عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - كاظم حبيب

صفحات: 1 [2]
501
كاظم حبيب
سياسيو الهدايا وهدايا السياسيين!
من كان بيته من زجاج, لا يرمي بيوت الناس بالحجر!
هذا العنوان الذي وضعته لأكتب مقالاً جديداً عن العراق بعد قراءة ملاحظة سجلها الفنان الكاريكاتيري الأستاذ سلمان عبد. وذد ذكرني هذا بما كان يجري الحديث عنه في القرن التاسع عشر حول فلسفة البؤس وبؤس الفلسفة التي يتبناها البعض. وإذا كان العنوان القديم ينطبق على الفكر والرؤية الفلسفية البائسة لبعض الفلاسفة حينذاك وما ينجم عنها, فأن هذا العنوان الذي وضعته ينطبق بشكل دقيق على الفكر والممارسة السياسية في العراق في هذه المرحلة الهشة من تاريخ العراق السياسي ومن بؤس السياسة التي تمارس في العراق وبؤس الكثير من السياسيين لا من الناحية المالية, بل من الناحيتين الفكرية والسياسية وما ينشأ عنها من محاولة لشراء الذمم في مجتمع لا زال يعاني من الفقر والفاقة والحرمان ويتعطش للمال, وهي الطريقة المقابلة لأولئك الذين يشترون الناس لقتل الناس جسدياً بسبب فقر من يبيع نفسه مالاً وتنويراً, وهنا يتم القتل فكرياً وسياسياً.
كانت الانتخابات في العهد الملكي تتسم بعدم النزاهة والغش والرشوة بحدود معينة وخاصة لشيوخ العشائر وكبار الموظفين من أجل تعبئة أفراد عشائرهم ودوائرهم لخوض الانتخابات. وكانت الرشوة تبرز على شكل تعيينات في الوظائف أو الحصول على قطعة أرض أو تضمين أراضي زراعية من الدولة أ, ..., ثم اتخذت في المرحلة الأخيرة دفع بعض النقود لشراء الأصوات بصورة غير مباشرة وعبر وكلاء للمرشحين الكبار.
وفي عهد صدام حسين حين بدا يمارس الانتخابات لمجلسه النيابي القرَقوزي, كان يمنح العطايا الكبيرة والكثيرة لعدد كبير من شيوخ العشائر وكبار الموظفين وأحياناً بعض العلماء والأدباء الذين خصوه بالمديح. وكانت بعض هذه الهدايا تقدم على شكل ساعات عليها صورة "قائد الأمة المغوار!" صدام حسين أو سرجون العراق الجديد! وكانت بنادق كلاشنكوف الروسية أو مسدسات من الأنواع الممتازة, إضافة إلى توزيع العربات المرفهة من مرسيدس أو غيرها من الماركات المعروفة عالمياً. وكانت هذه الهدايا غالية الثمن لا يتحملها ضلع العراق المكسور في فترة الحصار الاقتصادي, ولكنه واصل منحها بالرغم من جوع الناس وموت الفقراء المرضى بسبب نقص الأدوية والعناية الطبية.
وفي الفترة التي أعقبت سقوط النظام حتى قبل بدء الانتخابات بدأ بعض الحكام الجدد يوزعون الهدايا الثمينة. فالدكتور أياد علاوي بدأ بتوزيع الساعات الثمينة جداً والغالية الثمن وسويسرية الصنع على وزراء حكومته وكبار موظفيه والمحيطين به. وكان البعض يتصور أن سعرها لا يتجاوز الألف دولار. وحين استفسر أحدهم عن سعر الساعة الواحدة من أحد باعة الساعات قيل له بأن سعرها على الأقل ثمانية ألاف يوروو أو ما يعادل حينذاك عشرة ألاف دولار أو يزيد بقليل. ولم تكن هذه الهدايا لوجه الله, بل كانت لوجه البقاء في الحكم. وخاب فأله, لأنه لم يكن حاكماً جيداً وعرف عهده الكثير من النهب والسلب, ومنهم وزير دفاعه الشعلان الذي عرف كيف ينهب الدولة ويغادر العراق في الوقت المناسب. وكان عهده لا يختلف عن عهد الجعفري الذي جاء من بعده وأصبح في فترة قصيرة صاحب قناة تلفزيونية وما لم يكن يحلم به يوماً في حياته من مال وجاه ورياش. فالجعفري من مدينيتي وأعرف عائلته (الأشيقر) جيداً والبعض من أقاربه القريبين كان معي في الثانوية, وهم من السادة الذين يقومون بمرافقة زوار الحضرة الحسينية.
واليوم نحن أمام ظاهرة قديمة جديدة. فقد بدأ رئيس الحكومة العراقية الجديد, ومع بدء الحملة الانتخابية, يوزع هدايا لا تختلف عن هدايا صدام حسين, يوزع سلاحاً لا دعوة فيه للسلام والأمان, بل هي الرمز للعسكرة والحرب والموت. فمن أين جاء المالكي بهذه النقود؟ فمعرفتنا بعائلته وأملاكه وإمكانياته المالية الشخصية معروفة للجميع, فلماذا يوزع مسدسات غالية الثمن ( ثلاثة آلاف دولار للمسدس الواحد ) على شيوخ العشائر كتب عليها هدية السيد رئيس الوزراء, تماماً كما كان يكتب عليها صدام حسين؟ كان صدام حسين ناهباً لخيرات الوطن والشعب, فلا حساب عليه, وقد أخذ حسابه أخيراً وأرسل على مزبلة التاريخ.
نحن الآن أمام رئيس الوزراء, اقترح عليه أن يوزع تلك النقود إن كانت من ماله الحلال على الفقراء والمعوزين المتجمعين أمام بوابات مزارات الكاظمية والأعظمية وشارع الشيخ عمر وكربلاء والنجف وسامراء وليس على شيوخ العشائر الملئا بطونهم والذين لا يحتاجون إلى مسدساته فعندهم ما يكفي من الأسلحة.
ألا يحق لنا أن نطالب السيد رئيس الوزراء بكشف الحساب عن أموال حملته الانتخابية وعن أمواله الخاصة تماماً كما فعل بعض النواب وبعض المسؤولين؟ ألا يحق لنا أن نتساءل وهو الذي وجه الاتهام لمن يلتقي ببعض المسؤولين العرب, ومنهم ملك السعودية, بـ "اللاوطنية", أن نشير إلى أن هناك من يأتي إلى العراق من دول الجوار, وأخص بالذكر هنا علي لاريجاني, رئيس مجلس النواب الإيراني, قبل الانتخابات والتقي بالكثير من السياسيين, بمن فيهم رئيس الوزراء, فما هو حكم رئيس الوزراء على تلك الزيارات وعلى من استقبلوه؟ علماً إن أحد الموضوعات كانت الانتخابات العراقية والتحالفات السياسية.
العراقيات والعراقيون يدركون تماماً بأن هناك تدخلاً فظاً من إيران وسوريا والسعودية والخليج ولبنان وغيرها من الدول المجاورة والعربية والإسلامية في الشؤون العراقية, ومنها الانتخابات, ولا يمكن إيقاف هذه التدخلات ما دامت هناك أحزاباً إسلامية سياسية طائفية أو "علمانية" متخلفة تميل لهذا الطرف أو ذاك, وما دامت الحكومة العراقية ضعيفة وقائمة على أسس المحاصصة الطائفية, وما دام الكثير من أبناء وبنات الشعب العراقي يعيشون في حالة يائسة من الفقر والحرمان ومادام الفساد المالي يهيمن على الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد. وما دام هناك من السياسيين من يقبل أخذ الهدايا من الخارج أو الداخل من جهة, ويقبل بتوزيعها للفوز بالانتخابات من جهة أخرى! 
سياسيو الهدايا ينبغي أن لا يفوزوا بالانتخابات لأنهم إذ بدأوا بهذه العملية وبهذه الصيغة غير السليمة, فكيف سيكون الأمر بعد فوزهم؟ هدايا السياسيين يمكنها أن تعمي البصر والبصيرة ولكن إلى متى؟ هذه هي الرغبة والأمنية والأمل. ولكن أوضاع العراق الراهنة لا تسمح بتحقيق هذه الأمنية , بل تسمح مع الأسف الشديد بعبور سياسيو الهدايا إلى مجلس النواب!
 يتصل بعض المرشحين من فقراء الحال بأصدقاء لهم في الخارج يرجونهم تأمين عدة مئات من الدولارات لهم لإدارة حملتهم الانتخابية المتواضعة, والبعض الأخر يصرف الملايين من الدولارات أمام أنظار الشعب ولا يسأل أحد عن أصل هذه الأموال, من أين وكيف وصلت إلى العراق!
من أين للسيد إبراهيم الجعفري هذه الأموال للصرف على قناة تلفزيونية وإذاعة ومكاتب في الداخل والخارج ومراسلين ودور؟ ومن أين لغيره من أمثاله من المرشحين من الأحزاب الإسلامية الشيعية والسنية هذه الأموال؟ من حقي الكامل كمواطن أن استفسر عن كل ذلك ومن حق القضاء العراقي أن يستفسر من أين لك هذا" إن هذا ليس من فضل ربك, بل من فضل غيرك! فمن هو الغير؟ هنا تسكب العبرات! لسنا أما طلسم لا يحل, بل الحل موجود لدى الشعب, فهو الذي يقرأ الممحي والمكتوب, ولكن من المؤسف حقاً أن الوعي المزيف الراهن لا يعطي هذا الشعب إمكانية التصريح بما يشاهده ويعيشه في العراق. البعض يتصرف على طريقة صم, بكم, عمي فهم لا يفقهون! ولكن السؤال العادل : إلى متى سيستمر هذا الوضع .. إلى متى... إلى متى؟؟؟
27/2/2010                   كاظم حبيب       

502
كاظم حبيب
المعايير الهشة في الموقف من الديمقراطية الغربية وواقعنا العراقي..!

المجتمعات الغربية قائمة منذ عدة قرون على أساس النظام الرأسمالي, وهو نظام اقتصادي سياسي يستند إلى قوانين اقتصادية موضوعية ذات طبيعة استغلالية, كما أن الطبقة الحاكمة فيها هي الطبقة البرجوازية بشرائحها الكبيرة وفي بعضها بمشاركة الشرائح المتوسطة وهي تستند إلى ما يطلق عليه بالديمقراطية البرجوازية. ولا شك في أن هذه النظم تستخدم الديمقراطية بما يتناغم ومصالحها الأساسية, ولكنها عبر القرون المنصرمة طورت نوع من الآليات التي تضمن حدوداً معينة من الديمقراطية التي تسمح بانتخابات حرة وبأجواء معينة  يمكن للمجتمع والنظام القضائي أن يكشفا عن الاختلالات التي تحصل فيها كما يمكن أن تكشف عن الفساد المالي والإداري, كما تنشر الصحف الفضائح التي تحصل في الدولة في مختلف المجالات, بما فيها المسائل الأخلاقية.
هذه الديمقراطية البرجوازية أو الغربية لم تنشأ بصورة عبثية ولم تأت بهدية من الطبقة الحاكمة بل عبر نضال طويل للطبقة العاملة والكادحين والمثقفين والنقابات ومنظمات المجتمع المدني, وهو مكسب كبير جداً للمجتمع, كما تعززت في فترة الصراع الشرقي –الغربي بسب المنافسة والخشية من تحول الناس صوب الاشتراكية في العقود الثلاثة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية بشكل خاص.
نظرتنا نحن أبناء الدول النامية عموماً هشة ووحيدة الجانب إلى هذه الديمقراطية لا نرى منها سوى الجانب المظلم, في حين يصعب علينا أن نرى الجوانب الأخرى التي تساعد المجتمع على مواصلة النضال لإجراء التغيير الديمقراطي وتعميقه عبر نضال سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وبيئي لصالح الغالبية العظمى من نساء ورجال المجتمع, رغم كل الصعوبات التي تعترض هذا النضال. فهو في كل الأحوال أفضل من واقعنا العراقي أو العربي أو عموم الدول النامية.
سأحاول هنا تناول مسألة واحدة يدور حالياً النقاش الواسع والحامي حولها, إذ تظهر يوماً بعد آخر حقائق فضائحية جديدة في المجتمعات الغربية وخاصة في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وأيرلندا وألمانيا. وتنشر الصحف اليومية مقالات وأخبار عن فضائح قبيحة جداً جرت منذ الثمانينات من القرن الماضي في مدارس اليسوعيين والمدارس الكنسية الكاثوليكية الأخرى وكذلك في الكنائس الكاثوليكية, حيث كشف النقاب عن ممارسة مجموعة غير قليلة من أساتذة هذه المدارس أو قسسة في الكنائس, وهم جميعاً قسسة بمراتب دينية مختلفة وغير متزوجين, اغتصاب صبية في تلك المدارس بأشكال مختلفة بما في ذلك اللواط بهم أو فرض مص ذكر القس من جانب الأولاد والبنات, أو ممارسة الضرب المبرح والأشغال المرهقة. وغالبية الذين تعرضوا لسوء المعاملة أو الاغتصاب بأنواع هم من الصبية, ولكن بين من اغتصب أو أسيء معاملته كانوا من البنات أيضاً.
وقد تجرأ الشباب والشابات الذين تعرضوا إلى تلك الإساءة والاغتصاب من قبل شيوخ الدين أن يعرضوا قضاياهم على الرأي العام الألماني أو الأيرلندي أو الأمريكي وسلمت القضايا إلى المدعين العامين في هذه الدول وفي غيرها أيضاً.
قدم كبير القساوسة مسؤول المدارس الكاثوليكية, ومنها مدارس اليسوعيين, اعتذاره الرسمي للضحايا وذويهم في ألمانيا. وفي الوقت الذي بدأت أيرلندا بدفع تعويضات كبيرة للضحايا, وكذلك الولايات المتحدة بملايين الدولارات, بدأ الحديث في ألمانيا عن ضرورة أن يحصل ذلك في ألمانيا, وأن لا تعتبر هذه القضايا تجاوزت فترة المحاسبة القانونية والعقاب.
إن كشف هذه الفضائح ما كان ليحصل لو أن النظم في هذه الدول غير علمانية, أي لو كانت تربط في دساتيرها بين الدين والدولة أولاً, ولولا وجود ديمقراطية وحرية ووجود صحفيون يبحثون بحرية للكشف عن مثل هذه الجرائم البشعة ثانياً.
والسؤال المشروع هو: هل في مقدور النظم الحالية في الدول العربية, ومنها العراق, حيث تحصل مثل هذه التجاوزات الأخلاقية والسلوك غير الطبيعي من قبل جمهرة غير قليلة من شيوخ الدين الذين يدرسون في المدارس الدينية وفي المدارس الأخرى أن تكشف عنها وتعري أصحابها وتقدمهم غلى المحاكمة والمحاسبة ودفع تعويضات الآلام لمن تعرض لهذا السلوك المشين؟ وهل يمكن طرح هذه الأمور في الشارع العربي, وهل يتجرأ أي إنسان ذكر تعرض للاغتصاب أن يعرض قضيته على المحاكم في الدول العربية ويفرض حبس ومعاقبة من مارس الاغتصاب وتعويض من مورس بحقه الاغتصاب. وأتوجه بهذا الأمر إلى المسؤولين في المدارس الدينية الكثيرة في عموم العالم الإسلامي, سواء أكانت في باكستان أم إيران أم السعودية أم العراق أم دول الخليج أم غيرها من الدول التي يفترض فيها أن تتحرى عن هذه الظاهرة المنتشرة في بلداننا, ولكن لا أحد يهتم بها, رغم أن أولادهم هم الذين يتعرضون لمثل هذه المعاملة القاسية والاغتصاب.
إن ربط الدين بالدولة من جهة, وغياب الحرية والحياة الديمقراطية من جهة ثانية, وضعف شفافية القضاء وسوء التربية اليومية من جهة ثالثة, هي التي تجعل من الصعوبة بمكان بل من المستحيل في المرحلة الراهنة طرح ما يجري في عالمنا العربي والإسلامي من تجاوزات على الصبية والبنات, بما في ذلك الاغتصاب الجنسي لمعالجة المسالة بكل جدية وعلمية.
إن الصراحة في طرح المشكلة والشفافية في معالجتها هي التي تساعد المجتمع على الخلاص منها, إذ أن الذين يتعرضون لمثل هذا الاغتصاب يعانون من عقد نفسية ومن كوابيس مزعجة, ويمكن أن يبدأوا بممارسة ذات السلوك المشين مع آخرين انتقاماً لأنفسهم.
إن ما يذكر عن أطفال العراق وعما يجري لهم في بعض المجالات تحز بالنفس كثيراً, ويشعر الإنسان بالألم إذ لا حكومة عراقية فكرت حتى الآن بهذه الحالة وسعت إلى توفير جهاز يساعد على متابعة هذه الأمور والكشف عنها ومعالجتها لصالح الفرد والمجتمع.
علينا أن نواصل الكتابة حول هذه الموضوعات. فالتقارير التي نشرت حتى الآن تؤكد وجود وانتشار هذه الظاهرة في العراق, وخاصة مع الصبية الذين تيتموا أو هم مشردون الآن الذين يعملون للحصول على لقمة عيش عائلتهم وهم صغار السن, وإلى أن جمهرة من شيوخ ومدرس الدين والميسورين في الخليج وفي مناطق أخرى, وليس كلهم طبعاً, يمارسون هذه الأمور لا مع أبناء وبنات بلدانهم فحسب, بل ومع أبناء المغتربين والعمال العاملين في دولهم. وعلينا أن نفضح تلك الفتاوى الملعونة التي تجيز اغتصاب الطفلات الصغيرات اللواتي يعقد قرانهن على رجال كبار السن وهن ما زلن يزحفن على أربع بأساليب مختلفة, وما أكث الفتاوى المذلة للإنسان تصدر عن شيوخ دين في العالم الإسلامي فقدو الذمة والضمير مرة وإلى الأبد.   
24/2/2010                      كاظم حبيب
     
         


503
كاظم حبيب
خلوة مع النفس ... إلى من لا همَّ له غير ذاته!!
قبل أيام قليلة صادفت عدداً من الأصدقاء القدامى, سألني أحدهم عن صحتي فأجبته شاكراً بأنها أفضل قليلاً منذ خروجي القريب من المستشفى. والجديد إني فقدت ستة كيلوغرامات من وزني. انبرى صديق بجواره قائلاً لازم عندك هموم! لم أجبه إذ شعرت بأنه غير جاد بما خرج من فمه دون تفكير, في حين كان صاحب السؤال جاداً في الاستفسار عن صحتي لمعرفته بالذبحة الصدرية التي أعاني منها وبالفقرات المشدودة بعدد من قضبان مادة التيتان وبالركبتين الاصطناعيتين اللتين أحملهما معي ليحملا ما تبقى من هذا الجسد ولما تبقى من سني العمر.
حين ابتعدت عن المجموعة الطيبة وجلست في القاعة التي احتفلت بها قائمة اتحاد الشعب ببرلين بدعوة كريمة من منظمي الحفل, سرحت مع نفسي بعيداً عن القاعة أفكر بالجملة التي نطق بها هذا الشخص "لازم عندك هموم!" إذ أهملت الإجابة واكتفيت بابتسامة فيها شيء من المرارة.
سألت نفسي في خلوة معها, رغم ضجيج القاعة, وكأن ليس فيها من ضجيج: هل هذا السؤال من شخص عاقل معقول حقاً في أوضاع العراق الراهنة؟ ألا يعيش هذا الرجل هموم العراق, ألا يرى الموت الذي يخطف العشرات من البشر والخراب الاقتصادي والبؤس الثقافي الذي يعم والجهل الذي يُستثمر ويُستغل من قبل قوى وأحزاب سياسية للحصول أصوات الناخبين وبالتالي على مقاعد في البرلمان دون وجه حق, إذ لم تبرهن على صواب وجودها في المجلس؟ ألا يعيش وضع المرأة العراقية والأرامل اللواتي يزداد عددهن وبؤسهن يومياً, ألا يدرك وجود أطفال خارج صفوف الدراسة يتسكعون في الشوارع يجمعون أعقاب السجاير أو يحملون أكياس النايلون ليتنفسوا بها, أطفال مشردون يتسكعون بين القبور في مدينة كربلاء مثلا, هذه المقبرة التي سرق كل طابوقها والتي أصبحت في وسط المدينة ولم تبق فيها شواهد على من في القبور إلا ما ندر, يبيعون زجاجات الماء أو يتسولون من أجل عدد من الدنانير للعيش بها.
ألا يرى أولئك الذين يستغلون هذه الحالة في الكثير من مدن العراق ليغتصبوا الصبية أو يشتروا من أفراد عائلاتهم بعض أجزاء هؤلاء الأطفال أو يختطفونهم بصيغ مختلفة.
ألا يحس بالفجوة المتسعة بين الفقراء والأغنياء, بين المتخمين والجياع, بين الغنى والفاقة, ألا يحس بآلام أولئك الين ينامون على الطوى جوعاً, ألا يرى النظام المحاصصي الطائفي الذي قسم المجتمع وشدد بذرة الصراع والنزاع والرغبة في تشديد الاستقطاب من قبل القوى والأحزاب الطائفية رغم رفض وإدانة الدستور العراقي للطائفية.
هل وحدي أنا المهموم بأوضاع العراق, أم الغالبية العظمى من سكان العراق, من هو غير المهموم من العراقيين حول أوضاع العراق؟ إنهم الإرهابيون والقتلة والمجرمون, إنهم الفاسدون والمفسدون وسرّاق قوت الشعب , إنهم الذين يأكلون السحت الحرام, تلك الأموال التي يفترض أن توجه لبناء المدارس وصفوف الدراسة وبناء المستوصفات والمستشفيات وإقامة شبكات الكهرباء والماء وتأمين الأمن والاستقرار في البلاد.
إن الهموم التي تسحقني يومياً تسحق الكثير من البشر في العراق وخارج العراق, من جانبي أحاول تصريف بعض هذه الهموم عبر الكتابة, عبر مقالات شبه يومية أكتبها وأنشرها مجاناً, إنها عصارة حياتي وما تبقى من هذا العمر الذي أحمل ثقله على كتفيي, إنها غضبي المكبوت, إنه كظم الغيظ, وهو الأسلوب الذي يجعلني اشعر بأدميتي وبعراقيتي لأن شعب العراق يسحق بالصراعات الطائفية والحزبية الضيقة يومياً.
كنت سعيداً حين ابتعدت عن الدخول مع السائل بنقاش غير مجدٍ, أو الإساءة إليه بكلمة جوابية جارحة, إذ أن الكلمة التي تخرج من فم الإنسان لا يمكن إعادتها للفم.
قطع خلوتي صوت السيدة وفاء, عريفة الحفل, تدعوني لإلقاء كلمة بمناسبة الدعاية الانتخابية لقائمة اتحاد الشعب, هذه القائمة التي تعاني من نقص شديد بالمال لإعلامها وتعاني من صعوبة الظهور على شاشة القنوات الفضائية التي ترفع من أسعار الدقائق التي تظهر الدعاية, فالأغنياء من الأحزاب الحاكمة والقوى التي تحصل على دعم خارجي لا مانع لديها من دفع عشرات بل مئات الألوف من أجل هذه الدعاية, وليس هناك من يسأل هذه القوى من أين جاءت بهذه الأموال الكثيرة. إنها قضية النعجة التي خلفت في فترة قصيرة من الزمن ثلاث ألاف نعجة, كما حدثنا بها خالد القشطيني في أحد مقالاته الأخيرة, فهل هذا ممكن؟ وإلا فمن أين جاءت إليه؟           
نسيت دعابة الرجل السمجة "لازم عندك هموم!", وتوجهت لأحدث المستمعين ومن يمكن أن يقرأوا كلمتي من على منصة هذا الحفل وأنا أدعو لانتخاب قائمة اتحاد الشعب ومرشحيها أهمية أن يحكّم الإنسان ضميره قبل أن يكتب اسم القائمة أو اسم المرشح في صندوق الاقتراع. الضمير الذي ينبغي أن لا يباع ويشترى, فمن يبيع ضميره يفقد الكثير جداً من إنسانيته وكرامته, يفقد شيئاً أساسياً منه, ومن يشتري الصوت سيفتضح أمره كما افتضح أمر أولئك الذين وزعوا البطانيات ومدافئ علاء الدين وغيرها, إذ أن حبل الكذب قصير.
كم أتمنى أن تقرأ البرامج الانتخابية ليدركوا أهمية هذا البرنامج الوطني الديمقراطي الذي وضعته وتبنته وطرحته القوى المؤتلفة بقائمة اتحاد الشعب لكي يجدوا الفارق بين الوعود الطنانة والرنانة, وغالباً ما تكون مثالية أو فارغة, وبين البرنامج الواقعي الذي طرحته قائمة اتحاد الشعب.
23/2/2010                  كاظم حبيب


504
كاظم حبيب
خلوة مع النفس
حول تصرفات من يحتل موقعاً مهماً في الأجهزة الدولة
2
ارتقيت سلم الطائرة المتجهة من أربيل إلى فيينا بعد زيارة ممتعة ومتعبة إلى العراق, اهتديت إلى مقعدي في الدرجة السياحية مروراً بركاب الدرجة الأولى ودرجة رجال الإعمال. بعد وهلة قليلة هدأت حركة المسافرين إذ احتل الجميع مقاعدهم ثم أقلعت الطائرة وساد الصمت والهدوء التامين على متن الطائرة, ولم يخلْ بهما سوى مرور هذه المضيفة الجميلة أو ذاك المضيف المؤدب ذهاباً وإياباً.
في مثل هذه الحالة وغالباً ما يغوص الإنسان في داخله وتمر في مخيلته سلسلة من الأفكار ثم وتتداعى الذكريات ويجد أمام ناظريه وكأن شريطاً سينمائياً منوعاً يتنقل به من فكرة إلى أخرى ومن موقف إلى آخر. إنها الخلوة مع النفس التي غالباً ما يحتاجها الإنسان لمواجهة زحمة الحياة وحركتها المتسارعة والمتوترة في ظل التقنيات الحديثة والإجهاد اليومي وتوتر الأعصاب. وهكذا حصل معي.
توقف شريط الذكريات عندي على حالة لم تكن غريبة على المجتمع العراقي, ولكنها تفاقمت منذ سقوط الفاشية في العراق. ولا يدري الإنسان لماذا؟ فالمفروض أن من وصل إلى السلطة واحتل مواقع مهمة في أجهزتها التشريعية والتنفيذية والقضائية كان الكثير منهم من وقف ضد النظام وكره العلاقة العدائية بين الإنسان والمجتمع من جهة وبين الحكام وكبار موظفي الدولة من جهة أخرى وعمل للخلاص منها. إلا أن الإنسان يعتقد خاطئاً بأن التغيير في الدكتاتورية ينهي معه التقاليد والعادات والقيم السلبية التي تكرست وترسخت في المجتمع وأن الذين كانوا من الثوريين يمكن أن تفسدهم المقاعد الوفيرة وينسون ما ناضلوا من أجله قبل ذاك!
الظاهرة التي أتحدث عنها ذات جانبين عشتها بنفسي أحياناً, ولكن من يعاني منها حقاً لست أنا بل هم الغالبية العظمى من لمواطنات والمواطنين, فأنا لا أعيش في وطني الأول, العراق, وليست لدي معاملات أنجزها بالعراق, وبين فترة وأخرى أقوم بزيارة استطلاعية ودراسية وأعود محملاً بجملة من الأفكار والملاحظات التي تساعدني في الكتابة والبحث, وبالتالي, ليس لهذه الظاهرة من تأثير سلبي عليَّ, ولكنها تمنحني الفرصة للتفكير بالعوامل الكامنة وراء هذا التصرف الأخرق.
الجزء الأول من هذه الظاهرة يبرز في تصرف جمهرة من الأصدقاء والمعارف حين يحتلون مواقع مهمة في جهاز الدولة, سواء في الحكومة أو على مقربة من المسؤولين الكبار, إذ أنهم ينسون أن كانت لهم صداقات ومعارف كانوا يسعون إلى إقامة علاقات معهم ويخطبون ودهم ويسعون إلى زيارتهم, وإذا بهم اليوم يتحاشون اللقاء بهم, رغم أن هؤلاء الذين كانوا يسمون أصدقاء أو معارف ليست لديهم حاجة عند هؤلاء يريدون إنجازها. وإذا ما صادفك في المطار يدير لك وجهه وكأنه لم يلمحك. ولا يجد الإنسان سبباً مباشراً لهذا التصرف!       
الجزء الثاني من الظاهرة يبرز بصيغة أخرى. حين تكون لك علاقات طيبة مع أحد المسؤولين في أجهزة الدولة وتلتقي به أحياناً, يبدأ بالهش والبش بوجهك لأنه يعتقد بأن كانت لك علاقة جيدة مع مسؤوله الأعلى , وحالما يعلم بطريقة ما أن العلاقات ولأي سبب كان ليست كما كان يعتقد, عندها سرعان ما يدير لك ظهر المجن ويبتعد عنك ويسعى إلى عدم اللقاء لك ولو بالصدفة.
وأنا أفكر بهذه الظاهرة لاحظت بأنها تجتمع بجانبيها في الغالب الأعم, وليس بالضرورة, في الشخص الواحد, أو إنهما تشكلان وجهان لعملة واحدة. والسؤال هو: ما هي العوامل الكامنة وراء بروز هذه الظاهرة, ولماذا يبرز مثل هذه التصرف لدى أناس يعتبرون ضمن الفئة المثقفة بالعراق؟ قلت لنفسي, لا تتعب نفسك بالتحري عن إجابة شافية وافية عن هذا السؤال, فالأسهل عليك أن تحيله إلى الأخ الفاضل الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح فهو أدرى بدروب النفس البشرية وأكثر إلماماً بما فعلته الحياة بالناس عبر عقود من الحروب والاستبداد والقهر والخراب والدمار. ولكن عدت إلى نفسي ثانية وقلت, ولكن ليس كل هؤلاء الذين يتصرفون بهذه الطريقة كانوا يعيشون بالعراق, بل الكثير منهم كان يعيش بالغربة وفي بلدان متحضرة تقدر معنى الصداقة وتعي أضرار التعالي على البشر وتتميز بالشفافية ولا تخشى لومة لائم في علاقاتها الاجتماعية والإنسانية.
كانت طريقتي في التعامل في البشر اعتيادية جداً من يرغب أن يقيم علاقات معك فأهلاً به ومن لا يريد ذلك فهي قضيته دون أدنى شك, وليس هناك ما يضيرني شخصياً هذا الموقف أو ذاك, ولكن فيها خسارة لصداقة أو معرفة مفيدة لكل الناس, فألف صديق أفضل من عدو واحد, هكذا تقول الميثولوجيا الشعبية العراقية. ولكن المشكلة لا تكمن عندي, بل في علاقة مثل هذا الموظف "الكبير" بوظيفته والصغير بنفسيته وبنيته الفكرية ببقية الناس البسطاء والطيبين وذوي الحاجة الماسة عنده.
تصورت أن أحد هؤلاء الكبار الصغار قد أنجزت له للتو بدلات جديدة ارتدى واحدة منها ونظر لنفسه بالمرآة, ثم جلس في سيارة مرسيدس خاصة أو السيارات الكبيرة المحروسة بأخريات مقاربة لها تنقه من البيت غلى مكتبه, وقد وضع الستائر لكي لا ير من هم خارج السيارة من في داخلها. يدخل مكتبه يجمل أحدهم حقيبته, يجلس خلف منضدة واسعة جداً تتصدر غرفته ذات الرياش تذكرنا بالعهد ألصدّامي, منتفخ الأوداج لا تظهر البسمة على وجهه مطلقاً, وهي نسبية, إذ أن الاستثناء يبرز حين يمر سيده الكبير, مسؤوله الأعلى عبر غرفته أو حين ينادي عليه مسؤوله الأول, عند ذاك تجده يقف مشدود اليدين إلى بطنه وينحني بظهره وكأنه وصل في صلاته إلى حالة الركوع.   
لا شك في أن الشخص الذي يتخذ مثل هذه المواقف يعاني من نقص شديد أو بتعبير أدق, من خلل في تكوين شخصيته, وأن الموقع الذي يحتله أكبر بكثير من قامته الفعلية, أو كما يقال في الأدب الأوروبي أنه يرتدى بدلة تفوق حجمه عدة مرات, وإلا لما تعالى على الناس ولبقيت قدماه مشدودتان إلى أرض العراق الطيبة ولتذكر قول الحكمة الشعبية: ما طار طير وارتفع, إلا كما طار وقع!
إنها تصرفات تعبر عن اختلال في شخصية الإنسان, عن تعال فارغ, وخشية قاهرة على وظيفته من مسؤوله تفرض عليه هذا التصرف إذ يمكن أن لا يرتاح هذا المسؤول لعلاقاته الخاصة, إنها الانتهازية الصارخة والبؤس في التفكير والتصرف.
لقد استغرقت هذه الظاهرة وقتاً غير قليل من وقت الرحلة حتى نبهتني المضيفة الناعسة وهي تحمل بيدين ناصعتي البياض صينية الطعام وتنظر نحوي بعينين زرقاوين وابتسامة خجولة ارتسمت على شفتين ذكرتني بأبيات شعر بديعة قالها أمين نخلة: 
أنا لا اصدق أن هذا‏ الأحمر المشقوق فم‏
بل وردة مبتلة‏ حمراء من لحم ودم‏
أكمامها شفتان خذ روحي وعللني بشم
إن الشفاه أحبها كم مرة قالت: نعم ..

