدتهم الفكرية والسياسية. إن هؤلاء جميعاً متهمون بقتل جلال ذياب إلى أن يتبين من هي تلك الجهة التي مارست هذا الفعل الشنيع. وهل يمكن الوصول في دولة الفوضى والقتل المتواصل معرفة قتلة المناضل الوطني الشجاع جلال ذياب؟ وهل توصل المحققون إلى من اغتال الشهيد المناضل الوطني الشجاع كامل عبد الله شياع, المناضل في سبيل الديمقراطية والمجتمع المدني؟ رغم التصريح الذي أدلى به الرفيق حميد مجيد موسى سكرتير الحزب الشيوعي العراقي, بأن القتلة في وزارة الداخلية العراقية, هم معروفون, ولكن وزارة الداخلية ذاتها لم تعلن عن ذلك حتى الآن. فمن هم؟ 
من له مصلحة بقتل مناضل شجاع مثل جلال ذياب؟ إنهم جمهرة من الأوباش الذين لا ذمة لهم ولا ضمير, إنهم أعداء الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان, إنهم من الجماعات التي تُمارس التمييز والاضطهاد لأتباع القوميات والديانات والمذاهب, كما تُميز بين الناس على أساس الجنس ولون البشرة ..الخ. إنهم قتلة, ولكن من يحميهم ويسمح لهم بممارسة ذلك دون ملاحقتهم واعتقالهم وتقديمهم للعدالة لتأخذ مجراها الطبيعي؟ إنهم محميون وإلا لأمكن ملاحقتهم واعتقالهم وتقديمهم للعدالة؟ والسؤال من هو الذي يحميهم أو الجهة التي تحميهم؟
لقد فات أوان الاحتجاج. فالمناضل جلال ذياب قد قتل والإدانة لم تعد نافعة, بل ينبغي أن نطالب الحكومة وأجهزة الأمن والشرطة, التي يفترض فيها أن تحمي المواطنات والمواطنين كافة, إن تلاحق المجرمين, إن لم يكن من بينها من ارتكب الجريمة الشنعاء, واعتقاله واعتقال من يقف وراء المجرم ويحميه وتقديمهم جميعاً للعدالة.
أقدم العزاء والمواساة لعائلة وأصدقاء ومحبي وأعضاء منظمة أنصار الحرية الإنسانية" لاستشهاد المناضل جلال ذياب وله الذكر الطيبة وللقتلة الخزي والعار والسجن.
30/4/2013                         كاظم حبيب
               
 




170
كاظم حبيب
عشر سنوات على إسقاط الدكتاتورية الغاشمة, كيف تغير العراق؟
حين يحاول الباحث المحايد الإيجابي أن يتابع حصاد فترة عشرة أعوام من تاريخ العراق في أعقاب إسقاط النظام عبر الحرب الخارجية سيجد نفسه أمام مجموعة من النتائج والعواقب المتناقضة, أي من النتائج الإيجابية والعواقب السلبية التي تسببت بها حروب العراق العديدة الداخلية منها والخارجية. وازدادت اللوحة قتامة والعواقب أكثر إساءة للمجتمع وتطوره إذ كانت لدى منفذ الحرب عوامل وأهداف إضافية غير عقلانية سعى إلى تحقيقها بعيداً عن الوعود التي قطعها للشعب والقوى السياسية التي وافقت على خوض الدول المتحالفة الحرب خارج نطاق قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي. وقد أصبحت تلك الأهداف معروفة للشعب العراقي وشعوب العالم كلها. ولهذا, وخلال الفترة المنصرمة, تداخلت الجوانب الإيجابية في الخلاص من الدكتاتورية البعثية الغاشمة بالعواقب السلبية, مثل نظام المحاصصة الطائفي والإرهاب والفساد والتمييز وتراجع الحريات العامة وحقوق الإنسان والمرأة على نحو خاص, في لوحة شديدة التعقيد والتشابك المتفاعل والمتبادل التأثير والدافعة في المحصلة النهائية إلى اتجاه محدد غير مضمون العواقب في التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي, إضافة إلى الاتجاهات الأمنية والعسكرية والعلاقات الخارجية.
امتلكت الإدارة الأمريكية إرادة الحرب وإسقاط النظام وإدارة العراق بواسطة قواتها العسكرية وإدارتها المدنية وإبقاء القوى السياسية العراقية المعارضة احتياطي لها من خلال فرض الاحتلال على البلاد بعد الحرب, وكانت تريد الوصول إلى تلك الغايات دون أن تفكر بما سيكون عليه موقف المجتمع والقوى السياسية, وبالتالي لم تضع مخططاً عقلانيا لإدارة البلاد وحمايتها بعد الإسقاط, كما لم تضع أسس عقلانية لتنظيم الدولة بعد تدمير الدولة ومؤسساتها وأجهزتها العسكرية والمدنية, إضافة إلى إنها لم تسلم مقاليد الحكم مباشرة بيد قوى المعارضة لمنع وقوع فراغ قاتل في البلاد كما حصل فعلياً. ونتيجة لكل ذلك برزت ابتداءً, كما كان منتظراً, عدة عواقب شديدة الأثر السلبي على مستقبل العراق, رغم الترحيب الشعبي العام بالإطاحة بالنظام الدكتاتوري والاستقبال الطيب للقوى العسكرية التي دخلت البلاد:
1.   حصول فراغ سياسي وإداري كاملين في البلاد تسببا في نشوء فوضى عارمة ونهب وسلب لمؤسسات الدولة المدنية والعسكرية الفارغة من موظفيها وعسكرييها وكذلك البنوك ودور مسؤولي الحكم السابقين.
2.   ترك المناطق الحدودية  دون رقابة فولج منها الإرهابيون وأتباع القاعدة بتوجيه من قيادتهم في الخارج.
3.   توفر إمكانية هروب الكثير من قادة النظام من العسكريين والمدنيين إلى خارج البلاد.
4.   بدء عمليات انتقام واسعة ضد جمهرة من البعثيين من غير القتلة والمجرمين دون محاكمات شرعية وعادلة.
5.   عجز المعارضة العراقية عن إعادة تنظيم صفوفها بصورة سليمة والتوحد وراء أهداف محددة, بل بدأ كل منها يسعى إلى تأمين مصالحه على حساب المصلحة العامة ومواجهة الوضع الجديد على أسس عقلانية.
6.   ومما زاد في الطين بلة تعيين الحاكم بأمره بول بريمر لإدارة البلاد مدنياً وتوجهه صوب تشكيل مجلس الحكم الانتقالي على أسس طائفية وأثنية مناهضة لمبدأ المواطنة العراقية, وتشكيل أكثرية شيعية فيه, دون اعتماد مبدأ المواطنة ثم فرض الاحتلال على البلاد رسمياً استناداً إلى قرار مجحف صادر عن مجلس الأمن الدولي بطلب من الولايات المتحدة ورفضه الشعب العراقي وقواه السياسية. وقد أشعر هذا الموقف السنة بالضعف وكأنها المسؤولة عن جرائم نظام عنصري فاشي دموي, وخلق الأرضية الصالحة للصراع الطائفي لا على مستوى الأحزاب الإسلامية السياسية فحسب, بل وعلى مستوى المجتمع.
7.   ترك الوضع الجديد جمهرة غفيرة من الموظفين والعسكريين دون رواتب أو بدنانير لا تغني ولا تسمن, مما دفع الكثير منهم إلى التوسل بأي وسيلة تساعدهم على العيش وتوفير الغذاء لعائلاتهم. وهي التي ساعدت على كسب قوى غير قليلة لجانب القوى المناهضة للوضع الجديد.
8.   لقد كان الوضع في فترة صدام حسين فاسداً جداً من الناحيتين المالية والإدارية, ولكنه اشتد وتعمق بعد سقوط النظام وبممارسات من جانب بول بريمر وسلطة الاحتلال وجمهرة من السياسيين العراقيين الذين وجدوا فرصة مناسبة للنهب والسلب على نطاق واسع, وهي الحالة التي ما تزال متواصلة ومتفاقمة حتى اليوم.     
وفرت هذه الحالة أوضاعاً جديدة من خلال:
- بدء الجماعات البعثية الهاربة بإعادة تنظيم صفوفها وامتلاك السلاح المنهوب لمواجهة الوضع الجديد على وفق خطط وضعها صدام وأتباعه سلفاً.
- بدأت قوى القاعدة التي توفر لها السلاح بتنظيم صفوفها بشكل واسع والتأثير على مناطق بعينها لكسبها إلى جانبها وتنظيم ما أطلق عليه بالمعارضة المسلحة, كما بدأ أول تلك التحالفات بين القوى المضادة في مواجهة الوضع الجديد. كما توفرت البنية التحتية الضرورية لإرهاب المجتمع بشكل جدي وواسع وابتزاز الناس.
- بدء العمليات العسكرية ضد القوى السياسية المحلية وضد القوات الأجنبية ومن أجل تشديد التمايز والاصطفاف الطائفي.
- وفي ذات الوقت نشأت ميليشيات مسلحة وطائفية تابعة للأحزاب الإسلامية السياسية, الشيعية منها والسنية, التي مارست عمليات انتقامية متبادلة أصبح الشعب ضحيتها.
لقد أسقطت الحرب النظام, ولكنها لم تكسب السلام للمجتمع, بل جلبت معها الفوضى والخراب والموت على نطاق واسع. لقد وفر الوضع الجديد حرية الكلام والنشر, ولكنه وفر معه إمكانية وحرية قتل الناقد والمتكلم. وإذا كان الخوف سابقاً من النظام البعثي الحاكم بأجهزته القمعية, أصبحت الخشية بعد السقوط من قتلة كثيرين غير مشخصين خارج قوى الحكم ومنها. كما إن احتمالات تحول الصراعات الراهنة إلى نزاعات مسلحة طائفية ما تزال غير مستبعدة تماماً من قاموس بعض جماعات سياسية وطائفية في الحكم وخارجه. وإذ كان الوضع في إقليم كردستان العراق مستقراً وآمناً قبل إسقاط النظام ومنذ انسحاب قواته وإدارته منها, فإن الوضع الأمن والمستقر قد استمر بعد إسقاطه أيضاً وتوفرت له فرصة مواصلة تغيير وجه الإقليم عمرانيا واجتماعياً, في ما عجز حكام بغداد القيام بذلك في المناطق العربية من العراق حتى الآن. وإذا كانت العلاقات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم بدأت بصورة أولية غير متوترة, فإنها تشهد اليوم توتراً كبيراً ومخاطر تعقيدات إضافية في هذه العلاقات لا بسبب حداثة التجربة وعدم وجود خبرة ونقص في القوانين التي تحكم هذه العلاقة وضبابية بنود في الدستور فحسب, بل بسبب سياسات الحكومة الاتحادية التي لا تريد معالجة المشكلات القائمة على وفق بنود الدستور, ومنها مشكلة ما يطلق عليها اليوم بالمناطق المتنازع عليها, أو بشأن عدم دفع رواتب البيشمركة الكردستانية كجزء من القوات المسلحة العراقية ...الخ, وردود الفعل الكردستانية على تلك السياسات.
ما هي حصيلة الأعوام العشرة المنصرمة؟
من الناحية الإيجابية يمكن الحديث عن خلاص العراق من دكتاتورية غاشمة لم يشهد مثلها تاريخ العراق الحديث ولا دول منطقة الشرق الأوسط من حيث وحشيته وذهنيته العنصرية والعسكرية الفاشية وأطماعه التوسعية ورغبته في حل المشكلات بالقوة العسكرية الغاشمة محلياً وإقليمياً أولاً. كما يمكن الإشارة إلى تحسن أوضاع استخراج وتصدير النفط مما فسح في المجال إلى زيادة عائدات العراق من موارد النفط الخام المصدر سنوياً ثانياً. كما يمكن الإشارة إلى تحسن مستوى حياة ومعيشة بعض فئات المجتمع وليس كلها, إضافة إلى وجود مؤسسات وأحزاب ومنظمات مجتمع مدني وانتخابات عامة, رغم إن أغلبها في الغالب الأعم شكلية ولا تعمل على وفق مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
هذه الجوانب الإيجابية عليها تحفظات كثيرة بارزة للعيان. فإذا كانت الدكتاتورية البعثية الصدامية قد أُسقطت بفعل العامل الخارجي, فإن أرضية نشوء دكتاتورية جديدة لحزب وفرد حاكم ما زالت قائمة, وها نحن نشهد ظهورها بوضوح كبير ومخاطر متفاقمة يوماً بعد آخر. وإذا كان النفط قد تحسن وضعه, فإن العقود الكثيرة التي وقعت على دفعات لم تكن كلها في صالح العراق وغير ضرورية ومؤثرة سلباً على حقول النفط ذاته وعلى سوق النفط وأسعاره وعلى قدرات العراق تحمل أعباء تلك العقود, إضافة إلى عدم إقرار قانون النفط حتى الآن ونشوء مشاكل جديدة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم بشأن عقود النفط الكردستانية. كما إن مؤسسات الدولة ليست مؤسسات حرة وديمقراطية بالمعنى الصحيح لأنها كلها قائمة على قاعدة المحاصصة الطائفية السياسية اللعينة التي قسمت الشعب العراقي إلى طوائف وملل مدمرة وليست جامعة. وتقوم الكثير من الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني على أساس ديني ومذهبي يتعارض تماماً مع قواعد وأسس المجتمع المدني واعتبار "الدين لله والوطن للجميع".
خلال السنوات العشر المنصرمة لم يعرف العراق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية وتغيير في واقع البيئة المتدهورة, بسبب غياب الرؤية الاقتصادية والاجتماعية لما يفترض أن ينشأ بالعراق, غياب الإستراتيجية التنموية والخطط العقلانية القابلة للتنفيذ, واستمرار البطالة المكشوفة واتساع البطاقة المقنعة بحيث أصبحت تتراوح بين 60%-70% من إجمالي موظفي الدولة, وكذلك استمرار وجود ما يقرب من 25% من الناس الذين يعيشون تحت خط الفقر المعرف دولياً لبلدان مثل العراق. وظاهرة الفساد تفاقمت حتى أكثر بكثير مما كانت عليه في عهد الدكتاتور السابق بفضل سياسات المستبد الجديد بأمره والمحيطين به وتحولت إلى نظام معمول به ومعترف به عملياً. وإذ كان الإرهاب شديداً في الأعوام التي تلت سقوط الدكتاتورية وتراجع في عامي 2009 و2010 نسبياً, فإنه ومنذ ثلاث سنوات في تفاقم شديد وخاصة في هذا العام 2013.
كلنا يدرك بأن الحكم الطائفي السياسي والفساد المالي والإداري والحزبي وغياب الحلول السياسية واعتماد الحلول الأمنية العسكرية وتفاقم الفردية في الحكم هي من العوامل المحفزة للإرهاب وحصول سيول من الدم والدموع في البلاد. وليس هناك من أفق للخلاص من ذلك!
إن البلاد, وبعد مرور عشر سنوات, تفقد يومياً وساعة بعد أخرى الحرية والحياة الديمقراطية والتجاوز على حقوق الإنسان وفقدان القضاء والهيئات المستقلة دستورياً لاستقلالها وخضوعها للحاكم الفرد وحزبه, الذي يحل يوماً بعد آخر محل حزب البعث في سلوكه العام وهيمنته, وهي تنذر بكارثة محدقة. لقد جرى اعتداء على صحف أربعة وعلى مقر حزب الأمة, كما جرى قبل ذاك اعتداء أثم على البنك المركزي والطاقم المخلص العامل فيه من قبل رئيس الحكومة وتجاوز على المفوضية المستقلة للانتخابات, وعلى حقوق المرأة وحريتها وهدم منظم لأسس الديمقراطية المنشودة حين قال رئيس الحكومة الحالي بأنه أخذ الحكم ولن يعطيه لغيره بعد اليوم, وهو مماثل تماماً لما قاله صدام حسين يوم ذاك بأنه جاء ليبقى!! وعدا ذلك فالإرهاب يخطف كل يوم عشرات الناس والفساد يسرق الملايين والمليارات!
إن مهمة المجتمع اليوم أن تمنع تحول العراق إلى الدكتاتورية, رغم وجود الأرضية الصالحة لذلك, وهي مهمة القوى الديمقراطية وسائر المخلصين لهذا الشعب ومن عانى من الدكتاتورية الغاشمة السابقة. إنها النداء الذي يسبق وقوع الكارثة, إن ما يجري في العراق يمثل رياحاً صفراء تسبق العاصفة التي يفترض أن نبعدها عن أرض وشعب العراق بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه وقواه الوطنية الأمينة لشعبها.         
نيسان/أبريل 2013             كاظم حبيب 


171
كاظم حبيب
إن كان المالكي صادقاً ولا يكشف ملفات القتلة فتلك مصيبة, وإن كان كاذباً فالمصيبة أعظم؟
ستون عاماً ونيف وأنا أمارس السياسة في العراق وخارجه ولم أشهد على امتداد هذه الفترة رجلاً يماثل في شخصيته كالذي يتولى اليوم رئاسة مجلس وزراء العراق. لا يمكن أن يكون هذا الرجل طبيعياً بأي حال. ولكن السؤال الذي يدور بالبال هو: كم عدد العلل التي يعاني منها هذا الرجل وما هي بالتحديد على ضوء تجليات عواقبها وانعكاساتها السيئة على الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي العراقي؟ وهل لمثل هذه العلل من علاج يمكن أن ينقذ الرجل من علله, وبالتالي ينقذ الشعب من عواقب تلك العلل؟ لو كان الرجل في موقع غير موقعه الراهن لهان الأمر, ولكن أن يكون رئيساً لمجلس وزراء في بلد يعاني أصلاً من علل كثيرة فهي الكارثة بعينها.
من غير المعقول أن يظهر رئيس الوزراء على شاشة تلفزيون العراقية, إذ أصبحت الفضائية ملكاً صرفا له وليس لغيره, ويقول بأن التحالف الوطني منعه من الذهاب إلى مجلس النواب لأن العاقبة ستكون وخيمة وستكون البوكسات, وربما يكون "ضرب المدس ماله والي", على حد قول المشاهدة النجفيين, كما حصل في طهران منذ سنوات العقد التاسع والأخير من القرن العشرين وبعده بين قوى الإسلام السياسي العراقية. لا يريد أن يذهب إلى مجلس النواب لأنه يمتلك ملفات لـ 13 إرهابياً هم أعضاء في مجلس النواب ويمتلك ملفات لوزراء ونواب متهمون بالإرهاب, ولكنه لا يريد أن يكشف عنها لأنها تخرب العملية السياسية, وكأن هناك اليوم عملية سياسية بالعراق, ويتركها تقتل بالشعب العراقي وتزيد من خراب البيوت. فهل مثل هذا الرجل يشعر بالمسؤولية إزاء شعبه ووطنه, أم إنه يشارك بالجريمة التي ترتكب على حد قوله! 
لقد كان صدام حسين مصاباً بثلاث علل على الأقل تحدث عنها الكثيرون ومنهم داعيكم كاتب هذا المقال, وهي جنون العظمة والنرجسية والسادية في آن واحد. وجعلته هذه العلل يقول في يومٍ من الأيام "جئنا لنبقى", وكان ما كان! كل علة من هذه العلل كانت كافية لسبي العراقيات والعراقيين ودفعهم إلى كوارث لا حصر لها. وهذا ما حصل فعلاً. والسؤال الذي يواجهنا اليوم هو: هل يواجه الشعب العراقي شخصاً كذلك الذي خرب بيت العراقيين ودفع بمئات الألوف منهم إلى الموت والجوع والحرمان والهجرة وسمح لمن يماثله في الوصول إلى السلطة؟
عشق السلطة, مع غياب الإمكانية والحكمة ورجاحة العقل والدم البارد وغياب العاطفة, يقود إلى خراب بيوت العراقيات والعراقيين, وهذا ما يعيشه المجتمع هذه الأيام ومنذ سنوات. يقول خبراء فض الصراعات والنزاعات إن من يخلق أزمة لا يمكنه حلها. والمالكي خالق للأزمات, فهل في مقدوره حل حتى واحدة من تلك الأزمات المتفاقمة والمركبة والمعقدة؟ كل الدلائل لا تشير إلى قدرته على ذلك. فما أن بدأ وفد من التحالف الوطني يبحث في أربيل سبل معالجة المشكلات حتى صرح بما يجعل زيارة الوفد لا معنى لها, إنه يحاول تخريب الحلول السلمية لكي تنتهي الانتخابات ويرى كيف يعمل لاحقاً للتهيئة وبصورة أكثر تخريباً للانتخابات العامة القادمة. 
الشعب العراقي أمام معضلة كبيرة والولايات المتحدة الأمريكية لعبت لعبتها القذرة حين قررت أن يسود في العراق نظام طائفي وأثني يستند إلى مبدأ ضرب المواطنة الحرة والمتساوية والأخذ بالمحاصصة الطائفية اللعينة وتركت العراق يغوص بشعبه في وحل مشكلات أكثر تعقيداً وعمقاً واتساعاً, فما الحل؟
الحل بيد الشعب ذاته, فهل الشعب في وضع يساعده على حل هذه المعضلة العويصة, مشكلة  وجود رجل يعيش علله وتعود انعكاساتها وعواقبها على الشعب الذي عاش البؤس والحرمان والموت وعانى منها لعقود عدة, ويدفع بسياساته وسلوكه إى حافة الكارثة وتوسع في قواعد الإرهابيين وتحالفاتهم وعواقبها الأوخم على المجتمع.
متى سيرفع الشعب صوته محذراً منذراً بما ينتظر البلاد والعباد من جراء السياسات الراهنة لرئيس مجلس الوزراء والتي تجد ردود فعل لدى الأطراف الأخرى أكثر حدة مما يزيد في الطين بلة؟
ليس لنا إلا أن نرفع أصواتنا إلى هذا الشعب ليقول يوماً كلمته لمن قال "أخذناها بعد ما ننطيها!", وكأن العراق أصبح ملك أبيه أو ملك حزبه. إن استمرار هذا الرجل وحزبه في الحكم وعلى رأس الدولة يعتبران البديل "للقائد الضرورة وحزبه" في العراق الجديد القديم وستكون الطامة الكبرى على العراق والعراقيين وعلى المنطقة بأسرها.
15/4/2013                        كاظم حبيب         

172
كاظم حبيب
قراءة مكثفة في كتاب وكاتب
بغداد حبيبتي ... يهود العراق... ذكريات وشجون
شموئيل – سامي- موريه
صدفة اللقاء بشموئيل موريه

في شتاء العام 2007 بدأ الكثير منا نحن العراقيات والعراقيين نقرأ ولأول مرة مذكرات تكتب وتنشر بنكهة معطرة ورؤية جديدة ذات أهداف إنسانية واعية ومحركة للعواطف النبيلة للقارئات والقراء العراقيين وبلغة عربية ولهجة عراقية بغدادية ممزوجة بلهجة يهود العراق المحببة للنفس والتي تقترب من لهجة أهل الموصل. فمن هو هذا الكاتب الموهوب الذي آثار لدى العراقيات والعراقيين تلك العواطف النبيلة والروح الإنسانية والذكريات المنسية في البعض الكثير منها وذاكرة نادرة لرجل شاب بلغ حين بدأ كتابة هذه المذكرات ربيعه الـ 77؟ من هو هذا العراقي الذي حمل في ذاكرته وأسلوب كتابته ومضمون مذكراته تقاليد وعادات وتراث وتاريخ لا يعود لعراق النصف الأول من القرن العشرين حسب، بل جسد ما يقرب من 2800 سنة من حياة يهود العراق والعراقيين والعراقيات بشكل عام؟ من هو هذا الكاتب المبدع الذي آثار لديَّ ولدى الكثير من الناس الطيبين بالعراق وخارجه الرغبة الشديدة في متابعة حلقاته التي بلغت 53 حلقة مع خاتمة واستغرقت الفترة الواقعة بين 12/2/2007 و 21/3/2011؟ وهذه الحلقات صدرت أخيراً في كتاب "بغداد حبيبتي" مع تقديم جميل وجيد للأخ الأستاذ سعد سامي نادر.   
انه الصديق الفاضل الأستاذ الدكتور شموئيل موريه (سامي المعلم)، أستاذ الأدب العربي في الجامعة العبرية في أورشليم القدس ورئيس رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق، ومؤلف الكثير من الكتب باللغتين العربية والانجليزية ، والمشرف على الكثير من رسائل الماجستير والدكتوراه  والمحقق لبعض الكتب المهمة والباحث في المسرح العربي، انه الكاتب والشاعر الغزير في إنتاجه والعميق والإنساني في مضامين كتاباته ورؤيته للعالم. فشكرا لمؤسسة وموقع إيلاف والأستاذ عبد القادر الجنابي بشكل خاص الذي وفر لنا هذه الفرصة الثمينة لمطالعة هذه المذكرات.
لا شك في إن الرجل المحب لبغداد وأهلها والذي أجبر على الهجرة إلى إسرائيل يحب بلده إسرائيل ودولته, سواء أكان موافقاً على سياسات الدولة وحكوماتها المتعاقبة أم اختلف ويختلف في بعض منها ومع هذه الحكومة أو تلك. وهو أمر طبيعي لكي لا يذهب بالبعض منا تصور خاطئ, وأعني بذلك إن حبه لبغداد وأهل العراق يجعله ضد إسرائيل أو غير محب لها. فإسرائيل وطنه الجديد بعد أن طرد من وطنه الأول, العراق. ولكن من الضروري القول بأنه ليس قومياً متطرفاً أو قومياً يمينياً مناهضاً للعرب. ولغته وكتاباته بالعربية تكشف لنا جانبين مهمين يتفاعلان لديه ولا يتعارضان وهما:
1) إن حبه القديم المتجدد للعراق ما يزال ينبض بقوة فيه وبعاطفة جياشة وحقيقية, كما إن حبه للغة العربية والكتابة بها يؤشر موقفه الإيجابي من العرب؛
2) وأن حبه لوطنه إسرائيل وحبه لشعبه يتحركان فيه دوماً.
وليس في هذين الجانبين أي تناقض.   
وهنا سأقدم لمحة بسيطة عن الكاتب والباحث والمؤلف الأستاذ الدكتور شمويل مورية أة كما يحب أن يسميه العراقيون بـ سامي المعلم.
 
لمحة عن حياة وكتابات شموئيل موريه

ولد شموئيل إبراهيم موريه "سامي المعلم"  ببغداد في 22/ 12/1932 في عائلة تؤمن بالديانة اليهودية. عاش شموئيل مع عائلته حتى سن الثامنة عشر حين اضطرت عائلته على إسقاط الجنسية العراقية ومغادرة العراق في 22/ 4/1951 على وفق قانون إسقاط الجنسية الذي صدر أثناء وزارة توفيق السويدي في العام 1950. 
درس شموئيل في مدرسة السعدون الابتدائية النموذجية في البتاوين, ثم انتقل إلى مدرسة "فرنك عيني" المتوسطة ومن بعدها أكمل الثانوية في مدرسة "شماش" الإعدادية. نال شهادة البكلوريا العراقية في العام 1950. وكتب الأستاذ موريه عن حياته قائلاً: "هاجرت إلى إسرائيل في 1951/04/22 والتحقت بالجامعة العبرية لدراسة الأدب العربي الحديث وعلوم الشرق الأوسط. أنهيت اللقب الجامعي الثاني، الماجستير بتفوق. فأرسلتني الجامعة العبرية لكتابة أطروحة الدكتوراه في معهد العلوم الآسيوية والأفريقية في جامعة لندن حيث نلت درجة الدكتوراه عن أطروحتي حول الشعر العربي الحديث. وفي مطلع عام 1966 دعتني الجامعة العبرية لتدريس الأدب العربي الحديث وترأست قسم اللغة العربية فيها بين الأعوام 1983-1979. وفي العام 1980 أسست رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق. ونشرت ثمانية وأربعين كتابا في سلسلة منشورات الرابطة لكبار الأدباء والمؤرخين والشعراء اليهود النازحين من العراق. أعمل أيضا كعضو في هيئات تحرير للعديد من المجلات العلمية الإستشراقية والأدبية كما وقمت بنشر العشرات من الكتب ومئات المقالات باللغات الإنجليزية والعربية والعبرية، وشاركت أيضا في عشرات المؤتمرات العلمية في العالم بإلقاء محاضرات عن تخصصي في الأدب العربي. نلت جائزة الدولة في الإستشراق عام 1999 بالإضافة إلى وسام فيلق الأسد الفنلندي من رئيس دولة فنلندا عام 1986 لنشاطي كرئيس رابطة الصداقة الإسرائيلية الفنلندية في أورشليم القدس. ولا أزال أحاضر وأرشد طلبة الدكتوراه في الجامعة العبرية وأعقد وأشارك في المؤتمرات الأدبية حول أدب يهود العراق وتاريخهم." 
ولكن وقبل انتقاله للدراسة الجامعية أضطر الشاب شموئيل موريه المهاجر لتوه من بغداد أن يمارس, كبقية العراقيين الذين هاجروا إلى إسرائيل, أعمالاً شاقة, فهو الذي كتب ما يلي:
"وحين وصلت إسرائيل بدأت أعمل في البناء, وكان عملاً شاقاً, حيث انتقلت فجأة من العز إلى العمل الشاق لاستلال لقمة العيش. وجدت إني لست صالحاً لهذا العمل, فذهبت للدراسة في القدس مع أخوي جاكوب وريموند. كان ذلك في العام 1951, كنا أكثر من 70 طالباً يدرسون اللغة العربية في الجامعة العبرية. وقد كان مستوى الطلاب العراقيين عالياً جداً. أثناء ذلك جندنا في الجيش".       
أصدر الأستاذ موريه الكثير من المؤلفات باللغات العربية والإنجليزية والعبرية, إضافة إلى تحقيق الكتب وإعداد التراجم, حيث بلغت 35 كتاباً حتى الآن بهذه اللغات, وكذلك المئات من المقالات والدراسات ومقدمات الكتب التي نشرت في المجلات والصحف وفي المواقع الإلكترونية. يعتبر الأستاذ موريه واحداً من ابرز وألمع الكتاب اليهود الإسرائيليين عموماً والذين نشروا بالعربية والعبرية والإنجليزية, وخاصة في مجال الأدب والمسرح العربي, بشكل خاص. وأبرز كتاباته في ما يخص العراق يواجهنا كتاب يهود العراق (بالعربية) , والفرهود (بالإنجليزية), وبغداد حبيبتي (بالعربية) وتحقيق كتاب الجبرتي (بالعربية), والتي يمكن الاطلاع على قائمة كتبه في الهامش رقم (5)  . 
ساهم الأستاذ موريه بدور بارز ومتميز في تشكيل وإدامة عمل رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق وأصبح رئيسها الفعلي. وبرز دوره في هذا الجانب بثلاثة أمور:
1.   السعي إلى جمع شمل الجامعيين اليهود النازحين من العراق تحت مظلة علمية واجتماعية واحدة هي "رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق".   
2.   إصدار الكتب التي يؤلفها أعضاء الرابطة وغيرهم التي تبحث في علاقتهم مع العراق في الجوانب الأدبية والاجتماعية والتاريخية والفنية وما يرتبط بحياة يهود العراق في بلاد الرافدين ونشرها على أوسع نطاق ممكن, وخاصة باللغة العربية.
3.   إقامة الندوات الفكرية والاجتماعية والنقاشات حول تاريخ وحياة اليهود بالعراق, وكذلك مناقشة الكتب التي تصدر عن الرابطة. وكذلك المشاركة في المؤتمرات والفعاليات التي تمس حياة اليهود العراقيين بالعراق وفي إسرائيل. وقد صدر عن هذه الدار عدداً كبيراً من الكتب المهمة التي يمكن الاطلاع عليها في الهامس رقم (6) .   
يتمتع الكاتب الذي بلغ عمره اليوم 81 عاماً بحيوية وطاقة عالية للعمل والإنتاج الفكري في إسرائيل وخارجها, وهو يتمنى من كل قلبه أن يزور العراق وأن يرى بأم عينيه الدر التي سكنها مع عائلته في محلة البتاويين والمدرسة الابتدائية التي تعلم فيها حروف الأبجدية العربية ولعب في أزقة المحلة مع أطفالها وسبح في مياه دجلة وأحب أول مرة وهو ما يزال في الثالثة من عمره, ثم ذاق طعم القبل الجمرية التي ألهبت الصبي والشاب شموئيل روحه الوثابة وجعلته يعيش في أحلام وردية لم تتحقق بالعراق. كتب بهذا الصدد يقول:
"ومنذ صغري أدركت بأني لا أصلح للتجارة التي كان يمارسها الكثير من يهود العراق. كنت في الثالثة من عمري، عاشقـًا لكحلا ابنة عمتي ريما، ذهب الجميع وبقينا وحدنا في البيت وقد أصابنا الملل. عرضتُ علي ابنة عمتي عرضا لا يمكن ليهودي رده: "تالي (تعالى) انبيع!"، قالت: "ميسيغ (ممنوع) تطلع للدرب لَيْكونْ يضغبك المسلم"، قلت: "وليش يضربني المسلم؟". أجابت: "ألم يحذرك والداك؟" لم آخذ تحذيرها بمأخذ الجد، فتشت عن بعض الملاعق والشوكات والسكاكين الفضية "من شغل العجم"، وهي من مهر والدتي الذي دقق والدي في الحصول على كل حاجة شرطها في وثيقة الزواج. فحسب تقاليد اليهود تقدم عائلة العروس الجهاز والمهر للعريس، تصل تكاليفها في بعض الأحيان إلى أن يقضي والد العروس العمر في تسديد ديونه. فتحت الباب بعد أن صعدت على كرسي ووضعت الملاعق الفضية وغيرها على طبق من الصيني. ضحك بعض المارة لصغر سن هذين "التاجرين": "هذولي غير أيهود؟ والله بعد مفقسوا (لم يخرجوا) من البيضي وقيشتغلون بالتجارة!". جاء "ويحد ليبس جراويـّة وزبون": "وِلْكُم هذا شِنْهَـوْ ؟ هذا بيش اتبيعونه؟"، قلت: "أبدينار"! حمل لابس الجراوية الطبق وسار في طريقه غير مكترث لصراخي وأنا متشبث بذيل دشداشته: "وين الدينار، وين الفلوس؟"، دفعني ومضى دون أن يجرؤ أحد على اعتراض طريقه. عدت باكيا إلى البيت، قالت كحلا، "مقلتولك لا تطلع للدغب (الدرب)؟". غضب الوالدان، وقالت أمي: "وي غماد!(رماد عليك) مقلتولك لا تطلع للدغب ليضغبك المسلم؟، الله سوالك نيس! (هذه كرامة من الله)، مليح ما طلع خناق الولاد وذبحك!". وقال الوالد: "قَـتْغيد أخلص خبزك هسّه؟ قلتولك مغة (مرّة) وألف لا تطلع للدغب ابحدك تغا يضغبوك!"، (أتريد أن اقضي عليك الآن! ألم أقل لك ألف مرة ومرة لا تخرج لوحدك، سيضربونك!" علق عمي يونا على الحادث: "هذا أشلون تاجر؟، ما شا الله علينو، من أول غزاته انكسرت عصاته!".
الأستاذ الدكتور موريه متزوج حالياً من سيدة فنلندية محترمة أحبها وفتنته بجمالها وحسن أخلاقها. له ابن اسمه آشير من زوجته الأولى, وله بنت اسمها فنلندي مايا هيلينا, وابن اسمه إبراهيم, على اسم والده الطيب الذكر, من زوجته الفنلندية.
قبل سفري إلى بغداد وجه لي الأستاذ موريه رسالة شخصية رجاني فيها:
1.   أن ألتقط صور تذكارية للدار التي كان يسكنها مع عائلته الكبيرة في البتاوين قبل رحيلهم النهائي والمدرسة الابتدائية التي تعلم فيها.
2.   وأن أجلب له حفنة من تراب مدرسته الابتدائية في البتاوين تذكره بأرض وشعب العراق.
وفعلاً التقطت صورة للبيت وأخرى للمدرسة وثالثة للكنيس اليهودي في البتاوين. ثم ذهبت مع زوجتي والصديق الأستاذ مازن لطيف إلى المدرسة وكانت مغلقة. طرقنا الباب الجانبي فراشة المدرسة فتحت لنا الباب وسألت عن حاجتنا. قلت لها: تسمحيلي أخذ شوية من تراب المدرسة؟ ابتسمت وقالت: أخذ عمي شكثر ما تريد. ثم اعقبت ذلك باستفسار معقول قائلة: ما تگلي عمي شلك بهاي حفنة التراب؟ أجبتها وأنا أبتسم: لي صديق كان يدرس بهذي المدرسة وهو يعيش بعيداً عن العراق وراغب الحصول على شوية تراب من وطنه الأصلي, العراق حتى يبقى يذكر العراق ولا ينساه.
أخذت حفنة من التراب ووضعتها بكيس صغير تحت نظرات تعجب مرحة وتساؤلات عن هذا المحب لتربة العراق من المرأة العراقية الشعبية. أخذت حفنة التراب معي إلى ألمانيا, نظفتها من أوساخ علقت بالتربة ووضعتها في علبة مع صورة البيت والمدرسة والكنيس في البتاويين وأرسلتها إلى زميلي شموئيل في إسرائيل. ويبدو أن فرحه بها كانت كبيرة, إذ أتحفني برسالة شكر جميلة.

شموئيل موريه في برلين
 
حين علمت بوجود الأستاذ موريه بمدينة بوخوم ضيفا على معهد الدراسات الشرقية ورئيس المعهد الأستاذ الدكتور استيفان رايخموت, اتصلت مباشرة بالسيد رئيس المعهد وعرفته بنفسي ورجوته أن أتحدث مع الأستاذ الدكتور شموئيل موريه إن كان موجودا في المعهد. اكد وجوده وربط بين جهازينا. بدأ الحديث مباشرة باللهجة العراقية المحببة لكلينا. عرفته بنفسي وأشرت له إلى اطلاعي على بعض كتاباته ومذكراته ودعوته لزيارة برلين بضيافتي الشخصية. لم يتردد لحظة واحدة وشعرت بصوته مهلهلا. بلقاء العراقيين والعراقيات, إذ وعدته ببرنامج ممتع مع لقاء أكثر متعة مع جمهرة من العراقيات والعراقيين أعضاء نادي الرافدين الثقافي العراقي ببرلين, إضافة إلى من يرغب من العرب بالحضور والمشاركة في اللقاء والاستماع إلى حديث الذكريات التي كنا إلى ذلك الحين قد تمتعنا بسلسلة من حلقاته الأسبوعية.
تفضل الأستاذ الدكتور استيفان رايخموت وزوجته الفاضلة بمرافقة الأستاذ موريه إلى برلين بسيارتهما الخاصة وأوصلاه إلى الشقة التي نسكن, زوجتي وأنا, فيها. تحدثت قبل ذاك مع الصديق الدكتور علي إسماعيل  جودت, إذ كان حينذاك رئيساً للهيئة الإدارية لنادي الرافدين الثقافي العراقي ببرلين, حول إمكانية عقد ندوة للأستاذ موريه في النادي العراقي. رحب بالفكرة وطرحها على الهيئة الإدارية للنادي التي رحبت بالفكرة أيضاً. وهكذا كان اللقاء.
وضعت مقترحا أوليا لبرنامج الزيارة وحين وصل إلى شقتي ببرلين بحثت معه موضوع البرنامج وتضمن عدة فقرات:
- ندوة في نادي الرافدين الثقافي العراقي بدعوة مفتوحة للعراقيات والعراقيين والعرب من الجنسين لمن يرغب بالمشاركة.
- زيارة نهرية في نهر "شپريه" ببرلين والمناطق المحيطة بالمدينة.
- زيارة إلى النصب التذكاري لضحايا النازية من يهود أوروبا في وسط مدينة برلين. ويتراوح عدد ضحايا النازية من يهود أوروبا بين 5-6 مليون نسمة , إضافة إلى ضحايا يتراوح عددهم بين 10-40 ألف من النوريين (السنتي والروما),  والكثير من الشيوعيين والاشتراكيين والديمقراطيين المسيحيين الذي قتلوا على ايدي النظام النازي في معسكرات الاعتقال النازية.
- زيارة متحف ضحايا الإرهاب النازي العنصري والفاشي من اليهود في معسكرات الاعتقال النازية ببرلين. يثير هذا المتحف الحزن في نفوس زائريه لأسباب ترتبط بالهندسة المعمارية للبناء الخارجي والداخلي أولاً وما هو معروض من جرائم بشعة ارتكبتها النازية بحق اليهود الأوروبيين في المعتقلات النازية, وبمختلف أساليب القتل, ولكن وبشكل خاص بالمحارق الغازية التي بناها النظام في تلك المعتقلات والتي التهمت النيران أجسام الملايين من البشر, وخاصة اليهود. 
- زيارة متحف پیرگامون التاريخي ببرلين.
- لقاء مع بعض الأصدقاء من نادي الرافدين على مأدبة عشاء في شقة كاظم حبيب
وافق الصديق موريه على البرنامج, وبذلنا الجهد لتنفيذه مباشرة وبالتعاون مع عدد من أعضاء النادي.
وخلال الأيام الأربعة أجهدنا ببرنامجنا الأستاذ موريه تماماً, ولكنه لم يتأوه ولميعتذر عن فقرات البرنامج وحافظ على حيويته ونشاطه في تلك الفعاليات كافة.
كان اللقاء الاول مع الأستاذ شموئيل موريه حاراً كحرارة صيف العراق ومنعشاً كربيع الموصل أو شارع أبو نواس وحميما في أن, وبدأ وكأن أحدنا يعرف الآخر منذ ستين عاما. وقد تحدث عن هذه الزيارة في الحلقة التاسعة والعشرين من حلقات "ذكريات وشجون" المنشورة في كتابه "بغداد حبيبتي". وقد التقطنا الكثير من الصور التذكارية. لهذا لم أجد مبرراً لتكرار نشرها أو الكتابة عنها. لقد كان اللقاء نشطاً من حيث عرض الذكريات وكذلك الأسئلة التي طرحت والإجابة عنها والمناقشة الحيو لتي دارت في هذا الاجتماع الغني.

قراءة مكثفة في كتاب "بغداد حبيبتي"

بعد أن انتهى الأستاذ موريه من نشر الحلقات طبعها في كتاب جميل وغلاف زين بلوحة فنية رسمها ابن أخيه م. موريه تتضمن أشجاراً وحيوانات أليفة وغير أليفة تذكر المشاهد بلوحات خيالية مقاربة للفنون التي يجدها الإنسان في لوحات والت دزني أو بعض الرسوم الإيرانية القديمة.
أهداني الأستاذ الدكتور شموئيل – سامي - موريه كتابه الجديد "بغداد حبيبتي ... يهود العراق ... ذكريات وشجون", طبعة أولى, صادر عن "مكتبة كل شيء" في حيفا 2012. حيث صدرت الطبعة الثانية بعد نفاذ الطبعة الأولى. كما صدر له في العام 1990 كتابه الموسوم "الفرهود" باللغة الإنجليزية. „Al-FARHUD The 1941 Pogrom in Iraq“ بالتعاون مع زميله زفي يهودا.

تتوزع ذكريات الأستاذ موريه في هذا الكتاب على 53 حلقة وخاتمة مع حوار معه أجراه الدكتور سمير الحاج المحامي وتقديم للأستاذ سعد سامي نادر تحت عنوان "شموئيل موريه .. شجون وأحلام وآمال عراقية نقية طيبة".
يبدأ الكتاب بقصيدة "مهداة إلى أخواتي وإخوتي العرقيين في كل مكان" بعنوان "قالت لي أمي, والأسى في عينيها". 

قالت لي أمي: "ظلمونا في العراق،
وضاقَ المُقامُ بنا يا ولدي،
فما لنا و"للصبر الجميل" ؟
فهيا بنا للرحيل!"
وعندما بلغنا الوصيدا،
قالت لي: "يا ولدي لا تَحزنْ،
إِللّي ما يريدكْ لا تريدَهْ "،
هَمستْ: " يا حافرَ البير "
"بربكَ قلْ لي لهذا سببْ؟ "
ورَحلنا ...
وقبلَ رَحيلِها الأخيرْ،
قالتْ لي أمّي،
والقلبُ كسيرْ :
" أحنّ إلى العراق يا ولدي،
أحنّ إلى نسيمِ دِجلة
يوشوِشُ للنخيلِ،
إلى طينها المِعطار
إلى ذيّاك الخميلِ،
بالله يا ولدي،
إذا ما زُرتَ العراقْ
بعدَ طولِ الفراقْ
قبّلِ الأعتابْ
وسلم على الأحبابْ
وحيّ الديار
وانسَ ما كانَ منهم ومنّا!"
* * *
هذه الليلة، زارتني أمّي
وعلى شـفتيـها عتابْ:
"أما زرت العراق بعدُ ؟
أما قبّلتَ الأعتابْ؟"
قلت: "واللهِ يا أمّي،
لِي إليها شوقٌ ووَجْـدُ،
ولكن "الدار قفرا، والمزار بعيدْ "،
ففي كلِّ شِبر منَ العراقِ لَحدُ
ومياهُ دجلةَ والفرات، كأيامّ التتار
تجري فيها دماءٌ ودموعُ
تحطّمت الصواري وهوتِ القلوعُ
فكيف الرجوعُ؟
أماه، ليس في العراق اليومَ
عزّ ومجدُ،
لم يبق فيها
سوى الضياعِ والدموعْ!
أماه، كيف أزورُ العراق؟
أما ترين كيف يُنْحرُ
عراقنا الحبيبْ،
من الوريد إلى الوريدْ؟
خبّـريني بالله يا أمي !
كيف أعودُ ؟
ولمنْ أعودُ !
ونحنُ يهودُ ؟؟؟

بماذا يتميز كتاب الذكريات "بغداد حبيبتي"؟
حين ينتهي الإنسان من قراءة حلقات هذا الكتاب, سيجد نفسه أمام عدد من المزايا المهمة التي يمكن بلورتها بالآتي من النقاط المهمة:
1.   يضعنا الكتاب أمام ذاكرة شابة, حية ونشطة وهادفة في آن, يجمع بين الحنين للماضي وحقائق الوضع الراهن, وبين الحزن والفرح, بين الجد والهزل, بين النكتة الساخرة والوخز الناعم غير المؤذي, بين الحب والكراهية, الحب للعراقيات والعراقيين, والكراهية لمن تسبب في تلك الهجرة القسرية اللعينة وما يعاني منه الناس في الوقت الحاضر.   
2.   والكتاب يعكس المستوى الثقافي الرفيع للكاتب والأسلوب الشيق والسهل الممتنع في التعبير عن مكنوناته ويقدم مزاوجة جميلة مدركة لأهمية علم النفس الاجتماعي في استعادة الذكريات مرَّها وحلوها.
3.   الكتاب مليء بالحب الصادق لبغداد والرغبة في زيارتها واستعادة الذكريات في أهم المناطق التي عاش فيها الكاتب.
4.   وهو ليس مجرد سرد لذكريات أصبحت من الماضي البعيد الذي لا يعود, بل يجسد ذكريات حية لدى الكاتب والقراء والقارئات وكأنها حصلت بالأمس لا غير, رغم إنها بالقطع لن تعود.
5.   كما إنه ليس مجرد ذكريات بل هي مزاوجة ناجحة بين الماضي والحاضر, بين الذكريات والدروس التي يمكن استخلاصها منها, إنها جمع بين الحنين الجميل والألم الدفين وعدم القدرة على العودة إلى مواقع الذكريات, وهي تمس شغاف القلب وتحاكي العاطفة أولاً وقبل كل شيء ولكنها تستخدم العقل والمنطق في الطرح والمعالجة.
6.   والكتاب يحمل في طياته الكثير من النصوص التي يُطلق عليها بالـ "إخوانيات" المليئة بالود والشوق للأصدقاء أو لمن ذهبوا ولن يعودوا!
7.   حين يكتب سامي عن بغداد وعن الحب وعن نهر دجلة تشعر بأصالة عراقيته وعمق وعيه بما يكتب رغم مرور أكثر من ستة عقود على مغادرته بغداد. فاللغة التي يستخدمها تجسد عشقه لها وعشقه وحنينه لمياه دجلة والفرات. يتحدث عن حياته وعلاقاته بالناس وبالعلم والدراسة ويضعنا أمام دأبه في العمل ومنجزاته العلمية ببساطة ووضوح بما يدفعنا للتدقيق في ما نكتب ونعمل.
8.   والكتاب يتنقل بقرائه وقارئاته بين بغداد والقدس ولندن وامستردام وبوخوم بألمانيا ومدن كثيرة أخرى. وبين هذه المرأة العراقية التي التقى بها صدفة في مكتبة وذلك العراقي الذي نشر قصيدة مليئة بالمودة والاعتزاز بسامي موريه وتقديراً له. إنها رحلة جميلة وممتعة بين عوالم كثيرة بين الأدب والتاريخ وعلم النفس والاقتصاد, وهو أسلوب جديد في نحت الذكريات.
9.   والكتاب لا يعتمد على ذكرياته الخاصة, بل ينقل إلينا ذكريات يهود العراق, حياتهم وعاداتهم وتقاليدهم, افراحهم وأتراحهم وعلاقاتهم بالعراقيين في المدرسة والشارع ومحلات السكن, في السوق التجاري وسوق الصيارفة وسوق البزازين, كما ينقل إلينا ذكريات آخرين وردت في كتبهم, كما في كتاب "يومان في حزيران" للكاتب إسحق بار-موشيه حيث استطاع آخرون تصوير مأساة وپوغروم (Pogrom) الفرهود ضد اليهود في العام 1941,  أو حين يتحدث عن الكاتب والصحفي المبدع أنور شاؤل أو الكاتب مير بصري.       
لو حاولنا أن نمر على الفقرات التي يتحدث فيها عن الفرهود, وله في هذا الموضوع أكثر من كتاب ومقال وبحث, يجد الإنسان في ثنايا الكتاب اللوعة الشديدة والمرارة الساحقة لما حدث من أناس كان المفروض ان يمارسوا الحماية لمواطنيهم أياً كان دينهم أو مذهبهم أو قوميتهم. وهو لا يوجه الاتهام لكل العراقيين, بل يؤكد بوضوح على من قام بذلك. كتب في الحلقة السابعة تحت عنوان من المسؤول عن الفرهود ما يلي:
"بدأت مذبحة الفرهود في يوم 1 حزيران في باب الشيخ من قبل الأكراد الشيعة الفيلية بعد أن دس المفوض الألماني فريتز غروبه سمومه النازية وحرض ضد اليهود وبث دعايته العنصرية بين أفراد الشعب والجيش العراقي خلال عدة أشهر مما هيأ الأجواء للإيقاع بهم. ثم جاء اندحار الجيش العراقي، الذي ضمّ بعض الأطباء والضباط اليهود، أمام القوات البريطانية ورفض "مختار محلة الكريمات" السفير البريطاني السر كننهام كورنواليس السماح للجيش البريطاني المحتل بدخول بغداد وإن كانت تقع على عاتقه مسئولية الحفاظ على الأمن فيها. (أنظر، سلمان درويش، كل شيء هادئ، ص 60-62). إذا فالألمان النازيون والانكليز الذين خدمهم اليهود حتى أصبح الشعب العراقي يرى فيهم متعاونين مع الأجنبي المحتل البغيض، هم المسئولون عن مذبحة الفرهود. هؤلاء الإنكليز خانوا العرب ومن ثَمّ خانوا اليهود في العراق ورموهم فريسة لكل من اشترى حطام الدنيا بالآخرة فقتلَ اليهود ونهبَ أموالهم "احتسابا" في الفرهود. أما الأتقياء منهم فقد راعوا الذمة وحموا الذمار، بل ضحوا بحياتهم لحماية جيرانهم اليهود. فالذين شاركوا في مذبحة الفرهود بالقتل والنهب كانوا من صغار ضباط الجيش والشرطة والرعاع والمجرمين الذين باعوا آخرتهم بدنياهم، هؤلاء هم المجرمون الذين شاركوا النازيين والانكليز في نكبة العراق حين ثأر اليهود لشرفهم ولكرامتهم التي أهدرت".  ورغم صواب هذا التشخيص العام, فأني أجد فيه حكماً قاسياً حين يشير الكاتب إلى إن المذبحة بدأت من قبل الكرد الفيلية الشيعة. من الممكن أن يكون بعض الكرد الفيلية قد شارك بذلك, ولكن الغالبية والأساس لم يكن الكرد الفيلية ولا العرب الطبيعيين بل المؤدلجين من الجماعات التي تربت على  الفكر النازي والكراهية لليهود. فالعلاقات بين اليهود والكرد الفيلية كانت طيبة واعتيادية ولم تكن مبنية على العداء.   
كما إن الكاتب يعود وبصواب يؤكد "أما الأتقياء منهم فقد راعوا الذمة وحموا الذمار، بل ضحوا بحياتهم لحماية جيرانهم اليهود."     
أما الأستاذ موريه فلدي القناعة بأن فاتته المعرفة التفصيلية والمدققة بطبيعة شخصية رشيد عالي الكيلاني, وكذلك بشخصية يونس السبعاوي, مفكر المجموعة التي نفذت الانقلاب ومجموعته المسماة فدائيي يونس السبعاوي. فاسم يونس السبعاوي السري في حزب الشعب, الذي تأسس بمبادرة من الحاج محمد أمين الحسيني, مفتي الديار الفلسطينية, ورشيد عالي الكيلاني ومجموعة الضباط الأربعة, كان فرهوداً. وهذه المجموعة هي التي شاركت بفعالية مع نادى المثنى بن حارث الشيباني وبالتنسيق والتعاون الكثيف مع فرتس غروبه في عملية التثقيف بالفكر النازي والعنف والكراهية لليهود. واقترح على الأستاذ موريه إعادة النظر بالمقطع التالي:
"وشهد بنزاهة الوزير يونس السبعاوي في معاملته لليهود حتى في آخر يوم أو يومين قبل الفرهود وبعد فرار الكيلاني إلى تركيا، إذ أمر بدفع ثمن 400 "صوبة" (مدفأة) اشتراها الجيش العراقي من والده بالرغم من عدم وجود وصل بيده سوى اسم ضابط برتبة ملازم بقسم التجهيزات العسكرية وبالرغم من علمهم بأنه يهودي، فقد سمع الضباط يقولون عنه: "إنه يهودي ولا يأكل طعامنا!"، ومع ذلك فقد ناداه يونس السبعاوي وقال له: ”هاك الوصل، ومع السلامة!". إذن، تاجر يهودي يدخل وزارة الدفاع، عرين الحكومة التي ألقيت عليها تهمة مجزرة الفرهود والتي فرّ أعضاؤها ما عدا السبعاوي، يعطيه هذا الأخير الوصل عن بضاعة اشتراها الجيش العراقي في مثل هذه الفترة الحرجة، ولم يسخروا منه ولم يهينوه بل أكرموه واحترموا محافظته على التقاليد اليهودية؟ هل كان يحدث مثل هذا في وزارة الدفاع في المانيا النازية أو أية دولة أوربية متحضرة في أثناء الحرب العالمية الثانية؟ إذن، كيف نستطيع حل هذا اللغز؟ فهذه الشهادات تؤكد أن رئيس الوزراء، الكيلاني، وأحد وزرائه من كبار النازيين في العراق والذي ترجم كتاب "كفاحي" لهتلر ومن الذين اعدموا شنقا فيما بعد وهو يونس السبعاوي، قد تصرفوا في تلك الظروف العصيبة بشهامة وإباء لا يملكهما سوى عراقي أبِيّ النفس عزيزها. إذن، فالنازية التي تمسخ الأوربي إلى وحش كاسر ومن زبانية الجحيم، لا تنال من إنسانية العراقي الشهم الأبي الذي يدافع عن كرامته أمام مستعمري وطنه! وخير دليل على ذلك هو أنه لم يقتل يهودي واحد أثناء حكمهم العراق إلى يوم 31 أيار، 1941. "   لا يمكن مقارنة حالة التاجر مع جريمة الفرهود التي لم تكن حادثة عفوية, بل كانت هادفة ومنظمة من قبل أتباع قادة النظام وحزبهم السياسي السري وجماعة نادي المثنى وفرتس غروبة ورغبتهم المشتركة في الانتقام لنكسارهم العسكري وفقدانهم قاعدة أساسية لنشاطهم في المنطقة.   
ورد في كتابي عن يهود العراق ومحنة المواطنة بهذا الصدد ما يلي:
"انتهت الحركة الانقلابية بمغادرة مجموعة القيادة العسكرية والسياسية البلاد, ولاسيما القيادة الحزبية التي قادت العملية سياسيا وعسكرياً، وكانت تقف على رأس الحركة أثناء العمليات العسكرية بين القوات البريطانية والقوات العراقية. وعقد آخر اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة رشيد عالي الگيلاني في 27 مايس/أيار من عام 1941. ثم صدر عنه القرار رقم س 3646 بتاريخ 28/5/1941 القاضي بتشكيل ( لجنة الأمن الداخلي في العاصمة والطوارئ ) حيث تم انتخاب أمين العاصمة رئيساً لها. وهي اللجنة التي وقعت اتفاقية الهدنة مع القوات البريطانية، والتي بدأت مفاوضاتها لوقف زحف القوات البريطانية على بغداد التي تمت في 31/5/1941. وفي التاسع والعشرين من مايس/أيار، غادر رشيد عالي الگيلاني بغداد، وكذلك المفتي الحاج أمين الحسيني باتجاه إيران. وكان آخر من غادر العراق من المجموعة القيادية على الأرجح، هو السياسي البارز والمتميز في الحركة الانقلابية ووزير الاقتصادي محمد يونس السبعاوي. إذ أنه واصل العمل في بغداد، وأعلن نفسه حاكماً عسكرياً لمنطقة بغداد والمنطقة الجنوبية، وطالب باستمرار المقاومة ضد القوات البريطانية. ولكن لجنة الأمن الداخلي، استطاعت إقناعه بعدم جدوى المقاومة، وطلبت منه مغادرة البلاد باتجاه إيران . ثم بدأت بعدها التفاوض مع القوات البريطانية لغرض إعلان شروط الاستسلام. وعلى أثر ذلك حلت كتائب الشباب، ومنها مجموعة الدفاع عن السبعاوي (حرس السبعاوي-الفدائيون) . وجدير بالذكر هنا أن السبعاوي، عمد إلى تشكيل ثلاث منظمات شبابية شبه عسكرية لحمايته، والدفاع عن الحركة الانقلابية، والتصدي للقوات البريطانية الزاحفة صوب بغداد، وهي (كتائب الشباب) و (الحرس الحديدي) و(فدائيو يونس السبعاوي) . وهذه الكتائب كانت في طليعة القوى التي هاجمت اليهود، ونفذت فاجعة الفرهود في بغداد".
من المهم أن نتابع ما ورد في ذكريات موريه عندما نقرأ في مذكراته رؤية ورد فعل الصبي موريس حول ما حصل في جريمة الفرهود حين دعي لرفع العلم العراقي في مصيف سرسنك بكردستان العراق:
"  بدأت جراح الفرهود تلتئم رويدا رويدا، أو هكذا خيّل لي. خرجنا صيف عام 1947 نخبة من طلاب المدارس اليهودية في بغداد، من مدرسة فرنك عيني وشماش والمتوسطة الأهلية في مخيم للكشافة شمال العراق نتمتع لأول مرة بمشاهدة جمال جبال شمال العراق وينابيعها وبساتينها في مصيف صلاح الدين والسولاف وسرسنك وزاخو وساندور وغيرها من المدن الكردية الشمالية الرائعة الجمال بجبالها السامقة بحللها الخضراء وجداولها الرقراقة وطيورها المغردة بين أشجارها التي تنوء بثمارها. وبعد أن نصبنا مخيمنا في سرسنك ناداني أستاذ الرياضيات نوري منشي (واليوم يوجد شارع يحمل اسمه في طيرة الكرمل غرب سفح الجبل الأشم وشارع آخر في بيتح تكفا ("ملبس" حسب اسمها أيام الانتداب البريطاني) يحمل اسم الكاتب "سمير نقاش") وقال لي: "اذهب مع موريس شماش لرفع العلم على الصارية!". أخذت العلم العراقي وأنا مبتهج بهذا الشرف العظيم الذي حظيت به. أمسك موريس الحبل بيده لرفع العلم ووقفتُ وقفة استعداد مع تحية كشـفية وأنشدت تحية العلم العراقية:
دُمْ عَلى هَامِ العُلَى يا عَلَمُ              خافِقًا تَحْمِيكَ بِيضٌ خُذُمُ
بدأ موريس يرفع العلم وظننت أنه يردد معي النشيد، أرهفت سمعي فإذا به يردد باللغة العبرية: "ويِزّاح ويِمّاح" (لـِيُـزَحْ وَلْـيـُمْـحَ)، لم أصدق ما سمعته وصحت غاضبا وتقدمت لأصفع موريس: "يا حمار، يا مجنون! ماذا تقول؟ هذا علمنا يا خائن! أتهين العلم!" امتقع وجه موريس واغرورقت عيناه بالدموع وصرخ في وجهي: "أتقول هذا علمنا؟ لو كان علمنا لما اغتصبوا أمي وأختي وقتلوا والدي أمام عيني لأنه دافع عن عرضه. هل اغتصبوا أمك وأختك وقتلوا أباك أمام عينيك يا ابن البتاويين؟ تعال اضربني تعال! تعال! هل سمعت صراخ والدك وهو يذبح أمام عينيك وتوسلات أمك وأختك طلبًا للرحمة؟ هل رأيت الشيخ الذي قطع رجلي جارنا الطفل الرضيع بحجليهما الذهبيين وسار في شارع غازي كالمنتصر الفاتح وهو يجلجل بجلاجل حجلي الذهب مترنمًا:
"اشحلو الفرهود لو أيعود يومية،   يا يُمّـا  ويا يابا!
قل لي هل رأيتهم؟ من هو الخائن يا سامي، نحن أم هم؟ ألم نخدمهم كالعبيد ونسكت على ما صنعوه بنا؟ هل تعرف معنى عار الاغتصاب واليتم، هل تعرف؟" صعقتني كلمات موريس وغامت الدنيا في عيني وتجللت سماء سرسنك بالغيوم السوداء وتساقطت قطرات دم عذراء من العلم الذي توقف عند منتصف الصارية. شعرت باليأس والوحدة والضياع وصحت بموريس شماش: "كفى بربك! كفى! تعال نعود إلى معسكر الكشافة." لم أنم الليل بطوله وكان موريس يبكي ويئن ويقول: "اغتصبوا أمي وأختي وذبحوا أبي ويريد ابن البتاويين ضربي!" كنتُ قد سمعت في حينه عن مثل هذا الاغتصاب من بعض الأصدقاء وكتب عن مثل هذه الحادثة فيما بعد الأديب المحامي نزيل الدنمرك نور الدين وهب في قصته الواقعية التي تقشعر لها الأبدان "هتلر في الإبريق". بقيت حائرا متسائلا: لماذا حدث الفرهود؟ ومن هو المسئول عنه؟؟؟". 
يتناول البروفيسور موريه موضوعات كثيرة في كتاب الذكريات والسجون فيعرج بوعي على ظاهرة سلبية ابتلى بها الشرق عموماً والعربي خصوصاً, ظاهرة قتل المرأة "غسلاً للعار ودفاعاً عن الشرف!", وتصور الإنسان إنها انتهت, وإذا بها تعود اليوم وكأن المجتمعات العربية تعيش في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وكذلك عن الحب. ومن يتابع أخبار قتل النساء وانتحارهن القسري يؤكد عودة العراق مئة عام إلى الوراء اجتماعياً وأكثر من سبعة عقود اقتصادياً وصناعياً وزراعياً. كتب موريه بأسلوب ساخر قائلاً:
"فالعشق المسيحي هو عشق روحي أنثوي، أما العشق المسلم فهو عشق فحولي ذكري كما قال الفيلسوف الألماني نيتشه مؤلف كتاب "هكذا قال زرادشت" دعا فيه إلى الإنسان الأعلى. أما الحب الجسدي فقد كان كما روى الأستاذان نعيم قطان ونسيم رجوان في مذكراتهما، بأنه كان يشترى في مواخير المدينة، بؤرة الفساد التي يجول ويصول فيها الشيطان صباح مساء، ويقف رجال الشرطة على بابه يفتشون عن السلاح المخبأ في جيوب الرجال، سنوات طويلة قبل أن يبتكر الفدائيون تفجير أنفسهم في المطارات والأماكن العامة انتقاما لشرف المسلمين الذي انتهكه الإستعمار والحضارة الحديثة التي تخشى من الموت، فخربوا الثقة والأمن بين الناس. أما أيام زمان فقد كان التفتيش لأجل الحفاظ على حياة من كن ينعتن باللقب المشين "البغايا" هؤلاء المسكينات ضحية المجتمع الفاسد المعلق فوق رءوسهن دوما حكم رجال العشيرة بالإعدام طعنا بالخناجر حتى الموت، حذرا من أن أحد أفراد العائلة المنكوبة في شرفها قد يقدم على القتل لغسل عار العائلة، وعند ذلك فقط تبدأ زغاريد النساء ورقصات "جوبي" الرجال ولعلعة الرصاص في الفضاء مبشرة بتطهير الشرف من أدران عار الجسد النسائي المباح بيد الشرق الذي استعبد المرأة في تقاليد بالية تجعل جسدها ملكا لرجال الحمولة والعشيرة. فشرف العائلة يكمن بين "فخذي حريم" العشيرة كما قال لي محاضر شجاع من جامعة بير زيت، ولأن "الجدار المقدس" خلقه الله وعلى الفتاة عبء الحفاظ عليه مهما كلف الأمر وإلا فرجال العائلة "تعرف شغلها". أما في صعيد مصر، فكما يقول عبد الرحمن الشرقاوي في روايته "الأرض"، فيقف الأب الغيور على عتبة مخدع العروسين منتظرا أن يرمي العريس بالمنديل المضرج بدم البكارة ليبشر له بقدوم الفرج وبأنه يستطيع تناول الطعام والفطور أخيرا، فقد بيضت الحلوة وجهه ولا يحتاج إلى توجيه رصاصة الى رأس ابنته إذا حدث، لا سمح الله، أنها فقدتها في حادثة أو أنها ولدت بدون جدار مقدس. قال لي ناحوم من مدرسة فرنك عيني وهو يضحك بأسى "البوحي (البارحة) تزوج ابن عمي وعغوصو (عروسه) طلعت منقوبه، ورجعناها البيت أبوها!" فقد أعادوا السلعة "المعيوبة" إلى صاحبها، خاطر يعرف شغلو وياها بدون سؤال وجواب، والله خوش منطق وخوش شرف."  وهو يتحدث مع أديبة عراقية فيقول:
تكرر الأديبة التي تجري المقابلة معي لتوقظني من سرحة أفكاري إلى الماضي بسؤالها المحرج: "أستاذ! حبيت بالعراق مسلمة؟"، لا شك إنها تربت بعد هجرتنا ولم تسمع بالتحذيرات الثلاث التي كانت أمهات الأطفال اليهود يرضعنها لأبنائهن مع حليبهن: "لا تطلع للدغب تغا يضغبك المسلم، لا تعلي عينك على المسلمية تغا والله يذبحوك، إذا كفغ المسلم ابدينك، أحسن لك اسكت ولا تجاوب" (لا تخرج الى الطريق فإن المسلم سيضربك، لا ترفع عينيك إلى فتاة مسلمة فإن أهلها سيذبحونك والله، وإذا كفر مسلم بدين اليهود من الأفضل أن تصمت ولا تجبه!.).
كان للمثقفين العراقيين دورهم في العودة إلى دراسة وتقييم تاريخ يهود العراق ودورهم في الحياة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والعامة بالعراق خلال مئات السنين, ولكن وبشكل خاص حلال العهد الملكي وبين 1921-1952 ومن تبقى منهم بعد ذلك وغادر العراق في أوائل السبعينات. وصدرت العديد من الكتب في هذا الصدد. ونجد للكاتب والناشر مازن لطيف دور ثقافي وإنساني مهم في هذا الصدد. وتسنى لي أن أنشر كتاب "اليهود والمواطنة العراقية: أو (يهود العراق بين الأسر الجائر والتهجير القسري الغادر) بطبعتين في عامي 2005 و2008. والآن أعمل على تحديث وتوسيع وإضافة موضوعات جديدة للكتاب, ويطبع طبعة أولى ببيروت خلال الأشهر الستة القادمة.
لا شك من يقرأ الكتب الصادرة عن يهود العراق سيشخص التباين الكبير بين الكتاب في مواقفهم من اليهود وهجرتهم القسرية, ولكن وبشكل عام يمكن القول بوجود موقف إيجابي سليم من الغالبية العظمى من يهود العراق ومن دورهم الفعال في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإبداعية. ومن بين من تصدى لدور اليهود العراقيين شعراً هو الأخ الفاضل الأستاذ الدكتور جبار جمال الدين في عدد من قصائده العمودية والنثرية, وليسمح لي أن أضع أمام أنظار القراء قصيدته الآتية التي عنونها "سامي، يَا مُلْهِمَ الشّعْر"ِ, والمقصود هنا صديقنا المشترك الأستاذ سامي موريه والتي نشرت على موقع الأخبار للأستاذ نوري علي بتاريخ 5 كانون الأول/ديسمبر: 
سامي، يَا مُلْهِمَ الشّعْر"ِ
نَشِـيدُ الأناشِيدِ هًذا الّذِي..     أطَلّ عَلَى مَسْمَعِي مِنْ جَـدِيدْ
أمِ العـِيدُ عِيدَانِ قـَدْ أصْبَحَا..       وَمِنْ بَعْدِ بُعْدِ وِصَالٍ فَرِيدْ
أخِي يَا نَسِـيمَ الرّبِيعِ الْبَهِيّ وَيَا هَمْسَةً في شـِـفَاهِ القصـيـدْ
لَصَوْتُكَ صَوْتُ الهِزَارِ الْبَدِيع..     يُغَنّي وَيُطْـرِبُنِي مِنْ بَعِيدِ
يَقُولُونَ: سَامِي، فـَقـُلـْتُ النّدَى وَسِحْرُ العَراقِ وَمَاضٍ تَـَلِيدِ
حَسِيبٌ نَسِيبٌ كَرِيمُ الطّبَاع ..     عَلَى مِنـْكَبـَيْهِ تـُراثٌ مَجِيدْ
فـَلاَ غـَرْوَ أنْ صِارَ فِي خَافِقِي..    مُقِيمًا وعن وُدّهِ لا أحِيدْ
يَقـُولُونَ: أنْتَ تُحِبُّ الْيَهُودَ،.. فَقُلْتُ: أجَلْ بَلْ وَأرْجُو الْمَزِيدْ
هُمُو صَفـْوَةُ اللهِ في خـَلْقِهِ..       لِهُمْ فِي الْوَفَاءِ تُرَاثٌ عَتِيدْ
أخِي، يَا ابْنَ مُورِيهْ يَا كَوْكَبًا..      يَلُمّ الشّتَاتَ وَيُدْنِي الْبَعِيدْ
تَعَالَيْتَ يَا بَيْرَقـًا فِي السّــــمَاءِ وَبُورِكْتَ مِنْ مُخْلِصٍ لاَ يَحِيدْ
سَـتـَبْقى بـِقـَلْبي بِرَغْمِ الْبِعادِ..      قـَرِيبًا قرِيبًا كَحَبْلِ الوَرِيدْ
سَـأدْعُ الإلَهَ بـِتـَوْرَاتِهِ..            بـِإنْجِيلِهِ بـِالْكِتابِ الـْـمَجِـيدْ
بِأنْ تـَلْتـَقِي فِي رَوَابِي الْعِراق..     وَتـَسْعَدُ دَوْمًا بِعُمْرٍ مَدِيدْ
فـَيَا صَاحِبِي يَا صَدِيقَ الوَفـَا..       لأنْتَ بِقـَلْبِي رَجَاءٌ وَطِيدْ
تـَمُرّ السّـنُونُ وَقـَد تـَنـْتـَهِي..    وَمَا يَنـْقَضِي وُدّ نـَا بَلْ يَزِيدْ
كَسِفـْر الْخُرُوجِ وَمَا ضَمّهُ مِنَ السّحْرِ أوْ مَا احْتَوَى مِنْ جَدِيدْ
أوِ الْتـَثـْنـِيَاتِ وَأفـْكارِهَا..      تَسَـامَتْ عَـلَى كـُلّ فـِكـْرٍ تـَلـِيدْ
أوِ الصّوَر ِ الْغـُرّ قـَدْ صَاغَهَا..      بِتـَلْمُودِهِ حزقـيالُ الرّشِـيدْ
سَتـَبْقـَى أخِي وَاحَة لِلْوَفا..         رَعَاهَا قـَدِيمًا رَجُالٌ وَصِيدْ*
   *  وصيد= الملوك
تشير نقاشات بعض العراقيين حول كتابات الأستاذ موريه وكأنه يطلب منه أن يترك دولته ويعود إلى العراق ليحمل الجنسية العراقية, والبعض الآخر يعتقد بأن كتابات الدكتور تريد كسب عطف العراقيين لأغراض في نفس يعقوب. لا يمكن للأستاذ موريه, الحاصل على جائزة الدولة في الاستشراق والمخلص لشعبه ودولته أن يتخلى عن جنسيته ويعود ليأخذ الجنسية العراقية بعد أن تجاوز عمره الـ 81 عاما, وأن يترك عائلته وأولاده وبناته وأحفاده. وهو طلب غير معقول وغير مقبول. شموئيل موريه يحب أن يزور العراق ويحن إليه وإلى أهله على أن يزوره حين تنشأ علاقات طبيعية بين البلدين في قادم الأيام وليس غير ذلك. كما إنه يكتب بصراحة وشفافية دون أن يترك مجالاً لتفسير أقواله ولا يراوغ في موقفه الدفاعي عن إسرائيل والمحب لها, ولكنه في الوقت نفسه يقف إلى جانب حل الدولتين ومعالجة المشكلات بالطرق السلمية والديمقراطية التفاوضية. وأنا أشير إلى هذا الموقف يتبادر إلى ذهني واقعاً آخر أشير إليه في أدناه:
أجبر مئات ألوف العراقيات والعراقيين افراداً وعائلات على الهجرة واللجوء إلى الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا واستراليا ونيوزيلندا وبعض الدول العربية وغيرها بهدف الخلاص من الدكتاتورية البعثية الغاشمة وإرهابها وحروبها وتجويع سكانها لسنوات طويلة في فترة الحصار على العراق. وأجبر هؤلاء على البقاء أكثر من عقدين أو حتى أكثر من ثلاثة عقود في الشتات العراقي. وحين سقط النظام عاد القلة من العراقيات والعراقيين, ولكن أجبر كثرة من الناس على مغادرة العراق بسبب طبيعة النظام القائم على المحاصصة الطائفية السياسية والأثنية, وبسبب الإرهاب والفساد والبطالة. وأصبح الآن ما يقرب من اربعة ملايين إنسان عراقي يعيشون في الشتات. ونسبة عالية منهم لن تعود إلى العراق لأسباب عدة منها:
1.   إن الأوضاع في العراق لم تستقر وما تزال تهدد الإنسان في حياته ورزقه كما حصل لعشرات الألوف من العراقيين خلال السنة العشرة المنصرمة سواء أكانوا من المسيحيين أم الصابئة المندائيين أم الإيزيديين أم من أتباع المذهبين السني والشيعي في الإسلام بسبب التمييز الديني والطائفي السياسي وبسبب الإرهاب والفساد المالي والإداري والحزبي, وبسبب البطالة وغياب مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية.
2.   إن الكثير من العراقيات والعراقيين اكتسبوا جنسيات جديدة بالوطن الثاني الجديد الذي احتضنهم كلاجئين كرام أو كعاملين أو قدم لهم المساعدة الاجتماعية للعيش الكريم. ودخل أبناء وبنات هؤلاء في المدارس والجامعات وتوظفوا في تلك الدول ولم يعد يشدهم إلى الوطن سوى الحنين لمرابع الطفولة والصبا. وهم لا يطمحون أكثر من القيام بزيارة الأقرباء والعودة إلى وطنهم الجديد الذي احتضنهم ووفر لهم أسباب العيش الكريم والسعادة وعدم الخوف من المستقبل.
3.   شعور المواطن والمواطنة بالحرية والديمقراطية والتمتع بحقوق الإنسان واحترام كرامة الإنسان في وطنهم الجديد, في حين ما زال وطنهم الأصلي لا يوفر لهم الأمن  الاستقرار والبقاء على قيد الحياة, كما يوفر لأطفالهم كل أسباب الدراسة والتقدم في العمل والحياة. وعلينا أن نقرأ ما يصرح به من ذهب إلى العراق وعاد بخفي حنين من أصحاب الكفاءات بسبب الجفوة والإهمال الذي جوبهوا به من المسؤولين وعلى مختلف المستويات.
وإذا كان هذا حال العراقيات والعراقيين الذين هجروا البلاد طوعاً أو هرباً من مآسي وكوارث البلاد في فترة حكم الدكتاتورية البعثية والدكتاتور الشمولي صدام حسين وفي فترة الحكم الطائفي السياسي والإرهاب الدموي والتمييز والفساد والبطالة والفقر, فلماذا نطالب البروفسور سامي موريه وغيره من يهود العراق إلى التخلي عن جنسيتهم الإسرائيلية بعد أن طردوا من العراق شر طردة وحرموا من وطنهم وممتلكاتهم المجمدة حتى الآن, أن يعودا إلى العراق ليأخذوا الجنسية العراقية التي لا تقدم لهم الأمن والاستقرار والكرامة. والأستاذ موريه على حق كبير حين يقول بأنه مستعد لزيارة العراق حين يكون الوضع طبيعي بين الدولتين وحين يسود السلام وحين يغيب الاستبداد والتمييز الديني والمذهبي والقومي من أرض العراق ويبتعد حكام العراق عن مصادرة حقوق الإنسان وحقوق المواطنة.       
هناك الكثير الذي يمكن كتابته عن كتاب بغداد حبيبتي وعن مؤلف الكتاب وكتبه وكتاباته الأخرى, ولكن أفضل أن أوجه الدعوة للقراء والقارئات أن يقرأوا هذا الك

173
كاظم حبيب

المأساة والمهزلة في آن حين يكون الحاكم مستبداً و... !!


استبداد الحاكم كارثة تصيب المجتمع, والحاكم الجاهل هو الآخر يشكل كارثة أكبر على المجتمع, ولكن إذا اجتمع الاستبداد والجهل في حاكم واحد فهي المأساة والمهزلة في آن, وهي الكارثة الأعظم التي تصيب شعب ما وبلد ما. وهو ما نحن فيه بالعراق في الوقت الحاضر.
والمأساة الأكبر إن من يحيط بالحاكم الجاهل المستبد لا يختلفون في شيء عن سيدهم, فما العمل؟ والشاعر العربي يقول:
إذا كان رب البيت بالدف ناقر فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
الحاكم المستبد يهيمن على السلطات الثلاث والسلطة الرابعة ويحتكرها لنفسه ويخضعها لقراراته النفعية والارتجالية ويجعل من يعمل فيها إمعات تسبَّحُ بحمدهِ وتصلي له بكرة وأصيلا ويقضي من يمتلك العلم والمعرفة والخبرة الضرورية للحكم. والحاكم الجاهل يعتقد أنه يعرف كل شيء ولا حاجة لرأي ونصائح الآخرين, فهو العالم الذي منحه إلهه كل شيء وليس بحاجة إلى أحد. وحين يجتمعان في حاكم واحد, على المجتمع أن يقرأ السلام على مستقبله حين يعجز عن إقصاء الحاكم الذي أقصى أو ابعد المجتمع كله وكلية من دائرة الحكم.
قبل سنوات أربع, وبالتحديد في العام 2009 هدد الحاكم بأمره محافظ البنك المركزي بأنه سيكون الذي يتصرف بأموال البلاد والعباد, بالاحتياط الموجود في البنك المركزي حين رفض محافظ البنك المركزي أن يستجيب لإرادة ورغبات الحاكم الجاهل بأمر الاقتصاد والمال والدستور وقانون البنك المركزي. كان ذلك في اجتماع للجنة الاقتصادية الوزارية في العام 2009 حين تجرأ محافظ البنك المركزي, وهو العالم الاقتصادي والمتخصص بالشؤون المالية, علناً أن يقول للحاكم المستبد بأمره بأنه كمحافظ للبنك المركزي يلتزم بالدستور والقانون ولا يمكنه التصرف باحتياطي البنك المركزي لما يرغب به رئيس الوزراء, وإن شاء الأخير ذلك فما عليه إلا أن يغير الدستور وقانون البنك المركزي. فتوعد رئيس الوزراء وهدد المحافظ علناً. ونفذ وعيده وتهديده بإبعاد محافظ البنك المركزي بعد ثلاث سنوات وطلب اعتقاله وفريق العمل في البنك بمن فيهم نائب المحافظ والسيدة المعتقلة حتى الآن التي رفضت الخروج بكفالة لأنها لا ترى نفسها مذنبة وإن ما جرى حتى الآن يناقض الدستور وقانون البنك المركزي.
النتيجة المنطقية لعمل الحاكم الذي جمع الاستبداد السياسي والجهل بأمور الاقتصاد والمال الذي فرط بفريق عمل يملك العلم والمعرفة والتجربة الغنية على الصعيد الدولي والمحلي وأتى بفريق على رأسه من لا يفهم بكل ذلك, إضافة إلى اختيار الحل الأمني بدلاً من الحلول السياسية للمشكلات القائمة والفوضى الراهنة وغياب الاستقرار وبدء تفاقم الإرهاب ..., أن بدأ سعر الدينار العراقي يتدهور مقابل الدولار الأمريكي وبقية العملات الصعبة. وحسب المعلومات المدققة فقد انخفض سعر الدينار العراقي مقابل الدولار 8% خلال الأشهر الأخيرة, أي بعد أن مارس الحاكم بأمره قرار طرد واعتقال فريق العمل الفعال في البنك المركزي. وقد نشأ هذا لأسباب كثيرة منها قلة المعروض من الدولار الأمريكي مقابل الطلب المتزايد عليه. وقد أكد ذلك "رئيس مجلس إدارة مصرف الشمال وللاستثمار والتمويل نوزاد داوود الجاف في حديث إلى (المدى برس)، إن "البنك المركزي العراقي لم يلب احتياجات السوق العراقية من العملة الصعبة منذ أكثر من خمسة اشهر"، مبينا أن "اكثر من ثلي الاحتياجات تلبيها البنوك المحلية ما يحدث ارباكا كبيرا ما بين التجار والبنوك". وبين الجاف أن "قسما كبيرا من السياسيين ومسؤولي البنك المركزي يؤكدون أن احتياجات العراق من العملة الصعبة تتراوح بين 85 الى 90 مليون دولار باليوم لكن في الحقيقة السوق بحاجة الى اكثر من 250 وتصل الى 300 مليون دولار يوميا". وأكد الجاف أن "هذا الكلام لم يأت من دون مستندات او اثباتات"، موضحا ان " أغلب المواطنين يستبدلون الدينار العراقي بعملة الدولار وهذا احد الدلالات على احتياج السوق إلى الدولار". (المدى, المدى بريس, مصارف أهلية عراقية: البنك المركزي لا يوفر إلا ثلث احتياج السوق من الدولار ويرضخ لضغوط سياسية وإعلامية. نشر بتاريخ 7/4/2013)
ماذا يعني ذلك بحساب الفرد والمجتمع؟ إنه يعني انخفاض القوة الشرائية للدينار العراقي وتدهور في مستوى معيشة الفرد العراقي, وخاصة ذوي الدخل المحدود, ويعني زيادة في التضخم الذي استطاع الفريق المعزول السيطرة عليه بشكل مناسب والحفاظ على سعر صرف الدينار الواحد بحدود 1180 دينار عراقي للدولار الأمريكية الواحد, ويعني الكثير ...
وقد أجبر هذا الأمر أن "دعا صندوق النقد الدولي البنك المركزي العراقي إلى "اتخاذ تدابير تدريجية نحو تحرير عرض النقد الأجنبي من خلال المزادات التي يقيمها البنك وذلك حتى لا تتكرر الاضطرابات التي تعرضت لها السوق المالية في العام الماضي". والتي ما تزال مستمرة ومتفاقمة.
إن الحاكم العاقل حين يدرك الخطأ الذي ارتكبه بإخلاله باستقلالية البنك المركزي وتفريطه بالمسؤولين عن إدارته وعين مكانهم من لا يمكنه أداء المهمة بشكل مناسب, أن يتراجع عن مواقفه ويعيد الأمور في البنك المركزي العراقي إلى مجاريها الطبيعية. ولكن أين نحن من هذا! فالحاكم المستبد و ... فإن من طبيعته وسلوكياته اليومية هو الإصرار على ما ارتكب من أخطاء إذ تأخذه العزة بالإثم وتهيمن عليه وتدفع به ليواصل المسيرة المدمرة إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم. فليس هناك في العالم كله من هو أعلم منه, وهكذا هو شأن المجانين إذ يرون إنهم الأعقل وبقية الناس مجانين.
11/4/2013                                                    كاظم حبيب


174
كاظم حبيب
هل من سبيل لإيقاف العدوانية الإجرامية في السياسة العراقية؟
تزداد يوماً بعد آخر عدوانية الممارسة السياسية بالعراق. هذه العدوانية الصارخة التي تحولت منذ سقوط الدكتاتورية الغاشمة إلى ممارسة يومية للكثير من القوى السياسية من أصحاب المليشيات الطائفية المسلحة, ولم تعد تقتصر هذه الممارسات الجبانة على التنظيمات الإجرامية التي تقودها قوى القاعدة أو البقايا المريضة والبائسة لقوى البعث الصدامية, بل أصبحت تمارس ومنذ سنوات من قبل كتل وقوى سياسية تشارك في العملية السياسية وتشارك بالحكم أيضاً. واختلط الحابل بالنابل, إذ لم يعد الشعب يعرف تماماً من يمارس هذه العمليات الإجرامية ولم يعد يقبل بأنها تمارس من قوى القاعدة وحليفها جماعة عزة الدوري الصدامي فقط.
في وضح النهار وبلا خوف أو وجل تقوم جماعة يقدر عدد أفرادها بين 30-50 شخصاً بالاعتداء على أربع صحف عراقية في العاصمة بغداد وهم يحملون السكاكين والخناجر والهراوات بأيديهم, يقلعون أبواب دور الصحف ويشعلون النار في السيارات ويحطمون الأثاث ويعتدون على العاملين في هذه الصحف, وليس هناك من يحميهم ويردعهم. يجبر بعض العاملين في الصحف إلى تهريب النساء العاملات في التحرير عبر السطوح لكي لا يتعرضن لاعتداءات لا يعرف الإنسان طبيعتها.
هل من المعقول أن يحصل مثل هذه الاعتداءات وعلى  أربعة صحف وفي وقت واحد وبهذا العدد الكبير من المجرمين الذين لم يقتلوا واحداً ولكنهم أهانوهم جميع الصحفيين وجرحوا بعضهم ودمروا الأثاث في وضح النهار وفي مدينة بغداد ورئيس وزرائها هو القائد العام للقوات المسلحة والمسؤول مباشرة عن قيادة قوات عمليات بغداد, وهو لا يعرف ما حصل وكيف حصل ومن قام بهذا العمل الجبان الذي كان الهدف منه إرسال رسالة استثنائية و"تأديب!" مباشر لكل الإعلاميين لكي يسكتوا ويكفوا عن الكتابة عما يجري في العراق, ولكي لا يدينوا الفساد والإرهاب , ولكي لا يتحدثوا عن المصائب الحاصلة في العراق بسبب غياب الأمن والحماية للمواطنات والمواطنين؟ هل من المعقول أن هؤلاء القتلة بعيدون عن مواقع المسؤولية؟
إن الاتهام, وبغض النظر عن الذين مارسوا هذا العمل الإجرامي الجبان بحق الصحف الأربع وبحق الإعلاميين, يتوجه إلى رئيس الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة والمسؤول الأول عن قيادة عمليات بغداد باعتباره المسؤول الأول عن حماية الشعب والإعلام من أي تجاوز واعتداء أثم على كرامة الناس وحياتهم وعملهم وحريتهم. لا يستطيع القتلة أن يمنعوا صوت الشعب من الاحتجاج والرفض لما يجري في البلاد, ولن يستطيعوا كسر إقلام الإعلاميين وحرمانهم من الكتابة. لقد قتل المجرمون حتى الآن 261 إعلامياً شهيداً واختطفوا 64 إعلامياً لا يُعرف مصيرهم حتى الآن, وجرحوا الكثير منهم, ولكن الإعلاميين لم يسكتوا ولن يسكتوا وسيواصلون المسيرة النضالية في سبيل قلع جذور الإرهاب والفساد والظلام الراهن الذي يخيم على الناس في بلاد الرافدين.
على المسؤولين في الحكومة العراقية وأجهزة الشرطة والأمن الداخلي أن يكشفوا حقيقة ما جرى ومن يقف وراء هذه الاعتداءات الآثمة, ومن هي تلك الشبيحات العراقية الجديدة أو القديمة الجديدة التي تمارس الإجرام في وضح النهار ويدعي المسؤولون أنهم مجهولون. فهل هم حقاً غير معروفين لمن هم في قيادة البلاد وعلى رأس الحكم؟
3/4/2013                      كاظم حبيب       

     

175
كاظم حبيب
الكارثة المحدقة بالعراق ... هل يمكن تجاوزها؟
من يتابع الوضع السياسي والاجتماعي في العراق يدرك بوضوح المخاطر المتفاقمة التي تهدد البلاد بكارثة تختلف تماماً عن بقية الكوارث التي مر بها المجتمع العراقي خلال العقود المنصرمة. فإذا كانت الكوارث والمآسي السابقة قد نشأت بفعل صراع بين السلطة السياسية الاستبدادية من جهة وغالبية الشعب العراقي بكل قومياته وأحزابه السياسية الوطنية وأتباع دياناته ومذاهبه العديدة من جهة أخرى, التي كلفت الشعب العراقي ما يقرب من مليون قتيل وما يقرب من هذا الرقم من الجرحى وإلى خراب اقتصادي واسع وديون ثقيلة وبؤس وفاقة في صفوف الشعب, فإن الكارثة المحدقة في هذه الفترة لم تنشأ بين السلطة السياسية السائرة نحو الاستبداد والشعب فحسب, بل إنها تتسبب في دفع الصراع الطائفي نحو الشارع العراقي وحملته أبعاداً مدمرة, إضافة إلى تشديد الخلاف واحتمال تفجره بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم, وبتعبير أدق إنها بين السلطة الاتحادية والشعب الكردي. والسياسة التي تمارسها القوى الحاكمة والتفاقم المحتدم في خلافاتها وعجز رئيس الحكومة وفريقه في الحكم وحزب الدعوة ودولة القانون عن إدارة الصراع بما يعالج المشكلات القائمة في أجواء الديمقراطية وبالاستناد إلى الدستور العراقي, بل هو يتحمل المسؤولية الأولى والرئيسية في ما وصل إليه العراق في هذه المرحلة الحرجة جداً من حياة وتاريخ البلاد.
إن ما ينتظر العراق في حال مواصلة رئيس الحكومة سياسته الراهنة الدافعة باتجاه المزيد من الاصطفاف الطائفي واستقطابه الشديد يتجسد في احتمال وقوع كارثة فعلية تقود إلى حرب طائفية مريرة في البلاد تساهم فيها ليس قوى الأحزاب السياسية الإسلامية الشيعية منها والسنية وميليشياتها المسلحة وقوى الإرهاب الدموي مثل القاعدة وجماعة عزة الدوري البعثية المسلحة فحسب, بل إنها ستسحب إليها, شئنا ذلك أم أبينا, أبناء الشعب من أتباع المذهبين في الإسلام, الشيعة والسنة, وستقود إلى موت ودمار هائلين لم يشهد مثلهما العراق, إنها ستكون أسوأ مما يجري اليوم في سوريا وأمر كثيراً.
لا بد للقوى الديمقراطية من القوميات العراقية كافة وعقلاء العراق كافة بذل أقصى الجهود لتدارك هذه المحنة الجديدة والكارثة المحدقة من خلال الدعوة إلى تشكيل حكومة إنقاذ وطني تجري في أقرب فرصة ممكنة بعد دراسة المطالب العادلة والمشروعة المتناغمة مع الدستور للجماهير المتظاهرة وإجراء التعديلات الضرورية على بعض أهم مواد الدستور العراقي وقوانين الانتخابات والأحزاب وغيرها لإجراء الانتخابات العامة في أجواء غير الأجواء الراهنة, وبعيداً عن الاحتقان الراهن الذي يمنع ممارسة سياسة هادئة وعقلانية تسهم في تحقيق وحدة الشعب العراقي.
لم يعد في مقدور رئيس الوزراء الحالي تحقيق وحدة الحكومة, فهو مفرق للصفوف بدلاً من أن يكون الجامع والموحد لها بسبب سياساته الطائفية الشيعية التي دفعت قوى أخرى إلى التخندق الطائفي السني, وهو الخطر الفعلي الراهن. وهل بإمكان قوى المعارضة لسياسات رئيس الحكومة فرض تغيير نهجه الطائفي والاستبدادي الرهن؟ هل سينجح الشعب العراقي تحقيق هذه المهمة, مهمة تشكيل حكومة إنقاذ وطني غير طائفية وتلتزم مبدأ المواطنة العراقية الحرة والمتساوية؟ هل يستطيع فرض نهج  جديد في سياسة الحكومة الراهنة ؟ إن الشعب وقواه السليمة أمام امتحان عسير ويرجو كل الخيرين النجاح والخلاص له ولهذه القوى من هذه المحنة الخانقة والكارثة المحدقة.
 27 /3 /2013                        كاظم حبيب   

176
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية
بيان عن قرار أوجلان بإلقاء سلاح مناضلي حزب العمال الكردستاني
لتنتصر إرادة السلم والديمقراطية وحقوق القوميات العادلة في الدولة التركية
وأخيراً وباتفاق مسبق مع الحكومة التركية برئاسة طيب نجيب أردوغان أعلن المناضل المقدام والسجين الأستاذ عبد الله أوجلان قراره وقرار حزبه, حزب العمال الكردستاني, بإلقاء السلاح والتوقف عن النضال المسلح والتحول صوب النضال السلمي والديمقراطي لضمان الحقوق القومية للشعب الكردي في إقليم كردستان تركيا. ويعتبر هذا الإعلان, الذي قوبل بتأييد شعبي واسع جداً من جانب الشعب الكردي وقواه السياسية, تاريخياً لأنه جاء بعد نضال مرير عمد بالدم والدموع واستشهاد ما يزيد عن 40 ألف إنسان كردي, دع عنك قتلى القوات المسلحة التركية, في المعارك التي دامت طوال ثلاثة عقود من السنين العجاف. لقد أعلن هذا القرار الشجاع في يوم 21/3/2013, وهو يوم احتفال الشعب الكردي والأمة الكردية في كل أرجاء كردستان الكبرى بعيد نوروز الخالد, وكانت الفرحة كبيرة شملت الناس الكرد في كل مكان كما شملت كل أصدقاء الشعب الكردي ومن وقف إلى جانب القضية العادلة لهذا الشعب,
إن الأمانة العامة للتجمع العربي لنصرة القضية الكردية التي هللت للمفاوضات بين الحكومة التركية والسياسي المناضل عبد الله أوجلان وتمنت النجاح لها, تهنئ الشعب الكردي في إقليم كردستان تركيا وكل الشعب الكردي في كل مكان وتتمنى له النجاح في مفاوضات ما بعد إلقاء السلاح للحصول على الحقوق القومية للشعب الكردي.
إن التجمع العربي لنصرة القضية الكردية إذ يدرك أهمية هذا القرار ويدرك المصاعب التي سوف تحيط بتنفيذه والوصول إلى الأهداف المنشودة للكرد, يؤكد أهمية الالتزام به من المناضلين الكرد كافة ومنع القوى المخربة, سواء أكانوا من المتطرفين والقوميين اليمينيين والشوفينيين الترك, أم من بعض المتطرفين الكرد, لتخريب هذه العملية السياسية السلمية التي بدأت لتوها.
إن الخطاب الذي ألقاه طيب أردوغان والذي رحب بقرار أوجلان واعتبره قراراً إيجابياً ومشجعاً وأكد أهمية الالتزام به, يتطلب التأكيد على الالتزام به لا من جانب المناضلين الكرد فحسب , بل ومن جانب الحكومة التركية وقواتها المسلحة, خاصة وإن تركيا شهدت ومنذ عقود كثيرة تثقيفاً متواصلاً ضد الشعب الكردي وحقوقه القومية العادلة, وبالتالي لا يستبعد أن تمارس بعض أساليب كثيرة لتخريب الاتفاق الأولي وعرقلة الوصول إلى نتائج إيجابية تخدم الشعبين الكردي والتركي وبقية القوميات في الدولة التركية.
إننا ندرك بأن تضامن الكرد في كل مكان مع هذا النضال, وخاصة الشعب الكردي وقواه السياسية في إقليم كردستان العراق وكل أصدقاء الشعب الكردي, وكذلك تضامن الرأي العام العالمي والمدافعين عن حقوق القوميات وحقوق الإنسان, قد لعب دوراً مهماً, إلى جانب النضال الحازم والصارم والمتواصل للشعب الكردي في كردستان تركيا بشكل خاص, في تحقيق هذه النتيجة الأولية المشجعة. وهذا الشعب يحتاج إلى مواصلة التضامن وبأساليب أخرى من أجل الوصول إلى النتائج المرجوة في المحصلة النهائية.   
إننا إذ نرحب بهذا القرار والموقف العام نتمنى للشعب الكردي في إقليم كردستان تركيا النجاح والتقدم على طريق تحقيق طموحات الأمة الكردية ونتقدم لهم جميعاً بالتهاني والتمنيات الطيبة بمناسبة حلول عيد نوروز, عيد الحب والحياة والسلام, عيد الربيع والازدهار والتقدم.
الأمانة العامة
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية         
أربيل في 21/3/2013   

177
كاظم حبيب
19 آذار ... يوم بغداد الدامي والدامع والمريع..

عاد المجرمون القتلة يفجرون سياراتهم المفخخة وعبواتهم الناسفة, عاد الانتحاريون الجبناء القتلة يقتلون الناس في مدارس بغداد وشوارعها وأسواقها المكتظة بالسكان الأبرياء من أبناء وبنات الشعب العراقي, عاد الموعودون الأغبياء من أسيادهم الأكثر إجراماً ومسؤولية عما يحصل يومياً بالعراق بالجنة وولدانها وحورها وخمورها!! لقد كان يوم الثلاثاء دامياً وحزيناً ومؤلماً أصاب المجتمع بالصميم وأبكاه, إذ تسببت هذه العمليات الإجرامية باستشهاد 50 مواطناً ومواطنة حتى الآن, إضافة إلى جرح وتعويق ما يزيد عن 170 إنساناً عراقياً بريئاً وفي أنحاء متفرقة من بغداد ومناطق أخرى من العراق. ولكن هل علينا أن نستغرب من عمليات القتلة المتطرفين والمناهضين لقضية الشعب والوطن؟ لا يجوز ذلك بأي حال, فهذه هي مهمة هؤلاء المجرمين القتلة الذين استطاعوا في فترة وجيزة إعادة بناء تنظيماتهم وتجديد وتوسيع وتنشيط البنية التحتية لعملياتهم والقوى الحامية لهم والمتسترة على عملياتهم والمندسة في صفوف القوات المسلحة, سواء أكان الجيش أم الشرطة أم الأمن الداخلي وقوات عمليات بغداد أم من المخبرين السريين ...الخ. ولكن علينا أن نستغرب فعلاً من دور الحكومة ورئيسها والقائد العام للقوات المسلحة والقوات المسلحة بكل صنوفها وتشكيلاتها وعملهم. إذ إن مهمة هذه الهيئات هي حماية الشعب من هؤلاء المجرمين القتلة ومن عملياتهم الإجرامية واكتشاف أوكارهم ومن يحميهم ويتستر عليهم.
إن رئيس الحكومة وحزبه ومن هم حوله مشغولون بترتيب النتائج المطلوبة للعملية الانتخابية لمجالس المحافظات والعملية الانتخابية العامة القادمة من خلال تشديد الاصطفاف الطائفي واستقطابه ومحاربة القوى المعارضة له بكل السبل المتوفرة لديه والتي سكت عنها أو سمح بها حتى الآن المجتمع الدولي, وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبقية الحلفاء له ولنظامه المحاصصي, وخاصة إيران.
لو كان لدى غالبية المسؤولين, ومنهم المسؤول الأول, قطرة حياء من الشعب المبتلى بهم وبه وبغيرهم من الحكام السيئين لاستقال من منصبه بسبب عجزه التام عن مواجهة أعداء الشعب من القتلة من أتباع القاعدة وتنظيم حزب البعث المسلح وبقية التنظيمات الحاملة للسلاح. ولكن كما يقول المثل الشعب فالحياء قطرة وليس بسطلة وقد سقطت منذ سنوات.
لا أدري كيف ينام هذا المسؤول ليله والشعب العراقي ينزف يومياً دماً ولا يجد لديه الوسائل السياسية الكفيلة بحل الأزمة سياسياً ومواجهة قوى الإرهاب. إن الرهان على الأساليب الأمنية بديلاً عن السياسة هي الجريمة التي ترتكب اليوم بالعراق وهي التي لم يستطع رئيس مجلس الوزراء استيعابها والتعامل معها. ويبدو إنه ما يزال يعتقد بأنه قدر العراقيين في أن يكون هو على رأس السلطة وأن يعاني الشعب من جراء وجوده ودوره الأمرين على أيدي القتلة المجرمين لكي تتوفر الأرضية المناسبة لظهور أو لتعجيل ظهور صاحب الزمان الحجة المهدي المنتظر!! ولا ندري هل هناك من أتباع رئيس الحكومة من يساهم بهذه العمليات من وراء ظهره لكي يعمق ويشدد ويوسع من حالة الاصطفاف الطائفي واستقطابه, بما في ذلك بعض عمليات الاغتيال في مناطق مختلفة ولقوى بعينها؟ ولكن من حقنا أن نتسائل خاصة وإن القتل متواصل والعجز متواصل وعدم اكتشاف أوكار المجرمين متواصل أيضاً.
أما القوى السياسية الأخرى المشاركة في الحكم فإنها لا تجرأ حتى الآن على اتخاذ الموقف الجريء والضروري والمناسب للمرحلة الراهنة بالانسحاب من الحكومة وإسقاطها والبدء بتشكيل حكومة جديدة تأخذ على عاتقها تصفية الأوضاع الراهنة بحلول سياسية عقلانية والتهيئة لانتخابات عامة. وعدم جرأتها يعود إلى رغبتها في عدم خسارتها لمواقعها الراهنة ومكاسبها الخاصة. إذ لا نجد سبباً معقولاً في عدم الإقدام على مثل هذه الخطوة وهم يرون كيف يموت الناس يومياً وبالعشرات والجرحى بالمئات ورئيس الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة "المهيب الركن" نوري المالكي غير قادر على إيقاف حمامات الدم الجارية حتى في العاصمة بغداد. والعمليات الإجرامية تقترب يومياً من حصنه المكين من المنطقة الخضراء, فوزارة الخارجية ووزارة العدل ليستا بعيدتين عن المنطقة الخضراء التي يتحصن بها ويترك الشعب يموت يومياً في الأسواق والشوارع والمدارس وفي الكنائس والجوامع والحسينيات وفي وزارة العدل ومدن عراقية أخرى.
إن أبرز المسؤولين من النخبة السياسية الحاكمة سادرون في غيهم وفي تركهم الشعب يموت على أيدي القتلة المجرمين. فالإرهاب والفساد هما وجهان لعملة واحدة وضحاياهما هو الشعب أولاً وقبل كل شيء, إضافة إلى عملية التنمية والاقتصاد الوطني والتطور المنشود في الخدمات والتشغيل وتحسين مستوى دخل ومعيشة الجماهير الفقيرة الواسعة. 
إن الجرائم التي ترتكب من قبل المجرمين القتلة لا ينبغي أن تدان وتشجب من قبل القوى السياسية كافة فحسب , بل يفترض المشاركة في كشفها من قبل الجميع والمساهمة في مواجهتها. ولكن يفترض أيضاً أن تدان وتشجب سياسات الحكومة العراقية ورئيسها الذي لا يسعى لحل المشكلات القائمة ويستجيب للمطالب العادلة والمشروعة للشعب لكي يوفر الأرضية الصالحة لوحدة القوى لمواجهة الأخطار المحدقة فحسب, بل يفترض العمل من أجل إزاحة من هو عاجز من موقع المسؤولية المباشرة عن توفير الحماية للشعب وخاصة الحفاظ على حياة الناس.
 والسؤال هو: هل هناك من آذان صاغية لنداءات المواطنات والمواطنين الذين يعانون الأمرين أم أن الصراع على السلطة والمال والجاه هو الموجه الأول للصراعات الدائرة في البلاد وليس مصالح وإرادة وحياة الشعب؟
وأخيراً و وبدلاً من تقديم التهاني لكل الناس بالعراق بمناسبة قرب حلول أعياد نوروز الخالد نتوجه بالتعزية الحارة والصميمية لذوي الشهداء والذكر الطيب لهم والتمنيات الخالصة بالشفاء العاجل للجرحى والمعوقين والتعزية للشعب العراقي بالخسائر الفادحة التي يتحملها بأرواح بناته وأبنائه يومياً.
العراق في 20/3/2013                      كاظم حبيب

178
كاظم حبيب
رسالة مفتوحة إلى السيد نوري المالكي رئيس مجلس وزراء العراق

السيد رئيس مجلس الوزراء العراقي نوري المالكي المحترم
تحية طيبة
استمعت يوم أمس إلى خطابكم الأخير بمدينة البصرة كما استمعت إلى أغلب خطبكم وتصريحاتكم خلال السنوات المنصرمة. وفي الوقت الذي أملت خيراً نسبياً من تسلمكم مهام مجلس الوزراء مع تحفظ أساسي هو كونكم رئيس حزب إسلامي شيعي طائفي لا يمكن إرساء دعائم دولة ديمقراطية ومجتمع مدني ديمقراطي. ومن المؤسف إن تحفظي تغلب على أملي في سياسة أخرى غير التي سرتم وما زلتم تواصلون السير عليها.
لقد القيتم خطبة في تجمع لشيوخ العشائر في واحدة من أكثر المدن العراقية التي أثرت خزائن الدولة وجيوب الحكام العتاة واللصوص بالمال, ولكن الشعب عانى وما يزال يعاني حتى اليوم وأكثر من أي وقت مضى من فقر شديد وحرمان كبير وظلم لا يطاق ومن خراب وإهمال غير مقبولين ولا معقولين.
حاولت أن أجد في خطابكم العتيد, الذي يقع في إطار دعاية انتخابية ومحاولة تعبئة الجنوب ضد غرب البلاد وشمالها,  نقطة ضوء في النفق الطويل الذي يعيش تحت وطأته العراق في المرحلة الراهنة وتحت قيادتكم وقيادة دولة القانون وحزب الدعوة الإسلامية, فلم أجد ما يساعدني على الاقتناع بوجود أمل في تحقيق شي ما للشعب في وجودكم على رأس الحكومة الحالية. إذ كان خطابكم مخيباً للآمال وقاطعاً الطريق على الحوار والتفاهم وحجل المشكلات رغم ترديدكم لكلمة الحوار وتجاوز الفتنة. ولكنها كانت في مضمونها رفض الحوار وتشديد الفتنة بعينها.
تحدثتم في خطابكم بالبصرة عن المظاهرات في محافظات غرب بغداد والموصل وطالبتم المتظاهرين بالتخلي عن الطائفية في شعاراتهم واتهمتم المتظاهرين دون تمييز بأنهم يتحركون بإرادة خارجية ونسيتم بأن سياستكم ذاتها هي السبب المساعد في التدخل الخارجي وفي تعميق الخلافات وتشديد الصراع وتقريب ساعة الانفجار. إذ إن السؤال العادل: هل كان رئيس الوزراء على حق في ما طرحه من وجود شعارات طائفية في المظاهرات؟ الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى شفافية وصدق وصراحة تامة معكم لأنكم المسؤول الأول عن سياسة الحكومة وتحركات القوات المسلحة بجميع اصنافها لأنك القائد العام للقوات المسلحة, وبالتالي المسؤول الأول عن كل ما يجري بالعراق, خاصة وأنكم تحولتم خلال السنوات الخمس الأخيرة الحاكم الفرد والحاكم بأمره.
طالبتم بخطابكم في يوم السبت المصادف 23/2/2013 الآخرين بالكف عن رفع شعارات طائفية. وهو من حيث المبدأ مطلب صحيح وضروري قطعاً ويطالب به كل الشرفاء في المجتمع العراقي وكل المدركين لمخاطر الطائفية. ولكن السؤال المشروع والعادل الذي يفترض فيكم الإجابة عنه هو: أليس السيد نوري المالكي , رئيس مجلس الوزراء , الستم رئيساً لحزب الدعوة الإسلامية الشيعي الطائفي بامتياز, ألم تصلوا إلى السلطة بتحالف أحزاب شيعية طائفية بامتياز, أوليس أغلب مستشاريكم هم من الشيعة الطائفيين بامتياز, أليست سياساتكم تميز بوضوح تام بين الشيعة والسنة لصالح حزبكم والشيعة المحيطة بكم وليس لصالح الجماهير الشيعية الفقيرة والكادحة والمحرومة من كل شيء في مناطق الوسط والجنوب وبغداد, تماماً كما الحال في بقية مناطق العراق العربية؟ إن من يطالب الآخرين بأن لا يكونوا طائفيين, يفترض فيه ممارسة سياسة غير طائفية, وبالتالي عليه أن لا يكون رئيساً لحزب طائفي. وحين يكون هو كذلك فليس من حقه أن يطالب الآخرين بغير ما هو عليه, ولكن من حق الشعب أن يطالب الجميع بالكف عن الطائفية وبالمقدمة منهم أنتم يا رئيس الوزراء.
نعم هناك طائفيون في المظاهرات المستمرة في محافظات عديدة من العراق؟ ولكن ليسوا كلهم من الطائفيين وليس كلهم من البعثيين الملطخة أيديهم بدماء الشعب العراقي أو الراغبين بعودة البعث للحكم , وليس كلهم من أتباع حارث الضاري المتحالف مع القاعدة وحزب البعث الذي يقوده عزة الدوري والطائفي حتى النخاع.
كلما تواصلت سياستكم المتسمة بالتخلف والجمود والعناد والطائفية, اتسعت في الوقت ذاته قاعدة المظاهرات وازدادت المطالب واشتد التطرف واحتدم الصراع مع احتمال تحوله إلى نزاع لا تعرف عواقبه, وهو الطريق الذي يخدم كل الطائفيين في العراق ولكن لا يخدم الشعب العراقي بأي حال. وحين تدعون المتظاهرين إلى رفض الطائفية, لماذا حركتم مؤيديكم في بعض مدن الوسط والجنوب وبغداد لتنظيم مظاهرات طائفية مضادة, ألم يكن الحري بكم الاستماع بإصغاء إلى مطالب المتظاهرين وإيجاد حلول عملية لها بدلاً من تنظيم مظاهرات مضادة وتعبئة مؤيديكم ضدها. وكانت مظاهراتكم كما بعض المظاهرات الأخرى طائفية بامتياز.
يتحدث أتباعكم يا رئيس الوزراء, كما تتحدثون, مطالبين الآخرين بالكف عن الطائفية, وهم طائفيون بامتياز ويتجلى ذلك من أحاديثهم اليومية عبر تصريحاتهم ولقاءاتهم الصحفية, ولكم أن تستمعوا إلى بعضهم وليس كلهم لتشموا مع الآخرين رائحة الطائفية الكريهة تزكم أنوف القريبين والبعيدين منهم حتى من يستمع لهم عبر شاشات التلفزيون.
تقولون بأن الشعب العراقي لم يعرف الطائفية, وكان الجميع بعيداً عن الطائفية! وهو كلام يتضمن نصف الحقيقة ويغيب النصف الآخر بوعي. لم يكن الشعب طائفياً من حيث السلوك رغم تعدد الديانات والمذاهب بالعراق. ولكن الطائفية السياسية كانت موجودة ومارستها النظم الحاكمة وليس الشعب من أتباع المذهب السني في الإسلام. ولكنم وأنتم في المعارضة كنتم تمارسون الطائفية منذ ذلك الحين في توزيع المواقع في قيادات المعارضة العراقية. وبعد سقوط الدكتاتورية الغاشمة شاركتكم بتوزيع الحكم على أساس طائفي وأثني. واليوم تمارسون الطائفية السياسية على مستوى الحكم بأجلى معانيها. ولكن بعكس السابق, أي إن نظام الحكم الحالي الذي يقوده حزب إسلامي شيعي طائفي هو حزب الدعوة الإسلامية هو الذي يمارس السياسة الطائفية التمييزية وليست الجماهير من أتباع المذهب الشعبي.
لا تمارس الطائفية من قبل الحكم فحسب, بل هناك ممارسة فعلية تمييزية إزاء أتباع الديانات الأخرى في البلاد. وعلى رئيس الحكومة أن يتابع عدد الذين هجروا قسراً بسبب الإرهاب والتمييز الديني والطائفي من العراق إلى الدول الأخرى ليدرك مدى العواقب التي نشأت بفعل وجود نظام حكم طائفي سياسي بالعراق.
إن كنتم صادقين بما تقولونه فما عليكم إلا التخلي عن حزب سياسي طائفي كبقية الأحزاب الإسلامية السياسية العراقية, لأنها كلها قائمة على أساس مذهبي طائفي سياسي, وليس على أساس المواطنة العراقية التي لا تنظر إلى الهويات الفرعية بل الهوية الرئيسية هوية المواطنة الحرة والمتساوية, وسياساتها من حيث الشكل تسعى لمصلحة الطائفة التي تدعي تمثيلها وليس مصلحة الشعب كله. هذه هي الحقيقة يا رئيس مجلس الوزراء, وهو ما لا يستقيم مع ما تطلبونه من الآخرين.
الدعوة الصحيحة هي أن تتوجهوا إلى نفسكم وضميركم لكي تكونوا قدوة لبقية القوى السياسية العاملة في أحزاب سياسية إسلامية طائفية. إن متابعة تاريخكم السياسي يبرهن للكثير من الناس الذين عرفوكم بأنكم أكثر المسؤولين في حزب الدعوة طائفية سياسية تمييزية, وأستثني من ذلك الدكتور إبراهيم الجعفري وعلي الأديب إذ كلاهما لا يختلفان عنكم, ولن ينسى الناس قولكم "أخذناها ما ننطيها", أي "أخذناها إحنه الشيعة وبعد ما ننطيه للسنة" لو تطلع نخلة برأسهم. ولا يمكن أن يفسر قولك بغير هذا التفسير مع الأسف الشديد.
السيد رئيس مجلس الوزراء
أقول لكم بكل صراحة وصدق ما يلي: لا يمكن لرئيس وزراء عراقي طائفي سياسي أن يقود البلاد بلا طائفية سياسية مقيتة, لا يمكنه ان يبني مجتمعاً مدنياً ديمقراطياً, لا يمكنه أن يقدم نموذجاً فعالاً للمواطنة العراقية الحرة والمتساوية.
لقد استمعت إلى خطابكم بالبصرة. وأقول بصراحة تامة بأن قلة قليلة جداً من السنة والشيعة صدقوا هذا الكلام لأنهم يعيشون المأساة الطائفية يومياً وهي التي, إن تواصلت, ستجر العراق إلى كارثة حقيقة, إنها الكارثة المحدقة, فهل يمكن تجنبها؟
الطائفية السياسية كريهة ومقيتة ومن يمارسها يقود البلاد إلى الفتنة والكارثة. إن الإرهابيين القتلة يستثمرون هذا الوضع الطائفي والتمييز الفعلي القائم وغياب العدالة وكثرة المعتقلين والسجناء الأبرياء وعمق وسعة الفساد ونقص شديد في الخدمات والبطالة المنتشرة وغياب التنمية الاقتصادية و الاجتماعية والتشوه المتواصل للتعليم والثقافة العراقية تعمق وتشدد من طائفية الآخرين. ويبقى المسؤول الأول عن ذلك هو أنتم بالدرجة الأولى ومعكم كل الطائفيين في صفوفكم وصفوف المتصارعين معكم.
كفوا عن الطائفية المذهبية وسياساتها المقيتة ستجدون الصفاء والود والمحبة بالعراق. فهل أنتم قادرون على ذلك؟ انتم وحدكم من يمكنه الإجابة عن هذا السؤال. وكل الدلائل مخيبة للآمال.                       
إن نصيحتي لحلفائكم في التحالف الوطني وفي الحكومة أن يسحبوا الثقة بكم ويغيروا النهج الطائفي بنهج وطني ديمقاطي عراقي فهو إنقاذ للشعب وتخليصكم من الورطة والمحنة التي أنتم فيها وسحبتم كل الشعب معكم إلى هذه المحنة.
لا يمكن ولا يجوز لمواطن سليم العقل والنية ويلتزم بالمذهب الشيعي في الإسلام وتعرض في حياته للتمييز الطائفي والاضطهاد من حكام طائفيين سياسيين أن يقبل بسياسة تميز المواطن الملتزم بالمذهب السني في الإسلام بأي حال, إلا إذا كان طائفياً مقيتاً ومعادياً لأتباع بقية الديانات في البلاد. لأنه يدرك الآثار السلبية على وضع الإنسان ونفسيته حين تمارس سياسات طائفية وتمييزية في البلاد.
إن الحكم الطائفي ايا كان لن يكون مديدا, ولكنه يكفي في تعريض الشعب إلى المآسي والكوارث, وكلما أمكن الخلاص من المحاصصة الطائفية في الحكم كلما أمكن تقليص ألام الشعب والعواقب الأخرى المرتبطة بها والناجمة عنها.
كم أتمنى عليكم أن تتعلموا من تجربة نيلسون مانديلا في جنوب افريقيا, فرغم مأساة الأفارقة السود من النظام العنصري و أمكن له حل المشكلات بطريق ديمقراطي غير عنصري وغير تمييزي وعلى أسس إنسانية ومواطنة حرة ومتساوية, فهل أنتم قادرون على ذلك؟ المؤشرات حتى الآن لا تبيح لي الادعاء بأنكم قادرون على ذلك, وأرجو أن تبرهن الأيام عكس ذلك!!   
أؤكد ويؤكد معي الملايين من بنات وأبناء الشعب العراقي على إن "الطائفية السياسية تشكل الشر الذي يعاني منها العراق وبزوالها يبدأ انحسار الشر ومن يمارسه.   
مع التمنيات للشعب بالخلاص السريع من الأوضاع المأساوية الراهنة وعواقبها السيئة المحتملة.

كاظم حبيب
يوهانسبورغ/ جنوب أفريقيا               25/2/2013

179



هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق

تفاهة وعدوانية التهمة الإيرانية الموجهة للعلامة أحمد القبانجي

صرح معاون مدير جهاز المخابرات الإيراني محمد مسجدي بأن اعتقال احمد القبانجي جاء على خلفية معلومات تؤكد عمالته لإسرائيل وإن أجهزة حديثة اكتشفت في بيته ينقل بها معلومات عن الطاقة النووية الإيرانية لإسرائيل!
من عاش تجربة العراق في العهد الدكتاتوري البعثي الصدامي يعرف تماماً تلك السهولة التي كان النظام يوجه الاتهامات للناس المعارضين له بالعمالة لإسرائيل أو حتى في حينها لإيران لتحقيق هدفين هما:
1.   إسكات من يريد الاعتراض على مثل هذا الاتهام لأنها قضية عمالة لدولة إسرائيل وبالتالي لا يجرأ أحد من المواطنين على الحديث بهذا الموضوع.
2.   سهولة إصدار حكم بإعدام الشخص أو الأشخاص المتهمين بمثل هذه التهمة عبر محاكم تابعة لجهاز الأمن أو القضاء المسيس وعبر محاكمات صورية لا تخضع لأي دستور أو قانون أو رقابة والتي يصعب على منظمات حقوق الإنسان أو الأفراد التحري عن مدى صوابها بسبب السرية والخديعة التي تمارس من قبل أجهزة الأمن في مثل هذه التهم. وكان يقيم المهرجانات الاحتفالية الخادعة لتعبئة الناس حوله.
ومنذ صعود قوى الإسلام السياسية الشيعية في إيران إلى السلطة وجه النظام الإيراني في عهدي الخميني والخامنئي الكثير من التهم الجائرة بحق الكثير من المفكرين والسياسيين الإيرانيين الوطنيين الذين لقوا حتفهم بصدور أحكام بالإعدام بحقهم ونفذت بهم فعلاً, كما وجهت تهم مماثلة لآخرين بذريعة التجسس لحساب إسرائيل قادت الكثير من المعارضين ومن تيارات سياسية مختلفة إلى المشانق دون وجه حق. إنها المحنة التي يعيش الشعب الإيراني تحت وطأتها.
وكما يبدو من تصريحات معاون مدير جهاز المخابرات الإيراني إن النظام وأجهزته القمعية يهيئون الرأي العام الإيراني والعراقي والإسلامي والعالمي كله لإصدار حكم بإعدام العلامة الإسلامي أحمد القبانجي بتهمة التجسس لإسرائيل, وهي تهمة عارية عن الصحة ودسيسة إجرامية يراد منها إسكات المطالبة بالإفراج الفوري عنه.
إن الهيئة تطالب الحكومة العراقية باتخاذ موقف الدفاع عن العلامة الإسلامي أحمد القبانجي فوراً وعدم المشاركة في مثل هذه الدسيسة الدنيئة بالسكوت وعدم المطالبة, كما نطالب الرأي العام العراقي والإيراني والعربي والعالمي بتنشيط حملة الاحتجاج والإدانة لاعتقاله ورفض توجيه مثل هذه التهمة الحقيرة لشيخ دين محترم ومتنور ومتحرر من الأفكار العنصرية والطائفية والتمييز الديني والمذهبي ورافض للدكتاتورية والقمع الفكري والسياسي والاجتماعي والديني والمذهبي. تحية أكبار واحترام لهذا الشيخ الجليل. 
الأمانة العامة
هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق  , كتب في 23/2/2013   

180
كاظم حبيب
المثقفون العراقيون اليهود قبل التهجير


تشير المصادر التاريخية بصواب إلى إن ثقافة العراقيين اليهود قديمة قدم وجودهم ببلاد وادي الرافدين (موزبوتاميا) ومصحوبة بما جلبوه معهم من أسلافهم في وطنهم ومسقط رؤوس اجدادهم , وإن لم يستخدم مصطلح الثقافة والمثقف في اللغة أو في الأدب القديم , إذ كانت تستخدم مصطلحات أخرى تعبر عن المضمون ذاته , حيث بدأ استخدامه في اللغة العربية وفي الأدب العربي ما بعد الربع الأول من القرن العشرين تقريباً.
ومنذ ذلك الحين برز في بلاد ما بين النهرين (موزبوتاميا) مثقفون بابليون أو عراقيون بخلفية دينية هي اليهودية , إلى جانب جمهرة من المثقفين من شعوب أخرى قطنت المنطقة ومن خلفيات دينية ولغات أخرى , نشطوا في مجالات مختلفة بما فيها الفكر والفكر الديني والتقاليد والعادات والاقتصاد والتجارة والمال والتعليم والآداب والفنون , ومنها النحت والمسرح والموسيقى والغناء. وما التلمود بشكل خاص إلا التعبير الواضح عن ذلك النشاط والحيوية في الفكر الدينى اليهودي لأولئك الأوائل الذين أسروا واقتيدوا عنوة وأجبروا على السكن والعيش في مناطق بكردستان وعلى ضفاف نهري دجلة والفرات , إذ سكنوا بمدينة عانه وتكريت وبابل أو في غيرها من المدن حينذاك , ثم اعتادوا على المنطقة كلها وأصبحت بمرور الزمن وطنهم الأول , كما اصبحت اللغة العربية لغة الأم.
كما إن اليهود أسسوا جامعتين عبريتين قبل دخول الإسلام إلى العراق , وهي الظاهرة التي تؤكد مدى اهتمام اليهود بالتعليم والثقافة , كما كان حال البابليين في هذا الشأن. كتب الأستاذ نسيم رجوان في كتاب "موجز تاريخ يهود العراق" بهذا الصدد ما يلي:
" وحسناً أن نعلم إن هؤلاء اليهود كانوا يمتلكون جامعتين عبريتين في أراضي العراق أثناء الفتح العربي , وإن اساتذة هاتين الجامعتين وطلابهما قد تجمعوا وخرجوا لملاقاة الخليفة الرابع علي بن أبي طالب حينما توجه إلى العراق وأمضوا معه عهداً كفل لهم فيه حرية العقيدة وحسن المعاملة."   
وأهمية هذا الأمر تبرز في تأكيد أن يهود النصف الأول من القرن العشرين بالعراق هم من أحفاد أولئك اليهود الذين أُسروا وهُجروا عنوة وأُجبروا على السكن والبقاء في المناطق التي وضعوهم فيها. ولكنهم لم يبقوا في تلك المناطق بالضرورة وقطنوا مدناً كثيرة أخرى بما في ذلك بغداد والبصرة والموصل والحلة والشامية , إضافة إلى بعض مدن كردستان وريفها. وبالتالي فهم يحملون معهم على امتداد وجودهم بالعراق ثقافتهم اليهودية , تلك الثقافة التي تفاعلت مع ثقافات الآخرين وتلاقحت في ما بينها. فثقافة يهود العراق لها خصوصيتها المميزة بسبب حملها لتراث وتاريخ وفكر وأداب وعلوم وأساطير وحكايا وأمثال اليهود من جهة , ولكنها في الوقت ذات تحمل تراث وتقاليد العراقيين من غير اليهود من جهة أخرى , على وفق المناطق التي سكنوا فيها وتفاعلوا مع بقية سكانها والذي تجلى في النتاج الفكري المتنوع والغني لليهود العراقيين في الفترة التي يجري البحث فيها.
كان اهتمام الكتاب اليوم في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين قد تركز على إصدار الكتب الدينية وبعض القضايا الاجتماعية الخاصة باليهود. وكان نشاطهم السياسي غائباً من الناحية الفعلية في ما عدا تعيين السيد ساسون حسقيل عضواً في مجلس المبعوثان بالأستانة باعتباره يهودياً وضمن الوفد العراقي. ولكن هذا الوضع قد تغير مع تأسيس الدولة العراقية , وبصورة تدريجية في العقد الرابع من القرن العشرين.
ويبرز ذلك بجلاء في الكتب التي أصدرها اليهود خلال الفترة الواقعة بين 1873– 1913م  كما يظهر في القائمة التالية التي أقتطفها الباحث السيد سعد سلمان عبد الله من كتاب لمحمد حسنين هيكل بعنوان "الحل والحرب" صادر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ببيروت في العام 1977م , والتي تضم مجموعة من الكتب التي صدرت لكتّاب يهود في الفترة المذكورة. ويبدو منها إن الكتاب هم من العراقيين اليهود , وإنها طبعت في مطابع مؤسسة من قبل يهود عراقيين. وكان الهدف من وراء هذه الكتب هو إيصال تعاليم التوراة والتلمود والطقوس والتقاليد الدينية إلى العائلات اليهودية للحفاظ على الدين والتراث الفكري الديني بالعراق. وهي الحالة ذاتها التي كانت لدى شيوخ الدين المسلمين أو المسيحيين أيضاً التي تجدها في مئات المخطوطات القديمة مثلاً.



توزع المثقفون اليهود على وفق تحليل وتشخيص أنطونيو غرامشي على مثقفين عضويين ومثقفين موظفين وكذلك المجتمع الذي يحمل أفراده ثقافتهم الشعبية الجمعية العامة التي يتوارثونها ويساهموا في إغنائها وتطويرها. وقد برز مثقفون يهود في النصف الثاني من القرن التاسع عشر , كما برز مثقفون عرب في كل من بغداد والموصل والنجف والبصرة والحلة على نحو خاص, وكذلك مثقفون كرد وغيرهم خلال ذات الفترة. ولكن البروز المتزايد ليهود العراق تبلور من جديد مع بداية بناء الدولة العراقية الملكية الحديثة في العام 1921م. 
فمنذ العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين برزت مجموعة متميزة ومتطورة ومتسعة من المثقفين اليهود التي ساهمت بمرور الوقت بمزيد من النشاط والحيوية في الحياة الثقافية العراقية وفي مجالات علمية وإبداعية كثيرة , إضافة إلى اهتمامهم بالطباعة والنشر والصحافة والتعليم. ومن العوامل المهمة التي ساعدت على بروز مجموعة كبيرة ومهمة من المثقفين اليهود مع الربع الأول من القرن العشرين هو بدئهم بتعليم اللغات الأجنبية في فترة مبكرة من خلال فتح المدارس الدينية والمدارس الحديثة التي التزمت بتدريس اللغات العربية والعبرية والإنجليزية والفرنسية مما سهل عليهم مطالعة الكتب والمجلات والصحف الأجنبية والعربية والعبرية والتزود بالعلوم والآداب التي تنشر بهذه اللغات. 
اهتمت العائلات اليهودية المدينية , سواء أكانت غنية أم فقيرة , بتعليم الأولاد والبنات في آن. وإذ تسنى للعائلات الغنية إدخال أبنائها في مدارس يهودية خاصة ببغداد والبصرة والموصل , فإن العائلات الفقيرة استفادت من التعليم الإلزامي المجاني للدولة العراقية حينذاك , إضافة إلى دخول مجموعة من أطفال العائلات الفقيرة وكذلك من أوساط البرجوازية الصغيرة في المدارس الخاصة بسبب العلاقات العائلية والمعارف.
وخلال الثلاثينيات والاربعينيات من القرن العشرين اتسع التعليم الابتدائي والثانوي بالعراق عموماً واحتل اليهود المرتبة الأولى من حيث عدد المتعلمين بالمقارنة مع عدد نفوسهم. ثم دخل الكثير منهم إلى الكليات العراقية في مختلف الاختصاصات , كما تم أرسال جمهرة من الطلبة اليهود المتفوقين في الدراسة مع البعثات الحكومية أو سافروا على حساب عائلاتهم إلى الجامعات والكليات بالدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية للدراسة فيها. احتل الكثير من الخريجين في هذه الفترة وظائف حكومية أو استخدموا في القطاع الخاص أو توجهوا صوب التعليم الحكومي والخاص. لقد تشكلت مجموعة كبيرة من المتعلمين والخريجين والمثقفين اليهود العراقيين. ورغم إن الحكومة العراقية بدأت تقلص عدد اليهود في الوظائف الحكومية وتستبدلهم بالمسلمين منذ نهاية الثلاثينيات ومع بروز التيار القومي المتشنج والمعادي لليهود , فإنهم استطاعوا تحويل هذه المسالة السلبية إلى جانب إيجابي حين توجهوا بأعداد متزايدة صوب دراسة الطب والهندسة والاقتصاد والعلوم المختلفة والأداب والفنون أو بدأوا العمل مع أبائهم وأقربائهم في القطاعين التجاري والمالي. ومنذ بداية الأربعينيات من القرن الماضي بدأ عملياً الغلق التدريجي لباب التوظيف في المؤسسات الحكومية العراقية أمام الخريجات والخريجين اليهود , مما دفع بهم إلى ولوج أبواب القطاع الخاص والتوجه صوب التعليم العالي بالعراق وبالخارج.   
لقد لعب المثقفون اليهود , ومنهم المثقفون الماركسيون , الذين بذلوا جهداً كبيراً في تعليم وتثقيف أنفسهم ذاتياً , دوراً مهماً وكبيراً في الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية , ومن ثم في الحياة السياسية العراقية , وبرز ذلط بوضوح في أعقاب الحرب العالمية الثانية وانهيار دول المحور الثلاث , ألمانيا النازية , وإيطاليا الفاشية , واليابان العسكرية.
لقد برزت بين العراقيين اليهود مجموعة كبيرة من المثقفين والمختصين بالكثير من الاختصاصات المهمة الذين برعوا في مجالات اختصاصهم بسبب من جديتهم ودأبهم وتجديد معلوماتهم بهدف تقديم الأفضل والنجاح في أعمالهم. كما امتازوا بحسن معاملة الناس المتعاملين معهم في المجالات كافة.
إن أتقان اللغات الأجنبية من جانب الخريجين والمثقفين اليهود , وخاصة الإنكليزية والفرنسية , قد لعب دوراً كبيراً في تيسير أمر إطلاعهم على الكثير من الكتب العلمية والثقافية والأدبية وعلى الصحافة والمجلات الأجنبية التي ساهمت في رفع مستواهم الثقافي من جهة , ومشاركتهم في تحديث الثقافة العراقية وإدخال مفاهيم جديدة في الحركة الفكرية الثقافية العراقية , إضافة إلى مشاركتهم في الترجمة والتأليف. لقد اتسع دور يهود العراق في الحياة الثقافية العراقية في الأربعينيات من القرن العشرين بشكل ملموس وتميز بالحيوية والثقة بالنفس والتفاعل مع المثقفين العراقيين من المسلمين والمسيحيين والكرد وغيرهم , بالرغم من الجريمة البشعة التي ارتكبها البلطجية والقوميين اليمينيين المتطرفين الأوباش التي أطلق عليها "الفرهود" , في يومي الكريستال الأول الثاني من شهر حزيان من العام 1941 ضد اليهود ببغداد ومن ثم في العام ذاته بالبصرة , رغم إن قوميي وبلطجية البصرة الأوباش لم يتسن لهم قتل المواطنات والمواطنين اليهود بسبب الموقف الحازم والشريف الذي وقفه أهل البصرة إلى جانب العائلات اليهودية بالمدينة وضد هؤلاء الأوباش.
وفي تلك الفترة برز مثقفون عراقيون يهود شاركوا في أجهزة الدولة ولعبوا دوراً بارزاً في الالتصاق بالنظام الملكي والدفاع عنه. وهم مثقفون موظفون من جهة , وبعضهم مثقف عضوي بسبب ارتباطه بطبقة اجتماعية معينة وبسبب دفاعه عن مصالح تلك الطبقة والنظام السياسي الذي يمثلها من جهة أخرى. وخير شخصية وطنية عراقية يهودية يمكن أن يشار إليها في هذا المجال هو الأستاذ الاقتصادي والباحث والكاتب مير بصري (1911-2005م). في حين يمكن الإشارة إلى المحامي والشاعر والكاتب والصحفي اليهودي العراقي المميز أنور شاؤل الذي يعتبر من أبرز المثقفين الوطنيين العضويين المدافعين عن قضية الحرية والديمقراطية والشعب وضد الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في آن واحد.
توزع المثقفون اليهود من الناحيتين الفكرية والسياسية على قوى وأحزاب طبقية مختلفة التزموا قضاياها ودافعوا عن مصالحها وإرادتها بشكل عام. إلا إن جمهرة غير قليلة منهم لم تلتحق بالأحزاب السياسية , ولكنها مارست النشاط الثقافي العام ولعبت دوراً مهماً في أغناء الثقافة والحياة الثقافية العراقية.
ولا بد من الإشارة هنا إلى إن عدداً كبيراً من المثقفين العراقيين اليهود وجدوا طريقهم إلى الأحزاب الوطنية العراقية وخاصة الحزب الشيوعي العراقي ومن ثم الحزب الوطني الديمقراطي. وركز عدد كبير من اليهود الماركسيين على دراسة الكتب اليسارية , ومنها مؤلفات ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي والكثير من الكتاب الماركسيين في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. ولعبت مكتبة مكنزي ببغداد دوراً مهما في استيراد الكثير من الكتب العلمية والأدبية والفلسفية والثقافية العامة , ومنها الكتب الماركسية بما فيها رأس المال لكارل ماركس , باللغة الإنكليزية وسوقتها بأسعار مناسبة في السوق العراقية.
يمكن إيراد المئات من الأمثلة عن شخصيات يهودية عراقية ساهمت بشكل استثنائي ووجدت الاحترام والمودة والاحتضان من جانب المثقفين وعموم الشعب العراقي , سواء أكان ذلك في مجال التجارة والاقتصاد والطب والاقتصاد والهندسة أم في مجال الفنون الإبداعية وخاصة فن الموسيقى والغناء والمسرح , كما كانوا من خيرة الموظفين الممتازين والمخلصين في عملهم بالدولة العراقية أم من العاملين في مكاتب وأنشطة القطاع الخاص.
ويمكن أن يشار بالبنان إلى الشخصية العراقية اليهودية التي رشحت إلى مجلس المبعوثان بالأستانة بعد صدور الدستور الجديد للدولة العثمانية في أعقاب انقلاب جمعية الاتحاد والترقي في العام 1908م حتى العام 1918م , ونعني به الأستاذ ساسون معلم بن حسقيل بن شلومو بن عزرا بن داود (186-1932م) , الذي كان مثقفاً بارزاً وشخصية اجتماعية مميزة. احتل ساسون حسقيل منصب وزير المالية في وزارات متتالية ترأس مجلس الوزراء فيها السيد عبد الرحمن النقيب, أحد أشراف وميسوري بغداد حينذاك. وإذ كانت الوزارة النقيبية الأولى قد تشكلت قبل تأسيس الدولة العراقية الملكية الدستورية واستمرت حتى تشكيل الدولة العراقية وتنصيب الأمير فيصل بن الحسين بن علي ملكاً على العراق , فإن الوزارة النقيبية الثانية قد تشكلت في العام 1921م بإرادة المندوب السامي البريطاني ورغبة الحكومة البريطانية وموافقة الملك فيصل الأول. واستقالت الوزارة النقيبية الثانية في العام 1922م لتشكل وزارة جديدة ترأس مجلس الوزراء فيها عبد الرحمن النقيب أيضاً. وقد أشار المؤرخ العراقي السيد عبد الرزاق الحسني إلى إن تشكيل الوزارة الجديدة قد تم بإرادة المندوب السامي البريطاني أيضاً وموافقة الملك فيصل ولكن على مضض , إذ كان حديثا في منصبه الجديد ولا يريد البدء بخلاف مع المندوب السامي البريطاني الذي كان حينذاك جانين برسي كوكس لكي لا تنشأ تعقيدات سياسية بينهما.
تمت استقالة الوزارة النقيبية الثانية في 17 آب 1922م بأمل أن يفسح في المجال أمام الملك تشكيل حكومة جديدة. قبلت الاستقالة بتاريخ 19/8/1922م , وكلف عبد الرحمن النقيب بتشكيل الوزارة الجديدة الثالثة في 30 أيلول 1922م والتي أصبح ساسون حسقيل وزيراً للمالية فيها للمرة الثالثة. ثم تسلم ساسون حسقيل حقيبة وزارة المالية للمرة الرابعة في وزارة عبد المحسن السعدون الأولى التي تشكلت في 25 تشرين الأول 1923م واستمرت حتى 15/ تشرين الثاني 1923م. بعدها تم تشكيل وزارة جديدة برئاسة جعفر العسكري في 27 تشرين الثاني 1923 ولم يستوزر فيها السيد ساسون حسقيل. وفي 2 آب 1924م تم تشكيل وزارة جديدة برئاسة ياسين الهاشمي حيث تسلم ساسون حسقيل حقيبة وزارة المالية للمرة الخامسة والأخيرة.  شارك الخبير المالي المميز ساسون حسقيل في مفاوضات العراق مع شركة النفط العراقية لعقد اتفاقية امتياز التنقيب عن النفط الخام واستخراجه وتصديره. واستطاع عبر معرفته الممتازة بالشؤون المالية وتقلبات العملة في سوق تداول العملة على الصعيد الدولي أن يشترط على المفاوض البريطاني أن تكون حصة العراق , التي اتفق عليها في حينه بأربعة شلنات للبرميل الواحد من النفط المصدر , أربع شلنات ذهباً ونجح في تثبيت ذلك في الاتفاقية التي كان أمدها 99 سنة. وقد أدركت الحكومة العراقية أهمية هذا الشرط حين بدأ الباون الإسترليني بالتقلب المتواصل وانخفاض أو ارتفاع سعر العملة في سوق تداول العملات عالمياً.
وفي مقدور المتتبع لكتب وأبحاث ومقالات البروفسور الدكتور شموئيل موريه (سامي المعلم) أن يتعرف على عدد كبير ومهم من المثقفين المبدعين العراقيين اليهود , إضافة إلى ما ذكره الباحث الاقتصادي والكاتب مير بصري حول أعلام اليهود , بمن فيهم الشخصيات الثقافية , العلمية منها والأدبية اليهودية البارزة, وخاصة الشعراء منهم وكذا الروائيين , في كتابه الموسوم أعلام اليهود بالعراق الحديث بجزئيه الأول والثاني. 
كتب سلام عبود في مقال له تحت عنوان "يهود العراق وخرافة البحث عن وطن افتراضي" جاء فيه بشأن المثقفين العراقيين بخلفية دينية يهودية ما يلي:
" أربع كلمات صغيرة، تستطيع بمفردها أن تصوغ تعريفا جامعا مانعا، لواحدة من أكثر الظواهر الثقافيّة ندرة في التاريخ الحديث، ونعني بها المثقف العراقيّ ذا الخلفيّة الدينيّة اليهوديّة. أربع كلمات حسب: الغنى، التـّفرد، الأصالة، الإشكاليّة الوجوديّة."  ثم واصل الكاتب تشخيصه الصائي تحت عنوان فرعي "ثراء روحيّ ومعرفيّ" فكتب:
"تتميز هذه الجماعة بمزايا خاصة تفرّقها كثيرا عن الجماعات المشابهة، التي خضعت لظروف سياسيّة وتاريخيّة مماثلة. فقد حملت هذه الشريحة معها من وطنها الأمّ، أو وطنها الأوّل، وعيا ثقافيّا عاليا. ولم يكن هذا الوعي محصورا في درجة التعليم أو التحصيل المعرفيّ، بل كان مرتبطا بالممارسة الثقافيّة أيضا، أي بصناعة الثقافة وانتاج الوعي الوطنيّ، لا استهلاكه حسب. فلهذه الجماعة أثر في ظهور الصحف وفي ظهور ألوان من الفن: الترجمة، الغناء، الموسيقى، القصّة، المسرح، الفنون الآخرى، وفي التأثير على ما كان قائما من أساليب وألوان الأدب والفن. استطاعت هذه الشريحة بإسهامها الثقافيّ أن ترسم صورة مغايرة تماما للصورة النمطيّة التهكميّة، التي رسمها الواقع الدعائيّ المحليّ لأفرادها، أو الصورة التحقيريّة العالميّة على طريقة شكسبير، ممثلة في شخصيّة المرابيّ الأنانيّ، عديم الإحساس. فقد انتمى يهود العراق الى أغلب التيارات السياسيّة العراقيّة، وكان لهم دور ملحوظ في الحركة اليساريّة في أحلك ظروف الاستبداد السياسيّ، وكان بعض أدباء اليهود الشباب محرّضين متحمّسين كالشاعر إبراهيم عوبديا."
وفي هذا المقطع يؤكد الباحث بشكل دقيق وصائب عن عمق ارتباط المثقفين العراقيين اليهود بالوطن الأول وبالثقافة العربية واللغة العربية التي أصبحت لغة الأم , حتى بعد نزوح الكثير منهم من العراق قسراً.
حين يتابع الباحث الشخصيات الثقافية العراقية اليهودية سيجد أمامه قائمة طويلة من الأسماء المهمة واللامعة وذات الأثر الفعال في المجتمع العراقي والثقافة العراقية. وسيجد قائمة بأسماء عراقية يهودية تكتب بالعربية بإسرائيل وبروح الثقافة العراقية والمزاج الثقافي العراقي واستنداداً إلى التراث الثقافي العراقي الذي حملوه معهم ويستخدمونه بحيوية كبيرة وفاعلية رائعة. كما يمكن إيراد مجموعة من أسماء أبرز المثقفين العراقيين اليهود الذين مارسوا الكتابة والصحافة والسياسة والاقتصاد والأدب والفن , وخاصة الموسيقى والغناء , حين كانوا بالعراق , والبعض الآخر الذي يمارسها اليوم بإسرائيل , إلى القارئة والقارئ مجموعة من أسماء  الكتاب والأدباء والصحفيين والشعراء والسياسيين العراقيين اليهود , وقد توفى الكثير منهم:
مير بصري أنور شاؤول , شالوم درويش ، إلياس قطان ، إلياهو ترجي صيون ، اليشاع شعشوع ، أنور زلخة ، إياسي ميمون ، شاؤول حداد ، منشي زعرور ، نسيم عزرا، ونعيم طويق ، ومراد ميخائيل , سامي ميخائيل , سمير نقاش هارون يهودا, شمعون بلاص , نعيم قطان , يهودا فرايم صديق , ساسون دلال , إبراهيم ناجي شميل , حسقيل قوجمان , يعقوب كوهين , موشي قوجمان , يوسف هارون زلخة , يعقوب فرايم إسحاق , يعقوب مير مصر (عادل مصري) , حسقيل فرايم , مسرور صالح قطان وسامي ميخائيل , يوسف منشي , يوسف بن زلوف , موشي خضوري رجوان , حسقيل سلمان داود , إبراهيم حسقيل , دأود ألياهو , إبراهيم حسقيل , نعيم يوسف , ناجي حسقيل , عابر ساسون عكه , يوسف رجوان , إبراهيم ساسون , روبين خضوري , إسحق منشي , ساسون مير معلم ,  ناجي ساسون , سليم منشي , صالح داود ساسون , نوي إسحق , أنيس إسحاق , داود كوهين , سالم يعقوب , نسيم يعقوب , خضوري حسقيل , إسحاق خضوري , يوسف موشي , صبيح منشي , نعيم إسحاق الصايغ , غنيم إسحق الصايغ , داود باروخ شوحيط , فكتور يوسف , يعقوب منشي , إسحق مثنى , وصبيح حوكي  وخضوري إلياهو منشي , صديق يعقوب  إبراهيم ساسون , إبراهيم حاييم , عزرا مناحيم دانيال , شاؤل طويق وغيرهم.
وبالبصرة برز الكثير من اليهود في مجالات الأدب والموسيقى والاقتصاد والمسرح منهم على سبيل المثال لا الحصر:
"داود سيزائي ، عزرا يامين ،نسيم روبين ، صالح حسقيل ، سليم عاشير ، جو وعيسي عيسائي ، سالم عابد ، آغا بابا موشي حي ، يعقوب نواح  ، إبراهيم حسقيل ، عزرا نواح ، صيون روبين ، موشي طويق ، بيت اطرفجي ، الياهو إبراهيم جداع ، بيت لاوي ، شفيق عدس ، بيت خرموش ، صالح رحميم ، بيت زبيدة وغيرهم".   
أما اليهود العراقيون الذين واصلوا الكتابة أو بدأوا يكتبون عن العراق وتاريخه وحياة سكان وأوضاع يهوده بإسرائيل فهم كثرة , إذ يمكن إيراد جمهرة منهم ممن يتجلى الفكر والأدب والتقاليد والثقافة العراقية في كتاباتهم , وبعضهم بدأ يكتب بالعبرية وترجم إلى لغات كثيرة بإسرائيل , ولكنه حافظ على روح الكتابة ومضمون الثقافة العراقية في نتاجاته الأدبية. وهنا ترد اسماء لامعة كثيرة , منها على سبيل المثال لا الحصر:
أنور شاؤل ,  الدكتور سلمان درويش ,  شموئيل موريه , إسحاق بار- موشيه , مير بصري , سمير نقاش , إبراهيم عوبديا , غيلا سويري  يوحنا , رحميم رجوان ، نسيم رجوان ,  شاؤول حاخام ساسون , اسبرانس موريه- كوهين , يعقوب ليـﭭـي , المحامي جاد بن مئير , شلومو شبير , سيجال شبيرا ، البستان ، حسقيل فتال , شاؤل بار حييم , نسيم قزاز , داﭬيد سجف , ابراهام كحيلة , عزرا مراد , يوسف كباي , سيجال كرجي ، أسنات ابراهامي , نعيم نتانئيل حلبي. نعيم دنكور , داود كباي ... وغيرهم.


لقد نشط المواطنون اليهود في الصحافة العراقية , وكانوا سباقين فيها. فأول جريدة عراقية صدرت في العام 1816م أثناء ولاية داود باشا واسمها "جورنال عراق" أي "جريدة العراق" , وكانت تصدر باللغتين العربية والتركية و وهي صحيفة رسمية.  أما صحيفة "هادوبير" أي "المتحدث" فهي أول صحيفة أصدرها يهود عراقيون وباللغة العبرية في العام 1863م ", واستمرت بالصدور حتى العام 1871م.  أما الصحيفة العراقية الثالثة فكانت "الزوراء" في العام 1869م , وهي صحيفة رسمية تعبر عن رأي الولاية والوالي.  والصحيفة العراقية الرابعة فكانت "صحيفة (الفكرة) الصادرة ببغداد بتاريخ 12/شباط/1912 لصاحبها سليمان عنبر , وكانت تصدر باللغتين العربية والتركية , وهي جريدة أهلية.
وإلى جانب تأسيسهم للجرائد العراقية , شارك يهود العراق بحيوية في الكتابة والنشر. والبعض منهم شارك في النشر السري أثناء وجوده في عضوية الحزب الشيوعي العراقي أو النشر العلني في الصحف العراقية , سواء المملوكة من مواطنين يهود أم من قوميات وديانات أخرى. وقد بذل الكاتب والإعلامي الأستاذ مازن لطيف علي وآخرون جهداً طيباً في التحري عن الصحف العراقية التي كانت مملوكة لمواطنين يهود , وخاصة في أعقاب تأسيس الدولة العراقية , إضافة إلى إبراز عدد من الكتاب والصحفيين المتميزين في كثافة الكتابة والنشر الأدبي واالاقتصادي والاجتماعي وبمستوى نوعي جيد , ومنهم المحامي أنور شاؤل والاقتصادي مير بصري , على سبيل المثال لا الحصر. يمكن الاطلاع على الصحف العراقية اليهودية في الملحق رقم 1. ولا بد من الإشارة هنا إلى جريدة أخرى هي جريدة "العصبة" لسان حال "عصبة مكافحة الصهيونية" التي قُدم طلب منحها إجازة الصدور الرسمية بتاريخ 12/9/1945 ولم تتم الموافقة على الطلب إلا في 7/نيسان 1946 حيث صدر العدد الأول منها. وصدر من جريدة "العصبة" 51 عددأً , ثم أغلقت في العام نفسه . وكان مسؤولها يوسف هارون زلخا , كما كان أغلب المحررين فيها يهوداً عراقيين.
نشر الكتاب اليهود عدداً كبيراً ومهماً من الكتب بعد هجرتهم إلى إسرائيل أو إلى دول أخرى مثل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. وأخذت رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق على عاتقها نشر أغلب تلك الكتب الصادرة باللغة العربية , علماً بأن هناك العديد من الكتاب العراقيين اليهود قد نشروا , وهم بإسرائيل, كتباً أخرى باللغة العبرية أو الإنكليزية أو ترجمت للغات كثيرة أخرى من أمثال الكاتبين الروائيين سامي ميخائيل وإيلي أمير وكذلك الكاتب والأستاذ الجامعي والشاعر سامي موريه , إضافة إلى كتاب رؤوبين سنير الموسوم "ركعتان في العشق" والكتاب عبارة عن دراسة قيمة لشعر عبد الوهاب البياتي.  وللإطلاع على الكتب الصادرة عن رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق يمكن مراجعة الملحق رقم 2.     
الملاحق
الملحق رقم 1
الصحف العراقية التي أصدرها مواطنون يهود بالعراق

"ابو ايفان:  1. „هادوبير" تعد أول صحيفة يهودية صدرت بالعراق باللغة العبرية عام 1863

2. „هامجيد" صدرت عام 1864 باللغة العبرية قام بإصدراها يهود العراق.

3. „الزهور"وهي جريدة سياسية صدرت عام 1909 أسسها نسيم يوسف سوميخ وهو من الصحفيين المبدعين وتعد من اولى الصحف اليهودية التي صدرت باللغة العربية .

4. بين النهرين صحيفة حررها اسحق حسقيل ومناحيم عاني نهاية عام 1909

5.“تفكر" صدرعددها الأول ببغداد في 21 شباط 1912 اصدرها سلمان عنبرباللغتين العربية والتركية .

6. „ يشورون" صدرت باللغتين العربية والعبرية اصدرها كل من : صيون أدرعي، يعقوب صيون، الياهو ناحوم عام 1920 وكانت تتألف من 16 صفحة بحجم صغير ، صدرت في نصفين نصف باللغة العربية ونصف باللغة العبرية ، صدرت خمسة أعداد فقط وتوقفت عن الصدور بسبب مقتل ضابط الشرطة اليهودي سلمان حيا .

7. „ المصباح" اصدرها سلمان شينة (1924_1929) وهي جريدة اسبوعية (أدبية أجتماعية ) صدرت ببغداد استمرت في الصدور بشكل متقطع ، توقفت عن الصدور في 6 حزيران 1929 حيث قررت وزارة الداخلية غلقها بسبب المقال المنشور في العدد 127 الذي احدث ضجة بين أفراد الطائفة اليهودية. وكانت تركز على اهمية تعليم اللغة العبرية باعتبارها لغة الملك داود والنبي سليمان.

8. „ الحاصد" اصدرها المحامي والأديب أنور شاؤل (1927_1938) وهي مجلة اسبوعية صدر عددها الأول يوم الخميس 14/2/1929 وانتظمت في صدورها لكنها أغلقت بعد فترة وعاودت الصدور في 7/7/1930 .

نشرت الحاصد العديد من المواضيع الثقافية والادبية لكتاب مشهورين منهم : بلزاك، هيجو ، جورجي، دوديه، أناتول فرانس وغيرهم . وقد ترجم المقالات كل من انور شاؤل وشاؤل حداد ونعيم طويق.

9. „ البرهان" صدرت هذه الجريدة عام 1928 وكان صابحبها سلمان كوهين ومديرها المسؤول فائق القشطيني، صدرت بحجم نصفي وتوقفت عن الصدور نهائياً عام 1929 اي بعد عام واحد فقط.
10. „ النشرة الأقتصاية" اصدرها ببغداد عبد الله نسيم حاي وهي جريدة تهتم بنشر الاعلانات.
11. „ الدليل" جريدة اسبوعية اقتصاية أدبية ، توزع مجاناً ومديرها المسؤول س. اسحق صدرت عام 1929 عدد صفحاتها 8
12. „ سباق حاسين" صدرت ببغداد عام 1926 واصدرها يعقوب حاسين باللغة الانكليزية وكانت تختص بالرياضة وخاصة نتائج سباق الخيل في وقتها .
13. „ دليل العائلة" اصدرها يوسف حوكي بالبصرة عام 1928 وهي خاصة بالقضايا الدينية.
وقد عمل العديد من الصحفين العراقيين اليهود في الصحف العراقية وعملو بأخلاقيتهم المهنية وبحرصهم العراقي منهم : منشي زعرور الذي ابتدأ حياته منضد حروف ثم اصبح صحفيا معروفا وقد اعتبره مير بصري " جندي مجهول" في الصحافة العراقية تولى زعرور تحرير جريدة " العراق" التي كان يرأس تحريرها رزوق غنام ، وجريدة " البلاد" لرفائيل بطي.. وعمل كل من مراد العماري ونعيم قطان في تحرير جريدة الأهالي التي كان يرأسها كامل الجادرجي .. وعمل سليم البصون في العديد من الصحف العراقية منها : الشهاب، الشعب، الأخبار وغيرها..
وتولى المرحوم مير بصري ادارة مجلة " غرفة تجارة بغداد ( 1938_1945) ثم اعقبه يعقوب بلبول(1945_ 1951.



 
الملحق رقم 2
إصدارات رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق في إسرائيل
يشرف على هذه الرابطة السادة التالية أسماؤهم: الرئيس الفخري: الدكتور نعيم دنكور (OBE)
أعضاء مجلس الإدارة: البروفيسور شـموئيل موريه – رئيس , المحامي حسقيل فتال - القائم بأعمال الرئيس , المحامي شاؤل بار حييم – نائب الرئيس , الدكتور نسيم قزاز , الدكتور داﭬيد سجف , ابراهام كحيلة , شلومو شبيرا , عزرا مراد والبروفسور يوسف كباي.
إصدارات الرابطة:
1 – المحامي أنور شاؤل: قصة حياتي في وادي الرافدين (أورشليم – القدس، 1980).
2 - الدكتور سلمان درويش: كل شيء هادئ في العيادة، علق عليه وقدمه للطبع د. نسيم قزاز (القدس، 1981).
3 - شموئيل موريه: القصة القصيرة عند يهود العراق 1924-1978، قدم لها مع دراسة وتراجم البروفيسور شموئيل موريه، أورشليم- القدس، دار النشر ي.ل. ماغنس ومسجاب يروشلايم- الجامعة العبرية ورابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق، 1981. (الدراسة عن الأدباء والشعراء اليهود بالعراق كتبت بثلاث لغات).
4 – المحامي أنور شاؤل: وبزغ فجر جديد، (ديوان شعر) (أورشليم- القدس، 1982).
5 - إسحاق بار- موشيه: بيت ببغداد، (رواية) (أورشليم- القدس، 1983).
6 - مير بصري: أعلام يهود العراق الحديث، (تراجم) (أورشليم- القدس، 1983).
7 - سمير نقاش: نزولة وخيط الشيطان، (رواية عراقية) (أورشليم- القدس، 1986).
8 - سمير نقاش: المقرورون، (مسرحية في ثلاثة فصول) مع دار المشرق، (أورشليم- القدس، 1990).
9 - إبراهيم عوبديا: (صيحة من عراق العهد البائد)، مع دار المشرق، (أورشليم- القدس/ شفا عمرو، 1990).
10- إبراهيم عوبديا: الظمأ الحائر (ديوان شعر)، مع دار المشرق، (أورشليم- القدس/ شفا عمرو، 1990).
11- مير بصري: ديوان أغاني الحب والخلود (أورشليم- القدس، 1991).
12- مير بصري: رحلة العمر من ضفاف دجلة إلى وادي التيمس، ذكريات وخواطر، (أورشليم- القدس، 1992).
13- مير بصري: أعلام اليهود بالعراق الحديث، الجزء الثاني (أورشليم- القدس، 1993).
14- سمير نقاش: نبؤات رجل مجنون في مدينة ملعونة، (أورشليم- القدس، 1995).
15- غيلا سويري- يوحنا ورحميم رجوان، قاموس اللهجة اليهودية البغدادية، (أورشليم- القدس، 1995).
16- شموئيل موريه: الشجرة والغصن، دراسات في الأدب العربي الحديث وأدب يهود العراق، قدمتها للطبع أولغا برامسون (القدس 1997) (باللغة العبرية).
17- شموئيل موريه: تلك أيام الصبا (مجموعة شعرية باللغتين العربية والإنكليزية مع مقدمة عن حياة المؤلف)، (القدس، 1998).
18- نسيم رجوان: عرب ويهود، دراسات في الماضي ونظرة إلى المستقبل (القدس، 1998).
19- نسيم رجوان: موجز تاريخ يهود العراق، من سبى بابل إلى نزوحهم عام 1951 (القدس، 1998).
20- إبراهيم عوبديا: ورود شائكة، مع دار المشرق، (القدس، 1998).
21- إبراهيم عوبديا: في ميدان الأدب العربي، أدباء وشعراء، مع دار المشرق، (القدس، 1999).
22- إبراهيم عوبديا: في دنيا المقامات والغناء العراقي، مع دار المشرق (القدس، 1999).
23- شاؤول حاخام ساسون: في جحيم صدام حسين، (القدس، 1999).
24- شاؤول حاخام ساسون: راع ورعية، سيرة حياة الحاخام ساسون خضوري (القدس، 1999).
25- اسبرانس موريه- كوهين: من حقول تجاربي في الحياة، (القدس، 2000).
26- يعقوب ليـﭭـي: قصص شعبية، (الترجمة العبرية) (تل أبيب، 2001).
27- إبراهيم عوبديا: أنا والشعر 60 عاما، (شفا عمرو، 2003).
28- المحامي جاد بن مئير: يا طيور الأنس، (القدس، 2004).
29- المحامي جاد بن مئير: يا منال يا منالي ، (القدس، 2004).
30- اسحق بار- موشيه: يومان في حزيران، (القدس، 2004).
31- ابراهيم عوبديا: مع الغناء العراقي – مطربون ومطربات- وأغان من التراث (أورشليم – القدس، 2005).
32- شلومو شبيرا: قوت الطيور، (القدس، 2006).
33- سيجال شبيرا، البستان، (القدس، 2007).
34- جاد بن مئير، حوار القلوب، (القدس، 2007).



الهوامش
___________________________________
   ملاحظة: هذا المقال هو جزء من فصل عن المثقفين العراقيين اليهود الذي بدوره جزء من كتاب عن العراقيين اليهود ال1ي سصدر في هذا العام. كاظم حبيب
   رجوان , نسيم , موجز تاريخ يهود العراق. من سبي بابل إلى نزوحهم عام 1951, رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق, أورشليم-القدس 1998. ص 24.
   الحسني , عبد الرزاق , تاريخ الوزارات العراقية , الجزء الأول , مطبعة دار الكتب , بيروت , 1974 , ص 99.
   المصدر السابق نفسه. الجزء الأول.
   بصري , مير , أعلام اليهود بالعراق الحديث , الجزئين الأول والثاني . منشورات رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق. أورشليم – القدس , 1993.
   عبود , سلام , "يهود العراق وخرافة البحث عن وطن اتفراضي" , الحوار المتمدن , العدد 3895 , بتاريخ 21/1/2010.
      المصدر السابق نفسه.
   عبد العزيز , طالب , يهود البصرة , موقع الشعب. 1/2/2013.
   1) العبيدي , شفيق ,  تأريخ الصحافة العراقية وتأسيس نقابة الصحفيين العراقيين , موقع نقابة الصحفيين العراقيين.
2) صحافة , الصحف باللغة العربية , على موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة. 17/1/2013م.
   يهود العراق والتعايش العربي اليهودي, موقع الجزيرة نت. 30/2/2013.
   العبيدي , شفيق ,  تأريخ الصحافة العراقية وتأسيس نقابة الصحفيين العراقيين , موقع نقابة الصحفيين العراقيين.
   ملاحظة: هذا الجزء هو تتمة واستكمال للمبحث الثاني حول دور المثقفين العراقيين اليهود في العراق. كاظم حبيب
   ملاحظة: هذا الجزء هو تتمة واستكمال للمبحث الثاني حول دور المثقفين العراقيين اليهود في العراق. كاظم حبيب



181
هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق
بيان
المطالبة بإطلاق سراح العلامة الإسلامي أحمد القبانجي فوراً
علمنا من مصادر عديدة إن المخابرات الإيرانية قامت باعتقال العلامة والمفكر الإسلامي السيد أحمد القبانجي في مدين قم الإيرانية أثناء ثيامه بزيارة عائلته التي تقطن منذ فترة غير قصيرة في إيران.
وحسب المعلومات المتوفرة إن العائلة لم تستطع حتى الآن معرفة مكان اعتقاله. ولا يمكن أن تقدم المخابرات الإيرانية على اعتقال مواطن عراقي بقامة السيد أحمد القبانجي لولا وجود موافقة من الحكومة الإيرانية ومرشدها الأعلى السيد علي خامنئي.
كلنا يقرأ مقالات العلامة القبانجي لأنها تطرح بحرص كبير أفكاراً مهمة في التنوير الديني واستنهاض جمهرة كبيرة من المسلمات والمسلمين من الجهل الديني الذي يلفهم ومشاركة شيوخ دين في تعميق هذا الجهل وتكريسه. وقد عرف بجرأته في نقد من يستحق النقد من شيوخ الدين وما يستحق النقد من افكار بالية ما تزال تقيد حركة الناس وفعلهم وتجرهم إلى الوراء.
إن هذا الاعتقال هو تجاوز فظ من جانب المخابرات والحكومة الإيرانية على حقوق الإنسان وعلى حرية الرأي والعقيدة بشكل عام وعلى حرية وحقوق العلامة السيد أحمد القبانجي. وإذ تشجب الهيئة هذا الاعتقال وتندين , نطالب في الوقت ذاته بإطلاق سراحه فوراً وعودته إلى أحضان عائلته في قم أو تسهيل عودته إلى الوطن الأم , العراق. .
إن هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق تعلن عن رفضها السكوت الواسع النطاق على اعتقال هذه الشخصية الدينية والمفكر العلامة السيد أحمد القبانجي من جانب الحكومة والمخابرات الإيرانية , وتطالب
كما تطالب الهيئة الحكومة العراقية باتخاذ الإجراءات الضرورية للمطالبة بإطلاق سراح العلامة القبانجي فوراً وإعادته إلى عائلته ووطنه العراق. ونحمل الحكومة الإيرانية وكذلك الحكومة العراقية مسؤولية ما يمكن أن يحصل للسيد القبانجي أثناء الاعتقال.
إن مطالبة الحكومة العراقية بإطلاق سراحه يعطينا الدليل بعدم تورط الحكومة العراقية بالإيعاز لاعتقال أحمد القبانجي, وإلا فسيكون الاتهام موجها لكل من شارك في اعتقال السيد أهمد البنجب,
      الأمانة العامة
هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق
كتب في 18/2/2013    

 

182
كاظم حبيب
السياسة الاقتصادية والبنية الطبقية للنخبة الحاكمة بالعراق
حين يسعى الباحث إلى تفكيك السياسة الاقتصادية والاجتماعية التي تمارسها نخبة حاكمة في هذا البلد أو ذاك ابتداءً من مؤشرات الاقتصاد الكلي ومروراً بالاقتصاد الجزئي وانتهاء بتجليات وعواقب تلك المؤشرات على الحياة الاجتماعية والمعيشية لفئات المجتمع يتسنى له أن يكتشف عند ذاك بدقة كبيرة طبيعة النخبة الحاكمة والفئات الاجتماعية التي تنحدر منها ومن ثم الطبقات أو الفئات الاجتماعية التي تتبنى مصالحها وتخدمها. ومن هنا جاء التعبير الصادق الذي يؤكد بما لا يقبل الشك عن العلاقة الجدلية بين السياسة والاقتصاد وهما وجهان لعملة واحدة في آن واحد, وينعكس ذلك على, ويتجلى في الوقت ذاته في, الواقع الاقتصادي والاجتماعي السائدين في أي بلد من البلدان.
فحالة الاقتصاد والسياسات الاقتصادية في مقدورها الكشف بثقة عالية, حين يتم الاعتماد على أرقام إحصائية دقيقة لا تمت إلى "المايوه البكيني" , الذي يكشف عن كل شيء في جسم المرأة إِلا الجزء الأساسي منه, بصلة. وبالتالي فإن الحديث عن الفصل بين السياسة والاقتصاد هو حلم الواهمين الذي لا يخدم سوى تلك النخبة الحاكمة التي تسعى إلى تكريس هذه الفكرة في أذهان أفراد المجتمع. وحين يردد البعض من الاقتصاديين هذه الفكرة يرتكبون خطأ فادحاً بعدم ممارسة التنوير الاقتصادي لأفراد المجتمع, سواء أدركوا ذلك أم لم يدركوه. ومن هنا نشأ مصطلح "الاقتصاد السياسي" العلمي المتفق عليه دولياً الذي يعبر عن هذه العلاقة الجدلية الموضوعية.
فمعرفة بنية أو تكوين الدخل القومي بالعراق والقطاعات الاقتصادية المشاركة في تكوينه والوزن النوعي لكل من هذه المشاركات من جهة, وثم بنية توزيعه الأول لجانبي التراكم والاستهلاك , ومن ثم توزيع حصة التراكم كاستثمارات لتنمية الاقتصاد الوطني وتنويعه وتطويره, وحصة الاستهك بين الاستهلاك الفردي والاستهلاك الاجتماعي, وبتعبير أدق معرفة خطة وميزانية التنمية الوطنية وخطة وميزانية الدولة الاعتيادية من جهة أخرى, تكشفان عن الوجهة أو الأهداف التي تسعى الحكومة الاتحادية بالعراق إلى تحقيقها.
يتفق الاقتصاديون العراقيون على حقيقة قائمة يصعب على أي إنسان عاقل إنكارها مفادها: إن الاقتصاد العراقي ريعي استهلاكي باعتماده على النفط الخام في تكوين القسم الأعظم من الناتج المحلي الإجمالي أو من دخله القومي. وإذ كان الاقتصاد العراقي قبل ثمانية عقود ريعي زراعي, فقد أصبح منذ خمسينيات القرن العشرين ريعي نفطي بامتياز. وخلال هذه الفترة تعمقت فيه ليس سمته الريعية فحسب, بل تعمقت فيه سمته الاستهلاكية غير الانتاجية منذ العقد التاسع من القرن العشرين حتى الآن على نحو خاص, إضافة إلى انكشافه الكامل على الخارج.
وحين يدرس الباحث بعناية كافية ميزانية الدولة التنموية في المرحلة الراهنة سيجد أمامه اللوحة التالية: مزيد من الجهد لتعميق سمة الريعية في الاقتصاد العراقي والابتعاد الفعلي عن التنمية الصناعية والزراعية بما لا يسهم في إجراء تغيير في بنية الاقتصاد وبالتالي في بنية تكوين الدخل القومي, وهذا يعني إبقاء الاقتصاد العراقي ريعياً واستهلاكياً غير منتج للمنتجات التحويلية بامتياز, أي استمرار وتعميق لحالة الانكشاف في الاقتصاد العراقي على الخارج وتبعيته الفعلية التامة للاقتصاد الدولي.
وحين يدرس المتتبع الميزانية الاعتيادية للدولة العراقية المتمثلة بسلطتها السياسية او حكومتها , سيجد انها غير موجهة لتأمين الاحتياجات الأساسية للمجتمع وإزالة الأوضاع الموروثة المتراكمة من السابق والجديدة الناشئة في العقد الأول والسنوات الأولى من العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين. وسيجد إنها تخدم مصالح النخبة الحاكمة والمحيطين بها والتسلح وتكوين جيش جرار من الموظفين المعتمدين على الحكومة في دخله اليومي, في حين يلاحظ وجود إهمال كبير وفعلي للتعليم والصحة ومؤسساتهما, وكذلك أهمال للنقل الشعبي والسكن ومكافحة البطالة والفقر ...الخ. لست راغباً في تدويخ القاري الاعتيادي بأرقام تكشف بوضوح هذا المضمون الجوهري للسياسة الاقتصادية للحكومة العراقية الراهنة, فواقع الحال وكتابات اقتصاديين ينحدرون من ضلع الحكومة الراهنة وحزبها الحاكم يؤكدون ذلك بوضوح. وغالباً ما يتحدث الاقتصاديون عن حق عن غياب الاستراتيجية التنموية وعن غياب السياسة الاقتصادية والاجتماعية. وهذا التشخيص صحيح, ولكن الغائب في الأمر هو: لماذا هذا الغايب للاستراتيجية التنموية والسياسة الاقتصادية؟ أشعر بوجوهما معاً ولكن ليسا بالاتجاه الصحيح بل هو نهج مقصود يبعد الدولة والمجتمع عن مسارهما الصحيح. وهذا الواقع هو بالضبط الذي يكشف عن الطبيعة الطبقية للنخبة الحاكمة والقوى التي تقف خلفها وتسندها.
 الاهتمام البالغ بقطاع النفط الخام ليس ترفاً ولا خطأ يرتكب حالياً بسبب الإهمال الذي تعرض له هذا القطاع طوال العقود الأخيرة, ولكن الخطأ يكمن في الأسلوب الذي جرى التعامل به على مستوى الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان من جهة والتوسع غير الاستراتيجي وغير المدروس بعمق للعقود النفطية بما يخدم مصلحة العراق كله على المدى القريب والبعيد, وكذلك في الإهمال المتعمد للصناعة التحويلية وتنمية وتحيدث وتنويع الإنتاج الزراعي وتطوير الخدمات الأساسية للمجتمع, وبشكل خاص الكهرباء والماء والسكن والنقل العام والتعليم والصحة ..الخ , هي التي تبقي الاقتصاد العراقي متخلفاً ومكشوفاً على الخارج وعملية إعادة إنتاجه مرتبطة عضوياً بالاقتصاد الخارجي كلية, وهي التي تعيد إنتاج التخلف والتبعية وتزيد من حجم البطالة والتضخم المرضي في أجهزة الدولة التي تستهلك بدورها المزيد من موارد الدخل القومي, ولكنها تخلق فئة تعتمد على الدولة في دخلها وتأتمر بأوامرها. إنها الحلقة المفرغة التي كانت وما تزال قائمة ومتعمقة بفعل سياسات الحكومات العراقية المتعاقبة في الفترات اسابقة وفي الوقت الحاضر.
إن السمة التي نشأت منذ عقود في العراق وتفاقمت بمرور الزمن واصبحت نظاماً سائداً تتجلى في واقع الفساد المالي والإداري القائمين, وهما يجسدان اليوم حالة عامة وشاملة وعميقة ومصحوبة بحركة شرسة لمافيا قوية وواسعة ومتعدد الرؤوس, إنها كالاخطبوط الذي مد أذرعه بعيداً في جسم الدولة والمجتمع. إن الفساد المالي والإداري لا يستنزفان المال العام ويفرطان بأموال الدولة فحسب , بل ويكرسان حالة الإرهاب وينمياها ويعمقان من حالة الفوضى والتبعثر والصراع في البلاد, ومن حالة التذمر والهيجان المستمر.
إن استمرار هذه الحالة في ظل قوانين سابقة غير إنسانية واستبدادية وغير عادلة من جهة وابتعاد مستمر ومتفاقم عن الالتزام بالدستور العراقي الجديد من جانب الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم والحكومات المحلية تشير إلى حالة البلاد الراهنة من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية إضافة إلى الحالة البيئية المتردية. والمتضرر الساسي من هذه الحالة هم بنات وأبناء الفئات الكاحة والفقيرة والمتوسط وفئة المثقفين وأصحاب الدخول المحدودة.
إن القراءة الموضوعية لواقع الاقتصاد العراقي وسياسات الحكومة الاتحادية تكشف لنا بما لا يقبل الشك إن جزءاً أساسياً وغالباً من النخبة الحاكمة الحالية ينحدر من فئات اجتماعية هامشية أو ما يطبلق عليها تعبير " الفئات الرثة", سواء من هم في الحكومة أم في مجلس النواب أم يجلسون على مقاعد وثيرة في أجهزة الدولة والقوات المسلحة. وهم يسعون إلى الاغتناء على طريقة القطط السمان ويستنزفون موارد الدولة من الباطن وبأساليب المافيا المعروفة واساليب الرشاوى والنهب والسلب العلنيين. وهذا الجزء المؤثر والحاسم في النخبة الحاكمة يطبع عمل الحكومة كله ويميزه ويمنحه سلوكية معينة وإجراءات محددة تسعى من خلاله إلى إنعاش الفئات التي يصطلح عليها بالطفيلية, سواء في المضاربات المالية أم في العقار أم في المقاولات أم في العقود النفطية والسلاح والتجارة الأخرى أم في المجالات الاقتصادية الأخرى وفي المجتمع, وتنشط هنا إلى جانب ذلك العلاقات والسلوكيات العشائرية التي لم تعد تنسجم مع القرن الواحد والعشرين وتزيد في الوقت ذاته من اعتمادها على شيوخ الدين والمؤسسة الدينية عموماً لإنها تمارس الطائفية وباسمها تتحرك المافيات المتنوعة في البلاد.
إن الوضع القائم يعكس تشابكاً عجيباً, ولكنه قائم فعلاً ويخدم على المدى القريب مصالح النخب الحاكمة من الفئات الرثة ذات النعمة الحديثة التي لا يهمها تنمية وتطوير الاقتصاد الوطني والمجتمع المدني, بل همها يتركز في سبل زيادة ثروتها من السحت الحرام وتعظيم حساباتها تالمصرفية الخاصة على حساب الاقتصاد الوطني وقوت الشعب, وكيف تحافظ على الوضع القائم وإدامته بما يسهم في زيادة فرص نهبها لموارد الدولة.
ولكن هذا الدرب الأعوج سيعمق الهوة والفجوة المتسعة بين الشعب, وخاصة الغالبية العظمى الكادحة والفقيرة والمعدمة منه, من جهة, والفئة الحاكمة والقوى التي تساندها وتدعم سياساتها الاقتصادية والاجتماعية واللاديمقراطية الراهنة من جهة أخرى, وسيشدد بدوره أكثر فأكثر الصراع بينهما مما دفع ويدفع بالنخبة الحاكمة إلى ممارسة الانفراد بالحكم والاستبداد واستخدام القوانين القمعية وحالة الطوارئ لمواجهة الشعب, مما يسهم في تقريب أجل النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية والتمييز وغياب مبدأ المواطنة. إنها تذكرنا بدورة الحكم التي تحدث عنها ابن خلدون والتي ستنتهي بنهاية سريعة وعاصفة للحكم الطائفي بالبلاد, ولكنها يمكن أن تحرق الأخضر بسعر اليابس أيضاً.
إن الوضع الراهن يساعد على زيادة شدة الريح المناهضة للوضع القائم وتحولها إلى عاصفة. ويبدو إن النخبة الحاكمة راغبة في استمرار الريح الشديدة لأنها ضمانة لمزيد من الاصطفاف والاستقطاب الطائفيين مع قرب حلول موعد انتخابات مجلس المحافظات القادمة مستفيدة في ذلك من الوعي المزيف والمشوه الراهنين الذي ساهمت بنشره عن الصراع والنزاع الطائفيين في المجتمع, رغم تقلصه النسبي خلال الفترة الأخيرة. 15/2/2013            كاظم حبيب

183
كاظم حبيب

هل هناك من منافسة غير مشروعة بين رئاسة الإقليم والحكومة الاتحادية ؟

لقد عاني الشعب العراقي بكل قومياته وأحزابه السياسية الوطنية وأتباع دياناته ومذاهبه الدينية الأمرين على أيدي نظام البعث الفاشي. لقد كانت المعاناة والكوارث والمآىسي متنوعة وشاملة ولا تطاق, سواء أكان ذلك بسيادة الاستبداد المطلق والدولة البوليسية والمخبرين السريين , أم بمصادرة الحريات الديمقراطية والفردية والحياة السياسية , أم بممارسة التعذيب والقتل تحت التعذيب , أم بممارسة جرائم الإبادة الجماعية وضد الإنسانية في عمليات الأنفال الإجرامية ضد الشعب الكردي واستخدام الاسلحة الكيماوية في حلبجة وغيرها من القرى والنواحي الكردستانية , أم في تهجير عرب الوسط والجنوب , إضافة إلى تهجير جماعي للكرد الفيلية باتهامهم جميعاً بالتبعية لإيران وهي جريمة إبادة جماعية وضد الإنسانية أيضاً , أم بشن الحروب ضد إيران (حرب الخليج الأولى) , واحتلال الكويت وحرب الخليج الثانية ثم الحصار الاقتصادي الدولي , وأخيراً حرب الخليج الثالثة التي دمرت ما تبقى من بنية تحتية ومنشآت صناعية واقتصادية ولوثت المياه والتربة بالإشعاعات وأوجدت الكثير من الأمراض الحديثة كما انتجت بشكل خاص النظام الطائفي المحاصصي المقيت الراهن.
الدكتاتورية الدموية التي سادت في العراق طوال نيف وثلاثة عقود من السنين العجاف اعتمدت على رجال ونساء ساعدوا النظام على الاستمرار في الحكم طوال تلك الفترة وهم أدواته السياسية والقمعية الفاعلة في هرس لحوم الناس وتدمير وحدته الوطنية. مثل هؤلاء الرجال يجب أن لا يعودوا إلى الساحة السياسية العراقية , يجب أن لا يحتلوا مواقع في الدولة العراقية , ويجب أن لا يفسح لهم المجال في تمزيق وحدة الشعب مرة أخرى. إن التمييز بين المسؤولين عن كوارث الشعب العراقي ونوائبه والملطخة ايديهم بدمائه وعرق جبينه من جهة وأولئك الذين عملوا مع البعث من منطلق انتهازي أو إجبار خشية السجن والموت من جهة أخرى ليس ضروري فحسب , بل واجب وطني على الجميع.
وفي السنتين الأخيرتين سعى رئيس الحكومة الاتحادية إلى إدخال قادة بعثيين من القوات المسلحة السابقة ومن كبار موظفيه وأجهزته الأمنية والقوات الخاصة في مؤسسات الدولة لتحقيق هدفين أساسيين هما:
1.   تعزيز مواقعه في مواجهة رئاسة وحكومة الإقليم في مطالبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية , باعتبار إن هذه الجماعات البعثية تمتلك خبرة في الحرب ضد الكرد وفي مكافحة الشعب الكردي ولأنها ليست ضد الحكم الفيدرالي فحسب , بل وضد الكرد من الناحية الشوفينية والعرقية.
2.   من أجل كسب أتباع المذهب السني إلى جانب الحكومة الاتحادية في مواجهة الكرد ايضاً والمطالب الشعبية الأخرى.
وهذه الوجهة لم ينتقدها الديمقراطيون فحسب , بل وكذلك الكثير من الأوساط الشعبية والقوى السياسية لما فيها من مخاطر على مستقبل البلاد والشعب العراقي. وهذه السياسة ما يزال يمارسها رئيس الحكومة الاتحادية , وهي سياسة ليست خاطئة فحسب , بل خطرة ومضرة بالشعب كله.
واليوم نسمع ادعاءات من جانب نشطاء في دولة القانون التي يرأسها نوري المالكي حول وجود قادة أو بعثيين عسكريين كبار في إقليم كردستان. وقد نفى ناطقون باسم رئاسة وحكومة الإقليم هذه الإدعاءات والتي نأمل أن يكون النفي صحيحاً. إذ ليست لدي معلومات كافية عن هذا الموضوع.
ولكن الذي اثار امتعاض واحتجاج الكثير من العراقيين والعراقيات تلك الدعوة التي وجهها رئيس إقليم كردستان إلى شيخ الدين يوسف القرضاوي ,  رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين , بسبب الدور المخزي الذي لعبه هذا الشيخ في فترة النضال ضد الدكتاتورية الغاشمة في العراق ودفاعاً عنها من جهة وبسبب دوره في محاولة تعميق الصراع الطائفي بين اتباع المذهب السني وأتباع المذهب الشيعي في البلاد.
ونقل الإنترنيت خطبة للقرضاوي حول صدام حسين إذ : امتدح الشيخ القرضاوي صدام حسين واعتبر انه مات موتة الشجعان واقف كالاسد كاشف وجهه واعداءه كانوا مغطين وجههم . وقال الشيخ ان الزعيم الراحل هو الوحيد الذي قال للامريكان لا ولم يستطيعوا ان يلووا ذراعه لذا فأنهم انتقموا منه بأعدامه. وهو الذي أطلق 19 صاروخا على إسرائيل ولم ينسوا له ذلك. وكتب الدكتور شاكر النابلسي بصدد موقف القرضاوي ما يلي:
"أصدر الداعية الإسلامي الأشهر والنجم الديني الأبرز الشيخ يوسف القرضاوي فتوى (بعدم جواز استخدام المطارات والموانئ والأراضي لضرب العراق) وندد الداعية الإسلامي من قطر يوم الجمعة الماضية بأي تعاون مع الولايات المتحدة ضد العراق معتبراً أن مواجهة (الغزاة فرض عين) على المسلمين. وهاجم القرضاوي في خطبة الجمعة في مسجد عمر بن الخطاب في الدوحة (من يتعاون مع أمريكا في حربها ضد العراق وأفتى (بعدم جواز استخدام المطارات والموانئ والأراضي العربية والإسلامية للمساعدة في ضرب العراق). وتابع القرضاوي قائلاً (إذا غزا العدو بلداً مسلما يجب على جميع أهله أن يخرجوا وينفروا لطرده من بلدهم.. وهو فرض عين على الجميع نساء ورجالا). وأضاف (إن قدر أهل البلد على رد العدوان، فبها ونعمت، وان لم يقدروا انتقلت الفرضية إلى جيرانه من المسلمين وهكذا". (موقع وجهات نظر).
ودافع القرضاوي , باعتباره عضوا في جماعة الأخوان المسلمين عن عملية احتلال الكويت في العام 1990التي قادت إلى حرب الخليج الثانية في العام 1991 ودافع عن المجرم صدام حسين وقراره وشجعه على الاستمرار في احتلال الكويت وبقاء قوات صدام حسين في الدولة الشقيقة وعدم سحبها استجابة لقرار مجلس الأمن الدولي مما تسبب بالحصار الاقتصادي الدولي وحرب الخليج الثانية.
مثل هذا الشيخ المنافق لا يجوز دعوته لزيارة إقليم كردستان العراق , بل يفترض مقاطعته وإدانته , وهو الذي سكت سكوت الموتي على جرائم صدام حسين في الأنفال وضد الشعب الكردي.   
وكم كان الصديق شمال عادل سليم صادقاً , كأبيه الرفيق عادل سليم , مع شعبه الكردي حين كتب بشأن دعوة القرضاوي لزيارة الإقليم بتاريخ 26/1/2013 ما يلي:
"هكذا نصل إلى القول بأن زيارة القرضاوي الى إقليم كردستان غير مناسبة وغير مطمئنة و تزيد (الطين بلة ) ان صح التعبير وسوف تعقد الامور اكثر و اكثر بالاضافة الى انه شخص غير مرحب به بين اوساط الشعب العراقي عامة والشعب الكردي خاصة." راجع صوت العراق , "دعوة القرضاوي لزيارة اقليم كردستان تثير ردود فعل غاصبة  ..!".
ن مثل هذه المنافسات لكسب بعثيين أو كسب شيوخ الدين الذين ألحقو اضراراً فادحة بوحدة الشعب العراقي بين الحكومة الاتحادية ورئاسة الإقليم ليست في مصلحة الشعب العراقي عموماً والشعب الكردي على وجه الخصوص بل تحمل معها مخاطرها الشديدة وإضرارها الكبيرة على الشعب والوطن. وأملي أن يتجنبها الجميع."27/1/2013                     كاظم حبيب



184
كاظم حبيب

جرائم بشعة ترتكب بالعراق ...من يرتكبها؟

وكالات الأنباء العراقية والعربية والدولية ومنظمات حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية ومراصد حقوق الإنسان تنقل يومياً مجموعة من الأخبار المرهقة لضمير الإنسان وعقله وتنغص عليه حياته, سواء أكان المواطن أو المواطنة في داخل البلاد أم خارجه, إنها أخبار عن اعتقالات خارج القانون تمارسها الشرطة وقوات عمليات بغداد وأجهزة الأمن القديمة الجديدة, واغتيالات فردية وتفجيرات دموية تقتل وتجرح العشرات من العراقيات والعراقيين في مناطق تسكنها غالبية شيعية, وأخبار عن جرائم فساد مالي لم يعد ممكناً حصرها, بل اتسعت بشكل يصعب تقديره. كل هذا يجري في بلد أطلق عليه بالعراق الجديد!!! فهل هذا هو العراق الجديد الذي ناضل من أجله الشعب العراقي بكل قومياته وأعضاء أحزابه وقواه السياسية الوطنية وأتباع دياناته ومذاهبه الكثيرة؟ هل هذا هو العراق الذي أريد له أن يكون غير النظام الدكتاتوري الذي اقامه حزب البعث العربي الاشتراكي وقيادته االمستبدة بأمرها والتي خاضت الحروب وزجت بالمعارضة في السجون أو أجبرتها على مغادرة العراق أو حمل السلاح والصعود إلى جبال كردستان للمشاركة في حرب الكرد الأنصارية ضد الطغمة الحاكمة الصدامية البعثية؟ أم إن العراق الذي نعيش فيه تقترف فيه شتى الجرائم من القتل الجماعي إلى الاعتقال الكيفي ألى الإساءءة لسمعة الأفراد دون وجه حق وزجهم في المواقف كما حصل للزميل الدكتور مظهر محمد صالح أو كما أريد للزميل الدكتور سنان الشبيبي أن يعتقل حال وصوله مطار بغداد؟ الظلم إذا دام دمر, هذه هي الحكمة التي برهنت عليها الحياة. وها نحن نعيش تفاقم الظلم على المجتمع العراقي باتجاهات عديدة.
من يرتكب هذه الجرائم ومن المسؤول عنها؟ هل يمكن حصرها بجماعة معينة دون غيرها؟ بدأ الأمن يغيب عن حياة الناس؟ ومعه بدأ الخوف يغيب عن حياة الناس لأنهم ذاقوا مرارة الخوف في زمن صدام وكسر هذا الخوف بالمظاهرات التي تصدرت صحف ومحطات الإذاعة وقنوات التلفزة على نطاق واسع.
من المعروف أن من يقتل بالجملة وبطريقة التفجيرات والانتحاريين هم جماعة تنظيم القاعدة الإجرامية, وإن هذه الجماعة قد تحالفت مع تنظيمين معروفين وعلنيين هما حزب البعث العربي الاشتراكي وجناحه العسكري الذي يقوده عزة الدوري أولاً وهيئة علماء المسنين السنة التي يقودها حارث الضاري, وهما جزء ممن يوفر للقاعدة الغطاء لممارسة الجرائم في البلاد ويشاركان فيها بطرق مختلفة بما في ذلك تزويد المجرمين بالمعلومات من خلال وجودهم في الجيش والشرطة وأجهزة الأمن وقوات عمليات بغداد وغيرها. ولكن هناك جرائم أخرى هي الاختطاف والزج بسجون سرية أو الاعتقال غير القانوني أو خارج القانون الذي تمارسه السلطة بأجهزتها القمعية وليست الأمنية العديدة. وهناك التعذيب والموت تحت التعذيب في أقبية الأمن والقوات الخاصة ووزارة الداخلية وهي جرائم بشعة ترفضها مبادئ حقوق الإنسان والدستور العراقي, ولكنها تمارس فعلاً. أصدرت منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان في العراق/ألمانيا أمرك بياناً جديداً بتاريخ 23/1/2013 أشارت فيه إلى ما يلي:
"** يتعرض السجناء والمعتقلون في العراق إلى ابشع أشكال التعذيب الجسدي والنفسي والتنكيل والقتل تحت التعذيب. وقد مات تحت التعذيب اكثر من 16 مواطنا , كما جرت حالات اغتصاب لمواطنات عراقيات في تلك المعتقلات.
** وجود أعداد كبيرة من السجناء والمعتقلين منذ عدة سنوات ولم يقدموا للمحاكمة وهم أبرياء وقد اعتقلوا بوشاية كاذبة ورغبة في الانتقام.
** انتهاء محكوميات الكثير من السجناء ولكن لا يطلق سراحهم إلا بعد دفع رشوة كبيرة ومن لا يستطيع الدفع يبقى في المعتقل دون وجه حق ودون من يستطيع الاستفسار عنه.
وقد اعتمدت في بيانها على معلومات كثيرة ومهمة وخطيرة أدلى بها القاضي منير حداد في تصريحات له لجريدة الحياة اللندنية بتاريخ 19/1/2013. إن الشعب بالعراق يعيش اليوم في دولة المخبر السري. يقول عدي حاتم إن السيد منير حداد ".. انتقد بشدة إصدار بعض القضاة أوامر اعتقال بالاستناد إلى معلومات يدلي بها «المخبر السري»، معتبراً أن «معظم المعلومات عارية عن الصحة وهناك معتقلون منذ عام 2005 أي مضى عليهم اكثر من 7سنوات، تم اعتقالهم بناء على معلومات قدمها مخبرون سريون ولا أدلة أو اعترافات ضدهم""
وشبه حداد «المخبر السري» بـ «البعثيين في النظام السابق الذين يكتبون تقارير كيدية ضد المواطنين أملاً بتحقيق مكاسب مادية أو حظوة لدى السلطة، وأنا اجزم بأن غالبية المخبرين السريين من نوعية هؤلاء». وأكد أن «القضاء العراقي للأسف يعتمد الاعترافات التي غالبيتها منزوعة بالإكراه، ما أدى إلى أن يكون معظم المعتقلين من الأبرياء أما المجرمون الحقيقيون فهم خارج السجن يقتلون ويفجرون ولا رادع لهم»." (جريدة الحياة. في 19/1/2013).
إن هذه جرائم ترتكبها السلطة السياسية بأجهزتها المختلفة, إضافة إلى ضلوع واضح للمؤسسة القضائية بذلك.
لو كان القضاء مستقلاً للاحق المسؤولين عن التعذيب والقتل تحت التعذيب في السجون, ولاحق الحكومة عن الاعتقالات خارج القانون حيث أكد عضو القضاء العراقي بيرقدار وهو يدافع عن مدحت المحمود, وارتكب في تصريحات سلسلة أخط\ء لا يجوز ارتكابها من قبل قاض معروف, قد أكد على إن القضاء لا يعرف باعتقالات كثيرة ولم تطرح على القضاء العراقي تلك القضايا. وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يتابع تلك القضايا خاصة وإن الناس كلها تتحدث عن تلك الاعتقالات والمواقف مليئة بهم , إضافة إلى المعتقلات السرية. (راجع: صوت العراق: صوت العراق "تصريحات البيرقدار وصلاحيات مدحت المحمود " بقلم المحامي نعيم عبد الكريم الربيعي في 25/1/2013).
الجرائم التي ترتكب بالعراق بشعة ومتزايدة, ولا يرتبكها المجرمون المعروفون لنا, بل ترتكب من قبل أجهزة الدولة الأمنية وهي خاضعة للحكومة العراقية ورئيس الحكومة العراقية لا غير. وعلينا أن نكون صريحين مع الشعب فلم يقتل المتظاهرون في الفلوجة بإرادة هذا العسكري أو ذاك, فهؤلاء مأمورون, والذي يصدر الأوامر هو المسؤول عن ذلك, إنه القائد العام للقوات المسلحة الذي أعطى الأمر لوزير الدفاع ووزير الدفاع أعطى الأمر لقائد الفرقة الأولى وقائد الفرقة الأولى أعطى الأمر لضباطه وضباطه أعطو الأمر لأفراد الفرقة الأولى الذين صوبوا نيران اسلحتهم إلى صدور وظهور المتظاهرين في الفلوجة. هكذا يجب أن يكون التشخيص وليس غير ذلك وتشكيل اللجان لن يخرج بنتيجة ما دام القائد العام هو المسؤول عن القوات المسلحة.
26/1/2013                  كاظم حبيب


185
كاظم حبيب

لا للأستبداد .. لا للطائفية .. لا لقتل المتظاهرين .. نعم لمطالب الشعب العادلة..

اليوم ارتكب رئيس الوزراء ووزير دفاعه الجريمة التي كنا نخشى منها , اليوم سقط الفأس على الرأس على أيدي الفرقة الأولى في الجيش العراقي , اليوم سقط سبعة شهداء في مظاهرات الفلوجة وعشرات الجرحى والمعوقين , اليوم سنرتدي الملابس السوداء حزناً على شهداء جدد للشعب العراقي في القلوجة.
منذ سنوات ومطالب الشعب مطروحة أمام مجلس الوزراء ومجلس النواب والقضاء العراقي , ولكن لا سميع ولا مجيب و فهم صم بكم عمي لا يفقهون. ومنذ شهر لم تعد قادرة على السكوت وتحمل الحيف والمزيد منه. أعلنت الجماهير في مدن عديدة اعتصامها السلمي والديمقراطي والدستوري احتجاجاً على التمييز الطائفي السياسي , احتجاجاً على غياب العدل والإنصاف , على وجود كثرة من السجناء والمعتقلين الأبرياء في سجون ومعتقلات العراق المعروفة والسرية , على النقص الهائل في الخدمات وعلى سوء الأحوال وتعالي الصراخ الشعبي ضد الفساد والذي وصل إلى عنان السماء ولم يصل إلى آذان الحكام الفاسدين, إذ لا توجد أذان صاغية تستمع لمطالب الشعب, و حين يستمعون لا ينفذون لأنهم غير جادين.
إذاكان الحاكم والمستبد بأمره راغباً في حل المعضلات لما احتاج إلى تشكيل لجان, فاللجان تشكل لإماتة القضايا المطروحة وليس للاستجابة لها أو حلها , ووالحكمة المعروفة تقول : أذا أردت أن تقتل قضية فشكل لها لجنة!
إن رئيس الوزراء العراقي لا يمارس سياسة تفقده ثقة الشعب العراقي كله فحسب , بل ويغامر جدياً بتأجيج الطائفية المقيتة في البلاد ويشعل الفتنة بدلاً من سياسة إطفاء مواقد الاشتعال. إنه يشعل الفتنة باتجاهين بين السنة والشيعة وبين العرب والكرد وبين الترك والكرد, وبالتالي بين القوات المسلحة زوالشعب.
لو كان رئيس الوزراء رئيساً لكل العراقيات والعراقيين حقاً لركب عربته واصطحب معه رئيس مجلس النواب وغادر إلى الفلوجة والتقى بالمتظاهرين فيها وبالرمادي وسامراء والموصل وغيرها وعالج الموضوع معهم مباشرة, بدلاً من الاحتماء بالمنطقة الخضراء وبجيش جرار لحمايته وترك الشعب يعاني من ويلات التفجيرات اليومية والموت المستمر لأبناء وبنات الشعب العراقي. إنه ليس رئيس وزراء لكل الشعب العراقي بل لقائمته فقط وربما ليس لكل قائمته ولا للتحالف الوطني. فهاهم الصدريون الذين , كما يبدو , قد تخلوا عن الخط المتشدد السابق والمليشيات المسلحلة السابقة في سياتساتهم الراهنة وأدركوا اللعبة التي يمارسها رئيس الوزراء باللجنة التي شكلها لذر الرماد في العيون وعبور موجة الاحتجاجات والاعتصامات والتظاهرات الشعبية ومن ثم التحضير لمواجهة الجماهير وضربها بالحديد والنار كما حصل يوم 25/1/2013 كبداية لمعارك لاحقة محتملة ضد الشعب, وهو ما يفترض أن يدان من كل قوى الشعب العراقي وقواه السياسية ويشجب ويوضع له حد قبل أن يتفاقم ويقود إلى استفادة قوى القاعدة الإرهابية وتنظيم البعثيين الإرهابي ودفع الأمور باتجاه حرب طائفية مقيتية ومهلكة.
يبدو أن رئيس الورزاء قد تخلى عن عقله ومعه وزير دفاعه وقائد الفرقة الأولى الذين أعطوا الأوامر برمي المتظاهرين بالعتاد الحي ليقتلوا سبعة من المتظاهرين ولا يعرف عدد الجرحى الذي سيلتحقون بالشهاداء السبعة السابقين.
لقد حذرنا وحذر الآلاف من الكتاب والإعلاميين والسياسيين من مغبة الغوص بالطائفية المشينة وما يمكن أن يترتب عنها وعليها من كوارث على الشعب العراقي كله , ولكن "اللي يقرأ هندي واللي يسمع من أهل الجريبات" , كما يقول المثل الشعبي العراقي.
لا يمكن استبدال طائفية صدام حسين بطائفية المالكي ابداً, ولا يمكن قبول استبدال دكتاتورية صدام حسين بدكتاتورية المالكي بأي حال , ولا يمكن القبول بقتل المتظاهرين المطالبين بطرق سلمية وديمقراطية بحقوق دستورية ولا يمكن السكوت عن كل ذلك, بل لا بد للشعب كله أن يتحرك لمنع الدراما الجديدة , إنها المأساة والمهزلة في آن.
لقد تجاوز نوري المالكي كل الخطوط الحمر حين أعطى الأوامر بتوجيه النار إلى صدور أو ظهور المتظاهرين في الفلوجة, وهو ما يمكن أن يحصل في الموصل والرمادي وسامراء وصلاح الدين وبغداد وغيرها , إذ لا يمكن لأحد أن يعطي الأوامر بالقتل غير القائد العام للقوات المسلحة!!
إن على القوى الحية في البلاد, على القوى العاقلة والحيكمة والتي تشعر بمسؤولية إزاء هذا الوطن المستباح من قوى الإرهاب والفساد والطائفية والتي تدرك ما آل إليه الوضع في ظل الطائفية المقيتة والاستبداد الفردي, إن على القوى الديمقراطية واللبرالية والعلمانية والقوى السليمة في المجتمع التي لم يلطخها عار وشنار الطائفية السياسية أن تتحرك لتمنع سقوط قتلى وجرحى جدد لأنها ستشعل نيراناً إضافية يصعب إطفاؤها.       
إن مسؤولية الوصول إلى هذه الحالة التعسة تقع على عاتق من يقود البلاد حالياً, فهذه القيادة تدفع بالبلاد إلى جحيم لا يطاق إلى شفا حرب أهلية تحرق الأخضر واليابس في آن واحد.
25/1/2013                        كاظم حبيب   
     

186
كاظم حبيب

أفرج عن الدكتور مظهر محمد صالح بكفالة, ولكن..!

كان اعتقال الدكتور مظهر محمد صالح خطيئة سياسية وتجاوز قانوني وإساءة متعمدة, إضافة إلى كونها خطيئة اقتصادية واجتماعية. لم يأت الإفراج عن الدكتور مظهر محمد صالح بكفالة لأن المستبد بأمره قد اقتنع بخطأ هذا الاعتقال ولا بد من تصحيح الموقف, بل لأنه واجه جداراً سميكاً من وحدة الرأي والموقف لا من القوى الديمقراطية السياسية والإعلامية التي أدركت بعمق العوامل الكامنة وراء اعتقال الدكتور مظهر  وإصدار أمر اعتقال الدكتور سنان الشبيبي, محافظ البنك المركزي, حال وصوله إلى مطار بغداد أولاً, ومن جمهرة واسعة من الاقتصاديين وتلامذة الدكتور مظهر محمد صالح الذين أدركوا الخلل الكبير والاعتداء البالغ الواقع على شخص الدكتور مظهر باعتقاله ثانياً, وانتقال هذه القناعة وبهذا القدر أو ذاك إلى شخصيات في معسكر المستبد بأمره ومطالبتها بالإفراج الفوري عنه ثالثاً, والتي شكلت كلها توجساً فعلياً وخشية شاخصة نشأت لدى معسكر المستبد بأمره من أن يكون هذا الإصرار على استمرار اعتقال الدكتور مظهر القشرة التي تقصم ظهر المستبد بأمره في المحصلة النهائية.
لقد أفرج عن الدكتور مظهر بكفالة, ولكن قضية البنك المركزي ذاتها لم تنته باتجاهين:
1.   لا بد من رفع الحيف عن كل الذين اعتقلوا بهذه القضية دون وجود مبررات قانونية بالاعتقال وخارج القانون وقانون البنك المركزي, وإصدار قرار بإعلدة الاعتبار لهم جميعاً وتعويضهم عما لحق بسمعتهم من أضرار واعتقال.
2.   التحري عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى إصدار قرار باعتقال نائب محافظ البنك المركزي واعتقال محافظ البنك المركزي حال وصوله مطار بغداد, لمحاسبة الذين وافقوا على إصدار هذا القرار ومحاسبة من كان وراء إصداره خارج القانون وقانون البنك المركزي.
إن الإفراج عن الدكتور مظهر محمد صالح لم ينه قضية التجاوزات الكبيرة والمستمرة على الشرعية الدستورية وعلى القوانين العراقية واعتقال الآلاف من المواطنات والمواطنين دون وجه حق من جانب أجهزة الأمن والشرطة وقوات عمليات بغداد التي يشرف عليها القائد العام للقوات المسلحة والمستبد بأمره, أو بإصدار قرارات توقيف من قضاة لا يحترمون مهنتهم ومرتشون وفاسدون كما شخص ذلك بصواب القاضي منير حداد في تصريحاته لمراسل جريدة الحياة ببغداد حول التعذيب والاعتقال الكيفي بالعراق.
إن الحركة الاحتجاجية التي انطلقت لتحرير الدكتور مظهر محمد صالح وتلك الحركة الشعبية التي تطالب بالعدالة في متابعة قضايا السجناء والمعتقلين السياسيين وكثرة من المتهمين بالإرهاب جوراً والذين يتعرضون للتعذيب الجسدي والنفسي في معتقلات علنية وأخرى سرية بأمرة المستبد بأمره يجب أن تستمر وتتصاعد بما يقود إلى تطبيق بنود الدستور العراقي وإلى إطلاق سراح من لم يتركب جرائم فعلية بحق الشعب والوطن.
إن الشعب يستطيع ان يحقق الكثير حين يدرك أهمية دوره وتأثيره في الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد, وحين يدرك بأن أخذه قضيته بيديه يمكنها أن تحقق له ما عجز السياسيون عن تحقيقها له حتى الآن. إن الشعب هو صاحب السلطات وليس المستبد بأمره ببغداد ولا من يحيط به من مستشارين أغلبهم ينفذ ما يريده المستبد بأمره أو جهلة فعلاً.
لنجعل من هذه الحركة الشعبية الجديدة المتطلعة للحرية والديمقراطية وتكريس ممارسة حقوق الإنسان قاعدة لعمل القوى الديمقراطية والشعبية لضمان تنفيذ إرادتها ومصالحها على الحكم في البلاد أو تغيير هذا الحكم الطائفي الذي لم يك منذ البدء صالحاً لحكم البلاد.
23/1/2013                        كاظم حبيب       

187
منظمة الدفاع عن حقوق الانسان في العراق/المانيا/اومرك

بيان
حول الجرائم التي ترتكب في سجون ومعتقلات العراق
قبل سقوط الدكتاتورية الفاشية في العراق سلطت منظمتنا, منظمة الدفاع عن حقوق الانسان في العراق/المانيا/اومرك, الأضواء على الجرائم البشعة التي كان النظام البعثي الدموي يرتكبها في العراق, سواء أكان ذلك ضد الشعب العراقي بمجموعه أم ضد السجناء والمعتقلين السياسيين, إضافة إلى الحروب الداخلية والخارجية التي أشعلها النظام أو تسبب بها  والعواقب الوخيمة التي لحقت بالشعب العراقي من جراء سياساته القومية اليمينية الشوفينية والطائفية المقيتة. وقد شجبنا الحرب ضد الشعب الكردي وعمليات ومجاز الأنفال باعتبارها جرائم إبادة جماعية وضد الإنسانية, كما أدنا تهجير الكرد الفيلة وعرب الوسط والجنوب باعتبارها مناهضة للوطن والمواطن العراقي بغض النظر عن قوميته أو دينة أو  مذهبه أو اتجاهه الفكري والسياسي.
وقبل سقوط الدكتاتورية البغيضة بفترة قصيرة (1/3/2003) نشرت منظمتنا بياناً تحت عنوان : لا للطائفية.. نعم للوطنية الحقة .. وانطلقنا في ذلك من ايماننا الراسخ بان هوية الوطن والمواطن هما نقيض الهويات الفرعية إذا ما حاول البعض تكريسها على حساب الهوية الوطنية العراقية, وشجبنا بقة سياسات الدكتاتورية الطائفية والشوفينية المقيتتين لإنهما تعتمدان على التمييز الطائفي والقومي وتمزقان وحدة المجتمع العراقي الوطنية.
وحين سقط النظام تحت ضربات القوات الأجنبية حذرنا من الاحتلال ومن سياسات لا تعبر عن مصالح الشعب والوطن. ولكن قوى الاحتلال استطاعت أن تفرض نظام المحاصصة الطائفية المخالف للدستور الجديد واللوائح الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.
وأثمرت سياسات المحاصصة الطائفية عن صراع مخيف يدور بين القوى الحاكمة في العراق والتي فسحت في المجال لقوى الإرهاب والقوى البعثية الشوفينية المسلحة العودة إلى واجهة الأحداث في البلاد. لأن الحكومة الحالية لا تمارس التمييز الطائفي فحسب, بل وزجت الآلاف من السياسيين الأبرياء في السجون والمعتقلات كما تمارس الأجهزة القمعية أبشع أساليب التعذيب ضدهم والتي تماثل أو حتى أبشع من اساليب نظام صدام حسين, حسب ما جاء في تصريح القاضي منير حداد لصحيفة الحاية اللندنية بتاريخ 19/1/2013.
ان منظمتنا إذ تتابع بقلق شديد تصريحات العديد من المسؤولين العراقيين والمنظمات الحقوقية الدولية ومنظمة العفو الدولية ومرصد حقوق الإنسان في العراق التي تؤكد استمرار ممارسة ابشع أساليب التعذيب في السجون والمعتقلات العراقية وإلى تدهور الحالة الصحية لعدد متزايد من المعتقلين وإلى موت البعض تحت التعذي, وإذ اطلعت على آخر
التصريحات التي أدلى بها القاضي منير حداد ـ نائب رئيس محكمة التمييز الجنائية في العراق إلى مراسل جريدة الحياة السيد عدي حاتم , تؤكد حصول ما صرح به القاضي منير حداد والذي يتلخص بما يلي:
** يتعرض السجناء والمعتقلون في العراق إلى ابشع أشكال التعذيب الجسدي والنفسي والتنكيل والقتل تحت التعذيب. وقد مات تحت التعذيب اكثر من 16 مواطنا , كما جرت حالات اغتصاب لمواطنات عراقيات في تلك المعتقلات.
** وجود أعداد كبيرة من السجناء والمعتقلين منذ عدة سنوات ولم يقدموا للمحاكمة وهم أبرياء وقد اعتقلوا بوشاية كاذبة ورغبة في الانتقام.
** انتهاء محكوميات الكثير من السجناء ولكن لا يطلق سراحهم إلا بعد دفع رشوة كبيرة ومن لا يستطيع الدفع يبقى في المعتقل دون وجه حق ودون من يستطيع الاستفسار عنه.
** وانتقد القاضي بشدة اصدار بعض القضاة اوامر اعتقال بالاستناد الى معلومات يدلي بها ـ المخبر السري ـ معتبرا ان معظم المعلومات عارية عن الصحة وهناك معتقلون منذ عام 2005 تم اعتقالهم بناء على معلومات قدمها مخبرون سريون ولا ادلة ولا اعترافات ضدهم . واكد على زيف المخبرين السريين وشبههم بكاتبي التقارير السرية من رجال الامن الصداميين. كما اكد بان المعتقل حتى لو انهى محكوميته لا يخرج من السجن الا بعد ان يدفع اموالا طائلة الى المسؤولين عن السجن والمعتقلات.
[راجع بهذا الصدد الملحق: تصريحات القاضي منير حداد لجريدة الحياة  بتاريخ 19/1/2012 ]
ويذكر القاضي منير حداد ما يلي: انا شاهد على بعض تلك الجرائم ولدي الكثير من الادلة والمعلومات التي بعثتها الى السيد رئيس الوزراء , نوري المالكي, وقام هو بدوره بالتحقبق فيها. ولكن تصريحاته هذه تأتي بعد إخبار رئيس الوزراء وإجراء التحقيق من جانب رئيس الوزراء,  ولكن دون فائدة, إذ استمر تدهور أوضاع السجناء مما وجد القاضي نفسه مجبراً على التحدث إلى صحيفة الحياة, والتي تتضمن دعوة صريحة للشعب العراقي لكي يرفع صوت الاحتجاج ضد ما يجري في سجون ومعتقلات العراق.
وقد حذر القاضي منير حداد القاضي مدحت محمود, رئيس  مجلس القضاء الاعلى, من عدم اتخاذ اجراءات رادعة لوقف الجرائم التي ترتكب في السجون العراقية معتبرا انها جرائم ضد الانسانية يعاقب عليها القانون الدولي.
كل الادلة تشير الى استمرار وجود اعتقالات تتم على نحو غير قانوني, وتشمل بالاساس الابرياء وبشكل خاص من اقرباء المطلوبين, حين لا يعثرون عليهم, كرهائن لديهم.
إن الأمانة العامة لمنظمة الدفاع عن حقوق الإنسان في العراق/ ألمانيا تطالب بـ:
** إيقاف جميع اشكال التعذيب النفسي والجسدي وتقديم المسؤولين عنه إلى المحاكمة لمحاسبتهم ومحاسبة من وافق أصلاً على ممارسة التعذيب.
** إطلاق سراح المعتقلات والمعتقلين الأبرياء كافة وكذلك السجينات والسجناء الذين سجنوا بشهادات كاذبة وإخباريات انتقامية أو اغتصبت اعترافات من الضحايا تحت التعذيب والتهديد بالموت أو الذين انهوا محكومياتهم ولم يطلق سراحهم حتى الآن.
** التوقف عن حملات الاعتقال خارج القانون ودون الاعتماد على الأسس القانونية في الاعتقال.
** منح تعويضات لذوي الشهداء في السجون والمعتقلات ولذوي الجرحى وكذلك تعويضهم عن الفترة التي قضوها في السجون والمعتقلات دون مبرر ومسوغ قانوني.
تشكيل لجنة رقابة حيادية تقوم بزيارة السجون والمعتقلات العراقية العلنية منها والسرية للكشف عما يجري في السجون والمعتقلات العراقية من موبقات يندى لها جبين الإنسان الشريف.
إن منظمتنا إذ تدرك بأن الخلاص من الواقع المؤلم الراهن لا يتم تماماً إلا بالخلاص من نظام المحاصصة الطائفية والأثنية والعودة إلى هوية الوطن والمواطنة الحرة والمتساوية, ولهذا تدعوا الشعب العراقي للنضال من أجل مجتمع ودولة مدنية وديمقراطية تلتزم وتحترم مبادئ حقوق الإنسان وبقية المواثيق والعهود الدولة.   
الأمانة العامة
منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان في العراق/ألمانيا/اومرك
هامبورغ 23/1/2013

الملحق: القاضي منير حداد يؤكد التعذيب في السجون

بغداد - عدي حاتم / الحياة
السبت ١٩ يناير ٢٠١٣
حذر نائب رئيس محكمة التمييز الجنائية في العراق القاضي منير حداد، رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي مدحت المحمود من «عدم اتخاذ إجراءات رادعة لوقف الجرائم التي ترتكب في السجون العراقية»، معتبراً أنها «جرائم ضد الإنسانية يعاقب عليها القانون الدولي». وقال حداد الذي كان عضواً في المحكمة الجنائية التي حاكمت الرئيس العراقي الراحل صدام حسين إن السنة العرب يتعرضون لظلم يفوق ما تعرض له الشيعة في ظل نظام (الرئيس السابق) صدام حسين.
وأضاف في حديث إلى «الحياة» أن «السجناء يتعرضون لأبشع أنواع التعذيب والتنكيل والقتل من جراء التعذيب».
وأضاف، «أنا شاهد على بعض تلك الجرائم ولدي الكثير من الأدلة والمعلومات التي بعثتها إلى السيد رئيس الوزراء (نوري المالكي)، وقام هو بدوره في التحقيق فيها». وتابع أن «القضاء العراقي بمجمله نزيه لكن هناك بعض القضاة التابعين للسلطة التنفيذية أو الذين يوالون بعض الأحزاب وهذا موجود في كل أنحاء العالم»، معتبراً أن «هؤلاء القضاة هم من يسيئون إلى سمعة القضاة والقضاء العراقي من خلال تسترهم على جرائم بعض القادة الأمنيين».
وأكد أن «بعض الضباط في وزارة الداخلية كانوا مسؤولين في أجهزة أمن صدام وأوغلوا في ممارسة تعذيب العرب السنة، كما كانوا يفعلون ضدنا نحن الشيعة في عهد صدام»، مؤكداً أن «هؤلاء الضباط يبتزون المعتقلين ويجبرونهم على الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها من خلال تهديدهم باغتصاب أعراضهم وجلب نسائهم واغتصابهن أمامهم في السجن».
وزاد أن «بعض ضباط الشرطة يحتفظون بمتهمين أو مخبرين يستخدمونهم ضد بعض الناس أو من يختلفون معهم، إذ يدفعون هؤلاء إلى الاعتراف عليهم بأنهم شركاء في الجريمة معهم»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر استخدم ضد السنة والشيعة، بغية الابتزاز المالي أو لتصفية الحسابات». وأوضح أن «الغالبية العظمى من السجناء والمعتقلين هم من العرب السنة الذين لحق بهم ظلم عظيم لا يرضاه الله ولا أخلاق أهل البيت التي ننتمي إليها»، معتبراً أن «احتساب صدام من السنة أمر خاطئ لأن صدام أساء إلى السنة قبل الشيعة والأكراد».
وتابع حداد الذي كان يشغل منصب رئيس هيئة التمييز في المحكمة الجنائية العليا التي أعدمت الرئيس السابق وعدداً من أركان نظامه:» حاكمنا صدام المجرم بحق الشعب العراقي، واليوم يجب محاكمة مرتكبي الجرائم التي تصنف جرائم ضد الإنسانية»، محذراً رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي مدحت المحمود من «السكوت على هذه الجرائم»، معتبراً أن «المجتمع الدولي والمحاكم الدولية ستتدخل إذا لم تر دوراً للقضاء العراقي».
وكشف حداد أن «الجرائم لا تقف عند هذا الحد بل إن هناك مخططاً للتغيير الديموغرافي شمل مناطق محيط بغداد، لاسيما في التاجي وأبو غريب من خلال إجبار بعض العائلات على ترك منازلها ومناطقها».
وانتقد بشدة إصدار بعض القضاة أوامر اعتقال بالاستناد إلى معلومات يدلي بها «المخبر السري»، معتبراً أن «معظم المعلومات عارية عن الصحة وهناك معتقلون منذ عام 2005 أي مضى عليهم اكثر من 7سنوات، تم اعتقالهم بناء على معلومات قدمها مخبرون سريون ولا أدلة أو اعترافات ضدهم».
وشبه حداد «المخبر السري» بـ «البعثيين في النظام السابق الذين يكتبون تقارير كيدية ضد المواطنين أملاً بتحقيق مكاسب مادية أو حظوة لدى السلطة، وأنا اجزم بأن غالبية المخبرين السريين من نوعية هؤلاء».
وأكد أن «القضاء العراقي للأسف يعتمد الاعترافات التي غالبيتها منزوعة بالإكراه، ما أدى إلى أن يكون معظم المعتقلين من الأبرياء أما المجرمون الحقيقيون فهم خارج السجن يقتلون ويفجرون ولا رادع لهم».
وعن عدم إطلاق من تنتهي أحكامهم واكتشاف الآلاف منهم بفضل لجنة شكلها مجس الوزراء مطلع الشهر الجاري، قال حداد إن «المعتقل حتى لو أنهى محكوميته لا يخرج من السجن إلا بعد أن يدفع أموالاً طائلة إلى المسؤولين عن السجون والمعتقلات»، مؤكداً أن «بعض الناس لا سيما العرب السنة اضطروا إلى بيع بيوتهم وأراضيهم وما يملكون لتبرئة أولادهم أو إخراجهم من السجون».
وكان حداد تعرض لأكثر من محاولة اغتيال بسبب كشفه ما يحدث في السجون، وآخرها ليلة رأس السنة الحالية إذ نجا من محاولة اغتيال استهدفته في بغداد. وأعلنت الشرطة وقتها أن «مجهولين يستقلون سيارة مدنية من دون لوحات فتحوا نيران أسلحتهم الرشاشة باتجاه سيارة القاضي منير حداد».


188
كاظم حبيب
محنة الشعب والسجناء في نظام المحاصصة والقهر السياسي بالعراق

كل ما أشار إليه السيد القاضي منير حداد حول أوضاع السجون والتعذيب والرشوة والتغيير الديموغرافي لمناطق في بغداد وغيرها كان معروفاً لمن يعمل في السياسة ويعرف طبيعة النظام السياسي المحاصصي في البلاد, إضافة إلى معرفته بمضمون الإيديولوجية القهرية التي يحملها الحكام الحاليون الطائفيون والعنفيون. ولكن الجديد بالأمر هو صدور هذه المعلومات عن شخصية حقوقية كبيرة في الجهاز القضائي للدولة العراقية ونائب رئيس محكمة التمييز الجنائية والحاكم الذي أصدر قرار الحكم بإعدام المجرم صدام حسين. وهذا يعني إن الرجل من أتباع النظام المحاصصي القائم حالياً في البلاد, ولكن ضميره الحقوقي أجبره على قول الحقيقة المؤكدة في السجون العراقية وفي المجتمع العراقي وما يتعرض له أتباع المذهب السني في البلاد وكأنه انتقام لما عانى منه أتباع المذهب الشيعي في البلاد وكأن السنة هم المسؤولون عن جرائم صدام حسين والبعث والحكم الدكتاتوري. وهي مسألة ليست خطيرة فحسب, بل ومشينة أيضاً, لأنها تريد تعبئة المواطنات والمواطنين من أتباع المذهب الشيعي ضد المواطنات والمواطنين من أتباع المذهب السني في البلاد. وهي محاولة يعاد إنتاجها وتوسيع قاعدتها سننة بعد أخرى منذ تسعة أعوام وحققت للأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية اصطفافاً واستقطاباً مؤلماً أعلى الأصوات في الانتخابات العامة وانتخابات مجالس المحافظات.
ماذا يجري في سجون العراق؟ يقول القاضي منير حداد بأنه حذر رئيس مجلس القضاء الأعلى مدحت المحمود من " «عدم اتخاذ إجراءات رادعة لوقف الجرائم التي ترتكب في السجون العراقية»، معتبراً أنها «جرائم ضد الإنسانية يعاقب عليها القانون الدولي». وقال حداد الذي كان عضواً في المحكمة الجنائية التي حاكمت الرئيس العراقي الراحل صدام حسين إن السنة العرب يتعرضون لظلم يفوق ما تعرض له الشيعة في ظل نظام (الرئيس السابق) صدام حسين". وأضاف في حديث إلى «الحياة» أن «السجناء يتعرضون لأبشع أنواع التعذيب والتنكيل والقتل من جراء التعذيب». وأضاف، «أنا شاهد على بعض تلك الجرائم ولدي الكثير من الأدلة والمعلومات التي بعثتها إلى السيد رئيس الوزراء (نوري المالكي)، وقام هو بدوره في التحقيق فيها». (راجع: عدي حاتم, جريدة الحياة, السبت 19/1/2013).
والسؤال الملح الذي يطرحه ويطالب به الشعب بإلحاح هو: ماذا جرى بعد التحقيق الذي أجراه رئيس الوزراء؟ كل المعلومات المتوفرة تشير الى إن التعذيب قد تواصل دون انقطاع أو تخفيف أو إيقاف. بمعنى إن رئيس الوزراء كان يعرف به ويؤيده لأن التعذيب جزء من إيديولوجية حزب الدعوة ورئيس الوزراء, وكان التحقيق دون نتائج ذراً للرماد في العيون.
ولكن ما كان الناس في العراق يعرفونه ويتعرضون له أكده اليوم القاضي منير حداد لمراسل الحياة ببغداد, إذ كتب المراسل السيد عدي حاتم ما يلي:
انتقد بشدة إصدار بعض القضاة أوامر اعتقال بالاستناد إلى معلومات يدلي بها «المخبر السري»، معتبراً أن «معظم المعلومات عارية عن الصحة وهناك معتقلون منذ عام 2005 أي مضى عليهم اكثر من 7سنوات، تم اعتقالهم بناء على معلومات قدمها مخبرون سريون ولا أدلة أو اعترافات ضدهم».
وشبه حداد «المخبر السري» بـ «البعثيين في النظام السابق الذين يكتبون تقارير كيدية ضد المواطنين أملاً بتحقيق مكاسب مادية أو حظوة لدى السلطة، وأنا اجزم بأن غالبية المخبرين السريين من نوعية هؤلاء». وأكد أن «القضاء العراقي للأسف يعتمد الاعترافات التي غالبيتها منزوعة بالإكراه، ما أدى إلى أن يكون معظم المعتقلين من الأبرياء أما المجرمون الحقيقيون فهم خارج السجن يقتلون ويفجرون ولا رادع لهم».
وعن عدم إطلاق من تنتهي أحكامهم واكتشاف الآلاف منهم بفضل لجنة شكلها مجس الوزراء مطلع الشهر الجاري، قال حداد إن «المعتقل حتى لو أنهى محكوميته لا يخرج من السجن إلا بعد أن يدفع أموالاً طائلة إلى المسؤولين عن السجون والمعتقلات»، مؤكداً أن «بعض الناس لا سيما العرب السنة اضطروا إلى بيع بيوتهم وأراضيهم وما يملكون لتبرئة أولادهم أو إخراجهم من السجون". (راجع: المصدر السابق نفسه).
هل كل هذا يجري ولا يعرف به رئيس الوزراء العراقي المسؤول عن حماية الشعب؟ هل كل هذا يقع ويدعي رئيس الوزراء إن التقارير الصحفية وتقارير المنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان مبالغ بها؟ وهل إن القاضي منير حداد هو الآخر يبالغ بالأمر أم إن الرائحة النتنة والعفنة قد بلغت عنان السماء وهي القمة التي لم يعد ممكناً السكوت عنه أو إخفائها.

ولكن الشيء الآخر المرير الذي أشار إليه القاضي السيد منير حداد وتحدث عن السر المكشوف للناس ببغداد حين كتب مراسل الحياة عنه ما يلي: "وكشف حداد أن «الجرائم لا تقف عند هذا الحد بل إن هناك مخططاً للتغيير الديموغرافي شمل مناطق محيط بغداد، لاسيما في التاجي وأبو غريب من خلال إجبار بعض العائلات على ترك منازلها ومناطقها". (راجع: المصدر السابق نفسه). ماذا يعني ذلك؟ هذا يعني إن الحكومة العراقية التي يرأسها حزب شيعي وتحالف شيعة أهل البيت في التحالف الوطني العراقي والأجهزة الحكومية المسيرة من قبلها تمارس إحلال عائلات شيعية في مكان العائلات السنية المهجرة بأساليب مختلفة من مناطق سكناها. وهي جريمة أخرى لا تختلف عن جرائم التغيير الديموغرافي التي ارتكبها صدام حسين ضد الشعب الكردي في العديد من المدن الكردية, إضافة إلى ما ارتكبه ضد الكرد الفيلية.
نحن أمام نظام سياسي محاصصي قمعي وأمام مؤسسة قضائية خاضعة لإرادة السلطة التنفيذية, وهذا لا يعني أن جميع القضاة سيئون أو مرتشون أو خاضعون, ولكن كمؤسسة خاضعة لإرادة الحاكم الفرد, وهي تقترب تدريجاً من الحالة السابقة التي عانى الشعب العراقي تحت وطأتها.
إن مطالبة الشعب بالتغيير لا تقتصر على المواطنات والمواطنين من أتباع المذهب السني , بل تشمل جميع الموطنات والمواطنين ممن يدركون العواقب الوخيمة لهذه السياسة غير الإنسانية التي تمارس في العراق في الوقت الحاضر.
إن المطالبة بإطلاق سراح السجناء السياسيين وإيقاف عمليات التعذيب الشرسة وإيقاف السيطرة على بيوت العائلات السنية وبيعها لعائلات شيعية هو مطلب آني وملح وضروري ولا يمكن تجاوزه, وإن استمراره يقود الى مزيد من تمزيق النسيج الوطني للشعب العراقي.
إن الإدانة غير كافية بل المطالبة بالتغيير وإجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة وتحت إدارة حكومة انتقالية حيادية ضرورة ملحة ايضاً. 
20/1/2013                        كاظم حبيب


189
كاظم حبيب
مخاطر ظاهرة إعادة إنتاج الاستبداد في دول المحيط الرأسمالي
ومنها العراق
حين كنت أهيئ لكتاب " الفاشية التابعة بالعراق " تسنى لي قراءة عشرات الكتب حول مجموعة من النظم السياسية الاستبدادية التي برزت وتكرست لسنوات طويلة أو ما تزال قائمة في قارات أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا, وكذلك في أوروبا في العشرينات والثلاثينيات والأربعينات .. من القرن العشرين. بعضها تحول نحو الفاشية السياسية والاجتماعية وعلى قاعدة نظام اقتصادي رأسمالي متقدم, كما حصل في كل من ألمانيا وإيطاليا واليابان العسكرية, وبعضها الآخر لم يتحول إلى نظام فاشي سافر قائم على إيديولوجية عنصرية, ولكنه مارس الاستبداد والقهر السياسي واستخدم اساليب الفاشية في القمع السياسي والاجتماعي ومصادرة حرية الفرد والمجتمع, وبعضها الآخر كرس الاستبداد الشرقي المتخلف بأجلى معانيه, وخاصة بدول آسيا وأفريقيا. والدول العربية تقدم نماذج صارخة في تنوع الأردية التي ارتداها الاستبداد في كل منها. ورغم وجود بعض التباين في التفاصيل الجزئية لنماذج الاستبداد بالدول الآسيوية والأفريقية وبعض دول أمريكا اللاتينية, إلا إنها كانت تتماثل في السمات الأساسية لهذه الظاهرة, إذ كانت حاضرة في أذهان من عاش تحت وطأتها وميز خصائصها حتى بعد سقوطها ولسنوات طويلة أو ما يزال يعاني منها.
والجدير بالإشارة إن الاستبداد لا يبرز فجأة في هذا المجتمع أو ذاك, بل هو ناشئ بفعل وجود علاقات إنتاجية معينة ومستوى معين من التطور الاقتصادي والاجتماعي ومن طبيعة البنية الطبقية أو الاجتماعية وعن مستوى تطور الوعي الفردي والجمعي للمجتمع, إضافة إلى التراث والتاريخ والأحداث التي مرَ بها هذا المجتمع أو ذاك. حين يصل حاكم جديد يشجب استبداد من سبقه ويعد بالعدل والديمقراطية ثم ينقلب عليها تدريجاً ويكرر ممارسات من سبقه!
فحين يعاد إنتاج تلك العلاقات والظواهر الاجتماعية في بلد ما, فإنها تعيد إنتاج الاستبداد الذي نشأ عنها سابقا, ويكون المستبد هنا هو الوليد الشرعي لهذه العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية وجزء مهم وسلبي من التراث التاريخي والعلاقات السياسية الراهنة والناجمة عن تشابك وفعل كل تلك العوامل. ولهذا من حقنا أن نقول بأن وفاة مستبد بأي شكل كان أو حتى سقوط نظامه السياسي لا يعني نهاية الاستبداد, بل يبرز مستبداً آخر مكانه ويقيم النظام السياسي الذي ينتج مقومات استمرار استبداده وتحقيق مصالحه ومصالحة الفئات التي تدعمه والتي يمثلها.
وتاريخ العراق نموذج صارخ لهذه الظاهرة السلبية, فهو مليء بحالات الاستبداد وبالمستبدين منذ أو حتى قبل أن يعبر عنها الشاعر العبقري الذي كتب ملحمة "گلکامش" والتي جسدت بإدراك عميق وحس سليم ورؤية نافذة لطبيعة وسلوكيات الحاكم المستبد. وما كتب عن صدام حسين, باعتباره آخر مستبد عرفه العراق, يؤكد أن سلسلة المستبدين في بلاد ما بين النهرين لم تنقطع وكأن خيطاً متيناً يشدها ولأن مقومات بروز الاستبداد والمستبد ما تزال متوفرة في البلاد.
سقط آخر مستبد مطلق اليدين في البلاد, وهو مهم, ولكن السؤألة الملح هو : هل سقطت وانتهت مقومات نشوء نظام استبدادي جديد وبروز مستبد جديد في العراق؟ أشعر, كمواطن عراقي, أن المجتمع العراقي يعيش اليوم محنة جيدة معقدة وعويصة بعد سقوط النظام الفاشي السياسي البعثي والتي تكمن في كون النظام السابق سقط على ايدي دول أجنبية وقوات عسكرية فرضت الاحتلال لفترة معينة أنجزت فيها رسم معالم العراق المطلوب وأنجزت خلالها إقامة نظام للمحاصصة الطائفية السياسية والأثنية بامتياز ولم تسقط ولم تنته مقومات نشوء الاستبداد وبروز مستبد جديد في البلاد.
فحديث البعض عن دستور ديمقراطي ووجود برلمان منتخب وسلطة قضائية لا أن تسود الديمقراطية, فحين لا بد من تأكيد إن هذه المانشيتات لا تنتج ديمقراطية فعلية ولا ترسي حريات عامة ولا حياة حرة, إذ إن الواقع العراقي الجاري يؤكد, بما لا يقبل الشك, إن وجود ذلك لا يكفي لبناء الحياة الحرة والديمقراطية, بل يمكن أن يكون غطاءً يراد به ستر السير صوب إقامة نظام فردي تسلطي مستبد. فما سبب هذا الادعاء من جانبي؟ أدعي ذلك لأن الأرضية التي نشأ عليها صدام حسين ما تزال هي ذاتها التي يمكن أن ينشأ عليها من يماثل صدام حسين ولو بعباءة أخرى غير عباءة صدام حسين. فإذا كانت عباءة صدام حسين قومية يمينية شوفينية متطرفة, فإن عباءة الجديد يمكن أن تكون طائفية سياسية يمينية متطرفة بامتياز, وهو ما يعبر عنه بالعربي "تعددت الأسباب والموت واحد".
لا يكفي أن نقول بأن ذاكرة المجتمع قصيرة, ولا يكفي أن ننزل اللعنات بحظوظ العراقيات والعراقيين الذين ابتلوا بالاستبداد والمستبدين ونبتهل, كل على طريقته, للخلاص من هذا الواقع. إذ سيبقى هذا الواقع قائماً, رغم دعوات الناس وابتهالهم, وفي كل العراق والحكام الحاليين والقادمين كافة ما لم نسع إلى تغيير الأرضية والقاعدة المادية التي نشأ وينشأ عليها الاستبداد وتعيد إنتاج المستبدين, سواء أكان اسمه "س" أو "ص".
إن تغيير البنية الاقتصادية يخلق معه بنية اجتماعية جديدة ووعياً جديداً. ولا يتم ذلك بفعل سحر ساحر أو من ذاته, بل بفعل نشاط المجتمع وطلائعه من مثقفي ومثقفات, سواء أكانوا منتمين لأحزاب سياسية أم منظمات مجتمع مدني أم مستقلين, ولكنهم جميعاً يمتلكون الوعي الكافي للنضال من أجل تغيير قاعدة وعلاقات المجتمع الراهنة لتقيم للمجتمع تدريجاً الأرضية التي لا ينبت عليها الاستبداد ولا تنتج مستبدين. هذا لا يعني بأي حال أن لا نناضل ضد الفردية السائرة نحو الاستبداد إلى أن تتغير الأرضية الراهنة, بل يفترض خوض النضال من أجل الديمقراطية الذي يعتبر الطريق السالك للتغيير المنشود ذاته, إنها عملية متشابكة ومعقدة وصعبة ولكنها مطلوبة في كل الأحوال, وإنه الطريق الوحيد لتغيير البنية والمناهج التربوية والتعليمية الراهنة للفرد والمجتمع.
على عاتق القوى والأحزاب والشخصيات الديمقراطية المثقفة والواعية لدورها ومسؤوليتها تقع مسؤولية النهوض بهذه المهمة لأن الأحزاب الإسلامية السياسية بطبيعتها طائفية سياسية ولا تقبل بالمواطنة الحرة والمتساوية, فهويتها السياسية ليست المواطنة العراقية بل الطائفة, وهي التي تفرق بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية وغير الدينية بالعراق. إن هناك شخصيات وقوى مسلمة تنورت بالعلم والمعرفة وتدرك بأن الدولة والمجتمع لا يمكن أن يبنيان على أساس ديني أو طائفي, وبالتالي فهم يناضلون مع القوى الديمقراطية من أجل دولة مدنية ديمقراطية علمانية لا تفصل بين السلطات الثلاث وتحترم استقلال القضاء فحسب, بل وتفصل بين الدين والدولة والسياسة أيضاً. وبالتالي فهناك إمكانيات فعلية للتعاون وخوض النضاا السلمي والديمقراطي المشترك لصالح بناء مجتمع ودولة الحرية والديمقراطية والكرامة والسلام , دولة الحب والدفء الإنساني والتآخي والتقدم.
20/1/2013                            كاظم حبيب


190
كاظم حبيب
الدفاع عن د. مظهر محمد صالح واجب كل المثقفين والقوى الديمقراطية

يعتبر الأخ الدكتور مظهر محمد صالح أحد الكفاءات الاقتصادية المميزة في العراق والعالم العربي وله دراسات غنية وحديثة عن واقع ومشكلات وآفاق تطور الاقتصاد العراقي. كما احتل موقعاً مهماً وحيوياً في البنك المركزي العراقي وكسب احترام الاقتصاديات والاقتصاديين العراقيين بما قدمه من دراسات مهمة بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه بوجهة نظره الاقتصادية ورؤيته لاتجاهات تطور الاقتصاد العراقي.
وبدلاً من أن يحتل الدكتور صالح مركزاً مرموقاً في الدولة العراقية وفي مجال اختصاصه. فوجئ كل من عرف عن كثب الأخ الدكتور صالح خبر اعتقاله غير المسؤول ووضعه في المعتقل منذ أكثر من شهر دون أن توجه له تهمة معينة أو أن يطلق سراحه بكفالة.
ورغم احتجاجات كثرة من الاقتصاديين على اعتقال الدكتور صالح ومطالبتهم الملحة بإطلاق سراحه, يصر المسؤولون في بغداد على إبقائه في المعتقل دون إعطاء مسوغات لهذا الاعتقال.
ويبد لي إن المسؤول الأول عن الاعتقال ليس الجهاز القضائي العراقي ولا لجنة النزاهة ولا حتى لجنة النزاهة في مجلس النواب, بل رئيس الوزراء العراقي الذي أراد, كما يبدو, أن ينتقم من البنك المركزي ومن قيادة هذا البنك لأسباب شرحت من أكثر من أقتصادي بارز حتى الآن. وحين فشل رئيس الوزراء باعتقال الدكتور سنان الشبيبي بسبب وجوده خارج الوطن, توجه بانتقامه صوب الدكتور مظهر محمد صالح الذي دافع عن نزاهة الدكتور سنان الشبيبي وعن سياسة البنك المركزي وموظفيه.
يعتبر البنك المركزي العراقي مؤسسة نقدية مستقلة عن مجلس الوزراء, ولكنها مسؤولة عن التنسيق مع وزارة المالية ومجلس الوزراء في الأمور المالية والنقدية بما يسهم في تنفيذ السياسة الاقتصادية للدولة العراقية. ولكن الحكومة العراقية لا تمتلك حتى الآن رؤية إستراتيجية ولا سياسة اقتصادية واعية ومدروسة وقابلة للتنفيذ. وسياستها تتركز في زيادة إنتاج وتصدير النفط والحصول على أمو ال النفط لصرفها بما لا يعيد بناء الاقتصاد العراقي وتخليصه من طبيعته الريعية الاستهلاكية. وكان على البنك المركزي أن يمارس سياسة نقدية تخفف من عواقب السياسة الاقتصادية الخاطئة للحكومة العراقية وضمان استقرار سعر صرف الدينار العراقي.
في الوقت الذي يمكن أن نختلف مع محافظ ونائب محافظ البنك المركزي في الموقف من سياسات وإجراءات البنك المركزي التي رسمت وحددت أثناء وجود وسيطرة باول بريمر على السياسة الاقتصادية والمالية والنقدية للحكومة العراقية ودفعها باتجاه اللبرالية الجديدة وبالتعاون مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي, ولكن لا يمكن أن نقبل بأن يقود الاختلاف في الموقف من السياسة النقدية مع الحكومة العراقية إلى لجوء رئيس الوزراء بإصدار قرار اعتقال الدكتور سنان الشبيبي في المطار حين عودته من الخارج حين كان في واجب وظيفي في اليابان, أو اعتقال الدكتور مظهر محمد صالح فعلاً. إن الاختلاف في تلك السياسات شيء , واعتقال الناس بسبب تلك السياسات شيء آخر  أخر, خاصة وإن الدلائل المتوفرة حتى الآن لا تشير إلى وجود عدم نزاهة في نشاط الشخصيتين الأساسيتين في البنك المركزي, اي محافظ ونائب محافظ البنك المركزي.
ليس غريباً أن يشكك الناس باستقلالية القضاء العراقي وخضوعه لإرادة السلطة التنفيذية, وبالتحديد لرئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة الذي يأمر القضاء فيطاع أمره تماماً كما كان يحصل في السابق دون أن يجرأ رئيس مجلس القضاء الأعلى أن يسأل لماذا هذا الاعتقال.
أتمنى على الاقتصاديات والاقتصاديين العراقيين ومثقفي العراق كافة, إضافة إلى القوى الديمقراطية والقوى الخيرة والسليمة في البلاد, أن تحتج على هذا الاعتقال غير المبرر وتطالب بإطلاق سراح الدكتور مظهر محمد صالح, إذ من غير المعقول إن يوضع في المعتقل دون أن توجه له تهمة بعينها ودون أن يعرف المجتمع العراقي الأسباب الكامنة وراء اعتقاله.
16/1/2013                      كاظم حبيب

       

191
كاظم حبيب
الصراعات السياسية والطائفية المستقطبة والعوامل المسببة لها
من يتابع المشهد السياسي العراقي المتحرك بسرعة والمتفاقم حدة في صراعاته حالياً ويمتلك وعياً مناسباً وحساً وطنياً وسياسياً جيداً, سيتسنى له تشخيص الوضع الراهن بدقة والتعرف على طبيعة التشابك المخل الجاري في الصراعات السياسية والطائفية بين القوى المشاركة في السلطة السياسية. فبعد مرور عشر سنوات على سقوط الدكتاتورية البعثية الصدامية نواجه الأوضاع التالية:
1 . يطرح الشعب بقوة وإلحاح مطالب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية عادلة ومشروعة وملحة لم تجد آذانا صاغية لها حتى الآن من قبل الحكومة ورئيسها والقوى المشاركة فيها.
2 . وتوزيع السلطة ومجلس النواب وأجهزة الدولة على أساس نظام المحاصصة الطائفي والأثني القائم يسمح بتبادل قوى الإسلام السياسي الطائفية الاتهامات بطائفية كل منها, وهي بذلك تؤكد المثل الشعبي القائل (غراب يگله لغراب وجهك آبگع), إذ إنها تنطلق من مواقع طائفية صارخة ومفتتة للوحدة الوطنية ومفهوم وروح المواطنة الحرة والمتساوية.
3 . وتشير الوقائع إلى زيادة كبيرة في نشاط وعمليات قوى الإرهاب الدموي من تنظيم القاعدة الإرهابي ومن تنظيم البعث المسلح الذي يقوده عزة الدوري وتطوير التحالف بين هذين التنظيمين إلى جانب مشاركة تنظيم هيئة علماء المسلمين السنة السياسي والعسكري في هذا التحالف المشؤوم.
4 . ولا يغيب عن البال التهميش والإقصاء الفعلي الذي يعاني مواطنون عراقيون ومواطنات عراقيات من محافظات الموصل والأنبار وصلاح الدين وغيرها, مما يدفع بها إلى اتخاذ مواقع الدفاع عن النفس المصالح والاحتجاج على هذا التهميش.
5 . ولا شك في أن الخلافات بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية لم تعالج وهي التي تزيد في توتر الوضع السياسي والاجتماعي والتي لا يريد رئيس الوزراء إيجاد حلول منطقية وعملية لها, مما يجعل الطرف الكردي متوتراً ويفسح في المجال إلى صدور تصريحات متشنجة غير مبررة ايضاً.
6 . وهنا لا يمكن إغفال الدور الذي تمارسه القوى والدول المجاورة في تشديد هذه الصراعات وتوتير الأجواء بما لا يخدم الشعب العراق ووحدة البلاد.
إن غياب الحكمة والعقلانية والرؤية الثاقبة لما يجري على أرض العراق ويتجلى في سياسة الحكومة العراقية ولدى الأطراف السياسية الحاكمة الأخرى والمتصارعة في ما بينها يسمح هو الآخر إلى نشوء تشابك شديد بين الأهداف والمطالب العادلة للشعب العراقي التي ظهرت في شباط عام 2011 والتي تصاعدت وتعمقت واتسعت لاحقاً, وهي مطالب عادلة ومشروعة, ولكن لم يستجب لها رئيس الحكومة وعموم السلطة التنفيذية ولا مجلس النواب, وتلك الأهداف والمشاريع الطائفية الداخلية لبعض أبرز قوى الإسلام السياسي الشيعية منها والسنية. وهذا التشابك والتداخل هو الذي يتطلب تحقيق الفرز السليم لصالح مطالب الشعب ونبذ مشاريع قوى الطائفية والإرهاب.
إن البلاد حبلى بالأحداث التي يمكن أن تتحول في غفلة من الزمن إلى قتال دام ومرير. ومن المؤلم حقاً إن السلطتين التشريعية والتنفيذية ليست بمستوى الأحداث وغير قادرة على استيعاب العواقب الأليمة لما يمكن أن يحصل في العراق, حين يستهان بمطالب الشعب وبالمظاهرات الشعبية التي يمكن أن تستثمر من قوى معادية للتطور السلمي والديمقراطي للعراق والتي لا تريد الخير لشعب العراق.
إن المطالب المطروحة كثيرة ولا بد من أخذها بنظر الاعتبار والعمل على الاستجابة لأهم تلك الأهداف التي تضع حداً للواقع المرير الراهن, وأخص بالذكر هنا ضرورة إطلاق سراح الأبرياء من المعتقلين والمسجونين أو الذين انتهت محكوميتهم وإعادة النظر السريعة بمدى صواب وجود الآلاف منهم في السجون. ولكن لا يمكن ولا يجوز إطلاق سراح من تلطخت أيديهم وغاصوا حتى قمة رأسهم بدماء الشعب العراقي خلال السنوات المنصرمة. كما لا بد من إعادة النظر بقانون المساءلة والعدالة بما يساعد على التمييز الحصيف بين من كان مجرماً حقاً, وبين من كان بالرغم منه بعثياً ومن كان بعثياً بروح انتهازية أو بعثياً لم يشارك بما يحمله العار والشنار. كما يفترض أن يكف رئيس الوزراء, الذي برهن على إنه ليس برجل دولة, إذ لا يملك الحكمة والحصافة والوعي بالمسؤولية إزاء مصير الوطن, بل همه وهم من يماثله هي السلطة وليس غيرها, عن عملية التهميش والإقصاء للمواطنات والمواطنين لأسباب طائفية أو فكرية وسياسية أو شن حملات اعتقال دون أوامر قضائية ودون معرفة عائلات المعتقلين بمواقع اعتقالهم, أو تعريض المتعلقين للتعذيب النفسي والجسدي أثناء التحقيق, كما حصل في جمهورية الرعب البعثية الصدامية, أو كما حصل في فترة الاحتلال الأمريكي في "أبي غريب". إن غالبية المطالب المطروحة, ليست قابلة للنقاش فحسب, بل وضرورة العمل على تنفيذها وبسرعة لأنها مطالب شعبية عادلة وملحة.
لم ولن تنفع العجرفة والتعالي واستخدام إجراءات فظة وعنيفة واستهانة بالمطالب الشعبية وبالمتظاهرين من جانب ؤرئيس الوزراء, إذ لا بد له أن يدرك بأن هذا السلوك هو "درب الصد ما رد"  وعواقبه تكون في غير صالح البلاد والعملية السياسية. إن نوري المالكي حين يمارس المنع وقطع الطرق ومنع المتظاهرين من الوصول إلى مواقع التظاهر باستخدام أجهزة الشرطة والأمن وقوات عمليات بغداد والجيش العراقي, ستقود لا محالة إلى مزيد من التعقيد والكراهية والحقد على حكومته وعليه شخصياً ويمكن أن تقترن بعواقب محزنه له وللجميع.
إن الحفاظ على سلمية المظاهرات وديمقراطيتها ومنع العنف عنها وإبعاد الطائفيين المتطرفين والإرهابيين وشعاراتهم الطائفية والعدوانية الاستفزازية عنها من جهة, والاستجابة الفعلية لجملة من تلك المطالب ستقود إلى نتائج إيجابية من جهة أخرى, سيسقط بأيدي أولئك الذي يسعون لتشديد الصراع والاحتكاك والاستقطاب الطائفي من قوى الإسلام السياسي السنية والشيعية الذين يسعون إلى ذلك بسبب قرب انتخابات مجالس المحافظات والانتخابات العامة أيضاً. فهم يسعون إلى تصعيد الصراع لأنهم يعتقدون بهذه الطريقة يمكنهم الحصول على مزيد من أصوات الناخبين السنة أو الشيعة. وهو أمر غير وطني لا يثير المزيد من التعقيد والحقد والكراهية فحسب, بل ويؤدي إلى مزيد من تمزيق الوحدة الوطنية المفككة حالياً والتي يحتاجها العراق ليفسد بها الفتنة والاقتتال التي يريد الطائفيون والإرهابيون اثارتها في البلاد.
إن قوى التيار الديمقراطي العراقي والقوى الخيرة في البلاد تتحمل اليوم مسؤولية كبرى لا في تبني واضح لشعارات ومطالب الشعب فحسب, إذ إن هذا أمر واضح, بل والتبشير بها أكثر وأكثر بين صفوف المواطنات والمواطنين وتعبئتها لصالح تلك المطالب من جهة وفضح القوى الإرهابية والطائفية في صفوف قوى الإسلام السياسي السنية والشيعية, من جهة أخرى, لأنها السبيل الوحيد لضمان وصول الشعب إلى تحقيق إرادته الحرة ومصالحه الأساسية.
إن شبيبة وأبطال الخامس والعشرين من شباط/فبراير 2011 مدعوون اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى أن يلعبوا دورهم الفكري والسياسي والتنظيمي والتعبوي لصالح الحريات الديمقراطية ومطالب الشعب العادلة ورفض العنف الحكومي أو من أية جهة جاء, وكذلك السعي لمعالجة الأوضاع بالطرق السلمية والتفاوضية واستخدام الوسائل التي يتيحها الدستور العراقي بما فيها ممارسة الإضراب والاعتصام والتظاهر السلمي المتواصل حتى تحقيق الأهداف المنشودة.
 11/1/2013                     كاظم حبيب           

192
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية

جريمة بشعة نكراء ترتكب ضد 3 مناضلات كرديات في باريس
نقلت وكالات الأنباء العالمية خبراً محزناً وأليماً يعلن عن إقدام بعض المجرمين القتلة المجهولين حتى الآن بعملة إعدام جبانة وبشعة في باريس صبيحة هذا اليوم العاشر من شهر كانون الثاني/ يناير 2013  لثلاث مناضلات كرديات هن السيد سكينه شانسيز، احدى مؤسسات حزب العمال الكردستاني, والسيدة ليلي سيويميز, ممثلة المجلس الوطني الكردستاني في العاصمة البلجيكية بروكسل, والناشطة السياسية الشابة السيدة  فيدان دوغان. وقد تم تنفيذ عملية الإعدام خارج القانون وفي وضح النهار بتوجيه رصاصات القتلة إلى رؤوس المناضلات الباسلات على مقربة من المعهد الكردي بباريس. لقد حصد هذا الفعل الجبان استنكار الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي لاستخدام أسلوب الاغتيالات الشخصية ضد المناضلات الكرديات اللواتي ناضلن بشجاعة وإصرار في سبيل حقوق الشعب الكردي القومية العادلة والمشروعة في إقليم كردستان تركيا وضد الخصوم السياسيين.
إن التجمع العربي لنصرة القضية الكردية إذ يستنكر بشدة هذه الجريمة البشعة ويدين المجرمين القتلة ويحتج على ممارسة الاغتيال في العمل السياسي, يطالب الحكومة الفرنسية وأجهزة الأمن والقضاء الفرنسي بمطاردة المجرمين وتقديمهم للعدالة والكشف عن الجهة التي كانت خلف عملية الاغتيال وبأسرع وقت ممكن.
إن الأمانة العامة للتجمع إذ تعزي عائلات ورفاق وأصدقاء ومعارف المناضلات الثلاث لفقدانهم وترجو لهم الصبر والسلوان والذكر الطيب للمناضلات, تدرك في الوقت نفسه بأن مثل هذه الجرائم البشعة لم تثن الشعب الكردي عن مواصلة النضال وعن المطالبة بحقوقه المشروعة والعادلة. فالشعب الكردي في إقليم كردستان تركيا, الذي فقد حتى الآن أكثر من 40 ألف شهيد والكثير من الجرحى والمعوقين والمشردين والمهجرين قسراً, إضافة إلى الآلاف من السجناء والمعتقلين السياسيين, سوف يواصل النضال وسيفرض على الحكومة التركية التفاوض السلمي والديمقراطي لضمان الحقوق المشروعة لهذا الشعب المناضل والأبي.
10/1/2013            الأمانة العامة للتجمع العربي لنصرة القضية الكردية

193

كاظم حبيب
دكتاتور السودان يسير على خطى دكتاتور العراق السابق صدام حسين
"المستبد بأمره في السودان يمارس أسلوب صدام حسين في الموقف من المفكرين"
منذ أكثر من ثلاثة عقود أصدر الدكتاتور المجرم صدام حسين رئيس "جمهورية الرعب والحرب العراقية" قراراً قضى بمصادرة كتب ما يقرب من 1000 مثقفة ومثقف عراقي من مختلف فروع الثقافة والعلوم والفنون الإبداعية والعلوم الاقتصادية والاجتماعية, وكنت أحدهم, متهماً إياهم جميعاً بالعمالة للأجنبي وصادر كتبهم ومنع تداولها في سوق الكتب العراقية, إضافة إلى تجريم من يقبض عليه وفي بيته كتباً لبعض من هؤلاء المثقفين والمثقفات وسحب كتبهم من المكتبات العراقية العامة.  
وإذ استمر المثقفات والمثقفون العراقيون بالكتابة والنشر وفضح طبيعة النظام البعثي الصدامي الدكتاتوري المطلق على الصعيد العالمي ووضع كتاباتهم وثقافتهم الوطنية والديمقراطية في خدمة الشعب العراقي وتحرره من ربقة الدكتاتورية, انتهى النظام البعثي العراقي إلى مزبلة التاريخ كما أنتهى الدكتاتور إلى المصير الذي استحقه. يقول المثل الشعبي العراقي النابت ما يلي:
يا حافر البير لا تغمج مساحيها   خاف الفلك يندار وأنت التگع بيها
[يا حافر البئر لا تسعى إلى تعميقها   أخشى أن تدور الأيام وتكون أنت ضحيتها]
وهكذا كان حقاً بعد أن غاص بدم العراقيين وزجهم بكوارث وحروب دامية وحصار دولي مرير!
هكذا بدأ الدكتاتور السوداني الأهوج عمر البشير بممارسة نفس الأسلوب الذي مارسه صدام حسين وغيره من المستبدين في الأرض. فقد اصدر وزير ثقافة وإعلام الدكتاتور السوداني عمر البشير قبل فترة وجيزة قراراً يقضي بغلق مركز الدراسات السودانية  بالخرطوم بقرار واعتبار المفكر السوداني والكاتب والباحث الدكتور حيدر إبراهيم علي عملياً لدولة أجنبية. لقد قال الدكتور حيدر إبراهيم علي للصحفي محمد هلالي حول السودان ما يلي: "منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي رضيت بأن يكون وطني حقيبة ترقد بعناية فائقة في ركن منيع من فؤادي". (راجع: موقع النيلان, مقابلة صحفية مع الدكتور حيدر غبراهيم على تحت عنوان: الدكتور حيدر إبراهيم: "هربت لأن شر البلاد مكان لا صديق به".
 إن مثل هذا الإنسان النبيل والصادق في وطنيته ونهجه الديمقراطية والمؤلف لأكثر من عشرين كتاباً ومئات المقالات والحوارات والدراسات النقدية لا يمكن أن يكون عميلاً لأحد, بل هو عميل مخلص لوطنه السودان ولشعبه السوداني. ولكن من ساهم بتدمير السودان وتقسيمها وبانتظار تقسيمات أخرى لاحقة بسبب ما يجري في دار فور كما جرى في جنوب السودان وبسبب السياسات العدوانية والخرقاء التي يمارسها نظام البشير ورهطه. إن الدكتاتور هو العدو الأول لشعب السودان ووحدة أرض السودان وكرامة الإنسان السوداني.
لقد التقيت بالدكتور حيدر الكثير من المرات عبر كتبه ودراسات ومقالاته النقدية وتمتعت بنهجه المدني الديمقراطي الحر وموقفه المبدئي الرافض للدكتاتورية والساعي لإقامة دولة مدنية ديمقراطية حديثة وعلمانية في السودان, دولة تحترم الإنسان بغض النظر عن قوميته ودينه ومذهبه وتقف مسافة واحدة من الجميع وتعمل من أجل تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية للمواطنات والمواطنين, دولة تحترم المرأة وتمنحها حقوقها كاملة ومساواتها مع الرجل, كما يناضل من إجل إقامة مجتمع مدني ديمقراطي يتمتع بدستور ديمقراطي وحياة حرة وكريمة وسعيدة, ولكني التقيت به مرة واحدة بالقاهرة حين تشرفت بزيارته برفقة الأخ الدكتور حامد فضل الله والدكتور غالب العاني وتمتعنا معاً بصحبته الشيقة ومع عقيلته الفاضلة وزرنا دار كتبه حيث اقتنينا بعض كتبه الغنية.
إن الذي أصدر قرار غلق مركز الدراسات السودانية في الخرطوم واعتبار الأخ الدكتور حيدر إبراهيم علي عملياً للأجنبي, يقف تماماً بالضد من الأهداف النبيلة التي يناضل من أجلها الدكتور حيدر ويسعى إلى وأد الحركة الديمقراطية في السودان وإلى تشديد القمع والاضطهاد والحرمان للشعب السوداني. ولكن مصير الدكتاتورية والدكتاتور في السودان سيكون مزبلة التاريخ أيضاً في حين سيبقى الدكتور حيدر إبراهيم علي ومن هم أمثاله والشعب السوداني شامخاً يعلن عن وقوفه مع شعبه المستباح من الدكتاتورية باسم الدين الإسلامي والإسلام منهم براء كبراءة الذئب من دم يوسف..
في الوقت الذي أحتج بشدة على هذا القرار التعسفي البائس الصادر عن وزير ثقافة وإعلام الدكتاتورية في السودان وبتعليمات من الدكتاتور ذاته وأطالب بإلغاء هذا القرار المجحف فوراً, والذي يؤكد أن من أصدر هذا القرار لا يمكن أن يكون إلا خائناً لضميره وشعبه ووطنه, أدعو في الوقت نفسه جميع الطيبين في الشرق الدول العربية إلى التضامن مع الأخ الدكتور حيدر إبراهيم على وشجب الإجراء وإدانة النظام السوداني والدكتاتور الأول ووزير إعلام السودان.
9/1/2013                      كاظم حبيب          

194
كاظم حبيب
تشبث المالكي بالحكم وعواقبه المحزنة!
تؤكد نظريات علوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد والبحوث التطبيقية في مجال معالجة وحل النزاعات أن التناقضات الاجتماعية والمشكلات القومية أو الدينية والطائفية في بلد ما أو النزاعات بين بلدين أو أكثر حول الحدود أو المياه أو الموارد الأولية أو غيرها حين لا تعالج من جانب الحكومة أو حكومات بلدين أو أكثر تلك المشكلات فإنها تتراكم وتتعقد ويمكن في كل لحظة أن تتحول إلى صراعات سياسية تحمل شعارات تطالب بحل تلك المشكلات والنزاعات, وحين لا تستمع الحكومة أو الحكومات إلى تلك النداءات والمطالب بإان صاغية ورؤية عقلانية وحكمة تتحول في أية لحظة إلى نوعية جديدة إلى نزاعات محتدمة تتخذ أبعاداً جديدة وصيغاً مختلفة بما في ذلك النزاع المسلح حتى لو أقسم الجميع بأنهم لن يحاولوا معالجة الأمور المختلف عليها بالقوة وعبر استخدام السلاح, أي إنها تحمل معها احتمال كبير بحصول انتفاضات شعبية أو مسلحة أو بوقوع حرب أهلية أو حرب خارجية. إن اصحاب هذه النظريات الذين ينتمون إلى مختلف المدارس الاجتماعية والسياسية والاقتصادية, لم يستنتجوا هذه المقولة إلا بعد أن برهنت الحياة لهم وعبر دراسة معمقة لتاريخ الشعوب والدول لقرون المنصرمة.
هذه الحقيقة تنطبق على العراق تماماً كما تنطبق على بقية شعوب ودول العالم. خير دليل على ذلك تاريخ العراق السياسي الحديث وتاريخ الدول المجاورة بما في ذلك ما يجري اليوم بسوريا وما جرى وسيجري بإيران أيضاً أو ما يجري اليوم بالعراق, إذ إن أوضاع العراق محمل باحتمالات كثيرة لا يمكن البت بأحدها, ولكنها كلها تشير إلى عجز النخب الحاكمة وخاصة الحكومة الحالية ورئيسها عن معالجة التراكمات المتواصلة في مشكلات وتناقضات اجتماعية وقومية ودينية وطائفية وكلها تحولت أو تتحول تدريجاً إلى صراعات سياسية, كما نعيشها اليوم أو إلى نزاعات قادمة محتملة.
الوضع بالعراق معقد جداً ومتشابك من حيث طبيعة مشكلاته, سواء أكانت تلك التي خلفها النظام الدكتاتوري البعثي الصدامي, أم التي نشأت في أعقاب سقوطه وبروز نظام طائفي وأثني محاصصي مقيت والتي تداخلت وتراكمت حتى أصبح المجتمع غير قادر على تحملها مما يمكن أن تتحول في كل لحظة إلى نزاع يحرق اليابس والأخضر في أن واحد.
إن عجز المالكي عن سلوك سياسات تساعد على حل المشكلات القائمة أو رفضه معالجتها وحلها لأي سبب كان من جهة, ورفضه الاستماع بأذان صاغية إلى صوت العقل, إلى الصوت الذي يطالبه بالاستجابة إلى مطالب الشعب ومعالجة أوضاعه المتردية من جهة ثانية, سيقود إلى ما يريده المجتمع إلى نزع فتيل الصراعات لكي لا تتحول إلى نزاعات دموية وحروب داخلية. وفي الوقت الذي عجز رئيس الوزراء ورفض إيجاد الحلول للمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والفساد المالي وأوضاع المعتقلين والمساجين السياسيين ونقص الخدمات ومعالجة البطالة والفقر, إضافة إلى استمرار عدم إيجاد حلول للمشكلات بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية وتركها تتفاقم وتقترب من حافة الحرب, كما برز في الأشهر الأخيرة, وخاصة موضوع المادة 140 من الدستور العراقي, بدأت تتراكم وتتعقد وتتشابك في ما بينها, رفض في الوقت نفسه ترك الحكم لمن يستطيع معالجة المشكلات من نفس التحالف الحاكم أو عبر تحالفات جديدة أو عبر انتخابات مبكرة وأصر على البقاء والتشبث بالحكم لأي سبب كان, مما أدى إلى نشوء أوضاع تحمل معها مخاطر جديدة على الوضع في العراق وعلى احتمالات غير محمودة في كل الأحوال. نشير هنا إلى بعض الظواهر الجديدة التي نشأت بعد أن رفض الاستجابة لمطالب مظاهرات القوى السياسية والشعبية الديمقراطية التي طرحت في شباط/فبراير 2011 منها والتي سعى هو وجوقته إلى تشويه شعاراتها والإساءة للقوى المنظمة لها:
** استمرار بقاء أو وصول قوى أكثر سوءاً من البعث الصدامي إلى مواقع مهمة في القوات المسلحة وفي أجهزة الدولة, مما أعطى الفرصة لممارسة التخريب في العلاقات وتعقيدها والمساهمة بعدم حل المشكلات القائمة.
**  نمو ملموس في إمكانيات حزب البعث, بقيادة المتهم بالإجرام والمطلوب للعدالة عزة الدوري, السياسية والعسكرية ونشوء تحالف سياسي وعسكري بين قواته العسكرية وقوات تنظيم القاعدة وحصولها على مواقع مهمة في محافظات عراقية عديدة والتي تجلت في خطابي عزة الدوري الأخيرين.
** نشوء حالة من التذمر الشديد في أوساط الشعب من ابناء المحافظات الخمس مما سيقود إلى صدامات مسلحة بسبب السياسة الخرقاء لرئيس الحكومة وعجرفته وسعيه لمنع المظاهرات السلمية في الموصل أو في الفلوجة أو ..الخ.
** تنامي التظاهرات في بغداد ومدن أخرى التي يمكن أن تتصاعد لتصل إلى محافظات الوسط والجنوب بحكم الواقع السيئ في مجال الحريات العامة ونقص الخدمات واستمرار البطالة الواسعة والفقر والفساد في هذه المحافظات والتي لا يمكن للتحفيز الطائفي المقيت وإثارة قوى الشعب ضد بعضها الآخر, كما هو سلوك كل المستبدين, على تدارك الأمر بعد فترة وجيزة. ومظاهرات ذي قار حول مطالب أهالي المحافظة يمكن أن تتسع وتتحول إلى محافظات أخرى تعاني من ذات المشكلات ومن ثم تتخذ وجهة الصراع السياسي ضد السلطة والمطالبة بإسقاطها.
** تفاقم عزلة رئيس الحكومة عن الأحزاب السياسية الحاكمة معه ورفضها لسياساته ومشاركتها في المظاهرات ضده أو تأييدها, لأنها لا تجد أفقاً لحل المشكلات القائمة والتخلي عن سياسة الانفراد بالسلطة. ومن استمع إلى تصريحات قيادات القوى المتحالفة معه في داخل التحالف الوطني ذاته أو بين اقطاب التحالف الحكومي الراهن لأدرك حقيقة الأزمة المحتدمة التي تأخذ بخناق النظام والدولة والمجتمع في آن وتدفع بهم جميعاً إلى مخاطر جديدة.
إن استخدام القوة والاتكاء على تأييد إيران للمالكي وسكوت الولايات المتحدة عن سلوكه الاستبدادي وسياساته الخرقاء وإجراءاته المناهضة لبنود الدستور العراقي لن تنفع في نزع فتيل الصراع بأي حال, بل سيزيد الأمر سوءاً وتعقيداً. والحلول أمام رئيس الوزراء واضحة إذا أراد معالجة الوضع حقاً فأمامه الخيارات التالية:
1.   حل الحكومة وطلب تشكيل وزارة انتقالية حيادية لإجراء انتخابات عامة جديدة في البلاد وتحت إشراف الأمم المتحدة ومراقبة منظمات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية والمحلية.
2.   أو الاستجابة لمطالب الشعب في إطلاق الحريات العامة والاستجابة لأغلب المطالب الشعبية المطروحة التي هي ضمن الدستور العراقي وليست خارجه مع إمكانية تعديل هذا المطلب أو ذلك, ولكنها تحمل في الغالب الأعم صفة الضرورة والإلحاح. إن هذا الحل يتطلب:
3.   مغادرة نظام المحاصصة الطائفية والأثنية الراهن والمقيت والذي كان وما يزال السبب وراء ما استحدث من مشكلات في البلاد, إضافة إلى المشكلات السابقة من أجل نزع فتيل تفاقم الوضع وانفجاره بصيغ عديدة.
كم كان الصديق الأستاذ ضياء الشكرجي صادقاً وواقعياً وناصحاً حين قال في مقال له موجه لصديقه ورفيقه السابق أبي إسراء "كفى يا أبا إسراء .. آذيتنا والله ونفد صبرنا".
إن التشبث بالحكم على الطريقة الي يمارسها نوري المالكي ستقود إلى طامة كبيرة إلى عواقب محزنة للشعب العراقي بشكل خاص. وعلى المالكي أن يعي ذلك قبل فوات الأوان, فالتاريخ يعاقب من يتأخر في وعي الواقع واحتمالاته.
8/1/2013                        كاظم حبيب

 
   
   
     

195
كاظم حبيب
نظام البعث الدموي يسير إلى حتفه ..  فهل سيسمح لنشوء دكتاتورية إسلامية متطرفة في سوريا!
نظام البعث الدموي يقترب من نهايته , يسير إلى حتفه , ولكنه يخطف معه ويدفع الموت عشرات الوف الناس الأبرياء بقصفه العشوائي للمدن والأحياء وأرياف دمشق وحلب وحمص وغيرها. لقد بلغ عدد شهداء الثورة السورية حتى الآن أكثر من 50 ألف بين امرأة ورجل وطفل , إضافة إلى أضعاف هذا العدد من الجرحى والمعوقين وإلى أكثر من نصف مليون مهجر ومهاجر خشية الموت على ايد قوات النظام الدموية أو بسبب المعارك الدائرة بين قوى المعارضة وقوى النظام أو على ايدي القوى الإسلامية السياسية المتطرفة  من أتباع تنظيم القاعدة المجرم وما يطلق عليه "جبهة النصره" الذي يدعو إلى إقامة دولة  شبيهة بدولة طالبان الأفغانية في سورية ويمارس القتل العمد على أساس ديني وطائفي. ومن المؤسف أن نقول بأن المعارضة السورية لم تصدر بياناً تتنكر للأساليب الإجرامية التي تمارسها هذه الجماعة المتطرفة التي تمارس أساليب قتل وحشية ضد المسيحيين وضد الشيعة وضد العلويين لا تختلف عن الأساليب الوحشية التي يمارسها النظام البعثي ضد الشعب.
إن غالبية دول المجتمع الدولي تخشى من طبيعة النظام السياسي الذي سيحل محل النظام البعثي الآيل إلى السقوط في المنظور القريب ويخشى من وجود طبخة دولية تمارسها الولايات المتحدة وبعض دول الخليج , السعودية وقطر على نحو خاص , مع تنظيم الإخوان المسلمين الدولي , لإقامة نظم إسلامية إخوانية في المنطقة , كما حصل في كل من مصر وتونس , خاصة وإنها استطاعت إيصال عضو المخابرات المركزية الأمريكية إلى قمة الدولة في مصر ليفرض دستوراً إسلامياً رجعياً في الموقف من أتباع الديانات الأخرى في مصر.
تواجه قوى المعارضة السورية في الوقت الحاضر مشكلتين هما مشكلة إسقاط النظام من جهة , ومشكلة محاولة قوى الإسلام السياسي المتطرفة تعزيز مواقعها في حلب وفي بعض المدن الأخرى وزيادة نفوذها وقواتها العسكرية من جهة ثانية. ولا شك بوجود صعوبة كبيرة بتمييز قوى المعارضة الوطنية والديمقراطية نفسها عن تلك القوى المتطرفة , إذ إن ساحة القتال ضد النظام البعثي في سوريا واحدة ونهايات هذه القوى متداخلة مع القوى الأخرى. وكلما طال القتال , كلما استطاعت قوى الإسلام السياسية المتطرفة تعزيز مواقعها وزيادة قدراتها العسكرية وزيادة عملياتها الانتحارية الهجومية التي تقتل من الشعب أكثر مما تقتل من قوى النظام.
ورغم هذه الصعوبة الجمة لا بد من التعامل بجرأة للحد من انتشار وتوسع هذه القوى والسعي للتعامل مع قوى المعارضة الديمقراطية الداخلية الأخرى التي لا بد من تشكيل جبهة واحدة واسعة معها ضد نظام البعث وضد العنف القادم من قوى النظام ومن قوى جبهة النصرة الإسلامية التي تتعامل بروح عدوانية ضد الإنسان الحر والمستقل لأنها تريدهم أن يكونوا في جبهة النصرة وليس مع القوى السياسية الأخرى , ومن يرفض ذلك سيكون مصيره الموت على أيدي هذه الزمر.
علينا أن نتذكر ما فعلته وما تزال تفعله هذه القوى في العراق وفي أفغانستان وفي مناطق سيناء بمصر. ولهذا علينا أخذ الحيطة والحذر من هذه القوى صنيعة الإرهاب الدولي المناهض للديمقراطية والدولة المدنية وحقوق الإنسان والحقوق القومية العادلة للقوميات الأخرى التي تعيش وتشارك مع القومية العربية في الدول العربية في الشرق الأوسط.
نحن الذين وقفنا وما زلنا وسنبقى إلى جانب الشعب السوري وقواه المعارضة ضد النظام الدموي في دمشق ومن أجل إقامة نظام مدني ديمقراطي دستوري حر ومستقل يأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات الثلاث وفصل الدين عن الدولة والسياسية والاعتراف والتعامل بجدية مع لائحة حقوق الإنسان وكل اللوائح والمواثيق الدولية بهذا الخصوص , نتطلع أن يقف النظام القادم الجديد ضد القوى الإسلامية السياسية المتطرفة والإرهابية وضد تلك القوى التي تريد إقامة دولة دينية ثيوقراطية في سوريا على غرار دولة طالبان التي أسقطت بالحرب , وكذلك الدولة الإيرانية "الإسلامية" التي تحارب الحرية الفردية وحرية الأديان وممارسة التمييز الديني والمذهبي والقومي والفكري.
إننا نتطلع لأن تقف قوى المعارضة السورية ضد قوى التطرف ومنذ الآن وليس بعد سقوط النظام , إذ إنها ستواجه مصاعب جمة وتقدم تضحيات كبيرة جداً لحين توفر مستلزمات إبعاد هذه القوى عن الساحة السياسية السورية , والعكس ممكن أيضاً.
15/12/2012                        كاظم حبيب         

 

196
كاظم حبيب

هل يبقى الشعب يلعق جراحه ويُهدد بحرب قومية جديدة ..؟
وهل تبقى خزينة الدولة مثقوبة لمن هبَّ ودب والخدمات غائبة عن الشعب ؟

منذ تسع سنوات والشعب العراق يلعق جراحه ولا يعرف متى سينتهي نزيف الدم. كل المؤشرات التي تحت تصرفنا تنذر بتصعيد التوتر السياسي بين الأطراف السياسية الحاكمة. ورغم حقيقة أن الحكم لم يستطع حتى الآن السيطرة على الأمن وحماية المواطنات والمواطنين من إرهاب قوى الإرهاب الإسلامي السياسية المتطرفة والعدوانية والمتمثلة بقوى القاعدة الداخلية والمصدرة للعراق وما تشعب عنها من تنظيمات إرهابية أو ما يمثلها في أطراف العملية السياسية الإسلامية السنية منها والشيعية , ورغم إن المجتمع العراقي ما يزال يعاني من أوجاع كثيرة سابقة وما يزال ترهق ذاكرته الحروب العدوانية الداخلية والخارجية التي شنها نظام البعث الاستبدادي ورئيس الدولة الأهوج صدام حسين والحصار الاقتصادي والبؤس والفاقة وما نتج عنها من موت لمئات ألوف الناس الأبرياء في الحروب العديدة وفي الحصار الدولي وفي القتل اليومي من جانب أجهزة أمن البعث ومؤسساته القمعية الأخرى وعمليات التهجير القسري والتشريد ..الخ , وما حصل بعد إسقاط الدكتاتورية عبر الحرب والاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق ونشاط قوى الإرهاب والمليشيات الطائفية السياسية المسلحة على مختلف المستويات والمجالات , فإن رئيس حكومة النظام الجديد نوري المالكي , نظام المحاصصة الطائفية البائس , يهدد بالويل والثبور , يقرع طبول الحرب ضد إقليم كردستان العراق , فنسمع صرخاته في مؤتمره الصحفي يوم السبت المصادف 8/12/2012 حيث يقول حول الصراع ما يلي: ...إذا تفجر الصراع هذه المرة سيكون صراعاً مؤلماً مؤسفاً , صراعاً قومياً ليس كالصراع السابق منطقة ضد حكومة طاغية مثل ما كان عندنا في كردستان أم عندنا في الجنوب , هذه المرة ستكون ذات أبعاد خطيرة ليس لمصلحة الكرد ولا لمصلحة العرب ..." (أخذ المقطع من نص الخطاب المنشور على المواقع الإلكترونية). 
لقد كانت تلك الحروب التي خاضتها النظم السابقة قومية شوفينية متغطرسة واستبدادية وذات مضامين وأساليب فاشية عدوانية , وكلها كانت باسم العروبة ظلماً وبهتاناً. هذا صحيح. ولكن هل ستكون , إن بدأ المالكي حربه ضد إقليم كردستان العراق , شيئاً غير ذلك ؟ كلا يا رئيس الوزراء لن تكون غير ذلك بأي حال من الأحوال , لأنها ستكون حرباً قومية شوفينية وطائفية مغرقة بالرجعية والعدوانية وليس غير ذلك , ولكن باسم العروبة والدين وكلاهما برئ مما يجري باسمهما. وهو ما يفترض أن ينتبه إليه الشعب ويتصدى لمحاولة التأليب والدفع باتجاه الحرب التي ذاق الشعب مراراتها لعقود عدة.
فبدلاً من الحديث عن الإرهاب والفساد ونقص الخدمات وغياب عملية التنمية والمستنقعات المائية بالعاصمة بغداد , وبدلاً من الحديث عن الفقر  والبطالة وسبل مكافحتهما وتحسين مستوى حياة ومعيشة وظروف عمل الشعب , وبدلاً من كل ذلك يزبد ويرعد رئيس الوزراء ويهدد بالويل والثبور , كأنه البطل الجديد لحرب جديدة لن تكون إلا ظالمة ومشينة.
إن المالكي رجل معقد وسطحي الرؤية الاستراتيجية لتطور العراق , كما إنه , كما تشير دلائل وجوده في السلطة , يسجل انحداراً في جنون العظمة والنرجسية المرضية , يتحدث بما لا يؤمن به ويمارس السياسة بذهنية مخادعة ولا يتورع عن عدم قول الحقيقة أو الفرية , كما اشار إلى ذلك بصواب مقال الأستاذ فخري كريم يوم 13/12/2012 المنشور في افتتاحية جريدة المدى , حين تطرق إلى الحديث الذي جرى في لقاء ثلاثي جمع السيد رئيس الجمهورية ونوري المالكي والأخ فخري كريم , حين كان يدور حول تنصيب نوري المالكي رئيساً لوزراء العراق لدورة جديدة. وهو الخطأ الفادح الذي ارتكبته كل القوى نتيجة ضغط إيران وموافقة أو سكوت الولايات المتحدة.
إن صيحات الحرب لن تنفع أحداً ولن تساعد على إيجاد حلول للواقع المزري الذي يعيش فيه الشعب ولا للمشكلات العالقة التي تتسبب في هذا التوتر الدائم والمتفاقم. إن المالكي رجل غير ديمقراطي بل فردي واستبدادي ومفرط في حبه للذات والسلطة ودفء الكرسي حتى لو كان على حساب شن حرب وموت الآلاف من البشر أو فقرهم المدقع.
النظام السياسي الحالي نظام فاسد لا لأنه يقوم على المحاصصة الطائفية والأثنية وبعيداً عن روح الوطن والمواطنة الإيجابية وينأى عن قاعدة "الدين لله والوطن للجميع" فحسب , بل ولأن الفساد يُمارس يومياً كنظام معمول به في البلاد , يمارسه أغلب الحكام المشاركين في المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية , فهذه الغالبية تسرف في نهب البلاد وإفقار الخزينة , فما يدخل إليها من أوال النفط العراقي الخام المصدر ويبدو وكأنه يدخل إلى خزينة مثقوبة بثقوب كثيرة وكبيرة يتسرب منها المال إلى جيوب تلك الغالبية بطرق وأساليب شتى. وليس في هذا القول أية مبالغة , بل كل الدلائل التي تنشر على الصعيد الدولي وخاصة من جانب منظمة الشفافية الدولية تؤكد هذه الحالة. اليكم ما ورد بشأن العراق حول الفساد : احتل العراق في العامين 2009 و2010 المرتبة 175 من مجموع 178 دولة شُملت بالتحري عن الفساد فيها. وجاء في شبكة الرقاب الدولية بشأن موقع العراق في جدول الشفافية الدولية في العام 2011 ما يلي: "وبالإضافة إلى الصومال وكوريا الشمالية ، واللتان تشاركتا في المركز 182 ، قبعت دول أخرى في المنطقة في أسفل القائمة ، وتضم ميانمار وأفغانستان وأوزبكستان وتركمانستان والسودان والعراق وهايتي وفنزويلا." ولم يتغير الوضع في العام 2012 عن العام الذي سبقه. ومثل هذه الحقيقة هي التي تؤكد إن العراق غارق في الفساد من قمة رأسه إلى أخمص قدميه , وإن الفساد لا يدور حول مئات ألوف أو ملايين الدولارات الأمريكية , بل عن المليارات من الدولارات الأمريكية. ومن هنا نستطيع أن نفهم بوضوح , ومعنا الشعب في غالبيته , وندرك اسباب نشوء هذه الآلاف من اصحاب المليارات والملايين من الدولارات الأمريكية وليس المليارات من الدنانير العراقية.
رئيس الوزراء يدعي وجود ملفات فساد لديه , فهل يعني عدم إعلانه عنها أنه مشمول بذلك أم إنه وأفراد عائلته مشمولون بذلك؟ هذا مجرد سؤال يفرض نفسه على كل إنسان يتحرى عن الفساد ويسمع رئيس الوزراء يقول إن لديه ملفات الفساد , وإن كذا شخص مشمول بالفساد دون أن يذكر اسمه أو يدفع بملفه إلى القضاء. إن من حق الشعب أن يسأل هؤلاء الأثرياء من القطط السمان الذي طرحته المطربة العراقية المتوفاة في أوائل الخمسينات من إذاعة صوت أمريكا في أغنية لها من أين لك هذا؟ وتجيب عليه هذا من فضل ربي ..ثم تقول قابل الله أنزله ألك بالزنبيل .. , كما قدم المونولوجست عزيز علي من نفس الإذاعة وفي نفس الوقت منولوجه المشهور "صل على النبي" ويقول فيه: "صل على النبي صل على النبي ... وأخذ أياغه هالصبي ... مختار ذاك الصوب هم ممنون منه والنبي .." , إذ اصبح مختار ذاك الصوب (ابو ناجي رمزاً لبريطانيا حينذاك) في الوقت الحاضر "العم سام" رمز الولايات المتحدة في هذه المرحلة.
الشعب العراقي يعيش اليوم في ظل نظام سياسي يُهدر فيه دم العراقي ويُهدد بحرب قومية شوفينية باسم العروبة وطائفية جديدة مدمرة وفساد مالي يسرق أموال الشعب بغير حساب وسقوط أخلاقي لا مثيل له طيلة عمر العراق الحديث. واليوم يندفع بذريعة تقوية العراق لمواجهة الأعداء وليس الكرد وليس الشعب , حسب إدعاءه , ليشتري المزيد من السلاح ويفتح ثقباً جديداً في خزينة الدولة لعقود الأسلحة والفساد , تماماً كما فعل صدام حسين ومن بعده حازم الشعلان ومن جاء من بعدهما حتى الآن , كما تشير إلى ذلك وسائل الإعلام والسيد صادق الموسوي , رئيس مؤسسة الأعلام العراقي , في ندوة تلفزيونية على برنامج الساعة التاسعة في قناة البغدادية مكملاً تصريحات عزت الشابندر ومتوسعاً في ملف الفساد الخاصة بالصفقة الروسية.
إن رئيس الوزراء يذهب إلى العشائر العراقية ليكسبها إلى جانبه , تماماً كما فعل صدام حسين , ويريد أن يدفع بها إلى الموت ايضاً , تماما كما فعل صدام حسين. ولكن الغريب بالأمر إن غالبية الشعب لم تدرك بعد عمق الهوة التي يدفع رئيس الوزراء العراقي إليها والعواقب الوخيمة على المجتمع العراقي وعلى وحدة نسيجه الوطني ولحمة أهله.
إن دعاة الديمقراطية والمدنية والتآلف والسلام في العراق كافة يتحملون مسؤولية فضح النهج السياسي الجديد لرئيس الوزراء العراقي الذي أصبح خلال السنوات الأربع الأخيرة أحد الصقور الأشد فتكاً في حزب الدعوة الإسلامية وفي المعسكر الشيعي , لكن الرجل بدأ ينخر بالتحالف الوطني وبقائمة دولة القانون , وإن طرح البديل الديمقراطي في انتخابات المحافظات القادمة وفي الانتخابات العامة القادمة التي نأمل أن يكون الشعب قد ادرك مخاطر استمرار المالكي على رأس السلطة التنفيذية ويمسك بزمام القوات المسلحة وبالسلطة القضائية إلى حدود بعيدة ويمتلك تأثيراً مباشراً على السلطة التشريعية ويسعى إلى تحقيق تحالفات قومية شوفينية جديدة للمضي في نهجه العسكري والحربي ضد إقليم كردستان.
علينا أن نمنع قرع طبول الحرب بسياسات سلمية أخرى , علينا حل المعضلات القائمة والكثيرة بسياسات عقلانية حكيمة وليس بالعفترة والتجاوز على بنود الدستور التي تقرر حل المشكلات بواسطتها. علينا القيام بالكثير الذي تفرضه المرحلة , ولكن بعيداً عن الحرب والتطرف والعدوانية وصرخات الحرب اليائسة , علينا كسر أجنحة الصقور ومنع تحليقها فوق سماء العراق الصافية , وإن كانت ملبدة الآن بغيوم مجنونة!!
14/12/2012                        كاظم حبيب

197
كاظم حبيب

متى تدرك حكومة إسرائيل عمق التغيرات الجارية في العالم ومنطقة الشرق الأوسط؟

من يتابع النهج السياسي لحكومة بنيامين نتنياهو-ليبرمان يدرك إنها مصممة على تنفيذ عدة مسائل خلافية هي:
1.   مواصلة التحول صوب اليمين الأكثر تشدداً وتكريس التحالف مع اليمين الشوفيني المتطرف في إسرائيل.
2.   الاستمرار على إبقاء احتلالها للضفة الغربية وبقية المناطق المحتملة في كل من سوريا ولبنان باعتبارها أمر واقع.
3.   الاستمرار ببناء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية والقدس الشرقية , تماماً كما حصل في هذه الأيام باتخاذ الحكومة قراراً يقضي ببناء 3000 وحدة سكنية في القدس الشرقية بما يؤدي إلى فصل القدس الشرقية عن الضفة الغربية تماماً.
4.   الاستمرار بسياسة التسلح التي تساهم في خلق تشديد سباق التسلح في المنطقة والتي تسعى إليها إيران على نحو خاص , وكذا الحكومات العربية , رغم إنها لا تستخدمها بأي حال ضد إسرائيل بل ضد قوى المعارضة لها وضد شعوبها.
5.   محاولة استدرار عطف المجتمع الدولي باعتبارها الضحية المستمرة والذي لم يعد مقبولاً من جانب غالبية دول العالم والذي لا بد لإسرائيل أن تدركه.
هذا النهج غير العقلاني وغير الحكيم في السياسة الذي تمارسه حكومة بنيامين نتنياهو-أفيغدور ليبرمان فيه الكثير من الاستفزاز لمشاعر العرب من مسلمين ومسيحيين في غزة والضفة الغربية وللعرب بشكل عام وللكثير من شعوب العالم في المرحلة الراهنة والذي يعني عدة نتائج سلبية أخرى , نشير إلى بعضها في الآتي:
1.   من الناحية العملية رفض مبدأ قيام الدولتين على الأرض الفلسطينية قبل قرار التقسيم في العام 1947 , أي منع قيام الدولة الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية بحدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
2.   استمرار التوتر في المنطقة بهدف استمرار اقتطاع المزيد من أراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية بما لا يساعد على قيام دولة فلسطين في ما تبقى للعرب من قرار التقسيم في العام 1947 ولا حتى ما تبقى بعد احتلال 1967.
3.   المشاركة الجدية من جانب حكومة إسرائيل بتشديد التطرف لدى قوى عربية إسلامية سياسية متطرفة أصلاً , حماس والجهاد الإسلامي مثلاً , لإبقاء التوتر في المنطقة وعدم الوصول إلى أي حل , بسبب استمرار قوى التطرف في طرح شعار إنهاء وجود الدولة الإسرائيلية , وهو الأمر الذي يفيد إسرائيل على الصعيد الدولي بطرح شعار إن أمن إسرائيل مهدد بالخطر من جانب هذه القوى العربية المتطرفة.
4.   الإسهام المباشر وغير المباشر بإضعاف دور وتأثير القوى العربية المعتدلة التي أقرت بوجود دولة إسرائيل وتدعو إلى إقامة الدولة الفلسطينية وبناء علاقات سلمية على اساس "الأرض مقابل السلام" الدائم والعادل.
5.   هذه السياسة التي تمارسها إسرائيل تضعف قدرات إسرائيل وقدرات الدول العربية على التنمية ومعالجة مشكلات البطالة والفقر وغلاء المعيشة والتي تجلت في الحركات الشبابية في إسرائيل خلال السنة المنصرمة أو الربيع العربي الذي مل يزال يتفاعل حتى الآن ولم ينته بعد.
لقد خاضت إسرائيل في تموز/يوليو 2006 حربها ضد لبنان وضد حزب الله , وخاضت الحرب ضد قطاع غزة في كانون الأول /كانون الثاني 2008 و2009 والمعركة الجديدة ضد غزة وقوات حماس والجهاد الإسلامي وعموم الشعب الفلسطيني في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2012. فماذا كان الحصيلة الفعلية:
1 . لم تحقق المعارك الثلاث أية نجاحات لإسرائيل وفشلت سياسة القبضة الحديدية , بل جوبهت بمقاومة شديدة وبمعارضة دولية وإقليمية واسعة وبعدم قبول واسع في الشارع الإسرائيلي بسبب الخسائر التي تحملتها إسرائيل , إضافة إلى الصواريخ التي نزلت على رؤوس سكان جنوب إسرائيل.
2 . سقوط أعداد غفيرة من القتلى والجرحى والمعوقين في الجانب اللبناني والفلسطيني , إضافة إلى  دمار واسع في جنوب لبنان وغزة على نحو خاص.
3 . تفاقم الكراهية والحقد بين العرب من مسلمين ومسيحيين وبين اليهود في إسرائيل , مما يزيد من مصاعب الوصول إلى تفاهم عقلاني بين السكان في الدول العربية المشمولة بالصراع مباشرة ودولة إسرائيل.
4 . تنامي القدرات العسكرية في الطرف العربي والقدرة على إلحاق أضرار وأوجاع في صفوف الشعب الإسرائيلي من اليهود , إذ أصبحت سماء إسرائيل كلها مفتوحة أمام الصواريخ الإيرانية ذات المسافة المتوسطة الممنوحة لقوى الإسلام السياسية في كل من لبنان وغزة. وفي المعركة الأخيرة وصلت الصواريخ إلى القدس وحيفا والتي يمكن أن تصل إلى أبعد من ذلك.
5 . سيساعد هذا السلوك على خلق صعوبات أمام سياسة الدول الغربية وإسرائيل في الموقف المناهض لإنتاج السلاح النووي الإيراني , إذ المؤشرات تؤكد احتمال إنتاج هذا السلاح خلال السنة أو السنتين القادمتين.
6 . كما لا يمكن لإسرائيل استخدام سلاحها النووي ضد العرب أو ضد إيران , إذ إن الأضرار ستصيب الشعب الإسرائيلي ذاته , كما سيكون هذا الأمر مرفوضاً على الصعيد الدولي والإقليمي.
7 . إن سياسة تطويق غزة وحصار سكانها قد تسبب في تحول سياسات دول صديقة لإسرائيل إلى مناهضة لهذه السياسة وليس لوجود إسرائيل حتى الآن. ويمكن أن يكون موقف ألمانيا التي لا تعارض سياسات إسرائيل عموماً , لم تصوت ضد قرار قبول الدولة المراقبة في الأمم المتحدة وشجبت مستشارة المانيا سياسة إقامة 3000 وحدة سكنية في القدس الشرقية واعتبرتها خطوة ضد تحقيق السلام ومبدأ الدولتين. وهو الموقف الذي اتخذته جميع دول العالم.
8 . إن هذه السياسة تخلق مصاعب لكل المعتدلين وغير الشوفينيين والعنصريين في الدول العربية لمواجهة القوى المتطرفة , لأن سياسة اليمين واليمين المتطرف الإسرائيلي تشم منها رائحة شوفينية قوية لا تختلف عن أي شوفيني متطرف آخر في العالم , في ما عدا إمكانية اليمين الإسرائيلي استخدام السلاح ويدفع بالمتطرفين والشوفينيين العرب إلى مواجهة ذلك بالسلاح. وفي الوقت الذي هاجم وزير خارجية إسرائيل الدول الأوروبية واعتبرها إنها عادت لسياسة ما قبل الحرب العالمية الثانية إزاء اليهود ,أبدى نتنياهو عدم ارتياحه من الموقف الأوروبي والألماني على نحو خاص , اعتبر رئيس جمهورية إسرائيل إن الموقف الألماني طبيعي لأن العالم كله يسعى إلى أن يرى دولتان على الأرض الفلسطينية دولة إسرائيل ودولة فلسطين. إن هذين الرأيين يجسدان حقيقة الصراع الراهن في إسرائيل أيضاً والدائر بين قوى الحرب وقوى السلام , قوى التوسع وقوى التي تقول لا يمكن ابتلاع فلسطين كلها!
ليست هذه السياسة التي تمارسها إسرائيل تحمي أمن إسرائيل وسلامة شعبها , وليست هذه السياسة تكسب رضى الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي وقبولهما , كما رأينا ذلك في التصويت على قبول دولة فلسطين كمراقب في الأمم المتحدة ( 138 مع و8 ضد و41 ممتنع عن التصويت) , وليست هذه اسياسة هي التي تعزز وجود إسرائيل واستقرارها واستقرار المنطقة , وليست هذه السياسة تساهم في تحقيق التفاهم والتفاؤل لدول وشعوب المنطقة في العيش بسلام وامن واستقرار , كما إن سياسة الاعتماد على الدعم الأمريكي والغربي عموماً لن يساهم في توطيد دولة إسرائيل بأي حال ولا في إبعاد شبح الحرب ثانية عن المنطقة.
إن ما تحتاجه إسرائيل لحماية شعبها وأمنها يكمن في قدرتها على توفير الحماية لشعب فلسطين أيضاً , في الكف عن الوقوف بوجه إقامة الدولة الفلسطينية بحدود 1967 , في الكف عن بناء المستوطنات , في الكف عن التشجيع المباشر وغير المباشر للقوى الإسلامية السياسية المتطرفة والقومية اليمينية المتطرفة في فلسطين وفي العالم العربي.
إن ما تحتاجه إسرائيل هو صداقة الشعوب بدلاً من , أو إضافة لصداقة الدول والاكتفاء بها على حساب العلاقة الودية والضرورية مع الدول العربية المجاورة ,  وخاصة شعب فلسطين.
إن قدر المسلمين والمسيحيين من جهة , واليهود من جهة أخرى هو العيش المتجاور , وإن هذه الجيرة لها شروط ومستلزمات لرعايتها وتطويرها بدلاً من تأجيجها أو مساعدة من يؤجهها في الطرف الآخر.
إن العالم يعيش تحولات كبيرة وعمليات التغيير تحصل يومياً في مجرى التغيرات الحاصلة على صعيد المنطقة ايضاً , وبالتالي يستوجب من إسرائيل إدراك هذه الحقيقة , ولكن هذا ليس بشارع باتجاه واحد , إذ على العرب إدراك ذلك أيضاً. فلا رمي إسرائيل بالبحر أو إنهاء وجودها كدولة , ولا منع إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية , سياسة تعبر عن إدراك واقعي للتحولات الجارية في العالم ووعي بضرورة التعامل مع هذه المتغيرات بسياسة جديدة غير المنتهجة من جانب حكومة نتنياهو –ليبرمان ومن جانب حماس والجهاد الإسلامي في آن واحد. إن خالد مشعل الذي دخل غزة كمنتصر كبير , عاد ليؤكد رفضه لوجود دولة إسرائيل , وهو الموقف الأكثر تطرفاً الذي سيجلب المزيد من المصاعب والمشكلات لشعب فلسطين وسيفرح المتطرفين الإسرائيليين لأنهم بذلك يستطيعون مواصلة التوتر واقتطاع المزيد من أرض فلسطين. إنها الخدمة الفعلية التي تقدمها حماس لإسرائيل , تماماً كما يفعل حكام إيران الأوباش أيضاً. 
ليس في مقدوري أن أتوقع تحولاً سريعاً في سياسات الدولة الإسرائيلية إذا ما استمرت حكومة نتنياهو – ليبرمان على رأس السلطة في إسرائيل بعد الانتخابات القريبة القادمة , كما سوف لن يساعد ذلك حكومة محمود عباس على انتهاج السياسة المعتدلة المطلوبة , إذ إن تأثير المتطرفين سيكون كبيراً , خاصة حين يتبين للناس إن إسرائيل لم تعد قادرة , كما كانت في السابق , على تحقيق ما تسعى إليه , وإنها ليست الدولة التي لا يمكن لجم سياساتها التوسعية.
لا يمكن أن تتغير هذه السياسة في إسرائيل دون ضغوط شعبية في داخل إسرائيل ومن قوى السلام والديمقراطية ومن قوى إقليمية ودولية , وخاصة الولايات المتحدة والدول الغربية. إن الصداقة مع إسرائيل والدفاع عنها لا يتم بتأييد كل ما تمارسه إسرائيل من سياسات , بل الصداقة الفعلية والحقيقية لإسرائيل هو إعلامها بأن سياستها الراهن مرفوضة وعليها أن تغير هذا النهج بما يساعد على إضعاف القوى المتطرفة في الجانب الآخر.
إن تحقيق الأمن ولاستقرار والسلام أصعب بكثير من قرار خوض الحرب , إذ حين تنشب الحرب لا يمكن تقدير زخمها وتداعياتها وحجم عواقبها المريرة وخسائرها البشرية والمادية على الجميع كما لا يمكن تقدير وقت توقفها.
لا ينفع إسرائيل أن تكسب تأييد حكام دولة قطر لها , بغض النظر عن شكلية دعم قطر لحماس بالمال , إذ إن قطر لم تكسب ود العرب ولا ود شعبها , فهي بيدق في رقعة الشطرنج الأمريكية , بل الأهم والأسلم لإسرائيل من كل ذلك هو كسب الشعب القطري والشعوب العربية , ولا يمكن أن يتحقق هذا الهدف بالسياسة الإسرائيلية الراهنة. ولا بد للولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا الاتحادية وبريطانيا وفرنسا واليابان وإيطاليا وأسبانيا وغيرها أن تدرك هذه الحقيقة وأن تعمل لصالح إسرائيل من خلال الضغط على إسرائيل لتغيير سياساتها العسكرية والتوسعية والاستيطانية الراهنة. إنه العامل المساعد والضروري لإضعاف ولجم التطرف في الجانب الآخر.       
12/12/2012                     كاظم حبيب

198
كاظم حبيب
ما هي العوامل الكامنة وراء تشنجات السياسة المالكية؟

يتساءل الكثير من العرب , سواء ممن عرف رئيس الوزراء العراقي الحالي أو سمع به قبل ذاك , أم ممن لم يتعرف عليه شخصياً ولم يسمع عنه إلا بعد أن أصبح رئيساً للوزراء , عن الأسباب الكامنة رواء هذه التشنجات المتفاقمة والمتلاحقة في سياسات وإجراءات وتصريحات السيد نوري المالكي , وما هي العواقب المترتبة على مثل هذه السياسات المتشنجة والمدمرة لوحدة الشعب وعلاقاته الأخوية؟
لا شك في أن الإجابة عن هذه الاستفسارات لن تكون سهلة لمن لم يتابع اتجاهات تطور الأوضاع في العراق ولا التحولات الجارية في سياسات نوري المالكي منذ أن تسلم للمرة الأولى ومن ثم للمرة الثانية رئاسة "مجلس الوزراء" العراقي. ولكن هذه الإجابة لن تكون صعبة على العراقيات والعراقيين العاملين في الشأن العام أو الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية , بل يمكن للمتتبع أن يضع أصبعه بدقة كبيرة على الجرح النازف منذ سقوط النظام الدكتاتوري حتى الآن , ولكن وبشكل خاص منذ أن تسلم نوري المالكي للمرة الثانية رئاسة الحكومة ببغداد وفرض نفسه رئيساً للوزراء بدعم من إيران وموافقة الولايات المتحدة وسكوت القوى الديمقراطية وقبول بعضها إذ كانت تتصور أنه سيكون أفضل من سلفه الدكتور إبراهيم الجعفري.
تاريخ العراق الحديث والمعاصر يمدنا بإجابات دقيقة عن حالات مماثلة لحكام عرفهم الشعب العراقي خلال العقود المنصرمة. فالحاكم المستبد بأمره أو الطاغية يجد كل العيوب بشعبه وبالقوى المعارضة له وليس في طغيانه وسياساته الخاطئة وإجراءاته الفردية ومواقفه الفعلية. وهي محنة الشعب وقواه الحية خلال عقود عدة. وهذا ما يواجهه الشعب في سياسات وإجراءات ومواقف وتصريحات نوري المالكي الحالية. وتجلى ذلك بشكل صارخ في مؤتمره الصحفي الأخير الذي عقده ببغداد في يوم السبت المصادف 8/12/2012.
في هذا المؤتمر أدرك من حضر أو استمع إلى تصريحاته بأن رجل الدعوة الإسلامية , نوري المالكي فقد أعصابه حقاً واختفى اتزانه الشكلي في التعبير عن مكنوناته , رغم ما بذل من جهد ايحافظ على هدوء مفتعل كأي ممثل فاشل من الدرجة الرابعة. فقد هاجم كل القوى السياسية العراقية بمن فيهم قوى التحالف الوطني الحاكم , هذه القوى المتحالفة معه والتي أوصلته إلى رئاسة الحكومة.
فكل القوى السياسية العراقية تعمل ضد الدستور إلا هو , والكل يعمل للمصلحة الذاتية إلا هو , والكل يتخذ مواقف متشنجة إلا هو. فهو العليم والحكيم والمعصوم عن الزلل! وهو ولي الله على أرض الرافدين , وإن استمر طويلاً في الحكم سيرى نفسه نصف آله ونصفه الآخر من بني البشر المميزين. فالكل ضد المالكي , والكل يتآمر على المالكي. هذا هو سلوك المستبدين. عاجز عن رؤية تصرفاته ومضمون سياساته وإجراءات وتجاوزه المستمر ويومياً وفي كل لحظة على الدستور وعلى صلاحيات رئيس الجمهورية وعلى إرادة ومصالح الشعب ويدفع بالبلاد إلى المزيد من الصراعات التي يمكن أن تتحول بفعل تداعياتها إلى نزاعات دامية.
لماذا يتفاقم هذا التوتر في نهج المالكي وتصرفاته اليومية , التي تجسد إضافة إلى الفردية والاستبداد , سلوكاً شوفينياً من جهة , ونهجاً طائفياً سياسياً متزمتاً من جهة أخرى , إضافة إلى تحول باتجاه التحالف مع قوى بعثية وقومية يمينية متطرفة في عدائها للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات؟
من يتابع أوضاع الشعب العراقي سيصطدم بسياسات المالكي المرفوضة من الغالبية العظمى في المجتمع. وبدأت تتجلى في وقائع يومية مما أدى إلى شعور فعلي لدى المالكي بالعزلة المتزايدة عن الشعب وعن القوى السياسية الحليفة له وكذلك القوى المعارضة له.   
فليست هناك في الجانب الاقتصادي نجاحات يفتخر بها , فلا تقدم حقيقي في التنمية الاقتصادية والبشرية , إذ ليست لديه إستراتيجية تنموية ورؤية وضاحة لوجهة تطور الاقتصادي العراقي , حتى كتاب اقتصادنا الضعيف اقتصادياً لم يستوعبه الرجل. فلا تصنيع في البلاد ولا تنمية زراعية ولا خدمات ضرورية رغم المليارات التي صرفت لإنتاج الطاقة الكهربائية ما يزال الشعب يعاني من نقص شديد في حصوله على الطاقة صيفاً وشتاءً. وازداد بشكل كبير اعتماد العراق على موارد النفط الخام المالية التي توجه لأغراض الاستهلاك اليومي وتوسيع عديد القوات المسلحة وشراء السلاح , إضافة إلى تضخم غير معقول في الجهاز الإداري. فالعراق يستهلك اليوم أغلب دخله القومي المنتج في اقتصاد النفط على الاستيراد الاستهلاكي وتعمق الطابع الريعي للاقتصاد العراقي. لا يدرك حتى الآن إن الصناعية تسهم في امتصاص البطالة المتزايدة وتخلق مجالات جديدة للاستثمار والتشغيل والسيولة النقدية وتحسين مستوى معيشة السكان. فكل المؤشرات تؤكد وجود بطالة متفشية وفقر يشمل أكثر من ثلث السكان بشكل مباشر. واقتصاد النفط هو القطاع الوحيد المتحرك والمنتج للأموال التي لا توجه للتنمية والتثمير الإنتاجي بل تستهلك وتنهب وتسرق بطرق شتى ومن جانب القطط السمان , كما إن الفساد يعم البلاد ومعه مرافقه البشع الإرهاب. ويعتبر العراق ضمن عشر دول تحتل المراكز المتقدمة في سيادة الفساد فيها , كما إن بغداد العاصمة ضمن عدد قليل من أسوأ عواصم العالم في الخراب والتلوث والمستنقعات المائية والنفايات. وإذ نتفق على وجود فساد في إقليم كردستان , فإن هناك عمراناً وتقدماً في شبكة الكهرباء والماء وهناك شوارع تقام يومياً وهناك تشغيل واسع وبطالة أقل , إضافة إلى فقر أقل وتحسن في مستوى المعيشة , كما إن هناك زيادة في عدد الطلاب والطالبات وعدد الجامعات والكليات وكذلك في مكافحة الأمية عند الكبار , وهناك تحسن نسبي محدود في أوضاع المرأة أفضل ما تحقق في بغداد العاصمة. ورغم عدم التوجه حول التصنيع وتحديث الزراعة في الإقليم , فإن ضغط الأمن الاقتصادي وضغط السكان والحاجة الفعلية ستدفع بهم وتجبرهم على طرق باب التصنيع وتحديث الزراعة وتنميتها بسرعة.
كل الدلائل تؤكد إن المالكي يعيش عزلة خانقة ويعيش فشلاً غير منقطع. ولهذا تجده يتوعد القوى المعارضة له التي يمكن أن تطالب بحجب الثقة عنه ويهددها بإجراءات غير مسبوقة , بعد أن يعترف لها بهذا الحق. هكذا يبدو المالكي بفعل تخبطه متناقضاً في جملة واحدة. يعترف للمعارضين بحقهم في طلب حجب الثقة عنه , ولكنه يقول لهم سأتخذ من الإجراءات غير المسبوقة التي ستثير دهشتكم! إن هذه السلوكية , التي يمكن الاستعانة بعلم النفس الاجتماعي لمعرفة العوامل الكامنة وراء بروزها , تطرح علينا الأسئلة التالية : هل الرجل مصاب كسلفه بجنون العظمة وبالنرجسية المرضية والرغبة في تدمير من يعتبرهم أعداء له؟   
إن إقالة محافظ البنك المركزي الدكتور سنان الشبيبي وإصدار مذكرة باعتقاله في المطار للهيمنة على البنك المركزي , ثم اعتقال نائب محافظ البنك المركزي الدكتور مظهر محمد صالح من جهة , ثم السيطرة على المفوضية المستقلة للانتخابات من جهة ثانية , ثم تشكيل قيادة قوات عمليات بغداد وتهديد كردستان بالحرب من جهة ثالثة , ثم الموقف من ثورة الشعب السوري ضد الدكتاتورية البعثية ثم ...الاخ , هي كلها مظاهر تعبر عن فقدان فعلي للأعصاب والهروب إلى أمام ومحاولة الاحتفاظ بالتوتر داخل البلاد ليبقى في السلطة.
وإذا كان السيد رئيس الجمهورية قد سانده ورفض تقديم طلب إلى مجلس النواب بحجب الثقة عنه ومارس الدفاع عنه بقوة  وسعيه غير الناجح حتى الآن لرأب الصدع بين القوى السياسية , فإن السيد نوري المالكي قد أحرق ما تبقى له من مراكب للعبور إلى ضفة الآمان والسلام وطرح ما فيه الكفاية من استفزاز له , رغم سكوت رئيس الجمهورية على مخالفات رئيس الوزراء للدستور وعلى صلاحيات رئيس الجمهورية على وفق الدستور.
إن الشعب العراقي بدأ يتململ وسيعيد الكرة بأقوى واشد مما حصل في الخامس والعشرين من شهر شباط 2011 ليناضل من أجل حقوقه المشروعة ويرسي السياسة العراقية على مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات , على رفض الطائفية السياسية والاستبداد والقهر الاجتماعي.
إن الأيام والأسابيع والأشهر القادمة ستكون محملة بالمفاجآت للحكم وللقوى السياسية التي لم تستوعب حتى الآن أهمية إجراء التغيير الضروري في أوضاع الشعب المعيشية وفي سياسات وسلوكيات الحكم ومواقفه إزاء فقراء وكادحي المجتمع والأوضاع المزرية التي يعاني منها المجتمع.
11/12/2012                  كاظم حبيب




199
بيان
المنظمة العراقية للدفاع عن حقوق الإنسان/ألمانيا/أمراك
في الذكرى الرابعة والستين لصدور اللائحة الدولية لحقوق الإنسان
العراق والعالم على أبواب من الذكرى الستينية لصدور اللائحة الدولية لحقوق الإنسان. ففي العاشر من كانون الأول/ديسمبر من كل عام يحتفل العالم بهذه الذكرى العزيزة التي جسدت رؤية حضارية جديدة للإنسان وحقوقه الأساسية بعد أن مرت البشرية بالكثير من الحروب والدكتاتوريات والتجاوزات الفظة على  الإنسان بما في ذلك التمييز العرقي والديني والطائفي والتمييز ضد المرأة والتهميش وإهانة كرامة الإنسان بشتى السبل والوسائل.
وكان العالم قد خرج لتوه من أتون حرب عدوانية دامت بين 1939-1945 قادتها دول المحور الثلاث ألمانيا وإيطاليا واليابان وانتهت بانتصار دول التحالف الدولي الديمقراطي على النظم والسياسات النازية الألمانية والفاشية الإيطالية والعسكرية الياباني , إذ في أعقاب هذا الانتصار انتعشت الديمقراطية على الصعيد العالمي وبدأت دول كثيرة تقيم دولها الوطنية وتدفع بالاستعمار القديم إلى الوراء. في هذه الفترة بالذات وبعد تشكي الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وإقامة النظام الدولي الجديد وبدء الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي وجد المجتمع الدولي نفسه أمام ضرورة إقرار وثيقة دولية تحترم حقوق الإنسان وتسعى إلى تنفيذها على صعيد دول العالم كلها دون استثناء باعتبارها تحمل مبادئ وأهداف وقيم معايير شاملة وعامة يمكن ممارستها في كل الدول. كان ذلك في العاشر من كانون الأول/ديسمبر 1948.
وخلال الفترة الواقعة بين 1948 حتى الوقت الحاضر صدرت الكثير من العهود والمواثيق الدولية والإقليمية لتعزز وإغناء مكونات شرعة حقوق الإنسان في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية بالارتباط مع التحولات الهائلة والثورة العلمية والتقنية الحاصلة في جوانب جديدة في حياة الإنسان التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة وما يزال يغنيها.
كان العراق من الدول الأولى التي ساهمت في الهيأة التي وضعت هذه الوثيقة ثم الموافقة عليها وتوقيعها والمصادقة عليها , ولكنه كان أبعد الدول عن الالتزام ببنودها وتنفيذها. مما فسح في المجال على حصول تجاوزات كبيرة جداَ ضد الإنسان وضد حقوقه. وكان الأساس الخطأ الذي بنيت عليها كل الحكومات اللاحقة سياساتها وتصرفاتها إزاء الفرد والمجتمع , بعد سقوط الملكية في العراق في العام 1958.
وتميزت الفترة البعثية الأولى 1963 والفترة البعثية الثانية 1968-2003 بنشوء دكتاتوريات وسياسات فاشية لم يشهدها الشعب العراق بكل قومياته عبر تاريخه الحديث.
لقد عاش الشعب العراقي في ظل الدكتاتورية والحروب الخارجية والداخلية والسياسات التدميرية للقتصاد والمجتمع وممارسة سياسة الإبادة الجماعية وضد الإنسانية من جانب الحكم البعثي الصدامي ضد الشعب الكردية بشكل خاص وضد الشعب العراقي بشكل عام , إضافة إلى فرض سياسة الحصار الدولي والتجويع لمدة 13 عاماً وخسارة مئات الوف البشر خلال الفترة الواقعة بين 1968-2003.
لقد سقط النظام الدكتاتوري الدموي ووضع العراق تحت الاحتلال الأمريكي – البريطاني وفرضت عليه سياسات في غير مصلحة الشعب , كما اقيم على أنقض النظام السابق نظاماً سياسياً طائفياً يمارس سياسة التمييز الديني والمذهبي , سياسة التهميش ضد اتباع الديانات والمذاهب الدينية في البلاد ويأخذ بمبدأ المحاصصة الطائفية والأثنية على نطاق الدولة والحكم ونبذ مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية , مما خلق أوضاعاً سلبية حادة وصراعات مستمرة , إضافة إلى التجاوز على حقوق الإنسان من جانب الحكم من جهة ومن جانب قوى "إسلامية" سياسية إرهابية وقوى "إسلامية" طائفية متشددة تمتلك ميليشيات مسلحة , وكذلك سيادة الفساد المالي والإداري على مستوى الدولة والحكم والمجتمع.
إن العراق يعيش تحت وطأة مصادرة الحريات الديمقراطية العامة وحقوق الإنسان ويتعرض السجناء والمعتقلون إلى الكثير من التعذيب الجسدي والنفسي والإساءة للكرامة الإنسانية , وتنفذ سنوياً الكثير من أحكام الإعدام. كما يتهدده خطر حرب داخلية بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم , إذ لم يعد هناك حوار لمعالجة المشكلات القائمة , وبالتالي يطرح القتال نفسه كبديل عن سياسة التفاوض والتفاهم وحل المسكلات بالطرق السلمية. إن الخطر الذي يتهدد العراق يأتي من المحاصصة الطائفية والأثنية ولا يمكن الخلاص منهما ما لم يعتمد مبدأ "الدين لله والوطن للجميع" وتصان وتحترم كرامة الإنسان وحريته وحياته , وما لم يتم الفصل بين الدين والسياسية والفصل بين السلطات الثلاث واحترام استقلالية القضاء , إضافة غلى تحديد صلاحيات كل من الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم والمحافظات والعودة إلى المحكمة الاتحادية لحل الخلافات والمشكلات العالقة.
أن منظمتنا التي تعتمد مبادئ حقوق الإنسان في الدفاع عن الإنسان العراقي وحقوقه تنادي منظمات حقوق الإنسان في الذكرى الستينية لصدور اللائحة الدولية لحقوق الإنسان إلى تنظيم لقاء تشاوري وتنسيقي بين منظمات حقوق الإنسان العراقية في الخارج لنساهم مع منظمات المجتمع المدني دفاعاً عن كرامة الإنسان وحقوقه وحياته في العراق وسعياً منها للمساهمة في منع تطور الأحداث والصراعات الجارية إلى اقتتال داخلي وحرب مدمرة عانى منها الشعب العراقي في العقود الأخيرة الأمرين. إننا على استعداد لاستقبال ممثلي هذه المنظمات في ألمانيا ولمدة يومين لتحقيق المهمات والأهداف التي نتفق عليها وتنسجم مع مبادئ شرعة حقوق الإنسان وحماية الإنسان العراقي.
الأمانة العامة
المنظمة العراقية للدفاع عن حقوق الإنسان / ألمانيا – أومرك
 

200
كاظم حبيب
حملة واسعة
لإنقاذ حياة الصابئة المندائيين في سوريا من المخاطر المتفاقمة

تعرض عشرات الألوف من المواطنات والمواطنين العراقيين من أتباع الديانة المندائية ذات الجذور العميقة والقديمة في أرض الرافدين إلى إرهاب دموي لم يسبق له مثيل في تاريخ العراق من قبل قوى الإرهاب الدولي التكفيرية , قوى القاعدة وما شابهها , وكذلك من قبل قوى إسلامية سياسية وميليشيات طائفية مسلحة ومتعصبة ضد اتباع الديانات الأخرى , وخاص في وسط وجنوب العراق. وقد فقد الكثير منهم حياته , كما أجبر عشرات الألوف منهم على مغادرة البلاد قسراً خشية الموت على أيدي الإرهابيين وغياب الحماية الحكومية الملزمة والتوجه إلى إقليم كردستان العراق , حيث الأمن والاستقرار , أو إلى سوريا وكذلك إلى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا والدول الأوروبية. وإذا كان من وصل إلى الدول الغربية قد حقق الهدوء والاستقرار النسبي , رغم مرارة الغربة , فإن من استقر في سوريا لحين حصوله على اللجوء في إحدى الدول الغربية , يواجه منذ حوالي سنتين مصاعب جمة بفعل الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها سوريا. فالنظام السوري القائم لم يتعرض لهم بالسوء , ولكنهم لم يجدوا الراحة والاستقرار الضروريين. وهم يعانون اليوم من عواقب المعارك الدموية الجارية بين الجيش السوري الحر والجيش السوري النظامي , إذ أنهم عملياً بين نيران القوتين التي يمكن أن تحصدهم في كل لحظة , إضافة إلى حقيقة وجود قوى إسلامية إرهابية من جماعة القاعدة , التي يمكن أن توجه نيرانها ضدهم أو قوى إسلامية سياسية متطرفة تعتبر  أتباع الديانات الأخرى كفرة ينبغي استئصالهم والخلاص منهم , إن لم ينتقلوا إلى دين الإسلام. وهذا الإجبار على التخلي عن الدين المندائي والتحول إلى الإسلام هو ما حصل لـ 17 عائلة مندائية في لواء الأنبار على وفق المعلومات التي وصلت ألينا.
إن من واجب المواطنة الإنساني والأخلاقي إزاء المندائيين أن نعبئ القوى في الداخل والخارج ومنظمة العفو الدولية ولجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة وبقية المنظمات الإنسانية والحقوقية على نحو خاص والرأي العام العالمي والمجتمع الدولي من أجل البدء بتوفير الحماية للمندائيين في سوريا من خلال الإجراءات الضرورية التالية:
-   منح العائلات والأفراد المندائيين في سوريا اللجوء السياسي الفوري وتوزيعهم على الدول الأوربية والولايات المتحدة دون عوائق بيروقراطية.   
-   ورغم إن العراق ما يزال لا يوفر لهم الحماية الضرورية بعد أن تقلص عددهم من 70000 مواطنة ومواطنة مندائية إلى حوالي 7000 مندائي ومندائية فقط , فإن وافق البعض منهم العودة إلى البلاد فعلى الحكومة العراقية توفير مستلزمات هذه العودة وبأسرع وقت ممكن مع توفير الحماية لهم في العراق.
7/12/2012                  كاظم حبيب

201
كاظم حبيب
مناقشة مع الأفكار الواردة في تعقيب السيد طالب العبودي
حين سئل الحبيب بو رقيبة ما بينك وبين الإخوان المسلمين قال: "بيني وبينهم أربعة عشر قرناً"
 
    وينطبق هذا القول على قوى الإسلام السياسي كافة.
                                                                                            كاظم حبيب
تسلمت تعقيباً من الأخ السيد طالب العبودي عبر الأخوة في مركز النور على مقالين لي نشرا في الحوار المتمدن ومركز النور وصوت العراق والناس ومواقع أخرى حول "الأخوان المسلمين" في مصر وسوريا. وقد طرح السيد العبودي في هذا التعقيب أربع نقاط تستوجب المناقشة , وهي: (راجع نص التعقيب في نهاية المقال)
1 ) وجود ثلاث نظم هي النظام الإسلامي والنظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي وقد فشل كل من النظامين الأخيرين , فلنترك النظام الإسلامي يجرب حظه ولا نسعى إلى إفشاله؛ 
2 ) وإن هناك فروقاً بين الفكر الإسلامي والممارسات الفعلية في بعض الدول؛
3 ) كما وإن هناك فروقاً بين الإسلام السليم والإسلام الظلامي.
4 ) وأخيراً يطلب السيد المعقب مني ما يلي حين يقول: " فاذا كنت علماني وعليه انت ديمقراطي فعليك احترام المومنين من الاخوان والدعوة والايرانين ولا تشنع عليهم وحذاري من التقاطع مع الاسلامين ... " (راجع نص التعقيب في نهاية هذه المقالة).
شكراً جزيلاً للسيد طالب العبودي على تعقيبه. ومع احترامي الكامل لرأيه , أجد نفسي مختلفاً معه وأسجل الملاحظات التالية:
1 ) وجود ثلاث نظم هي النظام الإسلامي والنظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي وقد فشل كل من النظامين الأخيرين , فلنترك النظام الإسلامي يجرب حظه ولا نسعى إلى إفشاله.
الإسلام لا يشكل نظاماً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً , بل هو دين يخص من يعتنقه ويؤمن يه , سواء أكان فرداً أم جماعة. وليس في الإسلام أسس لفكر وسياسات اقتصادية , بل هناك مواقف إزاء الزكاة والخمس والجزية والخراج والزواج والطلاق والجنة والنار إضافة إلى تقسيم الإرث بين الورثة. وهو لا يختلف في ذلك عن بقية الديانات في العالم , سواء التي يطلق عليها بالوضعية أم السماوية. ولكن شيوخ الدين والأحزاب الإسلامية السياسية تؤكد دوماً ودون دعم فكري سليم على وجود علاقة بين الدين والسياسية وبين الدين والدولة. وهو أمر لا يتناغم مع طبيعة ووظيفة الأديان كافة.
وفي فترات معينة برز , كما في القرون الوسطى في أوروبا بالنسبة للديانة المسيحية برز هذا الدمج بين الدين والدولة واقترن بكوارث ومآسي لا حصر لها , رغم قول المسيح "دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر". ومع النهضة التنويرية وتطور المجتمع الأوروبي اقتصادياً , وخاصة التصنيع , تغيرت الحالة وتطور الوعي الديني والاجتماعي وتم الفصل بين الدين والدولة , وبين الدين والسياسة لصالح الدين والدولة في آن. وهو أمر إيجابي يأخذ بقاعدة مهمة هي: "الدين لله والوطن للجميع" , إذ لا يجوز ولا يمكن عملياً الجمع بين الاثنين , إذ لا يحقق مصالح الاثنين بل يعرضهما للتشوه معاً.
ورغم الادعاء بأن الدولة الأموية والدولة العباسية وكذلك الدولة العثمانية بأنها دول إسلامية , فإنها في حقيقة الأمر لم تكن كذلك , وكان الفصل واضحاً , ولكن وبسبب ذلك الادعاء سقط الدين ضحية الدولة وبرزت السياسات المضرة إزاء الديانات والمذاهب الدينية العديدة , إذ تم في الغالب الأعم ممارسة سياسة التمييز ضد أتباع الديانات الأخرى وأتباع المذاهب العديدة في الإسلام من جانب الحكم الذي ادعى الإسلام وسمى الدولة بالدولة الإسلامية , علماً بأن الدولة شخصية معنوية لا دين ولا مذهب لها , بل الدين والمذهب هما يمكن أن يتبناهم الإنسان لا غير. وفي ما عدا بعض الخلفاء أو الحكام أو الولاة , فإن الغالبية العظمى ارتكبت الموبقات والجرائم الكبرى في الدول الثلاث وباسم الإسلام. إن قرونا من تلك الممارسات لا يجوز ولا يمكن إعادتها للحياة ولا يمكن ربط الدين بالدولة بل يجب فصلهما.
الإسلام دين لا غير ولا يشكل ولا يمتلك أسساً اقتصادية واجتماعية وسياسية وحقوقية يمكن معها أن يكون نظاماً اقتصادياً في العصر الذي نعيش فيه ولم يكن قبل ذاك أيضاً.
أما الرأسمالية فإنها تشكل نظاماً اقتصادياً اجتماعياً وسياسياً وحقوقياً وثقافياً في آن , وهي مرحلة من مراحل تطور المجتمع البشري وتجسد طبيعة ومستوى تطور علاقات الإنتاج (أي علاقات الملكية) ومستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية (أي قوة العمل ووسائل الإنتاج). والرأسمالية تستند إلى الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وما ينبثق عنها من قوانين اقتصادية تتحكم بأسس توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي.
النظام الرأسمالي مَّر بمراحل عديدة. وفي كل مرحلة من مراحل تطوره جسد مستوى معين من علاقات الإنتاج والقوى المنتجة والتقسيم الاجتماعي للعمل. والعالم اليوم يمر بمرحلة الرأسمالية المعولمة وفي ظل الثورة الإنفوميديا الجبارة. والقوانين الاقتصادية الموضوعية المنبثقة عن هذا النظام هي التي تتحكم بتوزيع الدخل القومي المنتج وإعادة توزيعه بالارتباط مع توزيع الملكية في المجتمع. فهناك مالكون لوسائل الإنتاج ومالكون لقوة العمل والمنتجون للثروة الوطنية. والقوانين الرأسمالية تقود في ضوء علاقات الملكية إلى إنتاج الاستغلال وإعادة إنتاجه ما دامت العلاقات الرأسمالية قائمة , أي إن مالكي وسائل الإنتاج يستغلون مالكي قوة العمل , سواء أكانت قوة العمل جسدية أم ذهنية. والقوانين الاقتصادية الفاعلة في هذا النظام الاقتصادي الاجتماعي والسياسي والحقوقي هي التي تتحكم عملياً في توزيع الدخل القومي وإعادة توزيعه ولا يمكن أن تتغير على وفق إرادة الناس , بل بالارتباط مع التحولات التي تحصل في العلاقة بين علاقات الإنتاج والقوى المنتجة , اي بين طبيعة علاقات الإنتاج القائمة على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج , بما فيه رأس المال , والطابع الاجتماعي للعمل والإنتاج وعلى وفق النضال الذي تخوضه الطبقة العاملة والقوى المنتجة الأخرى للخيرات المادية والروحية. شروط ومستلزمات تغيير النظام الرأسمالي تنضج في داخل المجتمع وليس خارجه , رغم تأثير العوامل الخارجية على عملية التغيير أو التحولات الداخلية.
والنظام الاشتراكي هو الآخر نظام اقتصادي اجتماعي وحقوقي وثقافي وسياسي يستند إلى الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج. ولكن النظام الاشتراكي لا يقام على أساس الرغبات والإرادات الفردية بأي حال , بل بالارتباط مع نشوء شروط ومستلزمات قيامه والتي تعني شروط ومستلزمات الخلاص من الملكية الفردية لوسائل الإنتاج. وهي عملية معقدة وطويلة لأن النظام الرأسمالي ما يزال يمتلك حتى الآن مقومات وجوده واستمراره , أي متسلزمات إعادة إنتاج علاقات الإنتاج الاستغلالية.
الفكر الاشتراكي لم يفشل , بل إن الذي الفشل هي تلك النظم التي أقيمت في الاتحاد السوفييتي وفي دول شرق أوروبا والصين وكوريا الشمالية مثلاً. لنأخذ الاتحاد السوفييتي باعتباره الدولة الأولى التي حصلت فيها الثورة الاشتراكية في العام 1917 في أعقاب ثورة شباط/فبراير 1917 وأثناء الحرب العالمية الأولى التي كانت روسيا القيصرية طرفاً فيها.
كتب لينين قبل ثورة اكتوبر الاشتراكية 1917 في كتابه تطور الرأسمالية في روسيا وفي كتابات أخرى يقول بأن روسيا غير مؤهلة لبناء الاشتراكية حينذاك بسبب المستوى المنخفض لتطور الرأسمالية واستمرار وجود واسع لعلاقات إنتاجية ما قبل الرأسمالية فيها وضعف الوعي الاجتماعي الفردي والجمعي ...الخ. وكان هذا الاستنتاج صحيحاً جداً. ولكن سرعان ما غير لينين رأيه حين انتصرت ثورة اكتوبر 1917 وأزاحت حكم البرجوازية الروسية بعد ثورة شباط 1917 وأعلن السير نحو بناء الاشتراكية. وكان هذا الاستنتاج خطأ فادحاً , إذ لا يكفي أن يكون حزب يمثل الطبقة العاملة في السلطة ليبني الاشتراكية ما لم تكن مستلزمات وشروط هذا البناء متوفرة.
بعد مرور ثلاث سنوات على هذا الاستنتاج أدرك لينين خطأ هذا التوجه. كان ذلك في العام 1920/1921. وعلى هذا الأساس طرح مشروع "السياسة الاقتصادية الجديدة" التي حاول بها تغيير وجهة التطور صوب التعاون مع القطاع الخاص للنهوض بالاقتصاد الروسي والتحول التدريجي البعيد المدى صوب الاشتراكية. ولكن لينين لم يفلح بذلك لأنه لم يستمر طويلاً على رأس الحزب والدولة السوفيتية الجديدة , إذ عانى من الرصاصة التي اخترقته وعاني من المرض ثم توفي في العام 1924 , ومنذ أن تمرض لينين تسلم ستالين عملياً مسؤولية إدارة الحزب والدولة. وحال وفاة لينين تخلى ستالين كلية عن النهج الذي تقرر في "السياسة الاقتصادية الجديدة" والتي لم تكن قد قطعت خطوات جادة على الطريق الجديد , وانتهج السياسة السابقة التي ثبت خطأها عند لينين.
وبعد مرور أكثر من سبعة عقود برهنت الحياة على إن بناء الاشتراكية لا يتم بالإرادات الفردية والرغبات الحزبية بل يستوجب ويستلزم توفر جملة من الشروط الذاتية والموضوعية والتي لم تكن متوفرة في روسيا بعد الثورة , وبشكل خاص القاعدة المادية والوعي الاجتماعي لبناء الاشتراكية وأن حماس الثوار الأوائل لا يكفي لذلك من جانب , وجملة الأخطاء والنواقص التي ارتكبت من جانب الحزب الشيوعي السوفييتي والدولة السوفييتية , بما في ذلك الامتيازات الكبيرة للحزبيين وكبار موظفي الدولة والتجاوز الفظ على حقوق الإنسان والبيروقراطية الحزبية والحكومية والانفراد بالسلطة ونشوء نظام شمولي عملياً لا يقبل بالرأي الآخر والسياسات الداخلية والخارجية الخاطئة ..الخ من جاب آخر , إضافة إلى العامل الخارجي الذي كان يتربص بالنظام السوفييتي ويساهم في نخره من الخارج وبقوى فاعلة في الداخل من جهة ثالثة.
إن النظامين الاقتصاديين العالميين , الرأسمالية والاشتراكية , ليسا بدين ولا مذهب , بل يجسدان علاقات إنتاجية مادية قائمة على أرض الواقع وليست افكاراً غيبية , تنبثق عنهما قوانين اقتصادية موضوعية عامة وخاصة ترتبط عضوياً بقوانين التطور الاجتماعي الموضوعية أيضاً , وهي ليست قوانين وضعية , أي ليست من صنع الإنسان , ولكنها تنشأ مع وجود الإنسان ونشوء علاقات إنتاجية في المجتمع , سواء أكان رأسمالية أم اشتراكية أم غيرهما قبل ذاك. في حين إن الإسلام دين وليس نظاماً اقتصادياً واجتماعياً.
كتب الشهيد السيد محمد باقر الصدر كتابه المعروف "اقتصادنا" في محاولة تنظيرية غير موفقة ولم يسبقه أحد من قبل وبهذه الصورة. وقد تسنى لي دراسة هذا الكتاب والتعليق عليه , كما درست كتابه الآخر "فلسفتنا". وأقول هنا بوضوح لا لبس فيه ما يلي: إن كتاب "اقتصادنا لا يطرح نظاماً اقتصادياً إسلامياً , رغم إن اسم الكتاب "اقتصادنا" أي الاقتصاد الإسلامي , بل هو محاولة تجميعية انتقائية غير ناضجة عن افكار اقتصادية واجتماعية نجدها في الرأسمالية وفي الاشتراكية , وهي لا تمثل أي مرحلة من مراحل تطور المجتمع البشري ولا تجسد قوانينه الموضوعية. وهو شبيه بالكتاب الأخضر لمعمر القذافي من حيث كونه محاولة انتقائية توليفية غير موفقة , ولكن فيه مواقف ضد الإقطاعية , في حين يقف شيوخ الدين إلى جانب شيوخ العشائر الإقطاعيين سابقاً وفي الوقت الحاضر أيضاً , ويكفي أن نتابع دور المالكي في علاقته مع شيوخ العشائر لندرك المفارقة الكبيرة بين ما كتبه السيد محمد باقر الصدر وبين سلوك قادة هذا الحزب في الوقت الحاضر. 
ليست هناك دولة ذات أكثرية مسلمة يسود فيها نظام اقتصادي إسلامي , بسبب بسيط إذ ليست هناك نظرية اقتصادية إسلامية ولا وجود لمثل هذا النظام أيضاً. وكل ما فيها هو رأسمالية إما متخلفة مشوهة وإما رأسمالية قطعت شوطاً محدوداً في التطور. يقول الأخوان المسلمون "الإسلام هو الحل". ماذا يعني ذلك؟ لا يعني سوى رأسمالية مشوهة ومستغلة , تماما كما يحصل الآن في إيران. فحين يساء التعامل مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي القائم ويساء استخدام القوانين الاقتصادية الموضوعية , كما يحصل اليوم في إيران أيضاً , فلا شك في العملية الاقتصادية تختل بكاملها وتبرز الاختلالات في جميع فروع الاقتصاد الوطني وتنعكس في الحياة الاجتماعية وفي ما ينشأ من تناقضات وصراعات سياسية. ولم يساهم في تقليص هذه الاختلالات سوى موارد النفط المالية الهائلة التي تصل اعتيادياً وسنوياً إلى خزينة الدولة الإيرانية. ليس في إيران نظام اقتصادي إسلامي , بل رأسمالية يهيمن عليها شيوخ الدين وأصحاب رؤوس الأموال في السوق الإيراني , وهم يشكلون جزءاً مهماً من القطط السمان التي اغتنت على حساب الشعب الإيراني وموارده المالية وعلى حساب الفقراء والكادحين وخاصة الفلاحين. وينطبق هذا الأمر على المملكة العربية السعودية على سبيل المثال لا الحصر حيث تهيمن العائلة السعودية ومجموعة من شيوخ العشائر وجمهرة من كبار شيوخ الدين على الثروة النفطية في البلاد ومواردها المالية. إنه النهب والفساد والاستغلال البشع للشعب في المملكة , إنه السلب المباشر بعينه لثروة الشعب العربي في هذه الدولة المشوهة والمستبدة والتي هي من بقايا القرون السحيقة. وهي دولة لا يمكن أن تستمر لولا الذاهب الأسود الذي يصب غالبه في جيوب الملك والأمراء وشيوخ الدين ومجموعة من شيوخ العشائر من جهة , ويتحول البعض الآخر منه إلى خزائن الدول المنتجة للسلاح , وخاصة الولايات المتحدة , من جهة أخرى , إذ أصبحت المملكة ترسانة هائلة من الأسلحة الحديثة والمتقادمة وإلى قوات مسلحة جرارة , وإلى ضمان أمريكي بحماية النظام الملكي المتخلف والرجعي. 
لقد ظهر الإسلام قبل أكثر من أربعة عشر , أي في العام 632 ميلادية (1434 هجرية - 2013 ميلادية) , ونحن اليوم في القرن الحادي والعشرين وحضارة اليوم ليست حضارة ذلك التاريخ وشعب اليوم ليسوا رعايا تلك الحقب التاريخية , وبالتالي فمن غير المعقول أن يأتي الأخوان المسلمون وحزب الدعوة الإسلامية أو الخامنئي أو المشير عمر البشير أو جماعة هيئة علماء المسلمين أو جماعة طالبان أو جماعة أسامة بن لادن أو أي حزب إسلامي آخر ويطالب بإقامة دولة إسلامية , دولة ثيوقراطية , دولة لا يمكن أن تتناغم مع هذا العصر وحاجاته ومتطلباته وحاجات البشر ومتطلباتهم ولا مع حقوق الإنسان. كم كان الحبيب بورقيبة , أول رئيس جمهورية للدولة التونسية بعد إحراز الاستقلال , محقاً وواعياً لعصره "حين سئل ما بينك وبين الإخوان المسلمين قال: "بيني وبينهم أربعة عشر قرناً". (موقع الشروق : مقالات, بنات أفكار : الإسلام هو الحلّ !مختار الخلفاوي في 28/8/2012).
2 ) هناك فوارق بين الفكر الإسلامي والممارسات الفعلية في بعض الدول.
دعوني أقول إن الدين شيء والفكر الديني شيء آخر. فما ورد في القرآن يمس الإنسان الفرد ويمس العلاقة بينه وبين خالقه , على وفق اعتقاد الفرد بما جاء في القرآن. ولا شك في إن القران يشكل جزءاً من الفكر الديني. ولكن الفكر الديني بعد وفاة النبي محمد بن عبد الله وبعد مرور أربعة عشر قرناً وثلاثة عقود ونيف قد تضخم بشكل لا يصدق , إضافة إلى كونه أصبح شرائع كثيرة وليس شريعة واحدة. شرائع تم وضعها وما يزال الكثير من شيوخ الدين يضعون الجديد منها باعتباره اجتهاداً منهم أو تفسيراً لما ورد في القرآن أو السنة المحمدية أو الأمام علي بن ابي طالب (نهج البلاغة) أو ما وضعه أئمة المذاهب الأخرى في الإسلام. فأهل السنة والجماعة يتوزعون على أربعة مذاهب رئيسية (الحنبلي والحنفي والشافعي والمالكي) , وهي قد انشطرت بدورها إلى الكثير من الفرق. فالفرقة الوهابية المتطرفة هي انشطار أو انبثاق من المذهب الحنبلي (أحمد بن حنبل) , وكذا جماعة أسامة بن لادن أو طالبان المستندة إلى اجتهادات الفرقة الوهابية الأكثر تشدداً والمستندة بدورها إلى المذهب الحنبلي المتشدد. وكذا الحال مع المذهب الشيعي الاثنى عشري (الجعفري) , إذ هو الآخر شهد انشطارات كثيرة وشرائع بعدد تلك الانشطارات وفتاوى أكثر. وكلها غير صالحة لإقامة دولة أصلاً , ودولة عصرية خصوصاً. إنها دين ومذاهب دينية لا غير , كما هو الدين المسيحي والمذاهب المتشعبة عنه لا غير.
الدين عبادة وعلاقة بين الإنسان وإيمانه بالله على وفق إيمان كل دين أو مذهب بهذه الموضوعة ولا علاقة للدين بالدولة أو السياسة وأساس الأديان واحد , والاختلاف في الطقوس والتقاليد والعادات لا يغير من حقيقة الجوهر الواحد الغيبي الروحي الأخلاقي لهذه الديانات.
الممارسات الفعلية التي تجري في الدول التي أوردها السيد طالب العبودي في تعقيبه لا تمت إلى الإسلام بصلة , بل هي تجاوزات على الدين الإسلامي من حيث الادعاء فيها بأن دين الدولة هو الإسلام في حين إن الدولة شخصية معنوية لا يمكن أن يكون لها دين. الممارسات في الدولة الإيرانية هي بالضد من الدين الإسلامي , سواء أكان بمصادرة الحريات الفردية أم باعتقال الناس وزجهم بالسجون أم بحرمان المرأة من أغلب حقوقها أم بغياب العدالة الاجتماعية أو بسيادة الفساد المالي والتمييز ضد أتباع المذاهب أو الديانات الأخرى , أو ممارسة الجلد والتعذيب والشنق في إيران وغيرها من الدول العربية في حين تمارس السعودية إلى جانب ذلك قطع الرؤوس بالسيف وقطع الأيدي ...الخ. 
لا يمكن إقامة نظام إسلامي في أي دولة من دول العالم حيث تكون فيها أكثرية مسلمة , إذ لا وجود لمثل هذا النظام لكي يقام. بل يمكن القول أنهم يريدون الحفاظ على علاقات الإنتاج الإقطاعية ودور شيوخ العشائر واستعباد الفلاحين أو إقامة نظام رأسمالي مشوه بغطاء ديني هو الآخر مشوه. إنه نظام سياسي بغطاء ديني كهنوتي لا غير.
إن الفكر الإسلامي الذي يتعامل معه أغلب شيوخ الدين متخلف ومهزوز ومتناقض , إضافة إلى كونه غير متنور. ويمكن لكل منا أن يتابع ما يصدر من فتاوى أو ما يصدر من كتب أو ما يقال في الجوامع والمساجد والحسينيات سيدرك عمق التخلف الذي يعاني منه الفكر الديني والخطاب السياسي الديني. ومن درس التاريخ جدياً سيدرك تماماً بأن العالم قد مرَّ بما يماثل هذه الحالة في القرون الوسطى في أوروبا. ولكن أوروبا عرفت النهضة التنويرية الدينية والاجتماعية منذ القرن السادس عشر وشهدت بعدها الثورة الصناعية وظهور الطبقة البرجوازية والطبقة العاملة والفئات المثقفة , وبالتالي تخلت عن الادعاء بالعلاقة العضوية بين الدين والدولة أو بين الدين والسياسة وفصلت بينهما لصالح الطرفين. ولم يكن الصراع سهلاً بل تعمد بدماء الكثير من البشر. أما في الدول ذات الأكثرية المسلمة فنلاحظ بأن الأحزاب الإسلامية السياسية ما تزال تدعي دون كلل أو ملل بعلاقة عضوية بين الدين والدولة وبين الدين والسياسة , وهي بذلك تناطح الحقائق التي هي كالصخور الصلدة لا يمكن التغلب عليها بل تحطم رأس من يجازف بمناطحتها.
    3 ) إن هناك فروقاً بين الإسلام السليم والإسلام الظلامي.
إن من واجب كل باحث وكاتب , بل وكل إنسان , أن يميز بين عدة مصطلحات: الإسلام كدين , الفكر الديني والخطاب الإسلامي , أتباع الديانة الإسلامية والدولة الإسلامية. ولست بمعرض شرح مضامين أو مفاهيم هذه المصطلحات.
لا شك بوجود فروق بين الإسلام كدين والمسلمات والمسلمين المؤمنين بالعقيدة الإسلامية من جهة , وبين قوى وجماعات وأحزاب إسلامية ظلامية وتكفيرية وتمارس التمييز والتهميش والنمطية التقليدية المتخلفة إزاء الديانات الأخرى أو المذاهب الأخرى من جهة ثانية. والمجموعة الأخيرة من القوى تسمح لنفسها بقتل الأبرياء من أتباع الدين الإسلام بحجة الزندقة والهرطقة وما شاكل ذلك , أو بسبب تكفيرها لأتباع الديانات الأخرى وما ينشأ عن ذلك من جرائم.  وهي كلها جرائم بشعة. الإسلام الصحيح والمسلم الصحيح يختلفان عن هؤلاء في السلوك , وهما لا يحاولان الانضمام لأحزاب سياسية تطالب بإقامة دولة إسلامية لأنهم يدركون خطأ ذلك.
يقسم بعض المحللين قوى الإسلام السياسي إلى فريقين يطلق على الفريق الأول بالقوى المعتدلة وعلى الفريق الثاني بالقوى المتطرفة التي تمارس التكفير والعنف. هناك نقاط اختلاف بين هذين الفريق , وكذلك نقاط التقاء من حيث أسلوب تناول المسائل أو الأساليب التي تمارسها والأدوات التي تستخدمها. ف
نعرف بأن الفريقين يسعيان إلى إقامة دولة إسلامية ثيوقراطية , وهي النقطة المشتركة بينهما. فإذا كانت المجموعة الأولى تسعى إلى ممارسة الديمقراطية للوصول إلى السلطة , فإنها تنقلب عليها حال تسلمها السلطة , في حين إن القوى المتطرفة ترفض ابتداءً الديمقراطية ولا تعترف بها مباشرة وتراها كفراً وزندقة منذ البدء وتريد السلطة كاملة لكي تصفي حساباتها مع المخالفين لها أو المعترضين عليها ومع أتباع الديانات الأخرى.
لدينا في هذا الصدد نموذج مصر ونموذج العراق. فقوى الأخوان المسلمين ادعت الالتزام بمبادئ الحرية والديمقراطية , ولكن حال وصولها إلى السلطة تخلت عن كل ذلك ونزعت القناع عن وجهها وارتدت لباس المستبد الشرقي النمطي التقليدي. وهي لن تكون قادرة على الاستمرار طويلاً بهذا النهج الاستبدادي الذي برز في موقف محمد مرسي في "الإعلان الدستوري" المخالف لقواعد وأسس الحرية والديمقراطية وحرية الرأي وحقوق الإنسان بشكل عام , إنه الاستبداد الشرقي المتخلف بعينه.
أما حزب الدعوة الإسلامية في العراق فهو لا يختلف عن ذلك. فقد ادعى الالتزام بالديمقراطية وشكل قائمة دولة القانون ودخل الانتخابات وفاز لهذا السبب على سبة جيدة من الأصوات أهلته ليكون على رأس السلطة. ولكن تبين إن هذا الحزب أراد استخدام الديمقراطية كأداة للوصول إلى السلطة , ورفض الديمقراطية كأسلوب في الحكم , أو كفلسفة للحكم , وانقلب عليها فعلاً , وهو ما يعيشه العراق اليوم من فردية واستبداد من جانب رئيس الوزراء , وهو رئيس حزب الدعوة الإسلامية في العراق. أنه يمارس القاعدة القائلة "تريد أرنباً خذ أرنباً , تريد غزالاً خذ أرنبا" حصتك هي الأرنب في كل الأحوال ولا غير. إنه الاستبداد الشرقي المتعجرف والعدواني إزاء "الرعايا!" المتفاقم تدريجاً.
المسلم الصحيح هو الذي لا يربط الدين بالدولة ويفصل بينهما تماماً , كما يفصل بين الدين والسياسة , ويدعو إلى القاعدة السليمة القائلة: "الدين لله والوطن للجميع". والمسيح قالها قبل ذاك "دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر". والمسلم هو من سلم الناس من يده ولسانه!
لو تابع المعقب السيد طالب العبودي ما جرى ويجري في السودان لعرف جيداً ماذا يعني وجود قوى باسم الإسلام السياسي على رأس السلطة. فقد مارست هذه القوى سياسة عدم الاعتراف بدين أهل الجنوب وأرادت فرض الشريعة الإسلامية على عموم السودان, كما لم تعترف بحقوق أهل الجنوب ومارست التمييز والتهميش والمحاربة وقادت بالمحصلة النهائية إلى انفصال وإقامة دولة جنوب السودان. وهو قرار سليم بعد كل الذي حصل هناك. أنظر إلى ما يجري منذ عقود في المملكة السعودية إزاء الشعب عموماً , وكذلك إزاء أتباع المذهب الشيعي أو رفض إقامة كنيسة للمسيحيين الذين يعملون في السعودية. ولو تابع السيد العبودي موقف إيران من اليهود أو من البهائية وأتباع المذاهب الدينية السنية لأدرك تماماً خطأ الإدعاء الفادح بوجود دولة إسلامية في إيران أو في السودان أو في السعودية ...الخ , فكلها دول غير ديمقراطية , وإذا ادعت الإسلام فهي مشوهة دون أدنى ريب.   
4 ) وأخيراً يطلب السيد المعقب مني ما يلي حين يقول: " فأذا كنت علماني وعليه انت ديمقراطي فعليك احترام المومنين من الاخوان والدعوة والايرانين ولا تشنع عليهم وحذاري من التقاطع مع الاسلامين ... "
أقول بوضوح تام لا لبس فيه حول موقفي من الديانات والمذاهب الدينية ومن أتباع هذه الديانات والمذاهب في العراق أو في أي مكان في العالم ما يلي : أنا شخصياً احترم الدين الإسلامي وأحترم جميع الديانات والمذاهب الدينية على حد سواء , كما أحترم حق أتباع جميع الديانات والمذاهب الدينية في العبادة وممارسة الطقوس والتقاليد المرتبطة بالدين وإقامة الشعائر الدينية وبناء دور العبادة الضرورية على حد سواء أيضاً. لا إمارس هذا الاحترام خشية من أحد بأي حال , ولكن قناعة مني بحق كل إنسان أن يؤمن بما يشاء ويعتنق ما يشاء شرط أن لا يؤذي أحداً ولا يؤذي نفسه أيضاً.
بهذا الموقف لا أقدم شيئاً جديداً / إذ أنه يشكل جزءاً من الموقف العام من لائحة حقوق الإنسان الدولية وبقية العهود والمواثيق الدولية التي أبشر بها وأروجها والتزم بتنفيذها وأعل على أن تلتزم الحكومات والأحزاب وكل إنسان بها. ولكن من حقي الكامل أن أمارس النقد على وفق رؤيتي وقناعاتي وفي حالة الضرورة لهذا الفكر الديني أو ذاك , وكذلك إزاء الممارسات التي اعتبرها أنها لا تمت إلى الدين بصلة أياً كان ذلك الفكر الديني أو تلحق ضرراً بالإنسان والمجتمع. وقد كانت رسائلي إلى السيد علي السيستاني وإلى السيد عمار الحكيم واضحة بهذا الصدد ولا تقبل التأويل. كما إني لا أعترف بوجود دولة إسلامية أو دينية , إذ لا وجود لها عملياً ولكنها تدعي هذا الاسم كذباً , إذ لا يمكن إقامة دولة إسلامية في هذا العصر الذي نحن فيه , في القرن الحادي والعشرين. وما يجري في إيران والسودان على سبيل المثال أكبر دليل على ما أقول.
 وارتباطاً بهذا الاحترام لأتباع الديانات والمذاهب الدينية وحقهم في العبادة ومنع الشر عنهم وتأمين الدعوة لحمايتهم من اعتداءات الإرهابيين الظلاميين والتكفيريين والمزايدين والمنافقين والطائفيين السياسيين ومن لف لفهم على أتباع الديانات الأخرى أو أتباع المذاهب الأخرى , بادرت في العام 2004 إلى تجميع عدد من المثقفات والمثقفين الديمقراطيين العلمانيين من داخل العراق وخارجه وشكلنا معاً منظمة مجتمع مدني ذات مضمون حقوقي إنساني تحت اسم "هيأة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق". وأفراد المجموعة التي تعاونت وما تزال تعمل بوعي ومسؤولية هم إناث وذكور من عائلات تنتسب إلى الديانات والمذاهب الموجودة في العراق ومن الشتات العراقي والداخل. ولهذه الهيأة موقع الكتروني. وهي هيأة ديمقراطية مدنية علمانية لا تتدخل بالشأن الديني , ولكنها ترفض أي تجاوز على أتباع الديانات والمذاهب الدينية الأخرى , كما حصل خلال السنوات التسع المنصرمة في العراق ليس من قبل القوى المتطرفة والإرهابية فحسب , بل ومن جانب جمهرة من قوى الأحزاب الإسلامية السياسية وميليشياتها الطائفية المسلحة ومن قوى في الحكم أيضاً. وقد عقدت هذه الهيأة مؤتمرها الأول في شهر تشرين الثاني / نوفمبر 2012 في السليمانية وتكلل بنجاح كبير وشارك فيه عدد كبير من النساء والرجال ومن مختلف فئات الشعب ومن أتباع الديانات والمذاهب الدينية كافة ومن مختلف محافظات البلاد ومن الخارج.
كما بادرت في العام 1991 إلى تجميع جمهرة من الشخصيات النسائية والرجالية من مواطنات ومواطني الدول العربية في ألمانيا وشكلنا معاً "منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان في الدول العربية / المانيا (أمراس) , وكنت أمينها العام لعدة سنوات , وهي ما تزال تعمل حتلى الآن. وكان من بين أعضاء الأمانة العامة الأستاذ ضياء الشكرجي ورئيس الوزراء الحالي في ليبيا الأستاذ علي زيدان. ولهذا لا يمكن بأي حال أن لا أحترم المؤمنين من أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق أو في إيران أو في أي مكان آخر , ولكن يمكن أن لا أتفق مع بعض الطقوس والتقاليد التي تؤكد جمهرة من شيوخ الدين المحترمين من الأموات والأحياء على عدم صواب ممارستها.
فأنا لا اتجاوز على الدين ولا على أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق أو في أي مكان آخر في العالم , بل أدافع عنهم من خلال فضح القوى التي تمارس القتل ضدهم أو تنزع عنهم هويتهم الوطنية أو تفرض عليهم بسبل شتى الهجرة وترك الوطن أو تفرض عليهم التحول صوب الدين الإسلامي وهم من دين آخر. إن القوى السياسية الشيعية في إيران تسعى إلى تكريس الواقع السيئ القائم الذي يميز بين الأديان والمذاهب الدينية والاتجاهات الفكرية والسياسية وما زال يلقي النظام بالكثير منهم في السجون والمعتقلات ويمارس التعذيب ضدهم وفرض التوبة عليهم والتخلي عن دينهم لصالح الإسلام. وهي جريمة حقاً يجب أن يعاقب عليها القانون ويفترض أن يوضع قانون في العراق مثلاً بهذا الخصوص , كذلك القوى السنية أو الأخوان في مصر فهم يسعون إلى إقامة دولة ثيوقراطية غير ديمقراطية معادية لأتباع الديانات والمذاهب الدينية الأخرى والاتجاهات الفكرية والسياسية الأخرى. من هنا جاء تحذيري للشعب السوري والقوى الديمقراطية السورية من الأخوان المسلمين الذين يمكن أن يقفزوا على السلطة كما حصل في مصر ويركلوا الثورة وأهدافها ومبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان بإقدامهم كما يفعل اليوم محمد مرسي والأخوان المسلمون والحزب الذي يترأسه حزب الحرية والعدالة , النسخة العنلية للإخوان المسلمين.   
والسؤال الذي يفرض نفسه في ضوء ملاحظى السيد طالب العبودي هو : هل إن ما كتبته يعتبر تشنيعا بما جرى ويجري في مصر أو ما يقوم به الإسلاميون في سوريا من تفجيرات تتناغم مع سلوك النظام الدكتاتوري ذاته والموجهة ضد المسيحيين أو ضد الشيعة أو ضد العلويين أيضاً , ولم تصدر أي إدانة من أطراف المعارضة السورية لهذه السلوكية , وهل ما أتحدث به عن إيران وهو من عندياتي أم إن سلوك الحكومة الإيرانية هو الذي يعري إجراءاتها منذ وصول روح الله الخميني إلى السلطة وسرق ثورة الشعب لصالح شيوخ الدين من أتباعه وصفى حساباته مع الديمقراطيين من شيوخ الدين, وهل إن ما جرى ويجري في السودان هو من نسج خيالي وليس من واقع الحال في السودان ومئات التقارير عن جرائم الإبادة التي ارتكبت في السودان من جراء وجود قوى الإسلام السياسي بقيادة الترابي أولاً والبشير ثانياً , وهل إن ما يجري في العراق من سلوك الحكومة ورئيسها وحزب الدعوة ووزراء هذا الحزب هو تشنيع بهم؟
يكفي أن تلقي نظرة فاحصة على ما جرى ويجري في تلك الدول لتدرك صواب ما كتبته بهذا الخصوص. كما يكفي أن يلقي الأخ الفاضل السيد طالب العبودي نظرة على ما يجري في وزارة التعليم العالي من تغييرات معادية للديمقراطية وللأساتذة المستقلين والديمقراطيين ولمناهج التعليم لأدركت بسرعة دور نائب رئيس حزب الدعوة الإسلامية على الأديب في كل ذلك.
أتمنى عليه أن لا يتعجل الأحكام بل أن يدقق في ما أكتبه ولست براغب في التقاطع مع أحد , ولكن لا أسكت على ما يجري في المنطقة من سلوكيات تمارسها قوى الإسلام السياسي , ومنها ما يجري في لبنان من قبل حزب الله بولائه لإيران وولاية الفقيه وليس للبنان , ولا أخشى في ذلك لومة لائم ولا تحذيرات أو تهديدات آخرين.
1/12/2012                           كاظم حبيب
تعقيب الأخ السيد طالب العبودي بتاريخ 30/11/2012 على مقالين لي نشرا في الحوار المتمدن ومركز النور وغيرهما والتعقيب منشور في مركز النور. وأعيد نشر رسالة التعقيب كما هي دون تصحيح أو تعديل.
الدكتور كاظم حبيب المحترم
يجب ان تفرق بين الاسلام كفكر اذ يطرح نفسة احد ثلاثة افكار اذ تعتبر عصارة الفكر البشري الان وهي
1- النظام الرسمالي الديمقراطي وماسية واضحه
2- الفكر الشيوعي الذي مازال نظريا اذ رغم ان ليينين اكبر منظر في العالم لحد الان لم يستطيع تطبيقة فعدلوا بالفكر الشيوعي الى الفكر الاشتراكي ودكتاتوريته وماساته واضحه
3- والفكر الاسلامي الذي ما زال نظريا ايضا ولكن يتقدم على الفكر الشيوعي انه مر بتجربة من اروع التجارب في العالم على يد محمد بن عبدالله سنة 622م-632م الذي يعد ضمن 100 شخصية عالمية اليوم .
وتفرق بين الاسلام كمحاولات لااعدادته الى راس الحكم فهي محاولات ضعيفة لا تصل الى عمق الفكر الاسلامي وهي تجربة ايران الاسلامية وتجربة السودان الاسلامية وتجربة طلبان الاسلامية ومحاولة الاخوان وبجهودكم ستفشل ومحاولة حزب الدعوة وبجودكم ايضا ستفشل
وتفرق بين الفكر الظلامي الذي يدعي الاسلام الذي يمثلة السلفيون الوهابية وهو من انشط فصائل المعارضة في سوريا ومنتشر قتلة وارهابا في كل العالم
والمتطرفون الظلاميون وهم قسم من الشيعة وهم وهابية ايضا الذين انتشروا في العالم تطبير الروس وتاخير الصلاة من اجل الحسين والحسين اقامها في ساحة القتال
فاذا كنت علماني وعليه انت ديمقراطي فعليك احترام المومنين من الاخوان والدعوة والايرانين ولا تشنع عليهم وحذاري من التقاطع مع الاسلامين فيكفينا تقاطع القومين والاسلامين في القرن الماضي ذلك التقاطع الذي اعاقة الثورة العربية وشل حركة الاسلامين سواء الاخوان او الدعوه.
(أنتهى نص التعقيب)



202
كاظم حبيب
مرة أخرى يغوص المجرمون القتلة بدماء نساء ورجال الشعب العراقي

مرة أخرى لم يتورع المجرمون الفاشيون القتلة ممن يدعون الإسلام كَذِباً بقتل المزيد من بنات وأبناء الشعب العراقي في كل من بابل وكربلاء والأنبار حيث سقط العشرات من الشهداء وجرح وعوق المئات منهم في صباح يوم 29/11/2012. ولم تعد إدانتهم وشجب أعمالهم ذات فائدة , فهم لا يتورعون ولا يرعوون , إذ لا ضمير لهم ولا أي إحساس بإنسانيتهم التي فقدوها كلية ولا كرامة لديهم منذ أو وضعوا ايديهم وضمائرهم في خدمة من علمهم الجريمة والقتل العام , فهم كالقطيع يساقون ممن يأمرهم بممارسة جريمة القتل العشوائي لإسقاط أكبر عدد ممكن من العراقيات والعراقيين قتلى وجرحى لإشعال الفتنة بالعراق بين الشيعة والسنة لإعطاء الانطباع وكأن السنة العرب هم المسؤولون عن مثل هذه الجرائم البشعة. لا ينفع مع هؤلاء أي لغة لكي يعوا بإن ما يرتكبونه من جرائم بحق الناس الأبرياء الذين لا ذنب لهم هي من الجرائم الكبرى بحق الإنسان , فأغلب الشهداء من فئات المجتمع الكادحة ومن غير من يعمل بالسياسة وفي الغالب الأعم من المؤمنين بالدين الإسلامي. وإذا كانت نداءاتنا تذهب حتى دون صدى , فأن نداءاتنا الموجهة للحكومة لحماية الناس هي الأخى دون صدى , وإلا لما حدثت مثل هذه الكثافة في القتل المستمر.       
فحصيلة الشهداء والجرحى خلال السنتين المنصرمتين عالية جداً تؤكد إن النداءات والمقالات والدراسات الموجهة إلى الحكومة العراقية والأجهزة الأمنية وقوات الشرطة تدعوها لتكثف جهودها وتوجهها صوب القوى الإرهابية لقطع دابر أعمالها الدموية وتوفير الحماية للشعب هي الأخرى لم تعد نافعة ولا قادرة على تحقيق المرجو منها وضمان إنجاز مهماتها في حماية الناس من الموت الذي أصبح مرة أخرى يومياً واعتيادياً , كما لم تعد تبدي الكثير من وسائل الإعلام الاهتمام بشهداء العمليات الإرهابية حين لا يكون عدد القتلى مثيراً جداً , كما حصل في هذه التفجيرات العديدة التي نفذت في ثلاث محافظات عراقية هي بابل والأنبار وكربلاء في التاسع والعشرين من شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2012.
لم تعد الحكومة العراقية تمارس مسؤوليتها ومهماتها الحقيقية إزاء المجتمع , فهي كما يبدو وكأنها عملياً غير معنية في توفير الخدمات الضرورية والأساسية , ومنها الكهرباء , ولا في وضع خطة تنمية فعلية قابلة للتنفيذ وتعبئة الشعب لتنفيذها وخاصة في مجال التصنيع وتحديث الزراعة لتأمين تطور ملموس في العملية الإنتاجية وتشغيل العاطلين عن العمل المتزايد عددهم ولا في تحسين السيولة النقدية للفقراء والكادحين ولا في مواجهة الفساد السائد في البلاد ولا في إفشال العمليات الإرهابية وإيقاف قتل الناس بالجملة. وإذا كانت ظاهرة القتل من قبل قوى الإرهاب مستمرة , فإن الوجه الآخر للعملة , وأعني به الفساد , هو الآخر ما يزال غير منقطع بل ومتفاقم . فبعد فضيحة صفقة الأسلحة الروسية التي يقال إن الجانب الروسي قد سلم الأسماء المشتبه بتورطهم بالفساد إلى رئيس الوزراء والذي سلمها بدوره إلى لجنة النزاهة , كشف عن العقد المبرم مع روتانا لتنظيم مهرجان بغداد عاصمة الثقافة وبمبلغ مالي خيالي حقاً , والذي يقال عنه أنه غير بعيد عن الشبهات أيضاً , في حين كان في مقدور العراقيات والعراقيين من المختصين تنظيم مثل هذا المهرجان.
سيبقى الشعب العراقي يشيع يومياً المزيد من الشهيدات والشهداء , وسيبقى الناس يسجلون المزيد من أموال الشعب التي تهدر وتسرق , وسيبقى المجتمع يشكو من غياب الشفافية ومن تزايد عدد العاطلين وعدد الفقراء وتفاقم حجم الفقر وتعاظم عدد أصحاب الملايين والمليارات من الدولارات الأمريكية , ما دامت الحكومة العراقية ورئيسها له اهتماماته بتعزيز سلطته الفردية من خلال توسيع أجهزة الأمن المحيطة به والحارسة له بدلاً من تنشيطها لصالح حماية حياة الشعب العراقي وكرامته , وما دام النظام المحاصصي الطائفي المقيت قائماً في هذا البلد الجريح , وما دامت سياسة التسلح والعسكرة وتضخيم عدد القوات المسلحة تسير على قدم وساق.
30/11/2012                     كاظم حبيب
         

203
المهمات التي تواجه هيأة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية
2-2
أقر المؤتمر التوصيات المهمة الآتية في ضوء ما ورد إلى الأمانة العامة من أعضاء المؤتمر من توصيات وبناء على ما رُصِد من الظواهر والأوضاع التي طاولت أتباع المجموعات الدينية والمذاهب الدينية وفي سياق أهداف المنظمة :
1.   المطالبة بتشريع قوانين تجرِّم ظاهرة الإكراه على تغيير الدين والمذهب بأي شكل من أشكال الإكراه و\ أو الإجبار أو القسر.
2.   التوسع في نشر الثقافة الحقوقية والمدنية ، ثقافة التنوير والتسامح وخطاب التعايش السلمي والحوار الديمقراطي والحضاري والاعتراف بالآخر وبثقافة التنوع والتعددية ونوصي هنا الجهات الرسمية برعاية هذا العمل النبيل...
3.   رفع حقل الديانة من هوية الأحوال المدنية وتثبيتها باستمارة التعداد السكاني مع مطالبة بسقف زمني لإتمام الإحصاء السكاني العام ...
4.   تشكيل لجنة متخصصة لمراجعة مناهج التعليم بمراحلها كافة ورفع ما يسيء إلى المجموعات الدينية والمذهبية والتأكيد على دور تلك المجموعات في تاريخ العراق وحاضره من منطلق المساواة والمواطنة.
5.   بحث ظاهرة الهجرة والتهجير مع الجهات الوطنية والدولية وتشخيص أسبابها ونتائجها ووضع الحلول الجذرية المناسبة لتلك الظاهرة.
6.   المطالبة بتشريع قوانين صارمة بحق مستغلي الخطاب الديني والمرجعية لمآرب سياسية حزبية..
7.   تضمين الدستور جميع أسماء الديانات والمذاهب الدينية بمن فيهم اليهود والبهائيين.
8.   نؤكد على رعاية الآثار والمقامات الدينية وصيانتها ومنع الاستيلاء عليها أو إجراء أية تغييرات تتعارض مع هويتها الأصل.
9.   الإقرار بحقوق العراقيات والعراقيين جميعا بحق الجنسية والانتماء الوطني وشمول العائدين بالرعاية بمن فيهم اليهود العراقيين.
10.    رصد الجرائم الإرهابية والمتطرفة تجاه أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق والتصدي لها وحسم هذا الملف واحتواء النتائج ومعالجة آثارها السلبية.
11 اتخاذ الاجراءات الكفيلة بوقف التغييرات الديمغرافية ومعالجة ما جرى فعليا من تلك التغييرات.
وفي أعقاب المؤتمر وجهت السيدة هيرو خان إبراهيم أحمد دعوة عشاء لضيوف المؤتمر بمدينة السليمانية حيث جرى في هذا اللقاء تبادل في وجهات النظر وسبل دعم الهيأة لإنجاز مهماتها.
وفي اليوم التالي دعا السيد رئيس الجمهورية جلال طالباني الأمانة العامة ومن تبقى من أعضاء المؤتمر إلى لقاء ودي وعشاء في مقره بأربيل , إذ رحب السيد رئيس الجمهورية بنتائج المؤتمر ودعاهم إلى تكثيف النشاط والجهود لتحقيق مهمات الهيأة وأبدى استعداده التام لدعم المنظمة ونشاطاتها على وفق مهماتها النبيلة.
وفي اليوم التالي التقى وفد الأمانة العامة بالأستاذ فاضل ميراني سكرتير المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني , إذ قدم الأمين العام والوفد المرافق استعراضاً مكثفاً عن نتائج المؤتمر ومهمات المستقبل . رحب الأستاذ فاضل ميراني بالوفد وهنأهم على النتائج التي خرج بها المؤتمر وأكد وجود كامل الاستعداد لدعم وتأييد جهود ونشاط الهيأة.
وفي النية إجراء لقاءات مهمة أخرى في العراق لطرح نتائج المؤتمر والترويج لها لأهميتها في تحقيق التآخي والتآلف بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق.     
وفي نهاية الجزء الأول من هذا المقال لا بد من الإشارة إلى ملاحظتين :
1 . من الواضح إن الأمانة العامة السابقة واللجنة التحضيرية ولجنة التنسيق في السليمانية قد بذلت كل الجهود ليكون المؤتمر الأول وحضوره معبراً عن وجهات نظر القوى المدنية الديمقراطية والعلمانية , سواء أكانت ليبرالية أم مستقلة ومعتدلة أم يسارية , وبغض النظر عن انتماءاتها الفكرية والحزبية والسياسية , شريطة أن لا تكون بالضد من أهداف ومهمات المنظمة , إذ كان الهدف الأساس من هذا المؤتمر الأول هو الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية الذين تعرضوا للكوارث والقتل والتشريد والتهجير والنهب والسلب , وما زالوا يتعرضون حتى الآن لشتى المصاعب والعقبات من أجل البقاء في العراق والعيش الأمين والكريم. وكان المؤتمر مفتوحاً لمن يرغب بالحضور من غير المدعوين رسمياً للمؤتمر. 
2 . لا شك في إن المؤتمر قد تضمن بعض النواقص أو ضعف الانضباط بالوقت المحدد للفعاليات الثقافية أو ضعف الإنصات في بعض الأحيان أو وجود شخص لم يستطع استيعاب هذا الجهد النبيل وهذا الحشد الكبير وحاول التشويش على المؤتمر مما حصد انتقاد الحضور كافة.
لقد قدم المؤتمر تجربة غنية لكل من شارك فيه ولا شك في أن الأمانة العامة الجديدة ستبدأ بدراسة هذه التجربة وتشخيص الجوانب الإيجابية المشرقة وبعض الجوانب السلبية في التهيئة والتحضير أو ما جرى اثناء انعقاد المؤتمر أو إيصال الدعوات لضيوف الافتتاح أو إيصال المداخلات قبل المؤتمر لمن شارك فيه أو ضبط البرنامج بشكل دقيق ليتسنى إنجاز بنود جدول العمل كافة. لقد شكى الكثير من ضيوف جلسة الافتتاح بعدم وصول الدعوات إلا بيوم واحد أو اثنين قبل عقد المؤتمر مما أعاق قدرتهم على المشاركة في أعمال المؤتمر , رغم اهتمامهم به وبمهماته النبيلة.
وعدا عن ذلك أود هنا أن اضع أمام أنظار السيدات والسادة أعضاء الأمانة العامة بعض المقترحات العملية التي تصب في صلب عمل الهيأة ومهماتها والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها , إضافة إلى تلك التي يمكن أن تصلهم من أعضاء المؤتمر أو من المؤيدين والمؤازرين والمهتمين بهذه الشؤون , لكي تدرس ويتخذ بشأنها الموقف المناسب.
أوزع مقترحاتي على ثلاثة حقول هي :
الحقل الأول : الجانب الفكري والثقافي بشكل عام.
** نشر التوصيات التي أقرت في المؤتمر والترويج لها على أوسع نطاق ممكن , لأنها تمثل المهمات التي يفترض العمل من أجلها.
** العمل على جمع المواد الخاصة بحرية الدين والعبادة الواردة في اللوائح والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان لتعميم نشرها والتثقيف بها في العراق وبين العراقيات والعراقيين في الخارج , إذ لا تزال هناك الكثير من الأفكار والمعلومات الخاطئة والمضرة السائدة في أوساط المجتمع والتي غذتها الصراعات الدينية والمذهبية عبر جمهرة من شيوخ الدين العنصريين والمتشددين والنمطيين الذين يرون في دينهم غير ما يرونه في الديانات الأخرى , في حين إن الديانات كلها ذات اساس واحد وأن اختلفت العادات والتقاليد والطقوس. 
** تنشيط موقع الهيأة بما يسهم في تعزيز التكاتف والتفاعل والتضامن بين اتباع الديانات والمذاهب الدينية وإقرار تصميم الشعار (اللوغو) الجديد الذي وضعه الأستاذ الفنان موسى الخميسي.
** إصدار كراس يتضمن مواد المؤتمر عن الأمانة العامة للهيأة وتوزيعه على اوسع نطاق ممكن ونشره في المواقع الإلكترونية.
** إصدار مجلة دورية فصلية تعنى بشؤون المهمات التي تتحملها هيأة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية وتنطق باسم الأمانة العامة وتحمل التصميم الرسمي للمنظمة وشعاراتها الأساسية. ومن المهم جداً أن تصدر ببغداد مع تكليف الإعلامي والكاتب المميز الأخ مازن لطيف , عضو احتياط الأمانة العامة , بمهمة مديرها المسؤول ورئيس تحريرها. ويمكن أن يكون معه الدكتور عقيل الناصري وصحفية من بغداد مثلاً. ومن المفيد التفكير بطبع 500-1000 نسخة من كل عدد توزع وتباع بالعراق وما يصل منها إلى الخارج.     
** إقامة ندوات فكرية حول أعمال المؤتمر ومهمات الهيأة في الفترة القادمة في داخل العراق وفي مختلف المدن وكذلك في مدن عديدة من الدول الأجنبية , خاصة وإن أغلب من شارك بالمؤتمر في مقدوره أن يقيم ندوة حول المؤتمر وأعماله.
** الالتزام بإصدار البيانات والمنشورات الضرورية حول حالة حقوق أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق وإيصالها إلى الجهات المحلية والعربية والدولية والرأي العام أيضاً بعد نشرها في موقع الهيأة.
** تشكيل لجنة لإقرار مسودة النظام الداخلي بالسرعة الممكنة , إذ أنه يتضمن الأهداف التي تجسد المهمات المرحلية أيضاً.
** تشكيل لجنة إعلامية مكونة من الأمين العام ومدير الموقع الأستاذ علاء مهدي ودانا جلال ومازن لطيف وخالد الحلي وراهبة الخميسي.
** دعوة لكتابة المقالات المتقدمة دفاعاً عن المبادئ والأسس التي تعتمدها الهيأة أو عن القضايا الملحة التي تواجه أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق.
الحقل الثاني : الجانب التنظيمي. أرى في هذا الحقل ضرورة دراسة المسائل التالية:
1.   تشكيل لجنة استشارية للأمانة العامة مكونة من خمسة أشخاص يمكنهم مساعدة الأمانة العامة بالرأي الاستشاري والمقترحات. وتبقى آراء هذه اللجنة وتوصياتها ومقترحاتها استشارية وغير ملزمة للأمانة العامة.
2.   تشكيل خمس لجان فرعية في البداية بالنسبة للخارج في كل من بريطانيا , أستراليا , أمريكا وكندا معاً , ألمانيا والسويد تأخذ على عاتقها مجموعة من المهمات , بما في ذلك الوصول للجاليات العراقية والرأي العام في تلك الدول. وليس بالضرورة أن يكون لأعضاء الأمانة العامة رؤساء لها أو أعضاء فيها في بلد ليس فيها عضو من الأمانة العامة.
3.   دراسة مدى إمكانية إقامة لجان في إقليم كردستان وفي بغداد وفي بعض مراكز المحافظات حسب الإمكانية.
4.   تنظيم لقاءات دورية على البالتوك مثلاً يحضره من يستطيع من أعضاء الأمانة العامة لتدارس الأمور المستجدة.
5.   إقرار تصميم واحد أو أكثر يوضع على رسائل الأمانة العامة , وخاصة تصميم الأخ موسى الخميسي الذي يحمل حمامة سلام وكذلك ظروف خاصة بها.
6.   تنشيط اللجنة القانونية التي يمكن أن تقترح قوانين خاصة تمس موضوعات الهيأة , وبشكل خاص اقترح صياغة مشروع قانون حول تحريم اكراه أتباع الديانات والمذاهب على التحول إلى دين الإسلام أو من مذهب إلى آخر في الإسلام. إذ يجب أن يبقى هذا حق مطلق من حقوق الإنسان في العراق.
الحقل الثالث : النشاط الشعبي
** تعبئة من يمكنه المشاركة في الفعاليات الجماهيرية , سواء في دعم أو إدانة قضايا معينة تمس مهمات الهيأة.
** تشكيل الوفود لزيارة أحزاب وقوى سياسية أو حكومية بشأن أوضاع أتباع الديانات والمذاهب الدينية.
** تشكيل الوفود لزيارة منظمات الأمم المتحدة ولجان حقوق الإنسان الدولية والإقليمية والسفارات عند الحاجة لطرح وجهة نظر الهيأة في الأحداث الجارية التي تمس حياة وحرية وكرامة أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق.
** العمل من أجل إيقاف هجرة مواطنات ومواطني العراق من البلاد والسعي لتعبئة الناس للتصدي لمحاولات التهجير بأساليب عدوانية أو إجراءات التغيير الديمغرافي أينما يحصل.
** تنظيم الفعاليات التي تتصدى للإرهاب الموجه ضد اتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق كالاعتصامات والإضرابات أو التظاهر السلمي والديمقراطي في الداخل والخارج لجلب انتباه الحكومة والمجتمع لما يتعرض له المواطنات والموطنون في العراق.
** الطلب من أعضاء المؤتمر وكل من يعبر مهمات المنظمة مهماته أيضاً أن يرسل الأخبار والتقارير حول ما يجري في مختلف محافظات العراق من تجاوزات على أتباع الديانات والمذاهب الدينية أو حين تتحسن أوضاعهم وتتراجع الأعمال العدوانية ضدهم أو يتقلص التمييز والتهميش الذي يعانون منه أو التغيير الديمغرافي الذي تتعرض له مناطق سكناهم.
سمحت لنفسي بالتوسع في طرح المقترحات الملموسة نظراً لمعرفتي بواقع الهيأة والعاملين فيها والمساندين لها , ولكنها تبقى مقترحات مطروحة على الأمانة الجديدة لدراستها واتخاذ الموقف المناسب منها.
لديَّ الثقة التامة بأن الأمانة العامة الجديدة ستنهض بمهماتها على أفضل وجه ممكن وستساهم بفعالية في تحقيق الأهداف المنشودة ومناهضة التطرف والإرهاب والقتل لأتباع الديانات والمذاهب الدينية من جهة , وضد التمييز والتهميش والطائفية السياسية في الحكم وخارج الحكم من جهة أخرى.
وبودي أخيراً أن أشكر السيدات والسادة أعضاء الأمانة العامة الأولى على الجهود التي بذلوها من أجل استمرار عمل الهيأة وأداء ما يمكن من مهمات , كما أشكر السيدات والسادة أعضاء اللجنة التحضيرية والسادة أعضاء لجنة التنسيق وخاصة الأخوين الكريمين الدكتور غازي صابر والأستاذ سيروان محمود على تجشمهما عناء المشاركة في التححضير لإنجاح فعالية المؤتمر.
30/11/2012                     كاظم حبيب

204
كاظم حبيب

مهمات هيأة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق ما بعد المؤتمر الأول
1-2
بعد مرور تسع سنوات على تأسيس هيأة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق تحقق عقد المؤتمر الأول لأعضاء هذه الهيأة ومؤيديها في الفترة الواقعة بين 21-22/11/2012 في مدينة السليمانية بضيافة السيد رئيس الجمهورية. وقد صادف عقد هذا المؤتمر في الذكرى الـ 228 لتأسيس المدينة وفي شهر تشرين الثاني /نوفمبر. فتحية إلى هذه الذكرى الطيبة ولأهالي السليمانية وعموم الشعب الكردي والشعب العراقي.
لقد كان المؤتمر مناسبة كبيرة جمعت أكثر من 120 شخصية عراقية من الداخل والخارج ومن النساء والرجال ومن بنات وأبناء مختلف القوميات والديانات والمذاهب الدينية ومن أجيال عديدة , إضافة إلى جمهرة من الشخصيات السياسية والاجتماعية والعلمية الأخرى وممثلين عن مقر الأمم المتحدة ببغداد. وجدير بالإشارة مشاركة الأستاذ ملا بختيار , مسؤول الهيئة العاملة في المكتب السياسي للإتحاد الوطني الكردستاني , ممثلاً عن السيد رئيس الجمهورية والشخصية السياسية الكردية والعراقية البارزة السيدة الأستاذة هيرو خان إبراهيم أحمد , وكذلك ممثل حكومة إقليم كردستان , إضافة إلى الشخصية النسوية المتميزة وعضوة الأمانة العامة للهيأة الأستاذة نرمين عثمان والعلامة الأستاذ الدكتور عز الدين مصطفى رسول. وقد طلبت السيدة هيرو خان إبراهيم أحمد الانتساب لعضوية هيأة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق. وقد تم الترحيب بهذا القرار والموافقة عليه من جانب الأمانة العامة.
إن هذا التجمع الخير والتطوعي يحدوه الأمل في أن الفترة التي تلي عقد المؤتمر تحقيق عدة أهداف جوهرية:
1.   السعي لنشر ثقافة الاعتراف المتبادل والتآلف والتفاعل والتعاون والتآخي بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق كافة في كافة مراحل الدراسة وفي المؤسسات الحكومية والخاصة وكذلك في المعامل والمحلات وفي كل أنحاء العراق. 
2.   تنشيط الجهود المبذولة على المستويات الرسمية والشعبية لمواجهة القوى الإرهابية والطائفية السياسية المتشددة التي قتلت وشردت وهجرت الكثير من أبناء وبنات أتباع الديانات الأخرى غير الإسلام , إضافة إلى عمليات القتل على الهوية المذهبية بين القوى الإرهابية والمليشيات الطائفية المسلحة , سواء ادعت بسنيتها أو بشيعيتها!
3.   العمل من أجل تأمين مستلزمات الأمن والاستقرار والحماية لأتباع الديانات والمذاهب الدينية كافة بما يسهم في بقاء المواطنات والمواطنين في البلاد وعدم الهجرة , إضافة تأمين مستلزمات عودة من هجر ومن هو راغب في العودة إلى الوطن.
4.   إن تحققيق الاستقرار والأمن والسلام والتقدم في العراق أهداف نبيلة تقترن بشكل عضوي متين بالحريات العامة وممارسة الحقوق الأساسية لبنات وأبناء المجتمع في دولة وطنية ديمقراطية مدنية تفصل بين الدين والدولة وبين السلطات الثلاث وترفض التمييز بين أبناء وبنات المجتمع كافة وحل المشكلات التي تواجه المجتمع بالطرق السلمية والتفاوضية.
وفي ضوء هذه الأهداف أقرت الأمانة العامة جدول عمل تضمن ابحاثاً ومداخلات علمية وتاريخية قدمتها شخصيات علمية واجتماعية وسياسية معروفة في العراق وفي الخارج تضمنت إبراز حقيقة أن العراق أحد مهود الحضارة الإنسانية وشهد في الوقت نفسه تعايشاً وتآلفاً على مدى القرون المنصرمة بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق. وهذا لا يعني أن جمهرة من الخلفاء والسلاطين والملوك والأمراء والحكام لم تلعب دوراً سلبياً في هذا المجال وأججت الصراعات والنزاعات , إضافة إلى التمييز والتهميش والإساءة في المجتمع. ولعبت دول الجوار والقوى المهيمنة والاستعمارية دوراً ملموساً في هذا المجال. وشعب العراق , بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه الدينية , الذي عانى من وحشية ودكتاتورية وعنصرية البعث وصدام حسين ورهطه الأمرين , ابتلى بعد سقوط حكم البعث والوقوع تحت الاحتلال الأمريكي – البريطاني من قوى الإسلام السياسي الإرهابية والتكفيرية وكذلك قوى الإرهاب الطائفية السياسية , سنية كانت أم شيعية , ومن نظام المحاصصة الطائفية الذي يعني بالضرورة استمرار التمييز والتهميش وغياب مفهوم المواطنة الحرة والمتساوية. وبسبب هذه الحالة التي نشأت في أعقاب سقوط الدكتاتورية الغاشمة تأسست هيأة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق وأخذت على عاتقها المشاركة مع بقية منظمات المجتمع المدني , ومنها منظمات حقوق الإنسان , لتتبنى تلك الأهداف التي أوردناها في أعلاه وغيرها من المهمات الأخرى. لقد قدمت في المؤتمر وعلى مدى يومين المداخلات التالية:
** الدكتور رشيد الخيون : المجتمع العراقي.. الصورة المشرقة في التعايش.
** الدكتور ممو عثمان فرحان : المجتمع المدني وحرية الديانات والمذاهب الدينية في العراق.
** الأستاذة نرمين عثمان / الأهمية البالغة للمعايشة الودية بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية على
   صعيد العراق.
** الأستاذ جعفر هادي حسن : العلاقة بين أتباع الديانات في العراق في القرون الأولى للإسلام.
وقد جلبت هذه المداخلات اهتماماً كبيراً من جانب المؤتمرين ونوقشت بحيوية ومسؤولية. وستكون ذات فائدة كبيرة إذا ما أخذت الأمان العامة الجديدة على عاتقها نشر هذه المداخلات , إضافة إلى  مداخلة الأخ الدكتور صادق أطيمش الذي أرسلها ولم يستطع المشاركة وكان مكلفاً بإنجاز المداخلة. كما وصلت مداخلات أخرى يمكن نشرها أيضاً في كراس واحد.
وجدير بالإشارة عرض فيلم أعدة الأخ الأستاذ سيروان محمود حول واقع اتباع الديانات والمذاهب الدينية حضي بقبول لدى الحضور في ما عدا نسيانه الحديث عن واقع المواطنات والمواطنين من أتباع الديانة المندائية وما تعرضوا له في العراق من قتل وتشريد وتهجير حتى لم يبق منهم في العراق إلا 5000 نسمة بعد أن كانوا قبل سقوط النظام الدكتاتوري الفاشي أكثر من 70000 ألف نسمة. وقد قدم الأستاذ زهير كاظم عبود اعتذاراً لهم لهذا النقص , رغم إن الفيلم لم يك مقرراً من جانب الأمانة العامة السابقة.
وبجهود عدد كبير من الأشخاص , وبشكل خاص اللجنة التحضيرية التابعة للهيأة ولجنة التنسيق في السليمانية أمكن تنظيم وإنجاح هذه الفعالية التي دمجت بين الندوة الفكرية ومناقشة بعض التقارير وانتخاب الأمانة العامة الجديدة , ولكنه لم يوفق في مناقشة مسودة النظام الداخلي وبرنامج العمل , مما اعتبر البعض بأن اللقاء كانت ندوة ثقافية متميزة ولكنه لم يكن مؤتمراً متكاملاً لأنه لم ينجز النظام الداخلي ولا برنامج العمل القادم , إضافة إلى جملة من النواقص التنظيمية. وقد أحيل أمر تشكيل لجنة لإنجاز النظام الداخلي ووضع البرنامج القادم على عاتق الأمانة العامة الجديدة.
لقد انتخب المؤتمر أمانة عامة جديدة من 11 عضواً أصيلاً ومن عضوي احتياط من مجموع 25 مرشحاً. وفاز الأخوات والأخوة التالية أسماؤهم بعضوية الأمانة العامة حسب القوة التصويتية التي حصلوا عليها:
نرمين عثمان , نهاد القاضي , زهير كاظم عبود , عقيل الناصري , كاترين ميخائيل , تيسير الالوسي , كامل زومايا , راهبة الخميسي , جورج منصور , صادق البلادي , نور نجدت. أما الاحتياط فهما ماجدة الجبوري ومازن لطيف.
اجتمعت الأمانة العامة الجديدة وشكلت مكتباً للأمانة العامة من الأستاذ نهاد القاضي أميناً عاماً , والأستاذة نرمين عثمان نائبة الأمين العام والسادة : نهاد القاضي ود. كاترين ميخائيل وجورج منصور والدكتور صادق البلادي. (ملاحظة: وجه الدكتور كاظم حبيب رسالة خاصة إلى أعضاء المؤتمر اعتذر فيها عن الترشيح للأمانة العامة لأسباب ترتبط بضرورة تجديد الأمين العام والأمانة والعمر والصحة. وقد نشر الاعتذار في موقع الهيأة , راجع الملحق.
كما اعتذر الأستاذ زهير كاظم عبود قبل بدء المؤتمر وأثناء البحث في مستقبل الهيأة ونشاطها عن الترشيح لمنصب الأمين العام لارتباطه بمهمات وأعمال أخرى , كما لم يبد أي رغبة في الترشيح للأمانة العامة وتحت ضغط الأخوة رشح نفسه.
29/11/2012                     كاظم حبيب
يتبع 2-2


205
كاظم حبيب
ألا يقدم "الأخوان المسلمون" في مصر النموذج الاستبدادي المحتمل في سوريا؟
منذ أن بدأت حركة الأخوان المسلمين في مصر في النصف الأول من القرن العشرين وانتشرت تدريجياً في أعقاب الحرب العالمية الثانية , بالارتباط مع القضية الفلسطينية وقرار التقسيم ونشوء دولة إسرائيل في بقية الدول العربية وبدعم مباشر وفعال ومتنوع , وخاصة الجانب المالي , من المملكة العربية السعودية ومن قوى الإسلام السياسي على الصعيد العالمي , تبنت إقامة الدولة الدينية –الثيوقراطية- وشعار الحاكمية لله" وحده و "الإسلام هو الحل" ..الخ , كما تبنت هذه الحركة ممارسة العنف والقوة والانقلاب للوصول إلى السلطة. وعرفت بعض الدول العربية فترة نهوض واسع لحركة الأخوان المسلمين واندمج بعض شعاراتها وممارساتها بالجانب القومي العربي اليميني الشوفينيالمتطرف. واشتد هذه الاتجاه وتنامى نسبياً بسبب السياسات غير الديمقراطية والاستبدادية التي مارستها حكومات الدول العربية في الأربعينيات والخمسينيات وما بعدها إزاء الشعب والقوى السياسية المختلفة. ولكن الجماهير ذاتها والقوى السياسية الديمقراطية عاشت تجارب مريرة مع حركة الأخوان المسلمين التي مارست العنف الفكري والسياسي في التعامل مع الرأي الآخر والأحزاب والقوى الفكرية والسياسية الأخرى. وتقدم دراسات أكثر الباحثين المصريين , ومنها دراسات الدكتور رفعت السعيد , صورة واقعية عن سياسات وممارسات العنف التي تبنتها ومارستها هذه الحركة منذ نشوئها في مصر حتى الوقت الحاضر. وما تزال في الذاكرة الأساليب القمعية التي مارستها حركة الأخوان المسلمين في العراق ضد القوى الديمقراطية والتقدمية في فترة الوثبة 1948 وما بعدها في العراق.
إن حركة الأخوان المسلمين تريد العودة بالمجتمعات إلى القرون السالفة لتفرض على المجتمع حكم "المرشد" باسم "حاكمية الله" وتطبيق الشريعة الحنبلية أو الوهابية على المسلمات والمسلمين كافة باسم "الإسلام هو الحل", وفرض الجزية والخراج على أتباع الديانات الأخرى في الدول العربية واعتبارهم رعايا من الدرجة الثانية أو الثالثة , وهي من حيث الجوهر لا تختلف عن "ولاية الفقيه" بالنسبة لأتباع المذهب الشيعي الصفوي في إيران وفي القوى المماثلة لها , كما في حزب الله الإيراني في لبنان. فولاء حزب الله ليس للبنان , بل لولاية الفقيه في إيران. فأمور الدين والدنيا , أمور الدين والدولة في إيران بيد المرشد الأعلى للثورة الإسلامية , وبالتالي ليس هناك من فصل بين السلطات ولا استقلال القضاء ولا هم يحنون , بل إن المرشد هو "الكل في الكل" , وكفى الله المؤمنين شر القتال!! 
إن قوى الإسلام السياسي , سواء أكانت سنية أم شيعية , تمارس ذات النهج وذات الأساليب وذات الأدوات , فهي تريد إقامة دولة دينية ثيوقراطية متخلفة غير متنورة وبعيدة كل البعد عن عصرنا الحاضر وحضارته وعن المدنية الحديثة وحقوق الإنسان , وهي تسير بالضد مما يحتاجه الشعب ويسعى إليه وتسير على وفق المذهب الذي تدين به الأكثرية الحاكمة وتمارس الشريعة التي تلتزم بها وتفرضها على المجتمع بأسره دون اعتبار لأتباع الديانات والمذاهب الدينية والاتجاهات الفكرية والسياسية الأخرى. إنها تسعى إلى إقامة دولة استبدادية شرقية تعيش الظلمتين , ظلمة الاستبداد وظلمة التخلف والتحريم والتكفير , وتتشوق لحاكم مستبد لا يمكن أن يكون مثل هذا الحاكم إلا ظالماً وغير عادل.
ورغم إن الأخوان المسلمين قد وصلوا لتوهم إلى السلطة في مصر (ستة شهور تقريباً) ولم يكونوا من المشاركين الأوائل في الثورة المناهضة لنظام محمد حسني مبارك ورهطه التي انطلقت في الخامس والعشرين من شهر كانون الثاني/يناير 2011 , وانتظروا ليتبينوا مدى قدرة الثوار على فرض الانتصار , عندها ركبوا الموجة بفضل عاملين هما: التنظيم الجيد الذي يمتلكوه ووحدة قواهم الأساسية والغنى المالي الذي يصلهم من جهة , وضعف وتشرذم القوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية واليسارية وضعف قدراتهم المالية عموماً من جهة أخرى , واستولوا على السلطة بغفلة وجهل بهم من المجتمع والزمن في آن. ولم يمض وقت طويل حتى كشف محمد مرسي الأهداف الحقيقية التي يسعى إليها , منها فرض الدستور الإسلامي الذي يريده الأخوان وفرض الشريعة الإسلامية الحنبلية ذات النكهة الوهابية على المجتمع المصري ومؤسسات الدولة المصرية والهيمنة الكاملة على الدولة والمجتمع ومحاربة تدريجية للقوى السياسية الأخرى. وكشف عن ذلك بمضمون وفقرات "الإعلان الدستوري" السيئ الصيت والمناهض لمبادئ الحرية والرأي الآخر والديمقراطية والحياة الدستورية. فمحاولة حصر السلطات الثلاث بيده بشكل مطلق حتى ينتهي من وضع الدستور الذي يريده وفرض المجلس التشريعي الذي يريده وإجراء الانتخابات التي تأتي بأكثرية "إخوانية" يريدها.
لقد كان الرجل متعجلاً جداً واعتقد بأن موقفه ضد العدوان على غزة ووساطته لإيقاف القتال كافية لتسمح له بفرض إرادته الفردية على المجتمع ولم يدرك بإن الشعب المصري لم يفقد ثوريته ولم يفقد حسه الثوري بما يريده محمد مرسي ويعرف جيداً من يقف خلفه وخلف قوى الأخوان المسلمين والسلفيين من قوى ودول في منطقة الشرق الأوسط وخاصة السعودية وقطر. ولم يكن الإعلان الدستوري سوى طبخة إخوانية سيئة بلباس حزب الحرية والعدالة. لقد كان الإعلان الدستوري بداية لاستبداد ديني مريع وفتل عضلات الأخوان المسلمين أمام الشعب المصري. ولكن الشعب الذي عرف الحكم الفردي وسوءاته , كما يبدو الآن واضحاً , يقف له بالمرصاد ولن يسمح له بالمرور وتمرير أفكار ونوايا الأخوان المسلمين.
والسؤال الكبير الذي يواجه من يعرف واقع الحال في سوريا في الوقت الحاضر ويعرف واقع المعارضة السورية هو: هل يمكن أن يسرق الأخوان المسلمون الثورة السورية ايضاً ويمارسون السياسة التي يسعى إلى ممارستها محمد مرسي ورهطه في مصر؟ وهل يعاد ما حصل في إيران من سرقة الخميني للثورة الشعبية الإيرانية لفرض ولاية الفقيه؟
نعم , إن هذا الاحتمال وارد , إذ أن الفرقة والصراع كانا وما زالا السمة المميزة للعلاقة بين القوى السياسية المعارضة للحكم الدكتاتوري المتوحش في سوريا , رغم وجود أكثر من سبب يدعوها إلى الوحدة والتفاعل والتكاتف. ولا شك في أن العامل الإقليمي والدولي يلعب دوره البارز في كل ذلك , إضافة إلى التباين الموجود في طبيعة وفكر وسياسة قوى المعارضة السورية.
إن اللوحة السياسية التي تواجهنا في معسكر قوى المعارضة السورية تشير إلى وجود قوى ديمقراطية كثيرة ولكنها غير متحدة ومتصارعة على الموقف من عدد من الأمور بما في ذلك من موضوع التدخل الدولي ومن استخدام السلاح وكذلك الموقف من قوى الإسلام السياسي , قوى الأخوان المسلمين وما يمارسونه من عمليات التفجيرات الجارية في سوريا والمقترنة بتحالف مع قوى القاعدة المجرمة , إضافة غلى التباين في المواقف بين المعارضة في الخارج ومعارضة الداخل. أما الجانب الآخر الذي يضم جماعة الأخوان المسلمين وجمهرة السلفيين فهي ورغن التباين في مواقفها , ولكنها متحدة في ما تريد إقامته في سوريا , وهي تجد بينها وبين تنظيم القاعدة المجرم نقاط اتفاق ولقاء ونشاط مشترك.
واليوم بدأت قوى الإسلام السياسي (جماعة الأخوان المسلمين) تحاول تكريس وجودها في المناطق التي أجبر النظام السوري على التراجع عنها وفرض أساليبها المتسمة بالعنف على الناس , في حين لم تستطع القوى الديمقراطية فرض دورها الإنساني في التعامل مع الناس ومع الرأي الآخر في سوريا. إن التفجيرات الكبيرة التي تستهدف الناس الأبرياء ليست من أعمال القوى الديمقراطية , ولكنها من افعال قوى الإسلام السياسي.
إن التنبيه إلى مخاطر وصول وهيمنة قوى الإسلام السياسي على السلطة في سوريا والتحذير منها ضرورة ملحة بالنسبة للقوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية واليسارية المناهضة للنظام الدكتاتوري في سوريا والرافضة لأي دكتاتورية في البلاد تحت أي رداء تلفعت به ولا بد من الانتباه لذلك , إذ أن الأخوان المسلمين يملكون تنظيماً قوياً وقوى مسلحة وسلاح ومال كثير , إضافة إلى التأييد الواسع الذي يصل لهم من كل من السعودية وقطر وبعض دول الخليج الأخرى ودول المنطقة , في حين ما تزال الفرقة واضحة في معسكر القوى الديمقراطية.
إن الأخوان المسلمين في سوريا رفعوا راية "الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان" منذ أن بدأت الثورة في سوريا , ولكن يصعب علي وعلى الكثير من الناس أن يصدقوا من برهنت الحياة على عدم مصداقيته واستعداده للنفاق تحت شعار "التقية" ورغبته الجامحة غير المستورة للوصول إلى السلطة من أجل إقامة ما يدعيه من دولة دينية وتأمين مستلزمات ردة فكرية وسياسية واجتماعية وثقافية في سوريا.
إن مصر الراهنة برئاسة محمد مرسي , وهو زعيم إخواني , تقدم الدليل القاطع على عدم مصداقية الأخوان المسلمين وعدم صدقهم حين يرفعون ما لا يؤمنون به , إذ يبقى شعارهم الاستبدادي الأساسي هو "حاكمية الله" التي تعني حاكمية المرشد وشعار "الإسلام هو الحل" الذي يعني إسقاط ومحاربة اي فكر آخر غير فكرهم وأي سياسة أخرى غير سياستهم العدوانية!!     
28/11/2012                        كاظم حبيب
 

206
كاظم حبيب
الإخوان المسلمون في مصر  يكشفون عن وجههم الاستبدادي الكالح والقبيح !!

لم يمض على انتخاب الدكتور محمد مرسي , مرشح حزب العدالة والحرية (جماعة الإخوان المسلمين) سوى نصف عام حتى كشر عن أنيابه الذئبية وكشف عن أهدافه الفعلية الذي برز في الإعلان الدستوري الذي أصدره بتاريخ 22/11/2012. فهذا الإعلان يكون قد عطل بدون م
سوغ دستوري السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية في آن ومنحها لنفسه فقط وبشكل مطلق غير قابل للنقاش أو الطعن أو التغيير. لا يعني هذا الإعلان الدستوري سوى إعلان الدكتاتورية المطلقة في مصر مهما حاول تجميل صورة القرارات وصورته في الخطاب البائس الذي ألقاه على مؤيديه من الأخوان المسلمين ومن السلفيين في 24/11/2012 وكشف عن الأهداف التي يسعى إليها من خلال الإعلان الدستوري الأخير.
لقد شهدت مصر منذ الثورة المصرية التي بدأت في 25 يناير/كانون الثاني 2011  اتجاهين ملموسين في حركة الشارع المصري:
1.   الاتجاه المدني والديمقراطي واليساري الذي ساهم مع قوى شباب الثورة وعجز عن توحيد نفسه وقيادة القوى المدنية والديمقراطية لصالح تحقيق النصر في تسلم السلطة بسبب الذاتية والنزعة النرجسية التي تجلت لدى الغالية العظمى من هذه القوى والتي كان كل منها يعتبر نفسه هو الأفضل والأكثر تمثيلاً  للشعب وأكثر تعبيراً عن مصالحه , وبالتالي كان لا يقبل إلا بترشيح نفسه لانتخابات الرئاسة ففشلوا جميعاً في الحصول على أصوات الناخبين الضرورية للفوز بانتخابات الرئاسة.
2.   الاتجاه الإخواني والسلفي الذي تجمع وتوحد في الانتخابات للحصول على أصوات كل قوى الإسلام السياسي والقوى اليمينية التي لا تريد أن ترى مصر تسير على طريق الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية المستقلة , بل تحمل رايات "الحاكمية لله" و "الإسلام هو الحل"!!! إنها الرايات التي لا تعني سوى السير إلى الوراء , وإلى قبل أكثر من 1400 سنة.
ورغم ضرورة وحدة الصف المدني الديمقراطي , ورغم كل التنبيهات بأن الإخوان المسلمين سيكسبون المعركة إذا استمرت هذه القوى على انقسامها وتشرذمها وتنافسها على المركز الأول في الدولة , فإنها لم تستجب للعقل والحكمة وتتعاون في ما بينها لصالح مصر وشعبها ومستقبل الأجيال القادمة.
فهل بعد صدور الإعلان الدستوري الجديد المناهض للديمقراطية والدافع صوب الدكتاتورية المطلقة وحكم جماعة الإخوان المسلمين يمكن أن تلتقي القوى المدنية والديمقراطية في تيار واحد , في شارع عريض مناهض للديكتاتورية والإسلام السياسي الإخواني والسلفي , يجمع فيه كل من يرى في المدنية والديمقراطية طريق التطور والتقدم والحياة الحرة؟
اعتقد إن التحديات التي تواجه القوى المدنية والديمقراطية والعلمانية واليسارية , ابتداءً من البرجوازية الوطنية أو المتوسطة ومروراً بفئات البرجوازية الصغيرة وجمهرة المثقفين والطلبة والكسبة والحرفيين وانتهاء بالطبقة العاملة المصرية وكادحي الريف والمعدمين والفقراء منهم على نحو خاص , كبيرة جداً ولم تعرف مصر من قبل بمثل هذه الصراحة في إعلان الرغبة الصارمة في الهيمنة وفرض الدكتاتورية على البلاد كما حصل أخيراً في الإعلان الدستوري بتاريخ 22/11/2012 لمحمد مرسي. وهو إعلان وضع من جانب جماعة الإخوان المسلمين وأقر شكلياً من حزب الحرية والعدالة باعتباره النسخة العلنية الرسمية لجماعة الأخوان المسلمين ليصدر على شكل إعلان دستوري باسم محمد مرسي رئيس الجمهورية.  
إن الإعلان الدستوري شطر القوى السياسية التي شاركت في الثورة إلى جزئين متصارعين , ولكنه شق المجتمع المصري إلى شقين أحدهما مع الإعلان والثاني ضده. وسيكون بين الجانبين كسر عظم لا محالة ما لم يستطع الشعب كسب المعركة من خلال فرض التراجع على محمد مرسي عن إعلانه الاستبدادي.
إن الحركة المدنية والديمقراطية أمام امتحان عسير ومهمة وطنية كبرى ويتطلب الأمر منها خمس مسائل جوهرية في المرحلة الراهنة , كما يتبين من الاستماع إلى وجهات نظر القوى السياسية المدنية المصرية:
1.   تعبئة القوى المدنية والديمقراطية والعلمانية واليسارية وكل المناهضين للدكتاتورية كافة في معسكر واحد هو معسكر الشعب المتطلع لدولة مدنية ديمقراطية حديثة , دولة المؤسسات الدستورية والقانون الديمقراطي.
2.   الاتفاق على المهمات التي يفترض أن تتجلى في شعارات موحدة للحركة المدنية الشعبية وتلتزم بها الأطراف كافة.
3.   اختيار قيادة نشطة وفعالة ومحترمة لقيادة النضال في هذه المرحلة الحرجة والمعقدة من تاريخ مصر الحديث.
4.   تعبئة الرأي العام العربي والإقليمي لصالح أهداف الثورة الحقيقية التي رفعها الشعب في 25 يناير/كانون الثاني 2011 وتعرية القوى التي تريد فرض الدكتاتورية على قوى الربيع العربي بمصر.
5.   تعبئة الرأي العام العالمي الذي أعلن حتى الآن عن قلقه الواضح من الإعلان الدستوري الجديد ومخاطره على الحياة الديمقراطية والتعددية والتداول السلمي الديمقراطي للسلطة.
إن المرحلة مليئة بالأحداث وأن أي تغيير ديمقراطي إيجابي في مصر سيقود دون أدجنى ريب إلى تغيرات واسعة وعميقة في غالبية دول منطقة الشرق الأوسط.
26/11/2012                        كاظم حبيب  


207
كاظم حبيب
القاعدة العامة تقول:
لا يحترم نفسه ومركزه من يتخذ قراراَ لا يستطيع تنفيذه !
من يعمل في السياسة وفي الحياة العامة يدرك تماماً معنى هذه القاعدة التي تقول "لا يحترم نفسه ومركزه من يتخذ قراراً لا يستطيع تنفيذه". وهذه القاعدة تنطبق تماماً على قرار رئيس وزراء العراق نوري المالكي بمنع القادة السياسيين الكرد وعموم الشعب الكردي من السفر إلى خارج العراق دون أذن وموافقة الحكومة العراقية. ولكن علمتنا التجارب المريرة التي مًّر بها الشعب بأن من يصل في غفلة من الزمن إلى مواقع المسؤولية يفقد توازنه ويمارس سياسات تقوده إلى ما تحمد عقباه بالمحصلة النهائية.
منذ أكثر من عقدين ونيف يسافر الكرد قيادة وشعباً إلى خارج العراق دون أذن من سلطات بغداد. وجرى هذا بعد سقوط النظام الدكتاتوري أيضاً. يدرك نوري المالكي بأن هذا القرار لا يمكن تطبيقه على إقليم كردستان بعد أن مورس فيها منذ سقوط النظام , إضافة غلى ممارسته قبل ذاك أيضاً. ولكن رئيس الوزراء يريد بهذا القرار أن يعلن عن تشديد الخلاف والصراع مع الكرد وعن إعلانه القطيعة التامة مع إقليم كردستان والقيادة السياسية وإبقاء الوضع في العراق بحالة متصاعدة من التوتر وهو ما يسعى إليه ويريده في هذه الفترة.
إنه الجنون بعينه. فليس هناك اسوأ من تشديد الصراع والقطيعة. فمن المعروف إن من لا يتحاور لا يريد حل المشكلات , بل يسعى للحرب. ولكنه يدرك أيضاً بأن الحرب ضد إقليم كردستان لن تكون "نزهة ربيعية" ولا "سفرة سياحية" , بل ستكون نهاية حكمه وحزبه أيضاً. فما من حزب أو حكومة توجهت لمحاربة الكرد حتى لقيا مصيرهما الأسود , إذ مثل هذه الحرب لن تكون عادلة بل ظالمة حيث ترتكب فيها الجرائم بحق الشعب العراقي بكل قومياته. والتاريخ شاهد على ذلك ولن يكون المالكي قادراً على تغيير هذا المصير , إذا ما تجرأ وأعلن الحرب , إذ يعتقد بها يستطيع احتلال كردستان ومنع القادة من السفر إلى الخارج.
إن الدلائل كلها تشير إلى إن رئيس الوزراء العراقي يسير على درب صدام حسين وغالبية حزبه تسير على نفس نهج حزب البعث مع وجود من يجد في هذه السياسة مغامرة قاتلة يخوضها نوري المالكي دون وجه حق ولها عواقب وخيمة على الجميع , كما وجدت مثل هذه المعارضة في حزب البعث أيضاً ولكنها صفيت في حينها , فهل سيصفي نوري المالكي بطرق شتى من يعارضه حتى في حزبه أيضاً؟
سؤال عادل أطرحه , إذ أرى إن الدرب الذي يسلكه نوري المالكي سيوصله لا محالة إلى عواقب وخيمة على الشعب العراقي. ولم يكن الدكتور أحمد الجلبي مخطئاً في تقديره , بل كان تقديره صائباً وأصاب الهدف حين أكد على المخاطر التي تحيط بالعراق نتيجة السياسة التي يمارسها نوري المالكي وفي طريقة تعامله مع القيادة الكردية. إن حركة سير نوري المالكي تسير إلى هذا النهج الخطر! فمتى يمكن إيقافه عند حده قبل أن يركب رأسه!
عد إلى صوابك يا رئيس الوزراء العراق ولا تجعل المنصب الذي تحتله اليوم يفقدك صوابك , يفقدك العقلانية والحكمة والحصافة التي يفترض أن يمتلكها من يكون رئيساً لوزراء العراق في هذه المرحلة المعقدة والصعبة التي تمر بها البلاد. لا تزيد من أخطائك.
إن هذه التصريحات لجريدة هولاتي , على وفق وما نشرته فضائية العربية وموقعها على الإنترنيت , لن تخرج رئيس الوزراء ولا العراق ولا الحكومة العراقية من الأزمة الخانقة الراهنة لأن الحل لا يكمن بالهروب منها بشتى الأساليب والإجراءات التي تعبر عن يأس صارخ وهروب إلى أمام بل يكمن في ترك القرارات القرقوشية التي تذكرنا بقرارات صدام حسين والعودة إلى جادة الصواب , جادة المفاوضات والتواضع والتفتيش عن حلول سلمية لا عن حلول عسكرية تنهي بالمحصلة النهائية حكمه في العراق.
25/11/2012                  كاظم حبيب     


208
كاظم حبيب
هل يمكن الثقة برئيس الوزراء العراقي ؟

حين تشكلت وزارة السيد نوري المالكي الأولى في العام 2006 وجهت بتاريخ 31/5/2007 "رسالة مفتوحة إلى السيد رئيس مجلس الوزراء" تمنيت فيها عليه بشكل خاص إعادة النظر بالموقف من مفهوم الديمقراطية واعتبارها أداة وفلسفة عمل في آن , إذ أنهما كل لا يتجزأ. وكانت لدي الخشية في أن حزب الدعوة الإسلامية سيتخلى بعد وصوله إلى السلطة عن ممارسة الديمقراطية اعتماداً على ثلاث ثلاث عوامل:
1.   طبيعة حزب الدعوة الإسلامية الذي يسعى لإقامة دولة دينية تتناقض مع الديمقراطية من حيث المبدأ.
2.   التجربة التي مر بها العراق مع حكومة الدكتور إبراهيم الجعفري حث تعمقت الطائفية السياسية والصراع الطائفي والسلوك اللاديمقراطي لمضمون سياساته.
3.   الحوار الفكري الذي قدمه علي الأديب في العام 2006 مع قناة الحرة وأكد فيه بجلاء تام إن حزب الدعوة وقادته يستخدمون الديمقراطية كأداة ولكنه لا يعتمدونها كفلسفة بأي حال. وهذا يعني بعبارة واضحة إنهم يمارسون الديمقراطية كأداة للوصول إلى السلطة وحين يكونوا فيها لا يمارسونها كأسلوب عمل وفلسفة ومضمون سياسي واقتصادي واجتماعي.
وقد عبرت عن أملي في أن يمارس رئيس الوزراء الجديد الحياة الديمقراطية لصالح إنهاض الشعب من الهوة الكبيرة التي سقط فيها بفعل الدكتاتوريات السابقة وبفعل الحروب وعواقبها وما حصل للبلاد في أعقاب الاحتلال , إضافة إلى الفعاليات العدوانية لقوى الإرهاب والمليشيات الطائفية المسلحة والقتل على الهوية حينذاك. وقد أعطى رئيس الوزراء الحالي الانطباع في حينها بعد أن وجه ضربه للميليشيات الطائفية الإرهابية المسلحة المسلحة في البصرة , كما تمكنت الإدارة الأمريكية من تشكيل الصحوات لدعم محاربة قوى الإرهاب في المنطقة الغربية وتشكيله لقائمة دولة القانون , انطباعاً بأنه يريد أن يسير على درب غير طائفي رغم طائفية الحزب الذي يترأسه. ولكن لم يغادرني الشك بقدرة نوري المالكي على الإقدام على هذه الخطوة رغم تمنياتي له بتحقيق ما عجز عنه علاوي والجعفري قبل ذاك. إذ من يترأس حزباً إسلامياً طائفياً لا يمكن أن ينتهج سياسة مدنية وديمقراطية.
من المحزن للعراق حقاً أن أشير إلى إن شكي كان في محله وبرهنت الحياة صحته. فبعد مرور سبع سنوات على وجود المالكي على رأس السلطة يُحق لنا أن نطرح السؤال التالي: هل يمكن الثقة بوعود وتصريحات السيد المالكي في ضوء ما جرى في العراق خلال السنوات السبع المنصرمة وإنه يريد الابتعاد عن الطائفية؟
جوابي عن هذا السؤال هو الآتي: لم يبرهن رئيس وزراء العراق خلال السنوات المنصرمة على أنه رجل يعي الديمقراطية ويدرك أهميتها للمجتمع ويمارسها فعلاً , بل برهن العكس من ذلك تماماً. فالأحداث التي مرت بالعراق تؤكد ذلك بجلاء ساطع , وأنه فقد آخر من كان يثق به ويدافع عنه بأمل تشجيعه على إيجاد حلول عملية للأزمة الخانقة والمستفحلة التي تواجهها الدولة والحكومة والمجتمع في آن وتهدد بعواقب وخيمة قادمة , وأقصد هنا السيد رئيس الجمهورية والاتحاد الوطني الكردستاني. حتى إن المقابلة التي أجراها الصحفي في قناة العراقية السيد علي كريم مع عضو قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني السيد عادل مراد قد قدم تقييما كبيراً لرئيس الوزراء فاق كل تصور بأمل دفعه لمعالجة المشكلات القائمة وتسويقه محلياً.
ولكن وبعد مرور فترة على تلك التصريحات انبرى السيد فرياد راوندوزي , رئيس تحرير جريدة الاتحاد , قائلاً "إن محاولة رئيس الجمهورية لعقد الاجتماع الوطني تعتمد على مدى استعداد الآخرين لها ، مبيناً ، أن نجاح آي محاولة أو مبادرة لا تعتمد على من يطلقها وإنما على الآخرين الذين يقبلون بها ويجلسون على طاولة الحوار. ثم اضاف قائلاً : "أن عدم عقد الاجتماع الوطني لا يتحمل مسؤوليته رئيس الجمهورية ، وإنما الاطراف التي لم تتفاعل مع محاولات طالباني ، مشيراً الى أن الكتل التي لم تتجاوب مع المحاولات معروفة للجميع ، وكانت كل كتلة تغني على ليلاها دون التفكير بمستقبل الوطن والعملية السياسية لإنقاذ العراق. (راجع : موقع الحزب الشيوعي العراقي بتاريخ 18/11/2012 , الوكالة الإخبارية للأنباء). والجهة المقصودة هنا بشكل خاص هي ممارسات رئيس الوزراء وتصريحات العناصر الملتفة حوله سواء أكانوا من حزبه أم من قائمته , التي حاولت بكل السبل الإساءة المباشرة وغير المباشرة للدور الذي يلعبه رئيس الجمهورية وإضاعة الفرصة أمام الحوار الداخلي.
السياسات التي يمارسها رئيس الوزراء وجملة من الأحداث المتلاحقة التي تواجه المجتمع تزيد من القناعة بأن الرجل لا يريد الحوار ولا يريد الوصول إلى نتائج مرضية للجميع , بل إنه يسير على طريق "درب الصد ما رد" , وأنه لا يسعى إلى التفاهم وحل المشكلات بل يتجه صوب العسكرة والتسلح وحل المشكلات عن طريق العنف والقتال وزج الجيش في القضايا الداخلية في حين أن مهمة هذا الجيش هي الحفاظ على أمن حدود البلاد.

منذ أن تسلم المالكي رئاسة الوزراء للمرة الثانية والأمور تزداد تعقيداً والأزمة تستفحل أكثر فأكثر والصراعات تأخذ إبعاداً خطيرة وذات عواقب مأساوية ما لم يأخذ العقلاء على عاتقهم معالجة الموقف. إن البداية الخطيرة والأكثر سوءاً وأشرت بوضوح الدرب الذي يريد رئيس الوزراء سلوكه برزت في اتهامه للاحتجاجات والمظاهرات والتجمعات في شتاء العام 2011 بأن هؤلاء بعثيون ومعادون للدولة. وراح وعاظه يصرخون بصوت أقوى وأشد من السلطان ذاته باتهام المنددين بالفساد والإرهاب .. بالبعثية والتخريب. ثم وجه القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لضرب تلك التجمعات والإساءة لنبل مقاصد اللمتظاهرين والمحتجين. ثم تواصلت هذه السياسة حتى بلغت أوجها في انفراده بتشكيل قيادة قوات دجلة بذريعة استخدامه لصلاحياته كقائد عام للقوات المسلحة. وهذه الخطوة تجسد سعياً صارخاً لحل الأزمة والمشكلات القائمة مع إقليم كردستان بالقوة والقتال بل ربما الحرب فعلاً.
إن العراق يمر بمشكلات عويصة ذات طبيعة سياسية واجتماعية وبيئية , ورئيس الوزراء لم يبذل أي جهد فعلي لمعالجة أي من تلك المشكلات , بل إن سياساته الفعلية تزيدها تعقيداً , فهو يترك البلاد تغرق في مشكلاتها  , إذ المهم عنده أن يبقى على رأس مجلس الوزراء!
تؤكد المعلومات المتوفرة , كما أشارت إلى ذلك منظمة اليونيسيف إلى وجود 5,3 مليون طفل عراقي لا يتمتعون بحقوقهم الأساسية. يضاف إلى ذلك وجود أكثر من مليون امرأة أرملة تعيش على اسوأ من الكفاف وتعاني من العوز. وهناك أطفال يبيعون اجسادهم لكي يساهموا في إعاشة عائلاتهم. وهناك الآلاف من العائلات التي لا تملك سقفاً يحميها من برد شتاء ولهيب الصيف. ومع ذلك قرر رئيس الوزراء سحب مبلغ قدره 20 مليار دولار أمريكي من التخصيصات المرصدة لـ "بغداد عاصمة الثقافة العربية", إضافة إلى أموال أخرى من مشاريع الإسكان لبناء دور لذوي الدخل المحدود من أجل شراء طائرات رئاسية. (راجع مقال عدنان حسين بعنوان, شناشيل طائرات رئاسية عدنان حسين المدى بتاريخ 21/11/2012). هل هناك حكومة أو رئيس حكومة يحترم شعبه ويدرك المصاعب التي يعيش فيها الناس فيوجه أموال الشعب صوب شراء طائرات رئاسية.
إن شريطاً من الأحداث المتتابعة يواجه الباحث في الشأن العراقي , منها الاعتداء على قانون البنك المركزي العراقي بإقالة محافظ البنك المركزي الدكتور سنان الشبيبي وإصدار مذكرة باعتقاله في المطار لمنعه من الوصول إلى بغداد للدفاع عن نفسه , مروراً بصفقة الأسلحة الروسية التي تحوم حولها شبهات الفساد على وفق التصريحات الرسمية ببغداد , ثم إلغاء رئيس الوزراء البطاقة التموينية دون توفير شروط هذا الإلغاء للمستفيدين منها , ثم تشكيل قيادة عمليات بغداد وتحريك الآليات العسكرية الثقيلة صوب كركوك وكأنها ذاهبة لقتال الأعداء في دولة أخرى .وأشك في إننا في نهاية الأحداث المفجعة التي يمكن أن تنتظرنا بوجود نوري المالكي على رأس السلطة ببغداد. فرئيس الوزراء العراقي لا يمنحنا الثقة والطمأنينة الكافية بأن العراق لا يسير على درب المستبدين السابقين في التعامل مع القضايا الداخلية العراقية , وإنه لا يعمد إلى الحوار والتفاوض لمعالجة المشكلات القائمة ولا يستمع إلى نصيحة السيد رئيس الجمهورية أو القوى السياسية الأخرى ومنها الحزب الشيوعي العراقي والتيار الديمقراطي وبعض الشخصيات السياسية من بنية التحالف الوطني الشيعي مثل الدكتور عادل عبد المهدي والدكتور أحمد الجلبي على سبيل المثال لا الحصر.
إن مخاطر تفاقم الصراع والقتال قائمة ما دام رئيس الوزراء العراقي والملتفين حوله يتصرفون بهذه الطريقة الفجة في معالجة المشكلات القائمة , وبالتالي لا بد للقوى الخيرة أن تتصرف بما يسهم في وضع حد لهذه التوجهات الخطرة وحل المشكلات القائمة بالطرق التفاوضية والسلمية.
   22/11/2012                          كاظم حبيب   

209
كاظم حبيب
الشرق الأوسط في غليان .. والعراق إلى أين ؟
تزدحم الأحداث المروعة في منطقة الشرق الأوسط ويزداد عدد القتلى والمصابين في أكثر من دولة شرق أوسطية. ويبقى المجتمع الدولى متفرجاً وعاجزاً عن اتخاذ الإجراءات الكفيلة بوضع حدٍ لهذه المآسي المتفاقمة التي أغرقت العديد من دول المنطقة بالدم والدموع والخراب الاقتصادي والدمار الحضاري.
في الوقت الذي ما زالت المنطقة تواجه مشكلات كبيرة في دول أخرى عربية , انفجر النزاع المستديم بين إسرائيل وقطاع غزة الذي تحكمه حماس بعيداً عن منظمة التحرير الفلسطينية وبالضد منها. فالعدوان العسكري الذي نفذته حكومة نتنياهو - ليبرمان القومية اليمينية المتطرفة على قطاع غزة وردود حكومة فعل حماس المتطرفة بتوجيه الصواريخ إلى مدن جنوب إسرائيل وإلى تل أبيب وحتى إلى القدس قد أدى إلى قتل أكثر من مئة فلسطيني وجرح المئات منهم , وإلى قتل عدد من الإسرائيليين وجرح العشرات منهم وإلى خراب واسع وكبير في قطاع غزة.
لا شك إن مغامرة نتنياهو – ليبرمان كانت تهدف إلى تسجيل انتصار لسياساته قبل الانتخابات القادمة في مواجهة معارضيه في إسرائيل. ولكن حساباته لم تكن مدروسة جيداً وقادت إلى عواقب وخيمة في قطاع غزة وخشية متفاقمة في إسرائيل وإلى رفض دولي واسع لهذه المغامرة التي لم تنته بعد والتي يمكن أن تصل إلى تدخل قوات برية إسرائيلية لاحتلال القطاع ثانية أو لتدمير البنية التحتية وقتل واعتقال كثرة من قياديي الحزب الحاكم وحماس وإنهاء الحملة العسكرية المحتملة.
أشك في قدرة أي اتفاق لوقف إطلاق النار على الاستمرار فترة طويلة , وهذا ما اعتدنا عليه خلال السنوات الأخيرة. فالمشكلة التي عمرها نيف وستة عقود من السنين العجاف لا تنتهي باتفاق وقف إطلاق النار. ولا بد للعالم الغربي أن يفكر بسياساته التي يفترض أن تكون متوازنة بما يساعد على حل المشكلة الفلسطينية حلاً عادلاً ودائماً وذلك بإقامة الدولة الفلسطينية على وفق حدود العام 1967 وقبل الحرب ذات الأيام الستة وعاصمتها القدس الشرقية.
وبهذا يمكن وضع حد لمجموعتين متطرفتين في إسرائيل وفي فلسطين. فالحكومة الإسرائيلية اليمينية الحالية تريد التوسع اليومي على حساب الأرض الفلسطينية وبالتالي فهي غير راغبة بحل المشكلة وتريد إطالتها إلى أن تلتهم كل الأرض الفلسطينية عدا غزة مثلاً, في حين تسعى منظمة حماس ومعها إيران للمزايدة بشعار إنهاء وجود إسرائيل كما يطرحه الدكتاتور الصغير والفاشي النزعة أحمدي نجاد. إن إيران تمارس سياسة صب الزيت على النيران المشتعلة حالياً بأمل توسيعها وشمولها دولاً أخرى وتسعى إلى زج لبنان بشكل خاص من خلال حزب الله الإيراني الهوية والهدف في المعمان , كما ظهر أخيراً حين قام الجيش اللبناني بتفكيك صاروخين كانا مهيئان للإطلاق صوب الأراضي الإسرائيلية , وكان محتماً أن ترد إسرائيل على ذلك تماماً كما حصل مع سوريا والجولان.   
إن مخاطر تطور هذا النزاع سيثير غلياناً أوسع في منطقة الشرق الأوسط إذ ما يزال الموت يحصد أرواح العشرات من بنات وأبناء سوريا يومياً حتى بلغ عدد القتلى منذ بدء الحراك الشعبي السوري حتى اليوم ما يقرب من 35 ألف إنسان , إضافة إلى أضعاف هذا العدد من الجرحى والمعوقين وأكثر من مليون وربع المليون من الهاربين إلى تركيا والأردن ولبنان بسبب الحرب والخشية من النظام الدكتاتوري أو من قوى إسلامية إرهابية تابعة لتنظيم القاعدة تستغل الثورة الشعبية لتقتل الناس بالسيارات المفخخة وبالانتحاريين , وهي القوى التي أعلنت إصرارها على إقامة دولة إسلامية في سوريا في الآونة الأخيرة لتكشف عن وجهها القبيح. ويصعب تقدير متى تنتهي هذه المعارك لصالح الشعب السوري , فلعنة المصالح الدولية والإقليمية ما تزال تلاحق الثورة السورية. وسيبقى الشعب السوري ينزف دماً حتى يتيسر له تغيير موازين القوى الداخلية لصالح الثورة والخلاص من دكتاتورية بعثية غاشمة بلغ عمرها حتى الآن ما يقرب من 43 عاماً.
وقبل ذاك نزف الشعب اليمني الكثير من الدماء ليتخلص من دكتاتور أهوج آخر هو علي عبد الله صالح , ولكن ما يزال الوضع متوتراً والموت يحصد الكثير من ارواح البشر بين فترة وأخرى والأوضاع المعيشية سيئة والبطالة واسعة و الفساد منتشر في اليمن على أوسع نطاق والتدخل في شؤونها غير منقطع وخاصة من الجارة السعودية وقطر على نحو خاص , وتنظيم القاعدة يملك قواعد مهمة في اليمن.
وفي البحرين لم تبذل حتى الآن الجهود الضرورية لحل المشكلات التي يعاني منها الشعب البحريني, وخاصة بناء مجتمع مدني ديمقراطي بعيد عن الطائفية في الحكم أو الرغبة في الوصول إلى الحكم والهيمنة من طائفة أخرى. إن سيادة الحريات العامة والديمقراطية وإجراء انتخابات نزيهة بعيدا عن تدخل القصر ودول الجوار , السعودية ودول الخليج وإيران بشكل خاص , سيتسنى للشعب البحريني العيش الكريم والآمن والمتطور. إلا إن المصالح الإقليمية والدولية والنزعات الطائفية ستبقى تؤرق الشعب البحريني وتستنزف ثرواته ودماء أبنائه وتعرقل تقدمه وازدهاره.
وفي العراق يواجه النظام السياسي الطائفي أوضاعاً معقدة وأزمة مستديمة خانقة تحاصر الحكم من جهة والشعب من جهة أخرى وتفقد الدولة الناقصة المزيد من قدراتها على تحقيق السلام والتقدم في البلاد. فالمحاصصة الطائفية تفقد المواطن والمواطنة ثقتهما بالوضع القائم وبالحكم , كما إن الفساد يعم البلاد على أوسع نطاق ويتحرك في الأوساط الحاكمة ومن المقربين من مصدر اتخاذ القرار , إذ برز بعد الكشف عن الفساد الصارخ الذي رافق عقد صفقة السلاح الروسي مما أجبر الحكومة على تجميدها وإعادة البحث فيها. أما الإرهاب فهو يومي ولم يعد يثير الرأي العام العالمي والإقليمي أو حتى المحلي بسبب كونه أصبح ظاهرة ملازمة للحياة اليومية للمجتمع العراقي وتعجز الحكومة الحالية عن ممارسة مهمتها الأساسية في حماية الناس. ويبدو أن النظام , وبسبب شدة الأزمة الداخلية التي تعصف به وبالمجتمع , راح يشدد من المشكلات مع رئاسة وحكومة وشعب إقليم كردستان بتشكيله قيادة قوات دجلة وجعلها مسؤولة عن أمن محافظات ديالى وكركوك وصلاح الدين والتي يمكن أن تخلق احتكاك غير مطلوب مع قوات الپيشمرگة بسبب وجود مناطق متنازع عليها في هذه المناطق على نحو خاص. علماً بأن هذه القوات لن تغير من واقع الأمن في المنطقة بل تثير حساسيات وتذكر الناس بما لا يريدون العودة إليه. كما بدأت أوساط مقربة من رئيس الحكومة وحزبه وقائمته التعرض المسيء لرئيس الجمهورية ولدوره في المرحلة الراهنة , الذي اعتبره رئيس الوزراء حتى الأمس القوة الدافعة لحل المشكلات في البلاد. ولكن ألا يلعب رئيس الوزراء العراقي بالنار؟ ألا يدفع البلاد إلى متاهات تنشأ عنها مخاطر جمة؟ ألا يمكن أن تقود سياسته الراهنة إلى معارك عسكرية بين قوات الپيشمرگة , التي هي جزء عضوي من القوات المسلحة العراقية , وبين قوات دجلة وبقية أجزاء الجيش العراقي , خاصة وأن رئيس الوزراء قد أعاد الكثير من الضباط البعثيين والقوميين الذين لم يتخلوا عن إيمانهم بالبعث وصدام حسين وعزة الدوري إلى مواقع المسؤولية في الجيش وفي قوات دجلة على نحو خاص؟
إن محاولة إبعاد أذهان الناس عن مشكلات رئيس الوزراء المتفاقمة عبر تشديد الصراع مع الإقليم لن تنقذه , بل يمكن أن تطيل عمره حتى  الانتخابات القادمة , ولكنها ستدفع بالعراق إلى مزالق الحرب المدمرة.
إن تحريك هذا العدد الكبير من الآليات العسكرية الثقيلة باتجاه كركوك وبدون أي تفاهم وتنسيق مع رئاسة إقليم كردستان , على وفق الاتفاقات السابقة بين الحكومة العراقية ورئاسة وحكومة الإقليم , ومع قيادة قوات الپيشمرگة سيقود إلى عواقب وخيمة. ويبدو أن رئيس الحكومة العراقية يسعى إلى إشعال معركة أو إبراز عضلاته لضمان تأييد القوى القومية العربية اليمينية والقوى الطائفية السنية منها والشيعية التي تقف بالضد من حل الفيدرالية في إقليم كردستان بشكل خاص. إنه السير على حقل مليء بالألغام الشديدة الانفجار والقاتلة. فهل سيغامر رئيس الوزراء أم سيحتكم إلى العقل ويسمع نداءات من حذره من اسلوب التعامل مع إقليم كردستان. إن بيان الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق الصادر هذا اليوم 19/11/2012 بشأن "التصعيد الخطيرة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة الاقليم في كردستان" ويدعو "جميع الادباء والكتاب والفنانين والاعلاميين والمثقفين والاكاديميين وكل الشرفاء من أبناء شعبنا من مختلف القوميات والاديان والمشارب للتهيؤ للانطلاق ـ عند الضرورة ـ الى جبهات القتال المحتملة للفصل بين القوات المتخاصمة، ولتلقي الرصاص بالصدور اذا تطلب الامر، وذلك حماية لوحدة وطننا وصيانة لحرمة ترابه وقيمه." إن هذا يؤكد إدراك الاتحاد العام للأدباء والكتاب للمخاطر الجمة التي تواجه العراق في المرحلة الراهنة.
إن وضعاً جديداً يفترض أن ينشأ في العراق , أن تنشأ تحالفات وطنية جديدة تستند إلى برامج سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية سليمة وبعيدة كل البعد عن التحالفات الطائفية والأثنية التي لا خير فيها ولا تضع البلاد على طريق إقامة الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة التي تعتمد مبدأ "الدين لله والوطن للجميع". فليس من مصلحة الشعب العراقي استمرار المحاصصة الطائفية والأثنية وبالطريقة الراهنة ولا بد من طرح أسس أخرى للتحالفات السياسية في العراق. ومن يأتي متأخراً لمثل هذا الحل يعاقبه التاريخ حقاً.
إن على المجتمع الدولي أن يتحرك سلمياً لمعالجة الأوضاع الراهنة وبحزم أكبر وبمسؤولية إزاء مصائر شعوب هذه المنطقة قبل أن تمتد النزاعات العسكرية وتتحول إلى حرب تحرق الأخضر واليابس في المنطقة وتمتد آثارها إلى ابعد من ذلك بكثير ..
20/11/2012                           كاظم حبيب
 

   

210
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية
من أجل إيقاف تقدم القوات المسلحة العراقية صوب كركوك وإعادتها إلى ثكناتها

تشير وسائل الإعلام المحلية والإقليمية والدولية إلى قيام رئيس الوزراء العراقي والقائد العام للقوات المسلحة بتحريك "قوات دجلة" , المشكلة حديثاً بقرار منه لـ "تحافظ!" على الأمن والاستقرار في محافظات ديالى وكركوك وصلاح الدين , باتجاه كركوك. وهذه الخطوة تشكل تصعيداً خطيراً للغاية في العلاقة السيئة بين الحكومة العراقية وحكومة الإقليم , إذ إنها تحمل إشارة واضحة بالاستعداد للقتال ضد قوات الپيشمرگة المکلفة بمهمات الأمن والاستقرار في كركوك. خاصة وأن تشكيل قيادة وقوات دجلة لم يتم أي اتفاق بشأنها مع رئاسة إقليم كردستان العراق على وفق الاتفاقات بين رئاسة وحكومة الإقليم والحكومة الاتحادية. 
لقد شخص العديد من السياسيين العراقيين المشاركين في العملية السياسية من أعضاء التحالف الوطني والقائمة العراقية , إضافة إلى التحالف الكردستاني والحزب الشيوعي العراقي والتيار الديمقراطي , الأسلوب غير السليم والمتشنج لتصرف الحكومة الاتحادية إزاء إقليم كردستان وانقطاع الحوار بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم بالرغم من محادثات الوفد الكردستاني الذي ترأسه الدكتور برهم صالح في بغداد وسعي الأخير لحلحلة الوضع وتأمين عقد لقاءات ومفاوضات بين الحكومتين.
إن رئيس الوزراء العراقي يسعى إلى توتير الأجواء في هروب صارخ وفاضح من الأزمة الخانقة التي تعيشها الحكومة العراقية والوضع العام في البلاد وتوجيه الأنظار صوب قضية أخرى مفتعلة بدلاً من توجيه الجهود لمعالجة عوامل الأزمة الراهنة والمتفاقمة وإيجاد حلول ناجعة لها.
إن سلوك الحكومة العراقية الراهن يذكرنا بسلوك الحكومات العراقية المتعاقبة التي كانت سرعان ما تعتمد القوة والسلاح بدلاً من الحوار والمفاوضات لمعالجة المشكلات والتي لم تنته ولن تنتهي بأي حال بالحروب بل تزيد الأمور تعقيداً وصعوبة , إضافة إلى تحميل الشعب المزيد من القتلى والجرحى وخسائر فادحة للجميع.
إن التجمع العربي لنصرة القضية الكردية , إذ يدعو إلى إيقاف تقدم الآليات العسكرية الثقيلة صوب كركوك وإعادتها إلى ثكناتها , يطالب في الوقت نفسه بضبط النفس والعقلانية في التعامل مع الوضع المتوتر والبدء بحوارات ونقاشات جادة لمعالجة المشكلات المعلقة كافة.
ونؤيد بحرارة مضمون بيان الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق الصادر يوم 19/11/2012 الداعي إلى رفض التصعيد وتصدي شعب ومثقفي العراق لمخاطر الحرب والوقوف بصدور مفتوحة بين القوات الحكومية وقوات الپيشمرگة لمنع اقتتال الأخوة.
إن العقل والحصافة السياسية هما المطلوبتان في الظرف الراهن وليس فتل العضلات والتحدي وتحريك القوات المسلحة. إن رئيس الوزراء العراقي يعتقدج أن في مقدوره التعامل مع إقليم كردستان كما تعامل مع المليشيات الطائفية المسلحة والإرهابية في البصرة منذ عدة سنوات. إنها أيها الرجل ليست "نزهة ربيعية" كما عبر عنها "صالح مهدي عماش في حينه وكانت جحيما على البعث وحكمه وقيادته.
لنتصدى جميعاً لمحاولات دفع الأمور إلى حافة الهاوية حافة الحرب التي ذاق الشعب العراقي بكل قومياته الأمرين من حروب سابقة ظالمة. ولن تكون هذه الحرب إن اشتعلت بعادلة قطعاً.
الأمانة العامة
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية
في 20/11\/2012     

211

كاظم حبيب
ملاحظات على الاستفسارات النقدية للسيد بطرس نباتي
حول المؤتمر الأول لهيأة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق

بتاريخ 1/11/2012 نشرت مقالاً تحت عنوان "لنعمل جميعاً من أجل إنجاح المؤتمر الأول لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق في موقع الحوار المتمدن وفي مواقع كثيرة أخرى منها موقع عنكاوة. ووكان هدف البيان توضيح عدة مسائل جوهرية هي:
1 . تبيان المخاطر التي تواجه المواطنات والمواطنين من المسيحيين والمندائيين والإيزيديين وغيرهم من غير المسلمين من جانب قوى الإرهاب الإسلامية السياسية والقوى الطائفية المتطرفة سنية كانت أم شيعية.
2 . أهمية التصدي لهذه المحاولات التي أدت خلال السنوات المنصرمة إلى تشريد مئات ألوف المواطنات والمواطنين من أتباع هذه الديانات , إضافة على ما اصابهم من قتل وتشريد في داخل الوطن أو إشعار الحرائق في الكنائس والمعابد وغيرها.
3 . أهمية التعبئة الشعبية والرأي العام الإقليمي والعالمي ضد هذه السياسات العدوانية ضد اتباع هذه الديانات السمحاء.
4 . تأكيد وجود نظام سياسي طائفي يمارس التمييز ضد اتباع الديانات الأخرى في العراق والذي يقود على عواقب وخيمة على المواطنات والمواطنين من اتباع الديانات الأخرى غير الإسلام.
5 .  وإبراز حقيقة أن التطرف قد مس الصراع بين القوى الإرهابية والمتطرفة والقتل على الهوية حتى بين المسلمين من السنة والشيعة.
6 . تأكيد حقيقة عجز االدولة العراقية والسلطات الثلاث وأجهزة الأمن والجيش والشرطة حتى الآن عن توفير الحماية لأتباع مختلف الديانات والمذاهب الدينية في العراق. وهي مشكلة تستوجب النضال لتغيير هذا الواقع المر.
7 . اهمية ممارسة الطرق والأساليب المتوفرة كافة لمنظمة مجتمع مدني مثل هيأة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية القيام بما هو ممكن لمواجهة هذه الحالة وبالإمكانيات المتواضعة المتاحة.
8 . ثم الإشارة إلى أن المنظمة قد تأسست في العام 2004 ولم تعقد أي مؤتمر أو اجتماع لها خلال السنوات المنصرمة وإن هذا المؤتمر هو الأول الذي يعقد في السليمانية في محاولة من الأمانة العامة لمزيد من عرض الواقع الذي يعاني منه أتباع الديانات في العراق وكذلك أتباع المذاهب الإسلامية من النظام الديني الطائفي المحاصصي المتخلف ومن القوى الإسلامية السياسية الإرهابية والمتطرفة لتعبئة القوى الشعبية والأحزاب والقوى الديمقراطية والشخصيات لمواجهة هذا الواقع المزري. 
9 . جاء فر مقالة الأخ بطرسش نباتي : ما يلي:
" ويشير في مقالته ( ويقصدني , أي مقالة كاظم حبيب ) على أن المؤتمر سيكون له أهميته في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أبناء (هؤلاء) أتباع الديانات والمذاهب وذلك بالدفاع عنهم, .. ". من العيب أخي الكريم أن تدعي عليَّ ما لم أكتبه. فلم أكتب عن مواطنينا ومواطناتنا من المسيحيين والمندائيين والإيزيديين ..."بهؤلاء" بصغية الإساءة والاستخفاف ,فهذه ليست لغتي ولا تربيتي العائلية والسياسية ولا هي طريقتي في التعامل مع أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق.
10 . كم هي إساءة بائسة توجه من جانب الكاتب السائل لمناضلات ومناضلين عراقيين قضوا سنوات طويلة من عمرهم دفاعاً عن مبادئ التآخي والتضامن بين أبنا وبنات الشعب العراقي بغض النظر عن القومية او الدين او المذهب أو الفكر , بقوله بأنهم يلتقون في فندق خمس نجمات ليتناولوا القهوة. وكأنهم غير قادرين على شرب القهوة في أي مكان آخر دون أن يكلفوا أنفسهم الجهد والسفر. إن من يوجه أصابع الاتهام إلى هذه المجموعة الكبيرة من المناضلات والمناضلين يرتكب خطأ فادحا لا بحقهم فحسب , بل وبحق القوى وأتباع الديانات الذين يناضلون من أجلهم لأنهم لم يتطوعوا لهذا العمل ومنذ ثماني سنوات من اجل شرب القهوة والسكن لمدة يومين او ثلاثة أيام في فندق بخمس او اربع نجمات.
******
بعد نشر هذا المقال للتعريف بالهيأة والمؤتمر , كتب ونشر الأخ الأستاذ بطرس نباتي مقالاً في موقع عنكاوة يطرح فيه مجموعة من الأسئلة التي تستوجب المناقشة المسؤولة. وقبل الخوض بتفاصيل النقاش مع أفكار والجواب على استفسارات الأخ الأستاذ نباتي أود الإشارة إلى ما يلي:
1.   أدرك ويدرك أعضاء الأمانة العامة لهيأة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق بأننا عاجزون حقاً عن إنقاذ حياة أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق لأننا مجموعة من المواطنات والمواطنين الذين لا يمتلكون سوى صوتهم وقلمهم وضميرهم الذي يحركهم للدفاع عن مواطناتنا ومواطنينا من أتباع الديانات والمذاهب العديدة في العراق, ولم ندع يوماً بأننا توفقنا في إنقاذ حياة مواطنة أو مواطنة مسيحية أو مندائية أو إيزيدية او من أي دين أو مذهب آخر.
2.   كما ندرك بأننا لسنا منظمة سياسية تملك جماهير واسعة لتمارس النضال الشعبي أو تحمل السلاح بوجه الإرهاب أو بوجه الحكومة لتفرض عليها حماية أتباع الديانات والمذاهب في العراق من قوى الإرهاب أو من إرهاب قوى مشاركة في الحكم مثلاً , كما لم ندع ذلك يوماً.
3.   الأمانة العامة بكل أعضائها من النساء والرجال هم من الديمقراطيين المدنيين العلمانيين الذين يعتمدون مبدأ "الدين لله والوطن للجميع" وإن مؤتمرهم ديمقراطي مدني علماني موجه للجميع دون استثناء.
4.   وحين قررنا تشكيل الأمانة العامة لم نفكر باي حال , كما تفكر الحكومة والقوى الدينية والطائفية بالمحاصصة بين أعضاء الأمانة العامة لأننا ديمقراطيون مدنيون وعلمانيون أولاً وأخيراً وندافع عن اتباع الديانات والمذاهب الدينية من منطلق المواطنة كما إن الإنسان هو اثمن رأسمال أو قيمة في العالم , وإن من حق هذا الإنسان اعتناق أي دين أو مذهب أو فكر ولا بد له ان يتمتع به في وطنه ونعمل على تحريم محاولات عدوانية في تغيير ديانات البعض وتحويلهم إلى دين الإسلام.ومع ذلك سأذكر لكم بعض اسماء الأخوات والأخوة من أتباع الديانات من غير المسلمين: الدكتورة كاترين ميخائيل , الأستاذ جورج منصور , الأستاذ نجاح كيناية , الأستاذ كامل زومايا , الدكتور ممو عثمان , الدكتور خليل جندي , الأستاذ ديندار شيخاني , الأستاذة راهبة الخميسي , الأستاذ موسى الخميسي , الدكتور صباح قدوري ...الخ. كما تضم عدداً من المسلمين , وهم من أتباع قوميات عديدة , سواء أكانوا من العرب أم الكرد أم او الكلدان ..الخ.
5.   ومع ذلك فالأمانة العامة في تكوينها الراهن تضم عدداً مهماً من الوجوه العلمية والاجتماعية والسياسية المسيحية والمندائية والإيزيدية ومن المسلمين أيضاً. وإن المؤتمر يضم عدداً كبيراً من أتباع هذه الديانات وغيرها الموجدة في العراق.
6.   أدرك ويدرك أعضاء الأمانة العامة المرارة الشديدة والألم الخانق الذي يعاني من أتباع الديانات من مسيحيين ومندائيين وإيزيديين وشبكيين وكاكائيين وبهائيين والذي انعكس جزءاً منه في مقالة واستفسارات الأخ الأستاذ بطرس نباتي. إذ نحن نعيش هذه المرارة ذاتها لأننا ندرك ما يعانيه المواطن العراقي من جراء هذه الأوضاع وخاصة من اتباع الديانات الأخرى غير الإسلام.
7.   إن مقالة الأخ بطرس نباتي واستفساراته تعطي الانطباع بإن يريد أن يقول لأعضاء الهيأة من طلب منكم الدفاع عنا وماذا فعلتم حتى الآن لكي تطرحون "مآثركم" علماً بأن الأمانة العامة لم تتحدث عن مآثر ولا أعمال كبيرة , بل أكدت , وكذا مقالي أيضاً" على إننا لم نستطع القيام بأشياء كثيرة , ولكن ما قمنا به مفيد وضروري. 
والآن لندخل في صلب الموضوع.
يبدو لي إن الأخ بطرس نباتي قد سمع بوجود الهيأة وموقعها لأول مرة , ولهذا لم يبادر إلى إرسال أسماء الذين قتلوا اغتيالاً لنا ولم ينشرها في موقعنا لكي يجلب الانتباه لهم , علماً بأننا قدمن الاحتجاجات إلى الأمم المتحدة وإلى منظمات حقوق الإنسان العالمية ومنظمة العفو الدولية والحكومة العراقية حين اختطف ومن ثم حين اغتيل الشهيد القس فرج رحو ورفاقه في الموصل وحين ضربت بيوت المسيحيين في الموصل وقبل ذاك في البصرة وبغداد وكذلك حين أشعلت النيران في كنيسة سيدة النجاة وقبل ذاك في كنائس وبيوت أخرى في بغداد والموصل. وقد كتبت وكتب أخوتي العشرات من المقالات حول هذه الأحداث المأساوية الخانقة وأعتقد إن موقع عنكاوة شاهد على ذلك. لقد قمنا بما نستطيعه في هذا المجال ولم ندع إننا قمنا بالمعجزات أو كنا قادرين عليها. والأخ نباتي يعرف تماماً بأن عدد العناصر الوطنية والديمقراطية التي اغتيلت من مختلف الأديان والمذاهب كانت كبيرة. وفي هذا المجال لم يقتصر الأمر على المسيحيين بل شمل المندائيين وكذلك الأطباء والعلماء المسلمين أيضاً. ولكن الهجوم الحقيقي قد توجه صوب الإنسان المسيحي والمندائي والإيزيدي بشكل عام مما أدى إلى استشهاد الكثيرين وإلى هجرتهم الواسعة لأن هناك محاولة لإفراغ البلاد منهم, وهي جريمة بشعة حقا. 
الغريب إن السيد بطرس نباتي يقول " أنا اشك إن كانوا قد تذكروا بإصدار بيان يشجب و يدين هذه الجريمة النكراء. " (راجع المقال المنشور على صفحة عنكاوة بتاريخ 13/11/2012). لماذا تشك يا أخي؟ لماذا لا تذهبوا وتتيقنوا مما نشرناه طيلة السنوات الثماني المنصرمة؟ إنه الشك النابع من عدم الثقة والمرارة وانعدام الرغبة في التقصي عن الحقيقة وعن المعلومات الضرورية عند الكتابة وتوجيه النقد , وربما هو العجز عنها!  وعدم اطلاعكم لا يعفيكم من الخطأ الذي تتركبوه بشككم في ما نشرناه من احتجاجات وإدانات ضد تلك الجرائم ومنها جريمة كنيسة سيدة النجاة على سبيل المثال لا الحصر.

لقد استشهد الطلبة المسيحيون وهم في الباص في طريقهم إلى قرقوش , كما اغتيل العمال الإيزيديون وهم في الباص في طريقهم على أقضيتهم في الموصل ولم نسكت عن ذلك ولم نبخل بأضعف الإيمان الذي نملكه , أي بكتاب الاحتجاجات والإدانات والمقالات. وقد توجهنا صوب المنظمات الدولية والمحلية بعملنا هذا وحضرنا مؤتمرات طرحنا فيها كل ما تعرض ويتعرض له المسيحيون والمندائيون والإيزيديون من اضطهاد وتشريد وتهجير وقتل. لقد قمنا بما يمليه علينا ضميرنا وما هو في مقدورنا وليس لإرضاء أحد. وبالمناسبة لم لم يتقدم الأخ بالعضوية في منظمتنا ولم لم يشارك مع بقية المسيحيين الذين يعملون معنا في تعزيز عملنا وتطويره وجلب انتباهنا إلى ما يجب عمله.

لقد التقيت في ألمانيا مع الكنيسة الكاثوليكية وطرحت عليهم في اجتماع خاص دفاعاً عن مسيحيي العراق وتباحثنا في ما يمكن عمله. وهذا حصل بالنسبة للمندائيين حين أرسلنا ممثلا عنا لحضور اجتماع عقد في بناية مجلس العموم البريطاني أو حضوري مع زملاء من الأمانة العامة إلى مؤتمر المندائيين في هولندا أو لقاونا مع المجلس الشعبي في عنكاوة وطلبنا منهم ما لديهم من وثائق حول ما يتعرض له المسيحيون من مصاعب واستيلاء على الأراضي في الإقليم وعلميات تغيير ديموغرافية فيها. وتأخر إرسالها أشهر عدة وأخيراً أرسل لي قرص من قبل الأخ الأستاذ كامل زومايا الذي يتطلب منا الدراسة والتدقيق لنشره والتعامل معه وبحثه مع حكومة الإقليم. وعلينا أن نقول هنا صراحة بأن المجلس الشعبي لم يطرح علينا هذه المسألة إلا بعد أن استفسرنا من الأخوان في اللقاء عن إشاعات بهذا الصدد.
إن كل النقاط المطروحة في مقالة واستفسارات الأخ لا تصمد أما مواقفنا الملموسة بما في ذلك بشأن حق الكلدان والآشوريين والسريان بمقاعد أكثر في مجلس النواب.
الأخ بطرس نباتي راغب في توجيه النقد لنا وغريب أنه يتجاهل طبيعة التجمع العربي لنصرة القضية الكردية وموقفها الناقد لسياسة الحكومة العراقية فيربط بين انتهاء المؤتمر الذي عقد في أربيل وحضره رئيس إقليم كردستان العراق السيد مسعود البارزاني مسانداً له وداعاً لنشاطه بقرار الحكومة العراقية ورئيس وزرائها بالموقف من البنك المركزي أو تشكيل قوات دجلة. فما العلاقة يا سيدي الفاضل بين التجمع العربي لنصرة القضية الكردية وبين سياسة حكومة المالكي الخرقاء والمستبدة؟

إن كان لديكم اهتمام بالمؤتمر وبإسماع صوت المسيحيين إلى المؤتمر والرأي العام العربي والعالمي ولممثلي الأمم المتحدة الذين سيحضرون المؤتمر , فأنا أدعوكم إن كنتم في العراق إلى المشاركة في هذا المؤتمر لتناقش الحضور وتقديم ما تراه مناسباً لإيصال الصوت الذي لم نستطع إيصاله على الجهات التي ترغب بها.
المهم أيها الأخ الفاضل إننا جماعة من العراقيات والعراقيين المتطوعين للعمل في هذا المجال ولسنا حكومة أو حزباً أو مالكين لأموال طائلة لكي نستطيع القيام بما لا طاقة لنا عليه. وإذا كانت منظمتنا غير ذات فائدة في تصوراتكم فالبركة بكم وبما تقومون به لأجل انباء وطنكم العراق وسوف نفرح بما تقومون به من أجل مسيحيي العراق الذين عانوا ويعانون الأمرين في ظل حكم طائفي مقيت وقوى سياسة مناهضة لأتباع الديانات الأخرى من غير المسلمين , ولكنها تتصارع في ما بينها على السلطة والمال والنفوذ , لتقتل المسلمين من شيعة وسنة أيضاً.   
وكما أشار زميلي الأستاذ الدكتور تيسير الآلوسي بأن علينا أن نتوقع بعض الكتابات المماثلة في هذا الصدد ولكنها سوف لن تستطيع وضع العصي في طريق من صمم على الوقوف من حيث المبدأ إلى جانب حرية الإنسان وحقه في تبني العقيدة التي يرتأيها.

16/11/2012                      كاظم حبيب

212
رسالة مفتوحة
ونداء إلى الأخوات والأخوة محاميات ومحامي العراق
أعضاء نقابة المحامين العراقية و "محامون بلا حدود"

وقعت وتقع في العراق تجاوزات مخلة ومستمرة على المواطنات والمواطنين من جانب الحكومة العراقية وجهات مسؤولة أخرى و وبعضها قريب منها. وآخر الأمثلة على ذلك ما جرى مع السيد محافظ البنك المركزي الأستاذ الدكتور سنان الشبيبي. لقد صدر قرار عن مجلس الوزراء العراقي قضى بإقالته وهو في مهمة رسمية خارج البلاد , كما صدر قرار باعتقاله في مطار بغداد حال وصوله العراق , مما أضفى على القضية ابعاداً أخرى وتعقيدات غير مبررة أمام عودته للوطن. وخلال الفترة المنصرمة قبل وبعد قراري الإقالة والاعتقال , جرت وتجري شن حملة واسعة ومنظمة من جانب مسؤولين في الحكومة العراقية وأعضاء في مجلس النواب العراقي محسوبين على قائمة دولة القانون التي يرأسها رئيس الوزراء نوري المالكي ضد محافظ البنك المركزي. إن هذا الأسلوب في الإقالة والاعتقال يتعارض تماماً مع الدستور العراقي والحياة الديمقراطية التي تعتبر أي متهم برئ حتى تثبت إدانته , كما تتعارض مع حقوق الإنسان.
أوجه ندائي هذا إلى المحاميات والمحامين العراقيين في الداخل والخارج كافة أدعو من يجد في نفسه الاستعداد والرغبة في الوقوف بوجه مثل هذه التجاوزات غير القانونية إلى تشكيل لجنة عراقية تتسع لتشمل محاميات ومحامين على الصعيدين العربي والعالمي للدفاع عن السيد الدكتور سنان الشبيبي استناداً إلى وثائق البنك المركزي ذاته واعتماداً على بنود الدستور العراقي وقانون البنك المركزي العراقي ولوائح شرعة حقوق الإنسان , إضافة إلى اعتماد التقاليد والأعراف الدولية في أسس التعامل بين الحكومات والبنوك المركزية.
إن أسلوب تشويه سمعة المواطنين والمواطنات وتوجيه التهم عبر أجهزة الإعلام ودون امتلاك الوثائق لهذا الغرض يعني محاولة ممارسة الإنهاء المعنوي والسياسي والاجتماعي لهذا المواطن أو ذاك الذي توجه له الإساءات والتهم جزافا. وهي الحالة التي يمر بها السيد الدكتور سنان الشبيبي.
إن هذه الخطوة ستكون مساهمة كبيرة لوضع حد لمثل هذه الممارسات غير الديمقراطية في العراق وتذكرنا بدور المحامين ونقابتهم في الخمسينات من القرن العشرين حيث كانوا يتولون الدفاع عن الناس الشرفاء الذين كانوا يتعرضون لاضطهاد السلطة الغاشمة وأجهزتها الأمنية.
مع خالص التقدير
د. كاظم حبيب
 
   

213
كاظم حبيب
هل يبقى العراق حائراً بين مدينتي " نعم " و " لا " ؟
حين تطالع الصحف اليومية والأخبار والكثير من مقالات الإنترنيت ستجد أمامك مجموعة كبيرة من العناوين التي تجعلك فعلاً شديد القلق على الشعب المبتلى وغير مرتاح من العواقب الوخيمة المترتبة عن التحرك غير المعقول والعقيم والمتواصل منذ ثلاث سنوات لهذا البلد لسياسات ومواقف تتراوح بين مدينتي "نعم" و "لا". فالكاتب س مثلاً يؤكد سعي السيد رئيس الجمهورية لتحقيق "المصالحة" وأنه على وشك أن يتوصل قريباً إلى جمع الأطراف المتصارعة والمتنازعة في مؤتمر وطني عام يحقق نتائج باهرة للعراق. أما الكاتب ص فيؤكد عكس ذلك تماماً حين يشير إلى أن السيد رئيس الجمهورية قد فشل في مسعاه لجمع الأطراف المتنازعة أو أخذ موافقتهم على اللقاء والبحث في المشكلات القائمة. ولم يمض على ذلك سوى عدة أيام حتى تنشر تعليقات جديدة معاكسة لما قاله الكاتب س والكاتب ص قبل ذاك. وهكذا تمر الأيام بين التفاؤل والتشاؤم. ولكن في المحصلة النهائية لم تثمر عن نتيجة إيجابية حتى تقرأ خبراً جديداً يقول بأن السيد رئيس الجمهورية عجز عن جمع الأطراف المتصارعة ويجد نفسه مجبراً على دعوة للقاء الرئاسات الثلاث ليرى ما يمكن عمله.
وعلى صعيد آخر نشرت الصحف أخبراً مفاده وصول وفد كبير من إقليم كردستان إلى بغداد وتباحث وتوصل إلى تحديد المشكلات وغادر ليعود بعد العيد لمواصلة النقاش ومعالجة المشكلات القائمة. وما أن وصل الوفد برئاسة الدكتور برهم صالح إلى إقليم كردستان العراق حتى انبرت مجموعة من نواب وقادة حزب الدعوة الإسلامية وقائمة دولة القانون لتنسف المفاوضات بتصريحات متشنجة لا تساعد على عودة الوفد إلى بغداد لمواصلة الحوار.
السؤال الذي يدور في البال هو: هل الحزب الرئيسي الحاكم , حزب الدعوة الإسلامية , الذي يترأسه السيد رئيس الوزراء , ورئيس الوزراء ذاته يريدان حقاً حل المشكلات القائمة أم إنهما يسعيان إلى تمديد فترة الفوضى الجارية والانفراد بالسلطة إلى حين إجراء الانتخابات القادمة في موعدها مع افتعال الكثير من الأزمات الأخرى والدفع باتجاه المزيد من الزيارات للعتبات المقدسة حيث يمارس الإرهابيون القتلة وغيرهم من جديد بالزوار وبالتالي يشتد الاصطفاف والاستقطاب الطائفي وينتهي إلى انتخاب قوى طائفية من الأطراف الحاكمة ليبقى رئيس الوزراء بالسلطة للمرة الثالثة... وهلمجرا.
لا يمكن للسيد رئيس الجمهورية أن يواصل هذه المسيرة المعقدة وغير المنتجة. إذ يتطلب الأمر أن يضع النقاط على الحروف ويعلن عن حقيقة الوضع السياسي الجاري في الواقع العراقي ويشير صراحة إلى من يعرقل الوصول إلى نتائج إيجابية ومن يريد الحفاظ على الوضع القائم والمعقد ليواصل وجوده على رأس السلطة. إن استمرار هذا الوضع لا يعني سوى استمرار القتل اليومي والفساد المالي والهيمنة التدريجية لرئيس الوزراء على كل السلطات في البلاد. فرجل الإسلام السياسي الطائفي يحتل المواقع التالية: رئيس الوزراء ووزير الدفاع والداخلية والأمن الوطني وكالة والقائد العام للقوات المسلحة والمسؤول الأول عن قوات عمليات بغداد والقوات الخاصة , كما يمسك بيده زمام القضاء , وحين لا يعجبه أي قرار صادر عن مجلس القضاء العالي يدوس عليه بقدميه , كما حصل مع تحريم سرقة أصوات الناخبين , وشاركه في ذلك رئيس مجلس النواب, إضافة إلى إقالة محافظ البنك المركزي إصدار أمر باعتقاله أو ما جرى ويجري مع المفوضية المستقلة للانتخابات وكذلك مع النوادي والجمعيات ... والقائمة طويلة للسياسات والإجراءات الفردية التي تسهم بزحف الاستبداد على مقاليد الحكم في البلاد. إنها كلها مخالفات فاضحة وفظة ضد الدستور العراقي.
إن استمرار هذا الوضع يساهم في مزيد من القتلى في البلاد وفي مزيد من سرقة أموال الشعب. وتعلن الكثير من المنظمات الدولية , وخاصة تلك التي تراقب تصرفات وسياسات العراق المالية , إلى بروز المزيد من أصحاب المليارات في العراق في مقابل المزيد من الفقر المدقع لفئات عراقية مسحوقة وأرامل وأطفال مشردين في الشوارع. إن مسؤولية استمرار هذا الوضع لا يتحملها رئيس الوزراء وحده, رغم كونه المسؤول الأول عن كل ذلك لسبب كونه رئيس الحكومة , فحسب, بل يتحملها أيضاً المسؤولون الذين يدركون ما يجري في البلاد ولكنهم لا يسعون إلى المساهمة الفعالة في تغيير هذا الواقع المزري , وكذلك القوى السياسية القادرة على الفعل والمشاركة في التغيير ولا تقوم بذلك.
إن المرجعيات الدينية التي لعبت دوراً رئيسيا في وصول هذه المجموعة من الأحزاب الإسلامية السياسية إلى السلطة عبر توجيه المؤمنين بهم من العراقيات والعراقيين إلى انتخاب تلك الأحزاب الإسلامية السياسية باسم الدين, والدين في واقع الحال برئ من أغلبهم , لا يحركون اليوم ساكناً , بل ربما يجدون في هذه الفوضى ما يساعد على استمرار الوضع ويحقق لهم مصالحهم. حتى إن بعضهم يدعو إلى المزايدة مع الحكومة بطرح اللاءات الأربعة التي يعتبر تطبيقها جريمة بحق الناس في العراق , إنه حازم الأعرجي الذي تميز بالعنف واستخدام القوة ضد المعارضين له , وهو من نفس التيار الصدري الذي تسبب بالكثير من الأذى والمصائب للمجتمع العراقي وما يزال لم يكف عن ذلك وبصيغ مختلفة.
العراق لا يعيش ردة فكرية واجتماعية ومصادرة تدريجية متواصلة للحريات الفردية فحسب , إذ إن هذه الظاهرة الصارخة برزت قبل ذاك في فترة الحكم الدكتاتوري البعثي وحين أصبح الحكم طائفياً بعد اسقاط الدكتاتورية واستقر على المحاصصة الطائفية السياسية المفجعة , بل إن العراق يعيش اليوم إمعاناً في الردة الفكرية والاجتماعية والسياسية والثقافية والحياة الديمقراطية. ونحن أما مشكلة كبيرة هي إن الكثير من المسؤولين في العراق لا يريد رؤية ذلك ولا يساهم في مواجهتها, بل بسكوته يساعد على مواصلتها وتعميقها وتكريسها. والغريب إن بعض السياسيين السذج يتصور بإمكانية تطبيق المثل الشعبي المعروف " شيم المعيدي وأخذ عباته" مع رئيس الوزراء حين يمتدحه , في حين هو يوغل في سياساته الفردية والطائفية ويمعن في تعميق وتوسيع الاصطفاف الطائفي في المجتمع.   