21/2/2010                      كاظم حبيب
 

505
كاظم حبيب
زكية خليفة المناضلة المقدامة والشخصية الدافئة
كانت كبقية المناضلات والمناضلين تحلم بغدٍ أفضل لشعب العراق, بحياة أكثر حرية وسعادة وأكثر دفئاً ووفاء وعدلاً للفلاحين الذين ولدت في صفوفهم وفي قرية صغيرة من قرى لواء العمارة, وللعمال المنتجين للخيرات المادية وللفقراء والمعوزين, وكانوا ولا زالوا يشكلون الغالبية العظمى من الشعب العراقي. وكانت زكية خليفة نموذجاً حياً للنساء المناضلات من أجل حرية المرأة وتمتعها بحقوقها المغتصبة ومساواتها بالرجل ووجدت ضالتها في رابطة المرأة العراقية التي أصبحت واحدة من مؤسساتها ومن أنشط النساء في الرابطة وشديدة الصلة بالدكتورة نزيهة الدليمي وروز خدوري وبقية المناضلات حينذاك. وكانت تمتلك من الحيوية والشجاعة والاستعداد للتضحية ما جعلها واحدة من خيرة المناضلات الشيوعيات في حزبها الشيوعي العراقي اللواتي تحملن الكثير من عذابات السجون ومحن الحياة اليومية والمصاعب والمصائب التي كانت تطارد أعضاء وأصدقاء الحزب المناضلين من أجل "وطن حر وشعب سعيد".
دخلت السجن وهي شابة. حين اعتقلت وهي في محطة القطار ببغداد تحمل أدبيات الحزب وبريده من قبل أجهزة التحقيقات الجنائية, صرخت بصوت مرتفع ليسمع الجميع : أخبروا الحزب الشيوعي العراقي بأن زكية خليفة قد اعتقلت". لقد كانت تريد أن يصل خبر اعقالها عبر أحد الطيبين إلى الحزب لتجنيب رفاق الحزب الوقوع بحبائل العدو. حُكم عليها من قبل محاكم العهد الملكي القرقوشية بالحبس عشر سنوات, قضت الكثير من فترة محكوميتها في السجن قبل إطلاق سراحها في أعقاب انتصار ثورة تموز 1958. ليتصور الإنسان ظلم المحاكم حينذاك: امرأة تحمل بطاقة العضوية في الحزب الشيوعي العراقي وتحمل أدبيات الحزب, ويحكم عليها بالسجن عشر سنوات, أي عدالة وأي قضاء مستقل وعادل في العهد الملكي يتحدث عنه البعض, وخاصة القضاء الذي كان مسؤولاً عن المحاكمات السياسية والذي كان خاضعاً بشكل تام تقريباً للتحقيقات الجنائية وليس عملياً لوزارة العدل. 
كانت زكية خليفة الزيدي تردد دوماً قول لينين: " أعطني خبزاً ومسرحاً ، اعطيك شعباً مثقفاً". وبقدر ما أحبت الحزب الشيوعي العراقي, عشقت أيضاً المسرح الشعبي وتقديم المسرحيات للفلاحين الكادحين لتساهم برفع وعي هذه الفئة الكبيرة من بنات وأبناء الشعب العراقي التي تعرضت لأبشع أشكال الاستغلال في كافة العهود ولا تزال تعاني من ذلك ايضاً. 
كانت تتميز بالفطنة والمبادرة وسرعة البديهة, وكانت يقظة مفتوحة البصر والبصيرة في عملها السياسي والحزبي. حين كُلفتُ بزيارة بعض التنظيمات الحزبية للأشراف على عملها في العام 1977 و1978, تسنى لي أن أزور تنظيم "العمالية الصغيرة" و"الكرادة الشرقية", وفيما بعد البصرة. وجدت ما يدير الرأس في واحدة وما ينعش النفس في الثانية. لقد تبين لي بأن عدداً من أعضاء اللجنة العمالية كان قد تسرب إليها وهم من عملاء البعث أو تحولوا إلى عملاء, وكان المسؤول عن التنظيم ضعيفاً وغير يقظ, إذ استطاعت أجهزة الأمن البعثية لا أن تسرب لهذا التنظيم العديد من العملاء حسب, بل وأن تستخدم هذه المنظمة لترحيلات أخرى عبرها إلى منظمات حزبية أخرى. وحين زرت منظمة الكرادة الشرقية حيث كانت زكية خليفة مسؤولة عنها, وجدت بأن المنظمة قوية ومتماسكة وواسعة ونظيفة عموماً, إذ عجزت أجهزة الأمن عن الحصول على موقع لها في اللجنة القائدة أو في تنظيمات تابعة لها. لقد كانت زكية تتابع كل رفيق ورفيقة في المنظمة بنفسها, وتتابع الترحيلات التي تصلها بنفسها بحيث تتيقن من نظافة الترحيل, وكانت تتابع أي رفيق يعتقل لترى ما حصل له. وبقدر ما كانت لطيفة وهادئة, بقدر ما كانت يقظة وصارمة وحذرة من تسرب الأعداء للتنظيم الحزبي الذي تقوده.     
لقد نذرت زكية خليفة نفسها للنضال في صفوف الحزب الشيوعي العراقي ولم تبخل بشيء لصالح تقدم الحزب وتطوره وأعطت ستة عقود من عمرها لهذا الحزب ونضاله وعانت معه من ظلم واضطهاد النظم الرجعية والفاشية.
أحبها المحيطون بها والعاملون معها, سواء أكان ذلك في صفوف الحزب أم في رابطة المرأة العراقية أم في المسرح أم في العمل الجماهيري اليومي, واعتز بها الأستاذ يوسف العاني ومن عمل معه حينذاك. وكانت واحدة من النساء اللواتي أبدعن في عملهن المسرحي وبشكل خاص في مسرحية "النخلة والجيران" للكاتب غائب طعمة فرمان بجوار زينب وناهدة الرماح, إضافة إلى المسرح الريفي وقراءة الشعر الشعبي.
رغم مرضها وافقت زكية أن تترشح ضمن مجموعة الحزب الشيوعي العراقي في انتخابات العام 2005, والمرض هو الذي اجبرها على مغادرة الوطن للعلاج في السويد, وهناك في مستشفى سويدي توقف قلب الرفيقة والمناضلة العزيزة زكية خليفة المتعب مبكراً.
فإلى عائلتها وإلى رفاق الحزب الشيوعي وأصدقاء الفقيدة العزاء بفقدها, ولها الذكر الطيب.
20/1/2010                     كاظم حبيب 
   
     

506
طبيعة الدولة وأساليب حكم نظام البعث في العراق
1-3
   
في ضوء التصريحات التي أدلى بها ظافر العاني , النائب العراقي حالياً ورئيس كتلة جبهة التوافق , وعضو القائمة العراقية التي يقودها الدكتور أياد علاوي, والتي وضعت هيئة المساءلة والعدالة اسمه ضمن من يُمنع من الترشيح للانتخابات القادمة , التي مجد فيها نظام البعث والدولة البعثية , وأساء لقوى وشخصيات مناضلة , وجدت مفيداً أن أنشر وبشكل مكثف وعلى حلقات جزءاً من الدراسة الموسعة حول السمات التي ميَّزت الدولة البعثية في فترة حكم البعث الثانية في العراق وقيادة أحمد حسن البكر وصدام حسين لهذه الدولة المشوهة, أي الفترة بين 1968-2003, والتي هي امتداد لدولة البعث الأولى شباط/فبراير 1963- تشرين الثاني/أكتوبر 1963, وهي جزء من دراسة كنت قد قدمتها إلى مؤتمر حقوق الإنسان الذي عقد في العام 2000 بالدار البيضاء في المغرب.
   
وصل حزب البعث إلى السلطة مرتين,  وكلاهما عبر انقلابات عسكرية, وإذا كان بع الانقلاب الأول مارس حملة فاشية استمرت طوال تسعة شهور قتل فيها الكثير من المناضلين الشجعان وأعتقل وسجن وأهان الكثير من أبرز الشخصيات الوطنية السياسية والاجتماعية والعلمية والأدبية والثقافية وأتى على كل المكاسب التي تحققت في فترة وجيزة من حكم عبد الكريم قاسم وصادر بشكل مطلق كافة الحريات والحقوق الأساسية للمجتمع العراقي وضرب عرض الحائط بكل القيم والمعايير الإنسانية, إنه البعث بمختلف مكوناته حينذاك, سواء ما سمي بعد ذلك باليسار أو اليمين. وجند الحرس القومي الذي لم يختلف عن رجال ألـ SS والغستابو الألمان وأطلقه كالذئاب الجائعة ووضع بيديها البيان رقم 13 لممارسة القتل دون مساْلة أو عقاب.
أما في المرة الثانية فلم يكن الحكم البعث سوى استمراراً للفترة الأولى من حكمه وتعميق لنهجه الفاشي الدموي.وكان هذه المرة ما يطلق عليه بالبعث اليميني أو قيادة ميشيل عفلق لهذا الحزب. وهذه المقالة المكثفة هي محاولة لصياغة السمات التي تميزت بها دولة البعث ونظامه السياسي في العراق خلال الفترة 1968-2003 والتي يمكن بلورتها في النقاط التالية:   
السمة الأولى
   منذ البدء افتقد نظام البعث في العراق إلى الشرعية في وجوده على رأس السلطة في العراق , كما أنه لم يستند إلى الشرعية الدستورية لا في طريقة وصوله إلى السلطة ولا في طريقة وأسلوب ممارسته للحكم. لقد عاش العراق في ظل حكم البعث بدون دستور دائم , وبدون مؤسسات دستورية حقيقة ومنتخبة من قبل الشعب وفي ظل الأحكام العرفية أو الطارئة. وكان الحاكم الفعلي هو مجلس قيادة الثورة الذي ترأسه حاكم مطلق بدا بأحمد حسن البكر وانتهى بصدام حسين. وكلا الرجلين من طينة واحدة وعقلية واحدة وأساليب حكم واحدة وسمات مشتركة. احتكر مجلس قيادة الثورة , وبتعبير أدق أحمد حسن البكر ومن ثم صدام حسين بالمطلق , السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية , بيديه وحده , إضافة إلى هيمنته الكاملة والمطلقة على السلطة الرابعة , أجهزة الإعلام , ومنها الصحافة والتلفزة ودور النشر الحكومية. لقد وصلت المجموعة الحاكمة إثر انقلاب عسكري تم في السابع عشر من تموز عام 1968 , تبعه انقلاب أخر قادته مجموعة البعث , وهي إحدى المجاميع التي شاركت في الانقلاب الأول ثم في الانقلاب الثاني في الثلاثين من تموز من نفس العام. وهذه المجموعة البعثية التي كرست وجودها في الحكم , مارست التصفية الجسدية لمجموعات عديدة ممن شارك في الانقلابين ومن قادة الحزب الحاكم , ومن أعضاء مجلس قيادة الثورة والقيادتين القومية والقطرية لحزب البعث الحاكم. والدستور المؤقت , الذي لم يطرح للمصادقة عليه , بل وضع من جانب مجلس قيادة الثورة وصدر بقرار عنه , باعتباره السلطة التشريعية في البلاد , يؤكد السيادة المطلقة لمجلس قيادة الثورة ويقرر الدور القيادي لحزب البعث العربي الاشتراكي في الدولة والمجتمع. وإذا كان الحكم قد بدأ بهيمنة جماعة باسم حزب البعث العربي الاشتراكي , أي كتلة ميشيل عفلق , فأنه قد انتهى , وبعد فترة غير طويلة , إلى سيادة وهيمنة فرد واحد هو صدام حسين , رغم الدور الكبير المماثل الذي لعبه أحمد حسن البكر في قيادة مجلس قيادة الثورة حتى تمت إزاحته وتصفيته المحتملة نهائيا في أعقاب تسلم صدام حسين للقيادة مباشرة في شهر تموز/يوليو 1979. 
السمة الثانية
   وبهذا المعنى فالحكم لم يستند إلى أسس ديمقراطية , ومنها التداول الديمقراطي للسلطة وفق دستور ديمقراطي وحياة برلمانية حرة وديمقراطية , بل كان مجلس قيادة الثورة قد قرر ابتداءً أن يكون الحكم بيد حزب البعث العربي الاشتراكي , رغم أنه ومنذ النصف الثاني من العقد الثامن لم يكن الحكم بيد حزب البعث , بل كان بيد رجل واحد فقط لا غير. ولم يلغ الحزب الحاكم حرية جميع الأحزاب والكتل السياسية العلنية والسرية ويطاردها حتى في شتات الغربة حسب , بل وجه اضطهاده أيضاً ضد أعضاء ونشطاء حزب البعث الحاكم الذين اختلفوا معه أو عارضوا بعض أو جميع سياساته أو شك الدكتاتور في ولائهم له , إذ أنه صفى الكثير من أعضاء القيادة القومية والقطرية ومجلس قيادة الثورة والوزراء وكبار المسؤولين من القادة العسكريين والمدنيين ومن محترفي العمل السياسي في حزب البعث الحاكم. إذ كان الحاكم بأمره يرفض الاختلاف في الرأي داخل الحزب الحاكم , وكان يريد أن يسمع رأيا واحدا وصوتا واحداً ويرى صورة واحدة , أن يسمع رأيه وصوته ويرى صورته. وهكذا كان الأمر في العراق طوال وجود الدكتاتور على رأس السلطة.
   ولكن هذا الحاكم بأمره سخر حزب البعث بالكامل لأغراضه مباشرة, سواء أكان في التجسس على الناس أو في ممارسة القمع الدموي والقهر السياسي واجتماعي أم في الدعاية له وترويج أفكاره البائسة والمتخلفة والعنصرية أم في التعبئة لحروب النظام وسياساته المختلفة.
   ورغم إقرار النظام بوجود "مجلس وطني" , فأنه لم يكن سوى أداة خانعة وخاضعة خضوعا كاملا لرئيس مجلس قيادة الثورة وصورة مشوهة بالكامل بالمقارنة مع المجالس التشريعية الديمقراطية , إذ كان صدى يردد ما يريده "القائد الضرورة!" ويوقع أعضاء المجلس على قرارات القائد بدم أعضاء برلمانه ليبرهنوا له عن ولائهم المطلق للحاكم المطلق. فكان الترشيح للانتخابات يخضع لرقابة لجنة يشكلها مجلس قيادة الثورة ويجب أن يكون أعضاء اللجنة من حزب البعث , كما ينبغي أن يكون المرشح عضوا في حزب البعث أو من أنصاره ومؤيديه , كما أن الانتخابات ليست سرية بل علنية , إذ يوضع على ظهر ورقة الانتخاب اسم الناخب وعنوانه , وبالتالي من ينتخب اسما من غير القائمة المعطاة له يتعرض لما لا تحمد عقباه , أو حتى من رمى ورقة بيضاء يحاسب عليها , والأمثلة كثيرة في هذا الصدد , بما فيها انتخاب رئيس الجمهورية التي لم تخرج عن هذا الأسلوب , بل كانت أكثر صرامة وقسوة في التعامل مع من لا يصوت لصدام حسين. لقد كان المرشح واحداً والفوز لهذا المرشح الواحد بما يفوق نسبة المصوتين في بعض الأحيان. لم يعد صدام حسين يكتفي ب 100% بل كان يريد أكثر من ذلك بكثير. والغريب في هذا العالم أن كان هناك من يصدق هذه الأكذوبة بهدف أساسي هو الاستفادة من النظام لتحقيق بعض المكاسب والمصالح الاقتصادية.
   ويفترض في هذا الصدد أن نؤشر بعض المسائل الجوهرية التي تعتبر نتاجا منطقيا وموضوعيا لهذه السمة , وهي:
أ‌.   قاد غياب الحرية الفردية والديمقراطية والتعددية السياسية والحياة الدستورية والبرلمانية الحرة ومصادرة حرية وحق التداول الديمقراطي للسلطة بالضرورة إلى قيام النظام بمواجهة المعارضين لهذا النهج بالعنف واستخدام ما يمتلك من قدرات قهرية لتأمين مستلزمات القضاء على أصوات المعارضة , سواء أكانت من خارج صفوفه أو من داخلها. وسجلات المعارضة العراقية ومنظمات حقوق الإنسان ولجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة مليئة بأسماء عشرات ألوف الناس ممن تعرضوا لإرهاب الدولة والحزب الحاكم في العراق خلال السنوات المنصرمة , كما نشرت منظمات حقوق الإنسان قوائم بأسماء السياسيين المختطفين والمغدور بهم ويصل عددهم إلى عشرات الألوف , إضافة إلى اكتشاف عشرات المقابر الجماعية حيث دُفن فيها من قتل على أيدي أجهزة الأمن والأجهزة الخاصة والاستخبارات العسكرية تحت التعذيب أو بالقتل الجماعي أو دفنوا وهم أحياء.
ب‌.   وأن هذه الأجواء قادت بالضرورة إلى تطور الدولة وفق ذهنية عسكرية فردية تميزت بالعنف والقسوة , كما اقتنت ترسانة هائلة من الأسلحة وأنشأت قوات مسلحة واسعة وأجهزة أمن تتدخل في شؤون الحياة العامة للسكان , إذ كانت بمثابة عيون صارمة وظالمة على الناس في كل مكان. لقد حول صدام حسين العراق إلى بلد لا يأتمن الإنسان أفراد عائلته , ولا الأب ابنه , ولا الصديق صديقه , كما لم يعد للإنسان الحق في الحلم! كانت عيون النظام وأجهزته تراقب أفراد المجتمع , سواء أكان ذلك في الأحياء السكنية والبيوت أم في مواقع العمل والمدارس والجامعات ودوائر الدولة والقوات المسلحة أم في الريف , وباختصار في كل مكان حتى في الغرف الزوجية. لقد نصب النظام كاميرات لتصوير حياة الأزواج للاستفادة منها في إسقاط السياسيين والمعارضين أو من أعضاء حزبه. كما حاول إرسال العاهرات من الجواسيس للإيقاع بالسياسيين وإغرائهم والتقاط الأفلام لهم وهم في حالة اتصال جنسي لإسقاطهم عبر التهديد بنشرها على الملأ.
ت‌.   كما أن غياب الديمقراطية بالكامل وممارسة أساليب العنف ومبدأ "الجزرة والعصا" قاد إلى نشوء جملة من الأمراض النفسية والعصبية وبرزت أو تعمقت آفات اجتماعية غير قليلة بما فيها الخشية الدائمة ون المجهول والانتهازية والنرجسية والشعور بالعظمة والذهنية العسكرية عند الحكام وأمراض ازدواج الشخصية والانتهازية والخوف والقلق من المستقبل والعنف وروح الانتقام والخشية من الآخر والكثير من الأمراض العصبية عند جمهرة واسعة من السكان. إن قائمة معسكرات الاعتقال تحت الأرض التي أقيمت في العراق خلال فترة حكم البعث , دع عنك السجون والمعتقلات الأخرى المعروفة , كانت تضاهي عدد قصور الحاكم بأمره , إنها قلاع تحت الأرض وفي الصحراء وفي مواقع كثيرة لا تختلف كثيرا عن معسكرات الاعتقال النازية من حيث الأساليب التي مارستها والأدوات التي استخدمتها تلك الأجهزة ضد ضحاياها. ويمكن تقديم قائمة واقعية بأساليب التعذيب التي مارسها النظام العراقي والتي تصل إلى أكثر من خمسين نوعا معروفا لضحايا التعذيب في العراق, بما فيها ماكنات فرم أجساد المعتقلين وهم أحياء أو ماتوا تحت التعذيب ورمي اللحوم البشرية المفرومة إلى الأسماك.
تشير المعلومات الغزيرة المتوفرة لدى المنظمات الدولية والعربية والعراقية الخاصة بحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية منذ نهاية الستينات إلى أن أجهزة النظام الأمنية والأجهزة الخاصة التابعة للقصر الجمهوري مارست مجموعة كبيرة من أشكال وأساليب التعذيب النفسي والجسدي التي تسببت بوفاة السجين الأعزل بعد تحمله عذابات شديدة ومهينة لكرامته , وهي تزيد على 50 نوعا من أعمال التعذيب الجسدي والنفسي , التي كانت تدمج بين أساليب القرون الوسطى والعهود المظلمة في حياة البشرية وبين الأساليب الحديثة التي اعتمدت على أحدث الأجهزة المصنوعة في البلدان الصناعية المتقدمة. ومن بين أساليب ممارسة التعذيب استخدام الكاويات الكهربائية والتيار الكهربائي , والصوندات المطاطية المصنوعة بأسلاك داخلية , وخراطيم المياه , والكوي أو الحرق بالسجائر في المناطق الحساسة من الجسم , وإدخال القازوق , أو القنينة في مؤخرة الضحية أو نفخ بطن الإنسان على حد الانفجار والتمزق , واستخدام الشمعة لحرق أسفل القدمين المعلقتين في الهواء والمربوطتين بالقيود الحديدية التي لا تسمح بأي حركة للضحية , والتعليق بالمراوح , والجلد بأعواد الرمان (الخيزران) , واستخدام الفلقة , أي الضرب المبرح على باطن القدمين , وفرض الهرولة بعدها على الضحية لكي لا تصاب القدمين بالتعفن , ولكنها تهيئ للضحية فصلا خاصا مليئا بالآلام المبرحة , وتسليط الأضواء على العينين والمنع من النوم واستخدام ما يثير الأعصاب من أصوات رتيبة متكررة , أو ترك قطرات ماء باردة تسقط على يافوخ الإنسان بصورة متتابعة ولفترة طويلة ترهق الضحية إلى أبعد الحدود وتسئ إلى حالته النفسية خاصة وأن التحقيق يستمر ساعات وساعات , وهو غير قادر على إبعاد يافوخه عن تلك المنطقة. ويمارس في التعذيب الركل المتواصل في كل مكان بما فيها على الخصيتين , وتجري محاولة استعمال أو اغتصاب الضحية , سواء امرأة كانت أم رجلا. كما يمارس الجلاد شدّ قضيب الرجل الضحية بحبل ثم جر الحبل بقوة , وقلع أظافر أصابع اليدين والقدمين , وإدخال الرأس في أحواض الماء إلى حد الاختناق , أو صب الماء الساخن على المناطق الحساسة من جسم الضحية , أو ترك الضحية تحت أشعة الشمس المحرقة لساعات طويلة دون ماء أو شيء يستر الجسد , أو ترك الضحية على سطح الدار من دون ملابس في ليالي الشتاء القارس , أو إعطاء الضحية السم بأنواعه المختلفة ذات المفعول السريع أو البطيء مذوبا باللبن أو الشاي المحلى , ورمي الفطريات على جسم وملابس الضحية. ويفرض على الضحية الجلوس في وسط مرحاض معطل ومليء بالغائط وإجبار الضحية على تناول بوله , أو وضعه في غرف مليئة بالحشرات القارصة بدون غطاء أو حتى ملابس تقيه شرها , وتركه في غرف مظلمة لا تدخلها أشعة الشمس أو ضياء النهار ورطبة لأشهر ودفع وجبات الطعام الشحيحة والرديئة والماء له من ثقب في باب حديدية موصدة دوما...الخ. ويعصب الجلادون في غالب الأحيان عيني الضحية لكي لا يتعرف عليهم , كما تطلق باتجاهه العديد من العيارات النارية من مسدسات وبنادق رشاشة الجلادين لإرعابه وإيهامه بأنهم ينوون قتله , ويقتل أحيانا حقا. ويمارس التعذيب النفسي , بما فيه مشاهد تعذيب الآخرين , يتواصل سوية مع التعذيب الجسدي. وغالبا ما يحتسي الجلاد الخمر فتزداد قسوته ويفقد أعصابه بسبب عجزه عن إسقاط الضحية رغم كل تلك العذابات فيغوص في وحل التعذيب أكثر فأكثر ويفقد كلية كل ذرة من إنسانية الإنسان التي ربما كان يحملها في لحظة من اللحظات. وتجلب أحيانا زوجة الضحية أو الزوج أو الابن أو البنت ويتم التعذيب أمامهم وربما حتى تعريته أو تعريتهم وممارسة الاعتداء الجنسي المهين على الضحية أو على أفراد عائلته , وهم ضحايا إضافية. ويطلق الجلادون مجموعة من سجناء الحق العام على الضحية في غرفة يجلب إليها خصيصا فيتناوبون في تعذيبه وضربه ضربا مبرحا لعدة ساعات , حيث يتكرر هذا المشهد لعدة أيام. ويمارس الضرب الشديد وبالأحذية على رقبة الإنسان بما يمكن أن يؤدي إلى إصابة الضحية بعطل في دماغه. وغالبا ما يطلب من الضحية أن يمشي على أربع ويمتطيه أحد الجلادين في حين يقوم جلاد آخر بضربه على قفاه لتسريع زحفه. ويطلب أحيانا من ضحايا أسقطها التعذيب الهمجي للقيام بضرب وتعذيب رفاقهم وأقرب الأصدقاء إليهم لتحطيم معنويات الاثنين وتخريب النفس. ومنذ سنوات عمد النظام وهو في قمة مصادرة حقوق الإنسان إلى فرض عقوبات قطع الأيدي أو الآذان أو الساق أو حتى جدع الأنف لتهم موجهة للمعتقلين. والكثير من هؤلاء هم من السياسيين الذين اتهموا بتهم الحق العام للإساءة إلى سمعتهم بين الناس. إنها جرائم يصعب على الإنسان ذكرها أو حتى الحديث عنها. لقد مات تحت التعذيب عدد كبير جدا من المواطنات والمواطنين العراقيين من مختلف الأعمار , ومن مختلف الأحزاب والمنظمات , ومن مختلف القوميات والأديان والطوائف. ومن خرج منهم سالما بقى يعاني من كابوس تلك العذابات سنوات طويلة , أو أصبح مقعدا ومشلولا , كما حصل لمجموعة من الضباط الشيوعيين العراقيين. وكذلك ما حصل لـ 32 من العسكريين الذين وجهت لهم تهمة الانتساب للحزب الشيوعي العراقي , فاعتقلوا وعذبوا لفترة طويلة وبشراسة منقطعة النظير ثم اعدموا جميعا في العام 1978. وجدير بالإشارة إلى أن عددا كبيرا من مواطني الدول العربية كانوا ضحية أجهزة الآمن والاستخبارات العراقية بسبب رفضهم مسايرة النظام أو المشاركة في الحروب التي خاضها العراق. جلب الكاتب والصحفي الألماني , المتخصص بمتابعة مناطق الأزمات الساخنة في العالم في كتابه الموسوم "صورة عن الحرب , أيامي في بغداد" الذي صدر في العام 2003 وفي أعقاب سقوط النظام , انتباه العالم إلى أن النظام البعثي الصدامي قد استخدم في عمليات التعذيب والقتل في معتقلاته مكينة عملاقة لتكسير وفرم أجسام المعتقلين حيث يرمى المعتقل وهو حي يرزق أو بعد أن يقتل تحت التعذيب في جوف الجهاز العملاق ليخرج لحماً وعظاماً مفروماً يقذف من الجهاز مباشرة إلى نهر نصبت عليه هذه الآلة الجهنمية داخل بناية المعتقل حيث تقتات عليها الأسماك هناك.
Fröhder , Christoph Maria. Ein Bild vom Krieg , Meine Tage in Bagdad. Taschenbuch. Hoffmann und Camp Verlag. Hamburg. 2003. (ISBN 3455094198). 