علينا أن نعترف بأن العراق يعاني من انقلاب حقيقي وفعلي متفاقم على الدستور يمارسه رئيس الوزراء بشكل خاص , ولكنه يمارس من رئيس مجلس النواب وقوى سياسية أخرى أيضاً , وكذلك من مجلس القضاء العالي الذي لا يسعى لجلب انتباه المجتمع لما يجري في العراق من تجاوزات على الدستور. وبالتالي فأن المسؤولين عن حماية الدستور يتحملون اليوم  مسؤولية مباشرة وفعلية لما يجري في العراق من تجاوزات فظة على الدستور والتي تعني مزيد من التجاوزات على الحريات الفردية وعلى الحريات العامة التي كفلها الدستور وعلى حقوق الإنسان وحقوق المواطنة.
المجتمع العراقي يشهد زحفاً متواصلاً للفردية والاستبداد في الحياة اليومية وفي السياسات المختلفة ولا يجوز السكوت على ما يجري في البلاد , إذ إن هذا السكوت سيوصلنا إلى ما كنا عليه قبل عقد من السنين تقريباً , وسيشارك الساكت عن هذه الحقائق في العواقب الوخيمة التي تنتظر العراق وسيحاسبه الشعب على ذلك.
إن الواقع العراقي يتطلب تحريك المرأة التي تواجه ظلماً وتجاوزاً كبيراً عليها ولدورها في الحياة العامة واحتقاراً لكرامتها , يتطلب تحريك الشباب الذي يعيش فراغاً قاتلاً ويتم إبعاده عن الحياة الفعلية بقضايا بائسة وحزينة تساهم في تدمير قدراته وكفاءاته التي يفترض أن تنطلق بعد انتهاء عصر الدكتاتورية الغاشمة التي عانى منها طويلاً , وإذا به يعاني من هيمنة الفكر الديني الرجعي المتخلف لجمهرة من قوى الإسلام السياسي غير المتنورة وسكوت القلة المتنورة منهم عما يجري في البلاد.
إن هذا الواقع المزري يضع على عاتق القوى الديمقراطية والمدنية والعلمانية في جميع أرجاء العراق ضرورة التحرك الفعلي لمواجهة الطائفية المتفاقمة والمهيمنة على فكر وسياسات وممارسات غالبية الأحزاب الإسلامية السياسية , الشيعية منها والسنية. إن مهمة القوى الديمقراطية هو توسيع الجبهة المناضلة بالطرق السلمية لصالح التغيير. لأن من واجب القوى الديمقراطية في لجنة التنسيق توسيع الشارع العريض الذي يلتقي فيه ويتسع لمزيد من القوى المناضلة ضد الفردية واستبداد التيار الإسلامي السياسي الطائفي الذي يقوده رئيس الوزراء والتيار "المضاد" له و "المتحالف" معه في أمور كثيرة , الذي ينطلق من مواقع طائفية أيضاً. إن جبهة عريضة للقوى المناهضة للإرهاب والفساد وفي سبيل الديمقراطية والحريات العامة هي السبيل الوحيد لتعبئة الشعب بصورة تدريجية ومستمرة لكي يتسنى لها تغيير الحكام وبالأساليب الديمقراطية والسلمية.
علينا تشخيص الخطر الداهم , إنه الفردية والاستبداد والتشدد الديني والطائفي وما ينشأ عن ذلك من مصادرة فعلية للحريات العامة ولروح ومفهوم المواطنة وحقوق الإنسان ومن استمرار للقتل والفساد والعودة إلى ما كنا عليه قبل عقد من الزمان. وحين يتم الاتفاق على الخطر الداهم , عندها تصبح المهمة المشتركة هي النضال ضد هذا الخطر الداهم بمختلف جوانبه واتجاهاته وقواه الفاعلة.
6/11/2012                     كاظم حبيب   






214
كاظم حبيب
دراسة معمقة في حياة وأعمال ونقاد هاينريش هاينه للكاتب ماجد الخطيب

 صورة الغلاف
                         
المؤلف: ماجد الخطيب
اسم الكتاب: هاينريش هاينه روح الشعر الألماني
إصادر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت
الطبعة الأولى 2012
عدد الصفحات: 406 صفحة
هدية جميلة وممتعة تلك التي تسلمتها من الصديق الكاتب والروائي والصحفي المميز ماجد الخطيب , كتاب جديد صدر له تحت عنوان " هاينريش هاينه روح الشعر الألماني". لقد تمتعت كثيراً بقراءة هذا الكتاب من حيث المضمون وكذلك اللغة السلسة التي كتب بها والترجمة الممتازة لشعر هاينريش هاينه غير السهل على الترجمة إلى العربية حقاً. وكانت المروءة والصداقة المتينة التي جمعت بين الكاتب والشاعر الفقيد مهدي محمد علي , أن يهدي ماجد الخطيب هذا الكتاب إلى ابن البصرة الفيحاء والشاعر المبدع الذي غاب عنا جميعاً بوقت مبكر, مات في الغربة اللعينة كالكثير من مثقفي ومثقفات شعبنا الجريح , إضافة إلى الكثير من المواطنات والمواطنين العراقيين.
تضمن هذا الكتاب الشيق تسعة فصول بضمنها المقدمة ومأساة المنصور وقصائد أخرى مترجمة.
تضمن الفصل الأول المقدمة التي كرست لمتابعة رؤية جورج لوكاتش لهاينريش هاينة, وكانت بعنوان "هاينريش هاينة بعيني جورج لوكاتش" أو [الشاعر بين"حمار بلعام" و"ثور فالارس"]. وبحث الفصل الثاني في الإشكاليات التي رافقت حياة هاينريش هاينه مما دفع بالكاتب إلى اختيار عنوانين لموضوعين في هذا الفصل هما " قلما فهمتموني ..." , و"ها قد جاء الموت .. الذي طالما خفق له قلبي". وتضمن الفصل الثالث بحثاً عن هاينه باعتباره "الشاعر المجدد", في حين بحث الفصل الرابع في العلاقة بين الشاعرين الألمانيين العملاقين "هاينه وغوتيه" وأراء كل منهما إزاء الآخر أو "صراع المواطن والنبيل في الثورة الفرنسية". وركز الفصل الخامس عن العلاقة المتميزة التي ربطت بين "هاينه والشرق". وانتقل في الصف الفصل السادس لمعالجة العلاقة بين هاينريش هاينه والفاتيكان وموقفه من الدين عموماً. أما الفصل السابع فقد توقف كثيراً عند الطبيعة التي ميزت الشاعر ووضع له العنوان التالي " الشاعر بين"انثى الشؤم" و"الأنثى الهشة". وتابع الكاتب في الفصل الثامن  " نظرية المؤامرة في موت هاينه". يضاف إلى ذلك تضمن الكتاب "مأساة المنصور" ومجموعة من أشعاره المتميزة إضافة إلى نبذة مختصرة عن حياة الشاعر وفهرست لمؤلفاته وبعض اقواله المشهورة, وكذلك نبذة قصيرة عن المؤلف ماجد الخطيب ومؤلفاته وترجماته.
من مطالعة فهرست الكتاب يستطيع القراء والقارئات تقدير الجهد الكبير المبذول في إنجاز هذه الدراسة المهمة والحيوية عن الشاعر والبحث في مختلف جوانب حياة ونشاط وشعر وعلاقات الشاعر بالمجتمع والقوى الفكرية والسياسية حينذاك والمكانة التي كان يحتلها في ألمانيا أو في الدولة التي انتقل للعيش فيها فرنسا ومن ثم مات ودفن فيها.
حين بدأت بقراءة هذا الكتاب لم أتوقف عن القراءة حتى انتهيت من الفصل الثامن , ثم توقفت عند مأساة المنصور , إذ إنها تراجيديا متميزة ورائعة تستوجب القراءة المتمعنة للتعرف على صراعات تلك الفترة في أسبانيا وموقف الشاعر من أحداثها ومن القوى المتصارعة فيها. شعرت وأنا أقرأ الكتاب بمتعة كبيرة فالكاتب والصحفي والروائي استخدم لغة أدبية رفيعة وأسلوب بحثي متماسك وقدرة صحفية على تطويع اللغة لصالح تسهيل القراءة وتكثيف المادة وبرؤية تقدمية وبحث ديمقراطي ناضجين.
استخدم ماجد الخطيب في إنجاز كتابه عن هاينريش هاينه خمسة أصوات في هذا الكتاب ومتطلعاً لصوت سادس هو صوت القارئات والقراء ليكون كل منهم رأيه الخاص في شعر وحياة هاينريش هاينه وفي مواقف نقاده وفي الكتاب الذي أنجزه الخطيب. اعتمد الكاتب هنا صوت هاينريش هاينه حين كان يتحدث عن نفسه أو عن غيره وعن مراراته من الحياة ومن العيش مع الآلام وعن رغبته في الموت , أو عن أفكاره وعن علاقته المرهقة بزوجته وعلاقاته الأخرى وتطلعاته وقلقه الشديد على المانيا وعن موقفه من يهوديته أو من الديانات كافة. ثم وضعنا الكاتب في مواجهة صوت النقاد الكارهين لهاينريش هاينه والحاقدين عليه , سواء أكان ذلك الكره بسبب ثوريته وتقدميته وكرهه للحرب والعنف وصداقته مع اليساريين في تلك المرحلة من تاريخ المانيا وفرنسا وبريطانيا , أم كان بسبب رفضه للفكر المحافظ والرجعي وإدانته للرأسمالية والاستغلال , أم بسبب ولادته في عائلة يهودية فقيرة , أم بسبب فقره وشظف عيشه , حيث قال عنه غوتيه "لو أن هاينه توقف عن التصرف كـ "ابن شوارع" لكان أكبر شاعر عرفته"! (ص 108). بعدها قدم لنا الكاتب صوت النقاد الذين عشقوا شعر هاينريش هاينه وتوافقوا مع مواقفه الثورية وشاعريته الكبيرة فوصفه بعضهم بأنه "يقف بين شاعري ألمانيا الكبيرين غوته وشيلر", وهو موقع عظيم وصائب لشاعر كبير مثل هاينه. ثم كان الصوت الرابع الغاضب لطاغية الإمبراطورية الروسية, الأمير والكونت كليمنس فينزل ميترنيش (15 مايو 1773 - 11 يونيو 1859) ,  مستشار الدولة البروسية حينذاك, المعبر عن أكثر القوى المحافظة رجعية والممثل الشرعي لها وفي فترة قفزة التطور الصناعي في ألمانيا وأوروبا عموماً , الذي طارد الشاعر الكبير هاينريش هاينه بسبب مواقفه الثابتة والجريئة من الظلم والطغيان وانتقاده للمستبدين حتى يشك في كون الطاغية قد أرسل جواسيسه لاغتيال الشاعر بدس الرصاص في الشراب الذي يتناوله الشاعر والذي كشف عن وجود مادة الرصاص بنسبة عالية حين تم فحص شعرة من رأس الشاعر. ولم يقتصر الفحص المختبري على جهة واحدة بل أكدته جهات أخرى مستقلة أجرت الفحص ايضاً. وأخيراً كان الصوت الخامس, صوت الكاتب ماجد الخطيب, الذي تابع بدأب وعناية كبيرة كتابات النقاد والكثير من الدراسات والأبحاث التي صدرت عن هاينريش هاينه وحياته وشعره ساعياً لا إلى استعراضها فحسب , بل وإلى إبداء رأيه الخاص بشأنها وبالشاعر وشعره. كما أعطى فسحة مناسبة للقراء ليدلوا بدلوهم ويكونوا رأيهم المستقل بهذا الشاعر العظيم الذي توفى بعد أن أقعده المرض عن عمر ناهز التاسعة والخمسين.
إن تنوع وتعدد فصول الكتاب توضح إلى إن المؤلف ماجد الخطيب قد تتبع بجهد كبير حياة هاينريش هاينه منذ الولادة مروراً بمرحلة الشباب والدراسة والحياة الزوجية ومن ثم الشيخوخة المبكرة والمرض الذي ألم به طوال سنوات من جهة , والأعمال الشعرية والنثرية من جهة أخرى , ووضع يده على الملامح الأساسية لشخصية وشاعرية هاينريش هاينه وشعره ودوره في العصر الذي ولد فيه وموقفه المبدئية من اتجاهات التطور في ذلك العصر.
لقد كان الشاعر صارماً في نقده للرجعية والارستقراطية الألمانية والأوروبية وهلي التي جلبت عليه الكثير من المشكلات بما فيها ترك المانيا والهجرة إلى فرنسا التي تجلت بوضوح في سلسلة المقالات التي كان يكتبها من باريس ويرسلها إلى الجريدة الألمانية "الگماینه تسایتونگ" للنشر التي وجدت رواجاً واسعاً وتأييداً من جانب المجتمع الألماني , إذ كان توجه النقد الصارم والكشف عن المشكلات التي يعاني منها المجتمع الألماني حينذاك وعن الحراك الثوری في تلك الفترة من حياة الشعب الألماني. (ص 204). وقد وجد الناشر نفسه عاجزاً عن نشر مقالات هاينه الثورية بسبب التهديد الذي بلغه بغلق الجريدة.   
لم يكن هاينريش هاينه مراقباً لما يجري في المانيا من تناقضات فحسب , بل كان ساعياً إلى بلورة الأجواء التي كانت تنشأ فيها تلك التناقضات من جهة وإلى تبيان العوامل الكامنة وراء ذلك وإلى نقدها أيضاً , كما عبر عن ذلك بطريقة ما لوكاتش. (ص 14/15)  ويمكن أن نقرأ ذلك في الأبيات التالية: (ص 15).
تغفو الغابة، والنهر ينام بإطمئنان،
مغرق بضوء القمر الناعم؛
يعلو فجأة أزيز. هل كانت رصاصة؟
ربما أنه صديق أُعِدم؟
لقد وقف الشاعر بكل ثقله الفني إلى جانب قوى اليسار والتقدم , ولكنه لم ينتم إلى حزب سياسي معين. كان صديقاً لكارل ماركس وزوجته ولعدد كبير من اليساريين الألمان والفرنسيين.
كان هاينريش هاينه ساخراً ومعبراً بعمق ومسؤولية عن الأوضاع البائسة التي عاش تحت وطأتها الشعب الألماني والشعوب الأوروبية والتي تجلت في قصيدته عن "الملوك الثلاثة المقدسون" والتي كان يقصد فيها مستشار ألمانيا وإمبراطور النمسا وقيصر روسيا (ص 208-211).
وسخرية الشاعر تبدو ماثلة للعيان في الكثير من قصائده الرائعة. وهو قادر على ممارسة السخرية حتى في أحلك فترات عمره ومعاناته من مرضه , كما يشير إلى ذلك ماجد الخطيب , إذ أورد قول الشاعر لطبيبه المعالج ما يلي: " دكتور, أنت عليم بالأعصاب عموماً, لكن أعصابي ذات طبيعة مؤلمة وفريدة, إلى حد أني مقتنع بأنها يمكن أن تنال الميدالية الذهبية للألم والتعاسة". (ص 57).
 وتبدو رقة الشاعر وحبه لوطنه , ألمانيا , والمعاناة من هجرة قسرية لهذا الوطن الحبيب والعيش في الغربة , فرنسا , في القصيدة الرائعة التالية: (ص 141/142)
وهكذا غادرنا بساتين الوطن,
وأمعنَّا السير لا نحن على عجل, ولا نحن مبطئين.
كأن أذرعاً لا مرئية
وصوتاً محبباً يذوب عذوبة يشدنا إلى الوراء
وإلى الأمام يدفعنا, في الوقت ذاته,
عويل ذئاب.
ومثل آخر قبلة وداع من أم حنون,
استنشقنا, حتى الثمالة, شذى الآس الاسباني
وعبق غابات الليمون,
وبينما حفت بنا الشجيرات متفجعة,
هبت بنحيب رقيق حولنا النسمات,
رفرفت العصافير حزينة فوقنا,
نحن المرتحلون الصمتى,
بتحية وداع. 
   
ويبدو إن الشاعر قد عاني الأمرين من زوجته, هذه المرأة الفرنسية الشابة اللعوب والمزاجية وذات طموح كبير للصعود إلى مصاف الارستقراطية الفرنسية , وهي بالضد من طبيعة ومزاج وحياة هاينريش هاينه. لقد عاش صراعاً مريراً بين عشقه هذه المرأة الحسناء التي تعرف عليها في أحد أزقة باريس ثم تزوجها , وبين سلوكها المرهق للأعصاب. لقد عاش بين مدينتي لا ونعم على حد قول الشاعر الروسي أفتوشنكو.
لقد لعبت زوجته دوراً كبيراً في عزلته الشديدة عن أقرب اصدقائه بسبب كرهها لهم وسعيها لإهانتهم لكي ينقطعوا عنه. وفي هذا الصدد كتب ماجد الخطيب عن موقف كارل ماركس من وفاة صديقه هاينريش هاينه ما يلي: " زعق كارل ماركس، حينما بلغه نبأ وفاة صديقه الشاعر هاينريش هاينه، " قتلته هذه المرأة"، وكان يعني ماتيلده زوجة هاينه" (ص 198). وفي قصيدة له يعبر هاينريش هاينه عن حياته الزوجية وعذاباته الشخصية تحت عنوان العالم السفلي نقتطف منها ما يلي :
فقط لو أنني عازباً بقيت!
يطلق بلوتو ألف حسرة-
الآن، في عذاباتي الزوجية،
لا أجد الجحيم، فيما مضى,
دون زوجة، جحيماً.
فقط لو أنني عازباً بقيت!
مذْ حظيت ببروسربينا
أتمنى لو يضمنى القبر يومياً! حين تلعن وتزمجر، لا أكاد أسمع
حتى نباح كلبي سيريبروس
.... (ص 74-75)   
لقد أصيب الشاعر في السنوات الأخيرة من حياته في باريس بالحزن واليأس الشديدين. ويرى الباحثون ثلاثة عوامل كامنة وراء ذلك هو تعدد الأمراض التي كان يعاني منها والآلام المبرحة التي فرضت عليه استعمال المورفين , ثم فشل الثورات وتراجع الحركة الثورية حينذاك بما فيها ثورة 1848 في ألمانيا والسلوك المضني لزوجته اللعوب. وقد دفع هذا الواقع الشاعر إلى تمني الموت بسرعة رغم حب الشاعر للحب والحياة. نقرأ هذه الرغبة في مغادرة الحياة في الأبيات التالية: (ص 58)
ها قد جاء الموت,
وسأقول الآن ما منعتني كرامتي
عن قوله منذ الأزل: له, له فقط
يهفو قلبي.
لا بد أن أشير هنا إلى إن صدور هذا الكتاب في هذا الوقت بالذات له دلالة خاصة وكبيرة , وخاصة بصدد ما عانته الغالبية العظمى من مثقفات ومثقفي العراق في العقود التي حكم فيها البعث والدكتاتور صدام حسين البلاد , وما تعانيه هذه الغالبية ايضاً في هذه الفترة التي تسمى بالعراق الجديد من سياسات الحكومة العراقية ورئيس الوزراء البائسة والمضادة للثقافة والحياة الثقافية الحرة والديمقراطية والأوضاع المرهقة التي تواجه اتحاد الأدباء والكتاب بسبب مناهضة رئيس الحكومة وأجهزة الأمن لهذا الاتحاد ونشاطه عملياً. 
لقد حاولت بهذه المقالة القصيرة أن أجلب انتباه قارئات وقراء العربية إلى هذا الكتاب المهم الذي يقدم لنا واحداً من ثلاثة أعظم شعراء المانيا في القرن التاسع عشر وما بعده.
كاظم حبيب
 

215

كاظم حبيب   

لنعمل جميعاً من أجل إنجاح المؤتمر الأول لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق

تجري التحضيرات لعقد المؤتمر الأول لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق في الفترة الواقعة بين 21 و22 تشرين الثاني من هذا العام (2012) في مدينة السليمانية في إقليم كردستان العراق وبضيافة السيد رئيس الجمهورية العراقية الأستاذ جلال الطالباني.
تأسست هذه المنظمة المدنية في العام 2004 بمبادرة من عدد من الناشطين في مجال حقوق الإنسان والمجتمع المدني من العراقيات والعراقيين في الداخل والخارج حين بدأ الوضع في العراق يتدهور بسرعة كبيرة في أعقاب سقوط النظام الدكتاتوري البشع في العام 2003 على أيدي القوات الأمريكية والبريطانية وفرض الاحتلال الرسمي على العراق بقرار جائر صادر عن مجلس الأمن الدولي وبالاقتران مع تفاقم الهجوم الشرس والعدواني على أتباع الديانات من غير المسلمين , وبشكل خاص ضد المسيحيين والصابئة المندائيين في الوسط والجنوب وبغداد والموصل , إضافة إلى استهداف الإيزيديين في محافظة الموصل أيضاً. كما تفاقم حينذاك وتدريجياً دور المليشيات الطائفية المسلحة التي بدأت , إلى جانب نشاط قوى الإرهاب الدولي وخاصة قوى تنظيم القاعدة وأنصار الإسلام السنة وجند الإسلام ..الخ , بالقتل المتبادل والقتل على الهوية الشيعية والسنية ونشأت مناطق سميت بمثلثات الموت في أنحاء عدة من العراق. وقد أُجبر بسبب هذا الإرهاب المتنوع والمتعدد الجهات والمسند والمدعم بالمال والسلاح والأفراد من دول الجوار العربية ومن إيران ومن قوى سياسية إسلامية متطرفة فيها أيضاً عشرات ألوف الناس إلى الهجرة إلى خارج العراق أو إلى إقليم كردستان لضمان الأمن لهم ولأفراد عائلاتهم. علماً بأن قوى الإرهاب والطائفية السياسية ما تزال تمارس القتل ضد أبناء شعبنا , كما حصل أخيراَ ضد الإيزيديين والشبك في الموصل.
إن هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية منظمة مجتمع مدني مستقلة استقلالاً تاماً عن الأحزاب والمنظمات السياسية والاجتماعية كافة وعن الحكومة العراقية وحكومة الإقليم والحكومات الأخرى خارج العراق , وهي منظمة منفعة عامة وغير ربحية وتستند إلى عدة مبادئ جوهرية مستلة من مبادئ حقوق الإنسان وحقوق المواطنة ومثبتة في نظامها الداخلي واهمها:
- رفض جميع أشكال التمييز بين البشر بما في ذلك التمييز ضد المرأة ومصادرة حقوقها والعمل على أساس المساواة بين مواطنات ومواطني المجتمع العراقي كافة في الحقوق والواجبات.
- إدانة جميع أشكال التطرف الديني والطائفي والعنصري أو السياسي.
- رفض الدولة الدينية أو الطائفية السياسية والدعوة إلى إقامة مجتمع مدني ديمقراطي علماني يلتزم مبدأ الفصل بين الدين والدولة وبين الدين والسياسة والفصل بين السلطات واستقلال القضاء.
رفض جميع أشكال الاعتقال الكيفي وممارسة التعذيب أو التشريد أو التهجير القسري أو التعريب أو العنصرية بمختلف صورها.
- رفض جميع اشكال العنف وممارسة القوة أو الحرب بذريعة استرداد الحقوق أو أي ذريعة أخرى بل السعي لحل جميع المشكلات القائمة بالطرق التفاوضية الديمقراطية والسلمية.
وعلى أساس هذه المبادئ الإنسانية وغيرها نشأت مبادرة تأسيس المنظمة باعتبارها ضرورة موضوعية ملحة, إذ سعت منذ تأسيسها حتى الآن إلى تأمين عدة مسائل جوهرية:
1. الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية كافة الذين يتعرضون للإرهاب والقتل والتشريد والتهجير والسيطرة على دورهم وما يملكون من خلال إصدار البيانات الاحتجاجية والإدانة ومطالبة الحكومة العراقية بتأمين الحماية اللازمة لهؤلاء المواطنات والمواطنين ولدور العبادة باعتبار ذلك واجب الحكومة الأول.
2. إيصال صوت هؤلاء الناس إلى الجهات الإقليمية والدولية وخاصة الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني والكنائس العالمية وعلماء الدين المتنورين ولبنات وأبناء الشعب العراقي كافة للمشاركة في الدفاع عن كل من يتعرض للتمييز والاضطهاد والتعذيب والتشريد والتهجير والقتل في البلاد بغض النظر عن دينه ومذهبه أو عقيدته.
3. الاحتجاج ضد قوى في الحكومة العراقية كانت , وربما ما تزال , تساند الإرهاب والقتل بما تملكه من ميليشيات مسلحة طائفية سياسية أدت إلى تفاقم الاقتتال بين هذه المليشيات السنية والشيعية في آن وإلى المزيد من الموت لبنات وأبناء الشعب العراقي وعلى اساس الهوية.
4. لقد كان دورنا ينحصر في ممارسة الأساليب السلمية والديمقراطية ومنها إصدار البيانات والنداءات والدعوة إلى إشاعة ثقافة الاعتراف المتبادل والتسامح في ما بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية والتسامح في العلاقات المتبادلة ورفض العنف والقوة في مواجهة الأقليات الدينية من حيث العدد وليس من حيث طبيعة الدين فالأديان بالنسبة لنا كلها متساوية وأتباعها متساوون في الحقوق والواجبات باعتبارهم بنات وأبناء وطن واحد هو العراق , وكذلك المشاركة في المؤتمرات والندوات التي كانت الأمانة العامة أو أعضاء الأمانة يدعون لها.
5. كما أسست الأمانة العامة موقعاً الكترونياً للهيئة لنشر بيانات ونداءات الهيئة وما يصلها من معلومات عن انتهاكات حقوق أتباع الديانات والمذاهب الدينية , حيث تطور الأستاذ الإعلامي علاء مهدي على إدارة هذا الموقع.
وخلال الفترة المنصرمة ازداد عدد الناس الرافضين للسياسات التمييزية والمتطرفة والمحاصصة الطائفية والأثنية الجارية في العراق باعتبارها أحد أهم وأبرز أسباب ما يعاني منه العراق من مشكلات ومن إرهاب وفساد حتى الآن.
إن المؤتمر الذي يعقد في السليمانية هو تتويج لنشاط الهيئة والمتطوعين العاملين فيها من النساء والرجال من جهة , وهو بداية فعلية لتعزيز وتكريس وتطوير وتنويع هذا النشاط وتعزيز مواقع وأهداف وأفكار وممارسات الهيئة في المجتمع العراقي من جهة أخرى.
سيتضمن جدول أعمال المؤتمر المشاركة بمجموعة أبحاث مهمة يقدمها السادة الدكتور رشيد الخيون والأستاذة نرمين عثمان والأستاذ جعفر هادي حسن والدكتور ممو عثمان , إضافة إلى الأستاذ موسى الخميسي الذي سيقدم تقريراً مكثفاً عن حالة حقوق أتباع الديانات والمذاهب الدينية جميعاً في العراق. كما سيقدم الأستاذ الدكتور تيسير الآلوسي تقريراً عن نشاط الهيئة خلال الأعوام المنصرمة والأستاذ القاضي زهير كاظم عبود كلمة الأمانة العامة في افتتاح المؤتمر. كما نأمل أن يشارك السيد رئيس الجمهورية بكلمة في هذا المؤتمر.
سيناقش المؤتمرون النظام الداخلي الذي أعد مسودته الأولى الصديق وعضو الأمانة العامة الأستاذ جاسم المطير ونوقش في الأمانة العامة وأجريت عليه التعديلات وأقرت المسودة الأخيرة من جانبها , ليقر بعد تعديله أو إضافة ما هو ضروري إليه من جانب المؤتمرين. ومن المؤسف تعذر الأخ المطير عن المشاركة بالمؤتمر بسبب وضعه الصحي الذي نرجو له التحسن والاستمرار بالعمل مع الأمانة العامة ونشاط المنظمة.
كان المؤتمر قد وجه الدعوة للأخ الفاضل الأستاذ الدكتور سيار الجميل والأستاذ الدكتور صادق أطيمش والأستاذ الدكتور حميد خاقاني لإلقاء مداخلاتهم في المؤتمر. ولكن الأخوة الثلاثة قد اعتذروا لأسباب ترتبط بمحاضراتهم في الجامعات التي يعملون فيها. ولكنهم التزموا بتقديم أبحاثهم إلى المؤتمر لتطبع وتوزع على الحاضرين وتصدر في كتاب بعد انتهاء المؤتمر. وهي أبحاث أؤكد بأنها ستكون جديرة باهتمام القارئات والقراء. كما اقترح الأخ الأستاذ نزار الحيدر تقديم مداخلة له اعتذرنا له لضيق الوقت ولكنها ستطبع وتوزع على الحاضرين أيضاً.
لقد شكلت الأمانة العامة للهيئة لجنة تحضيرية برئاسة الأخ الأستاذ المهندس الاستشاري نهاد القاضي وعضوية الدكتور عقيل الناصري والأستاذة راهبة الخميسي والأستاذ ديندار الشيخاني والأستاذ علاء مهدي والدكتور حسن حلبوص والأستاذ الإعلامي دانا جلال , وبالتنسيق والتعاون مع السيدة عضو الأمانة العامة الأستاذة نرمين عثمان والأخ الفاضل سيروان محمود. وقد لعب الأستاذ نهاد القاضي دوراً مميزاً في هذا النشاط التحضيري وما يزال يعمل لإنجاز المهمة إلى حين انتهاء المؤتمر.
لقد تمت دعوة 35 شخصية من النساء والرجال العراقيين من العلماء والأدباء والفنانين والباحثين المختصين بالديانات والسياسيين من دول الشتات العراقي , و70 شخصية من النساء والرجال من داخل العراق ومن مختلف محافظاته , إضافة إلى دعوة خاصة لما يقرب من 50 شخصية عراقية علمية واجتماعية وأدبية وسياسية وفنية لحضور جلسة افتتاح المؤتمر أو المشاركة فيه على وفق ظروفهم الخاصة. والمؤتمر سيكون مفتوحاً لمن يرغب المشاركة في حواراته ونقاشاته , وسيكون التصويت والترشيح لأعضاء المؤتمر البالغ عددهم بحدود 130 شخصاً.
سينتخب المؤتمر أمانة عامة جديدة وأمين عام جديد على وفق ما يقرره النظام الداخلي بعد إقراره من المؤتمر.
وعلينا أن نشير هنا إلى الدور الإيجابي المميز الذي لعبته عضو الأمانة العامة السيدة الأستاذة نرمين عثمان والأخ الأستاذ ملا بختيار في تسهيل عقد هذا المؤتمر , وكذلك لاستضافته من قبل السيد رئيس الجمهورية الأخ الأستاذ جلال الطالباني.
إن المؤتمر سيكون تظاهرة إنسانية مدنية وديمقراطية تجمع بين العراقيات والعراقيين من أتباع مختلف الديانات والمذاهب الدينية من الديمقراطيين والمدنيين الذين يحترمون الإنسان لإنسانيته بغض النظر عن دينه ومذهبه , يحترمون حقوقه وواجباته , كما إن المؤتمر سيكون تظاهرة لزيادة الألفة والمحبة بين الناس وبعيداً عن التمييز والتشريد والتهجير القسري والعنصرية المقيتة والطائفية السياسية القاتلة والقوة والعنف , بعيداً عن ممارسة العنف والحرب لحل المشكلات بين أتباع القوميات والديانات والمذاهب أو الاتجاهات الفكرية والسياسية , بل ممارسة الحوار والتفاوض السلمي والديمقراطي.
أن الأمانة العامة للهيئة تطمح في أن يكون المؤتمر الأول للهيئة قفزة نوعية جديدة في مسار نشاطها وفي حركتها لصالح العراق والعراقيات والعراقيين كافة.

4/11/2012               كاظم حبيب

216
نداء لإلغاء حكم الإعدام في العالم العربي وفي الدول ذات الأكثرية الإسلامية

نحن الموقعين على هذا النداء ندعو الشعوب في الدول العربية وفي الدول ذات الأكثرية الإسلامية إلى تبني الدعوة الإنسانية الصادقة لإلغاء حكم الإعدام في الدول العربية وذات الأكثرية الإسلامية والضغط على حكوماتها لإصدار تشريع بهذا الخصوص. إن حكم الإعدام يتنافى مع حقوق الإنسان وحقوق المواطنة بغض النظر عن العوامل الكامنة وراء صدور مثل هذا الحكم , إضافة إلى كون مثل هذا الحكم يمكن أن يكون خاطئاً لأسباب تكمن في طبيعة التحقيق ونتائجه. ليس من حق أي تشريع في العالم قتل إنسان حتى لو كان قاتلاً , بل يفترض أن ينفذ فيه حكم السجن المؤبد ويقضي سنوات عمره وراء القضبان الحديدية , وهي عقوبة قاسية وفيها الكفاية لمعاقبة من يرتكب جريمة قتل. إن عقوبة الإعدام تمارس في السياسة ايضاً وضد السياسيين الذين ارتكبوا جرائم بحق شعوبهم. وهي عقوبة تنهي حياة المجرم , في حين إن من العقلانية بمكان أن يبقى هذا المجرم حبيس السجن ويتابع ما فعله بشعبه وما اتركبه من جرائم أثناء ممارسته الحكم أو من يمارس الإرهاب ضد شعبه , سواء أكان في الحكم أم خارجه.
لقد سبقتنا الكثير من الدول المتحضرة ومنذ عقود إلى إصدار مثل هذا التشريع وحققت نتائج باهرة وحافظت على حياة الكثير من الناس. ولقد برهنت الحياة على إن عقوبة الإعدام لم ولن تمنع المجرمين من ممارسة إجرامهم , بل إن عقوبة الحبس المؤبد هي الرادع الأكبر للكثير من الجرائم من جهة , إضافة إلى ضرورة إزالة اسباب ارتكاب الجرائم في هذا البلد أو ذات ورفع مستوى الوعي الفردي والجمعي في المجتمع بما يساهم فعلاً في تقليص الجرائم التي ترتكب في بلد ما أو منع وقوعها.
إننا ندعو مواطناتنا ومواطنينا في الدول العربية وفي الدول ذات الأكثرية الإسلامية أن ترفع صوت الاحتجاج ضد استمرار ممارسة قانون حكم الإعدام وتنفيذه فعلاً لأي سبب كان. إن العام الحالي (2012) وحده شهد صدور أحكام بالإعدام ضد المئات من الأشخاص في العراق وسوريا والسعودية وإيران والسودان وباكستان وأفغانستان وغيرها من الدول وتم تنفيذها فعلاً. إننا وحين نقف إلى جانب تشريع قانون يحرم حكم الإعدام نكون بذلك قد وضعنا حداً لارتكاب جريمة قتل ضد الإنسان على وفق القانون. 
الموقعون
د. غالب العاني
أ. نبيل يعقوب
د. حامد فضل الله
د. حسن حلبوص
د. كاظم القريشي
د. صلاح جبر
أ. مثنى صلاح الدين محمود
د. مفيد أبو رمضان
أ. كامل زومايا
أ. جبار عنبر
أ. عامر الحبوبي
كاظم حبيب


217
كاظم حبيب
هل من لغز محير وراء الإقالة القسرية ومذكرة اعتقال الدكتور سنان الشبيبي؟
منذ فترة غير قصيرة كثفت مجموعة صغيرة من النواب من كتلة دولة "القانون" وبعض الكتاب والصحفيين هجومها الشرس وغير الموثق ضد محافظ البنك المركزي السيد الدكتور سنان الشبيبي. وقد استغرب الكثير من الناس ومن الاقتصاديين والكتاب والمثقفين عن العوامل الكامنة وراء هذا الهجوم الذي لم يستند إلى أرضية واقعية وأساس مادي. واستفسر البعض عن اللغز الكامن وراء هذا الهجوم؟ والسؤال العادل هو: هل هناك من لغز وراء هذا الهجوم الذي استهدف الدكتور سنان الشبيبي؟ نعم هناك لغز , وهو لغز كبير حقاً! ولكن هذا اللغز لا يكمن في شخص محافظ البنك المركزي ولا في نشاطه الوظيفي ومهماته الاقتصادية في البنك على وفق قانون البنك المركزي والدستور العراقي, بل يكمن هذا اللغز في شخص وسياسة وأهداف رئيس الحكومة العراقية , في نوري المالكي مباشرة.
إن المتابعة الهادئة لمجرى السياسة العراقية منذ عدة سنوات يستطيع كل باحث وكل إنسان مطلع على ما يجري في العراق أن يشخص مجموعة من السياسات التي تعتبر اللغز الحقيقي وراء هذه الإقالة المنتظرة والتي تطرق إليها الكثير من الكتاب والصحفيين , وابتعد عنها بإصرار مجموعة وعاظ الصداميين الذين واصلوا الإساءة للشعب العراقي بذم محافظ البنك المركزي من جهة ومدح سياسة الحكومة وشخص رئيس الحكومة من جهة أخرى , وكأنهم لا يعرفون ما يجري في العراق. إن وعاظ سلطان العراق الراهن يعرفون جيداً , ولكنهم يحرفون تماماً كما يقول المثل الشعبي "يعرف ويحرف", وهو دين وعاظ السلاطين كافة في كل العهود.
يفترض في أن ألخص للقارئات والقراء الكرام ما أفكر به بشأن هذا اللغز المكشوف:
1.   نحن جميعاً شهود عيان أحياء نراقب بعناية ونسجل بدقة واقع حصول تحول سريع وشديد إلى الأصول الفكرية والسياسة الأساسية التي ينحدر منها ويتبناها رئيس الوزراء , تلك الأصول المرتبطة بالاستبداد الشرقي التي تجلت في حكم خلفاء الدولة الأموية والدولة العباسية والدولة العثمانية وما بينهما وكذلك الدولة العراقية الحديثة, إنها الفردية والرغبة في الهيمنة على المجتمع والحياة العامة, إنها النرجسية القاتلة التي هيمنت وتهيمن على من يحكم العراق فعلياً ولا يتورع عن استخدام ما هو مباح وغير مباح لمواجهة من لا يرغب به أو يشم منه رائحة المخالفة لرأيه وسلوكه. وهي السلوكية التي تحول النرجسي تدريجاً إلى سادي أيضاُ , وهنا تكمن الخطورة الكبيرة على المعارضة وعلى المجتمع كله.
2.   ونحن جميعاً شهود عيان أحياء لما يجري في العراق من تجاوز فظ ومتواصل على الدستور بخصوص الحريات الفردية والحريات الديمقراطية العامة وعلى الهيئات المستقلة ومنظمات المجتمع المدني والتي طالت الكثير من البشر في العراق. إن المستبد بأمره لا يستطيع ولا يستوعب معنى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان, فهو يرى الحرية لحزبه ومجموعته أولاً , ثم يختصر ذلك فيما بعد لنفسه لا غير. وهي ظاهرة ليست جديدة في تاريخ العراق الطويل وأصبح المجتمع مدركاً لها ولكنه لم يتعلم حتى الآن من عواقب السكوت عليها, رغم ما مرَّ به في فترة حكم البعث الصدامي.
3.   ونحن جميعاً شهود عيان لما جرى من توجيه القوات الخاصة وقوات قيادة عمليات بغداد وأجهزة الأمن لضرب المظاهرات وتشويه سمعتها واعتقال المشاركين فيها وتعذيبهم لأنهم رفعوا شعارات ضد البطالة وضد الفساد وضد السرقات وضد الإرهاب , لأنهم طالبوا بتغيير السياسات. ومنذ سنوات عدة والفساد يملأ دنيا العراق إذ أصبحت بغداد عاصمة الفساد الدولي , كما عبر عنها أحد الكتاب العراقيين أخيراً.
4.   إن محاولات الهيمنة على البنك المركزي من جانب رئيس الوزراء وإخضاع سياسة البنك لإرادة الحاكم بأمره ورغباته وسياساته الحزبية والشخصية كانت معروفة للجميع وقد تم نشر الكثير من المعلومات الموثقة عنها التي اصطدمت بإرادة محافظ البنك المركزي الذي التزم بقانون البنك والدستور العراقي واتسم بالأمانة التامة لشعبه وأموال هذا الشعب المودعة في البنك المركزي وامتنع عن الاستجابة لإرادة رئيس الوزراء المخالفة لقانون البنك والدستور العراقي بمنحه ما يريد من أموال هذا الشعب ومن الاحتياطي الذي استطاع به محافظ البنك المركزي الحفاظ على سعر صرف الدينار العراقي خلال الفترة المنصرمة مثلاً.
5.   إن الاختلاف مع محافظ البنك المركزي في سياسة البنك النقدية أمر ممكن , ولكن ما حصل في العراق أمر مختلف تماماً ولا يمت لاختلاف في الرأي, والمسكلة تكمن في مكان آخر. فرئيس الحكومة العراقية , كما هو معروف للجميع لم يضع سياسة اقتصادية لحكومته ولا يمتلك رؤية اقتصادية عقلانية ولا وعي اقتصادي عقلاني من جهة , في بلد أصبح اللعب بأموال الشعب والتصرف الكيفي والفساد الهائل هي السمات المميزة للواقع العراقي الراهن من جهة أخرى. وبالتالي لم يعد محافظ البنك المركزي الدكتور سنان الشبيبي مناسباً لسياسة رئيس الوزراء ورغباته الخاصة.
6.   إن إقالة محافظ البنك المركزي لا تتم عبر مجلس الوزراء فهو مستقل عن هذا المجلس , بل عبر مجلس النواب , وهي مخالفة صريحة وأمر الاعتقال لم يصدر عن القضاء العراقي بل من رئيس الوزراء أيضاً ولا يعرف بذلك رئيس لجنة النزاهة أو رئيس مجلس القضاء العالي ولا غيره بل رئيس الوزراء ووعاظ السلاطين الذين كلفوا بالهجوم على الدكتور الشبيبي ومن ثم الإساءة إلى سمعته وتبرير إقالته ومذكرة اعتقاله. 
ليس في نهج وسلوك رئيس الوزراء ثمة غرابة , فهو بهما يجسد السلوكية العامة لحكام العراق على مدى التاريخ تقريباً , ولكن الغرابة في السكوت المطبق لمن يدعي الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان والدستور العراقي , سواء أكان في المعارضة أم من المشاركين في الحكم. إنها المأساة الحقيقية في العراق أن لا يرتفع صوت ضد هذا النهج وهذه السلوكية سوى صوت الأقلية في المجتمع , صوت قوى سياسية محدودة , قوى التيار الديمقراطي وجمهرة من المثقفين والاقتصاديين وأصحاب الرأي الحر والمستقل وجريدة المدى التي تحمل اليوم راية الدفاع عن الحريات الديمقراطية العامة وضد السلوكية الاستبدادية للسياسة العراقية. والسؤال هل بين الحاكم بأمره والساكتين عن مخالفاته ما يدعو إلى مزيد من الشك والقلق ؟ علينا أن لا نستغرب حين يكون الجواب بـ "نعم"!
إن هذا السلوك , والساكت عن الحق شيطان أخرس , هو الذي يشجع الحاكم المستبد بأمره على مواصلة الاستبداد وتعميقه وتوسيعه ليشمل العراق كله والمجتمع بأسره وأن يواصل خرق الدستور والتجاوز الفظ على مصالح الشعب وإرادته. إن هذا النهج في السياسة هو الذي يفترض أن يخيف المجتمع وخاصة حين يبدأ الحاكم بأمره التسلح بالجديد والحديث والهجومي من السلاح ويصرف المليارات من الدولارات الأمريكية لهذا الغرض. إنه الخطر الفعلي الداهم الذي يواجه المجتمع العراقي والذي لا يريد أن يراه البعض الكثير, وخاصة حين تكون الدولة الحليفة للعراق هي إيران , التي تمارس ذات النهج الاستبدادي , وحين يدافع النظام في العراق عن أعتى حزب استبدادي في المنطقة , هو حزب البعث , وعن مستبد شرس يقتل ويمزق شعبه ويدمر بلده هو بشار الأسد. إنها محنة العراق حالياً.
20/10/2012                         كاظم حبيب
         

218
كاظم حبيب
المجس الأكثر عتمة في سياسة نوري المالكي!!!

غطت الصحافة المحلية والإقليمية ومحطات الإذاعة والتلفزة ومواقع الإنترنيت خبر الهجوم المسلح الذي قادته أجهزة أمن نوري المالكي وقوات الشرطة والقوات الخاصة , على منظمات المجتمع المدني والنوادي الثقافية والاجتماعية في بغداد والاعتداء الآثم على العاملين فيها والموجودين في تلك اللحظة وغلق أبوابها بأمر من القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الوزراء نوري المالكي. ولم تمض سوى فترة قصيرة حتى شنت ذات القوات المدججة بالسلاح, وكأنها تقود معركة ضد قوات مسلحة قادمة من دولة عدوة احتلت هذا الشارع المخيف بما يحتوي من أسلحة دمار شامل, وبقرار من ذات الحاكم بأمره والمغوار نوري المالكي وبصحبة رجال من أمن العاصمة هجوماً مسلحاً على شارع المتنبي, شارع الكتاب, رمز الثقافة والمثقفات والمثقفين العراقيين, شارع الأدب والعلم والفن والإنسان, الشارع الذي حصد حقد وكراهية كل القوى المعادية للثقافة الحرة والمعرفة وهدم بعمليات تفجيرية وانتحارية من جانب أخس القوى العدوانية , من تنظيم القاعدة الإسلامي السياسي الإرهابي أدت إلى قتل الكثير من الناس الأبرياء إضافة إلى تهديم الكثير من أبنية الشارع ومكتباته العامرة بالكتب المختلفة.
إن لهذا الهجوم المتوحش مرارة خاصة في النفس وغصة كبيرة فهو اليوم يستهدف الوصول إلى ثلاث قبيحة تقترب تماماً من ذات الغابات التي حركت صدام حسين لتحقيق أهدافه العدوانية ضد المجتمع والثقافة والإنسان, أي:
1.   بث الرعب في صفوف المجتمع والإعلان عن سياسة جديدة تتميز بالقوة والعفترة وتعبر عن شمخرة سلطان مالك بزمام الأمور في العراق.
2.   إشعار المثقفات والمثقفين كافة بأنهم غير أحرار بما يكتبون وينشرون وإن الحكم لهم بالمرصاد ولن يخيفه احتجاج المثقفين والقوى الديمقراطية.
3.   جس نبض الشارع والأحزاب السياسية في معرفة مدى ردَّ فعلها على هذا الإجراء والإجراء الذي سبقه في العدوان على مقرات منظمات المجتمع المدني.
إن الهجوم الذي شنته أجهزة نوري المالكي ضد هذا الشارع وضد مكتباته والموجودين فيه والعاملين في شارع المتنبي الخاص بالكتب منذ عشرات السنين له مضمون بغيض, فهو يجسد الحقد ضد الفكر والكراهية للثقافة والمثقفين وضد الحياة الثقافية. ولا أدري حتى الآن ما هي الإجراءات التي اقترنت بهذا الهجوم الهمجي المسلح وما العواقب التي ترتبت عنه على أصحاب المكتبات والكتب.
إن هذا الرجل الخائب يبرهن يوماً بعد آخر عن عداء صارخ للديمقراطية وللحريات الفردية وحق الإنسان في التمتع بالحرية والكتاب.
إن أصحاب الثقافة الصفراء يبرهنون يوماً بعد آخر عن عداءٍ مفرط  للعلم والعلماء والأدب والأدباء والفن والفنانين وعشقهم الكاذب والغريب للحزن والبكاء واللطم والتطبير وضرب الزناجيل والصرف الباذخ عليها من أجل خداع البسطاء من الناس بحبهم للحسين الشهيد.
لنحتج بشدة ضد من تسول له نفسه التجاوز على شارع المتنبي, فهو شارع يعيش بحب الناس له وعشق العراقيات والعراقيين للكتاب وسيبقى كذلك, أما من وقف ضد هذا الشارع وعاد الكتاب فكان موقعه مزبلة التاريخ, وسيكون مصير كل من يتجاوز على هذا الشارع وعلى حرمة الكتاب وعلى نبض الحياة في العراق.
22/9/2012         كاظم حبيب     


219
هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق
بيان الأمانة العامة حول الفيلم المسيء للإسلام وحول الأحداث المفجعة في بعض دول العالمين العربي والإسلامي
أنتجت وعرضتت جماعة متطرفة دينياً من غلاة المسيحيين المتطرفين والمعادين للإسلام والمسلمين في الولايات المتحدة فيلماً حول حياة النبي محمد بن عبد الله والمبادئ الإنسانية التي دعا إليها للتغلب على حياة الجاهلية الأولى حينذاك. وقد جاء هذا الفيلم القصير , الذي اطلعنا عليه أخيراً , سيئاً جداً من حيث الإخراج والأداء والتصوير والمضمون واللغة والحوار وبعيداً كل البعد عن القواعد الأساسية في صناعة وإخراج الأفلام السينمائية أو التلفزيونية في العالم. لقد أخرج ونشر هذا الفيلم لتحقيق عدة غايات سيئة أساسية كان على العالمين العربي والإسلامي أن ينتبه إليها وأن يفوت على منتجي هذا الفيلم ما كانوا يسعون إليه حقاً , إذ حقق لهم رد فعل الشارعين العربي والإسلامي ما أرادوا الوصول إليه. فما هي غايات هذا الفيلم السافر في سخفه وسفاهته وعدائه للإسلام والمسلمين وفي إثارته للكراهية والأحقاد؟ يمكن تلخيص ذلك بما يلي:
1.   إثارة العاطفة لدى العرب والمسلمين المتميزين بالعاطفة الشديدة قبل التفكير العقلاني بما يراد لهم من خلال هذا الفيلم.
2.   إظهار المسلمين كافة بمظهر همجي متخلف وعدواني أمام العالم من خلال ردود الافعال السلبية التي يقوم بها البعض في بعض دول العالمين العربي والإسلامي كردة فعل انتقامية.
3.   إثارة الصراع الديني بين المسلمين والمسيحيين في العالمين العربي والإسلامي وإثارة البغضاء والرغبة في الانتقام من المسيحيين كافة وفي جميع أنحاء العالم وكأن المسيحيين قاطبة مسؤولون عن عمل حفنة من الرقعاء من أمثال منتجي هذا الفيلم.
4.   تشجيع هجرة المسيحيين من العالمين العربي والإسلامي إلى الدول الغربية واتهام جميع العرب والمسلمين بالعداء للمسيحية والمسيحيين.
5.    تشديد العداء ضد الدول الغربية واتهام سكانها بالعداء ضد العرب والمسلمين والاستفادة من الصعوبة الملموسة لدى العرب والمسلمين في التمييز بين المجتمع والأفراد والحكومات , وكأن الحكومات الغربية كلها مسؤولة عما يمارسه افراد المجتمع من تجاوزات على الديانات والمذاهب الأخرى. 
6.   تأجيج الصراع داخل المجتمع الأمريكي والغربي عموماً بين المسلمين والمسيحيين وتحويل حياة المسلمين في الغرب إلى جحيم لا يطاق تماماً كما فعلت تفجيرات تنظيم القاعدة الإجرامي في الحادي عشر من ايلول/سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية.
7.   إبراز رئيس الولايات المتحدة الأمريكية باراك أوباما وكأنه ضعيف وعاجز عن مواجهة الحملة المضادة للغرب وسفارات الولايات المتحدة في الدول العربية والدول ذات الأكثرية الإسلامية , وهي خدمة مباشرة للحزب الجمهوري ومرشحه الذي بادر مباشرة إلى الطعن بقدرة باراك أوباما على معالجة الوضع الراهن لاستثمار ذلك بخسة في حملته الانتخابية الجارية حالياً.
لقد كان رد الفعل العربي والإسلامي خاطئاً جداً ومضراً وخطراً في آن , ويقدم فائدة مباشرة لقوى الإسلام السياسي السلفية والمتطرفة والإرهابية , وخاصة قوى تنظيم القاعدة الإرهابية التي حمل بعضهم أعلامها السوداء , التي تحاول الآن تجنيد الشبيبة لصالحها وضد الغرب على أساس انه "المسيحي الكافر"! حسب زعمهم!". إنه الإصرار على عدم تحكيم العقل في مواجهة مثل هذه الأفعال الدنيئة لعدد ضئيل من المتطرفين الذين نجدهم في مختلف بقاع العالم وفي صفوف أتباع الديانات والمذاهب الدينية كافة في العالم.
لقد حقق منتجو الفيلم هدفاً مباشراً هو إبراز العالمين العربي والإسلامي وكأنهما ما زالا يعيشان في القرون الوسطى حيث يسود العنف والقتل والتدمير وحرق السفارات والبشر من جهة , كما حقق من جهة أخرى تعبئة الناس حول القوى المتطرفة في العالمين العربي والإسلامي , إضافة إلى توتير الأجواء والإساءة إلى الثوار العرب وغير العرب في الدول العربية في انتفاضاتهم الشعبية لصالح التحولات الديمقراطية في دولهم,
إن الأمانة العامة لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية:
1.   إذ تدين هذا الفيلم البائس والمشين وتعتبره بعيداً كل البعد عن حرية الرأي والتعبير , إذ إنه يدخل ضمن باب إثارة البغضاء والكراهية والأحقاد بين الناس وليس ممارسة النقد البناء للفكر الديني , وتطالب بمحاسبة منتجي هذا الفيلم,
2.   تدين في الوقت نفسه أعمال العنف التي تفجرت في كل من ليبيا ومصر واليمن والسودان وغيرها من الدول العربية والتنظيمات الإسلامية السياسية المتطرفة التي تقف وراءها والتي راح ضحيتها العديد من الأمريكيين والعرب, وكان وما يزال بالإمكان التعبير عن رفض هذا الفيلم عبر مظاهرات سلمية وديمقراطية وتأكيد الرفض الصارم للمضامين السيئة التي يجسدها الفيلم والعواقب السلبية التي يحملها معه والرسالة غير الإنسانية التي يبعثها إلى العالم كله.
3.   كما تحذر من إمكانية استثمار هذه الأحداث المأساوية من جانب بعض الحكام أو من جانب قوى سياسية إسلامية متخلفة لتدفع إلى المزيد من مصادرة الحريات العامة والتضييق على أتباع الدينات الأخرى أو تشديد التمييز القائم أصلاً ضدهم. فهؤلاء هم المستفيدون دون غيرهم من مثل هذه الأفعال المسيئة للإسلام ومن ردود الفعل العاطفية غير العقلانية وغير السليمة.
إن الأمانة العامة تدعو إلى الهدوء والتعقل في مواجهة مثل هذه الأحداث وعدم نسيان المشكلات الكبيرة التي تعاني منها مجتمعات دول العالمين العربي والإسلامي في المرحلة الراهنة , بما في ذلك الالتفاف على أهداف انتفاضات شعوب الربيع العربي من جانب حكومات الدول العربية , والتي تستوجب توجيه الجهد إليها لمعالجتها , إضافة إلى التمعن في ما تسعى إليه مثل هذه الأفلام بما في ذلك تقديم خدمة كبيرة لأطراف الاسلام السياسي في سعيها لإضعاف القوى المدنية والحياة الديمقراطية , من أجل تفويت فرصة النجاح لمثيري الكراهية والأحقاد بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية في دول العالمين العربي والإسلامي , ومنها العراق.
الأمانة العامة
هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق
كتب في 15/9/2012               



220
كاظم حبيب
رسالة مفتوحة إلى السيدة أشواق الجاف والسيد محسن السعدون
إن كنتم سعداء بالإساءة لشخصيكما فهي قضيتكما , ولكن لن نسمح بالإساءة للشعب الكُردي ثانية
لم تمض فترة طويلة على خطاب شيخ الدين جلال الدين الصغير في جامع براثا الذي أساء فيه للشعب الكُردي إساءة كبرى باعتبار غالبية الكُرد من المارقين وسيصفي المهدي المنتظر الحساب معهم بقطع رؤوس المارقين بالسيف الرهيف لأنهم يقفون ضد الدولة الإسلامية , (على اساس وكما هو معروف في الميثولوجيا الشيعية المتداولة بين الأوساط الشعبية الفقيرة والجاهلة بأن المهدي سيقطع رؤوس المارقين وينشر العدل في الأرض) , حتى طلعت علينا خبيرة اللغة العربية السيدة اشواق الجاف لتسيء إلى كل من شجب خطاب الصغير وأدان الإساءة للشعب الكُردي مدعية باسم التحالف الكُردستاني ما يلي: " الكورد على يقين ان تصريحات الشيخ جلال الدين الصغير الاخيرة اولت وفهمت بصورة خاطئة وان الكورد متفهمون للاوضاع وسيتصدون لتلك المحاولات البائسة .. ". ثم " دعت النائبة عن التحالف الكوردستاني الى ضبط النفس واخذ المعلومة من مصدرها حيث ان الشيخ جلال الدين الصغير قد اوضح انه لم يتطرق او يذكر التعابير التي تناولتها خطأ بعض وسائل الاعلام والجهات التي تريد دق اسفين النفور بين طرفي العلاقة التاريخية." لاحظوا الإسفاف في التشويه والتزييف الذي مارسته السيدة اشواق الجاف, منها مثلاً:
1)   تلك العناصر أو الجماعات التي أوّلت وفهمت بصورة خاطئة ..
2)   وأنهم سيتصدون لتلك المحاولات البائسة ..
3)   وضرورة أخذ المعلومة من مصادرها ..,
4)   تلك الجهات التي تريد دق أسفين النفور بين طرفي العلاقة التاريخية ..
لم يبق في جعبتها من العبارات ما يمكنها أن تسئ به أكثر من ذلك إلى اصدقاء الشعب الكردي ووسائل الإعلام!
وكان قبل ذاك قد بادر السيد محسن السعدون إلى التصريح التالي مشيرا إلى "إن الموضوع قد وضح للأكراد في ان الموضوع الذي طرح من قبل الشيخ جلال الدين الصغير هو خاص بعلماء الدين والسادة".
إنه لتفسير غريب وعجيب لا يليق إلا بالسيد محسن السعدون وزميلته النائبة الجاف , إذ أراد به أن لا ينكر وجود الإساءة , ولكنه اعتبرها في إطار البحث بين شيوخ الدين والسادة! عجيب أمرك يا رجل, أي إن الخطاب لا يخص الجمهور العراقي والعامة من الناس بل السادة , ولكن من هم هؤلاء السادة ايها السيد ومن هم الرعاع الذين لا يقصدهم الخطاب ؟ وكما تعرف فإن الخطاب قد وجه من جامع براثا إلى كل من يعيش في العراق وخارج العراق من العرب والكُرد وبقية المسلمين من القوميات الأخرى.
لِمَ هذا الموقف البائس الذي يخطئ العرب والكُرد وغيرهما ممن فهموا الخطاب على حقيقته بهذه الأسلوب الفج ويسيء لكل الذين دافعوا بحق عن الكُرد أي عن "الذين أطلق عليهم الشيخ الصغير صفة "المارقين".
إن الذي حرك النائبة والنائب عن الحزب الديمقراطي الكُردستاني في التحالف الكُردستاني إلى إطلاق هذه التصريحات المسيئة لهم وتعبر عن عدم رغبتهم في فهم مضمون خطاب الصغير قسراً هي خشيتهم على "التحالف التاريخي الذي لا يتزعزع بين الكُرد والشيعة أو المجلس الإسلامي الأعلى في العراق", إذ كلاهما , وبتوجيه حزبي صارم وواضح صرح بوجهة نظر واحدة ومضمون واحدة وكلمات واحدة تقريباً. فقد صرح السيد محسن السعدون قائلاً " من غير الممكن ان يفرق كان من يكون بين عموم الاكراد في اقليم كردستان والمجلس الاعلى الاسلامي العراقي لما يمتلكه الطرفان من علاقات طيبة ومتينة بنيت على اساس الثقة وتبادل الاحترام". ورددت السيدة أشواق الجاف ما قاله السعدون بكلمات أخرى. (راجع الروابط في آخر المقال للإطلاع على تصريحات النائبة والنائب والسيد الشرع من المجلس الأعلى الإسلامي في العراق الذي كان اقل تحمساً منهما في الدفاع عن الشيخ الصغير).
إن جميع الذين كتبوا وأدانوا خطاب جلال الدين الصغير (وأنا منهم) قد فرقوا يا سادة يا كرام بين المجلس الأعلى الإسلامي وبين والشيخ الصغير أولاً , وأشاروا إلى المأثرة التاريخية للسيد محسن الحكيم الذي حرم في العام 1965 القتال ضد الكُرد ثانياً , ودعوا المجلس الإسلامي الأعلى إلى إدانة مضمون خطاب الصغير لأنه يسيء للعلاقة بين الكُرد والمجلس الأعلى الإسلامي ثالثاً. فهل لم يفهم السيدان تلك المقالات بما فيها مقالات جريدة المدى , ولكنهما فهما جيداً وبالقسر مضمون خطاب الصغير. إنهما جهبذان في اللغة العربية ونحن الجهلاء الذين لم نفهم مضمون ووجهة خطاب الشيخ الصغير لعيون الشيخ الصغير.
لقد تحدث النائبان باسم التحالف الكُردستاني , في حين ان جريدة الاتحاد , وهي الجريدة المركزية الناطقة باسم الاتحاد الوطني الكُردستاني باللغة العربية , قد نشرت بتاريخ 25/8/2012 مقالتي الموسومة "الأحلام المريضة لشيخ دين سادي النزعة وعنصري الهوى". كما وصلتني رسالة من أحد أبرز كتاب القصة والكتاب الكُردي الذي يكتب باللغة العربية جاء فيها ما يلي: " "أشد على يديك بحرارة على هذا المقال الرائع المنشور اليوم في (الإتحاد) رداً على القزم جلال الصغير." فمن يا ترى يفهم العربية السيد اشواق الجاف والسيد محسن السعدون أم خبير اللغة العربية والشاعر الذي وجه لي تلك الرسالة. وصلتني التكثير من الرسائل من أصدقاء كرد يدينون تصريحات النائبين.
إن ما يؤخذ على هذين النائبين أنهما داسا على ضميريهما عند إعداد تلك التصريحات الحزبية والتفسير غير العقلاني لخطاب الصغير , وبهذا مارسا الحزبية الضيقة والبراغماتية السيئة التي أساءت وتسيء إلى الشعب الكُردي وإلى نفسيهما وحزبهما وأسقطا مصداقيتهما وأعلنا فشلهما في فهم اللغة العربية , رغم إنهما يتحدثان بها , ولكنهما لم يرغبا أن يعيا بعمق حجم الإساءة التي وجهها الصغير للكُرد , وكان عليهما أن يرفضا على الأقل توجيه الإساءة لمن كتب ضد الشيخ الصغير في تصريحاتهما.
هل تابعت السيدة الجاف والسيد السعدون البيان الاحتجاجي الموسوم (إدانة ثقافة التحريض والاستعداء ضد الكورد والمطالبة بمحاسبة قضائية لمطلقيها" الذي سطره مثقفو العراق من عرب وكرد وكلدان وآشوريين وتركمان ونشر في موقع الحوار المتمدن (باب الحملات) ضد الإساءة الوقحة ضد الكُرد ليروا من هم الذين وقعوا على هذا البيان الاحتجاجي والمطالبة بتقديم الصغير إلى المحاكمة , إنهم من خيرة ابناء الشعب العراقي ومن مثقفاته ومثقفيه وممن يجيدون اللغة العربية ولا يحتاجون إلى التفسيرات البائسة والكيدية لهذين النائبين الموجهة لتبرئة الشيخ الصغير والإساءة لأصدقاء الكُرد من العرب وغيرهم.
أتمنى على المثقفات والمثقفين الكُرد أن يتحركوا لإدانة مضمون تصريحات النائبة الجاف والنائب السعدون وبذلك يضعون الأمور في نصابها الطبيعي.     
عليكما أن تسحبا تصريحاتكما المسيئة لأصدقاء الشعب الكُردي , عليكما أن تعيا بأنكما غير قادرين على استبدال أصدقاء الكُرد المناضلين بشخص الشيخ الصغير الذي فتش كالجرذان في زوايا الأحاديث البالية من الفكر الرجعي ليجد ما يمكن أن يسيء للكرد ويسلط عليهم سيف المهدي المنتظر على طريقة السلاح الكيماوي لعلي حسن المجيد. واعتقد بأن المجلس الإسلامي الأعلى برئ من هذه التصريحات العدوانية ضد الكُرد. إن الأحاديث التي قيلت في السابق والتي تسيء إلى الكُرد كانت ضمن ما يطلق عليه بالمأساة, أما خطاب الشيخ الصغير فهو المهزلة بعينها ولكن الأكثر مأساة ومهزلة معاً هما تصريحات الجاف والسعدون.     
26/8/2012                        كاظم حبيب

 
 
http://www.alforatnews.com/index.php?option=com_content&view=article&id=20419:2012-08-25-12-31-03&catid=45:2011-11-02-09-33-26
 
http://www.alforatnews.com/index.php?option=com_content&view=article&id=20442:2012-08-25-14-28-03&catid=45:2011-11-02-09-33-26
http://www.alforatnews.com/index.php?option=com_content&view=article&id=20424:2012-08-25-13-15-55&catid=36:2011-04-08-17-25-25&Itemid=54


221
كاظم حبيب
ما العمل يا دولة رئيس الوزراء؟
في الخطاب الذي ألقاء رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة السيد نوري المالكي في 6/8/2012 أثناء لقاء له بالقادة والضباط والمراتب الذين أحبطوا محاولة اقتحام سجن التاجي أشار " .. مؤكداً إن المعركة مع الإرهاب قد انتهت ، وأن المتبقي هو خلايا تبحث هنا وهناك عن فرصة أو ثغرة تقف خلفها إرادات من دول أخرى تستغل الظرف الحاصل في المنطقة ، لكن ذلك لن يحصل في العراق مع استمرار الضربات لحين القضاء عليهم من خلال تفعيل الجهد الاستخباري والتعاون مع المواطنين." (راجع : الموقع الإلكتروني لرئيس وزراء العراق).
وبعد أيام قليلة "أعلنت قيادة عمليات بغداد ، يوم الأربعاء عن انتهاء المعركة مع تنظيم (القاعدة) الإرهابي , مؤكدة إنها تبحث عما تبقى من فلولها الإرهابية. وقال المتحدث الرسمي باسم قيادة عمليات بغداد ضياء الوكيل إن المعركة مع تنظيم القاعدة انتهت بصورة كاملة وأن القوات الامنية تبحث عما تبقى من فلولها الارهابية. وأضاف الوكيل أن القوات الامنية تجري عمليات استباقية ونوعية وفقاً لمعلومات استخبارية ضد المتبقي من فلول تنظيم القاعدة الإرهابي." (راجع : شبكة الثقافة العراقية ومواقع عراقية وعربية أخرى كثيرة).
والسؤال الواجب طرحه هنا هو : هل انتهت المعركة مع الإرهاب حقاً ؟ وإذا كانت قد انتهت كيف وقعت هذه العمليات النوعية الكبيرة والكثيرة قبل العيد مباشرة وبعد خطاب رئيس الوزراء بفترة قصيرة جداً , وهي العمليات التي أودت بحياة العشرات من الناس الأبرياء إضافة إلى العشرات من الجرحى والمعوقين؟
لقد كان جواب قوى الإرهاب سريعاً وشديد القسوة على بنات وأبناء الشعب العراقي. وكان الإرهابيون القتلة يريدون بذلك البرهنة على إنهم ما زالوا في الساحة العراقية ويعملون ويضربون متى شاؤا ذلك وأينما قرروا توجيه الضربات الإرهابية.
إن الكلمة التي ألقاها رئيس الوزراء والتي كررها كالببغاء الناطق الرسمي باسم قيادة عمليات بغداد عبرت عن تفاءل لا يستند إلى أرضية الواقع العراقي ولا إلى الصراعات السياسية الدائرة رغم محاولات التهدئة , ولكن السيد المالكي هو أحوج ما يكون إلى مثل هذه التصريحات الجوفاء في مثل هذا الظرف المعقد والمتشابك والصعب الذي يمر به. ولكن هل هذا التفاؤل يساعد على مواجهة الإرهاب والتصدي للإرهابيين حقاً؟ جاء في دراسة نشرتها منظمة (Iraq Body Count) غير الحكومية يوم الاثنين ان عدد المدنيين الذي سقطوا في اعمال عنف بالعراق في عام 2011 سجل ارتفاعا ضئيلا مقارنة بالعام الذي سبقه.
وجاء في التقرير الذي تنشره المنظمة سنويا ان 4095 مدنيا قتلوا جراء اعمال العنف في عام 2011 مقارنة بـ3976 في عام 2010. وبذا يرتفع عدد المدنيين الذين قتلوا جراء اعمال العنف في العراق منذ الغزو والاحتلال الامريكي عام 2003 الى اكثر من 144 الف قتيل..



إن تصريحات نوري المالكي لا تصمد أمام الواقع العراقي وليست واقعية لأن الإرهاب لم يهزم حتى الآن رغم النجاحات النسبية التي تحققت خلال الفترة المنصرمة, بل ما زال يقتل الكثير من البشر. فعلى سبيل المثال جاء في دراسة نشرتها منظمة (Iraq Body Count) غير الحكومية يوم الاثنين ان عدد المدنيين الذي سقطوا في اعمال عنف بالعراق في عام 2011 سجل ارتفاعا ضئيلا مقارنة بالعام الذي سبقه. وجاء في التقرير الذي تنشره المنظمة سنويا ان 4095 مدنيا قتلوا جراء اعمال العنف في عام 2011 مقارنة بـ3976 في عام 2010. وبذا يرتفع عدد المدنيين الذين قتلوا جراء اعمال العنف في العراق منذ الغزو والاحتلال الامريكي عام 2003 الى اكثر من 144 الف قتيل..". (راجع: تقرير: ارتفاع عدد القتلى المدنيين في العراق في عام 2011. BBC موقع الإلكتروني أخذ المقتطف بتاريخ 20/8/2012). وعلينا أن نشير إلى إن عدد الجرحى والمعوقين أكثر من ذلك بكثير , كما إن عام 2012 لا يقل دموية عن العام 2011. 
إن هذا الواقع يتطلب رفع اليقظة الشعبية بدلاً من إضعافها بمثل تلك التصريحات وكذلك رفع الحيطة والحذر لدى أجهزة الشرطة والجيش والأمن , لكي لا تسهم في تشجيع الإرهابيين على ممارسة القتل الواسع أو الاغتيالات أو تنفيذاً لأوامر بعينها. كما إن تأكيده على ضرورة تنشيط العمل الاستخباري والتعاون مع المواطنين على أهميته لن يغير ولا يضعف من قوة تصريحه الفارغ بأن المعركة مع قوى الإرهاب قد انتهت. إن الصيحات التي انطلقت المطالبة بإقالة الناطق الرسمي باسم قيادة عمليات بغداد كان ينبغي لها أن تتصدى لتصريحات رئيس الوزراء وتطالبه بالتنحي إذ كان المبادر لها ولم يكن ضياء الوكيل إلا الصدى الباهت لتصريحات رئيس الوزراء 
إن المشكلة التي تواجه العراق هي بالأساس سياسية قبل أن تكون أمنية , فالأمن المفقود يشكل تعبيراً صارخاً عن غياب السياسة الصحيحة وغياب التفاهم والتعاون والتعاضد إضافة إلى الثقة المتبادلة المفقودة بين أطراف العملية السياسية في البلاد. ولأن رئيس الوزراء لا يمارس السياسة الصائبة الملتزمة بالدستور , فأن القوى والأحزاب الأخرى بدأت هي الأخرى تمارس سياسات غير صائبة ساهمت كلها في إدخال العراق في دوامة من الفوضى الفعلية والخراب وعدم إنجاز ما هو ضروري للشعب العراقي , سواء أكان في مجال التنمية أم مكافحة الفقر والبطالة أم في توفير الخدمات , ومنها الكهرباء حيث لا يحصل المواطن في المناطق العربية من العراق لأكثر من 6 ساعات في اليوم الواحد في هذا الصيف اللافح المعطل للقدرة على التفكير والعمل.
ولأن السيد رئيس الوزراء لا يتعامل مع القضية العراقية سياسياً بل أمنياً فقد نشأ لدينا الوضع التالي:
1.   تفاقم دور أجهزة الأمن والقوات الخاصة في العراق وسيطرت فعلياً , إذ تسنى لها من خلال سياسة رئيس الوزراء السيطرة غير المباشرة ولكن الفعلية على مفاصل الدولة والعمل السياسي.
2.   وأصبح دور العيون والجواسيس كبيراً في المجتمع العراقي بحيث لم يعد يطمئن الإنسان للكثير ممن يفترض فيه أن يطمئن لهم.
3.   وراح جهاز الأمن يغلغل أتباعه وعيونه في الأحزاب السياسية العراقية التي كلها لا تعمل على وفق القانون , إذ لا وجود لقانون يحكم تشكيل وعمل الأحزاب السياسية , وبدأت التقارير من داخل هذه الأحزاب تصل إلى قيادة الأمن وقيادة عمليات بغداد ومنها إلى مكتب رئيس الوزراء مباشرة.
4.   ثم اتسع عمل العيون والجواسيس وأجهزة الأمن ليشمل جمع المئات من الملفات الخاصة بعمل ودور وفعاليات وعلاقات الشخصية والرسمية للسياسيات والسياسيين العراقيين , وهي ملفات محفوظة في مكتب رئيس الوزراء. إلا إن الأحزاب السياسية التي تساهم في السلطة تمتلك هي الأخرى أجهزة أمن خاصة بها وتمتلك ملفات للقوى المضادة لها وللبعض من اتباعها أو تصل إليها ملفات السياسيات والسياسيين العراقيين العاملين في أجهزة الدولة أو في الأحزاب السياسية من أجهزة الأمن الحكومية عبر من يعمل لها لتكون أداة بأيديهم ضد خصومهم. ومن تابع الصراعات الأخيرة والتهديدات التي تفاقمت أدرك بأن الجميع يمتلك ملفات ضد الجميع العامل في العملية السياسية والتي يمكن أن تظهر في الفترة المناسبة لرئيس الوزراء أو لقادة الأحزاب السياسية. ومنها بدأت معركة التهديد بالكشف عن تلك الملفات السرية والتي لم يظهر منها إلا النزر اليسيير.
5.   والجدير بالذكر إن الأجهزة الأمنية العراقية والأجهزة الخاصة العاملة في الكثير من المجالات تعمل اليوم على وفق الأساليب التي كانت أجهزة أمن صدام حسين تمارسها وخاصة محاولة الإيقاع ببعض السياسيين أو السياسيات والتقاط افلام لهم أو تصويرهم في حالات غير طبيعية لكي تستفيد منها في ابتزاز الآخر.
6.   يضاف إلى كل ذلك ممارسة أساليب الإغراء بالمال والمناصب والسفرات والمكاسب الكثيرة الأخرى التي يمتلك الحكم أو حتى بعض القوى السياسية إمكانية ممارسة ذلك مع الآخرين.
نحن أمام هذه الأوضاع غير الطبيعية البعيدة كل البعد عن العمل السياسي المطلوب انتهاجه في العراق , وهي ناشئة عن طبيعة النظام السياسي القائم في العراق , نظام المحاصصة الطائفية والأثنية الذي لا يجوز أن يدوم وإن دام دمر لا محالة.
فما العمل أيها الأخ السيد رئيس الوزراء لمواجهة هذا الواقع الذي لكم حصة كبيرة جداً فيه؟
ليس أمامي الكثير من الاحتمالات لتقديم المشورة لكم للخلاص من هذا الواقع المعاش غير الإنساني الذي يكلف العراق خسائر بشرية ومادية واستمرار التخلف والأوضاع المزرية والمزيد من اتساع الفجوة في مستوى الدخل والمعيشة وظروف الحياة اليومية للناس. أمامي ثلاث احتمالات مترابطة لا خيار آخر سوى الاستمرار في الوضع القائم الذي يخدم الاستمرار في الحكم لفترة ولكنه على المدى المتوسط والبعيد يشكل المقتل السياسي لمن في السلطة:
1.   الاحتمال الأول : تخليكم عن الطائفية السياسية فكراً وممارسة , سواء أكان بالنسبة لكم أم لحزبكم الذي يقود السلطة في هذه المرحلة. وهذا يعني تحولكم صوب المواطنة العراقية التي تبتعد عن مسائل الأديان والمذاهب في تحديد هوية الإنسان , إذ إن هويته الأساسية هي كونه عراقي الهوية والهوى. 
2.   الاحتمال الثاني : تخليكم عن السلطة السياسية وفسح المجال لمجيء غيركم للسلطة من داخل التحالف الوطني , وهو الأمر الذي رفض من جانبكم حتى الآن.
3.   الاحتمال الثالث والأخير : توجهكم نحو تأمين مستلزمات إجراء انتخابات حرة ونزيهة ومبكرة على أن يتم ترتيب الأمور الضرورية التي تسبق الانتخابات. وأعني بذلك ما يلي : إصدار قانون ديمقراطي للأحزاب , إصدار قانون الانتخابات بتعديلات ديمقراطية ضرورية , تشكيل المفوضية المستقلة للانتخابات على اسس الاستقلالية والحيادية لأعضائها , وأخيراً إجراء الإحصاء السكاني الذي يمكن أن ينتهي بمدة شهرين حسب تصريحات السيد وزير التخطيط والسيد رئيس الجهاز المركزي للإحصاء. وحسب تتبعي لتصريحاتكم وافقتم على هذا المقترح , فما عليكم إلا الدعوة له شريطة التحضير لذلك بالإجراءات التي أشرنا إليها.
إن الاحتمال الأخير يسمح على التخلص من تلك المسائل التي أعاقت تشكيل الحكومة الحالية بعد انتخابات 2010 بسبب الاختلاف في عدد النواب ... الخ , إذ يمكن أن تنهي الانتخابات هذه المشكلة وتخلق أرضية لحكم الأكثرية ووجود أقلية تمارس دور المعارضة السليمة والسلمية الديمقراطية. ويمكن أن تتوفر للمجلس النيابي الجديد إمكانية تحديد السياسات التي يفترض ان تمارسها الحكومة الجديدة على وفق البرنامج الذي تطرحه وتحصل على موافقة مجلس النواب عليه.
لست مقتنعاً بقدرتكم على ممارسة المقترحين الأول والثاني , وما كتبته في السابق يكفي لتوضيح الأسباب , ويهمني أن تأخذوا بالمقترح الثالث والأخير. إنها عملية إنقاذ للعملية السياسية وللصراعات الدائرة والمحتدمة رغم محاولات البعض التهدئة , إذ تحت الغطاء الخفيف نيران مشتعلة. ليس بالضرورة أن تضمن الانتخابات القادمة تغييراً في السياسات الجارية ما لم يجر التغيير المنشود في الرؤية الواقعية للعراق الراهن , عراق الوطن والمواطنة الحرة والمتساوية.
أتمنى عليكم أن تدركوا بأنكم بهذه الخطوة تمارسون سياسة إطفاء الحرائق وبعكسها ستبقى النيران تحرق الأخضر بسعر اليابس , ويبقى المسؤول الأول هو رئيس ومجلس الوزراء مع عدم إعفاء بقية المشاركين في الحكومة عن المسؤولية, سواء أكانت أحزاباً أم كتلاً سياسية أم شخصيات مستقلة.
20/8/2012                        كاظم حبيب               


222
رسالة مفتوحة  موجهة إلى قيادة التحالف الكردستاني وقيادات الأحزاب المشاركة في التحالف وبقية الأحزاب السياسية الكردستانية

السيدات والسادة الأفاضل
أعلن في بغداد العاصمة عن موافقة الكتل البرلمانية الكبيرة , رغم الاختلافات الفكرية والصراعات السياسية الجارية في ما بينها منذ فترة طويلة , على رفض التعديلات المقترحة على قانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية والنواحي والتصويت على إبقاء التعديل الثاني على القانون رقم 36 لسنة 2008 دون تغيير. وهذا يعني مصادرة علنية لأصوات الناخبين إضافة إلى التفافه غير المشروع على القرار الصادر عن المحكمة الاتحادية الذي حكم بعدم دستورية الفقرة الرابعة من قانون تعديل انتخابات مجلس النواب رقم 16 لسنة 2005 ، التي تنص على "تمنح المقاعد الشاغرة للقوائم الفائزة التي حصلت على عدد من المقاعد بحسب ما حصلت عليه من الأصوات".

وإذا كانت جمهرة كبيرة من الناس , وخاصة القوى المدنية والديمقراطية العراقية وفي الخارج ايضاً تتوقع مثل هذا الموقف من جانب القوى غير المؤمنة بالديمقراطية وتتجه صوب الهيمنة على السلطة السياسية وعلى مجالس المحافظات , فأنها لم تكن تتوقع أن يصوت إلى جانب هذا القانون المتعارض مع الدستور العراقي ومع القيم الديمقراطية والحضارية تلك العناصر التي تتحدث باستمرار الديمقراطية عن الديمقراطية في التحالف الكردستاني وبقية النواب الكرد وكذلك بعض العناصر الديمقراطية في الكتل والأحزاب العراقية الأخرى الممثلة في مجلس النواب العراقي.
وعدم توقعها يستند إلى حقيقة أساسية مهمة هي أن القوى والعناصر الديمقراطية كانت وستبقى حليفة للشعب الكردي ومدافعة أمينة عن حقوقه المشروعة والعادلة , وإنها قدمت الكثير من الضحايا وتحملت الكثير من النوائب دفاعاً عن هذه الحقوق. كما إن الحركة التحررية الكردية وكذلك الشعب الكردي هما الحليفان الأساسيان للقوى الديمقراطية العراقية وبهما يمكن تحقيق النجاحات لصالح الشعب العراقي بكل قومياته. وحين يتفكك هذا التحالف تكون له عواقبه الوخيمة على الجميع. هذه الحقيقة هي واحدة من اهم دروس العقود المنصرمة في العراق , وخاصة منذ النصف الثاني من القرن العشرين.
كان الديمقراطيون العراقيون وراء تشكيل التجمع العربي لنصرة القضية الكردية وهم يشكلون المحرك الفعلي والمباشر لهذا التجمع وهم الذين استطاعوا كسب الكثير من المواطنات والمواطنين العرب لصالح الوقوف إلى جانب قضية الشعب الكردي لأن الديمقراطيين العراقيين قد ادركوا منذ وقت مبكر وبحس إنساني عميق أهمية وجود حاجة لمثل هذا التجمع دفاعاً عن القضية الكردية وعن الشعب الكردي صاحب هذه القضية. إضافة إلى الدفاع عن قضية الشعب الكردي في أقاليمه الأخرى.
ولا شك في أن التجمع يتابع تطور الأحداث السياسية في العراق ويدرك مخاطر التوجه صوب الفردية والاستبداد في نظام الحكم أو الرغبة في الهيمنة والابتعاد عن الديمقراطية أو سن قوانين غير ديمقراطية لا تساعد على إيجاد الأجواء الضرورية لانتعاش الحياة الديمقراطية والمساواة وروح المواطنة الحرة والمتساوية في المجتمع والدولة العراقية, إضافة إلى انتهاكها لحقوق المواطنة والانتقاص الجدي من النظام الفيدرالي واللامركزية. وهذا الموقف يتعارض مع القول بأن الشعب الكردي يرفض العيش في ظل الدكتاتورية , إذ إن مثل هذه المواقف تقود , شاء الإنسان أم ابى , إلى الاستبداد والقهر السياسي والاجتماعي. 
من هنا نشأ استغرابنا من موافقة وتصويت النواب الكرد إلى جانب القانون غير الديمقراطي والتمييزي والمتعارض مع حقوق الإنسان واللائحة الدولية والعهود والمواثيق الدولة الخاصة بشرعة  حقوق الإنسان لأنه يتعارض مع مصالح الشعب الكردي ذاته.
إن حرصنا على التفاعل الديمقراطي بين مكونات الشعب العراقي القومية والسياسية , وحرصنا على سن قوانين ديمقراطية تسمح للإنسان العراقي بالإدلاء بصوته واحتسابه بشكل سليم ودون هدر لحقوقه بأي شكل كان , وحرصنا على تحقيق التضامن العربي الكردي بالاتجاهين , هو الذي يدفعنا اليوم إلى توجيه هذه الرسالة إلى الأخوات والأخوة الكرد في قيادات الأحزاب السياسية الكردستانية في إقليم كردستان للتضامن من أجل إلغاء هذا القانون أو المشاركة في رفع دعوى لإلغاء القانون أمام المحكمة الاتحادية بما يساعد على تشكيل حركة شعبية تضمن إجراء التعديلات المناسبة عليه ليكون قانوناً ديمقراطياً يحقق مصالح الشعب العربي والشعب الكردي والقوميات الأخرى في العراق. إننا بهذه الرسالة نعبر عن رأي أعضاء التجمع العربي لنصرة القضية الكردية من النساء والرجال الذين ينتظرون مواقف أخرى من أعضاء مجلس النواب الكرد تدفع البلاد باتجاه الحياة الديمقراطية وسن قوانين ديمقراطية لصالح بناء دولة مدنية وديمقراطية اتحادية وقانون انتخابات ديمقراطي حر يضمن النزاهة والعدالة في آن. 
مع وافر الاحترام   
الأمانة العامة
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية
8/8/2012


223
كاظم حبيب
تعلم من دروس الماضي يا رئيس وزراء العراق!!
يشكل تاريخ بلد مثل العراق , كحال بقية بلدان العالم , وحدة واحدة مترابطة عضوياً ومتفاعلة في العلاقة الجدلية بين الماضي والحاضر والمستقبل , رغم إن الماضي بأحداثه السالفة أصبح في خبر كان , ولكن نتائج أو عواقب السياسات والإجراءات والسلوكيات والطباع المتأصلة , إضافة إلى التقاليد والعادات الموروثة , تبقى فاعلة ومؤثرة في الحاضر وتتجلى بوضوح في حياة وسلوك الفرد والقوى والأحزاب السياسية والمجتمع. كما لعبت الأيديولوجيات دورها البارز في الماضي , فإنها تلعب دورها في الحاضر وستمارس دورها وتأثيرها في المستقبل أيضاً.
والماضي بأحداثه الفائتة يمكن أن يساهم في تجنيب الفرد والقوى والأحزاب والحكومات والمجتمع في الحاضر والمستقبل حين يدرس بعناية وموضوعية كبيرتين وحين يتم وعي واستيعاب دروس الماضي وعبره ويستفاد منها في وضع السياسات واتخاذ الإجراءات على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية. ويحتل أهمية استثنائية وعي الدروس والتعامل معها بعناية كبيرة حين يكون هذا الفريق السياسي أو ذاك يمسك بزمام الحكم في البلاد.
التجارب المنصرمة تشير بما لا يقبل الشك بأن النزوع إلى السلاح لحل المشكلات القائمة والمستعصية أو ممارسة القتال وخوض الحرب على الصعيدين الداخلي والخارجي لن يعالج المشكلات القائمة بل يزيدها تعقيداً ويخلق مشكلات إضافية للدولة والحكومة والمجتمع , في حين أن الجلوس إلى طاولة الحوار والتفاوض بروح سلمية وديمقراطية وباستعداد كامل ومتبادل للمساومة لصالح الجميع هو الدرب الوحيد المفضي إلى نتائج جيدة ويبعد عن المجتمع العواقب السيئة.
وحين يعود الإنسان إلى أحداث العقود الخمسة المنصرمة على أقل تقدير, دع عنك عقود العهد الملكي , سيتيقن من هذا الدرس المهم. وهذا الدرس يمس بالدرجة الأولى الموقف من القضية الكردية ومن نضال الشعب الكردي في سبيل حقوقه القومية المشروعة. فسياسة شن الحرب ضد الشعب الكردي لم تنته بالفشل الذريع فحسب بل وقادت إلى ثلاث عواقب سيئة جداً هي:
1 . المزيد من القتلى والجرحى في صفوف الشعب الكردي وفي صفوف قوات الجيش العراقي من جهة ومزيد من الدمار والخراب الاقتصادي وتعطل التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتنامي البطالة والفقر وتدهور الخدمات العامة من جهة أخرى , وخسارة المليارات من الدولارات الأمريكية في الصرف على تلك الحروب من جهة ثالثة.
2 . سقوط النظم السياسية التي شنت الحروب أو تسببت في نشوبها , لأن تلك الحروب لم تكن غير عادلة ولا معبرة عن مصالح الشعب العراقي ولا مجسدة لطموحاته وتطلعاته فحسب , بل وكانت ظالمة وحملت الشعب العراقي كله ما لا طاقة له.
3 . تفاقم المشكلات التي كانت قائمة وتعقدها أكثر ونشوء مشكلات جديدة قادت إلى مطالب وشعارات جديدة واستحقاقات جديدة.   
والسؤال العادل هو: هل تعلم رئيس الوزراء العراقي الحالي من هذه الدروس؟
إن السنوات الثلاث الأخيرة , والأشهر الأخيرة بشكل خاص , تؤكد بما لا يقبل الشك إن رئيس الوزراء العراقي لم يتعلم من دروس الماضي ليس في مجال العلاقة مع الشعب الكردي فحسب , بل ومن مجمل دروس الماضي بما في ذلك الموقف من الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان , ومن التداول السلمي والديمقراطي للسلطة ... الخ , وأنه لا يريد أن يتعلم حتى الآن رغم كل الكوارث السابقة!
فمنذ سنوات لا يتشبث رئيس الوزراء بالسلطة فحسب , بل يسعى بكل السبل إلى محاولة صرف الأنظار عن المشكلات الداخلية المتفاقمة في محافظات الوسط والجنوب وبغداد والموصل وكركوك وعجزه عن حل عملي لأبرز تلك المشكلات والتي يعاني منها المجتمع الأمرين من خلال إثارة الصراع وإشاعة التوتر السياسي مع إقليم كردستان العراق وإرسال بعض الوزراء والنواب والشخصيات السياسية من حزب الدعوة الإسلامية لإثارة الشعب ضد حكومة إقليم كردستان العراق. وآخر إجراء قام به هو إرسال وحدات من الجيش العراقي إلى منطقة الحدود العراقية السورية في إقليم كردستان العراق لأخذ مواقع لها دون التنسيق المتفق عليه مسبقاً منذ العام 2007 مع حكومة الإقليم وقوات البيشمركة التي هي جزء من القوات العراقية. لقد كُلفت قوات البيشمركة بمهمة حراسة الحدود وهي تقوم بذلك على افضل وجه ممكن منذ سنوات وبالتالي لم يكن ضرورياً إرسال تلك الوحدات دون الاتفاق المسبق مع المسؤولين هناك حول مدى الحاجة إلى تعزيز تلك القوات بقوات عراقية إضافية أو بالسلاح.
لقد أشرت في مقال سابق لي إلى ملاحظاتي النقدية حول سياسة حكومة الإقليم ولست بحاجة إلى تكرارها. إلا إن هذه المشكلات لا تعالج بالعفترة والاستفزاز وإرسال القوات المسلحة , بل بالجلوس إلى طاولة المفاوضات وإيجاد حلول عملية للمشكلات القائمة بدلاً من تصعيدها , وإلى عقد المؤتمر الوطني الواسع , الذي دعا له الحزب الشيوعي العراقي أولاً ثم جرى تبنيه وطرح بشكل مستمر من جانب السيد رئيس الجمهورية , إذ يفترض في هذا المؤتمر أن يجد الحلول المناسبة للمشكلات القائمة مهما كانت معقدة وإرساء الوضع على اسس أفضل , بما في ذلك قضية المحاصصة الطائفية المقيتة التي يراد الآن تشكيل المفوضية "المستقلة" للانتخابات" على غرار ذات المحاصصة السيئة الصيت , فماذا يبقى من استقلاليتها يا سادة المحاصصة! 
إن هدف رئيس الوزراء العراقي بإرساله القوات المسلحة العراقية إلى الحدود العراقية السورية هو ممارسة دور القوات السورية في منع الهاربين من طغيان النظام السوري وأجهزته العسكرية القمعية من دخول الحدود العراقية من جهة , ومنع المناضلين الكرد أو العرب السوريين من الدخول إلى سوريا لمساندة نضال شعبهم هناك من جهة أخرى , وهي مهمة غير مشرفة في كل الأحوال لا لرئيس الوزراء العراقي ولا للجيش العراقي , في حين احتضن الشعب السوري المعارضة العراقية طيلة عقود الطغيان البعثي في العراق واحتضن حزب الدعوة ورئيس الوزراء العراقي الحالي أيضاً.
إن رئيس الوزراء ورئيس حزب الدعوة الإسلامية يرتكب أفدح الأخطاء ويلحق أكبر الضرر حين يوافق على تنفيذ السياسة الإيرانية إزاء الشعب الكردي في العراق أولاً , وإزاء الوضع في سوريا وضد إرادة الشعب السوري ثانياً , وحين يحاول تصريف أزمته الداخلية وتراجع شعبيته ودوره ومكانته في التحالف الوطني من خلال إثارة الزوابع ضد إقليم كردستان العراق والتورط بتأييد الدكتاتورية البعثية المجرمة في سوريا.
إن من يحلم بتحقيق التحالف مع إيران لضرب الفيدرالية في إقليم كردستان وتصفية الحركة التحررية الكردي ينتهي إلى ذات المصير الذي أنتهى إليه صالح مهدي عماش الذي قال حينها بأن الحرب في كردستان ليست سوى نزهة ربيعية لا غير, وإلى ما انتهى إليه صدام حسين وعلي حسن المجيد وكامل الرهط البعثي القيادي المجرم.
إن على رئيس الوزراء أن يعي الحكمة القائلة : "ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع" , و "لو دامت لغيره لما وصلت إليه" , عليه ان يعي بأن المشكلات كافة يمكن حلها بالطرق السلمية والتفاوضية , وعليه أن يعي أيضاً بأن سياسة المحاصصة الطائفية التي ينتهجها لن تقود إلى صلاح المجتمع والبلد وتقدمهما بل إلى المزيد من المشكلات والعثرات والأزمات ومن ثم الهرولة للحاق برئيس حزبه السابق إبراهيم الجعفري الذي تجبر ومارس الطائفية بأسوأ وأفدح أشكالها وكانت الحصيلة إجباره على ترك سدة الحكم , وعليه أن يعي ايضاً بأن شعار "أخذناها بعد ما ننطيها!" سينتهي لصالح الشعب والمواطنة كما انتهى قبل ذاك شعار"القائد الضرورة!" صدام حسين حين هّرج قائلاً "جئنا لنبقى!".     
2/8/2012                        كاظم حبيب               
   
 

224
نداء إلى المثقفات والمثقفين الكرد
¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬====================
صوت أعضاء مجلس النواب الكرد يوم الأربعاء المصادف 1/8/2012 إلى جانب قانون انتخابات مجالس المحافظات الذي يبتعد تماماً عن القيم الديمقراطية التي يفترض فيها أن تحكم الانتخابات في بلد يسعى  شعبه بكل قومياته إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية اتحادية يمنع فيها ممارسة الأساليب غير الديمقراطية التي تساهم في تزوير الانتخابات والتجاوز على اصوات الناخبين وحقوقهم في انتخابات نزيهة ودستورية. في حين أن القانون الجديد يتقاطع تماماً مع الدستور العراقي ومع القيم والتقاليد الديمقراطية ويتنافى مع لائحة حقوق الإنسان.
إننا إذ نضع أمام أنظاركم هذا الفعل غير الديمقراطي من جانب النواب الكرد, ندعوكم إلى رفع اصواتكم ضد القانون الصادر عن مجلس النواب العراقي ودعوتهم إلى تأييد إلغاء هذا القانون المجحف بحقوق المواطنة العراقية, خاصة وأن النواب الكرد يتحدثون دوماً عن الديمقراطية وحقوق الإنسان, في حين انهم مارسوا ما تقاطع مع هذا الادعاء.
إننا نطالبكم أن توقعوا مع الدعوة القضائية التي سيرفعها مثقفون ومثقفات في العراق إلى المحكمة الاتحادية ضد هذا القانون وطلب إعادة النظر فيه وتعديله بما يتجاوب مع الدستور العراقي ولائحة حقوق الإنسان.
إننا بانتظار أن تتخذوا الموقف الجريء الذي عودتمونا عليه والذي يتناغم مع ضمائركم وأنتم الذين حملتم مع المثقفين والمثقفات العرب وبقية القوميات راية النضال ضد الدكتاتورية وفي سبيل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
لا نريدكم أن تكونوا ضد أحزابكم السياسية, ولكن نريد لكم أن تتعاملوا باستقلالية تامة في مواقفكم إزاء قضية الديمقراطية التي تمس جميع محافظات العراق, بما فيها المحافظات الكردستانية العراقية.
ندعوكم لرفع أصواتكم مع اصوات أخوتكم في بغداد والبصرة وبابل وكربلاء والناصرية والديوانية وغيرها من محافظات ومدن العراق في رفض ترويض المجتمع بقوانين وقرارات مناهضة للديمقراطية.
إن القوى الديمقراطية في العراق هي الحليف الفعلي لحركة التحرر الكردية, والعكس صحيح ايضاً. وأملنا أن لا يخذلنا المثقفون والمثقفات الكرد بعد أن خذلتنا القوى السياسية الكردستانية في موافقتها على قانون انتخابات مجالس المحافظات رغم وقوفنا الدائم إلى جانب القضايا العادلة للشعب الكردي دون منة منا أو فضل ندعيه على الشعب الكردي.
أتمنى عليكم أن تقفوا في مثل هذه المحن تلك الوقفة المشهودة لكم في النضال المشترك ضد الدكتاتورية الغاشمة ومن أجل "الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان" أو الفيدرالية لكردستان فيما بعد, وكذلك حين وقعتم على بيان رفضتم فيه ممارسة الإرهاب ضد القوى الديمقراطية واعتقال المتظاهرين...الخ.
ونحن بانتظار مواقفكم النبيلة.    

التواقيع                  المهنة                الدولة
كاظم حبيب              كاتب وباحث وسياسي              ألمانيا/العراق


225
كاظم حبيب
العراق: الحريات الديمقراطية أولاً ...و فاقد الشيء لا يعطيه!!
هذا هو الشعار المركزي الذي رفعته الحركة الشعبية العراقية التي انطلقت في شهر شباط/فبراير 2011, "الحريات الديمقراطية أولاً". بادرت جريدة المدى إلى رفعه لأنها أدركت منذ البدء مخاطر السقوط في مستنقع معاداة الديمقراطية والتجاوز على حقوق وحريات الشعب, ثم ارتفع هذا الشعار في ساحة التحرير وفي ساحات مدن عراقية كثيرة أخرى منذ الخامس والعشرين من شهر شباط/فبراير 2011. ولا شك في أن عشرات الشعارات الأخرى ترتبط وتقترن عضوياً وبصورة مباشرة بهذا الشعار المركزي, إذ حين تغيب الحريات الديمقراطية العامة تغيب معها مصالح الفرد والمجتمع والوطن عموماً, وحين تسود الحريات الديمقراطية يبدأ الشعب وعلى أسس سليمة تحقيق بقية الشعارات التي تمس مصالحه اليومية الحياتية. ولم يكن اعتباطياً او عفوياً أو عبثياً حين ارتفع هذا الشعار في ساحة التحرير وعلى صفحات جريدة المدى وبعض الصحف الأخرى والمواقع الإلكترونية, بل جسد حينها وما يزال يجسد حاجة وضرورة موضوعية للشعب العراقي بكل قومياته, إذ لا يمكن العيش الطبيعي بدونها من جهة, ولأن الكثير والكثير جداً من بنات وأنباء الشعب بدأوا يشعرون بالتراجع المنظم للحريات العامة التي انطلقت وفرضت نفسها في أعقاب الحرب وفرض الاحتلال على العراق من جهة أخرى, ولأنهم يدركون بأن الاستبداد المنظم يبدأ بمثل هذه السلوكية والإجراءات القمعية من جانب الحكم وأجهزته الأمنية حيث تبدأ بمصادرة تدريجية للحريات العامة ثم تتفاقم بمنع وضرب المظاهرات والاعتصامات والإضربات وتنفيذ عمليات اعتقال كيفية للمشاركين في تلك المظاهرات بعد التقاط صور المتظاهرين ونشر العيون والجواسيس في صفوفهم ثم تتواصل بممارسة التعذيب والقتل ثم تنتهي بالحاكم الفرد المطلق. وتجربتنا مع عدد غير قليل من حكام العراق في الماضي وفي الوقت الحاضر تؤكد هذه الحقيقة المرة.
لم يكن عفوياً ولا سبق لسان, بل قالها بوعي وإصرار تامين علي الأديب, نائب رئيس حزب الدعوة الإسلامية ووزير التعليم العالمي حالياً, حين أكد في لقاء تلفزيوني مع قناة الحرة بأن حزب الدعوة الإسلامية لا يؤمن بفلسفة الديمقراطية بل يعتبرها أداة سياسية للوصول إلى السلطة. إن هذا يعني بوضوح تام بأن حزب الدعوة وقادة حزب الدعوة ومنهم على الأديب ونوري المالكي وإبراهيم الجعفري وغيرهم لا يؤمنون بالديمقراطية بل هي مجرد أداة يصلون بواسطتها إلى السلطة, ثم تتحول إلى هذه الأداة إلى المقولة الشهيرة لنوري المالكي حين طمأن بعض الشيوخ الخائفين من فقدان السلطة السياسية إذ أكد لهذا البعض ولحزبه "أخذناها بعد ما ننطيها!". ومن هنا تنطبق الحكمة المتداولة في العراق والعالم العربي بأن "فاقد الشيء لا يعطيه". إذ لا يمكن لرجل غير ديمقراطي أن يحكم العراق ويمنح الشعب حريته وحياته الديمقراطية.
إن السياسات التي يمارسها نوري المالكي على صعيد الوطن كله, وإجراءاته الزجرية والإرهابية في المحافظات المختلفة, كما حصل ويحصل في البصرة والديوانية مثلاً, وكذلك ما يجري اليوم من تدخل فظ ومخالف للدستور العراقي في النقابات العمالية وتجاوزات السلطة وأجهزتها الأمنية وشبيحتها على حرية الانتخابات وحرية العمل النقابي يؤكد بما لا يقبل الشك بأن العراق يسير على طريق أعوج , "درب الصد ما رد" إذ سينتهي, ما لم تبادر القوى الواعية لهذه المسيرة الخطرة في التصدي للمالكي وقادة حزبه الذين يصرون على سلوك الدرب نفسه الذي قاد العراق إلى كوارث مروعة وكلف العراق أكثر من مليون إنسان وإلى الخراب والدمار الشاملين وإلى خسارة مئات المليارات من الدولارات الأمريكية, إلى دكتاتورية طائفية سياسية مروعة.
يقول المثل العراقي "لا تنتظر من بارح مطر ولا شفاثة عافية", وهو ما لا ينتظره الناس من تحول حزب طائفي وقائد طائفي ين ليلة وضحاها إلى شخصية لا تؤمن بالطائفية وغير متعصبة لمذهبها ضد المذاهب الأخرى ولا تكافح العلمانية والحداثة والماركسية ولا تذكر بـ "أمجادها" في محاربة عبد الكريم قاسم والنظام الجمهوري الأول والتعاون التام لإسقاطه.
إن البعض من الديمقراطيين العراقيين واهمون حقاً حين يحولون أوهامهم إلى رغبات وتمنيات والتمنيات إلى تصريحات وشعارات تشير إلى احتمال كبير في أن يتحول نوري المالكي إلى رجل ديمقراطي ويؤمن بالمواطنة العراقية ويشكل حكومة غير طائفية وبعيدة عن المحاصصة الطائفية, وهذا البعض لا يختلف بل يماثل تماماً ذلك البعض الذي توهم وحول وهمه إلى شعار أكد فيه: تحول صدام حسين إلى فيدل كاسترو, والسير معاً لبناء الاشتراكية!! فجاءت الكوارث تلو الكوارث لتؤكد صحة هذه المقولةّ الشوهاء!
علينا ان نتعلم من دروس الماضي وأن ندرك صحة الحكمة القائلة بأن "فاقد الشيء لا يعيطه" و "لا تنتظر من شفاثة عافية", ولا تنتظر من طائفي يميز بين الطوائف والأديان في السياسة والحكم أن يتحول إلى مجسد للهوية الوطنية ومفهوم المواطنة. لقد كان صدام حسين يقول بصراحة تامة ومن دون لف أو دوران إنه على استعداد لركوب أي موجة كانت, يسارية أو أقصى اليسار أو يمينية أو أقصى اليمين ليكون بطلها لكي يبقى في السلطة. وأخونا المالكي قد اقسم أغلظ الإيمان بأنه "أخذها بعد ما ينطيها" ومستعد أن يمارس كل أنواع "التقية" لكي يبقى في السلطة!! ولا يقول صراحة ما قاله صدام حسين ولكنه يمارس ذلك تدريجياً.       
 1/8/2012                         كاظم حبيب   



226
كاظم حبيب

ملاحظات حول مقال الزميل الأستاذ حمزة الجواهري الموسوم "تهريب النفط أهون الشر"

نشر الزميل الأستاذ حمزة الجواهري يوم أمس مقالاً تناول فيه موضوع اتفاقيات النفط  التي عقدتها حكومة إقليم كردستان العراق في الإقيم وفي المناطق المتنازع عليها وكذلك عن العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم. وقد تكونت لديَّ بعض الملاحظات التي وجدت مناسباً الكتابة عنها, إذ إنها تمس مصالح الشعب العراقي بكل قومياته. وقد ابديت العديد من الملاحظات في مقالات سابقة نشرت في صحافة الإقليم وباللغة العربية والكردية أم في المواقع الإلكترونية أو في أحاديث مباشرة مع القوى المشاركة في حكومة الإقليم. وأود هنا أن اركز على الملاحظات الأساسية وليس على تفاصيل ما ورد في المقال, والتي تتلخص في النقاط التالية:
1 . الملاحظة الأساسية تتعلق بصواب ملاحظة الزميل الجواهري حول الاتفاقيات النفطية التي عقدتها حكومة الإقليم خلال السنوات المنصرمة وفي أعقاب سقوط الفاشية مع عدد كبير من شركات النفط الاحتكارية الأجنية لا تتفق شكلاً ومضموناً مع النص الدستوري العراقي كما تتعارض مع النص الدستوري الخاص بوجود إقليم كردستان الفيدرالي ضمن وفي إطار الدولة العراقية الاتحادية. إن النفط في العراق كله هو ملك للشعب العراقي كله أولاً, وإن السياسة النفطية تخضع للحكومة الاتحادية ثانياً, وإن عوائد استخراج وتصدير النفط الخام توزع من خلال الحكومة الاتحادية ثالثاً, بالتالي لا يجوز لحكومة الإقليم أن تعقد اتفاقيات نفطية خارج الاتفاق المسبق مع الحكومة الاتحادية وموافقتها رابعاً. 
2 . إن الاتفاقيات النفطية المعقودة بين شركات النفط الاحتكارية الأجنبية وبين حكومة الإقليم لا تخضع لمعايير الدولية في موضوع عقود المشاركة في الإنتاج من ناحيتين: أ- من حيث صيغ الاتفاقيات التي لم تأخذ مصالح العراق بنظر الاعتبار, وب – ومن حيث كون العراق لا يحتاج من حيث المبدأ إلى عقد اتفاقيات مشاركة في الإنتاج, بل إلى عقود خدمة وهي بدورها ليست في صالح الإقليم والعراق عموماً, في حين إن عقود الحكومة العراقية هي عقود خدمة وذات أفضلية كبيرة للعراق, بغض النظر عن بعض الملاحظات التي أوردها المختصون بشؤون النفط حول اتفاقيات الحكومة الاتحادية, والي هي صائبة من حيث المبدأ, ولكنها تبحث في جوانب أخرى من تلك الاتفاقيات. 
3 . إن العقود النفطية الموقعة بين حكومة الإقليم وشركات النفط الأجنبية تسمح لهذه الشركات بتحقيق نسبة ارباح عالية جداً تفوق عدة أضعاف ما تحققه تلك الشركات وغيرها من العقود المبرمة مع الحكومة العراقية ببغداد. وهي تُحمَّل الطرف العراقي بكل قومياته أو الشعب العراقي عموماً خسائر مالية فادحة حقاً لا يمكن القبول بها ولا يجوز عقدها, إذ أن هناك دراسات علمية محايدة وصادقة تؤكد مواطن الخلل في اتفاقيات النفط التي أبرمها ووقعها الإقليم.
4 . إن العقود المبرمة بين حكومة الإقليم وشركات النفط الأجنبية ذات طبيعة سياسية وليست اقتصادية, مما لا يساعد على هضم تلك العقود الموقعة لأنها في غير صالح الاقتصاد العراقي عموماً والكردستاني خصوصاً ولا يحتاجها الإقليم في الظروف الجديدة التي نشأت في العراق, رغم المصاعب التي تحيط بالعملية اسياسية برمتها ومشكلات وجود نظام سياسي طائفي أثني.
5 . ليس هناك في إقليم كردستان من لا يتحدث عن تهريب النفط, بل كثرة من الناس, ومنهم كثرة من الاقتصاديين الذين التقيت بهم في أربيل والسليمانية, وكذلك الناس الاعتياديين يتحدثون عن هذا الموضوع. ولا يمكن أن لا يكون هذا الدخان الكثيف بدون نار, بغض النظر عما إذا كان هناك تهريب للنفط في مناطق أخرى من العراق (وسط وجنوب العراق) أيضاً, إذ إن الحالتين تعبران عن فساد مرفوض قطعاً.
6 . بغض النظر عن رأيي أو رأي الآخرين بما اتفق على تسميته بالمناطق المتنازع عليها, لا يجوز لأي طرف عقد اتفاقيات نفطية فيها إلا باتفاق الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم, إذ إنها مخالفة صريحة لبنود الدستور من جهة, وتثير الكثير من الإشكاليات الجديدة وتعقد اللوحة السياسية العراقية التي هي معقدة بالأساس من جهة ثانية, وتفسح في المجال لصراعات إضافية لا مبرر لها بأي حال.
7 . إن بعض السياسة التي مارستها وتمارسها حكومة الإقليم والعديد من تكتيكاتها في عدد من القضايا المهمة, تساهم, كما أرى, في نشوء عواقب سلبية لا بد من وضع اليد عليها:
أ‌.   إنها تضعف من تأثير سلبيات السياسة الحكومية العراقية على أذهان الناس الاعتياديين ولا تكشف عن أخطائها القاتلة, لأن هذه السياسات وتلك التكتيكات خاطئة ومتعجلة وغير مدروسة بعناية أو ردود فعل حادة في غالب الأحيان, وخاصة في مجال النفط وإجازات الاستيراد أو بعض التصريحات المثيرة للجدل حتى داخل إقليم كردستان العراق ومنها التحالف الثلاثي الأخير, على سبيل المثال لا الحصر.
ب‌.   إن هذه السياسات تثير اصدقاء الكرد التقليديين من العرب العراقيات والعراقيين الذين وقفوا وما زالوا يقفون إلى جانب حق الشعب الكردي في تقرير مصيره وناضلوا مع الكرد في سبيل الديمقراطية للعراق والحقوق القومية العادلة للشعب الكردي. إنهم يخشون على المكاسب العادلة التي تحققت للإقليم والتي لا يجوز التفريط بها من خلال اندفاعات غير مدروسة.
ت‌.   إذ إنها تعطي الانطباع وكأن الكرد على وشك الانفصال, في حين إن الشعب الكردي يدرك والعرب يعرفون أيضاً بأن هذه القضية غير واردة حالياً ولفترة طويلة قادمة, وبالتالي فإن إثارة المشاعر وإعطاء انطباع خاطئ يثير المزيد من المشكلات بدلاً من حلها ويقلل من القدرة على المساومة المطلوبة والحلول العقلانية الممكنة للمشكلات القائمة, فالسياسة فن الممكنات.
ث‌.   إن السياسة التي تمارسها حكومة الإقليم لا تشير إلى وجود تنسيق بين الحزبين الرئيسيين الحاكمين في الإقليم, الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني, وبالتالي تثير للطرفين متاعب غير قليلة كما حصل في الآونة الأخيرة, وخاصة في الموقف من رئيس الوزراء نوري المالكي وسياساته وقضية سحب الثقة والاستجواب, رغم إن التنسيق الجيد والتعاون الوثيق بينهما ومع بقية القوى الكردستانية والقوى اسياسية الأخرى على صعيد العراق كله, وخاصة القوى الديمقراطية يسهم في الابتعاد عن الاخطاء التي تثير إشكاليات إضافية. 
ج‌.   إن التحالف الأخير بين الأطراف الثلاثة: الحزب الديمقراطي الكردستاني والقائمة العراقية وكتلة الأحرار (مقتدى الصدر), هي بالأساس, كما أرى, كان فخاً إيرانياً فظاً ومدروساً بعناية من جانب الطرف الإيراني وبالتنسيق مع قوى عراقية إسلامية سياسية, وخاصة مع مقتدى الصدر, وغيره, كان ينبغي أن لا يقع فيه الحزب الديمقراطي الكردستاني, وكان هذا الفخ اللعين في صالح المالكي حتى الآن رغم كل سياسات المالكي الخاطئة والمضرة.
ح‌.   لقد أهمل التحالف الكردستاني عموماً قوى التيار الديمقراطي في العراق, في حين شكل ولسنوات طويلة جزءاً من هذا التيار, وبالتالي ساهم, شاء ذلك أم ابى, في إضعاف هذا التيار, وفي تعزيز قوى الإسلام السياسي. وإذا كان ميزان القوى السياسية في العراق قد فرض ذلك حتى قبل إسقاط النظام, فإن التعاون معغ قوى التيار الديمقراطية كانت وستبقى ضرورية, إلا إذا رأي التحالف الكردستاني إنه خارج إطار قوى التيار الديمقراطي العراقي, لأنه قوى قومية كردية فقط وهو في السلطة ولأنه يمارس الحكم الآن ولا يحتاج لمساندة القوى الديمقراطية العراقية التي كانت الحليف الدائم للقضية الكردية والشعب الكردي.     
خ‌.   أشعر بصدق وبمسؤولية كبيرة بأن على قادة الأحزاب والقوى السياسية الكردستانية, وبشكل خاص قوى التحالف الكردستاني, ورئاسة وحكومة الإقليم, أن يعيدوا النظر بسياساتهم إزاء جملة من الأمور التي تستوجب ذلك وإجراء تعديل في الخط السياسي العام والتكتيكات اليومية لكي لا تندفع السياسة باتجاه التطرف الذي يضعف الوحدة الوطنية العراقية الضرورية, كما لا يسهم في إيجاد ارضية اوسع لعلاقات أمتن مع حلفاء القضية الكردية التقليديين من العرب وغيرهم, واعني بهم القوى الديمقراطية العراقية. كما إنه يسهم ويساعد قوى ودول الجوار في التأثير السلبي على مجمل الوضع في العراق وعلى مكاسب الشعب الكردي التي يفترض أن تكون جزءاً من مكاسب الشعب العراقي, وأن يجري اهتمام من جانب الكرد بمصالح العرب التي تساهم في تعزيز التضامن النضالي في المرحلة الراهنة. 
لا أحتاج هنا أن أعيد ذكر مواقفي الواضحة من سياسات المالكي ومن طبيعة النظام السياسي المحاصصي القائم, طائفياً وأثنياً, الثقيلة جداً على الشعب العراقي والمجتمع المدني وروح المواطنة والصالح العام, إذ إن كتاباتي بهذا الشأن يومية تقريباً ولن أكف عن الكتابة فيها إلى أن يتغير مسار الحكومة الاتحادية ايضاً ويحصل التغيير صوب الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية الحديثة.     
أشير هنا أيضاً إلى أن بعض أبرز ملاحظاتي المذكورة في أعلاه لم أخفها عن السادة المسؤولين وبعض قادة الأحزاب السياسية في إقليم كردستان العراق وكذلك في مقالاتي السياسية والاقتصادية المنشورة في الصحافة الكردستانية وفي عشرات المواقع الإلكترونية أو في الأحاديث المباشرة عن العلاقة العربية – الكردية في العراق.
أتمنى أن تؤخذ ملاحظاتي بنظر الاعتبار لأنها تنطلق من موقع الحرص والصداقة الخالصة للشعب الكردي ومن إدراكي لمجرى الأوضاع والمخاطر التي تحيط بالعراق ووعيي لأهمية تدقيق السياسات باستمرار, ومن موقع المواطنة المشتركة والمهمات التي يفترض أن تكون مشتركة بالنسبة للقوى الديمقراطية العراقية.   
29/7/2012                      كاظم حبيب
   

227
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية
بيان استنكار التهديدات التركية باجتياح المدن الكردية السورية

صرح رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان مستخدماً أسلوبه الديماغوجي الفظ حين هدد باجتياح عدد من المدن السورية ذات الأكثرية الكردية بذريعة إن الحكم السوري قد سلم هذه المدن للمتمردين الكرد من أعضاء حزب العمال الكردستاني PKK, وهو ادعاء باطل وافتراء صارخ لا يمكن ولا يجوز قبوله, إذ إنه يسعى من خلال ذلك التأثير السلبي على نضال الشعب الكردي للخلاص من الدكتاتورية الغاشمة التي أغرقت البلاد بالدم والدموع وإلى شق وحدة الصف الوطني السوري الضرورية لمواجهة الدكتاتورية الغاشمة.
لقد فقد الشعب السوري أكثر من 18 ألف شهيد, إضافة إلى أضعاف هذا العدد من الجرحى والمعوقين خلال مسيرته النضالية الأخيرة ضد الدكتاتورية الغاشمة. وقد تسنى له أن يطرد القوات السورية المدججة بالسلاح من بعض المدن في المناطق الكردية من سوريا. رغم إن المعارك ضد قوات النظام الدكتاتوري لم تنته بعد وما زال الخطر يهدد تلك المدن وغيرها من المدن السورية. إلا إن هذا الأمر قد اقلق الشوفينية التركية وحرك رئيس وزراء تركيا ليدعي بأن القوى الكردية المناضلة في هذه المدن هم من أتباع حزب العمال الكردستاني, وهي ذريعة بائسة لشن عدوان تركي ضدها.
إن نضال الشعب السوري بعربه وكرده يشكل حجر الزاوية في تحقيق النصر في هذه المعارك الدموية التي فرضتها الطغمة المستبدة الحاكمة على قوى المعارضة السياسية وعلى الشعب السوري كله. كما إن الشعب الكردي في سوريا قد شارك منذ اللحظات الأولى في الحركة الجماهيرية رغم محاولات بعض الأطراف المحلية والإقليمية باستبعاد الكرد وتشويه نضالهم ونضال أحزابهم السياسية أو تهميش دورهم ومكانتهم ضمن البديل المدني والديمقراطي المفترض للنظام السياسي في سوريا بعد إسقاط الدكتاتورية.
إن محاولات الحكومة الشوفينية في تركيا, التي ترفض الاعتراف للشعب الكردي في كردستان تركيا بحقوقه القومية وتشن ضده حرباً شعواء منذ ما يقرب من ثلاثة عقود, تتهم اليوم وبروح عدوانية نضال الشعب الكردي والأحزاب الوطنية والقومية الكردية بالإرهاب وبالتعاون مع حزب العمال الكردستاني كمقدمة للتدخل العسكري واجتياح في تلك المدن الكردية السورية. 
إن التجمع العربي لنصرة القضية الكردية إذ يقف مع الشعب السوري في نضاله البطولي يجد في نضال الكرد السوريين وحركتهم وأحزابهم جزءاً من نضال الشعب السوري من اجل بديل مدني ديمقراطي حر يحقق للشعب السورية كله الحرية والديمقراطية والحياة الآمنة والسعيدة, كما يحقق للكرد حقوقهم المشروعة, يدين أي تهديد يطال الكرد باعتباره تهديدا للشعب السوري كله ولنضاله العادل.
ويدعو التجمع العربي لنصرة القضية الكردية قوى المعارضة السورية في الداخل والخارج إلى تعزيز وحدة الصف الوطني وعدم الرضوخ لابتزاز الحكومة التركية التي لها أطماعها العثمانية القديمة في سوريا ولم يكن تأييدها للمعارضة حباً في سواد عيون المناضلين السوريين من اجل حياة حرة وكريمة ومن اجل التعامل الديمقراطي مع الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي في سوريا.

إن التجمع العربي إذ دين بشدة التهديدات التركية ويطالب حكومة أردوغان بالتراجع عنها, يطالب في ذات الوقت الرأي العام العربي والكردي والرأي العام العالمي بإدانتها واعتبارها مقدمة للتدخل المباشر وغير المشروع في الشأن السوري والتأثير السلبي على نتائج هذا النضال كما تعتبر تهديداً للأمن والسلام في المنطقة.

الأمانة العامة / التجمع العربي لنصرة القضية الكردية         أواخر تموز 2012


228
رسالة تهنئة بمناسبة عيد دهوا-ربا ونجاح المؤتمر السادس لاتحاد الجمعيات المندائية في المهجر

الأخ الفاضل السيد الدكتور صهيب غضبان الناشئ المحترم /سكرتير اتحاد الجمعيات المندائية في المهجر
تحية ودٍ وتقدير
اسمحوا لي أن اتقدم لكم وللأخوات المندائيات والأخوة المندائيين في العراق وفي سائر أرجاء الشتات المندائي العراقي بالتهنئة الحارة والتمنيات الطيبة بمناسبة حلول العيد الكبير, دهوا-ربا, عيد الكرصة, عيد رأس السنة المندائية الذي يصادف هذا اليوم الثامن عشر من تموز/يوليو, إذ نتمنى ونتطلع ونعمل مع أخواتي وأخوتي في هيئة الدفاع عن اتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق من أجل أن يقترن هذا العام بتوقف تام لكل العمليات الإجرامية التي استهدفت خلال الأعوام المنصرمة وحتى يومنا هذا المواطنات والمواطنين من أتباع الديانة المندائية في العراق, سواء أكان ذلك عبر عمليات القتل أو القرصنة أو التشريد والتهجير القسري أو محاولة فرض تغيير ديانتهم صوب الدين الإسلامي. كما نتطلع إلى تحقيق تغيير في أوضاع البلاد ليتسنى للمواطنات والمواطنين المندائيين والمسيحيين أو المسلمين من اتباع المذهب السن أو الشيعي ممن فرضت عليهم الهجرة أن يعودوا إلى وطنهم وينعموا بثرواته التي تنهب اليوم على قدم وساق وبأرقام اسطورية وأن يعيشوا كما كانوا بأمن وسلام ومحبة بجوار مجرى نهري دجلة والفرات.
إن العمليات الإجرامية والجبانة قد أدت إلى هجرة ما يقرب من 70 ألف مواطنة ومواطن مندائي من العراق إلى عدد كبير من بلدان العالم. ولم يعد هناك سوى القلة القليلة التي لا تزيد عن عدة ألاف لا غير. كما أن الكثير من العائلات المندائية المهجرة والمهاجرة قسراً تعاني الأمرين لا من الغربة والابتعاد عن وطنهم الأصلي وعن نهري دجلة والفرات فحسب, بل ومن البطالة الظالمة ومن الفقر والحرمان من العيش الآمن والكريم, إضافة إلى حرمانهم من يكونوا على مقربة من مقدساتهم وأداء طقوسهم الدينية.
إن أتباع الديانات المندائية والمسيحية والإيزيدية في العراق يحتاجون اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى دعم وتأييد الرأي العام العربي والعالمي والمجتمع الدولي من أجل وقف العمليات الإرهابية والضغط على الحكومة العراقية لتأمين الحماية لهم والتصدي لكل الخارجين على القانون من لقوى الإسلام السياسي الإرهابية والمتطرفة والمتعصبة ومن أجل وقف التمييز الديني والطائفي على نحو خاص في العراق ولصالح إقامة الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية الحديثة والتخلي عن المحاصصة الطائفية في الحكم والتمييز والتعامل مع بنات وأبناء العراق على أسس المواطنة الحرة والمتساوية بغض النظر عن الدين او المذهب أو القومية او الجنس أو اللغة. إذ أن بلداً كالعراق بحاجة ماسة إلى بناء نظام ديمقراطي علماني يستند إلى مبدأ الفصل بين السلطات واحترام استقلال القضاء وإلى الفصل بين الدين والدولة والسياسية والاعتماد على قاعدة سليمة ومجربة في العلاقة بين الإنسان والوطن والحكم والدين: " الدين لله والوطن للجميع ".
كما بودي أن أهنئكم بحرارة على نجاح المؤتمر السادس لاتحاد الجمعيات المندائية في المهجر وانتخاب هيئته القيادية وانتخابكم سكرتير هذا الاتحاد راجين لكم المزيد من العطاء المستمر لصالح أتباع الديانة المندائية في الداخل والخارج ولصالح الشعب العراقي بشكل عام ولصالح الأمن والاستقرار والسلام في البلاد.
ويسرني أن اقدم شكري الجزيل لمندوبي المؤتمر السادس وهيئته القيادية على تكريمكم لي وتشريفي بوسام المشاركة في الدفاع عن اتباع الديانة المندائية وأتباع بقية الديانات والمذاهب في العراق وحقهم في البقاء في الوطن وعودة المهجرين إليه وتمتعهم بالحقوق والواجبات المتساوية واستعادة ما سلب منهم وتعويض العوائل التي فقدت احبتها خلال السنوات المنصرمة. ويقيناً يعتبر هذا الوسام بمثابة تكريم لأعضاء ومؤيدي ومناصري هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق وكل المثقفات والمثقفين والناس الشرفاء الذين ساهموا ويساهمون في الدفاع عن أتباع الديانة المندائية وعن بقية مواطنات ومواطني العراق من عبث وإجرام الإرهابيين القتلة والطائفيين المتعصبين والتكفيريين ومن لف لفهم وفضحهم على نطاق واسع. أن هذا التكريم سيبقى محركاً ومحفزاً لي ولغيري في تشديد النضال والمزيد من العمل لصالح هذا الهدف النبيل الذي نشترك فيه.
أشد على أيديكم وأرجو لكم الوحدة المتماسكة لمواجهة أعداء الإنسان والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
أرجو لكم شخصياً ولبقية أتباع الديانة المندائية موفور الصحة والعافية والسلامة.
مع خالص تقديري وكبير إعجابي
كاظم حبيب



229
كاظم حبيب

المأساة والمهزلة في سوريا اليوم!

نحن اليوم أما لوحة دراماتيكية , كارثة إنسانية , مجزرة بشرية , حمامات دم , هجرة مستمرة صوب تركيا ولبنان , نحن اليوم أمام عمليات تدمير هائلة للتراث والحضارة الإنسانية وما بنته الأجيال السابقة في سوريا , نحن أمام حالة مرعبة لا يمكن ولا يجوز أن تستمر بهذه الصورة المتوحشة المتناقضة مع ما تحقق للإنسان من حقوق في هذا العصر الجديد الذي نعيش فيه , عصر الإنفوميديا وعولمة الحياة والمجتمعات على الكرة الأرضية في القرن الحادي والعشرين , نحن أمام دولة همجية ونظامٍ بعثيٍ متوحش ومستهتر يواجه شعباً أعزل , يمارس معه القتل اليومي بالمئات دون رادع أو وازع من ضمير. كما نقف اليوم أمام معارضة ما تزال متصارعة رغم الوحدة الشكلية الراهنة على السلطة , رأيناهم بالأمس وفي آخر اجتماع لهم في القاهرة يتصارعون كالديكة على الكعكة السورية. ونحن أمام "أخوة مسلمين!" يتطلعون للقفز على السلطة والهيمنة على الحكم كما جرى في مصر , وصراخ بعضهم اليومي بـ "الله اكبر" لا يجسد إيمانهم بل رغبتهم في الهيمنة ودليل توحش وليس دليل وعي بالخسائر الفادحة التي تسقط يومياً في سوريا. ونحن أمام مجتمع دولي يتصارع في ما بين دوله الكبرى على مصالحه "الحيوية" في المنطقة المليئة بالذهب الأسود الذي يتحول فيها بفعل جشاعة المتصارعين إلى دماء الناس الأبرياء التي تعود إلى الأرض بدلاً عن نفطها المستخرج , يستبدل النفط بالدماء المسفوحة في المنطقة بدلاً من الخير العميم الذي يفترض أن يعم شعوب المنطقة. مجتمع دولي يتفرج بسخرية قاتلة على مئات الجنائز وهي تنقل إلى مثواها الأخير في العديد من المدن السورية , ومبعوث دولي وعربي يتأرجح بين مدينتي "نعم" و "لا", بين الفشل والإدعاء بإمكانية الحل السلمي! نحن أمام مأساة يعيشها الشعب السور ومسخرة يمارسها المجتمع الدولي. 
إن من يتحدث بأن الكارثة محدقة بالشعب السوري , نقول له قف وافتح عينيك جيداً فالكارثة قائمة ومستمرة وليست محدقة بالمجتمع السوري , وهي إن لم يتوقف القتل الجماعي , سينتشر سعير هذه الحرب التي يشنها النظام البعثي الشمولي ضد الشعب السوري إلى مناطق أخرى من الشرق الأوسط.
إن واجب المعارضة السورية الديمقراطية يتكثف في مسألة واحدة هي وحدة المعارضة الديمقراطية  وأن يكون لها تكتيك موحدة وإستراتيج مشترك واحد لا ينتهي بسقوط النظام الشمولي فحسب , بل يمتد ما بعد هذه المهمة لكي لا تسرق الثورة الشعبية من قوى لا تريد الخير والتقدم لهذا الشعب. لن ينفع الاعتماد على السعودية وقطر , فهما دولتان دخلتا في مساومة دولية جائرة لا تعود لحضارة وعصر القرن الحادي والعشرين , أقطابها الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية وقطر وجماعة " الأخوان المسلمون " الدولية للسيطرة على المنطقة بأسرها , لمصادرة الديمقراطية وحقوق الإنسان باسم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان على النمط الأمريكي – السعودي - القطري – القرضاوي , لإقامة دولة ثيوقراطية مناهضة لبقية الديانات والمذاهب الدينية ولكل فكر حر وديمقراطي.   
إن واجب المعارضة السورية الديمقراطية ومنذ الآن أن تنتبه لما يراد لسوريا في الوقت الحاضر وفي المستقبل من تأجيج للصراع الطائفي العلوي – السني والصراع القومي العربي – الكردي, وضد أتباع بقية الديانات , وخاصة ضد المسيحيين , وضد الكُرد , إنها محاولة جادة لتنشيط الهويات الفرعية القاتلة , الهوية الدينية والطائفية على  حساب الهوية الوطنية السورية , هوية المواطنة السورية الحرة والمتساوية المشتركة.
لنعمل من أجل دعم نضال المعارضة الشعبية السورية في الداخل والخارج , لنعمل من أجل وحدة المعارضة السورية الديمقراطية المناضلة في سبيل حياة حرة وكريمة , ودولة مدنية ديمقراطية دستورية حديثة تفصل بين السلطات الثلاث وتحترم استقلال القضاء والرأي العام والإعلام , وتفصل بين الدين والدولة والدين والسياسة في آن , وحكومة تلتزم بالحياة الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية ومساواة المرأة التامة بالرجل والتنمية الاقتصادية وتكافح الفساد السائد والمفسدين وتقلص الفجوة المتسعة بين مدخولات الأفراد السنوية وتكافح الفقر وعدد الفقراء المتزايد في سوريا.
إن القوى الديمقراطية في العالم العربي تتطلع لأن تكون الثورة السورية في طليعة الثورات العربية التي تؤسس للحياة الآمنة والديمقراطية والتقدم الاجتماعي وتكون نموذجاً لبقية دول المنطقة.
15/7/2012                        كاظم حبيب

230

التجمع العربي لنصرة القضية الكردية
بيان احتجاجي
ضد شراسة قوات الجندرمة التركية  في مواجهة المتظاهرين الكُرد

يعلن التجمع العربي لنصرة القضية الكردية عن احتجاجه الشديد وإدانته الصارمة للهجوم الشرس الذي نظمته ومارسته قوات الشرطة التركية ضد المتظاهرين الكرد المطالبين بالافراج عن المناضل السياسي الكردي الوطني والأمين العام لحزب العمال الكردستاني المعتقل منذ 14 شباك/فبراير 1999 في السجون التركية والمحكوم بالسجن المؤبد بسبب نضاله من أجل الحقوق القومية العادلة والمشروعة للشعب الكردي في كردستان تركيا (شمال كردستان). وكان على رأس هذه المظاهرة التي انطلقت من مدينة آمد بديار بكر الكردية عدد من قيادي حزب السلام والديمقراطية الكردستاني والأعضاء في البرلمان التركي ورئيس بلدية آمد.
وقد جوبهت المظاهرة الشعبية التي انطلقت يوم السبت المصادف 14 تموز / يوليو 2012  بحشد كبير من رجال الشرطة والأجهزة الأمنية التي استخدمت بكثافة وبشكل مباشر خراطيم المياة وقنابل الغازات المسيلة للدموع لتفريق المتظاهرين مما أدى إلى وقوع صدامات بين الشرطة والمتظاهرين سقط على إثر ذلك الكثير من الجرحى بين صفوف المتظاهرين, ومن بينهم ثلاث نساء من أعضاء البرلمان التركي من أعضاء حزب السلام والديمقراطية الكردستاني, وهن السيدات ملكيه بيرتانه، بروين بولدان، آيلا آكات, إضافة إلى رئيس بلدية آمد السيد عثمان بايدمير الذي نقل إلى المستشفى بسبب فقدانه الوعي. كما تم اعتقال العشرات من المتظاهرين.
وعل إثر هذه العمليات الإرهابية من جانب الشرطة التركية في مدينة آمد بديار بكر انطلقت مظاهرات أخرى في مدن كردية كثيرة في إقليم كردستان تركيا مساندة للمتظاهرين في آمد ومطالبة بإطلاق سراح عبد الله أوجلان.
إن الحكومة التركية, التي تدعي المدنية وممارسة الديمقراطية وتسعى لعضوية الاتحاد الأوروبي تمارس الأساليب العسكرية العدوانية ضد الشعب الكردي المطالب بحقوقه القومية العادلة, بما في ذلك حقه في تقرير مصيره بنفسه والمناضل منذ عشرات السنين لتأمين هذا الهدف النبيل, مما يجعل قبولها في الاتحاد الأوروبي بعيداً جداً, إضافة إلى اصطفافها على جانب تلك الدول التي تضطهد القوميات الأخرى في بلدانهاولا تحترم حقوق الإنسان.
إن الوقائع على أرض تركيا تؤكد بما لا يقبل الشك أن الشوفينية التركية الحاكمة, التي تمارس التثقيف الشوفيني المتواصل عبر أجهزة الإعلام وفي التربية والتعليم ضد الشعب الكردي والقوميات الأخرى, لا تريد ان تعي بأن العصر الجديد هو عصر حرية الشعب وحقها في تقرير مصيرها, كما لا تريد حتى الآن الخوض بمفاوضات جادة ومسؤولة مع ممثلي الشعب الكردي في كردستان تركيا حول الحقوق القومية العادلة لهذا الشعب وسبل حل المسالة الكردية في تركيا.
أن التجمع العربي لنصرة القضية الكردية يدين السياسة الاستبدادية والعسكرية التي تمارسها الحكومة التركية إزاء مطالب ونضال الشعب الكردي وتطالب بتغييرها لصالح الشعبين الكردي والتركي ولصالح السلام والديمقراطية والتنمية والتقدم في المنطقة.
أن التجمع يطالب الحكومة التركية بوقف العدوان ضد المتظاهرين وإطلاق سراح المعتقلين فوراً وإطلاق سراح عبد الله أوجلان لتبدأ مسيرة التفاوض المباشر والعملية السياسية في تركيا لصالح الحل السلمي والديمقراطي للمسألة الكردية.
على الحكومة التركية أن تعي بإن الحرب ضد الشعب الكردي في كردستان تركيا لن يوقف نضال هذا الشعب ولن يعالج المسألة الكردية بل يزيدها تعقيداً وصعوبة وويرفع من الخسائر البشرية والمادية, وإن عليها أن تتعلم من تجربة العراق الطويلة في هذا الصدد.
الأمانة العامة 
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية
15/7/2012

231
كاظم حبيب

الحزب الشيوعي العراقي والعملية السياسية في المرحلة الراهنة

حين يشارك اي حزب أو تكتل سياسي في العملية السياسية الجارية في العراق منذ سقوط النظام الدكتاتوري حتى الآن, يكون من حقه أن يمارس السياسة بشكل فعال وحيوي ويتسم بالمرونة الضرورية ولكن بالمبدئية العالية والصرامة الصادقة في المواقف. كما إن ولوج العملية السياسية تبدأ من الانفراد بالعمل السياسي والمشاركة في الانتخابات ومروراً بتشكيل تحالفات سياسية تنسجم مع البرنامج الذي يحمله هذا الحزب أو ذاك, إضافة إلى حقه الكامل, كما نص عليه الدستور, إعلان معارضته للنظام السياسي أو الحكومة القائمة او ممارسة الاعتصام والإضراب والمظاهرات وتحشيد المناصرين للمشاركة في مثل عمليات جماهيرية ضرورية في أي مرحلة من مراحل النضال التي تستوجبها الحالة التي يمر بها الوطن والحكومة والحزب ذاته. كل هذه الممارسات مقبولة وضرورية وهي تستند إلى أرضية دستورية وديمقراطية وتعتمد قاعدة التداول الديمقراطي السلمي للسلطة.
استناداً إلى هذه الأسس المبدئية يكون من حق الحزب الشيوعي العراقي أن يمارس سياسته بكل حيوية وفعالية على وفق ما يراه مناسباً وضرورياً وبالارتباط مع برنامجه السياسي والاجتماعي من جهة, وبالتنسيق مع القوى السياسية التي يتحالف معها لكي يحافظ على مستوى التحالف وأهميته وضرورته في النضال لصالح التيار الديمقراطي من جهة أخرى, وأن يختار الوقت المناسب لتطبيق سياساته من جهة ثالثة. ومثل هذه الأمور لا تشكل قيداً على الحزب في لقاءاته مع القوى والأحزاب السياسية العراقية, سواء أكانت مع السادة رئيس الجمهورية أم رئيس مجلس النواب أم رئيس الوزراء أم رئيس إقليم كردستان العراق أم مع غيرهم من السياسيين العراقيين. لهذا لا أجد اي مبرر لانتقاد الحزب في لقائه مع الأطراف التي ذكرتها والتي تمت في الآونة الأخيرة, بل هي في إطار المباحثات بين قوى فاعلة في العملية السياسية, بغض النظر عن مستوى وأهمية فعلها أو مدى إيجابية هذه الفعل أو سلبيته, خاصة وإن الأزمة المستفحلة تأخذ بخناق الدولة والحكومة والمجتمع في آن واحد, وإن الحل الذي يراه الحزب لا بد أن يبشر به عبر أساليب وأدوات كثيرة, منها أسلوب اللقاءات السياسية مع المسؤولين والحوار حول الحلول للأزمة حتى مع من تسبب بهذه الأزمة.
من هنا لم يكن لدي اي تحفظ على اللقاء الذي جرى بين وفد الحزب الشيوعي العراقي والسيد رئيس الوزراء نوري المالكي, بل اعتبرته لقاءً ضرورياً ومفيداً لإيصال رأي الحزب وبصورة مباشرة إلى رئيس الوزراء الذي اساء إلى الحزب وقوى التيار الديمقراطي كثيراً في السنتين الأخيرتين من حكمه, إضافة إلى فداحة الأخطاء التي ارتكبها في حكمه وجر الحلفاء الآخرين إلى ارتكاب أخطاء مماثلة.
إلا إن الخلل برز, كما أرى, في تصريحات الرفيق مفيد الجزائري وفي تفسيراته وتصوراته لنتائج اللقاء. وهو الذي دفعني إلى التفكير, رغم قناعتي بأن هذه الرؤية القاصرة التي طرحها, سوف لن تكون المعبرة عن سياسة الحزب في المرحلة الراهنة, بالكتابة والتنبيه إلى المخاطر المحتملة. وهذه المسألة هي التي دفعت بالرفيق جاسم الحلفي إلى نشر مقال تحت عنوان " لقاء في سياقات السياسة" بتاريخ 13/7/2012 ليطمئن القارئات والقراء بما لا يجوز السير فيه على وفق ما طرحه الرفيق مفيد الجزائري, ولكن تبقى تصريحات الجزائري السلبية عالقة بالأذهان.
ماذا قال الرفيق مفيد الجزائري:
إن الحزبين الشيوعي والدعوة كانا سوية في جبهة واحدة عام 2002  قبل انهيار النظام الدكتاتوري في العراق، وقبلها في لجنة العمل المشترك في الثمانينيات,... .
أريد أن أذكر الرفيق مفيد بأن ما قاله اليوم لا يختلف عما قلناه بالأمس حين تعاونا مع حزب البعث في العام 1973 وذكرنا بتعاوننا مع البعث في العام 1956 ومساعدتنا له بجهاز طابعة ونضالنا المشترك في انتفاضة 1956, ولكن نسينا التاريخ الأسود والدموي لعام 1963.
يبدو إن العزيز مفيد قد نسى أو تناسى المواقف الخاطئة والسيئة والاستبدادية التي اتخذها نوري المالكي نفسه من احتجاجات 25 شباط/فبراير 2011 والإساءة العدوانية ضد المحتجين حين اتهمهم بالبعثية وسلط أجهزة الأمن ضدهم وقطع الطرق والجسور وأرسل طائرة سمتيه "لتكنس" ساحة التحرير من المتظاهرين واعتقل البعض منهم وعذبوا, بمن فيهم بعض الصحفيين, على ايدي أجهزة أمنه الخاصة. كما نسى موقفه من محاولة فرض تخلية الحزب لمقراته, ومعه حزب الأمة, دون غيرهما من الأحزاب, ثم خطبته العصماء العدوانية في النجف حين أكد وذكر بالتاريخ الأسود لبعض القوى الإسلام السياسية حينذاك في تحالفها مع البعثيين وغيرهم لإسقاط حكومة الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم واعتبر ذلك انتصاراً على الحداثة والماركسية والإلحاد, وكان يريد أن يؤكد اليوم ما يلي: "أيها الحداثويون, ايها الماركسيون, أيها الإلحاديون.. نحن لكم بالمرصاد الآن أيضاً وسننتصر عليكم كما انتصرنا سابقاً", وهو يدرك تماماً من انتصر سابقاً, لم يكن سوى البعثيين والقتلة بدعم منهم ومن غيرهم!
أتمنى على الحزب وعلى من ينطق باسمه أن يفكر كثيراً قبل إطلاق تصريحاته التي تكون حمالة اوجه وتسيء لسياسة الحزب ومواقفه. إذ لا بد للحزب أن يراعي وجوده في التيار الديمقراطي ورغبة التيار في كسب المزيد من القوى.
أتمنى أن لا يكون هذا التصريح الذي أدلى به مفيد الجزائري هو المحدد الجديد لدور الحزب في الحراك الشعبي الاحتجاجي المطالب بالتغيير بدعوى احتمال دخول الحزب في أي تكتل سياسي يقترب من برنامج الحزب الذي يمكن أن يفسر وحمال أوجه عديدة.
لم يكن التصريح موفقاً بأي حال ولم يبعث برسالة سليمة ودقيقة إلى المجتمع والقوى السياسية!
13/7/2012                        كاظم حبيب

232
تحية إلى المؤتمر السادس لاتحاد الجمعيات المندائية في المهجر

السيدات والسادة أعضاء المؤتمر السادس لاتحاد الجمعيات المندائية في المهجر المحترمون
ضيوف المؤتمر الكرام
ينعقد مؤتمركم السادس والوطن العراقي يعيش أزمة مركبة, مستفحلة ومتشابكة بجوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية, بعواملها الداخلية والخارجية وبالتدخل الفظ والمباشر لقوى دولية وإقليمية, وخاصة دول الجوار في الشأن العراقي, أزمة يعاني منها الإنسان والمجتمع الأمرين ويدفع ثمنها بدمائه الزكية وبهجرة المزيد والمزيد من أبنائه وبناته. إنها أزمة دولة ذات مؤسسات ناقصة وضعيفة الفعل ومهزوزة, أزمة نظام حكم سياسي طائفي قائم على أسس المحاصصة الطائفية والأثنية المضادة لمفهوم الوطن والمواطنة الحرة والمتساوية. هذه الأزمة تأخذ اليوم بخناق الغالبية العظمى من أبناء وبنات الشعب العراقي وتهرس في طاحونتها الفئات الاجتماعية الفقيرة والعاطلة عن العمل والكادحة والجمهرة الواسعة من المثقفين والمثقفات, ويموت المزيد من الناس بسبب عمليات إجرامية انتحارية جبانة يمارسها أعداء الشعب في الداخل ومن الخارج.
إن الصراعات الجارية على السلطة والمال والجاه تتخذ اليوم مساراً اعوجا ومشوهاً يدفع بالبلاد إلى مخاطر جمة لا يعاني منها المسؤولون السياسيون أو قيادات وكوادر الأحزاب السياسية الحاكمة, فهؤلاء يعيشون في آمان ولا تهددهم المخاطر, بل إنها تواجه الشعب العراقي بأغلبيته وتهدده كل يوم وكل ساعة في حياته وحياة افراد عائلته وكرامته وعمله اليومي.
وإذ كانت الأزمة من حيث المبدأ قد مست وما تزال تثقل كاهل الإنسان والمجتمع, فإنها وبشكل خاص قد تجاوزت كل التصورات والاحتمالات في ما تسببت به منذ إسقاط الدكتاتورية الغاشمة, بالنسبة لأتباع الديانة المندائية وأتباع الديانة المسيحية, إضافة إلى القتل على الهوية في ما يخص الصراع بين الأحزاب الإسلامية السياسية وميليشياتها الطائفية المسلحة والقوى الإرهابية, كالقاعدة وهيئة علماء المسلمين وعصائب الحق ومن لَّفَ لفها, إضافة إلى مسلحي بقايا حزب البعث الصدامي - الدوري, هذه القوى التي تتحدث باسم الإسلام والجهاد ومكافحة أتباع الديانات والمذاهب الأخرى والرغبة في العودة إلى الماضي الأسود.
إن الأعمال العدوانية والجرائم التي ارتكبت بحق الطائفة المندائية كبيرة حقاً فبعد أن كان عدد المندائيين في العراق مع سقوط النظام الدكتاتوري الغاشم 77 ألف نسمة تقلص اليوم إلى ما يقرب من 5 ألاف نسمة. إنها جريمة ضد الإنسانية, إنها جريمة إبادة شعب عبر القتل والتشريد والتهجير القسري وبأساليب شتى. ومن بين تلك الأساليب ليس المحاربة بالرزق والسيطرة على الدور ونهبها والسكن فيها وتشريد أصحابها أو فرض الهجرة عليهم قسراً أو قتلهم أو اغتصاب بناتهم فحسب, بل والعمل على تغيير دينهم وتحويلهم إلى دين الإسلام, وهي كلها جرائم بشعة وكبيرة ترتكب بحق أتباع هذه الديانة, وهي مدانة عالمياً استناداً إلى المواثيق والعهود واللوائح الدولية لشرعة حقوق الإنسان كافة وميثاق الأمم المتحدة وغيرها.
ورغم إن الإنسان المندائي مسالم ولا يعتنق ديناً تبشيرياً ولا يسعى لكسب الآخرين أو تحويلهم صوب دينه ويتسم بالذكاء والجدية والإنتاج والإبداع في العلوم والآداب والمشاركة الفعالة في إنتاج الثقافة والحضارة العراقية منذ آلاف السنين, فهو كان وما يزال يتعرض إلى الملاحقة والعدوان والقهر على أيدي قوى ظلامية ظالمة, قوى إسلامية سياسية متطرفة لا تجد الشجب والرفض من جانب شيوخ الدين المسلمين بشكل صارم وحازم, وهو الأمر الذي يشجع قوى العدوان على مواصلة جرائمها دون وازع ضمير أو خشية من قانون غائب.
لقد ارتكب النظام الدكتاتوري الفاشي جرائم بشعة بحق الشعب العراقي سواء بسياساته أم بحروبه العدوانية أم بمكافحة القوى السياسية العراقية. وفي الوقت الذي حارب السياسيات والسياسيين المندائيين الذين رفضوا سياساته, فإنه لم يتعرض لأتباع هذه الديانة بأذى خاص يختلف عن معاناتهم مع بقية العراقيات والعراقيين تحت وطأة طبيعة النظام ذاته. في حين تعرض المندائيون والمندائيات إلى حرب عدوانية شرسة زاحفة أتت على أغلبهم بالموت أو التشريد او التهجير إلى خارج العراق هروباً من الموت على أيدي المتطرفين من الإسلاميين شيعة وسنة ولم يجدوا الحماية من الحكومة العراقية التي تتسم بدورها بطائفية سياسة مقيتة. كما إن جمهرة منهم وجدت الأمن والاستقرار في إقليم كردستان العراق.   
ومن المحزن أن نشير إلى وجود معلومات أولية تشير إلى وجود تعاون منذ بدء التدخل والوجود الإيراني في العراق بعد إسقاط الدكتاتورية بين قوى النظام الإيراني وقوى إسلامية سياسية شيعية وسنية متطرفة عراقية وغير عراقية تعمل على تصفية العراق وإيران من أتباع الديانة المندائية وممارسة كل السبل غير المشروعة لتحقيق هذا الهدف. لهذا نجد أن الغالبية العظمى من مندائيي هاتين الدولتين موزعون في الشتات العراقي الإيراني في مختلف بقاع الأرض. وهذا الأمر ينطبق على اتباع الديانة المسيحية أيضاً وفي البلدين.
إن المندائي العراقي, وكذا المندائي الإيراني, يحمل هوية الوطن ويدافع عنها وهي الهوية الأولى التي يعّرف نفسه بها ويدرك أهمية الحفاظ عليها, ولكن من واجبه ايضاً عدم التخلي عن هويته الثانية, هويته المندائية وليس هناك قوة في الأرض يحق لها أن تمارس فرض تخليه عن هويته الثانية. إن القيام بهذا العمل يعتبر جريمة يجب أن يُعاقب عليها من يعمل بها بأقسى العقوبات.
إن من واجب المدافعين عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية, من واجب كل عراقية وعراقي شريف, الدفاع عن وجود المندائيات والمندائيين في العراق, وطنهم الأصلي وارض اجدادهم, إنهم ابناء دجلة والفرات الذين نرفع رؤوسنا بهم ونعتز بوجودهم في وطنهم العراق.
تواجه مندائيي العراق أربع مسائل تحتاج إلى معالجة جادة وموضوعية هي:
1 . كيف يمكن بذل أقصى الجهود للمحافظة على من تبقى من المندائيات والمندائيين في العراق.
2 . كيف يمكن توفير الحماية للمندائيين في الخارج بحيث يستطيعون الحفاظ على تقاليدهم وطقوسهم التي يستوجبها دينهم, إضافة إلى مساعدتهم للعيش الكريم أينما وجدوا في الشتات العراقي المؤقت.
3 . كيف نعبئ الرأي العام العراقي والإقليمي والعالمي ومؤسسات حقوق الإنسان العراقية والإقليمية والدولية لصالح الدفاع عن المندائيين في العراق وإيران في آن واحد.
4 . وكيف يمكن ضمان مساعدة المنظمات الدولية والإقليمية لإلزام الحكومة العراقية بتوفير الحماية الكافية للمندائيين وعودة الكثير ممن يرغب منهم بالعودة إلى وطنهم العراق خلال الفترة القادمة.
نحن في هيئة الدفاع عن اتباع الديانات والمذاهب الدينية, الهيئة التي تأسست في العام 2004 في ضوء تصاعد الأعمال العدوانية ضد اتباع الديانات والصراع الطائفي السياسي في العراق, نعمل على الدفاع عن اتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق ونتصدى بالشجب والإدانة لكل القوى والأشخاص الذين يمارسون الإرهاب والعدوان ضد المندائيين والمسيحيين والإيزيديين او غيرهم من اتباع الديانات والمذاهب الدينية الإسلامية. ونناضل من أجل أن يكون العراق دولة مدنية ديمقراطية دستورية وعلمانية تفصل بين الدين والدولة وتمارس سياسة "الدين لله والوطن للجميع" وتحترم الأديان والمذاهب كافة وتعمل على وفق مبدأ التداول السلمي والديمقراطي للحكم وتفصل بين السلطات وتحترم استقلال القضاء والسلطة الرابعة, أي الرأي العام والإعلام.
وبناء على تقديرنا لأوضاع أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق قدمت الأمانة العام للهيئة طلباً للسيد رئيس الجمهورية العراقية الاتحادية الأستاذ جلال الطالباني راجية منه رعاية ودعم المؤتمر الأول لهيئة الدفاع عن اتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق في مدينة السليمانية في إقليم كردستان العراق. وقد وافق السيد رئيس الجمهورية مشكوراً على هذا المقترح, وها نحن نهيئ لهذا المؤتمر بهدف جعله منطلقاً جديداً للتآخي بين اتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق كافة, للاعتراف والاحترام المتبادلين والحق في ممارسة الطقوس والعبادات بكل حرية والعيش الكريم في بلدهم العراق وعودة كافة الذين هجروا بأساليب شتى إلى وطنهم الكبير, إلى العراق الحبيب.
أيتها الأخوات, ايها الأخوة الكرام
إننا إذ نقف إجلالاً لضحايا الشهداء الذين سقطوا على أيدي القوى الظلامية ونعزي عائلاتهم ونرجو لهم الصبر والسلوان, وإذ نقف إلى جانب توفير الحماية الكافية والضرورية لكل المندائيات والمندائيين في العراق وتأمين العيش الكريم لهم, وإذ نؤيد العمل من اجل توفير مستلزمات عودة من يريد العودة إلى وطنه, وإذ نؤيد تأمين مستلزمات عيشهم وظروف عملهم وأداء طقوسهم في الخارج بالشكل المناسب لهم, نؤيد بحرارة في ذات الوقت القرارات الحكيمة والمهمة التي يفترض أن تصدر عن مؤتمركم السادس وفي ضوء ما صدر من قرارات في المؤتمر التاسع وما نشأ من جديد خلال الفترة المنصرمة.
تتحمل القوى والأحزاب السياسية العراقية كافة مسؤولية الالتزام بالدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية وكل الاتجاهات الوطنية وحمايتها من غدر أعداء الشعب من القوى الإسلامية السياسية المتطرفة والمتعصبة والإرهابية التي تسعى إلى تفتيت النسيج الوطني الديمقراطي للشعب العراقي وموقفه الإيجابي والسليم من أتباع الديانات والمذاهب الدينية ومن أتباع القوميات كافة. وأدرك تماماً بأن قوى التيار الديمقراطي قد اعتبرت قضية الدفاع عن اتباع الديانة المندائية وبقية الديانات والمذاهب الدينية قضيتها مباشرة والعمل من أجل تكثيف الضغط على الحكومة العراقية لصالح توفير الحماية وتوفير مستلزمات الأمن والاستقرار في العراق لكي يتسنى لمن هاجر قسراً بالعودة إلى الوطن عزيزاً ومكرماً ومستعيداً حقوقه المغتصبة كافة.
ونحن نقترب من الذكرى السنوية لثورة تموز المجيدة لا بد لي أن اذكر بتلك الحكمة التي أطلقها رئيس الوزراء العراقي قائد ثورة تموز 1958 حين سؤل لماذا عينت الدكتور الصابئي المندائي رئيسا لجامعة بغداد, أجابهم بكل ثقة وقناعة: أنا عينته رئيساً لجامعة بغداد وليس لجامع في بغداد. وكان الأستاذ الدكتور عبد الجبار عبد الله احد ابرز اعلام العراق والذي انتقم منه البعثيون الفاشست لوطنيته وعلمه وقوة شخصيته وروعة مواقفه الفكرية والسياسية بسجنه وتعذيبه ونفيه عملياً ومن ثم موته في المهجر.
أنا وإياكم على ثقة تامة بأن مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات ستنتصر في البلاد وسيسود السلام والتآخي بين بنات وأبناء الشعب العراقي من كافة القوميات والديانات والمذاهب الدينية والاتجاهات الفكرية المناهضة للعنصرية والتعصب الديني والطائفية السياسية المقيتة.
أشد على أيديكم وأعلن عن تضامني شخصياً وتضامن الأمانة العامة لهيئة الدفاع عن اتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق الأخوى الحار معكم, ومع جميع المندائيات والمندائيين في البلاد وخارجها ونأمل أن يتسنى لكم عقد مؤتمراتكم القادمة في داخل الوطن حين تنتصر الديمقراطية في البلاد وتُلجم كل قوى الإرهاب والتطرف والتعصب والطائفية السياسية والقتلة والمناوئين للأمن والاستقرار والسلام في البلاد.
شكراً لحسن انتباهكم

هولندا في السادس من شهر تموز 2012             كاظم حبيب

233

كاظم حبيب
الشارع العريض الذي تلتقي عنده قوى التيار الديمقراطي العراقي

تبرهن الحياة يوماً بعد آخر صحة الحكمة التي تجلت في دعوة الأب الراقد على فراش الموت لأبنائه بالحضور أمامه حيث أعطى لكل منهم عوداً طلب منهم قطع الأعواد إلى نصفين فتم لكل منهم ذلك بسرعة وسهولة, ثم أعطاهم حزمة مشدودة من تلك الأعواد طالباً من كل منهم قطع الحزمة, فتعذر عليهم جميعاً. استخلص الأب حكمته حين قال لهم: "في فرقتكم ضعفكم وفي وحدتكم قوتكم".
اقنعت هذه الحكمة مجموعة مهمة وأساسية من قوى التيار الديمقراطي العراقي والشخصيات الديمقراطية بأنها تواجه وضعاً لا يمكنها معه أن تبرهن عن وجود فعلي فاعل لها في الساحة السياسية العراقية ما دامت متفرقة, في حين سيسهم تضامنها وتعاونها وتحالفها في جبهة وطنية واسعة أو في لجنة تنسيق قوى التيار الديمقراطي في تفعيل دورها وزيادة نشاطها وتوسيع تأثيرها وتأمين المزيد من المؤيدين والمساندين لها ولبرامجها والمزيد من الآذان التي ستصغي لما تطرحه من مهمات نضالية خلال الفترة الراهنة والقادمة.
نجحت حتى الآن تجربة لجنة التنسيق وتم عقد المؤتمر الأول بعد مجموعة كبيرة من المؤتمرات المحلية, ثم انعقد المؤتمر الشعبي الأول واقتنع العاملون بأهمية هذا التوجه وبدأت أُوكل هذا التحالف تبرز في مجالات عدة, سواء بمجيء المزيد من الشباب من الرجال والنساء, أم بتحسن وتطور الإعلام المشترك, أم بنشوء نوع من الثقة الجديدة المتبادلة وبقدرة هذا التيار على التعامل مع الأحداث والتأثير المتطور فيها لصالح المجتمع وطموحاته وتطلعاته العادلة.
نحن أمام إدراك جديد يشمل الكثير من قوى التيار الديمقراطي بأن الأوضاع العراقية الراهنة معقدة للغاية وتزداد تعقيداً وصعوبة يوماً بعد آخر. ومثل هذا الوضع يستوجب وجود وفعل وتأثير قوى التيار الديمقراطي للمشاركة في معالجة الأزمة المتعددة الجوانب. وما تحقق حتى الآن جيد ولكنه غير كاف في مجال التعامل والتفاعل واحتضان بقية قوى التيار الديمقراطي وشخصياته, إذ إن ذلك يعتبر الضمانة الفعلية لزيادة الفعل والتأثير لقوى التيار.
إن لجنة تنسيق قوى التيار الديمقراطي مستعدة للتعامل والتفاعل مع الآخرين, وهو الأمر الجديد والمهم منذ انعقاد المؤتمر الأول والمؤتمر الشعبي. ولكن ستبقى فجوة قائمة بين النظرية والتطبيق لفترة معينة إلى حين ردمها قدر الإمكان. وهذا يعني أن لجنة التنسيق تتحمل مسؤولية اعتبار نشاطها يجري في شارع عريض جداً ويفترض أن يضم إليه ويسير فيه كل الذين يتفقون مع قوى التيار في المسائل المركزية التي تمس حياة المجتمع ومستقبل الوطن والمواطنة والديمقراطية. إن شارع التيار الديمقراطي عريض ويفترض أن يضم إليه قوى يسارية ديمقراطية وأخرى ليبرالية وعلمانية وقوى وشخصيات تلتزم مبدأ الفصل بين السلطات وفصل الدين عن الدولة والحرية الفردية والحريات الديمقراطية وحقوق المرأة وحريتها ومساواتها بالرجل واحترام حقوق وطقوس وحرية أتباع الديانات والمذاهب الدينية واحترام حقوق القوميات المتعددة في العراق وحل المشكلات العالقة بالطرق السلمية التفاوضية والتداول السلمي والديمقراطي البرلماني للسلطة وإصدار القوانين المنظمة لكل ذلك, إضافة إلى قانون ديمقراطي حديث للانتخابات ...الخ.
إن مهمة تعاون وتضامن وتوسيع ووحدة عمل قوى التيار الديمقراطي يفترض أن لا تخضع للأمزجة والقناعات الشخصية أو الرغبات الذاتية, بل يفترض أن تكون مهمة الجميع تستنهض همم قوى التيار الديمقراطي كافة وتستند إلى قواعد ثابتة ومجربة, سواء أكان ذلك من جانب لجنة التنسيق وقواها الداخلية, أم من جانب تلك التنظيمات والشخصيات الديمقراطية التي لم تساهم حتى الآن في العمل المشترك مع لجنة التنسيق. إن النضال الديمقراطي في العراق بحاجة ماسة إلى كل القوى والكفاءات والقدرات الديمقراطية لضمان مساهمتها الفعالة والفعلية في رسم سياسة البلاد ومصير الدولة العراقية ووجهة تطورها.
إن قوى التيار الديمقراطي تتحمل اليوم مسؤولية العمل لممارسة شعار مركزي من الناحية التنظيمية والتعبوية في المرحلة الراهنة يدعو إلى : "قووا تنظيم الحركة الوطنية وتيارها الديمقراطي, تتوسع وتتعزز تنظيمات قوى التيار الديمقراطي كافة ".
إن التيار الديمقراطي بحاجة إلى كل إنسان يدرك بوضوح الأوضاع الراهنة المعقدة التي يمر بها العراق وعواقبها الوخيمة على المجتمع ما لم يعمل مع قوى التيار لمعالجة هذه الأزمة المركبة والمعقدة والمستعصية على الحل. كما إن التيار الديمقراطي بحاجة إلى أن يعمل من أجل توضيح الأوضاع الصعبة التي يمر بها المجتمع والمخاطر التي تواجه البلاد والشعب عموماً بكل صبر ودأب. إن الكثير من القوى والأحزاب الحاكمة في العراق تمارس سياسات غير عقلانية وترتكب أخطاءً فادحة تلحق افدح الأضرار بالشعب ومصالحه وإرادته الحرة وحياته وروح ومفهوم المواطنة الحرة والمتساوية بتقديمها الهويات الثانوية والهامشية القاتلة للوحدة الوطنية على هوية المواطنة, مما يجعل مهمة القوى الديمقراطية سهلة إلى حدود غير قليلة, ففئات الشعب تعيش اليوم الأزمة بكل أبعادها وعواقبها, تعيش الفقر والبطالة والفساد والإرهاب ونقص الخدمات, تعيش عجز الحكومة عن تنفيذ ما وعدت به وتغوص بوماً بعد آخر في عمق لا قرار فيه من الأزمات المتراكمة الخانقة التي لا يعاني منها الحكام بأي حال بل الشعب وحده وخاصة الفئات الفقيرة والكادحة وذات الدخل المحدود وفئات المثقفين والكسبة والحرفيين وغيرهم. ومعاناة أتباع الديانات والمذاهب الدينية غير قليلة في العراق بسبب التطرف والتعصب الديني الذي يهيمن على الساحة السياسية العراقية والذي تمارسه قوى إسلامية سياسية, سواء أكانت سنية أم شيعية, مما يجعل الحياة الجحيم بعينه, مما يدفع بالكثير منهم إلى الهروب من البلاد. ولهذا يمكن القول بأن المهجرين والمهاجرين من العراق بلغ اليوم أكثر مما كان عليه في زمن الدكتاتور صدام حسين, وهي المأساة والمهزلة التي يعاني منهما المجتمع.
4/7/2012                   كاظم حبيب


234
كاظم حبيب
هل من خشية وراء التهرب من الاستجواب في البرلمان العراقي؟

تصاعدت حدة الصراعات والاتهامات بين أطراف القوى والأحزاب والكتل السياسية الحاكمة. وشهرت الأطراف كافة سلاح التهديد بنشر الملفات المحفوظة في دواليب هذه الأحزاب والكتل السياسية إذا ما أُجبرت على ذلك. ولكن السؤال الذي يطرحه كل إنسان عاقل هو: لماذا لا تنشر هذه الأحزاب مضامين تلك الملفات تلك الملفات خاصة وإنها تمس حياة الشعب ومصالحه وموارده المالية ومستوى عيشه مباشرة؟ علينا أن نساهم في الإجابة عن هذا السؤال.   
في هذه التهديدات تبرز ثلاث مسائل لا بد من وضعها أمام القارئة والقارئ هي:
1.   بدأت الأحزاب السياسية المشاركة في حكم البلاد منذ إسقاط النظام السياسي الشمولي في العراق بممارسة عملية رصد وتربص وجمع وتصنيف المعلومات والبيانات المتنوعة حول شخصيات الأحزاب الأخرى وتضعها في دواليبها لاستخدامها أو التهديد باستخدامها عند الحاجة.
2.   إن شخصيات الأحزاب السياسية العراقية كافة المشاركة في الحكم لها اليوم ملفات منظمة تحوي على معلومات متنوعة حول مخالفات سياسية ومالية أو حتى إرهابية أو غيرها محفوظة في دواليب الأحزاب "الحليفة" أو "المؤتلفة" أو حتى شخصيات من أحزابها تستعين بها عند الحاجة.
3.   إن التهديد بنشر الملفات وعدم نشرها يدلل على ثلاث مسائل أخرى:
أ‌.   إن الجميع, أو الغالبية, متورط وبيوتهم من زجاج ويخشى بعضهم رمي الحجارة على البعض الآخر, إذ سيتلقى بالمقابل حجارة من الآخرين.
ب‌.   وعلى هذا الأساس يخشى البعض من البعض الأخر أو الجميع يخشى الجميع, وبالتالي يمارس الجميع سياسية "تسكت عني, اسكت عنك", "داريني, أداريك"!
ت‌.   ونتيجة لهذا السكوت المتبادل يمكن أن تكون قد وقعت الكثير من الجرائم الكبيرة, سواء في حقل الفساد أو المشاركة في تنظيم أو توجيه عمليات إرهابية, كما كشف عن ذلك السيد رئيس الوزراء حين أشار إلى موضوع طارق الهاشمي. كما برز ذلك في التهديد المتبادل بين بعض قوى التحالف الوطني, حزب الدعوة ودولة القانون, والقائمة العراقية وكذلك مع التحالف الكردستاني لم نطلع على تفاصيل الملفات التي تم التهديد بها.
إن هذا الواقع الجاري خلف كواليس المسرح السياسي العراقي والمكشوف لجمهرة كبيرة من الناس الواعين يكشف عن طبيعة الحكم في العراق ومكوناته السياسية والمشكلات التي يواجهها.
ولا شك في إن هذه الحالة المأساوية هي جزء بسيط من عمق الأزمة الراهنة التي يمر بها الحكم ويعاني منها المجتمع ويزيد من تدهور حالة الدولة العراقية التي تعاني من تجاوز على الحريات العامة وعلى الحياة الديمقراطية المطلوبة للمجتمع.
صراعات الحكومة في واد, ومصالح الشعب العراقي وإرادته في وادٍ آخر, وما يجري بين الشعب والحكومة ليس إلا حوار بين طرشان.
حين تفاقم الصراع السياسي وهدد بنزاع سياسي فعلي, إذ جرى التهديد بـ"أشيلهم" أي أقلعهم, أو خوض الحرب ضدهم, وحين برز استعصاء حل الأزمة بين اطراف الحكومة المنفرط عقدها منذ تشكيلها الثاني, برزت المطالبة بسحب الثقة عن رئيس الوزراء, كما هدد رئيس الوزراء بسحب الثقة عن رئيس مجلس النواب. وحين توقف هذا الطلب قليلاً ليطرح موضوع استجواب رئيس الوزراء في البرلمان, استعصى على رئيس الوزراء الموافقة على حضور جلسة مجلس النواب وخوض الاستجواب. ولم يمض على ذلك سوى ايام قليلة حتى تراجع البعض عن الاستجواب وأشار إلى إنه لم يطالب بالاستجواب تماماً! ماذا يعني ذلك؟ لا يمكن للإنسان السوي أن يفهم هذا الموقف بغير الهروب الفعلي من الاستجواب ليس من جانب رئيس الوزراء فحسب, بل ومن جانب ذلك البعض الذي طالب ثم تراجع أيضاً. والعلة تكمن في تلك الملفات المحفوظة في دواليبهم كافة.
إن التربص المتبادل يعني غياب الثقة المتبادلة, ويعني الرغبة في الإيقاع المتبادل, ويعني وجود ما لا يجوز وجوده في السلوك العام للأفراد والجماعات والكتل والأحزاب السياسية.
إن وقائع الحياة الجارية في العراق تؤكد بأن الغالبية العظمى ستلجأ إلى التهدئة لا عن رغبة فعلية للتفاهم والتفاعل وخدمة الشعب, بل من أجل تجنب الفضائح التي يمكن أن تزكم الأنوف وتثير من الغرائب والعجائب ما لا يمكن تصوره.
سيكون الشعب شاهداً على ما يجري في مجلس النواب إن تم عقد الجلسة وتم القبول باستجواب رئيس الوزراء الذي سيحاول التملص مما يطرح عليه, ولكن إذا وجد نفسه في زاوية حادة وكشف الكثير من أوراقه وملفاته أو ملفات من جاوره أو قريب له...الخ, فإنه سيلجأ دون أدنى ريب إلى كشف أوراق وملفات الآخرين, وهي اللحظة المهمة للشعب العراقي لكي يعرف لمن أعطى صوته ووضع ثقته في المرات السابقة وكيف عليه ان يتعامل مع هذه الوقائع وما هو دور البرلمان في المحاسبة من جهة, وما هو دور القضاء العراقي من جهة أخرى في البرلمان من جهة ثانية, وما هو دور القضاء العراقي في التعامل مع هذه الملفات التي كشفت وتلك التي لم تكشف من جهة ثالثة. المثل العراقي يقول "بالعَبرة يبين أبو گروه".
ليس فينا من لا يريد الاستجواب لأنه الطريق السليم للوصول إلى الشفافية المفقودة في العراق "الجديد!", ومن يسعى للتملص منه ينطبق عليه مضمون المثل الشعبي العراقي القائل "اللي جوه ابطه عنز يبغج".
1/7/2012                     كاظم حبيب   

   
 

     


235
الخطوط العامة لمحاضرة في ضيافة لجنة تنسيق التيار الديمقراطي في كندا
 "دور ومهمات التيار الديمقراطي العراقي في المرحلة الراهنة"

أولاً: طبيعة الاقتصاد العراقي وسماته المميزة في المرحلة الراهنة
اقتصاد ريعي نفطي, استهلاكي, استيرادي, غير إنتاجي  ومكشوف على الخارج, اقتصاد متخلف ومشوه وحيد الجانب, تسود فيه بقايا العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية ورأسمالية تجارية وعقارية ومضاربة جشعة وفساد سائد. تراجع شديد في مستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية وفي الوعي الاقتصادي والاجتماعي العامين.

ثانياً: طبيعة البنية الاجتماعية الراهنة 
تشكيلة اجتماعية متخلفة تتحرك بين بقايا علاقات الإنتاج البالية وبين رأسمالية طفيلية وكومبرادورية نشطة وفعالة ومهيمنة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
تراجع شديد إلى غياب ملحوظ لدور ومكانة ونشاط الطبقة البرجوازية الصناعية الوسطى والبرجوازية الزراعية.
تراجع شديد في حجم وبنية الطبقة العاملة العراقية.
وهما الطبقتان الحاملتان للمجتمع المدني وإمكانيتهما على بناء الحياة الديمقراطية.
وجود فئات اجتماعية واسعة رثة وهامشية تعيش فعلياً على هامش الحياة الاقتصادية والمجتمع. لقد تشكلت هذه الفئات في أعقاب حرب الخليج الثانية والسياسات التدميرية التي مارسها النظام الفاشي وسياسة الحصار الاقتصادي الأمريكي-البريطاني على العراق. نشأت هذه الفئات من تدهور حياة الفلاحين المهاجرين صوب المدينة والكثير من أبناء الطبقة العاملة وفئات من البرجوازية الصغيرة.
فئات برجوازية صغيرة تعمل في مجالات اقتصادية مختلفة.
فئة المثقفات والمثقفين التي تعاني من محاولات التغييب والتهميش والمحاربة في الرزق بشكل مباشر وغير مباشر ونهوض فعلي واسع للثقافة الصفراء في المجتمع ومن جانب الأحزاب الإسلامية السياسية بشكل عام.   
فئات بيروقراطية متضخمة وعقارية طفيلية وكومبرادورية جشعة وفاسدة.
منها: فئة كبار الموظفين العاملين في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية التي تضخمت في السنوات الأخيرة وهي تقترب أو تزيد في حجمها عما كانت عليه في فترة حكم البعث الشمولي. وتتسم كمؤسسة بالفساد والبيروقراطية والتصادم مع مصالح المجتمع.

ثالثاً: طبيعة الحكومة العراقية المنبثقة عن هذا الواقع الاقتصادي الاجتماعي المشوه
تعيش الحكومة العراقية ومعها الدولة والمجتمع في حالة أزمة شديدة متراكمة ومستعصية على الحل بسبب طبيعة النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية والأثنية العاجزة عن إيجاد قواسم وطنية مشتركة في ما بين الهويات الثانوية القاتلة والبعيدة عن هوية الوطن والمواطنة الحرة والمتساوية.
الحكومة تعيش انفلاتاً أمنياً بعد أن حققت في الفترة بين 1908- 1910 الحكومة حسناً ملحوظاً في مجال الأمن. الإرهاب والفساد متلازمان ويشكلان اليوم وجهان لعملة واحدة. هناك ليس فقط اختراقات بل عجز في مواجهة هاتين الظاهرتين المؤثرتين بقوة على نوعية حياة الناس بالسلب.

الحكومة كمؤسسة تعبر اليوم عن مصالح الفئات الأكثر طفيلية والأكثر جشعاً وفساداً والأكثر تخلفاً في المجتمع وتجسد تحالفاً هشاً لقوى سياسية متنوعة منها طائفية وأخرى قومية شوفينية وأخرى ضيقة الأفق, وهي تعتمد قاعدة المحاصصة الطائفية والأثنية في توزيع السلطة والبقاء فيها.
الحكومة تخشى المحاسبة أمام مجلس النواب وبجلسات مكشوفة لأن الفساد سائد ومتورطة فيه كلها تقريباً وهي تسير على قاعدة "من كان بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجارة" ويبدو أن الكل بيته من زجاج! هذا ما تفصح عنه الموقف من استجواب رئيس الوزراء.
الفساد يشكل نظاماً سائداً فيها وليس كظواهر مبعثرة هنا وهناك. تمارسه الدولة بكل سلطاتها ومنها السلطة التنفيذية ويسكت عنه المجتمع ويمارسه عملياً ويتشابك محلياً وإقليمياً ودولياً.
التحالف القائم في السلطة التنفيذية غير ديمقراطي وينزع لصراع المصالح الضيقة ومناهض في الجوهر للتغيير نحو الحياة الديمقراطية والدستورية والشرعية الدستورية.

رابعاً: الصراعات الراهنة ناشئة عن تناقضات اجتماعية وصراعات سياسية ذات طبيعة قومية ودينية ومذهبية وفكرية في آن
** صراع بين القوائم الانتخابية وداخل كل من تلك القوائم.
** صراع بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم.
** صراعات بين الحكومة الاتحادية ومجالس المحافظات.
** صراع في ما بين الأحزاب الطائفية السياسية.
** صراع ضد أتباع الديانات الأخرى من جانب قوى الإسلام السياسية المتعددة.
** صراع قوى الإسلام السياسي ضد أتباع الأفكار والاتجاهات الديمقراطي
هذه الصراعات كلها تدور حول ثلاث مسائل: السلطة التنفيذية والمال والنفوذ الاجتماعي, وهي لا تدور حول مصالح الشعب وحياته اليومية وأمنه وكرامته.
 
خامساً: دول الجوار والعالم الخارجي
يشكل التدخل الخارجي الدولي والإقليمي, وخاصة دول الجوار, المشكلة المركزية الراهنة في علاقات العراق مع الخارج
** تدخل أمريكي متواصل ومتشابك مع مصالح ابرز دول الجوار.
** تدخل إيراني مهيمن على الساحة السياسية العراقية وعلى السلطة السياسية, أي على قوى الإسلام السياسية وعلى بعض قوى التحالف الكردستاني.
** تدخل سعودي – خليجي – تركي على القوى القومية والإسلامية العربية وخاصة قوى القائمة العراقية.
** تدخل تركي مباشر وغير مباشر في الشأن العراقي وعدوان عسكري على الأراضي العراقية وعجز عن مواجهته.
** نشوء تحالف إيراني-سوري-عراقي جديد رجعي وغير ديمقراطي مؤيد من حزب الله في لبنان يقود إلى مزيد من تعقيد أوضاع العراق والمنطقة. 
** والمشكلة الكبيرة هي إن بعض أبرز القوى الداخلية هي التي تستدعي تدخل دول الجوار على نحو خاص.

سادساً: قوى التيار الديمقراطي العراقي ولجنة التنسيق

الأوضاع الراهنة لقوى التيار الديمقراطي العراقي
** نظرة سريعة إلى الوراء حول واقع قوى التيار الديمقراطي قبل سقوط النظام وبعد سقوطه
** العلاقة بين قوى التيار الديمقراطي والواقع الاقتصادي والاجتماعي في العراق.
** طبيعة العلاقة بين قوى التيار الديمقراطي العراقي خلال الفترة الأخيرة.
** مواطن الضعف والقوة في قوى التيار الديمقراطي وتشكيل لجنة تنسيق قوى التيار الديمقراطي وتنامي نشاط هذا التيار.
** ما تزال قوى التيار ضعيفة ولا تشكل حتى الآن بديلاً للحكم أو قادرة على الاستفادة الفعالة من طبيعة سياسات القوى الحاكمة وأخطائها الفادحة وتوجهاتها السلبية والخاطئة.

سابعاً: مهمات قوى التيار الديمقراطي في المرحلة الراهنة
     
•   معالجة الأزمة الطاحنة الراهنة بالاتجاه صوب الديمقراطية وممارسة السلطات الثلاث لصلاحياتها بشكل سليم, ومعالجة التناقضات الراهنة بطرق سلمية وتفاوضية ديمقراطية.
•   الدعوة إلى انتخابات جديدة مبكرة يسبقها إجراء تغييرات في الدستور العراقي وقانون الانتخابات ووضع وإقرار قانون الأحزاب والصحافة والعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وإبراز دقيق لصلاحيات وواجبات كل منهما.
•   العمل من أجل الدفاع عن الحريات العامة والحياة الدستورية الديمقراطية واحترام وممارسة لائحة حقوق الإنسان والدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في حريتها على ممارسة طقوسها ودياناتها وصيانة حرمتها وحقوقها المشروعة وحمايتها من الإرهاب والتهجير القسري والمحاربة بالرزق والتمييز اليومي من جانب الأحزاب الإسلامية الحاكمة والحكومة بوزاراتها المختلفة.
•   النضال من أجل بناء المجتمع المدني الديمقراطي الحديث والخلاص من طبيعة النظام السياسي المحاصصي الطائفي الراهن.
•   تعزيز النضال الجماهير من خلال الدمج بين الشعارات الوطنية والديمقراطية والشعارات المربطة بحياة ومعيشة وامن واستقرار فئات الشعب.
•   النضال من أجل استعادة المرأة لحقوقها المغتصبة وحريتها وكرامتها ومساواتها بالرجل بشكل تام.
•   مكافحة الفساد والإرهاب وغياب المساواة والعدالة الاجتماعية في توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي.
•   العمل من أجل تبني نهج التنمية الاقتصادية وتغيير بنية الاقتصاد والمجتمع.
•   التصدي لمشكلة المياه وشحتها المتفاقمة وموضوع البيئة المخربة.

ثامناً: نحو توسع قوى وقاعدة التيار الديمقراطي
المهمات الداخلية لقوى التيار الديمقراطي في العلاقة مع القوى غير المنتسبة للجنة التنسيق من جهة وفي ما بين القوى الديمقراطية في لجنة التنسيق ومع الجماهير الشعبية الواسعة وشرائحها المختلفة.
** الأهمية البالغة أن تكون للتيار الديمقراطي منظمات مماثلة في المحافظات الكردستانية, فهو تيار عراقي وتعبر القوى الديمقراطية الكردستانية ضمن قوى التيار الديمقراطي العراقي, بما في ذلك قوى التحالف الكردستاني أو خارجها.
إن عدم التنسيق والتعاون ضمن قوى التيار الديمقراطي في الإقليم يعتبر خسارةً كبيرة لقوى التيار الديمقراطي العراقي وللقوى الديمقراطية الكردستانية وإضعافاً لهما معاً.
** أهمية توسيع لجنة التنسيق وقوى التيار الديمقراطي في إطار العمل المشترك بقوى يسارية وديمقراطية ولبرالية علمانية جديدة بما يساهم في توسيع الشارع العريض الذي تتحرك فيه قوى التيار. إن مواجهة الواقع الجديد يتطلب التوسع الكبير في قوى التيار الديمقراطي العراقي.
** أهمية الشباب ودورهم في الحياة السياسة والاجتماعية والثقافية ومن أجل التغيير الديمقراطي.
** أهمية المرأة ودورها في الحياة العراقية بمختلف جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.
** أهمية تنظيم العلاقة بين قوى التيار الديمقراطي مع فئات المجتمع على أساس المهنة ومجالات العمل لتبني مطالب هذه الفئات والنضال من أجلها وربطها بالحياة الديمقراطية حرية الإنسان وحقوقه المشروعة.
** الأهمية البالغة لـ:
أ‌.   تطوير وتنسيق العلاقة بين منظمات التيار الديمقراطي في الخارج لعقد مؤتمرها الأول بأمل تقديم أفضل الدعم لقوى التيار الديمقراطي في الداخل والتنسيق المستمر مع الداخل, إضافة إلى تأمين الصيغ المناسبة لعملها في الخارج كمنظمات فاعلة ومؤثرة.
ب‌.   إيجاد أفضل السبل وتبادل الخبرة من أجل تنشيط العمل في صفوف الجاليات العراقية التي يبلغ تعدادها اليوم حوالي أربع ملايين عراقية وعراقي ومن أجل تأمين الدعم المادي والسياسي وتحفيز الرأي العام العالمي لصالح قوى التيار الديمقراطية ونشاطه في العراق. 
 
ملاحظة: لم تستغرق المحاضرة بأفكارها الرئيسية ساعة واحدة, وطرح الكثير مما لم يطرح مباشرة في الإجابة عن الأسئلة التي طرحت من قبل السيدات والسادة الحضور. قدمت مداخلات قيمة من جانب السيدات والسادة الحضور أغنت المحاضرة سواء أكانت نقدية لبعض أفكار المحاضرة أم إيجابية أم تكميلية له. لقد اغتنى المحاضر واستفاد كثيراً من مداخلات وملاحظات السيدات والسادة كثيراً.
لقد كان الحضور واسعاً وغنياً بمثقفاته ومثقفيه وبدورهم الفعال في صفوف الجالية العراقية والتيار الديمقراطي, وتسنت الفرصة للمحاضر أن يلتقي بأحبة لم يلتق بهم منذ أكثر من ثلاثة عقود.
يدرك المحاضر بأن مثل هذه الجلسات ذات المضمون السياسي والاجتماعي لا يمكن ولا يجوز أن تكون أكاديمية بحتة, ولكن لا بد أن يكون لها منهجها الواضح في معالجة المشكلات المطروحة.
الاختلاف في الرأي فضيلة ويساهم ويحفز على التفكير والنقاش المفتوح وبذهن مفتوح على الآراء الأخرى. لهذا استمعت بعناية للفكر المخالف وناقشت من اختلفت معه بود واحترام للرأي الآخر. فليس هناك أسوأ من التعميم والإطلاق أولاً, والاعتقاد بالصواب الكامل للرأي الذاتي ثانياً, والاعتقاد بأنه الإنسان يمتلك الحقيقة ولا يمتلكها غيره ثالثاً, وأخيراً وليس أخراً التزمت في الرأي وعدم الرغبة في الإنصات والاستماع للرأي الآخر. يؤسفني أن كان البعض قد خرج من اللقاء ولم يجد في الأفكار المطروحة ما هو جديد.
لقد حظيت بأصدقاء جدد وتمتعن باللقاء بأصدقاء قدامى من خلال رجاء الأخوة في التيار الديمقراطي ان أطرح تصوراتي عن التيار الديمقراطي ودوره ومهماته في العراق وفي الخارج أثناء وجودي في تورنتو.
في الختام أوجه أحر تحياتي وتمنياتي لقوى التيار الديمقراطي في كندا وفي كل مكان في الداخل والخارج وتحياتي لكل من شارك في الحضور أو المناقشة وإبداء الرأي ولمن رحب بزوجتي وبي في سفرتنا الشخصية العائلية إلى كندا.
برلين في 30/6/2012                كاظم حبيب

236
كاظم حبيب
هل من سبيل لمعالجة مشكلات العراق الملتهبة؟

تزداد يوماً بعد آخر أوضاع العراق السياسية تعقيداً وتشظياً وتؤكد صعوبة إيجاد حل توافقي بين الأطراف السياسية الحاكمة. وتستثمر قوى الإرهاب هذه الحالة المستعصية لتزيد من عملياتها الإجرامية لقتل الناس أو تعطيل ممارستهم لحياتهم الطبيعية. ففي الأسابيع الأخيرة نفذ الإرهابيون سلسلة من العمليات الإجرامية التي راح ضحيتها عشرات الناس الأبرياء وجرح المئات منهم في مختلف أنحاء العراق وخاصة في بغداد. وإذ حمَّل السيد المالكي السياسيين الآخرين مسؤولية ذلك, نسي كونه رئيساً للوزراء والمسؤول الأول عن أمن العراق وحماية العراقيات والعراقيين من قوى الإجرام الدموي التي تستفيد من الأرضية غير الصالحة وغياب مستلزمات معالجة المشكلات القائمة والملتهبة حقاً, كما نسي كونه أحد عوامل الأزمة الرئيسية بسياساته الخرقاء.
ويبدو لي إن الاستقرار المنشود في العراق لن يسود إذا ما استمرت الحالة الراهنة واستمر الموقف الجامد وتفاقمت الصراعات اليومية الدائرة حول المشكلات التي تسببت فيها, وفي غياب النية الصادقة والمخلصة لتجاوز ذلك. ومن غرائب الأمور في العراق أن الأطراف السياسية الحاكمة كافة تؤكد بما لا يقبل الشك إن العراق الراهن يعاني من مشكلات كثيرة وإن بعضها يتهم البعض الآخر بكونه السبب وراء ذلك, ولكن لا أحد يبذل الجهد الضروري واللازم للتحري عن العيب في ذاته أو في ذات قائمته وقواه السياسية ومواقفه, وبالتالي لا يبحث عن طريق سليم لمعالجة ما يعاني منه ذاتياً وما يعاني منه العراق, إذ تبدو نداءات السيد رئيس الجمهورية وكأنها صرخة في واد يضيع صداها.
حين ندرس الواقع العراقي بعناية سنجد أنفسنا أمام عشرات المشاكل الموروثة والجديدة والمتراكمة التي تستوجب المعالجة والجرأة في التصدي لها. وسأحاول أن التقط من بين تلك المشكلات ثلاث منها:
أولاً: المشكلة البنيوية التي يعاني منها نظام الحكم القائم على المحاصصة الطائفية, إضافة إلى الموقف العام المختل من الحياة الدستورية والحريات الديمقراطية وحقوق المواطنة الحرة والمتساوية.
لم يعرف العراق الديمقراطية بالمعني الصحيح والإنساني يوماً, ولم تكن الحكومات المتعاقبة ديمقراطية, بل كانت غير ديمقراطية أو استبدادية شرسة, ولم ينشأ المجتمع على المبادئ الديمقراطية, كما انبثقت من هذا المجتمع والوضع العام مجموعة من الأحزاب والقوى السياسية التي لم تنشأ على قواعد العمل الديمقراطي, ولم تكن ديمقراطية بالمعنى الصحيح للكلمة, وأجبر بعضها الكثير على العمل السري الذي لا يساعد على نشوء الديمقراطية فيه.
وبعد إسقاط النظام لم تجلب قوى الاحتلال الأمريكي – البريطاني للبلاد الحياة الديمقراطية ولم تؤسس لنظام ديمقراطي, بل أوجدت الفوضى والعفوية التي أطلقت عليها سمة الحرية, وكانت حرية الفوضى أو فوضى الحرية التي سمحت ببروز ثلاث ظواهر سلبية في الحياة العراقية هيمنت على حياة الإنسان والمجتمع, وأعني بها: الطائفية السياسية المستندة إلى قاعدة المحاصصة في حكم البلاد الذي يشكل تجاوزاً على مفهوم المجتمع المدني وعلى مبدأ المواطنة الحرة والهوية العراقية واستبدالها بالهويات الهامشية الثانوية القاتلة لروح ومفهوم وهوية المواطنة العراقية, وأعني بها الهويات الطائفية السياسية التي تميز بين الناس على أساس الدين والمذهب الديني. وهي العلة المركزية في نشوء الأزمة البنيوية في البلاد واختلال العلاقات بين أفراد المجتمع. إن المجتمع العراقي يعاني من اختلال في أسس الدولة العراقية وفي مؤسساتها التي اعتمدت الطائفية السياسية والتي تتجلى في السلطات الدستورية الثلاث, السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية والتجاوز على سلطة الرأي العام العراقي وسلطة الإعلام من جانب السلطة التنفيذية ذات الطبيعة الطائفية والأثنية السياسية.
والفوضى التي سادت البلاد التي أطلقتها قوى الاحتلال بذريعة التمتع بالحرية بعد العيش تحت نير الدكتاتورية قد قادت إلى سيادة الإرهاب في البلاد, الإرهاب ضد الدولة والمجتمع. وقد ذهب ضحية الإرهاب حتى الآن عشرات ألوف الناس الأبرياء وما زالوا يموتون بسبب هذه البنية المتخلفة في نظام الحكم. كما إن ذات الفوضى تسببت في انتشار الفساد الذي كان موجوداً قبل ذاك ولكنه عمَّ البلاد بأسرها وأصبح يشكل نظاماً سائداً يمارس على نطاق الدولة والحكومة والمجتمع وكلف المجتمع حتى الآن عشرات المليارات من الدولارات, ونشأت بسبب ذلك صراعات دموية وخلافات لا نهاية لها. وهي المشكلة الإضافية التي يعاني منها المجتمع بأغلب فئاته في المرحلة الراهنة.
لا شك في أن فئات معينة استفادت وما تزال تستفيد من هذا الوضع لتعزز مواقعها في الحكم وتكرس الطائفية والأثنية السياسيتين ليس على مستوى الحكم فحسب, بل ونشره في صفوف المجتمع والاغتناء من السحت الحرام بشكل عام وإلى انتعاش نسبي لبعض الفئات.
في هذه الأوضاع الشاذة توفرت بعض الحريات العامة في الوهلة الاولى والتي بدأت تتقلص تدريجاً وتخضع لنشاط أمني يتحول يوما بعد آخر إلى سيف مسلط على رقاب الناس, كل الناس. وكانت نتيجة الجرأة في التمتع بهذه الحرية النسبية هو الموت لعدد غير قليل من الكتاب والعلماء والفنانين والسياسيين على أيدي القتلة المأجورين أو المؤدلجين دينياً ومذهبياً وسياسياً.
الوضع الراهن في العراق لا يطاق من جوانب كثيرة ويخطئ من يعتقد أن الوضع في البلاد سيستقر لمن هم في سدة الحكم اليوم إذا استمر الوضع الراهن على حاله دون تغيير, أي مع استمرار التناقضات الاجتماعية المتفاقمة والصراعات السياسية المستعصية بين القوى الحاكمة, التي تحول بعضها إلى عداء شخصي مستحكم, وغياب الرؤية المشتركة والحصيفة لدى القوى السياسية الحاكمة.
وتشير وقائع الحياة في البلاد إلى تراجع سريع ومستمر في الحريات النسبية العامة التي توفرت خلال الفترة المنصرمة التي خلقت تطلعاً لدى الكثير من الأوساط العراقية باحتمال توفر مستلزمات بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الاتحادية الحديثة والبدء العملي ببناء مجتمع مدني ديمقراطي حديث. وقد خاب ظنهم بذلك وارتفع مستوى الإحباط السياسي لدى الكثير من البشر, وهو ليس دون أسباب فعلية. فالحكم الطائفي السياسي بامتياز والصراع بين الأحزاب الطائفية السياسية على الحكم بهدف السيطرة المنفردة من جانب واحد, والرغبة الجامحة لدى الأحزاب الشيعية بعدم التخلي عن الموقع المهيمن والرغبة في عدم إشراك فعلي للآخرين في الحكم قاد ويقود الوضع المتردي إلى مزيد من التردي والتوتر. وزاد في الطين بلِة التوترات الجديدة بين قائمة دولة القانون وحزب الدعوة وبين قائمة التحالف الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني على العلاقة بين الحكم الاتحادي والحكم في الإقليم, إضافة إلى محاولات جادة من جانب الحكم للتهميش المتزايد لقوى سياسية غير حاكمة وقوى المجتمع المدني وجمهرة المثقفين والمثقفات في البلاد, وإلى التدخلات السياسية الخارجية والوضع الاقتصادي المتردي لجمهرة كبيرة من السكان ستقود إلى تعميق الأزمة الراهنة وتشديد عواقبها.
إن مبدأ المواطنة المتساوية غير متوفرة في عراق اليوم, بل تسود فيه الهويات الطائفية الثانوية والمتصارعة, وهي التي ستشكل الوأد الحقيقي للدولة المدنية, وهو اتجاه خطر يهدد وحدة شعب العراق تتبناه بعض أبرز قوى الإسلام السياسي الحاكمة والتي تريد من خلاله تعميق الاصطفاف الديني والمذهبي في البلاد لتفوز في الانتخابات القادمة, وهي حالة لا تقتصر على القوى والأحزاب الشيعية, بل تمارسها الأحزاب السنية أيضاً.
والظاهرة البارزة الاخرى التي اتخذت بعداً جديداً هو الصراع الدائر في البيت الشيعي في ما بين مراكز القوة حول من يستطيع التحكم في هذا البيت ويتسلم قيادة السلطة في البلاد. ويبدو هذا واضحاً بين حزب الأحرار وحزب الدعوة الإسلامية أو بين جماعة مقتدى الصدر وقوى المالكي. ومثل هذا الصراع يدور بين الكتل السياسية في إطار القائمة العراقية. وهي عملية تفتيت للقوى وتشديد الخلافات والصراعات والتي ستقود الى احتمال الخراب الذي يمكن أن يلحق بالبلاد والموت الذي سيصيب الناس.
إن الخلل البنيوي في النظام السياسي الراهن هو الذي يخلق الفردية ويدفع لنشوء الاستبداد في الحكم. والمالكي, وقبل ذاك الجعفري وعلاوي, هم الأبناء الشرعيون لهذا النظام المختل ولا ينفع استبدال المالكي بشخص آخر لأنه لن يكون أفضل من هؤلاء الثلاثة, بل ربما سيكون أسوأ منهم جميعاً, وخاصة إن جاء من قائمة الأحرار التي لم تقصر في ترهيب الشعب العراقي لفترة طويلة وكانت ضحيتها موت الكثير من البشر.     
هذه هي المشكلة الكبيرة الأولى, وأعني أزمة الحكم الطائفي السياسية في البلاد والمحاصصة الطائفية والتخلي الشديد عن مبدأ المواطنة العراقية والسقوط في مستنقع الهويات الطائفية السياسية الهامشية القاتلة.
ثانياً: موقف القوى والأحزاب الكردية من الدولة العراقية.
منذ عقود اعترفت العديد من الأحزاب والقوى الديمقراطية بحق الكُرد في تقرير مصيرهم, وفي المقدمة منهم الحزب الشيوعي العراقي والكثير من اليساريين والماركسيين والديمقراطيين. وكان هذا يعني الحق في المطالبة بالحكم الذاتي أو الفيدرالية أو حق الانفصال وتشكيل الدولة الكردستانية الوطنية. وسمحت الظروف في فترة ما وعبر النضال العنيد للشعب الكردي ودعم القوى الديمقراطية العربية وسائر القوميات في العراق تحقيق الحكم الذاتي في إطار الدولة العراقية الذي فُرّغ من محتواه في فترة حزب البعث الذي أجبر تحت ظروف وشروط معينة الاعتراف بالحكم الذاتي. وتوفرت مجموعة من الظروف الأخرى في أعقاب انهيار القوات المسلحة في حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت والانتفاضة الشعبية في ربيع العام 1991 ونضال الشعب الكردي والجبهة الكردستانية التي ساهمت في تأمين الفيدرالية لإقليم كردستان في إطار الدولة العراقية. جاء هذا في أعقاب فرض الحماية الدولية للإقليم واضطرار القوات والإدارة العراقية الصدامية على الانسحاب من إقليم كردستان العراق وسيطرة القوى والأحزاب الكردية في الجبهة الكردستانية على الإقليم وإقامة حكومة كردستانية وبرلمان كردستاني أقرا النظام الفيدرالي للإقليم في إطار الدولة العراقية. وهو الشكل الذي أقر أيضاً في دستور العراق الجديد, دستور العام 2005.
واليوم يتمتع إقليم كردستان العراق بالحكم الفيدرالي في دولة عراقية اتحادية, مع وجود مناطق عديدة مختلف بشأن عائديتها للإقليم الكردستاني أو للإقليم العربي في الدول العراقية. وهو الذي يفترض أن يحل على وفق المادة 140 من الدستور العراقي المذكور.
إن الخلافات المحتدمة بين رئاسة وحكومة الإقليم من جهة, والحكومة الاتحادية من جهة أخرى, دفع برئاسة الإقليم إلى طرح مسائل ذات طابع تهديدي غير قابل للتحقيق وغير مطروح حالياً ولا في المستقبل المنظور عن انفصال الإقليم عن الدولة العراقية وإقامة الدولة الكردستانية. ورغم إن الطرح لم يكن بهذه الصراحة والوضوح إلا إن الكثيرين في العراق وخارج العراق قد فسروه على النحو الآنف. إن مثل هذا الطرح غير وارد حالياً ولا يساعد على حل المعضلات بل يزيد في تعقيد الأمور. وبالتالي فإن الحل العملي لكل المشكلات لا يتم إلا عبر الحوار وفي إطار الدولة العراقية. إن المعرفة الفعلية لواقع السياسة الدولية في المرحلة الراهنة يشير إلى إن الدولة الكردية مسألة غير مطروحة على بساط البحث حالياً وليس هناك من توجه لتغيير الخارطة الجيوسياسية للمنطقة. فالحسابات الدقيقة للواقع الراهن في الشرق الأوسط ودول الجوار والمشكلات والتحالفات الدولية يفترض أن تعطي القادة السياسيين في كردستان العراق الوجهة الصائبة في التعامل مع الأحداث والوقائع وأن تستند إلى الإمكانيات الفعلية المتوفرة. فالجنوح إلى الرغبات دون أخذ الوقائع والظروف بنظر الاعتبار يسهم في خلق خمس مسائل غير مناسبة:
1.   عدم الثقة بالتهديدات التي يطرحها القادة الكُرد بين فترة وأخرى لأنهم غير قادرين على تحقيقها. والمثل الكردي يقول من يحمل صخرة كبيرة لا يريد رميها, إذ لا يستطيع القيام بذلك!
2.   يخلق إحباطاً شديداً لدى الجماهير الكردستانية التي تعتقد في بداية الأمر بقدرة القيادة الكُردية على تحقيق تلك التهديدات والوعود, ثم تراها عاجزة بعد تكرار التهديدات دون الوصول إلى غاية معينة.
3.   يساهم في شق وحدة الصف الكردي السياسي بسبب تباين وجهات النظر بهذا الموضوع وخاصة من الناحية التكتيكية.
4.   يخلق أجواء متوترة على صعيد العراق كله ويعبئ العرب في الخارج ضد الكُرد في وقت لم يطرح الأمر جدياً. 
5.   يثير دول الجوار التي تقطنها شعوب كردية, كما هو الحال في كل من تركيا وإيران على نحو خاص بحيث يدفع بتشكيل تحالف إقليمي مناهض للشعب الكردي وقضيته العادلة وضد الفيدرالية الكردستانية في العراق ويدفع بخلق تحالف مع قوى عراقية للتآمر ضد الكُرد والفيدرالية في العراق.
ومن هنا يفترض أن نفكر بالطريقة السليمة للتعامل مع الخلافات داخل الدولة العراقية وسبل حلها في إطار هذه الدولة وليس بالتهديد في الانفصال عنها, إذ لا تتوفر الحدود الدنيا لشروط مثل هذا الانفصال وتشكيل الدولة الكردية. كما ليس مقبولاً بل مرفوضاً ومداناً التصريحات غير المسؤولة التي اطلقها نوري المالكي في لقائه الأخير مع الاعلامي غسان جدو والذي ادعى فيه قدرته على قلعهم مرة واحدة (أنا بإمكاني أن أشيلهم مرة واحدة وأنهي الأزمة). إن صاحب هذا الخطاب الاستبدادي لم يتعلم من دروس التاريخ ومن التصريح الأهوج الذي أطلقه في حينها صالح مهدي عماش حين تحدث عن القتال في كردستان وإمكانية القضاء على الحركة الكردية ووصفها بأنها "نزهة ربيعية", كما لم يتعظ نوري المالكي, الذي يراد استنساخه (حسب تصريح عباس البياتي), من عواقب مثل هذه التصريحات غير الحكيمة وهذه السياسات غير العقلانية على مطلقيها وممارسيها.
ويبدو لي وللكثير من المتابعين لتطور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في إقليم كردستان العراق إن هذا الطرح يشكل هروباً إلى الأمام من المشكلات التي يعاني منها الإقليم وخاصة في مواجهة مشكلات البطالة وغياب إستراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والفساد المنتشر في الإقليم والحزبية الضيقة المهيمنة على الحياة السياسية والحكم في الإقليم   
ثالثاً: الموقف من التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمشكلات الناجمة عن تعطل هذه العملية.     
بعد مرور تسع سنوات على إسقاط الدكتاتورية الغاشمة لم تستطع الحكومات العراقية المتعاقبة وضع إستراتيجية للتنمية الوطنية على صعيد العراق كله, كما لم  تكن لديها أي سياسة اقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية عقلانية يمكن أن تساهم في تنشيط الاقتصاد الوطني العراقي أو تعيد بناء ما خرب من المشاريع الاقتصادية والعملية التنموية ولم تتجل حتى السياسات غير المناسبة والسيئة لاقتصاد العراق التي وضعها بول بريمر في خطط أو برامج تفصيلية تسهم في معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي يعاني منها العراق حالياً والمتراكمة والمتفاقمة في آن. والعمل الفعلي الذي أنجز لتوفير الأموال للحكومة العراقية وزيادة السيولة النقدية برز في مجال استخراج وتصدير النفط الخام. وهو القطاع الذي يعتبر بقرة حلوب لاستهلاك الحكومات العراقية المتعاقبة منذ اكتشاف النفط وبدء إنتاجه في البلاد حتى الوقت الحاضر دون أن تبرز مظاهر توجيه موارد النفط المالية والنفط الخام والغاز الطبيعي صوب التنمية الصناعية المساهمة في إغناء الثروة الوطنية والدخل القومي وتحديث زراعة البلاد وتنويعها.
نحن أمام اقتصاد مخرب حطمته سياسات البعث غير الوطنية وحروبه الدامية وتدمير ما بني من مشاريع في فترة البعث ذاتها وما نشأ منها قبل ذاك. ولم تفعل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ سقوط الدكتاتورية إلى تنشيط القطاع الصناعي غير النفطي ولم تساهم في معالجة البطالة عبر التصنيع, بل عمقت من إشكاليات الاقتصاد العراقي عبر التشغيل الواسع في أجهزة الدولة العسكرية والدوائر الحكومية بحيث تكدس في العراق جيش جرار من البطالة المقنعة المرهقة للاقتصاد الوطني ومعاملات الناس. لقد تحقق تحسن في رواتب ومعيشة هذه الجمهرة الواسعة من الموظفين والبرجوازية التجارية والعقارية وكبار موظفي الدولة, ولكن لم يتحقق أي نمو حقيقي في البرجوازية الصناعية والزراعية, كما لم يتحقق نمو ملموس في الطبقة العاملة في هذه المجالات الأساسية للاقتصاد الوطني.
لقد تراجعت البطالة وتراجع الفقر نسبياً من خلال استخدام موارد النفط المالية في التوظيف في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية وفي قطاع الخدمات, الذي ما يزال متخلفاً ويعاني من نقص شديد, ومن فساد منهك ومفتت لقدرات البلاد المالية والفنية وتشريد الكوادر العلمية والفنية إلى خارج البلاد.
وإذا كان إقليم كردستان العراق قد حقق نتائج طيبة وملموسة في مجال الخدمات والبنية التحتية, ومنها الكهرباء والمال وإقامة الشوارع والجسور والعمران الواسع وتقليص الفقر وزيادة عدد المدارس والجامعات ..الخ, فإنه يشترك مع بقية أنحاء العراق في فقره التام للصناعة وتحديث الزراعة ومكافحة البطالة المقنعة, بل اتسعت الأخيرة إلى حدود مرهقة لميزانية الإقليم وقدراته الاستثمارية. فالفلسفة الاقتصادية للحكومتين غير متباينة في الموقف المناهض للتصنيع وتحديث وتنشيط القطاع الزراعي من جهة, والسعي لزيادة حجم الاستيراد السلعي الاستهلاكي والكمالي على حساب موارد الدولة والتنمية ومكافحة البطالة المقنعة والمكشوفة.
ما العمل؟
لا يمكن معالجة مشكلة واحدة ونسيان المشكلات الأخرى, إذ لا بد من التعامل مع مشكلات العراق كسلة واحدة تعالج بصورة مشتركة مع بعضها ومتناسقة ومتفاعلة بحيث يساهم البدء بحل هذه المشكلة أو تلك في حل المشكلات الأخرى.
وسأحاول هنا تبيان وجهة نظري في سبل حل المعضلات الثلاث الواردة في أعلاه كوجهة نظر قابلة للنقاش والتعديل والتبديل والتغيير أو الإغناء بما يسهم في تكوين رؤية وطنية مشتركة للعراق الراهن.     
أولاً: العراق بحاجة إلى مجموعة من المسائل المتشابكة خلال السنة القادمة بغض النظر عن استمرار الحكومة الراهنة أو استبدالها بحكومة أخرى, إذ إن القضية لن تغير من الأمر شيئاً ما لم تتخذ الإجراءات لممارسة ما يلي:
** ستبقى المشكلات قائمة وتتجدد الصراعات السياسية والنزاعات, التي يمكن أن تتحول إلى دموية, إن استمر حكم المحاصصة الطائفية في البلاد وإلغاء هوية المواطنة العراقية الحرة والمتساوية. وبالتالي لا بد من إدراك حقيقة إن الطائفية السياسية اللعنة الفعلية الراهنة النازلة على رؤوس الشعب العراقي التي لا بد من التخلص منها.   
** لا بد من تشكيل لجنة من مختلف القوى والأحزاب الحاكمة وغير الحاكمة لإجراء تعديل فعلي في الدستور العراقي بما يساعد على تخليصه من الفكر الطائفي السياسي وتكريس فلسفة الديمقراطية في الحياة السياسية العراقية, أي الشرعية الدستورية والحياة الديمقراطية والتعددية الفكرية والسياسية والفصل بين السلطات واستقلال القضاء والفصل بين الدين والسياسة والتداول السلمي والديمقراطي للسلطة السياسية.
** إعادة النظر في قانون الانتخابات لإزالة كل الشوائب التي لحقت به عبر التعديلات التي جرت عليه والمرفوضة من المحكمة الاتحادية.
** الانتهاء من وضع وإقرار قانون الأحزاب السياسية العراقية على وفق الأسس الديمقراطية الحديثة.
** وضع القوانين المنظمة للعلاقة بين إقليم كردستان والدولة الاتحادية بما يحقق مضمون الفيدرالية ويبعد التجاوز المتبادل على الحقوق والصلاحيات ويعزز الوحدة الوطنية والدولة العراقية ومضامين الفيدرالية الديمقراطية.
وضع وإقرار قانون ديمقراطي للإعلام والإعلاميين وحماية الصحفيين من أية تجاوزات أو تجاوز على  القانون.
** التخلي عن الطائفية السياسية في الحكم وفي توزيع المناصب الوزارية والدوائر الحكومية والأخذ بمبدأ المواطنة الحرة والمتساوية والمساواة التامة بين أبناء وبنات القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية غير العنصرية وغير الطائفية.
** وضع القوانين الملزمة بالمساواة التامة بين المرأة والرجل وتمتعها بحقوقها المسلوبة كاملة غير منقوصة وإزالة الغبن المديد والجاري حالياً وعملياً على حقوق وحريات المرأة.
** الاتفاق على إجراء انتخابات عامة جديدة بعد الانتهاء من هذه الإجراءات الضرورية لقيام نظام سياسي وطني ديمقراطي وليس طائفي سياسي محاصصي.
** وبغض النظر عن شكل الحكومة التي ستقام, سواء أكانت حكومة شراكة وطنية وتحالفات سياسية واسعة أو محدودة فلا بد من أن تبتعد عن السياسات الفردية والاستبداد وتأخذ بجماعية مجلس الوزراء واحترام إرادة الشعب واحترام البرلمان والقضاء العراقي من جانب السلطة التنفيذية.
** التزام الحكومة الجديدة بتفعيل المادة 140 من الدستور والانتهاء من مشكلة المناطق المتنازع عليها لصالح وحدة العرق ووحدة شعبه وسلامة دولته وتطور قومياته.
** العمل من أجل إزالة عدم الثقة التي تفاقمت خلال السنوات الأخيرة لصالح خلق ثقة جديدة ومتبادلة بين أطراف العملية السياسية, وبتعبير أدق الثقة بالحياة الديمقراطية والدستورية وتجنب المخاتلة والنفاق والادعاء والتآمر المتبادل.
هذا هو السبيل الوحيد لضمان الخلاص من الأزمة الراهنة سياسياً واجتماعياً والبدء بمعالجة القضايا الأخرى.

ثانياً: يبدو لي بأن رئاسة وحكومة إقليم كردستان العراق والقوى السياسية الفاعلة في الإقليم كافة من جانب والحكومة الاتحادية والقوى السياسية الحاكمة والفاعلة في العملية السياسية العراقية من جهة أخرى تتحمل مسؤولية التعامل الإيجابي الفعال مع الدستور العراقي, الذي أقر الفيدرالية الكردستانية, على أفضل وجه ممكن والبدء بوضع القوانين المنظمة للعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم. وأرى بأن حكومة الإقليم يفترض أن تأخذ بالاعتبار المسائل الأساسية التالية:
1.   إن الدستور العراقي يوزع الحقوق والصلاحيات والمسؤوليات بصورة عقلانية يفترض أن تتجلى في القوانين المنظمة للعلاقة بما يسهم في تعزيز الدولة والفيدرالية في آن واحد وبعيداً عن التجاوز المتبادل.
2.   أن يتوقف المسؤولون في الإقليم عن التهديد بالانفصال كلما وقع خلاف بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم, إذ لا بد من حل تلك الخلافات عبر الطريق السلمي والديمقراطي والاستعانة بالمحكمة الاتحادية في هذا الصدد.
3.   يشكل اقتصاد إقليم كردستان العراق جزءاً عضوياً من الاقتصاد العراقي, وبالتالي لا بد أن تشكل إستراتيجية التنمية في الإقليم جزءاً عضوياً منسقاً وموحداً من إستراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية العراقية وليس منفصلة عنها, إذ إن السوق الكردستاني العراقي هو جزء من السوق العراقي وليس منفصلاً عنه. وهذا يتطلب تنسيق السياسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية بما يحقق وحدة عملية إعادة الإنتاج في إطار الاقتصاد العراقي ويوحد الموقف من الاتفاقيات الدولية السياسية والاقتصادية وخاصة الاتفاقات النفطية. فالتجرية العملية برهنت بما لا يقبل الشك بأن الاتفاقيات التي وقعها الإقليم والتي تعتمد على المشاركة في الإنتاج لم تكن في صالح الاقتصاد الكردستاني والاقتصاد العراقي, بل حملتهما خسائر مالية كبيرة وعلى مدى بعيد, وهي متعارضة مع الدستور العراقي الذي أكد أن الثروة النفطية هي ملك الشعب العراقي وتخضع لسياسة الدولة العراقية الاتحادية. لقد كان الطابع السياسي للاتفاقيات هو الحاسم في عقدها ولم يسهم في تعزيز أو إضعاف الفيدرالية ولكنه أضعف العلاقة العضوية الضرورية بين الإقليم والدولة العراقية وأخل بالدستور العراقي.   
لا شك في أن قوة الدولة العراقية التي تنهض على أسس ديمقراطية وحياة دستورية هي قوة للفيدرالية وضعفها هو ضعف للفيدرالية على الصعيدين الإقليمي والدولي وعلى الصعيد الداخلي, كما إن قوة الفيدرالية التي تستند إلى الحياة الديمقراطية والدستورية هي قوة للدولة العراقية أيضاً, وهو الأمر الذي يفترض أن يشكل أساساً للعمل المشترك في العراق وليس الصراع بين الإقليم والدولة الاتحادية.
 
ثالثاً: ليس في المقدور تحقيق التقدم في العراق ومعالجة المشكلات الكثيرة من دون البدء ببناء اقتصاد إنتاجي متين ومتجانس ومتفاعل بين اقتصاد الدولة واقتصاد إقليمها للتخلص من واقع الاقتصاد النفطي الريعي والاستهلاكي والاستيرادي والمكشوف كلية على الخارج في آن. وهذه العملية يجب أن تحتل مكان الصدارة للدولة الديمقراطية المفقودة حالياً في العراق. ويتطلب الأمر وضع إستراتيجية تنمية لقطاع النفط والقطاعين الصناعي والزراعي وقطاع التجارة الخارجية والبيئة في إستراتيجية متكاملة لعموم الاقتصاد العراقي والمجتمع بما يخدم عملية التنمية الاقتصادية والبشرية الشاملة والعامة التي حرم منها العراق طيلة العقود العشرة المنصرمة. إن التغيرات الاقتصادية العميقة هي التي تسمح بتغيير بنيتي الاقتصاد والمجتمع ووعي الفرد والمجتمع في آن, وهي العملية المفقودة حالياً.
إن معالجة هذه المشكلات الثلاث وبطريقة ذكية وعقلانية يمكنها أن تساهم بفعالية في معالجة الأزمة الخانقة  والمركبة والمعقدة التي يعاني منها المجتمع وكذلك الدولة والنظام السياسي القائم.
كندا في 24/6/2012                                                            كاظم حبيب   


237
كاظم حبيب
الدكتور برهم صالح وبرنامجه الاقتصادي لمستقبل إقليم كردستان العراق

نشرت وسائل إعلام الاتحاد الوطني الكردستاني مادة جديدة على شكل موضوعات (1-10) للسيد الدكتور برهم صالح, نائب الأمين العام للاتحاد الوطني, تحت عنوان "أمجاد الماضي, تطلعات المستقبل", بمناسبة الذكرى ألـ 37 لتأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني. وقد تسنى لي قراءة هذه المادة المهمة التي لا تستحق القراءة فحسب, بل والمناقشة, إذ تضمنت بعض الأفكار الحديثة في مجال التنظيم والعلاقات الجماهيرية والإعلام بهدف الخلاص من القديم والتحول صوب الجديد المحرك للحزب والجماهير في آن, وبشكل خاص الإعلام الذي يعاني من جدب فكري وثقافي وسياسي في عموم العراق. كما يفترض أن تقرأ هذه المادة في ضوء الصراعات الفكرية والسياسية الجارية في إقليم كردستان في ما بين الأحزاب الحاكمة وأحزاب المعارضة, إضافة على النجاحات التي تحققها الأحزاب الإسلامية السياسية الكردية بسبب الأخطاء التي ترتكبها الأحزاب الحاكمة والحكومة الائتلافية التي تمثل الحزبين الرئيسيين بشكل خاص. ومن يزور إقليم كردستان ويطلع على الوضع فيه ويلتقي بالناس وبقوى الأحزاب الحاكمة يدرك حقيقة هذا الوضع. ولهذا فليس عبثاً أن يطرح الدكتور برهم صالح بحاسة شم قوية هذه الموضوعات للمناقشة ومن أجل تدارك التشتت والتبعثر والانشقاقات وغياب وحدة الرأي والعمل داخل الحكومة وخارجها وفي داخل كل حزب وفي ما بينها. ومن هنا يفترض الترحيب بهذه الموضوعات والدعوة على مناقشتها. ولو توفر لي الوقت لناقشت الموضوعات العشر المنشورة, إذ إن الكثير من المسائل المهمة قد استوقفتني, سواء أكانت على صعيد العمل التنظيمي أم الإعلامي أم في مجالات العمل الجماهيري والحياة الفكرية والسياسية للحزب, أم في مجال "الاقتصاد والتجارة والسوق" ومستقبل إقليم كردستان العراق. ولأهمية المادة والموضوعات وشخصية الكاتب في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الاتحاد الوطني الكردستاني وفي إقليم كردستان العراق والعراق عموماً, وجدت مناسباً أن أتناول الموضوعة السابعة التي تقع جاءت تحت عنوان ثانوي هو " الاتحاد الوطني الكوردستاني والسوق والاقتصاد" بالمناقشة وتبيان رأيي بها وبالمعالجة التي سعى الدكتور برهم صالح إلى تكريسها في إقليم كردستان وفي العراق.
لا بد لي وقبل الخض في تفاصيل المناقشة أن أشير إلى ثلاث ملاحظات:
1. إن الدكتور برهم صالح شخصية سياسية متقدمة ويحتل منصب نائب أمين عام الاتحاد الوطني الكردستاني, كما كان نائباً لرئيس الوزراء العراقي والمسؤول عن الملف الاقتصادي العراقي, إضافة إلى إنه كان رئيساً لوزراء الإقليم لنصف دورة برلمانية انتهت قبل عدة شهور. 
2. وأشار الدكتور برهم صالح أكثر من مرة في الموضوعات المذكورة إلى أن الاتحاد الوطني الكردستاني يتبنى الاشتراكية الديمقراطية كفكر ومنهج عمل وممارسة وإعلام. ويضع هذا الالتزام جملة من الاعتبارات التي يفترض أن تتجلى في البرنامج السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي يتبناه.
3. ويبدو إن هذه الموضوعات تستهدف مجدداً رأب الصدع الحاصل في الاتحاد الوطني والسعي لتوحيد وجهات النظر لضمان تحقيق نتائج أفضل في العمل الحزبي والجماهيري وعلى مستوى الانتخابات القادمة.
سأناقش في هذا المقال بعض الأفكار والاستنتاجات الواردة في الموضوعات على وفق تسلسلها الوارد في الموضوعة السابعة من المادة المنشورة.
1 . يدعو الدكتور برهم صالح إلى مراجعة العلاقة مع الشعب "وذلك بسبب تحسن أوضاع الناس وظهور الطبقة الوسطى، ورغبة الناس الطبيعية للتغيير والتجديد، وتراكم مجموعة من المشاكل والنواقص لعدة سنوات، والدوافع الاقليمية والأسباب الدولية".  لا خلاف بشكل عام عما جاء في هذا الاستنتاج, ولكن علينا أن نتعرف في حيثياته, منها مثلاً:
* هل شمل التحسن كل الناس أم اقتصر بشكل خاص على فئة معينة من المجتمع في إقليم كردستان العراق؟ كل الدلائل التي تحت تصرفنا تؤكد إن التحسين الأساسي قد اقتصر على فئات معينة مثل كبار التجار وأصحاب العقارات وسماسرة المقاولات والبناء وفئة القادة والكوادر الحزبية وكبار موظفي الإقليم. فالفقر وأن انخفضت نسبته كثيراً في الإقليم, فهو ما يزال قائماً ولم تتخذ الإجراءات الكفيلة بإزالته ومنها البطالة المكشوفة والبطالة المقنعة والعائلات الكادحة والمعوزة تماماً.
* من حقنا ان نتساءل ما هي الفئة الوسطى التي ظهرت في المجتمع الكردستاني في الإقليم بعد عام 1991 ولكن وبشكل خاص بعد عام 2003؟ كل الدلائل تؤكد ظهور فئة التجار وأصحاب الأموال الكبار إلى جانب جمهرة من التجار وأصحاب لأموال من الفئة المتوسطة, وفئة متوسطة وسيطة من العقاريين إضافة إلى وجود الكبار منهم, وفئة الموظفين المتوسطين إلى جانب كبار الموظفين, في حين لم تظهر فئة اجتماعية وسطى في القطاعين الصناعي والزراعي, كما لم تظهر فئة صناعية أو زراعية كبيرة. فالتطور الجاري في الإقليم شمل تجارة الاستيراد والمال والعقار ومقاولات البناء ودور السكن لا غير. وهي ظاهرة سلبية تمنع نشوء وتطور الفئة المتوسطة في القطاعين الصناعي والزراعي الإنتاجيين في الإقليم. وهي سياسة مرتبطة بفلسفة وممارسات اللبرالية الجديدة في الدول النامية وبعيداً عن مصالح ومتطلبات تطور الاقتصاد الوطني ومكافحة البطالة المكشوفة والمقنعة وتغيير بنية الاقتصاد الوطني والبنية الاجتماعية. ولم تتخذ أية إجراءات فعلية حين كان الدكتور برهم صالح مسؤولاً عن الملف الاقتصادي ونائباً لرئيس الوزراء على صعيد العراق, وكذلك رئيساً للوزراء ولفترة سنتين قصيرتين جداً لممارسة أي سياسة اقتصادية, في إقليم كردستان العراق. إن السياسة التي يمارسها الدكتور برهم صالح تنطلق من مواقع اللبراليين الجدد, في وقت بدأ اللبراليون الجدد يتخلون عن هذه السياسة, ولكنهم لمي تخلوا عن إقناع ساسة الدول النامية, ومنها العراق, بالأخذ بها وممارستها في غير صالح المجتمع.
* ويؤكد الدكتور برهم صالح تطلع الناس في الإقليم إلى التغيير والتجديد, وهذا صحيح جداً, ولكن بأي وجهة؟ إن الوجهة التي سارت عليها سياسات الإقليم حتى الآن هي إغراق الأسواق المحلية بالمستورد من السلع وخاصة من تركيا وإيران والصين, مع معرفتنا بالتركة الثقيلة لعقود من التهميش والإهمال والمحاربة الظالمة. وقد أدت ÷ذه السياسة إلى تراكم الكثير من المشكلات والنواقص التي كان بالإمكان تجاوزها لو كانت السياسة المنتهجة عقلانية سليمة وفعالة وبعكس المنتهج حتى الآن, عدا بناء الشوارع والطرق والجسور والعمارات السكنية والبنايات الحكومية.  لقد سار الاقتصاد الكردستاني على وفق الدوافع الإقليمية والدولية, أي من اجل تحسين العلاقة مع تركيا وإيران أغرقت الأسواق بالسلع معها حتى ارتفع الميزان التجاري مع تركيا, ومن طرف واحد إلى ما يقرب من سبع مليارات دولار في العام المنصرم, من جهة, وعلى وفق رغبة وبرنامج البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الموجه للدول النامية, ومنها الريعية, من أجل إبعادها علن التنمية الصناعية والزراعية والتي تتجلى أيضاً في الموقف من السياسات الجمركية التي توصى بها منظمة التجارة الدولية وغيرها من المؤسسات المالية الدولية من جهة ثانية.

2 . يولي الدكتور برهم صالح اهمية خاصة لتوسيع مساحة الاقتصاد والتجارة والسوق للناس وأن يهيئ أرضية مزدهرة لهذا القطاع المهم ويحقق موازنة أكبر. والسؤال هو: كيف يتم ذلك؟
اللوحة التي تحت تصرفنا على وفق دراسات الاقتصاديين الكُرد في جامعات نوروز (دهوك) والسليمانية, وجامعة صلاح الدين (أربيل) منها مداخلة الأستاذ الدكتور أزاد أحمد سعدون الدوسكي والأستاذ محمد كريم محمد والدكتور صلاح عثمان على التوالي, إضافة على دراسة الدكتور كاظم حبيب, لا تشير إلى توسع عقلاني نافع للاقتصاد الكردستاني, بل إلى غياب غستراتيجية التنمية الاقتصادية والتخطيط الاقتصادي. وهذا ما كشف عنه مؤتمر "الحوكمة الرشيدة والتنمية الاقتصادية" الذي عقد في أربيل بتاريخ 2-3/6/2012 من جانب معه الأبحاث والتنمية بأربيل الذي تسنى لي المشاركة فيه. إن التوسع الجاري حالياً في مجالين أساسيين هما: تجارة الاستيراد ومقاولات البناء والمتاجرة بالعقار ودور وشقق السكن من طرف واستخراج وتصدير النفط الخام من طرف ثاني. وليست هناك أي سيطرة فعلية من جانب حكومة الإقليم على حركة السوق, وليست هناك حرية في السوق بل مسيطر عليها من جانب بعض الاحتكاريين المتعاونين مع أطراف حكومية في كل تلك المجالات من جانب كبار التجار وأصحاب رؤوس الأموال والعقارات. ويبرز ذلك واضحاً في التضخم الجاري في السوق الكردستاني والارتفاعات غير المسيطر عليها للأسعار التي ترهق ميزانية ذوي الدخل المحدود, بما فيها إيجارات السكن وأسعار السلع الاستهلاكية والخدمات, بما فيها تعريفة المنام اليومية في الفنادق المختلف التي هي أغلى من الكثير من الدول الأوروبية. وبهذه الطريقة الجارية حالياً لا يمكن كسب ثقة الناس, إذ الجميع يشاهد التنامي السريع في عدد اصحاب الملايين من الدولارات من جهة واستمرار فقر ذوي الدخل المحدود من جهة ثانية.
3 . ورغم الحديث عن الاشتراكية الديمقراطية فلم تظهر في مداخلة الدكتور برهم صالح ولو مرة واحدة كلمة " العدالة الاجتماعية ", وكأنها كلمة غريبة عن الاشتراكية الديمقراطية التي يتحدث بها الاشتراكيون الديمقراطيون في أوروبا وفي بقية أنحاء العالم. الفرص المتساوية لا تتوفر إلا في ظل قوانين تصدرها الدولة العراقية أو إقليم كردستان لضمان عدالة الفرص وعدالة توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي, وهو الذي لم يظهر في مفردات الدكتور برهم صالح, ولا في مفردات حكومات إقليم كردستان السابقات ولا الحكومة الحالية التي يترأسها السيد نيجرفان برازاني. وأكبر الظواهر السلبية السائدة في العراق وفي الإقليم لم تجر سوى الإشارة السريعة إليها, وأعني بها ظاهرة الفساد التي تأتي على الكثير من الموارد المالية وتستنزف الاقتصاد الوطني والإقليمي وتضعف الفقراء وتغني الأغنياء والفاسدين وتزيد من التناقضات الاجتماعية والصراعات السياسية والتي يمكن أن تقود بدورها إلى نزاعات ما لم تجد لها حلولاً عملية ناضجة وفاعلة.
4 . لقد نهضت بعض المدن الحديثة في الإقليم وخاصة أربيل والسليمانية ودهوك في مجال إقامة الطرق والشوارع والجسور وتوفير الكهرباء والماء, وهي مسائل جيدة لا بد من إبرازها والإشارة الواضحة إليها, ولكن هذه السياسة وحيدة الجانب حين يخلو الاقتصاد الوطني من قاعدة التنمية الأساسية, من الأمن الاقتصادي العام, بما فيه الأمن الغذائي, من التصنيع وتحديث الزراعة ومن تحقيق تراكم رأسمالي يغني الثروة الوطنية سنوياً بدلاً من استهلاك المتوفر من الموارد المالية المتأتية من النفط الخام المصدر.
يؤكد الاقتصاديون من غير اللبراليين الجدد, وأنا منهم, بأن البترو-دولار, أي الاقتصاد الريعي الاستهلاكي غير الإنتاجي والاستيرادي يقود إلى عدة عواقب سلبية شهدناها في فترة حكم البعث الفاشي وسياساته الاستبدادية الشمولية, نشير إلى أبرزها في النقاط التالية:
1. يوفر الأرضية الصالحة لنمو ذهنية اتكالية لدى الحكام أولاَ ولدى المجتمع فيما بعد تدفع بهم للاعتماد على الموارد المالية المتأتية من اقتصاد النفط الخام المصدر.
2. وهذا يعني بوضوح ابتعاد حكام هذه الدول عن إدراك أهمية استثمار تلك الموارد المالية والأولية في عملية تصنيع وتحديث الزراعية وتنمية الثروة من مصادر دخل أخرى تسهم في إغناء الثروة الوطنية وتحسين مستوى معيشة الفراد والمجتمع.
3. ومثل هذه السياسة تزيد من حجم البطالة في البلاد وتدفع بالدولة إلى استيعاب العاطلين عن العمل وخاصة خريجو مختلف المستويات الدراسية في أجهزة الدولة مما يخلق جيشاً من البطالة المقنعة في أجهزة الدولة ويستهلك نسبة عالية من الدخل القومي.
4. وتنشأ لدى الحكام تدريجاً هيمنة فعلية على نسبة عالية من المجتمع بامتلاكها أموال الشعب والتصرف بها مما يدفع بالحكام إلى التحول صوب المركزة والاستبداد بالحكم والتحكم بمصائر الناس. فالدولة تصبح رب عمل كبير يدفع رواتب لملايين من الموظفين والمستخدمين والعاملين في أجهزة الدولة كافة في ظل غياب التصنيع والزراعة وسياسة التوسع في الاستيراد.
5. وفي مثل هذه الأجواء وبالارتباط مع العلاقات الدولية ينشأ الفساد وينمو ويتطور ويتحول تدريجاً في الدولة الريعية الاستهلاكية إلى نظام عمل يسود البلاد ترتضيه الدولة ويمارسه الحكم ويسكت عنه المجتمع, ومن ثم يمارس التخريب في الاقتصاد الوطني والمجتمع.
6. وفي مثل هكذا اقتصاد يتسع التمايز بين فئات المجتمع في غير صالح تعزيز الثقة بالحكومة وسياساتها مما يخلق المزيد من نقاط الاحتكاك وتفاقم التناقضات والصراعات التي بدأت بالظهور خلال السنتين المنصرمتين على نحو خاص.
وهذه الظاهر هي التي بدأت تبرز في أوضاع العراق عموماً وفي الإقليم ايضاً, وهو ما يشير إليه أغلب الكتاب الاقتصاديين والسياسيين والاجتماعيين واختصاصيي علم النفس الاجتماعي في العراق وفي الخارج. ومن هنا أتفق مع الدكتور برهم صالح حين يذكر " فعندما يستخدم نظام البترودولار في بناء الحكومة والمجتمع الجديد، فإن المؤسسات الحكومية والرسمية في هذا النظام ستصاب بخلل.", أي تصاب الدولة كلها والمجتمع بالخلل ومن ثم الشلل في مواجهة المشكلات, وهو ما تعاني منه حكومة بغداد حالياً.
وفي آخر فقرة من الموضوعة السابعة يذكر الدكتور ثلاث مسائل بصورة سريعة, وهي الصناعة والزراعة والضرائب وإشارة سريعة إلى الشخصيات في القطاعين العام والخاص التي يمكن أن تقيم علاقات فاسدة, إضافة إلى استخلاصه الفكرة التالية: "وبهذا سيحل محل التطور الإيجابي تطور سلبي".
إن المطالعة كلها لم تعط الأهمية الضرورية في بلد مثل العراق لقطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والمالية والسياسات المصرفية والتأمين, بما فيها الضرائب. كما لم يبد أي اهتمام بقطاع الدولة, الذي يقع على عاتقه, إضافة إلى القطاع الخاص والقطاع المختلط والقطاع التعاوني والقطاع الأجنبي, أهمية النهوض المشرك بالتنمية الاقتصادية والبشرية في مجتمع واقتصاد إقليم كردستان, ويمكن أن نقول مجتمع واقتصاد عموم العراق أيضاً. كما لم يتطرق إلى قطاع النفط وما يحيط به من مشكلات وسبل التصدي لها.
إن مداخلة الدكتور برهم صالح في مجال الاقتصاد ضعيفة جداً ولا ترقى إلى أن تكون جزءاً من برنامج اقتصادي اجتماعي يسعى الاتحاد الوطني الكردستاني إلى تحقيقه. وهي إشكالية كبيرة يستوجب التوقف عندها من جانب الاتحاد الوطني نفسه ومن جانب المختصين في إقليم كردستان وشعب كردستان. وأملي أن تثير هذه المادة المعروضة للنقاش جمهرة من الاقتصاديين والسياسيين في الإقليم وفي العراق لمناقشتها.   
10/6/2012                  كاظم حبيب 
     
 

238
كاظم حبيب
هل هناك من دهليز أسوأ من الذي يعيش تحت وطأته العراق حالياً؟

لست من المطالبين بسحب الثقة من السيد المالكي ولست من الراغبين بإسقاطه بأي ثمن, ولكني من المطالبين بتغيير سياساته الراهنة التي أوصلت العراق إلى هذا الدهليز الطائفي الأثني المظلم والمرهق للشعب كله. رحبنا به حين جاء إلى السلطة خلفاً لرئيسه السابق الدكتور إبراهيم الجعفري, ورحبنا بجملة الإجراءات التي اتخذها لفرض سلطة القانون في العراق وأيدنا تشكيل قائمة دولة القانون لاحتمال ابتعاده عن السياسات الطائفية. إذ لم يكن هناك أي موقف مسبق الصنع ضده. ولكن السيد نوري المالكي خيب الآمال حين غاص في سياسات أخرى نتيجة المساومة التي تمت في إيران لوضعه على رأس السلطة للدورة الثانية, وهي التي يعاني منها الجميع.
لم يكن رئيس الوزراء العراقي وحده مسؤولاً عن السياسات الخاطئة التي اتخذت في العراق, كما لم يكن المخطئ الوحيد في ممارسة السياسة, بل يمكن الادعاء بأن القوائم العراقية المشاركة في الحكم كافة ارتكبت ما يكفي من الأخطاء التي جعلت الحكم بعيداً عن مصالح الشعب. ولهذا فالمسؤولية لا يتحملها المالكي وحده, ولكنه يتحمل المسؤولية الأولى باعتباره رئيساً للوزراء والمسؤول الأول عن السياسة وعن تنسيق العلاقات مع مجلس وزرائه والوزراء والأحزاب المسؤولة عن هؤلاء الوزراء إضافة إلى التنسيق والتعاون مع رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب ومع المجتمع ومنظمات المجتمع المدني. وكل المؤشرات تؤكد فشل عملية التنسيق وإلا لما وصل الحال على ما هو عليه الآن.
وحين خرجت المظاهرات تطالب بتحسين الأوضاع التزم بمئة يوم لكي يبدأ العمل مجدداً, وكانت فرصة مواتية لإعادة النظر بكامل السياسات والعلاقات, ولكن لم يحصل ذلك ايضاً.
كما كان عليه أن ينجز وضع القوانين المهمة ومنها قانون الأحزاب وقوانين تضبط العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وحل المعضلات العالقة, والتي هي الأخرى لم تحصل.
إن المشكلة المركزية في الصراع اسياسي الجاري في العراق يؤكد سير القوائم العراقية على قول المثل العراقي : "كل من يحود النار الگرصته", أي كل قائمة تسعى لتحقيق مصالحها دون النظر إلى مصالح القوائم الأخرى, وكانت النتيجة هذا الخراب الجاري في البلاد.   
من هنا أقول بأني سأكون من المطالبين بتغيير السيد رئيس الوزراء في حالة استمرار إصرار السيد المالكي بسياساته المختلة الراهنة في المجالات المختلفة, بهدف الضغط عليه لتقديم استقالته وإجراء انتخابات عامة مبكرة, إذ إن هذه السياسة التي يمارسها ستزيد من عمق الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والعلاقات مع الجيران وستشدد من المأساة التي يعاني منها المجتمع العراقي, وخاصة الفئات الكادحة, وسيعجز عن التفاعل مجدداً مع القوى التي يتصارع معها وتتصارع معه منذ فترة, إذ اصبح الأمر شديد التعقيد والتشابك, حتى إنه, وتحت الضغوط المشتدة عليه ورغبته في مواصلة الحكم بأي ثمن أن سمح بتحالفات جديدة لا يجمع بعضها مع البعض الآخر سوى الإطاحة بالمالكي, في حين إن القضية لا تختزل بالمالكي, بل بأسلوب ونهج الحكم وعواقبهما الراهنة وفشل كل القوائم المشاركة في الحكم في تسيير دفة البلاد. ومن هنا تأتي الدعوة إلى انتخابات مبكرة جديدة وليس إلى رئيس وزراء جديد يأخذ محل السيد المالكي إذ لن يكون في مقدوره إجراء التغيير المنشود. خاصة وإن المتوفر من الأشخاص لمنصب رئيس الوزراء لا يختلفون في طبيعتهم عن المالكي إن لم يكونوا أبعد منه عن إدراك الحلول المرجوة.
علينا أن نتذكر قول صدام حسين حين أكد: "جئنا لنبقى" ووعلينا أن لا ننسى قول نوري المالكي: "أخذناها بعد ما ننطيها". إن القولين ينطلقان من ذهنية شمولية واحدة ومن رغبة واحدة في الحكم لا على اساس ديمقراطي, بل بكل السبل المتوفرة المشروعة  وغير المشروعة. وهذا ما نشاهده اليوم حين يحتضن المالكي جماعة عصائب الحق المتهمة بارتكاب الكثير من الجرائم البشعة ضد بنات وأبناء الشعب العراقي والتي تدين بالولاء لإيران أولاً وأخيراً, ويسمح لها باستعراض عسكري ببغداد لإبراز عضلاتها لصالح المالكي. إنها التجسيد الحي للذهنية البراغماتية التي تؤكد " الغاية تبرر الواسطة", اياً كانت تلك الواسطة! وفي هذا تكمن الخطورة الكبيرة في استمرار حكم المالكي بالطريقة ذاتها التي حكم بها العراق خلال السنوات الأربع الأخيرة من حكمه على نحو خاص.         
لم يستطع الحكم الراهن وضع البلاد على طريق الحلول الصائبة استناداً إلى التقسيم الطائفي والمحاصصة الطائفية وغياب الرؤية العقلانية للوطن والمواطنة. وهي المشكلة التي تواجه المجتمع كله. لنلقي نظرة  على واقع الحال في العراق, إذ على وفق أخر إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء في العراق كتب الكاتب والروائي العراقي علي بداي ما يلي:
" ذكر أخر تقرير للجهاز المركزي للإحصاء بوزارة التخطيط ان "نسبة الذين يقعون تحت خط الفقر في العراق وحسب التصنيف الاخير للجهاز تبلغ 6 ملايين و900 الف مواطن اي تقدر بنحو 22.9 بالمئة".
وأشار التقرير الى ان "40 بالمئة من سكان المحافظات هم من الفقراء وتبلغ نسبة الفقر على اشدها في محافظة المثنى بنسبة 49 بالمئة تليها محافظة بابل بنحو 41 بالمئة وصلاح الدين 40 بالمئة وهناك ما نسبتهم 13 بالمئة من الفقراء يتركزون في عموم العاصمة و11 بالمئة منهم بمحافظة البصرة»، مؤكدا ان نسبة الفقر في الريف ترتفع عن المدن بواقع 75 بالمئة في محافظة المثنى و61 بالمئة في بابل و60 بالمئة في واسط اذ تقدر نسبة الفقر في الريف 39 بالمئة بينما تبلغ في الحضر 15.17 بالمئة".
وأضاف ان 57 بالمئة من نسبة السكان في سن العمل هم خارج دائرة النشاط الاقتصادي (لا يعملون ويبحثون عن عمل ولا يجدون )، وتبلغ 87 بالمئة بالنسبة للنساء، كذلك معدل العمالة الناقصة قد ارتفع مؤخرا بسبب قلة ساعات العمل للسكان بعمر 15 سنة فاكثر اذ تبلغ نسبة الذكور منهم 23 بالمئة والاناث وهي تبلغ بمناطق المدن 21 بالمئة. منوها ان معدل النمو السكاني يبلغ 3.5 في الريف مقارنة بـ 2.7 في المدن".
وبين التقرير ان "نسبة متوسط الانفاق الاسري الشهري على السكن والكهرباء والوقود بلغت 29 بالمئة وبنحو 10 بالمئة للنقل بسبب ارتفاع اسعار الوقود وتخفيض سياسة الدعم الحكومي للمشتقات النفطية".
ولفت الى "وجود 33 بالمئة من الاسر الفقيرة غير مرتبطة بشبكة الماء الرئيسة و35 بالمئة من الاسر يعانون عدم ارتباط منازلهم بشبكة الصرف الصحي".
واكد التقرير ايضا انه "في حالة الرفع التام وحجب البطاقة التموينية عن جميع الاسر فانه سيرفع معدل الفقر بالعراق من 23 بالمئة الى 34 بالمئة". ولم يتطرق التقرير الى التصحر وزحف المزابل بإتجاه المدن وثروة العراق المتزايدة من الكلاب والقطط السائبة وتآكل المعامل وجفاف الأنهار القادمة من الشقيقين المسلمين التركي والإيراني لأن هذه الموضوعات خارج نطاق التغطية كما يقال في الموبايلات العراقية.
هذا كله يحدث في بلاد تستلم يومياً مئات ملايين الدولارات من النفط ، و يقال أن آخر برميل نفط سيخرج منها فالى أي مصير تساق مليارات النفط؟ ومليارات الخمس؟ والزكاة؟ وعطايا المراقد والنذور؟ لا أحد يعرف!" راجع: علي بداي, صوت العراق مقال تحت عنوان "شعب نائم يستحق هذه العمائم". بتاريخ 6/6/2012".
وعلينا هنا أن نتذكر بأن الرقم الجديد المعطى عن نسبة الفقر بالعراق والبالغة 22,9% يشير إلى ما تحت خط الفقر. ولكن هناك نسبة اخرى على خط الفقر وأخرى أعلى بقليل من خط الفقر, وكلهم يدخلون ضمن الفقر العام الذي تعاني منه الغالبية العظمى من بنات وأبناء الشعب العراقي.
إن الدهليز الذي يعيش فيه الشعب العراقي مظلم بكل معنى الكلمة ولا يمكن أن تكون هناك دهاليز أخرى أكثر عتمة, وإذا ما سعى البعض إلى إضاءة الدهليز القائم فلا يتم ذلك إلا بتغيير سياسات المالكي ومعه سياسات القوى والأحزاب الأخرى التي تشارك في الحكومة القائمة.
إن المؤتمر الوطني الذي دعا إليه السيد رئيس الجمهورية يفترض أن :
•   لا يستثني القوى والأحزاب السياسة غير المشاركة في الحكم, بل يشمل كل القوى المشاركة في العملية السياسية؛
•   وأن لا يضع اية شروط في طريق المشاركة؛
•   وأن تعالج جميع المشكلات العقدية الخانقة حالياً؛
•   وأن يجري التزام الجميع بالنتائج التي يخرج بها المؤتمر؛
•   وأن يتم رفض أي تدخل من دول الجوار أو الدول الكبرى؛
•   وأن يكون المؤتمر مفتوحاً على الرأي العام العراقي لكي لا يجري خلف الكواليس ومن وراء ظهر الشعب العراقي بكل قومياته؛
•   وأن يفعل مجلس النواب, رغم كل نواقصه, وأن يحترم استقلال القضاء.
•   وأن تلتزم الحكومة باحترام وممارسة حقوق الإنسان والحريات العامة وتسعى على تنفيذ سياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية وطنية وأن تلتزم محاربة الفساد وافرها باعتبارهما يشكلان في العراق وجهان لعملة واحدة.

 نحن أمام أزمة بنيوية ثقيلة ومستديمة ولا يمكن الخلاص منها ما لم يجر تغيير النهج بالتمام والكمال, وإن المؤتمر الوطني يفترض أن يحقق هذا التغيير, فهل هو قادر عليه؟ هذا ما سوف تكشفه لنا الأيام والأسابيع القادمة

برلين في 9/6/2012                  كاظم حبيب

239
كاظم حبيب
وعاظ سلاطين العراق وتشويه الحقائق!
عقد في الفترة الواقعة بين 5-6/5/2012 في مدينة أربيل, عاصمة إقليم كردستان العراق, المؤتمر الأول لحركة "التجمع العربي لنصرة القضية الكردية". شارك في هذا المؤتمر 115 شخصية عربية عراقية ومن الدول العربية ومن القاطنين في دول أوروبية واستراليا والولايات المتحدة وكندا, كما شارك عدد مهم من بنات وأبناء القوميات الأخرى في العراق كمراقبين في المؤتمر.
بدأ التحضير لهذا المؤتمر قبل ما يقرب من عام واحد قبل عقده وقبل أن يتأزم الوضع السياسي في العراق ويصل التوتر بين أطراف العملية السياسية للقوى الحاكمة إلى حد الغثيان حيث يعاني الشعب من عواقبه وكذلك القوى السياسية التي تراقب بمرارة الصراعات الجارية والتجاوزات الجارية على الحياة الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية الفكرية والسياسية التي اقرها الدستور العراقي. ورغم إن الصراع الجاري فكري وسياسي من حيث المبدأ, ولكنه اتخذ أيضاً شكل الصراع بين القائمة العراقية وقائمة دولة القانون أولاً وبين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق ثانياً, كما تجري محاولات جادة لشخصنة هذا الصراع من جانب كافة الأطراف, في حين إن المشكلة تمس الموقف من التجاوزات على الدستور العراقي وعلى حقوق ومصالح الإنسان والاقتصاد الوطني والتنمية الوطنية, إضافة إلى الموقف من فسح المجال لتدخل دول الجوار في الشأن العراقي.
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية, باعتباره حركة إنسانية اجتماعية وسياسية, تأسس في كانون الأول من العام 2004 وقبل أن ينشأ الخلاف الدائر حالياً في الحياة السياسية العراقية, بل كانت العلاقات بين التجمعات والأحزاب الشيعية والقوى والأحزاب الكردية دهن ودبس, كما يقول المثل الشعبي العراقي. وكان التجمع يطمح إلى تحقيق عدة أهداف جوهرية لإدراكه منذ البدء بمخاطر واحتمالات تطور الصراعات في العراق والمنطقة وعواقبها السلبية والسيئة على الجميع. ونشير هنا إلى أبرز تلك المهمات:
1 . تعزيز أواصر الأخوة والصداقة والتضامن بين العرب والكرد في العراق والعالم العربي. إذ كانت لدى مجموعة التجمع قناعة بأن عرب الدول العربية لم يتعرفوا على القضية الكردية ولم ينتبهوا إلى ما حصل للشعب الكردي خلال العقود المنصرمة منذ الحاق ولاية الموصل بالعراق, ولكن وبشكل خاص في فترة حكم البعث الشمولي وسياساته الفاشية من حيث الفكر والممارسة. فالعرب عموماً لم يتحركوا, وخاصة في الدول العربية الأخرى, حتى المثقفين منهم, لإدانة جرائم الأنفال ومجزرة الكيماوي في حلبچة والتي اعتبرت جرائم إبادة جماعية وضد الإنسانية, او جريمة التهجير القسري والقتل الواسع للكُرد الفيلية من جانب ذات النظام أو تهجير العرب الشيعة بذريعة التبعية لإيران. كما إن أغلب القوى القومية العربية العراقية لم تشجب سياسات البعث ضد الشعب الكردي وفي المقدمة من هؤلاء ما يطلق عليه بالمؤتمر القومي العربي الذي كان يقاد من قوميين عرب عراقيين.   
2 . دعم نضال الشعوب الكردية في كل من إقليم كردستان إيران وإقليم كردستان تركيا وسوريا من أجل الحصول على الحقوق القومية العادلة والمشروعة كما حصل عليها شعب كردستان العراق بإقامته الفيدرالية وتثبيت ذلك في دستور الجمهورية العراقية لعام 2005, خاصة وإن معاناة هؤلاء كبيرة جداً وكثيراً ما تعرضوا ويتعرضون للإرهاب الحكومي والقتل من جانب الحكومتين التركية والإيرانية, إضافة إلى التجاوز المستمر من جانب الدولة التركية على الأراضي العراقية بذريعة مطاردة حزب العمال الكردستاني PKK في إقليم كردستان تركيا أو القصف العشوائي من جانب الحكومتين الإيرانية والتركية ضد مواقع عراقية بذات الذريعة البائسة أو ضد حزب الحياة الكردي في إيران.
3 . دعم نضال الكُرد الفيلية في العراق من أجل استعادة حقوقهم المغتصبة من جانب نظام البعث الشمولي والذين لم يستعيدوا حقوقهم حتى الآن رغم مرور تسع سنوات على إسقاط الفاشية في العراق ورغم صدور قرارات من جانب مجلس النواب أو الحكومة, إلا إنها بقيت دون تنفيذ وعرقلة مستمرة.
4. دعم نضال الشعب الكردي في العراق من أجل أن يصبح الإقليم نموذجاً للحريات الديمقراطية والحياة الحرة ووضع الموارد المالية في خدمة التنمية والتقدم الاقتصادي والاجتماعي ومكافحة الفساد والمظاهر السلبية الأخرى في التجربة الفيدرالية الكردستانية الراهنة.       
إن عقد المؤتمر في هذا الفترة المعقدة والمتشابكة جاء بمحض الصدفة, ولكن التجمع العربي لنصرة القضية الكردية قدر إمكانية وضرورة أن يستثمر هذه الفرصة لتأكيد عدد من المسائل ذات الأهمية الفائقة بالنسبة للعراق, إضافة إلى قضايا الشعوب الكردية في الأقاليم الأخرى, وأعني بذلك ما يلي:
1 . الدعوة الجادة والمسؤولة لتخفيف الصراعات الجارية في الساحة السياسية العراقية, وبشكل خاص بين حكومتي بغداد وأربيل لصالح مواجهة المشكلات المعقدة التي تواجه البلاد كلها.
2 . دعوة مخلصة للابتعاد عن لغة التهديد والإساءة والاستخفاف أو التخوين بين الأطراف السياسية العراقة وإثارة البغضاء والأحقاد والكراهية بين القوميات العديدة في العراق أو بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية في البلاد أو نبش الماضي لإثارة البغضاء بين القوى والأحزاب السياسية.
3 . الدعوة الجادة إلى إجراء الحوار البناء والمسؤول بين رئاسة وحكومة إقليم كردستان وبين رئاسة الحكومة العراقية والرئاسات الثلاث لضمان معالجة فعلية للمشكلات القائمة وبعيداً عن التوتر والتصريحات المثيرة وفي ضوء الدستور العراقي.
4 . تأكيد أهمية أن يصبح العراق وإقليم كردستان نموذجاً للحياة الحرة والديمقراطية وتنشيط المؤسسات الدستورية وممارسة حقوق الإنسان والتخلي عن الطائفية السياسية والأثنية السياسية في الحكم أو في التعامل اليومي لصالح الوطن والمواطنة.
5 . تأكيد أهمية منح الكُرد في سوريا حقوقهم القومية العادلة وخاصة حقهم الكامل في امتلاك الجنسية السورية التي حرموا منها طوال عقود وكذلك حقوقهم الثقافية والإدارية, والتزام قوى الثورة بهذه الأهداف بعد سقوط الدكتاتورية الغاشمة.   
وقد تجلت هذه المسائل الحيوية التي أطلقها التجمع في مؤتمره الأول في:
** كلمة أمين عام التجمع العربي لنصرة القضية الكردية الدكتور كاظم حبيب في افتتاح المؤتمر التي نشرت في الكثير من المواقع والصحف ومحطات التلفزة.
** كلمة السيد رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني في افتتاح المؤتمر وقد عرضت على شاشات التلفزة ونشرت في الكثير من الصحف والمواقع. وقد كان للجو الإيجابي الذي ساد في المؤتمر دوره المباشر والجيد الذي برز في مضمون الكلمة التي قدمها السيد رئيس الإقليم في المؤتمر والتي تضمنت الدعوة الهادئة لمعالجة المشكلات والاستفادة من تجارب الماضي في الموقف من الدكتاتوريات عموماً ودعوة المؤتمرين وغيرهم إلى ممارسة النقد بشأن التجربة الكردستانية الجديدة. 
** التقرير العام الذي قدمه القاضي الأستاذ زهير كاظم عبود عن نشاط الأمانة العامة والتجمع في جلسة الافتتاح.
** مداخلات السادة الذين قدموا أوراق عمل مهمة وفي المناقشات التي جرت في جلسات المؤتمر التي عبرت عن وجود وجهات نظر متعددة وأجواء سليمة للنقاش والتعبير عن الرأي وتأكيد الثوابت الأساسية في معالجة المشكلات القائمة, ونعني بها: الحوار الديمقراطي السلمي الهادف والابتعاد عن إثارة البغضاء والأحقاد والكراهية بين قوى الشعب في العراق وفي الدول الأخرى المجاورة.
** كما برز ذلك في فقرات البيان الختامي للمؤتمر الأول للتجمع.     
وقد حظي كل ذلك بارتياح كبير من جانب المشاركات والمشاركين في المؤتمر وممن استمع إلى كل ذلك من خارج المؤتمر.
لقد ساهمت في هذا المؤتمر شخصيات وطنية وديمقراطية عراقية من النساء والرجال مشهود لها في وطنيتها ومدنيتها والتزامها بالثوابت الوطنية العراقية, كما شاركت شخصيات عربية من النساء والرجال من دول عربية كان همهم التعرف على الشعب الكردي والعراق عموماً وعلى القضية الكردية وعلى اهمية التعامل الإنساني والحضاري بين الشعوب والابتعاد عن لغة الحروب في معالجة المشكلات القائمة وخاصة في كل من تركيا وإيران وسوريا, وهي دول لم تعترف حتى الآن بالحقوق القومية للشعوب الكردية فيها.
لم يتخذ المؤتمر موقفاً مضاداً لحكومة المالكي والذي تجلى في فقرات البيان الختامي أو في مطالعة أمين عام التجمع, كما لم يكن هناك أي تدخل من جانب رئاسة إقليم كردستان أو حكومة الإقليم بشؤون المؤتمر ومداخلات الأعضاء والمشاركين أو في مناقشاتهم وبالتالي في البيان الختامي. وكان هذا الموقف يعبر عن احترام فعلي لاستقلالية التجمع عموماً واستقلالية نهجه وقراراته عن كافة القوى والأحزاب والتجمعات والحكومات والدول. ومثل هذا الموقف هو الذي يمنح التجمع المصداقية الفعلية لا غير.
علينا أن نتذكر وقبل أن يُعقد المؤتمر وحين علم البعض باحتمال عقده, بدأت الأصوات المناهضة للتجمع, وهي في جوهرها ليست مناهضة لأعضاء التجمع بل للقضية الكردية وللشعب الكردي, بدأت حملة شعواء ضد الأمانة العامة للتجمع وضد القضايا التي يلتزم بها حتى قبل التعرف على مداخلات الأعضاء ومناقشاتهم وقراراتهم. لقد تورط البعض باتهام المشاركين في المؤتمر بالعمالة, والبعض الآخر شكك بتأييد الشعب الكردي بل اتهم المؤتمر بتأييد حكام إقليم كردستان العراق, حتى أنهم لم يطلعوا على المقالات التي كتبها ويكتبها أمين عام التجمع وأعضاء من التجمع في نقد التجربة الكردستانية العراقية بجوانبها السلبية مع الإشارة إلى جوانبها الإيجابية على امتداد السنوات المنصرمة التي أعقبت سقوط الدكتاتورية في البلاد. إن هؤلاء الناس لا يريدون معرفة الحقيقة بل يسعون إلى تشويهها, ومهمتهم لا تتعدى ذلك: الإساءة للمؤتمر والمشاركات والمشاركين فيه وللأمانة العامة القديمة والجديدة. إنهم مكلفون بذلك وإلا كان عليهم أن ينتظروا نتائج المؤتمر. ومن اتنظر نتائج المؤتمر كان مصاباً بعمي الألوان واختلت لديه زاوية الرؤية. فلم يبتعد عما فعله الآخرون. إنها الحقد والكراهية والشوفينية لدى البعض منهم لا غير, وهي التي تصدى لها المؤتمر ورفض إشاعة وإثارة البغضاء والأحقاد والكراهية بين البشر ورفض الشوفينية وضيق الأفق القومي والعنصرية والتمييز بين البشر.
ولم يكتف البعض من هؤلاء تشويه الحقائق عن المشاركين في المؤتمر وجلساته ونتائجه فحسب, بل ادعى البعض بملكية البعض من اعضاء التجمع والمساندين لنضال الشعب للقصور والأطيان مما دفع ببعض الأخوة الكرام إلى تكذيب هذا الادعاء الوقح. وطالب الدكتور صادق البلاد من قوى التيار الديمقراطي أن يمارسوا ذلك أيضاً والذي لم أجده مناسباً بأي حال. ومع ذلك فلا بد لي من تأكيد كذب هذا الادعاء بالنسبة لي ايضاً, فأنا لا أملك قصوراً ولا أطياناً ولا داراً أو كوخاً أو شبراً من الأرض في إقليم كردستان وفي كل أنحاء العراق وفي الخارج ايضاً, والشقة التي اسكنها في برلين ادفع عنها إيجاراً شهرياً, رغم إني كنت استاذ جامعة في العراق وفي الجزائر وكنت عضواً متفرغاً في المجلس الزراعي الأعلى بدرجة خاصة هي قريبة من درجة وزير وأحلت في حينها بعد اعتقالي من قبل أجهزة أمن صدام حسين على التقاعد وبدون تقاعد وإنزالي درجتين وظيفيتين. وحين منحت تقاعد بدرجة وزير في إقليم كردستان بسبب نضالي مع قوى الأنصار لما يقرب من خمس سنوات وحقي في التقاعد الذي يمتد إلى ما يقرب من خمسة عقود جن جنون البعض واتهموني بشتى التهم وكأني أبتلع السحت الحرام أو أعيش على حساب الشعب الكردي. وهي فرية ما بعدها فرية. وقد سجلت هذا التقاعد في مديرية المالية العامة في المانيا وادفع عنه ضريبة وبقية ما ينبغي أن يدفع بحيث لا يبقى منه إلا النصف تقريباً الذي بالكاد يكفي للإيجار والمعيشة في المانيا. ولو كانت الحكومة العراقية قد سهلت أمر تقاعدي والذي يصل إلى حدود راتب بدرجة وزير لشكرت الأخوة وتسلمت راتبي من الحكومة العراقية. كنت اتسلم راتباً قدره خمسة آلاف دولار شهرياً حين كنت أعمل بدرجة استاذ في جامعة الجزائر ولثلاث سنوات. ولكني تركت هذا الراتب والعمل الجامعي, كما تركت زوجتي وأطفالي, كما فعل غيري من المناضلين, وغادرت إلى كردستان للمشاركة في النضال المسلح, كنت مع الكثير من رفاق النضال في العديد من المرات اقرب إلى الموت منا إلى الحياة بسبب هجمات قوات النظام الفاشي حينذاك. وها نحن نعتبر إننا نعيش حياة إضافية. هذا كان حديثنا ونحن نستعرض أيام النضال المسلح قبل ايام في أربيل مع الرفيق الفاضل عزيز محمد. وقد استشهد الكثير منا ايضاً, وكانت لنا فرصة البقاء على قيد الحياة.   
لم يبق بيد هؤلاء ما يتحدثون به سوى الاتهامات الخائبة, إذ إن كل المؤشرات تؤكد انحسار دور وعاظ سلاطين العراق وتراجع تأثيرهم في المجتمع, وخاصة من كان منهم مثقفاً ديمقراطياً بعد أن قدم المالكي ما يكفي من إساءات للحداثيين والعلمانيين والماركسيين في خطابه في الحفل التأبيني للشهيد محمد باقر الصدر في النجف. لقد كنا ندرك خلفية المالكي الفكرية والسياسية ومواقفه إزاء القوى المدنية والعلمانية والماركسية, ولكن مع ذلك كنا نأمل أن يعترف بالدستور الذي صادق عليه الشعب وأن يقر بالتعددية الفكرية والسياسية لا أن يثير البغضاء بين الناس بسبب تباين افكارهم ومواقفهم السياسية. إنهم فعلوا ذلك لأنهم لا يملكون غير ان يفعلوا ما طلب منهم, حتى بعد أن استعان المالكي بالسيد كاظم الحسيني الحائري بمنع منح المسلم صوته في أي مرفق من المرافق لإنسان علماني !!! ومع ذلك فهم يواصلون النشر لما جاء في اسطوانتهم المشروخة والمكررة.
إن تجربة شخصيات التجمع خلال العقود الخمسة المنصرمة, وخاصة أولئك الذين شاركوا الشعب العراقي نضاله ضد الدكتاتورية الغاشمة والشعب الكردي في نضاله من أجل حقوقه المشروعة منذ الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي وكذلك الذين ناضلوا معه وهم يحملون السلاح, ضد الفاشية البعثية على امتداد فترة الكفاح المسلح في إقليم كردستان العراق, لا يمكن ان يكفوا عن دعم قضية الشعب الكردي في العراق أو في الدول الأخرى من جهة, وقضية الديمقراطية وحقوق الإنسان والحياة الدستورية النزيهة, كما إنهم لن يسكتوا عن الأخطاء التي ترتكب في الإقليم من حكومة إقليم كردستان أو من الحكومة الاتحادية في بغداد بأي حال حين يشعرون ويتلمسون ذلك.
العراق بحاجة ماسة إلى وحدة القوى الوطنية والديمقراطية, وحدة الموقف من محاولات جر العراق لتحالفات إقليمية ودولية غير صحيحة وتورط الشعب العراقي بما لا يريده ولا يسعى إليه, وحدة الموقف من الحقوق القومية والمدنية وحقوق الإنسان, من المواطنة الحرة والمتساوية وبعيداً عن كل أشكال التمييز والتجاوز على حق المواطنة.
سنبقى نواصل مسيرة النضال الوطني والديمقراطي لصالح حقوق الإنسان وحقوق القوميات والمساواة والعدالة الاجتماعية, مهما ارتفعت الأصوات المسيئة لنا ولقضيتنا العادلة, قضية الإخاء والاعتراف والاحترام المتبادلين بين الشعوب.
برلين في 8/6/2012                      كاظم حبيب   
       
 

240
كاظم حبيب
السيد كاظم الحسيني الحائري والعلمانية!

أصدر شيخ الدين السيد كاظم الحسيني الحائري فتوى سياسية جديدة لا تمت إلى الدين بصلة بل هي سياسية بجدارة قرر فيها ما لا يحق له قوله:
"يحرم التصويت في أي مرفق من مرافق الحكم العراقي إلى جانب إنسان علماني".
جاءت هذه الفتوى بمثابة التدخل المباشر في الشأن السياسي العراقي وبوحي الصراع السياسي الدائر حالياً في البلاد بين الأطراف السياسة العديدة, وهي بمثابة تحزب صارخ ودعم موحى به إلى جانب رئيس الوزراء الحالي السيد نوري المالكي. فهل مثل هذه الفتوى السياسية من شيخ دين لا علاقة له بالسياسة والسياسيين ستخدم المالكي أم ستثير المزيد من الإشكاليات الجديدة للواقع العراقي المعقد أصلاً بسبب انطلاقها من الأراضي الإيرانية وبوحي من المسؤولين الإيرانيين بمن فيهم مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي بعد أن عجز المالكي عن إقناع حلفاء حزبه في التحالف الوطني وبعد أن اثار بشتى السبل عداء الكثير من الناس له ولسياساته الفردية وغير الحصيفة والمتعارضة مع الدستور العراقي, رغم إن الكثيرين تمنى له في بداية تشكيله الوزارة الأولى النجاح في ما سعى إليه تحت لواء دولة القانون. وتحت هذا التسمية الشكلية أساء إلى الدستور والقوانين, كما أساء إليها غيره من القوى المشاركة في الحكم.
ليست هذه الفتوى الغريبة هي الأولى من نوعها التي تصدر عن السيد كاظم الحسيني الحائري, إذ صدرت عنه فتاوى مماثلة في قضايا خلافية سياسية أخرى أرقت الشعب العراقي والقوى السياسية, وكان احتمال الالتزام بها إثارة الكثير من المصاعب والمشكلات أمام المسيرة السياسية العراقية إضافة إلى الصعوبات التي عانت وما تزال تعاني منها حتى الآن وبسبب ذلك التطرف في النهج السياسي للسيد الحائري. ففي 15/6/2003 أصدر الحائري فتوى موجهة إلى الشعب العراقي اكدت ما يلي بعد أن وزع البعثيين على النحو التالي:
"الأول: كثرة من الناس كانوا قد انتموا إلى الحزب حرصاً على لقمة العيش، أو طلباً للسلامة في الحياة رغم خسة العيش والحياة تحت قيادة صدام ولم ينهمكوا في الإجرام ضد الأمة العراقية.
الثاني: المجرمون الذين انهمكوا في الإجرام سواء عن طريق القتل المباشر، أو التعذيب، أو السعي في إبادة المؤمنين برفع التقارير ضدهم الموجبة لقتلهم، أو سجنهم وتعذيبهم، أو تشريدهم وما إلى ذلك.
الثالث: أولئك الصدَّاميون الذين بدأوا يعيدون تنظيمهم ولو باسم آخر بأمل عودة صدام لو أمكن، أو بأمل السيطرة على رقابنا مرة أخرى ولو في غياب صدام لو لم يمكن رجوعه.
الرابع: أولئك المنتمون إلى الحزب الذين بدأوا يحتلون مرة أخرى مكان الصدارة في العراق بوجه آخر.
الخامس: أولئك الذين بدأوا يعملون لتخريب حياة الناس بمثل قطع أسلاك الكهرباء، أو تهديم البيوت، أو القتل، أو خلق الفتن والمحن، أو ما إلى ذلك.
والأقسام الأربعة الأخيرة كلها مصاديق بارزة لمحاربة الله ورسوله وللإفساد في الأرض، وقد قال تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يُقتـَلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم).
وعليه فإنّ القسم الأول يتركون ولا يتعرض لهم بشيء، والأقسام الأربعة الأخرى يعتبرون مهدوري الدم كي ينسدّ باب فسادهم وإفسادهم وتهديمهم وتخريبهم وتبوء محاولة إرجاع صدام مرة أخرى أو الهيمنة من قبلهم على مقدرات البلاد بالفشل". [مقتطف من نص الفتوى المنشورة في أكثر من موقع في الإنترنيت]. (راجع: كاظم حبيب, كيف يفترض أن نتعامل مع فتوى آية الله العظمى السيد كاظم الحسيني الحائري؟ الحوار المتمدن في 15/6/2003).
وقد قدرت أن لا تكون مثل هذه الفتوى من اجتهاد السيد الحائري بسبب اعتقادي بنضوجه في العلوم الدينية وعمره الكبير ورجوته أن يكذبها أو يلغيها, ولكن لم يفعل وتيقنت إنها له. وقد ناقشته في حينها ورفضت فتواه عملياً لأنها لم تكن واقعية ولا عملية وتثير من البغضاء والأحقاد والثارات ما لا يمكن الخلاص منه لعقود قادمة, وبعكس السياسة العقلانية التي مارسها السيد مانديلا في جنوب أفريقيا.
لقد تجنب الشعب العراقي الوقوع في هذا الفخ الإيراني ولم يأخذ به, بل توجه لمحاكمة الرموز ومن لعب دوراً استثنائياً في قتل وتعذيب الناس في العراق. لقد كان الأخذ بهذه الفتوى يعني إعدام مئات ألوف البعثيين الفعليين أو المتهمين بفكر البعث والذين أجبروا على العضوية في هذا الحزب غير الإنساني أو من يشك في كونه ما يزال بعثياً.
واليوم نحن أمام فتوى غريبة وعجيبة جديدة ولا تمت إلى القرن الحادي والعشرين بصلة, بل هي من تراث فكر القرون الوسطى الأوروبية أو فترات الانحطاط العربي والإسلامي. فالجميع يعرف, إلا السيد الحائري, إن العراقيين صوتوا إلى جانب دستور عراقي علماني في العام 2005 أولاً, وإن انتخابات عديدة خاضها الشعب العراقي سنة وشيعة وغيرهم من أتباع الديانات والمذاهب الدينية إلى شخصيات وأحزاب علمانية عراقية وطنية ثانياً, وإن الأحزاب الإسلامية السياسية تشارك في تحالف سياسي في حكومة عراقية فيها العديد من القوى والأحزاب والشخصيات المدنية العلمانية ثالثاً, وأن الكثير من القوانين التي صدرت عن حكومة المحاصصة الطائفية والتحالف الشيعي-السني-الكردي ذات مضمون علماني, وإن النظام الفيدرالي هو الآخر علماني.
إن في العراق يا سيدنا الحائري الكثير من أتباع الديانات والمذاهب الدينية ولا يمكن أن تفرض على الناس ما تريده وما تسعى إليه لكي ترضى بذلك إيران أو قوى سياسية دينية متطرفة لا يمكن الوثوق بها وتقود إلى عواقب وخيمة على العراق والشعب العراقي.
أنك أيها السيد الحائري شيخ دين ولا يجوز لك بصفتك الدينية أن تتدخل بالشأن السياسي عموماً والعراقي خصوصاً, إذ بذلك تثير الكثير من المشكلات ولا تعالج مشكلة السيد نوري المالكي.
أنك لا تعرف إن عدداً كبيراً من العلمانيات والعلمانيين العراقيين هم من المسلمات والمسلمين, سواء أكانوا شيعة أم سنة, وبالتالي فأنت تطالب بإبعاد هؤلاء عن الحياة السياسية وعن انتخابهم وتمثيلهم في المجلس النيابي وهو تجاوز فظ على الدستور العراقي وعلى حرية الرأي للعراقيات والعراقيين, وهي مخالفة صريحة لمبادئ حقوق الإنسان وشرعة حقوق الإنسان. أتمنى على  الناس المؤمنين أن يهملوا هذه الفتوى الغريبة كما أهملت فتواه السابقة التي كانت, لو نفذت, لتتسبب في مجازر دموية إضافية للشعب العراقي. 
المالكي لا يحتاج إلى مثل هذه الفتوى, وهو بمقدوره أن يستعيد عافيته السياسية لو كف عن أن يكون طائفياً وفردياً ومهيمناً على المفاتيح الأساسية للدولة العراقية, ولو التزم بالدستور العراقي وحافظ على الحريات العامة والحياة الديمقراطية وناهض الفساد والإرهاب بما فيه الكفاية.
إنه ما يزال يمتلك الفرصة إن اراد ذلك, ولكن, هل يريد ذلك؟ 
6/6/2012                         كاظم حبيب 


بوحي

241
كاظم حبيب
هل يعي الجميع مسؤوليته إزاء الكُرد الفيلية في العراق؟

ليلة أمس اتصلت بي عبر الهاتف سيدة كردية فيلية فاضلة أشارت لي بأنها أدركت بأن المؤتمر العربي لنصرة القضية الكردية هو من صنع العرب حقاً ولا تدخل للكُرد في الإقليم فيه إلا الضيافة. أكدت لها بأن استنتاجها سليم حقاً, إذ لم يتدخل أي شخص من غير العرب في شؤون المؤتمر وأبحاثه وقراراته, بخلاف ما كتبه كتبة ووعاظ السلاطين الذين دفعهم سلوكهم السياسي بالذات ومن يعتمدهم في الحديث والشتم نيابة عنه.
ولكن العجيب والغريب في الاستنتاج في آن حقاً هو ما أشارت اليه بقولها ما يلي: لأن خطابكم في افتتاح المؤتمر تضمن فقرة عن الكرد الفيلية ولأن بيانكم الختامي تضمن هو الآخر فقرة عن أوضاع الكُرد الفيلية المزرية وحقوقهم المغتصبة التي لم تسترد حتى الآن والتي لم يلتزم بها ويدافع عنها إقليم كردستان العراق حتى  الآن, وبالتالي أصبح الكُرد الفيلية يشعرون باليتم وهم موزعون على الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية التي جرتهم إلى مواقع طائفية دون أن يكونا هم يومياً من الطائفيين. وأوردت لي السدة في حديثها كيف لم يرشح التحالف الكردستاني أي كردي فيلي في قائمته عن بغداد, بل كانوا مرشحيه كلهم من الإقليم وليس من كرد الفيلية من سكنة بغداد, إضافة إلى ضياع حقوق الكُرد الفيلية لأن البرنامج الانتخابي لعام 2010 لم يتضمن أي فقرة حول حقوق الكُرد الفيلية.
ثم قالت أنتم العرب من اصدقاء الشعب الكردي تلتزمون بقضية الكُرد الفيلية أكثر من كُرد الإقليم.
ابديت شكري على تقديرها لنشاطنا المستقل ومصداقية قراراتنا بشأن القضايا الكردية لا في العراق فحسب على مستوى الأمة الكردية, وبضمنهم الكُرد الفيلية, وعلى مستوى الجغرافيا, أي كل اقاليم كردستان الموزعة على الدول الأربع. ولكني أكدت لها بأن علينا جميعاً أن نعمل من أجل إقناع الحكومة العراقية الاتحادية وحكومة إقليم كردستان بضرورة التزام تنفيذ ما جرى الاتفاق بشأنه بشأن حقوق الكُرد الفيلية, هذه الشريحة المعطاءة من بنات وأبناء الأمة الكردية والشعب العراقي, التعجيل بها وجعلها لا تحس بهذه الغربة في وطنها وبهذا الإهمال غير المبرر لقضاياها وهي التي تعرضت لعملية تصفيات جسدية وإبادة جماعية وجرائم ارتكبت بحقها تعتبر ضمن جرائم ضد الإنسانية.
لا نستحي من القول بأن قضية الكُرد الفيلية لم تحض بالاهتمام الكافي من جميع الأحزاب والقوى السياسية في العراق ولا من المسؤولين في الحكومة الاتحادية وفي الإقليم وإلا لما تعثرت القضية هذه السنوات التسع المنصرمة. ولهذا نأمل أن ينتبه الجميع إليها قبل أن تتحول إلى غصة في نفوس الكُرد الفيلة وكافة اصدقاء الكُرد الفيلية.
لقد تشكلت هيئة خاصة في رئاسة الجمهورية أولك إليها الشأن الكردي الفيلي برئاسة الأستاذ الصديق عادل مراد, وهو من الكُرد الفيلية, الذي يحس بالجرح الفيلي ويدرك مدى المرارة التي تعتصر قلوب هؤلاء الناس حتى الآن لأنهم لم يستردوا حقوقهم المشروعة. ولكن لم تثمر عن شيء يذكر حتى الآن وربما عطل عملها أيضاً.
أجد نفسي ملزماً أن أتوجه إلى خمس جهات أساسية في العراق مطالباً إياها بالعمل على تلبية كافة مطالب الكُرد الفيلية, وهي ليست مطالب تعجيزية بأي حال وقابلة للتنفيذ خلال فترة قصيرة جداً أمدها ستة شهور في ابعد الاحتمالات, هي:
** رئاسة الجمهورية وبشكل خاص السيد رئيس الجمهورية الذي رافق معاناة الكُرد الفيلية وبعضهم قيادي وكادر في الاتحاد الوطني الكردستاني.
** رئاسة وحكومة إقليم كردستان باعتبارهم شريحة اساسية مهمة من فئات الشعب الكردي والأمة الكردية وتقع على عاتق الإقليم مسؤولية التزام قضاياهم والدفاع عن مصالحهم تماماً كما يدافعون عن مصالح الشعب الكردي في الإقليم ذاته.
** رئاسة حكومة العراق الاتحادية باعتبارها مسؤولة عن جزء من اشعب العراقي تعرض للاضطهاد والقتل والتهجير والنهب والسلب ولا بد لهذه الشريحة ذات التاريخ الوطني اكبير أن تستعيد حقوقها ومصالحها عبر التزام رئيس الحكومة بها, كما اوعدها أكثر من مرة.
** مجلس النواب العراق الذي اصدر القرارات الصائبة باعتبار ما ارتكب بحق الكُرد الفيلية يدخل ضمن جرائم الإبادة الجماعية وضد الإنسانية أن يضغط باتجاه تنفيذ ما اتفق عليه لصالح الكُرد الفيلية.
** الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني التي تردك المصائب التي عانى منها الكُرد الفيلية وعليهم تقع مسؤولية التزام قضاياهم والدفاع عنها.
إن الأمانة العامة للتجمع العربي لنصرة القضية الكردية ستبقى تلتزم قضية الكُرد الفيلية وتدافع عنها لأنها قضية عادلة ومشروعة وفئة محرومة من استعادة ما اغتصب منها خلال عقود حكم البعث الفاشي والدكتاتورية الغاشمة.
وأن الأمانة العامة تعاهد الكُرد الفيلية على تحريك قضيتهم دوماً لكي لا تركن إلى النسيان كما جرى تأكيد في الكلمة التي القاها أمين عام التجمع في مؤتمر التجمع العربي الأول التي تضمنت ما يلي:
" 3. التضامن مع الكُرد الفيلية في استعادة حقوقهم المغتصبة من النظام الفاشي والتي لم تسترد حتى الآن رغم مرور تسع سنوات على سقوط الدكتاتورية الشوفينية الصدَّامية ".
29/5/2012                     كاظم حبيب
         


242
كاظم حبيب
هل من اسس معقولة في التحالفات الجارية في العراق
العلاقات والتحالفات السياسية بين القوى والأحزاب السياسية في أي بلد ديمقراطي تعتبر عملية طبيعية وغالباً ما تكون ضرورية. وهي في الغالب الأعم تعتمد على التقارب في البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية المطروحة للتنفيذ, أو تلتقي من حيث التقارب الفكري والسياسي, أو في حالات الضرورة على تنازلات سياسية وفي الأهداف المسطرة للوصول إلى تشكيل الحكومات المعنية في الدول الديمقراطية. وتتم مثل هذه التحالفات في الفترات التي تسبق الانتخابات العامة. وبعض تلك التحالفات يتشكل قبل الانتخابات أو بعدها دون أن تدخل أطراف التحالف في قائمة واحدة أو مشتركة بل تتصارع في ما بينها لكسب فئات المجتمع إلى جانب برامجها, ومن ثم تشترك في تشكيل حكومة واحدة بعد أن تبرز نتائج الانتخابات واحتمالات التحالفات المتعددة الجوانب. وفي العالم الذي حولنا, وخاصة الدول الأوروبية نشاهد شتى اشكال التحالفات المرتبطة عضوياً بالواقع الملموس لكل دولة, إذ تختلف في ما بينها في أسلوب نشوء تلك التحالف وفي تفصيلاتها. وغالباً ما تكون التحالفات السياسية تكتيكية وليست إستراتيجية, إذ يمكن أن تتغير التحالفات بعد كل انتخابات من منطلق كون الأحزاب كافة ديمقراطية وليست شمولية سواء أكانت دينية أم قومية شوفينية أم عنصرية. وترفض الأحزاب الديمقراطية التحالف مع أحزاب أو قوى شمولية, اياً كان اللباس الذي تريديه والإيديولوجية التي تتبرقع بها باعتبارها قوى وأحزاب مناهضة للديمقراطية ومصالح الشعب.
أما في عراقنا "الجديد" جداً فيلاحظ المتتبع أن التحالفات السياسية الجارية منذ سقوط الدكتاتورية في البلاد حتى الآن تقوم على أساسين متخلفين كلاهما مخل بالديمقراطية وبمبادئ المجتمع المدني الديمقراطي هما: الأساس القومي والأساس الديني والطائفي. ومثل هذا التحالف القومي والطائفي يشكل الخطر الأكبر على الديمقراطية وعلى مفهوم المواطنة والوطن ويقضي على كل أمل بنشوء الديمقراطية والمساواة في النظر إلى الإنسان العراقي, فهو في عرف هذه الأحزاب إما عربي أو كردي أو تركماني أو كلداني اشوري أو فارسي اولاً, وهو إما مسلم أو مسيحي أو صابئي أو إيزيدي أو كاكائي أو شبكي أو زرادشتي, وهو إما سني أو شيعي, أو أحياناً يتسع التمييز إزاء الكُرد الفيلية باعتبارهم كُرداً من طرف وشيعةً من طرف آخر. وهو ما عانى منه وعاش تحت وطأته الكُرد الفيلية والفرس وعرب الوسط والجنوب وبغداد في فترة هيمنة حزب البعث العربي الاشتراكي وحكمه الشمولي المطلق. يضاف إلى هذه اللوحة المشوهة من حيث التعامل حالة التمييز بين المرأة والرجل لصالح الرجل وضد المرأة, رغم كون الجميع كانوا من المضطهدين. في مثل هكذا نظام سياسي وتحالفات سياسية تنعدم الديمقراطية والحرية الفردية وتنعدم روح المواطنة وتهيمن الهويات الفرعية على حساب هوية المواطنة, تلك الهويات الثانوية القاتلة للهوية الوطنية. وبقدر جمالية التنوع السكاني من حيث الهويات القومية والدينية والمذهبية والفكرية, فإنها تشكل في حالة مثل حالة العراق الراهنة حيث تسود المحاصصة الأثنية والطائفية, عبئاً ثقيلاً على الفرد والمجتمع حين يعتمد النظام السياسي هذا النوع من الهويات القاتلة في التعامل اليومي مع الفرد والمجتمع.           
منذ ما يقرب من ثمان سنوات تأسس في العراق التحالف السني القومي الذي ناهض الحكم الجديد بسبب هيمنة الشيعة على الحكم, ونشأ بجواره ما سمي بالبيت الشيعي, حيث دخلا في صراع مرير على السلطة وساهما في تقسيم المجتمع إلى مسلمين سنة ومسلمين شيعة وإلى اتباع ديانات أخرى مركونة في زاوية ميتة في النظام السياسي المتخلف القائم في العراق. ثم دخل التحالف السني والتحالف الشيعي مع التحالف القومي الكردستاني في تحالف ثلاث سني-شيعي-كردي لإدارة دفة البلاد, فكانت دفة معوجة قادت البلاد إلى الفجيعة الراهنة, إلى الصراع الذي هو أقرب ما يكون إلى حكم ونزاع القوميات والطوائف. وبسبب فشل هذا التحالف وعجزه عن تقديم الحلول العملية للمشكلات القائمة, تفاقم الصراع بين أطرافه إلى حد اللعنة والمهاترات. وهي التي تنسف في المحصلة النهائية روح المواطنة الحرة والمتساوية وتنسف القدرة على تحقيق التقدم وحماية مكسب الخلاص من الدكتاتورية بالتورط بدكتاتورية جديدة.
وبسبب هذا الصراع بدأ التفكك يسري في قوام التحالفات ذات الكتل الكثيرة وبدأت تفتش عن تحالفات جديدة, ولكنها لا تختلف من حيث الجوهر عن سابقاتها لأنها غير مبنية على اسس قويمة وعلى أسس فكرية وسياسية صالحة للتحالف الوطني والديمقراطي المنشود. فليس هناك ما يجمع بين مقتدى الصدر ومسعود البارزاني. فالصدر ضد الفيدرالية الكردستانية وصرح بذلك مراراً وتكراراً, كما هو موقف كل الأحزاب الإسلامية السياسية في ما عدا المجلس الإسلامي الأعلى حتى الآن, وليس هناك ما يجمع بين بعض الجماعات البعثية المرتبطة عضوياً بعزة الدوري وتكتلات بعثية أخرى, المشاركة في القائمة العراقية, وبين قائمة التحالف الكردستاني, إذ إن هؤلاء ليسوا ضد الفيدرالية فحسب, بل ضد القومية الكردية وضد حقوقها المشروعة. وهم لا يخفون ذلك بل يصرحون به جهاراً نهارا.
إن هذه التحالفات عقيمة لا تنتج شيئاً ولا تثمر عن مواقف أصيلة, بل هي مضيعة للوقت وتضرب بطناش, حسب التعبير الشعبي العراقي, فيها من المزاجية المؤقتة أكثر بكثير من أي رغبة حقيقية في التحالف الفعلي, فهي مجرد أداة للضغط لا غير أو لوصول قوى الصدر إلى تشكيل الوزارة وهم ليسوا أفضل من حزب الدعوة الإسلامية أو بعض قوى دولة القانون الأخرى.
إن التحالف الحقيقي يتطلب الخروج من الجلد القومي والديني والطائفي كهوية سياسية وكدرب للتحالفات البائسة, ينبغي وضع أسس جديدة للتحالفات السياسية في العراق تفرضها تجربة السنوات التسع المنصرمة التي أكدت فشل القوائم القومية والدينية والمذهبية لا في الفوز في الانتخابات, إذ إن الاستقطاب القومي والديني والمذهبي يسمح لها بالفوز, ولكنه لن يسمح بقيام حكم مدني ديمقراطي مستقر وقادر على حل المعضلات ومعالجة مشكلات التنمية والبطالة والفقر والإرهاب والفساد.           
إن على القوى السياسية العراقية أن تعيد النظر بحساباتها وسياساتها ومواقفها وتحالفاتها إن كانت تبغي الخلاص من هذه الأزمة الخانقة التي تعصر الشعب العراقي, إن كانت تريد إقامة نظام سياسي مدني وديمقراطي اتحادي يتقدم خطوات إلى الأمام والتخلص من التخلف المصاحب للنظام السياسي القائم على المحاصصة القومية والطائفية الفاشلة القائمة حالياً.
إن اجتماعات أربيل والنجف الخماسية لن تأتي بجديد بل سوف تكرس الأزمة الراهنة وعليها, أن شاءت حقاً, تغيير الحالة الراهنة والعمل على حلحلة الأزمة الراهنة, أن تدعو إلى انتخابات عامة جديدة قادرة على تغيير نسبي للحالة المزرية الحالية حيث الجميع يعيش الأزمة دولة ونظاماً, مجتمعاً وأفراداً.
26/5/2012                     كاظم حبيب   

243
كاظم حبيب
الأول من أيار في مواجهة حكومة وأجهزة أمن حزب الدعوة
(أو) دور قيادة عمليات بغداد كوجه گباحة
لم يكلف أحد العاملين في أجهزة أمن حزب الدعوة الحاكم نفسه كتابة جواب على طلب الحزب الشيوعي العراقي للاحتفال باليوم العالمي للعمال, بعيدهم الأممي والوطني التاريخي والمتواصل دوماً, بل اتصل "أحدهم!" هاتفياً ليمنع التظاهرة السلمية والديمقراطية للاحتفاء بهذا اليوم في إحدى الساحتين "التحرير" و"الفردوس" لأسباب أقل ما يقال عنها إنها اقبح من المنع ذاته. أرى إن على منظمي الاحتفال أن يرفضوا مثل هذا القرار الهاتفي الذي يدعي أنه من ناطق باسم جهاز معين مرخص بمنع التظاهرات أو إجازتها, بل عليه أن يثبت ذلك, كما ينص الدستور, بكتاب رسمي. أنا أعتبر إن الاتصال الهاتفي الذي حصل وكأنه لم يحصل وغير قائم أصلاً, بل يجب الاستمرار في التحضير للتظاهرة في إحدى الساحتين كما يحب منظمو التظاهرة.
أنا أدعوا إلى تحدي هذا الموقف البائس لحكومة أكثر بؤساً في سياساتها ومواقفها من حاجات ومصالح الشعب وحياتهم ومعيشتهم وخدماتهم اليومية. أنا أعتبر إن هذا الموقف لا يسيء للحزب الشيوعي وللأول من أيار, بل هو إساءة كبيرة لكل القوى المتحالفة مع حزب الدعوة المهيمن على قرارات الحكومة ومواقفها. وأنا أدين بصراحة ووضوح مواقف كل القوى والأحزاب السياسية العراقية التي سكتت حتى الآن عن إدانة هذا المنع ولم تصدر بياناً أو تتخذ موقفاً من هذا المنع ابتداءً من رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب والتحالف الكردستاني ومروراً بالقائمة العراقية والمجلس الإسلامي الأعلى وبقية الأحزاب والقوى السياسية المشاركة في السلطة.
كنا في العهد المزري لحزب البعث نقول بأن حزب البعث هو الذي منع كذا وحرم على الشعب كذا واعتقل حزب البعث كذا من الناس, لأن حزب البعث العربي الاشتراكي كان بمثابة مجلس قيادة الثورة والحكومة والمهيمن عليها والمطلق في أحكامه. واليوم نستبدل اسم ذاك الحزب بحزب الدعوة الإسلامية. وبدلاً من أن يجبر الناس على القول القائد "صدام حسين حفظه الله ورعاه" سيجبرون اليوم أو غداً بقولهم القائد "نوري المالكي حفظه الله ورعاه"!
حين بدأت الحكومة المالكية حملتها في اعتقال المتظاهرين كتبت في 19/9/2011 مقالاً جاء فيه ما يلي:
[تذكروا الحكمة الألمانية التي تبلورت كتجربة من فترة حكم الفاشية الهتلرية: حين تم اعتقال الشيوعيين, قال الاشتراكيون الديمقراطيون إنهم اعتقلوا الشيوعيين وهم بعيدون عنا ولم يدافعوا عنهم, وحين تم اعتقال الاشتراكيين الديمقراطيين قال الديمقراطيون المسيحيون إنهم بعيدون عنا ولم يدافعوا عن الشيوعيين والاشتراكيين الديمقراطيين, وحين تم اعتقال الديمقراطيين المسيحيين لم يجدوا من يدافع عنهم!]
إن المطلوب من كل قوى التيار الديمقراطي وكل الأحزاب والقوى السياسية العراقية المشاركة وغير المشاركة في الحكم والمساهمة في العملية أو اللعبة السياسية اتخاذ موقف حازم, موقف الشجب لهذا القرار الشفاهي, وأن يعتبر واحداً في سلسلة من الإجراءات والمظاهر المتلاحقة المناهضة لحرية الفرد والتنظيم والتظاهر السلمي الذي يقره الدستور العراقي. 
وعلى العراقيات والعراقيين ان ينتظروا قريباً جداً تبريرات وعاظ السلاطين عن اسباب منع التظاهرة السلمية للاحتفال بعيد الأول من أيار, ودفاعهم المستميت عن الحاكم الطائفي السياسي المستبد بأمره وبقراراته المجحفة. أنهم بذلك يشاركون في إعادة تأهيل الاستبداد في البلاد!
علينا أن لا نروج بأن هذا القرار صادر عن الأجهزة الأمنية وبمبادرة منها وليس قراراً صادراً عن المالكي, اقول للجميع وبشفافية وصراحة وتحذير, ما يلي: أن هذا القرار المجحف والمناهض للديمقراطية صادر عن رئيس السلطة التنفيذية العراقية, عن نوري المالكي بعينه وليس من غيره. فكما كانت اجهزة الأمن القمعية لا تتحرك إلا  بقرار من صدام حسين حفظه الله ورعاه, فها نحن أمام أجهزة أمنية تنفذ تماماً قرارات نوري المالكي حفظه الله ورعاه! وعلى من لا يصدق ولم يتعلم من تجربة البعث المنصرمة ولم يواجه بإدانة ومقاومة سلمية لما يحصل اليوم من سلوكيات استبدادية وسياسات وإجراءات مناهضة للديمقراطية, أن يتوقع المزيد من الخراب السياسي في العراق يمارسه الحزب الحاكم ورئيسه, رئيس حزب الدعوة الإسلامية.
إن على نوري المالكي أن يتعظ من أحداث الماضي وتاريخ العراق الطويل وأن يتعلم منه الكثير بما يساعد على تجنبه تشديد العداء ضد الاتجاهات والقوى الديمقراطية والتقدمية وأعيادها المعروفة عالمياً, إن عليه ان يبتعد من سلوك الدرب الذي لن يساعده على كسب احترام الشعب العراقي والعالم, درب الحكم الفردي والاستبداد والتحكم برقاب الناس بخلاف الدستور ومضامينه الأساسية.
30/4/2012                         كاظم حبيب
     

244
كاظم حبيب
تحية إلى عمال العراق, إلى منتجي ثروة البلاد
لمصلحة من يمنع الاحتفال الشعبي بعيد العمال العالمي؟
عرف العراق شغيلة اليد والفكر منذ القدم, وفي كافة العهود, وسواء أكانوا عراقيين أم عبيداً أجبروا على أن يكونوا كذلك بعد أن جلبوا من أفريقيا وفرض عليهم العمل في اشغال شتى. فالناس الذي جلبوا من افريقيا, وخاصة من شرق وشمال افريقيا ومن السودان إلى العراق, حُوِلوا إلى عبيد جرى استعبادهم واستغلالهم في أعمال شتى في مدن مثل الأُبُلُّة, "الأبلة: بضم الهمزة والباء واللام المشددة، مدينة بالعراق بينها وبين البصرة أربعة فراسخ ونهرها الذي في شمالها، وجانبها الآخر على غربي دجلة، وهي صغيرة المقدار حسنة الديار واسعة العمارة متصلة البساتين عامرة بالناس المياسير وهم في خصب من العيش ورفاه (الموسوعة الحرة), وواسط والبصرة وبغداد وغيرها من المدن العراقية". جرى استغلال هؤلاء السكان الجدد من قبل المُستوردين لهم الذين باعوهم لأغنياء العراق والإقطاعيين, اضافة إلى كادحي الريف من الأنباط, أبشع استغلال في المجالات التالية:
•   في كسح السباخ المتجمع في الأراضي في مناطق جنوب العراق بشكل خاص لجعل الأرض قابلة للزراعة ومن أجل جمع الملح وبيعه من قبل مستغليهم.
•   في حراثة وزراعة الأرض وفي بساتين النخيل.
•   في فتح الترع والأنهار وكريها وإقامة السدود على الأنهار.
•   في البناء وإقامة أسوار البساتين والمدن وفي نقل البضائع.
•   في كبس التمور وإنتاج الدبس وحلج الأقطان وفي أعمال يدوية أخرى عديدة.
في الخدمة في قصور الحكام وفي البيوت.        
•   كما إن الكثير من النساء استخدمن في بيوت الدعارة.
ونتيجة لهذا الاستغلال والظلم الذي تعرض له هؤلاء الناس, ظهرت حركات فكرية وسياسية مناهضة للنظم اسياسية والاجتماعية التي مارست ذلك وسمحت لممارسته من قبل الفئات المالكة للأرض والأغنياء والحكم. ومن بين تلك الحركات كانت قوى ثورة الزنج بقيادة علي بن محمد, وحركة القرامطة الشهيرة التي برزت في الكوفة وما جاورها وانتشرت وأقامت دولة لها في البحرين دامت عقوداً طويلة كتبت على مدخل المدينة  "لا طعام لمن لا يعمل" في دفاعها عن الشغيلة والمنتجين وضد الظلم والاضطهاد والاستغلال البشع. ولم يسكت نضال الشغيلة والكادحين على امتداد الفترات التالية وأن كان بأساليب وأدوات مختلفة بما فيها ثورة البابكية, نسبة إلى بابك الخرمي, ومضمون فكر هذه الثورة التقدمي قياساً لزمانه.
كان هذا في فترة الحكم العباسي وما بعده في العراق. إضافة إلى بروز عمال في صناعات حرفية أخرى كثيرة عرفت في مختلف أنحاء العراق, وهم الذين شكلوا في حينها الكثير من التنظيمات الحرفية لجماعات العمل المعروفة في العراق. وهم الذين شكلوا نواة الطبقة العاملة العراقية الحديثة.
بدأ تشكل الطبقة العاملة العراقية الحديثة مع نهاية الحكم العثماني وبداية السيطرة البريطانية على العراق في خمسة مجالات أساسية هي: عمل النقل التجاري, وعمال البناء وإنتاج الطابوق والأسمنت فيما بعد, وعمال التنقيب عن البترول واستخراجه, وعمال السكك الحديد  والموانئ, وعمال الغزل والنسيج والسجاير. وإذ ارتبط البعض من هؤلاء العمال بالرأسمال الوطني وأرباب العمل العراقيين, فأن البعض الآخر قد ارتبط بالرأسمال الأجنبي, كما كان الحال مع عمال النفط والسكك الحديد والمؤانئ. 
وتصلب عود العمال ونما وعيهم إحساسهم بوحدة مصالحهم مع أول معركة خاضوها ضد شركة نفط كركوك حين اضرب العمال في العام 1946 مطالبين بتحسين شروط العمل وتحسين الأجور والنقل ...الخ, فجوبهت بنيران الشرطة العراقية وحراس الشركة الأجنبية, بالرغم من ابتعاد الحركة عن العنف أو استفزاز الدولة بتحريض مباشر من الشركة الأجنبية وموافقة الحكومة العراقية على ضرب المضربين المتجمعين في بستان كاورباغي حيث سقط العديد من الشهداء والجرحى, وهم من أوائل شهداء الطبقة العاملة العراقية. ثم برزت بصورة جلية في إضراب السكك الحديد والسجاير وغيرها.
ثم نمت الطبقة العاملة في الخمسينات والستينات والسبعينات لتشكل طبقة اجتماعية لها خصائصها المميزة وفئاتها العديدة ونقاباتها والقوى السياسية التي تلتزم قضاياها وتدافع عنها كما برز واضحاً في الميثاق الوطني وسياسات ومواقف الحزب الشيوعي العراقي وقوى يسارية وديمقراطية أخرى على  امتداد العقود المنصرمة.
وفي مختلف العهود تعرضت الطبقة العاملة إلى الاستغلال والاضطهاد التي تجلت في ضآلة الأجور وطول ساعات العمل, إضافة إلى سوء شروط وظروف العمل والاضطهاد ونقص الخدمات وحرمان الطبقة العاملة الحديثة التكوين من استخدام سلاح الإضراب والتجمع والنشر والتظاهر والتنظيم دفاعاً عن مصالحها. ولعبت النقابات في فترات مختلفة دوراً إيجابياً منذ تأسيس أول جمعية لأصحاب الصنايع التي قادها النقابي البارز محمد صالح القزاز, ورغم المنع المستمر وتزييف إراداتها في الكثير من الأحيان من جانب حكام البلاد.
في فترة عبد الكريم قاسم وفي السنتين الأولى والثانية حقق العمال الكثير من النجاحات في إقرار قانون العمل والعمال وفي تحسين ظروف عملهم وفي تقليص البطالة عبر التصنيع ...الخ. ولكن لم تدم هذه الفترة طويلاً, إذ جاء انقلاب البعث وعانى العمال ضمن معاناة الشعب القاسية من القوى التي تحالفت لإسقاط الجمهورية الأولى ومارست الحكم حينذاك.
وفي فترة البعث الثانية نمت الطبقة العاملة عددياً وتحسنت في الفترة الأولى ظروف عمل العمال وتحسنت أجورهم ولكن فقدوا استقلالية نقاباتهم, إذ أخضعت بالقوة والقرارات الملزمة والمجحفة لإرادة حزب البعث والحاكم بأمره المستبد صدام حسين. وقاد ذلك إلى عواقب وخيمة على الطبقة العاملة والمجتمع من خلال تفاقم الاستبداد ومحاربة كافة القوى السياسية غير البعثية وبعض البعثيين ايضاً.
ومع بدء الحروب والسياسيات العدوانية ضد الشعب, فقد العمال الكثير من تلك المكاسب وتقلص عددهم وانهارت الكثير من المصانع أو دمرت عبر الحروب وتحول الكثير من العمال ومن فئات أخرى إلى فئة مهمشة وواسعة العدد. ورغم كل المصاعب كان العمال يسعون إلى الاحتفال بعيد الأول من أيار بصيغ شتى معبرين عن كونه يوم النضال من أجل وحدة الطبقة العاملة وأهدافها النبيلة ومصالحها المشتركة. وأجبر الكثير من الحكام على القبول بهذا العيد, رغم محاولاتهم تشويه معانيه وأهدافه.
واليوم لا يختلف وضع العمال عن الفترات السابقة. فالبطالة واسعة جداً والفئات الفقيرة والمهمشة كبيرة تماماً وتعيش على هامش الاقتصاد الوطني والأجور واطئة وشروط العمل قاسية والخدمات مفقودة إلى أبعد الحدود.
إن هذا الواقع يجعل من هذا اليوم يوماً للنضال من أجل استعادة الطبقة العاملة لمكانتها في المجتمع ومن أجل التنمية الاقتصادية وإقامة المشاريع الصناعية وتحديث الزراعة على اسس جديدة وتأمين تطور الحياة الاقتصادية وتحسين الأجور وظروف العمل والتمتع بالحرية والحياة الديمقراطية وحرية واستقلالية النقابات العمالية بعيداً عن تدخل السلطة وأجهزتها الحزبية والأمنية.
ولكن وما أن تقدم الحزب الشيوعي بطلب إجازة الاحتفال بهذا العيد حتى منع من ذلك وليس بكتاب رسمي بل عبر الهاتف؟ ماذا يعني ذلك؟ إنه استهتار واستخفاف كبيرين بالدستور وحقوق المواطنة وحق التظاهر يجب أن يدان هذا المنع ويرفع فوراً. إنه الطريق المعوج الذي يسلكه الحاكم بأمره إزاء الحركة العمالية والحزب الشيوعي العراقي والقوى الوطنية الديمقراطية والتقدمية, إنه السلوك الذي يسعى من خلاله ترويض القوى التقدمية وفرض سياساته كأمر واقع لا مرد له. إنها السياسة الجبانة التي تخشى الشعب وخاصة العمال والقوى المدافعة عن العمال.
جاء في التصريح الصادر عن الإعلام المركزي للحزب الشيوعي العراقي ما يلي: "في اعقد الظروف الامنية واحلكها، ظل الشيوعيون ينظمون فعالياتهم في مواقع غدت معروفة للجميع ـ وعلى وجه التحديد في ساحتي التحرير والفردوس، متحدين فلول الارهاب والقتلة. وكانت القوات الامنية تساهم سنة بعد سنة في حماية المتظاهرين، وترافقهم في مسيراتهم، وتعبر عن الارتياح لحسن تنظيمها وللالتزام الحضاري من جانب المشاركين فيها، ولروح التعاون التي تمتاز بها فعاليات الشيوعيين وجماهيرهم. وفي هذا العام ، وكما في المرات السابقة ، قدم الحزب الشيوعي العراقي طلبا رسميا الى الجهات الحكومية الرسمية، للحصول على ترخيص بتنظيم تجمع جماهيري ومسيرة من ساحة الفردوس الى ساحة التحرير. الا ان الرد كان هذه المرة مفاجئا تماما. فبعد مرور ثمانية ايام كاملة من تقديم الطلب، جاء تلفونيا ..بالرفض! وكانت الحجة التي سيقت تلفونيا كذلك، ان هناك تعليمات بعدم اجازة التظاهرات في ساحة التحرير، اما ساحة الفردوس ففيها اعمال ترميم وصيانة. وطبيعي ان هذه التبريرات لا تصمد امام المحاججة، لا سيما وان مظاهرة مرخصة خرجت في ساحة التحرير ذاتها في نفس اليوم الذي تم فيه ابلاغنا قرار رفض الطلب" ثم يشير التصريح إلى "أن هذا الموقف يثير استغرابنا الشديد،..". إن هذا الموقف يجب أن لا يثير الاستغراب فحسب, بل والاحتجاج والإصرار على التظاهر لأن الحاكم بأمره يريد ترويض المجتمع بسياساته الرجعية والفردية, بسياساته التي تريد مصادرة الحريات العامة التي كفلها الدستور بأساليب مارستها السلطة الإيرانية قبل ذاك في إيران! ولكن هيهات أن تنجح مثل هذه السياسات القهرية في العراق إلا في ظل دكتاتورية مشابهة لدكتاتورية صدام حسين ولكنها لا تدوم طويلاً بل تسقط لا محالة طال الزمن أم قصر.   
إن وحدة العمال ووحدة نقاباتهم الحرة والمستقلة وتضامنهم مع بقية فئات المجتمع تعتبر أهم الضمانات الفعلية لتحقيق أهداف الطبقة العاملة الآنية والحد من الاستغلال الشديد وغياب أو نقص الخدمات العامة وتحسين الأجور أو منع تظاهرات العمال في يوم عيدهم الكبير أو تجبر الحكام وعنتهم إزاء الشعب وحرياته.
بهذه المناسبة الحبيبة على نفوس العمال وكافة المناضلين من أجل حياة أفضل وحرية وكرامة وعمل الإنسان أحيي الطبقة العاملة العراقية ونقاباتها والمناضلين في سبيل تحقيق مصالحها وأرجو لهم جميعاً وللشعب العراقي أوضاعاً أفضل ونجاحاً في مكافحة الفساد المستشري, الذي يسرق قوت الشعب ونتاج عرق جبينهم, ومحاربة الإرهاب الدموي الذي يطال دوماً الكادحين من بنات وأبناء الشعب العراقي ومناهضة الحكم الفردي والاستبداد والتطاول على الحريات الديمقراطية والحياة الدستورية والاحتفال بهذا العيد الكبير بالرغم من رفض الجهات المسؤولة منح إجازة الاحتفال والتظاهر الشعبي والعمالي بعيد العمال العالمي في ساحتي التحرير والفردوس.
29/4/2012                     كاظم حبيب     
   
 



245
المنبر الحر / المالكي ... إلى أين؟
« في: 20:26 26/04/2012  »
كاظم حبيب
المالكي ... إلى أين؟

منذ أكثر من نصف قرن (1954) صدر كتاب وعاظ السلاطين لعالم الاجتماع العراقي الكبير الأستاذ الدكتور علي الوردي, وكان واحداً من ابرز وأهم الكتب التي صدرت في تلك الفترة في العراق والذي حظي حينذاك وحتى الآن باهتمام كبير من جانب علماء علم الاجتماع والقارئات والقراء في آن. واليوم يحس من يقرأ هذا الكتاب وكأن الكاتب يتحدث عن هذه الفترة التي يعيش تحت وطأتها الشعب العراقي. فهو يقول بوضوح تام:
"لقد حكم الطغاة هذا البلد أجيالاً متعاقبة. فاعتاد سكانه بدافع المحافظة على الحياة أن يحترموا الظالم ويحتقروا المظلوم وأخذ مفكرونا يصوغون مثلهم العليا صياغة تلائم هذه العادة الاجتماعية اللئيمة. إن شر الذنوب هو أن يكون الإنسان في هذا البلد ضعيفاً فقيراً". (د. علي الوردي. وعاظ السلاطين, المقدمة, ص 14).
هذه الفقرة القصيرة والمهمة تؤكد واقع وجود خمس ظواهر سلبية في العراق, والمؤسف حقاً إنها ما تزال موجودة وفاعلة ويعيشها المجتمع يومياً:
1. فظاهرة الحاكم الظالم أو الطاغية كانت وما تزال القاعدة المستمرة والفاعلة في العراق, وهو الخيط الذي شد ويشد الماضي بالحاضر ويشكل صورة الحاضر بالكثير من تفاصيله.
2. وظاهرة الأكثرية الساكتة على الظلم والخشية من الظالم بسبب قسوته واستخدامه اساليب تروع الناس.       
3. ثم ظاهرة وعاظ السلاطين الذين يدعون ممارسة الفكر المستقل عن السلطة ولكنهم هم يساهمون في تكوين المستبد بأمره ويسعون إلى تحسين صورته وتكريس هذه الظاهرة العدوانية في المجتمع وضد المجتمع.
4. إن هذه الظاهرة السلبية هي جزء من واقع اجتماعي ما يزال يسود العراق, سواء من حيث طبيعة علاقات الإنتاج السائدة فيه أم من حيث هيمنة الفكر السلفي والعواقب الناشئة عنهما في الحكم والمجتمع.
5. وإن الفقراء, وهم يشكلون نسبة عالية من سكان البلاد, يعانون من ويلات هؤلاء الحكام ووعاظهم, في حين يتمتع الأغنياء ونهابة المال العام بصيغ الفساد المنتشرة والوعاظ بمكانة محترمة في الحكم وخارجه.
إن واقع المسيرة العراقية الراهنة تشير إلى سير البلاد على هذا الطريق الموروث بعد أن أصبحت يافطة قائمة الحاكم بأمره "دولة القانون" صفراء فاقعة اللون لصالح مشروع الحكم الطائفي في البلاد, إذ لم يكن تصريح رئيس الوزراء بأنه أولاً وثانياً وثالثا شيعي الهوية وعراقي بالتسلسل الثالث أو الرابع, سوى تأكيدا لهذه المسيرة المليئة بالمخاطر للشعب العراقي ومستقبل البلاد.
وأخيراً حسم رئيس الوزراء, كما يبدو, أمره باتجاهين:
أ‌.   تشديد الصراع على الصعيد المحلي وشن حملة ظالمة ضد القوى الديمقراطية والعلمانية وإعادة إنتاج الفكر الرجعي المناهض للمدنية والعلمانية والديمقراطية, إضافة إلى تشديد الصراع مع القوى المتحالفة معه والتي يشعر أنها منافسة له في قيادة الحكمً.
ب‌.   تشديد الصراع على مستوى الإقليم من خلال شن حملة شعواء ضد تركيا من جهة, والقبول باحتضان إيران التبعي للحكم الطائفي وله (المالكي) في العراق من جهة ثانية.
إن المشكلتين ستثيران للعراق مصاعب جمة يعاني من عواقبهما الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع أديانه ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والسياسية. إن هذه السياسية ستصب الزيت على النيران المشتعلة في العراق, ستزيد من الصراع وتحوله تدريجاً إلى نزاع ساخن, وستنشط الإرهاب الدموي وتزيد من حركة وفعل القوى الفاسدة الناهبة لموارد العراق بطرق شتى.
لقد كان العربون الذي قدمه المالكي لإيران قبل زيارته لها لتأمين احتضانه وتحسين علاقاته بالقوى الصدرية قد تبلور بعدة مواقف نشير إليها كرؤوس أقلام:
** تفجير الصراع مع القائمة العراقية عبر الموقف من طارق الهاشمي وخلط الأوراق السياسية بالقانونية وتعقيد القدرة على عقد المؤتمر الوطني المطلوب.
** تشديد الصراع مع التحالف الكردستاني الذي قوبل برد فعل مماثل مما زاد من صعوبة عقد المؤتمر الوطني وحل المشكلات بأسلوب تفاوضي ديمقراطي هادئ ورصين.
** اعتداء قوات عمليات بغداد على مقر طريق الشعب واعتقال حراسه واستفزازهم ومصادرة بعض أسلحة الحراس.
** الخطاب العدواني الذي ألقاه المالكي في الذكرى السنوية لإعدام محمد باقر الصدر والذي هاجم فيه الماركسية والعلمانية بأمل إثارة أحقاد وضغائن الماضي والاستعداء ضد القوى الديمقراطية والعلمانية. إنه الثمن الذي يجسد بؤس الثمن المدفوع لإيران للاقتراب منها والسقوط في احضانها.
إن رئيس الوزراء العراقي يلج درباً خطراً, درباً لا يقوده إلى الشموخ والعزة والكرامة, درباً سلكه العديد من الحكام من قبل وسقطوا في الحفرة التي حفروها لغيرهم.
25/4/2012                     كاظم حبيب               

246

كاظم حبيب
نحو المؤتمر الأول للتجمع العربي لنصرة القضية الكردية في أربيل
على امتداد نضال الشعب الكردي في العراق وخلال العقود المنصرمة وقفت قوى التيار الديمقراطي التقدمية العربية في العراق إلى جانب حقوق الشعب الكردي العادلة والمشروعة. وقد تجلى ذلك في برامج تلك القوى السياسية الديمقراطية وفي ممارساتها النضالية المشتركة. كما برز ذلك في المعارك النضالية الكثيرة في العهد الملكي وما بعده. واتخذت القوى التقدمية العربية مواقف إيجابية من هذا النضال ومن عدالة طرح حق تقرير المصير للشعب الكردي. ولكن لم يكن موقف كل العرب في العراق والدول العربية مؤيداً لنضال الشعب الكردي, بل كانت مواقف القوميين العرب اليمينيين والإخوان المسلمين بشكل خاص ضد ممارسة هذا الحق المشروع واعتبروا القوى الكُردية جماعات انفصالية و"جيب عميل!", على غرار أكاذيب الدكتاتور الفاشي المقبور صدام حسين. 
كانت كردستان العراق, وعلى امتداد العقود المنصرمة, مكاناً آمناً للمناضلين العرب من شيوعيين وديمقراطيين تقدميين ومستقلين للخلاص من ملاحقة وقمع واضطهاد الحكومات العراقية المتعاقبة في العهود المنصرمة. وكانت فترة حكم البعث الأولى في العام 1963 وفترة حكم البعث الثانية 1968-2003 من أبشع المراحل التي تعرض فيها الشعب العراقي بكل قومياته إلى الحروب والبطش والمجازر والحصار والقتل الجماعي والمقابر الجماعية. وكانت حصة الشعب الكردي كبيرة حقاً من فاشية وعنصرية واستبداد وقمع الدكتاتورية الدموية في العراق خلال الحقبة الجديدة من حزب البعث التي استمرت طوال 35 عاماً تقريباً. وكانت الرغبة الغاشمة والجامحة التي سيطرت على ذهن وتفكير الدكتاتور تتلخص في ممارسة كل السياسات التي من شأنها تصفية قضية وحركة ونضال الشعب الكردي. فتجلت في مؤامرة اغتيال الملا مصطفى البارزاني الفاشلة, وفي مؤامرة التوقيع على اتفاقية الجزائر بين الشاه وصدام حسين في العام 1975 لتصفية الحركة الأنصارية وقوات الپيشمرگة في كردستان العراق, ثم برزت بشكل صارخ في عمليات مجازر الأنفال وحلبچة التي تعتبر بحق من الجرائم الكبرى ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية التي استشهد فيها أكثر من 182 ألف إنسان من مختلف الأعمار بمن فيهم الرضع والنساء, إضافة إلى الهجرة المليونية في ربيع عام 1991 وفي أعقاب انتفاضة الشعب العراقي كله ضد الدكتاتورية الغاشمة باتجاه الحدود التركية والإيرانية. وهنا يفترض أن نتذكر ما حل بالكُرد الفيلية من جرائم بشعة اعتبرت جرائم ضد الإنسانية, بما في ذلك التهجير القسري والنهب والقتل وزج الشباب في مقدمة المعارك العسكرية في الحرب العراقية الإيرانية. وإذا كان عرب الوسط والجنوب وبغداد قد عانوا الأمرين على أيدي النظام بذريعة التبعية لإيران من تهجير وقتل منذ العام 1980, وكذلك في أعقاب انتفاضة 1991, فأن النظام لم يكن رحيماً بأي حال بأبناء وبنات الموصل وغرب بغداد ممن لم يقبل بسياسات النظام وعدوانه.
لقد أثمر نضال الشعب الكردي في إقليم كردستان العراق والموقف الدولي المساند للشعب الكردي في منع النظام العراقي من توجيه طيرانه العسكري وقواته المسلحة ضد الشعب الكردي وقوات البيشمرگة-الأنصار الشجعان في اعقاب انتفاضة الربيع عن نتائج باهرة حين تخلصت بعض مناطق الإقليم من نظام الحكم الفاشي والاستبدادي الصدّامي في النصف الثاني من 1991, وحين أقدم الشعب الكردي على إقامة فيدراليته ضمن الجمهورية العراقية في العام 1992.
ثم جاء النصر الجديد للشعب العراقي عموماً والشعب الكردي خصوصاً بسقوط الطاغية ونظامه الفاشي في العام 2003 وعبر الحرب الخارجية, حيث أمكن تكريس مبدأ الفيدرالية الكردستانية في الدستور العراقي في العام 2005.
في كانون الأول/ديسمبر 2004 تنادى عدد من المثقفين العراقيين والعرب بمبادرة من الأخ القاضي زهير كاظم عبود بتشكيل "التجمع العربي لنصرة القضية الكردية" حيث صدر البيان التأسيسي الأول الذي ورد فيه ما يلي: "عانى الشعب الكردي معاناة إنسانية قاسية نتيجة السياسة الشوفينية التي تتبعها السلطات القمعية في البلدان التي التهمت أجزاء من كردستان في أراضيها فجزأت أوصالها وشتت وحدتها وكلمتها وعمدت إلى إنكار حقوق الكُرد في الحياة، وكانت العلاقة الإنسانية بين الشعبين الكردي والعربي وشيجة الترابط وقوية التماسك على الدوام، وساهم العرب من أصحاب الضمائر الحية في نصرة الشعب الكردي والدفاع عن حقوقه المشروعة.", ثم يواصل تلبيان فيؤكد: ".. قاوم الأكراد جميع السلطات التي حاولت أن تنكر عليهم حقهم في الحياة السياسية وشراكتهم الحقيقية في العمل السياسي، وكان يقف بالضد من هذه الحقوق السلطات الجائرة على الدوام حيث تتكاتف القوة الغاشمة، في حين تقف بالضد من هذا الموقف الجماهير العربية مساندة لقضية الكُرد وحقوقهم". ثم يضع البيان مهمات التجمع بقوله: "ويسعى التجمع للمساهمة في التخلص من نتائج الفكر الشوفيني الشائع بين العرب والذي نشرته السلطات والثقافة البغيضة والهدامة لغرض بث الفرقة والاستهانة بالشعوب وغمط حقوقها الإنسانية، ويسعى التجمع العربي لمناصرة القضية الكردية من خلال الإسهام الفعال في عرض الحقائق المغيبة التي فجعت بها الأمة الكردية وتحملتها بصبر وثبات كبيرين.
كما يسعى التجمع إلى إدانة و تجنب أساليب الحرب والقتال التي تسعى إليها الأفكار والسلطات الشوفينية والمتعصبة والمتطرفة قومياً وشجب أساليب الحروب والقتال، وتأمين حياة مدنية وآمنة ضمن مجتمع مدني وديمقراطي وموحد يليق بالإنسان. أن الاعتراف بحق الآخر أضحت قاعدة أساسية للحياة الإنسانية في هذا العصر، وبدون هذا الإقرار سيكون للحقوق تعابير تختلف عن حقيقتها، لذا فأن التجمع يسعى إلى مساهمة الأعضاء المنتسبين إليه بالمساهمة الثقافية والسياسية الفاعلة من أجل أبراز هذه الحقوق .
يسعى التجمع لتجنيد الطاقات العربية للمساهمة في نصرة قضية الشعب الكردي واستنهاض همم المثقفين العرب في هذا المجال، ونؤكد أن التجمع ليس حزباً ولا تجمعاً سياسياً أو تابعاً لأي طرف، ويسعى إلى التنسيق مع تطلعات ومواقف الشعب الكردي بما يحقق توثيق الروابط الإنسانية بين المثقفين العرب والكرد."
وقع هذا البيان المئات من المناضلات والمناضلين العرب من العراق والدول العربية, كما تم تأييد البيان من جمهرة كبيرة من العراقيات والعراقيين وغيرهم من العرب ومن قوميات أخرى كالكلدان والتركمان وغيرهم.
وخلال السنوات المنصرمة قام التجمع بإصدار البيانات وحضور ندوات وتقديم محاضرات أو مارس أعضاء الأمانة وأعضاء في التجمع كتابة المقالات والدراسات حول القضايا الكردية ونضال شعوب هذه الأمة, إذ لم يكن هم التجمع العربي كُرد العراق فحسب, بل كان وما يزال يشمل كافة بنات وأبناء الأمة الكردية في الشرق الأوسط وكذلك الكُرد الفيلية باعتبارهم جزءاً عضوياً من الأمة الكردية ومن الشعب العراقي .
وخلال السنوات المنصرمة لم يتسن للتجمع أن يعقد مؤتمره التأسيسي وبقيت علاقات أعضاء الأمانة العامة عبر المراسلات الإلكترونية واللقاءات الفردية. ولهذا لم يتسن للتجمع أن يشارك في انتخاب أمانته العامة التي يفترض أن تأخذ على عاتقها إدامة وتطوير المهمات والعمل, إذ كان أعضاء الأمانة العامة حتى الآن منسبين فيها بموافقة الأعضاء والمؤيدين.
في شتاء هذا العام 2012 فاتحت الأمانة العامة رئيس إقليم كردستان, السيد مسعود البارزاني, عن مدى إمكانية استضافة رئاسة الإقليم للمؤتمر التأسيسي الأول للتجمع في أربيل. فتمت الموافقة من قبل السيد رئيس الإقليم مشكوراً. وتقرر أن يعقد المؤتمر في 4-5/5/2012 في أربيل عاصمة إقليم كردستان.
وجهت الأمانة العام دعوات إلى حوالى 90 شخصية عربية من النساء والرجال من العراق والدول العربية ومن الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا وأستراليا للمشاركة في هذا المؤتمر. وسيدعى لجلسة الافتتاح الكثير من الشخصيات السياسية الكردية والتركمانية والكلدانية إضافة على العربية في العراق.
يواجه التجمع في الفترة القادمة مجموعة من المهمات المباشرة التي يسعى إلى بلورتها في برنامجه الجديد في هذا المؤتمر, إضافة إلى مناقشة تقرير الأمانة العامة وأربعة مداخلات يقدمها أعضاء في الأمانة العامة وفي التجمع. وفي المقدمة من هذه الموضوعات تمس أهمية وضرورة الإسراع بمعالجة المشكلات القائمة بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية على وفق الدستور من خلال وضع مجموعة القوانين المنظمة للعلاقة بين الحكومتين في أربيل وبغداد في مختلف المجالات ومعالجة ما يطلق عليه بالمناطق المتنازع عليها على وفق الرؤية التي حددتها المادة 140 من دستور عام 2005 وإزالة كل العواقب التي تسبب بها نظام الفاشية المقبور, إذ بدون ذلك يمكن أن تنشأ مشكلات تعقد العلاقة بين الحكومتين خاصة وأن العراق لا يمتلك تجربة وتقاليد في الحكم الفيدرالي, وغالباً ما ينحى المسؤولون صوب المركزية في الحكم على مختلف المستويات (الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم والمحافظات). كما يفترض تأكيد أهمية وضرورة أن يتم ذلك على أسس من التفاوض السلمي والديمقراطي وبعيداً عن الصراع العسكري الذي عرفه العراق طيلة العقود المنصرمة وعبر سياسات الحكومات المركزية غير الديمقراطية والاستبدادية والشوفينية في آن.
ويواجه التجمع مهمة تصعيد الدفاع السلمي والديمقراطي عن حقوق الشعب الكردي في أقاليمه الأخرى, تركيا وإيران وسوريا, حيث ما يزال الشعب الكردي في هذه الأقاليم يناضل من أجل حقوقه المشروعة والعادلة ويعاني من مشكلات كثيرة. نشير هنا إلى بعض المشكلات التي يعاني منها الكُرد في الأقاليم الأخرى:
بسبب انعدام ممارسة حقوق الإنسان وحقوق القوميات نشأت منذ سنوات كثيرة نضالات مسلحة لضمان الوصول إلى تلك الحقوق المغتصبة. وهنا تبرز مهمتنا, أي العمل لإقناع حكومات وشعوب تلك البلدان بأهمية التخلي عن القوة والسلاح في مواجهة مطالب الشعب الكردي والدخول في مفاوضات مع القوى السياسية الفاعلة فيها لمعالجة المشكلات القائمة. وإن تجربة العراق الحية تقدم نموذجاً مناسباً في هذا الصدد, إذ إن الفيدرالية القائمة تشكل جزءاً من الأهداف الأساسية للشعوب الكردية في جميع أقاليمها وهي الطريق الذي يمكن أن يدفع باتجاه وحدة الأمة الكردية.
إن العصر الجديد يرفض تجاوز حكومات تلك الدول لمطالب شعوبها أو القوميات القاطنة في هذه الدول وعلى أرضها, إذ يتعارض ذلك مع مبادئ الأمم المتحدة وحق تقرير المصير للشعوب إضافة إلى معارضة ذلك لمبادئ ولائحة حقوق الإنسان. إن الحقوق القومية والثقافية والإدارية لأي شعب من الشعوب هي ثوابت لا يجوز المساس بها وعلى  حكومات جميع الدول احترامها.
لقد خاض الشعب الكردي منذ أوائل القرن العشرين وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى نضالات كثيرة ومريرة في سبيل حقوقه المشروعة وقدم التضحيات الكثيرة, كما تحملت الدولة العراقية بسبب سياسات حكوماتها المتعاقبة التي كانت تعتمد القتال والحرب بدلاً من الاستجابة للمطالب المشروعة خسائر فادحة  وحملت العرب وغير المجندين خسائر كثيرة في البشر. وبعد مرور ما يقرب من 70 عاماً على تشكيل الدولة العراقية (1921) استطاع الشعب الكردي إقامة فيدراليته الكردستانية في إطار الدولة العراقية. وكان بالإمكان تجنب الكثير من الدماء والدموع والأموال لو كانت الحكومات العراقية المتعاقبة قد استجابت لمنطق العقل والحكمة ووافقت على مطالب الشعب الكردي العادلة حينذاك.
إنها تذكرني بتلك الحكاية القديمة التي تدعو إلى تحكيم العقل في مواجهة الحالات التي يجبر فيها المرء على اختيار أحد الاحتمالات, إنها قصة الرجل الذي حكمت عليه المحكمة بأحد الأحكام الآتية, وعليه أن يختار أحدها: مئة خازوق أو مئة جلدة أو مئة دينار, فاختار الجلد حباً في المال وخوفاً من الخازوق, وعجز عن تحمل عشر جلدات, ثم قبل بالخازوق حباً في المال, فعجز عن تحمل خازوقاً واحداً وأجبر على دفع المائة ليرة ذهب بعد أن ذاق العقوبتين. وهكذا ستكون الحالة مع الحكومات التي ترفض الاستجابة لصوت العقل, فمن لا يرضى بالجِزة من صوف الخروف سيدفع الخروف وجزته في آن واحد.
لقد عبر التجمع العربي لنصرة القضية الكردية عن خمس مسائل جوهرية هي:
1.   موقف الدفاع والتضامن مع الشعب الكردي في سعيه صوب الحصول على حقوقه المشروعة والعادلة وخاصة حقه في تقرير المصير.
2.   ويعمل من أجل تحقيق التضامن النضالي بين الشعب الكردي وتلك الشعوب التي يتعايش معها في الدول الأربع الموزعة عليها شعب وارض كردستان.
3.   استقلاليته التامة عن الأحزاب والقوى والجماعات السياسية والحكومات والدول المختلفة, ويرفض أي تدخل في شؤون التجمع من أي طرف كان.
4.   استقلالية قرار التجمع بشأن قضايا الشعب الكردي في كل أجزاء كردستان.
5.   يمارس النقد ويشجب التجاوز على حقوق الشعب الكردية حيثما يقع وأياً كان المتجاوز.

         
نيسان 2012                             كاظم حبيب
   
 

247
كاظم حبيب
عزة الدوري والجرائم البشعة التي تثقل كاهله وكاهل حزبه الفاشي!

في اليوم السابع من نيسان 2012 ألقى عزة الدوري كلمة متلفزة موجهة إلى الشعب العراقي والأمة العربية وهو يرتدي اللباس العسكري. واليوم هي الذكرى التاسعة لسقوط النظام الدكتاتوري وهروب صدام حسين ورهطه وعصابته الباغية, ومنها عزة الدوري, وقواته الخاصة من المعركة.
لم يتغير خطاب عزة الدوري عن تلك العنجهية ذاتها التي عرف بها صدام حسين وطغمته, رغم إدراكه العميق بالنهاية الحقيقة لدور حزب البعث في العالم العربي, إنها النهاية البائسة التي كان من المتوقع أن يصل إليها ويغوص في أعماق المستنقع ويستقر في اسوأ مزبلة في التاريخ نتيجة سياسات هذا الحزب لا في العراق فحسب, بل وفي سوريا وحيثما وجد, إذ تحول مع وصوله إلى السلطة في العام 1963 إلى حزب فاشي دموي مارس التآمر والعنف والسلوك العنصري ضد القوى والأحزاب والقوميات الأخرى.
كتب أحد الأشخاص يقول ظهر بائع الثلج عزة الدوري مرة أخرى ليعلن أنه على قيد الحياة وليس كما أُعلن عن موته. ليس العيب في أن يكون الإنسان عامل ثلج, فعمال الثلج من كادحي بلادنا, بل العيب كل العيب أن يكون أحد ابشع المجرمين والقتلة في العراق سواء بصورة مباشرة أم غير مباشرة. فهو لا يتحمل وزر ما فعله حزب البعث ومجلس قيادة الثورة منذ تسلم هذا الحزب الحكم في العراق فحسب, بل ويتحمل مسؤولية كل الجرائم التي ارتكبت في العراق بعد سقوط الدكتاتورية. فلم ينفذ حزب عزة الدوري وحده جرائم بشعة وقتل الكثير من الشر فحسب, بل تحالف مع تنظيم القاعدة المجرم ومع هيئة علماء المسلمين وكل الذين مارسوا الإرهاب بحق الشعب العراقي على مدى الفترة المنصرمة وما يزال يدعو إلى القتل باسم "المقاومة الشريفة", وهي غير شريفة.
لا يمكن أن تقوم لفكر البعث القومي الشوفيني والعنصري قائمة في العراق بعد أن ارتكب حزب البعث وقادته وكوادره الأساسيين وأجهزة أمنه والأجهزة الخاصة الجرائم البشعة والموبقات ضد هذا الشعب وضد مكوناته القومية والمذهبية, وبعد أن زج العراق بعدد من الحروب الخارجية, إضافة إلى الحروب الداخلية ضد الشعب الكردي وضد الكُرد الفيلية وضد عرب الوسط والجنوب وبغداد, ولكنه لم ينس أيضاً ولم يعف عن معارضي نظامه في الموصل وغرب بغداد, إذ أذاقهم مر العذاب أيضاً. لقد استشهد من العراقيين على مدى حكم البعث أكثر من مليون وربع المليون إنسان بمختلف السبل والأدوات والحروب. وقد سقط للشعب الكردي وحده أكثر من 200 ألف شهيد على امتداد أعوام النضال منذ وصول حزب البعث إلى السلطة في العام 1968 حتى انهياره وانسحابه من إقليم كردستان في العام 1991 وبعد انتفاضة الربيع والزحف المليوني إلى تركيا وإيران.
لقد كان الخطاب الذي قدمه عزة الدوري ملطخاً بالدم والعار وستبقى راية واسم وقوى هذا الحزب وقيادته وقيادييه ملطخة بالدم والعار لكثرة من قتل على أيدي هذا الحزب ليس من مناهضيه من الأحزاب والقوى السياسية العراقية, وليس من سقط بسبب الحروب التي ورط الشعب بها فحسب, بل وبسبب قتله لكثرة من قياديي وكوادر وأعضاء حزب البعث بالذات ممن وقف ضد سياسات صدام حسين وطغمته الخائنة والمجرمة. لقد كان عزة الدوري واحداً من أهم وابرز أعمدة الفاشية والدروشة في العراق وأكثرهم التصاقاً بصدام حسين وحباً له وكرهاً للشعب.
إن عزة الدوري يتوقع أن تنشأ حالة مناسبة لحزبه في العراق ويدعو إلى التحالف مع قوى الإسلام السياسي السنية المعتدلة. يتوقع هذا الأمر بسبب السياسات الخاطئة والخطرة التي تمارس في العراق منذ عدة سنوات والعواقب المحتملة على وحدة النسيج الوطني العراقي في مواجهة بقايا قوى البعث والقوى المناهضة لبناء عراق جديد خال من العنصرية والشوفينية والطائفية والتمييز الديني والفكري والسياسي.
إن الأخطاء التي يرتكبها حزب الدعوة ورئيسه يمكن أن يدفعا بالعراق إلى متاهات جديدة, فهما قد ابتعدا كثيراً جداً عن الوجهة التي تضمن للعراق وحدته وحياته الحرة والحريات الديمقراطية المنشودة, وبالتالي هما بالذات يسمحان لمثل هذا المتهم الوقح بارتكاب أبشع الجرائم في العراق وأن يتجرأ بطرح ذلك الخطاب النتن الذي تفوح منه رائحة الشوفينية والطائفية والعداء للحياة الحرة والديمقراطية.
فرغم مرور تسع سنوات على سقوط الدكتاتورية لم يستطع هذا الدكتاتور الصغير, عزة الدوري, أن يعي الأخطاء الفادحة والسياسات التدميرية والعدوانية التي مارستها قيادة حزبه ضد الشعب والوطن.
ولكن في الوقت نفسه ورغم مرور تسع سنوات على سقوط الدكتاتورية لم تستطع القوى التي تسلمت السلطة وما تزال تمسك بها أن تعي المخاطر الجمة التي تواجه العراق بسبب السياسات الطائفية والمحاصصة المقيتة القائمة على أساسها, وبسبب ممارسات أجهزة الأمن لذات السياسات السابقة إزاء القوى السياسية العراقية المطالبة بالإصلاح والتغيير باتجاه الحريات العامة والحياة الدستورية والديمقراطية والخلاص من الانفراد بالسلطة. إن مخاطر الاستبداد تتزايد في العراق وعلى الإنسان أن يعي ذلك قبل فوات الأوان.
إن من واجب القوى السياسية العراقية أن تستنكر وتحتج ضد هذا الخطاب الهستيري الذي ألقاه عزة الدوري, وخاصة تلك القوى التي دعاها عزة الدوري للعمل معه والتحالف مع حزبه المشوه ضد الشعب العراقي.
كما لا بد لنا أن نعمل معاً من أجل إبعاد العراق عن المخاطر التي تواجهه حالياً بسبب سياسات حزب الدعوة الإسلامية ورئيسه وقيادته وكوادره الذين يتربعون في المواقع الأساسية في الدولة والحكومة والقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي ويسعون للهيمنة على  كافة الهيئات المستقلة, إضافة إلى الهيمنة على سلطة القضاء وتهميش دور مجلس النواب والقوى السياسية الأخرى.
إن حزب البعث والقوى المتحالفة معه لا تشكل خطراً على العراق, إلا إذا سار النظام الحالي على نهج يوسع الفجوة بين المواطن والمجتمع من جهة, والحكومة والأحزاب الحاكمة وتلك المهيمنة على الحكم من جهة أخرى عبر السياسات المنتهجة حتى الآن.
إن يوم سقوط الدكتاتورية في العراق ينبغي أن يدق ناقوس الخطر عند اشعب العراقي كله لكي لا ترتفع دكتاتورية أخرى على أرض الوطن!
9/4/2012                        كاظم حبيب   
     
         

248
كاظم حبيب
من أجل أن لا يتحول الضحية إلى جلاد في سوريا!
إن التخلف الاقتصادي والاجتماعي وضعف الوعي الفردي والجمعي العام وتجليات ذلك في غياب المجتمع المدني الديمقراطي ومصادرة الحريات العامة والحياة الديمقراطية وحقوق الإنسان من جانب قوى النظم السياسية المستبدة فيها وغياب الفصل بين السلطات وتشابك الدين بالدولة والسياسة واستخدام العنف والتعذيب والاعتقال والإساءات والشتم وتشويه سمعة الإنسان بأكثر الأساليب شراسة وعدوانية إزاء الفرد والمجتمع تسبب كل ذلك وغيره في بروز ظاهرة ممارسة العنف بين افراد المجتمع وإزاء المرأة على نحو خاص, إضافة إلى ضعف الاحترام المتبادل وضعف الثقة وعدم احترام الرأي والرأي الآخر لا بين القوى والأحزاب السياسية فحسب, بل وبين افراد المجتمع. لقد انتقل سلوك النظم السياسية الحاكمة عبر القرون والعقود المنصرمة إلى الفرد والمجتمع بشكل عام, وخاصة بين الذكور. ونجد مثل هذه التصرفات في التعامل اليومي بين الذكور وإزاء النساء والأطفال, سواء أكان في العائلة الواحدة أم في المدرسة أو المؤسسات أم في عموم المجتمع. ومثل هذه الظاهرة تعتبر نتاجاً فعلياً لطبيعة ومضامين التعليم المتدني وأساليبه وأدواته ومناهجه, وكذلك طبيعة الثقافة التي تنشرها الحكومات العربية في صفوف المجتمع وفي التعليم وفي اساليب تعاملها مع الإنسان الفرد ومع مختلف فئات وشرائح المجتمع. فكتب التاريخ والدين والقراءة تؤكد على مبدأ القوة في انتزاع الحق على حد قول الشاعر العربي, على سبيل المثال لا الحصر:
السيف أصدق أنباءً من الكتب      في حده الحد بين الجد واللعب
ولكن من تابع الانتفاضات الشعبية في عدد من الدول العربية فوجئ بظاهرة مهمة جداً هي رغبة غالبية الناس المشاركين في تلك الانتفاضات الابتعاد عن القوة والعنف في الوصول إلى التغيير السياسي والاجتماعي المنشود الذي جوبه من الحكام بالعنف والقسوة والسلاح, منها على  سبيل المثال لا الحصر اليمن, تونس ومصر.
ولكن في مقابل هذه النماذج الثلاث التي مورس أعداء الثورة الأساليب القمعية لقهرها, برزت نماذج أخرى نشبت فيها الطائفية والقتل المتبادل وعلى الهوية, كما حصل ويحصل في العراق وما يحصل اليوم في ليبيا, إضافة إلى ما يحصل في سوريا وما يمكن أن يحصل في السودان وغيرها.
حين كنت أتابع تطور نضال الشعب السوري ضد دكتاتورية بشار الأسد وطغمته المقيتة وأجهزة قمعه الدموية برزت أمامي صورة كالحة حقاً لم اسكت عنها وكتبت بشأنها ناقداً هذه الظاهرة السلبية التي تفاقمت يوماً بعد آخر.
في كل الثورات في العالم تتعدد وجهات النظر وتتنوع اساليب النضال وأدواته في مقارعة الاستبداد والقهر السياسي والاجتماعي. وهي ظاهرة طبيعية بحكم التنوع الطبقي أو الاجتماعي والثقافي والمصالح التي يتبناها كل طرف في إطار الحركة المناهضة للاستبداد وتسعى للخلاص من الحكام الأوباش. وغالباً ما يظهر التباين في المواقف والسياسات بعد سقوط تلك النظم الاستبدادية, إذ يتصاعد الصراع على السلطة ويعود الكثير من البشر وكأنهم نسوا نضالهم ضد الاستبداد والقهر, ليبدأوا بممارسة ذات الأساليب التي مارسها النظام الساقط ضدهم. ويقدم حكام العراق نموذجاً لمثل هذا التعامل.
ولكن من الغريب حقاً أن تلجأ قوى سياسية ما تزال في المعارضة لتمارس اساليب الجلاد ضد الضحية التي هي منها وأن اختلف عنها في هذا الموقف أو ذاك وفي هذا الأسلوب أو ذاك.
لقد شاهدت من على شاشة التلفزة كيف اندفع بعض السوريين مستخدماً الشتم والركل والاعتداء على آخرين من المعارضة لأنهم حملوا وجهة نظر أخرى تختلف عن رؤية المجلس الوطني, وكلهم ما زالوا خارج السلطة, فكيف بهؤلاء إذا ما تسلموا السلطة دون غيرهم؟
إن الأساليب القمعية والقهرية التي مارسها الجلادون ضد شعبهم وضد قوى المعارضة ينبغي لها أن لا تكون بأي حال ذات الأساليب في الموقف من رفاق النضال المشترك فحسب, بل وأن لا تستخدم ضد الحكام والجلادين السابقين. إذ لا بد أن تكون هناك محاكمات شرعية والحق في الدفاع باعتبار أن المتهم برئ إلى أن تثبت إدانته ...الخ.
حين نراقب نشاط قوى المعارضة السورية في هذه الفترة العصيبة من النضال ضد الدكتاتورية نتذكر ما جرى ويجري في العراق, فهل يتعلم الأخوة في سوريا من هذا الدرس المرير, كما اشار إلى ذلك بصواب الأخ الدكتور هيثم مناع في شكواه المرة والعادلة من أوضاع المعارضة وعمليات التخوين والإساءات وما إلى ذلك من أعمال متطرفة تسيء إلى المعارضة السورية وتبعد عنها الكثير من التأييد والدعم. ومن المؤسف أن اقول إن ما أتابعه حتى الآن لا يبشر بالخير المطلوب. فهناك أجواء طائفية وهناك اعتداءات كبيرة في الداخل وإساءات على آخرين في الخارج. حين يغيب العقل وتسيطر العاطفة البدائية, التي ترتبت في ظل الاستبداد والعنف الحكومي, يمكن أن يحصل كل شيء سلبي وسيء. والسؤال هل يمكن اعتبار قوى المعارضة السورية عاجزة عن تحكيم العقل وممارسة الحكمة في مواجهة تلك القوى المتطرفة والتي لم تتعلم من النظام الاستبدادي القائم غير استبداده وقمعه وتجاوزاته العدوانية الفظة على الآخرين.
إن الشعب السوري مضطهد من طغمة حاكمة لا تمثل غير نفسها وهي ليست من طائفة واحدة. وليس من حق قوى في المعارضة أن تمارس الاعتداء على أتباع الأديان والطوائف الدينية الأخرى. إن من يناضل ضد الدكتاتورية يفترض أن يعي حقوق الإنسان ويفهم مغزى الحريات الديمقراطية العامة والحياة الدستورية, ويدرك اهمية المواطن والمواطنة بغض النظر عن دينه ومذهبه وفلسفته ووجهة نظره. وبغير ذلك فلا يعني نضالها سوى من أجل تسلم دفة الحكم لممارسة ذات السياسة التي يمارسها النظام الحالي.
هل ستمارس المعارضة السورية بمكوناتها الراهنة الأسلوب ذاته الذي حكم به حافظ الأسد ويحكم به اليوم بشار الأسد؟ هل ستسيطر قوى الإسلام السياسي المتطرفة على نهج الحكم الذي يأتي بعد بشار الأسد أو قوى تدعي العلمانية, وهي منها براء, إذ لا تستقيم العلمانية إلا مع الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان؟ أسئلة كثيرة تدور في بال من يتابع نشاط قوى المعارضة في الداخل والخارج.                 
العالم كله يراقب ما يجري في سوريا. والمجتمع الدولي في جانب منه يسعى للمساومة مع الحاكم الحالي لأغراض تمس مصالحه, ولكن قسماً من المجتمع الدولي والغالبية العظمى من الرأي العام العالمي يراقب ما تمارسه قوى المعارضة السورية في الداخل والخارج وما يمارسه الجيش السوري الحر في آن ويقرر موقف بناء على تلك التصرفات. ومن يقرأ التقارير المنشورة عن قوى المعارضة سيتملكه العجب من ممارسة أساليب لا يمكن لمن يناضل في سبيل حقوق الإنسان أن يقبل بها أو يسكت عنها, فهي شبيهة بأساليب النظام الدموي السوري.
أتمنى على قوى المعارضة السورية التي عانت الكثير والكثير جداً عبر العقود الخمسة المنصرمة أن ترتقي إلى مستوى المسؤولية لا في تحقيق وحدة نضالها فحسب, بل وفي اساليب النضال التي تمارسها ضد الدكتاتورية وضد بعضها الآخر وفي العلاقات الإنسانية في ما بينها. إن كسب الرأي العام العالمي ومنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني والمجتمع الدولي يتطلب أن يرتقي هؤلاء إلى مستوى النضال الإنساني وإلى التنسيق والتكامل بدلاً من الإساءات.
على قوى المعارضة السورية أن تستفيد من تجارب الدول العربية والدول المجاورة, وخاصة من تجربة العراق, وإلا فالمصيبة كبيرة عليها وعلى الشعب السوري والدولة السورية ودول الجوار. 

8/4/2012                     كاظم حبيب

249
هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق

بيان
الأمانة العامة تشجب الاعتداء على مقابر الصابئة المندائيين في كركوك/العراق
تعلن الأمانة العامة لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق عن شجبها وإدانتها الحازمة للجريمة البشعة التي ارتكبها جناة مجهولون ولكنهم معروفون من حيث الهوية الفكرية والسياسية وكونهم من المعادين لكل القيم الإنسانية وتقاليد احترام الموتى والخلق القويم.  
فبعد أو ولغوا بدماء الناس الأبرياء في كافة أنحاء العراق, وبعد أن قتلوا وما زالوا يقتلون الكثير من الناس من مختلف الأديان والمذاهب الدينية في العراق, راحوا يدنسون مقابر الموتى من الصابئة المندائيين بعد أن فرضوا عليهم الهجرة من مناطق سكنهم في مختلف أنحاء الوسط والجنوب وبغداد.

فقد أعلن مجلس الصابئة المندائية في كركوك قيام مجموعة مجهولة بالاعتداء على عشرين قبراً من مقابر الصابئة المندائيين في جنوب محافظة كركوك خلال اليومين الماضيين, أي يومي 4-5/4/2012 .

إن هذا العمل الجبان يجسد مدى تدني مستوى وانحطاط هذه المجموعة الموغلة بالعداء للإنسان وهو على قيد الحياة وبعد مماته. وقبل ذاك وقعت اعتداءات أخرى آثمة على مقابر المسيحيين أيضاً التي ندينها أيضاً وبكل قوة.

إن الأمانة العامة إذ تعلن عن أسفها لوقوع هذا الفعل الجبان وتشجبه وتعتبره إساءة كبيرة لأتباع كل الأديان والمذاهب الدينية في العراق, تطالب المسؤولين في العراق العمل لحماية الإنسان العراقي من مختلف الأديان والمذاهب, إضافة إلى توفير الحماية لمقابر الموتى من خلال توفير سياج مناسب وإعادة بناء القبور وتوفير ما هو ضروري لمنع تكرار وقوع مثل هذه الأفعال الدنيئة والإجرامية.
الأمانة  العامة
هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق
6/4/2012
    



 
 

250
كاظم حبيب
مجلس الأمن يمنح دكتاتور سوريا فرصة لقتل المزيد من الأبرياء!

من غير المفهوم وغير المعروف حقاً ما هو السبب الحقيقي وراء منح مجلس الأمن الدولي فرصة تمتد إلى يوم 10/4/2012 لسحب الأسلحة الثقيلة من المدن السورية وإيقاف إطلاق النار بناء على التقرير الذي قدمه مبعوث الأمم المتحدة لمعالجة الأزمة السورية كوفي عنان. والسؤال المشروع لماذا لم يطالب مجلس الأمن من الحكم السوري إيقاف قتل البشر فوراً أو خلال يوم واحدٍ أو يومين لسحب الأسلحة الثقيلة والقوات المسلحة من المدن السورية. لماذا يسمح مجلس الأمن للدكتاتورية السورية بقتل المزيد من البشر خلال الأيام القادمة, إذ أصبح معدل عدد الشهداء الذين يسقطون بنيران وقصف القوات الحكومية أكثر من 50 شخصاً يومياً, أي ما يزيد عن 500 شهيد جديد, إضافة إلى المزيد من المعتقلين الذين يتعرضون للتعذيب والقتل في سراديب ودهاليز قوات الأمن السورية, إضافة إلى الهاربين من القمع والموت.
إن المساومة الدولية الجارية على قدم وساق من أجل إجهاض الثورة السورية ومنح الحكم السوري فرصة استعادة أنفاسه وزيادة الضغط على السكان الآمنين بأساليب أخرى بعد العاشر من شهر نيسان/ابريل الجاري ومن أجل الحصول على دعم القوى المماثلة له بالفكر الشمولي, اياً كانت وجهته ومضمونه, ولسياساته الإرهابية والاستبدادية الموجه ضد الشعب.
لست ممن يؤيد التدخل العسكري الخارجي لإسقاط النظام السوري, بل إن الضرورة تستوجب من المجتمع الدولي والرأي العام العالمي تقديم الدعم السياسي للشعب السوري وزيادة مختلف أنواع الضغط على الحكم السوري للتراجع أمام الشعب والاستجابة لإرادته في مغادرة بشار الأسد سوريا وتغيير الوضع القائم وإقامة نظام مدني ديمقراطي, بدلاً من المساومة معه ومنحه فرصة جديدة للقتل والبقاء في السلطة.
ومن المؤسف حقاً إن قوى المعارضة السورية ما تزال غير موحدة وغير قادرة على التنسيق في ما بينها للوقوف بوجه النظام السوري. كما إن في قوى المعارضة السورية من لا يمكن الثقة بها حتى لو أصدرت مئات البيانات التي تؤكد عدم رغبتها في الهيمنة على الحكم في سوريا واقصد جماعة الإخوان المسلمين التي كانت وستبقى متمسكة شعارها " الإسلام دين ودنيا , مصحف وسيف "!, على حد تعبير حسن البنا, أو "الإسلام هو الحل" و "الحاكية لله" ..الخ. فنحن شهود على ما يجري في مصر حين عمدت هذه الجماعة "المؤمنة بالمال" لا بالإسلام إلى تغيير مستمر في مواقفها. فبعد أن أكدت تأييدها غير المتحمس للثورة, ثم شاركت حين لاحظت احتمال فعلي بسقوط حسني مبارك, راحت تهيمن بتنظيم معد سلفاً على حركة الشارع والمجتمع, وتريد الآن وضع نهجها "الإسلامي المتطرف" في الدستور المصري عبر الأكثرية البرلمانية, إضافة إلى أنها أكدت عدم ترشيح عضو منها لرئاسة الجمهورية, وإذا بها ترشح المليونير المصر العضو القيادي في جماعة الأخوان محمد خيرت الشاطر لرئاسة الجمهورية. وهكذا سيكون الأمر مع الأخوان المسلمين في سوريا ومع القوى الإسلامية السياسية, سنية كانت أم شيعية, في كل مكان. فما أن تتسلم قوى الإسلام السياسي الحكم بـ "آلية ديمقراطية", مع "تزوير محترم!" حتى تغيب الديمقراطية كفلسفة, لأنها لا تؤمن بها كفلسفةو بل تؤمن بفلسفة واحدة هي الحكم لها وليس لغيرها. وها نحن أما رئيس الوزراء العراقي الذي جاء بـ "آلية ديمقراطية" ولا يريد أن يتركها بل يتشبث بها كما يتشبث الغريق بقشة, ويقول بصراحة أخذناها بعد ما نعطيها لغيرنا!
إن على القوى الديمقراطية أن تعي بأن جماعة الإخوان المسلمين ليست جماعة ديمقراطية ولا يمكن أن تكون في المعسكر الديمقراطي. ولهذا فأن الحيطة والحذرة ضروريتان لمواجهة احتمال سرقة الثورة كما سُرقت في إيران قبل 33 عاماً تقريباً وكما تسرق اليوم في مصر وفي غيرها.
إن الحكم في سوريا يحظى بـتأييد مستمر من جانب الحكم في إيران وكذلك من الحكم في العراق ومن حزب الله في لبنان بشكل خاص, إضافة إلى التأييد الذي يحظى به من جانب حكومة إسرائيل التي ترى ضرورة استمرار بشار الأسد ورهطه في السلطة الذي لم ولا يحرك ساكناً في موضوع الجولان المحتل, رغم إن إسرائيل تتحدث غير ذلك في العلن لكي لا يبدو وكأن إسرائيل إلى جانب الحكم الدكتاتوري في سوريا. وموقف الولايات المتحدة رغم صراخها ضد النظام السوري, فهي قد دخلت في مساومة دولية لاستمرار بقاء الأسد في السلطة, وهو ما يرفضه الشعب السوري جملة وتفصيلاً, وما دعوتها لتنحي الأسد إلا للحفاظ على النظام ذاته, كنظام شمولي مستبد ومناهض لمصالح الشعب.
لم يختلف نظام البعث في العراق عن النظام البعثي القائم في سوريا حالياً لا من حيث الأهداف ولا من حيث الوسائل والأساليب والأدوات التي يمارسها لتكريس نظامه وضرب مقاومة الشعب لهذا النظام. وها نحن أمام واقع يؤكد استشهاد أكثر من 10 آلاف إنسان سوري بين امرأة وطفل ورجل خلال سنة من نضال الشعب السوري للخلاص من هذا النظام. وقفت أكثر من 70 دولة حتى الآن إلى جانب قضية الشعب السوري للخلاص من النظام, والدول المؤيدة لذلك في تزايد. ولكن بالمقابل نجد أن العراق قد اتخذ موقفاً مناهضاً لمطلب الشعب السوري في إسقاط نظام البعث السوري, فماذا وراء هذه الموقف؟ لماذا يرفض حزب الدعوة الإسلامية الذي وقف ضد البعث في العراق وأيد التدخل العسكري والحرب لإنهاء وجود صدام حسين في السلطة, يرفض اليوم دعم نضال الشعب السوري للخلاص من النظام البعثي السوري ومن الدكتاتور الصغير بشار الأسد حتى من دون تدخل عسكري خارجي, بل يرى ضرورة استمرار وجود بشار الأسد في قمة السلطة؟
يبدو لي أن ثلاثة أمور تكمن وراء هذا الموقف الذي يتخذه المالكي:
1.   الموقف الإيراني المساند للحكم في سوريا والضاغط بدوره على الحكومة العراقية لكي تتخذ الموقف ذاته.
2.   التصرف من خلال الموقف الطائفي الذي يجمع بين الحكم في سوريا والحكم في إيران وكذا الغالبية الكبيرة للأحزاب الشيعية في الحكومة العراقية الحالية ومع حزب الله في لبنان, إذ أن هناك خشية كبيرة في بدء النهاية لدور وممارسات حزب الله في لبنان بعد سقوط النظام السوري.
3.   التحول الجاري نحو الاستبداد في سياسة رئيس الحكومة العراقية وحزبه السياسي, حزب الدعوة الإسلامية, والمتجه صوب التماثل مع طبيعة حزب البعث من حيث سلوكية الهيمنة والاستبداد الشمولي, فـ "شبيه الشيء منجذب إليه".
وأخيراً أرى إن على المعارضة السورية أن توحد مواقفها والاتفاق على أبرز اساليب النضال وأدواته وعلى الخطاب السياسي المطلوب في هذه المرحلة. التنوع جيد في قوى المعارضة السورية, ولكن الشيء غير الجيد هو الخضوع للصراعات وممارسة الإساءات المتبادلة أو الاعتداءات, كما حصل في القاهرة وأمام بناية الجامعة العربية أولاً, وأن يكون بين قوى المعارضة من يريد إقامة نظام شمولي إسلامي على أنقاض النظام القومي الشمولي القائم حالياً في سوريا ثانياً.
4/4/2012                        كاظم حبيب                 



251
كاظم حبيب
طريق الشعب هدف أجهزة الأمن والشرطة العراقية
حين وجهت التحية والتهنئة للحزب الشيوعي العراقي, قيادة وأعضاءً وأصدقاء, بمناسبة الذكرى الـ 78 لتأسيسه, لم أكن قد سمعت بالاعتداء الغاشم الذي وقع ليلة الاثنين 26/3/2012 على مقر "طريق الشعب " الجريدة المركزية للحزب ولا عبث القوة المسلحة بأثاث المقر وغرف قادة الحزب واعتقال 12 شخصاً من حماية المقر والعاملين فيه. ولكني كنت قد أشرت بصراحة ووضوح كبيرين إلى ما يلي:
"وعلمتنا التجارب المنصرمة منذ تأسيس هذا الحزب المناضل, الذي انتمى له عراقيات وعراقيون بغض النظر عن قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم وألوان بشرتهم ولغتهم, والذي عبر في برامجه وأهدافه عن مصالح العرب والكرد والتركمان والكلدان والآشوريين من الناحية القومية, وعن مصالح العمال والفلاحين وبقية الكادحين والمثقفين وفئات البرجوازية الصغيرة والبرجوازية الوطنية من الناحية الاجتماعية, وعن مصالح النساء والطلبة والشباب, بأن البدء بمتابعة وملاحقة وقمع الحزب الشيوعي العراقي كانت باستمرار البداية الفعلية لملاحقة وقمع واضطهاد الحركة الوطنية والديمقراطية العراقية ومصادرة الحريات الديمقراطية والحياة الدستورية التي قادت في المحصلة النهائية إلى هيمنة الاستبداد والقهر وإنزال المزيد من المظالم بمصالح الغالبية العظمى من الشعب وقواه السياسية".
إن ما جرى في مقر طريق الشعب يعتبر تجاوزاً فظاً على الحياة الديمقراطية والحريات العامة حتى الآن وإساءة كبيرة لحزب وجريدة ديمقراطية من جانب الحكومة العراقية وأجهزتها الأمنية. فهو إجراء لا يبشر بالخير ولا يمكن أن يعزى إلى خلافات وصراعات داخل الحكومة وداخل هذه الأجهزة, بل هو إجراء مصادق عليه من جانب رئيس الوزراء باعتباره القائد العام للقوات المسلحة العراقية والمسؤول الأول عن اجهزة الأمن والشرطة وقيادة عمليات بغداد وبقية الأجهزة الخاصة, كما لا يمكن ان يعزى إلى أهمية الحذر والحيطة في هذه الفترة بسبب قرب انعقاد مؤتمر القمة العربية ببغداد, كما لا يمكن أن يعزى إلى تسريب خبر مناهض للحزب الشيوعي بشأن السكراب المركون في سطح بناية طريق الشعب. إنها سياسة رئيس الوزراء الجديدة التي بدأت بمحاولة جادة لقمع واحدة من أبرز الصحف العراقية المعبرة عن مصالح الشعب وسيادة الوطن, وضد واحدة من أبرز القوى السياسية التي ناهضت الحكم السابق وعملت من أجل التغيير وناهضت وما تزال تناهض الإرهاب بمختلف اشكاله والفساد المالي والإداري وتدافع عما تبقى من حرية في البلاد ومن اجل بناء عراق وطني ديمقراطي اتحادي مستقل وموحد, إنها السياسة التي تريد كم الأفواه ونشر الخشية بل الخوف والرعب من إجراءات الحكومة, تماماً كما بدأ صدام حسين بسياسته الأولى التي توجهت مباشرة ضد الحزب الشيوعي العراق ثم أعقبها التوجه ضد كل القوى السياسية الأخرى, وكانت العاقبة واضحة لما حصل لصدام حسين ورهطه. أما الحزب الشيوعي ورغم الجراح الثخينة التي أصيب بها فهو باق وسيبقى قائماً, وكما قال الشاعر الجواهري الكبير
باق وأعمار الطغاة قصار        من سفر مجدك ماطر موار
تماما كما كانت تفعل أجهزة الأمن العراقية في زمن صدام حسين: عصبت عيون حراس طريق الشعب واقتيدوا إلى أحد مراكز الشرطة بعد ان اهينوا في المقر ذاته ولم يجر الحديث معهم أو استجوابهم وفرض عليهم التوقيع على وثيقة لا يعرفون نصها. كان عليهم أن لا يوقعوا عليها.
إن هذا الأسلوب ليس فقط غير لائق, كما عبر عنه بيان الحزب, بل هو إساءة كبيرة وتجاوز فظ على حقوق الحزب والحركة الوطنية العراقية وعلى الصحافة العراقية وحرمة دورها. كما إن أجهزة الأمن والشرطة لم تجلب أمراً بالتحري, بل دخلت المقر تحت ستار إلقاء نظرة من على سطح البناية للتيقن من قضية الأمن في المنطقة.
إن توجيه نيران النقد على أجهزة الأمن وحدها أمر غير سليم, إذ ينبغي أن يتوجه صوب رئيس الوزراء الذي أمر أو عرف بذلك ولم يمنعه بل وافق عليه, وإلا لما حصل ما حصل في مقر طريق الشعب.
إن صعاليك النظام ووعاظه القدامى والجدد سيواصلون من جديد الدفاع عن هذا الإجراء التعسفي لحكومة المالكي وأجهزتها القمعية المختصة بملاحقة الشيوعيين والديمقراطيين, كما دافعوا عن ذلك البيان الصادر عن جهاز مخابرات النظام في ملاحقة أعضاء الحزب الشيوعي ونكران صدوره أصلاً. إن هؤلاء الوعاظ الجدد يمارسون سياسة "صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون, بل ولا يفقهون" وهم مستعدون للتجاوز حتى على ابسط المبادئ التي آمنوا بها سابقاً بهدف الإساءة إلى القوى الديمقراطية لأنها تقف ضد التجاوز على الدستور العراقي وعلى  الحياة الديمقراطية وحرية الرأي والنشر وضد الطائفية السياسية المقيتة. إنهم مستعدون على قبول قتل هادي المهدي دون أن يعتريهم الخجل من أنفسهم في الدفاع عن القتلة المجرمين لأن هادي المهدي تجرأ وهاجم الحكومة وانتقد سياساتها وطالب بالحريات العامة ومكافحة الفساد والإرهاب والظلم. إنهم بذلك يشاركون القتلة جريمتهم ويشاركون أجهزة القمع قمعهم أدركوا ذلك أم لم يدركوه.
إن احتجاج الحزب الشيوعي وجمهرة من المثقفين العراقيين غير كاف بأي حال, بل يفترض أن يتسع الاحتجاج ليشمل كل القوى السياسية العراقية التي تعلن عن التزامها بمبادئ الحرية والديمقراطية والحريات العامة.
حين كتبت مرة بأن أول الغيث قطر ثم ينهمر المطر, حين جرى اعتداء أجهزة الأمن والشرطة والمرتزقة على المتظاهرين المحتجين, كتب لي أحد الأصدقاء من السياسيين العراقيين المخضرمين والكتاب البارزين قائلاً: يا عزيزي يا كاظم ... منذ زمان بدأ المطر يتساقط في العراق والخشية الآن من هطوله الشديد على رؤوس الناس, كل الناس!" كم كان هذا الصديق على حق في ذلك وبخلاف اصدقاء آخرين عقدوا العزم في الدفاع عن إجراءات الحكومة ولو أدت بهم إلى التهلكة والإساءة لتاريخهم النظيف. أنا لا أطالب هؤلاء الناس بالوقوف ضد الحكومة, بل أقول لهم كما يقول المثل الشعبي العراقي " أگعد أعوج وأحچي عدل مولانا".
أتمنى على الأحزاب الوطنية والديمقراطية العراقية من كافة القوميات أن تعلن تضامنها مع الحزب الشيوعي العراقي وطريق الشعب وأن تحتج على هذا الإجراء التعسفي الجديد وأن تطالب الحكومة الاتحادية بالاعتذار لطريق الشعب وإعادة ما أخذ من المقر إلى الحزب وتعويضه عن العبث الذي لحق بأثاث المقر وما دمر منه وعدم تكراره ضد أي من القوى السياسية العراقية. 
أتمنى على قوى التيار الديمقراطية والمحسوبة عليه أن تعلن رفضها لهذه الأساليب واحتجاجها الشديد ومطالبتها بالاعتذار وعدم تكرار ذلك. 
أتمنى على الحركة الديمقراطية في الدول العربية ان تحتج وتشجب ما حصل لطريق الشعب في العراق تحت اية واجهة كانت وضد كل ما يمس الحريات العامة وحرية الصحافة ومحاولات كم الأفواه ونشر الرعب في صفوف الشعب.
28/3/2012                        كاظم حبيب 

252
الرفاق الأعزاء أعضاء اللجنة المركزية ومكتبها السياسي وأعضاء وأصدقاء الحزب كافة
تحية ودٍ واعتزاز
اسمحوا لي في الذكرى الثامنة والسبعين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي أن أحييكم جميعاً أجمل تحية نضالية وأرجو لكم وللحزب والقوى اليسارية والديمقراطية والتقدمية في العراق التقدم والنجاح على طريق إرساء الحريات العامة والحياة الديمقراطية الدستورية وإرساء دعائم الدولة الوطنية الديمقراطية الاتحادية وفصل الدين عن الدولة والفصل بين السلطات الثلاث واستقلال القضاء العراقي وحرية الإعلام وبناء المجتمع المدني الديمقراطي والتعددية الفكرية والسياسية والتداول السلمي والديمقراطي للسلطة وتأمين التناغم والانسجام الاجتماعي والعدالة الاجتماعية ومكافحة الإرهاب والفساد والفقر والبطالة في البلاد.
إن حياة هذا الحزب العتيد كانت وستبقى عامرة بالنضال الحازم لصالح الشعب بكل قومياته وفي سبيل تحقيق مصالحه العادلة والمشروعة وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية واستقلال القرار العراقي ورفض التدخل الأجنبي في الشأن العراقي والخلاص من واقع التخلف الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وما ينشأ عن كل ذلك من تخلف في الفكر والوعي الفردي والجمعي. وبسبب هذا الإصرار والتصميم على النضال غير المنقطع طوال العقود المنصرمة تعرض الحزب طوال حياته المنصرمة إلى المزيد من العنت والقمع والاضطهاد وأُجبر على العمل في السرية التامة والحركة الأنصارية المقدامة وقدم من الشهداء الأبرياء ما استحق منح الشعب له لقب "حزب الشهداء".
وعلمتنا التجارب المنصرمة منذ تأسيس هذا الحزب المناضل, الذي انتمى له عراقيات وعراقيون بغض النظر عن قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم وألوان بشرتهم ولغتهم, والذي عبر في برامجه وأهدافه عن مصالح العرب والكرد والتركمان والكلدان والآشوريين من الناحية القومية, وعن مصالح العمال والفلاحين وبقية الكادحين والمثقفين وفئات البرجوازية الصغيرة والبرجوازية الوطنية من الناحية الاجتماعية, وعن مصالح النساء والطلبة والشباب, بأن البدء بمتابعة وملاحقة وقمع الحزب الشيوعي العراقي كانت باستمرار البداية الفعلية لملاحقة وقمع واضطهاد الحركة الوطنية والديمقراطية العراقية ومصادرة الحريات الديمقراطية والحياة الدستورية التي قادت في المحصلة النهائية إلى هيمنة الاستبداد والقهر وإنزال المزيد من المظالم بمصالح الغالبية العظمى من الشعب وقواه السياسية.
لتشل اليد التي تسعى إلى قمع واضطهاد الحزب الشيوعي وقوى التيار الديمقراطي العراقي كافة ولتنتكس رايات التمييز الديني والطائفي والعنصرية والشوفينية والاستبداد والقهر الاجتماعي والسياسي.
لتنتصر رايات الحرية والديمقراطية والسلام وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية في العراق.
لتتعزز وحدة الشعب بكل قومياته وأتباع أديانه ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والسياسية الديمقراطية. 
كاظم حبيب
برلين في نهاية شهر آذار/مارس 2012                


253
كاظم حبيب
تصريحات رئيس إقليم كردستان في الميزان

كل من استمع إلى كلمة السيد مسعود البارزاني, رئيس إقليم كردستان العراق, تيقن أكثر من أي وقت مضى بوجود أزمة عميقة وحادة تواجه الدولة العراقية الهشة والحكومة المفتتة ورئيس الحكومة المستفرد بالحكم والمجتمع العراقي الصامت حتى الآن, وهي الأزمة الشاملة والمتفاقمة التي أشرنا إليها وأشار إليها المئات من المحللين السياسيين وعلماء الاقتصاد والاجتماع والنفس, إضافة إلى شكوى الغالبية العظمى من سكان البلاد خلال السنوات الخمس الأخيرة على نحو خاص, رغم إنها تمتد إلى العقود الخمسة المنصرمة. وهي ليست أزمة عابرة, بل عميقة تساهم في تفتيت أكثر فأكثر وحدة الشعب العراقي وتهيئ مستلزمات تفاقم السلوك الفردي والاستبدادي في العراق وتعيد الدولة والحكومة والمجتمع إلى نقط الصفر التي ناضلنا جميعاً ضدها وقدم الشعب العراقي المزيد من التضحيات للخلاص منها وبناء الدولة الديمقراطية الحيثة.
لأول مرة وبهذه الصراحة والوضوح يضع رئيس إقليم كردستان النقاط على الحروف حول العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وحول الموقف من الدستور العراقي والمشكلات القائمة وحول الفردية في الحكم وتهميش الأطراف الأخرى في مجمل العملية السياسية الجارية. ولكن كل القضايا التي طرحها السيد مسعود البارزاني كانت معروفة لعدد متزايد من العراقيات والعراقيين, وبشكل خاص بالنسبة للجماعات العاملة في السياسة والمهتمين بشؤون المجتمع والواعين من الناس, إضافة إلى احتجاجات الناس والمحافظات والإقليم وأطراف في الحكومة. وهي بهذا المعنى ليست جديدة حتى وأن لم يتحدث عنها رئيس الإقليم قبل ذاك وصرح بها مسؤولون آخرون أقل مستوى. إذ كانت قيادة وحكومة الإقليم ساكتة تقريباً عن كل ما كان يجري في بغداد, رغم الآثار السلبية المترتبة عن ذلك على الإقليم ذاته. في ما عدا احتجاجات جمهرة المثقفين والصحفيين للتجاوزات الفظة على الدستور والمثقفين والصحفيين العراقيين. ولهذا وجهنا أكثر من مرة ملاحظاتنا المسؤولة والجادة عبر مقالات ورسائل مباشرة أكدنا فيها ضرورة إيلاء اهتمام خاص لما يجري في بغداد والعواقب المترتبة على ما يجري في العراق لا على المحافظات العربية في الوسط والجنوب وبغداد وغرب العراق والموصل فحسب, بل وعلى الإقليم أيضاً, إضافة إلى ضرورة متابعة ما يريده شعب كردستان من تطلعات وحاجات ضرورية.
يرى الكثير من المراقبين والمتابعين لتطور الأحداث السياسية في العراق بأن خطاب السيد مسعود البارزاني يتضمن جانبين يستوجب الإشارة إليهما:
الجانب الأول يؤكد وجود هذا الصراع السياسي والاقتصادي والمالي الدائر بين أربيل وبغداد وما يحمل هذا الصراع من مشكلات وهموم على صعيد العراق كله والعواقب المحتملة التي يمكن ان تكون حبلى بأحداث غير سارة للجميع.
والجانب الثاني يحاول فيه تفادي المشكلات القائمة في الإقليم ذاته ويسعى إلى إنعاش آمال يدرك هو من جهة مدى عدالتها وشرعيتها من حيث المبدأ, وأعني بذلك حق تقرير المصير وإعلان الدولة الكردستانية المستقلة, وهما مسألتان لا تحتاجان إلى تكرار, ولكنه يدرك من جهة أخرى بأن هذه المسألة غير قابلة للتحقيق في المرحلة الراهنة بالارتباط مع الحالة والموقف على المستويات الثلاثة المحلية والإقليمية والدولية, وبالتالي فهو ينعش آمالاً غير ممكنة في المرحلة الراهنة على اقل تقدير, ويساهم في نشوء توترات على صعيد العراق والمنطقة قبل مؤتمر القمة العربية لا تساهم في ترصين الوحدة الوطنية الضرورية لمواجهة التحديات, بما في ذلك النهج غير الديمقراطي والاستبدادي على عموم العراق, ويساهم في خلق تحالفات مضادة للقضية الكردية والفيدرالية على المستويين المحلي والإقليمي بين قوى متصارعة حالياً, ولكن يوحدها العداء للشعب الكردي أو لقضيته العادلة. إنه أشبه بنداء "يا أعداء القضية الكردية اتحدوا!". وهو ما ينبغي تجنه!   
ويرى المراقبون أيضاً بأن القناعة آخذة بالاتساع لدى المزيد من البشر في داخل البلاد وخارجه بأن قائمة وحكومة دولة القانون تخلتا عن القانون الأول, أي عن دستور البلاد وعن الالتزام ببنوده في معالجة القضايا العالقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم, وبين الحكومة الاتحادية والمحافظات, وبين الحكومة الاتحادية والقوى والأحزاب السياسية العراقية, وبين الحكومة الاتحادية ومشكلات وقضايا المجتمع, وكذلك بين الحكومة الاتحادية والمرأة العراقية التي أنصفها الدستور جزئياً وداس على هذا الجزء رئيس الحكومة الحالي بتشكيلته الوزارية الخالية من المرأة! وتعهد بمئة يوم للبدء بتحسين الأوضاع ولم يبتلع هذا الوعد وذاك العهد فحسب بل اتخذ الإجراءات لتعزيز سلطته وسطوته وكتابه من وعاظ السلاطين من خلال تعزيز دوره وحزبه و"شيعته!" في أجهزة الأمن والشرطة لمواجهة حركة الجماهير اللاحتجاجية.
نحن أمام حكومة عراقية تبتلع الدولة العراقية الضعيفة والمهلهلة, وتساهم في زيادة ضعفها من خلال عدم احترامها للدستور وما ينص عليه من فصل للسلطات وابتعاد عن الطائفية السياسية وعن المساس بأحكام الدستور. إنها حكومة فاشلة ولكن تسعى إلى إفشال الدولة أيضاً من خلال هيمنتها عليها وسلوكها اليومي والتمادي في إضعاف السلطتين التشريعية والقضائية وهما ضعيفتان وغير مستقلتين حتى الآن بالأساس.
بالأمس صرحت النائبة عن القائمة العراقية والناطقة باسمها وأعربت عن استنكارها واستهجانها الشديدين للتعذيب القاسي وغير الانساني الذي تعرض له أحد أفراد حماية طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية، والتي أدت الى استشهاده. " قائلة " ان الأجهزة الأمنية سلمت جثمان عامر سربوت زيدان البطاوي الى ذويه بعد اعتقال دام ثلاثة أشهر في الفوج الثاني لواء 45 من الفرقة 11 التابعة للواء بغداد، وتبدو عليها آثار التعذيب في يديه ورجليه وبطنه وظهره، ومواضع أخرى تخدش الحياء، وتنأى الأخلاق عن ذكرها".بحسب قولها.
إن صح مثل هذا الاتهام, ولدي القناعة على وفق معرفتي الشخصية بالأخت ميسون الدملوجي فإنها صادقة في ما قالته, فإن حكومة تحترم نفسها لا يمكنها أن تدوس وبهذه الصورة على حقوق الإنسان وتمارس التعذيب الهمجي كما مارسه العهد الصدامي الفاشي, إلا إذا كانت لها ذات المواصفات التي كانت لدى حكومة صدام حسين وأجهزته الأمنية. ولم يكن ما أشار إليه معتقلو الاحتجاجات خلال العام المنصرم حين أكدوا واقع التعذيب الشرس الذي تعرضوا له أثناء الاعتقال إلا الدليل الجديد على ما يجري في دهاليز أجهزة الأمن العراقية. إضافة إلى الكتاب السري والمستعجل الصادر عن أجهزة المخابرات العراقية الذي يدعو إلى متابعة الشيوعيين الذين يريدون التظاهر مطالبين بالخدمات العامة للعاطلين أو ضد الفساد..الخ لملاحقتهم. إن كل ذلك, إضافة إلى الدلائل التي يشاهدها ويعيشها الشعب يومياً, تؤكد ما يلي: إن السياسة الراهنة للحكومة العراقية وحزب الدعوة ونوري المالكي كلها تدفع بالبلاد إلى طريق مسدود وهو ما ينبغي مقاومته. وكل المؤشرات تؤكد أيضاً بأن هذا الطريق كان قد سلكه قبل ذاك حكام البعث ووصلوا إلى الحضيض الذي عرفناه. فهل سيكون مصير الحكام الجدد نفس مصير الحكام الذين سبقوهم؟ هذا ما سيكشف عنه مستقبل الأيام. إن علينا دراسة وتحليل ما يجري في رأس نوري المالكي والكشف عن الخبايا المحتملة من خلال قراءة ما بين السطور وعدم الاكتفاء بالمكشوف منها أو المسطور.
وعلى  صعيد كردستان فأن المهمات التي تواجه الشعب الكردي والقوى الديمقراطية الكردستانية والعراقية عموماً تتلخص على وفق قناعتي الشخصية, وكما يؤكد عليه الكثير من المراقبين لتطور الأوضاع في إقليم كردستان, في النقاط الأساسية التالية:
1.   المزيد من الحريات العامة والحياة الديمقراطية الدستورية التي تعزز الأمن والاستقرار في الإقليم وإشباع المؤسسات الثلاث, التشريعية والتنفيذية والقضائية بصلاحياتها.
2.   الاهتمام بالتنمية الاقتصادية وبناء المشاريع الصناعية والزراعية التي توفر المزيد من الأمن الغذائي لشعب كردستان وتقليص الفوارق الاجتماعية والفجوة المتسعة بين الأغنياء والفقراء أو ذوي الدخل المحدود ومكافحة الفساد والتضخم الإداري ومكافحة البطالة المقنعة على  نحو خاص.
3.   تعزيز الوحدة الوطنية, وحدة الشعب, لمواجهة المشكلات التي يمكن أن تنشأ مع الدول المجاورة بالاتفاق مع الحكم في بغداد, الذي يصعب الاطمئنان إلى جانبه حالياً ومع تفاقم سلطة الفرد في بغداد وهيمنته على كامل المؤسسات العسكرية في البلاد بشكل مطلق, إضافة إلى التحالف المتزايدة تشابكاً بين إيران والعراق والحكم في سوريا وحزب الله في لبنان.   
4.   الانفتاح على الشعب العربي في العراق وعلى الشعوب العربية عموماً والتحرك الفعال إعلامياً عليها والسعي لإيجاد لغة مشتركة مع التركمان في كركوك على نحو خاص. ومواجهة مختلف أنواع التطرف الذي لا يساهم في تعزيز الوحدة الوطنية بل يمزقها.
5.   أهمية العودة إلى قوى التيار الديمقراطي العراقي الذي بدا وكأن التحالف الكردستاني قد غادر هذا الموقع عبر التحالف مع قوى طائفية. كما إن التيار "الكردايتي", أي القومي الكردي, في هذه المرحلة من النضال يفترض أن لا يتعارض مع مهمات التيار الديمقراطي العراقي, بل يتكامل معه. وإذا ما وضع في تعارض فستكون العواقب سلبية وسيئة على الطرفين في ظل الأوضاع الجارية في العراق.   
إن قمة الحكام العرب في بغداد لن تجلب للشعب العراقي والأمة العربية أي شيء يستحق الذكر, فهي قمة حكام معزولين ومرفوضين في الغالب الأعم من شعوبهم, بل إن هناك مخاطر يمكن أن تنشأ خلف الكواليس لتؤجج الحكام العرب ضد الفيدرالية في العراق وضد إقليم كردستان وضد الديمقراطية. إنها مخاطر جادة وفعلية وليست من فعل الخيال والحسابات الخاطئة.

26/3/2012                     كاظم حبيب
 


   














254

جرائم بشعة جديدة يرتكبها "الإسلاميون" الفاشيون القتلة في العراق

يوم أمس, يوم واحد قبل احتفالات عيد نوروز الكبير, وتسعة أيام قبل موعد عقد مؤتمر قمة الدول العربية في بغداد, نفذ المجرمون "الإسلاميون" الفاشيون القتلة جرائم كثيرة في مناطق كثيرة من العراق, في بغداد وكركوك وكربلاء وبابل ونينوى وديالى والأنبار وصلاح الدين سقط بسببها أكثر من 45 شهيداً حتى الآن وأكثر من 200 جريحا ومعوق. هؤلاء القتلة يتحدثون باسم الإمارات الإسلامية في العراق ويرتكبون أبشع الجرائم والموبقات بحق هذا الشعب الجريح. ويبدو إن عدد السيارات المفخخة والعبوات الناسفة المزروعة كان كبيراً جداً, ولكن أجهزة الأمن والشرطة المختصة استطاعت العثور على عشرات منها وتفكيكها أو تفجيرها عن بعد لتنقذ حياة وأرواح عشرات وربما مئات الناس الأبرياء.
إن هذه الجرائم المخطط لها من جانب أعداء الشعب وبهذا العدد الكبير من تلك السيارات المفخخة والعبوات الناسفة, سواء تلك التي انفجرت او التي فجرت على أيدي الشرطة, تؤكد شاء الإنسان أم أبى عن أربع حقائق جوهرية:
1 . إن قوى القاعدة الإرهابية المنظمة قد عادت إلى العراق واستعادت أنفاسها وأعادت تنظيم صفوفها وبمساعدة مباشرة من قوى البعث, من أتباع عزت الدوري وصدام حسين, ومن أتباع هيئة علماء المسلمين السنة الذي دخلوا بتحالف متين مع تنظيمات القاعدة في العراق.
2 . وأن هذه القوى ليس فقط تملك غطاءً قوياً يحميها إلى حدود غير قليلة فحسب, بل ولها قوى وعيون قد تسربت منذ سنوات إلى داخل الأجهزة الأمنية وفي مستويات ومجالات عديدة.
3 . وإن قوى الأمن والشرطة والمخابرات والاستخبارات العراقية, رغم تحسن قدراتها, ما تزال غير قادرة على حماية المواطنات والمواطنين من المجازر الجماعية لقوى الإرهاب الدموي من جهة, وإن هذه الأجهزة لم تتحول صوب هوية المواطنة العراقية بل ما تزال ذات هويات ثانوية غالبة وقاتلة في آن من جهة أخرى, كما إن وجهة نشاط بعض هذه الأجهزة موجه ضد القوى الديمقراطية بدلا من تركيزها ضد قوى الإرهاب الدموي كما في كتاب المخابرات العراقية لمراقبة الشيوعيين والديمقراطيين من جهة ثالثة.
4 . وهذا الواقع يؤكد بدوره: ضعف الحكومة العراقية وتفتتها وعجزها عن مواجهة الإرهاب, يضاف إلى ذلك تلك الصراعات المقيتة والمستمرة الدائرة بين أطراف القوى السياسية الحاكمة من أجل انتزاع مواقع القوة في السلطة التي تساهم بدورها في تنشيط قوى الإرهاب وتدفع بها لتنفيذ خططهم الإجرامية. 
إن أرواح المزيد من العراقيات والعراقيين مهدد بخطر الموت على أيدي عصابات الإرهاب الدموية المتداخلة في نشاطها مع عصابات الجريمة المنظمة وعصابات الفساد على المستوى المحلي والإقليمي, عصابات الدول المجاورة التي تعمل في العراق. إنها تتغذى على الفساد وتغذيه في آن, وتخلق حلقة مغلقة يصعب كسرها لصالح الإرهاب وقوى الإرهاب والفساد في آن. 
إن سلسلة التفجيرات لن تتوقف وتعكس الاحتياطي الذي تمتلكه قوى الإرهاب في داخل العراق وفي محيطه الإقليمي الذي يهدد الاستقرار والأمن والسلام. إن قوى الإرهاب تريد منع عقد قمة رؤساء وملوك وحكومات الدول العراقية في بغداد, هذه القمة التي لن تساهم في حل مشكلات العراق والدول العربية, بل ستزيدها تعقيداً لسبب اساسي, إنها ليست قمة شعوب ومن يمثلها, بل هي قمة حكومات منفصلة ومنعزلة تماماً عن شعوبها وعن طموحات هذه الشعوب وعن حاجاتهم اليومية. ومع ذلك يعتقد حكام العراق بأن هذه القمة ستشكل لهم مخرجاً من الأزمة التي يعانون منها, في حين إن حل الأزمة العراقية المتعددة الجوانب يكمن في داخل العراق, في المشكلة الطائفية السياسية التي تسير الحكم وغالبية الأحزاب المشاركة في الحكم, سواء أكانت شيعية أم سنية. إن القمة ستنتهي وستصدر مجموعة قرارات لا تنفذ, إذ ليس هناك من الدول العربية من يحترم قرارات هذه القمة ولا القمم السابقة ولا حتى اللاحقة إن استمرت هذه العزلة والهوة العميقة بين الحكام والشعوب.
نحن أمام مأزق شديد لا نجد إلا أن نكرر ضرورة إجراء انتخابات عامة مبكرة لعل هذه الحل يخلق اصطفافات اجتماعية وسياسية جديدة تساعد على حلحلة الأزمة المتفاقمة وخلق منافذ لتسريبها لصالح المجتمع.
إن خير ما يفعله رئيس الحكومة المتشبث بحكم العراق كما يتشبث الغريق بقشة في وسط البحر أن يعلن عن تنحيه عن الحكم وتشكيل حكومة إنقاذ وطني مؤقتة تأخذ على عاتقها التحضير لإجراء انتخابات جديدة على صعيد العراق كله. وبالتالي يفسح في المجال لخلق مستلزمات وشروط جديدة لمعالجة الأزمة العراقية المستفحلة التي تكلف الشعب الكثير من القتلى والجرحى والخسائر المادية والتقدم الاقتصادي والاجتماعي.
21/3/2012                     كاظم حبيب      
     

255
كاظم حبيب
دروس الذكرى السنوية الأولى للحراك الديمقراطي الاحتجاجي في العراق
الحلقة الثانية
تطرقت الحلقة الأولى إلى جوانب من دروس تجربة الحملة الاحتجاجية الشبابية والشعبية الديمقراطية التي بدأت في شباط/فبراير 2011 بالنسبة لقوى التيار الديمقراطي التي لعبت دوراً بارزاً في هذه الحملة والتي حصد الكثير من مؤيديها ومن الإعلاميين والصحفيين مرارة القمع الحكومي الرسمي الجديد وغير الرسمي الموجه من الحكومة أيضاً. وهذه الحلقة تتحدث عن الجانب الآخر, أي الجانب الحكومي.
علي أن أؤكد بأن الممارسة الحكومية خلال فترة الاحتجاجات لم تكن مفاجئة لي, إذ كانت لها مقدمات كثيرة في نشاط رئيس الوزراء وأجهزة الأمن والاستخبارات وربما القوات الخاصة التابعة لرئيس الوزراء والتي أدت إلى رفع شعار "الدفاع عن الحريات الديمقراطية". ولكن لم أكن أتوقع أن يدوس رئيس الوزراء على الدستور بهذه الطريقة الفجة التي دفعت بالأزمة إلى مستويات جديدة, رغم حرمانه المرأة من حقها في المشاركة بمجلس الوزراء ب 25% من الحقائب الوزارية, والتي تشكل تجاوزاً فظاً على الدستور وعلى المرأة وحقوقها المشروعة والمكتسبة دستورياً في آن.
فالدستور العراقي يضمن الاعتصام والاحتجاج والتجمع والتظاهر السلمي والديمقراطي مثلاً, ويمنع التجاوز على هذا الحق. وهو ما أعلنه منظمو الحملات الاحتجاجية في سائر أنحاء العراق بأنهم يتظاهرون سلمياً وديمقراطياً ويعلنون عن ذلك مسبقاً. ورغم الاتهامات القبيحة التي وجهت للمحتجين على الأوضاع المزرية في العراق من جانب الحكومة وإعلامها وإعلام وعاظ السلاطين, صرح الحاكم بأمره بعد عدة أسابيع بأن الحملة كانت مفيدة وذكَّرت الحكومة بمهماتها التي ينبغي لها أن تنهض بها! ولكن وعاظ السلاطين لم يتراجعوا عن اتهاماتهم بل أوغلوا بالإساءة للناس والمتظاهرين رغم أن سلطانهم قد تراجع ولو بالكلام. ورغم وعود الحكومة, فإنها لم تنهض بها ولم تحقق أي جزء منها! ومع ذلك لم تكف أجهزتها الأمنية باعتقال واختطاف وتعذيب المتظاهرين والصحفيين, بل واصلت ذلك. ويبدو إن الحاكم بأمره قد تعلم دروساً جديدة من هذه التجربة, تلك الدروس التي ستزيد من الهوة القائمة بينه وبين المجتمع والتي ستتسع يوماً بعد آخر بدلاً من استخلاص الدروس التي تزيل هذه الفجوة القائمة. ومن بين الدروس الجديدة للحاكم بأمره أشير إلى ما يلي: 
1 . لقد افلت الحاكم بأمره من محاسبة مجلس النواب الذي التزم أمامه البدء بمعالجة المشكلات ولم تعالج أي مشكلة حتى الآن رغم مرور أكثر من سنة على ذلك وبحدود عشرة شهور على انتهاء المائة يوم بسبب ضعف هذا المجلس وخشية البيت الشيعي من تفكك هذا البيت الطائفي, رغم اهتزاز هذا البيت وحصول تصدعات كبيرة فيه. واعتبَرَ رئيس الوزراء إن هذا الإفلات أول نصر له أمام القوى المطالبة بالإصلاح!
2 . أفلت من حساب وعقاب مجلس النواب والسلطة القضائية بسبب إعطاء الأوامر للأجهزة الأمنية بالتصدي للمتظاهرين في سائر أنحاء البلاد أياً كانت العواقب, المهم كبت المظاهرات وخنق صوت المتظاهرين والمحتجين, مما أدى إلى استشهاد مجموعة من المواطنين في مدن عدة من العراق. وسجل هذا باعتباره النصر الثاني له!
3 . وأفلت هو, ومعه الأجهزة الأمنية, التي مارست القمع ضد المحتجين المسالمين واعتقلت واختطفت المتظاهرين والصحفيين ومارست التعذيب الجسدي والنفسي وإهانة كرامة الإنسان, من المحاسبة والعقاب أيضاً, وهو النصر الثالث الذي ارتسم في مخيلته!
4 . واستنتج خطأً بأن في مقدوره أن يواصل مثل هذه السياسة ما دام الشعب لا يتحرك ضد مثل هذه الإجراءات القمعية ولا تتحرك قوى سياسية حليفة للحكم, رغم ادعائها بالديمقراطية. ومن هنا برزت أكثر فأكثر ظاهرة الفردية في الحكم والاستبداد في الرأي والممارسة لدى رئيس الوزراء وتكرست لديه مقولة "أخذناها وما ننطيها"!
5 . واتخذت بعض القوى المشاركة في الحكم موقفاً مماثلاً لتصرف "لقلق الكنيسة", أي الموقف الانتهازي الذي يمكن أن تحترق به أيضاً. ولم تعبر في هذا الموقف أي روح ديمقراطية وأي شعور بالمسؤولية إزاء المجتمع وتطوره اللاحق.
أما رئيس القائمة العراقية, ومعه قائمته المشاركة في الحكم والمنافسة لقائمة التحالف الوطني ودولة القانون, فإن سلوكه عبر في حصيلته عن صراع على موقع أفضل في الحكم بذات الطبيعة التي يمارسها رئيس الوزراء الحالي. إذ انهم أعلنوا مقاطعة مجلس النواب ومجلس الوزراء, ثم عادوا إليه, ولكن بموقف أضعف من السابق, ومنحوا الفرصة لرئيس الوزراء لتقوية مواقعه والبروز وكأنه المنتصر!
وبالتالي فهو باق في الحكم بالرغم من الجميع, حتى من حلفائه في التحالف الوطني, ويعتبر ذلك النصر الكبير له.
بمعنى آخر إن رئيس الحكومة الحالية لم يستفد من تجربة التظاهرات بصورة إيجابية, بل بصورة سلبية, وبالتالي فإن الوضع في أعقاب مؤتمر القمة العربية, سيكون أكثر سخونة وصعوبة في العراق بسبب تردي الأوضاع وعجز الحكومة عن حل المشاكل المستعصية أو إجراء انتخابات مبكرة.
من المؤسف حقاً إن حكام العراق لم يتعلموا من الحكام الذين سبقوهم, بل أن كلاً منهم يريد أن يخوض تجربته الخاصة, وهي إشكالية كبيرة غالباً ما تكون كارثية على الشعب وعلى الحاكم الفردي والمستبد.
إن الطريق الوحيد أمام تحسين الوضع في البلاد يكمن في التزام الأفكار والأهداف الأساسية الواردة في برنامج التيار الديمقراطي الذي أقر أخيراً والذي لا يطرح أهدافاً تعجيزية بل يتبنى سياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية وطنية يمكن أن يتبناها كل حريص على إنقاذ العراق من الوضع الراهن.
12/3/2012                  كاظم حبيب
 


256
كاظم حبيب
المثل الشعبي يقول: ليش هو "المستحة گطرة لو سطلة!"

تتناقل الصحف والمواقع  الكثير من الأخبار عن التحولات السلبية الجارية في العراق, فإضافة إلى تراجع في الحريات الديمقراطية العامة وتفاقم دور المؤسسات الأمنية في حيان الناس, تكثر المعلومات عن جشع كثرة من المسؤولين في تأمين المزيد من الأموال والمكاسب لصالحهم بعيداً عن وعي الواقع العراقي وإدراك الحالة المعيشية العامة للإنسان العراقي الاعتيادي, وتتجلى في قرارات عن مجلس الوزراء أو عن مجلس النواب يعجز الإنسان الطبيعي عن فهمها أو استيعاب مغزى ما يجري في العراق خلال الفترات المنصرمة ولكن بشكل خاص خلال الفترة الأخيرة من حكم رئيس الوزراء الحالي ومجلس النواب.
تؤكد لنا المعلومات الرسمية العراقية الصادرة عن وزارة التخطيط ودائرة الإحصاء إلى إن مستوى الفقر في العراق مرتفع جداً وإن نسبة من هم تحت خط الفقر المقرر دولياً تصل إلى حدود 29% من سكان العراق, علماً بأن نسبة الفقر في كردستان, كما تشير الإحصاءات الرسمية أيضاً بلغت 5%, أي إن مناطق الجنوب والوسط وبغداد والموصل وكركوك تزيد النسبة عن 29% بكثير. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار إن نسبة عالية جداً من السكان تعيش على خط الفقر وفوقه بقليل وتصل إلى حدود تلك النسبة, فهذا يعني إن نسبة تزيد عن 60% من سكان العراق يعانون من حالة الفقر والعوز أو الحاجة إلى المساعدة في بلد يعتبر من أغنى دول العالم بثروته النفطية.
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى إن البطالة المكشوفة في العراق تصل إلى حدود 30% من إجمالي القوى القادرة على العمل, دعْ عنك الخلل في احتساب الكثير من النساء ربات بيوت في حين أنهن يرغبن في الحصول عل فرصة عمل غير متوفرة. والكل يعرف أن العراق يعاني من بطالة مقنعة في أجهزة الدولة تصل إلى أكثر من 35-40% من إجمالي القوى العاملة في هذه الأجهزة.
والجميع يدرك بأن سبب الفقر والبطالة يكمن في ثلاثة عوامل رئيسية هي:
1.   عدم وجود سياسة اقتصادية واضحة لدى الدولة ولا برنامج للتنمية الوطنية, أي غياب التوظيفات في القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد الوطني واعتماد على الاستيراد في إشباع حاجات الناس اليومية.
2.   سوء توزيع واستخدام الدخل القومي والعواقب المترتبة عن ذلك, إضافة إلى الفجوة المتسعة بين الأغنياء والفقراء وتفاقم الفساد المالي في العراق.
3.   ضعف دور السلطة التشريعية ورقابتها على سياسة الحكومة, إضافة إلى ضعف مستوى وقدرات جمهرة كبيرة من النواب في وعي مسؤوليتهم إزاء المجتمع وتطور البلاد. يضاف إلى ذلك محاولات السلطة التنفيذية في السيطرة على السلطة القضائية في العراق, وخاصة من جانب رئيس الوزراء.
وبدلاً من توجيه الموارد المالية المتوفرة في العراق لإقامة مشاريع اقتصادية وخدمية لصالح المجتمع, وخاصة العائلات الفقيرة وتوفير السكن المناسب والعمل والعيش الكريم وإنقاذهم من شظف العيش وجرح الكرامة وما يرتبط بها من عواقب وخيمة على تلك العائلات والمجتمع والدولة العراقية, نقرأ الأخبار التالية التي لا تحتاج إلى تعليقات إضافية:   
"خبر رقم 1, عاجل / لجنة الأمن و الدفاع / م تقرير
إشارة إلى كتابكم ذي عدد ل ه / 9 / 1765 في 12/19/2011
واستنادا إلى قرار هيئة الرئاسة في جلستها المنعقدة يوم الأحد الموافق 22/01/2012 و بعد التشاور مع لجنة شؤون الأعضاء و التطوير البرلماني .
راجين مفاتحة وزارة الدفاع و الداخلية لشراء أسلحة (بنادق مسدسات) للسادة النواب و حسب الأعداد المذكورة أدناه .
1. بندقية غدارة (m4) عيار 5.56 ملم مع الملحقات (عدد عشرة لكل نائب).
2. مسدس (zc99) عيار 9 ملم مع الملحقات (عدد عشرة لكل نائب(
توقيع حيدر جاسم مثنى مدير عام الدائرة البرلمانية" .
خبر رقم 2
"صوت مجلس النواب خلال جلسته الـ25 من الفصل التشريعي الثاني للسنة التشريعية الثانية التي عقدت في (23 شباط 2012) ضمن إقرار الموازنة المالية، على شراء 350 سيارة مصفحة للنواب بقيمة 60 مليار دينار عراقي أي ما يعادل 50 مليون دولار أمريكي." 

خبر رقم 3
حصل ما يقارب 40 وزير متقاعد على تعويضات " فروقات" رواتب بواقع 3 ملايين دينار عن كل شهر، ومنذ عام 2006، وبهذا حصل كل وزير على مبلغ يقارب 200 مليون دينار، والمبلغ الكلي للـ 40 وزير بلغ ثمانية مليارات !!! هذا طبعا إضافة إلى رواتبهم العالية التي يستلمونها شهريا."
خبر رقم 4
مجلس النواب يكلف في السنة 140 مليون دولار، ومجموع ما يتقاضاه 1000 مسؤول في الدولة نحو 250 مليون دولار.
وهناك عشرات ومئات الأخبار المماثلة الواقعية التي لا يمكن دحضها. فمتى يعي الحكام مخاطر هذه السياسات على الشعب وعلى موقف الشعب منهم.
كان السياسي العراقي يقول بأن السياسيين يتعاملون مع العراق وكأن العراق سفينة مقبلة على الاحتراق والغرق, إذ أك كلاً منهم يسعى لنهب ما يمكن والنجاة من الكارثة. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل أن كثرة من السياسيين العراقيين, ومن هم حولها, ترى بأن العراق يقترب مما أشار إليه علي جودت الأيوبي من أن العراق سفينة مشرفة على الاحتراق والغرق, لهذا فهو يغرفون من المال والمكاسب بجشع لا مثيل له مما يؤكد ذلك؟

متى يتحرك العملاق الساكت, متى يتحرك الشعب ليضع حداً للنهب والسلب والتزير والفساد المتفاقم , متى يتحرك ليضع حداً للضحك على ذقنه وكأنه لا يفهم ما تمارسه الغالبية العظمى من الفئات الحاكمة في البلاد , مت يتحرك ليحقق التغيير الضروري في الواقع السياسي العراقي القائم حالياًُ وبأساليب سلمية وديمقراطية يقرها الدستور العراقي, ومتى تتحرك كل القوى الوطنية والديمقراطية العراقية بكل أطيافها نحو العمل المشترك من أجل تعبئة الجماهير الواسعة لتحقيق التغيير السلمي والديمقراطي الذي يتطلع إليه كل إنسان غيور على شعبه ووطنه.
إن أهدافاً وطنية وديمقراطية كثيرة تبلورت وسجلت في بيان قوى التيار الديمقراطي في اجتماعاته الأخيرة التي يمكن الاتفاق عليها والنضال من أجلها, وإطار التيار الديمقراطي واسع يمكن أن يتسع ويستوعب جميع الناس المناضلين من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق الشعب في العمل والكرامة, في العيش الكريم, إنه يستوعب الشيوعيين والديمقراطيين التقدميين واللبراليين العلمانيين وكثرة من الناس المؤمنين الذي يعتقدون بالمخاطر التي تواجه البلد حين تتواصل هذه الظواهر السلبية في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العراقية. نحن أمام جماعة لا تستحي من النهب والسرقة والتهام السحت الحرام, سواء منهم من كان في الحكم أم خارجه, وكما يقول المثل الشعبی العراقی "خوی  ليش هو المستحة گطرة لو سطلة!         

257
كاظم حبيب
هل يتعظ الحكام العرب وحكام العراق من عواقب ما انتهى إليه بعضهم؟

كان عمري حينذاك 23 عاماً. كانت فترة الحكم بالسجن قد انتهت وتم تسفيري من سجن بعقوبة إلى بدرة, حيث كنت مبعداً, مقيد اليدين وبصحبة شرطيين. ثم منها سفرت إلى بغداد مع رفيقي وصديقي الفنان الموسيقي عبد الأمير صالح الصراف. فوصلنا إلى مركز شرطة البتاويين ببغداد, حيث التقيت بالصديق طارق عيسى طه, إذ كان حينذاك موقوفاً. ومنها سُفرت إلى  شرطة التحقيقات الجنائية حيث أطلق سراحي. كان هذا أخر حكم صدر بحقي بسبب كتابتي مقالاً تحت عنوان "ملاحظات حول كتاب أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث" للضابط والكاتب البريطاني ستيفن هيمسلي لونگريگ, الذي نشر في مجلة الإبعاد في بدرة وكبست من قبل شرطة الأمن. وقد علمت أن بانتظاري دعوة أخرى أقيمت ضدي بسبب اعترافات شملتني أيضاً أدلى بها "حزام عيال" الذي كان يعمل في مطبعة اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني ممثلاً عن الحزب الشيوعي العراقي في العام 1958, وكان في أعوام 1954 و1955 مسؤولاً حزبياً عن تنظيم الحزب الشيوعي العراقي في مدينة كربلاء بعد أن تسلم التنظيم من المناضل الشيوعي محمد كريم أبو كاله.
بعد مرور خمسة أسابيع على إطلاق سراحي نفذ الضباط الأحرار وبالتنسيق مع اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني انتفاضة عسكريةً ضد النظام الملكي, تحولت إلى انتفاضة شعبية عارمة وإلى جهد شعبي واسع لتحويلها إلى ثورة وطنية ديمقراطية تشمل الاقتصاد والسياسة والثقافة والحياة الاجتماعية في آن, تلك الحركة الثورية الشعبية التي دوخت قوى الاستعمار والدول الإقليمية ودول حلف بغداد على نحو خاص, ولكنها عجزت عن استكمال مسيرة الثورة الديمقراطية وانتهت عبر انقلاب عسكري فاشي مناهض للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والقوميات.
الانتفاضة العسكرية انطلقت في صبيحة اليوم الرابع عشر من شهر تموز/يوليو من العام 1958 وحققت في ذات اليوم انتصارها التاريخي بالتفاف الشعب حولها, كل الشعب العراقي بكافة قومياته وأتباع أديانه ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والسياسية الوطنية. 
في ليلة الرابع عشر من تموز كنت وعدد من الأصدقاء نسهر في شارع أبو نواس نحتسي البيرة ونأكل المسگوف احتفاءً بخروجي من السجن. لم يكن هؤلاء الأصدقاء ممن يشغل نفسه بالسياسة, بل كانت الرياضة همهم الأول والأخير. تركز جهدهم على إبعادي عن العمل السياسي والنضال مع الحزب الشيوعي خشية عليَّ من قوى الحكم والتحقيقات الجنائية, باعتبار النضال السياسي لا يجلب للمناضلين سوى الاعتقال والتعذيب والسجن والمشكلات الإضافية للعائلة, كما إنها غير ذات فائدة أو نتائج ملموسة للمجتمع. كان النقاش هادئاً ودافعت بحرارة عن موقفي دون أن أنكر ما يتعرض له المناضل من مشكلات وعذابات, ولكن لا خيار لي ولغيري في خوض النضال ما دمنا نعيش في بلد مثل العراق لا تسوده مبادئ الحرية والحياة الديمقراطية ومعايير حقوق الإنسان والقوميات.
وفي الصباح الباكر نُفذت الانتفاضة العسكرية التي أطاحت بالملكية ونظامها السياسي الرجعي. كنت في ذلك الصباح مع المتظاهرين الذين ملأوا شوارع بغداد والعراق كله. كانت الفرحة طاغية تعم الشعب كله, في ما عدا أولئك الذين أسقطت الثورة حكمهم وهددت مصالحهم بالصميم واعتقلت من كان في مقدور قوى الثورة اعتقاله.
وفي حدود ظهيرة ذلك اليوم وصلتُ مع المتظاهرين أمام بوابة وزارة الدفاع حيث كانت جثة عبد الإله, الذي كان وصياً على عرش العراق, قد سبقتنا إلى هذا المكان, تسحل من قبل جمهرة من الناس على الرصيف المقابل لبوابة وزارة الدفاع وعلى  مقربة من بائع لبن أربيل الشهير. كانت الجثة مقطوعة الرأس واليدين والساقين والذكر. كان المنظر بشعاً غير إنساني لا يعبر عن وعي إنساني لدى أولئك الذين كانوا يسحلون تلك الجثة على الأرض. وكانت هناك امرأة عجوز تحمل سكيناً صغيراً بيدها اليمنى تغرزه في صدر الجثة صارخة بمرارة مرهقة "هاي حوبة ابني اللي قتلتوه وهو بعده شاب". كان سحل الجثث قد شمل جثتي نوري السعيد وابنه صباح أيضاً, ولكني لم أشاهدهما في ذلك الصباح. إن هذا العمل الهمجي اللاإنساني يحمل في طياته ثلاث حقائق مهمة هي:
1.   إن تاريخ العراق مليء حقاً بمثل هذه الأفعال المنكرة والهمجية التي كان حكام العراق يمارسونها ضد من كان يقف بوجه سياساتهم, وكانوا يدفعون بالفئات الرثة وغير الواعية إلى ممارستها ضد هؤلاء المناهضين للحكم. (راجع في هذا الصدد كتاب "موسوعة العذاب, للأستاذ الكاتب والمحقق عبود الشالچي, وكتاب "من تاريخ التعذيب في الإسلام, للكاتب والباحث الأستاذ هادي العلوي, وكتاب "الاستبداد والقسوة في العراق" لكاظم حبيب").   
2.   وهي تعبر عن تخلف في الوعي الحضاري وفي الجهل السائد في الأوساط الشعبية بشأن الحقوق المدنية وحقوق الإنسان وكرامته أثناء الحياة وبعد الموت بغض النظر عن الأفعال التي مارسها والتي يفترض أن يحاسب عليها على وفق القانون لا غير. 
3.   كما إنها تعبر عن مستوى القهر والغضب, عن الكراهية والحقد, الذي كانت يتفاعل في نفوس هؤلاء الناس الذين مارسوا سحب الجثث في شوارع بغداد بحيث لجئوا إلى تلك الممارسة الوحشية لينتقموا من بعض أقطاب النظام الذين ساموهم سوء العذاب وعرضوهم للبطالة الفقر والحرمان. وهي طريقة مرفوضة كلية, إلا إن الغريب في الأمر إن هذه الممارسات لم تتوقف في ما بعد أيضاً.
إن هذه الأفعال القبيحة التي جرت في العراق حينذاك وسمع بها الكثير من الحكام كان يفترض أن تكون درساً للحكام العرب ليدركوا بأن مثل هذا المصير يمكن أن يلاحق هؤلاء الحكام على أيدي شعوبهم حين يمارسون القهر والظلم والطغيان في بلدانهم وحين يحرمون الشعب من العمل ولقمة العيش والحرية والكرامة, وحين يقلصون الصرف على التعليم والثقافة العامة وبناء الإنسان حضارياً والتثقيف بالمجتمع المدني وحقوق الإنسان وممارستها من أجل بناء إنسان حضاري حديث في هذه البلدان.   
إن إلقاء نظرة فاحصة على الدول العربية منذ سقوط النظام الملكي العراقي حتى انطلاق الانتفاضة العربية لم نجد نظاماً عربياً واحداً احترم حقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية, بل كلها تقريباً غاصت في اضطهاد الشعب وتجويعه وحرمانه من حرياته وحقوقه الأساسية, وشكلت أغلب الدول العربية سجناً كبيراً لشعوبها وسجون كثيرة للمناضلين من أجل حرية وحقوق شعوبهم.
فبعد مرور 53 عاماً على عملية قتل وسحل جثث عبد الإله ونوري السعيد وصباح نوري السعيد في شوارع بغداد, شاهدت منظراً مروعاً مماثلاً عبر شاشات التلفزة, شاهدت جثة معمر القذافي يحيط بها كثرة من الليبيين المنتفضين وهم ينقضون على معمر القذافي بالطعن والضرب والتعذيب حتى الموت, إنهم قتلوه شر قتلة وراحوا يلوحون بأيديهم تعبيراُ عن فرحتهم بقتل الرجل الذي حكم ليبيا 42 عاماً. لقد تجلت هنا كل أخلاقيات البداوة ووحشية أساليبها في التعامل مع الخصم, وكان في ذلك من الوحشية البدائية ما يندى لها جبين البشرية. المشهد يعيد نفسه وأن كان في بلد آخر غير العراق, في ليبيا, ويمكن أن يعيد نفسه في سوريا أو في الجزائر أو في السودان... الخ.
لقد كان معمر القذافي طاغية متجبر ضد شعبه سقاهم مرّ العذاب طوال أربعة عقود ونيف وبمشاركة أفراد عائلته وطغمة صغيرة من أتباعه ووعاظه. وكان القذافي نهاباً لثروة الشعب الليبي ونفطه ومفرطاً بها, كما كان قاتلاً كبيراً, وبالتالي فالتهم التي كانت ستوجه له بممارسته الإجرام بحق شعبه وغيرهم كبيرة جدا,ً فهو مجرم كبير بكل معنى الكلمة. ولكن من يحق له أن يقول كلمته الأخيرة في التهم الموجهة له؟ إنه القضاء وحده, وليس غير القضاء. ولكن ما جرى في ليبيا لا يعبر إلا عن بداوة موغلة بالتوحش ساهم القذافي في تأصيلها في بلاده ولم يسع إلى مكافحتها بإقامة نظام ديمقراطي يستند إلى الدستور والحياة السياسية المؤسساتية, فحصد ما زرعه في ليبيا.               
السؤال الذي يؤرقني وأنا أشاهد ما يجري في العراق, وأنا أتابع سياسات رئيس الوزراء, فاشعر لا بالقرف من هذه السياسة فحسب, بل أدرك في الوقت نفسه المصير الذي يمكن أن يؤول إليه من يمارس ذات السياسات التي مورست في العراق قبل ذاك والتي مورست أو ما تزال تمارس في الدول العربية. قبل أيام قليلة نشر موقع صوت العراق بتاريخ 24/2/2012, ومن ثم نشر في الجيران وطريق الشعب وغيره من المواقع, كتاباً رسمياً صادراً عن جهاز مخابرات رئيس الوزراء نوري المالكي كشف عن ممارسات لا تختلف بأي حال عن ممارسات جهاز مخابرات صدام حسين حين وصول حزب البعث إلى لسلطة في العام 1968 وسياساته اللاحقة ضد كل القوى السياسية العراقية. جاء في الكتاب المشار إليه ما يلي:
حسب كتاب جهاز المخابرات العراقية ذي الرقم 3061 في 20 /2/2012 (سري- وشخصي) الموجه إلى قيادة بغداد، فقد تم تعميم التوجيهات التالية في 21/2/2012:
 "ينوي بعض أعضاء الحزب الشيوعي تنظيم تظاهرة يوم 25 شباط في محافظة بغداد- ساحة التحرير إحياء للذكرى الثانية لانطلاق التظاهرات يطالبون فيها توفير فرص عمل وإنهاء الخلافات السياسية لذا اقتضى الأمر متابعة تحركات أعضاء الحزب المذكور أعلاه كلاً ضمن قاطع المسؤولية وإعلامنا بتحركات أعضاءه وأسماءهم لغرض متابعتهم من قبل الجهات المعنية كما يرجى اتخاذ ما يلزم بصدد المعلومات آنفاً من إجراءات أمنية مشددة وتوفير تدابير الحيطة والحذر وفق القانون."
ما هو الجديد في هذا الكتاب السري والشخصي؟ من الواجب أن أشير  ابتداءً إلى عدة أمور مهمة:
1.   لم أفاجأ بهذا الكتاب السري والشخصي, إذ أن ممارسات رئيس الوزراء وأجهزته منذ بداية العام 2011 قد اتخذت هذا المنحى الأمني في الحكم وفي تشويه سمعة المناضلين واعتبار تحركات 25/شباط/فبراير 2011 تنطلق من قوى بعثية وقوى القاعدة وما إلى ذلك من تخريفات وتخريجات, ساندها وما زال يساندها وعاظ السلاطين وكتبة الحكومة العراقية القدامى والجدد.
2.   إن الحكم الاتحادي في العراق لم يعد في ممارساته ديمقراطياً بل أمنياً يستند إلى قاعدة واسعة من أجهزة الأمن والمخابرات والعيون التي أقسام منها ليست موجهة ضد قوى الإرهاب, بل ضد قوى الشعب والناشطين في العملية السياسية وغير المشكوك بنزاهتهم ودفاعهم عن مصالح الشعب والوطن. وأحذر بأن الحكم في العراق يتحول ترديجياً إلى حكم بوليسي ما لم تتصدى له القوى العاقلة وتستخدم الحكمة في مواجهة هذا التطور الجديد.
3.   وإن الحكم في العراق بدأ يبتعد أكثر فأكثر عن مشكلات وطموحات الشعب ونشأت فجوة تتسع يوماً بعد آخر بينه وبين الشعب بأغلبيته الصامتة حتى الآن, وهذه الحالة أصبحت تخيف رأس الحكومة وتجعله يتخبط في سياساته وإجراءاته الأمنية.
4.   والحكم في العراق لم يعد على وفق سياسات الحكومة اتحادياً بل مركزياً يدار من فرد واحد مما نشأت عنه هذه الصراعات ليس بين الحكومة والقوى السياسية فحسب, بل بين الحكومة والمحافظات العراقية أيضاً, مما دفع بالبعض منها إلى المطالبة بتشكيل الأقاليم على وفق الدستور العراقي النافذ منذ العام 2005.   
إن صياغة الكتاب الأمني تشير إلى المستوى المتدني لهؤلاء الذي وجهوا الكتاب والتعليمات. فأعضاء من الحزب الشيوعي يريدون التظاهر. وماذا في ذلك؟ فليس في هذا ما يتعارض مع الدستور وهو حق مكفول للجميع. وهم يدعون إلى التظاهر لأحياء الذكرى السنوية الثانية لانطلاق المظاهرات في الخامس والعشرين من شباط 2011. وماذا في هذا؟ فبعد أن شوه رئيس الوزراء ووعاظه أهداف وقوى هذه التظاهرات اعترف هو ومن معه بكونها سلمية وديمقراطية والتزم بتنفيذ الأهداف وطلب من مجلس النواب مهلة مئة يوم للبدء بعملية الإصلاح. ولكنه لم ينفذ وعوده, وبالتالي أخل بالتزاماته كرئيس وزراء أمام مجلس النواب وزاد في الطين بلِة. ولكن لم يحاسب من المجلس النيابي على هذه المخالفة الكبيرة.
ويؤكد الكتاب إن المظاهرات تنوي المطالبة بتوفير فرص عمل وإنهاء الخلافات السياسية. وماذا في ذلك؟ ألم يتحدث رئيس الوزراء نفسه عن البطالة وكذلك وزارة التخطيط, ألا يحق للناس التظاهر من أجل توفير فرص عمل للعاطلين الذين تصل نسبتهم إلى حدود 30 % من القوى القادرة على العمل في البلاد. ألا يعمل الجميع من أجل عقد مؤتمر وطني لحل الخلافات السياسية بين القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية؟ إذا كان هذا رأي الجميع فما الضير في أن تخرج مظاهرة تؤكد أهمية حل الخلافات السياسية بالطرق السلمية والديمقراطية وعلى وفق الدستور.
إن الدلائل كلها تؤكد حقيقة أساسية لا يريد الحاكم بأمره أن يعترف بها, هي أنه قد تحول إلى حاكم فرد ويتعزز لديه اتجاه التحول صوب المركزية والدكتاتورية وصوب الحكم البوليسي.
إن مراقبة المتظاهرين وتسجيل أسماء المشاركين فيها ومتابعتهم واعتقالهم "على وفق القانون!" يؤكد هذه المسيرة الضارة والخطرة التي يتجه صوبها رئيس الوزراء العراقي.
إن على القوى السياسية العراقية أن تدرك مخاطر هذا التوجه والنهج السياسي في الحكم, وبالتالي لكي لا تندم في ما بعد حين لا ينفع الندم, والمؤمن لا يلغ من جحر مرتين!!!
إن هذا الكتاب الرسمي بداية لسياسة "درب الصد ما رد", إذا أصر رئيس الوزراء على ذلك, وإذا كان الكتاب صادراً عن توجيه منه, وإلا فعليه أن يمارس الموقف التالي:
1.   إدانة هذا الكتاب واعتباره مسيئاً لقوى وطنية وديمقراطية مشاركة في العملية السياسية ومتجاوزاً على الدستور وحقوق الإنسان والجماعات.
2.   إن المجموعة التي أصدرت هذا الكتاب والعاملة في جهاز المخابرات جاهلة تماماً ولا تعرف مبادئ الدستور العراقي وحقوق الإنسان ولا تحترم الحياة الديمقراطية وحق التظاهر والتعبير عن الرأي.
3.   وأن عليه أن يطهر هذا الجهاز من أولئك الذين أصدروا هذا الكتاب لأن وجهة الكتاب ومضمون يمثلان موقفاً ضد قوى سياسية عراقية مشاركة في العملية السياسية ومشهود لها بالوطنية والنزاهة والمواقف المبدئية. [لنتذكر معاً, وقبل فترة وجيزة, كيف امتدح حسن السنيد, القيادي في حزب الدعوة وفي قائمة دولة القانون, في لقاء بين وفد من الحزب الشيوعي العراقي وحزب الدعوة, مواقف الحزب الشيوعي المبدئية وأشاد بعلاقات حزب الدعوة بالحزب الشيوعي الممتازة, فما حدا مما بدا !!!   
4.   الاعتذار للحزب الشيوعي العراقي عن صدور مثل هذا الكتاب الذي يؤلب أجهزة الاستخبارات والأمن والجواسيس والعيون ضد الشيوعيين العراقيين الذي عملوا بتحالفات سابقة مع حزب الدعوة الإسلامية, وما تزال له علاقات طيبة مع بعض الأحزاب الإسلامية السياسية ضمن التحالف الوطني.
5.   إن على القوى السياسية والمجتمع أن يراقبوا بحساسية كبيرة ما يجري اليوم في العراق واحتمالات تطوره السلبي اللاحق وأكثر مما حصل حتى الآن, وأن يعملوا من أجل إيقاف هذا النهج المخل بالدستور العراقي والحياة الديمقراطية وحرية الفرد؟
4/3/2012                           كاظم حبيب


258
كاظم حبيب
من المسؤول عن ذكورية قرارات وزيرة المرأة؟
فوجئ الناس في بلاد الرافدين حين تحدثت امرأة, سلمت لها حقيبة وزارة "شؤون المرأة" زوراً وبهتاناً, تماماً كما تتحدث به جمهرة من الرجال الذين يحتفلون بذكوريتهم يومياً وكل ساعة ويرفعون عقيرتهم ضد المرأة يطالبونها بالحشمة بعد أن فقدوا هم الحشمة كلية ويستخدمون أيديهم في ضرب المرأة لتأديبها, كما أقرها الدكتاتور الأجوف صدام حسين في حملته الإيمانية قب سقوطه في مزبلة الترايخ, حق الرجل في تأديب زوجته! لقد كانت هذه السيدة, التي تسمى وزيرة "شؤون المرأة" ظلماً وعدواناً, تعبر بوضوح كبيرة عن ذكورية زوجها الجامحة وتعامله الذكوري معها في البيت وتريد أن تنقل هذا التعامل الذي يعود إلى قرون خلت إلى الشارع العراقي, إلى بيوت العوائل العراقية, إلى بقية الوزارات العراقية, إلى كل دوائر الدولة, إلى المدارس والكليات والجامعات, وهي الوزيرة المكلفة بتنفيذ بنود الدستور العراقي في الموقع الوزاري الذي تحتله والذي ينص على عكس ما تحدثت به هذه المرأة الخائبة, وليتها سكتت لالتزمت بقول الحكمة العربية, إذا كان الكلام من "تنك" الأقل قيمة من "الفضة", فالسكوت من ذهب. تحدثت عن خضوعها لزوجها وقوامته عليها, ولها الحق في أن تخضع لقوامته فذلك شأنها وزوجها. ولكن ليس من حقها أن تحدثنا عن علاقتها العائلية, وأن تنقل لنا تجربتها اليومية البائسة عبر وسائل الإعلام وفضح ذكورية زوجها إزاء المرأة, بل كان وما يزال عليها أن تقول لنا ما يقوله الدستور, أي كيف يفترض أن يتعامل الرجل مع المرأة على وفق هذا الدستور وليس على وفق تعامل زوجها الذكوري مع زوجته "الأنثى". 
لم يكن حديث وزيرة شؤون المرأة في العراق بالنسبة لي ظاهرة غريبة أو عجيبة, رغم إن عجائب وغرائب أغلب حكام العراق في هذه السنوات الأخيرة تملأ الدنيا وكأنها كوابيس مرعبة بحق المجتمع والمرأة على نحو خاص. فتصريحات وزيرة شؤون الدولة هي جزء من حالة العراق الرثة الراهنة, جزء من الردة الفكرية والاجتماعية والسياسية التي يعاني منها المجتمع وقبل ذاك الكثير من حكام العراق الجدد, يحملها قادة في حزب الدعوة ودولة القانون والتحالف الوطني, وليس كلهم كما أظن, يحملها الجزء الأكبر من المشاركين في مجلس الوزراء, فهو جزء من نهج وتفكير رئيس الوزراء ووزير التعليم العالمي وغيرهما في دولة القانون التي تقود الحكومة العراقية في مسار معوج لا بد من تقويمه. فهو الذي حرم المرأة من 25% من حصتها في مجلس الوزراء, ولكنه جاء بأنموذج خاص على  شاكلة تفكيره لتقود وزارة شؤون المرأة بذكورية مستهجنة في موقفها من حرية وحقوق النساء في العراق.
إن وزيرة شؤون المرأة تضع نفسها بمواجهة وبالضد من الدستور العراقي ومن لائحة حقوق الإنسان ومن الوثيقة الدولية الخاصة بحقوق الناس وضد كل المواثيق والعهود الدولية الخاصة بحرية وحقوق المرأة, كما إنها لم تستند في ما أصدرته إلى حضارة الإنسان وتقدمه وما قطعه من شوط طويل في انتزاع حقوق المرأة من براثن فحولية الذكور وهيمنتهم الطويلة على المرأة. 
لقد طفح الكيل أيها السادة يا من تريدون فرض الفكر الواحد والرأي الواحد والموقف الواحد والحزب الواحد على شعبنا الجريح وعلى المرأة العراقية تدريجاً, هل تريدون السير على طريق "درب الصد ما رد" كما فعل من قبلكم حكام كثيرون ولكنهم انتهوا إلى مزبلة التاريخ, أم ستستفيدون من دروس وعبر تاريخ العراق الحديث على اقل تقدير وتراجعون سياساتكم ومواقفكم الراهنة والعودة إلى  جادة الصواب وليس على قول أخذناها بعد ما ننطيها!!! ولكن مسيرة وزير التعليم العالي ووزيرة شؤون المرأة ووزراء غيرهم تؤكد أن هذه الشلة لم تتعلم من دروس الماضي القريب والبعيد وربما لن تتعلم.
إن النقد الاجتماعي والسياسي يفترض أن لا يتوجه الوزيرة الدكتورة التي لا تمتلك قرارها بيدها, بل بيد زوجها, باعتباره قواماً عليها, فتعبر عن إرادته ورأيه وهي لا رأي لها إلا رأيه, ولا إرادة لها إلا إرادته, بل يفترض أن يتوجه إلى من منحها هذه الحقيبة الوزارية المهمة, هذا الموقع الحساس وأدى إلى اصطدامها بكل القيم والحقوق الإنسانية الخاصة بالمرأة. 
والغريب بالأمر أن الحلفاء في مجلس الوزراء الذين يعتنقون رأياً مخالفاً لرأي هذه الوزيرة, التي خيبت آمال وطموحات المرأة العراقية قبل الكثير من رجال العراق, لم يعبروا عن استنكارهم لهذه التصريحات المناهضة لحرية وحقوق المرأة العراقية, وبالتالي يضعون أنفسهم في مصاف المثل القائل "السكوت عن علامة  الرضى, أو الساكت عن الحق شيطان أخرس!
أما المرأة العراقية المناضلة ومنظماتها الديمقراطية والكثير من الصحف الديمقراطية فقد رفعت صوتها عالياً معبرين عن احتجاجهم واستنكارهم لتصريحات الوزيرة ورفضهم لها, ولكن الوزيرة التي تراجعت عن تصريحاتها شفاهاً, تنفذ اليوم ما أرادته في الوزارات العراقية الخاضعة لقوى الإسلام السياسي, للأحزاب الإسلامية السياسية المتحالفة, كما يبدو, ضد حرية المرأة, وهي بالضرورة ضد الحريات العامة وحقوق الإنسان في العراق.
إن من واجب المؤتمر الوطني العراقي أن يدرس مدى كفاءة وصلاحية ليس هذه الوزيرة فحسب بل ورئيس الوزراء أيضاً وكذلك الكثير من الوزراء الذي ينفذون أجندات تخالف الدستور العراقي أو يتآمرون على حرية وحياة هذا الشعب الجريح أياً كان الحزب أو الكتلة أو القائمة التي ينتسب إليها.
لنقف سدَّاً منيعاً بوجه من يحاول التطاول على حقوق المرأة, لندعو نساء العالم كله للوقوف إلى جانب المرأة العراقية في نضالها ضد محاولات سلب حقوقها وحرياتها الأساسية. لتنتصر إرادة المرأة العراقية الحرة ولتنتكس راية الردَّة الفكرية والاجتماعية والسياسية في العراق.     
11/2/2012                        كاظم حبيب


259
كاظم حبيب
ساعة الحقيقة: بين الحكم والقتلة ينزف الشعب دمه!

الشعب العراقي أمام مأساة حقيقة جارية منذ سنوات, وهي في الوقت نفسه مهزلة فعلية. فالقتلة المجرمون من قوى وجهات وأطراف ودول عديدة يواصلون قتل وجرح وتعويق بنات وأبناء الشعب من مختلف الأعمار دون رادع أو وازع من الضمير. وأغلب الشهداء من الفقراء والمعدمين والكادحين. يسعى المجرمون بكل ثمن إلى زعزعة الأمن والاستقرار في البلاد بأمل الوصول إلى السلطة أو تأمينها لحلفاء لهم في المعارضة المسلحة ولأجنحتها السياسية. والنخب السياسية الطائفية الحاكمة تتبنى شعارات " الأعمار بيد الله" و "الموت حق", و "الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون", و "مفاتيح الجنة معلقة في أعناق الشهداء", و"من يقتل يخسر الدنيا الفانية" و"يكسب الآخرة الأبدية" ويتمتع بـ "ولدان وحور في الجنة". المهم لمن ينشر مثل هذه الفتاوى من النخبة السياسية الطائفية الحاكمة هو البقاء في الحكم وعدم السماح لغيره بأخذه منها, سواء أكان فردأً أم حزبا.
نحن أمام ساعة الحقيقة, الحقيقة التي يفترض أن يعيها الشعب العراقي جيداً, ولا شك في أنه سيعيها عاجلاً أم آجلاً, وأن يتعامل معها بكل حرص على حياته ومسؤولية إزاء حياة الآخرين, إذ إن الدم النازف يومياً هو دمه وليس دم النخب السياسية الحاكمة والمتصارعة في ما بينها. فهي محمية بالقصور التي استولت عليها بعد سقوط النظام الدكتاتوري, إذ كانت تلك القصور الفخمة قبل ذاك قصوراً لصدام حسين وعائلته وحاشيته وأتباعه خونة الشعب, هذه القصور وسكانها محمية بالمنطقة الخضراء وحي القادسية وما إلى ذلك. إن قولنا هذا لا يدعو إلى أن يُمسوا بأذى \او يموتوا كما يموت بنات وأبناء الشعب كل يوم, ولكن نريد الحياة لا الموت لأبناء الشعب وواجبهم هو حماية هذا الشعب لا حماية أنفسهم فقط.
حكام اليوم كحكام الأمس, يعتقدون بأنهم جاءوا إلى الحكم ليستقروا فيه إلى الأبد, "جئنا لنبقى". إنهم يدعون تمثيل الدين الإسلامي وأنهم يعبرون عن مصالح الدين وهي من مصالح الناس, سواء أكانوا شيعة أم سنة, إنهم بهذا المعنى يعتقدون بأنهم خلفاء الله على  هذه الأرض وهم يحكمون باسم الله وباسم الشريعة التي يتبنوها, وهي ليست واحدة!
وحكام اليوم, كما يبدو صارخاً, لا يشعرون بأية مسؤولية إزاء الشعب ولا بمصائر الناس, فالناس عندهم رعية عليها أن تخضع لحكم الله, وحكم الله لا يتحكم به أحد غير الله, وهم ينفذون إرادة الله على وفق المشيئة التي تجري على  الأرض¸ وبالتالي فموت الناس اليومي لا يشكل عندهم مشكلة, إذ أن تاريخ الولادة والموت مكتوب على جبين الأفراد قبل أن يولدوا, والمشكلة بالنسبة لهم تكمن أولاً وأخيراً في السبل التي تساعدهم على البقاء في الحكم والخلاص من المنافسين لهم ممن يطالبون مثلهم بحكم الله الذي يدعون تمثيله أيضاً. إنها المحنة وهي الجزء الرئيسي من الأزمة البنيوية التي يعاني منها العراق حالياً.             
المأساة أيها السادة تبرز في الموت اليومي للناس 60 شخصاً قتلوا في مجموعة من التفجيرات الإجرامية في بغداد ومدن أخرى وأكثر من 400 جريح ومعوق في يوم واحد (لا غير!), كما تبرز المأساة في الفقر المدقع لفئات واسعة من الشعب, في البطالة الواسعة, في غياب الخدمات الاجتماعية, في غياب التنمية الوطنية, في النهب الجاري للمال العام بأساليب وطرق شتى ومن قوى كثيرة في الحكم وحوله, المأساة في اختفاء أو "فقدان!" المليارات من الدولارات الأمريكية أموال النفط العراقي. أما الوجه الثاني من المأساة فهي المهزلة أو المسخرة أيها السادة, إنها تبرز في استمرار الحكومة القائمة واستمرار رئيس الوزراء الحالي في الحكم, وفي استمرار الصراع السياسي بين أطراف الحكم وفي ما يسمى بـ "الشراكة الوطنية", وفي السكوت الفعلي الواسع على هذا الوضع المتردي.
نحن أمام ضحك متواصل على ذقون الناس, على ذقوننا جميعاً, يجري هذا منذ ثمانية أعوام. يجري الحديث عن العملية السياسية, وهي في الجوهر غائبة, وهي لعبة, إذ أن اللاعبين لا يعرفون غير قاعدة واحدة في العمل السياسي هي "أخذناها وما نعطيها بعد لو تطلع روحهم!". وهو تعبير لا يمارسه طرف واحد بل يعبر عن ذهنية المتنافسين على الحكم. هذه هي ديمقراطية قوى الإسلام السياسي الطائفية, ولكنها تجسد في الوقت نفسه ذهنية القوميين الشوفينيين الذين كانوا في الحكم أو الذين يسعون إليه, وهي ذهنية القوى الشمولية كافة التي تريد فرض الفكر الواحد والرأي الواحد والحزب الواحد والسياسة الواحدة.
نحن أمام حزب ديني طائفي جديد وصل إلى الحكم بتحالف أوسع, ولكن يبذل كل الجهد لفرض الفردية باسم الحزب في حكم البلاد أولاً, ومن ثم فرض الشمولية باسم الحاكم الفرد ليضع الحزب في الظل. والغريب إن الكثيرين من هؤلاء لم يستوعبوا الدرس الثمين منذ نشوء الدولة العراقية الحديثة حتى الآن, إذ إن التجربة يفترض أن تكون قد علمت الجميع بأن الفردية والشمولية في الحكم مهما طالت لا بد أن تسقط, وحين تسقط يذهب معها كل أولئك الذين عملوا لإقامتها باعتبارهم كانوا عبئاً ثقيلاً على المجتمع ومرهقاً ومدمراً في آن.
ترتكب بعض أو كافة قوى التحالف الوطني, البيت الشيعي, خطأ فادحاً حين تعتقد بأنها ستكسب ثقة الشعب بها وهي تؤيد تمادي الحكم في الفردية والاستبداد, وبعضها سيكون ضحية هذا الحكم إن واصل هذه السياسة, كما ستكون قوى أخرى ضحية مثل هذا الحكم. والطريق الوحيد أمام القوى السليمة التي ما تزال تدرك أهمية وحدة الشعب وتملك حساً وطنياً كافياً هو أن تعود إلى جادة الصواب, إلى الالتزام بروح وهوية المواطنة العراقية وليس الالتزام بالهوية الطائفية, شيعية كانت أم سنية, فالهويات الثانوية أو الهامشية قاتلة دون أدنى ريب.
إن ساعة الحقيقة تدق ناقوس الخطر منذ فترة غير قصيرة معلنة بأن الشعب يواجه تفاقماً في الفردية والاستبداد وتقلصاً مستمراً في الحريات العامة وهيمنة على مؤسسات الحكم العسكرية والمدنية, وهي ظواهر تقود في الجوهر إلى زعزعة الاستقرار في البلاد وإلى مصادرة حريات وحقوق وإرادة الشعب. فمتى ينشأ الوعي الجمعي بهذا الواقع الجديد الذي نشأ قبل وبعد خروج القوات الأمريكية؟ حين يعي الجميع هذه الحقيقة, يأمل الإنسان أن لا يكون الوقت قد تأخر كثيراً أو فات كما حصل في الكثير من المرات السابقة, فيتحمل الشعب معها عذابات كثيرة.     
أتمنى على قوى التيار الديمقراطي العراقي من العرب والكُرد وباقي القوميات أن تعمل بأقصى ما يمكن لتعبئة كل القوى الشعبية في الشارع العريض الذي تلتقي فيه كل أطياف التيار الديمقراطي دون استثناء, إذ إن المهمة السلمية والديمقراطية التي تواجه المجتمع لا يمكن أن يتحملها هذا الحزب أو ذاك, بل تستوجب أن تكون مهمة كل القوى الديمقراطية التي عانت الأمرين في ظل الحكومات الفردية والدكتاتورية والأحزاب الشمولية.
24/2/2012                        كاظم حبيب     

260
كاظم حبيب
هل من آذان صاغية لصرخة الأستاذ الدكتور المعماري إحسان فتحي؟

في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2911 قدم الأستاذ الدكتور المعماري إحسان فتحي محاضرة قيمة تحت عنوان " خسارة التراث العراقي (الانتحار الثقافي) طرح فيها ثلاث مسائل جوهرية يمكن تلخيصها بالنقاط التالية:
1.   إبراز نماذج حية للآثار العراقية التي هدمت وخربت في العراق على امتداد الحقب السابقة وبشكل خاص منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة حتى الوقت الحاضر وما ارتبط بذلك من خسارة فادحة تعرضت لها الذاكرة العراقية والماضي الثقافي أو التراث الحضاري العراقي بسبب هذا التدمير والتهديم والتخريب والنهب. وأشعر أن الزميل إحسان فتحي كان يريد أن يقول بصراحته المحببة والدافئة والقوية في آن "إن شعباً بلا ذاكرة وبلا ماض لا يستطيع أن يعي الحاضر ولا يرسم ويبني المستقبل".
2.   تشخيص العوامل التي دفعت إلى مثل هذا التخريب والتدمير والنهب للآثار القديمة والتراث الحضاري العراقي الرائع والتي يمكن تأكيدها بالجهل العام وغياب الوعي والمعرفة لدى المسؤولين بأهمية هذا التراث للحاضر والأجيال القادمة وللبشرية جمعاء وليس الشعب العراقي وحده من جهة, ثم الجشع الذي برز في سرقة هذا التراث وتهريبه والذي انتهي إلى تدميره في الكثير من الأحيان من جهة ثانية, إضافة إلى الإرهاب والتدمير الإرهابي لمعالم الحضارة العراقية والذي يؤكد السلوك الإجرامي بكل أبعاده لمثل هذه الجماعات العدوانية. إن تدمير التراث العراقي الذي يجسد تراث كل الشعوب والأقوام التي عاشت في العراق والتي جسدت بمجملها التلاقح الثقافي-الحضاري للشعب العراقي يعبر عن محاولة جادة لتدمير الوحدة الوطنية التي تتجلى بهذا التراث في سائر أنحاء العراق, لأنه يعبر عن محاولة جادة ومنظمة ومقصودة لتدمير الذاكرة العراقية والماضي الحضاري المشترك للشعب العراقي.
3.   وأخيراً يجيب عن السؤال التالي: كيف نصون ما تبقى من هذا التراث العراقي الأصيل, ما هو دور المسؤولين, وما هو دور المثقفين والمختصين بالتراث وما هو دور الشعب وكل فرد فيه لحماية وصيانة  والحفاظ على هذا التراث؟
لقد كان صوت الأستاذ الفاضل إحسان فتحي حزيناً ومحبطاً أحياناً وموجعاً وغاضباً أحياناً أخرى ممتلئ بالخشية على ما تبقى من تراث حضاري في سائر المدن العراقية وبأن لا يسمع ولا ينتبه لما يجري اليوم أيضاً في التعامل مع التراث الحضاري ومع المدن العراقية القديمة من جانب المسؤولين والمجتمع. كانت مقترحاته واضحة جداً فهو يطلب تشكيل هيئة مستقلة من خبراء ومختصين تأخذ على عاتقها إجراء جرد في كافة المدن العراقية القديمة وفتح سجل لتسجيل كل قطعة ودار وبناية وزقاق وشارع وقلعة وجامع وكنيسة وكنيس وكل ما يذكر بحضارة العراق على امتداد القرون المنصرمة وتعتبر جزءاً من التراث العراقي بحيث يمنع على كل إنسان, أياً كان مركزه الحكومي أو الاجتماعي المس بهذا التراث ويعاقب على وفق القانون على ذلك, إضافة إلى  ضرورة قيام هذه الهيئة بنشر الوعي العلمي بأهمية هذا التراث وضرورات الحفاظ عليه وإبراز قيمته للشعب العراقي وللإنسانية جمعاء باعتبار العراق أحد أقدم مهود الحضارة البشرية في العالم. وأن تقوم الهيئة المستقلة بالتعاون مع الحكومة العراقية ومنظمة اليونسكو لوضع الأسس الكفيلة بصيانة وحماية هذا التراث قبل أن يدمر ما تبقى منه بوعي أو بدون وعي. كما أكد على أهمية وضرورة إعادة النظر بقانون الآثار بما يساعد على صيانتها وحمايتها ومنع سرقتها أو تخريبها ..الخ, إذ إن القانون الراهن لا يحقق المطلوب.
إن صوت الاستغاثة الوطني والمسؤول الصادر عن المهندس المعماري اللامع والمبدع الأستاذ الدكتور إحسان فتحي ينبغي له أن يحركنا جميعاً, أن يوقظ فينا صوت العقل والحكمة والرؤية الواعية والسليمة لتراث العراق الحضاري. إن ما يجري اليوم في العراق لا يختلف كثيراً عما جرى في العقود المنصرمة من تخريب للتراث, سواء بإدراك وعلم المسؤولين أم دون إدراك منهم وربما دون علمهم, أم على أيدي افرهابيين والمخربين وعصابات الجريمة المنظمة, وهو أمر في كل الأحوال مرفوض وغير مقبول ويفترض مواجهته مجتمعياً.
وفي هذا اليوم أثار الأستاذ الدكتور رؤوف الأنصاري مشكلة أخرى بشأن ما يجري حالياً للمدن العراقية القديمة, إذ عرض على القارئات والقراء الحالة التالية: "إحالة مشروعي إعداد التصاميم المعمارية الخاصة بتطوير مركزي (مدينتي النجف لأشرف وكربلاء المقدسة)، عن طريق إجراء مناقصة تقديم عروض من قبل مكاتب استشارية هندسية تقبل على أساس أقل الأسعار، وليس عن طريق تنظيم مسابقة دولية تشارك فيها مكاتب استشارية هندسية متخصصة لتقديم تصاميم معمارية واختيار التصميم الأفضل والأنسب من بينها، كما حصل في مشروع  مبنى مجمع الأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي". هذا ما ورد في التحذير الموجه إلى كافة المسؤولين العراقيين بشأن الطريقة المستخدمة غير الشفافة في مثل هذه الحالات, كما حذر من الفساد المرتبط بحالات من هذا النوع, إذ رست المناقصة المذكورة, كما كان متوقعاً على من تم اختياره سلفاً لها ولأسباب لا تفوت على القارئة والقارئ اللبيبين والتي تؤدي إلى تخريب التراث العراقي المعماري للمدن العراقية القديمة في سبيل حفنة من المال من السحت الحرام. وبهذا يتفق من حيث المبدأ مع ما طرحه الأخ الدكتور إحسان فتحي التي تعرض لكل التراث الحضاري العراقي والمخاطر التي تتهدد ما تبقى منه.
أدرك تماماً بأن العراق لا يعيش معضلة سياسية وأمنية قاتلة فحسب, بل يعيش أزمة بنيوية شاملة وعامة وحقيقية في كافة المجالات, بما فيها مشكلة التراث العراقي الحضاري. والأزمة متشابكة ومترابطة يصعب تصور الوصول إلى حلول جزئية لها ما لم يعالج الجذر الأساسي غياب هوية المواطنة والتشبث بالهويات الثانوية والهامشية القاتلة التي تفرق الشعب لا توحده. ومع ذلك فصرخة الاستغاثة التي تنطلق من المختصين علينا لا الإصغاء لها فحسب, بل والتعامل معها بكل مسؤولية وإدراك حقيقي للعبث والتخريب الذي تعرض لها التراث الحضاري العراقي حتى الآن وما يمكن أن يلحق به إن تم السكوت عن كل ذلك.
برلين في 6/2/2011                   كاظم حبيب
 
         


261
كاظم حبيب
رسالة مفتوحة إلى المهندس المعماري المبدع منهل الحبوبي
"العراق اكبر من أن نخاف عليه !"

الأخ الفاضل المهندس المعماري السيد منهل الحبوبي المحترم
تحية ودٍ واحترام
تابعت الكثير من الأخبار التي أوردت مجموعة من الصور الخاصة بالتصميم المعماري الذي أنجزتموه لمشروع مجمع الأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي, ومن ثم تابعت بعناية المحاضرة التحليلية الجدلية القيمة بجانبها الفني التي قدمتموها عن ذات المشروع وبحضور جمع من المسؤولين والمعماريين.
لقد كان التحليل منطقياً ومتناغماً مع أسلوب الإلقاء والأحاسيس والمشاعر التي كانت تفيض بها كلماتكم . أقدم أحر التهاني على هذا الإنجاز الفني في التصميم الذي يؤكد وجود كفاءات كبيرة ومتنوعة في العراق إذا ما سمح لها بالانطلاق في فضاء من الحرية والأمن والاستقرار. والمكاتب الهندسية المعمارية العراقية تشكل أحد هذه المجالات الذي يجسد تلك الكفاءات والخصوبة الفكرية والخيال الرحب لدى بنات وأبناء هذا الشعب الجريح. وزها حديد تقدم النموذج الفني المتميز بهذا الصدد.
فلسفة العمارة الحديثة تكمن وراء هذا التصميم المعماري, وهو عميق في مضمونه وشكله ويجسد الوحدة العضوية بينهما. كما إنه يعتبر التجسيد السليم لاستلهام التراث الحي والتعامل معه بأدوات العلم والفلسفة المعماريين الحديثين, فهو يجمع بين الماضي والحاضر ويشير إلى استمرار الحضارة الإنسانية وتلاقحها على الصعيد العالمي. فأنتم من تلامذة إحسان فتحي وخالد السلطاني ورفعت الجادرجي وقحطان المدفعي وغيرهم, ولكنكم في الوقت نفسه أحد تلامذة بناة العراق القديم, وأحد أساتذة العمارة في المستقبل أيضاً.     
أنهيتم محاضرتكم القيمة والمكثفة والمهمة بكلمة سحرية أعجبت الحضور وأعجبتني وأظن إنها تعجب الكثير من البشر ممن يتسنى لها رؤية التصاميم والاستماع لمحاضرتكم, إذ قلتم فيها إن "العراق أكبر من أن نخاف عليه". فصفق لكم الحضور, بمن فيهم رئيس الوزراء العراقي! لقد جلبت انتباهي هذه الجملة التي جاءت ضمن تحليل يختلف عن التحليل الفني للعمارة العراقية. 
أتفق معكم تماماً في ما ذهبتم إليه, فالعراق كان وسيبقى تلك الرقعة من الأرض الأبدية التي يمر من خلالها دجلة والفرات, إذ لعبا دورهما في نشوء أحد مهود الحضارة البشرية الزاهية. الأرض هي الأرض ستبقى, ووحدة العراق ستبقى أيضاً. لقد سقطت أطنان من القنابل والصواريخ على أرض العراق, فاحترق الإنسان ومات النخيل واقفاً وتلوثت المزروعات ومياه الأنهر والعيون, ولكن العراق بقى كما كان عليه قبل مئات وآلاف السنين.
الخوف يا أخي الكريم ليس على قطعة الأرض الصغيرة في خارطة الكرة الأرضية, فالأرض العراقية باقية ما بقى كوكب الأرض قائماً, ولكن خوفي وخوفكم وخوف الآخرين يفترض أن يتجه نحو الإنسان العراقي, نحو الإنسان الذي أنتج الحضارات القديمة وما يزال يمتلك القدرة على الإبداع, كما أنتم وزها حديد والآلاف المؤلفة من أمثالكم إن توفرت لهم فرصة الحياة للمساهمة في بناء حضارة افنسان الحديث في بلاد الرافدين, في العراق الراهن.
أخي الفاضل, إن الإنسان العراقي هو الذي يموت يومياً بصيغ شتى, يموت بكاتم الصوت, يموت محترقاً بالمتفجرات وتتساقط أشلاء الإنسان متناثرة وتمتلئ هذه الأرض بها وتسيل الدماء عليها. خشيتي وخشيتكم وخشية العالم يفترض أن تتجه صوب الطفل والصبي والشاب وكبار السن من الذكور والإناث, وهم جميعاً معرضون ومرشحون للموت في كل لحظة وفي الكثير من أرجاء العراق, هذه القطعة من الأرض التي يعيش الشعب العراقي بكل مكوناته القومية التي نعشقها جميعاً اشغلتنا جميعاً وأنسانا هذا الوله بها الإنسان العراقي ذاته, إذ بدونه, ليست هناك قطعة أرض تستحق الوله والعبادة. لقد سقط أكثر من 2,5 مليون إنسان عراقي من مختلف القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية خلال العقود الخمسة المنصرمة بسبب الاستبداد والقمع والحروب. والموت العمد ما زال يختطف العشرات من العراقيات والعراقيين يومياً. فالإنسان أخي الفاضل هو المهدد بالموت وليست الأرض العراقية, فخشيتكم يفترض أن تتجه صوب هذا الإنسان المهدد أولاً وقبل كل شيء, فهو الأثمن على هذه الأرض, وأنتم تشكلون جزءاً من هذا البشر الذي نخشى عليه, رغم أنكم تعيشون مثلي خارج حدود هذا الوطن الحبيب. كم بودي أن تتذكر معي المئات والآلاف من العلماء والأدباء والفنانين والنقابيين والعمال والفلاحين وبقية الكادحين, أن تتذكر أساتذة الجامعات العراقية ومدارسها والمهندسين والأطباء والمحامين والكثير من المثقفين المبدعين في مجالات كثيرة, أن تتذكر الإنسان العامل العاطل الذي يقف في المساطر ينتظر من يشتري قوة عمله ليحصل على أجر يومه ليشبع به بطون أفراد عائلته, وإذا بهم يسلبونه الحياة بسيارة مفخخة أو انتحاري مجرم ويتركون عائلته تتلوى جوعاً. على هؤلاء الناس الطيبين يفترض أن يتجه خوفنا أخي العزيز!   
الحزن والإحباط الذي أنتابكم في ميلانو كان في محله, فأنتم كنتم في حزن شديد لا على الأرض العراقية, بل على الإنسان العراقي, على الفقراء والطيبين وعمال المساطر وأبناء الخايبة, الذين يموتون يومياً بالعمليات الانتحارية وتفجير المركبات والاغتيالات, وهي لا تصل إلى أحياء الأغنياء في الخضراء أو القادسية أو غيرهما. الخشية يا أخي على حرية الإنسان وحقوقه, على موته المبكر على أرض العراق على أيدي القتلة.     
دعنا, أخي المهندس المعماري اللامع, الذي نعتز به وبفنه وإنجازه كما نعتز بزها وبغيرها من المبدعات والمبدعين, أن نتحاور وأضع أمامكم عدة مسائل جوهرية بعيدة كل البعد عن التشكيك بعملكم الفني أو التقليل من أهميته, بل من أجل أن نرى الأهم على المهم في حياة المجتمع العراقي في المرحلة الراهنة. ولدي الثقة بأن فناناً وعالماً مبدعاً مثلكم لا بد أن يمتلك من الحساسية الإنسانية والعقلية الجدلية بما يسمح لي بطرح هذه الرؤية الحوارية التي راودتني وأنا أستمع لمحاضرتكم القيمة بإصغاء كبير من خلال الرؤية البانورامية لما يجري في العراق الحبيب. هذه الحوارية لا تريد إحراجكم بأي حال, فأنتم أديتم ما عليكم من التزام علمي وفني وأدبي إزاء العراق وقدمتم خير ما يمكنكم تقديمه في المنافسة, بل هذه الحوارية موجهة بالأساس لمن يحكم العراق في هذه الأيام.
1.   لقد أقام الدكتاتور صدام حسين أثناء حياته في السلطة في العراق عشرات بل المئات من البنايات الكبيرة والضخمة, بما فيها مجمع مجلس وزراء, التي يصلح الكثير منها أن يكون مجمعاً للأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي الحالي, والقصور القائمة التي يسكنونها المسؤولون العراقيون الجدد تؤكد هذه الحقيقة. فليس العراق حالياً بحاجة إلى مثل هذا المجمع. وللتذكير بدروس التاريخ وتجاربه التي تشير بوضوح إلى أن المستبدين في الأرض كافة يسعون دوماً إلى إقامة نصب من هذا النوع لتبقى شاهداً على "عظمتهم!" وتذكر العراقيين بهم لا بالمهندسين الذين صمموا ذلك ولا بالناس الذين بنوا هذه النصب المعمارية والفنية بفكرهم وسواعدهم. وأكبر دليل على ذلك ما مارسه المستبد بأمره صدام حسين في إقامة مجموعة كبيرة من هذه النصب التي أراد بها التذكير بأنه كان الحاكم بأمره في العراق وأن كل ذلك أقيم بناء على أوامره. وتصور إن ذاكرة الناس ضعيفة بحيث ينسون سريعاً مئات الألوف من العراقيات والعراقيين الذين سقطوا بسبب سياسات هذا الدكتاتور الأهوج. وها أنا في خشية من أن نعيش تجربة ثانية من هذا القبيل, إذ أن بوادرها كثيرة حقاً وملامح الاعوجاج ظاهرة صدقاً.
2.   في هذه الأرض الغنية المعطاءة يعيش 29% من سكان العراق تحت خط الفقر المعرف دولياً, وما يماثل هذه النسبة من الناس في هذا العراق الحبيب تعيش على أو فوق خط الفقر المشار إليه. أليس حرياً بتلك المليارات التي يراد صرفها على مثل هذه المشاريع أن توجه أولاً إلى بناء دور سكنية للمحرومين الذين يعيشون في ظروف قاسية غير إنسانية, أو إقامة دور لتدريس الطلبة بدلاً مما نراه اليوم من دور طينية, أو معالجة المستنقعات المائية التي تغمر المناطق السكنية الشعبية بسبب عدم وجود مجاري المياه الآسنة في العراق. تشير وزارة الإسكان العراقية إلى أن البلاد تعاني من نقص يبلغ عدة ملايين من الشقق والدور السكنية في الوقت الحاضر. هل سمعتم بتلك السيدة العراقية الكادحة التي مات معيلها وترك لها ست بنات بمختلف الأعمار أُجبرت على بيع ثلاث منهن لكي تستطيع أن تبني سقفاً لبقية بناتها في العراق! هل يمكن أن يقبل ضمير الإنسان الحي بمثل هذا الواقع المرير.
3.   على هذه الأرض العراقية الطيبة ذاتها تعيش نسبة عالية من القوى القادرة على العمل بدون عمل وتصل إلى أكثر من 25%, وأكثر من هذه النسبة تشكل البطالة المقنعة في البلاد, ولا تتوجه الأموال صوب تشغيل هؤلاء الناس بالعملية الإنتاجية لإشباع البطون وسد الحاجات الأساسية وإزالة الأرضية الخصبة التي يستفيد منها الإرهابيون لتوفير قتلة جدد لعملياتهم الإرهابية.
4.   العراق الراهن لا يمتلك إستراتيجية للتنمية الوطنية ولا يمتلك تصورا واضح لما يفترض أن ينشأ في هذا العراق النفطي. وموارد النفط المالية بدلاً من أن توجه للتنمية الإنتاجية في الصناعة والزراعة والتعليم والبناء, توجه اليوم لاستيراد السلع الاستهلاكية السيئة والجيدة, المعمرة وغير المعمرة, ولكنها كلها بعيدة عن إعادة إعمار الاقتصاد العراقي. لا بد وأنكم عشتم مع الناس, أرجو ذلك, وعرفتم أزمة الكهرباء والماء, وأزمة السكن, وأزمة التلوث, وأزمة المدارس, وتراجع مستوى التعليم, ولا بد أنكم عشتم أيضاً, وأرجو أن تكونوا قد تعرفتم عليه, المحسوبية والمنسوبية والرجل غير المناسب في المواقع الحساسة من الاقتصاد والمجتمع العراقي, والأموال التي تصرف لإبقاء التخلف الفكري والوعي الاجتماعي والديني على حاله وليبقى الصراع والاستقطاب الطائفي ويستعر أكثر فأكثر.
5.   هل تعرفون أن العراق خصص 0,2% من إجمالي الميزانية العامة لأغراض وزارة الثقافة, ولكن المليارات لأغراض العسكر وللرئاسات الثلاث التي تشكل كلها نسبة عالية من الميزانية الاعتيادية.         
6.   في العراق الراهن أصبح لدينا جمع كبير من أصحاب المليارات, دعْ عنكم أصحاب الملايين, من الدولارات الأمريكية من ذوي النعمة الحديثة والقطط السمان ممن هم في الحكم أو حواشيه, وهو الذي له القدح المعلى في البلاد, إن هذا الجمع يعيش على السحت الحرام, على أموال الشعب وقوته اليومي, فما نام جائع ليلته إلا بجواره شبعان متخم! والغريب أن المسؤولين في العراق فرحون بوجود أصحاب المليارات والملايين ويفخرون بهم, في حين أن نسبة عالية من الناس تتضور جوعاً.
7.   ليس في نيتي أن أشير إلى أكثر من ذلك, ففي الجعبة الكثير الذي يمكن قوله بهذا الصدد, ولكن أشير أخيراً إلى الصراعات السياسية التي لا تدار بصورة عقلانية وحكيمة في البلاد, بل تقود إلى المزيد من منح الفرص للقتلة المجرمين من مختلف الأصناف ليقتلوا المزيد من العراقيات والعراقيين. والمشكلة تكمن في أن سياسيي العراق منشغلون ولاهون بمن يبقى منهم في السلطة ومن يهيمن على الوضع ومن يستطيع أن يكسر عظم الآخر, وهم لا يريدون أن يروا أن عظم الشعب هو الذي يكسر ويطحن يومياً لا عظامهم!
في مثل هذه الأجواء ينمو ويغتني التآمر الداخلي والخارجي, وليس طارق الهاشمي, إلا ورقة واحدة من أوراق كثيرة عابثة بمصير ومستقبل الشعب في العراق من الداخل والخارج. فليست التصريحات الوقحة لرئيس وزراء تركيا أردوغان من جهة, والتصريحات الأوقح التي أدلى بها قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني من جهة ثانية, سوى التعبير الواقعي عن مظاهر فعلية لهشاشة وضعف واهتزاز الأوضاع العامة التي تعاني منها الحكومة العراقية الراهنة. والغريب بالأمر إنها سعيدة باستمرار مجلس الوزراء على هذه الحالة المزرية.
أرجو أن لا أكون, أخي الفاضل الأستاذ منهل الحبوبي, قد أثقلت عليكم بهذه الرسالة المفتوحة, فهي وأن كانت موجهة إليكم, فإنها في حقيقة الأمر موجهة إلى أولئك المسؤولين الذين لا يتعلمون من دروس وتجارب الماضي القريب, دعْ عنكم البعيد, ويريدون خوض تجاربهم الخاصة التي لا تنتهي إلا إلى ما انتهت إليه التجارب السابقة والقريبة جداً, والتي كلفت الشعب العراقي الكثير من الضحايا والأموال والحياة المدنية والتراث الحضاري, ولكنها كلفت بالمحلة النهائية الحكام الموت والخزي والعار.
لا أريد أن أحرمكم بأي حال من عملية تنفيذ هذا المشروع المعماري الأصيل, ولكني لا أجرؤ في الوقت نفسه السكوت على ما يتعارض مع إرادة الشعب العراقي في المرحلة الراهنة وحاجاته الأساسية ومعالجة مشكلاته المباشرة, فالساكت عن الحق شيطان أخرس, ولدينا في العراق الكثير من الشياطين التي ترتدي أزياء وملابس أخرى.
لكم ولمن يعمل معكم المزيد من الإبداع المعماري والحياة الهانئة والسلامة.
مع خالص التقدير والمودة
كاظم حبيب         
برلين في 29/1/2012


262
كاظم حبيب
حول تصريحات قائد فيلق القدس الإيراني حول العراق

لا يمكن أن يستغرب كل متتبع لمجري الأوضاع في العراق منذ سنوات ما جاء في تصريحات قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، حين أكد "أن العراق وجنوب لبنان يخضعان لإرادة طهران وأفكاره"ا. ثم أضاف "انه بإمكان إيران تشكيل حكومات إسلامية هناك."
ففي خريف العام 2005 كتبت مقالاً بثلاث حلقات تحت عنوان "البصرة الحزينة ... البصرة المستباحة!" نشر في الحوار المتمدن وصوت العراق والعديد من المواقع العربية. ورد عليًّ في حينها الأخ وداد فاخر, فكتبت مقالاً جديداً بثلاث حلقات أيضا تحت عنوان " هل ما كتبته عن البصرة المستباحة حقائق على أرض الواقع أم من صنع الخيال؟ وفي ذات المواقع الإلكترونية.
لم تكن البصرة وحدها مسرحاً لنشاط الأمن والحرس الثوري وفيلق القدس والكثير من التنظيمات "الخيرية!", بل كان العراق كله وخاصة منطقة وسط وجنوب العراق وبغداد مسرحاً كثيفاً لنشاط هذه القوى, إضافة إلى تلك القوى التي تعلن صراحة أنها تقلد أو تتبع مرشد الثورة الإيرانية السيد علي خامنئي باعتباره مرجعيتها الدينية أو إنه وليها الفقيه, وبعضها غير القليل لا يعلن عن ذلك صراحة.   
وبالنظر للنقاشات الجارية حول هذا الموضوع وجدت مفيداً إعادة النظر في نشر تلك المقالات لإطلاع من لم يتمكن الإطلاع عليها في حينها, إذ إنها تجسد حقيقة ما يجري في العراق, بغض النظر عن وقاحة وصلافة قاسم سليماني, إذ إنه كان الأكثر صراحة وتعبيراً عن واقع العراق الراهن, وهي واحدة من ابرز المشاكل التي يعاني منها العراق في المرحلة الراهنة.  لا بد للقارئة والقارئ أن يأخذا بنظر الاعتبار بعض التغيرات التي طرأت على التنظيمات وانشقاقاتها, كما حصل مثلا في حزب الدعوة وخروج الجعفري منه وتشكيل جماعة جديدة, وترأس نوري المالكي حزب الدعوة الإسلامية, أو انشقاق في قوى التيار الصدري وميليشيات جيش المهدي وظهور عصائب الحق ...الخ.   
23/1/2012                                                               كاظم حبيب

كاظم حبيب


البصرة الحزينة ... البصرة المستباحة!
المقال في ثلاث حلقات
1-3
امتدت استباحة الدكتاتورية البعثية للبصرة وسكانها عدة عقود قبل أن يسقط النظام الدكتاتوري الذي أذاق الشعب البصري مرّ العذاب وعرض البصرة لحرب وتدمير واسعين ومارس تغييب مستمر لقوى المعارضة والقتل الواسع النطاق, وخاصة في أعقاب انتفاضة الشعب ضد المستبد بأمره والنظام الجائر. كما تعرضت مدن العراق الأخرى لنفس المصائب الثقيلة, وخاصة في سنوات الحرب.
وكان سكان البصرة من مختلف القوميات والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية المناهضة للدكتاتورية يأملون أن يتمتعوا بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق مختلف القوميات والأديان والمذاهب والعدالة الاجتماعية ويضعوا حداً للتدخل في شؤونهم الداخلية ليتسنى لهم إخراج القوات الأجنبية التي أسقطت النظام الدموي.
إلا أن الرياح جرت حتى الآن بوجهة أخرى, إذ سقط سكان البصرة تحت عملية استباحة جديدة إيرانية – عراقية يصعب تصور عواقبها اللاحقة على الشعب العراقي وعلى القوى الديمقراطية. إذ إن شبح الاستبداد يبدو شاخصاً ولكن تحت أسماء وواجهات وشعارات أخرى.
إن البصرة الحزينة المستباحة مجدداً تصرخ بصوت مسموع ومخنوق أنها أصبحت تُذل وتُداس كرامة مواطناتها ومواطنيها. فمن هي تلك القوى التي تمارس اليوم إذلال البشر في البصرة, وتأخذ مواقع صدام حسين وطغمته في هذا الإذلال؟ إليكم في أدناه بعض حقائق الوضع في العراق. أملي أن تنتبه إليها القوى السياسية العراقية في كل أنحاء العراق, ومنها القوى الكردستانية التي يفترض أن تهمها حرية الإنسان في الجنوب وفي الوسط أيضاَ, وهي تساهم في الحكم في العراق لا في كردستان وحدها؟
أربع قوى أساسية تمارس السيادة في البصرة حسب تسلسلها ودورها في الحياة العامة للسكان, وهي:
1. قوى الإسلام السياسي من مختلف الأطياف.
2. المخابرات والقوى الدينية الإيرانية التي تحتل الطابق الثالث في مبنى المحافظة في البصرة , ومنه تصدر أوامرها للمحافظة ومحافظات الجنوب والوسط الأخرى.
3. العشائر العراقية التي تقترب إلى الجماعات الإسلامية بسبب قربها من المرجعيات الدينية, ولكنها تحاول الدفاع عن أبناء عشائرها عندما يتعرضون للاضطهاد من جانب قوى الإسلام السياسي والمخابرات والقوى الدينية الإيرانية.
4. القوات البريطانية التي كانت وما تزال تنسق مع قوى الإسلام السياسي والعشائر, ولكن الأمر كما يبدو يكاد يفلت من بين يديها لصالح هيمنة القوى الإيرانية والمتحالفين معها من العراقيين.
يؤكد مجرى الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغياب الحياة الثقافية في البصرة وفي مجمل المحافظة, ويمتد الأمر إلى العمارة والناصرية والديوانية والكوت وغيرها, عدة حقائق جوهرية, من أهمها:
أ. إن القوى الإسلامية السياسية ورجال الدين هي التي تسيطر بالكامل على الحياة السياسية وتفرض إرادتها على المجتمع عبر مليشياتها وتهديداتها وقتلها للناس وحملة الاغتيالات المنظمة التي لا يكتشف أمر فاعليها.
ب. وهي التي تهيمن على ميزانية المحافظة وتتصرف بالموارد المالية التي تخصص للمحافظة, ومنه يبرز التصرف السيئ وغير الأمين بالموارد المالية.(راجع نشرة "الجمعة" التي تصدرها جماعة من المؤمنين المستقلين العدد الأول. ونشرة منتدى الفضيلة الثقافي /البصرة الصادرة في 16/ربيع الثاني 1426, حول تبادل الاتهامات في عمليات النهب لموارد المحافظة, وعدد آخر من البيانات الصادرة عن تنظيمات أخرى).
ت. تفاقم الفساد الوظيفي, المالي والإداري, واستشراء المحسوبية والمنسوبية والحزبية الضيقة والعشائرية والمذهبية الأكثر ضيقاً وعتواً في البصرة.
ث. وهي التي ألغت الحياة الثقافية والفنية وحولت حياة أهل البصرة إلى مآتم حسينية وعزاء دائم وغابت الفرحة والبسمة عن عيون وشفاه البصراويات والبصراويين, فالحزن والنواح هو الذي يلفهم دائماً, رغم المحاولات الجادة التي يبذلها اتحاد الأدباء بالبصرة لتحسين المناخ الأدبي والذي يجابه بالكثير من الصعوبات والعراقيل.
ج. وهي التي تفرض نوع الحياة الاجتماعية التي يفترض أن يمارسها الناس دون غيرها.
ح. وإيران هي سيدة الموقف إذ عبر أجهزتها الأمنية والتابعين لها تدخل كل الحياة الإيرانية الدينية المتخلفة إلى البلاد, والمرجعية الحقيقية للمدينة ليست مرجعية السيد السيستاني بل السيد على خامنئي, مرشد الثورة الإيرانية, باعتباره مرشد المجلس الأعلى للثورة الإسلامية, أي أنه يجسد ولاية الفقيه لقوى المجلس في البصرة وفي جنوب العراق وكل المجلس الأعلى.
خ. أما القوى الديمقراطية فليست من حيث المبدأ ضعيفة, أي من حيث العدد والنوعية, ولكنها مغيبة تحت ضغط الإرهاب والتهديد والقمع المباشر وغير المباشر, وتعرض الكثير منهم إلى الاغتيال غير المنقطع, وصعوبة الوصول إلى الشباب والتفاعل معهم.
د. وإلى جانب هؤلاء توجد قوى الإرهاب الصدامية والإرهابية من الجماعات التكفيرية وغيرها التي تساهم في تغييب الحياة الطبيعية في البلاد وتمارس الإرهاب على المجتمع.
ذ. وجدير بالإشارة إلى انتشار واسع النطاق للمخدرات بين صفوف الشباب, إذ لا يوجد ما يحرمها دينياً. وأكثر ما يرد إلى العراق هي المخدرات المصنوعة على شكل كبسولات يسهل التهامها. وقد كسبت الشرطة كميات كبيرة جداً منها في كربلاء, إذ أن المدينة المقدسة أصبحت, بفضل الإيرانيين والمنظمات المافيوية وبعض القوى الدينية والإسلام السياسي, مركزاً كبيراً لتجارة المخدرات وتوزيعها على نطاق البلاد بالجملة والمفرد, بالاستناد إلى وجود الجماهير الواسعة التي تصل إلى المدينة في مناسبات كثيرة. ويقال أن الشرطة كبست كمية كبيرة تكفي لإشباع طلب السوق العراقي عليه لمدة سنتين! ويشار إلى أن عدداً غير قليل من الذين يعملون في الأوساط السياسية الدينية هو الذي يساهم في مثل هذه العمليات المنظمة. والبصرة هي المنطقة التي تمر منها المخدرات بفعل أحزاب إسلامية سياسية وجماعات الجريمة المنظمة بعينها. ويمكن أن نشير هنا إلى عمليات تهريب المخدرات من إيران إلى العراق ومنها إلى الكويت حيث تم ضبط كميات كبيرة من المخدرات من قبل الشرطة العراقية على الحدود العراقية الكويتية.
ويمكن الإجابة عن السؤال الأساسي, من هي القوى التي تمارس السيطرة على البصرة؟, فيما يلي:

أولاً: المجلس الأعلى للثورة الإسلامية
يشكل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية القوى الحزبية الإسلامية الأساسية المهيمنة بقوة على المجتمع. مجموعة كبيرة من التنظيمات الفرعية التي تعمل تحت تسميات كثيرة لتمارس نشاطات عديدة كلها تصب في المجرى الذي يريده المجلس الأعلى للثورة الإسلامية, كما لها أقوى الروابط السياسية والأمنية والمصلحية مع إيران. وأبرز هذه الجماعات هي:
أ. فيلق بدر, وهي المنظمة العسكرية التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية
ب. منظمة سيد الشهداء
ت. القواعد الإسلامية
ث. منظمة 15 شعبان
ج. حركة حزب الله التي يترأسها كريم المحمداوي
ح. منظمة ثار الله
خ. النخب الإسلامية
د. بقيت الله ( وهي منظمة مخابراتية تابعة لإيران ومرتبطة بالمجلس الأعلى) (بقية الله مكتوبة فارسياً, ك. حبيب)
• ترتبط هذه التنظيمات المدنية منها والعسكرية وشبه العسكرية والمخابراتية بالسيد عبد العزيز الحكيم وبفيلق بدر في آن واحد, إذ أن قيادة فيلق بدر ترتبط بالسيد عبد العزيز الحكيم مباشرة.
• وأبرز مهمات هذه التنظيمات, إلى جانب الدعاية اليومية للمجلس وللحركة الإسلامية الشيعية المرتبطة بهم, ممارسة العمل العسكري بثلاثة اتجاهات:
* العمل في المساجد والجوامع والرقابة على ما يجري في البصرة من نشاطات؛
* تهديد القوى التي ترى ضرورة توجيه التهديد لها؛
* اعتقال من يراد توجيه التهم له في سجون خاصة وممارسة التعذيب ضده حتى قتله دون أن يعلم بذلك أحد.
* ممارسة الاغتيالات لمن يتقرر التخلص منه وتنفيذ "حكم الله !" به دون محاكمات شرعية.
• ويقيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية العلاقة المركزية والأساسية مع الحكومة الإيرانية والمخابرات والحرس الثوري في إيران ويتسلم تنظيمه في البصرة تعليماته السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية من إيران مباشرة. فقوى المجلس هي الممثل الفعلي لإيران في محافظة البصرة والجنوب بشكل عام.
• ويسيطر المجلس الأعلى على مجلس البصرة سيطرة كاملة ويسيرها وفق رغبات الطابق الثالث في المحافظة, حيث توجد مكاتب المخابرات الإيرانية, إضافة إلى البيوت العلنية والسرية الكثيرة والمنتشرة في أنحاء اللواء والتي تمتلكها المخابرات الإيرانية. علماً بأن المحافظ هو من حزب الفضيلة.
• وللمجلس الأعلى في البصرة هيئات تحقيق خاصة ومحلات للتوقيف والمحاكمة وسجون أيضاً وتنفذ الأحكام مباشرة.
• وقوات بدر, التي يترأسها في البصرة أبو أحمد الراشد, محافظ البصرة السابق, تعتبر القوة العسكرية الضاربة والمسلحة جيداً والمزودة بصلاحيات غير قليلة ولها صلة مباشرة بالحرس الثوري الإيراني وبالمخابرات الإيرانية, إضافة إلى صلتها المباشرة بوزير الداخلية العراقي. وأبرز تلك المهمات ترتبط بعمليات الاغتيال والتخلص من المناهضين, وهي المسؤولة عن تنشيط الحرب الدعائية الطائفية السياسية لتشديد الاستقطاب السياسي في البلاد للانتخابات القادمة. وقد توسعت قوات بدر كثيراً وضمت لها الكثير من الضباط العراقيين والإيرانيين بجنسيات عراقية مختلطة, تتسلم رواتبها بصورة مستمرة وبدعم مباشر من إيران. وقد تم تدريب هذه القوات مجدداً على حرب الشوارع وعمليات الاختطاف ومداهمة البيوت وغيرها. ويلاحظ تفاقم الصراع بين المجلس الأعلى وحزب الفضيلة في المحافظة رغم وجود مجلس يضم كل القوى والأحزاب الإسلامية بما فيها السنية في البصرة, والذي يطلق عليه بالمجلس السياسي.

ثانياً: حزب الدعوة :
يتفرع حزب الدعوة إلى ثلاث مجاميع, وهي:
- حزب الدعوة الذي يقوده الدكتور إبراهيم الجعفري, ويترأسه في البصرة عامر الخزاعي, وهي منظمة تمارس السياسة وربما بعيدة نسبياً عن قضايا الاغتيالات والعنف.
- حزب الدعوة – العراق الذي يقوده كريم العنزي, وهو الحزب الذي يمارس الكثير من العنف والإرهاب ومتورط بالكثير من الأعمال الأخرى التي يتحدث عنها البصريون،
- حركة الدعوة التي كان يقودها الراحل عز الدين سليم.
للجماعة الثانية مليشيات خاصة ومسلحة ولكنها اقل تحركاً من جماعة المجلس الأعلى, ولها صلاتها القوية بإيران, إلا أن اعتماد إيران الأساسي على قوى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية, ولكنها لا تستغني عن دعم الجماعات الأخرى. ولا تتورع تنظيمات هذه الجماعة عن ممارسا العنف والاغتيالات عند الحاجة, بل لها مجموعات متخصصة لهذا الغرض.
جرت محاولات لتعزيز العلاقة بين حزب الدعوة وإيران خلال الفترة الأخيرة, وخاصة بعد زيارة الجعفري لرئيس الوزراء الإيراني والمرشد الأعلى للثورة الإسلامية. وقد نجح الجعفري في ذلك, رغم أن رصيده الشعبي قد تقلص في الفترة الأخيرة لأسباب كثيرة, بما في ذلك تراجع الخدمات الاجتماعية وشخصيته غير المتوازنة ووعوده التي لا تنفذ وقراراته التي لا يتم الإصغاء لها لأنها فردية وهي تذكرنا بشخصيات عراقية مماثلة أكل الدهر عليها وشرب. كما تثار اليوم الكثير من الريبة حول العقود التي وقعت مع إيران بشأن تزويد العراق بالمشتقات النفطية ...الخ.

ثالثاً: جماعات مقتدى الصدر وميليشيات جيش المهدي:
تفرعت عن حزب الفضيلة ما يلي:
1. مجموعة مقتدى الصدر وجيش المهدي التي هي الأضعف من حيث التأثير في الدوائر الرسمية في البصرة, ولكنها تمتلك تأييداً في أوساط معينة من المجتمع البصري. وتتميز بالعنف والشقاوة والاعتداء على الناس.
2. حزب الفضيلة وهو القوة التي التابعة للشيخ اليعقوبي.
3. مجموعة الفضلاء التي يترأسها الشيخ خزعل السعدي المتخصصة بشؤون الفقه والتشريع.
إن الجماعتين الأولى والثانية تمارسان السياسة والنشاط العنفي ضد القوى المختلفة معهما وتحاولان فرض قواهما على المجتمع, وتمارسان التهديد والترغيب والقتل عند الضرورة ولديهما هيئات تحقيق وتمارسان الاعتقال والتعذيب ولديهما سجون ومحاكم تصدر أحكامها ضد الذين يعتقلون بتهم كثيرة. وهذا الواقع يذكر المجتمع بممارسات قوى مقتدر الصدر في النجف والجلود التي سلخت والشرطة التي قتلت والناس الذين ذبحوا من الوريد إلى الوريد والأعراض التي انتهكت والأموال التي سلبت.

رابعاً: منظمة العمل الإسلامي:
وهي منظمة سياسية إسلامية ابتعدت حتى الآن عن ممارسة العنف والقوة في العمل السياسي العراقي. وهي منظمة ليست عدوانية حتى الآن وليست كبيرة أيضاً, إذ لا تمتلك الكثير من الأتباع والمريدين. ولكن لها علاقات واضحة مع إيران.