وتؤكد جميع المعطيات التي لدينا بأن المعتقلين والموقوفين والسجناء ومن حكم عليهم بالإعدام لم يشهدوا محاكمات حرة وديمقراطية , بل واجهوا محاكم شكلت خصيصا وأحكامها كانت قد قررت سلفا , حتى أن الكثير منهم صدرت الأحكام بحقهم وهم أموات , أو كانوا قد قضوا عشر سنوات أو يزيد في سجون النظام. تشير الفقرة الأولى من المادة 9 من البرتوكول الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية إلى ما يلي: "لكل فرد الحق في الحرية والسلامة الشخصية. ولا يجوز القبض على أحد أو إيقافه بشكل تعسفي. كما لا يجوز حرمان أحد من حريته على أساس من القانون وطبقا للإجراءات المقررة فيه"(الشرعة الدولية لحقوق الإنسان. مصدر سابق. ص 51). كما تؤكد الفقرات الأخرى إلى مجموعة من الضوابط في حالة الاعتقال , ومنها ضرورة تقديم المقبوض عليهم إلى محكمة تتسم بالشرعية. والبرتوكول الدولي لا يعترف بتلك القوانين التي تخالف هذه النصوص. وتعتبر مواد البرتوكول الدولي تطويرا مهما وتوسيعا ضروريا لما جاء من مبادئ أساسية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في ضوء التجارب التي عاشتها , أو لا تزال تمر بها حالة حقوق الإنسان في العالم (نفس المصدر السابق. ص 30). ولكن ماذا يجري في العراق عمليا في هذا المجال؟ المعلومات الغزيرة المتوفرة تشير إلى قيام أجهزة أمن النظام باعتقال من ترى ضرورة اعتقاله من السياسيين وغير السياسيين , أي من مختلف الأحزاب والكتل والجماعات السياسية ومن المستقلين المعارضين للنظام , ومن غير السياسيين مثل التجار والصيارفة وأصحاب الأعمال وذوي الشذوذ الجنسي والمتهمين بالتزوير والسرقة ...الخ , حتى دون قرار بإلقاء القبض عليهم أو قرار بالتوقيف صادر عن حاكم تحقيق. ويبقى هؤلاء المعتقلون أسابيع وأشهر وأحيانا سنوات دون محاكمات. وعندما كان يقدم البعض منهم إلى المحاكمة , فلا تكون إلا أمام محاكم خاصة يشكلها مجلس قيادة الثورة وتحكم وفق الإحكام التي يقررها صدام أو من يخوله بذلك , كما حصل بالنسبة إلى المتهمين من أهالي الدجيل بمحالة اغتيال صدام حسين حيث أعدم الحاكم بندر 148 شخصاً دون محاكمات فعلية وتحقيق شرعي. ويكون المتهم قد مرّ قبل ذاك بسلسلة من عمليات التعذيب وهدر الكرامة وربما أشرف على الموت. كما لا يتمتع المعتقل عمليا بحق توكيل المحامي للدفاع عنه. وتكلف تلك المحاكم بعض المحامين من مرتزقتها لالتزام مسؤولية الدفاع الشكلي عنهم. ومن يحكم عليه بالسجن يودع في أحد السجون الكثيرة التي أقيمت خلال العقدين المنصرمين حيث يفتقد السجين إلى كل مقومات الحياة الطبيعية ويواجه إرهابا يوميا وتعذيبا جسديا ونفسيا وتغذية سيئة إلى أبعد الحدود , وكانت تمنع عن السجين السياسي الزيارات والمواجهات الاعتيادية. ووفق المعلومات المتاحة فأن قسما من المعتقلين قد مرّ على حجزه ما يقرب ربع قرن دون أن يقدم إلى المحاكمة , وبعضهم تجاوز احتجازه أكثر من 15 سنة كما في حالة الدكتور صفاء الحافظ والدكتور صباح الدرة والسيدة عائدة ياسين وغيرهم الذين لقوا حتفهم على أيدي النظام وفي سجونه الوحشية.
ث‌.   وكانت أجهزة الأمن والاستخبارات الصدّامية تنظم عمليات اختطاف واسعة لمواطنات ومواطنين من بيوتهم أو من محلات عملهم أم من الشوارع. وقد سجل الفريق العامل للأمم المتحدة عدد المختفين المسجلين لديه ب 15781 حالة. وكانت المعلومات التي لدى المعارضة العراقية والتي يعرفها المواطنون العراقيون تشير إلى أن عمليات الخطف تزيد بمقدار الضعفين عن الرقم الذي المذكور , إذ أن غالبية العوائل كانت تخشى تسجيل حالة الخطف بسبب خشيتها من المطاردات والمضايقات والسجن.
إن هذه الوقائع تسمح بتسجيل الموضوعة التالية: كان القضاء العراقي في عهد صدام حسين لا يتمتع بأي قدر من الاستقلالية وكان خاضعاً خضوعا تاما ومطلقا لرئيس مجلس قيادة الثورة شخصيا , وبالتالي فقد كان القضاء عاجزاً عن تأمين أي رقابة على أجهزة الدولة , وأن هؤلاء الحكام في أغلبهم كانوا يمثلون تلك الجهات أساسا , أي أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية , وبعضهم لا يحمل حتى شهادة تخرج من كلية الحقوق أو كلية القانون والعلوم السياسية , بل هم من العاملين في الجيش والشرطة والأجهزة الخاصة التابعة للقصر الجمهوري. وإذا ما وجد حاكم يتمتع بشيء من النزاهة والرغبة في الحيادية , فهو لم يكن قادراً على ممارسة عمله أو كان الفرد مجبراً على مسايرة الوضع القائم خوفا حقيقياً على رأسه أو على عائلته , وكحد أدنى , على وظيفته وعيشته.       
ج‌.   وخلال فترة حكم البعث وجد عدد يتراوح بين 2.5-3.0 مليون إنسان عراقي في الشتات. والقسم الأكبر من هؤلاء الناس كانوا قد تركوا العراق لخمسة أسباب رئيسية هي: 
1.   الإرهاب الدموي الذي تعرضت له قوى المعارضة العراقية بعد مجيء حزب البعث إلى الحكم.
2.   التهجير القسري الذي تعرضت نسبة مهمة من بنات وأبناء الشعب العراقي باعتبارهم من أصل غير عراقي أو عربي , سواء أكانوا من الكُرد الفيليين أو من أصل عربي شيعي أو ممن قطن العراق من الفرس منذ قرون أو عقود , وربما كانوا في الأصل من العرب أيضاً من أجيال قديمة يعود منحدرها إلى فترة الحكم العباسي في العراق.
3.   الهاربون من حروب النظام المختلفة , سواء أكان الهروب خشية من التجنيد لحروب النظام أم خشية الموت تحت قذائف المتحاربين أم على أيدي جلاوزة البعث لأسباب شتى.
4.   الوضع الاقتصادي المتردي الذي تفاقم تدهوره وازداد حجم البطالة بين السكان القادرين على العمل.
5.   الهروب بسبب سياسات التمييز الشوفيني والديني والطائفي إزاء المواطنين وأساليب الأجهزة غير الأخلاقية والدنيئة في ملاحقة العائلات , وخاصة النساء من أديان أخرى.     
والجدير بالإشارة إلى أن المغتربين قسرا ولأسباب سياسية لم ينجوا من ملاحقات النظام والإساءة لهم بأشكال مختلفة , كما تعرض العديد منهم إلى الموت من جانب نشطاء الأمن العراقي في الخارج وخاصة في سنوات العقدين الثامن والتاسع.

   كاظم حبيب

507
كاظم حبيب
1 : إذا كان الكلام من ... فالسكوت من ذهب يا من لم تكن بهياً في فكرك وممارساتك!!

الطائفية سمٌ زعاف, ومن يمارسها وينادي بها ويروج لها بأي صيغة كانت يرش السم القاتل في مياه دجلة والفرات ليشرب منه البشر وينتهي يموت الكثير والكثير من البشر إلى أن تعود مياد الرافدين إلى نقاوتها السابقة وخالية من سم المسمومين في الوطن الجريح. ولكن الطائفيين ما أن يجدوا بداية جديدة لحالة الصفاء التي يطمح إليها الشعب ولو بالحدود الدنيا إلا ويبدأوا من جديد بنشر سمومهم القاتلة بصيغ وأساليب كثيرة بما فيها استخدام وسائل الإعلام.
هكذا كانت السنوات السبع المنصرمة مليئة بالسموم القاتلة للطائفيين من مختلف الأصناف, وعلى هذا المنوال مارست المليشيات الطائفية المسلحة التي كانت تمارس القتل على الهوية أو قتل أتباع الديانات الأخرى أو قتل ذوي الأفكار والسياسات والاجتهادات الأخرى. هكذا كانت ممارسات جيش المهدي وعصائب الحق وهيئة علماء المسلمين وجماعات أخرى غير قليلة إضافة إلى تنظيم القاعدة الإجرامي وجند الإسلام وميليشيات البعث المسلحة. ولكن الممارسات الطائفية المقرونة بالقتل والتفجيرات الانتحارية لم تقتصر على الأجنحة العسكرية لهذه القوى, بل كان السياسيون المرتبطون بقيادات تلك المليشيات المسلحة يمارسون دورهم الدنيء في تأجيج الصراعات بين المسلمين الشيعة والسنة من خلال التوغل بالتاريخ وقراءته قراءة خاطئة بتعمد وظالمة, إذ يراد منها تشديد الصراع والاستقطاب الطائفي للحصول على فرص إضافية للفوز بأصوات الناخبين من خلال تأجيج عواطفهم البدائية غير المتنورة وغير المستقرة على وعي سليم بتاريخ الإسلام والمسلمين وبتاريخ العلاقات بين الخلفاء الراشدين وسبل حل المشكلات التي كانت تجابههم حينذاك.
أحد هؤلاء الذين ينفثون السم اليومي, سواء أكان من على منبر البرلمان أم في القنوات الفضائية أم الإدلاء بتصريحات في الصحافة, هو بهاء الأعرجي. إنه رئيس اللجنة القانونية في مجلس النواب! فهل يمكن للإنسان العراقي أن يطمئن لحكمة وشفافية رجل يدين بالولاء للطائفية حتى النخاع, وينتمي إلى مجموعة طائفية ويشارك في ممارسة العنف ضد الآخر.
لقد كان على الحكومة العراقية وعلى القضاء العراقي وعلى مفوضية الانتخابات أن تنتبه إلى تصريحات ومقابلات وممارسات هذه الشخصية الصدرية القمعية لتقدمه إلى القضاء أولاً, وتحرمه من الترشيح للانتخابات ثانياً, لأنه يشارك باستمرار وإصرار في تأجيج الأحقاد والكراهية في صفوف الشعب العراقي والذي يرفضه الدستور العراقي الجديد ويعاقب عليه.
إن على مفوضية الانتخابات التي تتحدث عن الحيادية والاستقلالية أن تبرهن على استقلاليتها من خلال وضع اسم هذا المرشح عن الكتلة الصدرية في قائمة الممنوعين من الترشيح, إذ أن في ذلك سلامة للانتخابات وأجوائها أولاً, وإعطاء درس لمن تخوله نفسه بث الكراهية ونشر الأحقاد بين مواطنات ومواطني العراق.
     
2: أوقفوا نزيف الدم في الموصل, امنحوا المرشحين المسيحيين الحماية من القتل!
مرة أخرى يسيل الدم الزكي في الموصل, مرة أخرى يسقط شهداء أبرار من الكلدان والآشوريين والسريان, مرة أخرى تعجز الحكومة وأجهزتها العسكرية والأمنية عن توفير الحماية للمرشحين وللمسيحيين بشكل عام.
القتل لا يستهدف منع المسيحيين من الترشيح أو التصويت فحسب, بل يراد منه دفع المسيحيين إلى ترك الموصل والهجرة إلى بغداد أو إقليم كردستان أو إلى الخارج. إن نية وهدف هؤلاء الأوباش القتلة ومن يقف خلفهم هو تصفية الوجود المسيحي في الموصل. وعلينا أن نعمل على إفشال هذا المخطط الإجرامي الذي لا تقف وراءه جهة واحدة بل جهات متعددة. والسؤال هو: من المسؤول عن استمرار قتل المسيحيين؟ إنها الحكومة العراقية بشخص رئيسها, أنها وزارة الداخلية بشخص وزيرها, إنها وزارة الدفاع بشخص وزيرها وكذلك وزارة الأمن, إنها مسؤولية القوات المسلحة العراقية الموجودة في الموصل, إنها الشرطة والأمن العراقيين, أنه من مسؤولية مجلس محافظة الموصل ورئيس المجلس والمحافظ بالذات, إن هؤلاء جميعاً مسؤولون سياسياً ومعنوياً عن موت المسيحيين لأنهم لم يعملوا بما فيه الكفاية أبداً على توفير الحماية للمواطنين المسيحيين رغم معرفتهم بأنهم مستهدفون.
إن علينا جميعاً أن نزيد من الضغط المحلي والإقليمي والدولي على الحكومة العراقية التي توفر كل الحماية لها, ولكنها عاجزة عن توفيرها لمواطنيها. علينا أن نطالب الحكومة بتأمين الحماية للمسيحيين ولكل الناس الذين يتعرضون للإرهاب والقتل الفردي.
العزاء لعائلات الضحايا والذكر الطيب للشهداء والشفاء العاجل للجرحى.
18/2/2010                      كاظم حبيب     

508
كاظم حبيب
صوتي هو ضميري فإلى من يرشدني لأدلي به؟
منذ عشرات السنين حُرم العراقيات والعراقيون من أن يدلوا بأصواتهم في انتخابات شرعية وعادلة ونزيهة وأن يمنحونها لمن يستحق الحصول عليها ويعبر عن تطلعاتهم وطموحاتهم.
كان هذا في العهد الملكي حيث كانت الانتخابات تجري بصورة مشوهة ومزورة ومتجاوزة ديمقراطية الدستور, وحين نجح 12 مرشحاً من قوى المعارضة في الفوز بعضوية المجلس رغم التزوير الفظيع في انتخابات العام 1954, عمد نوري السعيد على حل المجلس النيابي وأتى بمجلس جديد مطلق التأييد له وللنخبة الحاكمة حيث كانت توزع المقاعد على أربع جهات: حصة البلاط الملكي, حصة السفارة البريطانية, حصة حزب الحكومة (الاتحاد الدستوري ورئيسه نوري السعيد) وحصة حزب الحكومة البديل (الأمة الاشتراكي ورئيسه صالح جبر). وكلا الحزبين كانا يتبادلان المواقع في الحكم أم خارجه.
ولم تجر بعد سقوط الملكية مهازل الانتخابات في العهود الجمهورية الثلاث. ولكنها بدأت من جديد في عهد الدكتاتور صدام حسين. وكان المجلس المشكل يتناغم ورغبات ومقاسات وأهداف صدام حسين, إذ كان المختارون لعضوية المجلس جميعاً دون استثناء ابتداءً من رئيس المجلس د. سعدون لولاح حمادي وانتهاءً بآخر عضوٍ فيه "إمعات" مطلقة لما يقوله ويريده صدام حسين, وكان خطر الموت يهدد أي ناخب يمكن أن يجرأ ويعطي ورقة بيضاء في التصويت على رئاسة الجمهوري الذي فرض على الشعب اختياره رئيساً مدى الحياة, بالرغم من إرادة الشعب.
ثم جرت في عراق ما بعد صدام حسين ثلاث جولات انتخابية, الأخيرة منها كانت لمجالس المحافظات, وها نحن أمام جولة رابعة لانتخابات عامة. برهن الشعب خلالها على تحدي الإرهاب والعنف وخطر الموت في كل لحظة. وكان في هذا شجاعاً حقاً. كما برهن في الجولة الأخيرة على وعي مناهض نسبياً للطائفية وموقف أكثر شكاً بقوى الإسلام السياسية, مما أجبر البعض على محاولة تغيير الهوية واسم القائمة التي ينضوون تحتها.
في كل هذه الجولات الانتخابية لعبت عوامل كثيرة دورها في الحد الكبير جداً من نزاهتها. ولكنها لم تكن كلها مزورة, ولكن ما كان مشوهاً هو الوعي الذي نشأ عبر سنوات حكم البعث وما بعده والفقر الذي كان يدفع البعض الكثير إما إلى الإرهاب وإما إلى بيع الصوت.
الكثير من العوامل غير السليمة لعبت دورها في تشويه الانتخابات منها مثلاً: تدخل الدين بقوة في السياسة على صورة مرجعيات مؤيدة ومؤازرة لهذه القائمة أو تلك, أو الطائفية السياسية التي تُميز بين أتباع الأديان والمذاهب وتدفع بالطائفية إلى الصراع والنزاع والاستقطاب داخل المجتمع وليس بين أعضاء الأحزاب الإسلامية السياسية فقط. ولعبت عوامل البطالة والفقر والحاجة دورها في كسب الناخبين لصالح القوائم التي كانت ولا تزال قادرة على الدفع المالي أو العيني أو الدفع زائداً القسم بعلي بن أبي طالب أو بالحسين بن علي أو بشكل خاص بالعباس أبو رأس الحار. ولكن لم يقصر أولئك الذين يجبرون على القسم بالإمام الأعظم أو بالشيخ عبد القادر الگيلاني. لقد كان زج الدين والأئمة والشيوخ الصالحين في المعارك الانتخابية إساءة كبيرة للحياة السياسية وللانتخابات في العراق, والتي لم تستخدم من قبل سياسيي العهد الملكي بأي حال.
اختلف التزوير في مناطق العراق المختلفة, وكان على أشده في مناطق الوسط والجنوب وبغداد, ولكن لم تخل منه كُردستان.
التزوير اتخذ ويتخذ صيغاً مختلفة بما في ذلك التفاوت في القدرة المالية في الصرف على الدعاية الانتخابية لهذه القائمة أو تلك, أو التدخل الخارجي الفظ والتمويل الخارجي, أو التهديد بالقتل والخشية من النتائج أو نقص الحماية ومخاطر الموت للمرشحين من خارج قوى الحكومة المتنفذة.
ومع ذلك لا يمكن أن تعزى خسارة القوى الديمقراطية العربية في تلك الانتخابات إلى التزوير إلا بنسبة ضئيلة, إذ إن السبب يعود إلى طبيعة قانون الانتخابات والثغرات الجدية التي يتضمنها والاختلال في القدرات المالية وفي المواقع الحكومية وفي الاستقطاب الطائفي, ومن ثم في بطء حركة القوى الديمقراطية في السنوات السابقة ولأسباب كثيرة, ومنها ما هو موضوعي ومنها ما هو ذاتي, وضعف عملها المشترك وتحالفاتها وعلاقتها بالمجتمع, إضافة إلى انحراف البعض نحو قوائم طائفية بحتة تغطي عليها من خلال كسب بعض الديمقراطيين إليها, ومن ثم التركة الثقيلة التي خلفها عهد الدكتاتورية على قدرات القوى الديمقراطية التي لاقت الأمرين على أيدي النظام المقبور, وبشكل خاص الحزب الشيوعي العراقي.
واليوم يواجه المجتمع جولة الانتخابات الجديدة ويواجه الكثير من القوائم الانتخابية المتحالفة والمتنافسة. ولكنها تواجه أيضاً ثغرات جدية في القانون, وتمايز شديد في القدرات التنافسية بين القوائم لصالح القوى الحاكمة والمتنفذة, والحماية الأمنية التي يمتلكها المتنفذون في جولاتهم الانتخابية بخلاف من لا يملك تلك الحماية ...الخ. تابعوا حماية رئيس الحكومة أو رئيس الائتلاف الوطني في حملتيهما الانتخابية, ثم تابعوا حماية الصديق العزيز حامد العاني (أبو حمادة) المرشح في قائمة اتحاد الشعب مثلاً فسوف لن تجوا إلا نفسه أو رئيس قائمة اتحاد الشعب أو أي مرشح من هذه القائمة أو السيد أياد جمال الدين كمرشح أو السيد ضياء الشكرجي كمرشح أيضاً وليس كعضو في قائمة وزير الداخلية, ستجدون الفارق الكبير في توفر الحماية, وبالتالي مخاطر الاعتداء عليهم من قبل القوى الإرهابية أو الطائفيين المعروفين بتطرفهم ورغبتهم في القتل على الهوية الفكرية أيضاً.
ومع ذلك لا بد من خوض الانتخابات, ولا بد من الكفاح ضد احتمالات ومحاولات التزوير والتدخل الديني أو التدخل الخارجي أو دور الحكومة في التأثير على وجهة الانتخابات.
إن القوى التي تطرح شعاراتها الوطنية والديمقراطية والمدنية في برامج سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية متماسكة من جهة, والتي لا تتبنى التمييز الديني والطائفي وترفض الهوية الطائفية وتتمسك بالهوية الوطنية والمواطنة المتساوية لكل بنات وأبناء العراق من جهة أخرى, قليلة جداً على صعيد العراق كله. وفي مقدمة هذه القوائم قائمة "اتحاد الشعب" التي لا تملك الكثير من الأموال ولا تملك الكثير من الحماية ولا تُعطى الكثير من الفرص للظهور على شاشات التلفزة ولا تملك جهاز دعاية ضخم مدفوع الرواتب, ولكنها تملك الثقة والإرادة الكافية لخوض الانتخابات ساعية إلى كسب ثقة الناخبات والناخبين الحرة والديمقراطية والحصول على أصواتهم, أصوات الذين يُحكًّمون ضمائرهم الحية ويفكرون أكثر من مرة لمن يفترض أن يعطوا أصواتهم التي لا تقدر بثمن.
هذه الانتخابات ليست مصيرية بطبيعة الحال وليست آخر المطاف, ولكنها مهمة جداً وخطوة مهمة على طريق طويل لضمان التقدم لهذا العراق بعيداً عن الطائفية والتمييز الديني والقومي والمذهبي وبعيداً عن الفساد المالي ومن أجل إنهاء الإرهاب الدموي وإنهاء الوجود الأجنبي في العراق.
إن البرنامج الذي تطرحه قائمة اتحاد الشعب كفيل من حيث المبدأ أن تتحد عليه قوى كثيرة يهمها مستقبل العراق الحر الديمقراطي والاتحادي, منها مثلاً التحالف الكردستاني أو التغيير أو الحزب الوطني الديمقراطي, إضافة إلى الحزب الوطني الديمقراطي الأول المؤتلف في قائمة اتحاد الشعب, أو مجموع الأستاذ ضياء الشكرچي أو مجموعة الدكتور كامل العضاض أو مجموعة ... مثلاً . ولكن للواقع المعقد في العراق أحكامه.
إن قائمة اتحاد الشعب تطرح برنامجاً وطنياً وديمقراطياً اتحادياً يشمل العراق كله ويدافع عن مصالح كل القوميات ومصالح الغالبية العظمى من الشعب العراقي. مصالح أغلب الفئات الاجتماعية ابتداءً من العمال ومروراً بالفلاحين والمثقفين والطلبة والكسبة والحرفيين وبقية فئات الكادحين والفقراء والمعوزين, إضافة إلى الفئات الاجتماعية التي يهمها تطور العراق الاقتصادي والاجتماعي, وخاصة التصنيع الحديثة وتحديث الزراعة والحد من إغراق الأسواق بالسلع الأجنبية ورفض اللبرالية الجديدة والعمل من أجل تنشيط جميع القطاعات الاقتصادية من حيث الملكية, الحكومي والخاص والمختلط. إن برنامج قائمة اتحاد الشعب برنامج وطني عام يصلح لهذا المرحلة ولسنوات قادمة.
أتمنى لهذه القائمة الحصول عل مزيد من الأصوات وإلى عدد جيد من الممثلين في المجلس النيابي الجديد لكي يستطيع أن يؤثر في الأحداث الجارية في العراق ولكي يستطيع أن يؤثر إيجابياً على القوانين التي تصدر عنه, فهو أقدم حزب في البلاد, ومن أكثر الأحزاب خبرة وتجربة, ومن أكثر الأحزاب العراقية التي قدمت خلال 76 سنة الضحايا الغالية والعزيزة على طريق الوصول إلى حرية العراق وسيادته ومستقبله الأفضل, وهو الحزب الذي لم تدنس سمعته أموال المال العام.
17/2/2010                        كاظم حبيب
   
     
 
   
     


509
كاظم حبيب
هل الدكتور بارق شبّر على حق في موقفه من اللبرالية الجديدة؟
الحلقة السادسة والأخيرة

جمعت الإدارة الأمريكية عدداً كبيراً من السياسيين العراقيين المرتبطين بأحزاب سياسية معارضة أو عناصر مستقلة بمستويات وخبرات متنوعة بهدف تأمين معلومات ضرورية للمسؤولين والقوات الأمريكية التي كانت تقود تحالفاّ دولياً لم يحض بتأييد مجلس الأمن الدولي لشن حرب ضد النظام الدكتاتوري في العراق وإسقاطه. ولو كانت المعارضة العراقية قادرة ذاتياً على تحقيق هذا الهدف لما حل هذا التدخل الدولي, إذ أن أساليب النظام الفاشي في مواجهة قوى المعارضة لم تترك أي مجال في تحقيق هذا الهدف بقواها الذاتية, فكان التدخل الخارجي. ومن هنا يمكن القول بأن الظرف الموضوعي لم يكن متطابقاً مع الظرف الذاتي حين أُسقطت الدكتاتورية في العراق في التاسع من نيسان/ابريل 2003.
قدمت مجموعة الخبراء التي بلغ عددها 132 شخصاً معلومات كثيرة وتقارير غنية عن سبل التعامل مع الظرف الجديد الذي سينشأ في أعقاب سقوط النظام. وأصبحت لديهم ملفات ضخمة في هذا الصدد وفي مختلف المجالات.
ولكن على عادة قادة الولايات المتحدة وكذلك أولئك الذين نسبوا للعمل في العراق لم يبدوا أي اهتمام بتلك التقارير ولم يكن هناك من هدف مباشر أمامهم غير إسقاط النظام وتحويل العراق إلى ساحة قتال ضد قوى القاعدة وقوى الإرهاب, إضافة إلى  الأهداف الأساسية الأخرى التي تقف وراء كل حرب من هذا النوع وفي منطقة الشرق الأوسط الغنية بخاماتها, وخاصة النفطية منها. ولكن ماذا بعد الإطاحة؟ ليكن الطوفان! وحصل الطوفان فعلاً!
كان بول بريمر يمثل الشخصية النموذجية الأسوأ بين المسؤولين الأمريكيين الذين أداروا دفة الحرب والعمل في العراق. لم يكن بريمر يعرف شيئاً عن العراق ولم يكلف نفسه مشقة قراءة تقارير الخبراء العراقيين, كما لم يبذل جهداً للاستفادة منهم في العراق, بل ضيق عليهم الخناق حتى تخلصوا منه أو تخلص منهم, وكان لرئيس هيئة إعمار العراق العراقي الدور المعلى في تقصير قامة هؤلاء الخبراء وفي هروبهم من العمل معه.
جاء بمريمر إلى العراق وهو جاهل بكل معنى الكلمة بتاريخ العراق وأحوال شعبه ومشكلات المجتمع التي تراكمت عبر عقود من الاستبداد الدموي وبعيداً تماً عن وعي طبيعة هذا الشعب, وكان رأسماله الأول والأخير أنه من الجماعة المؤمنة بالنيولبرالية ومن أتباع المحافظين الجدد في آن واحد, ومن المقربين للرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش. جاء معتقداً بضرورة ممارسة ما يلي:
1 . تدمير كامل لدولة البعث في العراق, دون أن يدرك دور الدولة وبعض مهماتها المشتركة في العراق, سواء أكانت بعثية أم غير بعثية. وكانت المصيبة أنه دمر جهاز الدولة العسكري والمدني وسمح للفوضى بالسيادة وللنهب والسلب بالسيطرة على الشارع.
2 . تدمير قطاع الدولة والدعوة للقطاع الخاص دون أن يعمل على توفير مستلزمات نهوض قطاع خاص فاعل ومؤثر وقادر على أخذ مهمات إعادة البناء والتنمية في البلاد.
3 . رفض عملية التنمية الاقتصادية ورفض التصنيع أو تطوير وتحديث القطاع الزراعي, بل ركز جل اهتمامه على قطاع التجارة الخارجية, أي تصدير النفط الخام واستيراد جميع أنواع السلع. إن تقسيم العمل الدولي الذي يؤمن به هو التصنيع والإنتاج عموماً يتم في الدول المتقدمة, والاستهلاك يتم في الدول النامية, إضافة إلى تصديرها للمواد الأولية دون استخدامها في التصنيع المحلي.
4 . وكان يسعى لأن تدير الولايات المتحدة الشؤون العراقية لأطول فترة ممكنة بعيداً عن القوى والأحزاب السياسة. وحين عجز بريمر عن تحقيق ذلك, أُجبر على تشكل مجلس الحكم الانتقالي. وحين أقام هذا المجلس أقامه شكله على النمط الذي تبناه للعراق, على أساس محاصصة دينية وطائفية وقومية. وكانت البداية للخراب الذي عم العراق في السنوات السبع المنصرمة.
5 . وخلال فترة حكمه المباشر كدكتاتور صغير ساعد بشكل مباشر أو غير مباشر على تعميق الفساد والإفساد الذي كان قائماً أساساً وعلى انتشاره في سائر أنحاء العراق وبين كبار المسؤولين عبر الشركات الأمريكية بشكل خاص والشركات الأجنبية القليلة الأخرى التي عملت مع الشركات الأمريكية في العراق. وخسر العراق عبر النهب والاستخدام السيئ مبالغ طائلة من الأموال العراقية والمساعدات الخارجية وكميات كبيرة جداً من النفط الخام.
6 . ولم يستطع العراق التقدم خطوات إلى أمام في مجال تأمين إعادة البناء أو إعادة  الخدمات أو تشغيل العاطلين عن العمل ومكافحة الفقر والبؤس والفاقة, حتى الإرهاب لم يستطع المساهمة في دحره.
هذه الوقائع يصعب على أي إنسان عاقل أن يشكك بها أو يتجاوزها في الحديث عن العراق في فترة حكم بريمر. وبعد حكمه واصل العراق مسيرته في مختلف المجالات وبشكل خاص في الموقف من الدولة ومن قطاع الدولة ومن الفساد المالي والإداري والمحاصصة الطائفية. كما تم تجميد المشاريع الصناعية التابعة  لقطاع الدولة بهدف خصخصتها عملياً, ودفع الدولة أجور العمال والموظفين في تلك المنشآت لأن الحكم لا يريد أن ينشأ في العراق قطاع دولة, رغم أهميته في المرحلة الراهنة  وضرورة وجوده.           
لم يكن هناك أي تصور عقلاني وإيجابي لبريمر في تنمية الاقتصاد والمجتمع. لقد تصور قادة الولايات المتحدة أن سقوط النظام وتدمير الدولة البعثية سيجلبان الحرية والديمقراطية ونشاط القطاع الخاص. ولكن عقليتهما لم تتسع لتدرك بأن سقوط النظام والدولة البعثية من جهة, ونشر الحرية والديمقراطية من جهة  أخرى لا يدخلان بعلاقة ميكانيكية, بل هي عملية معقدة ومركبة وطويلة الأمد, إذ لا يمكن تحقيق ذلك بالتصور والرغبات وبدون دولة مؤسسية تهيئ تدريجاً القاعدة المادية لسيادة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. كما أن الدولة هي القادرة ولفترة طويلة حقاً على النهوض بأعباء الكثير من العمليات الإنتاجية والخدمية دون أن يعيق ذلك بناء وتطوير القطاع الخاص من خلال تهيئة مستلزمات نهوضه.
إن تاريخ العراق القديم والوسيط والحديث أو المعاصر يؤكد بشكل قاطع أهمية الدولة ودورها وجملة من مهماتها, إضافة إلى قطاعها الاقتصادي في مجال اقتصاد النفط والعديد من المشاريع الصناعية والمشاريع الخدمية في المرحلة الراهنة وفي المستقبل أيضاً.
وأن نسيان ذلك يقود إلى عواقب وخيمة, تماماً كما حصل في فترة حكم بريمر, وكما هو الوضع الراهن الذي ه استمرار لفترة بريمر.
إن الخطوات التي قطعت في مواجهة نسبية للإرهاب والمليشيات الطائفية المسلحة وفي توفير إمكانية للشعب على التحرك والتمتع بحرية نسبية وعلى المشاركة بنقد الأوضاع القائمة والدعاية الانتخابية, على أهميتها, فإنها لا تزال مقيدة بالكثير من المسائل, بما فيها العمليات الإرهابية والاغتيالات الفردية, وقدرة الخارج على التدخل في الشأن العراقي وانسياب الأموال والأسلحة والمخدرات عبر جميع بوابات الحدود التي لا تزال غير محكمة.
لا تزال الحكومة العراقية في الوقت الحاضر تمارس سياسة بريمر في مجال الاقتصاد, إذ لا يزال التفكير المهيمن نيولبرالي, وخاصة في الموقف من دور الدولة وقطاعها الاقتصادي ووسبل التعامل مع مكونات الاقتصاد الكلي ومن التصنيع وتحديث الزراعة ومن إغراق الأسواق المحلية بالسلع الأجنبية التي تساهم اليوم في تدمير ما تبقى من إنتاج صناعي حرفي أو إنتاج زراعي, حتى لبن أربيل المشهور لم يعد قادراً على الصمود في المنافسة مع الألبان الإيرانية والتركية والسعودية والسورية وغيرها, ولم يعد يصل إلى بغداد لكي تعرِّف به وزارة الدفاع العراقية, كما في السابق.
نحن أمام حالة مماثلة لما كان يقول به طه الجزراوي ولكن بصيغة أخرى: "نحن نملك الأموال النفطية, ومن حقنا أن نستورد كل شيء, ولسنا بحاجة إلى تصنيع أي شيء".
أغلب الذين يقودون القطاع الصناعي في العراقي اليوم يتبنون الفكر النيولبرالي, وكل المصانع التابعة لقطاع الدولة مجمدة بأمل بيعها بأبخس الأثمان, ولكن مجلس النواب هو الذي أوقف هذا المشروع الذي أراده بريمر للعراق. لقد كانوا يريدون تحقيق الخصخصة التامة قبل الانتخابات القادمة, إذ من الممكن أن يأتي مجلس جديد يرفض الخصخصة الكاملة لمشاريع الدولة. إلا أن المنافسة الانتخابية الراهنة ساعدت على منع بيعها وبالطريقة التي أرادت ممارستها وزارة الصناعة العراقية واستعجلت في تقديم المشروع لمجلس النواب.
نحن أمام نهج غير سليم ومضر بالاقتصاد والمجتمع في العراق. ليس هناك من يقف ضد القطاع الخاص, بل لا بد من وجوده ومساهمته وتطويره, وليس هناك من يريد منع وصول رؤوس أموال أجنبية للعراق, ولكن كيف وبأي شروط ووفق أية معايير, ولكن هناك من يقف ضد قطاع الدولة وضد الدعم الحكومي للفقراء والمعوزين, بما فيها البطاقة التموينية.
العراق بحاجة إلى قطاع الدولة والقطاع المختلط, إضافة إلى القطاع الخاص. العراق بحاجة إلى الدعم الحكومي للفئات الفقيرة والمعوزة والبطاقة التموينية, ولكن ليس للجميع بل للفئات المحتاجة لهذه البطاقة وليس للأغنياء والمتخمين. هنا ينبغي التمييز بين المواطنين لصالح الفقراء والمحتاجين. وسيبقى دور الدولة قائماً ومطلوباً للمشاركة الفعالة في تنظيم الحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية. وفي هذا التقي مع الأخ الدكتور حيدر سعيد حين يقول:
"لقد كانت التجاربُ الأساسية للتحديث في المنطقة، من قبيل تجربة تركيا، هي من صناعة الدولة، غير أن العقل الأميركي لم يستطع أن يفهم منطق الدولة هذا والأهمية التي تحتلها في منطقتنا، ولم ير من فائدة وضرورة لها سوى أنها شرطي يواجه التطرف الإسلامي، وهو الذي جعل الولايات المتحدة تدعم الأنظمة القائمة في المنطقة، بعدما تبيّن لها أن إسقاط نظام صدّام قد أطلق نزعات أصولية نائمة.
لقد كان التفكير في الدولة في منطقتنا ينطلق من قدرتها على تمثيل المجتمع: هل هي تعبِّر عن أمة واحدة، أو مجتمع متعدد؟ نحن لا نفكر في الدولة، هنا، من حيث انها جهاز بيروقراطي (يبدو، للمفارقة، أن إصلاحه لن يتم إلا بضربة نيوليبرالية)، بل من حيث هي ناظم اجتماعي.
وهكذا، يبدو أن السنوات المقبلة ستكون عملا لإعادة إنتاج وبناء وترميم النزعة الدولتية."
(راجع: الدكتور حيدر سعيد. الدولتية وسؤال التحديث. مجلة الأسبوعية. العدد 109 بتاريخ 14م2/2010. بيروت).
ومن هنا جاء اختلافي مع ملاحظات الصديق الدكتور بارق شبر.
الدكتور بارق شبر يتبنى سياسة مقاربة من حيث المبدأ للسياسة التي مارستها ألمانيا الاتحادية, والتي تسمى باقتصاد السوق الاجتماعي. وهي سياسة منبثقة عن النيولبرالية, كما ذكرت في حلقة سابقة. ولكن العراق بحاجة إلى سياسة اقتصاد السوق الاجتماعي التي تتطلب مسائل أخرى غير التي مورست في ألمانيا, ومنها:
1.   تدخل الدولة في الشأن الاقتصادي وكناظم سياسي واجتماعي وثقافي غير مؤثر سلباً على حرية الفرد وحركته الفكرية, بل منشطاً لها ودافعاً للمبادرة والإبداع.
2.   العمل من أجل توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي وفق أسس عقلانية بين التراكم والاستهلاك, وكذلك بين الاستهلاك الفردي والاستهلاك الاجتماعي, وكذلك سبل توزيع الحصة الموجهة للتراكم, أي للاستثمار بين القطاعات الإنتاجية وتنشيط القطاعات الخدمية المرتبطة بالقطاعات الإنتاجية. 
3.   تنظيم السياسات المالية والنقدية باعتبارها الأداة التنفيذية للسياسة الاقتصادية والاجتماعية, وتنظيم سياسات الضريبة وفق أسس تصاعدية على الدخول المباشرة وتقليص الضرائب غير المباشرة على السلع والخدمات.
4.   مشاركة الدولة في العملية الاقتصادية من خلال قطاعها الاقتصادي, وكذلك تنشيط دور القطاع الخاص والقطاع المختلط ودعمهما ليساهما بالنهوض الاقتصادي العراقي.
5.   تأمين دور للدولة في التأثير على السياسة الاستثمارية والقروض والتسهيلات الائتمانية للمصارف العراقية بما يشجع على التصنيع وتحديث الزراعة وفرض الحماية للصناعة والزراعة الوطنية من خلال سياسات جمركية فعالة. إضافة على دعم تطوين وتطوير شركات التأمين وإعادة التأمين لتساهم بفعالية في دعم التنمية الاقتصادية وفهم دورها في مجمل العملية الاقتصادية.
6.   تأمين سياسة فعالة لمكافحة البطالة وتنظيم المساعدات الحكومية من جانب الدولة للعاطلين عن العمل والمحتاجين للمساعدة.       
7.   إصدار القوانين التي تحمي الفئات الاجتماعية المنتجة للخيرات المادية والفكرية من شدة استغلال رأس المال وسوء استخدام الثروة والضرائب التي يدفعها المنتجون وغالبية المستهلكين. ويشمل هذا تنظيم الحد الأدنى للأجور وتحديد ساعات وأيام العمل الأسبوعية والعطل والضمانات الصحية والشيخوخة ...الخ.
8.   تنشيط دور منظمات المجتمع المدني, بما فيها نقابات العمال والمستخدمين والموظفين...الخ, في الدفاع عن مصالح الأعضاء والمجتمع, كذلك دورها كرقيب على الحكومة وأجهزتها والسلطات الثلاث في الدولة والشركات العامة والخاصة في نشاطهم الاقتصادي والاجتماعي ...الخ.
إن هذه الاتجاهات وغيرها لا تلغي وجود الرأسمالية في البلاد وفي مرحلة التحول من علاقات متخلفة إلى علاقات إنتاجية أكثر تقدماً في مضمار التطور التاريخي للنظم الاجتماعية, ولكنها تسعى للحد من الجوانب السلبية الكبيرة في الاقتصاد الرأسمالي, سواء أكان على النطاق المحلي أم النطاقين الإقليمي والدولي.
16/2/2010                     كاظم حبيب                     