خامساً: الانتفاضة الشعبانية
تشكلت العديد من التنظيمات السياسية الإسلامية التي يطلق عليها "قوى الانتفاضة الشعبانية" (حركة الانتفاضة الشعبية في ربيع عام 1991). وتتوزع هذه القوى على التنظيمات التالية:
- حركة الانتفاضة الشعبانية ويترأسها مفيد عبد الزهرة السماك
- حركة الانتفاضة الديمقراطية التي يرأسها السيد ماجد الساري, وهو وكيل وزير الدفاع.
- الحركة الوطنية لثوار الانتفاضة ويترأسها راضي السماك.
- النخب الإسلامية ويترأسها صبيح محكمة.
وفيما عدا ذلك نجد هناك التجمع الديمقراطي الإسلامي الذي يترأسه السيد محمد عبد الجبار الشطب. ويمكن اعتبار مجموعة الانتفاضة الشعبية الوطنية التي يرأسها ماجد الساري والتجمع الديمقراطي الإسلامي من الحركات اللبرالية والديمقراطية في المجموعات الإسلامية, وهي التي تبتعد عن الممارسات الإرهابية والعدوانية ضد المجتمع والقوى الأخرى.
وتؤكد المعطيات التي لدينا وفق الفحص الميداني للقوى الإسلامية السياسية بأن القوى التي تمارس الإرهاب والاغتيالات وخنق الأصوات أو الإسكات ونشر الرعب في صفوف المخالفين والمجتمع هي الجماعات التالية حسب تسلسلها:
• فيلق بدر التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية والقوى الأخرى المرتبطة به.
• القواعد الإسلامية التابعة للمجلس الأعلى.
• جيش المهدي التابع لجماعة مقتدى الصدر.
• وحزب الدعوة- العراق المرتبط بالسيد عبد الكريم العنزي.
تمتلك القوى الإسلامية السياسية العاملة في البصرة عدة خطوط رئيسية, وهي:
1. الخط السياسي الذي تؤديه قيادات الأحزاب السياسية الإسلامية الرسمية والمعروفة في الوسط السياسي.
2. الخط الديني السياسي والذي يتكون من أئمة الجوامع الذي يلقون خطب صلاة الجمعة والتي تتمحور حول الأهداف السياسية التي تبشر بها الأحزاب السياسية التي ترتبط بها وتوجه الناس للالتزام بها, سواء بالتأييد أو الإثارة ضد آخرين والاستعداء على قوى وأحزاب وسياسات معينة.
3. الخط العسكري الذي ينفذ مهمات الأحزاب السياسية سواء أكان ذلك في المراقبة والحماية أم في التهديد الذي يراد توجيهه لآخرين أم في عمليات عسكرية واغتيالات معينة. وهي تمتلك أسلحة حديثة وكثيرة ومخبأة بشكل جيد تحت الأرض, عدا الذي في بيوتها وبصورة رسمية أو شبه رسمية, يمكن أن تظهر على السطح وعلى أكتاف أصحابها في أقل من نصف ساعة. وأسلحة المليشيات في الوسط والجنوب لم تسلم, بل تم تسليم البعض منها فقط. وقد ظهر ذلك بوضوح في المعارك التي دارت بين جيش المهدي وفيلق بدر.
4. الخط الاقتصادي الذي يحاول الحصول على الموارد المالية بطرق شتى مشروعة وغير مشروعة للاستفادة منها لأغراض هذه القوى أو بصورة شخصية. ومنها تبرز تلك الجماعات التي تمارس التهريب والتجارة بالمخدرات مع القوى المماثلة في إيران. ولم يكن منع الكحوليات إلا لتنشيط عمليات المتاجرة بالمخدرات التي هي أكثر ربحاً للمتعاملين بها.
وفي ما عدا ذلك للقوى الدينية خطوط نشطة جداً في مجال النساء والشباب وفي مختلف المجالات الأخرى, وخاصة تلك القوى التي تصلها مساعدات مالية كبيرة وتمتلك بنية تحتية متقدمة نسبياً.
شكلت القوى الإسلامية المجلس السياسي الذي يضم جميع الأحزاب الإسلامية بما فيها حزب الفضيلة وجماعة مقتدى الصدر والحزب الإسلامي العراقي.
ولا بد أن نشير بأن الفترة الأولى بعد سقوط النظام وحتى الآن توجد لجنة تنسيق تضم جميع الأحزاب الإسلامية, ما عدا الفضيلة وجماعة مقتدى الصدر, إضافة على الحزب الشيوعي العراقي والحركة الاشتراكية العربية والحزب الوطني الديمقراطي, ولكنها محدودة الدور والحركة والتأثير.
وإلى جانب التنظيمات الإسلامية الشيعية نجد هناك تنظيماً إسلامياً سنياً هو الحزب الإسلامي العراقي ثم الوقف السني. وهما حزبان ينشطان في البصرة والزبير وأبو الخصيب حيث يكثر وجود السكان من أتباع المذهب السني, كما للجماعتين علاقات بالعشائر العربية السنية. وتحاول هذه القوى ممارسة دورها المماثل للأحزاب الشيعية في المنطقة, ولكنها تتعرض لمضايقات من قبل الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية, رغم أن سكان البصرة يتوزعون بحدود 35-40 من السنة و60-65 من الشيعة تقريباً.
جرت في الفترات المنصرمة عمليات اغتيال متبادلة وتصفيات سياسية بين قوى الإسلام السياسي المختلفة بسبب صراعها على السلطة والنفوذ والجاه والأموال وبسبب تورط بعضهم غير القليل بعمليات التهريب والمخدرات.
27/9/2005 كاظم حبيب
البصرة الحزينة ... البصرة المستباحة! كاظم حبيب
ما هو دور إيران والمخابرات الإيرانية في البصرة المستباحة؟
2-3
تؤكد وقائع الحياة السياسية والأمنية والفكرية والاجتماعية في البصرة والتي يتحدث بها جميع أهل البصرة والجنوب وتشير إلى أن المخابرات الإيرانية والقوى المحافظة الإيرانية والممثلة بالحرس الثوري ورجال الدين الشيعة يمارسون دورهم البارز والمهيمن على حياة الناس وخاصة على المجالات التالية:

مواقع الوجود الإيراني وأجهزة المخابرات في البصرة
المجال ---- -- مجال الأمن ----- مجال الثقافة------- المجال الفكري----- مجال الاقتصاد
السياسي والتجسس والحياة الاجتماعية والديني والتهريب

وتعمل أجهزة الأمن والمخابرات الإيرانية على خطين متوازيين ومنفصلين وبكثافة متعاظمة:
• خط يجري بعلم القوى الإسلامية السياسية وعبر تعاون وثيق ومستمر معها باعتبارها الموجهة لها في نشاطها.
• خط يجري بصورة سرية لا تعرف به قوى الإسلام السياسي الرسمية, بل يتم عبر حصن طروادة الموجودة داخل الأحزاب الإسلامية السياسية ومتخصصة بمختلف مجالات النشاط وتسعى إلى بث عيونها في مختلف الأحزاب العاملة في العراق, بما فيها العلمانية لغرض التجسس عليها ومن خلال عناصر عراقية.
لا تعمل أجهزة المخابرات الإيرانية في الطابق الثالث من بناية المحافظة المخصص لها عملياً فحسب, بل تسيطر على المحافظة كلها وعلى المحافظ الذي يدين لها بالولاء والحماية وتوجه نشاطيهما.
لهذه المخابرات بيوت ومراكز عمل كثيرة موزعة على مناطق الجنوب, وخاصة البصرة, باعتبارها الميناء والمدينة الأكبر من حيث النفوس والمجاورة للخليج والسعودية وإيران.
وتتلخص مهمات هذه القوى العاملة في العراق فيما يلي:
1. تعزيز التأثير الإيديولوجي والنفوذ السياسي للقيادة الدينية المحافظة في إيران على عقلية ونشاط قوى الإسلام السياسي في العراق وعلى المجتمع البصري والجنوب. تعطيل أي تعاون حقيقي بين القوى العلمانية أو المدنية والقوى الإسلامية وتخريب ذات البين, تشويه سمعة القوى العلمانية ومراقبة نشاطهم. ويتم هذا النشاط عبر خمس مجالات أساسية, وهي:
• عبر الأحزاب السياسية الدينية وكوادرها الأساسية.
• عبر الجوامع والمساجد التي يمكن الوصول إليها.
• عبر وزارة التربية والمناهج الدينية.
• عبر الجامعة وزيادة تأثير قوى الإسلام السياسي على الشبيبة الطلابية.
• عبر غرفة تجارة البصرة والسوق.
• عبر الطلائع واستقبال المزيد منهم لتعليم القرآن والوجهة الدينية الإيرانية الشيعية المتعصبة.
• عبر النساء وخاصة عبر رابطة المرأة المسلمة حيث تحتل المخابرات الإيرانية موقعاً مهماً فيها.
• التبشير بأفكار الراحل السيد الخميني ونشر صوره على نطاق واسع في أنحاء البصرة والجنوب, وخاصة في فترات الاحتفالات والمناسبات الدينية العامة, وهي أصبحت كثيرة جداً, باعتباره المرشد الأعلى الذي رحل والمثل الأعلى, ويليه الخامنئي في ولاية الفقيه!
• محاربة ما يسمى بـ "الفساد الأخلاقي والابتعاد عن الدين!" ومنه, السينما والمسرح والفن التشكيلي والغناء والرقص والأشرطة المختلفة (الكاسيتات) ومحلات شرب الخمور ومحلات بيعها, إذ يأمل البعض ممن منع بيع وتجارة المشروبات الروحية العلنية بتنشيط تجارة المخدرات في السوق السوداء للحصول على أقصى الأرباح على حساب الشبيبة العراقية, وهي مستهدفة بالنشاط الديني والمخدرات لتبقى بعيدة عن الحياة الفعلية وعن التحولات السلبية الجارية في حياة الناس والمجتمع, ...الخ.
• المشاركة في عمليات التحقيق والتعذيب أو حتى التغييب وإرسال المعتقلين إلى السجون الإيرانية للإجهاز عليهم ومحو أي أثر لهم, إن عجزوا عن فرض التوبة عليهم وغسل أدمغتهم.
• تشكيل أكبر عدد ممكن من التنظيمات الدينية الحسينية باتجاه توسيع صلاتها بالجماهير وارتباطاتها بها وتوجيهها وزيادة تأثير وجهتها الدينية الشيعية على الناس من أمثال منظمات الشهيد, وسيد الشهداء, والحسين الشهيد, وفاطمة الزهراء, وسكينة, والبتول, وشباب الحسين, والإغاثة والأيتام الإسلامية التي يترأسها واثب العامود من حزب الدعوة والمقيم في بريطانيا, ورابطة المرأة المسلمة, وضحايا الحرب, ومساعدة عوائل الشهداء ....وغيرها من المنظمات الوهمية التي تمارس العنف والتغييب والاختطاف أيضاً, وتنظيم المواكب الحسينية الذاهبة إلى كربلاء أو إلى الكاظمية أو المشاركة في مواليد ووفيات الأئمة في المذهب الجعفري.
2. الدعوة إلى إقامة فيدرالية شيعية في الجنوب والتي بُحثت مع أكثر من سياسي عراقي زار إيران خلال السنتين المنصرمتين واقتنع بها وحمل رايتها, ومنهم بشكل خاص الدكتور عبد العزيز الحكيم والدكتور أحمد ال?لبي والدكتور إبراهيم الجعفري وغيرهم من السياسيين من أتباع المذهب الشيعي ومن المرتبطين بالأحزاب الإسلامية السياسية أو المتحالفين معها ممن يدعي العلمانية. وهي دعوة سيئة تريد تعميق الانشطار المذهبي السياسي وتكريسه في العراق لصالح ضرب الوحدة الوطنية العراقية, وخاصة في صفوف العرب من المذاهب المختلفة. وهي عملية إضعاف للعراق وترك الجنوب الشيعي تحت رحمة إيران ومخابراتها وأتباعها. ويبدو أن عضو القيادة القطرية السابق لحزب البعث العربي الاشتراكي, قيادة قطر العراق, وصاحب كتاب تاريخ العنف في العراق, والذي يسمى اليوم باقر ياسين "الموسوي", يترأس الحركة التي تدعو إلى إقامة فيدرالية جنوبية شيعية في العراق بعد أن كان يدعو إلى وحدة الأمة العربية ووحدة الوطن العربي من الخليج إلى المحيط, فأصبح الآن يدعو إلى فيدرالية شيعية في جنوب العراق وليس إلى فيدرالية عربية مثلاً في كل وادي الرافدين إلى جانب فيدرالية كردستان العراق.
3. لا يتم التعامل من جانب القوى الإيرانية من الناحية الفكرية فحسب, بل هي تساهم بدعم أغلب القوى الإسلامية السياسية الشيعية بالأموال والسلاح والعتاد والخبراء بمختلف الاختصاصات وكلهم من رجال الأمن الإيراني, وخاصة في الحملات الانتخابية, كما تمارس المخابرات الإيرانية وقوى أخرى مرتبطة بها نشاطات تخريبية في الجانب الاقتصادي والاجتماعي. وأبرز ما يلاحظ في هذا الصدد هو:
• تهريب النفط العراقي وتهريب السلع باتجاهات مختلفة وبالتعاون مع عراقيين ومع قوى الجريمة المنظمة من دول المنطقة.
• المتاجرة بالمخدرات وتكديس أطنان منها في العراق, إذ ستصبح البصرة مركزاً لاستيراده من أفغانستان وإيران وباكستان وإعادة تصديره إلى مختلف الدول في المنطقة ومنها إلى غيرها من دول العالم, ولكن يباع بشكل خاص وعلى شكل كبسولات في العراق أيضاً. واكتشفت في الآونة الأخيرة كميات كبيرة في كربلاء تكفي لتغطية السوق العراقي لمدة سنتين وبأيدي إيرانية عراقية, وكذلك ضبطت كميات منها ومن مخدرات أخرى على الحدود العراقية الكويتية وهي قادمة من إيران, إذ أصبح العراق مركزاً للتوزيع في دول المنطقة, وخاصة مدينة البصرة.
• المتاجرة بالمشروبات الروحية بعد منع التجارة الرسمية به. وأصبح الإنسان العراقي الذي يريد تناول المشروبات الروحية أن يشتريها من السوق السوداء وبأسعار عالية جداً, إضافة إلى أنه في الغالب الأعم تكون مغشوشةً.
• المتاجرة بتهريب الأسلحة والأعتدة إلى العراق ومنها إلى الدول التي تحتاجها وإلى القوى الإسلامية السياسية بالذات. وستعاني دول المنطقة الكثير من المصاعب بسبب كثرة السلاح الموجود في العراق, إضافة إلى ما يرده من إيران لأغراض الاستخدام المحلي وإعادة التصدير في السوق السوداء.
• وقد ظهرت في الآونة الأخيرة حالات ملموسة للمتاجرة بالنساء. وهي حالة مماثلة لما يجري في إيران من قبل بعض القوى المحسوبة على النظام.
4. إن الإشكالية الكبيرة التي تستفيد منها إيران لشراء ذمم الناس وتسخيرهم لأغراض مختلفة, تماما كما تفعل القوى الإرهابية وأتباع النظام المقبور, تبرز في وجود بطالة واسعة جداً في البصرة وعموم الجنوب أولاً, والفقر الكبير الذي يعيش في ظله غالبية سكان البصرة ثانياً, والحالة الدينية المتخلفة والرجعية التي نشرها النظام وجمهرة من رجال الدين ممن عاد إلى العراق من إيران وغياب التنوير الديني في صفوف المجتمع ثالثاً, وتأييد قوى الإسلام السياسي الشيعية للنشاط السياسي والديني الإيراني في العراق عموماً وفي الجنوب على وجه الخصوص لاعتبار أن ذلك النشاط يصب في مصلحتها حالياً ويخدم تعبئة الناس حولها رابعاً.
لا شك في أن هناك قوى إسلامية متنورة في العراق, سواء في داخل أحزاب الإسلام السياسي أم خارجها, ترفض هذا النشاط وتلك الممارسات المشينة وتراه مخلاً بدور الشعب وقواه الوطنية, وبفكر وصحة الشباب من النساء والرجال وبوحدة البلاد واستقلالها وسيادتها الوطنية وتساهم بفضحه بطرق مختلفة أو حتى مقاومته حيثما أمكن ذلك.
إن أهداف إيران في العراق عموماً والجنوب على وجه الخصوص, واضحة جداً وتتلخص في الوقت الحاضر:
أولاً: تعزيز التشابك بين الأحزاب الإسلامية السياسية العراقية وقوى المحافظين المتشددين في إيران ونقل التجربة الإيرانية إلى العراقيات والعراقيين.
ثانياً: إضافة طابع الإسلام الشيعي على الدستور العراقي, والذي يمكن أن يقرأ بوضوح في المسودة المطروحة للاستفتاء, وخاصة في مجال المرجعيات وثوابت أحكام الإسلام والفقهاء في المحكمة الدستورية ...الخ.
ثالثاً السعي لإقناع العراقيات والعراقيين من المسلمين بضرورة الأخذ بولاية الفقيه خاصة وأن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية أخذ به أصلاً ومارسه عندما كان في إيران مع السيد الخميني الراحل ومع السيد الخامنئي. وهي إحدى نقاط الخلاف بين حزب الدعوة والمجلس الأعلى.
رابعاً: ضمان سيطرة الشيعة على العراق العربي بشكل خاص, وكحد أدنى على جنوب وبعض وسط العراق من خلال تشديد نشاط قواها وتعزيز قوى المجلس الأعلى بشكل خاص.
خامساً: محاولة تغيير الحدود لصالح إيران, حيث تشير المعطيات إلى أن مخافر الحدود الإيرانية دخلت في العمق العراقي في مناطق جنوب العراق, ويمكن للمسؤولين في وزارة الدفاع التيقن من ذلك ببساطة, إذ أن هذه المخافر أصبحت موقعاً لتهريب كل شيء, إذ أن الفساد الوظيفي المالي والإداري قد تضاعف في إيران منذ أن سيطر الآخندية على الدولة والحكم. ويفترض أن نعلم إن الربط بين الدين والدولة سيكون لصالح الدولة ورجال الدين وليس في صالح الدين وعلماء الدين بأي حال, وعندها ينفصل الدين عن الدولة عملياً ويبقى اسمياً ويعم الفساد في كل مكان.
سادساً: اعتبار جنوب العراق عمقاً استراتيجياً لإيران وموقعاً للتدخل غير المباشر في شؤون منطقة الخليج والسعودية, خاصة وأن القوى المحافظة, رغم فشلها في تصدير الثورة الإيرانية, لم تتخل عن هذا الهدف حتى الآن. وعلينا أن لا ننسى أن إيران تريد أن تُعامل على أساس أنها أقوى دولة في المنطقة, ومن هنا يأتي جهدها للحصول على السلاح النووي, إضافة إلى امتلاكها وقدرتها على إنتاج الأسلحة الكيماوية والبايولوجية متى تشاء.
سابعاً: وتريد إيران أن تضمن عدم تحرش أو تأييد العراق لدول الخليج التي ما انفكت تطالب بحق بالجزر العربية الثلاثة التي احتلتها إيران في زمن الشاه والتي ما تزال ترفض حتى التفاوض بشأنها. إن امتلاك إيران للقنبلة الذرية في غير مصلحة العرب وشعوب المنطقة والعالم, وعلينا النضال ضد حصولها على إمكانية إنتاج الأسلحة النووية, إضافة إلى تشديد النضال لنزع السلاح النووي الذي تمتلكه إسرائيل وجعل المنطقة كلها خالية من الأسلحة ذات التدمير الشامل.
ثامناً: ولا شك في أن أهم الأحزاب والكتل الإسلامية السياسية العراقية ذات الانتماء الشيعي تعتبر إيران بعداً وعمقاً استراتيجياً لها ولنشاطها وتأخذ منها العون والنصيحة والدعم المتنوع.
ولا يعني هذا عدم وجود تناقضات بين قوى الإسلام السياسي العراقي والإيرانية, ولكن غالباً ما سيكون لصالح إيران في مثل هذه الظروف التي يمر بها العراق وعلى حساب المصالح العراقية.
29/9/2005 كاظم حبيب
*****************************************************************

هل من معاناة فعلية تمر بها القوى الديمقراطية في البصرة؟
3-3

أشرت في الحلقتين السابقتين إلى الأوضاع المعقدة جداً التي تعيشها البصرة ومنطقة جنوب العراق عموماً والناجمة عن التشابك الحاصل بين قوى الإسلام السياسي العراقية بمختلف فصائلها وأطيافها من جهة, وبين القوى السياسية والمخابرات الإيرانية والحرس الثوري وقوى المحافظين في إيران وامتداداتها في البصرة والجنوب والفاعلة بنشاط واستمرارية كبيرين. ولا تخلو بغداد وبقية مدن الوسط من هذا الواقع المعقد أيضاً. وأكثر الذين يواجهون المصاعب هم الأفراد والجماعات والقوى الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني الديمقراطية وكذلك النقابات والمنظمات المهنية. فالحياة السياسية والثقافية والاجتماعية مليئة بالمشكلات التي تحد من حرية الحركة والعمل السياسي الحر.
لا شك في أن القوى الديمقراطية في البصرة وعموم الجنوب قد تلقت ضربات قاسية وموجعة جداً في فترة حكم البعث الدموية نتيجة مواقفها ونضالها ضد الدكتاتورية الصدامية, واضطرت جمهرة كبيرة من العناصر الديمقراطية وقوى الأحزاب السياسية المدنية والعلمانية الديمقراطية إما الصعود إلى إقليم كردستان العراق والنضال من هناك ضد الدكتاتورية وإما الهجرة المؤقتة إلى خارج العراق, أو البقاء في البلاد ومواصلة النضال بأساليب مختلفة وبسرية فعلية قائمة على أساس العلاقات الخيطية بين المناضلات والمناضلين. والكثير ممن بقي في الوطن تعرض إلى الاعتقال والسجن والتعذيب والموت على أيدي جلاوزة الحكم الاستبدادي, كما أن عدداً غير قليل منهم أجبر على التخلي عن حزبه أو حركته السياسية أو أفكاره تحت ضغط عمليات التسقيط السياسي البعثية الهمجية. وهم ضحايا النظام الدموي جلاد الشعب المخلوع. ومن عاش وساهم في العملية النضالية خلال العقود الثلاثة الأخيرة يدرك عدد بنات وأبناء البصرة والجنوب الذين عادوا من الخارج أو من كردستان ليمارسوا النضال السري في الوسط والجنوب, وخاصة من أعضاء الحزب الشيوعي العراقي, أو من بعض القوى والأحزاب السياسية الأخرى, والعدد غير القليل الذي سقط في أيدي العدو البعثي ولقي حتفه أو دخل السجن وتعرض لأشرس أنواع التعذيب أو البعض القليل الذي اصطف إلى جانب البعث بالرغم منه. كما ضرب الانتفاضة الشعبية في ربيع عام 1991 قد أدت إلى موت الكثير من المناضلين الشجعان وإلى اضطرار عدد كبير من المناضلين على مغادرة الوطن إلى السعودية, ومن بينهم مختلف القوى السياسية, سواء أكانت من أحزاب علمانية, كالحزب الشيوعي العراقي, أم من أحزاب إسلامية كحزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية وغيرها.
وبعد سقوط النظام اجتاحت الجماعات الإيرانية بشكل خاص, وعاد الكثير من العراقيات والعراقيين الذين عاشوا في المهجر الإيراني أو في غيره, وكثرة منهم عملوا, بصورة طوعية أو بأساليب ومغريات كثيرة, في الأحزاب السياسية الإسلامية وفي الحرس الثوري والمخابرات الإيرانية وقوات بدر, إلى العراق وسيطروا على المحافظة وأجهزتها وحصلوا على الدعم من بعض العشائر العراقية في المحافظة وتحالفوا معها وهي التي ترتبط بولاء كبير للمرجعيات الدينية في النجف وكربلاء, إضافة إلى الدعم الذي حظوا به من قبل قوات الاحتلال البريطانية. واستطاعوا عبر كل ذلك ممارسة الهيمنة الفعلية على البصرة وجَّر الكثير من الناس إلى جانبهم بصيغ وأساليب شتى (الجزرة والعصا).
البصريون يدركون أن هناك وعياً مزيفاً يسيطر على عقول الناس سرعان ما ينقشع ويتعرى أمام أعين الناس حين يتمادى هؤلاء بسياساتهم الراهنة وأساليب عملهم وتشابكهم غير العقلاني مع القوى الإيرانية, إذ أن غالبية سكان البصرة تتميز بحب الحرية والتمسك بالديمقراطية وحقوق الإنسان وتكره الدكتاتورية بمختلف أشكالها وترفض التدخل في شؤون الفرد والعائلة, كما يحصل الآن من قبل قوى الإسلام السياسي ورجال الدين, كما ترفض العمل مع الأجنبي بالصيغ الجارية حالياً مع إيران. إن الواقع الراهن هو الذي يدفع بالناس إلى الخشية من تلك القوى التي تمتلك السلاح وتهدد الناس في أرزاقهم وتحاول السيطرة عليهم من خلال التحكم بعيشهم, خاصة وأن المجتمع يعاني من حالتي الفقر العام والبطالة الواسعة بين القادرين على العمل من النساء والرجال.
تعاني القوى الديمقراطية, ولأسباب كثيرة, منها ما هو مفهوم ومبرر ومنها ما يحتاج إلى تحليل وتدقيق وتغيير, من ضعف الحضور في الساحة السياسية والثقافية البصرية وضعف العمل بين الشباب والنساء, رغم وجود كثرة من المثقفين الديمقراطيين والفنانين المبدعين في مختلف الاختصاصات الفنية والأدبية, ورغم الجهد الذي يبذله اتحاد الأدباء في البصرة في تقديم برامج أو محاضرات أسبوعية لمواجهة الثقافة الوحيدة الجانب. وغالباً ما تتعرض بعض نتاجاتهم وأوضاعهم إلى مصاعب الإعاقة والتعرض. وهم باستمرار يتشبثون بكل إمكانية متوفرة لضمان حقهم في التعبير عن وجودهم ونشاطاتهم وإبداعاتهم. وغالباً ما يقدمون الشكاوى بأمل أن تسمع من أحد وتتخذ الإجراءات الكفيلة بوضع حدٍ للتجاوزات الجارية. ويطالب الفنانون العراقيون من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية إعادة بهو الإدارة المحلية لاستخدامه لأغراضهم الفنية بدلاً من مصادرته من قبل المجلس الأعلى.
إن الثقافة الإنسانية تتعرض في البصرة, كما في العراق, إلى الكثير من التغييب والتشويه, وإلى انتشار ثقافة صفراء جامدة ومتخلفة ومرضية في أغلبها, تدفع بالشعب إلى مهاوي التخلف والفاقة الفكرية والجدب الفكري الإنساني. وإلقاء نظرة على الكتب في أغلب المكتبات وعلى الطرقات ليتيقن مما أقوله في هذا الصدد.
ورغم وجود بعض الأحزاب الوطنية والديمقراطية مثل الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي والحركة الاشتراكية العربية والتجمع القاسمي والتجمع الشعبي القاسمي والتجمع الديمقراطي الإسلامي وجماعة الانتفاضة الديمقراطية وبعض العناصر والشخصيات المستقلة وبعض وجهاء العشائر المتنورة في المحافظة, فأن هذه القوى, ورغم الجهود المضنية التي تبذلها, ما تزال بعيدة كل البعد عن الحاجة الماسة لنشاط القوى الديمقراطية العراقية في البصرة وعموم الجنوب, وخاصة بين الشباب.
إن السياسات الطائفية السياسية والتمييز الديني والطائفي إزاء أتباع الأديان والمذاهب غير الشيعية هي المهيمنة وهي القاتلة لكل سلوك وسياسة ديمقراطية في البلاد, وهي التي تعيق بدورها كسب أناس جدد للعمل السياسي الديمقراطي.
وبين فترة وأخرى تتعرض العناصر الشيوعية والديمقراطية إلى مخاطر الاغتيال, كما حصل للعديد منهم, ومنهم المناضل فاخر, مراسل أحدى الصحف الأمريكية, وأخيراً عباس ولي الذي أعيد إلى وظيفته في استعلامات نفط الجنوب ليقتل على أيدي "مجهولين!". أو تتعرض الجماعات الديمقراطية التي تعمل في المنظمات المهنية إلى مخاطر الملاحقة والاعتداء والاتهام بشتى التهم البائسة التي لا أساس لها إلا في العقول المريضة لهؤلاء الأشخاص والجماعات, بسبب إقامة احتفالات مشتركة أو سفرات طلابية بين البنات والأولاد, كما حصل أسوأ اعتداء لا أخلاقي ووحشي من جانب مليشيات جيش المهدي التابعة لمقتدى الصدر على طلاب كلية الهندسة والتي أثارت الاستياء في جميع أنحاء العراق وفي الخارج, أو كما كانت وما تزال تجري اعتداءات على الجماعات السكانية من أديان ومذاهب أخرى وقد قتل الكثير من هؤلاء الناس وخاصة من المسيحيين والصائبة المندائيين. لقد أجبر مقتدى الصدر إلى تغيير وكلائه في البصرة أربع مرات خلال فترة قصيرة بدءاً بالبهادلي ومروراً بالشيخ سعد البصري ومحمد الساعدي, ثم أضطر إلى غلق مكتبه في البصرة بسبب سوء الأداء وتصرفات هؤلاء الناس السيئة والبعيدة عن القانون المكونين لجيش المهدي وجماعته, وأخيراً عاد وفتح مكتبه من جديد وبنفس القوى السيئة السابقة.
إن الفكر الغيبي الذي تنشره القوى الدينية في البصرة يدفع بالشباب من النساء والرجال بعيداً عن إدراك حاجاته الأساسية الفكرية والسياسية الفعلية, إذ أن نشاط الجماعات الإسلامية موجه ضد الفكر الديمقراطي وضد العلمانية ومبادئ الحرية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.
إن المعاناة الحقيقية والرئيسية في البصرة والجنوب بشكل عام تبرز بوضوح في حياة المرأة العراقية هناك. فرغم الإرهاب الذي مارسه النظام الصدامي عليها وحرمها من الكثير من الحقوق المشروعة لم يجرأ على سلبها ما شرعه حكم قاسم من قانون الأحوال الشخصية رغم التقريم الذي تعرض له القانون. أما اليوم فأن المرأة العراقية تخضع لسلطة جائرة هي سلطة جمهرة من رجال الدين الذين يرون ضرورة حرمان المرأة من كامل حقوقها المشروعة والمثبتة في لائحة حقوق الإنسان, إنها سلطة الدين الذكوري, وليس الإسلام الحق, وسلطة الرجل والدولة الذكورية, رغم إقرار نسبة الـ 25 % للنساء في مسودة الدستور. إن المرأة تعاني من ملاحقة وتحرش حالما رفضت ارتداء العباءة. وأكثر القوى إساءة للمرأة هي رابطة المرأة المسلمة التي تدعي الدفاع عن المرأة ولكنها تكافح ضد حقوق المرأة التي حققتها بنضالها الدولي, وتريد حصرها بالشريعة التي تغتصب حقوق المرأة حقاً وتحيلها على امرأة تعيش للبيت والمطبخ وخدمة الرجل ومشروع جنس وولادات لا غير. إن المرأة بحاجة إلى وعي اجتماعي وسياسي واقتصادي وإلى ثقافة تحدي هذا المجتمع الذكوري الذي يريد منعها من ممارسة حقوقها إلا بالقدر الذي لا يمكن أني ينفع أحداً من الناس. إن علينا أن نسند المرأة, وسنناضل من أجل تعديل الدستور حتى بعد إقراره ليعترف بحقوق المرأة كاملة غير منقوصة ولا يخضعها للشريعة بأي حال.
إن أمام القوى الديمقراطية فترة عصيبة إن استمر التشابك الحاصل الراهن بين المخابرات الإيرانية والجماعات الإيرانية المحافظة من جهة, وقوى الإسلام السياسي العراقية من جهة أخرى, وزيادة تأثيراتها المباشرة على الحياة السياسية في البصرة والجنوب.
نأمل أن تنتبه القوى الديمقراطية في العراق كله إلى ما يرسم لها في الفترة القادمة أن لم تسع إلى جمع الكلمة والتحالف في ما بينها لمواجهة الوضع الاجتماعي الارتدادي الجاري حالياً. إننا أمام معضلة لا يمكن حلها دون تحالف حقيقي بين القوى الوطنية والديمقراطية على صعيد العراق كله, من كردستان ومروراً بالوسط والجنوب. إنه الصرخة التي يفترض أن تخترق كل أذن عراقية وكل عقل متفتح لمعرفة ما يجري في جميع أنحاء العراق والعمل من أجل تجاوز مخاطره.
إن ما يزيد من تعقيدات اللوحة في العراق هو الإرهاب الدموي الذي يمارسه أيتام النظام السابق وأجهزته القمعية وقوى الإسلام السياسي المتطرفة والتكفيرية من أتباع بن لادن والزرقاوي وأنصار الإسلام وغيرهم, وكذلك من القوى العربية الشوفينية التي تدعي وجود مقاومة حقيقية لقوى الاحتلال في العراق في حين يهرس القتل المزيد من العراقيات والعراقيين قبل غيرهم, إضافة إلى قوى الجريمة المنظمة وعصابات السرقة والنهب والاختطاف لأغراض الحصول على الأموال القذرة. كما أن الصراعات بين قوى الإسلام السياسي يقود إلى عواقب مماثلة, كما حصل في الآونة الأخيرة بين قوات فيلق بدر التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية وقوى جيش المهدي التابعة للسيد مقتدى الصدر.
ولهذا تصبح الدعوة إلى وحدة القوى الوطنية الديمقراطية, المدنية والعلمانية واللبرالية, ضرورية جداً وحاجة حياتية للمجتمع العراقي بأسره.
29/9/2005 كاظم حبيب

حلقات النقاش
هل ما كتبه عن البصرة المستباحة حقائق على أرض الواقع أم من صنع الخيال؟ الحلقة الأولى: موقفي من الشيعة
1-3
كاظم حبيب
   
أثار مقال "البصرة الحزينة.... البصرة المستباحة" لدى القراء الكرام الرغبة في التقصي عن الوقائع والحقائق التي وردت فيه ومن ثم التفكير في سبل التغيير الممكنة لهذا الواقع المؤلم. وكانت كثرة من الاتصالات الهاتفية والرسائل الإلكترونية التي وصلتني أقنعتني بصواب نشر المقال وتحقيق هدفه, أي جلب انتباه القراء من غير البصرة والجنوب, إذ أنهم يعيشون تلك الوقائع, وكذلك الأحزاب والقوى السياسية, لما يجري في البصرة وضرورة الحوار حول المشكلة وأهمية متابعة الموضوع من أجل المشاركة في فضح الاستبداد الفكري والسياسي المتفاقمين في المنطقة والتدخل الإيراني الفظ والمتواصل في العراق, إضافة إلى منع التدخل السعودي المحتمل أو غيره أيضاً.
كما أثار المقال موجة

263
كاظم حبيب

المستبدون القتلة في سوريا والمحكمة الجنائية الدولية

لست معنياً بصيغة الإطاحة بالنظام السوري الذي يواجه مطالب واحتجاجات ومظاهرات الشعب في الخلاص منه بالحديد والنار حتى وصل عدد الشهداء أكثر من 5000 إنسان خلال الأشهر العشر المنصرمة, إذ إنها من مهمات الشعب السوري وقواه السياسية المناضلة بصيغ مختلفة لتحقيق هذا الهدف. ولكن أنا, كغيري من البشر, معني جداً بموضوع التضامن مع هذا الشعب المبتلى بحزب سياسي شوفيني واستبدادي لا يتورع عن الاستمرار بقتل الناس لكي يبقى في السلطة, ولا تتورع الأنظمة العربية التي لا تختلف عنه في الفكر والسلوك في الدفاع عن هذا النظام واستمراره وحمايته وتقديم الدعم المتنوع له. كما لا تتقدم الجامعة العربية قيد أنملة صوب الاستجابة لمطالب الشعب السوري وممارسة الضغط المتعاظم على هذا النظام لإجباره على الركوع أمام إرادة الشعب السوري.
كما يفترض أن نتضامن مع الشعب السوري من خلال الدعوة إلى تقديم طلب إلى المحكمة الجنائية الدولية, التي تأسست في العام 2002 في لاهاي/هولندا والمسؤولة عن ملاحقة الأفراد المتهمون بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم الاعتداء. إن على القوى السياسية السورية المناضلة من أجل الخلاص من الاستبداد والقسوة والعنف في سوريا أن ترفع دعوى قضائية ضد النظام السوري والنخبة الحاكمة, ومنهم رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الداخلية ووزير الدفاع ورئيس جهاز المخابرات والأمن السياسي السوري وبعض قادة الجيش والشرطة والأمن ..الخ, متهمة إياهم بالاعتداء على الشعب السوري وممارسة القتل الجماعي وجرائم ضد الإنسانية. ومن حق الأطراف التالية تقديم طلب إلى المحكمة الجنائية الدولية لإقامة الدعوى والتحقيق في الاتهامات التي توجه لهذا الفرد أو الأفراد: 1) إحدى الدول الموقعة على اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية، 2) المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية, 3) مجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة. عندها يستطيع مدعي عام المحكمة السيد لويس مورينو اوكامبو, الأرجنتيني الجنسية, أن يمارس دوره البدء بالتحقيق وتوجيه الاتهام رسمياً إلى مجموعة النظام التي تصدر الأوامر العليا والتي تنفذ تلك الأوامر بالمثول أمام المحكمة أو طلب اعتقالها حين تصل إلى أي دولة من تلك الدول التي وقعت على قانون إنشاء المحكمة والتي بلغ عددها حتى الآن 114 دولة. وفي حالة رفض أي دولة رفع مثل هذه الدعوى, فأن بالإمكان تقديم الوثائق الضرورية بالتهم التي توجه إلى قادة النظام السوري إلى المدعي العام لكي يتبنى القضية ويمارس مهمته.
إن من الضروري محاصرة قادة هذا النظام وفرض التوقف عن القتل وإرغامهم على الاستجابة لإرادة الشعب السوري والتخلي عن الحكم قبل أن يرتفع عدد القتلى ليصل إلى ألاف أخرى, فالنظام السوري على استعداد كامل لقتل آلاف البشر لكي يبقى في السلطة ويمارس العفرتة والبطش والفساد في البلاد.   
23/1/2012                         كاظم حبيب

264
كاظم حبيب
التعامل مع الصحف العراقية جحيم لا يطاق!

يواجه الكتاب والصحفيون في العراق مختلف أنواع الرقابة منذ العهد الملكي والعهود الجمهورية والوقت الحاضر, الكثير منها حكومي أساساً, وبعضها يرتبط برقابة هيئات التحرير أو بمحاولات للشطب والتقطيع أو التحوير والتشويه.
في العهد الملكي كتبت مقالاً تحت عنوان "ملاحظات في كتاب "أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث" للكاتب البريطاني ستيفنن همسلي لونگريگ, ترجمة جعفر خياط. حكم عليَّ بسببه في العام 1958 وأنا في الإبعاد في بدرة بالحبس لمدة شهرين قضيتها في سجن بعقوبة مع تعذيب شرس. كان هذا قبل ثورة تموز.
في تموز/يوليو من عام 1978 نشرت مقالاً في طريق الشعب حول حركة وفعل القوانين الاقتصادية والاقتصاد العراقي فأصدر صدام حسين ومجلس قيادة الثورة أمراً باعتقالي وتعذيبي, فعذبت وأُحلت على التقاعد بدون تقاعد وأطلق سراحي وأجبرت على مغادرة العراق للتدريس في جامعة الجزائر.
في التسعينات من القرن الماضي نشرت مقالات في جريدة لندنية. في أحد هذه المقالات وضعت هيئة التحرير عناوين ثانوية لمقال مهم لي شوهت الموقف كله, كما منعت مقالا لي عن قناة الجزيرة, مما جعلني أقاطع تلك الجريدة حتى الوقت الحاضر. وكانت مقالاتي لها كلها مجانية.
امتنعت مجلات عراقية ونحن في الشتات العراقي وقبل سقوط النظام عن نشر مقالات لي بسبب كوني شخصية مختلف عليها من حيث الموقف الفكري والسياسي. وتوقفت عن إرسال مقالاتي لها. ونشرت مقالاتي في مجلات عربية لبنانية. ومجلة عراقية أخرى طلبت مني الكتابة لها فوافقت على وفق اتفاق معين يضمن عدم التلاعب في مقالاتي أو تغيير عنوانين المقالات نشرت لي مجموعة من المقالات الأسبوعية لمدة ستة شهور إلى أن أخلت بالاتفاق فتوقفن عن النشر فيها.
في أعقاب سقوط النظام انفتحت أبواب النشر في الصحافة العراقية أمام مقالاتي والكثير من الكتاب والصحفيين العراقيين. اتفقت مع جريدة عراقية يومية في بغداد على النشر وبطلب من هيئة التحرير. استمر النشر لفترة أقل من سنة ثم أخل رئيس التحرير بالاتفاق المبرم فتوقفت عن النشر في الجريدة.
وصحيفة عراقية أخرى نشرت لي مقالات كثيرة على وفق اتفاق شفوي بيننا, ولكنها ولأسباب سياسية بدأت لا تنشر بعض المقالات وتنشر البعض الذي تريده هيئة التحرير. أعلنت لهم عن إلغاء الاتفاق من طرف واحد, إذ لا يجوز التعامل بهذه الطريقة, فحرية النشر يجب أن تكون مكفوله للكاتب وللصحفي ما دامت المقالات موضوعية ولا تسيء لشخص عام أو خاص, بل تعالج السياسات والمواقف الفكرية. لقد غابت الرقابة الحكومية وبرزت الرقابة التي تمارسها هيئات التحرير.
منذ سنوات وأنا أنشر في جريدة احترمها كثيراً واعتبرها جريدتي أيضاً. فكانت تنشر لي مقالات عديدة ولا تنشر أخرى. وكان الاتفاق لا مانع من عدم النشر ولكن لا بد من إعلامي لكي لا يموت المقال إذ يمكن نشره في مكان آخر, وهي مقالات أرسلها مجاناً. وقد جوبهت بموقف غير مريح في هذا الصدد قررت التوقف عن النشر فيها إلى حين معرفة الموقف: هل  بسبب طبيعة مقالاتي, أم بسبب كاظم حبيب ذاته.
لو جمعت المقالات التي لا أعرف أسباب عدم نشرها لشكلت كراساً غير صغير.
المقالات التي تنشر باسم الكاتب يتحمل الكاتب ذاته مسؤولية ما جاء فيها. علماً بأن مقالاتي لا تتجاوز على الأشخاص, ولكنها تعالج المشكلات والسياسات والمواقف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. 
لقد تخلص العراق من الرقابة الحكومية تقريباً, وإذا به يخضع لرقابة بعض هيئات التحرير. يبدو إن العراق يعيد إنتاج الاستبداد الفكري والسياسي بطرق مختلفة ولا يقتصر على النخب الحاكمة, بل يمتد لشمل مجالات كثيرة أخرى ومنها الإعلام بما فيها النشر في الصحافة العراقية.
19/1/2012                           كاظم حبيب

   

265

هل للقتلة في العراق دين أو مذهب؟ 

" هل للقتلة في العراق دين أو مذهب؟ ". كان هذا السؤال وما يزال يدور في بال كثرة من البشر لا في العراق فحسب, بل وفي الكثير من بلدان العالم. جماعات من القتلة الأوباش كانت وما تزال ترتبط بتنظيمات سياسية "إسلامية" إرهابية تدَّعي التزامها بالمذهب السني بتفرعاته العديدة. وجماعات أخرى من القتلة الأوباش كانت وما تزال ترتبط بتنظيمات سياسية "إسلامية" إرهابية تدَّعي التزامها بالمذهب الشيعي بتنوعاته المختلفة. هذه القوى مجتمعة مارست الإرهاب منذ أكثر من سبع سنوات عجاف فقتلت عشرات الألوف من العراقيات والعراقيين, سواء أكان ذلك عبر الاغتيالات المباشرة أم بالتفجيرات الانتحارية أم بالسيارات والدراجات البخارية والهوائية المفخخة أم بإشعال الحرائق في الكنائس والجوامع والمساجد والبيوت والمؤسسات الثقافية والاقتصادية وفي الأحياء والأسواق الشعبية. كما قتلت الناس على الهوية وعلى الأسماء, فمنهم من قتل لأن اسمه عمر أو عثمان أو أبو بكر, ومنهم من قتل لأن اسمه علي أو جعفر أو كاظم أو رضا. فمات المئات من البشر في مثلثات الموت وفي أكثر من مكان.
نسفوا جامع الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء وقتلوا البشر على الجسر الرابط بين الأعظمية والكاظمية وهما يحتضنان قبر الإمام أبو حنيفة من جانب وقبر الإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد من جانب آخر. نسفوا جوامع ومساجد أخرى لأتباع المذهبين في الإسلام.
قتلوا الناس والعلماء والأدباء والصحفيين وشيوخ الدين ومجموعة كبيرة من المثقفين الديمقراطيين وبعض السياسيين في كل المدن العراقية, وخاصة في الوسط والجنوب وداخل بغداد والمحافظات الغربية والموصل وكركوك, قتلوا المسلمين السنة والشيعة, وقتلوا المسيحيين وقتلوا الصابئة المندائيين وكذلك أتباع الدين الإيزيدي. لقد ولجوا بل غاصوا في دم العراقيات والعراقيين من مختلف القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية الديمقراطية خلال الأعوام المنصرمة وما زالوا حتى اليوم يقتلون المزيد من البشر. قتلوا في الآونة الأخيرة جمهرة من الزوار المتجهين صوب مدينة كربلاء للمشاركة في الذكرى الأربعينية لاستشهاد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب. كل الذين قتلوا من زوار الحسين هم كانوا من بنات وأبناء الشعب الفقراء والمحتاجين الذاهبين إلى هناك طلباً للمساعدة والعون لإنقاذهم من الحالة المأساوية التي هم فيها, فماتوا على أيدي مجموعة من القتلة المجرمين. ولكن هؤلاء القتلة, وأياً كانت الهوية التي يحملونها, قتلوا أيضاً جمهرة من الناس الأبرياء, جمهرة من المواطنات والموطنين في مدينة الموصل.
الشعب العراقي يواجه جريمة بشعة, جريمة تندرج ضمن جرائم الإبادة الجماعية وضد الإنسانية حيث قتل حتى الآن مئات ألوف العراقيات والعراقيين على أيدي القتلة من أتباع "المليشيات الإسلامية السياسية الطائفية المسلحة", سواء أكانت من تنظيمات القاعدة أم من غيرها, وسواء أكانت من تدعي الانتساب للمذهب السني أم للمذهب الشيعي, فهي كلها من حيث المبدأ لا تنتمي إلى أي دين أو مذهب ديني. فهذه الجماعات كلها لا تحترم الدين الإسلامي ولا المذاهب الدينية المتفرعة عن الإسلام ولا تنتمي إليها رغم الادعاء بغير ذلك. إنهم جماعات من الناس المرضى الذين يعانون من عقد وأمراض نفسية وعلل وعاهات اجتماعية, وبضمنها التعصب الديني والمذهبي أو التعصب القومي, إنهم من الغلاة المجانين, ولكنها تسلب الإنسان عقله وتدفع به خارج أطواره كإنسان وتحيله إلى مجرم قاتل لا يدين بدين ولا بمذهب.
إن هؤلاء المجرمين يشعرون بالسعادة حين يمارسون فعلة القتل وتزداد سعادتهم بزيادة عدد الضحايا الذين يسقطون بفعل عملياتهم الإجرامية, سواء بحصولهم على السحت الحرام, أم بما أقنعهم القيمون عليهم بأنهم سيدخلون الجنة حين يقتلون أكبر عدد ممكن من أتباع المذهب الشيعي أو من أتباع المذهب السني. إنهم يسعون إلى تأجيج الفتنة لا بين السياسيين فحسب, فكثرة من السياسيين كما يبدو, شاؤا أم أبوا, أدوات مباشرة أو غير مباشرة بيد هؤلاء القتلة ومن يقف ورائهم, بل وبين أبناء وبنات الشعب من أتباع المذهبين, وبالتالي السعي لإحداث مجزرة بشرية في العراق يذهب ضحيتها مئات ألوف أخرى إضافية ودمار شامل وتدهور حضاري يوازي أضعاف ما نحن عليه الآن من تدهور وخراب حضاري وسقم كبير.
إن المهمة  الملقاة على عاتق الناس العقلاء والحكماء والأسوياء من بنات وأبناء الشعب العراقي أن يتصدوا لهؤلاء القتلة ولمن يقف خلفهم ومن يوجههم ويساندهم بمختلف السبل في الداخل وفي دول الجوار وغيرها, أن يشاركوا في الكشف عن هوية كل هؤلاء وشل أيديهم وإبعادهم عن المواقع المؤثرة وإبعاد السياسيين منهم عن التأثير في الأحداث بالاتجاه الذي يسعى إليه القتلة.
إن المرحلة الراهنة التي يمر بها العراق عصيبة والقوى الحاكمة لا تعي الدرب الخطر الذي تدفع إليه والعواقب الوخيمة المترتبة عن سلوكها غير السوي في الحياة السياسية وفي عدم القدرة على إدارة الصراع بطريقة سلمية وديمقراطية حضارية. فالعراق اليوم يعيش مرحلة تدهور سياسي كبير وتراجع حضاري كبير وردة اجتماعية بعيدة المدى سوف تستغرق وقتاً غير قصير لتجاوزها ولإيقاف الجرائم التي ترتكب يومياً في العراق على أيدي القتلة.
18/1/2011                     كاظم حبيب          
     



266
كاظم حبيب
هل يمكن حل الأزمة الطاحنة في العراق؟

المحاولات الجارية في العراق لحل الأزمة الطاحنة كثيرة ومتعددة الجوانب والاتجاهات والأهداف, وهي تتجه صوب عقد مؤتمر وطني عام تساهم فيه كافة القوى والأحزاب السياسية المشاركة في العملية السياسية بغض النظر عن تمثيلها أو عدم تمثيلها في مجلس النواب. والسؤال الذي يدور في بالي, وربما في بال الكثيرين, هو: كيف يراد لهذه الأزمة المستعصية والمتعقدة باستمرار أن تحل في هذا المؤتمر؟ وهل هناك إمكانية فعلية حقاً لحلها؟
ليس هناك من إنسان عاقل لا يريد حل الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية المتفاقمة والطاحنة للمجتمع منذ سنوات, إذ إن الضحية المباشرة هي الغالبية العظمى من الشعب العراقي, إضافة إلى معاناة الاقتصاد الوطني من غياب التنمية وتدني مستوى حياة ومعيشة نسبة عالية من السكان وتدني مستوى الحياة الثقافية والتعليمية وكذلك تردي الوضع البيئي. ولكن كل الدلائل تشير إلى واقع استعصاء هذه الأزمة وتراكم متفاقم لمدخلاتها السلبية التي ستحدد مخرجاتها التي ستكون عاجزة عن إيجاد حل لها في هذا المؤتمر ما لم يلج المؤتمر في صلب الموضوع وعمق المشكلة المركزية في البلاد, إذ أن الأزمة بالأساس بنيوية عميقة وشاملة, وهذا يعني أنها ليست أزمة سطحية وآنية وعابرة يمكن معالجتها عبر مصالحة بين المالكي وعلاوي, فكلاهما لا يصلح لقيادة البلاد.
ولا شك في أن إضافة سلبية جديدة قد دخلت على هذه الأزمة البنيوية التي زادت في الطين بلِة والتي نتجت عن أسلوب تفكير أو ذهنية وطريقة عمل رئيس الوزراء العراقي وسعيه المحموم لضمان هيمنته (وهيمنة حزب الدعوة الذي يقوده ولو مؤقتاً)على العراق دولة وشعباً.
فما أن خرجت القوات الأمريكية من العراق, وما أن عاد رئيس الوزراء العراقي من لقاءٍ له مع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية, باراك أوباما, حتى شعر بقوة استثنائية مزيفة وقدرة مشوشة على تحريك الشارع العراقي والمجتمع بإشارة منه, أي أنه شعر بأن الوقت قد حان لفرض هيمنته الفعلية على الساحة العراقية من خلال توجيه ضربة "معلم" يستطيع بها التخلص الفعلي من خصومه السياسيين, رغم كونهم ما زالوا حلفاء له في حكومته المشلولة كلية. ففتح مدرجاً مليئاً بالملفات والتقط واحداً منها بتشخيص محدد وأصدر أمراً بإلقاء القبض على نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي. وبهذا القرار وبالصورة التي صدر بها عمق الأزمة السياسية العراقية ورفع بها إلى مستويات جديدة. لقد كان عليه أن يؤمن احتفالاً شعبياً كبيراً ومن قبل الجميع بمناسبة خروج أخر جندي أمريكي من البلاد, وأن يضع القضية الأخرى, قضية طارق الهاشمي في عهدة القضاء.
لقد كان رئيس الوزراء على عجل من أمره فأراد بضربة استباقية قاضية أن يشل الطرف الثاني ولكن الرجل نسى, وهو في نشوة استثنائية كمن ينتظر نصراً جديداً خارقاً له, كل الصراعات الداخلية والإقليمية والدولية الكامنة وراء أي تصرف له من هذا القبيل في داخل العراق وفي منطقة الشرق الأوسط. وهذه العجالة المقترنة بغياب المستشارين العقلاء عن مكتبه لأنها مليئة بالعديد من الإمعات, وضعته وجهاً لوجه مع القضاء العراقي, إذ ارتكب مجموعة كبيرة من الأخطاء الفاحشة التي يفترض أن تقود به إلى القضاء, لو كان القضاء العراقي حراً مستقلاً حقاً. يمكن تكثيف الأخطاء الفاحشة التي ارتكبها رئيس الوزراء بالنقاط التالية:
الخطأ الأول: احتفاظ رئيس الوزراء ومنذ ثلاث سنوات بملفات خاصة بالقضاء العراقي في أدراج مكتبه تتضمن تهماً عديدة موجهة ضد نائب رئيس الجمهورية باعتباره يدير مجموعة من أعوانه وحمايته مارست الاغتيال المباشر ضد خصومه السياسيين وتنفيذها تفجيرات في بغداد وفي غيرها أدت إلى تدمير وقتل الكثيرين بتوجيه مباشر من نائب رئيس الجمهورية وبدعم من التخصيصات الموضوعة تحت تصرف هذا النائب من أموال خزينة الدولة. إن وضع تلك الملفات في خزانة رئيس الوزراء تعتبر مخالفة صريحة يعاقب عليها الدستور العراقي, إذ إن هذا يعني إخفاء معلومات عن جرائم ارتكبت بحق أبناء وبنات الشعب. هذا من جانب ومن جانب آخر فأن عدم اعتقال أفراد هذه العصابة في حينها, إن كانت التهم صحيحة ولا يمكن استبعادها, يمكن أن يكون قد ساعدها على ارتكاب جرائم أخرى بحق أبناء وبنات الشعب. وبهذا يكون رئيس الوزراء قد منع القضاء العراقي من ممارسة دوره الطبيعي في ملاحقة عصابات القتل والتدمير من جهة, واحتمال تسببه في موت آخرين من جهة ثانية. 
الخطأ الثاني: عدم اعتراض رئيس الوزراء, وهو المالك لملفات تخص تهماً موجهة ضد طارق الهاشمي, على ترشيح الأخير لمنصب نائب رئيس الجمهورية, رغم معرفته الموثقة بما لديه من معلومات, بأن الرجل متهم بقيادة عصابة اغتيالات, رغم مشاركته بالعملية السياسية!
الخطأ الثالث: قيام رئيس الوزراء ومن خلال أجهزة الإعلام بإعلان قرار إلقاء القبض على المتهم بارتكاب جرائم قتل وتفجيرات دون ترك الفرصة للقضاء في ممارسة صلاحياته, وبالتالي تجاوز, وهو المسؤول الأول عن السلطة التنفيذية, على صلاحيات سلطة القضاء التي يفترض أن تكون مستقلة تماماً عن السلطة التنفيذية.
الخطأ الرابع: ورغم معرفة رئيس الوزراء بتلك التهم, سمح له بمغادرة بغداد, ولم يسمح للقضاء بممارسة مهمة إلقاء القبض على المتهم الأول والاكتفاء باعتقال بعض أفراد حمايته. وبهذا تجاوز رئيس الوزراء على صلاحيات القضاء واستقلالية قراراته وسمح لمتهم بالإجرام بمغادرة العاصمة بغداد.
الخطأ الخامس: بهذه الإجراءات المنافية للدستور والمتجاوزة عليه أعطى رئيس الوزراء فرصة واضحة لمن يريد أن يقول بأن التهم الموجهة لنائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي هي سياسية بامتياز وليست قضائية. وهو أمر سلبي في غير صالح القضية كلها ولا في صالح العملية السياسية في العراق ومعالجة المشكلات التي أغرقت البلاد بالدماء والدموع وبالكثير من المشكلات الاجتماعية والخدمية, إضافة إلى الفقر والبطالة..الخ.
الخطأ السادس: ومما زاد في الطين بلِة طلب رئيس الوزراء العراقي من رئيس إقليم كردستان تسليم نائب رئيس الجمهورية إلى القضاء العراقي وعبر الإعلام أيضاً, وهو يعرف جيداً إن هذا لن يحصل, لأن رئيس الوزراء ذاته جعلها مسالة سياسية بامتياز, وبالتالي أراد بذلك تعقيد العلاقة مع إقليم كردستان وعرقلة عقد المؤتمر الوطني العراقي, مما جعل رئيس ديوان رئيس الإقليم يصرح بأن الرئيس لن يشترك في المؤتمر إن عقد ببغداد. إذ من يرتكب مثل الأخطاء الواردة في أعلاه يمكن أن يرتكب أخطاء أخرى يزيد الوضع تعقيداً وسخونة.
نحن أمام شخصية سياسية عليلة فكريا وسياسياً. وهذا الاستنتاج  يدفع بي إلى التساؤلات العادلة الآتية, بالارتباط مع تتبعي لمجرى الأحداث في العراق وسياساته ومواقفه وأساليب عمله: هل ارتدى الرجل "جبة كبيرة" تفوق حجمه السياسي الفعلي, وبالتالي فهو غير قادر على تحمل مسؤولية قيادة العراق في هذا الظرف العصيب؟ وهل يعاني الرجل حقاً من نزعة طائفية حادة ومقيتة؟ وهل يعاني من نرجسية مرضية؟ وهل يسعى إلى التمسك بشكل استبدادي بالسلطة ويتسم بنظرة استعلائية فارغة وغرور أعمى من خلال قوله من على منبر مفتوح على شاشات التلفزة بما نصه: "هو ليش يگدر واحد يأخذه حتى ننطيها بعد!!"؟ وهل مثل هذا الرجل ملائم لقيادة العراق في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ العراق وشعبه؟ أنا لا أشك بقدرة هذا الرجل على قيادة البلاد فحسب, بل أنا على يقين تام بذلك.
 إن حل المشكلة لا يكمن في مصالحة تقليدية بين شخصين أو كتلتين, رغم التناقضات والصراعات التي تطحنهما, إذ إنها ليست الحل بأي حال وهي عملية ترقيع بائسة, لأن الشقوق كثيرة وهي أكبر بكثير من الرقع المتوفرة التي يراد استخدامها لمعالجة الوضع المتردي.       
المشكلة أيها السادة, ومن دون أي لف أو دوران, تكمن في النظام السياسي الطائفي السائد في العراق, في المحاصصة الطائفية اللعينة التي تتناقض كلية مع مبادئ الحرية والحياة الديمقراطية ومع الدستور العراقي والمبادئ الأساسية التي وردت فيه بهذا الصدد والتي جلبت لنا من لا يستطيع قيادة البلاد بحكمة وعقلانية. والكتل السياسية الرئيسية لا تريد التخلي عن طائفيتها وعن سلوك المحاصصة في توزيع السلطة التنفيذية. وهي ليست أزمة محلية فحسب, بل وإقليمية تشترك فيها دول الجوار بشكل يومي وكثيف لا يسمح بالتراجع عن مواقفها الراهنة. كما إنها تتشابك مع مشكلات وصراعات على المستوى الدولي من خلال واقع الصراعات المحتدمة والجارية على صعيد الإقليم.
إن قراءة الواقع العراقي تشير إلى إن الأحزاب الإسلامية السياسية التي تدعي تمثيلها لأتباع المذهب الشيعي, رغم كونها غير موحدة بل ومتصارعة, على عكس إدعاءات حسن السنيد, عضو قيادة في التحالف الوطني, في لقاء له يوم 11/1/2012 مع قناة السومرية, رغم أن فيهم من هم عقلاء ويتابعون الخلل في تطور التحالف الوطني ودولة القانون, تريد أن تبقى مهيمنة على السلطة وأن تكون القوة الفاعلة الرئيسية في البلاد وتفرض إرادتها ورؤيتها وحلولها وقراراتها على بقية القوى السياسية, في حين ترى الأحزاب السياسية القومية والإسلامية الممثلة في القائمة العراقية التي تدعي تمثيلها للمواطن العراقي, ولكنها في الواقع تريد تمثيل أتباع المذهب السني, رغم وجود بعض العناصر القليلة التي تتخذ مواقف آخر, تريد أن تزيح هذه القوى الشيعية وأخذ مكانها في السلطة وممارسة الهيمنة على البلاد. والتحالف الكردستاني يقف حتى الآن بين مدينتي نعم ولا, رغم محاولات المصالحة التي لا تغوص في قاع المشكلة وعمقها الحقيقي!
من يستمع إلى تصريحات قوى في طرف التحالف الوطني الشيعي يجد إن اللغة الطائفية طاغية بشكل استثنائي, فحسن السنيد, أحد قادة التحالف الوطني الشيعي, يتحدث في لقاء له مع قناة السومرية بلغة طائفية مقيتة حقاً تعمق الفجوة لا بين الأحزاب الطائفية فحسب, بل وتنقلها إلى القاعدة الاجتماعية إلى الشعب لتؤجج الصراعات بين أبناء وبنات الشعب الواحد.
ومن يستمع إلى تصريحات القائمة العراقية التي تحاول أن تتحدث بلغة عراقية لا سنية, ولكنها تمارس في الواقع لغة بعثية وطائفية سياسية سنية في آن واحد. ويتجلى ذلك بشكل صارخ في تصريحات حيدر الملا, احد النشطاء السابقين المشوهين في أجهزة أمن صدام حسين, إذ يطرح خطاباً سياسياً سيئاً ومثيراً ومشدداً للصراعات الطائفية أو في تصريحات صالح المطلگ الذي لا اعتقد أنه تخلى عن ولائه لعزت الدوري!
ليس هناك من حل سريع للأزمة العراقية الراهنة وليس في مقدور من يريد حل الأزمة مؤقتاً حلها فعلاً لأنها لا ترتبط بالرغبات بل بالمصالح المتناقضة والمتصارعة التي تريد دفع البلاد إلى نزاع فعلي لحسم الموقف إلى أحد الطرفين, وهم يدركون تماماً عجز الطرفين عن تحقيق هذا الهدف غير السليم وغير الواقعي.
ولا شك في أن إيران وقوى إقليمية أخرى من جهة, والسعودية وتركيا وبعض القوى والدول في الخليج من جهة أخرى, تلعب دورها البارز في تشديد هذا الصراع ونقله إلى الشارع العراقي, وهي الخطورة الكبرى في الوضع الراهن المحمل باحتمال انفجار الصراع وتحوله إلى نزاع دموي قاتل في الشارع العراقي.
إن على من يريد حل الأزمة, أن يعالج المشكلة المركزية, ورغم إن المطالبة بانتخابات عامة مبكرة يمكن أن لا تغير من الأمر كثيراً, ولكنها ربما تقنع جمهرة متسعة من بنات وأبناء الشعب بما ينتظرها حين تعيد منح صوتها لمن أخل بما وعد به خلال السنوات الست المنصرمة. إنها الفرصة التي ربما من المفيد أن يخرج بها المؤتمر الوطني العام إن عقد حقاً وناقش المشكلات بجدية ومسؤولية.
13/1/2012                     كاظم حبيب               


267
كاظم حبيب
هل من سبيل لوقف سفك الدماء في العراق؟

هل من سبيل لوقف نزيف الدم في العراق؟ هذا السؤال يلح عليَّ كل صباح ومساء, كلما فكرت بما يجري في العراق, والتفكير بالعراق, بهذا الوطن الجريح والمستباح من قبل الإرهابيين بكل هوياتهم وأصنافهم وأحزابهم وقواهم الظاهرة والمستترة, غير متوقف. من السهل أحياناً وضع الأسئلة, ولكن ليس من السهل الإجابة عنها. وهذا أحد هذه الأسئلة العصية على الحل لا لأنها ترتبط\ بالمبادئ والقيم الأساسية التي تمس المجتمع, بل بالمصالح الأنانية والضيقة التي تدوس بشراسة وعنجهية تدميرية على المبادئ والقيم الإنسانية, على حقوق الإنسان وعلى الحريات الديمقراطية. لأنها تتجاوز على مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث المعمول في النظم السياسية الديمقراطية, وعلى مبدأ حرية الصحافة والصحافيين, وعلى حرية التظاهر والتجمع... الخ. ولأنها لا تعتمد على مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية, باعتبارها الهوية  الرئيسية والأساسية في المجتمع والدولة, بل تلتزم بالهويات الثانوية والهامشية القاتلة لوحدة المجتمع والمنفذة لسياسة التمييز بين أفراد المجتمع بسبب الدين والمذهب والقومية والفكر والرأي السياسي.
العراق, كدولة وكحكومة وكأحزاب, ومن ثم كمجتمع, يعيش في أزمة مستفحلة ومتفاقمة. طرحت العديد من المبادرات لمعالجة الأزمة الحادة الراهنة. والمبادرات المطروحة تسعى لحل الأزمة الراهنة التي نشأت بفعل صدور قرار باعتقال طارق الهاشمي, نائب رئيس الجمهورية وأحد قادة القائمة العراقية. ولكن هل المطلوب حل هذه المسألة فقط, أم المطلوب إيقاف الأزمة الرئيسية التي صارت تلد المزيد من الأزمات. نحن أمام تكاثر في الأزمات. وهذا التكاثر وإعادة إنتاج الأزمات ناشئ عن جذر أساسي لا يتوقف عن إنتاج الأزمات بسبب عدم الاستعداد للتخلص من هذا الجذر من جهة, وعدم الاستعداد لغرس جذر آخر أكثر طهراً وقوة وقدرة على الحياة وقطع دابر الأزمات في البلاد من جهة ثانية.
أساس الأزمة هو النظام الطائفي السياسي المحاصصي الذي ارتضته أغلبية القوى السياسية العراقية قبل وبعد سقوط النظام السياسي الفاشي ورفضه البعض القليل من القوى السياسية وكرسته إدارة الاحتلال الأمريكي بشخص الدكتاتور الأمريكي بول بريمر من جهة, والابتعاد عن الوطن والمواطنة لصالح القومية والدين والمذهب من جهة أخرى. وحين تسود الطائفية والمحاصصة المستندة إليها تغيب في الوقت ذاته الحرية الفردية والحريات الديمقراطية وحقوق المواطنة الحرة والمتساوية ويجري التجاوز على مبادئ وبنود الدستور, وعلى الحياة السياسية وعلى حرية الإعلام والإعلاميين ... الخ, وهذا ما يجري اليوم في العراق على مستوى الدولة والحكومة والمجتمع.
المؤتمر الوطني الذي يراد عقده, يفترض بمنظميه والساعين إليه إلى وضع التصور الذي يساعد على معالجة جذر المشكلة. وهي بحد ذاتها مشكلة في إطار المحاصصة الطائفية التي اعتمدت في انتخابات عام 2010, كما في قبلها في العام 2005, وفي تشكيل الحكومة الراهنة وفي مجمل السياسات الجارية. فكيف العمل؟ وبسبب الواقع الاجتماعي القائم في العراق فأن التحولات الديمقراطية المنشودة في العراق لا تخضع إلى الرغبات الطيبة والحكيمة, بل تنشأ عن واقع حال العراق وعن مستوى وعي الفرد والمجتمع لمسؤولياته وحقوقه ومصالحه. من هذا الواقع يفترض استنباط المعالجات. وأمامنا عدة احتمالات لا أنطلق في تشخيصها من رغباتي الشخصية, ولكن من ضرورات معالجة الأزمة ومن الإمكانية الفعلية المتوفرة لتنفيذها, وهي على التوالي:
الاحتمال الأول: إجراء انتخابات عامة مبكرة ربما يقود أثناء التحضير للانتخابات أو بعدها إلى نشوء اصطفافات سياسية جديدة لا تقوم بالضرورة على المحاصصة الطائفية المقيتة بل على أسس وطنية وبرنامجية. وهو الحل الأمثل في المرحلة الراهنة.
الاحتمال الثاني: حل الحكومة وتشكيل حكومة جديدة على أن تلتزم الحكومة الجديدة ورئيسها الجديد’ الذي يفترض أن يتمتع بتأييد واسع من كافة القوائم وغير متورط بالصراعات والنزاعات الحادة الراهنة, بعدد من المبادئ التي نص عليها الدستور ولم تلتزم بها كل القوى السياسية المشاركة بالحكم بصيغ شتى وبنسب متفاوتة. ويمكن تجنب اختيار الوزراء والوزيرات على أسس طائفية, بل شخصيات تقترب من القوى الفائزة في الانتخابات وتمارس سياسة يجري الاتفاق عليها من جانب كل القوى المشاركة في الحكومة. وبالتالي يجري العمل لمعالجة الاختناقات السابقة في السياسة والاقتصاد وفي معالجة المشكلات القائمة.
الاحتمال الثالث: تشكيل حكومة برئيس الوزراء الحالي, وهو الاحتمال الأسوأ, شريطة أن يلتزم بمبادئ وقواعد محددة في عمله كرئيس للحكومة وأن يبتعد عن التدخل بالشأن القضائي وأن يكف عن الفردية في العمل والانفراد بالقرارات وإعادة تشكيل الحكومة على وفق ما نص عليه الدستور بالمنسبة للنساء وتوزيع الوزارات على أسس أكثر عقلانية وتعاون القوى المشاركة بالحكومة باختيار عناصر أكثر وعياً لمهماتهم وأكثر قدرة على تنفيذها. يصعب عليًّ تصور أن رئيس الوزراء سيلتزم بما يفترض أن يمارسه, إذ أن الفترة المنصرمة لم يبرهن على تمتعه بروح ديمقراطية أو احترامه لقوى المجتمع أو ابتعاده عن التكتكة التي مارسها حتى في الموقف من عصائب الحق المتهمة بارتكاب الكثير من الجرائم بهدف المناكدة لقوى التيار الصدري ..الخ. إنه القائل "ما ننطيها ..", أي حتى لو جاءت عبر الانتخابات وفوز قوى أخرى بالأكثرية "ما ننطيها" للآخرين, وهو هنا يريد أن يتحدث عن الشيعة في مواجهة السنة, وهو الخطر الأساس في شق المجتمع. وهذا هو ذات الموقف الذي عبر عنه صاحبه ولا يختلف عنه ونائبه في رئاسة الحزب "علي الأديب" حين قال إن الديمقراطية وسيلة للوصول إلى السلطة وليست فلسفة للحكم !! وهذا هو بالضبط ما يؤمن به حزب الدعوة الإسلامية, وهذا ما يمارسه فعلاً هذا الحزب حالياً.
على العاملين من أجل المؤتمر الوطني أن يتجنبوا التدخل بشأن القضاء العراقي وتحقيقه في التهم الموجهة إلى طارق الهاشمي, إذ إن خلط الأوراق مع السياسة يضعف المصداقية ويسمح بضياع الكثير من ملفات القتل لأبناء وبنات الشعب العراقي ويبقى كافة المجرمين دون عقاب.
من الضروري أن يصر المؤتمر على إبعاد العناصر البعثية التي لعبت دوراً بارزاً حتى سقوط النظام من قائمة الاستيزار, إذ أنهم سيبقون يشكلون خطراً على المجتمع العراقي وعلى مسيرة العملية السياسية. وهؤلاء غير موجودين في القائمة العراقية فحسب, بل هم يعملون في قوائم أخرى وفي قوى وأحزاب أخرى لا بد من إبعادهم عن العملية السياسية. وهذا الموقف لا يعني إبعاد كل الذين أجبروا على أن يكونوا أعضاء في حزب البعث لأي سبب كان عن العمل السياسي إن لم يكونوا قد ارتكبوا جرائم بحق الشعب.
ومن الضروري أن يصر المؤتمر على رفض التدخل الخارجي لدول الجوار في الشأن العراقي والسعي لإضعاف نفوذ كل الدول المجاورة وتأثيرها على أحداث البلاد وسياسات الحكومة والقوى والأحزاب السياسية العراقية. إنها المهمة الأكثر تعقيداً والكل يعرف السبب, ولكنها الأكثر أهمية في المرحلة الراهنة.
إن الاحتمال الأول سيسمح بضمان حصول اتفاق بين القوى السياسية وسيساعد على التكاتف لمواجهة قوى الإرهاب بصورة مشتركة وسيمنع إلى حد بعيد سفك دماء العراقيات والعراقيين, وكذا الاحتمال الثاني, في حين يقل الأمل بذلك في الاحتمال الثالث وبقاء الأزمة الأساسية المولدة لأزمات جديدة على حالها, ولن يكون هناك أمل كبير بوقف نزيف الدم, وهو ما نخشاه ونسعى إلى إقناع الجميع بتغيير الذهنية والسياسات والمواقف والتطلعات الشخصية لصالح المجتمع العراقي والأمن والسلام والتقدم في العراق.
8/1/2012                         كاظم حبيب
     

268
كاظم حبيب
كارثة تلو أخرى... فإلى متى يا حكام العراق ؟
ليس هناك من يعتقد بأن قوى الإرهاب الإسلامي السياسي المتطرفة, القوى الفاشية في الإسلام السياسي, ستتوقف عن القتل الجماعي في العراق ما دامت لم تحقق الأهداف التي تسعى إليها, وليس هناك من هو من البلادة بحيث يعتقد بأن هناك طرفاً واحداً ينفذ هذه العمليات, كما ليس هناك من يعتقد بأن هؤلاء القتلة الذين ينفذون أوامر صادرة لهم من أئمتهم وأسيادهم وأولياء نعمة عائلاتهم لا يمتلكون من يزودهم بالمعلومات من داخل أجهزة الحكم التنفيذية, وخاصة أجهزة الأمن والشرطة والجيش, أو ليس هناك من يحميهم ويتستر على أفعالهم الإجرامية الدنيئة ومجازرهم الجماعية البشعة.
ولكن الكثير والكثير منا يعتقد بأن هؤلاء يؤدون أفعالهم القذرة بمهنية عالية, في حين ازداد عدد الذين يعتقدون بأن الحكومة هي العاجزة عن التصدي لهؤلاء المجرمين القتلة ومن يقف خلفهم ويدعم قتلهم الجماعي في الداخل أو في دول الجوار.
والسؤال المشروع هو: من له مصلحة في قتل العراقيات والعراقيين في هذه المرحلة العصيبة من تايخ العراق حيث يعيش الحكم والمجتمع والقوى السياسية في أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية عميقة وطاحنة, حيث يعيش العراق صراعاً همجياً على السلطة السياسية وعلى أموال الشعب وعلى النفوذ السياسي الشمولي على الشعب الجريح والمستباح, وحيث تستفيد قوى الإرهاب لإنزال المزيد من الضربات بالشعب ومصالحه؟
من متابعة الأحداث الجارية في العراق يستطيع الإنسان أن يشخص مجموعة من القوى التي كان ولا يزال من مصلحتها تشديد الصراع بين القوى السياسية العراقية من جهة, وزيادة القتل الجماعي والتدمير الواسع وإشاعة القلق بين السكان من جهة أخرى, بأمل تعميق الشعور بسيادة الطائفية السياسية وتشديد الكراهية بين الطوائف الدينية للوصول إلى الأهداف القذرة التي يسعى إليها أصحاب المصلحة بهذا الوضع المتأزم.
لا شك في أن قوى القاعدة هي المتهمة وذات المصلحة الأولى في هذا الصدد, مع العلم بأنها عاجزة عن الوصول للحكم بأي حال, ولكنها ليست الوحيدة بل لها شركاء يمارسون وبالتحالف معها القتل الفردي والجماعي من أجل استعادة السلطة السياسية, إنه البعث الفاشي الذي ما يزال يحمل السلاح ويتحالف مع هيئة علماء المسلمين وبعض القوى القومية اليمينية الأكثر تطرفاً على الصعيدين العراقي والعربي.
كما إن المملكة السعودية وبعض دول الخليج وقوى سياسية ودينية في هذه الدول, وبالتعاون مع قوى  محلية, وليست تركيا بعيدة عنهم, لها مصلحة حقيقية في جعل العراق بلداً غير مستقر وغير آمن بأمل تغيير الواقع الراهن لمصلحتها, فهي ترى إن لإيران نفوذاً كبيراً في العراق ومؤثراً على السياسة العراقية والحياة الاجتماعية والدينية, وتريد تغيير هذا الواقع الفعلي.
كما إن لإيران مصلحة في كل ذلك, فهي بمثل هذه الأعمال تصعد الكراهية ضد السنة وتؤجج المشاعر وتعمق من واقع الاصطفاف الطائفي الجاري وتزيده استقطابا لمصلحة من تؤيده من القوى والأحزاب السياسية الإسلامية الشيعية في العراق, وهي التي لها نفوذ كبير في الأجهزة الأمنية والسياسية العراقية.
ويشعر الإنسان بأن الصراع بين القوى والأحزاب السياسية ذات الوجهة الدينية الطائفية والقومية تجد في كل ذلك تشديداً للصراع المذهبي الذي تستعين به في تعبئة الناس من أتباع المذهبين إلى جانب كل منها لتواصل وجودها في العملية السياسية ولكن على الصيغة الخطرة والعرجاء الراهنة التي من عواقبها هذا الموت اليومي الواسع للناس في البلاد, وهذا التخلف في البناء والتنمية الاقتصادية ومعالجة المشكلات الاجتماعية والتعليمية والثقافية والبيئية, وكذلك تلك الأموال التي تنفق على أجهزة الأمن والشرطة لحماية الزوار من ضربات الإرهابيين دون طائل, إذ إن الإرهابيين يكونوا قد خططوا لضرباتهم ونفذوها أو سينفذونها واستعانوا بما وصلتهم أو تصلهم من معلومات عن مواقع الضعف في أجهزة الأمن العراقية التي يمكن الاستفادة منها لتحقيق أهدافهم العدوانية ضد الشعب.
لا يكفي أن تقول للمجرم "لا تقتل", بل يفترض أن تمارس كل الأساليب والأدوات المتوفرة لمنع المجرم من القتل الفردي أو الجماعي. لا يكفي أن تدعي بأن أجهزة الأمن قادرة على حماية المواطن, في وقت يرى المواطنون كيف يمارس القتلة مهمتهم في القتل بتفجيرات يومية ولا يدري متى يأتي دوره!
حين يوافق رئيس الوزراء على إعفاء إرهابيي الأمس وقتلة الشعب ويبدي استعداده للتحالف معهم, وحين يمتلك ملفات لا يحولها إلى القضاء بل يحتفظ بها في أدراجه لكي يستفيد منها متى يشاء, فأن قتلة الأمس وقبل الأمس يعتقدون بأنهم ربما سيحظون بالعفو أيضاً بعد فترة وجيزة رغم قتلهم لـ 75 شخصاً من أبناء وبنات هذا الشعب ومن كادحيه في يوم واحد هو الخامس من كانون الثاني/يناير 2012 في الناصرية والكاظمية وبغداد.
من حقي أن أتساءل: هل يمكن أن يكون أغلب المشاركين في تشكيل الحكومة الحالية من المستفيدين من هذه الأوضاع المتردية في العراق؟ السؤال عادل ومنطقي بالنظر لما يحدث حالياً في العراق. أما الخاسر الوحيد في خضم الأحداث المأساوية الجارية, في معمعان الكوارث المتتالية لتمعن في اغتصاب حرية حركة هذا الإنسان وتشيع الخوف والقلق في نفوس الجميع.
إنها المحنة الحقيقية التي يعيش تحت وطأتها هذا الشعب المستباح والجريح, إنها الطامة الكبرى حين لا ينقطع نزيف الدم في البلاد ومعه لا تتوقف دموع الثكالى واليتامى وآلام الجرحى والمعوقين .
إلى متى نبقى نطلب الذكر الطيب للشهداء الأبرار والصبر والسلوان لذوي الشهداء, إلى متى نرى أصحاب الدم البارد من السياسيين وهم يرون كيف يتساقط الناس أمواتاً وجرحى تحت تفجيرات قوى الإرهاب الفاشية, إسلامية كانت أم قومية بعثية أم غيرها, ولا يعملون شيئاً ضدها ولا يقدمون استقالتهم من الحقائب الوزارية التي عجزوا عن الإيفاء بالمهمات الملقاة علا عاتقهم, إلى متى يبقى الشعب ساكتاً عن هذه الجرائم البشعة وعن منفذيها والموجهين لهم, ويسكت في الوقت نفسه عن العاجزين عن حماية الشعب من القتلة المجرمين؟
سؤال أطرحه على كل إنسان عاقل في العراق وأتمنى الإجابة عنه بكل صدق وصراحة وشفافية عالية, وأن يرفع كل إنسان عاقل ومحب لوطنه وشعبه صوته عالياً ليسمعه كل مسؤول في البلاد. الموت الذي لم يصل لي ولك هذا اليوم يمكن أن يصل يوم غد, والجماعة الوحيدة الناجية من القتل اليومي هي التي تسكن في المنطقة الخضراء دون أدنى ريب,  وبعدها فليكن الطوفان !!     
7/1/2012                         كاظم حبيب



269
كاظم حبيب
الاستبداد والتآمر والقسوة وتغييب المصلحة العامة هي جزء من محن العراق!

إن قراءة مدققة لتاريخ العراق القديم والوسيط والحديث, ورغم ما تضمنه من إنجازات رائعة وفردية لسكان بلاد الرافدين في مجالات مختلفة لصالح تقدم البشرية كلها, وبشكل خاص في ما أنجزه بناة العراق القديم من حضارة ازدهرت لقرون طويلة, فأن الباحث سيجد جملة من السمات التي ميزت المسيرة الطويلة للعراق وعلى مر العصور ابتداء من العراق القديم ومروراً بعهد السيطرة الفارسية فالدولة الأموية والعباسية ومروراً بالدويلات ومن ثم الدولة العثمانية وأخيراً العراق الحديث والمعاصر نلتقط منها أربع سمات ميزت وما تزال العلاقة بين النظم السياسية التي توالت على حكم العراق أو النخب الحاكمة التي تبادلت المواقع بين فترة وأخرى وعبر أساليب وأدوات مختلفة من جهة, وبين المجتمع بتعدد فئاته الاجتماعية وخاصة الفئات الشعبية الكادحة والفقيرة والكسبة والحرفيين والمثقفين من جهة أخرى: إنها سمات فرض الاستبداد وحبك المناورات والتآمر وممارسة القسوة والاستغلال, إضافة إلى ما نشأ وينشأ عنها من عواقب مريرة كالظلم ومصادرة الحرية الفردية والفساد وغياب العدالة الاجتماعية ونقص مستمر في الخدمات العامة.
فالحاكم الذي اعتقد انه أبن الشمس, أو أن نصفه من الآلهة ونصفه الآخر من البشر, أو اعتبر نفسه مفوضاً عن الآلهة في حكم البشر, أو أقنع نفسه بأنه الوكيل الشرعي لحاكمية الله على الأرض, أو أنه قرر أن يكون الممثل الشرعي الوحيد لحزب قوميٍ أو حزبٍ دينيٍ أو شموليٍ أو إنه الممثل لمجمع أو تحالف لقبائل وعشائر أو حتى أقاليم ومناطق جغرافية, فهو الحاكم بأمره ووالواضع أحياناً كثيرة للقوانين والمفسر لها والمتحكم بالتشريعات والمصدر للأوامر والمتحكم بالفتاوى والمحدد للقواعد التي ينبغي أن يمارسها الفرد في المجتمع. والحاكم بأمره يرى نفسه, وليس غيره, مجسداً للحق والحقيقة في آن ولا يمكن أن تسير الدولة دونه, وهو الحاكم العادل والنزيه وراعي الأمة وحامي حمى الديار حتى حين يمارس كل الموبقات والمحرمات ضد الشعب, كما كان يفعل صدام حسين. إنه الآمر الناهي والحاكم الذي لا يرد له قرار والحاكم الذي جاء ليبقى ولا يغادر الكرسي الذي احتله بطرق شتى, أو كما عبر عن هذا الموقف بجلاء تام رئيس الوزراء العراق الحالي نوري المالكي حين تحدى, في أعقاب خطبة لأحد شيوخ العشائر في اجتماع عشائري واسع حين قال له يجب أن لا تعطي السلطة لغيرك: "هو ليش يگدر واحد ياخذه حتى ننطيها بعد!! (أي هل هناك من شخص قادر على أخذ السلطة منا, لكي نعطيها له بعد الآن؟). هكذا هو الموقف الآن!   
هكذا هم الحكام الذين عرفهم العراق القديم والوسيط والحديث والمعاصر, عرفهم المجتمع واكتوى بنيران سياساتهم وسلوكياتهم وجنون عظمتهم وشزفرينتهم ونرجسيتهم المرضية وساديتهم وغرورهم القاتل ونسيانهم المواقع الاجتماعية التي جاءوا منها والقضايا التي وعدوا الشعب بها !! إنها الكارثة التي عانى منها الشعب على مدى قرون وعقود وما يزال يعاني منها.
لم يختلف غالبية الحكام الجدد عن الحكام القدامى الذين كان بعضهم يتآمر ضد البعض الآخر ويتحالف مع الكهنة مثلاً, وهم حلفاء الملك ذاته ولكنهم في صراع معه على السلطة والنفوذ والمال. وحين كان أحدهم ينجح في تآمره أو ينتصر في حربه ضد الحاكم السابق له يصدر القانون الأول الذي يشخص فيه الفوارق بين السياسات التي يريد أن يمارسها وبين سياسات الحاكم المخلوع المناهضة للمجتمع, على حد قول الحاكم الجديد. فما أن يبدأ الحكم حتى يعتقد أنه قد أنجز الكثير وعلى الناس تقديم الطاعة والعرفان.
كتب عالم الآثار العراقي المميز الدكتور فوزي رشيد (1936-26/3/2011) بهذا الصدد ما يلي:
"لم يختلف الملك لبت عشتار عن باقي الملوك الذين دونوا القوانين حينذاك بتأكيده على أن هذا القانون وضع وفق إرادة الإله ويشير إلى مهمته التي أوكلها له الإله وما فعله في البلاد, حيث جاء في الخاتمة ما يلي: "استناداً إلى كلمة الإله "أوتو" الصادقة تسببت في أن تتمسك بلاد سومر وأكد بالدالة الحقة, واستناداً إلى أمر الإله إنليل "أنا لبت عشتار" ابن الإله إنليل قد قضيت على البغضاء والعنف .... وعملت على إبراز العدالة والصدق وجلبت الخير للسومريين والأكديين .... ونشرت الرفاه في بلاد سومر وأكد وأقمت ... المسلة. وضعت شريعة الملك لبت عشتار على وفق إرادة إله مدينة "أيسن" الإله "نن انسنا", ولكنها مجدت في مقدمتها الإلهين أنو وإنليل أيضا. (رشيد, فوزي د. الشرائع العراقية القديمة. وزارة الإعلام. بغداد. 1973. ص 47). وهكذا كان أسلوب عمل وسلوك بقية الحكام. والسمات المميزة والعامة التي يلتقي عندها أغلب حكام العراق كانت الاستبداد والقسوة والظلم والتآمر والصراعات بين الحكام والكهنة أو بين الحكام الذين يديرون أحزاباً قومية شوفينية أو دينية أو شمولية وبين أجزءا مهمة من أحزابهم أحياناً غير قليلة, ولكن كانت في الغالب الأعم أو على الدوام, مع غالبية المجتمع.
لقد عانى العراق من الحكم غير الديمقراطي والفردي والاستبدادي, وعانى من قرارات الحكم في شن الحروب الداخلية والخارجية وتحمل المجتمع تكاليف الحروب العدوانية بأرواح أبنائه وبناته وموارده والتراجع عن المستوى الحضاري النسبي الذي بلغه خلال العقود المنصرمة.
ولم تتغير هذه السمات حتى يومنا هذا. فليست التهم الموجهة إلى طارق الهاشمي, إن صحت, سوى التعبير الصارخ عن تآمر النخبة الحاكمة على بعضها بسبب صراعاتها على السلطة وسبل تقاسمها ودور كل منها في السلطة وموارد البلاد المالية والتأثير والنفوذ المباشرين وغير المباشرين على المجتمع. ولكن السؤال العادل الذي ينبغي طرحه هو: لماذا تدهور الوضع في العراق ليصل إلى الحالة الرديئة الراهنة؟ لقد أتيحت فرصة كبيرة في أن يكون العراق حراً, مستقلاً وديمقراطياً وإنسانياً لا مكان فيه للاستبداد الذي عانى منه المجتمع ولا مكان للقسوة والظلم والتآمر والاستغلال. إن الإجابة عن هذا السؤال يعرفها أغلب العراقيات والعراقيين, إنه يكمن في غياب الوعي عن إدراك أهمية روح المواطنة الحرة والمتساوية وإهمالها, والركض وراء الهويات القاتلة, الهويات الثانوية والهامشية, الهويات الطائفية السنية والشيعية من جانب الأحزاب الحاكمة بشكل خاص ومن جانب من شجع على ذلك من جانب بعض المؤسسات والمرجعيات الدينية في العراق أو في دول الجوار, سنية كانت أم شيعية, وفي هرولة البعض وراء نصالحهم قبل مصالح الشعب. إنه يكمن في وجود وعي مشوه ومزيف استقر في أرض العراق منذ قرون ولم يغادره حتى الآن, بل يمكن القول أنه اشتد أكثر فأكثر خلال العقود الخمسة المنصرمة.   
أمام حكام العراق اليوم مفترق طرق كبير فإما السير على درب الصد ما رد, وإما على درب السلامة الوطنية. أمامهم طريق اللاحكمة واللاعقلانية والإصرار على سلوك الطريق الذي سار عليه الحكم منذ سقوط الفاشية في العراق وحتى الآن ويخوضون صراعاتهم من أجل السلطة ويتركون الشعب بلا خدمات ونسبة عالية من الفقر المدقع والبطالة وغياب التنمية ولا هم يحزنون! وبين أن يتجهوا صوب الحكمة والعقلانية والسياسات الوطنية والديمقراطية ويعالجون كافة مشكلات الشعب بروح المواطنة الحرة والمتساوية وبعيداً عن الطائفية السياسية المقيتة التي دمرت وتدمر الوطن والشعب في آن.
هل يتذكر حكام اليوم برامجهم السياسية ووعودهم حين كانوا في صفوف المعارضة السياسية أم نسوا تلك المرحلة تماماً؟ السؤال يجيب عنه الواقع العراقي الراهن بدقة متناهية. لقد نسي أغلب الذين في الحكم البرامج والأهداف والنقد الذي كانوا يوجهونه لنظام العهر السياسي والخيانة الوطنية والشوفينية والفاشية, نظام البعث وصدام حسين. ومن خلال ذلك الموقف والبرامج حصلوا على تأييد الشعب. ولكن حكام اليوم دون استثناء يمارسون سياسات انتقدوها بشدة قبل ذاك وناضلوا ضدها وقدم قياديون وكوادر وأعضاء في أحزابهم حياتهم في هذا النضال وقبل أن يتسلموا بعد حرب الخليج الثالثة وعبر سلطات الاحتلال الحكم في البلاد. لقد نسى الحكام الجدد كل ذلك ولم يبق سوى رغبة البقاء في الحكم أو سعي البعض الآخر لانتزاع السلطة وليكن بعدها الطوفان!
هل يحق لأي حاكم أن يسكت على قتلة أشرار لأنه يريد بذلك أن يحمي العملية السياسية من الانهيار, وبمعنى أخر, أن يبقى في السلطة؟ هل يمكن أن يطلع علينا سياسيون يدعون لديهم ملفات لقتلة مجرمين ولكنهم لا ينشروها بذريعة الخشية على العملية السياسية والمصالح الأنانية للقادة السياسيين؟ هل يمكن أن تتماشى هذه المواقف مع الدستور العراقي على علاَّته الراهنة: ضحايا تدفن تحت التراب, وقتلتهم يتبؤون مراكز قيادية في الأحزاب ومناصب عليا في الدولة؟ إنها "المأساة والمسخرة في آن واحد". 
إن على القوى  السياسية المشاركة في العملية السياسية أن تعيد النظر في اصطفاف القوى لصالح الوحدة الوطنية وضد الطائفية وضد من يريد أن يفرض نفسه على الحكم بأي ثمن, وضد من يحاول ان ينتزعه بأي ثمن.         
إن من واجب الشعب أن يمارس دوره في الضغط المتواصل على الحكام ليستجيبوا لإرادته الحرة ومصالحه. إن من واجب الشعب أن يطالب بالكشف عن القتلة والمجرمين بغض النظر عن مواقعهم السياسية في الأحزاب السياسية أو في الحكم, إذ من حق الشعب أن يطالب بممارسة القانون ومعاقبة المجرمين. إن من واجب الشعب أن يرفض الأساليب الفردية الراهنة في ممارسة الحكم, بل يفترض أن يطالب بإيجاد حلول عملية لكل المشكلات التي لم يبذل الحكام الحاليون أية جهود حقيقية لحلها والتي بتراكمها تزداد تعقيداً وصعوبة وتتسبب في توليد مشكلات جديدة. وهو ما يجري اليوم في العراق.
30/12/2011                      كاظم حبيب
         

270
كاظم حبيب
مجزرة جديدة للحكومة التركية ضد الشعب الكُردي

في التاسع والعشرين من شهر كانون الأول/ديسمبر ودعت الحكومة التركية الشوفينية العالم الحالي, 2011, بمجزرة دموية بشعة راح ضحيتها 36 مواطناً كرديا وبعض الجرحى لم يكن ذنبهم سوى وجودهم في قراهم الواقعة على الحدود التركية العراقية وفي أراضي كردستان تركيا. لم تكن هذه العملية هي الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة إن استمر النهج الشوفيني المقيت للحكومة والقوات العسكرية التركية على حاله إزاء حقوق الشعب الكردي القومية العادلة والمشروعة والتي يناضل من أجلها منذ عقود عدة ورفضهم الاعتراف بحق الشعب الكردي في تقرير مصيره بنفسه.
إن من المؤسف والمحزن حقاً أن تقف الكثير من دول العالم التي تدعي دعمها لحقوق الشعوب في تقرير مصيرها على وفق مبادئ الأمم المتحدة واللوائح والعهود والمواثيق الدولية بهذا الخصوص ضد نضال الشعب الكُردي التحرري في إقليم كردستان تركيا وترى فيه خروجاً عن القواعد الدولية وإرهاباً, في حين لا تريد أن ترى بوضوح عدالة هذا موقف النضال التحرري للشعب الكردي من جهة, كما لا تريد أن ترى السياسات الشوفينية للدولة التركية ورفضها المتواصل الاعتراف بحقوق الشعب الكردي وممارسة الإرهاب الدولة ضد الشعب الكُردي, ومصادرة حرياته وحياته الآمنة.
إن هذه السياسة الدولية التي تمارسها أغلب الدول الكبرى والاتحاد الأوروبي تؤكد ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين إزاء القضايا الكردية في المنطقة. ففي الوقت الذي تقف الحكومة الأمريكية مثلاً إلى جانب الشعب الكردي في العراق للحفاظ على فدراليته, وهو موقف سليم من حيث المبدأ, تقف في الوقت نفسه بالضد من نضال الشعب الكردي في إقليم كردستان تركيا في سبيل حقوقه القومية العادلة, إذ تعتبره إرهاباً وتعتبر حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية! إن هذه السياسة مكتوب لها الفشل وستقود إلى عواقب وخيمة على المنطقة, إذ لا يمكن للشعب الكردي في إقليم كردستان تركيا أن يكف عن النضال وعن الدفاع عن نفسه ما دامت الدولة التركية تمارس سياسات شوفينية وعدائية ضد الشعب الكردي, وما دامت قواتها العسكرية تمارس القتل اليومي ضد المناضلين, كما حصل يوم أمس إذ تم قتل اثنين من المناضلين الكُرد في إحدى القرى الكردية من جانب قوات الجندرمة التركية السيئة الصيت.
إن من واجب الكُرد في كافة أقاليمهم التضامن الصلب والفعال مع الشعب الكردي في إقليم كردستان تركيا ومع ضحايا الإرهاب التركي من أجل إدانة عمليات القتل والمطالبة بوقفها.
كما إن من واجب قوى التضامن العربي والعالمي إبداء مشاعر التضامن ضد السياسات التركية الشوفينية والعسكرية التي أودت بحياة هذا العدد الكبير من الناس الأبرياء.
لنعلن جميعاً شجبنا وإدانتنا لهذه الجريمة البشعة وتضامننا الثابت مع الشعب الكردي دفاعاً عن حقوقه المشروعة والعادلة في إقليم كردستان تركيا.
31/12/2011                            كاظم حبيب

 

271
حملة "تضامناً مع أطباء العراق و كفاءاته
 
الرجاء ساهموا بتوقيعكم بدعم هذه الحملة
 
فلنساهم جميعا  اكاديميينا، اطبائنا وفنانينا والاخرين بتضامننا مع اطبائنا
مع جزيل الشكر



 
http://www.ahewar.org/camp/i.asp?id=330
 

حملة "تضامناً مع أطباء العراق و كفاءاته"

 

في أجواء ملبدة بذروة أخرى من الشحن الطائفي و التوتر السياسي الذي يدفع ببلادنا الى حافة الهاوية تنادت مجموعة من الأطباء العراقيين إلى حملة أطلقت عليها اسم "أطباء عراقيون من أجل الإصلاح والتغيير" إحتجاجاً على ما يتعرض له الأطباء من تهديدات و أعتداءات و مطالبة بإحقاق حقوقهم و تعديل النظام الصحي.
لم يعد سكوت أطباءنا و كفاءتنا ممن ذاقوا الأمرين في ظل الدكتاتورية (و أستبشروا بسقوطها) ممكناً بعدما بلغت التجاوزات عليهم مديات غير مسبوقة في ظل الغياب الفعلي لدولة المؤسسات و دولة القانون و في ظل التمدد في تأثير مراكز قوى عدة (من ميليشيات و مجاميع مسلحة و مرجعيات عشائرية و عائلية متنفذة) داخل و خارج الأُطر الرسمية و في ظل أجواء سياسية مأزومة و خراب لم يوفر زاوية صغيرة من زوايا عراقنا بمؤسساته و مقوماته ليشمل مستشفياتنا و مؤسساتنا الصحية ، نظمَا و بنيةً تحتية ، فيما ظلّت يد الإعمار مغلولة بسبب سرطان الفساد المتفشي و فوضى الإدارات و الشللية التي كرّستها المحاصصات.
إننا إذ نقف إلى جانب اطبائنا و كفاءاتنا و ندعم تحركهم ندعو الى:

1- حماية اطبائنا و كفاءاتنا عبرَ تشريعات صارمة تحرم التجاوز عليهم و التدخل في عملهم ومنع مسائلتهم خارج إطار مؤسساتهم المهنية و الأكاديمية.
2- تحسين ظروف عملهم و معيشتهم و سلّم رواتبهم بما يضمن لهم التفرغ لإداء وظيفتهم الإنسانية و يضع حداً لنزيفِ هجرتهم.
3- إعتماد التفوق و الكفاءة معياراً وحيداً في التدرجات الوظيفية و الأكاديمية و في الإختيار للدراسات العليا و البعثات إلى خارج البلاد.
4- إقرار تشريعات لتعديل النظام الصحي بما يتناسب و التغيرات التي طرأت على مجتمعنا و يضمن للأطباء و التكنوقراط دوراً أكبر في التخطيط و الإشراف و يحقق للناس أفضل الخدمات الصحية.


منتدى الجامعيين العراقي الأسترالي
رابطة الأكاديميين العراقيين – المملكة المتحدة
الجمعية الدولية للعلماء العراقيين
الجمعية العربية في نيوزيلندا

الموقعون 
 
2011/ 12 / 28



272
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية
بيان
جريمة بشعة ترتكبها القوات التركية ضد كرد القرى الحدودية
أوردت وكالات الأنباء خبراً عن الجريمة البشعة التي ارتكبتها القوات العسكرية التركية بحق مواطنين ومواطنات كرد من مختلف الأعمار يوم الخميس المصادف 29/12/2011 عبر غارة جوية تركية على منطقة كردية في كردستان تركيا على الحدود مع العراق أسفرت عن مقتل 35 شخصا على الأقل، حيث رجحت الأخبار أن الطائرات التركية استهدفت "مهربين" بالخطأ ظنا منها أنهم من قوات حزب العمال الكردستاني. كما إن أنباء أخرى تشير إلى سقوط 48 قتيلاً وبعض الجرحى وبين القتلى بعض الأطفال.
إن هذه الجريمة ينبغي أن لا تمر دون محاسبة حكام تركيا الذين يتحدثون عن الحرية والديمقراطية ويمارسون سياسات شوفينية وعدوانية ضد مصالح الشعب الكردي وحقوقه القومية العادلة والمشروعة, كما يمارسون القتل ضد من يناضل من أجل تلك الحقوق. إذا كان الفعل الذي قامت به جريمة بشعة, فأن الذريعة التي ساقتها بأن الطيارين تصوروا إن هذه المجموعة التي قتلت هم من "المتمردين الكُرد", هي أسوأ بكثير من ذلك, إذ أنهم يؤكدون حقدهم وكراهيتهم لكل المناضلين من أجل الحقوق القومية العادلة للشعب الكردي.
إننا إذ ندين هذه الجريمة النكراء وهذا الاعتداء الغاشم على أبناء وبنات وأطفال الشعب الكردي في كردستان تركيا, نطالب بالتحقيق الفوري والكامل من هيئة حيادية دولية لمعرفة خفايا الغارة الجوية, كما نطالب بالاعتذار للشعب الكردي وتعويض المتضررين منهم أولاً, وندعو الحكومة التركية إلى إعادة النظر بكامل سياستها إزاء الشعب الكردي في إقليم كردستان تركيا والاعتراف بحقه في تقرير مصيره على  وفق اللوائح الدولية من أجل إقامة علاقات ودية طيبة وتعاون أخوي بين الشعبين التركي والكردي وباقي القوميات في تركيا.
إن السياسات الشوفينية الطائشة لن تفلح في تركيع الشعب الكردي ولن تفلح في تجاوز الأزمات التي سوف تواجه النظام التركي, كما ستكلف الشعبين الكثير من الضحايا البشرية والخسائر المادية والكثير من الأموال وتعطيل عملية التنمية في إقليم كردستان تركيا.
إن العقل والحكمة والاعتراف بوجود قوميات أخرى في تركيا لها حقوقها المشروعة, كما للشعب التركي حقوقه, هو الطريق الوحيد لحل المسألة الكردية في الدولة التركية.
التعازي الحارة لذوي الشهداء والذكر الطب لهم والخزي للقتلة المجرمين
الأمانة العامة   
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية      29/12/2011

273
كاظم حبيب
تفاقم الصراعات المحلية والإقليمية والدولية المستقطبة في العراق إلى أين؟

ليست هناك مفاجآت في الوضع العراقي الراهن, فما حصل في الأيام الأخيرة بعد مغادرة القوات الأجنبية للأراضي العراقية كان متوقعاً. ومن يدعي غير ذلك يؤكد بعده عن الواقع العراقي وعن إشكاليات القوى السياسية المشاركة في بنية الحكومة الحالية من جهة, وعن الصراعات الإقليمية والدولية الجارية في المنطقة وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على اصطفاف القوى واستقطاب الصراع الراهن من جهة أخرى. فهو صراع على المصالح لا صراع على المبادئ, صراع على السلطة والأموال والنفوذ الاجتماعي, صراع ضد مصالح الشعب العراقي وضد مستقبله الديمقراطي المنشود.
إن المحرك الأساس في الصراع الدائر في العراق ناشئ عن طبيعة النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية وانعدام الثقة بين الأطراف الحاكمة وعجزها عن الجلوس إلى طاولة المفاوضات لحل المشكلات العالقة في ما بينها أو الالتزام بما يتم الاتفاق عليه وتنفيذه. كما إن جزءاً من هذه المشكلة يرتبط بأسلوب الحكم الفردي المتجه صوب تكريس الانفراد بالسلطة والاستبداد بالرأي وتهميش الرأي الآخر, وبالتالي الاستبداد بالحكم وشعور الطرف الآخر المشارك شكلياً في الحكم بأنه مهمش وخارج الصدد. والشعور العام لدى الشعب أن الطرفين تحدوهما الرغبة الجامحة في إقصاء الآخر والانفراد بالسلطة, وهو أمر غير ممكن وسيبوء بالفشل عاجلاً أو آجلاً.
خلال السنتين الأخيرتين, أي منذ تشكيل حكومة المالكي الثانية, لم يكن وضع التحالف الحكومي سليماً معافى, بل جسد بشكل صارخ عمق الأزمة السياسية-الاجتماعية التي يعيش تحت وطأتها الشعب العراقي ومعاناته المستمرة من البطالة والفقر والفساد والإرهاب ونقص الخدمات الأساسية وهجرة المزيد من السكان إلى دول أخرى. وإذا كان عمق الأزمة ناشئ عن غياب الحياة الديمقراطية والانفراد بالحكم وعجز الحاكم عن تأمين التوافق الذي تستوجبه صيغة الحكم التوافقي الهزيل بين قيادة قائمة دولة القانون وقيادة القائمة العراقية بشكل خاص وعجز الطرفين عن إملاء ثلاث حقائب وزارية هي الدفاع والداخلية والأمن الوطني, إضافة إلى غياب المرأة عن استخدام حصتها في التشكيلة الوزارية بسبب الموقف الذكوري المناهض للمرأة وحقوقها ودورها في الحياة السياسة وعموم الحياة العامة.
ومن هذا الوضع المريض جداً استفاد رئيس الوزراء من وجوده على رأس هذه الوزارات وكالة فعزز خلال السنتين المنصرمتين مواقعه والقوى المساندة له على نحو خاص وهمش أكثر فأكثر دور القائمة العراقية في الحكومة العراقية, إضافة إلى تراجع دور وتأثير القوى والأحزاب المشاركة في التحالف الذي يقوده إبراهيم الجعفري, بل إن حزب الدعوة الذي يقوده رئيس الوزراء قد  تهمش هو الآخر لصالح دور رئيس الوزراء, تماماً كما حصل لدور حزب البعث في فترة هيمنة صدام حسين على الدولة والحكومة والقوات المسلحة وحزب البعث وقيادتيه القطرية والقومية. ولم يعد لإبراهيم الجعفري سوى إلقاء الخطب الفارغة التي تذكرنا بخطب مقاربة لها لميشيل عفلق.
إن الشعور بالتهميش لدى أتباع القائمة العراقية دفع بالبعض من قيادييها إلى المشاكسة السياسية والسفر المتكرر إلى الدول العربية والدولة التركية واللقاء بقياداتها التي رحب بها رئيس الوزراء ووجدها فرصة مناسبة لتعزيز نفوذه ودوره وتأثيره في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والشرطة. كما لا يمكن اتسبعاد لجوء بعض قياديي القائمة العراقية أو من المؤيدين لها إلى التفكير بصيغة ما للحصول على موقع أفضل في السلطة أو إلى زعزعة الوضع السياسي لفرض التعديلات التي يرونها ضروريةً بالنسبة لمواقعهم في السلطة. وهذا الأمر لا يمكن لي أو لأي شخص آخر البت فيه, بل يفترض أن يبت به القضاء العراقي بعيداً عن تدخل السلطة التنفيذية أو تسييس قرارات القضاء بما يقود إلى فقدان القضاء لمصداقيته.
تشير التجارب الكثيرة إلى إن الاختلاف في المبادئ بين أطراف سياسية عدة يمكن من خلال الحوار الوصول إلى اتفاقات وتحالفات ونجاحات في حل المعضلات القائمة, في حين يعجز الجميع عن إيجاد حلول عملية حين تكون تلك المشكلات شخصية وبعيدة عن المبادئ وعن مصالح الشعب العراقي ومستقبل العملية السياسية. كما إن الخلافات الداخلية يمكن معالجتها عبر الحوارات الشفافة والنيات الصادقة, في حين يعجز الأطراف عن ذلك حين تكون هناك تدخلات خارجية ترافق العملية السياسية وقوى داخلية تستجيب وتتفاعل مع تلك التدخلات لاعتقادها بأن ذلك سيقوى مواقعها وسيعزز مواقفها ويقود إلى انتصارها في الصراع الدائر. ولكن العكس هو الذي يحصل في مثل هذه الحالات, والخاسر الوحيد هو الشعب حين لا يسود الاستقرار والأمن والسلام وحين يتعطل تماماً إنجاز المهمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.
إن تتبع أوضاع العراق الداخلية خلال السنوات الثماني المنصرمة حتى الوقت الحاضر تؤكد بما لا يقبل الشك إن الدول والقوى الخارجية ساهمت وما تزال تساهم بقوة أكبر في زيادة التوتر الداخلي بسبب تدخلها اليومي في الشأن العراقي الذي أصبح منذ سنوات شأناً إقليميا ودولياً في آن, وأن القوى المحلية العراقية الحاكمة هي التي ساهمت وتساهم أيضاً في طلب ودعم هذا التدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة لتعزيز مواقعها بقوى إقليمية ودولية. فحكام إيران من جهة, وحكام المملكة السعودية وحكام دول الخليج دون استثناء, وخاصة دولة قطر, وحكام تركيا من جهة ثانية لا يتدخلون في الشأن الداخلي العراقي فحسب, بل ويملكون نفوذاً ومواقع سياسية واجتماعية واقتصادية قوية في العراق.
إن الذاكرة العراقية تشير مثلاً إلى أزمة تشكيل الحكومة والسفرات المكوكية لقوى القوائم العراقية المشاركة في الحكم إلى إيران ودول الخليج والسعودية وتركيا بهدف حل معضلة تشكيل الحكومة التوافقية على أساس المحاصصة الطائفية اللعينة التي انتهت بالموافقة على رئاسة المالكي لمجلس الوزراء للمرة الثانية والتشكيلة الوزارية الفاشلة القائمة حالياً والتي سمحت لرئيس الوزراء الانفراد الفعلي بالسلطة والتحكم بمجرى الأمور في البلاد.
يبدو لي, وبعد مرور ست سنوات على وجود نوري المالكي على رأس الحكومة العراقية وقيادة القوات المسلحة وما يقرب من سنتين على رأس وزارات الدفاع والداخلية والأمن الوطني, تفاقم لديه الشعور بالقوة والقدرة على حسم المعركة السياسية لصالح قائمة دولة القانون, فهو يسعى بكل السبل إلى إنهاء الصراع لصالحه بطريقة الضربة المفاجئة والقاضية بعد عودته مباشرة من الولايات المتحدة ولقائه برئيس البيت الأبيض باراك أوباما, باعتبارها "ضربة معلم". ولكن هذه الضربة القاضية التي يتصور رئيس الوزراء إنها ستنهي الصراع السياسي في البلاد لصالحه ستقود بالضرورة إلى تعقيدات إضافية وإلى نزاع سياسي أكثر دموية لا بين أتباع القائمتين (الدولة والعراقية) فحسب, بل ستجر معها المجتمع في الوسط والجنوب وبغداد والموصل وكركوك بشكل خاص إلى صراع ونزاع دموي مرير لا يمكن تقدير عواقبه حالياً, بل يمكن منذ الآن رؤية سيل الدماء في شوارع وساحات العراق. ولم تمض سوى ساعات على مؤتمره الصحفي حتى سقط المئات بين قتلى وجرحى  في الكرادة داخل على أيدي مجرمين ممتهنين ارتكاب الجرائم السياسية لتعقيد حل المشكلة القائمة وزيادة العداوة والصراع الطائفي.
يمكن أن يكون طارق الهاشمي قد تورط بما يتهم به اليوم, ويمكن أن يكون صالح المطلك هو الآخر قد تورط بذات المشكلة, وربما يثبت الواقع هذا أو ينفيه. إذ لا يمكن قبول أو رفض هذين الاحتمالين, فتأكيد أو نفي ذلك من مهمات القضاء العراقي. ولكن, لا يمكن قبول الطريقة التي تعامل بها رئيس الحكومة وأجهزة الإعلام الحكومية وكل الناطقين ومستشاري رئيس الوزراء خلال هذه الأيام. فقد نشأ تداخل غير مقبول بين الجهاز القضائي والجهاز التنفيذي, وهو أمر يثير الشكوكية والمصداقية, رغم إن أجواء الصراع تسمح بكل ذلك بل وأكثر من ذلك. وهو ما كنا نخشاه وندعو إلى تجنبه.   
إن أوضاع منطقة الخليج والدول المحيطة بها محملة بما لا يحمد عقباه بسبب المحاور التي نشأت وتكرَّست خلال السنوات الأخيرة. فالمحور الإيراني-السوري قد كسب إلى جانبه حزب الله في لبنان وحماس في غزة وفلسطين عموماً, كما كسب إلى جانبه الحكومة العراقية. وليس دور الحكومة العراقية كوسيط مباشر بين سورية والجامعة العربية سوى التعبير الواضح عن هذا التحول الصريح في الموقف العراقي الرسمي إلى جانب إيران في موقفها من سوريا, في حين إن الذي يحكم سوريا هو نفس الحزب البعثي الذي حكم العراق لا غير, فإذا كان العبثيون في العراق شباطيون, فإن البعثيين في سوريا هم آذاريون, ولا فرق بينهما في الفكر والسياسة والممارسة. كما إن المحور السعودي-الخليجي-التركي قد كسب إليه القائمة العراقية في الموقف من سوريا وبالتالي في الموقف من إيران والحكومة العراقية, وهو الأمر الذي رفع من حالة الاستقطاب السياسي بين القائمة العراقية وقائمة دولة القانون. وقد نأت بعض القوى المتحالفة مع هاتين القائمتين بنفسها عن هذا الصراع, سواء أكانت مع القائمة العراقية أم مع قائمة دولة القانون, كما في محاولات السيد مقتدى الصدر أو السيد عمار الحكيم في هذا الصدد وسعيهما لحل الأزمة بالحوار السياسي, وكذلك في مقترح السيد رئيس إقليم كردستان العراق, مسعود البارزاني, بعقد مؤتمر وطني عام لكل القوى السياسية العراقية من أجل إيجاد حل سياسي للمشكلات القائمة والمحتدمة. وكان الحزب الشيوعي العراقي, الذي أدرك مبكراً مخاطر تطور الصراع قد دعا مبكراً إلى عقد مؤتمر عام لكل القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية لمعالجة الخلافات القائمة بين الأطراف الحاكمة ومجمل العملية السياسية العراقية. ولكن ليس هناك ما يكفي من آذان صاغية وواعية لعمق المشكلات الناشئة.
هل أي مؤتمر وطني للقوى السياسية العراقية سيحل المشكلة الراهنة التي ازدادت تعقيداً أم سيكرَّسها؟ ولكن لا بد من المحاولة أولاً وأن عجزت عن حل المشكلات وازدادت تعقيداً فلا بد من تشكيل حكومة إنقاذ وطني عراقية تكون محايدة تحل مجلس النواب وتدعو إلى إجراء انتخابات مبكرة. وهذا لا ينفي استمرار القضاء بممارسة دوره الاعتيادي في التحري عن الاتهامات الموجهة لطارق الهاشمي شرط تميزه بالحياد والابتعاد عن المواقف السياسية للأطراف المتصارعة.
إن خشية الشعب والمخلصين من السياسيين تكمن في احتمال عودة ما جرى في العراق في الفترة 2005-2008 والعواقب الوخيمة على المجتمع والحياة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية, إذ ستلعب المليشيات الطائفية دورها وتنقسم القوات المسلحة على نفسها بحكم انتمائها الطائفي الذي لم ينته بعد, وستساهم الدول المجاورة في تصعيد الموقف الساخن أصلاً وتزيده دموية.   
برلين - نهاية كانون الأول/ديسمبر 2011               كاظم حبيب   

274
كاظم حبيب

الصراعات السياسية ونجاح قوى الإرهاب في قتل المزيد من الأبرياء

بدلاً من الاحتفال بخروج القوات الأمريكية من الأراضي العراقي وبدء مرحلة جديدة في حياة الشعب العراقي, سواء لمن كان يدَّعي ممارسة "المقاومة الشريف !" ظلماً وبهتاناً بسبب وجود القوات الأجنبية في العراق, أم بالنسبة لمن كان يرغب فعلا بخروج القوات الأجنبية واستكمال السيادة والاستقلال الوطني, رفعت رايات الحزن والبكاء في أنحاء كثيرة من بغداد ومناطق أخرى لسقوط 57 شهيداً قتل بعمليات إجرامية, ومنها الانتحارية, مارستها قوى إرهابية ضد الناس الأبرياء, إضافة إلى إصابة 176 شخصاً بجروح مختلفة. إنها لجريمة بشعة وسلوك عدواني شرس وعصابة لا تملك ذمة ولا ضمير ..
لقد اتخذت العمليات الإرهابية خلال الأشهر الأخيرة وتيرة متفاقمة وسقط بمعدل 10 أشخاص يومياً في محاولة جادة من جانب قوى الإرهاب لاستثمار الصراعات السياسية بين أحزاب حكومة "الشراكة" الشكلية بسبب عدم معالجة المشكلات القائمة بين هذه الأحزاب, وخاصة بين القائمة العراقية وقائمة دولة القانون, بين أياد علاوي ونوري المالكي على نحو خاص. واتخذ الصراع صفة شخصية إضافة إلى طبيعته العامة.
وبالأمس تحدث رئيس الوزراء عن قدرة القوات الأمنية العراقية على حماية أمن المواطن العراقي في مؤتمره الصحفي, كم ادًّعى قبل ذاك وفي الولايات المتحدة نفس الشيء وفي أكثر من محفل سياسي وتصريح وخطاب. ولكن كل تلك التصريحات لم تستطع إقناع الشعب العراقي بما ادعاه, إذ برهن الإرهابيون أنهم قادرون على تخطيط وتنفيذ مثل هذه العمليات الإجرامية منذ فترة غير قصيرة ومتى شاءوا واينما أرادوا. فمن غير المعقول أن تتمكن هذه القوى تنفيذ 12 عملية إرهابية وتفجيرات قاتلة وتهديمية في بغداد وحدها وفي مناطق مختلفة وبصيغ مختلفة بعد إعلان قرار طلب إلقاء القبض على نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي من خلال تصريحات نوري المالكي وأجهزة الإعلام وليس من خلال القضاء العراقي. إلا إن الإرهابيين, أيا كانت هويتهم السياسية والإرهابية, فإنهم استفادوا من قرار طلب اعتقال طارق الهاشمي وطلب سحب الثقة عن صالح المطلك من جانب مجلس النواب في توقيت تلك العمليات لإعطاء الانطباع وكأنها عملية انتقام ورد فعل للقرار السياسي بشأن طارق الهاشمي وصالح المطلك. وهي المشكلة التي يمكن أن تتسبب في تشديد الصراع الطائفي السياسي في العراق وانتقاله إلى الأوساط الشعبية. لو كان قرار طلب اعتقال الهاشمي قضائياً, فما سبب تدخل رئيس الوزراء والسماح له بمغادرة المطار بعد حجز دام عدة ساعات في المطار؟ لقد كان على رئيس الوزراء أن لا يتدخل بأمر القضاء إن كان القرار قضائياً بحتاً وليست مسألة سياسية بامتياز!   
كان اختيار رئيس الوزراء تفجير الصراعات السياسية المتراكمة بمثل هذه القنبلة بعد الإعلان عن الانسحاب الكامل للقوات الأجنبية وبعد لقاءاته مع أوباما وعودته من الولايات المتحدة غير مناسب تماماً وبكل المعايير. إذ كان عليه أن يعلن عن ذلك في ذات الفترة التي تبين له وجود علاقة بين طارق الهاشمي ومكتبه بقوى الإرهاب أو بعمليات اغتيال لشخصيات سياسية عراقية أو تفجيرات إرهابية قبل ثلاث سنوات, كما جاء في حيثيات المسألة المطروحة ضد الهاشمي, وليس الآن, كما كان عليه أن يرفض قبل ما يقرب من عامين الموافقة على تعيين طارق الهاشمي نائباً لرئيس الجمهورية ولديه معلومات كافية, كما يقول, عن تورط الهاشمي ومكتبه وحمايته بعمليات إرهابية ضد الشعب العراقي أو ضد فصائل سياسية أخرى. كيف يمكن الموافقة على  تعيين متهم بعمليات قتل وإرهاب أو متورط بالتوجه لتنفيذها نائباً لرئيس الجمهورية العراقية؟ على رئيس الوزراء أن يجيب وأن يقنع الناس بذلك!
إن إطلاع الشعب على هذه المعلومات, إن كانت صحيحة, لا تدين طارق الهاشمي وحده, بل تدين أيضاً رئيس الوزراء بسبب سكوته الطويل على قوى إرهابية مارست القتل ودفع لها مبالغ مالية لممارسة القتل, كما جاء في الاعترافات المتلفزة لضابط في حماية طارق الهاشمي, إضافة إلى كل المسؤولين الذين عرفوا بذلك ووافقوا على السكوت عنها و"طمطمتها" بما أدى إلى المزيد من العمليات الإرهابية والقتل, كما جاء في تلك الاعترافات إن كانت تلك الاعترافات لم تنتزع بأساليب التعذيب والتهديد والتي عرفت بها أجهزة الأمن في العراق.
ليس في مقدور رئيس الوزراء الحالي تشكيل حكومة أكثرية, لأنها مناقضة لما تم الاتفاق عليه أو حتى للدستور, رغم خطأ وخطورة مثل هذا الاتفاق الطائفي القائم على المحاصصة الطائفية السياسية اللعينة. ولهذا ستفشل أي محاولة يعمد إليها رئيس الوزراء ولا تحظى بموافقة الكتل البرلمانية كافة, إذ إنها تعني بصراحة تامة التحول إلى دكتاتورية مكشوفة لحزب واحد أو شخص واحد, وهو ما ينبغي تجنبه تماماً, رغم إن بوادر هذا النوع من الحكم قائمة حالياً ويتلمسها المواطن ويعيشها يومياً.
إننا في الوقت الذي نقدم التعازي الحارة لعائلات الضحايا الشهداء ونرجو لهم الصبر والسلوان والشفاء العاجل للجرحى, نأمل أن تبدأ المشاورات والحوارات لمعالجة المشكلات بروح غير انتقامية وغير عدائية, إذ لا يمكن الوصول إلى حل مرضي للجميع دون مساومات ولكن يجب أن لا تكون على حساب الشعب ومصالحه أولاً, ويجب أن ترفع يقظة أجهزة الأمن العراقية لمواجهة محاولات قوى الإرهاب تصعيد عملياتها وتوسيعها إلى أنحاء البلاد ثانياً, والتفكير الجاد بتشكيل حكومة إنقاذ وطني حيادية ومستقلة تمارس إجراء انتخابات نيابية مبكرة, إذ لم يعد لا المالكي ولا أياد علاوي من الشخصيات المقبولة في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة بسبب مسؤوليتيهما, إضافة إلى العديد من شخصيات القائمتين العراقية ودولة القانون مثل طارق الهاشمي وصالح المطلك وحيدر الملا على سبيل المثال لا الحصر, أو بعض مستشاري وقياديي حزب الدعوة الإسلامية الحاكم. 
22/12/2011                      كاظم حبيب               

275
كاظم حبيب
"صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ", بل ولا يفقهون!!

تتراكم الهموم وتشتد الأحزان وتتراجع تلك الأحلام الجميلة والوردية التي كانت تتراءى للعراقيات والعراقيين بعد الخلاص من الدكتاتورية ودفن الاستبداد والقمع والتمييز والفساد والتفريط بالمال العام وغياب العدالة الاجتماعية والفقر والحرمان والموت على أيدي أجهزة الأمن الصدَّامية المجرمة وفدائييه ومنظماته "الشعبية". ومقابل هذا يتفاقم الإحباط لدى الناس من المسيرة المعوجة والمهزوزة لنظام الحكم الطائفي في البلاد وعواقبه الراهنة والمستقبلية على المجتمع.
المجتمع العراقي يقترب من الذكرى التاسعة لسقوط الدكتاتورية الفاشية وتسلم القوى السياسية العراقية للحكم, التي كانت قبل ذاك تتغنى بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان, في ظل الاحتلال الأمريكي-البريطاني للعراق. وهي الذكرى التي انتهت بسقوط النظام البعثي القومي العربي الشوفيني التي جلبت معها قاعدة المحاصصة الأثنية والطائفية المقيتة التي أسست لبداية انحراف واستبداد جديدين, رغم الحديث عن حرية الانتخابات وحرية التعبير ودستور بعيد عن التنفيذ .. وما إلى ذلك. فالنظام السياسي القائم في العراق يستند إلى المحاصصة القومية والدينية – الطائفية السياسية المقيتة التي تميز بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية في غير صالح المواطنة والمواطن في دولة تعترف عملياً بالهويات الثانوية على حساب الهوية الوطنية والمواطنة الحرة والمتساوية !!   
والعراق الذي تخلص من حروب النظام وغدره وفساده ودمويته, سقط في هوة الإرهاب الإسلامي السياسي المتطرف والبعثي الدموي والفساد والتسلط والصراع بين القوى الحاكمة التي ارتضت التوزيع الطائفي ولكنها تسعى في الوقت نفسه إلى ممارسة سياسة إقصاء الآخر والخلاص منه, وهو غير ممكن أو التسلط عليه وإخضاعه بشتى السبل. وهي عملية مدمرة للعراق والمجتمع والاقتصاد الوطني والفرد في آن واحد.
منذ أكثر من عامين والحكومة العراقية بدو ثلاث حقائب وزارية مهمة هي الدفاع والداخلية والأمن الوطني التي يديرها منذ أكثر من سنتين رئيس الوزراء, إضافة إلى منصبه. وهو أمر قل مثيله لا في تاريخ العراق, بل وفي تاريخ المنطقة بأسرها. ونتيجة هذا الواقع يواجه المجتمع العراقي الوقائع التالية:
1 . استمرار الموت اليومي للعراقيات والعراقيين على أيدي القوى الإرهابية والمناهضة, سواء أكانت قوى تنظيم القاعدة المحلية وقوى هيئة علماء المسلمين وقوى البعث الصدَّامية وبعض القوى القومية اليمنية المتطرفة, أم كانت مليشيات شيعية طائفية يهمها زعزعة الأمن والاستقرار لتستفيد منه في صراعها على الحكم في البلاد. وعلى وفق التقديرات المنشورة فأن معدل القتل اليومي يصل إلى عشرة أشخاص في مختلف أنحاء العراق, ومنها بشكل خاص بغداد, إضافة إلى عدد أكبر من الجرحى والمعوقين والأرامل واليتامى. ويبدو أن الإنسان العراقي لا يستحق الدفاع عنه من جانب القوى الحاكمة التي لا تسعى إلى إملاء الفراغ في الوزارات الأمنية ليأخذ الوزراء على عاتقهم مواجهة الإرهاب ومسؤولية الأمن الداخلي, وتترك الأمر للقضاء والقدر, فالقتلى مكتوب على جبينهم أنهم يموتون بهذه الطريقة وبهذا الوقت والمكان!!
2 . أما الفساد فحدث ولا حرج, إذ لم تعد هناك منظمة مسؤولة عن هذا الملف على الصعيد العالمي أو المحلي, وأخيراً وزارة التخطيط العراقية, إلا وأكدت تحول الفساد إلى نظام سائد في جميع مفاصل الدولة العراقية وكيان المجتمع, وإنه لا يقتصر على الملايين بل المليارات, إضافة إلى التفريط بالمال العام بسبب عجز الحكومة العراقية عن استكمال مشاريع الطاقة الكهربائية بحيث يجبر العراق على دفع مبالغ طائلة لاستيراد الطاقة.
3. ويبدو أن رئيس الوزراء وحكومته عاجزون أو لا يريدون رؤية الفجوة الدخلية المتسعة بين الفئات الفقيرة والكادحة والعاطلة عن العمل والأرامل والمطلقات و المعوقين, سواء أكانوا في المدينة أم الريف, من جهة, وبين الفئات الأكثر غنى من القطط السمان والمتجاوزين على المال العام أو الذين ينعمون بالسحت الحرام من العاملين في أجهزة الدولة أو في قطاعات المقاولات والسمسرة العقارية والتجارة الخارجية..الخ من جهة أخرى. ويبدو هذا صارخاً عند المقارنة في مستوى المعيشة والحياة والسكن والشوارع والنظافة بين مناطق بغداد المختلفة مثلاً أو المدن العراقية الأخرى. 
4. وبسبب ضعف الحكومة وعدم مهنيتها المطلوبة غاب عن الحكومة وضع إستراتيجية للتنمية الاقتصادية, وبشكل خاص للتصنيع وتحديث الزراعة وتنمية الإنتاج فيهما لتقليص الاستيراد المتفاقم الذي يستنزف عشرات المليارات من الدولارات الأمريكية سنوياً من أموال النفط الخام المصدر من دون أن يساهم في تحقيق التراكم والتشغيل وزيادة الإنتاج المادي المحلي وتحسين مستوى معيشة نسبة عالية جداً من بنات وأبناء الشعب. ويتجلى هذا الخلل في عجز الحكومة عن توفير الخدمات الإنتاجية والاجتماعية للسكان, وهو واجبها الأول أمام المجتمع. ويمكن أن نتابع ذلك في مجال الطاقة, التي بدونها لا يتقدم ويتطور أي اقتصاد وطني أو مجتمع, وكذلك مشكلة المياه وشحتها, أو مشكلة الصحة وتوفير الخدمات الصحية وتحسينها أو توفير المدارس المؤهلة لتدريس التلاميذ والطلبة في مختلف مراحل الدراسة أو توفير السكن اللائق للسكان أو التصدي للتضخم المتفاقم شهرياً الذي يستنزف الدخل الواطئ لفئات المجتمع ذات الدخل المحدود والعاطلين عن العمل ..الخ.
4 . والخلل الكبير في بنية الحكومة يبرز أيضاً في غياب النساء عن المشاركة في مجلس الوزراء, وهي مخالفة دستورية كبيرة لا يجوز السكوت عنها وكأنها مشكلة عادية. وإذا كان رئيس الوزراء المسؤول الأول عن قبوله بوقوع مثل هذه المخالفة, فأن مسؤولية الأحزاب المشاركة في الحكم ليست قليلة, إذا إنها لم ترشح نساء لتسلم حقائب وزارية على وفق المادة الدستورية الصريحة في هذا الصدد.
5. إن الصراع الدائر بين الأحزاب السياسية الحاكمة يستهدف تحقيق الموقع الأقوى والمهيمن في السلطة السياسية وفي النفوذ في الداخل والتحكم بالموارد المالية العراقية, وهي وأن تتحدث باسم الطائفة أو القومية, فإنها في واقع الحال بعيدة كل البعد عن مصالح بنات وأبناء القوميات أو أتباع الديانات والمذاهب الدينية, بل تصب في مصلحة الأفراد المهيمنين على تلك الأحزاب والقوى المحيطة بهم وقيادات أحزابهم وكوادرهم وبعيدة عن مصالح أعضاء تلك الأحزاب.
6 . والمشكلة التي من المحتمل أن تواجه المجتمع العراقي تتلخص في الواقع التالي:
إن الأحزاب السياسية الحاكمة والقوى التي تسندها وميليشياتها في الداخل والدول المجاورة والكثير من القوى السياسية الفاعلة فيها تعد العدة منذ فترة لما يفترض أن يحصل بعد خروج القوات الأمريكية من العراق. وهذا الذي نقوله يجد المتتبع تعبيره على لسان الكثير من القوى السياسية المشاركة في الحكم أو خارجه لأنها تعرف طبيعة الصراع المرير المنطلق من مواقع دينية طائفية سياسية مؤيدة من دول الجوار في الشرق والغرب.
ويبدو لي بأن رئيس الوزراء يدرك هذه الحقيقة ولكنه يتعامل معها وكأن ليس هناك أي خطر وأن "كل شيء هادئ على الجبهة الغربية", على وفق ما جاء في الرواية بهذا الاسم للكاتب الألماني اريك ماريا ريماركه, كما كان الحديث يجري أثناء الحرب العالمية الثانية في حين كانت الأوضاع هناك مزرية, وهي رواية مهمة ضد كل الحروب. إنها النعامة التي تضع رأسها في الرمال حين تواجه الخطر!         
إن النداءات التي تتوجه من قوى التيار الديمقراطي أو من بعض القوى السياسية والشخصيات الوطنية, رغم وجود تأييد شعبي لها, لمعالجة الخلافات وعقد مؤتمر وطني واسع أو إجراء انتخابات نيابية عامة مبكرة, هي أشبه بصرخة في واد فسيح, فالقوى الحاكمة تمارس بشأنها الموقف المعروف "صم بكم عمي فهم لا يعقلون", بل هم لا يفقهون أيضاً. وهذا يتطلب من قوى الشباب ومن فئات الشعب المتضررة أن ترفع صوت الاحتجاج على ما يجري وتطالب بتغيير السياسات والمواقف ورفض الأوضاع المتردية التي يُقتل فيها البشر يومياً قبل أن يغوص العراق في مستنقع الصراع القومي والطائفي المرير, وقبل أن يتحقق ما سعى إليه الإرهابيون من إشعال حرب طائفية في العراق.
9/12/2011                      كاظم حبيب      


276
د. كاظم حبيب
العلاقة الجدلية بين الأمن والحريات العامة وحقوق المواطن في إقليم كُردستان العراق

يواجه الشعب الكردي في المرحلة الراهنة عدواناً شرساً من حكومتين لدولتين جارتين هما إيران وتركيا.
ويتمثل هذا العدوان في القصف المدفعي والراجمات والقصف الجوي الصاروخي على المناطق الريفية الجبلية لكردستان العراق. وهذه العمليات العسكرية العدوانية لا تهدف إلى دفع مقاتلي الأحزاب الكردستانية في كل من إيران وتركيا للانسحاب من الأراضي العراقية, على وفق إدعاء الحكومتين بوجودهم, بل الهدف من ذلك بالأساس زعزعة الأوضاع الأمنية المستقرة في الإقليم والإساءة للنموذج الذي يمكن أن يؤخذ به من جانب الشعبين الكرديين في كل من إيران وتركيا, وأعني به نموذج الفيدرالية أو الحكم الذاتي.
في مثل هذه الأوضاع المعقدة التي يمر بها الإقليم ترتفع بعض الأصوات من الأوساط الحكومية والأحزاب الحاكمة في الإقليم تطالب الكتاب والصحفيين والساسة المعارضين بالكف عن النقد والالتزام بدعم الحكومة من أجل تعزيز الوحدة الوطنية والصمود بوجه الأعداء, لأن النقد, حسب تقدير البعض, يساعد أعداء الشعب وليس الحكومة الوطنية في الإقليم!
من الأخطاء الشائعة الخلط بين الشعب وبين الأحزاب الحاكمة أو غير الحاكمة أو الحكومة. فالشعب كتلة مستقلة بذاتها ولذاتها, في حين يمكن أن تمثل الحكومة إرادة الشعب وتمارس سياسات في صالحه أو تتعارض معه. وبالتالي فالصداقة مع الشعب الكردي والدفاع عنه لا يعني بأي حال الصداقة والاتفاق مع سياسة الأحزاب الحاكمة أو الحكومة القائمة. ومن هنا يبدأ تأييد الإنسان أو معارضته لهذه الحكومة أو تلك في الإقليم أو أياً كانت تلك الحكومة. فالسكوت عن السياسات الخاطئة, أياً كان الظرف الذي يمر به الإقليم, أو عدم نقد تلك السياسات ليس موقفاً خاطئاً فحسب, بل ويلحق أفدح الأضرار بمصالح الشعب الكردي وتقدم الإقليم وتعزيز قدراته.
إن الظروف المعقدة التي يمر بها الإقليم هي التي تتطلب من جانب أصدقاء الشعب الكردي ومؤيدي حقوق الإنسان والتقدم الاقتصادي والاجتماعي وحماية البيئة ممارسة النقد لا همساً في الأذان فحسب, بل وبصوت مرتفع أيضاً لكي يسمعه الجميع ويتحول إلى نقاش يخدم الإصلاح المطلوب في الحياة العامة.
إن الصراع الداخلي في الإقليم وعدم إدارته بصورة عقلانية والابتعاد عن الحلول السياسية والاقتراب أو ممارسة الحلول الأمنية للمشكلات القائمة لا يعالجها بل يزيدها تعقيداً ويفسح في المجال للقوى الداخلية المعادية والقوى والدول الأجنبية أن تمارس تدخلها في الشؤون الداخلية أو زيادة عدوانيتها بشتى السبل.
لا يجوز إغماض العين عن المشكلات القائمة في الإقليم. فشعب كردستان يعيش في أجواء من الأمن. وهو أمر مهم جداً ومكسب لا يجوز التفريط به. ولكن شعب كردستان كبقية الشعوب بحاجة إلى جملة من القضايا الأخرى التي لا يجوز إغفالها, بل لا بد من بحثها ومعالجتها, وإلا فالعاقبة غير سليمة. لا يكفي أن نعتمد على الحماسة القومية والوطنية على أهميتها, فإن لهذه الحماسة حدوداً معينة, إذ حين يصاب الإنسان بصميم مصالحه اليومية ومستوى معيشته وأفراد عائلته, يتحول نحو وجهة أخرى.
لا أتحدث هنا عن مطالب القوى والأحزاب السياسية المعارضة في الإقليم وحدها, بل أتحدث بالأساس عن مطالب الشعب الكردستاني بكل قومياته. فمطالب المعارضة السياسية مهمة وهي بالأساس سياسية ولا أريد هنا التقليل من شأنها, منها بشكل خاص مطلب الكف عن الاعتقالات الكيفية وملاحقة واعتقال من يعتدي على الكتاب والصحفيين الذين ينتقدون الأوضاع مثلاً, أو المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين من المعارضين أو إعادتهم إلى وظائفهم, بل أعني تلك المطالب التي تمس جوهر الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية في الإقليم, والتي يمكن تلخيص أبرزها في ما يلي:
** عدم تدخل الأحزاب الحاكمة في العمل الحكومي اليومي, إذ لا بد أن يعبر برنامج الحكومة عن مصالح الشعب كله.
** إنهاء هيمنة الأحزاب الحاكمة على التعيينات في دوائر الدولة وعلى مختلف المستويات والمجالات التي ترفض تعيين غير الحزبيين والمستقلين في الوظائف الاستشارية والمدراء العامين والمدراء, بل وأحياناً التدخل في عملية التعيين حتى بالنسبة للوظائف البسيطة.
** مكافحة الفساد من الأعلى إلى الأسفل وليس البدء بالأسفل والكف عند الوسط, كما هي الحالة المعتادة. ولا بد أن تشمل مكافحة الفساد ليس دوائر الإقليم الحكومية فحسب, بل والأحزاب السياسية الحاكمة أو المسايرة للحكم ومختلف المجالات الأخرى. لقد أجاب السيد مسرور البارزاني في لقاء له مع مراسل مجلة كولان عن سؤال حول الفساد فقال ما يلي: "لا يجوز اتهام الحزب أو السلطة بشكل عام، والذي يعمل حتما يخطأ، ولكن المهم هو عدم الاستمرار في الاخطاء، نحن لم نساند الفساد يوما ما، سواء في السلطة أو خارجها ولن نتهم أحد دون أساس، هناك القانون. والقضاء هو الجهة الوحيدة التي تقرر الطرف المتورط في الفساد، ولو تم اتهام أي شخص في (البارتي) بالفساد، عليه مواجهة القضاء و القانون كأي شخص اعتيادي، الحزب الديمقراطي ضد الفساد ويوظف كل إمكانياته لمكافحته ودعم الإصلاحات". (راجع: موقع گولان, بتاريخ 23/8/2011). الموقف في عمومه صحيح, إذ لا يجوز توجيه اتهام عام ومطلق, بل يفترض تحديد الاتهام. ولكن هذه الإجابة غير كافية. فحين يعترف الجميع بوجود فساد عام في الإقليم وفي العراق كله ويلعب دوره في التخريب وإلحاق الأذى بالمجتمع واقتصاد الإقليم, فهذا يعني إن من واجب المسؤولين التحري عن هذا الفساد وحصره ومكافحته. وهذا يعني أيضاً بأن المسألة لا ترتبط بسرقة تقع هنا وأخرى هناك, بل تعني وجود أشكال متنوعة من التفريط بأموال الإقليم وتعطيل التنمية الوطنية..الخ. 
** مكافحة البطالة والبطالة المقنعة لمن يتسلم رواتب دون عمل أو من يمارس وظيفتين أو ثلاث وظائف ويتسلم راتبين أو ثلاثة دون وجه حق وبصورة غير شرعية.
** التصدي لسياسة الاستيراد المفتوح وترشيده, لأن الإقليم بحاجة ماسة إلى تعجيل عملية التنمية والتصنيع وتحديث الزراعة بما يساعد على ضمان الأمن الغذائي والتقدم والتشغيل وتعظيم الدخل القومي.
** تحرير الإعلام من الرقابة الحزبية والحكومية وإيقاف قرارات تقديم الصحفيين إلى المحاكم وإصدار أحكام بحقهم لمجرد ممارستهم النقد إزاء رئاسة الإقليم أو الحكومة أو البرلمان أو إزاء أي موقع آخر في مؤسسات الإقليم. فالمحاكم لا ضرورة لها مع العمل الصحافي عموماً, وخاصة حين تمس الشأن العام.
** تأمين الخدمات الضرورية للسكان, وخاصة خدمات الكهرباء والماء والنقل والعناية الصحية والمدارس والمسارح ودور الثقافة والمكتبات والسينمات والمعارض الفنية... الخ, أي العناية بكل الحياة الثقافية.
** العمل من أجل حل المعضلات المعلقة وبروح مرنة وموضوعية مع الحكومة الاتحادية وبعيداً عن التصريحات المتشددة والسعي الهادئ لتحريك اللجنة المكلفة بإيجا حلول للمناطق المتنازع عليها.
** ممارسة الشفافية في نشر الوثائق الموقعة بين العراق وتركيا أو في ما بين الأطراف العراقية في حل خلافاتها وعدم جعلها سرية بحيث يعجز الشعب عن إبداء أو تكوين رأيه الخاص بشأن المشكلات القائمة والجهة المعرقلة للحلول الضرورية.
إن المسؤولية المباشرة حول ما يجري في الإقليم كانت وستبقى من مسؤولية رئيس الإقليم أولاً , ومن ثم السلطة التنفيذية (الحكومة) والسلطة التشريعية (مجلس النواب), وبالتالي لا يمكن القول بأن رئيس الإقليم أو رئيس الحكومة أو رئيس مجلس النواب لا يعرفون المشاكل القائمة. إن الفساد المالي قد أزكم الأنوف في العراق كله, ومنه إقليم كردستان. ولم يكن عبثاً حين ألقى رئيس الإقليم كلمة في دهوك قبل عدة سنوات التزم فيها بمحاربة الفساد نتيجة للمطالبة الجماهيرية هناك. ولكنه حين عاد إلى أربيل وصلاح الدين وسرا رشت لم يحصل أي شيء في هذا الصدد وانتشرت الإشاعات عن سبب عدم تنفيذ ما وعد به رئيس الإقليم. ولا شك أن الإشاعات قد وصلت إلى أسماع الجميع, ومنها أسماعي. والجميع ينتظر البدء الفعلية بمعالجة هذا الملف.
ومنذ فترة والمواقع الإلكترونية والصحف الخارجية تنشر إلى الكثير من الفضائح وخاصة تلك التي تمس توزيع الأراضي في الإقليم بدون وجه حق على الوزراء ولعدة مرات وعلى المدراء العامين والمستشارين والأقرباء وحجبها عن بعض المستحقين لأسباب شخصية أو تمييز ديني مثلاً.
واستناداً إلى المعلومات المنشورة فأن بعض المشاركين في تلك المخالفات والتجاوزات قد أُبعدوا عن مواقع المسؤولية دون اتخاذ إجراءات رادعة بحقهم ليكونوا درساً لغيرهم. والسؤال هو: ألم يحن الوقت المناسب لتقديم هؤلاء إلى المحاكم ليعرف الناس إن المسؤولين في الإقليم جادون في مكافحة الفساد, إذ إن العكس من ذلك لا يعني سوى المزيد من الإشاعات ذات الآثار السيئة على التنمية والمجتمع والمسؤولين.
من هنا أقول بأن الهمسات في آذان المسؤولين أو الرسائل الشخصية التي ترسل لهم أو النقد غير المباشر الذي يحكى شفاهاً لم يعد كافياً لتحقيق الإصلاحات الضرورية في الإقليم. إن الكثير من الرسائل قد وجهت إلى كبار المسؤولين في الإقليم رئاسة وحكومة. ولكن دون جدوى تذكر. فالأمور في الإقليم ما زالت كما هي في هذا المجال. فالبناء الصناعي غائب والتجارة هي المزدهرة والتي لا تعني سوى هدر موارد الإقليم المالية في أوجه لا تساهم في تقدم الإقليم وتطوره الاقتصادي والاجتماعي ومكافحة جادة للبطالة والبطالة المقنعة فيه.
إن المفيد حقاً أن تقام شبكة طرق وجسور في الإقليم, ومن المفيد أن تبنى العمارات السكنية والأسواق العصرية, ومن المفيد أيضاً أن تقام الساحات و المنتزهات. إنها ليست مفيدة فحسب, بل ومهمة وضرورية لراحة الشعب. ولكن هذا جانب واحد ومحدود من العملة, في حين أن الجانب الآخر منها والأكثر أهمية هي التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحماية البيئة. إن إقليم كردستان أيها السادة محاصر من دول غير صديقة, بل معادية للتجربة الكردستانية. ولا يمكن مواجهة ذلك إلا بتطوير إستراتيجية الأمن الغذائي والصناعات المحلية التي تعتمد بهذا القدر أو ذاك على المواد الأولية المحلية. إن اقتصاد كردستان, كما هو حال كل الاقتصاد العراقي, ريعي استهلاكي غير إنتاجي. والمستفيد من هذا الاقتصاد ليس الشعب وليس الفئات الفلاحية وصغار المنتجين والبرجوازية الصغيرة والمثقفين والطلبة, بل المستفيد الأول هي الشركات التجارية الأجنبية المصدرة للسلع والخدمات إلى الإقليم, ثم الشركات التجارية المحلية أو التجار الكبار الذين يتعاملون مع تلك الشركات الأجنبية وكذلك الفاسدين والمفسدين الأجانب والمحليين. وهذا يعني عدم تحقيق التراكم الرأسمالي في الإقليم وعلى عموم العراق, وهي خسارة فادحة حيث لا يجري تعظيم الثروة الوطنية بل التفريط بها, كما لا تتغير بنية الاقتصاد ومصادر تكوين الدخل القومي.
إن مشكلة العراق, ومنه إقليم كردستان, تؤكد بأن السياسة لا تمارس كعلم وفن وإدارة علمية ولا تقترب من المعرفة والثقافة, وأن سياسيينا يبتعدون عن ذلك كثيراً, وبالتالي يرتكبون الأخطاء الفادحة ويتقاطعون سلبياً مع مصالح الشعب والتقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. لهذا أقول لا يكفي الهمس بل لا بد من رفع صوت الاحتجاج والمطالبة من أجل سياسة جديدة, من أجل إصلاح جذري على مستوى الإقليم والعراق في آن.
إن المطلوب من كافة المسؤولين والأحزاب السياسية أن تنتبه إلى مطالب الشعب أولاً, وإلى سبل مشاركته في وضع الحلول ثانياً, وغلى دفعه للمشاركة في تحقيقها ثالثاً. وعبر هذه العملية بخطواتها الثلاث يمكن تعزيز الحياة السياسية والديمقراطية وحقوق الإنسان, والعلاقة بين المجتمع والمسؤولين.
أتمنى على المسؤولين في الإقليم في أربيل, كما تمنيت على المسؤولين في الحكومة الاتحادية ببغداد, أن يغيروا من سياساتهم الراهنة ويستمعوا بعناية وإصغاء ويعملوا من أجل تامين مطالب الشباب والجماهير الواسعة, وليس لبعض الأحزاب السياسية المعارضة, إذ إن رأي الشعب هو أوسع وأعمق وأكثر تعبيراً عن رأي هذا الحزب أو ذاك من أحزاب المعارضة أو الأحزاب الحاكمة.   
إن مواجهة العدوان الخارجي والقوى المعادية داخل العراق تستوجب في تقديري إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات الأساسية التي ألخصها في الآتي:
1. ضرورة إصغاء المسؤولين إلى النقد البناء الذي يطرحه الشعب ومعه الكثير من الكتاب والسياسيين والصحفيين والاستفادة منه لصالح الإصلاح الفعلي في أوضاع كردستان العراق. وإن رفض الإصغاء ورفض النقد بذريعة استفادة العدو منه لا يصمد أمام الحاجة الفعلية للنقد والإصلاح.
2. إن وحدة الشعب تتم من خلال الاستجابة الواعية والفعلية لمطالبه الأساسية في العمل ومكافحة  البطالة والتنمية الفعلية ومكافحة الفقر وتقليص الفجوة المتسعة حالياً بين الأغنياء والفقراء في المجتمع الكردستاني.
3. الاهتمام الواسع بالشبيبة والمرأة وحقوقها وحقوق الإنسان وحقوق المواطنة الحرة والمتساوية وبعيداً عن الروح الحزبية الضيقة والهيمنة الحزبية.
4. الأخذ بالحلول السياسية بدلاً من الحلول الأمنية لمعالجة الحركات الاحتجاجية. 
5. إن التصدي الناجح للاعتداءات الخارجية وإفشال أهدافها يستوجب وحدة نضال  العرب والكُرد وبقية القوميات أولاً, وإطلاق الحريات العامة والحياة الديمقراطية وتحسين مستوى حياة ومعيشة الشعب ثانياً, وزيادة التعاون والتنسيق مع المجتمع الدولي ثالثاً.
               كاظم حبيب                 

277
كاظم حبيب
حيدر الشيخ علي إنسان ومناضل كردي-عراقي ثابت

سمعت باسم الرفيق حيدر فيلي أول مرة في تشرين الثاني من عام 1968 حين تحرك عمال شركة الزيوت النباتية وأعلنوا إضرابهم عن العمل طارحين مطالبهم المشروعة. كان ذلك في أعقاب استيلاء حزب البعث العربي الاشتراكي (جناح ميشيل عفلق اليميني المتطرف) على السلطة السياسية بانقلاب القصر والمخابرات العسكرية العراقية وبتأييد غربي واسع.
شهدت بغداد في العام 1968, وقبل وصول البعث بفترة وجيزة, سلسلة هامة من الإضرابات العمالية المهمة, إذ كان المزاج النضالي للعمال في بغداد عالياً, بسبب الأوضاع المعيشية المتردية وهيمنة القوى القومية الناصرية وغيرها على البلاد وتحكم النخبة الحاكمة ومن هم حولها بالتجارة الخارجية والداخلية وارتفاع الأسعار وضعف الحكومة. ففي الفترة الواقعة بين حزيران وتموز 1968 حصل أحد عشر إضراباً على النحو التالي: "شركة الصناعات العقارية, مصلحة الخياطة العامة, مصلحة القطن الطبي, شركة فتاح باشا, شركة السجاد العراقية, شركة صناعات الجوت العراقية, شركة الغزل والنسيج العراقية, معمل صنع علب السجاير, مصلحة الغزل والنسيج الحكومية بالموصل, الشركة العامة للأجهزة والمعدات الكهربائية ,الشركة العامة للسيارات- كراج و1 و2." (راجع: فهد ناصر, إضراب عمال شركة الزيوت النباتية. الحوار المتمدن موسوعة التشريعات العمالية في القطر العراقي- المجلد الأول 1968-1978- بغداد).
وكان الإضراب قد وقع في أعقاب قيام الحزب الشيوعي العراقي بتنظيم احتفالية شعبية بمناسبة ذكرى ثورة أكتوبر الاشتراكية في السابع من أكتوبر من عام 1968 في ساحة السباع التي نفذت سلطة وحزب البعث جريمة ضرب التجمع السلمي الديمقراطي وقتل ثلاثة من الرفاق هم الشهيد وليد الخالدي والشهيد حسين علي والشهيد أدور على يد المجرمين جبار كردي و سامي الوادي ( أفراد منظمة حنين التي أسسها حزب البعث وترأسها صدام حسين للقيام بعمليات الاغتيال والقتل العمد وتصفية الشيوعيين, كما تم اعتقل  15 مناضلاً من بينهم رهيبة القصاب. (قارن: عبود كريم عباس الزكي, الحركة اليسارية والعمالية العراقية بعد انقلاب شباط الفاشي 1963. الحوار المتمدن, العدد 1902 بتاريخ 1/5/2007).
لقد كان إضراب عمال الزيوت النباتية, وهي شركة حكومية تم تأميمها في العام 1964, يجسد مصالح العمال ويسعى إلى تحقيق مطالب عادلة, في حين اعتبره حزب البعث تحدياً لسلطته الجديدة, تماماً كما اعتبر تجمع ساحة السباع تحدياً لسلطته فواجه الفعاليتين بالحديد والنار, فكشفتا عن طبيعة حزب البعث وسلطته السياسية الاستبدادية والعدوانية. وقد شارك الرفيق حيدر الشيخ علي (رحيم فيلي) في ذلك الإضراب البطولي وتحمل مع آخرين عواقبه, إذ اعتقل واستجوب ثم أطلق سراحه مع آخرين فاختفى. وقد شارك في هذا الإضراب عبد جاسم الساعدي وجبار لفتة وغيرهم من المناضلين.
ورغم عملنا في حزب واحد, فإننا لم نلتق إلا في طهران حين غادرت إليها في العام 1981 للسفر إلى كردستان والمشاركة في حركة الأنصار. كانت المنظمة الحزبية في إيران يقودها ويشرف عليها الرفيق جاسم الحلوائي (أبو شروق) ومعه الرفاق كامل كرم (أبو علاء), إضافة إلى الرفيق حيدر الشيخ علي الذي تحمل مسؤولية كبيرة حقاً وخطرة هي إيصال الرفاق من طهران إلى الرضائية (أورمية) في إيران ومنها إلى راجان فی كردستان إيران, حيث كان مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني والسيد مسعود البارزاني رئيس الحزب, على الحدود الإيرانية –العراقية, ثم ننتقل منها إلى الأراضي العراقية حيث مقرات الأنصار الشيوعيين على مقربة من ناوزنگ. وقد أخذ الرفيق حيدر الشيخ علي على عاتقه إيصال كل من الرفيق باقر إبراهيم (أبو خولة) عضو مكتب سياسي في حينها وزوجته, وعضوي اللجنة المركزية في حينها الشهيد مهدي عبد الكريم (أبو كسرى) وكاظم حبيب, إضافة إلى مرافقته لنا في طهران طيلة وجودنا فيها.
وفي كل مرة كان يقوم الرفیق حيدر بإيصال الرفاق إلى كردستان العراق يبرز الخطر الداهم أمامه, خطر الوقوع بأيدي أجهزة الأمن والشرطة الإيرانية, إذ إنها كانت تشكل مجازفة كبيرة خاصة في ظل الحكم الإسلامي الجديد في إيران. إن مثل هذه المهمة تحتاج إلى مواصفات خاصة لمن يقوم بها, وبشكل خاص الشجاعة والهمة والاستعداد للتضحية وحماية الرفاق الموكلين إليه والقدرة على التخفي والمعلومات الكافية عن عمل أجهزة الأمن ومستوى ثقافي جيد. ومع ذلك فقد وقع المحذور واعتقل الرفيق حيدر. وكان حزننا وأسفنا كبيراً. فبعد أن وصلنا إلى كردستان وعاد الرفيق إلى طهران اختطفته أجهزة الأمن الإيرانية في نهاية العام 1981 ووضعته في سجن أيفين حتى العام 1987 عانى فيها أبشع أشكال وأساليب التعذيب الهمجية, النفسية والجسدية, التي تمتزج فيها أساليب القرون الوسطى والحديثة بأدوات قديمة وحديثة في آن واحد ومن قوى حاقدة على كل من هو من فكر آخر ورأي سياسي آخر. لقد صمد الرفيق حيدر أمام التعذيب اليومي الشرس صمود الأبطال وعجزوا عن الوصول إلى غاياتهم الدنيئة, واندحروا أمام إرادته الصلبة وكان مثالاً للإنسان الذي لا يفرط بالأهداف النبيلة التي حملها دفاعاً عن مصالح شعبه وقضيته الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. لقد تجاوز كل المحن التي يعيش تحت وطأتها المناضلون في السجون الإيرانية الرهيبة, ثم أطلق سراحه بعد جهد كبير بذلته قيادة الحزب الشيوعي العراقي وبدعم مباشر من قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني وحافظ الأسد وعلي ناصر محمد .
وحال إطلاق سراحه التحق الرفيق حيدر بحركة الأنصار الشيوعيين في كردستان العراق وشارك في النضال الأنصاري طيلة السنوات التالية. وخلال فترة الكفاح المسلح ضد الدكتاتورية الصدَّامية في كردستان العراق شارك بحيوية كبيرة ومتميزة في التصدي للقوات الحكومية التي سعت إلى ضرب قوات الپيشمرگة والحرکة الأنصارية في فترة 1990 و1991 وكان صديقاً ومرافقاٌ لرئيس البرلمان الكردستاني حينذاك. وفي حديث مع الصديق والمناضل الأستاذ جوهر نامق سالم, الذي فقدناه مبكراً, أشاد كثيراً بدور الرفيق حيدر الشيخ علي في السنوات الأولى من العقد الأخير من القرن العشرين والتي أطلق عليها مواقف بطولية ومشرفة وأمينة لقضية الشعب الكردي والشعب العراقي في آن واحد.
قبل أن يتشكل الحزب الشيوعي الكردستاني في العراق أصبح الرفيق حيدر عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي. ولم يأت إلى هذا الموقع الحزبي عبثاً, بل نتيجة منطقية لدوره النضالي في الحزب وتضحياته ومواقفه الشجاعة ودفاعه عن مصالح الشعب ضد كل النظم الدكتاتورية التي رافقت العراق طيلة الفترة التي أعقبت ثورة 14 تموز 1958. وهو الآن عضو في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الكردستاني ومكتبه السياسي وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي.
هذا السجل الحزبي الحافل بالنضال الوطني والاجتماعي الصارم لا يمكن للإنسان أن يفرط به إلا إذا كان قد تخلى عن المبادئ التي آمن بها وفقد الثقة بشعبه الكردي والشعب العراقي. وهو الذي لمي يحصل بأي حال.
حين تسلم الرفيق حيدر الشيخ علي مسؤولية وزارة المواصلات ممثلاً عن حزبه وقبل ذلك عضويته في البرلمان الكردستاني لم تغب عن ذهنه وسلوكه الأمانة التي وضعت بعنقه ويديه, وهي تعني بعنق ويد الحزب الشيوعي الكردستاني. وبالتالي لعب دوره الإيجابي وفي إطار السياسات الحكومية عبر الحقيبة الوزارية التي شغلها في الحكومة الكردستانية.
لقد نشر أحد الأفراد الكُرد مقالاً حاول فيه الإساءة الجدية للرفيق حيدر الشيخ علي واتهامه بشتى التهم. والمثل العراقي يقول "حين يهدر الماء على الأرض لا يمكن لملمته", أي أن كاتب المقال كان يريد أن تبقى تلك التهم عالقة بأذهان الناس, حتى لو تم تكذيبها من جانب المكتب السياسي للحزب الشيوعي الكردستاني واعتبارها باطلة كلية متعللا يالقاعدة التي عمل بها وزير الدعاية الألماني الهتلري:
" اكذبوا ثم اكذبوا ثم اكذبوا.. لعل بعض أكاذيبكم تعلق بأذهان الناس".
لو كانت التهم الموجهة للرفيق حيدر موثقة لاتفقنا مع الكاتب وشجبنا ذلك, ولكن أن يجري توجيه التهم دون حتى ذكر اسم الموجه للاتهام ليس فقط لا يمكن الثقة بتلك التهم, بل تعبر عن محاولة يائسة لتشويه تاريخ مناضل كردي فيلي وعراقي أمين لشعبه وحزبه والعراق.
كلنا يعرف انتشار ظاهرة الفساد في كل أنحاء العراق, سواء أكان هذا في الوسط والجنوب أم في الشمال أم في كردستان العراق, وكلنا يعرف أن هذا الفساد سائد ويشمل الكثيرين. ولكن لا يمكن توجيه الاتهام المباشر لشخص معين دون أن تتوفر لدى الكاتب الوثائق والأدلة الكافية على ارتكاب جريمة الفساد. ليس أسهل من توجيه الاتهامات الجزاف, ولكن حين لا تكون موثقةً, فسيكون مصيرها على قول المثل الشعبي النابت "حبل الكذب قصير" والألمان يعبران عن هذا المثل بقولهم "سيقان الكذب قصيرة", إذ أن الكاتب ليؤكد بأن لا ذمة لديه ولا ضمير ويسعى للإساءة دون أدنى ريب ولا يمكن القبول باتهاماته.
إن أصدقاء الرفيق حيدر الشيخ علي, وأنها أحدهم, الذين رافقوه في سني النضال في العراق وكردستان يرفضون هذه الاتهامات كلية ويدينوها. ومن يريد تأكيد ذلك عليه أن يقدم لنا الوثائق الكفيلة بإقناعنا. ويبدو أن هذا الكاتب المسيء لن يجدها, إذ لو كانت لديه لنشرها مباشرة.
إن الرفيق حيدر يمر بوضع صحي صعب, وبالتالي مثل هذه الإساءات الوقحة لا تساعده على مواجهة مرضه. ولكن لدي الثقة التامة بأنه سيتغلب على ذلك وسيشفى  من مرضه. نرجو له الصحة الموفورة والشفاء العاجل ومواصلة العمل بذات الحيوية والهمة التي نعرفها فيه.
برلين في 30/11/2011                   كاظم حبيب              
       

278
كاظم حبيب
العبثية القاتلة في سلوك المالكي وحزب الدعوة الإسلامية في العراق

لا يمر يوماً على العراق دون دماء تسيل على أرضه الطيبة ابتداءً من البصرة ومروراً ببقية مدن الجنوب والوسط, ومنها بغداد, وبقية مدن غرب بغداد حتى الموصل. والقوى الإرهابية تختار على راحتها المدن التي تريد ممارسة القتل فيها. فيوم أمس اختارت هذه القوى الشريرة مدينة البصرة لتنزل بأهلها الطيبين 19 قتيلاً وأكثر من 60 جريحاً ومعوقاً.
ولا يمر يوماً على العراق دون شكوى الناس من هذا الإرهاب وذاك الفساد السائد ومن انقطاع التيار الكهربائي ومن إجراءات جديدة ضد المرأة والمزيد من التضييق على حرية الإنسان العراقي وحياته. وهكذا هو الأمر مع البطالة الواسعة والفقر الموجع لكرامة الإنسان, وكذلك مع ظاهرة التمييز ضد أتباع الديانات والمذاهب الدينية من جانب الحكومة ومن جانب هذا الفريق السياسي الطائفي أو ذاك. وعملية التنمية متوقفة فعلياً, إذ أصبحت المهمة هي الاستيراد وإشباع السوق بالسلع المستوردة بدلاً من التنمية الصناعية والزراعية لامتصاص البطالة وتوفير السلع وتنويع الدخل القومي, فأموال النفط تصرف لإبقاء الاقتصاد العراقي متخلفاً وتابعاً أو مكشوفاً بالكامل على الخارج.
كل هذا يحصل والحكومة العراقية ورئيسها المالكي والحزب الحاكم فيها, حزب الدعوة الإسلامية, يصول ويجول لا ليواجه تلك المشكلات الكبيرة والمعقدة, بل ليعزز مواقعه الحزبية في الدولة العراقية, في الجيش وقوات الشرطة وفي أجهزة الإدارة, ليبقى في الحكم بالرغم من الوقائع المرة التي تواجه البلاد والتي تتطلب إعادة النظر بكل شيء بما فيه إجراء انتخابات مبكرة وتشكيل حكومة جديدة ووضع قوى واعية ومتخصصة على رأس الوزارات...الخ.
الحكومة بكل مكوناتها لاهية تماماً بأوضاع صراعاتها الداخلية ومصالحها المنفردة, في حين أن القوى الإقليمية تخوض صراعاتها على الساحة السياسية العراقية وعلى أكتاف الشعب العراقي بكل مكوناته ومن خلال الأحزاب الحاكمة. وإذا كانت إيران تلعب دورها السياسي الكبير وتأثيرها المباشر على السياسات والمواقف العراقية من خلال قواها الخاصة المنتشرة في العراق وفي أجهزة الدولة أولاً, ومن خلال القوى والأحزاب الإسلامية السياسية التي تساند وجودها ودورها في العراق ثانياً, فإن المملكة السعودية وبعض دول الخليج تجد في قوى إسلامية أخرى وقومية عربية يمينية وبعثية يشارك بعضها في الحكم تحت واجهات أخرى سنداً لها في العراق وساعيةً لدعمها. ومثل هذا الصراع يزيد في مشكلات العراق ويعقد الوصول إلى حلول عملية, خاصة وأن حكومة إقليم كردستان العراق منشغلة بترتيب علاقاتها مع كل من إيران وتركيا بصورة منفردة من جهة, ومنشغلة بالمشكلات التي لا تمت لغياب الديمقراطية في الحياة السياسية العراقية من جهة أخرى, ولا تساهم في معالجة المشكلات المعقدة التي يواجهها المجتمع العراقي.
إن إعادة ترتيب الأوضاع في العراق قبل خروج القوات الأمريكية مسألة ضرورية لتجنيب البلاد السقوط بمستنقع النزاع الطائفي المقيت, الذي كما يبدو للمتتبع, تحضَّر له عدة أطراف, سواء أكانت مشاركة في الحكم أم من خارجه. ومن أجل تجنب هذا الاحتمال الوارد الذي لا يمكن إنكار احتمال وقوعه ومخاطره, يتطلب الأمر عقد مؤتمر وطني وشعبي واسع لكل القوى السياسية العراقية المشاركة في العملية السياسية, وليس تلك التي ما تزال ترفع السلاح أو تمارس الإرهاب بصيغ مختلفة بهدف الوصول إلى تحديد مجموعة من المبادئ وقواعد العمل الوطني التي تلتزم بها كل القوى السياسية العراقية, سواء أكانت مشاركة في الحكم أم خارجه, وتحديد برنامج عمل وطني تنفذه حكومة وطنية تلتزم بما يتفق عليه في هذا المؤتمر. إنه مؤتمر للإنقاذ الوطني وحكومة إنقاذ وطني.
إن السلوك الراهن لحكومة المالكي يجسد عبثية قاتلة مستهينة بكل المخاطر التي تحيط بالعراق وشعبه وكافة مكوناته وتساهم في تشديدها, شاءت ذلك أم أبت. إنها حكومة وضعت الدستور جانباً وهي تمارس سياسة بعيدة كل البعد عما نص عليه الدستور. وليس أدل على ذلك عدم وجود نساء في مجلس الوزراء على وفق المادة الدستورية التي قررت أن تكون حصة النساء 25% من حقائب مجلس الوزراء.
إن الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني واسع ليس ترفاً سياسياً ولا رغبة ذاتية, بل هي التعبير الأكثر انسجاماً مع حاجة العراق الراهنة بسبب إصرار القوى السياسية الحاكمة على تشديد الصراع السياسي في ما بينها وإيصاله إلى نزاع سياسي يخرج عن إطار الأساليب السلمية ويغرق العراق ببحر من الدماء, خاصة وإن بنية القوات المسلحة أو وعي المواطنة فيه, محكوم بمشكلات المجتمع وتركيبة المجتمع التي تنشطت فيه الطائفية السياسية والتمييز الديني والطائفي.
إن تشكيل حكومة إنقاذ وطني سيضعف الوجهة الفردية ويحد من التحولات الجارية في الحكم صوب الاستبداد ويعيد الأمور إلى نصابها بهذا القدر أو ذاك قبل أن يتحول إلى اللاعودة إلى مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في العراق.
25/11/2011                      كاظم حبيب 
   


279
كاظم حبيب
أول الغيث قطر ثم ينهمر المطر: سياسة وزير التربية إزاء المرأة نموذجاً!!

ما أن تم استيزار على الأديب, نائب رئيس حزب الدعوة الإسلامية, على رأس وزارة التعليم العالي حت التقى بإحدى المرجعيات الدينية في النجف التي "نصحته" بممارسة عملية العزل التام على مستوى المجتمع بين الإناث والذكور ومجموعة من "الإرشادات" المماثلة في المناهج وغيرها التي تعود لقرون خلت والتي أحياها النظام الإسلامي الإيراني بعد سقوط الشاه في إيران. والتزم الوزير علي الأديب بوصايا هذه المرجعية الدينية خاصة وأنه قد أكد في إحدى مقابلاته التلفزيونية أن حزبه يمارس الديمقراطية كأداة وليس كفلسفة, وهذا ما نعيشه منذ وصول المالكي إلى رئاسة الوزراء. فحال وصول حزب الدعوة الإسلامية التي يقودها المالكي انتهى استخدام الديمقراطية فقد أدت دورها في إيصال هذا الحزب وقادته إلى السلطة, وبعدها بدأت فلسفة هذا الحزب في فرض النهج الذي يراه مناسباً والذي يتماشى مع الرؤية الفكرية والسياسية للمرجعية الشيعية في إيران والمتمثلة بمرشد إيران على خامنئي. وأنه يرفض تسليم الحكم لغيره, "أخذناها بعد ما ننطيها"!!
وهكذا صدرت القرارات تلو القرارات بهذا الصدد. ولم يمارس علي الأديب وحده ولا وزير التربية الدكتور محمد علي  محمد تميم الجبوري وحده, بل رئيس وزرائهما نوري المالكي أيضاً حين نقلوا ثلاث موظفات من مكاتب مجلس الوزراء إلى وظائف أخرى بسبب الحجاب, ثم أخيراً قرأنا الخبر التالي:
"أبلغت إدارة معهد الفنون الجميلة للبنين في بغداد جميع تدريسيات المعهد بصدور أوامر وزارية بنقلهن الى معهد الفنون للبنات واقتصار تدريسي المعهد على الذكور فقط. وبحسب مصادر تربوية، فإن إدارة المعهد الجديدة والمشرفين من مديرية إعداد المعلمين أبلغت جميع الكادر التدريسي النسوي في المعهد بصدور أوامر نقل بحقهن كونهن نساء فقط من دون ذكر أي سبب أخر.
وأضافت إن عملية النقل ستسبب فراغاً تدريسياً واضحاً خاصة وان عدد التدريسيات يبلغ 47. وعلى صعيد متصل منعت إدارة المعهد دخول أي وسيلة إعلامية إليه إلا بموافقة من المكتب الإعلامي لوزير التربية حصراً. وكانت أدارة معهد الفنون الجميلة قد أصدرت قبل شهر قراراً بنقل عدد من التدريسيين إلى معاهد أخرى دون توضيح الأسباب."
إن هذه الإجراءات المتشددة والمتزمتة والغارقة في سلوكية وممارسات القرون التي كانت المرأة بضاعة تباع وتشترى, وحين كانت المرأة لا تمتلك صوتاً يدافع عنها أو تدافع عن نفسها, وحين كان المجتمع غارقاً في ظلمات الجهل والعبودية, لا تصدر عن هذا الوزير أو ذاك وحده, بل هي نتيجة قرار متخذ في قيادة حزب الدعوة الإسلامية وبالاتفاق مع مرجعيتهم الدينية الجديدة وربما مع قوى إسلامية سياسية متشددة أخرى!!
إن على القوى الديمقراطية وذات الإرث الحضاري الحديث والمواقف الوطنية المشهودة في الدفاع عن المرأة أن ترفع صوت الاحتجاج والاستنكار ضد هذا الإجراء العدواني ضد حضارة الإنسان وحداثته والإجراءات المماثلة. إن السكوت عنه سيدفع بهؤلاء المتخلفين إلى دفع المجتمع إلى مستنقع تفوح منه رائحة الخشية من المرأة واعتبارها سيئة وناقصة العقل وأن لا يجتمع امرأة ورجل إلا وبينهما الشيطان! إن هذه الإجراءات الشرسة المعادية للمرأة وحقوقها المشروعة لا تصدر إلا عن شخصيات مريضة تعاني من علة الخوف من المرأة, من شخصيات ذكورية مصابة بالشبقية التي ما أن ترى مرأة إلا وينتصب شيء ما فيها. إنه اعتداء جديد وصارخ على المرأة والرجل والمجتمع بأسره. إنه الكارثة الصفراء الزاحفة على المجتمع.
أدعو المرأة في العراق إلى التكاتف والنضال ضد هذا الإجراء والإجراءات المماثلة .
أدعو الرجل في بلاد الرافدين إلى التعاضد مع المرأة والنضال ضد هذا القرار المجحف بحق المرأة والرجل والمجتمع.
أدعو الأحزاب السياسية التي تتحدث عن الديمقراطية وتدعي تبنيها لها أن تبرهن على هذا الآن وحالاً بإدانتها ورفضها لهذا الإجراء وطلب التراجع عنه مباشرة.
أدعو منظمات حقوق الإنسان إلى رفع صوت الاحتجاج والتنديد بمثل هذه الإجراءات الزاحفة التي تريد ترويض المجتمع بإجراءات أقسى وأقسى.
أدعو لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة أن تطالب العراق بتنفيذ بنود لائحة حقوق الإنسان الدولية الموقع عليها من قبل الدولة العراقية والمصادق عليها أيضاً.
أدعو الجميع إلى وقفة إنسانية حضارية لصالح المرأة والمجتمع من أجل وضع حد لشخصيات مريضة تفرض علينا إجراءات وسياسات مريضة في آن واحد.
إنه أول الغيث قطر ثم ينهمر المطر .. إنه الطاعون !!
23/11/2011                      كاظم حبيب
           

280
المنبر الحر / رسالة مفتوحة
« في: 15:00 17/11/2011  »
رسالة مفتوحة

الأخ الفاضل سماحة السيد عمار الحكيم المحترم / رئيس المجلس الإسلامي الأعلى العراقي - بغداد 

تحية واحتراماً

أتابع باستمرار نشاط حزبكم السياسي. وبسبب هذه المتابعة المستمرة وجهت لوالدكم المرحوم سماحة السيد عبد العزيز الحكيم رسالة خاصة حول فيدرالية الجنوب ورأيي بها في تلك الفترة العصيبة من الصراع الطائفي المقيت وعواقبه في العراق.
واليوم أتوجه برسالتي هذه لجنابكم بشأن قضية أخرى أرجو أن تنال اهتمامكم واهتمام حزبكم والمؤيدين له في العراق وكذلك كافة المهتمين بالشأن العراقي وأحزابه السياسية, خاصة وقد لمست تحولاً إيجابياً في بعض مواقفكم التي فيها رؤية شبابية لعدد من القضايا المهمة من جانب, وموقف الأستاذ عادل عبد المهدي في التخلي عن منصب نائب رئيس الجمهورية.
منذ تأسيس حزبكم في الربع الأخير من عام 1982 عملتم ضد النظام العراقي وناضلتم مع بقية القوى السياسية العراقية لإسقاط الدكتاتورية بهدف الخلاص منها, كما شكلتم الوحدات الأنصارية التي شاركت مع بقية القوى الوطنية المسلحة ضد النظام الدموي في العراق.
إن خلاص الشعب العراقي من نظام استبدادي شوفيني وطائفي مقيت فتح الأبواب لإقامة نظام وطني وديمقراطي مناهض للاستبداد والشوفينية والتمييز الديني والمذهبي وتأمين الحريات العامة وحقوق الإنسان في بلد لم يهنأ شعبه عقوداً طويلة.
ومنذ سقوط الدكتاتورية والدكتاتور في العام 2001 شارك حزبكم بعضوية المجلس الانتقالي وفي كافة الحكومات التي تشكلت منذ أول حكومة عراقية حتى الآن وتحملتم مع بقية القوى المشاركة في الحكم مسؤولية إدارة شؤون البلاد. كما شاركتم في تشكيل البيت العراقي ومن ثم الائتلاف العراقي وأخيراً التحالف الوطني العراقي. وأنتم أدرى بما جرى ويجري في العراق منذ ذلك الحين حتى الوقت الحاضر. واليوم يواجه الشعب العراقي مجموعة كبيرة من المشكلات السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية المتراكمة والمتفاقمة التي يئن تحت وطأتها الموطنات والموطنون في البلاد, وخاصة الفئات الفقيرة والمسحوقة والتي تعيش على هامش الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتواجه بشكل خاص مصاعب التلوث والظروف البيئية المعقدة.
وتبدو في الأفق بوادر لا تخفى على حس وعين وخبرة الإنسان العراقي, بوادر السلوك الفردي الذي سرعان ما يتحول إلى سلوك استبدادي مشين يعرض البلاد إلى مخاطر جديدة, كما نعيشها اليوم في صراع بين الحكومة الاتحادية والمحافظات وكذلك بينها وبين الإقليم. وليس عبثاً أن نشهد تحركات شبابية وشعبية في العراق وجدت صدى لها في خطبكم الأخيرة على نحو خاص وتشخيصكم لأسبابها.
إن العراق بلد متعدد القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية. وهو أمر إيجابي إذا ما توفرت مستلزمات إدارة دفة البلاد بصورة حكيمة وعقلانية وبعيداً عن التمييز والتهميش والإقصاء.
وحين تؤس جماعات سياسية أحزاباً سياسية على أساس ديني ومذهبي, فإن ذلك يعني وبالضرورة دفاعها عن هذه المجموعة البشرية التي عانت من تمييز وتهميش مثلاً. وهذا يعني إنها تعمل على وفق قاعدة تقود إلى التمييز أيضاً إزاء أتباع الديانات والمذاهب الدينية الأخرى, مما يقود إلى التنصل من مبدأ المواطنة على مبدأ الهويات الثانوية المتعددة التي تقود بدورها على صراعات وعواقب ليست إيجابية. إن الخلاص من حكم عمل على أساس التمييز بين الطوائف يفترض أن لا يقود على نشوء نظام سياسي يمارس التمييز بين الطوائف, وهو ما نعيشه اليوم في العراق والذي قاد ويقود إلى ما نحن عليه الآن في البلاد.     
إن حزبكم السياسي نشا على وفق قاعدة الخلاص من الدكتاتورية التي أذلت الشعب العراقي كله ومارست التمييز والاضطهاد والقمع والتشريد ضد الشيعة والكُرد على سبيل المثال لا الحصر, وهو في واقع الحال يعمل في مناطق معينة من العراق وليس في كل العراق. وسبب ذلك يكمن في الجانب المذهبي الشيعي الذي يتبناه حزبكم, أي حيث وجد أناس يؤمنون بالمذهب الإسلامي الشيعي ويرغبون بالعمل في حزبكم على أسس مذهبية شيعية.       
أنتم في العراق تعيشون الصراع الدائر بين الأحزاب السياسية الحاكمة الذي انتقل, وبهذا القدر أو ذاك, إلى المجتمع. وهو بهذا يحمل مخاطر جمة على وحدة المجتمع العراقي ومستقبله, إذ أن من يعتبر نفسه ممثلاً لهذه الطائفة أو تلك في هذا التحالف الحكومي يسعى إلى تأمين مصالح طائفته أو قوميته بعيداً عن تحقيق التناغم والانسجام بين مصالح أتباع كل الديانات والمذاهب والقوميات, أي مصالح كل الشعب أو الغالبية العظمى منه.
أنتم في العراق تعيشون الفساد والإرهاب, وهما وجهان لعملة واحدة, والمجتمع يعاني الأمرين من هاتين الظاهرتين الطاغيتين, إنه يعاني من الحكم القائم غير الصالح. ولا شك في أنكم تشاركون هذا الحكم المسؤولية, شئتم ذلك أم أبيتم بحكم وجودكم فيه وفي التحالف الحاكم عموماً.   
واشعر بأن سماحتكم وحزبكم لا بد وأنكم تفكرون بهذا الأمر ملياً وتسعون لإيجاد الحلول التي ترونها مناسبة لمعالجة الواقع غير الصحي القائم وإنقاذ المجتمع من الموت اليومي والنهب اليومي ..الخ.
لهذا اقترح عليكم وعلى حزبكم أن تضعوا ضمن الحلول التي تشغلكم الأفكار التالية:
أن يعلن حزبكم التزامه الكامل بالنقاط التالية:
1.   العمل من أجل إقامة مجتمع مدني ويأخذ بمبدأ الهوية الوطنية العراقية, أي مبدأ المواطنة العراقية الحرة والمتساوية.
2.   يرفض التمييز بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية.
3.   يقبل في عضوية الحزب أتباع المذاهب الإسلامية الموجودة في العراق.
4.   رفض حزبكم لقاعدة ربط الدين بالدولة واعتماده قاعدة "الدين لله والوطن للجميع".
5.   يعمل باستقلالية عالية في سبيل الدفاع عن مصالح كل الشعب العراقي دون استثناء.
في إحدى الخطب التي ألقاها الشهيد المرحوم سماحة السيد محمد باقر الحكيم قبل اغتياله الجبان مع مجموعة كبيرة من أبناء الشعب, أشار إلى أهمية إقامة المجتمع المدني في العراق, إذ أدرك في حينها المخاطر الجمة للهويات الطائفية وسيادة الحكم القائم على أساس الطوائف والمحاصصة الطائفية في الحكم. ولكنه لم يمهل لتوضيح فكرته أو تطويرها, وحبذا لو توليتم هذا الأمر.
من هنا يلخص مقترحي بتبني حزبكم لمبدأ إقامة المجتمع المدني الديمقراطي وقاعدة المواطنة الحرة والمتساوية لأبناء وبنات الوطن الواحد بغض النظر عن الدين أو المذهب, إذ هما السبيل الوحيد لتقدم حزبكم وتحقيق نتائج إيجابية.
لم يستطع السيد نوري المالكي, رئيس الوزراء منذ أكثر من ست سنوات تحقيق نتائج إيجابية لحزبه وقامته, إلا حينما أعلن عن قائمة دولة القانون, ولكنه نكث بهذا العهد كما أرى, وبالتالي سيعيش عواقب ذلك.
أتمنى أن تناقشوا هذه الفكرة, وهي لا تعزلكم عن أتباع المذهب الشيعي ولا عن المذهب ذاته, ولكنها ستفتح الطريق أمام عقلانية في تشكيل الأحزاب وحكمة مطلوبة في ممارسة السياسة في العراق ورؤية تتناسب مع شبابيتكم في قيادة "المجلس الإسلامي الأعلى العراقي". عندها سيجد الناس في العراق حزباً غير طائفي ويدافع عن جميع الطوائف وأتباع جميع الأديان كمواطنات ومواطنين لا غير.
أتمنى عليكم أن تناقشوا النهج المقترح برؤية جادة وصادقة بخلاف ما حصل مع حزب الدعوة الإسلامية ورئيسه السيد نوري المالكي.
أتمنى لكم الصحة الموفورة والسلامة وللشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية الإنسانية الحياة الحرة والكريمة والسلامة.
مع خالص المودة والتقدير.
كاظم حبيب


281
كاظم حبيب
صواب رأي خالد القشطيني 100%

قدم الأستاذ خالد القشطيني, الكاتب الساخر الجاد, مقالاً يقترح فيه أن يبتعد الإنسان عن الزواج بامرأة مريضة نفسية أو مجنونة .. الخ, ولكن العكس صحيح أيضاً. كما رأى بأن من الضروري, بالارتباط مع أوضاع العراق السياسية, أن يحصل ذلك في مجال السياسة. والسؤال: كيف؟ أقترح أن يحصل ما حصل لي حين تقرر تعييني مدرساً في كلية الاقتصاد التابعة للجامعة المستنصرية في العام 1969.
 أُرسلت من قبل رئاسة الجامعة إلى طبيب خاص بالأمراض النفسية والعصبية ليتيقن من صلاحيتي النفسية والعصبية للتدريس. وكان هذا القرار ملزماً لمن يريد العمل ضمن الهيئة التدريسية في الجامعات العراقية. دخلت إلى غرفة الدكتور علي كمال, الذي كان مشهوراً في العراق, وحييته ورد التحية بابتسامة عريضة. سلمته ملف التعيين. فتح الملف وقال: أستريح دكتور, أريد احكي لك طرفة صغيرة: قبل سنوات كان أحد العراقيين يتجول في برلين, فتوقف أمام صيدلية, إذ جلب انتباهه أنها تبيع أمخاخ وذات أسعار مختلفة. قرأ: أن 5 غرامات مخ مهندسين 3 ماركات, 5 غم مخ صيادلة 7 ماركات, 5 غم مخ كيماويين 4 ماركات, 5 غم مخ فيزياويين 5 ماركات. 5 غم مخ اقتصاديين 50 مارك. استغرب السائح العراقي وقرر أن يستفسر عن السبب في هذا التباين في الأسعار. دخل إلى الصيدلية واستفسر من صاحبها: أخي ألا تخبرني عن سبب هذا التباين الشديد بين أسعار الأمخاخ المعروضة للبيع, علماء من مختلف الاختصاصات لا يزيد السعر عن 10 ماركات في حين أن مخ الاقتصاديين يصل إلى 50 مارك. ابتسم الصيدلاني وقال له حقك: هل تعرف كم قحف نكسر حتى نحصل على 5 غم مخ اقتصاديين. ما كان مني إلا أن انفجرت بضحكة مدوية. فابتسم الدكتور علي كمال وكتب على الملف "سالم مسلح". شكرته وغادرت وتمت مبشرتي العمل.
ألا يرى المجتمع العراقي مفيداً بل وضرورياً أن يتم فحص كل من يرشح لأي منصب في الدولة العراقية, وخاصة في مجالات السياسة, وأن يرسل إلى طبيب نفساني ليتم فحصه ليقرر مدى صلاحيته للعمل مع الشعب وقضاياه ومصالحه قبل أن يتم ترشيحه لرئاسة الدولة ومجلس الوزراء ومجلس النواب ومجلس القضاء العالي أو يراد تعيينه في السلك الدبلوماسي لكي لا يبتلي المجتمع بالكثير ممن ابتلي بهم المجتمع منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة حتى الآن؟ أتمنى أن يتم ذلك بقانون رجعي المفعول. الأمر ينطبق على كل الدول العربية وربما الكثير من الدول النامية.
شكراً للأستاذ خالد القشطيني على الفكرة الصائبة.
8/11/2011                        كاظم حبيب

282
كاظم حبيب
هل اكتشاف مؤامرة بعثية ينهي التآمر في العراق؟
لا أشك أبداً بأن قوى حزب البعث العربي الاشتراكي المنظمة والمبعثرة والمتسرية إلى عضوية أغلب الأحزاب السياسية في العراق, وبشكل خاص, إلى الأحزاب الإسلامية السياسية, سنية كانت أم شيعية. كما أن هناك "بعثيين" كُرد يعملون اليوم أيضاً في بغداد أو في كردستان ضمن عدد من الأحزاب الكردية وبواجهات كثيرة وكانوا يعملون في حينها مع البعث وضمن من أطلق عليهم بـ "الجحوش" وكان النظام يطلق عليهم بـ "الفرسان!" ظلماً وبهتانا.
بالنسبة للأحزاب الشيعية فقد احتضنتهم تحت شعار أو باب "التوبة!" والولاء المذهبي, والأحزاب السنية احتضنتهم أيضاً تحت واجهة الولاء القومي والتضامن المذهبي, وبالنسبة للأحزاب الكردية تحت واجهة "عفا الله عما سلف"!
وبالتالي فإن البعثيين ما زالوا في العراق... نجدهم في قوى القائمة العراقية وقوى قائمة المالكي وقوى قائمة الوطنيين الأحرار أو الصدريين, وبعضهم الكثير في قوى المجلس الأعلى .. الخ. أما هيئة علماء المسلمين وما يماثلها فأغلبهم من البعثيين ممن عمل في الأمن والاستخبارات و"فدائيي صدام". هذا هو واقع الحال في العراق. والنسبة الكبيرة من هؤلاء البعثيين, (ولا أقصد من أجبر على التبعث) لم يكفوا عن الحنين للماضي, رغم ما حصلوا عليه من مكاسب وفوائد في ظل الأوضاع الراهنة, ورغم الحديث عن "اجتثاث" البعث أو "المساءلة والعدالة" أو ما شاكل ذلك. وهم في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية والأمنية وفي كل مكان حقاً, بل هم مستشارون لمجلس الوزراء والوزراء...الخ. وأنا هنا لا أدعو إلى تطهير كل البعثيين من كل مكان, إذ من غير المعقول ذلك, ولكن لا أستطيع أن أتصور الحالة الراهنة التي تسمح حقاً لبعثيين بعينهم في العمل وبصورة غير مباشرة على تنظيم انقلاب أو حركة معينة للالتفاف على الوضع. 
ولهذا لا أشك أبداً في أن البعثيين المتآمرين دوماً والانقلابيين أبداً يفكرون باستمرار عن وسيلة للوصول إلى مواقع الحكم الأساسية والقفز على السلطة وبمساعدة قوى إقليمية ودولية في آن. حين لا أستغرب من هذه الحقيقة, فهذا يعني أن هناك أسباباً واقعية وفعلية تسمح بوجود مثل هذا الاحتمال, وأن اعتقال جمهرة من البعثيين وأعوانهم لا يحل المشكلة, إذ ستبدأ جماعة أخرى وثالثة ورابعة وهلمجرا. فما دام السبب موجود, فالفعل محتمل في كل لحظة.
والأسباب الفعلية تكمن في الواقع العراقي الراهن, في ما جرى خلال الأعوام المنصرمة وما يجري اليوم على الساحة السياسية العراقية. والمسؤولون في أعلى السلطة لا يريدون الاستماع إلى صوت العقل, إلى  صوت التحذير الذي ينطلق من أقلام الذين اكتووا بجحيم البعثيين ومجازرهم وهمجيتهم التي يصعب على الإنسان السوي الذي لم يعش ذلك الجحيم أن يتصور جحيم البعثيين الوارد في أكثر من كتاب.
الحريات العامة والحياة الديمقراطية والشفافية والمواطنة الحرة والمتساوية والعمل والعدالة الاجتماعية وتأمين الخدمات الأساسية والحماية للمواطنة والمواطن وعدم التمييز بين المواطنين/المواطنات بسبب القومية أو الدين أو المذهب أو الفكر وإقران القول بالفعل هي التي توفر الأرضية الصالحة لنظام سياسي متين ومتماسك لا يتزعزع, في حين إن مصادرة الحريات وتغييب الديمقراطية وزيادة الإجراءات الأمنية ومواصلة السياسات الطائفية والتمييز الطائفي والتوزيع المحاصصي على أساس الدين والمذهب والحزب والإقليم والعشيرة والعائلة والابن والأخ والجار والصديق وبعيداً عن روح المواطنة والكفاءة, ومواصلة نخر الدولة بالفساد المالي والإداري واستمرار الإرهاب والصراعات اللامبدئية وعلى أساس المصالح الذاتية هي وغيرها من العوامل التي تساعد على توفير الأرضية الخصبة للتآمر وقيادة الانقلابات العسكرية وغير العسكرية لمصالح ذاتية (أو) ولمصلحة دولة أجنبية جارة أو غير جارة.
إن العيب ليس بالمتآمرين, فهم يعلنون رفضهم للعملية السياسية وحين يعملون في وسطها فهم فعلياً يعملون ضد السلطة فهذه مهمتهم وهذا ديدنهم, بل العيب كل العيب في من هو في السلطة ولا يسعى إلى تغيير تلك العوامل التي تساعد هؤلاء على  العمل الفعلي ضد مصالح الشعب والوطن.
أقول إلى السيد رئيس الوزراء وبكل وضوح وصراحة وشفافية .. إن اكتشاف مجموعة راغبة في قلب نظام الحكم لن ينهي المشكلة, إذ إن تشكيل غيرها أمر قائم في ظروف العراق الراهنة وفي ظل الصراعات الدائرة وفي واقع تحويل العراق إلى ساحة للصراع العربي – الإيراني على النفوذ فيه وتساهم فيه العديد من الدول العربية والدولة التركية وغيرها. إن مثل هذا النجاح لا يدوم, بل يفترض في رئيس الوزراء أن يمعن النظر في ما ينبغي له تغييره إن كان راغباً حقاً في الخلاص من الأوضاع الراهنة. إن التغيير يفترض أن يبدأ بالنهج الذي يمارسه مباشرة أو يمارسه الوزراء في وزارة التعليم العالي والصحة أو غيرها وكذلك في المؤسسات وأجهزة الدولة وكذلك وبشكل خاص الأجهزة الأمنية. إن النهج الذي يمارسه رئيس الوزراء هو الذي يساعد على نشوء الأرضية الصالحة ومبررات ما يحصل اليوم في العراق وبدون تغيير ذلك النهج لن يستقر العراق ويتجه صوب البناء والتعمير والازدهار.
إن قوى سابقة, ولأسباب مختلفة, حاولت في ظروف شاذة تقسيم العراق إلى سبعة أقاليم, ولكنها فشلت, واليوم بدأت قوى أخرى كانت ضد تلك التقسيمات, تكرر محاولة التقسيم, وهي بكل بساطة لا تختلف عن الأهداف التي حركت المحاولات الأولى ولا بد من دحرها, ليبقى العراق الاتحادي يقوم على الفيدرالية العربية والفيدرالية الكردستانية. 
إن اعتقال المتآمرين بعيداً عن الشرعية, في حالة حصوله, غير مقبول وينبغي أن يتوقف, كما يفترض أن لا يحصل أي شكل من أشكال التعذيب. وسبب قولي هذا ما حصل للمحتجين في ساحة التحرير من اعتقال وتعذيب ولم يكونوا متآمرين ولكنهم تعرضوا لأبشع صور التعذيب, فكيف الحال مع متهمين بالتآمر ولم تثبت إدانتهم.
أؤكد ثانية إن اعتقال متآمرين بصورة شرعية أمر مقبول ومطلوب, ولكن لن يحل المشكلة, والحل في تغيير السياسات التي تمارسها النخبة الحاكمة في العراق.
3/11/2011                         كاظم حبيب
           

283
كاظم حبيب
هل نموذج أردوغان للدولة الإسلامية يمشي على قدم واحدة؟

منذ أن انطلقت الحركات الاحتجاجية والانتفاضات الشعبية في الدول العربية ضد نظمها الاستبدادية والقمعية الجائرة , راح السيد طيب رجب أردوغان, رئيس وزراء تركيا, يتجول في عدد من الدول العربية داعياً ومروجاً في مصر وتونس وليبيا إلى الأخذ بنموذجه الإسلامي العلماني. وحين غادر مصر احتج الأخوان المسلمون والسلفيون وبقية قوى الإسلام السياسي المتزمتة على أردوغان واعتبروا الخطب التي ألقاها بهذا الصدد تدخلاً فظاً في الشأن المصري الداخلي لا يجوز له ذلك! ولكن رحب به آخرون باعتباره يجمع بين الإسلام وبين الموقف العلماني من عدد من المسائل التي يرفضها المتزمتون والمتطرفون والإرهابيون من قوى الإسلام السياسي مثل الموقف من المرأة ومن الحجاب أو ارتداء العباءة أو جواز فتح محلات بيع الخمور أو الحق في فتح نوادي ليلية أو حرية العبادة لغير المسلمين ...الخ من الأمور, إضافة إلى أهم قضية في العلمانية هي فصل الدين عن الدولة, فالدين لله والوطن للجميع.
بهذا القدر يمكن القول بأن موقف أردوغان مقبول ويمكن أن يساهم في تحسين أوضاع الدول العربية. ولكن هل هذه هي العلمانية أم أن نواقص أساسية يعاني منها النظام السياسي التركي في الوقت الحاضر والتي تعتبر أحد الأسباب التي تمنع الاتحاد الأوروبي من قبول تركياً عضواً فيه. إنه الموقف من الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والامتناع عن الاعتقال الكيفي ورمي الناس بالسجون دون وجه حق بسب الاختلاف في الرأي.
إن العلمانية بمعناها السليم تعني الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الفرد واحترام حقوق القوميات وحق تقرير المصير, واحترام الرأي والرأي الآخر جزء أساس من حقوق الإنسان ومن الحريات العامة والديمقراطية وهي جزء من العلمانية, إضافة إلى احترام جميع الأديان والمذاهب الدينية وعدم التدخل من جانب الدولة في شؤونها أو الإساءة إليها وصون حق الفرد في العبادة وأداء الطقوس الدينية والمذهبية. إن فصل الدين عن الدولة يدخل ضمن العلمانية ويساهم في توفير المبدأ الأساس لدولة المجتمع المدني, دولة المواطنة الحرة والمتساوية وليس دولة الهويات الدينية والطائفية, ومن هنا نشأت القاعدة السليمة "الدين لله والوطن للجميع". وهذا يعني رفض التمييز بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية بل احترام كل المواطنات والمواطنين والمساواة بينهم والأخذ بالكفاءة في تعيين الفرد, امرأة كانت أم رجلاً, في دوائر الدولة والوظائف العامة وفي غيرها.
هل يمارس النظام السياسي التركي الراهن هذه المبادئ؟  إن النظام السياسي التركي لا يمارس كل ذلك بل يمارس بعضه ويتجاوز على أهم وأبرز تلك المبادئ الواردة في لوائح شرعة حقوق الإنسان الدولية والعهود والمواثيق المقرة, وهو الذي يجعلنا نؤكد بأن النظام السياسي التركي أعرج, يمشي على رجل واحدة ولا يجوز الاستمرار بذلك, إذ أنه وبوضعه الحالي لا يصلح أن يكون نموذجاً للدول الأخرى ما لم يسع إلى تغيير سياساته السلبية والخاطئة والخطرة في عدد من المسائل نشير إلى أربع جوهرية منها:
** في الموقف من حقوق الإنسان وحق الفرد في تبني الرأي الفكري والسياسي الذي يؤمن به دون أن يلاحق أو يعتقل أو يسجن أو يعذب. تركيا تمارس باستمرار ومارست في الآونة الأخيرة اعتقال 50 شخصية سياسية وعلمية واجتماعية في تركيا بتهمة التعاطف مع حزب العمال الكردستاني, ومنهم المدافع عن حقوق الإنسان وصاحب دار نشر تركية السيد رجب زاراقولو وابنه دينز بتهمة التعاطف مع الكُرد أو بسبب إلقاء محاضرة علمية لأحد المواطنين الكُرد, على سبيل المثال لا الحصر. (راجع جريدة برلينر تسايتونگ, العدد HA 55 بتاريخ 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2011 ص 1 ). إن تحريم الاعتقال الكيفي وملاحقة أصحاب الرأي الآخر ينبغي أن يحرم بشكل مطلق.
** في الموقف من حقوق القوميات في تركيا, فتركيا ذات القوميات المتعددة ترفض منذ عقود حقوق هذه القوميات, وخاصة حقوق الشعب الكردي الذي يشكل نسبة مهمة من بنية سكان الدولة التركية وله إقليمه الكردستاني, وترفض الاعتراف بحقه في تقرير مصيره. وأكثر من هذا, فهي ترفض حتى حقه في المطالبة بحقوقه المشروعة وبالتالي تفرض على الكُرد في تركيا النضال وربما حمل السلاح للمطالبة بحقوقهم المشروعة والعادلة وتخوض الحرب ضده وبالتالي تتسبب في خسارة المزيد من الأرواح البشرية في صفوف الشعبين وتتحمل خسائر مالية هائلة وتساهم في زيادة تخلف المنطقة, المتخلفة أصلاً بسبب التمييز الطويل الأمد, التي يجري فيها القتال بل ويتم التجاوز على حدود دولة جارة هي العراق بذريعة وجود مقاتلين كرد من كردستان تركيا في الأراضي العراقية. في حين أنهم يدركون أن حل المسألة الكردية أمر ممكن وفي إطار الدولة التركية, ولكن من واجبهم أولاً وقبل كل شيء الاعتراف بوجود هذا الشعب وحقوقه المشروعة والتفاوض مع ممثليه للوصول إلى الحلول العقلانية. فالسلاح والحرب لا يعالجان أي مشكلة بل يعقدان المشكلات القائمة أكثر فأكثر ولا يسمحان بالجلوس والتفاوض لحل المشكلات.
** في الموقف من أتباع الديانات والمذاهب الدينية, إذ ما تزال تركيا تميز بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية, كالأرمن وعموم المسيحيين أو إزاء العلويين أو إزاء الإيزيديين الذين اجبروا على ترك تركيا والهجرة إلى الدول الأوروبية. وهو أمر لا يجوز القبول به ولا يسمح لتركيا أن تكون نموذجاً لدولة إسلامية علمانية صحيحة ومعبرة عن الحياة المدنية للمجتمع.
** في الموقف من حق الإنسان أو الجماعات في تشكيل تنظيمات مجتمع مدني, ومنها منظمات حقوق الإنسان والأحزاب السياسية, على وفق المبادئ التي تؤمن بها تلك الجماعات. وهو الذي يواجه بصعوبات كبيرة في تركيا حتى الآن.       
إن تركيا يمكن أن تكون نموذجاً حسناً حين تتخلى عن التعصب القومي والفكري والسياسي وحين تلتزم بمبادئ حقوق الإنسان وحقوق القوميات وعدم التمييز بين البشر على اساس القومية او الدين أو المذهب أو ممارسة الاعتقال والملاحقة القضائية ضد أصحاب الرأي الآخر, أما الآن فلا.   
1/تشرين الثاني/نوفمبر 2011                                  كاظم حبيب               

284
كاظم حبيب
ألا تغذي مصادرة الإرادة والحريات العامة الحقد والكراهية والرغبة في الانتقام؟

تجارب الشعوب في الدول العربية خلال العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية حتى يومنا هذا تشير إلى بعض الحقائق المؤلمة التي لا بد لنا, وخاصة لعلماء النفس الاجتماعي, من دراستها والتعرف على سبل معالجتها لتفادي جملة من العواقب الوخيمة على الفرد والمجتمع في بلداننا. 
لقد عشت أو تعرفت عن قرب أو قرأت بإمعان تجارب أغلب الشعوب العربية خلال العقود المنصرمة. وكلها برهنت على وجود علاقة طردية بين سلب الإرادة الشعبية والحرية الشخصية والقمع والمحاربة بالرزق وأحكام السجن والإعدام ضد قوى المعارضة السياسية وبشكل عام من جانب السلطة الحاكمة وأجهزتها الأمنية وبين ما ينتظر الحكام من عواقب وخيمة حين تحصل الانتفاضات والثورات الشعبية التي تغيب عندها العقلانية والشرعية والاحتكام للقانون في التعامل مع هؤلاء الحكام, إذ تسيطر الرغبة الجامحة في الانتقام ممن عرض حياة الناس للكوارث وسلب إرادتهم وحقوقهم الأساسية وحرمهم من التمتع بالحرية والحياة الديمقراطية وخيرات البلاد والعمل والسعادة, أو ممن اختطف منهم بعض أو الكثير من أبنائهم عبر أحكام قاسية بالسجن والتعذيب أو الإعدام.
لقد تجاوزت الغالبية العظمى من الحكام, إن لم ندع حكام الدول العربية كافة, لصلاحياتهم وداسوا على مضامين الدساتير والحقوق الأساسية للمواطنات والمواطنين, ساهمت ما تزال تساهم اليوم أيضاً, بعمليات الفساد المالي والإداري والتفريط غير المسؤول بثروات الشعب وخيرات البلاد بما لا يساعد على تقدم البلاد وتطورها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وبناء المجتمع المدني والديمقراطي, بل كرست القسوة والبغضاء ونشطت روح الحقد والكراهية لدى الفرد والمجتمع, وبشكل خاص العلاقة بين السلطة والفرد والمجتمع. وحين بدأت عملية انهيار تلك النظم عبر التحرك الشعبي, وحين افلت زمام الوضع من أيدي هؤلاء الحكام,
عجز عقلاء المجتمع تأمين السيطرة على حركة الشعب والوضع السياسي وقيادة الثوار صوب مواقف أكثر عقلانية ومسؤولية وأكثر وعياً بأهمية احترام القانون والقضاء والعدالة وحقوق الفرد في الحفاظ على حياة هؤلاء الحكام بتقديمهم إلى القضاء ومحاكمتهم محاكمة عادلة. إذ أخذ الثوار يمارسون البطش ببعض الحكام ويقتلونهم ويسحلونهم في الشوارع بشكل تقشعر لها الأبدان, كما حصل لعدد من حكام العراق في اليوم الأول من انتصار انتفاضة وحدات من الجيش العراقي, في الربع عشر من تموز/يوليو 1958, ومنهم الوصي على عرش العراق ورئيس الوزراء وابنه مثلاً. وكانت الحالة موحشة ومتوحشة في آن واحد لمن كان شاهداً على ذلك أو من شاهد الصور أو وهم معلقون بالحبال.
وأجزم اليوم لو استطاع الناس اعتقال صدام حسين وأبنائه وبعض قيادة حزب البعث من أمثال عزت الدوري وطه ياسين رمضان وعلي حسن المجيد .. بعد اندحار القوات العسكرية العراقية في حرب 2003 في بغداد لفعل الناس بهؤلاء تماماً كما فعل المتظاهرون حينذاك بعبد الإله بن علي ونوري السعيد وصباح نوري السعيد انتقاماً منهم لعقود حكمهم والعدد الهائل الذين قتلوا في دهاليز الأمن والاستخبارات العسكرية, وفي السجون والمعتقلات, وفي الانتفاضات الشعبية خلال تلك المرحلة المرعبة من حياة الشعب العراقي في ظل الدكتاتورية الباغية وانتقاماً لضحايا انتفاضة 1991 أو الذين قتلوا في مجازر الأنفال والدجيل ..الخ.
لقد كان الأمل يحدو الكثيرين, وأنا منهم,  أن لا تكون ثورة الشعب الليبي مشابهة لما حصل لبعض الحكام في العراق, بل كما حصل في تونس ومصر بالرغم غطرسة وأوامر القتل التي نفذتها أجهزة النظام الأمنية والشرطة بالمتظاهرين والمحتجين, وأن يرتفع الشعب فوق أحزانه وآلامه ومصائبه وأن يتم اعتقال القذافي وابنه وبعض أتباعه ممن أذل الشعب الليبي وأفسد عليه حياته والتمتع بثرواته ليقدموا إلى القضاء لينالوا الجزاء العادل على وفق الشرعية والعدالة.
ولكن ما حصل في سِرت كان مؤلماً وشرساً وحزيناً لكل المدافعين عن حقوق الإنسان والعدالة. لقد حصل ما كنا نخشاه بل قتل الدكتاتور شر قتلة, لقد مات بالضرب والتعذيب الجسدي بصورة وحشية مرعبة. لم يقتل بأيدي ثوار عقلاء يحترمون الإنسان وحقوقه حتى لو كان مجرماً من طراز القذافي, بل قتل على أيدي من لا يحترم حقوق الإنسان وحقه في الدفاع عن نفسه أمام القضاء. لقد كانت جمهرة غير قليلة من المشاركين في الثورة ينتقمون لأنفسهم ولشعبهم لما تسبب به القذافي للشعب الليبي من كوارث والآم وعواقب وخيمة في حياتهم اليومية ورفضه الرحيل والإصرار على مواصلة الحكم وقتل الناس ونعتهم بالجرذان, وهؤلاء الذين تجاوزا صلاحياتهم حين اعتقال القذافي ومارسوا التعذيب الجسدي والنفسي بذلك الأسلوب المتوحش لا يساهمون بأي حال في إرساء دعائم القانون الديمقراطي والعدالة ولا يرسون أسساً صلبةً لمستقبل ديمقراطي مشرق في ليبيا.     
إن الحكام الذين يمارسون الاستبداد والقسوة والعنف ويحكمون شعوبهم بالحديد والنار ويرفضون بإصرار عجيب الاستجابة لإرادة الشعوب بالرحيل عن سدة الحكم, يفترض فيهم أن يتوقعوا من شعوبهم التي ما تزال نسبة غير قليلة منهم تعاني من الأمية بمعناها العام والسياسي, وحين تكون قد نشأت في دولة تمارس القمع والإرهاب والقتل والحرمان ضد شعبها, أن تواجه مصيراً مماثلاً لمصير معمر القذافي وابنه المعتصم. ولكن علينا أن نؤكد بإصرار تام الأمر التالي: إن رفضنا وشجبنا لأساليب الحكم القمعية التي تمارس ضد الشعوب من جانب النخب الحاكمة, نرفض ونشجب بذات القدر الأساليب الوحشية التي تمارس ه بعض قوى الثورة في أي بلد كان ضد الحكام المخلوعين وأنصارهم, كما حصل لمعمر القذافي وابنه, أو ما حصل قبل ذاك بعقود عدة لعبد الإله ونوري السعيد وصباح نوري السعيد. إذ إن هذا الأسلوب الوحشي لا يبشر ببداية طيبة وعقلانية لمسيرات الثورات الشعبية. إن ما جرى للقذافي يؤكد دون أدنى ريب وجود قوى لا تريد إقامة دولة قانون وأن يكون القضاء العادل هو الحكم في معاقبة المتهمين بالإجرام من الحكام, بل يؤكد و جود قوى تريد أن تثأر لنفسها من حكامها بنفسها وأن تنتقم منهم. ومثل هذا السلوك غير حضاري بأي حال تماماً كما كان أو ما يزال عليه السلوك غير الحضاري وغير القانوني والاستبدادي لهؤلاء الحكام ضد شعوبهم.
إن احتمال حصول مثل هذه العواقب على بعض حكام سوريا واليمن أو السودان قائمة فعلاً. ولا يمكن أن ينفيها أحد, خاصة وأن هؤلاء الحكام أوباش بكل معنى الكلمة ويتعاملون بأشد أشكال الغطرسة والقسوة والعدوانية ضد شعوبهم المطالبة برحيلهم والتمتع بالحريات العامة والديمقراطية والاستجابة لإرادة الشعوب.
لم تنفع حتى الآن الأحاديث الجادة والمشروعة التي يبشر بها المدافعون عن حقوق الإنسان ودولة القانون الديمقراطي عن وجوب عدم ممارسة مثل هذه الأساليب غير الشرعية ضد الحكام الذين تسقطهم ثورات شعوبهم, إذ ما تزال بعض مجتمعاتنا تعيش ثقافة البداوة وترى في الانتقام من العدو خير وسيلة للثأر منه لنفسها, إذ لا تؤمن بالقوانين والقضاء وترى فيه مضيعة للوقت وعملية تسويف لا غير.
إن التلذذ برؤية تعذيب الإنسان, أي إنسان, وكأن الجلاد يعيش عرساً كبيراً, يشكل وحشية استثنائية لدى الفرد أو الجماعة ولا يمكن انتزاعها من سلوك الفرد والمجتمع بمجرد الطلب منهم, بل هي عملية سيرورة وصيرورة حضارية طويلة الأمد تستوجب عملية تربية وتثقيف مستمرة بحقوق الإنسان, حتى بالنسبة لأولئك الناس الذين ارتكبوا جرائم بحق شعوبهم, كما حصل في حالة عبد الإله ونوري السعيد أو معمر القذافي أو ما يمكن أن يحصل في حالة علي عبد الله صالح أو بشار الأسد أو عمر البشير .. الخ.   
إن المناضلين الذين رفضوا القمع والتعذيب وتجاوز حقوق الإنسان في ظل النظم الدكتاتورية يفترض بهم وقبل غيرهم أن يدينوا هذه الأساليب ولا يمارسونها ويسعون إلى منع وقوعها.       
يقع على عاتق قوى المعارضة الوطنية الديمقراطية المناضلة ضد النظم الدكتاتورية أن تبذل أقصى الجهود لتثقيف قوى المجتمع, رغم عدوانية الحكام, باحترام مبادئ حقوق الإنسان والقانون والشرعية حتى في التصرف مع الحكام المستبدين, وخاصة حين يقعون بأيدي الشعب أثناء النضال لإسقاطهم.
إن أغلب الحكام الأوباش في بلداننا يحصدون ما يزرعونه بأيديهم, ومن المؤسف حقاً أن هؤلاء الحكام عاجزين عن التعلم والاستفادة مما حصل لغيرهم من مستبدين في مختلف بقاع الأرض, ومنها دول منطقة الشرق الأوسط. ومن هنا تكون الإجابة واضحةً عن السؤال الوارد في عنوان المقال:  في ظل طبيعة العلاقات السائدة في الدول العربية ومستوى الوعي السائد فإن مصادرة الإرادة الشعبية والتجاوز الفظ على الحريات العامة وممارسة التمييز بكل أشكاله والتفريط بأموال الشعب تنمي بما لا يقبل الشك مشاعر الحقد والكراهية لدى  الفرد والمجتمع وتسهم في بروز الرغبة الجامحة لدى أوساط معينة من الشعب وقوى المعارضة في ممارسة الانتقام بأنفسهم من هؤلاء الحكام.
24/10/2011            كاظم حبيب   
   

285
تحية إلى مؤتمر قوى وشخصيات التيار الديمقراطي في العراق

إلى الأخوات والأخوة الكرام أعضاء مؤتمر قوى وشخصيات التيار الديمقراطي في العراق/ بغداد
الأخوة الكرام أعضاء لجنة التنسيق العليا لقوى وشخصيات التيار الديمقراطي العراقي
تحية نضالية
أهنئكم ونفسي على انعقاد المؤتمر الوطني الأول لقوى وشخصيات التيار الديمقراطي في العراق, فهو تجسيد حي على إصرار قوى وشخصيات التيار الديمقراطي على مواصلة النضال الوطني والديمقراطي وتذليل كافة الصعاب والعقبات من أجل بناء دولة اتحادية,   مدنية وديمقراطية حديثة تلتزم بمواد الدستور ومبادئ وشرعة حقوق الإنسان وحقوق المواطنة الحرة والمتساوية, دولة برلمانية تتسم بالنزاهة وتلتزم بالتداول السلمي والديمقراطي للسلطة وتحقق مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث والفصل بين الدين والدولة وتحترم كل الديانات والمذاهب الدينية والاتجاهات الفكرية والسياسية غير العرقية وغير الطائفية, دولة ترفض التمييز بين المواطنات والمواطنين على أساس القومية أو الدين أو المذهب أو الاتجاه الفكري والسياسي أو الجنس, كما ترفض اعتماد الطائفية السياسية والمحاصصة على أساسها في حكم البلاد وفي توزيع المناصب الحكومية.
إن العراق الراهن يعاني من علل قديمة وحديثة حادة ذات عواقب سلبية وخيمة على المجتمع, ومنها بشكل أخص استناد الحكم إلى قاعدة المحاصصة الطائفية والأثنية السياسية بما يزيد من اصطفاف القوى الاجتماعية واستقطاب الصراع الطائفي السياسي الذي يساهم بدوره في استمرار الإرهاب الدموي والموت اليومي والفساد المالي المتفاقم, إضافة إلى الفساد الإداري والحزبية الضيقة ونقص الخدمات العامة والعجز عن تحقيق التنمية الوطنية والتصنيع وتحديث الزراعة وإشباع حاجات السكان, أي أن يبقى الاقتصاد على مستوى العراق كله ريعي واستهلاكي متخلف ومكشوف على الخارج استيراداً وتصديراً بما يعيق تحقيق التراكم الرأسمالي المطلوب وإغناء الثروة الوطنية واستنزاف مستمر للدخل القومي وتباطؤ في عملية التحول المطلوبة من العلاقات الإنتاجية المتخلفة ما قبل الرأسمالية إلى العلاقات الإنتاجية الرأسمالية الوطنية واعتماد قاعدة السوق الاقتصادي الاجتماعي لزيادة التشغيل وتقليص حجم وشدة الاستغلال في المجتمع وتحسين مستوى المعيشة.
إن العراق يواجه حالة عجيبة وغريبة في آن, إذ بقدر ما هو غني بموارده الأولية والمالية, يعاني المجتمع من وجود نسبة عالية من الفقراء إذ تبلغ اليوم أكثر من 30% رغم الحديث الرسمي عن 23% من عدد سكان العراق, إضافة إلى نسبة مقاربة لها يعيش أفرادها على خط الفقر المحدد دولياً أو فوقه بقليل, في حين يزداد عدد أصحاب الملايين والمليارات من الدولارات الأمريكية في العراق وعلى حساب خزينة الدولة وعبر نظام الفساد السائد في البلاد. وهي الحالة التي تؤشر غياب العدالة الاجتماعية كلية في البلاد.
والمشكلة المصاحبة لهذه الظواهر والأكبر بروزاً في المرحلة الراهنة هي تراجع الحريات العامة وتنامي القمع الحكومي الذي تمارسه أجهزة الأمن والقوات الخاصة ضد القوى العناصر التي تحتج على الأوضاع المرتدية وتطالب بالإصلاح والتغيير. إن هناك ملامح تؤكد بروز ظاهرة الاستبداد من جديد في ممارسة الحكم في البلاد, وتتجلى في مسودات العديد من القوانين الأساسية ذات الوجهة والمضامين غير الديمقراطية التي يراد إمرارها في مجلس النواب العراقي كقانون الأحزاب والصحافة والهيئات المستقلة ... الخ, وهي التي يفترض أن تتصدى لها قوى وشخصيات التيار الديمقراطي وتمنع تفاقمها وتسعى لكسرها لصالح الحرية والحياة الديمقراطية ودولة القانون الديمقراطي في العراق.
إن قوى وشخصيات التيار الديمقراطي في العراق ومن كافة القوميات ستكون قادرة, إذا ما اتحدت ونسقت نشاطها السياسي وطورت وعززت علاقاتها بالغالبية العظمى من فئات المجتمع, على تعبئة الغالبية العظمى من السكان, ومعها قوى المثقفات والمثقفين, لخوض النضال الديمقراطي السلمي لتحقيق التغيير المنشود للأوضاع المزرية الراهنة التي يعيش تحت وطأتها الشعب العراقي.
إن الفقر والبطالة والحرمان والتهميش الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وتدهور البيئة ونقص شديد في الخدمات العامة, وكذلك استمرار التمييز بين المواطنين والمواطنات على أساس القومية أو الدين أو المذهب أو الفكر, إضافة إلى الخوف الدائم من الموت على أيدي قوى الإرهاب أو القمع الحكومي والفساد المالي, كلها من العلل التي تسيء إلى كرامة الإنسان وحريته ونوعية الحياة التي يعيشها المواطن أو المواطنة.
أتمنى لمؤتمركم النجاح في استيعاب أكبر قدر ممكن من القوى والتنظيمات والشخصيات الديمقراطية واللبرالية والعلمانية والمستقلة التي تجد في البرنامج المطروح للمناقشة والنظام الداخلي ما يمكن أن يعتبر القاسم المشترك الأعظم لها خلال هذه الفترات والفترة القادمة وفي الحملة الانتخابية القادمة. إن وحدة وتعاون قوى وشخصيات التيار الديمقراطي تعتبر الطريق الوحيد الصالح والممكن لتحقيق الخلاص من محاولات التهميش والتضييق وضعف التأثير على الأحداث السياسية والاجتماعية في البلاد وضد محاولات قمع الحركات الشبابية والشعبية المطالبة بتغيير الأوضاع الراهنة في العراق.
إن وحدتكم وتعاونكم وتواضعكم الجم والثقة بالنفس وتعبئة الجماهير حولكم على أسس ديمقراطية متفتحة وواعية والتبني المستمر لمطالب الشعب وجعلها أساساً لنضالكم تعتبر الضمانة الفعلية لتحقيق أهداف الشعب وقواه الديمقراطية وتسهم في حصولكم على التأييد الشعبي والتضامن الدولي.
لنعمل معاً من أجل وحدة الشعب والدفاع عن الحريات العامة والحياة الديمقراطية وكرامة الإنسان وحياته الآمنة المستقرة والمزدهرة.
أقدم لكم اعتذاري مرة أخرى عن عدم المشاركة لأسباب قاهرة وأشد على أيديكم وأرجو لكم موفور الصحة والسلامة ونجاح أعمال المؤتمر.
 كاظم حبيب
برلين في 20/10/2011


286
كاظم حبيب
مهمات كبيرة تواجه مؤتمر قوى وشخصيات التيار الديمقراطي في العراق

ينعقد مؤتمر قوى وشخصيات التيار الديمقراطي العراقي في لحظة حرجة ومعقدة من تاريخ العراق السياسي الحديث. فالواقع يشير بوضوح كبير إلى تفاقم التناقضات الاجتماعية على ألأصعدة المحلية والإقليمية والدولية وتفاقم أزمة الرأسمالية العالمية وتفجر المظاهرات المناهضة لهيمنة الرأسمال المالي على سياسات الحكومات في الدول الصناعية الكبرى واشتداد الصراعات السياسية الجارية ليس في العراق فحسب, بل وفي محيطه العربي والشرق أوسطي. منها ما هو قديم ومنها ما هو جديد حيث تختلف الآراء والمواقف بشأنها وأسبابها وسبل معالجتها. وهي دون أدنى شك مرتبطة بمصالح الطبقات والفئات الاجتماعية والأحزاب والقوى السياسية في الداخل ومصالح القوى والدول المحيطة بالعراق وعلى الصعيد العالمي. وبعض تلك الصراعات الإقليمية والدولية يجري على الساحة السياسية العراقية مباشرة بسبب الوشائج المتنوعة التي تربط بعض القوى والأحزاب السياسية في الداخل مع القوى والدول الإقليمية وكذا الدولية خاصة وأن احتمال انسحاب كامل للقوات الأمريكية على الأبواب حيث تتهيأ القوى الإقليمية المجاورة للحلول محلها بطرق وأساليب وأدوات مختلفة تجد الدعم والتأييد من قوى داخلية في الحكم وخارجه. ولهذا السبب أيضاً تتخذ الصراعات على الساحة السياسية العراقية أبعاداً جديدة وحدة متفاقمة تتفاعل فيها الأهداف السياسية المحلية بالإغراض والمصالح الاقتصادية والتفاعلات الاجتماعية والثقافية. ومما يزيد هذه التناقضات والصراعات شدة وتعقيداً إن بعض أبرز القوى المحلية تتلفع برداء الطائفية المزري في سعي منها لتجميد التناقضات الاجتماعية الأساسية والفعلية الجارية في البلاد وتدفع بالأنظار صوب الصراع الطائفي لتحقق استقطاباً واصطفافاً اجتماعياً يبعد نضال المجتمع بفئاته المختلفة عن مجراه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الأساسي والفعلي الذي يعاني منه المجتمع. كما يزيده تعقيداً وجود مشكلات قومية يحاول البعض خبطها وخلطها بالصراعات الطائفية لتصبح معولاً إضافياً يهدد ويهدم الوحدة الوطنية الضرورية في المرحلة الراهنة من أجل وضع العراق على السكة الصحيحة وليس على السكة المعوجة التي يسير عليها الآن.
إن المصالح الضيقة لقيادات العديد من الأحزاب والقوى السياسية العراقية في المرحلة الراهنة تدفع بها, من أجل أن تحسم الصراع لصالحها, إلى العمل باتجاهين خاطئين ومضرين يلحقان أكبر الضرر بالعراق, سواء أكان في المرحلة الراهنة أم في المستقبل, وهما:
** المزيد من السقوط في حمى الطائفية السياسية التي يمارسونها فعلاً, والتي يستنكرها هؤلاء السادة علناً وينفونها عنهم, ولكنها تشكل محور نشاطهم ووجهة عملهم؛
** والمزيد من التعاون مع دول الجوار من منطلقات دينية طائفية مقيتة وعبثية, وهي مدمرة للوحدة الوطنية العراقية وتسمح للصراعات أن تدور على الأرض العراقية ممعنة في خرابه وإبعاد الأمن والاستقرار عن البلاد.
وقد شدد هذا الواقع من احتدام التناقضات والصراعات في منطقة الشرق الأوسط ودفعت بعض دول المنطقة إلى إظهار عضلاتها العسكرية والاندفاع نحو سباق مجنون لاقتناء أحدث الأسلحة وأكثرها فتكاً وتدميراً وصرف عشرات المليارات من الدولارات لإقامة أضخم ترسانة للسلاح الهجومي والدفاعي بدلاً من وضع تلك الأموال في خدمة التنمية والمجتمع.
ويمكن للمتتبع أن يتلمس بوضوح بروز النهج الطائفي الصارخ وكذا القومي في السياسات الجارية والممارسة الفعلية, رغم محاولات نفيها عنهم. إنها تبرز صارخة في الإجراءات والتصريحات الصحفية وفي المقابلات والخطب التلفزيونية. إن ممارسي اللعبة الطائفية والقومية يشتركون معاً في الحكومة الحالية ويتخذ بعضهم من البعض الآخر مرة كحليف وأخرى كعدو ينبغي التخلص منه في آن واحد, وهي المهزلة والمأساة الجارية في العراق. يهددون البعض ويتهددون من البعض الآخر. فيثيرون أتباعهم ضد أتباع الآخرين على أساس طائفي ويمعنون بذلك لضمان حصول اصطفاف القوى وتخندق أتباعهم ضد أتباع الآخرين. هذه هي الوسيلة البائسة للوصول إلى السلطة والنفوذ والمال باعتبارها الهدف الفعلي لهم!! حين يلتقون على الولائم الدسمة وعند الأحاديث العامة تنشرح صدورهم وتظهر الابتسامة العريضة على وجوههم, وكأنهم في عرس مشترك عظيم, وكأن لا وجود لخلاف بينهم وهم أصدقاء وأخوة !! وفي الخفاء يسعى البعض لنحر البعض الآخر عملياً.
وفي الوقت الذي تجري فيه هذه التناقضات وتتعمق الصراعات تعجز النخب الحاكمة عن تحقيق ما يصبو له الشعب. فالتنمية متوقفة تماماً بهدف أن تستمر التجارة الخارجية (الاستيراد) بالانتعاش على حساب التصنيع والإنتاج الزراعي والصناعات الحرفية الصغيرة وبأموال النفط الخام المصدر من دولة ريعية استهلاكية هي العراق. ويبقى عدد العاطلين عن العمل كبيراً معرضاً المجتمع لمشكلات إضافية, كما تبقى الخدمات عاجزة عن توفير الضروري منها للمجتمع, وتستمر العمليات الإرهابية لتقتل المزيد من البشر في عراق مستباح من قوى الشر والضغينة والحقد والكراهية والطائفية. كما لم يتوقف الفساد بل اتسع بشكل استثنائي رغم إدعاء القائمين به والمساهمين فيه بعدم وجود فساد في العراق. وما تزال نسبة الفقراء في البلد الغني كبيرة جداً تصل إلى أكثر من 30 % من السكان.
في هذا المعمعان السياسي والانفلات الأمني دعت لجنة التنسيق العليا لقوى وشخصيات التيار الديمقراطي إلى عقد مؤتمرها الأول لمناقشة وإقرار النظام الداخلي وبرنامجها النضالي الوطني بعد أن عقدت مجموعة كبيرة من المحافظات مؤتمراتها الفرعية, كما عقدت مجموعات من القوى والشخصيات الديمقراطية العراقية في دول الشتات مؤتمرات لها حول قضايا الوطن والتيار الديمقراطي. كما ناقشت فيها مسودة البرنامج والنظام الداخلي وأبديت عليهما ملاحظات قيمة يأمل الإنسان أن يؤخذ ببعضها على الأقل لأهميتها في توفير المناخ الديمقراطي في العمل داخل تنظيمات لجنة التنسيق ومع المجتمع. 
ولا شك في أننا ندرك أيضاً مدى الضعف الذي تعاني منه قوى التيار الديمقراطي وأسبابه. وعلينا جميعاً التحري عن السبل الكفيلة بمعالجة هذا الضعف, خاصة في العلاقة مع الشعب وأسباب ذهاب الكثير من أبناء وبنات الشعب العراقي إلى تنظيمات أخرى وجدت فيها ضالتها, رغم إنها ليست الجهة التي يمكن أن تتبنى مصالح الشعب الكادح, بل تدفع بالجماهير إلى مواقع الظلام ونسيان المشكلات التي يعاني منها المجتمع والغوص بالغيبيات. وأتمنى أن نكون جميعاً على دراية بالدور الذي يفترض أن تلعبه قوى هذا التيار في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية العراقية. ولكي يلعب مثل هذا الدور, يفترض أن تتخلص قوى هذا التيار الديمقراطي من عوامل الضعف والتشتت الراهنة واستعادة العافية والسير صوب تحقيق الأهداف والتخلص من الهامشية المفروضة على قوى التيار حالياً.
ويمكن أن يوفر هذا المؤتمر فرصة جيدة لمناقشة حرة وصريحة عدة مسائل جوهرية أتمنى أن لا تغفل من جانب القوى التي ستلتقي في بغداد لهذا الغرض, وهي:
** سبل الانفتاح على الشعب بكل فئاته والاقتراب منه وتبني مشكلاته ورفع مطالبه العادلة والمشروعة.
** سبل الانفتاح على الكثير من التنظيمات السياسية الوطنية ذات الاتجاهات الديمقراطية واليسارية واللبرالية والجماعات العلمانية والشخصيات المستقلة التي لم تلتحق بعد أو لم تنسق مع لجنة التنسيق العليا, لكي نحقق أكبر تجمع لقوى التيار الديمقراطي بأمل أن لا تبقى قوى ديمقراطية ويسارية خارج إطار التعاون والتنسيق والعمل المشترك. ففي وحدتها تكمن القوة والفعل الجاد والمؤثر والدور المتنامي, وفي تشتتها يبرز الضعف والتعثر والهامشية. لا شك في وجود صعوبات تواجه تحقيق مثل هذه المهمة, ولكنها تبقى الأكثر ضرورة والأشد إلحاحاً وإن العمل من أجلها يستحق العناية والجهد الكبيرين.
** سبل كسب الشباب من الإناث والذكور للعمل في صفوف قوى التيار الديمقراطي, ففي كسبهم قوة وتجديد حيوية هذا التيار وتنشيط حركة المبادرة والإبداع والحيوية الضرورية التي لا تتوفر لدى كبار السن. لا يكفي أن تكون الأحزاب السياسية المشاركة هي الأقدم من حيث التأسيس والنضال, ولا يكفي أن يكون لدينا أناس ذوي خبرة ودراية وتجارب غنية, بل نحتاج أولاً وقبل كل شيء المزيد من الشباب من النساء والرجال, ممن يمتلكون الحيوية والحماس والقدرة على الحركة والمبادرة والإبداع والقرب من المجتمع.       
** إيلاء الاهتمام المتواصل والمتطور بمصالح فئات المجتمع وتعبئتهم للنضال معهم في سبيل الدفاع عن تلك المصلح وتحقيقها. إن قوى التيار الديمقراطي لا تمثل طبقة أو فئة اجتماعية واحدة, بل يمتد عملها إلى جميع الطبقات والفئات الاجتماعية الوطنية التي تنحدر منها وتلتقي مصالحها المشتركة في بناء عراق ديمقراطي اتحادي مدني مستقل ومزدهر وعلماني. أي أن قوى التيار الديمقراطي يمكنها أن تستوعب الطبقة العاملة والفلاحين والبرجوازية الصغيرة في المدينة والبرجوازية الوطنية والمثقفين والطلبة ومن مختلف القوميات وبغض النظر عن دينهم ومذهبهم أو اتجاههم السياسي الذي يقع في الحدود الديمقراطية وبعيداً عن العرقية والطائفية والتمييز الديني أو التمييز ضد المرأة مثلاً.   
** تطوير الحياة والعلاقات الديمقراطية بين القوى والأحزاب والشخصيات العاملة ضمن قوى التيار الديمقراطي وكذلك بينها وبين جماهير الشعب, إذ إن النضال يفترض أن يتم مع الأوساط الشعبية وبمشاركتهم وليس بمعزل أو بالنيابة عنهم.
** ويبدو لي أن مسودة النظام الداخلي لقوى التيار الديمقراطي بحاجة إلى مراجعة لتأمين أوسع ديمقراطية ممكنة وبعيداً عن المركزية المشددة ومنح القدرة على المبادرة والإبداع في العمل والمنافسة العقلانية لخدمة المجتمع وتعزيز قوى التيار ودورها في العملية السياسية الجارية في البلاد.
وعلينا أن نمتلك الجرأة لقول الحقيقة التي لم تعد تخى على أحد وأعني بها, أن قوى التيار الديمقراطي وكل الديمقراطيين والديمقراطيات في العراق هم القادرون فعلياً, حين يمتلكون القوة الشعبية والقدرة النضالية على المشاركة السياسية الواسعة في المجتمع, وعلى معالجة المشكلات التي يعاني منها المجتمع في الوقت الحاضر والتي عجزت الحكومات المتتالية خلال السنوات الثماني المنصرمة عن حلها ولو جزئياً.
نتمنى للمؤتمر القادم النجاح في إنجاز المهمات الملقاة على عاتقه في هذه الظروف المعقدة والصعبة من تاريخ العراق حيث تبرز أجواء الفردية والتعثر في السياسات العراقية الرسمية وارتفاع موجة الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالتغيير والتخلص من السياسات القائمة على المحاصصة الطائفية وإجراء انتخابات مبكرة لتحقيق التغيير المنشود في العراق وعلى وفق التداول السلمي والديمقراطي البرلماني للسلطة في البلاد.
برلين في 17/10/2011                  كاظم حبيب                     
 
   

287
كاظم حبيب
ثورة مصر الحرة تتعرض لمحاولة اغتيال جديدة!

منذ اليوم الأول لثورة شباب وشعب مصر ضد النظام السياسي الفاسد والظالم تتعرض هذه الثورة إلى محاولات جادة ومستمرة لاغتيالها, لوأدها, لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. نحن أمام مؤامرات ومناورات متتالية بدأت مع أول يوم للثورة يوم 25/يناير 2011 وتجلت بشكل صارخ في يوم 28 يناير/كانون الثاني 2011 بمعركة الجمل ولم تنته في يوم الأحد الدامي, يوم 9/10/2011 حيث سقط فيه 26 شخصاً وأكثر من 300 جريح في المواجهة الدموية بين المواطنين المتظاهرين من مسيحيين ومسلمين غير مسلحين ومسالمين الذين تجمعوا أمام "مبنى تلفزيون ماسبيرو" احتجاجاً على حرق كنائس أتباع الديانة المسيحية إضافة إلى حرق دور العائلات المسيحية, وبين قوى الردة والبلطجة ووحدات من الجيش والشرطة والأمن الداخلي, كان وما يزال هدفها الأول والرئيس شق وحدة الشعب المصري, لأنها الضمانة الوحيدة الفعلية لاستمرار زخم الثورة ونجاحها في إنجاز مهماتها الكبيرة المتمثلة ببناء دولة مصرية مدنية وديمقراطية حرة وعصرية تخدم مصالح شعب مصر وحريته وحياته الآمنة والكريمة. وقوى الردة لا تستهدف وحدة شعب مصر, باعتبارها أكبر دولة عربية وأكثرها نفوساً, إضافة إلى أهمية موقعها الجغرافي وتراثها الحضاري ودورها السياسي والثقافي والاجتماعي, كما لا تستهدف حرية هذا الشعب, فحسب, بل تستهدف أيضاً دور مصر وتأثيرها البالغ على الثورات الشبابية والشعبية في الدول العربية الأخرى ومنطقة الشرق الأوسط ودور مصر السياسي التقدمي على الصعيد الدولي.
إن قوى الردة الرجعية في مصر تسعى دون أدنى ريب إلى إعاقة عملية التغيير الثوري وإعاقة إجراء انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية في موعدها المقرر, وإلى منع نقل السلطة إلى قوى الثورة والتقدم الاجتماعي المدنية وعودة الجيش إلى ثكناته لممارسة دوره في حماية حدود الوطن المصري, بل تريد أن يبقى الجيش خارج ثكناته ويمارس دوره السياسي والاجتماعي السلبي الراهن على مجمل العملية السياسية في البلاد, إن استمرار المجلس العسكري في قيادة العملية السياسية والتشريعية في البلاد تعني أولاً وقبل كل شيء توفير ذات الشروط والمستلزمات السياسية والأجواء المضطربة التي تساهم في إبقاء السلطة السياسية بيد القوات المسلحة, إذ يعتبر ذلك استمراراً وامتداداً للحكم العسكري الذي بدأ في مصر منذ ثورة يوليو/تموز 1952 حيث تتابع على حكم مصر كل من محمد نجيب وجمال عبد الناصر وأنور السادات ومحمد حسني مبارك.
إن هذه المحاولة التي تجد الدعم من قوى مصرية وإقليمية ودولية تعتبر سياسة مناهضةً لما تسعى إليه قوى الثورة الشعبية المقدامة التي تعمل على إقامة نظام حكم مدني ديمقراطي وبرلماني حر ونزيه يعتمد على دستور مدني وديمقراطياً حديث لدولة مصرية عصرية تلتزم بمبدأ الفصل بين السلطات الثلاث وكذلك الفصل بين الدين والدولة وبين الدين والسياسة واستقلال القضاء ورفع الأحكام العرفية ووضع موارد البلاد في خدمة عملية التنمية ومكافحة البطالة والفقر الذي يعم البلاد وتعاني منه نسبة عالية جداً من السكان التي تعيش على هامش الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, إضافة إلى مكافحة الفساد المالي والإداري وهدر موارد الدولة.
إن المؤامرة الراهنة تستهدف إشاعة الفوضى والاضطراب وعدم الاستقرار من جهة وتؤكد من جهة أخرى عجز حكومة عصام شرف عن تحقيق مهمات الثورة الشعبية والتي أدت إلى استقالة وزير المالية احتجاجاً على ما يجري في مصر من جهة ثانية.
إن هذه المؤامرة الخبيثة لا تسعى إلى جعل الثورة الشبابية والشعبية تراوح في مكانها فحسب, بل وتسعى إلى تأمين حصول ردة رجعية فعلية نحو الوراء, إلى ما كانت عليه مصر في زمن المستبد بأمره محمد حسني مبارك, بأمل عودة قوى النظام السابق إلى الحكم, أو من أجل إقامة دولة إسلامية تستند إلى "حاكمية الله" و"الإسلام هو الحل" لتحارب أتباع كافة الأديان الأخرى باعتبارهم "كفاراً" لا بد من الخلاص منهم وبالمقدمة منهم أقباط مصر الذين يشكلون أكثر من 10% من شعب مصر بدعوى مناهضة المسيحيين "الكفار!" للإسلام! إنها الرغبة العدوانية الجامحة لدى الإسلاميين السياسيين السلفيين الذين يسعون إلى استخدام كافة السبل المتوفرة لديهم لفرض الهجرة القسرية على المواطنين والمواطنات الأقباط إلى خارج مصر. إن هذه السياسة تشكل جزءاً عضوياً من سياسة قوى الإسلام السياسي المتطرفة لا في مصر وحدها فحسب, بل وفي بعض الدول العربية الأخرى, كما يحصل في العراق مثلاً. علماً بأن المسيحيين في كلا البلدين هم من أبناء وبنات البلدين الأصليين, إنهم من أصل أهل البلدين.
إن المؤامرة الجارية كبيرة حقاً ولا يشترك فيها طرف واحد فحسب بل عدة أطراف, ولكن لها هدف واحد هو حرف الثورة عن مسارها المنشود وإعادة قوى الردة والبغضاء إلى الحكم, أو إقامة حكم "إسلامي" سلفي" وعنصري دموي شائن. فمن هم هؤلاء الذين يتربصون بالثورة وقادتها من الشباب والشابات وقواها الأساسية, ومن هم أولئك الذين ينظمون العمليات الإرهابية التي تريد اغتيال وحدة الشعب المصري بمسلميه ومسيحييه وبقية أتباع المذاهب أو الديانات الأخرى؟
إنهم وباختصار شديد:
1.   قوى النظام السابق الموجودة والعاملة في جميع الوزارات والمواقع, وخاصة في وزارات الداخلية وقوى الأمن وكذلك في وزارة الدفاع ووزارة الإعلام وبعض القيادات العسكرية الذي كان شريكاً فعلياً في نظام محمد حسني مبارك ومستفيداً منه على حساب مصالح الغالبية العظمى من الشعب المصري. ووجود هذا البعض الكثير في مواقع مهمة وحساسة يساعده على تنظيم قوى معينة يتم زجها في مثل هذه العمليات الإجرامية التي وقعت في 9/10/2011, وهي ذات القوى التي نظمت معركة الجمل يوم 28/1/2011.
2.   قوى الإسلام السياسي السلفية التي تريد إقامة حكمها بالقوة من خلال ما تمارسه من عمليات إجرامية تهدف إلى زعزعة وحدة الصف المصري. وهي تؤمن بالعنف وتتهم أتباع جميع الديانات الأخرى غير المسلمين بكونها كافرة ومعادية للإسلام يجب دحرها وتصفيتها, كما إنها ترى في جميع المذاهب الأخرى في الإسلام عدواً لمذهبها الإسلامي الوحيد الصائب, أي المذهب الحنبلي (أحمد بن حنبل164 هـ/780 م ـ 241 هـ/855 م) والجناح الوهابي المتزمت منه (محمد عبد الوهاب التميمي 1703م - 1791م), وهي المدرسة الدينية السائدة في المملكة العربية السعودية والتي صدَّرت أفكارها عبر المدارس والأكاديميات الدينية وأموال النفط السعودية إلى الدول العربية وبقية الدول ذات الأكثرية المسلمة مثل أفغانستان وباكستان ومصر, وصدًّرت معها اتجاهات التعصب والتزمت والغلواء الديني والمذهبي والعنف وتكفير الآخر ورفض الأخر من الناحيتين الدينية والمذهبية.
3 . الجماعات الأكثر تشدداً في قوى الإسلام السياسي الأخرى وخاصة جماعة الأخوان المسلمين, وهي جماعة منظمة في مصر وقادرة على زج الكثير من الناس وتحشيدهم ضد إقامة الدولة المدنية الديمقراطية والمواطنة الحر والمتساوية, وهي التي تحصل على دعم دائم ومستمر من قادة وشيوخ الدين في المملكة العربية السعودية. ولهذه الجماعة قيادة مشتركة على الصعيد العالمي, كما إنها تسعى إلى إقامة الدولة الدينية المتحجرة في مصر وفي بقية الدول العربية.
إن من استمع إلى التلفزيون المصري وهو يدعو الناس إلى التصدي للمتظاهرين المسالمين يدرك إن المسؤولين على إدارة التلفزيون لا يمكنهم أن يطلبوا ذلك دون أن يكون قد حصلوا على موافقة فعلية من المجلس العسكري أو المسؤول العسكري المشرف على الإعلام وكذلك الحكومة المصرية الراهنة التي برهنت عن عجز فعلي شديد في إدارة شؤون البلاد في هذه الفترة الانتقالية. جاء في البيان الصادر عن البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان, ومقره القاهرة, حول هذا الموضوع ما يلي:
"يعلن البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان الحداد لمدة ثلاثة أيام علي أرواح مجزرة ماسبيرو- مسلمين ومسيحيين- والتي وقعت مساء أمس تحت سمع وبصر المقر الرئيس للتلفزيون الرسمي المصري دون أن يغطيها إعلامياً بالشكل المهني المناسب للحدث، وتجاوز الأمر إلى دعوته للمواطنين الشرفاء بالنزول والتصدي للمتظاهرين الأقباط الذين يهاجمون الجيش المصري، (وهي النغمة التي تعلمها من بياني المجلس الأعلى للقوات المسلحة الأخيرين)، في تعريض مباشر بالمتظاهرين والثوار بأنهم غير شرفاء وأنهم من غير أبناء مصر." [راجع: بيان البرنامج العربي تحت عنوان "بيان عاجل مصر أحداث ماسبيرو جريمة في حق الوطن" بتاريخ 10/10/2011].
كما صدر بيان عن حزب التحالف الشعبي الاشتراكي المصري بتاريخ 10/10 2011 بيان تحت عنوان " ندين مجزرة ماسبيرو..  ونطالب بمحاكمة عاجلة للمسئولين" جاء فيه ما يلي:
" تابع حزب التحالف الشعبي الاشتراكي بقلق بالغ وغضب شديد الأحداث المأسوية التي أدمت قلوب المصريين  والناجمة عن  الاعتداءات الوحشية للشرطة العسكرية  علي المتظاهرين العزل في منطقة ماسبيرو، واستشهاد عشرات تشوهت ملامح بعضهم .. وضاعت منها الرؤوس وفقا لشهادات  من المشرحة،  كنتيجة لمطاردة المتظاهرين بالعربات المجنزرة ودهسهم وإطلاق الرصاص الحي عليهم .. وهى المشاهد التي صورتها فضائيات عربية بينما عجز تليفزيون ماسبيرو عن بثها، وعمليات السحل تدور على بعد  بضع خطوات منه .. وشبح الموت يخيم في كل أرجاء المكان.
إن حزب التحالف الشعبي يدين هذه المجزرة البشعة .. كما يدين توجه الإعلام الحكومي وتعتيمه على الحقائق وتشويهه للأحداث، فضلا عما قام به من تحريض طائفي مباشر باسم حماية الجيش من الأقباط .. ومن المؤسف أن يتحول الإعلام المصري إلى بوق للطائفية وتتحول الشرطة العسكرية إلى ذراع للبطش والإرهاب. ".
إن الثورة المصرية تواجه اليوم مخاطر جمة تستوجب وحدة الصف الوطني المصري والتصدي لقوى الشر والردَّة, تستوجب التكاتف والتفاعل في ما بين قواها السليمة الساعية لضمان الانتصار النهائي للثورة على أعدائها في الداخل والخارج والوصول بها إلى شاطئ السلام والأمن والاستقرار.
لقد أكدت قوى الثورة الشبابية المصرية, التي فقدت في هذه العملية الإجرامية أحد أبرز نشطاء الثورة والمناضل الشجاع السيد مينا دانيال الذي استشهد برصاص قوى الردة الفكرية والسياسية والاجتماعية, وكافة الأحزاب الوطنية الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني, بما فيها منظمات حقوق الإنسان, على أهمية الالتزام بوحدة الشعب والانتقال السلمي السريع إلى الحكم المدني الديمقراطي والإسراع بإنجاز مهمات فترة الانتقال. كما أكدوا على مطلب الانتهاء السريع من التحقيق الذي يفترض أن تقوم به لجنة تحقيق مستقلة للكشف عن الجناة ومن يقف وراء هذه العمليات الإجرامية, والكشف عن عمليات التعاون والتنسيق بين القوى التي شاركت في ضرب المتظاهرين والتسبب في استشهاد هذا العدد الكبير من المواطنين وكذلك الجرحى والمعوقين, وأغلبهم من المواطنين المسيحيين وتقديم المسؤولين عن هذه الجريمة إلى المحاكمة لنيل الجزاء العادل الذي يستحقونه.
إن من واجب شباب وشعوب الدول العربية والرأي العام العالمي والمجتمع الدولي إدانة هذه العملية الإجرامية والتضامن المتين مع أقباط مصر الأحرار وقوى الثورة الشعبية بمختلف السبل السلمية المتوفرة.
الذكر الطيب للشهداء والشفاء للجرحى والصبر والسلوان لذوي الشهداء والجرحى والمعوقين.         
11/10/2011                     كاظم حبيب


288
كاظم حبيب
الاحتجاجات والانتفاضات في الدول العربية تواجه مخاطر امتصاص زخمها
الحلقة الثالثة والأخيرة
أما المجموعة الرابعة من الدول العربية فيمكن توزيعها إلى مجموعتين:
أ‌.   المملكة العربية السعودية والسودان وبعض دول الخليج.
تعيش مجموعة (أ) تحت وطأة التخلف الاجتماعي واستمرار النظام العشائري بالعمل في إطار الدولة والمجتمع وتخلف ثقافي, رغم دخول أرقى التقنيات والعمارات الجديدة والأموال الباذخة في كل من السعودية وبعض دول الخليج بشكل خاص التي تصرف على المشاريع الكمالية وبذخ الأمراء والشيوخ, ولكنها بعيدة كل البعد عن وعي روح الثقافة العربية الديمقراطية وعن التجديد والتطور الجاريين في الثقافة على الصعيد العالمي من جانب الثقافة الأوروبية وأمريكا الشمالية على نحو خاص. ففي هذه البلدان تسيطر العادات والتقاليد القبلية وأسر البيوتات الكبيرة والمعروفة فيها, أو تهيمن عليها قوى الإسلام السياسي, كما هو الحالف في السودان أو بهما معاً كما في المملكة العربية السعودية والسودان. وتسيطر النخبة الحاكمة على المال العام وتسخره كيفما تشاء دون حسيب أو رقيب لصالحها. ونتيجة لذلك اتسعت بمرور الزمن الفجوة الدخلية ومستويات المعيشة والحياة بين الفئات الاجتماعية الغنية وتلك الفقيرة.
تلعب هذه المجموعة من الدول, وخاصة المملكة العربية السعودية, دور المتآمر على الثورات الحديثة في بعض الدول العربية والمخرب لها والراغب في قبرها. فهي لا تكتفي باضطهاد شعوبها وحرمانه من الحرية والحياة الديمقراطية الدساتير, بل تسعى إلى فرض مثل هذا الوضع على الدول الأخرى خشية وصول المد الثوري والانتفاضات الشعبية إلى دولها لتدفع بحكامها إلى مزابل التاريخ.
ليست في هذه الدول حريات عامة ولا حقوق للإنسان, وخاصة بالنسبة للعاملين الأجانب فيها الذين يم استغلالهم بصورة بشعة وأشد مما كان الرأسماليون الإنجليز في بريطانيا يستغلون العمال في القرن التاسع عشر على سبيل المثال لا الحصر. وحكومات هذه الدول لا تعترف بلائحة حقوق الإنسان العالمية ولا بالكثير من المواثيق الدولية الخاصة بحقوق المرأة والطفل وضد التعذيب وضد التمييز...الخ. وبالتالي, فهي تضع نفسها خارج إطار الحضارة الإنسانية والالتزامات الدولية في القرن الحادي والعشرين. إن الإنسان في هذه البلدان يعيش في ظروف متخلفة تعود إلى القرون الوسطى في ما عدا تقنيات وقشور الحضارة الغربية التي تستخدم هناك لا لسعادة الإنسان بل لتكريس العبودية عليه.
المرأة في هذه البلدان محرومة من كافة الحقوق في ما عدا الحق في البقاء في البيت والمطبخ وأن تكون موضوعاً لإشباع الرغبات الجنسية عند الذكور ومن أجل إنجاب الأطفال. وقلة من النساء تجرأن على الخروج إلى الشارع أو المشاركة في الحياة العامة, إذ يواجهن باستمرار صعوبات كبيرة ومطاردة من لجان "العمل بالمعروف والنهي عن المنكر". النساء في واقع الحال لا يمتلكن حقوقهن وحرياتهن في هذه المجموعة من البلدان وكأنهن من جنس آخر غير جنس البشر. حتى إن عدداً من النساء جلدن بالسياط في السودان لأنهن تجرأن على ارتداء السراويل الطويلة الغربية في الشوارع, لأن هذه السراويل تظهر مفاتن المرأة التي تثير الشبق الجنسي البدائي عند الذكور الذين لا يعرفون في حياتهم غير الجنس واعتبار المرأة موضوع جنس لا غير, مهمتها إشباع الرغبات الحيوانية للذكور في هذه الدول. أما في السعودية فحتى قيادة السيارة محرم على المرأة, دعْ عنك الحقوق الأخرى كالمشاركة في الانتخابات أو الترشيح إلى مجلس الشورى, إذ لا انتخابات في السعودية أصلاً .. أو حرمانها من السفر منفردة أو دون "محرم". وحين تجرأت امرأة على قيادة سيارتها في الشوارع, ألقي القبض عليها من قبل شرطة "الأخلاق", حيث قدمت للمحاكمة. أنزلت المحكمة "العفيفة جداً" عقوبة الجلد (10 جلدات) بالسياط (10 جلدات) على ظهر المرأة السعودية. قرر الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود إلغاء هذا الحكم الوقح والعدواني, ولكنه لم يلغ القانون الذي يحرم على المرأة قيادة السيارة. ولم يكن قرار إلغاء الحكم بمرسوم ملكي سوى الرغبة في إسكات الضجة الدولية التي انطلقت ضد هذا الحكم الرجعي وضد هذا الموقف الدوني والمتخلف من المرأة في المملكة السعودية, في وقت يعيش العالم حضارة القرن الحادي والعشرين وحيث أصبح العديد من نساء العالم ملكات ورئيسات دول أو رئيسات وزراء ووزيرات وعالمات وصحفيات وأديبات و..., إضافة إلى كونهن أمهات. إن حكومة تضطهد نصف شعبها وتتجاوز على حرية هذا النصف وحقوقه لا تحترم نفسها ولا شعبها. ومن المؤسف أن عدداً آخر من الدول العربية يشارك مع هذه المجموعة من الدول في اضطهاد المرأة ومصادرة حقوقها المشروعة وجعلها تابعة للرجل في كل شيء.
إن السعودية وبعض دول الخليج, وبعض دول المنطقة أيضاً, يستخدمون ثروات شعوبهم لكبح نضال الشعوب المنتفضة والراغبة في التغيير. والمملكة العربية السعودية هي التي تقود عملية التآمر ومواجهة شعوب المنطقة, كما يحصل في كل من اليمن بشكل مباشر أو في سوريا بصورة غير مباشرة. وإيران تلعب نفس الدور ولكن من منطلق فرض نظامها السياسي على شعوب تلك البلدان المنتفضة. وبالأمس نهض جزء من الشعب السعودي ضد حكامه في شرق السعودية مطالبين بالمساواة وعدم التمييز. ورغم كونهم يطالبون بمساواتهم ببقية الشعب السعودي, بسبب التمييز المسلط عليهم لكونهم من أتباع المذهب الشيعي بخلاف مذهب الأكثرية السني الحنبلي الوهابي, فأن السعودية تتهم إيران بالتدخل في الشأن السعودي. ولا يمكن نكران ذلك, ولكن أليس من واجب الحكم في السعودية الاستجابة لمطالب أتباع هذا المذهب في الإسلام لتفويت الفرصة على إيران في التدخل بشؤون الشعب السعودي. ألم تتدخل السعودية ودول خليجية أخرى لقمع انتفاضة الشعب البحريني حين كان وما يزال يطالب بالحقوق والحياة الديمقراطية التي لم تطرح اليوم بل ومنذ سنوات يخوض الشعب البحريني معركة الحرية والحياة الدستورية الديمقراطية. فالشعب البحريني ارتفع صوته منذ سنوات كثيرة مطالبا إجراء تعديلات على الدستور للحد من صلاحيات الملك وبالمساواة وعدم التمييز والتداول الديمقراطي للسلطة من خلال انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية.
المملكة السعودية والعديد من دول الخليج غنية بمواردها النفطية والغاز. ولكن يتم توزيع هذه الموارد المالية بصورة غير عادلة وغير عقلانية. إن الإطلاع على الدراسات الخاصة بالاقتصاد السعودي سيدرك مدى الفجوة القائمة والمتسعة دوماً بين أصحاب المليارات من الدولارات الأمريكية من أبناء العائلة المالكة وجمهرة من أمراء وشيوخ السعودية وبين الفئات الكادحة والفقيرة والمعوزة. وهذه الفجوة تتسبب في المزيد من التناقضات الاجتماعية والصراعات السياسية لأمل تغيير الأوضاع لصالح الفئات الفقيرة. إن التحرك النضالي الشعبي سيصل إلى شعوب هذه الدول لا محالة, عندها لا يكتفي الشعب بالخلاص من هذا الملك أو ذاك رئيس دولة فحسب, بل سيكنس هذه النظم من جذورها ويقيم على أنقاضها نظم حكم مدنية وديمقراطية حيث تسود فيها بعض العدالة الاجتماعية الغائبة كلية في الوقت الحاضر.         
ب . المغرب والأردن والكويت
أما مجموعة (ب) من الدول فتضم إليها كل من المغرب والجزائر والأردن والكويت. فعبر النضال الوطني والاجتماعي المتعاظم للشعب المغربي, الذي يضم الأمازيغ باعتبارهم يشكلون أكثرية السكان, ثم العرب الذين لا تتجاوز نسبتهم الـ 20% من مجموع السكان, تحققت لهم الكثير من المكاسب المهمة ولكنهم ما زالوا في بداية الطريق صوب الدولة الحرة والديمقراطية التي تأخذ بمبدأ التداول السلمي والديمقراطي للسلطة ويتمتع الشعب بكامل حقوقه وحرياته الأساسية. ورغم تراجع دور المخزن في حياة البلاد, فإن البلاط ما يزال يمتلك القول الفصل في الحياة الدستورية والعامة وهو الأمر الذي يفترض تغييره. إذ ما تزال الحريات هناك تعتبر عطية من عطايا الملك التي يمنحها متى شاء ويمكن أن يسحبها متى شاء أيضاً. إن الحريات العامة والحقوق تنتزع عموماً ولا تمنح. وهكذا انتزع الشعب المغربي بعض حرياته ولكنه ما زال يعاني من الفقر والبطالة والحرمان. إن زيارة قصيرة لحي سي محمد في الدار البيضاء, الذي يمكن اعتباره واحداً من أفقر وأسوأ الأحياء الفقيرة في العالم حيث البيوت القصديرية وأزقتها المليئة بالنفايات, وبجوارها ينهض مسجد الحسن الثاني الذي كان في المقدور بناء عدة أحياء سكنية نظيفة وحديثة ومجهزة بمستويات العيش الكريم بتلك الأموال التي صرفت على بناء هذا المسجد الذي لا يزوره إلا القليل جداً من الناس. وعلى مقربة من هذا الحي البائس ينهض القصر الشامخ الذي بناه الملك الحسن الثاني الذي لا يقيم فيه إلا أيماً معدودات في السنة, ولكنه يجسد الفجوة المتسعة والجفوة القائمة بين حياة الملك وحياة "رعاياه!". لقد تسنى لي زيارة هذا الحي أكثر من مرة, عندها شعرت بالقهر والمرارة والإنسحاق الذي يعيش فيه سكان هذا الحي غير الإنساني المليء بالبشر الجائع والمحروم الذي يتنفس في أزقته روائح المياه الآسنة وبراز الأطفال.
وفي المملكة الأردنية يدور نقاش حيوي حول التعديلات الدستورية التي طرحها الملك عبد الله بن حسين والتي يسعى فيها إلى مواجهة التحرك الشعبي المطالب بمزيد من المزيد من الحريات العامة والديمقراطية وتقليص صلاحيات الملك. إن المهمة التي تواجه شعب الأردن تتلخص في إدخال نص دستوري يؤكد ما يلي: "إن ملك البلاد مصون غير مسؤول" كما في النظم الملكية الديمقراطية عادة. وهذا يعني جعل الملكية دستورية ديمقراطية يكون تداول السلطة فيها في ضوء نتائج الانتخابات العامة. وهو أمر يقرب بين الملك والشعب الأردني ويضعف من دور قوى الإسلام السياسي المنتعشة في الأردن والتي تلعب دوراً كبيراً في التأثير على حركة الناس, في حين لا تلعب القوى الديمقراطية والمدنية دوراً كبيراً في التحركات الشعبية الأخيرة. وكما هو الحال في بقية الدول العربية فالعدالة الاجتماعية غائبة عن الأردن والفقر واسع الانتشار والفجوة بين الأغنياء والفقراء في اتساع مستمر.
أما الكويت فهي تعاني من مصاعب جمة بفعل عوامل عدة:
أ . سعي العائلة في الإمارة للسيطرة على الحكم وإدارته وتوزيع المراكز على أفراد العائلة الحاكمة.
ب . المجتمع العشائري الذي ما يزال يلعب دوره في الحياة العامة وفي ضعف دور الفرد والمرأة على نحو خاص.
ج . ضعف الحياة الديمقراطية التي تتجلى في بنود الدستور والتفسيرات العديدة لمواده. 
د . اتساع الفجوة بين الأغنياء جداً والفقراء جداً, وهو الأمر الذي يسمح بتفاقم الصراعات الداخلية بفعل غياب العدالة الاجتماعية.
هـ. الصراع الطائفي الذي تعاني منه الكويت والكثير من الدول العربية.
إن غياب أو ضعف الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية في أي بلد من البلدان العربية يعني في كل الأحوال نشوء إحدى الحالتين:
1.   ضعف القوى المدنية والديمقراطية بسبب المحاربة التي تواجهها من قبل نظام الحكم والنخبة الحاكمة والفئات المالكة لوسائل الإنتاج.
2.   اتساع قاعدة ودور وتأثير قوى الإسلام السياسي على الشارع, إذ إنها تستخدم المساجد والجوامع كواقع ومنابر للوصول إلى عقول وقلوب الناس والدفع باتجاه الأخذ بما تروج له هذه القوى الإسلامية السياسية من شعارات مثل "حاكمية الله" و"الإسلام هو الحل".. الخ. 
ومن الجدير بالإشارة إلى أن النظم التي ما تزال تقف ضد حرية شعوبها وحياتهم الديمقراطية, تسعى جاهدة  لتبويش انتفاضات الشعوب في الدول العربية وإفراغها من محتواها الثوري الديمقراطي. وهي تبذل أقصى الجهود للتآمر على تلك الانتفاضات مع القوى التي اندحرت بفعل تلك الانتفاضات ولكنها لا تريد أن تقبل بخسارتها للحكم, بل تسعى للعودة إليه. ويمكن أن نلاحظ ذلك في كل من تونس ومصر وكذلك في ليبيا واليمن.     
إن الصراع بين قوى الخير وقوى الشر, بين القوى الديمقراطية التي تريد بناء حياة مدنية تستند إلى دستور ديمقراطي ومبادئ شرعة حقوق الإنسان الدولية وحقوق وحريات ومساواة المرأة بالرجل والعدالة الاجتماعية, وبين تلك القوى التي تريد باسم الإسلام أو هذا المذهب أو ذاك من المذاهب الإسلامية فرض نظامها السياسي وخيمتها الفكرية المهلهلة ونخبتها السياسية على شعوب هذه البلدان, يتخذ اليوم وسيتخذ في الفترة القادمة أيضاً أشكالاً حادة وتمارس فيه من جانب القوى الأخيرة أساليب كثيرة لإجهاض الحركة الديمقراطية الشبابية والشعبية التي كانت وما تزال الرد الرائع على النظم المستبدة وهي تتطلع إلى بناء حياتها الجديدة والسعيدة التي تستند إلى دستور مدني ديمقراطية وحياة حرة وكريمة تأخذ بمبدأ المواطنة الحرة والمتساوية بغض النظر عن القومية والدين والمذهب والجنس وتأمين العمل للقادرين عليه وتحسين مستوى حياة ومعيشة فئات المجتمع من خلال الاستخدام الأمثل للثروات الوطنية وتحقيق العدالة الاجتماعية والسلم الاجتماعي.
إن المشكلة لا تكمن في الصراع الداخلي فحسب, بل تبرز أيضاً في الدور الذي تمارسه القوى والدول المجاورة في هذا الصراع الداخلي بوقوفها إلى جانب قوى الردة أو المناهضة للحياة الديمقراطية. فبعضها لا يكتفي باتخاذ موقف الحياد مما يجري في الصراع الداخلي في سوريا فحسب, بل يبعث الوفود لإعلان تأييده للدكتاتور السوري في إجراءاته العدوانية ضد الشعب السوري كما فعل العراق وإيران, أو في مد يد العون المالي والأفراد والسلاح, كما تفعل الحكومة الإيرانية وحزب الله في لبنان مع النظام السوري لمواصلة قمع انتفاضة الشعب السوري.
ومن هنا تنشأ الأهمية البالغة للدور الذي يفترض أن تلعبه الأمم المتحدة في دعم نضال شعوب الدول العربية في سبيل حريتها وحقوقها الأساسية وإدانة أشكال التدخل الخارجي التي تريد إعاقة نجاح الانتفاضات الشبابية والشعبية لإقامة النظم المدنية والديمقراطية فيها. ولدينا الثقة بأن شعوب الدول العربية لن تسمح بامتصاص زخم ثوراتها وانتفاضاتها الشعبية, بل ستزيد من نضالها للوصول إلى أهدافها العادلة والمشروعة.
5/10/2011                     كاظم حبيب


289
هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق

بيان
احتجاج وإدانة ومطالبة بالتحقيق في أعمال عدوانية ضد مسيحيي مصر

وصلت إلى هيئتنا معلومات موثقة تشير إلى وقوع اعتداء أثم على كنيسة مار جرجس في قرية المريناب في محافظة أسوان بمصر قامت به جحافل من السلفيين المتطرفين والبلطجية من ذات القرية والقرى المجاورة بتاريخ 30 أيلول/سبتمبر 2011 وأشعلوا النيران في الكنيسة وقاموا بهدمها, كما أشعلوا النيران في ثلاثة من بيوت المواطنين والمواطنات الأقباط وعلى غرار ما حصل في كنيسة صول بأطفيح بمحافظة الجيزة.
إن هذه الأعمال العدوانية إزاء أقباط مصر تعتبر محاولة بشعة من هذه القوى السلفية الأكثر تطرفاً وعدوانية والأكثر تخلفاً وجهلاً والمتبنية منذ السبعينات من القرن العشرين للفكر الوهابي المتطرف بهدف إشعال الفتنة الدينية في مصر والإساءة لمبادئ الثورة الشبابية والشعبية المصرية التي انطلقت في 25 يناير/كانون الثاني 2011 والتي نادت بالمواطنة الحرة والمتساوية والمساواة والعدالة الاجتماعية والاعتراف والاحترام المتبادل بين أتباع جميع الأديان والمذاهب الدينية وإلى رفض العنف والتعصب والتطرف في مصر, ينبغي لها أن تلجم بسرعة وحزم من جانب الشعب المصري ومن كافة المسؤولين في مصر.
إن هذه القوى الشريرة ومن يقف خلفها ويدفع بها إلى الواجهة لا تريد الإساءة لأقباط مصر فحسب, بل ولكل الشعب المصري وتراثه الحضاري وسعة أفقه وحصافته وقدرته على التفاعل والتفاهم بين أتباع جميع الأديان والمذاهب الموجودة في مصر, كما إنها تريد الإساءة لمسيرة الثورة وإنجاز مهماتها الأساسية في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية وفي تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية.
إننا إذ نحتج على ممارسة هذه الأفعال العدوانية وندينها بشدة, نطالب كافة المسؤولين في مصر, وعلى رأسهم المجلس العسكري ومجلس الوزراء وكافة الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني في مصر, بالوقوف بحزم ضد هذه الممارسات وإدانتها وتقديم الفاعلين إلى القضاء لينالوا الجزاء العادل لما ارتكبوه من جرم بحق جزء أساسي وأصيل من أبناء وبنات الشعب المصري, ضد مسيحيي مصر الأقباط ومحاولاتهم في نشر الكراهية والأحقاد في ما بين أتباع الديانة المسيحية وأتباع الدين الإسلامي. إن على القضاء المصري والسلطة التنفيذية أن يرفضا كل أشكال التجاوز العدواني على الشرعية والقوانين المصرية بهذه الصورة الهمجية وأن يتخذا الإجراءات الكفيلة بوضع حد نهائي لها قبل استفحالها.
إن هيئتنا, إذ تعلن باسمها وباسم مؤيديها تضامنها الحازم مع مسيحيي مصر, تطالب الحكومة المصرية باتخاذ الإجراءات الكفيلة بإعادة بناء الكنيسة المهدمة فوراً وتعويض المتضررين وتقديم الحماية الكافية للمسيحيين ودورهم وأموالهم واحترام طقوسهم وحماية كنائسهم بقبابها وأجراسها وصلبانها باعتبارها جزءاً من التراث والطقوس والتقاليد الدينية المسيحية, ومحاسبة المسؤولين المحليين في القرية المذكورة لعدم منعه ارتكاب تلك الجرائم.
إن الثورة المصرية قامت لنشر التآخي والمودة وروح والمواطنة الحرة والمتساوية والاعتراف المتبادل والتسامح بين أتباع مختلف الأديان والمذاهب ونشر المحبة بين الناس ورفض العنف والبلطجة في المجتمع. ولهذا نستغرب هذا السكوت الواسع على هذه الجريمة البشعة من جانب قوى الإسلام السياسي في مصر, إذ بذلك يبدو وكأنها متفقة مع تلك الأفعال الإجرامية المشينة.
إن هيئتنا ترى ضرورة قيام الأمم المتحدة بدورها الإنساني الملزم واتخاذ الإجراءات والخطوات اللازمة لتأمين مهمة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية وأتباع القوميات المختلفة وحمايتهم من السياسات والأفعال غير الإنسانية ومن أشكال الاضطهاد والقمع وسلب الحقوق المشروعة في منطقة الشرق الأوسط. 
إن هيئتنا وكافة مؤيديها على ثقة تامة بأن الشعب المصري وقواه الديمقراطية ستعمل على لجم هؤلاء الأشرار ونشر المحبة والسلام والتفاعل الإيجابي بين كافة مواطني ومواطنات مصر الحرة.

الأمانة العامة
هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق
الثالث من شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2011 

290
كاظم حبيب
نداء استغاثة عاجل
إلى متى سيستمر النظام السوري بارتكاب جرائمه البشعة في الرستن؟
وجه أهالي مدينة الرستن نداءً عاجلاً موجهاً إلى الرأي العام العالمي ومنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني وإلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن لإدانة يطالبون بالعمل على إيقاف فوري للاجتياح العسكري الدموي الذي تنفذه قوات النظام السوري وأجهزته الأمنية والشرطة ضد أهالي مدينة الرستن بأمر من الدكتاتور الصغير بشار الأسد. وقد أدى الاجتياح حتى الآن إلى سقوط قتلى وجرحى لم يعرف عددهم بعد, إضافة إلى اعتقال أكثر من 3000 مواطن ومواطنة تتراوح أعمارهم بين 14- 60 عاماً.
إن النظام السوري مصاب بالهلع من خشية السقوط بسبب استمرار التظاهرات الشعبية والانتفاضة الوطنية السلمية المناهضة للدكتاتورية والمتنامية باستمرار. وقد أدى به الهلع إلى استخدام جميع إمكانياته العسكرية وترسانة السلاح الروسي والصيني وأجهزته الأمنية لكسر شوكة المتظاهرين المطالبين بالإصلاح الشامل للنظام السوري, وبتعبير أدق لتغييره وإقامة نظام مدني ديمقراطي على أنقاضه.
إن النداء الموجه إلى العالم يجسد استغاثة حقيقية من أهالي المدينة لأنهم يخشون موت المزيد من الناس سواء أكان ذلك في الشوارع أم أثناء الاعتقال والتعذيب أو الهجمات المباغتة على بيوت الناس الأبرياء.
لا يمكن ولا يجوز أن يستمر العالم بالسكوت حيال ما يجري في كافة المدن السورية من قتل واعتقال وتعذيب وتشريد, لا يمكن أن يغمض الرأي العام العالمي عيونه عن تلك الجرائم البشعة التي ترتكب يومياً ضد المطالبين بحقوقهم المشروعة والعادلة وحقهم في التعبير عن مواقفهم سواء بالكتابة أم عبر الاحتجاج والتظاهر السلمي.
لا يمكن فهم موقف مجلس الأمن الدولي حتى الآن الذي لم يستطع اتخاذ قرارات حازمة وصارمة لمساندة الشعب السوري ومنع ارتكاب المزيد من جرائم القتل العمد للناس الأبرياء لمجرد تعبيرهم عن مواقفهم ورغبتهم في العيش في أجواء الحرية والديمقراطية وسيادة حقوق الإنسان.
لا يمكن قبول الموقف الروسي والصين الشعبية المشين الذي يرى بوضوح كبير كيف يُقتل الناس في سوريا, ولا يعملان مع الأسرة الدولية لوقف نزيف الدم. إن قادة الدولتين الروسية والصينية ما زالتا تعملان وكأن العالم في حرب باردة وبذهنية المصالح الأنانية الضيقة الروسية والصينية في المنطقة. إن السكوت على ما يجري في سوريا من أي دولة كانت يشكل خرقاً لمبادئ الأمم المتحدة واللائحة الدولية لحقوق الإنسان وجميع اللوائح الصادرة عن الأمم المتحدة و مجلس الأمن الدولي الخاصة بحق الشعوب في تقرير مصيرها وحقها في التعبير عن مطالبها بصورة سلمية. إن حكومتي روسيا الاتحادية والصين الشعبية ترتكبان جريمة كبيرة بسكوتهم المطبق على ما يجري في سوريا وكأن كل شيء هادي في سوريا, وكأن نظام البعث الدموي لا يقتل يومياً عشرات المتظاهرين في مختلف المدن السورية.
إن على المجتمع الدولي أن يمد يد العون للشعب السوري لإنقاذه من همجية النظام البعثي ومن الدكتاتور بشار الأسد المصاب بكل أمراض المستبدين في عالمنا المعاصر. إن هؤلاء القتلة يذبحون السوريين بدم بارد, ومن يسكت عن تلك الجرائم أو يدعم النظام السوري يشارك عملياً في ارتكاب تلك الجرائم.
إن من واجبنا الإنساني المباشر أن نعلن عن تضامننا الثابت مع الشعب السوري ومطالبه العادلة في رحيل النظام ورأسه العفن, كما نعلن عن احتجاجنا الشديد على السياسات الفاشية التي تمارسها قوى النظام في القتل والتعذيب والاعتقال والتشريد. لترتفع أصوات كل الشعوب, ومنها أصوات الشعبين الروسي والصيني ضد الظلم والاضطهاد في سوريا وضد سياسات حكومتيهما غير الإنسانية.
لنهتف جميعاً مطالبين الدكتاتورية في سوريا برفع أيديها عن شعب سوريا.
لنهتف بالحياة لهذا الشعب المقدام وبالاندحار للدكتاتورية وأعوانها في سوريا وحيثما وجدوا.
لنهتف معاً بالحرية للمعتقلين والأسرى الذين وقعوا في أيدي النظام.     
2/10/2011                   كاظم حبيب

الملحق: نص النداء الذي وصل إلى بريدي الإلكتروني عبر الإنترنيت

نداء استغاثة عاجل:  تعرضت الرستن الواقعة في وسط سورية خلال الأيام القليلة الماضية لحملة عسكرية ضخمة قادتها القوات الموالية ليشار الأسد وكان نتيجتها حصار المدينة وقطع الخدمات العامة من اتصالات وماء وكهرباء ونتيجة للقصف العشوائي هدمت عشرات البيوت وسقط مئات القتلى والجرحى وهجر المدينة آلاف الناس.. وقامت قوات الأسد بحملة اعتقالات عشوائية شملت الأشخاص البالغة أعمارهم ما بين 14 و60 سنة وقد بلغ عدد المعتقلين أكثر من ثلاثة آلاف معتقل.. نطالب كافة المنظمات الحقوقية والهيئات الدولية التابعة للأمم المتحدة والدول الكبرى بسرعة التحرك لإنقاذ الرستن من الكارثة الإنسانية التي تتعرض لها والإسراع بالعمل للإفراج عن المعتقلين والأسرى من أهل الرستن من ظروف الاعتقال السيئة واللاإنسانية.
2/10/2011


291
كاظم حبيب
الاحتجاجات والانتفاضات في الدول العربية تواجه مخاطر امتصاص زخمها
الحلقة الأولى
منذ نهاية عام 2010 بدأ العديد من شعوب الدول العربية احتجاجاته وانتفاضاته ضد النظم السياسية الحاكمة, ضد الاستبداد والقمع والظلم والفساد والفقر والبطالة والتفريط بـأموال الشعب. بدأت أولى الانتفاضات في تونس, ثم في مصر واليمن وليبيا وسوريا, كما عمت المظاهرات في العديد من الدول الأخرى كالمغرب والجزائر والأردن والعراق, وهي قد بدأت بالنضوج التدريجي في السودان.
بعض شعوب هذه الدول استطاع إسقاط بعض رموز هذه النظم, وبعضها الآخر ما زال يخوض انتفاضته ويكافح من أجل تحقيق الانتصار على النخب المستبدة الحاكمة, في حين أن بعضها الثالث لم يستطيع حتى الآن تعبئة الشبيبة والشعب حول المهمات الأساسية لمواجهة النظم الحاكمة وسياساتها القمعية.
يمكن تقسيم الدول العربية إلى عدة مجاميع من حيث زخم الحركة الاحتجاجية والانتفاضات وما حققته حتى الآن من منجزات أولية لصالح تغيير الواقع القائم:
تضم المجموعة الأولى كل من تونس ومصر وليبيا التي استطاعت الإطاحة برؤوس النظم فيها, ولكنها لم تستطع حتى الآن حسم الأمور لصالح الحركة الديمقراطية والتغيير الفعلي لطبيعة تلك النظم. إذ أن هذه الانتفاضات تواجه في كل من هذه الدول مقاومة عنيفة من جانب القوى السياسية والاجتماعية المناهضة للتحولات الديمقراطية التي تخشى على مصالحها وعلى رموز سياساتها. وسبب ذلك يكمن في عمق مطالب الشعب التي تستهدف بناء الدولة المدنية والديمقراطية وتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي وبناء حياتها الجديدة على أسس الحرية والديمقراطية والحياة الدستورية وحقوق الإنسان والفصل بين السلطات الثلاث وفصل الدين عن الدولة. وبعضها يواجه مخاطر الردة بسبب وجود نسبة عالية من قوى النظام السابق ما تزال في مواقعها السابقة دون تغيير لصالح قوى الثورة, وخاصة تلك الدول التي ما يزال القادة العسكريون للنظام السابق هم الذين يتحكمون بوجهة التغيير, كما هو الحال في مصر مثلاً, أو أن قوى الإسلام السياسي التي لها تنظيمات متمرسة تحاول دفع الأمور لصالحها بدعم ملموس من جانب الدول الغربية التي ادعت ولفترة طويلة أنها إلى جانب الديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني, في حين أنها تدرك أن قوى الإسلام السياسي تقف بالضد من هذه المبادئ وتنادي بـ "حاكمية الله" و "الإسلام هو الحل" ..الخ من اسطوانة مشروخة. وخير دليل على ذلك محاولة الولايات المتحدة تنظيم علاقتها وتطوير اتصالاتها ومناقشاتها مع الأخوان المسلمين في مصر بما يؤدي إلى إجهاض الانتفاضة الشعبية. وهو موقف لا يعبر عن انتهازية سياسية فحسب, بل وعن رغبة في تفادي وصول نظم ديمقراطية تقدمية إلى السلطة السياسية في مصر. ولهذا الموقف الأمريكي عواقب وخيمة على مصالح شعوب هذه الدول والمنطقة وعلى مستقبلها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي وعلى ثرواتها الوطنية.
كما سيكون له عواقب وخيمة على المصالح والسياسات الأمريكية في المنطقة. وهذا الموقف السياسي المعوج يذكرنا بالسياسات الأمريكية التي بدأت منذ سنوات العقد التاسع من القرن الماضي بدعم القوى الإسلامية السياسية وتقديم الدعم لها ومساعدتها لتعزيز مواقعها في محاربة القوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية بذريعة مكافحة الشيوعية في عموم الدول العربية والدول ذات الأكثرية المسلمة. وبعد الانتهاء من سيطرة قوى الإسلام السياسي المتطرفة على أفغانستان وقيام دولة طالبان فيها, انقلب السحر على الساحر واتخذت تلك القوى الإسلامية مواقف مناهضة للولايات المتحدة وسياساتها في عموم المنطقة. ويصح في هذا الصدد الحكمة الشعبية العراقية التي تقول: "يا حافر البير لا تغمج مساحيهَ, خاف الفلك يندار وانت التگع بيهَ".
ويلاحظ هذا النهج السياسي للإدارة الأمريكية في كل من مصر وتونس. وسيكلف شعوب المنطقة الكثير من الخسائر البشرية والحضارية والمادية والكثير من الآلام والأحزان. إذ أن النظم السياسية لقوى الإسلام السياسي ستقيم نظاماً استبدادياً لا يختلف كثيراً عن النظام الاستبدادي في إيران أو قبل ذاك في أفغانستان أو السودان. وإذ يرغب الشعب إبعاد رموز الحزب الوطني من حق الترشيح في الانتخابات القادمة بسبب دورهم في اضطهاد الشعب التونسي وسرقة موارده وتجويعه, فإن القيادة الراهنة لا تريد ذلك وتؤيدها في ذلك الإدارة الأمريكية. وهي مخالفة صريحة تؤكد وجود تدخل فظ في شؤون مصر وتونس بالضد من إرادة الشعبين. 
ومع إن الثورة الليبية ما تزال متواصلة, رغم إزاحة الدكتاتور الأرعن معمر القذافي من قيادة ليبيا, في دك بقايا مواقع هذا المهرج وعائلته في سرت وبني الوليد, فأن الدعم الأوروبي والأمريكي للثوار لم ينطلق من حرص هذه الدول على حرية هذه الشعوب وحياتها الديمقراطية وحقوق الإنسان, بل وبالأساس من حرصها على مصالحها ورغبتها في الهيمنة غير المباشرة على نفط ليبيا وإعادة إعمار ما خربته الضربات الجوية المكثفة والكثيرة جداً لقوات حلف الأطلسي وقوات معمر القذافي من خلال شركاتها, إضافة إلى إعادة تسليح القوات العسكرية الليبية بعد أن جرى ويجري تدمير أغلب الأسلحة الثقيلة والطائرات العسكرية الليبية. وقد بدأ في ليبيا وفي الساحة الدولية صراع على السلطة في داخل البلاد وبين المراكز الدولية للرأسمالية على النفوذ والمصالح الأجنبية في ليبيا. وقد تلمس المتتبع لما يجري في ليبيا فحوى هذين النوعين من الصراعات. وإذا كان الصراع في الداخل يجري في إطار المجلس الانتقالي واللجنة التنفيذية بين قوى مدنية وديمقراطية تريد إقامة مجتمع مدني ديمقراطي, وأخرى تسعى لفرض الشريعة الإسلامية على البلاد باعتبارها المصدر الأول والرئيسي للتشريع في ليبيا, فأن الصراع الخارجي يمكن تلمسه من خلال زيارة رئيس وزراء تركيا لليبيا وحديثه عن نموذج الدولة التركية المناسب لها, إضافة إلى زيارة رئيس الجمهورية الفرنسية نيكولا ساركوزي ورئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون سوية إلى ليبيا وسعيهما لتعزيز مواقعهما فيها على حساب الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وإيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية لا على المجلس الانتقالي فحسب, بل وفي الشارع الليبي. إن المرحلة الراهنة, وبالارتباط مع تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية المقترنة بتنامي ديون الدولة في الولايات المتحدة الأمريكية وغالبية دول الاتحاد الأوروبي وبلوغ بعضها حافة الإفلاس الفعلي, تشير إلى تفاقم الصراع على مناطق النفوذ الاقتصادي التي لا بد لها أن تقترن بالنفوذ السياسي وأحياناً غير قليلة بالنفوذ العسكري. وتشكل منطقة الشرق الأوسط والقارة الأفريقية موقعاً مهماً لهذا الصراع الجاري الهادف إلى إعادة توزيع "مناطق النفوذ والمصالح الحيوية" للدول الرأسمالية الأكثر تطوراً في العالم.
أما المجموعة الثانية فتضم إليها اليمن وسوريا والبحرين. وفي اليمن يصطدم نضال القوى الشعبية والشبابية والأحزاب السياسية المعارضة من أجل إسقاط النظام اليمني بإرادة دولية وإقليمية غير حازمة في تأييدها للقوى الشعبية وفي تلكؤها عن اتخاذ الموقف الضروري إزاء الحكم المستبد بأمره علي عبد الله صالح رغم سقوط المئات من الشهداء الأبرار بنيران القوات الحكومية. والمشكلة, كما يبدو, لا تتعلق بالموقف من علي عبد الله صالح فحسب, بل وبالموقف من السعودية, إذ أن الدول الغربية تخشى من مجيء حكم سياسي في اليمن غير موال للسعودية, وبالتالي يعرض المملكة السعودية ومصالح الدول الغربية في النفط السعودي إلى مخاطر جدية, رغم تأكيد قوى المعارض والشبيبة الثورية التزامها بالمواثيق الدولية الموقعة وإنها لن تسمح بالتدخل في الشأن السعودي. وخلال الأشهر المنصرمة استطاع علي عبد الله صالح أن يلعبَ لعبته الخبيثة مع الدول الغربية تحت ذريعة تهديد القاعدة للوضع في اليمن واحتمال سيطرتهم على الحكم, وبالتالي فهم يشكلون تهديداً لليمن والسعودية في آن. إلا أن الشعب اليمني قد برهن على حس سليم في تفنيد ذرائع النظام والدول الغربية من خلال مواصلة نضاله السلمي والديمقراطي وعدم الانجرار بحمل السلاح للإطاحة بالحاكم المستبد وعائلته. ولكن الدلائل كلها تشير إلى قرب سقوط هذه الحكومة ورأسها المريض الذي يحكم البلاد منذ أكثر من 33 سنة. إن رأس النظام في اليمن يحاول بكل السبل استفزاز قوى المعارضة ودفعها لحمل السلاح ضد نظامه وبالتالي إعلانه عن حرب أهلية يعتقد بانعدام التوازن بين القوات الحكومية وقوى المعارضة, وبالتالي يحرم الشعب اليمني من مساندة ودعم العالم لنضاله السلمي للخلاص من الدكتاتورية البغيضة. وعلينا أن نشير هنا إلى إن الحياة الاقتصادية في اليمن أخذة بالتدهور الشديد. والمعاناة الأساسية تصيب الغالبية العظمى من السكان التي تعيش في حالة فقر وبطالة وعوز شديد. 
وفي سوريا ما يزال الشعب السوري يناطح بعزيمة مقدامة استبداد الحكم البعثي الفاشي وعائلة الأسد التي تهيمن على الحكم منذ 41 عاماً. إن انتفاضة الشعب السوري المتواصلة تؤكد إصرار هذا الشعب على الخلاص من الدكتاتورية وبناء المجتمع المدني الديمقراطي والعيش في أجواء الحرية وحقوق الإنسان. وقد سقط له حتى الآن أكثر من 2000 شهيد من مختلف المدن السورية, إضافة إلى أضعاف هذا الرقم من الجرحى والمعوقين وعشرات ألوف المعتقلين الذين يتعرضون لشتى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي والموت على أيدي جلاديهم, وكذلك ما يزيد على 15 ألف إنسان سوري هاجر مجبراً إلى تركيا ولبنان للخلاص من الموت أو من مطاردة أوباش البعث وجلاوزة الأمن السياسي السوري. والغريب أن المجتمع الدولي لم يتحرك حتى الآن بما فيه الكفاية لنجدة هذا الشعب وإنقاذه من براثن الأجهزة الدموية التي يشرف عليها أفراد من عائلة الأسد.
من المعلوم أن ليس في مصلحة إسرائيل سقوط نظام الأسد, إذ إنه النظام الأكثر خنوعاً أمام الاحتلال الإسرائيلي لمرتفعات الجولان وكأنها أصبحت جزءاً من الأرض الإسرائيلية. والولايات المتحدة الداعمة لإسرائيل حقاً أو باطلاً لا تجد في نظام الأسد تهديداً جدياً لإسرائيل أو لمصالحها في المنطقة. ومن هنا يأتي هذا السكوت العام للمجتمع الدولي على الضحايا التي تتساقط يومياً في سوريا. كما يزيد من صعوبة اتخاذ قرار مناسب في مجلس الأمن الدولي الموقف السلبي والسيئ حقاً من جانب روسيا الاتحادية والصين, إذ يرفضان حتى الآن اتخاذ قرارات صارمة ضد النظام السوري الذي يجد التأييد والدعم من دولتين في المنطقة بشكل خاص هما إيران والعراق.
أما الجامعة العربية فلم تجد سبباً معقولاً لتأييد نضال الشعب السوري أو مطالبة المجتمع الدولي بدعمه. واكتفى الأمين العام الجديد نبيل العربي بزيارة بشار الأسد وإبلاغه أهمية حل المسألة سلمياً وكفى "المؤمنين شر القتال", في حين تجرأت دول الخليج على المطالبة بأكثر مما طالبت به الجامعة العربية لأن الأخيرة ناطقة باسم أكثرية النظم العربية غير الديمقراطية الممثلة في الجامعة العربية والمعبرة عن مصالح النخب الحاكمة وليس شعوبها. لا يمكن تغيير سياسات الجامعة العربية وأمينها العام إلا بالخلاص من النظم السياسية الحاكمة التي لا تمثل مصالح شعوب الدول العربية والمبتلاة بكل ما في الدول العربية من فساد.
من غير السهل الخلاص من نظام البعث الدموي والشوفيني ما لم يحقق الشعب السوري وحدته النضالية من خلال إقامة تحالف سياسي واسع النطاق يضم كل القوى السياسية السورية المناضلة لا في سبيل الخلاص من الدكتاتورية فحسب, بل وفي سبيل إقامة مجتمع مدني ديمقراطي تسوده الحياة الدستورية الديمقراطية والتعددية الفكرية والسياسية والتداول السلمي والديمقراطي البرلماني للسلطة والفصل بين السلطات وإبعاد الدين عن السياسة والدولة وحل المسألة القومية على أسس علمية وعقلانية واحترام أتباع الديانات الأخرى. إن التمزق الراهن وتشكيل كيانات غير جامعة, سواء أكان ذلك في الداخل أم في الخارج, لن يساهم في تقريب أجل الدكتاتورية في سورياً والإطاحة بحكم العهر السياسي المضاد لمصالح الشعب وحقوقه الأساسية, بل يطيل من وجوده ويزيد من ضحايا والآم وأحزان الشعب السوري.
إن المشكلة في سوريا تبرز أيضاً في وجود أحزاب سياسية تقليدية تساند النظام البعثي الدموي لأنها مشاركة معه في سياساته المناهضة لمصالح الشعب السوري ومؤيدة لوجوده, وهي تبرهن على انتهازيتها وابتعادها عن مصالح الشعب السوري. ويمكن أن نتابع ذلك في مواقف مختلف الأحزاب السياسية العاملة في ما يطلق عليه بالجبهة الوطنية والقومية التقدمية, ومنها الأحزاب الشيوعية العديدة والحزب القومي الناصري أو الحزب العربي الاشتراكي مثلاً. ومع ذلك هناك من الشيوعيين في الداخل والخارج من يرفض هذا الموقف البائس والخانع للقوى المساومة مع النظام.
إن بقاء بشار وحزب البعث في السلطة سيزيد من مصاعب الحياة الاقتصادية أيضاً ومن تدهور حياة ومعيشة الفئات الفقيرة, كما يرفع من عدد العاطلين عن العمل وسيزداد التذمر الشعبي المطالب برحيل النظام ورأسه المتعفن وسترتفع الأسعار وتجهد ذوي الدخل المحدود أكثر فأكثر. أن العقوبات الاقتصادية الأمريكية وعقوبات دول الاتحاد الأوروبي لن تسقط النظام, لأنها لا تمس النخب الحاكمة بل تصيب الشعب بالصميم. لهذا فأن الموقف يستوجب مزيداً من الدعم للشعب السوري المناضل لإسقاط الدكتاتورية وإقامة النظام الديمقراطي المدني فيها, لا بد من قرارات يتخذها مجلس الأمن الدولي لإنزال الهزيمة بهذا النظام.
ولا بد من أن يدرك النظامين في روسيا الاتحادية والصين الشعبية بأن الشعب السوري لن ينسى لحكومتي البلدين هذه المواقف الانتهازية وذات الأفق الضيق والمناهضة عملياً لمصالح الشعب السوري وخلاصه من الدكتاتورية البغيضة.
ملاحظة: انتهت الحلقة وتليها الحلقة الثانية
 30/9/2011                        كاظم حبيب

292
رسالة مفتوحة إلى الصديق الفاضل الشيخ صباح الساعدي

تحية ودٍ واعتزاز
لم أتعرف على شخصكم الكريم مباشرة ووجهاً لوجه, بل عرفتكم جيداً من خلال البريد الذي كان يصلني من هيئة النزاهة في مجلس النواب العراقي حين كنتم رئيساً لهذه الهيئة. كما استمعت إلى العديد من مداخلاتكم القيمة في مجلس النواب. ثم استمعت في 11/9/2011 بإعجاب كبير واحترام تام للكلمة التي ألقيت من جانبكم في المؤتمر الصحفي الذي عقد في مجلس النواب العراقي حيث تطرقتم بوضوح عن الواقع العراقي الراهن وعن الحكومة العراقية ورئيسها نوري المالكي وعن الفساد السائد في العراق.
لقد أصبتم كبد الحقيقة حين شخصتم بدقة متناهية ما يجري في العراق وما ينتظر الشعب العراقي والقوى السياسية إذا ما استمر تدهور الأوضاع السياسية في العراق, وإذا ما استمر نوري المالكي في السير على طريق الاستبداد الذي بدت بوادره منذ فترة واضحة في سياسات وممارسات وسلوك نوري المالكي.
بودي أن أعرب وأعبر عن تضامني الكامل معكم وتأييدي لكل ما جاء في مؤتمركم الصحفي الغني بالمعلومات والتشخيصات الدقيقة, كما أقد شكري الجزيل لكم على صراحتكم وشفافيتكم وتحديكم الإنساني النبيل المنطلق من شخص موجوع حقاً بسبب ما يصيب الشعب من إساءات وتجاوزات من جانب الحكومة, ومن شخص مخلص لشعبه ولقضية الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والنزاهة والدفاع عن مصالح الشعب العراقي. لقد وضعتم نقاطاً كبيرة على الحروف وأسديتم النصح للشعب العراقي وللسياسيين في أن ما ينتظرهم من عواقب وخيمة إذا ما استمر نوري المالكي السير الراهن في الدرب المعوج, درب صدام حسين.
لقد شخصتم النقاط التالية وأنتم في قلب المعركة الفعلية ضد الإرهاب والفساد الحكوميين دون وجل أو خشية من أحد. إن ضميركم الحي وإخلاصكم لهذا الشعب وحبكم للإنسان العراقي وشغفكم بالحرية والنزاهة والصدق هو الذي جعل الكلمات تنساب من فمكم تصل مباشرة إلى عقول العراقيات والعراقيين المتفتحة والواعية لما يجري في العراق, رغم إن الغالبية من الشعب ما تزال ساكتة على ما يجري في العراق, ولكن هذا السكوت المؤقت لن يدوم طويلاً, إذ أن الظلم إذا دام دمر. وقد أصبتم عين الحقيقة حين أشرتم إلى أن ساحة التحرير ستتخذ يوماً بعد آخر أبعاداً جديدة وستمتلئ الساحة والشوارع المتفرعة عنها وتمتد إلى سائر أنحاء العراق لتلقن من يحاول السير على طريق صدام حسين سيكون العواقب التي تنتظره, ومنها مصيره في حفرة الجرذان.
لقد شخصتم النقاط الأساسية التالية:
** انحراف الحكومة العراقية عن أهداف المجتمع في بناء المجتمع المدني الديمقراطي والحياة الدستورية الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحرياته العامة. فهي بعيدة كل البعد عن الوجهة التي يستوجبها تطور العراق وتقدمه.
** فشل الحكومة في إنجاز مهماتها بسبب التزامها بالمحاصصة الطائفية والأثنية وفسادها وعجزها عن تلبية مطالب المجتمع, وبسبب الخصومات السياسية والمهاترات التي لا تمت إلى المبادئ والمصالح الحيوية للشعب بصلة, بل تقع في دائرة الصراع على المصالح الذاتية البائسة والمتقاطعة مع مصالح الشعب.
** الاستغلال الفاحش للسلطة من جانب نوري المالكي من أجل تعزيز مواقعه ومواقع فئة صغيرة من النخب الحاكمة التي أصبحت بين ليلة وضحاها من أصحاب النعمة الحديثة ومن القطط السمان وأصحاب المليارات والملايين على حساب مصالح الشعب والتنمية التقدم الاقتصادي. وأصبح المجتمع, وخاصة الفقراء والعاطلين عن العمل وصغار الموظفين والكسبة, يطحنون بين رحى الفساد والإرهاب والمصالح الذاتية.
** سعي الدكتاتور الجديد والصغير نوري المالكي لبناء عرشه من خلال كونه رئيساً للوزراء والقائد العام للقوات المسلحة والمسؤول عن أجهزة الأمن الخاصة وكافة القوات المسلحة والمسؤول عملياً ومباشرة عن وزارة الداخلية والأمن الوطني والدفاع, كما كان وما يزال يسعى للهيمنة على الهيئات المستقلة التي يضمنها الدستور مثل البنك المركزي ومفوضية الانتخابات المستقلة وهيئة الرقابة المالية وهيئة الاتصالات والإعلام وهيئة النزاهة بعد أن طلب من رئيس هيئة النزاهة أخيراً الأستاذ رحيم العگيلي. إلى تقديم استقالته ليضع من يناسبه على رأس هذه الهيئة!
** سكوت ومساومة الكثير من القوى السياسية عما يجري في العراق من فساد وظلم وقمع وإرهاب من جانب الحكومة وتهديد المنتقدين والمعارضين بالاعتقال والتعذيب والقتل بكواتم الصوت أو بغيرها.   
** إن سكوت هؤلاء حتى الآن سيأتي عليهم غداً ولن يجد هؤلاء من يترحم عليهم بعد أن سكتوا كثيراً وطويلاً عما يتعرض له الناس من مصائب في الوقت الحاضر, سواء بسبب مشاركتهم أم خشيتهم من الإرهاب والغدر بهم.
** إن ما يجري في العراق يؤكده تقرير الشفافية الدولية حيث أصبح العراق يحتل في العام 2010 موقع الصدارة في الفساد المالي والإداري على الصعيد العالمي وهو بين أربع دول عربية تحتل مثل هذا الموقع.
** إن الدكتاتورية المتفاقمة في العراق هي دكتاتورية فرد وليست حزب الدعوة في سابق عهده, وإن سكوت حزب الدعوة على ما يجري وما يمارسه نوري المالكي حالياً يجعل حزب الدعوة بقيادته الجديدة مسؤولاً مسؤولية كاملة مع المالكي عن الفساد والتدهور الأمني ومشاركاً له ...الخ.
لقد كتب الكثير من الكتاب والكاتبات مقالات بهذا المعنى الواضح والصريح, وأنا أحدهم, ولكنها لم تكن بهذا القوة والوضوح بسبب كونكم أيها الشيخ المحترم كنتم تتحملون مسؤولية لجنة النزاهة في مجلس النواب ومطلعون تماماً على ما جرى ويجري في العراق منذ سقوط الدكتاتورية الغاشمة حتى الآن واستشرافكم للمستقبل سليم حقاً.
إن رفع المالكي دعوى قضائية ضدكم بعد سعيه لنزع الحصانة البرلمانية عنكم, إن تم ذلك فعلاً, فأن هذا سيمنحكم فرصة ثمينة لتعرية الحكومة ورئيسها نوي المالكي بما تملكونه من وثائق دامغة تؤكد كل ما صرحتم به في مؤتمركم الصحفي الأخير, أولاً, وستساهم في بلورة استقطاب فعلي بين من يؤيد الفساد والسياسات الفردية والاستبدادية ومن يعارضها.
إني وفي الوقت الذي أحتج بشدة وأستنكر إقامة الدعوى من قبل نوري المالكي ضد شخصكم الفاضل, فهو يعبر في الوقت نفسه عن طبيعته وضيق صدره وعجزه عن الممارسة الديمقراطية في تفنيد ما جئتم به من وقائع بمؤتمر صحفي مماثل.
لقد كنتم في هذا المؤتمر صوت الشعب الساكت حتى الآن, الصوت الهادر ضد الظلم والاستبداد والفساد, صوت الإنسان الحر والواعي لمضامين الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة, ومدرك للخسائر المالية الفادحة التي يتحملها العراق من جراء الفساد المالي والإداري في البلاد, وواثق بأن هذا الدرب الذي يسير عليه المالكي يؤسس لدكتاتورية جديدة غاشمة في العراق.
أدعو كل الناس الشرفاء في العراق إلى إعلان تضامنهم الحار والفعلي معكم أيها الشيخ صباح الساعدي ورفع صوت الاحتجاج ضد محاولات تكميم الأفواه من جانب المستبد الجديد بأمره نوري المالكي.
أدعو إلى تأمين الحماية الجدية لكم, إذ أصبحتم الآن عرضةً للانتقام كما حصل للأستاذ الشهيد كامل عبد الله شياع والمخرج المسرحي والكاتب والإعلامي الشهيد هادي المهدي.
أدعو جميع الكتاب والكاتبات والإعلاميات والإعلاميين في العراق وخارجه إلى الكتابة عما يجري في العراق من وقائع وفضائح في مختلف المجالات التي تحدث عنها الشيخ صباح الساعدي لتأكيد تلك الوقائع.
إن الشعب العراقي أمام مخاطر جمة تشير إلى عودة فعلية زاحفة للدكتاتورية الغاشمة في العراق تحت سمع وبصر الشعب كله والدول المجاورة وكذلك الإدارة الأمريكية وتحت واجهات بائسة كدولة القانون التي تتجاوز هي قبل غيرها على القانون وحقوق الإنسان والمجتمع.
أسمع صوت امرأة في العراق تقول بشكل مسموع: "لا عاب حلگگ يا شيخ صباح, هسه احچيت الحقيقة, حچيك ذهب عيوني أنت", تماماً كما كانت امرأة أخرى حين كان صدام على رأس السلطة تردد مع نفسها: "لماذا وكيف عدت يا حجاج؟" (المقصود هنا المستبد بأمره والجزار "الحجاج بن يوسف الثقفي الذي قال في حينها "إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان خطافها وأني لصاحبها".
وأخيراً أرجو للشيخ صباح الساعدي الصحة والسلامة في بلد لم تعد السلامة مضمونة فيه باعتبارها حقاً ثابتاً من حقوق الإنسان.   
مع صادق ودي وكبير إعجابي.
أخوكم
كاظم حبيب   

293

كاظم حبيب
المالكي وطريقته الفجة بالاستهانة بأرواح الناس ضحايا النخيب!

قبل أسبوعين قتل الإرهابيون الأشرار في منطقة النخيب 22 مواطناً عراقياً من مدينة كربلاء. وهي جريمة بشعة ونكراء. تم على إثرها اعتقال مجموعة من أبناء الرطبة التابعة لمحافظة الأنبار على خلفية الحادث. ثم تم إطلاق سراحهم من جانب رئيس الوزراء والاعتذار لهم بسبب الاعتقال. وفي حينها أعلن المالكي مصوراً الحادثة على إنها " عاصفة صغيرة مرَّت وانتهت ", ومؤكداً "أن الحادثة أعطيت أكثر من حجمها".
لا شك بأن المهمة في مثل هذه الأحداث هي التهدئة وقطع دابر الفتنة التي كان يراد إشعالها بين أتباع المذهبين, ولكن لا يمكن أن يتم ذلك من خلال هكذا تصريح معيب, إذ فيه استهانة بالغة وفعلية بأرواح 22 شهيداً سقطوا على أيدي جبناء ومجرمين سفلة وكأنهم لا شيء.
كيف نفهم هذا التصريح الذي جاء على اثر استشهاد 22 مواطناً عراقياً أمام أنظار أمهاتهم وزوجاتهم وأخواتهم وأطفالهم؟ هل يمكن أن يصرح رئيس وزراء دولة تحترم نفسها وسياسي يعتبر المسؤول الأول عن أمن البلاد وحماية المواطنات والمواطنين يحترم الإنسان وحياته بهذه الطريقة الفجة والقاسية التي لا تعبر عن المأساة الحقيقية التي حلت بهذه العائلات؟ يبدو من هذا التصريح وكأن الأمر مجرد عاصفة صغيرة هبت واقتلعت من أرض العراق 22 شجرة غير مثمرة ولا قيمة لها, وليست عصابة مجرمة اختطفت حياة 22 إنساناً من أبناء العراق من بين أحضان عائلاتهم. هل أصبح الإنسان رخيصاً بهذا الشكل أم إنها تعبر عن خشيته من تزايد مطالبة الناس بتخلي الرجل عن مسؤولياته باعتباره برهن عن عجزه عن حماية أمن الناس وهو القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الوزراء ومسؤول الأمن الداخلي؟
لقد كان استشهاد هؤلاء الناس كارثة حقيقية لعوامل عدة:
1.   خسارة هذا العدد الكبير من الرجال في لحظة واحدة وبطريقة همجية.
2.   إنها تؤكد وجود قوى إرهابية دموية قادرة على قتل الناس في العراق في كل لحظة وأينما ومتى تشاء.
3.   وإنها جريمة كانت تريد إشعال نار طائفية والبدء من جديد بالقتل على الهوية.
4.   وإنها تؤكد عجز الحكومة والأجهزة العسكرية, وخاصة الأمنية والشرطة, في العراق عن حماية حياة مواطنيها.
ولكنها تؤكد من الجانب الآخر خطورة هذه الحادثة للعوامل التالية:
1.   التصرف غير المعقول وغير المقبول لمحافظة كربلاء في اعتقال 8 أشخاص من أهالي الرطبة دون تحقيق وتيقن مسبق قاد ويقود دوماً إلى عواقب وخيمة وإلى مواقف بائسة وخاصة حين يتم الاعتقال على خلفية طائفية ودون أدلة كافية, ودون التنسيق مع الحكومة الاتحادية.
2.   الطريقة غير السليمة التي تم فيها التهريج وإعلان الفرحة وسط عزاء الناس باعتقال "المجرمين", وليس المتهمين, في حين وجد المالكي نفسه مجبراً على إطلاق سراحهم بسبب التهديد والوعيد وبدعوى عدم كفاية الأدلة.
3.   وهي تشير إلى الأوضاع المعقدة التي يعيش تحت وطأتها الشعب العراقي وتفكك حكومة التي لا تعبر عن أي " شراكة " وطنية, وخاصة الصراعات المتفاقمة بين القائمة العراقية وقائمة دولة القانون, والقائمة الأخيرة والتحالف الكردستاني.
4.   مشاركة مزيد من الناس في الحملات الاحتجاجية ومن مختلف فئات الشعب بسبب الأوضاع الاقتصادية والخدمية المتزايدة تدهوراً في البلاد.
إن المجرمين الذين قاموا بعملية الاغتيال يسعون إلى تأكيد ثلاث قضايا جوهرية:
** إن الحكومة الحالية عاجزة عن حماية مواطنيها من العمليات التي تمارسها القوى المناهضة للنظام والساعية إلى إشاعة الصراع الطائفي والفوضى والموت والخراب.
** وهي في الوقت نفسه عاجزة عن محاربة الفساد لأنها تشكل جزءاً منه, والفساد والإرهاب هما وجهان لعملة واحدة.
** كما إنها عاجزة عن تأمين الخدمات للمجتمع ومكافحة البطالة والفقر وهما الأرضية التي ينطلق منها ويتسع الفساد والإرهاب معاً.
** وإن هذه القوى تريد أن تؤكد بأن خروج القوات الأمريكية من العراق في نهاية هذا العام سيقود إلى حرب طائفية طاحنة وربما إلى حرب قومية أيضاَ بواقع الصراعات الجارية حالياً على الساحة السياسية العراقية. وبالتالي هم في قرارة أنفسهم يريدون إدامة هذا الوجود وللتعكز عليه في مواصلة الإرهاب.
** ولم يكن عدم قتلهم للنساء والأطفال يعبر عن عفة وصحوة ضمير ميت أصلاً من جانب هؤلاء المجرمين, بل كانوا بهذا يسعون إلى إشاعة الرعب في نفوس الناس وإلى إيصال أسلوب القتل الإجرامي الوحشي عبر النساء والأطفال إلى كل الناس.
لقد كانت التهدئة من جانب رئيس الوزراء ضرورية, ولكن أسلوب تناول المسألة كان بائساً, إذ كان يحتاج إلى مهارة ووعي سياسي واجتماعي غير متوفرين فيه, إذ إن قتل 22 شخصاً عراقياً لم يكن عاصفة صغيرة مرت وانتهت, بل كانت جريمة بشعة وكارثة كبيرة لعائلات الشهداء أولاً, واعتقال الأشخاص من أهالي الرطبة بتلك الطريقة ليس عملاً اعتيادياً بل مجافياً للشرعية ثانياً, كما إن إطلاق سراحهم بهذه الطريقة عمل غير اعتيادي وتحت سيف التهديد ثالثاً, إضافة إلى التصرف المنفرد لمحافظة كربلاء بعيداً عن الحكم الاتحادي خطيئة كبيرة تشدد الصراع بين المحافظات بشكل خاص.
لقد كان على الحكومة العراقية والأجهزة الأمنية والقضاء العراقي أن يفكروا جميعاً وبصورة جدية بالحادثة التي وقعت بالنخيب وتسعى إلى معرفة القتلة ومن يقف خلفهم ويحميهم ويقدم العون لهم, ومن لهم مصلحة في إشاعة الصراع الطائفي والفوضى في البلاد, إذ أن هناك احتمالات كثيرة أشير إلى بعضها:
1.   من الممكن أن تكون قوى إرهابية مأجورة مارست فعلها الإجرامي بتحريض من سوريا أو الأردن أو السعودية أو إيران أو قوى عراقية من أتباع القاعدة أو هيئة علماء المسلمين السنة المتحالفة مع القاعدة, وإن هذا يحتاج إلى الكثير من التحري قبل الاعتقال.
2.   كما من الممكن أن تكون من الميليشيات الشيعية المسلحة والمتطرفة التي تريد بأي ثمن إزاحة المالكي من رئاسة الحكومة من جهة, وإشاعة الصراع السني الشيعي من جهة أخرى, إذ سيتوجه الرأي العام الشيعي إلى الاعتقاد بأن من نفذ الحادثة ضد 22 شيعياً هم من أتباع المذهب السني. وهو رأي خاطئ, إذ أن القتلة لا دين ولا مذهب لهم.
إن سعي رئيس الوزراء للتهدئة صائب دون أدنى ريب, ولكن ليس بالطريقة التي تحدث بها ولا بالأسلوب الذي طرحه, إذ لا يعبر عن وعي بالمصيبة التي حلت بأهالي كربلاء. كما إن زيارة الشخصيات العشائرية البارزة من الأنبار إلى كربلاء وحضور الفاتحة على أرواح الشهداء يجسد وعياً بأهداف الجناة وضرورة إفشالها.
إن هشاشة الوضع السياسي والصراعات المتفاقمة بين أطراف الحكم من مواقع طائفية وقومية وضعف الحكومة ومظاهر الاستبداد الفردي لرئيسها هي التي تسمح بمرور مثل هذه الجرائم البشعة والموت اليومي لمزيد من البشر في العراق. إذ لم يمض وقت طويل على عملية النخيب حتى مارس الإرهابيون أربعة تفجيرات في مدينة كربلاء أدت إلى استشهاد 9 أشخصا وجرح 99 شخصاً بعضهم جراحه خطيرة. لقد كان من واجب الحكومة أن تنتبه إلى الفتنة التي يراد إشعالها في العراق وتتخذ الإجراءات الكفيلة  بمنع وقوع مثل هذه التفجيرات في كربلاء. وكثيراً ما توعد رئيس الوزراء, ولكن غالباً ما فشلت أجهزة الأمن في الوصول إلى الجناة.
وإذ ندين العمليات الإجرامية الجديدة ونرجو للشهداء الذكر الطيبة, نرجو لذوي الشهداء الصبر والسلوان وللجرحى الشفاء العاجل.   
25/9/2011                      كاظم حبيب 

294
كاظم حبيب
هل يرقص المالكي على فوهة بركان ؟

منذ ستة أعوام ونوري المالكي على رأس السلطة التنفيذية في العراق. مرت البلاد بفترات عصيبة وبهدوء نسبي ومن ثم بمرحلة مليئة بالصراعات السياسية بين أطراف مشاركة بالحكومة التي يطلق عليها حكومة الشراكة الوطنية زيفاً وبهتانا, إذ أنه الاسم الذي لا معنى له في العراق وعلى غير مسمى.
المالكي لا يقامر بحياته السياسية فحسب, بل ويقامر بمصالح الشعب وحياة بناته وأبنائه ومستقبل العراق. فهو لم يعد يهتم بكل ذلك بل يتركز همَّه الرئيسي الثابت في البقاء بالحكم ولو على المزيد من الضحايا والفساد. إنه الرجل الذي يرقص على فوهة بركان, ولكن حممها لا تلتهمه وحده حسب, بل وتلتهم الكثير من بنات وأبناء الشعب العراقي وتشعل الحرائق في كل مكان. إن المالكي عاجز عن إدراك واقع الحال في العراق وعن وجود مخاطر كبيرة تواجه الشعب العراقي, منها نماذج واقعية:
1.   نشوء فراغ سياسي وأمني, كما هما اليوم, ويتفاقمان يوماً بعد آخر. يستثمر هذا الوضع من قوى الإرهاب لإشاعة المزيد من الإرهاب والفوضى والفساد والموت لمزيد من البشر. 
2.   تحفز قوى المليشيات الطائفية السياسية, وخاصة ميليشيات جيش المهدي للاستيلاء على الشارع فالسلطة من خلال تحريك الشارع وبدعم مباشر ومتنوع من جانب الجارة "الإسلامية" الكبيرة إيران, في وقت يتراجع النفوذ والتأثير السياسي الأمريكي رغم وجود قوات للولايات المتحدة في العراق.
3.   تحفز قوى البعث الصدَّامية المتغلغلة في عدد كبير من الأحزاب السياسية العراقية, سواء أكانت قومية يمينية أم إسلامية سياسية شيعية وسنية وفي جميع مرافق الدولة العراقية, للسيطرة غير المباشرة على السلطة. إن تنظيمات البعث التي يقودها عزت الدوري تنظم نفسها في كل مكان توجد فيه خارج البلاد ولكن لها تنظيمات في العراق, كما إن لها خيوط اتصال قوى مع تلك القوى المشاركة بطرق مختلفة في الحكم أم العاملة في أجهزة الدولة. لا نبالغ بهذا الأمر ولكن نؤكد وجوده وتحركه المستمر وتحسين أوضاع تنظيماته وعمله وقواه المسلحة.
واستمرار حكومة المالكي بالعمل بالكيفية السيئة الراهنة, هو الذي يفسح في المجال لمثل هذه المخاطر بالظهور والتبلور والتطور والنجاح لأحدها, رغم الوجود الأمريكي الذي لا يمكن أن يحرك ساكناً في ظل الأوضاع الجارية في العراق والمنطقة والعالم, وهي الإدارة الأمريكية الساكتة حالياً وكلية عن كل التجاوزات الجارية من حكومة المالكي على الحريات العامة وعلى حق المواطنين في التعبير عن وجهات نظرهم في الشارع العراقي, بل وعن ممارسات الاعتقال والتعذيب في السجون, وهم أدرى من غيرهم بما يجري في العراق.
إن الحالة العراقية لا تشير إلى وجود صراع دائر بين القائمة العراقية وقائمة دولة "القانون" فحسب, بل وإلى صراع متفاقم بين قائمة دولة "القانون" والتحالف الكردستاني التي يمكن أن تقود إلى تحالف بين القائمة العراقية والتحالف الكردستاني أولاً وكسب طرف آخر من التحالف الوطني كالائتلاف العراقي الذي يمكن أن يسقط الحكومة, وهو الحل الأفضل لا لتشكيل حكومة من هذا التحالف الجديد المحتمل, بل من أجل توفير فرصة إجراء انتخابات جديدة بدلاً من السقوط في مستنقع الإرهاب والفوضى والقتل اليومي وهيمنة أحد أطراف القوى الثلاث المشار إليها في أعلاه. إن من حق المالكي أن يغامر بحياته السياسية, ولكن ليس من حقه أن يوفر مستلزمات تفاقم الإرهاب والفساد والقتل اليومي في البلاد, ومن هنا يفترض فيه أن يدعو إلى انتخابات جديدة أن يتخلى عن الحكم.
إن من يرقص على فوهة بركان يفترض فيه أن يدرك بأنه سيكون المسؤول عن حصول خيبات حقيقية للشعب وعن كوارث كثيرة. لقد تحدث صدام حسين أكثر وردد ما تحدث به أتباعه الإمعات مرات ومرات, ومنهم نعيم حداد, إذ قال: أنه لن يترك العراق إلا على أنقاض وخرائب وجثث القتلى. وهذا ما حصل فعلاً. فهل سيكون قول المالكي مماثلاً لما تحدث به الدكتاتور صدام حسين وكانت العاقبة ليس موت الدكتاتور فحسب, بل والخراب الذي عم العراق والجثث التي غطت مساحة واسعة من بلاد ما بين النهرين والتي ما تزال مستمرة حتى اليوم. كيف يعيش الشعب العراقي هذه الأيام؟
** الصراعات متفاقمة بين القوى المشاركة في الحكم وصلت إلى حد المهاترات بين رئيس قائمة دولة القانون والقائمة العراقية ومن خلال وسائل الإعلام والفضائيات الكثيرة. وهي لا تبشر بالخير.
** الإرهاب متواصل والقتل يومي وأعداد القتلى والجرحى متباينة بين يوم وآخر وتقع في العديد من مناطق العراق والاغتيالات الفردية تنفذ من جهات عديدة, البعض الكثير يمد أصابع الاتهام إلى الأجهزة الأمنية ضمن بعض الفاعلين.
** الفساد عم الدولة والمجتمع وهو المتحكم برقاب الناس. تشير التقارير الواردة من الولايات المتحدة إلى أن رئيس الوزراء هو الذي يغطي على هذا الفساد وقد نشر في العديد من الصحف الأمريكية البارزة. والفساد ليس مالياً فحسب, بل وأنواع أخرى من الفساد بما في ذلك العفو عن أصحاب الشهادات المزورة من أتباع القوى والأحزاب الإسلامية السياسية ومن أعضاء حزبه ومؤيديه بالذات, سواء أكانوا في مجلس النواب أم في دوائر الدولة المختلفة والسلك الدبلوماسي, والفساد في التعيينات على أسس طائفية وحزبية على نحو خاص, والفساد في المقاولات والعقود, والفساد في الرشا اليومية التي تدفع لإنجاز معاملات الناس, والفساد في تنظيم الهروب من السجون أو إشعال الحرائق بها لتسهيل عملية الهروب, والفساد في قضايا النفط والغاز, والفساد في ابتلاع أموال الشعب من الفاسدين والمفسدين ومنع هيئة النزاهة من التحقيق في قضايا الوزراء وغيرهم إلا بعد موافقة رئيس الوزراء وفق كتب رسمية صادرة من رئيس الوزراء نوري المالكي بهذا الصدد, والفساد في البعثات والزمالات والوفود والسفرات الحكومية, والفساد في عدد الحماية الكبير وتعيين القليل منهم وابتلاع المخصصات والرواتب ممن خصصت لهم الحماية والحبل على الجرار في تعداد المجالات التي يجري النشر عنها مما يجري في العراق من أنواع الفساد المالي والإداري. وأخيراً أبعد رئيس هيئة النزاهة من مركزه لينصَّب أخر يعتمد عليه! فما السبب؟
** وخدمات الكهرباء والصحة والنقل والماء وإنشاء بنايات المدارس وغيرها التي تأخر إنجازها بسبب انتشار الفساد فيها والتهم موارد مالية كبيرة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات خلال الأعوام الثمانية المنصرمة. وتؤكد التقارير الأمريكية ذاتها إن الشركات الأمريكية وقوى أخرى قد شاركت بقسط مهم من هذا الفساد وما تزال غارقة فيه حتى قمة رأسها. 
** البطالة المكشوفة التي لا يمكن سترها بغربال, بل هي من بين أهم الأسباب التي دفعت إلى حملات الاحتجاج الشبابية والشعبية. فليست هناك خطة تنمية ولا مشاريع اقتصادية وزراعية جادة يمكنها استيعاب العاطلين عن العمل ولا يمكن لجهاز الدولة الإداري أن يستوعب كل العاطلين عن العمل وهو المغرق بالبطالة المقنعة. فالدولة العراقية لا تمتلك خطة اقتصادية لإقامة مشاريع صناعية وزراعية, بل تمتلك خطة للاستيراد وإغراق السواق بالسلع الإيرانية والتركية والصينية وغالباً ما تكون سيئة الصنع وعلى وفق رغبات التجار وبعيدة عن الرقابة النوعية.
** العجز عن معالجة المشكلات القائمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم مما يفسح في المجال إلى مزيد من التعقيدات بين الحكومتين وعلى المستوى الحزبي والشعبي وتستثمر بفعالية كبيرة من قبل القوى الإرهابية ومن قبل القوى القومية اليمينية والشوفينية والقوى الإسلامية السياسية المتعصبة والمناهضة للحكم الفيدرالي.
** وقد فشلت حكومة المالكي حتى الآن في معالجة المشكلات القائمة مع الكويت وبعيداً عن التصريحات الحزبية والاستفزازية التي لا تساعد على إيجاد حلول عملية للمشكلات لصالح العراق وبعيداً عن إلحاق الضرر بمصالح الكويت.
** كيف يمكن أن يفهم الشعب العراقي تصريحات وزير التجارة العراقي السيد خير الله بابكر في حكومة السيد نوري المالكي التي أدلى بها إلى مراسل جريدة الصباح الحكومية حين أكد فيها ما يلي: "إن هناك الملايين من البطاقات التموينية الوهمية أثرت في نتائج الانتخابات الماضية، مشيراً إلى انه يتعرض إلى ضغوط من جهات سياسية لعدم الكشف عنها". ثم قال السيد الوزير في هذا اللقاء الذي أجرته معه جريدة الصباح "على هامش مشاركته في الاجتماع الـ(88) للمجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي الذي عقد في مقر الأمانة العامة للجامعة العربية في القاهرة: "إن هناك ملايين البطاقات التموينية الوهمية في الكثير من المحافظات تعمل الوزارة على كشفها والجهات المتورطة بتزويرها". وأضاف انه يتعرض إلى «تهديدات كبيرة من جهات سياسية معروفة لترك هذا الموضوع"، لكنه أكد إصرار الوزارة على المضي بكشف هذه البطاقات "التي أثرت في نتائج الانتخابات ومن ثم في العملية والقرار السياسي في العراق على مدى السنوات الماضية" ووصف الوزير الموضوع بأنه «مهم وحساس»، مؤكدا بالقول: «إن الأرقام عالية جدا وسنكشف عنها لوسائل الإعلام قريباً." (راجع عراق القانون, شبكة إعلامية مستقلة. تحت عنوان: وزير التجارة يتعرض للتهديد بسبب كشفه لبطاقات تموينية وهمية أثرت في نتائج الانتخابات الماضية .بتاريخ 18/9/2011). إن هذه المعلومة المهمة جداً والخطيرة التي طرحها وزير التجارة العراقي بمسؤولية عالية تؤكد عدة حقائق منها مثلاً: 1) الفساد العام المنتشر في البلاد والذي تساهم به جهات رسمية مسؤولة, إذ لا يمكن أن تمر مثل هذه العملية دون أن تعرف به الأوساط الحكومية, و2) إن الانتخابات التي كانت تجري في العراق خلال السنوات المنصرمة غير نزيهة ومزورة ولا تمتلك الشرعية بسبب تلك "الملايين" من البطاقات الوهمية التي كانت توضع في صناديق الاقتراع في الانتخابات العامة والمحلية لصالح الأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة على نحو خاص, و3) إن المجالس النيابية "المنتخبة" ليست شرعية وكذلك الحكومة الحالية التي تشكلت على أساس نتائج تلك الانتخابات غير النظيفة غير شرعية. ولم يكن عبثاً احتجاج المالكي واعتراضه على نزاهة الانتخابات, إذ كان يعرف بالبطاقات الوهمية ويرى إنها قد توزعت بصورة غير عادلة, ولكنه لم يكن قادراً على كشف كل تلك الأوراق القذرة لأنه أحد المستفيدين من تلك البطاقات الوهمية التي تحولت إلى قوة صوتية لبعض الأحزاب الحاكمة.
** الموقف غير الإنساني وغير العقلاني وغير المنطقي من النهوض الشعبي الديمقراطي والسلمي ضد نظام البعث وبشار الأسد في سوريا والذي يؤكد ممارسة العراق لسياسية تابعة لسياسة إيران في هذا الصدد, مما يعرض الصداقة والتضامن بين الشعب العراقي والشعب السوري الشقيق والصديق إلى أضرار فادحة, علماً بأن مواقف النظام السوري الاستبدادي كانت مناهضة لتحقيق الاستقرار في العراق وفتح الحدود على مصراعيها أمام ولوج قوى الإرهاب الإسلامية السياسية إلى العراق وقوى البعث الصدَّامية وهو ما يزال لم يغلقها حتى الآن ويستخدمها ورقة رابحة في مساوماته القذرة على صعيد العلاقات بين سوريا والعراق.
** وأخيراً وليس آخراً, كيف يمكن أن يفهم موقف نوري المالكي السيئ والعدواني من مظاهرات الشباب وفئات من الشعب ذات الطبيعة الاحتجاجية على الأوضاع السيئة والتدهور الأمني والفساد والمحاصصة الطائفية والفراغ الأمني, وخاصة تلك الاتهامات التي سعى وما يزال يسعى أتباعه الإمعات إلى لصقها بالمتظاهرين, ومن ثم تطويقهم أو منعهم من الوصول إلى ساحة التحرير أو اعتقال بعضهم وتعذيبهم وتهديدهم أو إرسال البلطجية إلى ساحة التحرير للاعتداء على المتظاهرين ...الخ, وأخيراً وقوع جريمة اغتيال المناضل المحتج على هذه الأوضاع المخرج المسرحي والكاتب والصحفي هادي المهدي التي لا نمتلك حتى الآن براهين مؤكدة على  الجهة التي اغتالته في بيته بكاتم صوت, رغم الكثير من المؤشرات التي تشير إلى إن القتلة هم من تلك القوى الأمنية التي هددته بعواقب وخيمة إن لم يكف عن التظاهر والاحتجاج ضد الحكومة. وبعد الحادث بأيام صرح ناطق رسمي في وزارة الداخلية لم يذكر اسمه بأن الأجهزة الأمنية قد وضعت اليد على خيوط ستوصل إلى الجاني, وانتهى الخبر وانقطعت الخيوط. وستبقى الجريمة غير معروفة وتبقى هوية القاتل مجهولة رغم أصابع الاتهام التي توجه إلى القتلة والمحرضين على القتل والموحين له وحماة القتلة. إن الأوضاع المتدهورة هي التي دفعت بالناس إلى التظاهر والتعبير السلمي عن احتجاجهم لما يجري في العراق بعد سقوط الدكتاتورية وفي فترة وزارة نوري المالكي. والمالكي المتشبث بالحكم في العراق لا يستطيع أن يفهم ما يعاني منه الشعب العراقي, إذ أن كرسي الحكم يستحق منه التضحية بمصالح الشعب وحقوقه الأساسية.
نوري المالكي يتحرك كبهلوان ويرقص حقاً فوق فوهة بركان قابل للانفجار في كل لحظة, وإذا ما انفجر فأنه سيحرق الأخضر بسعر اليابس, سيكون الخراب والجثث والبؤس, سيكون المزيد من الاحتراب, وهو ما لا نريده للعراق وشعب العراق في المرحلة الراهنة ولا في أي وقت آخر, بل ما يريده الشعب هو الأمن والاستقرار ومحاربة الفساد والإرهاب ومكافحة البطالة والفقر والحرمان وتقليص الفجوة المتسعة بين الأغنياء والفقراء في المجتمع والتمتع بموارد نفطه لصالح التنمية الشاملة وتمكين الشعب من التمتع بهويته الوطنية والديمقراطية العراقية وليس بالهويات الثانوية الخاصة التي يراد تعميمها من أجل الاستمرار بحكم العراق بطريقة غير إنسانية وغير ديمقراطية واستبدادية, فالهويات الثانوية هي القاتلة لوحة شعب العراق, ومنها بشكل خاص الهوية الطائفية السياسية, والتشبث بها يقود البلاد إلى ما لا تحمد عقباه .   
21/9/2011                      كاظم حبيب


لو كنّا في بلد غير بلدنا هذا، وفي ظل دولة غير دولتنا هذه لزُلْزلَتِ الأرضُ زلْزالَها وأخرجتِ ٱلأرْضُ أثْقَالََها، فما من دولة تحترم نفسها (أي تحترم شعبها وإرادته) يحدث فيها مثل ما حدث لدينا وكشف عنه أحد الوزراء الرئيسيين في الحكومة، ثم تُعطيه الآذان الصماء.

الوزير هو وزير التجارة السيد خير الله بابكر، وما كشف عنه يُفترض (لو كنا في دولة تحترم نفسها) أن يدفع الحكومة الى تقديم استقالتها في الحال من دون أي تلكؤ أو ممانعة. فالوزير أعلن عن وجود الملايين من البطاقات التموينية الوهمية التي استخدمت في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.
كان الوزير بابكر يتحدث لصحيفة الدولة (الحكومة) العراقية "الصباح" من القاهرة على هامش اجتماع إقليمي في مقر الجامعة العربية، وهو قال بالنص "هناك ملايين البطاقات التموينية الوهمية في الكثير من المحافظات تعمل الوزارة على كشفها والجهات المتورطة بتزويرها"، وأضاف أن هذه الكمية من البطاقات التي استعملت في عملية التصويت "أثّرت في نتائج الانتخابات ومن ثم في العملية والقرار السياسي في العراق على مدى السنوات الماضية".
أكثر من هذا كشف الوزير عن تعرضه إلى "تهديدات كبيرة من جهات سياسية معروفة لترك هذا الموضوع"، لكنه أكّد إصرار الوزارة على المضي بكشف هذه البطاقات ووعد بإعلان ذلك الى وسائل الإعلام "قريباً"، ونحن بدورنا سننتظر هذه الـ"قريباً".
ما معنى كلام وزير التجارة؟
معناه بكل بساطة ان البرلمان الحالي باطل لأنه كان ثمرة انتخابات باطلة. والانتخابات باطلة لأنها تمّت ببطاقات وهمية (مزورة، باطلة) بالملايين، إضافة الى أن القانون الذي جرت تلك الانتخابات وفقاً له غير دستوري بحسب حكم المحكمة الاتحادية التي، لأسباب نعرفها، قضت على نحو عجيب وغريب بان عدم دستورية قانون الانتخابات تنسحب على الانتخابات اللاحقة وليست السابقة مع أن حكمها كان في قضية طعن في نتائج الانتخابات السابقة قدّمه بعض المرشحين في تلك الانتخابات.
ولأننا دولة لا تحترم نفسها (لا تحترم شعبها وإرادته) لم نسمع بأحد يرفع صوته ويقول إن هذا الكشف الذي أعلن عنه أحد أعضاء الحكومة يحتّم على الحكومة أن تستقيل لكي تفسح في المجال أمام حل مجلس النواب وإجراء انتخابات برلمانية مبكرة. فالمفترض ان الغالبية العظمى من أعضاء الحكومة والبرلمان يؤمنون بان ما بُني على باطل هو باطل، ومن المفترض ان هذه الغالبية العظمى تخشى الله أكثر من غيرها باعتبارها مؤمنة وتنتمي الى أحزاب مؤمنة (إسلامية)، ويفترض أنها لا تقبل بالباطل حتى لا تدخل النار، لكن واقع الحال يقول ان هذه الأحزاب بالذات هي التي كانت وراء كل باطل حدث ويحدث في بلادنا منذ أول انتخابات (الجمعية الوطنية) حتى الآن، وتصريح وزير التجارة عن البطاقات التموينية المزورة وعمّا تلقاه من "تهديدات كبيرة" من "جهات سياسية معروفة" دليل على أنها أحزاب باطلة.

كشف وزيرُ التجارة خير الله بابكر عن وجود الملايين من البطاقات التموينية الوهمية التي أثرت في نتائج الانتخابات الماضية
  قال وزير التجارة خير الله بابكر: ان هناك الملايين من البطاقات التموينية الوهمية أثرت في نتائج الانتخابات الماضية، مشيراً الى انه يتعرض الى ضغوط من جهات سياسية لعدم الكشف عنها.وقال بابكر في لقاء أجرته معه «الصباح» على هامش مشاركته في الاجتماع الـ(88) للمجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي الذي عقد في مقر الامانة العامة للجامعة العربية:  «ان هناك ملايين البطاقات التموينية الوهمية في الكثير من المحافظات تعمل الوزارة على كشفها والجهات المتورطة بتزويرها».

وأضاف انه يتعرض إلى «تهديدات كبيرة من جهات سياسية معروفة لترك هذا الموضوع»، لكنه أكد اصرار الوزارة على المضي بكشف هذه البطاقات «التي أثرت في نتائج الانتخابات ومن ثم في العملية والقرار السياسي في العراق على  مدى السنوات الماضية»
.ووصف الوزير الموضوع بأنه «مهم وحساس»، مؤكدا بالقول: «ان الأرقام عالية جدا وسنكشف عنها لوسائل الإعلام قريبا».

تجدر الاشارة الى ان نتائجَ الانخابات التشريعية الماضية اثارت موجةَ اعتراضات في الاوساط السياسية والشعبية التي وصفتها بالمزورة

من جانب آخر، أكد بابكر ان الوزارة قامت بتأمين توزيع مفردات البطاقة التموينية لغاية العام 2014، نافيا أن تكون هناك أية مادة غير صالحة توزع ضمن التموينية.

وكشف عن ان الوزارة حجبت مفردات البطاقة عن نحو 360 ألف مواطن من الميسورين، مشيرا الى ان لجنة حجب البطاقة التموينية التابعة للأمانة العامة لمجلس الوزراء مستمرة بمتابعة قضية حجب التموينية عن الشرائح الميسورة.
وقال بابكر خلال تصريح اعلامي على هامش مشاركته في الاجتماع الـ(88) للمجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي الذي عقد في مقر الامانة العامة للجامعة العربية:ان هناك ملايين البطاقات التموينية الوهمية في الكثير من المحافظات تعمل الوزارة على كشفها والجهات المتورطة بتزويرها.

295
كاظم حبيب
برلين تعمل على بناء جسور الحوار والتفاعل بين الثقافات
المهمات الجديدة للبرنامج العربي للدويتشه فيله
نشرت مجلة الشؤون الخارجية في صيف عام 1993 مقالاً بعنوان "الصدام بين الحضارات؟" للكاتب والأستاذ الجامعي صموئيل هنتنكتون, ثم اعقبها بكتاب تحت عنوان "صدام الحضارات صدر في العام 1996 وترجم إلى العديد من اللغات, ومنها العربية والألمانية والفرنسية ..الخ. ثم قام بجولة تبشيرية لنظريته في الكثير من الدول الأوروبية ومنها ألمانيا حيث ألقى في برلين العاصمة وفي قصر الثقافات العالمية محاضرة بذات العنوان, اختلف واتفق معه الكثير من الحضور. ولكن نظريته هذه وجدت صدى واسعاً في الأوساط الأوروبية, وخاصة القوى والجماعات اليمينية والنازية الجديدة والمتعصبة دينياً وقومياً. وكانت لها عواقب غير طيبة على الصعيد الأوروبي وإزاء الأجانب بشكل خاص. وقد ركز في نظريته على الصراع والنزاع بين الحضارات الشرقية ( ويعني بها الإسلامية والصينية والهندية ...) والحضارة الغربية, ولكنه أكد بشكل خاص على الصراع بين الحضارة والثقافة الإسلامية والحضارة والثقافة الغربية المسيحية. وتضمنت هذه المحاولة إبعاد الرؤية عن الصراع السياسي الاقتصادي الحقيقي والفعلي القائم في العالم باتجاه التشديد على الصراعات الدينية والمذهبية في كل دولة وفي الأقاليم وعلى الصعيد العالمي. وكانت كتابات وأبحاث ومحاضرات هنتنكتون تروج بشكل واسع لهذه النظرية وتساهم في توسيع الكراهية بين أتباع الديانات والمذاهب بدلاً من دفعها للحوار والتفاعل والتلاقح بين الثقافات على الأصعدة المختلفة. وقد جنى العالم الكثير من الكوارث نتيجة لترويج مثل هذه النظريات, التي استفاد منها الإسلاميون السياسيون المتطرفون ليؤكدوا الكراهية على الكراهية والدعوة ضد المسيحيين واتهامهم بالكفر والعداء للإسلام والمسلمين !!   
ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2011 الإجرامية التي نفذتها تنظيمات القاعدة الإسلامية السياسية الإرهابية في محاولة منها لتأكيد وجود صراع الثقافات والحضارات والأديان. وكانت فاتحة لمزيد من الكوارث على الصعيد الإقليمي والعالمي, وبشكل خاص نشوب حربين الأولى في أفغانستان والثانية في العراق راح ضحيتهما وضحايا العمليات الإرهابية مئات ألوف القتلى والجرحى والمعوقين, إضافة على المزيد من الخسائر المالية والحضارية, كما أصيب الاقتصاد العالمي بمزيد من المشكلات وتعرض للكثير من الخسائر, عانى منها بشكل خاص الفقراء والمعوزون والعاطلون عن العمل في الدول النامية والدول المتقدمة اقتصادياً. إن نظريات من هذا النوع لا تخدم التفاعل والتفاهم بين شعوب العالم بمختلف قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم واتجاهاتهم الفكرية والسياسية, بل تثير المزيد من المخاوف المتبادلة وعدم الثقة وتثير الحقد والكراهية التي يمكن أن تقود إلى الكثير من الفواجع وتكرس الكثير من الأحكام المسبقة ذات التفكير النمطي إزاء الآخر أو إزاء الشعوب الأخرى.
واليوم تمر الذكرى العاشرة لفاجعة الحادي عشر من سبتمبر/أيلول, وما تزال قوى الإرهاب الإسلامي السياسي المتطرفة تسعى إلى التخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية في مختلف دول العالم أو ممارسة التفجيرات في الدول العربية ومنها العراق وأفغانستان. وبالأمس اعتقلت الأجهزة الأمنية الألمانية شخصين, أحدهما من لبنان والثاني من غزة, من بين الأوساط الإسلامية السياسية, كانا يخططان لتنفيذ عملية إرهابية أو أكثر في ألمانيا حيث ضبط في شقتيهما مواد تستخدم لصنع المتفجرات وبكميات كبيرة.
إلا أن شعوب الدول العربية, وأغلبيتهم من المسلمين, نهضت من سباتها الطويل بانتفاضاتها وثوراتها الشبابية والشعبية معلنة عن رفضها للاستبداد والجور والقهر والاضطهاد والحرمان والبطالة والفقر من جهة, ورافضة من جهة أخرى لنظرية صراع الحضارات والثقافات ومعبئة قواها من مختلف القوميات والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية وساعية لإقامة مجتمع مدني وديمقراطي في بلدانها, إضافة إلى رفضها لقوى الإسلام السياسي المتطرفة والإرهابية التي عرضت الكثير من البشر إلى الموت أو إلى مصاعب الحياة والتنقل والعلاقات الطبيعية بين الشعوب.
إن هذه الانتفاضات الشبابية والشعبية في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا والحركات السياسية في المغرب والأردن وكذلك التحركات الشبابية والشعبية في العراق قد وجدت صدى طيباً لها لدى شعوب وحكومات دول الاتحاد الأوروبي وأن كان بمستويات مختلفة.
وفي ألمانيا نشط الإعلام الحكومي والمستقل إلى إبراز الحركات الشبابية والشعبية التي أطلق عليها بالربيع العربي وأسعد الكثير من الأوساط الشعبية والمثقفين الألمان وغير من النظرة النمطية التي كانت سائدة عن العرب في أوروبا.
وكان الإعلام الألماني سباقاً في دعم هذه الحركة الشبابية والشعبية الديمقراطية والتبشير بأهميتها للشعوب العربية وللعالم وخاصة حين أكد أهمية دعمها من أجل إقامة المجتمع المدني والحياة الحرة والديمقراطية والتزام نظمها السياسية باحترام وممارسة حقوق الإنسان.
وبادر الإعلام الرسمي الحكومي, وخاصة البرنامج العربي في الدويتشه فيله إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات المهمة والجديدة لزيادة عدد ساعات بثها باللغة العربية وزيادة عدد الندوات الحوارية بين الشباب العرب والشباب الألمان وكذلك بين السياسيين والمختصين من العرب والألمان وكذلك المسؤولين, إضافة إلى زيادة عدد العاملين العرب في البرنامج العربي. وهي خطوة تنسجم مع التطورات الإيجابية الجارية في الدول العربية والرغبة في توسيع حوار الحضارات والثقافات ورفض فكرة صراع الحضارات والثقافات.           
وكخطوة أولى على طريق تنشيط هذا الحوار ودعم الحركات الفكرية الديمقراطية في العالم العربي أقام البرنامج العربي في الدويتشه فيله في الثامن من شهر سبتمبر/أيلول 2011 ندوة فكرية وسياسية ساهم فيها وزير الخارجية الألماني السيد الدكتور گويدو فيسترفيلة والسيد الدكتور جمال عبد الجواد (مدير مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية والسياسية, والسيدة سهام بن سدرين, الحقوقية والصحفية التونسية والمدونة والصحفية المصرية الشابة السيدة سمر كرم, وأدارت الندوة بنجاح كبير الإعلامية والمذيعة الأساسية في الدويتشة فيله الآنسة ديما الترحيني حضرها جمع غفير من المدعوين العرب والألمان والأجانب وسفراء بعض الدول العربية ورئاسة جمعية الصداقة العربية الألمانية. وقد ناقش المشاركون في هذه الندوة, والتي تقرر أن تعقد كل يوم اثنين من كل أسبوع, العواقب السلبية التي نجمت عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول على الصعيد العالمي وعلى البلاد العربية والمسلمين في مختلف دول العالم.
وقد برزت السيدة سدرين الأخطاء التي ارتكبتها الإدارة الأمريكية في مجال حقوق الإنسان في معركتها ضد الإرهاب وخاصة ممارسة التعذيب ضد المعتقلين والتجاوز على المحرمات في هذا المجال, وذكرت بما جرى في سجن غوانتنامو في القاعدة البحرية الأمريكية وفي أفغانستان والعراق على سبيل المثال لا الحصر.
وقد أكد وزير خارجية ألمانيا وكذلك بقية المشاركين في الندوة على أهمية دعم نضال الشعوب في الدول العربية في سبيل إقامة مجتمعاتها المدنية والديمقراطية والحياة الدستورية والعمل على تنمية اقتصاديات الدول العربية ومكافحة البطالة والفقرة والفجوة الدخلية المتفاقمة, وضرورة دعم الدول الأوروبية, وألمانيا بشكل خاص, لجهود الشعوب العربية في التنمية والتطوير الاقتصادي والاجتماعي.
لقد وجد الحضور إن البرنامج العربي للدويتشه فيله يسعى للنهوض بدور جديد ومهمات جديدة بالارتباط مع الحراك الشبابي والشعبي في الدول العربية للخلاص من الأوضاع التي كانت أو ما تزال تعيش تحت وطأتها. وكانت أحاديث الحضور في أعقاب الندوة تشير إلى أهمية أن تكون مواقف حكومات دول الاتحاد الأوروبي, ومنها وبشكل خاص ألمانيا, إزاء القضايا العربية متناغمة مع دعواتها لحقوق الإنسان ودولة القانون ورفض دعم النظم الاستبدادية والرجعية في المنطقة كما كان يحصل في السابق أو الوقت الحاضر, أي أن لا تقيس حكومات الدول الأوروبية الأحداث الجارية في الدول العربية بمكيالين, وأن تساهم في حل المشكلات القائمة في الشرق الأوسط ومنها قضية شعب فلسطين وموضوع الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية ومزارع شبعا ومرتفعات الجولان السورية. لقد كانت الندوة بداية ناجحة نتمنى للبرنامج العربي للدويتشه فيله التقدم والاستمرارية.
11/9/2011                   كاظم حبيب

296
كاظم حبيب
هل هذا هو العراق الذي نحب؟

أيها العقل الذي يثقل رأسي ...
هل أقول للقلم وداعاً ...
لقد أتعبتك ... وأتعبتني ...
فهل لك ولي من استراحة ...!

إن ما يجري في العراق ليس طبيعياً ولا ينسجم مع طبائع البشر في العراق ويستحيل تصور استمراره طويلا .. فهو خانق للعقل والروح .. فهل اعتاد العراقيون والعراقيات على ما هو غير طبيعي واستثنائي طويل الأمد؟ هل يمكن تصور قبول الشعب العراقي بموت العشرات يومياً وسقوط جرحى وتدمير المحلات والدور؟ هل اعتاد الشعب على الخراب والدمار وانقطاع التيار الكهربائي ودفع الرشا لتمشية المعاملات والقبول بنهب وسلب أموالهم ومواردهم؟
من يتابع نشرات الأخبار الدولية والإقليمية يلاحظ تراجع ورود أنباء عما يجري في العراق! هذا لا يعني أن ليست هناك في طول البلاد وعرضها ما يفترض إعلام العالم به, بل يعني أن العالم قد اعتاد على ما يجري في العراق يومياً, وبالتالي لم تعد أخباره تهم العالم ما دام الشعب نفسه لا يأخذ الأمور بيديه. فالقتل الإرهابي يومي وتفجير بعض الانتحاريين لأنفسهم من أجل قتل البشر يومي, واللعب بأموال الشعب يومي, والفساد والرشا يومي .. وتعطيل معاملات الناس في الدوائر الحكومية يومي .. وارتفاع أسعار السلع والخدمات يومي والصراع والمهاترات بين الأحزاب السياسية الحاكمة أكثر من يومي, وخطب رئيس الوزراء وتصريحاته تذكر الناس بمن كان يُقرن اسمه بحفظه الله ورعاه, والهيمنة الإسلامية السياسية للأحزاب الحاكمة التي تتجلى في الكثير من الأحداث اليومية يومي .. وهروب الإرهابيين من السجون يومي, ولكن, هل تعطل العقل لدى الإنسان العراقي أم تعب ويحتاج إلى استراحة؟ لا هذا ولا ذاك!
نحن أمام واقع جديد رغم الجمود العام الذي يهيمن على سلوك الناس .. هذا السكوت الرهيب .. هل يمكن أن ينفجر الإنسان العراقي دفعة واحدة بسبب تراكم الأوجاع .. هل القبول بالبطالة والفقر والهامشية يجري على مضض أم اعتاد عليه الناس ..
لقد عانى الشعب العراقي الكثير تحت حكم فاشي ودموي طوال ثلاثة عقود ونصف العقد ولم يكن قبل ذاك أفضل بكثير من عهد البعث المجرم. ثم سقط تحت وطأة الطائفية السياسية التي تذيقه اليوم شرورها وتقدم له الوجه الثاني للاستبداد القومي اليميني والشوفيني .. ليتعرف على الاستبداد الديني والطائفي السياسي ليجد أنهما من حيث الأساس شيء واحد إنه الاستبداد الشرقي تحت أية واجهة كانت.
إذا كان الكثير قد سكت, فأن أجزاء مهمة وطليعية من الشبيبة لم تسكت, بدأت تتحرك وتغلو تدريجاُ, فكان يوم 25 شباط/فبراير, وكان تراجع رئيس الوزراء أمام موجة التحرك الشبابي والشعبي فأعطى الوعود ولم يف بها, بل ارتد عنها عملياً حين بدأ بتنفيذ سياسة العصا ضد المتظاهرين والاعتقالات والتعذيب ..الخ.
ولكن الشبيبة أمهلت ولم تهمل, لم ولن تسكت. ولكن اليوم ليست الشبيبة وحدها, بل معها الكثير من فئات الشعب الذي يعاني من سطوة هيمنة قوى الإسلام السياسي على الحكم وتسمح لمثل هذا الفساد الهائل أن يستمر, وتسمح لمثل هذا العدد الكبير من العاطلين عن العمل, وتسمح لمثل هذا العدد الكبير من الناس بالموت على أيدي الإرهابيين وتسمح لهذا العدد الكبير من الناس الذين يعيشون تحت خط الفقر في العراق, في هذا البلد الغني بموارده وأمواله المنهوبة.
موعد الشبيبة هذه المرة في التاسع من أيلول/سبتمبر 2011 ليعلن عن رفضه للواقع القائم ويطالب بالتغيير لصالح الشعب.
نحن على موعد مع ساحة التحرير وبقية الساحات في العراق وفي مدن كثيرة وحيثما وجد أبناء وبنات من العراق. نحن على موعد في النضال ضد الطائفية السياسية والفساد والإرهاب والفقر والبطالة ..
لترتفع رايات الحرية ومطالب الشعب عالياً ولتنتصر إرادته في التغيير الديمقراطي السلمي.
نحن مدعوون جميعاً للمشاركة في هذه التظاهرة الشبابية والشعبية سواء في بغداد أم في المدن الأخرى وفي بقية مدن العالم. لتكن أيدينا متكاتفة وأصواتنا متحدة وشعاراتنا واحدة.           
 
  5/9/2011                   كاظم حبيب
     


297
كاظم حبيب
هل من حصان طروادة في الصف الفلسطيني والعربي؟

حين نتابع إشكاليات العلاقة بين إسرائيل وقوى منظمة التحرير الفلسطينية يمكننا تشخيص جملة من الظواهر التي تستجب منا التوقف بهدف الإجابة عن السؤال الوارد في عنوان هذا المقال. ولكني سأترك الإجابة على حصافة ورؤية كل قارئة وقارئ, ولكي لا أفرض رؤيتي الشخصية على أيٍ منهم.
الظاهرة الأولى الأكثر أهمية: لأول مرة في تاريخ دولة إسرائيل, وبتأثير مباشر وغير مباشر من ربيع شباب وشعوب الدول العربية ونهوضها ضد حكامها الطغاة وضد البطالة والحرمان والفقر رغم غنى بلدانها, ينهض الشباب الإسرائيلي بإعداد غفيرة جداً ويتجمع في الساحات العامة وفي مناطق حساسة, ثم وينصب الخيام للتعبير الصارخ عن احتجاجه الشديد على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية, وضد البطالة المتسعة باستمرار والتضخم التي يتجلى في ارتفاع الأسعار وتدهور القوة الشرائية للعملة الإسرائيلية وتأثيرها السلبي على القوة الشرائية للفئات الاجتماعية, إضافة إلى اتساع الفجوة بين المخولات السنوية ومستوى المعيشة والحياة بين فئات المجتمع الإسرائيلي لصالح الفئات الأغنى. كما يمكن أن يلاحظ ذلك في تفاقم الفجوة بين حياة ومعيشة وبطالة اليهود من أصول شرقية وأولئك الذين هم من أصول أشكنازية أوروبية لصالح الجماعة الأخيرة مع وجود تمييز واضح بينهما لصالح يهود أوروبا. كما إن الدولة والمجتمع في إسرائيل يواجهان يمارسان تمييزاً كبيراً ضد العرب يبرز في تفاقم البطالة والفقر والعوز وفي التعامل اليومي المناقض لمبادئ شرعة حقوق الإنسان بكل أجزائها.   
لقد تفجرت أزمة حادة داخل المجتمع الإسرائيلي لم تعرفها إسرائيل من قبل لعدة أسباب جوهرية:
1.   السياسة العسكرية التي تمارسها الدولة الإسرائيلية منذ نشأتها وتفاقم مصروفاتها لعسكرة المجتمع والحياة السياسية وإقامة أكبر ترسانة للأسلحة في منطقة الشرق الأوسط, إضافة إلى مصانع إنتاج الأسلحة, بما في ذلك الأسلحة النووية وبقية أنواع الأسلحة المحرمة دولية, رغم كل الهبات والمساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية في تسليح إسرائيل. إنها مبالغ هائلة تكلف خزينة الدولة كثيراً وضعف قدرتها على تأمين الاستهلاك الاجتماعي الضروري للمجتمع.   
2.   تراجع قدرة إسرائيل على الاستجابة لحاجات المجتمع المتزايد في مختلف المجالات الاجتماعية والتي تدفع بالكثير الفئات الاجتماعية الفقيرة إلى الهامشية الاقتصادية والاجتماعية وإلى تشديد التناقضات الاجتماعية وتحولها إلى صراعات اجتماعية والتي بدأت تتحول إلى نزاعات سياسية حادة لا يمكن أن يعرف مداها في ظل حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية التي تجمع في بنيتها كافة قوى اليمين الإسرائيلي بمختلف أجنحتها بما فيها الأكثر تطرفاً وعنصرية وعدوانية ضد العرب.
3.   إن السياسات الاقتصادية والاجتماعية اليمينية للحكومة الإسرائيلية التي تسير على نهج اللبرالية الجديدة تحقق نتائج متباينة في المجتمع الإسرائيلي, فهي من جانب تخدم كبار الرأسماليين والاحتكارات الرأسمالية الإسرائيلية وتشابكها الكبير والعضوي مع الشركات الاحتكارية الدولية المتعدية الجنسية وتزيدهم غنىً وجبروتاً, فإنها من الجانب الثاني ترهق الفئات الاجتماعية الكادحة والمنتجة والفقيرة والعاطلة عن العمل. وهي النقطة التي تزيد من تناقضات وصراعا هذا المجتمع, وخاصة خلال السنوات العشر الأخيرة.
4.   تفاقم البطالة بين الخريجين والمثقفين الأكثر وعياً في المجتمع الإسرائيلي, إضافة إلى تنامي مخاطر السياسات العسكرية التي تمارسها حكومة نتنياهو المناهضة لعملية السلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية وسعيها لابتلاع المزيد من الأراضي الفلسطينية المحتلة وجعلها جزءأ من أراضي دولة إسرائيل, إضافة إلى بناء المزيد من المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية وبالضد بالمطلق مع قرارات مجلس الأمن الدولي بهذا الخصوص, يحرك هؤلاء الشباب والفئات الاجتماعية الفقيرة ضد سياسات نتنياهو اليمنية في الداخل والخارج.     
5.   ونتيجة لهذه السياسات اليمينية المتطرفة والعدوانية إزاء الشعب الفلسطيني في الأراضي العربية المحتلة وعدم استجابتها ورفض تنفيذها لقرارات مجلس الأمن الدولي, برز اتجاه واضح في السياسة الدولية وفي الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ضد سياسات إسرائيل في المنطقة وخاصة إصرارها على عدم استمرار احتلالها للضفة الغربية القدس الشرقية ومزارع شبعا والجولان السوري. لقد نش|أ مناخ دولي ضد إسرائيل رغم كل محاولات الإدارة الأمريكية الدفاع عن سياسات إسرائيل في مجلس الأمن الدولي, ورغم رفض نتنياهو مقترحات باراك أوباما بتجميد الاستيطان والبدء بالمفاوضات.
وفي ظل هذه الأجواء وخشية تفاقم الوضع الداخلي أُجبرت حكومة نتنياهو على اتخاذ ثلاثة إجراءات:
1. تشكيل لجنة لدراسة الوضع الراهن وتقديم المقترحات لمعالجته.
2. عقد جلسة خاصة في الكنيست الإسرائيلي لدراسة الوضع واحتمالاته واتخاذ الإجراءات لمعالجته قبل تفاقمه.
3. التفتيش عن أي منفذ يساعد حكومة نتنياهو على تصريف الأزمة الداخلية وتوجيه الأنظار بعيداً عن المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية التي تعاني منها إسرائيل منذ فترة, وخاصة سقوطها في عزلة دولية شديدة نتيجة, نحو الوضع الأمني والصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.

الظاهرة الثانية المهمة: أوضاع منظمة التحرير الفلسطينية
بالرغم من كل المشكلات الداخلية التي تعاني منها منظمة التحرير الفلسطينية خلال السنوات المنصرمة نتيجة سياسات المنظمة ذاتها وما فيها من فساد سائد وقلة شعوب المسؤولية وسلوك حماس الساعي لشق هذه المنظمة والشعب الفلسطيني وفرض الوصاية الإسلامية السياسية الإيرانية عليه, والصراع بين إيران والسعودية للهيمنة على القرار الفلسطيني, تمكنت منظمة التحرير الفلسطينية أن تستفيد من الجو الإيجابي الذي نشأ على الصعيد العالمي لصالح القضية الفلسطينية أن تطرح مسألة الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية, بالرغم من معارضة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأخرى, على مجلس الأمن الدولي  في أيلول – سبتمبر 2011 لاستصدار قرار دولي بذلك . ولأول مرة حقاً تقرر وضعت القيادة الفلسطينية بجدية غير معهودة دولة إسرائيل في  زاوية حادة وخانقة لمشروعاتها التوسعية والعدوانية.
ورغم رفض حماس تنفيذ الاتفاق الأخير الذي تحقق بوساطة مصرية بعد سقوط مبارك من أجل المصالحة الوطنية بين منظمة التحرير الفلسطينية وحماس ورفض إجراءات الانتخاب في غزة, الذي يضعف موقف منظمة التحرير الفلسطينية أمام أنظار شعبها والعالم, فأن المنظمة ما تزال مصرة على متابعة أمر طرح مسألة إقامة الدولة الفلسطينية على مجلس الأمن الدولي ولم تنفع حتى الوساطات الدولية لتأجيل الأمر والاتفاق الذي لا يمكن يتحقق مع إسرائيل دون تدخل جاد وفعلي من مجلس الأمن الدولي والرأي العام العالمي.

من هنا يتبين لنا أن إسرائيل حوصرت من الداخل بمشكلات كبيرة سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة وتزداد يوماً بعد آخر تعقيداً. فماذا حصل خلال الفترة الأخيرة الذي استقبلته إسرائيل بكل والاستفادة منه لصالحها.

الظاهرة  الثالثة السلبية الحادة: إيران وقوى الإسلام السياسي في غزة
في فترة متقاربة طرح الدكتاتور الصغير محمود أحمدي نجاد في إحدى خطبه وتصريحاته الأخيرة مسألة إصرار إيران على إزالة الوجود الإسرائيلي كدولة في فلسطين. ورغم أنه يدرك تماماً إن ما يطرحه وهماً يحاول به أن يوهم العرب عموماً وعرب فلسطين خصوصاً, ويكسبهم إلى جانبه في فترة تزداد عزلة إيران وتخسر يوماً بعد آخر أفضل حليف لها في المنطقة, الدكتاتور السوري, وبالتالي يخسر حزب الله الأرضية التي يقف عليها والدولة الجارة التي يعتمد عليها في تسلحه وأمواله. وفي هذا الطرح يقدم تهديداً غير لإسرائيل يمكن أن تستفيد منه في مجلس الأمن الدولي وعلى صعيد رأي العام العالمي. 
وفي ذات الفترة قامت قوى الإسلام السياسي في غزة بتوجيه صواريخها صوب المناطق الحدودية لتقتل شخصاً وتجرح آخرين وتهدم بعض البيوت. ولكن ماذا كانت النتيجة؟

النتائج أو العواقب المحتملة:
** المزيد من الضربات الإسرائيلية ضد غزة والمزيد من القتلى والجرحى وخراب بيوت الناس. 
** المزيد من التوتر والتهم المتبادلة وتصعيد التهديدات الإسرائيلية.
** إضعاف القوى الداخلية المناضلة ضد سياسات حكومة نتنياهو.
** بدء التغير في الموقف الدولي في غير صالح القضية الفلسطينية التي ستعرض على مجلس الأمن الدولي في الشهر المقبل.
** توترات جديدة في الصف الفلسطيني بسبب عدم التزام قوى الإسلام السياسي بعدم التصعيد مع إسرائيل.
** تهديد إسرائيلي بقطع الموارد المالية عن الحكومة الفلسطينية.
** بدء بروز تلميحات عن احتمال تراجع منظمة التحرير الفلسطينية والرئيس محمود عباس عن طرح القضية أمام مجلس الأمن الدولي من خلال القول بأنه مستعد لعدم طرح القضية إذا أبدى الإسرائيليون الاستعداد للتفاوض, علماً بأن الإسرائيليين يرفضون أي تفاوض بوجود شرط وقف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
لقد قدمت قوى الإسلام السياسي في كل من غزة وإيران وحزب الله في لبنان خدمة كبيرة وكل ما كانت تنتظره وتحتاجه حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية والمتطرفة من أجل تخفيف الضغط الداخلي والدولي عليها, والسعي لقلب العملية كلها ضد الفلسطينيين ومنظمة التحرير الفلسطينية.
هل كانت تلك الصواريخ الغزاوية البائسة ضرورية في هذه الفترة أم كانت في المحصلة النهائية خدمة مباشرة وغير مباشرة ومساعدة لإسرائيل لتجاوز محنتها وأزمتها الداخلية وتعبئة الرأي العام الإسرائيلي ضد القوى الخارجية في غزة والضفة الغربية؟ هل كانت تهديدات إيران بحذف دولة إسرائيل من خارطة الشرق الأوسط والعالم ضرورية في المرحلة الراهنة, والكل يعرف موقف إيران الكاذب والمخادع في هذا الصدد, أم كان خدمة فعلية ومساعدة مباشرة لإسرائيل من أجل تأكيد الأخيرة على المخاطر التي تواجهها في المرحلة الراهنة واحتمال إبعاد إمكانية تحقيق ما تصبو إليه منظمة التحرير الفلسطينية من فرض قيام الدولة الفلسطينية عبر قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي.
نحن نعيش نشاطاً تخريبياً منظما من قوى اليمين العربي المتطرف الإسلام السياسي والقومية الشوفينية يلتقي بتناغم كبير مع القوى اليمنية اليهودية المتطرفة والقومية الصهيونية الشوفينية على مسألة واحدة هي تعطيل المفاوضات ومنع حصولها ومنع قيام الدولة الفلسطينية على ما تبقى من الأراضي الفلسطينية. كلنا يدرك تماماً بأن إسرائيل تريد منع ذلك بذريعة المفاوضات بين الطرفين وتأخيرها من أجل ابتلاع المزيد من الأراضي المتبقية في فلسطين وبناء المزيد من المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية. أما قوى حماس والجهاد الإسلامي وإيران وحزب الله وبعض القوى القومية الأكثر تطرفاً فإنها تدعي برغبتها في إلقاء إسرائيل بالبحر لإقامة الدولة الفلسطينية بحدود ما قبل قرار التقسيم. وإذا كان بإمكان إسرائيل أن تحقق المزيد من الاقتطاع وإقامة المستوطنات, فأن الجماعات الإسلامية والقومية كانت وما تزال تعيش في وهم يكلف الشعب الفلسطيني المزيد من الآلام والخسائر ويخدم, شاءوا ذلك أم أبوا,  إسرائيل وسياساتها التوسعية على ما تبقى من أرض فلسطين مباشرة.

والآن على القارئات والقراء الكرام أن يقدروا محنة الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير الفلسطينية والعواقب الوخيمة لوجود من يدَّعون الدفاع عن دولة فلسطين بحدودها القديمة, ولكنهم يمارسون دور حصان طروادة في العالمين العربي والإسلامي لصالح إسرائيل.
3 أيلول/سبتمبر 2011                  كاظم حبيب         

298
كاظم حبيب

لن يتعلم الطغاة ولا يتعظ كتاب السلاطين ووعاظه!
تدلنا الُرقم التي تم العثور عليها في العراق القديم على عدد من المسائل المهمة التي ما زلنا نعيش ما يماثلها في يومنا الحاضر ليس في العراق فحسب, بل في بقية الدول العربية. كان حكام ذلك الزمان, وما زال حكام هذه الأيام, يعتقدون بأنهم جاءوا ليبقوا ولن يزحزحهم أحد, وأنهم أحسن من غيرهم ولهذا لا يجوز أن يحل محلهم حاكم آخر, وأنهم يعرفون كل شيء وأنهم أفضل من غيرهم وأن الله قد اختارهم لهذا الموقع. وإذا كان حكام ذلك الزمن قد تصوروا أنفسهم نصف آلهة, فإن حكام هذه الأيام يعتقدون جازمين بأنهم الله ذاته أو الوكيل المطلق لله على أرضه. أدرسوا شخصياتهم وسلوكياتهم قبل وأثناء جلوسهم على الكرسي!
لقد برهن هؤلاء الحكام القدامى والجدد, وفي الغالب الأعم, أنهم مصابون بداء العظمة والنرجسية والسادية دفعة واحدة, وغالباً ما نشأ عنها ومعها داء الشزفرينة والشك القاتل والدائم بكل من هم حولهم قبل أعدائهم, وأصبح القتل هي الوسيلة الوحيدة للخلاص من الخصوم المشكوك بهم. هكذا كانوا وهم كذلك في الوقت الحاضر. وحين كان يستولي احدهم على الحكم ويزيح من كان قبله, يدعي الخير والنعيم للشعب, ولكن سرعان ما يمارس ذات النهج ضد الشعب ويبدأ استحقاق تغييره! هل الشعب هو المريض أم الحاكم بأمره, هل الشعب هو المريض أم العلاقات الإنتاجية والاجتماعية التي ساهمت في إنتاج وإعادة إنتاج هؤلاء المستبدين. وعاظ السلاطين وكتابه يجدون العيب في الشعب لا في الحاكم, ولهذا يدعون أن أهل العراق أهل نفاق وشقاق, ولي للحكام دور في هذا النفاق والشقاق بسبب إرهابهم وقمعهم وحكمهم الظالم وغير العادل!
حكامنا لا يتعظون بمن سبقوهم من الحكام في بلدانهم أم في بلدان غيرهم. فكل منهم يعتقد بأنه غير الذي سبقه وغير الذي كان حاكما في بلد جار أو في بلد بعيد عنه.
حين سقط زين العابدين بن علي هاجمه القذافي وأنبه على انسحابه السريع, وحين سقط حاكم مصر محمد حسني مبارك, قال القذافي بأن ليبيا غير تونس ومصر. وهكذا قال بشار الأسد, بأن الوضع في سوريا غير الوضع في تلك الدول والحكم في سوريا غير الحكم فيها وكذلك الشعب يختلف عن الشعوب الأخرى. ولكنهم سقطوا تباعا وسيسقط بشار الأسد لا محالة ومهما قتل من البشر ومهما اعتقل وسجن وعذب وقتل تحت التعذيب, كما أخبرتنا المنظمات الدولية بموت 88 شخصاً في السجون السورية تحت التعذيب البشع والتشويه المريع إلى حد استحالة التعرف على وجوه البعض منهم من قبل أهليهم لشدة التشويه بسبب التعذيب.
حاكم اليمن الأغبر لا يريد أن يعرف ما يجري في هذه الدول, فهو له عشائر تؤيده وهي التي تحميه! ولكن الشعب هو الذي سيطرد هذا الصعلوك الذي اسمه علي عبد الله صالح شر طردة كما طرد الآخرين من سدة الحكم. وهكذا سيكون مصير حاكم السودان عمر البشير المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية.
وحين بدأت انتفاضات الربيع العربي قال حكام العراق بأن حالة العراق غير حالة تلك الدول. وانبرى الكتاب وعاظ السلاطين يتبارون في الدفاع عن رأي الحاكم وشنوا هجومهم المتوحش على القوى والأحزاب التي تتحدث عن حقيقة أن عدم معالجة مشكلات العراق المتفاقمة والسكوت عنها سيقود دون أدنى ريب إلى ربيع مماثل للربيع العربي ولكن على الطريقة العراقية.
ولم يكتف هؤلاء الإمعات بشتم المتظاهرين والمحتجين, بل راحوا يشتمون القوى والأحزاب السياسية الديمقراطية الفاعلة في التيار الديمقراطي ويشككون بنوايا هذه الأحزاب ويسيئون إلى تاريخها النضالي الطويل وإلى مناضليها.
لم تبرز هذه الظاهرة في داخل العراق ومن الأوساط الحاكمة وبعض الكتاب فحسب, بل ظهرت في الخارج أيضاً. فبعض الزعانف بدأت بشتم القوى الديمقراطية والعناصر المحتفلة بذكرى ثورة 14 تموز 1958 ومحاولة تشويه سمعة المشاركين في الاحتفال أو من ألقى كلمات في ذلك الحفل وضد الحزب الشيوعي العراقي, الذي لم ينقطع يوماً واحداً عن النضال الوطني منذ تأسيسه في العام 1934 وأصبح منذ ذلك الحين شوكة في عيون القوى الرجعية والفاشية والشوفينية والقوى الإقطاعية والطائفية, ومحط أنظار واحتضان الكادحين والمناضلين ضد الاستعمار والهيمنة الأجنبية وضد الاستبداد والقمع. وانبرت عناصر أخرى أسوأ من هؤلاء الكتاب البائسين يوزعون وينشرون عبر البريد الإلكتروني تلك الكتابات الصفراء وهم يعتقدون بأنهم يستطيعون بذلك ثلم سمعة المناضلين الشيوعيين والديمقراطيين, في حين أنهم كشفوا عن نواياهم السيئة وخصالهم الانتهازية ورغبتهم في الحصول على فتات الموائد وعلى حد قول الشاعر:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص          فهي الشهادة بأني كامل
كان الصديق الأستاذ الدكتور سيَّار الجميل يتمنى على طاغية ليبيا, معمر القذافي, أن يتعلم من حاكم تونس وحاكم مصر ويتعظ بمصيرهما ويجنب الشعب الليبي تلك المآسي وسقوط أكثر من 50 ألف قتيل لا رأفة بالحاكم المهووس, بل بالشعب الليبي. وكنت أتمنى ذلك أيضاً, ولكني كنت قد كتبت مقالاً قبل ذاك وقلت فيه بثقة أن هؤلاء المستبدين في الأرض لا يتعلمون من بعضهم أبداً. وقد برهنت الحياة على صواب ذلك. فها هو الأسد يقتل يومياً عشرات الناس الأبرياء ويرفض الرحيل حتى ينتهي إلى نفس المصير البائس بإرادة الشعب السوري.
هل يتذكر العراقيون صرخة نوري السعيد من إذاعة بغداد: دار السيد مأمونة" ولم يمض على ذلك سوى سنتين لا غير حتى أطيح به وبالسيد والملكية التي حنَّ لها البعض في احتفالية 14 تموز! ومن يعتقد أنه ثابت في الحكم في العراق نقول له بوضوح لو كان ثابتاً لغيرك ما وصل إليك, وسوف ينتقل الحكم لغيرك إن واصلت الدرب الخطر الراهن درب الصد ما رد, درب رفض الاستماع لصوت العقل والانتباه للواقع والتعلم من الماضي, وإن الاستمرار في الاستماع لصوت مداحيك ومسوقي نهجك الطائفي السياسي والمدافعين عن أخطائك لن يضعك على السكة الصحيحة.
لنتذكر قول الشاعر جميل صدقي الزهاوي الذي يلائم أوضاع عراق اليوم:
يا مليـكاً في ملكه ظـل مسرفاً       فلا الأمن موفور ولا هو يعدل
تمـهل قليلاً لا تغض أمـة إذا          تحرك فيها الغيـظ لا تتمهـل
وأيديك إن طالت فلا تغترر بها         فإن يـد الأيام منهـن أطـول

إن تغيير الواقع الراهن في العراق صوب الحياة الحرة والديمقراطية وحقوق الإنسان والاستجابة لمصالح الشعب وتأمين حقوقه يستوجب إقامة شارع عريض وعريض جداً تتحرك فيه كل القوى الديمقراطية العلمانية من ديمقراطيين مستقلين وأعضاء أحزاب ديمقراطية ومنظمات سياسية ماركسية واشتراكية وشيوعية وقوى لبرالية علمانية, إنه الشرط الأساس لتحقيق القدرة على المساهمة في التأثير الإيجابي على الوضع والخلاص من الطائفية وما يرتبط بها وينشأ عنها من عواقب وخيمة بما في ذلك الإرهاب والفساد والحكم غير الصالح والبطالة والفقر والحرمان.
ليكن تجمع 9 أيلول 2011 وتظاهرة الشبيبة وفئات من الشعب في الداخل والخارج حلقة في سلسلة النضال من أجل عراق أكثر حرية وديمقراطية ومن أجل حياة أفضل وأكثر دفئاً لفئات الشعب الكادح واليتامى والأرامل والمعوزين والمرضى من الناس وذوي الشهداء والجرحى.
1/9/2011                   كاظم حبيب
               

299
كاظم حبيب

وحدة عمل قوى التيار الديمقراطي حاجة وضرورة ملحة

الدروس المستخلصة
كانت أوضاع العراق قبل سقوط النظام الدكتاتوري وبعد سقوطه وما تزال وستبقى تستوجب وحدة عمل وتنسيق قوى التيار الديمقراطي, وهي اليوم أكثر إلحاحاً ليس لمصلحة كل حزب من الأحزاب والقوى والشخصيات الديمقراطية العلمانية فحسب, بل هي بالأساس ضرورة حياتية ملحة لمصلحة كل الشعب العراقي ومستقبله وانتصار قضية الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ومن أجل إقامة المجتمع المدني الديمقراطي العلماني الحر في البلاد. وإذا كان النضال في الماضي قد استهدف الخلاص من الدكتاتورية الفاشية والعنصرية والطائفية المقيتة من خلال ممارسة كافة أساليب الكفاح الوطني بما فيها الكفاح المسلح, فأن مهمة النضال اليوم تتلخص في الخلاص وبأساليب سلمية وديمقراطية من النهج السياسي الطائفي ورفض المحاصصة الطائفية ومحاربة الفساد والإرهاب وقهر أساليب الحكم الفردية التي تنتهي دوماً بصعود المستبد بأمره وفرض الاستبداد والقمع في البلاد, إضافة إلى مهمة استعادة الاستقلال والسيادة الوطنية اللتين فرط بهما النظام الدكتاتوري المقبور منذ عقود.
وليست هناك حاجة ولا فائدة من تكرار ما قيل سابقاً حول الزمن الضائع الناتج عن التأخر في تحقيق هذه المهمة منذ العام الأول لسقوط الفاشية في العراق أو تحديد المسؤول عنها, أو الحديث عن الفرص التي ضاعت على طريق التحري عن أسلوب وأدوات تحقيق وحدة عمل قوى التيار الديمقراطي التي يجمعها شارع عريض يستوعب مهمات المرحلة الراهنة ولسنوات طويلة قادمة ويتسع لعدد كبير ومهم من القوى والأحزاب والشخصيات الوطنية الديمقراطية العلمانية, اليسارية منها واللبرالية, ذات التقاليد العريقة في النضال أو الشبابية الحديثة التكوين, للسير معاً لإنجاز ما يتفق عليه من قواسم نضالية مشتركة. وإذا كان هذا الأمر صحيحاً, فأن الصحيح أيضاً يفترض أن يجد تعبيره في قدرة قوى التيار الديمقراطي على الاستفادة الواعية والفاعلة من دروس الفترة المنصرمة من محاولات وصيغ العمل المشترك المنصرمة التي لم تحقق شيئاً يذكر من أجل تجاوز الصعوبات الموضوعية أو التي تضعها القوى المناهضة للمجتمع المدني الديمقراطي المنشود في طريق العمل والنضال المشترك للقوى الديمقراطية. لقد تراكمت خبرات كثيرة ومعارف غنية لدى جميع قوى التيار الديمقراطي التي يفترض أن يستفاد منها الجميع لاستكمال المنشود في هذا الصدد.
وجاء مقال الصديق الأستاذ رزكار عقراوي, وكذلك الحوارات الغنية التي أثارها الكتاب والقراء تعقيباً على هذا المقال, إضافة إلى المداخلة الغنية والمسؤولة للصديق الأستاذ ضياء الشكرجي, في الوقت المناسب ليخدم توجه الاستفادة من دروس الماضي البعيد والقريب. وأبرز ما نشير إليه في هذا الصدد يتلخص في النقاط التالية:
1.   ضرورة وحتمية الانفتاح على كل القوى الديمقراطية العلمانية دون استثناء, سواء تلك التي ساهم الأستاذ ضياء الشكرجي بتشخيصها في مقالته أم غيرها. فالسنوات التسع المنصرمة أفرزت الكثير من التنظيمات الجديدة تحت تسميات يسارية وليبرالية وقوى مستقلة كثيرة وشخصيات وطنية واجتماعية متميزة لا بد أن تجد مكاناً لها في العمل السياسي في إطار قوى التيار الديمقراطي.
2.   التعامل الندي والاحترام المتبادل بين جميع القوى الديمقراطية بهدف الاستفادة القصوى من خبرات الأحزاب والقوى التي شاركت منذ عشرات السنين في النضال الوطني والديمقراطي من جهة, ومن معارف الشبيبة ومنظماتها الجديدة وحيويتها وحداثة الفكر الذي تحمله وأساليب العمل التي وفرتها التقنيات الحديثة وثورة المعلومات والاتصالات من جهة ثانية, وتنشيط كل القوى الديمقراطية لتنويع وتطوير العلاقة مع فئات الشعب المختلفة للدفاع عن مصالحها الحيوية من جهة ثالثة, إذ ستكون هذه الوجهة ضمانة أكيدة للتفاعل المتبادل وخلق الثقة المتبادلة بين كافة قوى التيار الديمقراطي أولاً, وضمانة فعلية لتعبئة أوسع القوى الشعبية ومن مختلف فئات المجتمع لصالح النضال السلمي والديمقراطي المشترك من اجل أهداف ومهمات هذا التيار.  فهذا التيار المناضل بحاجة ماسة إلى توسيع قاعدته السياسية والاجتماعية بعد الانحسار الشديد الذي تعرضت له قواه لأسباب موضوعية وذاتية, ومن أجل تعزيز وحدة نضاله للوصول إلى طموحات الشعب العادلة.
3.   إن التردد والقلق والتنقل بين القوائم ذات الفكر الديني الطائفي لأحزاب وقوى وشخصيات ديمقراطية وتحت أية واجهة كانت, كما حصل في الدورة الانتخابية 2010, وبغض النظر عن العوامل التي تساق في هذا الصدد, تلحق أفدح الأضرار بتلك القوى والشخصيات وبقوى التيار الديمقراطي عموماً وبمصداقيتها في النضال ضد الطائفية السياسية والمحاصصة الطائفية.
4.   إن تعدد المنابر في الفكر الماركسي أو اليساري أو في الفكر اللبرالي عموماً أو تشابه الأسماء, مثل الحزب الشيوعي أو الحزب العمالي الشيوعي أو ...الخ ينبغي له أن لا يمنع من العمل المشترك في إطار قوى التيار الديمقراطي, بل يستوجبه, ما دام العمل يتم على قاعدة الاتفاق على برنامج وآليات وأدوات عمل مشتركة.
5.   لقد حسمت قوى التحالف الكردستاني موقفها في التحالف مع القوى الإسلامية السياسية الطائفية, سواء أكانت شيعية أم سنية, وهي بالتالي لم تعترض على المحاصصة الطائفية الجارية في نهج الحكم في العراق. وهذا الموقف يخل من حيث المبدأ بقاعدة المواطنة الحرة والمتساوية والقاعدة الديمقراطية التي ترفض العمل على أسس طائفية سياسية تتعارض مع لائحة حقوق الإنسان. كما أن قوى التحالف الكردستاني لا تقدم أي دعم سياسي للقوى الديمقراطية في مواجهة ما يجري في العراق من انتهاكات للدستور وحقوق المواطنة وحقوق الإنسان, بما في ذلك أساليب تشويه سمعة وقمع المظاهرات التي حصلت في بغداد أو في مدن عراقية أخرى وكذلك في مدن إقليم كردستان العراق, إذ إن ما يحصل في كردستان أو في بغداد يؤثر بشكل مباشر على القوى الديمقراطية العراقية وعلى مستقبل العراق والإقليم. ومن هنا يفترض أن تتحرى القوى الديمقراطية العراقية عن حلفاء لها في صف القوى الديمقراطية الكردية والتركمانية والآشورية والكلدانية ..الخ للتعاون والتنسيق بشأن القضايا العراقية المشتركة. فمن يتحالف مع غيرك ويرفض التحالف معك, يفترض أن تتحرى عمن يمكن أن تتحالف معه لتحقيق الأهداف الأساسية للشعب العراقي وفق منظور قوى التيار الديمقراطي العراقي. فالعمل السياسي أخذ وعطاء يفترض أن يتوجه لصالح المجتمع والحياة الدستورية الديمقراطية وضد الطائفية السياسية والمحاصصة الطائفية. وينبغي أن لا يكون هناك أي حرج للعمل بين القوى الديمقراطية العراقية ما دامت الأهداف تصب في إقامة الحكم الديمقراطي والتخلص من الهيمنة أو التسلط الطائفي أو الحزبي أو الفردية ومنع التحول صوب الاستبداد على مستوى البلاد أو الإقليم أو المحافظات وضد الشوفينية وضيق الأفق القومي. إن باب العمل مع التحالف الكردستاني يبقى مفتوحاً حين يتم الاتفاق معها على برنامج ديمقراطي يمس العراق كله ومعه إقليم كردستان العراق.
6.   إن مشاركة هذا الحزب أو ذاك وهذه الشخصية الديمقراطية أو تلك, بصورة منفردة أو مجتمعة, يفترض أن تخضع للمعايير والقيم الحضارية والبرنامج الذي يلتزم به التيار الديمقراطي وبعيداً عن المشاركة في أية حكومة تقوم على المحاصصة الطائفية التي لا تقود إلا إلى المزيد من الانقسام والفرقة في المجتمع العراقي وإلى المزيد من الصراعات والنزاعات السياسية المدمرة التي يعيشها الشعب العراقي في المرحلة الراهنة. إن تجربة مشاركة الحزب الشيوعي في الحكم في ثلاث حكومات متتالية (علاوي, الجعفري والمالكي الأولى) لم تكن ناجحة في محصلتها النهائية ويفترض أن تؤخذ بالاعتبار, إذ إنها حملت الحزب بشكل خاص مسؤولية أدبية إزاء السياسات والإجراءات غير العقلانية والطائفية التي مارستها تلك الحكومات. إن المشاركة في الحكم ليس هدفاً بل وسيلة لتحقيق مصالح الشعب, وحين يعجز عن تحقيق ذلك تكون المشاركة عبثية ومضرة, بما في ذلك موضوع مكافحة الإرهاب والفساد في البلاد أو نقص الخدمات وغير ذلك. إن المعارضة الموضوعية لا تعني العداء, بل تعني التغيير والتحسين والخدة الأفضل لمصالح الشعب من المواقع التي تستند إليها قوى التيار الديمقراطي.
7.   يفترض أن تبتعد قيادات الأحزاب وقيادة قوى التيار الديمقراطي قدر الإمكان عن الترشيح في قوائم الانتخابات العامة أو مجالس المحافظات وفسح المجال لشخصيات وطنية وديمقراطية عمالية وعلمية وأدبية وفنية وكوادر من منظمات مجتمع مدني تتميز بالشبابية والحيوية والشعبية ليتم ترشيحها في تلك القوائم والعمل على تحقيق نجاحات ملموسة في هذه الانتخابات. إن تجربة الانتخابات السابقة 2005 و2010 تؤكد صواب مثل هذا الاستنتاج وأهمية الالتزام به.
8.   على القوى الديمقراطية أن تتعلم ممارسة النقد والنقد الذاتي في ما بينها ومع نفسها, وأن لا يعتبر ذلك إساءة لأي منها, خاصة إذا استخدم في النقد أسلوب تناول حكيم وسليم, إذ بدون النقد يتعذر تحقيق تقدم لقوى التيار الديمقراطي. يفترض أن يصبح النقد مدرسة للجميع ومنطلقاً للإغناء والتطوير والتغيير. 
 
لجنة تنسيق قوى التيار الديمقراطي العراقي

منذ فترة غير قصيرة تشكلت في العراق لجنة تنسيق قوى التيار الديمقراطي وعقدت اجتماعات كثيرة وعبأت قوى واسعة نسبياً في الداخل والخارج, ولكنها لم تتحول بعد إلى حركة جماهيرية واسعة ومنظمة وفاعلة ومؤثرة على الحياة السياسية العراقية, رغم التحرك الشعبي والشبابي خلال الأشهر الخمسة المنصرمة. ومع ذلك فأن ما أنجز حتى الآن يعتبر جهداً جيداً لا يمكن ولا يجوز لأحد أن يبخس أهميته أو يتجاوزه. ولكن هذا الجهد المتميز يقتصر في عضويته على أربعة أحزاب سياسية عراقية مناضلة يعود تأسيس بعضها إلى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي (الحزب الشيوعي العراقي 1934), (جماعة الأهالي والإصلاح الشعبي 1933 وامتدادهما الحزب الوطني الديمقراطي 1946) وبعضها الآخر يعود وجوده إلى نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات منه (الحركة الاشتراكية العربية), كما تضم شخصيات ديمقراطية ذات خبرات ومعارف متنوعة واتجاهات فكرية وسياسية عديدة تقع في إطار طبيعة ومهمات التيار الديمقراطي. وهو أمر مفرح حقاً.
ولكن ما أنجز حتى الآن على أهميته, ولكي أكون واضحاً وصريحاً وشفافاً مع مناضلي قوى لجنة التنسيق, التي أعود إليها وأعمل في إطارها, وقيادتها العليا, غير كاف لمواجهة المهمات الثقيلة التي تنتظر لجنة تنسيق قوى التيار الديمقراطي, إذ لا تزال هناك قوى وتنظيمات وأحزاب وشخصيات سياسية ديمقراطية, يسارية وليبرالية وقومية غير شوفينية وعلمانية على امتداد الدولة العراقية التي يفترض أن تجد مكاناً لها في العمل الجبهوي القائم, أي في إطار لجنة تنسيق قوى التيار الديمقراطي. إن نضالنا الراهن يتطلب مشاركة كل الجماعات والشخصيات التي تلتزم الديمقراطية وتسعى إليها بصدق وشرف, وعلينا أن لا نستهين ولو بعنصر واحد يمكن أن يتعاون وينسق مع قوى التيار الديمقراطي ويغني نضالها ويساهم في توسيع قاعدتها. وعلى لجنة التنسيق أن لا ترفض طلباً للعمل المشترك من أي قوة أو شخصية يمكن أن تكون نافعة في نضال الحركة الديمقراطية العراقية في المرحلة الراهنة.
إن وجود قوى وتنظيمات وشخصيات أخرى داخل لجنة تنسيق قوى التيار الديمقراطي يخضع لعاملين هما:
أ‌.   كيف هو موقف لجنة التنسيق العليا من قبول قوى وشخصيات أخرى, سواء أكانت يسارية أم ليبرالية أم مستقلة أم قومية غير شوفينية وديمقراطية أو ربما تنتمي |إلى نفس الفكر الذي تنتمي إليه قوى في لجنة التنسيق العليا؟
ب‌.   ما هو موقف القوى الأخرى التي هي الآن خارج إطار قوى لجنة التنسيق من العمل المشترك مع بقية قوى التيار الديمقراطي ومدى استعدادها على القبول بالحدود المعقولة للأهداف المشتركة التي تعني بالأساس موقف النضال السلمي والديمقراطي لتحقيق الأهداف ورفض الطائفية والشوفينية وضيق الأفق القومي أو التطرف في طرح الشعارات التي يصعب تحقيقها أو الاتفاق الجمعي عليها, بسبب طبيعة المرحلة ومهماتها؟
إن القبول بقواسم مشتركة لا يعني بأي حال تخلي كل طرف عن برنامجه البعيد المدى أو عن تغييب وجود خلافات واختلافات برنامجية بعيدة الأمد لا يستوجب طرحها حالياً.
أن القواسم المشتركة في تحديد أهداف النضال المرحلة تجسد قدرة قوى التيار الديمقراطي واستعدادها على المساومة الإيجابية لصالح القضايا المشتركة في المرحلة الراهنة. وهي في الواقع العملي ستكون مرحلة طويلة حقاً تتجاوز العقدين من السنين في ظروف وأوضاع العراق الراهنة.
كما إن من الضروري أن تبدي الأحزاب ذات الخبرة التاريخية قدرة على تفهم دور التنظيمات الجديدة الشبابية وغيرها ومنحها الدعم والمساندة للمشاركة الفعالة وفسحة واسعة للمشاركة في نضال قوى التيار الديمقراطي, إذ إنها تمنح العملية النضالية زخماً وحيوية وجدة لا توجد في كل الأحزاب التاريخية في الوقت الحاضر. إذ إننا نعرف تماماً الإمكانيات الفعلية للقوى المشاركة في لجنة التنسيق العليا والتي أشار إليها بوضوح وموضوعية الأستاذ ضياء الشكرجي. المهم هو أن تقدر كل مجموعة أو حزب أو تنظيم قدراته الفعلية بموضوعية عالية ليتسنى لكل من هذه القوى التحري عن السبل لتطوير قدراتها وقاعدتها الاجتماعية والسياسية وتصحيح العوامل التي تسببت في تأخر أو ضعف دورها وتأثيرها وسعة قاعدتها الاجتماعية والسياسية.
إن المظاهرات الأخيرة كانت تجربة غنية وضرورية للقوى الديمقراطية لتعرف واقع قدراتها على تحريك الشباب وبقية فئات الشعب, ومدى قناعة الشعب بالشعارات المطروحة وسبل تطويرها, وإدراك نقاط الضعف فيها لتداركها, إذ أن العملية النضالية القادمة تستوجب دراسة التجربة واستخلاص الدروس منها ومواطن القوة والضعف فيها, رغم إن التجربة ما تزال متواصلة, لأن الحاجة لاستمرار النضال ما تزال قائمة.     
لقد طرحت لجنة تنسيق قوى التيار الديمقراطي مسودة برنامجها للنقاش. وفي قناعتي يشكل أساساً صالحاً للنقاش من أجل إغناء المسودة بأفكار جديدة, كما يمكن طرح آليات وأدوات وأساليب عمل جديدة وإقرارها في المؤتمر بعد أن تكون اللجنة قد اتسعت وشملت قوى أخرى جديدة تبلورت خلال السنوات المنصرمة وكذلك خلال الأشهر الأخيرة. 

لقد تشكلت تنظيمات لقوى التيار الديمقراطي في الخارج واستطاعت أن تعبئ عدداً قليلاً جداً من القوى الديمقراطية ومن بنات وأبناء الجاليات العراقية في الخارج. وهذا الواقع يعود لعدة عوامل أشير في أدناه إلى أبرزها:
1.   يلعب أعضاء الحزب الشيوعي العراقي ومؤيدوه دوراً بارزاً في الدعوة إلى تكوين هذه التنظيمات الديمقراطية. والسبب في ذلك يكمن في وجود تنظيمات للحزب الشيوعي العراقي ولا توجد مثلها أو بحجمها لبقية الأحزاب المنخرطة في اللجنة العليا¸ أو لديها بعض الأفراد غير النشطين وبالتالي فالعبء يقع على عاتق الشيوعيين. ومنه يبدو وكأن الحزب الشيوعي قد هيمن على هذه التنظيمات. وهو أمر لا يستطيع أعضاء الحزب تغييره. بل يمكن للقوى الأخرى المشاركة تغيير ذلك من خلال تعزيز دورها ونشاطها والنشطاء منها.
2.   بعض تنظيمات الحزب الشيوعي ورفاقه ما زالوا يعملون على وفق العقلية القديمة التي تريد حسم الأمور على وفق ما وصلها من تعليمات من لجنة التنسيق العليا أو من الحزب, وبالتالي لا تبدو أي استقلالية فعلية لتنظيمات لجنة تنسيق القوى الديمقراطية ف ي بعض المدن أو الدول, بل تبدو وكأنها تشكل جزءاً من تنظيمات الحزب الشيوعي. واعتقد إن الخلل ليس في قيادة الحزب في بغداد بل في بعض الهيئات الحزبية في الخارج أو في لجنة تنظيم الخارج التي يتسم عملها ربما بشيء من الماضي البعيد. هذه الهيئات أو الرفاق يسيرون على قاعدة "تريد أرنب أخذ أرنب, تريد غزال أخذ أرنب, حصتك هي الأرنب شئت أم أبيت". وهو أمر مرفوض حتى في العمل الحزبي البحت! ويمكن إيراد نماذج في هذا الصدد, ولكن هناك نماذج أخرى حسنة يمكن إيرادها أيضاً. فتجربة الأستاذ رزكار عقراوي في الدنمرك غير تجربة كاظم حبيب في ألمانيا, فإذا كانت الأولى تعود للنموذج الأول كما يشير الأخ رزكار عقراوي, فأن الثانية تعود للنموذج الثاني كما عاشها كاظم حبيب في مؤتمرات لجنة عمل التيار الديمقراطي في ألمانيا. ومع ذلك يفترض في قيادة الحزب الشيوعي أن تدرس مواقف تنظيماته في بغداد ومواقف تنظيماته في محافظات الداخل وفي تنظيمات الخارج لتصحيح ما يمكن ويستوجب تصحيحه وتعزيز وإغناء الجوانب الإيجابية في علاقاته مع القوى الديمقراطية واليسارية الأخرى.
3.   إن الوضع العام في العراق أوجد إحباطاً لدى الكثير من العراقيات والعراقيين, وخاصة ممن زار العراق خلال السنوات الأخيرة أو انتقل إلى العراق ثم ترك العراق خلفه. وهذا الأمر ولد عزوفاً كبيراً عن العمل السياسي لدى الأوساط العراقية الواسعة. إلا أن المظاهرات الأخيرة قد حركت الأجواء في الخارج, كما حصل في الداخل, وبنسبة أقل طبعاً وولد شعوراً بقدرة القوى الديمقراطية على تحريك الشارع ولو قليلاً إذ يمكن أن يتسع لصالح العراق الديمقراطي الحر والمستقل. 
4.   ومن المحزن أن نشير إلى أن عدداً من العناصر الديمقراطية في الشتات العراقي قد انخرط في الأجواء الطائفية المقيتة وراح يدافع عنها باعتبارها موجودة ولا بد من الاعتراف بها وليس النضال من أجل تغيير هذا الواقع المشوه والوعي المزيف الذي سقط فيه بعض العناصر الديمقراطية التي كان يعول عليه المشاركة في النضال ضد الطائفية السياسية وليس ضد المذاهب الدينية وأتباعها من المتدينين.
5.   لا يمكن أن تكون هناك استقلالية تامة بين لجان تنسيق قوى التيار الديمقراطي في الخارج عن عمل لجنة التنسيق العليا في الداخل من حيث المهمات والأهداف وآليات النضال و|أدواته, ولكن من حق هذه التنظيمات, كما هو من حق تنظيمات الداخل, لقوى التيار الديمقراطي مناقشة السياسات والمواقف والبرنامج والنظام الداخلي وقواعد العمل بكل حرية وإبداء الرأي المناسب سواء أكان بالأكثرية أم بالأقلية, إذ لا بد من نشر رأي الأقلية واحترامه, وربما تستوجب تغيرات الوضع الأخذ به.
6.   نحن أمام تجربة جديدة تحتاج إلى رعاية وإشراف من اللجنة العليا لا باتجاه الأبوة والاحتواء بل بهدف التدقيق في العمل وفي الإجراءات والعلاقات والنشاط واحترام الرأي والرأي الآخر والابتعاد عن اتخاذ القرارات بالأكثرية وكفى الله المؤمنين شر القتال, بل بخوض النقاش لأغراض الإقناع أو تحقيق التقارب.
7.   وأدرك تماماً بأن حكومة المالكي بدأت تفقد أعصابها في مواجهة مطالب المتظاهرين العادلة والمشروعة بعد أن وعدت مجبرة بمعالجة المشكلات وفشلت, وهي الخاسرة في كل الأحوال إن واصلت السير على طريق إرسال الفرق الأمنية لضرب واحتجاز وتعذيب المتظاهرين من جهة وعدم معالجة المشكلات القائمة من جهة أخرى. إن متابعة الأحداث في البلاد تشير إلى حراكٍ جديدٍ محتمل جداً وإلى تحالفات جديدة يمكن أن تبرز على الساحة السياسية العراقية خلال الفترة القادمة بمقدورها أن تعدل نسبياً في ميزان القوى لصالح المجتمع, وعلى قوى التيار الديمقراطي أن تتحول إلى رقم مهم في الواقع السياسي العراقي الراهن يؤخذ بالاعتبار من كل الأطراف, وخاصة ممن كان يفترض أن يكونوا حلفاء للقوى الديمقراطية واليسارية العراقية لنضالهم المشترك الطويل وتضحياتهم الغالية في سبيل الديمقراطية والحقوق القومية العادلة للشعب الكردي وبقية القوميات.
أدرك تماماً بأن من المهمات الراهنة الصعبة والملحة حقاً التي تواجه قوى التيار الديمقراطي هي مهمة توسيع قاعدة وقيادة قوى التيار الديمقراطي بتنظيمات وأحزاب وقوى وشخصيات جديدة وتحريكها للعمل في آن واحد. ولكن لا بد من إنجاز المهمة الأولى وبالسرعة الممكنة دون التوقف عن العمل, لأن المهمات التي تواجه قوى التيار الديمقراطي صعبة وعبء النضال ثقيل والتركة مرهقة والثقة ضعيفة والحساسيات منهكة, ولكن حسن النية والتوجه الجاد نحو العمل المشترك في صفوف الشعب والسعي لنسيان الماضي والاستفادة من دروسه والبدء بروحية جديدة ستمنح الجميع فرصة كبيرة لتحقيق نجاحات سريعة في تعبئة القوى وفي ضمان وحدة عمل قوى التيار الديمقراطي, التي هي غاية الجميع وطريق تحقيق ما يصبو إليه الشعب.
منتصف تموز/يوليو 2011                    كاظم حبيب     


300
مقالة خاصة بالجديدة

كاظم حبيب
إذا ما استمر المالكي بالحكم منفرداً, سيرتكب المزيد من الأخطاء الفادحة!!

قبل أيام قليلة هاجم السيد نوري المالكي الربيع العربي الذي جسد وعبر بقوة عن انتفاضة الكرامة الشعبية ضد مستعبدي هذه الشعوب من الحكام الأوباش, مؤكدا أن هذه الاحتجاجات والمظاهرات تحمل ثلاث عواقب سلبية, وهي:
1.   إنها تخدم الصهيونية العالمية وإسرائيل والتي كانت تنتظرها إسرائيل لأنها تمزق الوحدة الداخلية لكل دولة عربية.
2.   وإنها تقود إلى التوترات والفوضى في الدول العربية وما بينها.
3.   وأنها تقدم النموذج الذي يمكن أن ينتقل إلى الدول العربية الأخرى وإلى العراق أيضا.
بهذا الحديث الفج برهن المالكي عن ذهنية سقيمة وعن جهل عميق بالتاريخ وبمضمون نضال الشعوب وحركتها وسعيها لتغيير الأوضاع فيها وطموحها إلى الاستقلال والسيادة الوطنية وإلى العيش في أجواء الحريات العامة والحرية الفردية والحياة الدستورية الديمقراطية والضمانات والعدالة الاجتماعية. فما أن وصل إلى السلطة حتى اصطف إلى جانب الحكام المناهضين لحرية شعوبهم وحياتهم الديمقراطي, وإلا كيف يمكن للسيد نوري المالكي أن يصف الحركات الشبابية والشعبية في الدول العربية, ومنها تلك التي أطاحت بالمستبدين من أمثال زين العابدين بن علي ومحمد حسني مبارك ومعمر القذافي ..الخ بأنها تثير الفوضى وتمزق النسيج الداخلي للدول العربية وتخدم مصالح إسرائيل والصهيونية في المنطقة.
إن نوري المالكي يرتجف من الحركات الشبابية والشعبية, ولم تكن تصريحاته المسيئة لحركة شباب شباط 2011 سوى التعبير الصارخ عن خشيته من تلك الحركات على الرغم من إنها كانت البداية والتي لم تعبئ الكثير من البشر كما يمكن ان يحصل لاحقاً, 
وزاد نوري المالكي في الطين بلة حين وجه يوم أمس رسالة إلى الدكتاتور الصغير بشار الأسد جسدت الموقف الفعلي لهذا الرجل المناهض لانتفاضة الشعب السوري المقدامة ودفاعه البائس عن نظام بعثي دكتاتوري شرس وحقير, نظام مناهض للديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان ولا يختلف قيد أنملة عن نظام البعث الصدَّامي المقبور في العراق. وهو بهذه الرسالة قد أكد وقوفه إلى جانب الدكتاتورية الحاكمة في إيران التي هي الدولة "الإسلامية" الوحيدة الداعمة للنظام السوري البعثي القمعي الشرس من منطلق طائفي أيضاً.
جاء في الرسالة التي نشرتها جريدة تشرين البعثية الدمشقية في يوم 24/8/2011 لنص تصحيحي لما كان قد نشر في 22/8/2011, وهو كالآتي:
"تسلّم السيد الرئيس بشار الأسد رسالة من نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي تؤكد دعم العراق لسورية في وجه ما تتعرض له من مخططات تستهدف أمنها واستقرارها نقلها فالح فياض مستشار الأمن القومي - وزير الأمن الوطني خلال استقبال الرئيس الأسد له صباح أمس الأول." إن هذا الموقف مخالف ويتعارض مع موقف الأمم المتحدة وما صرح به أمينها العام والقرارات الصادرة عن احتمال توجيه تهمة إبادة جماعية للدكتاتور بسبب العنف الدموي الذي يمارس ضد المتظاهرين حتى اليوم.
وأخيراً اتخذ مجلس الأمن الدولي المزيد من الإجراءات العقابية ضد النظام السوري بسبب جرائمه البشعة في قتل ما يقرب من 2250 إنساناً من أبناء وبنات وأطفال الشعب السوري. ولا نبتعد عن الحقيقة حين نقول أن "شبيه الشيء منجذب إليه"!
لم تكتف الحكومة العراقية بغلق الحدود بوجه الهاربين من قمع وقتل القوات المسلحة السورية بسبب مظاهراتهم الاحتجاجية ضد النظام السوري, بعكس ما فعلت الدولة التركية حين فتحت الحدود أمام الهاربين, بل وجه نوري المالكي وزير أمنه ليطمئن رئيس البعث السوري القمعي بأن العراق يقف إلى جانب سوريا, وهي مخالفة كلية لمشاعر الشعب العراقي وقواه الخيرة. إنه لا يشكل خطأ سياسياً وأخلاقياً فحسب, بل وإساءة كبيرة  للتضامن المعروف بين الشعبين السوري والعراقي.
 
وبالأمس أيضاً صرح رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عند استقباله عدداً من الصحافيين مؤكداً ما يلي كما جاء في مواقع كثيرة ومنها الجيران والبغدادية..الخ: "قال رئيس الوزراء نوري المالكي أن الحكومة العراقية الحالية والدستور العراقي بُنيا على أساس قومي وطائفي ، مشيرا إلى أن الدستور قد تضمن ما وصفه بألغام بدأت تتفجر وقال المالكي في كلمة ألقاها خلال استقباله عددا من الصحافيين إن الدستور كتبته الكتلُ السياسية و كل منهم أراد أن يٌثبت انتمائَه و قوميته ومذهبه بأشياء يضعها في الدستور . وبين المالكي أن الألغام التي تضمنها الدستور بدأت تتفجر يوما بعد يوم على شكل حصص طائفية و قومية ، متسائلا عن دولة العدالة والمواطنة التي يتحدث عنها السياسيون وفقا للمقاييس الطائفية والقومية التي يضعها البعض في حساباته خلال المفاوضات التي تجريها الكتل. واقر المالكي بوجود المحاصصة القومية والطائفية ، مشيرا إلى إنها من ابرز المشاكل التي يجب معالجتها". (موقع البغدادية في 24/8/2011) إن ما قال به المالكي صحيح, ولكنه "حق يراد به باطل". وكما علق أحد القراء نقول "صح النوم", هل عرفت دولة القانون اليوم أن الدستور والحكومة كلاهما طائفي النزعة والتوجه وأن الحكومة العراقية قائمة على أساس محاصصة طائفية تسمى أحياناً بـ "الاستحقاق الانتخابي" و "شراكة وطنية", لكنها "ترطن" على حسب تعبير الثائر العراقي المعروف شعلان أبو الچون !
إذا كان المالكي يرفض هذه الحالة ويعترف بهوية المواطنة العراقية فقط, فما عليه إلا أن يعمد إلى أحد حلين:
** أن يبدأ بإجراء تعديلات على الدستور لكي ينتهي إلى ضرورة تغيير المسألة. وهي ليست سهلة في ظل موازين القوى التي وضعت الدستور ذاته, وبالتالي حين يرفض المجلس تلك التعديلات يطالب بحل المجلس النيابي. 
** أو أن يبدأ بمعالجة المسألة من خلال الطلب بحل مجلس النواب وإجراء انتخابات مبكرة لكي يتم تغيير الواقع القومي والطائفي الراهن.
ولكن رئيس الوزراء العراقي الحالي منسجم تماماً مع الواقع الراهن, إذ أنه ما يزال يواصل تثبيت مواقع حزبه, حزب الدعوة الإسلامية التي بدأت تغيض المجتمع كله, تماماً كما فعل حزب البعث, في أجهزة الدولة التشريعية والتنفيذية, كما لا يحتاج إلى تغييرات في السلطة القضائية فرئيس المحكمة الاتحادية ملتزم بتنفيذ ما يريده منه رئيس الحكومة العراقية, تماما كما كان ينفذ قرارات وإجراءات صدام حسين من قبل.
إن الشخص الذي يوجه رسالة إلى بشار الأسد وبالرغم من سقوط تلك الضحايا البشرية وبالرغم من مواصلة الشعب السوري لنضاله, وبالرغم من تأييد شعبي ودولي واسع لحقوق الشعب السوري وضد الدكتاتورية المشينة, وبالرغم من قرارات مجلس الأمن الدولي, لا يستحق أن يكون رئيساً لوزراء العراق بأي حال, فهذه ليست خلافاً في وجهات لنظر في الموقف من انتفاضة شعبية عارمة, بل هذا موقف مشين إزاء نضال الشعب السوري الذي احتضن أبناء وبنات العراق سنوات طويلة أثناء حكم الطاغية صدام حسين. إنها الخشية من نشوء ربيع عراقي مماثل للربيع الجاري في دول عربية عدة. وإذا ما استمر رئيس الوزراء العراقي على ارتكاب أخطاء أخرى من هذا النوع, فسوف يجد نفسه معزولاً حتى عن جمهرة من أتباعه في الحزب والحكومة والتحالف الوطني, ولكن وبشكل خاص عن الشعب العراقي.     
24/8/2011                      كاظم حبيب
ال رئيس الوزراء نوري المالكي أن الحكومة العراقية الحالية والدستور العراقي بُنيا على أساس قومي وطائفي
، مشيرا الى أن الدستور قد تضمن ماوصفه بألغام بدأت تتفجر وقال المالكي في كلمة ألقاها خلال استقباله عددا من الصحافيين ان الدستور كتبته الكتلُ السياسية و كل منهم أراد أن يٌثبت انتمائَه و قوميته ومذهبه بأشياء يضعها في الدستور .
وبين المالكي أن الألغام التي تضمنها الدستور بدأت تتفجر يوما بعد يوم على شكل حصص طائفية و قومية ، متساءلا عن دولة العدالة والمواطنة التي يتحدث عنها السياسيون وفقا للمقاييس الطائفية والقومية التي يضعها البعض في حساباته خلال المفاوضات التي تجريها الكتل .
و اقر المالكي بوجود المحاصصة القومية والطائفية ، مشيرا الى انها من ابرز المشاكل التي يجب معالجتها



301
كاظم حبيب
عبء انتصارات الربيع العربي على نوري المالكي ثقيل!!
لأول مرة تشعر شعوب الدول العربية باستعادة كرامتها الإنسانية المهانة من حكامها المستبدين والرجعيين والمتخلفين والنصابين حين استطاعت أن تنزع عن جلدها ثوب الخوف من المستبدين وجلاوزتهم وتقول لهم بشجاعة: لا وألف لا, كفاكم ظلماً واستهتاراً بحياتنا واستباحة لأموالنا ةتدمسؤاً لمستقبلنا ومستقبل أجيالنا القادمة. لقد استأسدتم على أهلنا كالثعالب الماكرة وبنيتم من بلداننا سجوناً كبيرة نعاني فيها من الظلمة والظلم.
لقد استطاع الشعب التونسي أن يتخلص من المستبد بأمره وعائلته ويواصل مسيرة التغيير الديمقراطي, وكذا الحال في مصر, وها هي ليبيا تطيح بآخر معاقل القذافي وعائلته الشريرة وتضع الحكم بيد الشعب. وما يزال الشعب في اليمن وكذا الشعب في سوريا يقدمان المزيد من التضحيات على طريق النضال من أجل انتزاع الكرامة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان من أعداء هذه المثل والمبادئ السامية.
هذا النضال البطولي للشعوب في الدول العربية بعد اضطهاد وسكوت طويل, هذه الانتفاضات المقدامة التي أعلنت بداية مرحلة جديدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا, هذه المظاهرات الشبابية والشعبية التي أطلق عليها بربيع الشعوب في الدول العربية والتي تطالب بحقوقها المشروعة, سواء أكانت في تونس والقاهرة والإسكندرية, أم في صنعاء وعدن وأبين, أم في درعا وحمص وحماه واللاذقية ودمشق, يشكك بكل ذلك رئيس وزراء العراق ورئيس حزب الدعوة الإسلامية والقائدم العام للقوات المسلحة.. , وألقابه لا تقل عن ألقاب الذي "حفظه الله !", ويدعي إنها تقدم أكبر خدمة لإسرائيل وأعداء الدول العربية. وإن هذه الاحتجاجات تريد شق وحدة الدول العربية والصف الوطني, وإنها شبيهة بما مارسته معاهدة سايكس-بيكو في العام 1916. ما السبب الذي جعل المالكي يعطي مثل هذا التصريح العدائي ضد الانتفاضات الشعبية؟ هل هو الخوف من أن يمارس الشباب والشعب في العراق نفس الوجهة في النضال للخلاص من الأوضاع المزرية والموت اليومي والفساد التي يعيش تحت وطأتها؟ هل يمارس بتصريحاته ضد هذه الانتفاضات والمظاهرات, تماماً كما مارس قبل ذاك الإساءة لمظاهرات الشبيبة والشعب في العراق في 25 شباط/فبراير 2011 وما بعدها حين اتهمها بتهم باطلة بل وكاذبة؟
يبدو لي ومن دون الدخول في التفاصيل أن هناك عدة عوامل جوهرية دفعت هذا الرجل إلى إطلاق تلك التصريحات الخائبة, وهي:
1.   إن الذهنية أو العقلية التي يحملها نوري المالكي تعود لقرون خلت وليس لعقود, لماض سحيق فكراً ونهجاً ووجهة, وإلا لما استطاع أن يتهم حركات شعبية مطالبة بحقوقها من حكام مستبدين لا يختلفون كثيراً من حيث المبدأ عن صدام حسين بتلك العبارات السيئة.
2.   وإن الرجل يردد تماماً كما كان الحكام المستبدون السابقون يدعون بأن أي حركة شعبية احتجاجية هي "أكبر خدمة لإسرائيل" بل كانوا وما زال البعض منهم يفرضون الأحكام العرفية (حالة الطوارئ) بذريعة التصدي للعدو الإسرائيلي.
3.   وأن يعبر عن الخوف والخشية من تطور الانتفاضات في تلك الدول العربية وانتقال نموذجها الناجح إلى العراق والتي تجد تعبيرها في المظاهرات الاحتجاجية العراقية على الأوضاع المزرية والمطالبة بتغييرها. وبالتالي يمكن أن تكنس بدربها من يرفض الاستجابة لمطالب الشعب ويكف عن ممارسة الطائفية السياسية والفساد السائد ويعجز عن مكافحة الإرهاب ...الخ.
4.   ولكن العامل الأكثر أهمية يبرز في خشيته من النتائج التي تترتب على مثل هذه الانتفاضات الشبابية والشعبية. فهي لا تقود إلى طرد الحكام وإسقاط النظم السياسية القائمة ومحاكمتهم فحسب, بل وتؤدي إلى نشر الحرية والحياة الديمقراطية واحترام وممارسة حقوق الإنسان والحياة الدستورية والتعددية الفكرية والسياسية والالتزام بهوية الوطن والمواطنة والتداول الديمقراطي البرلماني للسلطة. وإذ يأخذ المالكي بالديمقراطية كوسيلة للوصول إلى السلطة, فهو لا يمارسها الديمقراطية  أبداً كفلسفة لدولة اتحادية ونظام سياسي ديمقراطي. فهو ينتمي لحزب ديني إسلامي سياسي لا  يعرف برنامجه ومنهجه الفكري الديمقراطية وحقوق الإنسان.   
لقد برهن المالكي بهذه التصريحات على إنه لا يختلف عن الحكام الآخرين في الدول العربية بل يفوقهم فجاجة حين قدم تلك المطالعة السياسية المناهضة لهذه التظاهرات التي لم يجرأ على المس بها غيره من الحكام المستبدين.
كما برهن المالكي على جهل فكري وسياسي عميق, إذ ما صرح به لا يقع في خانة تباين في وجهات النظر بل في خانة عدم فهم وتفسير خاطئ لأحداث تاريخية, كما شخصها الكاتب الأستاذ جاسم المطير بشأن (اتفاقية) معاهدة سايكس-بيكو بين بريطانيا وفرنسا ومباركة روسيا القيصرية لها في العام 1916 بشأن توزيع أسلاب الدولة العثمانية عند نهاية الحرب العالمية الأولي في ما بينهما.
كما برهن المالكي بهذا الخطاب الفج على خشيته الشديدة وتشبثه المتواصل والمرضي بالسلطة السياسية في العراق, وليكن بعدها الطوفان!
لقد استحى حتى موقعه الإلكتروني, الذي قال مرة عن كل المواقع, بما فيها موقعه منذ ثلاثة أعوام, بأنها "مكب نفايات", من إعادة نشر نص كلمته التي ألقاها في اجتماعه يوم 19/8/2011 مع كوادر نسائية عراقية.
إن مضمون خطابه الجديد يعتبر من أسوأ التصريحات والخطب الكثيرة التي أطلقها نوري المالكي بعد تلك التصريحات السيئة له الي صرح بها في الأيام التي سبقت مظاهرات 25/2/2011. ولم يلتزم رئيس حزب الدعوة بكلمة الإمام علي بن أبي طالب حين قال:
" ليت لي رقبة كرقبة البعير لأهضم كلامي قبل أن أخرجه ".
23/8/2011                كاظم حبيب
 

302

الأخوة الأعزاء جميعا...تحية حارة...

تشكر لجنة برلين للتيار الديمقراطي العراقي في ألمانيا الاتحادية جميع الزملاء الذين أبدوا بملاحظات مهمة حول التجمع الذي من المفروض قيامه أمام السفارة العراقية في برلين.
وبعد دراسة هذه الملاحظات من جهة والتجاوب الكبير الذي لاحظناه لهذه الفعالية قررنا تغيير مكان التجمع وتأخيرi لفترة ساعتين.
وعلى ضوء ذلك نرسل لكم الدعوة الجديدة لهذه الفعالية راجين منكم المساهمة الفعالة في نشرها وإرسالها لكل الأحبة ومساهمتكم في هذا التجمع.

صلاح الدين \ أبو لينا 



دعماً لحركة الاحتجاجات السلمية في العراق وتضامناً معها

تنادت مجاميع شبابية مختلفة ومنظمات مجتمع مدني في وطننا الحبيب، إلى الدعوة لتظاهرات احتجاجية في بغداد وسائر مدن البلاد الأخرى في التاسع من أيلول، والتحشيد لها.
ونحن أعضاء لجنة تنسيق التيار الديمقراطي العراقي في المانيا وفرعها في برلين ومعنا جماهيرنا وأصدقاؤنا في الجالية العراقية وجميع الديمقراطيين في المانيا نعلن عن وقوفنا مع شعبنا ودعمنا لمطاليبه العادلة والمشروعة في إصلاح النظام السياسي في العراق على أسس العدالة والحرية والديمقراطية الحقيقية، وندعو في نفس الوقت لتجمع جماهيري امام
 
بوابة براندنبورك (ساحة باريس) في وسط برلين وذلك في الساعة الثانية من بعد ظهر يوم الجمعة المصادف 09/09/2011 وسوف يستمر هذا التجمع الى الساعة الرابعة بعد الظهر.

اننا نريد من تظاهرتنا هذه مشاركة جماهير شعبنا وشبابه في الاعلان عن غضبه واحتجاجه على الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمعيشية المزرية في الوطن وفي ظل غياب الديمقراطية والامن والاستقرار والحريات الشخصية والعامة وسيادة الفساد والمحاصصة بكل اشكالها.
اننا ننادي كافة العراقيين الحريصين على مصالح شعبهم ومستقبل بلادهم وكافة الديمقراطيين بمختلف أطيافهم وجميع المؤمنين بقضية الحرية والكرامة الى المشاركة في تظاهرتنا يوم الجمعة دعما ومواكبة للتحرك الجماهيري الذي سينطلق في نفس الوقت في الوطن، وتعبيرا عن دعمنا لحركة الاحتجاج السلمية الواعية ووقوفنا وتضامننا معها، ولتصدح أصواتها عاليا في سماء الوطن.

لجنة تنسيق التيار الديمقراطي في المانيا الاتحادية وفرعها في برلين.


303

كاظم حبيب
الأزمة الاقتصادية العالمية تزداد عمقاً وشمولية يوماً بعد آخر

" لم تكن الإجراءات المالية السطحية التي اتخذتها الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية جادة لمكافحة الأزمة بشكل عقلاني وفعلي ولصالح كل فئات شعوبها والخوض في عمق المشكلات والعوامل التي تسببت بنشوء الأزمة, كما لم تكن في مصلحة الإنسان الفرد حين تم ضخ المزيد من أموال دافعي الضرائب إلى البنوك وكبار الاحتكارات الصناعية المتعددة الجنسية, بل كانت في مصلحة تلك الفئات الأكثر غنى والأكثر جشعاً التي تسببت بسياساتها الاقتصادية والمالية في انفجار الأزمة المالية وتطورها إلى أزمة اقتصادية عامة وشاملة وذات تداعيات متواصلة. فبدلاً من تحسين الأجور والرواتب وزيادة التشغيل لتوفير سيولة نقدية عند المستهلكين لكي يمكن تنشيط القوة الشرائية لدى المنتجين ودافعي الضرائب والمستهلكين للسلع من اجل أن تستمر المؤسسات الاقتصادية بالإنتاج وتقديم الخدمات, فإنها دفعت بتلك الأموال للبنوك والشركات الكبرى لكي لا تنهار, ولكنها لم تعالج الأساس العميق للأزمة, مما أعطى الانطباع وكأن الأزمة المالية قد حلت وأن الانتعاش الاقتصادي سيبدأ, في حين برهن الواقع على عكس ذلك, إذ أن الأزمة ما تزال متواصلة ولكن بشكل أكثر حدة وأكثر تهديداً, وهو ما يعيشه عالم اليوم."

حين نقرأ في أي قاموس اقتصادي صادر عن الدول الاشتراكية سابقاً سيجد ما يؤكد بأن الرأسمالية على الصعيد العالمي على وشك الانهيار التام وانتصار الاشتراكية قاب قوسين أو أدنى بسبب دخول هذا النظام المرحلة الأخيرة من أزمة الراسمالية العامة بعد أزمة 1929-1933. وقد "آمنا" بهذا التقدير الخاطئ وكنا مخطئين! لم يكن هذا التقدير متفائلاً جداً فحسب, بل كان التشخيص عن مدى إمكانية النظام الرأسمالي العالمي على تجاوز أزماته الدورية والعامة خاطئاً وإرادياً ويعبر عن رغبات مستنتجيه, ولم تدرس بما فيه الكفاية قدرة هذا النظام ليس على  تجديد الرأسمالية نفسها فحسب, بل وقدرته على الخروج من أزماته من خلال التعامل مع الكثير من العوامل والروافع, وبالتالي تجاوز الانهيار التام واستعادة العافية. لا شك في أن هذا النظام يهتز بقوة قبل وأثناء كل أزمة عاصفة من تلك الأزمات التي تصيبه وتبرز أثار الرضوض والكسور عليه, خاصة حين تكون تلك الأزمات عامة وبنيوية وطويلة الأمد. كما إن تجاوز الأزمات يعني بالضرورة أن النظام الرأسمالي لا يزال يمتلك موضوعياً مقومات استمراره. ولكن هذا لا يعني أيضاً وبأي حال أن هذا النظام لن يترك مكانه في يوم من الأيام لنظام اقتصادي – اجتماعي - سياسي أكثر إنسانية وأكثر عدلاً للإنسان والمجتمع وأكثر قرباً من حاجات ووعي الإنسان على كرتنا الأرضية وأكثر مراعاة للطبيعة والبيئة. إن تجارب الدول الاشتراكية التي كانت قائمة في الواقع, اشتراكية الدولة البيروقراطية والحزب الذي مارس الحكم منفرداً وبسياسات غير ديمقراطية, يفترض أن تقدم الدروس الغنية والكثيرة للإنسان لمستقبل أيامه وأجياله, وأن يُمارس المنهج العلمي في دراسة الواقع وتشخيص آفاق واحتمالا ت التطور الأكثر قرباً من الواقع.       
الأزمات الاقتصادية, سواء الدورية منها أم العامة, وتلك التي تصيب قطاعات بعينها, أم الشاملة والبنيوية, وسواء تلك القصيرة منها أم ذات الموجة الطويلة (كوندراتيف), كلها تعبر في واقع الحال عن عدة أمور أساسية, منها:
1. إن طبيعة النظام الرأسمالي والقوانين الاقتصادية الموضوعية الفاعلة فيه تقود بالضرورة إلى  نشوء الأزمات وما تفرزه من اختلالات وتطور متفاوت في حركتها وفعلها في الواقع. إنها مرتبطة عضوياً ببنية النظام الرأسمالي وبالعلاقة الجدلية بين الطبيعة الاجتماعية للقوى المنتجة والطبيعة الخاصة لملكية وسائل الإنتاج والإنتاج والقوانين الناشئة عن هذه العلاقة.
2. كما إن السياسات الاقتصادية التي يمارسها كبار الرأسماليين والرأسمال المالي والاحتكارات الكبرى لتحقيق أقصى الأرباح على حساب الاقتصاد الوطني والمجتمع تقود إلى مزيد من الصراع بين العمل وراس المال على اقتسام فائض القيمة المنتج في العملية الإنتاجية وعبر قوة العمل, وما ينشأ عن ذلك من استغلال متفاقم ومتوحش في الغالب الأعم ومنافسة حادة بين الرأسماليين في القطاع الواحدة أو في الدولة الواحدة أو على الصعيد العالمي, إذ يترتب عن ذلك بروز اختلالات في فعل القوانين الاقتصادية الموضوعية وفي مجمل العملية الاقتصادية بكاف مراحلها (الإنتاج والتوزيع والتبادل والاستهلاك) وعواقب ذلك على المجتمع والتي تجد تعبيرها في بروز اختلالات حادة في السياسات المالية والنقدية المنبثقة في الأصل عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
3. يضاف إلى ذلك فقدان الرقابة الفعلية والضرورية على آليات أو فعل قوانين السوق الحر وعلى حركة رأس المال المالي والمضاربات وسلوكيات الرأسماليين في البنوك والأسواق المالية ...الخ. إن أي اختلال في التعامل مع أي من القوانين الاقتصادية الموضوعية عبر سياسات اقتصادية أو اجتماعية معينة تقود إلى تداعيات لسلسلة من الاختلالات التي تقود إلى الأزمة بأشكالها ومستوياتها المختلفة وإلى عواقبها الكثيرة.
الأزمات الاقتصادية والمالية تهز النظام الرأسمالي وتضعف الثقة به وبقدراته على البقاء وتدفع بالناس للتفكير بغيره, ولكن لا يمكن أن تتحقق القفزة أو العبور صوب نظام جديد ما لم تتوفر جملة العوامل الموضوعية والذاتية التي تسمح بهذا الانتقال, وهي ليست قريبة, ولكن النضال من أجل تغيير أوضاع الإنسان والاختلالات الراهنة في امتلاك الثروة وتوزيعها على الصعيد العالمي ستقود إلى عواقب وخيمة على النظام الرأسمالي العالمي ذاته, إذ أن الاختلالات الراهنة شديدة الأثر على حياة الإنسان ومستقبله وعلى البيئة والطبيعة. ومن هنا تنشأ أهمية النضال المطلبي للطبقة العاملة والنقابات والمنتجين الزراعيين والمثقفين وغيرهم لتحسين أوضاعهم المعيشية والحياتية. 
الأزمة الراهنة التي بدأت في الجانب المالي ونتيجة لسياسة المضاربات في العقار ودور البنوك ونسب الفائدة العالية والأرباح الفاحشة وإفلاس العديد من البنوك نتيجة سياساتها الراكضة وراء المزيد من الأرباح باموال وهمية موجودة على الورق, قادت, وبفعل عوامل كثيرة أخرى, إلى أزمة اقتصادية منذ 2007-2008 وهي ما تزال مستمرة ومتفاقمة, رغم كل محاولات التخفيف من الإحباط الحاصل وتجلياتها في انهيار الأسهم في سوق الأوراق المالية حالياً, وما ينشا عن ذلك من إفلاس وخسائر مالية كبيرة  للفئات الوسطى وتدمير لحياة الفقراء والمعوزين وانتشار جديد وواسع للبطالة وارتفاع غير طبيعي لسعر الذهب.     
حين بدأت مظاهر الأزمة المالية في العام 2007 وتفجرت في العام 2008 أشرت في مقال مكثف لي إلى إن هذه الأزمة ليست بأزمة مالية فحسب, أو تسبب بها المضاربون بالعقارات والبنوك العقارية في الولايات المتحدة الأمريكية فحسب, بل هي أعمق من ذلك بكثير, وإنها أزمة اقتصادية ومالية عامة وشاملة في ظروف سياسات العولمة الرأسمالية وإنها أكثر حدة وأكثر تأثيراً من الأزمة العامة الشاملة التي أصابت النظام الرأسمالي العالمي في الفترة بين 1929-1933, وإنها ستتسع وتشتد في الفترة اللاحقة رغم الإجراءات المالية التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي استناداً إلى واقع العولمة الذي يسمح باتخاذ مثل تلك الإجراءات, إذ إنها ليست غير كافية فحسب, بل ومن حيث الجوهر بالاتجاه الخطأ, خاصة وأن بعض جوانب هذه الأزمة بنيوية نتيجة التغيرات الهائلة الجارية في المكتسبات العلمية والتقنية على الصعيد العالمي وما يطلق عليه بثورة الإنفوميديا. أي إن الإجراءات المشتركة التي اتخذت في حينها كانت تبدو مفيدة لفترة قصيرة جداً, ولكنها لم تعالج الأساس الفعلي للأزمة ولم تأخذ الاتجاه الصحيح ولم تصب في صالح اقتصاد هذه الدول والعالم أو المواطنة والمواطن الاعتياديين, بل كانت مهمتها خدمة مصالح كبار البنوك والاحتكارات الرأسمالية, ومنها صناعة السيارات, وإنقاذها من الإفلاس الذي تسببت به هي قبل غيرها على سبيل المثال لا الحصر, رغم الادعاء بغير ذلك, ورغم إنها كانت السبب في انفجار هذه الأزمة بفعل سياساتها غير العقلانية والراكضة وراء المزيد والمزيد من الأرباح على حساب الإنسان العامل في مختلف فروع الاقتصاد الوطني والمجتمع. ورغم ظروف العولمة, فان المنافسة الوطنية بين القوى والدول الرأسمالية العالمية قد عمقت من فعل الأزمة على الدول المختلفة وأكدت الصراع الدائر في ما بين الدول في معالجة مشكلات كل منها على حساب الدول الأخرى. ويمكن أن يؤشر التعاون والتنسيق الفرنسي – الألماني في إطار الاتحاد الأوروبي وعلى الصعيد العالمي ما يؤكد ذلك, الذي سيكون له دوره السلبي على الدول الأقل تطوراً في الاتحاد الأوروبي وسيزيد من مصاعب تلك الدول, ويعمق الأزمة ولكنه يجلب بعض الأرباح الإضافية لاحتكارات وبنوك دول أخرى أكثر تقدماً.     
وإذ تفاءل البعض الكثير من المفكرين البرجوازيين في ألمانيا على نحو خاص بأن الأزمة قد انتهت وولّت وبدأ يحل محلها الانتعاش الاقتصادي في ألمانيا وأوروبا, أشرت جمهرة من الاقتصاديين, كما أشرت أيضاً, إلى إن هذه الأزمة لم تستكمل أبعادها ولم تصل إلى عمقها الحقيقي حتى الآن, وإن هذا التفاؤل المستعجل يحاول التخفيف من الإحباطات التي برزت واشتدت في الولايات المتحدة وفي الدول الأوروبية من النظام الرأسمالي العالمي حيث بدأ الناس يقرأون مجدداً كارل ماركس, وخاصة كتابه العبقري "رأس المال".
إن الحكومات في الدول الرأسمالية المتقدمة المعبرة عن مصالح البرجوزاية الكبيرة وبدلاً من أن تنشَّط القدرة الشرائية للسكان لامتصاص الزيادة الكبيرة في السلع ومواصلة وتطوير الإنتاج من خلال تحسين الأجور والرواتب وزيادة التشغيل والتوظيف في التكنولوجيا الحديثة في مجال البيئة وتحسين وتطوير الخدمات العامة, راحت تزود البنوك بالأموال من خزائن الدولة, التي هي أموال دافعي الضرائب, وبالتالي قلصت الموارد المالية المتوفرة في خزينة الدولة التي يفترض أن توجه للاستهلاك الاجتماعي, ومنها الخدمات الاجتماعية والدعم. وبهذا, وبدلاً من تخفيف الأزمة عبر التشغيل وتنشيط السوق الداخلي, زادت في الطين بلة حين قلصت القدرة الشرائية للمنتجين والمستهلكين من دافعي الضرائب في المجتمع ورفعت من موارد البنوك والشركات التي كانت السبب في تلك الأزمات وعلى حساب أموال دافعي الضرائب, وهم الغالبية العظمى من الشعب. ويمكننا إيراد حالة واحدة ومهمة في هذا الصدد: في الصراع بين الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري في الولايات المتحدة كانت نية باراك أوباما فرض ضرائب على  الشركات الاحتكارية والرأسماليين في مقابل تخفيفها عن الفقراء والمعوزين, إضافة إلى زيادة الاستهلاك الاجتماعي لدعم الفئات الفقيرة في المجتمع. ولكن نتيجة إصرار الحزب الجمهوري, وخاصة الجماعة المتشددة في هذا الحزب, قاد إلى عدم فرض ضرائب على الشركات والرأسماليين من جهة, وتقليص الاستهلاك الاجتماعي الموجه للفقراء من جهة أخرى, وهم الأكثرية وبالتالي اتخذ الإجراء الذي يسهم في تشديد الأزمة الاقتصادية لا التخفيف منها. ولم يجرأ أوباما على اتخاذ الخطوة المناسبة بعيداً عن المساومة بين الحزبين والقبول بها. وسيؤدي هذا الموقف إلى  إلحاق أذى بالفئات الاجتماعية الفقيرة والصغيرة لصالح كبار البرجوازيين, وهي سياسة تعبر عن فحوى اللبرالية الجديدة ومضمونها الأساسي المناهض للإنسان الفقير والمنتج.   
واليوم يعيش العالم, بعد بدء تلك الأزمة في العام 2007/2008, تفاقما واتساعاً لها وأكثر عمقاً مع بداية العام 2011. وهي تتجلى في الحالة المزرية للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لعدد من الدول الأوروبية ابتداءً من اليونان ومروراً بأسبانيا والبرتغال وإيطاليا وأيرلندا ومن ثم فرنسا, إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية, والقائمة لم تنته بعد. وسيزيد في الأمر سوءاً الأوضاع الاقتصادية الصعبة والمديونية الفلكية التي يعاني منها الاقتصاد الأمريكي واقتصاديات الكثير من دول الاتحاد الأوروبي, بما فيها ألمانيا, وتنامي البطالة وحالات الإفلاس وإعلان بيع بيوت الفئات الفقيرة والمتوسطة بالمزاد العلني نتيجة عجزهم في دفع الأقساط المترتبة عليهم, وخاصة بين العائلات الأفرو-أمريكية في الولايات المتحدة الأمريكية وبدء انهيارات جديدة لصغار الرأسماليين من البرجوازية الصغيرة والمتوسطة.
ويبدو لي أن الحكومات الرأسمالية المتقدمة السائرة على نهج اللبرالية الجديدة بدأت باتخاذ إجراءات جديدة بالاتجاه الخطأ والوقت الخطأ في آن. فمن غير المعقول أن يبدأ التقشف بالاستهلاك الاجتماعي وتقليص الخدمات الاجتماعية والعامة والهجوم على القوى العاملة وإرسالها إلى البطالة وتقليص الأجور... التي اقترنت بالمزيد من المظاهرات الشعبية المناهضة لهذه السياسات الخاطئة وكذلك الهجوم على كل المكاسب التي تحققت للمنتجين في العقود المنصرمة وخاصة في فترة الحرب الباردة والصراع بين الشرق والغرب.   
إن الأزمة الاقتصادية والمالية الجارية منذ ما يقرب من أربع سنوات تأخذ بخناق الاقتصادات الرأسمالية وستقود إلى مجموعة من العواقب الوخيمة على الإنسان الفرد المنتج والعاطل عن العمل والفقير والمعوز وكذلك على الكثير من أفراد الفئات المتوسطة والبرجوازية الصغيرة والمتقاعدين من صغار الموظفين والعجزة ..الخ, ولكنها ستدخل الفرحة إلى قلوب الأغنياء الجشعين وكبار الاحتكاريين والمضاربين في سوق الأوراق المالية الذين يسعون إلى الاغتناء بطريقة متوحشة على حساب الشعب والقوى الكادحة منهم دون أي اعتبار لمصالح الاقتصاد الوطني والعدالة الاجتماعية. إن مفهوم العدالة الاجتماعية قد سقط من قاموس هذه الدول نهائياً ولن يجد الإنسان أي اثر له غير جمع الصدقات من الأغنياء لذر الرماد في عيون الناس.
والمشكلات ستبرز باتجاهين هما:
إن الأزمة الراهنة ستجلب الدمار الاقتصادي والمعيشي والخراب للكثير من البشر من جهة, في حين إنها ستجلب المزيد من الأرباح للمضاربين والبنوك ومجموعة من أكبر الاحتكارات الدولية المتعددة الجنسية من جهة أخرى. إن الأموال المتوفرة تتحرك ولكنها تذهب إلى جيوب كبار الرأسماليين بعد أن يتم تفريغها من جيوب المنتجين والكادحين.
حين لا تتوفر أموال كافية لدى المنتجين للسلع المادية والعاملين في الخدمات العامة في دول العالم, وحين يعجز المستهلك عن شراء السلع المنتجة وكذا عدم الاستفادة الجيدة من الخدمات, فأن الوضع سيقود لا محالة إلى تراكم السلع المنتجة وغير المسوقة وسيتقلص الطلب عليها وعلى الخدمات الإنتاجية والعامة, مما يقود إلى تقليص الإنتاج أو إلى توقفه في عدد متزايد من المعامل ويتم إرسال المزيد من الأيدي العاملة في القطاعات الإنتاجية والخدمية إلى قارعة الطريق عاطلين عن العمل.
واليوم تواجه الكثير من الدول حالة اقرب إلى الإفلاس المالي, مما دفع بالدول الغنية والمالكة للأموال إلى تقديم القروض عبر الاتحاد الأوروبي وبشروط ستكون قاسية ووبالاً على تلك المجتمعات وخزائنهم, رغم التصور الأولي بغير ذلك, إذ إنها ستبقى مدينة وتابعة لتلك الدول سنوات طويلة وستدفع بالكثير من الفوائد المالية على خدمة الديون ومواصلة جدولتها لعجزها عن دفعها في أوقاتها المقررة سلفاً.
إن الأزمة الراهنة تجد تعبيرها حالياً وفي الفترة القادمة بمجموعة من الظواهر السلبية التي هي نتاجها, ومنها:
1 . تراجع في معدلات النمو السنوية, والتي تعبر عن تراجع في الإنتاج وفي مجمل العملية الاقتصادية.
2 . ارتفاع كبير في مديونية الدول الرأسمالية المتقدمة, كما نلاحظ ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية والمانيا وغيرها.
3 . تنامي العجز والاختلال في الموازين التجارية لعدد متزايد من الدول وصعوبة تسديد الديون والفوائد المترتبة عليها مما يزيد من فلكية أرقام المديونية واستنزافها للدخل القومي.
4 . تفاقم في اختلالات السياسات المالية والنقدية وانعكاسات ذلك على حركة رؤوس الأموال "الحرة" وما ينجم عن ذلك من اختلالات حادة في توزيعها واستخدامها.
5 . تنامي البطالة وإفلاس المؤسسات والمشاريع الصغيرة وانحدارها إلى صفوف الفئات الفقيرة والعاطلة عن العمل, ف مقابل تعاظم أرباح كبار الرأسماليين والشركات الرأسمالية الاحتكارية.
6 . وسيقود هذا إلى تداعيات سريعة في القدرة الشرائية للسكان وتكدس السلع وتراجع الإنتاج وما ينشأ عنه من بطالة طويلة الأمد إلى حين بدء الانتعاش في هذه الاقتصاديات.                 
7 . وسيقود بدور إلى تنامي النضال من أجل العمل ولقمة الخبز لدى جماهير واسعة في كافة الدول الرأسمالية والنامية ويتشدد الصراع الطبقي على الصعيد المحلي والدولي.
8 . وإذا ما اقترن كل ذلك وغيره بمشكلات بيئية ومناخية, فأنها ستقود إلى ما نواجهه اليوم في أفريقيا من مجاعات وموت بالجملة وعجز العالم عن توفير المساعدات الضرورية لإنقاذ تلك الشعوب من براثن الجوع والمرض والموت, في حين ينعم أصحاب رؤوس الأموال الكبار والمستغلون بالعيش الرغيد, وهو الذي سيزيد من التوترات الاجتماعية والسياسية على الصعيد العالمي. ورغم أن ما جرى في بريطانيا في الفترة الأخيرة من عمليات عنف مرفوضة وغير حضارية بأي حال, فإنها تؤشر وتؤكد وجود براميل من الديناميت الاجتماعية القابلة للانفجار في كل لحظة وفي كل دولة من هذه الدول بسبب سياساتها الاقتصادية والاجتماعية وبسبب تفاقم الفجوة في مستويات الدخل والحياة والمعيشة بين الفئات الاجتماعية. وإن اتخاذ إجراءات, كما فعل كامرون وما ينوي فعله, يسير بعضه الكثير بالاتجاه الخطأ ولن يقود إلى نتائج حميدة على  المدى الأبعد. وسنعيش هذه الحالة في دول نامية أيضاً.
9 . إن الأزمة الراهنة تعتبر البداية الفعلية لتغيرات جادة في موازين القوى الاقتصادية على الصعيد العالمي, إذ ستترك وعلى المدى العقد الجاري الولايات المتحدة الأمريكية مكانها في العالم اقتصادياً لصالح الصين الشعبية, خاصة وأن سياسات التسلح الأمريكية ومساهماتها المستمرة في حروب كثيرة ستقود إلى  نتائج غير محسوبة العواقب في الولايات المتحدة. فالمديونية الأمريكية كبيرة حقاً, ومنها مديونيتها للصين الشعبية وستلعب دوراً مهماً في العلاقات الاقتصادية والمالية الدولية وستؤثر على سياسات الولايات المتحدة وعلاقاتها الاقتصادية مع بقية دول العالم, كما سنلحظ تطوراً سريعاً وكبيراً وانتشاراً وتوسعاً أكبر في العلاقات الاقتصادية والتجارية والمالية الصينية مع بقية دول العالم.   
أما العراق فإنه قدم ويقدم نموذجاً لبلد غني بثرواته النفطية والبشرية وقد ابتلى بالدكتاتورية الفاشية وحروبها وسياساتها العدوانية والقمعية وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية السيئة والفساد, ثم ابتلى بعد الخلاص من ذلك النظام الدموي عبر حرب خارجية ليقوم على أنقاضه نظام المحاصصة الطائفية السياسية والتمييز واستمرار الإرهاب الإسلامي والبعثي الهمجي والفساد الحكومي والعام وتفاقم شديد في فجوة الدخل السنوي ومستوى الحياة والمعيشية بين الأغنياء المتخمين والحكام وبين الفقراء الجائعين والمهمشين وسياسات اقتصادية تعبر عن جهل بعلم الاقتصاد والقوانين الاقتصادية وسياسات اجتماعية أكثر جهلاً بحاجات الناس, مما سيقود كل ذلك إلى تفاقم في الصراع الاجتماعي وتحوله تدريجاً وموضوعياً إلى نزاعات سياسية تأخذ طريقها, شاء الحكام أم أبو, إلى عواقب وخيمة على الدولة والمجتمع. إن الأزمة الراهنة على الصعيد العالمي ستجد تأثيرها الواضح على العراق أيضاً, رغم إمكانية أموال النفط المتزايدة على تخفيف ذلك, ولكن ليس لصالح الكادحين منهم. إن خشية رئيس الوزراء من "الربيع العربي" ينطلق من سياساته التي يمكن أن تقود في العراق إلى ربيع عراقي مماثل ما لم تصحح تلك السياسات والمواقف والإجراءات وتعتمد الحريات العامة والفردية والحياة الديمقراطية والكف عن وضع قوانين غير ديمقراطية أو عدم مكافحة البطالة والفقر واتساع الفجوة المعيشية ...الخ. إن رئيس الوزراء خائف وخوفه في محله بسبب سياساته وليس بسبب خلل في الربيع العربي أو ما يمكن أن يحصل من ربيع عراقي قادم أيضاً.
23/8/2011                      كاظم حبيب         

304
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية
بيان
احتجاج وإدانة ضد عملية عسكرية تركية في إقليم كردستان العراق
 
منذ يوم الأربعاء الماضي المصادف 17/8/2011  والطيران الحربي التركي يقوم بطلعات جوية وقصف طيرانه العسكري لمناطق عراقية في محافظة السليمانية في إقليم كردستان العراق بذريعة مشابهة للذرائع الزائفة التي تقدمها الحكومة الإيرانية في قصفها للمناطق الحدودية العراقية, بذريعة وجود ومطاردة وقتل أنصار حزب العمال الكردستاني. وظهر يوم أمس الأحد المصادف 21/8/2011 تجاوزت الطائرات الحربية التركية الأجواء العراقية الدولية من جديد وشنت غارة عدوانية على سيارة مدنية يستقلها مدنيون كانت تسير على طريق مدينة رانية التابعة لمحافظ السليمانية فدمرت السيارة وقتلت من فيها, وهم سبعة أفراد من عائلتين كرديتين (ثلاثة أطفال وامرأتان ورجلان). ولم يكن بينهم أي شخص كردي من إقليم كردستان تركيا, إذ أن القتلى الشهداء السبعة هم من أبناء وبنات شعب إقليم كردستان العراق.
إن الأمانة العامة للتجمع العربي لنصرة القضية الكردية إذ تحتج بشدة وتدين بحزم الجريمة الجديدة التي ارتكبتها القوات التركية على الأراضي العراقية وضد مواطنين ومواطنات من العراق باعتباره تجاوزاً فظاً على السيادة الوطنية العراقية وجريمة قتل لسبعة من مواطنات ومواطني العراق, ينبغي أن يدان من قبل الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان والمجتمع الدولي والرأي العام العالمي, تطالب في الوقت نفسه بوقف الأعمال العدوانية ضد الشعب الكردي في كردستان العراق فوراً والاعتذار للشعب العراقي بكل قومياته واتخاذ كافة الإجراءات الضرورية الكفيلة بردع العدوان من جانب الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ومنع تكراره.
كما تقدم الأمانة العامة أحر تعازيها ومواساتها لذوي الشهداء وللشعب الكردي.
الخزي والعار للقتلة والذكر الطيب لشهداء العراق الأبرار.
الأمانة  العامة
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية
22/8/2011 


305
كاظم حبيب
نداء للتظاهر موجه إلى العراقيات والعراقيين كافة في خارج الوطن
إلى القوى والأحزاب السياسية العراقية العاملة خارج الوطن
إلى لجان التنسيق لقوى التيار الديمقراطية , إلى العراقيات والعراقيين كافة
تمر بلادنا بأزمة سياسية واقتصادية واجتماعية وبيئية خانقة ويعاني الشعب من محن معيشية وأمنية يومية يموت بسبب فقدان الأمن والنشاط المتفاقم لقوى الإرهاب الدموي والفساد المالي العشرات من النساء والرجال والأطفال. وأخبار العراق والوكالات الدولية تؤكد هذا الواقع المرير.
والحكومة العراقية بطبيعتها وبنيتها وسياساتها الراهنة وصراعاتها المتفاقمة عاجزة تماماً عن إيجاد الحلول العملية للمشكلات الكبيرة والكثيرة المتراكمة والجديدة التي يعاني منها الشعب العراقي. وليست هناك من مؤشرات إيجابية تؤكد أي توجه فعلي لمعالجة تلك الصراعات وحل المشكلات.
ومما يزيد الأمر سوءاً استمرار الفساد المالي الذي أصبح منذ سنوات النظام الفعلي السائد والفاعل في حياة الدولة والمجتمع في العراق وعلى مختلف المستويات والمجالات. وكلنا يدرك بأن الفساد والإرهاب وفي ظل المحاصصة الطائفية هما الوجهان الفعليان لعملة واحدة, أحدهما يستكمل الآخر ويغذيه.
إن المطالب المشروعة والعادلة التي طرحها شباب العراق في الشارع العراقي, ورغم الوعود الكثيرة من جانب الحكومة ورئيسها, لم تنفذ. وكل المؤشرات تؤكد تفاقم التدهور في أوضاع الغالبية العظمى من العائلات العراقية.
إن المطالب المشروعة للشعب العراقي التي تجسدت في المظاهرات التي انطلقت في 25 شباط/فبراير 2011 وما بعدها لم تتغير. منذ أيام دعا شباب ساحة التحرير إلى التظاهر مجدداً في يوم الجمعة المصادف 9/9/2011 في ساحة التحرير ببغداد مطالبين الحكومة بمعالجتها أو استقالتها وإجراء انتخابات مبكرة.
وتناغماً مع هذه الدعوة أوجه النداء إلى كل العراقيات والعراقيين في الخارج, سواء أكانوا في الولايات المتحدة وكندا أم في استراليا ونيوزيلندا, أم في الدول الأوروبية وكذلك في الدول العربية إلى المشاركة في التظاهرة المنوي قيامها ببغداد من خلال إقامة تجمعات واسعة أما السفارات العراقية في العواصم المختلفة أو في الساحات العامة لعواصم تلك الدول وحيثما أمكن من أجل إعلان التضامن مع شبيبة وشعب العراق لضمان الاستجابة لمطالب الشارع المشروعة والعادلة. 
النداء موجه أيضاً إلى كافة القوى الديمقراطية في خارج الوطن, سواء تلك العاملة ضمن لجان التنسيق للتيار الديمقراطي أم خارجه, للمشاركة الفعالة والواعية في تنظيم مثل هذه الفعالة الاحتجاجية على الأوضاع المتدهورة في العراق وطرح المطالب المشروعة للشعب العراقي.
كلنا يدرك بأن العواقب الوخيمة للصراعات الجارية في العراق على السلطة السياسية والمال والنفوذ الطائفي بين الأحزاب والقوى السياسية المشاركة في الحكم تتحمل مسؤوليته بصورة مباشرة وغير مباشرة تلك الأحزاب السياسية التي وضعت مصالح الشعب خلفها وقدمت عليها مصالحها باسم الطائفة الدينية التي تنتمي إليها. لقد ضربت عرض الحائط مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية وتشبثت بالهوية الطائفية التي, كما نرى, تقود البلاد على مزيد من الصراعات والنزاعات والموت والخراب.
أدعو الجميع للمشاركة في الدعوة إلى هذه التظاهرة في يوم 9/9/2011 تضامناً مع شعبنا وشبيبتنا في العراق. 21/8/2011                   كاظم حبيب


306
كاظم حبيب
ما تزال حليمة لم تغادر العراق وتمارس عادتها القديمة!!

القتل والتخريب هو ديدن القوى المجرمة الإرهابية الفاعلة في العراق, إنها المهمة القذرة الموكلة إلى هؤلاء الوحوش من أيتام أسامة بن لادن وصدام حسين ومن حثالة عزت الدوري وحارث الضاري وبعض المليشيات الطائفية المسلحة الأخرى بقتل أكبر عدد ممكن من الناس الأبرياء, من النساء والأطفال والشيوخ, من أجل إشاعة الخوف وعدم الاستقرار والفوضى في البلاد وعرقلة مشاريع التنمية وتوفير الخدمات والدفع باتجاه مزيد من الهجرة إلى خارج البلاد. لقد سقط هذا اليوم 307 إنساناً عراقياً من مختلف الأعمار ومن الجنسين بين قتيل وجريح في مدن الكوت والنجف والهندية وكركوك وتكريت وخان بني سعد وبغداد وبعقوبة وغيرها من المدن العراقية.
إن قدرة هؤلاء المجرمين على إنزال المزيد من الضربات الإرهابية في العديد من المدن العراقية وفي يوم واحد يدل بلا أدنى شك عن عدة حقائق أساسية لا بد أن نضعها أمام أنظار القوى السياسية الممثلة في المجلس النيابي العراقي وفي الحكومة العراقية الحالية:
1.   إن الصراعات المتفاقمة في ما بين القوى السياسية المشاركة في المجلس النيابي وفي الحكومة الحالية يضعف إلى أبعد الحدود القدرة على مواجهة قوى الإرهاب وتنشا من خلال ذلك أكبر الثغرات التي يتغلغل منها العدو المجرم لإنزال ضرباته بالشعب العراقي وبالاستقرار والحياة اليومية للفرد العراقي.
2.   إن الفراغ الفعلي للوزراء المباشرين في ثلاث وزارات مسؤولة عن الأمن والاستقرار وحماية أرواح المواطنين في كل أنحاء العراق يعطي الانطباع الثابت لقوى الإرهاب بالفراغ السياسي ولا يمنح الثقة بالنفس لكل العاملين في هذه الوزارات وبوجود دعم لهم.
3.   تجد القوى الإرهابية بمختلف تنوعاتها الغطاء السياسي والأمني المباشر وغير المباشر الذي يحميها من مطاردة قوى الأمن والشرطة العراقية أو الجيش العراقي, فهي في مأمن من أمرها لوجود من يحميها ويغطي على  عملياتها ويحتضنها, شئنا ذلك أم أبينا.
4.   وإن أوضاع الكثير من الناس الصعبة غير الاعتيادية وخاصة البطالة والحرمان والفجوة المتسعة بين الفقراء والأغنياء والشعور بالغبن وتفاقم الفساد المالي والإداري هي من بين العوامل المهمة التي تساعد قوى الإرهاب في الوصول إلى المزيد من الناس الذين يشاركون مع الإرهابيين في تنفيذ عملياتهم المناهضة للإنسان والاستقرار في البلاد لقاء عدة دولارات.   
5.   والعامل الرابع يعطي في الوقت نفسه الانطباع للشعب بعدم وجود حماية له ويخشى من التعاون مع الحكومة وأجهزتها الأمنية خشية وصول المعلومات عبر الفساد والعلاقات المشبوهة إلى قوى الإرهاب فيتم الانتقام منهم بقتلهم بطرق وأساليب مختلفة, بما في ذلك الاغتيال المباشر.
6.   إن هؤلاء الأعداء ما زالوا يملكون إمكانيات كبيرة وقدرة على التنظيم والتنسيق في ما بينها من أجل إنزال الأذى الكبير بالشعب العراقي وبالعملية السياسية المهزوزة أصلاًُ, بسبب وجود اختلالات واختراقات غير قليلة في أجهزة الدولة.
إن استمرار هذا الوضع غير السليم لا يعرض حياة قيادات القوى السياسية إلى الخطر, فهي بعيدة وفي مأمن من ضربات قوى الإرهاب الدموية, في حين إن المتضرر والخاسر الوحيد في هذه الأجواء المظلمة هو الشعب, هو الإنسان العراقي الاعتيادي الذي يتعرض للعمليات الإجرامية سواء بالعمليات الانتحارية أو السيارات المفخخة أو الاغتيالات المستمرة.
إن المجرمين القتلة ساديون لا ضمير لهم ولا ذمة, بل هم يمارسون القتل بدم بارد ويفجرون على رؤوس الناس دور العبادة, كما حصل للكنيسة في كركوك. إن المسؤولية في مثل هذه التفجيرات والضحايا المتساقطة يتحملها المجرمون القتلة ومن يقف خلفهم بطبيعة الحال, ولكن لا يمكن أن يعفى منها بأي حال المسؤولون السياسيون وقادة القوائم المتصارعة في ما بينها على السلطة والمغانم الطائفية والشخصية. لا يمكن أن يعفى منها كافة المسؤولين في البلاد, ومنهم أعضاء مجلس النواب والحكومة ورئاسة الجمهورية وكل من يشارك في هذا الصراعات ولا يبذل الجهد الكافي لتجاوز المغانم الشخصية والحزبية والطائفية.
لا يقف وراء هذه الجرائم البشعة والدنيئة التي ترتكب في العراق طرف واحد, بل أكثر من طرف وأكثر من دولة أجنبية, إنها بعض دول الجوار العراقي وبعض القوى الفاعلة في دول الجوار العراقي, إنها القوى التي تريد عدم الاستقرار للعراق لتمارس سياساتها العدوانية ضد شعب العراق وتمنع عنه التطور والتقدم المنشودين.
إنها القوى التي تمارس الاعتداء على الحدود العراقية من جهة, وتلك التي ترسل الجواسيس والقوى والمتطوعين للقتل بأحزمة انتحارية من جهة أخرى. إنها تلك الأصوات أيضاً التي بدأت تنبح بوقاحة منقطعة النظير ضد الشعب العراقي وتشتمه ليل نهار في صحافتها فتثير الجروح القديمة والكراهية في نفوس الناس فتدفع بمزيد من العمليات الإرهابية المدفوعة الثمن سلفاً.
إن على القوى السياسية العراقية, وبغض النظر عن موقفي الناقد لها بقوة وحق, أن تدرك بأن استمرار صراعاتها سيقود إلى مزيد من موت العراقيين على أيدي مختلف صنوف القوى الإرهابية والطائفية السياسية المسلحة وقوى البعث الصدَّامية, المحلية منها والإقليمية, وليس أمامنا إلا أن نحمل هؤلاء جميعاً مسؤولية ما يجري في العراق وعليهم تحمل مسؤوليتهم ما داموا في السلطة, وما داموا يشتركون في حكومة لا يمكن أن نتجاهل ضعفها وتفككها وغياب أي شكل من أشكال الانسجام والتفاهم في ما بينها, دعْ عنك التفاعل والمبادرة في الدفاع عن الشعب ومصالحه وحياته. وهذا الصراع لم يعد بين القوائم الكبيرة فحسب, بل وفي مكونات كل من هذه القوائم. والشعب لم يعد يطيق هذا الصراع ولستن حاله يقول "ملينه منكم والله ملينة!!!"
إن حليمة القديمة لم تغادر العراق ولم تعد واحدة فقط, بل كانت وستبقى, كما ازداد وسيزداد عددهن وتتفاقم أفعالهن الدنيئة والمجرمة ضد الشعب العراقي, ما دام الحكم بعيداً عن الديمقراطية وعن التفاعل مع مطالب الشعب وعن مصالحه, وبعيداً عن تعبئة كل القوى والإمكانيات لملاحقة المجرمين واكتشاف أوكارهم ومن يساندهم ويقدم لهم الحماية, سواء أكان مشاركاً في الحكم أم خارجه!!! 
15/8/2011                      كاظم حبيب     
     

307
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية

بيان التجمع حول مخاطر تفاقم الصراعات في المناطق المتنازع عليها
وعدم تفعيل المادة 140 من الدستور العراقي

أقر حكام العراق منذ صدور قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية ضرورة معالجة المشكلات القائمة في بعض المناطق المتنازع عليها بين الحكومة الاتحادية ببغداد وحكومة إقليم كردستان العراق في أربيل. ثم جرى تأكيد ذلك في الدستور العراقي الذي أقر في العام 2005 وحدد نهاية عام 2007 موعداً للانتهاء من كل تفاصيل المشكلات القائمة حيث ورد النص التالي:
"أولاً . تتولى السلطة التنفيذية اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال تنفيذ متطلبات المادة (58) من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية ، بكل فقراتها.
ثانياً . المسؤولية الملقاة على السلطة التنفيذية في الحكومة الانتقالية ، والمنصوص عليها في المادة (58) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية ، تمتد وتستمر إلى السلطة التنفيذية المنتخبة بموجب هذا الدستور , على أن تنجز كاملة ( التطبيع ، الإحصاء ، وتنتهي باستفتاء في كركوك والمناطق الأخرى المتنازع عليها ، لتحديد إرادة مواطنيها ) في مدة أقصاها الحادي والثلاثون من شهر كانون الأول سنه ألفين وسبعة". (راجع: موقع لجنة تنفيذ المادة 140 من دستور جمهورية العراق بتاريخ 10/8/2011).
ها نحن الآن نقترب من الربع الأخير من عام 2011 واللجنة ما تزال لم تنجز المراحل الأولى من تنفيذ المادة 140. وقد وضع على رأس اللجنة هادي العامري وزير النقل بعد أن كان على رأسها رائد فهمي. إن الوقائع التي تحت تصرفنا تؤكد بما لا يقبل الشك بأن هناك تسويفاً غير مقبول وتجاوزاً على روح ومضمون المادة 140 خاصة ونحن نقترب من العام الرابع على انتهاء المدة التي حددها الدستور لمعالجة تلك المشكلات بما فيها مشكلة كركوك.
إن استمرار المشكلات القومية معلقة ودون حل لا يمكن أن يكون في صالح المجتمع العراقي بأي حال, بل من شأن ذلك زيادة التوتر والصراعات وتحولها إلى نزاعات سياسية حادة غالباً ما تقود إلى عواقب وخيمة على الجميع وعلى الأمن والاستقرار في البلاد وحياة الناس. وهي حالة لا يمكن ولا يجوز قبولها. وبالتالي يصعب فهم العوامل الكامنة وراء خشية الحكومة الاتحادية برئاسة المالكي في دورتيها الأولى والثانية من تنفيذ أو إعاقة تنفيذ بنود المادة 140, في وقت نحن بأمس الحاجة إلى إزالة العوائق التي تقف في طريق معالجة كل المشكلات وخلق الأجواء المناسبة لوحدة الشعب العراقي بكافة قومياته.
إن القوى المناهضة للأمن والاستقرار والسلام الاجتماعي في العراق تستفيد بشكل خاص من استمرار الخلافات إزاء المناطق المتنازع عليها لتزيد من عملياتها الإرهابية ضد سكان تلك المناطق, وهو ما نلمسه في كركوك والسعدية وجلولاء وغيرها خلال السنوات المنصرمة, خاصة وأن قوى الإسلام السياسي المتطرفة والإرهابية وقوى النظام القديم التي ما تزال تعمل في مواقع غير قليلة, وكذلك العناصر الشوفينية في القوات المسلحة تعمل على زيادة التوتر بعمليات اغتيال جبانة ضد الكُرد في هذه المناطق, وكذلك ضد التركمان بهدف إشاعة الصراع بين الكُرد والتركمان أو مع العرب. إن سقوط المئات من المواطنين والمواطنات الكُرد قتلى وجرحى ومعوقين على أيدي القوى الغاشمة وعدم تحرك الحكومة الاتحادية المشرفة إدارياً وعسكرياً على تلك المناطق المتنازع عليها لمواجهة هذه القوى وإفشال مخططاتها يزيد من حالة التوتر والكراهية ويدفع بالناس إلى اتخاذ إجراءات ووقوع حوادث لا شك أن الجميع في غنى عنها.
إن الأمانة العام للتجمع العربي لنصرة القضية الكردية إذ تشجب عمليات الاغتيال العدوانية ضد سكان هذه المناطق, تطالب في الوقت نفسه الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم إلى الدخول في حوار ومفاوضات مباشر لتفعيل المادة 140 وحل كافة الخلافات حول عائدية هذه المناطق من خلال الإجراءات التي أقرتها وثبتتها المادة 140 من الدستور العراقي لسنة 2005, إذ من غير المعقول أن تراوح اللجنة في مكانها طيلة الفترة المنصرمة دون أن تنجز كافة المهمات التي أنيطت بها دستورياً.
إن أوضاع العراق المعقدة الراهنة والخلافات المتفاقمة بين القوائم الممثلة في مجلس النواب وفي الحكومة الاتحادية وتزايد العمليات الإرهابية في مناطق عديدة من العراق واتساع مشكلة الفساد لا تتحمل المزيد من الخلافات والصراعات والنزاعات القومية, وبالتالي لا بد من الجلوس إلى طاولة المباحثات والتحري عن أسباب تعطيل تنفيذ بنود المادة 140 خلال الفترة المنصرمة والعمل على إزالتها والانتهاء منها خلال الأشهر القليلة القادمة من هذا العام 2011. إنه الطريق الوحيد والعملي الذي يساعدنا في الوصول إلى الحلول الواقعية على وفق ما جاء في المادة 140 من الدستور العراقي.
نأمل أن تسود الحكمة والإرادة والواقعية في معالجة هذه المشكلات التي طال أمدها والتي تسببت بها سياسات الحكومات المركزية المستبدة والشوفينية منذ العهد الملكي حتى نهاية حكم الدكتاتورية البعثية والدكتاتور صدام حسين, تلك السياسات التي تميزت بالعنصرية والكراهية, ومنها التعريب والتهجير القسريين للسكان الكُرد من مناطقهم وإسكان العرب في مناطقهم. إن ضمان الحلول العادلة هو الطريق الضامن لوحدة الشعب العراقي بكل قومياته وحماية أرضه ومصالحه وتحقيق تقدمه.
الأمانة العامة
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية
10/8/2011
مع ملحق واحد في أدناه
ملحق المادة 58 من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية     
أ‌)- تقوم الحكومة العراقية الانتقالية ولا سيما الهيئة العليا لحل النزاعات الملكية العقارية وغيرها من الجهات ذات العلاقة، وعلى وجه السرعة، باتخاذ تدابير، من اجل رفع الظلم الذي سببته ممارسات النظام السابق والمتمثلة بتغيير الوضع السكاني لمناطق معينة بضمنها كركوك ، من خلال ترحيل ونفي الافراد من اماكن سكناهم ، ومن خلال الهجرة القسرية من داخل المنطقة وخارجها، وتوطين الأفراد الغرباء عن المنطقة ، وحرمان السكان من العمل ، ومن خلال تصحيح القومية. ولمعالجة هذا الظلم ، على الحكومة الانتقالية العراقية اتخاذ الخطوات التالية :
1. فيما يتعلق بالمقيمين المرحلين والمنفيين والمهجرين والمهاجرين، وانسجاماً مع قانون الهيئة العليا لحل النزاعات الملكية العقارية، والإجراءات القانونية الأخرى، على الحكومة القيام خلال فترة معقولة، بإعادة المقيمين إلى منازلهم وممتلكاتهم، وإذا تعذر ذلك على الحكومة تعويضهم تعويضا عادلا.
2. بشأن الافراد الذين تم نقلهم الى مناطق و اراض معينة ، وعلى الحكومة البت في امرهم حسب المادة 10 من قانون الهيئة العليا لحل النزاعات الملكية العقارية، لضمان امكانية اعادة توطينهم ، اولضمان امكانية تلقي تعويضات من الدولة ، او امكانية تسلمهم لأراض جديدة من الدولة قرب مقر اقامتهم في المحافظة التي قدموا منها ، او امكانية تلقيهم تعويضاً عن تكاليف انتقالهم الى تلك المناطق .
3. بخصوص الاشخاص الذين حرموا من التوظيف او من وسائل معيشية اخرى لغرض اجبارهم على الهجرة من اماكن اقامتهم في الاقاليم والاراضي ، على الحكومة ان تشجع توفير فرص عمل جديدة لهم في تلك المناطق والاراضي .
4. اما بخصوص تصحيح القومية فعلى الحكومة الغاء جميع القرارات ذات الصلة ، والسماح للاشخاص المتضررين، بالحق في تقرير هويتهم الوطنية وانتمائهم العرقي بدون اكراه او ضغط.
(ب)- لقد تلاعب النظام السابق ايضاً بالحدود الادارية و غيرها بغية تحقيق اهداف سياسية . على الرئاسة والحكومة العراقية الانتقالية تقديم التوصيات الى الجمعية الوطنية وذلك لمعالجة تلك التغييرات غير العادلة. وفي حالة عدم تمكن الرئاسة الموافقة بالأجمـاع على مجموعة من التوصيات، فعلى مجلس الرئاسة القيام بتعيين محكم محايد و بالاجماع لغرض دراسة الموضوع وتقديم التوصيات . وفي حالة عدم قدرة مجلس الرئاسة على الموافقة على محكم، فعلى مجلس الرئاسة أن يطلب من الأمين العام للأمم المتحدة تعيين شخصية دولية مرمـوقة للقيام بالتحكيم المطلوب.
(ج)- تؤجل التسوية النهائية للاراضي المتنازع عليها ، ومن ضمنها كركوك ،الى حين استكمال الاجراءات أعلاه، وإجراء إحصاء سكاني عادل وشفاف والى حين المصادقة على الدستور الدائم. يجب ان تتم هذة التسوية بشكل يتفق مع مباديء العدالة، آخذاً بنظر الاعتبار ارادة سكان تلك الاراضي. (راجع موقع: لجنة تنفيذ المادة 140..).
 


308
كاظم حبيب
إرهاب القوى الفاشية يواصل قتل الناس في العراق
من يتابع نشرات الأخبار اليومية, سواء أكانت عراقية أم أجنبية, سيجد أن العراق قد تراجع قليلاً إلى الوراء بالمقارنة مع ما ينشر في الصحافة العالمية ونشرات الأخبار عما يجري في كل من ليبيا وسوريا واليمن, إذ إن القتل أصبح في تلك الدول الثلاث, وخاصة في ليبيا وسوريا, واسع الانتشار ويحصد يومياً عشرات المناضلين الشجعان من شبيبة هذه الدول. والقاتل في هاتين الدولتين هما النظام الاستبدادي الفردي في ليبيا والنظام الاستبدادي الحزبي البعثي الدموي في سوريا. هذا من جانب, ومن جانب آخر فأن القتل في العراق أصبح ظاهرة يومية ملازمة للدولة العراقية واعتاد الناس والمجتمع الدولي عليها ولم يعد يثيرهم إطفاء نور الحياة في عيون عائلات بكاملها أو تفجير قنابل بالقرب من كنيسة أو اغتيال عالم أو طبيب أو أستاذ جامعة وباحث علمي أو صحفي أمين لمهنته. ومقارنة بين العام الماضي والعام الحالي نلاحظ زيادة ملموسة في عدد القتلى والجرحى من العراقيات والعراقيين في هذا العام, إضافة إلى سقوط مزيد من القتلى في صفوف القوات الأمريكية.
السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: كيف ولماذا تتوفر لقوى الإرهاب الإسلامية السياسية وقوى حزب البعث الفاشية وغيرها (القاعدة وهيئة علماء المسلمين وبعض المليشيات الشيعية المسلحة وتنظيمات حزب البعث بقيادة عزة الدوري) الفرصة السانحة لممارسة وظيفتها الدموية اليومية في قتل الناس الأبرياء وإشاعة عدم الاستقرار واختطاف أمن المواطنات والمواطنين في بغداد وكركوك وديالى وصلاح الدين والرمادي وغيرها من المدن العراقية؟
من تابع أوضاع العراق السياسية خلال هذا العام (2011) لأدرك بسهولة إن الأحزاب السياسية الحاكمة والحكومة العراقية بسياساتهم وصراعاتهم ومهاتراتهم اليومية التي لم تنته ولن تنتهي ما دامت عيونهم موجهة صوب الحكم في سعي بعضهم للبقاء فيه أو بعضهم الآخر لاختطافه, وما دام الحكم لم (ولا يريد) أن يلتفت ولو للحظة واحدة صوب الفئات الاجتماعية الكادحة والمقهورة والمهمشة التي تعيش على "مرگة هواء" و"تشريب بصل" أو على الـ"خباز", وما دام الحكم الحالي يلاحق الناس الذين يطالبون بحقوقهم المشروعة, كالكهرباء والماء ومكافحة الفساد المنتشر كالطاعون والبطالة الواسعة في البلاد وقوى الإرهاب, التي لا تترك فرصة إلا واستخدمتها لقتل الناس, ويعتقلهم ويعرضهم إلى التعذيب والتهديد, بل وأكثر من ذلك, كما برز في مؤتمرات هؤلاء الصحفيين وغيرهم, وما دام الحكم عاجزاً حتى الآن عن تعيين وزراء للدفاع والداخلية والأمن الوطني ويقوم رئيس الوزراء بهذه المهمات وكالة, وبالتالي يتسنى له إجراء التغييرات التي يراها ضرورية لتعزيز مواقع حزبه وشخصه والطائفية فيها, هي التي تفسح في المجال ما يكفي من الفرص, شاء الحكم ذلك أم أبى, لقتل المزيد من الناس وفي كل يوم دون استثناء.
الحكومة العراقية الراهنة مشغولة جداً بوضع وطرح قوانين جديدة هدفها التضييق على حرية الإنسان العراقي وحرية الصحافة والتظاهر والتعبير والمعلوماتية ومبتغاها تدجين القوى السياسية المعارضة والمجتمع والقبول بسياسة الحكومة والخضوع لها بما في ذلك التوزيع المحاصصي على أساس طائفي وأثني للوزراء والوزارات والمستشارين والمدراء العاملين والمدراء ..الخ. ولكن هذه السياسة تصطدم بالمزيد من المشكلات لأنها تدفع بالبلاد صوب التراجع عن الحرية النسبية التي توفرت للشعب بعد سقوط الدكتاتورية الفاشية الصدَّامية, وإلى مزيد من السلوكية الفردية والاستبدادية وإلى تفاقم الصراع تدريجاً بين الشعب والقوى الحاكمة. إن المشكلة التي يواجهها الناس تطرح السؤال التالي: هل بدأ حزب الدعوة يأخذ مكان حزب البعث تدريجاً؟ الأيام والأسابيع والأشهر القادمة هي التي ستجيب عن هذا السؤال!
إن التصدي الناجح للإرهاب بكل أشكاله وكل القوى التي تقف ورائه لا يتم إلا من خلال حكومة تحترم إرادة الشعب وتستجيب لمصالحه وتقوم على أساس المواطنة الحرة والمتساوية وتحترم احتجاجاته ومظاهراته وتدرس سبل تحقيق تلك المطالب وإيجاد فرص عمل للعاطلين منهم وتكافح الفساد...الخ. السؤال الذي يطرح علينا جميعاً هو: هل في مقدور حكومة المالكي التي يتآكلها الصراع بين مكوناتها الطائفية على نحو خاص أن تحقق الأمن والاستقرار وتنهي الإرهاب والقتل اليومي؟
ليس فينا من لا يتمنى ذلك, وقد تمنينا له وعليه وعلى حكومته أن ينجزوا المهمات الأساسية التي يطالب بها الشعب. والمظاهرات كان هدفها دفع الحكومة لتحقيق تلك المهمات. ولكن التمني وحده لا يكفي, إذ إن الدلائل التي تحت تصرفنا تؤكد صعوبة ذلك إن لم نقل استحالتها لأسباب ترتبط ببنية الحكومة ونهجها السياسي والاقتصادي والاجتماعي وأساليب وأدوات عملها وموقفها من الشعب وقوى المعارضة. ولهذا نلاحظ استمرار التعثر في ما يفترض أن ينجز من جهة, وممارسة القمع السياسي والأمني جانب رئيس الحكومة وأجهزته الأمنية من جهة أخرى, واستمرار عدم خشية القوى والعناصر الفاسدة من إجراءات الحكومة حين تمارس سرقة أموال الشعب عبر عقود بمبالغ كبيرة جداً وغير نزيهة وفي غير صالح العراق من جهة ثالثة.
لا يتوقف القاتل عن القتل والناهب والسارق عن السلب والسرقة حين تقول لهم جميعاً توقفوا عن ذلك, بل الواجب أن تمارس الحكومة سياسات قادرة على إيقاف واعتقال ومحاسبة هؤلاء المجرمين ومن يقف خلفهم في الداخل والخارج.
علينا أخيراً أن نقول بأن الإرهاب والفساد وجهان لعملة واحدة, وهما نتاج الحكم غير العادل وغير المستقر والقمعي, كما إنه نتاج الصراعات الطائفية السياسية التي تفتت وحدة الشعب العراقي الضرورية للانتصار على الإرهاب والفساد.
9/8/2011                                                                                                              كاظم حبيب

309
كاظم حبيب

هل من سبيل لحل أزمة الحكومة ببغداد؟

تشير معطيات الوضع السياسي الراهن في العراق, وبشكل خاص في العاصمة بغداد, إلى تراكم متواصل في المشكلات السياسية والاقتصادية وتجلياتها في الجانب الاجتماعي من حياة الشعب العراقي عموماً والفئات الكادحة والفقيرة خصوصاً. وتتجسد بدورها في استعصاء فعلي يعقد قدرة حكومة المالكي على معالجة المشكلات القائمة, وبالتالي يزيد من حالة الارتباك السائدة في المحافل والأحزاب السياسية وفي الشارع العراقي. وهذا الاستعصاء في حل المشكلات السياسية قد ساهم في عودة قوى الإرهاب المحلية والشرق أوسطية بكل أطرافها والتي تتدخل يومياً في الشأن العراقي بكل إصرار وفظاظة, لإنزال المزيد الخسائر بالمجتمع العراقي عبر العمليات الإرهابية التي تمارسها, سواء أكانت بتفجيرات كبيرة في مناطق حساسة وخطرة من بغداد, أم بقتل مجموعة من كبار العسكريين والعلماء والمسؤولين في مختلف دوائر الدولة بكواتم الصوت, أم بعمليات تخريبية أخرى تؤكد وجود اختراقات غير قليلة في المواقع المهمة والقريبة من صنع القرارات السياسية والعسكرية من جهة, واستمرار الفساد المالي وشراء الذمم الذي يسهم في تجنيد المزيد من الناس لهذه العمليات الخسيسة من جهة ثانية نتيجة, وتؤكد أيضاً ضعف قدرات قوى الأمن والجهات المسؤولة عن ملاحقة الفساد والمفسدين على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية من جهة ثالثة.