كاظم حبيب
هل الدكتور بارق شبّر على حق في موقفه من اللبرالية الجديدة؟
الحلقة السادسة والأخيرة

جمعت الإدارة الأمريكية عدداً كبيراً من السياسيين العراقيين المرتبطين بأحزاب سياسية معارضة أو مستقلين بمستويات وخبرات متنوعة بهدف تأمين معلومات ضرورية للمسؤولين والقوات الأمريكية التي كانت تقود تحالفاّ دولياً لم يحض بتأييد مجلس الأمن الدولي لشن الحرب ضد النظام الدكتاتوري في العراق وإسقاطه.
وقد قدمت هذه المجموعة التي بلغ عددها 132 شخصاً معلومات كثيرة وتقارير غنية عن سبل التعامل مع الظرف الجديد الذي سينشأ في أعقاب سقوط النظام. وأصبحت لديهم ملفات ضخمة في هذا الصدد.
ولكن على عادة قادة الولايات المتحدة وكذلك أولئك الذين نسبوا للعمل في العراق لم يبدوا أي اهتمام بتلك التقارير ولم يكن هناك من هدف مباشر غير إسقاط النظام وتحويل العراق إلى ساحة قتال ضد قوى القاعدة وقوى الإرهاب, ولكن ماذا بعد ذلك؟ ليكن الطوفان! وكان بول بريمر هو النموذج السيئ للمسؤولين الأمريكيين الذين اداروا دفة العمل(الحكم) في العراق. لم يكن يعرف شيئاً عن العراق ولم يكلف نفسه مشقة قراءة تقارير الخبراء العراقيين, كما لم يبذل جهداً للاستفادة منهم في العراق, بل ضيق عليهم الخناق حتى تخلصوا منه أو تخلص منهم. جاء بمريمر إلى العراق وهو جاهل بكل معنى الكلمة بتاريخ وأحوال ومشكلات وطبيعة شعب العراق كلية, وكان رأسماله الأول والأخير أنه من الجماعة المؤمنة بالنيولبرالية ومن أتباع المحافظين الجدد في آن واحد. جاء معتقداً بضرورة ممارسة ما يلي:
1 . تدمير كامل لدولة البعث في العراق, دون أن يدرك دور الدولة وبعض مهماتها المشتركة في العراق, سواء أكانت بعثية أم غير بعثية.
2 . تدمير قطاع الدولة لصالح القطاع الخاص دون أن تتوفر مستلزمات نهوض قطاع خاص فاعل ومؤثر وقادر على أخذ مهمات إعادة البناء والتنمية.
3 . رفض عملية التنمية الاقتصادية ورفض التصنيع أو تطوير وتحديث القطاع الزراعي, بل الاهتمام يجب ان ينصب من وجهة نظره لقطاع التجارة الخارجية, تصدير النفط الخام واستيراد جميع أنواع السلع. إن تقسيم العمل الدولي الذي يؤمن به هو التصنيع والإنتاج عموماً يتم في الدول المتقدمة والاستهلاك يتم في الدول النامية, إضافة على تصديرها للمواد الأولية دون استخدامها في التصنيع المحلي.
4 . أن تدير الولايات المتحدة أطول فترة ممكنة الشؤون العراقية بعيداً عن القوى السياسة. وحين عجز بريمر عن تحقيق ذلك, أجبر على تشكل مجلس الحكم الانتقالي, ولكن أقامه على النمط الذي تبناه للعراق, على أساس محاصصة دينية وطائفية وقومية.
5 . وخلال فترة حكمه المباشر كدكتاتور صغير ساعد بشكل مباشر أو غير مباشر على تعميق الفساد والإفساد الذي كان قائماً أساساً وعلى انتشاره عبر الشركات الأمريكية بشكل خاص والشركات الأجنبية القليلة التي عملت مع الأمريكية في العراق. وخسر العراق عبر النهب والاستخدام السيئ مبالغ طائلة من الأموال العراقية والمساعدات الخارجية وكميات كبيرة جداً من النفط الخام.
6 . ولم يستطع العراق التقدم خطوات إلى أمام في مجال تأمين إعادة البناء أو إعادة  الخدمات أو تشغيل العاطلين عن العمل ومكافحة الفقر والبؤس والفاقة, حتى الإرهاب لم يستطع المساهمة في دحره.
هذه الوقائع يصعب على أي إنسان عاقل أن يشكك بها أو يتجاوزها في الحديث عن العراق في فترة حكم بريمر. وبعد حكمه واصل العراق مسيرته في مختلف المجالات وبشكل خاص في الموقف من الدولة ومن قطاع الدولة ومن الفساد المالي والإداري والمحاصصة الطائفية. حت المشاريع الصناعية التابعة  لقطاع الدولة مجمدة عملياً وتدفع الدولة أجور العمال والموظفين لأن الحكم لا يريد أن ينشأ في العراق قطاع دولة, رغم أهميته في المرحلة الراهنة  وضرورة وجوده.           
لم يكن هناك أي تصور إيجابي في البناء في العراق. لقد تصور قادة الولايات المتحدة أن سقوط النظام وتدمير الدولة البعثية سيجلبان الحرية والديمقراطية ونشاط القطاع الخاص. إن سقوط النظام والدولة البعثية من جهة, والحرية والديمقراطية لا يدخلان بعلاقة ميكانيكية, بل هي عملية معقدة وطويلة الأمد ولا يمكن تحقيق ذلك بدون دولة مؤسسية تهيئ تدريجاً القاعدة  المادية لسيادة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. كما أن الدولة هي القادرة ولفترة طويلة حقاً النهوض بأعباء الكثير من العمليات الإنتاجية والخدمية دون أن يعيق ذلك بناء وتطور القطاع الخاص من خلال تهيئة مستلزمات نهوضه.
إن تاريخ العراق القديم والوسيط والحديث أو المعاصر يؤكد بشكل واضح أهمية الدولة ودورها وجملة من مهماتها, إضافة إلى قطاعها الاقتصادي في مجال اقتصاد النفط والعديد من المشاريع الصناعية والمشاريع الخدمية في المرحلة الراهنة وفي المستقبل أيضاً.
وأن نسيان ذلك يقود على(إلى) عواقب وخيمة, تماماً كما حصل في فترة حكم بريمر, وكما هو الوضع الراهن.
إن الخطوات التي قطعت في مواجهة نسبية للإرهاب وفي قدرة الشعب على حرية الحركة والكلام والدعاية الانتخابية, على أهميتها, لا تزال مقيدة بالكثير من المسائل, بما فيها العمليات الإرهابية والاغتيالات الفردية, وقدرة الخارج على التدخل في الشأن العراقي وانسياب الأموال والأسلحة والمخدرات عبر الحدود الشرقية والغربية والجنوبية.
إن الحكومة العراقية في الوقت الحاضر لا تزال تمارس سياسة بريمر في مجال الاقتصاد, لا يزال التفكير نيولبرالي, وخاصة في الموقف من دور الدولة وقطاعها الاقتصادي ومن التصنيع وتحديث الزراعة ومن إغراق الأسواق المحلية بالسلع الأجنبية التي تساهم اليوم في تدمير ما تبقى من إنتاج صناعي حرفي أو إنتاج زراعي, حتى لبن أربيل المشهور لم يعد قادراً على الصمود في المنافسة مع الألبان الإيرانية والتركية والسعودية والسورية وغيرها, ولم يعد يصل إلى بغداد لتعرف به وزارة الدفاع العراقية, كما في السابق.
نحن أمام حالة مماثلة لما كان يقول به طه الجزراوي ولكن بصيغة أخرى: نحن نملك الأموال ونستورد كل شيء ولا نحتاج إلى تصنيع أي شيء.
أغلب الذين يقودون القطاع الصناعي في العراقي اليوم يتبنون الفكر النيولبرالي, وكل المصانع التابعة لقطاع الدولة مجمدة بأمل بيعها بأبخس الأثمان, ولكن مجلس النواب هو الذي أوقف هذا المشروع الذي أراده بريمر للعراق. لقد كانا يريدون التخلص منه قبل الانتخابات القادمة, إذ من الممكن أن يأتي مجلس يرفض الخصخصة الكاملة لمشاريع الدولة. إلا أن المنافسة الانتخابية الراهنة ساعدت على منع بيعها وبالطريقة التي أرادت ممارستها وزارة الصناعة العراقية.
نحن أمام نهج غير سليم ومضر بالاقتصاد والمجتمع العراقي. ليس هناك من يقف ضد القطاع الخاص, بل لا بد منه ومن تطويره, وليس هناك من يريد منع وصول رؤوس أموال أجنبية للعراق, ولكن كيف وبأي شروط ووفق أية معايير, ولكن هناك من يقف ضد قطاع الدولة وضد الدعم الحكومي للفقراء والمعوزين, بما فيها البطاقة التموينية.
العراق بحاجة إلى قطاع الدولة والقطاع المختلط إضافة إلى القطاع الخاص. العراق بحاجة إلى الدعم الحكومي لفئات الفقيرة والمعوزة والبطاقة التموينية, ولكن ليس للجميع بل للفئات المحتاجة لهذه البطاقة وليس للأغنياء والمتخمين. هنا ينبغي التمييز بين المواطنين لصالح الفقراء والمحتاجين. وسيبقى دور الدولة قائماً ومطلوباً للمشاركة الفعالة في تنظيم الحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية. وفي هذا التقي مع الأخ الدكتور حيدر سعيد حين يقول:
"لقد كانت التجاربُ الأساسية للتحديث في المنطقة، من قبيل تجربة تركيا، هي من صناعة الدولة، غير أن العقل الأميركي لم يستطع أن يفهم منطق الدولة هذا والأهمية التي تحتلها في منطقتنا، ولم ير من فائدة وضرورة لها سوى أنها شرطي يواجه التطرف الإسلامي، وهو الذي جعل الولايات المتحدة تدعم الأنظمة القائمة في المنطقة، بعدما تبيّن لها أن إسقاط نظام صدّام قد أطلق نزعات أصولية نائمة.
لقد كان التفكير في الدولة في منطقتنا ينطلق من قدرتها على تمثيل المجتمع: هل هي تعبِّر عن أمة واحدة، أو مجتمع متعدد؟ نحن لا نفكر في الدولة، هنا، من حيث انها جهاز بيروقراطي (يبدو، للمفارقة، أن إصلاحه لن يتم إلا بضربة نيوليبرالية)، بل من حيث هي ناظم اجتماعي.
وهكذا، يبدو أن السنوات المقبلة ستكون عملا لإعادة إنتاج وبناء وترميم النزعة الدولتية."
(راجع: الدكتور حيدر سعيد. الدولتية وسؤال التحديث. مجلة الأسبوعية. العدد 109 بتاريخ 14م2/2010. بيروت).
ومن هنا جاء اختلافي مع ملاحظات الصديق الدكتور بارق شبر.
الدكتور بارق شبر يتبنى سياسة مقاربة من حيث المبدأ للسياسة التي مارستها ألمانيا الاتحادية, والتي تسمى باقتصاد السوق الاجتماعي. وهي مدرسة منبثقة من النيولبرالية, كما ذكرت في الحلقة الأولى من هذه السلسلة من المقالات. ولكن العراق بحاجة إلى سياسة اقتصاد السوق الاجتماعي التي تتطلب مسائل أخرى غير التي مورست في ألمانيا, ومنها:
1.   تدخل الدولة في الشأن الاقتصادي وكناظم سياسي واجتماعي وثقافي غير مؤثر سلباً على حرية الفرد وحركته الفكرية, بل منشطاً لها ودافعاً للمبادرة والإبداع.
2.   إصدار القوانين التي تحمي الفئات الاجتماعية المنتجة للخيرات المادية والفكرية من شدة الاستغلال وسوء استخدام الثروة والضرائب التي يدفعها المنتجون وغالبية المستهلكين. ويشمل هذا الحد الأدنى للأجور وساعات العمل والعطل والضمانات الصحية والشيخوخة ...الخ.
3.   المشاركة في العملية الاقتصادية من خلال قطاع الدولة وكذلك تنشيط دور القطاع الخاص ودعمه ليساهم بالنهوض الاقتصادي العراقي.
4.   تنظيم السياسات المالية والنقدية وتنظيم الضريبة التصاعدية على الدخول وتقليص الضرائب غير المباشرة على السلع والخدمات.
5.   تأمين دور للدولة في التأثير على السياسة الاستثمارية والقروض والتسهيلات الائتمانية للمصارف العراقية بما يشجع على التصنيع وتحديث الزراعة وفرض الحماية للصناعة والزراعة الوطنية من خلال سياسات جمركية فعالة. إضافة على دعم تطوين وتطوير شركات التأمين وإعادة التأمين لتساهم بفعالية في دعم التنمية الاقتصادية وفهم دورها في مجمل العملية الاقتصادية.
6.   تأمين سياسة فعالة لمكافحة البطالة وتنظيم المساعدات الحكومية من جانب الدولة للعاطلين عن العمل والمحتاجين للمساعدة.       
7.   تنشيط دور منظمات المجتمع المدني, بما فيها نقابات العمال والمستخدمين والموظفين...الخ, في الدفاع عن مصالح الأعضاء والمجتمع, كذلك دور الرقيب على الحكومة وأجهزتها والسلطات الثلاث في الدولة والشركات العامة والخاصة في نشاطهم الاقتصادي والاجتماعي ...الخ.
إن هذه الاتجاهات لا تلغي وجود الرأسمالية في البلاد وفي مرحلة التحول من علاقات متخلفة على علاقات إنتاجية أكثر تقدماً في مضمار التطور التاريخي للنظم الاجتماعية, ولكنها تسعى للحد من الجوانب السلبية الكبيرة في الاقتصاد الرأسمالي سواء على النطاق المحلي أم النطاق الإقليمي والدولي.
16/2/2010                     كاظم حبيب                     



510
كاظم حبيب
هل الدكتور بارق شبّر على حق في موقفه من اللبرالية الجديدة؟
الحلقة الخامسة
دولة البعث والاقتصاد العراقي
من المعروف أن السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة. فحزب البعث حين وصل إلى السلطة عمد إلى استكمال بناء دولة الرعب البعثية التي بدأ بها في العام 1963 وانقطعت لعدة سنوات عبر ذهنية القوى القومية الناصرية القلقة والمترددة بين الاستبداد واللبرالية,  بناء جمهورية الرعب السياسي والاجتماعي والثقافي, جمهورية الأيديولوجية القومية الشوفينية الواحدة, التي كانت ترفض بقسوة وغلو بقية الإيديولوجيات وتسعى إلى وأدها وتصفية أصحابها فكرياً وجسدياً, الدولة التي كان يقول حاكمها بعنجهية المستبد المطلق والظالم: "أن العراقيين بعثيون وأن لم ينتموا", شاءوا ذلك أم أبوا! وأن الدولة البعثية باقية وإلى الأبد!!
لقد مارس رأس النظام البعثي كل المجون والعهر السياسي والقهر في التعامل مع الإنسان العراقي ومع الأحزاب والأيديولوجيات الأخرى وسعى بكل السبل المتاحة لديه إلى ضربها وتصفيتها وإسقاط أو قتل المنتمين إلى الأيديولوجيات والأحزاب الأخرى, أياً كان الآخر ما دام غير بعثي بسلوك صدامي, أو غير ملتزم بصيغة ما بالولاء "للقائد الضرورة" و "القائد التاريخي للأمة العربية" , بل قام بقتل جمهرة كبيرة من البعثيين من رفاقه القادة لاختلاف في الرأي أو منافسة في المواقع أو خشية من أمر ما.
لقد سيطر حزب البعث على السلطة وسخر الدولة كلها بما فيها من أدوات قمع للإجهاز على الآخرين, واستثمر لهذا الغرض طاقات الدولة المالية الكبيرة المتأتية من قطاع النفط ألاستخراجي على نحو خاص, وبما فيها من أدوات حراسة له ولنظامه, إذ أن الدولة التي عرفناها حتى الآن كانت ولا تزال تمارس مهمتين : مهمة قمع معارضي النظام وحراسة من بيدهم الحكم.
حين استولى حزب البعث على السلطة السياسية عمد إلى اتخاذ كل الإجراءات الكفيلة بتأمين هيمنته الكاملة على الحياة الاقتصادية وعلى منتج الثروة في البلاد, على الإنسان, وعلى مصدر الثروة في العراق, النفط الخام. ومن أجل تحقيق ذلك عمد إلى مجموعة من السياسات الملموسة, منها في مجال بحثنا:
1.   توسيع جهاز الدولة بالمزيد من البشر, الناس الذين يعتمدون في عيشهم وتدبير أمور حياتهم اليومية ومصدر أجرهم أو راتبهم على الدولة مباشرة. مثل الجهاز الإداري, وأجهزة القوات المسلحة, بما فيها الجيش والشرطة والأمن الداخلي والخارجي والوكلاء والعيون الساهرة على مراقبة حركة الشعب وشرطة الحدود والأجهزة الخاصة.
2.   توسيع قاعدة نشاط قطاع الدولة الاقتصادي في مجال الإنتاج والخدمات ووضع قطاع النفط الخام بكامل ثروته وعوائده بيد هذه الدولة البعثية, والذي تم بقرارات التأميم في العام 1972.
3.   توسيع دور الدولة في الحياة الثقافية والخدمية بحيث تهيمن على القطاع التعليمي بكل مراحله وبصورة كاملة وعلى أجهزة الإعلام بشكل مطلق وكذلك على  مجرى الحياة الثقافية التي صبغت بلون وفكر حزب البعث إلى ابعد الحدود الممكنة, إلا من فلت منها بطريقة "كليلة ودمنة".
4.   تقليص دور ومكانة القطاع الخاص وجعله خاضعاً لجهاز الدولة البيروقراطي من خلال علاقاته الباطنية أو ما يمنحه من إمكانيات مقيدة برغبة الدولة, فهي التي تمنحه أو تمنع عنه ما تريد, وبالتالي فهو قطاع تابع لها وليس حراً بتصرفاته.
كان النظام ألصدامي انتقائي في تصرفاته وسلوكه الاقتصادي بما يخدم أغراض القائد الفرد. من هنا فأن الدولة البعثية التي نتحدث عنها لم تكن دولة تخضع لمعايير معينة غير معيار الاستبداد وممارسة القسوة والعنف إزاء الإنسان والمجتمع.
لقد أقامت دولة البعث قطاع دولة رأسمالي, ولكنه لم يعتمد على الربح في تسييره الذاتي, بل كان يعتمد على تحمل الدولة خسائر قطاعها الاقتصادي لأنها لم تكن بحاجة إلى أموال مشاريع الاقتصاد العراقي في ما عدا موارد النفط الخام التي تعاظمت منذ عملية التأميم وازدياد الطلب عليه وارتفاع أسعاره وبما أطلق عليها بالفورة النفطية.           
سعى البعث إلى تكوين قطاع دولة رأسمالي يكون في خدمة الدولة البعثية وأهدافها وليس في خدمة المجتمع وتطور الاقتصاد الوطني وزيادة معدلات نموه. لقد أبدت قيادة حزب البعث ومجلس قيادة الثورة اهتمامهما الأكبر بالهيمنة على قطاع الدولة وجعله أداة بيد الحكم من أجل:
1.   السيطرة على وجهة تطور قطاع الدولة الاقتصادي والتحكم بالمشاريع التي يقيمها والوجهة التي يتطور نحوها.
2.   السيطرة على قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة والمصارف وشركات التأمين, وبالتالي السيطرة على وجهة الاستثمارات ومن يحصل عليها وسبل استخدامها.
3.   التحكم بالبرجوازية الوطنية وفرض وجهة نظره علها.
4.   إخضاع المجتمع بأسره لإرادة قيادة الدولة ومصالحها والوجهة التي تسعى إليها.
5.   إخضاع جميع مكونات الدولة لها وجعل كافة السلطات بيد مجلس قيادة الثورة ومن  ثم بيد الفرد القائد. وهي دولة استبدادية ولا تقوم على  مؤسسات دستورية بل تنطلق من إرادة ورغبات القائد وممثلة له وليس للشعب.
لقد سادت في العراق في فترة حكم البعث بين 1968-2003 دولة فرضت على الشعب أن يستند إليها في عيشه, ولكنها لم توفر الحماية له, بل استخدمته في حروبها وأجزاء منه في تنفيذ سياساتها في الحروب الداخلية والقمع الداخلي, وكانت دولة الحروب والقمع والإبادة الجماعية وضد الإنسانية والمقابر الجماعية, فهي دولة استثنائية لا تندرج تحت باب من أبواب الدولة المعروفة, بل تمثل شكلاً من أشكال الفاشية السياسية.
لقد عارضت حركة وفعل القوانين الاقتصادية الموضوعية للرأسمالية, فتسببت بنشوء اختلالات استثنائية في الاقتصاد العراقي. كانت دولة ريعية, استهلاكية وبذخية متمردة على القيم الحضارية وعلى مصالح الإنسان العراقي, دولة عصابات منفلتة من عقالها لا قيم ولا معايير تسيّرها غير رغباتها الجامحة وأهدافها في الهيمنة والتوسع. 
في الفترة الأولى من حكم البعث حيث تعاظم المورد النفطي توجهت السياسة نحو تنمية سريعة لقطاع الدولة وإقامة مشاريع صناعية وزراعية وري واسعة, إضافة إلى التوسع في الخدمات, فكانت السياسة مزيجاً من اللبرالية المنفتحة والتوجيه الحكومي المرتبط بإرادة مجلس قيادة الثورة أو المسؤول عن الاقتصاد العراقي حينذاك, صدام حسين. فانتعشت الفئات المتوسطة العاملة في مجالات الصناعة والمقاولات والصناعات الصغيرة الحرفية وفي قطاع التجارة والعقار, إضافة إلى الأجهزة المتنفذة العاملة في قطاع الدولة وتلك التي كانت تتعامل مع الشركات الأجنبية, وازداد البذخ في إقرار إقامة المشاريع الجاهزة وتسليم المفتاح وازداد عدد دورات الدينار العراقي السنوية وتحسنت السيولة النقدية مع ارتفاع سريع وتضخمي في الأسعار. وأطلق على هذه الفترة النفطية المنتعشة بالفترة الذهبية لعصر البعث, وكان الدكتاتور الأرعن طه الجزراوي يخطب بصوت مرتفع ويقول : "لدينا الأموال, نريد الأحسن" متجاوزاً كل أجهزة التخطيط التي كانت تحاول إعداد خطط اقتصادية عقلانية ومعقولة.
كتب الصديق الدكتور جعفر عبد الغني معلقاً بملاحظات صائبة على ملاحظات الدكتور بارق شبر في ضوء تعليق الأخير على المقالة المختصرة للدكتور حيدر سعيد في موقع العالم, إذ كتب يقول فيها ما يلي:
"كنت قد أعددت دراسة تحليلية بعد الإحصاء العام لسنة 1975_1976 فقدت مسودتها مع الأسف الشديد يتبين من خلالها أن أكثر الفئات الاقتصادية استفادة في تلك الفترة كانت الطبقة الوسطى ليس من الموظفين بل من الصناعيين والمقاولين و التجار و الحرفيين. ففي الوقت الذي كانت استثمارات القطاع العام هي الطاغية كانت مؤسسات هذا القطاع تعاني من الخسارة المزدوجة أي كلفة رأس المال و كلفة الدعم المقدم للإنتاج و أن القيمة المضافة المتولدة في هذا القطاع لم تتعد أجور العاملين و حسب. أما القيمة المضافة المتولدة في القطاع الخاص فاغلبها الربح و اقلها الأجور, خطان متعاكسان تماما.
و لكن الحكم ألصدامي قضى على هذه الظاهرة في نهاية السبعينات عندما صادر مكتسبات هذه الطبقة و سلمها إلى وكلائه و مخبريه و أقاربه. هذه ملاحظة تصحيحية ربما تستحق الدراسة الجدية". (الرسالة محفوظة في أرشيفي, كز حبيب).
واتسعت في هذه الفترة ظاهرة الفساد المالي على نطاق واسع وفتحت الكثير من الحسابات في الخارج لتحويل العمولات إليها لعدد كبير من المسؤولين وكبار الموظفين المتعاملين في إقرار وتوقيع العقود مع الشركات الأجنبية. وسيطر صدام حسين نفسه على ألـ 5% حصة كولبنكيان في عوائد نفط العراق في أعقاب التأميم, إضافة إلى الأموال التي تسربت إلى القيادة القومية لحزب البعث والقوى المساندة لحزب البعث في الخارج من عرب وأجانب على  حساب خزينة الدولة ومصالح الشعب.
ولكن هذه الفترة تعطلت وتراجعت مع بدء حروب النظام وما اقترن بها من توقف للمشاريع الاقتصادية وتدمير البنية التحتية وخاصة في الحربين الأولى والثانية من حروب الخليج ثم غزو الكويت والحصار الاقتصادي.
ومع بدء تنفيذ قرار النفط مقابل الغذاء بحدود منتصف العقد الأخير من القرن العشرين, بل حتى قبلها, ازداد اعتماد المجتمع على أرزاق الدولة, على كوبوناتها وعلى عطاءات القائد المتسلط. لقد انهار سعر العملة العراقية وانقسم المجتمع إلى طبقتين: طبقة غنية صغيرة جداً هي الفئة الحاكمة والمحيطين بها, والفئة الأكبر الفقيرة التي أصبحت غير قادرة على العيش دون تلك الحصة التموينية. وهنا كانت الدولة شراً لا بد منه حقاً لتلك الغالبية العظمى من المجتمع. إذ لم يكن في مقدور البشر العيش دون تلك الحصة التموينية ودون دعم الأسعار, إذ كانت حالة المجتمع قد بلغت الحضيض حين سقط النظام تحت أقدام قوات الاحتلال الأمريكية البريطانية بشكل خاص وحيث صدر قرار مجلس الأمن الدولي باعتبار العراق دولة محتلة من قبل القوات الأمريكية والبريطانية.
وحين ازداد الجرح نزفاً في المجتمع والأوضاع المالية تدهوراً عمد صدام حسين إلى ممارسة خمس مسائل متناقضة مع أوضاع المجتمع والفقر المدقع لنسبة عالية منه:
1.   زيادة الصرف على احتفالاته بأعياد ميلاده السنوية والعطايا التي يمنحها والهدايا التي يستقبلها من المجتمع وهي مقطوعة من ميزانية مؤسسات قطاع الدولة والدوائر الحكومية.
2.   زيادة عدد قصوره الرئاسية وقصور حاشيته التي تميزت بالفخامة والبذخ الكبير.
3.   زيادة عطاءاته من كوبونات لقوى خارجية من أجل كسب ودها ومساندتها لحكمه.
4.   زيادة مصروفاته على التسلح والتجسس وخنق صوت المجتمع المعارض له.       
5.   زيادة المكاسب للأجهزة القريبة منه والحامية له بما يزيد من اعتمادهم عليه واعتبار مصيرهما مشترك.
من هنا يمكن أن نتبين بأن دولة صدام حسين لم تكن دولة للقانون بل دولة الفرد القائد وهو القانون. ومثل هذه الدولة البعثية لا يمكن أن توضع في خانة الدول اللبرالية أو النظم النيوليبرالية أو أي شكل أخر من النظم السياسية, ولكنها كانت في كل الأحوال تشكل جزءاً من نظام العلاقات الإنتاجية ما قبل الرأسمالية والرأسمالية الطفيلية والمتخلفة, إنها دولة عصابات شوفينية متمردة, دولة التجسس والبوليس, دولة الاستبداد الشرقي المستحدث بأساليب وأدوات قمعية حديثة. ولكن, في هذه الدولة الريعية, ازداد المجتمع اعتماداً على الدولة في الحصول على  جزءٍ أساسيٍ من عمله وقوت يومه, لقد كانت الدولة الشر التي لا بد منها, في حين أن الدولة بعمومها ليست الشر الذي لا بد منه , بل هي الناظم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي والبيئي الذي يمكن اعتماده بجوار المجتمع المدني الديمقراطي الحديث!
إن المحدد لطبيعة الدولة دستورها والقوانين التي توضع في ضوء الدستور والمؤسسات التي تنهض على أساسه, ومن ثم النظام السياسي الذي ينشأ في ضوء ذلك الدستور, وبتعبير أكثر قرباً للواقع وملموسية, في ضوء طبيعة القوى الطبقية التي تقود البلاد وترسم سياساته وتحدد المصالح التي تسعى إليها.
14/2/2010                   كاظم حبيب
انتهت الحلقة الخامسة وستليها الحلقة السادسة والأخيرة.