إن تفاقم أزمة الحكومة يؤكد وجود أزمة بنيوية كان وما يزال يعاني منها العراق منذ سنوات طويلة, وأن اتخذت صيغة أخرى, ولكنها في الجوهر تمس البنية الفعلية للنظام, والتي تنتج بدورها ومعها أزمة ثقة طاحنة بين الأحزاب السياسية المشاركة في الحكم, والتي لم يُبذل الجهد الكافي والفعلي الملموس لمعالجتها والتخلص منها, بل كانت وستبقى تعيد إنتاج نفسها وكذلك إنتاج الأزمات الناشئة عنها, وأعني بها طريقة العمل على وفق نظام المحاصصة الطائفية التي يشجبها المسؤولون بكل قوة وبتصريحات متواصلة في حين يعملون بها وبكل قوة وإصرار عجيب. فمن يتابع الأمور الآتية, على سبيل المثال لا الحصر, سيتأكد من هذا الاستنتاج القائل بوجود أزمة بنيوية عصية تبعد الدولة والمجتمع حتى الآن عن الحل:
1. عجز رئيس الوزراء عن استكمال تشكيل الحكومة العراقية بتسمية وزراء للوزارات الأمنية والعسكرية الثلاث والتي احتفظ بها طويلاً بيده, أي بيد رئيس قائمة دولة القانون وحزب الدعوة الإسلامية من جهة, وضعف الحكومة وشللها الفعلي الكبير في إنجاز ما التزمت بإنجازه خلال مئة يوم من جهة أخرى.
2. عجز الأحزاب السياسية الحاكمة في الوصول إلى تنفيذ الاتفاق الذي توصلت إليه الأحزاب السياسية الحاكمة بشأن تشكيل مجلس السياسات العليا عبر وساطة رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني وتحديد صلاحيات هذا المجلس, مما قاد إلى تخلي أياد علاوي عنه والتحرر من التزاماته إزاء التحالف الحكومي!
3. تجلي الصراع الحزبي وصراع القوائم في نشاط مجلس النواب وتأجيله المتوصل للكثير من القضايا الملحة التي تستوجبها مصالح الشعب العاجلة مما قاد إلى اتهام واضح بابتعاد رئيس المجلس عن الحياد المطلوب من موقع كرئيس للبرلمان.
4. وتبرز أيضاً في الموقف من الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة بشأن خروج القوات الأمريكية من العراق في نهاية هذا العام, إذ تتصارع الإرادات المتناقضة في هذا الصدد ومن زوايا مختلفة وفق المصالح التي تحرك مختلف الأطراف السياسية. وقوى الحكم تمارس المزايدة والابتزاز في هذا الصدد دون التفكير بمصالح البلاد وتحقيق الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب الجاري في البلاد.
5. ورغم ما يشار إلى بذل جهود كبيرة لمعالجة الموقف الأمني في البلاد, إلا أن القوى الإرهابية العديدة تجد فرصة ذهبية في الصراعات الراهنة للولوج من خلالها إلى مواقع المعلومات والحصول عليها وإنزال الضربات بالمجتمع وبالمسؤولين لتأكيد عجز قوى الأمن والحكومة عن مواجهتها, خاصة وان الوضع الاقتصادي يسهم في توفير أرضية صالحة لمثل هذه العمليات الإرهابية عبر عناصر بائسة وخبيثة ومستعدة لبيع نفسها للمجرمين القتلة بأبخس الأثمان. ولا يمكن المراهنة على أن من يقومون بكل ذلك هم من أتباع القاعدة أو أتباع المجرم عزت الدوري والبعث الصدَّامي أو من أتباع هيئة علماء المسلمين السنة المتحالفة مع القاعدة والبعث الصدَّامي ومن يوفر لهم الحماية والغطاء السياسي والأمني, بل وإن هناك أطرافاً أخرى تشارك في مثل العمليات الإرهابية استجابة لأجندة إقليمية مناهضة لرغبة الشعب في التطور الديمقراطي في العراق. وقد أدى هذا الواقع, مضافاً إليه الانتفاضات الثورية المستمرة في الدول العربية, قد ساهم بطلب تأجيل عقد القمة في بغداد في هذه الفترة ولأجل غير مسمى, كما يبدو حتى الآن.
6. عجز الحكومة على التصدي للفساد الجاري في البلاد. فما يزال العراق يحتل الموقع المتقدم بين دول ثلاث هي الأكثر فساداً مالياً وإدارياً في العالم, وهو الذي يؤرق الكثير من شعب العراق بسبب أثاره الضارة جداً على عملية التنمية وتنفيذ المشاريع وعلى دخل الأفراد والاستخدام السيئ والتوزيع وإعادة التوزيع الأسوأ للدخل القومي وتسرب الكثير من موارد الدولة إلى خارج البلاد لصالح وحسابات الشركات الاحتكارية الأجنبية وكثرة من الشركات المحلية والأفراد الفاسدين في مؤسسات الدولة وخارجها.
7. كما يمكن الإشارة إلى استمرار عدم حل المشكلات العالقة حول المادة 140 من الدستور العراقي والتي تقود إلى مزيد من تراكم الاحتقان في تلك المناطق, وخاصة في كركوك. ويبدو لي بأن الواقع الحكومي وصراعاته ووجهات النظر المتعارضة هي التي تساهم في تعطيل العمل الجاد لحل هذه المشكلات.
إلا أن هذه المشكلات ذات الطبيعة السياسية تجد أرضيتها الفعلية واستمرار فعلها وإعادة إنتاجها في الصراعات المحتدمة على السلطة الفعلية وحول القضايا المالية والنفوذ في الدولة والمجتمع, ومن ثْمَ عواقب كل ذلك على القضايا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والعسكرية المعقدة وعلى حياة ومعيشة فئات الشعب العراقي. وتجليات ذلك تنعكس في مظاهر كثيرة, ولكن بشكل ملموس ومباشر في المظاهرات الشبابية والشعبية التي تطورت خلال الأشهر والأسابيع المنصرمة وأصبحت ملازمة للوضع العام في البلاد.
يمكن لكل متتبع مدقق للواقع العراقي الراهن تسجيل مثل هذا التوصيف وغيره للحالة المرضية التي يعاني منها العراق. ويمكن أن نسمع ذلك من مسؤولين كبار في الدولة والحكومة أو في مجلس النواب وبعض الأحزاب السياسية. ولكن المسألة الأكثر أهمية هي: هل في مقدور حكومة المالكي معالجة هذا الوضع بتعقيداته الراهنة والمتراكمة؟ وإذا كانت المؤشرات تؤكد صعوبة ذلك, فما هي المشاهد المطروحة على بساط البحث لمعالجة الوضع الراهن؟
لقد انتهى أكثر من ثلثي الوقت الذي حدده والتزم به المالكي أمام الشعب ومجلس النواب في تجاوز الوضع والبدء بمعالجة المشكلات التي طرحها المتظاهرون. ولحد الآن لم يتحقق الشيء الذي يؤكد القدرة على معالجة الوضع القائم؟ فما العمل؟
يبدو لي إن الوضع في العراق قد دخل في عنق زجاجة شديدة الضيق. ولا يمكن الخروج منها وفق ميزان القوى الراهن والذي لا يمكن أن ينتهي لصالح أي من القوى المشاركة في الحكم على حساب القوى الأخرى, وكلها لا تريد التنازل عما تسميه حقوقها المشروعة. ويضعنا هذا الواقع أمام أربعة احتمالات لا غير, كما أرى, , ليس بالضرورة قادرة كلها وبشكل متساوٍ على حل المعضلات:
الأول: إبقاء الوضع على حاله الراهن وهو الذي سيقود إلى تشديد الأزمة وانفجارها في كل لحظة لا يمكن تقدير نتائجها أو عواقبها. وهو لا يمكن القبول به.
الثاني: إجراء تعديل وزاري بيتغير توزيع القوى بما يعتبر دفعاً للوضع السياسي. ولكن هذا الأمر غير مضمون العواقب في ظل موازين القوى الراهنة, إذ أن التعديل الوزاري لا يغير ميزان القوى, بل يكرسه.
الثالث: تخلي المالكي عن رئاسة الحكومة واختيار شخص مستقل وحكومة تتشكل من مجموع من الوزراء التكنوقراطيين الذين يجسدون المصالح العامة للمجتمع وليس المصالح الخاصة للقوى السياسية المشاركة في الحكم. على أن تقوم هذه الحكومة بطلب إلغاء مجلس النواب وإجراء انتخابات عامة جديدة بعد مرور ستة شهور على تشكيل الوزارة الجديدة. إذ يمكن أن تنشأ تغيرات في موازين القوى بما يساعد على تشكيل حكومة أكثرية رغم استمرار عملية التوافق المحتملة فيها ولكن بكفاءة أعلى.
الرابع: تقوم حكومة المالكي نفسها بطلب إجراء انتخابات جديدة على مستوى المحافظات والمجلس النيابي العراقي في مدة أقصاها ستة شهور. وبهذا يمكن أن تتبلور اصطفافات سياسية واجتماعية جديدة تساعد على تشكيل حكومة جديدة لا تقوم على المحاصصة الطائفية, رغم صعوبة ذلك, بل على أساس الأكثرية البرلمانية والتحالفات التي يمكن أن تنشأ. إذ إن هذا الحل يضمن خلق أجواء جديدة.
والتغييرات المحتملة في بنية المجلس النيابي الجديد يمكن أن تبرز نتيجة خمسة متغيرات محتملة:
1. إن الحكومة التي تجري الانتخابات غير حزبية وغير خاضعة لقوى سياسية معينة بل حيادية ومستقلة.
2. ستنشأ في الغالب الأعم مستجدات سياسية تقود إلى تشكيل تحالفات وقوائم انتخابية جديدة تختلف عن تلك التي تمت في العام 2010.
3. نشوء وعي سياسي واجتماعي أكثر قدرة على التمييز بين البرامج والمرشحين والقوائم الانتخابية وتحالفاتها في ضوء تجربتي 2005 و2010.
4. تحقيق إشراف دولي وإقليمي من جانب الأمم المتحدة والجامعة العربية ومجالس وجمعيات حقوق الإنسان والمجتمع المدني على الانتخابات المقترحة أكثر من الفترات السابقة وإلزامها بملاحقة احتمالات استخدام الأموال والعطايا والتزوير ومنعها من الحصول قدر الإمكان.
5. إجراء تغيير كامل في بنية المفوضية المستقلة للانتخابات. إضافة إلى ضرورة التشدد وأكثر من السابق في الرقابة على البرامج والدعاية ومنع التدخلات الخارجية والداخلية أو ممارسة الفكر القومي الشوفيني أو الفكر الديني والطائفي السياسيين أو التمييز الديني في المنافسة الانتخابية.
من هنا يبدو لي بأن الحل الثاني هو الأكثر اقتراباً من حاجة العراق وأكثر إنصافاً للجميع ويسمح بمعالجة أكثر واقعية وأكثر قبولاً من جانب المجتمع. إلا إن هذا وغيره خاضع للواقع الراهن وموازين القوى.
على وفق تتبعي للوضع في العراق لم يحصل حتى الآن ذلك التغيير العميق والواسع في الوعي السياسي والاجتماعي في صفوف المجتمع العراقي, رغم معاناته الكبيرة وتظاهراته المتسعة, بحيث يمكن تغيير موازين القوى كثيراً, مع إن ما يحصل في الدول العربية من انتفاضات تدعو للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان يدعو إلى التفاؤل في إمكانية حصول تحولات مهمة في وعي الإنسان العراقي وبالتالي في خياراته الانتخابية. إن هذا الأمل والتفاؤل يبقى قائماً وهو في صالح المجتمع كله, ولكن ليست هناك عصا سحرية قادرة على تحقيق ذلك, بل يستوجب الكثير من الجهد من جانب القوى السياسية الديمقراطية وتلك التي ترفض الطائفية السياسية والمحاصصة القائمة على أساسها وتدعو للأخذ بمبدأ المواطنة الحرة والمتساوية التي تستجيب لتحقيق وحدة النسيج العراقي وتفاعله وتضامنه وحقوقه.
كل المؤشرات التي بين أيدي الكاتب حتى الآن لا تشير إلى احتمال الأخذ بأحد الاحتمالات الثلاثة (2-4) من جانب رئيس الوزراء أو قيادات الأحزاب السياسية. ولكن إذا تعذر على رئيس الوزراء إيجاد الحل المناسب في إطار الحكومة الراهنة, فإنه, وكما أرى, سوف يجد نفسه أمام أحد تلك الاحتمالات, إذ لن يجد طريقاً آخر غير ذلك, ولن يقبل التضحية بحياته السياسية والتي لا أظن أنه يقبلها لنفسه, بل سيقبل التحدي.
إن كل الخيارات التي أمام القوى السياسية العراقية صعبة, ولكنها يمكن أن تقدم البديل لوضع الركود الراهن في الحياة السياسية الداخلية ولن تغير من حقيقة هذا الجمود السفرات الخارجية وعقد الاتفاقيات الدولية, إذ إنها لا تبعد انتباه الناس عن أوضاعهم الداخلية التي لا نريد العودة لتوصيفها ثانية.
إن الأزمة الراهنة طاحنة ومؤذية للجميع وليس هناك من يستفيد منها سوى قوى الإرهاب وقوى الفساد التي تعيش وتنمو وتتطور على تعقيدات وجمود الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي. إنها مؤذية لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء وجميع أعضاء مجلس النواب وللأحزاب المشاركة في الحكم, وتلك التي خارجه, ولكنها مؤذية بصورة أكبر للشعب العراقي بكل مكوناته القومية. فهو المستهدف من قوى الإرهاب ومن يقف خلفها. ولهذا لا بد من إيجاد الحل المناسب الذي يسهم في البدء بمعالجة أزمة الحكومة والمجتمع في آن واحد.
إن الأمل وحده لا يكفي للوصول إلى حل للأزمة, بل يستوجب العمل الجاد والدؤوب والمخلص من جانب الجميع, وخاصة من تلك القوى التي تعتبر سبباً في نشوء الأزمة المستعصية الراهنة. ومع إن الأزمة الراهنة هي نتاج تراكمي معقد ومركب وطويل الأمد, فإن تعقيدات ومشكلات كثيرة جديدة نشأت وتبلورت خلال الأعوام الأخيرة وتراكمت فوق القديم منها وزادت من حدة الأزمة التي يعاني منها المجتمع.
في حالة عدم حل الأزمة من جانب رئاسة الجمهورية والحكومة ومجلس النواب والأحزاب الحاكمة عبر اتخاذ إجراءات محددة ومعروفة للجميع, فإن حلها سيكون بيد الشعب العراقي بكل مكوناته. وهذا ما برهنت عليه الأحداث السلمية الأخيرة في الدول العربية, وفي العراق أيضاً حين خرجت المظاهرات السلمية مطالبة بالإصلاح, وعندها ستجد القوى والأحزاب والسلطة السياسية نفسها أمام واقع جديد لم تستطع تصوره قبل ذاك.
أوائل آب/أغسطس 2011                  كاظم حبيب   

310
هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق
تهنئة حارة إلى جميع مسلمي ومسلمات العراق والعالم

بمناسبة حلول شهر رمضان وبدء صيام المؤمنين والمؤمنات تتقدم الأمانة العامة لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق بأحر التهاني وأطيب التمنيات إلى كافة مسلمات ومسلمي العراق والعالم متمنية لهم الصحة الموفورة والصيام الهانئ والسهل والمقبول. كما تتمنى للشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والسياسية الوطنية والديمقراطية التفاهم والتعاون والتكامل والتلاقح الثقافي والعدالة الاجتماعية والرفاهية, وراجية للعراق الحبيب استعادة الاستقلال والسيادة الوطنية والخلاص من قوى الإرهاب والفساد والشوفينية والطائفية السياسية ومن القتل اليومي وبناء واستعادة الأمن والاستقرار والسلم الاجتماعي والحياة الديمقراطية المؤسسة وحرية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة ومتمنية للعالم العربي نجاح انتفاضاته الوطنية والديمقراطية الشعبية لصالح إرساء الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسلام في البلدان العربية.
الأمانة العامة
هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق
1/8/2011

311
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية


بيان حول الاعتداءات الإيرانية على الحدود العراقية في إقليم كردستان العراق

منذ فترة غير قصيرة توجه القوات العسكرية الإيرانية, وبأوامر من حكومتها "الإسلامية !" قذائف مدفعيتها الثقيلة صوب القرى الكردية المأهولة بالسكان في إقليم كردستان العراق. إلا إن هذه القوات قد وسعت في الآونة الأخيرة من المساحة الحدودية التي وقعت تحت رحمة قذائف مدفعيتها, كما زادت من عدد القذائف اليومية التي تطلقها باتجاه السكان والقرى الكردية الآمنة. مما أدى إلى هروب عدد كبير من سكان هذه القرى والأرياف بعد أن قتل البعض منهم وأصيب البعض الآخر بجروح, كما خسرت جمهرة من الرعاة والفلاحين الكثير من أغنامهم وأبقارهم وحيوانات الجر التي تستخدم في الفلاحة والنقل.   
وتدعي الحكومة الإيرانية زوراً بوجود قوى كردية من إقليم كردستان إيران في القرى والمناطق الجبلية الكردية, في حين إن المناضلين الكُرد من إقليم كردستان إيران يناضلون على الأراضي الكردستانية في إيران وليس على الأراضي الكردستانية ضمن الحدود العراقية. وهي محاولة إيرانية فاشلة لإبعاد أنظار المجتمع الدولي والشعب الإيراني عن الجرائم التي ترتكبها الحكومة الإيرانية يومياً بحق بنات وأبناء القومية الكردية في إيران وحرمانهم من أبسط حقوقهم القومية المشروعة والعادلة, وهم يناضلون من أجل تلك الحقوق لا غير.
إن توجيه إيران قذائف مدفعيتها الثقيلة باتجاه القرى الكردية لا يعالج أي موضوع خلافي, بل يزيد الأمر تعقيداً بين الدولتين. وليست العمليات الإجرامية المخالفة للأعراف والقوانين الدولية التي تمارسها إيران حالياً يمكنها أن تكون بديلاً للحوار والمفاوضات مع الحكومة الكردية والحكومة العراقية لمعالجة الموقف. إن السياسية الإيرانية الراهنة التي تقذف بحممها على القرى الكردستانية وعلى سكان كردستان من الفلاحين الفقراء يومياً وتدفع بهم إلى الهجرة إلى مناطق أخرى تاركين وراءهم دورهم وما يملكون تهف في واقع الحال إلى إشاعة عدم الاستقرار والفوضى وخلق مشكلات جديدة للعراق وإقليم كردستان العراق.
وهي سياسة إيرانية حكومية حمقاء, إذ تسمح للكراهية والأحقاد بالظهور ثانية بدلاً من توفير أجواء الود والصداقة والألفة بين شعبي الدولتين.
 إن التجمع العربي لنصرة  القضية الكردية إذ يدين هذه العمليات العسكرية العدوانية, يطالب الحكومة الإيرانية بإيقاف قصفها المدفعي وعدوانها السافر على  الحدود العراقية أولاً, والبدء بالحوار مع الطرف العراقي, وهما الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم ثانياً, ودفع تعويضات للفلاحين والرعاة الذين خسروا منازلهم وقراهم ومزروعاتهم بسبب القصف الهمجي ثالثاً, والكف عن أي أعمال عسكرية لاحقاً ضد إقليم كردستان العراق, إذ إنه اعتداء على حرمة وسيادة العراق, والعمل على حل الخلافات بالطرق التفاوضية والسلمية أو الذهاب إلى الأمم المتحدة.
كما إن على الحكومة العراقية أن ترفع شكوى إلى مجلس الأمن الدولي لمناقشة موضوع العدوان الإيراني والعمل على إيقافه مباشرة, إذ من غير المعقول أن يسمح المجتمع الدولي بالعدوان العسكري المتواصل على الحدود العراقية دون ردع أو عقوبة تنزل بالدولة المعتدية.
إن الحكومة العراقي لم تحرك حتى الآن ساكناً, وكأن الأمر لا يعنيها أو خارج مسؤوليتها الاتحادية. وهو أمر خاطئ وترتكب خطأ فادحاً إن واصلت السكوت وتركت إيران تواصل عدوانها, إذ يمكن أن يسمح هذا الموقف المهادن لإيران بتجاوز الحدود إن لم تكن قد فعلته حتى الآن!
إن الأمانة العامة للتجمع إذ تؤيد بحرارة التظاهرات الشعبية الاحتجاجية التي توجهت يوم 26/7/2011 صوب القنصلية الإيرانية في أربيل ضد الاعتداءات الإيرانية والمطالبة بإيقافها, تدعو في الوقت نفسه إلى تنظيم تظاهرة وطنية مماثلة في بغداد والبصرة أمام السفارة الإيرانية في بغداد وقنصليتها في البصرة لكي تدرك إيران بأن الشعب العراقي كله يقف ضد هذه الاعتداءات ويدينها ويطالب بوقفها فوراً.
الأمانة العامة
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية
26/7/2011
     

312

كاظم حبيب
حكومة إيران وممارسة العدوان على شعب كردستان العراق

صرح السيد حسن السنيد بتاريخ 23/7/2011. رئيس لجنة تقصي الحقائق في البرلمان العراقي بأن إيران لم تعبر الحدود العراقية, ولكن قذائف المدفعية الإيرانية تضرب القرى الحدودية في الأراضي العراقية, وأنه سيقدم تقريراً بهذا الخصوص إلى المجلس!
قناة العراقية الساعة 19 مساءً   
تشكل فيدرالية إقليم كردستان العراق شوكة في عين الحكومة الإيرانية, إذ كلما بذلت حكومة الإقليم جهوداً كبيرة لتعزيز علاقاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية مع الحكومة الإيرانية, ازدادت عنجهية الحكومة الإيرانية وتطاولت أكثر فأكثر على سيادة العراق والإقليم, وكأن رغبة الإقليم في إقامة علاقات ودية وطيبة وطبيعية مع إيران تنبع من نقطة ضعف إزاء الحكومة الإيرانية وليس من رغبة في الصداقة. وهي لا تأخذ بالاعتبار أن الإقليم يشكل جزءاً من الدولة العراقية التي يفترض أن يحترم أيضاًَ. ومما يجدر ذكره أن جهود الحكومة العراقية الراهنة في تعميق علاقاتها مع الدولة والحكومة الإيرانية تؤخذ من جانب الأخيرة على إنها من باب تحصيل حاصل, إذ أن العراق ضعيف أمام إيران, خاصة وأن لإيران قوى سياسية مماثلة لقوى الحكم الإيراني تؤيدها في ما تذهب إليه وتمارسه في العراق عموماً وفي الإقليم أيضاً.
وخلال فترة طويلة, وخاصة في الفترة الأخيرة, لم تكف إيران عن توجيه الضربات العسكرية إلى المناطق الحدودية وإلى الريف الكردستاني بذريعة وجود قوات مقاتلة للكُرد من إقليم كردستان إيران في المناطق الجبلية العراقية القريبة من الحدود الإيرانية, وبالتالي فهي تعرض الشعب الكردي في العراق إلى خسائر في الأرواح والممتلكات والمزارع والحيوانات بدم بارد وبروح عدوانية شرسة.
والغريب بالأمر أن الحكومة العراقية لم تحتج ولم ترفع شكوى ضد هذه الاعتداءات إلى مجلس الأمن الدولي لمناقشة الأمر ووضع حدٍ له على وفق القواعد والقوانين الدولية المعمول بها في مثل هذه الحالات. إن على الحكومة العراقية وحكومة الإقليم أن تنسقا معاً لرفع القضية إلى مجلس الأمن ما دامت إيران غير مستعدة لبحث الموضوع وحل المشكلات بالطرق التفاوضية والسلمية, كما إن من واجب الحكومة الأمريكية التي تتحدث عن كونها مسؤولة عن أمن وسلامة العراق حتى الآن أن تساهم في دراسة الموضوع وفي رفع القضية إلى مجلس الأمن الدولي.
إن حكومة الإقليم والأحزاب السياسية الكردستانية لا تتدخل في الشأن الإيراني, بل هي حريصة على إقامة علاقات طبيعية مع إيران, وكذلك مع تركيا. ولكن على إيران أن تعي بأن منطقة الحدود بين الدول لا يمكن ضبطها, إذ غالباً ما يمكن أن يتحرك المناضلون في سبيل قضاياهم العادلة على المناطق الحدودية بين مختلف الدول ولا يمكن منعها بسبب عدم القدرة على ضبط الحدود. وبالتالي فمن واجب الحكومة الإيرانية أولاً وقبل كل شيء معالجة مشكلة القوميات في إيران وليس الاعتداء على العراق وإقليم كردستان. فإيران ومنذ عقود تصادر حقوق الشعب الكردي القومية في إقليم كردستان إيران وتعرض المناضلين فيه إلى خطر الاعتقال والقتل أو الحكم بالإعدام مما يثير غضب الشعب الكردي في إيران ويدفع به إلى المزيد من النضالية لانتزاع حقوقه المشروعة كما حصل في العراق. والعراق في حله للمشكلة الكردية أخيراً يقدم نموذجاً يقتدى به من قبل الشعب الكردي في إيران وتركيا وكذلك الكُرد في سوريا.
لا نكشف سراً حين نؤكد وجود جيوب إيرانية في العراق, وكذلك في إقليم كردستان العراق تتمثل بـ:
1 . قوى أمنية إيرانية وحرس ثوري إيراني يعملان في العراق وفي إقليم كردستان بصورة سرية وإلى حدود غير قليلة معروفين للحكومتين كما أعتقد.     
2. قوى إسلامية سياسية مؤيدة لإيران في سياساتها إزاء العراق وإزاء كردستان بهدف زعزعة الوضع في البلاد, وخاصة  في الإقليم لأنه يشكل النموذج الذي ترفضه للكُرد في إيران أيضاً.
3 . شركات تجارية ومقاولات ووكالات أنباء وحسينيات ومؤسسات دينية "خيرية!" تعمل بالتنسيق مع أجهزة الأمن والحرس الثوري في إيران ولصالحها ضد مصالح وإرادة الشعب العراقي , وكذلك ضد إرادة الشعب الكردي في كردستان العراق.
إن استمرار مواقف الضعف في مواجهة هذه الاعتداءات اليومية على الحدود العراقية في الإقليم سيجعل إيران تتمادى في غيهِّا وتواصل القصف المدفعي وربما الجوي على الأراضي العراقية وتواصل استخدام قواعدها السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية ضد مصالح البلاد. ولهذا لا بد من أن يتحرك العراق لوضع حد لها لا من خلال الرد بالمثل, إذ لا طاقة للعراق على ذلك ولا موجب له أساساً, بل من خلال الهيئات والمنظمات الدولية المسؤولة عن معالجة مثل هذه الحالات. لقد أجبرت الكثير من العائلات الفلاحية على  ترك مناطق سكناها خشية سقوط قذائف المدفعية الإيرانية على رؤوسهم, وقد قتل البعض وجرح البعض الآخر من جراء هذا القصف اليومي تقريباً.   
تعتبر إيران في هذه المرحلة دولة عدوانية وتوسعية ومشاكسة في منطقة الشرق الأوسط, كما تسعى إلى تصدير وجهتها الدينية المتطرفة إلى الدول العربية, كما في وجود حزب الله في لبنان والعراق وقوى سياسية أخرى مماثلة في البلدين وفي غيرهما. ومن هذا المنطلق في الذهنية التوسعية الدينية والشوفينية الفارسية تسعى إلى تعزيز قدراتها العسكرية الهجومية والدفاعية, إضافة إلى إنتاج جميع أنواع الأسلحة المحرمة دولياً, وخاصة السلاح النووي الذي تعمل على إنتاجه بجهود كبيرة ومستمرة. إن إيران تشكل مخاطر كبيرة على منطقة الشرق الأوسط, وهي بسبيل تنشيط سباق التسلح فيها وفي منطقة الخليج من خلال تعاظم حجم الأموال الموجهة لاستيراد السلاح من حكومات هذه الدول. فأخر وجبة دبابات عقدت مع السعودية ستستورد السعودية بموجبها 200 دبابة من طراز ليوبارد 2. وكذلك ازدادت استيرادات دول الخليج وإسرائيل وإيران ذاتها خلال عامي 2010 و2011.
إن على  المجتمع الدولي أن ينتبه إلى هذه المخاطر ويعمل من أجل معالجتها لا بغض النظر عنها, بل باتخاذ الإجراءات الكفيلة بوضع حدٍ لها قبل أن تتحول إلى مرض عضال يستوجب استئصاله بعملية جراحية, أي بحرب دموية, وهو ما لا يجوز حصوله. كما إن الرأي العام العالمي يتحمل مسؤولية ممارسة الضغط على المجتمع الدولي لدفعه باتخاذ الإجراءات العقابية الرادعة قبل استفحال المعضلة.
23/7/2011                كاظم حبيب
 



313

كاظم حبيب

بداية ربيع الشعوب في الدول العربية وبداية النهاية لقوى الإسلام السياسي

عند متابعة نضال شعوب الدول العربية بمختلف قومياتها في منطقة الشرق الأوسط ومنذ سقوط الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى, ثم مروراً بفترات الانتداب والحرب العالمية الثانية وعقود النصف الثاني من القرن العشرين حتى الوقت الحاضر يتعرف المتابع لأحداث هذه الحقبة الطويلة من الزمن على أربع مراحل شهدت صعوداً وهبوطاً في النضال الوطني والديمقراطي وإنجازات ومكاسب وانكسارات وهزائم مريرة شملت جميع الدول العربية دون استثناء. ويمكن الإشارة إلى هذه المراحل بما يلي:
1. تمتد المرحلة الأولى من سقوط الدولة العثمانية ووقوع الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط تحت الاحتلال والانتداب البريطاني أو الفرنسي وتصاعد النضال الوطني لفئات من المجتمع للخلاص من الاستعمار والهيمنة الأجنبية والتي امتدت إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية, حيث تشكلت في هذه الدول الحديثة التكوين حكومات تجسد مصالح طبقة الإقطاعيين وكبار الملاكين وشيوخ العشائر والتجار الكومبرادور التي تحالفت بصيغ ومستويات مختلفة مع الدول الاستعمارية وعبرت عن مصالحهما المشتركة واستمرار وجودهما المشترك.
2. وفي المرحلة الثانية تصاعد النضال الهادف إلى انتزاع الاستقلال والسيادة الوطنية ووضع خيرات البلاد بيد شعوبها والخلاص من العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية والأبوية المتخلفة وإقامة العلاقات الإنتاجية الرأسمالية ومن أجل انتزاع الحرية والديمقراطية وحقوق ا\لإنسان. وهي الفترة التي أعقبت سقوط الفاشية في الحرب العالمية الثانية وانتعاش مبادئ الحرية والحياة الديمقراطية على الصعيد العالمي وصدور اللائحة الدولية لحقوق الإنسان في العام 1948. وقد تتوجت هذه الفترة بتفاقم الصراع بين النظم الرجعية الحاكمة والشعوب والقوى والأحزاب المعارضة المتطلعة للحياة الجديدة. ورغم قوة وتطور الحركات لشعبية في الدول العربية, فإنها عجزت عن إقامة نظم ديمقراطية في البلاد, مما دفع بقوى في الجيش بتنظيم الانقلابات العسكرية والاستيلاء على السلطة, كما حصل في سوريا ومصر والعراق وفيما بعد في اليمن والسودان. وعبر هذه الانقلابات العسكرية ذات الوجهة الوطنية العامة المعادية للاستعمار وصلت فئات من البرجوازية الصغيرة ذات الأهداف الوطنية والقومية العامة إلى الحكم. ولم تؤسس هذه القوى الحكم على مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان, بل فرضت نظماً سياسية مستبدة وغير ديمقراطية وأصرت على البقاء في السلطة وعدم العودة إلى ثكناتها العسكرية. وقد عاشت شعوب الدول العربية مداً قومياً مناهضاً للاستعمار وغير ديمقراطي في آن واحد جر خلفه الملايين من البشر بشعارات ديماغوجية مع تشويه وتزييف في وعي الكثير من البشر. ويمكن أن يتلمس الإنسان في هذه الفترة تفاعلاً واسعاً وتبادلاً في التأثير بين شعوب هذه المنطقة عموماً وحركاتها الوطنية المناهضة للهيمنة الأجنبية, كما في فترة نهوض الشعب الإيراني في الربع الأول من العقد السادس من القرن الماضي.
3. وفي المرحلة الثالثة شهدت شعوب الدول العربية انتكاسة شديدة في حركاتها النضالية الديمقراطية وانحساراً شديداً في دور القوى الديمقراطية واليسارية منذ أن تسلطت القوى القومية والبعثية اليمينية على زمام الأمور في بعض الدول العربية, في حين تواصل في بعضها الآخر وجود حكومات رجعية مناهضة لمصالح شعوبها, سواء أكانت ملكية أم جمهورية, إذ تبين زيف دعوات كل تلك الحكومات للديمقراطية والنضال ضد الإمبريالية وفي سبيل الوحدة العربية. وعجزت وهي في السلطة عن تحقيق التقارب في ما بين نظمها السياسية وما بين قواها المتعددة في العديد من الدول العربية الأخرى, بل شارك كل منها في التآمر على بعضه الآخر. ويفترض تأكيد حقيقة أنها لعبت دوراً كبيراً جداً في قمع الحركات والقوى الديمقراطية واليسارية وسعت إلى إخضاعها لها وتحت خيمتها الفكرية الواحدة وتصفيتها وتصدت بعنف شديد للمناضلين في سبيل إقامة مجتمع مدني ديمقراطي علماني يستند إلى دستور ديمقراطي وحياة دستورية وبرلمانية تعددية.
بدأت هذه الانتكاسة منذ نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات في العراق وسوريا ومصر من القرن العشرين وتفاقمت مع اندحار الجيوش العربية في الحرب ضد إسرائيل في حرب الأيام الستة 1967. وقد تلقت الحركات اليسارية والديمقراطية في العراق وسوريا والسودان ومصر والجزائر وتونس وغيرها ضربات قاسية من حكام تلك الدول وقمعت المطالب القومية العادلة والمشروعة للقوميات الأخرى وزج بأتباعها والمدافعين عنها من القوى الديمقراطية واليسارية في السجون والمعتقلات أو تمت تصفية الكثير من المناضلين في سبيل الحرية والديمقراطية والحقوق القومية العادلة والتقدم الاجتماعي بصيغ مختلفة.
ثم زاد الأمر سوءاً دفاع دول "المنظومة الاشتراكية" عن هذه النظم الشوفينية والقمعية ومساندتها لها لدعائها مزيف بالنضال ضد الاستعمار, في حين أنها كانت تعمل بكل ما أوتيت من قوة في قمع الحركات والقوى الديمقراطية وخاصة القوى اليسارية منها. وقد نشأ هذا التأييد لهذه النظم من مواقف براغماتية للدول "الاشتراكية" في صراعها مع الدول الرأسمالية وتحريها عن حلفاء لها في منطقة الشرق الأوسط حتى لو كانت هذه النظم مستبدة وجائرة تحت ذريعة أنها قوى من البرجوازية الصغيرة الثورية ومجموعات من الضباط الأحرار التي يمكن أن تسير صوب البناء "اللارأسمالي" أو تتجه صوب "بناء الاشتراكية" حتى لو كانت في البداية غير ديمقراطية ومستبدة وتمارس القتل وتصفية الأحزاب الشيوعية واليسارية والقوى الديمقراطية في بلدانها! ولم يكن هذا الأمر مقبولاً بل مرفوضاً من جانب القوى الديمقراطية والتقدمية وسكوت على مضض من جانب الكثير من الأحزاب الشيوعية في المنطقة أو مسايرة الموقف. وقد خلق هذا الموقف ازدواجية وعدم مصداقية لدى الأوساط الشعبية والكثير من المثقفين الديمقراطيين.  لقد تغافلت تلك المنظومة "الاشتراكية" بدولها العديدة, وخاصة الاتحاد السوفييتي, عن قصد انتهازي صارخ بأن التوجه صوب الاشتراكية لا يمكن أن يتم دون الالتزام الفعلي بمبدأ الحرية الفردية والحياة الديمقراطية والتعددية الفكرية والسياسية وبناء الحياة الدستورية البرلمانية والالتزام الفعلي والكامل بحقوق الإنسان. ولم يكن غريباً أن تسقط تلك النظم السياسية "الاشتراكية" تحت تأثير وفعل ذلك الانفصام الفعلي النظري والتطبيقي بين مفهوم ومضامين الاشتراكية (العدالة الاجتماعية) ومفهوم ومضامين الحرية والديمقراطية في واقع الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية وسيادة البيروقراطية والانتهازية ومن ثم الشمولية في الفكر وفي ممارسة الحكم . ولا شك في أن هذا الفكر قد وجد تعبيره في الغالب الأعظم فيب جميع الأحزاب الشيوعية في الدول العربية دون استثناء, مما تجلى في الإدعاء بتمثيل الطبقة العاملة وليس السعي لذلك أو في تصور امتلاك الحق والحقيقة كلها وبطلان الرأي الآخر أو بادعاء أفضلية الشيوعيين في النضال بالمقارنة مع بقية المناضلين ...الخ. وهو مرض لم تتخلص من بعضه الأحزاب الشيوعية في الدول العربية ولدى الكثير من الشخصيات الشيوعية واليسارية عموماً, أو بقاء قادة الأحزاب الشيوعية سنوات طويلة على رأس أحزابهم وكأنه ملك طابو لا يجوز امتلاكه إلا في حالة الموت أو لا يوجد أفضل منه لقيادة هذا الحزب أو ذاك. وهو مرض ورثناه من الكنيسة الكاثوليكية والديانة اليهودية ومن الخلافة الإسلامية. وهو مرض عضال لا بد من مكافحته بهدف التجديد والتحديث وتطوير المبادرة والإبداع.   
دخلت القوى اليسارية والديمقراطية في الدول العربية في أزمة فكرية وسياسية واجتماعية ثقيلة بسبب انهيار النموذج الذي كانت تروج له الأحزاب الشيوعية وأغلب القوى اليسارية وتبتعد عن انتقاد سياساته ومواقفه على الصعيد الداخلي والدولي وتسعى إليه, وبسبب عجز الأحزاب الشيوعية واليسارية الأخرى عن ممارسة الاستقلالية في التفكير وتكوين الرأي السياسي المستقل عن الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي والحركة الشيوعية العالمية في القضايا الدولية والإقليمية وأحياناً كثيرة المحلية, وبسبب ضعف مستواها الفكري وقدرتها التحليلية المستقلة, إضافة إلى عجزها عن احتواء الأزمة الفكرية والسياسية وإجراء تحديث وتجديد في الفكر والممارسة في جميع الدول العربية دون استثناء كجزء من الحركة الشيوعية واليسارية على الصعيد العالمي. وقد أثر كل ذلك على الشعوب العربية وعلى نضالها وتواصل هذا الانحسار طويلاً. ومنذ الثمانينات من القرن الماضي حتى نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين واجهت الشعوب في الدول العربية طوال خمسة عقود تجلت فيها الظواهر السلبية التالية:
1.   حالة تقهقر شديدة في سلوك القوى القومية والبعثية صوب الأسوأ, سواء أكانت في الحكم أم خارجه, ومارست بسلوكها وسياساتها نشر الإحباط في صفوف الشعوب في الدول العربية تحت شعارات قومية زائفة أو الهروب إلى الخلف مرة وإلى الأمام مرة أخرى دون أي شعور بالمسؤولية إزاء مصائر تلك الشعوب وعواقب سياساتها. ورغم وقوع الكثير من الأحداث الخطيرة والتحولات الهائلة على الصعيد العالمي فهي ما تزال ثابتة على خطابها السياسي القديم وشعاراتها السياسية المتخلف والمزيفة والمرفوضة من أوساط شعبية واسعة, وهي فرحة بهذا الجمود الفكري والتخشب السياسي. ويقدم المؤتمر القومي العربي ببياناته السنوية إلى الأمة نموذجاً حياً لهذا الجمود والتقوقع العدمي.     
2.   المحاربة الشديدة من جانب النظم الحاكمة في الدول العربية لكل القوى والأحزاب الديمقراطية واليسارية ومن يدخل ضمن مفهوم التيار الديمقراطي في الدول العربية من جهة, وسقوط دول المنظومة الاشتراكية وانهيار مؤقت لحلم الخلاص من الاستغلال لدى الكثير من الناس من جهة ثانية, ومصاعب التجديد والتحديث والعجز الواضح عن وعي التحولات الجارية على الصعيدين العالمي والإقليمي التي عانت منها كل قوى اليسار في هذه المنطقة من العالم وعلى الصعيد العالمي من جهة ثالثة, إضافة إلى تفاقم البطالة والفقر والحرمان في صفوف فئات واسعة في الدول العربية رغم غنى المنطقة وتفاقم التمايز الطبقي والمعيشي بين طبقات وفئات الشعب من جهة رابعة. كما لا بد من الإشارة إلى انحسار ملموس في الطبقة الوسطى الصناعية والزراعية والطبقة العاملة أيضاً. 
3.   وفي مقابل هذا لعبت النظم القومية والرجعية دوراً كبيراً باتجاهات ثلاثة قادت إلى تعزيز مواقع قوى الإسلام السياسية في صفوف الشعوب وزيادة تأثيرها الفكري الديني المتخلف والسياسي الرجعي. وقد ساهمت الدول الرأسمالية الكبيرة بدور مباشر وأساسي في هذا الجهد المناهض للتقدم والديمقراطية:
أ‌.   التنافس معها بذريعة سحب بساط الدين من تحت أقدام القوى الإسلامية السياسية مما ساهم في تكريس الفكر الديني الرجعي والمتخلف في أذهان المسلمات والمسلمين. وقد تبلور هذا في المساجد والجوامع المتعاظم عددها وفي المدارس الحكومية, إضافة إلى المدارس الدينية ونشر الكتب والمجلات والدعايات الدينية على أوسع نطاق ممكن تباع بأسعار رخيصة جداً أو توزع مجاناً.
ب‌.   دعم القوى الإسلامية السياسية المتخلفة والإرهابية في مكافحة القوى الديمقراطية واليسارية والحركات الشيوعية بدعوى مخالفتها للإسلام, وخاصة بعد أن شكلت لها ميليشيات مسلحة لتحارب وجود السوفييت في أفغانستان والتي سمحت فيما بعد بانتشارها على صعيد الدول العربية والإسلامية وبين المسلمين في الدول الأخرى. 
ت‌.   السياسات الاقتصادية والاجتماعية المعبرة عن مصالح الطبقات والفئات الحاكمة وتفاقم البطالة والفقر في هذه البلدان واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء بحيث حولت الكثير من بنات وأنباء هذه الدول ضد حكوماتها المستبدة والظالمة وغير العادلة.
ث‌.   السياسات المناهضة للديمقراطية والمجتمع المدني والحياة الدستورية وممارسة الاستبداد في مواجهة قوى المعارضة السياسية وزجها في السجون والمعتقلات وتعريضها للموت, إضافة إلى اضطهاد القوميات الأخرى ومناضليها وسلب حقوقها بذريعة تهديد وحدة الوطن وأمن المجتمع إلى الخطر.
ج‌.   وتوجهت كافة الدولة العربية إلى خوض سباق التسلح وصرف المليارات من الدولارات الأمريكية على شراء أو إنتاج الأسلحة بذريعة مواجهة إسرائيل أو عدوان الدول المجاورة في حين أن بعضها هو الذي بدأ الحرب ضد جيرانه, كما كانت عليه سياسات النظام البعثي في العراق مثلاً.   
4. ونتيجة هذا الواقع تسنى للقوى المناهضة للديمقراطية استثمار وضع التقهقر في مكانة ودور وقدرات الحركة الديمقراطية واليسارية, ومنها الأحزاب الشيوعية, في الدول العربية على النضال لمواجهة القوى المضادة في تشديد الاستغلال والاضطهاد والقمع الفكري والسياسي والقومي والطائفي أيضاً, إذ امتلأت السجون بالمناضلين والمناضلات في جميع الدول العربية دون استثناء وتم التجاوز الفظ فيها على مبادئ شرعة حقوق الإنسان وكرامة الفرد, امرأة كانت أو رجلا.
5. وتحالفت القوى الحاكمة بصيغ مختلفة وأكثر من السابق مع العالم الرأسمالي بعد انهيار النظم "الاشتراكية" وتراجع دور الأحزاب الشيوعية والعمالية في تلك الدول إذ ساهمت مجتمعة في خلق المزيد من الإحباط المصحوب بحالة من التمرد على الواقع القائم. إلا إن جزءاً من هذا التمرد الشبابي والشعبي لم يكن منظماً وواضحاً واستثمر باتجاهات خاطئة وشريرة من جانب قوى إسلامية سياسية وبدعم من حكومات في العالم الرأسمالي وفي الدول العربية والإسلامية وبشكل خاص في فترة الصراع بين الدول الرأسمالية والدول الاشتراكية وارتكاب الاتحاد السوفييتي خطيئة التدخل العسكري والسياسي في أفغانستان واحتلالها الذي ساعد على نشوء تحالف واسع بين الدول التي تدعي الإسلام (السعودية ودول الخليج وباكستان وإيران) على سبيل المثال لا الحصر وقوى إسلامية سياسية فيها, وفي الدول الرأسمالية المتقدمة ضد الاتحاد السوفييتي. وسعت الدول الرأسمالية, وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا, إلى تنشيط قوى الإسلام السياسية بكل فصائلها وخاصة المتطرفة منها ومدها بكل ما يساهم في تعزيزها وتوسيع قاعدتها ودورها السياسي والعسكري لمحاربة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان من جهة, وكافة الحركات والقوى اليسارية والديمقراطية في الدول العربية وبقية دول المنطقة من جهة ثانية. وكان لسقوط النظام الشاهنشاهي في إيران وسرقة الثورة من جانب قوى الإسلام السياسية الشيعية المتطرفة دورها البالغ والبارز في الدعوة إلى تصدير الثورة الإسلامية الشيعية والتي اشتدت أثناء وأعقاب الحرب العراقية الإيرانية وانهيار الدول "الاشتراكية" وتعزيز الوجهة الإسلامية المتطرفة في الدول العربية.
ومنذ بداية العقد الأخير من القرن العشرين انتعش ونما دور القوى الإسلامية السياسية بسبب قمع القوى الديمقراطية والسياسية وأزمتها الذاتية وبروز ضعفها الملموس في النضال المباشرة في الكثير من الدول العربية نتيجة الأخطاء الفادحة في سياسات الولايات المتحدة الأمريكية وبقية الدول الرأسمالية مما فسح في المجال إلى تعاظم دورها وجرها فئات جديدة إلى جانبها. وفي هذا المجال لعبت عوامل الاضطهاد وغياب الحريات الديمقراطية والبطالة والفقر والتمييز والشعور بالمظلومية من سياسات الغرب إلى تنامي قاعدة هذه القوى واستخدمت الجوامع والمساجد والأموال السعودية ومن دول عربية وإسلامية وشخصيات أخرى (وخاصة دول الخليج) المزيد من الأموال والدعم لأغراضها في الدعوة إلى الإرهاب وممارسته بذريعة مكافحة الاستعمار والكفار في الدول العربية والإسلامية والعالم. وأعطى الإرهاب الإسلامي السياسي المتطرف والدولي في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001, وبوجود قوى اللبرالية الجديدة في السلطة في الولايات المتحدة وبريطانيا, دفعاً جديداً مؤذياً لشعوب هذه الدول والحركة الديمقراطية وقواها الأساسية.
وفي نهاية العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين انتشرت هذه القوى في دول مثل الجزائر والسودان والسعودية واليمن والمغرب والعراق ولبنان وفلسطين, وكذلك في باكستان وأفغانستان وبعض دول جنوب شرق آسيا, إضافة إلى قوى إسلامية أخرى تحت اسم القوى الإسلامية "المعتدلة" لتمارس ذات الأهداف ولكن بدون عمليات إرهابية مباشرة, ولكنها ذات دعاية إسلامية ومضامين فكرية تنطلق من فكرة "الحاكمية لله وحده" و"الإسلام هو الحل"!
إن المرحلة الثالثة تقترب من نهايتها لتبدأ مرحلة جديدة, المرحلة الرابعة مع بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. إنها مرحلة العد التنازلي غير القصيرة لقوى الإسلام السياسية التي عاشت فورتها ومدها الرجعي الدموي خلال السنوات العشرين المنصرمة وحتى الآن, وساء أكانت في السلطة أم خارجه وعبر الأساليب الإرهابية الفاشية والدموية والقتل الجماعي. فما هي مؤشرات المرحلة الجديدة وما هي القوى الحاملة لهذه المرحلة وما هو الدرب الذي ستسلكه؟
إن تحليل المعطيات المتوفرة في الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط والتحولات الجارية في السياسات والمواقف على الأصعدة الدولية والإقليمية والمحلية تؤكد بدء مرحلة جديدة هي المرحلة الرابعة التي سوف تستغرق وقتاً غير قصير لتتبلور مكوناتها الأساسية وعوامل بروزها والمهمات التي يمكن إنجازها فيها, ومن ثم تكريس خصائصها وطبيعتها الجديدة.
ويبدو لي بإن العوامل الداخلية والخارجية المحركة لها والمتفاعلة في ما بينها تتحرك اليوم في حقل مليء بالألغام نشرتها كل القوى الداخلية والخارجية المناهضة للتغيير والمعرقلة لعملية الدفع باتجاه الحرية والديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي العلماني, أو التي تريد وضع مصدَّات لمنع حصول تحولات عميقة وجذرية, وهي قوى ليست قليلة ولها خبرة في مكافحة قوى التقدم الاجتماعي والديمقراطية وحقوق الإنسان على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية.
إن بداية المرحلة لا ترتبط بقتل قائد منظمة القاعدة الإسلامية السياسية المتطرفة والإرهابية الدولية أسامة
بن لادن على أيد الفرقة العسكرية الأمريكية, على أهمية هذا الحدث, بل بسبب فشل الحركات الإسلامية السياسية المتطرفة والمعتدلة في السير ولو خطوة واحدة إلى الأمام على طريق تحقيق الأهداف التي بشرت بها حتى في الدول التي وصلت فيها إلى السلطة, إيران, السودان, السعودية, أفغانستان, بل هي في تراجع مستمر وانحسار لدورها وتأثيرها على الأصعدة المختلفة. كما إنها عجزت وفشلت فعلياً في إقناع شعوب الدول العربية بأنها قادرة على تحقيق ما تسعى إليه الشعوب عبر تطبيق الشريعة الإسلامية وفرض حاكمية الله وحده, كما هو الشعار الذي ترفعه أغلب الأحزاب الإسلامية السنية, وعبر ولاية الفقيه, ولي الله والإمام المنتظر في الأرض لدى الأحزاب الإسلامية الشيعة, بل كل ما فعلته هو نشر الإرهاب والقتل الأعمى والموت لمزيد من الناس الفقراء والمعوزين والعلماء والأطباء والنقابيين وكثرة من حملة مشعل الثقافة والفنون الإنسانية وحيثما وجدت لها تنظيماتها وقوى إرهابية دموية. وقد تجلى هذا الواقع في عدد من المؤشرات السياسية المهمة التي نشير إلى أبرزها في الآتي:
1 . إن النظم الإسلامية السياسية التي أقيمت في بعض الدول العربية أو في دول أخرى في منطقة الشرق الأوسط قد برهنت على عجزها الكامل عن تحقيق طموحات هذه الشعوب في التمتع بالحرية والحياة الديمقراطية الحرة أو تأمين العلاقات الإنسانية بين القوميات المتعددة الموجودة في تلك الدول. وكل الدلائل المتوفرة تشير بما لا يقبل الشك إلى إنها مارست سياسة الاضطهاد والقمع وفرض خيمة الفكر الواحد, إيديولوجيا "الإسلام هو الحل" على "الرعية", ومصادرة حرية وحقوق أتباع الديانات والمذاهب الأخرى أو الفكر الآخر وكذلك أتباع القوميات الأخرى. إن تنفيذ أحكام الإعدام أو القتل أو الجلد في الشوارع أو زج الناس بالسجون وتعريضهم للتعذيب الجسدي والنفسي بأبشع صوره أثار ويثير الشبيبة وشعوب تلك الدول ويدعوها إلى مناهضة تلك النظم والقوى التي تمارس هذه الأساليب المتعارضة مع مبادئ ومضامين شرعة حقوق الإنسان وكل العهود والمواثيق الدولية.
2 . وأن قوى الإسلام السياسية التي برزت في دول عربية أخرى وفي منطقة الشرق الأوسط عموماً مارست أساليب العنف والإرهاب في مواجهة أتباع الديانات والمذاهب الدينية الأخرى وكذلك أتباع الفكر الأخر. وقد قتل على هذا الطريق عشرات ألوف الناس الأبرياء في الكثير من الدول العربية والإسلامية, سواء تم ذلك عبر العمليات الانتحارية أم السيارات المفخخة أم العبوات الناسفة أم الاغتيالات المباشرة بكواتم الصوت وغيرها أم الهجوم المسلح على الفنادق والهيئات الدبلوماسية والبنوك وقتل وحرق المزيد من البشر البريء ...الخ. فأفغانستان وباكستان والعراق, على سبيل المثال لا الحصر, تقدم نماذج شريرة لممارسات قوى الإرهاب \لإسلامية السياسية المتطرفة. ولم يعد يشعر المواطن والمواطنة بالأمن والاستقرار في بلاده بل يمكن أن يتعرض الجميع إلى خطر الموت أو الإصابة والتعويق بسبب تلك العمليات الجنوبية المجرمة التي تمارسها قوى الإرهاب.
3 . ولم تقدم تلك القوى الإسلامية السياسية الحلول العملية لمشكلات شعوب هذه الدول والتي تتلخص في التخلص من واقع التخلف الاقتصادي والاجتماعي والحضاري والمكشوفية الشديدة على الخارج والبطالة الواسعة, سواء أكانت مكشوفة أم مقنعة, وكذلك الفساد المالي والإداري الذي لم يرحم حتى الناس الفقراء والعائلات المعوزة. وفي هذه الدول اتسعت الفجوة الدخلية والحياتية بين العائلات الفقيرة والعائلات الغنية بجلاء كبير وأصبحت لا تطاق. وتقدم إيران نموذجاً صارخاً لمثل هذه الدول, وكذلك السعودية.
4 . وفي مثل هذه النظم فقدت المرأة القليل من الحقوق التي كانت تتمتع بها في بعض الدول العربية, وأصبحت تعاني من فقدان حقوقها الإنسانية وإنسانيتها بفعل الأساليب الرجعية والمتخلفة والمتوحشة أحياناً كثيرة التي تتعامل مع المرأة. كما تعاني المرأة الشابة لا من البطالة والفراغ القاتل فحسب, بل ومن سلبهن حقوقهن المشروعة حتى في اختيار الزوجد أو يفرض عليهن الختان أو البقاء في البيت. فالمساواة بين المرأة والرجل حلم يبدو وكأنه بعيد المنال بالنسبة للملايين من النساء في الدول العربية.   
تحت وطأة هذه العوامل تعيش النسبة العظمى من نساء الدول العربية وتتعرض إلى شتى المضايقات والإساءات والأضرار الصحية والنفسية والعصبية. ويمكن أن نتصور حالة المرأة في السعودية التي تمنع من سياقة السيارة وتعتقل لهذا السبب في حين أن أختها المرأة في غالبية بقاع العالم تمارس النشاط في جميع مجالات الحياة العامة وتقود الطائرات وتصعد إلى الفضاء وتمارس شتى الميادين الرياضية.
5 . وفي هذه النظم وما يماثلها اتسعت قائمة المحرمات على الإنسان بحيث فقد الكثير من حقوق المواطنة الاعتيادية والمشروعة وحريته الفردية وحقه في ممارسة الكثير من الأفعال الاعتيادية. فقد قدمت المرأة في السودان إلى المحاكمة لأنها ارتدت السروال الاعتيادي الطويل لأنه يثير غريزة الرجال وجلدن لهذا السبب, كما جلدت المرأة في إيران أو حتى رجمت بالحجارة لتهمة الزنى وغيرها, أو الجلد والسجن لمن يتعاطي تناول الخمور, وهو حق يفترض أن يكون مكفول لكل إنسان, أو منع المرأة من مغادرة البلاد دون أن يكوم رجل من أفراد عائلتها معها. لقد ضاق الشباب والشابات ذرعاً بهذه المحرمات وخاصة في الفترة الراهنة التي ازداد إصدار الفتاوى البائسة والغبية من شيوخ دين جهلة بالحياة وبالدين وبطبيعة الإنسان وحقوقه.
إن ربيع الشعوب في الدول العربية لم يأت عبثاً ولا صدفة, بل هو نتاج طبيعي وتحول كيفي لفعل تراكم عوامل كثيرة حصلت خلال العقود والأعوام المنصرمة, إضافة إلى نضال قوى التقدم والديمقراطية. وهي البداية الفعلية أو العد التنازلي الفعلي لمد وهيمنة الحركات الإسلامية المتطرفة على الشارع في الدول العربية وتأثير قواها المعتدلة التي تريد إقامة دول إسلامية متجبرة.
إن المرحلة الرابعة, التي نحن في بداية تكونها, ستحتاج إلى وقت غير قصير للتبلور وتكامل العوامل الفاعلة فيها والمؤثرة عليها, وبدايتها كانت سلمية وديمقراطية ثورية تجلت في الانتفاضات الشبابية والشعبية التي تفجرت تحت قياد شباب وشابات تميزوا بالحيوية والجرأة والصلابة في الموقف والأسلوب والهدف ورفضوا الواقع المر الذي عاشوا أو ما زالوا يعيشون تحت وطأته وعذاباته جرح كرامتهم. إنها المرحلة التي تستوجب منا جميعاً وعي طبيعتها وأسباب نهوضها والنتائج التي يمكن أن تصل إليها خلال هذا العقد والعقد القادم.
إن المخاطر التي تتهددها الأتي من جانبين:
الجانب الأول: سوف ترفض قوى الإسلام السياسية وكل القوى المساندة لها والتي تعود لعلاقات إنتاجية متخلفة وظالمة ترك الساحة السياسية بسهولة, بل سوف تبقى تتشبث بالحكم أو بالتأثير الذي حققته خلال العقدين المنصرمين. إلا إن الدلائل تشير إلى تراجع دورها وتأثيرها الفكري والسياسي رغم ما ستمارسه من أساليب قمعية وقهرية وما ستتسبب به من كوارث دموية ضد الإنسان أثناء تراجعها عن مواقعها السياسية في الحكم أو خارجه. إن الخسائر البشرية ستكون غالية وكبيرة رغم الطابع السلمي والديمقراطي للانتفاضات الشبابية والشعبية, إذ أن ممارسة العنف يأتي من جانب قوى الإسلام السياسية, كما لوحظ ذلك في كل من تونس ومصر, أو كما يجري اليوم في كل من اليمن وليبيا وسوريا, أو أسلوب القمع الذي مارسته الحكومة العراقية ضد المظاهرات الشبابية  والاتهامات الباطلة والجائرة التي أطلقتها وعبأت قواها وكتابها ضد القوى الراغبة في الإصلاح والتطوير والتغيير الديمقراطي.
الجانب الثاني: ستمارس الولايات المتحدة, وكذا الكثير من الدول الغربية, دوران في خضم الأحداث التي لم تكن تتوقعها ولا عرفت بها ولم تستطع أجهزتها الأمنية الواسعة الانتشار إدراك طبيعة قواها والمغزى الإنساني وراء هذه الانتفاضات الشعبية. وهي اليوم تقف بين "حامة ومانة", بين مدينتي نعم ولا, بين مؤيد خشية فقدان ما تبقى لها من رصيد في المنطقة, وبين مهادن لقوى الإسلام السياسي والقوى الرجعية خشية انفلات الوضع وفقدان مصالحها في المنطقة. وهو نفس الموقف الذي اتخذته وما تزال تمارسه كل من روسيا والصين الشعبية إزاء انتفاضات الشعوب في الدول العربية انطلاقاً من مصالحهما وصراعهما حول نفوذهما في المنطقة على حساب مصالح شعوب المنطقة والدول العربية على نحو خاص. فهي تدرك أن القوى القديمة والإسلامية السياسية لم تعد مقبولة وتُرفض يوماً بعد آخر, وبالتالي فالحركات الشبابية الشعبية الحديثة تتطور وتحرز تقدماً في التعبئة الشعبية وفي رفع سقف مطالبها العادلة والمشروعة, وهي مجبرة بالتالي إلى تأييدها بالقدر الذي تعتقد إنها تستطيع السيطرة النسبية على وجهتها. ولكنها في الوقت نفسه تخشى من إفلات الحركة من تأثيرها ودور المؤيدين لها, فتسعى إلى الحد من قوة اندفاعها وأخذ زمام المبادرة بالحوار والتفاوض مع الحكام من جهة, ومع من تطلق عليهم بقوى الإسلام السياسي المعتدلة مثل جماعة الأخوان المسلمين في مصر, على غرار ما جرى في العراق في المساومة مع قوى الإسلام السياسي الشيعية من جهة أخرى, كما تحاول الاحتفاظ بعلاقة طيبة مع قوى الانتفاضة أو شرائح منها من جهة ثالثة.
إن مشكلة الإدارة الأمريكية تخشى على مصالحها من قوى لم تعرفها من قبل ولا تعرف أهدافها ومراميها ولا مواقفها من سياسات الولايات المتحدة في المنطقة, وهو ما يحيرها ويجعلها تتخبط في مواقفها وسياساتها التكتيكية في المنطقة. ومن هنا تنطلق أهمية التفاعل بين قوى الانتفاضات الشبابية والتنظيمات الديمقراطية المعارضة بهدف تنظيم حركتها وتطويرها والتصدي لمحاولات قمعها أو أضعاف مهماتها في التغيير العميق المنشود لصالح شعوبها والتقدم الاجتماعي والديمقراطية والسلام في المنطقة.
14/7/2011                         كاظم حبيب     

     

314
كاظم حبيب
هل البطالة والفقر والكهرباء ينقص الناس, أم أن الموت يلاحقهم؟
الناس أحرار في العراق, يمتلكون دستوراً ورئاسة للجمهورية ومجلس نواب منتخب وحكومة أكثرية برلمانية تعتبر نفسها "شراكة وطنية!" ولها كثرة من المستشارين, وتمتلك أجهزة, وهناك مجالس محافظات يفترض أم يمثلون الشعب فيها, وكل هؤلاء يقتطعون جزءاً مهماً من الدخل القومي ليحافظوا على حرية الإنسان العراقي وكرامته وأمنه وطعامه. وفي العراق أحزاب وجمعيات مجتمع مدني, رغم عدم وجود قانون ينظم الحياة الحزبية. كل هذا وذاك موجود في العراق, ومع ذلك لا يشعر الناس بالحرية ولا هم أحرار ولا يتمتعون بالأمن والاستقرار, وهم لا يعيشوا الديمقراطية ولم يتعرفوا عليها حتى الآن, لا تلك التي يفترض أن تنشأ داخل البلاد وفي العلاقة بين الدولة والمجتمع ولا تلك الديمقراطية المصدرة التي وعدوا بها من الخارج.
الناس في بلادي يملكون مورداً نفطياً واحتياطاً لا يجارى في العالم على وفق آخر التقديرات, إضافة إلى خيرات أخرى يحسدون من شعوب كثيرة عليها, ولكن الناس في هذه البلاد لا يتمتعون بها ولم تسعدهم حتى الآن بل جلبت لهم الويلات تلو الويلات, وهم يعانون اليوم, كما بالأمس من البطالة المكشوفة والمقنعة التي تقدر المكشوفة منها بأكثر من 30% من القوى القادرة على العمل, وسترتفع هذه النسبة لو احتسب عدد الكثير من ربات البيوت قسراً في حساب عدد العاطلين عن العمل رغم محاولات تخفيض النسبة رسمياً. والكثير من الناس في العراق يعيشون تحت خط الفقر المعلن دولياً, إذ تصل نسبتهم إلى حدود أو أكثر من 30% من السكان, إضافة على عيش نسبة عالية جداً من الكادحين والمهمشين وأشباه البروليتاريا على هامش الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وفي مناطق مليئة بالمستنقعات والأزبال.
والدولة في العراق غنية, ولكن شعبها يعاني من نقص في الكهرباء والخدمات العامة, بما فيها المدارس المنتظمة والمستشفيات ووسائل الاتصال الحديثة...الخ. والناس في العراق لا يعانون من البطالة ونقص الخدمات ونقص الكهرباء في عز الصيف ولهيبه, بل يبدو أن ملك الموت, عزرائيل, يطاردهم في كل مكان أيضاً قاطفاً رؤوسهم قبل الأوان, إذ لا يمر يوماً على الناس دون أن يسقط الكثير من النساء والأطفال والرجال من مختلف الأعمار على أيدي مجرمين قتلة من مختلف الجنسيات والهويات الإسلامية السياسية المتطرفة والإرهابية والطائفية المتشددة  ومن قوى فاشية متحالفة معهم, كالبعثيين من أتباع عزت الدوري, ومناهضة لاستقرار وحرية العراق.
والأحزاب الحاكمة اليوم كانت ترفع, وهي في المعارضة, شعارات التحرر من الدكتاتورية ومن البطالة والفقر والفساد والسجن والتعذيب, وحين أصبحت في الحكم نست تلك الشعارات ونشأت معارضة وطنية وديمقراطية جديدة تطالب بالإصلاح والتغيير والكف عن تلك التجاوزات على الدستور الجديد وعدم نسيان ما التزموا به حين كانوا بالمعارضة, فهل من سميع؟
المعلومات الصادرة عن جهات رسمية ونقلتها الصحافة وأجهزة الإعلام العالمية تشير إلى ما يلي:
" أعلنت مصادر أمنية وطبية عراقية مقتل 25 شخصا غالبيتهم من عناصر الشرطة، وإصابة نحو 35 آخرين في تفجير سيارتين مفخختين في مدينة الديوانية، جنوب بغداد. وفجرت السيارتان بفارق زمني بسيط قرب منزل محافظ الديوانية سالم حسين علوان. وأكد مصدر في مكتب المحافظ "نجاة المحافظ وأفراد أسرته من الهجوم." راجع (موقع قناة  BBC وموقع سوا بتاريخ 23/6/2011). كان هذا في يوم 21/6/2011.
ثم جاء الخبر التالي وعلى نفس الموقعين: "قال مسؤولون عراقيون إن ثلاثة وعشرين شخصا على الأقل لقوا حتفهم وأصيب أكثر من 82 آخرين في سلسلة انفجارات في بغداد. وقعت الانفجارات متلاحقة قرب سوق ومسجد مكتظين في حي الشرطة الرابعة جنوبي المدينة، حسبما أفاد به مسؤول في وزارة الداخلية العراقية لوكالة الأنباء الفرنسية. وقال شاهد عيان: "فجأة، امتلأ المكان بالجثث، معظمها لنساء وأطفال، وانتشرت حاجياتهم في كل مكان." حصل هذا في يوم 23/6/2011. علماً بأن عدد القتلى يرتفع عادة بحسب وضع الجرحى والقدرة على إسعافهم وشدة الإصابات. وهذا يعني إن الخسائر بين يومي بين 21/6/ و23/6/2011 بلغت في العراق 48 شهيداً في مدينتين فقط في وسط وجنوب العراق, في مدينة الديوانية وفي العاصمة بغداد, إضافة إلى حوالي 117 جريحاً ومعوقاً, كما أن هناك قتلى آخرين في مناطق أخرى واغتيالات لم تسجل أو لم يعلن عنها أو لم استطع متابعتها.
كل هذا يجري في بغداد وفي مدن عراقية أخرى والحكومة "الحكيمة" تقول إنها مسيطرة على الحالة الأمنية وإنها قادرة على الأخذ بزمام المبادرة, كل هذا يقع ومجلس الوزراء لم يسمي حتى الآن وزراء لوزارات الداخلية والأمن الوطني والدفاع , علماً بأن رئيس وزراء العراق يشغل أو يحتل المراكز التالية: رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ووزير الداخلية والأمن الوطني والدفاع وكالة, إضافة إلى كونه رئيس حزب الدعوة الإسلامية ورئيس قائمة دولة القانون والبقية تأتي... إضافة إلى حفظه الله ورعاه. ألا تذكرنا هذه المراكز المهمة العديدة والأساسية بآخرين حكموا العراق في فترات مختلفة, ألا تذكرنا هذه المراكز بحكام عرب آخرين كانوا أو ما زالوا في السلطة, ولكن شعوبهم تعاني من ويلات وجودهم على رأس السلطة!
كل هذا يجري في العراق والأحزاب الحاكمة ما تزال تدعي حرصها على العراق وشعب العراق ووحدة العراق وأمن العراق وكرامة العراقيين وحياتهم, وإنها تعمل باسم المواطنة العراقية ومناهضة بشكل مطلق للطائفية السياسية التي جاءت إلى السلطة على أساسها ومن خلالها, لكنها تتصارع في ما بينها وبين رئيسي قائمتيهما على السلطة مدفوعة من مواقع المصلحة الذاتية والرغبة في الحكم ومن قوى دافعة ومساندة ومشجعة لها من الخارج. وحين يتحدث الإنسان بهذه الأقوال يأتيك من يدعي أن الكاتب ينظر إلى الأمور بعين حزب الدعوة وآخر يدعي بعين القائمة العراقية, ولا يريان بأي عين هما ينظران لما يجري في العراق المبتلى بجحيم الطائفية والصراعات الذاتية.
بعد اليوم المائة, التي دخلت تاريخ العراق الحديث, في أعقاب المظاهرات الشبابية والشعبية التي أوجبت على رئيس الوزراء الالتزام بها لتحسين بعض الأوضاع وتغيير بعض من ينبغي تغييره من الوزراء, خرج علينا السيد رئيس الوزراء بقوله:
"إن فترة المائة يوم التي أعلنها لتطوير عمل الحكومة أظهرت ضرورة تغيير بعض الوزراء وترشيق الحكومة من بعض الوزارات والمواقع الشرفية، فضلا عن الاستمرار بالمراجعات المهنية للكوادر في الوزارات. وأوضح بأن عملية التقييم كانت مهنية وبعيدة عن الفئوية والحزبية . وأضاف المالكي أن مؤشرات ايجابية أخرى ظهرت في أداء بعض الوزارات وبخاصة في ملف مكافحة الفساد. وحمّل المالكي الكتل السياسية مسؤولية ترشيق الحكومة وتغيير عدد من الوزراء، ودعاها إلى التعاون بأسرع وقت لتحقيق المطالب التي تصب في مصلحة البلد. وجدد المالكي انتقاده لأداء مجلس النواب الذي وصف عمله بالبطيء والمتعثر في إقرار التشريعات، وقال إن البرلمان لم يصادق إلا على عدد محدود من القوانين المهمة خلال العام الماضي.  واتهم المالكي جهات وصفها بأنها معادية للعملية السياسية بالسعي لحجب الثقة عن الحكومة." (راجع موقع "سوّا" في 23/6/2011).
من يقرأ هذا النص لا يجد أي اعتراف من جانب السيد رئيس الوزراء بمسؤوليته عن مجلس الوزراء الكاملة لما يرتكبه وزراء حكومته من أخطاء ونواقص, ولم يؤكد صواب تلك المظاهرات التي كانت تحتج على ضعف عمل الحكومة وتسعى إلى تنبيه رئيسها إلى النواقص والأخطاء والمعاناة, بل واصل بعدها توجيه نيرانه ضد المتظاهرين والكثير من الأزلام والمرتزقة التابعين له لضرب المتظاهرين وتفريقهم. ولم يظهر للناس ما فعله رئيس الوزراء في مجال الفساد ولم يكشف عن أي فاسد, ثم ظهرت فضيحة المصرف التجاري في بغداد ولم يتحدث الناطق الرسمي باسم الحكومة عن صواب وخطأ تلك الفضيحة. رئيس الوزراء يقول ضرورة التغيير, ولكن متى يتحقق تغيير الخائبين من الوزراء وهم الأكثرية, ورئيسهم الذي هو في الحكم منذ ست سنوات!   
لا نختلف معه في سوء عمل الكثير من الوزراء وسوء عمل مجلس الوزراء ومجلس النواب, ولكن سوء عمل الحكومة يقف في مقدمتها, فهي السلطة التنفيذية التي تتحمل مسؤولية النهوض بمهماتها وبما التزمت به أمام الشعب في الانتخابات الأخيرة وأمام مجلس النواب بقرار المائة يوم.
نعم هناك من يريد إسقاط الحكومة ومن أعداء العملية السياسية, وهناك من يريد أخذها بيديه ولن يقدم أو يؤخر كثيراً, ولكن هناك من يريد تغيير أوضاع الحكومة وسياساتها وطائفيتها السياسية المحاصصية الراهنة بمختلف أطرافها. هناك من يريد أكل العنب وليس قتل الناطور, إنه الشعب, هناك من يريد الحصول على عمل ومكافحة البطالة والفقر ومحاربة الفساد والإرهاب في البلاد, هناك من يريد أن يبقى على قيد الحياة ويعيش بأمن واستقرار ودون خوف من الموت في كل لحظة, إنه الشعب بأكثريته, هؤلاء هم المتظاهرون من الشباب ومن بقية فئات الشعب العمرية والاجتماعية.
إن من يطلق على المتظاهرين الذين حملوا شعارات تذكر بالأهداف السليمة والعادلة بالغوغائيين وحلفاء البعث وأن لم يعلنوا عن ذلك هو الغوغائي وهو الأبشع انتهازية دون منازع وهو الذي يسيء إلى الحكومة من خلال مدحها الكاذب والدفاع عنها على قاعدة "أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً". القاعدة التي يفترض أن يلتزم بها السيد رئيس الوزراء هي أن "لا تركض وراء الذي يمدحك كذباً ويضحكك خداعاً, بل أمشي وراء من يبكيك بالنقد الصادق والنصيحة المخلصة ويؤشر مواطن الخلل في مسيرة العراق الراهنة".
الحكومة لا يجوز ولا يمكن أن تبقى في السلطة ما لم تسع لتحقيق مصالح الناس وحاجاتهم اليومية وما لم تحترم إرادتهم ومطالبهم العادلة والمشروعة, وما لم تحترم الدستور من خلال احترام حقهم في التظاهر السلمي والديمقراطي وغير المعطل لعمل الحكومة. أملي أن تعيد الحكومة ومن معها النظر بحساباتها وأحكامها وأن تمارس مهماتها في مكافحة ما يخل بحياة ومعيشة الناس في العراق.   
24/6/2011                         كاظم حبيب 


     

315
كاظم حبيب

هل المواطن السوري بوصلة الحكم أم هدفاً لنيرانه؟

بعد خطابه في مجلس النواب السوري حيث استقبل من إمعاته بالتصفيق والتقبيل ومسح الچوخ, ألقى في يوم السبت المصادف 19/6/2011 خطاباً آخر في مجلس الوزراء الجديد وسوريا تمر في خضم أحداث مأساوية ونضال مرير يخوضه الشعب السوري ضد حكامه. فالمظاهرات تجتاح البلاد في كل مكان وارتفاع عدد شهداء تلك المظاهرات الذين يتساقطون برصاص رجال الأمن السياسي والشرطة وقوات الجيش التي غزت المدن السورية الحدودية وغيرها بكل أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة المدمرة, إضافة إلى هروب ولجوء أكثر من 15000 مواطنة ومواطنة بين شيوخ ونساء وأطفال ومرضى خشية الموت على أيدي متوحشي ومسلحي النظام السوري, إضافة إلى اتساع الحملة الدولية لوضع حد لجرائم النظام السوري في ضرب وتفريق وتهجير وقتل المتظاهرين الرافضين للدكتاتورية والقمع وسارقي قوت الشعب وضد البطالة ونقص الخدمات وتدهور الحياة المعيشية, والمطالبين برحيل النظام ورأسه وبالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمؤسسات الدستورية النزيهة والعمل والكرامة والعدالة الاجتماعية.
أي مواطن ومواطنة سورية استمع إلى هذا الخطاب, سواء أكان في الداخل أم الخارج, وكما حصل بعد الخطاب الأول, شعر باستفزاز وعدوانية النظام مباشرة, ولهذا تجددت المظاهرات في أنحاء كثيرة من سوريا وسقط الكثير من الشهداء الجدد والجرحى والمعوقين والناجين الهاربين إلى تركيا والمطاردين في كل مكان, لأن الخطاب كان وقحاً, إذ اتهم التحرك الشعبي منذ ثلاثة شهور بالتآمر, رغم إشارته إلى ضرورات الإصلاح والاستجابة لحاجات الناس.
إن الكلمة الأولى التي تنشأ في أدمغة المستبدين الأشرار في أي دولة يسودها الاستبداد هي المؤامرة التي تحاك ضد النظام الحاكم وضد المستبد بأمره حين يبدأ الشعب المطالبة بحقوقه, إذ ليس في الأدمغة الفارغة للمستبدين غير الحفاظ على الحكم وليس الاستجاية لحاجات المجتمع,و إنها جزء من العلل والأمراض النفسية التي يعاني منها المستبدون. فالشعب لا يطالب بالخبز والعمل وحدهما فحسب, بل يطالب بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة في المواطنة والكرامة والأمن والعيش بدون أجهزة أمن تطارد المواطنين والمواطنات وتمنعهم من التعبير عن الرأي والتظاهر والاحتجاج والمطالبة المشروعة بالتغيير.
إن بشار الأسد طرح في خطابه في اجتماع مجلس الوزراء الكثير من المسائل, ولكنه تحاشى, نسى أو تناسى, وبالكامل قضية الديمقراطية والحرية الفردية وحقوق الإنسان وحقوق المواطنة, نسى أن الشعب لا يريد الحزب الذي قاد الشعب إلى هذه المأساة, حزب البعث العربي الاشتراكي, الذي أعطيت له القيادة والريادة على الدولة والحكم والمجتمع دستورياً, وهو أمر لم يحصل إلا في الدول الفاشية مثل النظام الهتلري أو النظام البعثي أو في النظم الشمولية الأخرى التي انتهت لهذا السبب أيضاً وليس وحده.
بشار الأسد يريد إلغاء قانون الطوارئ, ولكنه يريد وضع حزمة قوانين أخرى لتحد من جديد وبطرق أخرى من حرية الإنسان السوري, وكأنه يقول للسوريات والسوريين لقد طالبتم بإخراج قانون الطوارئ من الباب ولكن أدخلنا لكم ما يماثله وأكثر من شبابيك الدار!
قال الأسد في خطابه الأخير أن المواطن هو بوصلة الحكم, ولكن هل كان المواطن السوري بوصلة الحكم حقاً؟ لقد برهن نظام الحكم البعثي خلال الأشهر المنصرمة إلى أنه دموي كنظام صدام حسين البعثي ولا يختلف عنه وهو مستعد لأن يغوص في دماء الشعب, وأن المواطن لم يكن البوصلة التي يهتدي بها الحكم, بل كان الهدف الذي توجه إليه نيران الأمن والشرطة والقوات المسلحة. ولهذا بالضبط سقط حتى الآن أكثر من 1300 مواطن ومواطنة ومن كل الأعمار, إنها الجريمة التي يرتكبها النظام السوري يومياً ولم يتحرك العالم للجم هذا النظام حتى الآن. ولا بد من تصعيد العمل التضامني الإقليمي والدولي مع الشعب السوري.
إن ما يجري في سوريا هي المأساة والكارثة. ولكن الشعب السوري لن يسكت عن الحكام الأوباش الذين لا هم لهم سوى البقاء في الحكم, وسيتواصل النضال السلمي والديمقراطي إلى أن يحقق أهدافه المشروعة والعادلة طال الوقت أم قصر, وسيكنس هذا الشعب الأبي دكتاتورية البعث والأسد الغادرة.
20/6/2011                     كاظم حبيب
       

316
الرقــم  :
    التاريـخ :

   
القاهرة في 16 يونيو/حزيران 2011
شهادات الفارين من جسر الشغور
تؤيد ارتكاب النظام السوري لفظاعات غير مسبوقة

موجز أولي

   استمعت المنظمة العربية لحقوق الإنسان بمشاعر الصدمة لشهادات عدد من المواطنين السوريين الفارين من جسر الشغور إلى تركيا، والذين يقيمون حالياً بمخيم اللاجئين بمنطقة ياليادا الذي يستوعب قرابة أربعة آلاف مواطن سوري. ويُذكر أن ما يصل إلى ثلاثة آلاف لآجئ آخرين يعيشون في مخيمين أقيما في منطقتي ألتوز وحاج باشا، فضلاً عن ما يقدر بإثنى عشر ألفاً يحتمون بالهضاب على خط الحدود السورية التركية، ويشكل الأطفال بين هؤلاء اللاجئين ما نسبته 50%، بينما تشكل الإناث بين البالغين قرابة 60%.

   أشار غالبية الشهود إلى معايشتهم لعمليات قمع المتظاهرين التي اشتملت على استخدام محدود للهراوات والغازات المسيلة للدموع مع التوسع في استخدام الرصاص الحي منذ بدء التظاهرات السلمية في جسر الشغور، غير أن أعمال القمع سرعان ما تحولت عبر بضعة أسابيع إلى قتل عمدي للمتظاهرين باستخدام الرصاص الحي كوسيلة وحيدة لمواجهة التظاهرات السلمية.

   كما أشار الشهود إلى أن التظاهرات لم تكن تطالب في الأسابيع الأولى بإسقاط النظام وإنما بالدعوة للحرية والتمسك بسلمية التظاهرات، ولكن أعمال القتل والتنكيل التي شملت القتل جراء التعذيب لبعض المعتقلين سرعان ما صعدت المطالب الشعبية إلى إسقاط النظام.

   وأجمع الشهود على كذب إدعاءات السلطات بشأن وجود جماعات مسلحة في المدينة ومحيطها، مؤكدين علمهم بعمليات قتل متبادل جرت بين أفراد جهاز الأمن العسكري، وأدت بحسب شهود عيان لمقتل 37 جندياً، واستنكر الشهود رواية السلطات بشأن مقتل 120 جندياً.

   وقد أكد جنود منشقين من بين الشهود، بما في ذلك جنود القوات الخاصة والفرقة الرابعة من الجيش "بأمرة ماهر الأسد"، أن العديد من الجنود جرى قتلهم بواسطة الضباط أمام زملائهم لامتناعهم عن تنفيذ أوامر قياداته بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين العُزل.

   وأشار هؤلاء الجنود إلى أنهم وزملائهم تعرضوا للخديعة، حيث طلب منهم التوجه إلى مناطق محددة لحماية المتظاهرين من جماعات مسلحة تستهدفهم لإذكاء التوتر في سوريا، وخاصة التوجه إلى مناطق الرستن وتبليسة وباب عمرو في محافظة حمص، وجسر الشغور في محافظة إدلب التي ينتمي إليها هؤلاء الجنود المنشقين. واعترف أحدهم بأنه تورط في أعمال قتل واسعة في الرستن وتبليسة قبل انشقاقه خوفاً من تعرضه للقتل كما جرى لزملائه.

   وأشار أحد هؤلاء الجنود إلى أنه عايش مقتل المئات من المدنيين في الرستن وتبليسة، والتي نتجت عن استهداف قتلهم بالرصاص الحي أثناء المظاهرات، وقد جرى ملاحقة الفارين داخل بيوتهم وقتلهم. كما أشار شاهد آخر إلى تعمد استهداف سيدتين في شرفات أحد الأبنية برصاص القناصة لقيامهما برش الورود والأرز على المتظاهرين، وأن إحداهما قتلت على الفور، بينما تمكنت الثانية من الاحتماء من رصاص القناصة، غير أن الجنود اقتحموا البيت على الفور للتمكن منها، ولم يكن بوسعه الجزم بشأن مصيرها.

   كما أشار أحد الجنود إلى أن مهام أفواج القوات الخاصة شملت حصار المناطق وقطع خطوط الاتصال الأرضية والجوالة، وقطع أسلاك الكهرباء، وتوجيه الأوامر لهيئة المياه بقطع المياه، مع منع الإمدادات التموينية من دخول هذه المناطق.

   كما أكد شاهد عيان منشق عن جهاز أمن الدولة أنه شارك في عمليات قمع خطيرة، جرى خلالها قتل 8 مصلين بعدما هاجم ألف عنصر أمني 500 مصلي بالهراوات على أبواب أحد المساجد وفي داخله، كما اعتقلوا 14 آخرين إثر تقديم الإسعافات الأولية لهم في أحد المستشفيات، وأنه علم من زملاء قدامى له بوفاتهم جميعاً جراء تعذيب يهدف إلى القتل، ولكنه لم يكن بوسعه التأكد شخصياً.

   وأجمع الشهود على علمهم بوقوع جرائم قتل بحق بعض العائدين الذين استجابوا لدعوة السلطات السورية بالعودة الطوعية خلال اليومين الماضيين. كما أجمعوا على تلقيهم اتصالات من بعض الأقارب والجيران والأصدقاء الذين عادوا لبعض الوقت إلى جسر الشغور حول اقتحام المساكن والمحلات التجارية وسرقة منقولاتها، مع تعمد تخريب مساكن بعض الناشطين المطلوبين.

   ورغم إجماع الشهود –منفردين- على علمهم بوقوع جرائم اغتصاب واعتداء جنسية متعددة على فتيات بواسطة قوات عسكرية، فإنهم لم يستطيعوا تأكيد مشاهدتهم لذلك شخصياً أو الاحتكاك المباشر بالضحايا، ووعدوا بالتوصل لأربعة من الفتيات الذين جرى إلقائهن عرايا على الحدود السورية التركية بعد تناوب اغتصابهن بواسطة جنود، وتم إسعافهن بواسطة مواطنين سوريين فارين، وجرى نقلهن إلى مستشفى في محافظة هاتاي التركية، كما وعدوا بالتوصل إلى والد فتاتين جرى اغتصابهن أمام عينيه في منزله بعد اقتحام المنزل وتقييده وأخيهن، ويتواجد حالياً بأحد المخيمين الآخرين. وبلغ عدد الحالات التي أشار إليها الشهود ثلاث حالات، تضم 8 فتيات.

   واستنكر الشهود إدعاءات السلطات السورية بشأن الأوضاع في جسر الشغور، وداعين وسائل الإعلام الأجنبية التي أوفدت مراسلين مرافقين لقوات الجيش في المنطقة بتحري الدقة فيما تنقله، على صلة بتعمد الجيش إغلاق المناطق المتضررة أمامهم، وتحديد المناطق التي يمكن دخولها برفقة عناصر أمنية وعسكرية.

ملاحظات
1-   عملت المنظمة على تدقيق المعلومات حول الوقائع المذكورة بقدر الإمكان
2-   تواصل المنظمة عملها لمزيد من تدقيق هذه المعلومات المذكورة
3-   تصنف المنظمة هذه المعلومات بين الإدعاءات الواجب التحقيق فيها وبيان حقائقها
4-   تحتفظ المنظمة بمعلومات عن المصادر، وستوفرها لآليات التحقيق الدولية المكلفة
5-   تهدف المنظمة بنشر هذه المعلومات الأولية إلى توجيه إنذار مبكر لدرء مخاطر التصعيد المتوقع استمراره

توصيات
1-   تعرب المنظمة عن بالغ تقديرها للدور التركي الإيجابي في استقبال الفارين وإيوائهم وتوفير الرعاية الضرورية لهم، ولكنها تناشد السلطات التركية إلغاء قرارها بحظر دخول جماعات وناشطي حقوق الإنسان إلى مخيمات اللاجئين لتوثيق وتدقيق شهاداتهم عن الجرائم المرتكبة
2-   تثمن المنظمة جهود مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وإيفادها بعض أعضاء فريقها المشكل لتقصي الحقائق في الجرائم المرتكبة في سوريا إلى للقاهرة للقاء مع ناشطي المنظمة وبعض المواطنين السوريين الفارين الذين سهلت المنظمة لأعضاء الفريق اللقاء بهم، وكذا لقاءاتهم مع ناشطي حقوق الإنسان السوريين المتواجدين بالقاهرة، وتدعو المنظمة فريق المفوضية إلى تكثيف جهوده لتوثيق شهادات الفارين في مخيمات اللاجئين في تركيا وإعلان تقريراً بنتائجها
3-   تدعو المنظمة مفوضية الأمم المتحدة السامية لشئون اللاجئين إلى تكثيف جهودها لمساعدة الدولة التركية في رعاية اللاجئين، كما تدعوها بصفة خاصة لمنح صفة اللجوء للعسكريين المنشقين وغيرهم ممن لن يكون بوسعهم العودة إلى ديارهم في وقت قريب
***

317
كاظم حبيب

المثقف والسلطة الغاشمة في العراق!

على مدى عقود الدولة العراقية الحديثة واجه المثقفون سؤالاً بسيطاً ولكنه كان وما يزال غاية في التعقيد: كيف يفترض أن تكون علاقة المثقفين بالسلطة؟ وبما أن السلطة في العراق غالباً ما كانت غاشمة, فقد كانت إجابة غالبية المثقفات والمثقفين واضحة وسريعة: مع إرادة ومصالح الشعب وضد اغتصاب السلطة لتلك الإرادة والمصالح. ورأينا هنا كيف التحم المثقفون بالشعب ونضاله على مدى عقود الحكم الملكي بشكل خاص. ولكن تواصل هذا الموقف فيما بعد أيضاً.
ولكن كانت هناك وباستمرار مجموعة من المثقفات والمثقفين, وأن كانوا من الأقلية, الذين اختاروا طريقاً آخر, طريق الوقوف مع السلطة وضد الشعب, والبعض الآخر حاول مسايرة الجانبين. ولم يكن الموقف مع السلطة في غالب الأحيان خال من القسر والقهر, بل كان نتيجة النهج الاستبدادي للسلطة. وكانت هناك قلة قليلة حقاً هي التي اصطفت كلية إلى جانب السلطة فكراً وممارسة. وقد سجل العهد البعثي المقبور حالة فريدة بالنسبة لجمهرة واسعة من العراقيات والعراقيين المثقفين الذين رفضوا الخضوع والخنوع لقسر النظام فكان أمامهم واحداً من ثلاثة خيارات: إما الهجرة إن سنحت الفرصة, وإما السكوت أو استخدام لغة كليلة ودمنة في الكتابة, وإما القبول بالمعارضة المكشوفة ودخول السجن أو حتى القبول بالموت على أيدي جلاوزة النظام. وقد أصبح المهجر القسري والشتات العراقي داراً آمنة عموماً لعدد هائل من المثقفات والمثقفين المبدعين الذين رفعوا مع إخوتهم في الداخل راية نضال الشعب العراقي عالياً وواصلوا المسيرة. في حين اضطر البعض الآخر ممن هم في الداخل, وهو الأقل على مسايرة النظام والبعض الآخر غاص في الدفاع عنه حتى بعد سقوطه. ونماذج من هؤلاء البشر قلة.
وهذا الصراع بين المثقف والسلطة لم ينته حتى الآن, أي حتى بعد سقوط النظام الجائر والشمولي, إذ أن السلطة السياسية ومجمل مكونات النظام السياسي التي حلت مكان النظام السابق والتي ناضل الناس من اجل أن تكون دولة حرة وديمقراطية ويتمتع شعبها بالحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان والأمن والعدالة الاجتماعية, لم تصبح كما كان مقدراً لها قبل سقوط الدكتاتورية البعثية. وقد ساهمت الإدارة الأمريكية وسلطة الاحتلال المباشرة ورئيسها بول بريمر بدفع الأمور من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى وجهة غير إنسانية وغير عقلانية ومنمية للصراعات الطائفية, وجهة تقوم على التمييز بين المواطنات والمواطنين على أساس الدين والطائفة على نحو خاص, وكرست بذلك نظاماً سياسياً يستند إلى قاعدة المحاصصة الطائفية اللعينة بين سكان البلاد. ومن هنا يمكن القول بأن صراعاً جديداً بدأ يفعل في المجتمع العراقي بصورة رسمية وينتقل إلى جماهير هذين المذهبين عبر الأحزاب الإسلامية السياسية القائمة على أسس طائفية شيعية وسنية. ومع هذا الواقع الجديد توزعت جمهرة من المثقفات والمثقفين المتدينين على الطائفتين يدافعان عن وجودها ودورها في السلطة السياسية من منطلق طائفي بحت. وكان هذا الأمر متوقعاً ممن قبل بالطائفية السياسية وعواقبها على المجتمع. ولكن المهم في الأمر أن المثقفات والمثقفين الديمقراطيين, سواء أكانوا في داخل العراق أم خارجه ابتعدوا عن الطائفية والسياسية وعملوا لأن تكون لهم مواقف مستقلة عن الحكم وعن القوى الطائفية السياسية وتحكيم ضمائرهم ورؤيتهم للأحداث في اتخاذ المواقف المناسبة.
إلا إن جور السلطة الجديدة وربما لإغراءاتها, وغوص أحزابها الدينية في مستنقع الطائفية السياسية وما نشأ عن ذلك من قتل على الأهمية من غير تلك القوى الإرهابية التي جاهرت منذ البدء بعدائها للوضع الجديد حتى قبل أن يستقر النظام على حال معينة, أي من غير قوى القاعدة والبعث, قد دفع بالغالبية العظمى من المثقفين الديمقراطيين أن يتخذوا الموقف المناسب الذي يتناغم مع ضميرهم وإحساسهم بالمصيبة التي تدفع قوى المحاصصة الطائفية الشعب العراقي إليها. والكارثة ما تزال محدقة وأكثر من أي وقت مضى.
إلا إن قلة قليلة من المثقفين الديمقراطيين قد اتخذت مواقف الدفاع عن السلطة السياسية القائمة في العراق من منطلق لا يمكن أن يكون إلا طائفياً ويهاجم من ينتقد السلطة السياسية ويدعي الحكمة في دفاعه عن السلطة لإبعاد القوى الديمقراطية عن التطرف الذي ساد سلوكها عبر عقود, كما يحاول أن ينشط الفكر الطائفي من خلال نبش التاريخ, الذي كان طائفياً في مسارات كثيرة, وكأننا يفترض أن نعيش التاريخ في يومنا هذا أيضاً ونساير القوى والأحزاب الإسلامية السياسية ونعطيها فرصة لكي تحكم لصالح طائفتها التي تعرضت للتمييز سابقاً. إن هذا السلوك لا ينم عن عمق النهج الديمقراطي, بل يدلل على هشاشته وعلى تراجعه صوب ما هو مناهض للديمقراطية والقوى الديمقراطية. وهو ما نعيشه اليوم حين يتطوع مثقفون في الدفاع عن مجلس وزراء أو رئيس وزراء اتخذ شتى الإجراءات التعسفية والمناهضة لحرية وحقوق الإنسان ضد المتظاهرين المسالمين ولكنه تساهل مع أبشع القوى الطائفية السياسية التي أذاقت الشعب العراقي مر العذاب والموت على أيدي ميلشياتها المسلحة, ويبتعد حتى عن المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين الجدد الذين لم يكن لهم ذنب سوى المطالبة بحقوق وحريات وخدمات الشعب الكادح.
لقد كتب الأخ الشاعر خلدون جاويد مقالة ثمينة نشرت في موقع الحوار المتمدن عن أوضاع مثل هؤلاء الكتاب الذين تحولوا صوب الدفاع عن سياسية مواقف سلطة تحولت شيئاً فشيئاً إلى سلطة غاشمة, التقط منها هذه المقاطع شعراً أو نثراً معبراً فيها ومن خلالهم عن رأيه في أفكار مثل هؤلاء الكتاب:
"قال الشاعر نزار قباني ـ قولاـ بليغا ذات يوم
"وإذا أصبح المفكـّـرُ بوقا ً ...  يستوي الفكر عندها والحذاء ُ".
قال جان جاك روسو : " الإستقامة معيار للعظمة الإنسانية " وهذه الكلمة أعظم من مكتبة ستندال بما حوته من حكمة وجمال".
قال أبو ذر عامر الداغستاني فقيد الفكر التقدمي وخريج أكاديمية السجون العراقية : " على السلوك أن يجاري الفكر في مختلف الظروف والأحوال ! " .(راجع: الحوار المتمدن, كلمة - روسو - أعظم من مكتبة - ستندال - ..., الحوار المتمدن - العدد: 3386 - 2011 / 6 / 4 ).
لم أكن أهتم كثيراً بمثل هذه الكتابات وحاولت تجنبها طويلاً. ولكن الإصرار على ممارسة الإساءة للكتاب الديمقراطيين الآخرين دفاعا عن حكم قائم على الطائفية السياسية والمحاصصة الطائفية حتى في اختيار وزراء اتفقوا من حيث المبدأ أن يكونوا مستقلين وبعيدين عن الانتماء الطائفي هو الذي يثير أكثر من قلق وأكثر من شك من نوايا وأسباب مثل هذه الكتابات.
كم أتمنى أن يعيد هؤلاء الكتاب دراسة مواقفهم الجديدة بدلاً من تقديم الهجوم على من يتبنى موقف الناقد للحكومة بعد كل الذي حصل ويحصل في العراق ورغم التمادي في مصادرة الحريات العامة حتى وصل الأمر برئيس الحكومة إلى اتخاذ قرار باختطاف أربعة من الشباب المتظاهرين لم يطلق سراحهم حتى الآن رغم المطالبة المحلية والعالمية, كما تم اعتقال عشرة أشخاص آخرين من أعضاء ومؤيدي منظمة المجتمع المدني "أين حقي" في بغداد ولم يطلق سراحهم حتى الآن.
5/6/2011                        كاظم حبيب   

 

318
كاظم حبيب

ما هو موقف الأحزاب الشيوعية والعمالية من ربيع شعوب الدول العربية؟

نُشر على موقع "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" البيان الختامي لندوة الأحزاب الشيوعية والعمالية التي عقدت في بروكسيل في الفترة 13-15 أيار/مايس 2011. وقد حضر الندوة ممثلون عن أكثر من 50 حزبا شيوعيا وعماليا من  44 بلداً. "وناقشت الندوة هذا العام عنوانين هامين: الأول- تقوية الأحزاب الشيوعية في زمن الأزمة الرأسمالية العميقة والشاملة. والثاني- الانتفاضات الشعبية والتدخلات الامبريالية في العالم العربي." وما يهمنا في هذا المقال هو الموقف الذي اتخذته هذه الأحزاب من الانتفاضات الشعبية في العديد من الدول العربية.
بدأ البيان بالإشارة إلى عمق الأزمة التي يعاني منها النظام الرأسمالي وتجليات ذلك خلال السنتين الماضيتين التي ساهمت في تفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط وانفجار الأوضاع فيها. ولا شك في أن هذه العلاقة جدلية وسليمة لما للدول الرأسمالية المتقدمة من دور كبير في اقتصاديات وشؤون دول منطقة الشرق الأوسط وصراعاتها المتفاقمة وبؤسها الراهن الناشئ عن عمليات الاستغلال المستمرة والتعامل غير المتكافئ ودعم النظم الرجعية والاستبدادية في المنطقة طوال سنوات القرن العشرين وما بعده من جانب تلك الدول لضمان مصالحها "الحيوية" في المنطقة وخاصة المصالح النفطية و"حماية" إسرائيل. وفي الوقت نفسه حذرت من محاولة الدول الرأسمالية المتقدمة من استغلال تلك الانتفاضات لصالحها. وليس في هذا من خلل, إذ لا بد في ظروف العولمة من الانتباه لمصالح كل بلد من بلدان الشرق الأوسط وحمايتها من الشروط غير الملائمة التي تفرضها سياسات العولمة ومؤسساتها المالية والنقدية الدولية ومنظمة التجارة الدولية الحرة.
وأيد البيان الختامي ثورة شعبي تونس ومصر بحرارة وساند التحرك الشبابي والشعبي لضمان الحرية والديمقراطية والتقدم الاجتماعي. وهو أمر إيجابي, خاصة وان الانتفاضتين تتعرضان في البلدين إلى محاولات جادة لوقف زخمهما والعودة بهما إلى الوراء.
ولكن البيان الختامي للأحزاب الشيوعية والعمالية توقف عند قضايا حساسة جداً اختلط على المشاركين في الندوة الوضع تماماً وبشكل خاص في كل من ليبيا وسوريا. ويبدو إن وهم البرجوازية الصغيرة الثورية وطريق التطور اللارأسمالي ما يزال يسيطر على أذهان الأحزاب الشيوعية والعمالية في أوروبا وفي مناطق أخرى من العالم. وإلا ما معنى عدم تأييد هذه الأحزاب الشيوعية والعمالية لحركة شعبية عارمة في هذين البلدين.
فالشعب الليبي قد انتفض في أعقاب انتصار الحركة في كل من تونس ومصر ووجود حركة شعبية متصاعدة في اليمن وتظاهرات شعبية كبيرة في الأردن والبحرين. وبدأ القذافي على لسان ابنه سيف الإسلام القذافي يهدد الانتفاضة الشعبية في شرق البلاد, وخاصة في بنغازي, بالتدمير الكامل وسحق المقاومين بكل ما لدى القذافي من قوى عسكرية وأسلحة فتاكة استوردها من كل دول العالم المنتجة للسلاح وبأموال الشعب الليبي ليقتل بها أبناء وبنات ليبيا. وبدأت التهيئة الفعلية لغارات جوية مهلكة ضد مدن الشرق الليبي, مما قرب احتمال وقوع كارثة بشرية ومجزرة مهلكة ضد الشعب الليبي استوجب الدعوة إلى عقد جلسة خاصة لمجلس الأمن الدولي للبحث في سبل تفادي الأزمة والمجزرة والاستجابة لمطلب الشعب الليبي برحيل القذافي بعد حكم كاريكاتيري وقرقوشي دام 42 عاماً تميز بالاستبداد والقسوة والتعذيب في دهاليز سجون القذافي المنتشرة في أنحاء البلاد والاختطاف والقتل وتبذير أموال الشعب ونهبها من لدن عائلة القذافي. لقد طالب الرأي العام العالمي والكثير من دول العالم بوقف المجزرة المحتملة من خلال ضربات جوية ضد الطيران الليبي لمنعه من التحرك ضد الشرق الليبي دون تدخل مباشر بقوات برية في ليبيا. وهذا ما حصل ويحصل حتى الآن.
لم يكن هذا النظام وطنياً ولا ديمقراطياً حراً, بل كان نظاماً أسرياً وهمجياً بعيداً عن كل مقاييس التحضر والإنسانية وضد مصالح الشعب الليبي. ولهذا ليس من حق أحد أن يدافع عن مثل هكذا نظام دموي ورجل مصاب بالنرجسية وجنون العظمة وخلق من نفسه موديلاً مهووساً بالأزياء الأفريقية وبالجواري الحسان! وقد نشأ أنباء القذافي على سر أبيهم وهم مصابون بذات العلل والأمراض النفسية القاتلة.
من هنا أقول وبكل وضوح: لا يحق لأحد, ولا للأحزاب الشيوعية والعمالية من 44 بلداً أن تتدخل بشؤون الشعب الليبي لتمنعه من الخلاص من دكتاتور أهوج وارعن لا يملك ضميراً وحساً لهذا الشعب المبتلى به منذ 42 عاماً, لا يحق لمن يدعي النضال من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية أن يدافع عن هذا القاتل السفاح وعن نظامه الدموي, وما كان بالإمكان ترك السفاح وعائلته يمارسون قتل الناس الأبرياء العزل من السلاح. إن المطالبة بعدم تسليح المنتفضين أو مهاجمة قوات القذافي بالضربات العسكرية للتخفيف عن الثوار هو خيانة فعلية للشعب الليبي وحركته المناهضة لحكم القذافي, هو دفاع عن نظام لا يعود للقرن الحادي والعشرين. وكان الأجدر بهذه الندوة أن تدعم نضال الشعب الليبي وتطالب في الوقت نفسه بتحقيق ثلاث مسائل أساسية:
1.   رحيل القذافي ونظامه وإقامة دولة مدنية حرة تتطور صوب الديمقراطية وتمارس حقوق الإنسان وترفض أي شكل من أشكال الحكم الديني المتطرف أو الاستبدادي بأي شكل كان.
2.   الحفاظ على وحدة البلاد الليبية ووحدة شعبها ورفض وجود قوات أجنبية تحت أية واجهة كانت على ارض البلاد وعدم السماح بإقامة قواعد عسكرية في ليبيا.
3.   ضمان استقلال البلاد واستقلال قرارها الاقتصادي في التصرف الوطني بثروات البلاد دون تدخل من الدول الأخرى, والعمل من اجل بناء اقتصاد وطني مزدهر وتحسين مستوى حياة ومعيشة وثقافة الشعب الليبي.
إن من واجب الأحزاب الشيوعية والعمالية أن تدعم حركة الشعب الليبي لا أن تتصدى لها بذريعة التدخل الإمبريالي في الشأن الليبي. إن طلب عدم التدخل يعني السماح بمجازر دموية ينفذها الحكم الشمولي والحاكم المستبد بأمره ضد شعبه.
أما بصدد سوريا. فالأحزاب الشيوعية والعمالية انطلقت حقاً من رؤية قاصرة لتحليل التغيرات الطارئة على الصعيد العالمي وفي المنطقة والدول العربية وعلى الصعيد السوري أيضاً. وهي لا تختلف في ذلك عن لقاء بعض الأحزاب الشيوعية في دمشق في 17 مارس/آذار من هذا العام الذي مر على كل الدول العربية ولكنه تجاوز الحديث عن حركة الشعب السوري المدنية المطالبة بالحريات العامة والديمقراطية والخلاص من الاستبداد والقسوة وحكم الحزب الواحد, وهو أمر غريب ومرفوض بطبيعة الحال.
إن الأحزاب الشيوعية والعمالية اتخذت في اجتماعها هذا ذات المواقف القديمة التي قادتها إلى أزمة طاحنة لم تكن في الفكر الماركسي أو النظرية الماركسية ومنهجها العلمي, بل في قصور تلك الأحزاب عن وعي الواقع والتعامل الواعي مع أحداثه واتجاهات تطور الأحداث. إن هذه المواقف السلبية من حركة النضال الشعبي في كل من ليبيا وسوريا لا يمكن القبول بها ولم تثبت صحتها خلال العقود المنصرمة. فالنظام السوري ليس وطنياً ولا ديمقراطياً ولا حراً, فهو نظام قائم على الاستبداد والحكم الشمولي المطلق لحزب يؤمن بفكر شوفيني وفاشي النزعة والسلوك, حزب يمارس الهيمنة على البلاد ويقاد من أجهزة الأمن السياسي وبعض القيادات العسكرية التي تربت على عقلية شوفينية وسلوك فاسد ومفسد في آن.
إن النظام السياسي السوري متحالف مع أبشع نظام استبدادي شمولي ينطلق من مواقع الفكر الديني والطائفي الشمولي ويحارب كل الأفكار والاتجاهات الفكرية والسياسية الأخرى, متحالف مع النظام الإيراني "الإسلامي الشيعي", النظام الذي يمارس تصدير الثورة الإيرانية وتخريب العلاقات بين دول المنطقة ويسعى للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط بكل السبل المتوفرة لديه. إنه النظام الذي زرع له عدداً من القوى والأحزاب في عدد متزايد من الدول العربية ويهدد بالخطر مصالح شعوبها وحريتها وطموحها للديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.
إن هذا النظام قد أذل شعبه وركَّع بقية الأحزاب السياسية فيه, بما فيها الأحزاب الشيوعية المتعددة القائمة في سوريا وجعلها طوع الحزب القائد والرائد, والقائد المستبد بأمره, بما في ذلك الحزب الشيوعي السوري الذي لم يعد واحداً, ولكنها كلها تعاني من قهر الحكم وحزب البعث.
وحين انطلقت الانتفاضة الشعبية في سوريا لم تكن أيها الرفاق الأحبة بأوامر من الدول الإمبريالية ولم تكن بإرادة إسرائيل, بل كانت وستبقى بإرادة الشعب السوري, بإرادة المنتفضين في درعا وحماه وحمص واللاذقية وحلب ودمشق وضواحيها ومدينة القامشلي والجزيرة وبقية المدن السورية الذين يئسوا من أي إصلاح للنظام السوري أو تخل عن ممارسة الاستبداد والقهر والسجون. انتفضوا لأنهم لم يجدوا طريقاً آخر أمامهم, انتفضوا لأنهم تعلموا من تجربة تونس ومصر, إذ رأوا فيهما الطريق الوحيد للخلاص من دموية النظام وكرهه وقهره للمجتمع والإنسان.
يصعب حقاً فهم منطق بيان الأحزاب الشيوعية والعمالية الخاص بالدول العربية. فبدلاً من دعم نضال الشعب السوري والمطالبة برحيل الدكتاتور الجديد بشار الأسد والخلاص من حكم الحزب الواحد, حزب البعث العربي الاشتراكي, ودعم القوى المدنية الديمقراطية والتقدمية في نضالها من أجل التغيير من جهة, والتحذير من دور القوى الدينية المتطرفة, وخاصة  جماعة الأخوان المسلمين وأتباع النظام سابقاً, ومن التدخل الخارجي, راحوا يحذرون الشعب من مغبة انتفاضته الشعبية والخشية من تحقيق التغيير في سوريا!!!
إن الدول التي لا يريد التغيير في سوريا هي الولايات المتحدة وإسرائيل أولاً وقبل كل شيء, إذ إن النظام السوري صامت كالشيطان الأخرس إزاء احتلال الجولان من قبل إسرائيل منذ حرب حزيران 1967, من1 44 عاماً بالتمام والكمال. كما إن إيران ثانياً لا تريد تغيير حليفها في الاستبداد وفي الهيمنة السياسية على لبنان من جانب حزب الله المدعم من حكومتي إيران وسوريا, وهي التي تمد هذا النظام بإكسير الحياة ولو لفترة. فمصير النظام السوري لا بد أن ينتهي إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم وفي مزبلة التاريخ كشقيقه في الولادة حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق.
يؤكد بيان الأحزاب الشيوعية والعمالية حول سوريا ما يلي:
" لقد كانت واشنطن تسعى ولفترات طويلة لإسقاط النظام السوري المصنف من قبلها على أنه جزء من ما يسمى (محور الشر)، إن الولايات المتحدة تعتزم استبدال هذا النظام بدمى موالية لواشنطن وحلفائها.إننا بحزم نعارض أي تدخل أو تهديد بالعدوان من قبل الإمبريالية وإسرائيل ضد سوريا، ونؤيد كل القوى الوطنية والديمقراطية في سوريا التي تعمل من أجل تحقيق المطالب المشروعة للجماهير." إن الشعب السوري المحب للحرية والديمقراطية لا يريد استبدال النظام الجائر بنظام خاضع للولايات المتحدة, بل يعبر عن مصالح الشعب السوري وحاجاته وطموحاته, وهو ما يفترض مساندته. ولا بد لنا من تأكيد أن النظام في سوريا والنظام في إيران هما من النظم الشريرة في المنطقة وعلينا أن نتذكر ما فعله النظام السوري وما يزال يمارسه في كل من لبنان والعراق.
يفترض في هذه الأحزاب أن تدعم ناضل الشعوب في الدول العربية من أجل التغيير صوب الحياة المدنية والديمقراطية وحقوق الإنسان ومن أجل التعددية الفكرية والسياسية والحياة الدستورية البرلمانية وفي سبيل العدالة الاجتماعية وضد الإرهاب الحكومي وإرهاب القوى الدموية كالقاعدة وتنظيمات حزب البعث على صعيد الدول العربية في كافة الدول العربية وإنهاء حكم المستبدين فيها. إن شعوب العالم والقوى الديمقراطية مطلوب منها مساندة هذا النضال لا التحذير منه كما تفعل بعض الأحزاب الشيوعية أو تتغافل عما يجري في سوريا من استبداد وقهر وقتل يومي حتى ارتفع عدد القتلى حتى الآن إلى أكثر من 1200 قتيلاً وإلى أكثر من 2000 جريحاً و10000 معتقلاً في سجون النظام الدموي من جانب بعض الأحزاب الشيوعية في الدول العربية كما حصل في لقائها في دمشق في هذا العام 2011.
وبيان الأحزاب الشيوعية والعمالية أشار إلى أن سياسات الإدارة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي إزاء السياسات الإسرائيلية التي تحتل أجزاء واسعة من الضفة الغربية في فلسطين والجولان في سوريا ومزارع شبعا في لبنان واستمرارها في بناء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية ومجمل سياستها في منطلقة الشرق الأوسط وإزاء الشعب الفلسطيني وحقوقه العادلة والمشروعة هي التي تشكل تجاوزاً خطيراً على الشرعية الدولية وعلى حقوق الإنسان. وهي التي يفترض أن تدان وأن يتخذ الموقف الإنساني والقانوني الدولي إزاء تلك السياسات اليمينية المتطرفة لحكومة إسرائيل في الضفة الغربية وإزاء غزة, وهي أحد الأسباب الأساسية التي مكنت التنظيم الإسلامي السياسي المتطرف "حماس" من تنفيذ سياسات أدت على انقسام شديد في الصف الوطني الفلسطيني وفي منظمة التحرير الفلسطينية وعلى أرض الواقع الفلسطيني, وبشكل خاص سيطرتها التامة على قطاع غزة.
ولكن البيان لا يعبر عن التحولات الجارية على صعيد الدول العربية وفي المنطقة, وهو متخلف حقاً في ما يخص ليبيا وسوريا, وهو أمر يؤسف له لأنه يسهم في خلق مصاعب لنضال الأحزاب الشيوعية والقوى اليسارية في المنطقة وبشكل خاص في الدول العربية.
7/6/2011                         كاظم حبيب     
       
     

319

حوار مع الدكتور  كاظم الحبيب عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي
سابقاً :
حول ماضي الشيوعيين العراقيين ومستقبلهم!


حين يبلغ المرء مرحلة متقدمة من العمر جميل أن يحتفى به ويكرم، ولكن الأهم أن يقف مستذكراً مساره الطويل بجرأة وموضوعية وهدوء بعيداً عن صخب الحفل وشموعه وكلمات المحتفين التي تطغى عليها عادة المجاملات والتهويمات العاطفية، ليرى بنور البصيرة الساطع مواضع الصواب والخطأ ، ثبات وصحة الخطى إلى الهدف،التيه والضلال وضياع الحلم والأمل، باختصار: النجاح والفشل خاصة في المحطات الرئيسية!
يغدو هذا أشد ضرورة وأكثر إلحاحاً حين يكون المرء مناضلاً اختار طريق العمل العام منذ صباه أو شبابه، أو مفكراً وكاتباً ساهمت كلماته في صنع عقول الكثيرين وربما تقرير مصائرهم،انطلاقاً من هذا كان لي لقاء مع الدكتور كاظم الحبيب، بعد أن بلغ الخامسة والسبعين من العمر، في مدينة يتبوري السويدية قبل أيام، في بيت صديقنا عباس سميسم ،تحدثنا فيه عن ضرورة حوار يدور حول محاور فكرية وسياسية أساسية كانت وما تزال من هموم نشاطنا  وحياتنا الفكرية.
عرفت الدكتور كاظم حبيب في بغداد منذ أكثر من ثلاثين عاماً عندما كنت أحد كوادر  الحزب الشيوعي وأكتب في جريدة طريق الشعب، وكان الدكتور الحبيب معروفاً لنا: عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، وعضوا فاعلاً في المجلس الزراعي الأعلى ، وأنه هو من يصوغ أو يساهم بشكل واضح مفهوم الحزب للسياسة الاقتصادية التي ينبغي أن تسود في العراق، وبعد انهيار التحالف مع البعثيين وخروجنا إلى المنافي، صار عضواً في المكتب السياسي، وقد جمعني به عمل مباشر لسنوات بتنظيم الحزب في الجزائر، وكنت وما أزال أتابع ما يكتب باهتمام، وعلى تواصل دائم معه عبر التلفون والنيت وفي لقاءات مباشرة خاصة بندوات في  لندن وعمان والسويد، كانت أهم  سمة وجدتها في شخصيته،خاصة في الآونة الأخيرة هي استعداده لسماع الرأي المختلف،ومناقشته باهتمام وحرصه على تصفية القلب والعقل من شوائب الماضي، الذي آذانا وجرحنا جميعاً!
كنت أسمع من بعض أصدقائي اللبراليين يقولون بخبثهم المحبب، ليتنا نرى قادة الأحزاب  الشيوعية كيف هو مزاجهم بعد انهيار كعبتهم في موسكو ، هل ما زالوا يكابرون مدعين بأن نظريتهم كلية القدرة، وإن كتبهم المقدسة قادرة على شفاء الأوطان المريضة وإسعاد عشاقها المسلولين من هجرها أو تقلباتها؟
لقد حدث الزلزال الأيدلوجي ، وانهارت منظومة كبرى من الدول كانت تنام على مخدته الحريرية ، ولكن هل تغيرت عقول أتباعه وتلامذته ومريديه بنفس القدر؟ أو كما يحلو لخصومهم اللبراليين القول: لقد انهار المعبد ، هل صفى الكهنة ادعيتهم ومباخرهم واتجهوا صوب الشمس؟ صوب الحياة ، ليلووا عنق النظرية من أجل الحياة، ولا يلووا عنق الحياة من أجل النظرية؟ وحيث أن الدكتور الحبيب هو الآن الوحيد أو من القلة، ممن يمارسون الكتابة والعمل الفكري من قادة الحزب المتوقفين عن العمل الحزبي ،أو الذين أحيلوا أو أحالوا أنفسهم على التقاعد، لذا فإن الحوار معه يعطي مسحة فكرية، أو خلاصة مركزة، عما يدور في أذهان وسريرة رعيل من الشيوعيين العراقيين، ساهموا في مجرى العمل السياسي في العراق في نصف القرن الأخير من تاريخ العراق الحديث!   
قال :
ـ أشعر بأننا بحاجة إلى رؤية هادئة لأحداث الماضي ولكنها صارمة بما يسهم في تحسين أوضاع اليسار, إذ أننا لا نشكل في عمر الزمن الجاري إلا رحلة قصيرة وقصيرة جداً, رغم أنها كانت تمس مصائر الكثير، والكثير جداً من البشر.
 
قلت إذا لنبدأ بما قد يبدو صارماً بعض الشيء:
-   ألا ترى أن تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في بلد متخلف كالعراق في الثلث الأول من القرن الماضي كان خطأ فادحا؟

** لقد بدأ العراق خطواته صوب نور الحضارة الإنسانية بعد انقطاع طويل في ظل الهيمنة العثمانية المديدة (أربعة قرون تقريباً) حين سقطت الدولة والعثمانية ووقع العراق تحت الاحتلال البريطاني. في هذه الفترة برزت حركة سياسية عراقية ذات مضمونين متداخلين ومتفاعلين, وأعني بهما:
1 . حركة سياسية دينية مناهضة للوجود البريطاني في العراق من منطلق ديني باعتبار الدولة المحتلة مسيحية وكافرة ويفترض مقاومتها ومن أجل إقامة مملكة عراقية مستقلة.
2 . هذه الحركة السياسية كانت مشبعة بالعداء للجديد القادم من الغرب, للحضارة الجديدة التي تهدد سيطرة المؤسسات الدينية المهيمنة على عقول الناس وأفئدتهم, سيطرة الإقطاع على  الأرض الزراعية وإخضاع الفلاحين لهم وبدعم من المؤسسات الدينية, الخشية على الأموال التي كانت تصل إليهم من كبار الإقطاعيين وملاكي الأراضي الزراعية ومن الخارج.
ولكن بجوار هؤلاء وجدت فئة صغيرة من المثقفين والتجار الوطنيين الذين كانوا يسعون إلى التحرر وتخليص المجتمع من تأثير القوى الرجعية المتمسكة بالماضي بشأن التعليم والثقافة والمرأة وحرية الإنسان وحقوقه.
وخلال فترة العشرينيات ومن ثم في الثلاثينات برزت أحزاب سياسية عديدة منها الحزب الوطني لجعفر أبو التمن أو جماعة الأهالي أو الإصلاح الشعبي أو نادي المثنى. كما برزت جمعية مكافحة الاستعمار والاستثمار التي أسستها مجموعة تبنت الفكر الماركسي في 8 آذار/مارس 1934.
كان فهد (يوسف سلمان يوسف) في أوائل الثلاثينيات, وبعد أن أن انتقل من البصرة إلى الناصرية ليعمل في مكينة الثلج التابعة لأخيه, عضواً في الحزب الوطني ومعتمده في الناصرية ومراسله أيضاً وقريب سياسياً من جعفر ابو التمن.     
أخذ المؤسسون الأوائل واقع العراق الفكري والسياسي والاجتماعي والديني بنظر الاعتبار حين أطلقوا على اسم الحزب الجديد "اجمعية مكافحة الاستعمار والاستثمار". ولكنهم اصطدموا بموقف متعنت من الأممية الثالثة التي كانت ترفض طلبات الانتساب إلى هذه الحركة ما لم تسم نفسها باسم الحزب الشيوعي العراقي, كما حصل تماماً مع الحزب الاشتراكي المصري الذي فرض عليه في العام 1924 تغيير اسمه إلى الحزب الشيوعي المصري واضطر أن يتخلى عنه الكثير من وجوهه الاشتراكية المعروفة حينذاك. كانت الأممية الثالثة تسعى إلى نشر الحركة الشيوعية المؤيدة للاتحاد السوفييتي والداعمة له عربياً ودولياً هو السبب وراء ذلك الإصرار على تغيير الاسم.
لم يكن تغيير الاسم وحده, بل كذلك الأهداف والنظام الداخلي الذي ارتدى ما أرادته له الأممية الثالثة وليس ما فكر فيه العراقيون المؤسسون الأوائل ومنهم فهد.   
لا شك في أن الحزب كان سيؤثر أكثر لو أبقى الاسم السابق له في المجتمع العراقي ولتجنب الكثير من المشكلات الحكومية والشعبية.
ورغم ذلك فقد تقبل الكثير من البشر حينذاك هذا الاسم ودخلوا في الحزب وناضلوا معه وأستوعب حركة المثقفين العراقيين بشكل واسع. ويمكن القول بأن مدناً معروفة بتدين سكانها قد دخلوا في هذا الحزب وساعدوه وحقق شعبية كبيرة وقاد الحزب نضالات كثيرة. لقد حورب الحزب بسبب اسمه من جانب الدولة وأجهزتها ومن المؤسسات الدينية ومن الكثير من الفئات الاجتماعية المتدينة. وكان الحزب قادراً على تجاوز ذلك لو كان قد اتفق مع عزيز شريف في أن يكون اسم الحزب مثلاً "حزب الشعب" أو حزب "التحرر والديمقراطية".
ومع ذلك أقول بوعي ومسؤولية بأن الاسم الأول, أي جمعية مكافحة الاستعمار والاستثمار" وكان المقصود هنا الاستثمار في قطاع النفط وامتيازاته بشكل خاص, كان الأكثر قرباً من الواقع العراقي حينذاك وأكثر انسجاماً مع طبيعة المجتمع ومهمات النضال.   

ـ كلامك يؤكد التحليل التاريخي الموضوعي، الذي يقول أن الحزب الشيوعي العراقي أسس بقرار أممي، أو خضع بشكل حاسم للتوجيه الأممي، وتجاهل الاعتبارات الوطنية؟ 

ج – هذا الاستنتاج ليس دقيقاً  تماماً. أشرت في إجابتي بوضوح إلى عوامل عدة ساعدت على نشوء الحزب الشيوعي العراقي, إذ لولا قبول الواقع الموضوعي في العراق بوجود هذا الحزب والتفاف الناس حوله لما نشأ وتطور واستمر هذه الفترة الطويلة وقاد حركات جماهيرية واسعة وتصدر القوى السياسية في فترات مختلفة, علماً بأن عدداً غير قليل من الأحزاب العراقية كان قد نشأ ثم اختف من الساحة السياسية العراقية. سأحاول هنا أن ألخص بعضها في النقاط التالية:
1.   كان للعامل الدولي دوره في إيصال الأفكار التقدمية والماركسية في فترة مبكرة من القرن العشرين إلى العراق, أو مع نهاية الحرب العالمية الأولى. وقد أثرت ثورة أكتوبر في العام 1917 على الكثير من شعوب العالم تماماً كما كان للثورة الفرنسية تأثيرها على مصر والدولة العثمانية وغيرها في حينها. كما كان للكتاب المصريين والحزب الاشتراكي المصري, الذي سمي في العام 1924 بالحزب الشيوعي المصري دوره في هذا الصدد, وكذلك بعض القادمين مع الجيش البريطاني في البصرة. إضافة إلى الدعاة السوفييت الذين وصلوا العراق في حينها. وكان للعراقيين الذين عاشوا فترات قصيرة في الخارج, ومنهم حسين الرحال في ألمانيا دورهم أيضاً في نقل الأفكار الماركسية إلى العراق. يمكن في هذا الصدد مراجعة كراس الأستاذ الدكتور عامر حسن فياض عن جذور الفكر الاشتراكي في العراق, وكتابنا-كاظم وزهدي عن "فهد والحركة الوطنية في العراق وحسين جميل عن "نشأة الأحزاب السياسية في العراق).
2.   لقد وجدت في العراق منذ العشرينات أحزاب سياسية تقودها عناصر برجوازية صغيرة مثقفة وناشطة في التجارة وأبناء من عائلات ميسورة, كما برزت جماعة جريدة "الصحيفة" التي التزمت الخط التقدمي وخلفية ماركسية في نضالها من أجل تحرير المرأة والتصنيع وما إلى ذلك. ومع خروج العراق من الوصاية البريطانية المباشرة (الانتداب) في العام 1932 حتى تأسس العديد من الأحزاب السياسية العراقية الوطنية المعارضة بشكل عام والتي شاركت في النضال الوطني. وقد تبنت هذه الأحزاب أهدافاً عامة ومهمة حينذاك ذات طبيعة اقتصادية واجتماعية.
3.   كان العراق لا يزال يخضع للسياسة البريطانية المؤثرة على القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي العراقي. كما كان الفقر والفاقة في الريف العراقي شديداً على العائلات الفلاحية المقترنة بالظلم الإقطاعي وقوانين اللزمة التي وضعها أرنست داوسن في العام 1932. وكانت الطبقة العاملة قد تشكلت لتوها في مناطق مهمة مثل منشآت النفط الخام في كركوك أو السكك الحديد في بغداد والبصرة أو الموانئ العراقية في البصرة... الخ.
4.   السياسات القمعية التي مورست من جانب السلطة ضد قوى واسعة خلال الفترة الواقعة بين 1933-1936.
5.   دور المؤسسة الدينية في تشديد الحصار الفكري والتضييق على الناس والفراغ القاتل للشبيبة, إضافة إلى البطالة الواسعة في المدن.
كل هذه العوامل وغيرها ساعدت على بروز حاجة لحزب سياسي يطرح شعارات الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وضد الإقطاع والبطالة. وفي هذا برز الحزب الوطني لجعفر أبو التمن , ثم جماعة الأهالي والإصلاح الشعبي, وكلاهما طرف واحد باتجاهات متعددة يسار ووسط ويمين, ولكنها كلها وطنية, ثم قوى أكثر يسارية هي الجماعة التي أطلقت على نفسها "لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار". التي تحولت بتأثير الأممية الثالثة إلى الحزب الشيوعي العراقي وتبنت بوضوح الماركسية – اللينينية وأصبحت عضواً في الأممية الثالثة.
هكذا كان التأسيس بفعل عوامل عديدة, ولكن كان للأمية الثالثة التأثير البارز على تقرير اسم الحزب وعلى نهج الحزب السياسي الدولي بشكل خاص. ولهذا جاء في كتابنا المشترك بيني وبين الصديق الدكتور زهدي الداوودي عن "فهد والحركة الوطنية في العراق" ما يشير إلى أن فهد مارس وكتب في الواقع العملي خطابين, خطاب وطني عبر فيه عن القضايا المحلية الوطنية, وخطاب أممي عبر عن القضايا الأممية بلغة لا تتناغم مع الواقع العراقي حينذاك ومستوى تطور المجتمع والذي تجلى في كراسه المعروف "حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية, والذي كان يعبر فيه عن الصراع الدولي بين الأممية الثانية والأممية الثالثة والذي لم يكن ينسجم مع واقع العراق وصراعاته حينذاك. أي أن الخطاب الأممي الذي نقله فهد إلى العراق لعب دوره في التأثير أيضاً على السياسات الداخلية, وبشكل خاص في موضوع التحالفات ودور الطبقة العاملة والحزب وبعض بنود برنامج الحزب, والتي لم تكن صائبة عموماً.   
     
- ألفت مع الدكتور زهدي الداوودي كتاباً عن فهد، وقد شخصتما بعض مثالبه خاصة عدائه للمثقفين أو خشيته منهم،ألا ترى إن فهد كان شخصية ستالينية وبمزاج سوفيتي وإنه لم يتكون وفق روح وتراث عراقيين ولم يدرك ضرورات الواقع العراقي بواقعية وموضوعية، وإنه أراد زج العراقيين في صراع مع الغرب لحساب السوفيت مما أضعف الدولة العراقية الحديثة وساهم في انهيارها ووصول العراق إلى ما هو عليه اليوم ؟
** في هذا السؤال جوانب عدة يفترض أن نفككها ونجيب عنها بوضوح وروية.
أ‌.   كان فهد جزءاً من المدرسة اللينينية بروحية ستالينية, إذ درس في المدرسة الحزبية السوفييتية في فترة حكم ستالين وفي فترة الهجوم الشرس لستالين على المثقفين السوفييت. كان الكثير من المثقفين في الاتحاد السوفييتي قد اتهموا بالتحريفية والانتهازية والعداء للطبقة العاملة ووجدوا الموت على أيدي ستالين. وكان فهد مشبعاً بهذه الروح التي تخشى من المثقفين حين يكونوا داخل الحزب ولكنه يحترمهم تماماً وهم خارج الحزب. لهذا كانت ثقته الأساسية موضوعة بالعمال والكادحين والفقراء وذوي المستوى الواطئ ثقافياً ,  والكادر الذي تربى عليه يديه وأخذ ثقافته منه بشكل مباشر. لم يكن لفهد عداء شخصي للمثقفين, بل ينطلق من موقف إيديولوجي خاطئ هو التشكيك بالمثقفين أو الارتياب من تصرفاتهم البرجوازية الصغيرة ..الخ.
ب‌.   نشأ فهد على ثقافة عراقية جيدة وكون نفسه فكرياً وسياسياً قبل سفره إلى الاتحاد السوفييتي. وقد كان مطلعاً جيداً على أوضاع العراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية وعلى مزاج الناس. وقد تجلى ذلك في القضايا والشعارات التي تبلورت في عهده إزاء القضايا العراقية الخاصة بالعراق والمجتمع العراقي. ويمكن أن تجد ذلك في كراساته عن البطالة أو مستلزمات كفاحنا الوطني على سبيل المثال.
ولكن فهد تربى في المدرسة السوفييتية الستالينية وفي فترة معقدة جداً ومتوترة, فكانت تربيته الأممية سوفيتية بحتة, وهي التي تتجلى في كتاباته عن الحزب الشيوعي والشيوعية وعن الاتحاد السوفييتي والاشتراكية وعن القائد ألأممي ستالين وعن مواقفه الشديدة والمتوترة إزاء من يقف ناقداً للاتحاد السوفييتي والحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي. ويمكن أن تجد تجليات هذه الوجهة في كراس "حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية" أو في الكثير من مقالاته عن الاتحاد السوفييتي في جريدة القاعدة حينذاك.
ج. لقد وقف الحزب الشيوعي العراقي إلى جانب التحالف الدولي ضد دول المحور في الحرب العالمية الثانية, واقترب في ذلك من كل الدول الغربية, ولكنه مع ذلك كان يركز على السيطرة الاستعمارية على العراق. وبعد الحرب العالمية الثانية انقسم العالم إلى معسكرين غربي وشرقي أو رأسمالي واشتراكي. أما الدول النامية فقد شكلت في أوائل الخمسينيات مجموعة الحياد الإيجابي ومن ثم دول عدم الانحياز؟ لم أشير إلى هذه الحقيقة؟ لأن الموقف من بريطانيا ومن الغرب قد ارتبط بثلاث مسائل لا بد لنا من إبرازها رغم مرور أكثر من ستة عقود على ذلك.
1. وجود سيطرة فعلية لبريطانيا على السياسة العراقية الداخلية وتشويهها بالتعاون مع البلاط والحكومات المتعاقبة للانتخابات لا ضد الحزب الشيوعي بل ضد قوى المعارضة الوطنية الأخرى, ومنها الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال والجبهة الشعبية وغيرها.
2. كانت سياسات بريطانيا في العراق تمنع التوجه صوب التصنيع وحل مسألة الأرض وتعديل اتفاقية امتياز النفط الخام في العراق منذ العام 1925 (شركة نفط العراق) وما بعدها لاتفاقيتي الموصل والبصرة. والتي تحقق التعديل في العام 1952 بمردود رجعي لعام 1951 بفعل حركة التأميم في إيران من قبل حكومة الدكتور محمد مصدق.
3. كان الصراع بين حركة التحرر الوطني والدول الاستعمارية أقدم بكثير من موضوع الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي. إلا أن وقوف المعسكر الاشتراكي إلى جانب قضايا حركة التحرر الوطني هي التي جعلت ليس الحزب الشيوعي وحده في العراق بل حركة التحرر الوطني كلها في العالم تميل إلى جانب الاتحاد السوفييتي وحركة عدم الانحياز كلها.
لا شك في أن الحزب الشيوعي العراقي كان يدفع باتجاه الوقوف إلى جانب الاتحاد السوفييتي, إذ كانت كل الأحزاب الشيوعية تعتبر هذه الدولة هي القلعة الحصينة للاشتراكية وللحركة الشيوعية وان الحركة الشيوعية قد تأسست من حيث المبدأ دفاعاً عن الاتحاد السوفييتي ضد التدخل الأجنبي, إذ كانت قبل ذاك أحزاب اشتراكية. 
لم يضعف الحزب الشيوعي العراقي الدولة العراقية, بل الحكومات العراقية المتعاقبة وسياسة بريطانيا في العراق هي التي أضعفت الدولة العراقية وعرضتها إلى عداء جمهرة كبيرة من السكان ضدها وكذلك جزءاً من الجيش العراقي. دعنا نتذكر الأحداث قبل أن نصاب بنسيان بعض تلك الأحداث.
لقد كانت الحكومات العراقية المتعاقبة تتآمر على الوضع الديمقراطي الذي نشا في منتصف الخمسينات في سوريا, كما بدأت تتآمر على  الوضع في مصر بعد انتفاضة الجيش ضد الحكم الملكي, بل كان نوري السعيد مرتاحاً جداً للعدوان الثلاثي على مصر وتمنى سقوط ذلك الحكم, رغم كون الحكم المصري لم يكن ديمقراطياً, ولكنه كان تدخلاً من جانب العراق في الشأن المصري. ثم أقام نوري السعيد الاتحاد الهاشمي دون العودة لاستشارة الشعب في العام 1958. ينبغي أن لا ننسى الموقف المعروف لنوري السعيد من القوى الوطنية. سياسات الحكومات العراقية المتعاقبة في العهد الملكي لم تكن ديمقراطية, ولكن الأوضاع التي نمر بها الآن تجعلنا نرى أن تلك الفترة كانت "ديمقراطية". من المؤسف أن ذاكرة الإنسان قصيرة الأمد, وإلا لما أمكن إجراء مثل هذه المقارنة. إذ لولا ذاك لما حصل هذا الذي نعيشه اليوم!
لا شك في أن سياسات الحزب في العام 1949 في عهد ساسون دلال, وكذلك في الربع الأول من العقد السادس كانت متطرفة, وخاصة حين كان حميد عثمان وبهاء الدين نوري على رأس الحزب, وتسبب في نشوء مشاكل عدة للحزب وللحركة الوطنية. ولكن العيب الأساس كان في طبيعة وسياسات الحكومة.
وصحيح أن الحزب الشيوعي وفي عهد فهد كان يطرح تشكيل الجبهة الوطنية يفترض أن تكون بقيادة الحزب الشيوعي العراقي منطلقين من موقف الأممية الثالثة والحديث عن خيانة البرجوازية الوطنية في هذه البلدان, والذي لم يكن صحيحاً. في بلد توجد فيه طبقة عاملة ضعيفة وحزب شيوعي نشط ولكنه سري لا يجوز الحديث عن قيادة الجبهة, بل يفترض أن يكون جزءاً من تلك الجبهة والتي حصلت في العام 1957 حين تراجع الحزب عن ذلك الطرح الستاليني الذي تكرس في الحركة الشيوعية في أعقاب المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي والذي وجد تعبيره الخاطئ في سياسة حزب تودة في إيران إزاء الدكتور محمد مصدق خلال الفترة 1951-1952.       
 
- هناك من يقول أن قيام حزب شيوعي في العراق حرم العراقيين من السير نحو مجتمع اشتراكي ديمقراطي، فهو باحتكاره لمفهوم الاشتراكية المشبع بالعنف والديكتاتورية نفر الناس من الاشتراكية عموماً، وأعطى الفرصة للسلطة المرتبطة بالإنجليز لمحاربتها أيضاً على أنها الشيوعية ؟

** لقد نشأت في العراق العديد من الأحزاب السياسية قبل تأسيس الحزب الشيوعي العراقي وكانت محاربة من جانب نظام الحكم وكان معتمدي تلك الأحزاب يعتقلون في العراق. وكانت تلك الأحزاب وطنية وديمقراطية واشتراكية وليست شيوعية وهي التي كانت تخيف النظام الحاكم ولم يستوعب أهمية التداول السلمي للسلطة. لم يرفع الحزب الشيوعي شعار الإطاحة بالسلطة في فترة فهد ولسنوات لاحقة, في ما عدا فترة قصيرة حيث تميز الوضع بالتطرف اليساري. لقد كان النضال سلمياً من جانب كل الأحزاب. كانت هناك إضرابات وكانت هناك مظاهرات, فكيف كانت تواجه من جانب الحكم؟ كانت تواده بقوات الشرطة واحياناً بقوات الجيش العراقي. أعطيك نموذجين لشرح وجهة نظري ولتبيان أن العنف لم يبدأ من الحزب الشيوعي ولا من أي حزب سياسي معارض, بل انطلق من السلطة التي كانت تحتكر العنف وتمارسه فعلاً.
1 . إضراب عمال شركة نفط العراق في كركوك. كانت المطالبة بزيادة الأجور وتحسين ظروف العمل وتوفير بعض مستلزماته. وكان الإضراب سلمياً وديمقراطياً وبعيداً عن استخدام العنف. توجه الموظفون البريطانيون والحكومة العراقية برفض المطالب وتوجيه القوات الحكومية ضد المضربين فكانت مجزرة كاورباغي, البستان الذي تجمع فيه المضربون. وقد أرسلت لجنة تحقيق حكومية برئاسة الحاكم عبود الشالچي وخرج بتقرير يؤكد أن القوات الحكومية هي التي ضربت وأن العمال لم يكونوا مسلحين ولا شاركوا بآي عمل عنفي. وقتل عدة أشخاص في هذه المجزرة غير المتكافئة.
2 . إضراب عمال الميناء في البصرة. لم يكن الإضراب مسلحاً ولا عنفياً بل إضراب اعتيادي ومطالب عمالية اعتيادية. ولكن لم تتحملها الحكومة العراقية فأرسلت سعيد قزاز وأنهى الإضراب بالعنف وقتل أحد قادة النقابة والإضراب في البصرة واعتقال الكثير منهم وتقديمهم للمحاكمة والحكم بقسوة عليهم.
وهناك عشرات الأمثلة التي تحضرني ولا بد أنها تحضرك أيضاً وأنت العارف بتاريخ العراق أيضاً. 
لم تمارس القوى الوطنية, ومنها الحزب الشيوعي العراقي, العنف ضد قوات الحكومة وعلى الإنسان أن يتذكر مظاهرات حزيران السلمية في العام 1946 حيث سقط بعض الشهداء, ثم وثبة كانون الثاني 1948 وانتفاضة تشرين الثاني 1952 وكذلك انتفاضة 1956 حيث سقط في جميع هذه الحركات شهداء وجرحى ودخل المئات منهم السجون وحكم عليهم بأحكام ثقيلة وقضوا سنوات شبابهم في السجون دون ذنب اقترفوه, إضافة إلى بعض أحكام الإعدام التي نفذت فعلاً.
لم تكن السلطة مرتبطة بالإنكليز, بل كانت تابعة لها ومنفذة لسياساتها في العراق, وكانت ممثلة طبيعية لفئة الإقطاعيين وكبار الملاكين والتجار الكبار وكانت في سياساتها الداخلية إزاء الحياة الحزبية والديمقراطية رجعية.
 
ـ أرى إنك هنا لم تجب عن السؤال ،مضيت في حديثك السابق عن عداء السلطة للأحزاب، ( هل نستطيع أن نلحق هذا المقطع في الأجابة على السؤال الخاص بذلك) ليتك تحدثت عن احتكار الشيوعيين لمفهوم الاشتراكية المشار إليه في السؤال السابق؟

ج : لم يكن احتكار الماركسية واللينينية والفكر الاشتراكي قاصراً على الحزب الشيوعي العراقي, بل ابتلت بهذا المرض الحركة الشيوعية العالمية, وبالتالي كان الشيوعيون, أنا وأنت كنا منهم, نقول بأن الحزب الشيوعي العراقي هو الحزب الوحيد المالك لحق تبني الماركسية اللينينية وبناء الاشتراكية وما إلى ذلك وما عداه تحريفي وانتهازي. وهو خطأ فادح بطبيعة الحال. وكنا نتحدث عن كون حزبنا هو حزب الطبقة العاملة وقائدها, وهذا الخطاب هو الآخر كان خطأً كبيراً. إذ من الصائب القول بأن الحزب يسعى إلى التعبير عن مصالح الطبقة العاملة ... كذا وكذا ويتبنى تحقيق كذا وكذا من المهمات وليس بأي حال بتلك الصورة المطلقة. لم ينتخبه أحد ليمثل الطبقة العاملة, ولا يمكن ولا يجوز لحزب ما أن يتحدث عن نفسه بتلك الصورة الجبرية, إنه الممثل الوحيد للطبقة العاملة والفلاحين ..الخ.
لقد أشرت إلى أننا كنا "نعتقد جازمين" بأننا نمتلك الحق والحقيقة والصواب وهو الخطأ الأكبر, ولم نكن ندرك مخاطر هذا الادعاء وعواقبه السلبية على النقاش والحوار مع الآخر. 
لقد أدى هذا إلى نشوء صراعات حادة بين القوى اليسارية واتهام من يرفع شعارات الماركسية بشتى النعوت غير الصحيحة. كما دخلنا في صراع مع قوى سياسية أخرى لم تكن في صالح القوى والحركة الوطنية.
لقد جرى التصدي لعزيز شريف وحزبه مثلاً, حزب الشعب, أو وحدة النضال, لأنه تبنى الماركسية-اللينينية, ووقفنا ضد الحزب الديمقراطي الكردي لأنه تبنى في فترة ما الماركسية اللينينية. واتهمنا الكثير من القوى بالتحريفية لأنها تبنت الماركسية على وفق اجتهادها.
لقد كانت قيادة الحزب مخطئة بوجهة العمل هذه وقبلها كل الحركة الشيوعية, إذ لا يحق لأحد احتكار أي فكر أو نهج فكري أو سياسة معينة أو طبقة اجتماعية له وليس لغيره. إن محاولة احتكار ذلك قد عبر بصيغة ما عن نهج شمولي في التفكير والتصرف السياسي, وكذا الحال في الحكم حيث احتكر الحزب الشيوعي السوفييتي الحكم ولم يسمح لأي قوى سياسية بتأسيس أحزابها وحاربها كلها. وفي الدول الاشتراكية نشأت أحزاب سياسية أخرى, ولكنها كانت خاضعة بالمحصلة النهائية للحزب الشيوعي الحاكم وأعضاء في ما كان يطلق عليه بالجبهة الوطنية التي يقودها الحزب الشيوعي. لقد غابت الديمقراطية عن تلك الأحزاب والنظم السياسية, والكثير من حقوق الإنسان, بما فيها العدالة الاجتماعية, التي تأسست تلك الأحزاب لضمان تحقيقها. إن إدراك هذه الأخطاء والإقرار بها هو الذي يساعدنا على التجديد وانتهاج سبل جديدة في نضال قوى اليسار, هو الذي يساعد على نهوض جديد لقوى اليسار في العراق والعالم العربي. وفي هذا من المفيد الإطلاع على كتاب الصديق العزيز الأستاذ كريم مروة الموسوم "نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي" الصادر في العام 2010.
لقد كان الطابع المميز للحركة الشيوعية الساعية للحكم هو الرؤية الشمولية, أي السيطرة وفرض دكتاتورية البروليتاريا في مواجهة دكتاتورية البرجوازية الحاكمة. وهي الحالة التي يفترض أن تكون قد تخلت عنها الكثير من الأحزاب الشيوعية في أوروبا, وبعض الأحزاب الشيوعية الأخرى, ومنها التغيير الذي أدخله الحزب الشيوعي العراقي على برنامجه ونظامه الداخلي من الناحية النظرية. ويأمل الإنسان أن يتجلى في الممارسة العملية ايضاً. 
   
- كثيرون يرون أن الدولة العراقية الحديثة لم يتح لها الوقت لتحقيق مهامها الوطنية، ناصبها العداء الشعب كله منذ البدء وقبل أن يرى خيرها أو شرها، عاداها الشيوعيون ومن معهم بدعوى المسألة الطبقية، وحاربها الزعماء الأكراد بدعوى المسألة القومية ، ونبذها وحرض عليها الشيعية بدعوى بطلان الحكم بغيبة المهدي المنتظر ،وزعماء السنة خاصة نوري السعيد أضعفوها بجمودهم وتحجرهم، مما عجل بسقوطها،مع إنها قدمت منجزات كبيرة وكانت دولة مؤسسات وذات دستور حديث ناضج، ألا تعتقد أن قيام الجيش بالانقلاب عليها وعدم منحها فرصة للتطور،كان خطوة متهورة، وكارثة كبرى، في تاريخ العراق الحديث؟
** منذ تأسيس الدولة العراقية في العام 1921 وسقوطها في العام 1958 مر 37 سنة, وهي فترة غير طويلة, ولكنها لم تكن قصيرة جداً. وما تحقق من منجزات يعتبر في الحد الأدنى.
كان العراق قد خرج لتوه من الهيمنة العثمانية وسقط تحت الاحتلال البريطاني. ثم كانت انتفاضة 1919 في السليمانية وثورة 1920 في عموم العراق, ولكن بشكل خاص في الوسط والجنوب وغرب بغداد. فتشكلت الدولة العراقية ووضع لها دستور ديمقراطي. وكان المؤمل والمفترض أن تبنى الدولة في ضوء الدستور وتصدر القوانين التي تكرس الحق والعدالة وتضمن السير لبناء المؤسسات الديمقراطية وتروج لروح المواطنة في بلد كان لا يزال بعاني من أوجاع الدولة العثمانية. ولم يحصل هذا ولم ترس الحكومات المتعاقبة دولة القانون الحديثة, مما أدى إلى انكسارها عبر انتفاضة الجيش في العام 1958, حيث بدأت حقبة جديدة من تاريخ الدولة العراقية. والتي بدورها لم تستطع إرساء الدولة العراقية الجديدة على أسس دستورية وقوانين الحق والعدل. فكانت العواقب كارثية والتي عانى منها الشعب طوال العقود المنصرمة. من هنا يتبين لنا بأن الأساس لم يكن متيناً, كل ما لا يبنى على أسس متينة ينهار بسرعة ولا يحتفظ المجتمع بذاكرة إيجابية حول تلك الفترة.     
تشير إلى أن الكثيرين يرون بأن الشعب قد ناصب الدولة العراقية العداء ولم يمنحها الوقت الكافي لإنجاز مهامها الوطنية. ولكن أليس من واجب هؤلاء أن يسالوا أنفسهم ما يلي:
لماذا ناصب الشعب العراقي الدولة العداء؟ هل كانت سياسات الحكومات العراقية المتعاقبة متجاوبة مع مصالح الشعب أم كانت بعيدة عنه؟ هل الشعب هو السبب أم الحكومة كانت السبب في تلك الجفوة ومن ثم العداء للدولة؟ هل كان على الحكومة أن تستبدل الشعب بشعب آخر في العراق أم كان على الشعب أن يستبدل الحكومة بحكومة أخرى أو دولة أخرى؟ وهنا لا بد من التذكير بروح السخرية التي تجلت في كلمات بروتولد بريشت حين علق على ضرب مظاهرات 1952 في برلين عن العلاقة بين الحكومة والشعب.
لو عدت إلى تلك الفترة الملكية وقد عشت سنوات كثيرة في ظل ذلك النظام الملكي كما درست سياسات هذا النظام ومواقفه وعلاقاته الإقليمية والدولية وتيقنت مما يلي:
1. إن الدستور الذي وضعه العراقيون بالتعاون مع البريطانيين كان ملكياً دستورياً وديمقراطياً. ولكن هل كان التنفيذ والسياسات الرسمية مطابقة لهذا الدستور. كل الدلائل التي تحت تصرفنا تؤكد بأن الدستور قد شوه بكل معنى الكلمة ومن جوانب عدة وخاصة في المجالين السياسي والاجتماعي, إضافة إلى ضعف التحرك صوب الاقتصاد. لم يكن الشعب هو السبب وراء العداء للحكومة, بل الحكومات المتعاقبة هي السبب في تحويل الشعب عنها. في العشرينات كان القوى السياسية متعاونة ومتحالفة والمعارضة متداخلة مع القوى التي تحكم العراق وتتبادل المواقع تقريباً, وكانت المطالب من القوى الوطنية والديمقراطية هادئة وموضوعية مثل دعم وحماية الصناعة الوطنية وصدر قانون بشأن ذلك في العام 1929. وحين وقعت معاهدة 1930 التي تم تعديلها بين العام 1922-1930 عدة مرات قد وقعا فعلاً وكان الكثير من الناس في العراق ضدها. وحين حقق العراق رفع الانتداب في العام 1932 بدأت قوى سياسية تطالب بسياسات تساعد على تعجيل تطور العراق. ولكن سياسات الحكومات لم تكن تهتم بالعراق, مما أجبر علي جودة الأيوبي بالقول بأن العراق أشبه بسفينة على وشك الغرق فعلى كل إنسان فيه أن يحمل وينقذ ما يمكن إنقاذه.
2. كان الحكام العراقيون يتعاملون مع القانون كما يحلو لهم وخاصة في الانتخابات حيث كانت ثلاثة أطراف تزورها لصالحها, وهي السفارة البريطانية والبلاط والحكومات المتعاقبة. وهي قضية لا نحتاج إلى توكيدها فهم أنفسهم وثقوا ذلك في مجلس النواب, "مجلس الموافقين".
2. لم يتسم نوري السعيد بالجمود والتحجر, بل كان سياسياً ذكياً ومتميزاً, كان ثعلباً وممثلاً ممتازاً للفئات الاجتماعية التي كان يدافع عنها وعن مصالحها, وكان معتمد السياسة البريطانية في العراق, وقد أساء هو بالذات للعهد الملكي قبل غيره وأكثر من غيره. تذكر كيف حل المجلس النيابي في العام 1954 بعد أن حصلت المعارضة على 11 مقعداً فقط لأنه خشي على سياسته اللاحقة من هذه المعارضة ولم يتحملها. فهل كانت الممارسة ناضجة كالدستور العراقي؟ كلا أبداً. وهنا تكمن المشكلة. فما كان على الورق لم يجد طريقه إلى التنفيذ إلا ما ندر.
3. ليست السياسات التي مارستها المعارضة سوى ردود فعل للسياسات الحكومية, أي أن الأصل هنا هي سياسات الحكومة. لنأخذ ما يطرحه السؤال: هل كانت القوى السياسية قد طرحت المسألة الطبقية, أم الممارسة الطبقية هي التي فرضت عليهم طرح التمييز الطبقي وغياب العدالة في المجتمع؟
دعني أذكر بحقيقة أساسية هي أن الأحزاب السياسية في أي بلد من البلدان هي جزء من البناء الفوقي للنظام الاجتماعي القائم, وتأخذ طبيعتها من طبيعة الوضع السائد في العراق من حيث السياسة والسلوك العام. فحين يكون النظام غير ديمقراطي وفقدان الحريات العامة وغياب ممارسة حقوق الإنسان, يمكن أن يتجلى ذلك في سياسات وسلوك الأحزاب أيضاً. حين نشرت كتابي الموسوم "ساعة الحقيقة: مستقبل العراق بين النظام والمعارضة" في بيروت في العام 1995 جاء ما معناه إن في الكثير من قوى المعارضة حينذاك شخصيات وقوى لا تختلف عن صدام حسين في فكرها وسياساتها, بل فيها ما هو الأسوأ من السمات التي تميز صدام حسين. 
لقد سادت في العراق الملكيات الكبيرة التي بدأ النظام العثماني بتمليكها للأفراد وشيوخ العشائر وبعض الحكام في العراق قبل سقوط الدولة العثمانية. ثم جاء ارنست داوسن في العام 1932 لتكريسها في قوانين معروفة للجميع. وبالتالي انتزع من الفلاحين الأرض  التي كانت ملكاً للعشائر كافة وسجلها بأسماء شيوخها ومن تريد الدولة تسجيلها باسمه. وبالتالي كان النضال من أجل تحقيق إصلاح زراعي ينصف الفلاحين الفقراء والمعدمين الذي سلبت منهم الأراضي التي كانت بحوزتهم.
فهل الحديث عن الإقطاعيين والفلاحين خاطئ أم كان صحيحاً يجسد واقع العراق حينذاك ومهمات المرحلة؟ ألا تتذكر الحل الذي طرحه نوري السعيد لمعالجة مشكلة الأرض في العراق؟ لقد سمعته بأذني من إذاعة بغداد وقد كنت في حينها في عملية نفي محلية, أي الإبعاد إلى مدينة بدرة وبعيداً عن السكان مع عشرات غيري. قال في الإذاعة وفي العام 1956 ما مضمونه: هناك شيوخ عشائر يملكون أراض شاسعة. سيموت هؤلاء وقد خلفوا الكثير من الأولاد, وبالتالي ستوزع تلك الأراضي عل الأبناء, وحين يموتوا هؤلاء توزع أراضيهم على أولادهم وهكذا وعبر عدة أجيال سنتخلص من الملكية الكبيرة. هل هذا الحل يرضيك؟ لا اعتقد ذلك, لأن القوى الديمقراطية في حينها قد طرحت مشروعاً لمعالجة مشكلة الأرض عبر إصلاح زراعي فيه: توزيع الأراضي الأميرية على الفلاحين بأسعار زهيدة, واستعادة الأراضي التي بحوزتهم والمأخوذة على وفق قاعدة بـ "اللزمة" لتوزيعها على الفلاحين في مقابل تعويض لذوي الملكيات الكبيرة.     
بطبيعة الحال لم تكن لدينا طبقة عاملة كبيرة, ولكن النضال في سبيل تحسين الأجور وظروف العمل في شركات النفط الأجنبية والسكك والميناء كان لا بد منه, كان حقاً من حقوق العمال, وحين ضربوا في مجزرة كاورباغي, كان حاكم التحقيق قد أعطى الحق للعمال وأدان الحكومة ولم يكن شيوعياً, بل كان حاكماً مستقلاً هو الحاكم الأستاذ عبود الشالچي. في حين أن الحكومة هي التي أرسلت القوات لكسر الإضراب وقتل المضربين. وكذا الحال في إضراب عمال الميناء في البصرة في العام 1952 حين ذهب سعيد قزاز لكسر الإضراب وقد قتل القائد النقابي هناك, كما اعتقل وسجن العشرات. النظام الملكي لم يتحمل الإضرابات والمظاهرات السلمية.     
أتمنى على هؤلاء الكثيرين أن يعيدوا النظر بالماضي وفق أسس سليمة وليس مجرد أن عاشوا فترة أصعب من تلك التي كانت في زمن الملكية, فالنظام الملكي هو الذي أسس للعنف وهو الذي شوه الدستور وزور الانتخابات ولم يحقق الكثير من الإجراءات الاقتصادية إلا عبر نضالات شعبية طويلة وصعبة. 

ـ ولكن ألم يكن من الممكن العمل على نضال سلمي يطور الدولة العراقية نحو حال جديد يتم فيه تطبيق الدستور وممارسة الحياة الديمقراطية بصورة صحيحة دون انقلاب عسكري فتح أبواب جهنم على العراق؟

ج : كل الانقلابات العسكرية أو المدنية يمكن أن تفتح أبواب جهنم على مجتمعاتها. ولكن السؤال الأهم والأكثر حيوية يا صديقي العزيز هو الآتي: من تسبب في توفير شروط ومستلزمات حصول انقلابات عسكرية في العراق؟ الإجابة عن هذا السؤال ضرورية لأنها تضع النقاط على الحروف لما حصل في العراق في العقود المنصرمة.
في العراق حصلت من الناحية الفعلية المباشرة ثلاثة انقلابات عسكرية في العهد الملكي, عدا محاولة انقلاب فاشلة قام بها مدير الشرطة العام في بغداد علي الحجازي. انقلاب 1936 بقيادة الفريق بكر صدقي العسكري, وكان بتأييد من جماعة الأهالي أو الإصلاح الشعبي وعلى رأس الحكومة كان حكمت سليمان, وانتهى الانقلاب بعد اغتيال قائد الانقلاب في الموصل. ثم جاء انقلاب 1941 بقيادة العقداء الأربعة. وبرئاسة رشيد عالي الكيلاني للحكومة. والذي انتهى بمعركة بين القوات العراقية والقوات البريطانية التي كانت مستقرة في الحبانية وهروب الضباط الأربعة وعودة الوصي عبد الإله إلى بغداد وما اقترن بذلك من مجزرة الفرهود العنصرية والهمجية ضد يهود العراق في بغداد وراح ضحيتها 145 قتيلاً بين طفل ورجل وامرأة على وفق ما جمعه الدكتور تصفي يهودا خلال ثلاثين عاماً, لماً بأن اللجنة الحكومية أشارت غلى 189 قتيلاً, ومن ثم الفرهود الأقل وحشية الذي حصل في البصرة بدون قتلى. ثم كان انقلاب أو انتفاضة الجيش في 14 تموز 1958 حيث التفت الغالبية العظمى من الشعب العراقي حقاً حول قادة الانتفاضة وسعوا إلى تحويلها إلى ثورة شعبية لكي يتغير نظام الحكم كله إلى حكم ديمقراطي دستوري وبالتعاون مع جبهة الاتحاد الوطني.
لم يتعلم نظام الحكم الملكي من الانقلابين الأول والثاني شيئاً, ولم يغير من نهجه في الحكم ولم يسع إلى الاستفادة القصوى من إمكانيات العراق لتنشيط الحريات الديمقراطية والحياة الدستورية والكف عن تزوير الانتخابات ومكافحة البطالة والتخلف. بل راح نوري السعيد, وهو مهندس الحكم الملكي الفعلي, يهتف برعونة من راديو بغداد في العام 1956 بأهزوجة "دار السيد مأمونة" وكان هذا تحدياً واستفزازاً لكل القوى السياسية غير الحكومية.
أخي العزيز يفترض أن نقتنع بأن لا يمكن أن ينجح أي انقلاب ولا أي ثورة شعبية ما لم تتوفر مستلزمات نجاحهما أولاً, وعلى سلوك الانقلابيين أو الثوار يعتمد استمرارها أو فشلها ثانياً.
ولهذا لم يفسح نظام الحكم الملكي بالسير بطريق سلمي وديمقراطي لتحقيق التغييرات المنشودة في الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسات الداخلية في العراق, بل كان بمرور الزمن يفرض المزيد من العقوبات ضد الشعب. وربما من المفيد أن تستعيد جزءاً من تاريخ العراق السياسي لهذه الفترة, أي الفترة الواقعة بين 1954-1958 لترى السياسات التي مارسها نوري السعيد والنخبة الحاكمة التي سمحت وفسحت في المجال لنجاح حركة 14 تموز 1958. لقد عشت هذه الفترة وعرفت سوءات نظام الحكم والنخبة الحاكمة حينذاك.
لم يرفع الحزب الشيوعي العراقي ولا بقية أطراف الحركة الوطنية العراقية قبل عام 1856 شعار الإطاحة بالملكية, بل كان الشعار المركزي هو الإتيان بحكومة تستجيب لمصالح وطموحات الشعب وليس دفاعاً عن مصالح الإقطاعيين وكبار الملاكين أو شركات النفط الاحتكارية. ولكن ابتداءً من سياسة الحكم في العام 1956 بدأت الأحزاب السياسية تفكر بضرورة التخلص من نظام الحكم الملكي وإقامة الجمهورية.
ولهذا فمن السذاجة أن نعتقد ونقول بأن الثورة أو الانقلاب ما كان له أن يكون, أو كان بالإمكان تجنبهما, إذ أنهما أصبحا واقعاً بما في ذلك ما ترتب عليه خلال الخمسين سنة المنصرمة. ولكن يبقى المسؤول الأول عن كل ما حصل يكمن في سياسات الحكومات الملكية المتعاقبة التي لم تفهم سيكولوجية الشعب والجيش في العراق, ولم تستجب لمصالحه وطموحاته. وهو نفس الداء الذي وقع فيه كل الحكام اللاحقين, بمن فيهم قاسم وكذلك حكام الوقت الحاضر. وهي مشكلة كبيرة.     

- كتبت أنا قبل فترة مقالة عما سمي في حينها بخط آب، وكنت وما أزال اعتقد أن هذه المحطة كان يمكن أن تكون منعطفاً كبيراً في مسيرة الحزب، وربما العراق، لو قادها الشيوعيون آنذاك بدقة وشجاعة للتخلص من منطلقاته النظرية الشيوعية الحادة، لكن مسيرة الحزب مضت في طريقين غير مختلفين كثيراً رغم المناوشات الحادة بينهم، فعزيز الحاج والقيادة المركزية مضيا نحو الثورة المسلحة رغم عدم توفر ظروفها الناضجة، واللجنة المركزية مضت نحو ما أسمته (بالعمل الحاسم ) وكلاهما لم يمتثلاً لقدرات الواقع وضروراته الملحة، وقد كتب الأستاذ عزيز الحاج رداً ، وكتبت أنت رداً ، ولكن ثمة التباساً ما يزال يتطلب التوضيح: ألم يكن خط آب هو الخط الصحيح، وهو الخط الذي عاد الحزب الشيوعي إليه اليوم، والفرق هو أنه كان قبل خمسين عاماً تقريباً مع قوميين عراقيين بعضهم ماركسيين بينما هو اليوم يعمل مع رجال دين وقوميين أكراد برجوازيين وإقطاعيين؟

** حين يراد إعادة النظر بأحداث التاريخ ودراستها بإمعان يفترض استحداث كل الجوانب التي كانت تحيط بالعملية كلها. لا يجوز أخذ جانب واحد من العملية وترك الجوانب الأخرى.
السياسة التي مارسها عزيز الحاج كانت مغامرة حقاً, وكذا السياسة التي مارسها الحزب بالعمل الحاسم, أي العمل العسكري الانقلابي كان هو الأخر مغامرة, وكلها غير محسوبة العواقب.
ولكن خط آب لم يكن سليماً بدوره لأسباب عدة.
1. لم يكن الحزب الذي يراد إنشاءه من قبل القوى القومية الناصرية ديمقراطية بل كانت قوى لا ديمقراطية تريد إقامة نظام الحزب الواحد في البلاد والقيادة الفردية لعبد السلام محمد عارف. 
2. كانت الجماعة القومية تريد تصفية كل الأحزاب السياسية الأخرى دون استثناء, وبالتالي كان ذلك لا يعني سوى إقامة دكتاتورية تحت شعارات قومية شوفينية مناهضة للقوميات الأخرى وذات طبيعة طائفية معروفة بسبب سلوك عبد السلام محمد عارف ذاته.
3. كانت تلك القوى قد شاركت بفعالية كبيرة في انقلاب شباط الدموي وقتل المئات من الشيوعيين والديمقراطيين والوطنيين في السجون العراقية , ولم يكن الوضع النفسي للحزب يسمح بالموافقة على حل الحزب والالتحاق بجماعة يمكن أن ترتكب ذات الجريمة بحق الشيوعيين, علماً بأن عبد السلام عارف كان يمارس قتل الشيوعيين إلى ذلك الحين, ومنهم على سبيل المثال لا الحصر حميد الدجيلي. بعد خط آب كنت في بغداد بصورة سرية وأتذكر الوضع جيداً. صحيح كان هناك تخفيفاً عما كان عليه في عهد البعث, ولكن الاضطهاد والقسر والسجن والتعذيب كان مستمراً.
لقد كان الأمر حينذاك ملتبساً. فالقضية المطروحة كانت حل الحزب الشيوعي والدخول في الحزب الاشتراكي التي شكله عبد السلام محمد عارف ومعه كل من خير الدين حسيب وأديب الجادر وآخرين من القوميين العرب الأكثر يمينية. لم يكن هذا بالضبط هو خط آب 1964, إذ أن خط آب لم يطرح موضوع تغيير نظام الحكم لعبد السلام عارف بل دعم بعض سياساته المماثلة بالشكل لسياسة عبد الناصر بما فيها التأميم التي لم تكن من مصلحة الاقتصاد العراقي لأنها شملت البرجوازية الوطنية المتوسطة, ولذا سمي باليمين. وكان وراء الرغبة في حل الحزب مجموعة صغيرة جداً. فيما بعد برز اتجاه يدعو إلى الثورة المسلحة التي قادها عزيز الحاج, والخط الآخر الذي يدعو للانقلاب الثوري والتزمته أكثرية من كانوا قبل ذاك مؤيدين لخط آب. 
ومن المفيد عدم الخلط بين فترتين مختلفتين وسياستين مختلفتين أيضاً. لم أكن أجد مناسباً أن يجري التعامل مع من قتل الشيوعيين والديمقراطيين قبل ستة شهور لا غير حل الحزب والدخول في حزب شمولي يرفض وجود الحريات العامة وحرية الأحزاب, وبين الفترة الراهنة حيث تسود الطائفية التي لا أجد أي مبرر للتعاون مع القوى الإسلامية السياسية وادعوا إلى اتخاذ موقف المعارضة والتزام مصالح الشعب بكل مكوناته وفئاته الاجتماعية.
ومن الممكن أن تطرح هذا السؤال على الحزب الشيوعي, إذ لم أعد عضواً فيه.

- استمرت قيادة عزيز محمد للحزب الشيوعي لثلاثين عاماً، واجهت الحزب خلالها مراحل خطيرة ومعقدة جداً، لم يخرج الحزب منها منتصراً أو سالماً كما ادعى البعض، وهو اكتفى من الغنيمة بالإياب، كما يقول الشاعر القديم، ويرجع بعض ذلك لقدرات السكرتير عزيز محمد الفكرية المتواضعة ولطريقة إدارته التي انتهت بعودته لثيابه الكردية القومية بعد الثوب البروليتاري! في فترة قيادته مني الحزب  بنكسات ومصائب كثيرة تذكر منها واقعة بشت أشان ، وعاش الحزب جموداً فكرياً وحالات فساد طال سمعة الحزب ومقدراته،  واليوم خرجت القيادة القديمة ملفعة بالصمت، ألا ترى أن من الضروري كشف ما جرى، لا كجو فضائحي بل كجو مصارحة ومكاشفة صحية وضرورية، ليس من أجل أرواح مئات الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم تحت راية الحزب وحسب، بل من أجل نساء ورجال أحياء ما زالوا يعتقدون بان الحزب الشيوعي هو ميدان نضالهم من أجل وطنهم وشعبهم؟

** كان عزيز محمد عضواً في المكتب السياسي حين تعرض الحزب لضربة 1963, وكان في حينها لا يزال في كردستان العراق. وفي اجتماع اللجنة المركزية في العام 1965 انتخب سكرتيراً للحزب. كان الرفاق الذين انتخبوه يدركون أنه ليس بالنظري المتضلع بالفكر الماركسي, ولكنه كان مناضلاً جيداً وتحم

320
كاظم حبيب

كفى خلطاً للأوراق يا رئيس الوزراء !!
كفى إساءة لمنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني !!!

عقدت وزارة حقوق الإنسان في العراق ببغداد بتاريخ 5/6/2011 مؤتمراً برعاية رئيس الوزراء لمتابعة تنفيذ توصيات مجلس حقوق الإنسان. وفي هذا المؤتمر ألقى رئيس الوزراء نوري المالكي كلمة تضمنت إساءات شديدة وتجاوزات فظة على سمعة ونشاط منظمات المجتمع المدني ومنها منظمات حقوق الإنسان متهماً إياها بممارسة القتل تحت غطاء حقوق الإنسان. وكان في ادعائه هذا ليس تجاوزاً فظاً وإساءة مرفوضةً موجهة إلى جميع منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان في مؤتمر عقد لمتابعة التوصيات الخاصة بسبل ممارسة حقوق الإنسان في العراق فحسب, بل وجه فيها اتهامات خطيرة ضد منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني مما يستوجب إقامة الدعوى القضائية عليه من جانب جميع منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان في العراق. ومثل هذه الكلمات النابية والتهم الرخيصة ينبغي أن لا تمر دون حساب. فاعتقال شخص من الإرهابيين المندسين في إحدى منظمات حقوق الإنسان, كما أدعى رئيس الوزراء ذلك لا يسمح له بأي حال الإساءة إلى كل منظمات حقوق الإنسان واتهامها بالقتل. إن مثل هذه الاتهامات تهدف بوضوح إلى شل عمل منظمات المجتمع المدني غير الحكومية وخلط الأوراق عن قصد وسبق إصرار من خلال توجيه مثل هذه الاتهامات والإساءات بسبب مشاركتها الواسعة ودورها المتميز في التظاهرات الشعبية التي انطلقت في العراق منذ 25/شباط 2011 وما تزال مستمرة في كل يوم جمعة وفي ساحة التحرير ومواقع أخرى في البلاد.
لقد أراد المالكي بهذه الكلمة الاستفزازية ليس الإساءة واتهام منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان بتهم باطلة وقبيحة فحسب, بل وسعيه لتقديم الذرائع وتبرير كافة الإجراءات التعسفية التي مارستها حكومته والقوات المسلحة حتى الآن ضد المتظاهرين المطالبين, بطرق سلمية وديمقراطية يقرها الدستور العراقي, بحقوقهم المشروعة المغتصبة من جانب الحكومة, وما يمكن أن تمارسه لاحقاً بنفس النهج الاستبدادي.
لم يكتف رئيس الوزراء بتوجيه الإساءة إلى المتظاهرين حين أعتبر تحركهم يسير بالمخطط البعثي الإرهابي وأن البعث هم وراء تلك المظاهرات التي انطلقت في 25/2/2011 ومعه جمهرة من كتاب السلطة, ولم يعتذر عن تلك التهم التي وجهها للمتظاهرين ولا كتابه, بل زاد اليوم في الطين بلة حين اتهم منظمات حقوق الإنسان بالقتل, وهي فرية ما بعدها فرية, وهي التي يحق لنا أن نقول بأن مثل هذه الأكاذيب سوف لن تعلق بأذهان الناس, بل هم يرفضونها كما رفضتها الإنسانة المناضلة هناء أدور, لأنهم يعرفون من هم القتلة, وبالتأكيد يعرفهم رئيس الوزراء نوري المالكي أيضاً. 
لقد تم خلال الأشهر الثلاثة المنصرمة اعتقال العشرات من المناضلين, ومنهم مجموعة من الصحفيين, بسبب مشاركتهم في التظاهرات الشعبية وتعريض المعتقلين للتعذيب والإهانة. وفي تظاهرة يوم الجمعة المصادف 27/5/2011 اعتقلت أجهزة الأمن والشرطة وقوات عمليات بغداد أربعة من الشباب الجامعيين المشاركين في هذه التظاهرات ووجهت لهم تهمة العنف أولاً, وحين تيقنت بعدم صواب هذه التهمة, وجهت لهم تهمة ملفقة من ترسانة أجهزة الأمن البعثية السابقة, تهمة تزوير بطاقاتهم الشخصية لاحقاً, وكلها تهم باطلة لا أساس لها من الصحة. وهي محاولة لنشر الخوف في نفوس الناس, والمتظاهرين منهم بوجه خاص, في حين برهن شباب العراق على كسرهم حاجز الخوف من قمع وقسوة أجهزة الأمن. وقد بدأ الشعراء يتغنون بساحة التحرير ويتمنون زيارتها من كل مدن العراق.   
حين انتهى رئيس الوزراء من اتهاماته الباطلة, وبعد أن ألقى ممثل الأمم المتحدة كلمته, كان المفروض أن تعطى الكلمة لممثلة منظمات المجتمع المدني, ولكن عريف الحفل وباتفاق مع منظمي الحفل, وربما بطلب من رئيس الوزراء, تجاوزوا ذلك ولم يسمحوا لممثلة منظمات المجتمع المدني بإلقاء كلمتها, فنهضت المرأة الرائعة في إنسانيتها وشجاعتها وإرادتها الحرة, نهضت رئيسة جمعية الأمل العراقية, هناء أدور, رافعة بيديها بوستراً حمل صور وأسماء الشباب الأربعة الذين ما زالوا قيد الاعتقال, رغم وعود المسؤولين ورئيس الوزراء بإطلاق سراحهم يوم 5/6/2011, وصرخت بصوت مرتفع بوجه رئيس الوزراء: أين كلمة منظمات المجتمع المدني؟ أيعقل أن نتهم بالإرهاب؟ ثم تحدثت بصوت مرتفع عن معتقلي الرأي والمطالبين بحقوق وحريات الشعب والحق في التظاهر والاحتجاج ضد نقص الخدمات ومن أجل الإصلاح السياسي. ورغم التحرك الغبي لحرس رئيس الوزراء الذين أحاطوا بالمناضلة هناء أدور وأرادوا منعها من إلقاء كلمتها ومنع التفلزيون العراقي من نقل صورة وصوت هناء أدور بشكل مباشر إلى المشاهدين وهي تخاطب نوري المالكي وجهاً لوجه وسعوا إلى تطويقها وإخراجها من القاعة. ولكن هؤلاء الحرس لم يستطيعوا منع هناء من الاستمرار بإلقاء كلمتها حتى وهي تنسحب بشكل قسري من قاعة المؤتمر رافضة ان يمسها أحد بسوء, ولم يجرأ الإساءة إليها أمام سمع وبصر الجلوس أو مشاهدي البث الحي عبر شاشات تلفزيون العراقو وقد حصدت تصفيق الحضور أيضاً. ولا يعرف المرء ما جرى حين أصبحت هناء والحرس خارج حدود الكاميرا التي كانت تنقل وقائع المؤتمر نقلاً حياً ومباشراً. 
إن على رئيس الوزراء نوري المالكي أن يدرك جيداً بان الشباب العراقي لم يعد يخشى أي حاكم مستبد ولا إجراءاته التعسفية بما فيها السجن والتعذيب, أو القتل على أيدي البلطجية والإرهابيين في شوارع بغداد بكواتم الصوت, وأنه سيبقى يتظاهر في ساحة التحرير حتى ينتزع حقوق الشعب المشروعة وسيكسب في كل مرة المزيد من الناس إلى جانب خوض النضال من أجل تحقيق مصالح وإرادة هذا الشعب.
إن على رئيس الوزراء أن يعجل بإطلاق سراح المعتقلين الأربعة وكذلك أولئك الذين اعتقلوا في مقر منظمة أين حقي, إذ أن عدم القيام بذلك سيعبئ المزيد من البشر ضد الحكومة وضد إجراءاتها التعسفية ومصادرتها للحريات العامة وسيرتفع سقف المطالب شاء المالكي أم أبى.
إن على المالكي أن يبصر بعينين مفتوحتين ما يجري في العالم العربي في المرحلة الراهنة, فالشعب العراقي ليس أقل ثورية من بقية شعوب المنطقة المناضلة في سبيل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وفي سبيل الأمن والاستقرار ومكافحة البطالة والحرمان والفساد السائد في البلاد. وأن التعسف يزيد من إصرار الشعب على النضال من أجل انتزاع حقوقه المشروعة واستعادة إرادته المفقودة وكنس المستبدين والجائرين على شعوبهم.
الحرية للمعتقلين والنصر لإرادة الأحرار المطالبين بحقوقهم المشروعة والتضامن مع هناء أدور على مواقفها الوطنية المقدامة.   
6/6/2011                      كاظم حبيب   
           


321
كاظم حبيب

قراءة ومناقشة "خارطة طريق اقتصادية" للسيد الدكتور محمد علي زيني
الحلقة الثامنة والأخيرة

أشرت في أول حلقة من حلقات هذه السلسلة النقاشية إلى إن الزميل الدكتور محمد علي زيني قد حرك لديَّ ولدى آخرين بالضرورة جو الحوار الموضوعي والهادف والمسؤول حول واقع ومشكلات وحاجات واتجاهات تطور الاقتصاد العراقي من جهة, وأن في دراسته جملة من الأفكار التي أتبناها معه أو لدي تحفظات على بعضها الآخر أو أراء أخرى تستحق المناقشة وردت في حلقاته السبع الخاصة بـ"خارطة طريق اقتصادية" للعراق. وسأحاول في هذه الحلقة الأخيرة هنا أن أشير إلى أهم تلك الأفكار المهمة التي أتفق فيها معه أو أتحفظ على بعضها أو جوانب منها مع الزميل الدكتور زيني والتي تحتل أهمية بالغة بالنسبة للعراق:
1 . بلورته الصائبة لمشكلات التخلف التي كان وما يزال يعاني منها الاقتصاد العراقي والمجتمع, إضافة إلى معاناتهما من سياسات العسكرة والحروب والحصار الدولي والدمار سنوات طويلة, وكذلك الخسائر البشرية الكبيرة التي تحملها المجتمع طيلة العقود المنصرمة حتى الوقت الحاضر.
2 . إشاراته المهمة والواضحة إلى غياب العدالة الاجتماعية في توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي في العراق وسوء استخدامه في آن واحد.
3 . إشارته إلى التشوه الملازم لبنية الدخل القومي الناتجة عن وحدانية الطرف في الاقتصاد العراقي, الاقتصاد الريعي النفطي على نحو خاص, وضرورة تغيير هذه البنية لصالح التنوع والتحديث.
4 . إشارته الصائبة إلى أن إجمالي الناتج المحلي أو الدخل القومي والمعدل السنوي لحصة الفرد الواحد منهما لا يعكسان الواقع الفعلي لمدى تقدم أو تخلف اقتصاد معين, إذ لا بد من معرفة تفاصيل بنية الإنتاج أو الدخل القومي أولاً, كما لا يعكسان عدالة توزيع الدخل القومي في المجتمع بل يغطيان على عدم العدالة السائدة في العراق مثلاً, ولكي نستطيع التعرف الدقيق على طبيعة وبنية الدخل القومي وعلى غياب عدالة التوزيع للدخل القومي بين فئات وأفراد المجتمع يفترض أن ندخل في تفاصيل المؤشرين وتجلياتهما في الواقع الاقتصادي والاجتماعي للفئات الاجتماعية المختلفة.
5 . إشارته إلى أهمية وضرورة وجود إستراتيجية تنموية للاقتصاد العراقي ولا بد من استخدام التخطيط لهذا الغرض, إضافة إلى إستراتيجية نفطية مرتبطة بها وتشكل جزءاً منها. 
6 . تأكيده أهمية وضرورة التصنيع الوطني لتحقيق التنمية الفعلية المنشودة وإرساء الاقتصاد الوطني على  قاعدة صناعية متماسكة.
7. ضرورة الاستفادة القصوى من الزراعة لتنمية الاقتصاد الوطني وضمان الأمن الغذائي للمجتمع.
8 . إشارته إلى أهمية تغيير بنية التجارة الخارجية لضمان تحقيق التنمية الصناعية والزراعية.
9. الاهتمام الرئيسي بالقطاع الخاص ومنحه الإمكانيات لزيادة دوره ونشاطه في الاقتصاد الوطني.
10 الاستفادة من إمكانيات رؤوس الأموال الأجنبية في الاقتصاد العراقي وكذلك من جوانب العولمة الإيجابية وتجنب مزالقها السلبية.

ولكن إزاء هذه النقط وغيرها, إضافة إلى ما أشرت إليه في الحلقات السابقة, بعض ما اختلف فيه جزئياً أو كلياً, مع الأخ الفاضل الدكتور زيني, منها على سبيل المثال لا الحصر:
1 . رفضه لأي دور يفترض أن يشارك فيه قطاع الدولة في النشاط الاقتصادي الإنتاجي, ومنح الدولة دور المراقب لما يجري في البلاد, وجعل القطاع الخاص ليس له الدور الرئيسي في العملة الإنتاجية فحسب, بل الدور الوحيد له. أي إنه يخرج قطاع الدولة من النشاط الاقتصاد, وخاصة الإنتاجي كلية, وهو ما أختلف معه عليه من الناحيتين المبدئية والعملية وفي ظروف العراق الملموسة. إذ علينا أن نلاحظ بعناية عدة مسائل في هذا الصدد: أ) إن الدولة العراقية مالكة كبيرة لمورد أولي ضخم هو النفط الخام وقادرة بأموال النفط الخام تأمين الاستثمار في نشاطات اقتصادية إنتاجية في مجال الصناعة التحويلية إلى جانب الصناعة الإستخراجية وفي إقامة سلسلة من العمليات والمشاريع الإنتاجية الأمامية والخلفية ليس في مقدور القطاع الخاص النهوض بها أو يفترض من الوجهة الاجتماعية أن ينهض بها القطاع العام وليس القطاع الخاص, وب) كما إن مستلزمات تطور القطاع الخاص في العراق حالياً غائبة حقاً وليس بمقدور القطاع الخاص النهوض بالعملية الإنتاجية في عموم البلاد, والتي لا يمكن توفيرها له خلال السنوات العشر القادمة وأكثر منها إن بقيت الأوضاع فترة أخرى على ما هي عليه الآن, وج) كما يمكن لقطاع الدولة أن ينشط معه القطاع الخاص بإقامة قطاع مختلط, حكومي وأهلي, وقطاع تعاني يدعمه بمساعدات مالية وفنية وخبرات أيضاً, إضافة على مساعدة ودعم القطاع الصناعي الصغير الحرفي الذي يعاني اليوم من منافسة حادة غير متكافئة من جانب السلع المصنعة المستوردة.
2 . ومع الاتفاق بأهمية وضرورة مشاركة رؤوس الأموال الأجنبية في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في العراق, فأن من الواجب أن نحدد ثلاث مسائل جوهرية في هذا الصدد ونبتعد عن أن يكون الباب مفتوحاً أمام رؤوس الأموال الأجنبية دون شروط مناسبة للعراق: أ) أن تحدد الدولة المجالات التي يحتاجها العراق لتوظيف الاستثمارات الأجنبية فيها, سواء أكانت في اختيار القطاعات الاقتصادية النوعية, أم بالنسبة إلى مناطق التوظيف التي يستوجبها التقدم الاقتصادي للمحافظات أو التوطين الصناعي مثلاً, ب) أن يلتزم الرأسمال الأجنبي بالقوانين العراقية, ومنها بشكل خاص قانون العمل والعمال وأن يلتزم بتشغيَّل الأيدي العاملة العراقية من عمال وفنيين وإداريين ...الخ, ج) وأن تحدد نسبة مناسبة لتصدير الأرباح المتحققة له, وأن يعيد توظيف نسبة من أرباحه السنوية في تحسين وتطوير تلك المشاريع الصناعية أو التوسع فيها لتحقيق التراكم الرأسمالي الذي تستوجبه عملية التنمية. كما يمكن للدولة أن تقدم له تسهيلات مهمة أيضاً لغرض تشجيع المستثمرين بتوظيف رؤوس أمواله في الاقتصاد العراقي. 
3 . إن نموذج اقتصاد السوق الحر الذي يؤكده الدكتور زيني, وبالطريقة التي يدعو إليها والتي تلتقي مع نموذج باول بريمر والمؤسسات المالية والنقدية الدولية, يعني دون مواربة إطلاق العنان لآليات السوق بالعمل بصورة عمياء, وهي دون أدنى ريب ستقود أكثر فأكثر إلى مزيد من الاختلالات الشديدة في الاقتصاد العراقي وإلى تشديد الاستغلال وإلى تعميق التناقضات الاجتماعية, إذ إن الهدف الأساسي سيكون في مثل هذه الحالة زيادة حجم الأرباح التي يحققها رأس المال وليس التوفيق بين المصلحة الخاصة لصاحب رأس المال والمصلحة العامة أو المصالح الاجتماعية عموماً. وما طالب به الزميل زيني لا يتعدى رقابة حكومية معينة لا تثمر كثيراً ولا تخفف من تفاقم التناقضات الاجتماعات والصراعات الطبقية والنزاعات السياسية المحتملة جداً. إن الاتفاق على نموذج اقتصاد السوق لا يعني بأي حال الالتزام بالنموذج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة الدولية الحرة, وهي مؤسسات تريد إطلاق العنان للقطاع الخاص والخصخصة والتجارة الخارجية المفتوحة تماماً والتي تقود كلها إلى ما لا تحمد عقباه على المجتمع. إلى  عكس ما يقول به الدكتور زيني بأهمية التصنيع والزراعة. فالتجارة الحرة لا تجلب المنافع للبلاد, بل تجلب الكثير من الأضرار ما لم نتعامل بطريقة عقلانية في هذا القطاع الحيوي, أي ما يمكن ويما يفترض أن نستورده لتنمية القطاعين الصناعي والزراعي وتنشيط الإنتاج الصناعي الصغير .. الخ. في مقابلة صحفية مع المدى قدم الدكتور صالح حسن ياسر أفكاراً واضحة على  النتائج التي ترتبت حتى الآن عن السياسات التي فرضها بريمر في العراق والتي ما تزال متواصلة حتى اليوم. (راجع: جريدة التآخي, العدد 5889 بتاريخ 17/6/2010, ص 7). إن ما أدعو إليه, وفي إطار المرحلة التي يمر بها العراق, هو اقتصاد السوق المقيد بقوانين اقتصادية واجتماعية تحد من المنافسة المدمرة للصناعة  والزراعة المحلية والموسعة للبطالة والمشددة لاستغلال الطبقة المنتجة, الطبقة العاملة. أي نحن بحاجة إلى حماية الاقتصاد الوطني والمجتمع والطبقة العاملة, بمفهمها الواسع, التي تبيع قوة عملها الجسدية والفكرية لصحاب رؤوس الأموال, أي العمل من أجل ضمان الأخذ باقتصاد السوق الاجتماعي.   

4 . إن العدالة الاجتماعية التي يقترحها الزميل زيني مهمة, ولكن النموذج الذي يقترحه, أي اقتصاد السوق الحر غير المقيد بقوانين اقتصادية واجتماعية, والتي نلاحظها بوضوح كبير في الدول الرأسمالية الأكثر تطوراً, يقود إلى نشوء "أمتين" في البلد الواحد, إلى أمة فقيرة وكادحة, وأمة غنية ومتنعمة, إلى أمتين تختلفان في مستوى الحياة والمعيشة والثقافة كلية وتتسع الفجوة بينهما ويحتدم التناقض وتتفجر الصراعات وتنشا النزاعات الطبقية السياسية, ويتباين مستوى متوسط الأعمار وامتيازات أخرى كثيرة بين "الأمتين". ولهذا فالطرح الشكلي للعدالة الاجتماعية لا يقود إلى عدالة اجتماعية مناسبة بل إلى مزيد من تغييب العدالة الاجتماعية.

5 . ورغم تحذيره من جوانب العولمة السلبية, وهو تحذير وارد وضروري, ولكنه يقترح علينا الانفتاح الكامل على السوق الدولي والتجارة الخارجية التي يعتبرها مفتاح التطور وجني المنافع, في حين إنها تعطل دون أدنى ريب أي توجه فعلي لدعوته الجادة لتصنيع العراق وتنمية الزراعة وتحديثها وحماية الإنتاج الصناعي السلعي الصغير.

6 . كما أني أختلف مع الزميل زيني بشأن دعوته لخصخصة المنشآت الصناعية الباقية التابعة لقطاع الدولة. إذ إن عليه أن يتابع بأن العيب ليس في ملكية الدولة لوسائل الإنتاج, بل في طبيعة الدولة وأجهزتها الإدارية المتسمة بضعف الإدارة والتخلف والفساد والذي يفترض تغييره. فلا يجوز, كما أرى, الدعوة وبشكل مطلق إلى الخصخصة, بل دراسة كل مشروع ورؤية ما يمكن عمله لصالح تطويره وتحسين أوضاعه على أسس اقتصادية ومحاسبية سليمة. وعلينا أن نلاحظ الضغوط التي سلطتها المؤسسات المالية الدولية على العراق لتشطب على نسبة عالية من ديونه في مقابل الأخذ بشروط هذه المؤسسات, ومنها الخصخصة في فترة كان أياد علاوي رئيساً للوزراء ومن بعده إبراهيم الجعفري. واليوم, إذ تعاني اليونان من أزمة اقتصادية ومالية حادة اقرب إلى إفلاس الدولة, اشترطت دول الاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية الدولية تقديم القروض لها في مقابل خصخصة كاملة لكل مشاريع الدولة الاقتصادية, وسواء أكانت مشاريع البنية التحتية أم الصناعة التحويلية, وهو أمر يقود إلى مزيد من المشكلات للفئات الاجتماعية الفقيرة والمنتجة ولكنه يجلب الأرباح لأصحاب رؤوس الأموال الذين استفادوا من إفلاس الدولة والدول المتقدم صناعياً في الاتحاد الأوروبي مثل ألمانيا. إن اقتراب اليونان وإسبانيا والبرتغال من حالة الإفلاس ترتبط مباشرة بسياسات الاتحاد الأوروبي الاقتصادية والمالية والنقدية (تعميم اليورو) التي جمعت دولاً ضعيفة التطور مع دول متقدمة دون أن تتخذ الإجراءات الكفيلة بحماية الدول الضعيفة من الدول الأكثر تطوراً في إطار الاتحاد الأوروبي. إنها نتيجة منطقية ربما ستلحق بها دول أخرى من شرق أوروبا, مثل رومانيا أو هنغاريا أو بلغاريا على سبيل المثال لا الحصر.   
7 . هناك جملة من المسائل الأخرى التي تستوجب من الدكتور محمد علي زيني الولوج إليها بدلاً من الإشارة إلى جوانب من الاقتصاد الكلي, بل إلى الاقتصاد الجزئي أيضاً, وخاصة في موضوع التصنيع. إذ لا ينفع الحديث عن التصنيع بشكل عام, بل ما نريد أن نصنعه في العراق في الفترة القادمة. وهذه المهمة يفترض أن تنهض بها وزارة التخطيط ومن هو ملم تماماً بأوضاع القطاع الصناعي والزراعي. إذ لا بد هنا من الولوج إلى تفاصيل التنمية الصناعية وطرح النموذج المناسب لهذه العملية على المديات القصيرة والمتوسطة والبعيدة. هناك جملة من الدراسات المهمة التي طرحت خلال الأشهر الأخيرة, منها دراسة الأخ الدكتور علي مرزا بشأن التصنيع, ومقالة الأخ الدكتور فوزي القريشي عن التصنيع أيضاً, وكذلك الدراسة الجديدة التي ينوي نشرها الأخ الدكتور كامل العضاض عن الاقتصاد الريعي (النفط) ودراسات للأستاذ حمزة الجواهري التي نشرت في موقع الحوار المتمدن في 8 حلقات تحت عنوان "من أجل إدارة أفضل لتنفيذ عقود النفط" في العراق و3 حلقات حتى الآن تحت عنوان "من أجل بناء قطاع خاص في الصناعة النفطية", وهي مادة غنية تستوجب من الباحثين والاقتصاديين والمختصين بشؤون اقتصاد النفط والصناعة التحويلية المناقشة الجادة والمسؤولة والهادفة إلى توضيح الموقف من هذا القطاع ومهماته ودوره في إستراتيجية التنمية الوطنية المستدامة, إضافة إلى غيرها من الدراسات وغيرهم من الباحثين.
8 . إن متابعة اتجاهات التطور الاقتصادي والاجتماعي في العراق خلال السنوات الثمانية الأخيرة تؤكد مسألة مركزية في الجانب الاجتماعي, وهي التي يفترض أن تكون محط دراسة ومتابعة من جانب الباحثين في الاقتصاد والمجتمع في العراق, وأعني بها الفجوة الدخلية المتسعة في العراق بين الفئة الغنية والحاكمة من جهة, وفئات المجتمع الكادحة والفقيرة من جهة أخرى. والغنى الذي حصل للفئة الحاكمة والغنية لم يأت جراء عملهم وعرق جبينهم, بل وفي الغالب الأعم من جراء الفساد المالي ونهب قطاع الدولة ودور الشركات الأجنبية في نهب العراق وفي تنشيط عمليات الإفساد التي تساهم بدورها بتنشيط الإرهاب والقتل. لقد تضاعف عدد أصحاب الملايين والمليارات من الدولارات في العراق بفترة وجيزة عدة مرات. واغلب هؤلاء نجدهم في صفوف الفئة الحاكمة الجديدة وأحابها السياسية وكذلك الأفراد والجماعات القريبة من الحكم وتلك العاملة في قطاع النفط والمقاولات والتجارة الخارجية, وهم من المقربين للفئة الحاكمة والمحيطين بها أيضاً. وتقدم التقارير الدولية وهيئة النزاهة والشفافية مواد دسمة حول هذا الموضوع وكذلك مقالات الدكتور زيني نفسه وكذلك مقالات الأستاذ سلام إبراهيم كبة المنشورة في موقع الحوار المتمدن وغيرها عن الفساد السائد في العراق.
9 . وإذ يسجل الواقع العراقي نمواً واضحاً في الطبقة الوسطى في أجهزة الدولة والمقاولات والتجارة, نلاحظ عدم وجود أي نمو ملموس ومهم في قاعدة الطبقة الوسطى الصناعية والزراعية, وهي المشكلة الناشئة عن سببين: أ) السياسة الاقتصادية التي تبتعد عن التصنيع وعن دعم القطاع الخاص لإقامة المشاريع الصناعية بسبب منافسة الاستيراد المفتوح للسلع المنتجة محلياً, بما فيها الصناعة الصغيرة, وب) وجهة القطاع الخاص في العمل في القطاعات التي تجلب له الأرباح السريعة والمضمونة والعالية. وغياب الطبقة البرجوازية الوطنية المتوسطة في قطاعات الإنتاج الصناعي والزراعي, إضافة على ضعف نمو الطبقة العاملة في هذه القطاعات تسهم بدورها في إعاقة السير صوب بناء المجتمع المدني الديمقراطي الحر.

10 . المشكلة التي لم يعالجها الزميل زيني وتمس الاقتصاد الزراعي, هي مشكلة الأرض الزراعية التي تشير إلى اختفاء فعلي لما تبقى من قانون الإصلاح الزراعي وعودة العلاقات القديمة إلى سابق عهدها, وبالتالي يصعب تأمين تطور ملموس في الزراعة ما لم تعمد الدولة إلى تطبيق فعلي لقوانين الإصلاح الزراعي وتقديم الدعم للفلاحين للبقاء في الريف والمشاركة في الإنتاج الزراعي. إن سياسة الدولة التجارية تسهم في مزيد من هجرة الفلاحين من الريف والزراعة إلى المدينة, خاصة بعد أن قطع أي دعم للسلع الزراعية المنتجة محلياً من جانب الدولة, وهي السياسة التي تروج لها المؤسسات المالية والنقدية الدولية.
 
11 . ولم يعالج الزميل زيني السياسة المالية والنقدية وقضايا التأمين التي تعتبر كلها ادوات تنفيذية للسياسة الاقتصادية والتي كان المفروض أن يبحث فيها لنتبين الوجهة التي يتبناها ويدعو لها في ضوء النموذج الاقتصادي الذي تبناه,

12 . كان المفروض أن يعالج الزميل زيني الإدارة الاقتصادية المتخلفة في العراق ومشكلاتها وسبل تغيير هذا الواقع, وهي لا تمس قطاع الدولة فحسب, بل القطاع الخاص أيضاً ومجمل العملية الاقتصادية. ولا بد هنا من التفكير في سبل تجديد الإدارة الاقتصادية ونظم العمل الإداري ودمقرطته وزيادة رقابة المجتمع المدني عليه ومشاركة الفرد في ذلك. إن الإدارة الاقتصادية غير البيروقراطية والفعالة والمستندة إلى الأساليب العلمية, (الإدارة علم وفن في آن واحد) الحديثة في هذا المجال وتطبيق مبادئ المحاسبة الاقتصادية التي تسهم لا في إنجاح المشاريع الاقتصادية فحسب, بل وتسهم في رفع إنتاجية العمل وإجمالي الإنتاج وتقليص التكاليف وتحسين ظروف العمل وعلاقات العمل وأجور العاملين وظروف حياتهم... الخ.
وأخيراً شكراً جزيلاً للأستاذ الدكتور محمد على زيني على نشر دراسته القيمة الموسومة "خارطة طريق اقتصادية" للعراق التي فسحت في المجال لأهميتها على النقاش والتمعن في أوضاع العراق الاقتصادية والاجتماعية. أتمنى أن لا أكون قد أخطأت بحق زميلي الفاضل الباحث والكاتب الأستاذ الدكتور محمد علي زيني ودراسته القيمة.
3/6/2011                      كاظم حبيب                 

322
كاظم حبيب

احذروا .. ثم احذروا .. ثم احذروا من سياسة سورية خبيثة!

أحزاب البعث القطرية في الدول العربية يتعلم بعضها من البعض الآخر, ولكن ليس لخدمة مصالح الشعوب في هذه الدول, بل من أجل تكريس وجودها الاستبدادي في السلطة والحفاظ على مصالحها الأنانية وتصفية وجود بقية القوى السياسية والإبقاء على بعض الأحزاب الشكلية التي لا تشكل سوى إمعات في أيدي قوى حزب البعث الفعلية المهيمنة على الحكم, والتي تبقى تصرخ لصالح هذا الحكم البعثي أو ذاك حتى حين يلفظ أنفاسه الأخيرة.
حين أدرك صدام حسين أنه ساقط هو ونظامه السياسي لا محالة, فكر بطريقته الإجرامية واستقر على إجراء جهنمي مرعب من أجل خلق مشكلة كبيرة لمن يأتي من بعده في الحكم, وأعني به إطلاق سراح السجناء المحكومين بجرائم جنائية. وهذا ما فعله حقاً حين أطلق سراح عدد يتراوح بين 40-50 ألف سجين محكوم بمختلف الأحكام الجنائية وتركهم يسرحون ويمرحون في شوارع العاصمة بغداد وبقية المدن العراقية بعد أن أخذ منهم التزامات وتعهدات بالدفاع عنه. وقد أدرك العراقيون والعراقيات خطورة هذه الممارسة الإجرامية التي لم تأت من قناعة بضرورة الرحمة بسجناء الحق العام أو الجرائم الجنائية...الخ, بل رغبة منه في إشاعة الفوضى والنهب والسرقة والقتل في شوارع المدن العراقية. وهذا ما حصل فعلاً ولسنوات كثيرة. وهم مندمجون اليوم مع قوى الإرهاب البعثية والقاعدة والميليشيات الطائفية المسلحة التي تنزل الضربات القاسية بالشعب العراقي.
وفي سوريا أصدر بشار الأسد يوم أمس قراراً يقضي بالإفراج عن السجناء السياسيين من الأخوان المسلمين وغيرهم, إضافة إلى الإفراج عن سجناء الأحكام الجنائية, أي الذين حكموا بجرائم عادية كالشرف والقتل والسرقة والاحتيال وما إلى ذلك. وهي ذات النية الخبيثة التي كانت لدى صدام حسين. إنه يريد أن يطلق أيدي هؤلاء للتخريب وقتل المتظاهرين ونهب البيوت مما يشيع الفوضى في البلاد لكي يبتعد الناس عن المتظاهرين ليدافعوا عن بيوتهم وعرضهم من إجرام القوى المجرمة التي تتحرك بتوجيهات من أجهزة الأمن السورية والشرطة في البلاد.
إن على الشعب السوري والمعارضة السورية أن تنتبه لما يراد لها في الفترة الراهنة. فالنظام الذي يقتل يومياً الناس في شوارع المدن السورية ويعتقل المئات منهم لا يمكن أن يؤتمن ولا يمكن أن تكون له كلمة صادقة ولا يمكن أن تكون في قلبه رحمة على الشعب السوري, بل كل ما يريده هو عبور هذه الأزمة بدعم ومساعدة من نظم عربية رجعية معادية لمصالح شعوبها, وسكوت دولي نسبي أمام أفعاله لموقفه الخانع من وجود إسرائيل واحتلالها لهضبة الجولان منذ أكثر من عقود أربعة ولم تحرك سوريا ساكناً, ولن تجد إسرائيل نظاماً سياسياً مهادناً للاحتلال مثل النظام السوري الراهن. حتى أصبح الحكام في إسرائيل يتحدثون عن التجاوز على حدودهم حين تحرك بعض السوريين صوب الجولان المحتل.
لتسقط ورقة التوت التي يحاول النظام السوري ستر عورة نظامه الاستبدادي’ نظام القمع والقسوة والقتل ضد الشعب السوري وضد المتظاهرين وأنصار الحرية والديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان.
وليتواصل النضال من أجل الخلاص من هذا النظام البعثي العفن الذي يدوس يومياً كرامة الإنسان السوري ويقتل يومياً العشرات ويعرض حياة الكثير من بنات وأبناء الشعب السوري إلى الخطر.
1/حزيران/يونيو 2011                   كاظم حبيب 

323

كاظم حبيب

قائد قوات عمليات بغداد وكذبة الموسم!!

كان وزير الدعاية الهتلري " گوبلز" يعتمد في عمله الدعائي على قاعدة تميز بها كل النظام الهتلري المعادي للشعب الألماني, قاعدة  في الدعاية النازية اليومية وفي الإساءة لكل القوى المعارضة للنظام الهتلري والمناضلة ضد الفاشية, قاعدة تقول: "أكذبوا ثم أكذبوا ثم أكذبوا .... على بعض أكاذيبكم تعلق بأذهان الناس"! وهكذا امتلأت الصحافة الألمانية ووسائل الإعلام الأخرى في فترة حكم الهتلرية بين 1933-1945 بالأكاذيب الفاحشة ضد عشرات ألوف البشر من الذين تصدوا للنازية الألمانية. وبسبب تلك الأكاذيب وافتراءات أجهزة الأمن والـ SS ضد المعارضين السياسيين, جرى اعتقال وقتل عشرات ألوف البشر من شيوعيين واشتراكيين وديمقراطيين ومسيحيين ديمقراطيين ومناهضين للتمييز القومي والديني وضد السامية, إضافة إلى الجرائم البشعة التي أدت إلى قتل الملايين من يهود ألمانيا وأوروبا خلال ذات الفترة المذكورة.
وفي العراق كان أحد أبرز من استند إلى هذه القاعدة هو الدكتاتور المجرم صدام حسين ووزراء إعلامه ودعايته, ولكن وبشكل خاص محمد سعيد الصحاف الذي اشتهر بأكاذيبه في فترة هجوم قوات التحالف الدولي على قوات النظام العراقي في العام 2003. كما روج لدعاية كاذبة هي أن عرب الجنوب الشيعة والكُرد الفيلية هم تبعية وعملاء لإيران ويشكلون الطابور الخامس في العراق !! أو أن الحركة الكردية المسلحة في حينها شكلت جيباً عميلاً للدول الأخرى في العراق !! ولكن جميع هذه الاتهامات الكاذبة والباطلة كانت تجسد طبيعة النظام المعادي لهذه المجموعات البشرية والذي لم يصدقه إلا من كان من ذات الفصيلة المتوحشة في كره الإنسان من قوميات واديان ومذاهب أخرى.
كما يمكن أن نورد أمثلة كثيرة على مثل هؤلاء الوزراء والمسؤولين الذي يكذبون ويصدقون أكاذيبهم بأمل أن يمرروا على العالم نشاطهم المعادي للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. ويكفي أن يستمع الإنسان للإذاعة أو التلفزيون في سوريا ليدرك حجم الأكاذيب التي تروج يومياً ضد قوى المعارضة المناضلة ضد الدكتاتورية والقمع والقسوة, وأكثرها رواجاً كونهم عملاْ لقوى أجنبية وأنهم مسلحون, وهذا كله هراء في هراء. وهكذا كان وزير إعلام النظام المصري قبل تخلي حسني مبارك ووزارته عن الحكم ووزير داخليته.
واليوم نلتقي بواحد من أكثر المسؤولين في العراق حضوراً في التلفزيون والإذاعات والتصريحات, إنه قائد قوات عمليات بغداد, إنه الأكثر  نشاطاً منذ أن بدأت مظاهرات الخامس والعشرين من شباط 2011 حين وجه الشباب الدعوة للتظاهر مطالبين بمكافحة الفساد ومعالجة مشكلات الشعب في الخدمات ومكافحة البطالة, وخاصة بين الشباب ...الخ, إذ بدا هذه القائد بنسج القصص والروايات عن أن هذه المظاهرات موجهة من قوى بعثية معادية, وأن البعثيين هم وراء تلك النداءات وأن قوى الإرهاب ستدخل وسط المتظاهرين لتفجر وتقتل المزيد من البشر. لقد أقسم أغلظ الإيمان مؤكداً بأن البعثيين هم وراء ذلك وكذلك قوى القاعدة, إذ وصلته تقارير موثوقة بهذا الصدد. ثم وجه ضرباته القاسية للمتظاهرين حين اعتقل الكثير من الناس وسلطت أجهزته الخاصة أساليب وأدوات التعذيب البعثية ضدهم وضد الصحفيين. وردد خلفه رئيس الوزراء العراقي على أساس أنه قد اعتمد على تقارير الأمن وقوات عمليات بغداد التي يقودها قاسم عطا بأن البعثيين هم وراء كل ذلك. ولم يثبت ذلك, بل تبين العكس إذ إن المتظاهرين هتفوا ضد البعث وضد الإرهاب. ورغم ذلك لم يعتذر رئيس الوزراء على تلك الرواية الفاسدة التي, كما أشار بأنها وصلت إليه عبر تقارير أمنية مضبوطة وأكدها قائد قوات عمليات بغداد,     
ويوم الجمعة المنصرم خرجت مظاهرة شبابية في جانب الرصافة لها ذات المطالب. وهتافاتها سلمية وديمقراطية وليس فيها أي مساس بالحكومة. ومع ذلك اختطفت أجهزة الأمن وقوات عمليات بغداد أربعة من الشباب النشطاء الذين شاركوا في هذه المظاهرة وسيقوا إلى جهة مجهولة. وحين كشف موضوع الاختطاف وقيل أنهم موقوفون في معتقلات الكرخ, قيل إن اعتقالهم جاء بسبب ممارستهم العنف والإساءة لقوات الأمن. وحين لم يصدق الناس هذه الرواية, إذ أن المظاهرة كانت مصورة ولم تكن فيها شعارات مسيئة للنظام, كما إن جميع المشاركين في المظاهرة كانوا عزلا ولم يمارسوا أي نوع من أنواع العنف. عاد المسؤولون وعلى رأسهم قائد عمليات بغداد لينشروا على الناس سيناريو جديد أسوأ من السيناريو السابق حين ادعى بأن هؤلاء الأربعة كانوا يحملون هويات مزورة. والأربعة هم من بين الطلاب الجامعيين الذين شاركوا في تلك التظاهرة, وهم يحملون هوياتهم الشخصية, وليسوا بحاجة إلى هويات مزورة, كما أنهم ليسوا بالناس السذج بحيث يحمل كل منهم عدة هويات مزورة وهم يعرفون احتمال اعتقالهم من قبل أجهزة الأمن العراقية وقوات عمليات بغداد بقائدها "المغوار" قاسم عطا.
إن السيناريو الجديد مطعون به ويعبر عن بؤس المخرجين وورطتهم. وهم يؤكدون دون أدنى ريب ويوماً بعد أخر تجاوزهم الفظ على الدستور العراقي وعلى القوانين العراقية وعلى حقوق الإنسان وحقوق المواطنة. إنه تجاوز غير مسموح به من جانب قوات عمليات بغداد وقائدها ومن رئيس الوزراء الذي يعرف باعتقالهم ويعرف ما يجري لهم في المعتقل من تعذيب نفسي وجسدي دون أن يتدخل لإطلاق سراحهم, علماً بأن قيادة عمليات بغداد التي اعتقلتهم لم تكن تحمل أمراً من قاضٍ مخول يسمح باعتقالهم.
إن ما يجري في العراق لا يُسأل عنه قاسم عطا ولا رئيس الوزراء فحسب, بل والحكومة العراقية كلها ومجلس النواب ورئاسة الجمهورية, بمن فيهم رئيس الجمهورية, إذ أن الجميع يعرفون ما يجرى للشباب الأربعة في بغداد وبكل ما يجري لهم في المعتقل, ولكنهم لم يتدخلوا حتى الآن من أجل وضع حد لمثل هذه الإجراءات التعسفية والمطالبة الفورية بإطلاق سراح المعتقلين الأربعة وكذلك بقية الذين اعتقلوا لمشاركتهم في المظاهرات التي جرت حتى الآن في عموم العراق. إن ما يجري في العراق يفوق القدرة على تحمله, رغم ما يمارسه بعض كتاب الحكام في الداخل والخارج من دفاع مستميت ومضحك عن إجراءات وسياسات رئيس الحكومة والأجهزة الأمنية الخاصة وقوات عمليات بغداد باعتباره الرجل المسؤول عنها مباشرة وعن كل القوات المسلحة كقائد عام للقوات المسلحة العراقية.
إن الحكمة المعروفة على الصعيد العالمي تقول: "حبل الكذب قصير", وشعوب أخرى تقول نفس الحكمة بصيغة مماثلة "للكذب سيقان قصيرة". وستؤكد الأيام هذه الحقيقة.
لم يعد العراقيون والعراقيات يقتنعون بما يقوله قائد عمليات بغداد الذي أصبح نجم الشاشة التلفزيونية, كما كان الشعب العراقي يعيش هذه المحنة أيام صدام حسين حين كان التلفزيون مخصص له, فهو لم يروي حكايات خيالية فحسب, بل ويصدقها ويمارس الترويج لها وكأنها حقائق ثابتة ولا يستحي منها.       
لنطالب جميعاً بإطلاق سراح المعتقلين الأربعة والاعتذار لهم وتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم ومعاقبة من تجاوز على الدستور واعتقلهم وربما مارس التعذيب ضدهم على وفق التجارب السابقة مع مواطنين آخرين ومع الصحفيين العراقيين الذين اعتقلتهم قوات علميات بغداد أيضاً.
2/6/2011                      كاظم حبيب


324

كاظم حبيب

حركة شباط - مايس 1941 الانقلابية والفرهود ضد اليهود

تحل في يومي 1 و2 حزيران/يونيو من هذا العام الذكري السنوية الـ 70 على فاجعة ومجزرة الفرهود ضد يهود العراق ببغداد في العام 1941. وبهذه المناسبة الحزينة أنشر هذه الدراسة المكثفة عن هذه الفاجعة المريرة التي راح ضحيتها الكثير من مواطنات ومواطني العراق اليهود حينذاك, وهي جزء معدل من كتاب بعنوان محنة يهود العراق للكاتب.

انتظم القوميون في العراق في بداية النصف الثاني من العقد الرابع في نادي ثقافي أطلق عليه بـ "نادي المثنى بن حارث الشيباني" الثقافي الذي شكل له علاقات قوية مع القنصلية الألمانية ببغداد وبالدكتور گنتر گروبه, القنصل الألمانی, الذي شارك في تعزيز العلاقة السياسية والفكرية والثقافية بألمانيا والذي كان يحرض أعضاء ومؤيدي النادي بالوقوف ضد بريطانيا ودعم الدولة الألمانية. كما نظم مع النادي وحركة الفتوة سفرات لعراقيين على ألمانيا.
إلا إن نادي المثنى الثقافي لم يستطع إشباع تطلعات القوميين حينذاك في الوصول إلى السلطة وحسم الموقف من وجود القوات البريطانية في العراق. فقرروا, بعد أن وصل مفتي الديار الفلسطينية إلى بغداد, تأسيس حزب سري يقود عملية الوصول إلى السلطة ويضع قضية عروبة فلسطين في صدر مهامه السياسية, أطلق على الحزب السري اسم "حزب الشعب". منح فيه كل عضو في هذا الحزب اسماً حزبياً سرياً . وأعطيت القيادة لمفتي الديار الفلسطينية؛ الحاج أمين الحسيني (مصطفى). وكان في عضويته كل من رشيد عالي الگيلاني (عبد العزيز) وصلاح الدين الصباغ (رضوان) ويونس السبعاوي (فرهود) وفهمي سعيد (نجم) ومحمود سلمان (فارس) وناجي شوكت (أحمد), وتم اختيار الحاج أمين الحسيني رئيساً.  على القارئة والقارئ أن يلاحظ أن يومس السبعاوي قد اختار له اسماً حزبياً هو فرهود وهو الاسم الذي أطلق على فاجعة ومجزرة اليهود ببغداد, والتي تكررت في البصرة بذات الفترة ولكن دون قتلى أو جرحى في ما عدا محاولات النهب والسلب. كما ضم إليه المجموعة التالية من الأعضاء المعروفين حينذاك بنشاطهم القومي, منهم محمد علي محمود، وداود السعدي، ومحمد حسن سلمان، وعثمان حداد. وقد أقسمت المجموعة يمين الإخلاص للقضية التي تناضل من أجلها، وللحزب الذي أسسته سراً حتى النهاية. لقد تأسس هذا الحزب في بداية العام 1941. وفي ذات الشهر بدأت خيوط العملية الانقلابية تتكامل ضد حكومة العميد طه الهاشمي الذي تسلم الحكم قبل ذاك من رشيد عالي الكيلاني. ففي شهر شباط من نفس العام استطاع العقداء الأربعة إنزال قوات عسكرية من الوحدات التي كانوا على رأسها واحتلوا مواقع مهمة وحساية في بغداد مثل ".. دوائر البرق والبريد والتلفون, ومسكت بعض مداخل الطرق العامة واتخذت التدابير لصيانة الجسور والمعابر, ومحافظة سائر المرافق"  إلا إن الوصي على  العرش عبد الإله كان قد ترك بغداد لكي لا يرضخ لهذا القرار ويصدر القرار بتنحية طه الهاشمي وتكليف رشيد عالي الكيلاني. وإزاء هذا الوضع شكل حزب الشعب السري مجلس الدفاع الوطني ليأخذ على عاتقه تمشية الأمور في البلاد. 
لقد نشأ وضع غريب في العراق. فمن جهة لم تسقط وزارة الهاشمي، بقيت تمارس عملها الروتيني، بينما أخذ مجلس الدفاع الوطني، يمارس عملاً في إطار اللاشرعية. ولكنه كان يسعى إلى تثبيت أوضاعه إلى حين قيام وزارة برئاسة الگيلاني. واتخذ مجلس الدفاع الوطني غير الشرعي جملة من القرارات التي اراد بها إضعاف وزارة طه الهاشمي، ويمنعها من ممارسة عملها. ونشير فيما يلي إلى أبرز تلك القرارات:
   المحافظة على المعاهدة العراقية - البريطانية والابتعاد عن استفزاز بريطانيا.
   الإبقاء على وزارة الهاشمي فترة أخرى؛ ليتسنى نضوج اتجاه معين في الأوضاع يخدم أغراض القوى القومية.
   الامتناع عن قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيطاليا، وعند إصرار البريطانيين على ذلك يتوجب عرض الموقف على مجلس نيابي يتمتع بالحرية؛ لاتخاذ القرار المناسب.   
   توفير إمكانية حل المجلس النيابي، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة للتخلص من أعوان الاستعمار البريطاني.
   التخلص من نوري السعيد، وجميل المدفعي، وعلي جودة الأيوبي بتعيينهم سفراء في بلدان أخرى.
   تحديد صلاحيات الوصي على العرش في الدستور العراقي؛ لكي يبقى مصوناً غير مسؤول.
   التحري عن أسلوب لتحسين العلاقة بين الوصي على العرش وقادة الجيش الأربعة.
   عند فشل طه الهاشمي بتحقيق هذه المهمات، يطلب منه تقديم الاستقالة.
   في حالة الاستقالة يكلف رشيد عالي الگيلاني بتشكيل الوزارة الجديدة.
   في حالة إجراء انتخابات حرة ونزيهة، يتعهد الجيش بعدم التدخل في شؤون الحكومة.
   وكانت النتيجة واضحة: الوصي على العرش يبذل جهوداً حثيثة لعقد اجتماع لمجلس الوزراء في البصرة، في حين أن مجلس الدفاع الوطني يعرقل وصولهم إلى البصرة؛ ولذا وجد طه الهاشمي نفسه أمام حل واحد لا غير؛ هو الاستقالة من رئاسة الوزارة ليتخلص من:
•   ضغط الإنكليز عليه لإرغامه على ممارسة مهامه السياسة التي تشترطها معاهدة 1930 في حالة دخول بريطانيا في حرب ضد دولة ثالثة.
•   ضغط الوصي عليه لدفعه إلى أن يرفض شروط العقداء الأربعة، وإلى البقاء بالحكم والتوجه إلى البصرة؛ لعقد اجتماع لمجلس الوزراء بحضور الوصي.
•   ضغط العقداء الأربعة في الدعوة إلى حل المجلس النيابي، وعدم الاستجابة للمطالب العشرة التي قدمتها الحكومة البريطانية وتبناها البلاط الملكي, والتي منضمنها قطع العلاقات الدبلوماسية مع ألمانيا وإيطاليا.   
   أمام وجود حكومتين (عملياً) وجد مجلس الدفاع الوطني نفسه أمام حل واحد هو: دعوة مجلس النواب إلى الانعقاد، واتخاذ قرار باستقالة وزارة الهاشمي، وتشكيل وزارة جديدة برئاسة رئيس مجلس الدفاع الوطني. إلا أن الوصي رفض هذه الدعوة باعتبارها غير شرعية. ومع ذلك عقد مجلس النواب اجتماعه، واستمع إلى خطاب ألقاه رشيد عالي الگيلاني وآخر لناجي السويدي، ثم خرج بقرار واحد هو:
•   إلغاء وصاية عبد الإله على العرش، وإسنادها إلى الشريف شرف. وتم ذلك بالإجماع.
   ثم جرى الاتفاق على مسألتين هما:
•   الموافقة على استقالة وزارة طه الهاشمي.
•   الموافقة على تشكيل وزارة جديدة
وبعد اجتماع مجلس الأمة بادر الشريف شرف، بتوجيه رسالة إلى رشيد على الگيلاني؛ لتشكيل الوزارة الجديدة . وبهذا اعتبر الانقلاب قد تحقق فعلاً. ولكن الأزمة لم تنته، بل تفاقمت واشتد أوارها وتكثفت الجهود لحسم الصراع لصالح أحد الطرفين. وفي الثاني عشر من شهر نيسان/أبريل عام 1941 شكل رشيد عالي الگيلاني وزارته الرابعة. حيث قررت قيادة التنظيم الحزبي السري للحركة القومية أسماء الوزراء والحقائب الوزارية التي يشغلونها, وكانت على النحو الآتي:
رشيد عالي الگيلاني    رئيس الوزراء ووزير الداخلية بالوكالة
ناجي السويدي      وزيراً للمالية
ناجي شوكت         وزيراً للدفاع
موسى الشابندر      وزيراً للخارجية
علي محمود الشيخ علي   وزيراً للعدلية
محمد علي محمود      وزيراً للأشغال والمواصلات
محمد يونس السبعاوي    وزيراً للاقتصاد
رؤوف البحراني      وزيراً للشؤون الاجتماعية
محمد حسن سلمان      وزيراً للمعارف" .
استقبل العراقيون تشكيل الوزارة الجديدة بارتياح كبير، ووصلت إلى بغداد وفود كثيرة من مختلف الألوية للتهنئة بمناسبة نجاح الانقلاب العسكري. كما وردت مجموعة من برقيات التهنئة من شخصيات سياسية واجتماعية وأدبية، ومن هيئات وجماعات وأحزاب سياسية مؤيدة للخطوات التي اتخذتها الحكومة والتي تحتاج إلى تأييد ومساندة .
وارتبطت هذه الفرحة الكبيرة بمجموعة من العوامل المهمة، التي لم تستطع الحكومة البريطانية استيعابها أو القبول بها، وعجزت عن إيجاد أساليب أخرى للتعامل مع العراق، ونعني بها:
•   موقف العراقيين الرافض منذ البدء للوجود البريطاني الاستعماري في العراق، والرغبة الجارفة لديهم للخلاص من معاهدة 1930. إذ اعتبروا هذا الانقلاب بمثابة الخطوة الأولى على طريق الخلاص من الإنكليز، والمعاهدة في آن واحد.
•   رغبة العراقيين في التخلص من عبد الإله؛ الوصي على العرش الذي لم يكن محبوباً عند العراقيين. إذ اعتبروه متآمراً بارزاً مع الآخرين في قتل الملك غازي الذي حظي بحب العراقيين، وشخصية مؤمنة بفضل الإنكليز على عائلته.
•   الكره الشديد عند الغالبية العظمى من العراقيين لنوري السعيد، وجميل المدفعي وغيرهما من الساسة الذين هربوا إلى خارج بغداد أو إلى خارج العراق باعتبارهم من أعوان بريطانيا المقربين.
•   الحلم بالحصول على الحرية والديمقراطية، والتمتع بثروات العراق وضمان الاستقلال والسيادة الوطنية.       
أبدت الحكومة البريطانية امتعاضها الشديد من الانقلاب الذي قامت به القيادة العسكرية في بغداد، ومن عزل الوصي على العرش، وقررت اتخاذ التدابير الضرورية لإحباطه من خلال إرسال قوات هندية وبريطانية إلى العراق. ولم يمض سوى بضعة أيام على تشكيل الوزارة الگيلانية الرابعة؛ أي في يومي 17/18 نيسان/أبريل 1941 حتى كانت القوات العسكرية البريطانية قد نزلت إلى البصرة. وأصدرت الحكومة العراقية بياناً، ادعت فيه معرفتها بالإنزال البريطاني، وزعمت أن هذه العملية قد تمت في ضوء معاهدة 1930. ثم طلبت بريطانيا من الحكومة العراقية إنزال قوات جديدة يتراوح تعدادها بين 2000 إلى 3500 شخص إلى البصرة أيضاً . رفضت الحكومة العراقية هذا الطلب، واعتبرته غير ضروري، ثم طالبت بانسحاب القوات التي نزلت قبل ذاك إلى البصرة. ورغم قرار المنع نزلت القوات البريطانية الجديدة في 30 نيسان/أبريل 1941 إلى البصرة. وبدأت بريطانيا عملياتها العسكرية ضد القوات العراقية من موقعين أساسيين: في الحبانية حيث توجد قاعدتها العسكرية الأولى, وحيث تم تجميع قوات عراقية قريباً منها، وفي قاعدة الشعيبة العسكرية في البصرة, حيث قامت القوات البريطانية باحتلال المدينة. وأصدر السر كورنوالس بياناً شرح فيه موقفه من الأزمة، وحمّل الحكومة العراقية مسؤولية وقوع أي ضرر لأي مواطن بريطاني يعمل في العراق .
أصدر رشيد عالي الگيلاني, رئيس الحكومة، بياناُ موجهاً إلى الشعب العراقي مشيراً إلى قيام بريطانيا بعملياتها العسكرية العدوانية، ومطالباً الشعب بالوقوف إلى جانب الحكومة العراقية والجيش العراقي في دفاعه عن الوطن. كان ذلك في يوم 2 مايس/أيار 1941. ومن هنا جاء اسم الحركة الانقلابية (حركة مايس) باعتبار بدء المعارك مع القوات البريطانية. في حين أن الانقلاب في الحقيقة تم عندما أجبر طه الهاشمي على توقيع كتاب استقالة حكومته.
ومع بدء احتلال البصرة وبدء المعارك في الحبانية أصدر العلماء المسلمون فتاوى للجهاد ومكافحة الوجود البريطاني في العراق. وجاءت البيانات من أئمة الشيعة والسنة في آن واحد. ففي الوقت الذي أصدر أبو الحسن الموسوي الأصفهاني، ومحمد حسين آل كاشف الغطاء، والعلامة عبد الكريم الجزائري فتاوى تدعو إلى الجهاد ضد الظالم والكافر المحتل، أصدرت في ذات الوقت مجموعة من علماء الدين ورؤساء المؤسسات الدينية وأئمة الجوامع والمدارس الدينية السنية في بغداد، بياناً دعت فيه المواطنين إلى الجهاد المقدس ضد الإنكليز الغدارين الذين عمدوا إلى احتلال العراق، والإساءة إليه وشن حرب عليه. واعتبر رشيد عالي الگيلاني أن العراق أصبح بعد الغزو البريطاني، وخوض المعارك ضد الجيش العراقي في حلٍ من معاهدة 1930. واستمرت المعارك بين الطرفين حتى التاسع والعشرين من شهر مايس/أيار تحمل الجيش العراقي فيها ضربات قاسية وهزائم متعاقبة، رغم المقاومة الكبيرة التي أبداها الجنود وصغار الضباط.
انتهت الحركة الانقلابية بمغادرة مجموعة القيادة العسكرية والسياسية البلاد, ولاسيما القيادة الحزبية التي قادت العملية سياسيا وعسكرياً، وكانت تقف على رأس الحركة أثناء العمليات العسكرية بين القوات البريطانية والقوات العراقية. وعقد آخر اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة رشيد عالي الگيلاني في 27 مايس/أيار من عام 1941 . ثم صدر عنه القرار رقم س 3646 بتاريخ 28/5/1941 القاضي بتشكيل (لجنة الأمن الداخلي في العاصمة والطوارئ) حيث تم انتخاب أمين العاصمة رئيساً لها. وهي اللجنة التي وقعت اتفاقية الهدنة مع القوات البريطانية، والتي بدأت مفاوضاتها لوقف زحف القوات البريطانية على بغداد التي تمت في 31/5/1941. وفي التاسع والعشرين من مايس/أيار، غادر رشيد عالي الگيلاني بغداد، وكذلك المفتي الحاج أمين الحسيني باتجاه إيران. وكان آخر من غادر العراق من المجموعة القيادية على الأرجح، هو السياسي البارز والمتميز في الحركة الانقلابية ووزير الاقتصادي محمد يونس السبعاوي. إذ أنه واصل العمل في بغداد، وأعلن نفسه حاكماً عسكرياً لمنطقة بغداد والمنطقة الجنوبية، وطالب باستمرار المقاومة ضد القوات البريطانية. ولكن لجنة الأمن الداخلي، استطاعت إقناعه بعدم جدوى المقاومة، وطلبت منه مغادرة البلاد باتجاه إيران . ثم بدأت بعدها التفاوض مع القوات البريطانية لغرض إعلان شروط الاستسلام. وعلى أثر ذلك حلت كتائب الشباب، ومنها مجموعة الدفاع عن السبعاوي  (حرس السبعاوي-الفدائيون) . وجدير بالذكر هنا أن السبعاوي، عمد إلى تشكيل ثلاث منظمات شبابية شبه عسكرية لحمايته، والدفاع عن الحركة الانقلابية، والتصدي للقوات البريطانية الزاحفة صوب بغداد، وهي (كتائب الشباب) و (الحرس الحديدي) و(فدائيو يونس السبعاوي) . وهذه الكتائب كانت في طليعة القوى التي هاجمت اليهود، ونفذت فاجعة الفرهود في بغداد.
أعلن في بغداد عن انتهاء الانقلاب، وسيطرة القوات البريطانية على بغداد وعموم العراق، وعن عودة عبد الإله إلى العاصمة. وبدأت عمليات اعتقال وتقديم المسؤولين عن الحركة - بعضهم كان ما يزال في بغداد وبعضهم الآخر كان قد غادرها - إلى المحاكمة. حيث حكمت على المسؤولين المباشرين بالإعدام؛ وهم العقداء: صلاح الدين الصباغ، وفهمي سعيد، ومحمود سلمان، وكامل شبيب فيما بعد، ويونس السبعاوي. ونفذ الحكم بهم في أوقات مختلفة. وحكم بالإعدام على رشيد عالي الگيلاني الذي لجأ إلى السعودية وبقي فيها, فنجا من الموت . كما أصدرت المحكمة أحكاما أخرى بالسجن لفترات مختلفة على عدد من الذين اتهموا بمشاركتهم بالحركة الانقلابية، أو بتأييدهم لها ودفاعهم عنها. وللعلم فقد شمل الاعتقال والتقديم إلى المحاكمة، أشخاصاً لا يمتون إلى التيار السياسي القومي مباشرة، وطالت المحاكمة أشخاصاً آخرين لم تكن لهم مشاركة فعلية في أحداثها  .
لقد كانت حصيلة هذه الفترة من حكم القادة العسكريين من الجناح القومي اليميني المشبع بالفكر النازي، وبروح المغامرة من الناحيتين الفكرية والسياسية سيئة جداً. ولاسيما الإعلام الذي اتخذ وجهة معادية للديمقراطية والحياة الدستورية، وركّز على تربية الشباب والطلائع بالقيم التالية :
-   تأكيد أهمية القوة العسكرية في الدفاع عن المصالح القومية واسترداد الحق المغتصب، واحتقار الداعين إلى السلام، واعتبار الحرب هي الطريق السليم لاكتشاف العناصر الأصيلة عند الأمة!
-   ربط القضية الفلسطينية بالقضية العراقية وكأنهما قضية واحدة. وهنا لعب الحاج أمين الحسيني دوراً أساسياً في هذا التوجية.
-   تعميق الكراهية ضد اليهود في العراق، والتهليل لما يقوم به النازيون ضدهم في ألمانيا، وكأن يهود العراق مسؤولون عما كان يجري من صراع في فلسطين. وكان التثقيف في المدارس والكليات يسير في هذا الاتجاه الذي وجد تجسيده في ما حصل لاحقاً ضد اليهود في فاجعة وجزرة الفرهود في بغداد.

أحداث الاعتداء الإجرامي على يهود العراق (فاجعة الفرهود)

في الأول من حزيران عام 1941  أطلقت القوى الشوفينية المتطرفة ذات العلاقة الوثيقة بقوى حركة رشيد عالي الگيلاني المناهضة لليهود؛ حملات عدوانية شرسة منظمة وواعية وهادفة ضد المواطنات والمواطنين اليهود في بغداد، تميزت بالعنف والشراسة واستخدام السلاح، تساندها جمهرة جاهلة غير واعية  من الأوساط الشعبيةً ومن الرعاع الذين يتحينون أي فرصة للمشاركة في عمليات النهب والسلب والقتل التي تحركها تلك القوى المنظمة، وعصابات الجريمة, أي تلك القوى التي تأثرت كثيراً بالدعاية الفاشية في العراق، والتي أصابتها خيبة انهيار الانقلاب، وعودة قوات الاحتلال البريطانية للسيطرة الكاملة على العراق، وإرغام العراق على عقد اتفاقية الهدنة المذلة. أطلق على هذه الحملة  (فاجعة الفرهود) . وكان المشاركون في حملات العنف هذه التي اقترنت بعمليات السلب والنهب والقتل والتدمير ضد العائلات اليهودية والمحلات والمصالح التابعة لليهود في بغداد، يهزجون في شوارع بغداد "حلو الفرهود كون يصير يومية" والتي تعني (حلوة عمليات السلب والنهب والقتل وإشعال الحرائق ضد اليهود عسى أن تتكرر يومياً). ولم تكن جمهرة من الجنود وحدها وراء هذه العمليات الإجرامية فحسب، بل كانت أيضاً جمهرة من الشرطة   المسؤولة عن أمن المواطنات والمواطنين والمدنيين والمدعومة من بعض الضباط وبعض رجال السياسة من المعسكر القومي الشوفيني، فضلاً عن كتائب الشباب التابعة للحركة الانقلابية. كتب السيد مير بصري عن هذه الفاجعة يقول: "كان الحاج طاهر محمد سليم من أشراف بغداد عائداً إلى داره المطلة على شارع غازي  (الذي سمى بعدئذٍ شارع الكفاح) فرأى شباب يهود ينزلون من السيارات العامة ويذبحون, فتجري دماؤهم البريئة على قارعة الطريق. أسرع في سيره ودخل مركز الشرطة وقال لرجاله: ألا ترون المذبحة أمامكم, فأين شهامتكم المسلكية وغيرتكم العربية؟ لكنهم سخروا منه وقالوا له: أذهب إلى دارك, أيها الحاج, فلا شأن لكَ في الأمر, وخرج يجر أذيال الخيبة, وحاول عبثاً ردع الرعاع, ولم يجد بداً من المضي إلى داره كئيباً" .
كتب السيد أنور شاؤل يقول: "وكما تكشفت حركة رشيد عالي الكيلاني الفاشلة وملابساتها الهوجاء, بالنسبة ليهود العراق, عن ضراوة في طباع بعض الناس وخسة في أخلاقهم فلا رادع من قانون ولا وازع من ضمير, فقد روت الأحداث أعمالاً طيبة قام بها أناس طيبون من المسلمين لنصرة من يعرفونهم ولا يعرفونهم من جيران لهم يهود كانوا في أمس الحاجة إلى حمايتهم. وأن أنس لا أنس المبادرة الفريدة الحميدة التي قام بها الواعظ الشيخ المفضال الأستاذ جلال الحنفي إذ توجه عن طريق الإذاعة إلى جماهير الشعب العراقي ظهر اليوم الثاني من حزيران, والنظام في بغداد وسائر مدن العراق ما زال سائباً والغوغاء ما زالت تتحين الفرص, بنداء بليغ حذر فيه الناس من مغبة الاعتداء على اليهود "الذين هم في ذمة المسلمين لهم حقوق الذمة والجيرة اللتين أوصى بهما الله في محكم كتابه العزيز وعلى فم رسوله الأمين ...". كان نداء الشيخ جلال الحنفي إنسانياً جديراً بأن يسجله التاريخ, قلت في حينه إذ أصغيت إليه وأنا في مقر حامية أربيل : "بارك الله فيك يا جلال, يا أجل الشيوخ ولتظل أبداً قدوة للمقتدين ...!" .   
في الكتاب الذي أصدره السيد إسحق بار موشيه بعنوان (يومان في حزيران) وصف فيه ما عرضته الجدة العجوز التي تعرض دارها للنهب في يومي الفرهود من قبل العصابات المنفلتة من عقالها ضد المواطنات والمواطنين اليهود. كتب حواراً يدور بين جدة يهودية نهبت دارها وبين عائلة يهودية ذهبت إلى زيارتها بعد فاجعة الفرهود، جاء فيه ما يلي:
"قصت علينا الجدّة ما حدث, عندما زارتنا بعد الفرهود:
- هذه الجماعة كانت كبيرة. كانوا يبحثون عن النهايب. عندما رأيناهم من بعيد أدركنا أن البيت في خطر. استرقنا النظر إلى الطريق عندما أصبحت خالية تقريباً, بعد عبور الجموع إلى داخل المحلة, وحتى آخرها. وصلت إحدى بنات الجدة إلى بيت الأب الكبير والذي من المفروض أنه كان محروساً من قبل شخص اكترى خدماته أحد أبنائه. لم يكن الحارس هناك. والبيت أصبح قفراً بلقعاً. عادت البنت بسرعة إلى البيت وأنبأت الجدة وأختها أن الملجأ الوحيد سيكون العبور من السطح إلى الجيران. أشق جزء من العملية كانت مساعدة الأخت المقعدة, الخياطة, على تسلق الحائط فوق السطح والانتقال إلى بيت الجيران.   
•   وهكذا وصلوا إليكم؟
•   وصلوا إلى بيوت يهودية أخرى, بعضها كانت على علاقة معنا وبعضها الآخر لم يكن.
•   كل شيء بالصدفة والمناسبة.
•   تماماً. لحسن حظنا عندما وصلوا بيتنا كنا جميعاً فررنا عبر السطوح ونجونا بأرواحنا.
•   وجدوه غنيمة سهلة.
•   غنيمة متروكة. حتى أن الباب كان موارباً فقط.
•   سهلتم في وجههم العملية.
•   لم يكن مفر من ذلك. خشينا فقط أن تكون بأيديهم أسلحة نارية.
•   من الذي لا يخاف في مثل هذه الحالات؟
•   رأيناهم من بعيد. دخلوا البيت, كأنه وجّهت لهم الدعوة. وبعد دقائق, ربما ربع ساعة, وربما أكثر قليلاً, كان البيت يخلو من كل شيء. لا يعوزه إلا الكنس والرش بالماء.
الجدة كانت تروي القصة وكأنها تتحدث عن شيء عادي: ولادة طارئة, أو مولد توأمين بدل ولادة عادية. كان لها حس واف للدعابة, فهي تطلق حديثها متبلاً بأمور تثير الابتسام.
-   لم يبق في البيت شيء. حتى الخيوط التي كانت تستعملها أختي في الخياطة, جمعوها وأخذوها.
-   التخوت والسرائر, ماكنتا الخياطة, القدور والصحون والملاعق. حتى الشباشب والنعال القديمة. عندما عدنا في المساء إلى البيت بعد أن أعلن منع التجول لم نعرف المكان بسهولة. هنا كان سرير فلانة. هنا كانت أختي تجلس لتخيط الملابس. وهكذا رأينا البيت نظيفاً فذهبنا إلى دار والدي وبتنا هناك, مفترشين الأرض.           
-   .. لقد خلع السراق حتى كيلون الباب... المهم نجونا بالثياب التي كانت علينا...
-   أغلب البيوت اليهودية في الحي نهبت..." .
جاء في تقرير لجنة التحقيق الحكومية عن الخسائر التي وقعت في يومي 1 و2 حزيران/يونيو 1941 ما يلي: "أما جميع القتلى فبالنظر لما جاء في إفادة حاكم التحقيق أنهم مائة وعشرة, بضمنهم ثمانية وعشرين امرأة, وهم من إسلام ويهود, ولم تعرف هويات قسم كبير منهم. وأما الجرحى فكانوا مائتين وأربعة, وهم كذلك من الإسلام واليهود. أما رئيس الطائفة فيدعي بأن القتلى والجرحى أكثر من ذلك". كما يبدو من التقرير وحسب قول رئيس الطائفة الموسوية في العراق "بأن الحوانيت والمخازن المنهوبة عددها خمسمائة وستة وثمانين محلاً, وأن ثمن ما نهب يبلغ (271402) ديناراً. ويدعي أن الدور المنهوبة عددها (911) وتقطن هذه الدور (3395 عائلة, ومجموع أفرادها (12311) نسمة, وأن الضرر الذي لحقهم يبلغ (383878) دينارا" . ويلاحظ هنا أن التقرير يدمج بين عدد القتلى والجرحى من المسلمين ومن اليهود، لا لأنه لا يميز بين المواطنين، بل ليغطي في واقع الأمر على حقيقة أن النسبة العظمى من القتلى والجرحى، كانت من المواطنين اليهود في هذه الجريمة البشعة. (راجع الملحق رقم 6 ) واختلفت نتائج التحقيق الخاص الذي قامت به رئاسة الطائفة اليهودية فقد توصل إلى ما يلي: "كان عدد اليهود الذين قتلوا 179 قتيلاً, كما جرح 2118 شخصاً آخر, وبلغ عدد الدور التي نهبت في الفرهود حوالي 1000 دار, وعدد الحوانيت التي أفرغت 2500 حانوت, كما بلغ عدد اليهود الذين مسهم الضرر في قليل أو كثير 40 ألف يهودي" .   
أشار بعض الكتاب في حينها إلى أن أحد الأسباب التي أدت إلى التوتر بين اليهود والمسلمين العرب؛ هو أن اليهود قد فرحوا كثيراً بعودة الجيش البريطاني إلى بغداد وسقوط حكومة رشيد عالي الگيلاني، وخرجوا إلى الشوارع لاستقبال الوصي الذي عاد بدوره إلى بغداد. كتب السيد عباس البغدادي في كتابه المسمى (بغداد في العشرينات) - علماً بأن الكتاب لا يبحث في العشرينات فحسب، بل يتجاوز العشرينات إلى الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي - يقول: "ومن الجدير بالذكر أن اليهود في بغداد يطلقون على المشمش الناضج جداً كلمة (زردالي) وهي الكلمة التي استعملوها يوم قدوم الوصي عبد الإله وصحبه من الأردن بعد توقف القتال بين الجيش العراقي والبريطانيين ويعنون بذلك أن الجيش العراقي أصبح مهترئاً كالمشمش الزردالي. وإضافة إلى هذه النداءات كانت سينمات الرشيد والوطني والزوراء في شارع الرشيد, وجميعها لليهود, تطلق أغاني أم كلثوم (إفرح يا قلبي) بأعلى صوتها شماتة وتشفياً مما سبب الاضطرابات الدموية في بغداد باليومين التاليين" . وإلى الفكرة ذاتها أشار السيد عبد الرزاق الحسني مؤلف كتاب (تاريخ الوزارات العراقية)  قائلاً: "صادف يوم الأحد أول حزيران من عام 1941 عيد زيارة النبي يوشع عند اليهود, فخرج لفيف كبير منهم إلى المطار المدني للتنزه, وللتفرج على مقدم الأمير عبد الإله. وكان فريق من المسلمين والمسيحيين قد خرج إلى هذا المطار, لغرض نفسه, فحدثت مشادة كلامية بين أحد اليهود وأحد المسلمين أدت إلى ضرب ولكن اشترك فيها لفيف من الفريقين, وأسفر عن جرح سبعة عشر يهودياً, ووفاة اثنين من المجروحين, فأسف الجميع لهذا الحادث, غير المنتظر, واعتبر حادثاً اعتيادياً انتهى باعتقال المعتدين من قبل الشرطة, ..," .
في الجزء الثاني من كتاب طارق الناصري (عبد الإله الوصي على عرش العراق) كتب تحت عنوان (فرهود بغداد) بشكل ملفت للنظر ومخالف للواقع، نازعاً عن يهود العراق حينذاك حقهم في المواطنة، وأنهم من أبناء الشعب العراقي:
"... خرج لفيف منهم (يقصد اليهود, ك.حبيب) إلى المطار والوشاش للمشاركة في استقبال الوصي, ولم يخفي اليهود فرحتهم بانتهاء حكم رشيد عالي الكيلاني وعودة النفوذ البريطاني إلى البلاد وأدى هذا الموقف إلى احتكاك واصطدام بين اليهود وبين أبناء الشعب من مسلمين ومسيحيين ... الخ" . 
وفي المقابل سفه العديد من الكتاب هذا الرأي مستندين في ذلك إلى واقع أن اليهود، كانوا قد خرجو احتفالاً بعيدهم وهم يرتدون ملابس الزينة على عادة العراقيين في الاحتفال بأعيادهم الوطنية والدينية، وأن هذا اليوم كان يوم (عيد نزول التوراة عند اليهود) وليس لأغراض الاستفزاز والاحتفاء بعودة الوصي على العرش. كتب الدكتور سلمان درويش رداً على تقرير إحدى اللجان المتحيزة ضد اليهود، يقول فيه أنه سبق وقدمت لجنة تحقيق أخرى تقريراً "اتهمت اليهود بأنهم وحدهم المسؤولون عما حدث وذلك لأنهم قصدوا المطار لاستقبال الوصي وحاشيته إعلاناً عن فرحتهم واستبشارهم بعودته مع رفاقه (دون أن تذكر أن هذا اليوم صادف "عيد نزول التوراة عند اليهود") فخرج عدد قليل منهم كما خرج غيرهم من المسلمين والمسيحيين للنزهة والتفرج وليس للإعراب عن سرورهم بقدوم الوصي وحاشيته وبانتهاء حكم رشيد عالي وزمرته فأثارت كما زعموا شعور رجل الشارع حسب ادعاء اللجنة... كما أن اتهام اليهود بأنهم أظهروا شماتة باتدحار الجيش العراقي والتحرش بأفراد الجيش المنسحب واستفزازهم بالكلمات النابية فهي تهمة باطلة لا يصدقها من له ذرة من العقل" . ويمكن تصديق هذا الكلام، إذ لم يكن يهود العراق بأي حال استفزازين إزاء مواطنيهم من المسلمين أو المسيحيين، بل إن العكس هو الصحيح، ونحن نعتمد في هذا الحكم على معرفتنا بأوضاع العراق ووقائع تلك الفترة.
وتجدر الإشارة إلى أن ما طرحه العديد من الكتاب العرب المسلمين، فيه الكثير من المغالطات وتشويه الحقائق؛ بهدف التغطية على الأسباب الحقيقية والفعلية لتلك الاعتداءات الشريرة التي تعرضت لها العائلات اليهودية العراقية. وهي بلا شك نتيجة منطقية للذهنية الشوفينية التي لا ترى الشر إلا في الآخر، والتي مارست التزييف باستمرار لتحقيق غايات معينة. وهي ظاهرة لا تمس الشوفينيين العرب، بل تمس كل شوفينيي العالم.     
يشير العديد من الكتاب اليهود الذين عاصروا هذه الفترة وعاشوا تفاصيلها، وكذلك الذين بحثوا في أولياتها، إلى أن للقوات البريطانية، ضلع في ما حصل لليهود في فاجعة الفرهود. إذ كان في مقدورها لو أرادت أن تضع حداً سريعاً لتلك الفاجعة. ويصعب الآن تقدير مدى التنسيق بين الجماعة المدنية والعسكرية من النخبة الحاكمة، والمسؤولين عن الأمن في بغداد الذين وقفوا مكتوفي الأيدي إزاء ما حصل ضد الطائفة اليهودية من جهة، وبين القوات البريطانية التي كانت على أبواب بغداد، والتي هي الأخرى وقفت مكتوفة اليدين، وكذا السفير البريطاني السر كننهان كورنواليس الذي كان يعلم بالفاجعة، ولكنه لم يتخذ أي إجراءات ضرورية لوقفها من جهة أخرى. كما يصعب على الإنسان تقديرها جزءاً من عملية السعي لإخراج يهود العراق ودفعهم للهجرة إلى فلسطين، وخصوصاً أن الحركة الصهيونية، كانت تجد في سيرها بهذه الوجهة بنشاط على الصعيد العالمي حينذاك.
يؤكد الدكتور داود سلمان أن القوات البريطانية، التزمت بالتعليمات التي كان القائد العام للقوات المسلحة للحلفاء الجنرال ويغل، ولذلك لم تحرك ساكناً عندما حصل الاعتداء. بل إنها كانت سبباً في فسح المجال أمام العرب للاعتداء على اليهود. كتب درويش مشيراً إلى تلك التعليماتالتي يمكن تلخيصها فما يلي:
1 – الوصول إلى السفارة البريطانية في الكرخ في الوقت المناسب، لرفع الحصار الذي فرضه عليها الجيش العراقي، وليتسنى للسفير السر كننهان كورنوال - لقبه العراقيون بمختار محلة الكريمات تهكماً - حرية الحركة.
2 – السيطرة على رؤوس الجسور من جانب الكرخ والكاظمية لمنع وصول الغوغاء إليها.
3 - عدم التدخل في الاعتداءات الدموية الدائرة في شوارع الرصافة في بغداد ضد اليهود.
4 – عدم التدخل في الشؤون العراقية الإدارية والداخلية وعدم النيل من استقلاله.
5- تشجيع العراقيين على الاستمرار في ممارسة مسؤولياتهم المدنية كما كانوا عليه قبل قيام رشيد عالي الكيلاني وضباطه الأربعة بانقلابهم. وهذه العوامل كلها ساعدت الأعراب المحيطين بالعاصمة على مهاجمة بيوت اليهود ومحلاتهم لنهبها..." .
يؤكد الدكتور سلمان درويش ذلك بنقله محادثة هاتفية جرت بين ضابط عراقي، وبين مرافق السفير البريطاني ( كورنواليس ) الكابتن المدعو هولت الذي امتنع عن إيقاظ السفير وإبلاغه بالمجزرة الجارية ضد اليهود في جانب الرصافة بقوله: إن السفير يعرف ما يجري من إطلاق نار وسلب. ولكنه يعتبر ذلك مسألة داخلية لا يجوز للقوات البريطانية التدخل فيها.  لقد حدد التقرير الذي وضعته اللجنة الخاصة التي شكلت لهذا الغرض، الجهات المسؤولة عن أحداث الفاجعة، وكان جريئاً وواضحاً في تشخيصه لتلك القوى، وقد حمل القوات المسلحة العراقية: الجيش، والشرطة، مسؤولية عدم قيامهم بواجبهم في حفظ الأمن والدفاع عن مواطنين تعرضوا لمذبحة شريرة. وذكر التقرير تلك القوى على النحو التالي:
" 1. كل من مدير الشرطة, أو المتصرف ومدير شرطة لواء بغداد, وآمر الانضباط ومعاونيه, وعدد من ضباط الخفر وأفراد الانضباط   
المفوضية الألمانية في بغداد وما بثته من الدعاية ضد اليهود .
دور مفتي القدس الحاج أمين الحسيني وحاشيته من المعلمين الفلسطينيين والسوريين الذين مارسوا تحريض طلاب المدارس ضد اليهود.
الإذاعة الألمانية باللغة العربية وتسميمها الرأي العام..
الإذاعة العراقية خلال شهري نيسان ومايو 1941.
الفتوة وكتائب الشباب" . (راجع الملحق رقم 7 الخاص بتقرير اللجنة الخاصة بأحداث الفرهود).
يشير الكاتب إسحق بار- موشيه في كتابه المسمى (يومان في حزيران) إلى الآثار التي تركها الفرهود، وسياسات الحكومات العراقية المتعاقبة على الوضع النفسي لليهود فيقول:
"بعد الفرهود بدأ عدد من اليهود بالخروج من العراق. كان هناك من حاول ونجح في الوصول إلى البلاد الغربية, حتى والحرب ما زالت دائرة. كان هناك من هاجر إلى إيران وإلى سنغافورة وإلى الملايا وإلى الهند وإلى اليابان وإلى الصين وإلى أندونيسيا, طالما كانت الطرق مفتوحة أو يمكن فتحها بالفلوس. البعض غير القليل هاجر هرباً إلى فلسطين. وهناك حاول ونجح في الوصول إلى مصر والاستقرار فيها. الموسورون خصوصاً, لم يترددوا عن التضحية بكل مال لشراء جوازات السفر وللقيام بالمستحيل الذي هو الهجرة من العراق, الخروج من العراق بأي وسيلة كانت" .   
ولكن الكاتب يشير إلى حالة أخرى غير الهجرة؛ وهي تأثير الحركة الصهيونية على أفكار وعقول اليهود في أعقاب الفرهود، حيث يقول:
" الغالبية العظمى من يهود العراق, وخصوصاً منها الجموع التي لم تكن مؤهلة اقتصادياً للحصول على جوازات سفر, بدأت بالاهتمام بما تعرضه وتقدمه الحركة الصهيونية من إمكانات ومن تنظم شؤون السفر إلى فلسطين. كانت هذه الغالبية ترقب بذهول عملية تدمير أسس الطائفة اليهودية التي بنيت وظلت قائمة عشرات كثيرة من القرون الطويلة. تعاونت جميع الظروف الداخلية والخارجية على تحقيق الخروج من العراق, وفي مقدمتها الفرهود الجديد, الكبير, الذي نظمته وأدارته الحكومات العراقية بين عامي 1945 و1950, بالمحاكم العرفية القرة قوشية وبتجريد اليهود من وظائفهم وأعمالهم, وبغلق طرق العمل المفتوحة أمامهم منذ عشرات السنين, وبسوق أعداد كبيرة منهم إلى السجون بتهم ظالمة وبتوجيه الاتهامات الباطلة نحوهم وباضطهاد كل من كان يتحدث ضد هذه الإجراءات وبالقيام بضغوط نفسية ومادية تشمل عامة اليهود, فانتهى الأمر باستباحة حريات هؤلاء اليهود, ومحو تاريخهم الطويل في العراق, ثم تجريدهم من جنسياتهم بشكل لم يقع أي مثيل له في العالم, وبسكوت العالم المتحضر عما يجري في هذه البلاد, التي كان اليهود الجزء الثابت والمهم في تاريخها المتقلب. وهكذا اضطر يهود العراق بقسوة لا شبيه لها على القبول بما عرضته الحكومة من التنازل عن جنسياتهم, عن طريق قانون لم يمت إلى قانون الغاب وليس إلى قوانين العالم المتحضر, وحمل اليهود حملاً على ركوب المركب الصعب بعد أن لم يبق أمامهم سبيل آخر. وهكذا أيضاً أصبح اليومان البائسان في حزيران أول خطوة على طريق الفرهود الحكومي الأعظم الذي انتهى بالخروج من العراق, بدءاً من عام 1950" .
لقد حاولت أن أقدم للقارئة والقارئ لوحة كتبها يهودي عراقي وصف فيها حالة يهود العراق في فترة الفرهود، وفي فترة إسقاط الجنسية عن يهود العراق؛ لندرك جميعاً بأن غالبية يهود العراق لم تخرج طواعية عن رغبة حقيقية، وإنما أجبرت على ترك العراق؛ بسبب السياسات العدوانية التي مارستها الحكومات العراقية المتعاقبة، إضافة إلى الجهد الدولي الذي مورس في هذا الصدد من قبل المنظمات الصهيونية العالمية، ومن قبل الدول الكبرى، ولا سيما بريطانيا، ومن بعدها الولايات المتحدة الأمريكية. وهي صورة صادقة وواقعية.
لم يقتصر الاعتداء الإجرامي الذي وقع على يهود العراق على بغداد وحدها، إذ امتد أيضاً إلى البصرة وإلى مواقع أخرى تمت فيها عمليات نهب وسلب واسعة واعتداءات غاشمة، ولكنها لم تؤد إلى قتل في حينها.
ولكن ما هي انعكاسات كل ذلك على واقع اليهود في العراق؟
لقد أدت حوادث الفرهود المخجلة التي لم تحصل لأول مرة ضد اليهود في تاريخ العراق، آثارها السلبية الحادة على يهود العراق على أصعدة يمكن تلخيص أكثرها أهمية في النقاط التالية:
1.   عمقت الإحساس لدى اليهود بأنهم يعيشون في مجتمع فيه الكثير من الناس ممن يكرهون اليهود بسبب الدين الذي هم عليه، وكأنهم غرباء عن هذا الوطن رغم القرون الطويلة المنصرمة التي عاشوها في هذه البلاد.
2.   عمق الخوف في نفوس اليهود من احتمال تعرضهم في كل لحظة لاعتداءات مماثلة من جانب المتطرفين العرب والمسلمين؛ اعتداءات يمكن أن تستهدف ليس أموالهم وما يملكون فحسب، بل وأوراحهم أيضاً. مثلما حصل في بغداد.
3.   وعمق لدى نسبة غير قليلة من يهود العراق الكراهية لأولئك الناس الذين فقدوا الإحساس بالإنسانية.
4.   وشدد لدى البعض الآخر الشعور بأهمية أن يكون لهم وطن يحميهم من مثل هذه الاعتداءات. وقد ساعدت المنظمات الصهيونية على إثارة هذا الشعور وتطويره وتعزيزه في نفوس يهود العراق.
5.   وبعد عمليات الفرهود بدأ الكثير من العائلات اليهودية العراقية، تفكر بترك العراق والهجرة إلى دول أخرى تعيش فيها بأمان واستقرار بعيداً عن المخاوف اليومية. مما أدى إلى تمزيق المزيد من العائلات التي لم يكن جميع أفرادها مقتنعين بضرورة الهجرة، مع إحساسهم بالخطر المحتمل الذي يتهددهم من عيشهم وسط السكان العرب والمسلمين. 
نشر السيد محمد جلاء إدريس؛ باحث مصري متخصص في الدراسات اليهودية، مقالاً بعنوان (تاريخ الأقلية اليهودية العراقية) في موقع الجزيرة الإلكترون بتاريخ 13/11/2004 جاء فيه بشأن فاجعة اليهود في ما وقع لهم في يومي 1 و2 من شهر حزيران/يونيو من عام 1941 قال فيه: "من خلال عرض أحوال الطائفة اليهودية بالعراق يمكن القول إن العلاقة بين مسلمي العراق ويهودها على المستوى الرسمي والشعبي كانت جيدة للغاية، إذ لم يكن هناك ما يعكر صفوها، حيث كانت الطائفة تنعم بالحياة الآمنة المستقرة مع سائر سكان البلاد. ولم تكن الشدائد والصعاب التي مرت بالعراق في بعض فترات تاريخه لتميز بين مسلم ويهودي ومسيحي. وقد انعكست هذه العلاقات الطيبة في أدبيات يهود العراق على نحو ما نجد عند القصاص أنور شاؤول وسمير نقاش وإسحاق بار موشيه وغيرهم. ولم يفكر يهود العراق في ترك البلاد خلال العصور المختلفة، وجميع من هاجر خلال القرنين الماضيين -مثلا- كانت دوافعهم إما تجارية حيث اتجهت بعض العائلات نحو الهند والشرق الأقصى، أو دينية إذ هاجر بعض العائلات أيضاً إلى فلسطين منذ منتصف القرن 19. وبسبب تسرب الفكرة الصهيونية القومية إلى يهود العراق وإقامة إسرائيل شهد العراق هجرة جماعية لمواطنيه اليهود , ولم يبق منهم إلا القليل لا تتوفر أي معلومات عنهم خاصة بعد الأحداث الأخيرة التي ألمت بالعراق" . أخذ المقتطف بتاريخ 10/5/2009, ك. حبيب
يتضمن هذا المقطع بعض الحقائق المهمة، ولكن يغفل حقائق أخرى أو يتجاوزها بإصرار. إذ لا يمكن لباحث علمي متخصص بشؤون اليهود ألا يعرف ما حصل لهم في العراق حقيقة في عام 1941 ، فكيف إذن يتجاوز ذلك وكأنه لم يحصل لهم شيء أدى إلى اشتداد خوف العائلات اليهودية العراقية من تفاقم نشاط  ودور القوى اليمينية لا في المجتمع فحسب، بل في الوسط الحكومي القومي أيضاً. لم تكن الفكرة الصهيونية هي الأساس في هجرة اليهود في العراق، وإنما التمييز الذي وقع على اليهود وتفاقم بسبب تزايد النشاط النازي في أوساط المجتمع، وبتأثير الروح العدوانية لدى القوى القومية والدينية المتطرفة. ولم تكن الفكرة الصهيونية إلا عاملاً مساعداً ثانوياً، أو أنها لم تلعب أي دور يذكر لدى نسبة عالية من يهود العراق. وهو أمر لا يجب نسيانه بأية حال من الأحوال. إن البحث العلمي ينبغي أن يتسم بالموضوعية والواقعية، وأن يعتمد على الوثائق المتوفرة. إنه لصحيح أن نقول بأن المجتمع المسلم، كان قد اعترف بوجود اليهود كجزء أصيل من المجتمع العراقي، وأن الدستور منحهم حقوقاً متساوية مع حقوق أتباع بقية الديانات والمذاهب الدينية في العراق، وأن الحكومة مارست سياسة دستورية إزاء اليهود في العراق لفترة محددة. ولكن يجب ألا نتناسى الضغط الذي أخذ يشتد وينمو منذ عام 1935 عندما بدأ الفصل من الوظائف، وحين بدأ الاضطهاد ضد اليهود في ألمانيا، ثم نقل النازيون الألمان فكرته إلى  العراق، وحين توافد المتطرفون العرب القادمون من فلسطين وبعض الدول العربية إلى العراق. إن أحداث الفرهود كانت نتيجة لهذه الأجواء غير الودية التي نشأت لدى السلطات الحكومية تدريجياً، وتصاعدت مع تأسيس الدولة اليهودية في جزء من فلسطين وفق قرار مجلس الأمن الدولي بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود.           
29/5/2011                   كاظم حبيب

325
خاصة بالجديدة

كاظم حبيب

استفزاز ميليشيات جيش المهدي وانتهازية رئيس القائمة العراقية

عاد الصدريون, بل أقول عادت ميليشيات جيش المهدي والعود أسوأ وأقبح وأخطر, عادوا ليرسلوا بوحدات جيش المهدي إلى شوارع العاصمة بغداد تسير بكراديس عسكرية دون سلاح, ولكن الأسلحة في متناول اليد في كل لحظة. عادوا يسيرون بخطوات تعلن عن استعدادهم لخوض المعركة ضد الشعب العراقي تحت ذريعة رفض وجود القوات الأمريكية في العراق, عادوا بكل الفكر الظلامي الذي يحملونه والروح العدائية التي تملأ نفوسهم المريضة, عادوا بكل القوة التي تمنحهم إياه القيادة الإيرانية الدينية والدنيوية, عادوا وهم يتمنون العودة الكاملة لتسلم السلطة من نوري المالكي, إذ لم تنفع المساومة التي دخل بها معهم في إرضاء ما يسعون إليه بشكل كامل. عادوا وهم يتحدون رئيس الوزراء الذي أكد ضرورة الالتزام بالإجماع العراقي والنيابي في الموقف من تمديد وجود القوات الأمريكية. عادوا يتمنون الوصول إلى المستوى الذي بلغته ميليشيات حزب الله الإيرانية في لبنان. عادوا ليمارسوا ما مارسوه في السنوات السابقة وقبل عمليات البصرة المقدامة المناهضة لوجودهم العسكري وتخريبهم في البصرة ومدينة الثورة ببغداد. عادوا وتحت راية غير محمودة العواقب مؤيدين بكل القوى التي لا تريد الخير للعراق وتريد إشعال الفتنة الطائفية من جديد تحت ذرائع مكشوفة وغير عراقية, بل إيرانية الوجهة والتوجه.
ولكن الأقبح من كل ذلك أن غريم نوري المالكي, رئيس القائمة العراقية, الذي أكثر في هذه الفترة من ظهوره على شاشات التلفزة بدعم لا مثيل له من بعض القنوات العربية, ظهر من جديد ليقول بأن قائد هذا التيار الصدري لا يريد إلحاق الضرر بالعراق, وأن التظاهرة التي نظمها مجازة من جانب الحكومة. ولكن حين سؤل ما سيكون الموقف حين يكون هذا الخروج فيه ما فيه من تحد للدولة وبمثل هذه الكراديس بطابعها العسكري, قال هذا شأن الحكومة العراقية. وحين ألح السائل, أجاب بأنه سيقول له حين يكون في السلطة. هذا الغزل البائس والمؤذي يشكل خطراً جدياً على العراق وسيلحق أضراراً فادحة بالشعب العراقي ومستقبله الديمقراطي المنشود. إنه ليس فقط انتهازية صارخة, بل هو اللعب الفعلي بالنار. إن الرغبة الجامحة في الوصول إلى السلطة تؤرق رئيس القائمة العراقية ويوجعه ابتعاده عن الموقع الأول في الحكم, ولا يهمه كما يبدو حتى لو سقط الآلاف من الناس ضحايا لمثل هذه السياسة الرعناء. ألا يذكرنا هذا بسياسة أسلافه من البعثيين القياديين المجرمين, ألا يذكرنا هذا بقول صدام حسين بأنه لن يترك السلطة إلا على بلد مخرب وأرض مليئة بجثث القتلى.
قبل فترة كان المفروض أن تخرج مظاهرة صدرية أوجل خروجها. وكان شباب وقوى في الأعظمية تريد التظاهر مع الصدريين, وحين سمعوا بتأجيلها قالوا لن نخرج بل نضبط خروجنا مع الصدريين. أغلب هؤلاء هم أما من البعثيين أو من قوى إسلامية سياسية من أتباع حارث الضاري وبعضهم من أتباع رئيس القائمة العراقية. إن هذا التكتيك الذي يمارسه رئيس القائمة العراقية خطر جداً على الشعب العراقي أن لم ينتبه له الشعب, ولا أدري كيف يسكت عنه أولئك الذي يتحدثون عن الديمقراطية وحرية الشعب وضد المليشيات المسلحة الطائفية وهم أعضاء في القائمة العراقية!
أقول لمن لا يريد أن يسمع أو في أذنه وقر وصمم: إن جيش المهدي يبيت الكثير من الكوارث والمآسي للشعب العراقي, إن جيش المهدي يملك السلاح بكل أنواعه, ويملك أسلحة أخرى جاهزة عند حدود بلادنا الشرقية, فعلى العراقيين أن ينتبهوا لما يراد بهم. إن خير ما يفعله المالكي هو أن يدعوا لانتخابات جديدة, إذ أنه في الوقت الحاضر عاجز عن الحركة, إذ أن العراقية والصدريين قد تفاهموا على التخلص منه بأساليب أخرى, وبقية قوى الائتلاف غير مرتاحة منه حتى جزء من جماعته لا يريدونه ولكن لا يصرحون بذلك. وقوى الشعب لم تعد تثق بوعوده. ولا أدري ما يجري في دماغه إزاء هذا الوضع, ولكن الذي أدري به هو أن خير ما يفعل في هذه اللحظة القبول بالتحدي وإجراء انتخابات عامة مبكرة, وإذا كان مخلصاً للمجتمع المدني والحرية والديمقراطية وليس متشبثاً بالمحاصصة الطائفية أن يعيد تشكيل تحالفاته بصيغة جديدة يستطيع الوصول بها إلى السلطة.
إن الوضع المتردي في العراق لا يسمح له بممارسة سياسة عقلانية, كما لم يتبن هو سياسة عقلانية حتى الآن, ولهذا لا يجوز له أن يتواصل وهو يرى كيف أن ميليشيات جيش المهدي تتحدى الدولة العراقية والقوات المسلحة وتخرج بهذا الأسلوب العسكري, وأنا أتصور أفراد هذه المليشيات وهم يحملون الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة وكواتم الصوت أيضاً في شوارع بغداد في أكبر تحدٍ لهم, وهم سيجدون التأييد, نعم تصورا, سيجدون التأييد من إيران بحكم علاقتهم الدينية بالخامنئي واحمدي نجاد, المهدي النزعة, وجيش القدس والحرس الثوري وحزب الله في لبنان, ومن السعودية وبعض قوى ودول الخليج عبر رئيس القائمة العراقية, كما لديه بعض التأييد من بعض الأطراف الأمريكية.
أرى بأن على الشعب العراقي أن يعي اللعبة الخطرة التي تمارس أمام عينيه والساكت نسبياً حتى الآن ولا يعمل شيئاً ملموساً. إن الدعوة للتظاهر احتجاجاً على ما يجري اليوم في العراق أصبح ضرورة موضوعية لا بد منها وأتمنى أن يعي الجميع مسؤوليتهم في كل ذلك ويسعون إلى وضع حدٍ له.
27/5/2011                      كاظم حبيب           


326
كاظم حبيب

مرة أخرى مع مصادرة الحكومة لحرية التظاهر في العراق!
أطلقوا سراح المعتقلين الأربعة ببغداد

لا أدري ماذا يدور في بال رئيس وزراء العراق, ولا أدري كيف يتعامل نهاراً جهاراً ويزن الأمور بمكيالين, وكأننا في جزيرة الواق واق, ولا أدري كيف يسمح لنفسه, وهو رئيس وزراء حكومة "الشراكة الوطنية!" أن يضع هذه الحكومة "اللي ما لمتنه" تحت طائلة العداء الصريح لحقوق الإنسان والتمييز بين مواطنات ومواطني الشعب العراقي, وهو الرئيس الذي لم يكل ولم يتعب بالادعاء يومياً بأنه يحترم المواطنة والدستور وحقوق الإنسان لا غير. فهل تصرفات الحكومة الأخيرة وسلوك أجهزة الأمن والشرطة في بغداد مطابقة للدستور وحقوق الإنسان. لاحظوا التمييز بالمعاملة:
- قبل أيام خرجت كراديس بمسيرة عسكرية استعراضية للقوة والتحدي الصارخ للحكومة والقوات المسلحة في شوارع مدينة الثورة حمتها قوات الأمن والشرطة ولم يتعرض لها أي إنسان, رغم الادعاء بموافقة الحكومة بخروجها. وعلينا أن نتصورهم بالضبط وهم يحملون الأسلحة على أكتافهم. إن هؤلاء هم الذين يشكلون سياسياً حكومة داخل حكومة, وعسكرياً يشكلون جيشاً داخل الجيش العراقي وكل القوات المسلحة.
- وأول أمس, أي في يوم الجمعة المصادف 27/5/2011, خرجت مظاهرة سلمية شبابية في بغداد اعتقل على إثرها أربعة من شباب بغداد واقتيدوا إلى معتقلات الحكومة وأجهزة الأمن ولم يطلق سراحهم حتى الآن رغم المطالبة الواسعة بذلك. إنهم السادة جهاد جليل وأحمد البغدادي وعلي الجاف ومؤيد الطيب.
إن عملية الاعتقال وحبسهم حتى الآن تعتبر مخالفة صريحة وفظة للدستور العراقي ولائحة لحقوق الإنسان وحقوق المواطنة الاعتيادية بما فيها الحق في التجمع والتظاهر والإعلان عن المطالب, ومخالفة للقوانين العراقية السارية أيضاً.
إن التجارب السابقة مع الحكومة الحالية تعطينا الحق بالادعاء بأن هؤلاء الشباب الأربعة يتعرضون الآن إلى التحقيق والتعذيب من قبل الأجهزة الخاصة والأمنية تماماً كما فعلوا قبل ذاك مع الصحفيين المعتقلين وكذلك مع المتظاهرين الذين اعتقلوا دون وجه حق في أيام الجمع الفائتة.
إن على كل إنسان شريف تعز عليه الحرية والديمقراطية حقوق الإنسان أن يشجب تصرف أجهزة الأمن والشرطة والتي لا يمكن أن تجري إلا بإيعاز من رئيس الحكومة الحالي, وأن يطالب بإطلاق سراح المعتقلين الربعة فوراً والاعتذار لهم بسبب المخالفة الصريحة لحقوق المواطنة الحرة.
29/5/2011                 كاظم حبيب     

327
قراءة ومناقشة "خارطة طريق اقتصادية" للسيد الدكتور محمد علي زيني
الحلقة الخامسة

العراق والعولمة
استخلص الصديق الدكتور محمد علي زيني بصواب أن "العولمة موضوع مثير للجدل، وهي ليست كلها نافعة كما هي، أيضاً، ليست كلها ضارة. فهي لها مجالات إيجابية عديدة يمكن التركيز عليها واستغلالها والاستفادة منها، ولها بعض المجالات السلبية التي يمكن تقليص آثارها إلى الحدود الدنيا إن لم يكن ممكناً تفاديها أو التغلب عليها بالكامل. وسيسهل أيضاً مواجهة تحديات العولمة إذا تمت الاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى ." (راجع: الحلقة الثالثة من خارطة طريق اقتصادية).
وهو من حيث المبدأ استنتاج واستخلاص سليم, إذ لم يعد ممكناً لأي بلد من البلدان تجاوز العولمة وفعلها وآثارها أو نتائجها وعواقبها في آن, فنحن وكافة الدول الأخرى تشكلُ جزءاً من هذا العالم ولا نستطيع الهروب منه, وأن اختلفنا في المواقع التي نحتلها فيه. إذ إ العولمة الرأسمالية قد حولت العالم كله إلى قرية دولية صغيرة متفاعلة ومتبادلة التأثير ولكنها متباينة في مدى تأثير كل منها, كما إنها متباينة جداً في ما تملكه في هذه القرية من عمارات شامخة وفيلات ودور عامرة وبيوت بسيطة وأكواخ وبيوت قصديرية ومناطق سكن عشوائية. ففي هذه القرية دول متقدمة غنية ومتخمة يعيش فيها أقل من 20% من سكان العالم ولكنها تستحوذ على أكثر من 80% من الدخل القومي المنتج في العالم وتستخدم أكثر من 80 من الطاقة والأخشاب ومجموعة كبيرة من المواد الأولية الأخرى, وفيها ينتج حوالي 80 %من إنتاج العالم ...الخ, وبجوارها مئات الدول المتخلفة والفقيرة وبعضها أكثر من بائسة يعيش فيها أكثر من 80% من سكان العالم ولكنها حصتها تقل عن 20% من الدخل القومي المنتج على  الصعيد العالمي, ولا تستخدم سوى 20% من الطاقة والأخشاب ومن الإنتاج العالمي, بما في ذلك النفط الخام المصدر للدول الأخرى. في الدول الغنية في هذه القرية توجد مجموعة الدول المنتجة للسلع المصنعة التحويلية التي تسيطر على 80% من إجمالي صادرات العالم, في حين توجد بجوارها تلك الدول التي تنتج وتصدر في الغالب الأعم المواد الأولية, وبالتالي فهي غير متساوية في مستوى تطورها  الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ولا في قدرتها على حماية البيئة الذي تتسبب الدول المتقدمة في إنتاج أكثر من 80% من كمية التلوث في العالم, وهي بالتالي غير متكافئة في مجمل العملية الاقتصادية والتي تبرز بشكل جلي في عمليات التراكم والتبادل.
ومن هنا فنحن أمام عالم واحد, ولكنه في واقع الحال عالمان, عالم غني متخم, وآخر فقير حد الإملاق. ورغم ذلك فمن يحاول رفض العولمة أو عدم التعامل معها والإفلات منا, كمن يضرب رأسه بصخرة فيشجها أنها حقيقة صلدة, لأنها نتاج موضوعي لمستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية وطبيعة علاقات الإنتاج الرأسمالية على الصعيد العالمي, كما إنه يبدو أشبه بالنعامة التي تدفن رأسها بالرمال حين تواجه عدوها وجهاً لوجه بأمل أن لا يراها ذلك العدو! إنه الوعي المزيف الذي لا يريد أن يرى الأشياء على حقيقتها. فالعولمة قائمة بالرغم منا, إذ إنها ضمن مرحلة متقدمة من مراحل تطور العلاقات الإنتاجية الرأسمالية على الصعيد العالمي. فكما ظهر التبادل التجاري والتعامل الاقتصادي الدولي وتوسع تدريجاً في المراحل الأولى من تطور الرأسمالية وبرز بوضوح غير قابل للإنكار أو منعه من التطور في القرن التاسع عشر, إذ ما عاد بإمكان البرجوازيات المحلية الرجعية حينذاك تفادي التبادل أو التعامل الاقتصادي الدولي وما كان بالإمكان حصر التبادل داخل البلد الواحد, إذ كان هذا التوجه يتعارض مع النمو المتواصل في التقسيم الدولي الرأسمالي الاجتماعي للعمل. فالعولمة اليوم تسجل تطوراً هائلاً في القوى المنتجة المادية والبشرية, تطوراً في التقنيات الإنتاجية والاتصالات تتجلى في ثلاثية ثورة الإنفوميديا وما تحققه من تشابك وما تلعبه من دور متصاعد في اقتصادات وعلاقات دول العالم ومختلف أوجه حياة الشعوب. كتب ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي في العام 1848 النص التالي:
"والبرجوازية، باستثمارها السوق العالمية، طبَّعت الإنتاج والاستهلاك، في جميع البلدان، بطابع كوسموبوليتي، وانتزعت من تحت أقدام الصناعة أرضيتها القومية وسط غم الرجعيين الشديد. فالصناعات القومية الهرمة دُمّرت وتدمَّـر يوميا لتحل محلها صناعات جديدة، أصبح اعتمادها مسألة حيوية بالنسبة إلى جميع الأمم المتحضرة، صناعات لم تعد تستعمل المواد الأولية المحلية، بل المواد الأولية من أقصى المناطق، صناعات لا تُستهلك منتجاتها في البلد نفسه فحسب، بل أيضا في جميع أنحاء العالم. فمكان الحاجات القديمة، التي كانت المنتجات المحلية تسدُّها، تحُل حاجات جديدة تتطلب لإشباعها منتَجات أقصى البلدان والأقاليم. ومحل الاكتفاء الذاتي الإقليمي والقومي والانعزال القديم، تقوم علاقات شاملة في كل النواحي، وتقوم تبعية متبادلة شاملة بين الأمم. وما ينطبق على الإنتاج المادي ينطبق أيضا على النتاج الفكري. فالنتاجات الفكرية لكل أمة على حدة تصبح ملكا مشتركا. والتعصب والتقوقع القوميّان يُصبحان مستحيلين أكثر فأكثر. ومن الآداب القومية والإقليمية ينشأ أدب عالميّ." (راجع: كارل ماركس وفريدريك إنجلز. البيان الشيوعي. الفصل الأول). لهذا فمن يرفض التعامل مع العولمة كمن يرفض العصر الذي يعيش فيه. والاعتراف بوجود العولمة كعملية موضوعية لا يعني الخضوع لها ولا القبول بالسياسات التي ترسمها الدول الرأسمالية الصناعية المتقدمة التي تخدم مصالحها لا غير وتريد فرضها على شعوب وحكومات البلدان النامية. بل لا بد من التحري عن سبل جديدة لممارسة سياسات تعبر عن إرادة الشعوب وتخدم مصالحها, ومنها إرادة الشعب العراقي ومصالحه.   
إن الاعتراف بوجود العولمة وحركة  قوانين الرأسمالية وفعلها على الصعيد العالمي يتطلب من علماء الاقتصاد والاجتماع والمثقفين والسياسيين في العراق مثلاً التعاون في فهم جوانب العولمة وسبل الاستفادة منها, كما أشار إلى ذلك السيد الدكتور زيني بصواب وسبل التخلص من جوانبها السلبية الحادة على اقتصاديات العراق وشعبه. وعلينا أن نشير هنا إلى أن الكثير من الجوانب السلبية في العولمة الرأسمالية التي أود الإشارة إليها في أدناه تلتحم, من حيث الأساليب والأدوات والأهداف في الواقع العملي, بسياسات المؤسسات المالية الدولية والاحتكارات الكبرى المتعدية الجنسية وتتوافق معها وتتجلى في ممارساتها في موقعين: أ) في التعامل مع شعوب الدول النامية ومنها العراق, وب) في التعامل مع الجزء الأكبر من شعوبها, أي مع الفئات المنتجة للخيرات المادية والكادحة والعاطلة عن العمل في البلدان الرأسمالية المتطورة. ويلاحظ بوضوح حجم البطالة المتعاظم يوماً بعد آخر بسبب سعي أصحاب رؤوس الأموال إلى تقليص حصة العمل في القيم المنتجة أو حصة الأجور (رأس المال المتحرك) في إجمالي رأس المال الموظف في الإنتاج لصالح رأس المال الثابت. إنها الملاحظات التي يفترض, ونحن نتحدث عن العولمة أن لا تغيب عن ذهن اقتصاديي وحكام وشعوب الدول النامية, ومنها العراق التي ألخص أبرزها في النقاط التالية:
** إن العولمة تسعى إلى تجاوز الحدود والسيادة الوطنية للدول وتقليص قدرة الدول النامية على اتخاذ وتنفيذ قرارات اقتصادية أو حتى سياسية واجتماعية مستقلة عن الدول الكبرى المتحكمة بسياسات العولمة. ويتجلى ذلك في عدد كبير من الأمور في المجال الاقتصادي ومنها فرض أسس محددة في التجارة الدولية المفتوحة والاستثمارات والقوى العاملة وبراءات الاختراع... الخ. فقواعد اللعبة الاقتصادية بيد المراكز الدولية الثلاثة للعالم الرأسمالي وليس بيد غالبية الدول الأخرى في العالم. وغالباً ما يتسنى للولايات المتحدة الأمريكية فرض رغباتها وإرادتها على دول الاتحاد الأوروبي واليابان. 
** إن العولمة الجارية التي نتحدث عنها في هذه المرحلة من تطور المجتمع البشري ومن العلاقات الإنتاجية السائدة فيه تعتبر الوليد الشرعي للنظام الرأسمالي العالمي وقوانينه الاقتصادية الموضوعية الخاصة والعامة, أي إنها عولمة رأسمالية ناتجة في صيغتها الجديدة عن مستوى تطور أسلوب الإنتاج الرأسمالي.
** وهذا يعني بدوره إن العولمة الرأسمالية بطبيعتها وطبيعة وفعل القوانين الاقتصادية المتحكمة فيها استغلالية ترتبط عضوياً بقوانين وآليات اقتصاد السوق الحر, وتسعى إلى تحقيق أقصى الأرباح.
** وأن هذه العولمة, وأن كانت عملية موضوعية, فإنها تتسبب, إضافة إلى سياسات الدول الرأسمالية المتقدمة, وخاصة بمضمون اللبرالية الجديدة, باستغلال شعوب البلدان النامية وكذلك الفئات الكادحة والمنتجة للخيرات المادية في بلدانها بالذات وتعميق التفاوت الطبقي الاجتماعي, وتتسبب في مزيد من الصراعات الطبقية والنزاعات السياسية على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية.
** والعولمة, وهي تجعل جملة من القيم والمعايير عامة شائعة ومتداولة كالمجتمع المدني والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان, ولكنها من حيث الجوهر تقلص ممارسة هذه القيم في الدول المتقدمة وغالباً ما تغيب عن الدول النامية كلية أو على نطاق واسع. وتتقلص أيضاً حتى صلاحيات مجالس النواب والسياسات الحكومية لصالح القرارات الدولية التي تتخذها تلك المراكز المهيمنة على سياسات العولمة. فمجالس النواب تخضع بشكل عام في قراراتها لاجتماعات الدول الـ 7 + 1 الكبار أو الدول ألـ 20. وهذا ما نشاهده أيضاً في خضوع مواقف وقرارات مجالس النواب في الدول الأوروبية إلى المجلس الأوروبي. 
** والقوى الموجهة للعولمة التي تبدي اهتماماً خاصاً بالجانب الاقتصادي, تهمل بشكل تام تقريباً الجوانب الاجتماعية ومشكلاتها في حياة الشعوب, وخاصة مشكلات ومصاعب حياة الفئات الكادحة والمنتجة للخيرات المادية لا في البلدان النامية فحسب, بل وفي بلدانها بالذات. وقد تجلى ذلك بوضوح بعد انهيار الاتحاد السوفييتي الذي كان منافساً للدول الرأسمالية والتي أجبرت في حينها على المساومة مع النقابات العمالية والعمال في مجالات الرعاية والضمانات الاجتماعية والصحية والعطل السنوية والحماية الصناعية ...الخ, إذ بدأت تتراجع عنها وتقلصها وتمارس استغلالاً أكثر قسوة مما يزيد من التناقضات الاجتماعية والصراعات الطبقية. كما يمكن تسجيل نفس الملاحظة على موقف الدول الرأسمالية المتقدمة السلبي من اتخاذ قرارات صارمة لحماية البيئة أو استمرارها في زيادة مخزونها من أسلحة التدمير الشامل أو استخدام الذرة في إنتاج الطاقة الكهربائية رغم وقوع كوارث مثل تشرنوبيل وفوكوشيما أخيراً, أو مواصلة تصدير المزيد من الأسلحة الهجومية على الدول النامية التي تسهم في دفع الدول لحل مشكلاتها عبر استخدام القوة والحروب من جهة, وتقليص ميزانيات التربية والتعليم والصحة والسكن..الخ من جهة أخرى. 
** وعلينا أن نتابع في هذا المجال أيضاً موقف العولمة من تصنيع الدول النامية, وخاصة ضد إدخال الصناعات الأكثر حداثة وتقدماً والأقل تلويثاً للبيئة فيها, وكذلك السعي لإغراق أسواقها بالسلع المنتجة في دولها والتركيز على سياسة الباب المفتوح أمام التجارة الدولية الذي يعرقل بدوره نمو الصناعات الوطنية. علماً بأن التبادل التجاري الدولي يجسد بصورة فاضحة التعامل غير المتكافئ بين الدول المتقدمة والدول النامية لصالح الأولى. إن العولمة الرأسمالية تسعى إلى جعل عملية إعادة الإنتاج في الدول النامية تابعة  وخاصة لعملية إعادة الإنتاج في الدول الرأسمالية المتقدمة. وهي مشكلة لا بد للعراق وبقية الدول النامية التفكير في سبل تحقيق الاستقلالية النسبية رغم التعامل مع واقع العولمة القائمة.   
** إن ابرز ما يهم المؤسسات المالية الدولية المعبرة عن روح العولمة ووجهتها الأساسية هو تقديم شروط التعامل مع الدول النامية, ومنها العراق, أو حتى الدول الصناعية الضعيفة التطور, كما في حالة البلدان الاشتراكية السابقة, ومنها رومانيا وبلغاريا ..الخ, سواء أكان بتقديم القروض أم المساعدات المالية, التي تتركز في استكمال خصخصة المشاريع الحكومية وإبعاد الدولة عن النشاط الاقتصادي الإنتاجي وإلغاء الدعم الذي يوجه للسلع الأساسية التي تستفيد منها الفئات الكادحة والفقيرة, وإجراء ترشيق في ميزانية الدولة في حقول الرعاية الاجتماعية وممارسة سياسة توفيرية ضاغطة ومضرة بالفئات الفقيرة من المجتمع التي تقود بدورها إلى مزيد من الانفصام بين سياسات حكومات تلك البلدان والغالبية العظمى من شعوبها.   
** السيد مونتيفيرنگ, رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني, ألقى خطاباً في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 وتصريحات أدلى بها في نيسان/أبريل 2005 أستخدم صورة أسراب الجراد للتعبير عن سلوك الرأسماليين الألمان التي تريد التهام كل شيء ولا تبقي شيء للمنتجين الفعليين. (قارن: أولريش شيفر. انهيار الرأسمالية, عالم المعرفة 371. يناير 2010 ص126-128). وهذه الحقيقة هي نتيجة منطقية لطبيعة العلاقات الإنتاجية الرأسمالية التي يسعى فيها الرأسمالي إلى انتزاع أقصى ما يمكن من الثروة المنتجة في البلاد على شكل أرباح وفوائد وريع ويترك القسم الضئيل منها لمنتجي السلع المادية والروحية, لمنتجي القيمة المضافة للثروة في المجتمع. وتزداد هذه الحالة في إطار العولمة الجارية. ويمكن أن نقرأ ذلك بوضوح في ملاحظات الدكتور زيني حول مسألتين من خلال دراساته الأخيرة:
1.   الأولى تمس واقع العقود النفطية التي وقعها العراق ولا تنسجم مع مصالح البلاد, بل تخدم بشكل صارخ مصالح الشركات الاحتكارية البترولية الأجنبية.
2.   نظام الفساد السائد في العراق والذي تمارسه الشركات الأجنبية العملاقة مع العراق منذ نظام صدام حسين واشتد في الفترة التي أعقبت سقوط الدكتاتورية التي تحدث عنها بوضوح كبير الأخ الدكتور محمد علي زيني. إن الفساد الراهن في العراق معولم بكل معنى الكلمة, وتشارك فيه قوى سياسية واجتماعية كثيرة.
والمثال الثالث الذي أورده هنا يمس موقف الدول الصناعية المتقدمة من النظم المستبدة في الدول العربية. فهي وعلى مدى عقود ساعدت الحكومات المستبدة والرجعية ابتداءً من السعودية ومروراً بكل دول المنطقة ومصر والعراق على حساب حرية وحياة ومصالح شعوبها لأنها كانت لها مصالح في هذه البلدان. وهي ما تزال تؤيد الكثير من هذه النظم لذات السبب. ولكن حين اصطدمت مصالحها ببعض تلك الدول لم يكن لديها مانع من شن الحرب للتخلص منها والعمل قدر الإمكان لإرساء نظام جديد يمكن أن يدعم بشكل أفضل مصالحها في هذه البلدان.     
إن تشخيصنا لهذه الجوانب السلبية في العولمة وفي السياسات العولمية لا يعني عدم سعينا للاستفادة من جوانب إيجابية فيها مثل السعي الحصول على أحدث التقنيات المناسبة لإقامة الصناعات الحديثة غير الملوثة للبيئة أو في تطوير البحث العلمي والتدريب والخبرة العلمية والتطبيقية  والتعليم وفي مجال التبادل التجاري والثقافي والبيئي, إضافة على  الحصول على الاستثمارات الضرورية على وفق شروط مناسبة.   
إن الاستنتاج الصائب حول العولمة الذي أورده الدكتور زيني وأشرت إليه في بداية هذه الحلقة, لم يبرز بوضوح, كما أرى, في مجمل دراسته عن خطة طريق اقتصادية" للعراق وبشكل خاص في الموقف من الانفتاح التجاري واقتصاد السوق الحر والخصخصة ..الخ.
أتمنى أن تكون الدراسة التي قدمها الدكتور زيني فرص لمزيد من النقاش الهادف.
انتهت الحلقة الخامسة وتليها الحلقة السادسة وتدور حول الاقتصاد العراقي.
25/5/2011                      كاظم حبيب 


328

قراءة ومناقشة "خارطة طريق اقتصادية" للسيد الدكتور محمد علي زيني
الحلقة الرابعة

4 . حول العلاقة بين القطاعين العام والخاص في الاقتصاد العراقي
الدكتور محمد علي زيني يتبنى في دراسته المحمودة " خارطة طريق اقتصادية " للعراق من الناحيتين النظرية والعملية تلك الفكرة التي تدعو إلى ابتعاد الدولة كلية عن أي نشاط اقتصادي إنتاجي وترك هذا المجال كلية للقطاع الخاص المحلي. وخص الدولة بدور "الرقابة" و "التحكيم", إذ كتب:
"إن أهم درس خرجت به تجارب التطور الاقتصادي في مختلف دول العالم النامية هو تحديد العلاقة بين الدولة والسوق، أو بعبارة أخرى بين الحكومة والقطاع الخاص. وهذا الدرس يشير إلى أن عملية التطور الاقتصادي ستحقق النجاح عندما يكون دور الحكومة مكملاً لدور السوق وليس متضارباً معه". ويحدد دور الحكومة المكمل لدور السوق على النحو التالي:
"ويكون دور الحكومة مكملاً لدور السوق (القطاع الخاص) عندما تتبنى الحكومة سياسة ودية نحو السوق (Market-friendly Approach) فتدع السوق تعمل بحرية حينما تنجح وتتدخل حينما تفشل. ولقد دلت التجارب على أن السوق إذ تنجح نجاحاً باهراً في الأنشطة الإنتاجية فإنها تفشل فشلاً ذريعاً في بناء البنية التحتية )المادية والبشرية( وحماية البيئة وتوفير الصحة العامة وفي كل مجال لا تحقق به أرباحاً مباشرة." وبناء على ذلك يستنتج الدكتور زيني الموقف التالي الذي يفترض أن تمارسه الحكومة:
"إن هذا الدرس المهم يدعو الحكومة إلى أن تتخذ دور السند والداعم للقطاع الخاص بأن تركز جهودها في توفير البيانات والإحصاءات والمعلومات وبناء البنية التحتية والعناية بالصحة العامة وحماية البيئة ونشر التعليم وتشجيع البحوث وتمويلها، وكذلك التدخل في شتى المجالات الحيوية الأخرى التي ينحسر فيها نشاط القطاع الخاص، أو أن يكون فيها نشاطه معارضاً لما يتطلبه الصالح العام، إذ يتعين على الحكومة هنا أن تتبنى دوراً رقابياً فاعلاً على أنشطة القطاع الخاص منعاً للاحتكار والانحراف والاستغلال المضر بمصالح المواطنين والدولة." ولا يكتفي بهذا بل يصر على توضيح أدق لموقفه فيؤكد:
"ويدعو هذا الدرس، من جهة أخرى، الحكومة أن تبتعد عن الأنشطة الإنتاجية التي هي من صميم اختصاص القطاع الخاص، كإنتاج السلع الالكترونية والأنسجة والاسمنت والأحذية والحديد والصلب وإدارة الفنادق والإنتاج الزراعي، وغير ذلك من الأنشطة التي يحسنها القطاع الخاص ويتفوق بها عندما يتوفر له المناخ الملائم." (راجع: جميع هذه المقتطفات مأخوذة من نص الحلقة الثالث من "خارة طريق اقتصادية"). 
اخترت هذا المقاطع الطويلة نسبياً لأحدد بوضوح رؤية الزميل زيني من جهة, وابتعد عن تكرار إيراد مقاطع أخرى في الدراسة تشير إلى ذات الفكرة الرئيسة التي يرى إنها المعبرة عن جوهر اقتصاد السوق من جهة أخرى. 
بعد أن انتهيت من القراءة الثانية للمادة التي نالت إعجابي بشكل عام , ولكنها أثارت عندي الإحساس بأن الراديكالية التي كانت تدعو إلى هيمنة كاملة لقطاع الدولة في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي, قوبلت حينذاك, وأصبحت اليوم تقابل براديكالية أشد تدعو إلى هيمنة كاملة للقطاع الخاص على العملية الاقتصادية, ولكن وبشكل خاص على القطاع الإنتاجي, في العراق, رغم إن الزميل زيني لا يتميز بالتطرف في أطروحاته السياسية والاقتصادية , بل يتسم بالموضوعية والاعتدال. 
إن الدراسة الغنية للدكتور محمد علي زيني قد أوحت لي أيضاً ودون أدنى ريب بأن العراق بحاجة تامة إلى نشاط واسع واستثمار كل الإمكانيات والطاقات المتاحة, سواء المتوفرة منها في الداخل أم التي يمكن استيرادها من الخارج, لتحقيق التنمية المستدامة المنشودة والخلاص من التخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي المريع الذي يعيش فيه المجتمع العراقي. وإذا كان هذا الإيحاء صحيحاً وفي ظل اقتصاد السوق, فليس هناك من الناحيتين النظرية والعملية أي مانع, وبخلاف ما يطالبنا به الدكتور زيني, من استخدام كل القطاعات الاقتصادية من حيث الملكية في العملية التنموية الاقتصادية والاجتماعية, أي مشاركة القطاع الخاص والقطاع الحكومي والقطاعين المختلط والتعاوني, إضافة إلى القطاع الخاص الأجنبي, بل هي ضرورة حتمية وملحة. والدكتور زيني لا يستثني قطاع الدولة من النشاط الاقتصادي, ولكن يحصره في البنية التحتية والخدمات العامة ليوفر كل ما هو ضروري للقطاع الخاص المحلي والأجنبي لأداء دورهما في العملية الاقتصادية. وفي هذا يبرز الاختلاف في الموقفين. علماً بأن هناك بعض الاقتصاديين الذي يتبنى بشكل مطلق فكر ونهج اللبرالية الجديدة في الحياة الاقتصادية ويرى بأن من يخالف اللبرالية الجديدة لم يطلع عليها وليست له معرفة بمضامينها! في مثل هذه الحالة لا يشعر الإنسان بجدية من يناقش بهذه الطريقة غير العقلانية التي يعتبر فيها وكأن الآخر يكتب بأمر لا علم له بها, وأنه وحده العليم بهذه الأمور !! 
حين نستعيد مراحل تطور الرأسمالية على الصعيد العالمي, وفي فترات الحروب وفي أعقابها بشكل خاص, سنجد أن اقتصاد السوق الحر قد اعتمد في تطوره الاقتصادي على ملكية الدولة لوسائل الإنتاج وفي صناعات تحويلية مهمة, بل وأن هناك دولاً رأسمالية متقدمة ما تزال تمارس هذا النهج إلى جانب الدور الرئيسي للقطاع الخاص في مجمل العملية الاقتصادية, ومنها فرنسا. كما إن الأزمة المالية والاقتصادية الأخيرة التي ما تزال عواقبها مستمرة بفعلها السلبي على الصعد المحلية والإقليمية والدولية, دفعت بالكثير من الاقتصاديين والسياسيين والباحثين في الشأن الاقتصادي والاجتماعي في أوروبا وفي الولايات المتحدة إلى الدعوة لاستعادة قطاع الدولة بعض دوره في العملية الاقتصادية في مجالات الصناعة والمالية والبنوك, أي الدعوة إلى تأميم مشاريع اقتصادية إنتاجية ومالية وخدمية. إذ إن العواقب الوخيمة التي تسببت بها الاحتكارات الرأسمالية الخاصة والبنوك كانت كبيرة وحملت خزائن الدول خسائر مالية فادحة تحملها دافعو الضرائب في تلك الدول, وهم في الغالب الأعم الفئات المنتجة للسلع المادية والروحية والكادحة, غذ غالباً ما يتهرب أصحاب رؤوس الأموال والاحتكارات الكبيرة من دفع الضرائب ويعفون تحت ذرائع كثيرة. 
من هنا أجد أن الملاحظة التي يطرحها الدكتور محمد علي زيني بشأن إبعاد الدولة عن المشاركة في قطاع الإنتاج وترك المهمة للقطاع الخاص متشددة وغير مبررة في ظروف العراق الملموسة. إذ أرى إن بلداً مثل العراق يفترض فيها أن يستفيد من القطاعين الخاص والعام أولاً, ومن القطاع المختلط والتعاوني ثانياً, وأن لا يستغني عن الاستفادة من القطاع الخاص الأجنبي ومن المعونات الخارجية غير المشروطة بأي حال. وأستند في هذا الرأي إلى ملاحظتين مهمتين:
1. إن صيغ تطبيق الرأسمالية ليست واحدة بل توجد صيغ كثيرة لا تعتمد على طبيعة المرحلة فحسب, بل على وفق الإمكانيات والقدرات الفعلية والوعي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمجتمع وحاجات البلاد وإمكانياته.
2. وإن الدول الرأسمالية في مراحل مختلف من تطورها اعتمدت على قطاع الدولة في تنمية اقتصادياتها وكانت ناجحة في استخدام مشاريع القطاع الحكومي الإنتاجية.
يحضرني في هذا الصدد موقف الاقتصادي الإنجليزي جون مينارد كينز (  John Maynard Keynes) (1883 - 1946) حين تحدث عن دور قطاع الدولة في فترات معينة من تطور الرأسمالية وأكد ضرورة تفعيل هذا الدور في أعقاب الحرب العالمية الثانية للخروج من عواقب الحرب المدمرة والنهوض بالاقتصاد الوطني للدول الأوروبية. كما إن ذلك قد تجلى في موقفه حين شارك في المؤتمر الاقتصادي الدولي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وكذلك في موضوعاته المهمة في أعقاب الكساد العالمي 1929-1932.
إن الدعوة إلى مشاركة قطاع الدولة في التنمية الاقتصادية وفي القطاعات الإنتاجية التي أتبناها لا تميل أو تدعو إلى مقاربة ما حصل في الدول الاشتراكية التي كانت تمارس كل النشاط الاقتصادي وأبعدت كلية تقريباً القطاع الخاص وقدراته وكفاءاته العلمية والفنية أو دخلت في إنتاج كل شيء واحتلت كل الخدمات تقريباً من جهة, ولا إلى ما حصل في العراق في فترة حكم البعث في الفترة 1968-2003  الذي حاول النظام السياسي من خلال هذا القطاع فرض هيمنته لا على الاقتصاد الوطني فحسب, بل وعلى كل العاملين في النشاط الاقتصادي وعلى جهاز الدولة باعتباره صاحب العمل الذي يسيطر عليهم ويريد منهم خدمة الفئة الحاكمة وحزبها وقائدها من جهة أخرى, إذ أن النموذجين, وأن اختلفا في الجوهر, ليسا صالحين للعراق. فالدولة العراقية المالكة للموارد الأولية, وخاصة النفط والغاز الطبيعي, يمكنها توفير الموارد المالية على الأمد المتوسط والطويل لصالح التنمية الاقتصادية, سواء بتأمين إقامة مشاريع البنية التحتية, ومنها مشاريع الخدمات الاجتماعية الأساسية بما يسهم في تقديم الخدمات للقطاع الخاص المحلي والأجنبي, أم في إقامة مشاريع إنتاجية ذات أهمية فائقة وذات طبيعة إستراتيجية للتنمية الاقتصادية المستدامة. والقطاع الخاص المحلي عاجز حالياً وإلى عقدين قادمين أو أكثر عن توفير مستلزمات النهوض بمهمات التنمية دون دعم واسع ومتواصل من جانب الدولة وقطاعها الاقتصادي. كما إن القطاع الخاص الأجنبي الذي نحتاجه في التنمية الاقتصادية سوف يتلكأ كثيراً بسبب المنافسة الشديدة الخارجية على الاستثمارات الرأسمالية الأجنبية من جهة, وبسبب الأوضاع الداخلية التي لن تنتهي في فترة وجيزة في ضوء النظام القائم على المحاصصة الطائفية واستمرار الإرهاب المحلي والإقليمي وتدخل دول الجوار الفظ في الشأن العراقي من جهة ثانية, وطبيعة القوى الحاكمة التي لم تعِ, وربما لا تريد أن تعي مفهوم التنمية المستدامة الضرورية والملحة للنهوض بالاقتصاد العراقي من جهة ثالثة. يضاف إلى ذلك واقع الفساد المالي المستشري في العراق لا كظواهر متفرقة, بل كنظام سائد ومعمول به ومقبول من الدولة بسلطاتها الثلاث ومن فئات الشعب التي تمارسه يومياً مجبرة لأنها لا تستطيع بدون ذلك تمشية معاملتها وشؤونها اليومية.
لا أنطلق في هذا الموقف من قطاع الدولة ودوره ودور بقية القطاعات الاقتصادية من حيث الملكية من مواقع أو رؤية إيديولوجية, بل استند في ذلك إلى منظور اقتصادي اجتماعي للمجتمع العراقي وبنيته الطبقية ومن رؤية موضوعية لواقع العراق الملموس وحاجاته الكبيرة للتنمية وضرورة تعبئة كل الإمكانيات لهذا الغرض. ولهذا لا أرى صواب أن يشارك القطاع العام في إنتاج كل شيء بما في ذلك إبر الخياطة والخيوط والدبابيس ...الخ , ولا أن يعمل بالضرورة في صناعة الفندقة والسياحة مثلاً, ولكن من الممكن أن يشارك في صناعة الصلب والحديد أو في إنتاج الخبز الجيد والرخيص للمجتمع على وفق المثل الشعبي البغدادي القائل "الناس تفتش عن خبز باب الأغا حار ومگسب ورخيص). ولم ينشأ هذا المثل الشعبي عن فراغ, بل كان وما يزال يعبر عن حاجة الناس لذلك. ومثل هذه المواصفات الثلاث لا يوفرها القطاع الخاص وغير مستعد لتوفيرها على هذا الأساس. لا شك في أن من واجب الدولة أن توفر البنية التحتية لمشاريع الفندقة والسياحة, وربما يمكنها في مرحلة لاحقة أن تطالب بتعويضات معينة من أصحاب مشاريع الفندقة والسياحة عن استخدامهم لتلك المرافق أو مشاريع البنية التحتية التي تقيمها وتساهم في تنشيط مختلف أنواع السياحة في العراق.

العراق ورؤوس الأموال الأجنبية
ويبدو لي إن من المفيد ونحن نتحدث عن الاستثمار الأجنبي في العراق أن نفكر بخمس مسائل جوهرية:
1 . إمكانية وضرورة وأهمية مشاركة رؤوس الأموال القادمة من الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط في مشاريع اقتصادية مشتركة, سواء بمشاركة الدولة أم القطاع الخاص المحلي, أي مشاريع مختلطة لاكتساب الخبرة والمعرفة والمشاركة في الأرباح. وينطلق هذا الموقف من أهمية تحقيق التعاون والتنسيق الاقتصادي على صعيد الدول العربية والمنطقة لما في ذلك من أهمية في حجم رؤوس الأموال التي يمكن توظيفها وحجم الإنتاج والتقنيات الأكثر حداثة التي يمكن استخدامها في الإنتاج ورفع مستوى الإنتاج ونوعية الإنتاج وتقليص التكاليف وتوسيع السوق الذي يمكن تصريف السلع المنتجة فيه وتكون سلعه قادرة على المنافسة في السوق الدولية. أي الإنتاج الموجه للتصدير, ولكن في الوقت نفسه لأسواق المنطقة والداخل.   
2 . أن تساهم رؤوس الأموال الأجنبية في تنمية تلك القطاعات أو المشاريع الاقتصادية التي يحتاجها العراق لتنمية المناطق التي ما تزال متخلفة وبحاجة إلى تنمية معجلة يصعب على القطاعين العام والخاص المحليين النهوض بها . وفي هذه المشاريع يمكن التفكير بدور مشارك للقطاع الخاص المحلي أو الحكومي للوصول إلى ذات الأهداف.
3 . أن نبتعد قدر الإمكان عن استثمارات الحافظة التي حذر منها بصواب الدكتور زيني, وأن ننشط استثمار رؤوس الأموال بشكل مباشر. ومن المفيد هنا أيضاً أن نشجع على الاستثمار المشترك, أي بين الأجنبي والعراقي, سواء أكان حكومياً أم خاصاً, في مجالات التنمية الاقتصادية والبشرية وفي إقامة وتنشيط مراكز البحث العلمي النظري والتطبيقي لصالح عملية التنمية. 
4 . أن يلتزم القطاع الخاص الأجنبي بقوانين العمل والعمال والضمانات الصحية والاجتماعية والحماية الصناعية .. الخ في العراق وأن لا يتجاوزها بما يلحق الضرر بالعاملين ومصالحهم.
5 . أن تقدم الدولة تسهيلات مهمة ومناسبة, سواء أكانت في مجال الضريبة على الأرباح أو تخفيض التعريفة الجمركية على المواد الأولية والسلع نصف المصنعة المستوردة, من أجل تشجيع وتنشيط الاستثمار الأجنبي في الاقتصاد العراقي والسماح له بتحويل جزء مهم ومعقول من أرباحه إلى الخارج وإعادة توظيف جزء أخرى منها في الداخل لتنمية لتحقيق تراكم رأسمالي وتحسين التقنيات المستخدمة وطرق الإنتاج بما يتناسب وحماية البيئة في العراق. 

هل نحن بحاجة إلى خصخصة
 وأخيراً دعا الدكتور زيني في "خارطة طريق اقتصادية" للعراق إلى تحقيق خصخصة كاملة للمنشآت والمشاريع الحكومية المتبقية في قطاع الصناعة التحويلية, باستثناء قطاع النفط الخام. ومع تأييدي الكامل لحصر اقتصاد النفط الخام بالدولة العراقية, أرى خطأ اللجوء للخصخصة التامة لما تبقى من قطاع الدولة الصناعي, إذ إن العيب ليس في ملكية الدولة لوسائل الإنتاج بل في طبيعة النظام السياسي وفي وأساليب وأدوات العمل والإدارة والأهداف المحددة لمشاريع هذا القطاع. الدكتور زيني يقول بهذا الصدد ما يلي:
"ولقد استمرت هذه الحالة حتى الثورة في 1958 (ويقصد هنا الاعتماد على اقتصاد السوق, ك. حبيب)، حيث بدأت بعدها الحكومات العراقية المتعاقبة تستثمر في القطاع الصناعي. وعندما زاد الميل تدريجياً نحو الاقتصاد الاشتراكي، نفّذت الحكومة عمليات التأميم في سنة 1964. ومنذ ذلك الحين هيمن القطاع العام على الاقتصاد العراقي. وغني عن القول أن الاقتصاد الاشتراكي، بخصوص عمليات الإنتاج، فشل في جميع أنحاء العالم، ناهيك عن العراق، وأصبح الآن ضرورياً تفكيك معظم القطاع العام الفاشل، وفسح المجال أمام القطاع الخاص للقيام بمهمة الإنتاج." (راجع: الحلقة الثالثة من "خارطة طريق اقتصادية").
في هذا المقطع ثلا ث مسائل تستوجب المناقشة:
1 . إن الميل صوب التأميم في العام 1964 لم ينطلق من رؤية وفلسفة اشتراكية ثانياً, ولا من جماعات كانت تؤمن بالاشتراكية ثانياً, فعبد السلام محمد عارف الذي وقع على إجراءات التأميم هذه لم يكن اشتراكياً بل كان الرجل قومياً شوفينياً وطائفياً مقيتاً, كما إن الجماعة التي حركته للتأميم لم تكن هي الأخرى اشتراكية. لقد تمت عملية التأميم البائسة التي لم يبلغ حجم رؤوس الأموال المؤممة كلها وفي جميع القطاعات عن 28 مليون دينار عراقي حينذاك, وقد اضرت بالاقتصاد العراقي ولم تنفعه بشيء. لقد صدرت إجراءات التأميم تلك تحت فعل ثلاثة عوامل:
أ . وجود الجماعة الناصرية في الحكم في عهد عبد السلام عارف التي حاولت التماثل مع سياسة عبد الناصر في مجال إجراءات التأميم التي وقعت بين 1961-1964 في مصر, والتي جاءت في مصر في حينها عقاباً للبرجوازية المصرية على موقفها من الوحدة مع سوريا, ولم تستند إلى فلسفة اشتراكية, وكان استغلال ونهب قطاع الدولة في مصر يتم من الباطن ولم يتوقف. وبالمناسبة أشير هنا إلى إن رسالتي للدكتوراه التي دافعت عنها في شهر شباط/فبراير 1968 حملت العنوان التالي " طبيعة إجراءات التأميم في جمهورية العربية المتحدة ". ونشرت بشأن الإجراءات مقالين في جريدة الطليعة المصرية في أوائل 1968.
ب . معاقبة البرجوازية الوطنية العراقية التي رفضت الانقلابات البعثية والقومية وسياساتها الفاشية وتوقفت عن توظيف استثماراتها في الاقتصاد العراقي بهدف إقناع الحكومة العراقية بضرورة تغيير سياساتها مواقفها الطائفية المتشددة التي تميزت بها مواقف عبد السلام محمد عارف حينذاك. وعلينا أن نتذكر هنا مذكرة الشيخ محمد رضا الشبيبي إلى رئيس الوزراء الدكتور عبد الرحمن البزاز حول تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية في العراق حينذاك.   
ج . محاولة السيطرة على الاقتصاد الوطني لإخضاع كل العاملين في النشاط الاقتصادي وكذلك المجتمع للسلطة السياسية حينذاك والتحكم في وجهة التطور بأمل تحقيق الوحدة مع مصر.
ولهذا فإن القول بأن الدولة كانت تتجه صوب الاشتراكية ليس صحيحاً وقد كتبت عن إجراءات التأميم في العام 1964 ثلاث دراسات نشرت في مجلة دراسات عربية (1969) ومجلة الطريق (1970) ببيروت وفي أكثر من مقال في الثقافة الجديدة وفي مجلة الجامعة المستنصرية ببغداد باعتبارها إجراءات سيئة أعاقت عملية التنمية ودور القطاع الاقتصادي وبثت الخشية فيه طويلاً. وبذلك ساهمت في تهريب رؤوس الأموال إلى  الخارج والابتعاد عن توظيفها في الداخل.
2 . بصدد الفترة 1968-2003
في الوقت الذي ساندتُ إجراءات التأميم في قطاع النفط الخام في العام 1972 ووقفت إلى جانب تطوير قطاع الدولة الاقتصادي, ولكني رفضت تورط الدولة المفرط في التوسع العفوي والفوضوي لقطاع الدولة والمعرقل عملياً لنمو القطاع الخاص وتطوره ودوره في التنمية والعجز عن إدارة وتنظيم قطاع الدولة ومجمل الاقتصاد الوطني. ودعوت إلى تشجيع ودعم نشاط القطاعات الأربعة من حيث الملكية التي أشرت إليها في هذه الدراسة أيضاً والابتعاد عن عقد المشاريع تحت عنوان المشروع الجاهز أو تسليم المفتاح لما في ذلك من عواقب سلبية على الاقتصاد من حيث الكلفة وصعوبة إدارتها فنياً وعدم تدريب الكوادر الفنية العراقية عليها. كما كنت صارماً في الموقف من التنمية الانفجارية التي كتبت عنها الكثير وتسببت تلك الكتابات, وخاصة المقال الذي نشر في طريق الشعب في يوم الجمعة المصادف 7 من شهر تموز/يوليو 1978 حيث تم اعتقالي في نفس يوم نشر المقال وخلال اعتقالي وتعذيبي تمت أحالتي على التقاعد بدرجتين أقل وبدون راتب تقاعدي. ثم قدمت أوراقي إلى محكمة الثورة بتهمة إهانة مجلس قيادة الثورة, ودولة البعث ولكن كنت قبلها بقليل قد غادرت العراق إلى الجزائر.   
لقد كانت الجمهورية الرابعة, البعثية, استبدادية وبوليسية قمعية ومهووسة بأموال النفط الخام المصدر التي تساقطت على رأس النظام كزخات مطر أعمت بصر وبصيرة نظام البعث, كما نلاحظ هذه الظاهرة في يومنا هذا أيضاً وبصيغ متنوعة. ولهذا لم يهتم النظام بقطاع الدولة بقدر ما اهتم في التوسع به وهيمنته على كل العاملين في أجهزة الدولة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ودفعت به إلى تحميل خزينة الدولة خسائر مالية كبيرة من خلال تقديم الدعم المستمر لهذه المشاريع مع سبق الإصرار, إذ لم يعمل القطاع الحكومي على أسس اقتصادية ومحاسبية ومنافسة جدية, بل كان يراد منه إعطاء صورة كاذبة وكأن الدولة تسير بـ "الاتجاه الاشتراكي" ولهذا أطلقت عليه اسم القطاع الاشتراكي زيفاً وبهتانا.
العيب الفعلي لم يكن في قطاع الدولة, بل بالنظام السياسي الذي أخضع هذا القطاع له وتوسعه بصورة عفوية وعبثية. كما كان العيب في الأساليب والأدوات والكوادر البعثية التي وضُعت على رأس هذا القطاع الحكومي ليخدم هيمنتها على الاقتصاد والمجتمع في العراق وليتحكم بأجهزة الدولة ومجالاته من جهة أخرى, وليكون أداة للنهب والسرقة والتحايل على المال العام, سواء من حيث التعاقد على إقامة تلك المشاريع, أم في فترة إقامتها أم في فترة إنتاجها. 
وبكلمة مختصرة فإن خسارة مشاريع قطاع الدولة كانت مبرمجة ابتداءً, إذ لم يكن هدفها اقتصادي, بل سياسي بحت. ولا يمكن أن يتصور الإنسان نجاح مشاريع قطاع الدولة كلها حين يكون الهدف منها سياسي لا غير.   
3 . وعليه فأن الحديث عن التوجه الاشتراكي في سياسة الدول وهي تقيم هذه المشاريع خاطئ حقاً ولا يتناغم مع الواقع الذي ساد العراق خلال الفترة 1968-2003. فالاشتراكية لا تعني ملكية الدولة لوسائل الإنتاج, إذ إن الرأسمالية كانت فيها أيضاً ملكية دولة لوسائل الإنتاج دون أن يطلق عليها اشتراكية بل رأسمالية دولة. والاشتراكية لا تعني فقط وجود حزب يدعي الاشتراكية, كما في اسم حزب البعث العربي الاشتراكي, أو يدعي تمثيله للطبقة العاملة والفلاحين ولكن يسير بالاتجاه المعاكس كما عشنا التجربة في الدول الاشتراكية التي عبرت في الخط العام عن رأسمالية دولة, كما هو الحال في الصين حالياً. ولست هنا معنياً بتبيان ما تعنيه الاشتراكية, إذ ربما يحتاج هذا الموضوع إلى بحث مستقل.
لقد كان نظام البعث شمولياً واستبدادياً دموياً, لقد كان فاشياً من الناحيتين الفكرية والسياسية والسياسات العسكرية والقمعية والقسوة, ولم تكن لكلمة الاشتراكية في تسمية حزبه إلا ذراً للرماد في عيون البسطاء من الناس.   
كما إن من غير الصائب الدعوة إلى الخصخصة إذا كان بالإمكان, وهذا ممكن فعلاً, إيلاء اهتمام أكبر بتلك المشاريع وإعادة تأهيلها ووضع كوادر إدارية ومحاسبية وفنية أمينة ونظيفة ومخلصة للعملية التنموية في العراق ولثروة الوطنية.
انتهت الحلقة الرابعة وتليها الحلقة الخامسة.
24/5/2011                      كاظم حبيب
 

329
كاظم حبيب

قراءة ومناقشة "خارطة طريق اقتصادية" للسيد الدكتور محمد علي زيني
الحلقة الثالثة

اقتصاد السوق الاجتماعي
العراق في مرحلة تطوره الراهنة ولمدى طويل لاحق سوف يستند ملزماً إلى اقتصاد السوق. ولكن أي اقتصاد سوق نحتاجه وما هي مواصفاته؟
أشرت إلى أني أقف في هذه المرحلة مع اقتصاد السوق الذي يجمع بين الحرية النسبية والمشاركة الحكومية في التنمية, إضافة إلى الرقابة الحكومية, وكذلك مع مجموعة من المسائل الاجتماعية التي تحد من الاستغلال وتخفف من التناقضات وتسيطر على الصراعات ولكي لا تتحمل إلى نزاعات سياسية. وقد أطلق الألمان منذ ستينيات القرن العشرين اسم " اقتصاد السوق الاجتماعي " في فترة حين كان لودفيگ ايرهارد مستشار ألمانيا وصاحب "المعجزة الاقتصادية" حينذاك, وهي بخلاف نظرية اللبرالية الجديدة في إطار اقتصاد السوق التي تتسبب في تشديد استغلال الطبقة العاملة بمفهومها الواسع والحديث. لهذا اقترح في ظروف العراق الملموسة أن يؤخذ بمفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي الذي يستند إلى عدة أركان هي: 
أ ) إعطاء دور متميز وفعال ورئيسي للقطاع الخاص والعمل على تشجيعه ودعمه وتوفير مستلزمات تطور دوره في الاقتصاد العراقي من جانب الدولة.
ب ) إعطاء دور مهم ومخطط لقطاع الدولة في مجمل الاقتصاد العراقي يستكمل دور القطاع الخاص, ويلعب دور المحتكر لقطاع النفط الاستخراجي والتكرير ومشروعات البنية التحتية, بما فيها قطاع الكهرباء والماء, كما يشارك بفعالية وروح تنافسية لإقامة مجموعة من الصناعات التحويلية ذات الأهمية الفائقة للاقتصاد الوطني والمجتمع والتي يصعب على القطاع الخاص النهوض بها وتحمل مسؤولية الاستثمار الكبير فيها مثلاً. ويتطلب هذا الولوج الاقتصادي لقطاع الدولة أن يعمل وفق المعايير الاقتصادية والمحاسبية وآليات السوق الاقتصادي في مجال المنافسة وضبط تكاليف الإنتاج والأسعار والحوافز الاقتصادي للمنتجين والعاملين.
ج ) تنشيط دور القطاعين المختلط والتعاوني للمشاركة في عملية تنمية معجلة وناجحة وداعمة لنشاط القطاع الخاص والدولة والمجتمع وخاصة في مجال الريف والصناعات الصغيرة وذات التقنيات العالية التي يصعب على القطاع الخاص وحده النهوض بها أو يستوجب تجميع المنتجين الصغار في جمعيات تعاونية إنتاجية واستهلاكية.
د ) إن الأخذ باقتصاد السوق الاجتماعي يتطلب بشكل خاص:
** إصدار تشريعات لمنع الاحتكار وتشديد الاستغلال تتجلى في تنظيم المنافسة والضرائب التي تستند على قاعدة الضرائب التصاعدية على الدخل السنوي المباشر للسكان بدلاً من فرض ضرائب غير مباشرة على السلع والخدمات لا تميز بين الناس على أساس دخولهم السنوية ومستوى معيشتهم.
** وضع حد أدنى للأجور ومساواة بين المرأة والرجل في الأجور للأعمال المماثلة.
** وضع تشريعات تؤمن الضمان الصحي والاجتماعي وأثناء الشيخوخة أو العجز والرواتب التقاعدية والعطل السنوية وفي حالات المرض أو الحمل...الخ. 
اعتماد قاعدة الضرائب التصاعدية المباشرة على الدخل السنوي للفرد وتقليص كبير للضرائب غير المباشرة التي تفرض على السلع والخدمات.
** العناية بقدر أكبر بقضايا العدالة الاجتماعية وحياة وظروف العمال وتحديد ساعات العمل وضمان التأثير الإيجابي على علاقة تناسب سليمة بين الأجور وفائض القيمة …الخ من خلال نظام الضرائب التصاعدي على الدخل المباشر للفرد.
** تقديم الدعم الحكومي الضروري ولفترة غير قصيرة إلى بعض السلع والخدمات لضمان حصول الفئات الكادحة والفقيرة على احتياجاتها الأساسية مثل الخبز, على سبيل المثال لا الحصر, أو دعم بعض المنتجات الزراعية التي تواجه منافسة حادة في السوق الدولية لضمان الإنتاج في العراق وضرورة توفي الأمن الغذائي.   
هـ) أن تلعب النقابات ومنظمات المجتمع المدني دورها الفاعل في المجتمع وفي النضال من أجل حقوق العمال والمستخدمين والعاملين في الإدارة وفي حل الخلافات بين العمل ورأس المال وغير ذلك.
إننا بذلك نستطيع أن نضمن الكثير من الأسس التي لا تسمح بتشديد الصراع الطبقي أو الصراع بين العمل وراس المال لصالح تعجيل التنمية والاستفادة من كل الطاقات المتوفرة في البلاد.   
و) لدي القناعة بأن الدول النامية عموماً والعراق على وجه الخصوص لن يكون في مقدوره في المرحلة الراهنة من الناحيتين النظرية والعملية أن يمارس سياسة الباب المفتوح في الاقتصاد ذ إنها ستعطل عملياً وفعلياً القدرة على تطوير الاقتصاد الوطني وعملية التصنيع وتحديث الزراعة بسبب المنافسة غير المتكافئة. ولهذا فأن ضمان الوصول إلى عملية تنمية فعلية مستدامة ومتطورة تستوجب في المرحلة الراهنة إخضاع التجارة الخارجية لخمسة عوامل أساسية, وهي:
  * وضعها في خدمة عملية التنمية الصناعية والزراعية والتعليمية والثقافية والبيئية.., أي التنمية الاقتصادية والبشرية ومن أجل تحقيق تراكم عقلاني مستمر للثروة الوطنية.
  * الإشباع المناسب لحاجة السوق المحلية للسلع الاستهلاكية وسلع الاستهلاك الدائم مع الاهتمام بنوعية السلع المستوردة.
  * كما يفترض أن تلعب الدولة ولسنوات طويلة قادمة دور المنظم والمؤثر إيجاباً على حركة وفعل قانون العرض والطلب لضمان استقرار الأسعار وخلق توزان عقلاني بينها وبين الأجور والمدخولات السنوية للأفراد والعائلات من ذوي الدخل الواطئ والمحدود, وخاصة بالنسبة لأكثر السلع أهمية وضرورية لنسبة كبيرة جداً من السكان.
* تنويع مصادر الدخل القومي من خلال زيادة دور المنتجات الصناعية والزراعية غير النفط الخام والغاز الطبيعي في إجمالي صادرات العراق.
* السعي لتحقيق التوازن التدريجي في الميزان التجاري العراقي مع الدول المختلفة وبين الصادرات والاستيرادات, والتي يمكن أن تؤثر إيجاباً على ميزان المدفوعات.

اقتصاد السوق وبرنامج الإصلاح الاقتصادي والتكييف الهيكلي
عند قراءتي لدراسة الدكتور محمد علي زيني الغنية بالمعلومات لاحظت عدم إشارته إلى المؤسسات المالية الدوليةو ولكنه يشير إلى الاعتماد على الرأسمال الأجنبي. ولا شك في أن هذه المؤسسات هي من أكبر الممولين لرؤوس الأموال في السوق الرأسمالي العالمي. وهذه المؤسسات تطرح شروطها القاسية على الدول المقترضة, كما فعلت مع العراق حين تقرر إعفاء العراق من بعض ديونه الخارجية في أن يلتزم باقتصاد السوق الحر ووفق شروط ومواصفات محددة. ولهذا من المفيد للقارئة والقارئ أن يعودا إلى الحلقتين الثانية والثالثة من الدراسة المذكورة بشكل خاص ليتابعا موقف الدكتور زيني من دور الدولة وقطاعها الاقتصادي ومن التجارة والسوق الاقتصادي الحر. إن الزميل زيني يتبنى دون أن يشير إلى ذلك أهم الشروط التي يطرحها النموذج الذي تقترحه علينا المؤسسات المالية الدولية, الذي, كما أرى, لا ينفع العراق في أغلب جوانبه وفي ضوء الواقع الذي يعيش فيه العراق. وملاحظاتي بهذا الصدد تتلخص في النقاط التالية:
إن فقرات برنامج الإصلاح الاقتصادي والتكييف الهيكلي المقترح من المؤسسات المالية الدولية لا تتميز بوحدانية الجانب وذات صرامة شديدة لا يمكن ممارستها في العراق بسبب غياب مستلزمات ذلك في العراق وفي البلدان النامية كما إنها لا تأخذ بنظر الاعتبار نقاط جوهرية يمكن الإشارة إليها في ما يلي:
   إنها تسقط العلاقة العضوية القائمة بين السياسة والاقتصاد والمجتمع التي يفترض أن تكون لصالح المجتمع ( راجع في هذا الصدد: د. صبري زاير السعدي. الاقتصاد السياسي للتنمية والاندماج في السوق الرأسمالية العالمية. بحث منشور في مجلة المستقبل العربي. يصدرها مركز دراسات الوحدة العربية. العدد (249) 11/1999. بيروت. ص 31), ولكنها في واقع الأمر تمارس سياسة طبقية صارمة, سياسة تحقق مصالح الدول الرأسمالية المتقدمة ومصالح الفئات الرأسمالية المالكة لوسائل الإنتاج والغنية على التوالي. فهي لا تتجنب الحديث عن الديمقراطية السياسية فحسب, بل تكثر من الحديث عن اللبرالية الاقتصادية وحرية المنافسة, وهي تضعف قدرة الدول النامية على المنافسة والبقاء في السوق الدولية لصالحها, إنها تنسى بكل معنى الكلمة أو تتناسى المصالح الاجتماعية والديمقراطية وحقوق الإنسان لا في الحياة السياسية والاجتماعية فحسب, بل وفي نشاط المؤسسات الاقتصادي والحياة النقابية, إذ ما يهمها يتركز في دمج اقتصاديات وأسواق هذه البلدان بالسوق الدولية وفتح الأبواب أمام نشاط احتكاراتها الدولية. إنها تطالب حكومات هذه البلدان بامتلاك الإرادة السياسية لتنفيذ البرنامج, والذي لا يعني سوى ممارسة سياسة الاستبداد الاقتصادي في تنفيذ سياسات اقتصادية لا تتبناها الغالبية العظمى من السكان ولا تخدم سوى مصلحة أقلية ضئيلة في المجتمع.
   إنها تسقط من حسابها مصالح الفئات الاجتماعية الفقيرة والكادحة التي تحتاج إلى الدعم الحكومي بأشكال مختلفة, خاصة وان العراق قد خرج لتوه من الدكتاتورية وحروبها وقمعها والحصار الاقتصادي, حيث اتسعت وتفاقمت وتعمقت حالات الفقر والحرمان في الأوساط الشعبية وارتفعت نسبة السكان التي تعيش تحت خط الفقر المحدد دولياً. وفي المرحلة الراهنة تطالب هذه المؤسسات بإلغاء "البطاقة التموينية" كلية, ولم تدعو إلى حصرها بالمحتاجين, وهي من الأسباب التي أدت إلى التظاهرات الأخيرة أيضاً. 
    إنها تنسى الواقع الذي تواجهه هذه البلدان وأهمية وضرورة وجود قطاع حكومي ديناميكي وفعال ومؤهل إداريا وتقنيا ومستقلاً في أداء جملة من مهمات العملية الاقتصادية, خاصة وأن بعضها يمتلك موارد مالية يمكن توجيهها للأغراض التنموية حيث يعجز أو يمتنع القطاع الخاص عن الولوج فيها, إذ أن الدولة بحاجة إلى جزء من الفائض الاقتصادي لتوجهه إلى تلك المشاريع التي لا تتوجه صوبها رؤوس الأموال الخاصة لأي سبب كان, أو من أجل تأمين الدعم الحكومي النسبي للتخفيف من أعباء شدة استغلال رأس المال. (راجع: د. رمزي زكي, اللبرالية المستبدة. سينا للنشر. ط 1. القاهرة. 1993. ص 82-94).
    إنها, وهي تدعو إلى تقليص الإنفاق الحكومي, تساهم في تشديد الاختلالات والتناقضات لقائمة حاليا التي تعمق من انقسام المجتمع إلى معسكرين, الأغنياء والفقراء, وتجهز على مواقع الفئات الاجتماعية الوسطى في الإنتاج وتنهي عمليا وجودها على الخارطة الاجتماعية للسكان, ولكنها تسكت كلية عن, أو حتى تشجع على, شراء الأسلحة التي تحمّل ميزانية هذه البلدان موارد مالية كبيرة وتزيد من مديونيتها الخارجية وتشجعها بهذا النهج على حل مشكلاتها الداخلية والإقليمية بالقوة وممارسة العنف والحروب, كما لا ترفض تزويد البلدان النامية بالقروض المالية لأغراض التسلح, وتغفل تماماً الأضرار الناجمة عن ذلك على العملية الاقتصادية وارتفاع المديونية الخارجية والفوائد المترتبة عليها وتدهور الحياة المعيشية والاجتماعية للغالبية العظمى من السكان. وكلنا يعرف العواقب الوخيمة التي تقود إليها هذه الحالة, ومنها مثلاً تقليص الموارد التي تخصص لأغراض التربية والتعليم والثقافة والصحة العامة والنقل ...الخ. والشعوب العربية المنتفضة الآن هي نتيجة منطقية لا لسياسات الاستبداد والقهر السياسي فحسب, بل وبسبب تلك السياسات الاقتصادية التي مارستها وما تزال تمارسها الحكومات العربية والمبنية على اقتصاد السوق الحر بمواصفات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة الدولية الحرة, التي لا تغيب عنها العدالة الاجتماعية النسبية فحسب, بل وتشتد البطالة والفقر وتتسع فجوة الدخل السنوي بين الطبقات والفئات الاجتماعية وتركز الثروة بيد فئة صغيرة من المجتمع تحرم منها الغالبية العظمى من السكان التي تقود بدورها إلى تشديد التناقضات الاجتماعية والصراعات السياسية والنزاعات الداخلية وتنتهي إلى ما نحن عليه الآن بعد أن أدركت الشعوب في الدول العربية إن عليها أن تأخذ مصيرها بنفسها وتتحكم بمستقبلها.

من هذا يتبين للقارئة والقارئ بأني إذ أتفق من حيث المبدأ وفي المرحلة الراهنة مع زميلي الفاضل الدكتور زيني في مسألة الأخذ باقتصاد السوق, أي بناء العلاقات الإنتاجية الرأسمالية التي لا مفر منها مرحلياً, ولكني أختلف معه في السبيل الذي يفترض أن نسلكه في إطار العلاقات الإنتاجية الرأسمالية للوصول إلى ما هو أفضل للعراق. أتمنى أن يساهم النقاش الفكري الموضوعي الهادف, كما تعودنا عليه في دراسات الزميل زيني, في الوصول إلى رؤية مشتركة أو متقاربة حول هذه الأمور التي تزداد أهميتها للمجتمع العراقي, خاصة ونحن معاً نحمل الهمَّ العراقي بمشكلاته وطموحاته وآفاق تطوره. 
انتهت الحلقة الثالثة وتليها الحلقة الرابعة.
21/5/2011                      كاظم حبيب



330
كاظم حبيب

لتنتصر إرادة شعب سوريا على الاستبداد والقمع والقسوة
لنتضامن مع الشعب السوري المقدام

تتواصل حركة الشباب والشعب السوري المطالبة برحيل النظام الشمولي ورأس النظام وحزب البعث الحاكم. وبعد أن انطلقت هذه الحركة المقدامة من مدينة درعا وأطرافها قبل عدة أسابيع واقتصرت عليها في البداية وتعرضت إلى المزيد من القمع والقتل والاعتقال والتشريد وتدمير الكثير من بيوت المدينة وفرض الحصار العسكري عليها, توسعت اليوم لتشمل أغلب المدن السورية وجارَّة إليها المزيد من بنات وأبناء الشعب السوري كاسرين بذلك حاجز القلق والخوف الذي هيمن سنوات طويلة على سلوك الناس بسبب الوحشية التي جوبهت بها حركة المعارضة السورية خلال الفترات الماضية, وخاصة في أحداث حلب. ورغم إن النظام لم يكتف بإنزال قوات الأمن والشرطة والبلطجية الممولة والمسلحة من جانب قيادة الحكم فحسب, بل وأنزل أخيراً الجيش السوري ليمارس جريمة القتل بحق الناس الأبرياء الذين لا يسعون إلا إلى تحقيق مطالبهم المشروعة في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتمتع بنظام سياسي منتخب يعتمد دستوراً ديمقراطياً جديداً وحياة حزبية حرة وتعددية وصحافة حرة ومجلس نيابي منتخب بصورة سليمة ونظيفة ويرتبط بمصالح الشعب وإرادته الحرة. لقد سقط حتى الآن أكثر من 850 شهيداً والمئات من الجرحى والمعوقين والآلاف من المعتقلين الذين يواجهون شتى صنوف التعذيب في السجون والمعتقلات الوحشية التي يسيطر عليها الأمن السياسي السوري التابع مباشرة لبشار الأسد.
إن الرأي العام العالمي يقف اليوم بتعاطف وتأييد كبيرين إلى جانب الشعب السوري والمنتفضين لأنه يرى فيهم أصحاب حق ويريدون الخلاص من حكم البعث وعائلة الأسد التي تحكم سوريا بالحديد والنار منذ أكثر من 40 عاماً. وهي العائلة التي تريد تكريس النظام الجمهوملكي الوراثي في سوريا المرفوض من الشعب السوري. كما إن الرأي العام العالمي بدأ بشجب شديد للنهج العدواني في توجيه النيران إلى صدور المناضلين من أجل الحرية والديمقراطية. وتحرك شعوب الكثير من البلدان ضد الحكم السوري يجد اليوم تجلياته في بدء المجتمع الدولي بانتقاد شديد وشجب لاستخدام السلاح والقوات المسلحة ضد المتظاهرين, حتى أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما وجد نفسه ملزماً بالحديث عن سوريا في خطابه الأخير يوم 20/5/2011 شاجباً أعمال العنف ضد المتظاهرين وداعياً بشار الأسد إما إلى التغيير الديمقراطي أو الرحيل الفوري. ومع إن هذا الموقف ضعيف عموماً, إذ لا يستطيع الحاكم الشمولي, الذي تسيطر عليه الزمرة البعثية الحاكمة والمخضرمة, أن يتجه صوب الديمقراطية. لقد غاص بشار الأسد في برك امتلأت بدماء المناضلين من أبناء وبنات الشعب السوري. إن الحل الوحيد الذي يرضى به الشعب السوري هو رحيل النظام ورأسه والحزب الحاكم في سوريا. ولن تنفع محاولات بثينة شعبان بتهدئة الرأي العام السوري بالحديث عن حوارات مع بعض الشخصيات السورية تحت حراب وقمع النظام السوري. إنها الكذبة الكبرى التي لن تعبر على المناضلين والمنتفضين في سوريا. إنها ليست حمامة سلام, بل غراب يسعى إلى خدع المتظاهرين, ولن يخدعوا بها.
وليس غريباً على الجامعة العربية, جامعة الحكام, أن تقف مكتوفة الأيدي أمام تفاقم القمع العسكري للشعب السوري, والتي لم تقف قبل ذاك إلى جانب شعب البحرين, كما لم تحرك ساكناً في اليمن والسودان. والموقف اليتيم الذي اتخذته كان في أحداث ليبيا التي لم تنته بعد. ولكنها لم تقدم أي شيء حقيقي للشعب الليبي في معركته مع الدكتاتور معمر القذافي وعائلته الطاغية.
إن على الرأي العام العربي والعالمي أن يرفع صوت الاحتجاج ضد القمع المتفاقم والقتل اليومي المتواصل للمتظاهرين السلميين في المدن السورية, أن يرفع صوت التضامن والدعم القوي للشعب المنتفض ضد عدوانية وفاشية الأساليب التي يمارسها النظام.
أن على الأمم المتحدة أن تتخذ القرارات اللازمة لرفض القمع والقتل في سوريا والمطالبة بإيقاف ذلك فوراً والاستجابة لمطالب الشعب السوري. إن على المجتمع الدولي أن يطالب السيد لويس مورينو أوكامبو, المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية  بإصدار أمر إلقاء القبض على بشار الأسد وفاروق الشرع ووزير الداخلية ورئيس جهاز الأمن السوري ورئيس جهاز المخابرات باعتبارهم من ضمن المتهمين بإصدار الأوامر بقتل المئات من المنتفضين السوريين الذين تظاهروا سلمياً طلباً للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. إن إصدار العقوبات بحق الأسد وأعوانه من جانب الولايات المتحدة الأمريكية على أهمية جانبها الرمزي, إلا إنها غير كافية لمواجهة النظام المتعفن والفاشي النزعة في سوريا, خاصة وأن مجموعة من النظم العربية ما تزال تقف إلى جانب هذا النظام الدموي, ويصلح هنا إيراد المثل الشعبي القائل شبيه الشيء منجذب إليه!!
لنشارك في حركة التضامن التي دعت لها قوى المعارضة الديمقراطية السورية مع الشعب السوري في يوم الاثنين القادم المصادف 23/5/2011 في كافة المدن الألمانية وليكن على صعيد أوروبا والعالم أيضاً ولنعلن عن تأييدنا لمطالب الشعب السوري العادلة والمشروعة ولنقف جميعاً دقيقة حدادً على أرواح شهداء سوريا.           
20/5/2011                        كاظم حبيب

331
كاظم حبيب

قراءة ومناقشة "خارطة طريق اقتصادية" للسيد الدكتور محمد علي زيني
الحلقة الأولى

المدخل
نشر السيد الدكتور محمد علي زيني دراسة قيمة بعنوان "خارطة طريق اقتصادية" للعراق توزعت على سبع حلقات على موقع الحوار المتمدن, نشرت الحلقة الأولى منها في 9/2/2011 والحلقة السابعة والأخيرة في 15/5/2011. وبسبب أهمية الكاتب وكتاباته ودوره البارز في البحث والنشر حول الاقتصاد العراقي, وبسبب أهمية الموضوع والأفكار والمقترحات التي تضمنتها هذه الحلقات السبع بشأن إعادة بناء وتطوير الاقتصاد العراقي وتحقيق التنمية الاقتصادية والبشرية وجدت مفيداً المشاركة في نقاش موضوعي هادف مع أفكار واستنتاجات الصديق الفاضل من جهة, وتحريك جو الحوار والنقاش الفكري والاقتصادي في أوساط العاملات والعاملين في المجال الاقتصادي العراقي في الداخل والخارج بما يسهم في بلورة ما أطلق عليه الزميل الفاضل "خارطة طريق اقتصادية" للعراق من جهة ثانية. ولا بد من الإشارة إلى أن الأستاذ الكاتب قد نشر أول كتاب اقتصادي مهم له, حسب علمي, في سنة 1995 تحت عنوان "الاقتصاد العراقي في ظل نظام صدام حسين – تطور أم تقهقر" صدر عن دار الرافد بلندن, ثم صدرت الطبعة الجديدة المنقحة والمزيدة لهذا الكتاب في العام 2003 ومن الدار نفسها تحت عنوان "الاقتصاد العراقي بين الماضي والحاضر وخيارات المستقبل". كما نشر دراسة أخرى عن الفساد في العراق.
ومن المفيد الإشارة أيضاً إلى إن الاقتصادي العراقي المعروف السيد الدكتور صبري زاير السعدي نشر هو الآخر مجموعة من الدراسات المهمة والأبحاث القيمة في هذا الصدد, منها على سبيل المثال لا الحصر, دراسة قيمة بعنوان "السياسة والاقتصاد في نظام الحكم الديمقراطي (الجديد) في العراق: التي نشرت في العدد 126 من "الملف العراقي" الصادر في حزيران/يونيو 2002, كما صدر عن دار المدى ببغداد في عام 2009 كتابه المهم "التجربة الاقتصادية في العراق الحديث - النفط والديمقراطية والسوق في المشروع الاقتصادي الوطني (1951-2006)" وهو كتاب قيم. إضافة إلى ما نشر للدكتور السعدي من دراسات في مجلات مثل المستقبل العربي ودراسات عربية والثقافة الجديدة وفي مجلات أخرى باللغة الإنجليزية. وقبل ذاك صدر للطيب الذكر الأستاذ الدكتور عباس النصراوي (ت 2008) كتاب تحت عنوان "الاقتصاد العراقي" في عام 1995 عن دار الكنوز الأدبية ببيروت. وهي, إلى جانب غيرها من الكتب الاقتصادية, تعتبر من الكتب والدراسات المهمة التي تستحق وتستوجب القراءة من جانب العاملين في الشأن الاقتصادي العراقي.
يطرح الدكتور زيني في دراسته "خارطة طريق اقتصادية" للعراق مجموعة من الأفكار والاستنتاجات السديدة التي تستحق كل التأييد, سواء أكانت في الجانب النظري أم في الجانب التطبيقي وما يخص العراق بشكل مباشر. وحين اكتمل نشر الحلقات وجدت لزاماً عليَّ أن أحاور الدكتور زيني مباشرة وأن أناقش الأفكار التي طرحها على الجميع للمناقشة. وقد أخذ السيد الدكتور كامل العضاض المبادرة فناقش الحلقة الأولى مشخصاً بعض النقاط المهمة ومنتظراً الانتهاء من الحلقات لكي يناقشها. وأملي أن يواصل طرح ملاحظاته لصواب ما ورد في ما طرحه حتى الآن في رسالته الوجهة إلى الدكتور زيني. وأتمنى عليه أن يستكمل المناقشة بعد أن انتهى نشر الحلقات السبع.
وفي مناقشتي المكثفة هذه سأتطرق إلى تلك الأفكار والاستنتاجات التي توصل إليها الدكتور زيني في الجانبين النظري والتطبيقي أو ما يمس مسيرة العراق الاقتصادية المنصرمة والواقع الراهن وتصوراته لآفاق المستقبل. ومنذ البدء أشير إلى وجود اتفاق مع الزميل الدكتور زيني حول عدد مهم من القضايا النظرية والتطبيقية, ولكن توجد لدي ملاحظات ووجهات نظر أخرى تختلف عما ورد في دراسة الدكتور زيني والتي سأضعها أمام الزميل وأمام بقية القارئات والقراء ممن لهم اهتمام بالشأن الاقتصادي العام وبالشأن الاقتصادي العراقي لغرض المناقشة والتدقيق.
ابتداءً أود الإشارة الواضحة إلى ثلاث مسائل جوهرية حول ما أسعى إليه من هذه المناقشة:
1.   لا أدعي الصواب في ما أطرحه من ملاحظات نقدية, إذ إن مهمتها تنشيط النقاش وتدقيق الاستنتاجات النظرية والعملية, وهي تعبر عن اجتهاد شخصي وعن رؤيتي الناتجة عن قراءاتي وتجربتي الذاتية. وأنا مقتنع بما أنشره حتى الآن.
2.   أن نتواصل في الحوارات والنقاشات الفكرية بهدف تعميق الرؤية الاقتصادية لنا وللمجتمع من جهة, والسعي لبلورة رؤية مشتركة للعاملات والعاملين في الشأن العراقي من جهة ثانية, بحيث تسهم في الدفع باتجاه:
3.   عقد ندوة فكرية وتطبيقية حول الاقتصاد العراقي وسبل تطويره, أي العمل المشترك وعبر مؤتمر أو ندوة لعدة أيام للوصول إلى وضع "خارطة طريق اقتصادية- بشرية أو اجتماعية" أمام المسؤولين عن رسم إستراتيجية التنمية الاقتصادية والبشرية في العراق.

مناقشة مضامين دراسة "خارطة طريق اقتصادية" للعراق
وعلى هذا الأساس سأقسم مناقشتي إلى قسمين: القسم الأول سيتضمن عدة حلقات أناقش فيها الجوانب النظرية من أطروحات الزميل الدكتور محمد علي زيني, في حين سيتضمن القسم الثاني عدة حلقات أيضاً أناقش فيها جوانب السياسات الاقتصادية و البشرية التي يقترحها الزميل محمد علي زيني على العراق للأخذ بها.   

أولاً: الجوانب النظرية
سأناقش في هذه الحلقة عدداً من الموضوعات التي وردت في "خارطة طريق اقتصادية" للعراق بشكل مكثف, وهي موزعة على مساحة الدراسة بحلقاتها السبع.
1 . العلاقة بين السياسة والاقتصاد     
استعرض الدكتور محمد علي زيني بصواب وموضوعية العلاقة الجدلية القائمة بين السياسة والاقتصاد والفعل والتأثير المتبادل بينهما, إذ أنهما, كما هو معروف, وجهان لعملة واحدة. ويؤكد ذلك حين يورد وقائع فعلية ملموسة عن الفترات السابقة وما يجري اليوم في البلاد. إلا إن العلاقة الجدلية بين السياسة والاقتصاد من الناحيتين النظرية ليست هي المشكلة, فالكل تقريباً يعترف بذلك, بل المشكلة تكمن في رفض حكام غالبية الدول النامية الاعتراف بالعلاقة الجدلية بين الفئات الحاكمة والقوى الطبقية أو الفئات الاجتماعية المالكة لوسائل الإنتاج من جهة وسعي الحكام إلى تبني إيديولوجيا تلك الفئات الاجتماع والدفاع عن مصالحها وإرادتها بالضد, في الغالب الأعم, من إرادة ومصالح الغالبية العظمى من فئات المجتمع. وهذه الحقيقة التي تُنكر كثيراً تؤكد حقيقة ان النخب الحاكمة ليست مستقلة عن الفئات المالكية لوسائل الإنتاج, بل معبرة عنها وعن مصالحها.
وتتجلى هذه العلاقة القائمة فعلاً في السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي يمارسها النظام السياسي القائم وينعكس في الموقف من عملية التنمية الاقتصادية والبشرية أو في إعادة البناء في العراق, وبشكل أكثر ملموسية في الموقف من بنية ووجهة التصنيع وتحديث الزراعة ومن بنية قطاع التجارة الخارجية والسياسات المالية بكافة جوانبها, التي تعتبر الأداة التنفيذية للسياسات الاقتصادية. كما تتجلى في مجمل العملية الاقتصادية بمراحلها الأربعة: الإنتاج والتوزيع والتبادل والاستهلاك. ويمكن للمتتبع أن نتيقن من ذلك حين يجري تدقيق بنية الدخل القومي من حيث سبل تكوينه وتوزيعه وإعادة توزيعه, ومن ثم في العلاقة بين الأجور وفائض القيمة (الأرباح والفوائد وأشكال الريع) أو توزيعه بين التراكم والاستهلاك وسبل استخدامه.
من يسعى إلى معرفة مدققة لطبيعة تكوين وتوزيع الدخل القومي في العراق في الفترات المختلفة السابقة من تاريخ العراق الحديث, يمكنه أن يعود بشكل ملموس إلى فترات العهد الملكي قبل وبعد الحرب العالمية الثانية ومن ثم في عهد عبد الكريم قاسم وفي عهد التحالف البعثي القومي بعد انقلاب شباط 1963 ومن ثم في فترات الأخوين عبد السلام وعبد الرحمن محمد عارف وفي فترة حكم البعث الثانية وصدام حسين الاستبدادية, وكذلك في أعقاب سقوط النظام الدكتاتوري وسيادة حكم المحاصصة الطائفية حتى الوقت الحاضر. ويمكن أن يرجع في ذلك على الميزانيات الاعتيادية وميزانيات التنمية الوطنية ليتحقق من ذلك من خلال أسس توزيع الدخل القومي وسبل استخدامه والقوى المستفيدة منه والمجالات التي صرفت فيه, إذ إنه سيدرك حقاً طبيعة تلك النظم الاجتماعية والسياسية ومدى ابتعادها عن مصالح الشعب الأساسية, في ما عدا فترة قصيرة من حكم قاسم.
فالسياسة الاقتصادية والاجتماعية في أي بلد كان, وكذا العراق, تجسد لنا بلا مواربة وبشفافية عالية طبيعة الفئة التي تحكم المجتمع العراقي حالياً. فنظرة متفحصة للواقع العراقي الراهن تساعدنا على تشخيص حقيقة أن النخبة الحاكمة في أغلبيتها تنحدر من فئات برجوازية صغيرة ومن فئات اجتماعية رثة اقتصادياً واجتماعياً وكانت مهمشة وتعيش على هامش الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, جماعات منحدرة من فئات اجتماعية إقطاعية وعشائرية ما تزال تحن للماضي وترتبط به بوشائج كثيرة وتتمنى عود قانون العشائر الذي ساد قبل ثورة تموز 1958, وهو في الواقع العملي ممارس فعلاً. وهي ليست من تلك الفئات البرجوازية المتوسطة التي تعمل من أجل تصنيع البلاد وتحديث الزراعة وتأمين زيادة التراكم الرأسمالي لصالح تنمية الثروة الوطنية والدخل القومي, بل إنها من الفئات التي تركض وراء الربح السريع في القطاع التجاري وفي المضاربات المالية التي شكلت اليوم فئة برجوازية تجارية كومبرادورية ترتبط مصالحها بمصالح الشركات الأجنبية المنتجة والمصدرة للسلع المصنعة وتشارك معها في تحقيق أقصى الأرباح بغض النظر عن الأساليب المعوجة التي تمارس في هذه العمليات. وهي ليست ضد التعامل مع الرأسمال الأجنبي, ولكنها ضد مشاركته في تصنيع البلاد الذي يسهم في تغيير البنية الاقتصادية والبنية الاجتماعية وتحقيق التقدم وتطوير الوعي لدى الإنسان, بل تحصره في مجالات التجارة والبنوك والتامين وإعادة التأمين لتحقق لنفسها أقصى الأرباح على حساب التطور التقدم الاقتصادي والاجتماعي.
وتتجلى طبيعة النخب الحاكمة وتلك التي يُعبر عن مصالحها عبر الفئات الحاكمة ما يمر به المجتمع العراقي من فساد مريع تمارسه تلك الفئات بشكل واسع النطاق يقود إلى إفقار الثروة الاجتماعية والمجتمع ويشوه وجهة تطور البلاد ويعرقل تغيير بنية اقتصادها ويساهم في التفريط في قدرات البلاد على تحقيق التنمية والخروج من نفق التخلف المتعدد الجوانب الذي يعاني منه المجتمع. إن العواقب المباشرة من الحكم الذي يقاد من فئات اجتماعية ذات خلفية فلاحية وبرجوازية صغيرة لا تعمل في مجالات الإنتاج ورثة تستخدم العمامة والدين لأغراضها الذاتية وطفيلية النشاط, تظهر فيه جملة من الظاهر السلبية الحادة على سطح الأحداث اليومية ولكنها تجسد الخراب الجاري في عمق المجتمع, ومنها ممارسات المحسوبية والمنسوبية والعشائرية والطائفية السياسية باسم الدين والقومية الضيقة والشوفينية والفساد المالي والإداري, الذي احتل العراق مع الصومال المراكز الأولى في العالم, والخراب الاقتصادي وضد المرأة وحقوقها وممارسة التمييز بكل أشكاله وغياب مفهوم المواطنة الحرة والمتساوية من قاموس النخب الحاكمة. إن كل ذلك يصعب إصلاحه ما لم يجر تغيير لتلك القوى التي تمسك بزمام الأمور من خلال الانتخابات وتغيير طبيعة السياسات التي تمارس في البلاد من خلال رفض المحاصصة الطائفية..الخ. وهي مهمة كبيرة تستوجب نضالاً سلمياً وديمقراطياً شاقاً ومعقداً وطويل الأمد.
إن عرض هذه اللوحة الاجتماعية للنخب الحاكمة في البلاد يشير لنا بأن السياسات الاقتصادية التي تمارس في العراق تعتبر من هذا الخليط الاجتماعي المركب وتتجلى فيها العلاقة الجدلية لا بين السياسة والاقتصادية بشكلها العام والظاهر حسب, بل بمضامينها الاجتماعية أو الطبقية التي تحرص على مكافحة الطبقة الوسطى أو البرجوازية الصناعية المتوسطة والطبقة العاملة وفئة المثقفين وتحديث وتنويع القطاع الصناعي وحل المسألة الزراعية وتحديث الزراعية وتنويع بنية الإنتاج الزراعي وتنظيم التجارة الخارجية وتغيير بنيتها لصالح عملية التنمية الوطنية والتصنيع ...الخ.
حين يستطيع المجتمع أن يخلق ميزان قوى جديد لصالح الفئات المنتجة للثروة الاجتماعية, للسلع المادية والروحية, يمكنه أن يشكل عند ذاك ضغطاً على الفئة الحاكمة لتمارس سياسة اقتصادية فيها شيء من الاستقلالية عن مصالح الفئات المالكة لوسائل الإنتاج, أو ما يحقق شكلاً من أشكال التوازن في المصالح بما يسهم في دفع عجلة التطور والتقدم إلى الأمام. ومثل هذه الحالة تستوجب نضالاً شاقاً من جانب القوى المعبرة عن مصالح تلك الفئات لتنعكس في مجلس النواب وفي تشكيلات مجلس الوزراء وفي القوانين والقرارات التي تصدر عن الحكومة ومجلس النواب. وإلى ذلك الحين سيبقى العرق يئن من وطأة المشكلات الراهنة.
 
2 . العلاقة بين إستراتيجية التنمية والخطط الاقتصادية والاجتماعية
حين يكون الحكم على مستوى البلاد والمحافظات بيد هذه الفئات الاجتماعية التي تحدثنا عنها, فلا شك في أن المتتبع سيجد تعبير ذلك في غياب الرؤية العقلانية أو الرشيدة لعملية التنمية الآفاقية وعلى المدى البعيد أو ما نطلق عليه بإستراتيجية التنمية الوطنية التي تمتد لعقدين أو أكثر. وهذا ما نراه اليوم في العراق, إذ في ضوء غياب سياسة اقتصادية ومالية واجتماعية فعالة واقعية يختفي أيضاً التوزيع الرشيد للمهمات والأهداف والتقديرات للاستثمارات على خطط خمسية وسنوية وعلى  مستوى الحكومة الاتحادية والمحافظات مثلاً. وفي غياب إستراتيجية التنمية الوطنية الشاملة وتقدير حاجات البلاد ذات المدى  البعيد للموارد المالية بصورة علمية تقريبية, تغيب أيضاً إستراتيجية السياسية النفطية في البلاد وتتحول إلى تصريحات فارغة وتقديرات متباينة ومزاجية يدلي بها هذا الوزير أو ذاك حول كمية النفط التي يراد استخراجها وتلك التي يمكن تصديرها أو التي يمكن استخدامها في عمليات التكرير أو التصنيع الأخرى. وينطبق هذا على القطاعات الأخرى كالكهرباء مثلاً.
إن هذه الفئات الاجتماعية غالباً ما تكون انتقائية وعفوية وذات رؤية ضبابية لما يفترض أن ينمو ويتطور في العراق حالياً وفي المستقبل. هذا ما عاشت فيه البلاد في فترة حكم القوى القومية والبعثية منذ 1963 حتى سقوط نظام البعث وصدام حسين. لقد امتلكت سلطة حزب البعث جهازاً للتخطيط وكفاءات كبيرة وقيمة وإمكانيات مالية كبيرة ووضعت للعراق خطة بعيدة المدى عمل عليها الكثير من الباحثين الممتازين من أمثال الدكتور عبد الرحمن قاسملو والدكتور صبري زاير السعدي والدكتور جعفر عبد الغني والدكتور كامل العضاض والدكتور فرهناك جلال وعشرات من الخبراء والمختصين غيرهم, إضافة إلى بعض الأجانب, كما وضعت خطط خمسية مهمة, ولكن العفوية والانتقائية والرغباتية كانت سيدة الموقف وهي التي تحدد ما يفترض أن يقام في العراق من مشاريع, وهي التي أبعدت كل الخطط عملياً وتركت صدام حسين وطه ياسين رمضان وعزت الدوري هم الذين يحددون وجهة تطور الاقتصاد باتجاه التصنيع العسكري على وفق الذهنية العسكرية الراغبة في القمع والحرب والتوسع.
ومن يطلع على الخطة الخمسية التي طرحها السيد الدكتور علي بابان سيجد إنها لا تمتلك رؤية مستقبلية ولا تقوم على رؤية إستراتيجية بعيدة المدى ووضعت على عجل. ولهذا فقد افتقدت للكثير من المسائل المهمة التي أشرت إليها في مقال لي حول الخطة الخمسية نشر في موقع الحوار المتمدن وموقعي الخاص. ومع ذلك فقد كانت مبادرة مهمة. ولكن لم يأخذ الحكم الحالي بها لأنه لا يؤمن بالتخطيط ولا يرى ضرورة له ولا منفعة له فيه.
حين تضع إستراتيجية للتنمية الوطنية ستكون بحاجة ماسة إلى معلومات تفصيلية عن واقع العراق الاقتصادي والاجتماعي وإلى رؤية واقعية وصحيحة إلى رؤية ديناميكية للإمكانيات المتوفرة في البلاد من النواحي المالية والفنية والكوادر العلمية والفنية والإدارية والعلاقات العربية والإقليمية والدولية..الخ في حالة حركتها والتغيرات التي يمكن أن تطرأ عليها وان تضع أكثر من احتمال ثم تحاول استخدام عملية التقريب المتتابع للوصول إلى النموذج الأكثر قرباً للواقع القائم والمتغير. ويدخل في التأثير على هذا الأمر الموقف من قضايا مهمة منها مثلاً النموذج الاقتصادي الذي تسعى إليه النخب الحاكمة والموقف من التصنيع والزراعة وبقية القطاعات, وكذلك الموقف من التنمية البشرية ومن البحث العلمي ومن القطاعين الخاص والعام والقطاع الأجنبي ...الخ. وأسمح لنفسي أن أجزم بأن الحكومات الثلاث المنصرمة (علاوي والجعفري والمالكي) لم تكن لديها, كما إن حكومة المالكي الحالية ليست لديها رؤية علمية وواقعية لما يفترض أن تكون عليه إستراتيجية التنمية الاقتصادية والبشرية, ولكن لدى الكثير من الحكام والعاملين في الحكومة وأجهزة الدولة قدرة فعلية خارقة على أساليب وأدوات الاغتناء على حساب المال العام. وهي مشكلة أخرى ترتبط بدورها بالفقرة السابقة, بالطبيعة الاجتماعية للفئات الحاكمة والذهنية التي يتعاملون بها مع الشعب العراقي ومع ثروة البلاد.
وحين توضع إستراتيجية للتنمية الوطنية يفترض أن يؤخذ بنظر الاعتبار الثروة الخامية المتوفرة في البلاد, أي النفط الخام والغاز المصاحب بشكل خاص, إضافة إلى موارد أولية أخرى والموارد البشرية والقدرات العلمية والفنية المتوفرة. وعليه يفترض أن يعتمد المخطط للاقتصاد العراقي على النفط الخام, كمادة أولية, وعلى موارده المالية في التنمية الاقتصادية وتغيير بنية الاقتصاد خلال 25 سنة القادمة. ويمكن العودة في هذا الصدد إلى مجموعة من مقالات الدكتور صبري زاير السعدي ودراسات مهمة لأخوة آخرين.
ولا بد لنا وبالرغم من الأوضاع المرتبكة الراهنة في العلاقات بين العراق والدول المجاورة والعراق والدول العربية, فأن أي إستراتيجية تنموية في العراق يفترض فيها أن تأخذ بالاعتبار التعاون والتنسيق العربي والإقليمي, لأسباب ترتبط بمجموعة من العوامل, سواء أكانت من حيث مستوى التقنيات وحجم رؤوس الأموال وحجم الإنتاج ومستوى الإنتاجية والتكاليف والقدرة على التسويق, خاصة وان العراق يعيش في عصر يزداد عولمة من سنة إلى أخرى ويفترض أن لا ينسى ذلك بغض النظر عن الملاحظات التي يفترض أن توضع على واقع سياسات العولمة الجارية من جانب الدول الرأسمالية المتقدمة التي لا تصب في صالح الدول النامية ومنها العراق, وبشكل خاص من خلال سياسات المؤسسات المالية الدولية ونموذجها للتنمية, تلك المؤسسات التي يتصدرها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة الدولية الحرة.
هناك الكثير من المسائل التي يفترض أن نتطرق إليها في مجال إستراتيجية التنمية, ولكني أكتفي بالإشارة السريعة إلى مسألة تعتبر أساسية بالنسبة للعراق في ضوء عواقب الحروب التي خاضها العراق والتي استخدم فيها السلاح الكيماوي من جانب النظام العراقي وعتاد مشع من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والتي أدت إلى تلوث شديد للمياه والأرض والإنسان. وقد ظهرت أمراض خبيثة عديدة في العراق, وخاصة في جنوبه. ولهذا لا بد للعراق وهو يضع إستراتيجية تنموية أن يفكر بالتنمية الاقتصادية, وباقتصاد النفط الإستخراجي والتصنيعي, التي تقترن بحماية فعلية للبيئة من التلوث بمختلف احتمالاته, وأخص بالذكر هنا موضوع التنمية الصناعية والزراعية بما يحقق التوافق المناسب والمطلوب بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة والطبيعة. إذ بدون ذلك سيتعرض العراق لمشكلات بيئية كثيرة تعرض حياة البشر إلى أخطار كبيرة, كما سيصرف أضعاف ما يصرفه من أموال على التنمية من أجل إعادة تنظيف البيئة التي يصعب عندها تنظيفها من التلوث. إنها عملية ضرورية ما دام الإنسان يريد أن يعيش على الأرض العراقية وينعم بثرواتها الخامية ويبعد عن أجياله الحالية والقادمة أعباء الأمراض الخطيرة والموت المبكر والخسائر المالية الكبيرة بسبب تلوث البيئة.   
انتهت الحلقة الأولى وستليها الحلقة الثانية.
19/5/2011                        كاظم حبيب

332
كاظم حبيب

مصر: الصراعات المريرة وإصرار الشعب على التغيير
1-4
التحرك الشعبي صوب التغيير
عاش الشعب المصري خلال الأشهر والأسابيع المنصرمة, كما يعيش هذه الأيام وسيعيش الأسابيع والأشهر المقبلة في أجواء من الحراك والزخم الثوريين المستمرين اللذين يجسدان الرغبة العارمة والإرادة الفاعلة والتصميم الصارم على مواصلة عملية التغيير الشامل. والنجاحات التي تتحقق يومياً على هذا الطريق تؤكد قدرة الشعب المنتفض, العائد إلى عمله اليومي الاعتيادي والمستعد للعودة إلى ميدان التحرير وغيرها من ميادين مصر في كل لحظة إن استدعت الضرورة, على تحقيق المهمات الكبيرة التي تواجه الدولة بسلطاتها الثلاث والمجتمع بكل مكوناته. ولم تكن هذه الانتفاضة الشبابية والشعبية عفوية بالمعنى المتداول والذي يتكرر كثيراً في هذه الأيام, سواء أكان ذلك في الصحف أم في وسائل الإعلام الأخرى أم في بعض أحاديث الناس, كما إنها لم تكن بفعل تخطيط مسبق من الأحزاب والكتل السياسية المعارضة للسلطة السياسية, سواء أكانت تلك التي قاطعت الانتخابات الأخيرة والمزيفة, أم التي شاركت بها بفعل مساومات سيئة عقدت مع الحزب الوطني الحاكم بأمل الحصول على عدة مقاعد في البرلمان كان من شأنها أن تفيد النظام بالادعاء بنزاهة الانتخابات وتساهم في تبرئة النظام من التزوير المفضوح والمخجل, كما حصل لحزب التجمع الوطني بقيادة الدكتور رفعت السعيد. لقد جاءت هذه الانتفاضة الاحتجاجية الشعبية التي فاجأت كل الأحزاب السياسية والقوى الحاكمة في آن واحد بعد سلسلة من:
** المظاهرات والإضرابات المهنية والاعتصامات العمالية وقوى النقابات والجمعيات والاحتجاجات الشديدة على صعيد مصر كلها منددة بالبطالة والفساد والفقر وظلم الأجهزة القمعية كلها وتزوير الانتخابات. ونشير هنا بشكل خاص إلى الحركات السياسية والاجتماعية التي بدأت بشكل خاص منذ العام 2004, ومنها حركة كفاية التي رفعت شعار "لا للتمديد..لا للتوريث" لرئاسة جمهورية مصر العربية, وكانت تطالب بتعديل مواد في الدستور لتغيير أسس وأسلوب انتخاب رئيس الجمهورية, وكانت تضم أعضاءً من مختلف الأحزاب السياسية ومن المستقلين, إضافة إلى حركة 6 أبريل/نيسان 2006 العمالية التي شملت كل عمال النسيج ثم أسست حركتها النقابية المستقلة عن الاتحاد العام للعمال الرسمي في العام 2008.  
** المذكرات الاحتجاجية التي كانت ترفعها الأحزاب السياسية المعارضة إلى رئيس الدولة والحكومة حول الوضع السياسي السيئ والمتدهور القائم في البلاد.
** الكتب الكثيرة التي صدرت عن كُتَّاب وكاتبات في مصر والخارج كانت كلها تؤكد تدهور أوضاع الشعب والفجوة المتسعة باستمرار بين السلطة والشعب وعن السلبيات التي تميز النظام. كما يمكن متابعة ذلك من خلال مراجعة المجلات والصحف المصرية خلال السنوات العشر أو الخمس الأخيرة.
** تقارير المنظمات الدولية حول الأوضاع الاقتصادية المتدهورة والبطالة الواسعة والفقر الذي شمل مجموعات كبيرة من السكان والتي يمكن أن تشكل مؤشراً على رفض المجتمع للسياسة الاقتصادية والاجتماعية والفساد السياسي للنظام المصري.
** تقارير منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني على الصعيدين المحلي والإقليمي والدولي التي كانت تؤكد على مصادرة حقوق الإنسان والحريات العامة والديمقراطية وعلى الأساليب القمعية التي تمارس ضد الأفراد والمجتمع وضد السجناء السياسيين وسجناء الحق العام, إضافة إلى تفاقم مظاهر الفساد والارتشاء في أجهزة الدولة والغنى الفاحش والنهب والسلب لأموال الدولة وعقاراتها من جانب الفئة الحاكمة وكبار مالكي وسائل الإنتاج.
إن كل ذلك وغيره لم يجلب انتباه السلطة الغارقة في فسادها وتسلطها وقمعها للشعب في كونها تمارس إهانة كبيرة ومتواصلة لكرامة الإنسان المصري والمجتمع في آن واحد. مما وفر مستلزمات الانتفاضة الشعبية ونجاحها من الناحيتين الذاتية والموضوعية.
فلو تتبعنا مسيرة الانتفاضة الشعبية لوجدنا إنها في البداية كانت قد توجهت ضد ممارسات وزير الداخلية حبيب العادلي وأجهزته القمعية والمطالبة بعزله ومحاسبته والتحقيق في قضية مقتل المواطن خالد سعيد في الإسكندرية, كما حصل قطع إذن المواطن المسيحي أيمن أنور لأسباب طائفية وفرض التنازل عن حقه بأساليب خبيثة وتحت التهديد بالقتل, ولكن كل ذلك وغيره قد تطور وتجلى بشكل أكثر وضوحاً وقوة في الشعارات الأساسية الثلاثة التي رفعها شباب الانتفاضة وهي:
"الحرية - العدالة الاجتماعية - الكرامة الإنسانية".
ولم يكن بينها أي شعار يدعو إلى إسقاط رأس النظام, محمد حسني مبارك, أو إلى إسقاط النظام, إذ كانت الخشية ما تزال تسيطر على أذهان الناس. ولكن السلوك المشين الذي انتهجه النظام في مواجهة مطالب الشبيبة والأساليب القمعية التي مارستها أجهزته بعد حمام الدم الذي أودى بحياة المئات من المواطنين العزل خاصة في يوم 28/يناير/2011 ارتفع بسرعة فائقة سقف مطالب المتظاهرين المحتجين الذين تجمعوا في ميدان التحرير للتوجه ضد ممارسات وزير الداخلية حبيب العادلي وأجهزته القمعية والمطالبة بعزله ومحاسبته والتحقيق في قضية مقتل المواطن خالد سعيد في الإسكندرية وسرعان ما اتجه الاحتجاج الشعبي ضد وجود رأس النظام, ومن ثْمَ النظام كله.  
إن هذه الانتفاضة الشعبية العارمة استطاعت إسقاط حسني مبارك وحكومته, ولكنها لم تسقط النظام السياسي بكل مكوناته حتى الآن, إذ إن العملية ما تزال تسير ببطء واضح يعكس الصراع الدائر على مختلف المستويات. ولكن الثوار الذين سعوا وما زالوا يسعون إلى تحويلها إلى ثورة شعبية حقيقية, يخوضون اليوم صراعات مريرة لتغيير جاد وفعلي في موازين القوى لصالح أهداف الشعب وتغيير بنية النظام السياسي وأجهزته وشخوصه, وهي عملية معقدة وطويلة نسبياً وقابلة للمد والجزر, إذ إن القوى التي فقدت رئيسها ومجموعة مهمة من النخبة الحاكمة والمحيطين بها ما تزال تقاوم وتستعين بشتى القوى الداخلية والإقليمية والدولية لتأخير المسيرة الثورية للشعب المصري بأمل تغيير الوجهة والعمل على قاعدة خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء. ولكن المجتمع المصري يعيش اليوم حالة ثورية أخرى هي الدفع باتجاه السير خطوتان إلى الأمام, ومن ثم التصدي لمحاولات قوى الردة لتعطيل العملية السياسية ودفعها للمراوحة في مكانها والتباطؤ في تنفيذ مضمون الخطوتين بأمل إعادة العجلة بخطوة إلى الوراء.  
إن الصراعات الجارية في مصر مريرة حقاً حيث تلعب الأجهزة الحكومية, رغم الضربات التي ألحقت بها, دوراً كبيراً فيها وتبذل جهوداً استثنائية لإعاقة المسيرة, وتجد لها صدى استحسان وتدخل غير مباشر من جانب قوى داخلية, مؤامرة حرق الكنيسة المسيحية في محاولة جادة لإثارة الصراع الديني في مصر من جديد, وقطع أذن المواطن المسيحي أيمن أنور متري لأسباب طائفية وفرض التنازل عن حقه بأساليب خبيثة وتحتد التهديد بالقتل وبحرب طائفية ضد المسيحيين في منطقة سكنه, وعربية من جانب المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة بشكل خاص, ودولية من جانب الولايات المتحدة الأمريكية بشكل ملموس بسبب التأثير المعروف للإدارة الأمريكية على القوات المسلحة في مصر منذ أيام السادات ومبارك. إن الدول الأكثر قلقا في المنطقة من التحول الديمقراطي في مصر هما السعودية ودولة الأمارات اللتان كانتا تلحان على الولايات المتحدة لكي تحول دون إسقاط مبارك. وتمارسان اليوم ضغوطا متزايداً على القيادة العسكرية المصرية للجم التطور الجاري نحو الديمقراطية. وتتراوح الضغوط بين التلويح تارة "باستخدام العصا وتارة أخرى بتقديم "الجزرة" وبالتحديد من التهديد بإجراءات ضد العمالة المصرية في تلك البلدان، التي تمثل تحويلاتها المالية احد المصادر الرئيسية للدخل القومي المصري، ومن جهة أخرى تلوحان بتقديم مساعدات مالية سخية في حالة الاستجابة لمطالبهما. وفي المقابل تواجه قوى الثورة المضادة صعوبات جمة في تغيير الدفة بسبب حركة وفعل الثوار الشباب المحصنون بمناعة جيدة قادرة على إحباط تلك الجهود ما لم تدخل عوامل سلبية إضافية على الوضع العام لتؤثر على وجهة المسيرة. فالمعطيات التي بين أيدينا متحركة ومتغيرة ولكنها تؤكد في المحصلة النهائية قدرة الثوار على كسب المعركة باتجاه التغيير وتحقيق النصر.
تواجه القوى الثورية مهمات كبيرة ناشئة عن المعاناة التي ما تزال موجودة, إذ إن الفعل الثوري لم يستطع حتى الآن تحقيق التغيير العميق والمنشود لإزالة العوامل التي كانت من أسباب الانفجار الثوري للشبيبة والشعب الكادح وفئات واسعة من البرجوازية الوطنية بقايا الفئات المتوسطة والصغيرة في المدينة على نحو خاص.
العوامل الكامنة وراء الفعل الثوري للشعب المصري
إن المعاناة التي يجري الحديث عنها في مصر نشأت بفعل عوامل كثيرة جسدت المرارة الشديدة التي كان الشعب المصري في غالبيته يعيش تحت وطأتها يومياً وفي كل ساعة ولحظة وتتجلى في مزاجه اليومي, رغم خفة دم المصريين, والتي لا يمكن لكل إنسان عاقل أن لا يراها ويسمع شكواها في البيت والشارع وفي الأحاديث الغنية بمضامينها وتعدد وجهات النظر وعمق الكثير منها لسائقي سيارات الأجرة "التاكسيات" من مختلف الأعمار وفي الجامعات والكليات والمعاهد الفنية والمهنية وفي مواقع العمل في المدينة والريف وصغار الموظفين والعاملين في قطاع الخدمات والإنتاج الخاص والحكومي ... الخ. وكان الحكام الذين رفضوا الإصغاء إلى صوت العقل وإلى أحاديث المجتمع, لكي لا يخدشوا أذانهم بالنقد الصريح والصادق والمستمر, قد فقدوا البصيرة والبصر حقاً, إنهم الحكام المخلوعون في مصر الذين تجبروا وطغوا, فسدوا وأفسدوا, ونسوا أنهم من هذا الشعب ويتحملون مسؤولية الحكم لصالح الشعب وليس لصالحهم كأفراد وكفئة حاكمة أو لصالح الأغنياء المتخمين بالمال والسحت الحرام. فمن تسنى له الحديث مع جمهرة كبيرة من المصريين خلال الفترة التي سبقت الانتفاضة الشعبية في الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير 2011 يمكنه تلخيص العوامل التالية باعتبارها الأسباب المباشرة لما حصل وما سيحصل في مصر أيضاً:
1 . غياب الحريات العامة وحقوق الإنسان والديمقراطية وحرية المرأة وسيادة الرجل الواحد والحزب الواحد وأجهزة الأمن القمعية التي كانت تمارس الاعتقال الكيفي والتعذيب أثناء التحقيق وفي السجون ومصادرة فعلية تامة.
2 . استخدام قوانين جائرة, ومنها بشكل خاص قانون الطوارئ, المناهضة لحقوق الشعب وحقوق المواطنة والأفراد من خلال تطبيقها بتعسف شديد هيمنت على حياة الشعب المصري والحياة السياسية طيلة عشرات السنين.
3 . تراجع شديد في ممارسة الحياة الدستورية والمؤسساتية وتشويهها وإلحاق المزيد من الأضرار السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية بالمجتمع وتسيير شؤون الدولة في غير صالح المجتمع وتزوير الانتخابات العامة بشكل صارخ ودون حياء.
4 . الفقر الواسع الانتشار في الريف والمدينة والذي يشمل ما يقرب من نصف المجتمع المصري (48%), وهم الذين يعيشون تحت خط الفقر ونسبة أخرى على خط الفقر أو فوقه بقليل والذي يجده الإنسان في العشوائيات المحيطة بالمدن وفي المقابر التي تضم أكثر من 4 ملايين مواطنة ومواطن في القاهرة وحدها.
5 . غياب الطبقة الوسطى من الخارطة الاجتماعية في مصر, وهي تأكيد لما كتبه الصديق الفقيد الدكتور رمزي زكي في كتابه الموسوم "وداعاً للطبقة الوسطى" في مصر, والتي انحدر أفرادها إلى الفئات الاجتماعية الكادحة والفقيرة, كما انحدرت فئات أخرى في مستوى حياتها ومعيشتها إلى ما يطلق عليه بالبروليتاريا الرثة.
6 . الفجوة الكبيرة والمتسعة باستمرار بين مستوى معيشة وحياة الغالبية العظمى من السكان الفقراء المدقعين الذي لا يزيد دخلهم اليومي عن دولار أو دولارين والأغنياء المتخمين الذين يكدسون المليارات في حسابات محلية وخارجية.
7 . الفساد المنتشر كنظام معمول به في أوساط الفئة الحاكمة والكومبرادور والأغنياء وكبار أصحاب رؤوس الأموال بحيث أصبح ومنذ عقود يلتهم نسبة مهمة من الدخل القومي المنتج في مصر, كما يلتهم جزءاً مهماً من المعونة المالية التي كانت تقدم من الخارج لمصر سنوياً وكانت تستخدم لصالح الفئة الحاكمة ومن حولها. ولم يكن مخطئاً من قال أن السمكة تتعفن من رأسها وتنتهي إلى ذيلها أو الشاعر الذي قال:
إذا كان رب البيت بالدف ناقراً       فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
8 . البطالة المكشوفة التي تشمل نسبة عالية من القادرين على العمل, وبشكل خاص وسط الشباب المصري والخريجين منهم على نحو خاص, إضافة إلى وجود بطالة مقنعة مجهدة للاقتصاد الوطني.
9 . التمييز الصارخ بين الناس على أساس الطبقة والفئة الاجتماعية وعلى أساس الحزبية لصالح الحزب الذي حكم مصر عقوداً عديدة رغم التغيرات التي طرأت على اسم هذا الحزب. وكذلك التمييز بين الناس على أساس الدين والمذهب أو الطائفة التي بدأت تجر المجتمع دون وعي بمخاطره الكبيرة على النسيج الوطني للمجتمع المصري.
10 . الاستغلال الفاحش المسلط على رقاب الناس منذ عقود وجور الفئة الحاكمة والجماعات المالكة لوسائل الإنتاج وإيغالها في إفقار المجتمع والدخل القومي لصالحها. لم تعرف مصر في ظل حكامها العدالة الاجتماعية, سواء أكان ذلك في عملية توزيع الدخل القومي أم في إعادة توزيعه أم في سبل ومضامين استخدامه.
11 . النضال الذي خاضته الجماعات المعارضة ساهم في تراكم النضال ضد المعاناة العامة والرغبة في الخلاص, بالرغم من مساوماتها الواضحة مع الحكم.
12 . ومما زاد في الطين بِلة استمرار حسنى مبارك ما يقرب من ثلاثة عقود من السنين العجاف في الحكم ثم أراد بكل السبل التمديد ومن ثم توريث الحكم لأبنه جمال مبارك مما أثار ليس غضب المعارضة السياسية المصرية فحسب, بل وكافة بنات وأبناء الشعب المصري. فالحكم الجمهوري أريد له أن يتحول إلى نظام "حكم جمهو-ملكي", كما حصل في سوريا وكما كان يراد أن يحصل في ليبيا واليمن على سبيل المثال لا الحصر.  
13   . وقد تميزت السياسة الإقليمية والدولية لمصر بالمساومة والانتهازية الجارحة لكرامة شعب مصر في قضايا عربية وإقليمية ودولية لم تكن تعبر عن إرادة ومصالح الشعب المصري بل عن حسابات قصيرة المدى وضيقة الأفق ومؤذية للمجتمعات العربية.
إن كل ذلك قد تسبب في إصابة كرامة المصريات والمصريين بجروح عميقة وكبيرة لم يستطع الشعب تحملها. ومن هنا يمكن الاتفاق مع النص الوارد في تقرير لجنة تقصي الحقائق المصرية حول أحداث ثورة 25 يناير 2011 حين أكد ما يلي:
"إن ثورة 25 يناير 2011 ثورة اجتماعية كاملة بمعنى الكلمة إذ شكلت حدثاً فاصلاً بين عهدين ونقلة كبيرة بين نظامين. وكانت هناك عوامل بمثابة الوقود الذي أشعل هذه الثورة يمكن إيجازها في : الفساد السياسي وغياب شبه كامل للحريات العامة والأساسية وصنع ديمقراطية ديكورية فقط لم يتفاعل معها الشعب المصري, وغيبة العدالة الاجتماعية وبروز الفوارق الشاسعة بين الطبقات حتى صارت تقريباً طبقتين فقط وتخلي النظام السابق نهائياً عن مسئولياته السياسية والاجتماعية تجاه المواطنين وانتشار الرشوة والمحسوبية حتى أصبحت لغة وثقافة متعارف عليها يومياً في حياة المصريين والقمع الأمني الذي استخدمه النظام في تمرير مشاريعه وإسكات الأفواه المعارضة له, والتضليل الإعلامي وتفريغ الحقائق من مضمونها. ". (راجع: سناء مصطفى, متابعة, جريدة الوفد, الأربعاء 20 أبريل 2011. القاهرة. ص5).      
وفي لحظة من لحظات التاريخ المشرقة للشعب المصري التقى العامل الموضوعي بالعامل الذاتي وجاءت الشرارة المطلوبة عبر انتفاضة تونس لتحرك الشباب صوب التجمع والاحتجاج بمطالب اجتماعية عامة ومعروفة ومعبرة عن الحاجة الملحة وضد المظالم التي يعاني منها الشباب.

الشرارات التي فجرت الانتفاضة الشبابية  
ويشير الكثير من المشاركين في مظاهرات الشباب المصري والقوى السياسية الأخرى إلى أحداث عدة باعتبارها كانت القشة التي قصمت ظهر البعير من بين كثرة من المحفزات المهمة الأخرى التي ساهمت في تفجير الوضع في مصر, وهي:
1) حادث تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية في صبيحة عيد رأس السنة الميلادية في الأول من كانون الثاني/يناير 2011 والتي أثارت الشباب من المسيحيين والمسلمين والكثير من نساء ورجال الشعب والتي أكدت عجز أجهزة الأمن والشرطة من حياة الناس ودور العبادة ومخاطر تفاقم المشاعر الطائفية والتمييز الديني. (راجع: (راجع: د. عمرو هاشم ربيع, ثورة 25 يناير (قراءة أولية ورؤية مستقبلية), مطابع الإهرام التجارية-قلوب- مصر. مارس 2011. الفصل الثالث. موقف الأحزاب السياسية. بقلم هاني الأعصر. ص 65-78).
2) قتل المواطن المصري خالد سعيد لتصويره بشكل سري أفلام فيديو تكشف بشكل موثق الفساد الفاحش المنتشر في أوساط أجهزة الشرطة, وخاصة المخدرات, من قبل جهاز الشرطة في الإسكندرية ثم وضع مخدرات في فمه بعد موته لاتهامه بالتعامل بها. وقد اعتبر المصريون أنفسهم مستهدفين من قبل النظام وأجهزته بشكل مباشر ونشأ بسبب ذلك الموقع الإلكتروني الذي أُطلق عليه "كلنا خالد سعيد".
3) عودة الدكتور محمد البرادعي إلى مصر وطرحه مسائل مهمة قبل الانتخابات وفي حملات الاحتجاج والتظاهرات المصرية التي شارك فيها منذ العام 2010 وعجز النظام عن اتخاذ إجراءات مباشرة ضده بسبب مكانته الدولية والتفاف الشبيبة حوله. لقد طلب البرادعي من الشبيبة المصرية العمل من أجل تعبئة عدد كبير من المتظاهرين يصل إلى مئة ألف إنسان, إذ عندها يمكن تحدي السلطة السياسية وأجهزتها الأمنية, إذ لا يمكن تحدي السلطة بمئات المتظاهرين, وبالتالي يمكَّن النظام البوليسي من إرسال المئات من قوات الأمن والشرطة لتطويق المتظاهرين وتفريق المظاهرات, في حين تعجز عن تحقيق ذلك حين تكون التعبئة واسعة. وهذا ما تحقق فعلاً. ولكن البرادعي كان متردداً وقلقاً وترك مصر, ولكنه عاد حين انطلقت الانتفاضة فعلياً.

4) الثورة التونسية التي أطاحت بسرعة فائقة بـرئيس الجمهورية التونسية الدكتاتور زين العابدين بن علي التي منحت المصريين الثقة بقدرتهم الفعلية على النهوض بالمهمة, فما حصل في تونس يمكن أن يحصل في مصر أيضاً. وهو الذي حصل فعلاً.    
وكعادة النظم المستبدة لم يحتمل النظام المصري هذه التجمعات والمظاهرات فارتكب جريمة الاعتداء على المتظاهرين والمتجمعين في ميدان التحرير ككل المرات السابقة التي كان يمارس فيها القمع وبقية الأساليب الوحشية في مواجهة مطالب الشعب ولم يدرك حقيقة نضوج العوامل الذاتية والموضوعية التي يمكن أن تفجر مكامن الشعب وتطلقه كالبركان الثائر لتحرق ظالميه وسارقي قوته وحياته.
انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية وهي بعنوان: "من هم الشباب الذين فجروا الانتفاضة الشعبية؟"
القاهرة في 18/4/2011                  كاظم حبيب





كاظم حبيب
مصر: الصراعات المريرة وإصرار الشعب على التغيير
-2-
من هم الشباب الذين فجروا الانتفاضة الشعبية؟
لعب الشباب المتعلم والمدرك لمشكلات الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي في مصر والمتطلع للخلاص من هذا الواقع المزري وتكريس مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وتوفير فرص عمل للعاطلين ومكافحة الفساد السائد دوراً طليعياً ومقداماً في تفجير وقيادة الانتفاضة الشعبية, سواء أكان باستخدام التقنيات الحديثة وممارستها بوعي ومقدرة لتحقيق شبكة واسعة من الصلات عبر أدوات التواصل الاجتماعي وتبادل المعلومات وتطوير العلاقات وبلورة الأهداف والمهمات والاستفادة من تجارب شعوب أخرى, أم بتعبئة القوى الشبابية لتنظيم التجمع والتظاهر في يوم 25/1/2011 من أجل خوض عملية التغيير. لم يكن في بال منظمو هذه العملية أن يتحقق ما تحقق لهم, ولكن سلوك النظام وتداعيات الوضع هي التي سمحت بهذا التصعيد الثوري الناجح. وبهذا الصدد صرح الناشط السياسي وائل غنيم قائلاً بـ "إنه لم يكن يتصور هو ومن معه أنّ الأمر سيصل إلى إسقاط الحكومة بالفعل وتنحى الرئيس. فقط أرادوا أن يضغطوا على الحكومة ليتفاوضوا ويحسنوا أداءهم. لكن الإقبال الشعبى دفع الشارع إلى الارتفاع بسقف مطالبه". (راجع: صحيفة شروق آخر تحديث: الاحد 24 ابريل 2011. القاهرة).
 لم تخرج تلك المظاهرات عن الشعارات التي أشرنا إليها في المقدمة وعن طابعها السلمي, بل حافظت عليه بقوة, ولكنها أبدت استعداداً عالياً للدفاع عن نفسها وعن المهمات التي خرجت من أجلها. كان المتظاهرون في الغالب الأعم من النساء والرجال الشباب الذين نصبوا الخيام في ميدان التحرير والذي أُطلق عليه أخيراً اسماً مرادفاً هو "ساحة الشهداء" لكثرة المناضلين الذين سقطوا برصاص الشرطة القناصة والبلطجية. ووفق المعلومات التي توفرت لدى لجنة تقصي الحقائق المصرية فأن الأوامر باستخدام العتاد الحيَّ وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين وإبعادهم عن ميدان التحرير قد صدرت عن أعلى سلطة في البلاد, عن رئيس الجمهورية, محمد حسني مبارك, ووزير الداخلية حبيب العادلي. (راجع: تقرير لجنة تقصي الحقائق حول أحداث ثورة 25 يناير. جريدة الوفد, الأربعاء المصادف 20 أبريل 2011, ص 5). وقد مورس هذا الفعل الإجرامي من جانب قناصة أجهزة الأمن القمعية والشرطة بصورة متوحشة من على سطوح العمارات المحيطة بالميدان ومن شِرف البيوت المطلة على ميدان التحرير والشوارع الفرعية ومن على جسر 6 أكتوبر الذي يمر بميدان التحرير. ونتيجة ذلك أُجبر المتظاهرون والمتجمعون على مغادرة ميدان التحرير في تلك الليلة ليعودوا لاحقاً بزخم أكبر وأروع.
والمتتبع لهذه الأحداث يدرك تماماً بأن ليلة الخامس والعشرين على السادس والعشرين من شهر كانون الثاني/يناير 2011 كانت في واقع الحال:
** بداية النهاية والعد التنازلي المتسارع لرأس النظام وحاشيته وحكومته.
** إذ بعدها مباشرة رُفع شعار "أرحل .. أرحل يا مبارك" و كذلك شعار "الشعب يريد إسقاط النظام".
** التفاف متعاظم لفئات الشعب حول المتظاهرين لإدراكهم كون النظام لم يعد قابلاً للإصلاح ولم يعد مؤهلاً للبقاء وأنه يستهدف المتظاهرين فرددوا بقوة وبجوقة إنسانية رائعة وصوت هادر ذات الشعارات التي رفعها المتظاهرون "أرحل...أرحل .." مضافاً إليها شعارات الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وإقامة المجتمع المدني الديمقراطي الحديث وحقوق الإنسان وضد الفساد ...الخ.
فما أن نزف الدم في شوارع مصر حتى هبَّ الشعب المصري كله فكان الثامن والعشرون من شهر كان الثاني/يناير 2011 حيث تَجمعَ المحتجون ضد أساليب العنف والقمع التي مورست ضدهم. لم يكن النظام قادراً على استيعاب تجربة تونس واعتقد بأن الشعب المصري يختلف عن الشعب التونسي وأن محمد حسني مبارك يختلف عن زين العابدين بن علي وكذلك الاختلاف في الأجهزة القمعية, إذ سارع إلى استخدام أساليب القمع المعتادة, فزج بقوات الأمن وجماعات البلطجة المتفسخة في ميدان التحرير والشوارع المحيطة به لتفريق المتظاهرين بكل قسوة, كما فعل زاهدي وقوام السلطنة في إيران بدعم من الولايات المتحدة وبريطانيا في العام  1953 حين أنزلوا جماعات البلطجة ليفرقوا المتظاهرين ويسقطوا حكومة الدكتور محمد مصدق.
في هذه الليلة كان السقوط الفعلي لرأس النظام المصري والحكم الاستبدادي في مصر, لقد داست قوى النظام بغطرستها واستعلائها المشينين على العصب السحري الحساس للإنسان المصري, على كرامة المصريين في تلك الليلة التي أُطلق عليها "موقعة الجمل" إذ لم يُنزف الدم المصري مدراراً فحسب, بل وأهينت كرامة الإنسان المصري الذي لم قادراً على تحملها, فكانت الحرائق في أكثر من 80 مركزاً للشرطة في القاهرة وأكثر من 1200 مركزاً في جميع أنحاء مصر, وكان الغضب قد تفجر ولم تنفع مسكّنات النظام في تهدئة الشعب, فكان بعدها السقوط والتداعيات المستمرة حتى الآن, كما فشلت مؤامرة سحب الشرطة من المدن لنشر الفوضى في البلاد مما يستوجب زج الجيش ضد الشعب المنتفض.    
وفي الوقت الذي كان الشباب المصري الذي فجر الانتفاضة الشعبية يسعى لتحويلها إلى ثورة شعبية جذرية, كانت قوى النظام المنهارة تسعى في الوقت ذاته إلى إعاقة هذه العملية وإجهاض جهود الشباب أو إيقاف زخم الثورة وجعلها تسير على طريقة "خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء" من أجل سرقة الثورة بثورة ردة غير مباشرة, خاصة وإن قوى الردة كانت ما تزال تمتلك قوى غير قليلة معششة في أجهزة الدولة. إنه الصراع الراهن المحتدم حقاً والذي سيستغرق وقتاً غير قصير. إلا إن هذا الصراع لا يجري بين قوى محلية مؤيدة ومعارضة فحسب, بل وتشارك فيه قوى وحكومات عربية وإقليمية غير قليلة تخشى على نظمها الجائرة من ذات المصير, إضافة إلى قوى دولية غير قليلة.  
والسؤال المهم الذي يواجه المتتبع لما جرى في مصر هو: من هم هؤلاء الشباب الذين فجروا هذه الثورة الشعبية الجديدة في قواها وأساليب وأدوات فعلها؟

قوى الانتفاضة
تؤكد المعطيات التي تحت تصرف الكاتب حتى الآن إن الشباب الذين خرجوا إلى الشوارع والتقوا في ميدان التحرير وفي شوارع وميادين أخرى في القاهرة وفي عموم المدن المصرية هم من الشباب المستقل الذي في غالبيته العظمى لم ينتم أو يرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بحزب سياسي أو منظمة سياسية. لقد تشكلت عبر السنوات الأخيرة مجموعات شبابية ترتبط في ما بينها عبر شبكات الإنترنيت وما يطلق عليه بالتواصل الاجتماعي (الفيسبوك والتويتر) ومن خلالها كانت تتبادل المعلومات والأخبار وتتحدث عن المشكلات وتعلق عليها وتنشرها على نطاق واسع. وبمرور الأيام اقتربت هذه الشبكات من بعضها لتشكل مجموعات كبيرة ذات وجهات نظر متقاربة ولكنها لا ترتبط بالأحزاب والكتل السياسية بأيديولوجياتها المتعددة. وهذا الاستنتاج لا يعني غياب كلي لشبيبة هذا الحزب أو ذاك, ولكن التحرك كان من حيث المبدأ مستقلاً عن الأحزاب وعبر أهداف ومهمات وطموحات مشتركة بلورها الشباب أنفسهم. وغالباً ما كانت المشكلات الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع هي المحرك لكل ذلك مثل: البطالة الواسعة وبطالة الخريجين على نحو خاص والرواتب القليلة وأزمة السكن وعدم القدرة على الزواج بسبب متطلباته غير المتوفرة لهم, ومشكلات الفقر والحرمان والفجوة المتسعة في مستويات معيشة الفئات الاجتماعية والأجور والرواتب الشهرية البائسة لغالبية صغار ومتوسطي الموظفين والعاملين في القطاع الخاص ومساومة الاتحاد العام للعمال الرسمي لصالح الحكومة وابتعاده عن جماهير العمال, إضافة إلى مشكلات الفساد والرشوة التي يفرضها الموظفون على أصحاب المعاملات في الدوائر الحكومية... الخ. وكذلك الشكوى المرة والمديدة من عمليات الاعتقال الكيفي أو الاعتباطي دون قرارات من قضاة تحقيق أو ممارسة أسوأ وأقسى أساليب التعذيب في المعتقلات والسجون أو حتى الموت تحت التعذيب بسبب غياب الحريات العامة وما يعانيه الإنسان من تعسف المسؤولين في مختلف المستويات وقسوة أجهزة القمع وساديتها المرضية.
إن المعطيات التي تحت تصرف الكاتب تشير إلى أن أغلب الداعين والمشاركين في التجمع والتظاهر في يوم 25/1/2011 هم:
** من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16-35 سنة, أي من الطلبة والمتعلمين والخريجين وصغار الموظفين والمستخدمين والقادرين من الناحية المالية أو الوظيفية على استخدام الكومبيوتر والإنترنيت وأدوات التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك والتويتر وغيرها من وسائل الاتصال ونقل المعلومات الحديثة.
** كما إن أغلبهم من الفئات الوسطى والصغيرة في المجتمع, سواء أكانوا من أبناء وبنات الموظفين أم من صغار المنتجين والكسبة والحرفيين. ولا يخل في هذا الاستنتاج وجود طلبة وعمال ومجموعات من بنات وأبناء فئات ميسورة كانت تشعر بالكارثة المحدقة بالمجتمع المصري والدولة المصرية وتساهم في إيقافها.
** وشارك في هذه الفعاليات في البداية عدد قليل من العمال الواعين الذين تركوا قيادات نقاباتهم المساومة مع السلطة في غير صالح الشعب. وتشير المعلومات المدققة إلى أن قادة النقابات الرسمية نزلوا في يوم 25/1/2011 بشعارات ودعاية مضادة تدعو المشاركين في التظاهرة إلى ترك التظاهر وميدان التحرير والعودة إلى  بيوتهم بأمر من أسيادهم الحكام.
** ولا بد من الإشارة هنا إلى أن قوى حركة "كفاية", التي تأسست في العام 2004 والتي كانت ضد التمديد والتوريث لانتخابات رئاسة الجمهورية, قد شاركت أيضاً إلى جانب قوى حركة 6 أبريل 2006 التي جسدت مطالب عمال النسيج, كما شاركت جماعة حركة 19 مارس.    
** وإذ كانت هذه الانتفاضة قد بدأت واستمرت في المدن المصرية الكبيرة, فأن الريف وقوى الفلاحين, وبشكل خاص في الصعيد, لم تشارك فيها بشكل عام, في حين كانت هناك مشاركة وصدامات في الوجه البحري. ومن هنا يمكن القول بأن هذه الانتفاضة كانت وما تزال مدينية بامتياز.
وإذ اقتصرت الفترة الأولى من المظاهرات على مشاركة الجماعات المشار إليها في أعلاه, فأن التطور المتسارع للأحداث قد جرَّ إليه المزيد من الناس من مختلف الفئات الاجتماعية التي كانت تعاني من عنت وجور وموبقات النظام السياسي الحاكم حينذاك. فكثرة من الطلبة والمثقفين والمعلمين وأساتذة الجامعات والمعاهد والمهندسين والأطباء والاقتصاديين والفنانين والصحفيين وجمهرة من العمال قد شاركوا في هذه التظاهرات المليونية التي هزت النظام من جذوره المتعفنة والمهزوزة وأسقطته. كما شارك في ما بعد أعضاء من بعض الأحزاب السياسية مثل حزب الوفد وحزب التجمع. أما الأخوان المسلمون فقد شارك الشباب منهم بصفة فردية وبعيداً عن قياداتهم التي لم تكن ترغب بالتورط بمشكلات إضافية مع الحكومة المصرية فانتظرت لترى وجهة تطور الأحداث. وكان الموقف انتهازياً بامتياز. ومع ذلك فقد كان لدخول الأخوان في 28/1/2011 تعزيزاً لقوى الانتفاضة خاصة وأنهم أكثر تنظيماً وأكثر استعداداً لمواجهة قوى الشرطة وأجهزة الأمن بعنف.
انتهت الحلقة الثانية وتليها الحلقة الثالثة بعنوان: " مستوى ومدى التغيير".
القاهرة في 20/4/2011                     كاظم حبيب
      
 
مصر: الصراعات المريرة وإصرار الشعب على التغيير
-3-
مستوى ومدى التغيير وقواه الفعلية
 قطعت الانتفاضة الشعبية شوطاً متقدماً في العملية الثورية الجارية في مصر التي تميزت بالفعل السلمي من جانب الشعب وبالعنف والعدوانية واستخدام السلاح والقتل من جانب قوى النظام فسقط الرأس المخرف وتساقطت رؤوس أخرى ولم تنته بعد عملية تغيير النظام جذرياً. وقد كلفت هذه الانتفاضة الشعب المصري حتى الآن 846 شهيداً وأكثر من 6467 إصابة على وفق ما جاء في تقرير تقصي الحقائق من بين المتظاهرين غير المسلحين, وهي مجزرة وجريمة بشعة ارتكبها رئيس النظام المخلوع ووزير داخليته وبقية النخبة الحاكمة. (راجع: جريدة الأَهرام. الأربعاء 20أبريل 2011. المشهد السياسي, ص 4 , وكذلك جريدة المصري اليوم. التاريخ نفسه).
لقد تزعزعت أركان النظام وتهشمت بعض جوانبه وتداعت قواه ولكنها لم تفقد كل ما لديها من قوى وقدرات على التخريب والتآمر والتعويق من خلال قوى لها في أجهزة الدولة والحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية, إذ بدأت, بعد أن صحت من هول الضربة التي أطاحت بالرئيس وأبنائه ومن هم حوله ومثولهم أمام التحقيق والحبس على ذمة التحقيق, بإعادة تنظيم صفوفها والتحول التدريجي صوب التخريب من الباطن ومحاولة تجزئة القوى المناهضة للحزب الوطني الحاكم الذي حل أخيراً بقرار من محكمة مصرية, وهي ما تزال قادرة على فعل الكثير ضد منجزات الانتفاضة الشعبية السلمية. وفي هذا الصراع الجاري يطرح المشهد السياسي والاجتماعي المصري الكثير من الأسئلة التي تستوجب الإجابة من قوى الثورة في مصر, منها مثلاً:
** كيف يمكن الحفاظ على زخم الفعل الثوري وتطويره وتحقيق تفوق في ميزان القوى لصالح قوى الثورة؟
** كيف يمكن إعادة قوات الجيش إلى معسكراتها بعد الانتهاء من مهمتها الانتقالية؟ وهل يمكن إقامة مجلس مدني – عسكري لإبعاد الجيش عن الجوانب السياسية وتركيزه حالياً لضمان على حماية الوطن والحدود باعتبارها المهمة المركزية والوحيدة التي يفترض أن يلتزم بها الجيش؟
** كيف يمكن تنظيم قوى الثورة وإبعادها عن تأثير القوى القابلة للمساومة والمستعدة للتراجع خشية تجذير الانتفاضة إلى ثورة شعبية ذات تأثير عميق على المجتمع المصري؟
** كيف يمكن الحفاظ على سقف معين للأهداف القابلة للتحقيق لكي لا ينشأ أي إحباط لدى الشعب حين لا يمكن الوصول إلى ذلك السقف العالي الذي يطرح في الشارع من بعض القوى السياسية؟
** كيف يمكن تلبية مطالب الفئات الكادحة والمسحوقة التي شاركت في هذه الانتفاضة الشعبية وتريد قطف ثمار لها باعتبارها جزءاً من حقوقها المشروعة والعادلة والتي حرمت منها طويلاً, ومنها التشغيل ومكافحة البطالة والفقر وزيادة الأجور والرواتب والعناية الصحية وتسيير معاملات الناس ومكافحة الفساد والفاسدين...الخ؟    
** كيف يمكن إنهاض وإنعاش الفئات الوسطى في المجتمع لتشارك في بناء المجتمع والنظام السياسي المدني والديمقراطي الحر المنشود, وهي التي عانت بدورها من التدمير والإجهاز عليها من جانب قوى النظام وقوى الكومبرادور المصري والقوى الأجنبية المتحالفة معهم؟
** كيف يمكن مكافحة الفساد السائد في البلاد كنظام قائم معمول به على مستوى الدولة وكافة السلطات والأجهزة التابعة لها؟
** وقبل هذا وذاك كيف يمكن لجم قوى الثورة المضادة دون إراقة الدماء بعد أن سالت دماء الأبرياء؟
إن هذه الأسئلة وغيرها لا بد للقوى الاجتماعية الجديدة أن تجيب عنها ليتسنى لها مواجهة الوضع الناشئ والمعقد والمتشابك في المصالح والعلاقات الاجتماعية ولا بد أن تلعب دوراً تنويراً متعاظماً لتغيير ميزان القوى لصالحها.

الأحزاب المصرية قبل وبعد الانتفاضة
إن اللقاءات التي أجريتها في القاهرة مع قوى شاركت في الانتفاضة الشبابية مباشرة والمحاضرات والمناقشات التي استمعت إليها وشاركت فيها في المقر الرئيسي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان واستمتعت بها, وخاصة محاضرة الأستاذ الأمين العام السابق للمنظمة الأستاذ محسن عوض والحوار المفتوح حول الإصلاح والفعل الثوري في الدول العربية ومشاركتي كمراقب ومشارك في عدد من الاجتماعات الفكرية والسياسية لمفكرين وسياسيين مصريين وعرب من دول أخرى في القاهرة والأحاديث التي جرت مع سياسيين وصحفيين عراقيين بارزين في مصر, ومتابعة العديد من الصحف اليومية والكتب الجديدة التي تتحدث عن "ثورة 25 يناير" 2011 جعلتني أتيقن من وجود إجابات مشتركة ومتباينة حول الحلول, وهي ناشئة عن زوايا الرؤية والخلفيات الفكرية والسياسية والمصالح المتباينة. ولكنها كلها متفقة على إن هناك مخاطر جمة تحيط بالثورة المصرية الشعبية وتستوجب بذل الجهود الحثيثة والكبيرة والمشتركة لحمايتها والدفاع عنها من خلال تعجيل حركة التغيير والإصلاح بعد أن تحقق الفعل الثوري في التغيير الرئيسي لقوى النظام والتصدي لمحاولة التأخير في اتخاذ الخطوات الضرورية لكي لا يصاب الشعب بالإحباط.
إن المتتبع للأحداث في القاهرة والإسكندرية وفي بقية المدن المصرية الكبيرة يستطيع أن يلاحظ عدة مسائل جوهرية في الحياة السياسية الحزبية, وهي:
1 . وجد في مصر قبل الانتفاضة الشعبية 24 حزباً سياسياً متبايناً في مواقفه, بعضها كان معارضاً للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم الذي تأسس في العام 1978 في فترة حكم أنور السادات. وبعضها الآخر كان مهادناً ومساوماً وساكتاً عن أوضاع مصر البائسة. وأغلب هذه الأحزاب كان قد تأسس في التسعينيات من القرن الماضي ولكن بعضها تأسس في السبعينيات مثل حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي (1976) بقيادة خالد محي الدين, وحزب الوفد الجديد (1978) والحزب العربي الديمقراطي الناصري (1992), كما تأسست أحزاب أخرى انشقت عن الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم مثل حزب الجبهة الديمقراطية للدكتور أسامة الغزالي حرب (2007) الذي استقال من قيادة الحزب وشكل حزبه الجديد. وفي أعقاب الانتفاضة ظهرت أحزاب أخرى كثيرة يصل عددها إلى 20 حزباً سياسياً. (راجع: د. عمرو هاشم ربيع, ثورة 25 يناير (قراءة أولية ورؤية مستقبلية), مطابع الإهرام التجارية-قلوب- مصر. مارس 2011. الفصل الثالث. موقف الأحزاب السياسية. بقلم هاني الأعصر. ص 65-78. راجع أيضاً: جريدة الشروق, الموقع الإلكتروني. مصر ما بعد 25 يناير 2011).
اختلفت مواقف هذه الأحزاب من الانتفاضة الشبابية ومن الدعوة للتظاهر في يوم 25 يناير. ففي الوقت الذي أيد حزب الجبهة الديمقراطية وحزب الغد وحزب العمل الاشتراكي الدعوة وشاركت مجموعات من أعضاء هذه الأحزاب في التظاهرة, وقفت ضدها بعض الأحزاب السياسية المعروفة مثل حزب الوفد وحزب التجمع الوطني والحزب الناصري بذرائع مختلفة, رغم تأكيدهم على إنهم يؤيدون من حيث المبدأ المطالب التي يطرحها الشارع المصري ولكنهم يخشون من الفوضى التي يمكن أن تسود في البلاد, إضافة إلى إن يوم 25/1/ هو يوم ذكرى المعركة التي خاضها بعض أفراد الشرطة المصرية ضد قوات الاستعمار البريطاني. أما المجموعة الثالثة من الأحزاب التي اتخذت موقف المعارضة من الدعوة للتظاهر فكانت عديدة وذات نفس مهادن مع السلطة بشكل واضح.
ورغم إن مواقف الأحزاب المعارضة للنظام قد تميزت بالقلق والتردد, فأنها قد اتخذت موقفاً واضحاً في أعقاب أحداث 25/1/ و28/1/ على إثر "موقعة الجمل", ولكن بعضها بقي حريصاً على التفاوض مع السلطة, سواء أكان ذلك قبل تنحي مبارك عن السلطة أم بعده, في حين رفض هذا الموقف من المنتفضين في ميدان التحرير بالقاهرة وفي سائر المدن المصرية الأخرى. وتؤكد المعلومات إلى أن حزب الجبهة الديمقراطية وحزب الغد وحزب العمال الاشتراكي, الذي كان مجمداً, وكذلك حزب التجمع الوطني وحزب الوفد قد فتحوا مقراتهم لاستقبال المصابين والمتظاهرين, إذ أن أعضاء هذه الأحزاب قد شاركت بوضوح في أعقاب المرحلة التي أعقبت 28/1/2011. إن صلابة الشباب المنتفض استطاعت أن تفرض نفسها في الشارع على مواقف بقية الأحزاب السياسية وأن تجرها بهذا القدر أو ذاك على مواقعها, ولكن هذه الأحزاب لم تكن بالثورية والتصميم والإرادة الفعلية على التغيير التي كانت وما تزال لدى القوى الشبابية والشعبية المنتفضة في يوم جمعة الغضب, يوم 25/1/2011. (راجع في هذا الصدد: بحث هاني الأعصر, مصدر سابق).            
2. أما جماعة الأخوان المسلمين فقد رفضت المشاركة في اليومين الاولين في ميدان التحرير, وان صرحت بأنها لن تمنع  أعضاءها الأفراد من المشاركة، وكان هذا الموقف مماثلا لمواقف الكثير من الأحزاب الأخرى. ولكن الجماعة أيضا, مثل بقية الأحزاب, غيرت موقفها في اليوم الثالث- بعد انضمام فئات شعبية واسعة للاحتجاجات. وفي هذه المشاركة لم ترفع الجماعة شعاراتها الخاصة ولم تتحدث عن مشاركتها المنظمة فيها وتحدث بعض قيادييها عن ضرورة إقامة نظام ديمقراطي في مصر. وإذا كانت لمشاركة جماعة الأخوان المسلمين دورها الملموس في تعزيز التظاهرة وفي مواجهة قوى الأمن والشرطة والبلطجية في يوم 28/1/2011 بشكل خاص,فإنها وفي أعقاب تنحي مبارك عن السلطة وتشكيل حكومة جديدة برئاسة الدكتور عصام شرف تغير موقف القيادة السلبي السابق تماماً ففي الوقت الذي ادعت أثناء انتفاضة بأنها لا تسعى ولا تريد شيئاً, تحل الموقف بعد ذاك إلى المطالبة بكل شيء. وبعد الحديث عن نظام ديمقراطي, بدأ الحديث عن نظام إسلامي وأن "الإسلام هو الحل" وإقامة "الدولة الإسلامية" و"تطبيق الحدود", وهو الأمر الذي بدأ يثير قوى الشعب الأخرى, والتي تشكل الغالبية العظمى من المجتمع, إضافة إلى إثارة فعلية للقوى الشبابية التي بدأت بالانتفاضة الشعبية. علماً بأن في مصر أربع قوى إسلامية سياسية متصارعة في ما بينها في الوقت الحاضر, ولكنها تحاول أن تتوحد في مواقفها لفرض هيمنتها على الثورة والحصول على الأكثرية في الانتخابات القادمة, وهي: قوى الأخوان المسلمين التي غير بعضهم اسم الحزب إلى "حزب الحرية والعدالة" على غرار الحزب الإسلامي "العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا, في حين رفض آخرون هذا التغيير واعتبروه تنازلاً ومساساً بتاريخ ومبادئ وجهاد هذا الحزب, ثم القوى السلفية, والقوى الجهادية, وأخيراً الجماعات الصوفية. وكل من هذه الأحزاب له منهجه واتجاهه وأساليب عمله. إلا إن ما أثار الاستفزاز والغضب في أوساط القوى اليسارية وأتباع الديانات الأخرى, وخاصة في أوساط المسيحيين, ذلك التصريح العدواني الذي نطق به الدكتور محمود عزت, نائب المرشد العام, والمهندس سعيد الحسيني, وهو قيادي أيضاً في جماعة الإخوان المسلمين إذ قالا في مؤتمر إمبابة بتاريخ 14/4/2011 ما يؤكد سعي "الإخوان لإقامة الحكم الإسلامي مع تطبيق حدود الشريعة الإسلامية في مصر داعين جميع التيارات الإسلامية إلى "عدم النوم" حتى إعلان مصر دولة إسلامية ." (راجع: جريدة المصري اليوم, العد 2499, الأحد المصادف 17/4/2011, ص4). وهكذا كشفوا ومن جديد عن نيتهم الفعلية في رفع شعار أن "الإسلامَ هو الحل !". وأضاف نائب المشد العام "حول موقف الجماعة من تطبيق الحدود في الشريعة الإسلامية، إن هذا الأمر يأتي بعد «امتلاك الأرض»، فلا بد أن تقام الحدود بعد أن يكون الإسلام في حياة الناس وأخلاقهم وتعاملاتهم ".      
3 . القوى الشبابية التي شكلت العمود الفقري للانتفاضة الشعبية والتي استطاعت أن تحقق ما عجزت عنه الأحزاب السياسية التقليدية المعارضة لنظام حكم حسني مبارك ورهطه والقوى الاجتماعية التي ساندته واستفادت منه. ومن الجدير بالإشارة إلى إن الجماعات الشبابية تسعى اليوم إلى بلورة أهدافها ومواقفها والدفع باتجاه تشكيل تنظيم أو أكثر لصالح الدفاع عن المكتسبات التي تحققت وتطوير الثورة والحفاظ على زخم المنجزات, ومنها محاكمة الفاسدين وتطهير أجهزة الدولة من القوى المضادة للثورة. كتب السيد عصام عبد العزيز في مقال له نشر في جريدة الشروق حول الخارطة الحزبية لمصر قبل وبعد ثورة 25 يناير مشيراً إلى ما يلي:
"وبينما يتواصل نشاط شباب الثورة في الشارع تسعى مجموعة من الشباب وقادة الثورة إلى تأسيس حزب سياسي خاص بهم، يمثل قطيعة مع ميراث أحزاب المعارضة التقليدية التي يراها الشباب «شريكا للنظام السابق». وكان حزب «جبهة التحرير والتنمية والدفاع عن مكتسبات الثورة» الذي وقع بيانه التأسيسي نحو 30  ألف شاب ممن شاركوا في الثورة أول حزب تم الإعلان عن تأسيسه من قبل شباب ميدان التحرير، كما بدأت «جبهة التحرير» التي تضم عدداً من شباب الثورة إجراءات لتأسيس حزب سياسي، وأعلن الإعلامي وائل الإبراشي ومجموعة من شباب ثورة 25 يناير تأسيسهم حزبا سياسيا يحمل اسم «شباب التحرير».
وأعلنت مجموعة أخرى من الشباب المشاركين في الثورة تأسيس حزب «25 يناير»، بينما قرر شباب آخرون من المشاركين في الثورة، ينتمون لتيارات سياسية مختلفة، جمع التكتلات السياسية الكثيرة الناشئة عن شباب التحرير في حزب واحد باسم حزب «التحالف»، محذرين من تشرذم الثورة وانقسام الشباب. (راجع: جريدة الشروق, الموقع الإلكتروني. مصر ما بعد 25 يناير 2011). وأغلب هذه القوى تريد دولة مدنية علمانية ديمقراطية تتخذ موقف الفصل بين الدين والدولة والسياسة.
4 . شاركت عناصر من قوى اليسار الديمقراطي في مصر مع بقية قوى الثورة منذ اليوم الأول وتفاعلت معها. واتسعت مشاركتها منذ 28/1/2011, وهي التي تسعى اليوم إلى التفاعل في ما بينها وتشكيل تنظيم جديد يعبر عن رؤيتها للثورة وسبل تطويرها وتعزيز مكتسباتها. إلا إنها ما تزال مختلفة على بعض الشعارات التي تمس السياسة العربية وخاصة حول القضية الفلسطينية.
إن أهم وأكبر أحزاب اليسار الناشئة هو "حزب التحالف الشعبي الاشتراكي. ونشأ هذا الحزب من اندماج قوى يسارية عديدة أهمها مناضلون من "حزب الشعب الاشتراكي" السابق واليساريون الذين استقالوا من حزب التجمع، ومناضلون يساريون من مجموعات أخرى. والمنسق العام لهذا

333
كاظم حبيب


ساعة الحقيقة: مستقبل النهوض الشعبي ضد النظم الاستبدادية

شعوب الدول العربية تعيش حالة من التفرد والتجلي والانتعاش, حالة نهوض ثوري شبابي وشعبي تتسم بالحيوية والديمقراطية والسلمية والإصرار على التجديد وترك الماضي خلف ظهور شعوب هذه الدول مع عدم نسيان تجاربهم المريرة ولا الحالة المزرية التي ما تزال سائدة ويعيشون تحت وطأتها ويسعون للخلاص منها.
شعوب الدول العربية بمختلف قومياتها انطلقت مسجلة مرحلة نضالية جديدة تتميز بوعي أكثر وضوحاً, أكثر وعياً بضرورة الحرية وأهمية الديمقراطية للعيش الكريم في ظل سيادة الحريات العامة وحقوق الإنسان ودولة القانون الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة في ظل التعددية الفكرية والسياسة, وأكثر رفضاً للنظم الشمولية وأكثر إصراراً على الخلاص منها وما جرَّته على شعوب هذا البلدان من مآس مريرة وعلى اقتصادياتها وحياتها الاجتماعية من خراب ودمار باسم القومية العربية أو الدين الإسلامي أو المذاهب المتفرعة عنها.

لقد نهض كل من شعب تونس وشعب مصر وحققا انتصاراً أولياً على قوى النظام القديم التي ما تزال تبذل أقصى الجهود لدحر المنتفضين وأهدافهم, في حين يكافح المنتفضون والغالبية العظمى من الشعب المصري مثلاً لتطوير النجاحات الأولى ودفع المسيرة لتحقيق الثورة المنشودة. وهكذا حال الانتفاضة الشعبية في تونس حيث تحاول قوى الأمس حجب أشعة الشمس ونورها في ربوع البلاد وتحقيق التغيير الأكثر عمقاً وجذرية في البلاد, كما تحاول قوى الإسلام السياسية في البلدين بكافة أجنحتها, التي ترفع شعار "الإسلام هو الحل", سرقة الثورة بطرق شتى, ولكن الغالبية العظمى من الشعبين تقف سداً منيعاً ضدها وبوجها.
وفي اليمن تبذل الكثير من الجهود لحرف الانتفاضة الشعبية المتواصلة منذ شهور عن مسارها الثوري الرافض للنظام الشمولي من خلال فرض مساومات من جانب دول الجوار مع قادة النظام الذين تلطخت أيديهم بدماء الشعب اليمني المنتفض بأسلوب سلمي وحضاري ديمقراطي متميز. ولم تنته المعركة السياسية لصالح الشعب حتى الآن, إذ إنها بحاجة إلى تغيير أوسع وأشمل في ميزان القوى لصالح القوى الشعبية المنتفضة ضد النظام القديم من جانب الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي.

وفي ليبيا ما يزال الدكتاتور الأرعن يوجه نيران أسلحته الفتاكة صوب صدور الشعب الليبي وما يزال ميزان القوى لم يتحول بشكل نهائي لصالح المنتفضين رغم الدعم القادم من الخارج عبر دول حلف الأطلسي, إذ إن الدول الأوروبية ما تزال تخشى أن يلعب الإسلاميون السياسيون الدور الأبرز في العملية السياسية الراهنة وبالتالي لا يستطيعون تقدير طبيعة القوى التي يمكن أن تتسلم النظام الجديد بعد سقوط القذافي. إن القوى الأوروبية تتحرى عن حل تساومي بين الطرفين المتصارعين, ولكن مثل هذا الحل لا يمكن أن يعالج المشكلة في ليبيا, إذ لا بد من إبعاد القذافي وكافة أفراد عائلته من الحكم والبلاد ليتسنى للشعب الليبي إقامة نظام سياسي يفتح الطريق للحريات العامة وممارسة حقوق الإنسان والتعددية السياسية وبناء دولة القانون والحياة الدستورية الديمقراطية. وهي عملية معقدة وطويلة ولكنها ضرورية وتستوجب دعم شعوب العالم.     

وفي سوريا يواجه الشعب السوري المنتفض نظاماً سياسيا شمولياً يمارس الأساليب الفاشية ويستخدم الدبابات والجيش والشرطة وأجهزة الأمن وكل ما هو غير شرعي في مواجهة المتظاهرين وقتلهم واعتقالهم, إذ سقط حتى الآن أكثر من 800 شهيد وآلاف الجرحى والمعوقين, إضافة إلى ألاف قيد الاعتقال وعمليات الاعتقال مستمرة دون انقطاع. ورغم التصريحات التي أطلقها بعض المسؤولين في الدول الأوروبية والأمم المتحدة شاجبين فيها استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين, فإن هذه الدول ما تزال تنتظر من بشار الأسد إجراء إصلاحات في نظامه السياسي, إذ إنها, وكما تعتقد, سوف لن تجد نظاماً أفضل منه في السكوت عن احتلال الجولان والتهريج بالقضية الفلسطينية الذي لا يساعد منظمة التحرير الفلسطينية والشعب الفلسطيني, بل يساعد في المحصلة النهائية إسرائيل في استمرار احتلالها للأرض الفلسطينية وانتزاعها المزيد من الأراضي والتوسع في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية. إن تصريحات وزيرة الخارجية هنري كلنتون تصب في هذا المجرى, في حين أن ما يحتاجه الشعب السوري هو التأييد الحار والدعم السياسي التام للقوى المنتفضة التي تتعرض للقتل والاعتقال يومياً, تحتاج إلى شجب العالم كله لما يجري في سوريا. إن المعركة في سوريا قاسية ومريرة وربما ستكون طويلة ومعقدة بسبب الدور غير المشرف الذي يلعبه الجيش البعثي العقائدي الذي يتوجه اليوم ضد الشعب بعكس ما حصل في مصر وتونس. ولكن هذا لا يعني أن ليس هناك معارضون شرفاء في الجيش السوري, إلا إنهم ينتظرون تحولاً كبيراً في ميزان القوى لكي يقفوا بعدها مع الشعب ولا يسعون للمخاطرة بحياتهم قبل ذاك. ولكن السكوت على ما يجري في سوريا جريمة لا تغتفر.
إن الأمر في القوات المسلحة, كما هو معروف, بيد العائلة المالكة, عائلة بشار الأسد, ومن هم حوله من الفاسدين مالياً والمستفيدين من النظام القائم على حساب الشعب ومصالحه ومستقبل البلاد.
إن إصرار الشعب السوري على التظاهر وتحدي قرارات المنع يؤكد حقيقة إن الشعب السوري مصمم على الإطاحة بالدكتاتور وطغمته, كما يتمنى كل إنسان شريف له النجاح ويتمنى على الرأي العالمي والمجتمع الدولي المتلكئ حتى الآن أن يقدم كل الدعم الضروري لإنهاء القمع الوحشي والدموي المستمر في سوريا.

وفي البحرين حيث كانت الحركة ديمقراطية في جوهرها وتطالب بالديمقراطية والحريات العامة وبالمساواة بين سكان البحرين والابتعاد عن التمييز على أساس طائفي, وكانت كثير من بنات وأبناء الشعب يشاركون في هذه النشاطات السياسية من كل الطوائف وبعيداً عن كل مزاج طائفي, دخلت على  الخط قوى طائفية شيعية, إضافة إلى دخول الإعلام الإيراني الوقح على الخط أيضاً ليشوه طبيعة الحركة وكأنها حركة مذهبية شيعية ولست حركة ديمقراطية هدفها المساواة بين المواطنين بعيداً عن أي تمييز, كما دخلت مجموعة من القوى الطائفية الشيعية التي شددت من الموقف. وقد دفع هذا الوضع الجديد الحكم الطائفي في البحرين إلى الشعور بالضعف وبمخاطر وهمية تحيط بمنصب الملك وحكومته وطائفته. لقد استنجد الملك بذريعة تلك المخاطر ودون أدنى مبرر وبعيداً عن الصواب بالمملكة السعودية وقواتها العسكرية وبدول الخليج العربي, فتدخلت هذه الدول بفظاظة وبصورة غير شرعية مرسلة قواتها العسكرية إلى البحرين. لقد مارست هذه القوات الغازية الإرهاب والقمع الشديدين وقتلت واعتقلت الكثير من الناس وأصدرت المحاكم البحرينية أحكاماً بالإعدام والسجن للكثير من المتظاهرين. وتسبب كل ذلك إلى حصول انشقاق فعلي في صفوف الشعب البحريني, في حين كان في مقدور الملك معالجة المشكلة على وفق الأساليب الديمقراطية, إذ أن المظاهرات لم تستخدم العنف طيلة فترة التظاهرات والاعتصامات وكانت لديها مطالب مشروعة.. كان على العالم الغربي أن يشجب التدخل السعودي والخليجي في شؤون البحرين, كما كان على الجامعة العربية والأمم المتحدة شجب هذا التدخل, ومحاولة التدخل لحلها المشكلات القائمة سلمياً وديمقراطياً لصالح الشعب البحريني كله. إن الدول الغربية تمارس سياسة مزدوجة إزاء أحداث متماثلة وهي التي تقدم للشعوب الدليل على عدم جديتها في دعايتها بشأن حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية, بل ما يهمها مصالحها أولاً وقبل كل شيء.

وفي العراق يتخذ الوضع اتجاهاً جديداً ويشكل خطراً على الشعب ومستقبل البلاد. فالحكومة ضعيفة ومفككة ومتصارعة. والشريك الأكبر في الحكومة, رئيس القائمة العراقية وقائمته, ينكر وجود حكومة شراكة وطنية, في حين يشارك بـ 11 حقيبة وزارية ومسؤوليات كبيرة أخرى ولديه 91 مندوباً في مجلس النواب. وأمام هذا الإنكار الذي جاء على لسانه من قناة البغدادية حيث نقل على الهواء, كان وما يزال عليه أن يتخذ واحداً من ثلاثة أمور إن كان جاداً ويعبر عن مسؤولية فعلية وليس لأغراض الدعاية الرخيصة:
1.   الدعوة إلى عقد جلسة رسمية لمجلس الوزراء العراقي وبحث المشكلات القائمة للوصول إلى صيغة عمل مشترك وحلول مشتركة لها. وفي حالة عدم الوصول إلى نتيجة معينة, فعلى رئيس القائمة أن يخطو الخطوة التالية:
2.   أن يقدم جميع الوزراء ونائب رئيس الوزراء استقالتهم من الحكومة ويفرضوا على نور المالكي إعادة تشكيل الحكومة ووضع برنامج جديد على وفق أسس أخرى بعيدة عن المحاصصة الطائفية.
3.   كما يمكن أن يقدم أعضاء مجلس النواب استقالتهم من المجلس ليفرضوا على الحكومة الحالية الطلب بحل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة.     
إن سلوك رئيس القائمة العراقية كان وما يزال لا ينم عن مسؤولية إزاء الوضع المعقد في العراق والذي يساهم مع الطرف الحكومي وخاصة نوري المالكي, شاءا ذلك أم أبيا بإعطاء الفرصة الكبيرة لقوى الإرهاب من القاعدة والبعث الصدَّامي وهيئة علماء المسلمين وقوى ميليشيات شيعية أخرى وقوى في القائمتين وتحالفاتهما بعمليات إرهابية يروح ضحيتها يومياً العشرات من الأشخاص أو يمارسون التغطية والتستر عليها أو يساعدون في حصلهم على معلومات كافية لممارسة أعمالهم الإرهابية. ففي هذا اليوم المصادف (8/5/2011) وقع 16 تفجيراً إرهابياً راح ضحيتها العشرات من القتلى والجرحى والمعوقين. إن رئيس الوزراء يحتل اليوم المناصب الآتية مباشرة أم بالوكالة:
رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع وكالة ووزير الداخلية وكالة ووزير الأمن الوطني وكالة, وبالتالي كان عليه أن يحافظ على الأمن والاستقرار في البلاد, في حين ازداد عدد القتلى والجرحى, إضافة إلى الاغتيالات المتفاقمة بكواتم الصوت منذ العام الماضي حتى الوقت الحاضر.
إن على المشاركين في العملية السياسية وبالحكم أن يدركوا بأن دماء العراقيات والعراقيين غالية وعزيزة على  كل عراقي, وأن موت هؤلاء الناس خسارة هائلة للشعب والاقتصاد الوطني ومستقبل العراق, إن هذه الهجمات تدفع بالناس إلى فقدان الثقة بالحكم وبالوضع السائد في العراق وتدفع بالمزيد منهم إلى مغادرة العراق, وهو ما تسجله الدوائر المسؤولة عن الهجرة في أوروبا وأمريكا واستراليا ونيوزيلندا والدول العربية والدول المجاورة. إن المالكي وكافة الوزراء وكافة الأحزاب المشاركة والمتحالفة في الحكم مسؤولون مسؤولية مباشرة عن حياة العراقيات والعراقيين وأن دماء الذين سقطوا شهداء في أعناقهم لأنهم لم يساهموا في توفير الأمن وملاحقة الإرهابيين بالطريقة الملائمة بل هم منشغلون بصراعاتهم الحزبية والسياسية.
إن على الجامعة العربية والأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي أن ينتبهوا إلى ما يجري في العراق, فهم المسؤولون عن ذلك أيضاً لأنهم فرضوا الاحتلال على العراق بقرار منهم, وهم الذين لم يساهموا حتى الآن وبالطريقة المناسبة لمساعدة العراق في الخلاص من الإرهاب ومن العوامل التي تنشط الإرهاب وتوفر الأرضية الصالحة له وأعني بذلك الطائفية السياسية والفساد المالي والإداري والفقر الواسع والبطالة, وهي كلها ظواهر تسهم في تفاقم الفجوة المتسعة بين الشعب والحكام والأحزاب الحاكمة وتغيب الثقة المطلوبة بين الحكام والشعب.
إن على الشعب العراقي أن يرفض هذه الحالة, أن يطالب بحل المجلس النيابي وإجراء انتخابات نيابية عامة جديدة وفي المحافظات أيضاً, إذا إن الحالة الراهنة لا يجوز لها أن تستمر, إذ إنها ستتسبب في مزيد من الموتى والجرحى والمعوقين والخراب السياسي والاقتصادي.
أما بقية الدول العربية فهي إما في بدايات تحركها أو تحركت ثم قمعت, كما في السعودية, ولكنها ستعود قطعاً, وكذلك في السودان والجزائر والمغرب وغيرها. إن مرحلة جديدة قد بدأت وسوف يعجز الحكام عن إيقاف ديناميكيتها الداخلية, فهي حركة شبابية وشعبية واعية ونشطة ومتفاعلة مع ما يجري على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
8/5/2011                      كاظم حبيب         

334
مصر: الصراعات المريرة وإصرار الشعب على التغيير
4-4
الاستنتاجات ومستقبل الانتفاضة الشعبية

إن القراءة المتأنية لانتفاضة الشعب المصري تؤكد استنتاجاً جوهرياً لا يمس مصر وحدها بل كل الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط وكل الدول النامية ومفاده إن انتفاضات ومظاهرات واحتجاجات شعوب الدول العربية في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا والأردن والجزائر وفي غيرها تؤكد عزم هذه الشعوب على رفض الإهانات التي تستهدف كرامتها ومصادرة حرياتها العامة وحقوق الإنسان وعمليات التهميش لدورها ومشاركتها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ونهب ثروة المجتمع وخبزها وإفقار الغالبية العظمى من السكان والادعاء بتمثيل الشعب بانتخابات متباينة في صيغ تزييف الإرادة وتزييف وعي غالبية الشعب الكادح بأساليب وأدوات شتى بما فيها الإدعاء بالقومية أو تسييس الدين!". كما يمكن بلورة عدد من الاستنتاجات المهمة في النضال المتواصل لشعوب المنطقة بأسرها, ومنها:
1.   إن التغيرات الحاصلة على الصعيد العالمي تسمح للشعوب في الدول العربية على انتزاع حقوقها الوطنية والقومية من خلال خوض النضال بالطرق السلمية وبعيداً عن العنف شريطة أن يستند إلى قواسم مشتركة بين قوى الشعب وفئاته المختلفة في مواجهة الحكومات المستبدة وممارستها أساليب الإرهاب والقمع لكسر شوكة الشعب.
2.   إن الحركات الشبابية التي انطلقت في عدد من الدول العربية قد استطاعت أن تتخطى حاجز الخوف من جهة, وأن تجلب المزيد من الناس من فئات الشعب المختلفة إليها والمشاركة في الحياة السياسية من جهة أخرى, إضافة إلى نشوء ثقة لدى فئات الشعب بقدرتها على أخذ زمام المبادرة لضمان التغيير المنشود وتحقيق المصالح.
3.   كما إن العنف الذي مارسته أو تمارسه الحكومات الاستبدادية عجز ويعجز في الغالب الأعم عن كسر شوكة الشعب وتركيعه, بل سيزيد من سعير النضال الشعبي وتعبئة القوى الشعبية لتحقيق الأهداف المنشودة. والدم الذي يسيل في الشوارع والميادين يلهب الجماهير ويدفعها لوقف حمامات الدم وإسقاط النظم التي ترتكب تلك الجرائم البشعة.
4.   وأن الحركات والانتفاضات الشبابية والشعبية لا يمكنها تحقيق الأهداف المنشودة ما لم يواصل المنتفضون فعلهم الثوري لتغيير واسع النطاق في أجهزة الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية وفي أجهزة وقوى الإعلام.
5.   وهي تتطلب عملية تنوير وتوعية مستمرة بأهداف الشعب ومراميه وخاصة للأوساط الكادحة والفقيرة التي كانت ضحية الاستبداد والاستغلال والقمع والتجهيل.
6.   ويفترض أن يعي المنتفضون بأن تنظم أنفسهم والشعب هي المهمة المباشرة والأساسية لضمان التعبئة الواسعة والفعالة في مواجهة قوى الثورة المضادة التي تحاول بشتى السبل احتواء الانتفاضة والمنتفضين أو الالتفاف عليها أو افتعال الفرقة بين قوى الانتفاضة الشعبية.
7.   وتحتل مهمة مكافحة الفساد والمفسدين وتقديم رموز النظام السياسي والفساد المالي إلى التحقيق والمحاكمة أهمية استثنائية لأسباب عدة مهمة منها: أ) الاستجابة المباشرة لطلب الشعب بمحاربة الفساد والمفسدين الذين يشكلون خطراً مستمراً على الانتفاضة الشعبية وعلى مصالح وإرادة الشعب. ب) إنزال العقوبات بالفاسدين والمفسدين ليكون درساً عادلاً لكل من تسول نفسه ممارسة ذلك لاحقاً. ج) استعادة أموال الشعب المنهوبة بشتى الطرق ووضعها في خدمة عملية التنمية. د) قطع الطريق على المتآمرين في استخدام حالة الفساد والأموال لتعبئة القوى واستخدامها ضد النظام السياسي الجديد.
8.   ولا شك في أن المهمات الاقتصادية تحتل, إلى جانب المهمات الاجتماعية والسياسية والثقافية والتوعية المستمرة, أهمية فائقة, فهي من المهمات التي تستغرق وقتاً غير قليل لتعطي ثمارها المناسبة للفئات الفقيرة والكادحة والمنتجة للخيرات المادية والروحية. ولهذا لا بد من البدء بها لتنشيط العملية الاقتصادية بإيجاد فرص عمل جديدة في مجالات غير قليلة, سواء أكان ذلك في البناء والتعمير أم في إقامة الطرق, أم في مجالات حماية البيئة وفي المؤسسات الاقتصادية الإنتاجية والخدمية وتحسين الأداء. إن وضع مهمات آنية من جهة, ومهمات ذات طبيعة إستراتيجية للتنمية الاقتصادية وتغيير أسس السياسة الاقتصادية التي مارسها النظام المخلوع ومضامينها الأساسية التي تتوجه صوب الاستجابة لحاجات المجتمع وتغيير البنية الاقتصادية للاقتصاد الوطني من جهة أخرى, والاهتمام بالمناطق السكانية المهملة مثل منطقة سيناء وإعادة التوازن للتنمية الإقليمية (المناطقية) في مصر من جهة ثالثة, ستكون من المهمات المركزية للحكومة الراهنة وتلك التي تتشكل في ضوء الانتخابات العامة القادمة أو انتخاب الرئيس الجديد للدولة المصرية. وبين المسألتين فارق مهم, إذ عندها تجري الانتخابات العامة الجديدة في إطار دولة مدنية برئيس مدني لا ينتمي للهيئة العسكرية الحاكمة في الفترة الانتقالية الراهنة.
9.   إن واحداً من أهم الاستنتاجات الذي يستوجب التركيز عليه من جانب المسؤولين الجدد يبرز في مدى حميمية وشفافية وصدق العلاقة التي يفترض أن تنشأ بين الحكام الجدد وفئات المجتمع. فالأذن الصاغية لأراء الناس والتفاعل معها والاستجابة لها وتجليات ذلك في الحياة اليومية للناس هي التي تساعد على استقرار الوضع السياسي الجديد وتعزيزه ودرء المخاطر عنه. ويشكل التخلص من أشكال التمييز إزاء المواطنات والمواطنين من مختلف القوميات والديانات والمذاهب الدينية والاتجاهات الفكرية والسياسية ومن الجنسين أهمية كبيرة لتعزيز وحدة النسيج الوطني للشعب ورفع الغبن عن الذين عانوا من كل أشكال التمييز.
10.    كما تشكل العلاقة بين النظام السياسي الجديد ودول العالم بما يتجاوب مع مصالح الشعب وحريته واستقلال الدولة وسيادتها ووعي التغيرات الحاصلة على الأصعدة العربية والإقليمية والعالمية أهمية كبيرة بما يساعد على إقامة علاقات صداقة وحسن جوار وتغيير لاحق في الوقت المناسب لكل ما يشوب العلاقات من سلبيات أو عدم تكافؤ وغبن ويلحق أضراراً بمصالح الشعب.
11.    إن الانتفاضة الشعبية قد غيرت أموراً كثيرة حتى الآن. فقد ظهر الاتحاد المصري للنقابات المستقلة والعديد من النقابات المستقلة التي تعبر عن مصالح الكثير من الجماعات المهنية والتي كانت يخضع أعضاؤها في السابق إلى الاتحاد العام للنقابات الرسمي الذي كان تحت إشراف الحزب الحاكم والحكومة وأجهزة الأمن. والاتحاد المصري والنقابات الأخرى المستقلة تلعب اليوم دوراً مهماً في مجرى الانتفاضة الشعبية والتحولات الجارية. أما رئيس الانتفاضة الرسمية فقد ألقي القبض عليه وهو موقوف الآن على ذمة التحقيق لاتهامه بالفساد والاختلاس وبتورطه في تدبير الاعتداء على المظاهرات السلمية (موقعة الجمل!).
   
12.    إن الانتفاضة الشبابية والشعبية في مصر بشكل خاص تقدم, وقبلها تجربة تونس, دروساً في غاية الأهمية والغني للشعوب في الدول العربية ودول منطقة الشرق الأوسط, سواء أكان ذلك في الخطاب السياسي وفي الأساليب والأدوات وبلورة الأهداف أم في ما توصلت إليه حتى الآن وما يمكن أن تنجزه خلال الأسابيع والشهر القادمة. وهذا يتطلب من الشباب والشعب المصري العناية الجمة بالأهداف التي يفترض تحقيقها في أكبر دولة عربية في المنطقة من حيث السكان والأهمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية.
13.    وعلينا أن ندرك بأن مجموعة من حكام الدول العربية التي ما تزال شعوبها تعاني من الاستبداد والقمع والإرهاب والفساد ومصادرة حقوق الإنسان ستبذل أقصى الجهود للحد من الثمار الطيبة للانتفاضة المصرية, بل وإلى إجهاضها, إن تسنى لها ذلك وبكل السبل المتاحة لها. ولكن شعوبه هذه الدول ستكون سنداً وظهيراً للانتفاضة المصرية وداعمة لتحويل الانتفاضة إلى ثورة شعبية عميقة وشاملة.
ويمكننا القول بأن الانتفاضة الشبابية والشعبية قد قطعت شوطاً مهماً على طريق التغيير, وأن مصر لن تعود إلى ما كانت عليه قبل 25 يناير 2011, وإن الشباب يسعون إلى حث خطى الحكومة والضغط على الهيئة العسكرية للسير بوتيرة أسرع من أجل قطع الطريق على قوى الثورة المضادة للعودة بمصر على الطريق المسدود, طريق الاستبداد والقمع والبؤس والفاقة والبطالة والفساد من جهة, ومن أجل تجاوز الإحباط الذي يمكن أن يحصل في حالة السير بتردد نحو التغيير أو المراوحة في المكان من جهة أخرى.     
القاهرة في 22/4/2011                     كاظم حبيب


335
مصر: الصراعات المريرة وإصرار الشعب على التغيير
3-4
مستوى ومدى التغيير وقواه الفعلية
  قطعت الانتفاضة الشعبية شوطاً متقدماً في العملية الثورية الجارية في مصر التي تميزت بالفعل السلمي من جانب الشعب وبالعنف والعدوانية واستخدام السلاح والقتل من جانب قوى النظام فسقط الرأس المخرف وتساقطت رؤوس أخرى ولم تنته بعد عملية تغيير النظام جذرياً. وقد كلفت هذه الانتفاضة الشعب المصري حتى الآن 846 شهيداً وأكثر من 6467 إصابة على وفق ما جاء في تقرير تقصي الحقائق من بين المتظاهرين غير المسلحين, وهي مجزرة وجريمة بشعة ارتكبها رئيس النظام المخلوع ووزير داخليته وبقية النخبة الحاكمة. (راجع: جريدة الأَهرام. الأربعاء 20أبريل 2011. المشهد السياسي, ص 4 , وكذلك جريدة المصري اليوم. التاريخ نفسه).
لقد تزعزعت أركان النظام وتهشمت بعض جوانبه وتداعت قواه ولكنها لم تفقد كل ما لديها من قوى وقدرات على التخريب والتآمر والتعويق من خلال قوى لها في أجهزة الدولة والحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية, إذ بدأت, بعد أن صحت من هول الضربة التي أطاحت بالرئيس وأبنائه ومن هم حوله ومثولهم أمام التحقيق والحبس على ذمة التحقيق, بإعادة تنظيم صفوفها والتحول التدريجي صوب التخريب من الباطن ومحاولة تجزئة القوى المناهضة للحزب الوطني الحاكم الذي حل أخيراً بقرار من محكمة مصرية, وهي ما تزال قادرة على فعل الكثير ضد منجزات الانتفاضة الشعبية السلمية. وفي هذا الصراع الجاري يطرح المشهد السياسي والاجتماعي المصري الكثير من الأسئلة التي تستوجب الإجابة من قوى الثورة في مصر, منها مثلاً:
** كيف يمكن الحفاظ على زخم الفعل الثوري وتطويره وتحقيق تفوق في ميزان القوى لصالح قوى الثورة؟
** كيف يمكن إعادة قوات الجيش إلى معسكراتها بعد الانتهاء من مهمتها الانتقالية؟ وهل يمكن إقامة مجلس مدني – عسكري لإبعاد الجيش عن الجوانب السياسية وتركيزه حالياً لضمان على حماية الوطن والحدود باعتبارها المهمة المركزية والوحيدة التي يفترض أن يلتزم بها الجيش؟
** كيف يمكن تنظيم قوى الثورة وإبعادها عن تأثير القوى القابلة للمساومة والمستعدة للتراجع خشية تجذير الانتفاضة إلى ثورة شعبية ذات تأثير عميق على المجتمع المصري؟
** كيف يمكن الحفاظ على سقف معين للأهداف القابلة للتحقيق لكي لا ينشأ أي إحباط لدى الشعب حين لا يمكن الوصول إلى ذلك السقف العالي الذي يطرح في الشارع من بعض القوى السياسية؟
** كيف يمكن تلبية مطالب الفئات الكادحة والمسحوقة التي شاركت في هذه الانتفاضة الشعبية وتريد قطف ثمار لها باعتبارها جزءاً من حقوقها المشروعة والعادلة والتي حرمت منها طويلاً, ومنها التشغيل ومكافحة البطالة والفقر وزيادة الأجور والرواتب والعناية الصحية وتسيير معاملات الناس ومكافحة الفساد والفاسدين...الخ؟   
** كيف يمكن إنهاض وإنعاش الفئات الوسطى في المجتمع لتشارك في بناء المجتمع والنظام السياسي المدني والديمقراطي الحر المنشود, وهي التي عانت بدورها من التدمير والإجهاز عليها من جانب قوى النظام وقوى الكومبرادور المصري والقوى الأجنبية المتحالفة معهم؟
** كيف يمكن مكافحة الفساد السائد في البلاد كنظام قائم معمول به على مستوى الدولة وكافة السلطات والأجهزة التابعة لها؟
** وقبل هذا وذاك كيف يمكن لجم قوى الثورة المضادة دون إراقة الدماء بعد أن سالت دماء الأبرياء؟
إن هذه الأسئلة وغيرها لا بد للقوى الاجتماعية الجديدة أن تجيب عنها ليتسنى لها مواجهة الوضع الناشئ والمعقد والمتشابك في المصالح والعلاقات الاجتماعية ولا بد أن تلعب دوراً تنويراً متعاظماً لتغيير ميزان القوى لصالحها.

الأحزاب المصرية قبل وبعد الانتفاضة
إن اللقاءات التي أجريتها في القاهرة مع قوى شاركت في الانتفاضة الشبابية مباشرة والمحاضرات والمناقشات التي استمعت إليها وشاركت فيها في المقر الرئيسي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان واستمتعت بها, وخاصة محاضرة الأستاذ الأمين العام السابق للمنظمة الأستاذ محسن عوض والحوار المفتوح حول الإصلاح والفعل الثوري في الدول العربية ومشاركتي كمراقب ومشارك في عدد من الاجتماعات الفكرية والسياسية لمفكرين وسياسيين مصريين وعرب من دول أخرى في القاهرة والأحاديث التي جرت مع سياسيين وصحفيين عراقيين بارزين في مصر, ومتابعة العديد من الصحف اليومية والكتب الجديدة التي تتحدث عن "ثورة 25 يناير" 2011 جعلتني أتيقن من وجود إجابات مشتركة ومتباينة حول الحلول, وهي ناشئة عن زوايا الرؤية والخلفيات الفكرية والسياسية والمصالح المتباينة. ولكنها كلها متفقة على إن هناك مخاطر جمة تحيط بالثورة المصرية الشعبية وتستوجب بذل الجهود الحثيثة والكبيرة والمشتركة لحمايتها والدفاع عنها من خلال تعجيل حركة التغيير والإصلاح بعد أن تحقق الفعل الثوري في التغيير الرئيسي لقوى النظام والتصدي لمحاولة التأخير في اتخاذ الخطوات الضرورية لكي لا يصاب الشعب بالإحباط.
إن المتتبع للأحداث في القاهرة والإسكندرية وفي بقية المدن المصرية الكبيرة يستطيع أن يلاحظ عدة مسائل جوهرية في الحياة السياسية الحزبية, وهي:
1 . وجد في مصر قبل الانتفاضة الشعبية 24 حزباً سياسياً متبايناً في مواقفه, بعضها كان معارضاً للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم الذي تأسس في العام 1978 في فترة حكم أنور السادات. وبعضها الآخر كان مهادناً ومساوماً وساكتاً عن أوضاع مصر البائسة. وأغلب هذه الأحزاب كان قد تأسس في التسعينيات من القرن الماضي ولكن بعضها تأسس في السبعينيات مثل حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي (1976) بقيادة خالد محي الدين, وحزب الوفد الجديد (1978) والحزب العربي الديمقراطي الناصري (1992), كما تأسست أحزاب أخرى انشقت عن الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم مثل حزب الجبهة الديمقراطية للدكتور أسامة الغزالي حرب (2007) الذي استقال من قيادة الحزب وشكل حزبه الجديد. وفي أعقاب الانتفاضة ظهرت أحزاب أخرى كثيرة يصل عددها إلى 20 حزباً سياسياً. (راجع: د. عمرو هاشم ربيع, ثورة 25 يناير (قراءة أولية ورؤية مستقبلية), مطابع الإهرام التجارية-قلوب- مصر. مارس 2011. الفصل الثالث. موقف الأحزاب السياسية. بقلم هاني الأعصر. ص 65-78. راجع أيضاً: جريدة الشروق, الموقع الإلكتروني. مصر ما بعد 25 يناير 2011).
اختلفت مواقف هذه الأحزاب من الانتفاضة الشبابية ومن الدعوة للتظاهر في يوم 25 يناير. ففي الوقت الذي أيد حزب الجبهة الديمقراطية وحزب الغد وحزب العمل الاشتراكي الدعوة وشاركت مجموعات من أعضاء هذه الأحزاب في التظاهرة, وقفت ضدها بعض الأحزاب السياسية المعروفة مثل حزب الوفد وحزب التجمع الوطني والحزب الناصري بذرائع مختلفة, رغم تأكيدهم على إنهم يؤيدون من حيث المبدأ المطالب التي يطرحها الشارع المصري ولكنهم يخشون من الفوضى التي يمكن أن تسود في البلاد, إضافة إلى إن يوم 25/1/ هو يوم ذكرى المعركة التي خاضها بعض أفراد الشرطة المصرية ضد قوات الاستعمار البريطاني. أما المجموعة الثالثة من الأحزاب التي اتخذت موقف المعارضة من الدعوة للتظاهر فكانت عديدة وذات نفس مهادن مع السلطة بشكل واضح.
ورغم إن مواقف الأحزاب المعارضة للنظام قد تميزت بالقلق والتردد, فأنها قد اتخذت موقفاً واضحاً في أعقاب أحداث 25/1/ و28/1/ على إثر "موقعة الجمل", ولكن بعضها بقي حريصاً على التفاوض مع السلطة, سواء أكان ذلك قبل تنحي مبارك عن السلطة أم بعده, في حين رفض هذا الموقف من المنتفضين في ميدان التحرير بالقاهرة وفي سائر المدن المصرية الأخرى. وتؤكد المعلومات إلى أن حزب الجبهة الديمقراطية وحزب الغد وحزب العمال الاشتراكي, الذي كان مجمداً, وكذلك حزب التجمع الوطني وحزب الوفد قد فتحوا مقراتهم لاستقبال المصابين والمتظاهرين, إذ أن أعضاء هذه الأحزاب قد شاركت بوضوح في أعقاب المرحلة التي أعقبت 28/1/2011. إن صلابة الشباب المنتفض استطاعت أن تفرض نفسها في الشارع على مواقف بقية الأحزاب السياسية وأن تجرها بهذا القدر أو ذاك على مواقعها, ولكن هذه الأحزاب لم تكن بالثورية والتصميم والإرادة الفعلية على التغيير التي كانت وما تزال لدى القوى الشبابية والشعبية المنتفضة في يوم جمعة الغضب, يوم 25/1/2011. (راجع في هذا الصدد: بحث هاني الأعصر, مصدر سابق).           
2. أما جماعة الأخوان المسلمين فقد رفضت المشاركة في اليومين الاولين في ميدان التحرير, وان صرحت بأنها لن تمنع  أعضاءها الأفراد من المشاركة، وكان هذا الموقف مماثلا لمواقف الكثير من الأحزاب الأخرى. ولكن الجماعة أيضا, مثل بقية الأحزاب, غيرت موقفها في اليوم الثالث- بعد انضمام فئات شعبية واسعة للاحتجاجات. وفي هذه المشاركة لم ترفع الجماعة شعاراتها الخاصة ولم تتحدث عن مشاركتها المنظمة فيها وتحدث بعض قيادييها عن ضرورة إقامة نظام ديمقراطي في مصر. وإذا كانت لمشاركة جماعة الأخوان المسلمين دورها الملموس في تعزيز التظاهرة وفي مواجهة قوى الأمن والشرطة والبلطجية في يوم 28/1/2011 بشكل خاص,فإنها وفي أعقاب تنحي مبارك عن السلطة وتشكيل حكومة جديدة برئاسة الدكتور عصام شرف تغير موقف القيادة السلبي السابق تماماً ففي الوقت الذي ادعت أثناء انتفاضة بأنها لا تسعى ولا تريد شيئاً, تحل الموقف بعد ذاك إلى المطالبة بكل شيء. وبعد الحديث عن نظام ديمقراطي, بدأ الحديث عن نظام إسلامي وأن "الإسلام هو الحل" وإقامة "الدولة الإسلامية" و"تطبيق الحدود", وهو الأمر الذي بدأ يثير قوى الشعب الأخرى, والتي تشكل الغالبية العظمى من المجتمع, إضافة إلى إثارة فعلية للقوى الشبابية التي بدأت بالانتفاضة الشعبية. علماً بأن في مصر أربع قوى إسلامية سياسية متصارعة في ما بينها في الوقت الحاضر, ولكنها تحاول أن تتوحد في مواقفها لفرض هيمنتها على الثورة والحصول على الأكثرية في الانتخابات القادمة, وهي: قوى الأخوان المسلمين التي غير بعضهم اسم الحزب إلى "حزب الحرية والعدالة" على غرار الحزب الإسلامي "العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا, في حين رفض آخرون هذا التغيير واعتبروه تنازلاً ومساساً بتاريخ ومبادئ وجهاد هذا الحزب, ثم القوى السلفية, والقوى الجهادية, وأخيراً الجماعات الصوفية. وكل من هذه الأحزاب له منهجه واتجاهه وأساليب عمله. إلا إن ما أثار الاستفزاز والغضب في أوساط القوى اليسارية وأتباع الديانات الأخرى, وخاصة في أوساط المسيحيين, ذلك التصريح العدواني الذي نطق به الدكتور محمود عزت, نائب المرشد العام, والمهندس سعيد الحسيني, وهو قيادي أيضاً في جماعة الإخوان المسلمين إذ قالا في مؤتمر إمبابة بتاريخ 14/4/2011 ما يؤكد سعي "الإخوان لإقامة الحكم الإسلامي مع تطبيق حدود الشريعة الإسلامية في مصر داعين جميع التيارات الإسلامية إلى "عدم النوم" حتى إعلان مصر دولة إسلامية ." (راجع: جريدة المصري اليوم, العد 2499, الأحد المصادف 17/4/2011, ص4). وهكذا كشفوا ومن جديد عن نيتهم الفعلية في رفع شعار أن "الإسلامَ هو الحل !". وأضاف نائب المشد العام "حول موقف الجماعة من تطبيق الحدود في الشريعة الإسلامية، إن هذا الأمر يأتي بعد «امتلاك الأرض»، فلا بد أن تقام الحدود بعد أن يكون الإسلام في حياة الناس وأخلاقهم وتعاملاتهم ".       
3 . القوى الشبابية التي شكلت العمود الفقري للانتفاضة الشعبية والتي استطاعت أن تحقق ما عجزت عنه الأحزاب السياسية التقليدية المعارضة لنظام حكم حسني مبارك ورهطه والقوى الاجتماعية التي ساندته واستفادت منه. ومن الجدير بالإشارة إلى إن الجماعات الشبابية تسعى اليوم إلى بلورة أهدافها ومواقفها والدفع باتجاه تشكيل تنظيم أو أكثر لصالح الدفاع عن المكتسبات التي تحققت وتطوير الثورة والحفاظ على زخم المنجزات, ومنها محاكمة الفاسدين وتطهير أجهزة الدولة من القوى المضادة للثورة. كتب السيد عصام عبد العزيز في مقال له نشر في جريدة الشروق حول الخارطة الحزبية لمصر قبل وبعد ثورة 25 يناير مشيراً إلى ما يلي:
"وبينما يتواصل نشاط شباب الثورة في الشارع تسعى مجموعة من الشباب وقادة الثورة إلى تأسيس حزب سياسي خاص بهم، يمثل قطيعة مع ميراث أحزاب المعارضة التقليدية التي يراها الشباب «شريكا للنظام السابق». وكان حزب «جبهة التحرير والتنمية والدفاع عن مكتسبات الثورة» الذي وقع بيانه التأسيسي نحو 30  ألف شاب ممن شاركوا في الثورة أول حزب تم الإعلان عن تأسيسه من قبل شباب ميدان التحرير، كما بدأت «جبهة التحرير» التي تضم عدداً من شباب الثورة إجراءات لتأسيس حزب سياسي، وأعلن الإعلامي وائل الإبراشي ومجموعة من شباب ثورة 25 يناير تأسيسهم حزبا سياسيا يحمل اسم «شباب التحرير».
وأعلنت مجموعة أخرى من الشباب المشاركين في الثورة تأسيس حزب «25 يناير»، بينما قرر شباب آخرون من المشاركين في الثورة، ينتمون لتيارات سياسية مختلفة، جمع التكتلات السياسية الكثيرة الناشئة عن شباب التحرير في حزب واحد باسم حزب «التحالف»، محذرين من تشرذم الثورة وانقسام الشباب. (راجع: جريدة الشروق, الموقع الإلكتروني. مصر ما بعد 25 يناير 2011). وأغلب هذه القوى تريد دولة مدنية علمانية ديمقراطية تتخذ موقف الفصل بين الدين والدولة والسياسة.
4 . شاركت عناصر من قوى اليسار الديمقراطي في مصر مع بقية قوى الثورة منذ اليوم الأول وتفاعلت معها. واتسعت مشاركتها منذ 28/1/2011, وهي التي تسعى اليوم إلى التفاعل في ما بينها وتشكيل تنظيم جديد يعبر عن رؤيتها للثورة وسبل تطويرها وتعزيز مكتسباتها. إلا إنها ما تزال مختلفة على بعض الشعارات التي تمس السياسة العربية وخاصة حول القضية الفلسطينية.
إن أهم وأكبر أحزاب اليسار الناشئة هو "حزب التحالف الشعبي الاشتراكي. ونشأ هذا الحزب من اندماج قوى يسارية عديدة أهمها مناضلون من "حزب الشعب الاشتراكي" السابق واليساريون الذين استقالوا من حزب التجمع، ومناضلون يساريون من مجموعات أخرى. والمنسق العام لهذا الحزب د. إبراهيم العيسوي ومنهم د. عبد الخالق جودة (حاليا وزير الشئون الاجتماعية) وعدد من الشخصيات السياسية والعلمية والنقابية والكاتبات والكتاب البارزين في مصر.
وذكر السيد عصام عبد العزيز في مقاله المشار إليه سابقاً حول الحزب الشيوعي المصري ما يلي: "وفي خطوة مهمة في مسيرة الحزب الذي ظل محظوراً منذ عام 1924، قرر الحزب «الشيوعي المصري»  ممارسة نشاطه بشكل علني لأول مرة، وأصدر الحزب بياناً يكشف فيه وبشكل علني عن عقد اجتماع موسع لهيئاته المختلفة واتخذ قراراً باستئناف نشاطه العلني. (راجع المصدر السابق نفسه). ويعاني الحزب الشيوعي المصري من تخلي بعض كوادره عنه بسبب تحالفه مع الدكتور رفعت السعيد والمجموعة التي يطلق عليها بقوى اليمين في حزب التجمع الوطني.
ويشير السيد عصام عبد العزيز إلى "تأسيس حزب جديد يحمل اسم الحزب «المصري الديمقراطي الاجتماعي»، ويجمع بين التيار اليساري الديمقراطي والليبرالي الملتزم بالعدالة الاجتماعية." (نفس المصدر السابق). وكما يلاحظ فهي قوى مدنية أو علمانية تطمح إلى إقامة مجتمع مدني علماني في مصر يفصل بين الدين والدولة وبين الدين والسياسة, ويأخذ بقاعدة "الوطن للجميع والدين لله".
5 . أما الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم, الذي صدر حكم قضائي بحله ومصادرة مقراته وممتلكاته بسبب مسؤوليته عن الفساد والإفساد, فقد اتخذ منذ البدء موقفاً مناهضاً للانتفاضة, ثم حاول جاهداً أن يقيل بعض رموزه لتخفيف الضغط عليه, ولكن الشعب قد أدرك بضرورة التخلص من هذا الحزب الذي عث قادته والكثير من البارزين فيه فساداً في أرض الكنانة. والكثير من هؤلاء القادة يقدمون إلى القضاء المصري لينالوا الجزاء العادل لممارساتهم المناهضة لقوى الشعب.
6. لقد اتخذ العديد من الأحزاب المحافظة موقفاً مناهضاً لحركة الشباب وانتفاضة الشعبية منذ البدء واعتبروا ذلك فوضى وشغب يقود إلى  عواقب وخيمة ودافع عن وجود محمد حسني مبارك على رأس الدولة باعتباره منتخباً. وبعد تنحي مبارك تغير موقف البعض منها وبعضها الآخر سعى لإبقاء حكومة أحمد شفيق لتفادي تطور الأحداث وانتصار الانتفاضة. ولكنه في المحصلة النهائية وجد نفسه مجبراً على مسايرة الأوضاع الجديدة. ومن بين هذه الأحزاب نشير إلى حزب الغد وحزب الجيل الديمقراطي وحزب مصر العربي الاشتراكي وحزب المحافظين, وكان مجمداً ..الخ, التي وجهت تهنئة للشعب المصري بسبب تنحي مبارك عن رئاسة الجمهورية والتغيرات التي حصلت في البلاد. (راجع: بحث السيد هاني الأعصر, مصدر سابق). وقد أدرك المجتمع الموقف الانتهازي لهذه القوى السياسية ذات القاعدة الجماهيرية الهزيلة.   
6 . الهيئة العسكرية الحاكمة التي تحاول إيجاد طريق وسط بين الاتجاهات المختلفة لقوى الانتفاضة والقوى الأخرى, وإذا كانت قبل ذاك في انسجام تام مع سياسات ومواقف رئيس الجمهورية الذي ينتمي للطاقم العسكري, فإنها لم تكن تؤيده في موضوع توريث رئاسة الجمهورية لابنه جمال مبارك, إذ إنها ربما كانت تريد ان يكون الرئيس الجديد عسكرياً أيضاً. وبالتالي فهي من حيث المبدأ لا تمتلك أجندة خاصة بها للتغيير. ويبدو للمتتبع ومن خلال الخطوات التي قطعتها حتى الآن إنها ليست في انسجام تام مع قوى الثورة ولا مع الحكومة الجديدة, ولكنها أقرب إلى الحكومة منها إلى قوى الثورة, كما إن الحكومة الحالية هي أقرب إلى قوى الثورة منها إلى الهيئة العسكرية. وفي هذا يمكن أن يبرز الصراع بين هذه الأطراف الثلاث وبتأثيرات من أطراف أخرى محلية وعربية ودولية. ويبدو لي أن الهيئة العسكرية, وهي مشدودة إلى الوراء بخيوط قوية, تتطلع بهذا القدر أو ذاك إلى حصول تغييرات معينة, ولكن ليس في مقدورها السير بنفس النهج الثوري وبذات السرعة التي تريدها قوى الانتفاضة الشعبية, وخاصة الشبيبة المصرية التي قادت الفعل الثوري في مصر. ولا شك في أن الجيش المصري قد لعب دوراً مهماً في حسم الموقف, إذ كان يرفض التمديد والتوريث, كما رفض توجيه النار ضد الشعب, وبالتالي لعب دوراً مهماً ومباشراً في تحقيق مطلب الشعب في تنحي مبارك عن السلطة, ويبدو واضحاً إن الهيئة العسكرية هي التي صاغت بيان التنحي الذي قرأه عمر سليمان .   
لقد أمكن حتى الآن خلع الرئيس ونائبه والحكومة المصرية السابقة والحكومة المؤقتة برئاسة أحمد شفيق وتشكيل حكومة جديدة برئاسة أحد المشاركين في الانتفاضة الشبابية والشعبية هو الدكتور عصام شرف تضم عناصر وطنية وديمقراطية ومن اتجاهات سياسية عديدة. كما جرى اعتقال وحبس تقديم مجموعة كبيرة من الحكام السابقين ابتداءً من مبارك ومروراً بولديه ورئيس الحكومة السابقة ورئيس مجلس النواب وبعض الوزراء, ومنهم وزير الداخلية, ومجموعة من النواب السابقين وأصحاب الأعمال وحبسهم على ذمة التحقيق حيث كشفت التحقيقات الجارية عن كم هائل من الفساد والاغتناء غير المشروع, إضافة إلى اتهام رئيس الدولة السابق ووزير داخليته بإصدار الأوامر بضرب المتظاهرين. كما جرت سلسلة من التغييرات في إدارة المحافظات وفي المسؤولين عن أجهزة ومؤسسات الإعلام الحكومي. ولكن كل ذلك ما يزال بحاجة إلى مزيد من الجهد لاستكمال عملية التحول في النظام السياسي والحياة الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والثقافية المصرية, وهي الإجراءات التي يمكنها تنشيط عملية التصدي لقوى الثورة المضادة وتعجيل عملية التحول من الانتفاضة الشعبية إلى ثورة فعلية تجري تغييراً كاملاً في حياة ومستقبل الشعب المصري. إن ما حصل في مصر حتى الآن يعتبر البداية الجادة والقادرة على التقدم وتحقيق التغيير المنشود.   
القاهرة في 21/4/2011   كاظم حبيب


336
كاظم حبيب

مصر: الصراعات المريرة وإصرار الشعب على التغيير
2-4
من هم الشباب الذين فجروا الانتفاضة الشعبية؟
لعب الشباب المتعلم والمدرك لمشكلات الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي في مصر والمتطلع للخلاص من هذا الواقع المزري وتكريس مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وتوفير فرص عمل للعاطلين ومكافحة الفساد السائد دوراً طليعياً ومقداماً في تفجير وقيادة الانتفاضة الشعبية, سواء أكان باستخدام التقنيات الحديثة وممارستها بوعي ومقدرة لتحقيق شبكة واسعة من الصلات عبر أدوات التواصل الاجتماعي وتبادل المعلومات وتطوير العلاقات وبلورة الأهداف والمهمات والاستفادة من تجارب شعوب أخرى, أم بتعبئة القوى الشبابية لتنظيم التجمع والتظاهر في يوم 25/1/2011 من أجل خوض عملية التغيير. لم يكن في بال منظمو هذه العملية أن يتحقق ما تحقق لهم, ولكن سلوك النظام وتداعيات الوضع هي التي سمحت بهذا التصعيد الثوري الناجح. وبهذا الصدد صرح الناشط السياسي وائل غنيم قائلاً بـ "إنه لم يكن يتصور هو ومن معه أنّ الأمر سيصل إلى إسقاط الحكومة بالفعل وتنحى الرئيس. فقط أرادوا أن يضغطوا على الحكومة ليتفاوضوا ويحسنوا أداءهم. لكن الإقبال الشعبي دفع الشارع إلى الارتفاع بسقف مطالبه". (راجع: صحيفة شروق آخر تحديث: الأحد 24 ابريل 2011. القاهرة).
 لم تخرج تلك المظاهرات عن الشعارات التي أشرنا إليها في المقدمة وعن طابعها السلمي, بل حافظت عليه بقوة, ولكنها أبدت استعداداً عالياً للدفاع عن نفسها وعن المهمات التي خرجت من أجلها. كان المتظاهرون في الغالب الأعم من النساء والرجال الشباب الذين نصبوا الخيام في ميدان التحرير والذي أُطلق عليه أخيراً اسماً مرادفاً هو "ساحة الشهداء" لكثرة المناضلين الذين سقطوا برصاص الشرطة القناصة والبلطجية. ووفق المعلومات التي توفرت لدى لجنة تقصي الحقائق المصرية فأن الأوامر باستخدام العتاد الحيَّ وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين وإبعادهم عن ميدان التحرير قد صدرت عن أعلى سلطة في البلاد, عن رئيس الجمهورية, محمد حسني مبارك, ووزير الداخلية حبيب العادلي. (راجع: تقرير لجنة تقصي الحقائق حول أحداث ثورة 25 يناير. جريدة الوفد, الأربعاء المصادف 20 أبريل 2011, ص 5). وقد مورس هذا الفعل الإجرامي من جانب قناصة أجهزة الأمن القمعية والشرطة بصورة متوحشة من على سطوح العمارات المحيطة بالميدان ومن شِرف البيوت المطلة على ميدان التحرير والشوارع الفرعية ومن على جسر 6 أكتوبر الذي يمر بميدان التحرير. ونتيجة ذلك أُجبر المتظاهرون والمتجمعون على مغادرة ميدان التحرير في تلك الليلة ليعودوا لاحقاً بزخم أكبر وأروع.
والمتتبع لهذه الأحداث يدرك تماماً بأن ليلة الخامس والعشرين على السادس والعشرين من شهر كانون الثاني/يناير 2011 كانت في واقع الحال:
** بداية النهاية والعد التنازلي المتسارع لرأس النظام وحاشيته وحكومته.
** إذ بعدها مباشرة رُفع شعار "أرحل .. أرحل يا مبارك" و كذلك شعار "الشعب يريد إسقاط النظام".
** التفاف متعاظم لفئات الشعب حول المتظاهرين لإدراكهم كون النظام لم يعد قابلاً للإصلاح ولم يعد مؤهلاً للبقاء وأنه يستهدف المتظاهرين فرددوا بقوة وبجوقة إنسانية رائعة وصوت هادر ذات الشعارات التي رفعها المتظاهرون "أرحل...أرحل .." مضافاً إليها شعارات الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وإقامة المجتمع المدني الديمقراطي الحديث وحقوق الإنسان وضد الفساد ...الخ.
فما أن نزف الدم في شوارع مصر حتى هبَّ الشعب المصري كله فكان الثامن والعشرون من شهر كان الثاني/يناير 2011 حيث تَجمعَ المحتجون ضد أساليب العنف والقمع التي مورست ضدهم. لم يكن النظام قادراً على استيعاب تجربة تونس واعتقد بأن الشعب المصري يختلف عن الشعب التونسي وأن محمد حسني مبارك يختلف عن زين العابدين بن علي وكذلك الاختلاف في الأجهزة القمعية, إذ سارع إلى استخدام أساليب القمع المعتادة, فزج بقوات الأمن وجماعات البلطجة المتفسخة في ميدان التحرير والشوارع المحيطة به لتفريق المتظاهرين بكل قسوة, كما فعل زاهدي وقوام السلطنة في إيران بدعم من الولايات المتحدة وبريطانيا في العام  1953 حين أنزلوا جماعات البلطجة ليفرقوا المتظاهرين ويسقطوا حكومة الدكتور محمد مصدق.
في هذه الليلة كان السقوط الفعلي لرأس النظام المصري والحكم الاستبدادي في مصر, لقد داست قوى النظام بغطرستها واستعلائها المشينين على العصب السحري الحساس للإنسان المصري, على كرامة المصريين في تلك الليلة التي أُطلق عليها "موقعة الجمل" إذ لم يُنزف الدم المصري مدراراً فحسب, بل وأهينت كرامة الإنسان المصري الذي لم قادراً على تحملها, فكانت الحرائق في أكثر من 80 مركزاً للشرطة في القاهرة وأكثر من 1200 مركزاً في جميع أنحاء مصر, وكان الغضب قد تفجر ولم تنفع مسكّنات النظام في تهدئة الشعب, فكان بعدها السقوط والتداعيات المستمرة حتى الآن, كما فشلت مؤامرة سحب الشرطة من المدن لنشر الفوضى في البلاد مما يستوجب زج الجيش ضد الشعب المنتفض.   
وفي الوقت الذي كان الشباب المصري الذي فجر الانتفاضة الشعبية يسعى لتحويلها إلى ثورة شعبية جذرية, كانت قوى النظام المنهارة تسعى في الوقت ذاته إلى إعاقة هذه العملية وإجهاض جهود الشباب أو إيقاف زخم الثورة وجعلها تسير على طريقة "خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء" من أجل سرقة الثورة بثورة ردة غير مباشرة, خاصة وإن قوى الردة كانت ما تزال تمتلك قوى غير قليلة معششة في أجهزة الدولة. إنه الصراع الراهن المحتدم حقاً والذي سيستغرق وقتاً غير قصير. إلا إن هذا الصراع لا يجري بين قوى محلية مؤيدة ومعارضة فحسب, بل وتشارك فيه قوى وحكومات عربية وإقليمية غير قليلة تخشى على نظمها الجائرة من ذات المصير, إضافة إلى قوى دولية غير قليلة. 
والسؤال المهم الذي يواجه المتتبع لما جرى في مصر هو: من هم هؤلاء الشباب الذين فجروا هذه الثورة الشعبية الجديدة في قواها وأساليب وأدوات فعلها؟

قوى الانتفاضة
تؤكد المعطيات التي تحت تصرف الكاتب حتى الآن إن الشباب الذين خرجوا إلى الشوارع والتقوا في ميدان التحرير وفي شوارع وميادين أخرى في القاهرة وفي عموم المدن المصرية هم من الشباب المستقل الذي في غالبيته العظمى لم ينتم أو يرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بحزب سياسي أو منظمة سياسية. لقد تشكلت عبر السنوات الأخيرة مجموعات شبابية ترتبط في ما بينها عبر شبكات الإنترنيت وما يطلق عليه بالتواصل الاجتماعي (الفيسبوك والتويتر) ومن خلالها كانت تتبادل المعلومات والأخبار وتتحدث عن المشكلات وتعلق عليها وتنشرها على نطاق واسع. وبمرور الأيام اقتربت هذه الشبكات من بعضها لتشكل مجموعات كبيرة ذات وجهات نظر متقاربة ولكنها لا ترتبط بالأحزاب والكتل السياسية بأيديولوجياتها المتعددة. وهذا الاستنتاج لا يعني غياب كلي لشبيبة هذا الحزب أو ذاك, ولكن التحرك كان من حيث المبدأ مستقلاً عن الأحزاب وعبر أهداف ومهمات وطموحات مشتركة بلورها الشباب أنفسهم. وغالباً ما كانت المشكلات الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع هي المحرك لكل ذلك مثل: البطالة الواسعة وبطالة الخريجين على نحو خاص والرواتب القليلة وأزمة السكن وعدم القدرة على الزواج بسبب متطلباته غير المتوفرة لهم, ومشكلات الفقر والحرمان والفجوة المتسعة في مستويات معيشة الفئات الاجتماعية والأجور والرواتب الشهرية البائسة لغالبية صغار ومتوسطي الموظفين والعاملين في القطاع الخاص ومساومة الاتحاد العام للعمال الرسمي لصالح الحكومة وابتعاده عن جماهير العمال, إضافة إلى مشكلات الفساد والرشوة التي يفرضها الموظفون على أصحاب المعاملات في الدوائر الحكومية... الخ. وكذلك الشكوى المرة والمديدة من عمليات الاعتقال الكيفي أو الاعتباطي دون قرارات من قضاة تحقيق أو ممارسة أسوأ وأقسى أساليب التعذيب في المعتقلات والسجون أو حتى الموت تحت التعذيب بسبب غياب الحريات العامة وما يعانيه الإنسان من تعسف المسؤولين في مختلف المستويات وقسوة أجهزة القمع وساديتها المرضية.
إن المعطيات التي تحت تصرف الكاتب تشير إلى أن أغلب الداعين والمشاركين في التجمع والتظاهر في يوم 25/1/2011 هم:
** من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16-35 سنة, أي من الطلبة والمتعلمين والخريجين وصغار الموظفين والمستخدمين والقادرين من الناحية المالية أو الوظيفية على استخدام الكومبيوتر والإنترنيت وأدوات التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك والتويتر وغيرها من وسائل الاتصال ونقل المعلومات الحديثة.
** كما إن أغلبهم من الفئات الوسطى والصغيرة في المجتمع, سواء أكانوا من أبناء وبنات الموظفين أم من صغار المنتجين والكسبة والحرفيين. ولا يخل في هذا الاستنتاج وجود طلبة وعمال ومجموعات من بنات وأبناء فئات ميسورة كانت تشعر بالكارثة المحدقة بالمجتمع المصري والدولة المصرية وتساهم في إيقافها.
** وشارك في هذه الفعاليات في البداية عدد قليل من العمال الواعين الذين تركوا قيادات نقاباتهم المساومة مع السلطة في غير صالح الشعب. وتشير المعلومات المدققة إلى أن قادة النقابات الرسمية نزلوا في يوم 25/1/2011 بشعارات ودعاية مضادة تدعو المشاركين في التظاهرة إلى ترك التظاهر وميدان التحرير والعودة إلى  بيوتهم بأمر من أسيادهم الحكام.
** ولا بد من الإشارة هنا إلى أن قوى حركة "كفاية", التي تأسست في العام 2004 والتي كانت ضد التمديد والتوريث لانتخابات رئاسة الجمهورية, قد شاركت أيضاً إلى جانب قوى حركة 6 أبريل 2006 التي جسدت مطالب عمال النسيج, كما شاركت جماعة حركة 19 مارس.   
** وإذ كانت هذه الانتفاضة قد بدأت واستمرت في المدن المصرية الكبيرة, فأن الريف وقوى الفلاحين, وبشكل خاص في الصعيد, لم تشارك فيها بشكل عام, في حين كانت هناك مشاركة وصدامات في الوجه البحري. ومن هنا يمكن القول بأن هذه الانتفاضة كانت وما تزال مدينية بامتياز.
وإذ اقتصرت الفترة الأولى من المظاهرات على مشاركة الجماعات المشار إليها في أعلاه, فأن التطور المتسارع للأحداث قد جرَّ إليه المزيد من الناس من مختلف الفئات الاجتماعية التي كانت تعاني من عنت وجور وموبقات النظام السياسي الحاكم حينذاك. فكثرة من الطلبة والمثقفين والمعلمين وأساتذة الجامعات والمعاهد والمهندسين والأطباء والاقتصاديين والفنانين والصحفيين وجمهرة من العمال قد شاركوا في هذه التظاهرات المليونية التي هزت النظام من جذوره المتعفنة والمهزوزة وأسقطته. كما شارك في ما بعد أعضاء من بعض الأحزاب السياسية مثل حزب الوفد وحزب التجمع. أما الأخوان المسلمون فقد شارك الشباب منهم بصفة فردية وبعيداً عن قياداتهم التي لم تكن ترغب بالتورط بمشكلات إضافية مع الحكومة المصرية فانتظرت لترى وجهة تطور الأحداث. وكان الموقف انتهازياً بامتياز. ومع ذلك فقد كان لدخول الأخوان في 28/1/2011 تعزيزاً لقوى الانتفاضة خاصة وأنهم أكثر تنظيماً وأكثر استعداداً لمواجهة قوى الشرطة وأجهزة الأمن بعنف.
انتهت الحلقة الثانية وتليها الحلقة الثالثة بعنوان: " مستوى ومدى التغيير".
القاهرة في 20/4/2011                     كاظم حبيب


337
كاظم حبيب

مصر: الصراعات المريرة وإصرار الشعب على التغيير
-1-
التحرك الشعبي صوب التغيير
عاش الشعب المصري خلال الأشهر والأسابيع المنصرمة, كما يعيش هذه الأيام وسيعيش الأسابيع والأشهر المقبلة في أجواء من الحراك والزخم الثوريين المستمرين اللذين يجسدان الرغبة العارمة والإرادة الفاعلة والتصميم الصارم على مواصلة عملية التغيير الشامل. والنجاحات التي تتحقق يومياً على هذا الطريق تؤكد قدرة الشعب المنتفض, العائد إلى عمله اليومي الاعتيادي والمستعد للعودة إلى ميدان التحرير وغيرها من ميادين مصر في كل لحظة إن استدعت الضرورة, على تحقيق المهمات الكبيرة التي تواجه الدولة بسلطاتها الثلاث والمجتمع بكل مكوناته. ولم تكن هذه الانتفاضة الشبابية والشعبية عفوية بالمعنى المتداول والذي يتكرر كثيراً في هذه الأيام, سواء أكان ذلك في الصحف أم في وسائل الإعلام الأخرى أم في بعض أحاديث الناس, كما إنها لم تكن بفعل تخطيط مسبق من الأحزاب والكتل السياسية المعارضة للسلطة السياسية, سواء أكانت تلك التي قاطعت الانتخابات الأخيرة والمزيفة, أم التي شاركت بها بفعل مساومات سيئة عقدت مع الحزب الوطني الحاكم بأمل الحصول على عدة مقاعد في البرلمان كان من شأنها أن تفيد النظام بالادعاء بنزاهة الانتخابات وتساهم في تبرئة النظام من التزوير المفضوح والمخجل, كما حصل لحزب التجمع الوطني بقيادة الدكتور رفعت السعيد. لقد جاءت هذه الانتفاضة الاحتجاجية الشعبية التي فاجأت كل الأحزاب السياسية والقوى الحاكمة في آن واحد بعد سلسلة من:
** المظاهرات والإضرابات المهنية والاعتصامات العمالية وقوى النقابات والجمعيات والاحتجاجات الشديدة على صعيد مصر كلها منددة بالبطالة والفساد والفقر وظلم الأجهزة القمعية كلها وتزوير الانتخابات. ونشير هنا بشكل خاص إلى الحركات السياسية والاجتماعية التي بدأت بشكل خاص منذ العام 2004, ومنها حركة كفاية التي رفعت شعار "لا للتمديد..لا للتوريث" لرئاسة جمهورية مصر العربية, وكانت تطالب بتعديل مواد في الدستور لتغيير أسس وأسلوب انتخاب رئيس الجمهورية, وكانت تضم أعضاءً من مختلف الأحزاب السياسية ومن المستقلين, إضافة إلى حركة 6 أبريل/نيسان 2006 العمالية التي شملت كل عمال النسيج ثم أسست حركتها النقابية المستقلة عن الاتحاد العام للعمال الرسمي في العام 2008.   
** المذكرات الاحتجاجية التي كانت ترفعها الأحزاب السياسية المعارضة إلى رئيس الدولة والحكومة حول الوضع السياسي السيئ والمتدهور القائم في البلاد.
** الكتب الكثيرة التي صدرت عن كُتَّاب وكاتبات في مصر والخارج كانت كلها تؤكد تدهور أوضاع الشعب والفجوة المتسعة باستمرار بين السلطة والشعب وعن السلبيات التي تميز النظام. كما يمكن متابعة ذلك من خلال مراجعة المجلات والصحف المصرية خلال السنوات العشر أو الخمس الأخيرة.
** تقارير المنظمات الدولية حول الأوضاع الاقتصادية المتدهورة والبطالة الواسعة والفقر الذي شمل مجموعات كبيرة من السكان والتي يمكن أن تشكل مؤشراً على رفض المجتمع للسياسة الاقتصادية والاجتماعية والفساد السياسي للنظام المصري.
** تقارير منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني على الصعيدين المحلي والإقليمي والدولي التي كانت تؤكد على مصادرة حقوق الإنسان والحريات العامة والديمقراطية وعلى الأساليب القمعية التي تمارس ضد الأفراد والمجتمع وضد السجناء السياسيين وسجناء الحق العام, إضافة إلى تفاقم مظاهر الفساد والارتشاء في أجهزة الدولة والغنى الفاحش والنهب والسلب لأموال الدولة وعقاراتها من جانب الفئة الحاكمة وكبار مالكي وسائل الإنتاج.
إن كل ذلك وغيره لم يجلب انتباه السلطة الغارقة في فسادها وتسلطها وقمعها للشعب في كونها تمارس إهانة كبيرة ومتواصلة لكرامة الإنسان المصري والمجتمع في آن واحد. مما وفر مستلزمات الانتفاضة الشعبية ونجاحها من الناحيتين الذاتية والموضوعية.
فلو تتبعنا مسيرة الانتفاضة الشعبية لوجدنا إنها في البداية كانت قد توجهت ضد ممارسات وزير الداخلية حبيب العادلي وأجهزته القمعية والمطالبة بعزله ومحاسبته والتحقيق في قضية مقتل المواطن خالد سعيد في الإسكندرية, كما حصل قطع إذن المواطن المسيحي أيمن أنور لأسباب طائفية وفرض التنازل عن حقه بأساليب خبيثة وتحت التهديد بالقتل, ولكن كل ذلك وغيره قد تطور وتجلى بشكل أكثر وضوحاً وقوة في الشعارات الأساسية الثلاثة التي رفعها شباب الانتفاضة وهي:
"الحرية - العدالة الاجتماعية - الكرامة الإنسانية".
ولم يكن بينها أي شعار يدعو إلى إسقاط رأس النظام, محمد حسني مبارك, أو إلى إسقاط النظام, إذ كانت الخشية ما تزال تسيطر على أذهان الناس. ولكن السلوك المشين الذي انتهجه النظام في مواجهة مطالب الشبيبة والأساليب القمعية التي مارستها أجهزته بعد حمام الدم الذي أودى بحياة المئات من المواطنين العزل خاصة في يوم 28/يناير/2011 ارتفع بسرعة فائقة سقف مطالب المتظاهرين المحتجين الذين تجمعوا في ميدان التحرير للتوجه ضد ممارسات وزير الداخلية حبيب العادلي وأجهزته القمعية والمطالبة بعزله ومحاسبته والتحقيق في قضية مقتل المواطن خالد سعيد في الإسكندرية وسرعان ما اتجه الاحتجاج الشعبي ضد وجود رأس النظام, ومن ثْمَ النظام كله. 
إن هذه الانتفاضة الشعبية العارمة استطاعت إسقاط حسني مبارك وحكومته, ولكنها لم تسقط النظام السياسي بكل مكوناته حتى الآن, إذ إن العملية ما تزال تسير ببطء واضح يعكس الصراع الدائر على مختلف المستويات. ولكن الثوار الذين سعوا وما زالوا يسعون إلى تحويلها إلى ثورة شعبية حقيقية, يخوضون اليوم صراعات مريرة لتغيير جاد وفعلي في موازين القوى لصالح أهداف الشعب وتغيير بنية النظام السياسي وأجهزته وشخوصه, وهي عملية معقدة وطويلة نسبياً وقابلة للمد والجزر, إذ إن القوى التي فقدت رئيسها ومجموعة مهمة من النخبة الحاكمة والمحيطين بها ما تزال تقاوم وتستعين بشتى القوى الداخلية والإقليمية والدولية لتأخير المسيرة الثورية للشعب المصري بأمل تغيير الوجهة والعمل على قاعدة خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء. ولكن المجتمع المصري يعيش اليوم حالة ثورية أخرى هي الدفع باتجاه السير خطوتان إلى الأمام, ومن ثم التصدي لمحاولات قوى الردة لتعطيل العملية السياسية ودفعها للمراوحة في مكانها والتباطؤ في تنفيذ مضمون الخطوتين بأمل إعادة العجلة بخطوة إلى الوراء. 
إن الصراعات الجارية في مصر مريرة حقاً حيث تلعب الأجهزة الحكومية, رغم الضربات التي ألحقت بها, دوراً كبيراً فيها وتبذل جهوداً استثنائية لإعاقة المسيرة, وتجد لها صدى استحسان وتدخل غير مباشر من جانب قوى داخلية, مؤامرة حرق الكنيسة المسيحية في محاولة جادة لإثارة الصراع الديني في مصر من جديد, وقطع أذن المواطن المسيحي أيمن أنور متري لأسباب طائفية وفرض التنازل عن حقه بأساليب خبيثة وتحتد التهديد بالقتل وبحرب طائفية ضد المسيحيين في منطقة سكنه, وعربية من جانب المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة بشكل خاص, ودولية من جانب الولايات المتحدة الأمريكية بشكل ملموس بسبب التأثير المعروف للإدارة الأمريكية على القوات المسلحة في مصر منذ أيام السادات ومبارك. إن الدول الأكثر قلقا في المنطقة من التحول الديمقراطي في مصر هما السعودية ودولة الأمارات اللتان كانتا تلحان على الولايات المتحدة لكي تحول دون إسقاط مبارك. وتمارسان اليوم ضغوطا متزايداً على القيادة العسكرية المصرية للجم التطور الجاري نحو الديمقراطية. وتتراوح الضغوط بين التلويح تارة "باستخدام العصا وتارة أخرى بتقديم "الجزرة" وبالتحديد من التهديد بإجراءات ضد العمالة المصرية في تلك البلدان، التي تمثل تحويلاتها المالية احد المصادر الرئيسية للدخل القومي المصري، ومن جهة أخرى تلوحان بتقديم مساعدات مالية سخية في حالة الاستجابة لمطالبهما. وفي المقابل تواجه قوى الثورة المضادة صعوبات جمة في تغيير الدفة بسبب حركة وفعل الثوار الشباب المحصنون بمناعة جيدة قادرة على إحباط تلك الجهود ما لم تدخل عوامل سلبية إضافية على الوضع العام لتؤثر على وجهة المسيرة. فالمعطيات التي بين أيدينا متحركة ومتغيرة ولكنها تؤكد في المحصلة النهائية قدرة الثوار على كسب المعركة باتجاه التغيير وتحقيق النصر.
تواجه القوى الثورية مهمات كبيرة ناشئة عن المعاناة التي ما تزال موجودة, إذ إن الفعل الثوري لم يستطع حتى الآن تحقيق التغيير العميق والمنشود لإزالة العوامل التي كانت من أسباب الانفجار الثوري للشبيبة والشعب الكادح وفئات واسعة من البرجوازية الوطنية بقايا الفئات المتوسطة والصغيرة في المدينة على نحو خاص.
العوامل الكامنة وراء الفعل الثوري للشعب المصري
إن المعاناة التي يجري الحديث عنها في مصر نشأت بفعل عوامل كثيرة جسدت المرارة الشديدة التي كان الشعب المصري في غالبيته يعيش تحت وطأتها يومياً وفي كل ساعة ولحظة وتتجلى في مزاجه اليومي, رغم خفة دم المصريين, والتي لا يمكن لكل إنسان عاقل أن لا يراها ويسمع شكواها في البيت والشارع وفي الأحاديث الغنية بمضامينها وتعدد وجهات النظر وعمق الكثير منها لسائقي سيارات الأجرة "التاكسيات" من مختلف الأعمار وفي الجامعات والكليات والمعاهد الفنية والمهنية وفي مواقع العمل في المدينة والريف وصغار الموظفين والعاملين في قطاع الخدمات والإنتاج الخاص والحكومي ... الخ. وكان الحكام الذين رفضوا الإصغاء إلى صوت العقل وإلى أحاديث المجتمع, لكي لا يخدشوا أذانهم بالنقد الصريح والصادق والمستمر, قد فقدوا البصيرة والبصر حقاً, إنهم الحكام المخلوعون في مصر الذين تجبروا وطغوا, فسدوا وأفسدوا, ونسوا أنهم من هذا الشعب ويتحملون مسؤولية الحكم لصالح الشعب وليس لصالحهم كأفراد وكفئة حاكمة أو لصالح الأغنياء المتخمين بالمال والسحت الحرام. فمن تسنى له الحديث مع جمهرة كبيرة من المصريين خلال الفترة التي سبقت الانتفاضة الشعبية في الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير 2011 يمكنه تلخيص العوامل التالية باعتبارها الأسباب المباشرة لما حصل وما سيحصل في مصر أيضاً:
1 . غياب الحريات العامة وحقوق الإنسان والديمقراطية وحرية المرأة وسيادة الرجل الواحد والحزب الواحد وأجهزة الأمن القمعية التي كانت تمارس الاعتقال الكيفي والتعذيب أثناء التحقيق وفي السجون ومصادرة فعلية تامة.
2 . استخدام قوانين جائرة, ومنها بشكل خاص قانون الطوارئ, المناهضة لحقوق الشعب وحقوق المواطنة والأفراد من خلال تطبيقها بتعسف شديد هيمنت على حياة الشعب المصري والحياة السياسية طيلة عشرات السنين.
3 . تراجع شديد في ممارسة الحياة الدستورية والمؤسساتية وتشويهها وإلحاق المزيد من الأضرار السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية بالمجتمع وتسيير شؤون الدولة في غير صالح المجتمع وتزوير الانتخابات العامة بشكل صارخ ودون حياء.
4 . الفقر الواسع الانتشار في الريف والمدينة والذي يشمل ما يقرب من نصف المجتمع المصري (48%), وهم الذين يعيشون تحت خط الفقر ونسبة أخرى على خط الفقر أو فوقه بقليل والذي يجده الإنسان في العشوائيات المحيطة بالمدن وفي المقابر التي تضم أكثر من 4 ملايين مواطنة ومواطن في القاهرة وحدها.
5 . غياب الطبقة الوسطى من الخارطة الاجتماعية في مصر, وهي تأكيد لما كتبه الصديق الفقيد الدكتور رمزي زكي في كتابه الموسوم "وداعاً للطبقة الوسطى" في مصر, والتي انحدر أفرادها إلى الفئات الاجتماعية الكادحة والفقيرة, كما انحدرت فئات أخرى في مستوى حياتها ومعيشتها إلى ما يطلق عليه بالبروليتاريا الرثة.
6 . الفجوة الكبيرة والمتسعة باستمرار بين مستوى معيشة وحياة الغالبية العظمى من السكان الفقراء المدقعين الذي لا يزيد دخلهم اليومي عن دولار أو دولارين والأغنياء المتخمين الذين يكدسون المليارات في حسابات محلية وخارجية.
7 . الفساد المنتشر كنظام معمول به في أوساط الفئة الحاكمة والكومبرادور والأغنياء وكبار أصحاب رؤوس الأموال بحيث أصبح ومنذ عقود يلتهم نسبة مهمة من الدخل القومي المنتج في مصر, كما يلتهم جزءاً مهماً من المعونة المالية التي كانت تقدم من الخارج لمصر سنوياً وكانت تستخدم لصالح الفئة الحاكمة ومن حولها. ولم يكن مخطئاً من قال أن السمكة تتعفن من رأسها وتنتهي إلى ذيلها أو الشاعر الذي قال:
إذا كان رب البيت بالدف ناقراً       فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
8 . البطالة المكشوفة التي تشمل نسبة عالية من القادرين على العمل, وبشكل خاص وسط الشباب المصري والخريجين منهم على نحو خاص, إضافة إلى وجود بطالة مقنعة مجهدة للاقتصاد الوطني.
9 . التمييز الصارخ بين الناس على أساس الطبقة والفئة الاجتماعية وعلى أساس الحزبية لصالح الحزب الذي حكم مصر عقوداً عديدة رغم التغيرات التي طرأت على اسم هذا الحزب. وكذلك التمييز بين الناس على أساس الدين والمذهب أو الطائفة التي بدأت تجر المجتمع دون وعي بمخاطره الكبيرة على النسيج الوطني للمجتمع المصري.
10 . الاستغلال الفاحش المسلط على رقاب الناس منذ عقود وجور الفئة الحاكمة والجماعات المالكة لوسائل الإنتاج وإيغالها في إفقار المجتمع والدخل القومي لصالحها. لم تعرف مصر في ظل حكامها العدالة الاجتماعية, سواء أكان ذلك في عملية توزيع الدخل القومي أم في إعادة توزيعه أم في سبل ومضامين استخدامه.
11 . النضال الذي خاضته الجماعات المعارضة ساهم في تراكم النضال ضد المعاناة العامة والرغبة في الخلاص, بالرغم من مساوماتها الواضحة مع الحكم.
12 . ومما زاد في الطين بِلة استمرار حسنى مبارك ما يقرب من ثلاثة عقود من السنين العجاف في الحكم ثم أراد بكل السبل التمديد ومن ثم توريث الحكم لأبنه جمال مبارك مما أثار ليس غضب المعارضة السياسية المصرية فحسب, بل وكافة بنات وأبناء الشعب المصري. فالحكم الجمهوري أريد له أن يتحول إلى نظام "حكم جمهو-ملكي", كما حصل في سوريا وكما كان يراد أن يحصل في ليبيا واليمن على سبيل المثال لا الحصر.   
13   . وقد تميزت السياسة الإقليمية والدولية لمصر بالمساومة والانتهازية الجارحة لكرامة شعب مصر في قضايا عربية وإقليمية ودولية لم تكن تعبر عن إرادة ومصالح الشعب المصري بل عن حسابات قصيرة المدى وضيقة الأفق ومؤذية للمجتمعات العربية.
إن كل ذلك قد تسبب في إصابة كرامة المصريات والمصريين بجروح عميقة وكبيرة لم يستطع الشعب تحملها. ومن هنا يمكن الاتفاق مع النص الوارد في تقرير لجنة تقصي الحقائق المصرية حول أحداث ثورة 25 يناير 2011 حين أكد ما يلي:
"إن ثورة 25 يناير 2011 ثورة اجتماعية كاملة بمعنى الكلمة إذ شكلت حدثاً فاصلاً بين عهدين ونقلة كبيرة بين نظامين. وكانت هناك عوامل بمثابة الوقود الذي أشعل هذه الثورة يمكن إيجازها في : الفساد السياسي وغياب شبه كامل للحريات العامة والأساسية وصنع ديمقراطية ديكورية فقط لم يتفاعل معها الشعب المصري, وغيبة العدالة الاجتماعية وبروز الفوارق الشاسعة بين الطبقات حتى صارت تقريباً طبقتين فقط وتخلي النظام السابق نهائياً عن مسئولياته السياسية والاجتماعية تجاه المواطنين وانتشار الرشوة والمحسوبية حتى أصبحت لغة وثقافة متعارف عليها يومياً في حياة المصريين والقمع الأمني الذي استخدمه النظام في تمرير مشاريعه وإسكات الأفواه المعارضة له, والتضليل الإعلامي وتفريغ الحقائق من مضمونها. ". (راجع: سناء مصطفى, متابعة, جريدة الوفد, الأربعاء 20 أبريل 2011. القاهرة. ص5).     
وفي لحظة من لحظات التاريخ المشرقة للشعب المصري التقى العامل الموضوعي بالعامل الذاتي وجاءت الشرارة المطلوبة عبر انتفاضة تونس لتحرك الشباب صوب التجمع والاحتجاج بمطالب اجتماعية عامة ومعروفة ومعبرة عن الحاجة الملحة وضد المظالم التي يعاني منها الشباب.

الشرارات التي فجرت الانتفاضة الشبابية 
ويشير الكثير من المشاركين في مظاهرات الشباب المصري والقوى السياسية الأخرى إلى أحداث عدة باعتبارها كانت القشة التي قصمت ظهر البعير من بين كثرة من المحفزات المهمة الأخرى التي ساهمت في تفجير الوضع في مصر, وهي:
1) حادث تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية في صبيحة عيد رأس السنة الميلادية في الأول من كانون الثاني/يناير 2011 والتي أثارت الشباب من المسيحيين والمسلمين والكثير من نساء ورجال الشعب والتي أكدت عجز أجهزة الأمن والشرطة من حياة الناس ودور العبادة ومخاطر تفاقم المشاعر الطائفية والتمييز الديني. (راجع: (راجع: د. عمرو هاشم ربيع, ثورة 25 يناير (قراءة أولية ورؤية مستقبلية), مطابع الإهرام التجارية-قلوب- مصر. مارس 2011. الفصل الثالث. موقف الأحزاب السياسية. بقلم هاني الأعصر. ص 65-78).
2) قتل المواطن المصري خالد سعيد لتصويره بشكل سري أفلام فيديو تكشف بشكل موثق الفساد الفاحش المنتشر في أوساط أجهزة الشرطة, وخاصة المخدرات, من قبل جهاز الشرطة في الإسكندرية ثم وضع مخدرات في فمه بعد موته لاتهامه بالتعامل بها. وقد اعتبر المصريون أنفسهم مستهدفين من قبل النظام وأجهزته بشكل مباشر ونشأ بسبب ذلك الموقع الإلكتروني الذي أُطلق عليه "كلنا خالد سعيد".
3) عودة الدكتور محمد البرادعي إلى مصر وطرحه مسائل مهمة قبل الانتخابات وفي حملات الاحتجاج والتظاهرات المصرية التي شارك فيها منذ العام 2010 وعجز النظام عن اتخاذ إجراءات مباشرة ضده بسبب مكانته الدولية والتفاف الشبيبة حوله. لقد طلب البرادعي من الشبيبة المصرية العمل من أجل تعبئة عدد كبير من المتظاهرين يصل إلى مئة ألف إنسان, إذ عندها يمكن تحدي السلطة السياسية وأجهزتها الأمنية, إذ لا يمكن تحدي السلطة بمئات المتظاهرين, وبالتالي يمكَّن النظام البوليسي من إرسال المئات من قوات الأمن والشرطة لتطويق المتظاهرين وتفريق المظاهرات, في حين تعجز عن تحقيق ذلك حين تكون التعبئة واسعة. وهذا ما تحقق فعلاً. ولكن البرادعي كان متردداً وقلقاً وترك مصر, ولكنه عاد حين انطلقت الانتفاضة فعلياً.

4) الثورة التونسية التي أطاحت بسرعة فائقة بـرئيس الجمهورية التونسية الدكتاتور زين العابدين بن علي التي منحت المصريين الثقة بقدرتهم الفعلية على النهوض بالمهمة, فما حصل في تونس يمكن أن يحصل في مصر أيضاً. وهو الذي حصل فعلاً.   
وكعادة النظم المستبدة لم يحتمل النظام المصري هذه التجمعات والمظاهرات فارتكب جريمة الاعتداء على المتظاهرين والمتجمعين في ميدان التحرير ككل المرات السابقة التي كان يمارس فيها القمع وبقية الأساليب الوحشية في مواجهة مطالب الشعب ولم يدرك حقيقة نضوج العوامل الذاتية والموضوعية التي يمكن أن تفجر مكامن الشعب وتطلقه كالبركان الثائر لتحرق ظالميه وسارقي قوته وحياته.
انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية وهي بعنوان: "من هم الشباب الذين فجروا الانتفاضة الشعبية؟"
القاهرة في 18/4/2011                  كاظم حبيب


338
كاظم حبيب

تخلصت الشعوب من أبرز منظري ومؤججي صراع الأديان والمذاهب في العالم

كثيرون أولئك الذين أدَّعو الإسلام من شيوخ الدين وأساءوا للدين الإسلامي كثيراً, ولكنهم أساءوا في الوقت نفسه لأولئك الذين وضعوا ثقتهم الدينية بهم والتزموا بما صدر عنهم من فتاوى واقتنعوا بنصائحهم التي كانت شريرة وليست خيرة. كما أساء هؤلاء إلى الديانات الأخرى وأتباعها على نطاق واسع. حصل هذا في جميع الدول العربية وغير العربية ذات الأكثرية المسلمة. وهو ما يزال يحصل يومياً في كل الدول العربية وفي سائر بقاع العالم حيثما وجد مسلمون وشيوخ دين يتحدثون باسم الإسلام وليس هناك من يردعهم من حكام تلك الدول أو شيوخه. وسعى هؤلاء مع شيوخ دين وكتاب ينتمون إلى ديانات أخرى, مثل صموئيل هنتكتون صاحب كتاب "صراع الحضارات", إلى إقناع شعوب العالم كله بوجود صراع بين الحضارات أو بين الثقافات وكذلك بين الأديان والمذاهب, وبالتالي فهو صراع بين أتباع الديانات المتعددة. ولا يمكن أن نطلق على شيوخ الدين هؤلاء سوى أنهم دجالون يسعون إلى خداع الناس وإيهامهم بما هو غير واقعي وغير سليم يدفع بهم إلى الموت في سبيل الدين والدين منهم براء.
إلا إن الفترة الواقعة بين العقدين الأخيرين من القرن العشرين وبداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين شهدت بروز دجال هو الأكبر بين دجالي هذا العصر, هو الأكثر دموية وعنصرية وتشدداً, هو الأكثر سادية وكرهاً للإنسان والحضارة البشرية والتمدن, إنه الرجل المصاب بشتى العلل النفسية والاجتماعية, إنه أسامة بن لادن ربيب الفكر الديني المتحجر والمتخلف والمزيف والملتزم بالعنف والقتل والتخريب والمناهض لدينه ولكل الأديان والمذاهب الأخرى.
لم تكن المدارس الدينية المتخلفة والمتزمتة والمتشددة في كراهيتها ورفضها للأديان الأخرى وتنكرها ومحاربتها للمذاهب الدينية الأخرى وأتباعها في الإسلام هي الوحيدة التي تربى فيها ونشأ عليها أسامة بن لادن فحسب, بل ورعته ثلاث دول بشكل خاص وبصورة رسمية وربته ودربته على العنف والقتل وكره الفكر والرأي الآخر, إنها الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وباكستان منذ أوائل العقد التاسع من القرن الماشي. وهي التي سعت إلى تأسيس تلك الجماعات الدينية المتشددة في الدول ذات الأكثرية الإسلامية ومدتها بالأموال والتدريب وتربية الكوادر الدينية والعسكرية المتشددة في باكستان وأفغانستان والسعودية وزجتها في حرب طويلة ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان. وحين انتهت الحرب بانتصار تلك القوى المتشددة من أتباع طالبان ومختلف الكتل الإسلامية المتشددة, دارت الدوائر على تلك الدول التي احتضنته وأنشأته ومدته بما يحتاج إليه من مال وسلاح ورجال ومعلومات استخباراتية لتنفيذ عملياته. لنتذكر القول الشعبي يا "حافر البير لا تغمج مساحيها خاف الفلك يندار وانت التگع بيها".
هذا الرجل المريض والمصاب بهلوسة الإيديولوجية الدينية والوعي الديني المزيف والمشوه دفع بتلك القوى التي تحت تصرفه وبما يملك من أموال ورثها عن أبيه والأموال الكثيرة التي كانت تصله من دول عربية كالسعودية ودول الخليج العربي وقوى إسلامية متطرفة ومتشددة ضد الديان والمذاهب الأخرى في جميع أرجاء العالم لتمارس الإرهاب ضد الشعوب والدول الأخرى معتقداً بقدرته على غزو العالم وإقامة الدولة الإسلامية على طريقته ومذهبه الأمي والمتخلف وعلى نهج القوى الاستعمارية العربية القديمة التي غزت العالم باسم الفتح الإسلامي واستعمرته طويلاً حتى سقطت هي تحت الهيمنة الاستعمارية القديمة والجديدة والتي لا تزال تعاني من عواقبها ومظاهرها المختلفة.
لقد زج بأتباعه الجهلة والبؤساء في حرب همجية عدوانية قذرة ضد الشعوب العربية وضد شعوب الدول الإسلامية وضد الشعوب الأخرى, كانت وما تزال أداتها الرئيسية هي التفجيرات الانتحارية والاختطاف والتعذيب والقتل بقطع الرؤوس ونهب الأموال.
وكانت العمليات الانتحارية الثلاث التي تمت في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2011 في نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا هي العمليات الأكثر بشاعة والتي هزت العالم كله ووضعت فاصلاً بين مرحلتين متميزتين بحيث يقال اليوم "قبل وبعد 11 سبتمبر".
إن فظاعة أسامة بن لادن ومن يقف معه ويسانده من وراء الستار لا تكمن في مجموعة القاعدة التي كونها وزجها للقتل والتخريب والتدمير فحسب, بل وبالأساس في نشره أيديولوجية دينية متشددة وعنفية وعفنة تثير الكراهية والحقد والعداء بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية وتدعو إلى القتل مما أسهم في تكون الكثير من الفرق الصغيرة التي تمارس ذات الأفعال الإجرامية وباستقلالية عن أسامة بن لادن ومجلس الشورى التابع له. وهكذا برزت وجوه قبيحة في مختلف الدول العربية أو في الدول الأخرى ذات الأكثرية المسلمة من أمثال أبو مصعب الزرقاوي الأردني في العراق أو خلايا نائمة في الدول الغربية التي يمكن أن تستنهض في كل لحظة مناسبة لهم.
لقد قُتل عشرات ألوف الناس في العراق خلال الأعوام الثمانية المنصرمة على أيدي تنظيم القاعدة والقوى المتحالفة معه مثل هيئة علماء المسلمين السنة وقوى البعث الصدَّامية وجماعات إسلامية أخرى مماثلة من حيث الطبيعة والسلوك والهدف ولكنها مختلفة من حيث المذهب. لقد زرع هذا الرجل الموت والدمار في العراق وأفغانستان وباكستان واليمن وغيرها, وترك خلفه ضحايا وأرامل وأيتام في الكثير من الدول مثل بريطانيا واسبانيا وإندونيسيا على  سبيل المثال لا الحصر.
أسامة بن لادن, كبير إرهابيي ومجرمي العالم, قُتل يوم الأحد المصادف 1/5/2011 في باكستان على أيدي كوماندوا أمريكي وبقرار صائب من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية باراك أوباما, وبهذا وضع حداً لهذا القاتل والداعية المهووس. وستكون بداية مهمة لتراجع جميع هذه التنظيمات خاصة أمام نهوض رائع لحركة الشباب النشطة والديمقراطية عموماً في الدول العربية الداعية إلى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والكرامة والعدالة الاجتماعية وبناء الدولة الديمقراطية والتي يمكن أن تكتسح تدريجاً هذه الحركات الدينية المزيفة والمتخلفة والداعية إلى عودة العالم العربي إلى 1450 سنة إلى الوراء. إن رهان الشعوب على شبابهم المتفتح كبير وعادل وواعد أيضاً لدحر تنظيمات وقى الإسلام السياسية المتطرفة والإرهابية. 
إن العالم من دون أسامة بن لادن أصبح أكثر أمناً وأكثر استقراراً, رغم إن قوى الإرهاب ستمارس عمليات سريعة انتقامية ولكنها لن تكون قادرة على استعادة قوة هذا التنظيم الذي تراجع كثيراً في الفترة الأخيرة وستصاب قواه بالإحباط والتراجع. ولكن هذا الاحتمال يفترض أن لا يجعل العالم ينسى وجودهم ومخاطرهم على الأمن السلام في الكثير من دول العالم والحرب العادلة ضد الإرهاب يفترض أن تتواصل على الصعيد العالمي شريطة أن نعمل ونناضل من أجل إزالة كل العوامل والأسباب التي تسببت وستبقى تتسبب في نشوء أرضية صالحة للإرهاب بمختلف أشكاله, وخاصة التخلف والفقر والبطالة وغياب العدالة والاستغلال الأكثر بشاعة والتباين الشديد والمتفاقم في مستويات التطور ...الخ.
إن المسألة الأكثر أهمية لعالمنا المعاصر هي إسقاط نظرية صراع الحضارات والثقافات والأديان والمذاهب, إذ إنها تتسبب في موت الكثير من البشر وتمنع التطور والعمران في العالم, ويفترض أن يتوجه الجهد لتأكيد أهمية حوار الحضارات والثقافات والأديان والمذاهب, وان يعيش عالمنا الحالي  تلاقحاً متبادلاً ومثمراً ومتشابكاً فعالاً بين الثقافات وحل مشكلات العالم لصالح الإنسان والاستفادة من ثمار منجزات ثورة الأنفوميديا لصالح الإنسان وجميع المجتمعات.
لنعمل من اجل حق الإنسان في الدول العربية في العيش بكرامة وحرية وحريات ديمقراطية والتمتع بحقوق الإنسان وحقوق المواطنة الحرة والمتساوية وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية في دولة دستورية وديمقراطية حديثة بعيداً عن الاستبداد والعنف والتمييز بمختلف أنواعه وصيغ ظهوره. لنبعد الدين عن الدولة والسياسة, أنه الطريق الوحيد لحماية الدين وأتباعه وإقامة دولة تحترم الإنسان وتحترم الأديان والمذاهب ولا تميز بين أتباع الديانات والمذاهب المختلفة. لنعمل جميعاً من اجل تحقيق القاعدة التالية: "الوطن للجميع والدين لله" في العراق وفي الدول العربية كافة. 
3/5/2011                      كاظم حبيب

339
كاظم حبيب

انتفاضة الشعوب العربية ومواقف الحكام المخزية!

مثل أي تيار جارف بدأت في الدول العربية حركات شبابية وشعبية جديدة تسعى إلى جرف النظم المستبدة والمتخشبة إلى مزبلة التاريخ, حركات تطالب بالحقوق, تحتج, تعتصم, تعلن الإضراب عن العمل, ثم تنتفض فتثور. هكذا يمكن وصف الحالة الراهنة في الدول العربية التي بدأت على نحو خاص في تونس واليمن والجزائر والمغرب والأردن, ثم تصاعدت الحركة الشبابية والشعبية لتصل إلى كل من مصر وليبيا وسوريا بمستويات عالية ومنعشة لكل الشعوب المناهضة للاستبداد, ولكنها ما تزال تعاني من مصاعب جمة في كل من السعودية والسودان مثلاً بسبب الإرهاب والقمع الوحشيين فأصبحت الحركة فيهما بطيئة جداً ولو إلى حين, ولا يغيب العراق عن هذه الأجواء الشبابية والشعبية المنعشة.
فماذا حصل في الدول العربية لكي تنطلق هذه الحركة, وكأنها السيل الجارف, تكسر أغلال القرون والعقود المنصرمة التي شُلت فيها حركة شعوبها وعقدت ألسنتها, ماذا جرى  بحيث فككت الشعوب وأنهت عقدة خوفها؟ ليست هناك عصا سحرية حركت وأنجزت كل ذلك, وليس هناك من أعطى الأوامر, وهي ليست قدراً مرسوماً, بل جسد واقعاً ظالماً إن دام دمر, فتحرك الإنسان العاقل فيهم وأُجبر المجتمعات على الحركة لإنقاذ ما تبقى لهم من كرامة إنسانية لاستعادة حقوقهم المغتصبة.
لا يحتاج الإنسان إلى عمق في التحليل ليعرف أن شعوب الدول العربية قد واجهت وما تزال تواجه جملة من المظاهر السلبية الحادة التي جعلت الإنسان في الدول العربية كلها دون استثناء يعاني من تجاوز فظ على:
- كرامته كإنسان التي هي مصونة على وفق شرعة حقوق الإنسان ولا يجوز المساس بها والتي تتجلى في كل دساتير الدول الديمقراطية في العالم. وقد برز التجاوز على هذه الكرامة في عدد كبير من المظاهر السلبية التي دامت طويلاً.
- الاعتقال الكيفي للناس دون قرارات من السلطة القضائية ووضعهم في المعتقلات لفترات متفاوتة دون محاكمات شرعية, وفي غالب الأحيان لا تعرف عائلات المعتقلين أين هم معتقلون أو أنهم ما زالوا على قيد الحياة أم استشهدوا تحت التعذيب.
- رغم إن غالبية الدول العربية الأعضاء في الجامعة العربية تمتلك النفط الخام والغاز الطبيعي وموارد أولية أخرى, فإن حكوماتها كلها ودون استثناء لا تمتلك إستراتيجيات تنموية وسياسات اقتصادية واجتماعية جدية وعقلانية تساهم في تغيير بنياتها الاقتصادية المتخلفة والتابعة وتحولها من اقتصاديات زراعية واستخراجية إلى صناعية تحويلية وزراعية حديثة ومتقدمة تستوعب القوى العاملة القادرة على العمل وتعظم الثروة الوطنية والدخل القومي وتقلص البطالة وترفع من مستوى حياة المجتمع.
- ورغم تأسيس سوق عربية مشتركة في النصف الأول من العقد السابع وعقد اتفاقية الوحدة الاقتصادية, فأن التعاون والتنسيق الاقتصادي في ما بين الدول العربية في حدوده الدنيا, وأن نسبة التبادل التجاري البيني لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة, إذ إن الخلاقات السياسية في ما بين حكام هذه الدول ومصالحهم الذاتية تمنع التعاون والتنسيق والتكامل الاقتصادي في حين أن شعوبها هي أحوج ما تكون إلى ذلك.
- ومن يتابع اقتصاد الدول العربية المالكة للنفط الخام والغاز الطبيعي سيجد إنها امتلكت وفي فترات مختلفة أو ما تزال تمتلك فوائض مالية كبيرة لم توظفها في تنمية الاقتصاديات العربية واقتصادياتها بالذات, بل سربتها ووظفتها في القطاعات الخدمية في الدول الرأسمالية المتقدمة أو في المضاربات المالية والتي تسببت في خسارة الكثير من تلك الأموال وفي تجويع أجزاء مهمة وكبيرة من شعوبها.
- كما إنها كانت وما تزال تستخدم الأموال في سباق مروع للتسلح الموجه ضد شعوبها أو إشعال حروب خارجية, كما حصل مع العراق ضد الدول المجاورة, وأهملت القطاعات الأساسية مثل التربية والتعليم ومكافحة الأمية والجهل أو أهملت الصحة والاتصالات ...الخ. ونماذج ذلك كثيرة تقدمها السعودية ودول الخليج أو مصر والسودان ..الخ.   
- إن هذا الواقع أوجد بطالة واسعة تبلغ اليوم على صعيد الدول العربية أكثر من 23% من مجموع القوى القادرة على العمل وأكثر من 30% بين النساء على وفق الإحصائيات الرسمية لمنظمة العمل العربية. إلا إن واقع الدول العربية يؤكد بأن معدل البطالة المكشوفة يتراوح بين 30-35% وفي بعضها إلى أكثر من نصف القوى العاملة وأكثر من ذلك بين النساء. أما البطالة المقنعة فتصل إلى نسبة عالية من مجموع القوى العاملة فعلاً, وخاصة في أجهزة الدولة ومؤسساتها الاقتصادية والتي تستنزف الدخل القومي.
- تفاقم الفقر بين العائلات الكادحة والتي أصبحت "دور السكن القصديرية" أو "الأكواخ" البائسة في المناطق العشوائية, ونسبة مهمة من هؤلاء الناس يعيشون تحت خط الفقر المقرر دولياً للدول النامية أو الفقر المدقع. وهناك نماذج جارحة للكرامة الإنسانية في أغلب الدول النفطية, منها مثلاً ليبيا والسعودية والعراق والجزائر.
- تفاقم الفساد في الدول العربية, رغم أن بعضها أكثر من غيرها, ولكنها كلها تعاني من الفساد باعتباره نظاماً سائداً في هذه البلدان وعلى مختلف المستويات والمجالات, تساهم فيه الشركات الاحتكارية الأجنبية في كافة القطاعات الاقتصادية التي تساهم فيها وبالتعاون مع شركات محلية أو شخصيات سياسية مسؤولة أو جمهرة من العاملين في الاقتصاد وخاصة في قطاعات المقاولة والتجارة والصناعات الإستخراجية والبنوك وشركات التأمين والخدمات. إن سقوط نظاما تونس ومصر واهتزاز نظام القذافي كشف عن حجم الفساد المالي الذي تورطت به الفئات الحاكمة المسؤولة في هذه الدول والمبالغ الكبيرة الموجودة في البنوك الأجنبية أو امتلاكهم العمارات والقصور المشتراة في الدول الأوروبية أو الثروات التي كانت مخزونة في دورهم, كما في حالة زين العابدين بن علي. والحكام الآخرون في بقية الدول العربية لا يختلفون كثيراً عن أولئك الذين سقطوا من عليائهم وانكشفت حساباتهم وأوضاعهم المالية.
- تفاقم الفجوة في ما بين مدخولات الأفراد والطبقات والفئات الاجتماعية في غير صالح الكادحين وبروز المزيد من أصحاب الملايين والمليارات من الدولارات. وتزداد المناطق الغنية غنى ورقياً وجمالاً في حين تصبح المناطق الفقيرة أكثر بؤساً وفقراً وقبحاً وتخلفاً.
- إن المشكلة الكبيرة تبرز أيضاً في تراجع الخدمات التي تقدم للفئات والعائلات الكادحة والفقيرة التي لا تستطيع توفير المعالجة الطبية أو التعليم لأبنائها, في حين تتمتع الفئات والعائلات الغنية بالفائدة القصوى من هذه الخدمات العامة التي تقدمها الدولة وتصرف عليها من خزينة وأموال المستهلكين.
إن هذه وغيرها تقدم صورة واقعية عن غياب العدالة الاجتماعية عن الدول العربية, فالحكومات تعبر عن مصالح الأغنياء وبعيدة كل البعد عن مصالح الغالبية العظمى من الشعوب الفقيرة. وقاد هذا الواقع بدوره إلى حصول انفصال فعلي كامل وراهن بين حكومات الدول العربية والغالبية العظمى من الشعب ثم تحول إلى جفاء وأخيراً إلى عداءٍ متبادل, وهو ما تعيشه اليوم الغالبية العظمى من شعوب الدول العربية, وهو الذي فجر فيها الغضب.
إن الحركة الشبابية وانتفاضة الشعوب في الدول العربية قد فاجأت النظم الحاكمة, إذ كانت تعتقد بما لا يقبل الشك عندها, بأن شعوبها لا تقاوم حكامها حتى لو أخلوا بالتزاماتهم إزاء شعوبهم على أساس القاعدة التي بشر بها حلفاء الحكام من شيوخ الدين" حاكم مستبد وظالم خير من فتنة دائمة ", وكانت محاولة جادة من شيوخ الدين باستخدام الدين كأفيون لتخدير الشعوب وإبعادهم عن الوضع البائس الذي يعيشون فيه وتحت وطأته.
بعض الحكام قد أجبر على الاستسلام والتراجع بعد أن جرب القوة والعنف وقتل المئات من المتظاهرين المحتجين, كما في تونس (أكثر من 350 شهيداً, ومصر (أكثر من 850 شهيداً) والآلاف من الجرحى والمعوقين, في حين أن البعض الآخر ما زال يخوض معركة خاسرة ضد شعبه زاجاً بكل المؤسسات العسكرية (الأمن والشرطة والجيش والقوات الخاصة) فيها والتي قادت إلى أكثر من عشرة ألاف شهيد في ليبيا, ومئات القتلى في اليمن ومئات القتلى في سوريا, والمعارك ما تزال مستمرة. وفي دول عربية أخرى ما تزال الأمور تجري بين مد وجزر في الحركات الشعبية والشبابية لانتزاع حقوق الشعب وصلاحياته.
إن غالبية الحكومات التي تواجه هذه الحركات الشبابية والشعبية في الدول العربية تتهم بشكل اعتباطي بأن هذه الحركات تعمل على وفق أجندة خارجية ليتسنى لها توجيه الضربة للمناضلين الذين رفعوا رايات إصلاح الأوضاع في بلدانهم. وهي تهمة مرفوضة لأنها لم تعد تقبل على الصعيد العالمي, لأنها تجسد حق الشعوب في الاحتجاج والتظاهر وطرح المطالب على الحكومات, خاصة وأن التقارير الدولية ومنظمات حقوق الإنسان تؤكد بما لا يقبل الشك عن تلك المظاهر السلبية التي تعيش تحت وطأتها شعوب الدول العربية وهي التي طالبت منذ عقود إجراء تغيير السياسات والانصياع لإرادة الشعب ومصالحه وحقوقه.
فاتهام الشعوب بالعمالة والخيانة, كما اتهم بشار الأسد شعبه بذلك وتردده الفئة الحاكمة في سوريا, أو الاتهام بأن المتظاهرين والثوار حشاشون, كما في اتهام القذافي لليبيين, أمر لم يعد يشكل تهمة جادة في العالم, لأن العالم أصبح من الصغر بمكان بحيث يمكن التعرف على أوضاع أي شعب وما يجري في كل من هذه الدول, فهذه التهم أصبحت اسطوانة مشخوطة لم تعد مقبولة.
والآن, فما العمل؟
إن الحلول ستكون من حيث الشكل أو الصيغة متباينة في كل من هذه الدول العربية, ولكن كلها في الغالب الأعم ستكون متقاربة من حيث المضمون. ولا شك في أن الشعوب ستحاول تجنب العنف وتمارس الأساليب السلمية والديمقراطية في تحقيق الفعل الثوري لتحقيق الإصلاحات الجذرية الضرورية فيها. ولكن هذا يعتمد على أسلوب تعامل الحكام مع شعوبهم. ولقد برهنت شعوب تونس ومصر واليمن على التزامهم بالسلام رغم القتل الذي تعرضوا لهم, وما يزال شعب اليمن يتعرض له. وفي اليمن أجبر الشعب على حمل السلاح دفاعاً عن نفسه بعد أن وجه النظام كامل أسلحته الجوية والبحرية والأرضية ضد ثوار شرق ليبيا في مدينة بنغازي أو مصراته وبجدايا وغيرها, مما الزم مجلس الأمن الدولي باتخاذ القرار الصائب في إيقاف حمام الدم ضد الشعب الليبي وبعد أن سقط منهم أكثر من 10 ألاف شهيد وعدد أكبر بكثير بين جريح ومعوق.
وفي حالة سوريا ما زال الشعب السوري يتشبث بالسلام, في حين تمارس السلطة السورية وكل قواتها العسكرية كل أساليب القمع الهمجية ومختلف أنواع الأسلحة لقمع المتظاهرين بحيث ارتفع عدد القتلى حتى الآن إلى أكثر من 600 قتيل ومئات الجرحى والمعوقين ومئات المعتقلين.   
لقد برهن الحكام العرب على عقلية بدائية متخلفة ونهج استبدادي وعسكري عدواني ضد شعوبهم مما وضع هذه الشعوب أمام احد أمرين: أما البقاء تحت الاستبداد والإرهاب والقمع والخنوع, وإما الاحتجاج والتظاهر والانتفاض على الحكم لتحقيق التحولات الثورية في هذه الدول والمجتمعات وفي مجمل العملية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
إن شعوب الدول العربية في حراك مستمر وسوف لن تهدأ قبل أن تصل إلى مبتغاها, وأن ربما سيختلف مستوى الإنجاز من بلد إلى أخر بحسب عمق الحركة وشموليتها للمجتمع وعمق الوعي لدى الفرد والمجتمع. ولكن الدول العربية سوف لن تعود إلى ما كانت عليه قبل التحرك التونسي والمصري واليمني والليبي أو السوري أو العراقي وغيره من الدول العربية. وهذا بحد ذاته إنجاز كبير. إن ما تحتاجه الشعوب في الفترة الراهنة هو وحدة كل شعب ووحدة قواه السياسية الديمقراطية, وحدة كل الفئات والطبقات الاجتماعية ذات المصلحة بتحديث وتطوير ودمقرطة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية في بلدانهم. إنها الضمانة الفعلية لتحقيق الانتصار على القوى المتخلفة والرجعية والمحافظة والراغبة في استمرار الوضع على ما كان عليه أو تحقيق ثورة ردة على ما تحقق حتى الآن في كل من تونس ومصر مثلاً.
أوائل أيار/مايس 2011                     كاظم حبيب               
         


340
كاظم حبيب

الجريمة والعقاب الذي يستحقه النظام السوري

يوماً بعد آخر يتساقط شباب وشابات سوريا بالرصاص الغادر لعصابات البعث والأمن السورية وأجهزة القمع ووحدات الجيش السوري التي أنزلت إلى الشوارع لتدافع عن نظام استبدادي قاهر يمارس الإرهاب والقمع اليومي ضد الشعب السوري والتجويع والحصار الاقتصادي والعسكري ضد مدينة درعا البطلة. لقد منع كل اتصال هاتفي دولي وإقليمي ومحلي عن درعا بأمل قهرها وفرض الركوع عليها!
لقد احرق النظام السوري كل قوارب النجاة التي كان يملكها مع الشعب السوري, فهو يخوض اليوم معركة حياته أم موته في هذه المعركة غير المتكافئة بين نظام مدجج حتى الأسنان بالسلاح والقوى الغاشمة وبين شعب أعزل يكافح بصدوره العارية وفي هذه الفترة الحرجة من تاريخ ونضال الشعب السوري ضد الدكتاتورية.
ولكن الشعب السوري ذاته يدرك إن هذه المعركة مهمة جداً ويفترض فيه أن يحقق النصر والتغيير الديمقراطي المنشود ضد حثالة المجتمع الحاكمة في سوريا والعابثة بكرامة الإنسان وحياته ومستقبله.
وفي الوقت الذي اتخذت شعوب العالم موقفاً شاجباً لأفعال النظام السوري وضد إجراءاته القمعية الموجهة ضد المحتجين والمتظاهرين والمطالبين بالحرية والديمقراطية, كما طرحت قضيته في المحافل الدولية وفي مجلس الأمن لاتخاذ القرار المناسب بشجب الجريمة الجارية ضد الشعب في سوريا, في الوقت ذاته وقف الحكام في كل من موسكو وبكين إلى جانب النظام السوري مدعين أن ما يحصل في سوريا هو شأن داخلي لا غير وعلى  الدول والشعوب الأخرى أن لا تتدخل في ما لا يعنيها! والسؤال العادل الذي يواجه الجميع: ألا يشارك حكام هاتين الدولتين بالجريمة التي ترتكب يومياً في سوريا بسبب سكوتهما على  القتل اليومي وبسبب تأييدهما لهذا النظام الجائر, وبسبب استمرار تزويدهما له بالسلاح والعتاد لقتل المزيد من الناس لكي يضمنوا لهم موقعاً مناسباً في سوريا بعد أن خسروا الكثير من المواقع في هذه الدول نتيجة سياساتهم المعادية عملياً لحركات التحرر الوطني والنضال في سبيل الحرية والديمقراطية والتقدم الاجتماعي لشعوب هذه البلدان.
إن حكام سوريا يلعبون بالنار حين يراهنون على الصراع الدولي حول مناطق النفوذ في العالم بين الدول الأكثر تقدماً اقتصادياً وعسكرياً, بين الدول التي تسعى لفرض الهيمنة بأساليب أخرى وتعطيل عمليات التنمية والتصنيع والتحديث فيها, في حين أن شعوب الدول العربية كلها ودون استثناء تريد التحرر من دور وتأثير الدول الكبرى, تريد أن تعيش في أجواء الحرية والحياة الديمقراطية والتمتع, كالكثير من شعوب العالم, بحقوق الإنسان وحقوق المواطنة, وتمارس واجباتها وتستخدم صلاحياتها لصالح تقدمها الحر وبعيداً عن الاستبداد والإرهاب والقمع والظلم والبؤس والفاقة.
إن حكام سوريا يرتكبون خطأ فادحاً لا يغتفر حين يمعنون بارتكاب المزيد من الجرائم بقتل الناس الأبرياء وباختطاف المتظاهرين من الشوارع ومن البيوت وقتلهم أو اعتقالهم وتعذيبهم حتى الموت في أقبية النظام السوري. إنهم ينزلون لعنة الشعب السوري والشعوب العربية على رؤوسهم ويفقدون كل وهم بالبقاء سعداء وفي اطمئنان في الحكم.
إن الشعوب العربية وكل شعوب العالم تقف إلى جانب الشعب السوري في نضاله العادل وتشجب السياسات التي تمارسها السلطات السورية وتشجب مواقف العداء للشعب السوري الذي اتخذته حكومتا روسيا الاتحادية والصين الشعبية, وبعكس ما يدعون يومياً بوقوفهم إلى جانب حرية الشعوب وسيادتها واستقلالها, وكذلك بعض الحكومات العربية التي لم تعلن حتى الآن عن وقوفها إلى جانب الشعب السوري وإدانتها للجرائم التي ترتكب في سوريا.
إن الجامعة العربية تمارس سياسة الكيل بمكيالين, سياسة مناخين, صيف وشتاء, على سطح واحد وفي وقت واحد. فهي في الوقت الذي اتخذت قرار صائباً بشجب سياسات وقرارات القذافي المستبد بأمره, فإنها عجزت حتى الآن عن اتخاذ ذات القرار المناسب لتأييد الشعب السوري ضد نظام الأسد الاستبدادي. إن الشعوب العربية لم تطالب الجامعة العربية بطلب تدخل قوات حلف الأطلسي في سوريا كما فعلت ذلك مع ليبيا, بل تطالبها باتخاذ موقف الشجب والإدانة على قتل بنات وأبناء الشعب السوري يومياً حتى تراوح عدد القتلى حتى الآن بين 600-700 شهيد, إضافة إلى عدد أكبر بكثير من الجرحى والمعوقين أو الذين سيفقدون حياتهم لاحقاً بسبب إصاباتهم الثقيلة, وكذلك الآلاف من المعتقلين الذين امتلأت بهم السجون والمعتقلات السورية.     
إن الشعب السوري يواجه اليوم عصابة من الأوباش تمارس القتل اليومي دون حسيب أو رقيب, وهو بحاجة إلى تأييد ودعم الشعوب العربية والرأي العام العالمي وإلى تأييد ودعم المجتمع الدولي بكل الطرق المتاحة التي تجنب بنات وأبناء هذا الشعب الموت اليومي على أيدي تلك العصابات المنفلتة من عقالها. إن أصوات الثائرات والثائرين في سوريا تستصرخ كل الضمائر الحية في العالم لشجب وإدانة الجرائم التي ترتكب في سوريا واتخاذ القرارات المناسبة لإيقاف نزيف الدم ومساعدة الشعب السوري لانتزاع حريته وإقامة الدولة الوطنية الديمقراطية على أنقاض دولة الاستبداد الغاشمة.
إن الشعب السوري يطالب بشجب موقف كل من روسيا والصين وبعض حكام منطقة الشرق الأوسط, ومنهم حكام إيران والسعودية والسودان " المسلمون جداً! " وغيرهم ممن يساندون بمختلف السبل النظام السوري لكي يواصل ارتكاب جريمته البشعة بحق الشعب السوري ويواصل حكم البلاد.
كم كانت كلمات الشاعر كاظم السماوي قريبة من مهمات النضال الشعبي في سوريا اليوم حين قالها في خمسينات القرن الماضي:
وإذا تشابكت الأكف فأي كفٍ يقطعون
وإذا تعانقت الشعوب فأي دربٍ يسلكون
إن إرادة الشعب السوري ووحدة نضاله وعزمه على تحقيق الحرية والديمقراطية والتمتع بحقوق الإنسان والتقدم الاجتماعي ستنتصر على الحكم الظالم في سوريا. وسنحتفل عاجلاً أم آجلا بالنصر المبين وإن غداً لناظره قريب!
2/5/2011                     كاظم حبيب   
     

341

كاظم حبيب

عصابات النظام السوري تمعن في قتل المنتفضين

لم يتأخر الشعب السوري عن الانتفاض الثوري السلمي ضد دكتاتورية بشار الأسد وقمع أجهزة الأمن السياسي والفساد السائد في البلاد وضد هيمنة "الحزب الرائد والقائد!", ضد حزب البعث العربي الاشتراكي, وعن اللحاق ببقية شعوب الدول العربية المنتفضة, سواء تلك التي انتصرت انتفاضاتها وتسعى إلى تجذيرها وتعزيزها, كما في مصر وتونس, أم تلك التي ما تزال تخوض النضال الرائع لتحقيق ذات الأهداف, كما في اليمن وليبيا, أم تلك التي ستنهض بالضرورة لكنس النظم الشمولية وحكم الحزب الواحد أو العائلة الواحدة كما في السودان والسعودية, وكذلك ضد النظم القومية الشوفينية والطائفية السياسية وبقية النظم الرجعية أينما وجدت في الدول العربية. وستعم هذه الظاهرة الإنسانية في كافة دول منطقة الشرق الأوسط حيث تعاني شعوبها من حكومات مستبدة وشوفينية ومشكلات مماثلة.
منذ أكثر من شهر والشعب السوري يطور ويصعد نضاله السياسي السلمي الذي بدأ في درعا في سبيل الخلاص من حزب البعث الحاكم ومن بشار الأسد والحكومة التي تتعارض سياساتها ونهجها الشوفيني والاستبدادي مع مصالح وإرادة الشعب السوري. فلم تقتصر الحركة على مدينة درعا وضواحيها, والتي قتل فيها الكثير من المناضلين الشجعان الذين تحدوا إرهاب السلطة وعصابات المافيا الحاكمة في دمشق, بل اتسعت الانتفاضة لتشمل مدناً أخرى كثيرة مثل اللاذقية وبانياس وحمص وحماه ودمشق وضواحيها ..الخ سقط خلالها المئات من المناضلين شهداء ومئات الجرحى والمعوقين, وخلال يومي الجمعة والسبت الماضيين استهد أكثر من 120 مناضلاً من المتظاهرين في جميع أنحاء سوريا وحيثما انطلقت مظاهرات شعبية, إضافة إلى استمرار اعتقال المئات من المناضلين ليتعرضوا إلى شتى صنوف التعذيب على أيدي جلاوزة وجلادي الأمن السياسي السوري. وليس غريباً أن يقتل البعض منهم تحت التعذيب, فتاريخ قيادة حزب البعث في سوريا يقدم الكثير من الشواهد على هذه الممارسات المعادية للإنسان وحامل الرأي الآخر. 
لقد حاول رأس النظام رمي عبء قتل المتظاهرين على عاتق أجهزة الأمن والشرطة باعتبارها لم تتعلم غير ذلك ولا بد من تثقيفها! ولكن وفي اليوم الذي أصدر بشار الأسد قراراً بإلغاء قانون الطوارئ السيئ الصيت وقانون السماح بالتظاهر السلمي حتى أصدر معه مباشرة قراراً يمنع بموجبه تنظيم المظاهرات لأجل غير مسمى. وهو القرار الذي أعطى الحق للأجهزة الأمنية بملاحقة المتظاهرين واعتقالهم ومن ثْمَ تفريق المتظاهرين باستخدام العتاد الحي وتوجيه خراطيم المياه إلى صدورهم. وبالتالي انكشفت لعبة التمييز بين أجهزة الأمن والشرطة القمعية ورأس النظام والحكومة المستبدة.
المظاهرات الشبابية لم تعد شبابية فقط, بل شعبية وواسعة حقاً, والمتظاهرون لم يعودوا بالعشرات بل بعشرات الألوف, والشعارات لم تعد تطالب بحقوق الإنسان والمجتمع المدني والديمقراطية والجنسية السورية للكُرد وضد الفساد فحسب, بل وبشكل مباشر تطالب بسقوط النظام الفاسد ورأسه. فالنظام يفسد من الرأس قبل الذيل, وهو نظام فاسد منذ عشرات السنين وغطت رائحته العفنة المنطقة بأسرها, وهو النظام الذي يتحالف مع نظام مماثل له في العفونة والاستبداد وإرهاب السلطة, النظام الإيراني "الإسلامي!" وقوى مماثلة له في الإرهاب والقمع والهيمنة مثل حزب الله في لبنان, وكلها تتعاون من أجل إفشال انتفاضة الشعب المقدامة.           
إن الانتفاضة الشعبية في سوريا قطعت شوطاً مهماً في:
1 . تحدي الإرهاب الحكومي وكسر حاجز الخوف الذي سيطر على الشعب منذ عشرات السنين.
2 . تحدى الموت والعنف الذي تمارسه السلطة وأجهزتها القمعية في استخدام العنف والضرب والعتاد الحي لقتل المتظاهرين.
3 . أجبر النظام على تقديم تنازلات مهمة, ولكنها كانت على الورق فقط وكاذبة عملياً وذات مضمون مخادع, كما إنها غير كافية أصلاً للخلاص من حكم الحزب الواحد الفاسد والقائد المستبد والأجهزة القمعية.
4 . وأصبح المطلب الرئيسي لكل الشعب السوري هو "أرحل .. أرحل يا بشار" و "الشعب يريد إسقاط النظام", كما يريد تقديم كافة المجرمين القتلة ومغتصبي حقوق الشعوب وقوته إلى المحاكمة لينالوا جزاؤهم العادل.   
5 . ولم يعد هناك أي انقسام في صفوف الشعب بين مؤيد للنظام ومناهض له. فالمؤيدون له هم أجهزة الأمن والشرطة وجمهرة من نهابي ثروات الشعب وقوته وحياته, في حين أن المناهضين له هم الشعب كله.
لقد أحرق النظام من جانبه وبسبب سياساته القمعية والهمجية كل قوارب النجاة وأصبح الصراع وجهاً لوجه مع الشعب كله. وإذ لا يمكن استبدال الشعب السوري بشعب أخر, فلا بد إذن من مغادرة النظام ورأسه وكل الأوباش الذين حكموا سوريا طيلة العقود الخمسة المنصرمة.
والمسألة المطروحة الآن تتلخص في موقف الجيش من الشعب, هل سيقف في صف الشعب, الذي هو منه, أم سيقف إلى جانب الدكتاتور والحكم السياسي الفاسد؟ إن تجارب مصر وسوريا تؤكد إمكانية وضرورة وقدرة الجيش على حماية الشعب في الوقوف إلى جانبه والمشاركة في الخلاص من النظام الاستبدادي. وهو ما يتوقعه الشعب ويسعى إليه, وبغير ذلك سيكون الصراع مريراً والتضحيات غالية وكبيرة, كما يحصل اليوم في ليبيا مع تخلي وحدات غير قليلة عن المجرم القذافي والتحاقها بالمنتفضين, وما يمكن أن ينشأ عنه من تعقيدات دولية, أو انقسام في صفوف الجيش, كما هو حاصل اليوم في اليمن, وهو ما لا يرضي الشعب السوري بأي حال.
لقد حاول النظام السوري عبر السنين خلق جيش يطلق عليه بـ "الجيش البعثي العقائدي" وأغدق عليه الكثير من الامتيازات ليسكته عن البشاعات التي كان النظام يمارسها ضد الشعب, في وقت كانت الجولان وما تزال محتلة من دولة إسرائيل, ولم يبذل الجهود الضرورية لإيجاد حل لصالح الأرض والشعب السوري في استعادة الجولان من أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي.
إن على قيادات وقوى الجيش أن تبرهن للشعب السوري بأنها القوة المخلصة للشعب السوري وإرادته الحرة ومصالحه وليس للفئة الضالة التي تحكم سورياً منذ ما يزيد على أربعة عقود, وهي التي مرغت كرامة الشعب السوري والجيش السوري بالتراب واغتصبت حقوقه المشروعة.
وفي الوقت الذي يرفض الشعب السوري الدكتاتورية البعثية, يرفض أيضاً دكتاتورية قوى الإسلام السياسية, ومنها قوى الإخوان المسلمين والسلفيين ومن لف لفهم. فهو يتطلع إلى إقامة دولة مدنية ديمقراطية وعلمانية حديثة, دولة تستند إلى دستور ديمقراطي وحياة نيابية حرة وتعددية وتداول سلمي وديمقراطي للسلطة وضمان عدم التمييز على أساس الدين أو المذهب أو القومية أو الإقليم أو الجنس وتقوم على أساس المواطنة الحرة والمتساوية, وتمارس سياسة البناء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الديمقراطي ومكافحة البطالة والفساد المالي والإداري وهدر الأموال ونهبها وضمان التوجه صوب العدالة الاجتماعية في توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي وفي استخدامه وتعجيل وتائر نموه ومعدلاته.
إن الانتفاضة الشعبية السورية سائرة في طريقها السليم ومتصاعدة يوماً بعد آخر إلى أن يُرمى النظام السياسي الفاسد القائم في مزبلة التاريخ ليأخذ الشعب السوري زمام أموره بيده ويبني حاضره ومستقبله المشرق. إلى هذه النتيجة المنعشة تتطلع شعوب المنطقة كافة وتتمنى للشعب السوري الخلاص السريع من ظلم المستبدين لترفرف أعلام الحرية والسلام والأمن والديمقراطية والدولة المدنية على أرض وفي سماء سوريا المناضلة.
24/4/2011                   كاظم حبيب   


342
كاظم حبيب

الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وبناء المجتمع المدني الديمقراطي

انتهت الحرب العالمية الثانية بسقوط دول المحور (ألمانيا وإيطاليا واليابان) بعد حرب دامت أكثر من ست سنوات وكلفت البشرية زهاء أكثر من 60 مليون نسمة بين عسكري ومدني ومن الرجال والنساء, إضافة إلى 35 مليون نسمة من الجرحى والمعوقين والمشردين والمفقودين ودمار هائل وخسائر مالية كبيرة وخراب اقتصادي في الدول الأوروبية وغير الأوروبية المشاركة في تلك الحرب على نحو خاص. وبهذا تلقت النازية الألمانية والفاشية الإيطالية والعسكرية اليابانية ضربات مدمرة للفكر العنصري والاستبدادي والعسكري والعدواني لصالح الحرية والديمقراطية والسلام على الصعيد العالمي. ومع نهاية الحرب تشكلت الهيئة العامة للأمم المتحدة ومنها تشكلت لجنة من تسعة أعضاء (وكان العراق أحدى هذه الدول الأعضاء) لوضع مشروع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام 1946/1947. ومن ثم أقر هذا الإعلان في العاشر من شهر كانون الأول/ديسمبر 1948. وقد مضى على ذلك حوالي 63 عاماً, وصدر تحت عنوان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
إلا أنه وبمرور الزمن برزت حاجات ومتطلبات جديدة فرضت إصدار وثائق أخرى مكملة للإعلان العالمي وبشكل خاص في النصف الثاني من العقد السابع من القرن العشرين حيث أطلق على هذه المجموعة من الوثائق الدولية مصطلح الشرعة الدولية لحقوق الإنسان في العام 1947, إذا كان العمل جارٍ منذ ذلك الحين لإنجاز وثائق ثلاث أساسية هي الإعلان العالمي والعهدين الدوليين. وعلى هذا الأساس فأن المصطلح يتضمن الوثائق الخمس التالية تحديداً:
1 . الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948.
 2. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966.
3 . العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1966.
4 . البرتوكول الاختياري المحلق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (الشكاوى الفردية) (1966( .
5 . البرتوكول الاختياري المحلق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
(إلغاء عقوبة الإعدام) (1966(.
وقد أطلقت لجنة حقوق الإنسان في دورتها الأولى المنعقدة في ديسمبر 1947 على سلسلة الوثائق التي كان يجري إعدادها حينذاك على هذا المصطلح ( الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و العهدين الدوليين(.
ولا شك في أن الفترة اللاحقة لعام 1966, شهدت صدور مجموعة من الوثائق الأخرى ذات الأهمية البالغة لحقوق الإنسان على الصعيدين المحلي والعالمي التي تمس حقوق المرأة وحقوق الطفل وتحريم التعذيب وتحريم العنصرية وحقوق أهل أصل البلاد وحماية البيئة وحق الإنسان في بيئة نظيفة...الخ. وتشمل هذه الوثائق جميع بنات وأبناء البشر بغض النظر عن قوميته والدولة التي يعيش فيها والدين أو المذهب أو الفكر الذي يعتنقه وينتمي إليه أو اللون أو اللغة أو الجنس (ذكر أم أنثى). كما إن جرائم الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية تعتبر كلها تجاوزات على حقوق الإنسان والشعوب والتي أدين بها نظام صدام حسين في عمليات ومجاز الأنفال وحلبپة أو تلك الجرائم التي ارتكبت بحق الكُرد الفيلية تقع في ذات نفس الخانة. 
إن جميع هذه الوثائق الدولية التي تمس حقوق الإنسان تستند إلى مبدأ أساسي واحد هو: "لا يجوز المساس بكرامة الإنسان ". وهذا المبدأ يتصدر الكثير من دساتير الدول المتحضرة والمدنية, إذ إن جميع المسائل التي تلحق ضرراً بالإنسان وتمس حريته الشخصية وحياته هي مساس مباشر أو غير مباشر بكرامة الإنسان.
فعلى سبيل المثال: معاناة الإنسان من البطالة والفقر والحرمان والاعتقال الكيفي دون صدور أوامر قضائية مبررة أو ممارسة التعذيب النفسي والجسدي أو ألوقوع فريسة التشرد بسبب عدم وجود مأوى أو مسكن للإنسان, أو التهجير القسري للفرد, أو إجباره على تغيير قوميته أو دينه أو مذهبه أو الفكر الذي يحمله والسياسة التي يراها مناسبة, أو ضرب المظاهرات السلمية بالحديد والنار التي تعتبرها لائحة حقوق الإنسان حقاً مشروعاً لبني البشر في كل مكان. كما إن فرض الأحكام العرفية (الطارئة) التي تقيد حركة وحرية وحقوق الإنسان أو تقييد حرية المرأة أو ممارسة العنف ضدها أو حرمانها من الحقوق والواجبات المماثلة لحقوق وواجبات الرجل, أو اعتماد سياسة التمييز بين البشر على أساس عرقي أو قومي أو ديني أو مذهبي أو فكري أو سياسي أو على أساس المحسوبية والمنسوبية في الحصول على عمل أو وظيفة. كما يعتبر تقييد الإنسان في حرية العمل أو النشاط الاقتصادي أو مصادرة أملاكه المنقولة وغير المنقولة لأغراض انتقامية أو تقييد حقه في التنقل أو حرمان الفرد من المشاركة في الحياة العامة والحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية أو حرمانه من حق التنظيم والتظاهر والإضراب والاعتصام أو التعبير عن الرأي والنشر, أو ممارسة القهر والهيمنة الأبوية على أفراد العائلة ...الخ, كلها وغيرها تساهم في المس بكرامة الإنسان, وبالتالي فهي محرمة على وفق ما ورد في هذه الوثائق ذات المضمون الإنساني المتطورة مع تطور وتقدم الإنسان والحضارة  البشرية.
لا شك في أن غياب العدالة الاجتماعية في توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي وسوء استخدامه وانتشار الفساد المالي والإداري كلها ظواهر تشكل خرقاً فظاً وكبيراً لحقوق الإنسان الأساسية وتنعكس عواقبها على كرامة الإنسان وبصيغ مختلفة. فالمواطن والمواطنة لهما الحق في أن تمارس الدولة, عبر النظام السياسي القائم, سياسة تنموية اقتصادية وبشرية (اجتماعية) تستند إلى رؤية واعية للمجتمع ومهمات تقدمه والتي يفترض أن تتجلى في كيفية توزيع الدخل القومي بين التراكم والاستهلاك. فحصة التراكم توضع في ميزانية التنمية وتوجه لأغراض التثمير الإنتاجي كرؤوس أموال لتنمية الاقتصاد الوطني وخاصة قطاعات الصناعة والزراعة والصناعات الصغيرة والمؤسسات الاقتصادية الإنتاجية الأخرى والبنية التحتية والتي تساهم في توفير مستلزمات زيادة الإنتاج الإجمالي وتحسين إنتاجية العمل وتشغيل العاطلين عن العمل والتي يفترض أن تساهم بدورها في تعظيم الثروة الاجتماعية وتحسين مستوى دخل الفرد في المجتمع. أما حصة الاستهلاك فتوضع في الميزانية الاعتيادية التي تستخدم لتنمية وتطوير الخدمات العامة للمجتمع كالتعليم والصحة والثقافة والبحث العلمي والنقل والطاقة والضمانات الاجتماعية والصحية و...الخ. إلا إن عملية إعادة التوزيع تعتمد على كيفية وصول الخدمات إلى جميع الناس, وخاصة الكادحين المنتجين والفقراء منهم بما يحقق العدالة وليس أن توفر للأغنياء تلك الخدمات ويحرم منها الفقراء والمنتجين للثروة الاجتماعية. فليس التوزيع الأول مهم فحسب, بل والتوزيع الثاني وصواب توظيفهما بما يحقق عدم الهدر المالي أو انسياب رؤوس الأموال إلى جيوب الفاسدين والمفسدين بما يفرط بالمال العام وبالتنمية والخدمات.
إن منظمة النزاهة الدولية تشير إلى إن الفساد المالي يساهم في التفريط بالمال العام ويتجاوز بشكل كبير على حقوق الإنسان وكرامته التي تمس من خلال سرقة الأموال التي تعود له باعتباره مواطناً في هذه الدولة أو تلك.
وفي ضوء هذه الوثائق الدولية يُمنح الإنسان الفرد والجماعات والمجتمع الحق في ممارسة كل السبل السلمية من أجل الحفاظ على حقوقه وممارستها والاحتجاج على من يحاول التجاوز عليها. فله الحق في إعلان الاحتجاج بجمع التواقيع ونشرها أو تنظيم اعتصامات في محلات عامة أو تنظيم إضرابات عن العمل أو تنظيم مظاهرات سلمية تندد وتحتج على التجاوزات الحاصلة على كل تلك الحقوق في حالة عدم استجابة الحكومة لها ومعالجتها. كما له الحق بتشكيل التنظيمات الديمقراطية ضمن ما يطلق عليه بـ "منظمات المجتمع المدني" غير الحكومية والمستقلة عن الأحزاب, إضافة إلى تنظيم الأحزاب والكتل السياسية ..الخ, والمشاركة في التجمعات والنقابات والجمعيات التي يراها مناسبة ضمن أطر العمل السلمي. وأي تجاوز على هذه الأدوات التي يمتلكها الإنسان وفق وثائق شرعة حقوق الإنسان يفترض أن تقابل بإقامة الدعوى ضد الحكومة على الصعيدين الداخلي والدولي لاستعادة الشعب أو الجماعات لحقوقها المشروعة وإيقاف التجاوزات في حالة حصولها.
والعراق قد وقع على أغلب تلك الوثائق خلال العقود الستة المنصرمة مع بعض التحفظات التي سجلها نظام الحكم البعثي الدكتاتوري ليتجاوز على حقوق المرأة أو يتجاوز تحريم التعذيب أو غير ذلك. كما يفترض أن يلتزم العراق بعد سقوط الدكتاتورية بكل تلك الوثائق ما دمنا نشكل جزءاً من هذا العالم الذي نعيش فيه والذي أصبح كقرية يعرف كل بيت ما يجري في البيوت الأخرى المجاورة ولا يمكن تجاوز دول العالم حين يتم خرق الحقوق في هذا البلد أو ذاك.
ومن يتابع أوضاع العراق يدرك واقع وجود جملة من الظاهر السلبية المتعارضة مع شرعة حقوق الإنسان بوثائقها المختلفة نشير إلى بعضها على النحو التالي:
1.   حكومة تقوم على أساس المحاصصة الطائفية وتستند على الهوية الفرعية الطائفية بدلاً من هوية المواطنة التي تحترم النسيج الوطني للمجتمع العراقي.
2.   تقليص متواصل للحريات العامة وخاصة الحرية الفردية وحرية منظمات المجتمع المدني من جانب أجهزة الدولة والأجهزة الأمنية ومجالس المحافظات ورفض تنظيم الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات أو الإساءة إليها وضربها في أحيان غير قليلة. كما يلاحظ التحرش بحرية الصحفيين والإعلاميين سواء بإهانتهم أو اعتقالهم أو تعريضهم للتعذيب على أيدي أجهزة الأمن.
3.   وجود تمييز في التوظيف والتعيين في كافة المستويات وعلى ثلاثة أسس خاطئة هي الطائفية والقومية والحزبية, وكلها محرمة من جانب شرعة حقوق الإنسان لأنها لا تحترم مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية والكفاءة ووضع الإنسان المناسب في المكان المناسب.
4.   وجود فساد مالي واسع النطاق, إذ يعتبر العراق ضمن الدول التي يسود فيها الفساد ويحتل المواقع المتقدمة في ممارسته كنظام سائد عملياً. ولا توجد جدية من جانب المسؤولين في مكافحة الفساد وتشكيل محكمة لمحاكمة الفاسدين واستعادة أموال المجتمع المنهوبة.             
5.   وجود بطالة واسعة بين الفئات العمرية القادرة على العمل تصل إلى أكثر من 30% منها.
6.   وجود فقر واسع حيث تقع نسبة قدرها 30% من إجمالي السكان تحت خط الفقر الدولي, كما أن هناك نسبة عالية مماثلة من الفقراء تقع على خط الفقر أو فوقه بقليل.
7.   وجود نقص كبير وجهود محدودة لمعالجة هذه الظواهر السلبية من جانب الحكومات المتعاقبة مما يحمَّل الشعب العراقي مصاعب حياتية يومية كبيرة. ونشير إلى البعض منها مثل نقص الخدمات كالكهرباء والماء والنقل والرعاية الصحية والتعليم والأمن المختل... الخ.
من هنا يبدو لي بأن وعي السلطة السياسية والأحزاب السياسية الحاكمة وأجهزة الدولة والأجهزة الأمنية والعسكرية لم تتعرف بعد أو لم تدرك أو لم تعترف ولا تريد أن تمارس مبادئ حقوق الإنسان الواردة في الدستور العراقي أو في الوثائق الدولية, وهو ما يعقد العلاقة بين السلطة والفرد والمجتمع. ومن هنا تبرز الحاجة إلى البدء بتدريس مادة خاصة هي شرعة حقوق الإنسان في المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية والجامعات والمعاهد ومراكز البحث العلمي والنقابات والجمعيات غير الحكومية وفي الوزارات والكثير من المسؤولين عن أجهزة الدولة وفي السلطات الثلاث.
إن إقرار الوثائق الخاصة بحقوق الإنسان والمصادقة عليها كلها دون استثناء من جهة, وتدريس مواد حقوق الإنسان من جهة أخرى وحدهما لا يكفيان لضمان الممارسة الفعالة لحقوق الإنسان, بل يفترض الإصرار على خوض النضال السلمي والديمقراطي من أجل الضغط على الحكومة ومجلس النواب والهيئات المسؤولة الأخرى من أجل معالجة المشكلات كافة التي يعاني منها المجتمع في علاقته مع السلطة السياسة وأجهزة الدولة والأجهزة الأمنية أو القوات الخاصة والتي تسببت في المظاهرات خلال الأسابيع المنصرمة.
إنه الطريق الوحيد لضمان علاقة إنسانية واعية ومتقدمة وحقوقية سليمة بين الفرد والمجتمع والسلطة وتأمين مستلزمات التطور المعجل للبلاد والتقدم على طريق تعزيز الدولة الوطنية الديمقراطية الاتحادية, الدولة المدنية العلمانية, دولة القانون الديمقراطي والحياة الدستورية والتداول السلمي الديمقراطي للسلطة السياسية وتأمين العدالة الاجتماعية واحترام كرامة الإنسان التي هي جوهر مبادئ حقوق الإنسان, إنها المهمات التي يفترض أن تنهض بها الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وفي المحافظات. وإنها الآن أما المحك.
برلين - نيسان/أبريل 2011             كاظم حبيب   

343
كاظم حبيب
مصير شاكر الدجيلي في ذمة النظام السوري الشمولي!!

منذ سنوات عدة, وبعد سقوط البعث الشمولي في العراق, مرَّ الصديق ورفيقنا في النضال ضد الدكتاتوريات الغاشمة, شاكر الدجيلي بسوريا في طريقه إلى بغداد قادماً من السويد بعد أن قضى فترة قصيرة في زيارة لعائلته هناك. وما أن دخل المطار السوري وحط في دمشق واتصل ببغداد ليعلمهم بقرب وصوله إليها حتى انقطعت أخباره تماماً عن عائلته وحزبه الشيوعي العراقي. فأخر محطة له كانت العاصمة السورية.
ورغم عدم وجود معلومات دقيقة عنه, فأن الدلائل كلها كانت في حينها وما تزال تشير إلى حصول عملية اختطاف سياسية نفذها جهاز الأمن السياسي السوري في دمشق ضد السياسي والاقتصادي العراقي وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي, إذ لا يمكن أن يحصل أمرً من هذا النوع في دمشق دون علم ومعرفة من أجهزة الأمن السورية. ومنذ ذلك الحين ضاع كل أثر لهذا المناضل الشجاع.
وكما علمت من بعض قياديي الحزب الشيوعي العراقي منذ سنوات حين استفسرت عنه وعن الجهود المبذولة لإطلاق سراحه أو التحري عن مصيره في دمشق, قيل لي بأن الحزب قد بذل وما يزال يبذل الجهود الكثيرة لمعرفة مصير الرفيق شاكر الدجيلي, ولكن الحزب لم يصل بعد إلى نتيجة مرضية. وهكذا استمرت الحالة حتى الآن.
كتبت, كما كتب آخرون, العديد من المقالات حاثين عائلته وحزبه والحكومة السويدية والحكومة العراقية, إذ كان شاكر الدجيلي يحمل الجنسيتين العراقية والسويدية, على عدم السكوت على عملية اختطافه وتغييبه وإبقاء القضية حية من أجل الوصول إلى نتيجة معينة بشأن المناضل المختطف والمغيب من قبل حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا والحكومة السورية وأجهزتها الأمنية.
ومنذ سنتين كتب لي أصدقاء يؤكدون أهمية عدم نسيان هذا المناضل الصلب وضرورة مواصلة المطالبة به من الحكومة السورية, ولكن كل الجهود التي بذلت ذهبت أدراج الرياح حتى الآن.
وكما يبدو فأن أجهزة الأمنية البعثية في سوريا قد نظمت عملية اختطاف هذا المناضل بناء على أوامر عليا وبالتعاون مع أجهزة البعث الأمنية السابقة العاملة بحيوية في سوريا لتتخلص من مناضل عنيد ضد الدكتاتورية والفاشية وحكم حزب البعث في العراق وانتقاماً منه ومن حزبه وشعبه.
نؤكد من جديد بأن حياة المناضل شاكر الدجيلي في ذمة الحكومة السورية والدولة السورية ورئيسها بشار الأسد, وعليهم جميعاً تقع مسؤولية الكشف عن عملية اختطافه وعن مكان وجوده وأسباب اختطافه أو تسليم جثته إن كان قد قتل في أحد سراديب أجهزة الأمن السياسي السورية. 
ليرفع كل الناس الطيبين في العراق وسوريا صوت المطالبة بالكشف عن مصير المناضل العراقي شاكر الدجيلي, لنطالب الحكومة السورية وأجهزة الأمن السورية بالإعلان عن مكان وجوده أو سجنه أو الموقع الذي دفن فيه إن كان له قبر, أو إن كان قد ذوب بأحد الحوامض كما فعلوا بالمناضل والقائد الشيوعي اللبناني فرج الله الحلو في أعقاب الوحدة بين مصر وسوريا.
لتتحرك منظمات حقوق الإنسان, لأن النظام السوري,و وكما نرى الآن بشكل عيني ومباشر, لن يتورع عن قتل المزيد من البشر للبقاء في السلطة ومواصلة الاستبداد والقسوة والفساد في التعامل مع الشعب السوري ومع المنتفضين والمناضلين من أجل الانعتاق من حكم البعث الشوفيني وضمان الحرية والديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية.   
12/4/2011                      كاظم حبيب


344
كاظم حبيب
فحوى ووجهة الحراك السياسي في العراق

تشير معطيات الواقع الحكومي في العراق منذ انتهاء الانتخابات الأخيرة في العام 2010 وحتى الآن إلى نشوء حالة ركود شديدة تثقل بعواقبها الوخيمة على المجتمع العراقي, ولكن بشكل خاص على الفئات الكادحة والفقيرة في المدينة والريف. فليس لحكومة المالكي أي برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي عقلاني يفترض أن يتضمن ما يستوجب تحقيقه في البلاد خلال هذه الفترة. وغياب هذا البرنامج يعبر عن غياب الإستراتيجية التنموية والسياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة العراقية من جهة, واستمرار وجود وتفاقم المشكلات التي كان وما يزال يعاني منها المجتمع كالتمييز بين المواطنين على أسس وقواعد دينية وطائفية وحزبية ضيقة تتعارض مع مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو حتى مع مواد الدستور العراقي الجديد, إضافة إلى الفساد المالي والإداري والعجز عن معالجة مشكلة الخدمات العامة وتفاقم البطالة والعمليات الإرهابية والاغتيالات بكاتم الصوت لمزيد من العلماء, كما يحصل في هذه الأيام حيث عاد القتلة المجرمون إلى عادتهم القديمة في القتل .. الخ من جهة أخرى, والتأثير المتزايد لإيران في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية العراقية لا من خلال رئيس الوزراء بل من خلال قوى في الحكومة تهدد بالعودة إلى إعادة تشكيل الميلشيات الطائفية المسلحة, التي لم ينزع الكثير من أسلحتها حقاً, مجدداً في حالة رفض ما تراه مناسباً من جهة رابعة, يزيد من عمق وشمولية أزمة الحكومة والمجتمع ويكرس ظاهرة فقدان الثقة والمصداقية بالحكومة ورئيسها من جانب المزيد من أفراد وفئات المجتمع. وإذا لم يتخذ الحكومة الإجراءات التي ترضي الأوساط الشعبية, فإن قوى لا تريد الخير لهذا الشعب وتنتظر خروج القوات الأمريكية لتهيمن على السلطة وتفعل ما تشاء كما فعلت في الفترة بين 2005-2008. (يكفي أن نتابع تظاهرة 9/4/2011 ورسالة مقتدى الصدر إلى المتظاهرين وتصريحات بهاء الأعرجي لقناة ألـ BBC العربية في نفس اليوم).
وإذا كان هذا الركود هو السمة المميزة لسياسات و"منجزات !" الحكومة حالياً, فأن السمة المضادة لها تبرز في نشوء حراكٍ سريعٍ بدأ يلف تدريجاً المجتمع والقوى السياسية الفاعلة فيه, بمن فيها القوى التي تساهم بهذا القدر أو ذاك في الحكومة الحالية. وأهمية هذا الحراك السياسي المتنامي يوماً بعد آخر إنه يحصل في صفوف الشباب من النساء والرجال ويكسب المزيد من فئات المجتمع ويتجلى بشكل خاص في شوارع العراق, مما يؤكد أن هذه الفئات, ومنها الشباب, لا تثق بإرادة وقدرة المؤسسات المنتخبة على تحقيق مصالحها المهدورة والمغتصبة والتخلص من الظواهر السلبية الحادة.
إن الشارع العراقي بمظاهراته الهادفة إلى الإصلاح في أيام الجمعة والسلمية ليس فيها تهديد للحكومة, إذ أن شعارات القوى الشبابية واضحة وملموسة واستطاعت إلزام حكومة المالكي على اتخاذ ثلاث خطوات, وهي:
1 . طرح برنامج إصلاحي يفترض تحقيقه خلال مئة يوم. ولكن هذا البرنامج يرتطم منذ بدء إعلانه بواقع الحكومة غير المتجانسة والضعيفة والمفككة, هذه الحكومة التي وافق رئيس الوزراء على تشكيلها من أجل أن يبقى رئيساً للوزراء, وهي عاجزة حقاً عن تحقيق البرنامج الإصلاحي أو ما تسعى إليه القوى المتظاهرة, إذ ليست هناك قناعة لدى بعض القوى في الحكومة بما تطالب به الفئات المتضررة, فالفجوة بين الحكومة والمجتمع تتسع وتزداد عمقاً يوماً بعد يوم, رغم التصريحات الحكومية التي تعلن عن صواب المطالب المطروحة! كما إن بعض القوى في الحكومة تريد فشل الحكومة لكي تتوجه ضدها وتسعى إلى إسقاطها, كما يجري اليوم تهديدها من قبل التيار الصدري. ويدعي بهاء الأعرجي بأن مقتدى الصدر ليس زعيماً شيعياً بل هو الزعيم الوطني لكل الشعب العراقي. ويبدو للمتتبع أنه يسعى لتنفيذ ما نفذه الخميني في إيران في العام 1979 في العراق في العام 2012!
2 . وأن الحكومة قد تيقنت بعد كل تلك الاتهامات المشينة التي وجهت من الحكومة ومن كتابها ومن شبكة الإعلام العراقية, بأن المتظاهرين ليسوا من البعثيين ولا من الإرهابيين ولا من المخربين ومن الغوغائيين الذين يريدون إشعال النيران بدوائر الدولة, بل هم مواطنات ومواطنون مخلصون يسعون إلى تغيير الحالة المزرية التي تعيش تحت وطأتها الغالبية العظمى من سكان العراق, والذي لا تحس به الحكومة ولا كتابها ودعاتها, لأنها تعيش وهم في واد والغالبية العظمى من الناس تعيش في وادٍ آخر.
3 . وإن عليها أن تحترم إرادة الناس في التظاهر وتبتعد عن توجيه نيرانها إلى صدورهم كما حصل في بعض المدن العراقية أو نشر قواتها وأجهزة أمنها في شوارع العراق لنع المتظاهرين من الوصول إلى مكان التظاهر, بل عليها أن تحميهم من محاولات الاعتداء عليهم كما حصل إيجابياً بالنسبة للتظاهرة الأخيرة يوم الجمعة المصادف 8/4/2011. 
يتجلى الحراك السياسي في المرحلة الراهنة باتجاهات عدة. فالساحة السياسية العراقية تفرز عدداً من الانشقاقات والانسلاخات الجارية في القوائم التي تشكلت قبل وأثناء أو بعد انتخابات العام 2010 وهي مستمرة وتعبر عن تغير فعلي أو شكلي في قناعات أفرد أو جماعات فيها تسببت به الحركة الشبابية والشعبية التي طالبت بإجراء التغييرات الضرورية في سياسات الحكومة ومواقفها وفي منهج الحكم عموماً والتي قوبلت بالرفض من رئيس الحكومة وكتابه ومناصريه. وتبرز هذه الظاهرة بشكل خاص في صفوف القوى المشاركة في الحكومة والتي تريد تحقيق الحراك السياسي في الصف الحكومي من خلال تشكيل حكومة ظل ضاغطة على الحكومة, كما في التحالف الجديد الذي يبدو في طريقه إلى التبلور بين عادل عبد المهدي والدكتور أياد علاوي والدكتور أحمد الچلبي والذي يمكن أن يكسب له قوى ليبرالية جديدة. والأهم في هذا التحرك يفترض أن يبرز في البرنامج الذي يطرحه على المجتمع وليس بالأسماء وحدها, رغم معرفتنا الجيدة والخبرة التي تكونت مع هذه الأسماء وما تريده ومدى ثقة الناس بها. 
ويتجلى الحراك السياسي أيضاً في تشكل وبروز قوى سياسية شبابية جديدة عبر الشارع العراقي الذي التقت فيه وهي تطمح إلى التغيير والتجديد وإدخال المنهج العقلاني في مواجهة الواقع العراقي ومشكلاته المتفاقمة والمتشابكة والتي تزداد تعقيداً بفعل عجز الحكومة عن الحركة وتحقيق التغيير المنشود. ويبدو أن ذلك فوق طاقتها وبعيداً عن فهمها لما يفترض أن يحصل في العراق بعد سقوط الفاشية السياسية والخراب العام الذي حل بالبلاد, أو ربما هناك من ينتظر إسقاطها من القوى المشاركة في الحكم وتلك التي فرضت عليه شروطها قبل تشكيل الحكومة والتي تهدده اليوم بالويل والثبور. 
ويتجلى تأثير الحراك السياسي الجديد ودوره الإيجابي في تنشيط فعلي ملموس وجيد لقوى سياسية كانت تعيش ركوداً نسبياً وتعيش وضعاً هامشياً فرضته جملة من العوامل الذاتية والموضوعية والتي يمكن أن تساهم بفعالية في عملية التغيير المنشودة. كما برزت إمكانية جديدة, أقول إمكانية لأنها لم تستثمر بعد على وفق ما ينبغي أن يحصل بالضرورة في الساحة السياسية العراقية, لتنامي الضغط على القوى السياسية الديمقراطية لتحقيق وحدة العمل لقوى التيار الديمقراطي الواسعة والمبعثرة والمتصارع بعضها مع البعض الآخر, وتنوع الأساليب السلمية التي تمارس من أجل الدفع باتجاه تغيير السياسات الراهنة. إلا أن هذا التوجه يحتاج إلى تعبئة المزيد من بنات وأبناء المجتمع وفئاته الكادحة والقوى العاملة وتلك العاطلة عن العمل والفقيرة وزجها في العملية النضالية السلمية الداعية إلى تغيير بنية وسياسات الحكومة العراقية.
إن الحراك السياسي لقوى التيار الديمقراطي يفترض من حيث المبدأ أن لا يستثني أحداً, أن ينفتح الكل على الجميع, إذ لا بد من تأكيد أن "الشگ الراهن في العراق أكبر من الرگعة" على حسب المثل الشعبي, التي تشكلها كل مجموعة وحزب من مجاميع وأحزاب التيار الديمقراطي. فوحدة سياستها ومواقفها وأساليب عملها السلمية في تحالف سياسي واسع يمكن أن يشكل ضغطاً سياسياً ومعنوياً وجماهيرياً جديداً على الوقع القائم لصالح المجتمع ومهمات المرحلة. إن الحراك السياسي العام يمكن أن يساهم في تشكيل تحالفات سياسية جديدة ذات بنية جديدة تضم إليها القوى اللبرالية والديمقراطية والعلمانية على صعيد العراق كله لتدفع بالبلاد نحو وجهة أخرى.
لا شك في أن دول الجوار والدول الكبرى تلعب دورها في التأثير على مجرى الحراك السياسي الراهن في محاولة منها إما لعرقلة تحالفات معينة وإسناد تشكيل تحالفات أخرى أو للتأثير في وجهة عمل تلك التحالفات. ويصعب القول بأن القوى العراقية المشاركة في الحكم وتلك التي تريد الانسلاخ عنه وتشكيل تحالفات جديدة قادرة على الإفلات من تأثير السياسات الإقليمية والدولية, ولكن يبقى الأمل في قدرة المجتمع على التأثير باتجاه إضعاف دور الدول المجاورة المباشرة على سياسة الحكومة والتحالفات الجديدة, وعلى القوى التي تدين بالولاء لولاية الفقيه في إيران.
إن الحراك السياسي الديمقراطي في الشارع العراقي على امتداد الساحة العراقية يشكل أملاً جديداً في مسيرة النضال من أجل بناء عراق ديمقراطي اتحادي علماني, عراق يتخلص من الطائفية السياسية والفساد والخراب الاقتصادي, يتخلص من البطالة والنهب للموارد العراقية المالية والعينية كالنفط مثلاً, ويتخلص من التمييز بين المواطنين والمواطنات على أساس الدين أو الطائفة أو العشيرة أو الحزب, وهو أمل يبقى يراود الشعب العراقي إلى حين تحقيقه فعلاً. إنها رحلة طويلة ولكنها ضرورية وملحة وقابلة للتحقيق لأنها تجسد في حقيقة الأمر إرادة الشعب الذي ابتلى بكل أمراض الحكام الذين حكموا العراق حتى الآن. كما إنه الطريق للتخلص من الغوغائيين الفعليين من حملة السلاح أو الذين يهددون بحمل السلاح وإعادة تشكيل الميليشيات الطائفية المسلحة لإسقاط النظام الحالي وإقامة نظام أكثر تشدداً من الناحيتين الدينية والمذهبية الطائفية السياسية على نمط نظام إيران الشمولي الاستبدادي.
9/4/2011                      كاظم حبيب       


345
كاظم حبيب

ليست لي حسابات مع الدكتور عبد الخالق حسين لكي أصفيها.. ولكن!

لم أشعر بضرورة مواصلة الحوار والنقاش مع الأخ الدكتور عبد الخالق حسين بشأن القضايا التي أثارها أو التي أثرتها في المقالات الفائتة, إذ أن كلا منا قد بين رأيه بشأن القضايا المطروحة. ولكن وجدت ضرورياً الكتابة عن ثلاث قضايا فيه إساءات متعمدة دون أي مبرر ولا تدخل في إطار النقاش الفكري أو السياسي.
1. محاولة الإساءة لي وللأخ فخري كريم رئيس مؤسسة المدى ورئيس تحرير جريدة المدى بطريقة فجة تعود الإساءة عليه أدرك ذلك أم لم يدركه. فقد كتب يقول دون أن يناقش المقالات التي كتبها الأخ فخري كريم بل راح يؤكد أني أعتبر مقالات الصديق فخري كريم "آيات بيَّنات لا يشك فيها ابداً", في حين اعتمدت على نص مهم بشأن الحريات العامة والمظاهرات التي جرت فعلاً في بغداد وما تعرض له الصحفيون من إساءات وإهانات وضرب, ثم أورد بيت شعر نسبه خطأً لشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري وهو قول لزوج حذام بعد أن قالت:
ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا          فلو ترك القطا ليلا لناما
فقال زوجها:
إذا قالت حذام فصدقوها        فإن القول ما قالت حذامِ

فارتحلوا حتى اعتصموا بالجبل، ويئس منهم أصحاب عاطس فرجعوا..
ذكر ذلك السيوطي، رحمه الله- في شرحه لشواهد المغني 2/596 597
(راجع موقع قديم الإلكتروني), وكأنه يريد بذلك أن يقول الأخ فخري كريم, لم يكن صحيحاً, إذ كان عليه انم يناقش تلك الأفكار لا أن ينهيها ببيت شعر, وإن كان بيت الشعر يتطابق مع ما طرحه السيد بخري كريم بهذا الصدد, لا كما كان يريد السيد عبد الخالق حسين أن يوحي إليه.
ثم يؤكد ضرورة احترام صناديق الاقتراع. مجالس المحافظات انتخبت عبر صناديق الاقتراع أيضاً, فلِمَ يراد الآن إعادة الانتخابات فيها؟ وهل في ذلك أي خطأ حين يطالب الإنسان بإعادة النظر في الانتخابات؟ ألم يكن من الأفضل له أن ناقش الأفكار قبل هذه المحاولة الفجة في السخرية؟
ثم لم لا يناقش الأخ عدنان حسين بدلاً من أن يدخل على الخط وبطريقة مماثلة.
لست ضد أن يكون الأخ الدكتور عبد الخالق حسين مدافعاً عن نوري المالكي أو الحكومة العراقية الحالية أو التي قبلها, فلكل زمان كتاب حكومة وكتاب معارضة, وهو أمر مفهوم ولا أنفيه ولا أحرمه على أحد!

2. يقول إني تحكمت بمنع كلمة للأخ الكاتب الأستاذ حسن حاتم مذكور في الحوار المتمدن. لم أطلب حذف أي تعليق ورد ضمن التعليقات التي وردت على مقالاتي الخاصة بالدكتور عبد الخالق حسين سوى واحدة كانت لصديق عزيز عليًّ كان فيه بعض المديح لي الذي لم أجده ضرورياً وكان تحت عنوان "قلم كاظم حبيب بألف قلم". هذا الذي حذفته. ويمكن للقراء أن يراجعوا أرشيف الحوار ليجدوا ذلك مثبتاً.
وفي هذا الإطار تدخل قضية الاقتباس الذي أورده واعتمده عن ضابط عسكري في تأكيده لوجهة نظره بغض النظر عن كاتبه, يؤكد التزامه به وإلا لما أورده ولما هاجم من خلال ومن خلال تصريحات رئيس الوزراء والمراجع الدينية وقائد عمليات بغداد المظاهرات قبل وقوعها بغض النظر عن العدد الذي شارك في ما بعد في المظاهرات.  

3. يقول بأن عدد المتظاهرين كان ثلاثة ألاف وأن الصدريين أخرجوا مظاهرة بشان البحرين كانت مليونية.
أقول إن المظاهرة الأولى تضمنت ما أشرت إليه سابقاً من تصريحات معادية للمظاهرات وتحذير من اندساس البعثيين والإرهابيين وصدور تصريحات وخطب من رئيس الوزراء وفتاوى من شيوخ دين وقائد عمليات بغداد ثم نصب حواجز وجدران كونكريتية مسلحة وعسكر ملأ بغداد والمدن الأخرى ومنع سير المركبات بما يسهم في منع وصول المتظاهرين إلى ساحة التظاهر.
وأقول في مقابل ذلك كانت مظاهرة الصدريين ذات الوجهة الشيعية البحتة, وهي طائفية في الجوهر, قد وجدت الدعم والتأييد من المراجع الدينية والحكومة. فهل يمكن المقارنة بين الحالتين؟ وكان موقف مجلس النواب مماثلاً, رغم أن الصراع في البحرين لم يكن طائفياً بالأساس, ولكن سلوك الطائفيين هو الذي ألبسه هذا الرداء, وخاصة التدخل السعودي العسكري الفظ والتدخل الإيراني المرفوض من البحرينيين أنفسهم.
المقارنة بين الحالتين غير مقبولة وتشويه لطبيعة المظاهرتين.  
سأتجاوز بقية ما جاء في مقال الدكتور عبد الخالق حسين.
6/4/2011                      كاظم حبيب
  

346
كاظم حبيب
حفل تأبيني في ذكرى الشهيد الكردي الفيلي باستوكهلم
شاركت, بدعوة كريمة من الأخوات والأخوة في لجنة التنسيق للكُرد الفيلية المكونة من الاتحاد الديمقراطي الكردي الفيلي (وبضمنهم الشبيبة الكردية الفيلية وشبكة المرأة الكردية الفيلية) والبرلمان الكردي الفيلي ومنظمة الأحرار الكُرد الفيلية للمشاركة, في الحفل السنوي التأبيني ليوم الشهيد الكردي الفيلي, والذكرى السنوية لبدء عمليات الترحيل القسرية, ومن ثم صدور قرار إسقاط الجنسية عن الكُرد الفيلية عن مجلس قيادة الثورة لنظام البعث الخياني الذي عقد في ستوكهولم في 3/4/2011.
كانت القاعة مليئة بالسيدات والسادة من الكرد الفيلية والضيوف والمدعوين لهذا الاحتفال التأبيني الحزين.
لقد هيمن الحزب الشديد والبكاء والنحيب والندب بحرقة على النساء الحاضرات وهن يستمعن إلى كلمة لجنة التنسيق للسيد فاروق أمير علي أو لشاعرات (السيدة أمل عبد الله كاكائي والسيدة أزهار محمد), وشعراء (الأستاذ عبد الستار نو علي والسيد إبراهيم مهان بخش) كرد فيلية صوروا بشعرهم مأساة الكُرد الفيلية الشباب الذين سقطوا شهداء على أيدي الفاشيين البعثيين وهم من الشباب المقدام للكُرد الفيلة. كلهم كانوا بعمر الورود التي تفتحت لتوها ولم يقترفوا ذنباً سوى كونهم من الكُرد الفيلية يحملون الوطن وشعب الوطن وهمومه وآماله في قلوبهم وعقولهم. لقد كانت لوعة الأمهات والأخوات والبنات اللواتي كبرن الآن كبيرة هزت القاعة ومن فيها, ولكنها لم تهز المجلس البرلمان العراقي الذي غادر جل المندوبين قاعة المجلس لكي لا يشاركوا باستماع إلى مصائب ومآسي ومطالب الكُرد الفيلية ولكي لا يصوتوا إلى جانب قرار المحكمة الجنائية في العراق الذي اعتبر بحق أن ما لحق بالكُرد الفيلية هو من جرائم الإبادة الجماعية وضد الإنسانية. كم يعيش هذا البرلمان في اغتراب فعلي عن الوطن وشعبه ومآسيه وقضاياه الأساسية وحل مشكلاته اليومية. لقد كانوا يأملون خيراً من هذا المجلس, وإذا بالقاعة تفرغ من أعضائها إلا من 33 نائباً, أغلبهم من الكُرد الفيلية, في حين إن من وقع على طلب مناقشة الموضوع كانوا 60 نائباً, إضافة إلى الوعود التي قطعها الآخرون على الحضور والمشاركة في التصويت وتأييد هذه القضية العادلة التي أثارتها السيدة پاريزاد شعبان, وهي ابنة شهيد كردي أيضاً تدرك معنى خسارة إنسان وأب. 
لم يجد السفير العراقي متسعاً من الوقت ليحضر هذا الحفل التأبيني والشعبي الكبير ليشارك أبناء وبنات شعبه بالحزن والذكرى المفيدة, فأرسل مستشار السفارة السيد فارس فتوح ليلقي كلمته, فكانت جيدة لهذه المناسبة.
لقد استطاع الحفل التأبيني, الذي امتلأت واجهة القاعة بصور الشهداء, وهم كلهم من شبيبة الكُرد الفيلية, وهي صور قليلة بالقياس إلى عدد شهداء هذه الشريحة المقدامة من مواطني ومواطنات العراق الجريح, أن ينقل صورة حية إلى العراق والعرب والعالم كيف عانت هذه الشريحة في فترة حكم البعث وما هي المشكلات التي تواجهها اليوم, إذ لم ينفع حتى الآن تشكيل مكتب في رئاسة الجمهورية لمعالجة مشكلات الكُرد الفيلية, وإذا بالمكتب يشكو بدوره من سوء معاملة أجهزة الدولة وعرقلتها لحل تلك المشكلات حسب تصريح السيد رئيس المكتب المنشور في موقع "صوت العراق" الإلكتروني, إذ جاء وفق ما نقلته "شفق" ما يلي:
"... وقال عادل مراد في حديث ل ( شفق ) إن " هناك أطرافاً شوفينية مازالت متغلغلة في العديد من دوائر الدولة العراقية تحاول أن تربط قضية الكورد الفيليين مع الحرب العراقية الإيرانية". وأضاف " ان هؤلاء يعرقلون إصدار قرار من قبل البرلمان او المؤسسات الأخرى لإنصاف الكورد الفيليين. وأوضح مراد " إن المشاكل التي يعاني منها الكورد الفيليون مع دوائر عديدة، منها هيئة دعاوى الملكية ودوائر الجنسية ، وما زال الكثير من المراجعين الفيليين يواجهون في هذه الدوائر الأساليب البيروقراطية التي تمتد لسنوات من دون الوصول إلى نتيجة  " .
إن وجود الهيئة ضمن مكاتب رئيس الجمهورية لا يمكنها أن تعالج موضوع الكردي الفيلية بسبب غياب أية صلاحيات لدى السيد رئيس الجمهورية, إذ أن الصلاحيات كلها بيد السيد رئيس الوزراء, وعلى رئيس الوزراء أن يوفر لهذه الهيئة مستلزمات تحقيق الأهداف التي نشأت الهيئة من أجلها.
وفي الختام انشر كلمتي في هذا الحفل التأبيني الحزين الذي جسد بقوة مأساة ومطالب وحقوق الكُرد الفيلية.
 
سيداتي , آنساتي, سادتي, الحضور الكريم
أخواتي وأخوتي الكُرد الفيلية
شكراً على دعوتكم الكريمة.
 
على امتداد خارطة العراق وتاريخه الطويل عاش الكُرد الفيليون بين بنات وأبناء شعبهم العراقي المتعدد القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية, فهم من أصل أهل بلاد وادي الرافدين, وأن تركزوا في مدن عراقية مثل "خانقين وألوية البصرة والعمارة والكوت والسليمانية وأربيل, إضافة إلى تركز كبير وكثيف في بغداد العاصمة, ولكنهم تواجدوا في مختلف مدن العراق الأخرى.
شارك الكُرد الفيليون بحيوية فائقة ومتميزة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية العراقية مع بدء نشوء الدولة العراقية الملكية. وكانوا أنموذجا للمواطن المخلص والمواطنة المخلصة للعراق ولبقية ابناء وبنات الشعب العراقي. لقد كان التفاعل بين مكونات الشعب العراقي القومية متماسكة, وهي التي حافظت على النسيج الوطني لهذا الشعب عقوداً طويلة, بالرغم من أساليب الحكام الشريرة لزعزعتها.
على امتداد تاريخ العراق الحديث شارك الكُرد الفيلية في النضال من أجل حقوق ومصالح الشعب العراقي بكل مكوناته. وبسبب هذه المشاركة وفي مختلف العهود عانى الكُرد الفيلية الأمرين على أيدي النظم الرجعية والشوفينية والاستبدادية. كما لقي الكثير من الكُرد الفيلية حتفهم على أيدي عصابات الغدر والخيانة, عصابات البعث الصدامية والقوى القومية الشوفينية في الفترة التي امتدت بين 1963-2003, أي حتى سقوط النظام البعثي.
شارك الكُرد الفيلية في عضوية ونشاط الأحزاب الوطنية العراقية منذ الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين, واصبح الكثير منهم أعضاء في الحزب الشيوعي العراقي, كما التحق أخرون بالحزب الديمقراطي الكُردي (الكُردستاني) والحزب الوطني الديمقراطي وبأحزاب وقوى ديمقراطية ويسارية أخرى واحتلوا مواقع قيادية فيها. وشاركوا في جميع هبات وانتفاضات ووثبات الشعب وقدموا الكثير من الشهداء الأبرار فيها. وكلكلت السجون العراقية على عدد كبير حقاً من المناضلين الشجعان من الكُرد الفيلية من الرجال والنساء, سواء أكان ذلك في العهد الملكي, أم, وبشكل خاص, في عهود الجمهوريات الثلاثة التالية للجمهورية الأولى, وأعدم الكثير منهم بأساليب همجية كثيرة على أيدي قوى سياسية شوفينية مجرمة بسبب هويتهم العراقية الوطنية ووجهتهم الفكرية والسياسية التقدمية.
وبرز بين الكُرد الفيلية الكثير من العلماء والأدباء, من كتاب وشعراء وقاصين, وجمهرة كبيرة من الفنانين في مختلف الفنون الإبداعية كالموسيقى والرسم والنحت والمسرح والغناء. كما برزت من بينهم مجموعة من الأطباء والمهندسين والأساتذة الجامعيين والاقتصاديين والمحامين المرموقين, كما احتل الكُرد الفيلية مكانة مرموقة في الاقتصاد العراقي وفي حقل التجارة عرفتهم اسواق بغداد التجارية بشكل خاص.
بدأت معاناة الكُرد الفيلية مع بداية تشكيل الدولة العراقية وسن الدستور العراقي لعام 1925 وفي الموقف من الجنسية العراقية. إلا إن النظام الملكي لم يمارس القمع ضد الكُرد الفيلية لهذا السبب, ولكن الحكومات العراقية المتعاقبة في العهد الملكي استخدمته كسلاح ضد السياسيين منهم حين كانت ترحل بعضهم بعد أتمام محكومياتهم إلى إيران بحجة التبعية لإيران, وسرعان ما كانوا يعودون إلى العراق, موطنهم الطبيعي.
ولكن هذا الأمر قد تغير حين وصل القوميون والبعثيون إلى السلطة وانتقموا بعنف لا مثيل له من الكُرد الفيلية بسبب مقاومتهم الرائعة للانقلاب البعثي - القومي الأسود ضد جمهورية 14 تموز 1958 وعبد الكريم قاسم الذي أكد في لقاء له مع وفد من الكُرد الفيلية على أصالة عراقيتهم ووطنيتهم.
ثم كان الانتقام الثاني الذي مارسته قوى البعث في العام 1971 وفي العام 1979/1980 مع بدء الحرب العراقية-الإيرانية حيث هجر مئات الوف الكُرد الفيلية وعرب الجنوب والوسط الشيعة بذريعة التبعية لإيران وحماية المؤخرة. وارتكبوا بذلك أكبر جريمة بحق الكُرد الفيلية, وهي من الجرائم ضد الإنسانية.
لقد شارك الكُرد الفيلية في الكفاح المسلح ضد النظام الفاشي في العراق, سواء بالانتساب إلى پيشمرگة الأحزاب الكُردستانية العديدة أم بالانتساب إلى حركة الأنصار الشيوعيين في كُردستان العراق. وقد استشهد الكثير منهم أيضاً. 
لقد مارس البعث الصدامي أسلوب الانتقام من الكُرد الفيلية والتخلص الإجرامي منهم باتجاهات ثلاث:
1.   بدأ النظام في 4/4/1980 بتنفيذ حملة منظمة ومبرمجة تجسد موقفاً عنصرياً وعدوانياً ضد الكُرد الفيلية وذلك بتهجير قسرية ظالمة شملت مئات الألوف منهم إلى إيران بعد سلبهم ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة ورميهم على الحدود بين البلدين في أرض مليئة بالألغام القاتلة وفقدان الكثير منهم من مختلف الأعمار.
2.   وفي السابع من شهر أيار/ مايس 1980 صدر القرار الفاشي رقم 666, فقرة (أ) عن مجلس قيادة الثورة السيئ الصيت يقضي بإسقاط الجنسية العراقية عن الكُرد الفيلية, هي جريمة  بشعة تدخل هي وما تبعها من جرائم ضمن جرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
3.   رمي شباب الكُرد الفيلية في سجون النظام. وهنا مارس النظام بدوره اسلوبين: قتل الشباب في السجون من خلال ممارسة أساليب التعذيب المميتة والإعدامات, أو إرسالهم إلى جبهات القتال الأمامية ليموتوا عنوة في الحرب العراقية-الإيرانية. ويقدر عدد القتلى الشباب بأكثر من عشرين ألف شهيد.   
 ورغم عدم توفر معلومات تفصيلية عن عدد شهداء الكُرد الفيلية إلا إنها تشكل رقماً كبيراً يعد بعشرات الألوف وبطرق شتى. وهنا يتطلب منا الإشارة إلى ضرورة بذل المزيد من الجهود للوصول إلى أسماء ومواقع قتل ودفن هؤلاء الشهداء الأماجد.
لقد مر الآن ثماني سنوات على سقوط الدكتاتورية وصدرت بعض الإجراءات المهمة تحت ضغط الكُرد الفيلية, كما صدرت أحكام مهمة ضد بعض المجرمين الذين ساهموا في حرب الإبادة وضد الإنسانية ضد الكُرد الفيلية. ولكن الكُرد الفيلية ما زالوا يواجهون مصاعب جمة في مختلف المجالات وما زال الكثير منهم يعيش في المهجر بالرغم منه, ويعيش في ظروف سيئة حقاً.
وفي الآونة الأخيرة شكل السيد رئيس الوزراء وبناء على اقتراح من السيد رئيس الجمهورية مكتباً خاصاً تابعاً لرئاسة الجمهورية كلف بمسؤولية متابعة إنجاز قضايا الكُرد الفيلية المعلقة. فما هو المطلوب من هذا المكتب, بعد أن وضع بمسؤولية أحد أبناء الكُرد الفيلية والسياسي والقيادي المعروف في الاتحاد الوطني الكُردستاني السيد عادل مراد؟
أسجل في أدناه بعض ملاحظاتي في هذا الصدد آملاً أن تعبر عن إرادة ومصالح الكُرد الفيلية:
1.   وضع عناصر متخصصة وواعية لحقوق الكُرد الفيلية من بنات وأبناء الكُرد الفيلية في إدارة هذا المكتب.
2.   وضع برنامج يحدد فيه أولويات القضايا الملتهبة للكُرد الفيلية, سواء أكانت عبر الإسراع باستعادة الجنسية العراقية ومنحها للذين ولدوا في الخارج واسترداد الأموال المنقولة وغير المنقولة للكُرد الفيلية وتعويضهم عن الخسائر المادية والمعنوية التي تعرضوا لها طيلة العقود الأربعة المنصرمة.
3.   فتح سجل خاص بشهداء الكُرد الفيلية منذ العام 1963 حتى سقوط النظام الفاشي في العام 2003 وأولئك الذين دفنوا في المقابر الجماعية. 
4.   المطالبة المشروعة والعادلة بتعويض ضحايا القمع والإرهاب والتهجير للكُرد الفيلة وللعائلات التي فقدت شهداء في الفترة الواقعة بين 1963 حتى سقوط النظام الفاشي.
5.   تسهيل عودة المهجرين الذين هجروا قسراً والراغبين في العودة.
6.   تنفيذ كافة القوانين والإجراءات التي صدرت حتى الآن ولم تنفذ لصالح الكُرد الفيلية لأي سبب كان.
7.   التصدي للعناصر الفاسدة والشوفينية المعششة في أجهزة الدولة والمعرقلة لتحقيق مطالب مصالح الكُرد الفيلية.
8.   إقامة متحف خاص يعنى بما تعرض له الكُرد الفيلية من عذابات ويجمع ما هو ضروري ليحدث العالم بما جرى لهم خلال العقود الخمسة المنصرمة, سواء أكانوا في سجون العراق أم في المهجر, إضافة إلى إبراز الوجه المشرق الدائم للكُرد الفيلية في بناء العراق طيلة عقود الدولة العراقية الحديثة.
9.   إقامة نصب تذكاري لضحايا الإرهاب ضد الكُرد الفيلية في بغداد وعلى مقربة من حي الأكراد مثلاً, وآخر في كُردستان العراق لمشاركتهم المستمرة في النضال لصالح القضية الكُردية وفي إطار الكفاح السلمي والمسلح.
10.   فتح دائرة في وزارة الثقافة العراقية تعنى بالكتاب الكُرد الفيلية لنشر نتاجاتهم الفكرية والإبداعية وتسجيل ما عانوه خلال الفترات المنصرمة.
11.   رفض أي شكل من اشكال التمييز بين المواطنين على اساس القومية او الدين او المذهب أو الاتجاه الفكري والسياسي, إذ كان الكُرد الفيلية أحد مكونات الشعب العراقي الذي عانى من التمييز الشرس وعواقبه الوخيمة عليهم.
12.   ومع إن قضية الكُرد الفيلية هي قضية عراقية بشكل كامل وتتحملها كل الأحزاب السياسية العراقية الواعية لمسؤوليتها إزاء معالجة عواقب ما حصل لهم في العراق, فأن الأحزاب الكُردستانية ورئاسة وحكومة الإقليم تتحمل مسؤولية مباشرة في تبني قضايا الكُردي الفيلية وطرحها في جميع المجالات واعتبارها جزءاً من قضايا الأمة الكُردية عموماً والشعب الكُردي في العراق خصوصاً. ولهذا يتطلب من المكتب متابعة تحقيق هذه النقطة مع المسؤولين في إقليم كُردستان العراق.
13.   إن الموافقة على طرح قضية الكُرد الفيلية في مجلس النواب ومناقشة الموضوع يوم 4/4/2011 , وإن جاء متأخراً جداً, فإن المبادرة بحد ذاتها طيبة ويثمن موقف التحالف الكُردستاني على ذلك.
وقبل أن أنهي كلمتي أشير على مسألتين مهمتين وهما:
أولاً: أهمية وحدة الكُرد الفيلية بمختلف فصائلهم واتجاهاته الفكرية والسياسية إزاء قضاياهم ومصالحهم المشتركة والمغتصبة حتى الآن.
ثانياً: أهمية التنسيق بين منظمات وقوى الكُرد الفيلية في الداخل والخارج في النضال من أجل قضايا الكُرد الفيلية وبشكل عام, إذ أن لكل منهما دوره المهم في العملية السياسية الجارية في العراق.
كما لا بد من تأكيد أهمية الإعلام في الدفاع عن قضايا الكُرد الفيلية وربطها عضوياً بقضايا الحرية والديمقراطية والمجتمع المدني في العراق. 
وفي الختام, أنحني إجلالاً لشهداء الكُرد الفيلية وكل شهداء الشعب العراقي, أرجو لهم الذكر الطيب ولعائلاتهم الصبر والسلوان ولنا جميعاً المزيد من النضال من اجل تحقيق ما كانوا يناضلون من أجله, من أجل تحقيق مطالب ومصالح الكُرد الفيلية, من أجل بناء عراق مدني حر وديمقراطي اتحادي, من أجل التقدم والرفاهية والعدالة الاجتماعية والأمن والسلام. 

ستوكهولم في 3/4/2011                كاظم حبيب

347
كاظم حبيب

نقاش فكري وسياسي مع السيد الدكتور عبد الخالق حسين
الحلقة الخامسة والأخيرة
وماذا بعد يا أخي الدكتور عبد الخالق حسين؟
ما زال في الذاكرة إننا, الدكتور عبد الخالق حسين وكاظم حبيب, كنا يوماً في موقع فكري وسياسي واحد, ولا شك في أن الحياة والأيام تُقّرب أو تُبّعد فكرياً وسياسياً بين الرفاق والأصدقاء والناس عموماً, وهو أمر طبيعي. ولكن يفترض أن يحافظ الأصدقاء على ديمومة العلاقات الاجتماعية بغض النظر عن الاختلاف في الفكر والسياسة, إذ يستوجب أن لا يفسد الاختلاف في الود قضية. ولهذا ابذل الجهد باستمرار أن أبتعد في نقاشاتي وحواراتي مع الكتاب, بغض النظر عن مدى ومستوى علاقتي أو معرفتي بهم, عن الاستفزاز والإساءة, إذ لا معنى لذلك, فالحوار الفكري والنقاش لا يهدفان إلى تعميق الخلافات, بل إلى التقارب أو البقاء على المواقف من الاحترام المتبادل, رغم أني لا أجامل في طرح رؤيتي للأمور, فأضعها أمام القارئات والقراء بكل وضوح وصراحة. ولكن ما لا يمكن السكوت عنه حين تصلك معلومات موثقة جداً عن شخصٍ كان في صفوف الحزب الشيوعي مثلاً ثم تحول إلى جاسوس على الحزب والحركة الوطنية العراقية ولسنوات طويلة دون أن يخبر الحزب أو الحركة الوطنية بذلك, كما يفعل الشرفاء حين يجبرون على ذلك, ودون أن يكون الحزب والحركة الوطنية قد عرفا به أو اكتشفا نذالته, إلا بعد سقوط النظام والحصول على الملفات الموجودة في الذاكرة العراقية في الولايات المتحدة الأمريكية أو لدى الدكتور أحمد الچلبي أو عند الحزب الشيوعي العراقي أو لدى بعض الأطراف الأخرى. وفی مثل هذه الحالة يصعب حقاً على الإنسان أن يحافظ على هدوئه وسكوته.
لا يحق لي ولا لأحد, كما أرى, ولا أتفق مع من يطلق على الدكتور عبد الخالق حسين أنه مرتد عن فكره وقيمه السابقة أو تخوينه, فمثل هذا الأمر يكون خارج الصدد. ولكن من حقي ومن حق غيري أن نناقش أفكار الدكتور عبد الخالق حسين وتحليلاته السياسية واستنتاجاته التي يطرحها بشأن الوضع في العراق أو الموقف من المحاصصة الطائفية أو الموقف من مشكلة الشيعة والسنة عبر تاريخ العراق أو الموقف من المظاهرات ومن رئيس الوزراء المالكي أو من موقف الولايات المتحدة من الحرب الخليجية الثالثة والعوامل الكامنة وراء هذه الحرب وأهمية عامل النفط في هذه القضية, أو حتى  تلك القضايا التي تعود في مراجعته لتاريخ الملكية وفترة حكم عبد الكريم قاسم.
بدا واضحاً في بعض مناقشاتي أني أختلف مع الدكتور عبد الخالق حسين في كل تلك القضايا المشار إليها في أعلاه وفي غيرها, ومنها أسلوب مناقشته لمنتقديه بطريقة هجومية استفزازية أحياناً غير قليلة, تعبر في جوهرها عن موقف دفاعي, دفاع عن النفس وعن المواقف, على اعتبار أن الهجوم خير وسيلة للدفاع. وإذا كان هذا الاتجاه صحيحاً في الحروب العسكرية, وليس دائماً طبعاً, فأنه غير وارد في مجال النقاش الفكري والصراع الفكري والسياسي, بل إن الحجة هي التي يفترض أن تقابل وتقرع بالحجة.
في الوقت الذي أختلف معه بكل ذلك, لا يحق لي الخروج عن دائرة النقاش الفكري الهادئ والرصين والموضوعي, إذ لكل إنسان الحق في تغيير فكره ومواقفه وسياساته أو حتى دينه ومذهبه, باعتبارها جزءاً أساسياً من حقوق الإنسان الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وقد طرحها النبي محمد بن عبد الله بوضوح كبير في القرآن حين أكد "... لكم دينكم ولي ديني ".   
وماذا بعد؟ سأحاول تناول بعض القضايا التي وردت في مقالات الدكتور عبد الخالق حسين الأخيرة في نقاشه حول بعض القضايا التي أثرتها أو ما نشره حول المظاهرات ونقاشه حول الموقف من العلاقة بين الشعب والسلطة والتي تناولها أيضاً الأخ الأستاذ محمد ضياء عيسى العقابي في مقال بعنوان مماثل.       
في مقال تحت عنوان "حول (إهداء أربع فرق عسكرية إلى الصدريين!! نُشر في الحوار المتمدن في العدد 3305 بتاريخ 14/3/2011 يدعي الدكتور عبد الخالق حسين أني أرمي كل مشكلات العراق على عاتق رئيس الوزراء نوري المالكي وإعطاء انطباع بأنه هو وحده سبب كل هذه المشاكل .. الخ. هذا القول مردود وغير صحيح من جانبي ومن جانب الكثيرين ممن كتبوا منتقدين الوضع في العراق, وهو تجني غير مبرر. إن رئيس الوزراء نوري المالكي يتحمل قسطه الكبير من المسؤولية باعتباره رئيساً للوزراء, ولكن حكومته كلها والأحزاب المشاركة في الحكم وأعضاء مجلس النواب العراقي كلهم يتحملون وزر ما جرى ويجري في العراق. كما إن قوى الاحتلال الأمريكية هي الأخرى تتحمل وزر ما يجري حتى الآن في العراق, إضافة إلى قوى الإرهاب المتنوعة وقوى المليشيات الطائفية المسلحة وكل الفاسدين والمفسدين في العراق.
ليس في يد نوري المالكي عصا سحرية لكي يغير الأوضاع بين ليلة وضحاها. كلنا يدرك ذلك ولا نحتاج إلى من يذكرنا به, إذ على أولئك الذين يدافعون عن المالكي وحكومته أن يتذكروا بأنه منذ خمس سنوات على راس الوزارة وأن سقوط النظام كان قبل ثمانية أعوام. ولكن نوري المالكي أنهى الآن السن الخامسة وهو في الحكم ولم يندفع للتغيير أو طرح ورقة للإصلاح إلا بعد أن خرجت المظاهرات فاستدعي إلى مجلس النواب ليقدم ورقته الإصلاحية. وكان في مقدوره أن يذهب إلى مجلس الوزراء قبل ذلك ليقدم ورقته الإصلاحية, ولكنه لم يفعل إلى أن اشتد الضغط عليه. وهنا نقول إن من حقنا أن نحمل المالكي مسؤولية أكبر باعتباره رئيس وزراء من جهة, ومن حقنا أن نقول إن المظاهرات كانت ضرورية لتحريكه صوب الإصلاح وفق ما طرحه بنفسه ولا ندري كيف سينفذ هذه الإصلاحات وفي فترة مئة يوم من جهة أخرى.
وحين أشرت إلى واقع تعيين أربع ضباط لقيادة أربع فرق عسكرية فهذا لم يأت من عندياتي, بل من مصدر قريب جداً من مواقع القرار, بغض النظر ما إذا كان المالكي يريد الانتحار بهذا الإجراء أو لا يريده فهذا شأنه. ولكن المالكي خضع للكثير من الشروط والمساومات ليبقى رئيساً للوزراء وهذا أحد تلك المسامات. وحين يطالبني بالمصدر فهو يعرف تماماً وجود عرف في الصحافة لا تنشر الأسماء حين لا يريد أصحابها نشر أسمائهم. وقد مارسه هو في مقاله "يسيرون نحو الهاوية وهم نيام" حين أشار إلى ضابط لا يرغب بذكر اسمه. وهذا الأمر لا يدخل في باب البحث العلمي ومحاولة الوصول إلى المصدر للإساءة إليه من قبل رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة. وقد جاءني رجاء في أن لا أتابع ذكر بقية الأسماء حتى لو وصلتني من المصدر.
والغريب أن الأخ الدكتور عبد الخالق حسين يستخدم أقوالاً تنطبق عليه قبل غيره في مقاله "يسيرون نحو الهاوية وهم نيام" حين أورد قول للفيلسوف الألماني نيتشه: "ما هزني ليس أنك كذبت عليّ, بل أنني لم اعد أُصدّقك ". (راجع: موقع الحوار المتمدن, العدد 3305 بتاريخ 14/3/2011). 
أروي للقارئات والقراء حادثة أخرى جديدة بالنسبة لي رغم إن عمرها خمس سنوات. وردتني قبل أيام وثيقتان عن شخص اسمه سلام المالكي من البصرة استولى على أرض في المعقل الميناء (البصرة) مساحتها 3649 متراً مربعاً تجاوزاً. ثم أصدر رئيس الوزراء نوري المالكي قراراً بتسجيلها باسمه ثم باع سلام المالكي قطعة الأرض المرقمة 40 وقبض ثمنها, وهو مبلغ كبير جداً. من جانبي لم اقتنع بالوثيقتين. أرسلتهما إلى صديق كريم لإطلاعه عليها ربما يصلني منه ما ينفي أو يؤكد ما جاء في الوثيقتين. نفى صواب الوثيقتين واتهمني بتصديق كل شيء يقال وقال أنهما مزورتان. وجهت رسالة في عين الوقت إلى الأستاذ رحيم العگيلي, رئيس هيئة النزاهة, إذ كان كتاب رئيس الوزراء موجهاً إلى هيئة النزاهة لكي لا تلحق سلام المالكي, راجياً منه تبيان مدى صحة أو زيف هاتين الوثيقتين, ورسالة ثالثة إلى صديق آخر وعبر سلسلة من الأصدقاء لتصل إلى عضو في مجلس النواب العراقي الذي له إلمام بالمسألة. جاء الجواب من عضو البرلمان العراقي عبر ذات السلسلة من الأصدقاء بأن الوثيقتين صحيحتان مائة في المائة وأن سلام المالكي قبض مبلغ الأرض, ولهذا السبب طُرد من صفوف التيار الصدري. ومع الأسف لم أتسلم أي رسالة جوابية من الأستاذ رحيم العگيلي حتى الآن وربما لا يجيب الرجل على رسالتی لأي سبب كان. (راجع الملحق رقم 1 بشأن الوثيقتين والملحق رقم 2 بشأن رسالتي إلى الأستاذ رحيم العگيلي). أتمنى أن يجيب مكتب رئيس الوزراء على هذا الاستفسار, إذ أن الأمر يدخل في باب الفساد والتصرف في عقارات الدولة, كما حصل بالنسبة لمجمع جامع الرحمن ببغداد والذي ورد في مقال مشاهدات من بغداد للأستاذ الدكتور خالد السلطاني. من هذا يتبين بأني لا أتعجل الأمر والكتابة ما لم أتوثق من الأمر من أكثر من مصدر. والآن فالكرة في ملعب رئيس الوزراء.
يؤكد الدكتور عبد الخالق حسين بأن الجهود كلها تصب في خانة السعي لإسقاط النظام وليس إصلاحه. علينا هنا التمييز, كما يمارس هو هذا الأسلوب كأي معلم, بين الدولة والنظام والحكومة. فالدولة شيء والنظام السياسي شيء آخر والحكومة شيء ثالث. فإسقاط الحكومة لا يعني إسقاط النظام وإسقاط النظام لا يعني إلغاء الدول العراقية. ومع ذلك لم يكن الهدف إسقاط الحكومة في مظاهرات الكثير من البشر في 25/2/2011 بل من أجل إصلاح حال الحكومة والنظام السياسي الذي يعاني من أزمة بنيوية وحالة الشعب التي يرثى لها, من خلال تغيير ممارسة المحاصصة الطائفية ومعالجة مشكلات الشعب. وحين يقول المتظاهرون بأنهم يريدون إصلاح الحال, فليس من حق أحد أن يتهمهم بأنهم يريدون إسقاط الحكومة أو النظام السياسي, خاصة وبعد أن اثبتوا بالفعل المباشر أنهم يريدون إصلاح الوضع. ومع ذلك فمن حق المتظاهرين أن يرفعوا شعار إسقاط الحكومة وإسقاط النظام السياسي, وهذا لا يعني إسقاط الدولة العراقية, فالدولة باقية, رغم سقوط النظام السياسي الملكي, وسقوط أربع نظم سياسية جمهورية ولكن الدولة العراقية ما تزال باقية وستبقى أيضاً, ولكن المتغير ليس الشعب, فلا يمكن استبدال الشعب العراقي بشعب آخر, بل المتغير هما الحكومة والنظام السياسي.
قدم لنا الدكتور عبد الخالق حسين مطالعة طويلة عن العلاقة بين الشعب والحكومة ليصل إلى الموقف التالي:
"لقد أثيرت مسألة  الموقف من ممتلكات الدولة بعد مطالبة الحكومة للأحزاب الوطنية بإخلاء مباني الدولة التي احتلتها خلال الثمانية أعوام الماضية أي منذ سقوط حكم البعث عام 2003، وعلى أثر هذه المطالبة أثير سجال عنيف في الإعلام، وحصل توتر بين الحكومة من جهة والحزبين: الشيوعي، وحزب الأمة، اللذين أجبرا على إخلاء المباني الحكومية." ثم يواصل الكتابة فيقول:
"يبدو أن هناك إصرار، وحتى من قبل بعض المثقفين، على معاملة ممتلكات الدولة وكأنها ممتلكات الأعداء وغنائم الحرب، يجوز لكل من يريد احتلالها، وليست ممتلكات الشعب. نعتقد أن الترويج لهذا النوع من السلوك ليس في صالح الشعب، ولا لتربية الجماهير على الديمقراطية، والحرص على ممتلكات الدولة. فبالإضافة إلى الهجوم الشنيع على الحكومة بسبب مطالبتها باستعادة أملاك الدولة، كتب الأستاذ حميد الخاقاني مقالاً في هذا الخصوص في صوت العراق بتاريخ 13/3/2011، عنوانه (لتـعد أملاكُ الدولة للدولة.... ولتَـعُدِ الدولةُ للناس) حول عائدية هذه الأملاك، إذ قال بحق: "لا أحد منا يجادل في أن تعود أملاك الدولة للدولة. فأملاك الدولة، كما نراها، أملاك الناس، ." (راجع. موقع الحوار المتمدن. العدد 3308 بتاريخ 17/3/2011
دعونا نقرأ بهدوء ما كتبه الدكتور عبد الخالق حسين.
1. لقد وجه القائد العام للقوات المسلحة ثلة كبيرة من القوات الخاصة ومن قيادة عمليات بغداد لإخلاء مقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ومكتب جريدة طريق الشعب مباشرة ودون إبطاء. وكان الحزب الشيوعي قبل صدور هذا القرار أن رفض طلب للمالكي وبلقاء مباشر معه عن عدم المشاركة في التظاهرة في يوم 25/2/2011 واصر على  المشاركة. وكان القرار انتقاماً لمشاركة الحزب بالمظاهرة. وكان على الدكتور عبد الخالق حسين ذكر هذه الحقيقة التي كشفها عضو اللجنة المركزية جاسم الحلفي, لا أن يعبر عليها وهو يعرفها جيداً.
2. إن المالكي يعرف جيداً ما يلي:   
 أ. إن الحزب الشيوعي وحزب الأمة العراقية يدفعان إيجاراً عن المقرين والمكتب لوزارة المالية وكان المفروض أن تتوجه وزارة المالية للحزب الشيوعي وحزب الأمة العراقية بإخطار حول ضرورة تخلية الحزبين للبنايات التابعة للدولة.
ب. إن الحزب يطالب ومنذ فترة غير قصيرة بضرورة استعادة الحزب الشيوعي لأملاكه ومقراته التي صادرها البعث وأشار بوضوح على استعداد لتخلية بنايات الدولة والانتقال إلى بناياته المصادرة حين تعاد له.   
3. إن جميع الأحزاب السياسية, بما فيها حزب الدعوة الإسلامية, أي الحزب الذي يترأسه نوري المالكي ونائبه وزير التعليم العالي, قد استولوا على دور أكبر بكثير وأغلى بكثير من الدارين لدى الحزب الشيوعي ودار حزب الأمة العراقية, فلماذا لم يصدر القائد العام للقوات المسلحة قرارا بإخلاء الدار المستولى عليها من قبل حزبه والدور الأخرى المستولى عليها من بقية الأحزاب الإسلامية السياسية. ألا ينطبق هذا الموقف على المثل الشعبي القائل " أبوي ما يگدر إلا على أمي ". ألأن الحزب الشيوعي لا يملك مخالب "تخرمش" رئيس الوزراء؟ أليس في هذا الموقف انتقام من الحزب الشيوعي العراقي لأنه ساند المظاهرات؟
4. حين توسط السيد رئيس الجمهورية من جهة, وتصاعد الحملة الإعلامية الصادقة والنظيفة التي قادها المثقفون العراقيون مع الحزب الشيوعي العراقي من جهة أخرى, وافق القائد العام للقوات المسلحة على تأجيل الإخلاء, أي أن الدور لم يتم أخلائها كما يشير الدكتور عبد الخالق حسين.       
 5. هل شن المثقفون حملة شنيعة ضد قرار رئيس الوزراء أم أن قرار رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة بالانفراد بالحزب الشيوعي العراقي وحزب الأمة دون غيرهما هو الهجوم الشنيع وغير المبرر عليهما.
6. من الذي لم يعلم الجماهير على احترام القانون هل الحزب الشيوعي وبعض المثقفين أم رئيس الوزراء رئيس قائمة دولة القانون الذي مارس التمييز ضد الحزب الشيوعي وحزب الأمة العراقية وسكت عن حزبه وبقية الأحزاب المتجاوزة؟ على الدكتور عبد الخالق حسين أن لا يرمي الكلام على عواهنه وكأن ليس هناك من يفقه ما يكتبه.
6. من المؤسف حقاً أن يخلط الدكتور عبد الخالق حسين بين المفاهيم والقضايا المطروحة حين يتحدث عن كلام الأخ الدكتور حميد الخاقاني الذي لم يطلب أكثر من التعامل السوي والمتساوي من جانب رئيس الوزراء مع كافة الأحزاب السياسية, سوى المعاملة بالمثل, وبعيداً عن ازدواج المعايير. يقول الدكتور عبد الخالق حسين:   
"هذا الكلام جميل جداً، خاصة وأن الكاتب يريد لكل مواطن فيه (ذات الفرصة ونفس الحق). ولكن ما الفرق بين هذا التعبير وتعبير آخر بأن نقول: (لكل مواطن حصة في هذا الوطن). هل هناك فرق في المعنى، بمثل ما نقول: (حكومة المشاركة الوطنية، تمثل كل أطياف الشعب (. ولماذا تسمى هذه المشاركة بالمحاصصة الطائفية والعنصرية؟ وهل هناك حل سحري لهذه المعضلة ؟"   
هل يحتاج الإنسان إلى تشريح مثل هذا المغالطة والمقارنة الفجة, المطالبة بالمعاملة بالمثل من جانب الحكومة إزاء الموقف من الدور والطلب بإعادة أراضي الحزب الشيوعي العراقي لكي يترك الدارين المؤجرتين له من قبل وزارة المالية, مع موضوع المحاصصة الطائفية والعنصرية. الغريب إن رئيس الوزراء نفسه يدين المحاصصة الطائفية والأحزاب الإسلامية السياسية تدين المحاصصة الطائفية شكلياً ولكنها تمارسها عملياً وهي التي تتحدث في واقع الحال عن وجود مثل هذه المحاصصة الطائفية والأخ الكريم لا وبخلاف الجميع لا يرى في التشكيلة الوزارية محاصصة طائفية مقيتة.
لا بد أن الأخ الدكتور حميد خاقاني سوف لن يترك مثل هذا الأمر دون تعليق, فهي لقطة نادرة تستحق التعليق من قبل الصديق الدكتور حميد الخاقاني, لهذا سوف لن أطيل على القارئات والقراء أكثر مما كتبته بصدد هذه المسألة. فالدكتور عبد الخالق حسين يقدم لنا في مقالاته مادة كثيرة تستوجب التشريح والنقد لأن فيها من التناقض ما يسهل عملية نقده, وخاصة في موضوع وعاظ السلاطين الذي اختلط عليه الأمر كثيراً. يبدو لي إن المهمة التي تواجه الدكتور عبد الخالق حسين تتلخص في الدفاع عن الحكومة الراهنة ورئيسها مهما كان الثمن وكفى المؤمنين شر القتال, في حين إن المهمة التي تواجه الجميع يفترض أن تكون مصالح الشعب ومطالبه وحاجاته الأساسية.
31/3/2011                      كاظم حبيب   

 

لملحق رقم 1

 



الملحق رقم 2
آرسلت الرسالة على العنوانین التاليين: editor@nazaha.iq
web_admin@nazaha.iq

الأخ الفاضل الأستاذ رحيم العگيلي المحترم
تحية طيبة
وصلتني الوثيقة المرفقة. هل يمكنكم تأكيد هل هي صحيحة أم مزورة.
مع خالص التقدير, أرجو لكم الصحة والسلامة.
كاظم حبيب
28-29/3/2011


348
كاظم حبيب

نقاش فكري وسياسي مع السيد الدكتور عبد الخالق حسين

الحلقة الرابعة
ما النتائج التي تمخضت عنها المظاهرات حتى الآن؟

اتخذ رئيس الوزراء صبيحة يوم 25/2/2011 موقعه في غرفة العمليات لمراقبة سير حركة المظاهرات بعد أن حذر وأنذر ليلة يوم 24/2/2011 من ضرورة عدم المشاركة بسبب وجود معلومات مدققة وخطط مبيتة لتفجير الأوضاع في المظاهرات. وفي الوقت نفسه كانت قد اتخذت جميع الإجراءات الكفيلة بمنع أو الحد قدر المستطاع من تدفق ووصول العدد الأكبر الراغب بالمشاركة في التظاهرة المحددة سلفاً, سواء أكان بتقطيع أوصال بغداد بالجدران الكونكريتية أم بملء الشوارع والأزقة الموصلة إلى ساحة التحرير بقوات الأمن والشرطة والجيش واستخدام الطيران السمتي المسلح للتهديد والمراقبة وتفريق المتظاهرين والخروج من الساحة تحت ضغط الرياح التي يحركها الطيران السمتي. كما تعالت أصوات الفتاوى من المرجعيات الدينية بتحريم المشاركة في التظاهرة. لقد كان الإنذار قد وجه لكل قوى الإسلام السياسية بالحذر من هذه المظاهرة البعثية المشبوهة واللعينة وما إلى ذلك! وعلينا أن نتذكر المقال الذي كتبه ونشره الدكتور عبد الخالق حسين تحت عنوان "يسيرون نح الهاوية وهم نيام". وكان في هذا الموقف المرفوض من جانبي أكثر هجومية على المتظاهرين من رئيس الوزراء الذي شكك بالتظاهرة.
لا يمكن لسكان بغداد أن ينسوا ما تلقاه المتجمعون في خيمة التظاهرة في ساحة التحرير عشية التظاهرة من قبل  بلطجية رئيس مجلس محافظة بغداد وبالتنسيق مع الأجهزة الأمنية الخاصة, الذي حدد موقفه برغبته الشخصية الشديدة في أن يكون "وجه گباحة" وقحة ضد قوى التيار الديمقراطي والحريات العامة وضد المتظاهرين وقوى المجتمع المدني والثقافة الديمقراطية, تحت سمع وبصر أجهزة أمن الحكومة.
وفي صبيحة ذلك اليوم تجمع المتظاهرون تدريجاً, قطعوا عشرات الكيلومترات سيراً على الأقدام, وصل بعضهم, مُنع الكثير منهم في الطريق, بعضهم وصل قبل نهاية التظاهرة, وبعضهم الآخر وصل ولم يبق في الساحة متظاهر, وبعضهم الكثير لم يصل أصلاً, والبعض الآخر اعتقل وأهين وعذب وضرب على قفاه "تأديباً!" له بعلم ومعرفة رئيس الوزراء المراقب من غرفة العمليات لمجرى المظاهرة حسب اعترافه شخصياً. وما جاء في المؤتمر الصحفي للشبيبة الصحفية يعكس بشفافية عالية ما جرى لهم في المعتقل, حتى وصل الأمر بالأجهزة الخاصة إلى التهديد بالاغتصاب والبعض الآخر تم تهديده بحرمانه من القدرة على الإنجاب باستخدام الأجهزة الكهربائية. ولم تُكذَّب أجهزة الأمن تلك التصريحات لأنها وقعت فعلاً. (راجع الملحق رقم 1 و2 في نهاية هذا المقال).
راح بعض الكتاب يهاجمون من أشار إلى أن الأساليب التي مورست ضد المعتقلين لا تختلف عن تلك التي مورست في فترة حكم صدام حسين معلنين عن رغبتهم في إقامة دعوى قضائية من رئيس الوزراء ضد من كتب ذلك. ومن حقنا أن نطرح السؤال التالي: أليس من حق الكتاب والصحفيين أن يشيروا بوضوح إلى الأساليب التي مورست بحقهم من قبل أجهزة الأمن وسراديب الأجهزة الخاصة التابعة لرئيس الوزراء ومقارنتها بما كان يمارس في فترة حكم الدكتاتور صدام حسين, فترسانة التعذيب واحدة  لدى كل المستبدين ولا فرق بينهم. التعذيب محرم كلية ودولياً ومن يمارسه يتجاوز على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والدستور العراقي. من الغرابة أن ينبري مناضل من أجل حقوق الإنسان ليعلن بأن من يكتب عن هذه الظواهر السلبية ومن يشبه هذه الأساليب بأساليب صدام حسين ينبغي أن يقدم إلى المحاكمة أو أن تقام عليه دعوى قضائية, كما يجري في ألمانيا. ومع ذلك أؤيد مقترح أن يقيم رئيس الوزراء دعوى قضائية ضد الصحفيين الشباب الذين عقدوا مؤتمراً صحفياً وكشفوا عن تلك الأساليب اللاإنسانية والعدوانية التي ارتكبت بحقهم وهم يتظاهرون وفق الدستور لكي يتحدثوا أمام المحكمة ما جرى لهم في المعتقل وسينقلب السحر على  الساحر, وسنجد عشرات بل مئات المحامين الديمقراطيين يتطوعون دفاعاً عن تلك المجموعة الصحفية أو دفاعاً عن الذين كتبوا مقالات بهذا الصدد وأنا أحدهم.     
والسؤال العادل في ضوء تهديدات وتحذيرات  رئيس الوزراء ومخاوف شديدة أخرى من آخرين, ومنهم الدكتور عبد الخالق حسين والأستاذ محمد ضياء عيسى العقابي هو: كيف جرت التظاهرة في ساحة التحرير, وكيف كان سلوك المتظاهرين؟
تجمع المتظاهرون ليعلنوا عن شعاراتهم ومواقفهم السياسية والاجتماعية. وتبين لكل ذي عينين تبصران وضمير حي أن المتظاهرين قد برهنوا على ما يلي:
1. إن الدعوة كانت شريفة وأمينة للشعب العراقي ومطالبه العادلة, وعجز من حاول الإساءة إليها البرهنة على ما ادعاه قبل ذلك, كما عجز من حاول الإساءة إليها أولئك الذين نشروا بيانات سيئة لتشويه أهداف المتظاهرين, إذ إن أهدافهم كانت منذ البدء واضحة وواقعية وصحيحة.
  2. وإن منظمي المظاهرة ليسوا من قوى بعثية إرهابية ولا من قوى القاعدة الإرهابية, بل هم من الشبيبة العراقية ومن مختلف فئات الشعب وبعض أحزابه, من قوى وطنية وديمقراطية مخلصة لهذا الشعب وأمينة على مصالحه ومناهضة لقوى البعث من أتباع عزة الدوري ومن لف لفه, ومناهضة لأتباع القاعدة أيضاً, ومناهضة لكل القوى الإرهابية والمليشيات الطائفية المسلحة, سنية كانت أم شيعية, وإنها كانت وما تزال مخلصة للوطن وللعملية السياسية السلمية والتداول الديمقراطي السلمي للسلطة وراغبة في تغيير الأوضاع صوب الأحسن وضمن العملية السياسية.
3. وإنها كانت سلمية وديمقراطية وذات شعارات تؤيدها كل القوى السياسية النظيفة في البلاد وكل الكتاب والصحفيين الوطنيين, بمن فيهم ذلك البعض الذي عارض التظاهرة وخشي منها, ومنهم رئيس الوزراء والدكتور عبد الخالق حسين.
4. إن الاحتكاكات التي حصلت لم يكن المسؤول عنها المتظاهرون بل القوى الأمنية والقوات الخاصة التي كانت مستفزة ومعبئة ضد المتظاهرين باعتبارهم قوى بعثية وقاعدية. ولم يحصل في بغداد ما يعكر صفو الأمن سوى الاعتقالات وقطع الطرق والإهانات والضرب التي حصدتها جمهرة من المتظاهرين ومجموعة من الصحفيين والإعلاميين الذين اعتقلوا من قبل أجهزة الأمن والقوات الخاصة جراء مشاركتهم في التظاهرة أو الكتابة عنها.
5. وسجل العالم كله, وليس العراق وحده, إن القتلى الذين سقطوا في الموصل وفي مناطق أخرى لم يكن بسبب موقف المتظاهرين السلمي, بل بسبب السلوك العنفي لأجهزة الإدارة والأمن والشرطة والقوات الخاصة وبعض الوحدات العسكرية التي أُشركت في مهمات ليست من أهدافها الأساسية والثانوية.
وفي أعقاب المظاهرات سجل الكثير ممن شكك بالمظاهرات ونوايا المتظاهرين وأهدافهم المخفية من المسؤولين والمرجعيات الدينية للشيعة بأن المظاهرات كانت سلمية ولم يكن التخوف منها في محله.
ورغم ذلك فأن المتظاهرين الذين نظموا مظاهرات أخرى في أيام الجمعة اللاحقة عانوا من ذات التضييقات والملاحقات الأمنية التي مارستها الحكومة وأجهزتها الأمنية ضد المتظاهرين والصحفيين, ولم يعتبروا بما حصل في جمعة الغضب.
إن الصراعات الدائرة في حكومة "الشراكة ألوطنية!" وعدم الثقة بالشعب والشعور الفعلي بالتقصير إزاء المجتمع واستمرار الظواهر السلبية في المجتمع هي التي جعلت رئيس الوزراء في خشية دائمة وتوتر عصبي ونفسي مستمرين دفعت به إلى اتخاذ إجراءات جائرة ضد المتظاهرين ومن ساندهم, بدلاً من تقديم التهاني لهم على دورهم في تذكير الحكومة والوزراء ومجلس النواب من جانب المتظاهرين بما كان عليهم أن يقوموا به ولم يمارسوه حتى الآن.
لا شك في أن رئيس الوزراء في وضع غير سهل بل صعب ومعقد جداً, وأنه ليس الوحيد المسؤول عما يجري في العراق حالياً, بما في ذلك التراخي الحاصل بسبب غياب عمل وزراء الوزارات العسكرية والداخلية والأمنية والتراخي في مواجهة الإرهاب وعودة العنف الإجرامي إلى العراق, كما حصل أخيرا في صلاح الدين. ولكن وبدلاً من  الاعتماد على الشعب وطلب مساعدته للضغط على مجلس النواب ومجلس الوزراء وكل المسؤولين لأداء واجباتهم إزاء الشعب وتغيير نهجه الطائفي السياسي شخصياً, إذ لم يطالبه أحد بتغيير مذهبه, عمد إلى اتخاذ إجراءات أساءت له أكثر وكشفت عن معدن استبدادي يعاني منه الكثير من العاملين في السياسة في العراق والمسؤولين الحاليين, وهو المرض الذي يعاد إنتاجه في المجتمع العراقي بسبب الأوضاع السيئة التي سادت في العراق طيلة عقود طويلة. إن الواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وتخلف أو حتى غياب التنوير الديني والاجتماعي والخلفية التاريخية والإرث الموروث وعدم العيش في أجواء الديمقراطية في الدولة العراقية الحديثة منذ تأسيسها هو الذي أنتج وينتج باستمرار جمهرة من المسؤولين الذي يتسمون بهذه السمات التي تبعدهم عن وعي الواقع والتعامل معه على أسس سليمة.
استدعى رئيس مجلس النواب العراقي رئيس الوزراء في أعقاب المظاهرات ليناقشه أعضاء مجلس النواب حول موقفه من مطالب المتظاهرين, فطرح برنامج المائة يوم. والسؤال هو: هل أدرك رئيس الوزراء ما ينبغي عليه أن يفعله حقاً, أم إن ذلك مجرد كسب الوقت؟
لو أن نوري المالكي قد أدرك الحقيقة في أعقاب المظاهرات وتلمس مواقع الأخطاء التي ارتكبها مع حكومته والمهمات التي يفترض القيام بها, عند ذاك يمكن القول بأن المظاهرات كانت ذات فائدة كبيرة له وللحكومة ولم تكن مضرة كما توقعها هو وغيره من الناس. وعند ذاك ستكون لهذا المظاهرات والمتظاهرين فضيلة إضاءة الطريق أمام رئيس الوزراء وحكومته, وينبغي له أن يعتذر للشعب وان يشكره على ذلك.
وإذا كان الموقف مجرد محاولة لكسب الوقت, فإن ذلك لن يعود على البلاد إلا المزيد من الاحتجاجات وتراكم التذمر والغضب وانفجاره في كل لحظة. والأيام ستكشف لنا حقيقة مواقف وحسابات رئيس الوزراء والحكومة في آن.
طلب رئيس الوزراء فرصة مائة يوم لتغيير الأوضاع وتحقيق ما طرحه من أفكار. أجزم إن الفترة غير كافية في كل الأحوال لتحقيق البدء بما يطلبه الشعب, ولكنه ربما يعبر عن الإحساس بأن قضية المتظاهرين أصبحت جدية وعليه إن أراد أن يبقى في السلطة أن يجيب عن أسئلة الشعب ويستجيب لحاجاته ومطالبه. لقد مضي الآن ثلث الفترة الزمنية المحددة, وهو لم يستطع حتى الآن وضع برنامج لوزارته للفترة القادمة. ولهذا إن إبداء حسن النية من جانبه باتخاذ إجراءات أساسية منها الموقف من الفساد والمفسدين ومن ضرورة التعامل مع قضايا المعتقلين والمحبوسين ومنع التعذيب, وإقالة رئيس مجلس محافظة بغداد ... الخ, ستكون بداية حسنة. سيبقى الذين شاركوا في المظاهرات ينتظرون الحلول العملية للمشكلات التي شخصوها, وسيبقى الناس يشاركون في مظاهرات أخرى من أجل إنجاز ما سعوا إليه لصالح المجتمع ولصالح الحريات العامة في البلاد, ولأن ذلك يتطابق مع نص وارد في الدستور العراقي.
نعود إلى الأخ الدكتور عبد الخالق حسين في مقاله السيئة الصيت :"يسيرون نحو الهاوية وهم نيام". وهذا يعني أن جميع المتظاهرين ومن ساندهم من القوى والأحزاب السياسية والمجتمع كلهم كانوا نياماً ومخدوعين وسذج في ما عدا رئيس الوزراء والدكتور عبد الخالق حسين اللذين كانا في يقظة تامة وصحوة كاملة وباقي الناس يرتكبون خطأ العمر ويدفعون بالبلاد صوب الهاوية. إنه الاستبداد بالرأي بعينه وليس غير ذلك. لنقرأ ما يكتب في هذا المقال:
"ولكن المشكلة، أن العراقيين معرضون للخديعة في كل زمان، ودون أن يتعلموا من كوارثهم، فمنذ أن خدعهم عمر بن العاص في صفين، عندما أشار إلى أتباع معاوية برفع المصاحف على أسنة الحراب، والصراخ بـ(لا حكم إلا لله)، ورغم تحذيرات الإمام علي لأصحابه بأنها خديعة و(قول حق يراد به باطل)، ولكنهم أصروا على موقفهم وخرجوا عليه وكان ما كان. واستمر العراقيون ينخدعون طوال تاريخهم مروراً بمؤامرة 8 شباط 1963، و17-30 تموز 1968، بدون أن يتعلموا من خيباتهم وكوارثهم إلى يومنا هذا. ونفس اللعبة تتكرر اليوم من قبل البعثيين، والشعار المرفوع الآن هو الاحتجاج على الفساد، ومعاناة الشعب "المسحوق"، وتقليد ما جرى ويجري من انتفاضات في تونس ومصر والبحرين وليبيا وغيرها." (راجع: د. عبد الخالق حسين. يسرون إلى الهاوية وهم نيام. موقع بوابة نركال الإلكتروني).
الشعب العراقي كله معرض للخديعة ولم يتعلم من الخدع السابقة, ولكنه وحده ورئيس الوزراء قد تعلما منها. والكل لا يتعلم من الكوارث التي مر بها الشعب, ولكن الدكتور عبد الخالق حسين هو ورئيس الوزراء قد تعلما منها. ثم يورد تحذيرات الإمام علي بن أبي طالب في موضوع رفع المصاحف ورفضها المحاربون في صف علي بن أبي طالب, وهاهو الآن ينصح العراقيين كما فعل الإمام علي, ولكنهم لا يستمعون له, أو لا يستمعون لرئيس الوزراء. أليس هذا تعالٍ على الشعب العراقي على مثقفيه, أليس هذا هو الوهم بعينه بامتلاكه الحقيقة كاملة, في حين أن غيره لا يمتلكها, أليس هذا هو عين الخطيئة  والخطأ. لقد تبين عبر المظاهرات الفائتة أن المتظاهرين لم يسيروا نحو الهاوية وهم نيام بل كانوا يقظين وصاحين ويعرفون جيداً ماذا يريدون, وأن المخطئ جداً هو رئيس الوزراء ومعه الدكتور عبد الخالق حسين ومن وقف معه ضد المتظاهرين.
ومرة أخرى يخلط بتوتر شديد وفقدان البوصلة وعدم الثقة بأحد غير رئيس الوزراء وأجهزته الأمنية وذلك الضابط الذي تحدث عن مؤامرة يخططها البعثيون لغزو المظاهرات وتخريبها أو إسقاط حكومة المالكي بالاندساس بين المتظاهرين في هذه الفترة من جانب قوى البعث الفاشية التي قادت العراق إلى ما نحن عليه الآن.
أتمنى أن يعتذر رئيس الوزراء والدكتور عبد الخالق حسين للمتظاهرين على هذا الكلمات القاسية بحق الشعب والناس, إذ أنهم لا يستحقونها, إذ أن المتظاهرين كانوا وما زالوا يقظين وصاحين جداً.       
أتمنى على الصديق الدكتور عبد الخالق حسين أن يدقق جيداً في ما يكتبه أحياناً وأن لا يقع بتناقضات شديدة, والتي تدفع بي وبغيري إلى بذل الجهد لتفنيد ما يطرحه, في حين تنتصب أمامنا الكثير من المهمات الأخرى التي تستوجب الكتابة عنها.     
30/3/2011                      كاظم حبيب   
انتهت الحلقة الرابعة وستليها الحلقة الخامسة والأخيرة. 
   أنظر الملاحق   
 

الملحق رقم 1:

تساءلوا بعد الافراج عنهم: اذا كانت الشهرة تحمينا نسبياً فمن لبقية المعتقلين؟
اعلاميون سيحركون دعوى ضد «القائد العام للقوات المسلحة»
 
مئات المتظاهرين في البصرة يطوقون سيارات مكافحة الشغب التي ترابط امام مقر المحافظة خلال احتجاجات الجمعة (اصوات العراق)))
بغداد – العالم
قرر اعلاميون تعرضوا للاعتقال خلال تغطيتهم للمظاهرة التي خرجت يوم امس الجمعة، رفع دعوى قضائية ضد الجهات الرسمية والتنفيذية التي قامت باعتقالهم خلال ما سموه حملة على الصحفيين والصحافة، مشيرين في بيان تلي في مؤتمر صحفي ببغداد ان «حرية التعبير تمر بواحد من اسوأ ايامها في العراق».
وقال صحفيون تعرضوا للاعتقال أو الضرب خلال تظاهرة امس الاول (الجمعة)، في مؤتمر حضره ممثلون عن الصحافة العراقية العربية والاجنبية، إنهم قرروا رفع دعوة على السلطة التنفيذية والقائد العام للقوات المسلحة، جراء ما وصفوه بـ»الانتهاكات التي تعرض لها الصحفيون اثناء تظاهرة يوم امس الجمعة».
وأوضح الصحفيون اثناء المؤتمر، أن عملية الاعتقال تمت بدون اشعار رسمي ودون ان تعلن الجهة العسكرية التي اعتقلتهم عن نفسها، فيما أفاد عدد منهم بأنهم تعرضوا للضرب اثناء عملية الاعتقال ثم اثناء التحقيق معهم.
وبين المسرحي والكاتب هادي المهدي اثناء المؤتمر، أن هتافه طوال المظاهرة كان يتركز على سلمية التظاهرة وأنه كان يشدد على اصلاح النظام وليس اسقاط الحكومة، رغم ذلك فقد تعرض «للاعتقال والضرب».
كما تحدث الصحفي سيف الخياط عن ما تعرض له، مبينا انه تعرض للدهس من قبل سيارة شرطة حين كان ينقل احد جرحى التظاهرة. فيما عبر الصحفي حسام السراي الذي كان قد اعتقل عصر امس مع ثلاثة من رفاقه، عن خيبته مما حصل يوم أمس، معربا عن مخاوفه من تحول العراق الى «دولة بوليسية».
كما أذيع اثناء المؤتمر، بيان للصحفيين اعلنوا فيه أن ما وصفوه بالحملة على الصحافة «تشكل انتهاكا لحرية التعبير التي نص عليها الدستور». وجاء في البيان الذي حمل عنوان «حرية التعبير تمر بواحد من اسوأ ايامها في العراق».
واضاف «هذا ما كشفته وقائع مظاهرات 25 شباط والأيام التي سبقته، فقد تعاملت السلطات السياسية مع التظاهرات بوصفها ظاهرة مدانة تستدعي معالجات أمنية قاسية، فقد وصف بيان رئيس الوزراء السيد نوري المالكي التظاهرة قبل يوم واحد من موعدها بانها مدفوعة من قوى القاعدة والبعث والارهاب».
وتابع البيان «كانت الصحافة هدفاً اساسياً لحملة الهجوم على الحريات، فقد سبق يوم الـ25 مداهمة لعدد من المؤسسات الصحفية ومصادرة معداتها، ثم منعت التغطية التلفزيونية الحية للمظاهرات، وترافقت الحملة مع اعتقال عدد من الصحفيين الذين كانوا يغطون التظاهرة كجزء من اداء مهمتهم في كشف الحقيقة».
ونقل البيان تساؤل الصحفيين باعتبارهم «معنيين بالتعبير عن حقوق الناس» قائين «اذا كانت الاضواء تحمينا نسبياً فمن لهؤلاء الناس الذين ليس لهم غير الله»، مشيرين الى ان «هذه هي المرة الاولى في تاريخ العراق الحديث التي يخرج الناس خلالها في مهرجان فريد لحرية التعبير، فحاولت السلطات العراقية تسميمه بالاتهامات الصفيقة والمعالجات البوليسية الشائن».
الى ذلك أدانت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة الاعتقالات التي تعرض له صحفيون غطوا التظاهرات التي شهدتها العاصمة بغداد امس الجمعة، معتبرة الخامس والعشرين من شباط يوما «سيئا» لحرية الصحافة والديمقراطية في العراق.
وجاء في بيان للجمعية تلقت «العالم» نسخة نسخة منه، إنها «تدين بأشد العبارات عمليات الاعتقالات والاعتداءات التي تعرض لها العشرات من الصحفيين والاعلاميين في مختلف انحاء العراق».
وطالبت الجمعية الحكومة «بالاسراع باطلاق سراح الصحفيين المعتقلين، ومحاسبة المفارز الامنية التي قامت باعتقالهم»، معتبرة أن «القيادات الامنية ملزمة بتقديم اعتذار رسمي وصريح وواضح إلى جميع الصحفيين والاعلاميين ووسائل الاعلام عن الاجراءات والاعتداءات وسلسلة الاعتقالات التي قامت بها قواتهم الامنية».
ودعت الجمعية القيادات الامنية إلى «تقديم ضمانات واضحة بعدم تكرار منع وسائل الاعلام من تغطية اي حدث مستقبلا، لاسيّما وأنها خالفت بشكل واضح وصريح الدستور العراقي النافذ الذي كفل حرية التعبير وحرية الصحافة والاعلام».
وحثت الجمعية مجلس النواب بـ»مساءلة السلطة التنفيذية والسلطات الامنية عن جميع الاجراءات التي كان هدفها التضييق على الاعلام ومنعه من تغطية المظاهرات في مختلف انحاء العراق، لأن حرية الصحافة يجب أن تكون مصانة في بلد من المفترض أنه قطعا شوطا مقبولا في التحول نحو الديمقراطية».

الملحق رقم 2  جريدة طريق الشعب

         
الأحد, 27 شباط/فبراير 2011 09:37
 خمسة إعلاميين ومثقفين يتعرضون الى الإعتقال والضرب والإهانة
.
بغداد-طريق الشعب: اعلن خمسة اعلاميين وفنانين شباب انهم تعرضوا بعد ظهر امس الاول الجمعة، وفيما كانوا يتناولون طعامهم في احد مطاعم الكرادة ببغداد، الى اعتداء سافر من جانب مجموعة جنود يرتدون ملابس عسكرية مرقطة، قاموا باعتقالهم وعصب عيونهم وضربهم بشدة حتى باخامص البنادق، ثم حشروهم في سيارات هامر عسكرية ونقلوهم الى مكان مجهول.
وافاد الضحايا الخمسة في مؤتمر صحفي عقدوه عصر امس السبت ببغداد، انهم قصدوا المطعم بعد انتهاء التظاهرات في ساحة التحرير، التي شاركوا فيها وفي
تغطيتها اعلاميا. واضافوا انهم بعد نقلهم معصوبي الاعين الى مقر عسكري، تعرضوا الى جولات متعاقبة من الضرب القاسي المبرح والاهانات والشتائم.
والضحايا هم كل من الكاتب والصحفي علي عبد السادة، والفنان هادي المهدي، والشاعر والصحفي حسام السراي، والصحفي علي السومري والصحفي سيف الخياط.
وقال هادي المهدي ان خاطفيهم اجبروهم، وهم معصوبو الاعين، على توقيع اوراق لا يعلمون ماذا كتب فيها، وهو يخشى ان تكون تتضمن ادعاء بانتسابهم الى حزب البعث، لغرض تبرير اعتقالهم وملاحقتهم قانونيا. وتحدث الخمسة في المؤتمر الصحفي عن اشكال مختلفة من الإيذاء الجسدي والتعذيب التي تعرضوا لها، واكدوا ان من قاموا بضربهم وتعذيبهم كانوا من الضباط لا من الجنود.
واشار ضحايا الاعتداء الى ان الافراج عنهم تم في ساعة مبكرة من فجر امس السبت، بعد ان نقلوا الى مكتب احد القادة العسكريين الذي تحدث اليهم " معتذرا " كما قالوا، ثم امر باطلاق سراحهم.
هذا واصدر الاعلاميون والمثقفون الخمسة بيانا ذكروا فيه انه فرض عليهم خلال اعتقالهم توقيع اوراق تنفي تعرضهم للتعذيب وتتضمن التعهد بعدم المشاركة في " اعمال شغب" مستقبلا! واعتبروا ان ما تعرضوا اليه هو جزء من " استهداف حرية التعبير عموما، والصحافة والصحفيين خصوصا" وان ذلك " يمثل ضربة كبرى لأهم اركان الديمقراطية.
فحرية التعبير هي الام المنجبة لجميع الاركان والقيم التي تنهض عليها الديمقراطية


349
كاظم حبيب

هل سيؤجج خطاب الأسد الاستفزازي الشعب السوري ضد النظام الشمولي؟

طلب مني أحدهم أن أكف عن التدخل في الشأن السوري وأن أهتم بالشأن العراقي, وطلب آخر أن أكف لأني كنت أحمل يوماً جواز سفر سوري للسفر إلى كردستان عبر إيران للمشاركة في النضال ضد الدكتاتورية الغاشمة في العراق وفي صفوف الأنصار الشيوعيين والپيشمرگة الشجعان. وقد وزع شخص ثالث دون حياء تلك المادة على العراقيين وكأنه يريد بذلك أن يسيء لي لأني كنت مجبراً على حمل جواز سفر سوري أو جواز سفر يمني مواصلة النضال ضد الدكتاتورية الجائرة في العراق دون أن يراعي حق الصداقة بيننا. والثلاثة تجاوزا حق الكاتب في اختيار الموضوعات التي يكتبها. وحين كتبت عن الشأن العراقي وأيدت المظاهرات التي نظمتها شبيبة العراق وفئات اجتماعية واسعة وقوى ديمقراطية, أحتج آخر لأني أساهم في حرق العراق والضلوع في كارثة, إذ أن البعض من البعثيين الاستفادة من سذاجتنا وطيبتنا وتأييدنا للمظاهرات لتخريب العراق. لا شك في أن وراء هذا وذاك وجهات نظر فكرية وسياسية مختلفة نحترمها وأن اختلفنا معها, وأحياناً تكمن وراء مثل هذه المواقف مصالح عديدة. ولكن ما أستطيع تأكيده هو أن نضال الشعوب العربية ونضال القوميات العديدة في الدول العربية وفي منطقة الشرق الأوسط من أجل الحريات العامة, من أجل مجتمع مدني وديمقراطي حديثة وسيادة مبادئ حقوق الإنسان هي التي يفترض أن تكون البوصلة التي نهتدي بها في هذا النضال وفي الأفكار التي نطرحها بهذا الصدد. وعلى من يختلف معنا أن يطرح وجهة نظره كما يشاء.
شهدت سوريا العديد من الانقلابات العسكرية وخاصة في الخمسينات من القرن الماضي وفرضت منذ 1948 حالة الطوارئ أو الأحكام العرفية في البلاد تحت واجهة الصراع مع إسرائيل, ولكن الذي عانى منه ليس إسرائيل ولا جواسيس إسرائيل في سوريا, بل الشعب السوري والقوى والأحزاب السياسية السورية والمواطن السوري الاعتيادي. وحين وصل حافظ الأسد في العام 1969/1970 إلى السلطة وحتى الآن يسود في سوريا قانون الطوارئ أيضاً, والذي عانى منه ليس إسرائيل ولا جواسيس إسرائيل, بل قوى وأحزاب ومواطنون سوريون, وبعضهم من أعضاء حزب البعث نفسه ممن اختلف مع النظام السوري الشمولي في سياساته الاستبدادية والقمعية لا في فترة حافظ الأسد, بل وفي فترة بشار الأسد أيضاً.
المشكلة في سوريا تكمن في عدة مسائل جوهرية, وأعني بها ما يلي:
1. المعاناة مما ورد في الدستور السوري القائل بما يلي:
" المادة الثامنة: حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية." (راجع: الدستور السوري وفق آخر تعديل للقانون رقم 9 بتاريخ 11/6/2000)
ثم المادة التاسعة التي ترتبط عضوياً بالمادة الثامنة والخاصة بالمنظمات الشعبية, وهي كلها تابعة لحزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا:
"المادة التاسعة: المنظمات الشعبية والجمعيات التعاونية تنظيمات تضم قوى الشعب العاملة من أجل تطوير المجتمع وتحقيق مصالح أفرادها. "
ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أن الحكم في البلاد ينبغي له أن يبقى بيد حزب البعث شاء الشعب ذلك أم أبى باعتباره الحزب القائد والرائد وأن على بقية الأحزاب السياسية في سوريا إما أن تكون أعضاء في الجبهة التي يشكلها هذا الحزب القائد ويديرها ويوجه سياساتها أو أن لا يكون له أي موقع سياسي في البلاد ويحرم عليه العمل في سوريا ومن يعمل خارج إطار ذلك يجد نفسه في السجون السورية وتحت التعذيب الدائم. إن المادة الثامنة من الدستور مخالفة للديمقراطية وحقوق الإنسان والجماعات, وهي تعبر عن رؤية شمولية من حزب وجماعة معينة. ومما زاد في الطين بلة إن هذا الحزب قد كرس حالة أخرى هي أن يكون رئيس الجمهورية من عائلة الأسد. فما أن مات العقيد باسل الأسد وكان مرشح حزب البعث للرئاسة, حتى حل محله في الوراثة الطبيب بشار الأسد. وبالتالي كرسوا نظاماً ملكياً تحت واجهة "جمهورية ديمقراطية  وشعبية واشتراكية .. " إذ جاء في المادة الأولى من الدستور  السوري ما يلي: 1. الجمهورية العربية السورية دولة ديمقراطية شعبية واشتراكية...". إنها مصطلحات مفرغة من مضمونها الأساسي وبائسة حقاً في ظل الواقع السوري السائد منذ عقود. ولا يمكن لسوريا أن تسير بالاتجاه الصحيح ما لم تلغ هذا الدستور وتضع دستوراً مدنياً وديمقراطيا يحترم إرادة الشعب السوري على وفق مبادئ الديمقراطية  والحرية والمساواة في المواطنة والفصل التام بين السلطات الثلاث وفصل الدين عن الدولة في الدستور أيضاً وليس في الواقع العملي وحده, إضافة إلى الخلاص كلية من المادة الثامنة وتوابعها التي تمنع حرية الأحزاب السياسية المعارضة أو تفرض قيادة حزب البعث على بقية الأحزاب في سوريا.
2. ولا يمكن لسوريا أن تسير في الاتجاه الصحيح ما لم تغير قانون الانتخابات والتعليمات الواردة فيه والتي تمارس عملياً بمنح حزب البعث وجبهته ثلثي المقاعد النيابية إضافة إلى منع أي مرشح معارض لسياسة الحكومة السورية وحزبها "القائد والرائد". وضرورة إجراء انتخابات حرة ونزيهة وتحت رقابة دولية كاملة. فكل الانتخابات التي عرفتها سوريا منذ الوحدة السورية المصرية حتى الآن لم تكن ديمقراطية ولا نزيهة بأي حال.
3 . حل أجهزة الأمن السياسي السورية والقوات الخاصة التي تراقب الشعب السوري وتلاحق المعارضة السورية, وإطلاق سراح كل سجناء الرأي والعقيدة والاختلاف القومي والسياسي, وإلغاء التثقيف الفكري القومي الشوفيني البعثي في القوات المسلحة واحتكارها لأعضاء ومؤيدي حزب البعث وتركيز مهمته الدفاع عن الوطن وليس ضرب المتظاهرين.   
4. إن تشكيل حكومة تكنوقراطية حيادية ومستقلة لإجراء الانتخابات الرئاسية والعامة ومجالس المحافظات هي الكفيلة بتوفير الضمانات لواقع ديمقراطي جديد من جهة والخلاص من القوى الفاسدة والمفسدة والحرس القديم والجديد في حزب البعث وفي الدولة السورية والخلاص الفعلي من الفساد السائد في البلاد.
5. البدء بتنفيذ عملية اقتصادية واجتماعية تغير واقع الحال الاقتصادي والاجتماعي السوري ومكافحة البطالة والفقر الواسع النطاق والفجوة المتسعة بين الأغنياء والفقراء.
وقبل أيام تحدثت مستشارة رئيس الجمهورية عن وجود إصلاحات سيطرحها رئيس الجمهورية. وجاء الخطاب هذا اليوم 30/3/2011 في مجلس النواب السوري. فهل جاء هذا الخطاب ملبياً لمطالب الشعب السوري أم مخيباً لآمال الشعب؟
جاء الخطاب ليوجه ضربة قوية مناهضة لمطالب الشعب السوري فهو قد أعلن ومنذ أول كلمة نطق بها:
أن هناك مؤامرة خارجية كبرى ضد سوريا وضد أمنها واستقرارها. كما تبين للشعب السوري من خلال الخطاب ما يلي:
•   عدم الإعلان عن إلغاء قانون الطوارئ. ولم يتحدث عن إعادة النظر بالمادة الثامنة من الدستور السوري الراهن.
•   كما لم يتحدث بصورة ملموسة بتغيير القوانين التي تحجب الحرية عن الشعب السوري وتفرض نظاماً شمولياً يقوده حزب شمولي ومناهض للديمقراطية وحقوق الإنسان.
•   وأنه ابتعد كلية عن الحديث عن إطلاق سراح السجناء السياسيين أو مكافحة الفساد أو مكافحة البطالة.
•   كما لم يتحدث عن تشكيل حكومة حيادية جديدة تجري انتخابات لرئاسة الجمهورية ومجلس النواب.
•   ولم يشجب ما تعرض له المتظاهرون خلال المظاهرات التي وقعت في درعا واللاذقية وغيرها خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة. بل شددت أجهزة الأمن والشرطة من هجومها على المتظاهرين أثناء إلقاء بشار الأسد لخطابه في اللاذقية وسقوط عشرة شهداء فيها والكثير من الجرحى.
•   وإن قبول استقالة الوزارة الحالية ليس سوى سيناريو بائس في محاولة لتهدئة الأوضاع, ولكن الخطاب وما جاء فيه من اتهام وقح للمتظاهرين وكأنهم مدفوعون من الخارج وينفذون مؤامرة خارجية سيؤجج الوضع في سوريا وسوف تتواصل المظاهرات.
لقد برهن مجلس النواب السوري على خضوعه وخنوعه الكامل لسيده بشار الأسد وللمجموعة البعثية الحاكمة في سوريا, فكان في تصفيقه لبشار الأسد يؤكد ابتعاده الكامل عن نبض الشارع ومطالب الشعب السوري في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.   
ولا شك في أن الشعب السوري سيكنس كل الذين يصادرون حريته وحقوقه وحياته الكريمة طال الوقت أم قصر, فالشعب يمهل ولكن لن يهمل مهمة الخلاص من النظام الشمولي الجاثم على صدور بنات وأبناء الشعب السوري.
30/3/2011                      كاظم حبيب

350
تحية للشيوعيات والشيوعيين العراقيين في ذكرى ميلاد الحزب

تحية حارة إلى كل الشيوعيات والشيوعيين العراقيين قيادة وقاعدة, تحية إلى أصدقاء الحزب ومؤيديه بمناسبة حلول الذكرى الـ 77 لميلاده, تحية إلى كل المناضلات والمناضلين في سبيل إقامة عراق ديمقراطي اتحادي حديث ومستقل, تحية إجلال إلى كل شهداء الحزب الشيوعي العراقي والحركة الوطنية والديمقراطية العراقية الذين سقطوا على طريق النضال من أجل القضايا العادلة للشعب العراقي على مدى العقود المنصرمة بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه الدينية والاتجاهات الفكرية الديمقراطية المناهضة للعنصري والشوفينية والفاشية والطائفية السياسية والكراهية في المجتمع وضد كل أشكال التمييز, بما فيه التمييز ضد المرأة العراقية ومساواتها التامة بالرجل.
تحية إلى المرأة الشيوعية المناضلة مع بقية نساء الديمقراطية وعموم نساء العراق من أجل حريتها وتحررها من قيود المجتمع الذكوري ومن اجل مساواتها التامة والكاملة بالرجل.
تحية للشبيبة الشيوعية العراقية وكل الشبيبة الديمقراطية والشباب في العراق الذين نظموا وساهموا بفعالية في المظاهرات الشعبية الأخيرة لصالح معالجة مشكلات المجتمع وإيجاد الحلول الناجعة لها.
تحية إلى كل قوى التيار الديمقراطي المناضل مع الحزب الشيوعي العراقي لصالح التنمية الاقتصادية والاجتماعية وضد البطالة والفساد والفقر والحرمان في المجتمع وضد المحاصصة الطائفية السياسية, تحية إلى كل الذين يعملون من اجل تعزيز تضامن وتعاون القوى الديمقراطية والتنسيق في ما بينها لصالح تحقيق الحريات العامة والتغيير الإيجابي في العملية السياسية.
تحية للنصيرات والأنصار الشيوعيين السابقين والأصدقاء ورفاقهم الپيشمرگة الذين يناضلون اليوم وفي ظروف أخرى من أجل عراق ديمقراطي حر ومزدهر.
تحية إلى الإعلام الشيوعي والديمقراطي العراقي بكل مكوناته وكل المشاركين فيه والذي يساهم في تطوير الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العراق ومكافحة التخلف وما يعيق فتح الآفاق الرحبة أمام الثقافة الديمقراطية العراقية وتلاقحها داخل العراق ومع الثقافة الديمقراطية على صعيد الإقليم والعالم. 
تحية لكل عراقي في الداخل والخارج يشارك في وضع لبنة جديدة في بناء العراق الديمقراطي الحر الذي يسعى إلى إقامته الشعب العراقي.
التهاني الحارة لهذا الميلاد الكريم.
كاظم حبيب


351
كاظم حبيب
 
نقاش فكري وسياسي مع السيد الدكتور عبد الخالق حسين
الحلقة الثالثة
المظاهرات الاحتجاجية وموقف الحكومة منها؟

دعا شباب العراق من النساء والرجال إلى تنظيم مظاهرات احتجاجية سلمية تطالب بتغيير الأوضاع العامة السائدة في العراق. وجدت هذه الدعوة استجابة من بعض الأحزاب السياسية غير المشاركة والمشاركة في السلطة ومن أوساط واسعة من الشعب. وحددت يوم الجمعة المصادف 25 شباط/فبراير 2011 موعداً لانطلاق هذه التظاهرات في ساحة التحرير ببغداد. وفي هذه المقالة محاولة للإجابة عن ثلاث أسئلة بكثافة شديدة هي:
أولاً: ما هي الأسباب الكامنة وراء احتجاجات الشبيبة وفئات من المجتمع؟ هل هي عادلة ومشروعة أم كانت من قوى القاعدة والبعثيين والإرهابيين؟
ثانياً: ما هو موقف المالكي وحكومته من الدعوة للتظاهر قبل انطلاقها؟
وثالثا: ما هو موقف مجموعة الكتاب المؤيدة للحكومة والمعارضة للدعوة, نموذجاً الدكتور عبد الخالق حسين؟
وسأعالج في الحلقة الرابعة مسألتين هما: كيف جوبهت هذه المظاهرات فعلياً من جانب السلطة, وما هي النتائج التي ترتبت عليها حتى الآن, رغم إنها لم تنته بعد وربما تتخذ أشكالاً أخرى ما لم يتغير الوضع العام نحو الأحسن.
أولاً: ما هي الأسباب الكامنة وراء احتجاجات الشبيبة وفئات من المجتمع؟ هل هي عادلة ومشروعة أم كانت من قوى القاعدة والبعثيين والإرهابيين؟
ابتداءً أشير إلى أن الدستور العراقي الصادر في 5 تشرين الأول/أكتوبر 2005 يمنح فئات المجتمع وعموم الشعب وقواه السياسة حق التعبير عن الرأي بمختلف السبل السلمية بما فيها حق الإضراب والاعتصام والتظاهر. ورد ذلك في المادة 36 من الدستور وعلى النحو التالي:
"تكفل الدولة، بما لا يخل بالنظام العام والآداب:
أولاً :ـ حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل.
ثانياً :ـ حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر.
ثالثاً :ـ حرية الاجتماع والتظاهر السلمي، وتنظم بقانون."
وفي ضوء فقرات هذه المادة الصريحة والمتناغمة مع حقوق الإنسان وحرياته العامة دعت الشبيبة العراقية إلى التظاهر السلمي الهادئ تعبيراً عن احتجاجهم على الأوضاع العامة الآتية ورغبتهم في تغييرها لصالح المجتمع. وقد استخدمت وسائل الاتصال الحديثة للتنسيق في ما بينها حول موعد ومكان وشعارات المظاهرات السلمية والديمقراطية:
1. يرفض المتظاهرون تشكيل الحكومة العراقية على أساس المحاصصة الطائفية والصراعات الجارية بين القوى الطائفية وانعدام الثقة بين الأطراف المشاركة في السلطة السياسية والتي تساهم في تعطيل عمل السلطة التنفيذية لتشكيل مجلس الوزراء وإعاقة إنجاز المهمات وتراجع نسبي ملحوظ في ضمان أمن المواطنين وارتفاع جديد لعدد القتلى اليومي وزيادة عدد الاغتيالات التي تؤكدها سجلات المستشفيات ووزارات الصحة والداخلية والعدل.
2. نقص شديد جداً في الخدمات العامة التي تجعل من حياة غالبية الشعب جحيماً لا يطاق صيفاً وشتاءً بسبب انقطاع التيار الكهربائي ونقص الماء وتراكم القمامة في الشوارع والمستنقعات المائية في مناطق الكادحين من السكان.
3 . استمرار البطالة الواسعة في المجتمع وتأثيرها السلبي على كرامة الإنسان وحقه في العمل وعلى العائلات في آن واحد.
4. استمرار حالة الفقر الواسعة جداً والتي تبلغ نسبة من يعيش تحت خط الفقر إلى أكثر من 30% من السكان ونسبة من هم على أو فوق خط الفقر بقليل بحدود النسبة ذاتها, إضافة إلى اتساع الفجوة الدخلية ومستوى المعيشة بين فئات الشعب الكادحة والأغنياء المترفين والمتخمين.
5. تحول الفساد المالي والإداري إلى نظام فعلي معمول به في العراق في جميع المستويات بشهادة هيئة النزاهة الدولية وهيئة النزاهة العراقية ولجنة النزاهة في مجلس النواب. وما ينجم عن هذه الحالة من تأثيرات سلبية حادة على عملية التنمية وحياة الناس وإنجاز معاملاتهم بسبب ارتفاع مستويات الرشوة والفساد المالي في البلاد. وما يتخذ بهذا الصدد محدود جداً, مما دفع الناس بالمطالبة بالكشف عن الفاسدين والمفسدين وتقديمهم على المحاكمة.
6. الغلاء الفاحش الذي يتفاقم يوماً بعد آخر, إضافة إلى ارتفاع أسعار إيجارات الدور والغرف وأسعار السلع والخدمات المختلفة.
7. تفاقم دور أجهزة الأمن في حياة السكان والاعتقالات الكيفية ومواصلة ممارسة أساليب التعذيب النفسية والجسدية في السجون التي يحرمها الدستور العراقي وفق المادة 35 والتي جاء فيها ما يلي:
"أولاً :ـ أ ـ حرية الإنسان وكرامته مصونةٌ.
ب ـ لا يجوز توقيف أحد أو التحقيق معه إلا بموجب قرارٍ قضائي. 
ج ـ يحرم جميع أنواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الإنسانية، ولا عبرة بأي اعتراف انتزع بالإكراه أو التهديد أو التعذيب، وللمتضرر المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي أصابه وفقاً للقانون." وهناك الكثير من التقارير الدولية والمحلية التي تؤكد حصول التعذيب في السجون العراقية وفي هيئات التحقيق في دوائر الأمن الجديدة.
يضاف إلى ذلك وجود آلاف الأشخاص في المعتقلات العراقية الذين زج بالكثير منهم لأسباب كيدية من قبل المخبرين السريين. وهذا ما كشفت عنه أخيراً قناة الحرة في زيارة من قبل لجنة خاصة في مجلس النواب للمعتقلات والسجون العراقية. وهناك الكثير ممن لم يقدم على المحاكمة ومعتقل دون وجه.
8. غياب إستراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وغياب خطة اقتصادية تلتزم بها الدولة وتنفذها فعلاً من أجل تصنيع البلاد وتحديث الزراعة وتقليص الاستيراد, مما يقود إلى عواقب وخيمة على البلاد والتي ترتبط بهدر مالي كبير تتعرض له أموال الخزينة العراقية والذي تؤكده الكثير من مناقشات مجلس النواب العراقي.
9. تراجع في مستوى الأمن الداخلي واستمرار العمليات الإرهابية وتنوع القوى المشاركة فيها والتي قادت وتقود إلى مزيد من الموت للأبرياء من الناس, إضافة إلى تفاقم الاغتيالات بكاتم الصوت والذي تمارسه, كما يقال, قوى بعينها لتتخلص من عناصر في القوات المسلحة ومن الصحفيين والإعلاميين وجمهرة من المثقفين الآخرين ومن العاملين في الشأن العام. 
10. عدم صدور قانون للأحزاب ينظم الحياة الحزبية ويحميها من أي تجاوز عليها ويحرم الأحزاب الشوفينية والعنصرية والطائفية السياسية من العمل السياسي وفق الدستور الذي ينص في المادة 7 أولاً على ما يلي:
"أولاً :ـ يحظر كل كيانٍ أو نهجٍ يتبنى العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي، أو يحرض أو يمهد أو يمجد أو يروج أو يبرر له، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه، وتحت أي مسمىً كان، ولا يجوز أن يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون."
11. الحالة البائسة للمدارس العراقية, سواء أكانت المدارس الابتدائية أم المتوسطة والثانوية من حيث البنايات أو توفر المرافق الصحية والماء أم من حيث الغرف والرحلات والمعدات الأخى, إضافة إلى تخلف كبير في مستوى التعليم عموماً والتدخل الفظ للأحزاب الإسلامية السياسية في وضع المناهج وفي شؤون الجامعات والتعليم وتحويل بعضها الكثير إلى أشبه بالحسينيات, ومحاولات جادة لمنع الاختلاط بين الجنسين في التدريس الجامعي وما يتعرض له الأساتذة من نشاط وتقارير المخبرين السريين الكيدية.
إن السلسلة طويلة ونكتفي بهذا القدر, إضافة إلى ما يحصل وما أشرنا إليه في الحلقة السابقة حول الحريات العامة وتراجعها في وزارة المالكي الثانية. 

ثانياً: ما هو موقف المالكي وحكومته من الدعوة للتظاهر قبل انطلاقها؟

في خبر نقلته وكالات الأنباء ومنها قناة الـ BBC البريطانية باللغة العربية تصريحاً لرئيس الوزراء العراقي جاء فيه ما يلي: "دعا رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الشعب العراقي الى عدم المشاركة في التظاهرات المقررة الجمعة للمطالبة بتحسين الخدمات ومكافحة الفساد، معتبرا إنها "مريبة وفيها إحياء لصوت" الذين دمروا البلاد. ثم قال إن "هذا لا يعني حرمانكم مرة أخرى من حق المظاهرات المعبرة عن المطالب الحقة والمشروعة ويمكنكم إخراج هذه التظاهرات في أي مكان أو زمان تريدون، خارج مكان وزمان تظاهرة خلفها الصداميون والإرهابيون والقاعدة". وأردف قائلاً: "أحذركم من مخططاتهم التي تستهدف حرف المسيرات والتظاهرات لتتحول إلى تظاهرات قتل وشغب وتخريب وإشعال فتنة يصعب السيطرة عليها وتفجيرات وأحزمة ناسفة". (نشر في أغلب المواقع العراقية وشاشات التفزة في يوم 24/2/2011).
كما قررت قوات الأمن العراقية, بناء على طلب من القائد العام للقوات المسلحة, فرض حظر على سير كل المركبات والدراجات عشية مظاهرات "يوم الغضب" المقررة في العاصمة بغداد اليوم الجمعة، في حين دعا رئيس الوزراء نوري المالكي الشعب العراقي لعدم المشاركة في هذه المظاهرات. وحسب قوات الأمن فإن هذا الحظر يسري في شوارع العاصمة "حتى إشعار آخر".
وفي الوقت نفسه صرح قائد عمليات بغداد عطا بما يلي :
"لقد حذرنا المواطنين والمتظاهرين سلمياً للمطالبة بتحسين الخدمات من محاولات البعض تقويض العملية السياسية والمنجزات الأمنية الكبيرة، فضلا عن تقويض الاستقرار الذي يشهده العراق بشكل عام". وأكد عطا "وجود مخططات لاستهداف التظاهرات والقيام بعمليات تخريب وشغب وإحراق المؤسسات الحكومية". وكانت قيادة عمليات بغداد حذرت، أمس الأربعاء، المتظاهرين من استهداف المظاهرات السلمية من قبل خلايا حزب البعث المنحط وبعض العناصر المشبوهة، فيما أكدت أن محافظة بغداد ستصدر تعليمات خاصة بشأن تنظيم المظاهرات." (راجع: الموقع الإلكتروني لشبكة العراق الثقافية, أخذ المقطع بتاريخ 28/3/2011). 
ليس خطأ أن يحذر رئيس الحكومة وقائد عمليات بغداد من احتمال ولوج عناصر سيئة وإرهابية للتشويش على المظاهرة أو حرف وجهتها, فهذا جزء من واجبهما فعلاً, ولكن من غير المعقول أن يحصل ما يلي:
1.   البت في ان يوم غد ستكون المظاهرات بعثية وعدوانية وتريد حرف العراق عن مسيرته, أي الإساءة لكل الشبيبة التي تطالب بالمشاركة في التظاهرة.
2.   أتخاذ أشد الإجراءات التعسفية من أجل منع وصول الراغبين في التظاهر إلى مكان المظاهرة. وهذا ما حصل فعلاً.
3.   الطلب من المرجعيات الدينية إلى إصدار فتاوى بتحريم المشاركة في التظاهرات.
4.   تعبئة قوى الأمن الداخلي والشرطة والجيش العراقي لزجها في موقف مناهض للتظاهرة من الناحية النفسية والفكرية. وكان من الخطأ الفادح زج الجيش بهذه العمليات, ثم استخدام الطيران السمتي للتشويش على  المتظاهرين.   
لقد كانت هذه الإجراءات خاطئة ومتعارضةً مع الدستور العراقي وحقوق الإنسان.

ثالثا: ما هو موقف مجموعة الكتاب المؤيدة للحكومة والمعارضة للدعوة, نموذجاً الأخ الدكتور عبد الخالق حسين؟
لدي القناعة التامة بأن من حق الإنسان أن يعبر عن وجهة نظره في الموقف من هذه الحكومة أو تلك, أو من هذه الفعالية أو تلك, سواء بالتأييد أو المعارضة, شريطة أن يبني موقفه على أسس رصينة تنسجم مع مستواه العلمي أو الثقافي. وحين أيدت الدعوة للتظاهر أشرت في ندوة مفتوحة على موقع "ينابيع" العراقي إلى أن المشاركة في هذه المظاهرة مناسب لأن المظاهرة ستكون سلمية, كما أن الداعين لها يطرحون مطالب عادلة ومشروعة, وأن الدستور العرقي يبيح ذلك, وكان رأيي الشخصي أيضاً يؤكد ضرورة الانسحاب منها في حالتين: في حالة بروز اتجاه بعثي أو قاعدي في المظاهرة أو حاولت جمهرة منهم تحويلها إلى مظاهرة غير سلمية, وعند عجز القوى الديمقراطية منعها من التحول إلى العنف والعدوانية. وقد برهنت الحياة صواب هذا التصور, إذ لم يحصل مما كان تخبرنا به الحكومة وأجهزتها الأمنية وكبار "ضباطها".
وإلى جانب من ايد المظاهرة برزت مجموعة من الأخوة رفضت التظاهر وهو حق مشروع لها طبعاً, والمشكلة ليست في رفضهم للتظاهر, بل في الصيغة التي استخدموها في هذا المجال. فمنذ البدء دعوا إلى مقاطعة المظاهرة باعتبار أن منظميها والمشرفين عليها أو الذين سيندسون فيها هم من قوى البعث الصدامية أو غيرها من قوى الإرهاب الدموي. وقد صور بعض الأخوة هذه التظاهرات إلى إنها تريد حرق العراق والعودة به إلى الدكتاتورية الفاشية.
أدرك تماماً أسباب الخشية من البعثيين الصداميين ومن قوى القاعدة ومن المليشيات الطائفية المسلحة الأخرى, ولا أنفي ضرورة الحذر منهم بأي حال. ولكن ليس كما جاء في مقالات بعض الأخوة ومنهم بشكل خاص السيد الدكتور عبد الخالق حسين, فكتاباته توجهت صوب بث الرعب في صفوف الناس لإبعادهم عن المشاركة في التظاهرة , وكان الموقف منسجماً تماماً ومتناغماً مع موقف رئيس الحكومة وأجهزة إعلامه ودعايته.
كتب الدكتور عبد الخالق حسين مقالاً تحت عنوان "يسيرون إلى الهاوية وهم نيام" وهو يقصد كل الذين أيدوا الدعوة لهذه التظاهرة بما في ذلك بعض الأحزاب السياسية الوطنية والقوى الديمقراطية والشخصيات العلمية والاجتماعية والثقافية العراقية.
وجاء في نص المقال ما يلي:
"إن ما يصلنا من مقالات وتحذيرات تمهيداً للطبخة لا يجيدها إلا البعثيون بما عرفوا به من خبث ودهاء وقدرة على التضليل، حيث راحوا يمهدون للكارثة بنشر البلبلة الفكرية وإيهام الجميع وإشراكهم في جريمة حرق العراق، وتحت ذريعة الدفاع عن الشعب العراقي المسحوق!!. فقبل أيام استلمنا ما يسمى بالبيان رقم 1، شتموا فيه جميع القوى السياسية في تاريخ العراق (باستثناء البعثيين)، منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة وحتى الوقت الحاضر، وكما علق أحد القراء (ماذا أبقى هؤلاء؟ فكل الأحزاب والتكتلات والقوميات والمذاهب والتوجهات الفكرية مرفوضة، عجبي، من الذي كتب البيان؟؟)
واليوم استلمنا "تحذيراً" آخر بعنوان: "مخطط حكومي لرفع صور (عزة الدوري) في المظاهرات العراقية." وأن هذه المعلومة صرح بها "مصدر أمني رفيع تابع لجهاز أمني ويعمل في (؟؟؟؟؟) وهو ضابط برتبة كبيرة رفض أن نكشف عن أسمه، وخص الـ (القوة الثالثة) حصريا، قائلا وعلى لسانه مباشرة: وتحذيرنا لأن هناك خطة تم توزيعها من السلطات العليا إلى بعض الجهات الأمنية ـ حصريا ـ لتتعامل مع تفاصيل الخطة، وهي: (سوف تندس في المظاهرات مجموعات تم اختيارها بعناية، وترتدي ملابس مختلفة على أنها من أبناء الشعب المسحوق، وحينها ستقوم بالهتاف " لصالح حزب البعث والرئيس صدام"، وسوف تندس مجموعات صغيرة أخرى تابعة لها أيضا وحال اندساس هذه المجموعات الأكبر، ومهمة المجموعات الصغيرة رفع صور نائب الرئيس السابق "عزة الدوري".) انتهى." ثم ينهي مقاله بالمقطع التالي:
"والسؤال هنا، لقد حصلت مظاهرات متكررة ضد الحكومة منذ سقوط الفاشية عام 2003 ولحد الآن، ولم تندس جهات حكومية أو غير حكومية لترفع صور رموز البعثيين أو تهتف لهم، فلماذا تحاول الحكومة بالقيام بهذه اللعبة الآن؟؟ وإذا الذين سيرفعون صور عزة الدوري، هم مندسون من الحكومة، إذن، فواجب منظمي التظاهرات أن يواجهونهم بصرامة، ويلقوا القبض عليهم وفضحهم. ولكن على الأغلب أن الذين سيرفعون صور عزة الدوري هم بعثيون، وما هذا التحذير إلا محاولة استباقية للتضليل، ولذر الرماد في العيون، وهي خطة بعثية بامتياز، وهذا دليل على أن البعثيين قد خططوا فعلاً لاختطاف التظاهرة لصالحهم، والقيام بأعمال تخريبية وعنفية، ويمهدون من الآن لإلقاء اللوم على الحكومة. 
خلاصة القول، هناك حملة تهيئ لتظاهرات احتجاجية أهدافها المعلنة محاربة الفساد، ولكن غاياتها الحقيقة حرق العراق والتمهيد لعودة الدكتاتورية الفاشية، يعني قول حق يراد به باطل. وإن غداً لناظره قريب؟". (راجع الملحق رقم 1, نص مقال الدكتور عبد الخالق حسين نشر في الحوار المتمدن). 
ماذا نقرأ هنا: إن كارثة ستقع يوم التظاهر, إنها مؤامرة, إنها محاول لإشراك المتظاهرين بحرق العراق, إنهم بعيثيون, سيرفعون صورة عزة الدوري, إنهم يمهدون لعودة الدكتاتورية الفاشية, إنها خطة بعثية بامتياز, وإن لم تصدقوا, فإن غداً لناظره قريب."!!!!!
إن الدكتور عبد الخالق حسين يتحدث عن مصدر أمني رفيع المستوى, وهو ضابط برتبة كبيرة رفض أن نكشف عن أسمه، وخص الـ (القوة الثالثة) حصريا، قائلا وعلى لسانه مباشرة عن خطة ..الخ., كما جاء في المقال. وفي الوقت الذي لا يذكر اسم الضابط, يطالبني في مقال آخر له, باعتباري باحثاً علمياً, أن أذكر له المصدر, وبتعبير أدق, اسم الشخص الذي أخبرني بالمعلومة الخاصة باتفاق الصدر مع المالكي بشأن الضباط الأربعة وعن قيس المحمداوي.
لم استطع أن أصدق ما جاء في مقال الأخ الدكتور عبد الخالق حسين, رغم معرفتي به, فهو مقال هجومي فاق هجوم المالكي على المتظاهرين قبل المظاهرة, إذ التزمتُ بالحكمة التي طرحها هو نفسه علينا حين قال: "حدث العاقل بما لا يعقل, فإن صدق فلا عقل له"! وبرهنت الحياة على إن المتظاهرين كانوا ضد حزب البعث وضد المجرم عزة الدوري وضد قوى القاعدة المجرمة, إنهم شبيبة العراق المقدامة التي اكتوت بنار الدكتاتورية البعثية وسعت للتمتع بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان بعد سقوط النظام, ولكنها باتت تعيش سنوات عجاف جديدة, ولهذا تظاهرت مطالبة بتغيير الأوضاع لصالح المجتمع. وكم كان جميلاً لو أن الدكتور نصح المالكي بالاعتذار للمتظاهرين على التهم التي وجهها لهم قبل المظاهرة, وكم كان جميلاً لو اعتذر لهم بسبب ضعف الثقة بالشبيبة وبالشعب.
التحذير غير خاطئ, ولكن ما جرى لم يكن تحذيراً , بل اتهامات وإساءات كبيرة للمتظاهرين وعدم ثقة بهم. وكم كان حرياً أن يعتذر للمتظاهرين الذين كانوا سلميين ومسالمين عن الاتهامات التي وجهت لهم, وكم كان جميلاً لو كان قد طالب المالكي بالاعتذار وطالب الضابط الكبير بأن لا يزوده بمعلومات خاطئة. لقد عبرت المظاهرات عن ر فض فعلي لحزب البعث وتنظيمات القاعدة الإجرامية والمليشيات الطائفية المسلحة, ورفضت اتهامات الحكومة أيضاً.
29/3/2011                        كاظم حبيب 
انتهت الحلقة الثالثة  وستليها الحلقة الرابعة  والأخيرة.





الملحق رقم 1
يسيرون نحو الهاوية وهم نيام
عبدالخالق حسين
الحوار المتمدن - العدد: 3287 - 2011 / 2 / 24

ذكرتُ مراراً أن التظاهرات السلمية في الأنظمة الديمقراطية حق مشروع يضمنه الدستور كوسيلة تستخدمها الجماهير الشعبية الواعية للتعبير عن سخطها واحتجاجها ضد السلطة المقصرة في واجباتها إزاء الشعب. ولكن ما يجري الآن من استعدادات لما يسمى بـ"جمعة الغضب" أو "الانتفاضة المليونية الاحتجاجية" هو طبخة خطيرة القصد منها ليس الأهداف المعلنة، بل الانقلاب على الديمقراطية الوليدة، والذي لا تقل خطورته عن انقلاب 8 شباط عام 1963 الدموي، ولكن في هذه المرة يتم هذا الانقلاب بمساعدة معظم القوى السياسية والفكرية، من اليسار المتطرف إلى اليمين الفاشي المتمثل في فلول البعث وجماعة القاعدة، بل وحتى القوى السياسية المشاركة في السلطة، وأناس عرفوا بحب الوطن وسعيهم إلى الخير، ولكن التبس عليهم الأمر، فطالبوا الحق بالباطل، وهم لا يعلمون أن هناك وراء الكواليس أشرار يقودونهم إلى الدمار الشامل، ويحثون الخطى إلى الهاوية وهم نيام.

نعم، الغاية المعلنة من تظاهرة الجمعة هي محاربة الفساد ونقص الخدمات وتفشي البطالة...الخ، وهذه الأمراض لا ينكر تفشيها في العراق الجديد أي عراقي شريف ذو وعي وضمير وإخلاص لوطنه وشعبه. ولكن ما يجري الآن هو ليس لمعالجة هذه الأمراض، بل اتخذوا منها قميص عثمان، للقيام بانقلاب على الديمقراطية الوليدة الناشئة ووأدها وهي في المهد، وإغراق العراق في حكم بعثي أسود لأربعين سنة أخرى، خاصة وأن أحد شعاراتهم المرفوعة (فلتسقط الديمقراطية).

إن ما يصلنا من مقالات وتحذيرات تمهيداً للطبخة لا يجيدها إلا البعثيون بما عرفوا به من خبث ودهاء وقدرة على التضليل، حيث راحوا يمهدون للكارثة بنشر البلبلة الفكرية وإيهام الجميع وإشراكهم في جريمة حرق العراق، وتحت ذريعة الدفاع عن الشعب العراقي المسحوق!!.
فقبل أيام استلمنا ما يسمى بالبيان رقم 1، شتموا فيه جميع القوى السياسية في تاريخ العراق (باستثناء البعثيين)، منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة وحتى الوقت الحاضر، وكما علق أحد القراء (ماذا أبقى هؤلاء؟ فكل الأحزاب والتكتلات والقوميات والمذاهب والتوجهات الفكرية مرفوضة، عجبي، من الذي كتب البيان؟؟)

واليوم استلمنا "تحذيراً" آخر بعنوان: "مخطط حكومي لرفع صور (عزة الدوري) في المظاهرات العراقية." وأن هذه المعلومة صرح بها "مصدر أمني رفيع تابع لجهاز أمني ويعمل في (؟؟؟؟؟) وهو ضابط برتبة كبيرة رفض أن نكشف عن أسمه، وخص الـ (القوة الثالثة) حصريا، قائلا وعلى لسانه مباشرة: وتحذيرنا لأن هناك خطة تم توزيعها من السلطات العليا إلى بعض الجهات الأمنية ـ حصريا ـ لتتعامل مع تفاصيل الخطة، وهي: (سوف تندس في المظاهرات مجموعات تم اختيارها بعناية، وترتدي ملابس مختلفة على أنها من أبناء الشعب المسحوق، وحينها ستقوم بالهتاف " لصالح حزب البعث والرئيس صدام"، وسوف تندس مجموعات صغيرة أخرى تابعة لها أيضا وحال اندساس هذه المجموعات الأكبر، ومهمة المجموعات الصغيرة رفع صور نائب الرئيس السابق "عزة الدوري".) انتهى.

والسؤال هنا، لقد حصلت مظاهرات متكررة ضد الحكومة منذ سقوط الفاشية عام 2003 ولحد الآن، ولم تندس جهات حكومية أو غير حكومية لترفع صور رموز البعثيين أو تهتف لهم، فلماذا تحاول الحكومة بالقيام بهذه اللعبة الآن؟؟ وإذا الذين سيرفعون صور عزة الدوري، هم مندسون من الحكومة، إذن، فواجب منظمي التظاهرات أن يواجهونهم بصرامة، ويلقوا القبض عليهم وفضحهم. ولكن على الأغلب أن الذين سيرفعون صور عزة الدوري هم بعثيون، وما هذا التحذير إلا محاولة استباقية للتضليل، ولذر الرماد في العيون، وهي خطة بعثية بامتياز، وهذا دليل على أن البعثيين قد خططوا فعلاً لاختطاف التظاهرة لصالحهم، والقيام بأعمال تخريبية وعنفية، ويمهدون من الآن لإلقاء اللوم على الحكومة.

لقد كتب لي صديق يعرب عن خوفه وقلقه على العراق الجديد لما يخططه البعثيون وحلفاؤهم، قائلاً: "هؤلاء المرتزقة وأيتام المقبور صدام وعناصر حزب البعث الهدام يهدفون وبكل الوسائل الدنيئة والخبيثة المتاحة لهم إلى إفشال التحولات السياسية، وزعزعة الاستقرار، والسلم الاجتماعي، وبالتالي التمهيد إلى عودة الدكتاتورية الفاشية التي يحلمون بها ... المطلوب من رجالات الحكم، والإعلام الحر، والبرلمانيين المخلصين، وكذلك المفكرين السياسيين، ومنظمات المجتمع المدني الوقوف بوجه هذه المخططات الشريرة وكشف عناصرها المحركة ...الخ"
لا شك أن مخاوف الصديق مشروعة وفي محلها.

ولكن المشكلة، أن العراقيين معرضون للخديعة في كل زمان، ودون أن يتعلموا من كوارثهم، فمنذ أن خدعهم عمر بن العاص في صفين، عندما أشار إلى أتباع معاوية برفع المصاحف على أسنة الحراب، والصراخ بـ(لا حكم إلا لله)، ورغم تحذيرات الإمام علي لأصحابه بأنها خديعة و(قول حق يراد به باطل)، ولكنهم أصروا على موقفهم وخرجوا عليه وكان ما كان. واستمر العراقيون ينخدعون طوال تاريخهم مروراً بمؤامرة 8 شباط 1963، و17-30 تموز 1968، بدون أن يتعلموا من خيباتهم وكوارثهم إلى يومنا هذا. ونفس اللعبة تتكرر اليوم من قبل البعثيين، والشعار المرفوع الآن هو الاحتجاج على الفساد، ومعاناة الشعب "المسحوق"، وتقليد ما جرى ويجري من انتفاضات في تونس ومصر والبحرين وليبيا وغيرها.

لقد نسي هؤلاء السادة أن بن علي تمسك بالحكم 23 سنة، وحسني مبارك 30 سنة، ومعمر القذافي 42 سنة، بينما عمر حكومتنا لا يزيد على ثلاثة أشهر، وبانتخابات حرة ونزيهة باعتراف المراقبين الدوليين، ورئيس الوزراء لم يمر عليه أكثر من 4 سنوات في المنصب، وقد وعد في العام المضي وأكده قبل أسبوع بأنه لا يريد أن يجدد لدورة ثالثة، وحتى في هذه الدورة (الثانية) بإمكان البرلمان سحب الثقة منه في أي وقت يشاء. فالغاية التي انتفضت من أجلها الشعوب العربية قد تحققت في العراق منذ ثمانية أعوام، ولذلك فليس هناك سبب لتغيير النظام العراقي إلا إذا كانت الغاية إعادة الديكتاتورية البعثية الفاشية.

إن ما يعد له من طبخة ومن شعارات، لا يدل على النية الصادقة في معالجة النواقص والفساد، بل لإجهاض العملية السياسية برمتها. وقد شاهدنا نماذج منها في الكوت والسليمانية. فهل التظاهرة السلمية تعمد إلى حرق ممتلكات الشعب؟ يجب أن يعرف هؤلاء أن من واجب السلطة حماية أرواح الناس وممتلكات الشعب من العابثين. والملاحظ أن البعثيين بدؤوا يهيؤون الأذهان للتخريب من الآن، ولذلك رتبوا مسبقاً إلقاء اللوم على "المندسين من جماعة المالكي"، يعني على طريقة البعثيين، يقتلون القتيل ويسيرون في جنازته، ويوجهون تهمة القتل إلى أعدائهم، وبذلك يصيدون عدة طيور بحجارة واحدة.

إن أوضاع العراق الاستثنائية والمعقدة، وتحالفاته الهشة، وهو يواجه الإرهاب والجريمة المنظمة والهجمة الشرسة من فلول البعث وحلفائهم أتباع القاعدة، ومؤازريهم من الحكومات العربية وبعض دول الجوار لإفشال العملية السياسية وإلحاق أكبر أذى بالشعب العراقي، أقول ولكل هذه الاعتبارات مجتمعة، فمن الصعوبة أن تمر هذه التظاهرات بسلام، بل لا بد وأن تكون الحصيلة كارثة على الشعب ومستقبله. وعندئذ، لا بد وأن يسارع دعاة التظاهرة السلمية بأنهم غير ملزمين بما حصل من "حوادث مؤسفة" إثناء التظاهرة، وسيتنصلون من تبعاتها الكارثية، بل وسيلقون اللوم على الحكومة وحدها.

ويبدو من التحضيرات الجارية، والمزايدات العلنية بين قيادات القوى السياسية، أنه حتى القوى المشاركة في السلطة ستشارك في هذه التظاهرات الاحتجاجية على السلطة!!، وهذا نفاق ما بعده نفاق. بل وطالب البعض الدكتور أياد علاوي زعيم قائمة "العراقية" بالانسحاب من الحكومة لتسهيل إسقاطها. وهناك تتضح خيوط المؤامرة، ومن وراءها، لذا ونحن إذ نسأل: إذا كانت جميع القوى المشاركة في الحكومة ستشارك في التظاهرة ضد الفساد، فيا ترى من المسؤول عن هذا الفساد إذنْ؟ وهذه التظاهرة ضد من؟ يبدو أن كل هذه الحملة ضد شخص واحد فقط، اسمه نوري المالكي. ونحن لا نريد أن ندافع عن السيد المالكي وإنما ندافع عن عقولنا الذي يحاول البعض الضحك على الذقون، إذ كما تفيد الحكمة: "حدث العاقل بما لا يليق فإن صدق فلا عقل له". فهل يعقل أن يكون شخص واحد صوتت له غالبية أعضاء البرلمان برئاسة الحكومة، أن يكون بهذا السوء، ويتحمل وحده كل هذه الأوزار؟ فما هي واجبات الوزراء الذين اختارتهم أحزابهم لتمثيلهم في الحكومة، والمفترض أن يكونوا خير ما عندها من كوادر؟

خلاصة القول، هناك حملة تهيئ لتظاهرات احتجاجية أهدافها المعلنة محاربة الفساد، ولكن غاياتها الحقيقة حرق العراق والتمهيد لعودة الدكتاتورية الفاشية، يعني قول حق يراد به باطل.
وإن غداً لناظره قريب؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقالات ذات علاقة بالموضوع
عبدالخالق حسين: نعم للتظاهرات ضد الفساد..لا لتسلل البعثيين
http://www.abdulkhaliqhussein.com/?news=445

ييلماز جاويد - الثورةُ لا تُستَورَد
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?t=0&userID=969&aid=247175

عباس العزاوي: انقلاب على الديمقراطية
http://www.lalishduhok.com/2010-10-26-20-30-34/2011-01-05-14-35-37/1956-2011-02-20-14-01-27.html


352
كاظم حبيب
نعم, ماذا يراد للعراق يا محمد ضياء عيسى العقابي؟

-الحلقة الخامسة والأخيرة-
لست مرعوباً ولكني مهموم على واقع البلاد ومستقبلها !!

طرح عليَّ السيد محمد ضياء عيسى العقابي مجموعة من الأسئلة وبعض الأمور الأخرى والأحكام المسبقة التي تستوجب الإجابة والمناقشة والتوضيح.
جاء في مقاله الموسوم "ماذا يراد للعراق يا كاظم حبيب؟!!" ما يلي: "لأول مرة أسمع معلومات خطيرة يذيعها شخص لا يحمل صفة رسمية". ولكن السؤال هل يعيش الأخ العقابي في هذا العالم المليء بالفضائح والقرارات السرية التي لا تذاع من المسؤولين, بل تنشرها الصحف ثم يتبع ذلك الاعتراف بها أو السكوت عنهاوعبورها؟ ألم يكن حرياً به أن يسأل نفسه: هل تنشر الجهات الرسمية معلومات خطيرة حقاً" أم أنها تسعى دوماً إلى لفلفتها بكل السبل المتاحة وغير المشروعة؟ لا يقتصر هذا النوع من التعامل على حكام العراق, بل حكام غالبية الدول حالياً وسابقاً بمن فيها تلك الدول الاشتراكية, وإلا لما اضطر الصحفيون النبش والتفتيش في محاولة منهم للوصول إلى معلومات سرية غير منشورة. كما لم يكن ضرورياً أن يلجأ الاسترالي "جوليان بول أسانج" إلى بذل الجهود الكبيرة للحصول على معلومات خطيرة تنشر لأول مرة في موقع ويكيليكس والتي أثارت ضجة عالمية, وفيها ما يمس العراق والحكومة العراقية والقوات الأمريكية التي اجتمعت كلها على إخفائها عن الشعب العراقي والشعب الأمريكي وعن الشعوب الأخرى أو الرأي العام العالمي كله والتي تنشر في موقع ويكيليكس عراق.
الفضائح التي تُنشر عالميا هي التي لم يصرح بها مسؤولون رسميون في البلدان التي تحصل فيها تلك الفضائح, مثل "ووتر گيت" أو "إيران گيت", أو "كوبونات النفط" التي كان يمنحها صدام حسين لمرتزقته في العالم, على سبيل المثال لا الحصر, بل كان يكتشفها صحفيون جادون يسعون إليها, أو أناس حريصون على شعبهم وعلى النزاهة يقومون بإرسالها إلى كتاب وصحفيين يثقون بهم لنشرها. وهذا ما حصل عشرات ألوف المرات خلال الأعوام المنصرمة ويحصل اليوم وسيحصل في المستقبل أيضاً. وبالتالي فأن من السذاجة التفكير بأن شخصية رسمية يمكن أن تذيع أخباراً من هذا النوع, علماً بأن هذا الخبر ليس من العيار الثقيل رغم أهميته, بل في كل الأحوال تصدر عن جهات غير رسمية ولكنها تنطلق من شخصيات رسمية لا يصرح باسمها.
من غير المعقول أن يوجه لي السؤال التالي: من هي الجهة التي أعطتني هذه المعلومة؟ إن من يعمل في المجال الصحفي يعرف جيداً إن مصدر هذه المعلومات وغيرها لا يمكن أن ينشر بأي حال. فأنا في الوقت الذي كنت أستاذاً جامعياً, وما أزال باحثاً علمياً, كنت وما زال في الوقت نفسه صحفياً منذ نهاية الستينيات وعضواً في هيئة تحرير الثقافة الجيدة ورئيس تحرير مجلة الاقتصادي وعضو هيئة ومجلس تحرير مجلة الوقت, كما أني عضو نقابة الصحفيين العراقية منذ أوائل السبعينيات وعضو نقابة الصحفيين العالمية وعضو شرف في نقابة صحفيي كردستان. وهذه العضوية تلزمني بالقطع أن لا أكشف عن مصادر الأخبار التي تصلني حين لا يرغب صاحب المعلومة, امرأة كانت أم رجلاً, الكشف عن اسمه. وللعلم أتسلم يومياً الكثير من المعلومات التي أستفيد منها في كتاباتي أو احتفظ بها في أرشيفي الخاص أو لا استخدمها أصلاً.
والمسألة الأخرى في هذا الصدد هي أن كل إنسان يستطيع أن يقدر وعبر تعامله اليومي مع الناس مدى صدقية الخبر الذي يصله وما مقدار الثقة التي يمكن أن يمنحها للشخص المرسل أو للخبر ذاته. وهذه الحالة تحصل عبر المعرفة الطويلة والتجارب الشخصية مع هذا الشخص أو ذاك, ومدى قربه أو بعده عن الوقائع التي يتحدث عنها وينقلها. وهناك معايير عقلية أخرى بطبيعة الحال التي يفترض في الباحث أو الصحفي أن يتيقن منها قبل نشر المعلومة. والمعلومة التي نشرتها دقيقة جداً وفعلية ويمكن العودة إلى الفرقة الثامنة لمعرفة من الذي عُين حديثاً قائداً لها وأين كان قبل أن يعين ومن رشحه لهذا المركز.         
لم يرعبني الخبر, فقد تعودت على سماع الأخبار السيئة القادمة من العراق أولاً, ومررت بالكثير من التجارب القاسية التي لم ترعبني والسيد محمد ضياء العقابي أدرى بذلك ثانياً, ولكني كنت مهموماً بهذا الخبر ومن حق كل إنسان أن يحمل الهم حين يعرف تاريخ جيش المهدي وما فعله التيار الصدري في العراق بغض النظر عن الأصوات التي حاز عليها, فصدام حسين كان يحصل على ما يقرب من 100% من الأصوات, وكانت نسبة عالية جداً مزيفة ولكن لم تكن كلها مزيفة, فهي مرتبطة بوعي المجتمع وبمصالح الفئات المختلفة. كما إن علينا أن نعيش لنا المفاجآت التي يمكن أن يحملها لنا الصدريون.
عجيب أمر الأخ العقابي يريدني أن أختار بين أمرين كلاهما مر وقبيح, بين سيطرة البعثيين على الوضع كله, وبين انقلاب يقوم به الطغمويون ليعدوا العدة لحرب مع إيران .. أرفض وقوع الاحتمالين وكلاهما شر رغم أن الثاني غير محتمل في أوضاع البلاد الراهنة, وأتمنى أن لا يحصل الأول. وكلا الاحتمالين يجلبان الموت  الدمار للعراق. لم يكن جيش المهدي في السلطة ومارس كل الموبقات في العراق وقتل الكثير من البشر, فإن وصل إلى الحكم فعلى القوى الديمقراطية والمستقلة أن تعرف ما يراد لها, فلن يكون وضع العراق بأفضل من الوضع في إيران المخنوقة.     
يقول الكاتب أن في العراق الكثير من الشفافية وهي غير متوفرة في الدول العربية الأخرى. وهل مثل هذه المقارنة مقبولة من الناحية العلمية؟ كلا غير مقبولة. واليوم نحن شهود عيان ونتابع الثورة التي تدق أبواب الدول العربية واحدة تلو الأخرى لأنها غير شفافة وغير صادقة مع الشعب ولأنها ظالمة وفاسدة, والمظاهرات تدق أبواب العراق أيضاً لأسباب كثيرة بعضها الكثير مماثل وستهز العراق هزاً ما لم ينصاع رئيس الوزراء لمطالب الشعب العادلة ويستجيب لها ويتحرى عن السبل لتحقيقها. هيئة النزاهة التي تتحدث عن شفافيتها لا خلاف على ذلك بشأنها, وهي التي تشكو بمرارة من تدخل الحكومة وكبار المسؤولين في شؤونها, والحديث هنا عن الحكومة ورئيس الحكومة وليس عن هيئة النزاهة. من الضروري أن يقرأ الكاتب ما كتبه وصرح به رئيس هيئة النزاهة ورئيس لجنة النزاهة في مجلس النواب ليتعرف الإنسان ما تعانيه هذه الهيئات من ضغوطات تمارسها وزراء حكومة المالكي وغيرهم من المسؤولين بما في ذلك التدخل الفظ في شؤونها. والكشف عن النفط المسروق ليس من عمل الحكومة بل من تلك الجهات المسؤولة عن النزاهة أيضا. ومن هنا جاءت محاولة رئيس الحكومة أن يخضع الهيئات المستقلة, ومنها هيئة النزاهة, لسيطرته ومسؤوليته والتي رفضت الآن من المحكمة الاتحادية, بعد أن وافقت قبل ذاك بضغط سياسي عليها. كما حاول رئيس الوزراء إخضاع البنك المركزي وهيئات مستقلة أخرى له ولرقابته عليها, في حين يقرر الدستور بقاؤها مستقلة عن الحكومة.
أورد للقارئات والقراء مثالاً آخر عن نزاهة المالكي وحكومته: بالرغم من رفض هيئة النزاهة إصدار العفو العام عن مزوري الشهادات في العراق باعتباره مخلاً بالدستور وبالمثل والقيم الأخلاقية والحياة العامة ويقدم نموذجاً سيئاً للشبيبة والباحثين والطلبة والمجتمع, أصدر رئيس الوزراء قراراً بالعفو العام عن أصحاب الشهادات المزورة, وبالتالي وبإصرار عجيب قدم نموذجاً سيئاً في مكافحة الفساد والتزوير في العراق. (راجع موقف هيئة النزاهة من ذلك في أغلب الصحف العراقية والمواقع الإلكترونية وموقف الكثير من القوى السياسية والشخصيات الواعية والنزيهة). 
غريب أمر هذا المنطق فالسيد يقولني ما لم اقله. يقول: من الذي خولك أن تتكلم باسم العراقيين؟ أنا لم أتحدث باسم العراقيين ولن أسمح لنفسي بذلك. بل كتبت الكثير من المقالات بهذا الصدد, فما قالته يختلف عن صياغة السيد العقابي لما كتبته. قلت, .. استفسرت هل يعرف ثم قلت من أجل أن يعرف العراقيين ما يجري في العراق في حالة عدم معرفته, ويستنتج هذا من النص الوارد, وهذا لا يحتاج إلى تخويل, هذا اقتراح في أن يعرف العراقيون ما يجري, وحين لا يشاؤون فهذا أمرهم, وحين يشاؤون ذلك فهذا أمرهم أيضاً, ولكن السؤال هو من خوله أن يرفض عنهم هذا المقترح ويدعي الشفافية في حين أن الحكم كله لا شفافية فيه, بل كلها تجري وراء الستار في ما عدا الصراعات المكشوفة التي لا يمكن سترها. راجع ما نشرته الصحف يوم أمس عن اتفاق بين المالكي والتيار الصدري حول الموقف من حملة السلاح, حيث يدعي الصدريون أنه قد خان الاتفاق معه. راجع في هذا الصدد جريدة المدى بتاريخ 24/3/2011). كم كنت أتمنى على الرجل أن لا ينفعل بهذا الشكل فيفقد المنطق الذي عرفته فيه منذ ثلاثين عاماً وبالتحديد في الجزائر. أنا لم أدع تمثيل الشعب ولا أنزع عن أحد صفة انتخابه من قبل الشعب, ولكن من حقي أن أدعي أشياء أخرى بما في ذلك تزوير الانتخابات, كما فعل ذلك وادعى رئيس الوزراء وعطل إعلان النتائج أكثر من شهرين. ومن حقي كمواطن أن أدعي وجود وعي مزيف في المجتمع نتيجة الفترة الطويلة التي ساد فيها البعث وهيمنة الفكر الغيبي المسطح على أذهان الكثير من أبناء وبنات الشعب. ومن حقي أن أدعي أن قانون الانتخابات سيء ومشوه ويشوه نتائج الانتخابات بهذا القدر أو ذاك. ومن حق السيد العقابي أن يدعي غير ذلك!
والآن نعود إلى حزب الله الذي تأسس في العام 1982 في إيران وباسم آخر هو حركة أمل الشيعية, باعتبارها خرجت من ضلع حركة أمل الشيعية, ثم سمي الحزب ابسم أمل الإسلامية وأخيراً باسم حزب الله, والمؤسس هو موسى الصدر الذي غيبه معمر القذافي في ليبيا وكان في زيارة رسميه لها, وفي ما بعد أصبح حسن نصر الله, باعتباره شاباً وديماگوگياً كبيراً. تركت الحزب مجموعة من علماء الشيعة البارزين بسبب طائفية وتطرف هذا الحزب وتبعيته الفكرية والسياسية لإيران. لقد سار حزب الله في خط لا يرتبط بمصالح لبنان ولا بقرارات لبنانية مستقلة, بل كان وما يزال خاضعاً في مواقفه وقراراته لولاية الفقيه في إيران, أي خضوعه وخنوعه لعلي خامنئي, مرشد الثورة الإسلامية الإيرانية, لأن حزب الله وقادته يؤمنون بولاية الفقيه, وولي "ولي العهد" وصاحب الزمان المهدي المنتظر هو علي خامنئي, وبالتالي فهذا الحزب يقلد في الجانب الديني والحياتي, بما فيه السياسي, توجيهات وقرارات وفتاوى علي خامنئي ويلتزم بما يقرره هذا الرجل غير اللبناني لحزب لبناني. إنه يعبر عن مصالح قوى إيرانية حاكمة وليس الشعب الإيراني, وهي لا تتوافق في كل الأحوال مع مصالح شعب لبنان.
حزب الله بنى دولة داخل دولة وجيش داخل جيش ولم يعد يلتزم بسياسة لبنانية إزاء الوضع في لبنان ويعطل دوماً الحياة السياسية ويرفض استمرار محاكمة قتلة الحريري والعديد من سياسيي لبنان المعارضين لحزب الله وسوريا وإيران, كما يمارس سياسة إيرانية في الموقف من الضفة الغربية وغزة وحماس والسلطة الفلسطينية. إنها سياسة إيرانية توسعية ومتطرفة لا يمكن أن تساهم في معالجة المشكلات التي تعاني منها المنطقة. وحزب الله يساهم بوكالة إيرانية بالتدخل في الشأن الفلسطيني والشأن العراقي بفظاظة كبيرة والأدلة موجودة لدى رئيس الوزراء نوري المالكي وأجهزة الأمن, ولكنها لا تعلنها لأنها شفافة جداً جداً إزاء إيران وحزب الله!         
حزب الله اللبناني حزب طائفي سياسي يسيء إلى وحدة شعب لبنان بسياساته الطائفية ويسيء إلى استقلال لبنان وإلى تقدم لبنان على طريق المجتمع المدني الديمقراطي. ومن هنا جاءت مبادرة القوى العلمانية والديمقراطية والمستقلة في لبنان للتظاهر من أجل الخلاص من النظام الطائفي السياسي في لبنان ومن المحاصصة الطائفية اللعينة هناك والتي تمارس في العراق أيضاً. إن دعم المقاومة لا يأتي من خلال فرض سياسات الآخرين عليها في فلسطين, بل من خلال تأييد السياسات التي تمارسها السلطة الفلسطينية وعلى الجميع أن لا يتدخلوا في الشأن الفلسطيني. وينطبق هذا على حزب الله وعلى أي حزب آخر في العراق وفي المنطقة العربية والعالم. إن السياسات التي تمارسها إيران وسوريا, هذا المحور المتطرف الرافض لكل شيء بالنسبة للتفاوض مع إسرائيل, رغم كل العنت والوقاحة التي تتميز بها حكومة نتنياهو, تصب في صالح القوى اليمينية الإسرائيلية الأشد تطرفاً والتي لا تريد التفاوض وتسعى إلى ابتلاع فلسطين كلها, وهو ما تحققه لهم سياسات حماس وحزب الله والحكومة الإيرانية والحكومة السورية في الوقت الحاضر, شاءت ذلك أم أبت.
سوف لا أنجر إلى استفزازات العقابي بشان حرصي كحرص أنصار "الفصل السابع" وما إلى ذلك, فهو يدرك
الخطأ الفادح الذي يرتكبه بهذا اللغة الخشنة والاتهام السيئ ويعتقد بإن الآخرين لا يستطيعون استخدام هذه اللغة, إذ عندها ينتهي الحوار وتبدأ المهاترات التي اربأ بنفسي إن أسيء لمن كان ضمن رعيل المناضلين من أجل الديمقراطية وضد الدكتاتورية سنوات طويلة. يعرف جيداً موقفي من الحرب ومن الاحتلال ومن الرغبة في سرعة انسحاب القوات الأمريكية من العراق وفق الاتفاقية الأمنية بين البلدين والتي وقع عليها المالكي وبموافقة أغلب القوى السياسية مع تحفظات على بعض الجوانب فيها من قوى سياسية معتبرة. وكتبت مقالات مطالباً بإخراج العراق من الفصل السابع المعرقل والمطل لاستلال وسيادة العراق. ولكن سياسات المالكي ونهجه غير الديمقراطي هي التي تسمح باشتداد الصراعات داخل العراق وبين قواه السياسية وفي كل كتلة من الكتل السياسية والبرلمانية, وهي التي تسمح باحتمال تغيير الموقف الأمريكي من قضية الانسحاب في نهاية هذا العام والذي لا أرجوه, وأتمنى أن يلتزم الرئيس الأمريكي باراك أوباما على الانسحاب في الموعد المحدد والذي أكده هو ووزير دفاعه.
يردد العراقيون بشكل صحيح "أگعد أعوج, ولكن أحچي عدل", إذ كم هو مسيء للنقاش حين تقتطع بعض الأفكار من مواقعها وتورد في موقع أخر بحيث تصبح أشبه بمن يقول "ولا تقربوا الصلاة .." دون أن يستكملها ".. وأنتم سكارى ".
كنت أتحدث عن أهمية وضرورة عدم تحول الضحية إلى جلاد, إلى  قاضٍ يحاكم المتهم أو الجلاد السابق, بحيث يتحول الضحية إلى جلاد والجلاد إلى ضحية, هذا التبادل في المواقع مخالف لحقوق الإنسان وكل المعايير والقيم الإنسانية. بل لا بد من وجود قضاة يحكمون على المتهمين وفق القوانين المرعية. وهو الذي لم يحصل من جانب جمهرة من العراقيين أو من الإيرانيين الذين وصلوا إلى العراق في فترتين أثناء انتفاضة 1991 حين استطاع المنتفضون أن يتحكموا لفترة قصيرة ببعض المدن في الوسط والجنوب ومارسوا القتل ضد البعثيين بصورة عشوائية, والمرة الثانية حين سقط نظام البعث واستولى المنتفضون في العام 2003 على المدن العراقية ومارسوا القتل ضد البعثيين دون اعتقالهم وتقديمهم للمحاكمة. وهذه ليست من عنديات كاظم حبيب, بل وردت في التقارير التي تتحدث عن انتفاضة الشعب التي يطلق عليها الإسلاميون بـ"الثورة الشعبانية" في العام 1991 ومن ذات القوى التي مارست ذلك, وكذلك في التقارير التي سجلت الأحداث بعد سقوط النظام. البحث والتمحيص والتدقيق لأي باحث علمي مخلص للحقيقة, رغم نسبيتها, يمكن أن يصل إلى النتيجة نفسها التي توصلت إليها بالاستناد إلى عشرات التقارير واللقاءات بالناس الذين شاركوا في تلك الأحداث. إن هذا القول لا يخفي بطبيعة الحال الجرائم الأكثر بشاعة ودموية والتي ترقى إلى مجازر إبادة جماعية وضد الإنسانية التي ارتكبها النظام البعثي والحرس القومي ومجموعة من القوميين الناصريين الشوفينيين في العام 1963 من جهة, وتلك الجرائم البشعة التي ارتكبها نظام البعث ورأسة العفن صدام حسين وعائلته وطغمته الشريرة في تهجير الكرد الفيلية وقتل شبيبتهم وشبيبة عرب الجنوب من الشيعة وتهجير مئات الألوف إلى إيران وفي الشتات العراقي وتجفيف مياه الأهوار وتشريد سكانها ومجازر الأنفال وحلبچة أو تلك التي أعقبت فشل انتفاضة الشعب في العام 1991, إضافة إلى جرائمهم الأخرى في شن الحروب الداخلية والخارجية والمقابر الجماعية. ولكن, ولكي نضمن بناء الديمقراطية في العراق ونحقق وجود دولة القانون الديمقراطية, يفترض أن نقتنع جميعاً بأن ليس من حقنا أن نقتص بأيدينا أو نقتل من نعتقد بأنه من الجناة أو من المتهمين بجرائم دون محاكمة, بل لا بد من تسليمهم إلى أجهزة الأمن والشرطة وإحالتهم إلى القضاء الذي يفترض أن يأخذ مجراه العادل.

كم هي بائسة تلك المقارنة بين الشخصية الوطنية المستقلة عبد الكريم قاسم وغير الطائفي, الذي حصد شتائم من أعداء الشعب العراقي وكذلك من أعداء الديمقراطية, ومنهم قوى الإسلام السياسية التي بدأت بمن أطلق عليهم بالفاطميين, وهم جماعة حزب الدعوة الإسلامية لاحقاً, وحاربوه وتعانوا مع كل القوى المناهضة لحكمه, وبين نوري المالكي الذي يمثل حزباً سياسياً إسلامياً طائفياً يحصد شتائم من أحزاب طائفية سياسية مضادة له أو مماثلة له. وقناعتي أن من الخطأ الفادح المقارنة بين الشخصيتين بأي حال وعلى الأقل إن الأول لم يكن طائفياً والثاني يمثل الطائفية بأجلى أشكالها. توجهت لقاسم انتقادات شديدة من المعسكر الديمقراطي نفسه الذي كان قاسم قبل أن ينفرد بالسلطة جزءاً منه ولم يشتم منهم. والمالكي لم يُشتم من الديمقراطيين بل تتوجه له انتقادات شديدة بسبب سياساته ومواقفه الطائفية المنطلقة من مثله الحزبية والإيديولوجية الإسلامية وتوجيهه الرصاص الحي ضد المتظاهرين والاعتقالات والتعذيب ..الخ. أما الشتائم التي تصله من حزب البعث أو القاعدة, فلا نحتاج إلى تفسير أسبابها, رغم وجود أجزاء منهم في العملية السياسية الجارية.
إن العراق مفتوح على كل الأبواب والاحتمالات. ولكن ما يضمن سيره على طريق النجاة من كل أشكال الإرهاب والقوى المضادة لمسيرة الشعب العراقي ومستقبله المشرق يتجسد في إطلاق الحريات العامة واحترام إرادة وكرامة وحقوق الإنسان والاستجابة لمطالبه وحمايته من كل أشكال القهر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والإقرار الفعلي بالتداول الديمقراطي للسلطة عبر وجود قانون انتخابات سليم وقانون أحزاب ديمقراطي ومجلس نيابي لا يعتمد الطائفية السياسية وحكومة وطنية لا تعتمد المحاصصة الطائفية بل الهوية الوطنية العراقية, حكومة تمتلك إستراتيجية وطنية وسياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية وخدمية واضحة المعالم تكافح الفساد والبطالة, ودولة تلتزم بمبدأ " الدين لله والوطن للجميع وتتخذ موقف الحياد إزاء الأديان والمذاهب وتحمي أتباع كل القوميات والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية غير الشوفينية وغير العنصرية وغير الطائفية السياسية وترفض التمييز بكل أشكاله بما فيه التمييز ضد المرأة وحقها في المساواة مع الرجل, إنه الطريق صوب بناء دولة حرة وديمقراطية ومجتمع مدني. إن هذا الطريق طويل, ولكنه لا بد أن يبدأ بخطوة أولى التي يفترض أن تخطوها الحكومة, أي ممارسة فعلية للحريات العامة, عند ذاك سوف لن يجد رئيس الوزراء مظاهرات احتجاج يستخدم كل أشكال العنف ضدها, عندها سيجد من يؤيده ويتظاهر من أجل دعمه.
لقد خرجت مظاهرات سلمية وبشعارات واضحة تطالب بالحقوق ولم تطرح شعار إسقاط النظام أو الحكومة فماذا كان جواب رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة؟ كان الاستخدام الاستبدادي القمعي للسلطة, وكان تفاقم التوتر بين المتظاهرين والسلطة ومع ذلك حافز المتظاهرون على أسلوبهم السلمي والديمقراطي الهادئ في التظاهر. كتب الأخ فخري كريم في مقاله المنشور هذا اليوم (24/3/2011) عن موقف الحكومة من المظاهرات ما يلي: "فبعد مواجهة الحكومة للمتظاهرين، بالهراوات وخراطيم المياه والرصاص الحي ، وملاحقة رجال امن مخابرات العهد الديمقراطي الجديد لهم واعتقال الصحفيين والمتظاهرين المسالمين وتعذيبهم بنفس أساليب وأدوات البعث، في بغداد وسائر المحافظات لا لمعاداتهم للنظام، وإنما لمجرد مطالبتهم بإحقاق العدل، وتصويب الاعوجاج في العملية السياسية وإصلاحها لتتجذر وترتقي وتدوم، لم تعد لآمال المتظاهرين من مرتجى، بعد انجلاء الموقف  بالمراهنة على اصطفاف النواب الكرام إلى جانبهم لإنصافهم وانتزاع حقوقهم من الحكومة، لان هؤلاء النواب دون رغبة منهم وخارج إرادتهم لا يملكون مثل هذا الحق بعد أن تنازلوا عنها لقادة كتلهم وزعمائهم، وجردوا منها ،عند  قبول ضمهم إلى قوائم الانتخابات." ومما يزيد في الطين بلة ما ورد في المقال ذاته حين تخلى رئيس مجلس النواب عن مسؤوليات المجلس للحكومة, إذ كتب الأستاذ فخري كريم ما يلي: " وقد أجهز رئيس البرلمان على ما تبقى من وهم لدى البعض، حين صرح بيقين: إن ٦٪ فقط من مطالب المتظاهرين تتعلق بالبرلمان و٩٤٪ الأخرى هي في عهدة الحكومة ورعايتها.! فالتعويل على البرلمان بوضعه الحالي والى حين تصفية المحاصصة الطائفية،... باطل.!  والباطل لا يعيش إلا على الباطل."
23/3/2011                     كاظم حبيب




353
كاظم حبيب

النظام الشمولي السوري ومحاولات التهدئة الفاشلة !!

عبر نضال طويل ومرير من جانب الشعب العراقي وعبر حرب خارجية ضد المجرم صدام حسين استطاع الشعب العراقي الخلاص من نظام البعث العربي الاشتراكي الشمولي والشوفيني البغيض وإلى الأبد. وهو اليوم يطالب بتحسين الأوضاع العامة والخلاص من جملة من السلبيات الكبيرة بما فيها ممارسة المحاصصة الطائفية والفساد المالي والإداري والبطالة ونقص الخدمات وغياب الحريات العامة والتجاوز عليها من جانب أجهزة الأمن وقوى مكافحة "الشغب" ...الخ.
ولكن انتفاضة شعب سوريا تتخذ مجرى آخر, مجرى النضال من اجل الخلاص من حزب البعث العربي الاشتراكي ونظامه الدموي الذي تجاوز حكمه أكثر من نصف قرن, ولن تستطيع قوى الأمن والقوات الخاصة أن تُسكت الشعب السوري أو ترضيه برشوته بعد أن قتلت بدم أكثر من بارد عشرات المتظاهرين وجرح عشرات أخرى والهجوم الشرس على الجامع العمري. ولم يكن هذا القتل وضرب المتظاهرين بقرار من محافظ درعا وأجهزة الأمن فيه, بل هو قرار صادر عن بشار الأسد, إذ لا يمكن لأي جهاز في سوريا أن يتحرك في سوريا دون موافقة الرئاسة والأجهزة الأمنية المركزية في دمشق. من يعرف نظام البعث المركزي يدرك هذه الحقيقة ولا يشك فيها. والشعب السوري يدرك ذلك تماماً ولن تخدعه إرسال امرأة لتتحدث عن إصلاحات جزئية لا فائدة  منها.
إن المشكلة في سوريا تكمن في وجود نظام شمولي وسيطرة وقيادة حزب شمولي وشوفيني غيب الحريات العامة وصادر حقوق الإنسان بصورة كاملة وتامة ومنح أجهزة الأمن السورية والقوات الخاصة السيطرة التامة على البلاد وإخضاع الشعب له ولرقابته اليومية على كل حركة شاردة وواردة في سوريا والأفراد والجماعات, إضافة إلى سياسات التمييز والقهر الاقتصادي والاجتماعي والبطالة والفساد المالي والإداري والهيمنة البعثية على كل مجالات الحياة العامة مع انتشار واسع للفقر وتدهور مستوى المعيشة وتراجع سعر صرف الليرة السورية وتراجع قدرتها الشرائية أمام ارتفاع دائم للأسعار, وخاصة في الريف والمدن والتي تجلت بوضوح في مطالب أهالي درعا في مظاهراتهم التي قوبلت بالحديد والنار.
إن ما طرحته مستشارة بشار الأسد السياسية والإعلامية بثينة شعبان من مشروع يعبر عن حقيقة واحدة هي أن النظام السوري وقيادة حزب البعث والدكتاتور الجديد بشار الأسد كلهم يحاولون الالتفاف على الحركة الشبابية و الشعبية السورية بطرح أفكار مجزأة وبعيدة كل البعد عن مهمة الخلاص من نظام القهر البعثي الشمولي.
تقول بثينة شعبان إنهم سيدرسون رفع حالة الطوارئ وسيضعون قوانين أخرى لحماية الأمن. وهذا ما يعبر عنه العرب بأنها "فسرت الماء بعد الجهد بالماء". سيدرسون أولاً وإلى حين إلغاء هذا القانون سيضعون ثانياً قانوناً جديداً ليحل محل قانون الطارئ ولن يختلف عن الأصل في مواده وخنقه للحريات العامة, وستكون الحالة إلى ذلك الحين قد هدأت وتراجعت الفورة الثورية برشوة موظفي الدولة بزيادة الرواتب. وأنهم سيعيدون النظر بالإعلام لزيادة حريته. كل هذه الأمور لم تعد صالحة لإصلاح الوضع في سوريا, إذ إن ما يحتاجه الشعب السوري هو كنس هذا النظام بهيكليته الراهنة, فالأزمة هيكلية, والتخلص من رموزه الأساسية من الحرس القديم والجديد الذي تربى على أيدي الحرس القديم ورميهم جميعاً في سلة المهملات وجعل النظام ورموزه جزءاً من تراث أسود ومؤلم ومرير عاش الشعب السوري طوال عقود تحت وطأته.
أتمنى أن ينتبه المناضلون في سوريا إلى لعبة النظام ورئيسه ومستشاريه ويتجاوزوها بمواصلة التظاهرات لا في درعا التي تحملت الكثير من الآلام والدماء والدموع, بل وفي المدن السورية الأخرى لكي يضعوا حداً لنظام شمولي وشوفيني جائر.
إن النضال السلمي للشعب السوري يمكنه أن يجبر النظام على التخلي عن السلطة السياسية وفتح الطريق أمام بناء دولة وطنية مدنية وديمقراطية ودستورية حديثة وتشكيل حكومة مستقلة وحيادية تلتزم بإجراء انتخابات حرة ونزيهة جديدة تحت رقابة الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني ووضع دستور مدني وديمقراطي حديث وجديد يستند إلى مبادئ حقوق الإنسان وقيم الإنسان الحضارية الحديثة.
25/3/2011                   كاظم حبيب       

354
إلى الأخوات والأخوة الكرام وصلتني عبر العنوان التالي i center <inforcent@yahoo.co.uk>الرسالة التالية:
ولم أكن إنها موزعة لهذا أجبتهم مباشرة. والآن أنشر هذه الرسالة التي وصلتني مع جوابي عليها للإطلاع: راجعوا الملحق رقم 1 ورقم 2

"نعرف لمن يعود هذا الموقع البائس. لا تتورطوا بأسئلة لا تنفعكم, ولن تغطي على أفعال الجاسوس الذي أجرم بحق الحزب الشيوعي العراقي والمعارضة العراقية لسنوات طويلة.
نعم كنت أحمل جواز سفر سوري عادي مع عشرات من مناضلي الحزب الشيوعي العراقي والديمقراطيين العراقيين  الذين توجهوا إلى كردستان العراق عبر إيران للمشاركة في النضال الأنصاري ضد النظام البعثي الذي كان صاحبكم الذي مدكم بهذه المعلومة جاسوساً لدى  النظام العراقي منذ ان التقى بسعدون شاكر في بغداد في العام 1978. نعم كنت أحمل جواز سفر سوري للذهاب إلى كردستان العراق. وقد صدر لي هذا الجواز عبر قيادة الحزب الشيوعي العراقي أيها المغفلون, وفي حينها كنت عضواً في اللجنة المركزية  للحزب الشيوعي العراقي ثم عضواً في مكتبه السياسي في الفترة التي يجري الحديث عنها, وكنت ذاهباً إلى المنطقة التي استشهد فيها الكثير من الشيوعيين والديمقراطيين من رفاقي وكان من الممكن أن استشهد معهم هناك, وليس كصاحبكم الذي كان يأكل السحت الحرام. كم أنتم أغبياء بطرحكم مثل هذه الأسئلة وفي هذا الوقت حيث يتصاعد نضال الشعب السوري ضد دكتاتورية البعث. ولعلمكم كنت أحمل جواز سفر دبلوماسي يمني جنوبي أيضاً, وكنت أحمل جواز سفر عراقي غير مجدد, وجواز سفر رابع ألماني ديمقراطي يمنح للأجانب. أنا لست كصاحبكم الذي باع شرفه لصالح المال الحرام والتجسس على رفاقه السابقين! 
أقرأوا مداخلتي في دمشق حول الدكتاتورية والفاشية في العراق وعن صورة الحاكم المستبد في كل مكان والتي اعتبرت بمثابة التعرض لحافظ الأسد, والتي كانت تتحدث عن صدام حسين البعثي, وتحدثت فيها عن سمات البعث الفاشية في العراق بمناسبة ذكرى الأربعينية لسقوط الفاشية في العام 1985. وقد استفزت النظام السوري وعرقلوا خروجي من الشام في حينها لولا تدخل قيادة الحزب من جديد. وقد صدرت المداخلة بكراس في دمشق.
كم أنتم أغبياء أيها السائلون عن قضايا لا تعرفونها وأخبركم بها جاسوس البعث وورطكم بهذا السؤال, إن لم يكن الموقع له أصلاً.
انشروا هذه الإجابة مع استفساركم أيها الأغبياء ليعرف الناس من أنتم وكيف تتعاملون مع الأمور. يبدو أن ولاء الجاسوس أو المخبر السري قد تحول من البعث العراقي إلى البعث السوري, وهو المخزي في المسألة كلها.
أما المحامي السيد سالم أحمد المندلاوي فهو صديق قديم ويعرفني جيداً بأني لم امدح يوماً حافظ الأسد, ولا يمكن أن يكون هذا التعليق منه وليست من شيمه كتابة شيء من هذا القبيل. وإذا كان فعلاً هو كاتب ذلك التعليق فلا بد أن يكون قد تخلى عن ضميره في مسألة واحدة حين يشير إلى ما يلي ".. هل يكفي هذا ام ان الامر يحتاج لمزيد من الوقائع والنصوص التى كان الدكتور يمتدح بها ، منفردا ..." هاتوا بما عندكم من كتاباتي بهذا الصدد إن كنتم صادقين. لا أتوقع ولا أتمنى أن يكون سالم هو كاتب هذا النص . والغريب أن التعليق فيه دفاع عن النظام الدكتاتوري في سوريا لأن مقالاتي تتوجه منذ سنوات ضد الدكتاتورية البعثية وأنا محروم من السفر إلى سوريا بسبب تلك المقالات.
25/3/2011       كاظم حبيب

الملحق رقم 1
================
مقتطفات من مقالة للدكتور كاظم حبيب على المواقع الاكترونية
2011.3.24

"...وفي فترة حكم الأب (حافظ الاسد ) عانى المعارضون السياسيون بمختلف اتجاهاتهم من جبروت وقهر النظام والأمن السياسي المتحكم بشؤون المعارضة السياسية. فالسجون والمعتقلات السورية ضمت الكثير من المعارضين السياسيين الذين قضوا أكثر من ربع قرن في السجون السورية. ولم يكن غير عبد الحليم خدام, الذي تحدث مع وفد المنظمة العربية لحقوق الإنسان الذي زار سورياً راجياً ومطالباً بإطلاق سراح السجناء السياسيين الذين مضى على سجنهم أكثر من ربع قرن, إن رد على رئيس الوفد السيد محمد فائق بقول وقح: "ليفتخروا هؤلاء السجناء بكونهم قضوا ربع قرن في السجون السورية !"...."

الملحق رقم 2
تعليق من الاستاذ سالم حمد المندلاوي / بغداد

"... هل يتذكر الاستاذ الدكتور كاظم حبيب انه كان يحمل في  الفترة التي يشير لها اعلاه، اضافة الى جواز سفره الدبلوماسي اليمنى الجنوبي ، جوازا دبلوماسيا سوريا ، بموافقة مباشرة من الاجهزة المسؤولة ، تحت امرة الرئيس الاسد ... وهل نسى انه كان يدخل ويخرج من مطار دمشق، في الفترة ذاتها ، من صالات خاصة بكبار الضيوف واللاجئين السياسيين ،  ... وهل نسى ما قدمه الدكتاتور حافظ الاسد لعشرات من القياديين في المعارضة العراقية في حينها .. هل يكفي هذا ام ان الامر يحتاج لمزيد من الوقائع والنصوص التى كان الدكتور يمتدح بها ، منفردا او مشتركا في مدح سوريا وقيادتها المعادية للامبريالية ،للتاريخ لسان،  فما هو رد الدكتور حبيب ياترى ؟؟؟؟؟

355
كاظم حبيب

من اجل دعم نضال الشعب الكردي السلمي في إقليم كردستان تركيا

تشير المعلومات الواردة من إقليم كردستان تركيا إلى إن حزبين كرديين هما حزب المجتمع الديمقراطي (ب د پ) و مؤتمر المجتمع الديمقراطي
(ك ج د) قد أعلنا في مؤتمر صحفي في مدينة أمد إنهما سيبدأن مرحلة جديدة من النضال من أجل تحقيق أهداف الشعب الكردي وحل القضية الكردية في تركيا بالطرق السلمية وعدم اللجوء إلى العنف. وهي ظاهرة جديدة ومهمة بالنسبة لنضال الشعب الكردي في تركيا.
وتبين التجارب النضالية السلمية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط, وخاصة في تونس ومصر, ومن ثم في اليمن, إلى أن النضال السلمي استطاع فرض إرادة الشعوب على الحكام المستبدين الذين رفضوا الاستجابة لصوت العقل وتحقيق المطالب العادلة لشعوب هذه البلدان  مما قاد إلى طردهم من الحكم أو البلاد والبدء بعملية تغيير جدية للواقع السياسي القائم فيهما.
إن الحكام الشوفينيين الترك ومنذ عقود يرفضون الاستجابة لمطالب الشعب الكردي العادلة والمشروعة, مما دفع بالمناضلين إلى حمل السلاح لسنوات طويلة وقدموا الكثير من التضحيات على طريق التحرر والديمقراطية. واليوم تبرز أمام الشعب الكردي وقواه السياسية إمكانية فعلية لممارسة النضال السلمي لتحقيق تلك المطالب في إقليم كردستان تركيا.
وإذا كانت تجربة النضال السلمي الديمقراطي البعيدة عن استخدام العنف قد برزت في ألمانيا الديمقراطية في العام 1989, حيث أجبر حكام ألمانيا الديمقراطية على عدم استخدام السلاح والتراجع أمام مطالب الناس في إلغاء الجدار العازل بين قسمي مدينة برلين والانفتاح على العالم ثم تصاعدت المطالب لتحقق الوحدة بين شطر ألمانيا, وكانت تجربة فريدة من نوعها وفي ظروف وعوامل داخلية وخارجية أخرى, فإن هذه التجربة احتاجت إلى عقدين من السنين لتنضج عالمياً وتبدأ في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لتصبح ظاهرة ملازمة لنضال شعوب الشرق الأوسط, وهي تحمل معها خصائص جديدة للشعوب المضطهدة. أي ممارسة النضال السلمي لانتزاع حقوق الشعوب من الحكومات والنظم الاستبدادية وبروز عجز تلك الحكومات المستبدة على خنق أصوات الاحتجاجات والمطالبة بالحقوق. وحين ترفض تلك الحكومات تحقيق المطالب وتستخدم الحديد والنار لقتل الشعوب وإغراق البلاد بالدم والدموع, كما يجري اليوم في ليبيا, عند ذاك يمكن استنهاض الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي ليمد يد المساعدة للخلاص من تلك الدكتاتوريات وفق المشروعية الدولية التي تنص على التصدي للحكومات التي تعامل المظاهرات السلمية ومطالب شعوبها بالحديد والنار, أي بقتل وجرح وتعويق عشرات ومئات بل وآلاف الناس الذين لا ذنب لهم سوى مطالبة حكوماتهم بتلبية حقوقهم المشروعة والعادلة, مع ضرورة الحفاظ على الاستقلال والسيادة الوطنية ومنع تحقيق المكاسب على حساب مصالح تلك الشعوب المنتفضة بسبب المساعدة الدولية المقدمة لها.
ونحن اليوم أمام تجارب أخرى تجري أمامنا في كل من اليمن وسوريا والتي يمكن أن تتخذ مسارات أخرى. وتجربة العراق في النضال السلمي والديمقراطي شكل آخر من أشكال النضال لتغيير أسس المحاصصة الطائفية التي تطبع النظام السياسي والفساد والبطالة والفقر والتمييز, إضافة إلى استمرار الإرهاب المتطرف الذي يقتل الكثير من البشر. 
وفي إقليم كردستان تركيا هب الشعب الكردي عن بكرة أبيه متظاهراً ومحتفلاً بعيده الشعبي القومي, عيد نوروز, وتبادل التهاني والعمل من أجل التقدم وتحقيق الأهداف. إن نجاح تلك المظاهرات الشعبية الحاشدة في مختلف مدن وقرى إقليم كردستان تركيا قد وفر مستلزمات المبادرة وأعطى الزخم المناسب لتطوير العملية النضالية السلمية والكف عن استخدام العنف في مواجهة العنف الحكومي التركي, أي تبني ممارسة العصيان المدني لإجبار السلطة التركية على تنفيذ الأهداف العادلة والمشروعة للشعب الكردي.
وجاء في خبر ورد في موقع الحل (صحيفة "حزب الحل الديمقراطي الكوردستاني يقول: "وقال ديمرداش, ممثل القيادة المشتركة لـ (ب د پ) "أنهم سيطالبون في أن تكون الدراسة في الإقليم باللغة الكُردية، وأطلاق سراح السجناء السياسيين الكُرد، وإنهاء العمليات السياسية و العسكرية وإزالة الفقرة الخاصة بالانتخابات وأنهم سينزلون إلى الشارع. وأضاف دمرداش أنهم و من أجل حل القضية الكردية, سيمارسون حقهم الديمقراطي المشروع بعيدا عن العنف ويبدأون بفعاليات العصيان المدني و النزول إلى الشارع".
إن على شعوب الشرق الأوسط, ومنها الشعوب العربية والشعب العراقي, مسؤولية وواجب التضامن مع الشعب الكردي في إقليم كردستان تركيا في نضاله العنيد لانتزاع حقوقه المشروعة.
إننا إذ نحيي اختيار النضال السلمي طريقاً لانتزاع الحقوق من مغتصبيها, ننتظر من الرأي العالم العالمي والمجتمع الدولي تقديم كل الدعم المعنوي والسياسي لمناضلي هذين الحزبين والشعب الكردي وكل القوى السياسية العاملة من أجل تحقيق حرية الشعوب وحياتها المدنية والديمقراطية.
24/3/2011          كاظم حبيب   

356
كاظم حبيب
نصف قرن وعائلة الأسد تحكم الشعب السوري بالحديد والنار!!

في تشرين الثاني 1970 قام حافظ الأسد بانقلابه العسكري ضد قيادة صلاح جديد ونوري الدين الأتاسي ويوسف زعين والقي بهم وبغيرهم في السجن لفترة زادت عن ربع قرن, رغم أنهم كانوا أكثر قرباً من نبض الشارع ممن جاء بعدهم بذريعة القيام بـ"حركة تصحيحية!". وفي مايو 1971 أصبح حافظ الأسد رئيساً للجمهورية إلى أن إستورثه ابنه الشاب طبيب العيون بشار الأسد في العام 2000. أي أن عائلة الأسد تحكم سوريا منذ ما يزيد على نصف قرن. وخلال هذه الفترة ضعفت دكتاتورية العائلة بانشقاق عائلة الأسد بين حافظ وأبنائه من جهة, وأخيه رفعت وأبنائه من جهة أخرى, حيث كان الأخ رفعت الأسد يدير عصابات سرايا الدفاع التي اعتبرت اليد الضاربة للحركات الشعبية في سوريا حين كان حافظ ورفعت مشاركين في الحكم ومتفقين على توزيع السلطة والمهمات.
لقد مارس حافظ الأسد سياسة تجسد سمات وخصائص الدكتاتوريات التي سادت الدول العربية حينذاك, سيادة الحزب الواحد, حزب البعث العربي الاشتراكي المعروف بشوفينيته وقسوته وعنفه, ولكن في الحقيقة كانت سيادة الفرد الواحد وحوله جمهرة من القطعان المؤيدة له والتي يمكن أن يطلق عليها بالطغمة الفاسدة والذليلة والتي كانت تشغل مناصب نواب رئيس الجمهورية ورؤساء وزارات ورؤساء مجلس النواب والوزراء وقادة الحزب والنواب في أغلبهم, بمن فيهم وزراء ونواب وقادة الأحزاب الأخرى التي كانت تشكل تحت أمرة الحزب القائد والرائد "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية" في سوريا والتي أصبحت إمعة لما يريد الحزب الحاكم تنفيذه, وبتعبير أدق لما يريد القائد الحاكم حافظ الأسد تنفيذه في سوريا.
وفي فترة حكم الأب عانى المعارضون السياسيون بمختلف اتجاهاتهم من جبروت وقهر النظام والأمن السياسي المتحكم بشؤون المعارضة السياسية. فالسجون والمعتقلات السورية ضمت الكثير من المعارضين السياسيين الذين قضوا أكثر من ربع قرن في السجون السورية. ولم يكن غير عبد الحليم خدام, الذي تحدث مع وفد المنظمة العربية لحقوق الإنسان الذي زار سورياً راجياً ومطالباً بإطلاق سراح السجناء السياسيين الذين مضى على سجنهم أكثر من ربع قرن, إن رد على رئيس الوفد السيد محمد فائق بقول وقح: "ليفتخروا هؤلاء السجناء بكونهم قضوا ربع قرن في السجون السورية !".
لقد مارس حافظ الأسد كل أشكال العنف والقتل ضد القوى السياسية المعارضة, ونحن ما نزال نتذكر مجزرة حماة في العام 1982 "حيث قام النظام السوري بتطويق مدينة حماة وقصفها بالمدفعية ومن ثم اجتياحها عسكرياً, وارتكاب مجزرة مروعة كان ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين من أهالي حماة. وكان قائد تلك الحملة العقيد رفعت الأسد شقيق الرئيس حافظ الأسد. )راجع: ويكيبيديا الموسوعة الحرة 23/3/2011).  إضافة إلى الكثير من الجرائم البشعة التي راح ضحيتها الألوف من المعارضين لنظام الأسد والإعدامات التي كانت تجري في السجون السورية وخاصة في سجن صيدنايا حيث يعترف وزير الدفاع السوري الأسبق مصطفى طلاس بأنه كان يوقع على إعدامات يومية كثيرة خلال فترة وجوده على رأس وزارة الدفاع, إضافة إلى مجزرة سجن صيدنايا التي راح ضحيتها الكثير من السجناء وأفراد العائلات التي اعتصمت وتظاهرت أمام مبنى السجن في تموز 2008 مطالبة بحماية أرواح السجناء بعد أن قتل الكثير منهم في أوائل تموز من العام نفسه.
وخلال فترة حكم الأسد الأب انتشرت بشك واسع مظاهر الفساد المالي والرشوة في دوائر الدولة وفي المطار وعلى الحدود, واتسعت البطالة واشتد الفقر لدى فئات واسعة من الشعب السوري في كل أنحاء الدولة السورية, وخاصة في أعقاب غزو لبنان والهيمنة عليها وتسخيرها لأغراض حزب البعث والدولة البعثية السورية وحافظ الأسد وأفراد عائلته وحاشيته وممارسة الإرهاب والنهب فيها.
وفي فترة حافظ الأسد أصبحت سوريا في الفترة الأولى رهينة المساعدات المالية السعودية, ثم تحولت في ما بعد لتصبح رهينة لدى إيران حتى الوقت الحاضر ولنفس السبب. وشكل كلا البلدين محوراً مناهضاً للديمقراطية وحقوق الإنسان ويمارسان تدخلاً فظاً في الشؤون الداخلية للدول المجاورة وبشكل خاص في لبنان وفلسطين والعراق. 
وحين توفي الدكتاتور السوري حافظ الأسد, تقرر حتى قبل وفاته أن يأخذ الابن بشار, بعد أن مات الابن الأكبر, العقيد باسل الأسد, بحادث سيارة, رئاسة الجمهورية ويحول الجمهورية عملياً إلى "جمهركية" (جمهورية ملكية) على طريقة معاوية بن أبي سفيان حين أورث الحكم لابنه يزيد بن معاوية. وقد فُرض هذا الأمر فرضاً على الشعب السوري بانتخاب مزيف على طريقة انتخابات سوريا والعراق في فترة حكم صدام حسين. وإذ أخذ بشار الأسد عصا الرئاسة من أبيه, أوعد بتنفيذ سلسلة من الإصلاحات التي لم تجد النور بل ازداد الأمر سوءاً, وكان الابن على سر أبيه. فلم يكتف النظام السوري تحت هيمنة بشار الأسد أن يواصل سياسة الاستبداد والقمع والقهر للإنسان السوري واستمرار فرض حالة الطوارئ منذ أكثر من 50 عاماً حتى الآن فحسب, بل عمق ووسع من ظاهرة الفساد المالي والإداري لتصبح النظام الرسمي المعمول به في سوريا عملياً, وتفاقمت البطالة واتسعت عدد العائلات التي تعاني من الفقر المدقع والحرمان, إضافة إلى ارتفاع متواصل في أسعار السلع والخدمات والسكن وتدهور قيمة الليرة السورية وانخفاض قيمتها الشرائية, واستمرار حملة الاعتقالات للمطالبين بالمجتمع المدني وحقوق الإنسان ودولة القانون وإلغاء حالة الطوارئ ومحاربة الفساد وتقديم الفاسدين إلى المحاكمة. وها نحن نعيش المطالبة بإسقاط النظام.
لقد وسع وعمق الأسد الابن من حالة الاستبداد والفساد في البلاد. وشدد من حملة اعتقال المطالبين بالمجتمع المدني والحريات العامة والحقوق الديمقراطية وحماية الكرامة. فانطلقت المظاهرات في دمشق وفي سوق الحميدية, واستطاعت أجهزة الأمن و"القوات الخاصة" التي هي مماثلة "للحرس القومي" العراقي الذي تشكل في العام 1963 لممارسة الأساليب الفاشية في القتل والتعذيب والتعامل مع الناس.       
ثم انطلقت المظاهرات في درعا لتعم المدينة بكاملها وتتسع لتنتقل إلى القرى المحيطة بها وإلى مدن أخرى وهي في اتساع مستمر. لقد شيع أهالي درعا الضحية الأولى ثم تلتها ضحايا أخرى حيث سقط يوم أمس ثلاثة شهداء أبرار سيزيد من غضب الشعب السوري وسيدفع بهم إلى الشوارع لا في درعا وحوران وغيرها فحسب, بل وفي حلب وحماة ودمشق ومدن الجزيرة والقامشلي واللاذقية وغيرها. هكذا تمارس أجهزة الأمن السياسية في سوريا قمع المتظاهرين, ولكنها سوف لن تكون قادرة على مواصلة الإرهاب, فقوانين وقرارات مجلس الأمن الدولي تمنع قمع المتظاهرين بالقوة وتفرض على المؤسسة الدولية حماية المتظاهرين المسالمين المطالبين بحقوق الشعب. وحسب المعلومات الواردة فإن أجهزة الأمن والشرطة قامت باقتحام الجامع العمري وضرب وقتل الناس العزل والذين لا يحملون بأيدهم حتى الحجارة, بل يطالبون بحقوقهم سلمياً, حيث قتل خمسة أشخاص على الأقل والكثير من الجرحى والمعوقين وفق ما تناقلته الأخبار صبيحة هذا اليوم. واليوم فقد هيمنت الشرطة وأجهزة الأمن والقناصة على مدينة درعا وتوجه النيران لمن يتجرأ على الخروج من داره. ويبدو أن الفرقة الرابعة والقوات الخاصة هي التي تقوم بهذه العمليات الإجرامية ولم يشترك الجيش بهذه العمليات ضد سكان درعا. وأشار الدكتور هيثم مناع إلى إن ما يجري في درعا من جانب أجهزة القمع السورية هو جريمة ضد الإنسانية وفق ميثاق روما في العام 1998.
إن التضامن مع أهالي درعا والاحتجاج على النظام الشمولي في سوريا يتطلب من كل فئات الشعب وفي كل المدن للنضال من أجل الحريات العامة وضد الفساد والبطالة والتمييز بين المواطنين والشوفينية المناهضة للمواطنات والمواطنين الكُرد, وإطلاق سراح السجناء السياسيين وكافة معتقلي الرأي في سوريا.
كما نطالب الرأي العام العربي والعالمي والمجتمع الدولي إلى التضامن مع الشعب السوري لمنع وقوع مجازر جديدة ضد الشعب في سوريا.
نثق بأن الشعب السوري سينتصر على أعداء الحرية والمستبدين والفاسدين وسيعيد بناء الدولة السورية على أسس مدنية وديمقراطية حديثة وسيحاسب ويحاكم القتلة والمسؤولين عن إصدار قرارات وأوامر الاعتداء على المظاهرات السلمية في البلاد.
23/3/2011                      كاظم حبيب     

357
كاظم حبيب

جوهر نامق سالم, الإنسان الغائب الحاضر في وعي وأفئدة الشعب الكردي

بكيت صديقاً حميماً, أخاً كريماً, إنساناً رائعاً, مثقفاً كبيراً, ورجلاً شهماً ومناضلاً شجاعاً وشخصاً نظيف اليد والضمير, ناقداً جريئاً وموضوعياً وهادفاً لا يعرف في الحق لومة لائم. فقدت صديقاً ورفيق درب نضال طويل, فَقَدتْ عائلته وشعبه ومحبيه وفَقدتُ معهم جوهر نامق سالم, السياسي الكردستاني والعراقي الأمين لشعبه وأمته الكردية ولكردستان والعراق في آن.   
مات في وقت بدا وكأنه يتمتع بصحة ممتازة وحيوية فائقة, وقامة فارعة, وقدرة فائقة على القراءة والكتابة والتحليل والنشر والمساهمة في بناء الحياة الجديدة في إقليم كردستان. التقيت به في شهر كانون الثاني من هذا العام 2011 وتحدثنا في السياسة والاقتصاد والثقافة واتجاهات تطور الأحداث في إقليم كردستان العراق والعراق, وكان مليئا بالثقة بقدرة الإنسان والشعب على تجاوز الصعوبات والمخاطر, رغم المصاعب والعثرات والمشكلات الراهنة. لقد كان يخطط لمشاريع كتابية جريئة حول الوضع في كردستان واتجاهات تطور الأحداث والموقف منها.
تحدثت معه وهو طريح الفراش في مستشفى في ستوكهولم وكان مليء الثقة بخروجه القريب من المستشفى رغم الضعف الشديد الذي بدا في صوته ورغم الكيلوغرامات الكثيرة التي فقدها, ورجاني عدم السفر لزيارته إلا بعد خروجه من المستشفى, ولكن الحزن والألم والخسارة الفادحة هي التي تركها خلفه لعائلته والأصدقاء ورفاقه القدامى والجدد في النضال من أجل مستقبل أفضل لكردستان والعراق. لقد انتصر المرض العضال على المناضل من أجل الحياة والمحب لها.     
عرفته حين كان طالباً في قسم التعاونيات الزراعية في الجامعة المستنصرية حين كنت أدرس فيها. كان ذلك في الأعوام 1969-1972, كان شاباً مليئاً بالحيوية والنشاط وعضواً قيادياً في اتحاد طلبة كردستان وشبيبة الحزب الديمقراطي الكردستاني وعضواً في الحزب الديمقراطي الكردستاني.
ثم التقيت به في مرحلة النضال الأنصاري حيث كان أحد مؤسسي القيادة المؤقتة بعد إعادة ترتيب الحزب وقوات الپيشمرگة والعودة للنضال المسلح ضد الدكتاتورية الفاشية في العراق, وكان جوهر مناضلاً بارزاً في قوات الپيشمرگة الشجاعة.
ثم التقيت به من جديد في العام 2002 حين حضوري للمؤتمر العلمي الأول لعمليات ومجازر الأنفال حيث احتل في حينها مركز عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني وسكرتير المكتب السياسي إلى حين تركه الموقع قبل عدة سنوات. كما كان أول رئيس للبرلمان الكردستاني الذي تشكل في العام 1992.
تعززت علاقتي به بعد هذا التاريخ وكنت ألتقي به في كل سفرة أقوم بها إلى إقليم كردستان العراق أو نلتقي أحياناً في السويد حين يكون في زيارة لها أو حين أشارك في مؤتمر ما.
احتفلنا عائلياً في عيد نوروز في العام 2010 عند سفح جبل سفين وعلى مقربة من مصيف صلاح الدين وشاركنا الشعب الكردي أفراحه وتمتعنا برحلة رائعة, ولم يدر في خلدنا إن هذا العيد هو آخر احتفال له بأعياد نوروز الرائع, لقد فقدناه وإلى البد في ليلة 21/22 آذار من عام 2011 ولكن ستبقى صورته وأفعاله الطيبة وكتاباته وعلاقاته شاخصة في ذاكرة الشعب الكردي ومحبيه ورفاق دربه وأصدقائه.   
کان الرجل الشجاع مهموماٌ للمشکلات التی تعانی منها البلاد وإقليم كردستان وكان يرى احتمال وقوع
 أحداث كبيرة ما لم يعمد مسؤولو الإقليم إلى إعادة النظر بما يجري في الإقليم أو على صعيد العراق. لقد كان يتوقع الأحداث الأخيرة وكان يتمنى أن تجد لها الحلول المناسبة قبل تفاقمها والتي يمكن أن يستفيد منها الأعداء وتكون خسارة كبيرة لكل الأمة الكردية.
إن كتاباته الأخيرة باللغة الكردية حول القضايا الحساسة, سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية أم ثقافية وعامة, والمراسلات الكثيفة المتبادلة في ما بيننا, والتي أحتفظ بها في أرشيفي الخاص, تؤكد قدرته العالية على التحليل المادي واستخدامه المنهج العلمي في التحليل وإخلاصه الرفيع لشعبه الكردي وأمته الكردية وكردستان وثقته العميقة بتحقيق النصر وأن بدا بعيد المدى, وكان حريصاً على تعزيز العلاقة النضالية مع بقية مكونات الشعب العراقي من عرب وتركمان وكلدان وآشوريين من أجل بناء عراق مدني وديمقراطي حديث ومن أجل بناء إقليم كردستاني يصبح النموذج المدني والديمقراطي لبقية أقاليم كردستان وشعوبها الكردية. لقد أصبح معارضاً موضوعياً ومن مواقع الحرص على إقليم كردستان العراق والتجربة الجديدة الفتية وعلى مصالح الشعب الكردي والحزب الذي كان فيه عقوداً عديدة وناضل في صفوفه وتحمل الكثير من المشاق على هذا الطريق.
لقد فقد الشعب الكردي وكردستان مناضلاً بارزاً وشخصية سياسية واجتماعية فذة يمتلك خبرة عالية في النضال ويعتز بعلاقته الحميمة بفئات المجتمع ودفاعه عن مصالحها اليومية ورفضه لكل السلبيات التي يعاني منها شعب كردستان العراق. إنها خسارة كبيرة.
لقد فقدت عائلته وأسرته الكبيرة أباً محباً وحنوناً وزوجاً فاضلاً وشخصية قيادية فذة.
لقد فقدت صديقاً ودوداً وإنساناً يُعتمد إلى صداقته ومشورته في الملمات ويمتلك قيماً ومعايير رفيعة وحضارية في التعامل اليومي.
أقدم أحر التعازي القلبية الحارة لكل الشعب الكردي ولعائلة ورفاق وأصدقاء الفقيد الغالي ولكل من أحس بخسارة فقدانه, وللفقيد العزيز الذكر الطيب دوماً.
23/3/2011                   كاظم حبيب     


358
كاظم حبيب
نعم, ماذا يراد للعراق يا محمد ضياء عيسى العقابي؟

- الحلقة الرابعة -
من كان على خطأ هل الحكومة ورئيسها أم الشعب؟
"ويل لعالِم لا ينفتح على غيره,
وويل لجاهِل منغلق على نفسه."
حكمة مندائية 
قبل أن أنهي الحلقة الخامسة والأخيرة من سلسلة حلقات المقال الموسوم "نعم, ماذا يراد للعراق يا محمد ضياء عيسى العقابي ؟", سأجيب عن هذا السؤال : "من كان وما يزال على خطأ, هل الحكومة ورئيسها أم الشعب؟" في هذه الحلقة (الرابعة).   
خلال الأسابيع القليلة المنصرمة برزت على سطح الأحداث حقيقتان:
الحقيقة الأولى: برهنت الحياة على إن رئيس الوزراء المالكي كان على خطأ كبير حين شكك بنوايا الشعب السلمية والديمقراطية وحين وجه للمتظاهرين التهم البائسة والمثيرة للشفقة على قناعاته وقناعات من أقنعه بما تحدث به قبل المظاهرة الموعودة. ففي الوقت الذي تبين له بعد مظاهرات الخامس والعشرين من شهر شباط/فبراير 2011 إن المتظاهرين لم يكونوا من البعثيين ولا من أتباع القاعدة ولا من المندسين, وإنهم مسالمون لا يطالبون بأكثر من تحقيق ما ينبغي لأية حكومة تحترم نفسها وتوفي بالقسم الذي أدته في الحفاظ على مصالح الشعب واحترام الديمقراطية وحقوق الإنسان والدستور العراقي, كان عليه أن يكف عن ملاحقة المظاهرات التالية بجواسيسه وأجهزة قمعه. ولكنه لم يفعل!
الحقيقة الثانية: لقد برهن الشعب العراقي عموماً وكافة المتظاهرين على وجه الخصوص ومن جديد على تمسكهم بالطابع السلمي والديمقراطي لحركتهم من أجل تغيير الأوضاع الفاسدة القائمة في العراق, وأنهم مصممون على مواصلة النضال من أجل تحقيق ما يستوجب تحقيقه من أجل توفير نوعية جديدة لحياتهم اليومية بدلاً من الأوضاع المزرية الراهنة, وأن على الحكومة أن تغير نفسها, إذ لا يمكن استبدال الشعب العراقي بشعب آخر يستجيب لإرادة الحاكم بأمره نوري المالكي.
وعلى أساس ذلك نسجل من جديد ما يلي:
إن رئيس الوزراء لم يتعلم من هاتين الحقيقتين الناصعتين بحيث يدفع الناس إلى تأييده والكف عن التظاهر. فقد واصلت أجهزة الأمن ملاحقة المشاركين في التظاهرات وتعذيبهم وإلحاق الأذى بهم, رغم التزامه أمام مجلس النواب بغير ذلك. إن المتظاهرين ومنذ جمعة الغضب قد عبروا عن جملة مطالب في مقدمتها الموقف الجائر من الحريات العامة والسعي لمصادرتها واستخدام بشع لأساليب التعذيب النفسي والجسدي في المعتقلات والسجون العراقية, والذي يلتقي بالضبط مع أساليب أجهزة القمع الصدامية, ولكنه يتنافى مع الدستور العراقي وحقوق الإنسان, ثم ممارسة الاغتصاب واستخدام الأجهزة الكهربائية في المواقع الحساسة من جسم الإنسان أو استخدام القوازيق, سواء أكانت سجوناً أكان ذلك في المعتقلات وأثناء التحقيق أم في السجون العلنية أو المعتقلات السرية التي يعرف بها رئيس الوزراء وأتباعه والتي أكتشف احدها قبل فترة وجيزة, وكذلك التخلص من قاعدة المحاصصة الطائفية واعتماد مبدأ المواطنة المتساوية والخلاص من الفساد المالي والإداري والعودة إلى تأمين أرزاق الناس الفقراء وحقهم في الحصة التموينية والبطالة التي يعانون منها, ومشكلة الكهرباء والماء ومشكلة السكن والغلاء. 
ربما سيسألني السيد محمد ضياء عيسى العقابي: كيف عرفت باستخدام أجهزة الأمن العراقية أساليب التعذيب النفسي والجسدي, تلك الأجهزة التي يترأسها القائد العام للقوات المسلحة؟ والإجابة عن هذا السؤال تبرز في سؤال آخر كيف كنا نتعرف على أساليب التعذيب التي كان يمارسها صدام حسين في دوائر الأمن وسراديبها ومعتقلاتها الكثيرة حين كنا في صفوف المعارضة؟ هل كانت لدينا معلومات أم كنا نمارس الكذب؟ الكثير من الكتاب والصحفيين والناس السياسيين كانوا في معتقلات وسجون صدام سين, ولكن آخرين لم يكونوا فيها, ولكنهم كتبوا عنها, فكيف تسنى لهم ذلك؟ لقد كنا والكثير من الكتابة والصحفيين يكتبون وينشرون عما كان يجري في فترة الشمولية الصدامية لأنهم كانوا يعتمدون على ثلاثة مصادر:
1. المعتقلون الذين كانوا يتعرضون إلى مثل تلك الأساليب البربرية ويتحدثوا بها بعد أن يطلق سراحهم ويكونوا في مأمن من أجهزة النظام؛
2. من كان قد تعرض من الكتاب والصحفيين والسياسيين إلى الاعتقال والتعذيب مباشرة في تلك الفترة وكتب عنها أو تحدث بها؛
3. من خلال تقارير منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان الإقليمية والدولية التي كانت تصلها تقارير من الضحايا أو حتى من بعض شخصيات وقوى النظام التي كانت ضد النظام.
واليوم أخي الفاضل يجري الأمر بذات الكيفية. المتظاهرون والصحفيون والإعلاميون الذين اعتقلوا من قبل أجهزة القمع الحكومية, تحدثوا في مؤتمر صحفي عما جرى لهم في المعتقل وليت السيد العقابي يقرأ تلك التقارير ويمنح المتحدثين بعض ثقته بما يجري في العراق وفي معتقلات وسجون العراق. التقارير التي تصلني من منظمة العفو الدولية, وأنا عضو فيها منذ أكثر من ثلاثين عامأ, تؤكد صحة ما أشير إليه, وهي تقارير تمتلك المصداقية الكبيرة لأن المنظمة لا تنشر كل تقرير يصلها قبل التيقن الفعلي منها.

لقد ورد في تقرير وصلني عبر الإنترنيت, ضمن عدد آخر من التقارير, يشير فيه صاحب التقرير إلى ما مارسته قوات الشرطة والأمن مع الراغبين في المشاركة بالمظاهرة الأخيرة التي تمت في الثامن عشر من شهر آذار 2011 في محاولة لإفشالها, دعْ عنك ما جرى جمعة الغضب وما تلاها في محاولة لإفشال المظاهرات. وإليكم ما ورد في أخر تقرير كتب عن مظاهرة 18/3/2011 بهذا الصدد (نص مقتطف):
" في تمام الساعة العاشرة صباحا كانت ساحة التحرير تحتضن عدة مئات من المتظاهرين ترفع صورا للمعتقلين وشعارات تطالب بإطلاق سراحهم و تواجدت في الساحة عدد كبير من النساء يحملن صور أبنائهن أو أزواجهن  وأخوتهن المعتقلين لدى سجون الحكومة السرية منها والعلنية بينما اصطفت طوابير من قوات مكافحة الشغب على الجسر الجمهوري والذي منع  المرور عبره نهائيا وعلى طول شارع الجمهورية الذي يربط  ساحة التحرير بساحة ألسنك وقوات أمنية كبيرة من الشرطة و الجيش في شارع السعدون بالمنطقة الممتدة من ساحة التحرير حتى ساحة النصر وكانت جميع مداخل الأزقة مقطوعة وبالعجلات والأسلاك الشائكة .. وفي ساحة الطيران كانت الإجراءات الأمنية شديدة و تكدس إعداد كبيرة من قوات الأمن وتواجد أعداد من سيارات الإطفاء لغرض استخدامها لتفريق المتظاهرين." (راجع: موقع تجمع 20 شباط, جمعة المعتقل العراقي, احمد الدليمي). وهناك الكثير من التقارير الأخرى التي تؤكد هذا الاتجاه في التعامل الحكومي والأمني في العراق.
نقل تلفزيون العراقية الملتزم بخط نوري المالكي وبالنهج الطائفي السياسي إدعاء رئيس الوزراء بأن العراق هو البلد الأكثر استقراراً في المنطقة, في حين إن ما جرى في المظاهرات المنصرمة تؤكد خلاف ذلك بسب حملة الاعتقالات والتعذيب التي مارستها قوى الأمن ضد المتظاهرين والمعتقلين منهم, والتي إن تواصلت ستقود إلى تزايد المد الجماهيري المناهض للواقع القائم. هل يمكن ان يتمع البلد بالاستقرار ورئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة يأمر قواته العسكرية كلها بالتصدي للمتظاهرين وممارسة الضرب وخراطيم المياه والرصاص الحي والاعتقال والتعذيب وإغراق بغداد وغيرها بأجهزة الأمن والشرطة وغيرها؟ يقول المثل العربي: "صدق العاقل بما لا يعقل فإن صدق فلا عقل له !".
إن معالجات رئيس الحكومة العراقية التي طرحها في مجلس الوزراء لا تستجيب لطموحات الناس وليست جدية ولا تطرح ثلاث مسائل جوهرية:
1.   ما هي الخطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية التي تسجل كل المشاريع التي يفترض إنجازها أو البدء بها في فترة الأعوام المتبقية من الدورة الحكومية والنيابية الجارية, خاصة مع غياب إستراتيجية التنمية الوطنية, الاقتصادية منها والبشرية أو الاجتماعية.
2.   وما هو الموقف الفعلي من المشكلات الكبيرة التي طرحتها قوى الشعب المتظاهرة, وأعني بها المحاصصة الطائفية والفساد ومحاكمة المفسدين   
3.   ما هي الآليات والأدوات التي يفترض استخدامها لتحقيق تلك الأهداف.
(قارن في هذا الصدد افتتاحية طريق الشعب تحت عنوان ليتواصل السعي إلى إصلاح شامل بتاريخ 22/3/2011).

إن الطريقة التي يعالج بها نوري المالكي مشكلات المجتمع العراقي بعيدة كل البعد عن الواقعية السياسية وعن التحول صوب الديمقراطية وإرساء أسس المجتمع المدني, إذ هو ما يزال يتخندق بالعشائرية التي يفترض أن تنتهي تقاليدها وإرثها البالي في العراق لا من خلال إغراق الأسواق المحلية بالسلع المستوردة ومن أسوأ السلع في الغالب الأعم المنتجة في كل من تركيا وإيران, بل من خلال البدء بتصنيع البلاد وتشغيل المشاريع الحكومية القائمة والمعروضة للبيع دون وجود من يقتنيها, وتنشيط الإنتاج الزراعي وتقديم الخدمات الضرورية من خلال تشغيل محطات المكائن والمعدات الزراعية أو توفير المكائن والمعدات الضرورية للقطاع الخاص, إضافة إلى  معالجة مشكلات المياه وسبل استخدامها العقلاني ومشكلات البزل...الخ. إن التصنيع وتحديث الزراعة هما الطريق لبناء المجتمع المدني, وهما الطريق لمكافحة البطالة وتطوير الاستثمار العقلاني للنفط الخام محلياً وتحقيق التراكم الرأسمالي الضروري لتنمية الثروة الوطنية من خلال موارد النفط المالية, وهما الطريق لتغيير بنية ووعي المجتمع.
إن المشكلة الأساسية في طريقة تفكير وعمل وفعل نوري المالكي تكمن في الذهنية التي يحملها والتي تهيمن على كامل تصرفاته السياسية في الحكم, فهو يملك ذهنية دينية منغلقة وهو منغلق على غيره ومن هم حوله لا يختلفون عنه, وبالتالي لا يملك رؤية واضحة لمجتمع مدني وديمقراطي, مجتمع صناعي حديث وزراعي متقدم, بل يملك رؤية حزبية ضيقة لبناء دولة إسلامية تخالف اتجاهات تطور العصر والحضارة الحديثة, وهو الذي يتحكم بمسيرته الراهنة, مسيرة حزب الدعوة الإسلامية, وقد ألبس هذا الحزب رداء دولة القانون وكان فضفاضاً لا يلائمه, وهو بالتالي ليس بدولة قانون. وما يؤكد هذا الاستنتاج تلك الإجراءات التعسفية التي اتخذها ومارسها خلال الأسابيع الأربعة المنصرمة والتي سوف تلاحقه باعتباره قد تجاوز مع أجهزته على حقوق الفرد والجماعة المنصوص عليها في الدستور العراقي وفي لائحة حقوق الإنسان الدولية.   
إن مشكلة المالكي لا تكمن في كونه من أتباع المذهب الشيعي, إذ له الحق الكامل كإنسان, أن يختار أي دين أو مذهب أو فكر, فهذا أمر مشاع ويحميه الدستور العراقي وشرعة حقوق الإنسان. ولكن المرفوض قطعاً هو أن يمارس صاحب هذا الدين أو المذهب سياسات التمييز إزاء الأديان والمذاهب الأخرى, هو أن يمارس أحد هذه الأديان أو المذاهب من خلال السلطة وفي بلد متعدد الأديان والمذاهب. إن المرفوض هو الطائفية السياسية وليس الإيمان الفردي بهذا الدين أو المذهب. والإنسان العاقل لا يتحدث بالدين أو المذهب بل بكونه إنسان, غذ إن الدين أو المذهب هي من الشؤون الخاصة بالفرد وليس للجماعة أو الدولة شأن بذلك. من هنا نشأ القول الصائب "الدين لله والوطن للجميع ", ومن هنا نشأت القاعدة العالمية المتحضرة التي تقول بـ "الفصل بين الدين والدولة ".   
انتهت الحلقة الرابعة وستليها الحلقة الخامسة والأخيرة.
22/3/2011                      كاظم حبيب


359
كاظم حبيب
نعم, ماذا يراد للعراق يا محمد ضياء عيسى العقابي؟

الحلقة الثالثة
المالكي والحريات الديمقراطية في العراق

عشرة شهور احتاج المالكي لكي يفرض نفسه كممثل عن حزب الدعوة على كل القوى السياسية العراقية ويشكل حكومته الجديدة التي لم ينتهِ من تشكيلها حتى الآن. وأُجبر تحت هذا الإصرار أن يساوم كل الأطراف السياسية العراقية, وخاصة "الأخوة الأعداء" (الصدريون), وقوى إقليمية ودولية. وبالتالي جعل نفسه رهينة لدى تلك القوى الداخلية والخارجية, وهو ما يتناقض وحاجة البلاد إلى الاستقلالية الفعلية عن التأثير الخارجي أو المطالب غير السوية لقوى إسلامية سياسية لا تريد الخير للعراق. وبهذه المساومات غير المبدئية أضعف كثيراً من وزنه السياسي أمام الجميع وفرط بما تحقق خلال السنتين الأخيرتين من عمر الوزارة السابقة من نتائج إيجابية نسبية في مجال الأمن وتقليص عدد العمليات الإرهابية وعدد القتلى والجرحى والمعوقين من ضحايا العمليات الإرهابية لقوى القاعدة وقوى البعث المسلحة والمليشيات الطائفية المسلحة. كما نشأ فراغ سياسي طويل الأمد استفادت منه تلك القوى السياسية أنزال المزيد من الضربات الإرهابية ببنات وأبناء المجتمع العراقي في العديد من المدن العراقية. ورغم مرور هذه الفترة فأن الحكومة الجديدة برئاسة المالكي لم ينته تشكيلها حتى الآن, وخاصة الوزارات الأمنية والعسكرية الثلاث وعدم طرح برنامج سليم من جانب مجلس الوزراء. ونتيجة لكل ذلك وغيره تفاقم ضيم الناس وتذمرهم بسبب نقص الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء والعناية الصحية وتفاقم الفساد المالي والإداري في السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية وفي مستوياتها المختلفة, مما دفع بالناس إلى تنظيم الاحتجاجات والاعتصامات وحملات جمع التواقيع, وأخيراً عمد الشباب وقوى سياسية وطنية وديمقراطية وشعبية إلى تنظيم المظاهرات لإيصال صوتهم إلى كل المسؤولين في العراق. وقد كانت الشبيبة العراقية في طليعة من بدأ بتنظيم الاتصالات لتحقيق وحدة الموقف والشعارات ويوم التظاهر. واتفق الرأي أن يكون يوم 25 شباط/فبراير 2011 بداية لانطلاق حملة احتجاجات شعبية في بغداد وفي سائر المدن العراقية للتعبير عن رفضهم للأوضاع المزرية التي يعيشون في ظلها وتحت وطأتها. قد تبلورت خلال الأشهر الأخيرة مجموعة من المطالب الحيوية التي تمس حياة الإنسان العراقي والمجتمع اليومية وفي جميع أرجاء العراق. وكانت المطالب الأساسية تتلخص في:
1 . إطلاق الحريات الديمقراطية وإيقاف التجاوز على حرية الفرد والمجتمع العراقي أو ممارسة الاعتقال الكيفي وممارسة التعذيب ضد المعتقلين.
2 . الخلاص من قاعدة المحاصصة الطائفية التي أبعدت المواطن العراقي المستقل عن المشاركة في تحمل مسؤولية البلاد وحصرها بممثلي الأحزاب المشاركة في الحكم.
3 . الخلاص من الفساد المالي الذي أضحت رائحته تزكم أنوف الناس جميعاً. إن المشاركين في الفساد والإفساد هم الذين يجلسون في الصفوف الأمامية من الحكم. لقد أصبح الفساد نظاماً سائداً في البلاد وأكثر بكثير مما كان في عهد الدكتاتور المجرم صدام حسين, ولم يعد ممكناً السكوت عنه وعدم محاكمة الفاعلين.
4 . الخلاص من البطالة المتفاقمة التي أصبحت تؤثر سلباً على حياة الفرد والعائلة من النواحي النفسية والاجتماعية والصحية. كما أصبحت البطالة المقنعة ترهق كاهل خزينة الدولة وتعيق إنجاز معاملات الشعب. والإحصاء الرسمي يتحدث عن بطالة تصل إلى 30% من القوى القادرة على العمل, إضافة إلى وجود 50% من العاملين هم في حكم البطالة المقنعة.   
5 . كما أصبح التبذير في أموال الشعب هي السمة المميزة والظاهرة المرهقة لحياة الناس وخزينة الدولة والتي تبرز في تعيين المزيد من النواب والمستشارين وكثرة عدد الوزراء الذي تجاوز الأربعين وزيراً, إضافة إلى الاغتناء على حساب المال العام.
6 . تفاقم مشكلة الخدمات العامة التي أصبحت لا تطاق, وبشكل خاص الكهرباء والماء والعناية الصحية ومشكلات السكن والغلاء المتفاقم والمتعلمين.
7 . وضع حد للممارسات السلبية والسيئة التي يمارسها أغلب رؤساء وأعضاء مجالس المحافظات والتي تبرز في إهمال مصالح الشعب والخدمات العامة والتجاوز الفظ على الحريات الفردية والحريات العامة والثقافة الديمقراطية.
8 . إنهاء قضايا المعتقلين السياسيين أو المتهمين بالإرهاب المتأخرة والتي تثير حفيظة العائلات بسبب اعتقالات كيفية أو التأخير في البت بقضاياهم سنوات عدة.
9 . رفض الشعب للأساليب القمعية في التعامل مع المعتقلين والسجناء السياسيين وذلك بممارسة شتى أشكال التعذيب الجسدي والنفسي والذي أشارت إليه منظمة العفو الدولية والكثير من منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان.
لم تطرح الشبيبة المنظمة لهذه التظاهرة والقوى السياسية المساندة لها شعارات تدعو إلى إسقاط النظام السياسي, بل ركزت على مطالب شعبية يقر بها الجميع ولكن لا تمارسها الحكومة. 
والسؤال المشروع هو: كيف كان موقف رئيس الوزراء من الدعوة إلى تظاهر يوم 25 شباط 2011؟
يمكننا معرفة الجواب الشافي من ذكر الوقائع التالية:

أ . شن رئيس الوزراء حملة شخصية ضد التظاهر في يوم 25/2/2011 واتهم المنظمين لها بشتى التهم المرفوضة.
فقد جاء في خطاب له قبل المظاهرة مخاطباً الشعب والراغبين بالتظاهر بيوم واحد ما يلي:
"ان الذين يفكرون بعودة البعث السابق والايام السوداء من تاريخ العراق ، وكذلك الارهابيين والقاعدة وغيرهم ممن لا يريدون لبلدنا الخير، ستجدونهم ربما أعلى صوتا منكم واكثر حماسا للمطالبة بكل ما من شانه شاعة الفوضى والاخلال بالنظام العام وتعريض مؤسسات الدولة والممتلكات العامة والخاصة للخطر في محاولة للانقضاض على كل ما حققتموه من مكتسبات في حياة ديمقراطية وانتخابات حرة وتبادل سلمي للسلطة واطلاق للحريات.
 انهم بكل صراحة يخططون لكي يستفيدوا من مظاهرة يوم غد لاغراضهم الخاصة وطبقا للشواهد والادلة التي ناقشها اجتماع يوم امس الذي حضره فخامة رئيس الجهورية وقيادات وممثلو الكتل السياسية الذين كلفوني بضرورة وضع هذه الحقائق امامكم ، واكدوا جميعا ضرورة اخذ الحيطة والحذر مع احتفاظكم بحقكم بالتظاهر متى شاتم وفي أي مكان تريدون.
ان واجب الحكومة بل والدولة بكل مؤسساتها ليس فقط حمايتكم بل والاستماع لصوتكم و معالجة مشاكلكم . وهذا ايضا ما نبهت اليه المرجعيات الدينية وحذرت منه الزعامات والشخصيات الاجتماعية التي تحرص على سلامة العراق والعراقيين وتسعى الى تقدمه وازدهاره.
 لذا اؤكد مرة اخرى على حقكم بالتعبير عن رايكم ورفع صوتكم بالاحتجاج او  الاعتراض على كل ما تشخصونه من اخطاء او خلل ولكن مع مراعاة النظام  العام ومصلحة  البلاد وعدم الاضرار بالامن والاستقرار، كما  ادعوكم من موقع الحرص الى ضرورة اجهاض مخططات اعداء الحرية والديمقراطية ، وعدم المشاركة بمظاهرة الغد لانها مريبة وفيها احياء لصوت الذين دمروا العراق واسقطوا سيادته ودمروا مؤسساته ، وأشاعوا القتل والفساد ، وهذا لايعني حرمانكم مرة اخرى من حق المظاهرات المعبرة عن المطالب الحقة والمشروعة ، ويمكنكم اخراج هذه المظاهرات في اي مكان او زمان تريدون خارج مكان وزمان ، مظاهرة يقف خلفها الصداميون والارهابيون والقاعدة . واحذركم من مخططاتهم التي تستهدف حرف المسيرات والمظاهرات لتتحول الى مظاهرات قتل وشغب وتخريب واشعال فتنة يصعب السيطرة عليها وتفجيرات واحزمة ناسفة. " (راجع خطاب رئيس الوزراء في 24/2/2011  موقع حزب الدعوة الإسلامية الرسمي).

ب : الطلب من المرجعيات الدينية إصدار فتاوى تحرم المشاركة  في التظاهرة بذريعة استخدامها من أعداء الشعب. نشر موقع السومرية نيوز بتاريخ 23/2/2011 ما يلي:
"السومرية نيوز/ الخميس 23/2/2011,  أفتى المرجع الديني كاظم الحائري في النجف بتحريم المشاركة في التظاهرات المليونية المقرر انطلاقها في عموم محافظات العراق يوم غد الجمعة، فيما اعتبر رجل دين وقيادي سابق في حزب الدعوة أن المشاركة في التظاهرة تضعف النظام ولا تصلحه.
وقال مصدر مطلع في مكتب المرجع الحائري في النجف في حديث لـ"السومرية نيوز"، إن "المرجع السيد كاظم الحائري حرم المشاركة في تظاهرة الجمعة"، مبيناً أن "مكتب الحائري أبلغ مقلديه بحرمة المشاركة في التظاهرة لكنه تجنب إصدار بيان علني احتراماً لموقف المراجع الدينية التي أيدت حق التظاهر".
وأضاف المصدر الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أن "المرجع الحائري، الذي يقيم حالياً في مدينة قم الإيرانية، حرم المشاركة في التظاهرة لمشاركة البعثيين والنواصب فيها"، على حد تعبيره.
من جانبه، ذكر الشيخ محمد مهدي الآصفي في بيان أصدر مكتبه في النجف،  وتلقت "السومرية نيوز"  نسخة منه، أن "مسيرات يوم غد الجمعة وحسب أهداف المنظمين لها تعد إضعافاً للنظام وليس إصلاحاً ونقداً بناء".
وأضاف الآصفي، وهو رجل دين معروف وقيادي سابق في حزب الدعوة الإسلامية، أن "هذا أمر لا يجوز باتجاه النظام القائم اليوم في العراق".
يشار إلى أن  محمد مهدي الآصفي، المقيم حالياً في النجف، شغل ولسنوات طويلة منصب المتحدث باسم حزب الدعوة الإسلامية الذي يتزعمه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي قبل أن يستقيل ليتفرغ للدرس الديني.
وكان مرجع ديني بارز آخر وهو محمد اليعقوبي اعتبر في بيان صدر عن مكتبه، اليوم الخميس، أن تظاهرات الجمعة المرتقبة مثيرة للشك والتوجس لعدم معرفة الجهات التي تقف وراءها، مؤكداً عدم تحمله مسؤولية المشاركة فيها، فيما أعرب المرجع الديني الأعلى علي السيستاني، وفقاً لمقرب منه في حديث لـ"السومرية نيوز"، أمس الأربعاء، عن قلقه من خروج التظاهرات المرتقبة يوم الجمعة عن السيطرة وتسلل من أسماهم بـ"ذوي المآرب والأجندات الخاصة" إليها، فيما أكد تأييده لمطالب المتظاهرين المشروعة، كما أصدر مرجع ديني آخر وهو محمد تقي المدرسي، أول أمس الثلاثاء، فتوى تحرم التصدي للتظاهرات السلمية التي تخرج في العراق أو غيره من البلدان للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية والخدمية، كما حرم إلحاق الضرر بالممتلكات العامة أو الخاصة من قبل المتظاهرين." وفي اليوم نفسه أصدر مكتب السيد علي السيستاني موقفه الداعي إلى عدم المشاركة في التظاهرة لكي لا تستثمر من أعداء الشعب.
ج. كما استنجد المالكي بمؤيديه ومريديه ومن لهم موقف مساند للمالكي لكتابة المقالات التي تحذر من التظاهر يوم 25/2/2011 لأنها ستكون لصالح أعداء الشعب وسيندس بها البعثيون والقاعديون ومن لف لفهم, حتى إن البعض منهم قد تحدى من يقول بغير ذلك إذ كتب مقالاً تحت عنوان "يسيرون إلى الهاوية وهم نيام" وانتهى بما يلي:
"خلاصة القول، هناك حملة تهيئ لتظاهرات احتجاجية من مختلف الجهات بما فيها الجهات المشاركة في الحكومة، ولكن لكل منها أجندتها الخاصة، فأهدافها المعلنة محاربة الفساد، ولكن غاياتها الحقيقة حرق العراق والتمهيد لعودة الدكتاتورية الفاشية، يعني قول حق يراد به باطل. وإن غداً لناظره قريب؟". (من مقال الدكتور عبد الخالق حسين عشية مظاهرة الغضب. راجع موقع الأخبار الإلكتروني).
د. البدء بعقد لقاءات مع القوى السياسية خارج الحكومة لإقناعها بعدم المشاركة في التظاهرة وتهديها بعواقب غير حميدة إن شاركت في التظاهرة. وكانت حملة إخلاء مقر الحزب الشيوعي العراق ومكتب جريدته المركزية ومقر حزب الأمة العراقية ببغداد بواسطة قوات قيادة عمليات بغداد وبقرار من القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الوزراء نوري المالكي هي التعبير الصارخ على تطير المالكي من مظاهرات الشعب, وهي العقوبة التي نزلت بالحزبين بسبب رفضهما طلب رئيس الوزراء بعدم المشاركة بالتظاهرة الشعبية. 
ولكن الأسوأ في إجراءات السلطة هو الذي حصل يوم التظاهرة والأيام التي تلته. لقد اتخذ نوري المالكي, باعتباره رئيساً للوزراء والقائد العام للقوات المسلحة, مجموعة من الإجراءات التعسفية المناهضة للحريات العامة منها بهدف منع حصول المظاهرة في اليوم الخامس والعشرين من شهر شباط/فبراير 2011 منها على سبيل المثال لا الحصر:
1. تقطيع أوصال بغداد بحواجز كونكريتية بما يمنع المتظاهرين من الوصول إلى ساحة التحرير في بغداد للمشاركة  في التظاهرة.
2 . منع سير المركبات بكل أنواعها (السيارات والدراجات البخارية والدراجات الهوائية) بما يحرم الكثير من الراغبين في التظاهر من الوصول إلى ساحة التحرير.
3 . تعبئة واسعة لكل القوات العسكرية العراقية, الجيش والشرطة وقوات الأمن والقوات الخاصة وشرطة مكافحة الشغب, إضافة إلى الجواسيس والعيون الإضافية.
4 . إملاء رؤوس هذه القوات بما يقود إلى نشوء كراهية لديهم ضد المتظاهرين ويتصرفوا معهم بقسوة وعنف غير مبررين. 
5 . تعبئة أجهزة الإعلام التابعة للدولة للمشاركة في الحملة المناهضة لخروج المظاهرة والوقوف إلى جانب إجراءات الحكومة والتشهير بالمتظاهرين وأهدافهم والدعوة إلى عدم المشاركة. 
6 .تحشيد الأعوان في الداخل والخارج ضد المظاهرة والمتظاهرين والإساءة إلى سمعتهم في الخارج والداخل.
7 . تحريك الطيران السمتي لمراقبة المتظاهرين والطيران فوق رؤوسهم لاستفزازهم أو إشاعة الخوف في صفوفهم.
وقد حصل كل ذلك, ولكن ما زاد في الطين بلة ما حصل أثناء المظاهرة وما بعدها وحتى الوقت الحاضر. فقد قتل 16 متظاهراً في كل من الموصل والفلوجة والرمادي وغيرها بسبب ورصاص الشرطة وأجهزتها الأمنية وليس بسبب المتظاهرين الذين تظاهروا سلمياً. ثم حملة الاعتقالات الواسعة للمشاركين في التظاهرات في أنحاء العراق واعتقال العديد من الصحفيين والإعلاميين وتعريضهم للتعذيب الشرس, وبعضهم ما زال معتقلاً في أعقاب تلك المظاهرات أو التي حدثت في أيام الجمع اللاحقة لجمعة الغضب.
وحين انتهت مظاهرة جمعة الغضب ظهر الحق وزهق الباطل وأجبر الذين أرادوا تشويه سمعة المتظاهرين والمنادين بالإصلاح والتغيير إما بإبراز الوجه الناصع للمتظاهرين أو السكوت على مضض لأنهم لم يثقوا بهذا الشعب ولم يعانوا من مرارات الحرمان التي يتعرض لها الإنسان العراقي أو المجتمع بشكل عام. لقد زج وورط المالكي والكثير من سياسيي هذه الحقبة من حياة الشعب العراقي المرجعيات الدينية في النجف وكربلاء وغيرها بمعلومات خاطئة مما أجبر السيستاني على رفض مقابلة السياسيين, وهو إجراء حكيم في مقابل إجراء سابق لم يكن حكيماً بل خاطئاً ومستعجلاً.   
من يقرأ بعض الصحف العراقية ويتابع أخبار العراق خلال الأسابيع المنصرمة سيدرك بوضوح عدة مسائل مهمة:
1.   إن الحريات العامة الناشئة حديثاً في العراق مهددة بالمصادرة ليس من قوى الإرهاب الدموية المتنوعة وحدها فحسب, بل إن هناك خطراً حقيقياً يهددها الحريات العامة من جانب الحكم والأجهزة الأمنية التي كان المفروض فيها أن تحمي المتظاهرين لا أن تقوم بقمعهم, كما حصل خلال الأسابيع الأربعة المنصرمة.
2.   إن رئيس الحكومة العراقية شخصية غير ديمقراطية ومصاب, كما يبدو لي, بنرجسية مرضية, إنها شخصية مناهضة للديمقراطية ومستبدة. إذ أن عدد القتلى وحجم الاعتقالات وأساليب التعذيب والإهانات, بما في ذلك التهديد بالاغتصاب, لا يمكن أن يقبل به الإنسان السوي والديمقراطي, بل هو من سلوكيات الحاكم المستبد.   
3.   إن الأجهزة الأمنية والشرطة, وبالعموم القوات المسلحة التي شاركت في تفريق المتظاهرين والإساءة لهم قد تربوا على ذهنية غير ديمقراطية وعدوانية إزاء الشعب والمطالبين بحقوقهم, وأنهم يحملون ذات الذهنية التي وجدت لدى أجهزة الأمن السابقة, فالسادية كان الأسلوب المفضل لدى قوى صدام حسين.
4.   إن الأجهزة الإعلامية التي تشكل جزءاً من الأجهزة التابعة للدولة وتتسلم رواتبها من خزينة الدولة قد اتخذت مواقف غير حيادية إزاء ما حصل ويحصل في العراق, بل كانت إلى جانب الحكومة في كل شيء, بما في ذلك الإساءة لسمعة المتظاهرين والتنديد بهم ومحاولة ثنيهم عن التظاهر.   
5.   إن الدولة العراقية التي يراد أن يطلق عليها بـ "دولة القانون" لم تكن دولة قانون, بل جرى تجاوز فظ ومستمر على الدستور العراقي وعلى حقوق الشعب في التظاهر والتعبير عن الرأي من جانب الحكومة وأجهزة الدولة والأحزاب الحاكمة التي وافقت أو سكتت عما جرى للمتظاهرين, إذ من حق الشعب أن يتظاهر متى يشاء وأن يطالب بتغيير رئيس الحكومة أو الحكومة كلها أو تغيير النظام السياسي ما دام الشعب لا يمارس العنف ولا يستخدم السلام, بل يمارس ذلك بأسلوب سلمي وديمقراطي حضاري, في حين رئيس الحكومة والحكومة وأجهزة الدولة القمعية هم الذين مارسوا العكس واستخدموا العنف والسلاح والاعتقال والتعذيب ضد المتظاهرين, ومن أصدر الأوامر بذلك هو الذي ينبغي له أن يرحل وليس ترحيل الشعب.
6.   لقد برهنت الأسابيع المنصرمة أن الشعب هو الذي أعلن الاحتجاج وهو الذي تظاهر وليس قوى القاعدة والبعث الصدامي  ومن لف لفهم, وأن نهج الحكومة ورئيسها كان ليس خاطئاً فحسب, بل وألحق ضرراً فادحاً بكل القوى التي وقفت إلى جانبه, وكذا الكتاب الذين ساندوه ورددوا معه المخاوف والتهديدات والمكاسب دون أن يدركوا أهمية الثقة بهذا الشعب وضرورة الاستجابة له وأن الشعب غير قادر على تحمل الأوضاع المزرية الجارية, ولا يكفي تعداد بعض القضايا التي تحققت خلال سنوات منصرمة وكأنها معجزات لم يمتلك غير الحاكم بأمره القدرة على تحقيقها. وأن هذا الشعب يرفض القاعدة ويرفض حزب البعث الذي خرب البلاد طوال العقود الأربعة تقريباً التي حكم فيها البلاد.
7.   لقد كان إشراك القوات المسلحة (الجيش) في عمليات قمع المتظاهرين وتفرق المظاهرات الشعبية المشروعة تجاوز فظ على مهماتها الوطنية في حراسة حدود البلاد, وإساءة إلى دورها الوطني.   
إن الاستنتاجات التي يفترض ىتشخيصها من تجربة الأشهر والأسابيع المنصرمة تتلخص في النقاط التالية:
1.   إجراء تعديلات جادة على قانون الانتخابات وتعديل كل ما يتناقض مع الشرعية وما ثبت عدم ديمقراطيته خلال الانتخابات المنصرمة.
2.   الاتفاق على إجراء انتخابات عامة مبكرة لانتخاب مجلس نواب جديد ومجالس محافظات جديدة.
3.    وفي ضوء نتائج الانتخابات تتشكل الحكومة العراقية على أساس الكفاءة والمواطنة الحقة.
4.    إعادة النظر بمواد الدستور وإزالة كل ما يتعارض مع مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان.
5.   إقرار خطة اقتصادية خمسية في ضوء إستراتيجية تنموية عقلانية بعيدة المدى تساهم في عملية البدء بتغيير بنية الاقتصاد العراقي ومكافحة البطالة والفقر في المجتمع.
6.   تنشيط هيئة النزاهة وتقديم المتهمين بالفساد والمفسدين إلى القضاء العراقي دون إبطاء والكف عن التستر عليهم.
7.   الاستجابة السريعة لمطالب الشعب التي جسدتها المظاهرات الشعبية الأخيرة, وخاصة قضايا الخدمات الأساسية. 
8.   وضع سقف زمني لمعالجة المشكلات المعلقة منذ سنوات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم في ضوء ما يقرره الدستور العراقي, إضافة إلى الانتهاء من وضع القوانين المهمة, بما فيها قانون الأحزاب.   
9.   الابتعاد كلية عن زج الجيش بعمليات داخلية لتفريق المتظاهرين وقمعهم.
10.   إعادة تأهيل الأجهزة الأمنية والشرطة باحترام إرادة الشعب وحقوقه وحمايته من أي اعتداء وليس الاعتداء عليه وقمعه.
إن الاستجابة لمطالب الشعب وتأمينها فعلاً والصدق والشفافية معه هو الذي يبعده عن قوى الإرهاب, سواء أكانوا من تنظيمات القاعدة المجرمة أم من إرهابيي البعث المسلحين. 
19/3/2011                  كاظم حبيب

انتهت الحلقة الثالثة وستليها الحلقة الرابعة



360
كاظم حبيب
الذكرى السنوية الحزينة لجريمة الإبادة البشرية في حلبجة

شكلت جريمة استخدام السلاح الكيماوي في حلبجة جزءاً من حملة ومجازر الأنفال التي امتدت من شهر شباط/فبراير إلى تشرين الأول/اكتوبر 1988 ضد الشعب الكردي في إقليم كردستان العراق في محاولة من النظام البعثي الشمولي لإذلال هذا الشعب الأبي وتطويعه والتخلص من نضاله في سبيل حقوقه المشروعة والعادلة والتي تميزت كما أشرنا إليها في حينها بإنها تعتبر جريمة ضد الإنسانية وإبادة جماعية. لقد سقط في حلبجة بسبب القصف الكيماوي أكثر من 5000 مواطنة ومواطن وأصيب بجروح وأمراض مختلفة لعدد أكبر من ذلك, وهم من مختلف الأعمار. فكان بينهم الأطفال والشباب وكبار السن من الرجال والنساء. ورغم كل تلك الحقائق التي عرف بها القاصي والداني رفض الكثير من القوى القومية الشوفينية من مختلف الاتجاهات, سواء أكان هؤلاء في العراق أم في الدول العربية, الاعتراف بتلك الجرائم البشعة وإدانة نظام البعث ورئيسه وطغمته على التخطيط لها وتنفيذها بدم بارد. 
وأخيراً أقرت المحكمة الجنائية في بغداد ومجلس النواب بأن تلك الجرائم التي نظمها نظام البعث المجرم والدكتاتور القاتل صدام حسين واعتبرت على وفق المعايير والقيم المقررة دولياً. جرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية ضد الشعب الكردي.
إن الذكرى السنوية لهذه الجرائم الشنيعة يفترض أن لا تتحول إلى احتفاء تأبيني روتيني فحسب, بل إلى التزام كل الشعب العراقي وكل الحكومات العراقية المتعاقبة وكذلك في كردستان حكومة وشعباً وأحزاباً في أن لا تسمح بعودة قوى البعث الدموية الفاشية ومنع كافة القوى الشوفينية ومن يماثلها في الشمولية والاستبداد في الحكم وفي التمييز بين أتباع القوميات والأديان والمذاهب في العراق في الوصول إلى السلطة لممارسة ذات السياسات الهمجية ضد الشعب.
كما إن الذكرى السنوية لجريمة حلبجة المريعة وبقية الجرائم في إقليم كردستان العراق والعراق عموماً تستوجب منا التفكير في كيفية التعاون من أجل إعادة بناء مدينة حلبجة من جانب الحكومة الاتحادية بشكل خاص واعتبارها رمزاً مميزاً للمدن المناضلة ضد القوى الفاشية والعنصرية والتي كانت ضحية هذا الفكر العدواني الذي تغلغل في فكر وممارسات حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق.
إن من واجب الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان العراق أن تحول مدينة حلبجة إلى متحفٍ عراقي كبير ودولي تعرض فيه كل أشكال وأساليب وأدوات الاضطهاد والإرهاب والقمع والقتل الذي مارسته الحكومة البعثية في كردستان العراق, كما تعرض فيه ما يمكن جمعه من حاجات الضحايا الأطفال والنساء والرجال وكذلك معرضاً للصور واللوحات الفنية وسينما تعرض ما هو متوفر من أفلام حول مجرى تنفيذ الجريمة وما أنتج من أفلام حول الجريمة.
كما لا بد من التزام بتقديم الدعم والمساعدة لعائلات الضحايا وأطفالهم وتعويضهم بما يليق بتضحياتهم لصالح ورثتهم.
إن أهالي حلبجة بحاجة إلى إعادة بناء مدينتهم على وفق أسس جديدة وتحويل القسم القديم والمتبقي منها إلى جزء من المتحف.
وفي الوقت الذي أقدم التعازي الحارة لعائلات الضحايا للشعب الكردي بشكل خاص وعموم الشعب العراقي بشكل عام, أنحني في الوقت نفسه إجلالاً لتلك الضحايا الغالية من بنات وأبناء الشعب الكردي, سواء من قتل في حلبجة أم من قتل في كافة مراحل عمليات ومجازر الأنفال, وأؤكد على أن خير تعويض لهذه الضحايا الكبيرة التي زادت على 182 ألف قتيل وجد الكثير منهم في المقابر الجماعية, هو الحفاظ على وحدة الشعب الكردي ودفاعه عن المكاسب التي تحققت وخاصة فيدرالية إقليم كردستان, وضمان سيادة مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية وحقوق المرأة ومساواتها مع الرجل ومكافحة كل أشكال الفساد والتخلص من المفسدين والبيروقراطية والحزبية الضيقة, وبناء الاقتصاد والتصنيع ومكافحة البطالة والحرمان والفقر.        كاظم حبيب
 

   

361
كاظم حبيب
نعم, ماذا يراد للعراق يا محمد ضياء عيسى العقابي؟

المقدمة: وجه السيد محمد ضياء عيسى العقابي رسالة مفتوحة موجهة لي ومنشورة في موقع الأخبار, كما قام السيد الدكتور عبد الخالق حسين بتعميمها, حيث طرح فيها السيد العقابي بعض الأسئلة التي تستوجب الإجابة والمناقشة, ثم عرض, كما في مقالات سابقة له, منجزات رئيس الوزراء نوري المالكي, التي تستوجب المناقشة أيضاً.
سأتجاوز الأسلوب الذي كتب به المقال, إذ لي معرفة ومودة سابقة بالسيد المهندس محمد ضياء عيسى العقابي تمنعني, حتى بدونها, عن ممارسة الأسلوب نفسه, في ما عدا العنوان الذي يحاكي عنوان المقال الذي كتبه حول مقالي الموسوم ماذا يراد للعراق؟ سأناقش القضايا الوارد في مقاله الموسوم : "ماذا يُراد للعراق يا كاظم حبيب ؟!!" يمكن مراجعة مقال السيد العقابي في موقع "الأخبار بتاريخ 14/3/2011.
وفي نفس اليوم نشر السيد الدكتور عبد الخالق حسين مقالاً مماثلاً من حيث الدفاع عن حكومة المالكي وإثارة الشكوك حول منتقديه وكأن مؤامرة مشتركة تدور في الأفق ضد المالكي, بعد توقفه لفترة عن الكتابة, حول مقالي المذكور نفسه. سأناقش القضايا التي طرحت في مقال الدكتور حسين بمقال خاص. يمكن مراجعة مقال الدكتور عبد الخالق حسين في موقع الأخبار أيضاً في 14/3/2011.
طرح السيد العقابي موضوعات كثيرة لا بد لي من مناقشة النقاط التالية:
1 . هل تخلى الصدريون عن ميليشيات جيش المهدي؟ وهل جمدت أو حلت فعلاً؟
2 . هل نظام المحاصصة الطائفية والقائم على الطائفية السياسية هو الصيغة المناسبة للحكم في العراق, أم النظام الذي يعتمد مبدأ الديمقراطية والمواطنة الحرة والمتساوية؟
3 . هل كانت مسيرة أياد علاوي ومن بعده إبراهيم الجعفري مسيرة لصالح الطائفية السياسية أم المواطنة المتساوية, وما دور الجعفري في ملء المؤسسات الأمنية بعناصر من المليشيات الطائفية الشيعية؟
4 . هل كان المالكي مستعداً للمساومة من أجل البقاء في الحكم ومهما كان الثمن؟
5 . هل كانت مسيرة الأسابيع المنصرمة, دع عنك مجمل السلوكية تعبر عن ديمقراطية المالكي والوضع العام في العراق أم عن سلوكية استبدادية نمطية؟
6 . ألا نلاحظ أن الحريات العامة في العراق في خطر وعلى عاتق الجميع تقع مسؤولية الدفاع عنها قبل أن نتحدث عن "بعد خراب البصرة".
7 . وهل كانت المظاهرات الشعبية ناتجة عن قوى بعثية وطغموية أم إن المتظاهرين كانوا من صميم هذا الشعب المعذب وما يعانيه من مشكلات أساسية؟ وهل معاقبة الحزب الشيوعي واعتقال الإعلاميين والصحفيين وتعريضهم للتعذيب هي الديمقراطية بعينها؟
8 . ومن المسؤول عن عمق الفساد الجاري في العراق؟ أليس النظام الدكتاتوري البعثي هو المسؤول عن كل ذلك رغم سقوطه قبل ثمانية أعوام؟ وما دور الحكومات العراقية المتعاقبة وقوى الاحتلال والشركات الأجنبية وقوى من الأحزاب السياسية الحاكمة في توسيع ذلك؟
9 . وهل ما أشرت إليه في مقالتي "ماذا يراد للعراق يجافي الحقيقة؟ ألا يعبر عن واقع معاش في العراق حالياً؟
وستتضمن المناقشة إجابات واضحة عن الأسئلة التي طرحها السيد العقابي وفق ما لدي من معلومات.

الحلقة الأولى
هل تخلى الصدريون عن ميليشيات جيش المهدي؟ وهل حلت فعلاً هذه المليشيات؟

كنت أتابع مقالات السيد ضياء العقابي خلال الفترة الأخيرة ودفاعه عن سياسات المالكي وإبراز "منجزاته" في كل مقالة يكتبها, وانتقاد من ينتقد سياسة المالكي بلغة هجومية على حسب المثل القديم يبدو وكأنه "ملكي أكثر من الملك نفسه" , ثم مطالبته قوى اليسار بتحقيق ثورة في فكرها وممارساتها وفق النهج الذي يتبعه في أعقاب مشاركة قوى اليسار في المظاهرات الشعبية احتجاجاً على الأوضاع السيئة التي تعيشها الغالبية العظمى من نساء ورجال العراق. وكان بودي أن أناقش ما جاء في مقالات السيد العقابي وغيره من الكتاب ممن استمرأوا واستمروا في الدفاع عن سياسات ومواقف نوري المالكي وحكومته وعجزوا عن رؤية المخاطر التي تحيط بالعراق وأوضاع الشعب. ولكني كنت اقول باستمرار لكل منا وجهة نظره ولكن يبقى الود والصداقة الاجتماعية بيننا, كما هي علاقة الاحترام المتبادل بين الأخ الدكتور عبد الخالق حسين وبيني رغم اختلافنا في بعض وجهات النظر بما فيها الموقف من سياسات المالكي.
لقد كنت مهموماً حقاً حين نشرت المعلومة التي وصلتني وتيقنت منها بالحدود الممكنة وثقتي بالمصدر من جهة, ومعرفتي سياسات وسلوك زعيم وقوى التيار القيادية والذي يقلدونه, وليس الكادحين البسطاء الملتفين حولهم, من جهة أخرى, أنصب تفكيري على طرح الاستفسار لكي أجلب الانتباه للمعلومة والتحري عن مدى صحتها ومن أجل أن نتمعن بما حصل في العراق خلال الأعوام الثمانية الأخيرة على أيدي المليشيات الطائفية المسلحة ومنها جيش المهدي وعصائب الحق وفيلق بدر وهيئة علماء المسلمين, إضافة إلى قوى القاعدة والبعث الصدامية المجرمة, مع حقيقة وجود كثرة من أعضاء ومؤيدي حزب البعث من "التوابين" من أتباع المذهب الشيعي أو غير التوابين من أتباع المذهب السني في صفوف المليشيات الطائفية الشيعية والسنية المسلحة. وفي الوقت الذي كان الشعب يتطلع إلى بناء عراق جديد على أنقاض الفاشية الدموية, بدأت قوات التحرير من نظام وشخص الدكتاتور صدام حسين وقوات الاحتلال في آن واحد, في بناء نظام المحاصصة الطائفي السياسي, كما بدأ في الوقت نفسه نشاط كبير للميليشيات الطائفية المسلحة سنية كانت أم شيعية. ورغم تراجع نشاط هذه المليشيات, فإنها كبنيات تنظيمية ما تزال قائمة ومستعدة في كل لحظة للحضور في شوارع وأزقة ومدن العراق, وهو ما أسعى ويسعى غيري للتصدي له ورفضه.
من متابعتي المستمرة لقوى التيار الصدري وميليشيات جيش المهدي وتحرياتي الشخصية وعشرات المقالات التي كتبتها حول هذا التيار خلال السنوات المنصرمة يمكنني الإشارة إلى بعض الملاحظات التي أرجو أن تقرأ بهدوء ويجري التفكير بها لأنها ليست من عندياتي, بل هي من خطب وتصريحات قيادات التيار وزعيمه وولي الفقه فيه:
1. إن زعامة هذا التيار الدينية تتسم بالتطرف الديني والتشدد المذهبي والتعصب والتمييز الطائفي السياسي, وهي تقترب في بعض أوجهها الدينية المتزمتة من المدرسة النزعات الوهابية المنطلقة من أرضية المذهب الحنبلي. وقد برهنت على هذا الموقف خطب وتصريحات وأقوال كل من كاظم الحسيني الحائري ومقتدى الصدر. وإذ يمكن إيراد الكثير من المقتطفات, أكتفي بما يلي:
" آية الله كاظم الحسيني الحائري: يا أبنائنا الكرام لا تقفوا مكتوفي الأيدي أمام هذا الهجوم الشرس، واعلموا إن المجرمين من أزلام صدام والنواصب (أي أتباع المذهب السني عملياً وكل من يناصب أهل البيت العداء, ك. حبيب) بلاء مبرم لا بد من إزاحتهم عن الطريق، وكلما طالت أعمارهم ازداد فسادهم، ولا تخافوهم، واعلموا إن كيدهم إلى بوار ." (موسوعة الرشيد أخذ المقتطف في 15/3/2011.)
بيان لمقتدى الصدر في 4/12/2006: "أنا على يقين من أن قوى الظلام المتمثلة بالاحتلال وتابعيها من النواصب والبعثيين لا ينفع به وثيقة ولا عهد ولا مدينة منورة ولا سامراء المقدسة فلا عهد لهم عند الله ، ويريدون التحكم بنا ولكن هيهات أن نخضع لهم." (المصدر السابق نفسه).
2 . إن زعامة هذا التيار تلتزم بممارسة سياسة دينية متطرفة في تحريمها للكثير من الأمور وفي الموقف من المرأة وممارسة العنف واستخدام السلاح لمواجهة مناهضي فكرها أو توجهاتها الدينية, وهي تسعى لتسلم السلطة لبناء دولة دينية طائفية استبدادية. وفي ضوء ذلك شكل منذ البدء الجناح العسكري والذي أطلق عليه جيش المهدي, وهي ميليشيات طائفية سياسية مسلحة. وقد تشكلت ميليشيات جيش المهدي باعتبارها الجناح العسكري للتيار الصدري في حزيران/تموز من العام 2003. ونواة هذه الميليشيات المسلحة هي التي قتلت بعد سقوط النظام الدكتاتوري في التاسع من نيسان 2003 عبد المجيد الخوئي في صحن الأمام علي بن أبي طالب في النجف. لقد مارست ميليشيات جيش المهدي إرهاباً حقيقياَ في العراق في بغداد والوسط والجنوب وفي كركوك, وخاصة الحويجة بين 2003-2008. كما اتهمت هذه الميليشيات بتنفيذ عمليات قتل على الهوية مع القاعدة وهيئة علماء المسلمين وقوى البعث الصدامية, ومعها ميليشيات أخرى. وشاركت في التعذيب الوحشي للمعتقلين ونظمت محاكمات خارج القانون في النجف وفي مناطق أخرى واختطفت الكثير من البشر وهربتهم إلى إيران ليقتلوا هناك, كما اعتصمت هذه المليشيات في صحن الأمام علي بن أبي طالب وتسببت وساهمت بارتكاب جرائم بشعة, إضافة إلى الخراب الذي اصاب الصحن والقبب أو المنارات.
3. إن ميليشيات جيش المهدي ما تزال قائمة ويؤكد وجودها مقتدى الصدر ذاته إذ يعتبرها جيش عقائدي يمثل قوى المهدي المنتظر, وبالتالي فهو وكيل المنتظر الذي يقود عنه هذا "الجيش ", وبالتالي فليس من حقه تجميده أو حله. يقول مقتدى الصدر بهذا الصدد ما يلي:
"النسبة الكبرى منه (المقصود هنا جيش المهدي, ك. حبيب) تحت السيطرة، لو صح التعبير، ومطيعون ومخلصون ومؤمنون وواعون إن شاء الله وقادرون حتى على تحرير العراق مع بعض المقومات الأخرى إن شاء الله شيئا فشيئا. وأنا لست.. أصلا في موارد سابقة قلت أنا مو من حقي أن أجمد جيش المهدي لأن عنوان جيش المهدي عنوان عقائدي، الإمام المهدي يعني، وكل مسلم يجب أن يكون طائعا للإمام المهدي، المصلح خلينا نسميه، إذا الإمام المهدي تعبير شيعي، المصلح، لكل دين من الأديان هناك يسمى شيء يظهر في آخر الزمان مصلح. إحنا هذا الجيش هو جيش هذا المصلح إن شاء الله، سيكون في نهاية الزمان إن شاء الله ظهور له وسنكون إن شاء الله إذا إحنا موجودين وقادرين نفسيا وإيمانيا وجسديا وعسكريا على أن نكون من جنده فجميعنا من جنده إن شاء الله، فهو عنوان عقائدي لا يمكن حله.
غسان بن جدو: إلى ذلك الحين فهذا الجيش جيش المهدي هو قائم تحت قيادتكم، أليس كذلك؟
مقتدى الصدر: إن شاء الله." (من لقاء صحفي بين غسان جدو ومقتدى الصدر, راجع الملحق في نهاية المقال).

4 . كانت الميليشيات الصدرية وما تزال تمارس مهمتين هما:
المهمات العسكرية خارج نطاق القانون, ومهما سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية, وأن يختزلها مقتدى الصدر إلى مهمات عسكرية وثقافية.
وهذا التوزيع ليس من عندياتي أيضاً, فهو مأخوذ من تصريحات مقتدى الصدر في العام 2010. ويمكن القارئات والقراء الإطلاع عليه في الملحق أيضاً. علماً بأن المرجعيات الدينية الشيعية, ومنها مرجعية السيد السيستاني تؤكد بأن القوات المسلحة هي بيد الدولة وتخضع لقوانين الدولة. قال الشيخ جلال الصغير, وهو المعروف بتزمته الديني والطائفي, ما يلي بهذا الصدد: " في تصريح صحفي أمس الثلاثاء إن رأي المرجعية كان يؤكد منذ البداية على ضرورة أن تكون السلطة والقانون بيد الدولة ولا سلاح خارج إطار القانون.
وتساءل الصغير ان المرجعية الدينية لم تُسأل عندما تم تشكيل جيش المهدي حتى يتم التوجه إليها لأخذ رأيها في حالة حله مؤكدا بان من أسس جيش المهدي عليه ان يحله. ولفت إلى إن رأي المرجعية في أزمة النجف واضح باأها طلبت من جيش المهدي تسليم الأسلحة إلى الحكومة مشيرا إلى إن الهدف من هذا الأمر هو لإطالة الوقت والتحجج بحجج معينة" (راجع: موقع المعهد العربي الإلكتروني. أخذ المقتطف في 16/3/2011).
جاء جواب مقتدى الصدر عن سؤال غسان الجدو حول مشاركة تياره في الانتخابات وهل هذا يعني تخليه عن بقية الخيارات كما يلي:
"مقتدى الصدر: كنا ولا زلنا، أنت سؤالك لطيف وهناك أيضا شفنا التفاتة لطيفة أنه أنا أول مرة أدعو لانتخابات بلساني إن صح التعبير، سابقا لم أدع لها، إلا أن هذا لا يعني أن الخيار الوحيد هو السياسة وليس الخيار الوحيد لتحرير العراق هو السياسة لكن لا أريد أن أتقوقع في مجال واحد وهو المقاومة العسكرية، أنا سميتها المقاومة السياسية، هناك مقاومة عسكرية تمشي بحالها مقاومة سياسية تمشي بحالها ومقاومة شعبية أيضا كما في 9 نيسان مظاهرة مليونية قد تكون أو كانت مليونية الله العالم وأنها كل سنة تطلع هذه أيضا أسميها من هذه الناحية المقاومة الشعبية ومقاومة عسكرية ومقاومة سياسية هي دخولنا وانخراطنا في العملية الانتخابية عسى أن نحصل على إيصال -ليش نحصل على كراسي؟ الكراسي لفظ مو لطيف- نوصل بعض المؤمنين إلى كراسي البرلمان لكي يكونوا بابا لخدمة العراق واستقلاله وتحريره وإلى آخره واستتباب أمنه.
غسان بن جدو: يعني هل أفهم من ذلك بأنكم معنيون بخيارين يعني خيار العملية السياسية ما تسميه بالمقاومة السياسية وخيار العمل المسلح ما تسميه بالمقاومة العسكرية؟
مقتدى الصدر: كله مفتوح، ما دام نحن نقول..
غسان بن جدو (مقاطعا): هذان الخياران هما جزءان في صلب الآن..
مقتدى الصدر: (مقاطعا): مع الخيار الشعبي، لا مقاومة ولا سياسة من دون الخيار الشعبي، أنا أعتمد على شيئين، الله والشعب، إذا شعب ماكو وإذا قاعدة شعبية ماكو لا تنجح المقاومة ولا تنجح العملية السياسية، اثنيناتهم تسطر بأنامل شعبية لا أكثر ولا أقل." (راجع الملحق في نهاية هذا المقال).

5 . لا يمكن أن يغفر مقتدى الصدر لنوري المالكي على ما قامت به القوات المسلحة العراقية في العام 2008 إزاء ميليشيات جيش المهدي التي عاثت في العراق قتلاً وتخريباً وفوضى لا مثيل لها. وهو ما يزال يحمل رغبة عارمة في الانتقام منه وممن شارك في تلك العمليات من عسكريين ومدنيين. ولكن مشاركته في الحكومة الحالية جاء بفعل عوامل عدة أشير إلى بعضها في ما يلي:
أ . الضغط الذي مورس على زعيم التيار الصدري من المرجعية الدينية في قم ومن آية الله العظمى كاظم الحائري.
ب . وضغط مماثل من أتباع التيار الصدري المشاركين في العملية السياسية والذين فازوا في الانتخابات الأخيرة بسبب المكاسب التي حظوا بها خلال الفترة المنصرمة.
ج . رغبة مقتدى الصدر والتيار الصدري في عدم الانعزال عن الوسط السياسي العراقي وعن عدد من الوزارات التي يمكنه الاستفادة منها لتعزيز وجوده وتأثيره على المجتمع وتأمين روافد مهمة لمعلومات ميليشيات جيش المهدي عند الحاجة.
د . تعزيز إمكانياته في الترويج لأفكاره المتخلفة والمتزمتة في المجتمع العراق, كما في موضوع المرأة أو الحلاقة النسائية أو الغناء والموسيقى والرقص والرسم والنحت أو في موضوع الحجاب والبارات وما إلى ذلك.
هـ . التصدي من داخل الحكومة ومجلس النواب لأي قرار يمكن أن يتخذ بتطوير الحريات الديمقراطية وحقوق المرأة والذي يمكن أن يتعارض مع توجهاته الدينية والطائفية.
حين وصل نوري المالكي إلى السلطة وجد نفسه معرضاً للسقوط ما لم يتخذ إجراءات حازمة وبالاتفاق مع القوا الأمريكية وتشكيل الصحوات في محافظات الأنبار وصلاح الدين على نحو خاص. وكان موقفاً حكيماً منه ساهم في تقليص العمليات الإرهابية الإجرامية. وكن الموقف سليماً وحصد تأييداً عند تشكيله لقائمة دولة القانون. ولكنه لم يتواصل ولم ينجر مهمات أخرى لكي يستطيع ان يعزز ما تحقق بل تراجع العمل وعادت العمليات الإرهابية على العراق وأن كانت بمستويات اقل.

يقول مقتدى الصدر بشأن الموقف من حكومة المالكي والمالكي ما يلي:
مقتدى الصدر: أنا أتصور أن الحكومة كانت وباعتبارها أبوية للجميع كانت يجب عليها أن تحتوي الجميع، ليس بالحروب وليس بالقتال، أنا سبق أن قلت لرئيس الوزراء السابق، التيار الصدري..
غسان بن جدو: السابق من يعني؟
مقتدى الصدر: الدكتور إبراهيم الجعفري، قلت له إن التيار الصدري مجرد أن تحتويه ولو بالقليل تضمنه يكون تحت لوائك وفعلا ضمنه.
غسان بن جدو: هذا سابقا.
مقتدى الصدر: هذا سابقا، المالكي لم يقتنع بذلك الشيء، المالكي تصور أن هناك من سيدعمه بعد أن يسقط التيار الصدري تصور أنه هو انتصر على التيار الصدري، التيار الصدري مجرد أن صارت حروب معه سواء باستهداف مباشر أو غير مباشر -لأنه هو ينفي أنه كانت هذه حرب ضد التيار الصدري- رأسا أنا قلت يجمد جيش المهدي لمدة كذا أو من دون مدة وانتهت الحرب لمجرد التجميد، ليس هو انتصر على الإرهاب ولم ينتصر على جيش المهدي ولم ينتصر على القوى التي كانت معارضة للحكومة، أبدا، لا بالموصل ولا ديالى الإرهابيين ولا افرض بالجنوب اللي هو يسمى جيش المهدي، لم ينتصر على أي أحد منهم، هو يتوهم الانتصار لكن لا انتصار في البلد والدليل على تفجيرات الأمس كانت موجودة وقبل أربعة أيام وخمسة أيام ". (راجع الملحق في نهاية هذا المقال).
إن في فم مقتدى الصدر غصة وهو ينتظر الفرصة للانتقام من المالكي بل ومن إذلاله, والمالكي لم يدرك ذلك حتى الآن أو لا يريد ان يدرك ذلك وبالتالي يراهن على التنازل له بدلاً من ممارسة سياسات أخرى.
ومرة أخرى أقول بأن ميليشيات جيش المهدي لا تزال موجودة في واقع الحال, وان كانت لا تحمل السلاح ليل نهار, بل تمتلكه, ولكنه مهيأ في كل لحظة حين يطلب منها أن تحمله عل كتفها وتنزل إلى الساحة لاستخدامه.
إن وجود تشكيلات ميليشيات جيش المهدي لا أدعيها أنا بل يعترف بوجودها مقتدى الصدر ذاته. وعلى تصريحاته وخطبه أعتمد في ما قلته وأشرت إليه في هذه الحلقة.
وبعد كل هذا, هل تخلى الصدريون عن ميليشيات جيش المهدي والعنف؟ على السيد العقابي أن يتيقن بأن الجناح العسكري للصدريين لم يتخل عن سلاحه, بل يمتلك ما يكفي عند الحاجة. وإليكم الملحق الذي يتضمن بعض خطب ومقابلات مقتدى الصدر الصحفية.
أكتفي بهذا القدر بشأن التيار الصدري ومن يرغب بأكثر من ذلك يمكنه أن رجع إلى مقالاتي عن التيار الصدري في موقع الحوار المتمدن الإلكتروني.
15/3/2011 كاظم حبيب

انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية بعنوان: هل نظام المحاصصة الطائفية والقائم على الطائفية السياسية هو الصيغة المناسبة للحكم في العراق, أم أن النظام الذي يعتمد مبدأ الديمقراطية والمواطنة الحرة والمتساوية هو المطلوب للعراق؟














الملحق
من خطب وتصريحات ومواقف مقتدى الصدر المسجلة
تأسست ميليشيات جيش المهدي في حزيران 2003 سأحاول تناول تطور الموقف:

فالمعطيات المتوفرة لدي هي ليست مقالات لي ولا لغيري بل هي تصريحات وخطب ولقاءات صحفية لمقتدى الصدر, وبالتالي لن أتدخل في أثبات أو نفي شيء لكي يطلع السيد العقابي وكافة القارئات والقراء على موقف مقتدى الصدر من ميليشيات جيش المهدي على امتداد الفترة المنصرمة وإلى يومنا هذا
مقتطف من لقاء صحفي بين قناة الجزيرة (غسان جدو) ومقتدى الصدر في العام 4/8/2008

غسان بن جدو (متابعا): هل تؤيدها؟ هل تؤيد مقاومة مسلحة ضد القوات التي تسميها بأنها محتلة؟
مقتدى الصدر: ضد المحتل نعم، ضد غير المحتل لا.
غسان بن جدو: لأن العراق الآن تصفه بأنه محتل، ولأنك وصفت المحتل...
مقتدى الصدر (مقاطعا): يجب تحريره.
غسان بن جدو (متابعا): المحتل بأنه أميركي إذاً هل أنت مع أعمال مقاومة مسلحة من أجل تحرير العراق من القوات الأميركية المحتلة كما تصفها طبعا؟
مقتدى الصدر: بشرط ألا تضر بالشعب العراقي.
غسان بن جدو: سآتي إلى هذه النقطة، أنا أتحدث عن موقف سياسي عام بهذه الطريقة، هل أنتم معها؟
مقتدى الصدر: نعم.
غسان بن جدو: بشكل صريح وواضح؟
مقتدى الصدر: نعم، بصريح..
غسان بن جدو (مقاطعا): بشرط ألا تضر بالشعب العراقي، ما الذي تعنيه؟
مقتدى الصدر: بعدها هذه ما بها تقية.
غسان بن جدو: ما الذي تعنيه عدم الإضرار بالشعب العراقي، ما الذي تعنيه؟
مقتدى الصدر: مثلا ألا تكون الحروب في المدينة تكون خارج المدينة، كمثال أولي إجا في بالي، يعني لا تضطر بنفس الشعب العراقي. مثلا أن يكون الهدف المخصص هو المقصود لا أن يتضرر به الآخرون لو صح التعبير وهكذا من الأمور التي هم المقاومين أعرف بها مني.
غسان بن جدو: بالنسبة لتحويل يعني قضية جيش المهدي الآن، نريد أن نفهم أن جيش المهدي هناك الآن صورة..
مقتدى الصدر (مقاطعا): تحويل؟
غسان بن جدو (متابعا): لا عفوا سآتيك. صورة غامضة عن جيش المهدي، طبعا جيش المهدي أنشأتموه بعد.. منذ خمس سنوات، وأعداده يبدو أنها كبيرة، لست أدري يعني أرقامها بالتحديد ولكن يبدو أنها كبيرة، هناك حتى من يتحدث عن مليون شخص، ربما. حقيقة فهمنا نحن في الخارج بأنكم أعلنتم حل جيش المهدي، لستم معنيين بجيش المهدي لأن جيش المهدي أصبحتم غير قادرين على السيطرة عليه.
مقتدى الصدر: هو مسيطر عليه، والنسبة..
غسان بن جدو (مقاطعا): أوضح لنا هذه النقطة لو سمحت.
مقتدى الصدر (متابعا): النسبة الكبرى منه تحت السيطرة، لو صح التعبير، ومطيعون ومخلصون ومؤمنون وواعون إن شاء الله وقادرون حتى على تحرير العراق مع بعض المقومات الأخرى إن شاء الله شيئا فشيئا. وأنا لست.. أصلا في موارد سابقة قلت أنا مو من حقي أن أجمد جيش المهدي لأن عنوان جيش المهدي عنوان عقائدي، الإمام المهدي يعني، وكل مسلم يجب أن يكون طائعا للإمام المهدي، المصلح خلينا نسميه، إذا الإمام المهدي تعبير شيعي، المصلح، لكل دين من الأديان هناك يسمى شيء يظهر في آخر الزمان مصلح. إحنا هذا الجيش هو جيش هذا المصلح إن شاء الله، سيكون في نهاية الزمان إن شاء الله ظهور له وسنكون إن شاء الله إذا إحنا موجودين وقادرين نفسيا وإيمانيا وجسديا وعسكريا على أن نكون من جنده فجميعنا من جنده إن شاء الله، فهو عنوان عقائدي لا يمكن حله.
غسان بن جدو: إلى ذلك الحين فهذا الجيش جيش المهدي هو قائم تحت قيادتكم، أليس كذلك؟
مقتدى الصدر: إن شاء الله.

مستقبل جيش المهدي وأهدافه
غسان بن جدو: طيب هذا الجيش عندما تقولون سترتبونه، ترتبونه إلى ماذا؟ ما الذي يعني ترتيب جيش المهدي؟ هل أحسستم مثلا أن هناك انفلاتا داخل جيش المهدي أن هناك أطراف لا تستطيعون السيطرة عليها لأنه ممتد بشكل كبير فربما تقوم ممارسات لا علاقة لكم بها، ماذا؟
مقتدى الصدر: وإنما يحتاج إلى تطوير، كل شيء يحتاج إلى كمال، أنا رأيت أن جيش المهدي يحتاج إلى كمال من بعض الجهات الثقافية العسكرية الاجتماعية الدينية التقرب إلى الشعب العراقي فأنا كل هذه الخطوات سأقوم بها.
غسان بن جدو: وما هو هدفه الإستراتيجي جيش المهدي؟
مقتدى الصدر: تحرير العراق، حاليا يعني؟
غسان بن جدو: نعم.
مقتدى الصدر: حاليا تحرير العراق، والدفاع عن الشعب العراقي في حال الأزمات لو صح التعبير والعراق في أزمة وهو محتل فيجب تحرير العراق.
غسان بن جدو: آه بوضوح تقول يعني جيش المهدي هدفه..
مقتدى الصدر (مقاطعا): الدفاع عن العراق.
غسان بن جدو: وتحرير العراق.
مقتدى الصدر: هذا لا ينكر ولم أنكره ولا أنكره.
غسان بن جدو: ولا تزال مستمرا فيه.
مقتدى الصدر: ولا أزال، ولو لم أكن موجودا، لو قتلت أو مت أو اعتزلت أو انعزلت أو أي شيء من هذه الأسباب أيا كانت يبقى هدف جيش المهدي هو تحرير العراق، ما لها علاقة.
(موقع قناة الجزيرة الفضائية).

مقتطفات من نص لقاء قناة الجزيرة الفضائية في العام 10/4/2010
"غسان بن جدو: على كل حال هي حيثيات ما بعد الانتخابات ومسار سياسي متكامل وحتى أحيانا معقد ومركب وتدخل فيه كثير من التحالفات والتكتيكات، هذا جزء أساسي من محور لقائنا ولكن ربما كمدخل رئيسي سماحة السيد الآن أنتم أعلنتم لأول مرة وبشكل صريح ومباشر دعوتكم الناس للانتخاب والاقتراع، في السابق أنتم شاركتم كتيار صدري أولا ثم مع التيار الصدري سواء في الانتخابات البرلمانية أو مجالس المحافظات، هل يعني هذا بأن التيار الصدري والسيد مقتدى الصدر يعني يعلن انضمامه الكامل للعملية السياسية وابتعاده عن أي خيار آخر مخالف داخل العراق؟ لأنه الآن إجابتك الآن تحدثت أنه حتى من أهداف هذه الانتخابات ليس فقط خدمة الناس ولكن تتحدث حتى عن التحرير، هل معنى هذا أن العملية السياسية أصبحت هي الخيار الإستراتيجي الرئيسي للتيار الصدري ولكم؟
مقتدى الصدر: كنا ولا زلنا، أنت سؤالك لطيف وهناك أيضا شفنا التفاتة لطيفة أنه أنا أول مرة أدعو لانتخابات بلساني إن صح التعبير، سابقا لم أدع لها، إلا أن هذا لا يعني أن الخيار الوحيد هو السياسة وليس الخيار الوحيد لتحرير العراق هو السياسة لكن لا أريد أن أتقوقع في مجال واحد وهو المقاومة العسكرية، أنا سميتها المقاومة السياسية، هناك مقاومة عسكرية تمشي بحالها مقاومة سياسية تمشي بحالها ومقاومة شعبية أيضا كما في 9 نيسان مظاهرة مليونية قد تكون أو كانت مليونية الله العالم وأنها كل سنة تطلع هذه أيضا أسميها من هذه الناحية المقاومة الشعبية ومقاومة عسكرية ومقاومة سياسية هي دخولنا وانخراطنا في العملية الانتخابية عسى أن نحصل على إيصال -ليش نحصل على كراسي؟ الكراسي لفظ مو لطيف- نوصل بعض المؤمنين إلى كراسي البرلمان لكي يكونوا بابا لخدمة العراق واستقلاله وتحريره وإلى آخره واستتباب أمنه.
غسان بن جدو: يعني هل أفهم من ذلك بأنكم معنيون بخيارين يعني خيار العملية السياسية ما تسميه بالمقاومة السياسية وخيار العمل المسلح ما تسميه بالمقاومة العسكرية؟
مقتدى الصدر: كله مفتوح، ما دام نحن نقول..
غسان بن جدو (مقاطعا): هذان الخياران هما جزءان في صلب الآن..
مقتدى الصدر: (مقاطعا): مع الخيار الشعبي، لا مقاومة ولا سياسة من دون الخيار الشعبي، أنا أعتمد على شيئين، الله والشعب، إذا شعب ماكو وإذا قاعدة شعبية ماكو لا تنجح المقاومة ولا تنجح العملية السياسية، اثنيناتهم تسطر بأنامل شعبية لا أكثر ولا أقل.
غسان بن جدو: نعم هذا دقيق لكن أنا أتحدث الآن عن كخيار إستراتيجي..
مقتدى الصدر: إيه، إيه..
غسان بن جدو: الخياران مع بعضهما؟
مقتدى الصدر: نعم، نعم مع بعضهما.
غسان بن جدو: تؤكد لي هذا الأمر.
مقتدى الصدر: أؤكد لك هذا الأمر وبقاء الاحتلال معناه عقلا بقاء المقاومة ومعناه شرعا بقاء المقاومة، لو احتل بلدي لقاومت لو احتل بلدي لحررته، هذا ماشي هذه قاعدة عقلية ونقلية لا مجال لنقاشها.
غسان بن جدو: ومعناه شرعا وعقلا؟
مقتدى الصدر: وعقلا.
غسان بن جدو: وعمليا، معناه عمليا ماذا؟
مقتدى الصدر: وعمليا إن شاء الله نسعى إلى تحريره بكافة الطرق.
غسان بن جدو: طبعا هذا الكلام سماحة السيد بكل صراحة قد يكون أيضا جديدا في توقيته الآن..
مقتدى الصدر: لا ليس جديدا.
غسان بن جدو: أنا أعلم كثيرا بأنكم في السابق أعلنتم أكثر من مرة دعمكم للمقاومة المسلحة وفي الوقت نفسه لم تكونوا قد دعوتم بشكل صريح للانخراط بالعملية السياسية والمشاركة فيها، الآن تشاركون في العملية السياسية وفي الوقت نفسه خصوصا ونحن في الذكرى السابعة لغزو العراق تدعون إلى المقاومة المسلحة، لماذا أقول لكم هذا الكلام؟ لأن من انخرطوا في العملية السياسية في العراق ومعظم الأطراف بنسبة 99% تقول بشكل صريح إن العملية السياسية هي الخيار الإستراتيجي ولا بديل لها وأي أعمال أخرى تسميها أعمال عنف وربما حتى أعمالا إرهابية، الذين قاطعوا العملية السياسية ولا يزالون يقاطعون العملية السياسية وهذه الانتخابات يقولون بشكل صريح وواضح لا خيار إلا العمل العسكري، بمعنى آخر عندما تقولون الآن الجمع بين المسألتين هل يعني هذا بأنه سيكون لكم علاقات مع الجانبين مع الطرفين؟ وكأننا نشهد الآن أن هناك فجوة بينكم كتيار صدري ومن يستخدمون أساليب العمل المسلح المقاومة المسلحة.
مقتدى الصدر: أنا عملت جاهدا إلى أن أفصل ما بين المشروع المقاومة العسكرية ومشروع المقاومة السياسية حتى لا أحد يكون مضرا بالآخر، مرات العملية السياسية تضر بالمقاومة شيئا ما ومرات العملية المقاوماتية العسكرية تضر بالعمل السياسي، أنا حاولت أفصل بيناتها عدا التنسيق الذي لا بد منه بين أي كيانين، إلا أنه أنا أترك العملية السياسية؟ لم ولن، لا سابقا، أنا أقول لك يعني قصة إن صح التعبير على أنه أحد الأشخاص السياسيين في العراق ذهب إلى إحدى دول الجوار -وبحينها قبل أربع سنين في الانتخابات الماضية التي لم نزج أنفسنا بها علنا- الشخصية غير العراقية من إحدى دول الجوار قال له التيار الصدري ومقتدى بالنص هم حصل مقاومة عسكرية هم حصل سياسة هم حصل قاعدة شعبية، أنتم كل شيء ما حصلتم! إيه ليش؟ إذاً كنت ولا زلت أنا أسعى إلى هذا الشيء، من الجهة الشعبية أنا جهة شعبية ولست جهة حزبية لو صح التعبير أو تقوقع معين أو جهة معينة، والجهة العسكرية أنا لا زلت أعمل بها أنا مو خائف لا من أميركا ولا من غيرها، المقاومة العسكرية تستمر لكن بشرطها وشروطها، أنا مثلا قلت إبعاد المدن عن المقاومة، عدم الإضرار بالمدن عدم الإضرار بالممتلكات الشعبية وهكذا. الآن علنيا صار فقط هذا اختلف أنه قبل دخولنا بالعملية السياسية لم يكن واضحا، الآن الدخول بالعملية السياسية واضح وأنا سأتعامل مع السياسيين تعاملا سياسيا وأتعامل مع غير السياسيين تعاملا غير سياسي.
غسان بن جدو: شو يعني تعامل سياسي مع السياسيين ماذا يعني؟ يعني الدخول بالتكتيك و..
مقتدى الصدر: هو يطول كلامه بس اختصار أن الناس تتعامل معنا تعاملا سياسيا، أمثل لك مثالا، أنا قبل أكثر من سنتين وكانت محاصصة نسميها طائفية ورفضت هذه المحاصصة السياسية ولأسباب تدخل أميركا بالوضع الوزاري بالعراق، أجاني وزير الزارعة يقول لي أميركا أي وزير الزراعة الأميركي أعطاني سكر ستمائة مليون حتى يعني أعمل بها مشاريع في العراق.. (راجع: موقع قناة الجزيرة الفضائية في 10/4/2010)
وتابع الحوار كما يلي:
مقتدى الصدر: ولا أزال، ولو لم أكن موجودا، لو قتلت أو مت أو اعتزلت أو انعزلت أو أي شيء من هذه الأسباب أيا كانت يبقى هدف جيش المهدي هو تحرير العراق، ما لها علاقة.
غسان بن جدو: تسمح لي أن أقول إن هذا الكلام قد يثير غرابة العديدين، نحن الآن نتحدث معك..
مقتدى الصدر (مقاطعا): قد يثير غرابة الأميركي فقط، ما أتصور العديدين.
غسان بن جدو (متابعا): أنا أتحدث معك الآن والقناعة العامة الموجودة في الخارج أنكم ستنعزلون و.. وستبتعدون عن كل شيء..
مقتدى الصدر (مقاطعا): تكتيك. لا لا، تكتيك هذا، إن شاء الله لا يثنينا ولا يثني عزيمتنا عن تحرير العراق. يعني شيء عقائدي هذا لا تتصوره..
غسان بن جدو (مقاطعا): غير العقائدي، يعني نتحدث الآن عمليا، يعني تعرف ماذا تقول..
مقتدى الصدر (مقاطعا): يعني فوقا عن الأسباب الأخرى هو شيء عقائدي ومرتسخ في العقل وفي القلب لا نميل عنه أبدا ولا أحد يتصوره. أنا هنا أنادي الشعوب والحكومات والمحتل نفسه أنه لا تتصور قد يوم من الأيام أن أتنازل عن تحرير العراق. صحيح أنه قد يكون هناك نواقص في المقاومة تحتاج إليها، الآن قلت لك أكو صار تطور في المقاومة إن شاء الله ينسد هذا النقص
غسان بن جدو: طيب عفوا سماحة السيد هل تدرك بأن هذا الكلام كلام خطير وهذا يعني بأن أكثر من طرف ربما سيلاحقكم ربما سيحاول اغتيالكم؟
مقتدى الصدر (مقاطعا): شخصيا؟
غسان بن جدو: نعم.
مقتدى الصدر: أنا خوفي على الشعب العراقي، عامة الشعب العراقي، أنا دائما في حالة ترقب لو صح التعبير، هذا ليس بجديد.
غسان بن جدو: يعني هل تدرك بأن هذا الأمر الآن يضعكم في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة الأميركية والإدارة الأميركية والقوات الأميركية في العراق؟
مقتدى الصدر: أميركا تعرف أنني أقاومها ولكن بالطرق المشروعة التي لا تخرق قانونا، وأطالب الأمم المتحدة بالاعتراف بمشروعية المقاومة التي لا يجوز أن ننكرها عقلا وشرعا
"مقتدى الصدر: لا، هو مو مواجهة. أميركا تعرف أكثر مني ومنك أنه أنا لا زلت أقاومها، لكن بالطرق المشروعة التي لا تضع لي، أو لا تضع لها خرق قانوني ضدي، أنا ما مخترق القانون لأن المقاومة معترف بها عقلا وقانونا. وأنا من هنا حتى أطالب الجامعة العربية وأطالب الدول الإسلامية المؤتمر الإسلامي، أطالب الأمم المتحدة بالاعتراف بمشروعية المقاومة والمقاومة لا يجوز أن ننكرها عقلا ولا شرعا أصلا، مو الشرع الإسلامي أي شرع أنزل سماوي لو صح التعبير.
غسان بن جدو: هناك حديث أو إشارات بأنكم تنوون تحويل جيش المهدي إلى حركة سياسية، هذا الكلام..
مقتدى الصدر: قلت لك إنه هذا اللي حدث الالتباس، إن المقاومة مو فقط عسكرية، مرات عسكرية مرات شنو؟ ثقافية اجتماعية كذا، الآن أجد أن جيش المهدي، جيش الإمام المهدي سلام الله عليه يجب أن يلتفت إلى التكامل العلمي التكامل الثقافي لفترة معينة حتى يقوم نفسه ويستطيع ترتيب نفسه وهي تسمى المقاومة الثقافية. كما قلت لك إن هناك حرب صليبية ثقافية ضد الإسلام فيجب أن نحن كمدافعين عن الإسلام أن نحاربها بحرب ثقافية مواجهة لها.
غسان بن جدو: طيب ما ذكر عن ارتباك داخل التيار الصدري وحتى جيش المهدي وعن انشقاقات، يعني ما دقتها؟ يعني هناك من انشق عنكم..
مقتدى الصدر: نا أعتقد شقشقة هدرت ثم قرت.
غسان بن جدو: بمعنى؟
مقتدى الصدر: يعني أنه فد شيء إلى أيام محددة وإن شاء الله كل يرجع إلى الآب أو الأصل إن شاء الله، كلهم يرجعون حبيبي. حدث وكتعبيرك انشقوا رجعوا إجوا اعتذروا وبابي مفتوح وقلبي مفتوح لهم وأنا محب للجميع، لكن أنا هذا اللي قلت لك أنا أريد أن أبعد العِمّة والحوزة عن السياسة، عن التحزب، فقط هذا. (راجع : المصدر السابق نفسه, 10/4/2010).

وإلى القارئات والقراء الآن بعض تصريحات مقتدى الصدر وكاظم الحائري حول النزعة الطائفية التي تسيرهما, علماً بأن مقتدى الصدر كان من مقلدي كاظم الحسيني الحائري:
بيان في 4/12/2006 ( انا على يقين من ان قوى الظلام المتمثلة بالاحتلال وتابعيها من النواصب والبعثيين لا ينفع به وثيقة ولا عهد ولا مدينة منورة ولا سامراء المقدسة فلا عهد لهم عند الله ، ويريدون التحكم بنا ولكن هيهات ان نخضع لهم ).
* ( فاننا يمكن ان نشارك في مطاردة الارهابيين والصداميين والنواصب التكفريين من بيت الى بيت ).
*( تريد امريكا ان تسلم الامن والسياسة في العراق الى الارهابيين ) .
كاظم الحسني الحائري: يا ابنائنا الكرام لا تقفوا مكتوفي الأيدي أمام هذا الهجوم الشرس ، واعلموا ان المجرمين من ازلام صدام والنواصب بلاء مبرم لابد من إزاحتهم عن الطريق ، وكلما طالت اعمارهم ازداد فسادهم ، ولا تخافوهم ، واعلموا ان كيدهم الى بوار.


362
كاظم حبيب
نعم, ماذا يراد للعراق يا محمد ضياء عيسى العقابي؟

الحلقة الثانية
ما هو النظام السياسي المناسب للعراق؟

النظم السياسية التي حكمت العراق منذ تأسيس الدولة العراقية إلى يومنا هذا أجهدت الشعب وأرهقته ونغَّصت عليه عيشه وأتت بطرق شتى وأساليب مختلفة على الكثير من بناته وأبنائه لأنها لم تكن ديمقراطية ولم تحترم يوماً حرية الإنسان وكرامته. كما إنها لم تسهم في بناء حياة سياسية حرة وديمقراطية ومجتمع مدني متقدم وصناعة حديثة وأرضية صالحة لبناء المجتمع المدني المنشود وعدالة اجتماعية. إذ بعد مرور 90 عاماً بالتمام والكمال من ولادة الدولة العراقية الحديثة ما تزال العشائرية وتقاليدها وقيمها هي السائدة عملياً في حياة المدينة والريف, وما زالت المؤسسة الدينية صاحبة الجولات في حياة الإنسان والمجتمع في البلاد. ولم تكن تلك النظم تعمل بمعزل عن تأثيرات السياسات الاستعمارية والدول المجاورة, سواء أكان ذلك في نهجها السياسي وفي بلورة سياساتها الداخلية والخارجية, أم في سياساتها الاقتصادية والاجتماعية, بحيث بقي اقتصاد العراق وبعد مرور 90 عاماً اقتصاداً ريعياً متخلفاً ومجتمعاً استهلاكياً مستورداً لنسبة عالية جداً من حاجاته الاستهلاكية ومفرطاً بموارده المالية المتأتية من تصدير ثروته النفطية الناضبة التي كان يفترض أن توجه لأغراض التثمير الإنتاجي وتطوير عملية التنمية الاقتصادية والبشرية. وبعد مرور هذه الفترة ما زال العراق يواجه حالة مريعة من الفقر الذي يلف نسبة تتراوح بين 60-70% من سكان العراق. فنسبة تتراوح بين 30-35 % تعيش تحت خط الفقر المحدد دولياً للدول النامية, وحوالي نسبة مماثلة تعيش على خط الفقر أو فوق خط الفقر بقليل. والشيء الجديد خلال الأعوام الأخيرة بروز عدد كبير من أصحاب الملايين والمليارات من الدولارات الأمريكية الذين لهم وزنهم في الدولة العراقية ويجلسون في الصفوف الأمامية, تناغماً مع القصيدة والأغنية التي تقول: "وصار في الصف الأمامي ...احترامي للحرامي", (قصيدة الأمير الشاعر عبد الرحمن بن مساعد وغناء آمال ماهر).  
وإذا كان النظام الملكي قد بدأ بمحاولات لبناء المجتمع المدني, إلا إنه وبسبب الهيمنة الخارجية وربطه بين الدين والدولة في الدستور, ولكن ليس في الكثير من مواد ذلك الدستور الأكثر ديمقراطية ولا في الممارسة العملية, إلا إنه ابتدأ بفرض حكم سياسي طائفي دون أن يشارك أتباع المذهب السني من بنات وأبناء الشعب بتلك الممارسة الطائفية والشوفينية المقيتتين للحكومات العراقية المتعاقبة وأجهزة الدولة الأساسية. وتتوفر لدي مئات الأمثلة على ممارسات التمييز الطائفي والقومي الشوفيني دون أن يكون للشعب بكل أديانه ومذاهبه يد في كل ذلك, في حين شاركت فيه الكثير من المؤسسات الدينية وبعض الأحزاب السياسية.
وبرزت فترة قصيرة في حياة الشعب العراقي في أعقاب ثورة تموز 1958 كانت بعيدة عن التمييز الديني والطائفي والقومي الشوفيني أو ضيق الأفق القومي, ولكن سرعان ما تبدل الحال والشعب ما زال في ظل الجمهورية الأولى ذاتها, ثم سرعان ما التهم القوميون والبعثيون الشوفينيون هذه الجمهورية الفتية ليفرضوا على الشعب نظاماً سياسياً فاشياً وطائفياً وشوفينياً سادياً خلال الفترة 1963-1968, ثم جاء البعثيون الشوفينيون مرة أخرى ومارسوا السياسات الفاشية في العراق ثانية وأبشع من ذي قبل وخاضوا الحروب وأذاقوا الشعب العراقي مر العذاب على  مدى ثلاثة عقود ونصف العقد.
وحين سقط النظام الدكتاتوري الأسود تحت ضربات الحرب الخارجية, توقع الناس أنهم سيتنفسون الصعداء وسيتغير الحال وسيبدأ العمل لبناء العراق الجديد في ظل الحريات العامة وبناء النظام الديمقراطي الجديد تدريجا.ً وكذلك البدء ببناء الاقتصاد الوطني والتصنيع وتحديث الزراعة وتشغيل العاطلين ومكافحة الفساد المالي والإداري وتحسين الخدمات ...الخ. رغم أن الكثير من القوى التي تسلمت الحكم لم تكن تتسم بالديمقراطية, بل كانت قائمة بالأساس على أسس دينية وطائفية وبعضها يتحرك بين اللبرالية والقومية. ولم يتوقع الناس أن يحصل ذلك بسرعة ودفعة واحدة بعد هيمنة شرسة لأكثر من خمسة عقود من السياسات السيئة, بل كان المؤمل أن تكون البداية على الأقل موفقة.
لا شك في أن التشابك بين سياسات ممثل الإدارة الأمريكية والحاكم بأمره بريمر وقوى الإرهاب وقوى الإسلام السياسية وضعف الوعي العام كانت من العوامل الأساسية التي لعبت دورها في دفع الأمور باتجاه إقامة نظام سياسي يعتمد مبدأ المحاصصة الطائفية السياسية المتصارعة ويتنكر لمبدأ المواطنة العراقية المتساوية والحرة في الواقع العملي اليومي. وهو ما نعيشه اليوم في العراق. وعلى من يريد أن يتبين ذلك أن يزور وزارات يقف على رأسها وزير من الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية أو السنية أو من الكُرد وسيرى العجب العجاب.
لقد لعبت المرجعيات (المؤسسات) الدينية الشيعية والسنية وقوى الإسلام السياسية دورها البارز في سرعة طرح دستور مؤقت والاستفتاء عليه بحيث جاء بلباس طائفي, كما كانوا يريدونه, ومن ثم الدستور الدائم الذي تحسن قليلاً ولكنه حافظ على ديباجة طائفية على نحو خاص ومواد لا بد من تغييرها, ولم يتخلص من المفاهيم الطائفية السياسية ومن ربط الدولة بالدين الإسلامي في حين أن الدولة شخصية اعتبارية لا دين لمثل هذه الشخصية.
إن العراق, بتعدده القومي والديني والمذهبي وبتنوع اتجاهاته الفكرية والسياسية, يتطلب دون أدنى شك إقامة دولة ديمقراطية مستقلة ومجتمع مدني ديمقراطي حر, دولة تعتمد دستوراً ديمقراطياً وتمارس الفصل بين الدين والدولة, وبين السلطات الثلاث واستقلال القضاء وحرية الإعلام والأحزاب...الخ, دستوراً ونظاماً يعتمدان الهوية العراقية, هوية المواطنة وليس الهويات الفرعية الطائفية السياسية التي تمزق المجتمع وتصادر الهدوء والاستقرار والمساواة بين المواطنين من النساء والرجال, كما هو عليه عراق اليوم.
علينا أن نميز بين المذهب وبين الطائفة بمضمونها السياسي التي تقوم على أساس التمييز بين المذاهب. وبقدر ما يعبر تنوع المذاهب عن حراك فكري نافع في المجتمع, فأن الطائفية السياسية تعبر عن ضيق الأفق والتمييز والصراع وتدمير النسيج الوطني للمجتمع, وهو ما يتوجب رفضه. وعلينا أن نتابع بدون تحيز وبكل حيادية طبيعة جميع الأحزاب الإسلامية السياسية في العراق وفي غير العراق من الدول النامية, التي لم تعرف حتى الآن النهضة والتنوير, سنجد أنها بنيت على أسس طائفية سياسية تنطلق من هذا المذهب أو ذاك, وهي تمارس سياسات طائفية في المحصلة النهائية, رغم قول قادتها بأنهم يعملون لمصلحة المجتمع, ولكن في حقيقة الأمر يعملون لمصلحتهم الخاصة, ضد الطوائف الأخرى. فهي أحزاب طائفية سياسية بكل جدارة!
نوري المالكي رئيس حزب الدعوة الإسلامية حالياً, (وعلينا هنا أن نتذكر أن جميع الكتل والأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية الراهنة انحدرت من ضلع هذا الحزب), لا يؤمن بالديمقراطية كفلسفة, ولكن يؤمن بها كأداة للوصول إلى السلطة ثم يلفظها حال استقراره في السلطة. وهذا هو بالضبط ما عبر عنه علي الأديب نائب رئيس الحزب حالياً. وإذا كانت لدينا ذاكرة نشطة ستستعيد بالضرورة ما قاله نوري المالكي في أحد اجتماعاته ببعض العشائر الشيعية المؤيدة له, حين أكد بقوله "أخذناها, بعد ما ننطيها!! من يعتنق الديمقراطية لا يمكن أن يقول مثل هذا الكلام قطعاً, وحين كنا نقول ذلك, لم نكن قد اعتنقنا الديمقراطية بمفهومها الصحيح حقاً ولا مبدأ التداول السلمي والديمقراطي والبرلماني للسلطة, بل كنا نريد الإمساك بها وتكون بالنسبة لنا نهاية التاريخ. وبعد أن تخلى غالبية اليسار عن ذلك, استمر فيه الإسلامي السياسي .., ومنه حزب الدعوة وغيره.
إن المالكي لا يريد بناء دولة ديمقراطية ولا مجتمع مدني ديمقراطي في العراق, وإلا لكان قد اتخذ إجراءات غير التي اتخذها في الأشهر والأسابيع الأخيرة. نوري المالكي مؤمن بإقامة دولة إسلامية تسير على أساس المذهب الشيعي على وفق ما يفهمه هو وجماعته, وكذا مقتدى الصدر, فهما بالأساس من أصل واحد.            
الطائفية السياسية السائدة في الحكم في لبنان مزقت المجتمع ولا تزال تزيده تمزيقاً, ولهذا انطلقت في لبنان حركة شبابية وشعبية جديدة تطمح للخلاص من الطائفية السياسية وليس للتخلص من وجود أديان ومذاهب متعددة, إذ إن وجودها أمر طبيعي, ولكن استخدامها في الحكم هو الأمر غير الطبيعي.
تشكلت حتى الآن أربع حكومات عراقية, الأولى برئاسة أياد علاوي حيث تيقن الناس بأنه لم يتخلص من قاعدة فكره الأساسية وبالتالي استطاع نوعان من الجماعات التغلغل في أجهزة الدولة العراقية: جمهرة من البعثيين القدامى السيئين في أجهزة الجيش والشرطة وفي الإدارة, بل حتى وجد شخص بعثي من أزلام عزت الدوري في مكتبه الخاص, وجماعة كبيرة من المفسدين والفاسدين, ومنهم وزير الدفاع الأسبق على سبيل المثال لا الحصر. كما إن أياد علاوي يتسم بالفردية الشديدة التي يستحيل على السياسيين الديمقراطيين العمل معه لفترة طويلة, إذ حين يكون في الحكم يكون مستبداً بأمره.
أما إبراهيم الجعفري فكان الرجل مثالاً للإسلامي الطائفي الصريح, فلم يكتف بتغيير اسم عائلته من الاشيقر إلى الجعفري حتى قبل سقوط النظام, بل مارس سياسات معوجة في الحكم حين سمح للتيار الصدري وفيلق بدر في التغلغل إلى جميع أجهزة الشرطة والأمن ومواقع أخرى في الدولة واحتلوا مواقع مؤثرة في الدولة وما زالوا فيها. ولم يكن غريباً أن قال عنه مقتدى الصدر في لقائه مع الجزيرة ما يلي:
"مقتدى الصدر: الدكتور إبراهيم الجعفري، قلت له إن التيار الصدري مجرد أن تحتويه ولو بالقليل تضمنه يكون تحت لوائك وفعلا ضمنه. (راجع الملحق في نهاية الحلقة الأولى).
من الخطأ الفادح خلط المفاهيم الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فاللائحة تعترف للإنسان أن يتبنى أو يعتنق أي دين أو مذهب أو فكر, فليس في ذلك أي ضير بل هو حق مشروع ومطلق, ومن هنا تم تأسيس "هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية, أي الدفاع عن حقهم في اختيار الدين أو المذهب والعبادة ورفض التمييز ضدهم أو اضطهادهم بأي شكل كان. وأنا أعمل عضواً في هذه الأمانة العامة لهذه الهيئة وأمينها العام. وهذا الحق في الاعتناق شيء واستخدام الدين أو المذهب في العمل السياسي وفي التمييز بين الأديان شيء آخر ومرفوض في الدول المتقدمة وينبغي أن يكون في كل دول العالم. لهذا فأن شرعة حقوق الإنسان بكل مكوناتها تقر مبدأ الفصل بين الدين والدولة, وتدعو إلى مبدأ المواطنة وليس مبدأ الهوية الدينية والطائفية, وتدعو إلى حيادية الدولة إزاء الأديان, فـ "الدين لله والوطن للجميع" ..
العراق بحاجة إلى دولة مدنية ديمقراطية حديثة يتمتع أتباع جميع الأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية الديمقراطية, أي غير الفاشية وغير العنصرية وغير الطائفية السياسية, وأتباع جميع القوميات بالحرية التامة والكاملة, وليس بحاجة إلى دولة وحكومة تعتمدان مبدأ التوزيع الطائفي السياسي الذي نعيش تحت وطأته في الوقت الحاضر. إن الأعوام الثمانية المنصرمة برهنت على خطأ وخطورة الاستناد إلى نظام وسياسة المحاصصة الطائفية في حكم العراق. وعلينا جميعاً أن نعمل على تغييره وفق الطرق السلمية والديمقراطية بما في ذلك حق التظاهر والمطالبة بالتغيير الديمقراطي.
17/3/2011                     كاظم حبيب

  

363
كاظم حبيب

هل من سبيل لبناء الثقة بين الأحزاب السياسية الحاكمة وفئات المجتمع؟

برهنت الحياة السياسية في العراق خلال الأشهر الأخيرة بشكل خاص إلى تخلخل متفاقم للثقة المتبادلة بين فئات واسعة من الشعب, وخاصة الفئات الكادحة, وبين الأحزاب الحاكمة المشاركة في تكوين الحكومة الاتحادية. وقد تجلت بشكل ساطع في الأسابيع الثلاثة المنصرمة والتي بدأت قبل وأثناء وبعد مظاهرة جمعة الغضب في الخامس والعشرين من شباط 2011 ومن ثم في الجمعتين التاليتين وما اقترن بذلك من تشكيك في المظاهرات والقوى الفاعلة فيها والإساءة إليها وتعبئة كافة أصناف قوى الأمن والشرطة والجيش, وخاصة شرطة مكافحة "الشغب", ضدها ومن ثم تنفيذ حملة اعتقالات لم تنقطع حتى الآن وممارسة التعذيب الشرس في المعتقلات والقتل بالرصاص الحي واعتقال الصحفيين والإعلاميين وبعضهم لم يعثر عليه حتى الآن بعد اختطافه من قبل أجهزة الأمن العراقية.
ولكن ما هي الأسباب الكامنة وراء تسارع انعدام الثقة؟
أجمع المتظاهرون الذين يعبرون عن نبض الشارع العراقي وضمير الناس والأكثرية الساكتة حتى الآن إلى المطالب التي لم تتحقق منذ فترة غير قصيرة والتي تبرع كل رئيس وزراء بتقديم الوعود السخية على معالجة المشكلات ولكن دون حل فعلي. أكد المتظاهرون أنهم يعانون من استمرار فعل الطائفية السياسية في الحكم وعواقب المحاصصة الطائفية وتخلي عن المواطنة الحرة والمتساوية, وأن البطالة تعذبهم وتسحق كرامتهم الإنسانية, وإن الفقر والبؤس يدفع بهم إلى النوم على بطون خاوية بجوار بطون متخمة جداً مما يدفع بهم إلى الاحتجاج, وإن الفساد يستنزف موارد البلاد وأموال خزينة الشعب حيت تمتلئ جيوب وأرقام حسابات الكثير من الفاسدين والمفسدين في الداخل والخارج في حين تجلس نسبة عالية من سكان العراق على الرنگات, جيوب فارغة حقاً وسوء تغذية وأمراض متزايدة, إضافة إلى جماعات قليلة من ذوي النعم تنعم بالكهرباء والمبردات والمدفئات في الصيف والشتاء في حين تعاني الغالبية العظمى من انقطاع الكهرباء لفترة تتراوح بين 12 -18 ساعة في اليوم الواحد, وأن أموال البلاد تذهب للاستيراد السلعي الاستهلاكي, في حين لا توجه الأموال الضرورية للصناعة الوطنية أو لتطوير الزراعة العراقية أو تنمية معجلة للبنية التحتية.
وزارات لا تعمل إلا نادراً ونواب يتمتعون بإجازات طويلة وعطل رسمية متعاظمة تزيد هن نصف عام في العام, في حين يعاني الشعب من عدم إصدار القوانين الضرورية التي يفترض تشريعها. ورغم مرور فترة طويلة على عمليات مكافحة الإرهاب لم يستطع الحكم حتى الآن إيقاف نزيف الدم في العراق. مرة في بغداد, وأخرى في الموصل , وثالثة في كركوك, ورابعة في ديالى أو الأنبار أو غيرها من المدن العراقية .., ما عدا مدن كردستان التي ما زال الأمن مستقراً فيها ويتمنى الإنسان أن يبقى كذلك ويتعزز بسياسات وإجراءات سياسية واقتصادية واجتماعية وحقوقية وثقافية ترضي شعب كردستان وتستعيد ثقة الناس بالوضع أيضاً. 
لقد جسدت تلك المرأة العراقية المقدامة التي صرخت أمام شاشة تلفاز الفيحاء.. "ملينة.. والله ملينة, جوزوا من حالنه, قابل هي وليه, خو مو ولية!!!" نبض الشارع العراقي وحقيقة أوضاع غالبية الشعب البائسة وفقدان الناس لصبرهم. والقوى الوحيدة التي لم تدرك هذه الحقيقة هي الأحزاب السياسية الحاكمة أو غالبية قياداتها التي لم تتراجع عن سياساتها وأساليبها في الحكم وفي التعامل مع النواقص التي تسود البلاد ولم تتحرك خطوة مهمة على طريق معالجة مشكلات البشر. وبدلاً من تدارك الأمر والبدء الجاد مع بدء صرخات تلك المرأة لإدراك حقيقة وضع الشارع العراقي, راح رئيس الوزراء يمارس أساليب الإساءة والقهر والاستبداد واعتماد العنف طريقاً "لإقناع" الناس بالكف عن المطالبة! وحين رفض الحزب الشيوعي العراقي مطلب رئيس الوزراء بالتوقف عن تأييد مطالب الشعب وعدم المشاركة مع المتظاهرين, أصدر أمره الممعن بالغرور والاستبداد, باعتباره رئيس وزراء وقائد عام للقوات المسلحة, أن "يلقن" الحزب الشيوعي "درساً" لا ينساه رفاق الحزب !!! لقد نسى أو تناسى رئيس الوزراء أن كثرة من الحكام الأوباش حاولوا ذلك مع الحزب الشيوعي العراقي وفشلوا وانتهوا إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم! إن اعتقال وضرب الإعلاميين والصحفيين العراقيين لن تجدي نفعاً ولن تغير من واقع الحال, بل سيزداد الوضع توتراً وتتعمق الأزمة الشاملة في العراق وتشتد محنة رئيس الوزراء. لهذا عليه أن يعيد النظر بحساباته كلها وأن يبتعد عن أسلوب التهدئة خطاباً والطلب من أجهزة الأمن "تأديب !" الناس بالإهانة والضرب والاعتقال والتعذيب وتفريق المتظاهرين بالقوة, رغم الكف عن فرض منع التجول. على رئيس الوزراء, إن أراد كسب الناس والعودة إلى جادة الصواب, أن يغير كامل نهجه وسياساته ومواقفه. والسؤال العادل: هل هو قادر على ذلك, أو بتعبير آخر: هل يريد ذلك؟ يجب على رئيس الوزراء نفسه أن يجيب عن هذين السؤالين.
إن من يريد أن يغير سياسات ومواقف الحكومة الحالية, عليه أن يعود إلى الشعب, إلى الشارع العراقي, ويستعين بالناس لتقديم الحلول العملية للناس, أي الاستماع إلى صوت العقل , إلى المخلصين من أبناء الشعب الذين نزلوا إلى الشارع بالرغم من هراوات وخراطيم وسلاح ورصاص الشرطة أو عجاج الطائرات السمتية. كم أتمنى عليه أن لا يستمع إلى صوت المستبدين في أرض العراق, بل إلى صوت الشعب الذي عذبه المستبدون منذ القدم, إن يتعلم من دروس الماضي البعيد والقريب! 
إن الحلول الواقعية ليست بعيدة عن أنظار الأحزاب السياسية المشاركة في الحكم وعن أنظار رئيس الحكومة, ولكن عليه أن يجرأ ويتقدم لممارستها وسيجد التأييد من الشعب, رغم أن ما مارسه خلال الشهر المنصرم لا تبشر بالخير الذي يتوخاه الإنسان:
1.   إجراء تغيير جذري وفعلي في سياسات ومواقف الحكومة إزاء مطالب الشعب وتبنيها والبدء بتنفيذها فعلاً.
2.   إجراء تغيير في مجلس الوزراء بإدخال عناصر متخصصة وذات كفاءة وآهلية لإدارة شؤون وزاراتهم, والذي يتطلب بدوره الكف عن قاعدة المحاصصة الطائفية وإدخال 25% من النساء في مجلس الوزراء.
3.   تقليص عدد المستشارين الذين عينوا في أجهزة الدولة في مختلف المراكز دون أن يشاركوا في تقديم الاستشارة المطلوبة لرؤسائهم, وهم كثرة حقاً, إضافة إلى إنهم نسبوا في الغالب الأعم استناداً إلى الطائفة والعشيرة والعائلة والحزب دون أن تتوفر الكفاءة والضرورة.
4.   تكليف القضاء العراقي بتشكيل لجان تحقيق ومحاكم لمحاكمة المتورطين بالفساد في كافة أنحاء العراق وأياً كان مركزهم العشائري أو العائلي أو الحزبي أو الحكومي وإصدار الأحكام العادلة بحقهم واسترجاع أموال الشعب منهم. وكذلك الطلب من الأنتروبول الدولي اعتقال من هم خارج الوطن من المتهمين بالفساد وتسليمهم للحكومة العراقية لمحاكمتهم وفق القانون.
5.   إعادة العمل بنظام البطاقة التموينية للعائلات الكادحة والمعوزة والعاطلين عن العمل والأرامل والكف عن التعامل المتساوي مع الجميع في هذا الصدد والذي يكون في مصلحة الأغنياء وعلى حساب خزينة الدولة.
6.   إطلاق سراح كافة المعتقلين في الأحداث الأخيرة وتشكيل لجنة محايدة للتحقيق بـ "أعمال الشغب الحكومية" ضد المتظاهرين ومحاسبة المسؤولين عن القتل والاعتقال والتعذيب لعموم الناس وللإعلاميين. كما لا بد من التعجيل بدراسة قضايا الموقوفين على ذمة التحقيق لإنجاز معاملاتهم, إذ من غير المعقول أن يبقى الإنسان معتقلاً لفترة طويلة دون محاكمة, فذلك مخالفة صريحة لحقوق الإنسان. كما لا بد من التحقيق في الطعون المقدمة من عدد كبير من من منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني والأفراد باستخدام أبشع أساليب التعذيب في المواقف والمعتقلات والسجون العراقية, منها مثلاً منظمة العفو الدولية.
7.   وضع خطة استثنائية عاجلة لمواجهة نقص الكهرباء من جهة, وشحة المياه من جهة أخرى لضمان توفير ما هو أساسي للناس وللتنمية الصناعية والزراعية ومحاسبة صارمة للوزراء والمسؤولين الذين قصروا أو سرقوا أموال الشعب في مجال الطاقة الكهربائية.
8.   البدء بمكافحة البطالة الراهنة من خلال توفير فرص عمل على أساس تشجيع القطاع الخاص الصغير والقطاع التعاوني والمبادرة الخاصة وتقديم القروض الميسرة, وكذلك البدء بتنفيذ جملة من مشروعات البنية التحتية وإقامة شبكة المجاري والشوارع وتنظيم المدن التي سوف تستوعب الكثير من الأيدي العاملة العاطلة حالياً.
9.   طرح خطة خمسية تتضمن إقامة مشاريع التنمية الصناعية والزراعية وإقرار مشاريع صناعية مطلوبة للبدء بتنفيذها والتي يمكن أن تستوعب المزيد من الأيدي العاملة العاطلة حالياً, مع البدء بتنظيم دورات تدريبية للعمال إلى حين استكمال إقامة تلك المشاريع الصناعية.
10.   وضع نظام للرقابة والمتابعة على عمل مجلس الوزراء والوزراء والمحاسبة في ضوء ذلك.
إضافة إلى الكثير من المشكلات الأخرى التي تستوجب الحل.
11.   الطلب من مجلس النواب وضع فقرة خاصة في نظامه الداخلي تتضمن مراقبة ومتابعة نشاط وأداء أعضاء ملس النواب ومدى التزامهم بنظام العمل ومتابعة مطالب المواطنين الذين وضعوا الثقة بهم.
إن السلوكية الأخيرة لرئيس ومجلس الوزراء ومسؤولي الكتل البرلمانية وقادة الأحزاب لا تمنحنا الثقة بإمكانية تحقيق مثل هذا التغيير في الحكومة الراهنة. أتمنى أن أكون مخطئاً وتبدأ الحكومة ورئيسها بالعمل على بناء الثقة المفقودة بينها وبين الشعب من خلال البدء الفعلي بتنفيذ المطالب العاجلة والملحة.   
16/3/2011                      كاظم حبيب
 


364

كاظم حبيب

محنة رئيس الوزراء العراقي ... ومحنة الشعب به!

يعيش رئيس الوزراء العراقي في المرحلة الراهنة من حياته السياسية محنة كبيرة يمكن رؤية أو تلمس أبعادها منذ الآن, وهي نتاج منطقي لفعل مجموعة من العوامل الذاتية التي تسبب هو بها دون غيره, وبعضها الآخر ناشئ عن عوامل موضوعية مؤثرة لم يستطع تجاوزها فقادته إلى ما هو عليه الآن. وسيصل إلى محطته الأخيرة متناغماً مع القول المعروف " ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع ", وحين يقع أرضاً سوف لن يجد من يساعده على النهوض, عندها لن تقوم له قائمة أخرى في السياسة العراقية لأسباب تكمن في طبيعة شخصيته المعقدة وطبيعة الأوضاع السائدة في العراق. وسوف لن أكون متشفياً به, إذ كنت أتمنى أن يسير في درب آخر, ولهذا سيصح عليه قول "بيدي جرحت أيدي وسموني جريح الأيد". والسؤال الملح الذي يحتاج إلى جواب هو: ما هي العوامل الذاتية والموضوعية التي وضعت رئيس الوزراء في مثل هذه المحنة المتشابكة؟
ينحدر المالكي من حزب إسلامي مذهبي يعتمد الطائفية في نهجه ويرفض الديمقراطية في رؤيته الفلسفية ويتبنى الفلسفة الميتافيزيقية والفكر الغيبي. وحين تسلم رئاسة الوزراء من سلفه ورئيس حزبه السابق والمماثل له في الفلسفة والهدف والوجهة الطبيب إبراهيم الجعفري أدرك إلى حد ما الأخطاء التي ارتكبها الجعفري حين فتح الأبواب على  مصراعيها لدخول أعداد غفيرة من أعضاء وأعوان المليشيات الطائفية الشيعية المتشددة والمسلحة إلى وزارتي الداخلية والأمن الداخلي وأغرق الوزارات التي كانت بأيدي وزراء شيعة بأعوان الأحزاب الإسلامية الشيعية, وكذا صار الحال في الوزارات السنية حيث امتلأت بالسنة أو الكُردية بالكُرد, ووقعت في فترة حكمه أسوأ التفجيرات الدموية في بغداد وجسر الأعظمية وسامراء وغيرها, ولأنه كان يقدم الخطب الجنجلوتية دون أن يعي ما يريد أن يقوله على نمط خطب ميشيل عفلق المهووسة من حيث بنية الخطاب وتيهه.
وفي ضوء دروس سلفه قرر بعد فترة وجيزة من رئاسته لمجلس الوزراء أن يواجه الميليشيات الطائفة المسلحة والمهيمنة على مناطق مهمة من العراق, التي كانت تضعف دور القوات المسلحة العراقية ودوره في الحكم, بسياسة تحترم للقانون. كما أعلن بعد فترة قصيرة عن رفضه للطائفية السياسية والمحاصصة في الحكم وعن رغبته في اعتماد مبدأ المواطنة في الحياة العامة والذي وجد تعبيره في إعلان تشكيل "دولة القانون" لضمان المسألتين: التصدي للميليشيات التي تتجاوز على القانون واعتماد مبدأ المواطنة. وخطا خطوات واضحة على هذا النهج لفترة غير طويلة وحقق نتائج إيجابية ملموسة على طريق ضمان نسبي أفضل لأمن المواطنات والمواطنين في المناطق الساخنة من العراق وفي انتخابات المحافظات 2009 والانتخابات العامة 2010. ولكن لم يحقق خطوات إيجابية مطلوبة في المجالات السياسية والاقتصادية والخدمية والاجتماعية والثقافية, بل ما زال الشعب يعاني حتى الآن من محن كثيرة وعواقب مؤذية.
بعد انتهاء الانتخابات الأخيرة وحصول المالكي على نسبة مهمة في الانتخابات في مقابل قوة مساوية له أو أكثر قليلاً للقائمة العراقية, تشبث بطريقة بعيدة عن المسؤولية والتواضع بتشكيل الوزارة الجديدة وأبدى استعداداً غريباً على المساومة مع كل القوى التي لم يجد سبباً للتحالف معها قبل ذاك أو من تحالف معها من أجل أن يبقى في السلطة. وهنا يمكن تشخيص إلى بعض مواقع المساومة:
- مساومة صارخة مع التيار الصدري بحيث أصبحت المجموعة مؤثرة بقوة على الحكومة وعليه شخصياً.
- مساومة واضحة مع القائمة العراقية على حساب الدستور والديمقراطية في تشكيل المجلس السياسي بما يؤدي إلى إضعاف البرلمان وهو الضعيف والمشكوك في مصداقيته أمام الناس أساساً, ولكنه نكث بالتعهد الذي تم الاتفاق عليه مع العراقية والتحالف الكردستاني .
- مساومة مع التحالف الكردستاني على مسائل لا يلتزم بتنفيذها, سواء أكان شخصياً لا يريد ذلك, أم تحت ضغوط أخرى, في فترة وجوده على رأس الحكومة مما يزيد من التوتر بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية.
- مساومة مع بعض المرجعيات الدينية التي ترفض الديمقراطية والثقافة الديمقراطية وتسعى إلى وأدها, كما في علاقة نائبه في حزبه الدعوة الإسلامية ووزير التعليم العالي مع الشيخ بشير النجفي في الموقف من التعليم والمرأة والاختلاط بين الجنسين في الجامعات...الخ.
- مساومة مع حزبه بالذات في التشدد في الجانب الديني والابتعاد عن مفهوم المواطنة الحرة والديمقراطية لحساب الهوية الطائفية والدينية التي تتجلى في عدم اعتماد الديمقراطية كفلسفة بل كأداة في وصول حزبه إلى السلطة عبر قائمة دولة القانون وليس قائمة الحزب ذاتها, وفيها الكثير من المخاتلة.   
- مساومة وافق معها على قبول تعيين وزراء يعرف أنهم لا يتمتعون بالكفاءة أو أن بعضهم متهم بالفساد, كما جاء في اتهامه الأخير لصولاغ الزبيدي بما يفترض تقديمه للمحاكمة مباشرة إن صح ذلك. ولكن المسؤولية لا تقع على عاتق صولاغ وحده, بل وبالأساس على عاتق رئيس الوزراء المسؤول عن خزينة الدولة, وبالتالي لا ينفع ظهوره على شاشة التلفزيون وتهديده بلجنة تحقيق, بل عليه أن يقدم النتائج للشعب. وعليه أن يتذكر صرخات القوى النظيفة في المجتمع من إن الفساد عام وشامل ولكن بشكل خاص لدى بعض القوى التي تشارك في الحكم وحوله.
- مساومة مكشوفة مع إيران في تشديد الكفاح ضد القوى الديمقراطية والتيار اللبرالي الحر والاستجابة للقوى العراقية المؤيدة لإيران والتي تلتزم بمقلدها (مرشدها) علي خامنئي.
هذه المساومات وغيرها أضعفته في واقع الحال وقادت بدورها إلى عواقب وخيمة, منها:
* تأخر طويل في تشكيل مجلس الوزراء والذي لم يستكمل قوامه حتى هذه اللحظة.
* بروز فراغ سياسي واختلالات في عمل الوزارات وأجهزة الدولة وخاصة الأمنية منها.
* تخلف في وضع وطرح برنامج للتنفيذ بما قاد إلى تفاقم النقمة والتذمر من سياسة المالكي في مجال نقص الخدمات, وخاصة الكهرباء, ومكافحة الفساد والبطالة والفقر, إذ سادت أجواء تساومية غير سليمة على قواعد بائسة مثل "غطيلي وأغطيلك" وداريني وأداريك و"بدربك حبيَّب ونتقاسم سوية" في التعامل مع المال العام.
* العجز عن حماية أتباع الديانات الأخرى في العراق كالمسيحيين والصابئة المندائيين ودور عبادتهم وهجرة الكثير منهم على خارج الوطن تحت ضغط قوى الإرهاب والقوى الطائفية المتشددة, إضافة إلى عدم حل فعلي لمشكلة الكُرد الفيلية التي أصبحت قضية يتلاعب بها ويوعد بها كل الحكام دون فائدة.
* بروز ضعف شديد في ممارسة الحكومة وممارسته لصلاحياتهما في الواقع العملي, فلم تعد له وجهة واضحة فهو حائر بين مدينتي "نعم" و "لا". وهو ما تلمسه المواطن والمواطنة بشكل مباشر. وبسبب هذا الضعف العام الذي رافق عمل رئيس الوزراء توجه, في محاولة يائسة منه, إلى تشديد المركزية في الحكم وحصرها بيديه والسيطرة على الهيئات المستقلة مثل البنك المركزي وهيئة النزاهة..الخ, وأَجبر بطريقة غير ذكية المحكمة العليا على إصدار قرار يناسب رغبته, قاد ذلك إلى صدور احتجاجات دستورية متعاظمة أدت بالتالي إلى تراجع المحكمة عن قرارها ومنحت هذه الهيئات الاستقلالية عن رئيس الوزراء, وهي في جوهرها تعزيز للمحكمة, ولكنها برزت في الوقت نفسه ضعفها أمام الحاكم والسياسي.   
* إلا إن الإجراء الأسوأ الذي اتخذه المالكي بسبب تفاقم ضعفه وضعف حكومته وعمق محنته الراهنة برز في الموقف من مظاهرات الشبيبة وفئات الشعب الأخرى التي طالبت بتغيير الأوضاع الراهنة ولم تكن متوجهة صوب إسقاط النظام أو الحكومة الراهنة. فالأساليب التي مارسها تميزت بالتعسف والقمع بمختلف أنواعه ابتداءً من التهم إلى التحريض ضد المتظاهرين ومروراً بتقطيع أوصال المدن لمنع المتظاهرين من الوصول إلى فرض منع التجول وانتهاءً باستخدام خراطيم المياه والعصي الكهربائية والاعتقال والاختطاف والرمي بالرصاص الحي صوب المتظاهرين والقتل والجرح الفعلي للمتظاهرين, إضافة على اعتقال الصحفيين والإساءة لهم وضربهم واحتجاز بعضهم حتى الآن. لقد تميزت إجراءات رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة بالتطير الفعلي وفقدان الأعصاب, وإلا لما استنجد بالمرجعيات الدينية لتحريم المشاركة في المظاهرات الشعبية السلمية التي يمنحها الدستور كحق مشروع للشعب.
* وأخيراً تفاقم تطيره وأصبح يتعامل مع الأمور السياسية بصورة أمنية مشبوهة بحيث أمر بقرار (منه), أي من القائد العام للقوات المسلحة فرض إخلاء الحزب الشيوعي العراقي وحزب الأمة العراقية وجريدة طريق الشعب من البنايات التي يعملون فيها دون غيرها من الأحزاب الدينية التي تحتل عشرات البنايات ولا هو والوزراء وكل كبار المسؤولين الذين يحتلون بيوت الحكومة التي كان يقطنها صدام حسين وطغمته المجرمة خلال 24 ساعة. مما جلب لنفسه لقب "المستبد بأمره" بكل استحقاق!
يدرك رئيس الوزراء أن دول الشرق الأوسط, ومنها الدول العربية بشكل خاص, وكذا إيران, تعيش مخاضاً حقيقياً يمكن أن يخرجها من ظلمات الاستبداد والقهر والحرمان والبطالة والفقر والبؤس والفساد ومصادرة كافة حقوق الإنسان. بعضها حقق نتائج طيبة تبشر بالخير, كما في حالة تونس ومصر, وبعضها الآخر يواجه صعوبات وصراعات دموية كما في ليبيا واليمن, ولكن كلها ستحقق في الغالب الأعم نتائج طيبة لشعوب هذه الدول. وهذه الحقيقة بدأت ترعب رئيس الوزراء العراقي وبقية حكام المنطقة, رغم إن المتظاهرين في العراق قد أعلنوا بوضوح عن أهدافهم التي تتعلق بالحريات العامة التي بدأت تحاصر بشراسة في العراق بأشكال مختلفة, وكذلك المطالب الأساسية التي تمس تعديل الدستور وإصدار قانون الأحزاب وقانون جديد للانتخابات, إضافة وقبل كل شيء إلى معالجة نقص الخدمات التي تعاني منها الجماهير بقسوة بالغة والبطالة والفساد السائدين في البلاد وأوضاع الأرامل والأطفال والمدارس...الخ. إن مواجهة هذه المطالب بالطريقة التي تعامل معها حتى الآن سترفع دون أدنى ريب من سقف مطالب الشعب وتضعه في موقع لا يحسد عليه. 
إن صراعاً داخلياً حاداً يعيش فيه رئيس الوزراء ويعاني من وطأته, وهو عاجز كما يبدو لي عن التفكير بهدوء وموضوعية وعقلانية لما ينبغي له أن يتخذه من إجراءات تتسم بالموضوعية والعقلانية والاستجابة الواعية لمطالب الشعب الرافض للسياسات الراهنة, كما إن مستشاريه أبعد ما يكونوا عن تقديم النصح السليم له لما ينبغي له أن يمارسه في هذه المرحلة العصيبة عليه, ولكنها المؤذية للشعب كله.
إن الأوضاع الداخلية التي خلق بعضها بنفسه وتلك التي نشأت بفعل سياساته ومواقفه من جهة, أو سياسات ومواقف القوى المتحالفة معه في الحكومة من جهة أخرى والضغوط الخارجية التي تتجلى في انتفاضات شعوب الدول العربية وبعض دول المنطقة من جهة ثالثة, والضغوط المتعاظمة من جانب الشارع العراقي العادلة والمشروعة من جهة رابعة, عمقت وستعمق أكثر فأكثر, بما لا يقبل الشك, محنة المالكي وأزمته السياسية الراهنة. فهل من طريق له للخروج من محنته الشخصية ولكنها في الوقت نفسه أزمة فعلية يعاني منها العراق؟
إن الطريق الوحيد أمامه هو الاستنجاد بالشعب والاعتماد عليه دون غيره. وهذا يعني الاعتذار له عما بدر منه حتى الآن, ثم الاستجابة السريعة والواضحة لمطالب الشعب العادلة والمشروعة ووفق جدول زمني محدد, ثم التناغم مع مظاهرات الشعب وتأييدها من أجل الضغط على الوزراء والأحزاب الحاكمة للموافقة على ما يريده الشعب من تغييرات جادة وصادقة, وليس كما برز في الاجتماع الأخير لمجلس النواب الذي رفض الكثير من المقترحات المعقولة.
ولكي يتحقق ذلك عليه أن يقتنع بصواب مطالب الشعب أولاً وقبل كل شيء, فهل هو قادر على ذلك؟
الشكوك تحوم بقوة حول قدرته على ذلك, بل يراهن البعض الكثير ويؤكد عجزه عن فهم الواقع الذي يعيش فيه واستيعاب العواقب الوخيمة وإصراره على سلوك درب الصد ما رد في التعامل مع المتظاهرين المحتجين على سياساته. وطائفة أخرى ترى وتعتقد أن رئيس الوزراء غير مؤمن أصلاً بمطالب الناس ويراها منطلقة من مواقع البعث والقاعدة وقوى الإرهاب التي تريد الصيد بالماء العكر! وطائفة ثالثة تريد له أن يرى الأمور بعينين أخريين غير اللتين نظر بهما حتى الآن للأوضاع الجارية في البلاد. إن النتائج لا تظهر بالنوايا الحسنة, بل بالأفعال, وحتى الآن لم نعش أفعالاً حسنة من جناب رئيس الوزراء. فمتى سيحصل ذلك؟ وإلى ذلك الحين ستستمر المظاهرات المطالبة حتى لو عطل المجلس النيابي جلساته وغادر الكثير من أعضائه إلى الأردن ولبنان وبريطانيا وغيرها من الدول. 
إن أوضاع المالكي الشخصية الراهنة لا يحسد عليها, ولكنه خلقها بنفسه وليس هناك من يتعاطف معه ما دام لا يريد أن يتحرك صوب الشعب ويفهم مطالبه ويستجيب لإرادته ويحقق مصالحه.
ولا يحق لنا أن نتسامح مع من يوافق على قتل الناس في الشوارع لأنهم تظاهروا أو يأمر باعتقال الصحفيين ويعرضهم للإهانة لأنهم كتبوا ونشروا ما يرضي ضمائرهم الحية والمسؤولة, أو أرسل من يغلق مقرات الحزب الشيوعي وحزب الأمة العراقية وجريدة طريق الشعب لغيظه من مشاركتهم في التظاهرات وتأييدهم لمطالب الشعب العادلة, ولا سحق لنا أن نتسامح مع من يسرق أموال الشعب ثم يكتشف رئيس الوزراء ذلك فجأة وبقدرة قادر!         
9/3/2011                   كاظم حبيب 
   

       

365

كاظم حبيب

من المسؤول عن اختطاف مجموعة من شباب في بغداد؟

نشرت جريدة المدى في عددها الصادر هذا اليوم الثلاثاء 8/3/2011 تقريراً مكثفاً عن عملية اعتقال للشاعر  والكاتب احمد عبد الحسين والسينمائي والصحفي علي السومري في أعقاب المظاهرة التي حصلت يوم أمس باعتباره يوم ندم على انتخاب من لا يستحق تمثيل الشعب في مجلس النواب. وقد عصبت عيونهم ودفعوا بهم إلى عربة همر من قبل قوى الأمن, رغم إباز الصحفيين هويتهما الصحفية لقوى الأمن.
وقد أسيئت معاملتهم مما يؤكد السلوكية المشينة لمن شارك في اعتقالهم والتي تثير قلق الجميع.
وفي نفس اليوم نشرت جريدة طريق الشعب على صفحتها الأولى موحشاً ومقلقاً آخر, في أعقاب نشر أخبار الاعتداء على جريدة طريق الشعب ومقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي ببغداد, يشير إلى اختطاف عدد من شباب العراق المنتفض بعد ارفضاض تظاهرة يوم الندم (7/3/2011) على انتخاب من لا يستحقون تمثيل الشعب. وقد اوردت الجريدة الأسماء الثلاثة التالية:
علي عبد الزهرة, معن ثامر اسماعيل وعلي صيهود فواز, علماً بأن الأول يعمل صحفياً في جريدة طريق الشعب وكان مكلفاً بتغطية أخبار مظاهرة يوم الكرامة والندم. وليست هناك معلومات مدققة في ما إدا كان الاعتقال قد اقتصر على هؤلاء الخمسة أم أن هناك طائفة أخرى من المعتقلين.
وتحمل جريدة طريق الشعب بصواب الحكومة العراقية وأجهزتها الأمنية مسؤولية الحفاظ على سلامة المعتقلين وتطالب بإطلاق سراحهم فوراً ومحاسبة من ساهم في اعتقالهم واصدر الأوامر بذلك.
إن المواقف والإجراءات الحكومية الأخيرة تؤكد بإن الأوضاع في العراق تتخذ مجرى غير سليم ومثير للقلق والشبهات حول سلوك الحكومة المناهض للحريات العامة والديمقراطية التي ينشدها الشعب.
لقد كانت النظم الرجعية والشوفينية والاستبدادية غالباً ما تلجأ إلى اعتقال المزيد من البشر بعد كل إضراب أو تظاهرة وترمي بهم في الحبس تمهيداً لمحاكمتهم. كان هذا ديدن نوري السعيد وصالح جبر وكل الحكام الجائرين في العهد الملكي وفي عهود الجمهوريات الثلاث وأخيراً في عهد أطول جمهورية شوفينية وعنصرية مقيتة هي جمهورية الخوف والفاشية, جمهورية البعث الثانية. فهل نحن اليوم أمام احتمال تكرار تلك الأوضاع البائسة ومصادرة الحريات العامة؟ لا يتمنى الإنسان على الحكومة العراقية الراهنة أن تنحدر إلى هذا المستوى والسير على طريق خطر يتمثل بمعاداة متفاقمة للحريات العامة والديمقراطية والتجاوز على بنود الدستور العراقي واعتقال من يمارس حقه في التظاهر أو من يمارس عمله الصحفي اثناء التظاهرات الشعبية.
في الوقت الذي أحتج بشدة على اختطاف هذه الاعتقالات وأدعو جميع العراقيات والعراقيين إلى الاحتجاج واستنكار هذه الحملة من الاعتقالات, أطالب بإطلاق سراحهم فوراً والاعتذار لهم ولبقية من اعتقل خلال هذه الفترة لمشاركتهم في التظاهرات الشعبية ومحاسبة ومعاقبة الذين اصدروا الأوامر واساءوا التصرف مع المعتقلين.
حين وقع العدوان الحكومي على شبيبة تونس احتج رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما بنفسه وظهر على شاشة التفلزة معلناً رفضه للعدوان على المتظاهرين وممارسة العنف ضدهم. وهكذا مارس أوباما نفس الشيء مع المسؤولين المصريين حين تصدوا للمظاهرات ومارسوا العنف معهم وطالبهم بإيقافه فوراً, بل طالب برحيل محمد حسني مبارك. ولكن لا أوباما ولا أي مسؤول في الولايات المتحدة قد حرك ساكناً لأدانة موقف الحكومة العراقية من التظاهرات في مختلف أنحاء العراق, كما لم يحتج بسبب استشهاد طائفة من المتظاهرين يبلغ عددهم 14 شهيداً وأكثر من مئة جريح بسبب مشاركتهم في مظاهرات يوم 25 شباط/فبراير 2011 أو الذين تعرضوا للأساءات والاعتقال والاختطاف في مظاهرة يوم 4/3/2011 ويوم 7/3/2011. وهكذا تخلت هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي عن مسؤوليتهما المشتركة لما يحصل في العراق ضد المتظاهرين والصحفيين من جانب الحكومة وأجهزتها الأمنية, او ما يحصل من تجاوزات على الحريات العامة.
وهي حالة لا تجلب الانتباه من جانب الشعب العراقي فحسب, بل وتتطلب الإدانة المباشرة والفورية لهذا السكوت المشبوه والمعيب من جانب الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بسبب ما يجري في العراق من تجاوزات على الدستور العراقي وعلى لائحة حقوق الإنسان.
أود هنا أن أذكر المسؤولين العراقيين الذين لم يتعلموا من دروس القرن الماضي ولميلتقطوا حقيقة أن كل الذين اتخذوا مواقف العداء إزاء الحزب الشيوعي العراق والقوى الديمقراطية العراقية ومارسوا سياسات مليئة بالكراهية والعدوانية ضده وضد القوى الديمقراطية العراقية قد انتهوا إلى مزبلة التاريخ, في حين ما يزال الحزب الشيوعي والقوى الديمقراطي واقفةً على أقدامها مرفوعة الرأس وستبقى كذلك بالرغم من كل محاولات تهميشها وتقزيمها التي لن تنجح وسينتهي من يعادي القوى  الديمقراطي إلى نفس المصير الذي أنتهى إليه كل المستبدين والمناهضين للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.
لنرفع صوت المطالبة بإطلاق سراح من اعتقل أو اختطف من قبل القوات الأمنية العراقية فوراً والكف عن عرقلة ممارسة حق الشعب في التظاهر, أو ممارسة سلوكية حكومية مرفوضة دستورياً وضد كافة اللوائح الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.
لترتفع راية الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية وإرادة الشعوب ومصالحها فوق سماء العراق ولتندحر الرايات السوداء الممثلة للطائفية والاستبداد والفساد والعنف.
8/3/2011                      كاظم حبيب     
 
 

     


366

حملة التضامن مع الحزب الشيوعي والقوى الديمقراطية الأخرى في العراق

في سبيل وقف انتهاكات حقوق الانسان التي لا ينبغي ان تبرروانما تستنكر وتدان ويعاقب مرتكبوها!

بعد اقتحام قوة مسلحة تتكون من الشرطة والأمن السياحي وعمليات بغداد مبنى اتحاد الادباء والكتاب العراقي ليلة الاحد 28/11/2010،والقرار بالهجوم على نادي آشور بانيبال الثقافي،والاعتداء الجبان والوحشي على معتصمي ساحة التحرير وسط بغداد فجر الاثنين 21/2/2011 واستشهاد احد المعتصمين وجرح سبعة آخرين وسرقة السرادق وما فيه!ومداهمة مرصد الحريات الصحافية في العراق وهو منظمة تعنى بالدفاع عن حقوق الصحافيين فجر الاربعاء 23/2/2011 ومصادرة بعض من محتوياته!ومداهمة شبكة عين وهي منظمة تعنى بمراقبة الانتخابات في العراق مساء الاربعاء 23/2/2011 ومصادرة محتويات الشبكة واجهزة حاسوب ووثائق مهمة تتعلق بنتائج الانتخابات النيابية الاخيرة والاجازة الرسمية في ممارسة الشبكة لعملها عملها،وقرار عمليات بغداد بحظر النقل المباشر لتظاهرة جمعة الغضب 25/2/2011 والقيام علانية بالاعتداء على المواطنين واعتقال الصحفيين وفق ديمقراطية المروحيات الترابية مما ادى الى استشهاد بعض المتظاهرين،والاعتداء الجبان على صحفيي البصرة الفيحاء جمعة الكرامة 4/3/2011 .. قامت قوة من عمليات بغداد بمحاصرة مكاتب صحيفة طريق الشعب الغراء ليلة 5- 6/3/2011 وطالبت العاملين باخلاء المكاتب خلال 8 ساعات كما حاصرت قوات اضافية مقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي فجر يوم 6/3/2011 وطالبت العاملين بمغادرة المبنى خلال ساعات معدودة بأمر من القائد العام للقوات المسلحة وتعاملت مع الجميع بتعسف ووجهت اليهم اساءات شديدة اللهجة مقرونة بالركل والرفس!وكررت هذه القوات استفزازاتها هذه مع مكاتب الاحزاب السياسية الوطنية والقوى السياسية المعارضة!
نحن الموقعون ادناه نحنج بشدة على هذا التصرف الارعن،على نوري المالكي ان يدرك بأن التجويع والفقر وتفاقم الفساد المالي واسلوب القمع الوحشي وقتل الناس بالرصاص هو وبال وثمنه باهض عليه وعلى النظام الذي يقوده في العراق.ان الشعب العراقي لن يسكت على الدم الذي ينزف من ابنائه وبناته لا على ايدي المسلحين فحسب،بل وعلى ايدي الارهابيين الذين اقتنصوا الفرصة في الصراعات المستمرة على المناصب الوزارية لقتل المزيد من الناس.
كان خيار الحزب الشيوعي الدائم ولازال الاصطفاف مع ابناء شعبنا،وان مواقف الحزب ليست بنت اللحظة وهو يتابع منذ وقت غير قصير معاناة الناس والصعوبات المتراكمة التي تسمم حياتهم ويؤشر الثغرات الجدية في العملية السياسية،مدركا حقيقة ان جماهير الشعب العراقي لم تقطف بعد ما تطلعت اليه وما صبرت وتحملت من اجله وناضلت وقدمت قوافل الشهداء في سبيله،والخيار- البديل الديمقراطي الحقيقي الذي تريد لم يتبلور بعد.
يتوجب على السلطات ان تصغي بانتباه لصوت الناس وان تنصرف الى العمل الجدي والمسؤول للتخفيف من معاناتهم وتتخذ الاجراءات الكفيلة بمعالجة مشكلاتهم،وتعتمد لها الحلول الآنية ومتوسطة المدى والبعيدة!وتحسن التعامل مع المحتجين المتظاهرين،وتؤمن سلامتهم!لا الميل الى المزيد من انتهاكات حقوق الانسان التي لا ينبغي ان تبرر وانما تستنكر وتدان ويعاقب مرتكبوها!
كاظم حبيب
سلام إبراهيم عطوف كبة
تيسير عبدالجبار الآلوسي
جاسم المطير
 


الموقعون
tayseer54@hotmail.com 
2011 / 3 / 6


367
كاظم حبيب

اجتياح تعسفي في بغداد بأمر المستبد بأمره!

وصلني الخبر التالي من بغداد:
"قامت قوة من عمليات بغداد بمحاصرة مكاتب صحيفة طريق الشعب ليلة 5-6/3/2011 وطالبت العاملين باخلاء المكاتب خلال 8 ساعات كما حاصرت قوات إضافية مقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي فجر يوم 6/3/2011 وطالبت العاملين بمغادرة المبنى خلال ساعات معدودة بأمر من القائد العام للقوات المسلحة وتعاملت مع الجميع بتعسف ووجهت اليهم اساءات شديدة اللهجة مقرونة بالركل والرفس. وكررت هذه القوات استفزازاتها هذه مع مكاتب الاحزاب السياسية الوطنية والقوى السياسية المعارضة!! "

ما أن انتهت مظاهرات جمعة الكرامة السلمية والديمقراطية, رغم استخدام خراطيم المياه والضرب والشتائم والإساءات ضد المتظاهرين والصحفيين واعتقال بعضهم من جانب أجهزة الأمن والشرطة, على وفق ما جاء في بيان لجنة حقوق الإنسان في البرلمان العراقي صباح هذا اليوم الأحد المصادف 6/3/2011, ورغم الأساليب غير المشروعة التي مارسها رئيس الحكومة وأجهزة الدولة الأمنية بقطع أوصال بغداد لمنع المتظاهرين من الوصول إلى ساحة التحرير, ما أن تحولت مطالب المظاهرات إلى مطالب شعبية تؤيدها أوسع أوساط الشعب, بمن فيهم ساندها الدكتور إبراهيم الجعفري في مجلس النواب هذا اليوم, حتى فقد رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة أعصابه تماماً فأوعز إلى  قائد عمليات بغداد إلى تطويق مقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ومكتب جريدة طريق الشعب واجتياحهما في محاولة وقحة لطرد من فيها من الموقعين. كما مارس ويحاول أن يواصل الآن اتخاذ إجراءات مماثلة ضد مقرات أحزاب وطنية أخرى وقفت إلى جانب مطالب المتظاهرين العادلة والمشروعة.
لقد وقف مجلس النواب, ورغم كل ملاحظاتنا عليه إلى تأييد مطالب المتظاهرين واعتبرها عادلة ومشروعة, كما جاء ذلك في بيان لجنة حقوق الإنسان في البرلمان ألقي من على منصة المؤتمر أدان فيه سلوك أجهزة الأمن والشرطة إزاء المتظاهرين واستخدام خراطيم المياه والهراوات الكهربائية والعصي والشتائم ضد المتظاهرين وضد الصحفيين واعتقال بعضهم. وهي أعمال مدانة على وفق الدستور العراقي.
لقد فقد المستبد بأمره أعصابه, إذ حتى الذين استنجد بهم لمنع وتحريم المظاهرات قبل اسبوعين قد وجدوا بعد جمعتي الغضب والكرامة أن مظاهرات الشعب سلمية وديمقراطية وتحمل مطالب عادلة ومشروعة, بل وضرورية, وأدانوا الإساءات التي وقعت على المتظاهرين, إضافة إلى مطالبتهم بتحقيق تلك المطالب. لقد سقط الأمر في يديه, فبيان السيد السيستاني أكد عدالة مطالب الشعب وطالب بتنفيذها.
فقد السيد رئيس الوزراء أعصابه تماماً, وإلا كيف ينسى وبهذه السرعة أنه وحزبه قد مدحا الحزب الشيوعي العراقي على مواقفه الموضوعية والبناءة. لقد كان الحزب الشيوعي العراق على حق كامل حين وقف إلى جانب مطالب الشعب, وعليه أن يدلني عن أولئك الذين وقفوا ضد مطالب الشعب الراهنة غيره وغير بعض القوى المحيطة به.
توجه رئيس الوزراء ليواجه مطالب الناس وحرياتهم العامة وحقوقهم المشروعة بالهجوم الشرس غير المشروع والاعتداء على مواطنين شرفاء ومناضلين شجعان من الحزب الشيوعي العراقي في مقر اللجنة المركزية وفي الجريدة وتهديدهم بترك المقر ومكب الجريدة خلال ساعات!
يعرف رئيس الوزراء أن الحزب الشيوعي العراقي طالب المسؤولين بتسليم الحزب ممتلكاته لكي يستطيع الانتقال إليها من جهة, كما قدم طلباً لوزارة المالية لتأجير رسمي لمقر اللجنة المركزية والجريدة الراهنين من جهة أخرى, وهي معاملة قيد الدراسة من قبل وزارة المالية, فلماذا هذا الهجوم العدواني على مقر الحزب وجريدة طريق الشعب؟
إن سلوك رئيس الوزراء غير ديمقراطي وقمعي ينبغي رفضه وإدانته وعليه أن يعتذر للحزب الشيوعي العراقي ومعاقبة القوة العسكرية التي اعتدت بالركلات والشتائم على الشيوعيين الذين كانوا في المقر وفي الجريدة. إن تخبط\ رئيس الوزراء في إجراءاته لن يعالج مشكلات العراق, بل يزيدها تعقيداً, وعليه ان يعي ذلك.
إن إدانة هذا السلوك ينبغي أن لا يقتصر علينا نحن المواطنين والمواطنات فحسب, بل أن يدان من جانب كل الذين تعز عليهم الحرية والديمقراطية وكل الذين يرفضون التوجه المتفاقم الذي نلمسه صوب الاستبداد, وأن نطالب رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب وكافة قيادات الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني إوالصحافة الحرة إدانة هذا السلوك ومنع حصوله ثانية من جانب القوات الحكومية.
6/3/2011                     كاظم حبيب
      

368
هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العرق

بيان احتجاج شديد ضد إشعال النيران في كنيسة قبطية في مصر

في الوقت الذي تعم الفرحة في جميع أنحاء مصر بانتفاضة شبيبتها وشعبها المقدامين التي أسقطت محمد حسني المبارك وزأزاحت أحمد شفيق عن رئاسة الحكومة, تسير حثيثاً لاستكمال العملية السلمية والديمقراطية لإسقاط النظام السياسي المصري المتهري عبر مواصلة المظاهرات الشعبية في مختلف المدن المصرية وخاصة القاهرة, وفي الوقت الذي تصافح وتعانق المسلمون والمسيحيون في ساحة التحرير رافضين أي شكل من اشكال التمييز أو ممارسة العنف, وفي الوقت الذي عمت الفرحة شعوب جميع الدول العربية لتلك الرياح المنعشة التي هبَّت واندفعت من مصر لتصل إلى بقية الدول العربية الواحدة بعد الأخرى, في هذا الوقت بالذات حيث يطالب الشعب المصري بتكريس الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان, بما في ذلك الحريات الدينية والمذهبية واحترام جميع الأديان والمذاهب الدينية والاتجاهات الفكرية والسياسية غير الفاشية وغير الطائفية وغير العنصرية, قامت طائفة من العناصر الطائفية المتطرفة والمجرمة بمحافظة حلوان في مصر بالاعتداء الطائفي المشين على كنيسة الشهيدين (مار جرجس ومار مينا) بقرية صول التابعة لاطفيح في محافظة حلوان، إذ تم إشعال النار في الكنيسة وهدمها بالكامل تمهيدا لبناء جامع مكانها.
إن هذا الاعتداء الجبان يعتبر استفزازاً وقحاً ومحاولة خائبة ولكنها خبيثة من جانب القوى المعادية للانتفاضة الشعبية لزعزعة الوحدة الوطنية في مصر, وحدة الجماهير التي تسعى لتحويلها إلى ثورة فعلية تغير طبيعة النظام ووجهة المسيرة الثورية السلمية.
إننا إذ ندين هذه العملية الجبانة والجريمة البشعة, وإذ نطالب الحكومة المصرية الجديدة والقضاء المصري بملاحقة المجرمين ومعاقبتهم على الجريمة التي ارتكبوها وإعادة بناء الكنيسة وتعويض المتضرين, نأمل أن تدفع هذه الجريمة بالشعب المصري إلى المزيد من التكاتف والنضال المشترك لتفويت الفرصة على أعداء الشعب المصري للانقضاض على انتفاضتهم المجيدة. كما نأمل أن لا تكون هذه العملية الخبيثة قد أدت إلى سقوط شهداء وجرحى ومعوقين. ونعلن عن تضامننا الثابت مع ضحايا العدوان الهمجي في مصر.
إن التظاهرة التي نظمت من قبل أقباط مصر احتجاجاً ضد الجريمة البشعة يوم أمس 5/3/2011, ينبغي أن لا تقتصر عليهم, بل يفترض أن يلتحق بهم جماهير واسعة من مسلمي مصر ليعلنوا معاً عن احتجاجهم المشترك وتضامنهم ضد الطائفية والعنف والعدوان على  دور عبادة الأقباط.

الأمانة العامة لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق   
6/3/2011       

369
كاظم حبيب


نداء مفتوح لشعب ومسؤولي وأحزاب إقليم كردستان العراق

تمر قريباً الذكرى العشرون للخلاص من الدكتاتورية وتحريرها من قوات وأجهزة الطاغية صدام حسين, وهي ذكرى عزيزة على قلوب كل الكرد بشكل خاص وعموم الشعب العراقي, إذ إنها كانت البداية للتداعيات اللاحقة التي أودت بالنظام الفاشي الدموي في العراق.
ولقد تحققت للشعب الكردي, سواء قبل الخلاص الكامل للعراق من براثن الفاشية أم بعد ذلك جملة من المنجزات التي ناضل طويلاً من أجلها وقدم من أجلها الكثير من التضحيات التي لا تقل عن ربع مليون إنسان على مدى ثمانية عقود منذ تأسيس الدولة العراقية. وابرز هذه المكاسب واكثرها أهمية يتجلى بإقامة الفيدرالية وتشكيل حكومة كردستانية وبرلمان كردستاني, واستعادة الكرامة المجروحة والتهميش الذي عانى منه شعب كردستان طويلاً.
ورغم خسارة سنوات عديدة في الصراعات الداخلية, فأن تكريس الحكم الوطني وبايدي الشعب الكردي يعتبر المنجز المهم في إقليم كردستان.
وخلال السنوات المنصرمة تحققت جملة من المنجزات الطيبة وخاصة في مجال البناء والعمران العام للمدن الرئيسية في الإقليم وتحسين شبكات الطرق والمواصلات والاتصالات وتوقيع عقود التنقيب عن البترول واستخراجه وعن المواد الأولية الأخرى في الإقليم والسعي لتشكيل أجهزة متخصصة في الإقليم مثل الأحصاء وبنك المعلومات وجهاز التخطيط والتوسع في إقامة الجامعات والكليات والمعاهد وتنشيط السوق الداخلي ووجود سيولة نقدية وحركة تجارية نشطة مع الخارج....الخ. يضاف إلى كل ذلك سيادة الأمن والاستقرار وندرة العمليات الإرهابية في الإقليم, وهي تختلف كلية عن أوضاع بقية أنحاء العراق حيث ما يزال يعاني من عمليات إجرامية تمارسها قوى إرهابية متطرفة وشرسة ومعادية للشعب العراقي وتطوره اللاحق.
ولكن إقليم كردستان العراق الذي عاني من التهميش والحروب والإرهاب الدموي والقمع والتخريب على أيدي قوى البعث ورث في الوقت نفسه الكثير من سلبيات ذلك النظام, سواء أكان في مجال البطالة والفقر والحرمان, أم في مجال التخلف الاقتصادي والاجتماعي وغياب أي شكل من أشكال المجتمع المدني, أم من الفساد المالي والإداري والتشوه الطبقي والهيمنة الحزبية لحزب البعث والقوى التي شاركته الحكم تحت أمرة البعث واغتنت من فتات موائده. هذا الواقع يتطلب دون أدنى ريب وقت غير قصير لإزالته ومعالجة المشكلات الناجمة عنه من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية, كما يحتاج إلى تضافر كل الجهود في المجتمع لتحقيق الغايات التي ينشدها شعب كردستان.
وكان الأمر يستوجب من الأحزاب التي تسلمت السلطة السياسية وأصبح أمر تغيير كردستان بيديها أن تبدأ مباشرة وبالتعاون مع جميع فئات ومكونات شعب كردستان لتحقيق المهمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية الكثيرة والتي تتعلق  بحياة ومعيشة وحرية المواطنة والمواطن.
وحسب متابعتي للوضع في إقليم كردستان العراق لاحظت جملة من الجوانب السلبية التي حاولت التعبير عنها عبر لقاءات تلفزيونية دعيت لها من قناة تلفزيون كردستان في أربيل أو في مقابلات ولقاءات صحفية, والتي تبرز على نحو خاص في المجالات التالية التي كنت وسأبقى صريحاً بطرحها لا لإحراج أحد بل من أجل وضع سياسات تخدم مصالح الشعب مباشرة.
1 . حين شكل الحزبان الرئيسيان الحكومة الكردستانية وأشركا معهما بعض القوى الأخرى منذ تشكيل الحكومة الموحدة, لم تحاول الحكومة كسب عناصر ديمقراطية مستقلة إلى الحكومة لكي لا تكون الحكومة مجرد عناصر تمثل الأحزاب, خاصة وأن نسبة المنتسبين إلى الأحزاب في الإقليم محدودة جداً بالقياس إلى عدد السكان. وهي خسائر فادحة لعناصر ديمقراطية مستقلة وكثيرة.
2 . ينطبق هذا الأمر على تعيين نواب الوزراء في حينها والمستشارين لدى رئاسة الإقليم والحكومة والوزراء, إذ كانوا من حيث المبدأ من العناصر الحزبية أو المحسوبة على الحزبين وليس من كوادر علمية وفنية ومتخصصة مستقلة. ولم تقتصر صيغة التعيين هذه على هؤلاء, بل شملت المدراء العامين وكبار الموظفين وصغار الموظفين في آن واحد.
3 . كما إن القبول في الدرسات العليا لا تتم إلا لمن هو عضو في الحزبين الحاكمين, مما يثير بحق بقية الراغبين في الدراسات العليا أو في الحصول على الزمالات والبعثات وعائلاتهم ومن يسمع بتلك الأمور السلبية.
4 . ساهم هذان الاتجاهان في خلق فجوة متسعة باستمرار بين الشعب والقوى المستقلة فيه وبين الحزبين الحاكمين بشكل خاص, ومن ثم بين قوى الحزبين والشعب ايضاً, بحيث أصبح النظر إلى قوى الحزبين نظرة مليئة بعدم الارتياح والخشية والتباعد.
5 . وبعد تسلم الحكم في كردستان العراق من جانب الحزبين الرئيسن وتنامي الموارد المالية تفاقمت ظاهرة الفساد في الإقليم واصبحت رائحته تزكم الأنوف في حين كان المطلوب مكافحة الفساد والضرب على ايدي الفاسدين, مما جعل الناس ينفرون من الحكم ويتحركون تدريجاً لمواجهة هذه الحالة السلبية. وعلي أن أكون صريحاً أكثر لكي أؤكد بأن المشكلة قد تبلورت في واقع الحال ولدى الناس, حيث كانت الأصابع تؤشر صوب المكتبين السياسيين واللجنتين المركزيتين وبعض أطراف الحكومة وكبار موظفي الحزبين ومن هم حولهم من العائلات والحاشيات. وقد سمع السيد رئيس الإقليم نداءات ضد الفساد عند زيارته إلى مدينة دهوك وخطب فيها والتزم بمحاربة الفساد, ولكن لم يحصل ما يرضي الناس بعد أن عاد إلى أربيل واجتمع بالمكتب السياسي واللجنة المركزية, كما يتحدث الناس في الإقليم عن ذلك دون وجل.
6 . تشكو الناس من قيام المسؤولين بتوزيع مساحات واسعة من الأراضي على كثرة من المسؤولين الكبار وافراد العائلات والحاشيات والتمييز في ما بين الناس في الحصول على قطعة أرض.   
7 . إن المشكلة التي تواجه الإقليم تبرز في تركز السلطات الثلاث بيد رئيس الإقليم, وأن القضاء في الإقليم ليس مستقلاً, وهو الذي أكدته الكثير من الأحداث الأخيرة. ولهذا لا بد من إجراء تعديلات على الدستور بما يسهم في تحديد صلاحيات رئيس الإقليم ورئيس الحكومة والبرلمان وتأكيد الفصل بين السلطات واستقلالية القضاء التامة. 
8 . حكومة إقليم كردستان لا تمتلك إسترايجية تنموية ولا سياسة اقتصادية اجتماعية وثقافية وبيئية متبلورة في برامج ورؤية سديدة, إنها تنفذ مشاريع لا غير دون أن يكون بينها أي روابط او تنسيق. بمعنى آخر أن الحكومة لا تمتلك خطة اقتصادية واجتماعية تستهدف تغيير بنية الاقتصاد والمجتمع, بل تمتلك سياسة تجارية كاملة تغرق الأسواق بالسلع والخدمات دون بذل الجهود للتصنيع أو لتغيير بنية الزراعة والريف الكردستاني. وهذه الظاهرة السلبية لا تخدم الاقتصاد الكردستاني ولا تنمي الثروة الوطنية ولا تساهم في مكافحة البطالة المكشوفة والمقنعة بين بنات وأبناء شعب كردستان وتفرط بالأموال بعيداً عن تحقيق التراكم الرأسمالي المنشود والمهم جداً لأمن كردستان السلعي والغذائي بشكل خاص.
9 . ولكن أهم ما افتقده الإقليم هو العمل على تنمية المجتمع المدني والحريات العامة والديمقراطية لا في المجتمع فحسب, بل وفي بنية وقيادات الأحزاب السياسية الحاكمة.
إما مفهوم الحرية والديمقراطية فلا يقتصران على إجراء الانتخابات, بغض النظر عن مدى نزاهتها, على أهمية النزاهة طبعاً, بل هما يشكلان حزمة كبيرة من القيم والمؤشرات التي يفترض أن تتجلى في الحكم وفي العلاقة مع الشعب وفي بنية وعلاقة ونشاط الأحزاب السياسية في كردستان. فلا رئيس الحكومة منذ العام 2005, ولا قبلها ولا بعدها وجد طريقه إلى إقامة الندوات الشعبية للحوار مع الفئات المختلفة, ولا تم النزول إلى المناطق الشعبية التي تعاني من المشكلات المباشرة, كما لا يتم اللقاء الحواري مع مختلف القوى السياسية ومنظمات المجتمع للحوار معها ومع منتسبيها حول أوضاع الإقليم. ولا يتم استفتاء الشعب على المسائل الأساسية التي تمس مصير الشعب ومستقبله. وهي إشكالية كبيرة جعلت العلاقة بين الشعب وبين المسؤولين أكثر تعقيداً وأكثر ابتعاداً عن بعضهما.
10 . والديمقراطية تعني وجود قوى معارضة للأحزاب الحاكمة تتمتع بحرية ممارسة النقد والحوار والمكاشفة والسعي لكسب الشعب إلى جانبها للوصول إلى السلطة, إذ إن الحياة الديمقراطية تعني التداول السلمي للسلطة في ضوء برامج الأحزاب وسياساتها ومدى كسبها للشعب, وليس احتكار السلطة باي شكل كان.
11 . إن الديمقراطية لا تعني كثرة المجلات والصحف والإذاعات وقنوات التلفزة, بل تعني مدى قدرة الناس التعبير عن مشكلاتهم ونقدهم لسياسات ومواقف ونشاط الحكومة والأحزاب الحاكمة. ففي الوقت الذي لا توجد قناة تلفزيونية تمثل الإقليم وتفسح في المجال للحكومة وقوى المعارضة التعبير عن سياساتها ومواقفها, نجد قنوات تلفزة تابعة للأحزاب والقوى السياسية التي تحرم القوى المستقلة واللاحزبية من التعبير عن إرادتها ورأيها وهي التي تشكل الأكثرية, لأنها لا تمتلك مثل تلك المنابر. إن الصحافة الحرة والديمقراطية تعتبر بالنسبة لأي حكم النور الذي ينير الطريق لها للتعرف على إرادة ومصالح الشعب وحقوق الشعب والسعي لتنفيذها.
12 . يشكل الكرد الفيلية, وهي مجموعة بشرية كبيرة, جزءاً من شعب كردستان والأمة الكردية. وقد لعبت هذه الجماعة البشرية الكبيرة دوراً مهماً في الحياة السياسية العراقية وفي النضال من أجل انتزاع حقوق الشعب الكردي في العراق وفي مختلف المراحل واشكال النضال. ولكن هذه الجماعة البشرية التي تتميز بالحيوية والنشاط لم تجد الاحتضان والدعم اللازمين من قبل الأحزاب الكردستانية الحاكمة, ممدا دفعها على التحري عن مواقع لها في أحزاب سياسية إسلامية لم تكن تفكر يوماً بالعمل معها أو الانتساب إليها. ولقد أدى هذا إلى التفريط بها حقاً وأوجد حالة من عدم الرضى والتوتر بين قوى الإقليم والكرد الفيلية بشكل عام.
13 . بعد مرور هذه الفترة الطويلة لا يجد المواطن ولا المواطنة في كردستان ما يكفي من الخدمات, رغم إنها أفضل مما هو متاح للناس في بغداد والمحافظات الأخرى. ولكن الوضع في كردستان هو أكثر أمناً وأكثر قدرة على تأمين الخدمات كالكهرباء والماء وخدمات الاتصالات ومكافحة البطالة  والفقر, رغم ما يقال عن قلة نسبة الفقراء في كردستان العراق بالمقارنة مع بقية أنحاء العراق.
إن هذه اللوحة من الظواهر السلبية وغيرها هي التي تسمح بتحرك الشبيبة الكردستانية, ومن ثم بقية نساء ورجال الشعب الكردي نحو التظاهر بعد ان يئسوا من إرادة التغيير عند قيادة الإقليم والحكومة الكردستانية, وهو حق مشروع. وحين تنطلق المظاهرات المطالبة بإجراء إصلاحات جذرية في واقع وسياسات الإقليم, فأن من واجب رئاسة وحكومة وأجهزة الإقليم أن تستمع لهم وتحاورهم وتسعى بكل الجهد لتنفيذ المطالب والابتعاد عن ممارسة العنف في مواجهة المتظاهرين.
إن من حق المتظاهرين أن يرفعوا سقف المطالب حين لا يجدون استجابة لمطالبهم أو قسوة في التعامل معهم. وعلينا أن نؤكد بإن المشكلة في كردستان لا تحل بواسطة الأجهزة الأمنية والشرطة بل تحل بتغيير السياسات التي تمارسها الحكومة الكردستانية, بالاستماع إلى صوت الشعب والمعارضة لأنها تساهم في تعديل المسارات, وهي التي تساهم في حرمان من يحاول استغلال الوضع لممارسة العنف في المظاهرات.
إذا كانت المظاهرات قد انطلقت في مدن محافظة السليمانية وحدها, فإن هذا لا يعني أبداً بإنها سوف لن تصل إلى أربيل ودهوك, بل هي في حقيقة الأمر مهيأة لذلك ويمكن ان تتفجر في كل لحظة.
إن ما خطاب السيد رئيس الإقليم بدراسة النقاط ال 17 لقوى المعارضة والمتظاهرين, وهي أكثر من ذلك, أمر إيجابي رغم إنه جاء متأخراً جداً, إذ إن الكثير من الملاحظات قد قدمت من جهات كثيرة حول هذا الأمر, ومع ذلك ينبغي أن لا يبقى الخطاب حبراً على ورق بل لا بد من البدء بذلك فوراً, إذ أن التأخير ليس في مصلحة الإقليم واستقراره وتطوره ومواجهة القوى الخارجية المعادية للإقليم.
إن وحدة شعب الإقليم تنشأ من رضى الشعب إزاء سياسات الحكومة, ورضى الشعب يتم بتحقيق الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وممارسة سياسات تخدم مصالح الإقليم وتكافح الفساد والبطالة وكل ما هو سلبي في الحياة اليومية للمجتمع.
 


370
منظمات المجتمع المدني في خارج العراق الموقعة على هذه المذكرة تؤيد بحرارة مذكرة منظمات المجتمع المدني العراقية في الداخل التي سلمت إلى رئيس الوزراء العراقي السيد نوري المالكي وتطالب بالعمل على تنفيذها إذ إنها تعبر عن مصالح الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه الدينية واتجاهاته الفكرية والسياسية الوطنية والديمقراطية التي تساهم في إجراء تغيير فعلي في الوضع الراهن السائد وتدفع به باتجاه المجتمع المدني والديمقراطي.. مشددين هنا على أهمية المباشرة الفعلية العاجلة بتلبية مطالب الجماهير والتوقف عن الممارسات المتعارضة مع احترام حرية التعبير وحق الشعب في سمو صوته دستوريا وكفالة حقه في أية تغييرات يراها مستجيبة لمطالبه العادلة وعلى وفق التفاعلات الجارية..
 
المنظمات الديموقراطية العراقية في الخارج:
هيأة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق
البرلمان الثقافي العراقي في المهجر
رابطة الكتّاب والفنانين الديموقراطيين العراقيين في هولندا
جمعية البيت العراقي في هولندا \ لاهاي
لجنة الأكاديميين العراقيين في المهجر
 
الشخصيات الديموقراطية المستقلة:
أ.د. كاظم حبيب  
أ.د. تيسير الآلوسي

أ.   عبدالرزاق الحكيم
أ.   حميد البصري


  وإليكم نص المذكرة:
 
دولة رئيس الوزراء الاستاذ نوري المالكي المحترم
تحية طيبة
لاشك ان سقوط الدكتاتورية في نيسان 2003 يعد حدثاً تاريخياً لشعبنا، اذ فتح أمامه
بوابات الأمل في التغيير نحو الحرية والعدالة الاجتماعية، واعادة بناء الدولة على اسس الديمقراطية والتعددية والتعايش السلمي لشرائحه الاجتماعية. وقد تحققت في الثمان سنوات من عمر مرحلة الانتقال الى الديمقراطية انجازات مهمة، ولكن ما زالت التجربة الوليدة مهددة بعوامل الانتكاس والتراجع، والعامل الرئيسي الذي يشكل أرضية لهذا التراجع هو اعتماد نظام المحاصصة على أساس طائفي وعرقي في إدارة الحكم، مما وّفر، ويوفر مناخاً ملائماً لانتعاش بيئات الاقصاء والتهميش لشرائح اجتماعية وكفاءات مطلوبة في عملية إعادة البناء والتنمية، ويضرب بالصميم المسعى الوطني لبناء دولة مدنية، كما يتيح الفرصة لتمكن قوى التطرف والتشدد بالهيمنة على المفاصل المهمة في مؤسسات الدولة، والتعبير عن ارادتها من خلال خطواتها في الحد من الحريات والتضييق على الحقوق المدنية والثقافية.
لقد رصدت منظمات المجتمع المدني على عموم العراق، مؤشرات وممارسات جدية
تثير القلق في مسار إدارة الحكم، نرى من الواجب الوطني ان نعرضها على سيادتكم ضمن مسؤوليتكم في الحفاظ على الدستور والمسيرة الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، أملين منكم الاهتمام بدراستها ووضع البرامج القابلة للتنفيذ، من أجل رسم خارطة طريق تصحيح مسار الحكم باتجاه بناء الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية، التي رسمت ملامحها وأركانها في الدستور النافذ.
اولاً: تقليص مساحة الحريات المدنية للأفراد والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني،
وممارسة السلطات الادارية والتنفيذية مجموعة اجراءات تقيد حرية التعبير والتظاهر وحجب المعلومات. كما يتعرض نشطاء المجتمع المدني الى التخويف والترهيب خلال تنفيذ فعالياتهم السلمية في التجمع والاحتجاج (مثال: تعليمات محافظ بغداد الأخيرة حول إجازة التظاهرات، واقتحام مكتب مرصد الحريات / والاعتداء على المعتصمين في ساحة التحرير ليلة  21الصحفية ثم مكتب شبكة عين للانتخابات).
ثانياً: عدم تمكين المنظمات غير الحكومية في العراق من المساهمة الفاعلة في بناء
مؤسسات الدولة العراقية ورسم السياسات العامة والبرامج الوطنية، والاصرار على تقييد دورها, ويمثل الالتفاف على قانون المنظمات غير الحكومية رقم ( 12 ) لسنة 2010  باصدار تعليمات من قبل الأمانة العامة لمجلس الوزراء تتقاطع مع مضمون القانون والنص الدستوري الذي يلزم الدولة رعاية وتمكين المنظمات من أداء دورها الفاعل، وهي احد الشواهد على تغييب الدور المدني وتقييده.
ثالثاً: الانتقاص المستمر لدور المرأة في المشاركة في إدارة الحكم، برز بوضوح في غياب النساء في المفاوضات السياسية بين الكتل والأحزاب السياسية وفي تشكيلة الحكومة الجديدة، رغم وعودكم بتصحيح الوضع. فضلا عن ظواهر العنف المجتمعي والاسري المتزايدة ضد النساء.
رابعاً: ازدياد حالات الخرق للدستور من قبل السلطات الثلاث في العراق، واخرها قرار
2011 ، القاضي بربط الهيئات المستقلة التي تخضع لرقابة /1/ المحكمة الاتحادية العليا في  18مجلس النواب المنصوص عليها في الدستور، بمجلس الوزراء. وايضا التدخل في عمل القضاء ومحاولة التأثير على استقلاليته، ومنها تشكيل المحكمة الاتحادية وفق ارادة الكتل السياسية.
خامساً: تزايد حالات التصفيات الجسدية للمكونات الدينية غير المسلمة، والتضييق على
حقوقهم الثقافية والاقتصادية وحرياتهم المدنية، والاعتداء على دور عباداتهم ومحلات
عملهم، واخفاق الاجهزة الامنية في حمايتهم من الاعتداء والتهديد، مثال مجزرة كنيسة سيدة النجاة، ومداهمة جمعية اشور بانيبال الثقافية والاجتماعية.
سادساً: التهديد المستمر لأمن المواطنين نتيجة تعرضهم الى العمليات الاجرامية والارهابية، مع عدم تسمية وزراء الداخلية والدفاع والأمن الوطني في الحكومة الجديدة لحد الآن، رغم مرور أكثر من شهرين على اعلانها، وعجز الأجهزة الأمنية على وضع استراتجية وطنية لمكافحة الارهاب والعنف، إضافة للاختراقات المتواصلة في الأجهزة الأمنية من قبل مجاميع الإرهاب.
سابعاً: تضخم ظاهرة الفساد المالي والاداري، وتقليص صلاحيات مفوضية النزاهة في
ملاحقة الفاسدين، وارتفاع مؤشر التفاوت في الاجور والرواتب بين الطبقة السياسية الحاكمة وحاشيتها، وبين المعدل الوسطي للأجور لفئات الموظفين والمتقاعدين والكسبة، وارتفاع حالات الافلات من العقاب في قضايا الفساد المالي وتزوير الشهادات، ومنهم من يتبوؤن مناصب عليا في أجهزة الدولة. إضافة إلى شرعنة الفساد من خلال سن قوانين خاصة (قوانين التقاعد الخاصة بالمسؤولين الكبار، والتعاقد مع الوزراء والنواب السابقين كمستشارين وغيرها ..).
ثامناً: مؤسسات الدولة فقدت حياديتها ومصداقيتها بتمثيل جميع المواطنين بدون تمييز أو تهميش، بل وأصبحت تمثل جهات حزبية أو طائفية أو شخصية، وحق تكافؤ الفرص في العمل والترقية والتعيين في المناصب العليا بعيد المنال للغالبية العظمى من المواطنين.
تاسعاً: ضعف ملاحقة مرتكبي جرائم الارهاب والجريمة المنظمة، وازدياد حالات فرار عتاة المجرمين من السجون، يقابله قلق شديد على أوضاع المعتقلين والمسجونين، وعدم احالة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الانسان للعدالة.
عاشراً: تدهور الوضع المعيشي للغالبية الساحقة من شعبنا وتفشي الفقر والبطالة بينهم، مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية، خاصة في تأكل البطاقة التموينية التي تشكل قوت الفقراء، وعدم توفير الكهرباء وامدادات المياه والسكن، وتدني مستويات الرعاية الصحية والعلاجية، فضلاً عن تلكؤ الدولة في حل مشكلات الأرامل والأيتام ومعوقي الحروب والعمليات الارهابية، والمهجرين في الداخل والخارج.
حادي عشر: التعثر في اصدار القوانين التي تنظم الحياة السياسية والمدنية والاقتصادية والثقافية التي حددها الدستور، او التي تتطلبها مرحلة استقرار النظام الديمقراطي في العراق، لا سيما قوانين الأحزاب والانتخابات والنفط والغاز، والقصور في تطبيق أحكام المادة (40) من الدستور، والتأجيل المستمر في إجراء التعداد السكاني، فضلاً عن استمرار العمل ببعض القوانين السالبة للحريات التي شرعت خلال فترة الديكتاتورية.
أثنا عشر: تدهور مستوى التعليم بشكل مريع، سواء من حيث النقص الهائل في الأبنية
والتجهيزات المدرسية وسوء الموجود منها، وتدني مستوى العملية التربوية، تبرز ملامحه في محاولة الفصل بين الجنسين في المدارس، وفي انتشار العنف والنعرات الطائفية داخل المدارس والمعاهد والجامعات، مما ينعكس سلباً على نمو الجيل الجديد ومعافاة المجتمع من الأمراض الاجتماعية المزمنة.
وتعتقد المنظمات بأن تجاوز هذه التحديات تدخل في ضمن صلاحيات الحكومة، وقادرة
على انجازها خلال فترة قصيرة، ولاتحتاج الى عامل الوقت والامكانات المالية الاضافية، وبالتالي ستكون الاستجابة لحل هذه التحديات مؤشراً ايجابياً للتعاطي مع رؤية المجتمع المدني، التي ستفتح الطريق لاعادة الثقة بين الحكومة والمجتمع.
واسمحوا لنا في الختام أن نؤكد لكم حرص منظمات المجتمع المدني العراق على
مواصلة نشاطنا ونضالنا الدؤوب لتحقيق الاستقرار والأمن والسلام والديمقراطية وضمان حقوق الإنسان في ربوع بلدنا.
مع فائق التقدير والاحترام.

أسماء المنظمات المشاركة في الوفد

- مركز انماء للدراسات - شبكة فعل المدنية
- المركز المدني للدراسات والاصلاح القانوني - مركز دار السلام العراقي
- منظمة تموز للتنمية الاجتماعية - منظمة سلام الرافدين
- منظمة حمورابي لحقوق الانسان - جمعية اشور بانيبال
- المجلس العراقي للسلم والتضامن - تجمع الشباب الوطني
- الجمعية العراقية للايتام والفقراء - منظمة نساء من اجل السلام
- الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الانسان - جمعية الامل العراقية


371
كاظم حبيب
فشلتم في منعكم مظاهرات يوم الغضب ونجحتم في قتل واعتقال الناس!
"يقول هيغل في مكان ما إن جميع الأحداث والشخصيات العظيمة في تاريخ العالم تظهر, إذا جاز القول, مرتين, وقد نسى أن يضيف: المرة الأولى كمأساة والمرة الثانية كمهزلة".       
كارل ماركس

"المأساة والمهزلة في عراق اليوم" كان هذا عنوان كتاب صدر لي في العام 2000 عن دار الكنوز الأدبية ببيروت. وكان البحث يدور عن واقع العراق حينذاك وعن دور النظام في قتل المعارضين له وإرهاب الشعب بسياساته القمعية العدوانية. وكنت أحذر في حينها من أن تغيير الوضع في العراق ربما يأتي بقوى سياسية لا تختلف كثيراً عن قوى صدام حسين من حيث السلوك اليومي مع الناس ومع قوى المعارضة السياسية او حتى مع الحلفاء. وأشرت في هذا الكتاب والكتاب الذي سبقه, "ساعة الحقيقة: مستقبل العراق بين النظام المعارضة" صدر ببيروت 1996, إلى أن في صفوف المعارضة العراقية حينذاك من لا يختلف كثيراً عن صدام حسين او يمتلك الأسوأ من سمات الدكتاتور المقبور. وكانت خشيتي كبيرة حقاً, فهل كنت محقاً في ذلك؟
إسقط النظام وجاءت قوى من المعارضة العراقية, وكنت في خشية كبيرة من بعضها, وخاصة تلك التي وجدت الدعم والتأييد المباشر وغير المباشر من الولايات المتحدة الأمريكية, وأعني بها قوى الإسلام السياسية, إضافة إلى التأييد من الحكومة الإسلامية في إيران. والتي وجدت الدعم فعلاً بعد إسقاط النظام واحتلت الموقع الأول في الحكم. وقد عبرت عن ذلك في الكتابين المذكورين بوضوح لا يقبل اللبس أو الإبهام. واختلفت معي طائفة من الناس لا ف يضرورة إسقاط النظم, بل في طبيعة من سيتسلم السلطة في العراق, وهي الآن على اتفاق تام في هذا الصدد.
نحن اليوم نعيش المأساة والمهزلة من جديد. لقد عانينا من رئيس الورزاء المسمى نوري السعيد في العهد الملكي, واليوم نعاني من نوري المالكي في العهد الجمهوري. كلاهما ينادي عمليا بـ "دار السيد مأمونة", وأن اختلفا في دار السيد. فهل كان من حظ العراق العاثر أن نبتلى بالمأساة والمهزلة رغم البعد الزمني بين الاثنين والتي تزيد عن خمسة عقود.
منذ إسقاط الدكتاتورية الصدامية حتى الآن واجه الشعب معاناة شديدة, سكت عليها وتحملها كثيراً, ثم اراد أن يعبر عن رفضه لما يجري له بمظاهرة يوم الغضب, يوم 25/2/2011. فما أن بدأ التحضير للمظاهرة الشبابية والشعبية, حتى بدأت جوقة رئيس الوزراء في داخل العراق وخارجه بالضرب على وتيرة "بعثية وقاعدية" المظاهرة وأهدافها وأنها ستكون عنيفة ومخربة ومدمرة وحشد لها ليس الإعلام العراقي وقناة العراقية المتحيزة كلية لحكومة نوري المالكي والإمعات القلة من الصحفيين فحسب, بل دفع بعدد من المرجعيات الدينية بتحريم التظاهر, ومنهم مرشد الثورة الإسلامية في إيران علي خامنئي, إضافة إلى بعض المرجعيات التي اعطت شكلياً للناس شكلياً حق التظاهر ومنعته فعلياً بتصريحات قبل بدء المظاهرات. ولما أدرك رئيس الوزراء أن المظاهرة ستخرج, نزل إلى المعمعان بنفسه مؤكداً وجود معلومات استخباراتية بتوجيه المظاهرة وجهة أخرى مضادة للعملية السياسية وتريد التخريب وإشعال الفتنة. حتى أن أحد الكتاب أكد يقول "خلاصة القول، هناك حملة تهيئ لتظاهرات احتجاجية أهدافها المعلنة محاربة الفساد، ولكن غاياتها الحقيقة حرق العراق والتمهيد لعودة الدكتاتورية الفاشية، يعني قول حق يراد به باطل. وإن غداً لناظره قريب!
وعلى هذا الأساس عبأ رئيس الوزراء وغيره أذهان القوات المسلحة بروح العداء مسبقاً للمظاهرات التي ستنطلق من بغداد والكثير من المحافظات العراقية أو كل المدن العراقية. وبالتالي كانت القوات المسلحة تخشى المتظاهرين وتخشى أعمال عنف تكون هي غايتها حذر منها رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة. وراح علي الدباغ, الناطق السابق باسم المرجعية الدينية, والناطق الرسمي باسم رئيس الوزراء هو الآخر, ومعه قائد عمليات بغداد قاسم عطا, يحذران بأشد العبارات قسوة من إن الأعداء, وهم البعثيون والقاعديون ومن لف لفهم, سيمارسون العنف في المظاهرات.
وعلى هذا الأساس: قطعت أوصال بغداد بالكتل الكونكريتية, ومنع استخدام العربات وأنواع الدراجات, وترك الناس يمشون على اقدامهم من مختلف مناطق بغداد الواسعة نحو ساحة التحرير. فمنهم من وصلها ومنهم من أوقفته الكتل الكونكريتية ومنهم من لم يصل أبداً إلى ساحة التحرير, ومنهم من اعتقل وأهين وعذب على أيدي قوات الأمن والشرطة العراقية, وخاصة المجموعة الإعلامية المثقفة. (إقرأ تقرير جريدة المدى عن هذا الموضوع).
وما جرى للإعلاميين والصحفيين والمثقفين المعتقلين يفوق ما كان يجري لهم في زمن نوري السعيد, إذ كان التعامل مع المثقفين أكثر حضارياً وأكثر احتراماً وأكثر إنسانية, رغم شراسة نوري السعيد, ولكن كانت هناك معايير أخلاقية, ضاعت اليوم بفعل وجود بعض الناس من غير المثقفين ولكنهم متعلمون فقط في السلطة وربما غير متعلمين ايضاً!
هذا ما حصل في بغداد. أما ما حصل في بعض المحافظات فكانت خراطيم المياه والعصي والهراوات ثم الرصاص الحي هو جواب الحكومات المحلية والذي توجه إلى صدور المتظاهرين وسقط عشرة شهداء على الأقل حسب المعلومات المتوفرة حتى الآن وسقط عشرات الجرحى والمعوقين بسبب تلك الخشية التي أججها رئيس الوزراء وجوقته الداخلية والخارجية من أن المتظاهرين سيمارسون العنف وأنهم يريدون عودة البعث إلى الحكم! فهل تحقق ما كنتم تخشونه وتهددون الناس به وتوجهون الأصابع ضد العثين والقاعديين؟
لقد خاب فألكم ايها السادة. لم يرفع المتظاهرون أي شعار ينادي بعودة البعثيين, بل كانت هناك شعارات وهتافات ضد البعث وضد الجرائم التي ارتكبتها طغمة صدام حسين. لم تكن هناك قوى من البعث والقاعدة, بل كانوا من الناس الطبيعيين, كانوا ممن يمارس العملية السياسية وليس من خسر في الانتخابات الأخيرة, كما ادعت الجوقة المالكية, بل كانوا من كافة أوساط الشعب وفئاته الاجتماعية ومن قوى سياسية كثيرة, بل من القاعدة المؤيدة لأحزابكم الإسلامية الحاكمة أيضاً, لإنها تعاني كما يعاني كل الناس في العراق عدا الحكام والمتخمون بأموال الشعب من السلبيات السائدة.
لم تقتل حكومة نوري السعيد وصالح جبر هذا العدد الكبير في كل من هذه الوثبات والانتفاضات بقدر عدد الذين قتلوا في المظاهرات الأخيرة ودفعة واحدة كما حصل في الموصل والرمادي والفلوجة والحمزة والسليمانية. ولم يعتقل من الصحفيين بقدر ما اعتقل منهم في مظاهرات الغضب العراقي.
نطالب بمحاسبة الحكومة العراقية ورئيسها في مجلس النواب, إن كان المجلس يريد ان يبرهن على الأقل على ممارسة دوره في محاسبة المسؤولين ويعزز مكانته التشريعية, ومحاسبة ومعاقبة المحافظين ومجالس المحافظات التي أساءت للشعب والتي طالب المتظاهرون بإقالتها وتحرير الشعب منها.
الاستجابة السريعة لمطالب الشعب, وإلا فالقادمات من المظاهرات ستكون اقوى وأوسع قاعدة, ولكنها ستبقى سلمية وديمقراطية وغير عنفية وتنتزع من بعض الحاكمين ذريعة ضربها. 
27/2/2011                         كاظم حبيب         
     


372

كاظم حبيب
التجربة السلمية الجديدة للشعب ومخاوف الحكام في العراق.
منذ خمس سنوات والسيد نوري المالكي يحتل منصب رئيس الوزراء وأقسم اليمين القانونية في أن يقوم بخدمة الشعب ومصالحه وليس غير الشعب, وقدم الوعود تلو الوعود في تحقيق ما يطالب به الشعب. فهل وفى رئيس الوزراء بقسمه, وهل حقق ما وعد الشعب به؟
بعد مرور أكثر من سبع سنوات على إسقاط الدكتاتورية السياسية والفكرية الفاشية في العراق, وبعد إجراء الانتخابات الجديدة في العام 2010 اقتنع الشعب بضرورة إسماع صوته عالياً للحكومة والقوى السياسية المشاركة فيها, فبدأ بالتظاهر سلمياً في مناطق عديدة من العراق, وبدأ يطالب بوتيرة متصاعدة بتحقيق الإصلاح وتغيير الأوضاع السائدة. ولم يكن جواب الحكومة إلا المزيد من التأخر بتشكيل الحكومة الاتحادية  من جهة, وبقاء الأوضاع السيئة المتراكمة من جهة أخرى, ومواجهة السلطة للمتظاهرين في المحافظات بالحديد والنار والوعود الجديدة من جهة ثالثة.
لقد أدرك المواطنون والمواطنات بحسهم السليم وتجريتهم الغنية مع الحكام من مختلف الأصناف بأن السيد رئيس الوزراء لم يلتزم بقسمه ولا بوعوده الكثيرة ولا بمضمون اسم القائمة التي شكلها في مواجهة القوى السياسية الأخرى. وحين بدأ في أول وزارة له بعد الجعفري تمنيت له النجاح استناداً إلى وعوده للشعب العراقي. شكك البعض الكثير مشيراً إلى أن الرجل لا يستطيع ان يتغير وسيبقى ملتزماً بالمواقع الفكرية والسياسية الضيقة التي انطلق منها ولن يكون له افق المواطن العراقي الذي لا يميز بين الناس على أساس الهويات الفرعية ...الخ. وقد اقتنعت اليوم برأي أولئك الذين شككوا بقدرة الرجل على التغيير.
والإجابة عن السؤالين السابقين من واقع الحياة اليومية للشعب هي التي ستكشف لنا عن مدى التزام السيد رئيس الوزراء بقسمه ووعوده التي كررها كثيراً وارهق الشعب بها:
1 . الحكم في العراق ما زال طائفياً بجدارة, ولم تتشكل الحكومة الجديدة, دع عنك التي قبلها, على وفق مبدأ المواطنة المتساوية والحرة والكفاءة والمسؤولية, بل على أساس المذهب والقومية والحزبية الضيقة التي تتعارض كلية مع بنود الدستور العراقي ومع لائحة حقوق الإنسان.
2 . ولم يلتزم بالدستور, ولا القوى التي شكلت الحكومة, في مجال المواطنة والحق الدستوري للمرأة في حصتها 25% على الأقل من أعضاء مجلس الوزراء وفي كل المناصب الأخرى, بما في ذلك الرئاسات الثلاث.   
3 . لم يضع إستراتيجية واضحة وملزمة للتنمية الاقتصادية والبشرية, كما لم يطرح سياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية على وفق ما قرره الدستور, وبالتالي ضيع الكثير من السنوات دون أن يكون لحكومته البرنامج الواضح والملزم لمجلس الوزراء.
4 . لم يلتزم رئيس الوزراء بسياسة اقتصادية يفرضها قسم الولاء للشعب والوفاء له من خلال خدمة الشعب واقتصاده الوطني وثرواته من خلال الابتعاد الكلي فعلاً عن التصنيع وعن تحديث مستمر متدرج للزراعة العراقية وعن تقليص تدريجي للاستيراد السلعي, والذي تركز على صعيد العراق كله على إيران وتركيا بشكل خاص. وهذه الظاهرة السلبية في السياسة الاقتصادية هي التي ساهمت في إبقاء الظواهر السلبية الأخرى ولم تبدأ اصلاً في معالجتها.
5 . لم يلتزم رئيس الوزراء بما أكد عليه في موضوع الخدمات, فبعد مرور هذه السنوات ما يزال الكهرباء يقطع عن العائلات صيفاً وشتاءً ساعات طوال في اليوم الواحد, كما لم يوفر الخدمات الأخرى التي طالب بها الناس على امتداد الفترة السابقة, بما في ذلك الماء ونظافة المدن وتخليص المواطن من النفايات المتراكمة والمستنقعات المائية التي تجلب شتى الأمراض للناس. والواقع يشير إلى تعاظم جمالية دور المسؤولين ومناطق سكنهم, وتفاقم سوءات المناطق الكادحة والفقيرة وبيوتهم الكئيبة , إضافة إلى تفاقم أزمة البناء لا للأغنياء المتخمين بل للفقراء والمحرومين.
6 . ولم ينتبه رئيس الوزراء إلى مشكلات اخرى عمقت الفجوة بين الناس وبين الحكومة, ومنها مجال التربية والتعليم والموقف من الشبيبة وسوءات المناهج والإدرارات "المتدينة حديثاً" والانتهازية التي فرضتها الحكومة, وكذلك الموقف من المرأة الطالبة, إضافة إلى مشكلات العناية الطبية وقلة وصعوبة الحصول على عناية في المستشفيات والفساد المستشري فيهما. 
7 . وبعد مرور ثماني سنوات عجاف حقاً لم تتراجع البطالة المكشوفة الفعلية عن 30% من إجمالي القوى القادرة على العمل, إضافة إلى تنامي البطالة المقنعة المجهدة والمكلفة لخزينة الدولة, إضافة إلى ما تخلقه البطالة لدى المواطن عموماً والشباب خصوصاً من مشكلات نفسية واجتماعية تزيد اللوحة الاجتماعية تعقيداً.
8 . وفي الوقت الذي يعترف المسؤولون في الدولة والحكومة على بروز مجموعة من المليارات والملايين في هذه الفترة القصيرة, وهم ليسوا من أعوان النظام السابق الذين هربوا ثرواتهم في حينها إلى خارج البلاد, بل هم من أتباع الأحزاب السياسية الحاكمة ومن مؤيديها والعاملين معها في مجال التجارة والمقاولات والعقارات والكثير من الحكام أنفسهم. في مقابل هذا استمر واقع وجود نسبة تتراوح بين 60-65 % من السكان يعيشون تحت خطر الفقر وعليه وفوقه بقليل, وهي واحدة من اسوأ مآسي العراق الغني بثرواته النفطية والمالية. والفجوة بين الفئات الحاكمة والغنية والفئات الاجتماعية الفقيرة والعاطلة عن العمل آخذة بالاتساع والهوة الاجتماعية بينهما آخدة بالتفاقم, والتي عمقت التناقضات والصراعات الاجتماعية التي بدأت بتحويلها تدريجاً إلى نزاعات سياسية غير قابلة للحل الاعتيادي. وهي المشكلة التي لا يريد أن ينتبه لها المسؤولون السياسيون في العراق والتي يمكن أن تصل بسرعة إلى المستوى الذي بلغته كل تونس ومصر, وهما بلدان غير نفطيين, وفي ليبيا, وهو بلد نفطي كالعراق.
9 . والأكثر إثارة واستفزازاً للمجتمع تلك السياسية التي يمارسها المالكي وكل السياسيين المشاركين في حكم البلاد في مواجهة الفساد, أي عدم وجود خطة فعلية وبرنامج واضح ومعلن لمكافحة الفساد. فالفساد في الدولة العراقية تحول إلى نظام فعلي معمول به حقاً, وتمارسه غالبية الفئة الحاكمة قبل غيرها وغالبية العاملين في حقل التجارة والمقاولات والعقارات ودوائر الدولة. إنها موروثة ولكنها مكرسة أكثر فأكثر بفعل رعاية المحتل وجمهرة من الحكام لها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
10 . عدم حل معضلات الناس اليومية ولا يبذل أي جهد حقيقي في هذا الصدد, إذ لا يكفي تشكيل مكاتب ولجان ودفع رواتب لهم دون حلحلة أي مشكلة عن الموقع الذي كانت فيه قبل سنوات. نشير, على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
قضايا الشهداء ومشكلاتهم , قضايا المفصولين السياسيين ورواتبهم واحتساب خدماتهم لأغراض الراتب والتقاعد, قضايا الكرد الفيلية والخسائر المادية التي لحقت بهم دع عنك خسائرهم بالأرواح والأوضاع النفسية والعصبية.
11 . ومما يقوض كل جهد لمعالجة العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم استمرار المشكلات المرتبطة بكركوك وغيرها والتي كان لا بد من حلها منذ فترة غير قصيرة ولكن دون طائل.
12 . وإذا كانت الطائفية السياسية والمحاصصة قد تركزت في الحكومة الاتحادية, فإنها كانت كبيرة الأثر على مجالس المحافظات والمحافظين مما أدى إلى نشوء تناقضات وصراعات في تلك المجالس وسلوكيات غير دستورية قادت إلى مزيد من الاستنفار لدى الأوساط الشعبية. إذ أن هؤلاء المسؤولين هم أقرب إلى التعامل اليومي مع الأفراد والمجتمع من الحكومة الاتحادية ومسؤوليها, مما زاد المشكلة تعقيداً. النموذج الأسوأ والأكثر استفزازاً رئيس مجلس محافظة بغداد والبصرة وبابل على سبيل المثال لا الحصر.
13 . يضاف إلى كل ذلك إن السلك الدبلوماسي العراقي في الخارج خاضع للمحاصة بين الأحزاب السياسية الحاكمة وعلى أساسين قومي ومذهبي وبعيداً كل البعد عن المواطن الكفء والمستقل سياسياً, أي البعيد عن عضوية الأحزاب السياسية الحاكمة. والكثير من هؤلاء ومن العاملين في السفارات لا يستحقون هذا الموقع بأي حال, والمعاناة نجدها لدى الجاليات العراقية في العلاقة مع غالبية هؤلاء السفراء والعاملين في السفارات العراقية.
14 . لقد مارس المحتل سياسة إغراء كبار المسؤولين برواتب عالية لا يمكن تناغمها مع مستوى العمل الذي يقوم به المسؤول ولا مع أوضاع العراق الراهنة كما لا يمكن مقارنتها مع الدول الأخرى, مما جعل الفجوة بين الحكام والشعب كبيرة جداً وعمقت الشرخ القائم بينهما وزادت من تدهور حقيقي لمصداقية الفئات السياسية الحاكمة لدى الشعب. دع عنك أولئك الذين يمارسون, إضافة إلى ذلك, نهب المال العام أو أخذ الرشاوى مقابل الموافقة على عقود مخلة وهاضمة لحقوق العراق ولصالح الأجانب أو المقاولين العراقيين.         