511
كاظم حبيب
خلوة مع النفس والتفكير بصوت مرتفع حول واقعنا الراهن في العراق
أتابع يومياً قراءة الكثير من المقالات والتصريحات والبيانات التي يشير أصحابها إلى أنهم ديمقراطيون أو علمانيون أو مدافعون عن حقوق الإنسان أو حقوق القوميات أو مناهضون لممارسة العنف ضد المرأة, وأنهم ضد التمييز الديني والطائفي وإلى جانب مبدأ الوطن والمواطنة المتساوية. ويسعد الإنسان أن يجد مثل هذا التوجه في أدبيات الكثير من القوى السياسية العراقية ويشعر بالارتياح من حيث وجهة ومضمون الخطاب السياسي الذي بات وكأنه المسيطر على ما ينشر في الصحف أو في بقية أجهزة الإعلام العراقية, إذ أمارسه أنا أيضاً مثل هذا الطرح في الكتابة اليومية. ولكن, حين أعود إلى ممارسات الكثير ممن هم في المحيط الذي أتحرك فيه أو ممن أعرفهم في العراق أو من التقيت بهم أو من أتابع نشاطاتهم وأفعالهم اليومية, ولا أعزل نفسي عن الكثير من هؤلاء, اشعر بخيبة مريرة, وأدرك عندها عمق الفجوة بين القول والفعل, بين الادعاء والممارسة. وكما قال فريدريك إنجلز فأن الممارسة لا تلتقي أو تتطابق مع النظرية, إذ تبقى الفجوة قائمة بينهما, ولكن ما نتابعه في العراق وفي تصرفات من يطرحون تلك المبادئ هي التي تهز كيان الإنسان وتسقط مصداقية الكثيرين ممن يدَّعون ذلك.
فالكثير ممن يتحدث عن الديمقراطية, يريدها له أو لحزبه لا غير, فهي ليست لغيره أو للأحزاب والقوى الأخرى, أو أنها أداة يستخدمها للوصول إلى هدف معين, أو إلى السلطة, ولكنها ليست فلسفة حياتية يخضع لها تصرفاته وتصرفات حزبه. وبالتالي فالديمقراطية هنا معطوبة تفقد مضمونها الأساسي, ويفقد من يمارسها مصداقيته بعد فترة وجيزة أمام أنظار المتابعين والجمهور.
والكثير ممن يدعي تبني العلمانية في الحديث, يشعر المتتبع أنه في الممارسة العملية لا يعنيها صدقاً ولا يلتزم بها بل يمارس عملياً سياسة مناهضة لها, فالعلماني يفترض أن يكون ديمقراطي الوجهة والعمل, يرفض التمييز بين الأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية غير الفاشية والعنصرية, ويرفض الطائفية المقيتة ويرفض ربط الدين بالدولة, إذ بعكس ذلك يقود البلاد إلى ويلات إضافية للمجتمع. ومن هنا نجد أن من يدعي العلمانية ويرفض التمييز الديني والطائفي, هو يرتبط بحزب مذهبي طائفي أو بائتلاف طائفي وينشر كل ما يصله من فكر طائفي مضاد لأتباع المذاهب الأخرى بذريعة أن حامل الكفر ليس بكافر!
والكثير ممن يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان, يتجاوز عليها يومياً بعلاقاته مع الآخرين وفي طريقة معالجته للمشكلات التي تثار يومياً أو يريد من الآخرين ممارستها, ولكنه يرفضها ولا يلتزم بها في تعامله مع أفراد عائلته أو مع أخته وزوجته وينتقص من حرية النساء في إطار عائلته, ولكنه يريد التمتع بكامل الحرية مع النساء الأخريات ... حقوق الإنسان له ولكن ليس لغيره عملياً.
الكثير ممن يدعي احترام وحب قوميته والاعتزاز بها, يتجاوز على حرية وحقوق القوميات الأخرى, ربما دون أن يعي ذلك, إذ أن ثقافته وحيدة جانب ولا تسمح له برؤية التناقض بين الموقفين. وفي حقيقة الأمر فإن من لا يحترم القوميات الأخرى, لا يمكن أن يحترم قوميته والعكس صحيح أيضاً. وفي عالمنا العربي الكثير والكثير جداً من هذه النماذج, وكذلك في صفوف أبناء القوميات الأخرى. فاحترام قومية الفرد يفترض أن تتكامل باحترام القوميات الأخرى والاعتراف بحقوقها وممارستها فعلاً.
وهناك من يروج ويدعو إلى الكف عن ممارسة العنف ضد المرأة, ولكنه يمارس ذلك في بيته مع زوجته أو أخته أو ابنته وبأساليب شتى. كما أن هناك نسوة يناضلن ضد ممارسة العنف ضد المرأة, ولكن يسمحن لأنفسهن بممارسة العنف ضد أزواجهن أو أخوتهن الصغار في الدار. وهي ظاهرة موجودة رغم أنها محدودة وليست شائعة كثيراً, كما في حالة العنف ضد المرأة. ولكن وجودها أصلاً يعبر عن وضع المرأة المعقد في بلد مثل العراق وشعورها الثأري الذي يبعدها من الناحية المبدئية عن موقفها المعلن في مكافحة العنف ضد المرأة.     
وهناك من يدعو نظرياً إلى ممارسة النقد والنقد الذاتي باعتباره أسلوباً ينير له الطريق, ولكنه في الممارسة العملية لا يستطيع تحمل النقد وتسود بعينيه الدنيا حين يقرأ نقداً موجهاً له أو لحزبه أو مجموعته السياسية. حين ينتقد كاتب ما الحكومة تقوم الدنيا ولا تقعد, وكأن الحكومة معصومة من الخطأ, وهكذا مع الكثير من الأحزاب والقوى السياسية والأفراد. وهي كارثة حقيقية, إذ بدون النقد لا تصلح الأمور في العراق.   
إن هذه الوقائع الحياتية تؤكد مجموعة من الاستنتاجات المهمة التي يفترض في كل منا التفكير بها جدياً وأن يسعى إلى التعرف عن أسبابها الكامنة في صلب تربيتنا وتقاليدنا وعاداتنا البالية التي لا تزال تحركنا بعكس الاتجاه الذي نتحدث فيه. هذه العلل وغيرها موجودة فينا بنسب متفاوتة, ومهما كانت ضعيفة في أي منا, فهي مؤذية للفرد وللمجتمع. كل منا بحاجة إلى خلوة ومكاشفة مع النفس, إلى الصراحة مع الذات, إلى ممارسة النقد الذاتي لكي نستطيع معالجتها, فمن لا يعترف بأخطائه وعيوبه لا يستطيع معالجتها ابتداءً. إن الحملات الانتخابية الراهنة تكشف عن هذه المشكلة بشكل ساطع, ولهذا علينا امتلاك الناظور القادر على مساعدتنا في التمييز بين القول والفعل, بين النظرية والممارسة, بين الادعاء والواقع. ويمكن الإشارة هنا إلى بعض الملاحظات:
1.   إن هذه المصطلحات المهمة, الديمقراطية, العلمانية, حقوق الإنسان ...الخ ليست فقط جديدة علينا حسب, بل هي ليست صبغة نلون بها أجسادنا فقط, إنها تجسد في مضمونها ثقافة, حضارة, وممارسة يومية في إطار مجتمع مدني ديمقراطي حديث, مجتمع تخلص من بقايا علاقات الإنتاج البالية ومن تقاليد والعادات القديمة...الخ.
2.   إن أسلوب تربيتنا والتعامل في ما بين أفراد العائلة الواحدة داخل البيت وفي المدرسة وفي محل العمل, وكذلك القيم التي تشبعنا بها منذ الصغر من جهة, وتلك القيم والمعايير الحضارية الحديثة من جهة أخرى, أوجدت فينا صراعاً وازدواجية شديدة وحركت التناقض في دواخلنا ولم ترس على أسس قويمة وثابتة حتى الآن وستأخذ وقتاً طويلاً لأنها عملية سيرورة وصيرورة معقدة وطويلة الأمد, إذ أنها تستوجب وجود مستلزمات تساعد على تكريس الجديد وإزالة القديم المترسخ. 
3.   إن النظم السياسية التي سادت في بلادنا منذ قرون كثيرة تميزت كلها دون استثناء كبير, وارتباطاً بطبيعة علاقات الإنتاج ومستوى تطور القوى المنتجة, والمستوى العام للوعي, بالفردية والاستبداد والقهر الاجتماعي والفكري للمجتمع من جانب النخب الحاكمة والقوى الاجتماعية التي تمثلها تلك النظم والنخب السياسية.
4.   ولا شك في أن أساليب ممارسة الأديان والمذاهب من جانب الغالبية العظمى من شيوخ الدين وترويجها في المجتمع كانت ولا تزال تساهم في تعميق تلك الازدواجية لأنها ضد الجديد من القيم الحضارية ومن المعايير الجديدة المرتبطة بتطور حضارة وثقافة الإنسان, ولأنها كانت ولا تزال تخشى على مواقعها ومنزلتها الاجتماعية ومصالحها الاقتصادية وتأثيرها على الفرد والمجتمع, ولأن الجديد يهز تلك القناعات ويضعف الإيمان والالتزام بها.
5.   إن من الصعوبة بمكان بل الاستحالة عملياً تحقيق التغيير في سلوك الفرد والمجتمع ما لم نعمل على تغيير الأرضية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي نقف عليها. إن تغيير تلك الأوضاع, مع ممارسة عملية تنوير ديني واجتماعي واسعتين, هي التي تسمح ببروز قوانين وقواعد عمل جديدة وأخلاقيات وسلوكيات فردية ومجتمعية جديدة, إضافة إلى وعي جديد يحفز على التغيير والتطوير والتفاعل.
6.    الإشكالية هنا لا ترتبط بفرد واحد أو مجموعة من الأفراد المثقفين, بل بالكتلة البشرية الكبيرة, بالمجتمع كله, بالنظام المؤسسي القائم, بعلاقات الإنتاج وبمستوى تطور القوى المنتجة وبدور الدولة ومؤسساتها ومنظمات المجتمع المدني, وباختصار بالبنية التحتية والبناء الفوقي. إنها العملية المديدة التي لا بد منها والتي سيصل إليها المجتمع العراقي بكل قومياته وفئاته الاجتماعية دون أدنى ريب, ولكن بعد حين...
13/2/2010                  كاظم حبيب
     

512
كاظم حبيب
هل الدكتور بارق شبّر على حق في موقفه من اللبرالية الجديدة؟
الحلقة الرابعة
دور الدولة في العراق  حتى انقلاب البعث الثاني

تأسست الدول العراقية الملكية في العام 1921, نشأت بعد انهيار الدولة العثمانية وبدء الاحتلال البريطاني للعراق في العام 1917, وفي أعقاب انتفاضة السليمانية 1919 ومن ثم  ثورة 1920, وهي نتاج مركب ومعقد من الذهنية التي سادت العراق في العهد العثماني والتحديث البريطاني للعراق الذي جاء به الاستعمار البريطاني وتجلى ذلك في الدستور الحديث الذي لم يتخلص من مسألتين: التأثير الفكري والسياسي  للعهد العثماني وطبيعة علاقات الإنتاج التي سادت العراق في تلك الفترة أولاً, والديمقراطية البريطانية التي جاء بها الحكم البريطاني للعراق ولكن قرمتها كثيراً الذهنية الاستعمارية البريطانية ذاتها وممارسات الحكومات العراقية المتعاقبة والسفير البريطاني في بغداد ثانياً.
كان يراد إقامة دولة مدنية تستند إلى الدستور والسماح لعلاقات رأسمالية تهيمن في مجال التجارة والعقار ولكنها لا تقترب من التصنيع وتحديث الزراعة وفي ظل "الإسلام" دين الدولة وقانون دعاوى العشائر العراقية بجوار الدستور الحديث. وكان يراد إقامة دولة وفق سمات حديثة مأخوذة من الدول البريطانية على أرضية فكرية إسلامية يلعب شيوخ الدين في المجتمع دوراً كبيراً وفي ظل استمرار وجود علاقات إنتاج متخلفة, أي أن الأرض لم تحرث لصالح الوطن والمواطنة, بل استمر ما كان يطلق عليه الأمة الإسلامية ورعايا الخلافة الإسلامية عملياً. لقد كانت ثورة العشرين تجسد صراعاً بين الطموح إلى بقاء الوضع على حاله خشية التغيير من جانب شيوخ الدين وفقدان مواقعهم الدينية والاجتماعية والسياسية ومواردهم الاقتصادية, وبين تطلع ذلك الجزء من المثقفين والتجار صوب التغيير وتحديث العراق وفق منظور خليط بين الوطنية والرؤية البريطانية الجديدة. 
 نشأت في ضوء ذلك علاقات رأسمالية مستوردة في قطاع التجارة وفق ذهنية لبرالية, ولكنها مقرمة ومحصورة في القطاع التجاري وفي صالح المصالح والهيمنة الاستعمارية البريطانية على العراق. وبجوار الدستور المدني أقر قانون دعاوى العشائر وعملا جنباً لجنب في حياة المجتمع العراقي في الريف والمدينة. وبمرور الزمن اتسع النشاط اللبرالي للدولة العراقية بفضل نضال قوى المعارضة الديمقراطية من أجل التصنع وتطوير الزراعة ومعالجة مشكلات الأرض ومن أجل قطاع اقتصادي بيد الدولة وبناء جهاز كبير يمسك بزمام الأمور لصالح النظام السياسي القائم. لا بد لنا أن نلاحظ هنا بأن السلطات البريطانية كانت تسعى إلى بناء دولة سياسية الذي يحتاج بدوره إلى شعب أو أمة, وبين الممارسة العملية المناهضة لمفهوم الدولة وبناء الأمة الذي يفترض أن يجد له أساساً اقتصادياً واجتماعيا وكسر مفهوم الرعية بالمواطنة, هذا التناقض أعاق عملياً تسريع عملية بناء الوطن والمواطنة لحساب الإحساس بالأمة الإسلامية والرعايا. ومن هنا كان دور الدولة مطلوباً, ولكنه معطلاً لدوره في تكون فكر وثقافة الوطن والمواطنة.
 وبعد إنهاء الانتداب المباشر ودخول العراق عصبة الأمم الذي سبقته الموافقة على عقد امتياز استخراج وتسويق النفط العراقي مع الشركات البترولية الأجنبية العملاقة وبدء تدفق موارد مالية من النفط الخام إلى الحكومة العراقية تزامن ذلك مع نهاية الأزمة العامة التي شملت العالم كله وبدء تطبيق نظرية كينز في السياسات الاقتصادية الغربية. ولذلك وجد ذلك تعبيره في السياسة الاقتصادية العراقية حين بدأت الدولة  بوضع برامج اقتصادية لعدة سنوات, ثم بدأ الضغط عليها للتصنيع, صدر قانون حماية الصناعة  في العام 1929 مثلاً, وفعّل لاحقاً ونشط دور الدولة وفيما بعد, وخاصة في أعقاب الحرب العالمية الأولى, دفع الدولة بإقامة مشاريع صناعية كما في صناعة الاسمنت مثلاً. 
وأمكن في ظل انتعاش الكينزية أن توافق الحكومة العراقية على مشاريع صناعية لصالح قطاع الدولة, وخاصة مع المناصفة في عوائد استخراج وتصدير النفط الخام العراقي مع شركات النفط الاحتكارية الأجنبية ونشوء مجلس الإعمار ومن ثم وزارة الإعمار. فالدولة العراقية كانت قد بدأت بإرساء أسس أولية لدولة مدنية مؤسساتية قائمة على منهج لبرالي, ولكنها في الممارسة العملية كانت الحكومة ذاتها تنتقص من هذه الدولة في مجالات السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية والمجتمع المدني.
لقد أخذ النظام الملكي من تاريخ العراق في العهود القديمة بعد تشكيل الدولة المركزية,أي بعد توحيد دويلات المدن القبلية, ومن العهود الأموية والعباسية والعثمانية, بعض مهمات الدولة الشرقية وسمات النمط الآسيوي المركزي, إذ كانت طبيعة النظم وواقع المنطقة الجغرافي والمناخي قد فرضا قيام الدولة بمجموعة من المهمات ذات الطابع السياسي والاقتصادي والاجتماعي, ولكنها أخذت في الوقت نفسه من المدنية والدولة الحديثة بعض ملامحها.
لقد مارست الدولة العراقية الملكية مجموعة من المهمات الخدمية بعد انتهاء الانتداب وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية, ومنها خدمات التعليم والصحة والنقل العام (السكك الحديد والطيران ومن ثم حافلات نقل الركاب في بغداد, وكذلك الري والبزل, كما شيدت جهازاً كبيراً جداً تابعاً للدولة ويعتمد في تدبير لقمة عيشه على الحكومة, وأصبحت الدراسة متجهة بالأساس صوب تكوين موظفين للدولة, رغم التحسن النسبي الذي طرأ في الخمسينات على وجهة التعليم والتخصص والتعليم المهني.     
حين سقط النظام الملكي في العراق لم تكن البلاد قد استطاعت تكريس الحياة الدستورية والديمقراطية المؤسساتية, رغم وجود المؤسسات, كما لم تستطع تعزيز وتكريس النهج اللبرالي في الاقتصاد, إذ أن العلاقات الإنتاجية الرأسمالية لم تكن هي السائدة, بل كانت إلى ذلك الحين تترافق مع وجود العلاقات الإنتاجية شبة الإقطاعية في الريف وأحياناً وجود العلاقات الأبوية القديمة في الريف والمستندة إلى العلاقات العشائرية ذات المضمون الأبوي. كما أن البرجوازية الوطنية, وخاصة الصناعية, لم تستطع احتلال موقع مهم في الاقتصاد العراقي, إذ أن القطاع العام كان أقوى من القطاع الخاص في قطاعات مختلفة من الصناعة العراقية بفضل نشاط مجلس ووزارة الإعمار والمشاريع الصناعية المهمة نشأت في الفترة بين 1951/1952 حتى سقوط الملكية في العام 1952, إضافة إلى وجود قطاع صناعي مختلط اهتم بتكوينه المصرف الصناعي العراقي.
بعد سقوط الملكية في انتفاضة الجيش وسعي الشعب إلى تحويلها إلى ثورة بأمل أن تجري تغييراً في علاقات الإنتاج وتطلق العنان لتطور القوى المنتجة المادية والبشرية وتطلق الحريات الديمقراطية وتعزز الهوية الوطنية العراقية والمواطنة العراقية. وكانت فرصة ثمينة لتحقيق الدولة المدنية القائمة على المؤسسات التي تستند إلى دستور ديمقراطي وحياة مدنية ديمقراطية وحياة اقتصادية جديدة تهشم علاقات الإنتاج القديمة عبر تنفيذ صارم لقانون الإصلاح الزراعي وبناء علاقات إنتاجية رأسمالية على أنقاضها وتدفع بالبلاد على طريق التطور الرأسمالي الذي يفرضه واقع العراق حينذاك. وكان هذا التوجه مقروناً بثلاث سمات ميزت العراق على امتداد قرون طويلة مع ملامح حديثة لبعض تلك السمات, وأعني بها ما يلي:
1.   اعتماد المجتمع على الشخصية الكارزمية, على الشخصية الحكومية التي تقف على رأس الدولة, المنقذ من أوضاع المجتمع البائسة وغير الديمقراطية, ونجده شاخصاً في حياة القبيلة وفي دور الخليفة أو السلطان أو الوالي, كما نجده في الميثولوجيا الشعبية وبصور شتى ابتداء من العراق القديم إلى الوقت الحاضر. وقد برزت بشكل صارخ في فترة حكم عبد الكريم قاسم, حيث ارتفع الصوت الصارخ: ماكو زعيم إلا كريم, وعاش الزعيم الأوحد, وأصبح لفترة غير قصيرة معبود الملايين, بل هو لا يزال كذلك. وهو مأخوذ إلى حد ما من الهتاف المعروف لدى الكثير من الشيعة: ماكو ولي إلا علي ونريد حكم جعفري!!   
2.   اعتماد المجتمع على حكومة مركزية لتأمين جملة من القضايا التي كانت مسؤولة عنها في السابق أيضاً, ومنها الري والبزل والخدمات الاجتماعية والتوظيف في جهاز الدولة والاعتماد عليها في الحصول على الرواتب والأجور.
3.   الدعوة إلى إقامة قطاع عام تديره الدول ذاتها, إلى جانب الدعوة لإنعاش نشاط القطاع الخاص. وهذه المسألة ترتبط بالتوظيف في جهاز الدولة الاقتصادي من جهة, وبالرؤية الحديثة لدور قطاع الدولة في توفير سلع وخدمات رخيصة للسكان وغالبيتهم تعاني من التخلف والفقر والبطالة والتي لم تعارضها النظرية الكينزية بل ساندتها حتى في المستعمرات أو الدول التابعة أو المستقلة حديثاً.
في هذه الفترة بدأ جهاز الحكم بالتضخم, وكذلك قطاع الدولة الاقتصادي وتفاقم دور البيروقراطية في حياة المجتمع. وعجز النظام الجديد عن حل المعضلات الأساسية التي واجهت المجتمع: ومنها وضع دستور ديمقراطي للبلاد, بناء حياة ديمقراطية ومؤسسات دستورية, الفصل بين السلطات الثلاث, تطبيق قانون الإصلاح الزراعي, تراجع المجتمع المدني وتنامي ممارسة القوة والعنف في المجتمع وعجز عن حل مشاكل القوميات في العراق, كما سادت الفردية في الحكم وفي اتخاذ القرارات بما فيها تلك التي تمس مصير المجتمع والدولة, ومنها الحرب في كردستان والمطالبة بالكويت على سبيل المثال لا الحصر. لم يكن المجتمع بمستواه الفكري والاجتماعي أو الثقافي العام قادراً على الدفع بالاتجاه الصحيح, بل بحكم تربيته وأسلوب تفكيره قد ساهم في دفع عبد الكريم قاسم إلى تكريس حكمه الفردي والذي انتهى إلى  النتيجة المعروفة.
لقد أخذت الدولة باللبرالية الكينزية إلى حدود بعيدة, رغم أنها لم تكن واضحة لمن مارسها في العراق, ولكنها كانت ضعيفة التطور ومتخلفة. وأعني بذلك الدمج بين الاعتماد على الدولة تنشيط القطاع الخاص لمعالجة مشكلة البطالة والتشغيل ومنح الفئات الاجتماعية الأكثر فقراً بعض المعونات التي تساعد على تحسين ظروف حياتهم, إضافة إلى مشاركة الدولة في الخدمات الاجتماعية, ومنها الحياة الصحية والتعليمية والحياة الثقافية ..الخ.
لم يتسن لهذا الاتجاه أن يستقر فقد سقط بانقلاب نفذه البعثيون وسانده بعض الدول الكبرى على الصعيد العالمي والجمهورية العربية المتحدة والسعودية والأردن وتركيا وإيران على صعيد المنطقة.
والنظام الجديد في الجمهورية الثانية كان نظاماً شمولياً فاشياً في ممارساته السياسية والاجتماعية وفي ساديته ونرجسية قادته وبؤس ثقافتهم وغياب وعيهم الوطني واعتماد موقف عروبي يميني وشوفيني متخلف بعيداً كل البعد عن المدنية وعن اللبرالية بمفهومها الاقتصادي والاجتماعي, وعن مفهوم الوطن والمواطنة المتساوية, إذ سادت الفوضى وعم الفساد والقتل بالجملة والحرب في كردستان وغياب دور الدولة المؤسسية.
لم يعرف في العراق في هذه المرحلة دولة مدنية مؤسساتية, بل كانت عصابات منفلتة من عقالها سيطرت على الحكم بالقوة, ولكنها سرعان ما سقطت تحت حراب حلفاء الأمس.
برز في فترة حكم الأخوين عارف اتجاه نحو تخفيف الضغط على المجتمع والاعتماد بقدر ما على القوى القومية اليمنية التكنوقراطية ذات الانتماء القومي الناصري. فسعت إلى توسع جهاز الدولة السياسي والإداري والاقتصادي والخدمي وإلى محاولة امتصاص الكثير من العاطلين من الخريجين فيه, كما عمدت إلى الاعتماد على قطاع الدولة الرأسمالي, وإهمال نسبي للقطاع الخاص في حقول الإنتاج والنشاطات الاقتصادية الإنتاجية والخدمية, ولكنها تركت له المجال في المقاولات والمضاربة بالعقارات. كان التركيز على قطاع الدولة قد انطلق من محاولة التماثل والوحدة مع مصر, إضافة إلى اعتماد سياسة تقليم أظافر البرجوازية الصناعية, التي رفضت حكمها وطالبتها بدستور دائم وإقامة دولة مؤسسية حرة والفصل بين السلطات, بتأميم مشاريعها الاقتصادية في المصارف والصناعة والتجارة والتأمين. ولم يكن للدولة أي وجهة مدنية عقلانية, بل كانت دولة استبدادية قائمة على حكم الفرد ووفق أسس قومية عروبية وأسس طائفية بغيضة عجزت عن تحقيق أي مهمة سياسية أو اقتصادية أو حل مشكلات اجتماعية, ولكنها كانت أقل شراسة في القتل والسجن والتعذيب من سابقتها. عطلت تنفيذ قانون الإصلاح الزراعي وغيرت من محتواه في غير صالح التقدم في الزراعة والريف وسعت إلى تنشيط قطاع النفط الخام ولكنها عجزت عن عقد اتفاقيات مناسبة لصالح الاقتصاد العراقي واستفادت من موارد النفط الخام المصدر لأغراضها الاستهلاكية والعسكرية وحربها المتقطع ضد حركة التحرر الكردية وفرطت في تلك الموارد ولم تنفذ إلا القليل من برامج التنمية الاقتصادية التي وضعتها خلال الفترة 1963-1968.
لقد كانت دولة انتقائية وحكم قائم على الانتقاء في السلوك السياسي والاقتصادي والاجتماعي دون أي فلسفة في الحكم أو منهج يضيء لها الطريق فتعثرت كثيراً رغم الانفتاح السياسي النسبي في نهاية حكم عبد الرحمن محمد عارف الذي تسلم الحكم بعد موت أخيه عبد السلام محمد عارف في حادث طائرة في سماء جنوب العراق. لقد سقط النظام الذي انتشر فيه الفساد ودور المضاربة بالعقار والاغتناء على حساب سرقة قطاع الدولة ونهبه من الباطن والاستيراد المفتوح لمن يبني الجوامع والمساجد في العراق, وخاصة من البطانة والمحيطين بالنخبة العسكرية الحاكمة, كما لعب العسكريون والمتقاعدون منهم على نحو خاص دوراً مهماً في الحصول على إجازات استيراد وبيعها لآخرين وفق عمولة, إذ أصبحت باباً رحباً ومفتوحاً للاغتناء على حساب الشعب ومالية الدولة. سقط هذا النظام ومعه الجمهورية الثالثة تحت وطأة ضعفها والتآمر من داخل الحكم والقصر على النخبة القومية اليمينية والشوفينية الحاكمة. وبدأت الجمهورية الرابعة, جمهورية الرعب, على حد التعبير الدقيق للدكتور كنعان مكية. وخلال حكم الأخوين عارف ازداد دور الدولة وازداد الاعتماد عليها, وادعى العاملون في هذه الدولة أنهم يسعون إلى بناء الاشتراكية العربية, وهي في الحقيقة لم تكن سوى لبرالية كينزية مشوهة وانتقائية وثأرية في الممارسة,
ولا بد من الإشارة إلى أن ما تحقق في ظل النظام الملكي من خطوات على طريق التمدن وبناء الدولة المدنية قد انقطع, وكان المفروض أن تواصله ثورة تموز 1958, إلا أنها عجزت عن ذلك بفعل عوامل داخلية وخارجية, مما فسح المجال لتراجع عما تحقق من خطوات على طريق تمدن الدولة والمجتمع وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية والقائمة على الدستور والتقاليد المؤسساتية حتى نهاية حكم العارفين, فماذا حصل لدور الدولة في ظل حكم حزب البعث والطاغيتين أحمد حسن البكر وصدام حسين, وما هي طبيعة النهج الاقتصادي الذي مورس في هذه الدولة الاستبدادية المشوهة, هذا ما سأحاول التعرض له في الحلقة الخامسة.   
انتهت الحلقة الرابعة وتليها الحلقة الخامسة
11/2/2010                      كاظم حبيب


               







513
كاظم حبيب
في الذكرى ألـ 31 للثورة الشعبية المسروقة في إيران
هل ستكون لعبة القط والفار نهاية الدكتاتورية والدكتاتور الصغير احمدي نجاد؟
منذ سنوات والدكتاتور الصغير في إيران يراوغ ويتحايل على المجتمع الدولي ويتلاعب بالألفاظ والتصريحات المتناقضة وينفذ ما يأتيه من توزع للأدوار بين المرشد الأعلى وبينه, بين وزير الخارجية ورئيس مجلس النواب وبين صالحي المسؤول عن الملف النووي في إيران, أحدهم يرفع والآخر يكبس, أحدهم يهدد والآخر يخفف من وطأة التهديد. ولكن الهدف منذ البدء كان ولا يزال واضحاً, كما كانت الأدوات والوسائل واضحة تماماً لكل ذي بصر وبصيرة.
الهدف: إنتاج السلاح النووي.
الوسائل والأدوات: عديدة ومهمة وذات أثر فعال في الواقع الدولي والإقليمي والإيراني الراهن, ومنها:
1 . اللعب على الصراع بين روسيا والصين إذ أن للدولتين النوويتين مصالح "حيوية" مهمة في إيران من جهة, وبين الولايات المتحدة الأمريكية التي هي الأخرى لها مصالح في منطقة الشرق الأوسط من جهة أخرى, كما يجري اللعب على دور دول الاتحاد الأوروبي التي كانت ولا تزال تتحرك قلقة حائرة بين الموقفين من جهة ثالثة, إذ أنها أضاعت الكثير من مصالحها "الحيوية" في إيران والمنطقة لصالح الولايات المتحدة وروسيا والصين.
2 . المتاجرة بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي من أجل فرض نوع من الحيادية أو حتى ميل لصالح إيران في الموقف من إنتاج السلاح النووي لدى الشعوب العربية والحيرة والقلق لدى حكومات الدول العربية. وأخر تصريح للمرشد الإيراني علي خامنئي أكد مالي كما جاء الخبر على موقع بحزاني: "طهران - أعلن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران آية الله علي خامنئي إن تدمير إسرائيل "وشيك"، ودعا إلى مواصلة "المقاومة" ضد الدولة العبرية وقال خامنئي أمام الأمين العام للجهاد الإسلامي رمضان شلح "أنا متفائل جدا بالنسبة إلى مستقبل فلسطين، واعتقد إن إسرائيل باتت على الهاوية"، بحسب ما نقلت وسائل الإعلام الإيرانية"!! (أخذ المقتطف بتاريخ 10/2/2010 من موقع بحزاني الإلكتروني).
3 . الاستفادة من عواقب الحرب في أفغانستان والعراق بالنسبة للدول المشاركة في الحربين والصعوبات التي واجهت ولا تزال تواجه القوات المسلحة في البلدين لصالح منع أي حرب ثالثة ضد إيران في المنطقة, فمن يبدأ بحرب لا يستطيع أن يتكهن متى وكيف ستنتهي.
4 . الاستفادة من سهولة الحصول على ما تحتاجه إيران من معدات وأجهزة ومواد وتقنيات لإنتاج السلاح النووي وأسلحة دمار شامل أخرى من السوق السوداء وتجار الحروب, كما فعل الدكتاتور صدام حسين.
كل هذا وغيره يقود إلى العامل الأساس في استخدام هذه الوسائل والأدوات وأعني به الاستفادة من عامل الزمن, كسب الوقت, لاستكمال مهمة إنتاج السلاح النووي, قبل احتمال توجيه ضربات عسكرية من جانب إسرائيل أو قبل إنزال عقوبات شديدة من جانب المجتمع الدولي.
حتى الآن استطاع الدكتاتور الصغير أن يضحك على ذقون دول العالم والمجتمع الدولي وربما الرأي العام العالمي أيضاً. ولكن السؤال إلى متى سيبقى ضاحكاً على ذقوننا جميعاً؟
من يتتبع وسائل الإعلام الدولية والإيرانية يدرك أن احمدي نجاد بحاجة إلى ثلاث مسائل مهمة في المرحلة الراهنة:
** كسب الوقت لإنجاز عملية التسلح النووي. وقد صرح أخيراً بأنه أوعز يوم الأحد إلى "رئيس الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية علي اكبر صالحي "البدء بإنتاج اليورانيوم المخصب بنسبة 20%""، في كلمة بثها التلفزيون الرسمي. وتلقي هذه الخطوة شكوكًا على إمكانية التوصل لاتفاق مع الغرب". (راجع موقع إيلاف بتاريخ 10/2/2010).
** إثارة الصراع مع المجتمع الدولي للتغطية على ما يجري في الداخل والجرائم التي ترتكب بحق قوى المعارضة الإيرانية وقتل المزيد من الناس بأساليب شتى بما فيها إعلان أحكام الإعدام وتنفيذها للجم المعارضة الداخلية؛
** تعبئة القوى المناهضة لإسرائيل في العالمين العربي والإسلامي, وخاصة قوى الإسلام السياسية المتطرفة والقوى القومية الشوفينية وبعض الدول الاستبدادية مثل سوريا, لتنفيذ مهمات عسكرية ضد إسرائيل في حالة توجيه ضربات جوية عسكرية ضد إيران. كل هذا يجري في وقت يتم فيه الاستعداد للاحتفال بالذكرى 31 لانتصار ثورة إيران المسروقة من الشعب لصالح قوى الإسلام السياسة المتطرفة في جو مشحون بالتوتر بين أنصار المعارضة والحكومة خاصة بعد الإعدامات التي تمت وإعدامات أخرى لتي يمكن أن تتم في هذه الأيام. ورغم الاحتجاجات العالمية فأن النظام مصمم على اغتيال حركة المعارضة بهذه الوسائل الفاشية. إلا أنها ستزيد من غضب الناس وتراكم الاحتجاجات والانفجار في وقت غير محدد.
ولكن هل تساعد هذه المحاولات الحكم في إيران على الإفلات من الحبل الذي بدأ يُشد بقوة على رقبة الحكم ؟ لا أرى ذلك. فإيران أصبحت اليوم أشبه بالفأر بين أقدام القطة. تتركه يتحرك يمنة ويسرة ويعتقد أنه قد استطاع الهروب ولكنه لا يفلت منها, فهو قادر على الحركة في دائرة محددة حتى يحين مصيره المشؤوم.
ونحن اليوم نتعرف على عنجهي آخر, خلف بن أمين جديد, هو بشار الأسد, ونظام استبدادي آخر هو نظام البعث في سوريا. ففي حرب الأيام الستة في العام 1967 كانت الحرب بين مصر وسوريا فدخلت سوريا على الخط متضامنة مع مصر, فكانت النتيجة احتلال مرتفعات الجولان. وإذا كان التضامن حينذاك مبرراً من الناحية العربية, فأن التضامن السوري مع إيران اليوم غير مبرر أصلاً, وبالتالي فأن الوقوف إلى جانب إيران والسماح لها بتهريب المزيد من الأسلحة والصواريخ رسمياً إلى حزب الله, وكذلك تلك الأسلحة المصدرة منها إلى غزة أيضاً, فإنها سوف لن تنفع في ضوء معركة لن تكون متكافئة بأي حال وستكون النتيجة وبالاً على إيران وسوريا وغزة ولبنان في آن واحد, وهي المشكلة التي لا يريد هؤلاء العرب, ولا أقصد كل العرب, فهمها واستيعاب عواقبها الوخيمة.
لقد اعتقد صدام حسين أن الولايات المتحدة لا تشن حرباً ضد ابداً, وراح يعوي كالذئب بأنه سينتصر في هذه الحرب, وحين وقعت الحرب لم يجد نفسه إلى في جحر الفئران المرتعبة. هكذا يمكن أن يكون مصير المستبدين. حين تحاول الدجاجة أن تحاكي صياح الديك تختنق! وهو الأمر الذي يتطلب التنبيه إليه قبل فوات الأوان.
إن المشكلة الكبيرة تكمن في الضحايا التي يمكن أن يتحملها الشعب الإيراني أولاً, ولكن من الممكن أن تشتعل النيران في الكثير من دول المنطقة ثانياً, وهي الخطورة التي لا يعي البعض الكثير بشاعتها ولا يريد أن يفهم تداعياتها.
إن على العالم, الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي, أن يسعى للجم حكام إيران بإجراءات تمنع وصوله إلى إنتاج السلاح النووي وتوقف تدهور الوضع إلى حافة الهاوية, إلى الحرب الجوية, وإن يقدم الدعم للشعوب الإيرانية في نضالها لإسقاط الدكتاتورية "الإسلامية" المتطرفة ذات الأساليب والأدوات الفاشية في مواجهة حركة الشعوب الإيرانية المعارضة وتسعى للتوسع في المنطقة.
أن العالم يعرف بأن المعارضة الإيرانية لا بد لها أن تستفيد من يوم غد, يوم ذكرى الثورة بالتظاهر وإعلان احتجاجها على أحكام الإعدام والسجن القاسي ضد المعتقلين من المعارضين, وأنها ستواجه المظاهرات بالحديد والنار وسترتكب جماعات أخرى وتصدر أحكاماً جديدة, ولهذا فعلى الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي أن يتحرك لفضح هذه النية المبيتة ضد المعارضة الإيرانية وشجب استخدام القوة والعنف ضد المعارضين الوطنيين..  
11/2/2010                      كاظم حبيب

514
كاظم حبيب
هل الدكتور بارق شبّر على حق في موقفه من اللبرالية الجديدة؟
الحلقة الثالثة
ما هي مضامين برنامج "الإصلاح الاقتصادي والتكييف الهيكلي"؟
وماذا يراد منه للدول النامية؟

حين انتصرت ثورة تموز 1958 في العراق وثورة كوبا في العام 1959, وقبل ذاك كانت قد برزت حركة الحياد الإيجابي ومن ثم دول عدم الانحياز ومؤتمر باندونغ في إندونيسيا, ومعركة تأميم قناة السويس والعدواني الثلاثي على مصر, وتصاعد حركات التحرر الوطني في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية وتحقيقها نجاحات متميزة, برز اتجاه واضح صوب كسر الطوق المضروب على البلدان النامية, أي على الدول المستعمرة وشبه المستعمرة السابقة, في علاقاتها مع الاتحاد السوفييتي وبقية بلدان الديمقراطيات الشعبية في أوروبا الشرقية وتطوير علاقاتها السياسية والاقتصادية والثقافية معها. كما برز اتجاه صوب الأخذ من بعض تجارب هذه الدول في مجالات القطاع العام والتصنيع والإصلاح الزراعي ...الخ. يضاف إلى ذلك بروز حركة تضامن بين قوى وشعوب ودول حركة التحرر الوطني في القارات الثلاث.
شكل هذا الاتجاه الجديد خطراً جدياً على العلاقات والمصالح الاقتصادية والسياسية للدول الرأسمالية الأكثر تقدماً, إذ بدأ يعزز دور وتأثير قوى دول عدم الانحياز واتساع تعاملها مع الدول الاشتراكية على حساب العلاقات الاقتصادية مع الدول الأخرى, كما أضاف وزناً جديداً في الحرب الباردة لصالح دول المعسكر الاشتراكي حينذاك. مما دفع بمنظري هذه الدول والعاملين منهم في الحقول والعلاقات الاقتصادية الدولية إلى التفكير بوضع أسس جديدة للعمل والتعامل مع الدول النامية والتي تبلورت باتجاهات خمسة, وهي:
1.   تقديم مساعدات مالية إلى الدول النامية في إطار ما أطلق عليه بمشروع التنمية العالمية. وقدرت تلك المساعدات بحدود 0,7 % من إجمالي الناتج المحلي للدول الغنية.
2.   تقديم المزيد من القروض الميسرة إلى الدول النامية لشدها اقتصادياً إليها وزيادة تأثيرها في وجهة تطورها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
3.   ربط تقديم تلك القروض بشروط اقتصادية وسياسية واضحة لا تقبل الخطأ في ما تسع إليه.
4.   إبعاد هذه البلدان قدر الإمكان عن الأخذ ببعض جوانب النموذج السوفييتي في التنمية ودفعها لانتهاج سياسة السوق الحر, إضافة إلى كسبها إلى جانبها في المحافل الدولية وخاصة في الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها.
5.   العمل من أجل تفتيت قوى حركة التحرر الوطني باتجاهين ملموسين, وهما:
أ . رفع شعار محاربة الشيوعية وتعبئة القوى حوله, باعتباره الخطر المباشر على الدين وعلى القيم والتقاليد السائدة في تلك المجتمعات. وكانت تهمة الشيوعية تلصق بكل الوطنيين الديمقراطيين والتقدميين واليساريين من غير الشيوعيين أيضاً.
ب . تشجيع نشاطات القوى القومية اليمينية وقوى الإسلام السياسية المناهضة للشيوعية لتعزيز مواقعها الاجتماعية والسياسية وتبني نهجها الاقتصادي ومواقفها السياسية, في مقابل تقديم دعم متنوع لها. وكان هذا يتم في العالمين العربي والإسلامي, في حين كانت تستخدم أدوات دينية أخرى في العالم غير الإسلامي,
 وانسجاماً مع هذا التوجه وتأكيداً له صدر في العام 1969 التقرير الذي أعده لستر بيرسون, رئيس وزراء كندا الأسبق, تحت عنوان "شركاء في التنمية Partners in Development", فتبنته الأمم المتحدة وتضمن قاعدة اقتطاع 0,7 % من الناتج المحلي الإجمالي في الدول الغنية لصالح التنمية العالمية في الدول النامية لعقد السبعينات من القرن العشرين. 
وقد اقترن هذه التوجه بعدة ظواهر مهمة, وهي:
1 . تفاقم غير منظور للرأي العام العالمي, ولكنه كان ملموساً للخبراء الدوليين في المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في الدول الاشتراكية منذ منتصف السبعينات, خاصة وأن الحرب الباردة كانت تستنزف إمكانيات الدول الاشتراكية مالياً من خلال توجيه الكثير من الموارد المالية والتقنيات الحديثة صوب الصناعة العسكرية وإهمال تحديث القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية والحياة الاجتماعية المدنية, إضافة إلى تنامي علاقات التبادل التجاري في مجال السلاح على الجوانب الاقتصادية الأخرى مع الدول النامية. ويمكن التعرف على  ذلك من خلال كتابات الكاتب الأمريكي ألفين توفلر، في كتابه (الموجة الثالثة) الصادر في العام 1980, وكتابات زبيغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي في فترة رئاسة جيمي كارتر, على سبيل المثال لا الحصر.
2 . تراجع جدي في المضمون التقدمي والديمقراطي لحركة التحرر الوطني في غالبية الدول النامية, والتي تجلت في بروز نظم استبدادية وشمولية مما أضعف التفاعل بين هذه النظم ومجتمعاتها وقاد تدريجاً إلى عزلتها بسبب إهمالها لمصالح شعوبها ايضاً.
3 . ونتيجة لسيادة مثل تلك النظم المستبدة, سواء أكانت تحت تسميات مغرية ولكنها مضببة, مثل "الدول ذات التوجه الاشتراكي", أم "الدول ذات التطور اللارأسمالي", أم "حكومات البرجوازية الصغيرة الثورية", فإنها فشلت في تحقيق عملية التنمية الاقتصادية والبشرية وأساءت لدور وسمعة قطاع الدولة وموارد البلاد وتوجهاتها الخاطئة نحو التسلح, مما جعل تلك النظم مرفوضة من جانب شعوب بلدانها. 
4 . تشديد الهجوم الرأسمالي وتقديم نماذج رأسمالية ناجحة في عدد من الدول في جنوب شرق آسيا والتي أطلق عليها بالنمور الأربعة ثم النمور الثمانية. وقاد هذا الواقع إلى اختلال في العلاقة بين الدول الاشتراكية والدول النامية لصالح الدول الرأسمالية المتقدمة, ر غم أن تلك النجاحات جاءت على حساب الفئات الأكثر فقراً وكدحاً.
5 . وقد أعطى هذا الواقع الفرصة للمؤسسات المالية والتجارية الدولية لتلعب دورها في طرح أو استكمال المشروع السابق الذي طرحه لستر بيرسون بمشروع جديد من جانب جون ويليمسون نائب رئيس البنك الدولي في العام 1989, أي بعد عشرين عاماً عل المشروع الأول, أطلق عليه وثيقة "توافق واشنطن" (Washington Consenus) التي ادعى فيها أنها يمكن أن " تطبق على أي فترة تاريخية ، وأي اقتصاد ، وأي قارة ، وباستهداف التوصل بأسرع ما يمكن إلى تصفية أي هيئة أو تنظيم من جانب الدولة أو غيرها ، والتحرير الأكمل بأسرع ما يمكن لكل الأسواق, الثروات، رؤوس الأموال، الخدمات، البراءات، .. الخ" .. وفي النهاية إقامة حكم كسوق بلا دولة ، وسوق عالمي موحد ومنظم ذاتياً تماماً ". [راجع: عبد المجيد راشد. سياسة الإصلاح الاقتصادي و فخ العولمة المتوحشة. الحوار المتمدن. العدد: 1744 في 24/11/2006].
ولكن ما هو مضمون هذه الوثيقة, وبتعبير أدق ما هي المبادئ التي اعتمدتها هذه الوثيقة الأخيرة للتعامل مع الدول النامية وتقديم القروض المالية لها؟ إنها جاءت على النحو التالي:
" 1 ـ من الضروري – في كل بلد مدين – البدء في إصلاح المالية العامة وفق معيارين: تخفيض العبء الضريبي على الدخول الأكثر ارتفاعاً ، لحفز الأغنياء على القيام باستثمار إنتاجي ، وتوسيع القاعدة الضريبية ، وبوضوح ، منع الإعفاءات الضريبية للأفقر ، من أجل زيادة مقدار الضريبة.
2  ـ أسرع وأكمل تحرير ممكن للأسواق المالية.
3  ـ ضمان المساواة في المعاملة بين الاستثمارات الوطنية والاستثمارات الأجنبية من أجل زيادة مقدار – وبالتالي ضمان – هذه الأخيرة.
4  ـ تصفية القطاع العام بقدر الإمكان ، وتخصص المنشآت التي تملكها الدولة أو هيئة شبيهة بالدولة .
5  ـ أقصي حد من إلغاء الضوابط في اقتصاد البلد ، من أجل ضمان الفعل الحر للمنافسة بين مختلف القوي الاقتصادية الموجودة.
 6ـ تعزيز حماية الملكية الخاصة.
 7ـ تشجيع تحرير المبادلات بأسرع الوسائل الممكنة ، بهدف تخفيض الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة كل سنة.
8  ـ لما كانت التجارة الحرة تتقدم بواسطة الصادرات فينبغي في المقام الأول تشجيع تنمية تلك القطاعات الاقتصادية القادرة على تصدير منتجاتها .
9 ـ الحد من عجز الميزانية.
10 ـ خلق شفافية الأسواق : فينبغي أن تمنع معونات الدولة للعاملين الخاصين في كل مكان ، وعلى دول العالم الثالث التي تقدم دعماً من أجل إبقاء أسعار الأغذية الجارية منخفضة أن تتخلي عن هذه السياسة ، أما عن مصروفات الدولة فينبغي أن تكون للمصروفات المخصصة لتعزيز البني الأساسية الأولوية على غيرها. [راجع: نفس المصدر السابق].
من خلال هذه النقاط نستطيع أن نتبين الوجهة الطبقية الصارخة التي يراد دفع الدول النامية إليها. إنها باختصار ضد فئات المجتمع المنتجة والكادحة والفقيرة وإلى جانب أصحاب رؤوس الأموال والأغنياء والمتخمين, وهو برنامج يقود دون أدنى ريب إلى ما يلي:
1 . إنه يقود إلى منح الدولة الحد الأدنى من القدرة على الحركة والنشاط في مختلف المجالات في ما عدا حماية القطاع الخاص والملكية الخاصة ونظام السوق الحر.
2 . وأنه يقود إلى خلق مجتمع طبقي شديد التمايز بين طبقة المنتجين والفقراء, وبين طبقة مالكي وسائل الإنتاج أو رأس المال والأغنياء والمتخمين, والذي يقود بدوره إلى تشديد الاستغلال وبالتالي الصراع الطبقي.
3. ولا شك في أن مثل هذه الدولة التي تأخذ بهذا البرنامج ستمارس سياسة الدفاع عن مصالح أصحاب رؤوس الأموال من خلال السماح لهم بتحقيق المزيد من الأرباح على حساب خزينة الدولة والمجتمع من خلال تخفيض الضرائب على الدخل (الضريبة المباشرة) وفرض ضرائب غير مباشرة على السلع والخدمات مما يحمي أصحاب الدخول العالية من ضريبة تصاعدية عادلة وضرورية ويجهد أصحاب الدخول الواطئة.
4. كما أن هذه الدولة ستقوم بحرمان الفئات الكادحة والمنتجة من أي دعم حكومي للسلع والخدمات ذات المساس المباشر بمستوى حياة ومعيشة تلك الفئات. ولكنها ستمارس باستمرار تخفيض الضرائب على أرباح رؤوس الأموال بذريعة توفير الفرص للاستثمار وإعادة التوظيف وتوسيع عملية إعادة الإنتاج وعدم فتح باب تهريب رؤوس الأموال.
5 . وأن هذا البرنامج لا يقود إلى حرمان الدولة من إقامة المشاريع الاقتصادية, الإنتاجية منها والخدمية, حسب, بل ويطالب الدولة بخصخصة مشاريعها الاقتصادية القائمة فعلاً.
6 . وأنه يقود إلى منع الدولة من إقامة مشاريع صناعية أو تحديث الزراعة, بل جعلها معتمدة على التجارة الخارجية المستنزفة للدخل القومي وحارمة البلاد من إمكانية تحقيق التراكم الرأسمالي وتنمية الثروة الوطنية.
7 . ويقود هذا الاتجاه إلى تفاقم البطالة في المجتمع وإلى تنامي التوتر الاجتماعي والصراع الطبقي, والذي يقود بدوره إلى نزاعات سياسية واجتماعية لا مفر منها.
8 . وتهمل الدولة, التي تأخذ بهذا البرنامج, مهماتها الاجتماعية والنفسية والثقافية, والتي تؤدي بدورها إلى بروز الكثير من المشكلات التي يعجز المجتمع على حلها وتغوص الدولة في وحل المشاكل العويصة.
9 . إن اعتماد الدولة على التجارة الخارجية يقود إلى انكشاف صارخ للاقتصاد الوطني على الخارج, أي التبعية للخارج والاستيراد من جهة, كما يعتبر تفريطاً بأموال الدولة التي يفترض أن توجه لأغراض التثمير الإنتاجي وزيادة التراكمات الرأسمالية لإغناء الثروة الوطنية.
10 . إن تطبيق سياسة الباب المفتوح ليس أمام التجارة الخارجية حسب, بل وأمام حركة رؤوس الأموال والأيدي العاملة والابتعاد عن تطبيق قوانين ملزمة لحماية العمل والعمال وسياسة جمركية عادلة لحماية الإنتاج الوطني من المنافسة الحادة, وضمان الحد الأدنى للأجور ..الخ ستقود إلى عواقب وخيمة من النواحي الاجتماعية والثقافية والنفسية على الفرد والمجتمع.   
11 و ومن هنا يمكن القول بأن السياسة المالية والنقدية, بما فيها سياسة المصارف الاستثمارية ودور ونشاط شركات التأمين والسياسة الضريبية والجمركية والأسعار ..الخ,  التي تضعها الدولة في هذا النموذج ستكون موجهة لمصلحة أصحاب الاستثمارات الأجنبية والنشاط الاقتصادي الأجنبي وسياسة الاستيراد المفتوحة, وكذلك في مصلحة الفئات المستغِلة في المجتمع وضد المستغَلين.
12 . إن المهمة المركزية لهذا البرنامج هي ربط العملية الاقتصادية لاقتصاديات الدول النامية بالاقتصاد الرأسمالي العالمي عبر عملية إعادة الإنتاج بمراحلها المختلفة من جهة, وتوسيع الفجوة الفاصلة بين مستوى تطور الدول المتخلفة والدول المتقدمة لصالح الأخيرة من جهة أخرى. وتبدو هذه اللوحة أكثر وضوحاً في ظل ممارسة سياسات العولمة في العلاقة بين المجموعتين في عالم واحد منقسم على نفسه: عالم التخلف والفقر وعالم التقدم والغنى. إنها مهمة الحفاظ على بنية وطبيعة التقسيم الرأسمالي الدولي للعمل, أي أن تبقى الدول النامية استهلاكية وريعية بما تصدره من موارد أولية كالنفط مثلاً ومستهلكة لدخلها القومي بما تستورده من سلع استهلاكية وتدور في محيط المراكز المتقدمة, في حين يتواصل التطور في مراكز الدول المتقدمة باعتبارها دولاً منتجة ومصدرة للسلع والخدمات والتقنيات ومغنية ومنمية بمعدلات جيدة لدخلها القومي. ويتجلى ذلك بوضوح كبير في الاختلال الصارخ في المؤشرات الإحصائية وأرقام التجارة الخارجية ونسب المشاركة في الإنتاج الصناعي أو الإنتاج الزراعي, وكذلك الاختلالات في الموازين التجارية وموازين المدفوعات وتفاقم الديون الخارجية للدول النامية والفوائد السنوية المترتبة عليها. 
إن إشكالية التقدم والتخلف لا تبدو في الدخل القومي ومعدل حصة الفرد الواحد منه سنوياً فحسب, بل وبالأساس في بنية هذا الاقتصاد ودور القطاعات المختلفة في تكوين الدخل القومي وفي مستوى تطور القوى المنتجة والتطور العلمي والتقني التي هي نتاج لطبيعة علاقات الإنتاج السائدة, وكذلك مستوى ونسب البطالة إلى القوى القادرة على العمل وتوزيعها الإقليمي ومستوى البحث العلمي ومستوى التعليم والأمية وبراءات الاختراع .. الخ. والمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والبشرية والثقافية والبيئية في هذا الصدد كثيرة جداً وصارخة في التمايز بين المجموعتين من الدول. فعودة سريعة إلى التقرير السنوي للتنمية البشرية خلال السنوات المنصرمة مثلاً, أو حتى تقارير البنك الدولي السنوية والكثير من التقارير السنوية الأخرى, بما فيها التقرير الاقتصادي العربي الموحد, يستطيع كل متتبع إدراك واقع هذا البون الشاسع والآثار السلبية الحادة جداً لتلك السياسات النيوليبرالية, التي يقترحها لنا البعض, على اقتصاديات ومستوى حياة ومعيشة شعوب الدول النامية.
إن 80 % من شعوب العالم, وهي الدول النامية, تستهلك 20 % من الكثير من المواد الخام والطاقة وتنتج أقل من 20 % في الصناعة والزراعة  وتساهم بتلويث البيئة بنسبة 20 % من غاز ثاني أكسيد الكربون تقريباً, في حين أن 20 % من شعوب العالم, وهي الدول المتقدمة, تستهلك 80 % من تلك المواد الأولية أو تساهم بهذه النسبة في التجارة الدولية أو في الإنتاج الصناعي والزراعي, كما تشارك في تلوث البيئة بنسبة 80 % بثاني أكسيد الكربون, على سبيل المثال لا الحصر. [راجع في هذا الصدد:
]Stiftung Entwicklung und Frieden. Globale Trends, Fakten Analysen Prognosen: Für die Jahre 2000, 2002, 2003, 2004 / 2005. Fischer Taschenbuch Verlag, Frankfurt am Main.[
إن انتهاج سياسة اللبرالية الجديدة في الدول النامية لا تقود إلا إلى تعميق هذه الفجوة وزيادة عدد فقراء العالم وتقود إلى تركيز ومركز الثروة في العالم بأيدي مجموعة قليلة من دول العالم المتقدمة. وهو ما يفترض أن لا نقبل به, بل نرفضه بحزم وصرامة ونسعى إلى تغييره. 
9/2/2010                   كاظم حبيب
انتهت الحلقة الثالثة وتليها الحلقة الرابعة. 













515
كاظم حبيب
في الذكرى السنوية لانقلاب شباط الفاشي 1963
1-2
الكارثة العراقية التي اسمها "انقلاب شباط/فبراير 1963"

لم تكن هناك مفاجأة, ولم يكن هناك من السياسيين وغيرهم من كان لا يعرف أن مطبخ المؤامرات الدولية والإقليمية والعربية والمحلية قد أنضج طبخة غير اعتيادية تدفع بالعراق إلى دكتاتورية عسكرية ملوثة بالفاشية والعنصرية وكره الشعب ومصادرة مكاسب الشعب وثورته. بيد أن الكل كان ينتظر ويترقب وقوع الكارثة, الكل كان مشلولاً, وخاصة قائد الحكومة والمسؤول الأول عن صيانة الجمهورية الأولى. 