إن هذا لا يعني أن الحكومة لم تعمل شيئاً بالمطلق, ولكن ما قامت به فعلاً لم ينه الأوضاع الشاذة بل ابقاها, بما في ذلك افرهاب المستمر رغم تقلص نسبي بمستوى الموت اليومي وسقوط الجرحى والخسائر المادية.
إن هذه الحقائق المقترنة بالصراع الطائفي السياسي المتواصل قد جعل المزيد من الناس, وخاصة الشبيبة والعائلات الفقيرة أن تضج بالشكوى وتقرر خوض الاعتصامات والإضرابات والمظاهرات حتى قبل أن تبدأ تونس ومصر بانتفاضتيهما الميمونتين, والتي قوبلت بالرفض والضرب من جانب الحكومة وسقوط شهداء مما أعطى الانطباع بأن الحكومة مصممة على السير في الطريق غير المؤدي إلى نتائج طيبة للفرد والغالبية العظمى من المجتمع. وهذا الواقع الفعلي وليس المتصور دفع الشبيبة إلى اقتراح وتنظيم مظاهرة 25 شباط/فبراير 2011 والتي وجدت التاييد الواسع من الكثير من الأوساط الشعبية.
فالمظاهرات التي تخوضها الجماهير الشعبية عادلة ومشروعة. عادلة لأنها تعبر عن واقع مرفوض من قبل المجتمع لا يمكنه معه مواصلة السير ولا بد من التغيير, ومشروعة لأن من حق الناس وفق الدستور أن تعبر عن رأيها وموقفها بالاعتصام والإضراب والتظاهر السلمي والمطكالبة بحقوقها بما في ذلك إسقاط الحكومة أو حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة. هذا الحق مصون ومضمون في الدستور العراقي. ولم يمارس الشعب في ذلك اليوم الذي أطلق عليه بيوم الغضب العراقي إلا حقه المشروع.

من أين نشأت مخاوف الحكومة العراقية ورئيس الوزراء على نحو خاص؟
نشأت مخاوف رئيس الحكومة وحكومته, كما أرى, من خمسة جوانب مهمة:
1 . من واقع أنها أن رئيس الحكومة والوزراء لم يحققوا للشعب ما أقسموا عليه ووعدوا به, بل أنهم جميعاً قد قصروا في إنجاز واجباتهم, بل دفعوا بالحكم إلى مزيد من مواقع الخطأ.
2 . من غياب الثقة المتبادلة بين الشعب والحكومة, وهي النتيجة المنطقية لسياسة الحكومة العراقية وعجزها عن حل مشكلات الناس رغم القسم والوعود المتكررة.
3 . وأن رئيس الحكومة والوزراء يعيشون تحت هاجس الخشية من عودة البعث وهم مدركون جيداً إن البعث لم يعد قادراً على القفز والوصول إلى الحكم إلا إذا هم سلموا الحكم إليه, ولكن الشعب سيرفض ويقاوم ذلك بكل السبل المتاحة لديه. فليس للبعث العراقي والصدامي المجرم أي موقع في العراق بعد إسقاطه في ربيع العام 2003.
4 . الضغط المتزايد من جانب إيران في دفع مسيرة البلاد صوب المزيد من الإجراءات الدينية غير المناسبة للعراق وتقليص حرية الإنسان وحقوقه في مجتمع متعدد الأديان والقوميات والاتجاهات الفكرية. وخير دليل على ذلك إصدار علي خامنئي فتوى تحرم قيام او مشاركة العراقيات والعراقيين بالمظاهرات, وكأنه ولي الفقيه في العراق ولا يكفيه ما فعله حتى الآن في إيران. وهو تدخل فظ في الشأن العراقي ولا أدري كيف يسكت المسؤولون في العراق عن هذا السلوك المشين.
5 . خشية الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية, وخاصة المالكي, من فقدان هيمنتها على الحكم في العراق, وليست في كل الأحوال هيمنة اتباع المذهب الشيعي, والفارق بين المفهومين كبير جداً.

إن هذه العوامل دفعت رئيس الوزراء أن يمارس الإجراءات التالية:
1 . أتخاذ إجراءات أمنية شديدة عرقلت مشاركة جماهير واسعة من السكان الراغبين في التظاهر مثل منع سير المركبات أو حتى الدراجات البخارية والهوائية وقطع أوصال بغداد بالكتل الكونكريتية لمنع وصول الناس إلى الموقع الرئيسي لتظاهرة 25 شباط/فبراير.
2 . تحشيد هائل لأفراد الأمن والشرطة وكأنهم متوجهون صوب معركة دموية بكامل العدة.
3. تعبئة جمهرة من شيوخ الدين, وليس كلهم, للوقوف ضد التظاهرة الشبابية والشعبية, بالرغم من حديثهم الشكلي والفارغ عن حق المواطنين في التظاهر.
4 . التصريحات الكثيرة التي أدلى بها رئيس الوزراء عشية التظاهرة معلناً عن رفضه لها وعن معلومات استخباراتية وردت إليه تؤكد اندساس من يريد حرف المظاهرة والقيام بعمليات تخريبية, في محاولة منه لبث الرعب في صفوف الراغبين في التظاهر. ومارس بعض تابعيه من الكتاب والصحفيين وقناة العراقية وبعض المسؤولين نفس النهج في تخويف الناس. وهو انحراف ثابت عن النهج الذي حدده الدستور.

ما هي النتائج التي ترتبت عن المظاهرة وعن إجراءات الحكم؟
لقد كانت المظاهرات في يوم 25/2/2011 سلمية وديمقراطية ورفعت شعارات مطلبية دقيقة جداً ومهمة جداً وصريحة جداً, كما إنها هتفت ضد حزب البعث الصدامي الذي أجرم بحق الشعب العراقي ولم تستطع قوى هذا الحزب أو تنظيم القاعدة أو هيئة علماء المسلمين من تخريب التظاهرات أو السيطرة عليها أو توجيهها, بل كان الشبيبة الرائعة هي التي تقود التظاهرات. وحيثما وقع عنف فلي يكن من جانب المتظاهرين, بل كان الذنب يقع على  عاتق أجهزة الإدارة واسلوبها البيروقراطي المتعجرف في التعامل مع المتظاهرين, كما في الموصل أو الفلوجة أو الرمادي أو في غيرها.
ويمكن الاطلاع على شعارات المتظاهرين التي ركزت على مخالفة الحكومة لوعودها واعتبرتها وعوداً كاذبة نشير إلى بعضها فيما يلي:
" *      الشعب يريد اصلاح النظام
•       نفط الشعب للشعب موللحراميه
•       جينه نطالب بحقنه من ذوله الحراميه
•       25 شباط نهاية الفاسدين
•       سنخرج حقوقنا من جيوبهم
•       نطالب باجتثاث الفاسدين
•       كافي بوك ونهب ..والله عيب
•       نريد وزراء بنغلادش لأنهم يعملون بضمير!
•       وين الكهرباء ياكامل الزيدي( محافظ بغداد)
•       رفع مهفة عراقية مكتوب عليها: مكيف يدوي!
•       رفع فوانيس وعلب نفط فارغة..اشارة الى انعدام الكهرباء وشحة النفط     ومشتقاته(البنزين حيث تقف السيارات طوابيرامام محطات التعبئة)
•   كما رفعت صورة لأصبع السبّابة مقطوع طرفه البنفسجي ومكتوب تحتها:نادمون!.
كما رفعت لافتة كبيرة خط عليها:
 (الديمقراطية أوصلتكم للمناصب والديمقراطية اوصلتنا للمطالب)."
(راجع: أ. د. قاسم حسين صالح. قراءة أولية في مظاهرات جمعة الغضب العراقي. الحوار المتمدن في 25/2/2011).
كما رفعت شعارات تندد بالمحاصصة الطائفية وتدعو للمواطنة والكفاءة... الخ.

أما بصدد إجراءات السلطة فقد كانت شديدة إلى حد إنها منعت جمهرة كبيرة جداً من المواطنات والمواطنين المشاركة في المظاهرات بسبب بعد المسافات التي ينبغي عليهم قطعها مشياً على الأقدام للوصول إلى الموقع. كما أنها وبسبب سلبيات التعامل في مواقع أخرى أدى الأمر إلى استشهاد وجرح عدد غير قليل من المشاركين في التظاهرات, وهي نتيجة حزينة ومؤسفة ويعتبر الحكم هو السؤول عنها حين بث الرعب ونشر إمكانية بكيرة بمشاركة قوى مندسة وغرهابية في المظاهرات.
إن على الحكومة أن تدرك بأن الجماهير قد تعلمت النضال السلمي الذي منحته غياها تجرة تونس ومصر وليبيا, وإنها في المرات القادمة لن تسمح بتخويفها بالعنف المحتمل, فهي لا تمارس العنف ولا تريده لأنه سيوجه ضدها بغض النظر عمن يمارسه.
وليلة أمس أصدر رئيس الوزراء بياناً جاء فيه ما يلي:
"أتقدم بالشكر والإمتنان إلى كل أبناء شعبنا الكريم الذين برهنوا على قدر كبير من الشعور بالمسؤولية والتحضر وحب وطنهم وفوتو الفرصة على الإرهابيين وأنصارهم الذين يفكرون بالعودة إلى عهد الظلم والدكتاتورية، وأتوجه بالشكر إلى المرجعيات الدينية والقيادات السياسية والنقابية وكافة الذين أسهموا في الترشيد والتحذير من إستغلال الإحتجاجات المشروعة من قبل المتربصين" (راجع: موقع صوت العراق الإلكتروني 26/2/2011) .
لم يستطع الرجل إدراك حقيقة أن بنات وأنباء الشعب ليسوا مربين بل مناضلين من اجل حياة افضل, وإن مخاوفه لا تمت إلى  الشعب بصلة, وكان عليه منذ البدء أن يحمي المظاهرة لا أن يمنع الناس المشاركة فيها من خلال وضع العوائق والعراقيل.
وكما قال الصديق الأستاذ ضياء الشكرجي بإنكم ربحتم الشوط الأول في منع االكثير من المتظاهرين, إلا إنكم لن تربحوا الأشواط الأخرى على حساب الجماهير. ولكن علينا استكمال هذه الصورة بأن الشعب, وخاصة الشبيبة, قد ربحت هذا الشوط أيضاً واستطاعت إنجاح التظاهرة بسلام ووضعت أمام أعين العالم كله حال العراق حالياً ومشكلاته مع الحكومة وسبل معالجتها. وعلى الحكومة أن تتعلم من هذا الدرسو إذ أن المتظاهرين سوف لن يرخوا الحبل بل يواصلون جره بالمظاهرات المتتالية حين لا تبدأ الحكومة بتحقيق مطالب الشعب وحين يقتنع الشباب وكل الناس بأن الحكومة غير جادة بسياساتها في تحقيق التغيير المدني والديمقراطي المنشود.
إن الحلول للأوضاع السيئة الراهنة تكمن في مراجعة المشكلات التي وردت في مقدمة هذا المقال التقييمي والتخل من العوائق التي لا تسمح بعملية التغيير والكف عن اللف والدوران مع الشعب. فالشعب يريد المجتمع المدني والحرية والحياة الديمقراطية, يريد التنمية ومكافحة البطالة والفقر والخدمات المفقودة, يريد عدم التجاوز على حرية الفرد فهي مقدسة ولا على كرامته.. يريد التخلي عن المحاصصة الطائفية التي تحكم البلاد حالياً فهي مدمرة للمجتمع وناسفة لكل المشاريع الإصلاحية في البلاد.
26/2/2011                      كاظم حبيب         


373
كاظم حبيب

المظاهرة وتصريحات رئيس الوزراء العراقي

في خبر نقلته وكالات الأنباء ومنها ال BBC البريطانية باللغة العربية تصريحاً لرئيس الوزراء العراقي جاء فيه ما يلي: "دعا رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الشعب العراقي الى عدم المشاركة في التظاهرات المقررة الجمعة للمطالبة بتحسين الخدمات ومكافحة الفساد، معتبرا انها "مريبة وفيها احياء لصوت" الذين دمروا البلاد. ثم قال إن "هذا لايعني حرمانكم مرة اخرى من حق المظاهرات المعبرة عن المطالب الحقة والمشروعة ويمكنكم اخراج هذه التظاهرات في اي مكان او زمان تريدون، خارج مكان وزمان تظاهرة خلفها الصداميون والارهابيون والقاعدة". واردف قائلاً: "احذركم من مخططاتهم التي تستهدف حرف المسيرات والتظاهرات لتتحول الى تظاهرات قتل وشغب وتخريب واشعال فتنة يصعب السيطرة عليها وتفجيرات وأحزمة ناسفة".
في كل عام يتحرك الملايين من البشر من كل أنحاء العراق نحو كربلاء وتقوم اجهزة الدولة الأمنية بتوفير الحماية لهم, ولا أدري لماذا لا يحاول المالكي توفير الحماية الكافية للمتظاهرين يوم الجمعة 25/شباط/فبراير 2011 وهو يعرف أن المظاهرة ستنطلق في هذا الموعد قبل أكثر من شهرين, لماذا يطالب المتظاهرين بعدم المشاركة في المظاهرة وانها مشبوهة وأن البعثيين يريدون استخدامها لصالحهم, في حين أن الدعوة انطلقت من منظمات مجتمع مدني وديمقراطية وليست مناهضة للعملية السياسية؟ لماذا يضع نفسه ضد المظاهرة ويدفع بأتباعه بتشويه سمعة المشاركين فيها الذين اصبحوا مالكيين اكثر من المالكي نفسه؟
لا اريد ان اراهن, ولكني واثق, إن أجهزة الأمن لو تعاونت مع منظمات المجتمع المدني, مع الجهات الداعية للمظاهرة بدلاً من توجيه قوى حكومية للاعتداء على المنظمين وإرعابهم وعلى مرصد الحريات الصحفية, لأمكن تجنب مشاركة عناصر أو قوى غير حضارية ومن اتباع البعث الصدامي أو غيرهم من المسيئين.
لا ينفع رئيس الوزراء الطلب من المظاهرين عشية المظاهرة بالكف عنها والتظاهر وفق ارادته في وقت آخر. لقد وضع المالكي نفسه ضد المظاهرة وضد أهدافها شاء ذلك ام ابى وهو يدرك أن المظاهرة تطالب بالحريات العامة, بالخدمات العامة, بمكافحة الفساد السائد في البلاد..الخ.
لقد كان على المالكي أن يلتقي منذ فترة غير قصيرة بمنظمات المجتمع المدني ويدرس معها المطالب ويسعى إلى تحقيقها وفق برنامج عملي وواقعي, وليس الهروب إلى الوراء والابتعاد عن المطالب المشروعة والعادلة.
من يأتي متأخراً يعاقبه التاريخ.
سيعمل المشاركون في التظاهرة على جعلها سلمية وديمقراطية وبعيدة عن العنف, ومن واجب رئيس الوزراء أن يقوم بواجبه في تأمين الحماية الكافية لها من خلال أجهزة الأمن والشرطة لا برفض قيامها.
ليقف رئيس الوزراء مع المتظاهرين إن كان يريد حل المشكلات القائمة, ليساند الجماهير المتظاهرة إن كان لا يخشى مطالب المتظاهرين ويجدها عادلة.
عشية المظاهرة 24/2/2011                كاظم حبيب     
 

374
كاظم حبيب

الحرية والخبز وجهان لعملة واحدة

حين يتحرر الشعب من نظام إرهابي وقمعي مرعب وبفعل قوى أجنبية, يتطلع كحد أدنى إلى تحقيق خمس مسائل جوهرية:
1.   إن الذي ساهم بتحريره ولأي سبب كان لا يجوز له احتلاله واستعباده, بل يترك له حريته ويحترم استقلاله ويعترف بحق اختياره لوجهة تطوره.
2.   وأن القوى الجديدة التي تريد قيادته يفترض فيها أن تقيم نظاماً يحرر الإنسان من العبودية التي فرضت عليه في النظام الساقط لا أن تفرض عليه قيوداً مقاربة لقيود عاش تحت وطأتها طويلاً.
3.   وأن الحرية التامة التي يحتاجها يفترض أن ترتبط عضوياً بقوته وقوت عائلته الذي يفترض أن يحققه من عرق جبينه, أي من عمله اليومي.
4.   وأن يجد وطنه يحتل موقعاً إنسانياً وحضارياً تحت الشمس مع بقية شعوب العالم يساهم في التنمية والتقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي يحمي البيئة من التلوث الإضافي.
5.   وأن يعيش في مجتمع يزخر بالحيوية والتفاعل والأمن والسلام والعدالة الاجتماعية.
فهل تحقق للشعب العراقي ما كان يسعى إليه بعد أن عجز عن إسقاط النظام وأخذت القوى الأجنبية بتفويض من أغلبية القوى السياسية بإسقاط النظام عنها؟
بعد مرور ثماني سنوات عجاف على سقوط النظام يمكننا القول بأن ما تحقق للعراق هزيل جداً في ما يخص القوى الأجنبية التي ساهمت بفرض نظام حكم طائفي ومحاصصة طائفية عليه, وبالتالي قيدته بقيود ثقيلة وحكم ساهم بتشكيلاته الوزارية في تعميق الاصطفاف الطائفي والصراع على السلطة من مواقع قومية وطائفية مخلة بالوحدة الوطنية والهوية الوطنية.
لم يجد الشعب بشكل عام ما كان يتطلع إليه بعد سقوط الدكتاتورية على صعيد العراق كله, رغم حصول الشعب الكردي على النظام الفيدرالي الذي يعاني بدوره من مشكلات غير قليلة لطبيعة النظام السياسي السائد فيه.
إن التطلعات السابقة لم تتحقق لدى المواطن وتحمل هذا الوضع المزري والمميت ثماني سنوات مريرة وسكت عن البطالة والفقر والحرمان والقتل على أيدي قوى إرهابية متنوعة وطائفية مسلحة ومتشددة وعلى الفساد المالي والإداري والصرف البذخي على المسؤولين والسلطات الثلاث بما لا يقبلها العقل والضمير. فاستيقض من غفوته وغفلته ومن التخدير الغيبي الذي تعرض له طويلا وبدأ يفكر منذ عدة شهور بالمآل الذي آل إليه هذا الشعب بأغلبيته وليس بـ "الصفوة المختارة" من النخبة الحاكمة وقيادات الأحزاب السياسية الحاكمة على نحو خاص. ثم جاءت الصحوة والانتفاضة الرائعة للشباب التونسي والشعب عموماً في أعقاب انتحار البوعزيزي, ثم انتفاضة الشعب المصري التي ما تزال مستمرة, إذ لم يتحقق بعد ما يفترض أن يتحقق له, ثم انتفاضة الشعب في اليمن والشعب الليبي..الخ, فحرك في الشعب العراقي الجروح العميقة التي تركت آثارها الصارخة على أجسام ونفوس الناس وحركت فيهم الكرامة المهدورة وعزة النفس والإرادة الحية باستعادة الرأي والدفاع عن المصالح الحيوية للإنسان.
فكان الموعد الذي تم الاتفاق عليه شبابياً وشعبياً, اللقاء في اليوم الخامس والعشرين من شهر شباط/فبراير 2011 والتجمع والتظاهر في ساحة التحرير ببغداد. إن هذه المظاهرة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة, ولكنها الأمل المرتجى في أن يحرك المجتمع مظاهرات واعتصامات وإضرابات أخرى قادمة حتى يتحقق للشعب ما يصبو إليه.
لهذا يفترض أن نقول وبصوت واحد مسموع: إن يوم 25 شباط/فبراير ليس خاتمة المطاف بل بداية الفعل الديمقراطي وصولاً إلى تغيير السياسات غير العقلانية التي مارستها الحكومات السابقة والتي تمارسها اليوم حكومة نوري المالكي استمراراً لسياستها في الحكومة السابقة.
إن 25/شباط هو البداية وليس النهاية واستمرار التظاهرات يرتبط عضوياً بما يتحقق على الساحة السياسية العراقية لا بما يصرح به المالكي أو الدباغ, فقد مل الشعب من الوعود والتصريحات, ولم تكن تلك الأم الموجوعة التي صرخت بأعلى صوتها.. "ملينة يابه والله ملينة جوزوا من حالنه, مو تعبنة , تعبتونه والله تعبتونة". أنا واثق بأن هذه الأم وغيرها من أمهات العراق والأخوات والنساء عموماً, والشابات على وجه الخصوص سيخرجن يوم 25 مع شبيبة وبقية شعب العراق يطالب عبر اسلوب سلمي وديمقراطي حضاري بتحقيق ما وعد به, ما يفترض أن يتحقق قبل الآن ولم يتحقق حتى الآن.
إن الناس لا تريد العنف ولن تستخدمه قطعاً. لهذا تقع على عاتق حكومة نوري المالكي تأمين الحماية التامة للمظاهرات الشعبية, ومنها مظاهرة 25 شباط/فبراير, وما يأتي بعدها من مظاهرات. وأن يدرك من يعمل منذ الآن إلى إرسال بلطجية ومخربين وإرهابيين لتخريب المظاهرة أو الإساءة إليها وإلى طابعها السلمي والديمقراطي بأن المتظاهرين الشجعان لن تثيرهم أو تخرج المتظاهرين عن طورهم, فهم مصممون على إفشال مخططات التخريب أياً كان فاعلها وأياً كانت غايتها.
لنشد على الأيدي ونتاشبك بقوة ونمنع مرور من يريد التشويش على  المظاهرة وأهدافها.
لتنتصر إرادة الشعب الحر والحياة الكريمة لكل المناضلين من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسلام, للشعب العراقي كله.
24/2/2011                     كاظم حبيب   

375
كاظم حبيب

هل هو عدوان إرهابي "حكومي" جديد على مرصد الحريات ببغداد؟

مرة أخرى وخلال أقل من 72 ساعة جرى اعتداء أثم وشرس على مرصد الحريات ببغداد في أعقاب الاعتداء الأول على خيمة ساحة التحرير في وسط بغداد, حيث صرح السيد زياد العجيلي, مدير المركز بما يلي: "قامت قوات أمنية بملابس عسكرية مختلفة بضمنها اللون الأسود وبصحبة ضباط برتب مختلفة باقتحام المكان ودمروا المرصد من الداخل وسرقوا الأجهزة الخاصة به، حيث قاموا بسرقة أربعة "لابتوبات" وثلاث حاسبات منضدية وأربع كاميرات فوتوغرافية بالإضافة إلى كاميرتي فيديو، كما قاموا بسرقة عدد من السجلات وعبثوا بالأوراق، وسرقوا عشرة دروع تعطى للصحفيين للحماية وعشرة (خوذ)، وعدد من أجهزة الاتصالات المنوعة".
السؤال الذي يدور في البال من يفعل كل ذلك ونحن نقترب من موعد المظاهرة الشبابية والشعبية التي أعلن الكثير من البشر رغبته الصادقة في المشاركة فيها, بل حتى طائفة من الأحزاب السياسية المشاركة في الحكم أعلنت عن مشاركتها في المظاهرة وأيدها الشيخ بشير النجفي المعروف بتشدده الديني؟ من يرغب في إيقاف التظاهرة ومن حاول منعها بشتى السبل من خلال التصريحات والتهديد باحتمال استخدامها من البعثيين وهيئة علماء المسلمين ...الخ, سواء جاء على لسان رئيس الوزراء أم المردد لصداه علي الدباغ؟ من حرك أعوان النظام بالكتابة ضد المظاهرة لثني الناس عنها؟ من هم الذين لا يريدون أن يسمعوا صوت الشعب الهادر المطالب بحقوقه المشروعة في العمل والكهرباء والنظافة وضد الفساد وضد الفقر وضد الإجراءات التعسفية ضد الثقافة الديمقراطية؟ من هم هؤلاء الذين يرتدون الملابس السوداء؟ هل هم من أجهزة الأمن الخاصة. هل هم من اتباع ميليشيات جيش المهدي؟ هل هم من أتباع فيلق بدر؟ هل هم من أتباع ميليشيات حزب الدعوة الإسلامية الذي يقوده رئيس الوزراء, وعلى الأديب؟ من هم هؤلاء الرعاع الذين يهاجمون مرصد الحريات ببغداد ويحطمون أجهزته و"يصادرون" ما فيه, لا "يسرقونها"؟ هل هم من تلك الأجهزة المختصة والموجهة والمسؤولة التابعة لرئيس الورزاء؟ هل نحن على خطأ ايها السادة في "وزارة الشراكة الوطنية" ببغداد؟ إن كان كذلك أصدروا بياناً اشجبوا فيه تلك العمليات الجبانة, طاردوا الفاعلين واعتقلوهم, قدموهم إلى المحاكمة, إعلنوا عن ذلك بلا تردد. إنهم, كما قال حارس البناية التي كسر بالقوة قفلها, إنهم من جهاز الأمن العراقي؟
لن تنفع أي إنسان في العراق مثل هذه المحاولات الوقحة والقذرة التي تمارسها تلك القوى التي لا يعرف العراقيون والعرقيات! من هم هؤلاء الرعاع الأوباش الذين هاجموا خيمة ساحة التحرير صباح يوم الاثنين المصادف 21/2/2011 والذين هاجموا مرصد الحريات ببغداد فجر الأربعاء المصادف 23/2/2011.
على رئيس الوزراء أن يكشف للجميع موقفه من المظاهرة, أن يقول للجميع الحقيقة, أن لم يكن راغباً فيها فمن حقه ان يعبر عن ذلك, ولكن ليس من حقه ان يمنعها إذ أن القانون وهو رئيس قائمة دولة القانون, لا يمنعها وليس بجانبه بل بجانب المتظاهرين, كما أن عليه أن يستنكر الهجوم الذي شنته قوات أمنية خاصة على الخيمة ومرصد الحريات ومهمته حماية القانون لا التجاوز عليه من قوات تابعة للدولة كما تشير كل الدلائل الراهنة. هل عدنا إلى عهد زال ولا نريد عودته؟ أم إننا في بلد الواق واق ايها السيد رئيس الوزراء؟
سوف تخرج التظاهرة بالرغم ممن يحاول إيذاء المتظاهرين والإساءة لهم, وسيبرهن الشعب على حرصه على عدم تفليش المظاهرة من اية قوة تسعى إلى ذلك.
لتنتصر إرادة الشعب في التظاهر وإعلان مطالبها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية في آن واحد.
24/2/2011                     كاظم حبيب       

376
كاظم حبيب

التظاهر السلمي والشعبي هو الطريق الضامن للتغيير الديمقراطي

نحن أمام موقفين أحدهما يؤكد بأن مندسين سيحاولون تغيير وجهة المظاهرات وممارسة العنف والتخريب والتدمير, والثاني يؤكد حق الشعب في التظاهر والتعبير عن الرأي, وأن المتظاهرين مصممون على أن تكون مظاهراتهم سلمية وديمقراطية وبعيدة كل البعد عن العنف والتخريب والتدمير والحرائق. يقف رئيس الحكومة والناطقون باسمه إلى جانب الفريق الأول لأنها لا تريد المظاهرات ولا تريد الضغط المتعاظم عليها لتنفيذ سياسات أخرى ولا تريد الخروج من دائرة المحاصصة الطائفية لأنها المدينة لهذه المحاصصة السيئة في وجودها في السلطة. في حين يقف المزيد من البشر المعذب في الصيف والشتاء بسبب غياب الكهرباء والبطالة والفقر والعوز.., بسبب الفساد المالي والإداري وبسبب التمييز بين البشر على اساس الهويات الفرعية وبسبب الفجوة المتفاقمة في مستوى الدخل والمعيشة والحياة بين الفئات الاجتماعية, بين الحكام والغالبية العظمى من الشعب...الخ.
المظاهرات لا تخيف أحداً إن كان مخلصاً لشعبه ووطنه, ويمكن لأبناء وبنات الشعب التعاون الجاد من أجل إيقاف الأعمال التخريبية المحتملة التي تخشاها الحكومة وتسعى للتبشير بذلك.
أمام أجهزة الأمن والشرطة مهمتان أساسيتان هما:
1. حماية المتظاهرين ومنع أي اعتداء أو تجاوز عليهم من أي جهة تخريبية.
2. منع الأعمال التخريبية التي يمكن أن تقوم بها قوى معينة والتي تتحدث عنهم الحكومة.
وفي الحالتين يمكن التعاون الجاد والمسؤول مع المتظاهرين وليس الاعتداء عليهم كما حصل يومي 21 و23 شباط/فبراير 2011 على الخيمة في ساحة التحرير وعلى مرصد الحريات الصحفية ببغداد.
إن المصممين على التظاهر يؤكدون بأنهم سيخرجون غداً لا في بغداد فحسب, بل وفي جميع أنحاء العراق, وهو أمر يعبر عن التضامن الفعلي بين الشبيبة والشعب ويؤكد بأنهم جميعاً يعانون من ذات المشكلات ويطالبون بحلها, سواء أكانت اقتصادية وخدمية أم اجتماعية أم سياسية أم ثقافية.
سترتفع رايات المتظاهرين الخفاقة وهي تحمل مطالب الشعب التي أجبرتهم على التظاهر لأن الحكم قد أمعن في التجاوز على حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية,
سيسير المتظاهرون تحت رايات السلام والمطالبة بالأمن ومطاردة الإرهاب وبعيداً عن سياسات المحاصصة والتمييز بين المواطنات والمواطنين.
ستسير المظاهرات بصورة سلمية وديمقراطية وبعيداً عن العنف والتخريب والتدمير.
وستبرهن على أن الناس متحضرون ويرفضون العنف الذي مورس ضدهم حتى يوم أمس.
وسوف لن يكفوا عن التظاهر حتى تتحقق لهم ما يسعون إليه.
24/2/2011                     كاظم حبيب   
 

377
كاظم حبيب

نقاش ودي مع الأستاذ هلماز جاويد

تسنى لي أن اقرأ مقالتكم حول التظاهرات التي أشارك في الدعوة لها أولاً, ثم وصلتني رسالتكم الموجهة لي حول الموضوع ذاته ثانياً. ثم أخيراً قرأت ملاحظات أوردها الصديق الدكتور زهدي الداوودي حول مقالكم الذي سميتم فيه التظاهرات بالفجة.
1 . في رسالتكم الشخصية تكتبون ما يلي: "في الحقيقة لا يختلف إثنان على ما يعانيه الشعب من جميع ما أدرجت في مقالتك وما لم تدرجه." من هذا أفهم ايضاً بأن هناك الكثير الذي لم أذكره مما يعانيه الشعب العراقي في المرحلة الراهنة. ورغم كل ذلك تطلب عدم التظاهر. والسؤال يا ترى ماذا ينبغي على الشعب العراق أن يفعله بعد مرور ثماني سنوات على سقوط الدكتاتورية؟ هل عليه أن يسكت وينتظر, على وفق المثل العراقي "عيش يا كديش حتى يطلع الحشيش", أم إن عليه أن يجد أسلوباً حضارياً وإنسانياً ومثبت في الدستور العراقي كجزء أساسي من حقوق الإنسان ؟
أخي الفاضل: الشعب العراقي انتظر طويلاً بل وأكثر مما ينبغي, فهو يرى بأم عينيه كيف يغتني البعض بموارد البلاد بطرق غير مشروعة, في حين يُعتصر هو يومياً بسبب الجوع والحرمان والبطالة ويذبل هو وعائلته, وكيف يتسكع الأطفال المشردون في شوارع العراق وكيف تتحرى الأرامل على لقمة خبز تشبع بها رمق أطفالها, وربما يجبر البعض منهن على بيع أنفسهن للحصول على لقمة الخبز. هل المطالبة بالتظاهر لإيصال صوت الشعب المرتفع إلى الحكومة العراقية ووفق الأصول الدستورية أمر فج؟ هل وصل بنا الاستبداد والقسوة إلى حد التفكير والتصور بأن التظاهر من أجل قوت الشعب ونوره وحياته اليومية أمر فج لا يجوز اللجوء إليه عند الضرورة؟ لدي القناعة بأنكم لم تفكروا بالأمر ملياً وسارعتم إلى كتابة مقال كان الأجدر أن لا يكتب بهذه الصورة مع كل احترامي لكم ولرأيكم.   
2 . ذكرتم في رسالتكم ما يلي: "ثمّ تحذر المنظمين والمتظاهرين من بعض ما تتخوّف منها بسبب إحتمال إندساس غير المرغوب فيهم والذين قد يحرفون المظاهرة عن أهدافها."
التحذير ليس عيباً بل هو أمر ضروري في كل الأحوال, إذ عشنا تجارب غنية جداً خلال العقود الستة المنصرمة وفي كل العهود, ولهذا فالتحذير لا يشكل سبباً لإلغاء التظاهرة الشبابية والشعبية. لا أن يتم تفتيش كل إنسان, بل يمكن عزل الشعارات التي تكون خارج الصدد, أو أؤلئك الذين يحاولون تخريب التظاهرة بهتافات نابية أو إخراج المظاهرة عن طابعها السلمي الديمقراطي. كل هذه الإجراءات ممكنة وقابلة للتطبيق وفيها خبرة كبيرة متراكمة لدى أبناء وبنات الشعب العراقي. ولم أُبعد احتمالات من هذا النوع ولهذا حذرت ونبهت إليها.
3 . ترفضون التظاهر لأن "من الداعين لها المجلس الأعلى والتيار الصدري (وهم مشاركون في الحكومة) ومطالب الشعب متعارضة مع مصالحهم. ومن الداعين إلى المظاهرة جماعة أياد علاوي (وطبعاً بضمنهم ظافر العاني الذي تخوّفت منه بالإسم ، وهم أيضاً يعتبرون جزء من الحكومة (ولو خط مائل)".
أنا أختلف معكم في هذا الصدد. حين تجد قوى سياسية مشاركة في السلطة إنها ملزمة على المشاركة في تظاهرة جماهيرية تطالب بتحقيق مصالح الشعب, وحين ترى أنها حين لا تشارك سوف تنعزل عن الشعب, فمثل هذا الأمر إيجابي ولا ضير فيه وهو لا يعفيها من مسؤوليتها في السياسات التي تمارسها الحكومة, بل تسالها لماذا لا تغيرون سياسة الحكومة وأنتم جزء منها. يضاف إلى ذلك ان جمهرة كبيرة من القوى المؤيدة لهذين الحزبين هما من الناس الكادحين الذين يعانون من الأوضاع التي يعيشها الشعب, إذ أن الحديث لا يتوجه صوب عمار الحكيم أو مقتدى الصدر أو قيادتيهما, بل صوب الجماعات المؤيدة لهم ولأسباب نعرفها جميعاً, وبالتالي فهو نقد مفيد للجميع حين تشارك قوى من الحكومة في التظاهرة الشعبية الواسعة, غذ إن النقد يمسها مباشرة. وحين أحذر من شخص معين أو مجموعة معينة, فهذا يعني أني أخشى أن تكون له علاقات معينة مع هيئة علماء المسلمين من جهة, ومع البعثيين من أتباع عزة الدوري من جهة أخرى, وأن الرجل يمكن أن يلحق أذى بالمظاهرة ولهذا حذرت منه, ولكني لا أحذر من جميع من هم في القائمة العراقية, إذ إن فيها عناصر يفترض أن تشارك في التظاهرة مثل الأخت ميسون الدملوجي.
4 . وتقولون ايضاً بأن "من الداعين إلى المظاهرة  الحزب الشيوعي - اللجنة القيادية وهم أصدروا ما سموه ( نداء الثورة ) يدعون فيه إلى الهجوم على مراكز الشرطة ومواقع عسكرية والحصول على السلاح. وهذا الحزب متكوّن من رجال الإستخبارات وتم تشكيله في عهد صدام." 
أنتم تبالغون في تقدير قوة هذه الجماعة التي لا يتجاوز عديد افرادها عدد الذين كتبوا البيان مباشرة, كما إن الدعوة الشعبية للتظاهر لا تخرج عن إطار العملية السياسية وتغييرها لصالح المجتمع المدني والديمقراطية بالطرق السلمية والديمقراطية وليس بالقوة والعنف. ولهذا ستجد أن هذه المجموعة غير قادرة على التأثير على المظاهرة المرتقبة أو تغيير وجهتها.
5 . ثم تكتبون إن "نوع الشعارات ومضامينها لا ترتقي إلى مستوىً يستشف منها أن للحزب الشيوعي دوراً في صياغتها ، ولا هناك دليل على وجود تأثير له في تنظيمالتظاهرة.
الحزب الشيوعي العراقي ضمن من دعا إلى هذه المظاهرة ولا تختلف شعاراته عن الشعارات التي ترفعها الشبيبة وبقية فئات الشعب التي تتوجه صوب المطالب المهنية والحيوية للشعب كالعمل والكهرباء والخبز والبطاقة التموينية ومكافحة الفساد ورفض المحاصصة الطائفية, وصوب بناء المجتمع المدني والحرية والديمقراطية وحماية الثقافة الديمقراطية والأخذ التام بهوية المواطنة العراقية. وفي هذا تناغم تام بين شعارات الحزب الصديق ونداءات غالبية القوى التي تدعو للتظاهر.
6 . وأخيرا تقول: "إذا إعترفنا بحركة الشعب العفوية وسرنا معها ، وخاصة إذا عرفنا مع مَن نتكاتف في المظاهرة من المذكورين أعلاه ، فهل نحن ذيليون أم نظل قادة للجماهير كما المفروض أن نكون ".
اولاً من قال لك أن هذه المظاهرة عفوية, فليس هناك في العمل السياسي والاجتماعي ما يطلق عليه بالعفوية, وإذا ما حصل أي فعل عفوي ففيه دون أدنى ريب ما يكفي من الوعي الذي تسبب في هذه الحركة أو تلك مما نطلق عليه مجازاً واحياناً بالعفوية. هل تعتقد أخي الكريم ان التظاهرات المستمرة منذ أشهر في عدد متزايد من محافظات ومدن العراق ضد استمرار انقطاع الكهرباء وقطع البطاقة التموينية والبطالة الطويلة ومستوى الفقر الذي بلغ تحت وعلى وفوق خطر الفقر بقليل وصل إلى أكثر من 60 % من سكان العراق وسيادة نظام كامل للفساد في البلاد يعتبر عفوياً أم إنه التعبير السليم والواعي لتراكم المشكلات وغياب الحلول العملية لها بحيث تحولت هذه المشكلات إلى تناقض بين الحاكم والمحكوم وإلى صراعات سياسية لا بد منها لكي تفرض التغيير المنشود في سياسات الدولة العراقية.
ليس هناك من ذيلية في السير في مظاهرات الشعب, الكل يسير في تظاهرة شعبية والكل يحمل شعارات أصبحت عامة ومطلوبة من الجميع, ولهذا فأنا الشخص المستقل مستعد أن اشارك في مظاهرات يدعو لها الشباب أو فئات الشعب المختلفة لأنها تجد في ذلك محاولة  جادة لتحقيق مصالحها قبل أن تستفحل الأمور وتتحول إلى تناقضات لا يمكن حلها. حين يقودني الشباب في طريق أجده سليماً فلا مانع لدي ابداً, بل وباعتزاز أقبل بمثل هذه القيادة الشابة والناضجة. لا تسيء الظن بالشبيبة فهم قادة اليوم والغد, وفيهم الكثير من الحيوية والذهن المتفتح والطاقة الفكرية والحركية ما لا امتلكها, وربما كنت أمتلكها قبل اربعين او ثلاين عاماً ولا أجد عيباً في قول ذلك. لنحترم الشبيبة ونعتز بها ما دامت تلعب دورها الفعلي في التغيير المطلوب في سياسات العراق السلبية والخاطئة الراهنة.     
وأخيراً أتمنى عليك ان تقرأ ملاحظات الصديق الدكتور زهدي الداووي إذ خفف عني مسؤولية مناقشاتكم في القضايا الأخرى التي طرحتموها. المظاهرات التي ستجري يوم 25 شباط/فبراير 2011 ليست فجة ولا عفوية ولا عنفية, بل سلمية وديمقراطية وتستهدف تحقيق مصالح الشعب والوطن.
22/2/2011                    كاظم حبيب

 

378
كاظم حبيب

اعتداء جبان ووحشي على معتصمي ساحة التحرير وسط بغداد

لم يمض على لقاء رئيس الوزراء نوري المالكي مع الصحفيين سوى ساعات حين أكد لهم ما يلي" دولتنا اليوم تمشي بشكل تصاعدي ، ونعمل على بناء دولة المؤسسات، بعد إنشغالنا بالإرهاب ومواجهته ، والجميع أصبح مسؤول كل من موقعه ، خصوصا بعد تشكيل حكومة الشراكة الوطنية التي ضمت كل المكونات"! ثم يواصل تأكيد "أهمية إحترام حرية المواطن والتعبير عن رأيه ، وضرورة التعامل مع هذا الأمر بمسؤولية ، لأنه ربما يكتب مقالا في إحدى الصحف يصب من خلاله الزيت على النار" .ثم أضاف "يجب أن يكون التعامل مع الأحداث بمسؤولية ، ومطالب المواطنين حق علينا تلبيته ، ولكن علينا أن نكون حذرين من الذين يستغلون هذه المطالب ويدخلون من خلالها ، ولدينا معلومات إستخبارية أن هناك من يريد إستهداف المتظاهرين عن طريق إرتداء زي الشرطة ، وقال ان حق المتظاهرين مكفول على أن يكون بعيدا عن إستهداف الممتلكات العامة وتحويل هذه المظاهرات إلى أعمال شغب، كما حصل في محافظة واسط" (راجع: موقع صوت العراق في 20/2/2011), حتى تعرض المعتصمون في ساحة التحرير, وهم يحملون إجازة رسمية بنصب سرادق في الساحة, إلى اعتداء أثم "نفذته جهات مجهولة يرتدي أفرادها الزي المدني وتستقل سيارات حديثة من نوع "مونيكا" في تمام الساعة الواحدة صباح أمس الاثنين. وفوجئ المعتصمون باقتحام لسرادق الحرية من قبل من أسموهم بأفراد العصابة، بعد أن نزلوا من سيارات يشتبه بأنها عائدة إلى جهات رسمية، وقاموا بالاعتداء على المعتصمين بالضرب بواسطة العصي الكهربائية والأعمدة الراضة والسكاكين، وسرقوا السرادق بالقوة بعد أن نهبوا محتوياته" ويواصل الخبر المنشور في جريدة المدى فيذكر ما يلي: "وتزامن الاقتحام، بحسب شهود عيان، مع الانسحاب المفاجئ للقوات الأمنية الموجودة ليبقى الجو خالياً لتلك العصابات وسط دهشة المعتصمين وتساؤلهم كيف دخلت العصابة والمكان محاط بالقوات الأمنية بهذا الشكل الكثيف. (راجع: جريدة المدى: خبر بعنوان "مــجـهـولون يــقـتحـمون "التحرير" ليلاً ويضربون معتصميه" الثلاثاء 22-02-2011 10:25 صباحا).
هل لاحظتم ما جاء خطاب رئيس الوزراء الذي يؤكد فيه على الانتهاء من الإرهاب, ولكن لم يمض على حديثه سوى ساعات حتى ارتكبت واحدة من العمليات الإرهابية البشعة بحق المواطنين الذين يحملون إجازة رسمية للتعبير على رأيهم. هل العراق آمن من الإرهابيين أم إن الإرهابيين ينتمون لجهات غير القاعدة وحزب البعث الصدامي وهيئة علماء المسلمين. لا نحتاج إلى فك طلاسم العملية. نطالب بالتحقيق الفوري ونشر النتائج بسرعة, إذ أن كامل مصادقية الحكومة معرضة للضياع.
تطرح حادثة الاعتداء الاحتمالات الثلاثة التالية:
1.   إن هذه المجموعة من البلطجية هم من أفراد جهاز أمن مكلف بالقيام بمثل هذه الأفعال الدنيئة. والذي يمكن أن يؤكد ذلك انسحاب قوات الأمن ليفسحوا في المجال لهذه القوى الضالة والمدربة على ممارسة ما جاءت من أجله. أي بث الرعب في نفوس المعتصمين والذين سيتظاهرون يوم الجمعة القادم.
2.   إن هذه المجموعة من البلطجية هم من قوى الإرهاب الدموية التي تنزل ضرباتها بالمجتمع العراقي. ولكن لها علاقات خاصة بجهاز الأمن العراقي, وإلا لما انسحبت من مهمتها وأعطتها لقوى الإرهاب المحتملة.
3.   إن هذه المجموعة من البلطجية تعود لإحدى المليشيات الطائفية المسلحة الموجودة في العراق والتي يهمها جداً تحطيم إرادة المجتمع العراقي من خلال هذه الأفعال الدنيئة. أو إنها تعود لمجلس محافظة بغداد ورئيسها كامل الزيدي, والبعثي السابق المدرب على مثل هذه الفعال.  وإن مثل هذه المجموعة لا بد وأن تكون لها علاقة بجهاز الأمن أو من أصدر الأوامر بانسحاب قوات الأمن بعد وصول مجموعة البلطجية لضرب المعتصمين وسرقة أو مصادرة محتوياته.
إن الاحتمالات الثلاثة لا تبتعد عن جهاز الأمن العراقي الذي أخلى الموقع للبلطجية بعد أن فرض قبل ذاك طوقاً محكماً حول الموقع, أي لا تبتعد عن سلطة الدولة, عن الحكومة العراقية, عن رئيس الوزراء, عن مجلس محافظة بغداد. وأن من يرفض هذا الاحتمال, عليه أن يكشف أوراق الجماعة البلطجية التي مارست هذا الفعل الجبان والإجرامي. 
يقول رئيس الوزراء إن لديهم "معلومات استخباراتية أن هناك من يريد استهداف المتظاهرين.." وإذا كانت لديكم مثل هذه المعلومات لِمَ لمْ تقفوا ضد البلطجية في ساحة التحرير حين اعتدوا صباح يوم الاثنين على المعتصمين, أم أنكم تريدون بهذا التحذير إلغاء المظاهرة, وليس الاعتداء على معتصمي ساحة التحرير سوى بداية الفعل الشرير ضد المتظاهرين.   
وإذا أبعدنا السلطة عن كل هذه الاحتمالات الثلاثة, فلا بد لنا أن نقول حينذاك بأن حكومتنا وأوضاعنا في العراق لا يمكن أن تكون إلا هشةً أو ما تسمى بالعامية "گرگري" على وفق قول الشاعر العراقي في قصيدته المسماة أي طرطرا تطرطري...
ألا يشبه هذا الفعل الدنيء ما قامت به بلطجية وزارة الداخلية المصرية ورجال أمنها حين هاجموا وهم يمتطون بغالهم وجمالهم وخيولهم المتظاهرين ويضربونهم بالعصي والبلطات والسيوف وغيرها وأوقعوا الكثير من القتلى والجرحى.
لقد جرح سبعة من المعتصمين في ساحة التحرير وسط بغداد وسرقت السرادق وما فيها, ومن واجب المعتصمين مطالبة الحكومة بالكشف عن مرتكبي هذه الجريمة ومعاقبتهم ومنع تكرارها لأي سبب كان. إن وقوع حدث مماثل في اليوم الخامس والعشرين من شهر شباط/فبراير 2011, سوف لا يوجه الاتهام إلا للحكومة العراقية, وستكون له تداعيات كبيرة ومؤذية للمجتمع العراقي, ولكن وبشكل خاص للحكومة, إذ عندها سوف تفقد مصداقيتها بشكل كامل.
إن مظاهرة يوم 25/2/2011 سلمية ولها مطالب شعبية آنية ملحة, مطالب وجدت التأييد والدعم من غالبية الشعب العراقي, ومن مواقع الأحزاب الحاكمة أيضاً, فلا يجوز التحرش بها من جانب أجهزة الدولة المباشرة او غير المباشرة كالبلطجية المرتزقة الذين يمكن أن يشترون ويدفعون للاعتداء على المتظاهرين. إن على القوات الحكومية حماية المظاهرة والمتظاهرين. وهي المسؤولة عن ذلك وعن كل ما يحصل ضد المتظاهرين.22/2/2011                     كاظم حبيب 

379
( بيان جماعة عشرين شباط )

البرلمان جزء من المشكلة، والحل: وفد مفاوض ومطالب محددة

  من شط العرب في اقصى مدينة البصرة الى اصغر مدن العراق : ناحية النصر ،
سوق الشيوخ،الشامية،عفك،غماس،في ذي قار والديوانية..الى الكوت، مرورا بالكاظمية والعبيدي... صعودا الى كركوك والموصل..خرج الناس في مظاهرات. المنطقة الوحيدة التي لم يخرج أهلها بمظاهرة هي المنطقة الخضراء!.
  ولقد أدان المتظاهرون في هتافاتهم ثلاثة أطراف أساسية :الحكومة المركزية والحكومات المحلية والبرلمان،الذي تتلخلص التهمة الموجهة اليه بأنه(انتخبوه فخذلهم) .وفيما اعترفت الحكومة (بنقص!) الخدمات، ولا يمكن لها ان تنكرها لأن الصورة التلفزيونية تظهر مدن العراق هي الأسوأ في العالم،فأنها لم ترد على التهمة الفضيحة القبيحة المخجلة التي رددهها المتظاهرون بصوت عال:(فلوس الشعب للشعب مو للحرامية). لم يخرج مسؤول كبير أو صغير ليردعليهم:( عيب أخوان ،نحن جئنا لنخدمكم لا لنسرقكم).ولم تعتذر الحكومة،بل راحت تبرر وتمنطق ما يجري على أنه استهداف..وعزت ما حصل الى الزمن والمال ولم تذكر الفساد بعقود وصفقات لم يشهدها تاريخ العراق ونريد لـ 25 شباط يوم الثورة عليه .
 ان الخطيئتن اللتين ارتكبتهما الحكومتان السابقة والحالية، وكان البرلمان السابق طرفا فاعلا فيها والحالي صامتا عنها هما :شرعنة الفساد والسكوت عن محاسبة الفاسدين الكبار.ونعني بالشرعنة:تقاضي المسؤولون الكبار رواتب ضخمة ومخصصات تعادل اضعاف ما يتقاضاه نظراؤهم الرؤساء والحكام العرب.وهنا تحضر( نكتتان )،الأولى:برر برلماني بارز ضخامة الرواتب.. بأن العراق بلد غني،والنكته ان شعبه هو الأفقر. والثانية:تنازل ،بعد هزتي تونس ومصر، اكبر مسؤولين بالحكومة عن نصف راتبيهما وتبرعا به للخزينة والفقراء من باب الصدقة والمنّة..والنكتة أن نصف الراتب الباقي مع امتيازاته يبقى اكثر من ضعف راتب أرفع مسؤول في المنطقة!.وأن ما تقاضياه في ست سنوات يعد بالمليارات.
  ذلكم ما نعنيه بشرعنة الفساد ..لدرجة أنك لو أحصيت ما تقاضاه المسؤولون الكبار والبرلمانيون في سبع سنوات لوجدتها تكفي لتحويل بغداد من مدينة خربة الى اجمل مدينة في الشرق الأوسط وميناء البصرة الى أكبر من ميناء دبي!!
 اما السكوت عن الفساد فسببه ان الأخوة الأعداء في السلطة اعتمدوا أسلوب (أسكت وأنا أسكت)..فسكتوا لأن الكل متورط ولأن من يفضخ المقابل فضحه الآخر فيخسر الطرفان ،مع الاحترام لوطنيين مخلصين حاولوا وصرخوا فما استطاعوا.
 والبرلمان الحالي طرف ايضا في هاتين الخطيئتين القبيحتين المخجلتين..بل أنه متهم مهنيا وشرعيا بأخذ مال عام دون وجه حق . فلو اعتبرنا ما يتقاضاه العضو الواحد من راتب ومخصصات خطورة وامتيازات وحمايات بحدود عشرين مليون دينارا في الشهر فان مجموع ما تقاضاه البرلمانيون يبلغ (6500000000) دينارا في الشهر  و(52000000000) دينارا في ثمانية أشهر،وهو مال  حرام تقاضاه (325) شخصا فقط..وما نطق منهم أحد ،وما انتصر أحد منهم للناس المطالبين بحقوقهم الا جعفر محمد باقر الصدر..وأبلغ كرمهم أنهم عدّوا التظاهر حقا مشروعا!.
 وبما أن القضية المركزية للتظاهرة هي (الفساد) فان البرلمان،ونكرر الأحترام لوطنيين مخلصين فيه،ليس طرفا مضمونا في حل المشكلة..الا في المطالب الخدمية التي سيأمر السيد رئيس الوزراء بتنفيذها، وقد لا تنفذ على الوجه الصحيح ما دام الفساد موجودا.
 ان حلّ الأزمة يكون بتشكيل وفد من المتظاهرين نصفه من الشباب والشابات ونصفه من الحكماء يتفاوض مع الحكومة ويحدد مطالبه الآنية بالآتي:
•   تشكيل محكمة من قضاة مستقلين خلال اسبوعين لمحاكمة المتهمين بجرائم فساد بدءا بالمسؤولين الكبار..وأن تكون علنية تنقل عبر وسائل الاعلام لأعادة الاعتبار للحكومة ولأحياء الضمير والقيم والأخلاق التي نخرها النظام السابق وأجهز النظام الحالي على الباقي منها الذي صار العراق في زمنه رابع أفسد دولة في العالم.
•   تحديد راتب اعلى مسؤول بسلّم الهرم الوظيفي في الحكومة بعشرة ملايين دينارا وبمخصصات لا تزيد عن ربع الراتب،وبما هو دون ذلك للآخرين نزولا..وتنفيذه اعتبارا من شهر آذار 2011.
•   تعيين راتب شهري لكل مواطن عراقي قدره ثلاثون دولارا ..حصته من النفط اعتبارا من تموز 2011  ,والغاء البطاقة التموينية والتخلص من متاعبها ومصاريفها المكلفة وحالات فسادها ،واذلالها الضمني لكرامة المواطن.
•   اصدار تشريع بعنوان (ضمان بطالة) يؤمن تحديد راتب لكل عاطل عن العمل لاسيما خريجي الجامعات وأن ينفذ اعتبارا من العام القادم .
•   الغاء  الرواتب التقاعدية لأعضاء الجمعية الوطنية والبرلمان السابق والمجالس المحلية الذين يتقاضون راتب وزير أو مدير عام،وتطبيق القانون الذي ينص على عدم منح الموظف راتبا تقاعديا ما لم يكن اكمل خمس عشرة سنة في الخدمة.
•   احالة موضوع تقاضي اعضاء البرلمان الحالي رواتب الأشهر الثمانية التي سبقت تشكيل الحكومة الى وزارة العدل للنظر فيه من قبل قضاة مستقلين.

  ان تنفيذ هذه المطالب ،أو الحوار بشأنها والوصول الى ما يرضي الطرفين، هو الذي يضع كل الأطراف على طريق حلّ الأزمة..اما ترك الأمر للبرلمان فأن قضايا الناس ستكون مثل كرة القدم بين البرلمان والحكومة..قد ينتهي الوقت الأصلي والأضافي ايضا دون تسجيل هدف يصفق له الجمهور..فيتحول الغضب الى خصومة و(الاصلاح) الى ( اسقاط)..وقد تكون الكارثة.

(الحملة ستستمر الى ما بعد 25 شباط وتعمل على ان تكون
ممثلة في الوفد المفاوض وتبقى تراقب أداء الحكومة ).

رابط الحملة
http://www.ahewar.org/camp/i.asp?id=279

جماعة عشرين شباط – فبراير 2011
الموقعون
1.    أ.د.قاسم حسين صالح - أكاديمي وكاتب – العراق
2.    أ.د. كاظم حبيب – مفكّر..اقتصادي وسياسي - ألمانيا
3.     توفيق التميمي – كاتب واعلامي - بغداد
4.     د. رياض عبد - استشاري الطب النفسي – بريطانيا
5.     د.محمد جمعه عباس- استشاري الطب النفسي – بريطانيا
6.    د. ريدار أمين - طبيب نفسي – العراق أربيل
7.    د. رزكار أمين – استشاري الطب النفسي - بريطانيا
8.     بسام الصالحي - مهندس – الأمارات
9.    د.مظفر قاسم – مهندس واعلامي - بريطانيا
10.       انعام هادي حسن  ماجستير علم النفس – بغداد
11.       د. نداء خليل – علم النفس - كندا
12.       هاوزين محمد عزيز جامعة صلاح الدين – اربيل
13.       رشا توفيق – اعلامية –بغداد
14.       صبحي عادل – جامعي عاطل –بغداد
15.       عبد الزهره وادي – جامعي كاسب – البصره
16.       عبد اللطيف عبد الأحد –كاسب –بغداد
17.       مريم عبد المسيح –بغداد – ناشطة نسائية
18.       أكرم مجيد – كاسب –الكوت
19.       اشواق كاظم – تربوية – النجف
20.       تغريد احمد – ربة بيت – النجف
21.       واثق ربيع – كاسب –بغداد
22.       علي كاظم –جامعي عاطل – بغداد
23.       انوار نور الدين –جامعية بدون عمل –بغداد
24.       فرات المحسن –كاتب وصحفي –السويد
25.       سامي مراد- مدرس – فلسطين
26.       محمد علي الشبيبي –مهندس متقاعد- السويد
27.       سلام كبه –مهندس استشاري-العراق
28.       خالد حميد حسين البطاينه –كاتب ومترجم –الأردن
29.       أ.فليحه –متقاعد – السويد
30.       ناصر عجمايا –كاتب وناشط سياسي واجتماعي- استراليا
31.       رفيعه السداوي – مدرسة متقاعده –استراليا
32.       صفاء السعودي –مدرب رياضي – لاوس
33.       عبد الله ابراهيم – طالب عاطل – بغداد
34.       اسماء جهاد – عاملة – بغداد
35.       زينب رشيد –  فلسطين
36.       غسان المفلح – كاتب – السويد
37.       عصام الياسري – صحفي –العراق/ألمانيا
38.       قاسم هادي – عاطل –أمريكا
39.       حمودي عبد محسن – كاتب – السويد
40.       رائده كريم آلوس – رئيسة البرلمان الشعبي للمرأة العراقية – السويد/الدنمارك
41.       علي عباس – كاتب وباحث ،ناشط مستقل – الدنمارك
42.       د. رابحه الناشيء – باحثة – فرنسا
43.       سائس ابراهيم – موظف – فرنسا
44.       سلام ابراهيم –قاص وروائي – العراق
45.       رهيبه محمد لطيف القصاب – ناشطة سياسية في مجال حقوق المرأة –العراق
46.       فاضل الحسني – ناشط سياسي – المانيا
47.       د.أحمد فاخر – طبيب وناشط سياسي – الأردن
48.       عمر قاسم أسعد – كاتب وباحث سياسي – الأردن
49.       فرحان لطيف – متقاعد – الناصرية
50.       هديه عبد الكريم – ربة بيت - الناصرية




380
كاظم حبيب

الحكماء الجدد ومظاهرات الشعب العراقي

حين تقرأ بعض الكتاب التي تنصح الشعب العراقي بالابتعاد عن المطالبة بحقوقه والدفاع عن مصالحه الحيوية التي تداس اليوم بالإقدام من قبل جمهرة من حكام العراق, يشعر الإنسان بالغثيان من هذه الحكمة الجديدة التي برزت دفعة واحدة لدى بعض الكتاب العراقيين الذين لا يرون واقع الحال في العراق, لا يرون الحرمان والجوع والبطالة القاتلة, لا يريدون أن يعرفوا سيادة الفساد في جميع أنحاء العراق وبعلم المسؤولين الكبار, ولا يريدون ان يواجهوا الفجوة المتسعو في مستويات المعيشة والحياة, لا يريدون أن يتابعوا كيف تحاول مجموعة مهمة من قوى الإسلام السياسية أن تفرض على المجتمع خيمتها الفكرية الواحدة, تماماً كما فرض البعث خيمته الفكرية القومية الشوفينية المدمرة المجتمع لعقود طويلة.
إن هذه المجموعة من الحكماء الجدد بدأوا يحنون ويدافعون عن نظام بدأ هو لا غيره بتشويه الدستور العراقي لعام 1925 وتزوير الانتخابات النيابية والتي وردت على لسان عميد السياسية العراقية في العهد الملكي "نوري باشا السعيد" واتهموا الحركة الديمقراطية العراقية التي ناضلت من اجل حقوق الشعب بالتطرف واليسارية وكأنهم لم يقرأوا تاريخ النظام الملكي في العراق, إن كانوا أصغر عمراً من أن يعيشوا تحت وطأته.
صحيح إن ما جاء بعد ذلك العهد جعل العراق أسوأ من العهد الملكي, ولكن العهد الملكي هو الذي بدأ بسياساته القمعية, ومنها إسقاط الجنسية وقتل السجناء السياسيين واعتقال المئات من المواطنين وزجهم في السجون لأنهم كانوا مع حركة السلام العالمية ولأنهم من الشبيبة او اتحاد الطلبة أو من الحزب الشيوعي أو من الحزب الوطني الديمقراطي أو حزب الاستقلال, والذين اجبروا على تشكيل جبهة الاتحاد الوطني للخلاص من النظام الملكي وإقامة الدولة الديمقراطية التي خذلت القيادة العسكرية في حينها الشعب العراقي ورفضت غقامة الحكم الديمقراطي الدستوري والنيابي, كما لم تكن القوى السياسية ناضجة لتعي ما يفترض أن يتحقق في العراق وأعطى الفرصة للفاشيين أن يقلبوا نظام الحكم ويتواصلوا بجماعات قومية شوفينية لدست الحكم في العراق بيم 1963-2003, أي طيلة أربعة عقود عجاف.
إنهم يطالبوننا اليوم بالهدوء والسكينة وتحمل ما يجري في العراق لكي لا يسقط العراق في أحضان المتطرفين من الإسلاميين السياسيين او البعثيين أيتام صدام حسين وأعوان عزت الدوري. غريب هذا المنطلق الذي يتحدث به هؤلاء السادة. عليهم ان يكفوا عن نصح الشعب العراقي بالكف عن النضال من أجل تحقيق الحرية والديمقراطية, من أجل ضمان الثقافة الديمقراطية والنشاط الحر لمنظمات المجتمع المدني لا أن تمنع الموسيقى والغناء والرقص والمسرح والرسم في معاهد وأكاديميات الفنون الجميلة. إنهم يرسلون لنا المقالات البائسة التي تدعي وجود حياة ديمقراطية في العراق وحكم ديمقراطي وليس حكم "ديمقراطي محاصصي!" طائفي حتى لو كان الناس قد أعطوا اصواتهم لتلك القوى, ولكن قائمة دولة القانون ادعت إنها تخلت عن الطائفية وهي تعمل من أجل حقوق المواطنة, ولهذا حصلت على نسبة عالية من اصوات الناخبين, وكذا حال أغلب أعضاء القائمة العراقية. الناس يتحركون من اجل تغيير واقع الحال السيء لصالح الشعب وبعيداً عن الطائفية التي بدأت طائفة من المثقفين تلتزم بها وتدافع بوعي أو بدون وعي عنها ربما دون أن يدركوا أي منحدر يريدون دفع المجتمع إليه.
إن الحرية الفردية والديمقراطية وحقوق الإنسان أيها السادة, إيها الحكماء الجدد ومع كل الاحتام, يفترض أن تدركوا إنها لا تتجزأ ومن يحاول ذلك يرتكب خطيئة بحق شعبه.
إن المظاهرات التي تدعو لها الشبيبة العراقية تريد تغيير الواقع المر, تريد مكافحة البطالة والجوع والحرمان والفقر والفساد السائد, تريد شيئاً بديلاً عن البطاقة التمينية إن اراد الحكم إلغاء هذه البطاقة, تريد عملية تنمية وتنمية صناعية وتحديث زراعي وتقليص استيراد السلع الاستهلاكية التي تعطل التنمية وتحارب الإنتاج المحلي, تريد تشغيل الناس وإنقاذ الأطفال من التشرد والأرامل من الجوع والبؤس, تريد استخدام موارد النفط لصالح الشعب, لا تريد صرف ألف دولار كل دقيقة على نواب مجلس النواب والحكام في العراق, تريد الحرية الفردية والحياة الديمقراطية والثقافة الديمقراطية, تريد حرية المرأة ومساواتها بحقوق وواجبات الرجل, تريد الخلاص من حكم الطائفة, سواء أكانت شيعية أم سنية, وتريد حكماً وطنياً يحكمه مواطنون بغض النظر عن هويتهم الدينية والطائفية ويلتزمون مصالح الشعب, وبغض النظر عن الأسماء.
المظاهرات التي نؤيدها لا تلتزم بأجندات أجنبية أو حزبية ضيقة, بل هي وطنية صرفة وعراقية محلية, وهي بعيدة كل البعد عن دعايات البعثيين الصداميين وهيئة علماء المسلمين أو قوى القاعدة والقوى الرجعية, كما إنها لا تأتمر بأوامر علي خامنئي أو محمود أحمدي نجاد أو حكام السعودية والخليج أو سوريا, بل هم ينطلقون من مصالح الشعب العراقي لا غير.
نرجوكم كفوا عن عملية التشويش على مظاهرات الشعب والإساءة إليها.
كفوا عن تضليل الشعب العراقي بحكم فارغة لا معنى لها ولا تشبع الناس الفقراء زالمكويين بنقص الخدمات.
لكم الحق في الدفاع عن المالكي, ولكن عليه أن يدافع عن نفسه بأعماله وسياساته وإجراءاته لا بصدى صوته الذي يردده الآخرون وليس فيه من جديد يقنع الشعب بضرورة الكف عن التظاهر.
21/2/2011                   كاظم حبيب               


381
كاظم حبيب

رسالة مفتوحة إلى
الشعب الكردي والسادة المسؤولين في إقليم كردستان العراق

منذ عشرينات القرن الماضي بدأت مرحلة جديدة من نضال الشعب الكردي وبشكل ملموس لتحقيق ما تم الاتفاق عليه حين تقرر إلحاق ولاية الموصل, وبضمنها كردستان الجنوبي في العام 1926 بالعراق, بين عصبة الأمم والملك فيصل الأول والحكومة العراقية حينذاك. وخلال الفترة 1926-1991 كان النضال السلبي لانتزاع الحقوق المشروعة والعادلة لهذا الشعب مليئاً بالمصاعب والتضحيات الجسام وخاصة في فترة حكم البعث الثانية التي شهدت المؤامرة القذرة ضد حركة الشعب الكردي المسلحة في العام 1975 بالارتباط مع اتفاقية الجزائر والتآمر الرباعي (العراقي الصدامي-الشاهنشاهي الإيراني-الأمريكي-الإسرائيلي) ومن ثم معارك الأنصار وما ارتبط بها من مجازر الأنفال ضد الشعب الكردي وقصف حلبچة بالسلاح الكيماوي ثم الزحف المليوني صوب تركيا وإيران تحت ضربات القوات المسلحة لنظام الدكتاتورية والخيانة والعهر السياسي فی العراق, نظام البعث بقيادة الدكتاتور المطلق صدام حسين.  وكانت مواقف الحكومات المركزية في بغداد دوماً رفض تلك الحقوق وشن المعارك ضد حركة التحرر الوطني الكردية مما كان يصعد النضال الكردي ويلهب الشارع العراقي والقوى الديمقراطية العراقية, وكان التأخي بين المناضلين العرب والكرد والقوميات الأخرى متيناً ومناهضاً للاستبداد ومصادرة الحقوق الديمقراطية والقومية. 
إن محاولة الوصول إلى رقم تقريبي لعدد شهداء الشعب الكردي في كردستان العراق وحده خلال مراحل النضال المختلفة تجعل الإنسان يصاب بالغثيان, فالعدد لا يقل في كل الأحوال عن ربع مليون إنسان على اقل تقدير, وأغلبهم من الذكور الشباب, إضافة إلى النساء والأطفال والشيوخ, وهو الذي أعاق بدوره النمو الطبيعي لسكان كردستان العراق. وهي ملحمة دموية مرعبة, ولكنها في الوقت نفسه تجسد الروح الكفاحية العالية لدى هذا الشعب المكافح في سبيل حريته وحياته الكريمة وحقوقه المشروعة والعادلة.
ولم تحصد الحكومات التي وقفت ضد طموحات هذا الشعب إلا الخزي والعار ولن يذكرها التاريخ إلا بالاستبداد والدموية.
وعلينا أن نشير هنا بوضوح إلى أن ضحايا الشعب الكردي خلال فترة حكم البعث وحده بلغت أكثر من 200 ألف إنسان, يمكن عندها معرفة حجم الدماء والدموع والآلام التي رافقت المسيرة النضالية للسنوات الواقعة بين 1968-1991 وعدد الأرامل والأيتام من نساء ورجال وأطفال شعب كردستان.
ومن هنا نستطيع أن ندرك بوضوح كبير مدى الفرحة والبهجة التي عمت شعب كردستان حين تحقق لهم الانتصار الكبير على الفاشية الصدامية في العام 1991 وبعد الانتفاضة الشعبية في العراق وفي إقليم كردستان العراق حين اجبر الجيش العراقي والإدارة العراقية الصدامية على الانسحاب من ثلاث محافظات من إقليم كردستان هي أربيل والسليمانية ودهوك وإقامة حكومة وطنية كردستانية وانتخاب برلمان كردستاني جديد ودستور جديد وإعلان الفيدرالية في إطار الدولة العراقية.
وكان الصراع الذي تفجر بين الحزبين الحاكمين مثار حزن شديد وغضب في آن واحد في صفوف الشعب الكردي وكل الذين سانوا دوماً قضيته من العرب والشعوب الأخرى. إلا أن محاولات تحقيق المصالحة قد بدأ في العام 1998 واستمر متعثراً إلى أن تعزز في أعقاب سقوط النظام وتشكيل حكومة كردية واحدة للإقليم في العام 2005 جعل الأمل كبيراً في تسريع عملية البناء والتقدم في كردستان وتأمين المزيد من الحرية والديمقراطية والحياة الحرة والكريمة لهذا الشعب المقدام, رغم تعثر إنجاز الوحدة لكافة وزارات الإقليم إلى الآن.
ومنذ سنوات وأنا أتابع التطورات الجارية في الإقليم كمواطن عراقي يهمه كل ما يجري في العراق, وكصديق للشعب الكردي يهمه ما يجري في إقليم كردستان العراق. وتسنى لي عبر زياراتي لكردستان قبل سقوط النظام وزياراتي الكثيرة للعراق بعد سقوط الدكتاتورية أن أسجل الكثير من الملاحظات الإيجابية والسلبية على تطور الإقليم, كما تسنى لي اللقاء بعدد من المسؤولين في الإقليم ابتداءً من السيد نيجرفان بارزاني والشهيد الأستاذ سامي عبد الرحمن والأستاذ جوهر نامق سالم والأستاذ نوشيروان مصطفى أمين والأستاذ بختيار والأستاذ عدنان المفتي والأستاذ أزاد جندياني والسيد سركيس أغا جان حين كان نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للمالية, إضافة إلى بعض رفاق الحزب الشيوعي الكردستاني ومنهم الصديقين كمال شاكر وحيدر فيلي, على سبيل المثال لا الحصر. وفي هذه الزيارات واللقاءات حاولت التعرف على أوضاع كردستان العراق أو مناقشتهم في ما يجري هناك والمصاعب التي تعترض طريق التحول من نظام دكتاتوري في ظل قيادة صدام حسين إلى نظام يراد له ان يكون مدنياً وديمقراطياً أو تدقيق العلاقة بين قيادة الحكومة والأحزاب الحاكمة والشعب في كردستان, وخاصة الكادحين منهم. وقد كنت في بعض أهم تلك اللقاءات وخاصة مع الأستاذ نيجرفان بارزاني, حين كان رئيساً للوزراء, أن اشير إلى أوضاع الشعب والفقراء فيه والفجوة المتسعة بين الشعب والمسؤولين في الحكومة والأحزاب الحاكمة والعواقب المحتملة الناشئة عن هذه الفجوة بين الثوار القدامى ووقود الثورة السابقين والشعب عموماً, خاصة وإن الشعب الكردي مطوق بدول وقوى لا ترحم.
وحين لم يكن في مقدوري اللقاء بالمسؤولين الكرد لأي سبب كان بادرت إلى توجيه الرسائل الشخصية إلى المسؤولين التي أحتفظ بنسخ منها في أرشيفي الشخصي, وخاصة إلى السيد رئيس الإقليم مسعود البارزاني التي حاولت طرح تصوري عن مجرى تطور الأوضاع في إقليم كردستان ومخاطر نشوء الفجوة بين الشعب وقيادته السياسية الكردستانية وإمكانيات استثمار تلك الفجوة في غير صالح الشعب الكري وكردستان عموماً. وكنت صريحاً وباحترام كبير مع اصدقائي الكرد من المسؤولين وحميماً في علاقاتي مع الشعب الكردي في طرحي للمشكلات التي كنت ألاحظ إنه يعاني منها وسبل معالجتها كتقدير شخصي. وبالإضافة إلى كل ذلك كتبت سلسلة من المقالات بعد كل زيارة لكردستان سجلت فيها ما شاهدته عن كثب وبصراحة تامة متوقعاً أن يجري الانتباه إليها.
كما كتبت ونشرت سلسلة من المقالات بعد تسلم الأخ الدكتور برهم صالح رئاسة حكومة إقليم كردستان أشرت فيها إلى مواطن الخلل, كما أراها, في المسيرة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في كردستان والاحتمالات التي يمكن أن تنشا عنها. وكان السيد رئيس الوزراء لطيفاً حين اجاب على تلك المقالات برسالة شخصية احتفظ بها يعبر فيها عن شكره لملاحظاتي وطالباً مواصلة إبداء الرأي ومؤكداً رغبته في الإستفادة بما يمكن من تلك الملاحظات. أجبته شاكراً على رسالته. وحين وجهت رسالة لمكتبه رجوت فيها إن أمكن تحديد موعد للقاء به حين زيارتي لكردستان المرتقبة في حينها لم احظ بجواب منه أو من مكتبه على ذلك الرجاء ولم التقه. وكانت رغبتي تنصب على خوض مناقشة حول أوضاع كردستان الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ومحاولة طرح تصوراتي للحلول.
وفي شهر كانون الثاني/يناير 2011 قدمت محاضرة في جامعة صلاح الدين طرحت فيها الأوضاع الاقتصادية في العراق وفي إقليم كردستان تعرضت فيها إلى المشكلات التي تجمع العراق كله ومن ثم ما يمس القسم العربي من العراق وإقليم كردستان وحاولت الربط العضوي بين الوضع الاقتصادي والوضع السياسي, إذ أن السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة.
من المؤسف والمحزن أن أشير هنا إلى أني كنت أتوقع حصول مثل هذه المشكلات وكنت أخشى أن تستثمر في غير صالح كردستان وأن ردود الفعل الحكومية ستكون غير محسوبة العواقب, خاصة وأن مطالب الشعب الكردي عادلة و مشروعة وعدم الاستجابة لها هي التي تثير المشكلات وتسهم في تعقيد الأوضاع.
سأحاول هنا أن أتطرق إلى مسألة واحدة هي حالة الفساد في الإقليم والتي هي ظاهرة عامة في العراق وفي كل الدول النامية. ولكن العراق يحتل موقع الصدارة فيها.
تطرق السيد رئيس الإقليم إلى الفساد طالباً من الأحزاب السياسية أن تقدم تقارير عن الفساد وأن تسمي الأشخاص باسمائهم لكي تتم محاسبتهم.
أشعر بأن هذا الطلب غير وارد ولا يسهم في مكافحة الفساد من حيث المبدأ لعدة أسباب هي:
1.   إن السيد رئيس الإقليم يملك جهازاً كبيراً من المستشارين ومكتباً خاصاً وعدداً مهماً من الموظفين العاملين فيه والمطلعين جيداً على أوضاع الإقليم الاقتصادية.
2.   إن الإقليم يمتلك جهازاً أمنياً كبيراً وبعضه مختص بالشأن الاقتصادي ومطلع
3.   على ما يجري في الإقليم, سواء أكان بشأن التداول المالي أم بشأن تملك وتوزيع العقارات وتوزيع الأراضي السكنية.
4.   إن السيد رئيس الإقليم هو رئيس حزب كبير يقود عملياً الحكومة, وبالتالي فالحزب ولجنته الاقتصادية التي يشرف عليها عضو في المكتب السياسي, عز الدين برواري, يعرف جيداً ما يجري في الإقليم من عمليات اقتصادية وعقود ونشاط تجاري وعقاري ومنشآت..الخ.
5.   إن السيد رئيس الإقليم يشرف بشكل مباشر وعبر مستشاريه ومكتبه على مجلس الوزراء ومن خلال نائب رئيس الوزراء, السيد آزاد برواري, الذي يستطيع ان يمده بكافة المعلومات الضرورية عما يجري في الإقليم من عمليات اقتصادية ومن قوى فاسدة ومفسدة أيضاً, فهو عضو في المكتب السياسي ومن الأصدقاء القريبين من السيد رئيس الإقليم.
6.   إن السيد رئيس الإقليم يملك جهازاً حزبياً كبيراً للإعلام يشرف عليه السيد سرو قادر, وهو يمتلك الكثير من المعلومات عما يجري في الإقليم في هذا الصدد والذي في مقدوره أن يمده بما يمتلكه البعض من ثروات وقصور تكونت في فترة قصيرة لا يمكن تصور أنها نشأت بفعل رواتبهم ومخصصاتهم الشهرية أو السنوية.
الشيء الوحيد الذي يمكن أن يجعل كل هؤلاء غير نافعين للسيد رئيس الإقليم, إن كان جميع هؤلاء لا يقدمون التقارير الصحيحة والوافية والتي تؤشر مواطن الخلل لا في جانب الفساد, بل في جميع الجوانب التي تجعل من الوضع في إقليم كردستان مقلقاً للجميع.
حين التقيت بالسيد رئيس الوزراء السابق الأستاذ نيجرفان بارزاني قلت له بالحرف الواحد: أخي الفاضل أرجوكم أن لا تعتمدوا علي التقارير التي تصلكم من الذين يعملون في الجهاز الذي حولكم فهم لا يكتبون لكم ما ينبغي أن يكتبوه عن وضع الشعب والفقراء والمشكلات, بل يكتبون ما يرضيكم. إذهبوا أرجوكم مباشرة إلى المناطق الكادحة والتقوا بالناس هناك واسمعوا رأيهم وستعرفون جيداً ما يجري هناك وستجدون الفرق بين الناس وتقارير الجهاز, وهم يختلفون عن سكنة دولاراوا. كان هذا في اللقاء الذي تم مع السيد رئيس الوزراء في العام 2005 وقبل تشكيل حكومة الوحدة في كردستان العراق وبحضور السيد سرباس هورامي.
إن الأحداث الأخيرة كانت متوقعة مني ومن غيري من الناس لأن هناك ما هو غير صحيح ويحتاج إلى تغيير لا بمنظور حركة التغيير بل بمنظور الشعب الكردي الذي يعيش الحياة يومياً ويشعر بما يجري في كردستان. ليس غريباً ان يستثمر التذمر, بل الغريب ان لا يستثمر التذمر الشعبي. والصحيح هو أن نعرف مواطن الخلل في هذا التذمر وأنا مستعد لوضع اليد مباشرة على مواطن الخلل في ما يجري في الإقليم. وليس وحدي القادر على ذلك, بل الكثير والكثير جداً من الناس في الإقليم لأنهم يعيشون هناك ويعرفون ما يجري فيه. أتمنى على رئيس الإقليم أن لا يلتقي بالمسؤولين ومجلس النواب وحدهم, بل بالأساس بالناس البسطاء الذين لا مصلحة لهم غير كردستان وشعب كردستان وتقدم كردستان, أن يلتقي بالفقراء من الناس وأن يسألهم عن رأيهم فيما يجري وسيقولوا له الحقيقة كما هي ومنها مثلاً:
1.   إين يوجد الفساد المالي والإداري؟
2.   أين يشعرون بأنهم كمواطنات وكمواطنين مستقلين  يعاملون باعتبارهم أقل أهمية وأقل درجة للحكومة من بعض كوادر وأعضاء الحزبيين الذين يعتلون المراكز العليا دون وجه حق وكفاءة؟
3.   كيف تجري عملية التنمية؟ ولماذا يجري التركيز على التجارة ولا يجري الاهتمام بالتصنيع وتحديث الزراعة وتحقيق التراكم الرأسمالي في الإقليم لبناء القاعدة المادية لتطور الاقتصادي والتنمية البشرية ومكافحة البطالة؟
4.   كيف تتسع الفجوة بين الفقراء والأغنياء دون وجه حق؟
5.   كيف هي حالة البطالة والبطالة المقنعة والعواقب الوخيمة لذلك؟
6.   كيف تنجز وتوقع العقود وكيف تصرف الأموال؟
7.   كيف يقبل الطلبة على الدكتوراه والماجستير أو البعثات الدراسية والزمالات في حين يرفض آخرون لأنهم غير حزبيين ؟
8.   كيف تمارس الحرية والحياة الديمقراطية في كردستان وكيف هو شعور الناس العاديين إزاء ذلك؟   
9.   .... الخ.
قلة من الأحزاب السياسية الكردستانية ستبادر وتقدم له معلومات عن ذلك بما فيه الحزب الديمقراطي الكردستاني, رغم أن لدى كل تلك الأحزاب المعلومات الكافية عن كل ذلك, ولكن البسطاء من الناس الذين يتلظون بنار الفساد مستعدون للقيام بهذه المهمة.       
إن الوقوف بوجه المظاهرات يتم عبر مكافحة المشكلات التي يعاني منها الناس وليس بمواجهتهم بالقوة والعنف والرصاص. كما أن تحقيق مطالب الناس يفترض, وكما أرى, أن يتم عبر المطالبة السلمية والديمقراطية دون استخدام العنف أو التجاوز على المباني العامة والمقرات الحزبية او الناس بالشوارع, فهي لا تقود إلى نتائج طيبة بل تزيد الأوضاع لهيباً ولا تحل المشكلات. إن التظاهر حق مشروع ويكفله الدستور.
إن الفترة الراهنة والقادمة تستوجب, كما أرى وبكل مسؤولية, إجراء إصلاحات جذرية في مجمل السياسة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحياة السياسية في إقليم كردستان. إن الوضع على ما هو عليه حتى الآن لا يمكنه أن يستمر لأنه سيعرض التجربة كلها إلى خطر كبير.
إن الحرص على التجربة وعلى تقويمها من جهة, وتأثيرها على الوضع في العراق كله من جهة أخرى, هما اللذان يتطلبان السعي لما يفترض أن يتغير في كردستان. ومن لم يرغب أن يفهم عوامل تقديم استقالتي من عضوية الأمانة العامة للتجمع العربي لنصرة القضية الكردية باعتباره احتجاجاً على ما يجري وعجزي عبر هذه المنظمة الإنسانية تقديم المساعدة في حل المشكلات القائمة وعدم وجود آذان صاغية لما نقول, فهي قضيته ولكل منا رأيه في هذا الصدد.   
مع أطيب تمنياتي بالتقدم والازدهار لإقليم وشعب كردستان ليكون له تأثيره الإيجابي والفعال على الوضع في العراق كله. هذا ما نتطلع إليه ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر الإصلاح والاستماع لرأي الشعب في كردستان.
مع خالص التقدير والاحترام.
كاظم حبيب   
برلين في العشرين من شهر شباط/فبراير 2011   
     


382
كاظم حبيب

الحقوق والحريات الديمقراطية قضية واحدة لا يجوز تجزأتها

حقوق المواطنة وحقوق الإنسان والحريات الديمقراطية العامة والحرية الفردية كلها وغيرها تشكل جزءاً واحداً من شرعة حقوق الإنسان التي تجلت في عدد كبير من اللوائح والوثائق والعهود الدولية التي صدرت عن الأمم المتحدة ابتداءً من العام 1948 إلى الوقت الحاضر لا يمكن ولا يجوز تجزأتها وقبول بعضها ورفض البعض الآخر منها كما يحلو أحياناً كثيرة لهذا الحاكم أو ذاك.
الإنسان حر في ما يفعل شريطة أن لا يؤذي الآخر, "مُدَّ يدك بحيث لا تمس أنف غيرك", حر في مسكنه وملبسه ومأكله ومشربه, حر في عمله وعلاقات البيتية والاجتماعية شريطة أن يحترم الآخر ولا يلحق الأذى به من جراء ذلك أو يؤذي نفسه.
الإنسان حر في عبادته وفي فكره وما يريد الإيمان به وليس هناك من له الحق في فرض عبادة أو دين او عقيدة أو رأي عليه, ولهذا برتبلورت القاعدة السليمة التي تقول من حق الإنسان أن يتخذ الموقف المناسب له من هذا الدين او ذاك في أي بلد كان, ولكن يبقى الوطن للجميع, أي اعتماد مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية دون تمييز, سواء أكان بسبب القومية أو اللون أو الدين او المذهب أو الرأي أو الجنس, أي سواء أكان ذكراً أم أنثى, فكل فالناس سواسية أمام القانون وأمام الحقوق والواجبات.
الديمقراطية إما أن تقبل أو ترفض, لا يمكن القبول بالديمقراطية باعتبارها وسيلة, ومن ثم رفضها كفلسفة للعمل في الدولة أو المجتمع. لا يجوز الوصول الفرد أو الحزب عبر الديمقراطية إلى السلطة ثم ترك الديمقراطية كفلسفة وراء ظهره أو ظهر الحزب, فهما كل واحد وسيلة وفلسفة, وهو ما يفترض أن يتعامل معهما كل رؤساء الوزارات في الدول العربية. ولكن كيف هو واقع التعامل في الدول العربية والعراق؟ لا نملك جواباً سواى نتابعة الانتفاضات الشعبية في كل الدول العربية والتي لم تحصل فيها انتفاضة بعد تسحصل لاحقاً, إذ أن كل النظم العربية غير ديمقراطية واستبدادية وبعيدة كل البعد عن الحضارة الإنسانية الحديثة.
يتحدث البعض دفاعاً عن حكومة نوري المالكي, ولكن الأسئلة التي تطرح نفسها بهذه المناسبة هي: هل احترم المالكي حقوق الإنسان في العراق؟ هل احترم الحريات العامة؟ هل رفض التجاوز الذي وقع ولمرتين متتاليتين على الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق؟ هل رفض وأدان الاعتداء على جميعة أشوربانيبال الثقافية؟ هل اتخذ موقفاً صارماً من تجاوزات كامل الزيدي رئيس مجلس محافظة بغداد المستمرة على الحرية الفرردية؟ هل حقق في من وجه النيران إلى صدور المتظاهرين في عدد من محافظات العراق؟ هل شجب ذلك وأدانه؟ هل وقف ضد فرض الفصل بين الذكور والإناث في الكليات والجامعات والمعاهد العراقية؟ هل تصدى لإلغاء تدريس الفنون الجميلة كالموسيقى والغناء والرقص والمسرح والرسم والنحت في معاهد وأكاديميات الفنون الجميلة؟ هل تخلى عن التعامل بعيداً عن الطائفية السياسية؟ هناك عشرات من الأسئلة التي ينبغي له أن يجيب عنها, عندها نعرف ما هي سياسة رئيس الوزراء الحالي, إنها سياسة كارثية حقاً إن تواصلت بالنهج الراهن!!
اعتقد إن الإجابة عن هذه الأسئلة بدقة وصواب هي التي تسمح لنا باتخاذ الموقف المناسب إزاء حكومة المالكي. الشعب يعيش غير ما يدعيه البعض من حرص حكومة المالكي على الحريات العامة, على الحرية الفردية والديمقراطية. إن على المالكي أن يغير من سياساته إن كان يريد ممارسة الحكم الرشيد وأن يستمع إلى صوت الشبيبة العراقية, ذكوراً وإناثاً, ليعرف ما تريد والسعي لاستبدال سياساته ومواقفه الراهنة بسياسات ومواقف أخرى وإلا عليه أن يتخلى عن منصبه قبل أن يتصاعد رفض الشعب له.
لا ينفع أن يقول بأنه لا يخشى المظاهرات, عليه أن يخشاها حقاً, فهي غرادة الشعب التي ترفض سياساته, رغم سلميتها ورغبة المشاركين فيها تغيير هذه السياسات غير السليمة.
لا يحمل المتظاهرون العراقيون السلاح ولا العصي ولا الحجارة ولا يمارسون العنف, بل يحملون يوم 25/2/2011 معهم غصن الزيتون وحمامة السلام والحب للوطن والشعب, ويحملون في قلوبهم وعقولهم حلم التحول صوب الديمقراطية والحرية والتنمية والتخلص من البطالة والفقر والحرمان والتمييز.
إن كل الناس الطيبين في العراق وخارجه سوف يقدمون التأييد لمظاهرات تطالب بممارسة مبادئ حقوق الإنسان وتوفير العمل ومكافحة الفقر وفي سبيل الديمقراطية والسير معه والمطالبة بالحريات العامة وبالعمل والخبز.         
إن من يحمل الهراوات والأسلحة في يوم 25/2/2011 فهو ليس سوى من تلك القوى التي تريد المساعدة على ضرب المظاهرة وتفليشها. ولهذا فلا بد من اليقظة والحذر من تغلغل من يريد الإساءة لمطالب الشعب المهنية والسياسية, سواء أكانوا من تنظيم القاعدة أو هيئة علماء المسلمين أو البعثيين الصداميين واتباع عزت الدوري, أم من البلطجية أو من أية جهة أخرى لا تريد تغيير واقع الحال وتريد تخريب النضال الشبابي والشعبي من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل والخبز والخدمات العامة. 
19/2/2011                      كاظم حبيب

383
كاظم حبيب
لماذا أؤيد وأدعو لمظاهرة 25 شباط/فبرار 2011
أحاول في هذه المقالة القصيرة أن أتطرق إلى مسألتين مهمتين, وهما:
المسالة الأولى: أويد المظاهرة الشبابية والشعبية التي يفترض    أن تنطلق يوم 25 شباط/ فبراير 2011 للأسباب التالية:
1.   التزام الحكومة الجديدة بالمحاصصة الطائفية التي ترفض التعامل مع الشعب العراقي على أساس المواطنة الحرة والكرامة الإنسانية بل تقوم على أساس الطائفة الدينية والحزب الديني الطائفي الذي ينتمي إليه الفرد, وبالتالي فالحكومة تميز بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق, وفي هذا خطر كبير يهدد النسيج الوطني للشعب العراقي ويفرط بمبدأ المواطنة المتساوية والحرة للإنسان العراقي, سواء أكان رجلاً أم امرأة, ومن أي قومية أو دين أو مذهب أو رأي كان.
2.   عدم قدرة الحكومة على التصدي الناجح للإرهاب رغم مرور ثماني سنوات على سقوط النظام وبروز العمليات الإرهابية في العراق والموت اليومي المتواصل لبنات وأبناء الشعب في مناطق مختلفة من العراق, وبسبب طائفيتها عجزت حتى الآن عن حل المعضلة في تسمية وزراء لوزارات ثلاث هي الأمن الوطني والداخلية والدفاع, وهو تجسد حي لغياب الثقة المتبادلة بين القوى والأحزاب الطائفية الفاعلة في الساحة السياسية العراقية.
3.   بسبب التفريط بأموال الشعب والمخصصات الهائلة التي تمنح دون وجه حق وتوزيع العقارات بدون أسس قويمة وقواعد ثابتة.
4.   غياب إسراتيجية تنمية وطنية وسياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية ديمقراطية واضحة تعبر عن مصالح الشعب وحاجاته الراهنة والمستقبلية.
5.   عدم التقدم في توفير الخدمات العامة لأبناء وبنات الشعب العراقي وخاصة الكهرباء والعناية الصحية والماء والنقل وتوفير المدارس والمعلمين والمدرسين والأساتذة لمختلف مراحل التعليم وتراجع المستوى التعليمي في كل المراحل, وتخلف البرامج التعليمية.. الخ.
6.   البطالة المكشوفة الواسعة جداً والبطالة المقنعة التي ترهق كاهل المجتمع والعائلات والأفراد والتي ترتبط عضوياً بغياب سياسة الحكومة التنموية والتصنيع وتحديث الزراعة ...الخ.
7.   استمرار وجود نسبة عالية جداً من السكان تحت خطر الفقر المعروف دولياً وغياب وضع نظام للدعم الأجتماعي في وقت تزداد فئة من القطط الصمان تخمة بالمال الحرام وعلى حساب مالية الشعب. والفجوة الدخلية آخذة بالاتساع.
8.   الفساد المالي والإداري المنتشر في كل جهاز الدولة بسلطاته الثلاث والتي اصبحت الرائحة العفنة تزكم أنوف العالم وليس العراق وحده واحتل العراق مركز الصدارة في هذا المجال مع اربع دول أخرى ومنها الصوما مثلاً.
9.   عدم قدرة الحكومة على حماية أتباع الديانات الأخرى في العراق واضطرار نسبة عالية منهم إلى مغادرة العراق وهي حالة احتج بسببها العالم كله على الحكومة العراقية, ولكن الحكومة لم تجد حتى الآن وسيلة للتصدي للقوى المجرمة التي لا تقتصر على قوى القاعدة بل قوى اخرى تشارك في هذه العملية الإجرامية.
10.   وأخيراً وليس آخراً واقع الشبيبة العراقية التي تواجه خطر البطالة والفراغ وغياب الحياة الثقافية والتسلية والتمتع بالحياة وتحريم الفنون الجميلة والتراجع حتى على ما كان قد مورس قبل سنتين أو ثلاث سنوات في العراق. والشبيبة هي الأكثر تضرراً من وجود نظام محاصصي يسعى إلى فرض معايير دينية لطائفة من المسلمين على الناس بالقوة ودون وجه حق, كما حصل في البصرة وبابل وبغداد وعدم اتخاذ الحكومة الاتحادية موقفاً صارماً من مجالس المحافظات بل جاء التأييد السريع لها من رئيس الوزراء الذي ادعى قبل ذاك الالتزم بمبدأ المواطنة والحرية الفردية والديمقراطية!
المسألة الثانية: علينا أن نتيقن بأن أي مظاهرة تحصل في العراق لا يمكن تجنب ثلاث مسائل, هي:
1.   مشاركة قوى سيئة تريد حرف وجهة المظاهرة وأهدافها, مثل رجال المخابرات البعثية السابقين أو مجموعة حارث الضاري أو ظافر العاني ومن لف لفهم.
2.   مشاركة قوى بلطجية تمثل جهات معينة في الحكومة وهي مدفوعة الأجر مسبقاً وهمها ممارسة العنف بهدف تخريب وتفريق المظاهرات والإساءة إليها.
3.   دور الحكومة في احتمال إرسال من يسعى إلى تخريبها, وللشعب في ذلك تجارب كثيرة منذ العام 1948 وللشعوب الأخرى تجارب مفيدة لنا جميعاً.
وهنا لا بد لي من الإشارة إلى ضرورة التمييز العقلاني والإنساني بين قوى البعث السابقة, إذ أكدنا أكثر من مرة لا يجوز رمي البعثيين كلهم في قدر واحد. فمن هو متهم بالقتل وارتكاب جرائم أخرى أو من يعمل مع القوى الإرهابية الصدامية وجماعة حارث الضاري يفترض أن يبعد عن المظاهرات الشعبية لأن له أهداف أخرى غير أهداف الشعب العادلة والمشروعة. ولكن لا يجوز إبعاد المواطنات والمواطنين ممن كان في حزب البعث إما لأسباب إنتهازية أو كان مجبراً على ذلك وتخلى عن ذلك ولم يعد سوى مواطن اعتيادي له الحق في ممارسة الحياة الطبيعية, إذ لا يجوز أن يلاحقه هذا الختم كما تريده طائفة من الكتاب العراقيين عن غير وجه حق. فهو يعاني كغيره من الفساد ونقص الكهرباء والتمييز ... الخ.
إن المظاهرة القادمة ستكون البداية لمظاهرات أخرى حتى يتغير الوضع لصالح الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان, لصالح الدولة المدنية والمجتمع المدني, لصالح احترام إرادة الإنسان ومكافحة البطالة والفساد والتمييز بين المواطنين وضد العمل الحكومي الفعلي بالهويات الفرعية القاتلة والتحول لصالح هوية المواطنة العراقية.
18/2/2011                  كاظم حبيب   
       

384
كاظم حبيب

الشبيبة العراقية تنفض الغبار عن نفسها... تتنفض ...

الشبيبة والشعب على موعد مع الخامس والعشرين من شهر شباط/فبراير 2011 في ساحة التحرير ببغداد. الشبيبة العراقية المحرومة والمغيبة والمطعونة من ظهرها تنفض الغبار عن نفسها.. تتحرك .. تنتفض .. ترفض الصمت, فقد أمضها الوجع اليومي, أمضها الجوع والبطالة والحرمان والفراغ القاتل, أمضها الصراع الطائفي المحتدم بين الحكام وأحزابهم الإسلامية السياسية, والقتل اليومي غير المنقطع للناس الأبرياء.. أوجعها أن تسلب أموال الشعب وعقاراته ودوره ويُهجَّر بالجملة داخل وخارج البلاد بهذه الطريقة الهمجية على أيدي إرهابيين وفاسدين يملأون أجهزة الدولة.
تجربة النضال السلمي للشبيبة والشعب في كل من تونس ومصر برهنت بما لا يقبل الشك بأن الشبيبة والشعب عموماً قادران على انتزاع حقوهما بالنضال السلمي ودون عنف وإراقة دماء من جانبها, وإذا ما استخدمت السلطة أجهزتها القمعية ونزف الدم, فأن انتفاضة الشعب تكون عارمة وتبقى سلمية لأنه الطريق الضامن لانتزاع الحقوق والحصول على تاييد الشعب كل الشعب وكذلك دعم وتأييد الشعوب الأخرى والمجتمع الدولي.
إن استخدام العنف والحرائق ليس من صنع الإنسان المتحضر رغم جوعه وحرمانه وعطالته, بل هي من أساليب المليشيات الطائفية المسلحة وقوى البعث الصدامية والبلطجية وفزى الإرهاب الأخرى التي يمكن أن تدفع بطائفة منهم الحكومات لتشويه المظاهرات والاحتجاجات السلمية, كما حصل في القاهرة وفي غيرها أثناء الانتفاضة الشعبية, أو كما حصل في واسط الذي كما يبدو أن هناك بعض المندسين الذي تسببوا في إشعار الحرائق والتدمير والسلب لكي يعطوا الذريعة لفوى الحكم مهاجمة المتظاهرين وتشويه سمعة المحتجين.
إن المطالب العادلة لكل فئات الشعب حين لا يستجاب لها من جانب الحكومات, عندها سيجد الحكام أنفسهم وجهاً لوجه أمام شعار : أرحل يا رئيس الوزراء كغاك تحكماً بكل الصلاحيات, إرحل أيها النظام المحاصصي الطائفي. وسوف لن تكف الجماهير عن النضال حتى الخلاص من النخبة الحاكمة التي لا تستجيب لإرادة الشعب وحاجاته.
يعبر السيد رئيس الوزراء عن جهل تام بعلمي السياسة والاقتصاد حين يقول بأن المطالب الشعبية ينبغي لها أن لا تسيَّس, وحين يتهم كل المحتجين بأن هناك قوى خارجية تحركهم أو قوى غريبة عن المجتمع العراقي. لقد نسى رئيس الوزراء أن السياسة والاقتصاد هما وجهان لعملة واحدة أحدهما يستكمل الآخر ويشترطه. السياسة والاقتصادية ليسا وجهان لعملة واحدة فحسب, بل ويعبران بوضوح كبير عن طبيعة السلطة القائمة وعن الأهداف التي تسعى إليها وعن القوى الطبقية التي تعمل من أجلها.
وحين يعاني الشعب من الجوع والحرمان والبطالة, وحين يعرف رئيس الوزراء أن جمهرة ممن هم حوله وحول الآخرين يمارسون شتى اشكال الفساد المالي واإداري والشهادات ولا يعاقبهم, بل يصدر قانوناً بالعفو عن مزوري الشهادات, فلا يكفي أن يتنازل رئيس الورزاء عن نصف راتبه ومن ثم عن 5 ملايين دينار عراقي, في حين أن المشكلة في مكان آخر اساساً في الموقف من الثروة الوطنية كلها, من السياسة الاقتصادية والعملية الاقتصادية ومن فئات الشعب التي يزيد تعدادها عن 90 % من السكان. هل يعتقد إن هؤلاء الناس أطفال يمكن خداعهم بتنازله عن جزء من راتبه في حين أن راتب رئيس الوزراء لا يشكل سوى جزء صغير من المخصصات التي تدفع له.
إن يوم 25/2/ 2011 هو البداية الفعلية لحركة شبابية وشعبية جماهيرية تتسع أسبوعاً بعد آخر, وسيرتفع سقف أهدافها كلما ماطلت الحكومة في الاستجابة لها أو إذا ما تعرضت لها بالحديد والنار بذريعة أن المظاهرة لم تحصل على إجازة من الحكومة.
إن المظاهرة سلمية وستبقة سلمية وحضارية لأنها تطالب بحقوق الشعب المشروعة بحقوق الفقراء والعاطلين عن العمل والمعوزين, بحقوق الإنسان, بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية, بوقف العمليات الإرهابية التي تقتل يومياً عشرات الناس من بنات وأبناء الشعب من جانب قوى إجرامية عديدة لم تستطع الحكومة "الموقرة" إنقاذ الشعب منها, ولا يدري الإنسان من هم هؤلاء الرعاع الذين يقتلون البشر ومن يجميهم في الداخل ويوفر لهم الغطاء لهم؟
لنجعل من يوم الخامس والعشرين من شهر شباط/فبراي 2011 يوماً مشهوداً في حياة الشعب العراقي والحكومة القائمة على أساس المحاصصة الطائفية المقيتة والمفرقة للصف الوطني, ليكون يوم الحراك الشعبي ويلقن الحكام درساً لا ينسى في القدرة على ممارسة المظاهرات السلمية القادرة على فرض نفسها وانتزاع مطالبها من الحكام الذين صعدوا إلى دست الحكم على ظهور الناس ثم ركلوهم وتنكروا لتلك الفئات الفقيرة والكادحة, لأن جيوبهم وبطونهم امتلأت بالأموال والكثير منهم بالمال الحرام, ولأن الكراسي التي يتربعون عليها أصبحت وثيرة ودافئة لا يريدون تركها. ولكن لنتذكر مصير صدام حسين وبن علي وحسني مبارك. فمن يسير على درب هؤلاء ستكون نتيجته كهؤلاء دون أدنى ريب.
18/1/2011                      كاظم حبيب                   
 

385
كاظم حبيب

كيف نساهم في تحقيق الانتصار لشعب إقليم كردستان العراق
كيف نكسر شوكة الأعداء..

بعد نشر لقائي الصحفي مع جريدة روزنامة الكردستانية وصلتني رسالة من صديق عزيز جاء فيها:
"قرأت اليوم في صحيفة (روزنامة) عنواناً عريضاً يقول د. كاظم حبيب الكاتب والسياسي العراقي: الوضع في الاقليم سائر نحو الانفراد بالسلطة واضعاف الديمقراطية، ومن العناوين الاخرى، لا توجد ديمقراطية حقيقية في اقليم كردستان، كانت هناك بعض المواقف لحكومة الاقليم ظهرت فيها الشدة كان من الممكن ان تكون لينة، واقتضى بعض المواقف الشدة لكنها كانت لينة.
هذه العناوين هي التي ابرزتها الصحيفة أما الاجوبة ففيها اشارات مضيئة وافكار جيدة..هذا ما وددت ان تعرفوه". رسالة رقيقة وغاية في المجاملة والأحترام الأخويين.
ثم قرأت مقالاً للأستاذ شيرزاد شيخاني يشير فيه إلى ابتعاده عن ممارسة النقد الذي كان يمارسه بقوة قبل ذاك بسبب الظروف الاستثنائية التي يمر بها الإقليم والأعداء الذين يحيطون به ويريدون إلحاق الأذى والضرر بكردستان. ويشير إلى أنه يرفض المزايدة عليه ومن حقه ذلك طبعاً.
فكرت في الإجابة المباشرة على رسلة الصديق الكريم, ولكني فضلت أن أوجه رسالة إلى كل من قرأ المقابلة الصحفية وللأستاذ الفاضل آزاد شيخاني, رغم أني لست ممن يسيء الظن به, إذ إن الواقع السياسي في العراق وكردستان يتحمل الكثير من وجهات النظر اتفاقاً أو اختلافاً, وليس في هذا أي ضير.
لا شك أن صحيفة روزنامة هي من الصحف المعارضة وهي تتمتع بحرية النشر ونشرت المقابلة الصحفية النقدية ولم يتعرض لها المسؤولون في إقليم كردستان, وهو أمر إيجابي. وكأي صحيفة معارضة تحاول أن تستفيد من إجابات معينة عن أسئلتها بما يناسبها لوضعها عناوين رئيسية بارزة للمقابلة. وهو أمر لا يمكنني الاعتراض عليه لأنه وارد في مقابلتي مع توضيح عن طبيعة العلاقات الاجتماعية في الإقليم وفي العراق التي من طبيعتها تقييد الحرية الفردية والديمقراطية.
حين قرأت رسالة صديق ومقالة الأستاذ أزاد شيخاني برزت أمامي كفلم سينمائي راهن تجربتي الذاتية التي أصبح عمرها الآن 62 عاماً منذ أن التحقت بالحركة الطلابية العراقية ومن ثم بالحزب الشيوعي العراقي, وبشكل خاص تجارب ممارسة النقد والنقد الذاتي.
تشير تجربتي الشخصية ومراقبتي لسير الأحداث بأن السكوت عن أخطاء الذات من جهة, والسكوت عن أخطاء الأصدقاء والحلفاء السياسيين الذين يهمنا انتصارهم وليس انكسارهم من جهة أخرى, يعتبر خطيئة كبرى ما بعدها خطيئة بحق الذات وبحق الأصدقاء والحلفاء السياسيين, إذ حين يصاب الإنسان ذاته بأذى أو الأصدقاء والحلفاء السياسيين نتيجة الأخطاء التي ارتكبوها, ستقول لنفسك سكت عن أخطائي ولم اكن جريئاً في نقدها, كما ستقول لإصدقائك والحلفاء السياسيين كنت أريد توجيه النقد لكم ولني لم افعل واشعر بالذنب, في حين كان الموقف السليم يتطلب توجيه الملاحظة النقدية لكي يصحح الاصدقاء والحلفاء  الخطأ ويتجنبوا الوقوع فيه ثانية.
أورد لكم نماذج من تجربتي الشخصية:
** حين كان الاتحاد السوفييتي يمارس سياسات داخلية بعيدة عن المبادئ الاشتراكية التي كان يبشر بها, كنا نرى ونحس ونعيش تلك الأخطاء بمرارة, وحين كان يرتكب أخطاء في علاقاته مع الدول العربية والدول النامية على الساحة السياسية الإقليمية أو الدولية, كان نرى ذلك بوضوح كبير, وحين كان يساهم في سباق التسلح افقليمي والدولي وكان نشعر بالخطأ الفادح لمثل هذه السياسة, كان لا نمارس النقد ولا نرفع صوت الرفض لتلك السياسات وكنا نقول لأنفسنا بأن هذا النقد سيضعف الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي في مواجهة الأعداء. وكانت النتيجة استمرار الأخطاء وتراكمها ومن ثم النخر الداخلي والإنهيار من الداخل على وجه الخصوص. في حين ربما كان في مقدورنا تعديل تلك السياسية لو بدأنا بنقدها ابتداءً, ولم نفعل وضعينا احتمال التغيير في سياسات تلك الدول.
** حين كان الحزب الشيوعي يتحالف مع قوى سياسية في العراق, سواء أكان مع حزب البعث العربي الاشتراكي أم مع قوى سياسية أخرى, كان يسكت عن أخطائها بسبب مشاركته في السلطة أو تحالفه مع قوى خارج السلطة, ارتكبنا بهذا الصدد أخطاءً لا يمكن قبولها وكان الأجدر بنا نقدها وعدم الرضوخ لها. وكانت النتيجة خراب البصرة!
سقط الاتحاد السوفييتي لأن غالبية الأحزاب الشيوعية, وليس كلها, وغالبية الشيوعيين في العالم, وليس كلهم, وكافة الدول التي كانت تستفيد من الاتحاد السوفييتي, سكتت عن مواقفه الخاطئة وسمحت للأخطاء بالتراكم ومن ثم تتحول إلى تناقضات حادة وصراعات سياسية محتدمة في الداخل  قادت إلى تلك النتيجة المرة في العام 1989 و1990. وهكذا كان الأمر مع الأحزاب التي كان التحالف أقيم التحالف معها, وكانت العواقب مريعة حقاً.
أعتبر نفسي صديقاً للشعب الكردي وحريصاً على انتصاره وبناء مستقبله المشرق وتعزيز فيدراليته وتعزيز مواقع القوى والأحزاب الكردستانية التي ناضلت طويلاً في سبيل حق الشعب الكردي في تقرير المصير والفيدرالية .. الخ, وصولاً إلى حقه في تقرير مصيره متى وجد ذلك ممكناً وضرورياً. وحين أرى جملة من الأخطاء, من وجهة نظري, تصاحب العملية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية الجارية في كردستان العراق, ولكن بجوار ذلك جملة من المنجزات القيمة وفي مقدمتها وجود الفيدرالية ذاتها والأمن السائد فيها والتوسع في مجالات البناء والتعمير وفي التعليم ...الخ, فلا يجوز لي أن أسكت عن الأخطاء وأبرَّز الجوانب الإيجابية وحدها, كما لا يجوز لي أن أبرًّز الأخطاء وأنسى الجوانب الإيجابية التي تحققت للشعب في كردستان.
إن الانتقاد لا يسيء إلى أحد ولا يؤذي أحداً بل هو مفيد حقاً إذ يمكن أن يجنب المسؤولين تكراره أو تكريسه ويساعدهم على تجاوزه. والسكوت عنه هو الذي يلحق الضرر بالمسؤولين انفسهم في حالة عدم التنبيه عنه من جانب الأصدقاء المخلصين للشعب الكردي.
لا يمكن أن تكون صديقاً لشخص أو شعب أو حزب إن لم تمارس النقد الإيجابي الذي يشخص الأخطاء ولكن لا يريد الإساءة إلى أحد. وهذا هو ديدني لا مع كردستان العزيزة ولا مع الشعب الكردي ولا مع الأصدقاء في الحكومة الكردستانية او الأحزاب التي ناضلت معها في ربوع وجبال كردستان, بل ومع نفسي. ومن قرأ كتاباتي في نقد الحزب الشيوعي العراقي, سيجد أن النقد قد وجهته أولاً لنفسي وقبل أن أوجهه للجنة المركزية أو المكتب السياسي, إذ كنت مشاركاً في رسم وتنفيذ سياسة الحزب خلال عقدي السبيعينات والثمانينات من القرن الماضي. وحين انتقدت الحزب الشيوعي الكردستاني, وهو حزب أعتز به وأقدر نضال رفاقي فيه, بل من منطلق الحرص عليه وعلى التجربة الكردستانية الفتية ومن أجل أن ينتبه لسياسته ومواقفه, إذ أن مجاراة الأخطاء أو نقدها داخلياً ومع الأحزاب الحليفة ليس نافعاً باستمرار, بل لا بد من إشعار المجتمع بأن الحزب الشيوعي الكردستاني يمارس النقد من منطلق الحرص على التحالف وعلى كردستان والشعب الكردستاني.
منذ سنوات حين شعرت بوجود خلل في بعض جوانب إعلام الاتحاد الوطني الكردستاني, حسب تقديري, وجهت رسالة إلى الأخ الأستاذ جلال الطالباني والمكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني, ولم يكن في حينها رئيساً للجمهورية, أوضحت فيها رأيي الشخصي بواقع إعلام الاتحاد الوطني حينذاك وضرورة تحسينه, فما كان من أمين عام الحزب الأستاذ الطالباني إلا أن طلب تعميم تلك الرسالة على وسائل إعلام الاتحاد الوطني الكردستاني وتنظيماته. وكان موقفه سليماً وواضحاً, إذ عرف جيداً أني لا أريد الإيذاء بل تجاوز الخلل القائم.
وحين شعرت قبل ثلاث سنوات تقريباً بضرورة توجيه رسالة خاصة إلى السيد رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني عن أوضاع الإقليم وعن رؤيتي المتواضعة لها, لم أتردد في الكتابة وتوجيه الرسالة إلى جنابه الكريم دون أن أقوم بنشرها لإنها كانت موجهة له شخصياً.
كان وسيبقى إقليم كردستان ولسنوات طويلة قادمة محاطا بالأعداء من كل زاوية, خاصة بعد أن حقق جزءاً أساسياً مما يطمح له الشعب الكردي, وأعني بذلك إقامة فيدراليته منذ العام 1992. وبالتالي فأن تعزيز التجربة وإغنائها دوماً وبناء المجتمع المدني الديمقراطي وإطلاق الحرية الفردية والحريات الديمقراطية مع مكافحة البطالة والبطالة المقنعة والفقر عبر تسريع عملية التنمية وبناء البنية التحتية وإنشاء الصناعة الوطنية وتحديث وتنويع الزراعة والسعي لتوفير الأمن الغذائي وكسب الناس إلى صف الحكومة من جهة ثانية, هما اللذان يساهمان في تعزيز القدرة الفعلية للشعب الكردستاني والإقليم على مواجهة الأعداء والانتصار عليهم داخلياً, وليس من خلال السكوت عن الأخطاء التي ترتكب.
حين أوجه النقد وأشير إلى الخطأ أدرك جيداً بأن طائفة من المسؤولين سوف لن ترتاح لهذا النقد لأنه يمسها مباشرة, والبعض الآخر يجده مناسباً له لأنه يريد استخدامه لصالحه ودعماً لمواقفه ضد مواقف الحكومة. إلا إن هناك من يراه ضرورياً سواء أكان في صف الأحزاب الحاكمة أو خارجها. لا استطيع أن ألغي لا هذا ولا ذاك ولا غيره. ولكن ليس هذا هدفي, بل هدفي هو الإسهام, كما أرى, في تعديل المسار الذي ارى ضرورة تطويره في الجوانب التي أشرت إليها. ولكني لا أمتلك الحقيقة كلها ولا الحق في الإدعاء بصواب ملاحظاتي, ولكن هذا هو اجتهادي الشخصي الذي يحتمل الصواب والخطأ. 
أقول لكل الأصدقاء وللصديق الأكرم الذي كتب لي السطور الطيبة السابقة بكل صراحة وصدق بأني أعتز جداً وأتشرف بمشاركتي المتواضعة مع جمهرة غير قليلة من العرب, من شيوعيين وديمقراطيين وتقدميين ومستقلين, وبمختلف السبل, في النضال من أجل حصول الشعب الكردي على حقه الأساسي في تقرير المصير وإقامة فيدراليته في إطار الدولة العراقية التي نعمل من أجل أن تكون دولة مدنية ديمقراطية اتحادية حرة. وإن النقد الذي أمارسه يهدف إلى تعزيز هذه الفيدرالية وتطويرها وتقدمها المستمر, فهي صمام أمان للعراق كله.
17/2/2011                      كاظم حبيب                   
     
 

386
كاظم حبيب

ستخيب أوهامكم يا حكام الجزائر.. لا.. لن تستطيعوا اغتصاب إرادة الشعب!

مر الآن 49 عاماً على انتصار الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي منذ أن أُعلن استقلال البلاد عن فرنسا وتشكيل حكومة وطنية. وما أن بدأت الحكومة الفتية بتنفيذ بعض الإجراءات التقدمية والديمقراطية لصالح الفئات الكادحة والفقيرة التي كانت دوماً وقوداً للثورة وكانت تعاني من الملاحقة والاعتقال والتعذيب على أيدي جنود الارتزاق والقمع الفرنسيين حتى نفذت الأوساط اليمينية في حزب جبهة التحرير الجزائرية انقلابها في العام 1965 ضد حكومة أحمد بن بلا الذي قاده العقيد هواري بومدين. ومنذ ذلك الحين تعطلت عملية التنمية الفعلية والمسيرة التقدمية في البلاد وبدأ الشعب الجزائري بأغلبيته يعاني من تفاقم البطالة والفقر والفاقة سنة بعد أخرى, إضافة إلى تدهور تدريجي لمنشآت الصناعة التحويلية التي كانت موجودة في فترة الاستعمار الفرنسي, كما تراجع قطاع الزراعة ومؤسسات التسيير الذاتي وتدهور إنتاجها الزراعي وهجر المزيد من الفلاحين الريف والزراعة صوب المدينة. وفي الوقت نفسه تزايد حجم استخراج وتصدير النفط الخام والغاز الطبيعي واستخدام مواردهما المالية للتعويض عن تراجع الإنتاج والدخل في القطاعات الاقتصادية الأخرى ومن أجل توجيه المزيد من الأمول لاستيراد كافة السلع الاستهلاكية والكثير من الخدمات من الدول المتقدمة. فلم يعد هناك أي تطور ملموس في القطاعات الإنتاجية والقطاع الوحيد المتطور والمتسع في الإنتاج هو النفط الخام والغاز الطبيعي. لقد حرم الاقتصاد الوطني الجزائري من عملية التراكم الرأسمالي وبناء صناعة وطنية وتحديث وتنشيط الزراعة, سواء أكان ذلك في القطاعين الخاص أم الحكومي. 
تشير التقارير الرسمية إلى أن البطالة في الجزائر بلغت في العام 2010 حوالي 9,9%. ولكن الواقع الفعلي يشير إلى أرقام أخرى مخيفة حقاًً, إذ بلغت البطالة في العام المذكور بحدود 50% من القوى القادرة على العمل وحوالى 80% من الشباب الراغب في العمل, علماً بأن الشباب يشكلون نسبة عالية جداً من السكان. (راجع برلينر تسايتونغ في 14/2/2011). وإن هتاك نسبة عالية من الشباب الخريج من حملة الشهادات الجامعية والعالية التي دخلت منذ سنوات في صفوف جيش العاطلين المتعاظم عدداً ويومياً.
وإذا قدر معدل حصة الفرد الواحد من الناتج المحلي الإجمالي 7440 دولاراً في العام 2010, وهو مبلغ جيد بالقياس إلى دول نامية أخرى لا تمتلك النفط الخام والغاز الطبيعي, فأن معدل حصة الفرد الواحد في العام 2010 خادع ولا يعبر عن حقيقة التوزيع وإعادة التوزيع غير العادلين والاستخدام السيء للدخل القومي السنوي في الجزائر. فهناك الملايين الفقيرة جداً التي ينخفض دخلها اليومي عن خط الفقر الدولي المحدد للدول النامية, كما أن هناك مجموعة من كبار الموظفين والعسكريين والمقاولين وسماسرة العقار والمتعاملين باستيراد الأسلحة والتجهيزات السلعية والمتعاملين بعقود النفط الخام والغاز الطبيعي الذين يغتنون دوماً ويكدسون الثروات في بنوك خارج الجزائر. تؤكد المعطيات المتوفرة إلى أن الدولة الجزائرية قد صنفت وفق مؤشر الفساد( CPI )  في المركز105  من أصل178  دولة شملها التقرير, رغم تسجيل الجزائر تحسنًا نسبيًا بإحرازها2.9  على10  بالمقارنة مع (2.8) المركز (111) في العام 2009، إذ ما تزال البلاد مصنفة ضمن البلدان الأكثر فسادًا في العالم. وهو صحيح جداً ويطابق الواقع السائد في الجزائر.
إن الأمر الأكثر بشاعة, إلى جانب البطالة والفقر ونقص الخدمات وتراجع مستوى الخدمات الصحية والتعليمية في صفوف الشباب والشعب الجزائري والفساد في كيان الدولة الجزائرية, يبرز في تفاقم دور الدولة البوليسية والأمنية في قمع المجتمع والتاثير السلبي على نوعية حياة الإنسان اليومية وحياة المجتمع بشكل عام, في حين أن الشعب الجزائري, كبقية شعوب العالم, من عشاق الحرية والحياة الديمقراطية والكرامة.
إن الجزائر تشكل اليوم دولة ريعية استهلاكية مكشوفة على الخارج تماماً, لا تنتج غير النفط الخام والغاز الطبيعي تقريباً وتمارس التصدير وتستهلك موارد النفط الخام والغاز على القطاعات الاستهلاكية غير الإنتاجية وعلى جهاز الدولة والأمن والفساد. ويتشكل المجتمع في الجزائر من فئة البرجوازية البيروقراطية العاملة في أجهزة الدولة المدنية وفي القوات المسلحة, وفئة البرجوازية المقاولة والعقارية وتلك المتعاملة في السوق التجاري والسارقة للقطاع العام من الباطن, وفئة واسعة من المثقفغين والمتعلمين, وأغلبهم عاطل عن العمل, وغياب البرجوازية الصناعية المتوسطة, كما إن الطبقة العاملة ضعيفة ومحرومة من الكثير من الحقوق المشروعة. ولكن الفئات الأكثر اتساعاً في المجتمع الجزائري هم اشباه البروليتاريا وسكان الدور القصديرية والمهاجرون من الريف والعاطلون عن العمل والراغبون في العمل دون جدوى.
يضاف إلى  كل ذلك التمييز الفعلي الذي تمارسه الحكومة الجزائرية إزاء القومية الكبرى في الجزائر, أي القومية الأمازيغية, التي تشكل النسبة العظمى من السكان والذين يحاول النظام اعتبار الكثير منهم عرباً. فهؤلاء محرومون من حقوقهم في الدولة الجزائرية وفي الإدارة والثقافة ولا تعتبر لغتهم اللغة الأساسية الثانية في الجزائر ويجري التركيز على اللغة العربية مما يثير الشعب الأمازيغي .
وبهذه السياسة تثير الحكومة الجزائرية الخلاف والصراع في المجتمع بين الأمازيغ المستعربين والقلة من أصل عربي, والأكثرية السكانية التي تؤكد أمازيغيتها وترفض اعتبارها من القومية العرببة. وهي نقطة احتكاك خلقها النظام بسياساته الشوفينية وكذلك القوى القومية اليمينية والشوفينية الجزائرية وتلك التي في الدول العربية, ومنها القوى  القومية التي تصدر بياناً سنوياً باسم "الأمة العربية" والتي مقرها الرئيسي ببيروت.
إن المظاهرات التي تعلن بين فترة وأخرى في صفوف الأمازيغ لا تقتصر عليهم بل هناك الكثير من المتظاهرين الذين يشاركون الأمازيغ لأن شبيبة الجزائر كلها تعاني من البطالة والفقر وغياب الحريات العامة وتسلط أجهزة الأمن والشرطة على الشعب. وهم يدركون أن استمرار هذه السياسة يمكن أن يساهم في تنامي النزعة الإسلامية السياسية المتطرفة ثانية كما حصلت في نهاية العقد التاسع وبداية العقد الأخير من القرن العشرين والضحايا الهائلة التي سقطت في تلك الأحداث والتي بلغ عدد القتلى أكثر من مئة ألف إنسان.
لا يمكن للنظام الجزائري ورئيسه عبد العزيز بو تفليقة أن يفلت من غضب الشعب الجزائري, وخاصة بين صفوف شبيبتها التي تعاني الأمرين ويشتد السخط على أجهزة القمع الجزائرية ومن تعاملها الشرس مع المتظاهرين ومع المعتقلين والمسجونين.
لنرفع مع الشعب الجزائري صوت الاحتجاج ضد سياسات الحكومة الجزائرية وأجهزتها القمعية وضد الفساد المستشري في الجزائر.
لنرفع صوت التضامن مع شبيبة وشعب الجزائر في نضالهم من اجل عملية تغيير النظام القمعي في الجزائر ولصالح بناء مجتمع مدني وديمقراطي حديث.       
16/2/2011                      كاظم حبيب
   

387
لقاء صحفي بين كاظم حبيب وجريدة روزنامة الكردستانية

الى السيد كاضم جبيب المحترم، بعد السلام، أنا هستيار قادر عضو هيئة تحرير جريدة (روزنامة) الكردية، بداية أود أن أشكرك لقبول أجراء هذة المقابلة معك و نثمن جهودك الطويلة و الشاقة في طريق الحرية و العدالة و الديمقراطية في العراق، أسئلتنا الخاصة بهذة المقابلة تتمحور حول الوضع في العراق بصورة عامة و في أقليم كردستان بصورة خاصة.
 الاسئلة:
1-   العملية سياسية في العراق قد مرت بعدة مراحل مهمة بعد 2003  ماهى توقعاتك بمستقبل عملية السياسية ؟ هل العراق يتجه نحو ديمقراطية مدنية أم ديمقراطية التوافقية أم دكتاتورية من نوع الجديد؟
ج 1: لم تكن ولادة العراق الجديد طبيعية بل كانت عبر عملية قيصرية معقدة وخارجية غير آمنة وغير محسوبة العواقب. وهو ما يعيشه العراق في المرحلة الراهنة. ولعبت الولايات المتحدة الأمريكية دوراً كبيراً في إبعاد القوى والأحزاب والشخصيات الديمقراطية عن حكم البلاد وسلمت الحكم بيد الأحزاب الإسلامية السياسية, إضافة إلى الأحزاب الكردية التي لم يكن موقعها في الحكم الجديد قوياً, بل كانت الهيمنة بيد القوى الدينية. ومع حصول الكرد على فرصة تعزيز الفيدرالية في الدستور الأخير, إلا أن العراق لم تتحقق فيه الحرية والديمقراطية التي تساعد على الدفع باتجاه الأخذ بمبدأ المواطنة أو الدفع باتجاه إقامة المجتمع المدني الديمقراطي.
لم يمر العراق بمراحل عديدة منذ العام 2003, بل هي, وكما أرى, مرحلة واحدة تميزت بوجود الاحتلال وبتفاقم الإرهاب الدموي لقوى الإسلام السياسية المتطرفة, ثم وقعت الاتفاقيثة الأمنية ولا تزال القوات الأجنبية موجودة مع استمرار الإرهاب بمستوى أقل من السابق, ولكنه لا يزال موجوداً وفاعلاً. وخلال الفترة هذه تعززت مواقع القوى الإسلامية السياسية في حكم البلاد وأصبحت مهيمنة على الواقع العراقي وتدفع باتجاه الخيمة الفكرية والسياسية الواحدة على صعيد القسم العربي من العراق وانفراد الحزبين الحاكمين في كردستان بالسلطة أيضاً. وهو الأمر الذي يميز الوضع الراهن. وما مشاركة الحزب الشيوعي الكردستاني بوزير واحد إلا مسألة شكلية لا تغير من حقيقة الأمر وتحمل هذا الحزب, الذي فقد الكثير من مواقعه في المجتمع الكردستاني بسبب سياساته المهادنة وغير النقدية العلنية, مسؤوليات لا تتناغم مع دوره في الحياة العامة أو في الحكم, وخاصة بعد أن أصبح وزير الثقافة الناطق الرسمي باسم الحكومة, في حين ترك الحزبان الرئيسيان في الحكم مهمة الناطق الرسمي لحزب يلعب دوراً هامشياً في الحكم. أنا حزين لهذا الدور وأبديت رأيي المتواضع بهذا الصدد إلى رفاق النضال الطويل والأصدقاء في الحزب الشيوعي الكردستاني. 
العراق, وكذا الإقليم, لا يسيران صوب المزيد من اللامركزية في الحكم والديمقراطية والحرية الفردية, بل يمكن القول بثقة بأن وجهة التطور الراهنة تشير إلى السير نحو التشدد في المركزية والانفراد بالسلطة وإضعاف الديمقراطية وغياب المجتمع المدني, إذ لا يمكن أن ينمو المجتمع المدني في دولة أو إقليم تغيب عنه البرجوازية الصناعية والطبقة العاملة وتسود فيه العشائرية والعلاقات القبلية وتلعب المؤسسة الدينية دورها البارز ف سياسة الدولة وأقل من ذلك بكثير في الإقليم, وهو أمر مهم جداً.
لا يمكن أن ينتقل العراق من الدكتاتورية الغاشمة إلى نظام لا يتسم ولا يلتزم بالحرية الفردية وبالحياة الديمقراطية والفصل بين السلطات الثلاث وفصل الدين عن الدولة والحرية التامة للصحافة ونشر الرأي والرأي الآخر والتنظيم والحق في الاحتجاج والإضراب والتظاهر. إذ أن هذا يقود إلى دكتاتورية من نوع آخر لا يمكن أن تستمر في ظل التحولات الجارية على صعيد المنطقة والعالم. وما حصل في تونس وما يحصل في مصر يمكن أن يقع في كل لحظة في العراق أيضاً وعلى المسؤولين جميعاً أن يدركوا حقيقة ذلك وأن أجهزة الأمن لا يمكن أن تقف بوجه الإصلاح الجذري للنظام السياسي في العراق وفي الإقليم. الحركة الشعبية في تونس ومصر بدأت تكنس كل ذلك, وأن اختلف المشهدان.
     
2-   موقع الكرد في العراق الجديد موضع اهتمام الأوساط السياسية  و الاعلامية. وهنالك من يرى ان موقع الكرد من حيث عدد نوابهم في برلمان و قوتهم في العملية السياسية سنة بعد سنة يتراجع ؟ مارأيك في هذة التوجه؟  اى خطوة لم تعملها القيادة السياسية الكردية بعد 2003 و كان لابد من فعلها لترسيخ دورها فى العراق من جهة وضمان حقها داخل العراق الفيدرالي؟
ج 2: كان للكرد والجبهة الكردستانية دورهما الملموس قبل سقوط النظام الدكتاتوري وفي إطار العمل السياسي لإسقاطه. وكان بالإمكان تعزيز هذا الدور قبل وبعد السقوط لو توجهت القيادة الكردستانية إلى تعزيز القوى الديمقراطية والتقدمية في كردستان والحفاظ على الجبهة الكردستانية لا حلها بعد أن اعتقدت بأن دورها قد انتهى وحققت سيادة الحزبين على الوضع في كردستان العراق, فانتفى الاهتمام بالجبهة. وهذا ينطبق على مجمل الوضع في العراق, إذ أن القيادة الكردستانية اهتمت بالتحالف مع القوى الإسلامية الشيعية وأهملت كلية القوى الديمقراطية والتقدمية, حتى القوى التي كانت تؤيد القضية الكردية دون أن تكون مرتبطة بالأحزاب السياسية اُهملت إهمالاً خطيراً. وهذا يعبر عن عدم الإصالة في الموقف من التحالفات الذي تعتمده الأحزاب السياسية العراقية, ومنها الأحزاب الكردستانية في الإقليم.
إن الكرد جميعاً يدركون بأن حليفهم الأساسي والطويل الأمد هي القوى الديمقراطية والتقدمية العراقية التي تعترف لهم من حيث المبدأ والواقع بحق تقرير المصير, في حين أن موقف القوى الإسلامية السياسية من الحكم الفيدرالي وحق تقرير المصير تكتيكي لا غير, وهو ما تؤكده أوضاع إيران وتركيا أو حتى قوى إسلامية سياسية عراقية.
كان على الأخوة الكرد في القيادتين السياسيتين للحزبين الحاكمين, مع واقع غياب النسوة عن القيادات, أن ينتبهوا إلى هذه الحقيقة لكي يستطيعوا أن يعززوا مواقفهم ومواقعهم بتأييد القوى الديمقراطية والتقدمية العربية لا أن يضعفوها, وبالتالي يضعفوا مواقفهم ومواقعهم. إن الدعم لا يأتي عبر المال, بل عبر المواقف المبدئية والسياسية الملموسة.
لا تزال القوى الكردستانية تلعب دورها في الحكم الاتحادي ويمكنها أن تقف ضد محاولات تحويل العراق إلى دولة دينية, ولكنها لا تعمل بما فيه الكفاية في هذا المجال, وخير دليل على ذلك انها لم تحتج على مصادرة الحريات الفردية في البصرة وبغداد وبابل بل سكتت عليها كلية, عدا حركة المثقفين الكرد المهمة والممتازة في الاحتجاج على العدوان الشرس ضد اتحاد الأدباء والكتاب في العراق. وأخيراً صدر بيان غير كاف عن رئيس الجمهورية بصدد الحرية الفردية, وهو أقل من اضعف الإيمان.
إقليم كردستان العراق محاط بقوى غير صديقة, إن لم نقل عدوة, ومن كل الجهات, بما في ذلك قوى في الحكم وخارجه في العراق. وهي لهذا بحاجة ماسة على المدى المتوسط والمدى البعيد إلى التحالف المتين مع قوى ديمقراطية وتقدمية عراقية أمينة على المبادئ الديمقراطية. وعلى أهمية دور التحالف الدولي, فأن العلاقات بين الدول تقوم على المصالح وليس على حب عيون الآخرين أو على غيرها وحالما تتبدل المصالح تُستبدل التحالفات أيضاً.   

3-   هنالك من يرى أن هنالك ديمقراطيتين متباينيتن في العراق اولهما ديمقراطية مركزية و ديموقراطية تمارس في اقليم كردستان ايهما يقوى الأخر ؟ عمل بهيئة النزاهة والقائمة المفتوحة و مسائلة الوزراء في بغداد وهي غير موجودة في الإقليم مما يدل أن اقليم في بعض الجوانب يجب أن يسعى الى محاكات التجربة في المركز مارأيك؟
ج 3: لو أردت أن أكون صريحاً وواضحاً جداً معكم, ويفترض أن أكون كذلك, لقلت لكم أن ليس في العراق ولا في إقليم كردستان ديمقراطية حقيقية, كما أن الأحزاب السياسية في العراق كله لا تتميز بالديمقراطية الضرورية في العلاقات في ما بينها أو مع أعضائها, وهو أمر معروف, إذ أن النظام السياسي يؤثر على مجمل البناء الفوقي وطبيعته واتجاهات نشاطه, إذ أن الديمقراطية مرتبطة عضوياً بالمجتمع المدني وبالنظام السياسي وليس في العراق وإقليم كردستان مجتمع مدني ديمقراطي ولا نظام سياسي يستند إلى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية بشكل مناسب. وهذا الواقع ناشئ عن العقود المنصرمة حيث ضربت بقسوة بدايات تكوين المجتمع المدني في العراق من قبل النظم التي أسقطت الحكومة الملكية وحكومة الجمهورية الأولى, وخاصة النظم البعثية والقومية الشوفينية والاستبدادية.
ولهذا فأن المهمات الملقاة على عاتق الجميع تتجلى في العمل في العراق والإقليم من اجل تغيير بنية الاقتصاد وبنية المجتمع وكذلك الوعي الاجتماعي, أي أن نمارس عملية تنمية اقتصادية وبشرية وتثقيف واسع النطاق لتغيير الاقتصاد والإنسان في آن واحد, وهو الطريق الوحيد لتغيير بنية الدولة والإقليم أولاً, وتنامي النضال من أجل الحرية الفردية وحقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة الغائبة عن مجتمعنا في العراق وفي الإقليم ثانياً. لاحظ الفجوة المتسعة في مدخولات الأفراد الشهرية والسنوية, ستجد هناك نخبة متخمة وغالبية جائعة أو فقيرة والفساد يغذي ذلك باستمرار.     
4-    بروز القوى المعارضة في أقليم  كردستان ماذا سيكون وقعها على العملية السياسية في الإقليم؟ هل هنالك معاملة صحية بين المعارضة والسلطة في أقليم؟
ج 4: لا تستقيم النظم الديمقراطية في أي بلد من البلدان إلا بوجود معارضة سياسية ناضجة وموضوعية وواثقة من نفسها, معارضة قادرة أن تشكل البديل للحزب أو الأحزاب الحاكمة على وفق البرنامج السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي والعدالة الاجتماعية الذي تقدمه. وبالتالي يفترض على المعارضة السياسية أن تتسم هي الأخرى بالديمقراطية ولا تطلب من الحكومة وحدها أن تكون ديمقراطية وأن تمارس الأساليب الديمقراطية والسلمية في مواجهة سياسات الحكم على مستوى العراق أو الإقليم.
ليست لدينا تقاليد في معارضة ديمقراطية في الحكم. وهي ظاهرة جديدة, إذ كانت النظم السابقة تضرب المعارضة وتضعها خلف قضبان السجون. إن وجود قوى معارضة على صعيد العراق وعلى صعيد إقليم كردستان ظاهرة إيجابية وأن كانت غير متبلورة جيداً, خاصة وأن المعارضة برزت من ضلع الأحزاب الحاكمة, ولكنها تبقى مسألة إيجابية وضرورية, سواء أكانت ممثلة في المجالس النيابية أم غير ممثلة. المعارضة الجادة والموضوعية والبناءة تعتبر كالنور الذي يضيء درب الحاكمين. ولا يمكن ان تكون للمعارضة مصداقية أن مارست ذات السياسات والمواقف التي تنتقدها لدى الحكم, أو وجد فيها من يساهم في الفساد المالي والإداري أو يمارس المحسوبية والمنسوبية أو لا يتسجيب لإرادة الشعب في مواقفه وسياساته وإجراءاته.
     
5-   في الآونة الاخيرة برزت موجة من الانتقادات والمظاهرات وسلسسلة من الدعاوى القضائية ضد الصحفيين في أقليم كردستان ؟ هل هذة الخطوات يمكن ان نعتبرها نوع من الصراع بين دعاة الحرية و دعاة الحد منها أم هي سنة طبيعية لتطوير الديمقراطية في اقليم كردستان. 
ج 5: من حيث المبدأ عليَّ أن أوكد أهمية وضرورة الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية, وأن أي تشابك بين هذه السلطات يكون في غير صالح الحياة الديمقراطية وحرية الصحافة والأفراد. ولا بد من أن يتمتع الصحفيون بالحرية التامة في التعبير عن مشكلات المجتمع وحاجاته ولا يجوز تقديم الصحفيين إلى المحاكم بسبب ما يكتبونه عن أوضاع الحكم والحكومة ومن يشارك في الشأن العام. ولا بد ان يضمن قانون الصحافة هذه الحرية.
ومن الجانب الثاني لا بد للصحفيين أن يتجنبوا نشر معلومات خاطئة أو التعرض للقضايا الشخصية التي لا ترتبط بالشأن العام أو التي تسيء إلى سمعة الناس دون أن تتوفر لديهم الوثائق التي يمكن إبرازها في حالة توجيه الاتهامات في ما يكتبونه.
من الخطأ الفادح أن تلجأ الحكومات إلى إقامة الدعاوى على الصحفيين لأبسط القضايا التي تعتبرها تجاوزا عليها, في حين انها ترتكب الكثير من التجاوزات على المجتمع دون أن يستطيع المجتمع نقدها أو إقامة الدعاوى ضدها.
إن التجربة الكردستانية لا تزال فتية في هذا الصدد وتحتاج إلى تكريس ولكن على نقابة الصحفيين أن تلعب دورها في مواجهة الحكومة في إقامة الدعاوى ضد الصحفيين او التجاوز على الصحفيين خارج إطار القانون أو إنزال عقوبات غير معهودة وفرض غرامات خيالية ضد الصحفيين والصحف ثم تعفي عنهم وكأنها تمارس فضلاً على هؤلاء الصحفيين في حين أن الأصل في الأمر أن لا تقام الدعاوى إلا إذا مست شيئاً يقر القانون فيه إقامة الدعاوى على الصحفيين وبحدود القانون وبعيداً عن تاثير الحكومة أو رئاسة الدولة أو الإقليم.   
6-   في عملية تشكيل الحكومة العراقية و اعادة نورى المالكى الى رئاسة الحكومة أبرمت القيادة السياسية الكردية نوعاً من الاتفاق على تنفيذ مطالب الكرد و خاصة تنفيد المادة 140, هل تتوقع من المالكى تنفيد المادة ام يعمل على سياسيةالمماطلة في تنفيد هذة المادة لارضاء بعض القوى السنية؟ ماهي بدائل الكرد برايك في حال عدم وفاء المالكى بوعوده؟
ج 6: ليست لدي القناعة بأن المالكي سيلتزم بتنفيذ مضمون هذه المادة لا ترضية للسنة وحدهم, بل وللكثير من الشيعة ولنفسه بالذات. كما لا اعتقد بأنه سينفذ شيئاً من البرنامج الحكومي الذي قدمه بصيغة عامة, فهي حكومة ضعيفة ومهلهلة وغير قادرة على تنفيذ المهمات, إضافة إلى كونها حكومة متصارعة في اتجاهاتها وبرامجها السياسية والطائفية والأثنية. لقد تنازل عن الكثير في سبيل أن يصبح رئيساً للوزراء وخاصة للتيار الصدري, وهي خطيئة كبرى أضعفته أمام المجتمع والعالم.
لا بد من خلق دولة ديمقراطية في العراق, وهو الأمر الغائب حالياً, عندها يمكن حل جميع المعضلات الراهنة, بما في ذلك المادة 140 من الدستور.
 
7-   رأينا أن عدداً من المشمولين بقانون اجتثاث البعث رجعوا الى السلطة هل ترى مخاوف في هذة الخطوة؟ هنالك من يرى ان حزب البعث خرج من الباب وربما يرجع من الشباك بهذه الطريقة و يعطى شرعية السياسية  والدستورية لعودته مارأيك؟
ج 7: أنا لست من مؤيدي قانون اجتثاث البعث, فهو قانون لا يختلف عن قوانين صدام حسين التي تحاول فرض الخيمة الواحدة على الناس أو السياسة التي تمارسها قوى الإسلام السياسية التي تريد فرض الخيمة الإسلامية على رؤوس كل الناس في العراق. وهو أمر غير مقبول وغير ممكن.
القوى التي كانت في حزب البعث ليست كلها واحدة, بل متنوعة, فيها القتلة الكبار وفيها المنفذون لتلك السياسات القاتلة, وفيها المجبرون على ولوج البعث حينذاك وفيها الانتهازيون أيضاً. وعلينا التمييز بين هذه القوى لا رميها في قدرٍ واحد, إذ ليس في هذا مصلحة للعراق وتطوره.
لقد مارست قوى الإسلام السياسية وبعض المراجع الدينية, مثل كاظم الحسيني الحائري, سياسة بائسة واستبدادية ضد كل البعثيين دون استثناء في وقت قبلت ميليشيات جيش المهدي وفيلق بدر مثلاً الكثير من البعثيين في صفوفها على اساس أنهم "توابون", أي أعطوا البراءة السيئة الصيت.
لا يمكن حرمان كل البعثيين من العمل السياسي والحياة الطبيعية ولا يجوز ذلك, ولكن لا يجوز السكوت عن القتلة والمجرمين منهم أيضاً, ولا يجوز وضع من يشكل أداة بيد قوى البعث الصدامية التي لا تزال تحمل السلاح في مواقع المسؤولية. وهذا ما يفترض تجنبه في المرحلة الراهنة  وفي المستقبل.
     
8-   انت كنت من االمثقفين و السياسيين المعارضين البارزين و المقربين من الكرد, الا ترى أن القيادة السياسية الكردية في أغلب الاحيان ما زالت تتعامل بثقافة معارضة ثورية في تعاملها مع الحكومة المركزية و قوى المعارضة داخل الاقليم بدلا من المعارضة السياسية الفعلية والمدنية المبنية على الحوار والثقة المتبادلة ؟
ج 8: لا يخفى عليكم بأني كنت من المناضلين العراقيين الذين شاركوا في النضال من اجل الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان وحق تقرير المصير للشعب الكردي. كان ذلك في إطار الحزب الشيوعي العراقي وسياسته الصائبة في هذا المجال. وكنت مناضلاً لأكثر من اربع سنوات في صفوف حركة الأنصار الشيوعيين في إقليم كردستان العراق. وقفت إلى جانب القضايا العادلة للشعب الكردي وشجبت بحيوية عمليات ومجازر الأنفال وحلبچة وغيرها وكتبت الكثير عن ذلك. كل هذه المواقف كانت تنبع من موقفي المبدئي إزاء حق الشعوب في تقرير مصيرها وحق العراق في دولة ديمقراطية اتحادية حرة وحق الشعب الكردي في تقرير مصيره بنفسه. وقفت إلى جانب السياسات الصائبة التي مارستها حكومة إقليم كردستان وانتقدت سياساتها التي اعتبرتها خاطئة ومنها الموقف من حرية الصحافة او المسألة الاقتصادية أو الفساد السائد في العراق وفي الإقليم أيضاً, كما انتقدت هيمنة الحزبين الحاكمين على مسيرة الحكومة.
إذن قربي من الكرد كشعب لا يغير من موقفي النقدي البناء إزاء السياسات التي تمارسها حكومة الإقليم. وسأمارس النقد ضد قوى المعارضة إن سلكت سياسة خاطئة وغير ديمقراطية أيضاً. فأنا لا أنتمي إلى حزب سياسي ومستقل عن كل الأحزاب السياسية, وبالتالي فمواقفي تخصني بالذات وتنبع من إرادتي وتقديري للأمور. ويمكن مثل هذه السياسة أن لا يرتاح لها البعض, وهي ليست قضيتي بل قضية من لا يرتاح لذلك. كما لا أدعي الصواب في اجتهاداتي الشخصية.
في مقالات سابقة انتقدت سياسة حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية في مواقفهما غير المفهومة في معالجة المشكلات القائمة بينهما ودعوت إلى ذلك. لم يكن الموقف الخاطئ من طرف واحد, بل من الطرفين. أشعر بأن العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم لم ترس على أسس سليمة وقوانين واضحة وحان الوقت لصياغة القوانين المناسبة لتضمن علاقات أفضل الآن وفي المستقبل.
لقد كانت بعض مواقف حكومة الإقليم متصلبة جداً في حين كان الأمر يتطلب المرونة, في حين أنها كانت في البعض الآخر مرنة جداً, في حين كان الأمر يتطلب الصلابة. كلا الحالتين قائمة في العلاقة بينهما.
بعض الناطقين باسم الحكومتين كان يشدد في مواقفه ويعبر عن مراكز قوة عديدة. وهو خلل واضح. علينا أن نثق بأن العلاقة بين العراق ككل والإقليم هي علاقة طويلة الأمد وليس كما تتصورها طائفة من الناس إنها قصيرة الأمد. وبالتالي لا بد من التحرك من هذا المنطلق وليس من تصور أن القضية قصيرة الأمد. وهذا التصور لا يغير من القناعة التامة بحق الشعب الكردي في تقرير مصيره, ولكن متى؟
9-   المواقع التى حصل عليها الكرد من وزارات والمناصب الاخرى من حيث العدد و الاهمية هل يمكن ان تعطى ضمانة للاكراد من ان لاتهمش من قبل الحكومة المركزية و قوى العربية الأخرى؟
ج 9: لا يعتمد هذا الأمر على الحكومة الاتحادية الراهنة وحدها التي ترغب في تهميش دور الكرد في الحكومة الاتحادية وأوضاع العراق, بل يعتمد على السياسات والمواقف التي تمارسها القيادات السياسية الكردية وتحالفاتها الرسمية وعلى مستوى الأحزاب الأخرى والشارع العراقي ومدى دفاعها لا عن مصالح الكرد فحسب, بل وعن مصالح الكرد الفيلية والعرب وأتباع الديانات الأخرى وعن الحريات العامة والديمقراطية في العراق. إن الشعب الكردي بحاجة إلى كسب الرأي العام العربي الديمقراطي إلى جانبه من خلال السياسات التي تمارسها قياداته التي في الحكم أو في المعارضة. الحكومة الاتحادية تسعى إلى تهميش دور القوى الديمقراطية وتتخذ إجراءات ضد الثقافة اليمقراطية العراقية.
وحتى الآن لا نستطيع أن نؤكد وجود مثل هذا الدور الذي كان يفترض أن يلعبه الكرد, في ما عدا دورهم الذي يفترض أن يزداد في منع إقامة دولة دينية في العراق. 

10-   من يتحكم في العملية السياسية العراقية في الوقت الحاضر, الإرادة الداخلية ام التدخل الخارجي؟ التوافق السياسي ام الاتفاق الحزبي؟ محاصصة ام منطق الدمقراطية؟
ج 10: الإجابة عن هذا السؤال سهلة وصعبة في آن واحد, ولكن الحصيلة تجسد تشابكاً بين كل هذه الأشكال في ما عدا الجانب الديمقراطي بسبب غياب مبدأ ومفهوم المواطنة عن الدولة وسياسات القوى الحاكمة والحكم.
دول منطقة الشرق الأوسط والعالم تتدخل بفظاظة, بفعل قوى داخلية مؤيدة لها, وبقوة كبيرة في الشأن العراقي. المحاصصة الطائفية متحكمة بالمشهد السياسي العراقي والمصالح القومية الشوفينية والضيقة متحكمة هي الأخرى في المشهد السياسي العراقي. في حين أن الغائب هو مصالح الشعب العراقي السياسية وحياته الكريمة. الفقر والبطالة والحرمان وغياب الخدمات وضرب المظاهرات والاعتقالات والاغتيالات هي السائدة في المشهد السياسي الطاغي في العراق. خذ الموقف من مظاهرات الخبز والكهرباء في الحمزة والديوانية والبصرة والحسينية والگريعات في بغداد وفي السليمانية وفي غيرها كلها تعبر عن المشاكل التي يعاني منها الشعب.
العراق بحاجة إلى حركة ديمقراطية شابة ووثابة تنتفض على الوضع وتفرض إرادتها الحرة على الحاكمين بطرق سلمية وحيوية تقترب من الذي حصل في تونس ومصر وما يحصل في اليمن وغيرها.
6/2/2011                     كاظم حبيب

مرة الثانية اشكرك  و أرجوا أن ترسل لي مع اجوبة عدد من صورك الشخصية لنشرها مع المقابلة


 هستيار قادر
 21-1-2011
 Hastyar78@yahoo.com


388
كاظم حبيب

رسالة مفتوحة إلى شبيبة العراق

لم أعد في خانة الشباب منذ سنوات طويلة, ولكني لا أزال أحس بهموم الشبيبة العراقية ومشكلاتها وطموحاتها, إذ إنها لم تتغير منذ سنوات طويلة رغم التغيرات الهائلة التي حصلت في العالم المتحضر وفي الكثير من الدول النامية, ورغم التغيرات التي طرأت على حاجات الشبيبة في ظل الثورة العلمية والتقنية والاتصالاتية بحيث أصبحت الشبيبة في العراق قادرة على معرفة ما يجري للشبيبة في بقية انحاء العالم, وهو الذي لم يكن ممكناً قبل خمسين او اربعين أو حتى ثلاثين عاماً.
ولكن الشبيبة العراقية حرمت من نعمة وسائل الإعلام والمعلومات الحديثة طيلة فترة سيطرة الدكتاتورية الفاشية لحزب البعث الصدامي على البلاد حيث منع كل تلك الأجهزة والوسائل والمعلومات الحديثة من الوصول إلى الإنسان العراقي وبخاصة إلى الشبيبة, مما جعل الوعي الاجتماعي والسياسي والثقافي يبقى بعيداً عما تحقق في العالم من منجزات في هذا الصدد, وخاصة في فكر وفي اساليب تفكير الشبيبة.
وحين سقط النظام الفاشي على ايدي القوات الأمريكية والبريطانية رفع الغطاء عن الإعلام الدولي وعن وصول المعلومات إليه والتعرف على ما يجري في العالم, رغم أن إمكانية استخدامها أو توفرها في العراق لا تزال بعيدة كل البعد عما وصل في دول نامية أخرى مثل مصر أو تونس.
إن سيطرة الطائفية السياسية والإرهاب الدولي للمتطرفين الإسلاميين قد وجه هموم الناس صوب الأمان والركض وراء لقمة العيش. كما استثمرت الأحزاب الإسلامية السياسية, السنية منها والشيعية, محنة الإنسان العراقي ووضعه الفكري والثقافي ومحنة المجتمع العراقي لتدفع بالصراع الطائفي بين الأحزاب السياسية حول السلطة وتعمق الاستقطاب الطائفي إلى افراد المجتمع وتزيد من ممارسة طقوس كثيرة لم تكن معروفة في العراق ومستوردة من إيران التي تعمق الحزن والكآبة والإحباط في نفوس الناس, وخاصة في نفوس الشبيبة العراقية في وسط وجنوب العراق بما يساهم في إبعاد الكثير جداً من الناس عن التفكير الواعي بمشكلاتهم الفعلية التي يعانون منها حتى بعد سقوط الفاشية السياسية.
إن شبيبة العراق تعاني اليوم من البطالة الواسعة, والكثير ممن يعمل منهم يعاني من البطالة المقنعة التي لا تنتج للمجتمع شيئاً ولا يحس المواطن بأنه يقدم الخدمة اللازمة للمجتمع. كما يعاني الشباب من الفقر والحرمان ويجدون أنفسهم عالة على عائلاتهم أو أنهم مجبرون على القيام بأعمال لا تنسجم مع تطلعاتهم أو ما يرغبون القيام به. والشبيبة المتفتحة والفاتحة عيونها تدرك تماماً ما يجري في البلاد من فساد مالي لا يمكن تصور إبعاده على المجتمع والتنمية والعدالة الاجتماعية ومستقبل الشبيبة. كما أن الأحزاب السياسية التي في السلطة تمارس سياسة تعيين اتباعها, في حين أن الشعب العراقي في غالبيت الساحقة لا ينتمي للأحزاب السياسية وفي الغالب الأعم هم مستقلون. فالتمييز صارخ وأكثر من مقلق, بل مدمر.
إن البطالة والفقر والفراغ الاجتماعي والثقافي والفني في العراق واتخاذ خطوات جديدة ضد الثقافة الديمقراطية والفنون الشعبية الجميلة من جانب العديد من مجالس المحافظات وممارسة وزارة التربية ووزارة التعليم العالي سياسات مناهضة للحرية الأكاديمة وتطوير مناهج التعليم في مختلف مراحل الدراسة على وفق الأسس الإنسانية والحضارية والتقنيات والعلوم الحديثة يجعل شبيبتنا تزحف وراء الركب العالمي الحديث في كل شيء.
إن المجتمعات الحديثة تعتمد على شبيبتها في التقدم والتطور والإبداع والمبادرة, فهم حملة راية المستقبل, وهم الذين يعول عليهم في تغيير واقع العراق الراهن الذي يُحكم بسياسات طائفية مقيتة وباساليب غير ديمقراطية ويفتقد يوماً بعد آخر الحرية الأولى التي امتلكها بعد سقوط الفاشية في العراق, رغم الوعود المعسولة التي تحدثت بها قائمة دولة القانون وغيرها والتي لم ينفذ منها شيء حتى الآن ولا يمكن توقع تنفيذ أي شيء مفيد.
إن الرسالة التي أوجهها لشبيبة العراق تؤكد في الجوهر على دور الشبيبة ذاتها وضرورة أخذ مصيرها بيديها من أجل قيادة عملية التغيير الضرورية في العراق بالطرق السلمية وعبر تعبئة الشعب كله حولها. إن الأحزاب التقليدية منشغلة في أغلبيتها في الحصول على مناصب وعلى مساومات ومهادنة لا يمكن ان تقبلها الشبيبة. وهو بالضبط ما حصل في مصر, ولكن هذه الأحزاب أجبرت على السير وراء الشباب المصري المنتفض أو الشباب التونسي الذي انتفض قبل ذاك. حتى  في مصر حاولت بعض الأحزاب المعارضة ان تساوم حسني مبارك في مقابل الحصول على فتات الموائد والتي رفضها المتجمهرون في ميدان التحرير.
يا شباب العراق, من النساء والرجال:
-   وحدوا صفوف الشبيبة العراقية وادفعوا الأحزاب والقوى نحو وحدة العمل بدلاً من بعثرة القوى والقيام بفعاليات منفصلة عن بعضها.
-   استفيدوا من تجربة تونس ومصر في استخدام فعال للتقنيات الحديثة ونقل المعلومات وخاصة الفيسبوك والتوتير وكل ما هو مفيد لتعبئة أوساع الشبيبة وابناء وبنات الشعب.
-   أرفضوا حكومة تعتمد مبدأ التقسيم والتوزيع الطائفي للسلطة في العراق, وطالبوا بحكومة وطنية ديمقراطية تعتمد مبدأ المواطنة.
-   ارفضوا بقوة وبحسم الربط بين المؤسسات الدينية والدولة, فالدين لله والوطن للجميع.
-   أرفضوا الهيمنة الحزبية المطلقة على أجهزة الدولة والوظائف الحكومية وطالبوا بممارسة مبدأ "الشخص المناسب في المكان المناسب".
-   أرفضوا بقوة سياسة تفليش مفهوم وروح المواطنة العراقية لصالح الهويات الفرعية القاتلة والمفككة لمجتمع.
-   أرفضوا البطالة وطالبوا بالعمل والكرامة والخبز. أرفضوا حالة الفقر المدقعة  لنسبة تصل إلى أكثر من 70 % من السكان الذين يعيشون تحت أو على أو فوق خط الفقر الدولي بقليل, في حين أن الملايين تصرف هدراً, كما في المقابل نجد أصحاب المليارات والملايين الذين اغتنوا على حساب المال العام والنهب والسرقة في فترة قصيرة ووجهوا الملايين منها نحو الخارج.
-   أرفضوا سياسات الفساد المالي والإداري في كافة أجهزة الدولة العراقية دون استثناء, طالبوا بالرقابة على الشركات والعقود والمقاولات التي تمارس دفع الرشاوي وتفاقم الفساد في البلاد.  طالبوا بتطبيق مبدأ من اين لك هذا؟
-   أرفضوا قطع 36% من ميزانية الدولة للرئاسات الثلاث, في حين يتراجع معدل حصة الفرد الواحد إلى الحضيض وكذا حصص التعليم والتربية والصحة...الخ. ولا تقبلوا بالموقف الغريب والمخادع بالتنازل عن نصف الراتب في حين ان المخصصات تبلغ أضعاف اضعاف الراتب.
-   أرفضوا الفصل بين الطالبات والطلبة في المعاهد والكليات والجامعات العراقية, فهو قمة التخلف والعداء للمرأة والرجل في آن واحد.
-   ارفضوا توزيع أراضي الدولة والدور على الوزراء والأغنياء وكبار المسؤولين وممثلي الأحزاب السياسية دون وجه حق ودون مبرر.
-   أرفضوا التنازل عن إيجارات مجزية عن السكن في المنطقة الخضراء وحي القادسية وغيرها, في حين يعيش الفقراء في بيوت طينية أو أشبه بالبيوت القصديرية أو حتى  بلا كل ذلك.
-   أرفضوا حكومات لا توفر لكم بعد مرور ثماني سنوات على سقوط الفاشية الكهرباء والمعالجة الصحية والتعليم والبنايات الضرورية للتدريس .. الخ.
-   ارفضوا سياسات الدولة الضعيفة في مواجهة الإرهاب الدموي والقتل المستمر للمواطنات والمواطنين وقتل أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق.
-   أرفضوا التدخل الإقليمي والدولي في الشؤون العراقية, تدخل إيران والسعودية والخليج وسوريا والولايات المتحدة التي أسست للنظام الطائفي الراهن وكرسته في الشأن العراقي.
يا شبيبة العراق المقدامة ما لم تأخذوا أموركم بأيديكم فليس هناك من يساعدكم في تغيير واقعكم المزري وحياتكم البائسة الخالية في الغالب الأعم من التمتع بالعمل والثقافة والفنون الجميلة ومن التمتع بحياة حضارية وإنسانية تتماشى والتطور الحضاري على الصعيد العالمي.
إن شبيبة تونس ومصر قدما النموذج الرائع لشعوب الشرق الأوسط كلها, ومنها بشكل خاص الشعب العراقي. والشعب العراقي سيقدم نموذجه الخاص ويستفيد من نموذجي تونس ومصر في كافة المجالات وخاصة الأسلوب السلمي الفعال والتعبئة العامة ورفض المساومة والمهادنة. والأحزاب التي ترفض التأييد ستجد نفسها تهرول وراء الأحداث والشباب! 
لقد نزع الشباب, نساءً ورجالاً, الخوف من قلوبهم واستطاعوا أن يكسبوا كل الشعب حولهم وحققوا النصر في البلدين وهو ما ينتظره العالم من شبيبة وشعوب الشرق الأوسط ومن شبيبة العراق وشعبه أيضاً.
لنعمل من أجل دولة ديمقراطية وإقامة حكم مدني ديمقراطي يعبر عن إرادة الشعب ومصالحه الأساسية وينفذ برنامج للتنمية والتصنيع وتحديث الزراعة والاستخدام الأمثل للموارد المالية ومنها موارد النفط الخام وتحسين مستوى معيشة الشعب ..
13/2/2011                     كاظم حبيب         

389
كاظم حبيب

نداء للتضامن: الاعتداء على اتحاد الأدباء.. اعتداء فظ على مثقفات ومثقفي العراق

عتاة العراق من حكام ومسؤولين كبار وصغار لم يستطيعوا لوي الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق, أجهزتهم الحزبية والأمنية الشرسة لم تستطع تنكيس راية المثقفة والمثقف في العراق ولا هدر كارمتهما. فقد حافظ المثقفون عليها برموز رائعة وبأسماء مشرقة كثيرة جداً, سوأء أكانو من الشعراء أم كتاب القصة والرواية أم في بقية مجالات الأدب والثقافية العراقية, سواء من بقى في العراق أم من أجبر على الهجرة المؤقتة. والآن وبعد سقوط الدكتاتورية الفاشية في العراق, لم ولن يستطيع رئيس مجلس محافظة بغداد ولا غيره من المناوئين للثقافة الديمقراطية في العراق تحقيق تنكيس راية الاتحاد أو شق وحدته أو إقامة فرع له دون موافقة الاتحاد العام ذاته في بغداد أو في أي محافظة من محافظات القطر, كما لن يستطيع تحقيق الهدف الذي سعى إليه صدام حسين في محاولاته الوقحة في شراء ذمم الأدباء والكتاب في العراق ممن كانوا مشاعل مضيئة دوماً للثقافة العراقية الحرة والنزيهة والصادقة.
وكعضو في هذا الاتحاد العام للأدباء والكتاب أرفع صوت الاحتجاج ضد رئيس مجلس محافظة بغداد وضد كل من يقدم التأييد له ضد الاعتداءات المتكررة على مقر الاتحاد من جانب المجلس والشرطة العراقية المصاحبة والمنفذة لقرار رئيس مجلس محافظة بغداد أولاً وضد محاولة التحريض لفتح فرع للاتحاد في بغداد دون موافقة المجلس المركزي للاتحاد وهو تجاوز فظ على قانون إعادة تشكيل الاتحاد. فقد ذكر الإعلامي المميز والشاعر الأستاذ إبراهيم الخياطو الناطق الإعلامي للأتحاد بما يلي:
"نعدّ كلام السيد رئيس المجلس تحريضا مكشوفا ضد الاتحاد، ودعوة مباشرة لشق وحدته، وما صدر عن جنابه نعتبره كلاما غير قانوني، وحججه غير مقنعة، وذلك لان تشكيل فرع للاتحاد في بغداد والمحافظات لا يتم إلا بقرار من المجلس المركزي لاتحادنا (البرلمان الأدبي)، وكل تصرف خلاف ذلك يكون تحت طائلة القانون رقم 70 الصادر في 8 / 4 / 1980 الذي أعيد بموجبه تأسيس الاتحاد).
وقد استند الزميل الفاضل الخياط إلى المادتين التاليتين في القانون المذكور:
(المادة - 10-: يمارس المجلس المركزي بوجه عام السلطات الرئيسة للاتحاد، ويتولى بوجه خاص الاختصاصات والصلاحيات التالية:
سابعا: الموافقة على فتح فروع للاتحاد وحلها.

المادة – 27 - : ثانيا: لا يجوز، بعد نفاذ هذا القانون، إجازة أية جمعية أو اتحاد أو منظمة، بأية صفة كانت، تتماثل أهدافها مع أهداف الاتحاد).
إن من واجبنا كأعضاء أو غير أعضاء في الاتحاد أن نؤيد بقوة الموقف المناسب الذي أعلنه الأخ الخياط في رفع دعوى قضائية ضد رئيس مجلس محافظة بغداد الذي برزت نواياه المعادية للاتحاد لا من خلال تصريحاته البائسة والاستفزازية ضد الاتحاد في إحدى القنوات الفضائية فحسب, بل وفي توجيه الشرطة لغلق نادي الاتحاد الاجتماعي ثم الهجوم الثاني على المقر وتفتيشه في محاولة يائسة للإساءة إلى سمعة الاتحاد وقيمه الحضارية والإنسانية.
أويد بحرارة ما جاء على لسان الأستاذ إبراهيم الخياط وأتمنى على كل مثقفي العراق مهما كانت اتجاهاتهم الفكرية والسياسية ان يرفعوا صوت الاحتجاج ضد محاولات شق الاتحاد أو الإساءة إليه أو الحد من نشاطاته الثقافية المتميزة أو حجب الدعم المالي والأدبي عنه من أي جهة كانت في أجهزة الدولة العراقية وفي الإدارات المحلية.
لنا الثقة التامة بانتصارة إرادة الاتحاد العام التي تعبر عن إرادة كافة المثقفات والمثقفين في العراق في الذود عن اتحادهم وضمان دوره الكبير والمهم في المجتمع العراقي.
13/2/2011                      كاظم حبيب
 


390
كاظم حبيب

تجربة مصر الثورية ... هل تقدم دروساً غنية للشبيبة العراقية؟

عانى الشعب المصري الأمرين على أيدي النخبة المصرية الحاكمة تجلت في البطالة الواسعة والفقر العام ونقص الخدمات العامة والاجتماعية واتساع الفجوة الدخلية بين الأغنياء المتخمين والفقراء من ذوي البطون الخاوية وأزمة السكن المتفاقمة وعجز الشبيبة عن الزواج بسبب البطالة والفقر والسكن غير المتوفر وبطالة متسعة بين خريجي الكليات وانتشار الفساد المالي على نطاق واسع ونهب موارد البلاد, والهجرة الواسعة للتحري عن عمل في دول أخرى, إضافة إلى الفساد الإداري. كما عانى الشعب وخاصة الشبيبة من غياب الحريات الديمقراطية والحياة الدستورية النزيهة, فتزوير الانتخابات ومطاردة المرشحين من غير أعضاء الحزب الحاكم أو منع الترشيح لرئاسة الجمهورية واعتقال المعارضين وزجهم في المعتقلات والسجون وتعريضهم للتعذيب الوحشي... وتفاقم الحملات المضادة للقوى المدنية من قبل قوى الإسلام السياسية المتطرفة وتأجيج الصراعات الدينية والاعتداء المتواصل على أتباع الديانة المسيحية القبطية كلها مظاهر سلبية حادة جعلت الشباب لا يستطيع تحمل هذه الحياة القاسية والمريرة, فانفجر بعيداً عن دور الأحزاب ومساوماتها بطرق مختلفة, فكانت انتفاضته الرائعة والمستمرة منذ الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير 2011 التي لم تهز مصر وحدها, بل الشرق الأوسط كله وستكون لها تداعيات أخرى في هذه الدول وفي غيره من دول الشرق الأوسط. إنها انتفاضة الوعي الجديد للشبيبة المقدامة والشعب المعذب.
إن الطريقة التي تفجرت المظاهرات تؤكد ثلاث مسائل مهمة:
1.   ثقة المنتفضين بعدالة قضيتهم وأن الشعب المصري في غالبيته معهم ويساندهم,
2.   قدرتهم على المواصلة وجلب المزيد من الناس للمشاركة معهم والتي تجلت في المظاهرات المليونية التي عمت البلاد, وخاصة القاهرة.
3.   رفضهم المساومة على حساب الشعب وقضيته العادلة والخلاص من النظام غير الديمقراطي والفاسد الذي ساد في مصر طويلاً.
إن الإنتفاضة وسيلة المتظاهرين وهدفهم كنس النظام المصري الراهن ورأسه محمد حسني مبارك وزمرته, وإقامة نظام ديمقراطي دستوري حر ونزيه على انقاضه يعي ويستجيب لإرادة الشعب ويعمل من اجل تغيير الأوضاع كلها في واحد من أكبر الدول وأكثرها نفوساً في الشرق الأوسط.   
إن مناورات النظام وتذرعه بالدستور لا يمكنا أن تخفي محاولته الالتفاف على الانتفاضة والمنتفضين, إذ إن الجميع يعرف بإن عصابة النظام هي أول من اغتصب الدستور وزور الانتخابات وشوه الحياة النيابية وضحك على ذقون الشعب والدستور في آن واحد.
لقد سقطت في يد النظام مناورته الأخيرى حين خطب مبارك وأعقبه سليمان الذي لم يختلف عن سيده, بل هو الذي كلف بممارسة المناورة, ولكنه فقد مصداقيته حين هدد وأصر على استمرار سيده العجوز في الحكم واتهم, كسيده, بتدخل الخارج في شؤون مصر, في حين أنه يدرك جيداً بأن المنتفضين لا يتعاملون مع الخارج, بل هي إرادتهم الحرة وحدها التي حركتهم وجعلتهم يقدمون 300 شهيد حتى الآن والكثير من الجرحى والمختطفين والمغيبين إلى الآن.
هذه الانتفاضة تقدم الدروس الغالية لكل شعوب منطقة الشرق الأوسط بقدرتها على تعبئة الناس وبالطريقة السلمية التي تعاملت مع المشكلة والصبر الطويل في مواجهة الحكم ولكن بإصرار رائع على الهدف المركزي . الخلاص من النظام ورحيل راس النظام وإقامة النظام الديمقراطي الحر.
والشعب في العراق عاني الأمرين من النظام البعثي الدكتاتورالصدامي وواجه جميع اشكال التعسف التي عرفها قاموس الحكام المستبدون في الأرض. وحين أُسقط من الخارج كان الشعب ينتظر حلولاً لمشكلاته, وإذا به يخضع للاحتلال ولنظام طائفي مقيت بدلاً من إقامة نظام ديمقراطي حر يسعى لبناء المجتمع المدني الديمقراطي ويغير أوضاع الشعب المأساوية التي تسببت بها سياسات النظام السابق وحروبه الداخلية والخارجية وإرهابه الدموي ضد الجميع.
واليوم يواجه الشعب الأمرين تحت وطأة البطالة المنتشرة والفقر الشديد الذي يصل إلى نسبة عالية جداً من السكان, ويعاني من أزمة السكن والكهرباء والماء والعناية الصحية وتراكم النفايات وتدهور الوضع البيئي المصحوب بأمراض كثيرة, إضافة إلى الفساد السائد كنظام مطبق في كافة أجهزة الدولة والسلطات الثلاث بصيغ مختلفة, إضافة إلى الهيمنة الحزبية الكاملة على الحكم وإبعاد كل المستقلين عن أجهزة الدولة, وفساد الإدراة المليئة بالبطالة المقنعة. المركزية والاستبداد بدءا يهيمنان على وضع البلاد, إضافة إلى استمرار االعمليات الإرهابية للقوى المتطرفة اليومية من مختلف الأصناف وليس قوى تنظيم القاعدة وحدها.
إن الوضع في العراق لم يعد يحتمل, وبالتالي فالشعب العراقي يستطيع أن يقدم تجربته الخاصة في الانتفاض السلمي على الوضع الراهن, يستلهم الدروس من تجربتي تونس ومصر, ولكن يقدم لنا تجربة جديدة تضاف إلى تجربتي هذين الشعبين, كما تضاف إلى  تجارب وثبات وانتفاضات وهبات الشعب العراقي في العقود الماضية.
إن الشعب العراقي بحاجة إلى  تلقين أغلب حكام العراق وسياسييه بأنه لا يستطيع ان يهضم سياسات طائفية مقيتة وحكم مركزي واستبدادي يتفاقم وهيمنة الفساد في كافة مفاصل النظام وأجزائه, ولا يمكن أن يحتمل البطالة والفقر والعذاب, لا يحتمل وجود نظام طائفي, سواء أكان شيعياً أم سنياً, فهو يسعى إلى إقامة نطام ديمقراطي حر وحياة ديمقراطية ومجتمع مدني ديمقراطي حر. إن محاولات السير على طريق فرض الشريعة الشيعية أو السنية على الشعب العراقي المتعدد القوميات والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والعقائد والجنس (ذكور وأناث) لا يمكن أن يمر وسوف يقاوم بكل ما يملك الشعب من قوة, إنه يريد النظام الذي يفصل بين الدين والدولة ويفصل بين حقوق المواطنة والدين او المذهب الذي يتبناه الإنسان طوعاً لا قسراً أو الجنس. فمن حق المواطن أن يؤمن بالدين او المذهب أو الفكر الذي يراه مناسباً له, والإنسان يولد ذكراً أو أنثى دون إرادته, ولكن الكل يشتركون في المواطنة الحرة والمتساوية, الكل يتمتعون بالجنسية العراقية, ويرفضون أي تمييز بينهم على أي من تلك الأمور.
الشبيبة العراقية, نساء ورجالاً, تعيد ترتيب أوراقها وستنهض بأعباء التغيير لصالح إقامة نظام ديمقراطي حر, وستجد هذه الشبيبة إن الشعب, الذي يراد له ان يكون طائفياً مقيتاً, لا يؤيد الطائفية بل يمقتها, وسيركض وراء الشبيبة بسرعة فائقة ليتخلص من الواقع البائس الراهن الذي يعيش فيه.
لنشد على أيدي الشبيبة التي ترفض المساومة وتسعى لأخذ المهمة على عاتقها وتستعين ببقية القوى والأحزاب والشخصيات الديمقراطية التي لا تقف ضد طموحاته بل تساندها وتسعى إليها وتشارك معها.
لنستعد جميعاً ونكون على موعد مع هذه الشبيبة الذي حددته لنا فنحن معها على الطريق السليم لبناء عراق جديد خال من الشوفينية وضيق الأفق القومي والطائفية والتمييز ضد اتباع الديانات والمذاهب الدينية والاتجاهات الفكرية الديمقراطية, ورفض التمييز ضد المرأة وممارسة العنف الذكوري والحكومي ضدها, لنكون على موعد في الخامس والعشرين من شهر فبراير/ شباط 2011 في ساحة التحرير وهي الساحة الشقيقة لميدان التحرير في مصر, ولتكن التظاهرة السلمية خير بداية لتعبئة الشعب, كل الشعب من أجل حقوقه المشروعة والعادلة.                 
11/2/2011                      كاظم حبيب



391
كاظم حبيب

هل يعي حكام بغداد ما ينتظرهم ؟

السؤال الذي يواجهني دوماً هو: هل يعي حكام بغداد حقاً حين يمعنون بسلب حرية الناس وفرض أخلاقيات مفتعلة باسم الدين, ولكنهم في الواقع يجسدون فكراً ظلامياً متخلفاً وجامحاً في تطرفه على الناس في العراق؟ هل يدرك هؤلاء أن مسيرة قوى الإسلام السياسية منذ سقوط جمهورية البعث الصدامية الهمجية حتى الآن, تدفع بذات الاتجاه الدكتاتوري المناهض لحرية الفرد والمجتمع, ولكن باتجاه آخر ديني, إذ كان صدام حسين يسير باتجاه قومي شوفيني وفاشي, وكلاهما يلتقيان بالمحصلة النهائية في مواجهة حقوق الشعب والمواطنة؟
هل يعي هؤلاء الحكام إن السلب والنهب أصبح النظام السائد في البلاد وأصبح حديث الناس لا في العراق فحسب, بل وفي الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وبقية بلدان العالم, إذ احتل العراق الموقع المتقدم في غياب النزاهة عنه؟
ألا يعرف رئيس الوزراء من يسرق ومن لا يسرق, ألا يعرف من استولى على مساحات واسعة من العقارات في بغداد وغيرها دون وجه حق, ألا يعرف الأموال التي تؤخذ باسم الحماية وليست هناك حماية بالعدد الذي يتسلم عنه رواتب ليست سوى السحت الحرام؟
ألا يعرف رئيس الوزراء بأن البطالة والجوع والحرمان كلها مظاهر تعذب كرامة الإنسان وتضعف حيويته وطاقته وقدرته على مواجهة ظروف الحياة القاسية؟
ألا يعرف بأن مطاردة الثقافة الديمقراطية والحياة الفنية ومنع ممارستها تقود إلى جمود حقيقي في المجتمع وإلى جدب في حياة الإنسان وفكره؟ أولا يعرف رئيس الوزراء المتحضر أن الحضارة تتطلب وجود الفنون الإبداعية وتدريسها وممارستها من قبل الشعب وبكل أنواعها, وأن الحزن والبكاء والعويل ورش الطين على الملابس والرؤوس والتطبير وما إلى ذلك تقود كلها إلى المزيد من الكآبة والموت البطئ للإنسان العراقي؟
هل حقق المالكي عن المسؤول عن أصدار أمر ضرب مظاهرات الحمزة السلمية وقُتل فيها مواطنان وأصيب آخرون بجراح, وهل حقق عن المسؤول عن تفريق مظاهرة الديوانية بالقوة, وهل صدرت نتائج التحقيق عن الجهة المسؤولة عن إصدار أوامر هجوم الشرطة على جميعة أشور بانيبال الثقافية ببغداد ...الخ؟
أولا يعرف بأن التضييق على حرية المرأة ودفعها إلى ممارسة الطقوس المتخلفة لقرون وسطى عربية, كما يجري اليوم في محاولات مشبوهة في الجامعات العراقية يقود إلى المزيد من الانفصام في المجتمع وإلى المزيد من الأمراض والعلل الاجتماعية للمرأة والرجل في آن؟
إلا يدرك رئيس الوزراء المؤمن بأن الإيمان هو قضية شخصية وليست مسؤولية الحكومة وشيوخ الدين والمتلاعبين بحياة وإرادة ودين الناس؟ ألا يعتقد الرجل الذي يريد أن يقود العراق بأن "الدين لله والوطن للجميع"؟ ألا يؤمن بصواب الآية... لكم دينكم ولي دين؟
ألا يدرك رئيس وزراء العراق بأن زيادة وتوسيع تأثير إيران السياسي والديني والمذهبي والطائفي على العراق عمودياً وأفقياً سيقود بالمحصلة النهائية إلى عزله عن الشعب العراقي وسيهيئ له وضعاً مقاربا أو أشد قوة وزخماً مما حصل في تونس وما يجري الآن في مصر, فالشعب العراقي إن ثار يكنس كل من وقف ويقف بوجهه؟
كم أتمنى أن يدرك هذا الرجل هذه الحقيقة وأن لا يتعامل مثل ما تعامل حتى الأن مع الأحداث, ولكنه قد برهن حتى الآن أنه لم يستفد ولم يتعلم من تجربة صدام حسين ولا ممن سبقوه في حكم العراق! من المعروف أن الشعب العراقي يصبر على الجوع والحرمان ويتحمل الألم طويلاً, ولكن حين تصل المهانة إلى سحق عظامه, عندها يتفجر غضباً ويتحول إلى رعد هائل وبرق حارق ولن يرضيه ما جرى في تونس ولن يسمح بهروب سارقي خبزه ومنغصي حريته الفردية ومصادري حقوقه المثبتة في الدستور وفي اللوائح الدولية.
التقارير التي تصل إلى رئيس الوزراء ممن يعملون معه عن أوضاع العراق لا تشرح له ما يتفاعل اليوم في احشاء الوطن الجريح ووفي أعماق هذا الشعب الصبور المبتلى بالطائفية السياسية والحكم غير الرشيد. وبالتالي ربما سيفاجأ بما لم يكن يقدر حقيقة الموقف وعواقبه المحتملة.
الظلم إن دام دمر, والحرية أن نهبت من الفرد ستحول الفرد إلى راغب في انتزاعها بأي ثمن حتى لو مات من أجلها. وأن الحاكم الذي لا يريد أن يعرف هذه الحقيقة سيعاقب بأقسى ما يتصوره الإنسان. من يدرك الأمور متأخراً يعاقبه التاريخ.
ما يجري اليوم في العراق يذكرنا بالأفعال الطلفاحية والحملة الإيمانية الصدامية, الذي أرد أن يفرض على النساء الامتناع عن ارتداء التنورة حتى الركبة وصبغ أرجل النساء وحلق بشكل مشوه شعر الرجال الطويل وأنتهى إلى حيث وبئس المصير. واليوم من يمارس ذات الأساليب والإجراءات لن يكون مصيره بأفضل من مصير طلفاح وابن اخته المجرم صدام حسين. إن فرض فصل الطالبات عن الطلاب في الجامعات العراقية ورش الأصباغ والدهون على المقاعد في حدائق الجامعات لمنع جلوس الجنسين عليها وفرض لبس القفازات (الكفوف) على البنات وصولاً ربما إلى إقامة جامعات منفصلة للنساء والرجال, كلها ستقود إلى ثورة اجتماعية تهز أركان نظام الأحزاب الدينية في العراق, تهز من الأعماق حزب الدعوة والتيار الصدري. وسوف لن تنفع المظاهرات التي يدعو إليها مقتدى الصدر, إذ يكون الكأس قد فاض بمائه وأوجع الشعب كثيراً وستجرف المياه النقية المياه الآسنة.
إن الدعوة إلى التظاهر يوم 25 فبراير/شباط 2011 في ساحة التحرير لها مغزاها الاجتماعي وخلفيتها السياسية والاقتصادية والثقافية, وسوف لن تكون الأخيرة قطعاً. وستبدأ وسائل ثورة الأنفوميديا, ثورة المعلومات والاتصالات, تساهم في مواصلة الحوارات النضالية لتغيير واقع الحال في العراق لصالح المجتمع وحقوق الإنسان.
9/2/2011                   كاظم حبيب
   
         

392
كاظم حبيب

الشبيبة العراقية تستعيد عافيتها ودورها النضالي

بدأ الجليد بالذوبان... بشائر الربيع تبدو قادمة تحمل معها رياح التغيير لشعب العراق المعذب... بدأت الشبيبة العراقية المتحررة ذات النزعة الديمقراطية تتحرك من جديد, تستعيد عافيتها الفكرية والسياسية تدريجاً بعد أن غطاها شيء من غبار الزمن وعذابات السنين والموت والحرمان والفقر الفكري والانقطاع عن العالم الخارجي, ومن ثم الدعوات المثيرة للكآبة والحزن والبكاء لقوى سياسية لا تريد ان ترى البسمة والفرحة والنشوة على وجوه شبيبة العراق من البنات والأولاد. الشبيبة العراقية التي عرفناها تستعيد دورها النضالي وتدرك ما تريد وتتصدر مظاهرات أحياء كثيرة من بغداد والبصرة والانبار والديوانية والحمزة والموصل والسليمانية وكربلاء وبابل تحمل الخبز والفوانيس ومطالبة بالعمل والخبز والنور, مظاهرات يتصدرها الموظفون والمستخدمون وعمال يطالبون بأجورهم ورواتبهم غير المدفوعة, يطالبون بتحسين ظروف حياتهم ومعيشتهم. طلبة يحتجون على الظروف الصعبة في المدارس الثانوية أو غياب مستلزمات التعليم في الجامعات العراقية أو الأقسام الداخلية النتنة, عاطلون عن العمل وهم في عز الشباب, خريجون لا يجدون مجالاً للعمل .. وكفاءات لا تحتل مواقعها لأن الفساد الإداري والمحسوبية والمنسوبية والفساد المالي قرب الموالون وأبعد الأفضل منهم.
لقد حرك الشباب التونسي الذي قاد عملية التغيير في تونس وطرد من البلاد المستبد بأمره زين العابدين بن علي شر طردة واستقبلته السعودية التي يمكن أن يلجأ إليها محمد حسني مبارك لتكون مخبأ لكل الحرامية وسراق موارد وحقوق وحريات شعوبهم, الشبيبة المصرية المقدامة التي مرّ عليها اليوم الرابع عشر وهي تتظاهر في ميدان التحرير, اجبرت حكومة نظيف على الاستقالة, وهي في طريقها إلى إجبار مبارك على التنحي من رئاسة الجمهورية وتشكيل مجلس مستقل يدير شؤون الدولة المصرية لمدة عام من أجل وضع الدستور وإجراء انتخابات جديدة لمجلس النواب والشورى وإرساء الحياة السياسية على أسس دستورية وديمقراطية وإعادة بناء المجتمع المدني الديمقراطي. هذه الشبيبة المقدامة في البلدين حركت شبيبة العراق وذكرتها بنضالاتها السابقة في سبيل الحرية والحياة الكريمة والديمقراطية وفي سبيل بناء مستقبل أفضل للعراق على أنقاض نظام الدكتاتوري الأهوج صدام حسين ومن ثم على انقاض النظام المحاصصي الطائفي في العراق وإعادة الاعتبار لهوية المواطنة بدلاً من الهويات الفرعية القاتلة. الشباب العراقي من النساء والرجال يتحركون اليوم وسيسارعون الخطى ليمارسوا دورهم في الحياة العامة وفي عملية التغيير المنشودة في العراق, عملية البناء والتنمية وإقامة المجتمع المدني الديمقراطي.
لا بد للشبيبة العراقية من عملية تنسيق عبر المواقع الإلكترونية الحديثة, عبر الفيسبوك للتعرف على بعضهم والتداول بالشأن العراقي العام وتنظيم صفوفهم وبلورة مطالبهم, مطالب الشعب, في شعارات اقتصادية واجتماعية وبيئية تمس حياة الشعب اليومية, تمس طعامه وعيشه وأمنه اليومي وصحته, تشمل التحري عن العمل والخبز والنور أو الكهرباء الغائب طويلاً وكل يوم عنهم. الشبيبة القادرة على استخدام التقنيات الحديثة ستجد لغتها المشتركة وستلتقي لترفع رايات ومشاعل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية الغائبة عن المجتمع والفساد القاتل المهيمن على الدولة كلها.
ولكي يتجنب الشبيبة تعدد القيادات في حالة تنظيم المظاهرات والاحتجاجات والإضرابات في أنحاء العراق, كما يبدو اليوم في مصر, رغم أن الشبيبة المصرية استطاعت أخيراً, وبعد صدور بيانها الجديد, على توحيد القيادة لكي لا تسلب منها من جانب الأحزاب التقليدية المستعدة للمساومة في كل لحظة مع النظام المصري على حساب حركة الشباب الطليعية.
إن المظاهرات المنفردة المنطلقة في أنحاء كثيرة من العراق تستوجب التنسيق والتخلص من العفوية, إذ أن المشكلات متفاقمة والأحزاب الحاكمة تغوص يوماً بعد يوم في مستنقع الصراع في ما بينها على السلطة والمال والجاه, وهو الذي ترفضه الشبيبة العراقية المتطلعة لإقامة نظام ديمقراطي حر وعادل وبعيد عن الطائفية المقيتة والتمييز الديني والخيمة الفكرية الواحدة.
لقد التقى المسلم بالمسيحي في ميدان التحرير في القاهرة وأكدا من جديد تأخيهما التاريخي باعتبارهم أجزاء اصيلة من الشعب المصري مؤسس واحدة من اكبر وأغنى حضارات العالم ومن أكثرها رقياً خلال العصور الغابرة والمتطلع لبناء حياته الجديدة الحرة والديمقراطية والكريمة والمشاركة مع شعوب العالم في بناء حضارة الإنسان الحديث. وهكذا ستلتقي الشبيبة العراقية من مسلمين ومسيحيين وصابئة مندائيين وإيزديين, من عرب وكُرد وكُرد فيلية وتركما وكلدان وآشوريين وسريان ومن مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية غير الفاشية وغير الطائفية المتآخية لتعبر عن غضبها على السياسات التي تمارسها الحكومة العراقية برئاسة المالكي التي توجه نيرانها عبر شرطة الشغب إلى صدور المواطنين الأبرار كما حصل في البصرة والديوانية حيث استشهد العديد منهم. وقد نسى نوري المالكي "إن الدم ينزف دماً ..", كما قال الشاعر الجواهري الكبير!
إن الشبيبة العراقية التي لا تحمل السلاح ستجبر حكام العراق الحاليين على التخلي عن سياساتهم الراهنة أو ترك الحكم لمن يستطيع قيادة الشعب بدون تلك الإيديولوجيات الشمولية والقمعية التي تحملها قوى الإسلام السياسية أو القومية الشوفينية.
لنحيي طلائع الشباب الناهض, ولنحيي مسيرته في طليعة المظاهرات المتصاعدة والمتسعة في مدن العراق, لتتحول تدريجاً إلى كافة مدن العراق وخاصة بغداد معبرة بذلك عن طموحات الشعب وحاجاته وحياته الحرة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والعيش بكرامة وأمن وسلام. ليتشكل منها نهراً جارفاً كل من يقف في الطريق معرقلاً تحول العراق صوب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل والتنمية والعدالة الاجتماعية والأمن والسلام.           
7/2/2011                      كاظم حبيب     



393
كاظم حبيب

هل يسير نوري المالكي على نهج نوري السعيد القمعي والدموي؟

الشعب الجائع والعاطل والمحروم من الكهرباء والماء الذي يعيش في وسط النفايات وليس في حي الخضراء الذي يسكنه المالكي وغيره يتظاهر ويطالب بالاستمارع إلى رأيه ومطالبه والاستجابة له. فماذا كان موقف وجواب الشرطة العراقية حتى الآن؟ كان الرصاص في البصرة وفي الحمزة والديوانية, وفي كل مكان رفع الشعب شعارات عادلة ومشروعة يقرها الدستور العراقي, هو الجواب الذي قدمته الشرطة العراقية!
ولكن مخطي جداً من يعتقد أن الرصاص الذي انطلق من بندقية هذا الشرطي أو ذاك بقرار من هذا الشرطي أو ذاك, بل كان القرار قد صدر عن رئيس الوزراء نوري المالكي ولا يمكن أن يصدر عن غيره. حتى وزير الداخلية, إن وجد, لا يحق له ذلك, بل الرصاص في كل الوزارات السابقة واللاحقة لا يمكن أن ينطلق إلا بقرار من رئيس الوزراء, إنه نوري المالكي وليس غيره من أصدر تلك القرارات في البصرة أو في الحمزة, وهو نفسه الذي أصدر القرار بالهجوم على نادي أشور بانيبال الثقافي ولا يمكن أن يكون غيره, وهو الذي دافع عن هذا القرار في خطابه بمناسبة عاشوراء.
إن الأساليب القمعية التي يمارسها نوري المالكي ضد المتظاهرين تؤكد ثلاث حقائق مهمة, وهي:
1.   إنه يتجاوز بفظاظة شديدة على الدستور العراقي ولائحة حقوق الإنسان الذي يعطي الحق للمواطنة والمواطن أن يحتجوا ويتظاهروا ويعلنواعن مواقفهم بكل حرية.
2.   إنه يخشى أن تتطور هذه المظاهرات الاحتجاجية إلى حملة شعبية شاملة في كل أنحاء العراق ويمكنها أن تسقط حكومته المشلولة إلى الآن عدا قرارات ضرب المظاهرات الصادرة عنه لا غيره.
3.   إن نوري المالكي يسير بسرعة عجيبة نحو النهج الذي مارسه نوري السعيد في قمع الحريات والحقوق الديمقراطية للشعب العراقي. وكان مصيره مأساوياً حقاً لا نتمناه لأي إنسان.
وإذا كان نوري السعيد قد مارس تلك السياسات بالتنسيق مع السفارة البريطانية والبلاط, فإن التهمة الآن تتجه صوب المالكي بأنه ينسق كل ذلك مع الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية التي يترأس الجعفري ويترأس هو أحدها ومع المرجعيات الدينية. ولكن المرجعيات الدينية قد حذرته بصورة مباشرة وغير مباشرة عن طريق ممثل السيستاني في كربلاء, حين أشار إلى أن الغضب يتراكم في صدور الناس وخاصة الشباب. وهو يدرك أن الغضب المتراكم يشمل الفقر والجوع والكهرباء والبطالة والحرمان ومصادرة الحرية الفردية وقتل المسيحيين والصابئة المندائيين والمسلمين سنة وشيعة على أيدي الإرهابيين او قتل المتظاهرين على أيدي الشرطة العراقية.
إن على المالكي أن يدرك بأن التجويع والفقر وتفاقم الفساد المالي وأسلوب القمع الوحشي وقتل الناس بالرصاص سيكون وبالاً وثمنه باهضاً عليه وعلى النظام الذي يقوده في العراق.
إن الشعب العراقي لن يسكت على الدم الذي ينزف من أبنائه وبناته لا على أيدي الشرطة فحسب, بل وعلى أيدي الإرهابيين الذين اقتنصوا الفرصة في الصراعات المستمرة على المناصب الوزارية لقتل المزيد من الناس. 
5/2/2011                      كاظم حبيب 

394
كاظم حبيب

تونس ومصر طلائع النهوض الديمقراطي للشباب في الشرق الأوسط

لقد كانت انتفاضة الشعب التونسي حدثاً تاريخياً كبيراً يصعب اليوم تقدير دوره وتأثيره لا على بعض الدول العربية فحسب بل وعلى جميع شعوب دول الشرق الأوسط. فمنذ فترة قصيرة لم يكن يتوقع أحد ما حصل في تونس في ظل نظام استبدادي قمعي شرس تجاسر حتى على اعتقال أي شخصية وطنية تونسية تجرأ على ترشيح نفسها في الانتخابات الرئاسية الأخيرة, وفاز بن علي في الانتخابات الأخيرة على طريقة صدام حسين, حيث يكون عدد الأوراق في صناديق الاقتراع أكثر من عدد المصوتين أنفسهم. كما انتخب مدى العمر تماماً كسلفه صدام حسين.
وأحداث تونس ما تزال متواصلة ولم ينته ترتيب البيت التونسي الجديد حتى انتفضت شبيبة مصر معلنة رفضها مواصلة الخضوع والخنوع للدكتاتور الذي سيطر على حكم البلاد ثلاثين عاماً وأوصلها إلى الحضيض في الفقر والبطالة والجوع والحرمان. وها نحن أمام شعب من الشباب الذي يصر على قرارات متشابكة في مقدمتها الخلاص من الدكتاتور وإعادة بناء الدولة المصرية على أسس ديمقراطية وإعادة كتابة أو تعديل الدستور المصري لصالح الإصلاح العام ومكافحة البيروقراطية والفساد ونهب المال العام. لم يكن أحد يتوقع أن ينهض هذا الشعب وبهذه الحمية الرائعة التي أطاحت بصواب حكام مصر وتركت الأحزاب التقليدية المصرية لاهثة وراء حركة الشباب المقدامة. لا يمكن الادعاء بأن هذه الحركة عفوية ودون وعي من الناس. فكل حركة شعبية عفوية تحمل في ثناياها وعياً فردياً وجمعياً تبلور عبر سنوات الحكم المنصرمة وتراكم الأوجاع الناشئة عن نظام استبدادي أذاق الشعب المصري مر العذاب والهوان والحرمان. من كان يزور مصر يرى إنها تزداداً إهمالاً ويزداد الفقراء فقراً والأغنياء غنى.
وشعوب الدول العربية هي الأخرى تتراكم وتتبلور فيها الوجهة العامة للانتفاض على النظم الاستبدادية الحاكمة فيها. وها نحن نتلمس ذلك التحرك في أغلب دول المنطقة دون استثناء. ابتداءً من اليمن فالسودان والجزائر ومروراً بليبيا وسورية والسعودية والعراق., إضافة إلى إيران حيث يغلي الشباب غضباً وسيفجرون الأرض تحت أقدام الحكام الأوباش ثانية, وستكون هذه المرة أشد وأقوى من سابقتها. ومن يتصور أن الحركة المعارضة للنظام الإيراني قد اختفت أو تلقت ضربات لا تنهض منها سيكون خاطئاً حقاً.
ومن يلقي نظرة فاحصة على أوضاع العراق المبتلى بنظام سياسي قائم على المحاصصة الطائفية والأثنية, سيجد أمامه تحركاً شعبياً جديداً يرفض الوضع الاقتصادي والاجتماعي ونقص الخدمات في البلاد. فمظاهرات البصرة في العام الماضي التي قوبلت من قبل حكومة المالكي بالحديد والنار, قابلت مظاهرة الحمزة بنفس الأسلوب وفرقت بالقوة مظاهرة الديوانية المطالبة بالخبز والنور. ولكن ماذا ستفعل إن هبت المظاهرات الشعبية الشبابية في كل أنحاء العراق مطالبة بالخبز والنور والحياة الديمقراطية. لقد تحرك سكان منطقة الحسينية والكريعات في بغداد, وتحرك المثقفون وأبناء وبنات الشعب في شارع المتنبي مستجيبين لنداء الشباب في الفيسبوك, وكانت نموذجاً للتنظيم والوعي بالمسؤولية وأسقطت بيد الحكومة في توجيه النيران إليها أو إرسال البلطجية لفظها. إن هذه المظاهرات المنفرد
ة ستشكل تدريجاً حلقات في سلسلة واحدة تسع وتشمل مدناً أخرى في سائر أنحاء العراق. وسترتبط بشعارات المجتمع المعيشية والاجتماعية كالخبز والنور والعمل ومكافحة الفساد وبشعارات سياسية عامة وملحة مطالبة بالحرية الفردية والديمقراطية وحقوق الإنسان, عندها ستكون الحكومة عاجزة عن مواجهة هذا الشعب الذي ذاق الأمرين خلال العقود الخمسة الأخيرة. وستردد كلها مع شاعر السلام والديمقراطية كاظم السماوي:
وإذا تكاتفت الأكف    فأي كف يقطعون
وإذا تعانقت الشعوب فأي درب يسلكون
نحن أمام حركة شبابية شعبية وضعت الأساليب السابقة خلف ظهرها وتركت الأحزاب التقليدية تتحرك بالعجائز الذين يقودونها من أمثالي خلفها, لأن هذه الأحزاب لم تدرك حتى الآن مزاج الشباب وحاجاتهم وتطلعاتهم, لأنها لم تفهم مضمون العصر الجديد والتقنيات التي أصبحت تحرك الشبيبة في كل مكان, وهي من الثمار الإيجابية الجديدة للعولمة, لثورة الإنفوميديا على الصعيد العالمي, شاء الإنسان أم أبى.
ما لم يمسك الشباب بقيادات الأحزاب الوطنية التقليدية ستلفظهم الحياة وتستبدلهم بغيرها, وعليهم الخيار الأوحد: التجديد بكل شيء, بمن في ذلك قياداتها, باعتباره الطريق الأوحد نحو المستقبل المشرق الذي يقوده الشباب وليس الشيبىة من أمثالي.   
علي الشبيبة العراقية أن لا تنتظر تحرك الأحزاب التقليدية, وإذا ما تحرك الشباب ستلتحق بهم الأحزاب, كما هو الحال في مصر المنتفضة, شاءت ذلك أم رفضت.       
إن إدراك طبيعة الحركة الشبابية المصرية وأبعادها الثورية على صعيد مصر وبقية الدولة العربية والمنطقة يرتبط عضوياً بإدراك طبيعة العصر والمهمات الملقاة على عاتق الشعوب وخاصة الشبيبة المنظمة والواعية لما تريد. وكل ما قيل عن حركة عفوية للشبيبة المصرية فهو من باب الاجتهاد في التحليل, فالمراسلات اليومية المكثفة بين الشباب ومشكلاتهم ومشكلات المجتمع والوعي المتنامي في صفوفهم هو الذي حرك الشارع المصري وجلب الناس الفقراء والمعوزين والمظلومين إلى الحركة ودفعهم بقوة ها\ئلة إلى الشارع. فهي وبهذا المعنى لم تكن عفوية بل حركة واعية ومنظمة ولها قيادات كثيرة هم الشباب الواعي من النساء والرجال الذين جمعه الفيسبوك والتويتر واليوتوبيا وغيرها من أساليب وأدوات الاتصال الجمعي الحديثة.
لنندمج بهذه الحركة الشعبية لنكون جزءاً منها نحن أبناء وبنات الشعب العراق الذي يئن تحت وطأة المحاصصة الطائفية والفساد المالي والإداري والقرارات البائسة لحفنة من القوى التي لا تريد الخير لهذا الشعب من أمثال رئيس مجلس محافظة بغداد ومن لف لفه.
لترتفع رايات الخبز والنور والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ورفض ربط الدين بالدولة عالية في سماء ومظاهرات العراق اليومية. ليتحرك الشبيبة الذين تسعى الأحزاب الإسلامية السياسية زجهم بمواكب حسينية لينسوا أوضاعهم المعيشية البائسة وحياتهم المتخلفة, ليطالب الشباب العراقي المقدام كل المسؤولين المتخمين مالاً والكثير منهم بالسحت الحرام, باحترام الحسيين واستشهاده من خلال الالتزام بإرادة الشعب وتوفير العمل والخبز والضياء والعيش الكريم بدلاً من دفع الناس الشيعة للزحف من مدن العراق المختلفة إلى كربلاء ليمرضوا في الطريق أو ليموت البعض الكثير منهم بأسلحة قوى الإرهاب. 
لترتقي الأحزاب السياسية الديمقراطية العراقية, إن وجدت, إلى مستوى حركة الشباب المصرية والتونسية, وتعمل مع الشبيبة العراقية وتفهم مطالبها وحاجاتها اليومية وتحولها إلى شعارات يومية تجذب الشباب وتغير خطابها السياسي الراهن وصحافتها وإعلامها بما يتناغم والمرحلة الجديدة من حياة شعوب المنطقة.
5/2/2011                      كاظم حبيب 

395
كاظم حبيب

الشعب العراقي مدعو للتضامن مع أهلنا في الديوانية!

منذ سنوات تعيش مدن العراق مثل الديوانية والسماوة والناصرية والشطرة والحمزة وغيرها في أوضاع من البطالة والبؤس والفاقة ونقص الخدمات العامة. وتفاقمت هذه الحالة منذ سقوط النظام الدكتاتوري بدلاً من تحسنها.
فالبطالة المكشوفة والمقنعة والجوع والحرمان ونقص الخدمات والكهرباء ونقص المدارس الكافية للتلاميذ وطلية الثانوية حتى بات الناس يشكون من أوجاع الماضي والحاضر في آن.
إن المظاهرة الشعبية السلمية الأخيرة في الحمزة قد قوبلت يوم أمس من قبل الشرطة العراقية بالحديد والنار, وأسوأ مما كان يمارسه النظام الملكي ونوري السعيد ضد المواطنات والمواطنين العزل. ونتيجة لذلك سقط موتى وجرحى برصاص الشرطة وهراواتهم.
اليوم حيث ينتظر خروج مظاهرة شعبية في مدينة الديوانية عبأ النظام المالكي الجيش والشرطة ووضعه في الإنذار وطوقوا سجن التسفير خشية هجوم المتظاهرين عليه, علماً بأن المتظاهرين لا يحملون في أيديهم غير رغيف الخبز وفانوس ليعلنوا عن حاجة الناس إلى الخبز والضياء.
إنهم يطالبون بالكهرباء والعمل وإعادة الحصة التموينية التي قطعت عن أهالي محافظة الديوانية منذ أشهر, رغم الأوضاع المعيشية الصعبة جداً التي يعيشون تحت وطأتها والتي لا يمكن ولا يستطيع أن يحس بها أو يتصورها المالكي الذي يتسلم الملايين من الدولارات سنوياً كرواتب ومخصصات وغيرها. لقد كان نوري السعيد يحلم بالحصول على 1% من الراتب الشهري الذي يتسلمه المالكي وسواه من المسؤولين في العراق. إن فجوة الدخل ومستوى المعيشة بين النخبة الحاكمة حالياً وبين الغالبية العظمى من بنات وأبناء الشعب بلغت كالفجوة بين السماء والأرض, وهم يرددون "ناس تأكل بالدجاج وناس تتلگة العجاج". ها هم يصعدون على أكتاف وضحايا الشعب للسلطة ويركلون الشعب بأقدامهم. وحين يحصل مثل هذا الفعل, هل يمكن أن نتوقع احتراماً للمسؤولين من قبل الشعب؟ الجواب عند الشعب ويعرفه الجميع. 
لا يمكن لنظام سياسي يحترم نفسه وشعبه أن يضع الجيش بالإنذار بسبب مظاهرة سلمية شعبية تطالب بالخبز والكهرباء, ثم يوجه نيران أجهزة قمعه لضرب المتظاهرين وقتل وجرح الناس وإشاعة الخوف في نفوس الشعب الذي يعاني ما يعانيه أهل الديوانية.
إن أهالي الديوانية ينتظرون من الشعب العراقي كله الدعم والتأييد والتضامن مع مطالبه لأنها مطالب كل الشعب العراقي. يجب أن نمنع الجيش والشرطة من توجيه الأسلحة إلى صدور المواطنات والمواطنين المتظاهرين. يجب أن ندرك أن الشعب العراقي قد تحمَّل الكثير والكثير جداً خلال السنوات الثماني الأخيرة, ولا يجوز له السكوت أكثر, في حين أن ثروات الشعب تنهب من قبل اللصوص القابعين في أجهزة الدولة أو العاملين في القطاعات الاقتصادية وفي التجارة وفي قطاع استخراج وتصدير النفط الخام ...
لنتضامن مع أهلنا في الديوانية, لنرفع صوت الاحتجاج على البطالة ونقص الخدمات وضد الفقر والحرمان,
لن يستطيع المالكي قمع الشعب المطالب بحقوقه وخبزه, وعلى من يتحدث بالديمقراطية ويشارك بالحكم أن يعلن عن رفضه لسياسة مواجهة المظاهرات بالحديد والنار, فالتظاهر جزء من حقوق الإنسان والمواطنة ولا يجوز منعها بأي حال. والطريق الوحيد لعدم وقوعها يتم عبر توفير العمل والكهرباء والماء وبقية الخدمات الأساسية. والاستجابة لإرادة الشعب في نشر الحرية والديمقراطية والمجتمع المدني هي المحك الذي يفصل بين الصدق والمخاتلة مع الشعب ومصالحه!
4/2/2011                     كاظم حبيب   

396
كاظم حبيب

مظاهرة الديوانية ...هل هي بداية لتحرك شعبي عفوي معارض؟

نحن نقترب من نهاية العام الثامن لسقوط الدكتاتورية في العراق, تتابعت إلى الآن أربع حكومات, والرابعة الراهنة هي قيد التشكيل ورئيس الوزراء فيها هو المالكي ذاته الذي ترأس الوزارة الثالثة, وهي تتشكل من ذات الأحزاب السابقة التي شاركت في كافة الحكومات المتعاقبة في ما عدا الحزب الشيوعي العراقي الذي لم يشارك في هذه الوزارة. وكل حكومة جديدة وكل عام جديد يعد المسؤولون بقرب نهاية آلام الناس وأوجاعهم ومصائبهم في البطالة والحرمان وغياب الخدمات وخاصة الكهرباء والماء والعناية الصحية ونهاية للتعليم السيئ وإقامة بنايات جديدة للمدارس الضرورية التي أصبح التدريس فيها لساعتين لا غير. ولكن كل عام يزداد تسلط قوى الإسلام السياسية ويزداد تحكمها بالقرارات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية, ويزداد دورها في مصادرة الحرية الفردية وتجاوزها الفظ على الثقافة الديمقراطية, ويزداد تراجعها عن حفظ الأمن وسلامة المواطنات والمواطنين.
وكل عام تصرف المليارات من الدولارات على تأمين الحماية لزوار الحسين والاحتفاء بذكرى وفيات ومواليد أئمة الشيعة, بل زاد عليها بوفيات الكثير والكثير من الشيوخ الصالحين, في حين لا يزال الكثير من البشر يتضور جوعاً ويعاني من الأمراض ويموت مبكراً بسبب نقص العناية الصحية أو تدهور البيئة ..الخ. وكل هذا الصرف لم ينج الناس من موت محقق مارسه الإرهابيون ضد الزوار وفي أكثر من مكان.
وكل عام يسرق نهاًّبة الدولة الكثير جداً من أموال الدولة وبطرق شتى تصل إلى عدة مليارات دون أن يحاسب النظام هؤلاء الحرامية, بل يغض الطرف ويعفي حتى عن أولئك الذين زوروا الشهادات واحتلوا مواقع مهمة في الدولة وسرقوا الشعب بتزويرهم وأساءوا إليه وإلى كل حملة الشهادات في العراق.
كل حكومة من الحكومات الأربع أقسمت اليمين الدستورية على خدمة الشعب, ولكنها مارست عملياً تلك السياسات التي قادت إلى تعميق الهوة بين قوى الشعب على أساس الدين والمذهب والفكر والسياسة. والحكومة الجديدة أقيمت على ذات الأسس الطائفية والأثنية ولا يمكن انتظار سياسة أفضل من سياسات الحكومات السابقة.
إن السياسات التي مورست خلال الأعوام الثمانية الماضية أدت إلى ما يأتي:
** تعميق الصراع بين أتباع الأديان والمذاهب الدينية في البلاد بسبب سياساتها في التمييز الديني والطائفي.
** تعميق انسحاق نسبة مهمة من سكان البلاد المهمشة فعلياً, سواء أكان ذلك في بغداد أم في المحافظات والمدن والأرياف في سائر أنحاء البلاد.
** تفاقم فجوة الدخل السنوي بين الأغنياء والمتخمين بأساليب شتى وغير مشروعة وتلك الفئات الكادحة والمنتجة, سواء أكان ذلك في الريف أم المدينة. ويتجلى ذلك في مستوى المعيشة والسكن والغذاء والصحة وفي التعليم وكذلك في الحصول على خدمات الكهرباء والماء وغيرها.
** تفاقم القاذورات والنفايات في المناطق الشعبية بما يقود إلى المزيد من الإصابات بأمراض شتى وتلك القوى التي تبني القصور والفيلات والدور المرفهة في مناطق تزداد جمالاً وبهاءً والتي تعبر فعلاً عن أمتين تعيشان في بلد واحد: أمة الأغنياء القلة وأمة الفقراء الكثرة التي تشكل نسبة عالية جداً من السكان تصل إلى أكثر من 80%.
** وإذ ينتشر التعليم في صفوف الأغنياء, يزداد الجهل والأمية وانعدام خدمات الكومبيوتر والحصول على المعلومات والصحافة وما يفترض أن يتعلمه الناس في هذه المرحلة من عالم العولمة بين الفقراء والمحتاجين.
فالجهل والأمية والفقر والأمراض وغياب التنوير الديني والاجتماعي تفتك بالناس وتثير غضبهم, ولكن الناس لا زالوا يخشون الانخراط بحركة سياسية واجتماعية معارضة, بسبب معاناتهم في فترة حكم صدام حسين من إرهاب وقمع وقهر طويل.
لقد واجه نوري المالكي مظاهرات البصرة المطالبة بحقوق الناس والخدمات بالقمع الشديد عبر أجهزة الأمن والشرطة واستشهد من استشهد وجرح من جرح, وفي الديوانية مارس رجال الأمن والشرطة والبلطجية العنف ضد المتظاهرين وأصابوا الكثير منهم بجروح خطيرة. إن هاتين الحادثتين تؤكدان عدم حصول تغيير في ذهنية الحكام في العراق, فهي واحدة لم تتغير. إنها تتلخص بالفردية والاستبداد ورفض الحرية وعدم الاعتراف بالديمقراطية التي تقود إلى اعتقال المعارضين أو الإساءة لهم أو تهديدهم بالاعتقال أو الضرب بالهراوات والسلاح أو فرض غرامات ثقيلة نتيجة نشرهم مقالات انتقادية أو سجنهم أو حتى اغتيالهم بطريقة ما.
ولكن إلى متى يبقى يتحمل الشعب من الحكام هذه المعاملة القبيحة في كل أنحاء العراق دون استثناء؟ إلى متى تهدر كرامة الإنسان العراقي, سواء أكان عربياً أم كردياً أم غير ذلك؟ إلى متى؟
إن صفعة واحدة من شرطي وجهت إلى حامل شهادة عالية في تونس وافق أن يكسب رزقه بدفع عربة في الشوارع ومنع منها وأهين إهانة شديدة بتلك الصفعة فأحرق نفسه فاشتعلت الغيرة التونسية على الكرامة المهدورة ضد زين العابدين بن علي وزبانيته مع أسباب أخرى منها البطالة والحرمان والفقر, فهل يمكن أن يسكت العراقيون على الدم المهدور في البصرة والديوانية وفي غيرها دون أن يحركوا ساكناً احتجاجاً على ما يجري من إهانة لكرامة البشر في العراق واستنكاراً لسياسة حكومة لا ترى سوى مصلحتها الذاتية, رغم الموت اليومي الذي تمارسه قوى الإرهاب الدموية بسبب تخلف الحكومة عن مواجهة هذه القوى العدوانية.
إن الغضب العراقي يتراكم يوماً بعد آخر ولن يستطيع أولئك الذي يخدعون الناس بالصراعات الطائفية وتنظيم الزيارات المليونية إلى كربلاء وغيرها وزيادة العطل السنوية التي ارتفعت لتصل إلى أكثر من نصف العام عدا العطل الرسمية الأخرى, أن ينسي الناس أوضاعهم البائسة والجور الذي يتحمله من الحكام الجدد. إن الظلم إن دام دمر, وكذا أوضاع الجوع والقهر والحرمان وغياب الحريات!
لقد مارس الشعب العراقي الهبَّات والوثبات والانتفاضات وأسقط الملكية في العراق رغم هوسة (أهزوجة) نوري السعيد "دار السيد مأمونة", ولن تنفع المالكي كلمة "ما ننطيها" حين يتأهب الشعب للانتفاض عفوياً بسبب الأوضاع السيئة والكارثية التي يعيش فيها ويضع الأحزاب السياسية خلفه حين لا تتبنى مطالبه وتعمل معه للخلاص من أوضاعه البائسة بالضغط المتعاظم على الحكومة المالكية الثانية.
سيقدم الشعب المصري الدرس الثاني لنا بعد شعب تونس وستتعلم شعوب المنطقة كلها دروساً ثمينة من هذين البلدين المنتفضين وستمارس طريقتها في الخلاص من أوضاعها المزرية التي تعيش تحت وطأتها منذ سنوات.               
4/2/2011                   كاظم حبيب   
   

397
كاظم حبيب

نحو نهوض شعبي متعاظم لكنس النظم الاستبدادية!

كانت تونس هي البداية ولن تكون النهاية .. هكذا بدت الصورة واضحة للجميع حين هبَّ الشعب المصري مطالباً برحيل رأس النظام الفاسد الذي جوَّع الملايين من البشر ودفع بهم للعيش في المقابر أحياء لا يرزقون ولو برغيف يابس من فتات موائد الأغنياء المتخمين وسراق أموال الشعب المصري من "أهل بيت الحاكم" بأمره والوزراء وأعضاء مجلس النواب الذين شاركوا في تزوير الانتخابات المتتابعة وأعضاء الحزب الحاكم اللاوطني والتجار وأصحاب رؤوس الأموال المنهوبة من الباطن.
كانت تونس هي البداية .. وتسلَّم الرسالة وأدرك الحاكم بن علي بأن الشعب بعد 23 سنة لا يريده وينبغي له أن يرحل قبل أن يعلق على أعواد المشانق واكتفى بقتل عدد غير قليل من البشر المحتج على الجوع والحرمان والبطالة والفقر المدقع. أما حسني مبارك العجوز الذي يعاني من شتى الأمراض فلم يفهم الرسالة كفاية ولا يريد أن يرحل عن مصر, إذ عين لأول مرة بعد 30 عاماً من الحكم الفردي نائباً له ليفاوض المحتجين والمتظاهرين من شبيبة مصر العزيزة ويستخدم السلاح عبر أجهزة الأمنية والبلطجية المرتزقة لقتل المزيد من البشر, كما حصل ليلة أمس (2-3/2/2011) وصبيحة هذا اليوم (3/2/2011), ويطرد شعب مصر منها ليبقى هو الحاكم على ارض الكنانة, يريد أن يستبدل شعب مصر بشعب آخر ..
وفي اليمن غير السعيد تحرك البعثي العتيق والدكتاتور الأهوج علي عبد الله صالح ليقدم تنازلات فات أوانها وليعلن الشعب اليمني عن رفضه لها ويريد منه الرحيل إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم, فهل يفهم ذلك, أم يريد أن يقتل المزيد من الشر جوعاً وبؤساً وبالسلاح.
وفي سوريا يطمئن الوريث غير الشرعي لحاكم لم يكن أصلاً شرعياً أتباعه والعالم بأنه ليس كما في تونس ومصر, فهو مهيمن على السلطة ولا يريد أن يدرك أن الشعب يخبئ المفاجئات دوماً ولا يمكن ان يستكين للمستبدين دوماً وسيهب بوجه الطغاة وأن يوماً لناظره قريب وقريب جداً.
وهكذا حال الدكتاتور الليبي, عميد المستبدين العرب الذي يحكم ليبيا منذ 43 عاماً والذي لام الشعب التونسي على طرد بن علي! ويذكرني حديث الدكتاتور بالمثل الشعبي العراقي القائل: إذا ما حلقت لحية جارك فصوبن لحيتك (صوبن من الصابون أو هيئ لحيتك), إنه بدأ يخشى على كرسيه الذي يريد أن يورثه لبنه من بعده, كما كانت محاولات حسني مبارك وعلي عبد الله صالح وقبلهما ما فعله حافظ أسد بتوريث ابنه بشار الأسد.
أما في العراق فحكام بغداد يتاجرون بالطائفية ويغذون الناس الشيعة بمزيد من الحزن على الحسين الشهيد والابتعاد عن الفرحة البسيمة ونسيان البؤس والحرمان والبطالة بحب الحسين ليبقوا في السلطة على حساب الحسين وأهل البيت. فإلى متى يبقى الناس سكوتاً على ما يجري في العراق من صراع على السلطة والناس يموتون أفراداً وبالجملة.
وفي الجزائر يصر الحكام على قهر الشعب الأمازيغي ومطالبه المشروعة وكذلك حرية بقية السكان ومنهم العرب من أصل أمازيغي. ويمارس الحكام كغيرهم في الدول العربية النهب من أموال الشعب, أموال النفط والغاز, ويبقى الشعب عاطلاً عن العمل ومحروماً من لقمة العيش الهانئة والسعيدة.
وفي السعودية ما يزال الالتزام الأمريكي بحماية النظام العائلي لآل سعود هو الذي يقيهم من غضب الشعب وكرهه للملك الذي يوزع أموال الشعب أولاً وقبل كل شيء على الأمراء والشيوخ ليصل فتات موائدهم إلى الشعب المسكين, شعب الجزيرة العربية وليس الشعب السعودي.
أما في السودان فقد أنهى الحاكم الأرعن والراقص دوماً على حبال الكذب والتزوير والقتل تقسيم السودان بسبب سياسات التمييز واغتصاب الحرية والحياة الديمقراطية في البلاد وتجويع الناس في الجنوب ودار فور والشمال أيضاً, وسيفقد شعب السودان لاحقاً مناطق أخرى مثل دار فور وتوابعها إن استمر على محاولاته في الحكم وتطبيق الشريعة البائسة التي يتمسح بأذيالها في حكم السودان.
وليس أسوأ من كل ذلك سوى ما يمارسه الطاغية الجديد حسن نصر الله, الإيراني النزعة والهوية, في لبنان من بناء جيش داخل البلاد ليهدد الجميع بحكم ولاية الفقيه علي خامنئي على سياسة لبنان وإقامة دولة إسلامية في بلد نسبة المسيحيين فيه عالية جداً ليلتحق بدولة الإسلام الكبرى التي يريد إقامتها الإيرانيون الشيعة الصوفيون في العالم الإسلامي! هكذا قال حين بدأ بتكوين حزب الله المتخلف, وحين كان لا يزال شاباً لا يختلف عن صاحبه العراقي مقتدى الصدر سوى بقدرته على الخطابة وتجييش الشيعة غير المتنورين لصالح ولاية الفقيه في إيران!
من المؤلم حقاً أن الحكام المستبدين لا يستفيدون من تجارب من سبقهم في الحكم, فهم لا يتعلمون ويكررون التجربة البائسة تلو الأخرى في الحكم وبالمصير. 
مصر وشعب مصر, سينتصران على الحكم الظالم فيها, وستنتصر شعوب الدول العربية على حكامها الأوباش الذين مرغوا جباه شعوبهم بالتراب وستبقى الشعوب وحدها وسيرحل الطغاة من شتى الأصناف, سواء أكانوا من الطغاة الفرديين أم الحكام الشوفينيين أو الطائفيين.
ستنتصر إرادة الشعوب الطامحة للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية والسلام وستُقهر وتُدحر الدكتاتورية في كل مكان من منطقة الشرق الأوسط وسيحل الأمن والسلام بإرادة شعوبها وقواها الوطنية الديمقراطية قرب الزمن أم طال.
3/2/2011                     كاظم حبيب       
 





398
كاظم حبيب

هل من رياح منعشة وأخرى صفراء عاتية تهبُّ على العراق والدول العربية؟

تشير أجواء العالم العربي إلى أن الأوضاع السياسية والاجتماعية فيها حبلى بالأحداث والمفاجئات الكبيرة. إنها حبلى بنماذج تلتقي أو تختلف عما جرى في العراق أو تونس. ويرتبط كل ذلك بمستوى التناقضات والصراعات الجارية في هذا البلد أو ذاك وبقدرات كل شعب وقواه السياسية على التخلص من أوضاع هذا البلد أو ذاك المزرية وبالمستوى الحضاري الذي بلغه هذا المجتمع أو ذاك وعمق وسعة وشمولية الأوضاع الشاذة التي عاش تحت وطأتها وعانى منها المجتمع والفرد.
كلنا يشهد يومياً أو يعيش تراكم الغضب الشعبي الفردي والجمعي الناشئ عن سياسات الحكام في الدول العربية دون استثناء, سياسات تتميز بالاستبداد والقسوة والقمع, سياسات تكرس التخلف في الاقتصاد والمجتمع وتفتح الأبواب على مصراعيها أمام التجارة الخارجية التي تمنع التنمية الصناعية والزراعية والتراكم الرأسمالي, أو غياب التنمية الاقتصادية والبشرية الواعدة والمطلوبة, والتي تجد تعبيرها في تفاقم البطالة والحرمان والجوع, سياسات غياب العدالة الاجتماعية والسيطرة على الدخل القومي وسوء توزيعه وإعادة توزيعه واستخدامه ونهب خيرات البلاد باسم العشيرة أو العائلة المالكة أو الخاكمة أو الحزب الواحد الحاكم أو باسم القائد, سياسات ترعى الفساد المالي والإداري والمحسوبية والمنسوبية ومواصلة الكذب والضحك على ذقون الشعب كله, سياسات توريث الأباء الحكم  للأبناء, سواء أكان النظام ملكياً أم جمهورياً. هذا الغضب المتراكم يوماً بعد آخر وسنة بعد أخرى وعقداً بعد عقدٍ الذي نشأ بسبب القهر الفكري والديني والمذهبي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي, تكون له إذا ما تفجر أبعاده وعواقبه الوخيمة على الحكام وأتباعهم, كما حصل في العراق أو في تونس, واحتمال أن تكون له نتائج طيبة على المجتمع, إن أمكن قيادته بصورة ديمقراطية ولصالح المجتمع.
إن تراكم غضب الجياع والمحرومين والمنكودين و المقهورين من الناس, غضب العاطلين عن العمل وسكنة البيوت القصديرية والمقابر ومعسكرات الجيش, غضب المثقفين المقموعين بشتى السبل, هذا الغضب المتراكم يغلي في النفوس, وحين ينفجر يهدد باكتساح الكثير من الحكام وربما أقوى بكثير مما حصل في العراق وتونس حتى الآن.
ومن يتتبع ما يجري اليوم في الدول العربية يستطيع ان يتبين مثل هذا الغضب المتعاظم الذي يمكن أن يبشر بانفجارات فعلية: ها نحن أمام الجزائر ومصر واليمن والسودان أمام كل الدول العربية دون استثناء. ويحمل هذا الغضب العارم معه احتمالان: إحدهما يحمل معه الرياح المنعشة للجماهير الكادحة حين يهب الشعب لتحقيق التغيير المنشود مدافعاً عن حريته وكرامته وحياته الديمقراطية وعن خبز يومه والنظام الديمقراطي الذي يسعى إلى إقامته, مكتسحاً أمامه قوى الاستبداد والظلم والتمييز, والآخر يحمل معه الرياح الصفراء المسمومة والعاتية التي تحرق الأخضر بسعر اليابس, وهي لا تختلف في عواقبها عن الثورة التي نهضت بها جماهير الشعب في إيران ثم سرقتها قوى الإسلام السياسية واقامت دولتها المذهبية الشمولية وسياساتها الساعية إلى تصدير نموذجها إلى كل الدول العربية والشعوب الإسلامية.
إن إلقاء نظرة على ما يجري في عدد من الدول العربية الشرق اوسطية من جانب الحكام العتاة, سواء أكان ذلك في السعودية أم السودان أم اليمن أم ليبيا أم سوريا وغيرها, يتلمس الإنسان الاختلال الفعلي في ميزان القوى الراهن في غير صالح القوى الديمقراطية الراغبة في التغيير الديمقراطي والتقدمي بسبب الإرهاب المستمر وبصيغ عديدة الذي تعرضت ولا تزال تتعرض له من جانب حكومات تلك البلدان, في حين تعززت فيها قوى الإسلام السياسية التي وجدت من الجوامع والمساجد والحسينيات وشيوخ وفقهاء الدين سنداً لها ودعماً لسياساتها, إضافة إلى الدعم الذي يصل إليها من الدول المجاورة. وهو ما نتلمسه اليوم في لبنان أو ما يجري في السودان على سبيل المثال لا الحصر.
والعراق, هذا البلد الذي أُنقذ من قبضة وسجن الدكتاتور الفاشي صدام حسين الذي دام 35 عاماً من قبل القوات الأجنبية, الأمريكية والبريطانية على نحو خاص, فرض عليه الاحتلال رسمياً من جانب مجلس الأمن الدولي وتسبب ذلك في مضاعفات كثيرة بما فيها تفاقم الإرهاب الإسلامي الدولي والإقليمي والمحلي. فالعراق يعاني اليوم من هيمنة القوى الإسلامية السياسية الطائفية وممارستها للسياسات الطائفية المقيتة ومن تحكمها في حياة الفرد والمجتمع وبطريق يقترب يوماً بعد يوم مما فرض عليه قبل ذاك من خيمة فكرية واحدة هي خيمة البعث المهلهلة. وهي الخشية الكبيرة التي يفترض أن نضعها نصب عيوننا.
العراق يقترب سريعاً من مغادرة القوات الأجنبية وفق الاتفاقية التي عقدت بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية. وهو أمر إيجابي دون أدنى ريب. ولكن في ذات الوقت يتعرض الشعب العراقي إلى استمرار فعلي في الضربات الموجعة التي توجهها القوى الإرهابية يومياً ويموت بسببها الكثير من ابناء وبنات الشعب في عدد من المدن العراقية ومنها بغداد وكربلاء, أو القتل العدواني الشرير ضد مواطناتنا ومواطنينا من أتباع الديانة المسيحية أو المندائية. ورغم ما تبذله قوات الأمن من جهود, فالعدو لا يتوقف عن القتل والتدمير!
ولكن ماذا بعد؟
دعوني أطرح رؤيتي لما يمكن أن يحصل في العراق, وهو ما لا أتمناه لشعبنا وعراقنا الحبيب, تماماً كما قدمت رؤيتي قبل ما يقرب من سبع سنوات ونصف السنة عما قرره صدام حسين أن يفعله بعد سقوطه. ومن المؤسف والمؤلم حقاً أن تحقق ذلك السيناريو كما وضعته بالتمام والكمال! ولم يكن ذلك اجتهاداً, بل معرفة بطبيعة ونوايا صدام حسين ورهطه. 
واليوم أرى مخاطر جمة تواجه العراق بعد خروج القوات الأجنبية لعدة أسباب لا بد من ملامستها بوضوح.
1 . إن الحكم في أكثريته بيد قوى الإسلام السياسية الشيعية والسنية, ورغم أهمية ودور التحالف الكردستاني والإقليم في الحد من تطرف الحكم الاتحادي, فأن الحكم الفعلي بأيدي هذه الأكثرية الدينية التي تسعى إلى إقامة دولة إسلامية ومجتمع ديني إسلامي.
2 . إن الصراعات الطائفية يمكن أن تتفاقم بفعل فقدان التوازن بعد خروج القوات الأجنبية حيث تستطيع المليشيات المسلحة أن تخوض الصراع لصالح أحزابها وتهدد البلاد كلها بحرب مدمرة, إذ أن التوافق بين القوى الإسلامية ناشيء نسبياً لعدائها المشترك ضد القوى المدنية والعلمانية, وحين يخف هذا يتوجه أحدها ضد الآخر.
3 . إن المبادرة في الحكم لم تعد بيد رئيس قائمة دولة القانون بل فقدها حقاً, وهي اليوم بيد قى مقتدى الصدر والحليف المحتمل هادي العامري. 
4 . إن المليشيات الشيعية التابعة لمقتدى الصدر وفيلق بدر تستعدان منذ الآن لتدبير أمر الهيمنة على الحكم بتحريك الجماهير غير الواعية والمسلحة تسليحاً جيداً للسيطرة على الوضع في البلاد, خاصة وأن لها قوى قد تسربت إلى القوات المسلحة والأجهزة الأمنية. وهذا هو الخطر الداهم الذي ينتظر العراق وتسعى إليه إيران بأحر من الجمر.
5 . لم يكن مجيء مقتدى الصدر إلى العراق بعد غيبة ثلاث سنوات عبثاً, بل كان لجس النبض وتحريك قواه لكي لا تصدأ دون حركة وفعل. وقد بدأ بتحريكها فعلاً وبلا مواربة ضد القوات الأمريكية بنداءاته الشعبوية ضدها وترديد أتباعه لها "لا ..لا .. للمحتل, لا .. لا.. لأمريكا", وبدعمه الصارخ لما سماه "قوات المقاومة" في العراق دون أي تحديد لهويتها, وهي رغبة المصالحة مع كل القوى المعادية للعملية السياسية في العراق في هذه المرحلة الحساسة.
6 . إن الهجوم الراهن على القوى الديمقراطية والحريات العامة والثقافة الديمقراطية من قبل مجالس محافظات بغداد والبصرة وبابل وتأييدها غير المباشر من جانب رئيس الوزراء كان لجس النبض أيضاً, ولكنه البداية الفعلية لما يراد للعراق لاحقاً. والصدر في هذا التوجه لا يختلف عن حسن نصر الله إلا في كون الأخير لا يزال غير مدرب تدريباً فكرياً وسياسياً كافياً, كما أنه ليس بخطيب مفوه. وعلينا أن ننتبه لما جرى ويجري اليوم في لبنان, وكيف أن إيران وسوريا بدأتا تلعبان لعبتهما الخطرة في لبنان والمؤججة لكل الصراعات المحتملة في المنطقة.
7 . ومما يزيد من هذا الاحتمال تفكك القوى الديمقراطية وضعفها وابتعاد القوى السياسية الكردية عن التحالف معها ودعمها ليقوى عودها وتستعد لمواجهة ما يراد للعراق خلال الفترة القادمة.
8 . إن موافقة مقتدى الصدر على تعاون أتباعه مع المالكي جاء بفعل الدور والتأثير الإيراني, ولكن مقتدى الصدر لن يغفر للمالكي ما حصل في البصرة وبغداد لأتباعه من الخارجين على القانون, وسوف لن يشفع له وجوده على رأس حزب الدعوة الإسلامية. وعلينا أن نتذكر بوضوح المصير الذي حل بغريمه عبد المجيد الخوئي حال دخوله النجف.
إن عودة مقتدى الصدر إلى إيران تدخل في إطار التحضير للفترة القادمة, وفي العراق ما يكفي من السلاح والعتاد لميليشيات جيش المهدي التي يقودها مقتدى الصدر وفيلق بدر الذي يقوده هادي العامري.
من استمع إلى خطاب الاحتفاء بعودة مقتدى الصدر للعراق والترحيب به من قبل عريف الحفل في النجف يدرك بأن الترحيب كان بـ "القائد", وتكررت كلمة "القائد" التي لها معناها, لم تكن موجهة لأتباعه فحسب, بل وبالأساس للمالكي وللعراق كله, وهو الطريق الذي سار ويسير عليه حسن نصر الله في لبنان.
الجهد يبذل اليوم لخلق حصان طروادة داخل الجيش وآخر داخل الشرطة وثالث داخل أجهزة الأمن, لتعمل يداً بيد مع مليشيات جيش المهدي ومع فيلق بدر. وهنا يبرز مكمن الخطر الداهم.
وفي مقابل هذا علينا أن نلاحظ بوضوح أن قوى أخرى تابعة للقاعدة وحليفها حارث الضاري وقوى حزب البعث وبقايا أجهزة أمنه هي الأخرى تعمل بنفس الاتجاه وتملك قوى إقليمية خارجية تساندها, كما في حالة إسناد إيران لقوى مقتدى الصدر وهادي العامري. 
إن على كل العراقيات والعراقيين الذين يهمهم مصير الوطن ويرفضون التطرف في الحكم ويسعون إلى التعددية والحرية الفردية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية وحل المشكلات القائمة بالطرق السلمية والديمقراطية وبعيدة عن التمييز والطائفية والشوفينية ومن أجل دولة اتحادية ديمقراطية ومجتمع مدني ديمقراطي سليم أن لا يتفرجوا على ما يجري في العراق حالياً, بل لا بد من التحرك والعمل لتبيان حقيقة الوضع للشعب وللقوى الديمقراطية ولكل الخيرين في كافة الأحزاب الوطنية الفاعلة في العملية السياسية لمواجهة احتمال التطور بهذا الاتجاه السلبي الذي ملامحه بادية في أفق العراق الراهن وليس البعيد!
26/1/2011                      كاظم حبيب

                   

399
كاظم حبيب

هل صبركم صبر أيوب ايها الكرد الفيلية؟

منذ أن اُعتقلت في العام 1955 ببغداد وأودعت التحقيقات الجنائية الواقعة على ضفاف نهر دجلة الخير للتحقيق وأنا اسمع بعذابات الكرد الفيلية. حينذاك كان هناك مواطن كردي فيلي اسمه, كما بقي في ذاكرتي, جعفر نزر. كانت التحقيقات الجنائية تعتقله أكثر من مرة في السنة لنشاطه السياسي وترحله مخفوراً بصحبة شرطيين إلى البصرة ومنها إلى المحمرة حيث يُسلم يداً بيد إلى الشرطة الإيرانية. بعدها يعود الشرطيان العراقيان إلى البصرة ثانية ويتوجها صوب مقهى في وسط المدينة لتناول الشاي والراحة قليلاً قبل المغادرة والعودة إلى بغداد. وما أن يجلسا على مصاطب المقهى حتى يشاهدا جعفر نزر جالس في ركن من المقهى قبليهما يحتسي الشاي وكأنه كان ينتظرهما. وكان الطريف في الأمر أن الشرطيين الطيبين يجلسان إلى جانبه ويدفع عنهما ثمن الشاي ولا يعتقلانه ثانية بل يغادران معه سوية إلى بغداد بالقطار ويذهب كل منهم إلى حال سبيله, هما إلى مركز الشرطة وهو إلى داره ولا يخبران عنه. كان جعفر كالعادة يدفع رشوة بسيطة للشرطة الإيرانية فيطلقون سراحه ليعود حالاً إلى البصرة فبغداد ليواصل عمله السياسي مع رفاقه في الحزب الشيوعي العراقي ضد سياسات نوري السعيد. كان هذا ايام زمان!   
حينذاك وفي العهد الملكي كانت للكرد الفيلية معاناتهم, ولكنها لم تكن شديدة حقاً, ولم تختلف كثيراً عن معاناة بقية أبناء وبنات الشعب العراقي, ولكنها كانت معاناة على أية حال.
والحاكم الوحيد الذي قدرهم حق قدرهم الكبير واعتز بهم كاعتزاز الناس الطيبين من العراقيات والعراقيين بهم كان الزعيم الركن ورئيس وزراء الجمهورية الأولى عبد الكريم قاسم. عند استقباله وفداً منهم أشار قاسم: أن الكرد الفيلية هم من أصل أهل العراق.... وكان لهذا الاعتراف الصادق والسليم معناه العميق والخاص في نفوس الكرد الفيلية وفي القانون الدولي وفي لوائح الأمم المتحدة وحقوق الإنسان والوثيقة الخاصة بسكان أصل أهل البلاد, إذ أن لهم حقوقهم المشروعة والثابتة والتي لا يجوز التجاوز عليها, علماً بأن الكثير من التجاوزات قد حصلت ولا تزال تحصل في كثيرة من دول العالم على الناس الذين يطلق عليهم صواباً بأصل أهل البلاد, كما في أمريكا الجنوبية وآسيا وأفريقيا واستراليا ...الخ. ولهذا السبب وغيره لم ينس الكرد الفيلية الزعيم عبد الكريم قاسم في وقت المحنة المشتركة ودافعوا عن الجمهورية العراقية وعنه دفاع الأبطال واستشهدوا في سبيل الوطن وضد الفاشست الأوباش ممن شاركوا في الحرس القومي وقيادة البعث حينذاك والذين مرغوا جباه الشعب العراقي بالتراب وأغرقوا الشعب بالدم والدموع وفتحوا أبواب السجون لمزيد من البشر, ومنهم شخصيات بارزة مثل الدكتور عبد الجبار عبد الله والأستاذ إبراهيم كبة والدكتور محمد سلمان حسن وسلام عادل وجمال الحديري والعبلي وعوينه وعبد الجبار وهبي والكثير ومن الشيوعيين والديمقراطيين والمستقلين وأنصار عبد الكريم قاسم والمئات والألوف من البشر من مختلف القوميات والديانات والمذاهب, وبينهم الكثير من الكرد الفيلية. إن ما حصل أثناء وبعد انقلاب 8  شباط عام 1963 الدموي يفوق كل العذابات التي تعرض لها الكرد الفيلية حتى ذلك الحين. فهل كان سقوط البعث في تشرين الثاني 1963 خاتمة فعلية لعذاباتهم؟ لا ابداً, فالقوميون الشوفينيون بقيادة عبد السلام محمد عارف وحزبه الاتحاد الاشتراكي ورهطه قد ساروا على نهج البعثيين نفسه في موقفهم المخزي العام من الكرد الفيلية. واستمر الموقف الكاره لهم والحاقد عليهم فترة حكم القوميين إلى أن وصل البعثيون ثانية إلى السلطة في تموز 1968, وكانوا هذه المرة يحملون معهم مشروعا عدوانياً ضد الشعب الكردي عموماً والكرد الفيلية خصوصاً, إضافة إلى  عدوانيتهم الموجهة ضد كل الشيوعيين والديمقراطيين والتقدميين والخيرين والطيبين من أبناء وبنات الشعب العراقي. ونفذوا ذلك وفق مخطط إجرامي بدم بارد, ولكن انتهى بهم الأمر إلى مستنقع التاريخ وبئس المصير!
بدأ البعثيون بعمليات التهجير القسري للكرد الفيلية بعد وصول الخميني إلى السلطة واحتل موقع ولاية الفقيه وسرق مع بقية الملالي السلطة من أيدي الشعب وقواه السياسية: فدائيي خلق وتودة ومجاهدي خلق والأحزاب البرجوازية الوطنية. ثم تفاقمت هذه الحملة قبيل الحرب العراقية-الإيرانية بحيث توجه الحكم إلى اعتقال شباب الكرد الفيلية وزجهم في السجون وترحيل النساء والأطفال والشيوخ والعجزة والمرضى منهم أيضاً إلى إيران بعد أن سلبهم كل أموالهم المنقولة وغير المنقولة وحلي النساء والأطفال عبر مناطق حدودية مليئة بالألغام. لقد قتل النظام البعثي الصدامي الكثير من الشبيبة الكردية الفيلية في السجون أو أرسلهم إلى الموت في جبهات القتال الأمامية مع إيران فاستشهد الكثير منهم ودفنوا مع من قتل منهم في السجون في مقابر جماعية لا يُعرف عن الكثير منهم شيئاً حتى الآن. وفي ذات الفترة هجّر الكثير من العرب الشيعة بذريعة التبعية الإيرانية, كما هجًّر بالقوة والقسر الكثير من أتباع القومية الفارسية الذين عاشوا في العراق وحصلوا على الإقامة أو الجنسية العراقية بدعوى كونهم يشكلون حصان طروادة لصالح إيران في العراق.
لقد عانى الكرد الفيلية الكثير من القهر والذل والضيم وهم في إيران بسبب الفقر والجوع والحرمان, إذ لم يكفِ ما عانوه في العراق ليتسلط عليهم الحرس الثوري الإيراني ويذيقهم في معسكرات اللجوء الضيم الكثير. وأجبر الكثير منهم على مغادرة إيران والعيش في الشتات العراقي في أنحاء كثيرة من العالم. كما كان منهم الكثير الذين شاركوا في حركة الأنصار الشيوعيين والپيشمرگة الکردية في كردستان العراقي في الكفاح المسلح ضد نظام البعث االاستبدادي.
واليوم يواجه الكرد الفيلية الحرمان أيضاً في إيران بسبب الغلاء الفاحش في إيران وسوء الأوضاع المعشية للسكان عموماً والمساعدات القليلة التي تمنح لهم من الحكومة الإيرانية التي تعتبرهم من أهل العراق وليسوا من أهل إيران, وهو صحيح طبعاً. والحكام في إيران لا يعرفون الرحمة ولا يشعروا بعذابات هؤلاء الناس المهجرين قسراً إليها.
وبعد سقوط الدكتاتورية في العراق, ورغم ادعاء الجميع بتبني قضية الكرد الفيلية, لم يتحقق لهم شيئاً إيجابياً سوى الوعود المعسولة, إضافة إلى الحكم الجنائي المهم والجيد الصادر بحق المجرمين الذين ارتكبوا الفظائع ضد الكرد الفيلية من محمكة الجنايات واعتبار الجرائم التي اُرتكبت ضدهم "جرائم إبادة جماعية وضد الإنسانية". وهو قرار إيجابي وجيد. ولكن ماذا بعد؟ لا أحد أبدى الاهتمام الكافي بهم وبمشاعرهم وحقوقهم المغتصبة منذ السنوات الأولى للعقد التاسع من القرن العشرين إلى الآن. إذ كلما كانوا يطالبون بحقوقهم, يوعدون بها خيراً ولكنهم كانوا لا يعودوا من جديد إلا بخفي حنين أو "العشه خباز", كما يقول المثل الشعبي.
قوى التحالف الكردستاني أهملتهم كثيراً, فاشتكوا منها, الشيعة أهملوهم أيضاً, وسعى مقتدى الصدر لإحتوائهم! فمن يا ترى يأخذ قضية الدفاع عنهم؟ لم يبق لهم سوى الحزب الشيوعي العراقي وبعض الشخصيات الوطنية العراقية, وهم لا يستطيعون تحقيق مطالب الكرد الفيلية سوى الكتابة عنهم ونشر الظروف الصعبة التي تعيش فيها هذه المجموعة البشرية المهمة والكبيرة من سكان العراق وبُناته.
ولكن, وأخيراً التفت إليهم السيد رئيس الجمهورية العراقية فصدر قرار عن رئيس الوزراء بتشكيل مكتب خاص في شؤون الكرد الفيلية لدى رئاسة الجمهورية وباقتراح من رئيس الجمهورية. وهو أمر إيجابي إذ قيل قديماً: حين يكون لديك قانون في قضية معينة يمكنك أن تتمسك به وتناضل من أجل تحقيق مضمونه, وأن يأتي القرار متأخراً خير من أن لا يأتي أصلاً!
أصبح للكرد الفيلية مكتب خاص في رئاسة الجمهورية يترأسه الصديق الأستاذ عادل مراد, عضو قيادي ومجرب في الاتحاد الوطني الكردستاني وسفير سابق في رومانيا وكاتب في آن. فماذا يمكن لهذا المكتب أن يحققه للكرد الفيلية؟
للأخ الدكتور عادل مراد معرفة جيدة بالكرد الفيلية, وهو منهم أساساً, وبالتالي فهو عليم بمشكلاتهم الملموسة وحقوقهم المغتصبة ومطالبهم العادلة. ولهذا لا أحتاج إلى إعادة ذكر تلك المطالب, بل إن ما اراه مناسباً الآن هو البدء السريع بوضع القوانين الضرورية والإجراءات اللازمة للمصادقة عليها وتنفيذ تلك المطالب التي نادوا بها منذ سقوط الدكتاتورية الغاشمة, أو تحريك ما موجود من قوانين وإجراءات معطلة لإنجازها.
ارجو أن لا يتأخر العمل لصالح الكرد الفيلية, واتمنى ان يلعب المكتب دوراً فعالاً في جمع كلمة الكرد من خلال الاستجابة لمطالبهم العادلة والمشروعة وان يكون مكتباً فعلياً وفعالاً لكي لا يبدأ الكرد الفيلية بالشكوى مجدداً لأن المكتب لم يلب مطالبهم المشروعة.
إن أجهزة الدولة هي الطرف الأكثر إعاقة في تنفيذ مطالب الكرد الفيلية العادلة والمشروعة بسبب الفساد السائد في الأجهزة الإدارية وسوء الإدارة والمواقف القومية الإيديولوجية المعادية للكرد الفيلية والرشاوى العالية التي يطالبون بها ويتقاضونها فعلاً من أجل الحصول على شهادة الجنسية العراقية التي يستحقها فعلاً, (400 دولار حد أدنى لكل شهادة جنسية لكردي فيلي). والأمثلة كثيرة وموثقة في هذا الصدد واسماء المسؤولين القابضين لتلك الرشوات معروفة لكل كردي فيلي تسلم شهادة جنسيته وجنسية أطفاله خلال السنة المنصرمة. وكذا الحال بالنسبة لمشكلات الأموال المنقولة وغير المنقولة وقضايا الشهداء والتعويضات ومنازعات الملكية ... الخ.
أتمنى على المكتب ورئيسه الأستاذ عادل مراد أن يبدأ بالعمل وينتهي منه قبل نهاية دورة السيد رئيس الجمهورية إذ لا يعرف الإنسان ما سيجري في العراق قبل أو بعد ذاك.
الكرد الفيلية صبروا صبر ايوب وأكثر, ولا يجوز لهم أن يصبروا أكثر فلهم الحق بالاحتجاج والاعتصام والتظاهر السلمي مطالبين بحقوقهم المشروعة حين يشعرون بأن هناك من لا يريد الاستجابة لتلك المطالب العادلة ويعطل تحقيقها لأي سبب غير مشروع كان, وعلى المكتب أن يتناغم معهم في ذلك ويساندهم. وهو ما ينتظره الجميع. لا يحق لمن يطالب بحقه ان يصبر صبر أيوب إذ عندها يضيع الحق واصحابه في آن.
27/1/2011                      كاظم حبيب
 

400
كاظم حبيب
الإرهابيون وحكومة بغداد!

حصل نوري المالكي على تأييد شعبي واسع حين استطاع توجيه ضربات قوية للميلشيات الطائفية المسلحة في البصرة وفي بغداد, وحين تعاون مع القوات الأمريكية في التزام قوى الصحوات في الأنبار وصلاح الدين بشكل خاص التي استطاعت توجيه ضربات قاسية لقوى القاعدة الإرهابية. واستناداً إلى شعار سيادة واحترام دولة القانون الذي رفعه المالكي وشكل به قائمة دولة القانون, حقق نجاحاً كبيراً في انتخابات مجالس المحافظات والانتخابات العامة لسنة 2010 وليس بقائمة حزب الدعوة الإسلامية. هذه النجاحات أصبحت بعد ثلاث سنوات في خبر كان, إذ أن الإرهاب الدموي عاد إلى بغداد ومحافظات أخرى من العراق بقوة ملموسة ومدمرة لثقة الناس بالوضع القائم. فخلال فترة وجيزة تعرضت بغداد وتكريت وديالى وكربلاء إلى ضربات انتحارية وعبوات ناسفة إدت إلى وقوع مجازر دموية راح ضحيتها المئات من الناس الأبرياء قتلى وجرحى. وهذا التأييد السابق أصبح منذ الآن في خبر كان أيضاً بعد أن مر الآن أكثر من عشرة شهور على الانتخابات العامة ولم ينته رئيس الوزراء من تشكيل الحكومة بكامل قوامها والنسبة المقررة للنساء. إذ أن اقطاب الأحزاب الفائزة في الانتخابات تمارس صراعاً مرهقاً للمجتمع على الوزارات الأمنية التي تراجَعَ نشاطها وقدرتها على ملاحقة الإرهابيين واستطاعت هذه القوى تحريك خلاياها النائمة في وزارات الداخلية والأمن الداخلي والدفاع لتجهز على مزيد من البشر وتدفع بهم إلى طاحونة الموت أو الإصابات البالغة.
وبدلاً من زيادة النشاط السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني والبيئي المخرب لمواجهة أوضاع البلاد الشاذة وملاحقة قوى الإرهاب الدموية من جانب أجهزة الأمن والشرطة, راحت بعض قوى الأمن ومجالس المحافظات تتوجه بعملياتها القمعية ضد أتباع الديانة المسيحية, كما حصل في مهاجمة جميعة أشور بانيبال الثقافية بصورة همجية, أو اغتيال أشخاص من أتباع الديانة المندائية وكذلك الاعتداء الغاشم لمرتين متتاليتين من جانب الأجهزة الأمنية على الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق والذي يحتل موقعاً خاصاً في قلوب وعقول كل مثقفات ومثقفي العراق الديمقراطيين من مختلف القوميات وأتباع الأديان والمذاهب الدينية المتنورين الذين يدركون أهمية ودور هذا الاتحاد ومنتسبيه في النضال ضد الدكتاتوريات الغاشمة وضد نظام صدام حسين الدموي ومقارعة التخلف والعنف والعدوانية, والذي قدم التضحيات الغالية من بين أعضائه على هذا الطريق النبيل, طريق النضال في سبيل حرية الشعب وحياته وثقافته الديمقراطية.
وقد بلغت التجاوزات على حرية المواطنات والمواطنين حداً الزمت السيد رئيس الجمهورية إلى إصدار بيان رئاسي جاء فيه "ان رئيس الجمهورية يتابع بمزيد من القلق والاستياء استمرار تعرض المواطنين المسيحيين ومحلات عملهم وتجمّعهم إلى اعتداءات أثمة تشكل مخالفة صريحة للدستور والقوانين المرعية وانتهاكا للحريات الفردية المكفولة بنصوص دستورية واضحة .. فضلا عن ان ديننا الاسلامي الحنيف، دين التسامح والمحبة يعارض العنف المنفلت ويتعارض مع اي اعتداء على ارواح الناس وممتلكاتهم". واضاف "ان الاعتداءات الأخيرة تأتي إثر سلسلة من التجاوزات على الحقوق والحريات في بغداد ومدن أخرى ما يثير قلقاً لدى أوساط الرأي العام. واوضح البيان" ان الرئيس، بحكم التزاماته الدستورية واحترامه لنصوص القانون الاساسي، يدعو الحكومة العراقية، حكومة الوحدة الوطنية والشراكة الوطنية، الى اصدار أوامرها الى الجهات المختصة بالشروع في التحقيق واتخاذ الاجراءات اللازمة لصون الحريات والحقوق وحماية ارواح وممتلكات المواطنين عامة والمسيحيين خاصة وحقهم في العمل وفق ما نص عليه الدستور والتشريعات وانزال العقاب بكل من ارتكب مخالفة او جرما في هذا السياق". ودعا البيان الى" التآزر والتضامن مع الاشقاء المسيحيين والدفاع عنهم واحترام حقوقهم بوصفهم مواطنين اصلاء واخوة في الوطن ..العراق الجديد.. عراق الديمقراطية والتعددية والحريات العامة والخاصة".  (موقع وكالة الأنباء القطرية في 16/1/2011). ومع ذلك, وبعد صدور هذا البيان, قامت عناصر من مجلس محافظة بغداد وثلة من الشرطة المحلية بتدنيس مقر اتحاد الأدباء ثانية وتفتيشه رغم احتجاج مسؤولي الاتحاد. وهو تحدٍ كبير لبيان رئاسة الجمهورية العراقية وتجاوز أخطر على الدستور العراقي وحرمة المؤسسات الثقاية ومنظمات المجتمع المدني.   
إننا إذ ندين هذه التصرفات الفظة غير القانونية والمخلة بالأمن العام التي مارسها رئيس مجلس محافظة بغداد ضد اتحاد الأدباء والكتاب والتهم الموجهة إلى عناصره بالاعتداء على جمعية أشور بانيبال الثقافية بتوجيه وتنظيم منه, نشارك رئاسة الجمهورية بضرورة إجراء التحقيقات الجدية والصارمة ونشر نتائج التحقيق وتقديم المسؤولين إلى العدالة لينالوا الجزاء العادل من جهة, وإلغاء كافة الإجراءات غير المشروعة المتخذة من قبل رئيس مجلس محافظة بغداد ووزارة التربية ضد النوادي والجمعيات الثقافية وضد أكاديمية ومعهد الفنون الجميلة من جهة أخرى, إذ إنها تندرج ضمن التجاوز الفظ والقمعي على حقوق الإنسان والثقافة الديمقراطية وحرية الفرد والشعب وحرية المعاهد والكليات العراقية في وضع المناهج التدريسية وضد الدستور العراقي.
إن على  رئيس الوزراء أن يدرك بأن المجتمع العراقي يتكون من قوميات وأديان ومذاهب واتجاهات فكرية وسياسية كثيرة لا يجوز فرض اتجاه ديني واحد عليه, كما أن الدين الإسلامي لا يحرم الغناء والموسيقى أو الطرب, إذ أن ذلك يشكل جزءاً من الغذاء الروحي للإنسان والذي يفترض أن يحترم وأن تساهم الدولة في تطوير هذه الفنون الإنسانية العريقة التي نشأت مع نشأة الإنسان وتطورت بتطوره. وإذا كان الدستور يتحدث عن أن العراق دولة إسلامية وهو خطأ فادح في الدستور, فأن هذا لا يعني باي حال مصادرة حقوق الإنسان التي كرسها الدستور ذاته أو مصادرة حقوق أتباع الديانات الأخرى بأي حال. إن ما تمارسه بعض قوى الإسلام السياسية في العراق تتقاطع مع الحياة الدستورية ومع المجتمع المدني الذي يراد إقامته في العراق ومع الديمقراطية التي هي أساس المجتمع المدني وقاعدته الفكرية والسياسية. إن على رئيس الوزراء أن يعي ذلك ويدرك فداحة ما يمارس اليوم من بعض أجهزة الدولة ومؤسساته الإدارية ضد الإنسان العراقي وضد حقوقه المشروعة. وأن تأييده للإجراءات المخلة بدستور العراق من جانب رؤساء مجالس بغداد والبصرة وبابل بحديثه عن بناء مجتمع إسلامي أو سكوته على تلك الإجراءات سيقود إلى محاسبته لاحقاً, وأرجو أن لا يحصل ذلك, كما يحاسب اليوم شعب تونس رئيس الجمهورية الهارب من وجه العدالة زين الدين بن علي.
21/1/2011                      كاظم حبيب 
   

401
كاظم حبيب

حرية الشعب والرأي في العراق في خطر!

لم تتوقف محاولات دفع العراق إلى نفق مظلم حيث تغيب عنه شمس الحرية والديمقراطية وتستعيد الدكتاتورية أنفاسها وتصادر الحرية الفردية وحقوق الإنسان وتستكلب فيه قوى الإرهاب وتنهش وحوش الغابة في لحم الشعب وتشرب من دمائه. فما أن بدأت تلك المحاولات الجادة والوقحة والمتعارضة مع الدستور العراقي في بابل حتى انتقلت إلى البصرة فبغداد وأضحت تشكل تهديداً خطيراً للاستقرار النسبي في العراق وفتحت بدورها أبواب البلاد على مصراعيها أمام صراع متصاعد في المجتمع بين قوى مشاركة في العملية السياسية, مما فسح في المجال إلى تفاقم نشاط قوى الإرهاب والميليشيات الطائفية المسلحة وإنزال المزيد من الضربات الموجعة بالشعب العراقي, وبشكل خاص ببنات وأبناء شعبنا من أتباع الديانة المسيحية وضد دور العبادة. كما لم يتوقف التجاوز على حرية وحياة الصابئة المندائيين. فالإرهابيون لا يكفون عن ملاحقتهم بشتى الطرق لقتلهم, كما حصل لأتباع الديانتين أخيراً.   
إن القوى الظلامية وتلك التي لم تترك فرصة إلا واستثمرتها لوأد العملية السياسية في العراق وإثارة النعرات الطائفية والدينية والقومية وضد الديمقراطية, بدأت معركة جديدة ضد الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان وضد بناء المجتمع المدني الديمقراطي والدولة الوطنية الديمقراطية الاتحادية ومن أجل بعثرة الجهود وتفتيت قوى المجتمع لمنعها من إعادة بناء الاقتصاد العراقي ومكافحة البطالة والفقر السائدين في البلاد. ولكن الغريب في الأمر ان الحكومة الاتحادية وكل القوى المشاركة فيها لم تتصد لهذه الحملة الهمجية الظالمة, بل انبرى رئيس الوزراء, الذي طرح نفسه كممثل لدولة القانون والمدافع عنها وخاض الانتخابات العامة على اساس ذلك, عاد إلى مواقعه كرجل دين في حزب الدعوة ليؤيد بطرف خفي مرة وبوضوح مرة أخرى تلك الإجراءات التعسفية التي تجاوزت بشكل فظ على الحرية الفردية والحريات الديمقراطية الشحيحة أصلاً في البلاد ورفض حتى نداءات من يؤيده وراح يدعو له وممن يحسب على قوى المجتمع المدني.
وبدلاً من الاهتمام بمصالح الناس وتوفير الخدمات للشعب الذي يعاني من شحتها وخاصة الكهرباء والعناية الصحية ونظافة المدن العراقية وخاصة بغداد العاصمة والأحياء الشعبية فيها, وبدلاً من الاهتمام بالاقتصاد والتنمية الاقتصادية والبشرية ومكافحة البطالة والفقر والفساد السائد في البلاد, راح المسؤولون من أمثال رئيس مجلس محافظة بغداد ومن لف لفله يطاردون المواطنات والمواطنين في حريتهم الفردية وفي حقوقهم المشروعة ويزيدون من نقمة المجتمع على الحكم القائم الغارق في الصراع على المناصب منذ ما يقرب من عشرة شهور والعاجز عن تنشيط العملية الاقتصادية بمشاريع إنتاجية وخدمية بدلاً من إغراق الأسواق بالسلع المستوردة. مرة أخرى نقول إن حكام العراق لا يريدون أن يتعظوا بعواقب الحكام الذين سبقوهم في بلادنا وفي البلدان الأخرى, ومنها تونس في هذه الأيام العاصفة التي أكد الشعب من جديد مضمون قصيدة الشابي
إذا الشعب أراد الحياة               فلا بد أن يستجيب القدر
إن التجاوز على الحرية الفردية والحريات الديمقراطية بأي شكل كان يعتبر بداية خطيرة لعد تنازلي صوب الاستبداد والظلام وقهر قوى المجتمع السليمة. وهي تذكرنا بما فعله خير الله طلفاح من إجراءات تعسفية في منتصف السبعينيات من القرن الماضي, أو حملة الدكتاتور الإيمانية في التسعينيات منه. وعلينا أن نتذكر إلى أين انتهى هؤلاء الأوباش!
إن مؤسسة المدى الملتزمة بالكلمة الحرة وبالثقافة والحياة والحريات الديمقراطية تمارس دوراً طليعياً في الدفاع عن الحريات الديمقراطية وفي مواجهة قوى الشر التي تريد إنزال الأذى بالناس الشرفاء. ولكن هذه الحملة التي تقودها بوعي ومسؤولية يفترض أن تشارك فيها كل قوى المجتمع الشريفة والواعية لما يراد لها إن استمر هؤلاء الناس من المتطرفين من أمثال رئيس مجلس محافظة بغداد الذي يمارس تنفيذ عقوبات شرسة ضد المسيحيين وغيرهم كما حصل في جمعية أشور بانيبال الثقافية ببغداد يوم 13/1/2011. إن البعض من هؤلاء يلهون المجتمع بهذه المشكلات لينفذوا مخططات أخرى تسهم في إلحاق أكبر الأذى بالمجتمع, وعلى المجتمع إيقافهم ولجمهم قبل أن يتفاقم دورهم..   
علينا جميعاً تقع مسؤولية المشاركة في تصعيد الحملة من أجل الحريات الديمقراطية لا إضعافها بأي شكل كان, لأن وراء إضعافها أو السكوت عنها عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع وعلى مستقبل العراق الديمقراطي المنشود...
18/1/2011                        كاظم حبيب
     

402
كاظم حبيب

هل نقد المسؤولين والثوار خط أحمر وأكثر؟

 قرأت وأنا في زيارة لمدينة أربيل, عاصمة إقليم كردستان العراق, مقالاً منشوراً على صفحات موقع "صوت العراق" تحت عنوان "نعم, نقد مسعود البارزاني خط أحمر وأكثر...", للصحفي الكردي "صبحي ساله ي". استغربت من هذا العنوان الغريب. وأصبحت أكثر استغراباً من تلك المبررات التي أوردها الكاتب, إذ إنها لا تجسد, كما أرى, وعياً بالمسؤولية التي يحملها الصحفي أو الإعلامي عموماً إزاء حرية الرأي والحق في ممارسة النقد, كما إنها لا تعبر عن وجهة نظر فكرية وسياسية واجتماعية ناضجة ولا يمكن قبولها بأي حال, إذ ليس هناك أي إنسان في هذا العالم المترامي الأطراف غير معرض للنقد والمساءلة, وبلادنا لا يمكن أن تختلف عن بقية دول العالم في هذا المجال.
ممارسة النقد لكبار المسؤولين بشكل خاص, وللدكتاتور الفرد بشكل أخص, كان ولا يزال هو المحرم في الدول الشمولية المستبدة, ومنها كان النظام البعثي الصدامي المقبور. ففي مثل هذه النظم الشمولية تعمد أجهزة الأمن والمحيطين بالطغاة إلى كم أفواه الناس وخياطة فم الإنسان بخيوط يصعب تفكيكها, ويقيد بقيود يصعب تكسيرها من أجل منعه من الحديث أو الكتابة والنشر.
ولهذا لا بد من تأكيد حقيقة إن جميع المسؤولين في العراق أبتداءً من السادة رئيس الجمهورية ومروراً برئيس الوزراء العراقي ورئيس الإقليم ورئيس وزراء الإقليم وبرئيسي مجلسي النواب في بغداد وأربيل وانتهاءً ببقية المسؤولين دون استثناء هم معرضون للنقد حين يرتكبون أخطاءً سياسية. ومن لا يتحمل النقد يفترض فيه أن لا يحتل موقعاً يرتبط بالشأن العام. هذه هي القاعدة العامة في النظم المدنية والديمقراطية. 
إن المقال الذي كتبه "السيد صبحي ساله ي" هو ليس مدحاً للسيد مسعود البارزاني, بل هو من حيث لا يعلم إساءة له إذ وضعه أمامنا باعتباره منزهاً من كل خطأ محتمل, وهو أمر غير مقبول في أي بلد من البلدان, إذ لا وجود لإنسان منزه. ومثل هذا الطرح من جانب الكاتب فيه محاولة لكم الأفواه ومنع ممارسة النقد, إذ حين يبدأ النظام السياسي في الإقليم بمنع النقد وجعله خطاً أحمراً بالنسبة إلى رئيس الإقليم سينتقل تدريجاً إلى بقية المسؤولين بالتدريج, وبالتالي يحرم المواطن من ممارسة حقه في النقد. عندها يشكل هذا النهج تجاوزاً صارخاً على حقوق الإنسان وعلى الدستورين الكردستاني والعراقي.
إن مثل هذا الطرح يعتبر إهانة للمواطنات والمواطنين وكأنهم من طينة أخرى لا يحق لهم ممارسة النقد إزاء إنسان من طينة أخرى, في حين أنه إنسان مثلي ومثلك, وشعب كردستان العراق هو الذي انتخبه لهذا المنصب ومن حقه أن يصوت له أو لغيره.
إن مثل هذا الطرح لا ينسجم مع أسس المجتمع المدني الذي يفترض أن يبنى في إقليم كردستان, ونشر مثل هذا المقال على الصعيد الداخلي والخارجي سوف يثير تساؤلات عادلة عن طبيعة الوضع في كردستان وسيطرح تساؤلاً عن مدى علم السيد رئيس الإقليم بمثل هذه الكتابات التي تحاول تمجيد الفرد وخلق هالة قدسية حوله ونشر عبادة الفرد التي لا يمكن أن تتناغم مع العصر الحديث ومع التحولات الجارية في العالم.
لا أدري إن كان السيد مسعود البارزاني قد اطلع على هذا المقال أم لا. إذ أن نشر مثل هذه الكتابات مخلة بالديمقراطية وحرية الرأي وحقوق المواطنة والمواطن في ممارسة النقد. إن صحفياً حزبياً مثل السيد صبحي صالحي ينشر مقالاً من هذا النوع ويصل إلى أجهزة الإعلام في جميع أنحاء العالم ويقرأ من كثرة من الناس, سيقنع هؤلاء القراء جميعاً بواقع مصادرة الحرية والديمقراطية في إقليم كردستان.
إن معارفي وتجاربي الشخصية تشير إلى إنه كلما ازدادت معارف الإنسان وخبراته الشخصية ومعايشته للبشر واحتلاله موقع المسؤولية الأولى يزداد تواضعه وينمو حرصه على سماع وجهات نظر الآخرين والاستنارة بها والاستفادة منها والترحيب بالنقد الذي ينير درب المسؤولين ولا يضيق ذرعاً بها ولا يسمح لمثل هذه المقالات التي تجسد قمة التملق بالنشر أو سحبها حين يسمع بنشرها.
كم أتمنى على هذا الصحفي أن يعتذر لكل من قرأ المقال ولكل الصحفيين الذين يتمتعون بحس سليم إزاء قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
9/1/2011                       كاظم حبيب
       

403
المنبر الحر / توضيح ضروري
« في: 12:07 04/01/2011  »
توضيح ضروري


توضيح من المبادرين والمشاركين في إصدار نداء للاتحاد: نداء الى القوى والشخصيات الديمقراطية العراقية

نشر الأستاذ موسى فرج مقالاً في موقع الناس يرى كثرة التحرك صوب تأسيس كيانات
سياسية جديدة. وجاء على ذكر النداء الذي صدر عن 110 شخصية عراقية, نسائية ورجالية,  ويجري الآن التوقيع عليه من عدد متزايد من العراقيات والعراقيين في داخل البلد وخارجه على موقع الحوار المتمدن والذي نشر ايضاً على مواقع عراقية كثيرة لغرض الإطلاع والتأييد.
إن الموقعين على هذا البيان لا ينوون تشكيل أي تنظيم او كيان سياسي جديد بأي
حال, فالتنظيمات والكيانات السياسية الديمقراطية كثيرة للغاية، بل إن النداء موجه إلى كافة القوى والأحزاب والكتل والجماعات والشخصيات الديمقراطية العراقية من أجل مواصلة اللقاءات والحوارات للوصول إلى وضع برنامج عمل مشترك وقواعد عمل مشترك على صعيد العراق كله. أي الأخذ بصيغة متقدمة من صيغ التحالف الديمقراطي بين القوى الديمقراطية والعلمانية الديمقراطية العراقية التي تستطيع بموجبها خوض الانتخابات القادمة بقائمة موحدة, إضافة إلى اتخاذ المواقف المناسبة إزاء السياسات التي سوف تمارس في العراق من قبل الحكومة الجديدة المشكلة.
لهذا اقتضى التنويه
الموقعون على نداء الاتحاد
في 4/1/2011

404
كاظم حبيب
هل من سبيل لحياة حرة وديمقراطية في العالم العربي؟


"يقضي الإنسان سنواته الأولى في تعلمه النطق,
وتقضي الأنظمة العربية بقية عمره في تعليمه الصمت!"
         أحلام مستغانمي
من كتاب ذاكرة الجسد, شاعرة وكاتبة جزائرية

يوم أمس ودعت الدول العربية ودول منطقة الشرق الأوسط العقد الأول من القرن الحادي والعشرين الميلادي وبدأت السنة الأولى من العقد الثاني منه, فما هو حصاد شعوب الدول العربية في مجال الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والسلام؟ وهل من سبيل لبناء حياة ديمقراطية حرة فيها؟
لا مجال للشك في أن الشعوب العربية وبقية شعوب المنطقة قد برهنت خلال العقود المنصرمة على أنها لا تختلف عن بقية شعوب العالم في تطلعها للعيش في ظل الحرية والديمقراطية والتمتع بحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية, كما إنها تنشد كغيرها من الشعوب ضمان الأمن والاستقرار والعيش بسلام في ما بينها ومع بقية شعوب العالم.
وشعوب الدول العربية وبقية دول المنطقة لم تتطلع ولم تنشد كل ذلك فحسب, بل هي ناضلت بإصرار كلفها الكثير من الضحايا والآلام خلال العقود المنصرمة من أجل ضمان الحدود الدنيا من الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق كل القوميات القاطنة فيها ومن أجل ضمان العدالة الاجتماعية والسلام. فهل تحقق لها ما ناضلت من أجله طيلة العقود المنصرمة أم أنها لا تزال تتعثر كثيراً في تحقيق هذه المهمات؟
كل المؤشرات والمعلومات التي تحت تصرفنا, وكل التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الدولية, بما فيها منظمات حقوق الإنسان الإقليمية والدولية, والتنمية الاقتصادية والبشرية والنزاهة الدولية.. الخ, تؤكد بما لا يقبل الشك بأن شعوب الدول العربية وبقية شعوب منطقة الشرق الأوسط قد عانت وتحملت الكثير من الآلام والخسائر الفادحة بالأرواح والممتلكات, ولكنها لم تحقق إلى الآن شيئاً يذكر في ما كانت تسعى إليه, بل شهدت ارتداداً وتراجعاً في مجالات غير قليلة. فدول المنطقة كلها دون استثناء قد تراجعت بمستويات مختلفة في ممارسة ما كان موجوداً فيها من قبل مثل بعض الحريات العامة أو الخطوات الأولى التي سارت عليها نحو بناء المجتمع المدني. والعراق الذي تخلص من الدكتاتورية الغاشمةو يعاني اليوم من وجع آخر هو وجع المحاصصة الطائفية السياسية ومحاولة فرض الخيمة الفكرية الدينية الواحدة.
فشعوب المنطقة واجهت خلال العقود الثلاث الأخيرة بشكل خاص العديد من الحروب الإقليمية المدمرة التي كلفت أكثر من مليونين ونصف مليون من البشر ومصادرة أغلب حقوق المواطنة وحقوق الإنسان ومورست ضدها سياسات تميزت بالاستبداد والقسوة والقمع والإرهاب, سواء أكان من قبل حكومات تلك الدول, أم من قبل قوى سياسية إسلامية متطرفة, إضافة إلى غياب العدالة كلية في توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي أو في استخدامه لصالح المجتمع, كما ساد الفساد المالي والإداري على نطاق واسع حتى تحول إلى نظام سائد وليس مجرد ظواهر هنا وهناك, كما جرت مصادرة فعلية لحقوق القوميات مما تسبب في الكثير من التعقيدات والصدامات التي الحقت أضراراً فادحة بالمجتمع.
وخلال السنوات المنصرمة برز وتنامى التيار الديني الإسلامي السياسي المتطرف والإرهابي الذي مارس التمييز ضد أتباع الديانات والمذاهب الأخرى, مما أدى إلى موت الكثير من البشر في عدد كبير من دول المنطقة أو الإصابة بجروح, إضافة إلى الخسائر المالية والحضارية.
أما المرأة فهي لا تزال تعاني من الاضطهاد ومصادرة الكثير من حقوقها الأساسية وسلب فعلي لإرادتها الحرة على يد الدولة والسياسات الحكومية أو على أيدي منظمات إسلامية سياسية متطرفة. وقد اقترن ذلك بعودة البعض الكثير من الدول العربية وبقية دول المنطقة إلى العقلية والتقاليد والعادات العشائرية البالية إضافة إلى الغوص في التزمت الديني والاجتماعي وتراجع شديد في الوعي الاجتماعي وغياب فعلي للتنوير الديني والاجتماعي والنهضة الاجتماعية المنشودة..الخ.
إن سيادة هذه الظواهر في دول منطقة الشرق الأوسط, ومنها الدول العربية, ليست نتاج هذه المرحلة وحدها, بل هي نتاج متراكم منذ العهد العثماني والدول الحديثة التي تشكلت في ظل الهيمنة الاستعمارية في أعقاب الحرب العالمية الأولى على نحو خاص وارتبطت بعدة عوامل لم تنقطع أغلبها تقريباً, ومنها:
1.   سيادة التخلف الاقتصادي وتشوه البنية الاجتماعية (الطبقية) في ظل علاقات إنتاجية متخلفة.
2.   وجود نسبة عالية من الأمية والجهل السياسي وغياب التنوير الديني والاجتماعي عن المجتمع.
3.   نشوء نظم سياسية غير ديمقراطية واستبدادية تميزت بالتسلط والقمع والقسوة البالغة وعدم تطبيق الدساتير ومتحالفة مع قوى الاستعمار التي كانت تسعى لديمومة وجودها وديمومة الحليف السياسي لها وتحقيق مصالحها.
4.   الدور السلبي للمؤسسات الدينية في نشر الدين الصحيح وتحقيق التنوير والنهضة في المجتمع, وخاصة تلك القوى التي استفادت من تخلف الوعي الاجتماعي وراحت تعمق سقوط الناس الفقراء والمعوزين والكادحين ضحية الغيبيات والطقوس غير العقلانية والمرضية.
5.   منع المثقفين الديمقراطيين والقوى الديمقراطية والعلمانية من إداء دورهم في الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والتنوير من خلال ممارستها لسياسات اضطهاد الكلمة الحرة ومنع نشرها بين الناس.   
إلا أن ما يزيد الأمر خطورة ويعرض حياة المزيد من الناس إلى خطر الموت أو الهجرة القسرية أو الوقوع ضحايا للعمليات الإرهابية هي تلك المحاولة التي تبذلها قوى الإسلام السياسية بربط الدين بالدولة, كما يجري اليوم في كل من إيران والسعودية والسودان, على سبيل المثال لا الحصر من جهة, وممارسة التمييز الديني والمذهبي في دول المنطقة إلتي تقود إلى مزيد من التصادم على مستوى سكان البلاد من جهة أخرى. وغالبية الشعوب في المنطقة تعاني من هذه السياسات الجائرة.   
فمن المسؤول عن هذه الحقيقة؟ وكيف يمكن تجاوز هذه الحالة من أجل بناء غدٍ ديمقراطي لكل شعوب الدول العربية وبقية شعوب المنطقة؟
إن الظواهر السلبية التي جرى الحديث عنها لا تزال قائمة بصيغ مختلفة وهي تستنزف الطاقات المتوفرة في دول المنطقة, وخاصة غياب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان بسبب وجود الحكومات غير الديمقراطية أو الاستبدادية, وهي إما ان تحكم البلاد باسم القومية أو باسم الدين أو بهما معاً. والنماذج كثيرة في منطقة الشرق الأوسط, منها مثلاً إيران التي يتجلى فيها الاستبداد الثيوقراطي المتشابك مع النعرة القومية الفارسية والرغبة في التسلط على المنطقة وتصدير السياسات المذهبية وإشاعة الصراعات والفوضى, أو تركيا التي لا تزال تمارس أقسى أشكال التعصب القومي المتطرف والقوة في مواجهة مطالب الشعب الكردي, في كردستان تركيا, وكذا الحال في إيران حيث تصدر الكثير من أحكام الإعدام ضد المطالبين بالحقوق القومية, او في سوريا حيث الموقف السلبي للحكومة من منح الجنسية السورية للكرد أو ممارسة الاستبداد البعثي فيها, أو استمرار احتلال الدولة الإسرائيلية للأراضي العربية في فلسطين وفي سوريا ولبنان وممارسة العقوبات الجماعية وتهديم البيوت والحصار الاقتصادي, أو النظم الطائفية في لبنان والعراق وإيران على سبيل المثال لا الحصر, إضافة إلى طبيعة  النظم المستبدة في السودان واليمن وسوريا وليبيا على نحو خاص. أما في السعودية فهي الدولة المنتجة حقاً للإرهابيين وعلى نطاق واسع بسبب طبيعة النظام السعودي الثيوقراطي وطبيعة التعليم الديني فيه والتربية غير العقلانية باسم الإسلام ضد الديانات الأخرى والمذاهب الأخرى في الإسلام والتي يمكن البرهنة على ممارسة مثل هذه التربية من خلال الكتب المدرسية والفتاوى التي أغرقت العالم الإسلامي بها وبلجة من التخلف والتطرف وغياب روح التسامح والاعتراف بالآخر.
إن التخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبطالة الواسعة والفقر الشديد لفئات اجتماعية واسعة يزيد من مصاعب الحياة في الدول العربية ودول منطقة الشرق الأوسط. ولا يمكن إزالة هذه الحالة ما لم تتجه هذه الدول صوب تغيير واقعها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي, ما لم تسع إلى التصنيع وتحديث الزراعة وتغيير البنية الطبقية للمجتمع, هذه البنية التي لا تزال في غالبيتها بنية فلاحية وعشائرية متخلفة ومضرة ومانعة للتطور صوب المدنية والحياة الديمقراطية.
إن مشكلة الدول العربية, كجزء من دول منطقة الشرق الأوسط, تتجلى في ضعف القوى الديمقراطية والقوى العلمانية الديمقراطية فيها من جهة, وتمزقها إلى كتل وتجمعات صغيرة غير متعاونة بل وأحياناً كثيرة متصارعة وينهش فيها داء النرجسية كمرض بحيث يمنعها من التواضع والعمل المشترك للنهوض بمهماتها المشتركة ومواجهة التحديات الراهنة من جهة أخرى.
إن ميزان القوى على الصعيد الإقليمي مختل لصالح القوى الرجعية والجماعات والأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية والقوى القومية المتعصبة, وهو ناتج عن اختلال في ميزان القوى على الصعيد العالمي أيضاً حيث تمارس الدول الرأسمالية الأكثر تطوراً سياسات غير ديمقراطية إزاء الدول النامية عموماً وفي منطقة الشرق الأوسط خصوصاً وتدعم التيارات الإسلامية السياسية او الدول الرجعية ضد القوى الديمقراطية بهدف الحصول على مكاسب اقتصادية, وخاصة النفط الخام, من خلال السكوت على التجاوزات الفظة على الحرية الفردية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات, إضافة إلى تفاقم الفجوة الدخلية ومستوى المعيشة بين الأغنياء والفقراء, وازدياد عدد الفقراء والعاطلين عن العمل في هذه الدول. وأكبر دليل على ذلك ما يجري في السعودية وتركيا, أو مساهمتها الجادة في تكريس قاعدة المحاصصة الطائفية في الحكم بالعراق. إنها الإساءة الكبرى التي تمارسها الدول الكبرى, وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية, في المنطقة, إضافة إلى سكوتها على ما يجري في فلسطين وسياسات اليمين الإسرائيلي التي غذت اليمين الإسلامي السياسي المتطرف في فلسطين وخاصة في قطاع غزة.
أن تغيير ميزان القوى لصالح القوى الديمقراطية في المنطقة يحتاج إلى جهود استثنائية من جانب القوى الديمقراطية في كل بلد من هذه البلدان ولسنوات غير قصيرة, ولكنه يحتاج وفي كل بلد من هذه البلدان إلى دراسة الواقع القائم وتحليله وتحليل قواه السياسية وقدرات المجتمع ومن ثم وضع البرامج الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والبيئية الواضحة التي تلتقي عندها كل القوى الديمقراطية لكسب الناس إلى جانبها من خلال الدفاع عن مصالحها مباشرة ودون تردد, وفضح سياسات القوى التي هي الآن في الحكم.
إن التعاون والتضامن بين القوى الديمقراطية على صعيد المنطقة وتبادل المعارف والخبر وتحديد أولويات النضال في كل بلد منها يعتبر القاعدة الأساسية لضمان مسيرة مظفرة صوب تغيير الميزان المختل حالياً وجعله يتطور لصالح القوى الديمقراطية في الدول العربية وبقية دول المنطقة.
إن إمكانية بناء الديمقراطية في دول المنطقة, ومنها الدول العربية, أمر ممكن طبعا ولا تختلف في ذلك عن بقية دول العالم, ولكن هذه العملية لا تتحقق ميكانيكاً, بل تستوجب بذل الجهود المكثفة والمركزة لصالح الدفاع عن مصالح الناس وضد كل شكل من أشكال الاستبداد ومصادرة الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان وضد مصادرة إرادة الإنسان وحريته الفردية. إلى ذلك ينبغي أن نسعى بكل السبل الديمقراطية, وهو آت لا ريب فيه ما دمنا نعمل من أجل الشعوب ولصالح العيش الكريم في دول حرة وديمقراطية مستقلة.               
1/1/2011                     كاظم حبيب
   


405
د. كاظم حبيب

ملاحظات أولية حول خطة التنمية الوطنية للفترة 2010-2014 في العراق

قبل فترة وجيزة نشرت وزارة التخطيط عرضاً موجزاً لخطة التنمية الوطنية للفترة الواقعة بين 2010-2014 بحدود 87 صفحة على  موقعها على الإنترنيت. وهي بادرة إيجابية في ظل الفوضى السائدة في العراق والأوضاع المعقدة والصعبة التي تمر بها جميع الوزارات دون استثناء, ولكن وبشكل خاص المجتمع العراقي. تضمنت هذه الخطة شرحاً لمزايا وأهداف واستراتيجية الخطة الخمسية من جهة وجداول كثيرة عن مختلف القطاعات الاقتصادية التي يفترض أن تحقق برامجها خلال الفترة المذكورة, إضافة إلى موازنة إيرادات ومصروفات الخطة الخمسية. والسؤال الذي نحاول الإجابة عنه بشكل مكثف يتضمن جانبين: ما هي الجوانب الإيجابية في هذه الخطة, وما هي الجوانب السلبية التي لا تزال بحاجة إلى تغيير؟
2 . إن صدور خطة خمسية للتنمية الوطنية في العراق وفي هذه المرحلة بالذات جاءت نتيجة لمطالبات كثيرة من جانب جمهرة كبيرة من الاقتصاديين والقوى الديمقراطية في  الداخل والخارج, خاصة بعد أن تم سن الدستور في العام 2005 وتشكلت حكومة جديدة, إذ لا يمكن أن تتم عملية تنمية وطنية من دون أن تكون هناك خطة حتى لو سار الاقتصاد العراقي على وفق اقتصاد السوق الحر, كما هو مكرس في خط التنمية الراهنة, وبالتالي فهي خطوة بالاتجاه العام الصحيح بالمقارنة مع الفترات السابقة.
2 . أبدت هذه الخطة اهتماماً ملموساً بخمسة مسائل جوهرية كثيراً ما تحدث عنها الاقتصاديون في العراق, وهي:
أ) حالة الفقر السائدة في العراق والتي تشمل نسبة عالية من السكان؛
ب) التخطيط المكاني والذي يبدى اهتماماً بتنمية جميع مناطق العراق, وخاصة المتخلفة منها, إضافة إلى مسألة التوطين الصناعي؛
ج) مخاطر هيمنة اقتصاد النفط وإيراداته على البنية الاقتصادية العراقية والتفكير بتغييرها؛ د) وظاهرة تكريس الاستيرادات المتعاظمة سنوياً على حساب تنشيط الإنتاج الصناعي والزراعي في العراق ومخاطر ذلك على الاقنصاد وأمن البلاد بسبب الانكشاف الفعلي والكلي على الخارج؛
هـ) الأهمية البالغة لإعادة النظر بالسياسة الاقتصادية لتأمين تطوير القطاعين الإنتاجيين الأسااسيين, الزراعة والصناعة التحويلية من أجل تغيير بنية الاقتصادي وبنية الدخل القومي.       
إن هذا يعني, وأملي أن أكون مصيباً, أن وزارة التخطيط قد أدركت الانقطاع والاختلال الفعلي الحاصل في عملية إعادة الإنتاج في الاقتصاد العراقي وارتباطها المباشر والتبعي بعملية إعادة الإنتاج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي من خلال اقتصاد النفط, وبالتالي فهذا يعني انعدام فعلي لقدرة التراكم الرأسمالي الضرورية في الاقتصاد العراقي والتوسع في عملية إعادة الإنتاج وتحقيق التحول من اقتصاد ضعيف ومتخلف بنيوياً وتابع للخارج إلى اقتصاد وطني يتمتع باستقلالية نسبية في ظل ظروف العولمة الراهنة والمتطورة.
3 . كما أن المخطط قد سجل نقطة مهمة في تأكيد التحول من إدارة مركزية للاقتصاد إلى إدارة لامركزية في العلاقة في ما بين الدولة الاتحادية والإقليم والمحافظات, شريطة أن لا تفقد هذه العملية وحدتها العضوية والتنسيق في ما بين فروعها ومشروعاتها الا قتصادية لأهمية التكامل في ما بينها. ولا شك في أن هذه العملية التي يراد إدخالها ستواجه تجاوزات ومصاعب كبيرة إلى أن تستند إلى قوانين وخبرة وتقاليد عمل وتوافق في المصالح.   
4 . نجح المخطط في تبيان خمس مخاطر جدية تواجه الاقتصاد العراقي, بعد أن شخص الفجوة الخطرة القائمة بين دور ومكانة النفط من جهة, ودور ومكانة قطاعي الزراعة والصناعة في الاقتصاد العراقي من جهة أخرى, وأعني بها:
أ) الفقر العام رغم غنى البلاد, ووجود بطالة واسعة, رغم أنه لم يتحدث المخطط عن البطالة المقنعة الهائلة الراهنة في العراق على وفق ما جاء في الموجز الذي بين أيدينا.
ب) واللامساواة واللاتكافؤ في التطور في ما بين المناطق والمحافظات والأقضية,
ج) والفجوة في مستوى التطور والخدمات في ما بين الريف والمدينة؛
د) تزايد حجم الانفاق على الاستهلاك في مقابل توظيف الاستثمارات في الاقتصاد العراقي, أي وجود اختلال شديد في العلاقة بين الاستهلاك والتراكم في الدخل القومي لصاح الاستهلاك, وهو الذي يضعف تعظيم الثروة الوطنية ويساهم في إفقار المجتمع؛
هـ) سوء توزيع الموارد المالية المخصصة للاستهلاك وتباين الفئات الاجتماعية المستفيدة منها في غير صالح الفئات الكادحة والفقيرة, اي سوء توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي إضافة إلى سوء استخدامه. 
5 . ويشير المخطط إلى حصول تعاون ومشاركة من جانب الوزارات والجهات المعنية بالخطة, وهو أمر إيجابي بغض النظر عن مدى جدية وشمولية وفاعلية هذا التعاون في ظروف الوزارات الراهنة.
6 . أبرز المخطط اهتماماً ملحوظاً بالقطاع الخاص المحلي والأجنبي ولكنه لم ينس قطاع الدولة رغم قناعتي بأن الاهتمام بهذا القطاع يفترض أن يكون أكبر لأهميته في المرحلة الأولى من التطور والتقدم الاقتصادي مع ضرورة إجراء تغيير في مفهومه وجدواه الاقتصادية والمجالات التي يفترض التوظيف فيها.   
هذه الجوانب الإيجابية من الناحية النظرية, التي استندنا إلى ما جاء في الخطة المنشورة وليس لما يجري اليوم في الواقع العراقي, رافقتها جوانب سلبية برزت بوضوح في هذه الخطة والتي نحاول الإشارة إليها بأمل تجاوزها وليس الفت في عضد الأجهزة التي أنجزت هذه الخطة.
1 . غياب إستراتيجية تنمية وطنية بعيدة المدى كمؤشرات إرشادية أساسية للتطور اللاحق للاقتصاد الوطني والذي في ضوئه يمكن وضع الخطط الخمسية والسنوية وفي مختلف القطاعات الاقتصادية. وهي الإشكالية التي شكا منها السيد الوزير الدكتور علي بابان في اكثر من ندوة تلفزيونية. وهي لا شك مرتبطة بالوضع السائد في العراق والتباين الشديد في وجهات النظر.
2 . غياب التنسيق والتكامل الاقتصادي بين بغداد وأربيل, بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم, بين وزارة التخطيط والتعاون الانمادية الاتحادية ووزارة التخطيط في حكومة الإقليم, إذ لا يجوز التجميع في الخطة بل التنسيق, وهذا لا يتعارض مع وجود استقلالية نسبية معينة في سياسة الإقليم الاقتصادية, ولكن لا بد من التنسيق والتعاون والتكامل على مستوى العراق والدولة الاتحادية. ويبدو هذا واضحاً في أكثر من مكان في موجز الخطة.
3 . لقد جرت مناقشات لمسودات الخطة في اجتماعين في بغداد واربيل, في حين كان المفروض والمفيد نشر تلك المسودات على نطاق واسع, إذ في ذلك فوائد كبيرة منها مساهمة المختصين في الشؤون المختلفة في مناقشة الخطة, سواء أكانوا داخل العراق أم خارجه, كما أن في ذلك عملية تثقيف وتوعية للناس أو لمن يقرأ الصحافة أو يطلع عليها.
4 . أهملت الخطة, كما اشار إلى ذلك الأخ الدكتور فاضل مهدي بصواب, النمو السكاني في العراق وسبل السيطرة عليه وتنظيمه لصالح المجتمع بما يقلل من معدل النمو الراهن البالغ 3% سنوياً. (قارن: فاضل عباس مهدي وجهة نظر إقتصادية - خطة التنمية العراقية: جهد ملحوظ وسياسة سكانية غائبة, دار الحياة, الخميس, 21 أكتوبر 2010).
 ومع قناعتي بأن وزارة التخطيط والجهاز المركزي للإحصاء لديهما معلومات كافية نسبياً عن معدلات النمو السنوية, رغم عدم إنجاز المسح السكاني إلى الآن, فأن عدم إيرادها يشكل خطأ ونقصاً بارزاً, إذ من غير المعقول أن توضع خطة خمسية دون تحديد معالم التطور السكاني وتوزيعه الجغرافي والتعليمي والمهني ...الخ, إذ كيف يمكن تحديد الحاجات في ظل الإمكانيات والعلاقة بينهما اولاً, وبينهما وبين معدل النمو السكاني في العراق ثانياً ..الخ. وإذا كان صائباً الأخذ بالأبعاد الثلاثة للتنمية المستدامة, الاقتصادي والاجتماعي والبيئي, فكان من الضروري إضافة بعدين آخرين إليهما, وهما البعد السكاني والبعد الاستراتيجي البعيد المدى للتنمية الوطنية.   
5 . يبدو لي إن المخطط لم ينتبه إلى أهمية استثمار الطاقة الشمسية في العراق لإنتاج الطاقة الكهربائية, خاصة وأن تجارب كثير في دول مجاورة مثل تركيا قد برهنت على إمكانية الاعتماد على الطاقة الشمسية, وبشكل خاص وفي المراحل الأولى للبيوت الخاصة, إذ أن امتلاكنا للنفط والغاز لا يعني ضرورة عدم تنويع مصادر إنتاج الطاقة الكهربائية.
6 . لا يمتلك العراق أنهاراً تتفجر في أرضه وتنساب إلى دول أخرى, بل أن مصادر مياهه الأساسية تأتي من تركيا, مثل دجلة والفرات, أو من مجموعة أنهار في إيران. وهذا الاعتماد على الجيران خلق ويخلق للعراق مشكلات كبيرة. ولهذا يحتاج العراق إلى تقنين جدي في استخدام كميات المياه المتوفرة, سواء أكان للزراعة أم الصناعة أم الا ستهلاك السكاني العام من جهة, وإلى تأمين مزيد من الخزانات للاحتفاظ بمياه دجلة والفرات في العراق وعدم انسيابه إلى البحر عبر شط العرب من جهة ثانية, إضافة إلى الجهد الذي يفترض أن يبذل من أجل عقد اتفاقية دولية مع كل من تركيا وسوريا وإيران حول المياه. والقوانين الدولية تبيح للعراق الحصول على كميات معينة من مياه تلك الأنهر سنوياً ثالثاً, كما يفترض ضبط وتنظيم قضايا معدل النمو السكاني السنوي من جهة رابعة, والتثقيف بأهمية التوفير في استخدام المياه أيضاً.
7 . يبدو لي, وارجو أن أكون مخطئاً, أن في نهج المخطط أن يحول منشآت قطاع الدولة إلى القطاع الخاص أولاً, والابتعاد عن إقامة مشاريع اقتصادية مهمة من جانب الدولة ثانياً. وإذا كان هذا النهج هو الذي يراد له ان يسود في العراق فهو خاطئ بالارتباط مع أوضاع العراق الملموسة وأهمية توجيه كميات هائلة من موارد البلاد العائدة لقطاع الدولة والخاص المحلي والأجنبي لإقامة المزيد من المنشآت الصناعية والزراعية لتعجيل التخلص من التخلف والاقتصاد الريعي والاستهلاكي الراهن.
8 . ابتعد المخطط عن التطرق إلى القطاع التعاوني في الاقتصاد العراقي, رغم وجود إمكانيات وضرورات لمثل هذا القطاع إلى جانب القطاع المختلط وبقية القطاعات. ويمكن أن يتم ذلك في الزراعة وفي مجال الاستهلاك أو الخدمات, خاصة وان الزراعة بحاجة إلى تجميع القطع الزراعية الصغيرة في جمعيات تعاونية كبيرة لغرض إقامة مشاريع الإنتاج الكبير وليس السلعي الصغير. كما يمكن للمصرفين الزراعي والصناعي أن يدعما المشاريع الزراعية والصناعية التي يمكن أن تقوم على أساس التعاون بين القطاعين العام والخاص وفق نسب معينة واستثمارات مشتركة وبدعم يتجلى في تقديم قروض ميسرة.         
9 . يقدم المخطط العراقي تصوراً عن وجود 23% من القوى القادرة على العمل عاطلة عنه,  وأن الخطة تسعى إلى تقليص البطالة إلى 16% إلى نهاية العام 2014. علينا هنا أن نشير إلى ثلاث حقائق لا يمكن تجاوزها, وهي:
أ‌)   إن البطالة في العراق هي أكثر من 23% وتصل إلى حدود أو أكثر من 30% وربما تصل إلى 35% من القوى القادرة على العمل.
ب‌)   إن هناك بطالة مقنعة واسعة جداً تصل إلى حدود 50% من القوى العاملة فعلاً في أجهزة الدولة, إذ أن هذه الأجهزة تعاني من التضخم وضياع المسؤولية ومن وطأة التقصير في إنجاز المهمات بسبب هذه البطالة المقنعة. وبالتالي كان لا بد من الحديث عنها وبلورة خطة خاصة حول قوة العمل وتوزيعها لتتمكن من التخلص من البطالة المكشوفة والبطالة المقنعة.   
ج) التفكير الجاد في كيفية تأمين مزيد من فرص العمل للنساء, إذ أن هناك حاجة ماسة إلى إجراء تغيير في واقع المرأة الراهن من خلال زيادة دورها في إنتاج الخيرات المادية والخدمات ومكانتها في المجتمع والعملية الاقتصادية والدولة بشكل عام.
10) إن الخطة الجديدة التي أكدت على الإدارة والأداء القاصر والتخلف في مجمل أجهزة الدولة والاقتصاد, فإنها لم تنتبه ولم تؤكد على حقيقة أخرى هي أن هذه الأجهزة فاسدة وغارقة في المحسوبية والمنسوبية والمحاصصة الطائفية السياسية التي تميز بين الطوائف وسبل الخلاص منها باعتبارها جزءاً من العملية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية, التي لا بد من إعارتها أكبر الاهتمام لتأثيرها السلبي على موارد البلاد والتنمية والعدالة الاجتماعية المفقودة حالياً وكلية.   
هناك الكثير من النقاط التي يفترض أن أشير إليها في الجانبين الإيجابي والسلبي, ولكن أكتفي بهذا القدر لتحقيق البدء بحوار بين الاقتصاديين والمختصين وعلى صعيد الإعلام والمجتمع حول الخطة بمختلف جوانبها.
د. كاظم حبيب
  برلين في شهر كانون الأول/ديسمبر 2010


406
كاظم حبيب
من المسؤول عن قتل وعن حماية اراوح المسيحيين في العراق؟

نشرت بعض وسائل الإعلام في العالم أن عدد القتلى في العراق بلغ في العام 2010 حوالي 3976 قتيلاً من المدنيين, ولم تشر وسائل الإعلام إلى عدد القتلى من غير المدنيين أو إلى عدد من نفذ فيهم أحكام الإعدام خلال العام المنصرم. أن معدل عدد القتلى من المدنيين يومياً قد بلغ حوالي 11 إنسان يومياً, وهو الرقم الرسمي المعلن دون ذكر عدد الجرحى والمعوقين. هل هذا الخبر يدعو إلى الفرح والاستبشار بخير قادم؟ لا يمكن ذلك, إذ أن هذه الآلاف من الشهداء هم أباء وأمهات وأزواج وأخوات واخوة تركوا خلفهم ثكالى ويتامى وأرامل. إنها المجزرة بعينها هي التي يعيش في ظلها العراق. وهذا العدد من القتلى اليومي من المدنيين يأتي بعد مرور ما يقرب من ثمانية أعوام على سقوط الفاشية البعثية الدموية, فهل علينا أن نغتبط أم أن نحزن على موت هؤلاء البشر؟ السؤال موجه إلى رئيس الحكومة والحكومة وكل القوى المشاركة في الصراع على المناصب, وخاصة على وزارات الدفاع والداخلية والأمن الداخلي.
يوم أمس نقل الخبر التالي: "سقط قتيلان على الأقل وأُصيب أكثر من 14 آخرين، في موجة تفجيرات جديدة استهدفت عدداً من منازل المسيحيين في أنحاء مختلفة بالعاصمة العراقية بغداد مساء الخميس (30/12/2010)، بالتزامن مع بدء عطلة نهاية الأسبوع الأخير من عام 2010، وبدء الاحتفال بالعام الجديد." (راجع:www.linga.org  ( وهي موجة ثانية كما يشير ذات الموقع فيقول: "كانت تلك التفجيرات تأتي مشابهة لموجة تفجيرات مماثلة استهدفت عدداً من منازل المسيحيين في بغداد، في العاشر من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي (2010)، أسفرت عن سقوط ثلاثة قتلى على الأقل، ونحو 25 جريحاً.", إضافة إلى الهجوم الهمجي الذي استهدف كنيسة "سيدة النجاة" في بغداد, فقد "وصل عدد القتلى المسيحيين 68 شخصاً، بالاضافة الى العشرات من الجرحى، وتهجير مئات العوائل من بيوتهم في بغداد والموصل وتكبيدهم خسائر مادية كبيرة، وهنالك الالاف يتهيئون للرحيل في ظل غياب برنامج حكومي أو أي حل وطني يضع حداً لمحنتهم، وسط مبادرات أجنبية لقبولهم في بلدانهم."(راجع: موقع منظمة حمورابي لحقوق الإنسان).
نحن أمام عملية منظمة واسعة تستهدف تصفية العراق من المواطنات والمواطنين من أتباع الديانة المسيحية, كما أن الصابئة المندائيين مستهدفون ايضاً, وهكذا يراد تصفية أتباع جميع الأديان الأخرى أولاً, ثم تتبعها تصفيات اخرى لأصحاب الأفكار والآراء الأخرى, وبعدها تبدأ التصفيات المتبادلة بين أتباع الدين الواحد من مذاهب مختلفة. فهل نحن أما عراق يراد إشاعة الموت فيه وتحويله إلى أرض يباب بدون بشر؟ ومن المسؤول عما يجري في العراق حالياً؟ وهل الحكومة وأجهزتها الأمنية وحدها مسؤولة عن ذلك؟ أم أن هناك قوى أخرى تشارك في كل ذلك؟
المحنة كبيرة والموت مستمر رغم ما يقال عن تناقصه, فهي موجات يرتفع وينخفض عدد القتلى والجرحى ولكن الموت بالقتل لم يتوقف يوماً واحداً, سواء أكان قتلاً جماعياً أم بإغتيال الأفراد.
لا شك في أن المسؤول الأول هم القتلة المجرمون الذين ألوا على أنفسهم تنفيذ مؤامرة قذرة موجعة ضد أتباع الديانة المسيحية والديانات كالصابئة المندائية والإيزيدية. وهم بلا شك سوف لن يتوقفوا عن ذلك ما لم تتخذ الإجراءات الحازمة والسريعة والكفيلة بوضع حد لها, فلا النداءات الإنسانية ولا غيرها تنفع مع هؤلاء الأوباش من مختلف الأصناف, وربما منهم من هم بالشكل ضمن العملية السياسية, إذ لا أعلم علم اليقين بذلك, والهاجس موجود لدى الكثير من العراقيات والعراقيين, وأنا منهم, قطعاً!
أما المسؤول الثاني فهي الحكومة التي من واجبها تأمين الحماية للمواطنين وتلك القوى التي تسببت في نشوء فراغ سياسي طويل وفي عجز الأجهزة العسكرية والأمنية عن مطاردة المجرمين القتلة, ولا يمكن أن ينشأ خلاف بين الناس حول مسؤولية الحكومة وأجهزتها الأمنية في توفير الأمن للشعب ولكل أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق.
أما المسؤول الجوهري في هذه المآسي فهي قوى الإسلام السياسي التي تقود حملة تثقيف دينية في العراق وخارجه تربي الناس على تكفير أتباع الديانات الأخرى, وتدعو إلى الكراهية والحقد, تدعو إلى رفض الآخر وتستخدم القرآن والشريعة كأداة وذريعة في هذه الأفعال الدنيئة, كما تستخدم الفتاوي الكثيرة الصادرة عن شيوخ دين أوباش في العالم الإسلامي يحللون مثل هذه السياسات والقتل على الهوية الدينية أو حتى الطائفية والفكرية.
كما تتحمل مسؤولية ذلك تلك المراجع الدينية التي تشدد على وتثقف بالتزمت الديني والمذهبي وتدعو إلى تحريم الكثير كالفنون الجميلة أو الاختلاط في الجامعات والكليات أو الخمرة وما إلى ذلك مما يجعل التفكير يتجه نحو خطر وجود أتباع الديانة المسيحية الذين يمارسون الفنون الجميلة والاختلاط والخمرة. إنها الكارثة التي ستحل في العراق حين يصرح السيد رئيس الوزراء أنه يريد أن يبني مجتمعاً إسلامياً في دولة متعددة الديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية. إنه الخطر الداهم الذي بدا وكأن حزب الدعوة الإسلامية يقوده ويتزعمه علي الأديب, وزير التعليم العالي الجديد, الذي بادر إلى استشارة واستخارة الشيخ النجفي في ما يفعله في التعليم العالي الذي سلم له آمانة!   
ولا أشك بأن قوات الاحتلال المقرر إنهاء وجودها في العراق هي الأخرى تتحمل مسؤولية ما يجري من قتل وتدمير في العراق, وهي المالكة لقدرات غير قليلة في التصدي لهذه القوى الشريرة, وهي التي نقلت المعركة مع قوى الإرهاب الإسلامية الدولية من الولايات المتحدة الأمريكية ومن أوروبا إلى أرض العراق منذ سنوات سبع. وكلنا يدرك هذه الحقيقة ولكن ليس الجميع من يبوح بها.
إن على القوى الديمقراطية العراقية وكل الأحرار في العراق والدول العربية أن يرفعوا صوت الاحتجاج والإدانة والتصدي للقوى الإرهابية أياً كانت الهوية التي تحملها والتي تمارس القتل ضد بنات وأبناء المجتمع, وخاصة من أتباع الديانات الأخرى, أن ترفع صوت الاحتجاج ضد غياب الحماية التي يجب أن تُقدم لأتباع الديانات الأخرى والتي غيابها يؤدي إلى الموت المستمر لهم.
إن على العالم كله أن يضغط على الحكومة العراقية لتمارس الحماية الفعلية وليس الشكلية لكل المواطنات والمواطنين. وأن علينا جميعاً المطالبة بالتحقيق والكشف عن المجرمين القتلة ومن يقف خلفهم ومن يحميهم ويتستر عليهم في الدولة والمجتمع ومعاقبتهم على الجرائم التي ارتكبوها بحق الناس الأبرياء, وكذلك محاسبة ومعاقبة أولئك الذين اخلوا بواجب حماية تلك المناطق التي تتعرض إلى الإرهاب المتكرر.

31/12/2010                     كاظم حبيب

407
كاظم حبيب
[قووا تنظيم الحركة الديمقراطية في العراق], ليكن شعار قوى التيار الديمقراطي المرحلي!

مرت الآن ثماني سنوات على سقوط الفاشية في العراق وجرت الكثير من الأحداث وسالت دماء أغرقت العراق بالدم والدموع بسبب السياسات السيئة والخاطئة التي مارستها قوات الاحتلال والقوى الإرهابية وقوى البعث الصدامية الهمجية المسلحة والمليشيات الطائفية المسلحة المتطرفة والتابعة للأحزاب السياسية المشاركة في العملية السياسية. وعمق من كل ذلك الفساد المالي والإدراي الذي ساد البلاد. وخلال هذه الفترة لم تستطع القوى الديمقراطية الاستفادة المناسبة من الوضع الجديد الذي نشأ في العراق في أعقاب سقوط الدكتاتورية الغاشمة ولم تبذل الجهود الكافية لتحقيق اتحاد القوى الديمقراطية واليسارية واللبرالية والعلمانية الديمقراطية بالصيغة المطلوبة لبناء قاعدة جماهيرية واجتماعية واسعة ومتينة لها, رغم الرصيد السابق الذي كانت تملكه في الشارع والمجتمع.
لا شك في أن لهذا الواقع أساس موضوعي لا يجوز إنكاره بأي حال, ولكن العقدة الأساسية لم تكن في الجانب الموضوعي, بل في الجانب الذاتي على نحو خاص والتي لا يمكن أن نقول بأنها زالت الآن ولكن نتمنى أن تكون في طريقها إلى الزوال وبهذا القدر أو ذاك, إذ عندها يمكن أن يتحقق ما عجزت قوى التيار الديمقراطي على تحقيقه بشكل مناسب وضروري خلال الأعوام الثمانية المنصرمة. وإذ أشير إلى الجوانب التي أعاقت تحقيق الاتحاد والعمل المشترك والتضامن الضروري بين قوى التيار الديمقراطي, فأنا لا ابغي من وراء ذاك توجيه الاتهام لأحد, بل كلنا مسؤول عن ذلك ونتحمل مسؤولية العمل القادم أيضاً, بل اريد ان نسعى لتجنب ما أعاق إلى الآن نشوء الاتحاد الواسع للقوى الديمقراطية, والتي يمكن بلورتها بالنقاط التالية:  
1.   الرغبة العارمة التي هيمنت على كل حزب وجماعة من القوى الديمقراطية في أن مهمتها المباشرة هي ان تلملم أطرافها وتعزز مواقعها دون أن تلتفت إلى أهمية التعاون والتضامن في ما بينها. وبقدر ما كان هذا صحيحاً, كان من الصحيح جداً وأيضاً أن يبدأ العمل المشترك لتعزيز تعاون قوى حركة التيار الديمقراطي العراقية.
2.   الخلافات والصراعات التي نشبت بين أطراف القوى الديمقراطية والمنافسة غير العقلانية التي سادت والتي تسببت في تشتتها وإضعاف كل منها على حدى. وحين تعاون بعض أطرافها لم يكن ذلك التعاون مستنداً إلى قناعة تامة وإلى قواعد وأسس تساعد على إدامة وتطوير وأغناء التعاون والتضامن في ما بينها وسبل حل الخلافات التي تنشأ في ما بينها.
3.   بروز استعداد واضح للمساومة مع قوى الإسلام السياسي من أجل الحصول على مكاسب محدودة ومؤقتة ولكنها مؤذية في المحصلة النهائية.
4.   المساومة السياسية التي سارت عليها قوى التحالف الكردستاني مع قوى الإسلام السياسي وعدم دعمها للقوى الديمقراطية غير الكردية أو التعاون معها لصالح تعزيز مواقع القوى الديمقراطية عموماً في البلاد, في حين أن الحركة الديمقراطية هي الحليف الأمين والثابت لحركة الشعب الكردي في سبيل حقوقه المشروعة والثابتة .
5.   الدور الأمريكي الداعم لقيام نظام يستند إلى المحاصصة الطائفية والقومية وفي تنشيط التحالفات السياسية القائمة على أساس هذه المحاصصة السيئة ذات الأفق الضيق التي كانت لها آثارها المضرة جداً بالحركة والقوى الديمقراطية وبمفهوم ومضمون المواطنة لحساب الهويات الفرعية.
6.   الإرهاب الدموي الذي مارسته القوى الإرهابية والمليشيات الطائفية المسلحة التابعة للأحزاب الإسلامية السياسية العاملة في العملية السياسية, والتي أعاقت كثيراً حركة قوى التيار الديمقراطي التي لم تكن تملك, ولا تملك, ميليشيات مسلحة أو غير مسلحة ولا أموال لتوظيف حراس لكوادرها ومناضليها.
7.   يضاف إلى ذلك الضعف الذي كانت عليه الحركة الديمقراطية العراقية بسبب الضربات القاسية والمدمرة التي نفذتها الدكتاتورية البعثية الصدامية ضدها قبل ذاك.
وكانت نتيجة انتخابات العام 2010 هي نتيجة منطقية ومطابقة عموماً للواقع الذي تعيش فيه الحركة الديمقراطية. وهي حصيلة أوجعت القوى الديمقراطية ودفعت بالكثيرين من الناس الطيبين إلى حالة من الإحباط الثقيل. ولكن السؤال العادل والمشروع الذي يواجهنا اليوم هو: هل استفادت القوى الديمقراطية العراقية من تجربة السنوات الثماني المنصرمة, لكي تستطيع أن تنهض بأعباء المهمات الجديدة للفترة 2011-2014؟
كتب لي الأخ الفاضل الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح في رسالة خاصة وجهها لي جواباً على رسالتي حول مشاركته في التوقيع على نداء اتحاد قوى التيار الديمقراطي مشيراً إلى ما يلي: "أن القوى التقدمية والديمقراطية كانت هي السبب فيما أصابها من خسارة في الانتخابات لجملة أمور من بينها انها تفتقر لسيكولوجية اقناع الناخب العراقي. فقبل أن تعلن نتائج الانتخابات كنت كتبت مقالة بعنوان (الشيوعيون العراقيون.. قلوب الناس معهم وأصواتهم لغيرهم ).. وهذا ما حصل."
ثم يواصل قوله: " وبعيدا عن الاستطراد وذكر محاولات بذلناها منذ عام 2005 لتوحيد القوى اليسارية والوطنية .. وبهدف أن يكون التحرّك مجديا ومثمرا, انني اقترح أن يصار الى تشكيل هيأة من عشرة الى خمسة عشر شخصية مستقلة تعمل على وضع برنامج تعلنه بعد ان تكتمل تفاصيله برؤية واقعية للتحضير لانتخابات 2014 ..وهي مهمة صعبة ومضنية .. لكنها ليست مستحيلة اذا كان القائمون عليها يجيدون فن التفاوض وادارة الازمات والقدرة على تجاوز الاحباطات."
وفي هذا يمكن تفسير قوله بأن الفشل كان نصيب تلك المحاولات ويقترح وجهة العمل البديلة للفترة المنصرمة.
أدرك أن الفكرة الأخيرة هي بيت القصيد, وهي القشة التي قصمت ظهر البعير, أي غياب العمل المشترك والقناعة بأن كل طرف لا يحتاج إلى الآخرين للفوز بالانتخابات والتقديرات كانت عالية لكل طرف منها. ثم يؤكد على أهمية التعاون ويطرح مشروعاً لهذا الغرض يمكن العودة إلى مقال له حول هذا الموضوع نشر في موقع الحوار المتمدن تحت عنوان (نداء الى القوى والشخصيات الديمقراطية) على محور "العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية" بتاريخ 242010 / 12 /  وبتسلسل 3225.
إن متابعتي لما يجري في الساحة السياسية العراقية وفي إطار القوى الديمقراطية استطيع ان أدعي بحذر: أن مجموعة مهمة من قوى التيار الديمقراطي أدركت إلى حدود بعيدة طبيعة المشكلة التي كانت ولا تزال تعاني منها والتي تتبلور في ضعف الحركة الديمقراطية عموماً وتشتتها والصراع في ما بينها, الذي يزيد من مصاعب تحسين دورها في العملية السياسية وفي التأثير في الأوضاع القائمة وفي إقناع الناخب العراقي بجدية هذه القوى وقدرتها على خوض الانتخابات العامة بحيوية وقدرة فعلية على زيادة وزنها النوعي في المجلس النيابي. وأن على هذه القوى إن شاءت التقدم والتوسع والتأثير, أن تجد لغة مشتركة في ما بينها للتعاون والتضامن تحت شعار مهم جداً لهذه المرحلة ولفترة طويلة لاحقة هو:
"قووا تنظيم الحركة الديمقراطية في العراق"
وهو ما كان يسعى إليه ويقترحه الأخ الفاضل الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح.
لدي القناعة بأن جميع أو غالبية أطراف وقوى وشخصيات الحركة الديمقراطية العراقية بدأت تفكر بعقلية جديدة وبروحية جديدة إزاء بعضها الآخر. وهذا الأمر ربما سيتعثر بعض الشيء في البداية, ولكنه سرعان ما يمكن أن تتعزز الثقة المتبادلة وتتوسع العلاقات في ما بينها وبين الجماهير الواسعة, وهو بيت القصيد.
إن ابرز ما يفترض أن يسود في العلاقات المتبادلة هو التواضع ورفض الوصاية من أحد أو على احد والتعامل بندية عالية مع إدراك القدرات المتباينة للقوى لكي نستفيد منها لصالح الجميع وليس لفرض هيمنة على أحد.
إن التقاط نقاط الالتقاء والاتفاق عليها يسهل التعاون ثم يجري العمل على حل نقاط الاختلاف من خلال تعزيز الثقة المتبادلة. أدرك مصاعب العمل المشترك في ظل الظروف المعقدة الراهنة في البلاد, ولكن من واجب قوى التيار الديمقراطي معالجة الوضع وإيجاد القواسم المشتركة في البرامج وفي قواعد العمل التي يفترض أن تتبناها كل القوى الراغبة في التعاون. وعلينا أن لا نفكر بإقصاء أي تنظيم, إلا إذا أراد هو إقصاء نفسه عن الآخرين!  
نأمل أن نساهم نحن الذين وقعنا على بيان الاتحاد لقوى التيار الديمقراطي والذي يزداد عدد الموقعين عليه يومياً بدفع القوى الديمقراطية إلى وضع الماضي خلفها مع الاستفادة من دروسه لصالح اليوم والمستقبل. إن في الحركة الراهنة التي تسعى إليها قوى التيار الديمقراطي والعلماني الديمقراطي بركة. وهو ما نحتاجه اليوم وغداً.
30/12/2011                     كاظم حبيب
 
  
          

408
كاظم حبيب

لا خشية من المؤمنين الصادقين الصالحين, بل الخشية كل الخشية من المتشددين بالإيمان نفاقا!

المؤمن بالله ورسوله والصالحين من الأولياء وبقناعة تامة لا يشغل نفسه بملاحقة الناس في إرادتهم الحرة وحرياتهم العامة والفردية, بل يهمه أن تكون له علاقة حميمية مع ما يؤمن به وأن يبشر بالخير والعدالة الاجتماعية وخدمة الناس, ولا يشغل نفسه بالحكم وبالسياسة إلا بقدر ما يمنع نشوء الاستبداد في البلاد والقمع والقهر لإرادة وحرية وحياة الفرد والمجتمع.
المؤمن إيماناً صادقاً بالله ورسوله هو من سَلِم الناس من يده ولسانه, ومن ابتعد عن التدخل في شؤون الأفراد والعائلات, ومن رفض إصدار الأحكام بحق الأديان والمذاهب الأخرى أو الأفكار والاتجاهات الأخرى أو التطرف في الفتاوى والأحكام, فهو يؤمن بأن هذا ليس من شأنه بل من شأن خالقه الذي يحكم على الناس وفق سلوكهم ومواقفهم.
والمؤمن بالله ورسوله يؤمن أيضاً بحق الناس في اتخاذ الدين أو المذهب الذي يرتأوه ولا يميز بين المواطنين والمواطنات على اساس الدين أوالمذهب أو القومية او الجنس, على قاعدة وآية "... لكم دينكم ولي دين...". ومن يسعى إلى رفض التمييز والإساءة لأتباع الأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والعقائدية الأخرى.
والمؤمن هو من علَّم الناس على التواضع والحب وحب الآخر والخير والتسامح وعدم تكنيز أو تكديس الأموال والعقارات وضد الفساد المالي والإداري وضد أي حكم جائر.
أما المؤمن رياءً ونفاقاً فهو المتشدد ديناً ومذهباً والمتعصب والرافض لبقية الأديان والمذاهب والاتجاهات الأخرى. وهو الذي يريد فرض الهيمنة على الآخرين من خلال التجارة بالدين والمذهب وحب الأولياء والصالحين, في حين أن حقيقة الأمر هو ضد كل ذلك وبامتياز. والمؤمن المنافق والجبان هو من يصدر قرارات بمنع تدريس الفنون في العراق من فن الرقص والغناء والموسيقى والنحت وربما الرسم ايضاً بذريعة وجود "نص دستوري" وهو غير موجود اصلاً, وهو من يمنع الناس من التصرف على وفق حريتهم دون أن يؤذوا أحداً من الناس. والمنافق هو من ينتقل من حزب البعث إلى حزب إسلامي جاهر بعدائه لحزب البعث وصدام حسين لكي يتسلق المناصب ويؤذي الناس باسم الدين والمذهب وإرادة الله!
والمنافق هو من يريد أن يبني مجتمعاً إسلامياً في بلد متعدد الديانات والمذاهب الدينية ويفرض على الآخرين بسبب ذلك ولأسباب ترتبط بالإرهاب المنظم طرد اتباع بقية الأديان إلى خارج العراق, كما يحصل اليوم مع المسيحيين والصابئة المندائيين أو الإيزيديين في محافظة الموصل من أبناء وبنات الوطن.
إننا أمام قوى تريد أن تفرض الخيمة الفكرية الواحدة على المجتمع, كما فعل صدام حسن وانتهى إلى حيث ينبغي أن يكون, ورفض الأفكار الأخرى. هذا هو ما يجري اليوم في العراق وهي خطيئة كبرى لا يمارسها المؤمن الصادق بل المؤمن المنافق. إن من لا يؤمن بالديمقراطية كفلسفة ويريدها أداة للوصول إلى الحكم ثم الانقلاب عليها هو المنافق دون أدنى ريب, والخشية كل الخشية في أن يصل مثل هؤلاء الناس إلى الحكم ويتولون المناصب المؤثرة في التربية والتعليم ويشوهون بذلك الحياة الثقافية الديمقراطية في عراقنا الحضاري الذي يعتبر أحد مهود الحضارة البشرية.
إن من واجب المدفاعين عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني وحرية الفرد والمجتمع والديمقراطية أن يدافعوا عن حق أتباع الديانات والمذاهب في العراق في العبادة و ممارسة الطقوس الصالحة وحماية كل المؤمنين الصادقين الصالحين من كل الأديان والمذاهب ومكافحة كل المؤمنين نفاقاً ورياءً وانتهازية وغياءً.
إننا أمام مرحلة جديدة أتمنى على كل الوطنيين الديمقراطيين من مختلف الاتجاهات والمدارس الفكرية الديمقراطية ومن كل القوميات أن ينتبهوا إلى ما يمكن أن يحصل في الفترة القادمة مع تشكيل الحكومة الجديدة التي بدأت أعمالها حتى قبل تشكيلها بقرارات مجالس محافظات بغداد والبصرة وبابل وضد أكاديمية الفنون الجميلة والفنون الشعبية والعفو عن مزوري الشهادات العالية والدعوة إلى بناء مجتمع إسلامي لم يرد ذلك في دستور العراق بأي حال, بل ورد نصاً ممارسة حقوق الإنسان أولاً وقبل كل شيء.
أن من الواجب مراقبة نشاط الحكومة وإجراءاتها من قبل الشعب ودون منح الحكم منذ البدء كل التاييد والدعم, كما يفعل اللاهثون وراء تاييد الحكومة حقاً أوباطلاً بذريعة الاعتدال وعدم ارتكاب الأخطاء مجدداً, كما فعلنا سابقاًً!!
29/12/2010                     كاظم حبيب         

409
كاظم حبيب
الحكومة الاتحادية الجديدة في العراق وأزمتها التي ستتفاقم!

عند دراسة الواقع العراقي بهدف تحليل الأوضاع والخروج باستنتاجات لما ستؤول إليه, لا يمكن المرور على سطح الأحداث والقبول بتصريحات وخطب المسؤولين أو أقطاب الأحزاب الذين تتشكل منهم الحكومة الاتحادية, بل لا بد من الغوص في عمق المشكلات القائمة ومتابعة حركة موازين القوى على صعيد العراق وعلى صعيد القوى التي تشكل الحكومة وفي كل طرف منها, إضافة إلى فعل القوى الإقليمية والدولية في مجمل الأوضاع الراهنة واتجاهات تطورها وقدراتها الفعلية على التأثير  المباشر وغير المباشر من خلال القوى القائمة في البلد أو بطرق أخرى كثيرة.
لقد توقعت نشوء مصاعب جدية في تشكيل الحكومة من جهة, وعدم القدرة على تحقيق برنامج يساعد على نهوض العراق وحل بعض أبرز مشكلاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والعسكرية الراهنة من جهة ثانية, والتصدي الناجح لقوى الإرهاب الداخلية والإقليمية من جهة ثالثة, من جانب حكومة المالكي. ولم انطلق في تشخيص هذا الاستنتاج من موقف شخصي مناهض للسيد المالكي أو لحكومته الجديدة, بل من استنطاق الأحداث والقوى المتصارعة والمصالح المتعارضة والمواقف المتباينة التي تحرك القوى والأحزاب السياسية في الداخل والقوى الإقليمية والدولية المؤثرة في العملية السياسية وفي عملية تشكيل الحكومة العراقية الجديدة, رغم تصريحات السيد وزير الخارجية الذي يؤكد بأن الحكومة العراقية تتشكل في العراق, وكأننا ندعي أنها تتشكل خارج العراق. إنها تتشكل في العراق, ولكن كيف تتشكل في العراق ومن يلعب الدور المحفز والمحرك لهذه التشكيلة وما هو دور القوى الإقليمية والدولية في كل ذلك؟
لقد واجهنا قبل شهر واحد ثلاثة تحالفات سياسية متصارعة في ما بينها حول تشكيل الحكومة هي: القائمة العراقية والتحالف الوطني, وبينهما كان التحالف الكردستاني بشروطه المعروفة ومبادرة السيد مسعود البارزاني لعقد الاجتماعات في أربيل وطرح مقترحات حل أزمة تشكيل الحكومة, حيث كانت هذه التحالفات الثلاثة تبذل المستحيل لتبدو وكأن كلاً منها يشكل كتلة واحدة متراصة وذات موقف واحد. ولكن ما أن بدأ العد التنازلي لتشكيل الحكومة وظهرت أسماء المرشحين لإشغال الحقائب الوزارية, حتى ظهر ما كان معروفاً قبل ذاك وما كان يراد تغطيته بستار مهلهل وبازدواجية كلامية مفضوحة. ويمكن تشخيص الظواهر التالية المعبرة عن اصل المشكلة:
- إنها محاصصة طائفية وقومية فعلاً وبعيدة كل البعد عن روح المواطنة الحرة والمتساوية؛   
- وإنها اتخذت من المنسوبية والمحسوبية قاعدة لتوزيع الحقائب داخل كل طرف؛
- وقاد ذلك إلى انقسام في كل طرف من تلك التحالفات الثلاثة الهشة وبدأ الصراع على الحقائب والمواقع في كل تحالف, إذ أن لجان التفاوض لدى الأطراف المختلفة هي التي احتلت قصب السبق في الحصول على الحقائب الوزارية, في حين خرجت أطراف أخرى خالية الوفاض وغاضبة جداً, وحسن العلوي مثلاً يجسد ذلك بوضوح في تصريحاته الأخيرة؛
- أما المرأة, التي كان الحديث عنها يجري من قبل الأحزاب الفائزة في الانتخابات وعن أهميتها وأهمية مشاركتها في الحكومة الجديدة وعلى وفق ما حدده الدستور, فقد خرجت خاسرة كل الوزارات المهمة والمهنية وراحت تنتظر فتات الموائد, وهو تعبير صارخ عن مجتمع ذكوري بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معانٍ سلبية وبؤس اجتماعي وفكري إزاء المرأة. لقد ظهر موقف هذه القوى كلها دون استثناء من المرأة التي هي الأم والأخت والبنت والخالة والعمة والزوجة ايضاً, والتي تشكل أكثر من نصف المجتمع. وما احتجاجات المرأة ومنظماتها إلا التعبير السليم على هذا الموقف المتحيز والخائب؛
- كما خرج الوطنيون المستقلون والقوى التي لم تحقق نجاحاً في انتخابات مجلس النواب وخارج إطار تلك التحالفات الثلاثة بخفي حنين, رغم إن البعض كان يريد المشاركة ولو بوزير يتيم؛
- ولكن الأسوأ من كل ذلك هو بروز وزارة هشة لا ينتظر منها معالجة المشكلات العراقية وفق معايير مهنية وعلمية وعملية مناسبة, بل أغلبهم بعيد كل البعد عن المجال الذي سلم له ليمارس مهمته كوزير. وهي ذات البلوى التي عانت منها الحكومات الثلاث السابقة, واقرب مثال على ذلك وزارة الثقافة العراقية التي منحت على طريقة بتاع كله واي حاجة.
إن التشكيلة الوزارية الجديدة فرضها ميزان القوى القلق الراهن المناهض للاتجاهات المدنية والعلمانية في الحكم, والذي تحرك قليلاً جداً بعد تشكيل الوزارة ولكنه سيتغير أكثر فأكثر بعد مرور فترة من بدء عمل مجلس الوزراء, بسبب الطبيعة غير المتجانسة والبرامج المتعارضة والمشكلات المتفاقمة والتدخل الخارجي المؤثر بقوة على ما يجري في العراق. إن المشكلات العراقية شق كبير وكبير جداً, والرقعة التي تهيأتو الحكومة العراقية الجديدة, صغيرة وصغيرة جداً لا يمكن إلا أن تظهر العيوب كلها في هذه التشكيلة الجديدة وبسرعة.
إن الدراسة المدققة لبرنامج الحكومة الذي طرحه رئيس الوزراء سيخرج المتتبع بحقيقة واحدة, هي أن ليس للحكومة من برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وبيئي محدد, وأن رئيس الحكومة ينتظر برامج من الوزارات ليجمعها ويضعها في البرنامج الحكومي, كما عبر عن ذلك بوضوح في خطابه في مجلس النواب. وهذه العملية سوف تستغرق أكثر من سنة كاملة, وسيكون قد أنتهى على تشكيل الحكومة أكثر من سنتين, حيث يبدأ التفكير بالانتخابات الجديدة وبدء المنافسة ولكن دون أن ينفذ من البرامج التفصيلية ما يساعد على نهوض الاقتصاد الوطني أو مكافحة البطالة أو تقليص البطالة المقنعة أو تقليص عدد الفقراء في العراق الذي يتجاوز كل الحدود السابقة أو مكافحة الفساد الذي اصبح حديث العالم كله وليس العراق وحده,وأصبح العراق مضرب الأمثال في هذا الصدد.
إن حكومة المالكي الجديدة عليلة حقاً, بل هي مليئة بالعلل الاجتماعية والسياسية القاتلة ولا ينتظر لها الشفاء, إذ أنها بنيت على أسس غير سليمة وغير ديمقراطية وبعيدة عن روح المواطنة الحقة وعن التحري عن الكفاءة والنزاهة والمهنية العالية, إن الغالبية العظمى, بل كل الوزراء تقريباً هم من الكوادر الحزبية ومن قيادات الأحزاب مباشرة والتي لا تعرف في الغالب الأعم غير الدفاع عن مصالح أحزابها وغاياتهم في الحكومة الجديدة, وهي الطامة الكبرى التي ستواجه المجتمع كله!
وسوف لا يمكن تصور اتخاذ مواقف سليمة إزاء المشكلات القائمة, خاصة وأن رئيس الحكومة قد بدأ بالعفو عن مزوري شهادات الدكتوراه والماجستير والبكالوريوس والدبلوم, وهم ليسوا قلة, بل كثرة مما دفع بالصديق الأكاديمي والمؤرخ المتميز الأستاذ الدكتور سيَّار الجميل بالدعوة إلى حرق شهادات الخريجين في ساحة الفردوس, وربما أقترح أن يكون التخلي عن ذكر الألقاب العلمية في النشر هو الأكثر معقولية من حرق الشهادات احتجاجاً على العفو عن مزوري الشهادات.
إن ميزان القوى, الذي يميل إلى جانب القوى المشاركة في السلطة حتى الآن, سيتغير بطبيعة الحال لأنه يتغير مع التحرك الجاري في المجتمع. ولكن حركة التغيير فيه بطيئة بحكم ضعف الوعي الاجتماعي والسياسي الراهنين أو أنه في غيبوبة دينية معقدة من جهة, وبحكم ضعف القوى الديمقراطية واليسارية التي لم تتخذ الإجراءات الكفيلة بمعالجة أوضاعها من خلال عقد اللقاءات الجدية والدراسية لأوضاعها وأوضاع البلاد وضرورات اللقاء في ما بينها على قواسم مشتركة لكي تستفيد مجتمعة من التغير الذي سوف يحصل في ميزان القوى بسبب أخطاء القوى الحاكمة وعدم تلبيتها لمصالح وإرادة الناس من جهة, وبسبب نشاط القوى الديمقراطية التي يمكنها أن تحل تدريجاً محل تلك القوى الحاكمة من جهة ثانية.
إن هذا التغيير لا يحصل عفوياً بل بفعل نشاط القوى الديمقراطية ووحدتها, ومن هنا أطرح على كل القوى السياسية شعار مرحلي مهم جداً هو "قووا تنظيم الحركة الوطنية" إنها الحلقة المركزية المفقودة في المرحلة الراهنة ومن لا يدرك ذلك سيعاقبه التاريخ الذي لا يرحم. والمتضرر الأول والأخير من عدم فهم شعار المرحلة ستكون القوى الديمقراطية واليسارية كلها دون استثناء. والمستفيد من ذلك معروف لنا جميعاً.
إن عوامل ضعف الحركة الديمقراطية كثيرة ومتراكمة تاريخياً, ولكن هذا الضعف البنيوي ليس مانعاً من ضمان التغيير والتحول إلى قوة فاعلة من خلال إزالة عوامل الضعف الذاتية وعبرها تتغير العوامل الموضوعية أيضاً. إنها عملية جدلية متبادلة الفعل والتأثير. وفي العراق توجد بذور غير قليلة مزروعة في حب الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية, إنها زرعت منذ عقود, وهي بحاجة إلى عناية ورعايية وسقي دائم لتنتعش وتثمر.
إن الحكومة الحالية هشة, ضعيفة ومتصارعة منذ الآن, وهي أضعف من سابقتها وربما سيضيع رئيس الوزراء في لجة الخلاقات وبهذا العدد الكبير من الوزراء (44) حقيبة, وسيلجأ إلى ممارسة العمل الفردي, إذ أنه أُجبر على التحالف مع من وقف ضدهم قبل ذاك ومنهم التيار الصدري, الذي لم يتخل عن سياساته السابقة, غضافة إلى قوى أخرى مماثلة. لقد اختار رئيس الوزراء هذه الحالة بنفسه حين اصر على ان يبقى رئيساً للوزراء ولو بوزارة من هذا النوع. وستكون العواقب غير طيبة ويتمنى الإنسان أن لا يكون استنتاجي صحيحاً. ولكن الوقائع تؤكد بالضبط هذا الاستنتاج.

ستبقى الحكومة قائمة ولن تسقط ما دام ميزان القوى الراهن مستمراً على حاله, ولكن سوف لن تنجز ما يحتاجه العراق خلال السنوات الثلاث القادمة من عمر الحكومة ومجلس النواب.
ولكن يبقى واجب القوى الديمقراطية واليسارية أن تعمل على رفع مطالب الناس اليومية والدفاع عن مصالحها وإرغام الوزارات المختلفة على تنفيذ المشاريع التي تساهم في تحقيق التنمية الصناعية والزراعية وترشيد التجارة الخارجية وزيادة فرص العمل ومكافحة الفقر والفساد المالي والإداري من خلال تحريك الفئات الاجتماعية المختلفة وتعبئتها لتحقيق المنشود. إنها الحركة التي تعلم الفئات الاجتماعية بأن المطالب العادلة لا تتحقق إلا بالنضال من أجلها, النضال السلمي والديمقراطي بمختلف صيغه واساليبه المعروفة على الصعيد العالمي. وهو الطريق ذاته الذي يعمق ويشد لحمة العلاقة بين القوى والأحزاب الديمقراطية وفئات الشعب المختلفة ولا بديل لذلك.
25/12/2010                   كاظم حبيب




410
كاظم حبيب
متى تكف الذكورية في الدولة والحكومة والأحزاب عن تهميش المرأة في العراق؟

الدولة والحكومة والأحزاب الفائزة في الانتخابات الأخيرة بالعراق كلها تتحدث بأصوات مرتفعة وملء الفم عن حقوق المرأة وعن أهمية وضرورة وأحقية مشاركتها في قضايا الدولة والمجتمع وفي المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفي بقية المجالات. وتعقد الندوات السياسية التي يتحدث فيها ممثلو الأحزاب عن حقوق المرأة وعن دورها في المجتمع.
الدولة والحكومة والأحزاب السياسية الفائزة في الانتخابات الأخيرة كلها تعلن عن تمسكها بالدستور العراقي وتدعو الجميع للالتزام به وبالقوانين السائدة.
والدستور العراقي الجديد ينص على نسبة تبلغ 25% لصالح وجود المرأة في مجلس النواب ومجلس الوزراء وفي مجالات أخرى.
وولكن الواقع القائم في العراق إن هؤلاء المؤسسات الحكومية والأحزاب السياسية الفائزة في الانتخابات جميعاً ودون استثناء يتجاوزون على الدستور ويتخلون عن كل الوعود والالتزامات والتصريحات حول حقوق المرأة وحصتها في مجلس الوزراء. الكل يدير ظهره للمرأة العراقية ولحقوقها ومصالحها. فهم أول من ادعى الالتزام بها وأول من خالف ذلك, فهل يمكن منح الثقة لدولة وحكومة وأحزاب سياسية تبدأ أعمالها بمخالفة نصوص دستورية صريحة حول حقوق المرأة. إنها مخالفة وخرق فظ للمواد 14 و 16 و 20 من الدستور.
أما السيد رئيس الوزراء فقد أشار عند تقديمه القائمة التي تتضمن أسماء الوزراء إلى أنه جمد مجموعة من وزارات دولة ويتطلع أن يرشح لها نساء, أي حقائب ثانوية وكأن المرأة غير قادرة على تحمل مسؤولياتها في كل الوزارات التي أعلن عنها. وبالتالي يبرئ ذمته من مسؤولية عدم وجود نساء في وزارته الجديدة, في ما عدا وزارة يتيمة, في حين كان عليه ان يرفض أساساً تسلم تلك القوائم من الأحزاب السياسية التي لا تتضمن النسبة المقررة للمرأة في مجلس الوزراء على وفق عدد الحقائب الممنوحة لهم.
إن محنة المرأة العراقية كبيرة في مجتمع ذكوري يستند إلى التقاليد والعادات والقيم العشائرية البالية التي يمجدها رئيس الوزراء ويسعى إلى تكريسها التي لم تعد صالحة لدولة يراد لها أن تستند إلى مبادئ الحرية والديمقراطية وبناء المجتمع المدني الديمقراطي الذي يتعارض تماماً مع مفهوم العشائرية. إن رئيس حكومة يعتبر العشيرة هي الأساس الذي يحافظ على النسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي وللدولة العراقية يتحرى عن "رعية" وليس عن الالتزام المبدئي والمركزي بمفهوم المواطنة الحرة والمتساوية لكل المواطنات والمواطنين, لا يمكنه بأي حال أن يبني دولة حرة وديمقراطية. إن حكومة يقرر وزير التعليم العالي السابق تحريم تدريس الموسيقى والرقص والغناء والنحت, ... والحبل على الجرار, ويراد تدمير التماثيل الموجودة في أكاديمية الفنون الجميلة, لا يمكنها أن تكرس مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. إن هذه السياسات وهذه المواقف مناهضة للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة ولا يجوز القبول بها أو السكوت عنها. ومن المؤلم حقاً أن ترى قوى كانت حتى الأمس القريب تتحدث عن الحرية الفردية وعن الحريات الالديمقراطية وتسجل ذلك في نظمها الداخلية وبرامجها السياسية, تتنكر لها اليون من خلال سكوتها عما يجري في العراق من مناهضة فعلية للثقافة الديمقراطية وتجاوز فظ على الحياة الثقافية واتهام أثيم للمثقفات وللمثقفين الذين تظاهروا في شارع المتنبي بأنهم (مأجورون!), أو الحديث بشكل وقح وصلف بأن المثقفين حين يسكرون يبول بعضهم على البعض الآخر, وكأنه كان بينهم وتلقى شيئاً من ذلك!
إنه البؤس الفكري والسياسي حقاً أن تتشكل حكومة وتبدأ عملها بالتجاوز على نص دستوري ومن كافة القوى والأحزاب المشاركة بالحكومة الجديدة. إنها أول إساءة للدستور ولكنها ليست الأخيرة, كما يبدو لي, رغم تأكيدات البرنامج الحكومي على الالتزام بالدستور. وكما يقول المثل الشعبي "من أول غزاته, انكسرت عصاته".
أدعو النساء العراقيات, أدعوهن في الداخل والخارج إلى الاحتجاج ضد موقف الأحزاب والحكومة والدولة من المرأة ومن حقها الدستوري في المشاركة بربع مقاعد مجلس الوزراء, أدعو المرأة إلى التظاهر السلمي والضغط على كل القوى السياسية الفائزة في الانتخابات من أجل تغيير موقفها من المرأة بدلاً من الادعاء بمبادئ معينة ومخالفتها مباشرة, أدعوها لرفض التهميش الذي يراد تكريسه في الحياة العامة في العراق.
لا يمكن تأمين حقوق الإنسان, ومنها وبشكل خاص حقوق المرأة, دون خوض نضال عنيد ودءوب ومتصاعد من جانب المرأة ومعها كل القوى الديمقراطية التي تدرك الأضرار التي تلحق بالمجتمع من جراء تهميش المرأة في الحياة العامة, في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وتقريم حقوقها المثبتة في الدستور العراقي الراهن.
22/12/2010                   كاظم حبيب
   

 



411
كاظم حبيب

الاختلاف في فهم معاني استشهاد الحسين بين الموروث الشعبي والفكر المبتذل!

على مدى القرون والعقود المنصرمة تباين الناس في فهم المعاني الإنسانية العميقة لثورة الحسين بن علي بن أبي طالب. لم يكن هذا التباين ناشئاً عن عدم وعي بحقيقة المعاني, بل كان بسبب التباين في المصالح والأغراض التي يسعى لها كل طرف ويدفع بالاتجاه الذي يريده ويخدم مصالحه.
لقد بلغ التفسير المتباين حد التناقض الشديد في فهم أهداف الحسين في محاولة من البعض تخفيض سقفها إلى حد الإسفاف بالتبسيط والتسطيح وجعلها ,وكأنها كانت لتقييد حرية وحركة الإنسان وافعاله, في حين رأى فيها الطرف الآخر إنها أنبل من أن تدفع باتجاه تقييد الحرية الفردية وحقوق الفرد وحقوق المجتمع.
فالثورة كانت اساساً ضد الظلم والطغيان, ضد الاستبداد بالرأي وفي الحكم, ضد التصرف الكيفي بالمال العام وكأنه جزء من خزينة الحاكم الأموي الذي اغتصب الخلافة وأسدل الستار على مبدأ "الأمر شورى بينهم".
ونواجه هذا التزييف لمعاني الثورة الحسينية في قرارات مجلس محافظة البصرة ومجلس محافظة بغداد وبابل وغيرها ممن تجرأ على تشويه مبادئ تلك الثورة العامة واستند إليها لمصادرة حرية الإنسان وحقوقه المشروعة في العصر الحديث.
لم يكتف كامل الزيدي, محافظ بغداد, وكما تشير الكثير من الدلائل أنه بعثي ومن المهرولين السابقين وراء "القائد الضرورة" والمتمسك بالخط الطلفاحي, بإصدار تلك الأوامر القروقوشية لتقييد حرية الفرد والشعب وممارسة حملة إيمانية جديدة مماثلة بل وأسوأ من حملة الدكتاتور المقيت صدام حسين, بل راح يشتم المثقفات والمثقفين من بنات وابناء الشعب العراقي ممن تجمعوا في شارع المتنبي ليعلنوا عن احتجاجهم وإدانتهم لتلك القرارات السلطانية المناهضة لاتحاد الأدباء والكتاب في العراق وضد القرارات المتخذة ضد مناهج أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد ويتهمهم بالمأجورين ليبعد التهمة ذاتها عنه. يشتم مجموعة من البشر ممن يشكل نموذجاً رائعاً للإنسان العراقي المناضل ضد الاستبداد والقمع والقسوة ومن أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. السؤال الذي يواجهنا هو: ماذا يريد هذا الرجل من تلك القرارات؟ هل يريد إثارة جمهرة المثقفين والكثير من بنات وأبناء الشعب ضد الحكم الراهن حتى قبل تشكيل الحكومة الديدة, ويالتالي ينعي مسبقاً العملية السياسية؟ هل يريد اشاعة الفوضى في البلاد وتعميق التناقضات في المجتمع وتشديد الصراعات؟ ولصالح من يقوم بكل ذلك؟ هل لمصلحة من كان سيده في السابق؟ أم سيده في الوقت الحاضر؟ من استمع إلى ردات المواكب الحسينية في كربلاء وتمعن فيها لأدرك بوضوح كبير أن المجتمع يرفض سياسات التقييد للحرية ويرفض الوصاية عليه ويرفض الخيمة الفكرية والسياسية الواحدة, كما رفضها في زمن الدكتاتور صدام حسين, رغم أنه لم يستطع الخلاص منه إلا بقوى أجنبية أزالته ولكنها أدخلت معها الطائفية السياسية المقيتة.
إن ما تجرأ عليه كامل الزيدي لا يدخل في باب الاختلاف في وجهات النظر أو رؤية قابلة للنقاش, بل يدخل في عملية اقتطاع وتقريم جدية لحقوق الفرد وحقوق المواطنة وحقوق الإنسان وكل الشرائع الأخرى, إن أوامره تعتبر إساءة كبيرة للإنسان وحريته وحقه في التصرف والتحكم بإرادته, إنه السيف الاستبدادي الذي يراد تسليطه على رقاب الناس باسم الدين احياناً وباسم ثورة الحسين أحياناً أخرى. وهم من الدين والحسين براء!
لو تابعنا كتابات الأخوة العراقيين والأخوات العراقيات لوجدنا إن أكثر الناس تاييداً للسيد نوري المالكي, هو الصديق الدكتور عبد الخالق حسين, الذي رفض هذه القرارات وادانها بقوة ووجه رسالة إلى السيد المالكي طالباً فيها رفض تلك الإجراءات باعتبارها مسيئة له ولحكمه وللعملية السياسية, وطالبه بمنع تطبيقها لأنها تعرض حكمه إلى المزيد من المشكلات والصراعات. وهو يرى أن السيد المتالكي لا يقف وراء مثل هذه الإجراءات. أتمنى أن يكون راي الدكتور حسين صحيحاً.
السؤال الكبير الذي يواجهنا جميعاً هو: هل نحن أمام مرحلة جديدة من التشدد الديني والمذهبي وتنغيص عيش الناس والعودة إلى الوراء مع بداية تشكيل الحكومة الجديدة, أم أن الصراع على المواقع والوزارات يدفع بالبعض إلى تبني سياسات وقحة ضد الشعب وحريته وحرية الفرد ويدفع بهؤلاء إلى تبني مثل هذه الإجراءات تماماً كما فعل كامل الزيدي, محافظ بغداد؟ يتمنى الإنسان أن يكون الاحتمال الثاني وليس الأولى.
إلا أن الكلمة التي ألقاها السيد رئيس الوزراء المنتهية ولايته والمكلف بتشكيلها مجدداً في ذكرى عاشوراء والتي نقلت من قناة الشرقية تستوجب التوقف عندها والتفكير الجدي بها, إذ رغم أن السيد نوري المالكي لم يؤيد صراحة تلك الإجراءات ولكنه ضرب على ذات الوتر بطريقة لا تعبر عن وعي عميق بمضامين ثورة الحسين, رغم أنه يقود حزب الدعوة الإسلامية في العراق. فليس التضييق على حرية الإنسان وعلى سلوكه الشخصي من مسؤولية المالكي أو غيره ما دام الفرد العراقي لا يتعرض لحرية الآخرين بالأذى أو الضرر. إن خطاب المالكي في يوم عاشوراء بصدد الموضوع لا يعطي الانطباع بأن جمهرة من الحكام في العراق استفادوا من تجربة النظم الاستبدادية السابقة. فالتضييق على حرية الإنسان تتسبب بعواقب أخرى غير سليمة. فما يمنع من الباب يدخل إلى البلاد وبيوت الناس من الشبابيك, والسلطة التي تحترم نفسها لا تصدر قوانين وقرارات لا يمكن تطبيقها بل تفتح عشرات الأبواب للتجاوز عليها. والأمثلة كثير جداً بهذا الصدد, ومنها الحالة في إيران أو دول عربية عديدة. 
إن من واجب اتحاد الأدباء والكتاب في العراق إقامة دعوى قضائية ضد كامل الزيدي مع تقديم نبذة مختصرة عن حياته السياسية, كما يفترض أن يقدم كل مثقفة ومثقف في العراق ومن شارك في مظاهرة شارع المتنبي على إقامة دعوى قضائية مماثلة ضد الزيدي لأنه أهان كل المثقفات والمثقفين في العراق حين اتهمهم بالمأجورية, وعليه أن يبرهن على ذلك وأن يحاسب عليها قانوناً حين لا يستطيع البرهنة على ما ادعاه, أو أن يتراجع عن إجراءاته وقراراته القرقوشية ويعتذرللشعب ولكل المثقفات والمثقفين في بلادنا, تماماً كما طالب السيد عماد الأخرس بشكل صائب في آخر مقال له حول ذات الموضوع.
إن من واجبنا ومن حقنا أن نطالب القوى المشاركة في الحكومة الحالية أو التي ستشكل الحكومة القادمة, مهما كان رأينا فيها, بالتصدي لتلك الإجراءات المفرقة للصف العراقي والمشوشة على العملية السياسية والمقيدة لحرية الإنسان والمصادرة لحقوقه التي يضمنها الدستور العراقي والمواثيق والعهود الدولية التي وقع عليها العراق, ومنها اللائحة الدولية لحقوق الإنسان. 
20/12/2010                     كاظم حبيب               

 



412
هيأة الدفاع عن اتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق

تحية وتهنئة إلى مسيحيي العراق والعالم


يطيب لهيأة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق أن تزجي أحر تحيات أعضاء الأمانة العامة وكل مؤيدي ومساندي نشاط الهيأة في داخل العراق وخارجه وتهانيهم الطيبة بمناسبة قرب حلول أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية الجديدة.
لقد كان العام الماضي مليئاً بالمآسي والآلام والأحزان لمسيحيات ومسيحيي العراق ولكل العراقيات والعراقيين الذين يعتزون بمكونات الشعب العراقي بتنوعاتها القومية والدينية والمذهبية.. وجاءت تلك المآسي  بسبب الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها الكنائس المسيحية, وخاصة كنيسة سيدة النجاة ببغداد, وسقوط عدد كبير من الشهداء الأبرار وكثير من الجرحى والمعوقين فضلا عن كثير من الذين استشهدوا بطرق مختلفة على أيدي قوى الإرهاب في العراق من مختلف الأصول والاتجاهات الفكرية والسياسية المتطرفة.
إننا إذ نرجو للشهداء الذكر الطيب ولعائلاتهم المواساة وهم يفتقدون بناتهم وأبناءهم في احتفالاتهم بهذه الأعياد في عامهم هذا، لنؤكد تضامننا مع عائلات الشهداء وكل مواطنات ومواطني العراق المسيحيين ومن مختلف الأديان والمذاهب الدينية الأخرى من الذين يتعرضون للإرهاب والتمييز والقهر والذين يُدفعون قسرا على ترك العراق بحثا عن مناطق أكثر أمناً وسلامة من وطنهم الأم.. في وقت وقفت عاجرة جميع حكوماته المتتالية منذ سقوط الدكتاتورية الغاشمة عن توفير الأمن والاستقرار والحماية الضرورية لهم.
و لنعلن من جهة ثانية،  مؤكدين مجددا إدانتنا الحازمة للجرائم المرتكبة؛ ومطالبتنا الحكومة العراقية بتوفير الأمن والسلامة لكل مواطني ومواطنات العراق من دون استثناء, وخاصة الجماعات المستهدفة بالعمليات الإرهابية من جهة ثالثة.
إننا إذ نتمنى لكل مسيحيات ومسيحيي العراق والعالم احتفالات طيبة وسعيدة وعاماً سعيداً ومليئاً بالأفراح بعيداً عن قوى الإرهاب وعملياتهم الجبانة، نتمنى لهم الصحة الموفورة والحياة الهانئة.
الأمانة العامة
هيأة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق
20/12/2010


413
كاظم حبيب

مثقفو إقليم كردستان العراق وموقفهم النبيل إزاء الحملة الجائرة ضد الثقافة الديمقراطية

برهنت, ومن جديد, جمهرة كبيرة وبارزة من مثقفات ومثقفي إقليم كردستان العراق على وعيها العميق بطبيعة الحملة الجائرة التي تتعرض لها الثقافة الديمقراطية العراقية, وعلى إدراكها الواضح والسليم بالمخاطر التي تتعرض لها الحياة الثقافية العراقية بكل تنوعاتها وتعددها وتفاعلها المتبادل وتلاقحها المستمر من جراء تلك الإجراءات الظالمة والمتخلفة التي اتخذتها بعض مجالس المحافظات أو فرضت على بعض المؤسسات الحكومية الموجهة ضد الثقافة والمثقفات والمثقفين في العراق. وأدركت مخاطر سكوت الحكومة الاتحادية, وبشكل القوى الفاعلة فيها والقوى المحسوبة على الصف الوطني والديمقراطي, على صدور تلك الإجراءات ولم تقف بوضوح وجرأة رافضة إياها ومتصدية لها بالاستناد إلى مضامين الدستور العراقي الجديد والمبادئ الأساسية التي تتضمنها لائحة حقوق الإنسان وحقوق المواطنة والحرية الفردية للمواطنات والمواطنين, وما كانت ولا تزال تتحدث به الحكومة الاتحادية ليل نهار.
إن مضمون النداء الصادر عن الأخوات والأخوة في كردستان يحمل الكثير من المعاني الإنسانية والتضامنية والرؤية المشتركة لمستقبل العراق في حالة نجاح هذه القوى الظلامية والمستبدة في تكريس سياساتهم التي تتناقض مع حضارة الإنسان وتقدمه وحريته ومع الجماليات التي يسعى الإنسان إلى إبداعها ليضفي على حياة الإنسان الغنى الفكري والروحي, ويخفف عنه آلام وويلات الكوارث والمصائب والحرمان والبطالة والفقر التي مر بها أو لا تزال تعاني من آثارها نسبة عالية من بنات وابناء الشعب العراقي, والجديد من المشكلا التي أضيفت خلال السنوات السبع المنصرمة إلى التركة الثقيلة للنظام السابق.
إني إذ أحيي هذه الروح التضامنية والإنسانية الوثابة لدى مثقفات ومثقفي كردستان, أدعوهم إلى تنظيم حملة فكرية وسياسية وإعلامية واسعة وسريعة لتعبئة قوى وأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الديمقراطية المستقلة في الإقليم ضد الحملة الظالمة والجارية في بغداد وفي العديد من محافظات الوسط والجنوب. إن مثل هذه الحملة يمكنها أن تساهم في اتخاذ الأحزاب ورئاسة وحكومة إقليم كردستان وقائمة التحالف الكردستاني ورئاسة الجمهورية العراقية موقفاً واضحاً في رفض تلك الإجراءات وإدانتها والعمل الجاد على إلغائها وإزالة الآثار السلبية التي ترتبت عنها على المجتمع العراقي وعلى المؤسسات الحكومية, ومنها أكاديمية الفنون الجميلة, أو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق. كما إنها يمكن أن تحرك الشارع العراقي كله لمواجهة ما يراد له في المرحلة الراهنة من حياة الشعب والدولة العراقية.
إن القوى الديمقراطية العراقية كلها تواجه خطر السعي لفرض خيمة فكرية جديدة لطرف واحد ومعين على مجمل الحياة الفكرية العراقية, تماماً كما فعل صدام حسين في سعيه لفرض الخيمة الفكرية البعثية الشوفينية والعنصرية على الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والتي قادت إلى الكثير من النكبات والمآسي في العراق وفي الدول المجاورة. ولهذا يفترض فينا تنشيط عملية التصدي لأي محاولة من هذا النوع. وما الإجراءات الأخيرة لمجالس المحافظات وسكوت أو تاييد مبطن لبعض القوى في الحكومة الاتحادية لها, يمكن اعتباره بالون اختبار لمزيد من الإجراءات الجائرة اللاحقة ضد القوى والثقافة الديمقراطية والتراث الشعبي الحي في العراق, وضد حرية الإنسان.
إننا في العراق نحتاج اليوم وأكثر من اي وقت مضى إلى ترديد ما قاله الشاعر الطيب الذكر كاظم السماوي في الخمسينات من القرن الماضي والعمل على ضوئه :
وإذا تكاتفت الأكف        فأي كفٍ يقطعون
وإذا تعانقت الشعوب         فأي درب يسلكون
 كاظم حبيب
17/12/2010
     


414
رسالة مفتوحة إلى رئيس قائمة التحالف الكردستاني في إقليم كردستان العراق


الأخ الفاضل الأستاذ الدكتور فؤاد معصوم المحترم / رئيس قائمة التحالف الكردستاني/بغداد العراق
تحية ودٍ و احترام
وجدت نفسي ملزماً, كمواطن عراقي, أن افاتحكم, ومن خلالكم أعضاءقائمة التحالف الكردستاني كافة وحكومة وشعب وأحزاب كردستان العراق الديمقراطية, بالهموم التي تثقل عليَّ وعلى الكثير من مواطنات ومواطني العراق في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ العراق الحديث.
لقد ناضلنا معاً ضمن قوى ديمقراطية وتقدمية عراقية لسنوات طويلة من أجل سيادة مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية والسلام في كردستان والعراق. ولم يكن هذا النضال سهلاً ومرً بمنعطفات حادة وحقق نجاحات وعانى من انكسارات وقدم الكثير من التضحيات الغالية لهذا الغرض. ولا يمكن نسيان التضامن المتين بين القوى الديمقراطية والتقدمية من عرب وكرد وتركمان وكلدان وآشوريين في فترات الحكم الملكي أو في الفترات اللاحقة, وخاصة حين كانت الحركة القومية والديمقراطية الكردية تتعرض إلى التجاوز الفظ والاعتداءات العسكرية والمجازر الدموية من قبل النظم الرجعية أو الفردية والاستبدادية أو حين كانت الحريات العامة والديمقراطية وحقوق الإنسان تتعرض إلى المصادرة في العراق كله.
وقد توفرت فرصة ثمينة, رغم كل التعقيدات, في أعقاب سقوط النظام الدكتاتوري في بغداد في ربيع العام 2003, لبناء عراق مدني ديمقراطي اتحادي تزدهر فيه كل المبادئ الخيرة التي ناضلنا من أجلها وتتحقق الأحلام الطيبة التي راودت خيال وأحلام كل المناضلين الشجعان الذين سقطوا في جبال وسهول ومدن وقرى كردستان العراق, أو في وسط وجنوب العراق وبغداد, أو في سجون المستبدين ومعتقلاتهم, أو الذين احتضنتهم القبور الجماعية والذين غيبوا في مجازر عمليات الأنفال وحلبچة والأهوار والحروب الدموية للنظام البعثي الصدامي المقيت.
ومثل هذه الفرصة التي توفرت لم تستثمر من جانب كل القوى الديمقراطية والتقدمية العراقية من مختلف القوميات لتعزيز صفوفها وتوسيع نشاطها وقاعدتها الاجتماعية والسياسية ولم توحد أهدافها ومهمات نضالها فی المرحلة الجديدة وتطرح بوضوح القواسم المشتركة لما تسعى إليه في أعقاب 2003, بل عمل كل منها منفرداً ومنعزلاً عن النضال المشترك مما أدى إلى مزيد من التباعد في ما بينها وإلى الضعف العام لصالح غيرها من القوى والتيارات الفكرية والسياسية التي تتعارض من حيث المبدأ مع بناء دولة مدنية ديمقراطية اتحادية مزدهرة, دولة المواطنة الحرة والمتساوية حيث تنتعش فيها القوميات العديدة وتحقق أهدافها ومصالحها المشتركة بعيداً عن الطائفية السياسية والمحاصصة والتمييز أو الشوفينية وضيق الأفق القومي.
لقد كان إقليم كردستان في العقود المنصرمة موقعاً مهماً للنضال الوطني والديمقراطي لصالح الشعب الكردي وعموم الشعب العراقي. وما تحقق فيه من منجزات منذ العام 1991, رغم كونها من حيث المبدأ نتيجة فعلية لنضال وتضحيات هذا الشعب الأبي, ولكنها لم تكن بمعزل عن نضال وتضامن وتضحيات الشعب العراقي بکل مکوناته, وخاصة القوى والأحزاب الديمقراطية والتقدمية فيه. وكان لزاماً, كما أرى, على التحالف الكردستاني وحكومة إقليم كردستان والشعب الكردي كله, ولمصلحتهم جميعاً على المدى البعيد, أخذ المبادرة والعمل من أجل وحدة عمل التيار الديمقراطي العراقي العام وتقويته وتعزيز مواقعه على صعيد العراق كله, إذ أن قوى الشعب الكردي وأحزابها الوطنية تعتبر جزءاً أساسياً وأصيلاً منه. ولا أبتعد عن الحقيقة حين أؤكد الحقيقة التالية: أن قوى التيار الديمقراطي هي الضمانة الفعلية لبناء العراق المدني الديمقراطي الاتحادي وضمان حقوق ومصالح وفيدرالية إقليم كردستان العراق والاعتراف له بحقه في تقرير مصيره. ولذلك فأن ضعف التيار الديمقراطي ليس من مصلحة الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع أديانه ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والسياسية غير الفاشية وغير الطائفية, وبالتالي لا بد من العمل من أجل إيجاد قواسم مشتركة بين جميع مكونات هذا التيار الوطني والديمقراطي للعمل المشترك لصالح الأهداف المشتركة, أهداف الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية والاستقرار والسلام في جميع أرجاء العراق الاتحادي.
تشير المعطيات على أرض الواقع في العراق إلى تصاعد حملة منظمة وهادفة إلى مصادرة ما هو متوفر, وهو قليل, من حرية فردية وحقوق أساسية للمواطنين والمواطنات مقترنة بحملة ضد مكونات الثقافة الديمقراطية والتراث الشعبي الديمقراطي وضد حرية المثقفين والمثقفات. وهي بداية خطيرة يمكن, أن لم تُلجم بسرعة وتصميم, أن تتفاقم وتهدد العراق بسيادة الاستبداد الفكري والسياسي والثقافي من جديد على الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية العراقية. فم يكن نضالنا المشترك من أجل استبداخ خيمة فكرية شوفينية بخيمة فكرية طائفية بأي حال من الأحوال.
فأوضاع الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة ومفهوم المواطنة الحرة في تراجع شديد وتتخذ أبعاداً خطيرة تهدد المجتمع بمزيد من القيود الثقيلة والمحرمات التي لا يمكن تصور حصولها في دولة يتحدث دستورها عن الحياة الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة.
إن التضييقات المتفاقمة على الحريات العامة وما حصل ويحصل في محافظات العراق, ومنها البصرة وبابل والأنبار وديالى وبغداد أخيراً وعلى نحو خاص, وما يمكن أن يحصل في بقية محافظات البلاد من إجراءات مماثلة هي بمثابة إنذار خطير لكل القوى الديمقراطية والتقدمية في العراق يؤكد بأن مسيرة العملية السياسية والحياة الحرة والحريات العامة تواجه خطراً مباشراً وشديدا.
إن ما يجري في العراق اليوم يتناقض كلية مع الدستور العراقي وبخلاف ما التزم به العراق أمام الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والوثائق والعهود الدولية الخاصة بحقوق الإنسان, بأن لا يعود العراق إلى الاستبداد والقسوة وقمع الحريات ومصادرة حقوق الأفراد والجماعات ومنظمات المجتمع المدني.
إن ما يجري في العراق على صعيد محافظات بغداد والوسط والجنوب بشكل خاص سوف لن يتوقف عليها, بل سينسحب بطرق عديدة وبأساليب مختلفة ليهدد محافظات كردستان العراق والوضع في كردستان عموماً, فلا يمكن أن يسود على سطح واحد مناخان, كما تقول الحكمة الكردية والمثل الشعبي الكردي.
ولهذا فالسكوت على ما يجري اليوم في بغداد والبصرة وبابل وغيرها غير مقبول ويهدد ما تحقق من مكسب إسقاط الدكتاتورية في العراق, إذ أن ما أخرج بطريق القوة وعبر القوات الأجنبية من الباب, يعود بأساليب أخرى ليلج إلى العراق من شبابيكه ليفرض نفسه على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية تحت واجهات دينية وستر مهلهلة.
أدرك أهمية حصول الشعب الكردي على مكاسبه الوطنية والقومية وأؤيد ذلك, كما أيدتها في السابق استناداً إلى المبادئ التي اعتمدها في حياتي السياسية منذ ستة عقود. ولكن لا بد من القول بأن هذه المكاسب سوف تتعرض إلى مخاطر جمة إن استمر االتدهور في أوضاع الوسط والجنوب وبغداد.           
إن مشاركة قائمة التحالف الكردستاني, وأنتم على رأسها, في مجلس النواب العراقي وفي الحكومة الاتحادية وفي مختلف الأجهزة التشريعية والتنفيذية والقضائية, يضع على عاتقكم شخصياً وعلى عاتق قائمة التحالف الكردستاني ورئاسة وحكومة وبرلمان إقليم كردستان والشعب الكردي مسؤولية كبيرة في الدفاع عن الحريات العامة وحقوق الإنسان وعن الثقافة الديمقراطية العراقية وعن اتحاد الأدباء والكتاب العراقي, الذي هو خير ممثل للثقافة الديمقراطية والتنوع الثقافي في العراق وعن حرية تدريس كل الفنون في أكاديمية الفنون الجميلة. إن السكوت على ما يجري اليوم في العراق من محاولة لتغييب الثقافة العراقية الديمقراطية والتراث الشعبي الثر لن يخدم أحداً, بل يحملهم مسؤولية تدهور الأوضاع في العراق أيضاً, وهو ما لا نرجوه لقوى التحالف الكردستاني.
أتمنى على قائمة التحالف الكردستاني أن تتصدى بقوة ووضوح ضد كل التجاوزات الجارية على الحياة الثقافية والثقافة الديمقراطية العراقية والحريات العامة والفردية, وأن ترفض قرارات التحريم المخالفة لروح ومضمون الدستور العراقي الصادرة عن مجالس المحافظات وتطالب بإلغائها فوراً, أنها إجراءات تجعل من العودة إلى الدكتاتورية والهيمنة والخيمة الفكرية والسياسية لطرف واحد خطراً ماثلاً أمام الجميع. إنها إجراءات لا تبشر بالخير لكل الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع أديانه ومذاهبه الدينية واتجاهاته الفكرية الديمقراطية.
أتمنى عليكم شخصياً أن تعملوا لمواجهة ومنع انحدار العراق بطرق مختلفة صوب الاستبداد والقسوة والتعسف الفكري والثقافي والسياسي والاجتماعي, صوب القمع وما ينشأ عنه ويرتبط به من إرهاب وفساد. أتمنى عليكم أن تعملوا, بغض النظر عن وجود تحالفكم ومشاركتكم في السلطة, على إيجاد القواسم المشتركة مع بقية قوى التيار الديمقراطي والحركة الديمقراطية العراقية لتعزيز مواقعها وقاعدتها الاجتماعية والسياسية لصالح مستقبل أفضل للعراق وإقليم كردستان العراق.
أرجو لكم أخي الفاضل موفور الصحة والسلامة والعمر المديد.
مع خالص التقدير والاعتزاز.
كاظم حبيب             

415
كاظم حبيب
عادت حليمة إلى عادتها القديمة, عادت والعود أقبح!!

حين تشعر القوى الظلامية المتسترة بلباس الدين والمدفوعة الثمن بالضعف والتأزم والمحاصرة, وحين تشعر أن الشعب يرفض سياساتها وقراراتها وإجراءاتها التحريمية ضد الثقافة الشعبية والديمقراطية, ضد التراث الحضاري للشعب العراقي الذي شارك منذ العهود البابلية في إغناء الحضارة الإنسانية بالموسيقى والغناء والرقص والشعر والفنون التشكيلية من نحت ورسم وسيراميك..الخ وأبدع في إنتاج الآلات الموسيقية ومنها الهارفة والعود والربابة والناي والطبلة, حين تشعر بأنها أصبحت في زاوية حادة, تبدأ بالهجوم الشرس على القوى الديمقراطية والتقدمية, على القوى المناضلة منذ عقود طويلة من أجل مصالح الشعب والاقتصاد الوطني والديمقراطية وسيادة البلاد واستقلالها, ضد الشيوعيين العراقيين وحزبهم, حزب المناضلين الأحرار.
فمنذ أيام تشن مجموعة من وسائل الإعلام حملة هستيرية ظالمة ضد الحزب الشيوعي العراقي تجلت بشكل خاص في "شبكة نهرين نت" و "قناة الأنوار" في محاولة يائسة وبائسة لتشويه سمعة الحزب الشيوعي العراقي والشيوعيين العراقيين, لأن الحزب الشيوعي العراقي دافع بجرأة ووضوح عن حرية الفرد, عن حقوق الإنسان, عن الثقافة الوطنية والديمقراطية العراقية, عن رفضه لأي تجاوز على اتحاد الأدباء والكتاب في العراق أو على أكاديمية الفنون الجميلة ومناهجها الدراسية, عن القرارات الجائرة والبائسة التي صدرت عن مجالس محافظات بغداد والبصرة وغيرها مما لا يتفق والدستور العراقي ولائحة حقوق الإنسان والتراث العراقي الإنساني.
إن القوى الظلامية التي راحت "شبكة نهرين نت" و "قناة الأنوار" تدافع عن الإجراءات السيئة التي اتخذها مجلس محافظة بغداد أو رئيس المجلس ودفعوا الأموال لتنظيم المظاهرات المؤيدة لإرجاءاتهم الجائرة, كما اكتشفته جريدة المدى الغراء, وتهاجم مظاهرة الأدباء والكتاب العراقيين في شارع المتنبي ضد الإجراءات التعسفية التي تتنافى وحرية الفرد العراقي وحقوق المواطنة وحقوق الإنسان, ما هي إلا بالون اختبار لما يمكن أن تقوم بمصادرته من حقوق وحريات عامة في العراق.
إن مسؤولية الحكومة الاتحادية وكل القوى المشاركة فيها التصدي:
1 لكل القرارات الصادرة عن مجالس المحافظات, وهي إجراءات منافية للدستور العراقي وللحرية الفردية وحقوق الإنسان, بما في ذلك تلك القرارات المناهضة للفنون الشعبية والتراث الثقافي الديمقراطي العراقي, وأن عليها أن تبطلها فوراً وتعيد الأمور إلى نصابها.
2. التصدي لأي تجاوز على الحريات العامة أو محاولة المس بقوى سياسية ديمقراطية عراقية برهنت على إخلاصها للشعب ورفضت المساومة على مصالح الشعب وعلى حقوقه الاساسية.
3. حق الجامعات والكليات العراقية, بما فيها أكاديمية الفنون الجميلة, في تدريس وتطوير الثقافة الديمقراطية العراقية والتراث الأدبي والفني العراقي ورفض تعطيل تدريس الموسيقى والغناء والرقص والنحت ..الخ في أكاديمية الفنون الجميلة, إذ أن هذا يعتبر تجاوزا على ما جاء في الدستور في هذا الصدد, وتجاوزاُ على لائحة حقوق الإنسان والمواثيق والعهود الدولية في هذا المجال.
إن على "شبكة نهرين نت" و "قناة الأنوار" أن تبدي اهتمامها بالفساد المالي والإداري السائدين في البلاد, إن كانت مخلصة للعراق وشعبه, وبأولئك المليارديرية ومزوري الشهادات, الذين يراد اليوم إصدار قانون أو مرسوم بالعفو عن الجرائم التي ارتكبوها بذلك التزير, وهي جرائم مخلة بالشرف, رغم أن البعض غير القليل منهم يحتل إلى الآن مواقع مهمة في أجهزة الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية, بدلاً من الهجوم الشرس على الحزب الشيوعي العراقي. ويبدو أن هذه القوى السوداء لا تسعى من خلال ذلك إلى التغطية على الجرائم المرتكبة في العراق فحسب, بل وإلى التحضير لشن حملة ظالمة ضد كل القوى الديمقراطية والتقدمية العراقية.     
إن هذا الواقع يملي على القوى الديمقراطية العراقية كلها أن تعي طبيعة المرحلة وما يراد بها, وأن تسعى إلى إعادة النظر بسياساتها ونشاطاتها المنفردة وتوحيد جهودها حول برنامج وطني وديمقراطي يشكل القاسم المشترك الأعظم لمهمات المرحلة الراهنة, مهمات وضع العراق على طريق الحياة الحرة والحريات الديمقراطية والتقدم الاجتماعي. كما أن هذا يتطلب من الحزب الشيوعي العراقي أن يعيد النظر بتكتياكته وعلاقاته السياسية ويسعى إلى الانفتاح على كل الشخصيات والجماعات والكتل والقوى والأحزاب الديمقراطية واليسارية التي تلتزم بممارسة سياسة ديمقراطية وتناضل بأساليب سياسية وديمقراطية في إطار العملية السياسية الجارية في البلاد لصالح البرنامج المشترك البديل عن البرامج الفردية والطائفية المطروحة من جانب الكثير من القوى السياسية العراقية, ومنها بعض القوى الحاكمة. 16/12/2010
 
 
   
         


416
كاظم حبيب

هل يمكن الجمع بين احترام الكرامة والضمير والترحم على نظام الاستبداد والعهر الصدامي؟

الفهرست

** المدخل   1
** الاعتقال والتحقيق والتعذيب والمحاكمة   3
** التحقيق والمحاكمة   5
** في زنزانات الإعدام   8
** قرار العفو والإفراج والهروب   10


 

** المدخل
في زيارتي الأخيرة إلى استراليا أجرى الصحفي الديمقراطي الأستاذ غسان مخول من إذاعة SBS الاسترالية لقاءً إذاعياً معي طرح فيه مجموعة من الأسئلة المهمة والراهنية حول العراق وأحوال أهله ومستقبله الديمقراطي وبضمنها السؤال التالي: يقال أن هناك من يترحم على نظام صدام حسين وهو يعيش في ظل الأوضاع الراهنة في العراق, فما رأيك؟
نعم, ربما هناك من يترحم على نظام صدام حسين الدكتاتوري الدموي, بل وربما هناك من يترحم على النظام الملكي. ولكن كل الموقفين خاطئ جداً وخطير في آن واحد ويعبران عن ثلاثة احتمالات:
1 . إما عن كون هؤلاء من جلاوزة وأتباع النظامين المقبورين؛
2 . أو أنهم لم يعرفوا العراق وأهله وما جرى فيه من كوارث سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية وإنسانية عامة وشاملة؛
3 . أو أنهم قصيرو الذاكرة ونسوا طبيعة هذين النظامين الفكرية والسياسية.
فالنظام الملكي هو الذي أسس لما نشأ بعد ذلك من استبداد وقسوة وخراب في العراق حين شوه في التطبيق العملي واليومي الدستور العراقي الديمقراطي لعام 1925 وزور بفظاظة ووقاحة الانتخابات العامة ورهن العراق بسياسة بريطانيا ومصالحها وأحلافها العسكرية واستغل الشعب لصالح فئات الإقطاعيين وكبار الملاكين والكومبرادور المحلي وضد مصالح الفلاحين والعمال والكسبة والحرفيين والمثقفين وأصدر القوانين الرجعية المخالفة لروح ونص الدستور العراقي ولائحة حقوق الإنسان الدولية التي وقع عليها العراق بل وساهم في وضعها في العام 1948, كما أصدر المراسيم الاستبدادية في العام 1954/1955 بما في ذلك إسقاط الجنسية العراقية عن مجموعة من المناضلين الديمقراطيين الأحرار.
كما أن هؤلاء الذين يترحمون على حكم حزب البعث والدكتاتور صدام حسين ينسون الكوارث المأساوية البشعة التي ارتكبها نظام الجريمة الصدامي خلال 35 عاماً من تاريخ العراق الحديث, ينسون حروبه الداخلية والخارجية المدمرة للعراق وعلاقاته الإقليمية والدولية وعمليات الأنفال العنصرية والإجرامية في كردستان العراق وضرب الشعب الكردي بالسلاح الكيمياوي في حلبچة وبادينان وغيرها وتجفيف الأهوار وتشريد سكانها وترحيل الكرد الفيلية والعرب الشيعة من الوسط والجنوب بتهمة التبعية لإيران, ينسون هؤلاء ما فعله نظام المقابر الجماعية المنتشرة في سائر أنحاء العراق والتي ازداد عددها عن 300 مقبرة مكتشفة إلى الآن ثم الضربات القاسية التي وجهها لقوى الانتفاضة الشعبية في العام 1991 والتي تجلت في الزحف المليوني لشعب كردستان نحو تركيا وإيران أو الهروب إلى السعودية من منتفضي جنوب ووسط العراق, ينسون عواقب سياساته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والعسكرية المدمرة, ينسون قرار تصفية السجون العراقية الذي اتخذه النظام في العام 1984 وإعدام ما يقرب من 5000 إنسان عراقي خلال أسبوع واحد فقط, ينسون سياساته التي تسببت في فرض الحصار الاقتصادي الدولي على العراق والخراب الاقتصادي والجوع والحرمان والموت والتهجير والتشريد والتعريب القسري, ينسون إن ضحايا النظام بمختلف السبل يزيد عن 1,5 مليون إنسان منذ وصول البعث للمرة الثانية إلى الحكم في العام 1968, دع عنك جرائمه البشعة جداً والفاشية في القفز الأول على الحكم والإطاحة بحكم عبد الكريم قاسم, وأخيراً وليس أخراً ينسون هؤلاء عدد المهاجرين والمهجرين قسراً من العراق في فترة الحكم الصدامي والذي بلغ إلى ما يقرب من أربعة ملايين إنسان.
لا يمكن أن يترحم الإنسان العاقل القادر على التفكير السوي على نظام صدام حسين, إلا أولئك الذين فقدوا القدرة على التفكير السليم, رغم أن ما يجري في العراق اليوم يعتبر واحدة من المآسي الكبيرة والجديدة التي حلت بالعراق بعد سقوط الدكتاتورية على أيدي قوات الاحتلال الأمريكية والبريطانية في ربيع العام 2003, إذ أقامت على أنقاض ذلك النظام الهمجي نظام المحاصة الطائفية والتمييز الديني والطائفي وثقافة القسوة والمحرمات. وتم التراجع الشديد عن مبدأ المواطنة العراقية لصالح الهويات الفرعية القاتلة, التي تساهم اليوم في تمزيق النسيج الوطني للمجتمع العراقي. وهي حصيلة منطقية لسياسات النظام السابقة وتركة ثقيلة من تركاته الكثيرة الضاغطة على, والتي لا تزال فاعلة في, المجتمع العراقي. إن إدانة ما يجري اليوم في العراق, وخاصة دور القوى الظلامية في فرض المزيد من المحرمات على المجتمع ومصادرة حقوق الإنسان وحرياته العامة لا تسمح لنا أن نترحم على نظام كان رأسه مسؤول عن عصابة مجرمة ومافيا قذرة دمرت البلاد وقتلت الكثير من الناس الأبرياء ودفعت بالبلاد إلى ثقافة العنف والقسوة والتمييز والعنصرية والطائفية وتعميق واشتداد ظاهرة ازدواج الشخصية لدى الفرد العراقي. ومع ذلك فأن الأجواء السائدة في العراق حالياً واستكلاب القوى الظلامية ضد الثقافة الديمقراطية والفنون والتراث الشعبي العراقي كالموسيقى والغناء والرقص والرسم والنحت والتمثيل ...الخ, يمكن أن تجعل جمهرة من الناس ممن لم يكن يعمل في السياسة أن يرى بأن أوضاع العراق الراهنة هي اسوأ من فترة حكم البعث وهم يشيرون إلى أن فترة النظام البعثي كنا نعرف أن قوى الأمن وأجهزته الأخرى هي التي تعتقل وتغيب أو تقتل, فهي جهة واحدة, ولكننا اليوم لا نستطيع أن نعرف ونحن من هو القاتل, فالجهات عديدة, منهم قوى الأرهاب المتطرفة, ومنها الميليشيات الطائفية المسلحة, سنية كانت أم شيعية, ومنهم قوى البعث التدميرية, وكذلك المجرمون السائبون, إضافة إلى البعض ممن يعمل ضمن العملية السياسية ولكن لديه ذراع تمارس مهمة القتل ويحتمي بغطاء العملية السياسية.
إن رفض ما يجري اليوم في العراق من تجاوز فظ ومرير ومدمر على الحريات العامة وحقوق الإنسان وحقوق المواطنة الحرة, وما يفرض على المجتمع من طائفية مقيتة ومحرمات قاتلة, وما يطبق من إساءات وقحة على ثقافتنا الوطنية والديمقراطية, وأن النضال ضد هذه السياسات والعمل من أجل وضع العراق على طريق الحرية والديمقراطية والدولة المدنية, لا يتطلب بأي حال الترحم على نظام فاشي أصفر مثل نظام صدام حسين, إذ هو الآخر مسؤول تماماً عما يجري اليوم في العراق.       
ومع ذلك ولكي نقطع الطريق على أي تفكير سقيم بالترحم على نظام دموي واستبدادي صدامي مقيت, سأورد هنا مضمون لقاءٍ أجريته مع أحد مناضلي الحزب الشيوعي العراقي المقيم حالياً في ميلبورن والذي اعتقل في العام 1983 بذريعة "الهروب من الجيش والتعاون مع المخربين والتحريض على الهروب منه والإساءة للسلطة" وحكم عليه من المحكمة المركزية الخاصة لمحاكمة العسكريين بالإعدام رمياً بالرصاص في 14 تموز 1984, ثم صدر العفو العام عنه وعن 109 أخرين, في حين أعدم 5000 سجين سياسي وغير سياسي في العام 1984 تحت شعار "تصفية السجون العراقية" التي كانت قد امتلأت ولم يعد فيها مكان للمحكومين الجدد بالإعدام حينذاك. وهذه الحالة وحدها تكفي للبرهنة على طبيعة نظام البعث وأهمية الخلاص منه ومن رأسه المستبد بأمره صدام حسين وليس الترحم عليه وعلى نظامه. إن ما جرى في العراق أبشع بكثير من هذه الجرائم, فجرائم الأنفال التي قتل وغيب فيها أكثر من 182 ألف إنسان في إقليم كردستان العراق وحدها تكفي للبرهنة على عنصرية وفاشية وهمجية النظام الصدامي, على الجرائم التي ارتكبها ضد الإنسانية, وتكفي لا لعدم الترحم عليه, بل وإنزال ألاف وملايين اللعنات عليه وعلى من تسبب في وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة في العراق.   
** الاعتقال والتحقيق والتعذيب والمحاكمة
تبدأ قصة المناضل الشيوعي كفاح صليوة بيتون (أبو جيفارا), من مواليد 1960 ببغداد, بعد عودته من حركه الانصار والتحاقه بدائرة التجنيد بأربيل بعد صدور قرار العفو عن الهاربين من الخدمة العسكرية وبناء على اتفاق مع المسؤول الحزبي لقاطع أربيل في حركة الأنصار الشيوعيين حينذاك, حيث كان كفاح نصيراً, الرفيق ثابت حبيب العاني (أبو حسان).   
أرسل من قبل مديرية التجنيد إلى القطعات العسكرية العراقية في قلعة دزه لكونه مسجلاً ضمن تجنيد أربيل. ولكن لم يمض أكثر من شهر واحد على التحاقه حتى اعتقل من قبل جهاز الاستخبارات للفرقه الرابعه والعشرين في قلعه دزه  وأرسل إلى استخبارات المنظومه الشماليه في كركوك ومنها إلى الشعبة الخامسة ببغداد للتحقيق معه. وكان يطلق على هذه الشعبة حينذاك بـ "الحوتة", إذ كان من يدخلها لا يخرج منها سالماً. يقول المناضل أبو جيفارا ما يلي:
"نقلت ومعي ثمانية أشخاص في حافلة صغيرة يطلق عليها بـالكوستر, (وهي نصف منشأة تستوعب حوالي 15 شخصاً, والمنشأة تعني حافلة كبيرة تستوعب 30 شخصاً أو أكثر), إلى بغداد وقد غطيت عيوننا بقطة قماش سوداء كما قيدت أيدينا إلى الخلف. وصلنا إلى وزارة الدفاع وبقينا في معتقلها ثلاثة أيام, حيث نقلنا بعدها بسيارة أشبه بناقلة قمامة حيث كبست علينا من الأعلى, وبعد فترة قصيرة نقلنا إلى عربة أخرى كانت تدور وتقذف بنا من جهة إلى أخرى كما تفعل خباطة الإسمنت. ثم أخيراً وضعنا في سيارة أخرى مكتوب عليها "مرطبات" نقلتنا, كما علمنا فيما بعد, إلى الشعبة الخامسة حيث جرى توزيعنا على قسمين, قسم خاص بالمعتقلين المدنيين, وقسم آخر مخصص بالمعتقلين العسكريين.
حال وصولنا إلى الشعبة الخاصة خلعت عنا ملابسنا وأصبحنا عراة تماماً عدا القيود التي على ايدينا والأقنعة التي كانت تمنع النور والنظر عن عيوننا حيث بدأت جولة من الضرب المبرح بالصوندات والركلات والكفخات والصفعات من جانب حرس المعتقل, إذ لم نكن نعرف كيف يمكن التخلص من تلك الضربات ولا ندري من أين تأتينا ونحن لا نبصر شيئاً سوى الظلام. لقد كانت جولة مريعة تركت ألاما مبرحة والكثير من الرضوض والجروح في الجسم وفي النفس معاً. ويبدو أن البعض منا قد سال الدم من رأسه بسبب تلك الضربات القاسية والحقد الأعمى الذي حرك الجلادين القساة بأمر من سيدهم الدكتاتور الأهوج صدام حسين. بعد أن تعبوا من ضربنا, سلموا بعضنا ما يستر أجسامنا وبطانية واحدة ودفعونا إلى الزنزانات. البعض منا كان بالالبسه الداخليه والبعض الآخر كان عارياً تماماً.
لم تفتح عيوني إلا بعد أن إدخلت إلى زنزانة مظلمة قدرت مساحتها بحدود 1,5 مترX  1,5 متر تقريباً, وهي من الحديد الأملس وعالية السقف, وفيها فتحة لدخول الهواء دون دخول أشعة الشمس أو النور ولا يوجد فيها مصباح كهربائي. ويبدو أن عددنا أصبح ثمانية أشخاص حتى بعد توزيعنا, إذ كان بعض المعتقلين موجوداً قبل ذاك في الزنزانة. لم يكن في مقدورنا النوم على الأرض وبطولنا, بل كنا نتبادل الجلوس والنهوض أو رفع الساقين ووضعها على اكتاف الآخرين حيث نتبادل المواقع كل ساعة. كان الحرس يقدم لنا وجبتين من الطعام يومياً, كل وجبة مكونة من صمونة واحدة صغيرة ومتخشبة وكوب صغير من الرز وقطعة جبن كرافت وكأس واحد من الماء لكل ممعتقل, وهي بمثابة الفطور ووجبة الغداء معاً, ثم كانت حصة كل منا في العشاء صمونة صغيرة واحدة ومتخشبة أيضاً وصحن صغير فيه شوربة عدس, وكأساً واحداً من الماء.
كان الخروج إلى المرافق الصحية مرتين في اليوم يعتبر عملية تعذيب مريرة إضافية, إذ كان لا يحق لكل شخص أن يبقى فيها فترة تزيد على العد من 1 إلى 5 من قبل الحراس, وأحياناً من 1 إلى 10 حين يكون مزاج الحراس طبيعياً! وحين لا يخرج المعتقل خلال هذه الفترة القصيرة, يدخل عليه الحراس مستخدمين الصوندات والكفخات والركلات ويتم سحبه سحباً. وكان بعضهم ما زال لم يستكمل تغوطه. كان الضرب والشتائم والبصاق هي التقاليد اليومية المرافقة للخروج النهاري. ولم يكن الخروج المسائي بأفضل منه وأحياناً أكثر قسوة. لقد كان الخروج للبول والتغوط بمثابة عملية تعذيب شرسة ومرعبة. كانت توجد في الزنزانة تنكة لأغراض التبول وكان البعض يجبر على التغوط فيها, وكانت الروائح الكريهة والنتنة تمنع عنا النوم أحياناً غير قليلة.
كان الشك وعدم الثقة هما السمتان الغالبتان على العلاقة بين المعتقلين في هذه الزنازين, إذ لم يكن بعضنا يعرف البعض الآخر, خاصة وأن الإدارة كانت قد اعتادت أن ترسل بعض العيون إلى هذه الزنزانات في محاولة منها للحصول على معلومات يمكن أن يتحدث بها المعتقلون وتفيد المحققين. كان الحديث نادراً في ما بين المعتقلين, إلا حين يتعرف البعض على البعض الآخر ويثق به تماماً, إذ عندها يبدأ الهمس الليلي أو النهاري. كان الظلام دامساً فيها لا يمكن لبعضنا أن يرى بوضوح البعض الآخر, فالزنزانة ليل دائم لا يعرف الإنسان ليله من نهاره حتى حين يخرج إلى المرافق الصحية وعيونه مشدودة بقناع أسود أو بكيس أسود. كان هذا الجو القاتم يلحق أضراراً فادحة بأوضاع المعتقلين النفسية والحسية.
كان التحقيق يتم بالنسبة لبعض المعتقلين مرتين في اليوم الواحد, وأحياناً مرة واحدة كل شهر, ولا يعرف الإنسان أسباب ذلك. وكان البعض يعود إلينا بعد التحقيق والبعض الآخر لا يعود ولا نعرف ما حصل له. وحين يعود يتآكلنا الشك حول موقفه, هل من مهمة أسندت إليه للتجسس على الآخرين؟ هل صان أسراره أم اعترف على أصحابه, اياً كانت الجماعة التي ينتمي إليها؟ وكان حين يخرج البعض منا, يجلبون آخرين إلى زنزانتنا, وكذا الحال مع الزنزانات الأخرى. كان البعض يعود وقد جرى تعذيبه بشراسة مرعبة, حتى أن أحدهم كان قد أحرق جسمه بالكامل تقريباً من خلال إطفاء السجائر المشتعلة في كل بقعة من جسمه. كان يئن طوال الليل من شدة الألم, وكان البعض يعاني من تقيح في تلك البقع المحترقة ولم نكن قادرين على مساعدته, ولم يجلبوا لأي من مرضانا طبيب معالج.
** التحقيق والمحاكمة
جرى استدعائي لأول مرة للتحقيق. كانت عيناي مشدودتان بقناع أسود ويداي مقيدتان إلى الخلف. ثم جرى ربط أسلاك كهربائية بأذنَّي ومعصمَّيَ وقدمَّي وبخصيتي. ثم بدأ الاستجواب وقوفاً:
- أين كنت حين هربت من الخدمة العسكرية؟
- كنت هارباً وأعيش في قرية في كردستان.
- ما اسم هذه القرية؟
- آلانه.
- ألم تكن خارج العراق؟
- لا, لم أكن خارج العراق.
- على من تعرفت وأنت خارج العراق.
- لم أغادر العراق.
- من تعرف من سكان القرية   
- لا اعرف غير الذين هم من الهاربين من العسكرية, لا يستخدمون اسماؤهم الفعلية وأسم المختار الذي كان متداولاً في القرية .
لاحظ المحقق أني أحاول أن أنظر من تحت العصابة إليه, فجائتني لطمة قوية وصفعة أخرى مفاجئة وقاسية جداً على وجهي من شخص كان مع المحقق, وكان كما يبدو يقف بجواري دون أن استطيع رؤيته, كما بدا من جهة الضربة, سقطت من جراء ذلك على الأرض وكانت يداي مشدودتان إلى الخلف ولم يكن بمقدوري النهوض, فانهضوني جرَّاً. سألني المحقق: هل كنت تريد أن ترى صورتي يا أبن ...؟ هل رأيتها؟ هل تريد ان تنتقم مني بعد ذلك يا ...؟ وما أن انتهى من شتائمه البذيئة حتى أذهلتني صعقة كهربائية جديدة هزت كل كياني وافقدتني توازني وأسقطتني أرضاً.
جروني جراً للنهوض من الأرض. تكررت الأسئلة. سؤلت عن المناضل الشيوعي حنا عزيز, وهو قريب لعائلتنا, فقلت لا أعرفه, وكان علي أن أقول أني أعرفه لأنهم ربما يعرفون بأنه قريب لي وأرادوا امتحان موقفي العام من الإجابة عن أسئلتهم. هزتني صعقة كهربائية مفاجئة جديدة وهدت كل كياني واسقطتني أرضاً مرة أخرى. ثم أوقفوني ثانية. وعادوا إلى السؤال وكان الجواب مماثلاً للمرة الأولى فجاءت صعقة كهربائية ثالثة. كانت هذه الصعقات الكهربائية تأكيداً بأنهم كانوا يعرفون وجود قرابة بين عائلتي وعائلة الشهيد حنا عزيز. وتكرر الضرب والركل والشتم بقسوة بالغة. ثم أعادوني إلى الزنزانة ثانية بعد أن أصبحت لا أقوى على الوقوف.
خلال وجودي ستة شهور في هذه الزنزانة المعتمة تكرر استدعائي للتحقيق مرة أخرى فقط. لم أسؤل عما إذا كنت شيوعياً أم لا طيلة وجودي في المعتقل, ولكن سؤلت عما إذا كنت مع المخربين أم لا, وكانوا يقصدون بذلك قوى البيشمركة الكردستانية. كان الإنكار مرافقاً لإجاباتي على امتداد التحقيقين. علمت فيما بعد أنهم كانوا يحققون مع آخرين ويسألون عني. كان بعضهم يعرفني ولكن دون أن يعرف هويتي السياسية أو وجودي في حركة الأنصار أو عضويتي في الحزب الشيوعي العراقي.
خلال الأشهر الستة التي قضيتها في هذه الزنزانة وقبل أن أساق إلى المحاكمة, فقدت حقاً إحاسيسي الإنسانية, فقدت الإحساس بالليل والنهار, لم عد اعرف الأيام وتاريخها وتوقف الخيال عن العمل, وحين يأتي معتقل جديد يعلمنا باليوم والتاريخ, ولكن سرعان ما أنسى وينسى الآخرون ذلك لاستمرار الظلام والعتمة الأبدية, والخشية من الاستدعاء والتعذيب. لم أعد قادراً على رؤية أي شيء داخل الزنزانة, كنت أتناول ما يأتون به من طعام دون أن أحس بأي طعم فعلي لطعام أدمي. بدأت أشعر بتناقص وزني وتردي مناعتي وقدرتي على التفكير المركز والهادئ, كنت أحس بالدوار أحياناً بسبب التعرق المستمر وتراجع مقدار الملح في الجسم وقلة الماء الذي اتناوله ويتناوله الآخرون. كان القلق والعذاب النفسي يوحدني مع الآخرين, إذ لا يعرف الإنسان متى سوف يساق إلى المحاكمة لينتهي من هذا العذاب اليومي في هذه الزنزانة الحديدية المعتمة. كان التفكير بالأهل يعذبني لأني كنت أشعر بعذابهم. سعوا لمعرفة مكان اعتقالي, توسطوا لإطلاق سراحي, هذا ما عرفت به حين أنكرت معرفتي بأحد المتوسطين لمعرفة مكان وجودي وما إذا كنت لا أزال على قيد الحياة. لم أكن أعرف الوسيط حقاً, وكان العقاب صعقة كهربائية قاسية وطويلة افقدتني صوابي. كان الوسيط عميداً في القوات المسلحة العراقية وصلت إليه عائلتي عبر معرفة سابقة به. كنا نتعذب يومياً حين يعود إلينا أحد الممعتقلين وهو غارق بدمائه بسبب التعذيب الهمجي الذي تعرض له, نشعر بذلك من خلال صراخه والدماء التي كانت تسيل منه على الأرض ومن دبك جسده. كنا نعتقد بأنه لن يستطيع البقاء ليلة واحدة أخرى على قيد الحياة بسبب ما كان يعانيه. لقد كان أقرب إلى الموت منه إلى الحياة. كنا نتعذب معه. ولكن هكذا هو الإنسان, كان يبرهن باستمرار بأنه قادر على تحمل كل ذلك العذاب الذي ينزله به الجلادون القساة بأرادة البقاء على قيد الحياة وكسر شوكة الجلادين ودحرهم. لقد ترك التعذيب النفسي والجسدي جراحاً عميقة في نفسي ولا شك في نفوس جميع الذين تعرضوا للتعذيب النفسي والجسدي. لا أزال أعيش عواقب تلك الفترة في حياتي اليومية الراهنة رغم مرور أكثر من 26 عاماً على ما تعرضت له من عذاب مرير على أيدي أشرار البعثيين وعصابات الأمن العراقي. أحيانا توقظني زوجتي وهي تسمع صراخي ليلاً أو أستيقض بعد أن أكون قد عشت كابوساً ثقيلاً في تلك الزنزانة أو في زنزانة الإعدام. أعيش حياة السجن كثيراً وأشعر بالقهر كلما أسمع بتعرض سجناء إلى التعذيب, أياً كان ذلك الإنسان, فالتعذيب الجسدي والنفسي جريمة كبرى لا تغتفر, لإنها تحط من كرامة الإنسان وتصيبه بأمراض كثيرة نفسبة وجسدية. رغم مرور 26 عاماً لم استطع حتى الآن هضم ما تعرضت له وتعرض له الآخرون من المعتقلين ويسبب لي الأرق والأحلام الكابوسية.
 بعد مرور ستة شهور على وجودي في زنزانات الشعبة الخامسة التي كانت تجسد الجحيم بعينه, قدمت إلى المحاكمة ونقلت مع أخرين في عربة إلى محكمة الثورة. كنت فرحاً بخروجي من تلك الزنزانة, حيث رفعت عن عيوننا داخل معتقل المحكمة تلك الأقنعة أو الأكياس السوداء. سألني أحد المعتقلين عن سبب فرحي أو سروري ونحن في معتقل المحكمة. قلت له ألا ترى الشمس والنور؟ ألا تحس بهما؟ ألا تعيش الفرق بين الزنزانة وهواؤها الفاسد والنتن, وبين هذا الهواء النقي الذي نتنفسه؟ لقد حرمنا من ذلك طيلة الفترة المنصرمة وأنا سعيد بهذه الشمس المشرقة التي تعيد لنا الأمل بالحياة وهذا الهواء النقي ولو لفترة قصيرة, إنها الحياة ذاتها. هذا هو سبب فرحتي وسروري, رغم كل الآلام والعذابات التي عشناها معاً في هذا المعقتل الجهنمي الذي كان يراد منه إذلال كرامتنا كبشر وإسقاطنا كسياسيين مناضلين في سبيل حياة أفضل ومستقبل أكثر إشراقاً لشعبنا الجريح.
في المحكمة سؤلت عن أسمي ومكان ولادتي وأسباب اعتقالي, ذكرت لهم اسمي ومكان ولادتي وقلت بأن المحققين يقولون بأني "هارب من الجيش وحرضت آخرين على الهروب منه والتعاون مع المخربين والإساءة للسلطة". فقال الحاكم: تدعي أيها الكلب أنهم يقولون ذلك, ولا تريد أن تقول أنهم قالوا الحقيقة في ما كنت تقوم به وأنت هارب من الخدمة العسكرية. أرفق ذلك بكمية كبيرة من الشتائم التي تنسجم مع طبيعة هؤلاء الأوباش القساة. بعدها قرر عواد البندر, الحاكم بأمر سيده, أحالتي إلى المحكمة المركزية الخاصة, وهي محكمة شكلت لمحاكمة العسكريين, ومنهم الهاربون من الخدمة العسكرية, وكنت أحد المتهمين بذلك.
نقلت إلى المحكمة الأخرى في نفس اليوم. كان الحكام هذه المرة يرتدون الزي العسكري. كان ذلك في الرابع عشر من تموز 1984 يوم ذكرى ثورة تموز 1958, حيث وجهت لي ذات الأسئلة وذات التهم بعد أن طلب مني رئيس المحكمة الوقوف واحترام المحكمة, بعدها قرأ قرار الحكم القاضي بإعدامي رمياً بالرصاص على وفق المادة الأولى فقرة أ, ب وج. على أن ينفذ حكم الإعدام بعد المصادقة عليه بمرسوم جمهوري. لم تستغرق المحاكمة الشكلية حقاً والمعدة سلفاً سوى دقائق معدودات, كان الحكام قبل ذاك قد أصدروا حكمين بالإعدام رمياً بالرصاص على شخصين آخرين أيضاً وجهت اليهم نفس تهمتي وهما كل من عبد الرحمن محمد امين پيشمرگه من الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) من أهالي كركوك, وحسن علي حسن من أهالي بغداد, كما جرى بعد صدور الحكم عليَّ بالإعدام, إصدار مجموعة  كبيرة أخرى من أحكام الإعدام على آخرين من الأشخاص ولأسباب كثيرة كلها لا تبرر إصدار مثل هذه الأحكام الشائنة ولا حتى الاعتقال.   

** في زنزانات الإعدام 
بعد صدور حكم الإعدام على عدد كبير من الذين كانوا معي نقلنا مباشرة إلى سجن رقم 1 , ولكن بعد يومين نقلت بمفردي إلى سجن الاستخبارات العسكرية في قلعة دزه في إقليم كردستان, ثم حولت إلى سجن خاص يضم المحكومين بالإعدام في كويسنجق. وبعد عدة أيام نقلت إلى سجن أبو غريب ببغداد وكانت عيناي طيلة فترة النقل مشدودتين بقطعة قماش سوداء. حال وصولي إلى هذا السجن خلعت كل ملابسي وأعطوني سروالاً وقميصاً خاكيين ووضعت في المحجر. وجدت في هذا السجن ثلاثة أنواع من الزنزانات يطلق عليها بالخاص والانفرادي والمحجر. وهي على العموم غرف صغيرة متلاصقة وعلى طابقين, حشرت في محجر مع 13 آخرين من المحكومين بالإعدام. كان جميع من معي في المعتقل من العراقيين المسلمين وكنت المسيحي الوحيد بينهم, ولكنهم كما يبدو كانوا من اتجاهات فكرية وسياسية مختلفة. كان بعضهم من حزب الدعوة الإسلامية. بذل هذا البعض منذ البدء محاولات من أجل أن استبدل ديني بالدين الإسلامي. كانت المحاولات في البداية هادئة وتوضيحية. إلا أن رفضي ذلك بكل أدب, دفع هذا البعض إلى تطويقي وتهديدي! قلت لهم أنا محكوم بالإعدام مثلكم وليس هناك أكثر من حكم الإعداك فعلام هذا التهديد. ثم لا يمكنكم دخول الجنة بتحويلي إلى الإسلام بالقوة. لقد كانوا يعتقدون بأن إقناعي بالانتقال إلى الدين الإسلامي سيمنحهم ثواباً يلجون بموجبه جنات النعيم والتمتع بحور العين بعد إعدامهم. ولكنهم تراجعوا بعد أن أدركوا بأني شيوعي ومسيحي ولن أغير ديني, ولكنهم واصلوا سياسة العزل. كانت الزنزانات جحيماً, وكان هؤلاء بسلوكهم يزيدون من جحيم الزنزانة.
إذا كان هذا سلوك هؤلاء الناس من قوى الإسلام السياسي وهم في زنزانات الإعدام وفي طريقهم إلى الموت, فكيف الأمر معهم وهم على قيد الحياة أو في السلطة, لك قارئ وقارئة أن يتصور ذلك. وما يجري اليوم في العراق يعبر بوضوح عن هذه الحالة المريرة.   
كان جلاوزة النظام من الحرس, وهم لا يختلفون أبداً عن الحرس القومي لعام 1963, يأتون في فترات مختلفة إلى زنازيننا ليبلغوا بعضنا بوقت الإعدام. كان ابو وداد, الجلاد والمسؤول عن تنفيذ أحكام الإعدام شنقاً, يتلمس ويمسد رقاب السجناء ويبشرهم بقسوة الإعدام. كان بعض السجناء يطلب تسريع أمر إعدامه للخلاص من واقعه الراهن ويطلب منه الاتصال بأهله للحصول على مال لقاء تلك "الخدمة" بتقريب وقت إعدامه! كان "أبو وداد" يقوم فعلاً بالاتصال بالعوائل ويلتهم منهم مبلغاً كبيراً من خلال إقناع تلك العائلات بأنه سيرحم ابناؤهم باستخدام حبال أرق بحيث لا يعاني الضحية الآم الإعدام شنقاً بالحبال الخشنة, أو أنه سيحاول إلغاء حكم الإعدام عنهم, علماً بانه لا يستطيع بأي حال التحكم بإلغء أو إبقاء حكم الإعدام أو بموعد تنفيذه.         
** في ساحة تنفيذ أحكام الإعدام في بسماية
في يوم عيد الضحى المصادف 4/9/1984 دخلت علينا مجموعة من الجلادين مصحوبة بمدير السجن. أوعد المدير السجناء بمكرمة كبيرة من "السيد الرئيس صدام حسين حفظه الله ورعاه!" وأن مجموعة ستأتي لتبشرهم بذلك الخبر الطيب. جاءت المجموعة فعلاً مصحوبة بضوضاء وحركة دائبة وطلبوا منا النهوض والاستماع للمكرمة: قرأ أحد المسؤولين أسماء كثيرة, كان ترتيب اسمي الثاني. وصل عددنا إلى 50 محكوماً بالإعدام. شدوا وثاقنا وعيوننا وطلبوا منا الحركة عبر خطين من حراس السجن. طلبوا خفض رؤوسنا وكأنهم أنزلونا إلى سجن مظلم جداً. لا نعرف إلى أين, ولا ما هي المكرمة التي يراد منحنا إياها. كنت وغيري من المحكومين بالأعدام بين مصدق ومكذب لما يجري, هل سيغيرون أحكام الإعدام إلى المؤبد, هل سيطلقون سراحنا بعفو عام, أم أنهم ينظمون لنا حفلة قتل جماعية؟ كان المعتاد في تنفيذ أحكام الإعدام أنهم يأخذوا شخصاً واحداً كل مرة, وليس بهذه الصورة الجديدة. كنا في حيرة من أمرنا والقلق ينهشنا.
كانت هناك مجموعة  كبيرة من الحرس الجمهوري وهي تصرخ بنا وتطلب منا الركض من جهة, وعدم النظر يمنة أو يسرة من جهة اخرى. كان البعض يسقط على الأرض, وكان يسحب من شعره أو من قميصه ليقف على قدميه ثانية ويهرول مع الآخرين.
وصلنا إلى فضاء مفتوح, شعرنا بذلك من خلال الهواء النقي الذي بدأنا نتنفسه. ركبنا المنشآت, اي حافلات النقل. وهنا وضعوا على رؤوسنا أكياساً سوداء تصل إلى حدود أكتافنا, وبعضهم كما بدا بقي دون كيس بل بقطعة سوداء غطت عينه, كما كان الحال معي.                   
سارت بنا الحافلات ونحن لا نعرف وجهتها, ولكن وبعد فترة من السير سمعنا اصوات طائرات سمتية تحلق فوق الحافلات وكذلك مطرسكلات (دراجات بخارية) تسير أمام وبجوار الحافلات. كنت في المنشأة (الحافلة) الثانية وهي تحمل خمسين سجيناً, كانت أجسادنا متلاصقة جداً, ولكن كانت هناك حافلات أخرى تحمل أعداداً مماثلة. وصلنا إلى السجن رقم 1 في معسكر الرشيد. وبدا لنا وكأن الوقت كان بعد منتصف الليل. بقينا في زنزاناتنا حتى الصباح الباكر. وصلت حافلة مدنية, صعدنا فيها وأيدينا مشدودة إلى الوراء وكذا عيوننا. منع الحديث أو الهمس بشكل تام, فأي كلمة من أي منا تكون حصته ضربة من أخمص بندقية في موقع ما من جسده. عرفنا بعد ذلك أن الوجهة كانت صوب ميدان الرماية في (بسماية) على طريق الكوت. عرفنا عندها أن المكرمة الرئاسية الصدامية هي تنفيذ حكم الإعدام فينا! توقفت الحافلات المدنية أمام السدة حيث بلغ عددها وفق أحاديث الحراس في ما بينهم خمس. كل منها يحمل خمسين سجيناً محكوماً بالإعدام تقريباً. كما وصلت شاحنات مليئة بالأعمدة الخشبية التي غرست بالأرض حيث عرفنا من خلال قراءة الأسماء أن عدد ما غرس منها بلغ 25 عموداً.
كانت هناك حمايات في كل المنطقة وكانت الطائرات السمتية تحلق فوق رؤوسنا وفي سماء المنطقة. بدا لنا أن بعض المحكومين قد اغمي عليه, والبعض الأخر بدأ بالبكاء والصراخ والعويل, والبعض الآخر كان يصلي ويطلب المغفرة, في حين رفض البعض الأخر شد عينية وطالب برفع القناع عن عينيه حين تنفيذ حكم الإعدام به. لقد شعر الإنسان بهستيريا فعلية شملت ساحة الإعدام, حيث تراوح العدد كما ظهر من قراءة الأسماء فيما بعد بين 250 -300 سجيناً لتنفيذ الأحكام بهم.
وقف أحد الجلادين وطالب بالهدوء والصمت, ثم بدأ بقراءة الأسماء. قرأ 25 أسماً, لم اكن بينهم. شدوهم إلى الأعمدة المثبتتة على الأرض. عليكم أن تتصورا العذابات النفسية للمحكوم بالإعدام وهو يتابع هذه العملية رغم الغطاء الموجود على عينيه.
بعدها تقدمت مفرزة إعدام يتقدمهم ضابط عسكري. تقدمت المفرزة على شكل ثلاث مجموعات كل مجموعة مكونة من 25 جندياً مقابل 25 سجيناً محكوماً بالإعدام.
أعطى الضابط الإيعاز بصوت مرتفع. إن كنت حاضراً على هدفك .. أرمي!
تم إرسال أول عشر طلقات صوب الضحايا المشدودين إلى الأعمدة. انسحبت لتتقدم المفرزة الثانية. أعطي الإيعاز الثاني بدفعة جديدة, فأرسلت صوب اجساد الضحايا عشر طلقات أخرى, ثم انسحبت إلى الخلف لتتقدم المفرزة الثالثة. أعطي الإيعاز الثالث بإرسال عشر طلقات أخرى صوب أجساد الضحايا التي نخرت أجسامهم بتلك الرصاصات. ساد بعدها صمت مطبق. انقطع بنداء أطلقه الضابط المسؤول عن تنفيذ أحكام الإعدام طالباً تقدم الكادر الطبي لفحص الضحايا وتحديد من مات منهم ومن لا يزال على قيد الحياة لينهوا حياته بـ"طلقة الرحمة!".
فحص الفريق الطبي الضحايا برفقة الحراس الذين صوبوا نيرانهم إلى رأس هذه الضحية أو تلك ممن كان لا يزال بهذا القدر أو ذاك على قيد الحياة.
ثم تقدم أحد شيوخ الدين وبدأ بقراءة الفاتحة على روح الموتى واحداً واحدا. أوقفه الضابط وصرخ بأن ليس لدينا الوقت الكافي وطلب منه قراءة فاتحة جماعية واحدة على أرواح هؤلاء المجرمين الخونة!
بعد ذلك نادى الضابط على فصيل نقل القتلى لنقلهم إلى مجمدات جُلبت إلى موقع الأعدام. تقدم فصيل النقل بنقالاته (سديات) صوب الأعمدة وحل وثاق الشهداء ثم وضعت جثامينهم على النقالات وقذفت وتاحداً بعد الآخر بخشونة إلى داخل المجمدات, ولكن بعضها كا يسقط في المجمدات وبعضها الآخر على الأرض, لييحمل ويقذف من جديد في المجمدات. كانوا يتعاملون مع الضحايا وكأنهم قمامة لا غير!
بعد لعلعة الرصاصات الأولى من مفرزة الرمي الأولى, سمع أهل القرية المجاورة ذلك فخرجوا من بيوتهم رجالاً ونساءً وأطفالاً ليستطلعوا أمر ما يحصل قرب دورهم. إلا أن الحماية قد تحركت صوبهم وكذا الطائرات السمتية التي أجبرت الأهالي بالعودة إلى منازلهم وغلق أبوابهم.
ثم بدأت قراءة اسماء الوجبة الثانية لتحرم عيون الضحايا من النور والرؤية إلى الأبد وترسل بهم إلى المقابر الجماعية.
لم يقرأ اسمي واسم معتقل تبين انه كردي. وفي المحصلة تبين وجود سبعة أشخاص لم تكن اسماؤهم ضمن هذه الوجبات: 2 من الكرد, و 2 من الكلدان, و3 من العرب الشيعة.
تم تنفيذ حكم الإعدام بذات الطريقة بالوجبة الجديدة في حين أعادونا نحن السبعة إلى سجن رقم (1). قيل لنا في طريق النقل بأن من يتحدث بما رأى وما سمع سيقتل فوراً وعلينا الصمت المطبق, ثم أضاف الحراس: لم يحالفكم الحظ بالموت هذه المرة ولكن سيأتيكم الموت قطعاً وليس الأمر بعيداً!!
استمرت هذه العملية سبعة أيام أخرى, إنها ايام عجاف مليئة بالقهر والمرارة والعذابات. وصل عدد المقرر إعدامهم كل يوم إلى أكثر من 300 شخص. وكنت أرسل مع كل الوجبات الأخرى وكذلك السبعة الآخرين. وكان كل مرة يزداد عدد من لم تكن اسماؤهم ضمن قرار تنفيذ الأحكام. وبالمحصلة النهائية أصبح عدد من لم ينفذ بهم حكم الإعدام في نهاية الأيام السبعة 110 محكوماً بالإعدام. أما من نفذ فيه حكم الإعدام فقد بلغ وفق تقديرات من بقي على قيد الحياة بحدود 5000 شخص, والبعض كان يشير إلى أكثر من 3000 شخص. لقد برز اختلاف بين قوائم السجن المعدة للإعدام وبين القوائم التي كان يأتي بها الضباط من الحرس الجمهوريو وهو المسؤول عن تنفيذ أحكام الإعدام. لقد كنا نموت يومياً خلال الأيام السبعة المنصرمة, كنا نتوقع موتنا في كل لحظة, ثم يعاد بنا إلى زنازيننا بانتظار اليوم الثاني لينفذ فينا حكم الإعدام. وهكذا حتى بعد إعادتنا إلى الزنازين وانتهاء حفلات القتل الجماعية لم نكن نعرف ما سيجري لنا لاحقاً. 
كان الحراس يتحدثون أمامنا قائلين بأن الشعب العراقي يبلغ اليوم 18 مليون نسمة, فلا مانع من قتل 10 ملايين من الخونة, إذ يكفي العراق أن يبقى فيه من المخلصين 8 ملايين نسمة!!
** قرار العفو والإفراج والهروب
حين أصبحنا 110 سجيناً فقط, أصبح السجن فارغاً تماماً, ولكنه كان ينتظر الجديد ممن يحكم عليه بالموت في ظل النظام الصدامي حينذاك.
بقينا على هذه الحالة أسبوعاً كاملاً بعد تنفيذ عمليات الإعدام دون أن يحصل شيء لنا ويتآكلنا القلق المرير. بعدها نقلونا إلى سجن آخر وكلنا ينتظر الموت في كل لحظة. كان البعض منا يبكي والبعض الآخر يضحك .. سيطرت البلاهة على البعض منا, فهو بين مصدق باحتمال النجاة من الموت, وبين رؤية قريبة لجنود يحولون جسده إلى منخل (غربال) بزخات من الرصاص القاتل.
بعد عشرة ايام من نقلنا إلى سجن آخر حدثت ضجة كبيرة داخل السجن, كعادة هؤلاء القتلة الأوباش, حيث فتح الباب الرئيسي لزنزاناتنا فتهيأنا للموت. كان سجن رقم 2.
صرخ مدير السجن بصوت مرتفع, غاضب ومغموم : اسمعوا .. صدر بحقكم مرسوم جمهوري, إذ قرر مجلس قيادة الثورة أعفاء الأشخاص المدرجة اسماؤهم من حكم الإعدام وتسفيرهم إلى منازلهم أو وحداتهم العسكرية.. قرأ الأسماء, وكان اسمي من بينها. كانت المفاجأة كبيرة لنا جميعاً, فمن زنزانة الموت إلى الحياة من جديد!
صرخ مدير السجن مجدداً: لماذا لا تصفقون أيها ..., لماذا لا تهتفون بحياة القائد والقيادة التي عفت عنكم ومنحتكم الحياة التي لا تستحقونها من جديد.. رغم هذه الشتائم البذيئة من مدير السجن الجلاد, بدأ الضحك والبكاء في آن واحد. ولكن لم تحصل هتافات.. لم نصدق الموقف .. وفي اليوم التالي سفرت إلى وحدتي العسكرية السابقة بمعية الحرس إلى قلعة دزه  في كردستان. كما سفر الآخرون كل حسب وضعه.
حين وصلت إلى الوحدة بمعية الحرس العسكري, فوجئ أحد الضباط بمجيئي وظهرت على وجهه علامات الاستفهام والاستغراب والاندهاش ثم قال .. لكم هذا كفاح .. كيف جئت ثانية, لقد وصلنا كتاب رسمي يوم أمس يعلن بأن حكم الإعدام قد نفذ فيك! رد الحرس المرافق لي قائلاً بأن قرارا صدر عن مجلس قيادة الثورة يقضي بإطلاق سراحه.
ورغم ذلك وضعت في السجن العسكري في قلعة دزه ثانية. تم الاتصال بوزارة الدفاع ببغداد مستفسرين عن صحة القرار, فأبلغوا بصحة قرار العفو وإطلاق سراح كفاح صليوة بيتون. عندذاك قال لي ضابط الأمن بان علَّي "أن أخرج حالاً وأذهب لصنع قلادة ذهبية تحمل صورة القائد صدام حسين وأضعها في عنقي طوال حياتي"!!! ولم افعل ذلك طبعاً. وأدركت عندها بأني سوف لن أتخلص من مطاردات الأمن العسكري والحزبي في الجيش, وربما الموت أيضاً.
خرجت من السجن وعدت إلى وحدتي العسكرية. ولكن قررت بعد شهر واحد الهروب من الجيش وكانت رغبتي الالتحاق بقوات الأنصار الشيوعيين. لم يكن بمقدوري تنفيذ هذه الرغبة بسبب الأجواء المتوترة التي كانت تسود العلاقات بين الاحزاب الكرديه حينذاك والتي كانت قد تفاقمت في أعقاب أحداث بشت آشان 1983.
لقد تم إعدام المئات والآلاف من الناس الأبرياء بهذه الطريقة الوحشية, فهل يمكن لمن يتعرف على مثل هذه الحالات أن يترحم على نظام فاشي همجي مجرم مثل نظام البعث الصدامي. نعم ممكن, ولكن لا بد أن يكون من يترحم عليه من ذات الطينة والطبيعة الصدامية.
كاظم حبيب
ملبورن/استراليا في 8/12/2010             
           

 
           


                     

417
كاظم حبيب

بدء نشاط قوى التيار الديمقراطي العراقي في المانيا الاتحادية

وجهت مجموعة من الشخصيات الوطنية والديمقراطية العراقية المقيمة في ألمانيا دعوة إلى العراقيات والعراقيين القاطنين في المانيا الاتحادية من المهتمين بالشأن العراقي واتجاهات تطور الأوضاع فيه ضمن بيان يوضح أهمية مناقشة تأسيس التيار الديمقراطي العراقي في المانيا وانتخاب لجنة لتنسيق فعاليات قوى هذا التيار ومناقشة مسودة البرنامج المقترحة التي تبحث في واقع العراق الراهن ومشكلاته وسبل دفع العراق نحو الديمقراطية بالتعاون الوثيق مع لجنة التنسيق التي تشكلت في العراق وعقدت مؤتمرها الأول في بغداد قبل عدة أسابيع. وقد كانت الدعوة مفتوحة لمن يرغب بالحضور والمشاركة في النقاش.
وفي ضوء هذه الدعوة عقد الاجتماع الأول على الساعة الثانية من بعد ظهر يوم 11/12/2010 بحضور أكثر من 50 من المواطنين وقلة من المواطنات من المهتمين باتجاه تطور الأحداث في العراق وأهمية بناء دولة مدنية ديمقراطية اتحادية حديثة ودور قوى التيار الديمقراطي في هذه العملية.
وفي بداية اللقاء وقف المجتمعون دقيقة حداد على ارواح شهداء الحركة الوطنية والشهداء الذين سقطوا على ايدي قوى الإرهاب المتنوعة في العراق وعلى روح الفنان المسرحي المبدع والشخصية الديمقراطية العراقية منذر حلمي الذي توفي قبل اسبوعين.
بعد ذلك قدمت فرقة طه حسين الموسيقية نشيد موطني ثم معزوفات موسيقية وأغان عراقية جميلة أنعشت المشاركين بالفن العراقي الأصيل الذي يراد تحريمه في العراق من قبل قوى الظلام والبؤس الثقافي.
قدم الأخ الدكتور والكاتب صادق أطيمش كلمة قيمة باسم اللجنة التحضيرية اشار فيها إلى الأهمية القصوى لنشوء مثل هذا الحركة السياسية لقوى التيار الديمقراطي في ألمانيا لتساند نضال قوى التيار الديمقراطي في العراق في مواجهة الأوضاع الجديدة وتعبئة قوى الشعب لدفع العراق باتجاه الحريات الديمقراطية ورفض المحاصصة الطائفية والعواقب الوخيمة التي تترتب عليها.
لقد تميز الاجتماع, بعد انتخاب هيئة لرئاسة المؤتمر التأسيسي, انتهى دور اللجنة التحضيرية مشكورة على مبادرتها الطيبة والضرورية, بحيوية المشاركة في إبداء الرأي حول عدة قضايا جوهرية, وهي:

1.   أهمية تأسيس مثل هذا التيار في جمهورية ألمانيا الاتحادية للمشاركة الفعلية في تعبئة قوى الجالية العراقية لصالح دفع العراق صوب الحياة الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان ومواجهة سلبيات الوضع الراهن, وخاصة مشكلة المحاصصة الطائفية أو محاولات ممارسة سياسة المحرمات ضد الكثير من أوجه الثقافة العراقية الديمقراطية.
2.   أهمية الاستفادة من تجارب العمل الديمقراطي المشترك بين قوى التيار الديمقراطي لصالح تأمين مشاركة واسعة لقوى التيار الديمقراطي في الداخل والخارج وتأمين برنامج وطني وديمقراطي يستند إلى  قواسم مشتركة بين قوى التيار والتنسيق بين الفعاليات المطلوبة في إلمانيا من خلال لجنة التنسيق التي تنتخب من قبل المؤتمرين.
3.   الابتعاد عن اعطاء الانطباع وكأن التيار يقاد من جهة واحدة, بل يفترض أن تتجلى في العمل روح التجديد والتضامن والتعاون والتنسيق والمساواة في أهمية الأراء التي تطرح من قبل قوى التيار والاتفاق بصورة ديمقراطية على أساليب وأدوات وطرق العمل والمهمات والخطاب السياسي المشترك لقوى هذا التيار.
4.   ضمان ديمومة هذا العمل الديمقراطي المستقل للرؤية المشتركة لقوى التيار من جهة والتنسيق الفعال مع ما يمكن أن ينشأ من لجان أخرى مماثلة في دول أخرى ومع الداخل وتنسيق الفعاليات من خلال عقد الندوات الفكرية والسياسية والثقافية واتخاذ المواقف المناسبة بصدد الأحداث الجارية في العراق استناداً إلى مصالح الشعب.
5.   أن يلعب الإعلام المشترك لقوى التيار الديمقراطي داخل العراق دوراً مهماً مستقلاً عن إعلام كل قوة فيه ليساهم في إبراز الشخصية المستقلة للجنة التنسيق لقوى التيار والمتكونة من مجموع القوى المشاركة فيه.
وإذ برزت رؤية عامة مشتركة حول هذه المسائل بين المشاركين, طرح بعض المشاركين ملاحظاتهم التي تعبر عن خشيتهم من فشل التجربة في العراق وألمانيا, كما حصل في تجارب سابقة في العراق وتجربة سابقة في ألمانيا. كانت هناك بعض الاختلافات في وجهات النظر حول هذه النقطة التفصيلية أو تلك, إلا أن الرؤية العامة أكدت بشكل واضح أهمية مثل هذا العمل في المرحلة الراهنة وأهمية الاستفادة من التجارب المنصرمة والصراحة في التعامل الديمقراطي ودون وصاية بين القوى الديمقراطية.
ثم بدأ الحوار حول البرنامج السياسي والثقافي المطروح على المؤتمرين لمناقشته. ومع وجود اتفاق عام حول أهم المسائل التي يراد تثبيتها في برنامج مناسب لقوى ديمقراطية تعمل بالخارج ولكنها مهتمة ومسؤولة تماماً عن مصير ومستقبل العراق وشعب العراق, فأن المؤتمرين ارتأوا قيام المشاركين في الاجتماع وغيرهم تقديم ملاحظات ملموسة ومكتوبة حول البرنامج, سواء بالإضافة أو التعديل أو التغيير, ترسل إلى لجنة التنسيق التي ستنتخب حتى نهاية هذا العام (2010) لتوحيدها وطرحها على الاجتماع القادم الذي تقرر مبدئياً أن يعقد في مدينة كولون بالمانيا الاتحادية لضمان صياغة جيدة وبلورة مناسبة لأهداف قوى التيار الديمقراطي في ألمانيا.
وفي نهاية الاجتماع تم الترشيح لعضوية لجنة التنسيق بين قوى التيار الديمقراطي في ألمانيا وحصل على ثقة الحضور جميع من وافق على ترشيح نفسه أو رشح من آخرين ووجد لديه الإمكانية على المشاركة الفعلية في متابعة نشاط هذه القوى. إذ تم انتخاب 11 شخصاً من مختلف المدن الألمانية ذات الوجود الكثيف بالعراقيات والعراقيين على أن يضاف اسمان جديدان حين يشارك آخرون من جنوب ألمانيا. وقد تم انتخاب الشخصيات الوطنية التالية وفق الترتيب الأبجدي لإسمائهم:
السادة:  حسن حسين, د. حسن حلبوص, د. حميد خاقاني, د. صادق أطيمش, د. صلاح الدين علي, عادل ياسر, كامل زومايا, ماجد فيادي, د. محمد الفخري, هيثم الطعان, والسيدة وفاء الربيعي.
في تصريح للأستاذ حميد مجيد موسى لجريدة البيان الإماراتية, والذي نشرت بشأنه مقالاً, حول موضوع قوى التيار الديمقراطي جاء فيه ما يؤكد بأن الحزب الشيوعي العراقي يسعى لأن يأخذ بنظر الاعتبار تلك التحفظات التي أثيرت بشأن تجارب الماضي وضرورات المواقف المرنة والتواضع في التعامل من خلال مضمون التصريحات, ويأمل الإنسان أن يتجلى ذلك في الممارسة العملية اليومية ايضاً.
كاظم حبيب
13/12/2010


418
كاظم حبيب

تصريحات مهمة للأستاذ حميد مجيد موسى في الموقف من التيار الديمقراطي في العراق

أدلى الأستاذ حميد مجيد موسى, سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي, بتصريحات مهمة إلى جريدة البيان الإمارتية بتاريخ 10/12/2010 حول جملة من الأمور التي تمس واقع العراق ومشكلاته وقواه السياسية وخاصة حول قوى التيار الديمقراطي, حيث يشكل الحزب الشيوعي جزءاً اساسياً وحيوياً منه. إنه الحزب الذي في مقدوره أن يلخص تجربة النضال خلال العقود المنصرمة في مجال عقد التحالفات السياسية وبلورة أهميتها والدروس المستخلصة منها وسبل تحقيقها خلال الفترة القادمة بالنسبة للقوى الديمقراطية العراقية. جاءت هذه التصريحات في فترة حرجة من تاريخ العراق تميزت بعدد من الظواهر السلبية التي لا بد من الإشارة إليها لنقدر مدى أهمية تلك التصريحات وضرورة العمل من أجل تنشيط قوى التيار الديمقراطي العراقي:
1.   الأزمة الطاحنة والشاملة التي تعصف بالبلاد والتي تجلت بشكل خاص بالعجز عن تشكيل الحكومة العراقية نتيجة الصراعات الطائفية على السلطة والمصالح الذاتية للقوى التي يفترض أن تشكل الحكومة في ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة, علماً بأن الأزمة في جوهرها بنيوية, أي أزمة نظام سياسي تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية وبيئية وخدمات عامة.
2.   الهجوم الجديد لبعض القوى السياسية المشاركة في الحكم وفي مجالس المحافظات المناهضة للديمقراطية وحقوق الإنسان وحرياته العامة وللثقافة الوطنية الديمقراطية العراقية والتي برزت هذه الظاهرة بشكل صارخ في الموقف من اتحاد الأدباء والكتاب في العراق وغلق النادي الثقافي والاجتماعي بقرارات تحريمية غير مبررة تضر بمجمل العملية الثقافية والسياسية في البلاد وتسيء بشكل كبير جداً إلى كل القوى المشاركة حالياً في الحكم, ما لم تسع إلى إلغائها والتصدي لهذا التيار الظلامي في البلاد.
3.   استمرار ممارسة قوى الإرهاب للقتل على الهوية الدينية على نحو خاص, كما حصل في كنيسة "سيدة النجاة" أو غيرها, رغم إلقاء القبض على المزيد من الإرهابيين القتلة في العديد من محافظات العراق في الآونة الأخيرة , إلا أن الدم ما والدموع لا زالا يسيلان على أرض العراق.
4.   تفاقم التدخل الأجنبي الإقليمي والدولي في الشأن العراقي وتزايد تأييد السياسات الإقليمية والدولية, وخاصة الإيرانية والسعودية والأمريكية, لنظام المحاصصة الطائفي وإضعافها المستمر للقوى الديمقراطية والسعي لتهميشها وعزلها عن المجتمع وعن التأثير في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
5.   ضعف التيار الوطني الديمقراطي عموما, وقوى اليسار خصوصاً, وتشتته ومصاعب الوصول إلى قواسم مشتركة وبرنامج مشترك ووحدة عمل مشترك ما بينها, في حين تستوجب الضرورة تحقيق ذلك وبأقصى سرعة ممكنة.
6.   تفاقم البطالة في المجتمع العراقي سواء المكشوفة منها أم المقنعة, واتساع قاعدة الفقراء وتعاظم الفجوة بينهم وبين الأغنياء, والتي سوف تقود إلى مزيد من الاستقطاب وإلى تشديد التناقضات والصراعات السياسية. وهي مسألة مرتبطة بغياب إستراتيجية واضحة وسياسات اقتصادية سليمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتنظيم صادرات واستيرادات العراق ومكافحة الفقر والبطالة.
7.   الفساد المتفاقم الذي قاد ويقود إلى توفير فرص أفضل لتحرك واسع النطاق لقوى الإرهاب والاستفادة منه لصالحها باتجاهات مختلفة وضد العملية السياسية في العراق.
إن كل ذلك وغيره يجعل من الجهد الذي يبذل اليوم من جانب الحزب الشيوعي العراقي للملمة وتجميع وتوحيد عمل قوى التيار الديمقراطية أكثر من ضرورة مهمة في الوقت الحاضر وفي المستقبل المنظور. وقد نشط الحزب الشيوعي في الاتجاه الصحيح في ضوء تصريحات الأستاذ حميد مجيد موسى, والتي, كما تبدو له ولي, عملية معقدة وصعبة للغاية بسبب عوامل موضوعية وذاتية كثيرة جاء على ذكرها سريعاً, ولكنها ليست مستحيلة, خاصة وأن نواتها قد توفرت اليوم في لجنة التنسيق قوى التيار الديمقراطي في العراق والتي بدأت تتشكل لها لجان مماثلة مستقة عنها ومتعاونة معها في آن واحد في داخل العراق وفي الخارج, والتي سوف تحتاج إلى مزيد من الجهود والعناية والرعاية لكي تتسع في العراق بتنظيمات ديمقراطية ويسارية جديدة وعدم وضع شروط أمام من يريد الالتحاق بهذا التكوين الجديد والاستفادة من الخبرات التي تراكمت منذ عقود في العمل الجبهوي, إضافة إلى تأمين التعامل المتساوي بين الجميع وبتواضع جم.
والأهم من كل ذلك, والذي اشار إليه الرفيق أبو داوود, يبرز في تأكيده الخاص على العمل مع الشعب وعلى أرض الواقع العراقي ووفق حاجات ومصالح فئات المجتمع, أي أن تكون ساحة عمل قوى التيار الديمقراطي المجتمع والفئات الاجتماعية والمهنية المختلفة.
إن الواقع الجديد في العراق يتطلب من قوى التيار الديمقراطي بلورة نشاطه كتيار فكري وسياسي واجتماعي وثقافي معارض لسياسة الحكومة العراقية الحالية وبرنامجها الضبابي الراهن وطرح برنامج بديل يعبر عن مصالح الشعب وقضاياه الأساسية وفق منظور قوى التيار الديمقراطي وفي إطار العملية السياسية الجارية. أي إن موقف المعارضة السياسية لا يعني عدم تأييد السياسات والإجراءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الجديدة والجيدة التي تتخذها الحكومة وتمارسها فعلاً, ولكن قوى التيار الديمقراطي تسعى إلى نقد السياسات الخاطئة والسلبية والطائفية ...الخ وطرح البديل لها, وهو الأمر الجوهري الذي يسمح بتعزيز صلات التيار الديمقراطي بالشعب واستعادة ثقة الشعب وعلاقته النضالية به.
إن الطريق طويل وشاق من أجل بناء عراق مدني ديمقراطي اتحادي مستقل, ووضع ثروات البلاد الوطنية في خدمة التنمية الاقتصادية والبشرية والعدالة الاجتماعية.  
إن الالتزام والتطبيق المسؤول والحيوي لما جاء في تصريحات الأستاذ حميد مجيد موسى حول سبل لملمة قوى التيار الديمقراطي والتعامل الواعي والفعال في ما بينها والانفتاح على الجميع دون استثناء ما دامت تلك القوى والشخصيات تضع نصب أعينها بناء الدولة العراقية الديمقراطية الاتحادية وحماية حقوق الإنسان وحرياته العامة ومستقبلة الآمن ..الخ, يمكنها أن تعجل بتوفير مستلزمات نهوض جديد وحيوي لقوى التيار الديمقراطي في المجتمع العراقي ويساهم في دفع البلاد بالاتجاه الصحيح.
إن التحرك السياسي الراهن يفترض أن يعي بوضوح ودقة واقع ميزان القوى السياسي المختل حالياً في غير صالح قوى التيار الديمقراطي, وأن تغيير هذا الميزان صعب ومعقد جداً وطويل الأمد ومحفوف بالمخاطر والعقبات. ولكنه سيتغير لا محالة بفعل عاملين جوهريين, وهما:
1.   السياسات الخاطئة التي تمارسها منذ سبع سنوات القوى الطائفية المتحكمة بسياسة البلاد حالياً والتي لا تتلائم مع مصالح المجتمع ووحدة النسيج العراقي الضرورية لوحدة العراق ومستقبله المشرق من جهة,
2.   والسياسات الديمقراطية والسلمية التي يفترض أن تمارسها قوى التيار الديمقراطي لكي تتمكن أن تحل محل تلك القوى الحاكمة حالياً التي يفقد الشعب ثقته بها, إذ أن القوى الديمقراطية تعتبر القوة الحقيقية القادرة على بناء الدولة الديمقراطية العراقية والاتحادية المنشودة من جهة أخرى.
إن هذه الوجهة تفترض ضمان التعاون مع كل القوى الديمقراطية على صعيد العراق كله وعلى  صعيد كل القوميات في العراق, إذ من المهم تعزيز قدرات الحركة الديمقراطية العراقية لتساهم في تغيير ميزان القوى لصالح كسب قوى أخرى تتعاون اليوم على اساس تحالفي مع قوى طائفية وتنتهج مبدأ المحاصصة الطائفية, ولكن مثل هذا التحالف ليس من مصلحتها على المدى البعيد, ومنها قوى التحالف الكردستاني.          
إن التداول السلمي الديمقراطي للسلطة هو الذي يفترض أن يسود في البلاد. وفي ظروف البلاد الحالية, حيث يميل ميزان القوى الراهن لصالح القوى التي تقود الحكم حالياً, فأن المهمة التي تواجه القوى الديمقراطية تتركز في العمل على تغيير ميزان القوى من خلال كسب تأييد الشعب وثقته بها ومشروعها الديمقراطي للتغيير.      
ومن أجل أن يطلع من يقرأ مقالي على تصريحات الرفيق أبو داوود بأمل أن يتعرف مباشرة على أهميته في إدراك أهمية وضرورات التنازل والتواضع والمساواة في العمل الجبهوي المنشود ودون إبعاد أي طرف من الأطراف أو الشخصيات الجدية الراغبة هي الأخرى في تقديم التنازلات المطلوبة لتحقيق العمل المشترك ضم التيار الديمقراطي أدرجه كملحق فيما يلي:

نعتبر ما هو عام ومشترك أساسا يستحق أن نتجاوز من اجله العقبات
حميد مجيد موسى للبيان الإماراتية:
نعمل على بث الحيوية والوحدة لقوى التيار الديمقراطي

بيّن سكرتير الحزب الشيوعي العراقي حميد مجيد موسى أن ضعف التيار الوطني الديمقراطي في العراق، وتشتته، هو عامل أساسي من جملة العوامل التي جعلت الأمور في البلاد تأخذ هذا المنحى المعقد. وقال موسى أن هذا الضعف له مسبباته الكثيرة، الموضوعية والذاتية، وفي مقدمتها الظروف القاسية التي واجهها التيار، إضافة إلى التشويش وعدم وضوح الرؤية الذي يسود العملية السياسية في البلاد، التي ارتكزت على الاستقطابات الطائفية والعرقية والمناطقية.
جاء ذلك خلال حوار أجرته معه جريدة (البيان الإماراتية)، حيث أكد على إن ضعف التيار الديمقراطي، للأسباب المعروفة، خسارة كبيرة للشعب العراقي ولقدرته في التأثير على مجريات الأحداث السياسية، ومن اجل وضع العملية السياسية في الاتجاه الصحيح، وتجنيبها الثغرات والنواقص والعثرات، التي لم تعد خافية على الإنسان الواعي.

نهوض التيار لم يتوقف
وحول استعادة التيار الديمقراطي لحيويته في الآونة الأخيرة، من خلال المبادرة التي أطلقها الحزب الشيوعي العراقي للملمة هذا التيار وإبرازه من خلال نشاطات جماهيرية عديدة، قال السكرتير أن "نهوض التيار الديمقراطي لم يتوقف، رغم كل العراقيل"، موضحاً ان "الظرف المعقد الحالي له تأثيره الحتمي في استنهاض الحركة الجماهيرية الواسعة، وبشكل خاص، قوى التيار الديمقراطي التي تحمل في قناعاتها المشروع الوطني الديمقراطي، الذي يعبر عن مصالح أبناء شعبنا، شغيلة اليد والفكر، من العمال والفلاحين والموظفين وذوي الدخل المحدود". وأكد موسى على أن: "التيار لا يناضل من اجل الديمقراطية السياسية فقط، رغم أهميتها، وإنما هو أيضا ذو بعد اجتماعي، يتمثل في النضال من اجل مصالح شغيلة العراق، فهو له أصول وجذور عميقة في المجتمع العراقي، وله أساس موضوعي في هذا المجتمع، ولكن ما عاناه من قمع وإرهاب طوال ما يزيد على أربعين سنة، اضعف من حضوره الآن، وساهم في ذلك ما عاناه من تشرذم وتفتت وتباينات ومنازعات قللت من قدرته على الفعل المباشر".  وقال موسى: "ان الظرف الحالي يضع أمام المعنيين في القوى الديمقراطية مسؤولية تاريخية في التحرك الجاد والمسؤول لتجاوز الصعاب والنزعات الأنانية، والبحث عن المشترك الموحد والمقبول، لكي يستطيع هذا التيار أن يلعب دوره المنشود في إطار حركة شعبنا الوطنية الواسعة، هناك جهود غير قليلة بذلت في هذا السياق".

مهمة صعبة
وحول لملمة التيار الديمقراطي وقواه قال موسى:"يبدو أننا أمام مهمة صعبة ومعقدة، تتطلب تصورا سياسيا وفكريا ناضجا، واتصالات واسعة وجهودا مضنية مثابرة، لتأمين تقارب قوى هذا التيار وشخصياته والتئامها وفق صيغة من صيغ التحالف والنشاط المشترك، لكي يفعل التيار فعله في الحياة السياسية العراقية. وفي هذا الصدد، سعينا إلى عقد لقاءات للتوصل إلى صيغ عمل مشترك ونشاطات جماهيرية ومؤتمرات، وتكونت لدينا تجربة ومحصلة معرفية ووعي لحقائق هذا التيار، وسنجند كل ذلك مع إمكانيات الحزب للإسراع في إيجاد الصيغة الفعالة لبث الحيوية والنشاط والوحدة لقوى التيار الديمقراطي".

الأطر التنظيمية
وحول صيغ التعامل بين مكونات التيار الديمقراطي وصيغ عمله الميداني قال :"في قناعتنا أن المشكلة ليست في الصيغ والأطر التنظيمية، فهذه يمكن أن تأتي كمحصلة لتصاعد النشاط المشترك لقوى التيار الديمقراطي، ويمكن التوصل إلى ما هو مقبول من الصيغ والأطر، بناء على القناعات التي تتولد حول العمل المشترك، والمدى الذي يجب أن يأخذه هذا العمل المشترك من حيث الموضوع، ومن حيث الزمن، ومن حيث المهام".  وتابع: "إذا اعتبرنا أن العوامل الموضوعية التي أحاطت ولا تزال، بعمل قوى التيار الديمقراطي، هي خارج إرادة وقدرة هذه القوى على تجاوزها وتعديلها، فلابد أن نركز على الجانب الذاتي، والشيء الأول الذي نحتاجه هو أن نعتمد على الناس، على النشاط الجماهيري، كي لا تبقى النقاشات نخبوية فوقية، فعندما يكون لنا اندماج واختلاط وفعل جماهيري، عند ذلك نتحرر من الكثير من الإشكاليات والعقد، ويتحرك كل طرف وفق إمكانياته وقابلياته وقدرته على الفعل والنشاط، ويجب أن نتخلص من الحساسيات والنزعات الحزبية الضيقة، و«الأنا» المضخمة".
وأوضح: "اننا نعتبر ما هو عام ومشترك أساسا يستحق أن نتجاوز من اجله تلك العقبات والعراقيل، التي تحد من تعاوننا ومن لقائنا في النشاط الوطني الديمقراطي المسؤول، ولنبدأ من الذات، حيث آلينا على أنفسنا أن ننطلق بمنتهى العقلانية والواقعية والمرونة والرغبة في العمل مع الجميع واحترام استقلاليتهم بعيدا عن الهيمنة والتسلط والاحتكار، وهذا ما أثبتناه نظريا وعمليا في ممارساتنا التي نعيشها ويعيشها البلد منذ سنوات". وأشار إلى: "النشاطات الواسعة التي تبادر منظماتنا إلى إقامتها في كل أنحاء العراق، والتجمعات التي يجري تنظيمها لصياغة أشكال من التعاون والعمل المشترك والنشاط الفعال لحماية مصالح الشعب في مختلف المحافظات، وبضمنها بغداد، كذلك تعاوننا مع جميع منظمات المجتمع المدني، ورعايتنا ودعمنا فعالياتها بدون رغبة أو مسعى لفرض قناعة معينة أو لفرض توجه معين بمعزل عن مشاركة الآخرين في صياغة التوجهات المطلوبة، المنسجمة مع حاجات النضال السياسي العام".

التعاون مع القوى السياسية
وعن القوى التي يعمل معها الحزب الشيوعي من اجل استنهاض التيار الديمقراطي قال حميد موسى: "نرغب في التعاون مع الجميع، مع كل من يعز عليهم امن واستقرار العراق وديمقراطية العراق وتقدمه.. هذه رغبة في العمل مع من يتعامل معنا بمثل ما نتعامل معه، من احترام وتقدير، وهناك من هم اقرب إلى مشروعنا الفكري وعندهم الرغبة في أن نتعاون إلى آماد زمنية بعيدة وعلى مراحل اجتماعية طويلة، وهذا التعاون له مستلزماته، وهناك أيضا من يعملون في إطار توجه التيار الديمقراطي، ومن هم مصرون على بناء مؤسسات سياسية ديمقراطية في البلد.. يكفي أن تبنى العلاقات على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واعتماد أساليب سليمة ونزيهة ومستقيمة في العلاقات السياسية دون هيمنة، ودون محاولات إقصاء وتهميش".
وأوضح: "أما من يجعل من معنى وجوده ونشاطه السياسي العمل على تخريب الحزب الشيوعي والإساءة إليه، فهو ليس من القوى التي نستطيع أن نتعامل معها.. لن نتعامل مع احد يشتم يوميا الحزب الشيوعي، ويسعى للإساءة إليه، فهذا موضوع ثان ومختلف تماما، وأهلا وسهلا بمن يقول ويعمل من اجل رفع الحساسيات والعمل المشترك باحترام متبادل".