في الثامن من شباط/فبراير 1963 نجح الانقلابيون الجدد الإطاحة بحكومة عبد الكريم قاسم الوطنية واختطفوا السلطة وقضوا على مكاسب الشعب. اقترن هذا الانقلاب بسيل من دماء قادة ثورة 14 تموز 1958 ومن مناصري الجمهورية الأولى من قادة وأعضاء القوى والأحزاب الوطنية العراقية والناس الأبرياء. ولم تكن حركة الانقلاب الناجحة مفاجئة لأغلب القوى السياسية العراقية, إذ كانت تتوقع ذلك في كل لحظة, حتى الفريق الركن عبد الكريم قاسم, رئيس الحكومة كان يعرف ذلك, ولكنه كان مشلولاً! كان قاسم يعرف أن حركة انقلابية تتجمع خيوطها لتطيح بنظام حكمه, وكان يعتقد بقدرته على إلقاء القبض على المتآمرين وهم متلبسون بجريمتهم. ذكر الأستاذ محمد حديد أن حديثاً جرى بينه وبين الزعيم قاسم منبهاً إياه إلى وجود مؤامرات تحاك ضده, فكان جوابه أنه يعرف ذلك وينتظر بدء تحركهم.
لقد كان لدى الحركة الوطنية, وبضمنها الحزب الشيوعي العراقي, معلومات مؤكدة تشير إلى أن حزب البعث والقوى القومية والمتحالفة تستعد لتنفيذ عملية انقلابية ضد نظام الحكم وبلغ قاسم بذلك عبر الكثير ممن كانوا يتصلون به حينذاك, ولكن قاسماً كان قد فقد الثقة بهؤلاء واعتمد على حسه الشخصي وعلى جواسيس البعث والحركة القومية الذين احتلوا مواقع مهمة في أجهزة الأمن العراقية.
كان عبد الكريم قاسم يعتقد جازماً بأن الشعب كفيل بإسقاط المحاولة وإفشال الواقفين وراء العملية, إضافة إلى تصوره الخاطئ بولاء كل من كان قريباً منه ومن أبدى له شكلياً جانب الولاء, رغم تلقيه التهديد الواضح الذي جاء على لسان مندوب شركات النفط الأجنبية عضو الوفد المفاوض وممثل شركة ستاندارد أويل أوف نيوجرسي.
كان عبد الكريم قاسم مخطئاً باعتماده المطلق على أجهزة أمنية غير مخلصة له ولا للجمهورية, وعلى قدرة الشعب في التصدي للمؤامرة, وهو الذي انتزع من الجماهير كل أسلحتها النضالية والوقوف إلى جانبه, كما عمل كل شيء من أجل إثارة كل المناهضين له للتوحد والعمل المشترك ضد وجوده في السلطة وضد الجمهورية الأولى. وحين طالب سلام عادل تسليم الشعب سلاحاً تدافع به عن الجمهورية  وعنه وعن المكاسب وعن نفسها في آن واحد, رفض ذلك!
يتحمل عبد الكريم قاسم الجزء الأساسي من مسؤولية تدهور الوضع السياسي في العراق وانعدام الحياة البرلمانية الديمقراطية القائمة على أساس دستور ديمقراطي ومدني حديث. وهذا لا يغير من دور القوى المناهضة في تدهور الوضع في العراق حينذاك. تكتب الأستاذ إبراهيم كبة بشأن دور حكومة قاسم في سقوط الجمهورية الأولى مؤكداً أن حكم قاسم مَّر بمرحلتين, المرحلة التي تميزت في السنة الأولى من الثورة, ثم الفترة الثانية التي شهدت الانتكاسة حيث كان الفكر الرجعي يحاول طمسها. وهو ما حصل فعلاً.
وكان الأستاذ كامل الجادرجي وحزبه الوطني الديمقراطي قد رفضا التعاون مع عبد الكريم قاسم لرفضه إنهاء فترة الانتقال ووضع دستور ديمقراطي دائم وإجراء الانتخابات وتسليم الحكم للقوى المدنية وعودة  الجيش إلى  ثكناته والتي لم يصغ لها قاسم بأي حال.
منذ العام 1959 دخل قاسم في معارك عديدة ومعقدة جداً وبعضها غير عادل, فقد ناهض الحزب الشيوعي في أعقاب أحداث الموصل وكركوك وبدأ بتوجيه ضربات للحزب وللمنظمات المهنية المساندة له ويشهر بها ويثير الناس ضده.
اتخذ قرارات جادة ضد شركات النفط بإصدار القانون رقم 80 لسنة 1961 ووضعها في موقع العداء المطلق له, ولم يدعم ذلك بتحقيق وحدة الشعب ومناصرته لهذا الإجراء.
رفض الحوار الهادئ والبناء مع القوى الكُردستانية ومطالبها مما دفع باتجاه تشديد الصراع ومن ثم النزاع المسلح وإعلان ثورة أيلول 1961 المتسرع بسبب الأخطاء التي ارتكبها قاسم ذاتها وأخطاء القيادة  الكردية.
طالب بصورة غير معقولة ومن أجل إبعاد الأنظار عن المشكلات الداخلية بالكويت وعبأ قوى عربية وبريطانيا وكل الغرب ضده, ولم يكن واقعياً في ذلك.
لم يطهر أجهزة الدولة ولم يبعد القوى البعثية والقومية المناهضة له من مواقع المسؤولية في الجيش والشرطة وأجهزة الأمن. ولم يدعم تنفيذ قانون الإصلاح الزراعي الذي وقعه بنفسه, بل ترك القوى المناهضة للقانون تشن حملات ظالمة ضد الفلاحين.
لقد نشا التحالف المناهض لحكومة عبد الكريم قاسم على قاعدتين, قاعدة طبقية اجتماعية مناهضة لكل المكاسب التي حققتها الثورة للمجتمع وللكادحين وسيادة البلاد, وأخرى فكرية وسياسية تستند إلى إيديولوجية قومية شوفينية عربية وخلفية دينية متزمتة ومناهضة لقانون الأحوال الشخصية.
لم ينفرد حزب البعث العربي الاشتراكي بالتحضير لانقلاب شباط وتنفيذه, بل شاركت معه مجموعة من القوى الاجتماعية والأحزاب السياسية التالية التي كان يهمها الخلاص العاجل من حكومة عبد الكريم قاسم, رغم وجود فوارق واضحة في الجهد الذي بذل من جانب مختلف القوى لتنفيذ المخطط الانقلابي. ويمكن بلورة القوى التي شاركت في هذا التحالف من الناحية الطبقية الاجتماعية والسياسية فيما يلي: 
* فئات البرجوازية التجارية الكبيرة والبرجوازية العقارية وأوساط غير قليلة من البرجوازية البيروقراطية التي كانت ثورة تموز 1958 قد وجهت ضربات سياسية واقتصادية واجتماعية قاسية إلى مواقعها ومصالحها في البلاد وأجهزت على نظام حكمها الملكي الإقطاعي.
* فئات الإقطاعيين وكبار ملاكي الأراضي الزراعية التي أصابت الثورة مصالحها الاقتصادية في الصميم فصادرت مساحات واسعة جداً من تلك الأراضي التي كانت في حوزتها وأضعفت نفوذها وتأثيرها السياسي والاجتماعي, علماً بأن هذه الفئات قد استطاعت منذ عام 1961 استرداد الكثير من مصالحها المفقودة بإجراءات وقرارات صدرت عن حكومة قاسم نفسه.
* بعض أوساط البرجوازية المتوسطة, وخاصة التجارية منها, التي أرعبتها حركة الجماهير وتصاعد نضال العمال والفلاحين وتنامي نفوذ الشيوعيين في أوساط الشعب وتأثيره على الشارع والمبالغة بقوته. وعلى المتتبع أن لا ينسى بأن بعض فئات البرجوازية العراقية كانت على صلة متينة بالريف والأرض, وكانت تمتلك مساحات غير قليلة وتحصل على جزء غير قليل من الريع المتحقق في الزراعة, وبالتالي لم تكن منسجمة مع قانون الإصلاح الزراعي, رغم أن القانون كان إصلاحياً برجوازياً يخدم مصالح البرجوازية المتوسطة والصناعية وينشط عملية تراكم رأس المال والتنمية الزراعية الحديثة.
* أوساط قليلة من البرجوازية الصغيرة العاملة في القوات المسلحة ودوائر الدولة ومن حملة الفكر القومي الشوفيني. وجدير بالإشارة إلى أن جمهرة غير قليلة من الضباط القوميين العرب قد وجدت نفسها بعيدة عن مواقع المسؤولية في الثورة, وأن الثورة قد سارت, حسب رأيها في طريق مناهض للوحدة العربية, وبالتالي بدأت تمارس مختلف النشاطات لمناهضة حكومة قاسم وإسقاطها سواء بصورة علنية أم سرية وبالتعاون مع بقية القوى المناهضة لحكومة قاسم. لقد أصيبت هذه القوى بخيبة أمل كما يشير إلى ذلك بصواب الأستاذ الراحل حنا بطاطو.1 وإذ فشلت عدة مرات بإسقاط قاسم نجحت هذه المرة.
* القوى القومية الكُردية التي اصطدمت بسياسات قاسم إزاء المسألة الكُردية ولم يستجيب لمطالبها العادلة في الاعتراف بوجود شعب كُردي له حقوق وواجبات, كما له الحق في تقرير مصيره بنفسه, وبالتالي اصطفت مع القوى المعادية لحكومة قاسم والراغبة في إسقاطه والخلاص من نظامه السياسي.
* القوى والدول المجاورة, وخاصة الأعضاء في حلف بغداد والكثير من الدول العربية,  التي رأت في وجود حكومة وطنية في العراق خطراً داهماً على نظمها السياسية.
* الدول الإمبريالية وشركاتها النفطية التي وجدت في قاسم نموذجاً خطراً على مصالحها في المنطقة, سواء بالقرار 80 أم باقتراح وتشكيل منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك).
* لا شك في أن القوى والأحزاب السياسية الوطنية كافة تتحمل مسؤولية ما آل إليه الوضع في العراق حينذاك ابتداءً من تفاقم الصراع في ما بينها وعجزها عن الائتلاف الواقعي, وانتهاءً بتشديد الصراع ضد حكومة قاسم التي لم تكن قادرة على السير خطوات إضافية إلى الأمام.
لقد كان الانقلاب, الذي هيأت له ونفذته دمويا قوى عراقية جاءت بقطار أمريكي وإقليمي ودعم مستمر, قد مهد السبيل لممارسة مختلف الأساليب الفاشية لتصفية أقطاب الحكم الوطني والخصوم السياسيين, وخاصة قتل الشيوعيين والديمقراطيين التقدميين وجمهرة من أنصار قاسم. وإذا كانت المواقف السياسية للقوى القومية قد بدأت منذ فترة مبكرة للإطاحة بقاسم, فأن تحالفها الفعلي نشأ منذ العام 1961 حيث تشكلت الجبهة القومية من ثلاثة أحزاب قومية هي حزب البعث العربي الاشتراكي وحزب الاستقلال وحركة القوميين العرب. ولم يسجل التحالف القومي من حيث المبدأ سوى هدف رئيسي وأساسي واحد هو الإطاحة بنظام الحكم وانتزاع السلطة من عبد الكريم قاسم.
والتقت على شعار واحد أساسي ورئيسي:
" يا أعداء عبد الكريم قاسم, ويا أعداء الديمقراطية اتحدوا".
إلا أن ترجمة هذا الشعار كانت تعني بلا شك الإطاحة بالحكم الوطني وإقامة البديل القومي الشوفيني المستند إلى تأييد الغرب والرجعيات العربية والقوى القومية الشوفينية.
وفي ضوء هذا الواقع وتلك الاتجاهات العقائدية المركبة اتخذت قوى الانقلاب التي تسلمت السلطة مجموعة من الإجراءات التي تعبر عن التصميم في ممارسة العنف والقسوة بأبسط وأقصى أشكالها. نشير في أدناه إلى أبرزها:
1. تشكيل مجلس قيادة الثورة من مجموعة أساسية من قياديي حزب البعث ومن بعض الجماعات القومية العسكرية, مع منح أنفسهم, وفق قانون صادر عنهم دون أي شرعية دستورية, السلطات الثلاث, التنفيذية والتشريعية والقضائية, واحتكار جميع أجهزة الإعلام دون استثناء وفرض الأحكام العرفية في البلاد.2 وهو قرار مخالف لمبدأ الفصل بين السلطات الذي اقر في الوثائق الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة وكذلك في شرعة حقوق الإنسان بكل أجزائها.
2. تشكيل محاكم خاصة لمحاكمة من يلقى القبض عليه مباشرة ومنح هذه المحاكم حق تنفيذ تلك الأحكام دون تأخير3. وهو قرار مخالف للشرعة الدولية ودساتير الدول الديمقراطية وحقوق الإنسان.
3. تشكيل لجان تحقيق خاصة سلمت قيادتها بيد البعثيين بشكل خاص مع مشاركة من بعض القوميين العسكريين. منحت هيئات التحقيق هذه الصلاحيات الكاملة دون استثناء في التعامل مع المعتقلين بما في ذلك التعذيب بكل صوره والقتل والدفن أو الرمي في نهري دجلة والفرات من الناحية الفعلية. وكانت لجان التحقيق الخاصة تخضع إلى لجنة تحقيق مركزية مقرها في بغداد, كانت في البداية تحت أمرة ضابط عسكري قومي يدعى مصطفى عبد الكريم نصرت, ومن ثم تحت قياد ضابط عسكري طيار من قياديي حزب البعث يدعى منذر الونداوي. وكان صدام حسين حينذاك عضواً في لجنة التحقيق المركزية4 التي مارست كل أشكال التعذيب بحق المعتقلين وقتلت الكثير منهم أثناء التحقيق وعلى أيديهم وأيدي جلاوزة التعذيب الآخرين.     
4. تشكيل القوات العسكرية الخاصة التي سميت بالحرس القومي. منح هذا الحرس حق مطاردة واعتقال وقتل من يهدد أمن الحكم الجديد5. وقد صدر بهذا الصدد البيان رقم 13 لسنة 1963 الذي منح الحرس القومي حق قتل الشيوعيين في الموقع مباشرة. وضم الحرس القومي عدداً كبيراً من الشباب القومي الجامح أو المنحدر من الريف أو من بسطاء الناس من مختلف الأعمار الذين انجروا لهذا الحرس وراحوا يمارسون ما يطلب منهم إزاء الآخرين الذين وصفوا بالأعداء. كما ضم الكثير من المجرمين العتاة الذين كانت صناعتهم المفضلة هي التعذيب والقتل. 
5. تأمين السيطرة الكاملة على أجهزة الدولة ومنع ممارسة الحياة الحزبية والسياسية أو إصدار الصحف والمجلات على كل القوى السياسية في البلاد وفرض الرقابة على إصدار الكتب والنشر بشكل تام.
6. شن حملة اعتقالات واسعة جداً شملت الآلاف من الشيوعيين والديمقراطيين الحزبيين والمستقلين وأنصار عبد الكريم قاسم والكثير من الشخصيات السياسية الوطنية والشخصيات الاجتماعية والعلمية وجمهرة كبيرة من الأدباء من شعراء وكتاب وكذلك مجموعة كبيرة من الفنانين من مسرحيين وسينمائيين وموسيقيين ومغنين وآخرين, إذ اعتبر هؤلاء كلهم وغيرهم في عداد المناوئين للنظام الجديد.
7. ممارسة شتى أشكال التعذيب القديمة والحديثة مع المعتقلين لانتزاع الاعترافات منهم حول تنظيماتهم ومواقع رفاقهم أو ممارساتهم السابقة ودورهم في دعم حكم عبد الكريم قاسم ...الخ. وقد قتل على أيدي هيئات التحقيق عدد كبير من قياديي الحزب الشيوعي العراقي وكوادره وأعضاء الحزب, إضافة إلى بعض الوجوه المحسوبة على أنصار عبد الكريم قاسم.
8. لم تكن ممارسات الاستبداد والعنف والقسوة مقتصرة على قياديي وكوادر وأعضاء حزب البعث فحسب, بل مارسها قادة الجماعات القومية الناصرية وغيرها أيضاً, رغم أن القوى الأخيرة حاولت رمي العبء كله على قوى البعث وحدها وحاولت إبعاد نفسها عن الجرائم التي ارتكبت بحق العراقيات والعراقيين في تلك الفترة في أعقاب سقوط حكم البعث. 
لقد كان هذا الانقلاب الدموي والنظام الذي أقيم على أساسه البداية الفعلية لكوارث متلاحقة وصاعقة من إرهاب وقمع وغزو وحروب وأنفال وتهجير قسري وتعريب ومقابر جماعية  حلت بالشعب العراقي وقواه السياسية الوطنية دامت أكثر من أربعة عقود, والكوارث بصيغة ما لا تزال مستمرة بفعل الاحتلال وقوى الإرهاب وسيادة الطائفية في الحياة السياسية والاجتماعية وبالواقع الاقتصادي المتردي وغياب التنوير الديني والاجتماعي ودفع دور المثقفين والحياة الثقافية إلى الوراء بدلاً من تنشيهم وتنشيطها.
نحن أمام وضع جديد يفترض أن نعي بأن القوى التي تسببت بكل ذلك لم تكن القوى الخارجية والعربية الإقليمية ودول الجوار فحسب, بل بالأساس كان الفكر القومي الشوفيني الذي حملته بعض القوى القومية العربية وحزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة ميشيل عفلق والبكر وصدام حسين وعلى حسن المجيد وبقية الطغمة التي حكمت العراق ولا تزال تريد إنزال غضبها على الشعب بكل قومياته وأتباع أديانه ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والسياسية الديمقراطية. 
شباط/فبراير 2010             كاظم حبيب

الهوامش
   بطاطو. حنا. العراق. الكتاب الثالث. الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار. ط 1. بيروت. مؤسسة الأبحاث العربية. 1992. ص 282.
2 تشكل مجلس قيادة الثورة في أعقاب انقلاب شباط من الأسماء التالية:
3 تشكلت محاكم أمن الدولة والمحاكم الخاصة لمحاكمة عدد كبيرٍ جداً من المعتقلين بتهم كثيرة...
4  الحرس القومي: تكونت قيادته من الأشخاص التالية أسماؤهم:
العقيد عبد الكريم مصطفى نصرت ثم المقدم الطيار منذر الونداوي وعضوية:
نجاد الصافي ومنح رتبة رئيس, أبو طالب عبد المطلب الهاشمي ومنح رتبة رئيس, أحمد العزاوي ومنح رتبة ملازم, صباح المدني ومنح رتبة ملازم, حازم سعيد ومنح رتبة ملازم وعطا محي الدين  ومنح رتبة ملازم.
5  أما مكتب التحقيق فقد تكون من:
عمار علوش وناظم كزار, وعبد الكريم الشيخلي, صدام حسين التكريتي. خالد طبرة, شاهين الطالباني, كنعان الجبوري, علي رضا باوة, سعدون شاكر, فائق أحمد فؤاد, فاضل أحمد, أحمد العزاوي, وآخرين.


2-2
نماذج من أساليب التعذيب البعثية
      
إن فترة التحالف البعثي – القومي في الحكم, التي دامت قرابة عشرة شهور, تقدم للقارئة والقارئ نماذج صارخة جداً لسلوكية العنف والقسوة والإمعان في تعذيب الإنسان نفسياً وجسدياً ومحاولة تحطيمه معنوياً وتدمير حياته, سواء بالموت أو التعويق أو الإنهاء السياسي أو تحويل السياسي إلى مخبر يعمل في صفوف الحاكمين ضد رفاق دربه السابقين. وقد سجلت أقلام المعذبين أحياناً وشهود عيان أحياناً أخرى والتقارير التي كشف عنها في فترات لاحقة أو ما نشرته القوى القومية, بسبب صراعها مع البعثيين عما جرى في تلك الفترة, صوراً ومشاهد يصعب على الإنسان السوي تصور حدوثها أو أن في قدرة الإنسان ممارستها إزاء أخيه الإنسان. وسنحاول في أدناه عرض بعض المشاهد من أساليب التعذيب التي مورست في تلك الفترة العصيبة من تاريخ العراق السياسي.   
تعرض جميع المعتقلين السياسيين دون استثناء إلى مختلف أساليب التعذيب الجسدي والنفسي, مع الفارق في نوع وشدة ومدة التعذيب ونهاياته وعواقبه على الفرد, ومن ثم على العائلة. ففي الوقت الذي تعرض بعض المعتقلين للضرب والتعليق والفلقة وما شاكل ذلك, إضافة إلى الإهانات المستمرة, تعرض آخرون إلى أشكال أخرى من التعذيب الأكثر شراسة واستخدام أدوات أخرى لتهشيم وتقطيع جسم الإنسان أرباً إربا. ننقل بعض المشاهد الواقعية دون تعليق أو إضافات:
نشر كتاب "المنحرفون" إفادة الدكتور علي الزبيدي, الأستاذ المساعد في كلية الآداب بجامعة بغداد, جاء فيها وصفاً لعملية التعذيب التي تعرض لها, كما تعرض لها معتقلون آخرون يقول فيها ما يلي:
"إنهم يربطون يد الموقوف وراء ظهره ثم يربطونها بحبل يتدلى من بكرة في السقف ويجذبون طرف الحبل الآخر فيرتفع جسم الإنسان .. إن اليدين المعلولتين ترتفعان مع الحبل إلى أعلى من الجهة الخلفية وما أن تصل إلى مستوى قريب من الكتف حتى تشعر الضحية بالآم هائلة وتزداد هذه الآلام كلما ازداد الجذب وتصل إلى غايتها عندما يرتفع الجسم كله .. وكانوا لا يرفعون الجسم إلى ارتفاع عال بل إلى الدرجة التي تظل القدمان تلامسان الأرض بأصابعه ... ويعلو صراخ الضحية وهي تتوسل بهم أن ينزلوها ... ولكنهم يستمرون في التحقيق والصراخ: تكلم .. اعترف أنك قد .. وتتوالى الكلمات البذيئة والسب الرخيص فإذا أصر على عدم الاعتراف كما يريدون يجذبون الحبل أكثر فأكثر فيشتد الصراخ والاستغاثة ... ثم ينهالون عليه بالضرب بالعصي الغليظة .. أو بأنابيب المطاط (الصوندات) .. وعندما تصل ألام المتهم إلى حد لا يطاق يحشون فمه بالقطن فإذا أغمي عليه أنزلوه وسكبوا عليه سطلاً من الماء أو حقنوه بإبرة خاصة ليعاودوا تعذيبه حتى يخبرهم بما يريدون .. وإذا قصر أعادوه إلى مكانه بعد أن يتعبون من تعذيبه ويتركونه في غرفة التعذيب أو يحملونه ويعيدونه إلى مكانه السابق في القاعة... وهكذا كان .. يأتي الحرس إلى المكان ليأخذوه مرة أخرى .. لن تتجاوب أرجاء القصر المشؤوم (المقصود هنا قصر النهاية, أي قصر الرحاب الخاص بسكن الوصي على عرش العراق عبد الإله بن علي بن الحسين سابقاً, ك. حبيب) بصراخ المعذب ... لقد شرعوا بتعليقه مرة أخرى ويستمر هذا الصراخ مدة تطول أو تقصر ثم تخمد فجأة .. وما أن تمر فترة ربع ساعة أو أكثر من خمود الصوت حتى يأتي الحرس إلينا ثانية يقود رجلاً آخر إلى جحيم التحقيق والتعذيب وجمد الدم في عروقنا .. كان كل منا ينتظر أن يأتيه الدور ولكن متى؟"1.
جاء في هامش الكتاب الذي أصدره الدكتور والمؤرخ الراحل علي كريم سعيد بشان تعذيب أعضاء قيادة الحزب الشيوعي العراقي ما يلي:
"أولاً: روى خالد طبرة (وهو أحد أعضاء هيئة التحقيق الخاصة. ك حبيب) لصفاء الفلكي (سفير في أكثر من بلد وبعثي ساهم بكل المراحل السابقة) قائلاً له: حفرنا أنا وسعدون شاكر (وزير داخلية ومدير أمن عام بعد ناظم كزار) قبراً لمحمد صالح العبلي وجئنا به وأنزلناه إلى القبر (الحفرة) وبعد مدة بداخله, طالبه سعدون شاكر بالاعتراف أو الموت؟ فرد عليه العبلي بشجاعة واتهمنا بخيانة الوطن. فأطلق عليه سعدون شاكر (الرصاص) فمات فوراً دون أن يعترف أو يتنازل, وحصل الأمر مع مهدي حميد.                     
ثانياً: المحامي حمزة سلمان الجبوري عضو لجنة مركزية جيء به مع الضابط الشيوعي مهدي حميد من نقرة السلمان إلى بغداد (مركز تحقيق المأمون) وطالبوه أمام حشد من المعتقلين بالاعتراف ثم طلبوا منه أن يعد من الواحد إلى العشرة وقبل أن تنتهي أطلق عليه (الرصاص) فمات. ثم جيء بمتي الشيخ مباشرة فرفض الاعتراف فقتل بنفس الطريقة.
ثالثاً: قتل عضو المكتب السياسي جمال الحيدري والصحفي عبد الجبار وهبي بعد اعتقالهما مع العبلي في دار فاضل الخطيب والد الدكتور الراحل عطا الخطيب والدكتورة عطية الخطيب, فوراً بعد رفضهما الاعتراف, وقتل معهما أبن جمال الحيدري ونرجس الصفار الصبي فاضل الحيدري, وعمره 14 سنة, وكان يقوم بنقل البريد أحياناً.
رابعاً: مقتل توفيق منير العاني بدار هاشم عبد القادر المملوكة لعزيز شريف, مقابل السفارة المصرية والمجاور لدار عز الدين الراوي (أخو عبد الهادي الراوي). وتمت العملية بعد أن أبلغ أحد عناصر الأمن بوجوده فنزل عليه الحرس القومي من سطح الدار, وعلى عكس ما أشيع من أنه قاتلهم فقتل, لم يكن الراحل يحمل سلاحاً بل بادره بالرمي بصليات كثيرة فتناثرت دماؤه في كل مكان. ويذكر أن نوري السعيد كان قد سحب جنسيته العراقية مع كامل القزانجي (من قادة الحزب الوطني الديمقراطي السابقين) (الذي قتله البعثيون في محاولتهم الانقلابية في آذار العام 1959 في الموصل, ك. حبيب) ومع آخرين في العام 1954 وسفَّره إلى خارج البلاد. وكان توفيق منير حائزاً على جائزة جوليو كوري للسلام.
خامساً: أعتقل متي الشيخ مع الدكتور محمد الجلبي في دار الأخير ونقلا إلى مركز المأمون, فقتل متي الشيخ مع عضو اللجنة المركزية الآخر حمزة سلمان الجبوري, ومهدي حميد, في حين نقل الجلبي إلى قصر النهاية, ووضع في السرداب مع سلام عادل والآخرين2, ثم نقل عضو اللجنة المركزية نافع يونس إلى بناية محكمة الشعب, وقتلا هناك في تموز 1963, أي بعد شهر من تقرير د. علوش"3.                   
يصف عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي حينذاك والراحل صالح مهدي دگلة الوضع بعد اعتقاله مباشرة كالآتي:
"وفي الحال جاءني ضابط الحرس القومي الجلاد أحمد أبو الجبن (أحمد العزاوي, الذي قتل في دمشق في العام 1976 على  أيدي الأمن العراقي الصدامي, ك. حبيب), وقد منحه الانقلابيون رتبة ملازم واصطحبني إلى القاعة الرئيسية لنادي الاقتصاديين الذي حولوه إلى مقر رئيسي للحرس القومي. وأمام العشرات من المعتقلين صار يوجه اللكمات ويزعق أنه هو (يقصدني) الذي كتب وطبع هذا النداء "الخياني الحقير". وكان يتصور أنه بالتستر على المطبعة يستطيع خداعنا ولكن يقظة الثوريين من الحراس سرعان ما كشفت بوسائلها الذكية جهاز الخيانة. أعادوني إلى غرفة التعذيب ورموني على الأرض بحراسة صبي يحمل رشاشة سترلنگ. عرفت, مع الأسف, فيما بعد أنه فلسطيني من المفترض أن يتعاطف مع كل المضطهدين أمثال شعبه ولكن ما العمل وهو مضلل صار يتسلى بشتمي حيث جاوز حدود الأدب واللياقة فبدأ يكيل لي ولعائلتي أقذع الشتائم, فما كان مني إلا أن أرد عليه بمثلها وبأقذع منها. هنا لم يتمالك الصبي "الحارس القومي" أعصابه فراح يطلق عليَّ الرصاص من رشاشته وأصابني في مناطق مختلفة من جسمي وأصاب الحائط الذي اتكأت عليه أيضاً.والذي انطلقت منه شظايا أصابت وجهي واستقرت في أسناني. أما الإصابات البليغة فواحدة في صدري وأخرى استقرت في مفصل ركبتي فضلاً عن شظية كبيرة استقرت في صدغي الأيسر بالقرب من الأذن"4.
وهذا نص آخر يوضح الأساليب التي مورست في تعذيب المناضل الراحل حسين الرضي (سلام عادل) السكرتير الأول اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي بعد أن اعتقل في التاسع عشر من شهر شباط/فبراير 1963 وأعلن عن إعدامه وإعدام رفيقيه محمد حسين أبو العيس وحسن عوينة في السابع من آذار/مارس من نفس العام. وكان القادة الثلاثة  قد قتلا تحت التعذيب, ولم يكن إعلان الإعدام سوى ذر الرماد بالعيون وإخفاء حقيقة التعذيب القاتل.
" وبعد أن فشلت كل أساليبهم في النيل من إرادته الفولاذية ضربوه بالهراوات حتى أدموه, علقوه من رجليه مشدوداً إلى السقف, أوقعوه مغشياً عليه ... قطعوا من لحم ساقه وذروه بالملح ... كسروا عظامه ...طوحوا به في سراديب "قصر النهاية" أياماً وليالياً ... مطروحاً في مياهها الآسنة الباردة مقيداً عارياً ... حرموا عليه الأكل والشرب والمنام, لم يبقوا في جسده مكاناً تمتحن فيه بطولة وإرادة الإنسان الشيوعي إلا وسلطوا عليه آلات تعذيبهم الجهنمية. وامتدت أيديهم الآثمة إلى عينيه الجريئتين رغم كل هذا العذاب ... ضغطوهما بالأصابع حتى ينزف منهما الدم وسال منهما ماء الرؤية ... وأخيراً طرحوه أرضاً .. مهشماً .. مشوهاً .. بقية إنسان كبير كان بالأمس مليئاً بالحيوية والحب للخير .. لكل البشرية ... للشعب العراقي .. وسيروا فوقه عجلة حديدية ضخمة (حادلة, ك. حبيب) سحقت جسده النحيف..."5.         
نشر كتاب المنحرفون قوائم كثيرة عن أشخاص قتلتهم قوات الحرس القومي أو غيبوا بعد إحالتهم على هيئة التحقيق الخاصة, كما عرضوا لصندوق خشبي صغير استخدم لنقل متتابع لـ 120 جثة قتل أصحابها من قبل لجنة التحقيق الخاصة ودفنت في مناطق مختلفة6, كما عرض الكتاب لمقبرة جماعية دفن فيها الكثير من القتلى حيث جاء تحت صورة المقبرة الجماعية ما يلي: "منطقة الجزيرة ما بين بغداد-الكوت .. وقد دفنت عشرات الجثث في هذه المنطقة الخالية من قبل مكتب التحقيق الخاص التابع إلى الحرس اللاقومي.. أخذت الصورة يوم 15/12/1963"7.
وفي الملحق رقم 1 الذي نشره الدكتور الراحل علي كريم سعيد في كتابه الموسوم "العراق البيرية المسلحة حركة حسن سريع وقطار الموت 1963" والصادر في عام 2002 يؤكد على تنظيم مهرجانات من التعذيب والقتل لعدد كبير من الضباط الأحرار في أعقاب نجاح انقلاب 8 شباط ومن ثم في أعقاب فشل حركة حسن سريع في عام 1963, أولئك الذين ساهموا في ثورة تموز  كالزعيم الركن داود الجنابي, والمقدم إبراهيم الموسوي, والعميد عبد المجيد جليل, والعقيد حسين خضر الدوري الذي قلع له طه الشكرجي أذنيه بكلابتين, قبل رميه بالرصاص بأمر من صالح مهدي عماش. كما يذكر بأن طه الشكرجي كان قد قتل تعذيباً في مقر اللواء 19 في معسكر الرشيد النقيب عمر فاروق جلال من حماية عبد الكريم قاسم وآخرين. كما كان "على قائمة الإعدام 34 ضابطاً من أصل حوالي مائة معتقل في مقر اللواء 19, فنادى عليهم (طه الشكرجي, وهو أحد الضباط البعثيين المسؤولين عن التحقيق, ك. حبيب) وأخذهم بسيارة لوري إلى منطقة قريبة من عكركوف, وتم هناك رميهم ودفنهم في نفس المكان, وكان بين القتلى المقدم فاضل البياتي, والرئيس الطيار منعم حسن شنون, والرئيس الأول جلال أحمد فهمي, والنقيب عباس الدجيلي والرئيس هشام إسماعيل صفوت, والنقيب حسون الزهيري وكلهم من الضباط الأحرار, وإبراهيم الحكاك ولطيف الحاج وصاحب أحمد المرزا (طالب بكلية الطب) وصبيح سباهي وغيرهم".8       
وفي مكان آخر يشير الدكتور سعيد إلى أن الملازم أيوب وهبي الملقب بابن شيتا قد دخل في عام 1963 إلى نادي الأولمبي الذي كان أحد مقرات التحقيق والتعذيب السيئة الصيت ببغداد "فرأي مجموعة من الضباط يقفون جانباً, فسأل مَن هؤلاء؟ فقالوا هذا الرائد حافظ علوان مرافق عبد الكريم قاسم, وهذا الملازم نوري ناصر أحد مرافقي قاسم, والملازم الطيار طارق محمد صالح أبن أخت عبد الكريم قاسم والملازم الطيار كريم صفر والرئيس غازي شاكر الجبوري, فسحب أيوب وهبي أقسام رشاشته ورماهم جميعاً دون تردد, فلم ينج غير حافظ علوان الذي احتمى بعامود كونكريتي, وغازي الجبوري الذي اكتشفه فيما بعد ناقل الجثث بسيارة الإسعاف إنه ما زال حياً, فأخذه إلى مستشفى الرشيد العسكري حيث أنقذه أطباؤها بأعجوبة"9.         
عرف الشعب العراقي في أعقاب ثورة تموز 1959 صحفياً بارزاً ومتميزاً في كتاباته ومقالاته الصحفية حيث كان يكتب باسم "أبو سعيد" في جريدة اتحاد الشعب, وكان أحد الكوادر المتقدمة في الحزب الشيوعي العراقي, إنه الإنسان الطيب عبد الجبار وهبي. اعتقل عبد الجبار وهبي مع رفيقيه جمال الحيدري ومحمد صالح العبلي وتعرض إلى تعذيب شرس يصف جزءاً من عواقب التعذيب عليه بعض البعثيين الذين شاهدوا وهبي في قصر النهاية, إذ كتب الدكتور على كريم سعيد يقول:
"يقول الضابط محمد علي سباهي الذي كان عضواً وأحد مؤسسي المكتب العسكري لحزب البعث العربي الاشتراكي قبل 8 شباط: "في عام 1963 زرت في قصر النهارية عمار علوش وكان مشرفاً على التحقيقات, فرأيت عنده عبد الكريم الشيخلي (وزير الخارجية فيما بعد)وأيوب وهبي وخالد طبرة, وفوجئت بالصحفي عبد الجبار وهبي ممدوداً على الأرض وكان على وشك الموت ويطلب الماء, ويجيبه خالد طبرة (مدير عام فيما بعد): "ها گواد (قواد) تريد مي (ماء)!!", ولم يعطه. وكان الدكتور فؤاد بابان قد أخبرني بمدينة السليمانية عام 2001 قائلاً: كنت معتقلاً في قصر النهاية "فرأيت عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) منشور الرجل من تحت الركبة بآلة نشر خاصة, وكان إلى جانبه شخص آخر لديه يد واحدة معلق منها"10.
يشير طالب شبيب, وكان في قيادة البعث ووزير خارجية حكومة الانقلاب, إلى أن ستة من مدراء البلديات الذين عينهم وزير الشؤون البلدية محمود شيت خطاب وذهبوا لتسلم مناصبهم ووجهوا بالحرس القومي الذي تناولهم بالضرب تأديباً لهم لكي لا يعودوا ثانية إلى مناصبهم, فليس الوزير يعين مدراء البلديات, بل هم الذين يقومون بتعيين مدراء البلديات. جاء وزير الشؤون البلدية بهؤلاء الستة إلى مقر حازم جواد وكان طالب شبيب موجوداً هناك. فسألوه عما جرى لهؤلاء الجرحى "وكأنهم خارجون تواً من غرفة إسعاف وتضميد, يحملون رؤوساً معصوبة وأيدي وأرجلاً وأقدماً مجبَّرة. وكان منظرهم أشبه بتظاهرة أثارت استغرابنا, فقال إنهم رؤساء البلديات الذين وافقتم على تعيينهم, قام رجال الحرس القومي بضربهم تأديباً لهم, وطلبوا منهم أن يعودوا مرة أخرى إلى مراكز عملهم, لأن قيادات الحرس القومي قد اختارت بنفسها رؤساء بلديات آخرين, وهم الآن يمارسون وظائفهم دون الرجوع إلى وزير البلديات"11.   
وبصدد أساليب التعذيب التي مارسها البعثيون ضد المعتقلين كتب المحامي خالد عيسى طه في مقال له حول تجربته مع المندائيين أثناء وجوده في المعتقل كتب يقول:
".. أدخلونا ذات ليلة في غرفة .. و في الصباح التالي رأيت منظرا لن أنساه ما حييت إذ رأيت شخصا كهلا ، شيخا مسنا قد وثقت يديه ورجليه بكرسي وكان هناك رجل من الحرس القومي يمسك بيده شمعة ويريد بها حرق لحية الشيخ بينما كان شيخنا يصرخ و يصرخ .
فكرت في داخلي إذ لم أكن أتخيل يوما أن يكون هناك حزبا بكامله يحمل السلاح ويهدد لحية رجل مسن بريء!!!! فبدا لي أن حرسا قوميا يمثل حزب البعث قد ترك كل الأهداف المعادية وركز على لحية الشيخ المندائي" الصابئي" ....
سُحبت إلى الغرفة بعدما عذبوني بقيادة حرس.. ولم أدرك بعدها النتائج ولكن علمت فيما بعد بان هذا الشيخ كان يعود لعائلة تلقب ب(الصگر..).
أيام تلت أيام و سنين تلت سنين و تبدلت الأجواء و حدث انقلاب على انقلاب البعث وجاء عبد السلام عارف .. وكانت كل معرفتي بالمندائية أنهم أناس طيبون جل احترافهم يكمن في الصياغة  ..وما كانت صورة الشيخ لتغادر مخيلتي وسألت نفسي: ترى ما الذي فعله ذلك الشيخ وما الذي اقترفه ليعذب هكذا ؟؟؟؟" 12
شباط/فبراير 2010-01-31               كاظم حبيب
الهوامش