نظام مدني لا يعادي الدين
وبشان الخلط بين العلمانية والديمقراطية قال حميد مجيد موسى :"جرى للأسف الشديد تشويش متعمد في تفسير معاني العلمانية، أو في صياغة معالمها، وذلك من اتجاهات مختلفة.. قسم اعتبرها توجها معاديا للدين، أو اتجاها إلحاديا، وهي ليست كذلك إطلاقا، بعض المتزمتين البعيدين عن الإدراك الواعي لا يحتملون اختلافا مع طروحاتهم، وهم من المتعصبين المتطرفين، وآخرون اعتبروا أن هدف العلمانية الرئيس هو مواجهة الدين!"، مبيناً ان "الأمر ليس كذلك، فالتوجه العلماني كما عرفناه في التاريخ مع ظهور ملامحه في أوروبا وانتشاره في العالم، هو نزعة تريد أن تفصل الدين عن الدولة، وتعطي الدين حقه في ميادين النصح والإرشاد والعبادة، وتعطي الدولة تخصصها في إدارة شؤون البلد واقتصاده وعلاقاته السياسية ونظامه الإداري وعلاقات الناس مع بعضها"، موضحاً ان "البشرية جربت التداخل وأسفر ذلك عن نتائج سيئة، لأنه حينما يكون الدين حاكما في الدولة بكل تفاصيلها، وبكل تشعباتها، فانه يلحق أذى كبيرا بالدين ذاته من ناحية، وبالناس من ناحية ثانية، فعندما تسود أحكام قاطعة.. ماذا عن الديمقراطية وحرية المواطنين وعن النزعات المدنية؟". وقال:"نحن نسعى إلى نظام مدني، والمدني يختلف عن الديني، لكنه لا يعادي الدين. للدين حقه، وله توجهاته وله موقعه، ولكن للدولة اختصاصاتها وخصوصياتها ونظامها وأساليب عملها التي لا تتداخل كليا وبشكل مطلق مع الدين".
وعن امكانية وجود نزعة دينية ديمقراطية في المجتمع العراقي، أكد موسى: انه حول هذا المفهوم هناك اجتهادات وتصورات مختلفة، حين نتحدث عن المتدينين، فليس كل المتدينين متطرفين، وليس كل المتدينين معادين للديمقراطية، كذلك ليس من الصحيح الحديث عن أن كل علماني هو ديمقراطي، أو انه لا يوجد دكتاتوريون ومستبدون ومتطرفون تحت لواء العلمانية.. والمجتمع البشري شهد أمثلة كثيرة على أولئك الذين مارسوا الاستبداد وأقاموا الأنظمة الفاشية، وكانوا خلال ذلك ضد المؤسسات الدينية وضد اندماج الدين بالدولة. بالنسبة إلينا تكتسب العلمانية محتواها الحقيقي والعميق حينما تندمج بالديمقراطية.. هناك من يقول أن إحدى سمات العلمانية هي الديمقراطية، وهذا غير صحيح، لان للمفهومين استقلالية نسبية في معانيهما".
وتابع: "العلمانية تكون أصيلة وجادة ومفهومة عندما تمتزج بالديمقراطية، فهي عند ذلك تتسم بالعقلانية، وتتسم بالواقعية في الأساليب والممارسات، وبعكس ذلك يمكن أن تورطها بالحروب والاستبداد والبيروقراطية والعنف وما شاكل، فنحن من القوى التي تدعو إلى ديمقراطية علمانية، ديمقراطية تحترم الدين والمتدينين ولا تنفي الديمقراطية عن الكثير من المتدينين، وليس كل علمانية هي ديمقراطية أو عقلانية أو واقعية، فقد شهدنا الكثير من النماذج السيئة التي تدعي العلمانية ولكنها معادية للديمقراطية وحقيقتها فاشية استبدادية".
10/12/2010

419
رسالة تحية مفتوحة إلى المؤتمر الثالث عشر للحزب الديمقراطي الكردستاني/ العراق

السيد رئيس المؤتمر الأخ مسعود البارزاني المحترم
السادة اعضاء هيئة رئاسة المؤتمر المحترمون
السيدات والسادة أعضاء المؤتمر المحترمون

تحية ودٍ و احترام

أوجه خالص التحية والأحترام لرئاسة واعضاء المؤتمر الثالث عشر للحزب الديمقراطي الكردستاني وأتمنى للمؤتمر من صميم القلب النجاح التام في بلورة المهمات الجديدة التي تواجه الحزب وإقليم كردستان والعراق في هذه المرحلة الحرجة الراهنة من تطور العراق الاتحادي.
إن هذا المؤتمر يسمح للمشاركين فيه والمتتبعين لدور الحزب النضالي العودة إلى عام 1946 حيث تأسس الحزب قبل 64 عاماً بقيادة قائد الشعب الكردي الراحل ملا مصطفى البارزاني, وإلى المؤتمرات اللاحقة التي تبنت النضال من أجل تحقيق أحلام وآماني الشعب الكردي في الحرية والحقوق القومية والوطنية الكاملة وبناء الحياة الديمقراطية لا في كردستان حسب, بل وفي العراق كله. 
ولا شك في أن المناضلين والمناضلات الكرد يستعيدون في مثل هذه المناسبات, حيث تحققت جملة من المهمات الكبيرة, لوحة النضال المشترك الذي خاضته بتصميم وإصرار كافة القوى الديمقراطية والتقدمية من مختلف القوميات المتآخية في العراق, وبشكل خاص نضال العرب والكرد, في سبيل عراق ديمقراطي وحكم ذاتي ومن ثم حكم فيدرالي لكردستان العراق. ولا شك في أن ذلك التضامن الوطني بين الأحزاب الوطنية والديمقراطية والأحزاب اليسارية كان له أكبر الأثر في دعم نضال الشعب الكردي لتحقيق طموحاته. وكانت التضحيات كبيرة وعزيزة على كل المناضلين, سواء من سقط منهم في ساحات النضال من الكرد أم العرب أم من القوميات الأخرى في العراق. ولا تزال حية تلك النضالات المسلحة التي خاضتها القوى الديمقراطية واليسارية, وخاصة الحزب الشيوعي العراقي, في فترات مختلفة, مع القوى والأحزاب السياسية المناضلة للشعب الكردي على امتداد الفترات التي مارست النظم السياسية العراقية الاستبداد والقسوة واستخدمت السلاح لكسر شوكة النضال والمناضلين. وقد خاب فالها رغم الضحايا البالغة من جانب الأحزاب والقوى الديمقراطية العراقية.
وإذ ينسى الإنسان الكثير من الأحداث, فأنه لن ينسى في كل الأحوال الجرائم البشعة, الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية, التي ارتكبها النظام الفاشي الدموي في العراق, نظام العهر السياسي, نظام البعث العربي الاشتراكي وقيادته الدموية برئاسة أحمد حسن البكر وصدام حسين في العراق. فأمامنا جرائم الأنفال وحلبچة وقتل وتهجير الكرد الفيلية, إضافة إلى تهجير الكثير من عرب الوسط والجنوب, وعمليات التعريب والتهجير القسري والتغييرات الإدارية الكبيرة في جغرافية وديموغرافية المحافظات العراقية.
إن النضال الدءوب الذي خاضته القوى الديمقراطية العراقية, على امتداد العقود المنصرمة والضحايا الغالية التي قدمها الشعب الكردي الصديق وبقية بنات وابناء القوميات في العراق, ومنهم بطبيعة الحال العرب, كان يستهدف تحقيق الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة في المواطنة الحرة وضمان العيش الكريم والعدالة الاجتماعية للجميع واستخدام الثروة الوطنية لصالح الشعب والتقدم الاقتصادي والاجتماعي وتنمية الثقافة الوطنية المتنوعة والمتعددة في العراق, إضافة إلى تأمين الحقوق القومية للشعب الكردي.
وخلال النضال الشاق والطويل تأكد للجميع بأن الحقوق القومية والديمقراطية تتعرض لمخاطر جمة حين تغيب الديمقراطية عن العراق وحين تغيب روح المواطنة وتهيمن الهويات الفرعية القومية الشوفينية والطائفية السياسية أو ضيق الأفق القومي. وكانت أكبر تجربة تلك التي رافقت بيان 11 أذار 1970 حيث تعرض مضمون البيان بعد فترة وجيزة إلى التفريغ والتغييب بسبب سيادة الدكتاتورية ومصادرة الحريات العامة والحقوق الديمقراطية في العراق كله. وهذا الدرس الثمين يفترض أن يبقى ملهماً ومؤكاً لنا جميعاً بأن ضمان ممارسة الحقوق القومية لا يمكن أن تنفصل قطعاً عن ممارسة الحريات الديمقراطية وعن وجود النظام السياسي الديمقراطي وعن ممارسة حقوق الإنسان.
إننا, نحن أصدقاء الشعب الكردي ورفاق دربه النضالي الطويل من أجل الديمقراطية للعراق والحقوق القومية العادلة والمشروعة للشعب الكردي, إذ ابتهجنا ونبتهج الآن أيضاً لما تحقق للشعب الكردي من فيدرالية كردستانية ضمن الدولة العراقية الاتحادية ومن منجزات أخرى, نجد أنفسنا اليوم مجبرين على رفع صوتنا مؤكدين بأن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية المرأة وحقوق المواطنة الحرة والمتساوية التي يفترض أن تسود في العراق تتراجع بسرعة وتنتهك يومياً بفظاظة مُرَّة من جانب مجالس المحافظات والحكومة الاتحادية والأحزاب السياسية التي تقف خلفها بشتى السبل بحيث تجعل من المستحيل بناء دولة عراقية مدنية ديمقراطية واتحادية تتمتع فيها جميع القوميات وجميع الأحزاب والقوى والأفراد بحقوقهم المشروعة.
أن التجاوزات المتفاقمة من جانب قوى فكرية وسياسية في العراق لا تستهدف حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية بشكل عام, بل سوف تستهدف أيضاً وبكل تأكيد الحقوق القومية للشعب الكردي والحقوق الثقافية والإدارية لبقية القوميات. إن من الضروري أن نتذكر بأن تردي الحرية والديمقراطية في قسم من العراق لن يتوقف عند تلك الحدود بل سيتسع التردي ليشمل العراق كله, خاصة وأن ظروف منطقة الشرق الأوسط ودور القوى والدول المجاورة وأوضاعها السياسية وطبيعة نظمها السياسية وميزان القوى السياسية المختل يسمح بمثل هذا التردي. ولهذا فأن من واجب ومصالح الشعب الكردي على المدى المتوسط والبعيد يكمن بالضبط في رفض فرض سياسات مصادرة الحريات والحقوق الأساسية للشعب العراقي, مصادرة الثقافة الوطنية العراقية, مصادرة الفنون الشعبية الرفيعة للمجتمع العراقي, وبشكل خاص الموسيقى والغناء والرقص والرسم والنحت والتمثيل والشعر ..الخ باسم الدين! إن على قيادات الحركة الوطنية الكردية, على أحزابها السياسية ومنظمات المجتمع المدني وكل فرد في المؤتمر وفي إقليم كردستان أن يتضامن مع بقية ابناء الشعب العراقي لمواجهة الهجمة الظلامية الجديدة على الحريات العامة وعلى الثقافة العراقية وعلى حقوق الإنسان لأن استمرارها وعدم لجمها سوف تشمل الجميع.
إني, ومن منطلق الحرص على تطور العراق الاتحادي الديمقراطي الحر والمجتمع المدني السلمي, ومن منطلق الصداقة الصادقة والمخلصة للشعب الكردي والعلاقات النضالية الحميمة مع قواه الديمقراطية وأحزابه السياسية, أتوجه إلى قيادة وأعضاء المؤتمر الثالث عشر للحزب الديمقراطي الكردستاني ومن خلاله إلى قيادات الأحزاب السياسية الكردستانية وقائمة التحالف الكردستاني وكل القوى الخيرة في كردستان العراق وعموم العراق مطالباً إياها في أن تلعب دورها السياسي والاجتماعي والثقافي الوطني لوقف مباشر وسريع لحالة التردي المتفاقمة والفساد المتعاظم في العراق, إذ أنهما تسمحان بدورهما لمزيد من الإرهاب والقتل والتدمير في العراق, إذ أن عواقب ذلك وخيمة على كل المجتمع والدولة في العراق.
إن صداقتي للشعب الكردي لا حدود لها, والتي تمتد لأكثر من ستين عاماً, وهي التي تحركني وتدفعني في أن أتوجه بهذه الرسالة المفتوحة إلى قيادة وأعضاء المؤتمر الثالث عشر للحزب الديمقراطي الكردستاني راجياً التفكير بها والتعامل معها بما يمليه عليكم واجبكم الوطني والقومي, مصالح الشعب الكردي وكل الشعب العراقي.
أتمنى لكم في الختام النجاح في ما تسعون إليه من مهمات وطنية وقومية وديمقراطية.
مع خالص الود والاحترام
أخوكم
كاظم حبيب   
           
         
 


420
كاظم حبيب
فقيدنا الفنان المبدع منذر حلمي !
ها نحن نفقد فناناً مسرحياً آخر في الغربة والشتات العراقي بعد وفاة الفنانة العراقية الرائعة والمبدعة زينب والممثل والمخرج المسرحي والأكاديمي الدكتور عوني كرومي, إنه الفنان المسرحي البارز والشعبي منذر حلمي, هذا الفنان الذي لم يحقق حلمه برؤية العراق الذي أحبه وناضل من أجل تحرره من الدكتاتورية والعنصرية والقسوة, من أجل عراق ديمقراطي اتحادي حر ومستقل. لقد كان موت أبا سلام مفاجئاً لنا ولكل من كان على معرفة قريبة به, رغم ما كان يعاني منه. لقد عانى الكثير من المرض العضال الذي ألَّم به منذ سنوات, قاومه طويلاً, انتصر عليه مرات ومرات, ولكن تغلب عليه بعده عن الوطن وتفكيره الدائم به وبالكوارث المتلا حقة التي تعرض لها ولا يزال يعاني منها. لقد اختطفه الموت أخيراً من الأخت الفاضلة السيدة أم سلام, الإنسانة الطيبة, ومن عائلته الصغيرة والكبيرة, منا نحن محبيه ومحبي فنه المسرحي الذي أبدع فيه كلما ارتقى خشبة المسرح, غاب عنا جميعاً إلى حيث لا لقاء بعد اليوم. ولم يبق لنا منه إلا الذكر الطيب والذكريات الغالية والمودة الأخوية والابتسامة الحلوة التي كانت ترتسم على شفتيه ومحياه كلما التقى بصديق أو سمع خبراً مفرحاً أو مزحة من صديق.
كان منذر حلمي (أبا سلام) إنساناً رائعاً, رقيقاً وهادئاً, ومثقفاً رفيع المستوى, نهم القراءة وعميق التعلق بالمعرفة والحداثة, متواضعا وودوداً في علاقاته الإنسانية. كان قليل الكلام, ولكنه حين كان يتحاور مع الأصدقاء ويناقش موضوعات مهمة تمس الوطن والشعب والقوى الديمقراطية, كان يشعر المتحدث معه بحيويته الفائقة في طرح أفكاره وعمق تحليلاته السياسية والاجتماعية وصواب نظرته لما كان يجري في العراق, سواء أكان قبل سقوط الفاشية أم بعد سيطرة الطائفية السياسية على الحكم في البلاد.
عانى الكثير في سنوات الهجرة القسرية البغيظة, وحين وصل إلى جمهورية المانيا الديمقراطية بناء على دعم وتزكية من منظمة التحرير الفلسطينية, عاني الكثير من أجل الحصول على إقامة دائمة, وحين كان تنظيم الحزب الشيوعي العراقي يتدخل لدعمه, يقال له أن جاء بناء على توصية من منظمة التحرير وليس من قبل الحزب الشيوعي. وهكذا عانى الكثير من المماطلة للحصول على تلك الإقامة, ولم يقدروا مكانته الفنية في العراق ومواقفه الفكرية والسياسية التقدمية.
في لقاء معي بعد سقوط جدار برلين ووحدة ألمانيا عاتبني على موقف الحزب الشيوعي منه وعدم دعم موقفه للحصول على إقامة دائمية في ألمانيا الديمقراطية, إذ كان يشعر بتقصير حاصل بحقه في هذا الصدد. وإذ كنت على علم ومعرفة جيدة بقضيته, إذ كنت في حينها مسؤولاً عن تنظيم الخارج للحزب الشيوعي العراقي, أوضحت له موقف الحزب الشيوعي العراقي الداعم والمساند له حينذاك. وأخبرته بأني قد وجهت رسالة رسمية باسم المكتب السياسي للحزب موجهة إلى المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الألماني الموحد حينذاك طالباً منهم منحه إق4امة دائمة وشقة مناسبة للسكن, كما تحدثت معهم مباشرة بشأنه وبشأن حل مشكلة إقامته وسكنه ..الخ, ولكنهم أشاروا إلى انهم يعالجون موضوعه مع منظمة التحرير الفلسطينية. ولم يكن ذلك إلا ذريعة غير منطقية, إذ أن منظمة التحرير قد رشحته بناء على اتفاق مع قيادة الحزب الشيوعي العراقي في سوريا حينذاك. وكم كان رائعاً من العزيز أبو سلام حين تقبل ذلك الشرح بروح ودية طيبة واعتبر النقد الذي وجهه لي غير قائم. وهكذا نشأت علاقة ودية وحميمية بيني وبين العزيز أبي سلام رغم قلة اللقاءات.       
بناء على طلبه كنت أرسل له مقالاتي كلها, كان يطالعها ويسجل ملاحظاته عليها, وكان يتصل بي أحياناً عبر الهاتف ليحدثني عن رأيه بهذا المقال أو ذاك ويناقشني على بعض ما جاء في تلك المقالات من أفكار وتحليلات, سواء أكان بتأييد ما جاء فيها وتشجيعي على التركيز على تلك النقاط, أم بطرح بعض الأفكار الجديدة التي فضل لو كان هذا المقال أو ذاك قد تضمنها. وكنا على العموم متفقين في الكثير من الأفكار, سواء أكانت بالنسبة للوضع الراهن في العراق أم بالنسبة إلى الموقف من القوى الديمقراطية واليسارية وسبل خروجها من الوضع الصعب الذي لا تزال تعاني منه. لقد كان يشعر بمخاطر جدية تهدد القوى الديمقراطية واليسارية في العراق, فالقوى الإسلامية السياسية غير ديمقراطية ولا يمكن الثقة بها بأي حال. وكم كان على صواب, إذ ها نحن نتابع مشهد انزلاق المحافظات والحكومةن الاتحادية صوب مصادرة ما هو شكلي من حقوق الإنسان والحريات العامة في البلاد.
حين كنا نلتقي في برلين, ولم تكن لقاءاتنا المشتركة كثيرة, كانت حواراتنا ونقاشاتنا تدور حول أوضاع العراق والقوى الديمقراطية واليسارية, وكان العزيز أبا سلام يحس ببعض المرارة من الضعف الذي تعاني منه هذه القوى الذي اعتبر نفسه جزءاً منها, وهو كذلك, وكان يتمنى لها النهوض والتجديد والحداثة والتقدم والمساهمة بدور أكبر في التغيير الديمقراطي المنشود في العراق يتناسب مع تاريخها الطويل ونضالها المجيد وتضحياتها الغالية.       
لقد فقدنا إنساناً نبيلاً وحميماً, فناناً أصيلاً ومبدعاً فذاً وصديقاً صادقاً  انتزعته الفاشية البعثية من وطنه الحبيب, من العراق, كما انتزعت الكثير من المثقفين والمثقفات, انتزعته من مسرحه البهيج, المسرح الفني الحديث, ومن بين أخواته وأخوته الممثلاث والممثلين المسرحيين وبقية مثقفي العراق وفرضت عليهم الهجرة البغيضة سنوات طويلة بعضهم لا يزال مستمراً في معاناته من الغربة إلى الآن بسبب أوضاع العراق المعروفة لنا جميعاً. وها هو الموت ينتزعه منا وإلى الأبد!
الذكر الطيب للفنان المبدع والأخ العزيز الأستاذ منذر حلمي والعزاء لعائلته ولأصدقاء الفقيد ولنا نحن الذين عرفناه عن قرب وتعلقنا به وتمتعنا برفقته فترة غير قصيرة. الصبر والسلوان لأم سلوان وبقية افراد العائلة الكريمة.   
كاظم حبيب
5/12/2010

421
كاظم حبيب
هل من سبيل لبناء عراق ديمقراطي اتحادي آمن؟
وما الدور الذي يمكن أن تلعبه القوى الديمقراطية واليسارية في مسقبل العراق؟
الأخوات والأخوة الكرام
اتقدم بالشكر الجزيل لمنظمي هذا اللقاء من رفاق منظمة الحزب الشيوعي العراقي في ميلبورن مع الأخوات والأخوة من العراق في ميلبورن للحديث والتفكير المتبادل بشأن ما يجري في العراق وعن شجون وأوجاع أهلنا وتطلعاتهم نحو مستقبل أفضل أكثر إشراقاً وأكثر حناناً على الإنسان العراقي والمجتمع بكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية والفكرية الديمقراطية.
ابتداءً أتقدم بأحر التعازي القلبية والمواساة الشخصية إلى مواطنات ومواطني العراق, من المسيحيات والمسيحيين بشكل خاص لاستشهاد كوكبة كبيرة من نساء ورجال وأطفال مسيحيين جراء الجريمة البشعة التي نفذها القتلة الإرهابيون في كنيسة "سيدة النجاة" ببغداد في شهر تشرين الأول/اكتوبر 2010. كما نفذت جريمة أخرى حين شنقت امرأة عجوز مسيحية ثم قتل شابان مسيحيان على أيدي قتلة مجرمين عتاة, والموت لم يتوقف ولو لللحظة واحدة في الوطن الجريح. لا يمكننا إلا أن نحمَّل الحكومة العراقية مسؤولية عدم توفير الامن والاستقرار في البلاد وحماية حياة المواطنات والمواطنين. كما أن التهجير والتشريد والقتل قد شمل الصابئة المندائيين وكثرة من المسلمين الشيعة والسنة, إضافة إلى جمهرة كبيرة من المثقفين والصحفيين والعلماء والفنانين والكثير الكثير من بنات وابناء شعبنا. 
إننا إذ نعزي ذوي الشهداء ونرجو للشهداء الذكر الطيب ونتمنى للجرحى الشفاء العاجل, نطالب الحكومة العراقية بملاحقة المجرمين وتقديمهم للقضاء لنيل العقاب العادل الذي يستحقونه.
تطرح جمهرة من المسؤولين في العراق في هذه الأيام وكأن الأزمة السياسية الطاحنة التي تعصف بالبلاد قد وجدت حلاً لها بتوزيع الرئاسات الثلاث بين التحالف الكردستاني (رئاسة الجمهورية) وقائمة التحالف الوطني (رئاسة الوزراء) والقائمة العراقية (رئاسة البرلمان) وتحديد 30 يوماً أمام المالكي لتشكيل وزارته الجديدة, فهل حقاً انتهت دوامة الأزمة الطاحنة والمتراكمة, أم أنها ستتعمق وتتخذ أبعاداً جديدة لاحقاً حتى بعد تشكيل الوزارة الجديدة؟ لا يمكنني الاتفاق مع الرأي الرسمي, إذ أن الأزمة العراقية الراهنة بنيوية في جوهرها ولا يمكن معالجتها برقعة صغيرة من هذا النوع؟ فهي من حيث المبدأ أزمة بنيوية تشمل النظام السياسي بكامله, أزمة نظام سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وعسكري وبيئي في آن واحد, إزمة نظام سياسي يبتعد عن روح ومفهوم المواطنة وحقوقها وواجباتها ويغوص في الهويات الطائفية المتشددة والمتفاعلة مع الهويات القومية الشوفينية التي تشكل ما يمكن أن يطلق عليها بـ"الهويبات القاتلة", على وفق التعبير الذي استخدمه بصواب كبير الأديب والروائي اللبناني المبدع أمين المعلوف, إنها أزمة حكم شاملة.
فالعراق يواجه اليوم سياسة قائمة على فكر ديني متخلف وذهنية طائفية متبادلة التحيز والتمييز تجد تعبيرها في ولادة قيصرية لحكومة تقوم على أساس المحاصصة الطائفية لا يمكنها أن تعالج الأزمة بل تزيدها تعقيداً, إذ أن إزالة الأزمة يستوجب استئصال الفكر الطائفي السياسي التمييزي المناهض لحقوق الإنسان وحرياته العامة, وليس المقصود هنا المذاهب الدينية بحد ذاتها, وهذا يعني أنها لا تنتهي إلا بتخلص العراق من وجود أحزاب وقوى سياسية تقوم على أسس دينية أو مذهبية, علماً بأن كل الأحزاب الدينية والمذهبية في العالم, وليس العراق وحده, لا يمكن أن تنشأ إلا لتكون أحزاباً دينية طائفية, لأنها تبنى منذ البدء على أساس التمييز الديني والمذهبي وتنهض لتحقق أهدافاً معينة لطائفة دينية معينة ضد طائفة اخرى. وهي في العراق حالة وممارسة يومية يتلمسها المواطنون والمواطنات في جميع مجالات الحياة. وإذا كان النظم السابقة طائفية ايضاً, فأن النظام السياسي الجديد لا يختلف عنها من الناحية الطائفية والتمييز الطائفي, بل أصبح الحديث عن حقوق الطائفة رسمياً ودون اي خجل من مفهوم وروح المواطنة. إن تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة المالكي, رغم الصعوبات الجمة التي تعترض طريق توزيع نواب الرئاسات والمناصب الوزارية الأساسية وبقية الوزارات بين القوى الفائزة في الانتخابات, سوف لن يكون في مقدورها معالجة الأزمة, بل ستواجه بعد تشكيلها نفس الأجواء والعقد التي سادت خلال السنوات الخمس المنصرمة, وبالتالي ستتعثر في إنجاز المهمات الكبيرة التي كانت ولا تزال تواجه العراق, إضافة إلى أن التشكيلة الحكومية الجديدة ومجلس النواب سيكونان مقيدان بالكثير من الشروط التي فرضها المسعى التوافقي الذي سيعطل بدوره الكثير من الإجراءات التي تستوجبها الحياة السياسية العراقية. إذ أن هذا المسعى يبتعد كثيراً عن الديمقراطية وعن ضرورات الحلول العملية التي يستوجبها واقع العراق المأزوم. ويزيد في الطين بلة غياب كلي وفعلي للثقة المتبادلة المطلوبة للعمل السياسي بين الأحزاب السياسية القائمة.
والمشكلات السياسية العراقية ليست داخلية بحتة, بل هي متفاعلة ومتداخلة أو متشابكة مع المشكلات الإقليمية المعقدة وغير القابلة للحلول السريعة والمؤثرة مباشرة على الواقع العراقي الراهن وعلى مسيرته الجارية. إذ أن العراق قد تحول ومنذ سنوات كثيرة إلى ساحة مكشوفة للصراع بين عدد من الدول والقوى اللاعبة في الساحة السياسية الإقليمية وخاصة إيران والسعودية وتركيا وسوريا وإسرائيل ودول الخليج, إضافة إلى دور متزايد لقوى سياسية في لبنان وفلسطين, وإلى عامل متفاقم في سباق هستيري للتسلح في المنطقة تغتني منه الدول والاحتكارات المنتجة والمصدرة للسلاح وتخسر بسببه الكثير من موارد الدول المالية ويزداد فقر وحرمان الفئات الاجتماعية الفقيرة والكادحة فيها. وعلينا أن نرى ونشخص بوضوح تام بأن اللاعبين الإقليميين لهم في الغالب الأعم قوى متجاوبة معهم أو تعتبر امتدادات لهم في العراق, وإلا لما كان لدول وقوى الجوار هذا الدور الفظ الذي تمارسه اليوم في التدخل المكشوف ودون حياء في الشأن العرقي.
ويفترض أن نتابع أيضاً العلاقة العضوية بين الصراعات الداخلية والإقليمية الجارية أولاً, وبينها وبين الصراعات الإقليمية والدولية ثانياً, ومن ثم الصراعات في ما بين الدول الكبرى وذات المصالح في المنطقة ثالثاً, على العراق وعلى المنطقة وعلى الثروات النفطية وغير النفطية وعلى اتجاهات التطور, والتي تتجلى محصلتها في واقع الحياوة السياسية المعقدة وغير المستقرة والمليئة بالدماء والدموع. لقد أصبح العراق وأكثر من أي وقت مضى جزءاً عضوياً من الاستراتيجيات السياسية و"المصالح الحيوية" للدول الكبرى, وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا, وفي المنطقة, وخاصة إيران والسعودية وسوريا ودول الخليج.
والعراق يواجه من الناحية الأمنية تراجعاً ملموساً يتجلى في تزايد ضربات قوى الإرهاب المحلية والإقليمية والدولية, قوى الإسلام السياسية المتطرفة والقوى البعثية المتشابكة معها وبعض المليشيات الطائفية التي تمارس الإرهاب كلما وجدت ضرورة إلى ذلك لتحقيق ما تسعى إليه. وقد لعبت عوامل مثل الفراغ السياسي والصراع من أجل السلطة والفساد المالي ودعم حكومات وقوى في دول الجوار العراقي دورها في زيادة ضربات الإرهابيين وزيادة عدد القتلى والجرحى والمعوقين من بنات وأبناء الشعب العراقي عموماً, إضافة إلى توجيه ضربات شديدة لأتباع الديانات والمذاهب الدينية خاصة, وبشكل أخص ضد أتباع الديانة المسيحية ودور عبادتهم, كما حصل في كنيسة "سيدة النجاة" ببغداد أو قبل ذاك بالبصرة ومن ثم بالموصل أو ضد الصابئة المندائيين أو ضد الإيزيديين في الأقضية التابعة إدارياً لمحافظة الموصل.
كما أن النظام السياسي القائم في العراق يمارس يوماً بعد آخر سياسة الهجوم على الحريات العامة, حرية الإنسان وحقوقه المشروعة, سواء أكان هذا على مستوى الدولة الاتحادية, أم على مستوى المحافظات دون استثناء. ويمكن لقرارات المحافظات التي تشن حرباً شعواء على الحريات العامة أو للموقف من إلغاء الأغاني والموسيقى من مهرجان بابل, أو الهجوم الأخير على اتحاد الأدباء والكتاب العراقي بمنع فتح النادي الاجتماعي فيه, أن تشير بوضوح صارخ إلى هذه الهجمة الجديدة التي لا تختلف عما كان يمارسه النظام السابق من سياسات عدوانية ضد حريات الشعب وحقوقه الإساسية وحقوق الفرد والمواطنة.   
إن طغيان الطائفية السياسية والهجوم على الحريات العامة والفساد المالي والإداري والإرهاب الدموي والبطالة الواسعة في الحياة السياسية والاجتماعية العراقية اليومية وغياب فعلي لسياسة اقتصادية واجتماعية وثقافية سليمة أدت بالشبيبة العراقية من النساء والرجال إلى عدم الشعور بالأمن والاستقرار وعدم الإحساس بوجود مستقبل لهم في العراق, وقادتهم إلى مغادرة العراق بأعداد كبيرة تقترب أو تفوق الذين كان يهاجرون العراق في فترة الحروب الصدامية أو بسبب الحصار الاقتصادي للوصول إلى الدول التي يمكن أن يحصلوا فيها على ما فقدوه في العراق, إلى الأمن والسلامة والحرية والعمل وحقوق المواطنة الحرة, وأن قادت هذه الهجرة بعضهم إلى الموت, كما حصل للعراقي السيد أحمد العقابي الذي انتحر في كريسمس ايلاند بسبب عدم قبوله لاجئاً وعدم رغبته في العودة إلى العراق. لقد امتلأ الشتات بالعراقيين والعراقيات من جديد, وأغلبهم من القوى الفنية والمهنية والحرفية والعلمية والثقافية التي يخسرها العراق ولن يعودوا إليه إذا ما استمر الوضع على حاله الراهن. وبالتالي فالدعوة إلى عودة الكفاءات أشبه بصرخة في واد يتلاشى صداه دون أثر يذكر!           
والمشكلات الاقتصادية في العراق كبيرة حقاً, وهي نتيجة منطقية لصراعات المصالح وغياب المصلحة الوطنية عن السياسة الاقتصادية الراهنة بحكم التباين والاختلاف في المصالح والبرامج والمواقف والسياسات وبحكم تراكم التخلف والتخريب الذي تسببت به سياسات وحروب النظام السابق والحصار الاقتصادي الدولي الظالم الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا على العراق طيلة 13 عاماً. والسياسة الاقتصادية الراهنة تراهن وتقامر بالنفط العراقي من حيث الصادرات من جهة, وتعتمد على الاستيراد كلية من حيث إشباع حاجات السوق المحلي الاستهلاكية من جهة ثانية, والابتعاد كلية عن التصنيع أو تحديث الزراعة ومعالجة مشكلة الأرض الزراعية من جهة ثالثة, إضافة إلى استمرار شحة المياه في نهري دجلة والفرات وتلك الأنهر التي تصلها المياه من الأراضي الإيرانية, حيث تمارس الدولتان التركية والإيرانية سياسة ابتزازية مناهضة لمصالح العراق من جهة رابعة. إن عواقب هذه السياسات الاقتصادية تجد تعبيرها السلبي في استنزاف موارد العراق المالية وثروته الطبيعية وفي تفاقم انكشافه على الخارج واستمرار وجود بطالة مكشوفة واسعة وأخرى مقنعة كبيرة وغياب الأمن الغذائي ونقص شديد في الخدمات بسبب البطء الشديد وغير المعقول والمتعمد في تسريع إقامة البنية التحتية في العراق, وخاصة الطاقة الكهربائية, حجر الأساس في التنمية الصناعية وتحديث الزراعة وتنمية الخدمات الاجتماعية الحديثة وتفاقم الهجرة العراقية نحو الخارج. ومما يزيد في الطين بلة في كل أنحاء العراق الاتحادي وجود نظام سائد ومعمول به في مجالي الفساد المالي والإداري, إذ لم تعد هناك ظواهر متفرقة, إذ نشأ ذلك منذ سنوات العهد البعثي الفاشي المقبور وتفاقم بفعل دور الشركات الدولية وقوات الاحتلال خلال السنوات السبعة المنصرمة في تنشيط وتطوير هذا النظام في عدم النزاهة. ويلعب الإرهاب الإقليمي والدولي في العراق دوره لا في قتل البشر فحسب, بل وفي تعطيل العملية الاقتصادية وتغيير البنية الاجتماعية. وبالتالي, فأن تجارب العراق والدول الأخرى تشير إلى أن الفساد والإرهاب هما من أبرز العوامل المتفاعلة في ما بينها والتي يستكمل أحدهما دور الآخر في تعطيل مسيرة البناء والتقدم في العراق ويزيدان معاً من تأثير العوامل الأخرى الفاعلة في مختلف جوانب الحياة العراقية والتي أشير إليها في أعلاه وتشكلان وجهان لعملة واحدة.
وعن التركة الثقيلة لنظام صدام حسين وحصاد سياسات السنوات السبع العجاف المنصرمة لنظام المحاصصة الطائفية اللعين, والسياسة المبرمجة التي تمارسها الولايات المتحدة في العراق بتكريسها ودعمها للمحاصصة الطائفية وسكوتها المطبق على مصادرة الحريات العامة في البلاد, تبرز أمامنا الأوضاع والمشكلات الاجتماعية والنفسية والبيئية المعقدة والتي يصعب حقاً معالجتها بسياسات مماثلة للسنوات المنصرمة. 
فأمامنا تنتصب إحصائيات رسمية مخيفة في بلد غني بثرواته كالعراق, رغم عدم دقتها, إذ تشير إلى وجود بطالة تصل إلى أكثر من 30% وإلى نسبة مماثلة تحت خط الفقر, وإلى أرقام مماثلة أو أكثر لبطالة مقنعة ولفقر بنسبة مماثلة تقف أعلى قليلاً من خط الفقر المقرر دولياً, وإلى منافسة العراق للصومال في مجال الفساد المالي, وهما يحتلان الموقعين الأول والثاني في سلسلة الدول الأعلى فساداً والأفقر نزاهة في العالم.
نحن اليوم أمام مجتمع يعاني من مشكلات إبرزها تراجع في المعايير السلوكية السوية وفي تفاقم حالة ازدواج الشخصية والروح الانتهازية وروح الكراهية والحقد والرغبة في الانتقام ورفض الآخر والتطرف الدينيي والمذهبي لدى المسلمين بشكل عام إزاء أتباع الديانات الأخرى أو في ما بين اتباع المذاهب الإسلامية ذاتها, يضاف إلى ذلك واقع وجود ردة فكرية وسياسية يمينية ورجعية متراكمة ومتحكمة في سلوكية أغلب الحكام وفي نسبة عالية من الناس بشكل عام في العراق.
إن الإنسان العراقي بشكل عام يعاني من حالة نفسية معقدة جداً بفعل معاناته الطويلة, فهو يعيش القلق والخشية من يومه ومن المستقبل على نفسه وعلى عائلته, وتراجعت لديه الثقة بالإنسان الآخر والصراحة والشفافية وقول الحق. وانتشرت في صفوفه حالات الضغينة والقسوة والرفض, ولكن في الوقت نفسه حالات الخنوع والذل والقبول بـ"المقسوم!", حالة رفض القانون والخضوع التام للحاكم. في المجتمع العراقي نواجه اليوم موقفاً أكثر قسوة وتزمتاً في مناهضة حقوق المرأة ودورها الطبيعي في مختلف جوانب ومستويات الحياة. فالعنف متفاقم ضدها, وممارسة غسل العار يتخذ أبعاداً وأساليب جديدة تستسيغها حياة الريف والمجتمع العشائري ويقبل بها الحكام لأنها تعبر عن دواخلهم وتتجلى في صدور قرارات عفو خاصة عن مجرمين مارسوا القتل لما يسمى بغسل العار أو إستعادة الشرف المفقود! إن رؤية ثاقبة لما يجري في العراق سيجد المتتبع أمامه لوحة لمجتمع عراقي يعاني من علل وأمراض نفسية وعصبية وبانوراما متناقضة ومعقدة إلى أبعد الحدود لوحة ذات ألوان شاحبة مرضية.
العوامل الداخلية والإقليمية والدولية في فترة حكم الطاغية صدام حسين وفي الوقت الحاضر جعلت من العراق الراهن دولة ضعيفة جداً تتقاذفها الأهواء والمصالح الإقليمية والدولية! والحالة الراهنة في العراق سوف لن تتغير بسرعة وسهولة, إذ أن ميزان القوى يميل بقوة لصالح القوى الحاكمة وخاصة قوى الإسلام السياسية, سواء أكانت شيعية أم سنية, إذ أنها استطاعت أن تنقل صراعها الطائفي إلى بنات وأبناء المجتمع على أوسع نطاق ممكن, وهو ما يتجلى في نتائج الانتخابات في العام 2005 وفي العام 2010. وبالتالي فمن غير المتوقع أن يتحقق تغيير كبير في ميزان القوى خلال الدورتين الانتخابيتين القادمتين على أقل تقدير, ولكن من الممكن تقليص تأثير هذه القوى على المجتمع مع تراجع جدي لثقة الناس بها وبمصداقيتها من جهة, والنضال المتنامي لتحقيق جملة من مطالب الفئات الاجتماعية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والصحية والبيئية والخدمية الأخرى من جهة أخرى, وتنامي دور المثقفين والقوى الديمقراطية واليسارية في الكشف عن مكامن الضعف في النظام السياسي القائم, رغم التقييد والمحاربة التي يتعرض لها الثقفون ومنظمات المجتمع المدني الديمقراطية, كما حصل أخيراً لاتحاد الأدباء والكتاب في العراق, من جهة ثالثة, وعبر تصعيد وتطوير نضالات الفئات الاجتماعية المختلفة وفق أهدافها الحيوية الملموسة من جهة رابعة. ولكن هذه العملية ليست ذات طبيعية ميكانيكية, بل تستوتجب خروج القوى الديمقراطية واليسارية من العزلة التي فُرضت عليها لأسباب موضوعية وذاتية وقيادة العمل السياسي المعارض لسياسات الحكومة العراقية الجديدة وطرح البديل الواقعي والموضوعي لبرنامج الحكومة من أجل تعبئة الناس حول برنامجها الديمقراطي وحولها. إن من الأهمية بمكان أن تنتقل القوى الديمقراطية واليسارية من حالة الدفاع إلى حالة المعارضة الجريئة والطموحة والعقلانية والسلمية, إلى معارضة مسؤولة تدرك مهماتها وواجباتها ومصالح المجتمع الذي تتبنى قضاياه. ومن أجل تحقيق ذلك لا بد من الإجابة عن الأسئلة التالية: كيف يمكن للقوى الديمقراطية واليسارية العراقية المشاركة الفعالة والمسؤولة في دفع العراق على طريق الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان, على طريق بناء الدولة الاتحادية الديمقراطية المستقلة والمستقبل الأكثر إشراقاً للمجتمع العراقي ولقواه المنتجة, على طريق الخلاص من الحكم الطائفي والمحاصصة الطائفية؟ ليست الإجابة عن هذه الأسئلة مسألة سهلة, وهي في كل الأحوال إجابات اجتهادية وشخصية ناشئة عن قناعاتي الشخصية وتجربتي الذاتية وتقديري لأوضاع العراق الملموسة في الوقت الحاضر واتجاه تطور الأحداث في العراق والمنطقة. لهذا سألخص رؤيتي في النقاط التالية التي طرحتها في لقاء العراقيات والعراقيين في سدني الذي دعا إليه منتدى الجامعيين العراقي/الاسترالي:                 
1 . إجراء مداولات مكثفة مع كافة المجاميع والشخصيات التي تطرح موضوع الحياة المدنية والديمقراطية والحريات العامة في الحياة السياسية العراقية من أجل إنضاج موقف مشترك صوب إستراتيجة العمل المشترك للعقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
2 . وضع مسودة أولية لمشروع وطني ديمقراطي للعشرية القادمة (2011-2020) بالتعاون مع القوى والأحزاب والمجموعات والشخصيات الداعية إلى بناء المجتمع المدني الديمقراطي الاتحادي العلماني في العراق.
3 . نشر المشروع المقترح في وسائل الإعلام المتاحة من أجل مناقشته من قبل الفئات الاجتماعية والقوى السياسية العراقية لضمان تحسينه وتطويره وتعبئة مؤيدين له في المجتمع.
4 . عقد مؤتمر موسع لكل القوى الديمقراطية التي ستشارك في المداولات وتلك التي تريد الالتحاق بالأحزاب والمجموعات والشخصيات الديمقراطية من أجل إقرار المشروع الوطني الديمقراطي وتعديله إن استوجب الأمر وجعله الوثيقة المشتركة للقوى الديمقراطية واليسارية في العراق.
5 . تأكيد مبدأ أو شعار أساسي في العمل السياسي في المرحلة الراهنة ولفترة طويلة حقاً ولكل القوى السياسية الديمقراطية واليسارية العراقية دون استثناء: "قووا تنظيم الحركة الوطنية الديمقراطية, تتقوى أحزابكم ويزداد تأثيركم وتتعزز علاقاتكم بالجماهير الشعبية الواسعة", إنها الصيغة الوحيدة للخروج من العزلة والهامشية الراهنة التي تعاني منها القوى الديمقراطية واليسارية في العراق.
6 . انتخاب هيئة قيادية للتجمع الجبهوي الديمقراطي لقيادة العمل المشترك ويمكن أن ينتخب رئيس دوري لها لتعزيز الثقة والمسؤولية المشتركة وروح المبادرة والديمقراطية في العلاقة بين القوى المشتركة.
7 . تأمين لجان متعددة تعمل على أساس المهنية كالطلبة والشباب والنساء والنقابات والفلاحين والأسواق والرياضة والفنون .. الخ على مستويين, المستوى المهني على صعيد لعراق وعلى مستوى المحافظات من أجل تعزيز الاحتكاك بتلك الأوساط والتفاعل معها والتعرف المباشر على مشكلاتها وحاجاتها وتحويلها إلى مطالب للنضال من أجلها في صفوف تلك الفئات والتجمعات.
8 . تعزيز الصلة بالأوساط الشعبية من كافة قيادات وقواعد الأحزاب بهدف الاقتراب منها وفهم أوضاعها وتعزيز الروابط الإنسانية بها, إذ أن العزلة الراهنة تؤذي كل القوى الديمقراطية واليسارية لصالح القوى غير الديمقراطية في الحكم.
9 . عدم المشاركة بالسلطة في المرحلة الراهنة من أجل توجيه الجهود لصالح العمل السياسي المعارض بهدف توجيه النقد الإيجابي البناء وبلورة السلبيات في العمل الحكوميوبنامجها بصورة فعالة ومحركة للمجتمع وتعبئة السكان صوب أهدافها ومصالحها. 
10 . ممارسة جميع اساليب النضال الديمقراطية السلمية لصالح الدفاع عن مصالح الناس والكشف عن النواقص والأخطاء والفساد والظلم أو مصادرة الحريات العامة والتجاوز الفظ الجاري على حقوق الإنسان والضغط المتواصل على الرئاسة ومجلس النواب والحكومة للاستجابة لمطالب الناس والتي ستسهم في تعزيز العلاقة مع فئات المجتمع من خلال النجاح بتحقيق مطالبها.
11 . تنشيط الإعلام الديمقراطي المشترك في محاولة لتأسيس قناة فضائية تتوجه للداخل والخارج, إضافة إلى تأسيس إذاعة وصحيفة نشطة في ما تنشره من معلومات حيوية وحديثة, وكذلك إصدار الكراسات الفكرية والسياسية وفي مختلف المجالات الضرورية.
12 . إن أهم ما في العمل السياسي والإعلامي هو وضع سياسة بديلة لسياسة الحكومة في المجالات السياسية, ومنها الأمنية, والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية شريطة أن تكون واقعية وموضوعية وليس أن "تذرع بالجنة", أو المثل الشعبي المعروف "الهور مرگ والزور خواشيگ". والمسألة الأساسية في المجال الاقتصادي تتبلور في وضع إستراتيجية للتنمية الاقتصادية والبشرية والتصنيع وتحديث الزراعة وعقلنة وتنظيم التجارة ووضعها في خدمة التنمية وتحسين الخدمات ومكافحة البطالة والفقر في المجتمع ووضع نظام ضمان اجتماعي وصحي وسياسة مالية ونقدية ومصرفية متقدمة, والدعوة إلى تطوير جميع القطاعات الاقتنصادية وخاصة القطاع العام والخاص والمختلط والتعاوني والأجنبي, وكذلك إيلاء أكبر الاهتمام للقطاع النفطي مع تأكيد ضرورة وأهمية تغيير بنية الاقتصاد العراقي المتخلفة والمكشوفة على الخارج لصالح بناء اقتصاد وطني ديناميكي ينمي الوحدة العضوية النشطة في بنيته الداخلية.
13 . ولا بد للقوى الديمقراطية أن تعي بأن عمليتين مهمتين يفترض أن تسيرا جنباً إلى جنب, وهما:
أ‌.   التصنيع وتحديث الزراعة وتطوير العلوم والتكنولوجيا وتطويع التقنيات بما يتناغم مع واقع وإمكانيات وحاجات البلاد.
ب‌.   تحرير عقل الإنسان من تأثير المؤسسة الدينة والغيبيات, وجعله عقلاً علمياً فاعلاً ومبادراً ومنتجاً.
إذ كلاهما يلعب دوره المباشر في تأمين نشوء أرضية واقعية وموضوعية للمجتمع المدني الديمقراطي وللدولة الاتحادية المستقلة عن الدين. وبدون ذلك يصعب تصور وجود إمكانية لحقيق التقدم والتطور في البلاد.
14 . الأهمية البالغة لخوض صراع فكري هادف ومدروس ضد الأفكار البالية والرجعية والخرافات والأساطير المعرقلة لتطور المجتمع وتقدمه ومن أجل التنوير الاجتماعي والديني ولصالح ان يكون شعار العراق الدائم واثابت هو "الدين لله والوطن للجميع".
15 . تطوير موقف واضح من المؤسسات الدستورية كمجلس الوزراء ومجلس النواب والقضاء ... الخ, وطرح مشروع لتعديل الدستور العراقي في أهم جوانبه التي تستوجب التعديل وإزالة النواقص والسلبيات التي يعاني منها الآن والتي برزت في الواقع العملي خلال فترة السنوات الخمس المنصرمة, إضافة غلى تطوير الرقابة والمتابعة الشعبية لدور معمل هذه المؤسسات الدستورية.
16 . طرح مشروع واضح وهادف يلخص سبل مكافحة الفساد المالي والإداري ومكافحة الطائفية السياسية وضد معاداة أتباع الأديان الأخرى أو الصراعات المذهبية في العراق, وتكريس مبدأ الاعتراف المتبادل بالآخر.
17 . كما لا بد من تضمين برنامج النضال الوطني قسماً خاصاً بدور ومهمات الجالية العراقية في الشتات العراقي بشكل عام والقوى الديمقراطية واليسارية بشكل خاص في المشاركة في حل المعضلات التي تواجه العراق من جهة, وتبني قضاياهم الملموسة والدفاع عنها من جهة أخرى, وتأمين دورها الملموس في تطوير الإعلام ودعم جهود الإعلام الداخلي.
18 . ولا شك في أن العراق بحاجة ماسة إلى علاقات سياسية واقتصادية وحسن جوار واحترام ومنفعة متبادلتين مع كل دول المنطقة وبعيداً عن التدخل في شؤونها أو السماح لها بالتدخل في الشأن العراقي. وهي عملية ليست سهلة في الظرف الراهن حيث تتحكم الكثير من دول المنطقة والعالم (وخاصة أدوار كل من إيران والسعودية والولايات المتحدة الأمريكية) في الشأن العراقي وتفرض إرادتها عبر قوى داخلية على مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
 هذه, كما أرى, هي بعض جوانب ما يفترض أن تعمل من أجله القوى الديمقراطية واليسارية في العراق خلال العقد القادم, وهي مهمات كبيرة لا يمكن أن ينهض بها حزب واحد أو كتلة واحدة, بل يفترض أن تساهم بها كل القوى الديمقراطية واليسارية من مختلف القوميات العراقية ودون تفريط ولو بإنسان واحد, وأتمنى أن نعي جميعاً ذلك ونسعى إلى معالجته لصالح الوحدة الوطنية والجبهة الديمقراطية الضرورية ولصالح تغيير الأوضاع نحو تأكيد مفهوم المواطنة العراقية الحرة والمتساوية وممارسة مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان, والمرأة بشكل خاص, وحقوق القوميات وحقوق أتباع الأديان والمذاهب الدينية والأحزاب السياسية الوطنية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسلام في العراق.
شكراً لحسن انبتاهكم وشكراً لمنظمي اللقاء والحضور الكريم.
ألقيت هذه الأفكار بتاريخ 5/12/2010 في مدينة ميلورن/أستراليا. كاظم حبيب



422
المنبر الحر / العراق .... إلى أين؟
« في: 12:05 22/11/2010  »
كاظم حبيب


العراق .... إلى أين؟

الأخوات والأخوة الكرام
أبتداءً أود أن أقدم شكري الجزيل إلى الأخوات والأخوة في منتدى الجامعيين العراقي الأسترالي في سدني على الحفاوة الأخوية والدعوة الكريمة لتقديم بعض الأفكار حول واقع العراق في المرحلة الراهنة والحوار مع أعضاء المنتدى وضيوفه الكرام حول أتجاهات وآفاق التطور في العراق وتحت عنوان "العراق إلى أين؟". شكري الجزيل يتوجه أيضاً إلى الأخ الفاضل والأكاديمي المميز الأستاذ الدكتور أحمد الربيعي رئيس المنتدى وإلى اللجنة الإدارية على الكلمات الطيبة التي قيلت بحقي والتهيئة الطيبة لهذا اللقاء الفكري والسياسي. وشكري الجزيل يتوجه إلى الأخ الإعلامي الأستاذ علاء مهدي مقدم الندوة والسيدة الفاضلة الأستاذة سحر كاشف الغطاء عضوة المنتدى وعريفة اللقاء. أحيي بحرارة السيدات والسادة الحضور متمنياً لنا جميعاً حواراً ممتعاً ومفيداً. 
اسمحوا لي أيضاً أن اتقدم بأحر التعازي والمواساة لعائلات شهداء العراق في الكارثة الأخيرة التي تسبب بها الإرهابيون الأوباش والتي وقعت في كنيسة سيدة النجاد ببغداد وبقية الشهداء من أتباع الديانات والمذاهب الدينية من المسيحيين والصابئة المندائيين والأيزيديين وكذلك المسلمين من الشيعة والسنة ومن العلماء والصحفيين والمثقفين وغيرهم من بنات وأبناء العراق, كما أدين بشدة كل الجرائم التي ترتكب في العراق بهدف تهجير المسيحيين وإخلاء العراق من هذا الطيف الرائع من مواطنانت ومواطني العراق الحبيب. وإذ ننحني إجلالاً واحتراماً لكل الشهداء ونتمنى لعائلات الشهداء الأبرار الصبر والسلوان وللشهداء الذكر الطيب والشفاء للمصابين بجروح, نؤكد من جديد بأنها مسؤولية الحكومة العراقية توفير الحماية للمواطنات والمواطنين وضمان حياتهم التي هي أغلى ما يمتلكه العراق.
واسمحوا لي أخيراً أن اتوجه بالتهاني الحارة لمسلمات ومسلمي العراق والعالم من غير ا\لإرهابيين والطائفيين السياسيين بأحر التهاني بمناسبة حلول عيد الأضحى متمنياً لهم الصحة والسلامة والتفاهم والعيش بسلام مع أتباع الديانات الأخرى في كل مكان.
العراق ... إلى أين؟ سؤال يحيرنا جميعاً, إذ يسعى كل منا للإجابة التقريبية عنه. ولكن هناك الكثير من الصعوبات التي تعترض طريق التحليل العلمي العميق والمدقق لهذا السؤال بسبب اختلاط الأوراق وتشابك العوامل والمؤثرات الداخلية والخارجية. وكما أرى فإن صعوبة التحليل تكمن في واقع اللوحة السياسية المعقدة والمركبة والمختلة بسبب الاختلال الحاصل في توازن القوى السياسية والاجتماعية في العراق منذ عقود, واستمراره باختلال من نوع آخر في ميزان القوى الفكرية والسياسية والاجتماعية. فتعقيدات الوضع السياسي الداخلي مرتبطة عضوياً بالصراعات الدائرة على صعيد المنطقة والعالم. فميزان القوى في منطقة الشرق الأوسط يشير إلى اختلال لصالح القوى اليمينية والدول المتطرفة من جهة, وعجز شعوب المنطقة والمجتمع الدولي عن تغييره لصالح الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتقدم الاجتماعي من جهة ثانية. 
فالكثير من العوامل والمؤثرات الداخلية تلعب دورها المباشر وغير المباشر على القوى السياسية في العراق وعلى سياساتها ومواقفها وإجراءاتها, منها على سبيل المثال لا الحصر نشير إلى ما يلي:
1 . التاريخ والتراث المعقد للعلاقات السياسية في ما بين القوى السياسية العراقية.
2 . العلاقات المعقدة منذ تأسيس الدولة العراقية بين الحكومات العراقية المتعاقبة والقوى الكردية والتي لا تزال قائمة بصيغ مختلفة.
3 . التركة الثقيلة للنظام العراقي المقبور في العلاقات في ما بين القوى المذهبية وقواها السياسية.
4. كما إن الصراع المذهبي الجاري بين الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية والسنية لم يقتصر عليها بل انتقل إلى المجتمع ولم يتجل في صراع المليشيات الطائفية المسلحة الواسعة الانتشار فحسب, بل وفي التصويت الانتخابي للقوائم الإسلامية السياسية الطائفية أساساً.
5 . الدور الأمريكى في سعيه الواضح للحفاظ على الاختلال في توازن القوى السياسية لصالح القوى السياسية الطائفية في العراق.
6 . ضعف شديد ومتراكم للقوى الديمقراطية واليسارية نتيجة عوامل موضوعية  وأخرى ذاتية متفاعلة ومؤثرة بقوة.
7 . كما أن الفساد المالي والإداري السائدين في العراق لم يعودا منذ سنوات ظواهر منفردة بل أصبح ومنذ سنوات نظاماً قائماً بذاته يعمل في مؤسسات الدولة والمجتمع وبالتعاون مع الخارج.
8. استمرار وجود العوامل المنتجة للإرهاب في المجتمع وقدرة القوى الإرهابية الخارجية والمحلية في الحصول على قوى تشاركها استخدام العنف ضد الدولة والمجتمع, وبشكل خاص عدم حل المشكلات السياسية القائمة واستمرار المناخ الطائفي في التعامل اليومي وعلى المستوى الرسمي والفقر والبطالة الواسعتين والفساد المنظم في المجتمع والإحساس بالغبن لدى فئات كثيرة.
9 . ولا بد لي من الإشارة إلى أن هناك تغييراً كبيراً في البنية الطبقية للمجتمع, إذ لم تعد كما كانت عليه منذ نصف قرن أو حتى ربع قرن والتي ارتبطت بالحروب وسياسات النظام الصدامي والحصار والخراب الاقتصادي الواسع وتعطل عمليات التنمية والتصنيع... الخ. (تقلص حجم الطبقة العاملة والفلاحين لصالح نمو كبير في فئات أشباه البروليتاريا والبرجوازية الصغيرة المدينية .., عودة كبار الملاكين وشيوخ العشائر, ضعف البرجوازية الوطنية الصناعية, هجرة ةاسعة للمثقفات والمثقفين...   
10 . إن مجمل الوضع في العراق خلق ومنذ فترة غير قصيرة ردة فكرية واجتماعية وسياسية في المجتمع, تراجعاً حقيقياً وغياباً فعلياً للتنوير الديني والاجتماعي.
أمام هذه اللوحة الداخلية المعقدة نشير أيضاً إلى دور المنطقة في تشديد المشكلات الداخلية وإعادة إنتاجها بصور مختلفة.
نحن أمام صراعات إقليمية محتدمة منها:
- الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي الذي لم يجد له حلاً حتى الآن, وتراجع نسبي في الصراع العربي-الإسرائيلي.
- احتدام الصراع الإيراني – الإسرائيلي بسبب محاولة إيران إنتاج السلاح وتأييدها لتنظيم حماس وحزب الله.
- الصراع الأمريكي الإيراني المتداخل مع الصراعين الأول والثاني.
- الصراع الإيراني – الإسعودي والإيراني – العربي عموماً, وهما صراعان متفاقمان بسبب دور إيران في المنطقة وأهدافها المعلنة وغير المعلنة.
- الصراع السوري – العراقي على السلطة وبخلفية متناقضة إيرانية من جهة عربية, وعربية من جهة أخرى.
- الصراعات الدولية على المنطقة وخاصة روسيا والصين من جهة, والولايات المتحدة من جهة أخرى.  والصرع الأمريكي – الأوروبي والياباني على النفط والتوظيفات والأسواق. وتؤكد الأزمة الدولية الراهنة حقيقة اختدام هذه الصراعات, ولكنها تبقى تحت السيطرة والمعالجة السلمية لها.
إن الصراعات الإقليمية والدولية تعقد الصراعات الداخلية وتشدد من خناق القوى السياسية العراقية في علاقاتها اليومية السياسية والاجتماعية. وتتجلى في الواقع الذي يعيشه العراق منذ سقوط النظام العراقي البعثي الصدامي.
لقد عطلت تلك الصراعات تشكيل الحكومة العراقية ثمانية شهور, استفاد منها الأرهابيون لقتل المزيد, وهي لم تنته بعد رغم الانتهاء من الاتفاق على الرئاسات الثلاث. لقد كانت عملية قيصرية مرهقة جداً والوليد هزيلاً وقابلاً للموت في كل لحظة. إذ أن تحقيق المساومة بالتوافق على الرئاسات الثلاث واحتمال تشكيل الحكومة برئاسة المالكي سوف لن يعالج المشكلات القائمة بل سيتواصل وجودها وستتجلى في توزيع الوزارات أولاً, ولكن أساساً في عمل الحكومة خلال السنوات الثلاث المتبقية من الدورة النيابية الحالية ومن المشكلات المعقدة التي تواجهها. لقد شاركت قوى سياسية غي الحكم وأيدي مليشياتها المسلحة ملطخة بدم الشعب العراقي. وهي لا تزال لم تتخل عن سلاحها, بل يمكن ان ترفعه في كل لحظة. 
ما هي المشكلات التي تواجه العراق حالياً؟ تواجه العراق بالتحديد مشكلات كثيرة جداً نشير إلى أبرزها فيما يلي:
1 . المشكلات الاقتصادية وخاصة واقع البنية التحتية والنقص الشديد في الخدمات, وخاصة الكهرباء والماء والنقل, ثم البطالة المكشوفة أكثر من (30%) من القوى القادرة على العمل, والبطالة المقنعة والفقر, إذ أن أكلر من (30%) من السكان تحت خط الفقر الدولي للدول النامية) و (30%) فوق خط الفقر بقليل,  وإغراق البلاد بالسلع المستوردة بدلاً من البدء بالتصنيع وتحديث الزراعة ومساندة الصناعات الصغيرة والمتوسطة القائمة.
2 . مشكلات عقود النفط والغاز التي عقدت من جانب حكومتي بغداد وأربيل وسبل التعامل معها في ضوء الدستور العراقي ومصالح العراق النفطية والاقتصادية بشكل عام.
3 .المشكلات الاجتماعية التي تنعكس في أوضاع الناس الحياتية والنفسية والبيئية وفي حالة الفساد وتردي السلوكية المستقيمة والترمل وتشرد الأطفال.
4 . المشكلات السياسية التي تتجلى في القضايا القومية والمذهبية والدينية والعلاقات مع دول الجوار.
5 . الإرهاب المتواصل في العراق ووجود حواضن قديمة وجديدة له بسبب الوضع السياسي.
6 . الوضع البيئي المتدهور.
7 . مشكلات تعديل الدستور وإصدار القوانين وحل المعضلات, ومنها قانون الأحزاب السياسية ومشكلة كركوك أو ما يطلق عليه بالمناطق المتنازع عليها. 
لا يمكن لهذه الحكومة, كما أرى, أن تعالج هذه المشكلات القائمة لصالح المجتمع, لأن بذرة الصراع والنزاع قائمة فيها وناخرة في بنيتها بسبب طائفية تشكيلها الذي يتحكم به ميزان القوى الراهن. وسيستمر سنوات أخرى دون تقدم ملموس على طريق الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام والعدالة الاجتماعية ورفض الطائفية السياسية.
نحن أمام وضع معقد... فما العمل؟
سوف لن تتمكن القوى الديمقراطية واليسارية العراقية من إجراء تغيير في ميزان القوى خلال العقد القادم (2011-2020), بل سيأخذ وقتاً أطول بكثير ممت نظن ما لم تغير القوى الديمقراطية واليسارية الكثير من سياساتها وأساليب وأدوات عملها وخطابها السياسي وعلاقاتها بالقوى الأخرى وبالمجتمع, وكذلك في بنيتها الداخلية. إذ أن عليها وضع استراتيجة طويلة الأمد ورؤية واضحة لما تريد, وأن تسعى إلى تحقيق تجمع كبير خارج السلطة وفي المعارضة لتلعب دورها في تعبئة الناس لصالح تغيير ميزان القوى وتحقيق مصالح الناس. رؤيتي وأفكاري الأساسية التي أقدمها هنا للمناقثشة تتجه صوب المسائل التالية:     
1 . إجراء مداولات مكثفة مع كافة المجاميع والشخصيات التي تطرح موضوع الحياة المدنية والديمقراطية في الحياة السياسية العراقية من أجل إنضاج موقف مشترك صوب إستراتيجة العمل المشترك للعقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
2 . وضع مسودة أولية لمشروع وطني ديمقراطي للعشرية القادمة (2011-2020) بالتعاون مع القوى والأحزاب والمجموعات والشخصيات الداعية إلى بناء المجتمع المدني الديمقراطي العلماني في العراق.
3 . نشر المشروع المقترح في وسائل الإعلام المتاحة من أجل مناقشته من قبل الفئات الاجتماعية والقوى السياسية العراقية لضمان تحسينه وتطويره وتعبئة مؤيدين له في المجتمع.
4 . عقد مؤتمر موسع لكل القوى التي شاركت في المداولات وتلك التي تريد الالتحاق بالأحزاب والمجموعات والشخصيات الديمقراطية من أجل إقرار المشروع الوطني الديمقراطي وتعديله إن استوجب الأمر وجعله الوثيقة المشتركة للقوى الديمقراطية واليسارية في العراق.
5 . تأكيد مبدأ أو شعار أساسي في العمل السياسي في المرحلة الراهنة ولفترة طويلة حقاً ولكل القوى السياسية الديمقراطية واليسارية العراقية دون استثناء: "قووا تنظيم الحركة الوطنية الديمقراطية, تتقوى أحزابكم ويزداد تأثيركم وتتعزز علاقاتكم بالجماهير الشعبية الواسعة", إنها الصيغة الوحيدة للخروج من العزلة والهامشية الراهنة التي تعاني منها القوى الديمقراطية واليسارية في العراق.
6 . انتخاب هيئة قيادية للتجمع الجبهوي الديمقراطي لقيادة العمل المشترك ويمكن أن ينتخب رئيس دوري لها لتعزيز المسؤولية المشتركة وروح المبادرة والديمقراطية في العلاقة بين القوى المشتركة.
7 . تأمين لجان متعددة تعمل على اساس المهنية كالطلبة والشباب والنساء والنقابات والفلاحين والأسواق والرياضة والفنون على مستويين, المستوى المهني على صعيد لعراق وعلى مستوى المحافظات من أجل تعزيز الاحتكاك بتلك الأوساط والتفاعل معها والتعرف المباشر على مشكلاتها وحاجاتها وتحويلها إلى مطالب للنضال من أجلها في صفوف تلك الفئات والتجمعات.
8 . تعزيز الصلة بالأوساط الشعبية من كافة قيادات وقواعد الأحزاب بهدف الاقتراب منها وفهم أوضاعها وتعزيز الروابط الإنسانية بها, إذ أن العزلة الراهنة تؤذي كل القوى الديمقراطية واليسارية لصالح القوى الحاكمة.
9 . عدم المشاركة بالسلطة في الفترة الراهنة من أجل توجيه الجهود لصالح العمل السياسي المعارض بهدف توجيه النقد الإيجابي البناء وبلورة السلبيات في العمل الحكومي بصورة فعالة ومحركة للمجتمع وتعبئة السكان صوب أهدافها ومصالحها. 
10 . ممارسة جميع اساليب النضال الديمقراطية السلمية لصالح الدفاع عن مصالح الناس والكشف عن النواقص والأخطاء والفساد والظلم أو مصادرة حقوق الإنسان والضغط المتواصل على الرئاسة ومجلس النواب والحكومة للاستجابة لمطالب الناس والتي ستسهم في تعزيز العلاقة مع فئات المجتمع الناس من خلال النجاح بتحقيق مطالبها.
11 . تنشيط الإعلام الديمقراطي المشترك في محاولة لتأسيس قناة فضائية تتوجه للداخل والخارج, إضافة إلى تأسيس إذاعة وصحيفة نشطة في ما تنشره من معلومات حيوية وحديثة, وكذلك إصدار الكراسات الفكرية والسياسية وفي مختلف المجالات الضرورية.
12 . إن أهم ما في العمل السياسي والإعلامي هو وضع سياسة بديلة لسياسة الحكومة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية شريطة أن تكون واقعية وموضوعية وليس أن "تذرع بالجنة", كما يقول المثل الشعبي العراقي. وأبرز المسائل في المجال الاقتصادي وضع إستراتيجية للتنمية الاقتصادية والبشرية والتصنيع وتحديث الزراعة وعقلنة التجارة وتحسين الخدمات ومكافحة البطالة والفقر في المجتمع ووضع نظام ضمان اجتماعي وصحي وسياسة مالية ونقدية ومصرفية متقدمة, والدعوة إلى تطوير جميع القطاعات الاقتنصادية وخاصة القطاع العام والخاص والمختلط والتعاوني والأجنبي, وكذلك إيلاء أكبر الاهتمام للقطاع النفطي ولكن شريطة تغيير بنية الاقتصاد العراقي المتخلفة والمكشوفة على الخارج لصالح بناء اقتصاد وطني ديناميكي ينمي الوحدة العضوية النشطة في بنيته الداخلية.
13 . ولا بد للقوى الديمقراطية أن تعي بأن عمليتين مهمتين فترض أن تسيرا جنباً إلى جنب, وهما:
أ‌.   التصنيع وتحديث الزراعة وتطور العلو والتكنولوجيا,
ب‌.   وتحرير عقل الإنسان من تأثير المؤسسة الدينة والغيبيات,
إذ كلاهما يلعب دوره المباشر في تأمين نشوء أرضية واقعية وموضوعية للمجتمع المدني الديمقراطي وللدولة المستقلة عن الدين. وبدون ذلك يصعب تصور وجود إمكانية لحقيق التقدم والتطور في البلاد.
14 . الأهمية البالغة لخوض صراع فكري هادف ومدروس ضد الأفكار البالية والرجعية والخرافات والأساطير المعرقلة لتطور المجتمع وتقدمه ومن أجل التنوير الاجتماعي والديني ولصالح ان يكون "الدين لله والوطن للجميع".
15 . تطوير موقف واضح من المؤسسات الدستورية كمجلس الوزراء ومجلس النواب والقضاء ... الخ, وطرح مشروع لتعديل الدستور العراقي في أهم جوانبه التي تستوجب التعديل وإزالة النواقص والسلبيات التي يعاني منها الآن والتي برزت في الواقع العملي خلال فترة السنوات الخمس المنصرمة.
16 . طرح مشروع واضح وهادف إلى مكافحة الفساد المالي والإداري ومكافحة الطائفية السياسية وضد معاداة أتباع الأديان الأخرى أو الصراعات المذهبية في العراق.
17 . كما لا بد من تضمين برنامج النضال الوطني قسماً خاصاً بدور ومهمات الجالية العراقية في الشتات العراقي بشكل عام والقوى الديمقراطية واليسارية بشكل خاص في المشاركة في حل المعضلات التي تواجه العراق من جهة, وتبني قضاياهم الملموسة والدفاع عنها من جهة أخرى,
18 . ولا شك أن العراق بحاجة ماسة إلى علاقات سياسية واقتصادية وحسن جوار واحترام ومنفعة متبادلتين مع كل دول المنطقة وبعيداً عن التدخل في شؤونها أو السماح لها بالتدخل في الشأن العراقي. وهي عملية ليست سهلة في الظرف الراهن حيث تتحكم الكثير من دول المنطقة والعالم (وخاصة أدوار كل من إيران والسعودية والولايات المتحدة الأمريكية) في الشأن العراقي وتفرق إرادتها عبر قوى داخلية على مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
 هذه هي بعض جوانب ما يفترض أن تعمل من أجله القوى الديمقراطية واليسارية في العراق خلال العقد القادم, وهي مهمات كبيرة لا يمكن أن ينهض بها حزب واحد أو كتلة واحدة, بل يفترض أن تساهم بها كل القوى الديمقراطية واليسارية من مختلف القوميات العراقية وأتمنى أن نعي جميعاً ذلك ونسعى إلى معالجته لصالح الوحدة الوطنية والجبهة الديمقراطية الضرورية ولصالح تغيير الأوضاع نحو تأكيد مفهوم المواطنة العراقية الحرة والمتساوية وممارسة مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات وحقوق أتباع الأديان والمذاهب الدينية والأحزاب السياسية الوطنية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسلام في العراق.
سدني/أستراليا في 21/11/2010                     كاظم حبيب


423
كاظم حبيب
مقتل شاب عراقي في لأيبزك/ألمانيأ: هل هو أول الثمار المرة لنهج ساراتسين المعادي للعرب والمسلمين؟

حين اصدر الدكتور تيلو سارتسين كتابه الموسوم "ألمانيا تقضي على نفسها" وقام بحملة صحفية وندوات تلفزيونية كثيرة ومتلاحقة في كل من ألمانيا والنمسا وسويسرا, توقعت بأن هذه الحملة الفكرية والسياسية المعادية للعرب والترك والمسلمين عموماً ستكون لها عواقب سيئة على الأجانب في المانيا وأوروبا, وأن القوى اليمينية المتطرفة والنازية الجديدة ستصعد من حملاتها ضد الأجانب بهدف بث الرعب في صفوفه ودفعهم إلى مغادرة ألمانيا, إضافة إلى تسميم الجو الطبيعي الذي كان يسود العلاقة بين الألمان والأجانب خلال السنوات الخمس المنصرمة.
وقد دفعت حملة ساراتسين الفكرية والسياسية إلى بروز تيار واضح وواسع في المانيا مناهض للعرب والترك والمسلمين بشكل عام تجلى في اللقاءات الصحفية في الشوارع أو في الندوات التي حضرها ساراتسن أو في التلفزة, رغم وجود تيار حكومي وحزبي مناهض لتصريحات ساراتسين.
وأول الثمار المرة والمحرمة الناجمة عن حملة ساراتسين حصلت يوم الأربعاء المصادف 27/10/2010 حين عمد شابان ألمانيان من المجموعات النازية الجديدة باغتيال شاب عراقي من مواليد بغداد يدعى "كمال مجدى قلادة" يبلغ من العمر 19 عاماً, بعد أن قاما بقذفه بالغاز فى وجهه ثم طعنوه 9 طعنات فى بطنه نقل على إثرها إلى المستشفى ثم توفى فى الثانية والنصف عصر نفس اليوم, وفق ما جاء في بيان المدعي العام الألماني في تصريحه لموقع صحيفة "LVZ" الألمانية. 
ألقت الشرطة الألمانية القبض على الشابين المتهمين بقتله وهما الآن رهن الاعتقال والتحقيق, إذ وجهت لهما تهمة القتل. وفي الوقت الذي اشارت الشرطة إلى أن الحادث فردي ولا علاقة به بالعداء للأجانب, أشار السيد المصري المقيم في لايبزك فهيم عيسى إلى أن "المتهم الأول يدعى "دانيال" ويبلغ من العمر 32 عاماً، وكان يرتدى الملابس النازية، والثانى يدعى "توماس" ويبلغ من العمر 28 عاماً وكان يرتدى ملابس كتب عليها "أنتقم من كل أعداء النازية"، وهما من المسجلين وخرجا من السجن حديثاً.."
إننا في الوقت الذي نعزي عائلة وأصدقاء القتيل, نطالب كل القوى الديمقراطية في المانيا والحكومة الألمانية إلى التصدي لكل القوى التي تسعى للاستفادة من الأجواء السلبية التي نشأت بفعل كتاب وتصريحات ساراتسين لشن حملة بث الرعب في صفوف الأجانب من عرب وترك ومسلمين لمغادرة ألمانيا, في وقت يتحدث المسؤولون الألمان عن حق بأهمية مجيء المزيد من الشباب الأجانب إلى ألمانيا للاستفادة منهم في حقول المعرفة والعمل والإنتاج. وإذ يأمل الإنسان أن يبقى الحادث فردياً سنبقى ننتظر نتائج التحقيق بشان هذا الحادث المؤسف والحزين لشاب عراقي لم يبلغ العشرين من عمره.
29/10/2010                     كاظم حبيب





424
د. كاظم حبيب

نداء عاجل وملح إلى جميع منظمات المجتمع المدني في العراق
====================================

منذ تأسيس الدولة العراقية الملكية في العام 1921 وإلى يومنا هذا مارست كل النظم السياسية العراقية دون استثناء ولا تزال تمارس مختلف أساليب الاعتقال الكيفي والتعذيب أثناء التحقيق أو في السجون والمعتقلات العراقية. كما مارست القتل والاغتيال السياسي والتهجير والتشريد وإسقاط الجنسية العراقية في مراحل مختلفة من تاريخ العراق الحديث, إضافة إلى تنظيم الحملات العسكرية وشن الحروب الداخلية ضد المجتمع لأسباب سياسية أو قومية أو دينية أو مذهبية أو فكرية. وقد كانت الضحايا البشرية هائلة والحزن قد لف المجتمع لعقود طويلة.
وابتلى المجتمع خلال العقود المنصرمة بنظم سياسية قومية وطائفية مارست التمييز الديني والمذهبي وعرضت بذلك حياة المواطنات والمواطنين إلى مخاطر جمة, بل إلى وإلى علل وامراض نفسية وإلى الموت والمقابر الجماعية. وكل ذلك قد عرض النسيج الوطني العراقي إلى التمزق, كما حصل في فترات سابقة وفي عهد الدكتاتور الطاغية صدام حسين, أو كما يحصل اليوم بسبب سياسات التمييز الديني والطائفي المقيت والمحاصصة الطائفية, سواء أكان عبر أجهزة رسمية ام ميليشيات طائفية مسلحة. ولم تكن الأجهزة العراقية وحدها متهمة بمسائل الاعتقال والتعذيب والتغييب فحسب, بل وكذلك قوى الاحتلال الأمريكية والبريطانية, وليست بعيدة عنا ما حصل في معتقل أبو غريب السيء الصيت, أو ما ورد في الوثائق الأمريكية السرية.
إن الوثائق الأمريكية السرية التي نشرت في موقع ويكيليكس في الآونة الأخيرة هي ليست الأزلى ولن تكو ن الأخيرة في ما تعرض له الشعب العراقي, ويمكن أن تظهر وثائق أخرى بشأن الكثير من التجاوزات على حقوق الإنسان وحرياته العامة وكرامته وحياته.
أقترح على منظمات المجتمع المدني العراقية التي تدرك مخاطر التجاوز على حقوق الإنسان وممارسة اساليب الاعتقال والتعذيب والسجن والقتل والاغتصاب في السجون والمعتقلات أن ترفع صوت الإدانة والاحتجاج والمطالبة بالتحقيق الدولي النزيه في كل التهم الواردة في تلك الوثائق, إذ أنها الفرصة الثمينة التي يمكن للمجتمع العراقي أن يضع حد لكلل التجاوزات المحتملة خلال الفترة القادمة, إنها الفرصة الثمينة التي لا يجوز تفويتها, بانتظار فرصاً أخرى, التي يمكن بموجبها معاقبة كل الذين تجاوزوا على الإنسان العراقي وعاملوه بأساليب لا إنسانية بغض النظر عن التهم الموجهة له أو بعد صدور الحكم عليه.
أقترح أن تأخذ منظمات المجتمع المدني وكل القوى الخيرة في العراق على عاتقها تنظيم حملة وطنية واسعة بتوجيه رسالة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي تتضمن طلباً باتخاذ قرار ملزم بتشكيل لجنة تحقيق دولية للتحقيق بالمعلومات الواردة في الوثائق التتي نشرها موقع ويكيليس وتنظيم لائحة اتهام ضد المسؤولين عن تلك التهم وتقديمهم إلى محكمة حقوق الإنسان الدولية, إضافة إلى نشر المعلومات على الشعب العراقي وكل الشعوب الأخرى.
أقترح على منظمات المجتمع المدني في الدول العربية وفي سائر ارجاء العالم مساندة هذا المقترح ودعم جهود منظمات المجتمع المدني العراقية من أجل فرض التزام كل الحكومات العراقية القادمة وأجهزة الدولة, وخاصة الأجهزة الأمنية, بالدستور العراقي ودستور إقليم كردستان العراق واللوائح والعهود والمواثيق الدولية الخاصة بشرعة حقوق الإنسان ومعاقبة كل الذين يتجاوزون عليها وفق الدستورين والقوانين التي تحرم الاعتقال الكيفي والتعذيب قبل واثناء وبعد التحقيق أو بعد صدور الأحكام.
أتمنى على كل مناصري حقوق الإنسان والمجتمع المدني أن تساند هذه المقترحات وتدفع باتجاه تبنيه وتنفيذه بتحريك الرأي العام في العراق يوالعالم العربي والعالم.           
برلين في 29/10/2010                الدكتور كاظم حبيب

425
كاظم حبيب
ألا تثير الوثائق السرية الفزع والقلق بسبب سلوكيات العنف والقسوة السائدة في العراق؟

كلما غاص الإنسان في مطالعة المزيد من الوثائق السرية الأمريكية حول العراق التي نشرت في موقع ويكليكس الإلكتروني في نهاية الأسبوع الماضي, إزداد شعوره بالألم والقرف والفزع واشتد غضبه لما كان أو لا يزال يحصل في العراق من سلوكيات تميزت بالقسوة الشرسة والاستهانة بالإنسان وحقوقه وكرامته وتجاوزت حدود المعقول وقدرة الإنسان على تخيل وجود قوى قادرة على استخدام مثل هذه الأساليب الشريرة في التعذيب وتحطيم الإنسان وكرامته والقتل بدم بارد , من قوى شريرة تنتمي لقوى إسلامية سياسية من مختلف الأطراف, على وفق ما جاء في تلك الوثائق. ويقف الإنسان مبهوتاً أمام الأساليب الوصفية التي كتب بها الجنود والضباط الأمريكيون تلك التقارير وتفصلياتها وكأنهم يتحدثون عن وقائع عادية, بعضها كانت أحداثه المريرة وقتل البشر على مدى 24 ساعة في اليوم دون توقف, كما ورد ذلك على عمليات نفذها ميليشيات جيش المهدي بالتعاون مع أجهزة وزارة الداخلية في فترة حكومة الجعفري.
تقارير متنوعة كلها تبحث في جرائم ارتكبت في العراق بين 2004 و2009 وحصيلتها عشرات ألوف القتلى وأكثر من ذلك من الجرحى والمعوقين والمشوهين , وأكثر من ذلك هم الذين يعانون من صدمات حادة تبرز في كوابيس خانقة لا تنتهي نتيجة تلك الأحدداث. لقد كانت ضحايا عامي 2006 و2007 من القتلى وحده 35026 و35763 شخصاً على التوالي, في حين بلغ مجموع قتلى السنوات بين 2004-2009 109032 نسمة.
يقف الإنسان حائراً أمام وقائع هذه الوثائق ويتساءل مع نفسه: هل حقاً يمكن أن يتحول عدد كبير من أبناء الشعب العراقي, هذا الشعب الذي كان ضحية للاستبداد والعنف والقسوة طيلة خمسة وثلاثين عاماًً في ظل حكم البعث وصدام حسين, إلى جلادين لا يختلفون عن جلادي صدام حسين ونظامه بأساليبهم في التعذيب ومسخ الإنسان في أثناء التحقيق أو عند الاعتقال أو في السجون وبعد صدور الأحكام أو قتلهم بأبشع أساليب القتل قبل أن تجري لهم اية محاكمات؟
هل يمكن أن يتحول الضحية إلى جلاد من هذا النوع؟ هل يمكن أن تساهم التربية الإسلامية بخلق أناس يمتلكون القدرة على التحول من ضحايا إلى جلادين ليمارسوا قتل الإنسان تحت التعذيب وكأن القتلة يمارسون تسلية محببة إليهم, فهم يلهون بحرق الجسم بأعقاب السجائر, ويدخلون القازوق في خلفية المعتقل أو يستخدمون الأجهزة الكهربائية ضد قضيب الفرد والمناطق الحساسة الأخرى, أو يقلعون أطافر اليدين والقدمين أو يهشمون جمجمة الإنسان أو يصبون عليه الماء الساخن بدرجة الغليان, أو يشدون قضيبه بحبل ويجروه أو يغتصبوه جنسياً؟
كم هو مريع أن نقرأ كيف تسربت الأحزمة الناسفة للإنتحاريين من سوريا إلى العراق وعدد الذين تسللوا من سوريا إلى العراق عبر سنجار, وكم هي الأسلحة الفتاكة وأنواعها التي ضبطت وهي مهربة من إيران إلى ميليشيات جيش المهدي أو غيره من ميليشيات القتل والتخريب.
لقد جاءت التقارير حاملة اتهامات إلى قوى القاعدة وتنظيمات البعث وهيئة علماء المسلمين أو غيرها بالقتل والتخريب من جهة, واتهامات أخرى موجهة إلى ميليشيات جيش المهدي وفيلق بدر وغيرها من القوى التي شكلت ميليشيات لها ولم تعلن عن وجودها بممارستها القتل والتخريب أيضاً, ولكنها تحمل اتهامات إلى الحكومة العراقية وإلى الأجهزة الحكومية التي كانت مهمتها حماية الشعب من الإرهابيين وليس المشاركة بالإرهاب والقتل بسبب علاقاتها المتعددة بالقوى التي مارست الإرهاب. 
إن الوثائق المنشورة تحمل في طياتها اتهامات خطيرة لكل الأحزاب الإسلامية السياسية العاملة والحاكمة في العراق دون استثناء, كما تحمل اتهامات خطيرة إلى سياسيين بعينهم, سواء بشكل مباشر أم في فترة وجودهم على رأس الحكومة, وكذلك اتهامات موجهة إلى كل المليشيات الطائفية المسلحة التي كانت أو لا تزال تعمل في البلاد, إضافة إلى اتهامات خطيرة للقوات الأمريكية والفرق الأمنية المرتزقة التي عملت في العراق. وأن هذه الاتهامات لا يمكن أن يحقق بها من هو موض اتهام بممارسة تلك الأفعال الشريرة, سواء أكان فرداً أم حزباً أم كتلة سياسية أم فريقاً عاملاً في الحكومة العراقية أو الأمريكية, بل يفترض أن تقوم الأمم المتحدة بهذا التحقيق الذي يفترض أن يكون نزيهاً وشاملاً للفترة الواقعة بين نيسان 2003 وإلى نهاية التقرير ويمكن مد التحقيق إلى الوقت الحاضر 2010, من خلال تشكيل لجنة من شخصيات مستقلة مختصة بشؤون حقوق الإنسان والجريمة السياسية المنظمة والتعذيب لكي يقدموا لنا صورة واقعية لما كان يجري في العراق خلال الفترة المذكورة, رغم وجود معلومات غير قليلة بهذا الصدد.
نحن أمام جرائم بشعة, مارسها صدام حسين وطغمته للخلاص من خصومه ومعارضيه السياسيين, تكرر استخدام البعض من تلك الأساليب بعد زوال نظامه من قوى سياسية كانت تدين تلك الأساليب وتطالب بالخلاص من ذلك النظام. والآن يجري في العراق ما كان قد أدين سابقاً, وعلينا أن لا نقبل به ونرفضه جملة وتفصيلا.
علينا رفع الصوت للمطالبة بتشكيل لجنة تحقيقة دولية من أجل الكشف عن المذنبين بدون رحمة, لكي لا يأتي إلى الحكم من مارس أو قرر أو وافق على استخدام تلك الأساليب القذرة في حكم العراق بعد سقوط الدكتاتور ونظامه الدموي.
28/10/2010                         كاظم حبيب     


426
كاظم حبيب

أين حرية النشر ورقابة السلطة الرابعة في مقاضاة جريدة العالم؟


"يقضي الإنسان سنواته الأولى في تعلمه النطق, وتقضي الأنظمة العربية بقية عمره في تعليمه الصمت"!
         أحلام مستغانمي


في: ذاكرة الجسد, دار الآداب, بيروت. ط 1, 19979
   

آخر المعلومات التي وصلتنا من هيئة النزاهة الدولية تشير إلى أن العراق والصومال يحتلان المركزين الأخيرين في قائمة انعدام النزاهة والفساد في العالم. وهم يعتمدون في ذلك على معايير مجربة ومدققة وسليمة ولا يمكن التشكيك بصحتها.
والأسئلة المشروعة التي تواجهنا إزاء هذه المعلومة كثيرة, منها مثلاً: من يمارس الفساد في العراق, هل هو المواطن الفقير الذي لا يملك شروى نقير أو الجائع والمحروم أم العامل البسيط والفلاح الأكثر بؤساً, أم أولئك الذين بأيديهم ثروة الوطن ويتفاوضون على العقود النفطية وغير النفطية وتوقيعها في كل أنحاء العراق, وكذلك الذين يستوردون السلع لحساب الدولة والذين يوقعون المقاولات لشراء الأسلحة والعتاد وبقية التجهيزات العسكرية؟ من هم الذين يسيطرو على الأراضي والعقارات ودور السكن ويقيمون فيها دون أن يدفعوا أجراً, أهم الكادحون والفقراء والمعدمون وصغار الموظفين, أم السادة من مسؤولين ووزراء وحكام البلاد وقادة ومسؤولي الأحزاب السياسية؟ من الذي شفط المليارات خلال السنوات السبع المنصرمة, أهم بنات وأبناء الخايبة أم الشركات الأمريكية وغيرها التي عملت أو لا تزال تعمل في العراق, وكذلك من عمل وتعامل معها من العراقيين بشكل عام؟ اليس هو المسروق المال العام, أموال الشعب, ومن هو السارق؟ أليس الجواب عند المسؤولين عن إدارة أموال العراق, أموال الشعب؟ عليهم أن يفيدون الشعب والعالم بأجوبة واقعية ومسؤولة عن هذه الأسئلة.   
في العراق أقامت وزارة الشباب والرياضة دعو قضائية لمقاضاة جريدة العالم بسبب نشرها تقريراً صحفياً يتحدث عن الرشوة والهدر وسوء استخدام الأموال في وزارة الشباب والرياضة. والسؤال ه: هل هذه الدعوى هي الجواب الشافي عن تلك الاتهامات؟ أم إنها هروب ورد الفعل بائس ومثير للسخرية.
ألم يكن من واجب وزارة الشباب أن تجيب على ما نشرته جريدة العالم من معلومات تشير إلى وجود فساد مالي وإداري في وزارة الشباب, والكل يتحدث بملء الفم بأن هناك فساداًسائداً في كافة الوزارات العراقية بدلاً من غقامة الدعوى؟ ألم يكن من واجب وزارة الشباب, بدلاً من إقامة دعوى قضائية ضد جريدة العالم وتطالبها بدفع بغرامة خيالية, وكأن الجريدة هي التي شفطت تلك المليارات لكي تستطيع أن تدفع مثل تلك الغرامة لوزارة الشباب الفقيرة جداً, أن تشرح للشعب كله ولمسؤولي جريدة العالم على وفق معلومات أكثر دقة, إن كانت متوفرة لديها, لتفند ما نشرته الجريدة, وأن كانت واثقة من نظافة اليد في وزارة الشباب والرياضة وأن هذه الوزارة دون غيرها تعمل بأسلوب بعيد عما ورد في التقرير الصحفي الذي اتهم الوزارة بالتجاوز والتلاعب والغش والهدر. إن رفع دعوى قضائية ضد الجريدة يراد منه إسكات صوت النقد وحرية التعبير عن الرأي وتنوير الناس بما يجري في العراق في ضوء ما متوفر من معلومات, وكان ولا يزال على وزارة الشباب والرياضة أن تفند تلك الاتهامات وتبتعد عن أسلوب إقامة الدعاوى لإرهاب الناس.
لو كان العراق خالياً من الفساد ولم يحتل المكانة الأولى أو الثانية في الفساد بين دول العالم, لكان من حق وزارة الشباب والياضة أن ترفع الدعوى, ولكن ليست هناك دولة اسوأ من العراق غير الصومال في انتشار وممارسة الفساد في العالم, والفساد في العراق أوسع مئات بل ألاف المرات مما هو عليه في الصومال بسبب الفقر المريع هناك بينما تتحرك المليارات في العراق وأرقام الفساد هي الأخرى بالمليارات وليس بعشرات ألوف الدولارات.
أنصح وزارة الشباب والرياضة أن تبدأ بالاطلاع على المواقع الإلكترونية وعلى الصحافة العالمية لتتعرف على النشر الواسع النطاق الذي يتحدث عن الفساد السائد في البلاد والذي أصبح نظاماً عاماً ومعمولاً به وليس ظاهرة هنا وهناك. وأتسائل مع غيري, هل تعيش وزارة الشباب في جزيرة منعزلة كما عاش روبنسون كروزو بعيداً عن المال والناس والتعامل اليومي بحيث لا يمكن أن ينشأ اي فساد في وحدته الشهيرة؟ كم كنت أتمنى على وزارة الشباب أن تطلب من جريدة العالم, التي يهمها مكافحة الفساد في العراق أولاً وقبل كل شيء أن تتوجه إلى هيئة تحرير جريدة العالم وإلى كاتب التقرير الصحفي وتطلب منهم معلومات إضافية حول التقرير الذي نشرته الجريدة لتشكل لجنة مستقلة تتحرى عن صحة تلك المعلومات وتضبك حالات الفساد والفاسدين والمفسدين فيها أو الذين ساهموا بهدر أموال البلاد والعباد.
ولكن لا يزال أسلوب الزجر والتخويف هما السائدان في بلاد الرافدين, وبالتالي سيبقى الفساد والهدر وسرقة أموال الدولة هي السائدة في العراق ايضاً, ما دام المسؤولون لا يريدون وضع اليد على الفساد. ووزير التجارة العراقية السابق ليس ببعيد عنا, ولا وزير الدفاع السابق في وزارة أياد علاوي على سبيل المثال لا الحصر!
حين تسود الديمقراطية وحرية الصحافة وحرية التعبير والنشر وحرية الرأي والنقد والحياة النيابية الحرة والقضاء المستقل وسيادة الدستور والمواطنة المتساوية ورقابة الشعب ومؤسساته المدنية, عند ذاك يتقلص الفساد وينتهي تدريجاً, وعند ذاك سوف لن نجد جريدة عراقية تعمد إلى نشر مثل تلك التقارير المهمة التي تفضح الفساد وهدر المال العام, إذ أن الحالة الموجودة هي التي تسمح بكتابة تقارير تعبر من حيث المبدأ عن واقع حال وقاعدة سائدة وليست اسثناءً في العراق.
لا يختلف العراق كثيراً عن أفغانستان. فبالأمس كشف النقاب عن تسلم حامد كرزاي مليون دولار سنوياً من حكومة إيران لحسابه الخاص ولسواد عيونه الأفغانية, واضطر أن يعترف بذلك؟ وبالأمس نشرت تقارير تشير إلى تسلم عراقيين أموالاً من إيران والسعودية ودول الخليج والأردن...الخ, وخاصة في فترة الانتخابات وما بعدها, وسوف لن نسمع اعترافاً منهم بذلك, ولكنها في الغالب الأعم حقيقة واقعة. فهل إذا إشير إلى ذلك ستقام دعاوى ضد من يتحدث بهذا الأمر, أم يفترض أن يقوم مجلس القضاء العالي والإدعاء العام بتشكيل لجان للتحقيق بكل ذلك, عندها سيجدون العجب العجاب في هذا المجال. ولا اعتقد بأن المعلومات التي نشرها موقع ويكيليكس هي خاطئة, ولكنها غير كاملة, إذ حجب عنا الموقع, كما يبدو, الكثير من المعلومات التي تتحدث عن فترة حكم أياد علاوي وفترة حكم إبراهيم الجعفري. وكلنا يعرف أن هاتين الفترتين قد اتسمتا بظهور الكثير جداً من حالات الفساد وهدر الأموال وانتشار المليشيات الطائفية المسلحة وتسللها إلى كافة أصناف القوات المسلحة (الأمن والشرطة والجيش) والسيطرة على الوزرارات والتوزيع الطائفي لها.
إن عدم نشر تلك المعلومات عن وزارتي علاوي والجعفري ربما يكون قد نشأ عن اتفاق معين لا أعرف أطرافه إلى الآن ولا على مدى صحة وجود مثل تلك المعلومات, ومن هم وراء عدم نشر كافة المعلومات المتوفرة لدى موقع ويكيليكس والسيد أسانج.
أرى بأن على وزارة الشباب والرياضة أن تسحب الدعوى القضائية المرفوعن منها على جريدة العالم وأن تعتذر لهيئة التحرير, إذ يكفي ما عاناه الصحفيات والصحفيون في العراق من إرهاب وإسكات بكاتمات الصوت أو القتل في الشوارع خلال الأعوام السبع المنصرمة, وهم لا يحتاجون إلى من يخيفهم بإقامة دعوى ضد هيئات التحرير لنشرها تقارير تتحدث عن الفساد وهدر المال العام لأنهم سوف يغلقوا أفواههم ولن يوافقوا على تقييد أيديهم أو  منعهم من الكتابة. إن هذا لن يحصل بعد الآن!
27/10/2010                      كاظم حبيب   
       

427
كاظم حبيب
من أجل تشكيل لجنة تحقيق عراقية-دولية بشأن التهم الواردة في وثائق ويكيليكس


سمع وشاهد الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي, كما قرأ البعض الكثير منهما, ما نشر في موقع ويكيليكس الشهير من وثائق مسربة من أرشيف المعلومات التابع للقوات الأمريكية في العراق,. وقد تضمنت هذه الوثائق التي نشرت يوم السبت المصادف 23/10/2010,و التي بلغ عددها 400 ألف وثيقة بين عام 2004 ونهاية العام 2009, كمية هائلة من المعلومات الخاصة بأوضاع العراق الأمنية وتصرفات القوات العراقية والأمريكية والحكومة العراقية ودول الجوار في العراق. وجرى تركيز الصحافة وبقية أجهزة الإعلام العالمية والإقليمية والمحلية على بعض أبرز ما ورد في هذه الوثائق التي تثير رعب الإنسان العراقي وتشكك بمجمل العملية السياسية الجارية, كما توجه الاتهامات الثقيلة جداً لرئيس الوزراء والحكومة العراقية, ولكنها في المحصلة النهائية تشكيك في النظام السياسي القائم في العراق.
تبَّرز الوثائق المنشورة التي تم الإطلاع عليها إلى الآن على ست مسائل جوهرية لا بد لنا من وضعها أمام أنظار القارئات والقراء بهدف الخروج باستنتاج يخدم الشعب العراقي أولا وقبل كل شيء:
1 . إن القوات المسلحة العراقية, أي أجهزة الأمن والشرطة والجيش, قد مارست خلال السنوات المذكورة شتى اشكال التعذيب النفسي والجسدي البشعين والمحرمين دولياً وعلى وفق الدستور العراقي الجديد, ابتداءً من الإهانات إلى الضرب المبرح وقلع الأظافر والحرق بالسيجائر والتعليق والكلبسة والاغتصاب الجنسي والقتل في السجون والمعتقلات العراقية ...الخ, تماما كما مارسته القوات الأمنية الأمريكية في سجن "أبو غريب" السيء الصيت قبل عدة سنوات.
2 . كان الجيش الأمريكي والإدارة الأمريكية في العراق ووزارة الدفاع (البنتاغون) على علم كامل بتفاصيل ذلك, ولكن كل هذه الجهات لم تفعل شيئاً ضد التعذيب والقتل والاغتيالات..الخ, بل طالبت القوات الأمريكية بعدم التدخل لمنع وقوعها.
3. قتل المئات من المدنيين عند حواجز تسيطر عليها القوات الأميركية من قبل القوات العراقية وسكوت الأمريكيين عنها.
2 . قامت إيران خلال الفترة المذكور بتزويد المليشيات العراقية, وخاصة ميليشيات جيش المهدي وفيلق بدر, بالسلاح والعتاد والأموال وكل ما تحتاجه هذه القوى لممارسة الإرهاب في العراق وإسكات صوت المعارضة أو الخصم.
3 . قيام سوريا بتولي مهمة تزويد قوى الإرهاب الدموية بالأحزمة الناسفة التي تستخدم للقتل الجماعي عبر العمليات الانتحارية.
4 . إن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي نفسه كان يدير "فرق الاعتقال والرعب" المتكونة من أتباع المليشيات العراقية الشيعية التي كانت تقوم بعمليات قتل الخصوم السياسيين, وأن رئيس الوزراء كان على علم بما كان يجري في السجون والمعتقلات العراقية من تعذيب دون أن يتخذ قراراً بإيقافه.
5 . وتشير الوثائق إلى أن اكثر من 15 ألف مدني قتلوا في حوادث كانت مجهولة في السابق. كما إن الوثائق قد سجلت وقوع 66081 حادثة قتل في أماكن غير قتالية من أصل 109000 فقدوا حياتهم.
6 . وجود ضباط إيرانيين ما زالو يعملون في العراق لصالح إيران وانهم معروفون للحكومة العراقية.
وهناك الكثير من القضايا الأخرى التي نتجنب الآن الخوض فيها, لأنها مرتبطة بما ورد في إعلاه بما في ذلك الفساد المالي والإداري والتمييز الطائفي ...الخ.

لو تمتعنا بحسن النية إزاء النظام السياسي القائم حالياً في العراق وسلمنا بأن السيد نوري المالكي المنتهية ولايته غير متورط بما نسب إليه ولا للقوات المسلحة العراقية من اتهامات ثقيلة جداً, وأقنعنا أنفسنا بأن هذه المسائل مجرد اتهامات لا تصمد أمام الواقع, فما العمل لإقناع العالم بذلك من جهة, والتيقن من خطأ تلك المعلومات من جهة أخرى؟
ليس أمامنا إلا المطالبة الجادة من المدعي العام العراقي والقضاء العراقي ورئاسة مجلس القضاء العالي ورئاسة الجمهورية العراقية بتشكيل لجنة تحقيقية عراقية ودولية مختلطة للقيام بالتحقيق الفوري بكل تلك التهم الموجهة لرئيس الحكومة والحكومة العراقية والقوات المسلحة, التي هي تحت أمرة الحكومة, والجهات الأخرى للوصول إلى النتائج الفعلية من أجل نفي تلك التهم أو تقديم المسؤولين إلى المحاكم لينالوا الجزاء العادل/ إما البراءة أو الإدانة.
لا ينفع رئيس الحكومة العاقية أن ينشر مكتبه الخاص إنكاراً لتلك التهم, ولا ينفع أن تعزى تلك التهم إلى محاولة الإساءة لرئيس الوزراء المنتهية ولايته بذريعة وجود مؤامرة ضده بسبب التوقيت لكي لا يختار لتشكيل الحكومة, إذ إن هذا الانكار لا يقنع ولا ينفع احداً, بل إن ما يقنع الناس هي النتائج التي تخلص إليها لجنة التحقيق المشار إليها. وعلى هذه اللجنة أن تحقق أيضاً في مدى مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية, كدولة محتلة, عن تلك التجاوزات والاتهامات الموجهة للحكومة العراقية والقوات المسلحة ورئيس الحكومة والجيش والإدارة الأمريكية في العراق أيضاً.
لا ينفع التسويف والتهرب من الموضوع, بل تشكيل لحنة من قضاة تحقيق يتسمون بالنزاهة ولا يخشون لومة لائم على المستويين العراقي والعالمي للتحقيق بجرائم ارتكبت لا من الطرف العراقي الحاكم وأجهزته فحسب, بل ومن أطراف أخرى مثل إيران وسوريا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وقوات الاحتلال في العراق كافة.
ليرتفع صوت الأحزاب والقوى الوطنية العراقية ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان مطالباً بتشكيل مثل هذه اللجنة الدولية العراقية لتأمين تحقيق عادل ونزيه وأمين على مستقبل العراق ومنع ممارسة مثل تلك الجرائم بحق الشعب العراقي في المستقبل.
24/10/2010                   كاظم حبيب

 


428
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية

المحاكمات الجارية في تركيا ضد الكرد مسيّسة وتتعارض مع تطلعات الحل السلمي

نقلت وكالات الأنباء العالمية الخبر التالي: بدء محاكمة 151 شخصية سياسية واجتماعية وثقافية كردية أمام محكمة تركية في مدينة ديار بكر في جنوب شرق تركيا بتهمة انتمائهم إلى حزب العمال الكردستاني المحظور. ويشار إلى أن من بين المتهمين هناك 12 رئيس بلدية من أعضاء حزب السلام والديمقراطية. كما يشار إلى أن الشرطة التركية تقوم بتهيئة ملفات أخرى ضد مواطنين كرد يراد تقديمهم للمحاكمة قريباً للمحاكمة بتهمة مماثلة، في وقت تؤكد الحكومة التركية إنها ساعية إلى فتح بدء التفاوض مع القوى الكردستانية في تركيا لحل المسألة الكردية. إن هذه الازدواجية في المواقف والإجراءات تعبر عن حالة من الصراع والتخبط في معسكر القوى الحاكمة في تركيا. فالواقع في تركيا يشير إلى أن هناك ضغوطاً محلية وعالمية, ومن الاتحاد الأوروبي بشكل خاص, متواصلة على رئيس الحكومة التركية تدعوه فيها إلى إيجاد حل سلمي ديمقراطي سريع للقضية الكردية بعيداً عن استخدام السلاح والموت والخراب من جهة, ولكن هناك من جهة أخرى قوى سياسية داخلية أخرى تصر على تعقيد العلاقة مع الشعب الكردي في كردستان تركيا من خلال تقديم المناضلين الكرد, الذين يسعون ويؤيدون ممارسة الطرق السلمية والديمقراطية لحل القضية الكردية, إلى المحاكمة لتصدر بحقهم احكاماً ثقيلة غير شرعية وغير إنسانية. ومثل هذا التصرف فيه غزل مكشوف مع القوى الأكثر يمينية والأكثر شوفينية وعنصرية في المجتمع التركي وفي القوات المسلحة, ولكن مثل هذا الموقف المزدوج لا يعبر عن حكمة ولا عن وعي بحقوق الشعوب صغيرها وكبيرها, كما لا يتسم بمصداقية الحكومة التي تعلن بأنها تريد التفاوض, في حين تعمد إلى المحاكمات والسلاح لفرض حل معين على الكرد هو الرضوخ لإرادتها والقبول باستمرار مصادرة الحقوق المشروعة والعادلة للشعب الكردي. لقد أعلن مناضلو الكرد عن وقف المعارك ضد القوات التركية المسلحة بأمل البدء بالتفاوض, وعلى الحكومة التركية القبول بذلك والبدء الفعلي والعلني بالمفاوضات لصالح كل القوميات التتي تعيش جنباً إلى جنب في الدولة التركية.   
إن من يتوجه صوب الحل العملي والعقلاني الحكيم للمسألة الكردية ويسعى للتفاوض مع القوى الحاملة للسلاح, يفترض فيه القيام بثلاث خطوات جدية للتحضير إلى مفاوضات ناجحة, وهي:
1.      إيقاف كل أشكال الملاحقة البوليسية والقانونية ضد الكرد الديمقراطيين الذين ساندوا مطالب الشعب الكردي ودعوا إلى إجراء مفاوضات سلمية بدلاً من تقديمهم للمحاكمة وإدانتهم دون وجه حق, كما يفترض إلغاء كافة الملفات الأخرى التي يراد إعدادها وتقديم أصحابها للمحاكمة.
2.      إطلاق سراح جميع المعتقلين لأسباب سياسية وبسبب من تأييدهم للقضية الكردية بصورة مباشرة او غير مباشرة, ومنهم الأستاذ عبدالله أوجلان.
3.      البدء الفعلي بالمفاوضات مع حزب العمال الكردستاني والأحزاب الكردية الأخرى والقوى التي حملت السلاح دفاعاً عن حقوق الشعب الكردي وعن مصالحه ومطالبه العادلة والمشروعة.
 إن مواصلة المحاكمات هي جزء من عملية الابتعاد عن هذه النقاط, وهي تأكيد أن الحكومة التركية لا تريد حل المسألة الكردية بالطرق السلمية التفاوضية بل تريد المراوغة وكسب الوقت وتخفيف الضغط الدولي والأوروبي لتكريس الموقف التركي الرسمي الرافض عملياً للحقوق القومية العادلة والمشروعة للشعب الكردي في إقليم كردستان تركيا.
ولهذا فاستمرار المحاكمات وإعداد ملفات جديدة للمحاكمة لا يعبر عن إصرار فعلي لحل المسألة الكردية والعيش بسلام ووئام في إطار الدولة التركية التي يفترض فيها أن تكون ديمقراطية وآمنة وملتزمة بتنفيذ حقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية. كما يدفع بالقوى الكردية إلى الإحباط والإصرار على مواصلة الكفاح المسلح لانتزاع حقوقهم المشروعة.
إن التجمع العربي لنصرة القضية الكردية يدعو الحكومة التركية إلى انتهاج السبل السلمية, كما يدعو القوى المسلحة الكردية إلى مزيد من ضبط النفس والعمل من أجل توفير مستلزمات التفاوض الناجح للقضية الكردية وقضية الأمن والاستقرار والسلام والتقدم في الدولة التركية.
الأمانة العامة
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية
19/10/2010


429
كاظم حبيب

لنعمل معاً من أجل استعادة الكرد الفيلية لحقوقهم المشروعة في العراق

تجارب شعوب العالم كلها تشير إلى واقع أن كل اغتصاب للحقوق القومية أو لحقوق شريحة وطنية اجتماعية من البشر في هذا البلد أو ذاك تقود دون أدنى ريب وباستمرار إلى بروز توترات وعدم استقرار ونزاعات سياسية واجتماعية, إذ أن من اغتصبت حقوقه لا يمكنه السكوت والإذعان والقبول بالأمر الواقع, بل يناضل بكل طاقاته من أجل استعادة تلك الحقوق المغتصبة.
وبناء على هذا الواقع الفعلي الذي خبرته شعوب العالم, جاءت الكثير من اللوائح الدولية, ومنها لوائح حقوق الإنسان وحقوق الشعوب والقوميات وحقوق المرأة وغيرها تؤكد الأهمية الاسثنائية لإقامة علاقات قائمة على الود والتفاهم والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع القوميات وأتباع الديانات والمذاهب الدينية أو الاتجاهات الفكرية والسياسية في البلد الواحد والتي تقود بدورها إلى توفير أطيب العلاقات بين سكان الدولة الواحدة وعلى الصعيد العالمي وتأمين الأمن والاستقرار والسلام بين الشعوب.
إلا أن هذه الخبرة الدولية المتراكمة لا تمارسها دول  كثيرة في عالم اليوم, بل, وبسبب وجود قوى قومية يمينية متطرفة او إسلامية سياسية يمينية متطرفة أو قوى رجعية متخلفة على رأس السلطة في هذا البلد أو ذاك, يحصل الاغتصاب الفعلي للحقوق وتبرز التناقضات والنزاعات المسلحة. ويمكن أن نجد مثل هذه الحالة في أكثر من دولة في آسيا وافريقيا, ولكن بشكل خاص في منطقة الشرق الأوسط ابتداءً من إسرائيل ومروراً بتركيا وإيران والسودان واليمن ... الخ.
وإذا كان العراق قد تخلص من نظام صدام حسين واستبداده وعنصريته وقمعه, وإذا كانت القضية الكردية في العراق قد وجدت حلاً إيجابياً معقولاً ومقبولاً من الشعب العراقي بكل قومياته, فأن العراق الراهن لا يزال يواجه مشاكل كثيرة يفترض اعتماد الحق والمنطق والديمقراطية في حلها. ومن بين تلك المشكلات البارزة نشير إلى مشكلة الكرد الفيلية. لقد صادر النظام الدكتاتوري البعثي الصدامي حقوق الكرد الفيلية وصادر جنسيتهم وهويتهم العراقية وسفرهم إلى إيران أو دفعهم إلى جبهات القتال ليموتوا هناك, أو إلى السجون ليقتلوا أو يدفنوا أحياءً في مقابره الجماعية.
ورغم مرور سبع سنوات على سقوط الدكتاتور لم تبذل الحكومات العراقية المتعاقبة الجهود الضرورية لإعادة حقوق الكرد الفيلية المغتصبة غلى أصحابها. وبالتالي فأن هذه الشريحة الوطنية من العراقيات والعراقيين لا زالت تناضل بإصرار عادل من أجل استعادة حقوقها المشروعة والعادلة, ولا زالت تواجه العنت في تنفيذ ما وعد به الحكام قبل ذاك, سواء اثناء وجودهم في المعارضة أم بعد وصولهم للسلطة مباشرة بهدف الاستفادة من اصواتهم في الانتخابات التي جرت في الفترات السابقة. ويذكرنا موقف الحكام في العراق إزاء الكرد الفيلية بقول الشاعر كعب بن زهير:
كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً       وما مواعيدها إلا الأباطيل
إن الكرد الفيلية مضطرون إلى عقد المؤتمرات والاجتماعات وإلى إرسال النداءات إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومختلف حكومات وسفارات العالم لجلب الانتباه إلى حقوقهم المغتصبة وعدم استجابة الحكومات العراقية المتعاقبة منذ سقوط الدكتاتور صدام حسين إلى الآن في تنفيذ ما صدر من قرارات وقوانين بهذا الشأن واستكمالها لصالح تحقيق الوئام مع هذه الشريحة الطيبة من بنات وأبناء العراق.
البعض يعتقد بأن المؤتمرات لم تعد ذات فائدة, والبعض الآخر يشعر بالإحباط ويكف عن العمل لهذا الغرض بسبب غدر الكثير من الحكام بهم. ولكن علينا جميعاً أن ندرك بأن الحقوق لا تستعاد بسهولة ما لم يكن وراء تلك المطاليب والحقوق من يطالب بها ويناضل بعناد وحيوية من أجلها. لهذا فمن الصواب حقاً الاستمرار بعقد المؤتمرات والاجتماعات في الداخل والخارج وتحريك بنات وأبناء الشريحة الكردية الفيلية بشكل خاص للقيام بكل ما هو سلمي وديمقراطي من أجل استعادة تلك الحقوق المصادرة. كما يفترض تنشيط القوى السياسية الديمقراطية لكي تلتزم جدياً بقضية الدفاع عن حقوق الكرد الفيلية وتجعلها واحدة من قضاياها المهمة والملحة وتضعها في برامج عملها.
ويبدو لي ولغيري أيضاً بأن وضع الخلافات الصغيرة بين الجماعات الكردية الفيلية جانباً أصبح ضرورة ملحة وآنية لكي يمكن ضمان الاستجابة السريعة من أية حكومة عراقية قادمة لتحقيق تلك الأهداف. إن غياب الوحدة الضرورية بين بنات وأبناء هذه الشريحة الكردية الفيلية يضعف قدرتها على المطالبة بحقوقها وعلى التعبئة لصالحها من جهة, ويسمح للآخرين بتجاوز تلك المطاليب عند صياغة شروط العمل المشترك مع القوى الأخرى, كما في حالة التحالف الكردستاني حيث غابت قضية الكرد الفيلية عن النقاط التسعة عشر مثلاً, أو عدم الاهتمام بها, كما هو حاصل من جانب أغلب القوى السياسية العراقية إن لم نقل كلها إلى الآن. إن تجمع وحدة كلمة الكرد الفيلية سيفرض على الحكام الاستمارع لها وتنفيذها.
إن المجموعة الكردية الفيلية كبيرة, وكانت تشكل فيما مضى قاعدة جماهيرية  اجتماعية وسياسية مهمة لقوى اليسار الديمقراطي العراقي, وعلى قوى اليسار الديمقراطي العراقية استعادة هذه القاعدة الاجتماعية لها من خلال التزام قضيتها والدفاع الفعلي واليومي عنها.
19/10/2010                         كاظم حبيب       

430
كاظم حبيب
حزب الدعوة ومفهوم ممارسته للديمقراطية في العراق

كلما تابعت الوضع الجاري في العراق والأساليب المستخدمة في تأخير تشكيل الوزارة الجديدة, تذكرت مباشرة تلك الندوة التي نظمتها قبل أربع سنوات تقريباً قناة الحرة وشارك فيها بعض الأحزاب السياسية الإسلامية, ومنه بشكل خاص حزب الدعوة ممثلاً بالسيد علي الأديب.
كان البحث يدور عن برامج وسياسات وأساليب عمل حزب الدعوة. قدم السيد علي الأديب مطالعة عن أهداف وسياسات واسلوب عمل حزب الدعوة مشيراً بشكل خاص إلى فلسفة حزب الدعوة وأدوات عمله. فأشار بكلمة واضحة لا لبس فيها إلى أن: الديمقراطية ليست الفلسفة التي يلتزم بها حزب الدعوة بل هي أداة. هذه الجملة التي ربما لم يستطع البعض تفسيرها في حينها, يمكن اليوم فهمها بسهولة وبساطة جداً, إذ أنها ليست معقدة بل واضحة, فهي تعني أن الإسلام فلسفتنا, والإسلام هو الحل, وأن الديمقراطية لا تدخل ضمن مفاهيم الإسلام الفلسفية والسياسة, ولكن هذه الديمقراطية "الغريبة عن الإسلام" يمكن استخدامها كأداة للوصول إلى السلطة, ثم نبدأ بتطبيق فلسفتنا وليست الفلسفة الديمقراطية بما تعنية من حقوق إنسان وحرية فردية وحقوق قومية وحرية المرأة ومساواتها بالرجل وحريات ديمقراطية عامة وحياة نيابية حرة وتداول ديمقراطي سلمي برلماني للسلطة ...الخ.
ولكن طرح الأديب لهذه المقولة كان قد تبلور في سلوك الدكتور إبراهيم الجعفري حين رفض ممارسة الموقف الديمقراطي بعد نهاية ولايته وحاول أن يبقى في السلطة بكل السبل, ولكنه فشل, فعوضها براتب كبير شهرياً يكفي لشراء المزيد من القصور في بريطانيا (60) مليون دينار شهرياً, كما يتداوله الشارع العراقي, واستعيض عنه بشخص آخر من حزب الدعوة كان نائبه في الحزب هو السيد نوري المالكي, الذي اتفق عليه "البيت الشيعي"!
هذا الطرح الصريح والواضح للأديب قد غاب عن ذاكرة الناس لفترة حين بدأ السيد نوري المالكي يطرح بخطاباته وتصريحاته موضوع الوحدة الوطنية ورفض الطائفية وتصدي فعلاً لأفعال جيش المهدي المشينة والشنيعة في البصرة وفي مناطق أخرى من جنوب ووسط العراق وكركوك. 
ولكنه عادت مقولة الأديب إلى الواجهة من جديد بعد أن انتهت السنوات الأربع وانتهت ولاية المالكي بعد انتخاب مجلس نواب جديد بطاقم مماثل للمجلس السابق من حيث التوزيع القومي والطائفي, ولكن المالكي رفض بعناد لا مثيل له تسليم الأمور لرئاسة الجمهورية لتكليف شخص آخر على وفق الاستحقاق الدستوري. فهو لا يزال وبعد مرور سبعة شهور على انتهاء ولايته يرفض تسليم السلطة لرئاسة الجمهورية ومجلس النواب لاختياره ثانية أو اختيار البديل الذي يقرره المجلس النيابي. وبذلك عطل المجلس النيابي الذين يتسلم أعضاؤه رواتب دون عمل يؤدونه (راتب النائب يبلغ 20000 $ x 325 نائب= 7,200,000 دور أمريكي في الشهر الواحد) في مقابل عشرات الآف العائلات تتضور جوعاً, وعطل أعمال مجلس الوزراء وراح يستجدي الحكم كالدكتور أياد علاوي, في دول الجوار, وليس من خلال قوى الشعب والتحالفات المحلية, وبهذا سمح لها بتكريس تدخلها رسمياً في الشأن العراقي بموافقة رئيس الوزراء والمرشح الآخر لرئاسة الوزراء!
من هنا يمكن أن نفهم مضمون ما قاله علي الأديب: إن الديمقراطية أداة للوصول إلى السلطة أولاً, ثم نبدأ بتطبق الفلسفة الإسلامية ثانياً, وفق تفسير حزب الدعوة لها, في البقاء على رأس السطة وعدم السماح لغيره في الوصول إليها. ولم يكن تعبير السيد نوري المالكي الشهير ما "ننطيها بعد" للسلطة لغير حزب الدعوة هو المفسر والمكمل لموضوعة السيد علي الأديب باعتباره الديمقراطية أداة وليست فلسفة عند حزب الدعوة, أداة للوصول وليست للمارسة الحياتية في الدولة والمجتمع.
أدرك مخاطر بعض شروط القائمة العراقية, وخاصة في مجال إعادة جمهرة كبيرة من بعثيي النظام السابق إلى الجيش العراقي, وأدرك مخاطر وجود جمهرة مهمة من بعثيي النظام السابق ضمن القائمة العراقية, وكما عبر عنها صديق لي, "في القائمة العراقية كورة زنابير", وليس كلها طبعاً بل فيها الكثير, إذ أن ذلك يخيف القوى الأخرى والشعب الذي عانى من قمع وشراسة ودموية حزب البعث الذي قاد العراق إلى الهاوية بدلاً من قيادة البلاد إلى مواقع إنسانية متقدمة. كما لم يبرهن الدكتور أياد علاوي على ديمقراطيته المزعومة حين كان في الحكم بل كان فردياً إلى حد اللعنة, كما كان فردياً في علاقته مع رفاقه في حزبه, إذ لم يكن عبثاً استقالة 5 من رفاقه في المكتب السياسي بعد أن بدأ علاوي يمارس مهامه في مجلس الحكم وسبل تعامله غير الديمقراطية في اتخاذ وتنفيذ قرارات "حزبه"!
ومع ذلك علينا اعتماد الدستور العراقي والكف عن التلاعب به والتحايل عليه واستخدامه أداة دون أن نعتمده كمضمون ومفهوم سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي شامل وعام لجميع مرافق الحياة, (وقد جرت المحكمة الاتحادية لترتكب الخطأ ذاته), وخاصة في العلاقة بين السلطات الثلاث, وفي العلاقة بين المجتمع والسلطة السياسية والدولة عموماً, وكذلك بالنسبة للعلاقة بين القوى السياسية العراقية ومجلس النواب والسلطة السياسية والشعب, كمضمون يؤكد التداول السلمي والديمقراطي النيابي للسلطة.
إن أسلوب التشبث برئاسة الوزارة وبالطريقة الجارية حالياً لا تعبر إلا عن نهج مناهض للديمقراطية بكل المقاييس, وهي ليست سوى محاولة لفرض شخص على الدولة والمجتمع, في حين يمكن لقائمته وتحالفه ان يطرحا شخصاً آخر غير المالكي, فليس المالكي هو المنقذ الأعرج للعراق, ففي العراق, كما يبدو لي, الكثير من الأشخاص الفرديين الذين يمكن أن يحلوا محله, ولا نقص لدينا في هذه البضاعة التي تعود للقرون الخوالي من النظم العربية والإسلامية, فالواقع العراقي ينتج الكثير من الفرديين المستبدين, وأن كان بوجوه واساليب وأسباب مختلفة.. تتعدد الأسباب والموت واحد.
أتمنى أن يعي السيد المالكي سوءات النموذج الذي يقدمه لنا بهذا الإصرار, والذي أخشى ما أخشاه هو تأكيده بأن الديمقراطية ليست سوى أداة, ولكن الفلسفة هي الانفراد بالسلطة والاستبداد والتشبث بالسلطة أو فرض الرأي الواحد, كما يجري اليوم في محافظة البصرة وفي محافظة بابل من منع للأغاني والموسيقى والتمثيل والإبداع الفني, كما فعلوا في إلغاء الغناء والموسيقى من مهرجان بابل. إنها المأساة بعينها. إذ إن الأكثرية في مجلسي المحافظتين تمثل القوى المتشددة, ومنها قوى في حزب الدعوة ومن يتحالف معه.
وهذه الحالة تذكرني بما ورد في الكتاب الذي اصدرته في العام 1995 في بيروت تحت عنوان "ساعة الحقيقة: مستقبل العراق بين النظام والمعارضة", باعتباره سيكون مستقبلاً موحشا توقعته حينذاك, ولم أكن اتمنى أن يحصل ما توقعته, بسبب معرفتي القريبة بالكثير من قوى المعارضة العراقية, وخاصة الإسلامية منها, التي كانت منذ ذلك الحين تعلن عن أهدافها في ممارسة الطائفية والشمولية وليس الديمقراطية.
كم أتمنى أن يستطيع الشعب وعي ما يجري لينهض بأساليب وأدوات سلمية لتقويم وتغيير هذه الحالة البائسة التي يموت فيها يومياً الكثير من العراقيات والعراقيين ويقارن ذلك بما بذل من جهد عظيم لإنقاذ 33 عاملاً من عمال المناجم في شيلي. هذا هو عين الاحترام للإنسان حيث تكون له قميته الأساسية كإنسان وليس ما نعيشه في العراق إذ لا قيمة للإنسان ولا لموته اليومي على أيدي الإرهابيين او تعذيبه في السجون والمعتقلات على أيدي أجهزة الدولة الأمنية, أو إفقاره إلى حد الكراهية والحقد على الحكومة, وبالتالي بدء الاستعداد لمشاركة البعض غير القليل مع قوى الإرهابية ضد المجتمع, ولكن غالبية الناس الفقراء لا تزال لا تنفذ القول العبقري للإمام علي بن ابي طالب حين دعا إلى مقارعة الجوع ولو بحمل السيف, والذي لا أدعوا له اليوم.
 15/10/2010                     كاظم حبيب
       

     

431
كاظم حبيب
الحكام الأوباش والرجم بالحجارة حتى الموت !

تفنن الأوباش المستبدون في الأرض وفي مختلف بقاع العالم في ممارسة شتى اساليب التعذيب بحق الإنسان, سواء أكان بسبب جرم اقترفه أم موقف مناهض للحاكم بأمره أو بسبب مزاج خاص لدى الحاكم. وقد عرفت الشعوب شتى اشكال الأحكام التي وضعها الحكام في مواد قانونية أعطيت لها صفة الرسمية والشرعية, في حين إنها تبقى غير شرعية وغير حضارية من منطلق الإحساس بإنسانية الإنسان وكرامته.
وتفنن الحكام في أضفاء صفة الشرعية الإلهية على اساليب القهر والتعذيب والقتل. فمرة يتخذ القرار باسم الآلهة, ومرة أخرى باسم الإله الواحد القهار, وثالثة باسم الأخلاق, ورابعة باسم الشعب, ولكنها كلها كانت لا تجسد سوى الرغبة في ممارسة القسوة إزاء الإنسان المخطئ أو الممارس لحريته وحقوقه المشروعة.
ومن بين أساليب القهر والتعذيب التي كانت ولا تزال تصدرها الكثير من المحاكم في العالم هو حكم الموت, إذ لا يحق لأي إنسان أو جماعة أو سلطة سلب حق الإنسان في الحياة أياً كان الجرم الذي ارتكبه. فبعض المحاكم أوالحكام يقرر القتل بالسم, وآخر بالكرسي الكهربائي, وثالث بالشنق حتى الموت, ورابع بقطع الرأس بالسيف, والخامس برصاصة توجه إلى رأس المحكوم عليه بالموت, وسادس بدفنه حياً في قبور جماعية وسابع خنقه وثامن بوضع الإنسان في حوض للحوامض المذيبة لكل شيء, وتاسع بسلخ جلده أو نفخه من دبره حتى ينفجر أو بتقطيع جسم الإنسان...الخ. وهي كلها أساليب همجية لا يمكن أن تشكل جزءاً من عقوبات في حياة مجتمع متحضر وإنساني, مهما كانت الجريمة التي ارتكبها من يُحكم عليه بتلك الأحكام الموغلة بالقسوة, إذ لا يمكن أخذ الثأر من القاتل بقتله, بل يفترض أن يعاقب بالحبس دون أي شكل من أشكال التعذيب أو استباحة الكرامة.
ولكن أكثر الأساليب وحشية وسادية وعدوانية وانتقاماً من الإنسان هو الحكم برجم الإنسان بالحجارة حتى الموت على من يتهم بممارسة الزنا, أي الزانية والزاني, إذ يحكم على الفاعل بالقتل بهذه الطريقة المتوحشة. وغالباً ما حُكم الرجم بالحجارة على المرأة في مجتمع ذكوري يحتقر المرأة ولا يحترمها ولا يعترف بحقوقها المشروعة.
إن النظم التي تدعي الإسلام هي التي تمارس ارتكاب هذه الجريمة الشنيعةو جريمة الرجم بالحجارة حتى الموت. وقد حُكم على الكثير من النساء المسلمات بذريعة الزنا وهن محصنات, أي ما زلن "بعهدة" أزواجهن. 
لقد قتل الكثير من النساء في كل من السعودية وإيران وغيرهما من الدول التي تتبنى الإسلام والشريعة الإسلامية أسلوباً لها في الحكم والحياة, وأذ توقف الرجم بالحجارة منذ عشر سنوات في السعودية كما يبدو, ولكنه لم يلغ إلى الآن, كما تنفذ بحق آخرين أحكاماً أخرى مثل قطع رأس الإنسان بالسيف أو قطع اليد أو ما إلى ذلك من جرائم تشوه الإنسان وتعطله عن العمل وتهدر كرامته إلى حين موته.
إن إيران وقد حكمت على امرأة إيرانية مسلمة هي السيدة سكينة محمدي أشتياني, أذرية القومية وعمرها 43 سنة, بالرجم بالحجارة حتى الموت بتهمة الزنا تجسد طبيعة هذا النظام الشرس المناهض لحرية وحقوق الإنسان والممارس لأقسى العقوبات والتعذيب بحق الناس المحكومين في سجونه, ومنها سجن أيفين في طهران. ويقال أن الحكم قد أجل تنفيذه أو استبدل بالشنق حتى الموت, وهو أمر مشكوك فيه بسبب الكذب الذي تميزت به السلطات الإيرانية. لقد نفذت إيران في الآونة الأخيرة 73 حكماً بالموت, وهي جرائم إضافية تضاف إلى جرائم النظام التي ترتكبها عصابات الحرس الثوري في إيران أو أتباع إيران خارج إيران, كما يجري في العراق مثلاً. 
إن البشرية المتحضرة حذفت من قوانيها عقوبة الإعدام, وبعضها الآخر توقف عن ممارسته وفي طريقه إلى منعه, في حين ان دولاً أخرى غير متحضرة مثل إيران والسعودية والسودان والصين وكوريا الشمالية وغيرها لا تزال تمارس هذه العقوبة على أوسع نطاق وتنفذ القتل باشكال مختلفة, وأبشعها جريمة الرجم بالحجارة, إنها السادية بعينها.
على مناصري حقوق الإنسان أن ينهضوا في جميع ارجاء العالم لإدانة كل أشكال أحكام الإعدام ومنع حصوله, إضافة إلى منع أسلوب الرجم بالحجارة أو قطع الرأس أو القتل عبر كرس كهربائي أو زرق السم بجسم الإنسان أو الشنق أو غيرها من الأساليب غير المتحضرة والمعادية للإنسان.
لنرفع أصواتنا عالياً من أجل منع رجم المرأة الإيرانية المتهمة بالزنا أو إعدامها باي وسيلة كانت, فايقاف حكم الموت مؤقتاً لا يعني عدم تنفيذه بل تأجيله لتجاوز الضجة الدولية ضد الحكم الصادر بحقها. لنعمل من أجل تحريم كل أشكال الإعدام في إيران وفي غيرها من دول العالم التي لا تزال تمارسه.
لنعمل من أجل اجتثاث أسباب الجرائم التي ترتكب وتغيير القوانين التي تحكم بالإعدام ومنع جميع اشكال التعذيب وقهر الإنسان وإهانة كرامته. لنعمل من أجل صيانة حياة وكرامة وحقوق الإنسان. 
لقد اعتقلت السلطات الإيرانية أثنين من الصحفيين الألمان بتهمة ولوج البلاد دون إذن, وكان هم الصحفيينهو اللقاء بالمحكومة أو عائلتها لمعرفة اسباب الحكم ..الخ. ولا شك في أن حياة هذين الصحفيين يمكن أن تتعرض هي الأخرى للخطر بسبب طبيعة هذا النظام الذي لا يرعى حرمة وكرامة الإنسان, وهو لا يختلف في طبيعته عن حكم الموت الذي نفذ بالمواطن البريطاني من أصل إيراني بازفلت في العراق في عهد صدام حسين قبل حرب الخليج الثانية بتهمة التجسس. لنعمل من أجل إطلاق سراح الصحفيين أو من الحكم عليهم بالسجن بتهمة التجسس.
كاظم حبيب

     

432
كاظم حبيب
مناقشة بعض ملاحظات وأفكار الصديق الصحفي حمدي فؤاد العاني
جواب على  رسالة مفتوحة

وجّهَ الصديق الصحفي الأستاذ حمدي فؤاد العاني عدة ملاحظات ومداخلات حول الأفكار والملاحظات التي وردت في إجاباتي عن اسئلة موقع الحوار المتمدن والتعليقات التي قدمتها على ملاحظات السيدات والسادة الذين ساهموا في نقد أفكاري واجتهاداتي وملاحظاتي. وقد نُشرت رسالته وملاحظاته على موقع الحوار المتمدن بتاريخ 9/10/2010 برقم 3149. ولهذا يفترض في من يريد أن يقرأ مقالتي هذه أن يقرأ قبل ذاك ملاحظات السيد حمدي فؤاد العاني.
ألخص ملاحظاته في عدة نقاط:
1.   حول دور الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي خلال فترة الحرب الباردة.
2.   لا يرى أي ضير في بقاء سكرتير الحزب الشيوعي العراقي عدة دورات في مركز السكريتر العام أو الأول, أو كما يقول: "يا سيدي وما الضير من بقاء سكرتير الحزب مدى الدهر", وفق تعبيره!
3.   لا يتفق مع ضرورة رفد قيادة الحزب بالشباب ولا يرى أي فرق بين الشباب وكبار السن ما داموا يمتلكون اللياقة الفكرية والسياسية.
4.   لا يرى صواب تغيير اسم الحزب الشيوعي العراقي ويصر على بقاء الأسم كما هو.
5.   يعترض على طلبي من الأحزاب الشيوعية في إعادة صياغة برامجها السياسية ومناهجها.
6.   يرى أن الظرف الراهن هو مؤقت وأن القوى الإسلامية السياسية المسيطرة الآن سينتهي دورها. والمستقبل سيكون للحزب.
7.   حول ثورة 14 تموز 1958 وأخطاء قاسم ومؤامرات الأعداء وخطأ سياسة الحزب في عدم تسلم الحكم حينذاك.
     
أبتداءً أشير إلى أن من غير الحكمة مني أن أكرر ما طرحته قبل ذاك من أراء, إذ أن في ذلك جوانب سلبية, منها مثلاً:
** إرهاق القارئات والقراء بأفكار منشورة سابقاً من جانبي وتشعرهم بالملل من الكاتب ذاته لأنه يكرر نفسه.
** تشعر الطرف الموجهة له الملاحظات وكأن هناك ملاحقة للحزب أو محاولة للإساءة له, إذ ما معنى التكرار في وقت قد ذكرت الملاحظات ولم يؤخذ بها, وانتهى الأمر.
** كما أنها تأتي أحياناً في وقت غير مناسب ولا تساعد على خلق أجواء الفهم المتبادل للملاحظات النقدية فتفسر على أنها تريد تعطيل مسيرة أو نشاط هذا الحزب أو ذاك.
وفي حالة عدم الإجابة عن الاستفسارات التي طرحها الصديق حمدي سيشعر بإهمال إلإجابة عن استفساراته أو مناقشاته وكأنها استهانة به وبما ذكره, خاصة بعد أن اتصل الصديق بي شخصياً عبر الهاتف وطلب مني أن أنشر رسالته وأن أناقشه. كان بالإمكان إجابته على رسالته بشكل شخصي وينتهي الأمر, ولكنه أصر على نشرها وعلى مناقشتها علناً. ويبدو أن له حكمة في ذلك لا أعرفها!
 
1 . لا شك في أن الاتحاد السوفييتي برز دوره منذ نشوئه, إذ أن ثورة اكتوبر 1917 قد هزت العالم كله وزلزلت الأرض تحت اقدام الرأسمالية العالمية, كما أن سقوطه قد هز هو الآخر العالم وزلزل الأرض تحت أقدام الحركة اليسارية العالمية والأحزاب الشيوعية على نحو خاص.
برز الاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية وفي المساهمة في تحقيق النصر على الفاشية وفي تكوين المعسكر الاشتراكي وبدء الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية على الصعيد العالمي وبدء الحرب الباردة التي تبلورت بعد أن بدأت الدول الغربية تأسيس حلف شمال الأطلسي والسوق المشتركة.. مما دفع بالدول الاشتراكية إلى تشكيل حلف وارشو ومجلس التعاضد الاقتصادي.
كما برز الاتحاد السوفييتي في أعقاب الحرب العالمية الثانية بسبب تاييده الكبير في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والمحافل الدولية الأخرى لقوى حركة التحرر الوطني على الصعيد العالمي ومساهمته في قصم ظهر الاستعمار القديم في كل من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. ولكنه برز بشكل خاص في صراعات الشرق الأوسط والبحر الكاريبي وموقفه ضد العدوان الثلاثي على مصر وتأييده لثورة 14 تموز 1958 وإدانته محاولة التحرك ضدها من لبنان والأردن. هذا كله صحيح. هذا هو الوجه المشرق للاتحاد السوفييتي, ولكن كان هناك وجهاً آخر لسياسات الاتحاد السوفييتي الداخلية والخارجية التي يفترض أن تكون واضحة الآن بعد مرور عشرين عاماً على انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية. واقترح على العزيز أن يقرأ بهذا الصد كتاب الرفيق الطيب الذكر عامر عبد الله على اقل تقدير والموسوم: "مقوضات النظام الاشتراكي العالمي وتوجهات النظام العالمي الجديد" ط 1. مطبعة رمضان بطلب من دار المدى للثقافة والنشر_ دمشق, 1997.
كما يمكن الاطلاع بتفاصيل كثيرة عن العلاقة السابقة بين الحزب الشيوعي السوفييتي, باعتباره مركز الحركة الشيوعية العالمية حينذاك والأحزاب الشيوعية في العالم في الكثير من الكتب الجيدة التي صدرت خلال السنوات العشرين المنصرمة. ويمكن هنا قراءة كتب الصديق كريم مروة أيضاً.

2 . من جانبي ارى كل الضير في بقاء سكرتير أول أو سكرتير عام لأي حزب كان سنوات طويلة على رأس اي حزب سياسي كان, وليس الأحزاب الشيوعية وحدها, للإسباب التالية وهي نتيجة لتجارب غنية لكل الحركة الشيوعية العالمية ولبقية الأحزاب في العالم. وأن الإصرار في الكثير من الأحزاب على أن لا يستمر أكثر من دورتين هي نتيجة لتلك الخبرة والمعرفة التي تشكلت عبر العقود المنصرمة. ما هي سلبيات بقاء أي شخص على رأس حزب ما فترة طويلة؟
أ‌.   مع مرور السنوات يصبح عمل مسؤول الحزب الأول روتينياً ويفقد القدرة على المبادرة والإبداع والتجديد ويصبح العمل بحكم العادة التي تنشأ أثناء العمل.
ب‌.   وإذ يبدأ اي سكرتير جديد بعمل جماعي واحترام قواعد العمل, يتحول بمرور الزمن إلى شخص فردي يفقد الحس بأهمية العمل الجماعي ويهمله ليس في العلاقة مع اللجنة المركزية فحسب, بل وبشكل خاص مع قاعدة الحزب وكوادره.
ت‌.   ثم يصبح تدريجاً مستبداً بأمره لا يتحمل النقد ولا يمارس النقد الذاتي. يحتقن وجهه حين ينتقد ويرتفع صوته ويهدد ويتوعد بأن المنتقدين يريدون القضاء على الحزب أو تدميره. ثم يبدأ بالشعور بأن تخليه عن المسؤولية الأولى تفقد الحزب قيادته التي لا تعوض, ولا يرى في رفاقه من يستحق أن يأخذ موقعه. وحين يكون السكرتير العام وحزبه في السلطة ويواصل دور الشخص الأول تكون الطامة كبيرة والعواقب وخيمة. يحق لنا ويفترض فينا أن نعود إلى تجارب الحزب الشيوعيي السوفييتي والدولة السوفييتية في عهد ستالين وإلى تجار قادة والأحزاب الشيوعية وحكامها في الدول الاشتراكية لنرى بوضوح سوءات استمرار سكرتير ما سنوات طويلة على رأس الحزب والدولة أو أحدى هاتين المهمتين.
ث‌.   يهمل القراءة الفكرية والنقاش الفكري الهادئ ويرى نفسه وكأنه قد ختم العلم. 
ج‌.   يشكل تدريجاً بطانة له تؤيده في كل قراراته وتقف ضد من يمارس النقد أو يسعى لتغييره. ويبدأ ذلك في المكتب السياسي وينتقل إلى اللجنة المركزية ويمتد إلى كوار الحزب وقواعده.
ح‌.   يفقد القدرة على التمييز بين المخلصين من الرفاق المنتقدين له, وبين البطانة المادحة له والمصفقة له حقاً أو باطلاً. ..الخ.
خ‌.   ويجد أمراً طبيعياً ولذة خاصة حين توضع صوره في مقر الحزب أو في مكانات أخرى حيث يختفي التواضع ونكران الذات ويفقد العلاقة الضرورية مع الجماهير ومع الواقع. 
د‌.   وحين يبدأ التراجع في نشاط الحزب لا يسعى إلى التفكير باسبابه الذاتية أو بدوره في الحزب, بل يتحرى عنها في الواقع القائم في هذا البلد أو ذاك, وهو أمر مضر حقاً, أو في بعض المواقع الأخرى في الحزب. إنه يسعى إلى إعفاء نفسه من المسؤولية ورميها على عاتق الآخرين!
في مثل هذه الحالات, التي نجد نماذج كثيرة لها في عالم الأحزاب, ومنها الأحزاب الشيوعية, تنأى الأحزاب عن التجديد الفكري والسياسي والمبادرة والإبداع في العمل ويتقلص دور الحزب ويتراجع في مختلف المجالات, وخاصة في مجال ملاحقة التحولات الفكرية والسياسية على الصعد المختلفة, إذ تسود قاعدة عامة "ليس في الإمكان أبدع مما كان".
وإذا عدنا إلى الحزب الشيوعي العراقي, فمن الضروري أن اشير إلى أن القرار الذي اتخذه المؤتمر الخامس حول حصر انتخاب السكرتير الأول لدورتين فقط لم يأت عبثاً وكان ضرورة موضوعية, وجاءت نتيجة تجربة الحزب الشيوعي العراقي ذاته وتجارب الأحزاب الشيوعية الأخرى. لقد كان القرار صائباً حقاً بغض النظر عمن يكون السكرتير العام. لقد اتخذ القرار في المؤتمر الخامس قبل الظهر, ثم اقترح أحد ممثلي الحزب في تنظيم بريطانيا (د. م ي.) ان يعاد النظر في القرار في اجتماع بعد الظهر. وافق الاجتماع على إعادة النظر بالقرار وتم إلغاء ذلك, وهو مخالف عموماً لقواعد العمل في المؤتمرات الحزبية, وهي بادرة حصلت لأول مرة.
ومع ذلك ليس لي غرض شخصي من مقترح إعادة النظر بقرار أن يبقى السكرتير الأول مسؤولاً أكر من دورتين أو ثلاث دورات أو أكثر أو كما تقول مدى الدهر, بل أنصب تفكيري على  مصلحة الحزب, وهو ليس موجهاً ضد الرفيق ابو داود بل بشكل عام. في كتاباتي السابقة انتقدت بقاء الرفيق عزيز محمد مدة 27 عاماً على رأس الحزب و54 عاماً في اللجنة المركزية و52 عاماً في المكتب السياسي. والآن مر على وجود الرفيق أبو داود 17 عاماً على رأس الحزب وو34 عاماً على ترشيحه وعضويته في اللجنة المركزية, وهي فترة طويلة, كما أرى, ولكن يبقى الأمر متروكاً للحزب وللرفيق ذاته. إذ أن ما ذكرته من جوانب سلبية يمكن أن تظهر في كل حزب ومنها الحزب الشيوعي العراقي.

3 . القاعدة العامة يا رفيقي العزيز أبو حمادة أن الإنسان الشاب, (والمقصود هنا بين 20-45 سنة), يمتلك من الحيوية والطاقة الذهنية والقدرة على المبادرة والإبداع والحركة والتجديد وتحمل المسؤولية والقدرة على اتخاذ القرارات أكثر بكثير جداً من شخص بلغ الستين او السبعين من العمر أو وصل إلى عمرنا, أنت وأنا. إنها مسألة مرتبطة بجوانب بايولوجية الإنسان لا يمكن نكرانها وتجاوزها.
كبار السن يمتلكون الخبرة وربما معارف كثيرة أصبحت قديمة بحكم تقادم العلوم بسرعة هائلة, كما إنها ترتبط بقدرتهم على متابعة الجديد. كبار السن يمتلكون حكمة معينة, ولكنهم لا يمتلكون الكثير من الجوانب الأخرى التي يفتقدها الإنسان بمرور السنين ومنها الذاكرة النشطة. علينا نحن الذين تجاوزنا سن معينة أن لا نأخذ مهمات حزبية قيادية أو مسؤولية مباشرة, بل يمكن أن نساهم بتقديم المشورة والمساعدة قدر الإمكان أو تقديم الملاحظات والنقد البناء, ولكن ليس من واجبنا أخذ وتحمل مسؤوليات كبيرة, إذ أن نتائجها ستكون في غير صالح الأحزاب السياسية. هناك صراع بين الأجيال, ولكن علينا أن نعي أهمية ودور الشباب نحن الشياب دون أن نحس بالغبن او نسيء الظن بقدرات الشباب الذين يريدون تولي المسؤولية ولديهم القدرة والكفاءة وسرعة التعلم والإجادة بأضعاف ما يقدر عليه رجل بمثل عمري.
حين كنت شاباً, عزيزي حمدي, كنت غير كاظم الحالي بكل المقاييس, بما في ذلك القدرة الفكرية والقدرة على التجديد وسرعة المبادرة والحركة والقدرة استيعاب التقنيات الحديثة والجديد وسبل استخدامها, ةكذلك امتلاك قوة الأعصاب في مواجهة الأحداث. إن الشاب قادر على اتخاذ القرارات بسرعة أكبر, في حين تزحف عملية اتخاذ القرارات لدى الأشخاص من كبار السن.  لم أعد كما كنت عليه في السابق, وأنت كذلك. مع ذلك أتمنى لمن تريده ان يبقى مدى الدهر الصحة الموفورة والفكر النير والحياة السعيدة, وأرجو للحزب التوفيق معه وببرفيق أبو داود النجاح في إداء مهماته الكبيرة.
4 . أوضحت رأيي بصدد تغيير اسم الحزب الشيوعي العراقي, ولم تقنعني ملاحظاتك ومداخلتك, رغم احتامي لوجهة نظرك, إذ أن الحنين إلى الماضي وتراث الحزب هو الذي يخيم الآن, وهو غير كاف, إذ أن الحاجة ماسة, كما أرى, إلى اتخاذ خطوة التغيير بجرأة بارتباط مع واقع المهمات التي يفترض النهوض بها. لم يختر فهد ورفاقه اسم الحزب الشيوعي العراقي ابتداءً, بل كان اسم الحزب أولاً, وكما تعرف "جمعية مكافحة الاستعمار والاستاثمار", ولكن الأممية الثالثة فرضت على الأحزاب العمالية كلها أن يكون لها اسماً موحداً هو الحزب الشيوعي. كما تغير اسم الحزب الاشتراكي المصري إلى الحزب الشيوعي المصري, وعانى الحب كثيراً من جراء ذلك ولا زال يعاني. الأمر متروك للحزب الشيوعي العراقي ومؤتمراته ورفاقه, ولا أريد الخوض أكثر من ذلك بهذا المضوع. لكل حزب الحق في اختيار الاسم الذي يناسبه ويرى فيه فائدة له.
5 . بشأن برامج الأحزاب الشيوعية في الدول العربية اقترحت ما يلي:
ارى بأن المرحلة الراهنة تستوجب من الأحزاب الشيوعية التعمق باستخدام المنهج المادي الجدلي والمادي التاريخي في دراسة الماضي والواقع القائم والغوص فيهما وفهم التغييرات والتحولات الجارية على الصعيدين العالمي والإقلمي وعلى الصعيد الداخلي خلال السنوات العشرين المنصرمة على أقل تقدير. ثم القيام بتحليل كل ذلك واستخلاص المهمات التي توضع في برنامج جديد. أشعر بأن ما جرى إلى الآن غير كافٍ ويستوجب جهداً أكبر.
أما إذا كان أي حزب من هذه الأحزاب أنه قد أنجز هذه المهمة فهذا شأنه. ولا أستطيع تغيير ذلك. ولكني لا أزال أرى بأن جميع الأحزاب الشيوعية في الدول العربية بحاجة ماسة إلى ذلك, إلى دراسة الماضي والحاضر واستشراف المستقبل, أي إلى تحديد المشكلات الأساسية  وجوهر الصراعات الجارية والمهمات التي يفترض طرحها والسعي لتنفيذها وتعبئة فئات المجتمع حولها.               
6 . الوضع الراهن في العراق لا يزال سيئاً رغم مرور سبع سنوات على إسقاط الدكتاتورية. وهذا الواقع يستوجب التفكير بالحلول, يستوجب التغيير. والتغيير لا يأتي أوتوماتكياً بل يتطلب العمل, والعمل يتطلب الكثير من الأمور الأخرى. يمكننا أن نقول بأن هؤلاء سينتهون يوماً ما, وهذا صحيح, ولكن متى؟ هذا هو السؤال الذي يفترض ان نعمل من أجله ونسعى إليه, وليس أن نقول أن هؤلاء لا بد أنهم سينتهون!
الجماعات الإسلامية السياسية لا تعود إلى القرن الحادي والعشرين, بل تعود القرن الأول الهجري في ما تريد إقامته في العراق حالياً, ولذلك فهي ليست من هذا العصر, بل من عصر مضى وانقضى, وهم بقايا على الصعيد العالمي ستنتهي لا شك في ذلك. والمستقبل لقوى الديمقراطية والتقدمية. وهذا أمر لا شك فيه ايضاً, لأن حركة التاريخ يمكن ان تصاب بنكسات في بلد ما او مجموعة بلدان أو جزء من كل, ولكنها تبقى على الصعيد الكلي تسير نحو الأمام وتحقق المنجزات وتجر خلفها بقية دول العالم. هذا صحيح, وهو تفكير ديالكتيكي. ولكن المسألة ليست هنا, بل في عملنا وكيف يمكن أن نعجل من العملية وكيف نؤثر على مسيرة حركة التاريخ لكي تتوافق مع ما يجري على الصعيد العالمي أو الكلي؟
علينا ابتداءً أن لا نتحرى عن توافقات غير سليمة مع قوى الإسلام السياسية, أن لا نسعى إلى التناغم مع افكارهم الغيبية أو السكوت عن ممارساتهم أو عدم النضال الفكري والسياسي ضد طروحاتهم. فالنضال الفكري ضروري كضرورة النضال السياسي وعملية التنوير في المجتمع. لحظ مواقفهم إزاء الفن وعموم الثقافة في المجتمع, فن الرسم والنحت والموسيقى والغناء والرقص, لاحظ موقفهم من المرأة وحقوقها ومساواتها بالرجل .. لا يجوز السكوت عن كل ذلك ولا يجوز القبول بطروحتهم.
7 . لقد نشرت الكثير عن ثورة 14 تموز 1958, بما في ذلك موضوعات في الذكرى الخمسينية, ثم كتبت عن موضوع الانقلاب الذي اقترحه البعض في اللجنة العسكرية ضد حكومة قاسم حين بدأ بتغيير سياساته. لا أتفق مع رايك بهذا الصدد. لو قام الحزب بتلك المغامرة لأقتلع من الأرض العراقية حينذاك لأسباب كثيرة يفترض فيك أن تفكر بها جيداً. اعتقد أن كل القوى السياسية في العراق قد ارتكبت أخطاء فادحة حينذاك, قاسم والقوى القومية والبعثية والقوى الكردية والحزب الشيوعي العراقي... الخ. ولكن أكبر الجرائم ارتكبتها القوى القومية اليمينية والقوى البعثية حينذاك التي تعاونت مع القوى الإمبريالية والرجعية المحلية وقوى الإقطاع وشركات النفط الاحتكارية والقوى القومية واليمينية العربية في كل من مصر وسوريا.
أخطاء الحزب الشيوعي ليست قليلة حينذاك, بل لا بد من ذكرها وبجرأة لكي يتجنب الحزب الوقوع بها ثانية وفي أي وقت كان. وعدم قيامه بانقلاب ضد قاسم ليس من بين تلك الأخطاء التي أعنيها.
كنت أنتظر من الرفيق عزيز محمد أن يتحدث أكثر في لقاءاته الصحفية المهمة التي أجراها معه الصحفي السيد موفق التميمي حول أخطاء الحزب في الفترة الواقعة بين 1958-1963 ولا يكتفي بما ذكره في رؤيتنا لعبد الكريم قسم وما كنا نريده منه.

كنت أتمنى عليك صديقي العزيز. أن تقرأ ملاحظاتي بعين أكثر نقدية وأنت الذي تمتلك تجربة نضالية طويلة, رغم التقييد الذي عانيت منه خلال فترة حكم البعث وصعوبة اطلاعك على الجديد مما نشر في العالم, وأتمنى عليك أن تعيد قراءة رسالتك بعين أكثر نقدية ايضاً لتكتشف أحياناً غير قليلة انك تناقض نفسك في الطرح. ولكن ليس بودي أن اذكرك بها, فأنت أكثر قدرة مني على رؤيتها حين تعيد قراءة ما كتبته أنت وأنا.
أشكرك على رسالتك الكريمة وودك الصداقي الصافي متمنياً لك الصحة وطول العمر والاستمرار في النضال في صفوف الحزب الذي اخترته منذ ما يقرب من ستة عقود وضحيت الكثير من اجله ولا تزال.
دمت عزيزاً وسالماً, واشد على يديك.
كاظم حبيب
برلين في 10/10/2010                 

   

433
كاظم حبيب
هل يتحرك الإرهابيون من المسلمين في العالم دون دعم عربي وإسلامي؟

خلال العقدين المنصرمين تسنى لقوى الإسلام السياسية الإرهابية التي رعتها وغذتها وطورتها ثلاث دول أساسية خلال العقد التاسع من القرن العشرين هي الولايات المتحدة الأمريكية, التي مدتها بالسلاح والتدريب والمعلومات, والمملكة العربية السعودية التي مدت تلك القوى بالتعليم والفكر الديني المتطرف والمال والأفراد, وباكستان التي احتضنت ودعمت لوجستيا ووفرت لها الحماية وعززت تعاونها وتشابكها مع أجهزة الأمن الباكستانية وساعدت على فتح المزيد من المدارس الدينية ذات النهج الحنبلي الوهابي فيها, لكي تنزل الهزيمة بقوات الاتحاد السوفييتي في افغانستان. وقد كان لها ولغيرها من الدول الغربية والعربية ما أرادت فعلاً. ولكن ماذا بعد الاتحاد السوفييتي الذي انتهى أمره في بداية العقد الأخير من القرن العشرين؟ لقد انقلب السحر على الساحر, وكأن المثل الشعبي العراقي ينطبق على هذه الدول حين يقول:
"يا حافر البير لا تغمج مساحيها, خاف الفلك يندار وانت التگع بيها", انقلب على الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وباكستان, ولكنه لم يقتصر عليها بل امتد إلى الكثير من دول العالم. وكان ما كان قبل وبعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 من العمليات الإرهابية الدامية لهذه القوى في مناطق كثيرة أخرى من العالم.
إلا أن نشاط هذه القوى قد تركز في السنوات الأخيرة في كل من أفغانستان والعراق, وسقط بسبب الساحر القديم وسحره مئات الوف الضحايا قتلى وجرحى ودمار واسع وخسائر مالية لا حصر لها. ولم يتوقف عن مناطق أخرى في ذات الوقت. وإذا كانت الولايات المتحدة قد استطاعت إبعاد عمليات الإرهابيين عن بلادها, فإنها عجزت إلى الآن عن إنهاء هذه الحرب ضد الإرهاب, وهي تعلن بين فترة وأخرى عن اكتشاف خلايا جديدة ومحاولات جديدة جادة لعمليات دموية حقاً.
لم يعد تنظيم القاعدة الإرهابي كما كان عليه في السابق, إذ تلقى ضربات قاسية حقاً في كل مكان, ولكنه, ورغم تلك الضربات, لا يزال يمتلك إمكانيات مهمة قادرة على إنزال ضربات شديدة ومتواصلة في كل من أفغانستان والعراق, ومن ثم في اليمن, كما أنه عمد إلى تهديد العالم الغربي بضربات قاسية تنزل أفدح الخسائر بتلك الدول من خلال تحريك بعض خلاياه النائمة فيها او المرسلة إليه بعد إنجاز تدريبها في افغانستان وباكستان. لقد فشلت تلك المحاولات بفضل وعي أجهزة أمن تلك الدول ونشاطها الداخلي في داخل تلك التنظيمات الإرهابية, ولكنها في ذات الوقت تقود إلى عدة عواقب سلبية, نشير إلى بعضها:
1.   توجيه المزيد من الموارد المالية لأغراض حماية سكان الدول الغربية التي تبقى في قلق دائم من احتمال ضربات موجعة تنزل بها.
2.   زيادة الإجراءات الأمنية التي تمارسها تلك الدول الغربية بهدف الحماية, ولكنها تعتبر مقيدة جداً لحرية حركة ونشاط الإنسان وتزيد من متاعب السفر والتنقل والتدخل في شؤون الأفراد.
3.   تسيء إلى سمعة الإسلام والمسلمين والمسلمات, وهي سيئة عموماً في أوروبا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا وغيرها, كما ترفع من مستوى الخشية والقلق لدى تلك الشعوب من المسلمات والمسلمين المقيمين في هذه الدول, مما يزيد ويعقد من التفاهم المتبادل والحياة المشتركة في بلد واحد, ويدفع بها إلى اتخاذ إجراءات إضافية ضد الهجرة والإقامة والمراقبة.
4.   وهذه الظاهرة تحرك المزيد من القوى اليمينية في عدائها لا ضد الأجانب عموماً, بل ضد المسلمين من العرب وغير العرب بشكل خاص, وترفع من الكراهية وتنشط الفكر الشوفيني فيها.
5.   وقد وجدت هذه الحالة تعبيرها الواضح في الموقف من إقامة المساجد والجوامع أو من الحجاب في أوروبا, خاصة وأن القوى الإسلامية السياسية قد حولت الكثير من تلك المساجد والجوامع إلى مواقع للخطب السياسية ضد المسيحية وزيادة الكراهية الدينية أو الحجاب وكأنه قضية إسلامية, في حين انها اصبحت سياسية لا غير.
علينا أن نؤكد هنا ومن جديد ما أشرنا إليه في مقالات أخرى ما يلي: لا يمكن تصور وجود تنظيمات إرهابية على نطاق واسع تتحرك بحرية وحيوية وتوجه ضربات قاسية وتهدد الدول العظمى كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والمانيا وغيرها من الدول الأوروبية الأخرى وتقلق شعوبها ووتنغص حياة البعض منها وتثير حفيظة تلك الشعوب ضد الإسلام والمسلمين القاطنين في بلدانها, دون أن تتسلم دعماً مالياً ولوجستياً متنوعاً وتتزود بمزيد من الإرهابيين الملتحقين بتلك القوى الإرهابية من بعض الحكومات في الدول العربية والإسلامية, ومن منظمات وجوامع ومساجد ومدارس دينية وشخصيات مسلمة غنية تعيش في الدول الأوروبية أو في الدول الغربية عموماً. فإلى الآن تجد قوى الإرهاب الإسلامية السياسية في هذه الجهات المعين غير الناضب في تزويدها بما تريد لممارسة إرهابها على الصعيد العالمي. إذ لو توقف ذلك المعين المجهز بكل شيء, لتقلصت ثم توقفت واندحرت تلك القوى الإرهابية المقيتة. 
من المفيد هنا إيراد بعض النماذج في هذا الصدد:
نموذج 1, السعودية: في الوقت الذي تقوم المملكة العربية السعودية بمحاربة الإرهابيين في بلادها وتطاردهم وتقتل البعض المهم من المنظمين منهم من جهة, تقوم قواها الإسلامية السياسية ومدارسها الدينية والكثير من شيوخ الدين فيها وشخصيات كثيرة من أغنيائها وشركاتها بتقديم مختلف أشكال الدعم لتنظيمات القاعدة الإرهابية من خلال التعليم والتثقيف الفكري والسياسي في المدارس السعودية في المملكة وفي شتى بقاع العالم أو التبرع بالأموال أو تجنيد الأفراد من جهة أخرى, وبالتالي فأن القوى الأخيرة تساهم في تكوين وتوفير إرهابيين جدد تعمل في المملكة وترسل إلى دول أخرى لممارسة النشاط الإرهابي في آن واحد.
نموذج 2, باكستان: في الوقت الذي تتعاون باكستان مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الأطلسي بمكافحة الإرهاب في باكستان, تقوم أجهزتها الأمنية والكثير من العاملين في الجهاز الحكومي بدعم مباشر وغير مباشر لقوى الإرهاب عبر العلاقات القديمة التي نشأت بينها وبين قوى الإرهاب سابقاً وحافظت على تلك العلاقات وجددتها وفق قواعد عمل مشترك جديدة, لأنها أصبحت مرتبطة بها بعلاقات قوية وفساد مالي متفاقم في البلاد. فهم يمدون القوى الإرهابية بمعلومات قيمة عن التحركات المشتركة وعن المواقع التي يمكن ضربها بعيداً عن اعين الشرطة. كما يمكن تزويدهم بالكثير من السلاح والعتاد والمتفجرات من ترسانة النظام الباكستاني لسيادة نظام الفساد في كل البلاد الباكستانية. وبالتالي فأن باكستان تحارب بيد اليمنى, وتمد باليد اليسرى ما تحتاجه قوى الإرهاب الدولي لمواصلة نشاطها. ولم يعد هذا الأمر خافياً على أحد.
نموذج 3, إيران: قوى الإرهاب السياسية الإسلامية على الصعيد العالمي هي قوى تنتمي إلى المذهب الإسلامي الحنبلي الوهابي عموماً, وهو مناوئ للمذهب الشيعي الصفوي السائد في إيران. ولكن لإيران أجهزتها الإرهابية التي تعمل في دول أخرى كالعراق ولبنان وسوريا واليمن وفلسطين وباكستان وافغانيتان وغيرها أولاً, وتتعاون ثانياً مع القوى الإرهابية الأخرى التي تلتزم بالمذهب السني الحنبلي الوهابي بأمل تنشيط العداء للولايات المتحدة الأمريكية وتعقيد الأمر عليها في الدول الأخرى, كما يحصل في العراق حيث يوجد مثل هذا التعاون وبصيغ مختلفة, وكذلك في غزة مثلاً, إذ أن القوى الإسلامية السياسية (حماس) تشكل جزءاً من الأخوان المسلمين الأكثر تطرفاً في العالم العربي, كما يبرز ذلك في التعاون الكبير مع قوى إيران في لبنان, قوى حزب الله.
وفي الوقت الذي تقيم قوى افسلامية عموماً الدنيا ولا تقعدها بسبب منع بناء منارة لجامع في سويسرا أو في أي مكان آخر من الدول الغربية تنسى هذه الدول العربية والإسلامية أنها تمنع إقامة كنائس فيها, كما في السعودية, أو تسكت عن حرق الكنائس فيها أو لا تعلن عن تحقيقاتها بهذا الصدد, كما في العراق.   
وهناك نماذج كثيرة أخرى يمكن إيرادها في هذا الصدد أصبحت واضحة لمن يحاول متابعة نشاط قوى الإرهاب في دول "العالمين العربي والإسلامي", أو في الجاليات العربية والإسلامية في الدول الغربية.
إن المهمة المركزية التي تواجه القوى المدنية والديمقراطية في الدول العربية والإسلامية وفي إطار الجاليات الإسلامية والعربية في الدول الغربية هو النضال المكثف ضد فكر وسياسات وممارسات ونشاطات قوى الإرهاب والدول والقوى والجماعات الإسلامية الأخرى التي تدعم نشاطها وتمدها بما يساعدها على البقاء واستمرار قتل البشر والتخريب وتشديد الصراع بين اتباع الديانات المختلفة في العالم.
7/10/2010                     كاظم حبيب     

434
كاظم حبيب
هل كلما ضعفت إيران دولياً, ازداد تدخلها الفظ في العراق؟

المتتبع لأوضاع إيران السياسية والاقتصادية والاجتماعية, الداخلية منها والدولية, يجد أمامه لوحة داكنة ومحزنة حقاً, لأنها ذات تأثير سلبي مباشر على أوضاع الشعب الإيراني قبل غيره, رغم إنها تؤثر على أوضاع شعوب الدول المجاورة أيضاً. فسياسة الحكومة الإيرانية اليمينية والشوفينية المتطرفة غب نهجها العام تقود البلاد إلى خمس عواقب سلبية وأساسية مباشرة, أشير إليها فيما يلي:
1.   تنامي الاختلالات في السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة الإسلامية الإيرانية التي تبرز في توزيع وإعادة توزيع واستخدام الدخل القومي في صالح السياسات العسكرية والعسكرة وإنتاج السلاح النووي في مقابل إهمال واضح للسياسات الاقتصادية التي تنمي الإنتاج الزراعي والصناعي في وقت تزداد مجالات المقاطعة الاقتصادية والمالية بوجه إيران والتي ستبرز في شحة توفر السلع لأفراد المجتمع.
2.   تعاظم الفجوة الدخلية بين الفقراء والأغنياء لصالح النخبة الحاكمة والمتحالفين معها والمقربين منها المهيمنين على السوق الإيراني, رغم ان السوق لا يقف كله إلى جانب هذه الحكومة بسبب سياستها المعطلة لحركة القوانين الاقتصادية الموضوعية. كما أن حالة الفقر والعوز من جهة, وتفاقم شحة المواد في السوق الداخلية من جهة أخرى, وصعوبة التحكم في اسعار السلع الاستهلاكية من جهة ثالثة, ستزيد من التأثير والعواقب السلبية للقرارات الدولية التي تواصل مقاطعة إيران في الكثير من المجالات الاقتصادية والمالية وتشددها بين فترة واخرى.
3.   تزايد الإرهاب المسلط على رقاب الناس وتفاقم الممنوعات في الحياة السياسية والاجتماعية اليومية وامتلاء السجون الإيرانية بمعتقلي الفكر والرأي السياسي, اي لمخالفي رأي وسياسة الحكومة الإيرانية, بمن فيهم قوى إسلامية سياسية تشكل جزءاً من النظام السياسي الإيراني. كما أن هذه السياسة ستزيد من النقمة على الحكومة وتوسع قاعدة المعارضة السياسية في البلاد وتخلق فجوة متسعة بينهما.
4.   تفاقم الصراع القومي بسبب السياسات الشوفينية للنظام الإيراني من جهة, وطموح بنات وأبناء القوميات الأخرى غير الفارسية في إيران في الحصول على حقوقهم القومية المشروعة والعادلة. ويمكن أن نتابع هذا الواقع في التحرك الكردي في إقليم كردستان إيران على سبيل المثال لا الحصر.
5.   ومما يزيد من التبعات المالية على الميزانيتين التنموية والاعتيادية في إيران واقع زيادة دعم الحكومة الإيرانية بالمال والسلاح إلى عدد من الجهات الأجنبية, منها على سبيل المثال لا الحصر, حزب الله في لبنان, حماس في غزة والضفة الغربية, أتباع إيران في العراق, وأتباعها في الخليج العربي والسعودية واليمن وفي غيرها من الدول, وخاصة في باكستان والهند وأفغانستان وإندونيسيا وبعض الدول العربية الأخرى, وخاصة في مصر والسودان.
إن السياسة الخارجية الإيرانية تسمح للمتتبع بوضع يده على الحقائق التالية:
1.   سعي إيران الثابت من أجل تكون القوة العظمى في منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص لكي يمكنا التأثير المباشر على سياسات هذه الدول وتتوسع اقتصادياً وثقافياً ومذهبياً فيها. ويُفترض في المذهب هنا أن يُستخدم كأداة لصالح أهداف التوسع الاقتصادي للدولة الفارسية في المنطقة والعالم الإسلامي.
2.   إصرار إيران على إنتاج السلاح النووي بكل السبل المتوفرة ولو جاء على حساب شعوبها وعزلتها الدولية وربما انهيارها المفاجئ.
3.   تشديدها للصراعات الإقليمية باتجاهات ثلاثة مذهبية (شيعة-سنة), وفلسطين-إسرائيل وعلى الصعيد العربي بين لبنان وسوريا من جهة وبين إسرائيل من جهة أخرى, إضافة إلى تشديد الصراع داخل لبنان بين السنة والشيعية وإيصالها إلى حد الحرب الأهلية.
4.   مواصلة النشاط الإسلامي السياسي المذهبي في الدول الأوروبية وتكوين لوبيات داعمة لنشاطها من المسلمين الشيعة من مختلف البلدان لصالح سياساتها ومواقفها وجعل تلك الخلايا نائمة لفتروة طويلة إلى حين توقع أو انفجار فعلي للصراع مع الغرب واستخدامها لأغراض كثيرة.     
5.   تطوير الجهاز الأمني الإيراني في مختلف دول العالم ذات الأهمية لسياساتها الخارجية المرتبط بالسفارات الإيرانية أو شركات الطيران الإيرانية أو المساجد والمدارس الدينية التي تمولها إيران بهدف تزويدها بما تحتاجه من معلومات وتأمين عملاء لها من مواطني تلك الدول أو من مؤيديها من الأجانب. وهي ذات السياسة التي مارسها قبل ذاك الدكتاتور صدام حسين.
إن هذه السياسات المتطرفة وضعت إيران في مواجهة العالم بشكل عام, والعالم الغربي بشكل خاص, وأدت إلى مزيد من العزلة الدولية وإلى زيادة مصاعبها الاقتصادية والمالية والاجتماعية, ولكنها شددت بالأساس من مصاعب الشعب الإيراني الفقير والكادح والمضطهد.
وإزاء هذا الواقع, وللتخفيف من الضغط الداخلي والدولي على سياساتها, تعمد الحكومة الإيرانية ورئيسها الدكتاتور ومرشدها "الأوحد" إلى ممارسة سياسة زيادة التدخل في شؤون المؤيدين لها في منطقة الشرق الأوسط, وبشكل خاص في العالم العربي, وبشكل أخص في العراق ولبنان وفلسطين, بدلاً من تغيير سياساتها الراهنة.
من المعروف عن إيران, ومنذ أن أُسقط النظام الدموي في العراق, إنها قد نجحت في بناء قاعدة أساسية لها في العراق مكنتها من فرض سياساتها على العراق, ومنها:
1.   إقامة أكبر جهاز أمني لها يمتد من البصرة إلى كل الجنوب العراقي والوسط وبغداد ومن السليمانية إلى محافظات كردستان العراق والموصل.
2.   زرع منظمات غير حكومية دينية وغير دينية في مختلف مناطق العراق تأتمر بأوامر إيران وتتسلم الدعم المالي منها.
3.   غلغلة عدد غير قليل من عملاء الأجهزة الأمنية الإيرانية من الرجال والنساء في الأحزاب السياسية الإسلامية العراقية وفي أجهزة الأمن والشرطة العراقية, إضافة إلى مجموعات من الحرس الثوري والبسيج ممن يحملون الجنسية العراقية أو العراقية والإيرانية في آن. البعض من هؤلاء لا يخفي تأييده لإيران من منطلق مذهبي أو سياسي, وبعضهم الآخر يتحرك بعكس الاتجاه, ولكنه جاهز في الملماتلتأدية المهمات. ويمكن أن نرى مثل هذا التوزيع للعمل في الأحزاب الإسلامية السياسية وفي بعض مواقع الدولة والحكومة وفي المليشيات المسلحة التي حلت "رسمياً" أو لم تحل "رسمياً" ولكنها قائمة وفاعلة.
4.   السيطرة الواسعة لإيران على الاقتصادي العراقي من خلال ثلاثة حقول:
أ‌.   شركات التصدير الإيرانية التي تعمل بشكل واسع في العراق وتهيمن على نسبة عالية من قيمة استيرادات العراق وتتقاسم معها بنسبة أقل الشركات التركية؛
ب‌.   شركات إيرانية مقاولة تمارس مهمات البناء والتعمير؛
ت‌.   استثمارات إيرانية في حقول مختلفة سياحية ودينية وثقافية, مثل الفنادق وشركات نقل ومحلات تجارية, تؤسس لإيران مواقع اجتماعية مهمة في المجتمع العراقي؛
ث‌.   ويتغلغل الإيرانيون في أجهزة ووسائل الإعلام والدعاية الحكومية وغير الحكومية, وخاصة في الإعلام الإسلامي السياسي والمذهبي, كما إن نسبة عالية من بثهم الإذاعي والتفزيوني العربي موجهة لقضايا التدخل في الشأن العراق ولبنان وحماس.
إن تأثير حكام إيران المتزايد في العراق لا ينسجم مع ضعف إيران على الصعيد الدولي ولا مع مشكلاتها الداخلية, ولكنه يخدمها من خلال إلهاء الشعب الإيراني بها وخلق إشكاليات للولايات المتحدة الأمريكية. ولكن السؤال المنطقي هو ما هي أسباب تزايد دور إيران في الساحة السياسية العراقية وزيادة تأثيرها على جمهرة كبيرة من السياسيين الإسلاميين؟
لا تنرتكب خطأ حين نشير إلى العوامل التالية التي دللت عليها الفترة المنصرمة, وهي
1.   أن التأثير المباشر لحكام إيران على الأحزاب السياسية الإسلامية الشيعية بشكل عام ناشئ عن ممارسة الضغوط المذهبية وتجسيد الخشية من "عودة السنة" و"عودة البعث" إلى السلطة في العراق, خاصة وان القائمة العراقية تحتضن مجموعة من الأشخاص الذين لا يختلفون حقاً عن بعثيي العراق من الواحي الفكرية والسياسية والسلوكية التي تجلت في فترة حكم صدام حسين, إضافة إلى تضخيم احتمال خسارة الشيعة للحكم و"عودة المظلومية" التي كان الشيعة يشكون منها دوما.
2.   عدم إدانة المرجعيات الدينية الشيعية في العراق للدور الإيراني وضغوطه المتفاقمة على القوى والأحزاب الإسلامية السياسية في العراق. ويبدو هذا واضحاً من التصريح الذي أدلى به مقتدى الصدر في مؤتمره الصحفي الذي عقد في مدينة "قم" الإيرانية حين اشار إلى الضغوط الخارجية المتزايدة عليه وعلى غيره دون أن يشعر بأي حرج من ذكر ذلك ومن خضوعه لتلك الضغوط وتراجعه عن موقفه الرافض لترشيح المالكي.
3.   الدور غير الحكيم وغير الإيجابي الذي لعبته الدول العربية في دعم أياد علاوي بطريقة تؤكد عدم حياديتها وتأييدها الصارخ لقائمة علاوي, باعتبارها تضم أكثر من 90% من السنة, وهي دول ذات نظم سياسية تعتمد شريعة أهل السنة وأن تنوعت.
4.   السياسات الخاطئة التي ارتكبتها الإدارة الأمريكية في العراق منذ ولوجها البلاد والتي سمحت لإيران باحتلال أكثر المواقع أهمية وحساسية في العراق وفي بناء قواعد ثابتة لها تستطيع من خلالها التأثير المباشر على السياسة العراقية. ومن الجدير بالذكر أن الإدارة الأمريكية لم تجد إلى الآن الأسلوب الصائب في التعامل مع القوى السياسية العراقية, ولا مع إيران في أزمة الطاقة النووية وغيرها, فهي تتخبط حقاً.
5.   عجز الولايات المتحدة عن التعامل الواعي والعقلاني مع سياسات إسرائيل التوسعية وإيجاد حل للقضية الفلسطينية وإنهاء الاحتلال, مما يسمح لإيران بتحشيد القوى لصالحها في المنطقة, ويدفع بقوى معينة إلى دعم جهود إيران لإنتاج السلاح النووي باعتباره عامل ردع لإسرائيل .   
6.   ضعف القوى الديمقراطية العراقية وعدم قدرتها على منع ممارسة سياسات طائفية في البلاد والتصدي الناجح لدور إيران في العراق.   
إن كل هذه الوقائع سمحت أخيراً بموافقة 140 نائباً تقريباً من نواب التحالف الوطني الشيعي على ترشيح السيد نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية بهدف منع السيد اياد علاوي من تشكيلها, رغم حصول قائمته على 91 مقعداً في المجلس النيابي في مقابل 89 مقعداً لقائمة دولة القانون. ولكن هل سيحظى المالكي بتأييد مجلس النواب؟
يصعب تقدير ذلك لثلاثة اسباب؟
1.   إن التحالف الكردستاني يرتبط بتحالف إستراتيجي مع المجلس الإسلامي الأعلى في العراق الذي قاطع حضور الاجتماع, وحضره هادي العامري المعروف بتأييده المطلق لإيران وبدون تخويل من المجلس, وهو الشخص الذي كان ولا يزال مسؤولاً عن فيلق بدر. فهل سيقبل التحالف الكردستاني بالتخلي عن حليفه الإستراتيجي مقابل التعاون مع شخصية ليست معه هو المالكي, وحليف يقف ضده هو مقتدى الصدر الذي يرفض الفيدرالية في كردستان العراق؟ إذ أن التحالف الكردستاني يشكل بيضة القبان في تشكيل المالكي للوزارة الجديدة, إذ سيكون عدد النواب أكثر من النصف المطلوب لتشكيل الوزارة الجديدة. وغير معروف في ما إذا كانت مقاطعة المجلس الإسلامي للاجتماع هي لعدم التصويت بالرفض بل التحفظ, أم أنهم مصرون على ترشيحهم لعادل عبد المهدي؟
2.   إن الوزارة الجديدة, إن شكلت بين جزء كبير من التحالف الوطني والتحالف الكردستاني, ستفتقد إلى وجود من يمثل القائمة العراقية التي انتخبت من قبل الغالبية العظمى من أهل الُسنة العرب, فمن غير المعقول إبعاد ممثلو محافظات غرب بغداد وغالبية نواب الموصل عن تشكيل الوزارة الجديدة, علماً بأن القائمة العراقية قد أعلنت مراراً عن رفضها التعاون مع الملكي. وهذا يعني أنها ربما قد تكون قد تركت الباب مفتوحاً بهذا التعبير أمام احتمال قبولها بغير المالكي, كعادل عبد المهدي مثلاً.
إن الحالة الجديدة تؤكد واقع وجود تدخل وتأثير كبير لإيران في الشان السياسي العراقي في مقابل تراجع فعلي لتاثير الولايات المتحدة. وإذا كان الأمر الأخير إيجابياً, فأن زيادة تأثير إيران يشكل عقبة فعلية في بناء سياسة عراقية مستقلة عن السياسة الإيرانية على الصعيدن المحلي والإقليمي.
إن ترشيح المالكي لتشكيل الحكومة لن يعالج الأزمة الراهنة, إذ أنها ستتواصل لأسباب عدة منها احتمال رفض هذا الترشيح والتحري عن مرشح آخر في المجلس النيابي, واحتمال الاختلاف على المناصب السيادية الأخرى ومن ثم توزيع المناصب الوزارية الأخرى. إن الأزمة ستجر العراق معها إلى مشكلات جديدة, رغم أن الإنسان لا يأمل حصول ذلك, إذ أن المستفيد هو من يريد أغراق العراق بالدم والدموع, إضافة إلى أن الطائفية ستستمر في فرض وجودها ودورها المدمر على الساحة السياسية والمجتمع في العراق.
4/10/2010                  كاظم حبيب         
         

435
كاظم حبيب
مؤتمر المقابر الجماعية الدولي الثالث في أربيل
ومؤتمر الكرد الفيلية المزمع عقده في لندن وحقوق الكرد المهدورة

في الفترة بين 9 - 11 كانون الثاني 2011 سيعقد المؤتمر الدولي الثالث بشأن المقابر الجماعية في العراق في مدينة أربيل. ورغم انعقاد مؤترين قبل ذاك, أحدهما في بريطانيا والثاني في النجف, فأن الحكومة العراقية, كما اشار إلى ذلك نائب رئيس اللجنة التحضيرية السيد طالب الرماحي في اجتماع اللجنة التحضيرة, قد قصرت في واجبها إزاء هذا الفصل الأكثر حزناً وألماً من جرائم الفاشية في العراق.
إننا نأمل أن يجد هذا المؤتمر بما سيبحثه ويقرره أذناً صاغية من جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية والسلطة القضائية في العراق بهدف بلورة القرارات إلى قوانين من جهة وبصدد تنفيذ مضامين تلك القوانين من جهة ثانية وتأمين محاكمات جادة ووفق الأسس التي أحيلت محاكمة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت بحق الكرد الفيلية باعتبارها جرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية حقاً. وارى لزاماً على الحكومة العراقية ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية الديمقراطية او التي تتبنى الديمقراطية في برامجها والمجتمع العراقي عموماً النهوض المشترك بهذه المهمة من خلال تحويل هذه المأساة الإنسانية إلى تقليد سنوي لفضح الجرائم التي ارتكبتها القوى الفاشية في العراق, قوى حزب البعث الصدامي والحكومة الصدامية واجهزتها القمعية. كما يفترض أن تنشر معلومات كافية عن ضحايا المقابر الجماعية من الكرد والكرد الفيلية والعرب من الوسط والجنوب وكل من كان ضحية لتلك الجرائم من مختلف القوى والأحزاب السياسية العراقية التي قمعت بشتى السبل في العراق. ولا بد من استعادة عائلات تلك الضحايا حقوقهم المشروعة. ويفترض أن ننتبه إلى ان ما عشرات الألوف من الكرد الفيلية هم من بين ضحايا النظام الذين ربما هم تحت الأرض العراقية في المقابر الجماعية. أتمنى لهذا المؤتمر النجاح في تحقيق ما يتطلع إليه أهل الضحاي وكل الشعب العراقي من قرارات تخدم المهمة المركزية لهذا المؤتمر. أرجو أن تنتبه اللجنة التحضيرية إلى اهمية مشاركة مجموعة من ممثلي الجماعات البشرية التي استشهد منها الكثير ودفن في المقابر الجماعية ومنهم الكرد الفيلية الذين تم تجب دعوتهم في مؤتمرات سابقة.   
أما المؤتمر الثاني الذي يفترض أن يعقد في الربع الأول من العام القادم في لندن, فهو المؤتمر الخاص بحقوق الكرد الفيلية وضحايا جرائم الفاشية من الكرد الفيلية. إن أهمية هذا المؤتمر تأتي من ثلاثة جوانب:
1 . أن الحقوق المشروعة والعادلة التي صادرها النظام الدكتاتوري في العراق غير متحققة إلى الآن, بل إن هناك إصراراً من جانب الحكومة وأجهزة الدولة على عدم تلبيتها.
2 . إن أغلب القوى السياسية العراقية أوعدت وحنثت بوعدها في الاستجابة لهذه الحقوق, ومنها القوى الحاكمة في العراق دون استثناء, ومن استجاب لها لا يمتلك السلطة لتحقيقها.
3 . وأذ تعجز القوى الداخلية والحكومات العراقية المتعاقبة عن حلها أو لا تريد حلها بتعبير أدق, فلا بد للرأي العام العالمي والقوى المحبة للعدالة والمدافعة عن حقوق الإنسان أن تتدخل لتساعد هذا الطيف الرائع من بنات وابناء الشعب العراقي, الكرد الفيلية, للوصول إلى حقوقهم المشروعة كمواطنات ومواطنين لا غير, إذ لم يطالبوا بأكثر من ذلك.
فما هي الحقوق المشروعة لهذا الشريحة الكبيرة من بنات وابناء الشعب العراقي؟
لقد كتب الكثير من الأخوات والأخوة الكرد الفيلية أو ممن التزم الدفاع عن قضيتهم العادلة من العرب, من امثال الأستاذ القاضي زهير كاظم عبود أو الدكتور تيسير الآلوسي والدكتور منذر الفضل أو الأستاذ الكاتب جاسم المطير أو الشاعر فالح حسون الدراجي والكاتب الدكتور عزيز الحاج والكثير من أعضاء التجمع العربي لنصرة القضية الكردية, عن القضايا التي يفترض معالجتها لصالح الكرد الفيلية. وسأحاول هنا الإشارة إلى ما يفترض, كما أرى, ان يثار في مؤتمر لندن بشأن الحقوق العادلة لهذه الشريحة الكبيرة من العراقيات والعراقيين الكرد الفيلية:
أولاً: يفترض الإسراع ودون تأخير تنفيذ قرار منح كل الكرد الفينيلية الجنسية العراقية دون تأخير ودون مطالبة بدفع مبالغ (رشوة) لإنجاز هذه القضايا من جانب الأجهزة العاملة في دوائر الجنسية. فهم عراقيون ومن أهل أصل العراق. فقد وصلتني شكاوى كثيرة بهذا الصدد عجز اصحابها عن دفع ما طلب منهم ولم يحصلوا على ما هم يسعون إليه.
ثانياً: يفترض تقديم المساعدة للعائلات الكردية الفيلية التي تعذر عليها إلى الآن العودة إلى العراق وهي تريد العودة فعلاً وموجودة في إيران أو أجبرت على ترك إيران لأسباب كثيرة وتعيش في الشتات العراقي.
ثالثاً: يفترض تغيير تلك الأشخاص العاملون في الأجهزة الإدارية اذين يرفضون أو يعطلون تنفيذ القرارات التي صدرت حول استعادة الكرد الفيلية لأملاكهم وأموالهم وعقاراتهم...الخ وكل الحقوق المهضومة لهم دون عقبات بيروقراطية لا مبرر لها.
رابعا:ً ينبغي تقديم التعويضات اللازمة لتلك العائلات التي فرضت عليها الهجرة القسرية وعانت وفقدت الكثير من أفرادها وأموالها بسبب ذلك التهجير القسري المشين للنظام الدكتاتوري السابق. (لا بد من الإشارة إن حكومة الإقليم تدفع تقاعد لمجموعة من العائلات الكردية الفيلية التي استشهد لها ابناؤها ودفنوا في المقابر الجماعية).
خامساً: لا بد من التحري عن الأشخاص الذي غيبوا خلال سنوات حكم الدكتاتورية الغاشمة, إذ يتراوح عددهم وفق أقل التقديرات بين 15-20 ألف إنسان كردي فيلي.
سادساً: العمل من أجل الكشف عن الذين دفنوا في المقابر الجماعية من الكرد الفيلية إلى جانب التحري عن كل ضحايا المقابر الجماعية من المواطنات والمواطنين العراقيين.
في 10/3/2008 وقع عدد من الشخصيات العراقية المدافعة عن حقوق الشعب الكردي بياناً لخصت فيه بعض أهم القضايا التي يفترض أن تعالج أوردها فيما يلي:
1 . إلغاء القوانين والمراسيم والقرارات والإجراءات التي صدرت عن النظام الاستبدادي السابق والتي أدت إلى مصادرة حق الكُرد الفيلية في المواطنة ومصادرة جنسيتهم العراقية وأموالهم المنقولة وغير المنقولة. (وإذ صدر مثل هذا القرار, فأن تنفيذه يجري ببطء شديد وعبر معوقات من الأجزة المختصة بالجنسية).
2 . إتاحة الفرصة أمام جميع الكُرد الفيلية بالعودة إلى العراق دون عائق.
3 . أستعادتهم لحقهم الكامل في المواطنة العراقية التامة وحصولهم جنسيتهم العراقية المسلوبة منهم وإلغاء التمييز عنهم.
4 . استعادة كامل حقوقهم التي سلبت منهم , سواء أكانت أموالاً منقولة أم غير منقولة وتوفير مستلزمات العيش الكريم لهم بعد عناء وعذاب طويلين.
5 . إعادة جميع من فصل منهم أو طرد من الوظيفة إلى وظيفته وعمله, ومنح من أصبح في عمر التقاعد, حقه في راتب تقاعدي على أن تحسب له سنوات التهجير القسري أو السجن أو الطرد والفصل لأغراض الترفيع والتقاعد.
6 . تعويض العائلات المنكوبة بأبنائها تعويضاً مناسباً واعتبارهم شهداء سقطوا ضحايا الاستبداد والشوفينية.
7 . إصدار قرار من الحكومة العراقية تؤكد فيه حرصها على تسريع حل هذه الإشكاليات دون عمليات بيروقراطية محبطة للجهود المبذولة لحل المشكلات الراهنة.
أن من حق الكرد الفيلية على كل القوى السياسية العراقية, وخاصة التحالف الكردستاني بأحزابه الكردية, أن يمارسوا الضغوط المستمرة على الحكومة العراقية الراهنة والجديدة لتنفيذ ما صدر من قرارات بهذا الصدد والتي لم تنفذ إلى الآن. لا يكفي أن نقول بأن على الكرد الفيلية أن يعملوا من اجل حقوقهم, بل علينا جميعاً التضامن معهم لضمان تنفيذ ما تقرر لهم خلال السنوات المنصرمة السبع المنصرمة. إذ من المؤلم حقاً أن نعيد كل ذلك بعد أكثر من عامين على صدورها وبعد 7 سنوات من سقوط الدكتاتورية وبعد خمس سنوات تقريباً من تشكيل حكومة المالكي التي أوعدت الكرد الفيلية بالكثير وحنثت بوعودها في جانب التنفيذ فعلاً.
أملي أن تتوحد كلمة الكرد الفيلية حول تلك المطالب والنضال من اجل تنفيذها وتعبئة الرأي العام العالمي لصالحها.
1/10/2010                      كاظم حبيب

436

كاظم حبيب


هل الكراهية أم الاعتراف بالاخر سبيل التعايش بين البشر؟

في المقال الذي نشر لي حول كتاب الدكتور تيلو ساراتسين الموسوم "المانيا تنهي وجودها بنفسها", علق بعض الأخوة بملاحظات تستوجب المناقشة, إذ أنها ابتعدت عن مضمون الكتاب الذي واجه نقداً شديداً من منظمات المجتمع المدني والأحزاب ولاشخصيات الثقافية لما فيه من غثارة للأحقاد وخلفية عنصرية معادية للعرب والترك وغيرهم من المسلمين.ولا شك في أن الكتناب تضمن ملاحظات مهمة على سلوكية جمهرة من المسلمات والمسلمين المقيمين في ألمانيا او أوروبا وعلى الممارسات الدينية لهذه الجمهرة ومواقفها من الشعب الألماني وتقاليده وعاداته وثقافته. لقد وردت ملاحظات على مقالي تستوجب مني مناقشتها.
أسجل فيما يلي بعض الملاحظات الضرورية بهذا الصدد:
1 . ابتداءً لا بد من تسجيل إدانة صارمة وقاطعة لكل السلوك اللاإنساني والعدواني والعنصري الذي تعرض له المسيحيون, من كلدان وآشوريين وسريان, في العراق, أو في أي بلد عربي أو إسلامي على أيدي قوى الإسلام السياسية, المتطرفة منها وا"لمعتدلة. كما لا بد من إدانة تلك الجرائم التي ارتبكبت في العراق خلال الأعوام السبعة المنصرمة والتي لا يمكن ولا يجوز السكوت عنها. وقد أصدرت هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق, التي أتشرف بعضوية أمانتها العامة, بيانات شجب وإدانة لتلك الجرائم وحملت الحكومة العراقية مسؤولية ذلك بسبب عدم توفير الحماية ودعت الهيئة الحكومة العراقية إلى أداء واجبها بتوفير الحماية لكل المواطنات والمواطنين من أتباع الديانات الأخرى في العراق. وقد أدانت وشجبت كل الجرائم, سواء تلك التي ارتكبت في البصرة أم في بغداد أم في الموصل, وسواء تم قتل الناس أو تهجيرهم بالقوة والسيطرة على دورهم أم حرق الكنائس في بغداد والموصل, وفضحت خلفيتها العنصرية والتعصب الديني الأهوج والتمييز بين البشر.
2 . إن من الواجب تسجيل إدانة صارمة لكل محاولات اتهام الاخر بالتكفير والإساءة له او لدينه, إذ أن هذا تجاوز فظ على اتباع الأديان الأخرى وليس من حق أحد ممارسة ذلك. فالإنسان له الحق في اتباع أي دين او معتقد او فكر أو موقف يتخذه. وبالتالي محاول الإساءة لأتباع الديانات الأخرى بتكفيرهم مرفوضوة ومدانة في آن واحد. إذ أن هناك خللاً كبيرا في التربية الإسلامية والتعليم الديني في كل الدول العربية وفي كل الدول التي تُدعى بـ"الإسلامية" التي تبث الكراهية ضد الأديان واتباع الأديان الأخرى وتطلق عليهم عمداً بالكفار وهم ليسوا بكفار, بل هم موحدون. ويمس هذا الأمر أتباع الدانة اليهودية والمسيحية واديان أخرى. وهو أمر يجب أن يشجب بكل وضوح وصراحة وجرأة لأنه يؤجج الكراهية لا غير.إن التربية الإسلامية خاطئة جداً ومضرة وتثير الأحقاد والكراهية بين الناس.
3 . إن عمليات التهجير القسري أو ممارسة التهديد والقتل ضد العائلات المسيحية وأتباع الديانات الأخرى من غير المسلمين التي جرت ولا تزال تجري في العراق, والتي شملت المسلمين بسبب اختلاف المذاهب أيضاً, قد أدت إلى هجرة عدد كبير جداً من مسيحيات ومسيحيي العراق وكذلك الصابئة المندائيين والإيزيديين من أقضية الموصل إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وغيرها. وهي عمليات إجرامية أخرى ارتكبت بحق بنات وأبناء الوطن تمت إدانتها وشجبها بكل قوة من جانبي ومن جانب هيئة الدفاع أيضاً, واصدرنا الكثير من البيانات بهذا الصدد. 
4 . إن الشعوب الإسلامية لم تعرف عملية تنوير إلى الآن, في حين عرفت المسيحية ذلك منذ عهد مارتين لوثر, وهو فارق كبير, ويتجلى في الموقف من الأديان الأخرى. وبالتالي فالدول العربية والإسلامية من الناحية الدينية تعيش قرونها الوسطى في هذا الصدد ولهذا نسمع الفتاوى البائسة التي تصدر عن شيوخ دين لا دين لهم حقاً. ولا شك في أن الفقه والشريعة الإسلامية تسمح بذلك
5 . إن الكراهية لا تعالج بالكراهية المضادة, بل يفترض النضال ضد الكراهية التي تثيرها قوى الإسلام السياسية المتطرفة و"المعتدلة" والتي لا تريد أن تسود المدنية والعلمانية في العلاقة بين الدين والدولة, أي فصل الدين عن الدولة, في الدول العربية وفي غيرها, وبالتالي لا تكون الدولة في مثل هذه الحالة حيادية, بل يمكن أن تكون ضد اتباع الديانات الأخرى. وهو الخطأ الذي تخلصت منه أوروبا مع عملية التنوير والتي لم تتخلص منه بسهولة وبسرعة, بل بعد أكثر من قرنين أو ثلاثة بعد ظهور مارتين لوثر.
6 . الحكومة والأحزاب والشخصيات الألمانية الاجتماعية والعلمية والأدبية او الثقافية وقفت كلها ضد ساراتسين لأنها تؤمن حضارياً بحقوق الإنسان وترفض العنصرية والكراهية بين الشعوب أو إثارة الصراعات بين أتباع الديانات المختلفة. والمجتمع الألماني يكره بغالبيته العنصرية والتمييز ضد الأجانب, من أي دين أو مذهب كانوا, فهم يعطون القيمة للإنسان اساساً بغض النظر عن دينه أو مذهبه أو عقيدته اياً كانت.
7 . علينا أن نرى بوضوح أن جميع المسلمين, اياً كانت قوميتهم أو جنسيتهم, جاءوا من دول غير ديمقراطية, بل هي مستبدة, وبالتالي فالبشر فيها لم يعرفوا في الغالب الأعم حقوق افنسان ولا التنوير ولا الثقافة الديمقراطية, وبالتالي فالكثير منهم يتصرف كما تعلم في بلاده, وهو تعليم سيء. إن إدراك ذلك يجعل من مهمة البلد المستقبل للاجئين والمهاجرين صعبة وثقيلة ولكنها كبيرة ومهمة, هي كيف يساعد هؤلاء البشر على التحول صوب الحضارة الإنسانية التي يعيشها الإنسان في الغرب ويتخلث من الثقافة البدائية والعشائرية والدينية المتخلفة والمتعصبة.     
8 . غالبية المسلمين الترك الذين جاءوا إلى المانيا منذ العقد السابع من القرن العشرين للعمل فيها كانوا من الفلاحين ومن فئات اجتماعية متدينة ومتعصبة دينياً ومحافظة فكرياً وسياسياً واجتماعياً على الطريقة العثمانية المتخلفة, وبالتالي كان لذلك تأثيره السلبي على سلوكهم في المجتمع. والكثير منهم قد تغير, وكذا العرب المسلمين. ولهذا فالنقاط الثمانية موجودة لدى جمهرة كبيرة من المسلمين, ولكن ليست موجودة لدى كل المسلمين. وهنا العيب الذي يرتكبه سارتسين ايضاً. ولذلك ينبغي أن لا يسقط الإنسان بنفس الخطيئة التي يرتكبها المتخلفون من المسلمين إزاء اتباع الديانات الأخرى.
9 . أحس بعمق بالعوامل التي تدفع إلى هذه الحدة في التعبير عن مواقف البعض من المعلقين من مسلمين ومسيحيين, ولكن هل ينفع أن نتخذ مثل هذا الموقف أم يزيد الطين بلة. علينا أن نبذل الجهد كل الجهد لتغيير أوضاع هؤلاء باتجاه تحترام أتباع الديانات المختلفة وتناغمهم مع عادات وتقاليد المجتمعات الأوروبية وتربيتهم بما يسهم في تحسين مواقفهم إزاء الآخر.
10 . من يعرفني ومن قرأ كتاباتي يعرف بأني بعيد كل البعد عن القضايا الدينية والغيبية, إنسان مدني وعلماني وأسعى في أن أكون حراً وديمقراطياً, ولكني أحترم حق الآخر في أتباع الأديان, فهذا اختياره. ولكني اساهم بنقد الدين والفكر الديني معاً. ولكن لا أثير الأحقاد بين اتباع الديانات بل أتصدى لها وارفضها. اشعر بوجود سوء فهم في طريقة التعبير عن رفضكم لما يجري في العراق أو في الدول العربية, فأنا ارفض ذلك ايضاً وأدينه وأُدين كل الذين يمارسونه في العراق أو يسكتون عنه, ولكن لا أعمم المسائل.
11 . إن الكراهية تمنع الإنسان عن رؤية العوامل التي دفعتني إلى نقد تيلو ساراتسين, رغم أني قلت بأن هناك ما يفترض أن ينتقد في سلوك الكثير من المسلمين, ولكن لا يجوز التعميم. فهناك الكثير من المسلمين المدنيين والعلمانيين الذين يرفضون التجاوز على اتباع الديانات الأخرى ويرفضون السلوك الشائن إزاء الألمان أو إزاء العمل أو إزاء الدين المسيحي واتباع الديانة المسيحية السمحاء, وهم نقاد للدين الإسلامي أو الفكر الديني الإسلامي, ولكني أرفض التصنيف الجيني الذي يمارسه ساراتسين إزاء الشعوب اثنيتهم أو وفق أديانهم.
شكراً لمن شارك في التعليق وإثارة الحوار من النساء والرجال.
30/9/2010                   

437
كاظم حبيب

الكُرد الفيلية في العراق: أين الحل؟
هل هم يتحركون عبثاً وحائرين بين مدينتي نعم ولا؟


العراقيات والعراقيون جميعاً عاشوا مأساة الكُرد الفيلية وعرفوا بها وسكتوا عنها لأنها لم تشملهم, ولكنها شملت الكثير منهم فيما بعد. عاشوا مأساة العائلات التي هُجرت عنوة إلى إيران بعد أن انتزعت منها كل ما تملك من أموال منقولة وغير منقولة, عاشوا مأساة العائلات التي قتلت بعد ان جردت من كل شيء بما فيها الحلي التي كانت على معاصمهم أو صدورهم, عاشوا مأساة الشبيبة الكُردية الفيلية التي اعتقلت وزجت بالسجون ثم صفيت وألقيت في المقابر الجماعية الصدامية, عاشوا مأساة الشبيبة الكُردية الفيلية التي أرسلت إلى الخطوط الأمامية لجبهات القتال مع إيران لتقتل على أيدي الجنود الإيرانيين أو دفعها للسير على الأرض المزروعة بالألغام لتموت هناك. إنها المأساة المستمرة لعدد كبير جداً من الكُرد الفيلية الذين نزعت منهم أولاً وقبل كل شيء الجنسية العراقية, هويتهم الوطنية.
لقد ارتكب الدكتاتور المجرم صدام حسين أبشع الجرائم بحق الكُرد الفيلية, جرائم ضد الإنسانية ومحاولة لإبادة الكُرد الفيلية في العراق وبمختلف السبل المتوفرة لديه. ولم تكن هذه السياسة التي مارسها صدام حسين جاءت صدفة أو بسبب اعتقاده بأنهم يمكن أن يخدموا إيران في فترة الحرب, بل كانت تجسد فكراً وسياسة عنصريتين معاديتين للكُرد أساسً ومنهم الكُرد الفيلية, وهي ناتجة عن مواقف الكُرد الفيلية البطولية في الدفاع عن الجمهورية الأولى ضد انقلاب البعث الفاشي, وهي بسبب وطنيتهم الحميمة وانتمائهم لهذا الوطن الذي اسمه العراق, وهي بسبب رفضهم للحرب ضد الشعب الكُردي في كُردستان العراق وموقفهم الثابت من الحقوق القومية للشعب الكُردي الذي يشكل الكُرد الفيلية جزءاً منه.
لقد كان الكُرد الفيلية وعلى مدى عقود يجدون في حزبين سياسيين موقعاً لهم في النضال من اجل الحرية والديمقراطية والحقوق القومية, في الحزب الشيوعي العراقي وفي الحزب الديمقراطي (الكُردي) ومن ثم الكُردستاني. وكان هذا واحداً من الأسباب في كره وحقد صدام حسين وحزبه وكل القوميين اليمينيين المتطرفين على الكُرد الفيلية. ومن ثم تشكل حزباً ثالثاً ساهم مع الحزبين أيضاً في أعقاب العام 1976 في الدفاع عن حقوق الكُرد الفيلية, وأعني به الاتحاد الوطني الكُردستاني.
شارك الكُرد الفيلية في النضال ضد الدكتاتورية الصدامية وعانوا الأمرين من جراء ذلك. وكل الأحزاب السياسية العراقية المدنية منها والدينية أقسمت أغلظ الإيمان وأوعدت وتعهدت بتأمين كامل حقوق المواطنة للكُرد الفيلية واستعادة ما فقدوه من حقوق وممتلكات بعد سقوط النظام. ثم جاء السقوط وجاء الحنث بالوعد والعهد والقسم الذي أعطي للكُرد الفيلية من جانب كل الأحزاب التي تسلمت السلطة في بغداد دون استثناء, في ما عدا الحزب الشيوعي العراقي الذي تبنى ولم يستطع تحقيق شيء لهم لأنه لم يكن قادراً على ذلك. دعوني أقول, ومع كل الألم الذي يحز في نفسي, أن الأحزاب الكُردستانية التي تبنت قضية الكُرد الفيلية لم تلتزم بوعودها وعهودها, وإلا لكانت قد حققت لهم ما يجب أن يتحقق لهم. وهو ما يوجع الكُرد الفيلية كثيراً وما يقض مضاجهم يومياً ولهم كل الحق في ذلك.
أفهم تماماً حين يشير السيد طارق الهاشمي في رسالته الجوابية على رسالتي التي وجهتها له قبل عدة سنوات حول حقوق ومظلومية الكُرد الفيلية, إلى أن هذه مشكلة معقدة وفيها اراء مختلفة, فلارجل من القوى القومية والإسلامية المعروفة بمواقفها إزاء الكُرد الفيلية, وهم يضاف إلى ذلك من المذهب الشيعي, وهو يعتبرهم من التبعية الإيرانية! ولكني لا استطيع أن افهم قطعاُ أن لا تتضمن مطالب التحالف الكُردستاني للمشاركة بالحكم في بغداد موضوع حقوق الكُرد الفيلية التي اغتصبت في عهد الدكتاتور صدام حسين, منظم الأنفال وحلبجة وتهجير وتشريد وقتل الكُرد الفيلية والتعريب. ولا يمكنني أن أفهم ذلك ولا يمكنني كعربي عراقي مدافع عن حقوق القوميات أن أقبل بذلك. ولهذا أطالب الأخوة والأخوات في التحالف الكُردستاني ورئاسة وحكومة إقليم كُردستان أن يتبنوا فعلياً وعملياً مطالب الكُرد الفيلية ويضعوها في مقدمة مطالبهم في التفاوض مع من يريد تشكيل الحكومة العراقية القادمة.
جاء في رسالة جوابية للصديق الأستاذ عادل مراد على رسالة السيد عصام الفيلي حول الموقف من حقوق الكُرد الفيلية المغتصبة ما يلي:
الاخ الفاضل عصام أكرم
أعتقد بان العلة الاساسية تكمن فينا .. ولكننا نحاول بشتى الوسائل قذف قماماتنا على الاخرين والسبب يكمن في ضياع الذات والتعالي الواحد على الاخر والتقليل من شأن الاخر .. إذ لازلنا نعيش اجواء القرى النائية علما بأننا لم نر القرية وترعرعنا في قلب العاصمة ... فالحسد يمزقنا .. كالفلاح الذي يدعو السماء لان تهطل على ارضه لتجف ارض جاره. مع الاعتذار.
المخلص  عادل مراد   السليمانية
أتفق مع الأخ الكريم إلى أن الفرقة بين الكُرد الفيلية, وهي نتيجة منطقية لما يجري في العراق في المرحلة التي أعقبت سقوط صدام حسين ونظامه العفن, وأن وحدتهم أساسية لاستعادة حقوقهم المشروعة والعادلة. إذ إن كثرة منهم, وليس كلهم, موزعون بين الجانب القومي والجانب الديني المذهبي, وبين الجانبين الفكري والسياسي وكذلك المصلحي أيضاً. وقد لمست هذا بنفسي حين طلب مني أن اشارك في عقد لقاء لهم تحت مظلة التجمع العربي لنصرة القضية الكُرديةدون أن يكون لي وللأخوة في التجمع أي هدف أو قصد ذاتي تحت هذا المشروع سوى تجميعهم وتخفيف أو إلغاء الفرقة عنهم. إنهم بين مدينتي لا ونعم, وكما يقول المثل الشعبي العراقي "بين حانه ومانه ضيعنا الحانه"!
ولكن السؤال الذي يواجهني إزاء رسالة الأخ الكريم هو: هل هذا هو السبب في ذلك أم أن السبب يكمن في حقيقة الفكر والسياسة والمصالح الخاصة للقوى التي تحكم العراق؟ اعتقد أن من واجب الكُرد الفيلية أن يجدوا وحدتهم العملية بغض النظر عن الاختلاف الفكري أو السياسي في ما بينهم, إذ أن هناك الكثير الذي يوحدهم والقليل الذي يفرقهم.
ولكن أليس من واجب الأحزاب الوطنية الديمقراطية أن تتبنى قضيتهم وتدافع عنها, ومنها الحزبين الرئيسين في كُردستان العراق, الحزب الديمقراطي الكُردستاني والاتحاد الوطني الكُردستاني؟ أليس من واجب الأخ عالد مراد أن يسعى بكل الجهود الممكنة, رغم مرضه الذي أرجو له الشفاء العاجل, أن يبادر بالاتفاق مع الحزب الديمقراطي الكُردستاني وبقية الأحزاب الكُردستاني إلى عقد مؤتمر كبير يوحد الكُرد الفيلية ويتبنى القضايا التي يطرحونها وهي عادلة كلية؟ أليس من واجب رئاسة الجمهورية ورئاسة الإقليم والحكومة الكُردستانية أن تتبنى ذلك؟ لا أنتظر أي استجابة من الأحزاب الإسلامية السياسية لقضايا الكُرد الفيلية, فهم في مواقفهم لا يختلفون عن موقف الحكومة الإيرانية من الكُرد الفيلية, خاصة إذا علمنا ما عاناه الكُرد الفيلية من الحكم الإسلامي الإيراني, وخاصة العراقيات والعراقيين من الكُرد الفيلية!
في الوقت الذي أتفق مع الأخ الأستاذ عادل مراد في ما ذهب إليه حول التمزق الكُردي الفيلي, ولكني أختلف معه في تقديره للمشكلة المركزية, أي فرقة وتشتت الكُرد الفيلية, وليس في الموقف الحكومي العراقي وعموم الموقف إزاء الكُرد الفيلية باعتباره العائق الفعلي لحل المشكلة. هل من المعقول والمفيد مثلاً أن لا ترشح الأحزاب الكُردستانية كُردياً فيلياً واحداً في بغداد ليخوض الانتخابات مثلاً بل ترشح اكراداً من مدن السليمانية وأربيل أو دهوك؟ ولمصلحة من يحصل مثل هذا الأمر؟   
أثير هذه الأسئلة لا لكي أحرج الصديق الأستاذ عادل مراد, وهو الكُردي الفيلي المعروف الذي يتبنى جميع القضايا الفيلية العادلة, وهو فر سالته يعبر عن جرح عميق يعاني منه بصدد هذه المسألة, ولكن لكي أنبه الأخوة في الحزبين الكُرديين الكبيرين أن يلتزموا على الأقل ما يلتزم به الحزب الشيوعي العراقي إزاء الكُرد الفيلية, رغم عدم قدرته على إنجازها غلا أنه موقف مبدئي, إذ لو اتفقت هذه الأحزاب مع الحزب الشيوعي العراقي ومع قوى ديمقراطية اخرى ومع قوى الكُرد الفيلية, لكان بالإمكان تحريك الشارع ايضاً لصالح قضية الكُرد الفيلية.
أتمنى على الأخ الكريم أن يبحث هذا الموضوع مجدداً وأن يعيد النظر بمضمون رسالته لكي لا تكون ذات جانب واحد, بل تُعالج المسألة بجانبيها وتساهم باتخاذ الإجراءات الكفيلة بمعالجة الموضوع.
أتمنى على اعضاء المؤتمر القادم الذي يراد عقده في لندن والخاص بقضايا الكُرد الفيلية أن يحقق ما عجز الجميع عن تحقيقه إلى الآن.
29/9/2010                كاظم حبيب

438
متابعة سياسية حول أوضاع العراق الراهنة


1.   حول تشكيل الحكومة
لا تزال أزمة تشكيل الوزارة العراقية الجديدة تتفاعل على الصعيد الداخلي ولكنها تراوح في مكانها, إذ عجزت الائتلافات السياسية القائمة في الوصول إلى اتفاق يساعد على عقد جلسة لمجلس النواب لحسم توزيع وانتخاب الرئاسات الثلاث, رغم مرور ما يقرب من ستة شهور على انتهاء الانتخابات وتفاقم الوضع الأمني وتزايد عدد القتلى والجرحى في بغداد والبصرة وديالى وغيرها. وفي مقابل هذه المراوحة ازدادت صور التدخل والتأثير الإقليمي والدولي على القوى السياسية الفائزة في الانتخابات من أجل تشكيل الحكومة كل وفق مصالحه في العراق. واشتد الصراع الداخلي في الآونة الأخيرة بين الائتلاف العراقي والصدريين من جهة, ودولة القانون من جهة أخرى, في إطار التحالف الوطني حيث انبرى المالكي لتبيان أسباب إصراره على الترشيح وحقه في ذلك وقدرته على تحقيق المنشود في العراق. ومباشرة عقد عادل عبد المهدي لقاءً صحفياً خاصاً ليرد على حديث المالكي ويفند ما طرحه المالكي في مؤتمره الصحفي. أما الكتلة الصدرية فقد أعطت رأيها منذ البدء ضد المالكي وساندت الائتلاف في الموقف منه. ويعزى هذا الموقف من المالكي إلى الحملة التي نفذت في البصرة ضد قوى الإرهاب وضد ميليشيات جيش المهدي. إن قراءة مدققة لما صرح به المالكي وعبد المهدي يدرك عمق الفجوة الناشئة بين قوى التحالف الوطني الجديد الذي أقيم حديثاً ويعاني من قلق وصراع شديدين وإلى صعوبة الوصول إلى اتفاق بينهما حول رئيس الوزراء, رغم أن السياسة لا تعرف المستحيل في غالب الأحيان, إذ يمكن أن يتفقوا في اللحظة الأخيرة تحت وطأة ظروف وضغوط كثيرة.
وجد المالكي في الأسبوع الأخير وضعاً مريحاً نسبياً حين زار إقليم كردستان, إذ أوضح كل من السيد رئيس الجمهورية والسيد رئيس الإقليم بأنهما لا يضعان خطاً أحمراً على تولي المالكي رئاسة الوزارة إن التزم بتلك النقاط التي طرحها التحالف الكردستاني للحوار مع جميع القوى والتحالفات السياسية من أجل الموافقة على تسمية الشخص الذي يتولى تشكيل الوزارة الجديدة. ويجري الآن ترويج اتفاق بين دولة القانون والعراقية والتحالف الكردستاني من جانب دولة القانون, وهو أحد المشاهد المطروحة فعلاً.
وإذ تعذر وصول المالكي إلى اتفاق مع علاوي إلى الآن حول الموقف لما يسمى بالاستحقاق الدستوري حول من يتولى تشكيل الوزارة, فأن صعوبات جدية كبيرة تقف حائلاً في وجه علاوي لضمان حلفاء له توافق على تشكيله الحكومة, إذ أن قائمة علاوي تضم فيها جماعات ذات اتجاها فكرية وسياسية متباينة ومتصارعة يمكن أن تتفجر في كل لحظة وتفتت قائمة العراقية, في حين أن قائمة المالكي لا تزال متماسكة نسبياً. إضافة إلى أن الجمهرة الواسعة من الشعب العراقي تدرك وجود نسبة غير قليلة من قدامى البعثيين والقوميين الشوفينيين في القائمة العراقية الذين يشكلون محور توتر مع عائلات ضحايا الكُرد والشعب الكردي, ومع ضحايا البعث الآخرين, وهم غالبية الشعب, من السنة والشيعة ومن أديان أخرى.
وإذ برز في الآونة الأخيرة ميل ضد المالكي لتشكيل الوزارة الجديدة, بل تفضل أحد مرشحي القائمة الصدرية على نحو خاص, فأن ميل الولايات المتحدة اتخذ وجهة تأييد المالكي لتشكيل الوزارة الجديدة بسبب سنوات العمل المشترك خلال دورة الحكومة الأخيرة وقدرتها على التفاهم معه لضمان سرعة مغادرة العراق دون الكثير من المصاعب على وفق الاتفاقيات التي عقدت مع حكومته.
لا يمكن تشكيل الوزارة من دولة القانون والتحالف الكُردستاني, إذ إن العدد لا يكفي, كما لا يريد التحالف الكردستاني التخلي عن تحالفه مع الائتلاف العراقي الذي يقوده عمار الحكيم, ولهذا لا بد من أن تتفق ثلاث قوى هي دولة القانون والائتلاف العراقي والتحالف الكردستاني أساساً من دون القائمة العراقية والصدريين. وفي حالة حصول مثل هذا المشهد, عندها يكون العدد كافياً للحصول على أكثرية في المجلس النيابي لمن يتولى تشكيل الحكومة, كما يمكن عندها الاتفاق مع القوى الأخرى للمشاركة في حكومة واسعة تضم كل القوائم الفائزة. ولكن السؤال: هل سيحصل مثل هذا المشهد؟ غير مستبعد, وهو ما سوف تكشف عنه الأيام القادمة, إذ أن الولايات المتحدة رمت بثقلها في كفة المالكي, ولأن التحالف الكردستاني اتفق من حيث المبدأ مع المالكي على الالتزام بالدستور العراقي في الموقف من المادة 140 من الدستور الجديد وقضايا مهمة أخرى.
كانت تصريحات المالكي الأخيرة تشير إلى أنه يخشى من الطائفية أن تنتصر في الحوارات الجارية, وكذلك انتقالها إلى الجيش والشرطة وقوات الأمن الداخلي. ولكني أتساءل: هل حقاً إن المالكي لا يمثل طرفاً طائفياً في المعادلة السياسية الراهنة؟ يتمنى الإنسان ذلك ولكن لا يمكن تأكيده أو الاطمئنان إليه, خاصة بعد أن صدرت تصريحات من أعضاء في دولة القانون يجري تأكيد عدم التنازل عن رئاسة الحكومة لأن ذلك يخل بتوازن وجود مكونات معينة في الحكومة, أي بالمكون الشيعي, ولم يجد أي حرج في الحديث عن ذلك, بل قالها بملء الفم!
إن التشبث الشديد برئاسة الحكومة من جانب المالكي يثير القلق الشديد لدى الناس الاعتياديين والكثير من السياسيين بسبب السياسات التي مارسها المالكي خلال السنوات الأربع المنصرمة, في ما عدا الجانب الأمني والذي تدهور أخيراً, وهو السكوت الواسع عن الفساد وعن مصادرة الكثير من العقارات من قبل شخصيات في تحالفات سياسية إسلامية معروفة له ولغيره, وبسبب فرديته في العمل والغرور الذي ظهر بشكل صارخ على سلوكه السياسي واعتبار نفسه الشخصية الأقوى القادرة على تسيير أمور العراق!    
إن ما يخيف الكثير من الناس في العراق هو ذلك التشبث الناتج عن موقف طائفي رغم محاولته نفي ذلك, إذ أن ذلك سيؤجج الصراعات الطائفية التي يفترض أن يتركها المجتمع العراقي خلفه وكذا كافة المسؤولين في العراق.  

2.   حول الإرهاب المتفاقم في العراق
الشعب العراقي والرأي العام العالمي يتابعان بقلق شديد تزايد عدد العمليات الإرهابية التي تنفذ في العراق من قبل القوى الإرهابية والمليشيات الطائفية المسلحة التي يذهب ضحيتها كل يوم عدداً كبير من الناس الأبرياء من أطفال ونساء ورجال, إضافة إلى التخريب في المنشآت وشبكات الطاقة الكهربائية والمؤسسات الحكومية والمحلات التجارية ودور السكن. وكان أشد تلك العمليات ما وقع في البصرة إذ سقط أكثر من 250 شخصاً بين قتيل وجريح ومعوق. وهو التعبير عن عود الإرهاب والعمليات الانتقامية في الصراعات الدائرة في العراق والرغبة في نشر وتوسيع عدم الاستقرار ولإفشال الجهود لتشكيل الحكومة الجديدة.
إن وجود حكومة تصريف أعمال منصرفة للصراع حول تشكيل الحكومة ونشوء فراغ سياسي فعلي من جهة, مع وجود قوات مسلحة غير مستقلة عن تلك الصراعات تماماً, بل وربما يرتبط البعض منها بقوى لا تريد الاستقرار للبلاد, من جهة ثانية, وعودة قوى القاعدة وهيئة علماء المسلمين وقوى أخرى طائفية مسلحة من جهة ثالثة, إضافة إلى التدخل الإقليمي المتنوع الاتجاهات والمقاصد, كلها تساهم في تفاقم المخاطر الجدية على الشعب والعملية السياسية, وهي التي قادت إلى التصريحات التي أطلقها رئيس أركان الجيش العراقي بالقول بأن الجيش غير مؤهل حتى الآن من حيث التسليح والآهلية للدفاع عن سيادة البلاد وحماية الأمن الداخلي, وهو ما أشار إليه من بعيد وزير الدفاع الأمريكي بصورة ما, رغم الرغبة الشديدة لدى باراك أوباما بالخروج العسكري من العراق على وفق الاتفاقية العراقية-الأمريكية.  
إن استمرار وجود السياسات الطائفية على المسرح السياسي العراقي ستساهم بالضروري في استمرار وجود تلك المشاعر الطائفية في القوات المسلحة العراقية, وكلاهما يشكل الخطر الكبير على العملية السياسية وعلى  آفاق تطور وحدة المجتمع العراقي. ومن هنا تأتي النداءات غير الكافية بضرورة التخلي عن الطائفية السياسية والتحلي بروح المواطنة المتساوية لكل بنات وأبناء الوطن. وهنا تبرز أهمية أن يزداد وعي الناس ودورهم في الضغط على القوى السياسية للتخلي عن مواقفها وسياساتها الطائفية لصالح تقدم الشعب وازدهاره الاقتصادي والاجتماعي.    
 
3.   حول تصريحات السفير الإيراني الجديد
أدلى السفير الإيراني الجديد في بغداد حسن دانائي فر بتصريحات ليست مثيرة للجدل حسب, بل وتعتبر تدخلاً مباشراً في شؤون المجتمع العراقي وحقه في التعبير عن آرائه ومواقف سياسييه في ما يجري في العراق. والجوهر في هذا التصريح يؤكد عدم تدخل إيران في الشأن العراقي وأن من حق إيران مقاضاة من يصرح بعكس ذلك؟ ولكن هل حقاً لا تتدخل إيران بالشأن العراقي. كانت إيران أول من اعترف بالوضع الجديد في العراق نتيجة عداء إيران لنظام صدام حسين, رغم أن من اسقط صدام هم الولايات المتحدة التي تعتبر الشيطان الأكبر على وفق رأي المسؤولين في إيران. ومنذ اليوم الأول وإيران تتدخل مباشرة في الشأن العراقي, سواء بإرسال الجواسيس ونشطاء الحرس الثوري أم بإرسال الأموال والسلاح والعتاد للعراق أم بالسماح بعبور الإرهابيين القادمين من أفغانستان, أم بتشكيل منظمات مجتمع مدني للتستر على نشاط قوى إسلامية سياسية متطرفة وتشجيع المليشيات المسلحة الطائفية على ممارسة الكثير من الأعمال التي تدخل في باب نشر عدم الاستقرار في البلاد. وهذه المعلومات ليست من عنديات الكاتب بل من تصريحات العديد من المسؤولين في بغداد والبصرة وفي مدن أخرى في العراق. واليوم تساهم إيران في قصف المناطق الآمنة من جبال وقرى كردستان بذريعة وجود مناضلين كرد من كردستان إيران في تلك المناطق الجبلية.
وفي الأيام بينت القوات الأمريكية بدء غيران بتشجيع المليشيات الطائفية المسلحة بمعاودة نشاطها الإرهابي والتخريبي في العراق بأمل الضغط على تشكيل الحكومة بالاتجاه الذي تسعى إليه ويخدم مصالحها وليس مصالح الشعب العراقي.
إن السفير الإيراني قد تجاوز في سلوكه الأصول الدبلوماسية المتبعة والتي يفترض أن تبتعد عن التدخل في الشأن العراق. إذ كان من حق الحكومة الإيرانية أن تتباحث مع الحكومة العراقية بأي أمر تريده, ولكن ليس من حقها لرئيس دبلوماسيتها في العراق التجاوز على حق ثابت من حقوق الشعب العراقي وتضع الحكومة العراقية في وضع محرج, إذ لا بد لها أن تشجب هذه التصريحات وتطلب استبدال هذا السفير بسفير أخر أكثر لياقة ومعرفة بالأصول الدبلوماسية.

4.   حكومة تصريف الأعمال والخدمات العامة للشعب
نحن أمام حالة فريدة في العراق. فبعد مرور سبع سنوات ونصف السنة تقريباً على سقوط النظام الفاشي في العراق, لا يزال الناس يواجهون نقص شديد في الكهرباء والماء وامتلاء المناطق الشعب بأنواع القمامة وما ينجم عنها من أمراض للأطفال بشكل خاص. فدرجة الحرارة التي تجاوزت الخمسين مئوية والبق والذباب اللذان يتكاثران بشكل مرعب في مثل هذه الأجواء وانقطاع التيار الكهربائي أغلب ساعات الليل والنهار في وسط وجنوب العراق, أصبحت تشكل إرهاقاً مرعباً لمزيد من البشر, ولم يجد الكثير من الناس أمامهم إلا السفر إلى خارج العراق ومن لم يستطع ذلك مالياً, فيمم وجهه صوب ربوع إقليم كردستان ليتمتع بالأمن والاستقرار ودرجة حرارة اقل, إضافة إلى توفر الكهرباء والماء والخدمات الصحية الأخرى والطبيعة الخلابة.
لا يمكن تصور مرور أكثر من سبع سنوات والحكومات الاتحادية الثلاث المتعاقبة في بغداد كانت ولا تزال عاجزة عن استكمال نصب محطات وشبكات واسعة للطاقة الكهربائية أو إيصال الماء بشكل مناسب للسكان أو إزالة أكوام القمامة من الشوارع أو تشغيل هذه الأعداد الكبيرة من العاطلين عن العمل, رغم تكديس عدد هائل منهم في دوائر الدولة ليزيدوا من واقع البطالة المقنعة والمعرقلة لسير العمل الوظيفي وإنجاز معاملات الناس. الناس تعتقد جازمة بأن السبب في كل ذلك هو الفساد الذي يعم البلاد والعباد. وهي حقيقة لم ينكرها المسؤولون. وقد بلغ الأمر برئيس هيئة النزاهة أن يشكوا من زيادة التدخل الفظ في شؤون هيئة النزاهة في الناصرية من السياسيين وغيرهم للكف عن ملاحقة الفاسدين والمفسدين الكبار. إنها لمعضلة حقاً في أن الهيئة التي يراد لها النجاح, تقع تحت الضغط لتسكت عمن يشترك في جرائم الفساد. كما أن عصابات الجريمة المنظمة التي تنظم من قبل بعض القوى العاملة في أجهزة الأمن والشرطة العراقية تزيد من ارتكاب الجرائم البشعة ضد العائلات في البصرة وبغداد وفي غيرها أيضاً.
وباختصار شديد فإن الوضع الراهن في العراق لا يبشر بالخير إن واصل السياسيون في بغداد مواصلة الصراع والتشبث بالحكم وعدم إيجاد مخرج لأزمة تشكيل الحكومة والسماح لقوى الإرهاب والمليشيات المسلحة إنزال المزيد من الخسائر في المجتمع وتعطيل العملية السياسية والدفع باتجاه حرب طائفية تحرق الأخضر قبل اليابس.          
            كاظم حبيب

 
  


439
أ. د. كاظم حبيب


ساراتسين وهستيريا العنصرية والعداء للمسلمين في ألمانيا

الإعلام الألماني كله مشغول خلال هذه الأيام بالتصريحات المثيرة للجدل والاستفزازية إزاء المسلمين المقيمين في ألمانيا وأوروبا التي أدلى بها الدكتور تيلو ساراتسين, عضو الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني ووزير سابق في حكومة برلين الاشتراكية الديمقراطية وعضو هيئة رئاسة البنك الاتحادي الألماني, للدعاية لكتابه الموسوم "المانيا تنهي وجودها بنفسها" الذي صدر مؤخراً.
تجسد التصريحات ومضامين الكتاب روحاً عدائية شرسة وقاسية ضد المسلمين في ألمانيا وأوروبا وتذكر القراء بالنظريات العرقية الشعبوية المبتذلة التي روج لها النازيون الألمان بين 1933-1945 والتي يتبناها النازيون الجدد واليمين المتطرف في ألمانيا حالياً. وهو بالتالي يساهم في تنشيط روح العداء والحقد والكراهية في المجتمع الألماني والمجتمعات الأوروبية ويزيد من خطورة معاداة المسلمين الأجانب ويتخذ موقفاً مناهضاً للمجتمع المتعدد الثقافات.    
** أحكام قاسية ضد المسلمين
يعلن ساراتسين بوضوح ما يلي:
1.   إن المسلمين في ألمانيا وأوروبا لا يمتلكون القدرة على الاندماج بالمجتمع الألماني أو الأوروبي وغير راغبين بذلك وغير مستعدين للانصهار في بالمجتمع والثقافة الألمانية, وهم غير مؤهلين لذلك بسبب ثقافتهم الإسلامية أيضاً.
2.   وهم لا يسعون إلى تعلم اللغة الألمانية ونساؤهم يرتدين الحجاب الذي يتعارض مع الثقافة الألمانية, ولا هم لهن سوى الإنجاب وإنجاب بنات يرتدين الحجاب أيضاً.
3.   إن ألمانيا والدول الأوروبية المجاورة تعتمد العلمانية والديمقراطية وتحترم الإنسان, في حين أن الثقافة الإسلامية التي يأتي منها المسلمون ترفض كل ذلك ولا تمارسه.
4.   إنهم يشكلون عالة على الاقتصاد والخزينة الألمانية ويستهلكون جزءاً من الدخل القومي. إذ أن 40% منهم يعيشون على المساعدة الاجتماعية الحكومية. وبهذا فهم يستهلكون من الدخل القومي الألماني أكثر مما ينتجون.
5.   كما إنهم يتوالدون بكثافة شديدة ويكلفون الدولة أموالاً طائلة وسيغيرون التوازن السكاني بين الألمان والمسلمين بعد ثمانين عاماً. فنسبة الولادات في أوساط الترك والعرب وبقية المسلمين مثلاً هي ضعف نسبة الولادات بين الألمان.
6.   إن المسلمين واستناداً إلى ثقافتهم يعتبرون كسالى لا يحبون العمل ولا يعملون بجدية وحيوية.  
7.   إن وجودهم في ألمانيا يلحق ضرراً فاحاً بالثقافة الألمانية بسبب ثقافتهم الإسلامية العنيفة والمتخلفة, وبالتالي لا بد من إنقاذ الألمان وثقافتهم من المسلمين.
8.   ويؤكد ساراتسين بأنه لا يريد أن يرى أحفاده وأحفاد أحفاده يعيشون في بلد غالبية سكانه من المسلمين الذين يتحدثون العربية والتركية وغيرها من لغات المسلمين.
استنتاجاته ساراتسين العنصرية من تلك الظواهر
استناداً إلى تلك الظواهر الانتقائية التي يعتبرها عامة ويشترك فيها كل السملمين يستنتج ساراتسين ما يلي:
** هناك جينات يشترك فيها اليهود, وجينات غيرها يشترك فيها سكان الباسك في أسبانيا مثلاً. وهكذا الأمر مع المسلمين. وبهذا وسع وعمق ساراتسين من موضوعاته المثيرة للجدل ليشمل اليهود في ألمانيا وأوروبا أيضاً, وبهذا برز ساراتسين ضمن الجماعات المعادية للسامية, إضافة إلى  معاداته للمسلمين المقيمين في ألمانيا وأوروبا.
** أن هناك شعوباً من الناحية الجينية غبية وأخرى ذكية. وأن الشعوب الغبية لا يمكن أن تتغير وتبقى غبية وتتوارث الغباء بالولادة, والشعوب الذكية تبقى ذكية وتتوارث الذكاء بالولادة.
** هناك تمايز بيولوجي بين الفئات الاجتماعية العليا والفئات الاجتماعية الدنيا يتجلى في تباين مستوى الذكاء.
** إن المسلمين القادمين من الدول العربية وتركيا وغيرها هم من الدول الإسلامية يتسمون بضعف الذكاء أو الغباء.
** من الواجب التحكم والتأثير على الولادات عبر تشجيع الولادات في العائلات ذات المستوى الاجتماعي الرفيع وتقليصه في العائلات ذات المستوى الاجتماعي المتدني.
إن هذه رؤية عرقية صرفة وشعبوية مبتذلة وغير علمية تتطابق تماماً مع رؤية أتباع الإيديولوجية العنصرية الذين ظهروا في أوروبا منذ القرن الثامن عشر, ولكن بشكل خاص في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين, وتجلى بأعنف وأخس أشكاله في الدولة الهتلرية النازية في ألمانيا حيث احتل العرب واليهود والسود أدنى درجات السلم العرقي. وجماعات غير قليلة من هؤلاء تعيش وتعمل وتفكر بهذه الطريقة في الدول الأوروبية.
** ما هي العنصرية أو العرقية؟
العنصرية أو العرقية مصطلح حديث نسبياً لظاهرة اجتماعية–سياسية-اقتصادية-ثقافية قديمة تنطلق من اعتقاد خاطئ مفاده أن البشرية تتوزع على جماعات بشرية قسمت أحياناً إلى ثلاث مجموعات هي الجنس الأبيض والجنس الأصفر والجنس الأسود, ثم قسمت إلى خمس وأحياناً سبع مجموعات كبيرة وأخرى صغيرة. وفي فترة لاحقة جرى توزيع البشر على أعراق مختلفة كالآرية والسامية والحامية. وأعتقد أصحاب هذه النظريات خطأ أن هناك تبايناً بين "الأعراق", ناشئ عن اختلافات بيولوجية, أي عن تباين في الجينات الوراثية وخصائصها المختلفة لدى الأقوام المختلفة, وتجد تعبيرها في ناحيتين عند البشر هما:
-   اختلافات في مظهر الإنسان الخارجي, مثل لون البشرة وشكل الجمجمة ولون وشكل العينين أو طبيعة الشعر ولونه؛
-   اختلافات في بنية الإنسان البيولوجية وتتجلى في خصائص محددة وثابتة لا تتغير عند البشر, ومنها قدرات الفرد العقلية أو الذهنية, وفي ذكائه وكفاءاته ومواهبه وثقافته. وتنشأ عنها سمات مختلفة أخرى تجد تعبيرها في علاقات الإنسان الاجتماعية وسلوكه وأخلاقه وتصرفاته اليومية وعواطفه ومواقفه عموماً. وينشأ عن هذه الاختلافات كما يرى العنصريون, تمايزاً في القيمة الحقيقية للمجموعات البشرية المنتسبة إلى أعراق مختلفة. ففي الوقت الذي يوجد "عرق" رفيع المستوى ومتطور ومتقدم في قدراته الفكرية والثقافية والسلوكية, توجد بجواره "أعراق" أخرى متدنية المستوى وضعيفة التطور ومحدودة في كفاءاتها الذهنية والفكرية والثقافية والسلوكية وبدائية العاطفة والجنس والتصرف. وأن هذا "التمايز الطبيعي" و "الدائم" بين "الأعراق" يفرض بدوره تمايزاً في الحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية, أي يفرض سيادة "العرق" الأفضل والأرقى على "الأعراق" الأخرى الأدنى مستوى". (قارن: هيثم مناع. الإمعان في حقوق الإنسان. الأهالي للطباعة والنشر التوزيع. دمشق. 2000. فقرة "العنصرية" لكاظم حبيب. ص342-349).
ومن هذا المفهوم استقى هتلر تقسيمه للبشرية إلى ثلاث مجموعات هي:
1)   العِرق المبدع والخالق للحضارة والثقافة في العالم؛ 2) والعِرق الناقل لتلك الحضارة؛ 3)
والعرق المستهلك والمدمر لتلك الحضارة. ويعتبر جمهرة كبيرة من الشعوب, ومنها شعوب الشرق الأوسط من الشعوب المستهلكة والمدمرة للحضارة التي لا تنفقع البشرية كثيراً.
إن هذه الاتجاهات الفكرية التي يتبناها ساراتسين هي التي نشطت معاداته للمسلمين من عرب وترك وكرد وأفغان وباكستانيين وغيرهم في ألمانيا وفي أوروبا وكذلك ضد اليهود, إذ أنه يرى فيهم خطراً على الجنس الألماني الأذكى والأرقى وعلى ثقافته الحية.
** ماذا يقترح ساراتسين؟
إن العداء للمسلمين يتجلى في مقترحاته التالية:
•   ضرورة إيقاف قبول اللاجئين والقادمين الأجانب من الدول الإسلامية إلى ألمانيا وأوروبا.
•   إخراج الكثير من الموجودين, وخاصة الذين يرتكبون مخالفات وجرائم لكي تقل مشاكل المجتمع الألماني.
•   تقليص المساعدة الاجتماعية التي تدفعها الدولة للأجانب إلى الحد الأدنى الذي لا يزيد عن 4,50 يورو باليوم, فالمبلغ كاف لتغذيتهم اليومية!
•   تفضيل الألمان في فرص العمل, إذ أن المسلمين ينافسون الألمان العاطلين.
•   ولكن الأسوأ من كل ذلك هو إثارته العداء الحقيقي والكراهية والخوف لدى الألمان ضد المسلمين في ألمانيا وضد من هم ألمان من اصل عربي أو كردي أو تركي أو جميع أتباع الدين الإسلامي أساساً دون تمييز بينهم.
•   ثم يخلص إلى نتيجة خطرة ومثيرة للشعور القومي اليميني المتطرف في ألمانيا مستنداً في لكل على ما ورد في صحيفة "حريت" التركية بقولها: إن ما لم يحققه سليمان القانوني من نجاح عند حصار فيينا في العام 1529, سيحققه الأتراك من خلال الولادات وتغيير البنية السكانية في ألمانيا لصالح المسلمين.
•   إن الخطأ الكبير الذي يرتكبه ساراتسين هو تعميم الظواهر السلبية على كل المسلمين دون تمييز لكي يخرج بتلك الاستنتاجات العنصرية المقيتة والتي تسيء إلى سمعة ألمانيا.
•   يعتمد ساراتسين على إحصائيات غير دقيقة وعلى نظريات مبتذلة أو شاخت حقاً, كما في بعض استنتاجات داروين مثلاً أو مسألة الجينات, في حيت تبلورت نظريات علمية جديدة لم يرجع إليها.
هذه هي الرؤية التي يطلق عليها أسلام فوبيا, ويروج لها العنصريون بترويج الخشية أو الرعب من المسلمين السيئين على وطن وثقافة وتقاليد الألمان وعلى دينهم أيضاً.
** ما الصحيح في فكر ساراتسين
ليس كل ما يعرضه ساراتسين في كتابه خاطئ, بل يتضمن بعض الأوصاف الصحيحة لنسبة قليلة من المسلمين القادمين من مختلف الدول إلى ألمانيا وأوروبا في ظروف وفترات مختلفة, بما فيها الحروب الأهلية, ومن بيئات ومستويات ثقافية مختلفة. فهناك موضوع اللغة أو اعتماد القادمين على المساعدة الاجتماعية أو بروز ظواهر العنف والحجاب أو جرائم القتل لغسل الشرف بين المسلمين أو التهرب من العامل والتحايل والعمل في المخدرات! والمشكلة ليست في صحتها, فهي صحيحة بنسبة معينة من المسلمين, بل المشكلة في تعميمها والاستنتاجات الجارحة والعنصرية التي يخرج بها من دون أن يسعى إلى تقديم الحلول العملية لمعالجة تلك المشكلات التي وضع اليد على بعضها. ولم يقم بذلك حين كان وزيراً للمالية في حكومة تحالف حزبي اليسار والاشتراكي الديمقراطي, بل رفض تقديم الأموال الضرورية لدعم جهود تطوير دمج المسلمين في المجتمع الألماني.
إن كل ذلك قد أثار غضب الكثير من المسؤولين الألمان من مختلف الأحزاب السياسية, بمن فيهم الحزب الديمقراطي المسيحي والديمقراطي الحر واليسار الألماني ومستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل, إضافة إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي ورئيسه السيد سيگمار گابرئيل, الذي قم مذكرة لطرده من الحزب بعد تنظيم حوار وحساب معه بشأن إدعاءاته, إضافة إلى إنه يُعتبر استفزازاً وإهانة مباشرة لعدد كبير جداً من المسلمين في ألمانيا. لقد وجدت تصريحات گابرئيل صدى عدم تأييد في صفوف اليمين الألماني. فحسب استطلاع الرأي الذي أجرته مؤسسة Emnid تبين أن 51% من الألمان يتعاطفون معه, في حين إن 39% كانوا ضد اتهاماته الموجهة للمسلمين في ألمانيا. ولكن 69 % من الألمان يرون صواب إثارته للمشكلة ومناقشتها, في حين رأي 22% فقط أنه كان من الأفضل أن يغلق فمه.    
وكانت الصحافة الديمقراطية قد كتبت الكثير من المقالات التي تفضح فيه فكر وسياسة تيلو ساراتسين ووضعته على مقربة أو في خانة النازيين الجدد والمعادين للأجانب ومن حملة الفكر العنصري لما يحمله هذا الفكر من إساءة صارخة وأحكام نمطية مسبقة الصنع ومخاطر جدية على العيش بسلام بين مكونات المجتمع الألماني.
لا شك في أن هناك من الأجانب المسلمين الذين لا يحترمون الثقافة الألمانية أو التقاليد والعادات الألمانية أو يمارسون الكثير من التجاوز على القوانين المرعية أو يتعاطون ويعملون في بيع المخدرات أو العهر النسائي وغيرها من المسائل المرفوضة اجتماعياً, وبعضهم نزيل السجون. ولكن هذه الظاهرة السلبية محدودة جداً, كما لا تقتصر على المسلمين الأجانب من عرب أو ترك أو غيرهم, بل تشمل أوساطاً ألمانية وأوروبية أخرى, وبالتالي فأن هذا الحقد الذي يملأ صدر ساراتسين غير موجه ضد الأجانب عموماً, بل ضد المسلمين أساساً فهو يعاني من "إسلام فوبيا" أو "الخشية أو الرعب من الإسلام" ويريد نشر هذا الخوف على نطاق ألمانيا والألمان جميعاً.
   وفي الوقت الذي خرجت مظاهرات من الأجانب والألمان ضد تصريحات وكتاب هذا الرجل, الذي نفذ ولم ينزل بعد في الأسواق, وتطالب بطرده من الحزب الاشتراكي الألماني, خرجت مظاهرات يمينية متطرفة ونازية جديدة مؤيدة له. إن تصريحات وكتابات ساراتسين الجديدة تريد أن تبعث من جديد أفكار هتلر وغوبلز المقبورة والتي لا يمكن أن يكون لها مكان في أوروبا القرن الحادي والعشرين. ولكن لا تزال الأرضية القومية التي نبتت عليها العنصرية والفاشية تحتاج إلى المزيد من العمل لحرثها وإزالة الجذور الشوفينية المتبقية.
   ونحن في الدول العربية والإسلامية ومنطقة الشرق الأوسط واجهنا ونواجه قوى شوفينية وعنصرية غير قليلة يفترض التصدي لها لما يمكن أن تجلبه على الناس من كوارث. وفي العراق عرفنا عواقب الشوفينية والعنصرية والتعريب القسري والتهجير والتمييز بين البشر بأجلى معانيها حين وصل البعثيون في المرتين إلى السلطة, وحين تسلم صدام حسين الحكم المطلق ومارس الاستبداد والقسوة والعنصرية والتي تجلت في مجزرة حلبچة وجرائم الإبادة الأنفالية ضد الإنسانية, ضد الشعب الكردي, في إقليم كُردستان العراق التي يندى لها جبين البشرية. ولهذا يدرك العراقيون, من عرب وكرد وبقية القوميات, ماذا تعني ممارسة سياسات الشوفينية والعنصرية حين تبرز من جديد في الدول الأوروبية, إذ أنها تذكر بتاريخ ألمانيا الهتلرية الأسود وعواقب الحرب العالمية الثانية وعشرات الملايين من البشر الذين فقدوا حياتهم فيها وفي المعتقلات النازية المريعة. ولا بد من الإشارة إلى أن هذه القوى لا حظ لها من النجاح في ألمانيا وأوروبا بعد أن تسببت في حربين عالميتين راح ضحيتها ما يقرب من 40 مليون إنسان وبسبب وجود قوى ديمقراطية في ألمانيا وأوروبا والعالم تتصدى لمثل هذه الاتجاهات العنصرية والنازية الجديدة الخطرة. ومع ذلك لا يحق للقوى الديمقراطية أن تنسى مخاطر الذهنية القومية الشوفينية التي يمكن أن تتفاقم بسرعة حين بروز شخص مثل ساراتسين أو يملك كارزما خاصة ومؤثرة في الناس.  
   برلين, أيلول/سبتمبر 2010                          كاظم حبيب   
   نشر المقال في مجلة گولان/أربيل
   في 28/9/2010

440
كاظم حبيب

كيف نقرأ تقارير المنظمات الدولية عن واقع حقوق الإنسان في العراق؟

حين كان النظام الدكتاتوري في العراق قبل 2003 يمعن في ممارسة سياساته القمعية الجائرة ضد قوى الشعب بشكل عام وضد قوى المعارضة بشكل خاص, كانت المعارضة العراقية ترفع تقاريرها حول الانتهاكات الفظة التي كانت تتعرض لها حقوق الإنسان إلى لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في جنيف وإلى منظمة العفو الدولية وإلى المنظمة العربية لحقوق الإنسان في القاهرة وإلى العديد من المنظمات الإقليمية والدولية الأخرى وإلى الرأي العام العالمي  ترجو وتؤكد فيها ضرورة التضامن مع الشعب ودعم المعارضة العراقية في نضالها ضد إرهاب النظام. وكانت تلك الانتهاكات القمعية تتميز بالشراسة والاضطهاد البشع والتعذيب والقتل الواسع النطاق شمل الأحزاب والقوى والشخصيات المعارضة من جميع الاتجاهات, كما شمل أتباع القوميات والأديان والمذاهب الدينية العديدة. وخير دليل على ذلك تلك المجازر البشعة في عمليات الأنفال والسلاح الكيماوي في حلبچة في إقليم كردستان العراق وتشريد وتجفيف الأهوار في الجنوب وتشريد وتهجير الكُرد الفيلية والعرب الشيعة, إضافة إلى التعذيب والتغييب والقتل أثناء وبعد قمع الانتفاضة الشعبية في العام 1991. وكانت هذه اللجان والمنظمات الدولية تحاول التيقن من تلك المعلومات بأساليب وأدوات مختلفة ومجربة. وكانت هناك بعض التقارير غير الدقيقة أو ربما معدة سلفاً ودون وقائع فعلية, التي كانت تثير لدى تلك المنظمات الخشية الفعلية على مصداقيتها إزاء العالم كله, إذ أن مصداقيتها هو رأسمالها في الدفاع عن الإنسان السجين والمعتقل والمعذب فيهما من قبل السلطات الحكومية. وكان الشك بأرقام هذه المنظمات الدولية والإقليمية قليلاً حقاً, إذ كانت تعتمد على معايير مهمة ومجربة, وكانت النتائج جيدة بالنسبة للناس المضطهدين والقابعين في السجون حينذاك.
واليوم حيث توجد قوى أخرى في المعارضة العراقية, فهي الأخرى ترفع تقاريرها حول حالة حقوق الإنسان في العراق, كما توجد قوى سياسية مناصرة لقوى الإرهاب الدموي ومؤيدة لها أو منها ترفع تقارير مبالغ فيها حول وضع أتباعها في سجون معتقلات العراق. ولكن لدي القناعة والثقة بأن هذه المنظمات الدولية ذات المصداقية الكبيرة تفحص بدقة وعناية فائقة تلك المعلومات التي ترد إليها حول انتهاكات حقوق الإنسان لكي لا تتورط بنشر معلومات كاذبة, ولكي لا تفقد مصداقيتها لدى الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي, ولكي تمارس دورها بشفافية وفعالية ومصداقية, ولكي تحقق نتائج إيجابية لصالح حقوق الإنسان وضحايا الإرهاب أو الحكومات وأجهزتها الأمنية.
ولكن غالباً ما تعترض الحكومات المتتالية بشدة على تلك التقارير بحجة عدم مصداقيتها أو المغالاة فيها. ومثل هذا الإنكار معروف للناس من جانب الحكومات الاستبدادية, وكذلك بعض الدول التي تدعي ممارسة الديمقراطية, ولكنها شكلية حقاً.  ولهذا فأن الإنكار لا ينفعها شيئاً, إذ لا مصداقية لها لدى الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي.
ولهذا فأنا, والكثيرون غيري, ممن يثق بصحة المعلومات التي ترد من المنظمات الدولية المستقلة التي تعرض علينا حالة حقوق الإنسان في العراق. والتقارير الأخيرة الواردة عن العراق, وبضمنها أحوال حقوق الإنسان في إقليم كردستان, يمكن اعتبارها صحيحة ونسبة احتمال انحرافها عن الواقع الفعلي ضئيلة جداً جداًً. ولهذا لا بد من أن نتعامل معها بجدية ومسؤولية عالية, لأنها تمس الإنسان وكرامته وحقوقه وحياته.
تشير تقارير حقوق الإنسان حول العراق إلى أربع مسائل جوهرية:
1.    موضوع السجون والمعتقلات, فإلى جانب العدد الكبير من السجناء والمعتقلين الذين يقدر  عددهم أكثر من 30 ألف إنسان, فأن التقارير تشير إلى تعرضهم للتعذيب والمعاملة السيئة التي تُنتهك فيها حقوق الإنسان, وخاصة كرامته, وتتناقض مع التزامات العراق الدولية في هذا الصدد. 
2.    موضوع الفقر والجوع والحرمان الذي يشمل نسبة مهمة من العائلات العراقية.
3.   موضوع الإرهاب الذي يمارس ضد الشعب من جانب القوى الإسلامية السياسية المتطرفة والمليشيات الطائفية المسلحة, ومن القوى البعثية وغيرها.
4.   الفساد المالي الذي يستنزف موار البلاد المالية ويقلص إمكانية استخدامها لأغراض التنمية الوطنية.     
إن المواضيع الأربعة ذات أهمية فائقة بالنسبة لحقوق الإنسان في العراق, سأحاول معالجة الأولى لأهميتها بشأن الواقع العراقي الراهن. وربما سأعالج القضايا الأخرى في حلقات لاحقة.
للعراق سجل قديم غير مشرف في مجال التعامل مع حقوق الإنسان ومع السجناء والمعتقلين بذمة التحقيق, رغم أن العراق كان من الدول التي ساهمت في وضع اللائحة الدولية لحقوق الإنسان ومن أوائل الموقعين عليها, ولكنه كان من أوائل من انتهك مبادئ تلك اللائحة والمواثيق والعهود الأخرى التي صدرت فيما بعد أيضاً.
والغريب بالأمر حقاً هو أن ضحايا انتهاك حقوق الإنسان حين يصلون إلى السلطة يتحولون بين ليلة وضحاها إلى جلادين بكل معنى الكلمة, جلادين ضد من كان يجلدهم قبل ذاك بدلاً من ممارسة المعايير الحقوقية والقوانين التي تحرم التعذيب والقهر والمس بكرامة الإنسان واعتبار المتهم برئ إلى أن تثبت إدانته والتعامل معه قبل وبعد الحكم عليه بصورة إنسانية. الضحية يتحول إلى جلاد, والجلاد يتحول إلى ضحية, وهكذا عاش العراق في حلقة مفرغة من تبادل المواقع! وهي مسألة مرتبطة دون أدنى ريب بعدد كبير من العوامل السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية والتقاليد والعادات الناشئة عن طبيعة العلاقات الإنتاجية التي سادت أو لا تزال سائدة في العراق, أي أن المسألة مرتبطة بمدى تخلف او تقدم المستوى الحضاري لهذا البلد أو ذاك وطبيعة الدولة والسلطة. 
لا شك في كون العراق يتعرض لعمليات إرهابية مريعة, ولا شك في وجود مطاردة ضد تلك القوى الإرهابية بمختلف أطيافها الفكرية والسياسية, ولا شك في وجود جمهرة من المعتقلين والسجناء لهذا السبب أو ذاك من الأسباب المرتبطة بجرائم قوى النظام السابق أو القوى والعصابات والمليشيات الطائفية الإرهابية في الوقت الحاضر. وإذا كان هذا معروفاً, فأن المعروف في الوقت الحاضر أيضاً أن الحكومات العراقية المتعاقبة خلال الفترة التي أعقبت إسقاط النظام الدكتاتوري وقوات الاحتلال الأمريكية قد سمحت لأجهزتها الأمنية بممارسة أبشع أنواع التعذيب بحق المعتقلين والسجناء السياسيين والإرهابيين. إذ يمكننا أن نشير إلى ما يلي حول واقع حقوق الإنسان في العراق:
1.   هناك عشرات المعتقلات والسجون في العراق, وهي ليست أقل كثيراً من سجون النظام السابق.
2.   هناك سجون سرية يكشف عنها صدفة أو بمساعدة الأهالي وعبر التحري الدقيق من قبل صحفيين ونشطاء حقوق الإنسان أو عن طريق الصدفة.
3.   هناك عدد كبير من المعتقلين الذين لم يقدموا إلى المحاكمة أو حتى التحقيق رغم مرور سنوات على وجودهم في المعتقل.
4.    هناك تأخير كبير في حسم معاملات المعتقلين على ذمة التحقيق مما يزيد من عذابات المعتقلين, إذ أن بعضهم لا يدرك أو لا يعرف حقاً أسباب الاعتقال. فقد أوردت منظمة العفو الدولية عن إقليم كردستان ما يلي:
"وردت تقارير مماثلة عن ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، وإن على نطاق أضيق. إذ اعتقل عشرات الأشخاص بلا تهمة أو محاكمة، ولفترات وصل بعضها إلى 0 10 سنوات. وبينما كان بعض هؤلاء ضحايا للاختفاء القسري، تعرض البعض للتعذيب."
5.   هناك تعذيب منظم ومستمر وهادف ضد المعتقلين والسجناء بهدف إسقاطهم وتحطيم كرامتهم للحصول على معلومات منهم. وما حصل في أبي غريب أو المثنى يؤكد مدى الجرائم التي كانت أو لا تزال ترتكب بحق المعتقلين والسجناء في العراق.
6.   إن أساليب التعذيب التي تمارس في المعتقلات والسجون العراقية نفسية وجسدية, حيث يصبح الفرد رهينة بيد جلاديه يمارسون معه الكثير من أدوات التعذيب والتي تقود أحياناً إلى موته أو أن يتعرض إلى الاغتصاب الجنسي أو غير ذلك. وأحياناً غير قليلة تتعرض عائلات المعتقلين والسجناء إلى التعذيب النفسي وغير المباشر أو إلى الابتزاز.
7.   إن الأساليب التي تمارس في السجون هي خليط بين أساليب قديمة من العهود الإقطاعية والشرقية القديمة, وبعضها حديث مأخوذ من ترسانة أساليب التعذيب التي مارستها قوات الاحتلال الأمريكية في سجن أبي غريب الذي عاد للعمل من جديد باسم سجن بغداد المركزي. وهي تذكرنا ببعض الأساليب الذي كان يمارس من جانب حزب البعث وحكمه في قصر النهاية ببغداد. فقد أورد آخر تقرير لمنظمة العفو الدولية عن حالة حقوق الإنسان في العراق صورة مريعة لأساليب التعذيب الجارية حالياً في العراق نوردها فيما يلي:
" الاغتصاب أو التهديد بالاغتصاب. والضرب بكيبلات الكهرباء وخراطيم المياه. التعليق لفترة مطولة بواسطة الأطراف. والصعق بالكهرباء لأجزاء حساسة من الجسم. وتكسير الأطراف. ونزع أظافر أصابع القدمين بزرديات. والخنق بحشر الرأس في كيس بلاستيكي. وثقب الجسم بمثقاب. والإجبار على الجلوس على أدوات حادة كالزجاجات المكسورة. هذه ليست سوى بعض أساليب التعذيب التي استخدمت ضد الرجال والنساء والأطفال من قبل رجال الأمن العراقيين التي وصفتها منظمة العفو الدولية خلال السنوات الأخيرة وأحد المرافق التي خرجت منها العديد من التقارير عن ممارسة التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة
يقع في «المنطقة الخضراء » وتتقاسمه «وحدة مكافحة الإرهاب » مع «اللواء »56 ، المعروف سابقاً باسم «لواء بغداد » التابع لسلطة وزارة الدفاع والمكلف بمسؤولية حماية «المنطقة الخضراء .»
إن التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة قد تفشى على نطاق واسع في السجون ومرافق الاعتقال في شتى أنحاء العراق على مدار العديد من السنين. وقد نشرت منظمة العفو الدولية عدة تقارير توثِّق استخدام التعذيب على نطاق واسع في العراق، وأثارت بواعث قلقها في هذا الصدد في مراسلات مكتوبة مع السلطات العراقية."   
8.   التغذية في السجون العراقية غير جيدة وكذلك ظروف السجن, كما إن الحياة اليومية للسجناء والمعتقلين بعيدة كل البعد عن حياة البشر والتعامل الآدمي معهم.     
9.   وتؤكد تلك التقارير إلى أن التعذيب في التحقيق وفي المعتقل أو السجن وإساءة المعاملة لا يقتصر ممارسته من جانب أجهزة الأمن التابعة للحكومة الاتحادية, بل يشمل أيضاً أجهزة الأمن التابعة لحكومة إقليم كردستان وفي المحافظات الثلاث. إذ تورد تلك التقارير أسماء العديد من الناس الذين اعتقلوا منذ سنوات ولم تجر محاكمتهم حتى الآن,
10.   وتؤكد التقارير إلى عدد من المعتقلين ممن تعرض إلى التعذيب أو مات في السجون والإدعاء بأنه قد أصيب السجين أو المعتقل على ذمة التحقيق بجلطة قلبية أو ما شاكل ذلك, إضافة إلى الاعتداءات عليهم في الشوارع أو إلى الاغتيالات التي يتعرض لها المواطنون, ومنهم بشكل خاص الصحفيون والعلماء والأطباء, والتي لا يعرف من مارس تلك الاغتيالات, والتي يتراوح الشك باغتيالهم بين عصابات الإرهاب وأجهزة الأمن الحكومية!
إن هذه الملاحظات تكشف بحق عن غياب مفاهيم الديمقراطية وغياب الوعي بحقوق الإنسان لدى قوى الحكومة وأجهزتها وعن التعامل غير الإنساني مع السجناء أياً كانت الجريمة التي ارتكبوها, إذ أن القانون هو الذي يعاقبهم على الجرائم التي ارتكبوها لا غير.
ينبغي أن لا نسكت عن التعذيب في السجون, يفترض أن نرفع الأصوات لإيقافها, ولا يجوز تبريرها بأي شكل كان, ولا اعتقد بوجود مبالغات من جانب المنظمات الدولية بما يجري في السجون العراقية. فعدد 30 ألف سجين, كما أشارت إليه منظمة العفو الدولية هو رقم غير بعيد عن الواقع, بل أقل من الوقاع الفعلي.
إن عدداً كبيراً من العاملين في أجهزة التحقيق والأمن يفكر بطريقة بشعة, بطريقة الثأر والانتقام من السجناء والمعتقلين, في حين أن المعتقل على ذمة التحقيق أو السجين هو أمانة بيد سجانه الذي يفترض فيه أن يعتني به وليس أن يعذبه, يفترض أن يعيده إلى جادة الصواب بطريقة إنسانية بدلاً من تعميق روح القهر والغضب والانتقام لديه.
إن المسؤولية لا تقع على عاتق الأجهزة الأمنية فحسب, بل وبالأساس على حكومة نوري المالكي, وعلى شخصه مباشرة, كرئيس للوزراء, وعلى مجلس الوزراء وعلى وزارات العدل والداخلية والدفاع, وعلى رئيس وحكومة إقليم كردستان العراق ومجلس النواب في كردستان العراق, ومن ثم على رئاسة الجمهورية ومجلس النواب والقضاء العراقي كله الذي لا يعلن شجبه ويعمل على إيقاف الاعتقالات الكيفية والتعذيب في السجون أو الاعتداءات والاغتيالات السياسية التي تقع بين فترة وأخرى, إضافة إلى العجز عن مواجهة الإرهاب الذي هو انتهاك فظ لحقوق الإنسان.
إن على الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان العراق أن تأخذ بتوصيات منظمة العفو الدولية فوراً, إذ أن أي تأخير في ذلك يعرض المعتقلين والسجناء إلى مزيد من الإيذاء ويحملهم المسؤولية أولاً وقبل كل شيء, كما يسئ إلى ما يتحدثون به عن طريقة النظام السياسي في العراق ومعه الإقليم. إن عدم الأخذ بذلك يفترض أن يعي الشعب العوامل الكاملة وراء التلكؤ وعدم الاستجابة لمنظمات حقوق الإنسان الدولية وما يفترض فيه أن يمارسه في هذا الصد, إذ أن الساكت عن الحق أكثر من إبليس أخرس, بل ومشارك في ما يحصل للمعتقلين والسجناء في العراق.
24/9/2010                     كاظم حبيب





441
كاظم حبيب

ليس هناك أرخص من الإنسان وحياته في العراق!

يموت الإنسان في العراق يومياً. يموت العشرات منهم يومياً, ويجرح ويعوق عشرات أخرى يومياً, وتخرب دور ومحلات وسيارات الناس يومياً, وهي كلها بيد الله, إنها إرادته, سواء مات برصاص المجرمين القتلة والإرهابيين, أم مات في السجون جراء التعذيب الذي تتحدث عنه منظمة العفو الدولية, أم مات بطرق أخرى غير طبيعية. تعددت الأسباب والموت واحد!
يعتقد الإسلاميون السياسيون المتطرفون من أمثال القاعدة وهيئة علماء المسلمين وجيش المهدي ومن لف لفهم في العراق, إن الناس يقتلون بإرادة الله وهم من ينبغي قتلهم لأنهم يعيشون خارج إطار مذهبهم المتطرف وطريقتهم في العبادة وبسبب عدم تأييدهم لهم أو لأنهم من مذهب آخر. هكذا يقولون المسلمون السياسيون المتطرفون!
ويعتقد الإسلاميون السياسيون "المعتدلون", إن وافقنا على استخدام هذا المصطلح, إن هؤلاء القتلى ماتوا وفق ما هو مكتوب على جبينهم, وهذا هو قدرهم المحتوم, وبالتالي فالموت والحياة بيد الله.
وهكذا يقتل الإنسان في العراق بين فريقين إسلاميين سياسيين, وكلاهما يقول بصوت مسموع: الموت حق على بني البشر في العراق, إنها إرادة الله التي لا مرد لها. هكذا هي مواعظ كل القوى الإسلامية السياسية المتطرفة و"المعتدلة"!
الإنسان في العراق لدى هذه الجماعات المتطرفة و"المعتدلة" شكلاً, لا قيمة له ولا لحياته, كل نفس ذائقة الموت, فليس هناك من سبب للحزن عليهم, إنهم أمانات الله على الأرض, عاد واستعادها إليه! هكذا يدّعون !!!
وها هم أبناء وبنات الشعب العراقي رهائن شاءوا أم أبو بيد هؤلاء القتلة المجرمين من الإرهابيين بمختلف أطيافهم من جهة, وبيد حكومة تصريف الأعمال التي ترفض تسليم الحكم لاختيار حكومة جديدة, وبيد مجلس النواب الذي عطل نفسه ولا يعرف مهمته, وبيد الأحزاب السياسية التي ترفض إلى الآن الانتهاء من تشكيل الحكومة ووضع حد لهذا الوضع القلق وغير المستقر حيث يتحرك الإرهابيون بكل حرية في أغلب أنحاء البلاد, وخاصة في بغداد والمناطق المحيطة بها من جهة أخرى. ويوم أمس كان يوم حشر جديد للعراقيات والعراقيين حيث مات الكثير والكثير جداً, واستمرت ابتسامات السياسيين ترهق الناظر إلى شاشة التلفزة العراقية وغيرها وتعذبه وتدمي قلبه وتدمع عينيه! والسؤال على لسانه يقول: إلى متى نبقى ننتظر حل أزمة الرجلين أياد علاوي ونوري المالكي, أو أزمة الأحزاب السنية والشيعية في العراق؟
ولكن السؤال التالي يضغط علينا جميعاً: ماذا ينبغي علي الشعب أن يفعله؟
ليس أمام الشعب أن ينتظر, عليه أن يقيم المظاهرات احتجاجاً على تعطيل الدولة العراقية, عليه أن يرفض هذا الوضع البائس وهذا الموت اليومي الذي يختطف حياة الناس العصيان المدني ضد الحكومة, عليه أن يعلن الإضرابات ويقيم المظاهرات احتجاجاً على تعطيل الدولة العراقية, عليه أن يرفض هذا الوضع البائس وهذا الموت اليومي الذي يختطف حياة الناس.
لا أدري من أين امتلك هذا الشعب صبر أيوب, من أين جاء بهذه القدرة على تحمل العذاب والاضطهاد والقبول بالموت الخاطف؟ أمن الذل الذي أنزله به الحكام المسلمون في الدولة الأموية والدولة العباسية والدولة العثمانية, ومن ثم حكم البعث الدموي الذي طال نيف وثلاثة عقود من سني العذاب والموت والجفاف؟         
إنها لكارثة فعلية أن يقبل هذا الشعب بكل ما يجري له حالياً دون أن يعلن عن رفضه لمن يمارس كل ذلك به دون حياء أو وجل, فالحكام مطمئنون أن هذا الشعب عاجز عن رفع عصا الطاعة ضد حكامه, وأن حكامه المحتمون بحراسهم يمكن أن يوجهوا نيران أسلحة حراسهم إلى صدور المتظاهرين إن مارسوا حقهم في الإضراب والتظاهر, تماماً كما حصل في البصرة والناصرية وغيرها.
كم يحس الإنسان بالاغتراب عن هذا العراق الذي أصبح مقبرة للناس على أيدي أنواع من الإرهابيين القتلة. أحس بالحيرة, رغم معرفتي بما جرى للإنسان خلال الخمسين سنة المنصرمة من تغيرات في بنيته الاجتماعية والفكرية والسياسية والثقافية والأخلاقية, أمام هذا الشعب الذي كان ينتفض بوجه الحكام الملكيين رافضاً سياستهم وسلوكهم, رغم أنهم لم يفعلوا ما تفعله قوى الإرهاب هذه الأيام, ورغم عجز الحكومة عن مواجهة تلك القوى الإرهابية المجرمة, أنا حائر كيف يسكت اليوم هذا الشعب عن كل ما يجري له ويقبل بالموت راضياً مرضياً!!!
يقال أن الظلم إن دام دمر, وأن الفساد إن ساد دمر, وأن الحكام أن عشقوا الحكم استبدوا بالناس, وهو ما نعيشه اليوم, كما يبدو لي فهل أنا مخطئ؟ هل علينا تبديل الشعب بدلاً من تبديل الحكومة كما اقترح برتولد بريشت ساخراً من حكومة بلاده في العام 1952 حين انتفض شعب ألمانيا الديمقراطية ضد سياسة حكومته التي رفضت الاستقالة ووجهت النيران ضد المتظاهرين؟ ربما!!
19/9/2010                     كاظم حبيب   
   



442
كاظم حبيب

هل مبادرة علماء النفس في العراق قادرة على حل
أزمة تشكيل الحكومة في العراق؟

بادرت مجموعة متخصصة من علماء النفس في العراق إلى تقديم مقترح جرئ ومسؤول إلى كل القوى السياسية العراقية الفائزة في الانتخابات وإلى الحكومة ومجلس الناب وجهات أخرى, كما نشر في الصحافة العراقية, تضمن دعوة إلى قبول وساطة هذه المجموعة المتخصصة من علماء النفس السياسي العراقيين للحوار مع كل الأطراف المعنية لحل العقد الراهنة التي منعت إلى الآن تشكيل الحكومة رغم مرور سبعة شهور على انتخاب مجلس النواب العراقي. فقد جاء في المبادرة ما يلي:
   " كنا طرحنا مبادرة  نشرتها مجلة (الأسبوعية) بتاريخ 5 أيلول 2010، وبثتها وكالة أكا نيوز في اليوم نفسه، نتوسط فيها لحلّ الأزمة السياسية العراقية بوصفنا متخصصين بعلم النفس السياسي وإدارة الصراع في أوقات الأزمات، ومحايدين نقف على مسافة واحدة من الكتل السياسية، يدفعنا إلى ذلك حرصنا على تجنيب البلاد وأهلها ما ينذر بحصول كارثة.
   ولقد تم تشكيل فريق علمي تخصصي من شخصيات أكاديمية عراقية، داخل العراق وخارجه، آملين من الأطراف المعنية منحه الفرصة لانجاز مهمته التي تستهدف خدمة هذه الأطراف أيضا". مدركين إن ما يجمع بين القادة السياسيين العراقيين هو اكثر مما يفرّق، وان المشكلة ليست في الصراع نفسه بل في طريقة إدراك كلّ طرف له، وكيفية تعامله معه.. وان الموقف بحاجة إلى وسيط غير مُسيَّس له خبرة في إدارة الصراع وسيكولوجيا الاقناع.. ونرى في هذا الفريق الوسيط المؤهل للقيام بهذه المهمة. آملين من مجلس النواب العراقي والكتل السياسية والحكومة دعوته للمجيء الى بغداد، متطلعين إلى مؤازرة منظمات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية والأكاديميين والمثقفين والإعلاميين ليكونوا شركاء في تحقيق هذه المهمة الوطنية النبيلة.
إننا بمحاولتنا العلمية التخصصية والمخلصة هذه نكون قد برأنا ذمم مفكّري الأمة وعلمائها من  تقديم النصيحة للمسؤولين عن رعيتها، ووضعنا ذنبا ثقيلا في رقاب السياسيين الذين يصدّون عنها."
أني إذ أحيي هذه المبادرة المهمة والفريدة والمخلصة, أؤكد بأن مجالاً علمياً حيوياً نشأ وتطور خلال النصف الثاني من القرن العشرين ولا يزال يزداد دوره وتأثيره في معالجة المشكلات والصراعات المحلية والإقليمية والدولية, فهو علم نظري وتطبيقي مختص بحل النزاعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والمائية ...الخ, والذي تبلورت فيه العديد من النظريات العلمية والتي استندت إلى دراسات تطبيقية وتراكم الكثير من التجارب الناجحة والفاشلة عبر العقود المنصرمة. وقد نشرت الكثير من الأبحاث القيمة في هذا الصدد, ومنها عن المعهد المتخصص بحل النزاعات في برلين والذي عملت فيه لعدة سنوات.
إن مشكلة الحكم في العراق لا ترتبط بالصراع الطائفي السائد حالياً, ولا بسبب الخلافات والسياسات والمواقف المتراكمة قبل ذاك, ولا بالتدخلات الإقليمية والدولية, حسب, بل وبسبب غياب الثقة التامة بين الأطراف المختلفة نتيجة كل ذلك وغيره وبسبب انعدام الصراحة والشفافية والقدرة على المساومة المحسوبة للوصول إلى حلول ترضي الأطراف المختلفة, دون أن تخل بكرامة هذا الطرف أو ذاك أو تعرض مصالح أحد الأطراف إلى الخسارة لصالح الطرف الآخر أو الأطراف الأخرى.
إن الوساطة وإدارة الصراع والتفاوض المرن والعقلاني والتحري عن حلول تساومية عقلانية ومقبولة من جميع الأطراف علم وفن وخبرة متراكمة وحصافة سياسية متميزة لا يملكها بالضرورة المتفاوضون لأسباب غير قليلة, سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم نفسية, في حين يكون في مقدور الفريق الوسيط طرح مقترحات حلول تدرس وفق أسس ديمقراطية مجربة وعبر النقاش الهادئ والبعيد عن التوتر حيث يتم في ضوئها الحل الذي يمكن ان يرضى به الجميع دون خسارة مصالح أو كرامة من هذا الطرف أو ذاك.
إن المقترح المقدم من الأخوة علماء النفس في العراق مسؤول حقاً ويرغب جاداً في إيجاد حل للأزمة الراهنة المتعددة الجوانب, ولكنها في الوقت نفسه محاولة جادة وضرورية لحقن الدماء وإنهاء الأجواء التي تساعد الإرهاب على الاستمرار في قتل الناس وتخريب الممتلكات وإيقاف عملية التنمية والتشغيل. إن المبادرة تدفع باتجاه التصدي لتمزيق النسيج الوطني المهلهل حالياً بفعل الواقع العراقي القائم والتركة الثقيلة للعقود المنصرمة.
إن رفض هذه المبادرة من أي طرف كان لا يعني سوى القبول بالواقع الراهن, باستمرار الأزمة واستمرار الموت اليومي للعراقيات والعراقيين, ولا يعني سوى تحمل النخب السياسية الحاكمة المسؤولية الكاملة عن الدماء التي تسيل على أرض الوطن والدموع التي تنهمر من عيون الثكالى من الأمهات والزوجات والأيتام.
إن مبادرة العلماء قادرة على حل المعضلة لو أتيح لهم ممارسة دور الوسيط فعلاً ولو توفرت الإرادة الحقيقية لدى الأطراف المعنية وليست الموافقة الشكلية لحل المعضلة على وفق دور هذا الفريق.
16/9/2010                     كاظم حبيب   
 


443
كاظم حبيب


نعيم الشطري ابن شارع المتنبي يعاني من عسف الأمراض ونسيان المسؤولين!

وصلتني عدة رسائل حزينة من بغداد تتحمل معها نبأً عن الصديق والإنسان الطيب نعيم الشطري يؤكد حصول تدهور سريع في وضعه الصحي. وفي كل رسالة يشعر الإنسان من خلالها أن الأخوة هناك عاجزون عن تقديم المساعدة له وإرساله للمعالجة أو توفير العلاج الطبي المكثف له في بغداد, لأن الرجل ذاته لا يملك شروى نقير ويعيش في غرفة بائسة في أحد الأزقة المتفرعة عن شارع المتنبي وهو المختار غير المنتخب لهذا الشارع بعد أن سكن فيه نيف وخمسة عقود وقضى حياته ملازماً للكتاب ومبدعاً في أساليب بيعه وإيصاله للقارئ أو القارئة ومنشطاً ذاكرته بالشعر العربي الجميل منشداً ومشنفاًً بصوته الجهوري أسماع المارة وباعة الكتب وكافة المشترين.
غريب أمر هذه الحياة, أو بتعبير أدق غريب أمر رجالات الحكم في العراق, فقلوبهم رحيمة على أبناء النخبة الحاكمة. فحين يصاب أحد كبار المسؤولين بمرض معين, تتطوع الدولة ويتبارى المسؤولون بإرساله على حسابهم الخاص للمعالجة الطبية في أحدى الدول الأوروبية أو العربية أو يرسل مباشرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية, رغم الغنى الذي هو فيه وليس بحاجة إلى أموالهم فلديه ما يكفي ويزيد. ولكن حين يمرض احد العاملين في الشأن العام, مثل السيد نعيم الشطري, وهو أحد فقراء المال ولكنه غني وعزيز النفس وغني بما يملك من عقل تنور عبر الكتب وتجارب الحياة, لا يجد من يدعمه في هذه الدولة الغنية ومن أولئك الذين تباروا لمعالجة الغني المترف.
رجوته يوماً إن يزور صديقاً مسؤول, بل قل إلى وزير صديق, رجوته عبر الهاتف أن يساعده دون أن أبين وجه المساعدة, ونادراً ما أقوم بمثل هذه الوساطة, ويعرض حالته عليه. ذهب إلى مكتب السيد الوزير والتقاه وكان لطيفاً معه ومع الصديق الذي صاحبه, ولكنه عجز عن بسط حاجته للمعالجة, وحار الصديق الوزير بأمره, ثم عاد بخفي حنين.
هل سيقرأ أحد المسؤولين أو أكثر هذه المقالة القصيرة ويبادر دون الإعلان عن ذلك لتقديم المساعدة له وإطالة عمره ليبقى يغرد في شارع المتنبي وينعش من لم يتسع له الوقت لقراءة بعض أشعار الجواهري أو غيره.
ربما يلتفت إليه اتحاد الأدباء والكتاب رغم فقر حال الاتحاد, ليساهم في إيجاد حل لمعالجة السيد نعيم الشطري سادن شارع المتنبي , شارع الكتاب والفكر والمعرفة, الشارع الذي كان هدفاً لكل الأوباش على امتداد تاريخ هذا الشارع, قبل فوات الأوان, ولكنه كان مزاراً لكل الطيبين وقراء الكتاب الذي هو خير صديق.
12/9/2010                        كاظم حبيب



444
كاظم حبيب
تعليق واستفسارات وإجابات حول مقال
أليس الاختلاف في وجهات النظر والنقاش هو الطريق لتعميق المعرفة؟
وصلتني رسالة من صديق عزيز على بريدي الشخصي يقول فيها أنه وجماعة من أصدقائه تناقشوا حول مقالي الموسوم "أليس الاختلاف في وجهات النظر والنقاش هو الطريق لتعميق المعرفة؟" وقد تكَّون لديهم تعليق واستفسار حول السؤال الذي طرحته في هذا المقال وهو: "هل يمكن ضمان أن جميع من يعلق على هذا الرأي أو ذاك يمتلك مستوى متقدم من المعلومات والثقافة التي تؤهله لخوض النقاش؟" ثم يطرح الاستفسارات التالية: "هل أفهم من هذا السؤال إن الذي ليس على مستوى متقدم من الثقافة غير مؤهل لمناقشة المثقف؟" " وهل المثقف يكتب للمثقف دون غيره؟ وإذا فهم المواطن العادي مقالة ما بطريقة لا تتوافق ورأيه فما الذي علية فعله؟
أسئلة منطقية يمكن أن تطرأ على البال ولا بد من توضيحها للأخوة المتناقشين ولغيرهم الذين ربما طرأ على بالهم ذات الأسئلة عند قراءة للمقال المذكور:
ابتداءً أقول بأن الكاتب يكتب للجميع دون استثناء, أي لمن يقرأ, خاصة حين يكتب الإنسان بالشأن العام, إذ عموماً لا يكتب لنفسه فقط, بل يكتب للآخرين. والآخرون هنا لا يقصد بهم قلة من المثقفين, بل يعني كل الناس الذين يقرأون باللغة التي يكتب بها المقال أو حين يترجم إلى لغات أخرى.
ولكن ليس غريباً أن نلتقي مع كتاب يكتبون لأنفسهم أو لمجموعة صغيرة من المثقفين, وفق طبيعة الموضوع الذي يكتبونه. ومثل هؤلاء الكتاب قلة, في حين إن الغالبية العظمى من الكتاب تكتب للجميع, بغض النظر عن القراء, سواء أكانوا بمستوى رفيع من الثقافة أو متوسطه أو غير مثقف ومتعلم فقط. ولا شك في أن الكاتب يتمنى أن يقرأ له كل الناس وفي مقدمتهم البسطاء من الناس والطيبين الذين ربما تساعد مقالاته على رفع مستوى الوعي لديهم ويهمه سماع رأيهم في ما يكتب. ولكن يهمه أيضاً أن يقرأ المثقفون كتاباته أيضاً, وأن يطرح من يشاء رأيه في تلك المقالات لصالح الحوار أو النقاش حول الأفكار التي ترد في المقالات التي ينشرها.
ولكن التعليقات التي تصل على كتاباته متنوعة ويمكن أن تصنف إلى عدة اتجاهات:
من حيث المبدأ من حق الجميع أن يعلق على أي مقال ينشر وبالطريقة التي يراها مناسبة ومعبرة عن وجهة نظره. ولكن ليس من حق أي كاتب أو معلق أن يسيء إلى أي كاتب أو معلق أثناء النقاش المباشر أو عبر الإنترنيت أو في الصحافة المرئية والمقروءة. وحين تصل إلى الكاتب تعليقات على كتاباته, يفترض فيه أن يمتلك أعصابه حين يواجه بالنقد السلبي لمقالاته, إذ من واجبه أن يسمع وجهات نظر الجميع, فهو يكتب بالشأن العام. ويمكن للكاتب أن يميز بين عدة أشكال من صياغة التعليقات على مقال ما, منها مثلاً:
1.   يمكن أن يدرك الكاتب من خلال التعليق أن القارئ أو القارئة قد أدركا ما يريد الكاتب قوله, ولكن لديهما وجهة نظر مخالفة له, وهو أمر طبيعي.
2.   ويمكن أن يدرك الكاتب من خلال التعليق أن القارئ أو القارئة لم يدركا وجهة نظره وتشكلت لهم رغبة في توضيح الأمر فيطرحوا الاستفسار أو الرأي المخالف ليستوضحوا, وهو أمر وارد كثيراً.
3.   كما أن هناك احتمالاً آخر هو أن بعض من يقرأ لا يفهم ما يسعى إليه الكاتب, وبدلاً من توجيه أسئلة للتيقن, يبادر إلى خوض النقاش بأسلوب خاطئ ولا يكتفي بذلك بل ربما يشتم الكاتب ويسيء إليه دون التمعن في المضمون.
4.   وهناك من لا يريد أن يفهم الكاتب ويسعى منذ البدء, ولأي سبب كان, إلى شتمه والإساءة إليه من خلال كتابة تعليقات حادة وقاسية ومسيئة للكاتب.
وفي التعليقات التي ترد للكاتب يمكن الكاتب الجيد أن يميز بين أهمية النقد وأسبابه, إذ أن التعليق يعبر بدقة عن مدى وعي المعلق أو أنه يمارس التعليق بوعي معين يستهدف الإساءة. وهذا يعبر عن مستوى متباين في الثقافة والوعي, إذ أن المثقف يفترض أن يكتب وأن يعلق دون إساءات, والإساءة هي التي تعبر عن مستوى صاحبها, سواء أكان كاتباً أو معلقاً.
من حق كل الناس أن يكتبوا ويعلقوا, والأقل مستوى في الثقافة هم الأحوج لأن يكتبوا ويعلقوا ويستفسروا, ويمكن معرفة ذلك من خلال كتاباتهم, ولكن من الضروري الابتعاد عن الإساءة إلى الكتاب أو الآخرين, إذ أنها ليست من الحضارة بشيء ولن تنفع أحداً.     
هذا السؤال الذي طرحته في مقالي السابق موجه إلى الكاتب أكثر مما هو موجه إلى المعلقين, إذ على الكاتب أن يدرك من خلال التعليق بأن المعلق له مستوى معين وعليه أن يتعامل وفق ذلك مع صاحب التعليق وليس رد الإساءة بالإساءة أو الشعور بالغضب وما إلى ذلك.
تصلني يومياً الكثير من الأسئلة التي أجيب عليها, ولكني أهمل من يحاول التجاوز والإساءة عن قصد وهو لا ينتظر جواباً مني بل كان يريد أن يوصل الشتيمة لا غير. وحين تجيب على مثل هذا الشخص, يفرح بذلك إذ أنك تسمح له بتوجيه المزيد من الشتائم إليك, في حين خير ردع له هو عدم الاستجابة لملاحظاته غير الموضوعية.
ليس بمقدور كل الناس أن يعبروا بصيغة سليمة عما يريدون إيصاله في التعليقات التي يكتبونها. ومن واجب الكاتب أن يفهم ذلك ويقدره وأن يتعامل معه بروية وأن يجيب عن الأسئلة بهدوء وموضوعية ودون أي تحسس لا معنى له, وأن لا يتصور ابتداءً أن هذا الناقد يريد استفزازه أو الإساءة له, إلا إذا تكررت وبنفس الصيغة ولا يريد تعديلها.
إن قولي السابق لا يريد غلق أفواه الناس بأي حال, بل أردت إيصال ثلاث أفكار أساسية:
أن نكتب حضارياً , وأن نعلق وننتقد حضارياً, وأن  نجيب حضارياً, حتى لو تكون لنا شعور بأن المعلق يريد أن يستفز أو يسيء, إذ أن التطير من النقد, أو حتى من النقد غير الموضوعي أو من السباب, لا يوصلان إلى نتيجة, ولكنهما يشكلان عدم ثقة ورغبة في الإساءة المتعمدة والمتبادلة.
حين كنت أدرس في الجامعة المستنصرية ببغداد, كان الطلبة والطالبات يستفسرون كثيراً. وكان من حقهم وواجبهم ذلك لاستيعاب المادة. وكان بعض الطلبة على نحو خاص يستفسرون بروحية استفزازية صارخة, وكان عليَّ كأستاذ جامعي أن اقبل الاستفزاز بروح بناءة وإيجابية وأجيب عن الأسئلة لأنها مهمتي وواجبي. وكثيراً ما توصل أولئك الطلبة إلى استنتاجات مفيدة حين حصلوا على إجابات واضحة عن استفساراتهم, ومن ثم غيروا أسلوبهم في طرح الأسئلة, وكان هذا مكسباً للجميع.
نحن جميعاً بحاجة إلى الإكثار من الأسئلة والاستفسارات والتعليقات, إذ أنها الطريق للوصول إلى المزيد من المعلومات والمعارف والتعارف الفكري أيضاً, وهو الضروري في أجواء حياتنا الراهنة وخاصة في العراق الذي يعاني من غياب الحوار والنقاش وحل محله الغضب والقسوة والثأر بدلاً من قيم أخرى ضرورية اختبرت في الكثير من بقاع العالم. ولكننا ما زلنا بعيدين عنها لبعد الحضارة الحديثة عن أوضاعنا وحياتنا اليومية. عراقنا اليوم يقدم نموذجاً لذلك مع الأسف الشديد.     
9/9/2010                         كاظم حبيب

445
كاظم حبيب
أفكار وموضوعات للمناقشة
هل ستستعيد حركة اليسار دورها الفكري والسياسي على الصعيد العالمي؟
الحلقة الرابعة والأخيرة

نشأت الحركة اليسارية الحديثة في العراق في أوائل عشرينات القرن العشرين وبرزت بوضوح نسبي في جماعة الصحيفة التي كان يصدرها حسين الرحال ابتداءً من العام 1924. أي في فترة الصراع على ثلاث مسائل أساسية كانت موضع نقاش واسع في المحافل السياسية العراقية حينذاك, وهي: 1) مشروع الدستور العراقي الذي وضعته سلطة الاحتلال البريطانية ونوقش وأقر من قبل الجمعية التأسيسية في العام 1925؛ و2) الاتفاقية العراقية-البريطانية التي وضعت من قبل سلطة الانتداب أيضاً في العام 1922 ونوقشت وعدلت عدة مرات ثم أقرت أخيراً من قبل مجلس النواب في العام 1930, والتي أصبحت موضع رفض قوى المعارضة السياسية العراقية؛ و3) واتفاقية امتياز النفط الخام التي عقدت مع شركة النفط العراقية في كركوك في العام 1924, والتي أصبحت مدار صراع شديد مع قوى المعارضة والشعب طوال العقود التالية, إضافة إلى اتفاقيتي الموصل والبصرة اللتين عقدتا في عامي 1938 و1939 مع نفس الشركات الاحتكارية  النفطية.
ولكن لم تكن هذه الموضوعات وحدها موضع نقاش وصراع مستديم حسب, بل كانت هناك قضايا أخرى جوهرية خاضتها القوى الوطنية العراقية عموماً, ومنها قوى اليسار, في بغداد والبصرة والنجف والسليمانية وأربيل والحلة والموصل وبقية المدن الأخرى وتلك التي شاركت في انتفاضتي النجف (1918) والسليمانية (1919) وثورة العشرين (1920) العراقية, ومنها قضايا الانتداب والاستقلال الوطني والتخلف والفقر والجهل والمرض والتربية والتعليم وحقوق المرأة وموضوع الحجاب والسفور. ثم تنوع النقاش ليشمل في العشرينات أيضاً موضوع إقامة وحماية الصناعة الوطنية وتنشيط الحركة النقابية التي برزت في تأسيس جمعية أصحاب الصنائع وعلى رأسها محمد صالح القزاز. وفي الثلاثينات نشأت حركات فكرية وسياسية إصلاحية وطنية ويسارية أكثر عمقاً وشمولية في طرحها للمشكلات التي يعاني منها العراق, إضافة إلى بروز النشاط الشيوعي في كل من بغداد والبصرة والناصرية. ووجدت هذه القوى الوطنية, ومنها اليسارية, أشكالاً مختلفة لتنظيم نفسها كما في الحزب الوطني وجماعة الأهالي والإصلاح الشعبي وجمعية مكافحة الاستعمار والاستثمار التي نشأ عنها الحزب الشيوعي العراقي. ثم نمت وتطورت هذه الحركات أثناء وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية حيث ظهرت قوى وطنية وقومية جديدة, إضافة إلى بروز قوى وأحزاب يسارية عديدة سعت للحصول على إجازة رسمية لها. بعضها حقق نجاحاً مؤقتاً وبعضها الآخر رفضت إجازته رسمياً وأجبر على العمل في السرية. وأبرز تلك القوى الوطنية الديمقراطية واليسارية التي عملت في الأربعينات من القرن الماضي, سواء لفترة قصيرة أم طويلة وسواء أجيزت أم أجبرت على العمل السري أو توقفت عن العمل. نشير هنا إلى بعض من أبرز تلك القوى التي ناضلت ضد الاتفاقيات العسكرية والسياسية التي اعتبرتها مخلة بالاستقلال والسيادة الوطنية أو إنها تربط العراق بأحلاف عسكرية دولية تخرج العراق عن حياده الدولي, ومنها: الحزب الشيوعي العراقي وحزب الشعب وحزب التحرر الوطني والحزب الوطني الديمقراطي وحزب الأحرار وحزب هيوا والحزب الديمقراطي الكردي وعصبة مكافحة الصهيونية التي كان أغلب أعضائها من الشيوعيين اليهود والمستقلين المناهضين للقوى القومية اليمينية اليهودية (الصهيونية). وامتد عمل بعض هذه الأحزاب والقوى في العقد السادس من القرن العشرين, في حين توقف أو اندمج بعضها بالبعض الآخر. وفي الحركة القومية برز حزب الاستقلال ومن ثم حزب البعث فيما بعد في العراق أي في أوائل الخمسينيات من القرن العشرين, إضافة وجود حزبين لإسلاميين هما جماعة الأخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي (السنة)؛ ونواة لحزب الدعوة الشيعي. وفي أعقاب ثورة تموز نشأت أحزاب سياسية وطنية ويسارية قديمة وحديثة, بعضها حصل وبعضها الآخر لم يحصل على إجازة عمل رسمية, وتلك التي حصلت على إجازة لم تدم طويلاً, سواء أكان ذلك  قبل سقوط الجمهورية الأولى أم بعد سقوطها بانقلاب القوى البعثية والقومية اليميني المتطرفة في العام 1963.
والحزب السياسي اليساري الماركسي الوحيد الذي استمر يعمل في العراق طيلة الفترة الواقعة من العام 1934 إلى الوقت الحاضر هو الحزب الشيوعي العراقي. أما الحزب الديمقراطي الكردستاني فقد تأسس في العام 1946 وواصل العمل أيضا إلى الآن. ورغم حصول عدة انشقاقات في الحزب الشيوعي العراقي منذ العام 1942 وقيام تنظيمات مؤقتة لتلك القوى التي انشقت عنه, فأن عمرها كان قصيراً جداً ولم تستطع مواصلة العمل السياسي أو أن بعضها تلقى ضربات قاسية من نظم الحكم لم تستطع الصمود أمامها فانتهى وجودها تنظيمياً في الداخل, ولكن بعضها القليل شكل كتلاً صغيرة في الخارج. بعضها لا يزال قائماً إلى الآن وبعضها انتهى في حينه. وفي منتصف ونهاية السبعينيات من القرن العشرين ظهرت قوى وأحزاب وطنية ذات اتجاهات متنوعة, وبضمنها يسارية في العراق وخارجه, وخاصة تنظيمات تشكلت في الخارج أو في سوريا, وأبرزها الاتحاد الوطني الكردستاني (1976) وأحزاب يسارية صغيرة كانت لها تنظيمات صغيرة جداً أو بعض الأفراد في دمشق,   
كل القوى الوطنية الديمقراطية, ومنها قوى اليسار أو في مقدمتها, لعبت خلال العقود المنصرمة دوراً مهماً وحيوياً, سواء أكان في النضال من أجل الاستقلال والسيادة الوطنية ومكافحة السيطرة الاستعمارية الأجنبية, أم في سبيل الحريات العامة والحياة الدستورية والديمقراطية وحرية التنظيم, أم في سبيل القضايا الاقتصادية كحل مسألة الأرض الزراعية لصالح الفلاحين ومن أجل التصنيع والاستثمار العقلاني لموارد النفط المالية من أجل التنمية وتنويع الاقتصاد الوطني والتنمية البشرية على مستوى العراق كله. كما كانت تناضل من أجل حل المشكلات الاجتماعية, منها مشاكل التربية والتعليم العام ومكافحة الأمية ومكافحة الفقر والبطالة, أو في سبيل حقوق المرأة ومشاركتها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومساواتها بالرجل ومن أجل سن قانون للأحوال الشخصية الذي يضع حداً لاستغلال واضطهاد وحرمان المرأة من حقوقها العامة ومن استقلالها الاقتصادي, أي المشاركة في العمل والإنتاج وجميع فروع الاقتصاد. كما كان للحركة الوطنية عموماً والحركة اليسارية خصوصاً دورها الفعال والمباشر في نشر الوعي السياسي والاجتماعي والدعوة إلى تشكيل النقابات العمالية والجمعيات الفلاحية والتنظيمات الشبابية والطلابية والنسائية وحركة أنصار السلام في العراق. وتحمًّل الحزب الشيوعي العراقي القسط الأكبر في هذه العملية النضالية, إضافة إلى بعض الأحزاب الوطنية التي كان بعضها يعمل بصورة موسمية. كما لعب الإعلام الوطني والديمقراطي لهذه القوى في نشر الفكر التنويري الاجتماعي في المدينة والريف, رغم المحاربة الشديدة التي تعرض لها الإعلام الوطني والمستقل واليساري بشكل خاص من النظم التي حكمت العراق بشكل عام, في ما عدا فترات قصيرة امتلكت حرية نسبية في النشر والدعاية الفكرية والسياسية.   
لقد نشأت الحركة اليسارية على الأرض العراقية وفي إطار القوى الوطنية العراقية ونمت وتعززت بفعل تبني قوى سياسية واجتماعية عراقية لها متأثرة بالمبادئ العامة التي نشرتها الثورات في أوروبا والحركات والثورات السياسية في عدد من الدول المجاورة, ومنها مبادئ الثورة الفرنسية والثورة المشروطية في إيران (1905) والثورة الروسية في نفس العام والحركة الدستورية في تركيا في العام 1908 والنشاط الفكري والسياسي الوطني واليساري في كل مصر ولبنان وسوريا, إضافة إلى الثورتين الروسيتين في شباط وأكتوبر (الاشتراكية) وكلاهما في العام 1917 والثورة الألمانية في العام 1918.
وقد تأثر الحزب الشيوعي العراقي بالحركة الاشتراكية في كل من مصر وفلسطين ولبنان وسوريا وبتأثير أفكار الأممية الثالثة تم تشكيل جمعية مكافحة الاستعمار والاستثمار ثم تغير الاسم إلى الحزب الشيوعي العراقي بناء على نصيحة وتوجيه وشرط الانتماء إلى الأممية الثالثة (الأممية الشيوعية) التي كان لها الدور المهم والتأثير الفعال على فكر وممارسات الحزب الماركسي – اللينيني في العراق, والذي كان يطلق عليه وعلى الأحزاب الشيوعية الأخرى "حزب من طراز جديد".                     
إن العمل السري الذي أجبرت عليه قوى اليسار العراقي, وخاصة الحزب الشيوعي العراقي من جهة, بسبب المحاربة الشديدة من نظم الحكم وقوى سياسية دينية وقوى رجعية وقومية وبعثية يمينية ويمينية متطرفة خلال العقود المنصرمة من جهة أخرى, والدعاية والإعلام الاستعماري والرأسمالي الذي وجه جام غضبه ضد الحركة الوطنية العراقية, وخاصة قوى اليسار فيها, من جهة ثالثة, وتأثير المدرسة الفكرية والسياسية للماركسية–اللينينية على فكر الحزب الشيوعي العراقي, باعتباره جزءاً من الحركة الشيوعية العالمية ومن المدرسة الفكرية ذاتها من جهة رابعة, ثم تأثير السياسة الدولية لحليف الحركة الشيوعية الاستراتيجي, الحزب الشيوعي في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية والدولة السوفييتية, من جهة خامسة, والواقع الاقتصادي والاجتماعي والتخلف العام في البلاد ومصاعب الحياة التي كانت تعاني منها الغالبية العظمى من الشعب من جهة سادسة, والمستوى الفكري والسياسي لقوى الحركة اليسارية العراقية ذاتها من جهة سابعة, لعبت كلها أدوارها المتباينة نسبياً وفي فترت متباينة في مدى قوة تأثيرها على فكر وسياسات وممارسات الحزب الشيوعي العراقي, سواء في وضع سياسات صحيحة ومؤثرة على حركة الشعب ووعيه ومهماته, أم أحياناً خاطئة بسبب واقع الهروب إلى أمام في مجمل الحركة الشيوعية العالمية وفي سياسات ومواقف الدول الاشتراكية, أم بسبب عدم التحليل السليم لطبيعة ومهمات وقور المرحلة, مما جعل بعض المهمات غير متطابقة مع واقع الحياة بحيث حملت الحزب ورفاقه وأصدقاء الحزب والجماهير متاعب ومصاعب غير قليلة.
إن استخدام المنهج العلمي المادي الجدلي في دراسة وتحليل واقع واتجاهات تطور قوى الحركة اليسارية العراقية خلال القرن الماضي وإلى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين سيسهم في إنارة طريق السير الراهن والمستقبلي لمجمل حركة اليسار والحركة الوطنية العراقية ويساعد على استخلاص الدروس والعبر منه وتجنب الوقوع بالأخطاء, خاصة وإن هذه الفترة مليئة بالعقبات الجدية بسبب تعقيدات الوضع العام الداخلي وتشابكاته مع الوضع والقوى والدول الإقليمية وعلى الصعيد الدولي.
إن المهمة المباشرة التي تواجه المجتمع العراقي في المرحلة الراهنة تبرز في أهمية وضع اليد مباشرة على العقد الفعلية أو المشكلات التي تواجه المجتمع في مختلف المجالات وعلى كافة المستويات. إن دراسة هادئة وموضوعية باستخدام أدوات التحليل العلمية ستساعد على التشخيص المناسب للمشكلات ومن ثم وضع العديد من احتمالات الحلول العملية والسعي إلى تكرار دراستها من أجل اختيار أكثرها قرباً من الواقع وإمكانيات حركة اليسار وقدرات المجتمع على النضال من أجل تحقيقها.
رغم الدور الكبير الذي تلعبه القوى الدولية والإقليمية في العراق وتأثيرها المباشر وغير المباشر على سياسات البلد والقوى الفاعلة فيه, فأن المشكلة الأساسية تكمن في العراق ذاته, في قواه السياسية ذاتها. فالصراع يدور في ما بينها على السلطة, رغم تأييد وتأثير هذه الدولة الأجنبية أو تلك, سواء أكانت عربية أم غير عربية, إقليمية أم من خارج الإقليم, على هذه القوة السياسية أو تلك, فأن واقع الحال يطرح أربعة مستويات من الصراعات الدائرة في المجتمع:
- صراع شديد ومتفاقم على السلطة من جانب كل حزب سياسي بمعزل عن طبيعته وتكوينه الفكري والسياسي والاجتماعي.   
- صراع طائفي على السلطة بين الأحزاب السياسية ذات الانتماء الشيعي والأحزاب السياسية ذات الانتماء السني للسيطرة على مقاليد الحكم من خلال موقع رئيس الوزراء الذي وضعت في يده كل السلطات بشكل غير ديمقراطي وغير سليم.
- صراع على المواقع والمصالح والأهداف بين ما يطلق عليه بمكونات المجتمع القومية والمذهبية (أي العرب الشيعة والعرب السنة والكُرد),
- وصراع في ما بين أفراد النخب السياسية العراقية الراهنة, إذ أن كلاً منهم يريد أن يكون رئيس الوزراء ليمارس من موقعه سياسة الهيمنة والتصرف في السلطة والنفوذ الاجتماعي وعلى أجهزة الدولة والمال في آن واحد. أي أن المصلحة الشخصية تلعب هنا دورها البارز والمسيء للحياة السياسية ومصالح البلاد. وكل يدعي بأنه لا يعمل بأي حال من أجل مصالحه, وهو مستعد أن يقسم بأغلظ الإيمان على ذلك, وليس هناك من يقول بأنه يعمل لمصلحته بل لمصلحة البلاد. ومن كان منهم مؤمناً حقاً فما عليه إلا أن يدفع كفارة قسمه بعض المال أو "الخبز والكرفس والكراث والجبن" لبعض الناس, فبين مصالح هذا وذاك تضيع مصالح البلاد والشعب.   
وهذه الصراعات تتجلى أيضاً في صراع خامس, إذ لا يزال ميزان القوى فيه غير متكافئ, وأعني به الصراع بين قوى الإسلام السياسية السنية والشيعية من جهة, والقوى الديمقراطية العلمانية من جهة أخرى. فميزان القوى لا يزال يميل إلى الآن وبقوة واضحة جسدتها نتائج الانتخابات المحلية والعامة الأخيرتين لصالح الطرف الأول, إذ أنه يحظى بتأييد دولي وإقليمي واسعين. وهي مشكلة ذات أبعاد فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية كبيرة على البلد والمنطقة عموماً.
وهنا يفترض أن يتحدد الموقف لا من وجود وعمل القوى الأجنبية التي لا تزال تعمل في البلاد في ضوء الاتفاقية الأمنية والسياسية المبرمة مع الولايات المتحدة الأمريكية فحسب, بل والموقف من هذا الصراعات المتنوعة ذات الفعل الكبير في الوضع القائم في البلاد.
إن الصراعات الأربعة الأولى هي التي عطلت تشكيل الحكومة خلال الأشهر المنصرمة منذ انتهاء الانتخابات العامة الأخيرة (2010), وهي التي لا تزال تتفاعل أزمتها مع بقية الأزمات التي تشمل البلاد لتنتج أوضاعاً شاذة ومعقدة.
فالعراق أمام قوى إرهابية نشطة محلياً, ولكنها تجد أكبر الدعم والتأييد والمساندة الفكرية والسياسية والمالية وبالأفراد الانتحاريين والمنظمين من دول الجوار على نحو خاص, وهي التي يفترض أن يتوجه لها الجهد في المكافحة ليس عسكرياً فحسب, بل فكرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً, أي أن تطرح قوى اليسار سلة متكاملة من مشروعات مواجهة الإرهاب من أجل القضاء عليه والخلاص منه. إن تعدد قوى الإرهاب وتنوع أساليب نشاطها وأدوات عملها وتعدد القوى المساندة والداعمة لها, يجعل من أمر مكافحتها مسألة معقدة حقاً, خاصة وأن سلامة الجهة الأمنية والعسكرية المضادة لها لا تزال قيد الشك النسبي والبحث عن أولئك الذين تسربوا إلى صفوفها ويعملون على تبويشها من الباطن.
إن الحالة التي يعيش فيها العراق غريبة من نوعها, ولكنها طبيعية نتيجة للعقود التي ساد فيها النظام الدكتاتوري والطريقة التي سقط فيها النظام والسياسات التي انتهجت في أعقاب ذلك إلى الآن. فالحرية القائمة فيها الكثير جداً من الفوضى والمخاطر على الفرد وحقوقه, والديمقراطية غير مستوعبة من كثير من الحكام الذين يتحدثون بها ولا يعون مضامينها الحقيقة وهي بالنسبة لهم أداة وليست فلسفة ونظام سياسي. وهي غائبة عن مؤسسات الدولة البيروقراطية ولا توجد شفافية فيها ويسودها الفساد. وهي كلها أمراض وعلل متوارثة ولكن لم تعالج وبالتالي فهي متفاقمة. إن النضال من أجل مبادئ الحرية والحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان ليست شعارات فقط, بل هي مضامين عميقة تحتاج إلى تبني حقيقي ونضال دءوب وبلا كلل من جانب قوى اليسار, وليس مضراً بها أن تبقى في المعارضة من اجل تعبئة المجتمع لصالح تلك المهمات الديمقراطية وبناء المجتمع الديمقراطي.   
ويقف العراق أمام سياسات طائفية تشكل الأرضية الصالحة, بالتفاعل مع الفقر والبطالة والحرمان والفساد والتدخل الإقليمي, لنشوء وتطور الإرهاب وصعوبة القضاء عليه. كلنا يدرك بأن العامل الديني والمذهبي معقد جداً في بلد لم يستطع إلى الآن تحقيق ولو بعض التنوير الديني في المجتمع وممارسة بعض جوانب المدنية والعلمانية في البلاد وفصل الدين عن الدولة, أو الحيادية إزاء مختلف الأديان والمذاهب الدينية. ولا بد من إيلاء هذه المشكلة الاجتماعية أهمية خاصة.     
المجتمع العراقي أمام مشكلة اقتصادية كبيرة تتصارع فيها المصالح والإرادات الخاصة المبعثرة للمجهود المشترك الذي يفترض أن ينصب على التنمية الاقتصادية, وخاصة تحديث الزراعة والتصنيع وترشيد التجارة الخارجية وضبط إنتاج وتصدير واستخدام مورد النفط وأمواله بما يسهم في تسريع عملية التنمية والبنية التحتية المخربة إلى الآن, وخاصة الطاقة الكهربائية ومشكلة المياه والبطالة الجائرة والتضخم الهائل وغير المعقول في الجهاز الحكومي حيث يؤكد المطلعون إلى تجاوزه ألـ 2,5 مليون نسمة.
إن عراق اليوم يواجه عملية غزو تجارية من دول الجوار والعالم كله, بما يقود إلى منع البدء بتنمية صناعية وتحديث وتطوير زراعيين ودعم الصناعات الحرفية التقليدية وتحديثها, وهو ما يفترض الوقوف بوجهه ومنع استمراره, إذ أنه يشكل جوهر السياسة اللبرالية الجديدة في المرحلة الراهنة وهي التمهيد لفرض الجوانب الأخرى من مضامين هذا المشروع المحدد منذ سقوط النظام وباتفاق مع وزارة التخطيط في عهد الوزارة الأولى أثناء وجود الحاكم بأمره پول بريمر على راس الإدارة الأجنبية المدنية والعسكرية في العراق.
إن الفراغ السياسي الراهن وغياب إستراتيجية التنمية الاقتصادية والبشرية والاعتماد على انتقائية من مشروع اللبرالية الجديدة يزيد من تخلف الاقتصاد العراقي ومشكلاته ويسهم في تعطيل العملية الحركية (الديناميكة) الضرورية للعملية الاقتصادية أو التي يحتاجها الاقتصاد العراقي المخرب ويحرم القطاع الخاص وقطاع الدولة والقطاع المختلط في المرحلة الراهنة من النهوض بأعباء التنمية. 
ويبدو لمن يتابع العلاقة المتوترة باستمرار بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية التي تتجلى في تصريحات المسؤولين في قطاع النفط ووزارة المالية وقضايا حدود المحافظات وغيرها, إن هذه الإشكاليات ستبقى تنغص الواقع العراقي ما لم يجر تحديد واضح لتلك المشكلات والجلوس إلى طاولة المفاوضات لمعالجتها. وهذا الأمر يتطلب من قوى اليسار أن يكون لها موقفها الواضح من كل فقرة من فقرات الخلاف, إذ أن وحدة الدولة العراقية وتقدمها يعتمد بشكل فعلي على طبيعة العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم.
إن مشكلات الوضع الاجتماعي في العراق تشكل عبئاَ ثقيلاً على المجتمع والدولة العراقية والتي هي غير منفصلة عن الوضع السياسي والاقتصادي المعقدين. فليس الفقر, (الذي بلغت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر العام أكثر من 40% من السكان, وأن الذين يعيشون فوق خط الفقر بقليل هي نسبة أخرى عالية حقاً وأن نسبة الأغنياء وأصحاب الملايين من الدولارات وربما المليارات من أصحاب النعمة الحديثة والقطط السمان وتفاقم الفجوة المتسعة بين الغالبية العظمى من الفقراء والأقلية الصغيرة جداً من الأغنياء), فحسب, بل هناك المشكلات الصحية والتربوية والتعليمية والبيئية ومشكلات المرأة والطفل والبطالة والتشرد والفساد المتعاظم وتفاقم حالات العهر وتعاطي المخدرات والتعامل بها, كلها تشكل الخطر الذي داهم المجتمع منذ العقد الأخير من القرن العشرين وتفاقم في أعقاب سقوط النظام الاستبدادي بسبب الفوضى والإرهاب وغياب الحياة الدستورية والديمقراطية السليمة وغياب الحكومة القوية في اعتمادها على الدستور والقوانين وليس بقوة رئيسها أو تحوله إلى فرد قوي ومستبد بأمره.
إن الكفاح ضد الطائفية السياسية وضد النزعات الشوفينية وضيق الأفق القومي تحتل مكانة كبيرة في سلم أوليات قوى اليسار العراقية. إذ أن النضال ضد إقامة دولة دينية في العراق على غرار إيران, أو قومية على غرار سوريا أو ليبيا, أو خليط من ديني وقومي على غرار الدولة المشوهة في السودان واليمن ...الخ, يسهم في معالجة المزيد من المشكلات التي تساعد على بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الاتحادية والدستورية والمجتمع المدني الديمقراطي. وبغير ذلك ستتعقد مسيرته السياسية الراهنة واللاحقة.
إن البحث في الخطاب الديني والطائفي يفترض أن لا يكون محرماً ولا بد من تحريم الطائفية ومعاقبة من يسوغها ويسوقها في المجتمع وكذا القضايا الأخرى, إذ أنها تخلق براميل بارود يمكن أن تتفجر في كل لحظة في المجتمع العراقي المتعدد القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية. 
إن هذه المشكلات وغيرها كثير تشكل المحاور التي يفترض في قوى اليسار أن تتحرى عن معالجات لها تطرح على شكل مهمات ملموسة يفترض النضال من اجل إنجازها من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة.
إن قوى حركة اليسار العراقية بقوامها الراهن, سواء أكانت أحزاباً أم قوى وتكتلات أم شخصيات يسارية مستقلة, تواجه مهمة أساسية تتلخص في كيفية التنسيق في ما بينها وتوحيد جهودها وإيجاد قواسم مشتركة لها للعمل المشترك لتستطيع إيجاد قواسم مشتركة أخرى مع بقية القوى الديمقراطية العراقية للنهوض من الكبوة الراهنة التي هي نتاج الأوضاع السابقة واستمرار وجود عوامل تعيق تطورها السريع وتوسيع قاعدتها السياسية في ضوء ما تطرحه من مهمات تشمل قاعدة اجتماعية واسعة. إن التعاون في ما بين القوى اليسارية والقوى الديمقراطية واللبرالية العراقية في هذه المرحلة ولسنوات طويلة لاحقة ستحمل معها آفاق جديدة ورحبة لحركة المجتمع وتحقيق أمانيه.
5/9/2010                     كاظم حبيب 

446
كاظم حبيب
هل ستستعيد حركة اليسار دورها الفكري والسياسي على الصعيد العالمي؟
الحلقة الثانية
ما العمل؟
من أجل أن تستعيد قوى الحركة اليسارية على الصعيد العالمي دورها ومكانتها في النضال من أجل عالم أكثر أمناً واستقراراً وسلاماً وأكثر عدلاً وسعادة لبني البشرً, لا بد لها أن تعيد النظر ببرامجها النضالية على المستويات الدولية والإقليمية والمحلية من خلال دراسة التجارب المنصرمة وأسباب النجاحات التي تحققت في المسيرة الطويلة منذ ما يقرب من قرنين من السنين وأسباب الإخفاقات التي تعرضت لها والنكسة الكبيرة التي رافقتها خلال العقدين المنصرمين والأزمة الراهنة التي تمر بها. كما يتطلب الأمر تشخيص المشكلات التي تجابه البشرية بشكل عام على الصعيد الدولي وأسبقيات النضال في المرحلة الراهنة وعلى مدى العقدين القادمين مثلاً.
إن الكف عن التفكير بخلق مركز للحركة اليسارية لا يعني الكف عن التشاور بين مكونات وأطراف هذه الحركة على الصعيد العالمي دون وضع عراقيل أو رفض مشاركة هذا الطرف أو ذاك منها, إذ أن التداول والتفاعل أمر ضروري والتقارب يساهم في بلورة الاتجاهات العامة التي يمكن أن تسير فيها الحركة دون إلزام لأي منها بذلك, إضافة إلى الاختلافات في الظروف والشروط المحلية لكل مكون من مكونات هذه الحركة الواسعة.
ويبدو لي أن اهتمام الحركة اليسارية على الصعيد العالمي يفترض أن يتوجه صوب النقاط التالية في المرحلة الراهنة, والتي يكون في مقدورها تعبئة المزيد من الرأي العام العالمي حولها من جهة, مع ضرورة قيام كل طرف من أطرافها في ربط تلك المهمات الدولية بالمهام الإقليمية والمحلية بصورة عضوية وفعالة من جهة ثانية, لخلق التناغم والانسجام في الحركة العامة, إذ أن مستويات تطور البلدان متباين بصورة كبيرة, وخاصة بين الدول الرأسمالية المتقدمة والتي تشكل مراكز العالم الرأسمالي والبلدان النامية التي تشكل محيط هذه المراكز والمستغلة فعلياً منها.
تبرز أمامنا مهمات كونية مثل:
** مخاطر وجود أسلحة الفتك والتدمير الشامل, وخاصة الأسلحة النووية والكيمائية والبيولوجية, في الكثير من دول العالم وسبل منع انتشارها أولاً, والعمل على إزالتها من جميع الدول صغيرها وكبيرها. 
** رفض الحروب والعنف واستخدام السلاح ومنع استمرار سباق التسلح في العالم الذي يهدد المزيد من البشر بالموت المحقق, ومن أجل حل المشكلات والنزاعات حول الحدود والمياه والمشكلات الأثنية والحقوق القومية للشعوب, إضافة إلى معالجة القضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والصراع العربي–الإسرائيلي, بالطرق التفاوضية السلمية وعبر المؤسسات الشرعية والإقليمية والدولية على أسس ديمقراطية وعادلة.
** العمل على مواجهة تفاقم الاحتباس الحراري والتغيرات الجارية على البيئة الدولية بسبب تفاقم التلوث بمختلف مكوناته واتخاذ الإجراءات الكفيلة بتغيير نمط الحياة الاستهلاكية المتفاقمة في البلدان المتقدمة بشكل خاص. ولا بد من تشخيص حقيقة تفاقم الكوارث الطبيعية في العالم نتيجة الاستخدام غير العقلاني للثروات الطبيعية ونزعة الاستهلاك الموغلة بالتبذير والركض وراء معدلات النمو والربح من تلك القوى التي تستغل الطبيعة والإنسان أسوأ استغلال وترفض التعامل مع مشكلات البيئة تعاملاً حضارياً وإنسانياً.
** مع القناعة بان ظاهرة العولمة ليست سوى مرحلة جديدة من مراحل تطور الرأسمالية موضوعياً على الصعيد العالمي, وإنها من حيث المبدأ ليست ظاهرة سلبية بل هي حتمية مرتبطة بمستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية والقفزة العلمية الثورية الهائلة في التقنيات والاتصالات, ولكن لا بد من التصدي للسياسات العولمية التي تمارسها الدول الرأسمالية المتقدمة إزاء شعوبها والفئات الكادحة منها على نحو خاص وإزاء شعوب الدول النامية, إذ إنها تعبر عن نفس جوهر السياسات الاستغلالية للرأسمالية العالمية في مرحلة الاستعمار القديم. ورغم صعوبة هذه العملية إلا أن في مقدور الدول النامية, وعبر منظماتها السابقة التي يستوجب تطوير مضامينها بما يتناسب والتغيرات الحاصلة في العالم, أن تحقق نتائج إيجابية لتقدمها بوتائر أسرع وتحسين ظروف حياتها ومشاركتها في التنمية وتحسين حصتها في الإنتاج والاستهلاك والتبادل التجاري الدولي, وتقليص سلبيات السياسات المبنية على هذه الظاهرة الموضوعية على شعوب البلدان النامية وكادحي الدول الرأسمالية المتقدمة.
** إن العالم الذي نعيش فيه عالم واحد, ولكنه مجزأ إلى عالمين غير متكافئين ومتصارعين, عالم الدول المتقدمة والغنية المكون من 20% من شعوب العالم والذي يهيمن على 80% من الثروة المنتجة في العالم, وعالم الدول المتخلفة والفقيرة المكون من 80% من شعوب العالم ولا يحوز إلا على 20% من الثروة المنتجة في العالم. كما أن كل بلد من بلدان هذين العالمين تتوزع الثورة في مجتمعاتها بصورة غير عادلة ومجحفة, فئات قليلة غنية ومتخمة, وفئات كبيرة وكثيرة فقيرة ومحرومة. كما أن مكانة ودور البلدان النامية في التقسيم الدولي للعمل وفي التجارة الخارجية, وخاصة الصادرات, ضعيف جداً وغير متوازن ولا متكافئ. وتلعب المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة الدولية الحرة دوراً سلبياً على اقتصاديات الدول النامية والتي يستوجب تغييره لصالح هذه البلدان.
** ويتبلور هذا الواقع في الفجوة الكبيرة جداً ليس في التباين الشديد والفجوة العميقة بين مستوى حصة الفرد الواحد من الدخل القومي في كل من هذين العالمين حسب, بل وبالأساس في مستوى تطور القوى المنتجة وطبيعة علاقات الإنتاج السائدة في كل منها ومستوى تقدم أو تخلف البحث العلمي واستخدام التقنيات الحديثة والتصنيع وتحديث الزراعة ومستوى التعليم والأمية...الخ, إضافة إلى أن التباين في تقسيم العمل على الصعيد العالمي.
** من هذا الواقع غير العادل ومن مستوى التخلف الحضاري وغياب التنوير الديني نشأ وتطور التعصب والتزمت والتطرف الديني والذي نشأ عنه الإرهاب الديني وانجرار جماعات غير قليلة من البشر إليه, وخاصة في الدول التي أكثرية سكانها من المسلمين. حتى في الدول الريعية المالكة للنفط الخام أو موارد أولية إستراتيجية أخرى يلاحظ وجود فجوة كبيرة جداً في الدخول السنويةً, مما يسهم في إشاعة التعصب الديني وبروز حاد لظاهرة الإرهاب.
** إن السياسات التي تمارسها الدول الرأسمالية المتقدمة على الصعيد العالمي والجموح الجشع لتحقيق المزيد من الأرباح على حساب الإنسان والطبيعة وتفاقم سياسات المضاربات المالية والفساد المالي المتعاظم على الصعيد العالمي تؤدي إلى تفاقم حالة الإخلال بالقوانين الاقتصادية الموضوعية والتي تنشأ عنها أزمات اقتصادية دورية وأزمات مالية واقتصادية عامة وشاملة على السعيد الدولي, كما في الأزمة الراهنة التي ستبقى فاعلة لفترة أخرى. ومع بروز إمكانيات أفضل للسيطرة عليها دولياً بحكم واقع العولمة الجارية, فأن عواقبها تقع على عاتق كادحي الدول الرأسمالية المتقدمة ومنتجي الثروات والفقراء فيها أولاً, وعلى  عاتق شعوب الدول النامية والكادحين فيها على نحو أخص. وهو ما عاشت في أجوائه شعوب العالم خلال السنتين المنصرمتين ولا تزال لم تنته منه.     
** إن العالم الرأسمالي الذي أجبر في سنوات الحرب الباردة على المساومة مع الطبقة العاملة والمثقفين ومع فئات التكنوقراط والتي تجلت في مكاسب جيدة تحققت لها في مجال تقليص ساعات وأيام العمل والأجور والضمان الصحي والاجتماعي وضمان الشيخوخة والعجز والعطل السنوية وتحسين ظروف العمل والسكن ومشاركة النقابات في الكثير من القضايا التي تمس العمل والعمال, فأن نهاية الحرب الباردة بين الدول الرأسمالية والدول الاشتراكية وانهيار النظم السياسية في الدول الأخيرة, قد أنهى روح الاستعداد للمساومة لدى أصحاب رؤوس الأموال إزاء مطالب العمال والمنتجين الآخرين والمثقفين, وبدأت روح الجشع ورفض المساومة والإصرار على تحقيق أقصى الأرباح على حساب العمل الأجير. وهي سلبيات بدأت تبرز منذ العقد الأخير من القرن العشرين ولا تزال متواصلة في الواقع المعاش بشكل صارخ, كما سلبت الكثير من تلك المكاسب تدريجاً وعلى مراحل قصيرة خلال الفترة المذكورة, مما يجعل وضع المهمات الاجتماعية ضمن برامج حركة اليسار مهمة آنية وضرورية جداً في آن واحد.
** ويمكن تشخيص جملة من الظواهر السلبية المتفاقمة في هذه المرحلة من تطور المجتمع البشري, منها بشكل خاص انتشار الفساد المالي والإداري في هذا العصر وتنامي عصابات الجريمة المنظمة في مجال المتاجرة بالمخدرات وبالنساء وغسيل الأموال وبأعضاء جسم الإنسان وتهريب البشر, إضافة إلى تفاقم الهجرة البشرية بسبب الحروب المحلية أو الإقليمية. وتزداد نسبة الجماعات البشرية التي تصبح ضحية لكل من هذه الممارسات وغيرها المخالفة لحقوق الإنسان.
** كما تتعرض المرأة في الكثير من بلدان العالم إلى الظلم والاضطهاد ومصادرة الحقوق وانعدام المساواة بين النساء والرجال, إضافة إلى تعرض الملايين من الأطفال إلى المزيد من الظلم والاضطهاد وفقدان الحقوق والعمل في سن الطفولة والصبا والمعاناة من الجوع والحرمان والتعليم.
** وتسجل إشكاليات الهروب من الحروب الأهلية والصراعات القبلية والتغيرات المناخية وتلوث البيئة والتصحر والانهيارات والجفاف والشحة إلى حركة هجرة ولاجئين واسعتين جداً في ما بين المناطق والأقاليم المختلفة والتي تشكل عبئاً ثقيلاً على البشر وعلى المنظمات الدولية التي يفترض أن ترعى المهاجرين واللاجئين وغيرهم
** وإزاء كل هذه المشكلات كيف يمكن تنشيط المؤسسات الدولية مثل هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والمحكمة الدولية في لاهاي ومحكمة حقوق الإنسان واليونسكو واليونسيف ومنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني والكثير من المنظمات الإقليمية الأخرى لتلعب دورها الذي خبا لفترة غير قصيرة لصالح الدولة الأعظم, الولايات المتحدة الأمريكية, وعلى  حساب دور ومكانة تلك المنظمات.   
إن تشخيص هذه المشكلات على الصعيد العالمي من جهة, ومعرفة قدراتها في التأثير وتحريك الرأي العام العالمي والحكومات المختلفة بأساليب وأدوات نضالية سلمية من جهة أخرى, يساعدان الحركة اليسارية على صياغة المهمات الآنية على الصعيد العالمي لخوض النضال من أجل حلها لصالح الإنسان والتقدم الحضاري, إذ إن كل فقرة من الفقرات الواردة في أعلاه يفترض أن تصاغ في مهمة أو أكثر لتكون البوصلة والهدف اللذان تؤشران طريق النضال على الصعيد العالمي.         
كما أن الربط العضوي في ما بين المشكلات الدولية والإقليمية والمشكلات المحلية سيسهم في وضع برنامج متكامل مرحلي لقوى اليسار بصورة مستقلة في كل بلد من البلدان بشكل ملموس ودقيق وقابل للتحقيق, إنه الضمانة لقوى حركة اليسار في الابتعاد عن الهروب إلى أمام أو النكوص إلى وراء.
إن لقاءات بين قوى اليسار في كل من القارات الخمس أو أقاليم فيها لتنشيط التبادل الفكري والتجربة المتراكمة والنقاش والتفاعل سيساعد على بلورة شعارات تعبر عن تلك المهمات على الصعد الإقليمية أيضاً, ومتابعة تنفيذها, وليس من أجل خلق وحدة شكلية في ما بينها, بل من أجل التنسيق والتنوير العام لمهمات النضال, في حين عليها ان تمارس مهماتها بصورة مستقلة مع ضمان تحقيق التضامن في ما بينها.
في الحلقة الثالثة سأحاول معالجة المشكلات التي تجابه قوى اليسار في منطقة الشرق الأوسط من وجهة نظري الشخصية وكيف يمكن التنسيق في المهمات التي تواجهها الحركة.

1/9/2010                     كاظم حبيب



447
كاظم حبيب

افتتاح معرض الفن التشكيلي للفنانين منصور البكري وفهمي بالاي في برلين

كان لي الشرف أن أفتتح, باقتراح من الفنانين, معرض الفن التشكيلي للصديقين الفنانين السيد منصور البكري والسيد فهمي بالاي في برلين في 28/8/2010.
أنا سعيد بافتتاح معرض فنانين تشكيليين من العراق, احدهما عربي والأخر كردي يعملان معاً في مرسم واحد ويسود بينهما التفاهم الكبير والرائع. وإذ يسود التفاهم والتفاعل بين الشعبين العربي والكردي وبقية القوميات في العراق, وإذ تتلاقح ثقافتيهما مع بقية الثقافات, يتمنى الإنسان أن تسود هذه الأجواء بين النخب الحاكمة في الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان أيضاً وأن يعم الصفاء ربوع العراق. 
الصديق السيد منصور البكري فنان متميز, موهوب ومحترف ومندفع لفنه, إضافة إلى كونه يتسم بالنشاط والحيوية المتدفقةً.
لقد تسنى له التعرف على ودراسة الكثير من المدارس الفنية على الصعيدين الملحي والعالمي, كما رسم الكثير من اللوحات الفنية وجرب الكثير أيضاً ليصل أخيراً أن يكتشف أسلوبه الخاص المميز في إنجاز لوحاته الفنية. وهو يعمل بدأب يحسد عليه لتطوير نفسه وتعزيز موقعه الفني.
فإلى جانب لوحاته المتنوعة والجميلة التي نتمتع بها في معارضة الكثيرة, يتسم بقدرة رائعة على رسم لوحات كاريكاتيرية لشخصيات محلية وعالمية كبيرة تتجلى فيه خصائص تلك الشخصيات وإبراز ما يميزها بما يسهم على إضفاء متعة خاصة.
درس الفنان منصور البكري الفن التشكيلي في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد وفي بعض المعاهد الفنية العالية في ألمانيا. ومن خلال ذلك وعبر الدأب المستمر زيارة المعارض والإطلاع على مشاهير الفنانين التشكيليين وعبر مواصلة الرسم, استطاع الفنان أن يراكم الكثير من المعارف والخبر الفنية في مجال اختصاصه, إضافة إلى تعميق وبلورة تكوينه وموقفه الاجتماعي الذي يرفض الاستبداد والقسوة والحروب والظلم وتغييب العدالة الاجتماعية, فهو يقف بثباتً إلى جانب مبادئ الحرية والديمقراطية والسلام. فلوحاته عن الحرب العراقية الإيرانية أو ضحاياها تشير إلى هذا النهج الإنساني. 
في لوحاته يجسد منصور البكري هموم وأحلام وآمال وتطلعات الشعب العراقي في العيش بحرية وأمن وسلام وازدهار. أنه فنان معروف في أوساط الفنانين العراقيين والعرب, وأتلمس مسيرته الفنية الطموحة ووجوده في ألمانيا في وسط أوروبا سيساعده في إغناء التفاعل والتلاقح في لوحاته والخروج من الطوق المحلي والإقليمي إلى التعامل على مستوى الفنانين المعروفين في أوروبا والعالم. إنها رحلة طويلة وشاقة ولكنها مضمونة حين يتسم الإنسان بهذه الجدية والدأب والحب لفنه وحب التعلم.
إنه من رعيل فنانين معروفين على الصعيدين العراقي والعربي وفي الخارج والذين أبدعوا في مسيرتهم الفنية وما زالوا يواصلون العطاء الذي يساهم في تطوير الذوق الفني للمجتمع.
منصور البكري, الفنان المحترف, يجيد تقنيات فن الرسم بشكل ممتاز ويمنحنا الثقة بأنه فنان حساس وقادر على المزج الجميل بين الألوان وعلى الإبداع في تحقيق العلاقة السليمة بين الضوء والظل. وهو ينشد الكمال في لوحاته الفنية, ولا يكتفي بإبراز المظاهر الخارجية حين يرسم الإنسان, بل يلج بعمق في دواخله لإبراز القيم والأحاسيس والسلوكية لمن يرسمه. وفي هذا تبرز إحدى الجواب المهمة في لوحاته التشكيلية. كما له باع طويل في رسم اللوحات الحية والمحركة للأطفال في مجلات الأطفال التي شارك فيها في العقد الثامن من القرن العشرين وخاصة في مجلتي "مجلتي" و "المزمار". ولا بد هنا من الإشارة إلى أن السيد منصور البكري متعدد المواهب والكفاءات وله طاقة متقدمة في مجال التنظيم والإدارة.
أشعر بالسعادة لمسيرته الفنية المتطورة, وأتمنى له الصحة الموفورة والنجاح في تقديم المزيد من اللوحات الرائعة ليسعد برؤيتها الجمهور المحب للفن عموماً والفن التشكيلي بشكل خاص.
أما الصديق العزيز السيد فهمي بالاي القادم من إقليم كردستان العراق, فهو فنان تشكيلي موهوب يمتلك حساسية مرهفة للألوان حقاً. إذ تنعكس في لوحاته البهجة والنشوة والحب والتعطش للحرية والحياة الكريمة, كما يتجلى فيها عمق حبه لشعبه وأرض وطنه دون تعصب. ففيها يجد الإنسان التمازج بين الواقع والخيال, إذ تمنح الناظر إليها مشاعر الراحة والهدوء والتمتع بأحلام عذبة وحب رومانسي جميل. إن فهمي بالاي متعطش كشعبه لتلك الأشياء الحلوة والكثيرة التي افتقدها الشعب الكُردي لعقودً كثيرة وعاني الأمرين تحت هيمنة الاستبداد والقسوة والمجازر الدموية لنظام الحكم ألصدامي.
الفنان السيد فهمي بالاي يمسك بيد الناظر إلى لوحاته ويأخذه معه في رحلة جميلة عبر الكثير من الأحلام اللذيذة والآمال العريضة والألوان المبهجة والمحركة للعواطف, ينسى من خلالها الإنسان مصاعب الحياة وعذابات الماضي التي عاش في طلها الشعب الكُردي أو التي لا يزال يعيشها في أقاليم أخرى من كُردستان.
ألوانه الزاهية ورقة خطوطه وقوتها التي تبدو في لوحاته تحاكي الطبيعة بألوانها الربيعية الرائعة وبألوان الملابس التي يرتديها الإنسان الكردي وخاصة الفتيات الجميلات بأحلامهن الوردية وتطلعهن الدائم نحو آفاق رحبة مفتوحة.
من سنة إلى أخرى نتابع مسيرة تطوره الفنية ويمنحنا الثقة بأنه سيكون من الفنانين العراقيين الكُرد المرموقين. أتمنى له الصحة الموفورة أيضاً والنجاح في تقديم المزيد من اللوحات الفنية التي تبعث الدفء والحنان والسعادة في نفوس الناس.
لست فناناً تشكيلياً ولا ناقداً فنياً, ولكني متذوق للفن ومغرم بالفن التشكيلي وصديق دائم للفنانين التشكيليين المبدعين منذ خمسينيات القرن الماضي حين كنت ألتقي في مقاهي ابو نؤاس مع كاظم حيدر وحميد العطار وأرداش كاكافيان وفنان السيراميك فريش ومجموعة المتحف العراقي, وفيما بعد مع محمد مهر اليدين وعيدان الشيخلي وفائز العراقي .. الخ. ولم أكن بعيداً عن التمتع بلوحات الفنانين العراقيين في إيطاليا وفرنسا وألمانيا, ومنهم فيصل لعيبي وصلاح جياد جبر علوان وعفيفة لعيبي وعبد الإله لعيبي وحسام البصام وعلي العساف وعبد الرحمن الجابري وكاظم الكاظم ويحيى الشيخ وسلام الشيخ ورسمي كاظم الخفاجي وأمير أحمد ومنير العبيدي ويونس العزاوي وأحمد الشرع ورياض البزاز وعشرات آخرون من المبدعين في الفن التشكيلي. إنهم يشكلون مجموعة كبيرة من الذين تجسد لوحاتهم العلاقة الجدلية الجميلة بين الألوان والألحان, بين الرسم والموسيقى.
أرجو أن أجد العذر لدى الفنانين التشكيليين إن أخطأت في التعبير الفني عما يجول في خاطري وما زرعه هؤلاء المبدعون العراقيون فينا نحن المتذوقون للفن التشيلي فشكراً لهم وألف شكر.   
28/8/2010                  كاظم حبيب 


448
كاظم حبيب
أليس الاختلاف في وجهات النظر والنقاش هو الطريق لتعميق المعرفة؟

ليس جديداً حين نقول: ما كان للفكر والمعرفة وحضارة الإنسان على هذا الكوكب الجميل أن تتطور, وما كان للثقافة الإنسانية أن تغتني وتتعزز وتنتشر وتتلاقح في كل ما أبدعته الشعوب والجماعات والأفراد على مدى تاريخ البشرية, لولا النقاش وبروز الاختلاف في وجهات النظر ثم النقاش حول ذلك مجدداً للوصول إلى الأكثر صواباً أو الأمثل والأقرب إلى الواقع. أوليس النقاش هو الذي أوصلنا غلى تكريس الكثير من مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية ونبذ الحروب والتطلع للسلام؟ أوليس هو الذي كرس الكثير من المثل والقيم والتقاليد الجميلة لدى الشعوب والتخلص مما هو متخلف وغير مفيد ومضر؟
ليس جديداً حين نقول بأن أبرز ما يميز الجنس البشري هو امتلاك الإنسان لتلك القدرات العقلية التي اكتشفت أو خلقت كل شيء على أرضنا المعطاءة, وإن أبرز ما يميز تاريخ الفكر والمعرفة هما النظرة النقدية لدى الإنسان للأمور والاستعداد لخوض النقاش حول كل ما هو قديم وجديد, أو ما كان في الماضي وما هو قائم حالياً وما يفترض أن يكون عليه مستقبلاً, وهي الطريقة الوحيدة لتطوير القيم والمعارف لدى الإنسان والتقدم إلى أمام.
وإذا كان تاريخ البشرية هو من صنع الإنسان, أو بتعبير أدق من صنع كل الناس, فأن للمثقفات والمثقفين دورهم البارز في كل ذلك, وهو الذي يجعل منهم في الوقت نفسه عرضة للنقد أو أن يمارسوا أنفسهم النقد إزاء بعضهم الآخر أو النقد الذاتي إزاء أنفسهم, وهي من السمات الجميلة التي يفترض أن نحافظ عليها ونطورها.
وتاريخ العراق القديم والوسيط والحديث غني بكل ما هو إيجابي, كما أن فيه الكثير من السلبيات والمآخذ التي يستطيع المؤرخون والمثقفات والمثقفون عموماً الكتابة فيه ونقده وفق زاوية الرؤية التي ينطلقون منها والمنهج الذي يستندون إليه والمصالح التي يمثلونها, إضافة إلى مستوى المعلومات والخلفية التاريخية التي يمتلكونها والمستوى الثقافي الذي بلغوه والحصافة التي يتمتعون بها.
واستناداً إلى كل ذلك يمكن أن تبرز تقديرات ومواقف وتفسيرات مختلفة لمسيرة التاريخ وأحداثه وقواه ورموزه والأفكار التي برزت في حقبه المختلفة. كل هذا نشاهده اليوم ونقرأ فيه ولا نجد في ذلك ما يفترض أن نستغرب منه. بعض الكتابات نختلف فيها وبعضها الآخر لا نرتاح لها ونعتقدها مغايرةً للحقائق, رغم نسبيتها, وبعضها الآخر يثير فينا الرغبة في الكتابة ومناقشة ما كتبه الآخر أو الآخرون, كما إن بعضها يكون مؤيداً منا أو من بعضنا. وهو أمر طبيعي حقاً. وكمثقفات ومثقفين علينا أن نقبل بالرأي الآخر دون تعصب لرأينا, رغم احتمال قناعتنا بصواب ما نطرحه دون الآخر, إذ أن الآخر يعتقد بصواب ما يطرحه دون رأينا. وكل هذا يمكن أن يتم في ما بين الكاتبات والكتاب بشكل طبيعي ومقبول. ولا يمكن لأحد أن يعترض عليه.
وحين يُفتح الباب للتعليقات من قبل آخرين, علينا أن نتوقع الكثير من الآراء المتباينة المؤيدة أو المعارضة أو الرافضة كلية, وهو أمر طبيعي أيضاً. ما دامت النقاشات والتعليقات تدور في إطار احترام الرأي والرأي الآخر, فهي المساعدة على إثارة أي طرف منا للتفكير بما كتبه وما يفترض أن يعيد النظر فيه أو يؤكده.
ولكن الأسئلة المنطقية التي يفترض أن أطرحها هنا هي: هل يمكن ضمان أن جميع من يعلق على هذا الرأي أو ذاك يمتلك مستوى متقدم من المعلومات والثقافة التي تؤهله لخوض النقاش؟ وهل يمكن ضمان أن لا يسيء هذا المعلق أو تلك المعلقة لهذا الطرف أو ذاك من جهة أخرى؟ ثم, هل يمكن إيجاد نظام غربلة لما هو جيد وما هو سيء في نظام التعليقات على صفحات الإنترنيت؟
إذا كانت الإجابة عن السؤالين الأول والثاني بـ "نعم" غير ممكنة, فإن إيجاد نظام للغربلة ممكن بطرق مختلفة ولكن بحدود معينة حقاً وليس كاملة.
لهذا يفترض فينا جميعاً أن نتوقع في إطار النشر على صفحات الإنترنيت جملة من الأمور, منها مثلاً:
** إن المتناقشات والمتناقشين لا يمكنهم أن يتحكموا في المواقع التي تنشر مقالاتهم ونقاشاتهم, إذ أن هناك الكثير من المواقع تأخذ المقالات وتنشرها دون علم الكاتبات والكتاب.
** إن المعلقات والمعلقين لا يرجعون إلى الكاتبات والكتاب ليسألونهم عن مدى صحة ودقة تعليقاتهم بل ينشرونها كما يرغبون, ولا يمكن للآخرين معرفة طبيعة ومستوى التعليقات.
** وعلينا أن نتوقع إساءات يمكن تأتي من هذا المعلق أو المعلقة على هذه الكاتبة أو ذاك الكاتب, ما دمنا نكتب جميعاً في الشأن العام.
** وأن مثل هذه الإساءات رغم كونها جارحة, يفترض فيها أن لا تغيظنا كثيراً إلى الحد الذي تقود بنا إلى عواقب سلبية في العلاقة بين الكاتبات والكتاب أنفسهم أو بين المتحاورين, أو أن نكتب ما لا تجوز كتابته بشأن الآخر أو الانجرار لتعليقات بعض المعلقات والمعلقين غير الودية أو المتحاملة.
** كما أن علينا ونحن نناقش بعضنا الآخر في ما نكتبه, أن نبتعد عن النعوت والاتهامات, بل من حقنا النقد كوجهة نظر مخالفة لوجهة نظر الآخر, وأن لا نتساهل في ما نعتقده خطأ, ولكن دون الاعتقاد بصوابنا المطلق, فليس هناك خطأ مطلق ولا صواب مطلق.
لقد جربنا حواراً طويلاً دار بين الأخ والصديق الأستاذ الدكتور سيَّار الجميل وبيني حول موضوعات مهمة وذات وجهات نظر خلافية, ولكن حافظنا على ما هو ضروري في الحوار والنقاش من احترام متبادل وصراحة تامة في تبيان وجهات النظر المختلفة.
وجرى حوار بين الصديق العزيز الدكتور عبد الخالق حسين وبيني حول عدة مسائلو ولكن حافظنا بأريحية تامة على الاحترام والود المتبادل رغم الصراحة التامة في تبيان وجهات النظر المختلفة. الكثير من الكاتبات والكتاب تناقشوا واختلفوا ولم تكن هناك أشياء تثير الإساءات المتبادلة, ولكن كان هناك الكثير والكثير جداً من الإساءات المتبادلة أيضاً, وخاصة في مجال التعليقات.   
لم يكن كل ما كتب في المقالات والآراء المتبادلة بين الصديقين العزيزين الأستاذ الدكتور سيَّار الجميل والسيد الدكتور عبد الخالق حسين هو خال من ضرورة ممارسة النقد, بل كان إبداء الملاحظات والنقد واجباً, رغم أني لم أشارك فيه. ولم يكن كله قائم على الهدوء في إبداء الملاحظات, إذ لا بد من قول ذلك, إذ كان فيه الكثير من التشدد والقناعة بامتلاك الحقيقة كلها. وكان الأفضل, وخاصة في قضايا خلافية مثل دور الدولة العثمانية والعهد الملكي ورموز هذا العهد, أن نقتنع بوجود وجهات نظر متباينة ويحترم بعضنا وجهة نظر البعض الآخر مع ردنا على ما نختلف عليه.
ولم تكن بعض التعليقات التي وردت على آراء وملاحظات الأستاذ سيَّار الجميل سليمة, بل كانت نامية ومرفوضة حقاً. ولكن لا دخل للدكتور عبد الخالق حسين فيها, وهو صادق تماماً في ما أكده لي في رسالته. وإثارة الضجة حوله غير صحيحة. كما علينا أن نتوقع مثل تلك التعليقات النابية. وعلينا أن نقتنع أن بعض المواقع ترتاح لمثل هذه التعليقات المثيرة على طريقة المجلات الفضائحية المعروفة في كل أنحاء العالم. وهناك من يهتم بها قبل غيرها.
إن البيان الذي أصدرناه بشأن الموضوع غير موجه بأي حال ضد الأخ والصديق العزيز السيد الدكتور عبد الخالق حسين ولا إدانة له, بل هو رأي أردنا به أن نحافظ على العلاقة الودية التي تجمع بين الكاتبين من جهة, وإدانة للتعليقات النابية التي وردت على تلك المناقشات من جهة ثانية, ورجونا الجميع إلى التزام الأسس السليمة في النقد عبر الكتابة أو التعليق من جهة ثالثة. نحن أنفسنا, أيها الأصدقاء, غير معصومين عن الخطأ ولسنا حكاماً على آراء الآخرين, بل كان نداؤنا رجاءً عاماً لنا وللجميع وليس غير ذلك.
أتمنى من القلب أن لا نهتم كثيراً بتلك التعليقات التي يراد منها الإثارة وليس النقاش الراغب في الوصول إلى الحقائق, ولكن علينا أن نتوقع حصول ذلك.
كم أتمنى أن يتوقف النقاش حول هذا الموضوع, إذ إن الاستمرار فيه يؤدي إلى مزيد من الإشكاليات شئنا ذلك أم أبينا.
29/8/2010                     كاظم حبيب   


449
كاظم حبيب
إلى متى تبقى الأزمات الراهنة تطحن المجتمع العراقي؟

عادت القنوات التلفزيونية والإذاعات والصحافة العالمية, وعاد المراسلون المحليون والعالميون والمعلقون السياسيون ينقلون إلينا يومياً وفي كل ساعة , أنباء حزينة ومرعبة تذكرنا بما كان عليه العراق في العامين 2006 و2007, عن الموت اليومي للإنسان العراقي, أنباء تفجيرات متلاحقة ومتزامنة ومنظمة ومنسقة لتشمل مراكز للشرطة في العديد من المدن العراقية, أو مراكز التطوع للجيش العراقي أو مراكز تسلم مجموعات المتقاعدين لرواتبهم أو في الأحياء السكنية أو العمارات ...الخ, ولكي تعطي الانطباع عن القدرة الفعلية التي تمتلكها قوى القاعدة وبقية القوى الإرهابية والمليشيات الطائفية المسلحة عن خلاياها النائمة التي أيقظها نوم الحكومة العراقية وسباتها العميق الذي يمكن تصويره بسبات أهل الكهف الذين لا يعرفون ما يجري في العراق ولا يسمعون أخبار الموت اليومي الذي تنشره الصحافة العالمية أو قناة الحرة أو قناة الشرقية الملتبس وضعها وغيرها. أمس في كربلاء وبغداد وبعقوبة والفلوجة, واليوم في واسط وبغداد والموصل وغيرها من مدن العراق التي تفاقمت فيها صور "المحرومية" العامة والظالمة والمتنوعة وسادت فيها البطالة القاهرة للإنسان إلى جانب الإرهاب الدموي.
حين شاهدت قنوات التلفزة لهذا اليوم واستمعت إلى غضب الناس الذين يواجهون الموت يومياً والذي لم يكن بعيداً عنهم كثيراً, أدركت عمق الفجوة الكبيرة الفاصلة بين النخب السياسية الحاكمة والساعية للحكم وبين بنات وأبناء هذا الشعب الذي ينزف يومياً دماً ودموعاً, أدركت أن الشعب في وادٍ والحكام في وادٍ أخر, وكأني اسمع بالحكام القابعين في بيوتهم والخائفين على أبنائهم من أصوات التفجيرات البعيدة عن حي الخضراء, يقولون "إنا لله وإنا إليه راجعون, هذا هو القدر المقدر من الله سبحانه وتعالى, والموت حق على هؤلاء الناس, وأن الله قد استدعى أمانته, ونحن الحكام غير مسؤولين عن أمر الله, ويرددون مع أنفسهم: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه!!!
غريب حين تقرأ نداء تصدره هذه القائمة أو الكتلة البرلمانية أو تلك لتدين فيه التفجيرات والقتلة وتترحم على أرواح الموتى, ولكن لا تجد في قلوب هؤلاء جميعاً الرحمة على هذا الشعب الذي تزهق أرواحه يومياً بسبب هذه الرغبة القاتلة في الاستحواذ على السلطة.
خرج علينا السيد وكيل وزير الداخلية عبر شاشة قناة الحرة ليتحدث لنا عن أجهزة وزارة الداخلية "العملاقة" التي يبلغ تعدادها 600 ألف شخص, ولكن مع ذلك وفي يوم واحد ورغم الإنذارات تقع عشرات التفجيرات والاغتيالات والحوادث المضنية في جميع أرجاء محافظات الوسط والجنوب والموصل وكركوك ونسى هذا المسؤول أن هذه الوزارة قد ملئت بأعداد غفيرة من أعضاء عدد من المليشيات الطائفية المسلحة في زمن الطبيب إبراهيم الجعفري ووزير داخليته حينذاك باقر الزبيدي, وأن التنظيف "ربما" لم يشمل هؤلاء الناس, بل هم "ربما" لا زالوا في مواقع حساسة, ولهذا لا بد من وجود اختراقات أمنية مهمة وفي مواقع كثيرة, وإلا لما حصل ما يحصل اليوم وما سيحصل غداً إن استمرت هذه الأزمات الطاحنة في العراق.
وينقل لنا تلفزيون الحرة أيضاً خبراً مفاده إطلاق سراح جميع المعتقلين الذين شاركوا بـ "مظاهرات الشغب!" في ذي قار. تصوروا, إذلا بد وإنكم انتبهتم أيها القراء والقارئات إلى صياغة الخبر الحكومي, أطلقت الحكومة سراح "المشاغبين!" الذين تظاهروا مطالبين بالكهرباء! هل يعقل أن تعتقل حكومة تدعي خدمة مصالح الشعب اعتقال أبناء الشعب لأنهم تظاهروا من اجل الكهرباء؟ وهل يعقل أن يبقى هؤلاء الناس هذه الفترة الطويلة في المعتقل لأنهم طالبوا بالكهرباء, وربما عذبوا أيضاً! وربما المعتقلون في البصرة لا زالوا في المعتقل, إذ لا خبر عن إطلاق سراحهم والاعتذار لهم. هذه كلها نتاج منطقي للأزمة الطائفية الخانقة في البلاد.
الأزمة السياسية في العراق عميقة تلازمها أزمة اقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية شاملة, تتجلى في الصراع الدائر بين الأحزاب الإسلامية السياسية السنية والشيعية على السلطة والمال والنفوذ وغياب الإستراتيجية التنموية ووضوح الرؤية الاقتصادية والاجتماعية والصراع حول وجهة التنمية ..الخ. وينتظر التحالف الكردستاني من يقبل بمطالبه وشروطه ليشارك معه في السلطة على أن لا يتخلى بهذا القدر أو ذاك عن مجلس الأعلى الإسلامي في العراق باعتبار أن هناك "تحالفاً إستراتيجياً قديماً بين الكُرد والشيعة لمظلوميتهم السابقة المشتركة!" حسب تعبير السيد رئيس الجمهورية في آخر لقاء له مع عمار الحكيم. نعم كان على رأس السلطة العراقية على مدى الفترة بين 1921-2003 جماعات من العرب من أتباع المذهب السني, ولكن ليس أهل السنة مسؤولون عن ذلك, حتى لو كانت جمهرة من أهل السنة مستفيدين من وجود النخبة السياسية السنية الباغية في الحكم. علينا جميعاً أن نعي ذلك وأن نبتعد عن تعميق اصطفاف الطوائف الدينية بصورة متعادية, إذ أنها المقتل الفعلي للعراق, ولكي لا تصبح النخبة السياسية الشيعية باغية في حكم العراق.
إن حل الأزمة من خلال الاستحقاق الانتخابي أمر ضروري, ولدي القناعة بأن القائمة العراقية التي لها الاستحقاق ستعجز عن تشكيل الحكومة عبر المجلس النيابي بأكثريته المعروفة, وبالتالي سينتقل هذا الحق لقائمة أو كتلة أخرى, وعليها البدء بتشكيل الحكومة وأن عجزت, لا بد من إيجاد خيار آخر يتم الاتفاق عليه. ولو كان السيد رئيس الوزراء المنتهية ولايته قد تخلى عن إصراره على البقاء في الحكم وتشكيل الحكومة لانتهت الأزمة منذ فترة غير قصيرة. ولكن إصراره يزيد من تعقيد اللوحة السياسية المعقدة أصلاً.
إن سلب مجلس النواب من صلاحياته وتعطيله أمر بالغ السوء, والمحكمة الاتحادية عاجزة عن اتخاذ الموقف الصحيح تشريعياً, لأنها تعاني من ضغوط سياسية كبيرة, وهو عيب كبير منها ومِن مَن يمارس الضغوط عليها.
واستمرار مثل هذه الأزمات, وخاصة السياسية, ستتفاقم منطقياً ست عواقب بشكل خاص:
1) استمرار الفراغ السياسي والأمني الفعلي؛ 2) تفاقم العمليات الإرهابية الدموية واتساع رقعتها وكثافتها؛ 3) استمرار الفساد المالي والإداري السائد في العراق في الدولة والمجتمع المغلوب على أمره؛ 4) استمرار تدهور حياة ومعيشة وأمن المواطنات والمواطنين وتفاقم البطالة في صفوفهم والبطالة المقنعة وزيادة الرواتب التي أصبحت ترهق ميزانية الدولة بما يقرب من 75-80% من دخله القومي وفق تقديرات السيد وزير التخطيط؛ 5) زيادة التدخل الإقليمي بشكل خاص في العراق, سواء أكان من إيران أم تركيا أم الدول العربية المجاورة والبعيدة في الشأن العراقي, كما سيستمر القصف الإيراني والتركي للأراضي العراقية في كردستان العراق ويعجز العراق عن ردها وإيقافها؛ 6) وأخيراً وليس أخراً احتمال استمرار بقاء قوات الاحتلال الأجنبية في العراق وتعديل الاتفاقية الأمريكية العراقية, هو ما تسعى إليه كل الجماعات التي تشارك في إرهاب الشعب العراقي وتشترك في تدمير الدولة العراقية وإخضاعها لإرادتها الإقليمية المتفاعلة مع قوى محلية خانعة. وعلينا أن نؤكد حقيقة إن ليس الإرهابيين وحدهم يساهمون في خلق هذه الأوضاع, بل الذين يواصلون تمديد الأزمة السياسية الراهنة, شاءوا ذلك أم أبوا! 
26/8/2010                      كاظم حبيب       

450
كاظم حبيب
هل من نهاية للأزمة البنيوية الطاحنة في العراق؟


يمر العراق بمحنة قاسية وأزمة بنيوية مستعصية والموت يتربص بالناس من كل حدب وصوب ويلتقط منهم من يشاء وبأعداد متزايدة يوماً بعد آخر. لقد اختطف الموت في شهر تموز 2010 وحده على وفق البيانات الرسمية 535 إنساناً في العراق على أيدي ميليشيات سياسية إسلامية شيعية وسنية طائفية متطرفة وقوى قومية شوفينية وبعثية متطرفة ومجرمة, بينهم 396 مدنياً والباقي من أفراد الشرطة والجيش, بعد أن كان عدد القتلى المدنيين في شهر حزيران/يونيو 204 شخصاً و275 شخصاً في شهر أيار/مايس من نفس العام.. وهذا يعني أن عدد القتلى في ثلاثة شهور بلغ 1014 شهيداً, كما سقط المئات من الجرحى والمعوقين خلال شهر تموز, إضافة إلى أعداد أخرى من الجرحى والمعوقين في الشهرين السابقين. وفي الوقت الذي اعتبرت وزارة الصحة ووزارة الداخلية أن شهر تموز هو الأكثر دموية منذ العام 2008, أكد بيان للقوات الأمريكية في العراق إلى أن عدد القتلى مبالغ فيه, إذ قدر العدد بـ 222 شخصاً وعدد الجرحى والمعوقين بـ 782 شخصاً, أي ما مجموعه 1004 شخصاً بين قتيل وجريح. وما أن بدأ شهر آب/أغسطس الجاري حتى سقط الكثير من الشهداء, إضافة إلى الكثير جداً من الجرحى والمعوقين في الكوت واغتيالات بكاتم الصوت لخمسة من أفراد الشرطة في بغداد وتفجيرات أخرى وعدد من الشهداء الجدد. وهي لوحة قاتمة حقاً, وهي مرتبطة بالفراغ السياسي والأمن الهش. وإذا كان أمر تقليص عدد القتلى والجرحى في شهر تموز القوات الأمريكية في العراق لكي يسمح لها بعدم تأخير انسحابها, وإذا كان أمر الانسحاب جيد للعراق والمنطقة, فأن تقليص عدد القتلى لن يعفيها من مسؤوليتها الراهنة في العراق كما لا ينفع الشعب العراقي في عدم كشف حقائق الوضع أمامه ليعرف ما يجري في سائر أنحاء العراق باعتباره جزءاً من واقع حكومة تصريف أعمال غير قادرة على النهوض بمسؤولياتها الأمنية في البلاد. الصراحة والشفافية والوضوح مع الشعب هو الطريق الوحيد لكسب ثقة الشعب وليس العكس.
ولا يزال الشعب في البلاد يواجه الطائفية المقيتة والصراع الطائفي على السلطة والمال والنفوذ لصالح قوى الإسلام السياسية الشيعية والسنية المهيمنة على الساحة السياسية العراقية والمتحكمة برقاب الناس بمختلف الصيغ والممارسات. إنها المعضلة البنيوية الراهنة التي لا يمكن أن يستقر العراق دون الخلاص من أسبابها الفعلية, فالمعالجة السطحية لها لا تحل المشكلة المستعصية, بل تزيدها تعقيداً وتؤجل انفجارها ثانية.
الشعب يتجرع مرارة الحرمان من الخدمات الأساسية ومن البطالة والفقر في مواجهة الغنى والتخمة لدى قلة قليلة من البشر, والحكام في بغداد لا يجدون ضرورة الاتفاق على صيغة مناسبة لإنهاء الأزمة فلديهم الوقت الكافي للمفاوضات والمساومات على حساب حياة ومصائر الناس ومصالح الاقتصاد الوطني.
الناس تعيش الضيم والقهر في ظل حكومة تصريف أعمال ومجلس نواب محاصصي معطل منذ خمسة شهور ومجلس رئاسة لم يستطيع إلى الآن إنهاء الأوضاع الشاذة السائدة في البلاد.
ولكن, هل الشعب يتعلم يوماً بعد آخر من تجربته الخاصة ماذا تعني الطائفية السياسية, وماذا يعني التمييز الديني ولطائفي, وماذا يعني الصراع الطائفي بين الأحزاب السياسية على السلطة, وكيف يشوه الدستور, هذا الدستور الذي كتبوه بأنفسهم رغم الملاحظات الكثيرة عليه من جهة, وكيف تغيب عن هذا الصراع مصالح الفقراء والمحرومين والبؤساء من العائلات في الأحياء الفقيرة والمنكوبة بالقمامة والبؤس من جهة أخرى, وكيف يموت الناس زرافات ووحداناً على أيدي المجرمين القتلة من جهة ثالثة؟
هذا هو وضع الحكومة الاتحادية في بغداد, فهل سيتعلم الشعب من هذه الأحداث ويدير ظهره لأولئك الذين نسوا مصالح الناس وغاصوا في أجنداتهم الخاصة ومصالحهم الذاتية ومصالح أحزابهم السياسية؟ هل سيصفع الشعب تلك القوى التي وضعته وجهاً لوجه أمام قوى الإرهاب لتقتل منه من تشاء بغير حساب؟ هل سيمتنع الشعب عن منح أصواته لهذه القوى التي خذلته رغم كل الاحتجاجات والضغوط التي يمارسها كل يوم من أجل تحقيق الانفراج في الوضع الراهن؟
إن العقل والمنطق والخبرة التاريخية المتراكمة لدى شعوب العالم تقول بأن الشعب حين يواجه هكذا أحداث وهكذا قوى يفترض فيه أن يعطي ظهره لهؤلاء الناس, لتلك القوائم التي لم تحترم إرادته وعطلت المجلس الذي انتخبه رغم كل المآخذ على تشكيله أو الملاحظات التي جاءت على تعطيل عمله.
ولكن هل سيتخذ الشعب هذا الموقف في ظل تشوه في الوعي الديني والاجتماعي وتفاقم التربية الطائفية السياسية والتمييز الديني والطائفي والسعي لتحقيق الاصطفاف الطائفي عبر تكثيف وزيادة عدد الزيارات المليونية والسير على الأقدام وعبر المواليد والوفيات الكثيرة وعبر الإعلام الطائفي المتشنج والمتعادي؟
لقد تذكرت وأنا أفكر بالواقع المرَّ الذي يعيش فيه الشعب قول الشاعر:
وستنقضي الأيام والخير ضاحك      يعم الورى والشر يبكي ويلطم
ولكن متى؟ لكي يتحقق ذلك لا بد من تنشيط النضال الفكري والاجتماعي والسياسي للقوى والعناصر الديمقراطية في جميع أرجاء العراق ضد التمييز الديني والطائفي, ضد المحاصصة الطائفية, ضد تقسيم السلطة على أساس الدين والمذهب, وليس على أساس المواطنة.    
إن الوعي المشوه الراهن لا يتبدل بسهولة وبسرعة, بل ستطول هذه الفترة ويمكن تقليصها فقط حين تدرك القوى السياسية الوطنية والديمقراطية العراقية دورها ومهماتها وسبل العمل في ظل أوضاع عراقية وإقليمية ودولية جديدة, وفي ظل بناء اقتصادي واجتماعي وسياسي متخلف ومشوه.
إن الصراع الجاري على السلطة في العراق يتخذ اليوم, كما بالأمس, أبعاداً إقليمية ودولية معطلة لحركة المجتمع والدولة ومعمقة للصراع الداخلي ومسقطة للقرار العراقي المستقل بشأن تشكيل الحكومة. وهذا الصراع لا يجري للسيطرة على القرار السياسي في العراق فحسب, بل هو صراع إقليمي ودولي أيضاً يجري على أرض العراق, إنه التعبير الصارخ عن الصراعات الدائرة في منطقة الشرق الأوسط, سواء أكانت في ما بين بعض الأطراف الإقليمية أولاً, وبينها وبين الدول الكبرى ثانياً. فالصراع الإيراني الأمريكي, والصراع العربي الإسرائيلي, والصراع اللبناني السوري الإيراني, والصراع الإيراني الخليجي, والصراع السعودي الإيراني والصراع التركي الإيراني العراقي, كلها تجري في العراق وعلى أرضه, وهي تكثيف شديد لأحوال منطقة الشرق الأوسط والخليج. وهذا الصراع لا يجري بدون أهداف وأجندات خاصة, فهو صراع على النفوذ والمصالح الحيوية في العراق وفي تلك الدول. فالعراق يعتبر منطقة إستراتيجية بالنسبة للسياسة الدولية والإقليمية عموماً وفي المنطقة والخليج خصوصاً, ونفط المنطقة يصل إلى حدود 70% من احتياطي النفط في العالم حالياً, إضافة إلى كون هذا الاحتياط أخذ بالازدياد يوماً بعد آخر مع اكتشاف احتياطي جديد في العراق والمنطقة وتقلص احتياطي مناطق أخرى من العالم, كما هو حال النفط الخام في الولايات المتحدة, في وقت يزداد الطلب العالمي على النفط الخام, وخاصة الولايات المتحدة والصين الشعبية. كما يزداد وجود الغاز الطبيعي في هذه المنطقة أيضاً, وهو ثروة هائلة تأتي بعد النفط في أهميتها للعراق والمنطقة والعالم. وفي الوقت الذي تشتد الأزمة المالية في العالم, توجد أموال نفطية "فائضة!" غير مستثمرة لدى حكومات البعض من هذه الدول والتي يمكن استخدامها في الاقتصاد الدولي وفي غير اقتصاديات هذه البلدان ومصالح شعوبها.
وحين يجري الحديث عن الخشية من تدويل القضية العراقية, ينسى المتحدثون بذلك حقيقة أن العراق بأوضاعه الراهنة لا يزال يخضع للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يسمح للهيئة الدولية بالتدخل في الشأن العراقي, إضافة إلى أن هناك من الدول من يرفض رفع العمل بقواعد الفصل السابع عن كاهل العراق. إلا أن عدم الاستقرار واستمرار الصراع الطائفي وغياب القدرة على إيجاد قواسم مشتركة في السياسة العراقية يقود إلى استمرار خضوع العراق لهذا الفصل واستمرار غياب الاستقلال والسيادة الوطنية.
إن العراق الضعيف سياسياً يتعرض اليوم للقصف المدفعي واختراق الأجواء العراقية بالطيران الحربي وقصف مواقع في إقليم كردستان العراق تحت أي ذريعة كانت. وما كان ليحصل مثل هذا القصف لو أن العراق قوى بمكوناته القومية وموحد الكلمة وفيه حكومة مستقرة وقادرة على طرح المشكلة على الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي أو رفعها إلى المحكمة الدولية في لاهاي لأن القصف المستمر ليس تجاوزاً من جانب إيران وتركيا على السيادة الوطنية فحسب, بل وفيه قتل مباشر للناس الأبرياء وتدمير لدور السكن وتخريب وحرق للمزروعات وتهجير وتشريد للسكان من مناطق سكناهم.
إن العراق بحاجة إلى تشكيل حكومة وطنية غير طائفية قادرة على معالجة الأوضاع الداخلية وحل المشكلات المعلقة, سواء أكانت سياسية أم اقتصادية, وخاصة الخدمية, أم اجتماعية, وحل المشكلات مع دول الجوار في ضوء مبادئ وميثاق الأمم المتحدة. وأن أي تأخير في ذلك لا يعني سوى استمرار الأوضاع السياسية والأمنية الهشة وتفاقم الصراع في مناطق الوسط والجنوب والموصل وكركوك والتي لن تقود إلا إلى مزيد من الموت والتخلف والحرمان وتنامي الاستعداد لدى الجماهير في مواجهة القوى الحاكمة العاجزة عن إيجاد حل لمشكلاتها. ولم تكن مظاهرات البصرة والناصرية وغيرها حول نقص خدمات الكهرباء سوى الشرارة التي يمكن أن تتعاظم لاحقاً.
وإذ يتحدث رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عن التدخل الإقليمي باعتباره معرقلاً لتشكيل الحكومة الجديدة بعد مرور خمسة أشهر على انتهاء الانتخابات النيابية, وهي مخالفة صريحة للدستور القائم, كما يؤكد ذلك غيره أيضاً, بأنه لا يتشبث بمسؤولية تشكيل الوزارة لشخصه ولصالحه بل لصالح العراق لأن الآخرين لا يريدون شخصية قوية تحكم العراق. الشعب لا يريد شخصية قوية, بل يريد نظاماً سياسياً مؤسسياً وديمقراطياً قوياً, الشعب لا يريد من يتصرف بإرادته فقط وليس بإرادة الشعب ومصالحه, الشعب لا يريد مستبدين فقد شبع منهم حتى التخمة, بل يريد حياة هادئة وهانئة وبعيدة عن التفجيرات والموت اليومي, يريد عملاً لا بطالية ويريد عدالة لا ظلماً, يريد مواطنة متساوية للجميع.  
إن العراق يعيش مأساة ومهزلة في وقت واحد ولا يمكن أن تتوقف ما لم يبادر العقلاء منهم إلى التحري عن الصيغة المناسبة, عن القواسم المشتركة, لتشكيل حكومة وطنية قادرة على حل المعضلات التي تجابه الشعب والوطن بروح المواطنة الحقة والمتساوية وبعيداً عن روح التخندق والطائفية وضيف الأفق القومي والشوفينية المقيتة. إنها الطريقة الوحيدة لمعالجة التخلف والفقر والبطالة والحرمان من الخدمات في مناطق الوسط والجنوب والموصل. إن الناس قد تعبوا ولم يعد في صدورهم المزيد من الصبر!
ولنتذكر قول الشاعر جميل صدقي الزهاوي وهو يخاطب ملك ذاك الزمان في العراق:
يا مليكاً في ملكه ظل مسرفاً              فلا الأمن موفور ولا هو يعدل
تمهل قليلاً لا تغض أمة إذا              تحرك فيها الغيظ لا تتمهل
وأيديك إن طالت فلا تغترر بها            فأن يد الأيام منهن أطول

                     كاظم حبيب



451
كاظم حبيب
سيبقى صوت كامل شياع يطاردهم ويؤرق حياتهم.. وستبقى قامته شامخة..!

يقيناً إن من كان يقف وراء قتلة كامل شياع سار, ولو لخطوات قليلة, خلف جنازته, وربما تعامى عمداً ووجه العزاء لعائلة الشهيد ليُبعد حركة الأصابع التي كانت ستمتد لتؤشر بها إليه وتصرخ ... أنه القاتل الفعلي...!
ويقيناً إن من كان وراء قتلة كامل شياع حضر أو سيحضر ليشارك في بعض أو كل المآتم التي ستقام في الذكرى السنوية الثانية والقادمات من السنين لقرار ارتكاب الجريمة البشعة, قرار إعدامه رمياً بالرصاص, ليدفع التهمة عنه بعيداً...!
ويقيناً أن القتلة يحومون حول رفاق فكر وطريق وأصدقاء كامل شياع .. إنهم ينتظرون صيداً آخر...أقل حماية وأكثر حيوية في الدفاع عن الإنسان العراقي وعن قضيته العادلة وعن المجتمع المدني الذي كان عزيزاً على عقل وقلب كامل شياع..!
ويقيناً أن القتلة يتربصون اليوم أيضاً بالفكر الحر الديمقراطي, بالفكر الإنساني النير الذي كان يحمله في عقله ويسعى إليه بقلبه وضميره الحي كامل شياع وتصوروا أن الفكر سيموت بموت أحد ابرز حملته .. ولكنهم خسئوا فما مات هذا الفكر ولن يموت..
لثور الفكر تاريخ يذكرنا       بألف ألف مسيح دونها صلبا
خسئي المجرمون القتلة ومن يقف خلفهم.. فقد ترك كامل شياع خلفه فكراً يسارياً حراً وديمقراطياً وجمهرة كبيرة من البشر ممن حملوا معه نتاج الحضارة الإنسانية, نتاج المدنية الحديثة, وأرادوا زرعها مجدداً في الأرض العراقية غير المحروثة منذ زمن بعيد, أرادوا غرسها في عقل الإنسان العراقي الذي تعرض للجدب عقوداً كثيرة, أرادوا تكريسها في الحياة اليومية العراقية.. وهم ما زالوا من بعده يسعون إلى ذلك رغم النكسات والضحايا الغالية..!
خسئي المجرمون فستبقى صورة كامل شياع عالقة دوماً في أذهان العراقيات والعراقيين وشوكة في عيون المجرمين القتلة, وسيبقى صوته الهادئ والناعم والرصين يعلو ويعلو ليدخل حتى إلى تلك الآذان الصماء لتذكرهم بالجريمة التي ارتكبوها, ولكنها ستوقظ أيضاً ودوماً رفاقه لتذكرهم بما يفترض أن يؤدوه لكي لا يذهب دمه هدرا.
قبل وبعد استشهادك أيها الصديق العزيز سالت ولا تزال تسيل دماء العراقيات والعراقيين يومياً في شوارع وأزقة المدن العراقية لتصبغ الأرض العراقية باللون الأحمر القاني, بشقائق النعمان. مئات القتلى والجرحى والمعوقين يتساقطون على أيدي المجرمين القتلة من أتباع القاعدة والبعث ألصدامي والمليشيات الطائفية المسلحة, ودموع الثكالى تتزايد يومياً لتسد النقص المتفاقم في مياه دجلة والفرات.
والحكام في العراق, أيها العزيز, الذين عجزوا عن تشخيص قتلتك, هم عاجزون اليوم أيضاً عن وضع اليد على قتلة أبناء الشعب وإيقاف حمامات الدم, وهم لا زالوا يعانون من انفصام الشخصية, من غياب الثقة, من الخشية المتبادلة, من البسمة الخادعة. إنها المرارة التي تسحق الإنسان العراقي وتدميه قبل أن تصل متفجرات الإرهابيين والقتلة لتحصدهم أيضاً.
اللوعة تمردنا أيها الصديق الأعز, أيها الغائب الحاضر بيننا, والألم يعذبنا وموت الناس يخنقنا ويدمي نفوسنا, ولكن سيبقى الأمل والحلم يعيشان معنا وسنبقى نتطلع ونعمل من أجل أن يعيش هذا الشعب الجريح حياة أفضل وأكثر هدوءاً واستقراراً وأكثر سعادة, تماماً كما كنت تأمل وتحلم في حياتك القصيرة والغنية في آن.          
24/8/2010                     كاظم حبيب

452
كاظم حبيب
هل من طريق غير التفاوض مع أوچلان لحل المشكلة الكُردية سلمياً في تركيا؟

كانت الحكومة التركية ولا تزال أمام معضلة كبيرة هي عجزها إلى الآن عن إدراك حقيقة أن القضية الكُردية في تركيا لن تحل بالطرق العسكرية وبقتل المزيد من الناس الأبرياء في تركيا وفي المناطق الجبلية من العراق, وأن خبرة الأربعين سنة الأخيرة تؤكد لها وللشعب التركي بأن طريق العنف والقوة والعسكر مسدود حقاً وسيكلف الدولة التركية المزيد من الخسائر البشرية والأموال والمزيد من الخراب وسوء العاقبة وسوء السمعة أمام الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي. إن الفكر الشوفيني لن يساعد على تحقيق الحياة الحرة لكل القوميات المتعايشة في دولة واحدة, بل يتطلب العيش المشترك الاعتراف المتبادل بالحقوق القومية وبالحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام.
إن أمام الحكومة التركية طريق واحد لا غير, طريق المفاوضات مع قوى الشعب الكُردي في إقليم كُردستان تركيا, ومن أبرز تلك القوى الكُردية يشكل, شاءت الحكومة التركية أم آبت, حزب العمال الكُردستاني وقائده المسجون منذ عشر سنوات السيد عبد الله أوچلان.
إن بدء التشاور واللقاء مع عبد الله أوچلان ثم تحديد نقاط الحوار مع القبول المبدئي بوقف القتال بين الطرفين على وفق المقترح المطروح من جانب هذا الحزب, سيكون خطوة إلى الأمام للدخول في مفاوضات تضع الأرضية الصالحة لحل المشكلة بالطرق السلمية وتعزيز لحمة التآخي التركي - الكُردي بدلاً من الاقتتال الذي لا يجلب لأحد غير الموت والخراب والمزيد من الغضب والكراهية والحقد المتبادل.
هل تستطيع الحكومة التركية المتهمة باستخدام السلاح الكيماوي ضد المقاتلين الكُرد من كُردستان تركيا أن تقفز على ظلها وتوافق على كسر العتمة ببصيص من الضوء بدلاً من الغوص باستخدام الأسلحة المحرمة دولياً والتي يفترض أن تواجه باحتجاج شديد من جانب شعوب وحكومات العالم كله؟ لم يبرز الدليل الكافي إلى الآن على قدرتها في تحمل مسؤوليتها التاريخية في هذا الصدد. ولكن استخدام هذه الأسلحة المحرمة دولياً في شن العدوان على المقاتلين الكُرد وبروز إصابات واضحة على القتلى من هؤلاء المقاتلين سيزيد من عزلة الحكومة التركية ويفضح نهجها المعادي لمبادئ اللائحة الداخلية للأمم المتحدة ولائحة حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها.
أدرك يوماً بعد أخر بأن الحكومة التركية ستجد نفسها ملزمة على الدعوة إلى بدء حوار ومفاوضات بناءة,عاجلاً أم آجلاً, مع القوى الكُردية لحل المشكلة سلمياً, إذ لا طريق أمامها غير هذا الطريق, وإلا ستبقى تجتر السلوك العنفي العسكري السابق الذي لا طائل منه.
أتمنى أن تستفيد الحكومة التركية من التجربة الكُردية في العراق والتي يمكنها أن تعزز العلاقة بين الشعبين العربي والكُردي, رغم المصاعب التي يواجهها العراق حالياً, سواء أكان بصدد تشكيل الحكومة العراقية الجديدة, أم المشكلات الداخلية التي لا تزال غير محلولة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم في أربيل, علماً بأن الأساس المادي لحل تلك المعضلات موجود في الدستور العراقي.   
على الحكومة التركية أن تستفيد من العرض المطروح للتفاوض والتعلم من تجربة جمهورية جنوب أفريقيا حين أُجبرت على إطلاق سراح نيلسون مانديلا والتفاوض معه لحل المشكلة الكبرى, مشكلة العنصرية وحكم الأكثرية في هذه الجمهورية, وتطلق سراح عبد الله أوچلان وبقية المعتقلين الكُرد وتبدأ بمفاوضات جادة معه للوصول إلى حل سلمي وديمقراطي حقيقي لهذه المشكلة المزمنة. إنه الطريق الأوحد الذي لا بديل له.
24/8/2010                        كاظم حبيب
 



453
كاظم حبيب
هل عاد المجرمون من كل حدب وصوب ليغرقوا العراق بالدم والدموع؟

نعم, نعم, نعم عاد المجرمون من كل حدب وصوب إلى عادتهم القديمة, عادوا ليغرقوا العراق ومن جديد بالدم والدموع, إنهم من ذات الهويات السابقة التي مارست الإرهاب قبل أعوام وأن لم تنقطع إلا لماما. إنهم ينهلون من ذات المعين المتعدد الجهات الذي كان يغذيهم بالمال والسلاح والقتلة المأجورين, إنهم مجرمون تربوا على أيدي نظم سياسية مجرمة ابتداءً من نظام صدام حسين الفاشي ومروراً بنظام إيران الإسلامي الدموي ومروراً بالنظام السوري المستكين لإيران والمتفاعل معها والمستبد بأمره واستمراراً بالقوى الأصولية المتطرفة الموجودة في السعودية وبعض دول الخليج والقادمين من أوروبا عبر بعض مساجد وجوامع المتطرفين. إنهم قوى وميليشيات مسلحة إرهابية وطائفية متطرفة, شيعية وسنية, تأتمر بأوامر دول الجوار وتنفذ مشاريعها في العراق لنشر عدم الاستقرار والاستمرار بالقتل والتخريب وتعطيل عملية إعادة البناء وكل العملية السياسية, رغم مساهمة القوى السياسية العراقية ذاتها بتعطيل العملية السياسية لمصالحها الضيقة ومشاريعها الطائفية من خلال صراعها على السلطة وبالطريقة البائسة الراهنة.
إنهم يريدون تعطيل انسحاب القوات الأجنبية من العراق ليواصلوا تأكيد وجود قوات أجنبية محتلة في العراق لكي يتذرعوا بذلك ويدعون إلى استمرار مقاومتها الفاشلة, وهي نفس الذريعة السابقة لم تتغير ولن تتغير إلا بتوطيد العاق المنشود, وليس العراق المحاصصي.
إن القوى التي تريد إشاعة الرعب والموت وعدم الاستقرار في العراق ليست غير معروفة للحكومة الحالية ورئيسها, ولكن رئيس حكومة تصريف الأعمال لا يزال متشبثاً بالحكم ويريد الوصول إلى مساومة لصالحها فيغض الطرف عن أولئك الحلفاء أو غيرهم ممن يحمل السلاح ويوجه به ضربات قاسية للجيش والشرطة والناس الأبرياء الآخرين. إن هؤلاء يمتلكون معلومات قيمة وليست ضرباتهم عبثية أو عشوائية. وهي قوى تعرف جيداً أن توجه ضرباتها لتؤجج الأحقاد الطائفية المتشنجة أصلاً والأوضاع غير الهادئة منذ سنوات بفعل الصراع حول السلطة والمال والنفوذ, هذا الثلاثي الذي أصبح مدمراً للعراق وشعبه.
نحن أمام حلقة مفرغة, كل يدعي وصلاً بليلى وليلى هي المستهدفة من كل ذلك, إنه الشعب المستهدف. لا نريد أن نذكر حكامنا في العراق كيف أصبح الدم محتقناً في رؤوس الناس في الداخل والخارج حين يرون المفاوضات الفاشلة والابتسامات العريضة غير الحقيقة ترتسم على شفاه ووجوه الحكام. لقد ملَّ الشعب هذه المسرحية المنهكة للشعب, لقد ملَّ الشروط المتبادلة لتشكيل الحكومة أو المساهمة فيها, إذ كل يريد أن يقتطع أكثر ما يمكن من هذا البلد لصالحه, وكأن العراق أصبح سفينة في بحر متلاطم والنار تشتعل فيه, ولكل الحق في أخذ ما يريد وما يشاء ويهرب به إلى شاطئ السلام دون وقبل غيره.
نحيب العائلات على موتاها وجرحاها متصاعد غلى عنان السماء ودموعهم تشكل نهراً يمر شاقاً طريقه بين النهرين وعبر العراق كله, وأعصاب الناس متوترة وأوضاعهم النفسية في الحضيض وعلاقاتهم متدهورة, وكأننا في صراع ونزاع شديد لا يقبل التأجيل ولا يمتلك الرحمة, كل يسئ إلى صاحبه مع سبق إصرار ويسعى إلى تحقيق الضربة الاستباقية. هذا لم يعد في العراق فحسب, بل انتقل إلى خارج العراق حيث كان الهدوء والتفاهم والسلام يسود بين الناس, إنه نتيجة منطقية وسلبية للإحباط الذي يعيشه الناس في العراق فينتقل عبرهم غلى خارج البلاد. كم يتمنى الإنسان أن تكون لهذا الإحباط نتائج أخرى غير الفرقة والصراع والنزاع والشتائم المتبادلة والإساءات التي لم تكن موجود قبل ذاك, أن يشد البعض إلى البعض الآخر ويعزز لحمتهم لا معاركهم الجانبية, أن يكون الإدراك لا بما فعلته الدكتاتورية وخلفته لنا في العراق وفي الخارج فحسب, بل وما فعلته الطائفية من تقسيم للشعب ومن تفريق للناس ومن إساءة للجاليات العراقية في الخارج.
لم تعد النداءات كافية لإقناع الناس بضرورة الكف عن هذه الطريقة في التعامل في ما بين القوى والأحزاب السياسية ولا مع تجميد مجلس تابع للطوائف والقوميات وليس للشعب كله. لقد أقسموا في أن يكون العراق كله نصب عيونهم, ولكن لا نرى غير الطائفة والقومية هما نصب العيون, فهل أخلَّوا بالقسم؟ هذا السؤال موجه إلى كل نائب يحس بأدميته ويرى ويعيش ما يجري في الوطن من سيول جديدة للدماء وما تنساب من دموع من عيون العائلات الثكلى بقتلاها.
ألا تنفع صرخات العائلات المتصاعدة إلى عنان السماء؟ ألا تسمعون أحاديث الناس والشتائم التي بدأت تنهال على الجميع دون استثناء؟ ألا ترون الموت اليومي في صفوف الناس؟ أم أن عائلاتكم بعيدة عن مثل هذه المخاطر وليكن عندها الطوفان؟
اشعر بالقرف الحقيقي لما يجري في العراق, ولست وحيداً في هذا بل أنه التعبير الجمعي للحالة في العراق. القوات الأمريكية تنسحب وهو فأل خير, ولكن الحصيلة كما نراها فأل شؤم, لأن المحتل يترك العراق وقد عاد الموت إليه وكأنه الجراد الأصفر القاتل, كأنه الطاعون الذي يختطف الناس ليلاً ونهاراً.
لست كارهاً لكم ولا حاقداً عليكم ولكني غاضباً على السياسات التي تمارس في العراق والعذابات التي يتحملها الإنسان العراقي بعد أربعين عاماً من حكم القوى القومية والبعثية الشوفينية والمستبدة, وبعد سبع سنوات من عذاب التعصب الديني والطائفية السياسية المقيتة التي مارست القتل في الناس من كل الأديان والمذاهب ومن كل الاتجاهات السياسية التي ترفض العنف والفرية والتعسف.
لنتوقف لحظة هدوء ونفكر في هذا الشعب وليس بمصالحنا الذاتية التي يمكن أن تذهب كلها ودفعة واحدة هدراً. لنعمل معاً وليرتفع صوت الإنسان العراقي المعذب منذ ألاف السنين, ويطالب باستعادة كرامته المهدورة وسعادته الغائبة, كرامة وسعادة كل المكونات القومية, كل الناس في العراق.
22/8/2010                        كاظم حبيب
   

454
كاظم حبيب
مناقشة مع السيد مصطفى القره داغي حول ثورة تموز 1958
والعائلة المالكة في العراق

نشر السيد مصطفى القره داغي مقالاً تحت عنوان " أما آن الأوان لمحاكمة قتلة العائلة المالكة العراقية وإعادة الاعتبار لها ولو اعتبارياً؟". وفيه يدين الأحزاب السياسية اليسارية والقومية بسبب نشرها للأفكار الثورية ومسؤوليتها عن "انقلاب 14 تموز 1958 وقتل العائلة المالكة ونوري السعيد وضرورة إعادة الاعتبار للمقتولين ومحاكمة القتلة. ويطالب من يتبنى حقوق الإنسان أن يبرهن على صدقيته في الموقف من ذلك. ويفهم من نص المقال أن الكاتب يدين كل من لا يؤيده في هذا الموقف. هذا ملخص المقال الذي نشر على صفحات صوت العراق بتاريخ 14/7/2010.
ابتداءً أشير إلى أن ما حصل في صبيحة الرابع عشر من تموز 1958 بشأن مصير العائلة المالكة وعائلة نوري السعيد لم يكن خطأ فادحاً حسب, بل جريمة ارتكبت على أيدي ضابط عراقي أو أكثر كتب عنهم الشيء الكثير ولا يجوز تعميم الاتهام, إذ لم يكن الفعل قراراً من قيادة الضباط الأحرار أو من الزعيم الركن عبد الكريم قاسم أو من اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني ولا من الأحزاب السياسية الأعضاء في الجبهة حينذاك. وكل المعلومات التي نشرت فيما بعد تؤكد ذلك. ولكن كراهية الجماهير لعبد الإله ونوري السعيد والضيم الذي عاشوا تحت وطأته دفعهم لمثل هذا الفعل السيئ والذي لا يجوز ولا يمكن تبريره. ومن المسف والمخزي أيضاً أن نقول بأن تاريخ العراق القديم والوسيط والحديث فيه الكثير من هذه الأفعال والجرائم التي يندى لها جبين الناس المتحضرين, ولا بد أن يأتي اليوم الذي يتخلص منها الشعب ويلتحق بالحضارة الإنسانية التي انقطع عنها قروناً كثيرة. ومن حق الكاتب أن يطالب باعتبار تلك الحادثة جريمة وأن يطالب بإعادة الاعتبار. إلى هذا الحد يمكن الاتفاق معه باعتباره حقاً من حقوقه في التعبير عن رأيه.
ولكني أختلف معه بالكثير من المسائل التي لم يتسن للسيد مصطفى القره داغي أن يعيشها في العهد الملكي ولا سمع عنها وكان الأجدر به أن يميز بين الصالح والطالح في العهد الملكي وبين الأساليب الشريرة والأفعال الخيرة التي تمت في ذلك العهد, وكذلك بين العقلاء من الحكام وبين الذين أساءوا للشعب, وكان لا بد من محاكمتهم محاكمة عادلة وشرعية وعلى وفق أصول القوانين المرعية. وهكذا كان يفترض فيه أن ينظر إلى ثورة 14 تموز 1958, إذ أن الأمور ليست إما اسود وإما أبيض, إذ أن بين اللونين أطياف من الألوان الأخرى. لقد عشت ردحاً غير قليل من عمري في ظل الملكية وتعرفت على سياسات الحكومات العراقية المتعاقبة وعلى القوى الاجتماعية والسياسية الحاكمة وعرفت سجونها ومنافيها, وتعرضت مع عشرات الآلاف من العراقيين وجمهرة كبيرة من العراقيات للتعذيب الرهيب والمهين لكرامة الإنسان وحقوقه المشروعة لا لسبب سوى مواقف المعارضة لسياسات ذلك النظام الملكي الذي يبدي الأخ القره داغي حزناً على سقوطه. ومن حقه أن يحزن على نظام سياسي يجده مناسباً له وللمئات الذين يلتقون معه في تقديس الملكية في العراق ومنهم الشريف على بن الحسين. ولكن عليه أن يحترم رأي الملايين من العراقيات والعراقيين الذين يحترمون ذكرى الثورة ويكرمون ما أنجزته للفقراء والكادحين, ولكنهم ينتقدون في الوقت نفسه الأخطاء التي وقعت فيها أو ارتكبت باسمها.
ليس صحيحاً تبرئة النظام الملكي من أخطائه الكبيرة التي قادت إلى الانتفاضة العسكرية ضده ثم تحولت عبر حركة الشعب إلى ثورة تريد تغيير الاقتصاد والمجتمع والسياسة والثقافة, وليس من الصحيح إدانة ثورة 14 تموز 1958 دون رؤية مدققة لنتائجها الإيجابية ومن ثم أخطاء قيادة الثورة والأحزاب السياسية أو قادة الثورة. التدقيق والتمييز ضروريا وأساسيان في متابعة حركة التاريخ العراقي لا من اجل التخطئة أو التصويب فحسب, بل ومن اجل التعلم من هذا التاريخ لصالح المستقبل.
العراق رفض الملكية بغالبيته, وبالتالي من غير الممكن العودة إلى الملكية في العراق. وإذا كان هناك من يرغب به فهذا من حقه وليس هناك من يقف ضد نضاله من اجل الملكية في العراق ويمكن أن يكون معه بضعة مئات أو عدة آلاف أشير إليها في مقال السيد مصطفى القرداغي باعتبارها تؤيد محاكمة القتلة وإعادة الاعتبار للعائلة المالكة.
وفي المقابل هناك الملايين الذين يرفضون الملكية. وهذا من حقهم أيضاً, وأنا منهم.
ولكن لنكن صريحين مع القارئات والقراء: العبرة ليست في الملكية أو الجمهورية, بل في الدستور والقوانين والمؤسسات والحياة الدستورية والديمقراطية التي تقام في ظل الدولة الملكية أو الدولة الجمهورية. فالسويد ملكية ديمقراطية متقدمة ليس هناك من يريد إزالتها. ولكن الكثير من النظم الملكية في المنطقة وفي دول نامية أخرى تتمنى شعوبها الخلاص منها بسبب ظلمها وعدم عدالة النظم الملكية السياسية القائمة فيها والعقوبات التي هي جريمة بحد ذاتها كقطع الروس والجلد العام وقطع الأيدي أو الرجم بالحجارة ... أو مصادرة حقوق المرأة. وهناك الكثير من الجمهوريات غير العادلة والظالمة في المنطقة والعالم, حيث تمارس الكثير من الموبقات ضد شعوبها وضد حرياتها وحقوقها القومية والفردية.         
ليست الانتفاضات والثورات عمل فرد أو جماعة صغيرة, ليست إرادة فردية, بل هي عملية سيرورة وصيرورة تستند إلى أرضية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ولها شروطها  ومستلزمات نجاحها, ولا تحصل بإرادة هذا الفرد أو ذاك, بل بفعل عوامل كثيرة ينتجها الواقع الذي يسود في هذا البلد أو ذاك. وحين تنجح الثورة, يتيقن الإنسان من تضافر العوامل التي كانت وراء نجاحها. وهذا ما حصل في ثورة تموز 1958 إزاء النظام الملكي.  لم يكن كل ما حصل في أعقاب ثورة تموز سليماً, بل كانت فيه الكثير من الأخطاء التي ارتكبتها القوى السياسية العراقية القومية منها واليسارية وكذلك الإسلامية كحزب الدعوة وحزب التحرير الإسلامي حينذاك أو الأخوان المسلمين, وكذلك أخطاء فادحة للحكومة العراقية التي ترأسها عبد الكريم قاسم وأخطاء قاسم الفردية بالذات, وهي التي سمحت عملياً بوقوع الانقلاب العسكري في الثامن من شباط/فبراير 1963 ضد الجمهورية الأولى وبدعم مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وشركات النفط الاحتكارية وبعض حكومات الدول المجاورة, وفي المقدمة منها الجمهورية العربية المتحدة ودول حلف بغداد (السنتو) حينذاك.
لا شك في أن النظم الشمولية مدانة والأحزاب التي تحمل شعارات تدفع باتجاه الشمولية يفترض نقدها بقوة, بل حرمان الأحزاب التي تدعو إلى إقامة نظم دكتاتورية شمولية تحت أية واجهة كانت حرمانها من حق العمل السياسي, سواء أكانت أحزاباً إسلامية أم علمانية, وسواء أكانت يسارية أم يمينية أم قومية متطرفة, وسواء أكانت شوفينية أم طائفية سياسية. كما يفترض إدانة كل النظم التي ترفض منح الفرد والشعب حريته وحقوقه الديمقراطية وحقوق المرأة وتلك التي تربط الدين بالدولة أو تمارس سياسات كالتي تمارس اليوم في العراق أو تلك التي مورست في عهود الجمهوريات البعثية والقومية والبعثية الأخيرة, أو تلك التي مورست في العهد الملكي غير الديمقراطي.
البدايات الأولى
كانت رغبة بريطانيا بعد إعلان احتلال العراق في نهاية الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية أن يبقى العراق تحت الهيمنة والسيادة البريطانية وأن يقاد من قبل حاكم بريطاني, كما كان عليه الحال في الهند. ولكن ثورة العشرين (حزيران/يونيو 1920) قد أقنعت الحكومة البريطانية باستحالة ذلك وأن عليهم احترام إرادة الشعب وإقامة الدولة العراقية. وحين تقرر إقامة الدولة العراقية, طرحت أسماء الكثير من المرشحين من بغداد والبصرة على نحو خاص ليكون أحدهم ملكاً على العراق. إلا أن إرادة بريطانيا كانت غير ذلك, إذ أن مؤتمر القاهرة الذي عقد في العام 1921 قد قرر أن يكون الأمير فيصل بن الحسين, الذي كان قد أطيح به في سوريا وأبعد عنها, أن يكون ملكاً على العراق بدلاً من سوريا. وكانت هذه إرادة مس گيرترود بيل ورضخ السير برسي لإرادتها.
كان الأمير فيصل بن الحسين أحد المساهمين مع مس بيل في مؤتمر القاهرة الذي حضره تشرشل ليقرروا مصير العراق واختيار ملكاً له. فخيار الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على العراق كان بالأساس خياراً وقراراً بريطانياً.
كتب الكاتب والروائي عبد الرحمن منيف مقدمة لكتاب يرترود بيل تحت عنوان "المرأة التي أنشأت دولة ونصَّبت ملكاً", كما جاء على الصفحة 362 من كتاب گيروترود بيل, "أوراقها الشخصية 1914-1926" من تأليف إليزابيث بيرغوين ما يلي:
"من بين القرارات التي اتخذت في مؤتمر القاهرة فيما يتعلق بالسياسة البريطانية في الشرق الأوسط ذلك الخاص على دعم ترشيح الأمير فيصل بن الحسين لتبوئ عرش العراق". وقد لعبت مس گيرترود بيل, ومعها السير برسي, دوراً كبيراً في إبعاد ترشيح عبد الرحمن النقيب من بغداد وطالب النقيب من البصرة, وكان الأخير وزيراً للداخلية في وزارة عبد الرحمن النقيب حينذاك, والذي اعتقل في بغداد بقرار من السير برسي وبتأييد من گيرترود بيل وأبعد إلى الفاو لكي لا يتسنى له ترشيح نفسه لمنصب ملك العراق. (ص 366/377 نفس المصدر).
لقد أصبح هذا الأمر من الماضي ولا ينفع الحوار فيه, خاصة وأن الرجل كان ناضجاً وواعياً وحاول تأمين تطور إيجابي في العراق. (وجدت في كتاب ثورة العشرين لآل فرعون وثيقة موقعة من شخصيات عراقية في كربلاء بتاريخ 1920 حول تأييد ترشيح الأمير فيصل ملكاً على العراق وكان بين الموقعين اسم والدي الحاج حبيب الملا عبد). كما حاول الموازنة بين مصالح الشعب ومصالح الدولة البريطانية في العراق. في عهده وفي ظل الانتداب وضع الدستور العراقي بمضامينه الديمقراطية العامة. كما وقعت امتياز النفط لصالح شركة النفط العراقية المتعددة الجنسية والتي كانت في صالح شركات النفط تماماً.
سعى الملك فيصل الأول عبثاً إلى تطبيق ذلك الدستور في مجتمع عشائري ريفي وشبه إقطاعي وخاضع للسيطرة الاستعمارية البريطانية والتي تجلت في المادة التي كتبها في بغداد قبل سفره للمعالجة في سويسرا حيث قدم وصفاً صادقاً وواقعياً لأوضاع المجتمع العراقي حينذاك. وعلينا أن نتذكر باستمرار إلى الحكومة البريطانية وأجهزتها ومن سفارتها في بغداد قد لعبوا جميعهم دوراً سلبياً في تطبيق بنود الدستور العراقي وتعانوا مع الحكومات العراقية المتعاقبة على تشويهه والتجاوز عليه بشتى السبل.
لم يستطع فيصل إلى حين مماته أن يوفق بين رغبة البريطانيين في الهيمنة وبين رغبة الشعب في الحرية والديمقراطية, كما عجز عن ذلك الملك غازي بن فيصل , ولكن عهد فيصل الأول كان الأفضل وعهد غازي كان بداية للانقلابات بالمقارنة مع عهد الوصي على  العرش عبد الإله بن علي بن الحسين. لقد مات الأول في سويسرا في أوضاع غامضة ومات الثاني في حادث سيارة مشبوه, وقتل الوصي والملك فيصل الثاني في الأول الأول من وقوع ثورة تموز 1958.
كانت سياسات الحكومات العراقية المتعاقبة في العهد الملكي قد شوهت بنود الدستور ووضعت قوانين مخلة بمواده الديمقراطية ومتجاوزة على الحياة العامة والحريات الضرورية للفرد والمجتمع. وكان الدور لسياسات هذه الحكومات قد تبلور في أعقاب الحرب العالمية الثانية وبشكل خاص في العام 1947 و1948 وما بعدهما.
لقد أصبح المجلس النيابي يوزع بين مجموع بريطانيا ومجموعة البلاط ومجموعة الحزب الذي يحكم, الدستوري أو الأمة. هذه المساومة منعت أحزاب المعارضة من الحصول على مقاعد في دورات مجلس النواب العراقي, وحين كانت تحصل على بعض المقاعد في البرلمان كانت الحكومة تبادر إلى حله المجلس كما حصل في العام 1954 على سبيل المثال لا الحصر. لقد سعت مراكز القوى الثلاثة إلى تشكيل مجالس نيابية نوافق على  قرارات الحكومة التي كانت تنضج مع السفارة البريطانية في البلاط الملكي وبمشاركة رئيس الحكومة, ولهذا أطلق على مجلس النواب بمجلس "الموافج" أي الموافق! 
لقد تقدم العراق خطوات ملموسة على طريق المجتمع المدني في ظل النظام الملكي, رغم بطء تلك العملية والعقبات التي كانت توضع في الطريق, منها مثلاً في مجال التعليم العام وتعليم البنات وفصل الدين عن الدولة في الواقع العملي وإرسال البعثات الدراسية إلى الخارج ووجود منظمات المجتمع المدني رغم منعها من العمل بين فترة وأخرى. إذ كانت هناك نضالات جادة من النخب المثقفة والمتعلمة في العراق من أجل تحسين الأوضاع وممارسة نصوص الدستور والضغط المتواصل على  الحكومة لانتزاع مكاسب شعبية منها, مثل موضوع المناصفة في إيرادات النفط الخام المصدر في العام 1951/1952ا وتشكيل مجلس الإعمار ووزارة الإعمار وقبل ذاك البنك الصناعي والبنك الزراعي, وإقامة المشاريع الصناعية في قطاع الدولة والقطاع المختلط والقطاع الخاص, أو في إقامة السدود والجسور ومشاريع الري والبزل. ولكن نخبة من الحكام, ومنهم بشكل خاص نوري السعيد وصالح جبر وسعيد قزاز والمدفعي والسويدي..., قد زوروا الانتخابات العامة عبر أجهزة الدولة وباعتراف صريح وقاطع من جانب نوري السعيد في جلسة من جلسات مجلس النواب, كما وجهوا ضربات قاسية للمعارضة البرجوازية الوطنية المتمثلة بالحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال والجبهة الشعبية, وليس للمعارضة اليسارية فقط مثل حزب الشعب وحزب التحرر الوطني أو الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردي حينذاك. وكان نوري السعيد هو رئيس الوزراء حين أصدر المراسيم الاستبدادية المعروفة في العام 1954  و1955 ضد الحركة الوطنية العراقية وأسقط الجنسية العراقية عن عدد من المناضلين المعروفين وزج بالمئات في السجون والمعتقلات العراقية ووافق على ممارسة التعذيب أثناء التحقيق وفي السجون العراقية ومارس القتل ضد المضربين في السجون العراقية, كما حصل في سجني الكوت وبغداد. وهؤلاء هم الذين وجهوا النيران إلى صدور من رفض معاهدة بورتسموث في العام 1948 التي رفضها الشعب, وكذلك انتفاضة 1952 وانتفاضة 1956 التي انطلقت لرفض العدوان الثلاثي على مصر بصورة سلمية ولكنها  قوبلت بالحديد والنار وقتل البعض وجرح آخرون كما نفذوا حكم الإعدام بثلاثة أشخاص في قضاء الحي في لواء الكوت لمشاركتهم في التظاهرات حينذاك.
لم يكن النظام الملكي ديمقراطياً, بل شوه الدستور الديمقراطي الذي وضع في العام 1925.
ولم يكن النظام الملكي عادلاً بل ساند الإقطاعيين وكبار الملاكين وأصبحت العائلة المالكة التي جاءت إلى العراق ولا تملك شبراً من الأرض العراقية, أصبحت مالكة كبيرة للأرض بدون شراء لتلك الأراضي. وأصبح الفلاحون يعانون الأمرين بفعل موقف نوري السعيد ضد أي إصلاح زراعي حين هوس من دار الإذاعة العراقية "دار السيد مأمونة" والتي لم تكن مأمونة حقا, إذ أسقطت بعد فترة وجيزة من تلك الأهزوجة السعيدية.
لم يكن الحزب الشيوعي العراق من رفع شعار إسقاط الملكية في فترة وجود فهد على رأس الحزب ولا بعدها كسياسة رسمية, بل كان يقدم المذكرات لصالح إصلاح الوضع في العراق وفي ظل الملكية, ولكن سلوك حكومات النظام الملكي والبلاط, وخاصة عبد الإله ونوري السعيد, هي التي قادت إلى انتفاضة الجيش في تموز 1958, والشعب هو الذي حولها إلى ثورة بمطالبته بتحقيق الإصلاحات المعروفة.
لا يمكن نفي وجود شعارات وسياسات متطرفة في الفترة الواقعة بين 1949-1954 من جانب القيادات الحديثة للحزب الشيوعي العراقي بعد أن زج بفهد ورفاقه في السجن وبعد إعدامهم في العام 1949, وهي ردود فعل حادة لسياسات حكومية قمعية. كما يمكن أن نجدها لدى أحزاب أخرى, ومنها الأحزاب القومية بشكل خاص. وهذه المسالة مرتبطة عضوياً بمرحلة تاريخية كان الاستعمار العالمي قد زج بكل قواه من أجل الهيمنة على الموارد, وكان النضال من أجل الاستقلال والسيادة وضد نظم كان تمارس سياسات غير سليمة. التطرف في سياسات تلك الحكومات قاد غلى تطرف في سياسات الأحزاب, في ظل انشطار العالم غلى معسكرين شرقي وغربي, اشتراكي ورأسمالي! إن العودة إلى الماضي ودراسته مفيدة للجميع والتخلي عن التطرف يفترض أن يشكل سمة العصر الذي نحن فيه, ويأمل الإنسان أن يجري التخلي عن العنف والقوة والقسوة والحرب ومعالجة جميع الأمور بالطرق السلمية والتفاوض الديمقراطي, سواء أكانت داخلية في كل بلد أم خارجية وبين الدول.   
ما كان في مقدور أي حركة مسلحة الانتصار على الملكية لو لم تكن الملكية ناضجة للسقوط ولو لم تكن الظروف الموضوعية والذاتية ناضجة لنجاح الانتفاضة العسكرية والمرتبطة بنشاط قوى مناهضة لسياسات تلك الحكومات في الجيش وفي صفوف المجتمع. فإلى  جانب الجيش كانت هناك جبهة الاتحاد الوطني ولجنتها العليا, وهي جبهة سياسية تمثل الأحزاب العراقية حينذاك. يحق لك أن تسمي الثورة انقلاباً عسكرياً, ولكن كان هذا الانقلاب ضد نظام شوه الدستور وداس على حرية وديمقراطية ونزاهة الانتخابات ولم يحترم حقوق الإنسان وحقوق المواطنة المتساوية. من حقك أن تطالب بجر من قتل العائلة المالكة إلى المحاكمة. ولكن أليس من حق الشعب أن يطالب بجر من قتل المئات من أبناء وبنات الشعب العراقي حينذاك في العهد الملكي إلى المحاكمة أيضاً. أليس من واجبك كمدافع عن النظام الملكي أن تطالب محاكمة جميع حكام العهد الملكي وأن يعاد الاعتبار إلى كل من استشهد في العهد الملكي باعتبارك مواطن عراقي. 
لقد قتل النظام الملكي الكثير من الناس, لا في بغداد والألوية العربية, بل وفي الألوية الكردية, إذ رفض بإصرار منح الكُرد حقوقهم القومية المشروعة رغم الالتزام الذي أعطاه الملك فيصل والحكومة العراقية خطياً إلى مجلس عصبة الأمم في مقابل منح العراق عضوية المجلس ورفع الانتداب البريطاني عنه. ومارست الحكومات العراقية المتعاقبة سياسة ضرب المناضلين الكُرد في سبيل حقوقهم في كُردستان العراق وفي الوسط والجنوب أيضاً ابتداءً من منتصف العقد الرابع من القرن العشرين, وعلى القارئات والقراء العودة إلى تاريخ العراق الذي سجله عبد الرزاق الحسني في تاريخ الوزارات العراقية أو في كتب كثيرة أخرى ليرى حقيقة ذلك, بما في ذلك إعدام الكُرد الأربعة في العام 1946 رغم وعود الحكومة بالعفو عنهم. لقد ساهم موقف النظام الملكي في تعقيد العلاقة بين الحكومة المركزية والشعب الكردي بسبب محاولة تهميش هذا الشعب بشكل كبير, إضافة إلى تهميش المجتمع عموماً في ما عدا مصالح النخب الحاكمة ومالكي وسائل الإنتاج, وخاصة الملاك الكبار للأرض الزراعية. ويمكن أن نجد مصداق ذلك في كتاب حنا بطاطو الموسوم "العراق".
إن من لا يرى أخطاء النظام الذي يدافع عنه, ويرى أخطاء النظم التي يعارضها فقط, يصعب عليه التعلم من دروس التاريخ ولا يفيد شعبه حين يكتب المقالات ويفقد مصداقيته في الكتابة, إذ أن للناس عقول وتدرك وتعرف ما كان يجري في العهد الملكي. ولا يبرر نسيان ذلك ما تعرض له الشعب من مصائب وكوارث فيما بعد على أيدي الكثير من المستبدين والقتلة والحكام الأوباش.
لو كان الحكم الملكي ديمقراطياً وعادلاً وحصيفاً لما ناضل الناس ضده وصمموا على محاربته وإسقاطه, ولبقي النظام الملكي إلى الآن قائماً, ولكنه سقط بسبب سياساته الخاطئة والمناهضة للديمقراطية والعدالة الاجتماعية وعدم اعترافه بحقوق القوميات, وبشكل خاص حقوق الشعب الكردي وحقوق الكلدان والآشوريين والتركمان في العراق حينذاك.
       
18/آب/ أغسطس 2010                كاظم حبيب





455
كاظم حبيب

مرة أخرى حول الواقع العراقي والسياسة الاقتصادية الراهنة في العراق

يسعدني جداً خوض النقاش مع الأخ الأستاذ (ز) حول الواقع الاقتصادي والسياسة الاقتصادية التي تمارسها الحكومة العراقية في المرحلة الراهنة ووجهة  تطور الاقتصاد والمجتمع. كما تهمني المعطيات التي يقدمها في ملاحظاته, إذ أنها تعبر عن وجوده في موقع غير بعيد عن المعلومات الضرورية للبحث في الجوانب الاقتصادية بصورة ملموسة. وبقدر احترامي لملاحظات الأخ السيد (ز), والمعلومات المهمة التي أوردها في التعقيب الثاني على ملاحظاتي الأولى على تعقيبه, سأحاول أن أناقش بعض المسائل الواردة في الجولة الثانية من هذا النقاش.

1) كل من كان يتابع الخطب والتصريحات والمقابلات التلفزيونية والمؤتمرات التي كان يساهم بها أو ينظمها السيد وزير التخطيط خلال السنوات الست المنصرمة سيجد نفسه أمام قضية مركزية واحدة كان يرددها الوزير دون كلل أو ملل مفادها: "غياب الإستراتيجية التنموية في السياسة الحكومية!". وحين كنت أتابع واقع الاقتصاد العراقي وسياسات الحكومة وتعليقات الوزير كنت متيقناً من صواب هذا القول بغياب الإستراتيجية التنموية. ولكن كان السؤال الذي كنت أطرحه مباشرة هو: إن لم تكن وزارة التخطيط هي المسؤولة في إطار الحكومة القائمة عن وضع إستراتيجية التنمية والرؤية الآفاقية لتطور الاقتصاد العراقي ووضع الخطط الخمسية والسنوية في ضوء ذلك, فمن المسؤول إذن غير هذه الوزارة والوزارات الأخرى, أو الحكومة العراقية بمجملها؟ كان الوزير يتجنب بوضوح من الإجابة عن هذا السؤال الذي كان لا يمر على المعنيين بالشأن الاقتصادي, وكأنه يعتمد على عدم معرفة أو غفلة الإنسان الاعتيادي غير العارف بالشؤون الاقتصادية. 
وحين طرحت الخطة في فترة أصبحت فيها الحكومة الراهنة مجرد حكومة تصريف أعمال لا غير من الناحية الدستورية والعملية, ولمجرد الدعاية غير الناجحة للحكومة ورئيس الوزراء ووزير التخطيط, لم تعد هناك من مسؤولية حكومة تصريف الأعمال تنفيذ هذه الخطة, إذ يمكن أن ترى الحكومة القادمة خطأ ما وضع حتى الآن وتسعى لوضع خطة جديدة تستغرق السنوات الأربع القادمة أيضاً. لنتذكر الفترة الواقعة بين 1935-1939 حيث وضعت عدة خطط أو برامج اقتصادية ولم ينفذ أياً منها حينذاك بسبب التبدلات الوزارية المتلاحقة, وكل وزارة بما فيها الانقلابيون في العام 1936, كانت تشطب على الخط السابقة لتضع خط جديدة وحالما تنتهي منها كانت تسقط لتأتي وزارة جديدة وتضع خطة جديدة وهلمجرا. إلى أن أعلنت الحرب العالمية الثانية وتوقفت الحكومات العراقية التالية بما فيها حكومة انقلاب 1941 عن وضع الخطط أو تنفيذها بذريعة الحرب.
والسؤال المشروع الذي يحير المتتبع لتصريحات الوزير بعد أن تم طرح الخطة الخمسية 2010-2014 هو: إذا كانت الإستراتيجية التنموية الحكومية غائبة عن وعي الوزير وأجهزة التخطيط, فكيف تسنى لوزارة التخطيط والوزارات الأخرى وضع خطة تنمية وطنية خمسية في العراق؟ طبعاً أقدر صواب ملاحظة الأستاذ (ز) بأن وزارة التخطيط كانت منشغلة في وضع خطة اقتصادية دون أن تكون لها إستراتيجية أو إستراتيجية مفترضة في رأس الوزير وبعض المدراء العامين القريبين منه, وهي التي سوف لن يكتب لها النجاح في ظل الظروف الراهنة والصراعات الحزبية القاتلة.

2) لقد كانت ولا زالت سياسة الحكومات العراقية المتعاقبة منذ سقوط النظام الشمولي تركز على زيادة عدد الموظفين في أجهزة الدولة بمختلف مجالات النشاط. كما إنها كانت ذات السياسة التي مارسها الحكام السابقون أيضاً حتى تضخم جهاز الدولة بشكل مريع ومعرقل للعمل وتمشية أمور الناس ومستنزفاً لجزء كبير ومهم من الميزانية الاعتيادية والدخل القومي.
ليس غريباً أن يصل تعداد جهاز الدولة في العراق حالياً 2,5 مليون إنسان, وهو رقم قابل للزيادة بسرعة فائقة, إذ أن كل رئيس حكومة وكل وزير يحاول أن يوظف أكبر عدد ممكن من أعضاء حزبه ومؤيديه في أجهزة الدولة لضمان تأييدهم له. وبهذا وبعد فترة وجيزة ستجد الشعب أن الرواتب التي تدفع للعاملين في أجهزة الدولة والمتقاعدين سوف تستنزف نسبة مهمة وكبيرة حقاً من ميزانية الدولة العراقية وتقلص إمكانيات التثمير الإنتاجي في التنمية الوطنية. إن هذه السياسة نجدها في جميع الدول الريعية, وبشكل أخص الدول الشمولية منها أو التي تعاني من صراعات مماثلة لما هي عليه في العراق. إنه أقصر الطرق للخلاص من البطالة الواسعة ولا يهمهم أن يحصل التضخم وتتقلص المنفعة والمردود الاقتصادي والاجتماعي من وجود هؤلاء الناس في أجهزة الدولة. إنه تحويل جيش العاطلين الجرار إلى جيش موظفين جرار يعيش في البطالة المقنعة المستنزفة لموارد الدولة المالية. إنها جزء من سياسة غبية ومدمرة للاقتصاد الوطني والمجتمع, وهي جزء من سياسة إعاقة التنمية والنمو الاقتصادي وتنويع وتنشيط القطاع الإنتاجي في الاقتصاد الوطني العراقي. وهي جزء من سياسة تحاول ربط هؤلاء الموظفين بالدولة والخضوع لها ولسياساتها باعتبارها ولي أمرهم ونعمتهم! إن هذه السياسة تمارس من جانب حكومة بغداد الاتحادية وحكومة أربيل الإقليمية في آن واحد.

3) السؤال المشروع الذي يفرض نفسه هو: هل حقاً أن العراق لا يسير وفق سياسة اقتصادية واضحة المعالم, وأنها لا تعتمد مفهوم اللبرالية الجديدة في نشاطها العملي؟
لا شك في وجود صراع في العراق متعدد المستويات. فهو صراع في ما بين الأحزاب على المصالح وما يريده كل حزب له ولهذا العراق, وهو صراع حول وجهة تطور الاقتصاد العراقي والنهج الذي يفترض أن يمارسه في التنمية,  فمنهم من يريده اقتصاداً إسلامياً مرجعيته كتاب "اقتصادنا" للسيد الشهيد محمد باقر الصدر, والبعض الآخر يريده اقتصاداً ليبرالياً جديداً يعتمد برنامج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة الحرة الدولية ويرى في القطاع الخاص أساس وقاعدة التنمية وإبعاد قطاع الدولة عن اي شأن اقتصادي, والبعض الثالث يريده اقتصاداً يهيمن قطاع الدولة على الاقتصاد العراق بشكل كبير جداً ولمن يكون للقطاع الخاص إلا الدور المحدود والثاني, وهو اتجاه في ظروف العراق الراهنة ومساره المعروف يقود غلى هيمنة الحكومة على الاقتصاد والمجتمع ويصبح العراق في ظله شمولياً حقا, ومثل هذا التوجه يسهل على النهَّابة والسَّلابة والفاسدين والمفسدين إمكانية زيادة نهب الدولة والحصول بأسهل الطرق على السحت الحرام وإفقار المجتمع. ولكن هناك من يجد ضرورة تأمين علاقة واضحة وعقلانية بين القطاعات الاقتصادية الثلاثة: القطاعين العام والخاص والقطاع المختلط المحلي, إضافة إلى دور مفيد ومعين للقطاع الخاص الأجنبي في الاقتصاد العراقي لتحقيق التنمية المنشودة وإنهاء الواقع المزري الراهن في الاقتصاد والمجتمع في العراق.
في عالمنا الراهن يلعب الاقتصاد الدولي المعولم دوراً كبيراً على الاقتصاديات المحلية لكل دولة من الدول وبنسب متفاوتة على وفق الواقع القائم في كل دولة. وفي العراق, الذي لا يزال لا يملك دولة مؤسسات قادرة على تحقيق الحرية والديمقراطية لشعبها ولقراراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والأمنية, تلعب المؤسسات الدولية الفاعلة والمؤثرة دوراً كبيراً في الاقتصاد العراقي وتؤثر بوضوح تدريجي على وجهة تطوره بالرغم من البعض منا لا يستطيع تلمس هذه الحقيقة بسهولة ويسر. فالعراق غير بعيد عن تأثير تلك المؤسسات وعن دور الولايات المتحدة الأمريكية ألان وفي المستقبل المنظور. وحين يجري الحديث عن إقرار إقامة كذا مشروع اقتصادي في العراق من جانب الدولة, فأن حصيلة ذلك كما نلاحظ أمامنا هو صفر عملياً, لأن الجميع لا يثق بهذه السياسة ولا يريد للعراق التقدم. وحين يشير الزميل (ز) إلى عدم الاهتمام بالقطاع الخاص, فإن هذا لا يعني أن هناك اهتماماً بالقطاع العام, بل يعبر عن عدم الاهتمام بالعملية الاقتصادية عموماً وترك الأمور للتجارة الخارجية بعيداً عن تحديث الإنتاج أو إقامة مشاريع صناعية جديدة أو تحديث الزراعة وتنويع الإنتاج الزراعي وإنقاذ الاقتصاد العراقي التدرجي والمبرمج من وحدانية الجانب المبتلى بها منذ تأسيس العام 1928 وبتعبير أدق منذ بدء استخراج وتصدير النفط الخام في العام 1933.
ولكن ماذا يجري في حقيقة الأمر في العراق؟
إن العراق مشرع البواب والشبابيك على التجارة الخارجية. وهو إجراء اقتصادي ضد تنمية وتطوير وتوسيع قاعدة القطاعين العام والخاص والقطاع المختلط, ضد الإنتاج المحلي. فالاستيراد السلعي يقتل كل مشروع صناعي محلي ويقضي على الصناعة الحرفية التقليدية في العراق وعلى الزراعة أيضاً. إنه جوهر الموقف في السياسة الاقتصادية العراقية الراهنة. إغراق الأسواق المحلية بالسلع المستوردة. هذه السياسة سائدة في مجمل السياسة الاقتصادية لحكومة بغداد الاتحادية وحكومة أربيل الإقليمية. وهو النهج الطاغي الذي يؤكده ويؤيده صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة الدولية الحرة والكثير من المتنفذين في السياسة الاقتصادية العراقية.

4) المشكلة أن الدولة الراهنة في العراق لا زالت غير دولة مستقرة ومؤسسية, وأمامنا مجلس النواب السابق الذي قضى جل وقته في عطل رسمية وغير رسمية ومن زيارات حج وعمرة وعزاءات ومواليد وعاشوراء والأربعينية والأعياد المتنامية وعمان وبيروت بحيث أصبحت أيام عمل أجهزة الدولة ومجلس النواب ليس 300 يوم تقريباً بل اقل من 120 يوماً بالسنة, وبهذا لم يجد مجلس النواب الوقت الكافي لوضع القوانين التي تنظم الاقتصاد الوطني والحياة العامة. وكذا أجهزة الدولة لم تجد الوقت الكافي لتنفيذ ما عليها من واجبات إزاء المجتمع والاقتصاد الوطني.
أما المجلس الراهن فقد بدأ معطلاً منذ ما يقرب من ستة شهور وسيبقى كذلك ما دام الصراع الطائفي يحرق الأخضر واليابس في آن, حيث دخل المجلس النيابي في عطلة طويلة الأمد إلى أن تحل مشكلة رئيس الحكومة لتبدأ بعدها مشكلة توزيع الوزارات والمقاعد لكل طائفة وقومية في الوزارة الجديدة وما إلى ذلك. وفي هذا الجو تغيب السياسة الاقتصادية والقوانين الواجب وضعها والتي يفترض بها أن تنظم العلاقة في ما بين القطاعات الاقتصادية وكذلك ما يفترض توفيره للقطاعين العام والخاص المحليين والقطاع الخاص الأجنبي والموقف من عدد كبير من القضايا التي تشير إليها بقولك:
"... فلا يوجد أي قانون يعزز مفهوم الشراكة بين القطاع العام و الخاص ولا يوجد أي قانون يحدد إشكال الشراكة و يغطي مخاطرها ، نحن نجد إن الوقت قد حان لإيجاد قوانين تغطي مفهوم الشراكة في العقود المعروفة للشراكة ومنها عقود البناء و التشغيل و نقل الملكية (بي او تي) و عقود الامتياز و عقود الإدارة و عقود تأجير ممتلكات الدولة." (راجع الملحق في نهاية هذا المقال)

5) ليس هناك من خطأ في تأجير مشاريع الدولة على القطاع الخاص, إذ من الممكن أتباع أكثر من شكل واحد في التعامل بين الدولة والقطاع الخاص, إذ يمكن بيعها أو تأجيرها حسب إمكانية القطاع الخاص واستعداده أو أهمية المشروع وضروراته. وعلينا أن نتذكر بأن البنك الصناعي العراقي في فترة الحكم الملكي وحين كان الدكتور عبد الرحمن الجليلي رئيساً له كان يقيم مشاريع صناعية جديدة بأموال البنك الحكومي تستمر بالعمل لفترة معينة ولحين نجاحها وبدئها بتحقيق الربح, يبدأ ببيعها إلى القطاع الخاص أو يشترك معها بالملكية بنسبة 51 : 49 % ليجنب القطاع الخاص الخسارة المحتملة, وهو لا يزال ضعيفاً غير قادر على تحمل الخسارة أو المجازفة غير مضمونة العواقب.
من المفترض أن تدرك أي حكومة عراقية قادمة عدة مسائل جوهرية في الموقف من القطاعات الاقتصادية من حيث طبيعة الملكية, وهي:
** العراق بحاجة ماسة إلى جميع القطاعات الاقتصادية من حيث الملكية, أي القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع المختلط, وأن يتم التنسيق في ما بين هذه القطاعات لصالح تنشيط التنمية. كما أن العراق بحاجة ماسة إلى القطاع الاقتصادي الأجنبي, أي إلى استثمارات أجنبية في الاقتصاد العراقي لا من حيث الحاجة لرؤوس الأموال فحسب, بل وللخبرة الفنية والإدارية والمشاركة في تعجيل التنمية الوطنية والخلاص من الواقع المزري الراهن.
** أن تقدم الدعم الضروري المالي والفني والإداري للقطاع الخاص وأن تصدر القوانين الضرورية التي تحمي ملكية هذا القطاع لأنه ضرورة موضوعية وحاجة ماسة.
** أن تضع القوانين اللازمة والضرورية وتوفر مستلزمات الاستثمار الوطني والأجنبي وتقيم مشاريع البنية التحتية وتوفر الأمن والاستقرار, إذ بدون ذلك يستحيل الحصول على استثمارات أجنبية أو استثمارات قطاع خاص محلية.
** إن تراقب عمل هذه المنشآت الاقتصادية لضمان سيرها على أسس المحاسبة الاقتصادية والمنافسة المشروعة لكي تحقق الربح المناسب إذ بدون تحقيق الأرباح لا يمكن تصور وجود توظيفات استثمارية ولا استمرار العمل في المشاريع الاقتصادية.
** تجنب إغراق منشآت القطاع العام بالأيدي العاملة الفائضة التي تقود غلى تخفيض الإنتاجية ورفع التكاليف وتحمل الخسائر غير المبررة.
** ضمان العمل في هذه المشاريع على وفق قانون العمل وعدم التجاوز عليه في العلاقة مع العمال ونشاط النقابات الرقابي والتعاون بينها وبين أصحاب المعامل أو رؤوس الأموال لضمان نجاح النشاط الاقتصادي لهذه المشاريع.
 
6) لم يكن إجراء الخصخصة الفردي الذي اتخذه بريمر في العراق بعد الغزو الدولي للعراق, كما لم تكن كل سياساته الأخرى بما فيها تكريس الطائفية في حكم العراق من خلال تقسيمات مجلس الحكم المؤقت, مناسبة للعراق حينذاك, بل كانت قرارات فردية واستبدادية تمثل تعبر عن إرادة الدولة المحتلة. كانت الإجراءات الاقتصادية ذات أرضية إيديولوجياً أكثر من كونها قراراتً اقتصادية مناسبة للعراق حينذاك. فليست الخصخصة مثلاً باستمرار هي الصيغة النافعة والمناسبة للتنمية الاقتصادية أو نافعة للقطاع الخاص ذاته.
فخصخصة المشاريع الاقتصادية تستوجب وجود مستلزمات الخصخصة من أمن واستقرار وبنية تحتية صالحة مثل توفر الكهرباء والماء والمواد الأولية ... الخ لكي يستطيع القطاع الخاص الاستفادة منها لتشغيل المصانع التي يراد خصخصتها, في حين أن كل ذلك كان غائباً عن العراق حين شكل هيئة الخصخصة, وبالتالي جمد استخدامها كحد أدنى من قبل العاملين السابقين فيها, رغم أن الدولة هي الأخرى كان بريمر قد قضي عليها بجرة قلم وبموافقة الإدارة الأمريكية والرئيس بوش الابن, أي من قبل القوى التي فرضت قرار الاحتلال على العراق, دون أن تجد البديل المناسب لتلك الدولة غير الفوضى والموت بعد الخلاص من نظام صدام حسين الشمولي الدموي.
الخصخصة يمكن تنفيذها في المشاريع التي يتمكن القطاع الخاص ممارسة العمل فيها وإيصال سلعها إلى السوق المحلي. والتأجير هو الأخر يفترض توفير مستلزمات له. وأغلب المشاريع المعروضة للتأجير أو البيع لا تجد من يؤجرها أو يشتريها لغياب مستلزمات فعلية للتشغيل وتحقيق الربح المناسب لأسباب ترتبط بمجمل سياسة البلاد الاقتصادية.
7) تتحدث عن وجود شركات حكومية وتأسيس شركات حكومية أخرى. ولكن السؤال ما هو فعل هذه الشركات, وما هو دورها في العملية الاقتصادية. الوجود السمي وغياب العملي الفعلي هو الشكل السائد في العراق.
لا أخالفك الرأي بضرورة تقديم الدعم المالي, قروض ميسرة, للقطاع الخاص من البنك الصناعي والبنك التجاري, على سبيل المثال لا الحصر, ولكن هذه المسألة لا تهم البن المركزي ولا سياسات الحكومة, بل الهم الأكبر هو تيسير الأمر للتجارة الخارجية والتجار, للاستيراد وإغراق الأسواق المحلية. لا يكفي الحديث عن الخطوط العامة, بل يفترض الدخول في التفاصيل التي تساعدنا على تأمين الرؤية الواقعية للسياسة المالية والمصرفية في العراق.
   
8) إن من يدمر الاقتصاد العراقي ليس الإعلام, فهو يلعب دوراً متبايناً وثانوياً رغم أهميته الكبيرة وهو إعلام في أغلبه لا يزال يعاني من تأثيرات حكومية عليه, بل هي السياسة الاقتصادية التي تعتمد التجارة الخارجية وإغراق الأسواق بالسلع الاستهلاكية المصنعة المستوردة وبالسلع الزراعية التي تعطل القدرة الصناعية والزراعية في البلاد.
إن القطاعين الخاص الصناعي والزراعي في العراق يعانيان من العبثية في السياسة الاقتصادية ومن اللبرالية الجديدة في التجارة الخارجية, أي سياسة الباب المفتوح في الاستيراد من جهة, والفساد السائد في العراق كنظام فاعل ومهيمن على الدولة والمجتمع من جهة أخرى, وغياب الوعي بأهمية المتابعة والرقابة والمحاسبة على التنفيذ بعد صدور القرارات الحكومية من جانب الحكومة والوزارات ومجلس النواب وبقية الأجهزة ومنظمات المجتمع المدني المرتبطة في أغلبها بالأحزاب السياسية الحاكمة والمتنفذة من جهة ثالثة.
11/8/2010                     كاظم حبيب

الملحق: ملاحظات السيد (ز)


بداية اشكر الأخ الكبير علاء مهدي لإتاحته الفرصة للتحاور مع د. كاظم حبيب حول موضوع مهم يتعلق بشكل و توجهات المستقبل الاقتصادي العراقي، لدي ملاحظة على مقال الدكتور و ملاحظتي لا تنتقص أطلاقا من المهنية العالية و الحرفية الراقية التي يتمتع بها د. حبيب والتي نعتز بها

في أولا من رد د. حبيب
يقول بان النقاط الستة حول أهداف اللبرالية الجديدة في العراق قد استوحاها من  خطب المسئولين العرقيين و نقاشات الحكومة و ورقة عمل نائب رئيس الوزراء السابق و الخطة ألخمسيه التي طرحت فجأة من قبل وزير التخطيط.

اعتقد جازما أن اللبرالية العراقية الجديدة مجرد اصطلاح نظري يطلق وليس له أساس على ارض الواقع  ومن المبكر جدا التحدث عن مثل هذه اللبرالية و نوايا المسئولين الذي ذكرهم الدكتور حبيب لا تعني شيء في هذا الموضوع و تضل خطبهم و تنظيرهم  مجرد حبر على ورق لا يسمن ولا يغني من جوع، حقيقة الوضع الاقتصادي العراقي هذه الأيام يختلف تمام عن مفهوم و روح اللبرالية ، القطاع الخاص يواصل تراجعه أمام شمولية الاقتصاد الحكومي و الدولة مستمرة بنشاطها المحموم بتحييد القطاع الخاص و استنزاف قدراته و مستمرة بالتوسع أفقيا و عامودي و بكل الاتجاهات و حطمت الرقم القياسي بتاريخ العراق لتوظيف الشعب ليصبح عدد الموظفين عام 2009 أكثر من 2,5 مليون موظف عدا أفراد الصحوة الذي بلغ عددهم أكثر من 100 ألف رجل والذين يأخذون معاشاتهم أيضا من الحكومة و إذا اعتمدنا معدل عدد أفراد الأسرة وحسب الجهاز المركزي للإحصاء و تكنولوجيا المعلومات العراقي هو 6,9 فرد فهذا يعني غالبية الشعب العراقي يعيش على رواتب الدولة وان الاقتصاد يتجه نحو خدمة الكلف التشغيلية للحكومة بدلا من التنمية و أيجاد مشاريع جديدة تخدم المجتمع ، باختصار عندما تبنى ميزانية الدولة على موارد غير متجددة مثل النفط فان أي توسع باتجاه توزيع الرواتب و الأجور ستكون جريمة بحق التنمية و بحق الأجيال الحالية و القادمة.

كذلك الحال بخطة التنمية ألخمسيه التي وضعتها وزارة التخطيط العراقية و الحقيقة أن هذه الخطة ليست مفاجئه طرحت قبل أسبوعين كما كتب د. حبيب إذا أن وزارة التخطيط ومنذ أكثر من عاميين تروج لهذه الخطة و تدير الندوات و ورشات العمل و تطلب من الوزارات و المحافظات احتياجاتها للسنوات الخمسة القادمة ، و خرجت الوزارة بخطة خمسيه أشبه ما تكون بخطة لتوزيع الموارد على المحافظات بدلا من خطة تنمية ، الخطة باختصار شديد لمن لم يطلع عليها تتضمن استثمار 186 مليار دولار تصرف خلال السنوات من 2010 إلى 2014 موزعة على 2700 مشروع و الغريب بالخطة افتراضها اشتراك القطاع الخاص بتنفيذ 42 بالمائة من مشاريعها دون أن توفر لهذا القطاع أي من مكونات المشاركة الحقيقة من تعديل القوانين أو استحداث قوانين جديدة أو حتى توفير دعم مالي لهذا القطاع المتهالك فلا يوجد أي قانون يعزز مفهوم الشراكة بين القطاع العام و الخاص ولا يوجد أي قانون يحدد إشكال الشراكة و يغطي مخاطرها ، نحن نجد إن الوقت قد حان لإيجاد قوانين تغطي مفهوم الشراكة في العقود المعروفة للشراكة ومنها عقود البناء و التشغيل و نقل الملكية (بي او تي) و عقود الامتياز و عقود الإدارة و عقود تأجير ممتلكات الدولة .

وبدلا من أن يتم توجيه الموارد إلى دعم المبادرة الفردية و إشراك القطاع الخاص بالدورة الاقتصادية الشاملة للبلد نجد أن الخطة ألخمسيه وتحت باب الصناعات و الطاقة تبشرنا ببناء 48 شركة عامة لتضيفها إلى 190 شركة حكومية موجودة أصلا في قطاعات الصناعة و الزراعة و التجارة و هذا يعني أن الحكومة ستتوسع في هيمنتها الاقتصادية لغاية نهاية الخطة ألخمسيه على اقل تقدير.
ومثال عن بوادر تراجع دعم القطاع الخاص أن أول هيئة تم إلغائها من قبل الحكومة بعد رحيل بريمر هي هيئة الخصخصة التي كان قد شكلها لتنظيم تحويل الشركات الحكومية إلى القطاع الخاص بعد رحيل بريمر نظمت النقابات العمالية لشركات وزارة الصناعة و بمباركة الحكومة تظاهرة في ساحة التحرير ضد الهيئة الوليدة التي لم تقم بأي عمل أصلا ليعاد ملف الخصخصة إلى صلاحيات الوزارات المعنية  والتي ابتكرت بدعة التأجير الطويل و لمدة خمس و عشرين عام أي أن الحكومة ستضل لمدة خمس و عشرين عام القادمة على اقل تقدير تمتلك مصانع و مصالح هي من مهام القطاع الخاص ولكون كلمة خصخصة تخدش حياء الحكومة فلقد تم تغيرها في أدبياتها لتصبح أعادة هيكلة و شتان بالمعنى بين المصطلحين

مثال أخر عن تراجع دعم القطاع الخاص هو ما بشرتنا به دائرة المستشارين في رئاسة الوزراء العراقي بأنها قد أعدت مسودة مشروع قانون الإصلاح الاقتصادي والذي سيمثل نهج الحكومة في تعاملها مع هذا الملف إلا أن القطاع الخاص العراقي لم يشارك في أعداد مسودة هذا القانون ولم يطلع علية لحد ألان أي من ممثلي القطاع الخاص ولم تجرى مناقشته علنا  بالرغم من الترويج الحكومي بان هذا القانون سيكون الأساس في كافة السياسات الاقتصادية للحكومة و سيبني للشراكة بين القطاعين.

أستطيع أن أورد هنا مئات الأمثلة الواقعية التي يعاني منها القطاع الخاص بسبب قوانين و تعليمات و إجراءات الحكومة و استمرار سريان تراث من القوانين البالية التي تحبط أي عمليه إنقاذية لهذا القطاع كما أستطيع أن أورد المئات من الأمثلة الخاصة بتوسع القطاع العام و استمرار نهجه الشمولي و استنزافه الدائم لموارد العراق.

 المؤسف بهذا الموضوع أن الماكينة الإعلامية الحكومية لازالت تعتبر القطاع الخاص هو القطاع الجشع الذي سوف يسرق موارد العراق والذي سيقضي على فرص التقدم و الذي سيزيد من أعداد البطالة و سيدمر برامج الرعاية الاجتماعية والذي سيؤسس للفساد الإداري إلى غيرها من السلبيات وهذا كله يصب في أدبيات الحكومات المتعاقبة لتعزز فكرة كرسي وجب المحافظة عليه حتى لو كان هذا الكرسي في شركة تحقق خسائر و أصبحت ممتلكاتها من الخطوط الإنتاجية تحف تعرض في متاحف الخردة و الانتيك.

احتراماتي


456
كاظم حبيب
هل ينبغي للسيد السيستاني أن يخشى لومة لائم على قول الحق؟

إلى الأخ الفاضل الأستاذ م. ش. المحترم
تحية طيبة وبعد,
أشكركم على ملاحظاتكم التي أبديتموها على رسالتي المفتوحة للسيد علي السيستاني. ولكن لي ملاحظات على ملاحظاتكم أملاً أن تفكروا بها جيداً, إذ أننا جميعاً نحتاج إلى قلب حار ورأس بارد في معالجة مثل هذه الأمور الساخنة في مجتمع يعاني من أمراض وعلل وأوجاع كثيرة لا حصر لها, ومنها هذه الزيارات المليونية والعطل المستمرة بدون إنتاج وعمل وتلك الطقوس التي نتحدث عنها الآن.
1.   إن من يقوم بالتنوير الديني ليس الشخصيات العلمانية أو السياسية التقدمية بقدر ما ينهض بها شيوخ الدين الذين يعون واقع عصرهم ودورهم في عملية تنوير البشر وإنقاذهم من تلك الغشاوة التي تغلف البصيرة والبصر. ولا بد للشخصيات الدينية الواعية لدينها أن تلعب دورها في التأثير الإيجابي على وعي الناس في تبيان ما هو خطأ دينياً وما هو صحيح. وقد نهض بذلك الكثير منهم في ظروف أخرى, وكان لهم دورهم في تقليص تلك الظاهرة. ولكن ردة فكرية واجتماعية وسياسية مرعبة حصلت في العراق على امتداد العقود التي ساد فيها حزب البعث الدموي والتي أدت إلى تفاقم ما نراه اليوم والذي أصبح يعطل الحياة الاعتيادية والمعيشية في البلاد. في "الزيارة المليونية الزاحفة" نحو الكاظمية بمناسبة الذكرى السنوية لوفاة الأمام موسى الكاظم تعطلت الحياة في الكاظمية لمدة أربعة أيام وتعطل أكثر من مليون إنسان عن العمل لذات الفترة, فمتى كان يحصل في العراق مثل هذه الزيارات؟ ولماذا تحصل الآن, ولِمَ هذا الزحف؟ وهل سيتحول إلى زحف على الركب بدلاً من المشي على الأقدام؟ إنها كارثة تلم بالكثير والكثير من أبناء المذهب الشيعي, فمن المسؤول عنها؟ وما هو دور شيوخ الدين الواعين بحقيقة وطبيعة وأهداف أو أغراض هذه الطقوس؟
من بين تلك الشخصيات الفاضلة أشير إلى السيد محمد حسين فضل الله الذي توفى قبل فترة وجيزة وحصل على موقع ممتاز في المجتمع اللبناني والذي أدان بجرأة وصواب تلك الطقوس واعتبرها بدعاً مؤذية. ولهذا ليس خطأ أن أوجه تلك الرسالة إلى السيد السيستاني لأنه الأكثر تأثيراً على الكثير من بنات وأبناء الشيعة في العراق. بل أجد ضرورة موضوعية أن توجه له مثل هذه الرسالة وأن توقع أنت عليها أيضاً.
2.   ليس هناك من يستطيع تكفير السيد على السيستاني, ولكنهم يستطيعون محاربته بالرزق, وعلى المصلح الديني وشيخ الدين أن يتحمل ذلك إن كان واعياً لدوره في المجتمع ومهماته كشيخ دين وليس مرتزقاً, كما هم الآلاف ممن يطلق عليهم بشيوخ الدين وليسوا بشيوخ دين أساساً. إنهم يعتاشون على جهل الناس وعلى  مواصلة تجهيلهم, ففي ذلك رزقهم البائس.
أنا لا أخشى على السيد السيستاني فله من يحميه من هؤلاء الأوباش الذين يريدون إيذاءه إن ساهم في تخطئة ما هو خطأ أصلاً. إيران ذاتها, التي ينحدر منها, تحرم بعضاً من تلك الطقوس, ولكن جمهرة من الإيرانيين تأتي إلى العراق لتمارس هذه البدع فيه.
3.   إن في سلوك القوى الإسلامية السياسية التي تشجع على ممارسة الزيارات الميدانية والاحتفال السنوي بأكثر من 250 يوماً دون عمل احتفاءً بالمواليد والوفيات والأربعينيات وعاشوراء وما إلى ذلك, فما يبقى للناس لإنتاج ما يأكله ويشربه الناس في العراق غير النفط الخام الذي يباع ونستهلك الأموال المتأتية منه أيها الأخ العزيز والتلميذ البار. هذا الموقف الذي اتخذته, تحدثت به مع الكثير من شيوخ الدين وهم يتألمون لهذه الحالة ولكن بعضهم يتسم بالجبن ولا يجرأ على قول الحق والساكت عن الحق شيطان أخرس أيها الأخ الكريم ولا أريد أن أكون هذا الشيطان الأخرس. أنا لست دونكيشوتاً لكي أحارب الطواحين الهوائية, ولكني أريد أن اسمع من أمثالك الذين يرفضون مثل هذه الطقوس ولا يخشون لومة لائم, إذ أنهم يخشون من نتائج ممارستها على المجتمع.
4.   إن الأحزاب الإسلامية السياسية التي تساهم وتدعو إلى ممارسة تلك الطقوس تريد تعميق الصراع الطائفي في البلاد, تريد خلق الاصطفاف الطائفي في المجتمع ليتسنى لها الاستفادة منها في التصويت أثناء الانتخابات العامة أو المحلية والحصول على السلطة والنفوذ والمال. وأنت الذي تعيش في العراق لا بد وتدرك مدى الأموال والعقارات وما إلى ذلك التي دخلت في جيوب من هم من أكلة السحت الحرام ولا يزال يدخل هذه السحت الحرام في جيوبهم بأساليب وأدوات شتى غير مشروعة؟
5.   أعرف حجم الصراعات والنزاعات بين قوى الإسلام السياسية الشيعية, وليس بين الناس الشيعة, وأدرك من يقوم بتلك المذابح والقتل المتبادل, ولكن أليس من مهمتنا فضح أولئك الذين يؤسسون أحزاباً دينية طائفية, سواء أكانت شيعية أم سنية؟ أليس من مهمتنا كمواطنين واعين لما يجري في الدولة والمجتمع أن نفضح دورهم في الإساءة للدين والمجتمع من خلال المشاركة في ترويج البدع غير السليمة والمؤذية لصحة الإنسان وحياته اليومية وعمله وتعميق الشعور الطائفي والحساسية ضد الآخر. كما في الجانب الشيعي أحزاب تعمل على هذا الطريق, هناك في الجانب السني من يقوم بذلك ومنهم على وجه الخصوص هيئة علماء المسلمين السنة وعلى رأسهم حارث الضاري الذي أصبح مروجاً قبيحاً للطائفية كسلفه عبد السلام محمد عارف.         
6.   أنا أحد المشاركين في الدفاع عن حق أتباع جميع الديانات والمذاهب الدينية في العراق في ممارسة دياناتهم ومذاهبهم وطقوسهم الطبيعية غير المؤذية للنفس والمجتمع بكل حرية ودون ضغوط وإساءات لهم. ولهذا فأنا حين وجهت الرسالة المفتوحة إلى السيد السيستاني, لأن ما يمارس اليوم في العراق هو خارج هذا الإطار, أي خارج إطار الطقوس السليمة لأتباع المذهب. فالتطبير تدمير لشخصية الإنسان ونشر العنف الشخصي والمتبادل بين البشر والموافقة على رؤية الأطفال والصبيان والشباب لهذا الدم الذي يسيل من الرؤوس بل بدأ الكثير منهم يمارس هذه الطقوس وبتشجيع من عائلاتهم الجاهلة دينياً. وهذا غير سليم شرعاً وعقلاً. وكذا الحال مع الضرب بالسلاسل الحديدية المربوطة بسكاكين صغيرة حادة ونابتة على الظهور حيث الدم يسيل أيضاً والآلام مبرحة لأيام كثيرة بالنسبة للمشارك في ممارسة تلك البدع. وكذا الضرب على الصدور. السليم هو إقامة العزاء العادي أو الاحتفاء بذكرى استشهاد الحسين.
لست ضد الطقوس الإنسانية, ولكن ضد تلك الطقوس وطقوس أخرى لدى المسيحيين, كما يجري في بعض الدول الأمريكية اللاتينية مثلاً أو في جنوب إيطاليا, أو لدى اليهود أو أي دين أو مذهب آخر, إذ أنها تلحق الضرر بالإنسان والفرد والمجتمع بشكل مباشر أو غير مباشر. ومن هنا يمكن القول وبوضوح بأن شيوخ الدين الذين لا يدينون هذه الممارسات باسم الدين, فهم يستخدمون الدين المشوه كأفيون للشعوب ضد الواقع البائس الذي يعيشون فيه. فبدلاً من تنظيم المظاهرات والاعتصامات ضد نقص الكهرباء والخدمات الأساسية الأخرى, يلهون الناس بهذه الطقوس التي شجبها واعتبرها إساءة كبيرة  للمذهب الشيعي وأتباعه الكثير من كبار شيوخ الدين الشيعة البارزين. ولكن السياستاني لم يمارس الإدانة إلى الآن ولهذا أطالبه بذلك.
7.   أنا لا أتحدث عن طقوس خرافية أو تقاليد خرافية, لكي تأتيني بكلمة الفيلسوف كلود, وأدرك أن القضايا الدينية أو الدينية المشوهة تبقى طويلاً في المجتمع وتغييرها صعب جداً وطويل الأمد, فلدينا في مجتمعاتنا الكثير منها, ولكن أنا أتحدث عن طقوس بدع مؤذية للإنسان وقيل فيها الكثير من جانب شيوخ دين محترمين ولهم كلمتهم لدى أتباعهم. إن علينا أن نبدأ أو نواصل الدرب في تبيان الأضرار الناجمة عنها وليس السكوت عليها أو مداراتها فهي مدمرة للإنسان وكرامته ومشوهة لوعيه الديني والمذهبي ومعمقة للصراعات المذهبية في المجتمع. أذهب إلى قناة الكوثر أو إلى قناة الفرات أو غيرهما لتجد ما يكفي من إساءات وتجريح وتجاوز على أتباع المذهب السني, كما تجد العكس في قنوات أخرى عراقية وعربية تسيء وتساهم في تعميق الصراع ضد أتباع المذهب الشيعي. أو أذهب إلى قناة العراقية الرسمية لتجد العجب العجاب في هذا المجال, إذ أنها صارت الناقل الفعلي لمثل هذه اللطميات عبر شاشتها وهي التي يفترض أن تكافح بهدوء مثل هذه الطقوس.
8.   لقد كان رد فعل أحد شيوخ الدين في كربلاء والممثل للسيد علي السيستاني في خطبة الجمعة أن اشار إلى أن جمهرة من العراقيين بل والبعض من خارج العراق مغتاظ من هذه الطقوس ويريد إيقاف الزحف المليوني, في حين أنها هي الجامعة لأتباع المذهب والمدافعة عن الإسلام, ودعا الناس إلى المشي والزحف على الأقدام للوصول إلى كربلاء, أي ترك الناس أعمالهم لعدة أيام لتوفير التأييد والمال لهؤلاء الشيوخ. كم هو عجيب وغريب أمر هذا الشيخ الكربلائي, وليس غريباً أن تنشأ في النجف وكربلاء حركات مناهضة لمثل هؤلاء الشيوخ الذين يشجعون على ممارسة هذه الطقوس لإبقاء الناس في جهل مطبق كما كان حال أهل الكهوف.   
أتمنى عليك أن تفهم قصدي وتدرك المرامي الإنسانية والاجتماعية التي أسعى إليها وفحوى الرسالة الموجهة للسيد علي السيستاني.
مع خالص الود والتمنيات الطيبة.
كاظم حبيب
برلين في 2/8/2010
ملاحظة: سأنشر هاتين الرسالتين دون ذكر اسمك في نهاية رسالتك, لأن رسالتك يمكن أن تعبر عن رأي آخرين أيضاً يفترض أن اشملهم في إجابتي هذه. 

رسالة السيد م. ش.
تعليقا على رسالتكم الموجهة للسيد السيستاني

وجه الاستاذ الدكتور ( كاظم حبيب ) رسالة الى السيد ( علي السيستاني ) المرجع الاعلى في العراق والعالم الاسلامي عبر موقع ( الحوار المتمدن ) . يطلب فيها توضيح موققه من بعض الطقوس والشعائر ( اللطم والتطبير ) التي تمارسها الطائفة الشيعية في شهري محرم الحرام وصفر . وقد اوضح بأن العديد من العلماء والمراجع الشيعية قد رفضوا مثل هذه الممارسات .
اثار هذا الموضوع استغرابي الشديد . وكأن هذا الموضوع غريب عن الدكتور حبيب .اوهو وليد اليوم . ثم الم ينظر استاذنا ( كاظم حبيب ) الى ما يمر به عراقنا الجريح من محن وازمات . الم ينظر الى ابنائه الذين ذبحتهم الطائفية . ولايزال الارهاب يحاربهم تحت كل حجر ومدر , واقسم بأن لايتركنا لحالنا مادام فيه نفس يصعد وينزل . الم ينظر الى الخلافات التي حدثت ولاتزال داخل المكون الشيعي حيث قتل الصدري المجلسي ( المجلس الاعلى ) وبالعكس . الم تشهد شوراع بغداد والنجف معارك طاحنة بين ابناء المكون الواحد . الم يقوموا بمنع نشاطات بعضهم البعض الاخر . هذا من جانب و من جانب الاخر السيستاني لا يعترف به الكثير من الشيعة ويتهمونه بشتى الاتهامات ويسخرون منه ويشتمونه علنا في الشوراع والاسواق وقاموا باحراق صوره والاعتداء على وكلائه في بعض المدن . مقابل هذا فهو شخصية مهمةعند الكثير من الشيعة وكلمته تعد كالقنبلة الذرية ربما تحرق الاخضر واليابس خصوصا انه يوجد الكثير من الجهلة والسفهاء في المجتمع العراقي لذلك لم يخرج في وسائل الاعلام ويكتفي باصدار بيانات هادئة وتقليدية على مدار السبع سنوات الماضية . خصوصا ان ( مقتدى الصدر ) يدافع وبشدة عن هذه الشعائر . والكثير من الشيعة يعدون هذه الشعائر خطا احمر ومستعدين ان يدافعوا عنها الى اخر قطرة دم وحتى من مقلدي واتباع السيستاني نفسه . والكثير من العلماء والمراجع يؤيدون مثل هذه الطقوس ويشجعون على اقامتها . اذن ماذا ستكون ردة الفعل اذا عارض السيستاني مثل هذه الطقوس وقال انها لاتمثل الدين وانها من البدع ؟؟ وكم تأويل سيؤولون كلامه . وكم اتهام سيتهم ( عميل للامريكان والبريطانيين . شيوعي ...... ) واحتمال كبير انهم سيصدرون فتوى بفسقه وكفره كما فعلوا مع السيد فضل الله من قبل . ولندع كل هذا جانبا فالطقوس والشعائر الدينية المختلفة هو حق مشروع كفلته جميع الدساتير والقوانيين في العالم بما فيها الدستور العراقي الذي نص في المادة 41 اولا ( أ ) التي نصت على حرية ممارسة الشعائر الدينية بما فيها ( الشعائر الحسينية ) وحتى الدين الاسلامي لم يمنع من ممارسة العبادات والطقوس لكافة الاديان والامم وهذا ما نجده في القران الكريم الذي يصرح بذلك في العديد من اياته ( يايها الذين آمنوا لايضركم من ضل اذا اهتديتم ) ( قل كل يعمل على شاكلته وربكم اعلم بمن هو اهدى سبيلا ) ( ليس عليك هداهم ) ( لست عليهم بمصيطر ) واذا تصفحنا السيرة النبوية سنجد ان الرسول الاعظم سمح للمسيحيين الذين قدموا من نجران للصلاة في مسجده رغم معارضة بعض المسلمين والصحابة .
ولايخفى عليكم استاذنا الفاضل رأي الفيلسوف ( كلود ليفي ستروس ) الذي قال ( ان من يقول عن اي طقس او تقليد انه خرافات او اساطير فأنه خاطىء ولم يصل الى الى مايريده ) وعند ( ستروس ) لاتوجد خرافة او اسطورة كما نعلم . صحيح ان هذه الطقوس والممارسات لا اساس لها من الدين والكثير منها وضعها بعض الاشخاص . لكن ليس لنا الحق التدخل فيها او الحكم عليها لان ذلك متروك لاصحاب الشأن والاختصاص لمعالجتها في الوقت المناسب والخلاصة استاذنا الكبير ان ماطرحته يخدش مشاعر الكثير من المسلمين الشيعية , وربما تخلق لنا ازمات لها اول وليس لها آخر . وبلدنا الحبيب في غنى عنها يكفيه امراضه الذي يحتاج الى سنوات كثيرة حتى يشفى منها . ارجوا ان تنظروا في الموضوع جيدا
 تلميذكم البار
م. ش


457

كاظم حبيب

السياسة والاقتصاد في أزمة متفاعلة في العراق

منذ نهاية الانتخابات البرلمانية الأخيرة في العراق (2010) يعيش المجتمع وكذا الدولة والحكومة في أزمة سياسية طاحنة عجزت القوى الفائزة إلى الآن عن إيجاد حل لها ولمن يتولى رئاسة الوزراء. ويتوقع الجميع معجزة سحرية تحل الخلاف بين القائمة العراقية ودولة القانون أولاً, وبين دولة القانون وبقية قوى التحالف الوطني الجديد الذي شكله البيت الشيعي أخيراً ثانياً. وليس هناك من طريق غير الضغط الشعبي الذي يفترض أن يتصاعد ليفرض على "الفائزين" تشكيل الحكومة وفق برنامج يرجو الإنسان أن لا يكون طائفياً مؤذياً لهوية المواطنة والمواطن.
استثمرت القوى الإرهابية هذه الأزمة المستمرة والصراع والفراغ السياسي لتصعد من عملياتها العدوانية والقتل في صفوف الشعب العراقي, هذه القوى التي استعادت عافيتها نسبياً بع الضربات التي تلقتها قبل ذاك وأعادت نشاطها الدموي في مناطق لم يكن متوقعاً وجودها بهذه الكثافة وحرية الحركة التي تتمتع بها والفعل العدواني ضد الشعب العراقي. هذا الفراغ السياسي القائم , الذي لا يمكن أن تسده حكومة تصريف أعمال غير مقبولة عملياً من عدد غير قليل من القوى الفائزة, قد عمق من المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي ومن الحياة المعيشية الصعبة التي تعاني منها نسبة عالية من سكان العراق وخاصة في مناطق الوسط والجنوب والموصل. فالحكومة على امتداد سنواتها الأربعة المنصرمة لم تنتبه إلى مشكلات الاقتصاد ولم تجد وقتاً لوضع إستراتيجية تنمية وطنية, وبالتالي واصل العمل العفوي في الوزارات وبالوجهة التي كان يدعو إليها البعض من المسؤولين عن الملف الاقتصادي, واصل وجهة ونهج اللبرالية الجديدة, رغم عدم توفر مستلزمات مثل هذا النهج الرأسمالي المتطرف في البلاد.
حين كنا نستمع إلى السيد وزير التخطيط وهو يتحدث إلى القنوات الفضائية, كنا نسمع منه شكوى مرة متكررة عن عدم وجود إستراتيجية للتنمية الاقتصادية في العراق, وكنا نتساءل بحق: من هو المسؤول عن وضع إستراتيجية التنمية الوطنية, أليس هو وزير التخطيط وجهازه الفني؟ أليس من واجب هذا الوزير قبل غيره تشغيل جهازه الفني وبالتعاون مع الوزارات الأخرى لوضع إستراتيجية التنمية الاقتصادية والبشرية, ومن ثم توزيعها على خطط خمسية وسنوية للتنمية الحكومية والقطاع الخاص, كمشروع يطرح على مجلس الوزراء للمناقشة والإقرار ومن ثم يرفع إلى مجلس النواب ليصدر بقانون؟ لقد كانت الشكوى غريبة, وكل شيء أصبح غريباً عجيباً في العراق, رغم كون الرجل اقتصادي متخصص لا بد وأنه يعي واجبه الاقتصادي والفني, وربما كان لا يجد من يدعم عمله وينشط دوره لإنجاز هذه المهمة! 
كل الدلائل التي تحت تصرفنا تشير إلى أن أغلب المسؤولين عن الملف الاقتصادي في العراق يلهثون, بوعي أم بدونه, وراء نهج اللبرالية الجديدة في السياسة الاقتصادية والاجتماعية. والسؤال المشروع في هذا الصدد هو: ماذا يعني اختيار نهج اللبرالية الجديدة في السياسة الاقتصادية للعراق في الفترة التي أعقبت سقوط الدكتاتورية؟
ليست اللبرالية الجديدة بنت اليوم, بل هي نتاج فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى وأن طرأ عليها بعض التغيير, فإنها حافظت على أسسها العامة. فقد طرح ميلتون فريدمان (الولايات المتحدة) وفريدريك أوغست هايك (النمسا) منذ العقد الرابع من القرن العشرين فكرة اللبرالية الجديدة بوهم القدرة على معالجة عواقب الحرب العالمية الأولى وعواقب أزمة الكساد العام في الفترة 1929-1932/1933 بإطلاق العنان لقوى السوق لتتحكم بمسيرة الاقتصاد في الدول الرأسمالية المتقدمة وعلى الصعيد العالمي. إلا أن جون مينارد كينز كان لهم بالمرصاد ومن مواقع الرأسمالية ذاتها التي استندا إليها وانطلقا منها الاثنان لمعالجة ما خلفته الحرب وفترة الكساد الأعظم.  وإذ كان الاثنان يركزان على قوى السوق الحرة, كان كينز يركز على دور الدولة الخاص لتحريك النشاط الاقتصادي لتجاوز الأزمة واستعادة الاقتصاد لعافيته. وكانت البطالة الكبيرة وتردي مستوى المعيشة والخوف من المستقبل ترهق كاهل تلك المجتمعات والعالم حينذاك. (راجع في هذا الصدد: أولريش شيفر, انهيار الرأسمالية. المعرفة رقم 371 لسنة 2010 ومصادر كثيرة أخرى).
إن ما تسعى إليه اللبرالية الجديدة في العراق, وأن تباينت في بعض جوانبها وتعددت اتجاهاتها, هو ضمان ما يلي في وجهة نشاط الاقتصاد الوطني العراقي:         
1 . الالتزام بتنفيذ نهج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في الاقتصاد العراقي وما يطلق عليه بـ"سياسات التثبيت الاقتصادي والتكييف الهيكلي" التي في أغلب نقاطها تتعارض مع واقع وحاجة الاقتصاد والمجتمع في العراق.   
2 . إبعاد الدولة عن أي نشاط اقتصادي وخدمي أو إقامة قطاع دولة اقتصادي وترك ذلك للقطاع الخاص.
3 . خصخصة كل ما لدى الدولة من مشاريع اقتصادية وخدمية, إذ ليس للدولة أي شأن فيها.
4 . إبعاد الدولة عن الرعاية الاجتماعية الضرورية في بلد كالعراق للمحتاجين والمعوزين من الأشخاص الفقراء والعائلات الكادحة والفقيرة.
4 . إبعاد العراق عن التصنيع أو تحديث الزراعة بشكل خاص والإبقاء قدر الإمكان على علاقات الإنتاج المتخلفة, إضافة إلى استمرار الضعف في مراكز البحث العلمي النظري والتطبيقي.
5 . تشجيع مواصلة الباب المفتوح في التجارة الخارجية أمام السوق العالمي ورفض وضع قيود لحماية الإنتاج الصناعي والزراعي, والذي هو بأمس الحاجة إلى الحماية الجمركية.
6 . مواصلة استيراد السلع من الأسواق الدولية وإغراق الأسواق المحلية بها, بما يتعارض وحاجات الناس ومتطلبات التنمية والتثمير الإنتاجي.
7 . عدم تنفيذ سياسة مالية تعتمد مبدأ الضريبة التصاعدية على الدخل المباشر لأفراد المجتمع, والذي يزيد من مصاعب العيش على الفقراء ويزيد الرفاهية للأغنياء بشكل خاص.
إن كل المؤشرات التي لدينا من دول أخرى مارست اللبرالية الجديدة في أمريكا اللاتينية أو في أفريقيا أو في آسيا تشير إلى أن هذه السياسة قادت وتقود بالفعل إلى ظاهرة ملموسة هي تفاقم فجوة الدخل بين الأغنياء والفقراء لصالح الأغنياء وزيادة وتوسيع فجوة الفقر عمودياً وشاقولياً في المجتمع. وهذا يقود بدوره إلى تشديد التناقض الاجتماعي وتحوله تدريجاً إلى صراع سياسي ومن ثم نزاع طبقي متفاقم.
فهل مثل هذه السياسة يحتاجها العراق بعد تحرره من نظام استبدادي مقيت وأربعة حروب داخلية وخارجية مدمرة وقمع متواصل دون هوادة ومصالح طبقية متناقضة؟ لا أرى ذلك في كل الأحوال. ليس هناك من يريد القفز فوق الرأسمالية أو تجاوزها, إذ ليست هناك إمكانية من هذا النوع. ولكن ليس من واجب الدولة أيضاً إطلاق العنان لقوى السوق الحر لتلعب دورها غير المسيطر عليه لتخلق المزيد من المشكلات السياسية والاجتماعية على خلفية المشكلات الاقتصادية وتعميق التناقضات والصراعات الطبقية وتغييب أهمية وجود سلم اجتماعي لتحقيق التنمية الضرورية.
إن القوى والعناصر المدافعة عن نهج اللبرالية الجديدة تتوزع, كما أرى, على ثلاث خانات, وهي:
** إما إنها لا تدرك مفهوم اللبرالية الجديدة ولا تعي عواقبه على المجتمع وعلى العلاقات بين الفئات الاجتماعية في هذه المرحلة الحرجة من تطور العراق. وهو اضعف الاحتمالات, ولكنه من جانب أخر أسوأها, إذ من غير المعقول أن يلتزم سياسي بنهج لا يدرك فحواه ولا نتائج تطبيقه.
** وإما إنه ملزم بتطبيق هذه النهج بسبب ارتباطه بقوى دولية تحتضنه وتلتزمه سياسياً لأي سبب كان.
** أو إنه يحمل فكراً ونهجا يتطابق مع قوى اللبرالية الجديدة في الدول الرأسمالية المتقدمة, وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية, ومن مواقع الدفاع عن مصالحه وليس مصالح الاقتصاد الوطني والشعب.
إن ترك قوى السوق تمارس دورها العفوي في العملية الاقتصادية لا يعني في ظروف العراق الراهنة سوى إبقاء العراق متخلفاً وحيد الجانب, اقتصاداً ريعياً واستهلاكياً يستهلك ما ترده من موارد مالية نفطية لتغطية أقيام وارداته السلعية السنوية المتعاظمة ولا ينمي الإنتاج المحلي, سواء أكان صناعياً أم زراعياً, ولا ينمي التثمير الإنتاجي ولا يحقق التراكم الرأسمالي الضروري لإغناء الثروة الاجتماعية أو الدخل القومي العراقي. وهذا يعني استمرار وجود البطالة والفاقة في المجتمع. كما يعني تبعية عملية إعادة الإنتاج أو العملية الاقتصادية في العراق للاقتصاد الدولي المعولم وللنتائج السلبية الحادة التي تنشأ عن هذه التبعية.
إن على من يتسلم الحكم في العراق إن يعي مسألة مركزية بأن العراق بموارده المالية المتأتية من النفط الخام يفترض أن توجه للتنمية الاقتصادية عبر الدولة أيضاً بعدة اتجاهات أساسية, وهي:
1.   استخدام تلك الموارد لمواصلة تطوير وتحديث قطاع النفط الخام. كما لا بد من تحديد سقف الإنتاج النفطي بحاجات العراق للموارد المالية السنوية واحتياطي مناسب يعزز موقع الدينار العراقي وسعر صرفه. فالنفط مورد طبيعي ناضب لا نحتاجه ليومنا هذا فحسب, بل نحتاجه للأجيال القادمة أيضاً ولا يمكن توقع الكف عن استخدامه ببدائل أخرى خلال سنوات القرن الحادي والعشرين.
2.   أن تأخذ الدولة بنظر الاعتبار ثلاث مسائل مهمة في وضع إستراتيجية التنمية, وهي:
أ. تغيير بنية الاقتصاد الوطني, ب. الاهتمام بالتخطيط الإقليمي أو الجغرافية والتنسيق الفعال بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية, إضافة إلى التنسيق مع مجالس المحافظات بهذا الصدد, ب. ربط التنمية الاقتصادية بالتنمية البشرية, اي بالتربية والتعليم والثقافة والبحث العلمي وتحسين مستوى حياة ومعيشة الشعب.
3.   تنمية وتطوير القطاع الصناعي والقطاع الزراعي بحيث يشاركان في تغيير بنية الاقتصاد الوطني وبنية المجتمع وبنية تكوين الدخل القومي ويحولان الاقتصاد الريعي الاستهلاكي إلى اقتصاد إنتاجي استهلاكي.
4.   المشاركة في تطير قطاع الخدمات الإنتاجية والخدمات العامة بما يلبي حاجات ويساعد على دعم القطاع الحكومي العام والقطاعين الخاص المحلي والأجنبي ويسهل دخول الاستثمارات الأجنبية إلى الاقتصاد العراقي.         
5.   أن تساهم الدولة في الرعاية الاجتماعية وللسنوات طويلة قادمة, إذ من غير المعقول والمقبول أن تتخلى الدولة عن هذه المهمة وتساهم في تعميق التناقضات الاجتماعية التي تظهر موضوعياً في بلد يسير على النهج الرأسمالي الاستغلالي.
6.   إن مثل هذا التوجه يساهم في توفير الأرضية والشروط الضرورية لنشاط القطاع الخاص أيضاً في البلاد, إذ لا يمكن تصور تخلي الدولة في بلد كالعراق عن واجباتها الاقتصادية والاجتماعية, وهو لا يتعارض مع تأمين مستلزمات حركة القطاع الخاص والأجنبي وفق رؤية إستراتيجية واضحة للتطور الاقتصادي والاجتماعي المنشود في العراق.

4/7/2010                  كاظم حبيب

458

التجمع العربي لنصرة القضية الكُردية



من أجل معالجة ديمقراطية وسلمية جادة للقضية الكُردية
في الجمهورية التركية

منذ أكثر من أربعة عقود لم تتوقف القوات العسكرية التركية على وفق أوامر الحكومات التركية المتعاقبة عن مطاردة القوى الكُردية في الجمهورية التركية التي كانت ولا تزال تناضل وتطالب بحل المسألة الكُردية بالطرق السلمية وعلى وفق الشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة وحق الشعوب في تقرير مصيرها. ومنذ تلك الفترة وإلى الآن ما زالت المعارك تدور ثم تتوقف لتبدأ من جديد من دون أن يبدو في الأفق أي حل عملي من جانب الحكومة التركية لهذه المشكلة المزمنة. إن استمرار القتال لا يقود إلى المزيد من الخسائر المالية وتعطيل التنمية  الاقتصادية والبشرية في المناطق الكُردية وفي عموم تركيا فحسب بل وإلى المزيد من القتلى والجرحى والمعوقين في صفوف القوى الكُردية المسلحة وبشكل أساس بين المدنيين العزّل في المدن والقرى الكُردية وكذلك في صفوف القوات المسلحة التركية. كما إن استمرار القتال يظل ذريعة للقوات المسلحة التركية لاختراق الحدود والأجواء العراقية والتجاوز على الاستقلال والسيادة الوطنية للعراق عبر القصف الجوي والاختراقات البرية المتكررة  بذريعة مطاردة أكراد مسلحين من كُردستان تركيا في المنطقة الجبلية من كُردستان العراق. وهكذا يشهد العالم القصف الجوي المستمر للمناطق الجبلية من كُردستان العراق مثلما هو حال وجود الدروع والمشاة التركية في الأراضي العراقية, والذي يعدّ تدخلاً فظاً في الشؤون الداخلية للعراق وتجاوزاً على سيادة العراق على أراضيه وإيقاع مزيد من الضحايا في صفوف مواطنيه.
إن تجارب الشعوب في المنطقة, ومنها تجربة الشعب الكُردي في العراق, تؤكد بأن الطريق السليم لحل هذه المشكلة هو القبول المتبادل بإيقاف القتال والدخول في مفاوضات للحفاظ على وحدة تركيا وحياة الناس والتنمية الوطنية وحل المسألة الكُردية بما يحقق التآخي التركي – الكُردي.
إن الأمانة العامة للتجمع العربي لنصرة القضية الكُردية ترى بأن من واجب دول المنطقة وشعوبها والمجتمع الدولي العمل من أجل إقناع الحكومة التركية بأن القوة والعنف والقتال لن تعالج المشكلة بل تزيدها تعقيداً وتطيل من أمدها, في حين أن الحل السلمي والديمقراطي من خلال الجلوس إلى طاولة المفاوضات والاستجابة العقلانية للحقوق المشروعة للشعب الكُردي في إطار الدولة التركية يعدّ الطريق الوحيد الصائب للخروج من الأزمة المستعصية والمزمنة.
إن الأمانة العامة تدعو منظمات المجتمع المدني في المنطقة والعالم إلى التحرك السريع من أجل إيقاف طاحونة الموت اليومي في تركيا, سواء أكانوا من المناضلين الكُرد المطالبين بحقوقهم المشروعة, أم من أفراد القوات العسكرية التركية. وليس هناك أي ضمان لعدم اتساع رقعة القتال وشمولها مناطق جديدة وموت المزيد من البشر ووقوع المزيد من الخراب. 
إن الأمانة العامة للتجمع تقترح على المنظمات الإقليمية والدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان وحقوق الشعوب المضطهدة دراسة إمكانية تشكيل وفد لزيارة مقر الأمم المتحدة في جنيف وفي نيويورك والاتحاد الأوروبي في بروكسل لتقديم مذكرة مشتركة تهدف إلى السعي لإقناع الحكومة التركية بإمكانية قبول مقترح إيقاف القتال مع القوى والأحزاب الكُردية العاملة في تركيا وضرورة الدخول في مفاوضات لحل المشكلة الكُردية وإيقاف نزيف الدم والمال, إذ أن حلها السلمي والديمقراطي العادل سيكون المفتاح الحقيقي لتلبية تطلعات الشعبين التركي والكُردي في العيش بسلام وفي تحقيق التقدم مثلما سيكون سببا جديا مهما في رفع سمعة الدولة التركية ومنحها القوة وزخم التقدم والتطور المنشود ويوفر فرصة أكبر لقبولها في الاتحاد الأوروبي بغاية خدمة آمال تركيا الديمقراطية الجديدة,
إننا في الوقت الذي ندعو إلى التحرك من أجل ترويج هذا المقترح, ندرك في الوقت نفسه العراقيل الكبيرة التي تقف في وجه هذا الحل, ولكنه الطريق الوحيد الذي ستقبل به آجلاً أم عاجلاً القوى المتشددة في أطراف القضية.
 
الأمانة العامة
التجمع العربي لنصرة القضية الكُردية   
23/7/2010

459
كاظم حبيب
اتجاهات تطور الوضع السياسي والاقتصادي في العراق

بمناسبة الذكرى السنوية لثورة تموز 1958 الوطنية

مرت قبل عدة شهور الذكرى السابعة لسقوط الدكتاتورية الفاشية في العراق التي جثمت 35 عاماً على صدر الشعب العراقي وأغرقته بالدماء والدموع والبؤس والفاقة والحرمان. وهي ذات القوى التي أطاحت بالجمهورية الأولى وصفت المكاسب الوطنية التي حققتها تلك الثورة في فترة وجيزة وأجهزت على قائد الثورة وجمهرة من قيادييها وعلى عدد كبير من المناضلين الشجعان في سبيل الشعب والوطن.
وكان الشعب ينتظر نهاية ذلك النفق الذي أدخلنا به حزب البعث العربي الاشتراكي القومي الشوفيني والدكتاتور الأهوج صدام حسين ورهطه. ولكن الشعب العراقي الذي تخلص من الإرهاب والدكتاتورية الحاكمة, سقط تحت الاحتلال وفي جحيم الطائفية السياسية المقيتة والإرهاب الطائفي لقوى متطرفة متنوعة سنية وشيعية وتكفيرية وبعثية وقومية.
حين تسلم نوري المالكي رئاسة مجلس الوزراء مثَّل في حينها البيت الشيعي على وفق المحاصصة الطائفية التي كرستها الإدارة الأمريكية وبول بريمر رسمياً. وفي السنة الثالثة من عمر وزارته أدرك نوري المالكي أن لا سبيل له للخروج من الأزمة التي يمكن أن تعصف بوزارته سوى توجيه الضربة الضرورية لقوى تساهم في العملية السياسية ولكنها تمارس الإرهاب خارج إطار هذه العملية, إضافة إلى قوات الإرهاب الأخرى كالقاعدة والبعث ألصدَّامي وهيئة علماء المسلمين وقوى قومية شوفينية متعفنة سياسياً. كما ابتعد نسبياً عن السياسات الإيرانية في العراق في محاولة منه لتمييز نفسه ووضع مسافة بينه وبين سياسة حزبه.
فوجه ضربته الماهرة إلى جيش المهدي, الجناح العسكري للتيار الصدري بالبصرة وبغداد وغيرها, إضافة إلى تشكيل القوات الأمريكية للصحوات العراقية في غرب بغداد والتي أجهزت على  الكثير من المواقع القوية لتنظيمات القاعدة الإرهابية. وبهذه السياسة تحققت بعض النجاحات المهمة في مواجهة عصابات الإرهاب الطائفية المسلحة وفي بروز تحسن ملموس في الوضع الأمني.
وفي ضوء هذا الواقع الجديد نشأت إمكانيات غير قليلة لوضع حلول عملية لعدد غير قليل من المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية والإنسانية والخدمية الداخلية وفي العلاقات العامة في ما بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق وتأمين حمايتهم من الأوغاد.
من المؤسف أن نشير إلى السيد رئيس الوزراء لم يقدم على تلك الخطوات الضرورية بل تعثر في مسيرته وتراجع عن مواصلة السير على طريق دولة القانون التي أسسها لتجاوز القوى الشريرة والطائفية المقيتة, مما أدى إلى إضعاف الجانب الأمني والمكاسب التي تحققت فيه وأصبح الوضع الأمني هشاً وعادت العمليات الإرهابية إلى ممارسة يومية مريعة. لا شك في وجود ظروف معقدة وصعبة, ولكن نوري المالكي تصرف كمنتصر كبير واعتبر نفسه منقذ الشعب وراح يتصرف بصورة فردية, ثم عزز مواقع حزب الدعوة بدلاً من تعزيز الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي العام وكرس الطائفية في مكتبه ومستشاريه. ثم تعززت هذه الروح الفردية والغرور  السياسي في خطاباته الكثيرة وتصريحاته الصحفية قبل وبعد انتخابات مجالس المحافظات بشكل خاص, مما حول الكثير من الناس ضده, إذ دخل باسم دولة القانون, ولكنه خرج بحزب الدعوة غير المقتنع بالديمقراطية كأداة وفلسفة, بل كأداة للوصول إلى السلطة فقط والبقاء فيها "أبد الآبدين!" ونسى المقولة التي تؤكد "لو دامت لغيره, ما وصلت إليه". ومن المؤلم حقاً أن نسبة غير قليلة من سياسيينا ينسون هذه الحكمة القديمة بعد وصولهم إلى السلطة مباشرة.
ونتيجة لهذا النهج غير العقلاني انتهى الوضع في العراق ومن جديدة إلى هشاشة كبيرة, ومنها الجانب الأمني. وأصبح العراق يعاني من مشكلات كثيرة تستوجب التفكير بها ومعالجتها.
فما هي المشكلات التي تواجه العراق في المرحلة الراهنة؟ وما هي الصراعات الناجمة عنها؟  وما هي سبل معالجتها؟
ثلاث قضايا تشغل بال الشعب العراقي وتؤرقه يومياً وتتسبب في المزيد من الإحباط لدى المزيد من لناس, وهي:
القضية السياسية: 
1.   ضعف الحياة الديمقراطية وهشاشة مجمل الوضع الأمني والسياسي في العراق والتجاوزات المتواصلة على حقوق الإنسان والحريات العامة في البلاد وضعف الإعلام المستقل وتنامي محاولات من جانب قوى الحكومة جادة في السيطرة عليه وتوجيهه لصالحها.
2.   استمرار العمل بنظام المحاصصة الطائفية وهيمنتها على الساحة السياسية والتي تبرز بوضوح في الصراع على السلطة بين القوى والأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية والسنية على المستوى السياسي المنبثق منها. وهي مشكلة ناتجة عن الرغبة الجامحة لتلك القوى والأحزاب السياسية الإسلامية في السيطرة على النفوذ في المجتمع وعلى الموارد المالية وسبل التصرف بها.
3.   تفاقم الخلافات في "البيت الشيعي" والناجمة عن صراع شيعي - شيعي على مستوى الحكم والأحزاب   الإسلامية السياسية المشاركة في الحكم, وهي لا تبتعد عن الرغبة في الهيمنة على السلطة والتحكم بسياسة وموارد الدولة من هذا الطرف أو ذاك.
4.   استمرار المشكلات بين الإقليم والحكومة الاتحادية دون حل عملي لها رغم مرور فترة طويلة على صدور قرارات تفرض العمل لحلها. وهي مشكلات تتبلور في القضايا المالية وحدود المحافظات وقضية كركوك. كما تبرز بشكل صارخ وخطر في كركوك كصراعات عربية- كردية-تركمانية على مستويات متعددة وتحمل معها مخاطر غير قليلة على كركوك والعراق عموماً.
5.   الإرهاب الدموي غير المنقطع الذي تمارسه ميلشيات عديدة, إضافة إلى قوى القاعدة والبعث الصداميين. وعلينا أن نشير إلى احتمال بدء ميليشيات طائفية مسلحة سابقة نشاطها الإرهابي مجدداً للضغط على الحكومة والقوى السياسية للقبول بحلوبل معينة لتشكيل الحكومة وفرض سياسات معينة عليها.
6.   استمرار القتل والتشريد والتهديد ضد أتباع الديانات الأخرى في العراق من غير المسلمات والمسلمين والتي تتسبب في هروب الكثير من البشر. إنها محنة تلاحق المسيحيين والصابئة المندائيين وكذلك الإيزيديين في الأقضية التابعة إدارياً لمحافظة الموصل.
7.   ولا شك في أن قضية تأمين الاستقلال والسيادة الوطنية تلعب دورها المباشر في صراع مبطن في غالب الأحيان لا يقصد بحد ذاته بل يستخدم كغطاء لمهمات وشعارات أخرى تمارسها العديد من قوى الإرهاب والمليشيات الطائفية المسلحة.
     
 الباب الاقتصادي:
1.   ويتجلى في إصرار الحكومة السير على نهج اللبرالية الجديدة الذي رسمه وكرسه بول بريمر للعراق , إذ لا يزال هو السائد والمعمول به في كل أنحاء العراق, بما في ذلك إقليم كُردستان, رغم ضبابية فهمها لدى الداعين إليها والعاملين من أجلها. إنه الوصفة التي يقمها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى الدول النامية, وهي التي تتسبب في الكثير من مشكلات الدول النامية اقتصادياً واجتماعياً ومن ثم سياسياً.
2.   غياب إستراتيجية تنموية وخطط إنمائية والابتعاد كلية عن التصنيع أو تنمية وتحديث الزراعة, بل التركيز على الاستيراد السلعي بالنسبة للحكومتين الاتحادية والإقليمية. وهي واحدة من أكثر السياسات إضعافاً للاقتصاد الوطني وللعملية الاقتصادية.
3.   غياب الإستراتيجية النفطية التي تنسجم وحاجات العراق على المدى القريب والمتوسط, والتوقيع على عقود خدمة كثيرة ستجلب الكثير من المشكلات للعراق, كما أن فيها تفريط كبير بدور شركة النفط الوطنية التي في مقدورها النهوض بالكثير من المهمات التي استولت عليها شركات النفط الأجنبية وبعقود مغرية لها ولسنوات طويلة. وهي سياسة ستؤدي إلى نتائج سلبية على صعيد سوق النفط الدولي والأسعار وتخلق مشكلات جدية لمنظمتي الأوبك والأوابك.
4.   تخلف شديد في الخدمات العامة, ومنها بشكل خاص الكهرباء والماء والخدمات الصحية والتعليمية والبريدية ...الخ. وهي القضايا العقدية التي تؤرق العراقيات والعراقيين إلى أبعد الحدود, وخاصة في فصل الصيف اللاهب وعلى  مدار السنة.
5.   كما إن البطالة واسعة الانتشار على مستوى البلاد وكذلك انتشار البطالة المقنعة المستنزفة للدخل القومي والاقتصاد الوطني والإنسان.
6.   الاستهلاك المتواصل لموارد البلاد المالية المتأتية من النفط الخام عبر سياسات الباب المفتوح أمام الاستيراد والفساد العام.
7.   الفساد المالي المتفشي في جميع أنحاء البلاد وعلى المستوى الرسمي والشعبي, حيث تساهم الشركات الأجنبية, وخاصة الأمريكية, في توسيع وتعميق نظام الفساد السائد ...الخ. إنه البلد الثاني بعد الصومال!
8.   تفاقم الفجوة الدخلية ومستوى المعيشة بين الغالبية العظمى من السكان وبين الأقلية الصغيرة, إضافة إلى وجود نسبة عالية من السكان تعيش تحت خطر الفقر المحدد دولياً للدول النامية.
9.   تفاقم مشكلات البيئة في العراق وما تحمله معها من عواقب سلبية على الاقتصاد والمجتمع والصحة العامة.

 الباب الاجتماعي:
1.   ويتجلى في البطالة والفقر والأرامل وتشرد الأطفال وعمل الكثير منهم وتفاقم التسول.
2.   تزايد عدد المقعدين وذوي الحاجات الخاصة.
3.   تفاقم حالات العهر النسائي واستمرار عهر الصبيان بسبب الحاجة المادية وبسبب التشرد.
4.   تفاقم السلوك الانتهازي وازدواج الشخصية والتحايل والمخاتلة والجريمة المنظمة وما إلى ذلك في أجهزة الدولة والمجتمع.
5.   التمايز الكبير في مستويات الحياة الاجتماعية والمعيشة والسكن والأمن بين النخبة الحاكمة والنخب التشريعية القضائية والصف الأول والثاني من العاملين في الأحزاب السياسية وبين بقية فئات المجتمع.
6.   تفاقم حالات التشوه والأمراض السرطانية في الولادات الجديدة نتيجة الحروب وما استخدم من سلاح وعتاد مشع فيها.
7.   تزايد عدد السجناء والمعتقلين الذين يعانون من مصاعب جمة ويواجهون التعذيب وأوضاعاً مزرية, كما تعاني عائلاتهم مصاعب كثيرة بسبب فساد الأجهزة المسؤولة عن السجون والأمن.
إن السعي لإيجاد حلول عملية لهذه المشكلات أمر ليس بالتعقيد الكبير, ولكن حالة العراق الراهنة لا تسمح بذلك, إذ أن الصراع الراهن على  السلطة في أعقاب إعلان نتائج الانتخابات يزيد من صعوبة ذلك.
كما إن المشكلة الأكثر تعقيداً تبرز في ميزان القوى الراهن الذي يميل لصالح قوى الإسلام السياسية التي تهيمن حقاً على القرارات السياسية العراقية, وتجسد ضعفاً استثنائياً غير معهود للقوى الديمقراطية على صعيد العراق وفي الوسط والجنوب والموصل على نحو خاص, ومصادرة دورها في المجتمع وفي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والأمنية ...الخ, رغم الانشقاق الفعلي في التحالف الوطني الجديد بين دولة القانون وبين الصدريين + الائتلاف الوطني العراقي, والذي يسهم في إضعاف الطائفية وسياسات البيت الشيعي.
وعلينا أن نتذكر بأن الحكومة العراقية الراهنة تلعب دوراً سلبياً في عرقلة الدور الضروري الذي يفترض أن يلعبه المثقفون والمثقفات في الحياة التنويرية والثقافية العامة, وخاصة التنوير الديني والاجتماعي وإزالة الوعي الديني المزيف والمشوه من أذهان الناس.

على الصعيد الإقليمي:
يتفاقم التدخل المباشر, السافر والفظ, في الشأن العراقي من جانب كافة دول الجوار, ولكن بشكل خاص من إيران وسوريا والسعودية وبعض إمارات الخليج وتركيا. ويتخذ التدخل عدة أساليب ملموسة:
1.   الإعلام والدعاية الإسلامية السياسية شيعية, من إيران, وسنية من بقية دول الجوار, سواء عبر القنوات الفضائية أم عبر خطب الجمعة أم في الصحافة والتلفزة والمواقع والتي تريد تعميق الصراع وتحويله غلى نزاع دموي.
2.   الأموال التي تخصص للأحزاب السياسية في العراق سنية وشيعية وبعض القوى "العلمانية" القومية والبعثية.
3.   وجود عدد كبير من المستشارين الذين يعملون في العراق بشكل غير رسمي ويحملون جوازت سفر إيرانية أو عراقية ويمارسون التوجيه المباشر في بعض الأحزاب الإسلامية السياسية.
4.   إرسال المقاتلين الإرهابيين إلى العراق أو السماح لهم بالعبور, وبشكل خاص من إيران وسوريا, ولكن من دول الخليج أيضاً. ومنهم من يصل بصفة زائر أو سائح من إيران ومن الدول الإسلامية الأخرى.
5.   الضربات العسكرية المتتالية التي تنفذها كل من تركيا وإيران على الراضي العراقية في مناطق جبال كردستان وخاصة جبل قنديل والتي تقود إلى تشريد الكثير من الفلاحين من قراهم التي تدمرها تلك الضربات وتقتل العديد منهم.
ويفترض أن لا ننسى بأن العراق أصبح جسراً مهماً لتهريب المخدرات من أفغانستان وإيران إلى دول الخليج ومنها إلى العالم الخارجي, إضافة إلى زيادة تعاطيه في العراق. كما أصبح في مناطق معينة من العراق منتجاً ومستهلكاً لها بصورة غير رسمية.
وعلى الصعيد الدولي:
يبرز التدخل المباشر في الشأن العراقي من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وهي القادرة على التأثير بحكم وجودها العسكري والسياسي والأمني والفكري, إضافة إلى الاتفاقيات المعقودة معها. ويتجلى تدخلها على شكل نصائح أو توجيهات. ولكن هذا التدخل لا يصل إلى مستوى تأثير إيران والسعودية. فكلا الدولتين استطاعتا أن تجمعا الشيعة في تكتل والسنة في تكتل آخر. وهي المعادلة الصعبة بين قوى متصارعة على الساحة السياسية العراقية والطامعة بحكم العراق بصورة غير مباشرة, ولهما أتباع في العراق.
يبدو أن الولايات المتحدة تميل إلى القائمة العراقية حالياً لكسر ما ساندته وكرسته من نظام طائفي محاصصي لصالح الشيعة في العراق. فهل هي قادرة على ذلك؟ إذ أن القائمة العراقية لا تخلو من إشكاليات مؤذية ففيها الكثير من العناصر التي ساهمت في قهر المجتمع في إطار النظام السابق.
تريد الولايات المتحدة, وبعد أن عقدت الاتفاقيات الضرورية وثبتت مواقعها, الانسحاب من العراق لمواجهة مشكلة أفغانستان والاستجابة النسبية لرأي الغالبية العظمى في المجتمع الأمريكي وللوعود التي قطعها باراك أوباما, ولهذا فهي مهتمة بتشكيل سريع للحكومة إذ لم يبق على موعد انسحابها أكثر من سنة واحدة, وقد سحبت الكثير من القوات إلى الآن. وهو أمر إيجابي طبعاً. وهذا الانسحاب سوف لن يؤثر كثيراً على دور الولايات المتحدة السياسي في العراق والذي يدعمه إلى الآن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
علينا أن نؤكد بأن الصراعات الداخلية الحالية متشابكة مع الصراعات الإقليمية والدولية, وهي معضلة العراق الراهنة. واللاعبون العراقيون غير أحرار في لعبتهم الداخلية بل يرتبطون بلاعبين إقليميين مؤثرين وآخرين على الصعيد الدولي, سواء بشكل مباشر أم غير مباشر. ولا يمكن معالجة هذه العلاقة المتشابكة بسهولة مع استمرار نهج المحاصصة والتوافق الجارية حاليا. ومما يزيد في الطين بلة ضعف الحكومة العراقية والبرلمان والمؤسسات الأخرى وضعف قدراتها في الدفاع عن الشعب في الداخل أو حماية الحدود مع الدول الأخرى. وخير دليل على ذلك الضربات العسكرية المتزايدة والقصف المستمر من جانب قوات الحكومتين الإيرانية والتركية على مناطق في كردستان العراق أو التفجيرات الانتحارية المتزايدة أخيراً.

الخلاصة: يمكن تلخيص واقع العراق بما يلي:
اولاً: صعوبة الوصول إلى حلول ديمقراطية في ظل النظام الطائفي السائد من جهة, وضعف القوى الديمقراطية وقدرتها الهامشية في التأثير على الأوضاع من جهة أخرى.
ثانياً: غياب الرؤية الموضوعية للمشكلات الراهنة لدى الأطراف الإسلامية السياسية المتصارعة وسيادة الصراع حول المكاسب الطائفية بغض النظر عن الصواب والحق والحقوق.
ثالثاً: التأثير المتفاقم لدول الجوار في تشكيل التحالفات وتشكيل الحكومة, وخاصة إيران وسوريا والسعودية على نحو خاص.
رابعاً: تراجع تأثير الولايات المتحدة الأمريكية على النخب السياسية في مقابل تأثير إيران والسعودية, رغم العلاقة المتينة التي تربط بين سياسات الولايات المتحدة والمملكة السعودية.
ما العمل؟
السؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن هو : من هي القوى أو الفئات الاجتماعية التي يهمها تغيير النظام السياسي الطائفي إلى نظام سياسي وطني وديمقراطي مستقل؟
لا شك في أن القوى والفئات الاجتماعية التي من مصلحتها تغيير الوضع لصالح الحياة السياسية الديمقراطية هي جمهرة العمال رغم تقلصها بالقياس إلى الماضي, وفئات واسعة من البرجوازية الصغيرة في المدينة والبرجوازية المتوسطة, أو الفئات التي يطلق عليها بالطبقة الوسطى, إضافة إلى المثقفين والطلبة وجمهرة الفلاحين, سواء أدركت مصالحها أم لم تدركها. وهذا يعني علينا أن نعمل من أجل تأمين مصالح هذه الفئات الاجتماعية من خلال بلورة المهمات التي تستجيب لمصالحها وربطها بالمصالح والمهمات الوطنية العامة. وهي مهمة كبيرة وثقيلة, ولكنها ضرورية في ضوء التحولات الجارية في البنية الاجتماعية العراقية. 
ليس في مقدور القوى الديمقراطية أو قوى التيار الديمقراطي بفصائله المختلفة في الوقت الحاضر أن تفعل شيئاً كبيراً, فهي ليست من بين اللاعبين المباشرين, بل إنها تلعب دوراً هامشياً في السياسة العراقية لا يعتد به, رغم تاريخها الغني بالتجارب والطويل. ولكن في مقدور هذه الفئات التي تشكل غالبية المجتمع, والتي ربما لم تدرك مصالحها في الوقت الحاضر, أن تفعل شيئاً. كيف يمكن أن يتم ذلك؟ كلنا يتابع نشوء حركة احتجاج شعبية متصاعدة رافضة للواقع المر والأمر الواقع, وتريد انتزاع مصالحها من الحكومة. والقوى الديمقراطية قادرة على ممارسة هذا الدور من خلال التبني الفعلي والثابت لتلك المصالح. وهذا يتطلب الكثير من الجهد والعمل المثابر. هل يمكن تطوير المبادرة الجماهيرية نحو التغيير؟ نعم ممكن, ولكن كيف؟
أشعر بضرورة عقد مؤتمر واسع وعاجل للقوى التي تتبنى الديمقراطية, أحزاباً, وكتلاً وشخصيات سياسية بغض النظر عن قوتها أو ضعفها, مؤتمر يمكن أن يضم إليه ممثلين من تلك الفئات الاجتماعية التي لها مصلحة في دفع العراق صوب الحياة الديمقراطية الحرة. فالمتفرقون ضعفاء والمتحدون أقوياء. والعراق بحاجة إلى قوى ديمقراطية قوية تعبر عن مصالح تلك الفئات. ومن هنا تأتي أهمية تغيير أولية شعار الحزب الشيوعي العراقي الذي وضعه فهد في الأربعينيات من القرن الماضي من شعار "قووا تنظيم حزبكم, قووا تنظيم الحركة الوطنية" الذي وضع في ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية, إلى شعار "قوا تنظيم الحركة الوطنية, قووا تنظيم حزبكم" في ظروف أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وفي هذا المؤتمر يمكن تشكيل ورش عمل تقوم بتحديد المهمات المهنية للفئات الاجتماعية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية من جهة, والمهمات الوطنية العامة كالديمقراطية وحقوق الإنسان والاستقلال والسيادة الوطنية واتفاقيات النفط والتصنيع وتحديث الزراعة من جهة أخرى. أي العمل من أجل ربط الشعارات الوطنية بالشعارات المهنية واليومية لفئات الشعب المختلفة. ثم وضع كل ذلك في شعارات يمكن أن ترفعها الجماهير وتناضل من أجل تحقيقها, وبعضها مرفوع فعلاً. ويمكن أن ينسق العمل والتحرك على النحو التالي:
تشكيل جماعات من قوى المؤتمر الديمقراطي وخارجه تعمل وتناضل في مجالات مختلفة على شكل محاورو منها مثلاً:
** المحور الاقتصادي: ويركز محور الاقتصاد الوطني والخدمات العامة على الموضوعات التالية التي تمس مصالح الناس مباشرة, ومنها:
أ‌.   موضوعات عامة: مثل الكهرباء والماء والتعليم العام والابتدائي والصحة والطرق والنظافة العامة وإزالة أكوام القمامة ومشكلة السكن ...الخ.
ب‌.   وضع سياسة نفطية وطنية مستقلة تتناغم مع إستراتيجية التنمية الاقتصادية المستدامة وحاجات المجتمع الفعلية بما يؤكد أهمية وضرورة تغيير بنية الاقتصاد والدخل القومي من جهة, ويحافظ على الثروة الناضبة للأجيال القادمة من جهة أخرى.
ت‌.   وضع سياسة تصنيع حديثة وتحديث الزراعة وتقليص تدرجي مهم لحجم الاستيراد السلعي البذخي والاستهلاكي والكمالي والتصدي لاستيراد النوعيات السيئة بأمل إصدار قانون لحماية الإنتاج المحلي وتنشيط هيئة المواصفات والمقاييس الوطنية وتعزيز دورها في الرقابة على السلع المستوردة.
ث‌.   مكافحة البطالة الواسعة التي تمس المجتمع بالكثير من المشكلات, إضافة إلى البطالة المقنعة في أجهزة الدولة.
ج‌.   الفساد وما حصل ويحصل من تجاوزات على المال العام وتأثيره السلبي على التنمية الاقتصادية وعلى وتوزيع وإعادة توزيع واستخدام الثروة الوطنية أو الدخل القومي.
ح‌.   مستوى المعيشة الواطئ لنسبة كبيرة من السكان وتنامي فجوة الدخل السنوي. وتنامي حجم الفقراء وأهمية أجراء تغيير في البطاقة التموينية لصالح العدد الكبير من الكادحين وليس للمجتمع كله...الخ ووضع نظام للمساعدة المالية للعائلات المحتاجة.
** ورشة خاصة لمهمات النساء والحركة النسوية: تعالج سبل العمل مع النساء والمهمات التي يفترض طرحها بشكل ملموس بما في ذلك الموقف من الطفولة والأمومة والنساء الأرامل ودور الأيتام والمعوقين ومشكلات الأرامل والمشردين ..الخ والمخالفات التي تقع فيها...الخ.
** ورشة خاصة للمهمات الطلابية: تعالج قضايا الطلبة من خلال ورشة عمل خاصة بهم وتشمل المناهج ومستوى التعليم وعدد الصفوف والطلبة والأساتذة والمساعدات المالية للفقراء ....الخ.
** ورشة خاصة تعمل في مجال الشباب والشابات وقضايا الرياضة.
** ورشة خاصة بقضايا المثقفين واتحاد الأدباء وقضايا الفنون والآداب ...الخ.
** ورشة بالعمل والعمال: تبحث وتحدد مهمات تمس العمل والعمال والفلاحين في الريف أو الكسبة والحرفيين. وكذلك ما يمس عمل النقابات والجمعيات المختلفة.
** ورشة خاصة تمس حرية المواطنات والمواطنين في مختلف المجالات وحماية أتباع الديانات والمذاهب الدينية ومعالجة القضايا القومية.
** ورشة خاصة بالقضايا التي تمس الدستور وتعديلاتة ووضع القوانين الجديدة, ومنها قانون العقوبات ومعالجة القضايا العالقة بين الإقليم والحكومة الاتحادية وقانون الأحزاب ..الخ.
** ورشة عمل خاصة بقضايا الفساد المالي والإداري في البلاد.
** الإصلاح الإداري والتجاوزات على الوزارات المختلفة من خلال الهيمنة الطائفية عليها وكشف اللعبة فيها ورفض الابتعاد الراهن عن مبدأ الإنسان المناسب في المكان المناسب.
** ورشة خاصة تبحث في محور الديمقراطية وحقوق الإنسان وتجاوزات الحكومة وأجهزتها على تلك الحقوق. ويفترض هنا أن يتم تشخص المخالفات بدقة ومسؤولية ومن ثم يفترض التعبئة الضرورية لفضح المواقف الشريرة.   
** موضوع السجون والسجناء والمعتقلين وضرورة الدفاع عن حقوقهم المشروعة ورفض التعذيب ...الخ.
** مشكلات الأطفال والصبية المشردين في الشوارع وسبل معالجتها.
** موضوع الإعلام والتدخل الحكومي المستمر في شؤون الإعلام وتركيز الإعلام الحكومي على الدعايات الحكومية بينما يفترض أن تكون لكل القوى السياسية.
** ورشة خاصة بمنظمات المجتمع المدني وعلاقتها بالدولة وبالأحزاب السياسية ..الخ, إضافة إلى بلورة مجالات عمل منظمات المجتمع المدني وسبل تنشيطها ودفعها صوب الاستقلالية عن السلطة والقوى السياسية المنفردة بما يساعدها على أداء مهماتها والدفاع عن مصالح أعضائها. 
 
** ورشة خاصة حول سبل عمل القوى الديمقراطية في الداخل في ما بينها والتعاون الجاد والمتواصل والتنسيق مع القوى الديمقراطية في الخارج لتعبئة أوسع الأوساط الشعبية المقيمة في الخارج لصالح المهمات الوطنية المشتركة لتنشيط الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي والضغط باتجاه بناء الديمقراطية والتخلي عن السياسات الطائفية والمحاصصة المقيتة في الحكم. كما يفترض أن تكون هناك آذان صاغية للرأي والراي الآخر في إطار القوى الديمقراطية والقبول بالنقد المتبادل لصالح العمل المشترك.
إن ما أطرحه هنا ليس برنامجاً, بل مهمات يفترض تدرس وتوسع وتعمق وتبرمج وتوضع في ملف واسع لتكون تحت تصرف كل المشاركين في هذه الورش والمحاور, ولكن لكل المشاركين في محور ما مهمات خاصة بمحوره, حيث تُبرزّ العلاقة الجدلية بين جميع هذه المهمات والمحاور وأسس العمل لصالح تنفيذها. ويفترض ان تمثل القوى الديمقراطية في هذه المحاور مهما كان عددها كبيراً أو صغيراً.
يضاف إلى ذلك وجود محاور مهمة وضرورية وآنية مثل (محور أزمة تشكيل الحكومة) التي يفترض العناية بها, وبشكل خاص المحاصصة الطائفية اللعينة والموقف الخاطئ للتحالف الكُردستاني إزاء التعاون مع القوى الديمقراطية العربية, إذ أن مثل هذا العمل يجسد المصالح المشتركة ذات المدى البعيد وليست الآنية فقط. ولا يفترض أن يكون هذا التعاون على مستوى الحكم بل على مستوى الأحزاب والقوى السياسية إن كانت تعتبر نفسها قوى سياسية ديمقراطية عراقية أيضاً وليست كردية لا غير...الخ.   
لا شك في أن العبرة ليست في عقد مؤتمر عام وتشكيل ورش عمل ومحاور فحسب, بل العبرة في التعبئة العامة للعمل الفعلي بين أوساط الشعب لتعبئتها لصالح تلك المهمات وبملموسية عالية من جهة, وفي التواصل وعدم قطع العمل بعد فترة وجيزة لأي سبب كان والمتابعة المستمرة لمدى تنفيذ المهمات والعلاقات الديمقراطية بين العاملين ومع المجتمع من جهة ثانية, وتحقيق تعامل ديمقراطي بين الجميع بحيث يشعر كل مشارك أنه مسؤول وليس متفرجاً.
مع شكري الجزيل لحسن انتباهكم.
ملاحظة: ألقيت شفاهاً في نادي 14 تموز الديمقراطي العراقي في ستوكهولم في 14/7/2010, وفي البيت الثقافي العراقي الديمقراطي في غوتبورغ في 16/7/2010 أثناء الاحتفال بالذكرى الثانية والخمسين لثورة تموز 1958 وبدعوة كريمة من الجمعيتين واتحاد الجمعيات العراقية في السويد.       

460
كاظم حبيب

هل يواصل حارث الضاري نشر الكراهية والحقد الطائفي في العراق؟

عرضت قناة الجزيرة الفضائية مساء يوم الثلاثاء المصادف 17/6/2010 تسجيلاً مصوراً لمحاضرة سياسية قدمها الدكتور حارث الضاري, رئيس هيئة علماء المسلمين في العراق, في جمع صغير من أعضاء ومؤيدي هيئته ونهجه الطائفي المتطرف من العراقيين والعرب على قاعة الزبارة - الميلينيوم في الدوحة, عاصمة إمارة قطر, تحت عنوان: العراق بعد سبع سنوات.. الاحتلال .. إلى أين؟ استعرض فيها أوضاع وأحداث العراق خلال الفترة 2003-2010 على وفق طريقته الانتقائية ورؤيته الخاصة لما جرى ويجري في العراق. وحين أصغيت بانتباه لحديثه المتشدد نشأت لدي مجموعة من الأسئلة منها مثلاً: ماذا يريد أن يوصله المحاضر إلى العراقيين والعرب؟ وهل أنصف المحاضر في استعراضه لأوضاع العراق أم شوه عن قصد مسبق حقائق الوضع والقوى التي تقف وراء كل ذلك؟ وما الهدف من وراء هذه المحاضرة في هذه الفترة بالذات والتي نقلتها الفضائية المعروفة بمواقفها السلبية الشديدة من العراق وشعب العراق والتي تنطلق من موقعين فكريين, قومي شوفيني ومذهبي متطرف؟   
لقد حاول الضاري تقديم جرد للأوضاع الجارية في العراق بعين واحدة, إذ كانت الأخرى ضريرة,  محاولاً إبراز كل ما هو سلبي في الوضع وتجنب كل ما هو إيجابي وعدم ذكر العوامل التي تسببت في نشوب الحرب ووقوع الاحتلال, كما تجنب كلية انتقاد النظام السابق في سياساته الاستبدادية والظالمة التي نزلت بغالبية الشعب والتي كانت ضمن الأسباب التي قادت إلى تلك الحرب.
لقد طرح مجموعة من الأفكار التي تستوجب المناقشة نشير إلى أبرزها فيما يلي:
** فشل سياسة الاحتلال التي مارستها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق.
** الأكراد كانوا دوماً متمردين ضد العراق, رغم أنهم كانوا يعيشون بشكل طبيعي في البلاد, يزورون بغداد ونزور مدن شمال دون مشاكل.
** تركيا إيجابية في مواقفها في حين أن دولتي إيران وإسرائيل تتدخلان بفظاظة في الشأن العراقي.
** التخلف والبؤس والفاقة والبطالة ونقص الخدمات في العراق.
** المقاومة موجود وستبقى حتى بعد خروج القوات الأمريكية.
** ولم يتطرق إلى دور هيئته في ما حصل من موت ودمار وخراب في العراق.
ثم انتهى إلى القول بأن العراق يعاني اليوم من ضعف اقتصادي شديد إضافة إلى ضعف سياسي في الداخل, ويواجه تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ متعددة, وإلى غياب عن الساحة السياسية العربية والعالمية, كما يعاني من ضعف في قدرته على التعبير والفعل. ثم أكد على وجود أزمة سياسية وعسكرية واقتصادية في العراق.     
يبدو لمن استمع إلى هذه المحاضرة, أدرك بوضوح إن هدفها المباشر يتلخص في تأجيج الصراعات والنزاعات الطائفية في البلاد والدعوة إلى استمرار نزيف الدماء والدموع, وإلى مزيد من الموت والخراب والحرمان للناس البسطاء, وإلى إشاعة عدم الاستقرار وحرمان الناس من الشعور بالأمان.
لم يكن المحاضر حيادياً أو منصفاً إزاء تقييم الوضع, بل كان موتوراً وحيد الجانب, إذ حاول في محاضرته أن ينشر المزيد من الكراهية والحقد في الأجواء العراقية ليزيد من التوتر الراهن ويشدد من الخلافات القائمة, ويصب الزيت على نار لم تخمد ويسعى الشعب إلى إخمادها بكل السبل المتوفرة.
لقد تناسى الشيخ ضاري سعي كل القوى السياسية التي كانت في المعارضة السياسية في فترة حكم الدكتاتور صدام حسين إلى إقناع الدكتاتور صدام حسين بالكف عن سياساته القمعية والتخلي عن استبداده وعدوانيته, حتى أن بعضها دخل في حوار معه من أجل ذلك. ولكن كل تلك المحاولات ذهب أدراج الرياح بسبب إصرار الدكتاتور على ممارسة سياسة القتل والتهجير والإبادة. عندها سعت القوى الوطنية إلى بذل كل الجهود لإسقاطه عبر جميع أشكال الكفاح, بما فيها الكفاح المسلح في إقليم كُردستان العراق وبعض مناطق الجنوب, فلم تفلح أيضاً لأن النظام قد مارس أساليب القتل الجماعي, كما حصل في الأنفال وحلبچة أو التهجير القسري, كما حصل في الوسط والجنوب وكركوك, والقتل الواسع النطاق كما حصل في انتفاضة الربيع في العام 1991 بعد حرب الخليج الثانية المدمرة وبعد طرد قواته الغازية من الكويت. ولم يتخل عن سياسة تجويع الشعب ومواصلة التسلح والمخاتلة مع مجلس الأمن الدولي وتحدي الأمم المتحدة والرأي العام العالمي, والاستمرار في استفزاز مشاعر الناس الجائعة ببناء قصوره الرئاسية التي بلغت حوالي المائة قصر في سائر أرجاء العراق, مما أدى إلى نشوب حرب الخليج الثالثة التي لم يكن يتمناها أحد لو أن النظام قد استمع إلى نصيحة الطيب الذكر رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد بن سلطان آل مهيان الذي طلب منه ترك الحكم واللجوء إلى الإمارات. وحين سقط النظام لم يكن أي عراقي سليم العقل يقبل بفرض الاحتلال على العراق, بل رفضته كل القوى السياسية العراقية. ولكن تصاعد وتيرة الإرهاب الدموي في العراق جعل ذلك ممكناً عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي. واليوم وبعد أن عُقدت اتفاقية انسحاب القوات الأجنبية من العراق في العام 2011 تحاول قوى الإرهاب الدموي, ومعها قوى هيئة علماء المسلمين, إشاعة عدم الاستقرار والفوضى في البلاد عبر ممارسة الإرهاب في بعض مدن العراق, ومنها بغداد بشكل خاص, لكي يتعطل تطبيق هذه الاتفاقية وتبقى القوى الأجنبية في العراق وتتذرع بوجودها قوى الإرهاب لتواصل عملياتها الدموية ضد الشعب العراقي. إن فرض قرار الاحتلال لم يكن سليماً من جانب مجلس الأمن الدولي والولايات المتحدة وبريطانيا, بل كان مسيئاً للجميع. والآن وقد انتهى مفعول هذا القرار بعقد اتفاقية انسحاب القوات الأجنبية من العراق مع حلول العام 2011, وستنفذ بنودها بالرغم من قوى الإرهاب. ومما يؤكد أن مشكلة الضاري ليست في الاحتلال, بل في موقفه الطائفي السياسي المقيت الذي يتلبسه كلية, ما جاء في محاضرته حيث قال: إن "دور المقاومة مشرف وسوف يبقى مشرفا كما هو في بداية الاحتلال وسيبقى مشرفا في نهاية الاحتلال وبعده". لاحظوا هنا كلمه "وبعده" التي تفسر الكثير في هذا الصدد. السؤال العادل هنا هو: من هم المقاومون في العراق؟ كل الدلائل التي لدينا تشير إلى إن "المقاومين" الأوباش الذين حملوا السلاح في العراق لم يحملوه دفاعاً عن استقلال البلاد وسيادتها ولا في سبيل مصالح الشعب, بل حملوا السلاح من أجل عودة البعث ألصدَّامي إلى الحكم أو تسليم السلطة إلى قوى الإسلام السياسية المتطرفة والإرهابية من أمثال تنظيم القاعدة الذي تحالف حارث الضاري معه والذي وفّر له ولأتباعه أرضية العمل والحماية في العراق والتي سيطرت لفترة غير قصيرة على مناطق غرب بغداد وعاثت فساداً في أنحاء البلاد وقتلت الكثير من البشر. لقد حمل هؤلاء السلاح لأغراض طائفية مقيتة وفي إطار صراع طائفي ساهم بقتل الكثير من الناس على أساس الهوية الدينية والمذهبية. وهذه الجماعات لا تشكل "مقاومة شريفة" حين وجهت ولا تزال توجه نيرانها وتفجيراتها الجبانة إلى صدور وظهور بنات وأبناء الشعب العراقي. إن حارث الضاري يؤكد مجدداً بأن قوى "مقاومته" الجبانة سوف تواصل "المقاومة" غير الشريفة حتى بعد خروج قوات الاحتلال. وهو تأكيد إصابة هذه القوى بداء الطائفية العمياء والتطرف والإرهاب الدمويين.
دعونا نواصل الاستماع إلى افتراءات الشيخ الضاري على الكُرد في العراق, فهو يقول: كان الأكراد دوماً متمردين وأنهم كانوا يتمتعون بوضع طبيعي في العراق يأتون إلى زيارة بغداد ونذهب لزيارة مدن الشمال! كان الفاشيون الألمان يرددون دوماً "افتروا ثم افتروا ثم افتروا .. لعل بعض افتراءاتكم تعلق بأذهان الناس", وللرجل نفس تصور هؤلاء الفاشيين ويعتقد ان الشعب العراقي جاهل لا يعي ما يكتبه من افتراءات.
يتناسى هذا الشيخ حقيقة النضال الذي خاضه الشعب الكردي على امتداد عقود طويلة من أجل تنفيذ ما اتفق عليه الملك فيصل الأول والحكومة العراقية مع مجلس عصبة الأمم في أن تحقق الحكومة العراقية للكُرد جملة من الحقوق القومية العادلة للشعب الكردي في إطار الدولة العراقية. وقد نكثت الحكومات العراقية المتعاقبة بكل تلك الوعود. فأجبر الكُرد على خوض النضال السلمي والمطالبة بحقوقهم المشروعة. وبدلاً من الاستجابة لها, وجهت تلك الحكومات الرجعية الطيران العسكري والقوات المسلحة لضرب المناطق الكُردية المتهمة بالنضال من أجل حقوق الشعب الكردي, ومنها بشكل خاص منطقة بارزان. وهكذا تواصل الأمر طيلة الحكم الملكي, إضافة إلى تهميش الشعب وإقليم كُردستان وسلب كامل حقوقه المشروعة والعادلة. وإذ أُنصف الكُرد لفترة قصيرة في عهد عبد الكريم قاسم حين أكد على الشراكة في الوطن العراقي, إلا إنه لم يستجب للحقوق المشروعة والعادلة لهذا الشعب بل وجه حين طالبه بها, تحت ضغط القوى القومية العربية الشوفينية والدول العربية الرجعية, ضربات عسكرية ضد مواقع القوى الكُردستانية والتي انتهت بإعلان ثورة أيلول 1961.
ثم تواصل رفض الاستجابة للحقوق القومية المشروعة للكُرد في فترة حكم البعث الأول وحكم القوميين العرب ثم حكم البعثيين الثاني والذي تجلى بشن الحروب العدوانية, ثم تتوج بمجازر الأنفال وجريمة الكيماوي في حلبچة وغيرها من المناطق الكردستانية التي تعتبر ضمن جرائم الإبادة والقتل الجماعي, إضافة إلى التهجير القسري الواسع والتعريب القسري في كركوك وفي مدن أخرى كردستانية. لم يكن المتمردون هم الكُرد, بل كانت الحكومات العراقية الرجعية والقومية الشوفينية المتعاقبة هي المتمردة حقاً والرافضة لمنح الحقوق القومية المشروعة. ولكن هل بمقدور الجماعات الشوفينية والعنصرية التعلم من دروس الماضي القريب أو البعيد؟ كل الدلائل تؤكد عكس ذلك, ويتجلى ذلك في محاضرة الضاري.
نعم هناك تدخل إيراني فظ في الشؤون الداخلية للعراق, وهي اليوم تقوم بتوجيه ضربات عسكرية شديدة وعدوانية ضد الأراضي العراقية في إقليم كُردستان. والحكومة العراقية وكذلك حكومة إقليم كردستان تطالبان بوقف هذا العدوان العسكري وحل المشكلات بطرق التفاوض. ولكن تركيا هي الأخرى ورغم محاولات تنقية الأجواء وعقد الكثير من الاتفاقيات الاقتصادية معها تتدخل بالشأن العراقي ولها مواقع في الأراضي العراقية وتضرب مناطق غير قليلة من إقليم كردستان. ويتم شجب هذه الأعمال العسكرية أيضاً من جانب الطرف العراقي والكردستاني والمطالبة بحل المشكلات عبر التفاوض والتفاهم. إلا أن استمرار هذا التدخل ناشئ عن غياب الوحدة الوطنية في العراق والفراغ السياسي الراهن بسبب الصراعات حول تشكيل الحكومة العراقية الجديدة واستمرار العمليات الإرهابية التي تمارسها قوى التطرف المتحالفة مع هيئة علماء المسلمين وقوى البعث الصدّامية بشكل خاص.             
يتحدث حارث الضاري عن واقع التخلف والفقر والبطالة في العراق. وقد كتبنا عن ذلك أيضاً. لكن الضاري يتجنب ذكر الأسباب الكامنة وراء هذا التخلف والفقر والبطالة, سواء أكان في فترة صدام حسين في العقدين الأخيرين من القرن العشرين وقبل سقوطه في العام 2003 أم بعد سقوطه, والذي ارتبط بتلك السياسات التي مارسها الدكتاتور, ومن ثم بواقع التناحر الطائفي الذي هو وهيئته طرف فيه, إضافة إلى النشاط الإرهابي للقوى الأخرى التي تمنع عمليات إعادة البناء والتنمية. إن السياسات الاقتصادية الراهنة تستوجب التصحيح والتغيير وضمان العدالة الاجتماعية في توزيع وإعادة توزيع واستخدام الدخل القومي بطبيعة الحال, وتستوجب وجود إستراتيجية اقتصادية واجتماعية واضحة, كما إن التنفيذ يستوجب الابتعاد عن السياسات الطائفية القاتلة التي يحاول الضاري مع قوى طائفية أخرى تأصيلها في العراق بدلاً من التخلص منها.             
لم يشعر الضاري بالحرج, وهو الذي كان جزءاً من نظام صدام حسين, والذي أسس هيئته بعد سقوط النظام في العام 2003 ولأهداف طائفية بحتة, كما فعلت بعض الجماعات الشيعية التي أسست لها تنظيمات وميليشيات مسلحة بعد سقوط النظام في بغداد, وخاضت المعارك الطائفية المقيتة. وكان أبناء وبنات الشعب من الشيعة والسنة ومن أديان واتجاهات فكرية وسياسية أخرى ضحايا ذلك الصراع الطائفي الدموي المقيت. 
بالرغم من السياسات التي تمارسها القوى الطائفية السياسية, فأن الشعب العراقي يعمل من أجل إقامة دولة مدنية وطنية وديمقراطية اتحادية حديثة, يرفض العنف في معالجة القضايا الداخلية والخارجية, ويسعى إلى حل الخلافات بالطرق السلمية والتداول السلمي والديمقراطي الانتخابي للسلطة, ويعمل ضد الإرهاب, ويسعى إلى تحقيق الاستقلال والسيادة الوطنية وتعزيزهما ويرفض التدخل في الشؤون الداخلية من أي طرف إقليمي أو دولي. ولكن الهج الذي يمارسه الضاري هو بالضد من إرادة ومصالح الشعب العراقي. وسيتمكن الشعب العراقي بكل مكوناته من دحر سياسات العنف والقمع والإرهاب.
كاظم حبيب   
في 23/6/2010



461
رسالة مفتوحة إلى آية الله العظمى السيد علي السيستاني

الأخ الفاضل والمواطن العراقي آية الله العظمى السيد علي السيستاني المحترم
تحية واحتراماً
بعد أن أضناني الجهد لتوضيح الموقف من الزيارات المليونية والطقوس التي تمارس في أيام عاشوراء  و الموت المتواصل الذي يلاحق العراقيات والعراقيين عند سيرهم على الأقدام لمسافات طويلة بغرض زيارة مراقد أئمة الشيعة المسلمين في المدن العراقية, كربلاء والنجف والكاظمية وسامراء على سبيل المثال لا الحصر على أيدي الإرهابيين والتكفيريين, وجدت نفسي مجبراً ن أتوجه لجنابكم براجياً منكم أن تلعبوا الدور المنوط بكم, دور المنور وتساهموا في التنوير الديني لأتباع المذهب الشيعي ومن يقلدونكم في الإسلام., إن ما يحصل في أيام عاشوراء من ممارسات لطقوس غير دينية تجسد, وفق رأيي, قمة التخلف وغياب الوعي الديني السليم لدى المشاركين في ممارسة تلك الطقوس, وسيطرة وعي ديني مزيف روجته قوى وجهات مغرضة أدت إلى عواقب وخيمة على الإنسان كما شوهت أراء ومواقف أئمة المذهب الشيعي الساكتين عن بتلك الأفعال.
وقد كتبت عن تلك الطقوس ورجوت شيوخ الدين الشيعة إلى تحريم هذه الطقوس لأنها ليست من الإسلام, والإسلام الصحيح برئ منها. فاتهمني البعض بالانحياز ضد الشيعة, لست معنياً بهذه التهمة, إذ أني أحترم كل الأديان وكل المذاهب الدينية وأتباع الأفكار المختلفة وأحترم أتباعها دون استثناء ولست مناهضاً لأي منها, ولكني أكتب عن ظواهر غير مشروعة دينياً ومدانة إسلامياً حين يقوم الإنسان بتعذيب نفسه, فهو  محرم في الإسلام. وبما أني من مواليد مدينة كربلاء في العام 1935 فقد تعرفت جيداً على تلك الطقوس وعايشتها سنوات غير قليلة ومارست بعضها, ولكن أدرك اليوم بعمق ومسؤولية, بل ومنذ سنوات طويلة, أضرارها الفادحة والعواقب السلبية التي تترتب على ممارسة مثل هذه الطقوس لأتباع المذهب الشيعي على صعيد الوضع النفسي والعصبي للفرد ذاته وعلى الصعيد المحلي والإقليمي والدولي.
لقد اطلعت بشكل دقيق على آراء الكثير من شيوخ الدين الشيعة الذين رفضوا ممارسة هذه الطقوس وأدانوها بعبارات واضحة تعتبر بمثابة فتاوى فقهية ناضجة. أليكم أدناه بعض من تلك الآراء لمراجع دينية شيعية معترف بها في فقه الدين.
آراء بعض المراجع الشيعية بطقوس عاشوراء

1 - أية الله العظمى السيد محسن الحكيم "إن هذه الممارسات (التطبير) ليست فقط مجرد ممارسات... هي ليست من الدين وليست من الأمور المستحبة بل هذه الممارسات أيضا مضرة بالمسلمين وفي فهم الإسلام الأصيل وفي فهم أهل البيت عليهم السلام ولم أرى أي من العلماء عندما راجعت النصوص والفتاوى يقول بان هذا العمل مستحب يمكن إن تقترب به إلى الله سبحانه وتعالى إن قضية التطبير هي غصة في حلقومنا".
 2 - أية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي: في رده على سؤاله حول إدماء الرأس وما شاكل يقول "لم يرد نص بشرعيته فلا طريق إلى الحكم باستحبابه)) راجع: المسائل الشرعية ج2 ص 337ط دار الزهراء بيروت.
 3 - أية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر في جوابه لسؤال الدكتور التيجاني حين زاره في النجف الاشرف " ان ما تراه من ضرب الأجسام وإسالة الدماء هو من فعل عوام الناس وجهالهم ولا يفعل ذلك أي واحد من العلماء بل هم دائبون على منعه وتحريمه" راجع: كل الحلول عند آل الرسول ص 150 الطبعة الأولى 1997 م للتيجاني.
 4 - أية الله العظمى السيد أبو الحسن الأصفهاني "ان استعمال السيوف والسلاسل والطبول والأبواق وما يجري اليوم من أمثالها في مواكب العزاء بيوم عاشوراء باسم الحزن على الحسين (عليه السلام) انما هو محرم وغير شرعي". راجع: كتاب هكذا عرفتهم. الجزء الأول لجعفر الخليلي.
 5 - أية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي "على المؤمنين الأخوة والأخوات السعي إلى إقامة مراسم العزاء بإخلاص واجتناب الأمور المخالفة للشريعة الإسلامية وأوامر الأئمة (عليهم السلام) ويتركوا جميع الأعمال التي تكون وسيلة بيد الأعداء ضد الإسلام، إذ عليهم اجتناب التطبير وشد القفل وأمثال ذلك..."
 6 - أيه الله العظمى السيد كاظم الحائري "ان تضمين الشعائر الحسينية لبعض الخرافات من أمثال التطبير يوجب وصم الإسلام والتشيع بالذات بوصمة الخرافات خاصة في هذه الأيام التي أصبح إعلام الكفر العالمي مسخرا لذلك ولهذا فممارسة أمثال هذه الخرافات باسم شعائر الحسين (عليه السلام) من أعظم المحرمات".
 7 - أيه الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله "... كضرب الرأس بالسيف أو جرح الجسد أو حرقه حزنا على الإمام الحسين (عليه السلام) فانه يحرم إيقاع النفس في أمثال ذلك الضرر حتى لو صار مألوفا أو مغلقا ببعض التقاليد الدينية التي لم يأمر بها الشرع ولم يرغب بها." راجع:إحكام الشريعة ص 247 .
8 - أية الله الشيخ محمد مهدي الاصفهي "لقد دخلت في الشعائر الحسينية بعض الأعمال والطقوس فكان له دور سلبي في عطاء الثورة الحسينية وأصبحت مبعثا للاستخفاف بهذه الشعائر مثل ضرب القامات.". راجع: عن كيهان العربي 3 محرم 1410 هـ.
9 - أيه الله العظمى السيد محسن الأمين ".... كما ان ما يفعله جملة من الناس من جرح أنفسهم بالسيوف أو اللطم المؤدي إلى إيذاء البدن إنما هو من تسويلات الشيطان وتزيينه سوء الأعمال." راجع: كتاب المجالس السنية. الطبعة الثالثة ص 7.
10 - أيه الله محمد جواد مغنية ".... ما يفعله بعض عوام الشيعة في لبنان والعراق وإيران كلبس الأكفان وضرب الرؤوس والجباه بالسيوف في العاشر من المحرم ان هذه العادات المشينة بدعة في الدين والمذهب وقد أحدثها لأنفسهم أهل الجهالة دون ان يأذن بها إمام أو عالم كبير كما هو الشأن في كل دين ومذهب حيث توجد فيه عادات لا تقرها العقيدة التي ينتسبون إليها ويسكت عنها من يسكت خوف الاهانة والضرر." راجع: كتاب تجارب محمد جواد مغنية.
 11 - أية الله الدكتور مرتضى المطهري "ان التطبير والطبل عادات ومراسيم جاءتنا من ارثودوكس القفقاز وسرت في مجتمعنا كالنار في الهشيم." راجع: كتاب الجذب والدفع في شخصية الإمام علي (عليه السلام).
  وهناك أسماء كثيرة ضد ظاهرة التطبير ومنهم أيه الله العظمى الشيخ الاراكي أيه الله السيد محمود الهاشمي أية الله محمد باقر الناصري والعديد من كبار العلماء.
 
السيد المحترم
أنا واثق بأنكم على إطلاع دقيق على هذه الفتاوى والآراء الناضجة, وأنا واثق أيضاً بأنكم لا تختلفون في التفكير عن السيد ابو الحسن الأصفهاني الموسوي مثلاً وترفضون معه مثل هذه الطقوس والبدع المؤذية للنفس والعائلة والمجتمع ولسمعة المذهب الشيعي عالمياً. ومن هنا ينطلق سؤالي لجنابكم الموقر:
لماذا لا تصرحون بموقفكم الإسلامي ضد هذه الطقوس التي أدانها علماء دين كبار ذكرت بعضهم في أعلاه؟
أنا أرجوكم, بل وأطالبكم, ومن حقي كمواطن وحرصاً على أبناء الشعب العراقي, أن تتحدثوا إلى المسلمات والمسلمين من أتباع المذهب الشيعي وإلى كل مسلمات ومسلمي العالم بأنكم لستم مع هذه الطقوس والبدع التي ليست من الإسلام, بل هي مسيئة للإسلام, وأن تحرمون ممارستها على أتباعكم ومقلديكم على أقل تقدير وهم كثر في العالم الإسلامي.
أن الحسين بن علي بن أبي طالب هو شهيد كل المسلمين, وليس الشيعة وحدهم وطقوس زيارته لا تستوجب اللطم واستخدام السلاسل الحديدية ولا السيوف لشج الرؤوس ولا الزيارات المليونية, بل تستوجب الوقوف الصامت احتراماً لتلك الشهادة.
أتمنى عليكم, وأنتم تمتلكون الشجاعة الكافية, أن تقوموا بإعلام المسلمات والمسلمين والعالم كله بموقفكم الرافض لهذه الطقوس, إذ أن السكوت عن ذلك تعني مواصلة ممارستها وتعني الموت المتواصل للناس وتعني الإساءة المستمرة للمذهب الشيعي الذي أنتم أحد العاملين البارزين في الدعوة له, وهي بمثابة المشاركة في العمل غير المسموح به إسلامياً.
أرجو لكم موفور الصحة وطول العمر.   
مع خالص التقدير والاحترام.
د. كاظم حبيب

462
كاظم حبيب

من أجل أن تبقى رؤوسنا مرفوعة نحلم بغدٍ أفضل وحياة أسعد!

حين يقرأ الإنسان ما يجري في البصرة من ردة فكرية وسياسية واجتماعية وثقافية من جانب المحافظ ومن لف لفه بالمقارنة مع ما كانت عليه البصرة قبل خمسين عاماً حتى في أصعب أيامها اللاحقة, يصاب بالدوار ويسأل نفسه, لِمً هذه الردة الاجتماعية لدى الحكام بشكل خاص وفي المجتمع بحدود اقل كثيراً؟
وحين يتابع الإنسان ما يجري في المدن العراقية الأخرى حيث يترك الناس أعمالهم لعدة أيام متجهين صوب الكاظمية أو كربلاء أو النجف أو سامراء, ويجبر آخرون على ترك أعمالهم وغلق محلاتهم بسبب الوضع الأمني, وتنشغل أجهزة الأمن والشرطة والدولة لثلاثة أو عشرة أو أكثر من الأيام تحت وطأة الأمن الهش ومحاولة تأمينه, وحين يسقط العشرات شهداء من أجل لا شيء على أيدي إرهابيين, يسأل الإنسان نفسه لِمَ كل هذه الأعمال التي لم تكن قائمة قبل أربعين أو خمسين عاماً؟ لِمَ هذه الردة الفكرية والاجتماعية, لِمَ هذا التخلف في الوعي الديني, لِمَ هذا التطرف الذي لم يكن موجوداً؟ وحين يعزي رئيس الوزراء عائلات الضحايا ويرجو للضحايا دخول الجنة, ولكنه لم يجرأ ليقول لهم: لا تقوموا بمثل هذه التجمعات المليونية, بهذه التظاهرة غير المطلوبة, لكي لا تتعرضوا لخطر الموت على أيدي الإرهابيين الذين يسعون لإثارة الصراع الطائفي الذي لم يختف بعد من المجتمع ما دام هناك من يدعو له ويؤججه, كما لن يختفي بسبب سيادة الأجواء الطائفية في العمل السياسي العراقي. 
وحين يرى المتتبع للوضع السياسي في العراق أن ديمقراطيين وتقدميين واشتراكيين وشيوعيين, جدد وقدامى, يشاركون في الانتخابات لا من أجل انتخاب قوائم ديمقراطية علمانية أو قائمة اتحاد الشعب, بل يصوتون لقوائم إسلامية سياسية, سواء أكانت شيعية أم سنية, أو أن بعض القوى الديمقراطية دخلت حتى في قوائم طائفية وانتهت بالصفر من المندوبين, حين يرى كل ذلك يسال نفسه: هل نحن في العراق, في هذا البلد الذي كان يناضل من أجل الديمقراطية والحياة الحرة والكريمة على مدى قيام الدولة العراقية الملكية الحديثة؟ هل هذا هو البلد الذي أنجب الحلي والزهاوي والرصافي والجواهري والسياب والبياتي والملائكة ومردان ورشدي العامل والنواب وشعراء وكتاب الحلة والسماوة والموصل والبصرة والناصرية والنجف, الأحياء منهم والأموات, إضافة إلى شعراء كرد مثل گوران ودلزار وبه كس ومئات من الشعراء والكتاب المتحررين القدامى منهم والجدد من محافظات السليمانية وأربيل ودهوك وكركوك؟
وحين يلقي المتتبع نظرة إلى الوزارات العراقية الحالية سيجد العجب العجاب: هذه وزارة مليئة بالشيعة من أحزاب دينية, كل مسؤوليها لهم لحى لا يعلم الإنسان مدى صدقها, وتلك وزارة سنية لا تجد فيها سوى السنة ...الخ, وكلهم لهم جباه وكأنها محروقة من كثرة السجود!, فهي موزعة بين سنة وشيعة, ولم يعد للمسيحيين أو الصابئة المندائيين أي مكان يذكر في الوزارات أو في هذا البلد, وهم من أصل أهل هذا الوطن, بل نجدهم يجبرون على مغادرة العراق والخلاص بجلدهم تاركين خلفهم ذكريات أليمة وحنين لا ينقطع. إنهم مبعثرون في الشتات العراقي, في الولايات المتحدة وكندا واستراليا ونيوزيلندا وأوروبا على نحو خاص.
ويتساءل الإنسان العراقي: هل هذا هو العراق, عراق السومريين والأكديين والبابليين, عراق الآشوريين والميديين والگوتيين, عراق العرب والكرد والتركمان والكلدان والآشوريين, عراق أتباع مختلف الأديان والمذاهب والأفكار, العراق الذي يعتبر أحد مهود الحضارة العالمية القديمة, هل هذا الذي يتحدث عنه التاريخ هو نفس العراق الذي يغوص اليوم في أجواء الطائفية السياسية المقيتة والخانقة, [ وهنا لا يجري الحديث عن المذاهب الدينية في الإسلام التي تجسد التنوع في الاجتهاد والاختلاف في الرؤية والتفسير ], بل عن الطائفية التي تميز بين الأديان والمذاهب الدينية والتي تشدد الخناق على حرية الإنسان بتحريماتها الاجتماعية وممنوعاتها "الدينية" اليومية التي تريد بذلك تحويل العراق إلى جحيم اجتماعي وسياسي لا يطاق؟
هل نحن في البلد الذي كان شعبه لا يقبل بالضيم والقهر, الشعب الذي أُطلق عليه بالمتمرد والذي تساقط شعر المستبد بأمره الحجاج بن يوسف الثقفي بسببه. هذا ما يذكره الأستاذ والكاتب المتميز الدكتور قاسم حسين صالح في مقاله الممتع الموسوم "غضب العراقيين .. وصناعة الحكم", حيث كتب يقول: "... وكان أقسى طاغيتين حكما العراق هما الحجاج(عشرون سنة) وصدّام (ربع قرن)..وكلاهما عاش قلقا" ومنزعجا" من العراقيين. فالحجاج اعترف بأن العراقيين أتعبوه وأصلعوا رأسه (يا أهل العراق، جئتكم وأنا ذو لّمة وافره ارفل بها فما زال بي شقاقكم وعصيانكم حتى حصّ شعري). وصدّام أرعبه العراقيون من قبل أن  تندلع في البصرة شرارة انتفاضة آذار (92) التي امتدت إلى الناصرية فالمحافظات الأخرى وكادت أن تطيح بنظامه لولا حماية أمريكا له." (راجع: الحوار المتمدن, العدد 2010 / 7 / 4 3053 ).
التاريخ يعرف التقدم نحو الأمام, لا يعرف الارتداد على الصعيد العالمي, لا يعرف خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء, ولكن هذا الشعب أو ذاك, هذه المنطقة أو تلك, يمكن أن يعيش أو تعيش التراجع والتقهقر أو الارتداد عما حققه هذا الشعب أو تلك المنطقة قبل ذاك من حضارة متقدمة, إنها الحركة الزگزاگية المحتملة في تاريخ هذا الشعب او تلك المنطقة. هذا هو الوضع الذي تعيش فيه الكثير من شعوب منطقة الشرق الأوسط. هذا هو حال إيران التي تعيش في ظلمات القرون الوسطى من حيث طبيعة الحكم السياسي والديني والمذهبي والاستبداد المريع الذي يئن تحت وطأته الشعب الإيراني بمكوناته القومية العديدة وكذا المرأة الإيرانية, ونعرف جميعاً حجم قرف الناس من هذا النظام الديني والطائفي المتخلف. وهذا هو شعب لبنان الذي يعاني من حزب الله الأمرين ويمرغ جبين الدولة اللبنانية بالتراب بحكم ارتباطه الكلي بولي الفقه وتبعيته السياسية والمالية لإيران, وهذا هو شعب السودان الذي يعيش الفرقة والانقسام تحت وطأة سياسات رئيسها "الإسلامي" الأهوج والمستبد بأمره. وها هي فلسطين تئن تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي وغزاة غزة من منظمة حماس المتطرفة الخاضعة للسياسات الإيرانية في المنطقة مرة وللوهابيين مرة أخرى. وهذا هو العراق الذي يعيش مرحلة جديدة من صراع طائفي مقيت لا يدري الإنسان متى يكون الخلاص منه لتكريس مبادئ المواطنة المتساوية والهوية الوطنية العراقية ومكوناته القومية, لصالح تكريس مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المواطنة الاعتيادية وفصل الدين عن الدولة لا عن المجتمع, فهي قضية خاصة بالفرد أو بالجماعات.
لا يمكن أن تستمر هذه الحالة, فالشعب في العراق يعيش في أزمات مستمرة, منها سياسية ومنها اقتصادية ومنها اجتماعية وثقافية, وهي كلها مقترنة بأوضاع أمنية وسياسية هشة, فالموت يومي وعدد الجرحى والمعوقين في تكاثر, ثم يسأل البعض: لِمَ لا يجري الحديث عن المنجزات؟ هل أصبح الأمن منجزاً؟ هل أصبح الوضع في البصرة منجزاً؟ وهل أصبح انقطاع الكهرباء ووصوله المستحيل لمستهلكيه من الناس الاعتياديين في فصل الصيف, وليس للحكام الذين يتمتعون به ليل نهار, منجزاً؟ هل قتل أحد المتظاهرين في البصرة بسبب مطالبته بالكهرباء وسقوط عدد من الجرحى في مظاهرة رفض المسؤولون إجازتها منجزاً؟ وهل ممارسة التعذيب في السجون والمعتقلات مهما كان سبب السجن أو الاعتقال منجزاً؟ وهل تفاقم عدد المشردين من الأطفال في المدن العراقية, كما هو حال مدينة الحلة على وفق ما جاء في مقال مها الخطيب ومقالات لكتاب آخرين منجزاً؟ وهل امتلاء هذه الوزارة أو تلك بالطائفيين أو من بنات وأبناء طائفة معينة, ووزارة أخرى من طائفة أخرى منجزاً؟ هل الصراع على من يكون رئيساً للوزراء وبالطريقة الجارية حالياً منجزاً؟ وهل تدخل الجيران في الشأن العراقي بسبب ضعف العراق السياسي والأمني منجزاً؟
أنا لا أطالب أن تكون في العراق ديمقراطية شبيهة بديمقراطية السويد أو ألمانيا أو بريطانيا العظمى, فهذا كما يقول المثل العراقي (( بعيد اللبن عن وجه الفگر!)), إذ أن هذا محال ولفترة غير قصيرة, فأنا أدرك الفارق بين واقع العراق وواقع هذه الدول من حيث المرحلة التاريخية التي يمر بها العراق وتلك التي تمر بها تلك الدول, وأنا أعرف الأسباب الكامنة وراء هذه الحقيقة المرة, ولكني أطالب من يتحدث عن سيادة الحرية والديمقراطية في العراق أن يفكر ويرى أبعد من أرنبة أنفه, ليرى ما يجري في العراق ولكي يدرك أن الطائفية السائدة مرض اجتماعي يرتبط بالواقع الاقتصادي والاجتماعي المريض الذي يستوجب معالجته والشفاء منه, وهذا يعني ضرورة التركيز على تغيير البنية الاقتصادية والبنية الاجتماعية بدلاً من التخفيف عما يجري في العراق من طائفية مسمومة, سنية كانت أم شيعية. لا يمكن الحديث عن الحرية الفكرية والسياسية وعن الديمقراطية والبلد يعيش في أجواء العشائرية وفي وعي ديني ومذهبي مزيف ومع من يريد التشبث بالسلطة بأسنانه أو "أخذناها وبعد ما ننطيها" في حين أن الدستور ذاته, رغم ضعفه, يتحدث عن التداول الديمقراطي للسلطة وعبر الانتخابات.
الوضع الأمني والسياسي في العراق هش وفراغ السلطة شديد, ونحن بحاجة إلى حلول سريعة للأزمة السياسية الراهنة, وبحاجة إلى معارضة ديمقراطية جادة أعضائها في الملمات لا يصوتون للقوائم الطائفية بل لما يمليه عليهم ضميرهم للخلاص من الوضع الطائفي السياسي السائد لصالح عراق المواطنة المتساوية, عراق الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية, عراق الحضارة الحديثة ولو تدريجاً.9/7/2010                      كاظم حبيب 
       
         

463
كاظم حبيب

الزيارات المليونية والموت في العراق!
حين يصاب شعب ما أو فئة ما من شعب بوعي مزيف, لا يستطيع تقدير أفعاله ولا العواقب التي تترتب عنها أو عليها. وهذا ما يشاهد اليوم في العراق. فنسبة مهمة من السكان من أتباع المذهب الشيعي المتدينة مصابة بوعي ديني ومذهبي مزيف وخطير غذته ولا تزال تغذيه الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية التي سعت إلى تعميق الطائفية والصراع الطائفي في المجتمع بأمل الحصول على أكثر الأصوات في الانتخابات العامة وعلى أكثر المقاعد في المجلس النيابي ومجالس المحافظات من أجل الاحتفاظ بسلطة طائفية مهيمنة على  الحكومة رغم مشاركة قوى طائفية أخرى وقومية في الحكم. وهذه الأحزاب السياسية الإسلامية الشيعية غذت ولا تزال تواصل تغذية وعي ديني ومذهبي مزيف يدعي أن زيارات مراقد أئمة الشيعة يعتبر تحدياً مذهبياً ضرورياً لتأكيد التزام هؤلاء الناس بالمذهب الشيعي والتصاقهم بالأحزاب التي تنادي وتدعو إلى ممارسة تلك الطقوس المغالية التي لم تكن في السابق موجودة ومنها السير على الأقدام من مناطق بعيدة جداً صوب كربلاء أو النجف أو الكاظمية أو سامراء على سبيل المثال لا الحصر. ولكن لهذه اللوحه جانبها الآخر الذي يغذي الكراهية ضد السنة كما يحصل في الكثير قراءات الروزخونية وكأن السنة مسؤولون عن دم الحسين وبقية صحبه.
لا شك في أن الأحزاب الإسلامية السياسية تتخذ من الدين ومن الطقوس المذهبية وصلاة الجمعة, سواء أكانت شيعية أم سنية, أداة للتأثير في الناس وكسبها إليها ولا تبالي إن كانت هذه الأساليب تقود إلى الموت, إذ أن الموت في نظرها قضاءً وقدرً من جهة, ومفيد لتشديد الاصطفاف والاستقطاب الطائفي الذي يساعد على بقاء فجوة للكراهية بين الشيعة والسنة في المجتمع من جهة ثانية. وهي الإساءة الكبرى التي تمارسها هذه القوى بحق المجتمع ونسيجه الوطني ووحدته الضرورية. ليس غريباً أن تمارس هذه الأحزاب ذلك, فهي قائمة أساساً على قاعدة طائفية تميز بين الناس على أساس الدين والمذهب والفكر.
إذا كانت ممارسة هذه "الأداة الغلط" والخطرة مفهومة من جانب الأحزاب الإسلامية السياسية, رغم إدانتها من قبل المجتمع ومن كل الوثائق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان, فأن موقف المرجعيات الدينية المحرض أو الساكت عن هذه الممارسات من جانب قوى الإسلام السياسية, يعتبر موقفاً خطيراً وانتهازياً ومسيئاً للدين ويتسبب في موت الكثير من البشر, كما إنه فرصة مناسبة للإرهابيين على توجيه كراهيتهم للإنسان وحقدهم عليه بتفجيرات انتحارية تأخذ معها إلى القبر المزيد من الناس الأبرياء وجرحى ومعوقين غالباً ما يخرجون من دائرة العمل أو المشاركة في النشاط الاقتصادي.
وفي كل من هذه المناسبات "الشيعية" السابقة والمصطنعة والجارية إلى يومنا هذا سقط الكثير من البشر (1000 إنسان دفعة واحدة حين كان الجعفري رئيساً للوزراء). وكان المسؤول عن دماء هؤلاء ليس القتلة الجبناء فحسب, بل وأولئك الذين شجعوا وسمحوا بتنظيم هذه المسيرات والذين لم يقفوا ضدها أو يمنعوها.
من هنا يصعب على الإنسان أن يقتنع بأن المرجعيات غير طائفية ولا تميز بين الناس ولا تقبل بالبدع كالضرب على الصدر (اللطم) والضرب بالسلاسل ذات السكاكين الحادة على الظهر (الزنجيل) أو فج الرأس بالسيف (التطبير), بمن فيهم الرضع والأطفال الصغار, أو السير على الأقدام لمسافات طويلة للحصول على ثواب يتطاير به قبل ذاك جسم الإنسان بشظايا القتلة.         
ايها السادة, يا من تديرون أحزاباً إسلامية سياسية مذهبية, يا من تمارسون السياسات الطائفية في الحكم وخارجه, يا من تفرحون لموت إنسان عراقي لأن هذا الموت يساهم في تشديد وتعميق الكراهية والحقد الطائفي لدى الناس البسطاء من ذوي الوعي الديني والمذهبي والسياسي والاجتماعي المزيف, يا من ترعبون حتى المرجعيات على قول الحق ومنع هذه الممارسات, ويا من تتاجرون باسم الدين لكسب أصوات الناس, كفوا عن هذه السياسة الغبية واللعينة التي تقود الناس إلى حتفهم وتجعل من العراق ساحة مقيتة يموت فيها يومياً الكثير من الناس, كفوا عن سياسة التجهيل والعدمية, كفوا عن تزييف وعي الإنسان بخرافات وبدع لا يقبلها عقل الإنسان السوي والمتنور.
إن وجودكم في السلطة سيتقلص يوماً بعد يوم بالقطع بحكم ممارساتكم المنافية للإنسان وحقه في الحياة والتي لا يرضى بها حتى الخالق الذي تؤمنون به, أن وجودكم في السلطة سيتقلص لأن الإنسان لا يمكن أن يبقى مشدود العينين ومغلق العقل والفؤاد طويلاً وهو يرى كل الفساد المالي والإداري وكل التمييز ضد الإنسان وكل الموت اليومي وكل البعد عن أداء الدولة لدورها في توفير الخدمات, كالكهرباء في حر الصيف اللافح, وإعادة عجلة الحياة الاقتصادية السليمة إلى العمل والإنتاج ومكافحة البطالة والفقر المدقع والفجوة المتسعة بين الفقراء والأغنياء.
إن موت 68 إنساناً إلى الآن من زوار مرقد الجوادين وجرح وتعويق أكثر من 100 إنسان في يوم واحد لا يمنح الشرعية لحكومة لا تحترم حياة أبنائها ولا تتخذ الخطوات الفعلية لمواجهة هذا الإجرام المتصاعد ومنع تلك التحركات الجماهيرية الواسعة وغير المطلوبة ولا الملزمة ضمن فروض العبادة لدى المسلمات والمسلمين عموماً ولا هي ملزمة للشيعة أيضاً.
إن من يُفترض أن يحاكم ليس القاتل الجماعي وحده, بل من وفر له وسهل عليه سبيل ممارسة القتل الفردي والجماعي. إن عدم منع هذه الزيارات تدخل ضمن توفير وتسهيل مهمة الإرهابيين في قتل الناس بدم بارد. ولكن الذي سهل ذلك هو الآخر يمارس اللعبة بدم بارد ولا يهمه موت الناس بل يهمه إبقاء راية الطائفية المقيتة مرتفعة وراية المحاصصة مرفرفة والبقاء في السلطة,
8/7/2010                        كاظم حبيب            



464
كاظم حبيب

خلوة مع النفس
الصداقة كنز.. وخيانة الأمانة والصداقة رجس شنيع..!

حين أخلوا إلى نفسي أعيش معها تجاربي الحياتية الفاشلة منها قبل الناجحة .. أعيشها ثانية, أعيش بها المرارة والفرحة, أعيش فيها وكأنها تحدث الآن وليست من الماضي القريبة أو البعيد. وغالباً ما تكون التجارب الفاشلة دروساً مهمة يتعلم منها الإنسان الشيء الكثير وغالباً ما تعود إلى الذاكرة لتؤرق الإنسان لأنه يشعر بالذنب لعجزه عن وعي احتمال هذا الفشل قبل وقوعه.. والتجربة الفاشلة التي كانت ولا تزال تثير لدي الاشمئزاز والشعور بالقرف أكثر من غيرها من التجارب الفاشلة التي مررت بها في حياتي القصيرة تلك التي اقترنت بمن كنت أطلق عليه صديقاً وأخاً ورفيقاً عزيزاً.
ولد هذا "الصديق" في عائلة عراقية كريمة ومناضلة. التحق أخوه الضابط العسكري بالحزب الشيوعي العراقي قبل ثورة تموز 1958 وكان من بين تنظيم الضباط الشيوعيين الأحرار الذين عرفوا بموعد ثورة تموز. وكان نموذجاً للضابط الوطني الذي لم يؤذ أحداً من الناس, ومع ذلك فقد اعتقل في انقلاب شباط الفاشي في العام 1963 وعذب ولاقى شتى المصاعب وسجن. ثم أطلق سراحه فيما بعد ولم يعد يمارس السياسة الفعلية واكتفى باتخاذ موقف إيجابي طيب من الحزب الشيوعي العراقي يمارس النقد حين يجده ضرورياً ومفيداًو وخاصة في علاقة الحزب التحالفية مع حزب البعث الحاكم حينذاك.
وكان "الصديق" المفترض قد التحق بالحزب الشيوعي العراقي حين كان طالباً في كلية التجارة والاقتصاد وتخرج منها قبل ثورة تموز. وأصبح ضابط احتياط في الجيش العراقي بعد ثورة تموز. منح فيما بعد زمالة دراسية لدراسة الاقتصاد ونيل شهادتي الماجستير والدكتوراه في تشيكوسلوفاكيا. نال الشهادتين العلميتين وتزوج من امرأة تشيكية وعاد إلى العراق بعد انقلاب 17 تموز 1968.
كان هذا "الصديق" شخصية دافئة وإنساناً وديعاً ومسالماً, لم يكن يحمل الضغينة لأحد, مرح ويحمل روح النكتة, كان كسولاً وأطلق عليه مع بعض من أصدقائه في فترة الدراسة في الخارج بتنابلة السلطان عبد الحميد.  تعرفت عليه حين كنا ندرس في الخارج, أنا في ألمانيا وهو في تشيكوسلوفاكيا وحين كنا نقيم فعاليات طلابية في برلين أو أثناء السفر إلى براغ.
حين عاد إلى العراق بدأ بالتحري عن عمل. تعرفت عليه بشكل أفضل بعد أن التحق باللجنة المختصة بالشؤون الاقتصادية للحزب الشيوعي العراقي, وساعده الحزب في الحصول على وظيفة مدير في إحدى الوزارات العراقية.
تكونت لي علاقة طيبة وصداقة حميمية معه بمرور الزمن, خاصة وأنه كان رفيقاً وجاراً لي في السكن وعملنا معاً في جمعية الاقتصاديين العراقيين.
خلال السنوات تلك لم الحظ عليه ما يقلقني سوى كونه كان يتطلع إلى العمل التجاري والغنى المالي. وكان يمارس شتى أنواع الأعمال إلى جانب وظيفته للحصول على المال وتحسين أوضاعه المعيشية التي لا يمكن أن تؤخذ عليه كنقيصة ما دامت في الإطار العام المقبول.
وحين أُجبر الشيوعيون على مغادرة وظائفهم بعد اشتداد الضغط عليهم, رحل هو الآخر وبدأ يعمل في التجارة إذ كانت له ولزوجته بعض المال الذي سمح له بذلك.
خلال فترة وجودنا في المهجر تعززت علاقاتنا الصداقية وأحياناً العائلية وأتمنته على مال كان وديعة عندي. كان يعمل مع بعض معارفي في النشاط التجاري. حذرني أحدهم منه, واعتبرت ذلك من باب المنافسة بين العاملين في التجارة. وهو في المحصلة النهائية لا زال عضواً في الحزب, رغم أنه تصرف مرة بما لم نتفق عليه وحمَّلَ ذلك المال خسارة معينة, فأن ثقتي به لم تتزعزع, ولكني حذرته من التمادي بالعمل المصرفي الذي يحمل أخطاراً معينة لا قدرة للجهة التي أودعت المالي عندي على تحملها.
حين غادرت الجزائر إلى إقليم كُردستان كنت قد جمعت بعض المال من راتبي الشهري في الجزائر, إذ كان من بدرجة أستاذ يدفع له 70% من راتبه الشهري بالعملة الصعبة, وكان الباقي 30% يدفع بالعملة الجزائرية كافياً للمعيشة في الجزائر وشراء بطاقات السفر في العطل الصيفية, فأودعته عند هذا "الصديق" ورجوته أن يشتغل به ليوفر شيئاً من المال لعائلتي في ألمانيا التي لا راتب ولا عمل لديها هنا, علماً بأن المبلغ لم يكن كبيراً. وكان الحزب الشيوعي يقدم مبلغاً شهرياً لعائلتي يحسب ديناً علي أن أسدده بعد عودتي من كُردستان إلى الخارج, وقد سددت الدين كاملاً غير منقوص في العام 1989 ووفق وصولات محفوظة عندي.
كنت ألتقي بهذا الصديق في لندن أحياناً وفي براغ أحياناً أخرى حين أكون خارج كُردستان وحن أصبحت ممثلاً للحزب في مجلة قضايا السلم والاشتراكية. أعطيته وكالة بالمال المودع في البنك لكي يستطيع التصرف المحدود بالمال ولم يكن المبلغ الإجمالي المؤتمن عليه قليلاً.
وبعد عدة سنوات أدركت أن هذا المدعو "صديقاً" لم يتصرف بإجمالي المال بشكل نظيف بل كان يستثمره لأغراضه الخاصة ويتلاعب بالحسابات وحمل الجهة التي أودعت المال لدي خسائر لا بالرأسمال الأساسي بل بالأرباح التي كان من المفروض أن تتراكم لتك الجهة, وكذلك بالأرباح التي تكونت في المجالات التي وظف فيها تلك الأموال لم يحسبها لتلك الجهة بل لنفسه. كما ابتلع جزءاً من المال الشخصي الذي وضع لديه لصالح عائلتي في حالة وقوع حادث أثناء مشاركتي في حركة الأنصار الشيوعيين في كردستان, وكان احتمال الشهادة موضوع في الأجندة اليومية للمناضلين, إذ سقط الكثير جداً من الشهداء الأبرار ممن كانوا معي أو في مواقع نضالية أخرى من كردستان العراق.
لقد استعادت تلك الجهة المال, ولكنها لم تحصل على الأرباح كلها بل ابتلعها ذلك" الصديق" الذي خان الأمانة فعلياً.
ولكن المشكلة ليست في هذا المال الذي ابتلعه كأي سارق بائس وشرير, بل تكمن في مكان آخر, وهي التي تؤرقني أكثر وتثير عندي القلق بضعف قدرتي على اكتشاف زيف البعض من الناس.
فقبل فترة وجيزة التقيت بصديق عزيز أخبرني ما لم أكن أعرفه ولم أتوقعه, ولم يكن ما قاله قولاً عابراً بل موثقاً. لقد كان هذا الصديق قد انتقل إلى معسكر صدام حسين, إلى ذلك المستنقع الذي يلتقي عنده جواسيس وعيون النظام الذين يعملون في صفوف قوى المعارضة العراقية ويحملون تاريخاً كان نظيفاً. لقد أصبح "الصديق" جاسوساً على رفاقه وأصدقاء حزبه السابق وعلى قوى المعارضة العراقية. لقد اشتراه النظام بشروى نقير وباع تاريخه النضالي.
لقد حصلت قوى المعارضة العراقية على الملف الخاص به, ولم يكن يعلم بحصول قوى المعارضة, التي هي اليوم بالحكم على ذلك الملف. جاء إلى العراق يطالب بحصته بالحكم, بمنصب دبلوماسي في بلد ما نتيجة "نضاله الطويل" في صفوف المعارضة العراقية ومساهمته في تشكيل كتلة ديمقراطية لم يكن أميناً عليها وعلى حلفائها. الشخص الكبير الذي قابله اعتذر له عن إمكانية إسناد أي منصب له, وحين استفسر عن السبب, رجاه أن يذهب إلى شخص معين كان يتعاون قبل ذاك معه ليريه الملف الخاص به الذي أخذ من أجهزة الأمن العراقية الخاصة بجواسيس النظام في الخارج وفي صفوف المعارضة. أدرك الأمر ولم يذهب لمقابلة الشخص المعني الحائز على الملف.
لقد كان حزني كبيراً ليس على المال الذي سرقه هذا الرجل من تلك الجهة التي جمعت تلك الأموال بجهد جهيد ومن عرق المئات من المناضلين الأوفياء للحركة الوطنية والأنصارية في العراق, رغم أهميتها, وليس على مالي الخاص أيضاً, رغم قلته, فحسب, بل وبالأساس حزني على تلك النفس الضعيفة والدنيئة لهذا الرجل الذي باع نفسه لمستبد لم يرع حرمة عائلة ولا إنسان في العراق, باع نفسه للدكتاتورية وأساء إلى تاريخه النضالي, في وقت لم يكن محتاجاً للأموال, إذ كان يملك ما يكفي من أرث كبير ورثته زوجته.
حين اخلوا إلى نفسي, كثيراً ما استعيد هذا الشريط المحزن وأشعر بالذنب لتلك العلاقة التي نشأت في مرحلة النضال مع "رفيق وصديق وأخ وجار" كنت أعتز به, ولكنه خان الصداقة والرفقة والأخة والجيرة, خان كل شيء ومرغ نفسه وكرامته وسمعته بالتراب, وأجهز على تلك الصداقة والرفقة والجيرة بسحت حرام ومال زائل وسوف لن يفتخر أبناؤه وأحفاده بهذا التاريخ المزري, رغم أنه, كما يبدو, قد اعتاد على العيش على فتات الموائد وعلى السحت الحرام وعلى التلاعب بمشاعر الصداقة, وإلا لكان قد دفن نفسه بالتراب أو قدم اعتذاراً لشعبه وحزبه السابق وإلى من كانوا أصدقاء له,  للأفعال الكريهة والدنيئة التي مارسها في حياته السياسية.
لقد أدركنا جميعاً خطأ الثقة التي وضعتها في هذا الشخص والتي لي لم يكن أهلاً لها.     
ما يؤرقني أيضاً أني لا أعرف إلى الآن متى بدأت خيانة هذا الرجل, متى بدأ التجسس على حزبه ورفاقه وكافة الأصدقاء, وربما على عائلته في العراق, هل بدأت في بغداد في العام 1978 حين اعتقل لفترة قصيرة سبب مخالفة مرورية, أم بدأت حين بدأ العمل التجاري في لندن وبراغ بعد خروجه من العراق, رغم أن الأمر في المحصلة النهائية واحد. ولا أدري حتى الآن ما هي الأضرار التي جلبها هذا الشخص على الحزب الذي احتضنه والرفاق الذين عاملوه بود والأصدقاء الذين وثقوا به, ولكنه كان مسيئاً للجميع ولكرامته التي فقدها منذ أن أصبح سارقاً وجاسوساً لسلطة غاشمة لم يعرف تاريخ العراق الحديث مثيلاً لها.     
لقد كان درساً قاسياً وفشلاً ذريعاً لصداقة كانت مؤذية, وتجربة يفترض أن لا يلدغ الإنسان بمثلها مرة أخرى.
4/7/2010                     كاظم حبيب     

465
كاظم حبيب

لنعمل من أجل بناء الديمقراطية الغائبة في العراق؟


نشرت قبل فترة وجيزة عدداً من المقالات حول الديمقراطية والمجتمع المدني ودور الدولة ومنظمات المجتمع المدني, وكان أحدها تحت عنوان "هل يمكن بناء الديمقراطية في العراق؟ وفي هذه المقالات سعيت إلى تأكيد عدة مسائل جوهرية, منها تلك التي لا تزال تضعف القدرة على بناء المجتمع المدني والديمقراطي والدولة الديمقراطية في العراق :
1.   بنية المجتمع الراهنة ومستوى الوعي الفردي والاجتماعي العام, وكلها مرتبطة عضوياً بالبنية الاقتصادية, إضافة إلى المعاناة الطويلة تحت هيمنة الدولة الأبوية المستبدة, إذ لا تزال الدولة الراهنة غير الكاملة وتمارس ذات الدور الأبوي. وهذه الإشكالية متبادلة الفعل والتأثير, الدولة لا تريد إنهاء دورها من جهة, ووعي الإنسان ذاته لم يصل إلى مستوى التخلص من طلب هذا الدور الأبوي من الدولة من جهة أخرى.
2.   طبيعة الحكم واستناده إلى المحاصصة والتوافق, وغياب الإستراتيجية الواضحة لبناء الدولة والمجتمع والاقتصاد الوطني, إضافة إلى غياب العمل المنسق والمنظم وفق برنامج متكامل.
3.   غياب المعارضة السياسية القوية والواعية لمهماتها السياسية, إضافة إلى ضعف مواقفها, في ما عدا تلك القوى التي تحمل السلاح وتمارس العنف والإرهاب ضد المجتمع. إن ملامح جديدة تبرز في نهوض معارضة سياسية, ولكنها في بداياتها ولا تزال هشة ويراد تعزيزها وتكريسها في ذهن المجتمع والفرد العراقي, امرأة كانت أم رجلاً.
4.   ضعف أو هزال الرقابة الضرورية لمجلس النواب القائم على قاعدة التوزيع المذهبي للسكان والساعي إلى التوافق في عمله والمتناغم مع سياسة التوافق التي يراد الالتزام بها في العراق.   
5.   غياب المجتمع المدني بسبب غياب شروط وجوده الأساسية إلى الآن, وبالتالي ضعف دور منظمات المجتمع المدني, وكذلك ضعف استقلالية أجهزة ووسائل الإعلام المتعددة. وهذا لا يعني غياب كامل لهذه المنظمات وتلك الأجهزة, ولكن هناك محاولات جادة من قبل الدولة بمؤسساتها المختلفة, وخاصة الحكومات المتعاقبة, للهيمنة على هذه المنظمات وأجهزة الإعلام ومصادرة دورها واستقلاليتها قدر الإمكان.
6.   ويفتقد العراق إلى الآن إلى الأحزاب الديمقراطية بالمعنى الدقيق, سواء من حيث علاقتها بالمجتمع أو علاقتها ببعضها الآخر أم علاقتها بأعضائها أم بالرقابة الشعبية عليها من جانب منظمات المجتمع المدني والمجتمع. هناك إرهاصات ولكنها ليست غير ذلك.
7.   ورغم وجود هيئات للنزاهة, فأن الفساد المالي والوظيفي والمحاصصة الطائفية وهيمنة الأحزاب الإسلامية السياسية على السلطة وجميع أجهزتها, اضعف ويضعف فعلياً القدرة على مكافحة الفساد المالي والإداري والذي يمنع بدوره القدرة على بناء دولة المؤسسات الديمقراطية والمجتمع المدني.
هذا التشخيص لا يحمل إساءة لأحد ولا يريد إغاظة أحد, بل يتحدث عن واقع قائم في العراق. وتغييره  يستوجب الكثير من الجهد باتجاهات كثيرة تشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والتنويرية والانفتاح الفعلي على ثقافات وتجارب الشعوب الأخرى من جهة, وإعادة النظر بالدستور والقوانين السائدة وبالنظم الداخلية للأحزاب والقوى السياسية وبدور الدولة والمؤسسات الدستورية ومنظمات المجتمع المدني من جهة ثانية, وبما يمكن تغييره في بنية الإنسان الفكرية والسياسية, أي البنية العقلية للإنسان العراقي وأسلوب التفكير بعد قرون من التخلف والإقصاء الفعلي والتخدير والاستبداد والقهر السياسي والاجتماعي والثقافي والحقوقي. (ويمكن العودة إلى شاهدٍ من أهلها, إلى شاهد هو الابن الشرعي لهذا النظام المحاصصي الفاسد القائم, إذ بعد أن أصبح خارج الحكومة أعطى لنفسه الحق في تصريحات قوية لجريدة الشرق الأوسط تفضح ما قلناه سابقاً عن الواقع العراقي الراهن وكان صاحب التصريحات جزءاً أصيلاً من ذلك الواقع المزري. وقال أنه لم يقل كل شيء ويهدد بالقول. ولكن إذا ما أعطي الرجل منصباً جديداً ستغيب تلك اليوميات! راجع في هذا الصدد الشرق الأوسط بتاريخ 30/6/2010, كما نشرت المقابلة في صوت العراق).
قوى الإسلام السياسي تريد بناء دولة إسلامية, وهي تتعارض مع دولة المجتمع المدني, ومؤسسات المجتمع المدني التابعة لها وترتبط بسياسات القوى الحاكمة ولا تقوم بالرقابة عليها, بل هي جزء منها, وتتصارع في ما بينها حين يبدأ الخلاف بين قواها السياسية, وتتوقف حين تلتقي بغض النظر عن مصالح المجتمع, إذ أن مصالحها ومصالح أحزابها تشكل محور عملها واهتمامها. ويمكن للإنسان أن يتابع عدداً من تلك المنظمات المرتبطة بالأحزاب الإسلامية السياسية شيعية كانت أم سنية ليعرف وجهة طبيعتها ووجهة عملها والمصالح التي تتبناها.
من أجل أن نعمل على تغيير الواقع العراقي السياسي الراهن, لا بد من وجود معارضة سياسية ديمقراطية, ولا بد من أن تغير تلك القوى التي تتحدث باسم الديمقراطية من نهجها وخطابها السياسي وأساليب وأدوات عملها لتصبح قادرة في أن تكون معارضة جادة ونافعة للمجتمع وقادرة على توفير فرص التغيير من خلال العمل الدؤوب والطويل النفس والصبور مع فئات المجتمع. المشاركة في الحكم في هذه الفترة لا يقدم للمجتمع شيئاً, بل يواصل النهج السابق التساومي للقوى الديمقراطية والساكت عن أخطاء الحكم والتي تبلورت في مشاركة الكثير من تلك القوى والعناصر ذات الوجهة العامة الديمقراطية في قوائم انتخابية إسلامية سياسية وطائفية بدلاً من معارضتها والدخول بقوائم مشتركة بين القوى الديمقراطية. إن تعزيز المعارضة السياسية الناضجة خارج البرلمان له أثر مهم في حياة الناس وفي تعبئتهم لصالح تحقيق مصالحهم اليومية.
إن المعارضة السياسية في العراق لا تعني معارضة الحكم في كل شيء أو حمل السلاح ضده, بل تعني الوقوف إلى جانب مصالح الشعب وقضاياه العادلة والدفاع الثابت عنها, سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية أم ثقافية أم بيئية أم قضايا قومية أم قضية الاستقلال والسيادة الوطنية, خاصة وان الدولة العراقية تعتبر اليوم الدولة الثالثة بعد الصومال والسودان بصدد المخاطر التي تتعرض لها ما يطلق عليهم بـ"الأقليات القومية والدينية", وفق تقديرات المؤسسات الدولية المتخصصة, وهم مواطنون يعانون من محنة التمييز والكراهية والقتل من جانب قوى معينة في المجتمع ومن قوى ودول الجوار وسكوت من جانب بعض القوى في الحكم.
إن المعارضة السياسية التي تأخذ على عاتقها الدفاع عن مصالح الشعب ستكسب قوى الشعب إلى جانبها فهناك الكثير مما يجب النضال من أجله والدفاع عنه, سواء أكان في مجال التخلف الاقتصادي وتخلف الخدمات والبطالة والفقر والتدهور التعليمي وضعف دور الثقافة والمثقفين بفعل سياسات الحكومة الاتحادية الراهنة, وضعف الدور الرقابي للمجلس النيابي ودور الحكومة في تنفيذ سياسة اقتصادية واجتماعية عقلانية وعادلة, وضعف وفساد أجهزة الإدارات المحلية في المحافظات, وتفاقم فجوة الدخل السنوي ومستوى المعيشة بين النخب الحاكمة والغنية والفئات الكادحة والفقيرة, وتحول الفساد في البلاد إلى نظام معمول به فعلاً من جانب الدولة والمجتمع ...الخ.
يخطئ من يعتقد بأن المجتمع العراقي ستنتعش فيه الديمقراطية في ظل أحزاب سياسية ذات وجهة دينية ومذهبية تسيطر على الحكم ومسؤوليها يساهمون في تمجيد العشائرية والطائفية ويسعون معاً إلى تكريس تقاليدها وعاداتها ودورها في المجتمع بدلاً من دور الدولة والمجتمع المدني. ويخطئ من يعتقد بأن القبول بهذا الواقع يسهم بالتغيير التدريجي للواقع السياسي العراقي.
إن استمرار قوى الإسلام السياسي في الحكم, رغم تراجع نسبة المشاركين في الانتخابات بسبب رفضهم لهذا الواقع, كأحد الأسباب, قد استطاعت أن تضعف القوى الديمقراطية وأن تغَّيب وجودها في المجلس النيابي العراقي بشتى الطرق, خاصة وأن التحالف الكردستاني يرفض حتى الآن تكوين تحالف خارج إطار مجلس النواب مع القوى الديمقراطية العربية, وبالتالي فهو يساهم, شاء ذلك أم أبى, في إضعاف القوى الديمقراطية, ولن ينفع هذا التوجه قوى التحالف الكردستاني على المدى البعيد. وهذا الأمر يستوجب إعادة النظر من جانب قوى التحالف الكردستاني والقوى الديمقراطية معاً للتحري عن قواسم مشتركة, إذ أن استمرار الطائفية في العراق يزيد على المدى البعيد من إشكاليات الديمقراطية والمؤسسات الدستورية في العراق ويمنح قوى الإسلام السياسي الأكثر رفضاً للديمقراطية وللفيدرالية الكُردستانية مواقع قوة إضافية, كما حصل في انتخابات 2010.                 
في مجتمع تغيب عنه إلى الآن شروط المجتمع المدني يصعب بناء منظمات مجتمع مدني ديمقراطية مستقلة عن الدولة قادرة في أن تلعب دورها في المجتمع. صحيح هناك بعض منظمات المجتمع المدني الديمقراطية والمستقلة والتي تبذل جهداً كبيراً في نشاطها لصالح المجتمع, سواء عبر دعم من مؤسسات داخلية وأجنبية أم عبر الدولة العراقية, ولكنها قليلة, ومنها بشكل خاص بعض المنظمات النسائية وبعض أجهزة الإعلام أو بعض الصحف والمجلات النسائية والثقافية والسياسية. 
نحن أمام معضلة دولة ريعية استهلاكية وتقاليد عريقة في الاستبداد والحكم الفردي ولا يمكن زرع الديمقراطية في مثل هذه الدولة لمجرد الرغبة في ذلك, كما تصور البعض ممن اعتقد بقدرة بناء الديمقراطية بمجرد سقوط صدام حسين. ولقد أشرت إلى ذلك منذ العام 1995 حين أصدرت كتابي الموسوم "ساعة الحقيقة: مستقبل العراق بين النظام والمعارضة", إذ أن الكثير من الخصائص العامة للنظام كانت موجودة في الكثير من قوى المعارضة حينذاك, وأن الكثير من صفات صدام حسين العامة نفسها, كانت موجودة في عدد كبير من شخصيات قوى المعارضة العراقية. وها هي تقابلنا اليوم في الواقع السياسي العراقي.
الشعب العراقي أمام معضلة لا بد من التغلب عليها, والتغلب عليها يتطلب دوراً أكبر للمجتمع في تغيير واقعه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ووعي الفرد السياسي, وهذا يتطلب دوراً أكبر للمثقفات والمثقفين الديمقراطيين وللنقابات والاتحادات المهنية والأحزاب والقوى والعناصر السياسية الديمقراطية التي يفترض أن تجد طرقاً سلمية وديمقراطية للنضال من أجل تحقيق التغيير الديمقراطي السلمي المنشود في المجتمع وعدم اللهاث وراء المحاصصة الطائفية والمشاركة مقابل فتات الموائد وعدم القدرة في التأثير الفعلي على سياسات الحكم وتحقيق مصالح الشعب المُغَّيبة.
إن المعارضة السياسية العلمية والعقلانية والإيجابية مطلوبة لتعبئة الشعب حول مهماته المطلبية والوطنية, لصالح الشعب وتقدمه اللاحق.
2/7/2010                     كاظم حبيب         




466
كاظم حبيب
هل من علاقة جدلية بين النضال المطلبي للشعب والنضال في سبيل الديمقراطية؟

كانت الأحزاب السياسية الوطنية والديمقراطية وستبقى تواجه مصاعب جمة في نضالها من أجل حرية الشعب وحياته الديمقراطية والتقدم الاجتماعي وتعزيز استقلال وسيادة البلاد ما لم تربط هذا النضال بحيوية ومبادرة وإبداع بالمطالب اليومية والأساسية للفئات الاجتماعية الكادحة والفقيرة التي تشكل اليوم نسبة عالية جداً من الشعب العراقي بكل مكوناته, إضافة إلى تلك المطالب التي تمس الغالبية العظمى من الشعب. وتتحمل هذه القوى, في ظروف الدول النامية حيث لا تسود في غالبيتها الديمقراطية وحقوق الإنسان بل تداس أحياناً بالأقدام, مسؤولية توضيح العلاقة العضوية والجدلية بين المهمات الوطنية العامة والمهمات المطلبية اليومية لحياة ومعيشة الناس مثل العمل والخبز والماء والكهرباء والتعليم والصحة والنقل والبيئة النظيفة والشوارع المبلطة والمجاري, إضافة إلى المطالب الثقافية والفنون الإبداعية والآداب المتنوعة التي يفترض فيها أن تغذي روح وعقل الإنسان وتساهم في تنويره, وكذلك الأجر المتساوي للعمل المتساوي وحرية المرأة ومساواتها بالرجل ,,الخ. كما لا بد من ربط تلك المهمات الوطنية العامة بمطالب فئات المجتمع المختلفة, سواء أكانت شبابية أم نسائية أم طلابية وتلاميذ المدارس أم كبار السن والتقاعد أم العجز والشيخوخة والضمان الاجتماعي ... الخ. إذ عبر هذا الربط في طرح الشعارات اليومية المناسبة يمكن كسب الناس وتعبئتهم للوقوف إلى جانب القضايا الوطنية والمهنية اليومية الملحة وفي مواجهة التعسف أو الفساد أو مصادرة حقوق الإنسان, ومنها حقوق المرأة والطفل.
ويفترض في العملية النضالية أن تأخذ الأحزاب السياسية الديمقراطية, واليسارية منها على وجه الخصوص, على عاتقها إبراز العلاقة العضوية بين الطبيعة الاجتماعية والسياسية للحكومة وبين سياساتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية, إذ أنهما وجهان لعملة واحدة. فلا يمكن لأي حكومة تريد الدفاع عن المصالح الوطنية أن تهمل عملية التنمية الاقتصادية والتصنيع وتحديث الزراعة وتركز على الاستيراد السلعي وإغراق الأسواق بالسلع من مختلف دول العالم وتستهلك الدخل القومي بعيداً عن تحقيق التراكم الرأسمالي الضروري لتطوير وإغناء الدخل القومي, أو لا تقوم باستخدام عقلاني للدخل القومي المتحقق في البلاد أو لا تنتف سياسة توزيع وإعادة توزيع سليمة بما يحقق العدالة الاجتماعية النسبية في ظل أوضاع العراق الراهنة.
إن التثقيف بهذه الموضوعات من جهة, وتعبئة الناس للنضال اليومي من أجل حقوقهم المشروعة في العمل والعيش الكريم والحصول على ما هو ضروري من خدمات من جهة أخرى, شكل في العراق خلال السنوات السبعة المنصرمة الحلقة المفقودة في نضال القوى الديمقراطية العراقية, ومنها اليسارية. وقد لعب هذا الواقع دوراً بارزاً في تسليم قيادة الفئات الاجتماعية الكادحة والفقيرة إلى تلك القوى التي رفعت شعارات يومية تستجيب لمطالب وحاجات الناس وربطتها بصيغة ما بالمهمات الوطنية, سواء أكانت صادقة في ذلك أم لذر الرماد في العيون.
حين جرى لي لقاء في بغداد في خريف العام 2009 مع عدد كبير من ممثلي قوى التنسيق الديمقراطي أكدت للحضور الكريم ملاحظة أساسية لخصتها بما يلي:
"أرى إن واجب القوى الديمقراطية في هذه المرحلة يتلخص في التزام مطالب الفئات الاجتماعية المختلفة, وخاصة الكادحة والفقيرة التي تشكل غالبية المجتمع وتعبئتها للنضال من أجل مطالبها اليومية من خلال جمع التواقيع على مذكرات احتجاجية ومطالب عادلة ومشروعة وتنظيم الاعتصامات لقطاعات مهنية أو لجماهير محلة أو مدينة أو طلبة جامعة, وكذلك القيام بالإضرابات والمظاهرات الشعبية السلمية حين تستدعي الحاجة ذلك. وحين لا تقوم القوى الديمقراطية بهذه العملية الديمقراطية الضرورية, ستقوم بها  قوى أخرى وستأخذ هذه المهمة على عاتقها. ويمكن أن تقود هذه القوى تلك الفئات الاجتماعية إلى طريق خاطئ وأهداف خاطئة غير مرئية.
منذ سبع سنوات والناس تتلوى بسبب نقص شديد ومرير في توفر المياه الصالحة للشرب والكهرباء والمعالجة الطبية المناسبة والرعاية الصحية ونقص التعليم وتشوهه عبر مناهج دخيلة تساهم في تقسيم المجتمع, إضافة إلى انتشار البطالة والفساد المالي والإداري وسيادة المحسوبية والمنسوبية, وانتشار القمامة والمستنقعات المائية وما تنشأ عنها من أمراض في مناطق الكادحين, إضافة إلى هشاشة الوضع الأمني والسياسي واستمرار موت الكثير من البشر كل يوم تقريباً.
منذ سبع سنوات والإنسان العراقي يفتش عن القوى التي تأخذ بيده صوب النضال لتحقيق مطالبه المشروعة. وحين لم يجد من القوى الديمقراطية من يمارس ذلك الدور بدأب وحيوية, التحق يقوى معينة أخذت المبادرة وهي تسيطر اليوم على عقول الكثير من البشر.
في نهاية العام المنصرم حصلت تحركات شعبية حول مطالب الشعب مثل الاعتصام أو التظاهر السلمي أو الإضراب. ولكن لا تزال هذه الحركة بعيدةً كل البعد عن واقع الناس وحاجاتهم وضرورات تنشيط وتنظيم هذه العملية وأخذ المبادرة لكي لا تبقى بأيدي من لا يريد الخير للبلاد.       
إن تخلف القوى الديمقراطية عن أخذ المبادرة والإمساك بزمام الأمور وتعبئة فئات المجتمع لتحقيق مصالحها المشتركة, قد انتهى إلى نشوء حركة شعبية لم تستطع الانتظار أكثر ليأتي من ينظمها ويقودها صوب تحقيق تلك المطالب, فانطلقت في البصرة لتعلن احتجاجها على نقص الكهرباء في فصل الصيف اللاهب, ثم تحركت في بغداد ويمكن أن تتحرك في بقية مدن ومحافظات العراق. ولكن, ولكي تنتهي إلى تحقيق نتائج إيجابية, لا بد من توفير الكوادر المجربة القادرة على تعبئة الناس من خلال الربط العضوي الجدلي بين المطالب وبين الواقع السياسي العام الذي يعاني من هشاشته المجتمع ومن صراع النخب الحاكمة حول مصالحها الضيقة دون التفكير الجاد بمصالح المجتمع.
إن الوضع في العراق يمكن أن يبشر بطلائع مد شعبي مناهض للوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي القائم الذي لا يجسد احترام الإنسان ومصالحه الحيوية ومصالح المجتمع, بل يتركز على المصالح الذاتية لهذه المجموعة أو ذلك, وهو أمر بالغ الضرر. فهل في مقدور القوى الديمقراطية, ومنها اليسارية, أن تدرك حقيقة الوضع وتتابع بدقة تطور هذا المد الشعبي الذي يراد الآن إجهاضه من قبل الحكومة وذلك بتوجيه الرصاص إلى صدور المتظاهرين المطالبين بالكهرباء أو بغيره, كما حصل في البصرة.0؟ إن الصراع الطائفي المقيت في البلاد سينقل فئات المجتمع المتضررة إلى مواقع أخرى غير التي كانت عليه قبل الآن, وهي عملية معقدة ومتشابكة وبطيئة, ولكن علينا تقدير حركتها منذ الآن والأخذ بزمام المبادرة.     
الوقت ليس في صالح الشعب وليس من العدالة أن تضيع على الشعب الفرص بانتظار الفرص, إذ إن من يتأخر يعاقبه التاريخ, وها نحن قد رأينا ذلك بأم عيوننا وعشناه يومياً من خلال نتائج الجولات الانتخابية الثلاث المنصرمة (برلمانية عامة, ومجالس محافظات  وبرلمانية عامة).
أملي أن نتعلم من تجارب الماضي من جهة, وأن نشدد على العمل المشترك للقوى الديمقراطية العراقية من جهة ثانية, وأن يبدي الجميع التواضع المطلوب والواقعية المطلوبة لعقد اجتماع موسع لكل القوى الديمقراطي تلتقي عند قواسم مشتركة تنسجم مع طبيعة المرحلة والمهمات العامة والمهنية الشعبية الراهنة التي أصبحت عناوين ثابتة من خلال احتجاجات الناس المتصاعدة بعد صمت رهيب. ويحق لنا أن نتساءل هل كان هذا الهدوء الذي دام سبع سنوات عجاف هو الذي يسبق في العادة العاصفة؟     
لقد برزت بعد الانتخابات, وبالارتباط مع نتائجها, حركة شعبية مطلبية تبنتها بعض القوى الديمقراطية التي لم تحقق نتائج تذكر, ومنها الحزب الشيوعي العراقي, وهو موقف إيجابي يراد تطويره وتكريسه. والمطلوب من هذه القوى, كما أرى, أن تعمل بكل دأب من أجل تدريب الفئات الاجتماعية الكادحة والفقيرة والعاطلين عن العمل على ممارسة حقها الطبيعي في الإضراب والاعتصام والتظاهر السلمي للمطالبة بحقوقها المغتصبة, وأن لا تسكت على الضيم والقهر المرير والبطالة والحرمان, وأن تلعب دور المعارض الإيجابي بعد تشكيل الحكومة لتستطيع أن تحقق تحالفاً ديمقراطياً واسعاً وتدريجياً يمكنه في المدى اللاحق لعب دور أكبر لا يقارن بالدور الهامشي الراهن أو الدخول في وزارة بوزير يتيم واحد غير قادر على التأثير ويحد من دور القوى الديمقراطية في المعارضة المبدئية لصالح مطالب الشعب.
إن معارضة فعالة وإيجابية أفضل مئات المرات من مشاركة بائسة بحكومة لا تمتلك ولا تنفذ برنامج وطني وديمقراطي متعدد الجوانب يخدم مصالح الشعب ويكافح ضد المحاصصة الطائفية والفساد المالي والوظيفي ..الخ.
إن ملايين الناس لم يذهبوا إلى صناديق الاقتراع, والكثير ممن ذهب أعطى صوته دون قناعة تامة, ولهذا لا بد من التحرك على هذه الملايين لتفعيل وتنشيط دورها في المجتمع والحياة العامة. ومثل هذا التوجه يحتاج إلى برنامج عمل عملي مرحلي للسنوات الأربع القادمة يتضمن المهمات المهنية والمطالب الشعبية ويشدها إلى المطالب الوطنية العامة لتصبح وحدة واحدة يناضل المجتمع بأسره من أجل تحقيقها.
30/6/2010                        كاظم حبيب 


467
كاظم حبيب

ثورة العشرين (1920) في العراق


الذكرى ألـ 90 لثورة العشرين



المدخل
شهد العراق في سنوات ما قبل الحرب العالمية الأولى اتجاهاً سياسياً رئيسياً وأساسياً في أوساط المثقفين المتعلمين والعاملين في الحقول السياسية والاقتصادية والاجتماعية كان يطمح إلى الخلاص من الهيمنة العثمانية , وأن اختلفت مواقف القوى فيه وتوزعت على مجموعتين: إحداها كانت تسعى إلى الخلاص التام من الدولة العثمانية باعتبارها استعماراً تركيا مفروضاً على العراق وباقي الدول العربية الخاضعة بالقوة للهيمنة العثمانية , تلك الهيمنة التي بذلت أقصى الجهود من أجل تتريك المنطقة بأسرها وبضمنها العراق من جهة , وجماعة أخرى كانت تريد الحفاظ على العراق ضمن الدولة العثمانية "المسلمة" , خوفاً على فقدان الوحدة الإسلامية حتى من حيث الشكل والخشية من الوقوع تحت سيطرة "الكفار!" المسيحيين الإنكليز , مع ضرورة تمتع العراق بالحكم المستقل نسبياً أو الإدارة الذاتية من جهة أخرى. وإذا كان الاتجاه الأول قومياً عربياً إلى حدود ملموسة إذ لم يكن الوعي القومي , سواء العربي أم الكُردي قد تبلور حينذاك , فأن الاتجاه الثاني كان في الغالب الأعم دينياً إسلامياً متزمتاً , وكلاهما كان قد تأثر بشكل واضح بالاتجاهات الوطنية والقومية العربية والتأثيرات الدينية والسياسية المباشرة وغير المباشرة لحركات المعارضة السياسية في كل من إيران وتركيا. أما في فترة الحرب العالمية الأولى فكانت الجماعات السياسية في العراق قد انقسمت إلى اتجاهين ملموسين أحدها يرفض التعاون مع بريطانيا باعتبارها دولة أجنبية غير إسلامية أو استعمارية مسيحية "كافرة!" , وكانت تمثله في الغالب الأعم المؤسسات والقوى الدينية ومجموعات من شيوخ العشائر التي تأثرت كثيرا بمواقف وفتاوى شيوخ الدين. أما الاتجاه الثاني فكان يرى ضرورة التعاون مع بريطانيا وفرنسا ضد الدولة العثمانية المتحالفة مع ألمانيا من أجل الخلاص من الهيمنة العثمانية المتخلفة والقاسية على العراق وسكانه , وكانت القوى القومية الحديثة التكوين ومجموعات من المثقفين والمتعلمين والتجار هي المعبرة عن هذا الاتجاه. ومن حيث المبدأ كان التياران لا يتطلعان إلى أي شكل من أشكال الخضوع لهذه السيادة أو تلك بل من أجل حصول العراق على استقلاله الناجز. وقبل انتهاء الحرب العالمية الأولى وفي أعقابها تحول الموقف المتباين في الاتجاهات السياسية لتلك الجماعات في العراق إلى مجموعة أولى كانت ترفض بأي حال الهيمنة البريطانية وتريد الاستقلال التام والناجز , ومجموعة ثانية كانت تجد أن لا مناص من التعاون مع بريطانيا وتأمين استمرار وجودها في العراق لحماية العراق من التفكك ومساعدته على التقدم , وبمعنى آخر: كانت إحدى المجموعتين تقف بحزم وبلا مساومة ضد الانتداب وترى فيه نكثاً للعهد البريطاني إلى الشريف حسين بن علي ولا تقبل بغير الاستقلال الناجز , وأخرى كانت ترى في الاحتلال البريطاني والانتداب فرصة لحصول العراق على الوحدة والاستقلال من خلال التعاون مع بريطانيا. وقد تبلور هذان الاتجاهان نسبياً في المجموعة التي شكلت الحكومة ووافقت على الانتداب وأيدت فيما بعد عقد المعاهدة العراقية-البريطانية , في حين قادت المجموعة الأخرى انتفاضة السليمانية وثورة العشرين وناهضت الوجود البريطاني في العراق , رغم التباين في الأهداف بين قوى انتفاضة السليمانية وقوى ثورة العشرين حينذاك. وفي هذا الأمر الحيوي اشتد الخلاف وتمايزت القوى وتوزعت على هذين الاتجاهين حتى بعد قيام الدولة العراقية الجديدة , رغم أن عملية التبلور والاصطفاف بين جماعات الاتجاهين لم تكن سريعة ولا تامة , بل كانت حتى نهاية الحرب العالمية الثانية متداخلة وينتقل بعضهم من موقع إلى آخر دون أن يشعر بتغيير كبير في مواقفه أو تبدل في سياساته. ولا شك في أن قوى المجموعة الأولى قد توسعت بقوى جديدة واغتنت حركتها في مجرى النضال ضد الهيمنة البريطانية بمضامين سياسية واقتصادية واجتماعية وطنية وقومية جديدة , في حين غاص الاتجاه الثاني أكثر فأكثر وسنة بعد أخرى في عملية التعاون مع بريطانيا من مواقع عدم التكافؤ وتنفيذ إرادة الدولة المحتلة والمنتدبة على العراق وتأمين مصالحها في العراق على حساب مصالح الشعب والاقتصاد العراقي. ولا شك في أن الجانب الديني المحافظ وغير المتنور قد لعب دوره في رفض الوجود البريطاني خشية على مواقعه الدينية في أوساط المجتمع وخشية من الانفتاح الحضاري للسكان على الحضارة الغربية وما يمكن أن يحركها صوب بناء حياة أفضل والخلاص من التخلف الاجتماعي والغوص في الغيبيات والبدع المضرة بحياة الناس.

1. العوامل المفجرة للثورة

كان العراقيون عموماً - سواء أكانوا من العرب أم من الكُرد أم من أتباع القوميات الأخرى – قد وقفوا ضد الهيمنة العثمانية، وسعوا للخلاص من صيغة الحكم المركزي المباشر المفروضة على البلاد. مع أن عدداً غفيراً من العراقيين ، لم يكن يرفض بالضرورة استمرار العلاقات الروحية- الدينية مع السلطنة العثمانية. على الرغم من أنه كان يعلم بأنها قد فقدت مضمونها الديني، وتراجعت علاقتها الروحية مع الناس؛ بسبب سياسات الاضطهاد والقهر والحرمان التي مارستها والتي تعرض العراقيون من جرائها إلى أشد المحن، وأقسى ألوان العذاب - سواء أكانوا من أبناء المدن أم من سكان الريف والبادية - .
 وقد حصلت الكثير من الحركات والهبّات والتمردات التي قام بها سكان الريف والبدو المستقرين إلى حدّ ما لمواجهة ظلم الولاة الأتراك وقسوة الجندرمة وجباة الضرائب والأتاوات. ولم تكن المدن بمنأى عن اضطهاد الحكام العثمانيين. وقد شهدت بغداد بشكل خاص , - ومعها المدن الأخرى -  الكثير من الحركات السياسية المناهضة لإجراءات السلطنة العثمانية التعسفية. كانت الاستفزازات العثمانية، تثير الناس في المدينة وفي الريف، وتدفع بهم لمقاومة الاحتلال العثماني. كتب السيد (قاسم عبد الهادي) - في رسالة الماجستير، التي نال عليها درجة جيد جداً - عن الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى واحتلال العراق من قبل القوات البريطانية بصواب ما يلي:
"أعـلن دباغو الأعظمية، الذين كان لهم الثقل العددي في المنطقة، وحاولوا الاعتصام بعد أن اجتمعوا في إحدى القاعات، منذ أوائل شهر محرم الموافق تشرين الثاني عام 1912  وقرروا الامتناع عن العمل، إلى أن يتم رفع أجورهم، و فاوضهم رئيس صنف الدباغين الشيخ (الجلبي) وأقنعهم بالعودة إلى أعمالهم، وهو رد فعل مباشر إزاء حالات التعسف التي وقع تحت نيرها العمال واضربوا للمرة ثانية في أوائل كانون الأول عام 1913 ، وكان يقودهم هذه المرة (عبد الهادي الأعظمي) أحد مثقفي المنطقة، وفعلا تركوا أعمالهم هذه المرة وطالبوا برفع أجورهم بمقدار 25% فاضطرت الحكومة إلى تحقيق رغباتهم فعادوا إلى العمل. ويعد هذا إنجازا للمضربين في الضغط على الحكومة في نيل حقوقهم منها" . ثم يشير في مكان آخر إلى "الأوضاع السياسية والاجتماعية لبغداد قبيل الاحتلال البريطاني لها"  قائلاً:
" لقد خلق الوجود العثماني الطويل الأمد في العراق مشاكل اجتماعية واقتصادية كثيرة ، أدت إلى تدهور الواقع الحياتي ، فقد كانت الضرائب الكبيرة التي تجنيها القوات العثمانية بسبب أو بآخر ، فضلا عن الفساد الإداري والمالي الذي عاشه العراق بسبب هذا الوجود ، فكان ضباط التجنيد يبيعون قرارات الإعفاء من الخدمة الإلزامية لقاء مبالغ مالية كبيرة ، وكانت السلطات العثمانية تقوم ، بمصادرة موجودات الأهالي كحلي النساء والنقود الذهبية ومنحهم أوراق مالية (النوط) بدلا عنها ، فضلا عن مصادرة البضائع التجارية كالأقمشة الحريرية وغيرها، وأصدرت المحكمـة العسكرية العثمانية غرامات وعقوبات شديدة بحق كل من يرفض القبول بالأوراق المالية. ما جعل الأهالي يرفضون مساعدة ومسانـدة الجـيش العثماني في فـرض سيـطرته عـلى الأحـداث والثورات التـي تهـدد الوجـود العثماني" .
منذ بداية الحرب العالمية الأولى، وجدت بعض القوى العربية والكُردية وغيرها نفسها أمام أحد أمرين : إما أن تكون مع الدولة العثمانية وتبقى تعاني من جورها وتخلفها، ومما يرتبط بذلك من معاناة وعذاب وشدة، وإما أن تكون مع بريطانيا وبقية الحلفاء؛ لتحصل على الحرية والاستقلال والتقدم والوحدة، في ضوء الوعود التي أعطتها الحكومتان البريطانية والفرنسية لقادة العرب والكُرد في آن واحد. وقد أدى ذلك إلى انقسام الناس في العراق إلى جبهتين :
•   الجبهة الأولى: أيدت الوقوف إلى جانب الدولة العثمانية المسلمة، ودعم قواتها في العراق ضد القوات البريطانية، وأيدت مقاومة احتلال البريطانيين للعراق على اعتبار أنه احتلال أجنبي، مستعمر، كافر في آن واحد؛  تجب محاربته لدواع وطنية ودينية. لذلك خاضت جماعات غفيرة في المعارك جنباً إلى جنب مع الأتراك في البصرة ضد القوات البريطانية. ولم يكن العرب من الوسط والجنوب وحدهم  يشاركون في معارك البصرة، بل كان المتطوعون الكُرد يشاركون أيضاً في معارك الجهاد ضد الإنكليز. فصاحب كتاب "الداوودية.. ماضيها وحاضرها" يذكر على سبيل المثال لا الحصر: كيف تطوعت مجموعات من الكُرد للجهاد ضد الإنكليز، وكيف غادرت إلى البصرة للمشاركة في القتال مع العرب والأتراك . واستشهد في هذه المعارك عدد من شيوخ العشائر الكُردية، ومنهم: "نامق آغا؛ رئيس عشائر الداوودية ،وشيخ قادر؛ رئيس عشائر البادوا، وشيخ لطيف؛ رئيس عشائر الطالبانية، وميرة سور؛ رئيس عشيرة البرزنجة وأفراد آخرون من فرسانهم" . ويشير الدكتور عبد الله الفياض إلى مشاركة الكُرد في النشاط الجهادي ضد القوات البريطانية فيقول: "وقد أسفرت الدعوة للجهاد عن تجمع عدد من أهالي المدن والعشائر يتراوح بين 10 - 15 ألف مقاتل بينهم 1500 مجاهد من الكُرد" .
كما لعبت بغداد دوراً ملموساً، في التعبئة إلى جانب الدولة العثمانية من منطلق ديني واضح.  معلنة ارتباطها بدعوة شيخ الإسلام (خيري أفندي) مفتي الدولة العثمانية، لما أصدر في 7 تشرين الثاني عام 1914 فتوى ذكر فيها الجهاد فريضة عينية على جميع المسلمين، الذين يعيشون في الدولة العثمانية أو في خارجها. وأعلنت كذلك ارتباطها بدعوة الخليفة العثماني إلى الجهاد،  الذي استطاع أن يكسب تأييد العراقيين له عن طريق إعلان الجهاد المقدس. وقد رأى علماء النجف وكربلاء وبغداد والكاظمية، أن تعضيد الدولة العثمانية لابد منه؛ فأفتوا بالجهاد في سبيل الإسلام، ولاسيما عندما استغاث أهل البصرة بالعلماء، فأبرقوا لهم من مختلف الأطراف يطلبون منهم الجهاد والنفير العام، وقد ورد في إحدى البرقيات التي أرسلها رؤساء البصرة إلى الكاظمية وزعمائها جاء فيها :((ثغر البصرة، الكفار محيطون به، الجميع تحت السلاح نخشى على باقي بلاد الإسلام ، ساعدونا بأمر العشائر بالدفاع..))" . كما اصطفت للجهاد إلى جانب الترك مجموعة من الشخصيات الدينية والثقافية العراقية حينذاك. منهم عبد الرحمن الكيلاني، وجميل صدقي الزهاوي، ومعروف الرصافي، والحاج داود أبو التمن، ومحمد فاضل الداغستاني، وشوكت باشا، والشيخ حميد الكيلدار، والسيد محمد الصدر، ومحمد مهدي البصير، ورفعت الجادرجي، والشيخ أحمد الداوود، وسواهم من الشخصيات السياسية والاجتماعية.
•    الجبهة الثانية: - وهي الأكبر - ساندت القوات البريطانية بعد الوعود التي أعطيت للشريف (حسين) وللعراقيين في الحصول على الحرية والاستقلال. وكانت البهجة عظيمة لدى جماهير غفيرة من العراقيين؛ بانتصار البريطانيين على الأتراك. سيشير إليها الدكتور على الوردي.  ولكن الصورة ستتغير بعد فترة وجيزة من احتلال بريطانيا التام للعراق، ولن يتبقى للجماهير من خيار سوى خيار المواجهة مع بريطانيا، التي حلّت محل الدولة العثمانية في استعمار البلاد. وقد أيقظ الموقف المعادي للقوات البريطانية، ووعودها الباطلة وعياً - وإن لم يكن ناضجاً - بطبيعة الاستعمار الحديث وأهدافه، وبالنتائج التي ستترتب من جراء ذلك الاحتلال. كان هذا الوعي مزيجاً متشابكاً يصعب تفكيكه، أو التركيز على جانب منه دون الجوانب الأخرى. كان مزيجاً من الوعي القومي، والوطني، والديني، والسياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والنفسي. وكان يحمل في طياته أصداء تجارب العراق المريرة تحت السيطرة والاحتلال، وذكرى الاجتياحات الكثيرة التي تعرض لها في فترات مختلفة من تاريخه القديم والحديث. ولا ننسى أن شيوخ الدين، كانوا يبذلون جهوداً كبيرة للتركيز في دعايتهم على الجانب الديني، وعلى تكفير البريطانيين والدولة البريطانية؛ على اعتبار أنّ سكان بريطانيا كانوا في غالبيتهم من أتباع الديانة المسيحية. فكان لدعايتهم البدائية نتائج سيئة، خالفت مبدأ الاعتراف بالآخر من النواحي الدينية والمذهبية، وخالفت مبدأ التسامح الديني المتبادل بين المسلمين، وأتباع الديانة المسيحية، بإظهار عدائها بشكل سافر للدين المسيحي - مع أن أتباع الديانة المسيحية هم مواطنات ومواطنون عراقيون مسيحيون، و ليسوا بكفرة؛ بل أصحاب كتاب يعترف الإسلام بدينهم ويجله - في بلد كالعراق مكون من قوميات وأديان متنوعة متعددة، تعيش بوئام جنباً إلى جنب فوق أرض مشتركة
إن دراسة وقائع تلك الفترة، وإخضاعها لمنهج التحليل الموضوعي، ستساعد الباحث على اكتشاف مجموعات من العوامل، التي كانت وراء انفجارها، والتي يمكن توزيعها في مجموعتين منفردتين على حدا، تليهما أربع مجموعات أخرى متتالية. ويمكن تسميتها بالعوامل الداخلية والخارجية حيناً، وبالعوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والنفسية حيناً آخر.  





أولاً:  العوامل الداخلية

العوامل السياسية
                
تشير الدراسات التي تناولت هذه الفترة من تاريخ العراق المعاصر - وكذا المضابط والبيانات التي صدرت حينذاك، والصحف التي عالجت مهمات الثورة - إلى أن الهدف المركزي لثورة العشرين، تمثل في تطلع العراقيين إلى الاستقلال والحرية، وإلى التخلص من السيطرة الأجنبية البريطانية؛ أي في النضال من أجل إقامة الدولة العراقية المستقلة.  وهي مفاهيم حديثة - بطبيعة الحال - لم تكن مألوفة في حياة العراقيين قبل ذلك التاريخ. فجلُّ ما كان يطرحه العاملون في الحقل السياسي حتى ذلك الوقت، كان مقتصراً على الحصول على الحكم اللامركزي في إطار الدولة العثمانية. ومن الملفت للنظر في هذا النضال؛ مساهمة مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية الريفية فيه؛ إذ كان الريف في ذلك الحين، يضم السواد الأعظم من سكان العراق؛ حيث المعاناة اليومية من الضغوط والاستبداد والجهل والمرض والفقر. وهي معاناة كانت منتشرة بين سكان كثير من المدن العراقية أيضاً، وبين البدو من بعض القبائل والعشائر المتنقلة، أو شبه المستقرة. وإذا كانت المدن العراقية، تشهد قبل ذاك صراعات بين الريف والمدينة من جهة، وبين البادية والمدينة من جهة ثانية -  كانت المدن تتعرض إلى اجتياحات القبائل المستمرة - فإنها ولأول مرة تعيش في جوّ من التعاون والتنسيق لصالح فكرة الخلاص من الهيمنة البريطانية . وقد برز لأول مرة في تاريخ العراق، دورُ شيوخ الدين المتميز في النشاط الجهادي. كما في معارك البصرة، ومعارك التعبئة لثورة العشرين. وتجلت أهمية شيوخ الدين في قدرتهم على التأثير على شيوخ العشائر وأفرادها، وفي تمكنهم من توحيد كلمتهم وجمع شملهم حول مطالب معينة، يتوجهون بها إلى سلطات الاحتلال البريطانية ولو في حدود نسبية. وهي ظاهرة ذات جانبين، أولهما: ارتباطها بطبيعة القضايا، التي تسعى المؤسسات الدينية لتحقيقها. وثانيهما: تعبيرها عن تبعية غالبية سكان الريف لشيوخ العشائر المتحالفين مع المؤسسات الدينية وشيوخ الدين؛ تبعيةً لم تكن بالضرورة سائرة باتجاهات إيجابية في جميع الأحوال، أو يمكن أنها لم تكن إلا تعبيراً عن غياب التنوير الديني والاجتماعي. وبرزت هذه الظاهرة بظهور دور المؤسسات الدينية في إيران في طرحها لمشروع المشروطية؛ (الحركة الدستورية) في بداية القرن العشرين وسعيها لتعبئة الناس من حولها.  وإذا كانت الأوساط الدينية الوطنية، وشيوخ العشائر، وبعض ملاكي الأراضي الزراعية، وبعض الشخصيات الاجتماعية والمثقفة؛ أو الأفندية من أبناء الفئات الميسورة والبرجوازية الصغيرة، قد لعبت دوراً متميزاً وقيادياً فيها، كلٌّ منها بحسب طبيعة منطقتها التي دارت فيها رحى الثورة؛ فإن جموع الفلاحين الواسعة، وأبناء العشائر، وكادحي المدن المشاركة في الثورة، شكّلت جيشها الأساس، ووقودها المحرك. والجدير بالإشارة أن غالبية أبناء الفئات المتوسطة، التي شاركت في الثورة، أو قدمت الدعم المالي والسياسي لها، كانت تنحدر من أصل ريفي، أو من الأسر الميسورة وأشراف المدن. ولكنها كانت في الوقت نفسه من ملاكي الأراضي الزراعية والعقارات. ومن هنا برزت تلك العلاقات المتشابكة بين الفئات المدينية المتوسطة (أو بدايات تكون البرجوازية العراقية الجديدة) وكبار ملاكي الأراضي الزراعية مرتبطة بعلاقات اقتصادية وروحية قوية مع شيوخ الدين الشيعة خاصة. وكانت بغداد العاصمة النموذج المتميز في المشاركة، ولاسيما من جانب المثقفين وشيوخ الدين .
وقد تجلت نشاطات هذه القوى الاجتماعية السياسية، في فعاليات الأحزاب والجمعيات السياسية، التي تشكلت في العقد الثاني من القرن العشرين، وهي: حزب العهد العراقي، الذي انشطر عن جمعية العهد التي تشكلت في عام 1913 بمبادرة من القائد العسكري والسياسي (عزيز المصري) في ظل الحكم العثماني، وجمعية حرس الاستقلال، والجمعية الوطنية الإسلامية ذات الطابع المحلي. وعمدت هذه الأحزاب إلى شرح الأهداف السياسية للفئات الاجتماعية المختلفة، ثم طرحتها في شعارات محددة بغية تعبئة الناس وتحريك الشارع في سبيل انتزاع الاستقلال. رغم وجود بعض التمايز بين طبيعة حزب العهد العراقي وجمعية حرس الاستقلال الناشئ عن الاختلاف النسبي في التمثيل الاجتماعي لمصالح الفئات الاجتماعية المختلفة.  
أكد حزب العهد العراقي في منهاجه السياسي، على العمل من أجل تحقيق: "استقلال العراق استقلالاً تاماً ضمن الوحدة العربية وداخل حدوده الطبيعية... "  . في حين شددّت جمعية حرس الاستقلال على ما يلي: "تسعى الجمعية المذكورة وراء استقلال البلاد العراقية استقلالاً مطلقا." ولكن الجمعية ركزت من جديد على مسألتين مهمتين في هذا الإطار، وهما: الوحدة الوطنية لكل العراقيين أولاً، ثم تأمين العلاقة العضوية بين نضال العراق وبقية الأقطار العربية من أجل الوحدة العربية ثانياً. ولم تشذ الجمعية الوطنية الإسلامية عن هذا النهج السياسي؛ بل رفعت شعار استقلال العراق ومقاومة الاحتلال الأجنبي.
وبدلاً من الاستجابة لمطالب العراق، ومراعاة مشاعر الشعب، ورغبته في الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية؛ أصدرت عصبة الأمم قراراً مجحفاً أثناء انعقاد مؤتمر سان ريمو بتاريخ 25 نيسان/إبريل 1920؛ وضع بموجبه العراق تحت الانتداب البريطاني. وكان هذا القرار بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، وفجرت الثورة في حزيران / يونيو من نفس العام. وقد جاء قرار المؤتمر هذا على ضوء ثلاث حقائق أساسية هي:
1.   كانت عصبة الأمم، تمثل من حيث المبدأ مجموعة الدول التي انتصرت في الحرب العالمية الأولى، والتي سعت إلى تقسيم مناطق النفوذ فيما بينها؛ فكان لها بالتالي تأثير مباشر على قرارات عصبة الأمم، والمؤتمرات التي كانت تعقدها. ولاسيما بريطانيا التي كانت تعتبر الدولة الاستعمارية الأكثر قدرة وتأثيراً في الأحداث؛ والأكثر نفوذاً في عصبة الأمم حينذاك.
2.   كانت المساومات فيما بين الدول الكبرى حينذاك، وبخاصة تلك التي دارت بشأن النفط الخام العراقي، قد سمحت لبريطانيا أن تمرر مشروع الانتداب على العراق من دون أن يلقى اعتراضاً من جانب الولايات المتحدة الأمريكية؛ وهي التي وافقت على توزيع أسلاب الدولة العثمانية، على الرغم من صدور إعلان المبادئ، أو شروط الرئيس الأمريكي في أعقاب الحرب العالمية الأولى؛ القاضي بمنح الشعوب التي كانت تحت الاحتلال، حق تقرير المصير. وتمكنت بريطانيا من خلال تلك المساومات إلى إرضاء فرنسا؛ فأصبحت سوريا ولبنان - وكانتا قبل ذاك مع فلسطين، جزءاً من ولاية الشام الخاضعة للدولة العثمانية - من نصيب فرنسا. أما العراق وفلسطين فأصبحا من نصيب بريطانيا.
3.   ولا شك في أن سلطات الاحتلال البريطانية، لم تكن تعتقد بقدرة العراقيين على خوض النضال ضد القوات البريطانية المنتصرة والمعسكرة في العراق. ولم تكن تتوقع نشوب ثورات ضدها أصلاً؛ لأنّ قوى عراقية كثيرة كانت تقف إلى جانب بريطانيا، وتؤيد سياستها في العراق، وعلى رأسها نقيب أشراف بغداد عبد الرحمن الگيلاني. كما أن الاستقبال الحار الذي استقبلت به القوات البريطانية في البصرة، أعطى المسؤولين البريطانيين الانطباع وكأن العراقيين لا يرفضون الانتداب. علماً بأن المس بيل - وكانت المساعدة المباشرة للمندوب السامي البريطاني في العراق السير برسي كوكس - كانت تتوقع حدوث مشكلات كبيرة لبريطانيا في العراق. إن هي رفضت الاستجابة لتطلعات العراقيين في إقامة الدولة العراقية المستقلة.  
لقد جاء قرار عصبة الأمم بشأن العراق حاسماً وجائراً. ورد في لائحة الانتداب ما يلي:
"بناء على نص المادة "132" من معاهدة الصلح، الموقع عليها في سيفر في اليوم العاشر من شهر أغسطس 1920 , التي بموجبها قد تنازلت تركية عن كل حقوقها وتملكها في العراق إلى الدول المتحالفة الرئيسية؛ وبناء على المادة 94 من تلك المعاهدة، التي بموجبها قررت هذه الدول الكبرى، وفقا للفقرة الرابعة من المادة 22 من الفصل الأول "عهد جمعية الأمم" بأن تعترف بالعراق دولة مستقلة، يشترط عليها قبول المشورة الإدارية والمساعد من قبل منتدب؛ إلى أن تصبح قادرة على القيام بنفسها وحدها، وأن تحديد تخوم العراق - سوى ما هو مقرر في المعاهدة المذكورة - واختيار المنتدب، تتفق عليه الدول الرئيسية المتحالفة. وبما أن الدول  المتحالفة الرئيسية قد اختارت صاحب الجلالة البريطانية منتدباً من قبلها على العراق , …." .
وأوردت لائحة الانتداب شروط الانتداب، وحقوق بريطانيا على العراق، التي كانت بمثابة فرضٍ لهيمنة عسكرية وسياسية واقتصادية ومالية غير محدودة، وغير محددة بوقت معين. وقد جوبه هذا القرار، بالرفض الكامل من جانب المجتمع العراقي، في حين وافقت عليه بعض القوى – حين لم تجد في واقع الحال مخرجاً أو حلاً آخر لها - إذ كان عليها بحسب اعتقادها، أن تذعن للواقع الموضوعي القائم، إلى أن يقيض لها أن تعمل على التخلص التدريجي من تلك الهيمنة. ومن بين هؤلاء كان (فيصل بن الحسين) وكذلك العديد من الضباط العراقيين، الذين ساندوا (الحسين بن علي) شريف مكة في تحالفه مع بريطانيا في الحرب.    
إن حركة الاستقلال الوطني، التي انتعشت في تلك الفترة، انعكست بوضوح في البيانات والمضابط، التي رفعها رجالات الثورة، وفي الفتاوى التي أصدرها شيوخ الدين؛ تلك الرافضة للانتداب والاحتلال. جاء في المذكرة التي رفعها رجال الثورة إلى الحاكم السياسي البريطاني في النجف في 8/6/1920 ما يلي:
"لما طال انتظار الأمة العراقية لتحقيق وعود الحلفاء الرسمية , ولا سيما الحكومة المعظمة البريطانية , وتنفيذ وعودهم الدولية المقطوعة باستقلال البلاد التام , رأت أن السكوت عن المطالبة بحقوقها الصريحة لا يجوز لها بوجه من الوجوه , ولا يحسن بالأمة التي عرفت من نفسها الكفاءة على تسلم أزمّة البلاد , وإدارة شؤونها السياسية والاقتصادية , أن تغض النظر عن المجاهرة بمقاصدها الغالبة ورغائبها السامية... فقررنا... أن نطالب الحكومة المحتلة باستقلالنا التام , المؤيد في بياناتها الدولية , وأن تنفذ بسرعة المطاليب الآتية:
أولا- إننا نطالب أن يؤلف الشعب باختياره , مؤتمرا عراقيا قانونيا , يجتمع أعضاؤه في عاصمة البلاد بغداد , ومهمته تأليف حكومة عربية , مستقلة كل الاستقلال , عارية عن كل تدخل أجنبي , يرأسها ملك مسلم.
ثانيا- نطلب رفع الحواجز عن ارتباط الشعب العراقي , وتفاهمه مع الشعوب الأخرى , بحرية المواصلات , وكافة المنشورات والمطبوعات.
ثالثا- نطلب تمكين الأمة عن عقد مجتمعاتها وإقامة منتدياتها في سائر مناطق العراق" .
ويمكن أن يتلمس القارئ بوضوح، أن المسؤولين عن صياغة هذه المذكرة، كانوا يدركون تماماً العلاقة الوطيدة القائمة بين التحرر من السيطرة الاستعمارية وبين الحصول على الحرية والديمقراطية والصحافة الحرة. فضلاً عن  أهمية إقامة علاقات مفتوحة ومستمرة مع الأقطار المجاورة؛ لتسهيل وصول الصحافة والثقافة للسكان، وكذلك لتسهيل طلاعهم على ما كان يجري في تلك البلدان، ولنشر المعلومات عن العراق في تلك الصحافة. وبخاصة في الوقت الذي بدأت فيه الإدارة البريطانية  بانتهاك الحقوق والحريات، والتضييق على الناس، وعلى الصحافة، وعلى دخول صحف الأقطار العربية والمجاورة إلى العراق. كتب الأستاذ محمد مهدي البصير حول موضوع الحريات ما يلي: إن من "أهم الأغلاط التي أثارت سخط الشعب على الحكومة ووقعت في نفوس المفكرين من أبنائه أسوأ وقع … خنق الحرية الفكرية ، ومنع إصدار أي جريدة سياسية غير الجرائد الرسمية…. وقد أدت مصادرة حرية الصحف في البلاد؛ إلى رغبة لا حد لها في قراءة الجرائد السورية الحرة وصحف مصر" .    
أما الزعيم الديني المعروف حجة الإسلام والمسلمين (محمد تقي الحائري الشيرازي) أحد زعماء الثورة وقادتها البارزين، فقد أصدر نداءً؛ اعتُبر بمثابة فتوى دينية وقرار سياسي موجه إلى أبناء الشعب العراقي، يدعوه فيه إلى النضال، وتأييد المقاومة المتصاعدة ضد المحتلين الأجانب ورد فيه ما يلي:
"أما بعد فإن إخوانكم في بغداد , والكاظمية , والنجف , وكربلاء , وغيرها من أنحاء العراق , فقد اتفقوا فيما بينهم على الاجتماع , والقيام بمظاهرات سلمية , وقد قامت جماعة كبيرة بتلك المظاهرات , مع المحافظة على الأمن , طالبين حقوقهم المشروعة المنتجة لاستقلال العراق إن شاء الله بحكومة إسلامية , ...فالواجب عليكم , بل على جميع المسلمين , الاتفاق مع إخوانكم في هذا المبدأ الشريف. وإياكم والإخلال بالأمن , والتخالف والتشاجر بعضكم مع بعض , فإن ذلك مضر بمقاصدكم , ومضيع لحقوقكم التي صار الآن أوان حصولها بأيديكم , وأوصيكم بالمحافظة على جميع الملل , والنحل التي في بلادكم , في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم , ولا تنالوا أحدا منهم بسوء أبدا" . ثم أعقب ذلك بفتوى صريحة ذات أهمية فائقة في مجرى تطور أحداث الثورة واستخدام السلاح ضد المحتلين حيث جاء فيها ما يلي:
"مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين , ويجب عليهم في ضمن مطالباتهم , رعاية السلم والأمن , ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا أمتنع الإنكليز من قبول مطالبهم" .
وكما يلاحظ، فإن هذه الفتوى كانت صريحة في مقاصدها، واضحة في تأكيدها على عدد من النقاط المهمة، التي كانت تعتبر يومئذ حقاً ثابتاً من حقوق الشعوب، وهي كذلك ما تزال تعتبر حقاً ثابتا إلى وقتنا الحاضر، ومنها: حق الشعب العراقي في النضال؛ من أجل انتزاع حقه في الاستقلال والسيادة الوطنية، وحقه في ممارسة جميع أساليب النضال لتحقيق هذا الهدف، إذا ما وجد أن المستعمر يرفض الاستجابة لهذا الحق المشروع. وأن تحقيق هذه الأهداف يتطلب وحدة وطنية صلدة، بعيدة عن التفرقة القومية والدينية والطائفية، أو بعيدة عن الاختلافات الفكرية والسياسية، وبعيدة عن المساس بالناس أو بمصالحهم بسبب الاختلاف في القومية أو الدين أو الطائفة أو غيرها. ومما يجدر ذكره هنا: أن الإمام (محمد تقي الحائري الشيرازي) كان واحداً ممن تسلحوا بوعي سياسي، وحس وطني سليم؛ استطاع أن يجنِّب الثورة والثوار المزالق المحتملة، والصراعات الداخلية غير المبررة. وتبين الفتوى آنفة الذكر بأن شيخ الدين، كان يدعو إلى قيام حكومة إسلامية منذ البداية، وكان يريد أن يطبع الدولة العراقية بطابع الدين الإسلامي. بالرغم من أنّ العراق كان متعدد الأديان والمذاهب. أما السيد (محمد كاظم اليزدي) فكان له موقف مخالف له. إذ حصر مهمة شيوخ الدين بالوظائف الدينية والاجتماعية. ولم يكن مخطئاً في هذا، بل كان على صواب تام في معالجة هذه المسألة. وكان من الناحية العملية قد اتخذ موقفاً يتفق بهذا القدر أو ذاك مع موقف النقيب عبد الرحمن الگيلاني .  
ورغم بُعد العراق عن الساحة السياسية الأوروبية، وعن الحركات الفكرية الدائرة في أوروبا - بسبب الهيمنة العثمانية القاسية التي حجرت عليه الفكرَ والمعلومات والاتصالات الخارجية - فإن الفئات المثقفة والواعية من الشعب العراقي، قد استقبلت بعض الأفكار البرجوازية الديمقراطية الحديثة القادمة من فرنسا عبر الثوار السوريين . إذ كانت أفكار الثورة الفرنسية وشعاراتها الأساسية “ الحرية والإخاء والمساواة" واسعة الانتشار نسبياً في ولايتي مصر والشام. وكان إطلاع جماعات من العراقيين عليها، يتم عبر المجلات والصحف وبعض الكتب - على قلتها - سواء أكانت تأليفاً أم ترجمة. أو عبر الاحتكاك المباشر.  لقد وجدت تلك الأفكار طريقها إلى المثقفين والأفندية العراقيين على قلتهم، فألهب الحماس فيهم، وحركهم ضد المستعمرين وعمق من وعيهم. وكان أغلب المثقفين العراقيين من حملة هذا الفكر التحرري، ينحدرون من عائلات ميسورة، ومن صفوف الضباط الذين درسوا في الأستانة، ومن أبناء الفئات المتوسطة حديثة التكوين، وأشراف المدن، ومن قلة من أبناء البرجوازية الصغيرة. وكانت هذه الأفكار تحمل مضامين تقدمية معادية للاحتلال والاضطهاد وكانت ضد علاقات الإنتاج شبه الإقطاعية، التي كانت تترسخ يوماً بعد آخر، منذ استكمال احتلال العراق من جانب القوات البريطانية. وإلى جانب هذا الاتجاه الفكري، برزت بعض الأفكار التي كانت تدعو للعدالة الاجتماعية، ومن جملتها بعض الأفكار الثورية والاشتراكية، التي وجدت لها صدى طيباً انتشر بين الناس، ولكنْ في محيط ضيق. وكان حملة هذا الفكر آنذاك، مجموعة صغيرة من المثقفين من أبناء الفئات المتوسطة والبرجوازية الصغيرة، الذين استلهموا فكرهم من ثلاثة مواقع أساسية هي: التراث الحضاري المنقطع النظير للشعب العراقي، بما حوى من نزعات مادية وعقلانية، تمثلت في حياة ونشاط الحركات الفكرية في الإسلام، وظهرت لدى جمهرة من المسلمين الأتقياء وغيرهم من سكان العراق على مدى القرون الماضية. وهي أجلى ما تكون في بعض ممارسات وأقوال (عمر بن الخطاب) و(علي بن أبي طالب) ونشاطات (أبي ذر الغفاري) و(الحلاج). كما نرى آثارها في ثورة الزنج، وفي حركة القرامطة بوجه خاص...الخ. هذا أولاً.  ثانياً: الفكر الاشتراكي المعاصر، الذي انتشر في أوروبا في تلك الفترة، فحرك الملايين من الشغيلة؛ لمواجهة الاستغلال الرأسمالي، وقد ارتبط باسم ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا، وبالثورة الألمانية.
 والموقع الثالث الذي استلهموا منه أفكارهم هو: الواقع المزري الذي كانت أوساط واسعة من سكان العراق تعيش فيه؛ حيث كانت مظاهر البؤس والفاقة والحرمان والتخلف الاجتماعي، تضرب أطنابها في كل البلاد. حيث التثقيف الديني في فترة الحكم العثماني، يؤكد أن الفقر والغنى، الشبع والجوع هما من حكم الله، ولا مرد لحكمه! وأن المحروم في دنياه سعيد في آخرته. ولم تكن هذه التربية الدينية، سوى التجسيد الحي لفعل شيوخ الدين، الذين  يعمدون – بقصد أو غير قصد - إلى تخدير يقظة ووعي الشعوب، وهي عملية مطابقة لما أكده كارل ماركس حين قال: "إن الدين أفيون الشعوب" أي أن الدين يُستخدم كأفيون من المستغِلين وأتباعهم؛ لتخدير عقول الناس؛ كي ينسوا أوضاعهم الاقتصادية، والاجتماعية المزرية.  
كانت منافذ وصول الفكر الاشتراكي المعاصر متعددة: فمن مصر كانت تصل المجلات والكتب التي - على قلتها -  كانت تثير وتحرك عقول القراء، وتطرح عليهم أسئلة كثيرة. وكانت هذه المطبوعات تطرح الفكر الاشتراكي بوجه عام وتمتدحه. أو قد تنتقده أحياناً. وكانت أفكار سلامة موسى وشبلي شميل - مثلاً - غير بعيدة ولا غريبة عن قراء العربية المثقفين. كما كانت هذه الأفكار تصل من إيران، أو تأتي عبرها حاملة صدى الحركات الثورية في روسيا، التي كان لها تأثير منذ فترة مبكرة من القرن العشرين - أو ربما منذ نهاية القرن التاسع عشر - على مفكري إيران، الذين  سينقلون بدورهم تأثيره الملموس إلى عدد من المثقفين في العراق. وكان لسفر وعودة العراقيين القادرين على السفر إلى أوروبا، وإلى بعض البلدان العربية، واحتكاكهم المباشر بالحركات العمالية والفكرية والسياسية هناك أثره المادي المحسوس على فكر هؤلاء الرواد؛ الذين سيدخلون العراق حاملين تلك الأفكار والتجارب لنشرها بين أوساط المثقفين.  وفي هذا المجال، يرد اسم (حسين الرحال) الذي قضى فترة من الزمن في ألمانيا، وعاشر أحداث ثورة 1918 التي قادتها منظمة سبارتاكوس الشيوعية، وهي الثورة التي راح ضحيتها القائدان الشيوعيان كارل ليبكنخت، وروزا لوكسمبورغ، اللذان اغتالتهما الشرطة الألمانية إثر فشل الثورة.
ولا ينبغي في كل الأحوال، أن يتمَّ هنا تصويرُ هذا الدور، الذي ساهم في يقظة الوعي السياسي والفكري للعراقيين - رغم أهميته - تصويراً مبالغاً فيه؛ لأنَّ طبيعة الأوضاع الفكرية والاجتماعية المتخلفة المعقدة آنذاك، وضعف العلاقات مع الخارج، وصعوبة الحصول على الأخبار والمعلومات من الدول الأخرى؛ ما كانت تسمح بأن يتسع تأثير هذا الدور في أهل العراق، إلا في حدود ضيقة.
وقبل الانتهاء من هذه الفقرة، لا بد من الإشارة إلى عامل مهم من عوامل تحريك وتوعية المجتمع حينذاك ألا وهو: عامل الصحافة السياسية الوطنية، التي كانت تُعدُّ مرآة عاكسة لواقع المجتمع، وللمشكلات السياسية التي يواجهها، وللحالة النضالية التي كان عليها.  كانت الصحافة قبل الثورة، تمارس دوراً يندد بالهيمنة الاستعمارية البريطانية الجديدة، ويفضح غاياتها وأغراضها، ويكشف الغطاء عن المشكلات التي بدأ المواطن العراقي يتعرض لها في ظل سلطة الاحتلال البريطانية. كما كانت الصحافة تلعب دوراً بارزاً في بلورة أهداف الحركة الوطنية ومهماتها، وتساهم في توسيع ميادين الثورات، وتأجيج الروح الحماسية في نفوس المناضلين. وقد وجدت في فترة الثورة جريدتان هما: "الفرات" و "الاستقلال" لم تستمرا في العمل والنشر طويلاً، إذ أنهما كانتا شوكة حقيقية في عيون المستعمرين وأعوانهم، وأداة ثورية فعلية بيد المناضلين الثوار . وكانت منبراً لبعض قادة الثورة، الذين قاموا بالتحرير فيها، فسلطوا الضوء على المشكلات، التي كانت تواجه المجتمع، فاضحين نوايا البريطانيين السياسية والاقتصادية في العراق، ويعمقون الفجوة التي كانت تفصل حقيقةً بين الادعاء بتحرير العراق من الهيمنة العثمانية، وبين واقع سقوط العراق تحت احتلال استعماري جديد بريطاني الجنسية والهوية.
ولو أن بريطانيا - كما يخيل لي - مارست سياسات أخرى، غير السياسة التي مارستها في الواقع؛ لأمكنها التأثير الإيجابي في المجتمع، وإخراجه من ظلمات العهد العثماني إلى نور الحضارة الغربية الحديثة، ولأمكنها أن تساهم بدور فعال في تنشيط التنوير الديني والاجتماعي، الذي تعطل في مصر أيضاً بفعل تلك العوامل التي عاشها العراق. إذ كانت سياسة وزارة المستعمرات البريطانية قاسية جداً، ومحافظة جداً على مبدأ تحقيق الأهداف الاستعمارية، ولهذا لم يستطع الفكر الديمقراطي البريطاني الولوج في حياة العراق، ونفوس العراقيات والعراقيين بالصورة التي تساعد على التفاعل والتفاهم ومنح الناس حقوقهم المشروعة؛ التي تعطلت لفترة غير قصيرة. لقد كانت وزارة المستعمرات البريطانية، تريد تحقيق نجاحات اقتصادية سريعة على حساب شعوب المستعمرات، وتريد أن تنقل هذه النجاحات على أكتاف الشعوب ومنها الشعب العراقي. وكان لهذا الفعل تأثيره السلبي المباشر على حياة وسلوك الناس، استشعروه رغم التخلف الفكري والحضاري، الذي ساد المجتمع العراقي. وهو تخلف انطبعت آثاره على المؤسسة الدينية أيضاً. ولكن هذه المؤسسة، حين تتهم القوات البريطانية بالكفر - ربما بدافع الخوف من اتهام المثقفين لها بالوقوف إلى جانب المستعمر البريطاني - ستلعب دوراً مفيداً في إضعاف الاستفادة من الوجود البريطاني في العراق، وستسهم في دفع المجتمع العراقي بقوة إلى الأمام في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي مجال التنوير الديني.
إن تجربة الاحتلال البريطاني للعراق وعواقبها وتداعياتها، يمكن لها أن تقدم درساً حياً للمجتمع العراقي في المرحلة الراهنة، التي تشهد واقع وجود قوات احتلال أمريكية وبريطانية ودولية أخرى في العراق.    

ب. العوامل الاقتصادية
 

لم تكن العوامل السياسية سوى الوجه الثاني للعملة. أما وجهها الأول، فتمثَّل بالعوامل الاقتصادية، التي كانت تقف وراء تطور النشاط السياسي، والعمليات المسلحة المناهضة لقوات الاحتلال البريطاني، التي بادرت إلى استخدام السلاح، لإخماد المقاومة. بدأ التحرك السياسي والعسكري ضد الإنكليز في النجف في عام 1918 وتجلى في ثورة السليمانية عام 1919 ثم في ثورة العشرين، التي اتسع نطاقها ليشمل مناطق واسعة من العراق، ولاسيما وسط وجنوب العراق. كما سيتسع في كل المدن التي كانت المؤسسة الدينية فيها ذات تأثير كبير على السكان مثل: بغداد، الكاظمية، كربلاء، النجف. مما يمكِّننا من تلمس العلاقة الجدلية بين المصالح الاقتصادية للمؤسسة الدينية وشيوخ الدين من جهة،  ومصالح الفئات الاجتماعية التي قادت العمليات العسكرية من شيوخ العشائر والفلاحين، الذين انغمسوا في الثورة فكانوا وقودها المحرك من جهة أخرى.
جلبت سنوات الحرب العالمية الأولى معها مشكلات اقتصادية جمة لسكان العراق. فإلى جانب المعارك الحربية، التي كانت تجري على الأرض العراقية، ومحاولات الدولة العثمانية تجنيد العراقيين للقتال إلى جانبها في معاركها ضد الإنكليز، واستخدام الانكليز لأعداد غفيرة من المواطنين في أعمال السخرة في معسكراتهم، وفي شق الطرق ونقل السلاح، استخداماً سيلعب دوراً بارزاً في تقليص الإنتاج الزراعي؛ فإن سلطات الاحتلال البريطانية، وقوات الجيش العثماني ستمارسان في آن معاً، سياسة الاستيلاء على المحاصيل الزراعية - كشكل من أشكال استيفاء الضرائب لتغطية نفقات الحرب - من دون أن تتكفلا بدفع تعويض مالي لأصحاب المحاصيل، أو قد تدفعا تعويضاً مالياً لكنْ محدوداً قليلاً، لا يفي بحاجات أصحابها. والمعلومات المتوفرة تشير إلى واقع مرير تمرغ فيه سكان العراق. كتب الدكتور عبد الله النفيسي في هذا الصدد يقول: "كان إصرار الإدارة البريطانية على تحصيل الضرائب المفروضة على كل محصول زراعي، وعلى كل محصول بستان تحصيلاً كاملاً أمراً مكروهاً لدى الفقير والغني على السواء حتى أن القبائل , كقبيلة بني حچيم من لواء المنتق مثلاً , وجدت نفسها سنة 1919 مرغمة على دفع ضرائب فادحة وذلك لأول مرة في تاريخها. وكان تحصيل الواردات , في تلك السنة نفسها , في لواء المنتفق , أعلى تحصيل في الفترة الواقعة بين 1916 - 1928. وإليك ثبتاً بواردات المنتفق من سنة 1916 - 1918:
1916         52,464     جنيهاً.
1919         1,661,823     جنيهاً.
1922         -
1926       1,002,659     جنيهاً.
1928         1,277,233    جنيهاً.

ففي لواء المنتفق مثلاً , ارتفعت ضريبة الدخل على كل فرد من أقل من خمسة روبيات في سنة 1916 إلى خمس شلنات في سنة 1919 , وبعد اضطرابات سنة 1920 عادت وانخفضت ثانية سنة 1922 إلى شلن. … وكانت المبالغ المحصلة من لواء المنتفق والديوانية والشامية , وهي ثلاثة ألوية شيعية , في سنة 1920 تقدر بـ 5533100 شلن أو قرابة ربع مجموع الدخل من الألوية العراقية وعددها أربعة عشر لواءً (تقديرات الموازنة , 1920 - 1921 ص 4). وكانت المبالغ المخصصة في الألوية الثلاثة 1929440 شلناً (المصدر ذاته ص 5)" .  
كما أدّتِ العمليات العسكرية في مناطق مختلفة من العراق؛ إلى تدمير المزيد من قنوات الري والبزل، وإلى تخريب المزارع، وتلف المحاصيل الزراعية، وإلى إرغام أعداد كبيرة من الفلاحين على ترك الريف والهجرة إلى المدن. إذ أن أغلب العمليات العسكرية، تركزت في المناطق الزراعية من الفرات الأوسط وجنوب العراق. وقد لعب التجار الكبار، والوسطاء دورهم الطفيلي المعروف، في اغتنام فرصة الحرب؛ فاغتنوا اغتناء سريعاً على حساب الكادحين. واستفادت من هذه الأوضاع مجموعات قليلة من التجار والإقطاعيين وکبار الملاکين، التي تعاونت مع المحتلين الجدد، وساهمت بتشديد الاستغلال على الفلاحين. وإذا كانت إجراءات إقرار التشريعات العثمانية بخصوص الأرض الزراعية، التي تم اغتصاب مساحات واسعة منها من الفلاحين على مدى القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين وتسجيلها بأسماء الشيوخ وكبار موظفي الدولة وأشراف المدن وتجارها؛ قد أثارت سكان الريف، وفجرت ينابيع الغضب في نفوسهم على المحتلين، وشحذت منهم الهمم لمقاومة قوات الاحتلال. فإن سلطات الاحتلال البريطانية منذ سنة 1918 قد عمدت إلى ممارسة سياسة مماثلة لسياسة العثمانيين؛ أغضبت الفلاحين والكثير من الشيوخ الذين حرموا من الأرض ؛ بسبب مواقفهم الوطنية من سلطات الاحتلال في أثناء الحرب العالمية الأولى، أو في الأعوام التي تلتها. فنظموا العديد من المضابط، والتحركات المعادية للإنكليز في مناطق عديدة، وبخاصة في الفرات الأوسط والجنوب. وكان لهذه التحركات السياسية دورها في تعبئة الفلاحين، وأبناء المدن وإلى تعميق مضمون التناقضات الاجتماعية مع سلطات الاحتلال.
ورداً على تلك التحركات، قامت سلطات الاحتلال بإعداد وتنفيذ حملات عسكرية "تأديبية" شرسة ضد الفلاحين من أبناء العشائر. فكان منها التصدي لانتفاضة تلعفر وثورة السليمانية ودير الزور والنجف. ومنها قمع التحركات الأخرى في بغداد وغيرها من المدن، مما أجج الوضع العام بأكمله. ومع أنَّ العلاقات ما بين العشائر أو ما بين الشيوخ المستغِِلين والفلاحين المستغََلين لم تكن طبيعية. إذ كانت تشوبها التناقضات وضعف الثقة والصراعات. إلا أن شيوخ الدين والأحزاب السياسية ساهموا في تخفيف تلك التناقضات، وتمكنوا من السيطرة على الصراعات وزرع الثقة في النفوس من أجل مواجهة مشتركة ضد الاحتلال البريطاني. يشير الشيخ (محمد رضا الشبيبي) إلى أن ثورة العشرين كانت: "وليدة عاملين خطيرين أولهما الضغط والاستغلال الاقتصادي واستنزاف جهود العاملين في الزراعة خاصة- والعراق قطر زراعي قبل كل شئ- والاستيلاء على مواردها من الخامات بأبخس الأثمان وردها بعد استخدامها في الصناعة الحديثة لتصريفها في أسواق هذه البلاد بأعلى الأثمان , وهذا هو جوهر الاستعمار الحديث... أما العامل الثاني في اندلاع الثورة فهو ذلك الضغط السياسي أو الحجر على الأفكار والحيلولة بين أبناء البلاد وبين التعبير عن آرائهم والمطالبة بحقوقهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم، واختيار حكامهم وحكوماتهم بملء إرادتهم ثم للمحاولات التي بذلتها السلطة المحتلة لفرض نوع من السيطرة الاستعمارية المباشرة على العراق" . ويتضمن مقتطف الشيخ محمد رضا الشبيبي تأكيداً صريحاً على الوعي السياسي والاجتماعي لعدد من قادة الثورة يومئذ، وفهمهم للأسباب التي دفعتهم للمشاركة بالثورة .
وما خلا ذلك، فإن ظروف الحرب، أوجدت بذاتها نوعاً من الحركة التجارية النشيطة نسبياً في الأسواق المحلية، استفادت منها مجموعات من التجار. إلا أنها اقترنت بإفقار شديد للكادحين من ذوي الدخل المحدود؛ بسبب نقص فرص العمل، والتشرد وارتفاع أسعار السلع والخدمات (التضخم النقدي)  ، وكذلك النهب المتواصل والمتنوع للمحاصيل الزراعية والإيرادات من جانب سلطات الاحتلال الإنكليزي؛ وبعض الإقطاعيين وتجار الجملة، أنتجت في بعض مناطق العراق مجاعات بشعة. ومنها المجاعة التي وقعت في الموصل، والتي أودت بحياة الألوف من السكان.  ويورد الدكتور الوردي في هذا الصدد ما يلي: "ولكن هذه المنافع التي جناها قسم من الناس تقابلها مضار أصابت القسم الآخر منهم. فقد ارتفعت أسعار الحب

468
كاظم حبيب
هل ينفع حكام إيران ترحيل مشكلاتهم الداخلية صوب الخارج؟

اعتادت دكتاتوريات الشرق الأوسط وبقية بلدان العالم الثالث ترحيل مشكلاتها الداخلية صوب الخارج بافتعال الخلافات والصراعات الحدودية إلى حد الدخول في نزاعات مسلحة مع الجيران من أجل تعبئة الناس وطنياً ورفع حماسهم الوطني للتغطية على المشكلات الداخلية. وغالباً ما نجحت تلك الدكتاتوريات ولفترات غير قصيرة, ولكنها في النهاية تقف وجهاً لوجه أمام تلك المشكلات فتعجز عن حلها ويجد الناس طريقهم إما إلى الانتفاضة والثورة وإسقاط النظام, وإما وقوع انقلابات عسكرية غالباً ما تكون فوقية ونخبوية عسكرية, وإما أن تغوص تلك النظم أكثر فأكثر في مستنقع المزيد من الاستبداد والقمع والقهر لشعوب بلدانها. هذا ما هو حاصل في الكثير من بلدان الشرق الأوسط والعالم النامي, وهو حصل في العراق, إلى إن أُسقط النظام بفعل خارجي حين عجز الشعب عن إنهاء أو إسقاط الدكتاتورية البعثية ألصدامية, وحين كشف النظام كل محاولات الانقلاب السابقة وأرسل أغلب القائمين بها إلى المقابر الجماعية. ولم تكن حالة العراق اعتيادية, إذ غالباً ما كانت تحصل انقلابات داخلية يدعي القائمون بها تغيير الأوضاع لصالح الشعب وسرعان ما يكون التغيير لصالح النخبة الحاكمة الجديدة وبالضد من إرادة الشعب, فتبدأ العملية النضالية مجدداً. ويفترض أن تبقى حالة العراق الأخيرة استثنائية لكي لا تنشأ ذات التداعيات التي نشأت في العراق بعد إسقاط النظام بقوى أجنبية لا تزال مستمرة إلى الآن, ومنها الصراعات ونظام المحاصصة الطائفية والهيمنة الطائفية المقيتة والموت الواسع النطاق.
واليوم تلج إيران طريق العراق المعقد والمتشابك والصعب, طريق الصد ما رد, طريق الموت والدمار والخراب الذي سار عليه صدام حسين ورهطه وحزبه. فالنظام الإيراني تيوقراطي رجعي متخلف واستبدادي شرقي مرعب. يعيش في أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية وقومية وثقافية ومذهبية متفاقمة تجد تجلياتها في أوضاع الشعب اليومية وفي البطالة المتزايدة والفقر الواسع الانتشار والفساد المالي والإداري, وتحاول حكومة إيران الخروج من أزمتها الداخلية بعدة طرق, منها:
1.   تشديد الصراع مع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي وغيرها بهدف السيطرة على منطقة الشرق الأوسط ولعب الدور الأول في المنطقة كدولة إقليمية كبرى.   
2.   تشديد الصراع مع وكالة الطاقة الدولية بشأن الطاقة النووية وتخصيب اليورانيوم في إيران ومخاطر إنتاج السلاح النووي.
3.   تنشيط القوى الإسلامية السياسية المتطرفة في المنطقة باتجاهات عدة, كما يحصل في غزة أو في لبنان والعراق أو في مناطق أخرى في غرب أسيا والشرق الأوسط.
4.   التهديد المستمر لإسرائيل "بإزالتها من الوجود" والتي لا تتطابق مع واقع الحياة والتي تهيج العالم كله ضد إيران, وهي تهدف من وراء ذلك كسب العواطف البدائية للرأي العام العربي والإسلامي ولكنها تثير في الوقت نفسه المزيد من الأحقاد والكراهية في المنطقة والعالم.
5.   التدخل الفظ في الشأن الداخلي للدول المجاورة كما حصل ويحصل حالياً في العراق ولبنان واليمن وفي أفغانستان والخليج. ويمكن أن يتابع الإنسان الضربات العسكرية التي توجهها القوات العسكرية الإيرانية إلى مناطق في إقليم كردستان العراق والتي أدت إلى هجرة الكثير من الفلاحين وسكان الريف لقراهم ومزارعهم, إضافة لمن استشهد من السكان بذريعة وقحة تدعي وجود قوى إيرانية مسلحة تناضل ضد الحكومة الإيرانية في الأراضي العراقية, بدلاً من السعي لمعالجة حقوق تلك الشعوب داخل إيران. كما أنها تتدخل مباشرة في الشأن الداخلي العراقي, بما في ذلك مسألة تشكيل الحكومة العراقية ورئاستها والتحالفات السياسية الشيعية التي قادت بدورها إلى تحالفات سياسية سنية مضادة .. وهلمجرا.
6.   كما تمارس الحكومة الإيرانية قمع داخلياً شديداً موجهاً ضد الحركات التحررية للشعوب غير الفارسية في إيران, وخاصة ضد الشعب الكردي وضد البلوش والتركمان وغيرهم, ومصادرة الحريات الأساسية والحقوق الديمقراطية للشعب الفارسي أيضاً.
إن إيران ترتكب أخطاء فادحة في السياسات التي تمارسها على صعيدي الداخل والخارج, فهي تزيد نقمة الشعب في الداخل من جهة, وتزيد من عزلتها على الصعيد الدولي وتقود إلى مزيد من العقوبات الاقتصادية الدولية على إيران من جهة ثانية, كما تقود إلى حرمان الشعب من الكثير من حقوقه الطبيعية كما حصل في فترة الحصار الدولي ضد العراق من جهة ثالثة.
إن على النظام الإسلامي الطائفي السياسي في إيران, ولكي لا يدفع بالأمور بذات الوجهة التي سارت عليها في العراق, أن يعيد النظر بهذا النظام السياسي المتخلف والغريب عن حضارة البشر في القرن الحادي والعشرين, وأن يعيد النظر بسياساته الراهنة على الصعيدين الداخلي والخارجي ويكف عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وأن لا يصعد الصراع والنزاع في الشرق الأوسط وأن يعالج مشكلاته الداخلية بطريقة أخرى غير القمع وأحكام الإعدام ضد المناضلين الكُرد والفرس وغيرهم من ناشطات ونُشطاء القوميات الأخرى في إيران.
إن سياسة حكام إيران الحاليين تدفع بالأمور إلى نهاياتها المنطقية, إلى السقوط بشكل من الأشكال, كأي دكتاتورية غاشمة ولن تتعظ بما حصل للنظام البعثي العراقي الذي لم يختلف في استبداده عما يجري اليوم في إيران, وبالتالي سيكلف ذلك الشعوب الإيرانية وشعوب المنطقة الكثير من الآلام والدماء والدموع والتخلف.
إن الدكتاتورية التي تمارسها النخبة "الدينية" الحاكمة في إيران وعلى رأسها علي خامنئي ومحمود أحمدي نجاد و"الحرس الثوري" القومي الشوفيني لن تقود البلاد إلا إلى المزيد من العزلة الداخلية والخارجية والمزيد من التأزم والصراع والنزاع, وسوف لن يبقى أمام الشعب غير الحل الأوحد النضال من أجل إسقاط الدكتاتورية قبل أن يحصل التدخل الخارجي بسبب إصرار حكومة إيران الحالية على إنتاج سلاحها النووي. إن تفاعلاً بين مناضلي الشعب في الداخل والمناضلين الذين اجبروا على الهجرة في الشتات الإيراني قد تجلى في اجتماعات كبيرة خلال الأيام المنصرمة ومنها التجمع الجماهيري الكبير في باريس والتي ستثمر يوماً لتعيد الوجه الحقيقي للشعب الإيراني ولثورته الوطنية المغتصبة منذ العام 1979 من قبل قوى الإسلام السياسية المتخلفة في إيران.
28/6/2010                     كاظم حبيب

469
المنبر الحر / إسرائيل ... إلى أين؟
« في: 10:52 28/06/2010  »
كاظم حبيب

إسرائيل ... إلى أين؟

العالم في حركة دائمة وفي تغير مستمر. وسياسات الكثير من الدول هي الأخرى غير جامدة ومجبرة على الحركة بفعل التغيرات الحاصلة على الصعيد العالمي, رغم الاختلاف في وجهة أو اتجاه ومضمون أو سرعة الحركة والتغيير. ففي الوقت الذي نرى أن حركة التاريخ للعالم كله وكمحصلة نهائية تسير نحو الأمام وبالاتجاه الصحيح عموماً, نجد في الوقت نفسه أن حركة الدول والتغيرات الجارية فيها تعبر أحياناً غير قليلة عن حركة متعرجة زگزاگية فيها تقدم وفيها أحياناً تراجع أو مراوحة في المكان, وبالتالي تخلف عن حركة واتجاه تطور العالم. وهنا يمكن أن نجد نماذج صارخة لهذه الاحتمالات في الشرق الأوسط على نحو خاص, كما نجدها في الدول الأفريقية وأمريكا اللاتينية وغيرها من بلدان العالم.
وإذا كانت سياسة الدول العربية لفترة طويلة جامدة جداً إزاء القضية الفلسطينية والموقف من إسرائيل, فإنها في السنوات الأخيرة قد تحركت وتميزت بالديناميكية والموضوعية حيث طرحت مشروعات أكثر نضوجاً ووعياً بالمسؤولية إزاء مصائر الشرق الأوسط بغض النظر عن طبيعة الحكومات في هذه الدول ومواقفها من شعوبها ومن الحريات العامة وحقوق الإنسان. وقد تجلى ذلك في مشروع الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود الذي طرحه حين كان لا يزال ولياً للعهد في المملكة السعودية. وهو يتكامل بهذا القدر أو ذاك مع خارطة الطريق التي طرحت في عهد جورج بوش الابن.         
ولكن ما الذي لم يتغير في هذا العالم المتغير؟ إنها دولة إسرائيل بحكوماتها المتعاقبة. فهي لم تتحرك قيد أنملة عن مواقفها السابقة التي تريد التوسع على حساب القسم المخصص للفلسطينيين من دولة فلسطين السابقة في العام 1947 وقبل قرار التقسيم. فمنذ حرب الأيام الستة وإسرائيل تحتل أراضٍ عربية في الضفة الغربية وتحاصر غزة وتحتل القسم الشرقي من مدينة القدس وتحتل مرتفعات الجولان السورية ومزارع شبعا اللبنانية وترفض الانسحاب منها إلى الآن وترفض عملياً التفاوض بفعل ما تمارسه من سياسات تفصيلية ويومية في مختلف تلك المناطق وخاصة في الموقف من قيام الدولة الفلسطينية.
حين نقول أن العالم في تغير مستمر, فهذا يعنى بوضوح أن إسرائيل لا تستطيع أن تحتفظ بالأراضي العربية المحتلة وممارسة القمع والعقوبات الجماعية ضد سكان غزة والضفة الغربية أو ممارسة التمييز ضد العرب من سكان إسرائيل طويلاً بالاعتماد على تأييد الولايات المتحدة وبريطانيا أو سكوتهما, ولا على امتلاك السلاح النووي وبقية أسلحة الدمار الشامل, إذ أن القوة العظمى (الولايات المتحدة) تفقد قدرتها سنة بعد أخرى على فرض سياساتها على كل دول العالم كما كان يحصل في القرن العشرين أو إلى الآن, إذ أن ميزان القوى في تغير تدريجي ولكن مستمر ومتسارع نسبياً. ولهذا لا بد لإسرائيل أن تستبدل سياسة القوة والعنف والمجابهة المستمرة من جهة, واقتطاع المزيد من الأراضي الفلسطينية وإضافتها إلى إسرائيل من جهة أخرى, وإقامة المزيد من المستوطنات اليهودية في الأرض التي هي لدولة فلسطين التي يفترض إقامتها من جهة ثالثة, بسياسة جديدة تتميز بالرغبة الصادقة والحكمة الضرورية لمعالجة المشكلات مع العالم العربي والتي يفترض أن تلتزم بما يلي:
** الانسحاب الكامل من الأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل في حرب الأيام الستة في العام 1967.
** أن تكون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية, في حين تكون القدس الغربية عاصمة لإسرائيل.       
** الموافقة على إقامة الدولة الفلسطينية على الأرض التي احتلت في العام 1967 ومنها غزة والضفة الغربية.
** الانسحاب الكامل من هضبة الجولان السورية ومن مزارع شبعا اللبنانية.
** إيجاد حل عملي وإنساني لمهجري ومشردي العام 1948 بين الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية وبالتعاون مع الأمم المتحدة.
** التوقف عن بناء المستوطنات أولاً وتسليم المستوطنات الحالية إلى حكومة فلسطين ثانياً, إذ أن وجودها كان وسيبقى مصدر صراع ونزاع دموي لا يجوز استمراره بين الشعبين العربي في فلسطين والإسرائيلي.
** إقامة علاقات دبلوماسية وسياسية واقتصادية وثقافية بين دولة إسرائيل والدول العربية وإنهاء حالة الحرب التي لا تزال قائمة بين إسرائيل وبعض الدول العربية.
إن حل قضية فلسطين يعتبر مفتاح الحل للكثير من المشكلات الراهنة في منطقة الشرق الأوسط التي تعتبر واحدة من أكثر مناطق العالم سخونة ومحملة ببراميل البارود والنفط سريعي الاشتعال.
إن إسرائيل التي هي جزء من دول منطقة الشرق الأوسط لا يمكن أن تعيش بسلام ووئام وتعاون دون حل المشكلة الفلسطينية أو عدم التوقف عن الرغبة الجامحة في التوسع على حساب الأرض العربية, إذ أن هذا سيقابل برفض مستمر وعداء متبادل وصراع ونزاع دموي وقتل مستمر ومتبادل للبشر وخراب واسع.
إن على إسرائيل أن تختار بين مواصلة السياسة غير الحكيمة الراهنة واحتمال نشوب حروب جديدة وموت وخراب جديدين في المنطقة بأسرها, وبين مبادلة الأرض بالسلام والعيش المستقر في المنطقة. وليس هناك من خيار ثالث. وإذا تصورت إسرائيل غير ذلك فهي مخطئة, كما كانت الحكومات العربية وبعض القوى القومية والدينية التي كانت تعتقد وتسعى لإزالة إسرائيل, ولكن الأيام أقنعت بعضها بغير ذلك. إن تحول سياسة إسرائيل صوب السلام الفعلي سيساهم في توجيه ضربات سياسية نوعية ضد القوى المتطرفة في المنطقة سواء أكانت دينية أم عنصري ويقوض القاعدة السياسية التي تستند إليها في العالم العربي والإسلامي.     
وعلى إسرائيل أن تقرر إلى أين المسير بعد أن قررت الحكومات العربية السير على طريق السلام والذي لم يتقرر بعد من جانب حكومة إسرائيل!
24/6/2010                     كاظم حبيب

470
كاظم حبيب
هل سينجح البيتان الشيعي والسني السياسيين الطائفيين في تقسيم المجتمع العراقي؟

الأحزاب الإسلامية السياسية العربية في العراق كلها تتحدث ضد الطائفية السياسية وتعتبرها طامة كبرى بعد أن مارستها جهاراً ولسنوات عدة, ولكنها جميعاً لا تزال تمارس السياسة الطائفية عملياً ويومياً وفي كل لحظة لا دفاعاً عن الجماهير العراقية المؤمنة بالمذهبين الشيعي الاثنا عشر والسني الحنفي, بل عن مصالح هذه الأحزاب وقياداتها على نحو خاص والمنتفعين من السياسات الطائفية دون أن ترمش جفونها.
ليست الأقوال هي العامل الحاسم في هذا الحالة, بل الأفعال وحدها. وما نشاهده اليوم من صراع حول رئاسة مجلس الوزراء يجسد هذه الحقيقة المرة التي يعيش في ظلها المجتمع العراقي, سيادة الطائفية والتمييز الطائفي وانعدام الثقة بين هذه الأحزاب, وكأن بعضها يترصد الآخر ليجهز عليه.
الصراع حول السلطة أمر طبيعي بين الأحزاب السياسية ذات البرامج الوطنية التي يسعى كل منها إلى تأكيد رغبته في خدمة المجتمع ومصالحه الأساسية من خلال وجوده في الحكم, ويحق للمجتمع أن يقرر من هو الأفضل في هذا التمثيل عبر الانتخابات, وبالتالي من يحوز على الأغلبية البرلمانية يحق له تشكيل الحكومة. وهذا التقليد هو المتبع في تلك الدول التي يسودها المجتمع المدني وتسودها الديمقراطية بمفهومها العام ويسودها التداول السلمي للسلطة. ولكن ما يجري في العراق هو أمر آخر, هو صراع بين أحزاب تشارك, بسبب طبيعة أحزابها وتأسيسها على وفق أسس طائفية تمييزية, في تقسيم المجتمع إلى سنة وشيعة, رغم التستر بغطاء قومي لا يحّسن القضية بل يزيدها تعقيداً.
منذ سقوط النظام الدكتاتوري الذي سلط الاستبداد والقهر والقمع على المجتمع ومارس الطائفية بصيغ مختلفة بعيداً عن جماهير الشعب السنة ولمصلحة النخبة الحاكمة والمجموعة المرتبطة به من قوى الدين السياسي السنية العربية من أمثال حارث الضاري وعدنان الدليمي, فأن النظام السياسي الذي جاء مع القوات الأمريكية يجسد الطبيعة الطائفية الشيعية البحتة, التي يبدو وكأنها تريد الانتقام لنفسها من الجماعات السنية التي كانت في الحكم أو خارجه. ومثل هذا التوجه يعقد وضع العراق ويحول الضحية إلى جلاد دون مبرر, وهو الذي يثير المشكلات في البلاد ويشدد من الصراع الطائفي. لقد نجح الطائفيون من الطرفين إلى تحقيق الاستقطاب الطائفي وتشديده لصالح الانتخابات الأخيرة وما قبلها, ووجد ذلك تعبيره في تصويت الكثير من العلمانيين الشيعة والسنة لصالح القوائم الإسلامية السياسية أو دخلوا معهم في قوائم انتخابية, كما فعل البعض ممن كان يوماً ما شيوعياً أو اشتراكياً أو ديمقراطياً تقدمياً, وهو التعبير الصارخ عن ضعف المستوى المدني والديمقراطي لمن يمارس هذا الأسلوب الانتهازي أو يصوت لصالح القوى الإسلامية السياسية, شيعية كانت أم سنية. ولا يمكن لهذه الأحزاب أن تعيش دون تأجيج الطائفية السياسية والتزام الدفاع عن هذه الطائفة أو تلكً, وهو الموقف الذي يشق المجتمع ويشطره إلى شطرين ويسمح للدول المجاورة بالتدخل في الشأن العراقي في ضوء هذا التقسيم السلبي للمجتمع, وهو ما يحصل اليوم على نطاق واسع. ألقوا نظرة على سياسة ومواقف إيران في العراق وإزاء العراق من جهة, ونظرة أخرى على سياسة ومواقف السعودية من جهة أخرى, ستجدون جوهر مجرى الصراع الطائفي في العراق.
حزب الدعوة الإسلامية السياسية ارتدى لبوس القانون وراح يروج لحزبه من خلال هذه القائمة, وكانت النتيجة حصوله على 89 مقعداً في المجلس النيابي الجديدً. وحركة الوفاق جمعت في قائمتها العراقية الأحزاب والقوى الإسلامية السياسية والقومية الشوفينية وعناصر مستقلة لتحصل في الانتخابات على 91 مقعداًً. في حين فقدت القوى الديمقراطية ما كان لها من مقاعد في المجلس السابق. وإذا كانت قائمة دولة القانون قد اعتمدت على أصوات الشيعة في وسط وجنوب العراق بشكل أساسي, فأن قائمة العراقية قد اعتمدت على أصوات السنة في غرب وشمال العراق (الموصل). وفي هذا تأكيد صارخ على انقسام المجتمع بفضل نشاط تلك الأحزاب الإسلامية والقومية إلى جماعتين متضادتين, وهو ما يقلق كل إنسان وطني شريف في العراق. إن هناك مسعى حقيقي للبننة الحالة العراقية, وهو أمر لا يجوز القبول به!
لم يكتف الطائفيون بكل ذلك, بل راح أحدهم, عدنان الدليمي, وهو رئيس قائمة التوافق الإسلامية, يخطب بهستيرية نادرة ويصرخ بانفعال شديد كادت سدارته تطير من على رأسه, وكاد يفقد أسنانه, بأنه سني طائفي حتى النخاع, وأن العرب جبناء حين لا يعلنون طائفيتهم لإنقاذ العراق من الشيعة الرافضة. وراح يصرخ بضرورة تحويل مؤتمر نصرة الشعب العراقي إلى نصرة أهل السنة في العراق. وهكذا نلاحظ أن هذا التبني للطائفية والطائفة, شيعية كانت أم سنية, تجسد ما أطلق عليه الكاتب أمين المعلوف بـ "الهويات القاتلة" الهويات الجزئية التي تفتك بالهوية الوطنية وتساهم في تفكيك المجتمع وتدميره, وتدفع بمتبنيها إلى هستيريا مرعبة تهدد الفرد والمجتمع بأخطار كبيرة.
يشار دوماً إلى أن السيد علي السيستاني ضد الممارسات الطائفية, وأنه ضد الانقسام الطائفي في المجتمع, وأنه يطالب بتطبيق الدستور واحترام إرادة الناس من جهة, ومن جهة أخرى يزوره سياسيون يريدون تأكيد ارتباطهم بإحدى المرجعيات الشيعية المهمة وخاصة السيستاني, إذ أن المرجعيات لدى الشيعة عديدة, ثم يخرجون من عندهم أو من عند السيستاني ليدلوا بتصريحات تكون حمالة أوجه, ولكنهم في الممارسة العملية يمارسون وجهة محددة تؤكد طائفيتهم. والسؤال هنا من منهم يتحدث بلسان ويعمل وفق لسان آخر؟ هل التزم المالكي والحكيم والجعفري وغيرهم بأقوال السيد السيستاني, وكيف كانت تلك الأقوال؟ وهل التزم أياد علاوي بما قاله السيد السيستاني أو التزم بمرجعيات أخرى؟ كم هو جميل أن يكف هؤلاء عن تحميل شيوخ الدين مسؤولية ما يقومون به من أفعال غير سليمة تلحق أضراراً فادحة بالمجتمع العراقي وبوحدته الوطنية., وكم هو جميل أن تعلن المرجعيات الدينية أنها لا علاقة لها بأعمال هؤلاء السياسيين الذين يتبجحون بعلاقتهم بالمرجعيات ويحملونها ما ليس من مهماتها ومسؤولياتها.
العراق بحاجة إلى حكومة وطنية مستقلة عن برامج الأحزاب الإسلامية السياسية, سواء تلك التي تؤيد على خامنئي كمرشد لها أم مفتي الديار السعودية كمرشد وموجه لها. إذ أن الأمرين واحد ونتائجه سلبية.
25/6/2010                        كاظم حبيب       



471
كاظم حبيب
إيران تواصل سياستها العدوانية إزاء العراق!
ليس هناك من بلد في العالم يتعرض إلى الإيذاء في منطقة الشرق الأوسط من قبل دول الجوار ومن قوى سياسية فيها بقدر ما يتعرض له العراق, تلك الدول التي تحيط به من جهات أربع, إنها إيران وتركيا وسوريا والسعودية وبعض دول الخليج أو قوى سياسية فيها. ولم يكن في مقدور هذه الدول أو قوى فيها أن تتحرش بالعراق لو كان الشعب موحداً ولو كانت قواه السياسية متعاونة ومتضامنة في ما بينها وبعيدة عن ممارسة الطائفية في السياسة بكل أبعاد هذه الهويات الطائفية القاتلة, ولو كانت للعراق حكومة مدنية وديمقراطية تدرك أهمية وحدة الشعب وتماسكه ومخاطر ممارسة سياسات طائفية مقيتة. إلا أن غياب كل ذلك تقريباً وبشكل خاص غياب مثل هذه الحكومة واستمرار الصراع حول موقع رئيس الوزراء, أوجد حالة غير سليمة تهدد الوضع الأمني بمخاطر جديدة ويمكن أن تنسف كل ما توصل إليه العراق خلال السنتين الأخيرتين من نجاحات في المجال الأمني وليس في المجالات الأخرى ذات الأهمية الفائقة للمجتمع. ورغم تقلص عدد القتلى شهرياً, فهو لا يزال مرتفعاً ويتواصل الموت في مدن مهمة مثل بغداد وديالى وغيرها.
إن الدولة الإيرانية وقوى سياسية فيها تعمل اليوم بدأب ومثابرة استثنائية على تأسيس قاعدة اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية وثقافية متينة ومتماسكة لها في العراق تستطيع من خلالها التأثير المباشر وغير المباشر على السياسة العراقية وعلى استقلالية القرار العراقي في المجالات الأخرى. وفي هذا تنشأ المصادرة الفعلية للقرار العراقي المستقل الذي يفترض أن يصان ويعزز.
فاستثمارات إيران في مدن ومحافظات الوسط والجنوب آخذة بالزيادة المستمرة والكبيرة, وكذلك في كُردستان, رغم أن كردستان أصبحت موقعاً أساسياً ومهماً للاستثمارات التركية, إذ أن الأخيرة تسعى إلى تكوين وبلورة لوبي لها في العراق من خلال تجديد التعاون مع قوى الإسلام السياسية السنية, كما لإيران مثل ذلك اللوبي في الوسط والجنوب وبغداد بشكل خاص وبين الأوساط الإسلامية السياسية الشيعية. وبهذا نعود إلى الصراع التقليدي القديم بين الدولة الفارسية والدولة العثمانية, رغم إنهما يتفقان في مكافحة حركة التحرر الوطني الكردية في كل من كردستان تركيا وكُردستان إيران.
لا نريد نبش تاريخ العلاقات العراقية الإيرانية وما فيها من إيجابي وسلبي, ففيها الكثير من الإشكاليات التاريخية لسنا بحاجة للعودة إليها. ولكن تاريخ العلاقات العراقية-الإيرانية بعد سقوط النظام الدكتاتوري في العراق لا يدعو إلى الارتياح, علماً بأن إيران كانت أول دولة اعترفت بالوضع الجديد في العراق بالرغم من موقفها المناهض للولايات المتحدة الأمريكية, إذ أن الحرب وسقوط الدكتاتورية فتح لإيران, كما لدول الجوار الأخرى, أبواب العراق وجعلها مشرعة بالتمام والكمال أمامها, فولجت في العراق عمودياً وأفقياً وأصبح العراق ساحة فعلية للسياسية الإيرانية إلى يومنا هذا.         
وبدلاً من أن تتجه إيران إلى معالجة المشكلات القائمة مع العراق عبر التفاوض والحوار السلمي ومساعدته على النهوض من عثرات الماضي الكبيرة, عمدت إلى التدخل في شؤونه الداخلية بشكل فظ ويومي وواسع النطاق, ثم بدأت أخيراً بتوجيه نيران مدافعها الثقيلة صوب الأراضي العراقية في إقليم كُردستان فشردت الكثير من أهالي الريف والفلاحين الآمنين وقتلت البعض الكثير منهم وأحرقت المزارع ودمرت بيوت السكن على رؤوس ساكنيها. إنها الجريمة بعينها من دولة جارة.
لا تزال نيران المدافع الإيرانية تشتعل في الأرض العراقية وتحرق الأخضر واليابس في آن, وهي التي تدعي الرغبة في إحلال الأمن والاستقرار والسلام في ربوع العراق.
لقد مارست إيران هذه السياسة في فترة حكم الدكتاتور صدام حسين ودفعته إلى إعلان الحرب وتجاوز الحدود واحتلال الكثير من الأراضي الإيرانية وأسر العوائل فيها ونهب سكانها. وقد أدين صدام حسين بسبب شنه الحرب وعدم رفع شكوى ضد إيران إلى مجلس الأمن الدولي. لقد انجر الدكتاتور للاستفزازات الإيرانية على حدود البلدين في حينها بدلاً من طلب المساعدة من الأمم المتحدة لمعالجة المشكلات بالطرق السلمية. أما اليوم فإيران تدرك بأن العراق لا يزال ضعيفاً وغير قادر على الرد الزجري لاستفزازاتها بسبب أوضاعه الداخلية المعقدة وبسبب اللوبي الإيراني الذي سيمنع تقديم شكوى فعلية ودعوة لعقد اجتماع لمجلس الأمن الدولي لمواجهة اعتداءاتها على الحدود العراقية الإيرانية.
ولكن على إيران أن لا تفكر بهذه الطريقة, فالعراق حالياً ووفق الاتفاقية المعقودة مع الولايات المتحدة يعتبر حليفاً للولايات المتحدة ويفترض عدم تجاوز هذه الحقيقة. وبالتالي سيكون من واجب الحكومة الأمريكية وفق تلك الاتفاقية مساعدة العراق في رد العدوان عليه. ولو كان جورج بوش في السلطة لسارع إلى استغلال العدوان الإيراني على الأراضي العراقية ليقوم بتوجيه ضربات عسكرية ضدها. وأتمنى أن لا يحصل ذلك حالياً. ولكن لا يجوز لإيران أن تستثمر ضعف العراق ووجود لوبي داخلي لها بممارسة اختراقات عسكرية مستمرة في الأراضي العراقية والقصف المدفعي المتواصل بذريعة تطهير المنطقة من عناصر كردية من مواطني إقليم كردستان إيران, وهي ذريعة باطلة ولا يجوز التعكز عليها لضرب مواقع عراقية بحتة.
إن على الحكومة الإيرانية إيقاف تجاوزاتها الحدودية وقصفها للأراضي الكردستانية وشعب كردستان وعدم التدخل في الشأن العراقي. عليها أن تحل مشكلة الشعب الكردي في إقليم كُردستان إيران في بلادها وليس عبر الحدود.
كما أن على حكومة التركية إيقاف التدخل الفظ في الشأن العراقي, كما حصل ويحصل اليوم أيضا عبر الضربات العسكرية الجوية والولوج في الأرض العراقية واحتلال مواقع فيه أو إقامة قواعد عسكرية للمراقبةً, فهو تجاوز على السيادة والاستقلال الوطني.
إن العراق يعاني من تسلل قوى إرهابية من بوابات الدول العربية على العراق, وإلى تدخل فظ في الشأن العراقي وفي مجرى انتخاباته والتأثير فيها وفي الحوارات السياسية بين قواه الداخلية. ومثل هذا التدخل يعني بصراحة مشاركة تلك الدول وبعض القوى فيها في مسؤولية الإساءة للشعب والجيرة والوجود المشترك في منطقة الشرق الأوسط وللأمن والسلم في المنطقة والعالم. لقد فاض الكأس ومات الكثير من البشر بسبب التدخل المتواصل في الشأن العراق ومن حق الشعب أن يطالب المجتمع الدولي بالعمل من أجل إيقاف هذه التدخلات المتواصلة في الشأن العراقي, وعلى مجلس الأمن أن يتخذ التدابير الضرورية لدعم العراق في موقفه ضد تلك التجاوزات غير المنقطعة. ومن المؤسف أن نداءات الشعب العراقي لحل معضلة رئاسة الوزراء وسد الفراغ السياسي الواسع لم ولن تسمع ولا يريد أحد سماعها وكأن في أذانهم صمم.
24/6/2010                  كاظم حبيب
   




472
كلمة كاظم حبيب في احتفالية تكريمه في أربيل
سيداتي , آنساتي , سادتي الكرام
أخواتي وأخوتي الأفاضل
رفاقي وأصدقائي الپيشمرگة - الأنصار 

ابتداءً أتوجه بالشكر الجزيل والامتنان الكبير للشعب الكردي الأبي الذي لولا صداقتي الخالصة له ولبقية مكونات الشعب في العراق ووقوفي الكامل إلى جانب التمتع التام بحقوقه القومية على صعيد كردستان العراق وبقية الأقاليم الكردستانية لما حظيت بهذا التكريم الجميل والصادق منه.
كما أتقدم بالشكر الجزيل إلى الأخوة في رئاسة الإقليم والأخوات والأخوة في حكومة الإقليم ووزارة الثقافة والشباب في الإقليم على هذا التكريم فهو ليس تكريماً لي وحدي, بل هو تكريم لكل المناضلين العرب في العراق وغير العراق, سواء أكانوا أعضاء في التجمع العربي لنصرة القضية الكردية أم خارجه, الذين وقفوا دوماٌ ويقفون بحزم ووضوح إلى جانب قضية الأمة الكردية العادلة والمشروعة, إضافة إلى المواقف التي اتخذها الحزب الشيوعي العراقي إلى جانب القضية الكردية العادلة مع بقية الأحزاب الكردية والديمقراطية العراقية وأخص بالذكر منهم الرفيق والصديق الطيب الذكر الأستاذ عزيز شريف الذي وقف إلى جانب هذه القضية العادلة وعلمنا الكثير على هذا الطريق منذ صدور كراسه الأول في العام 1948/1949, وكان هو الأجدر مني بهذا التكريم وهو الذي حظي بحب واحترام الشعب الكردي وقيادة الثورة الكردية سنوات طويلة قبل وفاته.
وشكري يمتد ليشمل الأخوة الكرام أعضاء لجنة المبادرة في الخارج التي تضم مجموعة من خيرة مثقفي ومثقفات العراق, وكذلك الأخوات والأخوة الذين وقعوا على مقترح المبادرة, والذين سعوا ويسعون إلى تأسيس تقليد جميل في المجتمع والثقافة الكردية. شكري يتجه إلى كل الحضور الكريم وكل الذين شاركوا بكلماتهم الطيبة والودية في هذا الحفل الكردي العراقي الجميل.
أدركت منذ سنوات طويلة بأن النقد الصادق الذي يوجه للأحبة هو جزء من الواجب, واجب الصديق إزاء أصدقائه. والنقد لا يعني بأي حال جانباً واحداً, بل يعني ذكر الإيجابي والتنويه عن السلبي في آن, ومهمته إنارة دربنا غير المعبد وتقليص الأخطاء المحتملة حين نعمل. وأشعر بالحيرة أحياناً من نفسي إذ لا أستطيع إمساك اليد عن الكتابة أو اللسان عن القول حين أجد ذلك ضرورياً فهو دافع داخلي لا مجال لردّه. واعتقد أن أخواتي وأخوتي في إقليم كردستان عرفوا هذه السمة وتعايشوا معها بود واعتزاز. كم يتمنى الإنسان أن تدرس الملاحظات النقدية بالطريقة المناسبة لتساهم في خدمة القضية الكردية والديمقراطية في العراق.
مرَّت على العراق الكثير من الأيام والسنوات والعقود الصعبة والمحن والكوارث الهائلة وتجاوزها بالكثير من الدماء والدموع , مجازر الأنفال وحلبچة وانتفاضة الشعب في ربيع 1991 والنزوح المليوني هي نماذج على السنوات العجاف, ولكن الشعب الكردي بقى يتطلع نحو مستقبل أفضل وحياة أكثر حرية وديمقراطية وأكثر إقراراً بهويته القومية والوطنية وبعقل وقلب متنورين ومفتوحين, ومن حقه على الجميع أن يعيش اليوم في ظروف أفضل, إذ لم يذهب هذا النضال عبثاً بل أتى أكله الأولى بقيام الفيدرالية منذ العام 1992 وتكريسها في الدستور العراقي في العام 2005, وهو يسعى اليوم لتحسين الحياة والعيش الكريم على الصعيدين الكردستاني والعراقي.
أشعر بالفرح والسعادة حين أرى الأمن والاستقرار والعمران المتواصل في الإقليم, وأتمنى أن يكون ذلك في كل أنحاء العراق. وأشعر بالألم والحزن حين يسقط شهيد في الإقليم بعد كل تلك المعاناة الطويلة, وشهداء كثيرون سقطوا في بغداد وبقية أنحاء العراق, وأتمنى أن تتوقف ماكنة الموت ويحل الصفاء والوئام والسلم الاجتماعي. وشروط السلم الاجتماعي تتبلور في ضمان الأمن والاستقرار وحرية المواطن والحياة الديمقراطية وحقوق الإنسان والقوميات وحرية المرأة ومساواتها بالرجل والفصل الفعلي بين السلطات الثلاث وفصل الدين عن الدولة والمشاركة الفعلية بالحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية وتنشيط واستقلالية منظمات المجتمع المدني, وكذلك سيادة العدالة الاجتماعية والتوزيع والاستخدام العقلاني والفعال والعادل للثروة الوطنية ومكافحة الفساد والمفسدين والإرهاب والإرهابيين. نحن أيها الأخوة والأخوات الكرام أمام مهمات ثقيلة ولكنها ضرورية وملحة ولا مفر من إنجازها.
لقد تغير وجه إقليم كردستان, وتُقدم عاصمة الإقليم أربيل نموذجاً جيداً, وكذا السليمانية,  لباقي المدن الكردستانية والعراقية, وأتمنى أن نشاهد في الفترة القادمة, وبعد أن تميزت الفترة السابقة بإقامة وتطوير البنية التحتية, أن تبنى المصانع الحديثة وتنتعش الحقول الزراعية الخضراء وتنمو الثروة الحيوانية لتساهم كلها في الإنتاج وإشباع متزايد لحاجة السوق الداخلي وتقليص الاستيراد الاستهلاكي لصالح سلع الإنتاج لصالح تشغيل العاطلين عن العمل وتنمية الثروة الوطنية وتحقيق التراكم المنشود, ومن اجل تجاوز الاقتصادي الريعي الاستهلاكي الذي يتميز به الاقتصاد العراقي واقتصاد إقليم كردستان العراق في آن.
إن توسيع وتعزيز الحياة الديمقراطية وتطوير الاقتصاد الوطني وتنشيط قطاع الدولة والقطاع الخاص والقطاع المختلط والعدالة الاجتماعية واستكمال بناء مؤسسات الإقليم الدستورية والديمقراطية وتوسيع وتطوير مختلف مراحل التعليم والحياة الثقافية ودور المثقفات والمثقفين في الحياة العامة وتنشيط دور الإعلام المستقل والحر وحماية حياة الصحفيين كلها سياسات ستساهم دون أدنى ريب في رفع مستوى وعي الإنسان وتطوير العلاقة الجدلية بين الإنسان الفرد والمجتمع في الإقليم وبين تلك المؤسسات والمسؤولين وستقدم نموذجاً جيداً لبقية أجزاء كُردستان وبقية بنات وأبناء الأمة الكردية وسيسعون للاقتداء به والنهل من تجربته الغنية لبناء تجاربهم الذاتية.
كلنا يدرك بأن العراق يمر بمرحلة معقدة تستوجب الكثير من الجهد, وفي المقدمة منها الانتباه للاستحقاقات الانتخابية بغض النظر عن مواقفنا الشخصية, وأن نبذل جهداً مثابراً عبر النقاش لوضع برنامج مشترك لصالح تنمية وتطوير العراق والإقليم, والتخلص من السياسات والمواقف الفردية والطائفية والتمييز القومي والديني والمذهبي وحماية أتباع الديانات في العراق وصيانة حقوقهم وتشديد عملية مكافحة الإرهاب الدموي وإنهاء الأزمة الراهنة التي في مقدورها, إن غابت الحكمة وساد التوجس المتبادل بين الأطراف الفاعلة في الساحة السياسية العراقية, إلى التسبب في حصول محن إضافية والعودة إلى نقطة الصفر التي كنا فيها في العام 2004 وما بعدها.
لا بد لمن يتسلم الحكم الائتلافي في العراق أن يتخذ التدبير الضرورية والكافية لمواجهة الأوضاع المحتملة بعد خروج القوات الأجنبية من العراق مع حلول العام 2011 , إذ يأمل الشعب بكل مكوناته أن يتعزز الاستقلال والسيادة الوطنية وممارسة سياسة وطنية وديمقراطية تعزز الدولة المدنية الدستورية والديمقراطية الاتحادية في البلاد.
ويُفترض أن يتضمن البرنامج الحكومي معالجات جادة للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والثقافية والبيئية وحل العقد الكثيرة, بما فيها تنظيم العلاقة عبر قوانين واضحة ودقيقة بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية وفق بنود الدستور العراقي بما في ذلك المادة 140 منه بعيداً عن الإعاقة والجرجرة التي لا تحل المشاكل بل تزيد من تعقيداتها.
إن وحدة مكونات الشعب العراقي القومية والدينية والمذهبية لا تتم إلا بالتخلي عن التمييز القومي والديني والطائفي, وهي ضمانة أكيدة لتطور أكثر أمناً وازدهاراً لكل العراقيات والعراقيين, وهي الضمانة لنجاح عملية التنمية والتقدم الاقتصادي وتقليص تدريجي للاعتماد على النفط الخام في التجارة الخارجية وتكوين الدخل القومي.
إن الشعب الكردي ورئاسة وحكومة الإقليم من جهة والحكومة الاتحادية من جهة أخرى يتحملان معاً مسؤولية تعزيز التفاعل المتبادل والعمل المشترك وتوطيد أواصر الأخوة والمودة لصالح السير سوية صوب بناء دولة ديمقراطية مدنية واتحادية حديثة لكي يمكن على أساسها تحقيق التقدم والرفاهية لمكونات الشعب العراقي القومية والدينية والمذهبية. ويمكن للإقليم شعباً وحكومة أن يلعب دوراً مهماً في هذا الصدد حين يقدم نموذجاً جديداً في ممارسة الديمقراطية وتطوير حقوق الإنسان وتوسيع دور منظمات المجتمع المدني وحمايتها ودعم جهودها لصالح تغيير القاعدة الاقتصادية والبناء الفوقي في كردستان وعلى مستوى العراق كله. 
إن الوعي بالمسؤولية والتداول السلمي والديمقراطي الانتخابي للسلطة والحرص على مستقبل أجيال العراق الراهنة والقادمة يستوجبان المزيد من التفاعل والتسامح والتعاون لبناء العراق وبناء الإقليم, فقوة الإقليم الاقتصادية وحرياته العامة وحياته الديمقراطية وتقدمه الثقافي والاجتماعي والعلمي هي مكاسب وقوة للعراق , والعكس صحيح أيضاً. 
لقد كرمتموني بهذا الاحتفال والحضور الكريم ولا بد أن أرد الجميل في أن أبقى أواصل العمل والكتابة عن إقليم كردستان وعن العراق كله وأمارس النقد البناء بجانبيه لكي أصلح أن أكون صديقاً صادقاً لكم في الإقليم وللعراق كله.
الشكر الجزيل لكم جميعاً متمنياً لكم موفور الصحة والسلامة والتقدم على طريق تعزيز العلاقة الجدلية الشفافة بين الشعب وقواه السياسية والحكم. أتمنى لإقليم كُردستان دوام التقدم والازدهار ولشعب كردستان, نساءً ورجالاً, العمل والرفاهية والكرامة والسعادة والسلام الدائم.     
شكراً لحسن انتباهكم.
كاظم حبيب         أربيل في 17/6/2010


473
كاظم حبيب
متى يمكن تطبيق مبدأ التداول الديمقراطي للسلطة في العراق؟
كانت الإدارة الأمريكية تروج لرأي مفاده "حين يسقط نظام صدام حسين ستسود الديمقراطية في البلاد"! وكان بوش الابن يعتقد جازماً بأنه مرسل من خالقه لنشر الحرية في العالم والخلاص من "قوى جوج وماجوج" الشيطانية التي تريد تدمير إسرائيل والتي كانت معسكرة في بابل, ثم انتقلت بعد سقوط النظام تحت ضربات القوات الأمريكية إلى المثلث الإيراني – التركي – العراقي لتواصل عملها من هناك. هذه هي تصورات وتفسيرات رئيس أكبر دولة في العالم لما جاء في التوراة (العهد القديم) بهذا الصدد, وهي خرافات لا أول لها ولا أخري! هذا ما نقله جاك شيراك, رئيس جمهورية فرنسا السابق, حول حوار له مع جورج دبليو بوش قبل بدء حرب الخليج الثالثة والأخيرة حتى هذا الحين, إذ كان يريد إقناعه بضرورة خوض فرنسا الحرب مع الولايات المتحدة.
أشك تماماً في أن القوى الواعية في الولايات المتحدة كانت تعتقد بأن الديمقراطية ستسود في العراق بعد سقوط الدكتاتورية كما اعتقد بها الرجل الإنجيلي المذهب والمتعصب وغير المثقف جورج دبليو بوش. كما أشك بقناعتها بما ورد على لسان رئيسهم حينذاك حول قوات الجوج ماجوج.
الديمقراطية ليست صبغة يمكن تلوين العراق بها, بل هي عملية معقدة وصعبة وطويلة الأمدً, إنها عملية سيرورة وصيرورة معقدة ومتشابكة, عملية حضارية ترتبط بالتحولات التي يفترض أن تجري في المجتمع على البنية الاقتصادية والاجتماعية وعملية التنوير التي تسمح بنشوء وعي عقلاني جديد يفتح أبواب فردوس المجتمع المدني الديمقراطي الحديث على أرض وشعب العراق! إنها تراكم معرفي وخبرات وقيم.
ما كان ولا يمكن أن نتصور وجود إنسان عاقل تصور إمكانية بناء الديمقراطية في العراق في ظروف الفترة المنصرمة بعد أن عانى الشعب عبر مئات السنين من الاستبداد الشرقي المشهود له بالعنف والقمع والدموية, وبعد أن ساد الاستبداد القومي الشرقي الأكثر تطرفاً وعدوانية وشراسة طوال أربعة عقود بالتمام والكمال (1963-2003) في ظل حكومات بعثية - قومية, وقومية, ثم بعثية, مع المعرفة التامة بأن الأحزاب السياسية العراقية كلها قد نشأت وترعرعت في ظل تلك النظم, وأن كانت مناهضة لها, ولكنها كانت تحلم بالوصول إلى الحكم ليمارس بعضها أو كلها ذات السياسات أو ما يماثلها ويطبق مبدأ "نمسك الحكم بأسناننا" أو "ما نعطي الحكم لأحد بعد اليوم"!   
أشرت أكثر من مرة إلى أن السيد علي الأديب, وهو قائد في الدعوة, قد أكد بوضوح لا لبس فيه بأن الديمقراطية بالنسبة له ولحزب الدعوة ليست سوى وسيلة وليست فلسفة. واستكمل السيد نوري المالكي هذا التصور لدى حزب الدعوة حين قال في تجمع انتخابي لشيوخ العشائر "أخذناها وبعد ما ننطيها". وقد جسد بذلك فهم ووعي قوى في حزب الدعوة لمقولة الديمقراطية باعتبارها وسيلة للوصول إلى السلطة, ولكنها ليست فلسفة للممارسة الفعلية بعد الوصول إلى السلطة. وهو ما وجدناه عند السيد إبراهيم الجعفري حين رفض الانصياع وتسليم الحكم لغيره, إلا بعد ولادة قيصرية.
ما نواجهه اليوم في العراق هو نتيجة ومحصلة فعلية متناغمة مع واقع المجتمع الفكري والسياسي والاقتصادي والبنية الاجتماعية, منسجمة مع وعي غالبية أفراد المجتمع. ومن كان يتصور غير ذلك, يصاب بالإحباط الكبير, كما يتجلى ذلك في مقال الدكتور شاكر النابلسي الذي دافع بحرقة عن ضرورة الخلاص من نظام الدكتاتور الأهوج صدام حسين وتمنى أن تستبدل الدكتاتورية بالديمقراطية.
كان الأستاذ جاسم المطير على حق كبير حين أكد أن الديمقراطية هي عملية معقدة حيث ذكر ما يلي "... حقيقة أن الانتقال المفترض من دكتاتورية نظام صدام حسين إلى دولة ديمقراطية ما بعد نيسان 2003 كان وما زال عسيرا بدون شك. الصعاب كثيرة والظروف الموضوعية معقدة لكن مع ذلك كانت السلطة خلال السنوات السبع الماضية قاصرة بالأساس عن تحقيق الانتقال المنشود. كانت فعالياتها الأساسية محجوزة بالبحث عن مواقع (القوة السلطوية) من خلال إحراز المناصب العليا", هذا ما جاء في مقاله الموسوم "الزمان لن يسمح للشارع العراقي أن يبقى مقفراً أو ساكناً" المنشور في الحوار المتمدن في 11/6/2010.
أؤكد هنا حقيقة أن القوى التي شكلت الأكثرية في الوزارات الثلاث المنصرمة كانت إسلامية سياسية شيعية وسنية, وهي لا ترى في الديمقراطية فلسفة للعمل, بل طريقاً للوصول, وهي ترى في الوعي القائم حالياً هو الأصل في وصولها إلى السلطة ولا تريد تبديل هذا الوعي ولا تعمل من أجله. ومن هنا نجد موقفها الرافض لتحقيق عملية تصنيع البلاد وتحديث الزراعة والإبقاء على التجارة الخارجية لتحتل الموقع الأول المستنزف للدخل الريعي الناشئ في قطاع النفط الخام المصدر.
المناورات السياسية الجارية في العراق لا تعبر عن وعي ديمقراطي مسؤول يجسد مفهوم التداول السلمي والديمقراطي للسلطة. فالصراع لا يدور حول ضرورة الالتزام بالديمقراطية بل حول مفهوم آخر "بين من لا يريد أن يعطيها وبين من يريد أن يأخذها". والعلة هنا ليست "في من لا يريد أن يعطيها ولا من يريد أن يأخذها" في ما لو كانت القضية قائمة على أسس من المواطنة المتساوية والهوية الوطنية العراقية, بل إن العلة تكمن في من يعتبر نفسه ممثلاً لطائفة دينية, شيعية أو سنية, فهو صراع بين أحزاب إسلامية سياسية رغم التسميات الأخرى المستخدمة لكل منها ولكنها في الجوهر مذهبية تمارس التمييز المذهبي وتريد ان تحتفظ بالسلطة للاستمرار بممارسة التمييز أو لأخذ السلطة بهدف ممارسة نفس النهج ضد أتباع المذاهب الأخرى. إنها المعضلة الأساسية في الوضع القائم في العراق. فبعد أن كان قومياً شوفينياً متطرفاً, أصبح اليوم طائفياً مقيتاً.
أن تأييد هذا الطرف أو ذاك المستند إلى مبدأ الطائفة السياسي التميزي يضع البلاد على كف عفريت ويحرمها من التقدم خطوة إلى أمام في حل المعضلات التي تواجه البلاد, ومنها الإرهاب والبطالة والفقر وغياب التنمية والتقدم الاقتصادي والاجتماعي والتنوير الديني.. الخ.
إن الدور الضعيف جداً والهامشي للقوى الديمقراطية على صعيد العراق في الحياة السياسية لأسباب موضوعية وذاتية يزيد الأمر صعوبة وتعقيداً ويقلل من القدرة على تحريك الشارع الساكن والساكت حالياً, رغم إن الزمن كفيل بتحريكه, ولكن متى؟
إن المشكلة في القوى الديمقراطية تبرز في إنها عجزت حتى الآن أن تجد لها سقفاً مشتركاً يلملم أطرافها ويجمع قواها الضعيفة فيخلق منها قوة دافعة قادرة على التحرك والتحريك.
لا يمكن الخلاص من الواقع الراهن دون وجود قوى سياسية ديمقراطية فاعلة قادرة على تقليص مبرمج لقدرة التأثير التي ما تزال تمتلكها قوى الإسلام السياسية في العراق, فهي مهيمنة حالياً على وعي غالبية الناس الذي نتج عبر القرون السابقة وتكرس وتحجر في فترة حكم البعث الدكتاتوري في أذهان الناس.
وهذا بدوره يتطلب من القوى الديمقراطية أن تكون ديمقراطية وحديثة حقاً في فكرها وبرامجها السياسية وخطابها السياسي وفي علاقاتها مع فئات المجتمع ومع أعضاء أحزابها وتنظيماتها وبعيدة عن السلفية في الحنين إلى الماضي الذي لن يعود أو الاعتماد عليه, وإلا فلن يستقيم لها الوضع وستبقى هامشية كما هي عليه الآن, رغم كونها تؤكد أنها قوى المستقبل. ولن يكسب أي حزب المستقبل ما لم يعمل الآن من أجله. إنه الأمر المفقود كثيراً في الوقت الحاضر أو أنه في حدوده الدنيا.         
سيبقى الصراع على السلطة شديداً وستبذل الأطراف المختلفة جهداً لكي لا تلجأ إلى القوة والعنف, بل تواصل استخدام المناورات للاحتفاظ بالسلطة أو لأخذها, ولكن هناك من سيبقى يمارس العنف والقتل والتخريب ما دام يعرف جيداً وجود هذا الصراع بين القوى السياسية وبالطريقة الجارية حالياً لكي يمرر من خلالها مخططاته وأهدافه الشريرة.
وإذ يلعب التحالف الكُردستاني دور بيضة القبان فأن التحالفات التي يراد إقامتها لتشكيل الحكومة القادمة فإنه يواجه موقفاً صعباً ومأزقاً كبيراً, اعترف بذلك أو لم يعترف. فالموقف من القائمة العراقية محفوف بمخاطر جدية ناشئة عن موقف مجموعة أسامة النجيفي التي تحتل المرتبة الأولى في القائمة العراقية, إذ إنها تتخذ من المبدأ موقفاً مناهضاً بشكل صارخ لطموحات الشعب الكردي وحقوقه القومية وفيدراليته ومصالحه والتي لا تختلف سياساتها إزاء المسالة الكردية كثيراً عن السياسات التي مارسها صدام حسين إزاء الشعب الكردي في حالة وصولها إلى السلطة! إنها معضلة حقاً.
وتشخيص هذه المسألة لا يعني أنها متفقة تماماً مع قائمة دولة القانون, بل متعارضة معها في العديد من المسائل كما ظهر ذلك في فترة حكم المالكي المنتهية ولايته عملياً. كما إن هناك في الائتلاف العراقي الموحد من يرفض الفيدرالية الكردستانية, كما في حالة التيار الصدري, في حين هناك تعاون واضح واتفاق مع المجلس الإسلامي الأعلى في العراق بشأن العديد من القضايا. وفي هذه التشكيلات والتحالفات ذات السياسات والمواقف المتباينة يكمن المأزق الكردي في العلاقة مع الأحزاب والقوى والتحالفات السياسية في بغداد. ومع ذلك فالتحالف الكُردستاني حسم ويحسم موقفه لصالح التحالف مع الائتلاف العراقي الموحد ومن يختاره لتشكيل الوزارة القادمة. ورغم أنه لم يعلن عن تبنيه لأي من المرشحين, إلا أنه يميل, كما أرى, إلى السيد عادل عبد المهدي ليكون رئيساً للوزراء.   
سيبقى العاق يراوح في مكانه الراهن بشأن الموقف من الديمقراطية في العراق, بغض النظر عن كيفية تشكيل الحكومة الجديدة, ما لم تبذل الجهود الحثيثة والمكثفة لتغيير وعي الناس الذي لا يتغير بسرعة, ولا يتغير دون إجراء تغييرات فعلية في القاعدة الاقتصادية والاجتماعية التي تساهم بشكل خاص في بلورة وعي الإنسان الجديد وتنويره.   
لقد نشرت قبل أيام مشروعاً لـ "بناء العراق المدني الديمقراطي الاتحادي الحديث" لأغراض المناقشة. وكان هدفي منه الوصول إلى:
1.   تحريك النقاش البناء والجاد والمسؤول بين المختصين بمختلف جوانب المشروع أو جوانب أخرى أغفلها المشروع.
2.   إيصاله إلى كثرة من الطلبة والمتعلمين والمثقفين والقادرين على القراءة والمهتمين بالشأن العراقي بهدف دعم برامج ديمقراطية أخرى لقوى سياسية عديدة, وهي بالتالي محاولة للتثقيف بما هو إيجابي وضروري للعراق ليمكن مقارنته مع ما يجري اليوم في العراق أو مع المشاريع التي تطرحها القوى الأخرى.
3.   أن يكون أداة بيد المناضلين من أجل الحرية والديمقراطية في العراق, من أجل دفع البلاد باتجاه تحقيق ما يمكن تحقيقه في العراق. وبالتالي فهو أداة ضغط على الحكومات التي تتشكل للأخذ بهذه الفقرة أو تلك أو أكثر.
4.   من المعروف أن قوى المعارضة السياسية في أي بلد من البلدان حين تطرح برامجها تدرك تماماً بأن الحكومات القائمة لا تأخذ بها, ولكنها مع ذلك تطرحها للتثقيف بها والدعاية لها من أجل فرضها أو تغيير الحكومة أو الوضع كله. ومن هذا المنطلق أيضاً يفترض أن ينظر إلى المشروع الذي طرحته للنقاش, رغم قناعتي بأن هذه الحكومة أو تلك لا تريد الأخذ به أو ترفضه جملة وتفصيلا أو يفرض بعضه عليها فرضاً.
5.   أدرك تماماً بأن الأوضاع الراهنة لا تسمح بتحقيق بعض أهم وأبرز تلك الأهداف الواردة في المشروع, ولكن أليس من حقنا أن نعمم ما نريد ونحرك فئات المجتمع للنضال من أجله.
أتمنى أن يُقرأ المشروع في ضوء الملاحظات التي أوردتها في أعلاه ليتبين الهدف منه.
11/6/2010                     كاظم حبيب     
 


474
كاظم حبيب
خلوة مع النفس
هل القسوة وعدم التسامح يشكلان جزءاً من سلوكنا الاجتماعي؟

كثيراً ما فكرت في سلوكنا اليومي نحن العراقيين, وكثيراً ما شعرت بألم جارح حين كنت التقي في بعض الأحيان بأحبة يعانون من قسوة الآخرين عليهم أو بآخرين يعانون من ممارسة القسوة في ما بينهم. وكثيراً ما حاولت أن أبحث في أصل هذه السلوكية غير السليمة. وغالباً ما سجلت ملاحظات على أمل كتابة مقال بشأنها, رغم أني عالجت هذه المشكلة المعقدة في كتابي الموسوم "الاستبداد والقسوة في العراق" الصادر في العام 2005. والقسوة لا تبرز بين الأعداء فقط, بل وبين أفراد العائلة الواحدة أو العشيرة أو بين الأصدقاء أو بين أعضاء حزب سياسي واحد وبين أعضاء منظمة مجتمع مدني واحدة أو بين المعلم وتلميذه.
الخلافات بين الناس ممكنة وتباين وجهات النظر ممكن أيضاً, ولكنه لا يحتاج إلى قطيعة, إذ أن لكل ذلك حلول عقلية وبعيدة عن التشرذم والتنافر والتنابز والإساءة أو الانسحاب والانغلاق على النفس أو التخندق. نحن جميعاً بحاجة إلى رؤية واضحة للعلاقة التي تشد الجميع مع الاستقلالية الضرورية للرأي والرأي الآخر وبعيداً عن الإقصاء والتهميش, كما أن هناك أهدافاً مشتركة تجمع بين أفراد العائلة أو بين أفراد الحزب الواحد أو المنظمة الواحدة أو المجتمع الواحد دون الحاجة إلى الغضب وممارسة القسوة بأي شكل كان, سواء بالاعتداء أو بالكلمة الجارحة أو بالنظرة الزاجرة.   
يتشكل سلوك الفرد في مجتمعه. والمجتمع هنا يبدأ بالفرد, فالأسرة ثم يمتد إلى المدرسة والمحلة وموقع العمل والمدينة والدولة التي يولد فيها الفرد ويعيش مع غيره من الأفراد. هنا يتلقى الفرد القيم والمعايير العامة والتقاليد والعادات والأعراف التي تتعامل بها الأسرة والمدرسة والمعمل والمجتمع بشكل عام والسلطات الثلاث, التشريعية والتنفيذية والقضائية, وكذلك المنظمات والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وسبل تعاملها مع الفرد والمجتمع, وبشكل خاص موقف السلطة التنفيذية من الفرد والمجتمع.
القيم والمعايير التي يتلقاها الفرد في مجتمعه ليست سوى نتاج لمجموعة من العوامل المؤثرة والفاعلة والمتبادلة التأثير, إنها عوامل تاريخية وتراثية ودينية ومعرفية أو ثقافية عامة وحضارية بشكل أعم. وهي بشكل عام بطيئة في تغيرها وعميقة في تأثيرها على الفرد وتصرفاته اليومية وتعامله مع نفسه والآخر, 
لا يعني هذا أن كل الأفراد في هذا المجتمع أو ذاك يمتلكون نفس السمات ويمارسون نفس السلوك ويتعاملون مع نفس القيم والمعايير أو التقاليد والعادات والأعراف دون تباين في ما بينهم. إذ أن العوامل السالفة حين تلعب دورها تؤثر في الفرد بشكل متباين أحياناً كثيرة بسبب تأثير أحدها أو أكثر بصورة أقوى أو أخف من تأثير العوامل الأخرى, وبالتالي تكون الحصيلة تباين نسبي بين شخص وآخر. إلا أن هناك بعض السمات والخصائص التي يمكن الإشارة إلى كونها عامة والتي تبلورت في هذا المجتمع أو ذاك عبر مئات السنين والتي تركت فعلها وتأثيرها على الفرد الذي يتلقاها في البيت والمدرسة وتتجلى في سلوك المشرع في صياغته للقوانين التي يراد العمل بها في المجتمع وفي العلاقة مع الدولة, أو التقاليد والعادات والأعراف المعمول بها في المجتمع. والكثير من الباحثين المتخصصين بعلم النفس الاجتماعي قد كتبوا عن هذه الحالة, سواء أكان الدكتور علي الوردي أم الدكتور قاسم حسين صالح أم الدكتور إبراهيم الحيدري أم آخرين, وشخصوا المشكلة التي يعاني منها الفرد والمجتمع في العراق.
المجتمع الذي يتشكل من مجموع أفراده لا يعيش في فراغ ولا يعيش منفصلاً عن بعضه, بل تربطه علاقات متنوعة, منها العلاقات الاجتماعية العائلية والقبلية وفي إطار دولة معينة, ولكن أكثرها تأثيراً هي العلاقات الإنتاجية التي يرتبط بها الإنسان في الريف والمدينة, وهي التي تترك تأثيرها وفعلها على الفرد في إطار مرحلة معينة أو أحياناً تمتد لمراحل عدة من حياة المجتمع ولأجيال كثيرة. إذ ينتج عن هذه العلاقات الإنتاجية الدولة بسلطاتها الثلاث, وما تضعه من قوانين ومراسيم أو من حياة دستورية أو من سلطة استبدادية وقمعية.
والفرد العراقي في إطار مجتمعه العراقي يعيش منذ مئات السنين تحت وطأة عوامل كثيرة وفي ظل علاقات إنتاجية استغلالية, إذ يمكن القول أن هذا الوضع قد بدأ بالدولة الأموية والدولة العباسية ومن ثم الدولة العثمانية والدولة الحديثة والتي لا يزال الشعب يعيش تحت وطأة أوضاعها الاستثنائية, دع عنك الفترات التي سبقت ذلك, أي في العراق القديم.
حين تغيب الديمقراطية وتصادر حقوق الإنسان وحقوق المواطنة, وحين يمارس القهر السياسي والاجتماعي وحين تسود الفاقة الفكرية والثقافية بشكل عام وحين يسود الفقر والعوز في المجتمع, لا يمكن أن نتصور نشوء فرد ديمقراطي ومجتمع ديمقراطي, بل يكون الفرد والمجتمع هو نتاج تلك العلاقات ويمكن أن تتجلى تصرفاته اليومية بالكثير من تلك السمات التي تميز الدولة وأجهزتها المختلفة, رغم وجود من يناضل من أجلها, ولكنه يبقى غير متخلص منها. ويمكن ان يظهر ذلك في تصرفات الأحزاب والتنظيمات السياسية التي تكافح ضد الاستبداد والقهر والقمع, ولكنها حالما تصل إلى السلطة تمارس ذات السبل والوسائل لقمع الشعب وفرض سطوتها أو تمارس ذلك في العلاقة بين أعضاء حزبها حين لا تكون في السلطة أيضاً.
ما أقوله هنا ليس حالة مطلقة, بل هي نسبية في كل الأحوال. وحين أشير إلى السلبيات التي تبرز في سلوك الفرد والمجتمع لا يعني بأي حال غياب الإيجابيات التي يمتلكها الفرد أو المجتمع العراقي, إذ أنها ليست قليلة. ولكن حديثي هنا يتجه نحو تلك السمات التي يفترض أن تبذل الجهود الحثيثة من أجل تغييرها في صالح الفرد والمجتمع. من هنا أؤكد عدم نسيان السمات الإيجابية في أفراد هذا الشعب أو المجتمع بأسره. ولكني أريد هنا التركيز على معالجة السمات أو الخصائص أو السلوكيات السلبية التي يعاني منها الفرد والمجتمع.
لقد سادت أساليب الاستبداد والقسوة والقمع وغياب العدالة الاجتماعية وغياب الثقة المتبادلة في تعامل الدولة مع الفرد والمجتمع, وكانت ردود الفعل من جانب المجتمع في بعض الأحيان حادة وقاسية أيضاً. كما ساد التعامل الخشن في ما بين أفراد المجتمع في ظل علاقات الإنتاج السائدة, سواء أكان في ما بين أفراد طبقات وفئات المجتمع أو في إطار كل منها أيضاً.
لقد تعاملت الدولة مع الفرد بأسلوب تعسفي قسري بحيث ألغي دور الفرد وشخصيته المستقلة وأضعفت الثقة بنفسه من جهة, ونمت في الفرد روح الثأر والانتقام وعدم التسامح والقسوة في التعامل مع الآخر إلى حد الكراهية والحقد. كما عمدت الدولة في فتراتها المختلفة إلى تربية الأجيال بروح التمييز بين الأفراد على أساس الدين أو المذهب أو القومية أو اللون أو الجنس أو الفكر أو الرأي السياسي. ولم يقتصر هذا التعامل مع الفرد حسب, بل ومع المجتمع بأغلبيته. والواقع الراهن هو حصيلة كل ذلك.
لقد تعمقت جملة من تلك السمات السلبية في الأفراد إلى حد أن وجودهم في مجتمعات حضارية أخرى تختلف عن واقع مجتمعاتنا التي تعاني من التخلف لم تستطع تغييرهم كثيراً رغم مرور نصف قرن على وجود بعضهم في مجتمعات المهجر.
فالكلمة الجارحة والنظرة الخازرة والزاجرة والمتعالية على الآخر, وعدم التسامح إزاء ما يمكن التسامح فيه والإحساس السريع بجرح الكرامة الشخصية وعدم التراجع عن الخطأ, إذ يرى فيه إهانة لذاته بدلاً من اعتبار ذلك فضيلة تحسب له, وهي الصيغة المفضلة في التعامل اليومي وفي الاعتقاد بامتلاك الحق والحقيقة كلها. إن القسوة في التعامل لا تظهر في ممارسة الضرب أو التعذيب الجسدي, الذي يمارس اليوم في العراق من جانب الدولة في السجون ومن جانب قوى إرهابية دموية وطائفية سياسية متطرفة أخرى في الشارع العراقي, حسب, بل وكذلك بالكلمة التي تترك ندباً في روح الإنسان وفي علاقاته اليومية, والتي تتسبب في خلق جو يدعو إلى الثأر والانتقام من الإهانة المحتملة التي وجهت للفرد.
إن الظواهر والسلوكيات السلبية التي يتحدث بها الناس في بلادنا كثيرة, ولكن الكثير منهم يمارسها يومياً, ومجتمعاتنا الصغيرة المغتربة بعيداً عن أرض الوطن والمقيمة في الشتات تندد بتلك السمات والممارسات التي يعيش الشعب العراقي اليوم في ظلها, تمارسها أيضاً رغم تنديدها بها, بل تمارس في داخل منظمات المجتمع المدني, التي وجدت من أجل تعزيز العلاقات الاجتماعية, فإذا بها تتحول إلى مواقع للصراع وتبادل الكلمات القاسية وغياب روح التسامح. إنها السلوكيات الراهنة في المجتمع العراقي بكل تفاصيله ولكن بصورة مصغرة.
ندين ما يجري في العراق من قسوة وخشونة في التعامل في ما بين القوى السياسية العراقية, ولكننا لا ننتبه إلى أنفسنا وفي ما نمارسه في ما بيننا بحيث أصبحنا نموذجاً مصغراً لما ندينه يومياً في عراقنا المبتلى.
يحس البعض بالانتصار على "غريمه" حين يهين زميلاً له بكلمة قاسية ونابية بل وجارحة في حديث معه, يشعر وكأنه قد مسح صاحبه بالأرض وانتصر عليه, كأنه البطل المغوار الذي استطاع تحدي صاحبه وألقمه حجراً. البعض الآخر يشعر بأنه تغلب على "غريمه" حين دفعه للبكاء بعد أن وجه له تهمة ذميمة غير موجودة أصلاً ,وبالتالي أساء إليه بقصد مسبق. لقد راقبت أولئك الذين يوردون أمثالاً شعبية تسيء لحقوق الإنسان لا بهدف الإفادة منها, بل بهدف الطعن والإساءة, ثم ينظر إلى جماعته منتشياً أترون كيف أسئت إليه ولم يجرأ علي الرد.
إنها شيء من السادية المتجذرة التي تميز السلوك القاسي في التعامل مع الآخر.           كم هو جميل أن يبادر من أساء إلى صاحبه أن يعتذر له, وعلى الآخر أن يقبل اعتذار صاحبه بدلاً من التخندق والتصعيد المؤذي للجميع.
عشت تجارب كثيرة في هذا الشأن, ولا أعفي نفسي كعراقي من ذلك. ولكن كيف يفترض فينا أن نسعى للتخلص من تلك السلوكيات غير الحضارية التي تعود إلى ماض سحيق تكرست فينا, ولكن هذه السلوكيات لم تعد تنسجم مع الحضارة الجديدة للإنسان, على الأقل في الدول الأوروبية التي نعيش فيها. كيف نتعلم أن نصغي لبعضنا ونتعامل على أسس المساواة والابتعاد عن الإساءة لبعضنا أو امتلاك روح التسامح حين يعتذر البعض عن التهم أو الإساءات التي وجهها لغيره. قيل قديماً: القيام بثورة ناجحة أسهل بكثير من تغيير الإنسان لنفسه! أفلا ينبغي لنا أن نسعى لتغيير هذه السلوكيات فينا وإزاء بعضنا الآخر.
فيما مضى كان بعض الأفراد والجماعات لهم مرجعيات وطنية يعودون إليها بطلب النصيحة أو الرأي والموقف, سواء أكانت تلك المرجعيات حزباً سياسياً أم منظمة مدنية. إلا أن هذه المرجعيات لم تعد قادرة على تقديم النصح ولم يعد من يسمع رأيها أو نصيحتها ولم تعد قادرة على إسداء الخدمة التي كانت تقدمها حينذاك. وهو أمر غير سلبي بشكل عام لكي لا تفقد الفرد شخصيته وقراره الشخصي. ولكن الأمر أصبح خاضعاً للمصالح الفردية والتدافع بالمناكب لأجل مصالح ضيقة وزائلة. 
إنها المحنة التي تحتاج من كل عراقية وعراقي أن يعالجها فيه قبل غيره, ولا أبعد نفسي عن ذلك. والسؤال الذي يؤرقني هو: هل سيعتبر البعض أن هذه موعظة فارغة أم أنها تعبر عن حالة نعاني منها اليوم في العراق وفي الشتات العراقي, وهي سلوكية تعمقت لدينا بفعل معاناتنا الطويلة جداً من النظم الاستبدادية والاستعلائية والمريضة التي عشنا تحت وطأتها وعانينا من سلوكياتها الأمرين, ورغم إدانتنا لها أخذنا منها الكثير وليس القليل في تعاملنا وسلوكنا اليومي, وهي المحنة ذاتها!
يشعر الإنسان بالإعياء حين يواجه حالات من هذا النوع, ويفقد طعم النوم والعمل حين يرى تجمعاً صغيراً لا يزيد عن عدة عشرات من الناس المثقفين لا يستطيعون أن يجدوا لغة مشتركة في ما بينهم بغض النظر عن هذا المسيء أو ذاك, إذ أن الأمور كلها يمكن حلها حين يمتلك الإنسان الشجاعة على الاعتراف بالخطأ وحين يمتلك الحس الضروري للتسامح الإنساني والتخلي عن الكبرياء والتعالي على الآخر وحين يسعى لتعديل ما يشعر أنه خاطئ بروح إيجابية ووعي بأهمية ذلك وبمسؤولية عالية وبصبر وأناة.
7/6/2010                     كاظم حبيب
   


475
برلين في 4/6/2010

الأخوات والأخوة الأفاضل
تحية قلبية حارة
أضع بين أيديكم وللنشر أيضاً مسودة لصياغة مشروع "برنامج مدني ووطني ديمقراطي حديث" لبناء العراق الديمقراطي لأغراض المناقشة.
لا شك في أن مناقشة هذه المادة كمسودة ستتيح الفرصة لإغناء موضوعاته من خلال تعديلها أو تحسينها أو تغيير بعض جوانبها حين نتحسس معاً ضرورة مثل هذا المشروع وأهمية المشاركة في مناقشته ووضع صيغته النهائية لأغراض التثقيف العام ولأغراض العمل من أجل جلب انتباه القوى والأحزاب الوطنية والديمقراطية العراقية لما فيه من أفكار ومهمات تستوجب الأخذ بها و العمل من اجلها.
يمكن لكل من ذوي الاختصاص أن يعالج جانباً واحداً أو أكثر من موضوعاته وعلى صفحات الصحف والمواقع بأمل تعميم النقاش حوله للوصول إلى أفضل صيغة ممكنة.
ليس هدف هذا المشروع منافسة مشروعات وبرامج أي حزب أو تنظيم أو كتلة سياسية, كما ليس هدفه تشكيل حزب أو تنظيم أو كتلة سياسية في العراق أو خارجه, بل هو مادة من أجل النقاش والتثقيف العام ومشاركة عدد كبير من الأخوات والأخوة في العراق في هذا النقاش.
أملي أن يلقى اهتمامكم .
مع خالص الود والتقدير.
كاظم حبيب     

 
د. كاظم حبيب

حول صياغة مشروع مدني ووطني ديمقراطي حديث
للعراق الاتحادي


المدخل:

انقضى من عمر الجمهورية الخامسة 86 شهراً. وخلال هذه الفترة تشكلت ثلاث وزارات. واستحق الآن وبعد الانتخابات الأخيرة في آذار/مارت من العام 2010 تشكيل وزارة جديدة. كانت الغالبية العظمى من الوزراء فيها من الأحزاب الإسلامية السياسية , كما كانت رئاسة الوزراء في حكومتين متتاليتين بيد هذه الأحزاب , أي حكومة الجعفري وحكومة المالكي  , وكلاهما من حزب الدعوة الإسلامية في العراق , والأخيرة لا تزال تمارس مهمة تصريف الأعمال. وهي حكومات استندت إلى تحالف بين القوى والأحزاب الشيعية والتحالف الكردستاني بشكل خاص مع مساهمات هشة ومحدودة لقوى سياسية أخرى ومنها الأحزاب الإسلامية السياسية السنية والقائمة العراقية والحزب الشيوعي العراقي. واستندت الحكومات الثلاث على المحاصصة الطائفية والقومية. ورغم وجود برامج لهذه الوزارات , إلا أنها كانت شكلية. وفي الحكومتين المتتاليتين اعتبر كل وزير وزارته ملكاً صرفاً لحزبه السياسي وطائفته وراح يحولها إلى مقاطعة خاصة بحزبه وطائفته أو قوميته. ورغم مرور أكثر من سبع سنوات على سقوط النظام تواجه الشعب في العراق كثرة من الأسئلة التي تستوجب الإجابة , منها مثلاً :
هل امتلكت الوزارات المنصرمة مشروعاً مدنياً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وبيئياً حين تسلمت الحكم؟ وهل تمتلك الحكومة الراهنة مثل هذا المشروع؟ أم أن هذه الحكومة لا تزال تمارس سياسة ردود الفعل وتحوم حول مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي مبهم وعائم ولم تحقق الكثير غير بعض الأمن الذي لا زال هشاً؟ وكيف ستتشكل الحكومة القادمة؟ وهل ستقوم على نفس الأسس الطائفية التي قامت عليها الحكومتان السابقتان؟ وكيف ستتعامل الحكومة القادمة مع المهمات الكبيرة التي يفترض إنجازها خلال السنوات الربع القادمة؟
إن طرح هذه الأسئلة يقترن بالظواهر التي يعيشها العراق في المرحلة الراهنة والأزمة الطاحنة التي لا تزال تحيط بالحكم والمجتمع وتخلف سبل معالجتها. فالأزمة الراهنة هي أزمة تشمل الدولة بسلطاتها الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية , تشمل السلطة التنفيذية بكل أجهزتها والمجتمع بأغلب طبقاته وفئاته الاجتماعية , وهي تشدد من خناقها بشكل خاص ومؤلم على الفئات الكادحة والفقيرة والأكثر عوزاً وصغار الموظفين والمستخدمين وبقية الناس من ذوي الدخل المحدود , أزمة تشمل الأحزاب والتكتلات السياسية وتحالفاتها , أزمة أفراد , وأزمة قيم ومعايير فردية وجمعية , أزمة ثقة عامة ومتبادلة , إضافة إلى كونها أزمة علاقات معقدة ومركبة مع دول وقوى الجوار والعالم , ومنه مع القوات الأجنبية الموجودة في البلاد. وحين يدرك الإنسان هذا الواقع , عليه أن يتحرى عن حلول لجميع هذه الأزمات التي تواجه العراق. وهي مهمة تقع على عاتق الحكومة وجميع المسئولين والقوى والأحزاب السياسية المشاركة في العملية السياسية , كما تقع على عاتق المثقفات والمثقفين العراقيين في الداخل والخارج , إضافة إلى مراكز البحث العلمي التطبيقي التي تعالج المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية والثقافية والتربوية في المجتمع... الخ.
حقق العراق , وفق تقديرات أغلب المتابعين , خلال الأشهر المنصرمة بعض المهمات الأمنية والعسكرية الصعبة ونشأت عنها مهمات سياسية جديدة أكثر تعقيداً وصعوبة على المدى القريب وكذلك على المدى المتوسط والمدى البعيد , كما برزت التزامات أكثر استحقاقاً؟ وإذا كانت بعض الأهداف والمهمات التي أنجزت بدت قبل ذاك بصيغتها العامة ودون تفاصيل , فأن تفاصيلها هي التي وضعت ويمكن أن تضع الدولة والمجتمع في العراق أكثر فأكثر أمام مسؤوليات أكبر , وهي التي يمكن أن تضع البلاد على كف عفريت وفوق برميل مليء بالبارود القابل للاشتعال في كل لحظة , ما لم تتبلور رؤية عقلانية ووعي بالواقع العراقي ومشكلاته والقوى التي تحيط به من جهة , ووعي بتاريخ العراق خلال سنوات القرن العشرين من جهة ثانية , وما لم تدرس بوعي  ومسؤولية حاجة العراق وإمكانياته على التقدم المطلوب خلال الفترة القادمة لكي لا تكرر ما ارتكبه الحكام الآخرون من أخطاء وما ترتب عليها وعنها من عواقب وخيمة على كل مكونات الشعب العراقي , وما لم يتجل كل ذلك في برنامج واسع ولكنه شامل لما يفترض أن يتحقق في الفترة القادمة.
حين نتابع تصريحات ونشاط أغلب السياسيين العراقيين في المرحلة الراهنة , يمكننا تشخيص عدد من السمات السلبية التي تؤثر على المجتمع العراقي وعلى حل المشكلات التي تواجه العراق , ومنها على سبيل المثال لا الحصر :
1. الابتعاد عن الالتزام بمواد الدستور التي تم إقرارها , بل أن كل طرف سياسي يرى ويسعى إلى تطبيق ما ينسجم مع رغباته ويبتعد عن تلك التي لا تتناغم مع وجهات نظره , وفي هذا تجاوز على الدستور وعلى التعامل الواعي والمتساوي مع مواد الدستور , أي أن الأمور تقاس من جانب غالبية السياسيين العراقيين بمكيالين , وكأن بالإمكان حصول مناخين صيفي وشتوي على سطح واحد. كما أن هذا يعني تجاوزاً على كل الاتفاقات التي تمت بين القوى السياسية العراقية المعارضة لنظام الدكتاتورية قبل سقوطه. ولا شك في أن الدستور فيه الكثير من المثالب وحمال أوجه في عدد غير قليل من مواده والتي تخلق بدورها تفسيرات كثيرة واجتهادات لا تساهم في تنفيذ بنود الدستور على أسس ديمقراطية رصينة. كما لم يتم إلى الآن وضع القوانين الكفيلة بتحقيق ما تضمنه الدستور من مواد بهذا الصدد.
2. لا يختلف غالبية السياسيات والسياسيين في العراق بشكل عام عن بقية المواطنات والمواطنين في واقع معاناتهم من انفصام الشخصية والتصريح بشيء في مقابل العمل بشيء آخر , أو امتلاكهم لوجوه عدة , وهو الأمر الذي يُسقِطُ مصداقية الكثير من العاملات والعاملين في الحقل السياسي , إذ أن هذه السمة حين يتميز بها السياسات والسياسيون تكون عواقبها أشد سلبية على الإنسان العراقي وعلى المجتمع وعلى التطور والتقدم المنشود وكذلك على العلاقات الداخلية والخارجية.
3. غياب الصراحة والمجاهرة والشفافية الضرورية مع المجتمع لمواجهة ما ينتظره من مشكلات وسبل معالجتها والعقبات التي تعترض سبل الحل. ومثل هذه المشكلة تساهم في تحويل الصراعات حول قضايا معينة غلى نزاعات سياسية تتخذ مجرى أخر مضر بالمجتمع.
4. هيمنة الروح الفردية ونموها وتحولها إلى استبداد فردي قاهر ينتشي تدريجاً في ذهنية ونشاط غالبية السياسيين في العراق , وأقل من ذلك بالنسبة للسياسيات. وتبرز عواقب ذلك في حصول كوارث متلاحقة على العراق وشعبه. وقدم مجلس النواب إلى الآن نماذج مهمة وصارخة لهذه الظاهرة السلبية.
5. الإهمال الجدي وغير المسئول لإرادة ومطاليب ومشاعر المجتمع والتصرف باسمه وكأن هذا السياسي أو ذاك هو الممثل الشرعي والوحيد لهذا المجتمع بكل طبقاته وفئاته الاجتماعية. بل يصل الأمر برئيس الوزراء مثلاً إلى إهمال مجلس الوزراء والوزراء والتصرف بقرارات فردية غير مدروسة وغير مقررة. بما فيها تلك الأمور البسيط التي يتخذها المسؤول دون التفكير العميق بعواقبها الاجتماعية , ولكنه ينطلق من ذهنية دينية محافظة مثل منع حفلات الزفاف في الفنادق والأماكن العامة وحصرها بفنادق الدرجة الأولى , أي للقطط السمان وأصحاب النعمة الحديثة , أو منع المشروبات الروحية في مجتمع متعدد الديانات والثقافات والاتجاهات الفكرية ...الخ!
ومن جانب آخر فالمجتمع العراقي يعاني من اقتصاد مخرب وعاجز عن تلبية حاجات السكان اليومية ويعتمد بالدرجة الأولى على الاستيراد بسبب وجود موارد النفط المالية التي تستهلك دون أن تساهم في إغناء الثروة الوطنية والدخل القومي من خلال تحقيق التراكمات الرأسمالية في الاقتصاد.
ورث الحكام الجدد من النظام الاستبدادي السابق اقتصاداً مخرباً ومديونية كبيرة , وزاد في الطين بلة مجموعة من العوامل الأساسية , ومنها على نحو خاص:
1.   التدمير الهائل للبنية التحتية الذي حصل نتيجة القصف الجوي في حرب الخليج الثالثة والتي اقترنت بإسقاط النظام الدكتاتوري , رغم ضعف ومحدودية مقاومة قوى النظام للقوات الأمريكية والدول المتحالفة معها.
2.   السياسة الاقتصادية الاستعمارية المشينة التي مارسها المحتلون الأمريكيون والحاكم المستبد بأمره پول بريمر في العراق والتي أدت إلى المزيد من المشكلات وإلى تعميق التخلف والتبعية في الاقتصاد العراقي لاقتصاد النفط الخام واعتماد سياسة اللبرالية الجديدة المتطرفة في العراق دون إدراك الأضرار التي تلحق , والتي لحقت فعلاً بالاقتصاد العراقي والمجتمع من جراء تلك السياسات.
3.   غياب البرنامج الاقتصادي الواضح لدى مجلس الحكم الانتقالي ولدى الكثير من قوى المعارضة العراقية وعجزها عن التحكم بالسياسة الاقتصادية العراقية , إذ كان الراسم الوحيد لها هو پول بريمر.
4.   الإرهاب الدموي الذي ساد البلاد قبل الحرب وسقوط النظام وبعد الحرب وخلال السنوات المنصرمة من قبل قوى الإرهاب (القاعدة وفلول البعث ألصدامي) والمليشيات الطائفية المسلحة والقتل على الهوية من تلك القوى التي كانت مرتبطة عضوياً بقوى سياسية إسلامية عراقية والتدمير الهائل والتعطيل الفعلي للقدرة على ممارسة سياسة إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية بحدود غير قليلة.
5.   الفساد المالي الذي اقترنت به إدارة پول بريمر والكثير ممن عمل معه في الوزارات اللاحقة وفي أجهزة الدولة المدنية والعسكرية بحيث أصبح نظاماً فاعلاً في الاقتصاد والمجتمع العراقي. لقد كان الفساد منتشراً في العراق منذ منتصف العقد الثامن من القرن الماضي , وخاصة مع بدء الفورة النفطية , وتحول تدريجاً إلى نظام فاعل وتعمق أكثر فأكثر بارتباطه بالشركات الأجنبية الفاسدة التي دخلت العراق مع القوات الأمريكية , إذ جعلت من هذا الفساد نظاماً قائماً بذاته يستنزف ثروات البلاد ووطنية الإنسان لحساب المال الحرام.
6.   التناحر بين القوى السياسية العراقية الذي منع تشكيل رؤية واضحة لتنفيذ مشروعات البنية التحتية في الاقتصاد العراقي. وهنا يفترض القول بأن إقليم كردستان العراق حقق خطوات مهمة على طريق بناء البنية التحتية بخلاف الوسط والجنوب والمحافظات العربية في غرب بغداد , إضافة إلى محافظة كركوك رغم ما تخلل ذلك من فساد مالي وإداري ومحسوبية ومنسوبيه أيضاً. ومن هنا تبرز معاناة غالبية فئات الشعب وخاصة الفقيرة والكادحة منها من نقص في الكهرباء والماء وبقية الخدمات العامة والأساسية , ومنها تراكم القمامة والمياه الآسنة في الشوارع والطرقات وخراب شبكة الطرق والمواصلات.
7.   ولا شك في أن التعليم بمختلف مراحله غير مصاغ بطريقة تسهم في خدمة عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبناء الإنسان الجديد , بل انه لا زال مثقل بالكثير من سلبيات الماضي مضافاً إلى ذلك الكثير من الفكر الديني الطائفي الذي يثير الصراع بدلاً من تأمين الوحدة الوطنية.
8.   ويمكن أن نرى التخلف الحاد في مجال الرعاية الصحية للمواطنين , وبشكل خاص في الريف العراقي والمدن الصغيرة والذي له عواقب وخيمة على المجتمع.     
الشعب العراقي لا زال أمام أزمة شاملة رغم مرور هذه السنوات العجاف على الشعب العراقي , وهو بحاجة ماسة إلى مشروع وطني وديمقراطي يجري تنفيذه من أجل الخروج من هذه الأزمة الطاحنة ووضع العراق على طريق الحياة الديمقراطية المستقلة والسيادة الوطنية. وهذا الكراس يعتبر محاولة لصياغة أفكار أولية لمشروع وطني ديمقراطي لبناء العراق المدني الديمقراطي الاتحادي الجديد , أضعه تحت تصرف الباحثين والسياسيين والمهتمين بالشأن العراقي لمناقشته وتعديل أو استكمال جوانب النقص فيه وجعله قابلاً للتطبيق.
 

المشروع الوطني الديمقراطي
1
المشروع الوطني الديمقراطي الذي أطرحه للمناقشة يتضمن خطوطاً عامة وأساسية تشمل جميع قطاعات وفروع الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والتنويرية البيئية والعسكرية , حزمة من المشروعات الداخلية والعلاقات الإقليمية والدولية المستقلة عن بعضها , ولكنها متشابكة ومتفاعلة ومتبادلة التأثير في ما بينها والمتسمة بالديناميكية والمرونة والقابلية على التعديل والتطوير والإغناء , والتي تشكل في المحصلة النهائية خطاً واحداً تلتقي عند إستراتيجيته والتي يفترض فيها أن تدفع بالبلاد نحو التقدم المنشود, أي نحو الأهداف المركزية التي يمكن أن تتحدد في المشروع الوطني الديمقراطي والتي يأخذ بها القطاع الخاص المحلي والقطاع الحكومي أو القطاع الأجنبي. ويمكن أن يطلق على هذا المشروع الوطني الديمقراطي والمدني الحديث "إستراتيجية التنمية الوطنية الشاملة" على المستويين الاقتصادي والبشري , وعلى المستويات الداخلية والإقليمية والدولية.
ومثل هذا المشروع في خطوطه الأولية غائب إلى الآن عن السياسة العراقية وعن برنامج وهدف الحكومة بشكل خاص , وهو ما أكده الكثير من المسؤولين والمختصين والعاملين في العراق , كما يؤكده عشرات المختصين في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ...الخ. وبالتالي يصعب على العراق أن يجد حلولاً للأزمات التي يعاني منها حالياً وفي مختلف المجالات وعلى صعد الدولة والحكومة والمجتمع دون أن يمتلك مثل هذا المشروع الوطني والديمقراطي الحديث.
2
يُفترض وضع المشروع الوطني الديمقراطي بالتعاون الوثيق في ما بين الجهات التالية بصورة مباشرة أو غير مباشرة:
1.   الدولة بكل سلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية وفيدرالية كُردستان ومجالس المحافظات وفق مراحل مختلفة من عملية وضع المشروع. وتلعب السلطة التنفيذية المركزية وحكومة إقليم كُردستان ومجالس المحافظات الدور الأول والأساس في مجمل هذه العملية مصحوبة بمراقبة ومصادقة مجلسي النواب في كل من بغداد وأربيل.
2.   مشاركة فعالة وفعلية من جانب الأحزاب والقوى السياسية في تقديم المقترحات ومناقشة ما تضعه الدولة في هذا الصدد.
3.   مشاركة منظمات المجتمع المدني التي يفترض , في أجواء وظروف الحكم الديمقراطي , أن تمارس دور الرديف المستقل والفعال والمؤثر للحكومة في مجمل نشاطها وفي هذا المجال أيضاً لصالح قواها والمجتمع في آن.
4.   مشاركة الجامعات ومراكز البحث العلمي والمؤسسات المختصة والمختصين.
5.   مشاركة الإعلام بكل أجهزته وأدواته ووسائل وأساليب عمله في مجمل عملية وضع المشروع حيث يسهم بدور فعال ومكمل لبقية الأدوار في الوصول إلى الإنسان الفرد والمجتمع ليحركهم جميعاً صوب المشاركة في مهمات وعمليات وضع المشروع وتنفيذه ومراقبة التنفيذ. ومع تطور أجهزة ووسائل وأدوات الإعلام وفق التقنيات الحديثة , أصبح لهذا العامل الدور الكبير والمتزايد أهمية وخطورة في إنجاز هذه المهمة المتعددة الجوانب والأهداف.
6.   ويفترض هنا أن تلعب وزارة التخطيط الدور المباشر في ثلاث مراحل من عملية وضع إسترايجية التنمية الشاملة , مرحلة وضع التوجهات والخطوط الأساسية التي تكون موجهة لكل الوزارات والمؤسسات في ضوء ما تمتلكه من معلومات وإحصائيات , والمرحلة الثانية حيث تأخذ الوزارة على عاتقها عملية تجميع وتنسيق المشروعات التفصيلية التي يراد إقامتها على صعيدي الاقتصاد والمجتمع , ثم تبدأ المرحلة الثالثة بمناقشة وتطوير وتحسين الإستراتيجية وتفاصيلها لتنتقل إلى الإقرار والتنفيذ في مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية.
7.   ويتوجب أن تلعب وزارات: العلوم والتكنولوجيا ، والبيئة ، والصحة ، والتعليم العالي والبحث العلمي ، والثقافة , دوراً أساسياً في  وضع إستراتيجية في ضوء دراست وتقييم المشاكل البيئية والصحية القائمة ورسم خطط قصيرة المدى وبعيدة المدى لمعالجتها بمساعدة ودعم الوكالات الدولية المتخصصة ، مثل برنامج الأمم المتحدة للبيئة ، والوكالة الدولية للطاقة النووية، ومنظمة الصحة العالمية ومراكز الأبحاث الإقليمية والوطنية المعنية ، وخاصة في الدول المجاورة..
3
يفترض أن يشمل المشروع الوطني الديمقراطي المجالات الأساسية التالية التي تتفرع عنها بطبيعة الحال مجالات فرعية أخرى وتتداخل مع بعضها بسبب المهمات المشتركة التي تمارسها وتسعى إلى تحقيقها. فالمشروع الوطني الديمقراطي يتوزع على الحقول التالية: 
السياسة, الاقتصاد , الخدمات الاجتماعية والتنمية البشرية , التربية والتعليم , الصحية , الحالة النفسية , البيئة , العلوم ومراكز البحث العلمي , الثقافة , التنوير , الأمن الداخلي , القوات المسلحة , والعلاقات الإقليمية والدولية. وسأحاول تناول بعض هذه المفردات بالبحث وطرح التصور الأولي لمثل هذا المشروع , والذي سأضعه تحت تصرف الباحثين والمختصين والراغبين في مناقشته وجعله قابلاً للتنفيذ , علماً بأن وضع وتنفيذ مثل هذا المشروع من جانب الحكومة يستوجب ابتداءً وجود حكومة وطنية ديمقراطية تعبر عن وحدة القوى السياسية العراقية , وأن يشكل هذا المشروع القاسم المشترك الأعظم الذي تعتمده تلك القوى المتعاونة في الحكومة وخارجها.

4
أولاً : السياسة

وهنا يطرح السؤال التالي نفسه: ما هي المكونات السياسية للمشروع الوطني الديمقراطي الحديث؟ وكيف يمكن عبر هذا المشروع توفير مستلزمات وأجواء إقامة مجتمع مدني ديمقراطي حر وحديث؟
نشير هنا إلى ما نراه ضرورياً لواقع العراق وتطوره الديمقراطي المستقل , إذ يفترض أن يستند نشاط السلطة إلى المبادئ التالية لا نظرياً , بل وبالعمل الفعلي أيضاَ:
** النظام السياسي الديمقراطي له فلسفة من جهة وآليات وأدوات من جهة أخرى. وتقوم فلسفته من حيث المبدأ على مبدأ أن الحكم للشعب ويتم عبر الشعب ومن يخترهم ليمثلوه في المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية وأن يحقق الحكم مصالح الشعب. أي حق الشعب في اختيار ممثليه أولاً والتداول السلمي والديمقراطي للحكم وتأمين العدالة الاجتماعية في الحكم لصالح الشعب. وأدوات وآليات الحكم هي السلطات الثلاث وأجهزتها المختلفة وأساليب عملها وحل المشكلات والصراعات بالتفاوض والطرق السلمية والتحري عن حلول ديمقراطية. وهذا يعني ضرورة:
** الالتزام بمفهوم الاحتكام إلى الشعب في القضايا الأساسية وإلى ممثليه المنتخبين ديمقراطياً , وإلى مبدأ الأكثرية والأقلية واحترام الأقلية وحقها في التعبير عن رأيها والأخذ بمفهوم القوى الحاكمة والقوى المعارضة للحكم وفق أسس موضوعية وسلمية وآليات ديمقراطية.
** مفهوم المواطنة المتساوية بغض النظر عن القومية والدين والمذهب والفكر والرأي السياسي أو اللون واللغة ...الخ. وبغض النظر عن الجنس , سواء أكان رجلاً أم امرأة. وهنا لا يقتصر الأمر على النظر إلى الإنسان كمواطن متساوٍ في الحقوق والواجبات , بل يمارس عمله عملياً من خلال وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب , والأجر المتساوي لعمل متماثل , والحق في الوصول إلى كل المناصب في الدولة بغض النظر عن القومية أو الدين أو المذهب أو الفكر أو الجنس ... الخ.
** رفض إخضاع السياسة للدين أو الدين للسياسة , فكلاهما حقل مستقل عن الآخر ولا تداخل بينهما , وكذلك الالتزام بمبدأ الاحترام المتبادل بين المؤسسة الدينية والمؤسسة الحكومية وعدم التداخل في ما بينهما. ويفترض هنا أن يسود مبدأ "الدين لله والوطن للجميع".
** ليس المطلوب من السياسيين أن يتخلوا عن قومياتهم أو دياناتهم أو مذاهبهم الدينية أو اتجاهاتهم الفكرية بأي حال إذ أنها قضية شخصية , ولكن المفروض أن يتخلوا عنها سياسياً , إن كانوا متأثرين بأي من العلل الاجتماعية , ومنها بشكل خاص التعصب القومي والطائفية السياسية والتمييز الديني والمذهبي أو التمييز ضد المرأة أو الالتصاق بالعشيرة والمحلة على حساب الوطن والمواطنة. وهذا يمس الجميع , ولكن بشكل خاص من يتسلم مسؤوليات في الدولة والمجتمع. إن تمسك أي مسؤول سياسي بأي موقف طائفي أو تشم منه رائحة طائفية سياسية , يقود إلى المزيد من المصاعب وإلى إعاقة التحول صوب المشروع الوطني الديمقراطي , وإعاقة خلق مستلزمات أساسية لبناء المجتمع المدني الديمقراطي الحديث. كما يفترض أن تصدر القوانين الصارمة التي تدين وتكافح من يدعو أو ينشر أفكاراً أو يمارس العنصرية والطائفية والتمييز بمختلف أشكاله , ومنه التمييز ضد المرأة.
** احترام المرجعيات الدينية للأديان والمذاهب الدينية القائمة في العراق وإبعاد تدخل السياسيين في شؤونها أو تدخلها في الشؤون السياسية والأحزاب السياسية القائمة. ورفض إقامة أحزاب سياسية على أسس دينية أو مذهبية إذ أنها لا تعني سوى ممارسة سياسة تدين بالتمييز بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية.
** التبشير بمبادئ وشرعة حقوق الإنسان وحقوق القوميات وحقوق أتباع الديانات والمذاهب ونشرها على أوسع نطاق ممكن وممارستها فعلاً ومعاقبة من يعمل ضدها , كما يفترض تدريسها في مختلف المدارس والمعاهد والجامعات وتثقيف العاملين في المؤسسات بها وتنشيط دور منظمات المجتمع المدني في هذا الصدد.
** إصدار القوانين الديمقراطية المنظمة للحياة الدستورية والبرلمانية والحياة الحزبية والتداول الديمقراطي السلمي للسلطة , إضافة إلى تنظيم تشكيل ونشاط وحقوق وواجبات منظمات المجتمع المدني المهنية والوطنية والديمقراطية وبما يخدم قضايا الشعب والوطن.
** تنظيم عمل الحكومة بما يستند إلى الجماعية في العمل وتداول الرأي مع واتخاذ القرارات بالأكثرية والتخلي الكامل عن الفردية لدى رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة مجلس الوزراء والوزراء ومؤسسات الدولة التي تقود إلى الاستبداد. ولنا في ذلك تجارب مريرة.
** إصدار التشريعات المدروسة جيداً والمقرة من جانب الحكومة المركزية وحكومة إقليم كُردستان قبل تقديمهما إلى البرلمانين لإقرارهما حول العلاقة بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة الإقليم في أربيل بشأن جميع القضايا التي تمس النشاط الحكومي الداخلي والعلاقات الدولية في مجالات السياسة والتنمية والاقتصاد واقتصاد النفط والتجارة الخارجية والمال والخدمات العامة والاجتماعية ومؤسسات النقل والمواصلات والصحية والتربية والتعليم والثقافة والفنون ...الخ , إضافة إلى سبل وآليات وأدوات حل الخلافات المحتملة في أي مشكلة يمكن أن تنشأ بين الطرفين , وخاصة عند المحكمة الاتحادية أو المحكمة الدستورية ذات التشكيلة القضائية المستقلة والخاصة. وهذه المسالة تشمل العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليمية من جهة , ومجالس المحافظات من جهة أخرى.
** تأكيد الالتزام بحل جميع المشكلات المعلقة , أياً كانت طبيعتها وحجمها وتعقيداتها , بالطرق السلمية التفاوضية ووفق الدستور وبآليات ديمقراطية , والتخلي الكامل عن العنف والقوة أو التهديد باستخدامهما في العمل السياسي. وهذا يمس القضايا المعلقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم في مسائل التشكيلات الإدارية للإقليم والمحافظات أو في ما بين المحافظات العراقية التي نشأت بسبب المضمون العنصري والشوفيني والطائفي لسياسات وإجراءات النظام الاستبدادي السابق, وخاصة سياسات التعريب والتهجير القسري وتغيير جغرافية المحافظات.
** تطوير مراكز خاصة للبحث العلمي التطبيقي الخاص بمعالجة وحل المشكلات الداخلية والإقليمية قبل أن تتحول من مشكلات أولية إلى صراعات ومن ثم إلى نزاعات سياسية يصعب تقدير عواقبها. إن الاهتمام بهذه المراكز العلمية التطبيقية التي تعتمد على نظريات علمية وتطويرها محلياً يعني بشكل مباشر خلق مصدات سياسية واجتماعية جيدة لمواجهة المشكلات المحتملة أو القائمة قبل استفحالها في المجتمع وفي إطار القوميات أو أتباع الديانات والمذاهب الدينية أو بشأن قضايا الحدود الإدارية أو الإقليمية ومشكلات المياه ...الخ.
** ويفترض في هذا الصدد أن نفهم العلاقة الجدلية المتبادلة بين ثلاث مكونات وأن نتعامل معها بكل دقة وبحساسية عالية , وأعني بذلك:
"الالتزام بمبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والمساواة بين المرأة والرجل من جهة , وضمان أمن وسلامة الفرد والمجتمع واستقلال الوطن من جهة أخرى , وضمان العمل والخدمات العامة والعدالة الاجتماعية في المجتمع من جهة ثالثة".

5
ثانياً : الاقتصاد الوطني

إن عملية تصفية أوكار الإرهاب وتجفيف منابع مدهم بالأفراد والمعلومات والأموال والأسلحة والمهمات لا يمكن أن تتم بإجراءات أمنية وعسكرية صرفة على أهميتها حسب , بل تستوجب مشروعاً وطنياً ديمقراطياً واسعاً وجذرياً يحتل الجانب الاقتصادي منه موقعاً أساسياً كبيراً وحيوياً , إذ بدونه يمكن أن تعود تلك الجماعات المتوحشة لتمارس أفعالها الإجرامية ضد المجتمع من جديد. وهذا الدرس الكبير تقدمه لنا تجربة دولة الجزائر خلال العقدين المنصرمين تقريباً. فالبطالة الواسعة والفقر المدقع والشعور بالمهانة والحيف وملامسة التمييز الاقتصادي والاجتماعي والقومي والديني والمذهبي والجنسي في التعامل اليومي والتعرض للاستغلال الفاحش ومواجهة الغنى والتخمة الفاحشتين كلها من بين أبرز وأهم العوامل التي تحرك باتجاه الانعزال والاغتراب داخل المجتمع والشعور بالمذلة والحقد والكراهية والاستعداد لممارسة الإرهاب أو الالتحاق بتنظيمات قوى الإرهاب. علينا أن لا نستخف بعواقب الجوع والحرمان والفاقة , فهي تقود إلى البؤس الفكري والسياسي وإلى التمرد ونشوء احتمالات كثيرة وباتجاهات مختلفة لمن يعاني وعائلته من كل ذلك. وبهذا الصدد أورد رئيس بعثة الأمم المتحدة آد  ميلكرت في تقرير قدمه لمجلس الأمن الدولي في الخامس والعشرين من شهر أيار الحالي (2010م) لبحث آخر التطورات في العراق، إن "الأمم المتحدة تنصح جميع الأطراف بالتركيز على تقاسم الإيرادات النفطية في جميع أنحاء العراق، ومن ضمنها إقليم كردستان العراق وكركوك واتخاذ الخطوات الكافية بهذا الخصوص لحل مشاكل البلاد الاقتصادية".  واعتبر مليكرت في تقريره أن "الاقتصاد العراقي يواجه تحديا يتمثل بترجمة التوقعات الكبيرة بشأن التقدم المحرز على المستويين السياسي والأمني وتحويله إلى نمو اقتصادي بما يسهم بخلق فرص عمل تساهم بتحسين الظروف المعيشية للمواطن العراقي بشكل جذري"، لافتا إلى "وجود عجز في جميع الميادين الاقتصادية في البلاد".
6
يواجه الاقتصاد العراقي خمس مسائل جوهرية يفترض البت فيها ديمقراطياً , ومنها على مستوى الدستور , والذي ما تزال الكثير من مواده حمالة أوجه , والتي يمكن تلخصيها في النقاط التالية:
أ. الاحتفاظ بالثروات الأولية , وخاصة النفط والغاز الطبيعي , ضمن ملكية الشعب كله ولا يجوز تحويلها إلى القطاع الخاص , سواء أكان محلياً أم أجنبياً.
ب. تستوجب المرحلة الراهنة دوراً كبيراً يفترض أن يمارسه القطاع الحكومي دون أي تغييب لدور ومهمات القطاع الخاص المحلي والإقليمي والأجنبي , بل السعي للاستفادة منها وفق منظور إستراتيجي واضح يساهم في دعم الجهد لتعجيل التنمية وتحسين مستوى توزيع وإعادة توزيع واستخدام الدخل القومي. وفي المرحلة الراهنة يفترض أن تدرس عملية الخصخصة , التي يركز عليها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بصورة غير مشروعة , بشكل جدي وعقلانية بعيداً عن التسرع والتشنج والموافقة على ما تطلبه هاتان امؤسستان الماليتان الدوليتان التي تسيطر عليهما الولايات المتحدة والاحتكارات الدولية , دون تمحيص دقيق لعواقبه على الاقتصاد والمجتمع وبما يساعد على احتفاظ الدولة بشيء مناسب وضروري من التأثير الإيجابي على العملية التنموية والنشاط الاقتصادي وحماية الإنسان العراقي من الكثير من العوامل والعواقب المضرة بالفرد والاقتصاد الوطني. ولا بد من دعم جهود القطاع الخاص ومده بالقروض الميسرة , وخاصة بالنسبة لبعض فروع الاقتصاد الوطني وبعض مناطق العراق المتخلفة التي تستوجب التطوير وتحقيق التوطين الصناعي وتحديث ودعم الزراعة.
ج. تنمية وتطوير القطاع الصناعي وتحديثه ومشاركته الفعالة في إشباع جزء متزايد من حاجة السوق المحلي للسلع المصنعة. ويفترض أن يرتبط التصنيع المنشود بعدد مهم من المؤشرات الجوهرية:
- استخدام التقنيات الحديثة وتطويعها بما يسهم في رفع إنتاجية العمل وجودة الإنتاج وقدرته على المنافسة الفعلية من حيث حجم الإنتاج والتكاليف والجودة - اعتماد مبادئ الإدارة الحديثة، وبضمنها الإدارة البيئية، وتقييم الأثر البيئي للمشروعات،والجدوى الاقتصادية ، والعمل من أجل اختيار تقنيات مناسبة والعمل على تطويعها بما يساعد على حماية البيئة وصيانتها من التلوث. وتحقيق التعاون العلمي الدولي من أجل تنفيذ المبادئ المذكورة ، وتطوير هذه التقنيات محلياً ووفق واقع العراق والمنطقة. وخلال العقود الثلاثة الأخيرة تضررت البيئة والطبيعة العراقية كثيراً بسبب الحروب المتواصلة واستخدام أسلحة محرمة دولياً , كما تضرر المتبقون من سكان العراق من جراء تلك السياسات والحروب وعدم حماية البيئة والطبيعة.   
- تشجيع إقامة وتطوير المشاريع الصناعية الصغيرة والمتوسطة في المرحلة الراهنة حيث تسود البطالة الواسعة , إذ بإمكان مثل هذه المنشآت الصغيرة والمتوسطة استيعاب نسبة مهمة من العاطلين عن العمل ونقل قوى البطالة المقنعة إلى مجالات عمل جديدة.
- تحديد حجم الإنتاج من هذه السلعة أو تلك في ظروف عدد من المؤشرات التي ترتبط بوضع السوق المحلي والأسواق الإقليمية.. الخ ودراسة الجدوى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من هذه الصناعة أو تلك بالنسبة لقطاع الدولة , مع تقديم المقترحات بالنسبة للقطاع الخاص الذي يمكنه أن يلعب دوراً مهماً في عملية تصنيع البلاد.
- العناية التامة بالتوزيع الجغرافي العقلاني المناسب للمنشآت الصناعية بما يساعد على توطينها وتطورها وامتصاص البطالة فيها وتغيير نوعية الحياة في المجتمع ، وبما لا يضر البيئة والصحة العامة.
- العمل من أجل توفير مستلزمات نمو وتطور القطاع الصناعي الخاص ومشاركته في عملية التنمية والتشغيل وإنتاج الدخل القومي. كما يمكن في الوقت نفسه توفير مستلزمات دخول رؤوس الأموال الأجنبية إلى الاقتصاد العراقي من خلال تهيئة البنى التحتية الضرورية والأمن الداخلي وحماية رؤوس الأموال والأرباح.     
- إمكانية التنسيق والتكامل مع الدول العربية ودول الجوار أو دول أخرى في العالم بشأن تحديد طبيعة وحجم وموقع التصنيع الحديث لهذه السلعة أو تلك وتأمين اسواق أكبر لتصريف السلع المنتجة.
- أهمية اعتماد مبدأ التعاون والتنسيق بين مراكز ومعاهد البحث العلمي ووضع المعاهد والمراكز والجامعات العراقية , وخاصة الدراسات العليا , في خدمة مشاريع التنمية المتعددة الأغراض وربط البحث العلمي بها.
- تطوير الفروع والدراسات المهنية والفنية التطبيقية على نحو خاص , يما يسهم في خلق الكوادر الفنية والمهنية الوسيطة للتنمية الصناعية والزراعية , وعدم إهمال البحث النظري في العلوم الصرفة.
- إلزام القطاعين العام والخاص المحلي وكذلك القطاع الأجنبي الصناعي باستقبال وتدريب عدد متزايد من خريجي الدراسات الابتدائية (التي يفترض أن تصل الدراسة فيها إلى ثماني سنوات بدلاً من ست سنوات , والمتوسطة أو الثانوية للتدريب في مؤسساتهم لفترة معينة وقبل دخولهم إلى المعاهد الصناعية والفنية مع قيام الدولة بالتعاون مع القطاع الخاص لتحمل أجور وتكاليف هؤلاء المتدربين.
إن إمكانيات العراق الفعلية تساعد على إقامة سلاسل صناعية مهمة , سواء بالاعتماد على الموارد الأولية المتوفرة في العراق كالنفط والغاز الطبيعي وبعض الموارد الأولية الأخرى مثل الكبريت والفوسفات ... وفي الصناعات الزراعية الغذائية , سواء أكان ذلك بالنسبة للخضروات أو الفواكه أو التمور أو اللحوم أو التبوغ  , وفيما بعد الأسماك. ويوفر إقليم كُردستان العراق منطقة ملائمة للصناعات الزراعية والتعليب وصناعة السجائر والسجاد والملابس والصناعات البتروكيماوية والإنشائية .., الخ.
7
د : اقتصاد النفط الخام والغاز الطبيعي
يشكل النفط الخام والغاز الطبيعي الثروة الوطنية الأساسية في الاقتصاد في الوقت الحاضر ولسنوات طويلة من القرن الحادي والعشرين , وبما أن النفط ثروة وطنية ناضبة لا بد من استخدامها وفق أسس عامة وعلمية تكون ملزمة للدولة والمجتمع , ومنها :
-   استمرار عمليات التنقيب عن النفط الخام في كل أنحاء العراق والتي يمكن أن يكتشف فيها النفط , سواء للاستخدام المحلي أم للتصدير.
-   الاستخدام الفعلي للثروة النفطية والغاز الطبيعي في عمليات التصنيع الحديثة والصناعات البتروكيماوية وسلسلة من الصناعات الأخرى المرتبطة بها , إضافة إلى تطوير وتوسيع مصافي النفط في مختلف مواقع وجود النفط الخام وتلك القريبة من الموانئ وخطوط نقل المنتجات النفطية والغاز الطبيعي لأغراض التصدير والنقل الداخلي. كما يفترض أن يجري تطوير جاد وسريع لاستخدام بقية المواد الأولية والمنتجات الزراعية في عملية التصنيع , وخاصة الصناعات الزراعية . إن هذه الوجهة تساهم في وضع برنامج خاص للأمن الغذائي في العراق والذي يفتقده العراق حالياً , رغم تنامي الحاجة إليه , كما برهنت الحياة على ذلك , كما أنه يمكن أن يوفر مواد أولية زراعية لتنمية الصناعات الغذائية والتعليب لأغراض السوق المحلي أساساً وللتصدير لاحقاًً.
ولا شك في أن قطاع النفط الخام يستوجب وضع سياسة وطنية مدروسة بعناية تأخذ بالاعتبار عدداً من الأمور الجوهرية التي نشير إلى أهمها , رغم أنها معروفة للكثير من المتابعين لقطاع النفط الخام , ولكن حولها اختلاف وخلاف غير قليل , ومنها :
  + إبقاء اقتصاد النفط ضمن ملكية الدولة للموارد الأولية , فهذه الثروة ملك الشعب للأجيال الراهنة والقادمة والتي يفترض أن تستغل لصالحه ووفق معايير وأسس واضحة وشفافة.
 + تشكيل شركة وطنية واحدة أو أكثر تأخذ على عاتقها إنتاج النفط الخام وتسويقه وفق الأسس والمعايير الدولية ومصلحة الاقتصاد الوطني العراقي.
 + الأخذ بالمبادئ الأساسية التي تضمن للعراق مصالحه في قضايا استخراج وتصدير أو استخدام النفط الخام محلياً , سواء تم ذلك من خلال عقود الخدمة أم الحصول على التقنيات الفنية أو التأجير , على أن تعطى الأسبقية للشركات الوطنية العراقية التابعة للدولة. ولا تمنح عقود المشاركة بالإنتاج لتلك الحقول التي اكتشف فيها النفط أو المنتجة فعلاً, إذ في مقدور الشركات العراقية القيام بذلك.
+ يمكن منح عقود المشاركة في الإنتاج في تلك المناطق التي لم يكتشف فيها النفط والتي تستوجب البحث والتنقيب وحفر الآبار ومد الأنابيب .. الخ والتي تحتاج إلى الكثير من رؤوس الأموال. ويتم ذلك وفق أفضل العطاءات وأكثرها في مصلحة العراق , إضافة إلى الأخذ بالاعتبار المعايير والأسس الدولية المعمول بها في سوق النفط الدولي في وقت عقد الاتفاق عند منح مثل هذه العقود , سواء أكان من حيث نسب توزيع النفط المستخرج أم الفترة الزمنية للعقود ...الخ.
+ تجميع وتوزيع موارد النفط الخام مركزياًً وفق الأسس التي أقرها الدستور والقانون الخاص الذي يفترض صدوره لتنظيم توزيع موارد اقتصاد النفط الخام.
+ يجري الصرف على اقتصاد النفط الخام مركزياً من حيث البحث والتنقيب واكتشاف واستخراج النفط الخام وتسويقه.
+ يمكن الاتفاق على عقد الاتفاقيات النفطية من جانب الشركات الوطنية التي تشكل وفق قانون خاص بها شريطة أن تخضع تلك الاتفاقيات لإقرار الحكومة الاتحادية أو اللجنة الخاصة بهذا القطاع لدى مجلس الوزراء من حيث شروط الاتفاقية ومدى مطابقتها للمصالح الوطنية والقواعد والأسس الدولية في هذا المجال.
+ التحديث المستمر والتطوير الدائم لهذا القطاع ليكون على مستوى التقني الدولي الحديث , إضافة إلى التأهيل المستمر لكوادره وتنشيط البحوث العلمية فيه وتأسيس معهد خاص ببحوث النفط والغاز الطبيعي وتكوين الكوادر العلمية.
+ معالجة المشكلات الصحية الراهنة وسط شغيلة قطاع النفط في الحقول الجنوبية الناجمة عن التلوث الإشعاعي نتيجة عمليات استخراج النفط وبسبب ضرب المنطقة بالذخائر المشعة أثناء الحروب.
+ النفط ثروة ناضبة ولا بد من الاستخدام الفعال لها استناداً إلى بعض القواعد المهمة , وهي:
•   أن تخضع كميات الاستخراج والتصدير لحاجات العراق المالية وقدراته في استخدام فعلي بعيداً عن الهدر امالي الذي شهدته العقود المنصرمة.
•   أن توجه نسبة جيدة ومتزايدة سنة بعد أخرى من هذه الثروة الخامية المستخرجة لأغراض الاستخدام المحلي سواء أكان في التصنيع أم التكرير وإنتاج مشتقاتها.
•   أن يجري العمل في هذا القطاع بشفافية عالية وكشف حساباته ومكافحة الفساد المالي فيه ومنع تهريب هذه الثروة بأي طريقة كانت. 
+ كما يفترض أن يسعى مشروع الحكومة إلى استخدام بدائل أخرى لإنتاج الطاقة في العراق لضمان استمرار النفط أطول فترة ممكنة في باطن الأرض العراقية واستخدامها من قبل الأجيال القادمة ولن تبور هذه الثورة بأي حال. ومن الممكن استخدام العراق للطاقة الشمسية لأغراض الإضاءة والتدفئة والكثير من المجالات الأخرى , أو استخدام مياه العيون ومساقط المياه لإنتاج الطاقة الكهربائية في أرياف كُردستان أو استخدام الصحراء لمد التوربينات الهوائية أو مولدات الهواء لإنتاج الطاقة. 

8
هـ : القطاع الزراعي


يطرح القطاع الزراعي المهمات التالية على الحكومة والمجتمع:
* حل مشكلة الأرض الزراعية التي عجزت قوانين الإصلاح الزراعي الأول والثاني وتعديلاتهما والقانون رقم 90 لسنة 1975 عن حلها , رغم صواب الكثير من المواد التي وردت في تلك القوانين الثلاثة. ولم يكن الخلل في القوانين , وخاصة القانون الأول , بل كان العيب يكمن في سياسات الحكومية فيما بعد وفي دور أجهزة الدولة الإدارية المسؤولة التي كانت في تعارض مع مضمون تلك القوانين , إضافة إلى الصراعات الطبقية والسياسية التي تفاقمت حينذاك. ومن هنا يفترض استصدار قوانين ملزمة تعاقب في حالة عدم التنفيذ .
* تنظيف الأراضي الزراعية والمناطق الحدودية الملوثة بالمواد المشعة والأسلحة الكيمياوية وبالألغام المزروعة فيها.
* إن ضرورات تنمية وتحديث الزراعة كثيرة ومعروفة للجميع , ولكنها تستوجب إقرار وتنفيذ مجموعة من السياسات والإجراءات , كما تتطلب تعبئة المجتمع عموماً وسكان الريف والعاملين في القطاع الزراعي خصوصاً , وأهمها:
 - العمل من أجل تغيير بنية الإنتاج الزراعي لصالح التنوع وتكامل الدورة الزراعية لتحسين خصوبة الأرض وزيادة الإنتاجية والإنتاج وتحسين مستوى السلع المنتجة والوارد المالي منها. كما يفترض التصدي للجهود السيئة التي تبذل حالياً لإدخال مجموعة من المحاصيل لإنتاج المخدرات على الطريقة الأفغانية التي تهدد الاقتصاد الوطني والمجتمع بمخاطر جدية. وهذا الخطر ليس وهمياً , بل هو قائم حالياً في بعض مناطق الوسط والجنوب وفي شمال العراق وفي كُردستان.


- تحديث أساليب وأدوات ووسائل الإنتاج الزراعية وزيادة استخدام المكننة الزراعية والسماد العضوي والبذور المحسنة والابتعاد عن استخدام البذور التي جرى تغيير كبير ومضر في جيناتها والتي يمكن أن تتسبب في بروز مشكلات صحية للإنسان , كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد فرضت دول الاتحاد الأوروبي إجراءات مشددة ضد استيرادها أو استيراد منتجاتها رغم الضغوط الأمريكية المتزايدة على الاتحاد الأوروبي.
- تأمين التوظيفات المالية والقروض الميسرة والخدمات الزراعية التي تساهم في مساعدة الفلاح على تحسين مستوى إنتاجيه الغلة في الدونم الواحد وتحسين النوعية وزيادة مدخولاته المالية السنوية لتحسين ظروف معيشته وحياته.
- العودة إلى إصلاح شبكات الري والبزل التي أهملت والتي أدت إلى زيادة كبيرة في ملوحة الأرض وتراجع خصوبتها وغلتها , إضافة إلى تنظيم مشكلات المياه لحوضي دجلة والفرات والمناطق الأخرى لضمان استخدام عقلاني للماء الذي تزداد سنة بعد أخرى شحته لأسباب عديدة. كما أن استخدامه غير العقلاني والتبذير الشديد فيه قاد ويقود إلى عواقب سلبية على الأرض والمنتجات والإنسان.
- التأثير الإيجابي على أسعار السلع الزراعية من خلال تقديم الدعم المالي لتحقيق التوازن العقلاني في مصروفات وإيرادات الفلاح وحاجاته الفعلية واستمرار عمله في الزراعة.
- بذل جهود حثيثة لتطوير الريف ومده بالخدمات الاجتماعية , وخاصة الطرق والجسور والكهرباء والماء والمدارس والمستوصفات ومراكز الإرشاد الزراعي ومخازن نظامية للخزن السلعي والنقل المناسب للمنتجات الزراعية وتسويقها , ومحطات المكننة وإقامة دور ثقافية ودور عرض الأفلام السينمائية والجوالة ومسارح جوالة ...الخ.
إن هذه وغيرها من السياسات والإجراءات التي ستسهم في تحقيق خمس نتائج مهمة تساعد على تحقيق الكثير من الأغراض التي عجزت نظم وحكومات القرن الماضي إلى الآن على تحقيقها , وهي:
** زيادة في الإنتاجية أو الغلة والإنتاج الزراعي الإجمالي وزيادة الدخل القومي المنتج في الريف وتحسين القدرة على تحقيق التراكم الذاتي أيضاً.
** تقليص الحاجة إلى استيراد المزيد من السلع الزراعية وتقليص الانكشاف على الخارج وتحسين مستوى الأمن الغذائي للسكان وتقليص الموارد المالية الموجهة لأغراض الاستيراد السلعي الزراعي.
** تحسين مستوى حياة ومعيشة وظروف عمل الفلاح وأفراد عائلته وتأمين المجال لبنات وأبناء الريف على التعليم والتزود بالثقافة الحديثة والتمتع بالرعاية الصحية.
** تقريب مستوى حياة الريف من مستوى حياة المدينة تدريجاً بهدف إزالة التفاوت الراهن والكبير بين المدينة والريف خلال العقدين القادمين , رغم تخلف المدينة ذاتها.
** تقليص الهجرة السكانية غير المنقطعة من الريف إلى المدينة والتخفيف من المصاعب التي تعاني منها المدينة حاليا بسبب هذه الهجرة , والعمل من أجل تحقيق هجرة معاكسة مطلوبة قدر الإمكان لصالح الريف والاقتصاد الوطني , كما يسهم في تقليص البطالة الراهنة .
 

9
و : التجارة الخارجية

يتميز الاقتصاد العراقي بسمة التبعية الكاملة للتجارة الخارجية استيراداً وتصديراً. فصادرات النفط الخام كانت ولا تزال تشكل أكثر من 95 % من قيمة إيرادات التجارة الخارجية العراقية , في حين كانت ولا تزال الحكومات المتعاقبة تصرف النسبة الأكبر من هذا الدخل على استيراداتها السلعية وخاصة الاستهلاكية منها ولأغراض التسلح وحروب النظام الداخلية والخارجية وبذخ الحكام و"عطاياهم" نحو الداخل والخارج. والميزان التجاري العراقي يتسم بالسلبية والتشوه بدون النفط ولكن يتحول إلى الحالة الإيجابية , مع استمرار التشوه , مع إيرادات النفط الخام. ويتطلب هذا الواقع إجراء تغيير تدريجي وجذري في بنية التجارة الخارجية العراقية استيراداً وتصديراً. ومثل هذه ا

476
بيان احتجاج وإدانة شديدين
جريمة إرهابية بشعة ترتكبها دولة إسرائيل في مياه المتوسط الدولية !

ارتكبت دولة إسرائيل صباح يوم 31/5/2010 جريمة إرهابية بشعة ضد "قافلة الحرية" في مياه البحر الأبيض المتوسط الدولية راح ضحيتها ما يقدر بـ 16 شخصاً من المتضامنين مع سكان غزة المحاصرين من قبل إسرائيل. وقافلة الحرية لم تكن تحمل سوى مواداً غذائية وأدوية ضرورية لسد بعض النقص الكبير الذي يعاني منه سكان القطاع. ولم تكن هذه القافلة سوى عمل رمزي من أجل إيصال صوت سكان غزة إلى الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي ليعملا معاً من أجل فك الحصار الظالم المفروض على سكان القطاع من جانب دولة إسرائيل. وكانت القافلة المكونة من ست بواخر محملة بالأغذية والأدوية وعدة مئات من حركة التضامن العالمية ضد الحصار الاقتصادي , وهم يحملون جنسيات عدد كبير من دول العالم. ولم تكن الباخرة محملة بالأسلحة أو أية معدات حربية.
إن الهجوم العسكري الشرس من جانب القوات المدججة بالسلاح الحديث على الباخرة التركية مرمرة لم يكن متكافئاً , إذ لم يكن فيها سوى أناس مسالمين لا يحملون السلاح أياً كان نوعه. ولا يمكن تصنيف هذه العملية العسكرية في المياه الدولية إلا بكونها إرهاب دولة لا تحترم القوانين الدولية وشرعة حقوق الإنسان.
إن هذه الجريمة البشعة التي ارتكبتها إسرائيل مع سبق الإصرار تدلل على الطبيعة العدوانية المتطرفة للحكومة الإسرائيلية الراهنة وتتناقض مع كل إدعاءات إسرائيل بأنها تريد الصلح والسلام مع الشعب الفلسطيني , وهي في حقيقة الأمر ضد مصالح إسرائيل في المنطقة بأسرها , إذ المفروض أن تعيش إسرائيل مع جيرانها العرب بأمن وسلام وكذلك مع الشعب الفلسطيني الذي لا زال يسعى لإقامة دولته الوطنية المستقلة على أرض ما تبقى من فلسطين.
إن هذه العملية الجبانة لا تعبر إلا عن عدم وجود رغبة صادقة لحل المشكلة الفلسطينية بالطرق السلمية , بل الدلائل تشير إلى أن إسرائيل تسعى إلى ابتلاع المزيد مما تبقى من فلسطين عبر التسويف والمماطلة بالمفاوضات وارتكاب جرائم من هذا النوع التي تدفع بالمفاوضات إلى طريق مسدود.
لقد كانت السياسات الإسرائيلية المتطرفة من جهة , والتدخل الإقليمي في الشأن الفلسطيني من جهة أخرى , من الأسباب المباشرة لتنفيذ حماس انقلابها العسكري على منظمة التحرير الفلسطينية وعلى الشرعية الدولية , وهي بهذه السياسة لا تنشط قواها الداخلية الأكثر يمينية وتطرفاً وحقداً على الفلسطينيين حسب , بل هي تنشط أيضاً القوى اليمينية المتطرفة في الجانب الفلسطيني التي لا تريد إجراء المفاوضات مع إسرائيل.
إننا إذ نحتج وندين بشدة هذه السياسة الهوجاء من جانب إسرائيل وارتكابها هذه الجريمة البشعة , نطالب في الوقت نفسه بتشكيل لجنة دولية محايدة للتحقيق في هذه الجريمة المرتكبة من جانب إسرائيل لإنزال العقوبات الدولية بالحكومة الإسرائيلية وبمنفذي تلك الجريمة البشعة.
الخزي والعار للقتلة والذكر الطيب لشهداء حركة التضامن مع الشعب الفلسطيني في غزة.
الأمانة العامة                  الأمانة العامة   
التجمع العربي لنصرة القضية الكردية          هيأة الدفاع عن أتباع الديانات
 والمذاهب الدينية في العراق

31/5/2010



477
كاظم حبيب
هل من سبيل لحل أزمة تشكيل الوزارة في بغداد؟

بعد مرور شهرين على إعلان نتائج الانتخابات لا زالت جمهرة السياسيين في العراق تتصارع على مركز رئيس الوزراء في حين تتجمع السحب الداكنة حول سماء العراق وتنذر بمخاطر جدية على الأرض, إذ أن خلايا القاعدة والجماعات الإرهابية الأخرى المناهضة للعملية السياسية التي كانت في قيلولة أو المشكلّة حديثاً بدأت تعمل بجدية كبيرة وتنزل ضربات قاسية بالشعب العراقي وتحاول إشاعة الفوضى والشكوكية وعدم الثقة بين الأطراف السياسية العراقية من خلال عمليات الاغتيال لشخصيات سياسية تحسب على هذه القائمة أو تلك, كما حصل بالنسبة للشهيد العگيدي.
حين انتهت الانتخابات السابقة (2005) تشبث الجعفري برئاسة الوزارة ورفض تسليمها لعضو حزبه المالكي أو لأي شخص آخر حتى انتزع مكاسب شخصية له بشكل خاص نشرت مئات المرات وفی مئات المواقع. وها نحن نواجه مشكلة جديدة هي تشبث المالكي برئاسة الوزارة ورفضه أن يتخلى عنها لا لعلاوي ولا لغيره من أعضاء حزبه أو ائتلافه السياسي. فقد قال مرة لأحد الشيوخ "بعد ما ننطيها" , وكأنها ملك له ولحزبه.
لست مع المالكي ولا مع علاوي, فكلاهما لا يجسد الشخصية السياسية التي يحتاجها العراق, كما أرى, فكلاهما فيه من صفات الفردية والنرجسية والذهنية القومية أو الطائفية ما يمنعني عن تأييده في أن يكون رئيساً لوزراء العراق. ولكن هذا الموقف الشخصي النابع من قناعتي الشخصية تصطدم بواقع آخر يملي علي موقفاً آخر. وأعني به الأخذ بالاستحقاق الانتخابي.
في جميع أرجاء العالم حيث تسود الحياة الدستورية والديمقراطية يمنح الحزب الحاصل على أكثرية الأصوات والمقاعد الحق في البدء بمحاولة تشكيل الوزارة وليس الكتلة التي تتشكل في مجلس النواب بعد الانتخابات ومن عدة أحزاب. أي أن الاستحقاق الانتخابي هو لرئيس القائمة العراقية من الناحية الدستورية التي أرى فيها البعض الكثير الذي لا أميل له ولا يمثل وجهة نظري بل هو ضد تصوراتي للعراق الجديد مائة في المئة. ولكن ورغم ذلك عليه أن يبدأ بمحاولة تشكيل الوزارة وحين يفشل تعطى إلى الشخص الذي قائمته حصلت على المرتبة الثانية, وأعني به المالكي. وهكذا تسير الأمور بصورة طبيعية ودون تعقيدات إضافية للعراق المبتلى بالتعقيدات الكثيرة والمتشابكة.     
إن إصرار المالكي على البقاء وتشكيل الوزارة , كما يبدو لي وأرجو أن أكون مخطئاً, هو منطلق طائفي مريض لا يجوز قبول به بأي حال, وهو بالضد مما كان يدعيه قبل ذاك بأنه يرفض الطائفية والمحاصصة الطائفية. وإذا كان هو ضد الطائفية فلم الإصرار على بقاء رئاسة الوزارة بيد حزب إسلامي شيعي أو ائتلاف شيعي؟   
إن موقف المالكي والمتحدثين باسمه, كعلي الدباغ, يسيرون بالاتجاه الخاطئ ويعطلون العملية السياسية برفضهم الموافقة على بدء علاوي بتشكيل الوزارة الجديدة, وهو أمر بالغ السوء للعراق كله وعلى مستقبله غير الطائفي الذي يفترض أن يكون.
كما أن تفسير المحكمة الاتحادية للدستور يتناقض حقا مع العرف الدستوري على الصعيد العالمي والعربي (إن وجد عند الدول العربية قانون وعرف في هذا المجال!) وبالنسبة للدستور العراقي, إنه تفسير سياسي غير موفق. وبدلاً من أن تكون المحكمة الاتحادية حّلالاً للمشاكل خلقت بتفسيرها السياسي وليس القانوني الخاطئ مشكلة إضافية كان المفروض أن تنأى بنفسها عن هذا الموقف الذي يقلل من مصداقيتها أمام الشعب العراقي وأمام العالم.
نحن بلد لم يمارس الديمقراطية وليست لديه تقاليد فيها, وعلينا التعلم من الدول الديمقراطية وان نفسر الدستور, في حالة وجود أوجه مختلفة لتفسيره أو مادة تعتبر حمالة أوجه, وفق التقليد الديمقراطي العالمي وليس العكس.
أتمنى على المالكي أن يقدم درساً مهماً في هذا المجال وأن يمنح قائمة علاوي فرصة تشكيل الوزارة, وفي حالة عجز القائمة العراقية وفق ميزان القوى الراهن أن يحال الأمر لقائمة دولة القانون لتشكيل الوزارة وفي حالة فشلها يحال لشخص آخر يتم الاتفاق عليه ..
إن الفراغ السياسي الراهن يخلق مصاعب أمنية جديدة ويعقد عمل الأجهزة الأمنية والشعب هو الذي يتلقى الضربات الإرهابية, ففكروا بالشعب لا بالمناصب.
 27/5/2010                         كاظم حبيب   

478
كاظم حبيب
العراق والسرقة الأدبية... !
أكد لي صديق عزيز وهو حزين لم يعد شيئاً في العراق لم يسرق, حتى الكتب بدأت تسرق وتطبع دون علم المؤلف أو الدار التي تعاقدت على نشره. فكل شيء مباح في العراق في ما يمكن تسميته فوضى الحرية أو حرية الفوضى.
نحن أمام مجتمع عانى من هيمنة واستبداد الدكتاتورية ما يزيد على أربعة عقود, وبالتالي ضاعت الكثير من القيم والمعايير في خضم غرها وقمع وبؤس وفاقة المجتمع. وهناك سعي من أجل تغيير هذه الحالة وسوف تستغرق وقتاً ليس بالقصير لكي تستقر معايير وقيم حضارية جديدة تستجيب لطموحات وإرادة وحقوق الإنسان ويفترض وضع العراق على السكة الصحيحة فيندفع إلى الأمام ويتخلص من اثار الماضي المرير.
عاش العراق سنوات عديدة حيث كان الإنسان يقتل على الهوية الدينية والمذهبية أو الفكرية والسياسية , أو من أجل الاستيلاء على ما في جيبه من نقود, أو من أجل الثأر والانتقام الشخصي دون الذهاب إلى القضاء, أو بتكليف من جهة أو الاختطاف والتغييب أو السطو على البيوت وسرقة ساكني  الدار وربما قتلهم من الوريد إلى الوريد, كما حصل مع بعض أفراد عائلتي وعائلات عراقية كثيرة لا تزال يلفها الحزن والأسى على موت أحبتهم.
كلفني صديق في بغداد أن أرسل كتاباً لصديق طُبع في بغداد دون علم وأذن المؤلف الصديق. والكتاب لا يحمل اسم دار للطباعة أو دار نشر ولا مكان وسنة النشر. والكتاب وضع له عنوان من عنديات "حرامي بغداد" الذي قام بتنزيل المقالات التي نشرت تباعاً في مؤسسة إيلاف الإلكترونية والتي تتحدث عن ذكريات الصديق العزيز والكاتب المبدع والمتخصص باللغة العربية وآدابها والمحقق للكثير من كتب العرب الأولين الأستاذ الدكتور شموئيل موريه (سامي المعلم).
كتب لي الصديق شموئيل موريه يحتج على طبع مقالاته في كتاب دون علمه وبأخطاء فادحة وطباعة غير جيدة. كتبت له أواسيه وأبين له بأني قد نقلت له الكتاب من بغداد, وناقل الكتاب المسروق لصاحبه ليس بسارق الكتاب أو مسؤول عن سرقته. وطيبت خاطره بالكتابة له بأن كتبي التي وصلت نسخ قليلة منها إلى العراق طبعت دون علمي أو إعلامي بصدورها, وهكذا جرى التعامل مع الكاتب الروائي والشاعر المميز الصديق الدكتور فاضل العزاوي والصديق الدكتور رشيد الخيون وغيرهما من الكتاب. كان هذا يجري ضمن الفترة التي هيمن فيها صدام حسين على العراق ومنعت كتبنا بل كان يحكم من يعثر في بيته على أحد كتب ما يقرب من 1000 كاتب وكاتبة عراقية وعربية وأجنبية. وكان طبع كتبنا بهذه الطريقة مقبولاً, ولكن لم يعد هذا الأمر مقبولاً الآن لأن إمكانيات طبع ونشر ووصول الكتب إلى السوق العراقي لم يعد صعباً أو ممنوعاً.
وكتبت له: أخي الفاضل كل شيء غير محرم في العراق الراهن, كل شيء حلال بما فيها سرقة الكتب, دع عنك سرقة الناس والأموال ودور السكن والمقابر وما إلى ذلك, فلا تحزن على كتابك المسروق مع سبق الإصرار. المحرم في العراق هو أن تكون لك حريتك في اختيار مسيرتك وما تمارسه, يحاول البعض منع ما لا يمكن منعه, ومنها المشروبات الكحولية, رغم أن من يحاول أن يمنع يعرف مقولة العراقيين الشهيرة على مدى قرون: "ما دام بالنخل تمر .. ما جوز من شرب الخمر". أما ابن خلدون في مقدمته فقد ذكر ما مضمونه: "أن العراقيين كانوا أذكياء فأطلقوا على المشروب الكحولي اسم "العرق" بدلاً من "الخمر" لأن العرق لم يذكر في القرآن ولم يحّرم.
المحرم في البصرة الجميلة وفي بعض مناطق العراق المشروبات الروحية ونزع العباءة التي كافح من أجل نزعها العراقيات والعراقيون منذ أوائل العشرينات من القرن الماضي, وها نحن في العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين والعراقيات يجبرن على ارتداء أشكال من الأغطية السوداء التي تحجب الشمس والحرية وجمال الحياة عن عيون المرأة وتسلبها إرادتها وكرامتها وتمنعها من رؤية الناس مباشرة, علماً بأن كلا الجنسين يولدان عراة وليس بينهما من يرتدي العباءة أو الجادور أو القناع أو الپوشية حين ولادته. متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.
لا تغضب عزيزي سامي المعلم فسارق مقالاتك يبقى أفضل بما لا يقاس من ذلك المجرم الذي يختطف الإنسان ويقتله أو يفجر نسفه ليقتل عشرات ومئات من الناس أو من يستعبد المرأة !       
 22/5/2010                     كاظم حبيب
     


479
كاظم حبيب
مات صديقنا العزيز أبو عشتار ... مات عبد الرحمن الجابري..

" ستبقى لوحات الجابري حية تذكرنا به وتتحدث عن إنسان نبيل أحب الحياة والإنسان وعشق الطبيعة والفن ...".

منذ الصباح الباكر نقل لي الزميل فاروق الوادي الخبر المحزن والأليم, خبر وفاة الصديق العزيز عبد الرحمان الجابري. ودون وعي مني اغرورقت عيني بالدموع وتحشرج صوتي وأنا أساله عن وقت الوفاة وكأنها مهمة بعد أن مات العزيز. لم اصدق الخبر رغم علمي بمرضه, فقد كان قبل فترة وجيزة في بيتي قضينا الليلة في أحاديث ممتعة وذكريات قديمة حتى الساعة الثالثة بعد منتصف الليل بعد أن شاركنا معاً في حفل زواج ابنته عشتار من أحد أبناء تونس الخضراء في برلين. كان يبدو بصحة مناسبة وكانت الفرحة في تلك الليلة غامرة إذ أن ابنته العزيزة, تلك الفتاة الجميلة والرقيقة تحتفل زفافها.
أربع لوحات زيتية بحجوم مختلفة تحيط بي في غرفتي وشقتنا رسمها الفنان أبو سلام في فترات مختلفة, بعضها كان هدية كريمة منه وبعضها الآخر اقتنيتها منه ووعدني بخامسة حين أقوم بزيارته في مدينة إقامته بألمانيا, لكنه فارقنا على حين غرة وتكرنا نستعيد بعده الذكريات.
لوحاته تعبر عن امتلاك هذا الفنان البديع المبتسم للحياة دوماً عن حس مرهف للألوان وحرفية عالية ووعي عميق بالعلاقة بين الضوء والظل, بين المكان والإنسان, بين الإنسان والطبيعة, بين الحب والحياة, بين الغربة والوطن, بين الاستبداد والقسوة والموت والخراب, كل لوحاته كانت تعبر عن حبه الفائق للحياة وللإنسان. مات عبد الرحمن الجابري وترك خلفه عشرات بل مئات اللوحات الفنية التي ستبقى حية لتذكر الناس به وبفنه الأصيل. أرى لوحاته ولا اصدق أنه فارقنا وتركنا بدونه, فقد كان دائماً معنا في كل مكان, كان معنا بمشاعره ولوحاته ونكاته الجميلة, كان معنا بما يحمل من هموم شعبه.
كنا في السنتين الأخيرتين نتبادل الأخبار بكثافة أكبر عبر البريد الإلكتروني أو الهاتف عن أوضاع العراق وعن بعض خيبات الأمل التي يصاب بها الإنسان من جراء ما يجري في العراق من صراعات ونزاعات طائفية مريضة ومقيتة. كان المرض يوجعه وأوجاع العلاج اشد وأمر, ولكن كانت أوضاع العراق هي التي تؤرقه وتحول حياته في لحظات معينة إلى جحيم مرهق ويحاول أن يتغلب عليها بنكتة تجسد واقع العراق الراهن أو بقرص مسكن يساعده على عبور شدة الأوجاع. كان رحمن وطنياً صادقاً ويساريا ثابتاً وماركسياً واعياً وصديقاً ودوداً للضعفاء من الناس, للفقراء, للمقهورين من الناس في كل أرجاء العالم. حين جاء إلى برلين جلب لي معه هدية ثمينة هي عبارة عن لوحة زيتية (150 x 150سم) رسمها في العام 1989 تحمل صوراً رسمت لشهداء الدكتاتورية العسكرية الغاشمة في الأرجنتين وصوراً رسمت الأمهات الثكالى بأبنائهن حيث يرتسم الحزن على وجوههن وهن يطالبن بحكم القضاء العادل ضد الدكتاتورية ورفض إصدار العفو على القتلة منهم. لقد تجلت في هذه اللوحة بألوانها الغامقة وتجاعيد وحركات وجوه الأمهات والسماء ذات الألوان المتداخلة عن أفق مشرق غير بعيد ينبئ بانتصار العدالة الاجتماعية. كانت اللوحة تجسد روحه الأممية التي لا تعرف الحدود دفاعاً حقوق الإنسان وحقوق القوميات والديمقراطية والعدالة الاجتماعية, وضد الاستبداد والقمع والقسوة أينما وجد.
الأشهر الأخيرة كتب لي يقول لقد بدأت أرسم لوحات جميلة, لم اعد أرسم ألواناً غامقة, بل حياة فرحة ومرحة وألواناً ضاحكة منطلقاً من مقولة "تفاءلوا بالخير تجدوه!".
حين كان راقداً في المستشفى يعالج مرض السرطان الذي أصيب به قبل عدة أعوام, وجهت له رسالة حكيت له فيها عن رجل كان مريضاً بالسرطان ولكنه كان ينظر إلى الحياة بروح إيجابية وقاوم المرض وانتصر عليه, وقلت له أني أثق بانتصارك على المرض أيضاً. أرسلت هذه الرسالة لأكثر من صديق كان مصاباً بالسرطان. فرح بها كثيراً. انتصر لعدة سنوات على مرضه, ولكن في الآونة الأخيرة ضعفت مقاومة حسده ونحل وازدادت الآلام المربحة عليه فصرعه المرض بعد أن انتشر في جميع أنحاء جسمه ولم يعد قادراً على المقاومة وغادرنا بعد منتصف ليلة حالكة السواد دون أن يودعنا وأن نمنحه قبلة الوداع الأخير. لقد فاجئنا بموته ونحن نيام!
ولكن "ابو عشتار" سيبقى حياً في ذاكرتنا بلوحاته ورسائله المرحة ونكاته الطيبة والهادفة, فإلى عائلته الكريمة وأصدقائه ومحبي فنه أحر التعازي وله الذكر الطيب.
16/5/2010                     كاظم حبيب
     
 

480
كاظم حبيب

أصوات الشهداء تتصاعد من مقابرنا الجماعية, فهل نحن صاغون لها؟

استقر الرأي في العراق, وكما يبدو, على أن يكون السادس عشر من أيار/ مايس من كل عام يوم المقابر الجماعية التي امتلأت بها أرض العراق. وتشير المعلومات المتوفرة إلى الآن عن اكتشاف 240 مقبرة جماعية موزعة على 100 موقع في مختلف مناطق العراق, وفق ما جاء في المؤتمرين المهمين اللذين عقدا في لندن والنجف للبحث في أمر المقابر الجماعية. ولم ينته البحث عن بقية المقابر الجماعية إلى الآن ولا بد من مواصلته.
هذه المقابر الجماعية تحتضن رفات عشرات ألوف الناس الذين قتلوا أو استشهدوا في فترات مختلفة من حكم نظام البعث, وخاصة بعد الانقلاب الدموي الذي نظمه صدام حسين ضد مجموعة كبيرة من قياديي حزب وحكومة البعث في تموز من العام 1979 حيث قتل منهم 63 شخصاً بعد اتهامهم بالتآمر على حكمه وقيادته, ومن ثم إزاحته لأحمد حسن البكر الذي شاركه في كل الجرائم التي ارتكبت في العراق حتى نهايته على أيدي جلاوزة النظام السياسي الفاشي الذي شارك في بنائه في العراق.
تضم المقابر الجماعية عدداً كبيراً من بنات وأبناء وأطفال العراق ممن قتل أو استشهد لأسباب مختلفة على أيدي جلاوزة النظام منهم بشكل خاص:
1.   مناضلون سياسيون قتلوا تحت التعذيب أو في السجون والمعتقلات البعثية وهم مؤيدون أو ينتمون إلى مختلف القوميات والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والأحزاب السياسية.
2.   عدد كبير جداً من الكُرد الفيلية الشباب الذين هجرت عائلاتهم إلى إيران وقتلوا في السجون والمعتقلات.
3.   الكُرد الذين استشهدوا أو غيبوا وهم أحياء ودفنوا في مقابر جماعية, سواء أكانوا من النساء أو الأطفال أو الرجال , والذين قدر عددهم بحوالي 182 ألف نسمة في عمليات ومجازر الأنفال ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
4.   الجنود والضباط الذين قتلوا بتهمة الجبن أو الاختلاف مع "القائد الضرورة" أو جمهرة من الجنود الذين قتلوا في جبهات القتال وكانت عائلاتهم مهجرة, سواء أكانوا من عرب الجنوب والوسط أم من الكُرد الفيلية.
5.   عدد غير قليل ممن حاول التآمر على صدام حسين ونظامه الدكتاتوري ثم جرى الكشف عن تلك المحاولات وقتل أفرادها , سواء أكانوا أعضاء في حزب البعث الحاكم أم من المستقلين.
إن هؤلاء جميعاً نسمع أصوتهم تتصاعد من المقابر الجماعية تعلن احتجاجها وتطالب المجتمع العراقي والدولة العراقية بالكشف عن المجرمين القتلة الذين تسببوا في تلك الجرائم ومعاقبتهم وإعادة حقوقهم إلى من تبقى من عائلاتهم.
ولكن علينا أن ننتبه إلى أن في العراق مقابر جماعية أخرى غير تلك التي تسبب بها نظام البعث الدموي, مقابر جماعية نشأت بفعل الجرائم التي ارتكبتها قوى الإرهاب والمليشيات الطائفية, سواء أكانت سنية أم شيعية, في المناطق التي سيطرت عليها وقتلت الكثير من الناس الأبرياء. وكذلك أولئك الذين عذبوا وقتلوا في السجون والمعتقلات الأمريكية والعراقية بواسطة أجهزة أمن وقوات الدولتين, والتي كشف عن  هذه الرفات أو لم يكشف عنها إلى الآن, والتي دفنت في مقابر جماعية جديدة, ترفع هي الأخرى صوت الاحتجاج وتطالب بالكشف عن المجرمين القتلة وتقديمهم للعدالة بدلاً من السكوت عنهم. إذ أن السكوت عن مثل هذه الجرائم يسهم في توفير مستلزمات تكرارها دون رادع أو وزارع من ضمير.
إن التفكير الإنساني السليم يفرض على الحكومة العراقية اتخاذ كافة الوسائل الكفيلة بالكشف عن كل الجرائم المرتكبة في العراق خلال العقود الخمسة المنصرمة, ومنها شهداء المقابر الجماعية, سواء تلك التي تسبب بها نظام البعث أم قوى الإرهاب والصراع الطائفي السياسي والقتل على الهوية الدينية والمذهبية والفكرية.
لنتذكر دوماً الشهداء الذين تحتضنهم المقابر الجماعية فهم من بنات وأبناء هذا الشعب ومن حقهم علينا أن نبحث عن قتلتهم وأن نعوض عائلاتهم وأن نسعى للتخفيف النفسي والعصبي عن تلك العوائل التي تحملت الكثير من جراء ظلم وجبروت واستبداد وقسوة النظام في العراق ومن شراسة قوى الإرهاب والقوى السياسية الطائفية المتطرفة والمسلحة التي تسببت في موت الكثير من البشر.
الذكر الطيب للشهداء والخزي والعار لقتلتهم. 
 15/5/2010                      كاظم حبيب       



481
كاظم حبيب

اتساع الفجوة الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء في العالم الرأسمالي: ألمانيا نموذجاً

تشير المعلومات التي تحت تصرفنا إلى أن العالم الرأسمالي الذي نعيش فيه, منذ انتهاء المنافسة الاجتماعية بينه وبين الدول الاشتراكية التي غابت نظمها السياسية من الخارطة العالمية ابتداءً من أوائل العقد الأخير من القرن العشرين, يشهد مجموعة من الظواهر السلبية المتفاقمة التي تعتبر من حيث المبدأ جزءاً من طبيعة النظام الرأسمالي العالمي, فنحن اليوم إزاء:
1.   تنامي سريع في عدد أصحاب المليارات والملايين في العالم في مقابل,
2.   تنامي أسرع في عدد الفقراء والمعوزين في العالم, خاصة أولئك الذين يعيشون تحت خط الفقر وفق معايير الاتحاد الأوروبي بالنسبة لأوروبا (من هو دخله أقل من 60 % من متوسط دخل الدولة التي يعيش فيها), وكذلك في الدول النامية التي لا يتجاوز دخل الفرد اليومي عن دولار أو دولارين في اليوم. فوفق الأرقام المتوفرة عن العام 2010 فأن نسبة المهددين بالفقر في الدول الأوروبية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مجتمعة بلغت 17% أو ما يعادل 80 مليون إنسان. وهي متباينة من بلد إلى آخر تتراوح بين 28% في ليتوانيا وبين بحدود 10% في الجيك.   
3.   تفاقم فجوة الدخل بين الأغنياء والفقراء, وكذلك بين أصحاب المليارات والملايين ورواتب مدراء ومسؤولي المؤسسات والبنوك وشركات التأمين وغيرها من جهة, وبين ذوي الدخل المحدود والمتوسط. بحيث أصبح أضعافاً مضاعفة وأكثر بكثير من فترة العقد التاسع والعقد الأخير من القرن العشرين لصالح المجموعة الأولى.
4.   تزايد عدد العاطلين عن العمل على الصعد الوطنية والإقليمية والدولية.
5.   تفاقم درجة وشدة الاستغلال التي يتعرض لها المنتجون, الطبقة العاملة والفلاحون والكادحون وجمهرة كبيرة من المثقفين,
6.   زيادة مستمرة في الضرائب غير المباشرة على السلع والخدمات في مقابل تقليص مستمر للضرائب المباشرة على الدخل والأرباح السنوية المحددة للشركات الرأسمالية الإنتاجية والرأسمال المضارب وكبار الرأسماليين في الدول المختلفة.
7.   إعلان المزيد من حالات الإفلاس يومياً في الصحف المحلية والدولية لذوي المشاريع الصغيرة والمتوسطة أو ابتلاع منشآت من قبل منشآت أخرى أقوى منها.
8.   رمي ثقل أعباء الأزمة المالية والاقتصادية الدولية على عاتق الفئات الكادحة وذات الدخل المحدود والمتوسط من دافعي الضرائب, في مقابل الحصول على أرباح متعاظمة لتلك القوى الرأسمالية المضاربة. ويمكن أن نلاحظ عواقب الأزمة الأخيرة على سكان شعوب الدول النامية وكذلك على الفئات الاجتماعية المنتجة في الدول الرأسمالية المتقدمة, حيث منحت البنوك أموالاً طائلة لمعالجة المشكلات التي خلقتها هي ونظامها المالي والنقدي وأساليب عملها واقتطعت من دافعي الضرائب.
9.   استمرار الهجوم على المكاسب التي تحققت للعمال والمستخدمين وذوي الدخل المحدود في العقود المنصرمة مثل الرعاية الصحية والتعليم والثقافة والخدمات الأخرى وتقليص الأجور والمساعدات الاجتماعية بذريعة البطالة والرغبة في إعادة الاستثمار ...الخ.   
إن هذه الظواهر السلبية الصارخة تؤكد واقعاً جديداً هو تفاقم غياب العدالة الاجتماعية التي يجري الحديث عنها في الدول الرأسمالية واشتداد البرودة في العلاقة بين الطبقات والفئات الاجتماعية وتنامي التناقض الاجتماعي والصراع الطبقي على الصعيدين المحلي والدولي لما كان عليه قبل عشر سنوات مثلاً. وهذه الصراعات لا تزال تتجلى في النشاط النقابي والإضرابات العمالية النقابية, والتي لم تتخذ حتى الآن مسارات حادة ,ولكن لا يمكن إنكار احتمال نشوئها كما هو الحال في اليونان حالياً, وما يمكن أن يحصل في كل من إسبانيا والبرتغال وأيرلندا لاحقاً أو حتى إيطاليا وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي دعْ عنك الدول النامية الفقيرة والأكثر فقراً. 
فلائحة أصحاب المليارات في العالم تشير بالنسبة لعام 2010  إلى وجود 1011 مليونير ينتمون إلى 55 بلداً في حين كان العدد 793 ملياردير في العام 2009. وقد بلغت ثروتهم في 3/آذار 2010 (3600) مليار دولار أمريكي. 403 منهم من الولايات المتحدة ويمتلكون ثروة قدرها 1300 مليار دولار أمريكي, ثم في أوروبا حيث يوجد 248 ملياردير ويمتلكون 1000 مليار دولار أمريكي, 52 منهم في ألمانيا يملكون حوالي 200 مليار  دولار أمريكي. أما في روسيا فيوجد اليوم 62 ملياردير تبلغ ثرواتهم مجتمعة 297 مليار دولار أمريكي. ويوجد في الدول العربية 50 ملياردير تبلغ ثرواتهم 207 مليار دولار أمريكي. ورغم الأزمة فكما نلاحظ فقد ازداد عدد أصحاب المليارات وازداد حجم ثرواتهم, وهي كلها على حساب شعوب البلدان النامية وكادحي الدول الصناعية المتقدمة والتي كانت على حافة التحول صوب الرأسمالية, وهي الدول الاشتراكية السابقة وبعض الدول النامية.
ومع حلول الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي لم تصل إلى عمقها النهائي حتى الآن, يزداد الأمر سوءاً بالنسبة لفئات اجتماعية بعينها بسبب تفاقم البطالة والطرد من العمل وإعلان الإفلاس لعدد متزايد من المنشآت الصغيرة والمتوسطة أو ابتلاع بعضها من منشآت أخرى, إضافة إلى الهجوم الشرس على الخدمات الاجتماعية التي كانت تقدمها الدولة للمنتجين وذوي الدخل المحدود والفقراء.
ومن يتابع اتجاه تطور الاقتصاد الألماني سيجد أمامه الظاهرتين الأساسيتين الناجمتين عن طبيعة النظام وعن السياسات التي تمارسها الحكومات المتعاقبة وخاصة اليمينية منها, أي في تنامي عدد وحجم ثروات الأغنياء من جهة, وتزايد عدد الفقراء وحجم الفقر من جهة ثانية. فوفق المعلومات المتوفرة لعام 2008 يلاحظ المتتبع ما يلي, علماً بأن السنوات 2009 و2010 كانت هذه الظواهر أكثر تفاقماً:
1.   ازدياد عدد الفقراء والمهددين بالفقر في ألمانيا إلى 11,5 مليون إنسان من مجموع 82 مليون نسمة يشكلون سكان ألمانيا, أو ما يعادل 14% من السكان وهي قابلة للزيادة.
2.   2,5 مليون طفل مهدد بالفقر, ونسبة عالية من هؤلاء تعيش اليوم تحت خط الفقر الخاص بالدول الأوروبية. إن أكثر الفئات التي تعاني من حالة الفقر وسوء التغذية والرعاية الطبية هم الأطفال من أبناء العائلات الفقيرة, ثم النساء اللواتي لهن أطفال ويعشن دون شريك حياة, وكذلك العائلات بطفلين فأكثر.وتشير المعلومات إلى عدم وجود أطفال من العائلات العمالية ممن يحسب على المتفوقين في الدراسة بسبب سوء ظروف حياتهم ومعيشتهم وسكناهم وصحتهم.   
3.   بلغ عدد العاطلين عن العمل 3.406.000 نسمة في نيسان من العام 2010 أو ما يعادل 8,1% من مجموع عدد القادرين على العمل.
4.   يبلغ عدد مستلمي المساعدة الاجتماعية 2.9 مليون نسمة أو ما يعادل 3,5% من مجموع السكان.
ولكن ما يمكن تسجيله في هذا الصدد أيضاً هو الإجراءات المستمرة التي تتخذها الحكومة الألمانية المحافظة واليمنية منذ عدة سنوات بشأن تقليص مستمر للخدمات الاجتماعية والمكاسب التي تحققت للسكان في فترة المنافسة الاجتماعية مع الدول الاشتراكية, وخاصة في مجال الصحة والتعليم والثقافة ورياض الأطفال ورواتب المتقاعدين, إضافة إلى الارتفاع المستمر للضريبة غير المباشرة على السلع والخدمات, مما يزيد من متاعب الفقراء وأصحاب الدخل المحدود, في وقت تخفف نسبة الضريبة التي تفرض على الدخل لذوي الدخل العالي والشركات الكبيرة وأصحاب المليارات والملايين.
إن لم تكن هناك فائدة من وجود المعسكر الاشتراكي في حينها, ففائدته الأساسية كانت في حصول الطبقة العاملة وعموم السكان على مكاسب مهمة في الدول الرأسمالية لأن الرأسماليين كانوا يخشون من قوة المثل في الجانب الاجتماعي لتلك الدول, وبالتالي كانوا مجبرين على أعطاء بعض الحقوق المشروعة والعادلة والضرورية للعمال وغيرهم من المنتجين للسلع والثقافة والخدمات العامة والتي كانوا محرومين منها سابقاً.   
إن الأزمة الاقتصادية والمالية التي يمر بها العالم حالياً تتجلى في ما هو حاصل في اليونان وما يمكن أن يحصل في دول أوروبية أخرى دعْ عنك الدول النامية التي تعاني أصلاً من مشكلات كبيرة حتى قبل الأزمة الجارية. إن القروض الراهنة التي تقدم اليوم إلى اليونان في ضوء اجتماع وزراء المالية في الثاني من أيار/مايس 2010 لا تعني سوى المزيد من وقوع اليونان تحت رحمة القارضين وفرض شروطهم القاسية على اليونان التي تزيد من مصاعب عيش الفئات الكادحة من الشعب اليوناني وليس الأغنياء والمترفين منهم وتزيد من عدد العاطلين عن العمل لأنها تقلص القدرة الشرائية للغالبية العظمى من السكان وتقلل من الدخل الحقيقي لهم وتقلص من حجم الخدمات التي تقدم لهم أو تفرض تعريفات إضافية عليها. إنها سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي تخدم بالأساس الدول والشركات الأكثر غنى. إن محاولة إنقاذ الاقتصاد اليوناني من الانهيار والإفلاس لا يرتبط بالرغبة في مساعدة الشعب اليوناني بقر ما يرتبط بالخشية من انهيار العملية الأوروبية الموحدة اليورو في مقابل العملات الأخرى والتي بدأت بالوضوح حالياً في العلاقة بين اليورو والدولار الأمريكي.
إن العالم الرأسمالي سيواجه دون أدنى ريب مصاعب وتناقضات اجتماعية ونزاعات سياسية معقدة لعدة أسباب جوهرية, وهي:
1 . إن كبار الرأسماليين وشركاتهم وممثليهم في السلطتين التشريعية والتنفيذية على نحو خاص يرفضون العودة إلى المساومة التي برزت في عقود الحرب الباردة بين العمل ورأس المال بما يخفف من درجة شدة الاستغلال ويخفف من التناقضات الاجتماعية, فهم يطبقون اليوم رأسمالية استغلالية خالصة ترفض المساومة على توزيع الدخل القومي بين الأجر وفائض القيمة لصالح فائض القيمة, بل يسعون بكل السبل إلى زيادة أرباحهم على حساب الأجور ومدخولات الأفراد.
2 . إن هذا الواقع يوسع الفجوة الراهنة بين الغنى والفقر في كل بلد رأسمالي وفي العالم عوماً ويعمق الاصطفاف الطبقي الراهن,
 3. إن هذا التناقض الأساسي والرئيسي يمكن أن يقود إلى صراعات طبقية ونزاعات متنوعة في المجتمع الواحد وعلى الصعيد الدولي.
4 . وأن العلة تكمن في طبيعة النظام وفي السياسات المالية والنقدية, ومنها المصرفية والتأمينية والضريبية وسياسة الأسعار والمضاربات المالية لكبار الرأسماليين وشركاتهم العملاقة, إضافة إلى غياب دور الدولة في الرقابة والتوجيه والتعديل والإشراف على نشاط المؤسسات المالية والنقدية والمصرفية وغيرها. 
ويبدو لي أن حركة شعبية واسعة ستنهض تدريجاً لتفرض على الحكومات في تلك الدول صيغاً جديدة وسخونة في الصراع, وفي حالة مواصلة الإصرار على السياسات الرأسمالية الدولية الراهنة التي ترسمها الدول السبع الكبار + واحد, ستنشأ أجواء ثورية يصعب على العالم الرأسمالي احتواء نتائجها.
إن الأزمة التي تعاني منها الدول الرأسمالية تبرز في الجانب السياسي والاجتماعي في تنامي التوجهات اليمينية ونقص الديمقراطية بالنسبة للجماهير الواسعة في الدولة الواحدة لصالح التمثيل في الاتحاد الأوروبي والذي خلق إشكاليات كبيرة في كل من هذه المجتمعات.
نحن في بداية حالة جديدة في الحركة الفكرية والسياسية والنقابية العالمية. ومن لا يقبل على "دفع الجزة (فروة الخروف) سيجبر على دفع الجزة والخروف" وفق المثل الشعبي العراقي.
إن الطبقة العاملة, التي اتسع مفهومها في المرحلة الجديدة وفي عالم معولم اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وعسكرياً وبيئياً ... لتشمل أوساطاً جديدة من فئات المجتمع ..الخ, يفترض فيها أن تسعى على وحدة الصف في مقابل وحدة كبار الرأسماليين على الصعيد العالمي من خلال تنسيق السياسات والمواقف ومن أجل فرض تغييرات عميقة على الواقع الراهن لصالح المنتجين والكادحين في المجتمع. فالجشع الرأسمالي لا يقف عند حد أبداً, والرأسمالي ينادي دوماً: هل من مزيد؟, إن لم يلجم بسياسات فعالة وعقلانية ومدروسة جيداً من جانب النقابات والأحزاب اليسارية الديمقراطية وممثلي العمال والكادحين في الدول المختلفة وعلى الصعيد العالمي.
9/5/2010                            كاظم حبيب


المصادر: أشير هنا إلى بعض المصادر, وهي كثيرة بهذا الخصوص.
Berliner Zeitung. Das Risiko steigt. von Eva Rot. Nr. 105 vom 7.5.2010. h. S. 9 
Europäisches Jahr zur Bekämpfung von Armut und sozialer. Webseite  Ausgrenzung: Europäische Kommission. 9L5L2010.
Zahl der Armen in Deutschland wächst rasant. Spiegel Online. Von 17/2/2010
Die Sozialpolitik ist gescheitert. News. de

482
كاظم حبيب
هل يمكن مواجهة وجود الطائفية السياسية بشعار
"الدين لله والوطن للجميع" ؟
"لا شيء يكون بدون علة".
مارتين هيدگر
فيلسوف ألماني

لا شيء يكون بدون علة, هذا ما يدركه كل إنسان عاقل ومعقول في تفكيره. وهكذا يمكن أن نجد العلة في كل مشكلاتنا, فالجهل والفقر والمرض هي نتاج التخلف الاقتصادي والاجتماعي في السياسات غير العقلانية للحكومات العراقية المتعاقبة وكذلك في الفساد المالي الذي لا يبقي مالاً كافياً للتنمية وتشغيل العاطلين. المذهبية ترتبط بتباين الاجتهادات إزاء الدين أو تفسير القرآن والحديث أو ما يطرحه المجتهدون. والطائفة هي التي تؤمن بهذا المذهب أو ذاك, أي المجموعة البشرية التي تؤمن بهذا المذهب أو الرأي أو ذاك. وهو أمر طبيعي واعتيادي. ولهذا فالمشكلة في العراق ليس في وجود مذاهب أو طوائف مختلفة في إطار دين واحد هو الدين الإسلامي, بل المشكلة في الطائفية السياسية السائدة في العراق, أي التمييز بين الطوائف في التعامل اليومي, وهذا ما عاشه الشعب العراقي خلال السنوات السبع المنصرمة, وهذا ما نراه أيضاً في تشكيلة الوزارات والمؤسسات التي يرأسها شيعة أو سنة. عندها يمكن أن نفهم معنى الطائفية. ولهذا لا يجوز الالتفاف على المعنى المقصود حين يكتب البعض الطائفية وحده, بل المقصود استخدام الطائفية سياسياً لمصالح فئة معينة ضد مصالح الطوائف الأخرى. والأحزاب السياسية القائمة على أساس طائفي أو مذهبي تمارس الطائفية السياسية, أي تمارس التمييز بين المواطنات أو المواطنين على أساس مذهبي.
لم يكن العراق خال من الطائفية, سواء أكان ذلك في العهد الأموي أو العباسي أم العثماني أم في فترة العهد الملكي وفي فترة حكم الأخوين محمد عارف أو ففة حكم البعث الأولى والثانية. وهذا الواقع يتناقض مع ما يصرح به البعض بأن العراق كان خالياً من الممارسة الطائفية التمييزية وليس المذهبية السوية. وكانت فترة حكم عبد السلام محمد عارف أولاً ومن ثم فترة حكم البعث الدكتاتوري الأخيرة هي من أخس واشرس الدكتاتوريات التي عرفها العراق والتي مزجت بين الاستبداد والقسوة والقمع من جهة وبين الشوفينية والطائفية السياسية من جهة أخرى.
وكان الشعب في غالبيته العظمى ومن أتباع جميع الديانات والمذاهب الدينية ومن جميع الاتجاهات الفكرية غير الفاشية ضد الدكتاتورية والقسوة والشوفينية والطائفية السياسية وضد التمييز في الحكم والتي ومصادرة الحقوق الفردية والقومية التي جسدها نظام البعث الفاشي خلال فترة حكمه. وتصور البعض أن سقوط النظام الفاشي سيزيل الطائفية السياسية من اذهان الكثير من القوى السياسية في العراق وسيفتح الطريق أمام الديمقراطية. ولم اشترك, كما لم يشترك الكثير من الكتاب الديمقراطيين, في هذا الرأي, إذ كان يعتمد ذلك الرأي على تسطيح للواقع العراقي وإلى تصور ميكانيكي ساذج للعلاقة بين الظواهر وتداعياتها في المجتمع.
التقسيم الطائفي قد أقر من جانب العديد من قوى المعارضة العراقية منذ اجتماع دمشق في العام 1990 ومن ثم في مؤتمر بيروت (1991) واجتماع فيينا (1992) ومؤتمرات صلاح الدين (1992) ومؤتمر واشنطن (1999) ولندن (2002) المتتالية. وما حصل في فترة حكم المستبد بأمره پاول بريمر كان تنفيذاً لذلك التوزيع السابق وبالاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية. لم تشعر قوى المعارضة العراقية بمخاطر هذا النهج في الفكر والسياسة, إذ أن الجميع كان مستهدفاً من جانب نظام البعث, إلا أن سقوط نظام البعث وضع المجتمع وجهاً لوجه أمام طائفية سياسية من نوع آخر لم يعرف قبل ذاك في العراق, رغم أن الطائفية السياسية هي واحدة من حيث العواقب التي تتسبب بها.   
لقد توقعت حصول هذا التوجه في السياسة العراقية بعد أن تتم الإطاحة بالنظام وخشيت منها على مستقبل العراق ومسيرة الشعب منذ التسعينيات حين صدر كتابي الموسوم "ساعة الحقيقة: مستقبل العراق بين النظام والمعارضة" في العام 1995, كما برز أيضاً في كتابي الموسوم "المأساة والمهزلة في عراق اليوم" الصادر في 2000.
أشرت وأشار الكثير من الكتاب إلى أن التحولات الجارية في أسماء القوائم ليس الدليل على تغيرات فعلية جارية على المواقف الفكرية والسياسية للقوى والأحزاب السياسية الإسلامية العراقية, سواء أكانت شيعية أم سنية, فهو تكتيك يراد منه كسب أولئك الناس الذين أصبحوا ضد الطائفية السياسية وممارساتها اليومية بسبب ما عانوا منه خلال السنوات السبع المنصرمة, وأن هذه الأحزاب, كما أرى, لم تغير من اتجاهاتها الفكرية والسياسية لأنها قائمة على هذا الأساس. كما لم ينفع كسب بعض العلمانيين والديمقراطيين إلى قوائم إسلامية سياسية في تغيير نهجها أو وصول بعضهم إلى المجلس النيابي , فهذه المسائل لم ولن تغير من طبيعة وحقيقة تلك الأحزاب. وهذا ما نعيشه اليوم إذ النتائج تشير إلى ما يلي:
** عادت القوى الإسلامية السياسية الشيعية إلى تشكيل البيت الشيعي مجدداً من حيث دمج دولة القانون بالائتلاف الوطني العراقي, فالأصل هو الائتلاف الوطني العراقي.
** ارتفاع عدد النواب الفائزين الذين مارست قواهم السياسية العنف الشديد إزاء المجتمع ومارست الطائفية السياسية بعنف وشراسة في مقابل تراجع من يسمون بالمعتدلين!
** عدم حصول الديمقراطيين والعلمانيين الذين التحقوا بالأحزاب الإسلامية السياسية, بأمل الحصول على مقعد أو وزارة, على أي مقعد في المجلس الجديد.
** دفع هذا الأمر حتى قبل الانتخابات إلى حصول استقطاب شديد للسنة في قائمة العراقية بحيث أصبحت الممثل لهم والتي لا يمكن تجاوزها بأي حال.
** من هنا نقول عادت الطائفية والمحاصصة الطائفية إلى الصدارة لتلعب دورها في تحديد مسار العمل السياسي العراقي في السنوات الأربع القادمة بخلاف ما كان ولا زال الادعاء من الطرفين!
** ولم يعد التحالف الكردستاني قادراً على التأثير كما كان في السابق أو تغيير الصيغة والمعادلة التي تريد فرضها القوائم الإسلامية السياسية الشيعية بشكل خاص, فقد تراجعت حصته من 60 مقعداً إلى 43 مقعداً. ومع ذلك فهو يعتبر بيضة القبّان ارتباطاً بتمثيله للشعب الكردي الذي لا يمكن تجاوزه في تشكيل أي حكومة عراقية.
كتب الأخ الأستاذ ضياء الشكرچي مقالاً يشير فيه إلى أن "الأحزاب الإسلامية السياسية لا مستقبل لها في العراق", وهذا الاستنتاج صحيح من حيث المبدأ وعلى المدى البعيد, ولكن علينا استكمال هذه المقولة الصحيحة بالمقولة التالية التي أدعيها بأن "مستقبل العراق غير مشرق في ظل الأحزاب الإسلامية السياسية التي تمارس الطائفية السياسية", إذ إنها ستبقى ولفترة أخرى في الحكم ولكنها سوف لن تكون لصالح وحدة الشعب وحريته العامة وحرية الفرد ولا لصالح الحياة والحريات الديمقراطية. وهذا الاستنتاج يشمل الأحزاب القائمة على أساس طائفي والتي تمارس الطائفية السياسية والتي برهنت عليها خلال الأعوام المنصرمة.
لم تعد الإدارة الأمريكية هي القوة الفاعلة في العراق, وهذا أمر جيد, ولكن الفعل الراهن في العراق هو لإيران بالدرجة الأولى وللصراع العربي الإيراني بالدرجة الثانية, أي تدخل حكام الدول العربية في الشأن العراقي, وهو الأمر السيئ حقاً. وهذا الأمر سيعقد إلى حدود بعيدة إمكانية إلغاء وجود العراق تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة, بسبب المخاطر التي يمكن أن يشكلها العراق بسبب الوجود الأمني والسياسي الكبيرين لإيران في العراق, إضافة إلى التحالف الإيراني مع سوريا من جهة, ومع بعض المليشيات الشيعية في البلاد من جهة أخرى. ولكن المشكلة تبرز أيضاً في التدخل المتواصل لحكومات بعض الدول العربية, وخاصة السعودية والخليج وسوريا.   
يواجه عراق اليوم محنة عصية بسبب نتائج الانتخابات وغياب قدرة التيار والقوى الديمقراطية العربية في التأثير على الأحداث وعلى مسار تشكيل الحكومة بسبب غيابه أو ربما تغييبه عن قبة ومقاعد مجلس النواب. ولكن هكذا أراد الشعب, وكلنا يعرف أسبابه وجرى البحث فيه كثيراً.           
ويصعب التكهن بما سيؤول إليه الوضع بشأن تشكيل الحكومة أولاً, وبشأن السياسات التي ستنتهجها في الفترة القادمة ثانياً, والمخاطر التي ستبرز بسبب نشاط قوى الإرهاب والمليشيات المسلحة على حياة ومصالح المجتمع ثالثاً.
إن التخويل الممنوح لقوى الإسلام السياسي الشيعية والسنية كبير حقاً وهو يهدد بتكريس ظاهر الاستقطاب الطائفي السياسي وما ينجم عنه من ظواهر سلبية في حياة الإنسان والمجتمع, إذ أن هذا التخويل يهدد مبدأ المواطنة الحرة ولا يسمح بتطبيق شعار "الدين لله والوطن للجميع", وفي هذا تكريس الانشطار الشعبي والممارسات غير الديمقراطية من جانب السلطة وقوى في المجتمع.
إن الوضع القائم في العراق لن يسمح بتشكيل حكومة من طرف واحد بل ستكون حكومة تشترك فيها كل القوائم الفائزة وسيجري توزيع الحقائب الوزارية وفق أسس معينة, أي وفق الاستحقاقات الانتخابية, ولكن ستبقى أوضاع الوزارات في بنيتها الطائفية السياسية وفق الحالة التي كانت عليها في العام 2005, وفي هذا تجاوز على حقوق المواطنة التي يفترض أن لا تميز بين الأفراد على أساس الدين أو المذهب أو العقيدة أو القومية أو الفكر والسياسة.
8/5/2010                      كاظم حبيب   

483
كاظم حبيب

هل يمكن بناء الديمقراطية في العراق ؟

حين احتل الإنكليز كل العراق في نهاية الحرب العالمية الأولى, كان العراق غارقاً في بحر من الظلمات العثمانية. فكانت العلل الثلاث, الجهل والفقر والمرض, سيدة الموقف في كل أرجاء العراق, وكانت هذه العلل ناشئة عن قاعدة اقتصادية متخلفة وعلاقات إنتاجية شبه إقطاعية استغلالية, حيث كانت هناك طبقتان أساسيتان تشكلان بنية المجتمع, وهما طبقة الفلاحين الفقراء, وتشكل غالبية المجتمع, وطبقة الإقطاعيين وكبار ملاكي الأراضي الزراعية, وتشكل الأقلية, وكانت بجوارهما فئات اجتماعية كادحة مثل البرجوازية الصغيرة المدينية وجمهرة صغيرة من مثقفي ذلك الزمان من خريجي المدرسة الفكرية والسياسية العثمانية. كما كانت هناك مؤسستان تهيمنان على الاقتصاد والمجتمع وعلى الوعي الاجتماعي للإنسان, وهما: المؤسسة العشائرية التي تخلت عن العلاقات الأبوية لصالح التملك الخاص للأرض الزراعية من قبل شيوخ العشائر, بعد أن كانت الأرض تستثمر من قبل أفراد العشيرة. وأصبح شيخ العشيرة هو المستثمر للأرض والمستغل لأفراد العشيرة من الفلاحين. وأصبح الفلاحون أداة لاغتناء الإقطاعيين وكبار الملاكين وعيشهم المرفه, أما المؤسسة الدينية فكانت مصالحها متشابكة مع مصالح الإقطاعيين وكبار الملاكين في الريف, وكانت قادرة على التأثير بالناس عبر الدين. وفي إطار هذا الواقع وفي ظل حكم عثماني أوتوقراطي كان العراق لا يعرف من المدنية الحديثة ومن حضارة المجتمع المدني الغربي شيئاً يذكر. ولم يسمع المجتمع بمصطلح الديمقراطية قبل ذاك, في ما عدا بعض الأفراد الذين تسنى لهم قراءة بعض المجلات أو الكتب أو الذين تسنى لهم السفر إلى الغرب والإطلاع على حياة مجتمعاتهم.
لهذا كان دخول البريطانيين إلى العراق واحتلاله بداية الاحتكاك مع الغرب والحضارة الغربية ومع الاستعمار الحديث ومع مصطلح الديمقراطية في آن, وبعد أن أصبح فيصل بن الحسين ملكاً على العراق في أعقاب ثورة العشرين.
حينذاك طرح البريطانيون مسودة الدستور العراقي الذي أقر في العام 1925 بعد أن نوقش وعدل في بعض جوانبه من جمهرة صغيرة من العراقيين الذكور, إذ لم يكن للمرأة في حينها مكان في المجتمع الذكوري غير البيت والحقل, وكانت مضطهدة بكل معنى الكلمة ومن كافة الجهات.
كانت المسودة وما جرى عليها من تعديلات ذات مضمون ديمقراطي لا ينسجم مع واقع المجتمع وعموم الحال في العراق, إذ لم تكن في العراق قاعدة اقتصادية واجتماعية لبناء مجتمع مدني ديمقراطي, كما لم يكن في العراق ديمقراطيون, إذ أن الديمقراطيين لا يخلقون من فراغ. فكان الدستور وحده هو الديمقراطي الوحيد في البلاد. وبسبب غياب مستلزمات وجود مجتمع مدني ديمقراطي, سار العمل في تطبيق الدستور منحاً غير ديمقراطي, منحاً شوه في الممارسة بنود الدستور وزيف وعي الناس. إذ كان هدف الانكليز الحفاظ على القاعدة الاقتصادية دون تغيير وعلى الاستغلال الإقطاعي في البلاد بجوار استغلالهم الرأسمالي. ثم نشأت, بالرغم من المستعمرين, وبسبب حاجتهم إلى استثمار ثروات البلاد واستغلال شعبها, مشاريع اقتصادية وموانئ وطرق حديثة ورؤوس أموال تتدفق في قطاع النفط الخام. ثم نشأت تدريجاً بعض الأحزاب السياسية وقلة من منظمات المجتمع المدني على غرار ما هو موجود في بريطانيا دون أن تكون لها مضامين ديمقراطية مكرسة ومستندة إلى قاعدة متينة وثابتة في أرض الواقع العراقي. وكان الديمقراطيون عملة نادرة والغالبية تستخدم الكلمة دون أن تدرك عمق مضمونها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وأبعادها الحضارية.
فكان الدستور ديمقراطياً والحكم غير ديمقراطي والممارسة بشكل عام غير ديمقراطية. وحين نشأ الصراع بين الحكم والمعارضة, التي حاولت أن تكون ديمقراطية,  لم تكن تحكمه الديمقراطية بل القوة ومن يفرض نفسه بالسلاح من جانب الحكم, أو من يمتلك القدرة في السيطرة على الشارع (الأحزاب). وكان الكسب مرة لهذا ومرة لذاك ويبقى الوضع على حاله دون تغيير ولفترة طويلة.
هذه الحالة, مع الاختلاف في الزمان والأحزاب والشخوص, بدأت تتكرر في العراق منذ ربيع العام 2003. شنت حرب خارجية وفرض الاحتلال الأمريكي على العراق, رغم الحديث عن التحرير, كما في المرة الأولى ولكن من قبل البريطانيين حينذاك, بعد إسقاط دكتاتورية مريعة بلغ عمرها 35 سنة, ولكنها في الواقع يبلغ عمر الاستبداد والقسوة والقمع في العراق قروناً كثيرة.
مجتمع تسوده العشائرية ثانية ويتعاظم تأثير المؤسسة الدينية والمذهبية على وعي الناس. لقد تمكن صدام حسين من خلق وعي مجتمعي مشوه ومزيف وإرادة مفككة’ لم ينته بسقوطه بل تفاقم من أوجه معينة.
لا توجد أرضية ولا قاعدة صلبة لمجتمع مدني ديمقراطي, كما لا توجد أحزاب ديمقراطية بالمعنى السليم للديمقراطية, فالأحزاب, كما هو معروف, تشكل جزءاً من البناء الفوقي الذي يقوم على قاعدة اقتصادية معينة, وهي مكونات تنبثق من صلب المجتمع فهي البناء الفوقي الذي يمكن أن يتميز عليه بقدر ضئيل لا غير. الأحزاب لا تتعامل مع الديمقراطية حتى باعتبارها أداة, دعْ عنك أن تكون فلسفة ومبادئ وقناعات.
هذه الحقيقة المرة يلمسها المواطن والمواطنة اليوم بشكل صارخ. فليست الأحزاب وحدها لا تمتلك وضوحاً ولا تمارس الديمقراطية, بل وكذلك الكثير من الناس عموماً, إضافة إلى المصاعب التي يواجهها القضاء بسبب ما يواجهه من ضغوط وتأثير بعض الأحزاب السياسية, وكذلك المؤسسات "الدستورية" المنبثة من هذا الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
هل نحن ديمقراطيون؟ ليس سهلاً على الإنسان العراقي, وخاصة السياسي, الإجابة عن هذا السؤال بـ "نعم", بل الإجابة أقرب ما تكون إلى "لا". وليست هذه إساءة لأحد, بل هو استنتاج يستند إلى واقع الحال وما يجري في العراق من مسرحية عمرها سنوات سبع, ولكن وبشكل خاص منذ أن بدأت الحملة الانتخابية الأخيرة. إنها تجربة تؤكد غياب الديمقراطية الفعلية عن أرض وسماء وغالبية سياسيي العراق. خذوا علاقاتنا الحزبية, سواء أكانت في داخل كل حزب أم في ما بين الأحزاب السياسية؛ خذوا اللغة التي نتصارع بها سياسياً والاتهامات بالعمالة التي لا تنفك تلصق بالناس جزافاً؛ خذوا الموقف من المال العام وما يجري الحديث عنه علناً من فساد ونهب للمال العام؛ خذوا الموقف من المرأة وحقوقها عائلياً ومجتمعياً وعلى المستوى الرسمي؛ خذوا الموقف من حقوق الإنسان المهدورة والمهضومة, ومنها حقوق المعتقلين والسياسيين والمحتجزين وما يجري من تعذيب فيها, إذ ستجدون العجب العجاب؛ خذوا الموقف من النقد الذي يوجه لهذه الشخصية السياسية أو تلك أو لهذا الحزب أو ذاك, إذ يعتبرون النقد سبة وإساءة للشخص أو للحزب, وبالتالي على المنتقد أن يتلقى الحجارة. وإذا كان بيت المنتقد من زجاج, فسيدفن تحت أكوام الحجارة! وإن لم يكن كذلك فستبقى محاولات التشويش والتشويه مستمرة لأخذ الثأر من المنتقد! يمكن أن يورد الإنسان مئات الأمثلة عن غياب الديمقراطية في طريقة تفكيرنا وتعاملنا اليومي. وهي ليست مشكلة فردية, بل هي مشكلة جمعية, وهي ليست تهمة إزاء أحد, بل هي من واقع المجتمع وعلاقاته ومستوى تطوره. خذوا الموقف من النقد الذي يوجه لهذه الشخصية السياسية أو تلك أو لهذا الحزب أو ذاك, إذ يعتبرون النقد سبة وإساءة للشخص أو للحزب, وبالتالي على المنتقد أن يتلقى الحجارة. وإذا كان بيت المنتقد من زجاج, فسيدفن تحت أكوام الحجارة! وإن لم يكن كذلك فستبقى محاولات التشويش والتشويه مستمرة لأخذ الثأر من المنتقد! خذوا أخيراً هذا المقال الذي لم يجد طريقه للنشر في بغداد بسبب صراحته وشفافيته مع المجتمع العراقي والمسؤولين في العراق!
نحن بحاجة إلى خلوات مع النفس والحديث معها بصراحة وشفافية عالية لكي نتبين مدى عمق سلوكنا الاستبدادي ومدى قسوتنا في التعامل في ما بيننا ومع الآخر. نحن بحاجة إلى معرفة المشكلات التي تعاني منها شخصيتنا التي هي من تنشئة هذا المجتمع ومن سلوك وتصرفات الحكومات العراقية المتعاقبة على مدى الحكم الوطني. ولكن هذا يعود إلى ماض سحيق سار بنا ومعنا منذ مئات السنين.
هذه ليست من بنية جينات العراقيات والعراقيين, بل هي من تربية المجتمعات والحكام الذين هيمنوا على بلادنا وحكموا شعبنا على مدى مئات بل آلاف السنين. ويكفي أن نقرأ ملحمة گلگامش لنجد كيف هذا الشاعر العبقري قد بين لنا طبيعة الحاكم المستبد مثلاً وعلاقته بالنساء, إذ لم يترك امرأة واحدة إلا ودخل فيها, أو لنقرأ ما سجل من شريعة على مسلة حمورابي. فمن 282 مادة, توجد هناك (52 مادة) تعاقب على مرتكبي الجرائم بالموت وبطرق مختلفة, وهي مساوية لعدد صيغ أحكام القتل عند الطاغية صدام حسين. 
سنبقى ندور في حلقة مفرغة نفتش عن الديمقراطية ولا نجدها وسنطالب بالديمقراطية وصوتنا يضيع في سوق الصفافير, بل سنجد ما يسمى بفوضى الحرية التي تعني بالضبط غياب الديمقراطية وتعني ما يجري اليوم في العراق.
علينا أن نبدأ بتغيير واقعنا الاقتصاد والاجتماعي, لنخلق الأساس المادي للديمقراطية, علينا تغيير مناهج التعليم في جميع مراحله في بلادنا, علينا تغيير أحزابنا وتغيير وجهة تفكيرنا وعقلانية الموقف من حقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية والحلول السلمية لمشكلاتنا المتنوعة. ما لم نكف عن التفكير بممارسة العنف باعتباره خير وسيلة لانتزاع أو فرض الحق,
السيف أصدق أنباءً من الكتب     في حده الحد بين الجد واللعب
ستطول الفترة حتى نستطيع بناء الديمقراطية, وستكون أطول بكثير حين لا نفكر بتغيير بنية اقتصادنا وبنية مجتمعنا, وسنبقى مجتمعاً ريعياً, استيرادياً واستهلاكياً لا غير, وبالتالي لن تتغير بنية تفكيرنا ووجهة عملنا.
أتمنى أن يختلي كل منا إلى نفسه, أن يختلي كل سياسي عراقي بشكل خاص, مع نفسه ليحاورها, ومن ثم لنتحدث ويتحدث كل فرد بصوت مرتفع بحيث يسمعه الآخرون ويساعدوا في الإمساك بما يقود إلى التغيير. إحداث ثورة في بلد ما, أسهل بكثير من تغيير ما في النفس. فهل نحن قادرون؟ إنه التحدي الكبير..
30/4/2010                     كاظم حبيب


484
كاظم حبيب

هستيريا الصراع على السلطة في العراق ... إلى أين؟

ها نحن شهود احتدام صراع هستيري على السلطة يجري في بغداد بعيداً عن مصالح الشعب ومستقبل البلاد, صراع يتخذ طابعين ملموسين لا يمكن تغطية مضمونهما السياسيين المرفوض من قبل المتنورين من بنات وأبناء الشعب, فاحد الطرفين يلجأ إلى المدن الشيعية, كربلاء مثلاً, ليحرض على الطرف الآخر بدعوى التهديد بتدمير حي الخضراء وتدويل القضية العراقية وكأنها غير مدوّلة حتى الآن, والثاني يتغطى بعباءة قومية عربية مهلهلة يختفي وراءها عرق طائفي سني أيضاً. مع أن الطرفين والشخصيتين بالذات قد وقعا على البيان الختامي الصادر عن مؤتمر صلاح الدين في العام 1992 والذي أكد رفض الطائفية السياسية وأدان النظام الدكتاتوري ألصدَّامي لممارسته لها والذي تكرر مرات ومرات في بيانات اجتماعات ومؤتمرات المعارضة العراقية قبل وصولها إلى السلطة. وقد جاء فيه ما يلي:
" وأجمعوا [أي المجتمعين في مؤتمر صلاح الدين 1992, ك. حبيب] أن لا سبيل لوضع حد للتمييز والاضطهاد الطائفي وبالتالي للقضاء على الطائفية السياسية إلا بالقضاء على النظام القائم وتصفية تركته البغيضة ومحاولاته لدق الأسافين وزرع البغضاء والكراهية بين المسلمين الشيعة وإخوانهم المسلمين السنة، الذين هم كذلك تعرضوا للقمع على أيدي النظام مثلما تعرض العديد من أعضاء الحزب الحاكم إلى البطش بسبب رفضهم للنظام ومحاولاتهم التخلص منه ، مما يثبت أن هذا النظام لا يمثل أية طائفة أو قومية أو فئة بل هو معاد للشعب كل الشعب." [راجع ملف "مؤتمرات المعارضة العراقية" إعداد السيد محمد عثمان أمين, رئيس دائرة الإنصات في الإعلام المركزي للاتحاد الوطني الكردستاني". ها قد زال النظام قبل سبع سنوات, وها نحن نتابع ما يجري في العراق فذات الأطراف التي تحالفت في العام 1992 وساهمت بالدعوة لإسقاط النظام هي اليوم اشد خصومة وأكثر استخداماً للطائفية السياسية وللمواقف القومية الضيقة التي لا تختلف قطعاً من حيث الخلفية الفكرية عن سابقاتها من السياسات الطائفية والقومية الشوفينية.
وجه السيد المالكي اتهاماً للقائمة العراقية ورئيسها, دون ذكر اسمه, بأنه يتجول في العالم ويدعو لتدويل القضية ويهدد بتدمير حي الخضراء ويعد لانقلاب سياسي على السلطة بتحالف إقليمي ودولي وداخلي مستخدمين الانتخابات لتحقيق هذا الهدف. يبدو لي أن السيد المالكي, كما كان من قبله الجعفري, غير قادر على تحمل التداول السلمي للسلطة ويعتبر ذلك انقلاباً على السلطة إن تقرر أن يكون غير المالكي رئيساً للوزراء. ويبدو أن الديمقراطية كأداة وليست فلسفة كما تحدث عن ذلك السيد علي الأديب, نائب رئيس حزب الدعوة الإسلامية, قد تخلى حتى عن كونها أداة أيضاً.
وفي المقابل وجه السيد علاوي همه لإثارة العالم الخارجي والأمم المتحدة للتدخل ومعالجة المشكلة الداخلية القائمة والتي يمكن معالجتها عبر الدستور والقضاء العراقي, رغم ما يبدو من تدخل فظ في شأن القضاء العراقي من جانب السياسيين. وهو بذلك يدعم تلك الدول التي لا تريد إلى الآن رفع العقوبة المفروضة على العراق ووجوده تحت البند السابع الذي يطالب العراق بحق رفع هذا القيد عنه.
حين يلقي الإنسان نظرة واقعية على نتائج الانتخابات يستطيع أن يقتنع بأن ليست هناك مؤامرة يراد منها قلب نظام الحكم أولاً, كما لا توجد حاجة بأي حال لتدخل دولي لمعالجة مشكلة الحكم في العراق ثانياً, بل العراق بحاجة إلى لقاء سياسي واسع يجمع كل الأطراف السياسية العراقية, اجتماع مجلس الأمن الوطني العراقي الذي يرأسه السيد رئيس الجمهورية العراقية وفيه ممثلون عن كل القوى السياسية العراقية تقريباً ليتدارس الأمر ويقرر من يكون رئيس الوزراء في ضوء نتائج الانتخابات والرؤية الصائبة لتفسير الموقف بشأن القائمة الفائزة أو الكتلة الانتخابية الأكبر.
إن ما يجري في العراق اليوم ليس سوى هستيريا مريرة تقود إلى مزيد من المرارة وترفع من مستوى الفراغ السياسي وتفسح في المجال لمزيد من العمل الإرهابي الذي لا يلوح أو يصل إلى هؤلاء السياسيين, بل يقتل بنات وأبناء الشعب مباشرة وبالجملة.
لا أجد أي حكمة في ما يمارسه السيد المالكي, ولا أسلوب تعامل علاوي مع الأزمة. فكلاهما متعطش للسلطة وينبغي أن يبتعدا عنها لأنهما وبالطريقة التي يتعاملان بها غير مؤهلين لأخذ السلطة بأيديهما, كما ليس في من طرح من الكتلة الصدرية من هو ملائم للسلطة. وعلى القوى والأحزاب السياسية أن تفتش عن شخصية تجمع بين الحكمة والثقافة والوعي بالمسؤولية إزاء الشعب ومصالحه ومستقبله بعيداً عن تأثيرات دول الجوار أو القوى الدولية التي يتهمها المالكي بالتدخل بالشأن العراقي وهو المتعاون مع بعضها, كما يتعاون علاوي مع بعضها الآخر.
لا أجد ما يؤيد وجود رغبة لإحداث انقلاب سياسي. والأكثرية كانت ضامنة للكتلة الشيعية الكبيرة أن تشكل الوزارة بالتعاون مع التحالف الكردستاني حتى في حالة رفض الكتلة الصدرية للمالكي, ولكن الأجواء التي خلقها المالكي لا تساعد على قبوله لرئاسة الوزارة. كما أن علاوي غير مقبول من غالبية الشعب العراقي, كما ألاحظ ذلك من نتائج الانتخابات رغم حصول قائمته على مقعد واحد أزيد. ومن هنا تأتي أهمية التحري عن شخصية وطنية قادرة على العمل بانسجام مع جميع الأطراف, شخصية محايدة ولكنها واثقة من نفسها وقادرة على جمع الكلمة لا تفتيتها ومواجهة كل قوى الإرهاب والمليشيات المسلحة, وأن بدت غير مسلحة حالياً فهي موجودة ومستعدة في كل لحظة إلى أخراج وتنظيف واستخدام سلاحها الذي لم يقصر في قتل العراقيات والعراقيين في سنوات ماضية.       
أتمنى أن يقلل السياسيون العراقيون من خطبهم النارية التي ترمي المزيد من الحطب على النيران الطائفية التي أصلاً لا تزال غير خامدة, أتمنى عليهم أن يفكروا بالشعب ومصالحه لا بالكرسي الوزاري الأول. نحن أمام عملية انتخابية لها استحقاقاتها وعلينا القبول بنتائجها, رغم الاختلالات فيها والتي بدأت مع مواد القانون ذاته وتجاوزه على الشرعية الدستورية من حيث المبدأ.
ليس من مصلحة أحد أن يستمر الوضع الراهن, إذ أن لذلك تداعيات وعواقب ليست في مصلحة الشعب ولا في مصلحة جميع الأطراف السياسية العراقية. فليدعو السيد رئيس الجمهورية إلى اجتماع يضم كل القوى السياسية العراقية للتداول وإيجاد مخرج للأزمة الراهنة قبل أن تتحول إلى كارثة جديدة في العراق.           
1/5/2010                     كاظم حبيب

485
كاظم حبيب
هل سيبقى الهم العراقي خلف ظهور الفائزين بالانتخابات؟

جميل أن يتخلص المجتمع من قتلة مجرمين تسببوا في موت المئات بل الآلاف من بنات وأبناء الشعب العراق وخربوا البلاد ودمروا البنية التحتية  وشاركوا في تعطيل البناء والتنمية من أمثال أبو أيوب المصري وأبو عمر البغدادي أو قبل ذاك الزرقاوي, وهو عمل لا شك يحسب لصالح المسؤولين, وخاصة أجهزة الأمن والشرطة وقوات الجيش ومن تعاون معهم وساعدهم في إنجاز هذه المهمة غير السهلة. ولا شك في أن هناك الكثير من هذه العناصر الخبيثة والتي تقف خلفها منظمات إرهابية يفترض دحر مخططاتها الشريرة الموجهة ضد وحدة الشعب العراقي ومن أجل إشعال الفتن الدينية والطائفية في البلاد.
وعلى أهمية هذه الخطوة والتي لا يجوز التقليل منها, إلا أن المسائل الأساسية التي تهم الشعب العراقي أيضاً والتي تفسح في المجال إمكانية فعلية لإزالة العوامل التي تسمح بوجود الإرهابيين والنشاط الإرهابي, وأعني بذلك سبل معالجة المشكلات الأساسية التي تواجه المجتمع جنباً إلى جنب مع مكافحة قوى الإرهاب والفتنة في البلاد, هي التي يفترض أن تحتل موقع الصدارة في المعالجة لا أن تهمل تحت ضغط الصراعات السياسية الراهنة.
فهناك أولاً إشكالية تشكيل الحكومة الجديدة بعد الانتهاء من التيقن من النزاهة النسبية التي تمت بها عملية فرز الأصوات في الانتخابات العامة الأخيرة وفق القرار الأخير لمحكمة المفوضية, والتي تستوجب الاتفاق على رئيس الوزراء وعلى بقية المشاركين في الحكم, إذ من الصعب حقاً تسيير دفة الحكم بحكومة تصريف أعمال وعدم عقد اجتماعات لمجلس النواب, بغض النظر عن رأي الناس فيه. كما لا بد من مواصلة الجهد السياسي لتفتيت البؤر السياسية الإرهابية التي تمارس القوة والعنف والسلاح في مقارعة الحكم القائم من خلال ممارسة سياسة حصيفة قادرة على تحقيق الفرز الواقعي بين تلك العناصر والكتل بما يسهم في شلها عن العمل وإبطال مفعول تأثيرها وعزلها عن الكثير من قواها وعن المجتمع. ومثل هذه السياسة تتطلب تخلصاً واقعياً من المحاصصة الطائفية التي لم تنته مع هذه الانتخابات بل تكرست بطريقة أخرى, وهي إشكالية تحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد والجدية في مكافحتها. ولدي القناعة الشخصية بأن من الصعوبة بمكان, إن لم يكن مستحيلاً, الخلاص منها بوجود أحزاب تؤمن أصلاً بالطائفية السياسية لأنها قائمة من حيث المبدأ على أسس مذهبية متناحرة.
المشكلات التي تؤرق الشارع العراقي في يومنا هذا كثيرة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي الصعب حيث البطالة الواسعة والفقر الكثير في المناطق الفقيرة والكادحة من العراق والتي يقع أغلب سكانها تحت خط الفقر المعترف به دولياً للدول النامية, إضافة إلى غياب الجهد, رغم وجود وزارة تخطيط, لوضع إستراتيجية للتنمية والجدوى الاقتصادية وإعادة بناء الاقتصاد العراقي بإقامة المشاريع الصناعية أو توفير مستلزمات تطوير وتحديث وتنشيط القطاع الزراعي وتعزيز العمل لإنجاز مشاريع البنية التحتية وخاصة الماء والكهرباء والصحة والتعليم..., بل يبدو أن كل الجهد موجه الآن لصالح الاستيراد, فهو الأسهل للمسؤولين, في حين أنه, وكما يجري اليوم, يشكل إساءة كبيرة للاقتصاد الوطني وبنية الدخل القومي وهدراً للموارد المالية وتقليصاً لقدرات التشغيل وتحقيق التراكم المنشود للثروة الوطنية, إنها وبالصورة الجارية تعتبر شكلاً فاضحاً من أشكال إفقار المجتمع والاقتصاد الوطني.
إن الانشغال السياسي للفائزين بالانتخابات في الصراعات والحوارات اليومية وتعطيل عمل الوزارات وجهدها لوضع إستراتيجية تنمية وطنية شاملة من جهة, وتوزيع ذلك على خطط وبرامج ومشاريع توضع قيد التنفيذ من جهة ثانية, هو الذي يساهم في تهيئة المناخ الداخلي العراقي لنشاط الإرهابيين. كما أن استمرار الفساد المالي والإداري يمنح الإرهابيين فرصة ثمينة لتمرير عملياتهم الإرهابية وتنفيذها في الزمان والمكان المرغوبين منهم.
نحن أمام سلة كاملة من المهمات السياسية والأمنية والإعلامية والتنويرية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية, والأمر الوحيد القادر على وضع كل تلك المهمات في مكانها وزمانها المناسبين يتلخص في توفر رؤية واقعية سليمة وعقلانية لدى الأحزاب السياسية الحاكمة لما هو مطلوب إنجازه في العراق على المديين البعيد والقريب, أي أن يتجلى ذلك في إستراتيجية تنمية اقتصادية وبشرية قادرة على استثمار قدرات العراق المالية, وخاصة إيرادات النفط الخام, والبشرية لتحقيق إعادة الإعمار وتغيير وتطوير البنية الاقتصادية مقترنة بسياسات مالية ونقدية سليمة, باعتبارها الأداة التنفيذية لإستراتيجية التنمية الوطنية. وهنا لا بد من العمل الجاد من أجل توزيع عقلاني لموارد النفط المالية, أو عموم الدخل القومي, بين حصتي التراكم والاستهلاك, بما يساعد على تنشيط عملية البناء وتحقيق التراكم الرأسمالي الضروري من جهة, ويوفر مستلزمات الاستهلاك الفردي والاجتماعي أو الخدمات العامة من جهة أخرى. وبغير ذلك سوف تكون قضايا الشعب الملحة ومطالبه العاجلة قد تركت خلف ظهر الفائزين في الانتخابات وبعيداً عن أي شعور بالمسؤولية إزاء المجتمع والاقتصاد الوطني.       
24/4/2010                     كاظم حبيب



486
كاظم حبيب

الفاشيون المجرمون يوغلون بدماء الشعب العراقي...!

المجرمون القتلة يمارسون مهنتهم يومياً وينجحون في اختطاف أرواح الأبرياء من نساء ورجال وأطفال بالجملة, هؤلاء القتلة الأوباش يمارسون فعلتهم ويقبضون عليها إما المال الحرام, وإما الأجر الذي وعدوا به من شيوخهم, الأكثر خسة ودناءة وكراهية منهم لبني البشر, في السماء ويوم الحساب!!
يفترض أن لا نتوقع من هؤلاء المنحطين سلوكياً والمتحجرين عقلياً والمتخلفين حضارياً أن يكفوا عن ارتكاب جرائمهم كلما تسنى لهم ذلك وكلما وجدوا أناساً أغبياء مشوهين دينياً ومؤمنين كقطعان الغنم ومعوزين مالياً على استعداد لتنفيذ مثل تلك المهمات الحقيرة, مهمات قتل الناس الأبرياء في شوارع العراق وفي عاصمة السلام الغائب بغداد.
ولكن ماذا على الحكومة والشعب والقوى السياسية أن تفعله؟ ما هي مهمات هذه القوى التي تتحدث ضد هؤلاء المجرمين؟ ما هي مهمات الجيش وقوات الأمن والشرطة؟
ليس في العراق من يقف أمام طلسم لا يفك أو سر غير مكشوف, فالجميع يعرف ما يفترض فعله, وخاصة الحكومة وأجهزتها المختلفة. فلماذا إذن لا يمارس ما ينبغي القيام به لوأد الإرهاب في العراق؟
نحن أمام عدو مصمم على تخريب كل شيء في العراق, والعدو ليس واحداً بل عدة أطراف متشابكة ومتعاونة. وهذه الأطراف تستند في ذلك إلى الوعد الذي قطعه الدكتاتور صدام حسين بأنه لن يترك العراق إلا وهو أنقاض وخرائب وأشلاء. وهو نفس الوعد الذي قطعه المجرم أسامة بن لادن على نفسه في أن يشعل نار الفتنة الطائفية في العراق ليدمر العراق وأهله. كما أن هناك من يحاول أن يعيد تأهيل نفسه عسكرياً للعودة غلى الساحة العراقية, وأن كان لم يخرج منها أصلاً!!
ومن هنا تبرز المهمة الكبيرة والصعبة والمتعددة الوجوه التي لا أعجز ولا أمل من تكرارها وتأكيدها باعتبارها الطريق الوحيد والضامن للنجاة من إرهاب القتلة المرسلين من دول الجوار وقوى فيها ومن جماعات داخلية متعاونة معها لتخريب الحياة العامة في العراق.
نحن أمام الواقع التالي:
** حكومة تصريف أعمال معطلة في أعمالها عملياً؛
** أحزاب وقوى سياسية ذات خلفيات ومصالح طائفية وشخصية تتصارع في ما بينها على رئاسة الحكومة لتنفيذ أجندتها الخاصة؛
** أجهزة أمنية منشغلة لوحدها بمطاردة القتلة وهي في بعضها مخترقة؛
** ولكن الشعب بأغلبيته بعيد عن هذا وذاك لأنه مبتلى بأوضاعه ويسعى إلى تأمين خبز يومه وتدبير أمور حياته.
وحين يغيب تعاون الشعب مع الحكومة وأجهزتها, عندها يصعب حقاً على أجهزة الأمن والشرطة والجيش وضع يدها على هؤلاء القتلة والقبض عليهم قبل تنفيذ مخططاتهم الإجرامية, خاصة غذا كان هناك من هم في الحكم أو حواشيه يدعمون قوى الإرهاب بصيغ شتى.
لن تستطيع الحكومة العراقية إنهاء الإرهاب في العراق وإيقاف نزيف دم الشعب ما لم تعمل الحكومة والأحزاب التي تقف خلفها على تأمين جملة من المهمات التي يفترض تنفيذها دفعة واحدة, فهي أهداف سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وإعلامية, إنها السبيل الوحيد لمواجهة قوى الإرهاب بقوى الشعب وليس بغيره. وهي الأداة التي لم تتحقق حتى الآن, لأن الشعب ورغم منحه الأصوات لهذه القائمة أو تلك, لا يزال غير واثق منها, وهي إشكالية تكمن في غياب المصداقية لدى الشعب إزاء الحكومة وتلك القوى.
لم يكن المحرك لمنح أصوات الناخبات والناخبين برامج وأهداف تلك القوى والأحزاب, بل انتمائها المذهبي أو الطائفي السياسي, وهو ما تجلى بصيغة توزيع الأصوات بين جنوب العراق وغربه, حتى أن قوى ديمقراطية راحت لتلتحق بها من منطلقات عدة.
ما لم يتحرك الشعب ضد قوى الإرهاب سيصعب حقاً على الحكومة العراقية تحقيق الأمن والاستقرار في البلاد. ولا يمكن كسب الشعب بالنداءات الطيبة وإثارة المشاعر الوطنية, إذ لم تعد كافية قطعاً, ما دام الفساد سيد الموقف, وما دام الصراع على المقاعد يحتل مركز الصدارة في عمل القوى السياسية وما دام المواطن والمواطنة منزويان في ركن مهمل من برنامج الحكومة أو القوى السياسية التي تمتلك الأكثرية وبيدها زمام المبادرة, ما دامت البطالة واسعة والفقر منتشر والفجوة بين الأغنياء والفقراء في تفاقم, وما دام الإنسان المستقل عن الأحزاب الحاكمة لا يجد له موقعاً في هيئات وأجهزة الدولة ووظائفها العليا, وما دامت المحسوبية والمنسوبية والحزبية والمذهبية الضيقة هي سيدة الموقف في كل ذلك.
تشعر المواطنة ويشعر المواطن في عراق اليوم أنهما غريبان في وطنهما, إنه الاغتراب الفعلي الذي يعاني منه الإنسان العراقي, الاغتراب عن الحكومة ومجلس النواب ومجلس الرئاسة وعن سياسات هذه الرئاسات ومواقفها.
على حكومة تصريف الأعمال والحكومة القادمة, وعلى الأحزاب والقوى السياسية الفاعلة في البلاد أن تعيد النظر بسياساتها ومواقفها وبرامجها وأساليب وأدوات عملها, أن تسعى إلى معرفة الأسباب الكامنة وراء هذه الغربة التي تحكم العلاقة بينها وبين الشعب رغم الأصوات الممنوحة لها, فهذه الأصوات ليست تزكية لها, بل ناجمة عن استقطاب طائفي سائد في العراق والذي اشتد من جديد قبل الانتخابات العامة الأخيرة بأسابيع وبفعل سلوك رئيس الحكومة والقوى المنافسة له وما طفح من ذلك في الإعلام العراقي وعلى الصعيد الإقليمي.
سيبقى القتل ديدن القوى الإرهابية, فكيف نحرك الشعب كله لمواجهة هؤلاء المجرمين؟ إنها مهمة الحكومة وكل القوى السياسية العراقية, إنها المهمة العاجلة والملحة التي تجمع بين المهمات السياسة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتنويرية والإعلامية والتي على الحكومة والقوى السياسية استيعابها والتفاعل معها وممارستها. علينا أن ندرك بأن مؤامرة تحاك خارج الحدود لخلق ما يماثل حزب الله اللبناني في العراق. ولن يكون بعيداً تلمس ذلك ممن لم يتلمسه إلى الآن.
24/4/2010                      كاظم حبيب           


487
كاظم حبيب
هل من جديد في تجربة القوى الديمقراطية – العلمانية في العراق؟
(1)
حين يمر الإنسان بتجربة معينة, وحين تكون هذه التجربة لا تمسه وحده بل تمس جمهرة كبيرة من البشر أو شعباً بأكمله, عندها, وحين يمتلك الثقة بالنفس, سيسعى بكل جدية ووعي بالمسؤولية إلى معرفة عناصر ومراحل التجربة من بدايتها إلى نهايتها ومروراً بتفاصيل التحضير لها والحوارات مع الآخرين بشأنها ومسيرتها ومن ثم نتائجها. هذا هو طريق البحث في التجربة, طريق البحث العلمي المسؤول الذي يقف عند دراسة التجربة بكل تفاصيلها من موقع الحياد الفعلي بهدف الوصول إلى استخلاص الدروس منها والتمعن في سبل الاستفادة منها في قادم الأيام. وبغض النظر عن مدى نجاح أو فشل تلك التجربة الذي يمكن أن يتجلى بنتائج الجهد, فلا بد من تقييمها وتقويمها لصالح المستقبل. وبدون هذه المراجعة الصادقة مع النفس لا يمكن التقدم خطوة إلى أمام. وهذه هي مسؤولية كل فصائل التيار الديمقراطي العراقي على امتداد الساحة العراقية ومن جميع القوميات, ولا يمكن إعفاء أي فصيل عن هذا التقييم والتقويم.
خلال الأعوام المنصرمة مرت القوى الديمقراطية والعلمانية العراقية بتجربة الانتخابات ثلاث مرات, التجربة الأولى 2005 (انتخابات برلمانية عامة) والتجربة الثانية 2009 (انتخابات مجالس المحافظات) والتجربة الثالثة 2010 (انتخابات برلمانية عامة).
والتجارب الثلاث غنية بالدروس والعبر لمن يريد أن يتعلم منها ويستفيد في قادم الأيام منها. يدعي البعض أحياناً بأن النجاح في أي عمل يخوضه الإنسان لا يقاس بالنتائج, ولكن هذا القول ناقص, فالنتائج لها أهمية كبيرة حين يرتبط الأمر بالمجتمع وقضاياه الأساسية والتحولات المنشودة في البلاد. النجاح ليس وحده, ولكنه مهم جداً للمسيرة اللاحقة. ولكن الفشل يفترض أن لا يخلق الإحباط والعجز عن التفكير بوضوح وطرح الأخطاء والنواقص بجرأة ومحاسبة النفس قبل محاسبة الآخرين أو وضعها على شماعة الظروف الموضوعية وحدها.
خاضت القوى الديمقراطية, وهي قوى كثيرة وليست قليلة في العراقً حقاً ولها ماضٍ مشرف, الانتخابات بصورة منفردة عموماً ومبعثرة على قوائم صغيرة وضعيفة. وكان البعض الكثير يعرف منذ البدء أن الحظ في فوزه ضعيف, إذ أن نشاطه لم يكن بالمستوى المطلوب. وهكذا كان, إذ توزعت القوى والعناصر الديمقراطية في العراق لا على قوائم منفردة وصغيرة حسب, بل وتبعثر بعضهم ليدخل في قوائم كبيرة, ولكنها من وجهة غير وجهته التي ناضل ويناضل من أجلها وفي قائمة ليست من طبيعة فكره وسياساته ومقاصده, بل هي من طبيعة فكرية وسياسية وأهداف أخرى. هذا التبعثر والتشتت وركوب الرأس والعناد من جهة, وهذه الرغبة في التفرد والشعور بالقوة والقدرة على تحقيق ما لا يستطيع غيره تحقيقه وأن مهمته أن يترأس قائمة حتى لو كانت من عدة أفراد ولو لم يكتب لها الفوز من جهة أخرى, قد أعطى أكله المُرة لجميع القوى الديمقراطية دون استثناء. التجربة ضرورية والتعلم منها ضروري أيضاً, ولكن الوقوع في فخ التجارب المتكررة ليس عيباً حسب, بل وإساءة للمجتمع الذي يراد تمثيله أو النيابة عنه والدفاع عن مصالحه. ويفترض التعلم من قول المؤمنين: "المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين", فكيف والحال حين يلدغ الإنسان الديمقراطي والعلماني أكثر من مرتين. فهل ستتعلم قوى التيار الديمقراطي من تجاربها المنصرمة؟ هم وحدهم قادرون على الإجابة عن هذا السؤال, هم الذين يعملون ويتحملون مسؤولية عملهم.
لم تكن هذه المعركة الانتخابية حاسمة قطعاً, بل كانت مجرد دورة انتخابية مهمة لم يستعد لها الديمقراطيون والعلمانيون كفاية ولم يجدوا سقفاً يجتمعون تحته ويتفقون على قواسم مشتركة تمس حياة ومصالح الشعب كله ويمارسون دورهم النضالي من خلال البرنامج المشترك. كما لم تكن هذه الانتخابات تحدياً ديمقراطياً للقوى الإسلامية السياسية ولا لغيرها, فميزان القوى كان منذ البدء واضحاً, ولم يكن يحتاج الإنسان إلى عبقرية استثنائية ليقدر نتائج هذه الانتخابات. لم تكن هناك مفاجئات كبيرة, وقد حاولت الإشارة إلى ذلك في مقال لي نشر في الأسبوع المنصرم في جريدة المدى الغراء.
السؤال هو: ماذا تحتاج قوى التيار الديمقراطي للمنازلة السلمية والديمقراطية في الدورة الانتخابية القادمة؟
يبدو لي أن القوى الديمقراطية والعلمانية بحاجة أولاً إلى ثلاثة أسس للعمل المشترك:
** الاعتراف المتبادل بالوجود والحق بالعمل المستقل والتواضع الجم في التعامل المتبادل في ما بين قوى هذا التيار وسعيها للتقارب في ما بينها.
** الاعتراف بأن الانفراد لا يساعدها على تحقيق نتائج إيجابية بل يشتت قوى التيار وأصواتها ويباعد بينها ويضعف تدريجاً حماس العاملين والناخبين. 
** أهمية وضرورة الإدراك بأن الفرقة تضعف الجميع والتجمع يعزز الجميع ويساعدها على تشكيل فريق عمل يعتد به ويسمع رأيه ويحقق للناس مكاسب مطلوبة.
إذ اتفقنا على ذلك عندها نحتاج ثانياً إلى عدة مسائل أخرى:
1 . تعبئة كل قوى التيار الديمقراطي للعمل في صفوف الشعب, وخاصة تلك الفئات الاجتماعية التي تسعى قوى التيار الدفاع عن مصالحها وإرادتها وحقوقها, وهي فئات واسعة وكثيرة في المجتمع العراقي ببنيته الاجتماعية الراهنة. إذ أن علاقة هذه القوى بالشعب ضعيفة وتأثيرها على فئاته المختلفة معطلة إلى حدود بعيدة. وخلال العقود المنصرمة حلت قوى أخرى محلها لا يمكن إزاحتها إلا بالعمل الدءوب والكفاح من أجل كسب ثقة هؤلاء الناس.
2 . الإدراك بأهمية دور المرأة في المجتمع ومعاناتها اليومية وكذا الشباب, وبالتالي ضرورة التوجه صوبهم والسعي لتأمين تأييدهم من خلال نشاطات وفعاليات وأعمال تضامن في ما بين فئات المجتمع.
3 . عقد ندوة مشتركة لمناقشة نظام عمل وبرنامج نضالي سلمي وديمقراطي خلال السنوات الأربع القادمة يطرح منذ الآن وليس قبل الانتخابات بفترة قصيرة بحيث لا يصل إلى عيون وأسماع الناخبات والناخبين إلا في فترة متأخرة جداً.
4 . العمل المسؤول والموضوعي, سواء أكان في المجلس النيابي أو من خارجه, كمعارضة وطنية ديمقراطية تزن الأمور بمنظار مصالح المجتمع وسيادة الوطن واستقلاله وإنهاء وجود القوات الأجنبية وفق الاتفاقيات المعقودة, إضافة إلى مساندة كل جهد يبذل من أجل إنهاء وجود ونشاط قوى الإرهاب. 
5 . الاتفاق على أن نجاح أي مرشح في الانتخابات القادمة من أي فصيل في التيار الديمقراطي يعتبر مكسباً للجميع, وبالتالي إبداء المرونة والاستعداد للقبول بمختلف المرشحين وبشكل موضوعي من أجل إنجاحه في دائرته الانتخابية وليس التنافس معه بحيث تضيع أصوات ناخبي هذه الكتلة أو تلك في التيار. ولا بأس في اختيار عناصر ديمقراطية مستقلة, سواء أكانوا من بين المثقفين أو الكسبة والحرفيين أو العمال, لكي يصبحوا مرشحين لكل قوى التيار حين تكون لهذه الشخصيات سمعتها الطيبة ومقبولة من الأوساط الشعبية ويقدر نجاحها.
6 . ومن النافع حقاً أن تبذل الجهود للحصول على إمكانية فتح قناة فضائية تعمل لصالح كل قوى التيار الديمقراطي وتقاد من هيئة تنتخب أو يجري اختيارها من قوى التيار, إذ أن هذا التيار هو بحاجة ماسة إلى صوت إعلامي يجسد رؤية قوى التيار لمستقبل العراق ويمكن وصوله إلى الكثير من الناس في الداخل والخارج.
 لا شك أن وعي دروس التجربة شيء والتعلم منها وممارستها شيء آخر. ولكن لا بد من النضال من أجل أن يلتقيا الوعي والممارسة ليحققا ما هو منشود, إذ لا طريق آخر غير هذا الطريق من أجل أن يُسمع صوت التيار الديمقراطي وأن يساهم في رسم سياسة البلاد وتحقيق مصالح الشعب واحترام أرادته. ولا بد أن تتحرك قواعد قوى التيار الديمقراطي والمؤيدين لها ومن يريد أن يراها في المجلس النيابي أو أن تشارك في الحكم لصالح الشعب, أن يلعب دوره في الضغط على كل قيادات قوى التيار لدراسة التجربة وتعميم دروسها بكل وضوح ومسؤولية وبعيداً عن التبرير بأي شكل كان, فالتبرير لن يسهم في الاستفادة من دروس التجارب المنصرمة.
16/4/2010                        كاظم حبيب
 

488
كاظم حبيب
رسالة شكر وتقدير واعتزاز

السيدات والسادة الكرام
الأخوات والأخوة الأعزاء
الصديقات والأصدقاء الأعزاء

أتوجه بالشكر والامتنان إلى كل الذين شاركوا بالمجيء إلى برلين أو تكرموا وأرسلوا تحياتهم الأخوية أو كتبوا المقالات تهنئة لي ببلوغي سن الخامسة والسبعين, أو قدموا الهدايا والزهور, أو من اتصل عبر الهاتف راجياً لهم جميعاً موفور الصحة والسلامة وطول العمر والحياة السعيدة والهانئة.
تحية شكر وتقدير إلى كل المنظمات المدنية الديمقراطية العربية والكردية والتركمانية والكلد-آشورية والقوى السياسية في الداخل والخارج التي تكرمت ووجهت لي التهاني بهذه المناسبة الخريفية السائرة بي نحو شتاء قارص لا شك فيه حيث يحتاج الفرد فيه إلى هذا الدفء الإنساني النبيل.
أوجه شكري الجزيل إلى أصدقائي في اللجنة التي تشكلت وهيأت دون علمي وعملت على تنظيم الاحتفاء وأرهق الأحبة أنفسهم بعمل إضافي راجياً لهم الصحة والعافية والعمر المديد.
تحية لمن وجد في إقامة مثل هذا الاحتفاء تجاوزاً عليه أو على قيم يؤمن بها ولأي سبب كان أو من وجه النقد المباشر أو غير المباشر لي ولمسيرتي المتواضعة المنصرمة, وكل أمل أن امتلك القدرة الكافية في الاستفادة منها, فالنقد ينير طريق الإنسان لا يعتمه. وسأبقى أمارس النقد في خلوة مع النفس أو بصوت مرتفع إزاء نفسي ومع من اعتقد بضرورة ممارسة النقد مع ما يفعل أو يكتب متجنباً الإساءة أو الاستفزاز.
أرجو أن يقبل الجميع مني كل الود والشكر والامتنان وقد وضعوا طوقاً سليماً حول عنقي, إذ سأبقى على العهد الذي قطعته على نفسي أن أحترم الرأي والرأي الآخر مع احتمال الاختلاف, واحترام حقوق الإنسان وحقوق القوميات وحق الإنسان باعتناق ما يراه مناسباً ومقتنعاً به والتزام قضايا الشعوب ومن أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسلام ودفاعاً عن مواقف ومواقع اليسار الديمقراطي التقدمي في العراق وخارجه.
سأبقى أميناً لتراث شعبنا العراقي وقيمه الحضارية والثقافية المتعددة وحضارة وثقافة بقية الشعوب ومن أجل التفاعل والتبادل في ما بينها وبين كل قوميات العراق ودفاعاً عن المضطهدين والمغتصبة حقوقهم في العراق وخارجه. وسأبقى أميناً لحق شعبنا العراقي بكل قومياته في الحياة الآمنة السعيدة بعيداً عن الاستبداد أياً كان صيغة ظهوره وضد الإرهاب والقتل والتدمير وضد الهيمنة الأجنبية بكل أشكالها ومن أجل استعادة العراق لاستقلاله وسيادته الكاملة على أرضه بعيداً عن التدخل الخارجي ومن اجل ضمان أفضل العلاقات مع دول الجوار والدول العربية الصديقة والشقيقة. 
لكم مني جميعاً الاحترام الفائق والاعتزاز الصادق والود.
كاظم حبيب
برلين في 19/4/2010

489
كاظم حبيب
قراءة حزينة في كتاب
شاهد عيان [ذكريات الحياة في عراق صدام حسين]

اسم الكتاب: شاهد عيان (ذكريات الحياة في عراق صدام حسين)
اسم الكاتبة: جُمان كبة
دار النشر: الوراق للنشر - لندن والفرات للتوزيع – بيروت
سنة الإصدار: 2009
اللغة الأصلية للكتاب: الإنجليزية, وصدر في الولايات المتحدة في العام 2003
الترجمة العربية: معينة نايف الغنام
عدد الصفحات: 279 صفحة   

تصدر سنوياً الكثير من الكتب السياسية التي تفضح بصورة علمية موثقة طبيعة الدكتاتوريات وممارسات القسوة التي ينتهجها الدكتاتوريون وطغمهم الجائرة والفاسدة في التعامل مع الإنسان الفرد ومجتمعاتهم. كما تُنتج الكثير من الأفلام في هذا الشأن أيضاً. وهي دون أدنى ريب تلعب دوراً مهماً في رفع وعي الإنسان بضرورة مواجهة الاستبداد والقسوة ومحاولة تحصين الإنسان بمبادئ تقيه من الوقع بشباكها.
ورغم صدق تلك الكتب وصواب ما فيها من معلومات قيمة, إلا أنها غالباً ما تخاطب العقل وحده, وهي بذلك تعجز عن الولوج إلى قلب وعاطفة الإنسان لأنها جافة, وهي بخلاف تلك الكتب التي تكتب من شهود عيان يشكلون جزءاً من تلك العائلات التي عاشت تحت وطأت تلك الأنظمة وعانت مرارتها, إذ أنها تلج العقل والقلب في آن واحد وتحرك جميع مشاعر الإنسان دفعة واحدة وتضعه أمام واقع وحقيقة الدكتاتورية وتعري أساليبها وأدواتها بكل بساطة وبيقين لا يتزعزع وثقة بالنفس.
مثل هذه الكتب تضع القارئات والقراء وجهاً لوجه أمام عمق مأساة الإنسان ومصيره المعلق في الهواء وكذلك تحث القلق والأرق اللذين يفتكان بأعصاب الإنسان وينهشان حالته النفسية. ومثل هذه الكتب لا تقتصر على شرح حالة شخص واحد أو عائلة واحدة حسب, بل هي تقدم نموذجاً حياً لما يجري في المجتمع كله, وتفضح بشكل إنساني معبر عن أوضاع المجتمع الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تعيش تحت وطأتها تلك العائلات أو أولئك الأفراد والعواقب الوخيمة التي تترتب على مصائر هؤلاء الناس.
صدرت الكثير من الكتب وصورت الكثير من الأفلام عن هؤلاء المستبدين القتلة وعن جلاوزتهم ومخابراتهم, وكانت قيمة ومفيدة وساعدت منظمات حقوق الإنسان على ملاحقة هؤلاء الأوباش الذين يولغون بدماء الوطنيين الشرفاء من الناس. ولكن فلماً بسيطاً واحداً سجل عن حياة دكتاتور كوريا الشمالية السابق كيم إل صونگ ووالد الدكتاتور الجديد كيم إل يونگ وهو يحتضن أطفالاً صغاراً ويقبلهم, استطاع ببساطة كبيرة تجسيد طبيعة هذا الدكتاتور الذي كان يمارس الأبوة والهيمنة الشمولية لا على أطفال كوريا الشمالية, بل على المجتمع الكوري الشمالي كله. وحين نستعيد في الذاكرة تلك الصور التي نشرتها وعرضتها أجهزة الإعلام العالمية عن صدام حسين وهو يحتضن أطفالاً أجانب في إحدى مناطق العراق حين احتجزهم كرهائن ودروع بشرية ضد احتمال ضربات الطيران الأمريكي لبعض المواقع العسكرية في العراق, إذ أنها عجزت عن تقديم صدام حسين كإنسان يحب للأطفال أو يحنو عليهم, بل جسدت فيه روح الكراهية للإنسان والحقد على البشرية ووضعت أمام أنظار العالم بشاعة هذا الرجل وسخريته بالرأي العام العالمي.
في الكتاب الذي قرأته للسيدة جُمان كبة يعتبر من بين تلك الكتب ذات الصدقية العالية والشفافية في عرض الأحداث والأحوال وفيها الكثير من القوة الفاعلة والدافعة نحو القناعة بمضامين الكتاب وفي قدرة كلماته على الولوج السريع إلى قلب الإنسان وإلى عقله, حيث تستقر فيهما, إذ تضع الإنسان أمام حقائق عاشت الكاتبة يومياً وكل ساعة تحت وطأتها وهي ما تزال طفلة, ثم عاشت معاناتها وهي ما تزال صبية ولسنوات طويلة بلغت 35 عاماً.
طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها 8 سنوات ثم صبية لا يتجاوز عمرها 13 أو 14 سنة تعيش مأساة عائلتها وتستقر في الذاكرة لتتفاعل طوال ثلاثة عقود لتصدر بعدها ذلك الخزين المعرفي في كتاب يجسد تلك المرحلة بكل أبعادها ومآسيها وكوارثها. إنها لا تعيش مأساة ومصير عائلة عراقية طيبة من أوساط المتعلمين والمثقفين فحسب, بل هي بهذا الكتاب تجسد للقارئة والقارئ مأساة شعب بكاملة من أقصى الشمال وكُردستان إلى أقصى الجنوب.
عائلة متعلمة ومثقفة تنحدر من فئات اجتماعية متوسطة. الوالد مهندس والوالدة معلمة, وهما لا يتدخلان بالسياسة وغير منتميين إلى حزب سياسي. لهما ثلاث بنات وثلاثة أولاد. العائلة تعيش بهدوء واستقرار وراحة بال. الأب والأم يمارسان عملها الوظيفي بكل إخلاص ومسؤولية. تربيتهما المنزلية, وهما من مدينتين مختلفتين (بغداد والموصل), جعلتهما يحترمان الإنسان وحقه في العمل والحياة والعيش بكرامة وحب الوطن وخدمة الشعب. والعائلة لا تطمح إلى أكثر من ذلك. هذه العائلة الطيبة لا تختلف عن عشرات بل مئات ألوف العائلات العراقية التي تريد العيش بهدوء واستقرار وسلام مع النفس ومع الآخرين وتمارس عملها لصالح الوطن. وهي لا تهتم في من يكون في السلطة ما دام يمنحها هذه الفرصة, فرصة الحياة الهانئة والكريمة والمستقرة. والسؤال الذي يدور في البال دوماً والذي أجابت عنه هذه الكاتبة المقدامة هو: هل يمكن لمثل هذه العائلة, عائلة المهندس مكي كبة, أن تعيش بهدوء وكرامة في ظل نظام استبدادي يتفاقم استبداده يوماً بعد آخر وسنة بعد أخرى وتشتد قسوته وتتعاظم نزعته العدوانية والعسكرية ويتلذذ بممارسة العنف ضد الإنسان والمجتمع والجيران؟
يتضمن هذا الكتاب القيم إجابة شافية عن هذا السؤال. فالكتاب يحتوي على مقدمة وستة فصول وخاتمة, تستعرض الكاتبة فيها حياة ومسيرة ومصير عائلة عراقية, عائلتها بالذات. فهي تعيش الأحداث يوماً بيوم وما لا تراه تسمعه من أمها وأبيها ومن أخوتها في البيت, ولكنها تعيش الأحداث والعذابات العائلية بكل تفاصيلها. إنها طفلة وصبية جعلتها الأحداث دفعة واحدة امرأة تعيش المآسي العراقية ولا تجد تفسيراً لها, ولكنها تهضمها تدريجاً وتجد لها أسباباً وتحليلاً يكمن في طبيعة ذلك النظام البعثي الدموي الذي سيطر على العراق وفي ذلك الدكتاتور الجلف الذي عرّض الوطن والمجتمع إلى تلك المآسي الإنسانية المتلاحقة التي لا يزال الشعب كله يعاني من عواقبها.                     
تتحدث جُمان مكية عن عائلتها التي تعيش حياة هادئة وطبيعية ثم تنقلب الحياة دفعة واحدة وبعد مجيء البعث إلى السلطة إلى جحيم لا يطاق, إذ هيمن الأوباش على الحكم وبدأوا بتغيير كل شيء, الهيمنة على الدولة والاقتصاد والمجتمع, الهيمنة على فكر الإنسان وعقله, الهيمنة على كل حركة في البيت والمدرسة والشارع. الهيمنة على الإعلام وإصدار الكتب والمجلات والصحف. أصبح الإنسان في داره يخشى أخيه وأبيه وولده وعمه, الجار يخشى الجار, فجواسيس وعملاء ووكلاء النظام وعيونه منتشرون في كل مكان ويتدخلون في كل صغيرة وكبيرة ويكتبون التقارير تلو التقارير التي تتسبب في اعتقال أو سجن أو قتل الناس.
فرض الحزب الحاكم والحكم عضوية الحزب باستخدام الجزرة , وحين لا تنفع فالعصا حاضرة دوماً. ومن لم ينفعه كل ذلك يكون السجن والتعذيب والقتل على أيدي جلاوزة وبقية أوباش النظام في الحزب وفي مؤسساته الأمنية, ومنها المخابرات العامة وفي منظماته غير الشعبية.
تتحدث الكاتبة عن أحداث "أبو الطبر" وبأسلوب هادئ ومنطقي سليم تتوصل إلى أن والدها, بحكم عمله, قد تعرف على من هم الذين يقفون خلف أبو الطبر, من هم الفاعلون باسم "أبو الطبر" فعلياً, أنهم المخابرات العامة, إنه القصر الجمهوري الذي كان يديره أحمد حسن البكر وصدام حسين حينذاك. ومن هنا, من هذه المعرفة بحقيقة "أبو الطبر" ومن الدفاع عن موظفيه في قسم الهاتف (البدالة) الذين تعرضوا إلى إيذاء قوى القصر الجمهوري, تبدأ مأساة الوالد بعد أن أصبح البيت ملغماً بأجهزة التسجيل عبر المرأة المعينة ياسمين, وهي مصرية, وبدعم من عم العائلة أو زوج أخت الأم. يعتقل الأب بذريعة بائسة مفادها إنه قد ضحك في غرفة نومه مع زوجته على نكتة تدور حول القيادتين القطرية والقومية يتحدث بها الناس وسجلها الإنصات السري في البيت. ويبدأ التعذيب وتبدأ مأساة كل العائلة ويحكم الوالد بالسجن لمدة عام دون أن تكون هناك تهمة فعلية ولا تحسب له مدة التوقيف التي تجاوزت عدة شهور. ثم تتوالى الأحداث على أفراد العائلة وخاصة على الابن عامر, الذي يعتقل بتهمة زيارة كربلاء والمشاركة في تقاليد عزاءات أيام عاشوراء في كربلاء.
وتتحدث الكاتبة عن الأهوال النفسية التي عانتها الأم بسبب اعتقال الأب ومحاولات زيارته التي تنظم عبر علاقات مع قوى النظام لمرة واحدة لتجد التغيير المرعب الذي طرأ على زوجها, ذلك الرجل المهيوب بقامته الطويلة وبنيانه المتين وهدوءه والعافية التي كان يتمتع بها, لتجد أمامها زوجها وقد هزل جسده وتمزقت ثيابه وتوسخت, طالت لحيته ولم يعد ذلك الرجل الذي عرفته, رغم تنامي ما في داخله من حب للزوجة والعائلة وكراهية لمن عذبوه أبشع تعذيب. وكان الأبشع من كل ذلك أن يرى كيف يعذبون الآخرين أمامه ويسمع صراخهم, إنها لمحنة إنسانية مريرة!
الكتاب يجسد عاطفة الإنسان إزاء عائلته وكل فرد فيها. كيف يجبر الناس على الابتعاد عن العائلة التي يلاحقها أزلام النظام, كيف تعيش الوحدة ويصعب عليها الاتصال بالآخرين خشية عليهم أو خشية الآخرين من عواقب زيارة العائلة المنكوبة بحقد النظام وملاحقته. كيف يجبر أحد أفراد العائلة على التجسس على عائلته, كيف يوظف المعينون, ومنهم العرب والأجانب, في بيوت الناس ليتجسسوا على تلك العائلات التي استخدمتهم بهدف الحصول على معلومات عن أحاديث وهواجس وأحلام العائلة لينزلوا جام غضبهم عليها.
تمنح الكاتبة القارئة والقارئ فرصة ثمينة للتعرف على أسلوب عمل دولة بوليسية لحمتها وسداها عدم الثقة بالمواطنات والمواطنين والتجسس اليومي عليهم ومضايقتهم واعتقال الكثير منهم لبث الرعب في نفوس الناس. ولم تكن قصة "ابو الطبر" سوى واحدة من تلك الأفعال القمعية الرذيلة التي اعتمدها النظام لإسكات الناس إذ كانت الخشية يومية والناس شخصت ابتداءً المنظم والمنفذ الفعلي لتلك الجرائم البشعة التي ارتكبها أبو الطبر, إذ كان الناس يؤكدون: لا يمكن أن يكون الفاعل خارج مجموع النظام.
تستعرض السيدة جُمان كبة أوضاع العراق لتخبص من خلالها إلى تشخيص أساليب وأدوات الدكتاتورية وأكاذيبه والعمل على قاعدة غوبلز "اكذبوا ثم اكذبوا ثم اكذبوا لعل بعض افتراءاتكم تعلق بأذهان الناس", وقسوته في التعامل اليومي وكرهه للإنسان الحر والمستقل في تفكيره وإرادته. دولة عصابات الجريمة الحكومية والحزبية المنظمة التي أحدى صيغها جرائم "أبو الطبر" وأساليب قتله للناس والعلاقة القائمة بين هذا الأسلوب والمخابرات العراقية.
تشير الكاتبة العراقية إلى ظاهرتين متعارضتين برزتا في تلك الفترة في إطار المجتمع العراقي, فرضهما واقع الحال على جميع العائلات العراقية تقريباً, وهما:
** روح التضامن والتكافل مع من يتعرض لإرهاب السلطة, سواء من بقية أفراد العائلة والعائلات القريبة أم من الأصدقاء. وكان هذا التضامن بارزاً في بداية حكم البعث بشكل خاص.
** ولكن, وبعد أن اشتد الإرهاب والخطف والتغييب والسجن والقتل, برزت ظاهرة الخشية والابتعاد عن الزيارة والدعم من قبل العائلات القريبة جداً بسبب الخشية من الاضطهاد والملاحقة.
لقد تفشت وتفاقمت في المجتمع الكثير من العلل الاجتماعية السلبية ما كان لها أن تظهر وتتفاقم لولا الاستبداد والقسوة والعنف التي مورست ضد الإنسان والمجتمع.
لقد استطاع الأبد أن يسفر بناته وأولاده إلى خارج العراق لينقذهم من مصير مجهول, ثم غادر وزوجته في الغربة الأوروبية وفي عمر يصعب معه التكيف مع الحياة الجديدة.
لقد دللت الأم عن حب وشهامة وكرامة لا مثيل لها في موقفها النبيل من العائلة ومن الزوج الذي أصيب بجلطة دماغية أقعدته وشلت حركته وأصبح نزيل المستشفى الدائم, لقد خدمته بحنان ومحبة وماتت وهي تخدمه كأفضل زوجة وأطيب أم. ثم مات الزوج حسرة وغماً على وفاة زوجته بعد فترة وجيزة, وهو التعبير الصادق والأصيل عن الحب الإنساني الذي جمع بين الزوجين. 
اعتقد أن إنجاز هذا الكتاب قد حرر الكاتبة ذاتها من ذكريات الماضي الأليمة وأعاد التوازن النفسي إليها, وهي ضرورة ماسة للإنسان الذي عاش في صغره تلك التجارب المريرة والقاسية, ولكن هذا الكتاب مهم أيضاً للآخرين الذين عاشوا التجربة ذاتها وما يماثلها ولكنهم عاجزون عن الكتابة فيها أو التعبير والحديث عنها, كما أن الكتاب ثمين جداً لمن لم يعش هذه الفترة المليئة بالحروب والكوارث الإنسانية.
إن قراءة هذا الكتاب ضرورة لكل عراقي ولكل قراء العربية لأنه يوضح لماذا فقدت العائلات العراقية ولسنوات طويلة البسمة والفرحة والضحكة والحلم أيضاً, ولٍماذا سيطر الهم والغم والحزن والبكاء والعويل على تلك العائلات التي فقدت الكثير من أبنائها وبناتها سواء أتم ذلك عبر الحروب أم عبر الخطف والسجن أم القتل أو الذين طمروا في المقابر الجماعية ومن مختلف قوميات وفئات المجتمع..       
وأنا اقرأ الكتاب أحسست بألم في قلبي ودمعة تنساب من عيني دون إرادتي, إنه الكتاب الذي غزا قلبي وعقلي في آن واحد, لأنه صور ليس حياة هذه العائلة العراقية الطيبة فحسب , بل جسد حياة الشعب العراقي بأغلبه حينذاك.  لا يمكن لهذه السطور أن تعبر للقارئات والقراءة ما تضمنه هذا الكتاب من حقائق ستبقى صفحة سوداء في جبين حزب البعث العربي الاشتراكي الذي قاد حكم العراق مرتين (1963 و1968) وفي كل مرة كان جزاراً للشعب وقواه الوطنية, وخاصة في مجيئه الثاني للسلطة. ومن مهمة الجميع في العراق والمنطقة والعالم منع هذا الحزب من العودة إلى الحياة السياسية والسلطة للمرة الثالثة.
شكراً وألف شكر للكاتبة الفاضلة وتعازي القلبية بوفاة الوالدين وتهاني بسلامة بقية أفراد العائلة.
16/4/2010                   كاظم حبيب

490
كاظم حبيب
المرأة والكتابة والنشر في موقع الحوار المتمدن

رغم النضال العنيد والمتواصل الذي كانت تمارسه المرأة في منطقة الشرق الأوسط, وخاصة في الدول العربية ومن مختلف القوميات, فإنها لم تستطع فرض نفسها في حقول الإعلام والصحافة ونشر الكتب, رغم ما لديها من إمكانيات وطاقات كبيرة كامنة وغير مستثمرة. وكانت التقاليد والعادات ودور الذكور, إضافة إلى غياب الحريات الديمقراطية في أغلب الدول العربية إن لم نقل كلها,  كانت من بين العوامل التي جعلت المرأة قليلة الكتابة وأقل من ذلك النشر لما تكتبه في مجالات الشعر والقصة والرواية أو المشاركة في الكتابة الصحفية وفي حقول العلوم والفنون التشكيلية. ومع ذلك برزت أسماء لامعه عربيات وغير عربيات في منطقة الشرق الأوسط كان لهن أثرهن الكبير في نهوض تدريجي للمرأة ودورها في الحياة العامة وفي مختلف المجالات, ولنا من الدكتورة نوال السعداوي أو أحلام مستغانمي أو حياة شرارة واختها بلقيس شرارة أو عفيفة ألعيبي أو هناء أدورد وبخشان زنكنة ونرمين عثمان وغادة العاملي وبقية الناشطات النسويات في الدفاع عن حقوق المرأة ومساواتها بالرجل في العراق وبقية دول المنطقة.
إلا أن التقنيات الحديثة وعالم الأنفوميديا قد خلق أجواءً جديدةً لتشارك المرأة بطريقة أفضل وأوسع وأكثر تحرراً وحرية في الكتابة والنشر وفي الإبداع الفني والأدبي والثقافي عموماً. وهو ما نشهده اليوم. ويمكن لموقع الحوار المتمدن أن يقدم نموذجاً يحتذى به في هذا الصدد.     
فحين بدأ الحوار المتمدن خطواته الأولى على طريق النشر الإعلامي منطلقاً من مواقع الفكر اليساري الديمقراطي الحر, لاحظ المشرفون والمشرفات على الموقع بروز أسماء نسوية قليلة وخجولة في الكتابة, ولكنها واعدة, وهو ما لاحظته أيضاً كقارئ وكاتب على صفحات موقع الحوار المتمدن. وأتذكر أني كتبت للأخوات والأخوة في الحوار المتمدن أثمن دورهم في النشر النسوي وأدعوهم إلى فتح أبواب الموقع أكثر فأكثر للكاتبات الشابات حتى لو كانت كتاباتهن لا تزال في خطواتها الأولى, إذ يفترض أن يأخذ الحوار المتمدن على عاتقه تنشيط دور المرأة في الكتابة والنشر. وكان رأي الأخوات والأخوة في الحوار المتمدن مماثلاً ومشجعاً. وأمكن أخيراً وبمبادرة من السيدة بنيان صالح جبريل والعاملين معها إلى تأسيس مركز مساواة المرأة الذي يساهم في مكافحة العنف ضد المرأة.
واليوم حين نتصفح موقع الحوار المتمدن سنجد فيه الكثير من الكاتبات اللواتي يكتبن وينشرن في مختلف حقول الأدب والفن والسياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية, وهي ظاهرة صحية ورائعة يفترض تشجيعها وتعزيزها باستمرار. وأتوقع أن تكون الفترة اللاحقة محملة بالكثير من الكتابات النوعية المتنوعة والممتازة وكذلك الكتابات الصحفية المعبرة عن آمال وأحلام وطموحات المرأة, إضافة إلى واقع المرأة المر في الكثير من الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط ومن قوميات مختلفة.
لقد فتح الانترنيت أبواباً واسعة أمام المرأة للكتابة والنشر والتي لم تكن متوفرة لهن قبل ذاك.
ونظرة سريعة على ما يصدر من مجلات نسوية في العراق, ومنها, مجلة نرجس ومجلة نون, على سبيل المثال لا الحصر, تؤكد قدرة المرأة على اقتحام الصعاب في مجتمع لا تزال العشائرية تهيمن على مشاعر وسلوك الناس, إضافة إلى نتائج الانتخابات الأخيرة حيث أمكن فوز الكثير من النسوة بطريقة مباشرة في حين عجز الكثير من السياسيين المتنفذين في الحصول على أصوات مماثلة.
تحية للحوار المتمدن على فتح أبوابه الواسعة لكتابات المرأة, وتحية للمرأة التي تكتب في الحوار المتمدن وفي غيرها من المواقع والمجلات والصحف أو إصدار الكتب بمختلف الحقول ومنها الشعر والقصة والرواية والعلوم والموسيقى والفنون التشكيلية بتنوعها الكبير.
13/4/2010                   كاظم حبيب       

491
كاظم حبيب
هل من علاقة بين نتائج الانتخابات والإرهاب الدموي في العراق؟
(1)
لم يكن قانون الانتخابات العامة يجسد الروح الديمقراطية الضرورية التي يفترض أن تتوفر فيه ليعبر عن رأي الناخبات والناخبين بصورة ديمقراطية ويمنع الاعتراضات الواقعية التي نشأت والتي تسببت بمصادرة نسبة مهمة جداً من أصوات الناخبات والناخبين, وبالتالي حرمان مجموعة من المرشحات والمرشحين من الفوز بالانتخابات والجلوس مع الآخرين تحت قبة البرلمان لتعبر عن رأي الناخبات والناخبين في القضايا التي يعالجها المجلس النيابي. لقد كان الأفضل أن يكون العراق دائرة انتخابية واحدة ويؤخذ بالقاسم المشترك لعموم العراق وليس كما جرى وأخل كثيراً بأصوات الناخبات والناخبين. ولا بد من معالجة هذا الأمر بروح ديمقراطية بعيدة عن ضيق الأفق الطائفي أو القومي أو الحزبي وذلك بتعديل القانون.
(2)
لم تكن الحملة الانتخابية التي سبقت يوم الاقتراع نظيفة, بل تخللتها الكثير من الحوادث التي كان المفروض معالجتها قبل ذاك وبهدوء وموضوعية. لم يكن غريباً على بلد مثل العراق أن تحصل فيه بعض الأمور التي نعتبر تجاوزات فعلية على ديمقراطية الانتخابات والتي مارستها بعض القوائم أو بعض المرشحين مثل تقديم الهدايا والعطايا وتوزيع الأموال لشراء الأصوات أو ممارسة التأثيرات الدينية والمذهبية والعشائرية على الناخبات والناخبين. وكان على المفوضية المستقلة استخدام حقها المشروع في متابعة ومحاسبة أولئك الذين ارتكبوا هذه الظواهر السلبية التي أخلت كثيراً بسلامة العملية الانتخابية. ولكن الظاهرة الأكثر سلبية والتي أججت من جديد روح الطائفية وخلقت اصطفافاً طائفياً لعيناً برزت في تلك الضجة غير الطبيعية التي أثارها رئيس الوزراء السيد نوري المالكي حين طرح وقبل الانتخابات بأسابيع معدودة حملة واسعة تشير إلى احتمال عودة البعثيين إلى السلطة لدعم من الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية, كما طرح بشكل متأخر جداً موضوع الدكتور صالح المطلگ ومظفر العاني في هيئة المساءلة والعدالة والتي كان بالإمكان معالجتها في فترة مبكرة من حصولهم على عضوية البرلمان في انتخابات العام 2005. وقد استثمر الآخرون ذلك الخطأ الفادح بإشاعة جو الصراع الطائفي المقيت واستنفار كل القوى القومية والبعثية, إذ أن المالكي بطريقة طرحه لم يساعد على تحقيق الفرز الضروري بين تلك القوى, بل وضعهم في خانة واحدة رغم أنهم لم يكونوا يوماً في خانة واحدة بل خانات كثيرة.
(3)
ليس غريباً أن يحصل في بلد مثل العراق تزويراً أو تزييفاً بنسبة معينة. إلا أن هذه النسبة التي حصلت لا يمكنها أن تغير كثيراً من الصورة التي خرجت بها الانتخابات ونسبة الانحراف لن تكون أكثر من 5% في أسوأ الأحوال, وبالتالي كان لا بد من الاعتراف بالنتائج وتقديم اعتراضات بطريقة هادئة على تلك الدوائر التي يعتقد بوجود بعض التزوير فيها, وهو أمر محتمل في كل الأحوال. إلا أن الطريقة التي تعاملت بها قائمة دولة القانون والقائمة العراقية بشكل خاص لم تكن سليمة, إذ كان التهديد واضحاً وسلبياً على مستوى الوطن كله. وهو ما يفترض أن يدان أياً كان البادئ به أو الممارس له, إذ أشاع القلق والتحفز وبعض العدوانية في نفوس القوى الحزبية وفي صفوف المجتمع دون أدنى مبرر.
ومن الجدير بالملاحظة أن المفوضية المستقلة لم تحرك ساكناً وتدين هذه الممارسات وتتصدى لها من مطلق حيادي مستقل مطلوب.
(4)
وقبل بدء الانتخابات, ومن أجل إشاعة الفوضى والخراب وعدم الثقة بقدرة رئيس الحكومة وحكومة المالكي على تأمين الأمن والاستقرار, نفذت قوى عديدة لا يمكن حصرها بالقاعدة والبعثيين من أتباع عزة الدوري وحدهما, مجموعة من العمليات الإرهابية التي دللت على خمس مسائل جوهرية لم تنتبه لها الحكومة ولما تمارس دورها في وضع حدٍ لها, وهي:
1. هشاشة الوضع السياسي والحكومي والأمني واستمرار الصراعات التي كانت ولا تزال تنهش في كيانها وتضعف دورها في الحياة السياسية والأمنية والاقتصادية؛ 2. المبالغة في منجزات الحكومة وضعف يقظتها إزاء النشاط الإرهابي واعتقادها بأنها قد أنهت دور القاعدة وقوى البعث ألصدّامية وأن هذه القوى لم تعد قادرة على التحرك ضد الشعب؛ 3. كما أنها لم تضع في حسابها وجود قوى أخرى غير القاعدة والبعث الدموي من قوى دول الجوار التي تريد إشاعة الموت والفوضى والخراب في البلاد والبرهنة على عجز المالكي في توفير الأمن للعراق؛ 4. لا تزال قوى الأمن الداخلي والشرطة والجيش قليلة اليقظة وضعيفة القدرة على توفير جدي ومستمر للأمن الداخلي وحماية المواطنات والمواطنين من عبث القوى الإرهابية, إضافة إلى وجود اختراقات غير قليلة في هذه الأجهزة وفي نقاط التفتيش والرقابة؛ 5. التدخل المستمر من جانب دول وقوى الجوار في الشأن العراقي الداخلي واستمرار تأييدها ودعمها المباشر وغير المباشر لقوى الإرهاب في العراق ووجود قوى داخلية مستعدة حتى الآن, بسبب صراعاتها وعدم تحقيق مصالحة مع القوى النظيفة منها, على حماية قوى الإرهاب ومنحها غطاءً واقياً ضد مطاردتها من قبل القوات العراقية.
(5)
تميزت العملية الانتخابية في يوم الاقتراع بالهدوء ودون حوادث كبيرة, كما شهدت إقبالاً جيداً على صناديق الاقتراع وبمشاركة واسعة من بعض المناطق التي لم تشارك قبل ذاك بذات الهمة والحمية مدفوعة بالأجواء السلبية التي نشأت قبل الانتخابات بفترة قصيرة. فكان الاستقطاب, شاء الإنسان أم أبى, طائفياً لم يمنع من بروزه دخول بعض العناصر العلمانية والديمقراطية في البيتين الشيعي والسني, وبالتالي برزت قوائم تتحدث عن المواطنة ولكنها تعبر عن النسيج القومي والمذهبي في العراق, العرب الشيعة والعرب السنة والكُرد. وغابت عن المجلس الجديد قوى التيار الديمقراطي العربي بكل مكوناتها واتجاهاتها الفكرية والسياسية وخسر الكثير من عناصر هذا التيار الذين كانوا في دورة المجلس 2005-2009 مقاعدهم في هذه الدورة.
لقد حصل حراك بسيط في هذه الدورة عن الدورة السابقة. استطاعت بعض قوى الإسلام السياسية الشيعية تعزيز مواقعها على حساب قوى أخرى فيه مثل حزب الدعوة والصدريين على حساب المجلس الإسلامي الأعلى, كما حصل نفس الحراك في القائمة العراقية وقوى الأحزاب الإسلامية السياسية السنية حيث تراجعت قوى التوافق والحزب الإسلامي كثيراً لصالح غيرها في هذه القائمة.
لقد استطاع المالكي من طرف وأياد علاوي من طرف أخر أن يحرزا على أكثر المقاعد لسببين, وهما: الاستقطاب الذي حصل في الآونة الأخيرة من الحملة الانتخابية من جهة, ونداءات الطرفين بالكف عن الطائفية والالتزام بالمواطنة العراقية من جهة ثانية, رغم عدم التزام الطرفين عملياً بالسبب الثاني. 
(6)
إن المشاركة النسبية الواسعة بالانتخابات (62%) ونتائجها والبدء بحوارات بين مختلف الأطراف واحتمال تشكيل حكومة عراقية تستند إلى قواسم مشتركة وأسس واضحة, رغم الصعوبات التي تعترض هذا الطريق والمدة الطويلة نسبياً التي يمكن أن تستغرقها هذه العملية, وتأييد العالم لنجاح العملية الانتخابية رغم نواقصها المعروفة, قد أشاع القلق الشديد والرعب في صفوف كل قوى وجماعات الإرهاب المحلية والإقليمية والدولية فدفعها إلى استنهاض جماعاتها التي كان بعضها في قيلولة مؤقتة لتنفذ سلسلة من العمليات الإرهابية التي تشيع الموت الواسع والخراب وتثير الإحباط في نفوس الناس وتشدد الصراع بين القوى السياسية وتسمح ببروز اتهامات متبادلة في ضوء ما تثيره بعض القنوات الفضائية بإصرار بغيض ومقصود مستندين في ذلك إلى التهديدات التي صدرت في أعقاب الإعلان عن النتائج الجزئية المسيئة للعملية الانتخابية وبالطريقة البائسة التي مارستها وقدمتها المفوضية المستقلة للجمهور العراقي والإقليمي والدولي. إن هذه القوى الإرهابية والقوى المحركة لها تستفيد اليوم من الفراغ السياسي الذي بدأ منذ أن أصبح دور الحكومة مجرد تصريف أعمال, وحل الإحباط الشديد برئيس الحكومة وبوزيري داخليته ودفاعه ومستشار الأمن القومي.
(7)
على مدى أسبوع واحد وقعت سلسلة من العمليات الإرهابية الدموية الموجهة بشكل خاص صوب الهيئات الدبلوماسية وجماهير الشعب الكادحة. وهي هادفة إلى زعزعة ثقة دول العالم بحالة الاستقرار الممكنة وتأكيد هشاشة الوضع الأمني والسياسي في العراق وقدرة قوى الإرهاب على ممارسة عملياتها في وضح النهار وبالرغم من كل ادعاءات الحكومة بقدرتها على لجم الإرهابيين ومن يقف وراء كل ذلك. لقد فقد العدو الإرهابي أعصابه وراح يمارس تهديداته السابقة بقتل الناس ومنع عودة السلك الدبلوماسي الأجنبي إلى العراق وممارسة أعماله ضد أمن واستقرار الناس. هذه هي مهمة قوى الإرهاب وهذا هو دورها, ومن يريد التيقن من ذلك فما عليه إلا أن يتابع قناة الشرقية والجزيرة ليتعرف بشكل دقيق إلى ما يريده الإرهابيون ويسعون إليه حالياً. سوف لن تتوقف العمليات الإرهابية ما لم يطرأ شيء جديد على الوضع السياسي في العراق, فما هو المطلوب حالياً؟
(8)
لقد قضيت عدة أسابيع في العراق والتقيت بالكثير من الناس من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية ومن مختلف القوميات ومن أتباع الديانات والمذاهب الدينية, كما استمعت إلى الكثير من الآراء والملاحظات من كوادر قيادية في أحزاب سياسية ومن أعضاء في تلك الأحزاب, إضافة إلى أراء الناس البسطاء الذين يعون جيداً ما يجري في العراق. لقد عدت تواً من بغداد (5/4/2010) وكففت عن الكتابة خلال فترة السفرة بهدف الاستماع بإذن صاغية إلى آراء من عانوا من صراعات ونزاعات القوى السياسية والأوضاع الاقتصادية والفساد المالي والإداري ومن أكتووا بنيران وعواقب عمليات  قوى الإرهاب الدموية.
يدرك أغلب العراقيات والعراقيين, وخاصة أولئك الذين يتابعون الوضع السياسي ويعرفون علله ويعانون منها, أن حكومات وقوى دول الجوار كانت ولا زالت تتدخل في شؤون العراق الداخلية, إذ أن لكل من هؤلاء "مصالحه الحيوية" في العراق وضمن إستراتيجيته الإقليمية المناهضة لاستقرار العراق وسيادته على أرضه وقراراته. ولا يمكن لأي منا إيقاف هذا التدخل ما دامت هناك قوى داخلية تقبل بذلك وتعتمده في نشاطاتها السياسية. ولكن الذي يشير إليه الناس في العراق ويستغربون منه هو أن يتوجه السياسيون العراقيون إلى تلك الدول بطلب المساعدة لتحقيق التحالفات المنشودة في ما بينها. وهو الأمر المضحك المبكي لما آلت إليه هشاشة القوى والأوضاع السياسية في العراق, هشاشة وضعف الدولة العراقية. فمنهم من رحل إلى إيران واغتاظ الآخرون لأنهم لم يدعون إليها, وذهب آخرون إلى السعودية, واغتاظ آخرون لأنهم لم يدعون إليها ذلك, وكذا الحال حين رحل آخرون إلى سوريا والسعودية وإيران في آن بطلب الدعم والمساعدة. ومنهم من رحب بالتدخل التركي في شأن الموصل وعموم العراق. ولا شك في أن كل تلك الزيارات خارج الصدد, إذ أن على العراقيات والعراقيين تدبير شأن بلادهم دون السماح بتدخل القوى والدول الأخرى.
(9)

يواجه عراق اليوم إحدى حالتين:
** إما الغوص في مستنقع الصراعات والنزاعات وتفاقم العمليات الإرهابية التي تسعى إلى تنشيطها قوى كثيرة داخلية وخارجية؛
** وإما تحري القوى السياسية العراقية الفائزة في الانتخابات وغير الفائزة أيضاً عن حالة من قبول بعضها بالبعض الآخر وبنتائج هذه الانتخابات, بغض النظر عن الموقف الخاص لكل منها بها, والتحري عن قواسم وطنية مشتركة تنقل العراق إلى شاطئ الأمن والاستقرار والسلام. وهي الحالة الأمثل والمطلوبة من قبل الشعب العراقي.
وهذه الحالة تعني القبول بما هو مسجل في الدستور العراقي والبدء بحوارات جادة دون استبعاد أي طرف فائز, وكذلك الحوار مع غير الفائزين بغض النظر عن مشاركتهم أو عدم مشاركتهم في تشكيل الحكومة الجديدة. إن المجتمع العراقي قد أعطى رأيه في أن لا يستبعد أي طرف فائز من المشاركة في تشكيل الحكومة. وحين الاتفاق على آليات تشكيل الحكومة ووضع برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي وأمني وإقليمي ودولي مشترك لها, حينذاك يمكن أن تتشكل حكومة قوية قابلة للحياة من جهة, وربما تتشكل معارضة سياسية قوية نسبياً, سواء في داخل البرلمان أو خارجه, قادرة على التأثير في الأحداث نسبياً من جهة أخرى, وقادرة على تنفيذ البرنامج المشترك.
لا شك في وجود عقبات تبدو عصية على الحل مثل تحديد رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب بعد أن تم الاتفاق مبدئياً على رئيس الجمهورية, وكذلك توزيع الحقائب الوزارية بين المشاركين في بنية الحكومة الجديدة. إلا أن مواصلة المسيرة السياسية ومعالجة المشكلات القائمة وتعطيل وإنهاء نشاط وعمليات قوى الإرهاب والمقاومة غير الشريفة في العراق, هو الذي يفرض على الجميع الاستماع إلى صوت العقل والحكمة والتجربة المنصرمة للسير على طريق التعاون والتنسيق وليس التصارع والتنازع.
لا شك في وجود احتمالات وسيناريوهات كثيرة في تشكيل الحكومة الائتلافية, ولكن أكثرها أمناً هو دخول القوائم الأربعة في ائتلاف سياسي للسنوات الأربعة القادمة ببرنامج وطني ديمقراطي لحل المشكلات التي لم تعالجها الحكومة السابقة رغم ضرورة معالجتها برؤية جديدة تطمح إلى نشر الأمن والاستقرار والتفاهم في البلاد. إنه مطمح الناس الطيبين والبسطاء في العراق, فهل سيستمع سياسيو العراق إلى صوت الناس, صوت العقل والحكمة؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام والأسابيع القادمة.
              

492

تحية وفاء ووقفة إجلال لشهداء الكُرد الفيلية , شهداء الشعب العراقي ..

في ذكرى يوم الشهيد الكُردي الفيلي

الأخوات والأخوة الكُرد الفيلية الكرام
شارك الكُرد الفيلية على امتداد الحكم الوطني في العراق في بناء العراق الجديد , كما شاركوا بحيوية ومسؤولية وإبداع في النضال من أجل قيم الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية وفي سبيل إقامة نظام حكم مدني وديمقراطي مكين وتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي  في البلاد. وعلى هذا الطريق الطويل غير المعبد قدم الكُرد الفيلية عدداً كبيراً من الشهداء الأبرار ممن كانوا مع الآخرين في طليعة النضال الوطني والديمقراطي وفي كافة المجالات. ولم يكن دفاعهم العنيد عن أهداف ومنجزات ثورة تموز 1958 والخسائر الفادحة في الأرواح التي قدموها في مقاومة الانقلابيين الفاشيين في الثامن من شباط / فبراير من العام 1963 سوى واحدة من ملاحم البطولة الوطنية للكُرد الفيلية , دفاعاً عن تلك الثورة المغدورة التي اعترف قائدها , الزعيم عبد الكريم قاسم , بحق بأن الكُرد الفيلية هم من أصل أهل العراق وليسوا طارئين عليه , كما يحلو للقوى الشوفينية العربية المتطرفة ترويجه. فهم جزء من الشعب العراقي , كما أنهم يشكلون جزءاً من الأمة الكُردية على امتداد أرض كُردستان, وهم شركاء في هذا الوطن.     
لقد أدركت الطغمة البعثية الحاكمة في العراق عمق وطنية الكُرد الفيلية ومدى التصاقهم بالوطن والشعب منذ أن قاوموا بشجاعة الانقلاب البعثي الدموي , فبدأوا , حين عادوا إلى السلطة بانقلاب القصر في السابع عشر من تموز 1968 , بمعاقبتهم بصيغ وصور شتى إلى أن وصل الأمر بهم إلى ممارسة ثلاثة أساليب  فاشية ودموية ضدهم:
1.   الاعتقال والتهجير القسري إلى خارج العراق لعشرات الألوف منهم بذريعة التبعية الإيرانية التي رفضها الشعب وأدان القوى المروجة لها , إضافة إلى مصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة.
2.   زج جمهرة كبيرة من شبيبة الكُرد الفيلية من الذكور في الجبهات الأمامية في السنوات الأولى من الحرب العراقية – الإيرانية والتي أدت إلى موتهم , ومن لم يمت منهم بالحرب , قتل فيها على أيدي جلاوزة النظام.
3.   اعتقال عدد كبير من الشباب الكُرد الفيلية وزجهم في السجون ثم قتلهم ودفنهم في مقابر جماعية يجري الكشف عنها يوماً بعد آخر بعد سقوط الدكتاتورية الغاشمة.
 لقد عانت عائلات الكُرد الفيلية الأمرين على أيدي نظام البعث الفاشي. وكان هذا الموقف يعبر عن كراهية وحقد عنصريين ضد الشعب الكردي عموماً والذي برز أيضاً في عمليات ومجازر الأنفال وحلبچة في كردستان العراق.
إلا أن الكُرد الفيلية , ورغم سقوط النظام الدموي , لم يستعيدوا حقوقهم وحقوق الشهداء المغتصبة رغم كل الوعود التي قطعها المسؤولون في العراق لهم في الاستجابة المشروعة لمطالبهم العادلة. إن استعادة الكُرد الفيلية لحقوقهم المشروعة وحقوق شهداء الكُرد الفيلية الأبرار هو حق وواجب على كل مواطنة عراقية ومواطن عراقي وهو الحد الأدنى الذي يفترض أن تمارسه أي حكومة وطنية عراقية في أعقاب سقوط النظام.
وفي الذكرى السنوية ليوم الشهيد الكُردي الفيلي , شهيد الشعب العراقي , ضد الدكتاتورية والعنصرية والطائفية والقسوة أنحني إجلالاً وتكريماً وعهداً للدفاع عن حقوقهم المشروعة والعادلة , فللشهداء الأبرار الذكر الطيب ولعائلاتهم والشعب العراقي أحر واصدق التعازي.
كاظم حبيب
برلين في 10/4/2010       


493
الأخوات والأخوة الأعزاء
السيدات والسادة الكرام
سيبدأ اليوم موقعي وموقع زوجتي الإلكتروني بالعمل تحت الرابط التالي:
http://www.kadhimhabib.de/
مع بالغ التحية.
كاظم حبيب


494
كاظم حبيب
ملاحظات مطلوبة على تعليقات حول مقالاتي بشأن تصريحات السيد طارق الهاشمي

حين استمعت إلى تصريح نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي يذاع من قناة الجزيرة عادت إلى ذاكرتي, كفلم مسلسل, صور الماضي غير البعيد, صور تمتد من أربعينات وخمسينات وستينات .. القرن الماضي إلى الوقت الحاضر وتجسدت أمامي تلك الخلافات والصراعات والنزاعات التي أعقبت ثورة تموز 1958 والعوامل الكامنة وراء كل ذلك وتوقفت عند بداية الخلاف ونشوء الصراع وطرح شعار الوحدة العربية الفورية من جهة, ومحاولة الالتفاف على ما ورد في دستور العراق من أن العربَ والكُرد شركاء في الوطن العراقي, حين طرح البعثيون والقوميون ومعهم عبد السلام عارف شعار العراق جزء من الأمة العربية والوطن العربي الذي أثار الكُرد بحق وبدأ العد التنازلي للعلاقات في ما بين القوى والأحزاب الوطنية التي تحالفت قبل ذاك في جبهة الاتحاد الوطني ثم الصراعات والانقلابات والاغتيالات التي عمَّت العراق, وخاصة بالموصل في حينها.
لقد اغتيلت الثورة العراقية بمؤامرات عراقية – مصرية – سورية – أمريكية تم الكشف عن مختلف جوانبها في كتابات واعترافات الكثير من البعثيين والقوميين العرب, وخاصة القادة المصريين في مقابلات حول الفترة المنصرمة, إضافة إلى اعترافات السفير الأمريكي كريستوفر هيل الأخيرة الذي أكد بأن الولايات المتحدة كانت تفضل وتعمل من أجل أن يكون البعثيون في السلطة بدلاً من سيطرة الشيوعيين عليها, ولم يكن الشيوعيون في السلطة في حينها بل عبد الكريم قاسم ولم يتأمر الشيوعيون ضد سلطة قاسم, لقد كانت الولايات المتحدة وبريطانيا وشركات النفط الاحتكارية ضد حكومة وشخص عبد الكريم قاسم.
هذه اللوحة بتفاصيلها لا تزال في ذاكرتي وذاكرة الكثير من العراقيات والعراقيين ووجدت من الضروري تنبيه المجتمع العراقي بما يراد له الآن حين ينطلق السيد الهاشمي بتصريح مماثل لذلك الذي انطلق به عبد السلام عارف في حينها. إنه ليس هجوماً على الهاشمي بقدر ما هو كشف عن النوايا التي تكمن وراء مثل هذا التصريح والعواقب التي يمكن أن تترتب على ذلك. إنه ليس دفاعاً عن رئيس الجمهورية الحالي أو تأييداً لانتخابه دورة أخرى بأي حال, بل هو الانطلاق من مبدأ أساسي لا يقبل الخطأ هو "أن كل العراقيات والعراقيين , وبتعبير أدق كل المواطنات والمواطنين في العراق لهم الحق في اعتلاء هذا المنصب بغض النظر عن قوميتهم ودينهم ومذهبهم أو رأيهم السياسي حين يكونون في إطار القوى غير العنصرية وغير التي تميز بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية, أي غير الطائفية. أي من حق كل عراقية وعراقي, سواء أكان عربياً أم كردياً أم تركمانياً أم كلدانياً آشوريأ, أم مسلماً أم مسيحياً أم صابئياً مندائياً أم كاكائياً أم شبكياً أم إيزيدياً, أن يكون رئيساً لجمهورية العراق حين يكون مؤهلاً لذلك وحين يقرر الشعب ذلك عبر ممثليه أو بالانتخاب المباشر. هذا هو المبدأ الذي يفترض أن نحتفظ به وندافع عنه وليس أن نشترط في أن يكون رئيس الجمهورية العراقية عربياً لأن العراق دولة عربية. هنا هو بيت القصيد وهنا هو المقتل الفعلي للوحدة العراقية ووحدة النسيج الوطني العراقي الذي يفترض تجاوزه في إعلامنا ودعايتنا. وهو الذي لم يتجنبه طارق الهاشمي بل أصَّر عليه وبلغة واضحة وبأسلوب متشدد لا يقبل التأويل.
لقد شارك عبد السلام عارف في قيادة ثورة تموز ونفذ أصعب المهمات وكان مقداماً في تلك العملية وحصد تأييد الشعب تماماً كما حصده عبد الكريم قاسم. ولكن الرجل لم يكن حصيفاً وحكيماً بل كان, وهذا ما تبلور بعد فترة وجيزة من الثورة, نزقاً ومتهوراً جداً وغير مثقف, وكان بعيداً عن الرؤية الواقعية والموضوعية للعراق وبنيته القومية والاجتماعية, وبرزت عليه خصائص القومي المتعصب والمسلم السلفي والطائفي المتزمت في آن واحد. والطائفية مرض مقيت حين يصاب به الإنسان. ومن المؤسف القول بأن كل الأحزاب السياسية التي تبنى على أساس ديني تقوم على مذاهب معينة وتتمسك بسياسات طائفية تميز بين أتباع الأديان والمذاهب. وكان عبد السلام من هذا النوع رغم أنه لم يكن عضواً في حزب إسلامي.
لقد شارك عبد السلام عارف بإسقاط نظام البعث في تشرين الثاني 1963, ولكنه كان المساهم الأكبر في انقلاب شباط 1963 وكان المشارك الأكبر في القتل دون محاكمات بمن فيهم قتل عبد الكريم قاسم وصحبه الشهداء دون محاكمات وبعيداً عن الشهامة والضمير. خفف حكم عبد السلام عارف من القمع والاضطهاد نسبيا, وإلا لما استطاع مواصلة الحكم, ولكن النظام العارفي لم يتوقف قطعاً عن الاضطهاد والقمع والاعتقال والسجن والتعذيب, وفي هذا أدلة كثيرة وشواهد لا يمكن تجاوزها أو إنكارها. وكان عبد السلام عارف طائفياً بالمطلق تماماً كما هو حال الكثير من الطائفيين السابقين والحاليين المتعصبين من الشيعة والسنة, والطائفية شيء مقيت بخلاف المذاهب التي يحق لكل إنسان الإيمان بها, إذ أن الطائفية إن سادت تقود البلاد إلى ما لا تحمد عقباه. وكان عبد السلام يختلف في عمق وعنف طائفيته عن أخيه عبد الرحمن الذي تميز بهدوء أكبر واقل تزمتً من حيث الدين او القومية أو المذهب.
لو عاد البعض الذي يقول بأن عبد السلام عارف غير طائفي أن يعود إلى تركته الثقيلة في العراق ليرى كيف تعامل الرجل مع هذه المسألة. من المؤسف أن البعض ينسى ذلك والذاكرة عند البعض قصيرة جداً أو لا يعود إلى ما كتب بهذا الصدد ويعتقد بأن من يكتب عن ذلك هو طائفي معاكس.
لقد كتبت رسالة منذ سنتين إلى السيد طارق الهاشمي, نائب رئيس الجمهورية, بشأن الكُرد الفيلية, حين طلب مني أن أكون على رأس وفد لمعالجة هذا الموضوع مع المسؤولين العراقيين, ولم يتسن لي المساهمة بالوفد, وضرورة معالجة قضية الجنسية وعودتهم إلى العراق, إذ أن معاناتهم كبيرة وهم مواطنون عراقيون بحق ولا يجوز استمرار معاناتهم ومصادرة حقوقهم المشروعة التي صادرها نظام البعث السابق. فكان جوابه برسالة يؤكد فيها بأن هذه المشكلة ليست سهلة وفيها الكثير من الإشكاليات ولا يمكن حلها بهذا الشكل! ألا يذكرنا هذا الموقف بموقف أولئك الذين اتخذوا قرار إبعاد الكُرد الفيلية وعرب الوسط والجنوب بتهمة التبعية لإيران قبيل الحرب العراقية الإيرانية وأثناء الحرب أيضاً وقتل الكثير من شباب هؤلاء في السجون والمعتقلات؟
وحين جئت إلى بغداد بزيارة خاصة طلبت اللقاء بالسيد طارق الهاشمي برسالة وباتصال هاتفي وعرفتهم بشخصي. وبعد الاتصال به من جانب مكتبه أُعطيت موعداً للقاء به. بعدها وقبل يوم من الموعد اتصل بي سكرتيره الخاص وطلب تأجيل الموعد ليوم آخر وتحدد الموعد أيضاً. فوافقت. ثم اتصل بي سكرتيره الخاص ثانية وأخبرني بإلغاء الموعد دون تبيان السبب. شكرته ولم أعلق على الموقف, إذ من حقه أن يوافق أو يرفض, رغم إن الرفض لم يعبر عن لياقة مناسبة في التعامل معي.
تبين لي حقاً بأن الرجل يعاني من عقدة قومية كما كان يعاني الكثير من القوميين العرب العراقيين وليس كل القوميين, ولهذا لا بد من التمييز بين القوميين العرب. فمجموعة الأستاذ عبد الإله النصراوي والدكتور قيس العزاوي (الحركة الاشتراكية العربية) هم من القوميين الديمقراطيين المتفتحين على القوميات الأخرى في العراق وبشكل عام بخلاف مجموعات أخرى ترى وتتصرف بغير ذلك.
ليس لدي أي تحامل على السيد طارق الهاشمي, بل لدي ملاحظات جدية على اتجاهاته الفكرية وسياساته ومواقفه أثناء وجوده كنائب لرئيس الجمهورية وطريقة تعامله مع الأحداث, وهو من حقي كسياسي عراقي ومطلع بشكل مناسب على الأفكار والسياسات والمواقف التي تحرك مثل هذه الشخصيات العراقية.
في الوقت الذي أرجو له الصحة وطول العمر, أتمنى عليه أن يفكر كثيراً بالعراق ومستقبله, بعراق متضامن وقائم على اسس المواطنة المتساوية والواحدة. فليس هناك من يمكن أن يغير الخارطة الجغرافية العراقية, العرب بجوار الكُرد, أوالكرد بجوار العرب في دولة واحدة, وكذا الحال مع بقية القوميات, وعلينا أن نتعايش بود وسلام ووئام وبعيداً عن التعصب, بل بروح المواطنة المتساوية ولا فرق بين أتباع القوميات إلا بما يقدمونه من خدمات للعراق وتعزيزاً للوحدة الوطنية وتقدم وازدهار العراق وأمنه وسلامة مواطناته ومواطنيه. إن من واجبنا أن ندافع عن المواطنة. هذا هو المهم في وطن مثل العراق.   
       10/3/2010                  كاظم حبيب

495
كاظم حبيب
إذا كانت أحداث عبد السلام عارف في الفترة 1958-1963 كمأساة ..
     فيمكن أن يصبح طارق الهاشمي, وما يفتعله من أحداث, كمأساة وملهاة في آن!


في العام 1958 رفع عبد السلام محمد عارف راية القومية العربية والوحدة العربية بصورة مقلوبة وطرح شعار الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة وحرك جزءاً من الشارع العراقي بشعاره المعروف "وحدة وحدة عربية ... لا شرقية ولا غربية" في وجه الغالبية العظمى من المجتمع العراقي حينذاك مؤيداً بذلك ما طرحه البعثيون والقوميون الناصريون اليمينيون أيضاً. وبذلك هيأ عارف لخلاف بدأ داخل قوى اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني وانتقل إلى أعضاء تلك القوى والأحزاب السياسية , ومنها كالنار في الهشيم إلى الشارع العراقي الذي انقسم إلى جبهتين: جبهة الأكثرية المؤيدة للتأني والدخول باتحاد فيدرالي مع مصر وسوريا في إطار الجمهورية العربية المتحدة, وجبهة الأقلية القومية التي تنادي بالوحدة الفورية معها. ولكن جبهة الأقلية وجدت الدعم والتأييد من القوميين العرب والبعثيين في الدول العربية ومن بعض حكومات الدول العربية خشية من تقدم العراق على طريق الديمقراطية والحلول الجذرية للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية القائمة وتشكيله نموذجاً يحتذى به في المنطقة. وكان لا بد من تخريب وقتل هذا النموذج وهو في المهد. ووجد الغرب في هذا الشعار, رغم رفض الغرب لمضمونه جملة وتفصيلاً, الأداة التي يمكن بها تمزيق الوحدة الوطنية العراقية ودق إسفين الخلاف بين قوى الشعب وأحزابه المختلفة, وبالتالي يمكن استثمار ذلك لضرب الجمهورية الفتية. وكلنا يتذكر تصريحات السفير الأمريكي الأخيرة كرستوفر هيل الذي أكد دور الولايات المتحدة في دعم عملية الانقلاب البعثية خشية من وصول الشيوعيين إلى السلطة. فكانت محاولة الاغتيال وكان التآمر المتتابع والمتعدد الجوانب وبدعم مباشر من الجمهورية العربية المتحدة والرئيس المصري جمال عبد الناصر, وكان آخر المطاف القطار الأمريكي الذي نقل قوى البعث والقوى القومية وعبد السلام عارف إلى الحكم وأقيمت أول جمهورية فاشية سياسياً مارست كل أشكال الاعتقال والقمع والسجن والتعذيب والقتل بحق الوطنيين والديمقراطيين والشيوعيين والمستقلين. ثم توالت الانقلابات العسكرية القومية تحت شعار الوحدة العربية, ذلك الشعار الذي لم ينفذه البعثيون ولا القوميون حين وصلوا إلى السلطة, بل تحولوا إلى أكثر المتزمتين قطرياً وأكثرهم بعداً عن تحقيق الوحدة, إذ كان البعض منهم يتطلع إلى السيطرة على بقية الدول العربية وفق منظور هذا البعض الشوفيني والمشوه للوحدة العربية.
ومنذ تلك الفترة التي انتهت, بتضافر جهود كل القوى المعادية لحرية العراق وحياته الديمقراطية, بالإطاحة بحكومة عبد الكريم قاسم الفردية وإلى قيام جمهوريات وحكومات مستبدة وقهرية وعسكرية قمعية بتأييد ومساندة من الغرب بشكل مباشر. وكانت مسيرة ما يقرب من خمسين عاماً مليئة بالدماء والدموع, مليئة بالموت اليومي الذي ملأ أرض العراق بالقبور الجماعية التي احتضنت العرب والكُرد والكلدان والآشوريين والتركمان في آن واحد. لقد كانت المآسي والكوارث تتوالى على العراق في كل لحظة واختطفت الكثير من البشر والأموال ودفعت بالعراق إلى فقر وجوع وإلى بؤس وفاقة حضارية مريعة لا تزال مستمرةً بصيغ مختلفة. وكانت البداية لهذه المأساة المستمرة ذلك الشعار الديماغوجي عن "الوحدة" العربية البعيد عن الواقع. وكان أتباع هذا الشعار يتنكرون لوجود قوميات أخرى في العراق ولها حقوق وعليها واجبات كما للعرب ويطرحوا بصورة استفزازية: أن العراق دولة عربية وأن العراق جزء من الوطن العرابي وأن العراق جزء من الأمة العربية وكأن ليس هناك قومية كردية وأخرى تركمانية وثالثة كلية آشورية وأرض كردستانية.
واليوم تبدأ شخصية عسكرية (مقدم ركن, آخر رتبة له في العام 1975) مماثلة لشخصية عبد السلام محمد عارف من بعض النواحي, وخاصة الجانب الطائفي والقومي, من أعضاء الحزب الإسلامي العراقي الذي انتمى إليه منذ العام 1960, أسمه طارق أحمد بكر الهاشمي, وأخرج منه قبل فترة وجيزة, ليطرح من جديد شعار العراق دولة عربية وأن يكون رئيسها عربياً أيضاً. ويبدو أن الرجل يطمح برئاسة الجمهورية. ومن حيث المبدأ يحق لكل عراقي ذلك شريطة أن يتمتع بمؤهلات رئاسة الجمهورية!
هنا تبدو لي أهمية ما كتبه الفيلسوف الألماني فريدريك هيگل (1770 0 1831) إذ قال "أن الأحداث الكبرى في التاريخ عادة ما تتكرر مرتين", ولكن أدخل الفيلسوف الألماني كارل ماركس (1818-1883) إضافة مهمة على هذا النص حين قال " في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كملهاة", ويمكن أن أضيف عليها في حالة  العراق "أن تكون في المرة الأولى كمأساة وفي المرة الثانية كمأساة وملهاة في آن". وهذا ما نعاني منه في الوقت الحاضر, وهذا ما يريد تحريكه طارق الهاشمي.
إن ضحايا 1963 تستصرخ ضمائر الأحياء من الناس في العراق أن أوقفوا هؤلاء الذين يريدون تكرار مأسي وكوارث الصراعات القومية التي فجروها في أعقاب ثورة تموز 1958 اليوم في العام 2010 وبعد الانتخابات مباشرة ليعرقلوا المسيرة  السلمية والسياسية بغض النظر عن نواقصها التي نراها ونلمسها جيداً والتي يفترض العمل الجاد من أجل معالجتها لصالح الشعب وتقدمه وسلامته.    
أعرف جيداً بأن الشعب العراقي لا يقبل ولا تفوته مثل هذه المطبات بعد أن فوت على صيادي الماء العكر الصراع الطائفي والحرب الأهلية الطائفية, مطبات يمكن أن تقود إلى صراعات قومية جرى تجنبها بقيام دولة عراقية اتحادية تضم فيها فيدرالية إقليم كردستان وفق الدستور العراقي, واعرف أن الشعب العراقي يقرأ الممحي والمكتوب, وأعرف أنه يقرأ ما بين السطور ويستطيع أن يشم الروائح النتنة من بعيد ويتجنبها, إلا أن التحذير من مغبة ما يمارسه طارق الهاشمي وفق تصريحه الأخير في يوم 8/3/2010 ضروري جداً لأنه يحمل في طياته الكثير والكثير جداً من الديناميت الذي يمكن أن يفجر الوضع في العراق كله , على طريقة اقتلوني ومالك!
قاد الهاشمي قائمة (تجديد) بعد استبعاده من الحزب الإسلامي, ثم انضم إلى القائمة العراقية التي يرأسها الدكتور أياد علاوي, وهو يعمل ضمن أجواء إسلامية وقومية ملبدة بالغيوم تعيش كلها في كنف قائمة علاوي مثل النجيفي ومجموعة صالح المطلگ وظافر العاني وغيرهم, كما فيها وجود إنسانية طيبة, وخاصة النسوية ومنهن المهندسة ميسون الدملوجي. وسيحوز الهاشمي على مقعد في مجلس النواب كما يبدو من سير العملية الانتخابية, لهذا أرى أهمية التصدي لهذا الشعار من جانب السياسيات والسياسيين والكاتبات والكتاب في العراق وفي الخارج لإبعاد العراق عن احتمال نشوب صراع قومي بعد أن تراجع الشعار الطائفي نسبياً.
ينبغي على الشعب العراقي إفشال هذه الورقة أيضاً لحماية نفسه من الاقتتال القومي والطائفي المتشابك.
العراق ملك العراقيات والعراقيين من عرب وكرد وتركمان وكلدان وآشوريين وسريان, ملك للمسلمين بكل مذاهبهم, وللمسيحيين والصابئة المندائيين والكاكائيين والشبك وما بقي من يهود العراق على أرض العراق أيضاً, إنها ليست ملك العرب خارج إطار العراق ولا ملك للفرس أو غيرهم وعلى طارق الهاشمي أن يعي ذلك وان يدرك بأن من يقرر من يكون رئيس الدولة أو رئيس مجلس النواب أو رئيس الوزراء هو الشعب العراقي وحده وبكل مكوناته وليس غيره!!
إن عودتي للكتابة في هذا الموضوع تنطلق من إدراكي للمخاطر التي تنطوي عليه تصريحات طارق الهاشمي والعواقب الوخيمة التي تترتب عنها على الشعب العراقي بكل مكوناته القومية.
10/3/2010                     كاظم حبيب  
      

496
كاظم حبيب
ليس تأييداً لأحد... بل إدانة للمناهج الطائفية والقومية المريضة!
حذاري .. حذاري.. ثم حذاري من شعارات تمزق الوحدة الوطنية
هل شاهدتم وجه نائب رئيس الجمهورية العراقي طارق الهاشمي على شاشة التلفزيون وهو يدلي بتصريح جديد بعد غلق صناديق الاقتراع. لقد كان الوجه عابساً مكفهراً وغاضباً حتى النخاع!
هل سمعتم صرخته الطائشة من نفس القناة وهو يتحدث بلهجة وكأنها قاطعة ومليئة  بالكراهية والحقد إزاء الآخر عن الدولة العراقية باعتبارها دولة عربية وينبغي أن يكون رئيس الجمهورية فيها عربياً أيضاً!
لقد كان طارق الهاشمي على امتداد السنوات المنصرمة وقبل أن يصبح الرجل نائباً لرئيس الجمهورية كان صياداً للمشاكل الطائفية طارحاً إياها وكأنها الحق الذي لا يأتيه الباطل من أي صوب. وحين فشل في طائفيته اللعينة بالرغم من كل الإسناد اليومي من قناة الشرقية, وحين تخلى الطائفيون الآخرون من أمثاله, سواء أكانوا من الشيعة أم السنة عن الحديث حول الطائفية بل وإدانتها باعتبارها تجزئ العراق وتدمر النسيج الوطني للشعب العراقي , وحين أدركت الغالبية بأن الطائفية ليست السبيل المناسب لحكم العراق , أصيب الهاشمي بأزمة فكرية وسياسية وهو الإسلامي الطائفي المتخندق, وأدرك بأن نتائج الانتخابات ستأتي بغير ما أرادها بعض ربانيها , فتفجرت قريحته عن شعار جديد عتيق كان السبب في تفكيك الوحدة الوطنية العراقية وإنهاء وجود جبهة الاتحاد الوطني التي كانت وراء ثورة تموز 1958 التي قادها الضباط الأحرار وعلى رأسهم عبد الكريم قاسم, وكان أحد الأسباب في تراجع الثورة وضربها بالانقلاب الفاشي الذي قاده حزب البعث العربي الاشتراكي , عن شعار يقول أن العراق دولة عربية, في حين أن الدستور العراقي يتحدث عن المحيط العربي للعراق وليس عن العراق العربي, وعن القوميات الحرة والمتساوية في العراق وليس عن القومية العربية.
إن طارق الهاشمي وهو يودع قريباً كرسي النائب الثاني لرئيس الجمهورية يجد في نفسه, كما يبدو, الشخص المناسب لرئاسة الجمهورية, في حين كل الدلائل تؤكد عكس ذلك, وخاصة في مواقفه التي تميزت بالطائفية الصارخة.
العراق متعدد القوميات ومتعدد الأديان والمذاهب. ومن هنا تأتي أهمية أن يُحكم العراق على أساس وطن ومواطنة, تحترم فيه جميع القوميات وبالتساوي, وتحترم فيه كل الأديان بالتساوي, وتحترم فيه كل المذاهب بالتساوي, ويحترم فيه كل الأشخاص ومن النساء والرجال بالتساوي أيضاً. لا فرق بين عربي أو كردي أو تركماني أو كلداني أشوري إلا بقدر ما يقدمه كل مواطن لهذا الوطن , والكل يتمتع بحقوقه الوطنية والقومية بعيداً عن المزايدة وشق الصف الوطني. ففشل الدعوة الدينية والطائفية ينبغي أن يعطي للآخرين درساً بأن التشبث القومي لا يختلف في منهجه عن التشبث الطائفي, سواء أكان من القومية الأكبر أو القومية الأصغر. فالجميع متساوون في الحقوق والواجبات, ولا بد للعراق أن يكون وأن يبقى دولة المواطنة الحرة  المتساوية أمام الحقوق والواجبات, أمام الدستور والقانون.
إن محاولة البدء بإثارة المشكلة القومية أمام المجتمع والبرلمان في دورته الجديدة في أعقاب غلق صناديق الاقتراع مباشرة تريد أن تثير الاسطوانة المخرومة السابقة, أن تفجر الصراعات بين أتباع القوميات المختلفة, بين كافة المواطنات والمواطنين, وتريد أن تحرك الدول العربية لتقف إلى جانب محاولة شق الصف الوطني بشعار "أن العراق دولة عربية وجزء من الوطن العربي والأمة العربية".
لست معنياً بمن سينتخب لرئاسة الجمهورية, سواء أكان عربياً أم كردياً أم تركمانياً أم كلدانياً-آشوريا, فالكل له الحق في ذلك, ومن يستحق منهم من حيث الكفاءة والمقدرة والقبول الجمعي له, ومن يتم الاتفاق عليه وينتخب من المجلس النيابي العراقي, ولكن لست مع من يريد سلب حق أي مكون من هذه المكونات العراقية في هذا المنصب, فمن حق الجميع اعتلاء منصب رئاسة الجمهورية , بمن فيهم النساء فلهن الحق بذلك أيضاً.
أتحدث في هذا الموضوع عن تجربة مريرة مررنا بها في الفترة 1958-1963 حين بدأ البعثيون والقوميون العرب بطرح هذا الشعار, إذ أن كل المصائب والكوارث بدأت مع طرح شعار "العراق دولة عربية وجزء من الأمة العربية والوطن العربي" والتي اقترنت بشعار الوحدة العربية الفورية ثم طرح الشعار المضاد اتحاد فيدرالي مع الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا), في وقت لم يكن العراق كذلك ولا يمكن أن يكون كذلك. للعراق محيط خليجي وعربي وإسلامي وشرق أوسطي ومحيط دولي أيضاً. وعلينا احترام موقعه ومكانته وكل مكوناته.
أتمنى أن نستمع إلى صوت العقل والحكمة والكف عن طرح شعارات طائفية وقومية شوفينية أو ضيقة تقود إلى عواقب وخيمة على العراق والشعب العراقي بكل قومياته وأديانه ومذاهبه واتجاهاته الفكرية غير الطائفية وغير العنصرية وغير الممزقة للصف الوطني العراقي.
المطلوب من طارق الهاشمي, كما أرى, أن يكف عن طرح مثل هذه الشعارات المفرقة للصفوف وأن يدعو إلى انتخاب من يستحق من المواطنات والمواطنين لهذا المنصب وليس بالتحديد عربياً. ففشل مشروعه ومشاريع الآخرين الطائفية  يفترض فيها أن لا تدفع إلى الواجهة شعارات قومية ذات نزعة شوفينية قاتلة. فمثل هذه الهويات قاتلة حقاً حين يستعاض بها عن هوية المواطنة.
9/3/2010                      كاظم حبيب     

497
المنبر الحر / رسالة مفتوحة
« في: 19:27 03/03/2010  »
برلين في 25/2/2010
رسالة مفتوحة
الزميل رئيس الهيئة الإدارية لنادي الرافدين الثقافي العراقي المحترم
الزملاء الأعزاء أعضاء الهيئة الإدارية لنادي الرافدين الثقافي العراقي المحترمون
تحية طيبة
أرجو لكم الموفقية والنجاح في عملكم التطوعي وأداء مهماتكم بعد انتخابكم أعضاء في الهيئة الإدارية, وأتمنى لكم موفور الصحة والسلامة.
لقد مرت علينا جميعاً خلال الأشهر الأخيرة أزمة مرهقة, ولكن بشكل خاص خلال الأسابيع التي سبقت عقد المؤتمر وأثناء المؤتمر ومواصلته إلى حين الانتهاء منه. والتركة ليست سهلة ولكنها قابلة للحل.
ورغم تقديمنا الشكر لجميع أعضاء الهيئة الإدارية السابقة على ما أنجزته من مهمات, ومنها المهرجان الثقافي السنوي وبالتعاون مع اللجنة المسؤولة عن تنظيم وتنفيذ مشروع المهرجان والندوات الثقافية خلال العام المنصرم, إلا أن عمل الهيئة الإدارية قد اقترن باختلال شديد في العلاقة بين أعضاء الهيئة الإدارية ومن ثم انتقال ذلك إلى أعضاء الهيئة العامة. وإذ أني لا أريد أن استبق الأحداث, إلا أني متيقن من عدة قضايا بودي أن أضعها أمامكم في محاول لتجنب الوقوع بما يماثلها في عمل الهيئة الإدارية الجديدة.
1 . لقد حصلت مشكلات في الهيئة الإدارية في العام 2008 وكان المفروض أن تدرس الهيئة الإدارية الجديدة لعام 2009 سبل تجاوزها في العمل الإداري للهيئة الجديدة والتي لم تحصل, كم أن الحساسيات السابقة أوجدت وضعاً قابلاً للتوتر والخلاف. إن الأخطاء التي يرتكبها عضو الهيئة الإدارية أو الهيئة العامة يفترض, كما أرى, أن لا تقابل بتوتر مماثل أو بالشدة واللجوء إلى قرارات تشدد من المشكلة ولا تحلها, بل المفروض عقد اجتماع للهيئة العامة وعرض المشكلة لمعالجتها جماعياً قبل تفاقمها, كما يمكن أن تقدم الهيئة الإدارية مقترحاً لحلها, وهو الذي لم يحصل.
2 . إن رئيس الهيئة الإدارية يفترض أن يتسم بالمرونة والسلاسة في التعاطي مع المشكلات وبعيداً كل البعد عن المزاجية والشدة ورد الصاع صاعين, إذ أن هذه المعاملة يستطيع كل إنسان ممارستها, بل الحصافة في مركز الرئيس تبرز عند التخلي عن هذا الأسلوب والتحري عن سبل معقولة لمعالجة الأمور. وهو الذي لم يحصل أيضاً. وحين نعتقد بأن هناك من يريد استفزاز الهيئة الإدارية أو تعطيل العمل, فما على الهيئة الإدارية إلى الدعوة لاجتماع عام وطرح الأمر بكل وضوح ومسؤولية وبعيداً عن الانفعال. وهو الذي لم يحصل أيضاً إلا في فترة متأخرة ومتوترة.
3 . إن من الأهمية بمكان إشراك الهيئة العامة بمسؤولية عالية في مهمات وأوضاع النادي ودفعهم للمشاركة في معالجة المشكلات التي تحصل. ولا يغير من هذه الضرورة وجود هيئة استشارية تساعد الهيئة الإدارية في معالجة المعضلات التي تبرز في أثناء العمل. وهذا لم يحصل كما ينبغي وقبل تفاقم المشكلة, مما دفع ببعض الأعضاء إلى جمع تواقيع لعقد الاجتماع. ومن الأهمية بمكان إشراك الهيئة العامة في اجتماعات متقاربة, وهي ليست خاصة بالانتخابات بل لمناقشة جملة من الأمور وتقديم مقترحات لتطوير العمل.
4 . إن النادي منظمة مجتمع مدني ديمقراطية ومستقلة عن كل القوى السياسية العراقية والألمانية. ومثل هذا الأمر مثبت في دستور النادي, وبالتالي لم أجد أي مبرر في تأكيد رئيس الهيئة الإدارية السابق في إيضاح أصدره على منظمة بعينها في عدم تدخلها في شؤون النادي, في حين أن هذه المنظمة بالذات لم تتدخل في شؤون النادي, علماً بأن أعضاء الهيئة الإدارية الآخرون لم يقتنعوا بذكر تلك المنظمة في الإيضاح, وهي التي أثارت من المشكلات ما لا ضرورة منه.
5 . لدي القناعة التامة بأن النادي قد فقد مجموعة من الأعضاء خلال الفترة المنصرمة, بغض النظر عن الأسباب, سواء أكانت صائبة أم خاطئة, ومن المناسب جداً أن نتحرى عن أسلوب مناسب لإعادة من يمكن البحث معه ومعالجة المشكلات التي أدت إلى ذلك الموقف وإعادته إلى العمل في النادي سواء كعضو أو كضيف, إضافة إلى الجهود الضرورية لكسب أعضاء جدد من العراقيات والعراقيين, وخاصة الشبيبة العراقية. وفي هذه النقطة أشعر بضرورة الإسراع بعقد لقاء مع الهيئة الاستشارية لمعالجة مشكلة الأخوة الذين قاطعوا حضور الجلسة الختامية للهيئة العامة لانتخاب الهيئة الإدارية.
6 . علمت من الزميل العزيز مصطفى القرَداغي أنه اختير من الهيئة الإدارية ليكون عضواً في الهيئة الاستشارية. أشعر بعدم ضرورة وصواب الموقف لا رفضاً للزميل العزيز بل من حيث الأصول العملية في مثل هذه الأمور, ولا بد من التنسيق بين رئيس النادي أو نائبه ورئيس الهيئة الاستشارية حين يتم انتخابه, وليس أن يكون عضواً في الهيئة الاستشارية.
7 . اشعر بضرورة البدء باختيار لجنة تحضيرية للمهرجان الثقافي القادم منذ الآن أولاً, ووضع برنامج ثقافي للفترة القادمة من خلال دعوة من يرغب من أعضاء الهيئة العامة لطرح المقترحات بهذا الصدد ثانياً, إذ أن هذا سيكسر الجمود والجو السابق ويهيئ أجواء جديدة للعمل.
8 . بسبب أوضاعي الصحية أعتذر عن أن أكون عضواً في أية لجنة تختارونها, ولكن مستعد للتعاون بصورة كاملة مع الهيئة الإدارية وأضع إمكانياتي المتواضعة تحت التصرف بعيداً عن عضوية أي من اللجان التي تشكلونها.
لكم مني خالص الود والتمنيات الطيبة
زميلكم
كاظم حبيب
ملاحظة: الرسالة موجهة إلى رئيس وأعضاء الهيئة الإدارية, ورئيس النادي هو الذي يمكنه توزيعها على أعضاء الهيئة الإدارية.     
لعدم إعلامي بوصول الرسالة والموقف منها, وددت أن أجعلها تحت تصرف أعضاء النادي ومن يرغب بالإطلاع عليها. 2/3/2010
   


498
كاظم حبيب
الانتخابات تدق الأبواب .. وصوتي لن يضيع هدراً, فهو لقائمة وبرنامج اتحاد الشعب

لم يبق على موعد منح الأصوات سوى عدة أيام. ومنذ بدء الحملة الانتخابية شنت القوائم المتنافسة التي لها تمثيل كبير في مجلس النواب المنتهية ولايته حملة اتهامات متبادلة نجدها في خطب نوري المالكي وعمار الحكيم وأياد علاوي على نحو خاص وحملة تشكيك بالانتخابات وفي ممارسة التزوير المحتملة في هذه الدورة الانتخابية أيضاً. ومن جانبي اعتقد بأن مثل هذه الاتهامات تستند غلى عمل هذه القوى المشترك قبل ذاك ومعرفة كل منهما بأساليب الآخر, وبالتالي فنحن نخشى حقاً من الاحتمالين, من احتمال تدخل دول الجوار في التأثير على وجهة النتائج أولاً وفي محاول التزوير ثانياً.
وحين نعود إلى كتابات القراء واستطلاع الرأي في العراق نجد هناك شهادات كثيرة جداً ووقائع قائمة على أرض الواقع تؤكد خمس مسائل جوهرية بشأن قائمة اتحاد الشعب حيث يشكل الشيوعيون عمودها الفقري:
1.   امتلاكهم لبرنامج وطني وديمقراطي متميز ورافض للتمييز القومي والديني والمذهبي ورافض للطائفية المقيتة والداعي إلى الأخذ القاطع بمبدأ المواطنة التامة والمتساوية, سواء أكان بين أتباع القوميات أم أتباع الأديان والمذاهب, أو بين الجنسين الإناث والذكور. وهي لعمري عملة نادرة في عراق اليوم.
2.   التزامهم الثابت بقضايا الشعب والوطن والدفاع عن مصالح الناس اليومية وحل المشكلات القائمة, وخاصة قضايا التصنيع وتحديث الزراعة وضبط التجارة ومكافحة البطالة والفقر في البلاد.
3.   دعوتهم الصريحة والملحة لاستكمال السيادة والاستقلال الوطني وإخراج كافة القوات الأجنبية من العراق وفق الاتفاقية المحددة ورفض أي تدخل خارجي بالشأن العراقي, ومنها رفض التدخل بالانتخابات وتمويلها من الخارج.
4.   تميزهم بالنزاهة التامة وإدانتهم القاطعة للفساد المالي والإداري ورفضهم للمحسوبية والمنسوبية والطائفية في التعيينات في دوائر الدولة وتقديم المتهمين بالفساد المالي وبالتمييز القومي والديني والطائفي إلى العدالة وحماية أتباع الدينات الأخرى من قوى الإرهاب الدموي, وخاصة عائلات المسيحيين والصابئة المندائيين والإيزيديين.
5.   دعوتهم الملحة لإصلاح النظام المالي والإداري في أجهزة الدولة وإقامتها على أسس الشرعية والفصل بين السلطات الثلاث وتنظيم العلاقة السليمة والقانونية ووفق الدستور بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وبين الحكومة الاتحادية والمحافظات وحل المشكلات القائمة على أساس الدستور.
إن برنامج قائمة اتحاد الشعب يمثل القاسم المشترك الأعظم بين أتباع القوميات والأديان والمذاهب في العراق, بين أبناء وبنات الشعب العراقي من الجنوب إلى الشمال وإلى كردستان.
من أجل ذلك ومعرفتي الجيدة بما يسعى إليه الشيوعيون وقائمة اتحاد الشعب سأصوت لهم وأدعو الناس الطيبين في العراق للتصويت لهم.
3/3/2010                     كاظم حبيب      
   

499

إجابات كاظم حبيب عن أسئلة صفحة المثقف حول الانتخابات العراقية القادمة.


يقف العراق أمام طلائع مرحلة جديدة لم تتبلور معالمها بعد, كما لم يتبلور وعي الإنسان العراقي بإبعاد هذه المرحلة ومضامينها واتجاهات تطورها, وهي وليدة تناقضات وصراعات عميقة داخل المجتمع وفي كل فرد في, وبالتالي فالفرد والمجتمع سيحتاجان إلى فترة أطول لوعي هذا الواقع والمشاركة في تغييره ومن ثم تطوير الوعي الفردي والجمعي معه , إذ أن عملية وعي الواقع والتفاعل مع المتغيرات الجديدة بحركتها البطيئة الراهنة التي ترتبط بدورها بعمق التخلف والتشوهات التي عاشها المجتمع والتدهور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي خلال أربعة عقود منصرمة على نحو خاص, كما ترتبط عضوياً بأهمية وضرورة التحولات المطلوبة في البنية الاقتصادية للاقتصاد العراقي وتكوين الدخل القومي وعملية توزيع وإعادة توزيع واستخدام الدخل القومي, وما ينشأ عن كل ذلك من تغيرات بنيوية عميقة في التركيبة الطبقية للمجتمع وفي عملية التنوير الاجتماعي والديني المرتبطة بدورها بواقع التناقضات الاجتماعية والصراعات السياسية الجارية في المجتمع وداخل كل فرد فيه, تناقضات وصراعات بين الماضي والحاضر المتطلع نحو مستقبل أفضل, بين القديم والجديد, بين الفكر العلماني المدني والديمقراطي وبين الفكر الديني الغيبي المتخلف, بين حرية الإنسان وحقوقه وبين سلب إرادة الإنسان وغمط حقوقه, بين الحلول السلمية والتفاوضية لمشكلات العراق وبين العنف والقوة والإرهاب, بين فكر وأعمل, وبين لا تفكر لها مدبر!
والانتخابات القادمة لا تجسد إلا النزر اليسير من عملية الصيرورة والسيرورة المتفاعلة في رحم المجتمع, ليست سوى حلقة واحدة, رغم أهميتها, في مجمل العملية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية الجارية في العراق.
علينا أن نكون شفافين صريحين في رؤيتنا للواقع العراقي ولعلاقة الإنسان بالدولة والمجتمع. ليس الإنسان كفرد حراً في العراق, رغم توفر الحد الأدنى من الحرية, ففكر الإنسان عموماً لا يزال مشدوداً إلى خيوط وقيود شديدة الاستحكام تجره إلى الوراء في وجهة التفكير والممارسة, والإنسان العراقي في الغالب الأعظم ليس حراً لأنه مشدود إلى واقعه المعيشي المتخلف الذي يجبره على مد يده أو قبول ما يُمد له من قبل أيدٍي أخرى غير نظيفة تشتري صوته وهو ليس حراً بمنحها. والإنسان في العراق لا يزال مشدوداً إلى بعض المرجعيات الدينية التي لا تحترم إرادته بل تفرض إرادتها عليه من خلال تأييدهاً سراً أو علناً لقوى سياسية معينة في المجتمع.
والإنسان العراقي في غالبيته لا يزال محكوماً بدينه وطائفته, إذ تراجع مبدأ المواطنة المتساوية والوطن لصالح الدين والطائفة والمدينة والمحلة والعشيرة وشيخها. لم يعد مفهوم المواطنة يحتل مركز الصدارة, بل الطائفة رغم شجب الكثير من البشر لها, فهم لا زالوا يلهثون خلفها!
ورغم التحسن النسبي في وعي الإنسان وموقفه من قوى الإسلام السياسية نتيجة تصرفات وسلوكيات تلك القوى خلال الأعوام السبعة السابقة دون استثناء, فأنها سوف تحوز على نسبة عالية من أصوات الناخبين الذي عاشوا في الشهرين المنصرمين أجواء التصعيد الطائفي بصيغ جديدة وغبية على المدى البعيد رغم ربحيتها على المدى القصير. فالطائفية قائمة ولم تختف, رغم التغييرات التي جرت على تسميات القوائم وأدخلت رتوشات عليها بأسماء علمانية وديمقراطية, ورغم الشروخ التي أصيبت بها من جراء سلوك تلك القوى وميليشياتها المسلحة, سواء أكانت شيعية أم سنية. لقد سعى الكثير من حكام العراق الحاليين إلى تعميق وتشديد الاستقطاب الطائفي خلال الأسابيع المنصرمة لصالح القوى الطائفية رغم استخدامهم لأساليب أخرى في الطرح, وغالباً ما سعى هؤلاء إلى جعل الانتخابات تحصل على مقربة زمنية من مناسبات دينية طائفية بحيث يتأثر منح الصوت بالعاطفة الدينية أو الطائفية المتغلبة حالياً على عقل الإنسان وعلى تصرفاته.
لو ألقينا نظرة على الحملة الانتخابية لواجهتنا الوقائع التالية:
** قوى حاكمة تمتلك القدرة الفعلية على استخدام فعال لأجهزة الإعلام الحكومية وأجهزة الأمن والحماية, وخاصة رئيس الوزراء وبعض القوى المالكة لمواقع مهمة في الحكومة, في تسيير حملتهم الانتخابية. وكذا الحال لأحزاب أخرى في الحكم ومنهم عمار الحكيم.
** قوى مالكة للأموال وتصرف بسخاء لا مثيل له في العراق قبل الآن, وكأن السماء قد أمطرت عليها أموالاً, أو أنزلت السماء لها أكياساً من الذهب الخالص بالزنبيل, وهي قادرة على شراء ضمائر الناس (أصواتهم) بأبخس الأثمان العطايا!
** هذه القوى "تمتلك" قنوات تلفزيونية وتمتلك مواقع إلكترونية وتمتلك صحفاً وصحفيين, وتمتلك العربات الفارهة التي يمكنها سلب لُبّ الناخبين وجلبهم للتصويت لها.
** هذه القوى المتحكمة تجرأت على اتهام الأمم المتحدة على تزوير الانتخابات, في وقت كانت ولا تزال هي المتهمة بذلك, فهل تسير على قاعدة الهجوم خير وسيلة للدفاع أو "اتغدى بيهم قبل أن يتعشوا بينه!".
** اتهموا الولايات المتحدة  باحتمال قيامها بتزوير الانتخابات وهم اقرب الناس إليها وعلى  صلة بها, والحال أن المتهم هو من يوجه مثل هذا الاتهام و"اللي جوه أبطه عنز يبغج".     
في مقابل هذا هناك العديد من القوائم والمرشحين من لا يمتلك كل تلك الإمكانيات التي يمتلكها الآخرون من حكام العراق, ولكنه يخوض الانتخابات مؤملاً أن لا تُزور بشكل واسع وأن يحصل على قدر معقول من الأصوات والمقاعد في البرلمان.
ربما وأتمنى أن تكون الانتخابات القادمة أفضل من سابقتها, وأن تكون اقل تزويراً من سابقتها, وأن تكون نتائج الانتخابات أفضل في بنية توزيع النواب من بنية المجلس الراهنة. ولكني واثق تماماً بأن سيكون هناك تزوير, وسيكون هناك تجاوز على قواعد النشاط الانتخابي, وستكون هناك رشوات وعطايا ومنح من أمثال مسدسات رئيس الوزراء وبطانيات جلال الصغير وصوباته أو الوعود بمنح بعثات وزمالات دراسية أو وظائف حكومية ومستشارية أو توزيع أراضي الدولة الأميرية على شيوخ العشائر وكبار الموظفين أو قطع سكنية, أو استخدام الإساءات الطائفية كما فعلها بهاء الأعرجي.
الفترة الراهنة شهدت تراكماً مستمراً في المشاهد المثيرة للإنسان العراقي, سواء على صعيد فتاوى التحريم الكثيرة التي أصدرتها قوى الإسلام السياسية ضد حرية الإنسان وإرادته الحرة, كما في الموقف من المشروبات الروحية أو فرض الحجاب في دوائر الدولة أو المدارس, أو المشاركة بالفساد أو تعطيل البناء وإعادة الإعمار ...الخ, أم على صعيد التصرف الطائفي في أجهزة الدولة والتعيين والتوظيف, أم على صعيد الفساد المالي والإداري أم على صعيد نقص الخدمات وعدم العناية بالأرامل والأطفال والتعليم والصحة والخدمات الأخرى, وخاصة الكهرباء. وأدرك الناس طبيعة العوامل والقوى الكامنة وراء هذه الظواهر السلبية. ولكن هذا التراكم الكمي لم يتحول بعد إلى حالة جديدة, إلى حصول تغيير كيفي في رؤية الإنسان للوضع وفي الموقف الفكري والممارسة الفعلية منها, بل هي بحاجة إلى فترة أطول وعملية أكثر عمقاً وأكثر تحريكاً من جانب القوى الديمقراطية.
العنف في العراق قد مورس من منظمات إسلامية سياسية متطرفة وإرهابية مثل القاعدة. ولكن العنف مورس أيضاً من أطراف في الحكم أيضاً, والبعض ممن هم في الحكم أو على هامشه مارسه خلال الفترة الأخيرة أيضاً من أجل مسح ما تحقق من منجزات تقليص العنف المنطلق من المليشيات الطائفية المسلحة. وهي التي ستقرر: هل ستعود إلى العنف من جديد أم تضعه جانباً وتستخدمه عند الحاجة؟ سيظهر هذا في أعقاب ظهور النتائج ومكانة كل منها في المجلس. ويعتمد على دول الجوار ومدى مكانة اللوبي المرتبط بها في المجلس وقدرته في التأثير على سير أعمال المجلس ومصالحها.
الواقع العراقي معقد ومركب, ويزيده تعقيداً ضعف الحكومة ودورها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لا تنفع الخطب وحدها, فلو كانت كافية لما فشل الدكتور الجعفري في البقاء في السلطة ولما وصل نائبه إلى رئاسة الوزراء. وهكذا الحال بالنسبة للآخرين.
طبعاً سيبقى الدور الأمريكي والإيراني والسوري والسعودي والخليجي فاعلاً في هذه الانتخابات, ولا يمكن أن أتصور غير ذلك. ولكن سيختلف هذا الدور. سيكون دوراً يتسم بالفظاظة والوقاحة, كما في دور إيران وسوريا أو السعودية والخليج, وبين أن يكون بشكل غير مباشر, كما كان في الموقف الأمريكي الذي طرحه السفير الأمريكي في العراق كريستوفر هيل قبل بضعة أيام, وكان في منتهى الصراحة والوضوح ووضع حداً لاتهام الإدارة الأمريكية برغبتها في مجيء البعثيين إلى الحكم. إن الاتهام الموجه للإدارة الأمريكية يتلخص في كونها كانت السبب وراء تسلط القوى الإسلامية السياسية الطائفية على الحكم في العراق وفي كافة الانتخابات التي جرى التزوير فيها لصالح هذه القوى وليس لغيرها. 
أتوقع أن تكون هناك مشاركة جيدة من جانب الناخبات والناخبين في هذه الدورة الانتخابية, ولا أتوقع حصول مقاطعة سياسية للانتخابات إذ لا معنى لها, ولكن سوف تبتعد نسبة غير قليلة عن التصويت لأنها لم تشعر بفائدتها خلال دورة 2005. وهو تقدير خاطئ يشجع عليه البعض.
أتمنى أن تزداد المشاركة, إذ أن المقاطعة تعني تكريس الواقع السلبي الراهن, والانتخابات القادمة ستجلب بعض التغيير, ولكن ببطء شديد ومحدود نسبياً, ومع ذلك فهو مطلوب ومفيد. والانتخابات القادمة ليست مصيرية ولا حاسمة, بل هي مهمة وخطوة هامة على طريق طويل في الصراع المتواصل من أجل مستقبل العراق ومستقبل الإنسان فيه, وهذا ما يستوجب النضال من أجل دفع الناس للمشاركة الأوسع بالانتخابات, مشاركة أولئك الصامتون والمغيبون من الساحة العامة في البلاد, أولئك المحرومون من العمل والعيش الكريم, أولئك الذين يشككلون الغالبية العظمى من الشعب العراقي.           
البعثيون غير مرغوب بهم في العراق ولن يصلوا إلى الحكم بعد اليوم. وقد برهن الدكتور خضير المرشدي, ممثلهم في سوريا, على أنهم لم يتعلموا من وجودهم في الحكم طيلة 35 عاماً, وأنهم لم يدركوا أي درس مهم من دروس الفترة المنصرمة, وهم لا زالوا يتسمون بالعنجهية البعثية وبالصلافة غير الاعتيادية, ولم يقدموا أي اعتذار للشعب العراقي على الجرائم التي ارتكبوها في كل بيت عراقي, بل وفي بيوت جمهور من أعضاء وقياديي وكوادر حزبهم أيضاً, وأنهم كانوا السبب في الحروب وموت البشر والقبور الجماعية على امتداد أرض العراق وأنهم المسؤولون عن خراب البلاد ودمار الاقتصاد وعن الاحتلال ايضاً.
يفترض فتح العين ضد أولئك الذين تلطخت أيديهم بدماء وشرف وضمير الناس, ولكن لا يجوز رميهم في قدر واحد, بل لا بد من تنشيط عملية الصراع داخل كل بعثي ليتخلص من أردان الفترة المنصرمة ويعود إلى أحضان الشعب, ولكن ليس للطائفية المقيتة أو المشاركة في الصراعات الطائفية..الخ. 
إن حراكاً مهماً حصل في بنية التحالفات السابقة, كما حصلت اصطفافات جديدة على مستوى العراق كله, أي الوسط والجنوب وكردستان, وبالتالي سيؤثر كل ذلك وبهذا القدر أو ذاك على بنية وطبيعة التحالف الحكومي القادم, وسوف لن يكون أسوء مما نحن عليه الآن. 
برلين في 1/3/2010             د. كاظم حبيب


500
كاظم حبيب
حمى الانتخابات ونسيان مشكلات الطفولة في العراق
في فترة الانتخابات يفترض أن يزداد اهتمام المرشحين بمشكلات الشعب والفئات المنتجة والكادحة والفقيرة والعاطلة عن العمل , إذ أن هذه الفئات تشكل الغالبية العظمى من سكان العراق, ليكسبوا ودهم ويدفعوا بقضاياهم إلى المقدمة لتوعية الناس بواقع تلك المشكلات وسبل معالجتها. ثم يواصلوا ذلك في الدورة النيابية.
ولكن خلاف هذه القاعدة العامة ما يجري اليوم في العراق, فالكثير من القوى والأحزاب السياسية والقوائم الكبيرة التي تخوض الانتخابات تخلت عن هذه القاعدة وراح البعض الغني منهم أو من اغتنى بأموال الدولة أو دول الجوار أو غيرهم ممن يوزع الهدايا الثمينة ابتداء من المسدسات والساعات الثمينة ومروراً بالمدفئات والبطانيات والملابس النسائية الداخلية والعباءات أو غيرها بأمل كسب أو شراء أصوات الناس وليس بالتزام قضاياهم العادلة والدفاع عنها والنضال من أجل تحقيقها وتعبئة الناس حولها وزيادة الوعي بها. ومنهم من ندر ووجد في مجلس النواب حتى وصل غياب البعض أكثر من 75% من مجموع جلسات مجلس النواب في الدورة التي ستنتهي قريباً. ولكن هذا لا يعني أن الجميع يمارس ذلك أو تغيب بهذه الصورة البشعة, بل هناك حقاً من حمل ويحمل على عاتقه طرح هذه المشكلات والتنوير بها لحمل الناس على النضال من اجل معالجتها, رغم أنه لا يملك المال الكافي للدعاية الانتخابية.
واحدة من تلك المشاكل الكبيرة التي تواجه الدولة والمجتمع العراقي وكل حكومة راهنة أو قادمة هي مشكلة الطفولة العراقية. حرم الطفل من العناية, عانى الأمرين في فترات الحروب المنصرمة ومن الحصار الاقتصادي ومن سياسات النظام الدكتاتوري المغرقة في العداء للإنسان. غاب عن الصفوف الدراسية والتسكع في الشوارع يجمع أعقاب السجاير أو يبيع العلكة وقناني الماء أو يمتص السم من الأكياس البلاستيكية. من بين تلك المشكلات اختطاف الأطفال وابتزاز عائلاتهم للحصول على المال, أو قتلهم وأخذ الأجزاء المناسبة منهم ودفنهم , أو بيع الأطفال في سوق النخاسة أو استخدامهم في الاغتصاب الجنسي.
لم يكن العراق خال من هذه الحالات على امتداد تاريخ العراق الحديث, أي منذ تشكيل الدولة العراقية الملكية. كان يحصل هذا وكانت العائلات تنبه أطفالها من احتمال الاختطاف واستخدامهم لأغراض مختلفة. وحصل هذا في الفترات اللاحقة وخاصة في فترة الحصار التي استمرت قرابة 13 عاماً كانت عجافاً حقاً, فحصل فيها ما حصل للأطفال الأبرياء من مرض وموت بسبب نقص المعالجة الطبية أو سوء الأوضاع الصحية أو نقص التغذية والمناعة ,,,الخ.
وبعد سقوط النظام تمنى الإنسان الذي ناضل ضد نظام البعث والدكتاتورية أن تنتهي تلك الفترة وتبدأ فترة جديدة تتطور تدريجاً لصالح الإنسان والأيتام والأرامل والمرضى والذين عانوا من اضطهاد وقهر النظام. ولكن وبعد مرور سبع سنوات عجاف جديدة, أضع أمام أنظار المسؤولين في العراق نص الخبر الذي وصلني بتاريخ 20/2/2010 عبر الإنترنيت:
 
"التلفاز السويدي يعرض تحقيقا حول سوق لبيع الاطفال العراقيين وسط بغداد

معلومات عن اطفال العراق
اثار التحقيق الصحفي الذي نشر على ست صفحات من اوسع واكبر الصحف السويدية انتشارا ووكالة الاخبار العالميه اكسبريس والذي ترجم الى اكثر من ١٢ لغه عالمية خلال الاربع والعشرين ساعه الماضية ضجة كبيرة في السويد.
واوضح التحقيق ان الصحفية السويدية (تيريس كرستينسون) وزميلها (توربيورن انديرسون) تخفيا في سيارة فولكس واكن برازيلية مهترئة ليتابعان عن كثب بالصورة والصوت السوق الكبير لبيع الاطفال الرضع والمراهقين وسط بغداد وهو الامر الذي أبكى القراء والمشاهدين من المجتمع السويدي لحظة نشره في الصحف والتلفاز السويدي! 
واشار الصحفي ( انديرسون ) في تحقيقه ان فتاة عراقية ذات أربعة أعوام تباع وسط بغداد بمبلغ 500 دولار ، وهو المبلغ الذي لا يساوي قيمة الزهور الصناعية التي يضعها رئيس الجمهورية الحالي جلال الطلباني ا! . ثم يسترسل الصحفي وهو يقول " ان أطفال العراق تباع في سوق النخاسة ، وأرقام مخيفه عن عدد القتلى اليومي ، وأحزاب تنهب ما فوق الارض وتحتها وتقدم لشعب العراق رصاصة الموت تحت رغيف الديمقراطية .. جوع ووباء وسوء تغذية وتلوث بيئي وفوضى سياسية .. ويُقتل الإنسان بمبلغ لا يساوي قيمة قسيمة ملء الهاتف النقال " .
وأكد الصحفي السويدي في ختام تحقيقه ان تداعيات هذه القضية ستأخذ مداها على أفق مختلفة في الأيام القليلة المقبلة ، إذ أعلنت السويد فوراً عن فتح استقبال الأطفال العراقيين ممن يتعرضون لسوء المعاملة ومنحهم اللجوء مباشرة ، حيث يحق للطفل بعد الإقامة لم شمل ولي أمره". (انتهى الخبر ك. حبيب).
وجهت هذه الخبر إلى أكثر من صديق في العراق للتيقن من صحة الأمر. ومنهم الأخت الفاضلة المهندسة ميسون الدملوجي. قيل لي من أكثر من صديق أن الظاهرة موجودة ولكن ليس هناك سوق بهذا المعنى, وأنها ظاهرة كانت موجودة قبل ذاك وتفاقمت. ولكن هناك ما يكفي من القوانين الجيدة التي تحمي الطفولة العراقية حقاً, ولكن لا توجد آليات لتطبيق هذه القوانين!
أجزم بوجود قوانين جيدة ومطلع عليها عبر الدستور الجديد, ولكن ما فائدة الدستور الجيد والقوانين الجيدة حين لا توجد آليات للتنفيذ والرقابة على سبل تطبيق القوانين وحماية الطفولة من كل المجرمين الذين يتاجرون بالطفولة العراقية.
ولكن أليس من واجبنا أن نطالب الحكومة وهي المسؤولة عن الطفولة المعذبة في العراق أن تمارس دورها في هذا الصدد, أليس من حقنا أن نطالب جميع المرشحين للانتخابات بأن يضعوا بنوداً خاصة حول حقوق المرأة والطفولة في برامجهم الانتخابية, إن كانت للكثير منهم برامج انتخابية. علينا أن لا نكتفي ببرنامج اتحاد الشعب أو برنامج السيدة المهندسة ميسون الدملوجي ومواقفها الممتازة في مجلة نون وفي البرلمان وخارجه, أو نشاط منظمة الأمل ورئيستها هناء أدور أو منظمة رعاية الأرامل في العراق ورئيستها سلمى جبو, أو السيدة الوزيرة نرمين عثمان أو المرشحة في قائمة اتحاد الشعب السيدة شميران مروكل, بل أن نجعل الجميع, نساء ورجالاً, يطالب بها ويلتزم بوضع آليات تنفيذ تلك القوانين حين يفوز بالانتخابات ويراقب سير التنفيذ.
إن أطفالنا اليوم هو شباب المستقبل, وحين ينمو الأطفال في الأجواء الراهنة في العراق وما يواجهونه من مشكلات سوف لن يكونوا قادرين على النهوض بمهمات العراق الثقيلة القادمة. علينا أن نضع هذه الحقيقة أمام أعيننا حين نتوجه إلى صناديق الاقتراع لنتعرف من خلال البرامج على من وضع مشكلات وقضايا الشعب نصب عينيه, سواء أكان قائمة أم مرشحة أم مرشحاً للانتخابات, علينا أن نحكّم ضميرنا لصالح شعبنا, لصالح أطفال هذا الشعب ومستقبلهم ومستقبل العراق..
28/2/2010                      كاظم حبيب 

صفحات: [1] 2