1 هيئة الدليل الدولي. المنحرفون من الحرس القومي في المد الشعوبي تحت أشعة 18 تشرين الثاني 1963. مصدر سابق. ص 84/85.
2 ملاحظة: من الجدير بالإشارة إلى أن جميع هؤلاء الذين قتلوا على أيدي الحرس القومي وأعضاء لجنة التحقيق الخاصة كانوا قد تعرضوا لأشرس أشكال التعذيب الهمجي الذي يصعب تصوره ثم قتلوا بأبشع صور القتل بما في ذلك قطع الأصابع والأيدي وأعضاء من الجسم, في ما عدا أولئك الذين قتلوا على عتبة بيوتهم أو الذين قتلوا في دورهم مباشرة وحال اعتقالهم. ك. حبيب. ويمكن التدليل على ذلك من أكثر من مصدر في هذا الصدد, ولكن بشكل خاص ما كتبه الدكتور علي سعيد كريم في كتابه عن طالب شبيب نقلاً عما ذكره الدكتور تحسين معلة, وهو من البعثيين البارزين وكان يحتل موقعاً مهماً في حزب البعث الحاكم, حيث قال ما يلي:
"بعد اعتقال قيادة الحزب الشيوعي بأربعة أيام طلب مني حمدي عبد المجيد الحضور إلى "قصر النهاية" لعيادة بعض المرضى. ذهبت إلى هناك وبدأت من السرداب فرأيت سلام عادل نائماً وسط القاعة طاوياً نفسه على الأرض مشدود العينين مدًّمى. وعبد الرحيم شريف العاني بنفس الحالة وكذلك حسن عوينة وعبد القادر إسماعيل البستاني وحمدي أيوب العاني وآخرين لم أتعرف عليهم وكانوا بحالة مزرية ينامون مباشرة على أرضية السرداب الرطبة. حاولت تضميد جراحهم وانتقلت لردهات أخرى وكتبت لهم الأدوية المطلوبة وكنت أعودهم يومياً لمدة أسبوع. وتعاملت معهم كما يتعامل طبيب مع ردهة اعتيادية للمرضى حتى جيء في أحد الأيام بهاشم جواد (وزير خارجية قاسم) وأعطوه وجبة عشاء "خبز وتمر" فسألته : هل تشكو من شيء؟ فأجاب مذهولاً "شنو يعني؟" فقال له أحد الحراس القوميين: هذا د. تحسين معلة, فوقف مرتجفاً" نعم نعم!! قلت أنا طبيب وأستطيع أن أخدمكم...".  ويبدو أن الدكتور تحسين معلة كان يقصد بأن الدكتور هاشم جواد كان قد فقد جزءاً من قدرته على التفكير بسبب التعذيب الذي تعرض له أيضاً مع الآخرين وسوء المعاملة اليومية وسوء التغذية. ك. حبيب.   
3 سعيد, علي كريم د. عراق 8 شباط 1963, من حوار المفاهيم إلى حوار الدم. مراجعات في ذاكرة طالب شبيب. طبعة أولى. دار الكنوز الأدبية. بيروت. 1999.  ص 200.   
5 دكله, صالح مهدي. من الذاكرة. "سيرة حياة". دار المدى للثقافة والنشر. دمشق. ط 1. 2000. ص 97/98. 
5  الغد. مجلة كانت تصدرها لجنة الدفاع عن الشعب العراقي, ومقرها مدينة براغ في جيكوسلوفاكيا. العدد 2/ 1964.
راجع أيضاً: خيري, زكي وسعاد. دراسات في تاريخ الحزب الشيوعي العراق. اليوبيل الذهبي. طبعة أولى. لندن. 1984. ص 386.   
6 هيئة الدليل الدولي. المنحرفون منشورات عربية سلسلة رقم 1/ 1964. مصدر سابق. ص 62.
7 نفس المصدر السابق. ص 63.
8 سعيد, علي كريم د. العراق البيرية المسلحة, حركة حسن سريع وقطار الموت 1963. الفرات للنشر والتوزيع. بيروت. 2002. ص 141/142.
 9 نفس المصدر السابق. ص 142.
10 نفس المصدر السابق. الهامش ص 59.
11 نفس المصدر السابق. ص 167/168.
12 (موقع بحزاني الإلكتروني بتاريخ 27/3/2007).


516
هل الدكتور بارق شبر على حق في موقفه من اللبرالية الجديدة؟
الحلقة الثانية
ما هي الليبرالية الجديدة؟
أعطى انتصار التحالف الدولي في الحرب العالمية الثانية على دول المحور, ضد النازية الألمانية والفاشية الإيطالية والعسكرية اليابانية, التي كانت تهدف إلى الهيمنة على مناطق كثيرة من العالم وإعادة تقسيم مناطق النفوذ الاستعماري القديم لصالحها وانتقاماً لخسارة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى التي بدأت الحرب الجديدة, زخماً جديداً وكبيراً لحركات التحرر الوطني في المناطق المستعمرة والتابعة في كل من آسيا وأفريقيا, إضافة إلى تنشيط جديد للحركات الديمقراطية والتقدمية في أمريكا اللاتينية. وقد وجدت حركات التحرر الوطني دعماً وتأييداً كبيرين من جانب الاتحاد السوفييتي ودول الديمقراطية الشعبية, التي كانت قد تشكلت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وشكلت سوية المعسكر الاشتراكي كنتيجة من نتائج تلك الحرب. وتحررت الكثير من مناطق العالم من الهيمنة الاستعمارية المباشرة وشكلت دولها الوطنية المستقلة ودخلت في عضوية هيئة الأمم المتحدة التي كانت قد تشكلت لتوها لتحل عملياً محل عصبة الأمم, وتلقى الاستعمار القديم الذي استند إلى النظرية الاقتصادية اللبرالية الكلاسيكية ضربات موجعة وسريعة خلال العقدين الخامس والسادس حتى منتصف السابع تقريباً من القرن الماضي, مما دفع بهذه الدول إلى التفكير بأساليب وأدوات جديدة لمواصلة هيمنتها واستغلالها لشعوب وثروات تلك البلدان الحديثة التكوين, كما لم تستطع المدرسة الكينزية إنقاذ الرأسمالية من أزماتها الدورية أو المظاهر الجدية التي برزتوشكلت بديايات أزمة هيكلية طويلة الأمد للرأسمالية على الصعيد العالمي, والتي أطلق عليها بـ "الموجة الطويلة" كما سميت بـ "موجات كوندراتيف" نسبة إلى الاقتصادي الروسي نيكولاي كوندراتيف Nikolai Kondratieff (1892-1938) الذي اكتشفها والذي صدر بحقه قرار الإعدام رمياً بالرصاص ونفذ فيه في العام 1938 على أيدي أجهزة أمن ستالين القمعية في إطار حملة "التطهير" الكبرى التي تعرض لها الكثير من الشيوعيين والمثقفين الروس المعارضين لسياسات جوزيف ستالين حينذاك, علماً بأنه كان من مؤيدي سياسة لينين التي أطلق عليها بالسياسة الاقتصادية الجديدة (النيب) التي بدأ بها في العام 1921, وتوقفت مع صعود ستالين إلى قيادة الحزب والدولة حتى قبل وفاة لينين في العام 1924.
لقد دفعت هذه الظواهر الجديدة بمنظري الرأسمالية للعودة والأخذ بمبادئ نظرية اللبرالية الكلاسيكية ضاربين عرض الحائط نصائح وسياسات كينز ومضيفين إليها بعض الرتوشات والسياسات مما سمح لهم بتسميتها بـ "النيوليبرالية" أو "اللبرالية الجديدة". لقد بدأ منظرو الرأسمالية بالعمل منذ الستينات, رغم بروز بعض هذه الأفكار في الثلاثينات من القرن الماضي بالارتباط مع الكساد الأعظم حيث برزت النيوليبرالية من جهة, والنظرية الكينزية من جهة أخرى, ولكن الأولى لم تستطع فرض نفسها في حينها بل أخذ العالم الرأسمالي بنظرية كينز, وبقيت الأولى جنينية تبحث عن فرصة مناسبة للظهور إلى أن تبلورت أكثر فأكثر في الستينات والسبعينات من القرن العشرين بعد أن بدا لاقتصاديي وسياسي الدول الرأسمالية المتقدمة بأن الكينزية لم تعد مناسبة لتحقيق المزيد من الأرباح التي كانوا يتوقعونها منها, فانتعشت أفكار اللبرالية الجديدة من جديد باعتبارها معارضة للكينزية مع بروز أزمة الدولة السوفييتية في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينات من القرن الماضي ثم تسارعت مع سقوط الاتحاد السوفييتي وبقية البلدان "الاشتراكية" في نهاية العقد التاسع من القرن الماضي. وقد اقترن ذلك بانتشار سريع لفكر وممارسات العولمة الرأسمالية واستثمار ذلك من أتباع هذه النظرية لصالح الدول الصناعية الرأسمالية الكبرى على نحو خاص, ولكن بشكل خاص لمراكزها الثلاثة: الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا الغربية أو الاتحاد الأوروبي واليابان من خلال ممارسة سياسات عولمية شديدة التطرف والاستغلال. فما هو جوهر هذه النظرية الاقتصادية (القديمة) الجديدة التي يطلق عليها أحياناً بالنظرية الكلاسيكية الجديدة   neoclassic؟       
اللبرالية الجديدة شارع عريض للفكر البرجوازي في الدول الرأسمالية المتقدمة في مرحلة العولمة, إذ برز فيها العديد من الاتجاهات المتقاربة طبعاً مع وجود بعض الاختلافات. وقد لعب الصراع الفكري والسياسي والعملي مع الاتحاد السوفييتي دوره البارز في سرعة نهوض هذه النظرية, وبشكل خاص المدرسة الألمانية التي أطلق عليها أيضاً بـ Ordoliberalismus وهي التي سميت أيضاً بـ Soziale Marktwirtschaft  أي اقتصاد السوق الاجتماعي, والذي بدا منظروه يسعون إلى تخفيف الصراع والنزاع بين العمل ورأس المال من خلال جملة من القرارات الإدارية والقوانين التي تضعها الدولة, أي محاولة السيطرة على الصراع الطبقي وتقليص النزاعات بين العمال وأصحاب رؤوس الأموال في مرحلة الصراع والحرب الباردة مع المعسكر "الاشتراكي".
نحن أمام مدرستين أساسيتين أنبثقتا عن المدرسة الأنگلوسكسونية وهما: (مدرسة شيكاغو) كما يطلق عليها أحياناً (أولاد شيكاغو) ومدرسة فيينا أو النمساوية - الألمانية. وهي كلها تنطلق من حيث المبدأ من القاعدة الأساسية أو المبادئ المتحكمة باللبرالية والتي أشرت إليها في الحلقة السابقة.  NÖRR, Knut Wolfgang/STARBATTY, Joachim (Hg.) ]
1999: Soll und Haben - 50 Jahre Soziale Marktwirtschaft. Marktwirtschaftliche Reformpolitik. Schriftenreihe der Aktionsgemeinschaft Soziale Marktwirtschaft. N.F. Stuttgart, S.3-5.[
كان أحد نماذج مدرسة شيكاغو المتشددة دولة شلي في عهد الدكتاتور أوغستينو بينو شيت, في حين كان النموذج الألماني هو الأقل قسوة. 
ومن الجدير بالذكر أن اللبرالية الجديدة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي, كما يشاع في غالب الأحيان, بل تشمل الجوانب الفكرية والاجتماعية والنفسية والسياسية والعسكرية والبيئية التي كانت تتجلى بشكل صارخ في سياسات رونالد ريگن في الولايات المتحدة الأمريكية, ومارگريت تاتچر في بريطانيا, وهيلموت كول في ألمانيا وبينوشيت في شيلي على سبيل المثال لا الحصر, ومن ثم اتخذت مسارها الصارخ في سياسات بوش الأب والابن على حد سواء.
لخص الدكتور أشرف منصور في مقال له اللبرالية الجديدة في الدول الرأسمالية المتقدمة على النحو التالي: " ... ظهر خطاب الليبرالية الجديدة الذي رأى أن علاج الأزمة يتمثل في عودة اقتصاد السوق و تركه يعمل بحرية، و التخلص من العبء الثقيل للدولة و أجهزتها البيروقراطية التي تم النظر إليها على أنها من أسباب الأزمة، و التخلي عن كل الالتزامات السابقة للدولة مثل برامج الرعاية الاجتماعية و التأمين و إعانة البطالة التي أدت إلى تضخم أجهزتها و دينها الوطني. و مع الليبرالية يعود مبدأ حرية المنافسة في الظهور، و تعود الفكرة القديمة عن التوازن التلقائي للمصالح بفعل قوانين السوق الضرورية، و يعود من جديد مبدأ "دعه يعمل" Laissez Faire. [راجع: أشرف منصور. الليبرالية الجديدة في ضوء النقد الماركسي للاقتصاد السياسي. موقع الحوار المتمدن. العدد 1787 بتاريخ 6/1/2007.]
ويفترض هنا القول بأن اللبرالية الجديدة تدعو من منطلقها الإيديولوجي البحت إلى الحرية المطلقة للفرد, والمساواة التامة أمام القانون الذي يقود تلقائياً, كما ترى, إلى تحقيق العدالة الاجتماعية, وقصر نشاط الحكومة على الحد الأدنى من المهمات, إذ يفترض أن يقتصر دورها على ضمان تكافؤ الفرص, حماية الفرد, منع التمييز, وضمان الشروط الضرورية لنجاح اقتصاد السوق الحر. وقد اعتقدت مدرسة أولاد شيكاغو (Chicago Boys  (, التي تبنت وعملت على تطبيق اللبرالية الجديدة في شيلي, إلى أن الدولة الاستبدادية أو التسلطية هي وحدها القادرة على تأمين حرية الفرد المطلقة وحرية السوق. (راجع: هريرت شوي. الليبرالية الجديدة : الأسس النظرية والسياسية, من كتاب له بعنوان:
)Herbert Shui. Neoliberalismus: politische und theoretische Grundlagen Wollt Ihr den totalen Markt? Der Neoliberalismus und die extreme Rechte, München 1997.(
وبدا هذا النهج واضحاً مع انهيار المعسكر الاشتراكي وغياب المنافسة السياسة والاقتصادية بين المعسكرين وتوقف الحرب الباردة مؤقتاً, كما يبدو, إذ اتخذت سياسة اللبرالية الجديدة مساراً رأسمالياً صارخاً أو ما يطلق عليه أحياناً من جانب النقابات(Pur Kapitalismus) في محاولة جادة لانتزاع كل المكاسب الاجتماعية والسياسية التي حققتها الطبقة العاملة وفئات المثقفين والفلاحين خلال العقود الثلاثة التي سبقت سقوط المعسكر الاشتراكي, وبدأ الجو الاجتماعي بالبرود والتوتر, وبدأ الرأسماليون الكبار وممثلو الشركات الاحتكارية والمتعددة الجنسية يرفضون المساومة التي كانت قد برزت في تلك العقود بين العمل ورأس المال وراحوا يشددون بالضغط على جملة من الأمور منها على سبيل المثال لا الحصر: الحد الأدنى للأجور, العمل من أجل العودة إلى ستة أيام عمل في الأسبوع, زيادة ساعات العمل اليومية, عدم دفع أجور عن ساعات العمل الإضافية, تقليص المكاسب الاجتماعية وزيادة الضريبة غير المباشرة المفروضة على السلع والخدمات وتقليص الضرائب عن الشركات وأصحاب رؤوس الأموال والأرباح العالية, ثم الضغط على دور النقابات في الدفاع عن مصالح العمال والموظفين والمستخدمين, وفرض تعريفات إضافية على الأدوية والطبابة والمعالجة الطبية في المستشفيات والمصحات, كما اتسعت البطالة وازدادت نسبة عدد العاطلين عن العمل إلى عدد القادرين على العمل وتقليص مقدار ما يدفع من تعويض شهري للعاطلين عن العمل أو لمستحقي المساعدة الاجتماعية التي تقدم للمعوزين شهرياً...الخ. وتقدم ألمانيا والكثير من دول الاتحاد الأوروبي نماذج صارخة في هذا الصدد. ولم يكن هذا وحده بل جرت عملية خصخصة للمشاريع الاقتصادية التي كانت بيد الدولة وكانت ناجحة وتحقق عوائد مالية جيدة لخزينة الدولة, وكانت في الوقت نفسه عوناً في إنتاجها وأسعارها للفئات الفقيرة والكادحة, سواء أكان في مجال الكهرباء أو الماء أو النقل أو الإنتاج السلعي وغيرها من مشاريع الخدمات العامة والإنتاجية, كما تراجعت أو انتهت مشاركة الدولة في المشاريع الاقتصادية الإنتاجية في عدد غير قليل من المجالات الاقتصادية والخدمية, إذ أن فلسفة اللبرالية الجديدة هي إبعاد الدولة عن كل نشاط اقتصادي واجتماعي وثقافي وجعلها تلعب دوراً رقابياً وإدارياً عاماً. وحتى هذا الدور لم تقم به كما يجب, كما رأينا في أزمة العقارات والبنوك في الولايات المتحدة الأمريكية وكل الدول الأوروبية وفي دول جنوب شرق آسيا أو النمور الثمانية أو في أمريكا اللاتينية, وكذلك تفاقم عمليات المضاربات المالية الهائلة في العديد من البورصات التي أدت إلى انهيارات كثيرة في الكثير من دول العالم في الثمانينات والتسعينات وفي الآونة الأخيرة أيضاً. إن اللبرالية الجديدة تستخدم السياسات المالية والنقدية بما يخدم مصالح رأس المال وليست في صالح الكادحين والمنتجين الفعليين للثروة الوطنية وترمي بثقل المكاسب التي تقدم للشركات الكبرى البنوك وغيرها على عاتق دافعي الضرائب, كما حصل في محاولة معالجة الأزمة المالية والاقتصادية الأخيرة التي لا تزال مستمرة وستبقى لفترة طويلة. والإيذاء الفعلي لهذه الأزمة لا يشمل المنتجين والفقراء والعاطلين عن العمل في الدول الصناعية الرأسمالية المتقدمة حسب, بل وترهق كثيراً كاهل شعوب الدول النامية, وخاصة الفقيرة منها. إن بلداً مثل ألمانيا, باعتبارها واحدة من أغنى الدول الرأسمالية المتقدمة, يوجد فيه الكثير من الأطفال الفقراء. فوفق تقرير نشر في DW دويچة فيله جاء فيه ما يلي: الجدير بالذكر أن عدد الأطفال الذي يعانون من الفقر يتزايد في ألمانيا سنة بعد أخرى. وتقدر كل من منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) والاتحاد الألماني لحماية الأطفال أن 2,5 مليون طفل يعيشون في ألمانيا في ظروف مالية واجتماعية صعبة، أو ما يسمى بالفقر النسبي. وهو مصطلح ينطبق على الحالات التي يكون فيها معدل دخل عائلة ما أقل من نصف متوسط الدخل العام". كما جاء في الدارسة التي قامت بها مؤسسة هانز بوكلر. المؤسسة التي تعمل بالتعاون مع النقابات العمالية في ألمانيا أوضحت أن هناك نحو 7.4 مليون موظف يحصلون على مساعدات من الدولة لانخفاض دخولهم، وهو عدد أقل من عدد الموظفين الذين يحق لهم الحصول على المساعدات وهو 10 مليون موظف. واتهمت المؤسسة الحكومة الألمانية بأنها لا تعلن إلا نصف الحقائق، وأنها بذلك تتسبب في أن تعيش ملايين العائلات في حالة من الفقر ويعاني معهم أطفالهم. [راجع موقع DW بتاريخ 7/2/2010 مقال تحت عنوان "رعاية الأطفال أولى ضحايا ظاهرة الفقر في ألمانيا", رغم أن ألمانيا تمارس ما يسمى بسياسة السوق الاجتماعي التي بدأ نسف الجانب الاجتماعي منها تدريجاً مع سقوط الاتحاد السوفييتي على نحو خاص. كما بدأت الحياة الديمقراطية العامة والاستفتاءات الشعبية بالتقلص لصالح التمثيل البرلماني حيث بدأت الفجوة تتسع بين النواب والمجتمع, كما بدأت مصداقية السياسيين والسياسة بالهبوط الشديدين.
إن السياسات التي تمارسها المراكز الأساسية للدول الرأسمالية الصناعية ومؤسساتها المالية والنقدية والتجارية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة الدولية) موجهة بالأساس ضد اقتصاديات الدول النامية ولصالح الدول المتقدمة. ويمكن للتقارير السنوية لهذه المؤسسات أن تكشف عن حقيقة تلك الأوضاع وحقيقة زيادة واتساع الفجوة بين الدول المتقدمة والدول النامية وبين الأغنياء والفقراء واتساع قاعدة الفقراء والجياع في العالم. والأهم من كل ذلك هو اتساع الفجوة في مجال العلم والتعليم والبحث العلمي ومستوى تطور القوى المنتجة والتقنيات المستخدمة في الإنتاج وحجم الإنتاج الإجمالي ومعدلات الإنتاجية السنوية ومعدل حصة الفرد الواحد من الناتج المحلي الإجمالي أو الدخل القومي.
إن سياسة اللبرالية الجديدة التي التزمت بها قوى المحافظين الجدد ومارستها بإصرار وتشديد تجلت في الجانب السياسي, أي في سياسة توجيه ما يسمى بـ "الضربات الاستباقية" والعقوبات الردعية والمقاطعة والحصار الاقتصادي بدلاً من المفاوضات والتحري عن حلول سلمية تفاوضية, فالقوة العسكرية هي اللغة المفضلة والعامل الحاسم في حل الخلافات من وجهة نظر اللبرالية الجديدة وقوى المحافظين الجدد, وهو الدور الذي تعطيه هذه النظرية للدولة على نحو خاص. وكان العقدان التاسع والأخير من القرن العشرين وكذلك الفترة الأولى من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين نموذجاً لممارسة هذه السياسة المتوحشة.   
يشير الكاتبان "تيمونز روبيرتس" و "أيمي هايت" في كتابهما المشترك الموسوم "من الحداثة إلى العولمة" بشأن التوجه الشديد في أمريكا اللاتينية للأخذ بنظرية السوق التي أطلق عليها بسياسة "التعديل اللبرالي الجديد" بصواب إلى أن الوصفة قد تكونت من "سبع خطوات أساسية:
1 – انفتاح من جانب واحد على التجارة الخارجية.
2 – خصخصة شديدة لمشاريع الدولة.
3 – تحرير السلع والخدمات وأسواق العمل من القيود.
4 – تحرير السوق الرأسمالي مع خصخصة شديدة لأرصدة المعاشات الحكومية للتقاعد.
5 – تعديل مالي مرتكز على تقليص شديد للنفقات العامة.
6 – إعادة تشكيل وتخفيض معدل البرامج الاجتماعية المدعومة من قبل الحكومة والتركيز على خطط تعويضية للفئات الأكثر حاجة.
7 – نهاية "السياسة الصناعية" وأي شكل آخر لرأسمالية الدولة, والتركيز على الإدارة الاقتصادية الضخمة. (دياز 1996 Diaz)" [راجع: "تيمونز روبيرتس" و "أيمي هايت. "من الحداثة إلى العولمة" ترجمة سمر الشيشكلي. سلسلة عالم المعرفة 310. أيلول سبتمبر 2004. ص 263].
ويستكمل الباحثان الفكرة فيشيران إلى التغييرات الاجتماعية التي احدثتها هذه الوصفة النيوليبرالية كما يلي:
1 – إعادة تقييم للربح الرأسمالي كأمر مرغوب به ومتطابق ومنسجم مع المصالح الوطنية.
2 – تلازم التقليل من قيمة العمل التنظيمي والصناعة المحلية على أنها "ملاجئ حماية مستأجرة" معادية للكفاءة الاقتصادية.
3 - دعم الاستثمارات الأجنبية كضرورة من أجل تنمية مدعومة ومحمية.
4 – تجديد الثقة بالسوق عبر تقليل التأثيرات من أجل تقليص اللامساواة الاجتماعية.
5 – إعادة توجيه مصادر الفخر والثقة الوطنية بعيداً عن مقاومة التسلط الأجنبي بالتوجه نحو معاودة الدخول بتأهيل جيد في مجالات التجارة العالمية (كاسلز ولاسيرنا 1989و ايفانو 1995, مالك مايكل 1995)" [نفس المصدر السابق].   
لا شك في أن انتهاج هذه السياسة أمكن بها السيطرة على بعض حالات التضخم والارتفاع الشديد في الأسعار, ولكن هذه "الوصفة السحرية!" عجزت عن تحقيق التنمية المنشودة والتشغيل ومكافحة البطالة ومكافحة الفقر والحرمان في تلك الدول التي مارست هذه السياسة بل اتسعت كل تلك المظاهر السلبية فيها, كما عجزت عن إيقاف أزماتها ومنها الأزمات المالية, ومنها ما حصل في المكسيك مثلاً, رغم أن النتائج كانت متباينة نسبياً في هذه البلدان, ولكنها على العموم لم تكن إيجابية, كما إنها حققت بالأساس, وهذا هو الجوهري في اللبرالية الجديدة, الكثير من الأرباح للرأسمال العالمي وللشركات الرأسمالية الاحتكارية المتعددة الجنسية وللبرجوازية الكبيرة في كل دولة من هذه الدول.
إن سياسة اللبرالية الجديدة الموجهة للدول النامية في المجال الاقتصادي تتجلى في وصفة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والتي تسعى إلى فرضها على جميع الدول النامية على حد سواء والموسومة بـ "الإصلاح الاقتصادي والتكييف الهيكلي". فماذا يعني ذلك بالنسبة للكثير جداً من الدول النامية؟ هذا ما سنعالجه في الحلقة الثالثة.
انتهت الحلقة الثانية وتليها الحلقة الثالثة.
 8/2/2010                       كاظم حبيب

 


   
   

517
كاظم حبيب
مسقط رأسي يعيش حزناً قاهراً, ينزف دماً, يصرخ وجعا عارماً!!  فمتى ينتهي..؟
مدينتي الحزينة أبداً, مسقط رأسي, يعيش أهلها في كربٍ وبلاء دائمين, يعيش بنوها وبناتها في همٍ قاتل وفي محنة لا تنتهي. استشهد فيها الحسين وصحبه الكرام في صراعهم ضد الظلم والطغيان. فحولت جمهرة من شيوخ الدين تلك الشهادة الغالية إلى مآتم لا تنتهي, بدلاً من جعلها مشهداًَ يجسد انتصار الإنسان على الظلم عبر الاستشهاد. وأصبحت المدينة سنة بعد أخرى مرتعاً للحزن الدائم واللطم القاهر وسيل من الدماء بأيدي الناس أنفسهم بشج رؤوسهم يعيش عليه ومن خلاله الكثير من البشر!
على مدار السنة يعيش الناس أياماً كثيرة في حزن متواصل, وأفراح الناس في هذه المدينة العطشى للفرح والبسمة والهناء نادرة. شباب المدينة وشاباتها لا يمتلكون غير الفراغ القاتل والحسرة على العمر الضائع في كرب دائم, حتى الحب الذي هو ركيزة الإنسان في الحياة في خطر دائم وفي خشية من آخرين!
كانت المدينة في السابق مبتلاة بالكثير من شيوخ الدين المتخلفين والكثير من تجار المواكب, وكانت مبتلاة بنظام دكتاتوري يطارد الناس في حياتهم اليومية وينكد عليهم عيشهم المنكد أصلاً. أما اليوم, فالناس في كربلاء يعيشون تحت وطأة بلايا ثلاث, تحت وطأة الكثير من شيوخ الدين المتخلفين غير المتنورين ويصرون على مساراتهم السابقة ولم تتغير لديهم الحياة قيد أنملة بل تعمقت أكثر فأكثر, ومجالس محافظات وأحزاب تنكد عليهم عيشهم كما في السابق في تنظيم مثل هذه البدع المرفوضة دينياً, ثم أضيف إليها منذ سنوات عدة جمهرة متنوعة من الإرهابيين الأكثر تطرفاً والأكثر دموية الذين يمارسون قتل الناس بمتفجرات لا تكتشفها الأجهزة الفاسدة التي استوردتها الحكومة لتكتشف المتفجرات فأصبحت وبالاً على الناس لا رحمة لهم. أما المرأة فمبتلاة بأسوأ من الرجال فهن يعشن في ظلام دامس, أسوأ مما كانت تعيش فيه أمي وخالاتي وعماتي وكل نساء كربلاء قبل سبعين وتسعين ومائة عام!   
هناك من ينظم المواكب الحسينية سيراً على الأقدام, وهي بدعة جديدة نجدها في الكثير من الديانات, ويزيد من عدد المناسبات الحزينة والزيارات, فتصرف الدولة الملايين تلو الملايين من الدولارات الأمريكية لحماية الزائرين, ومع ذلك يبدو أن أصحاب المواكب وكأنهم يهيئون المجال لقوى الإرهاب, إذ يجد هؤلاء فيها خير مناسبات وأكبر تجمعات يمكن فيها قتل أكبر عدد ممكن من الناس, فهي التجمعات الأمثل لتنظيم مجازر بشرية. ولا نسأل عما يربحه من أموال الكثير من أولئك الذين ينظمون تلك المواكب الحسينية. كما أن العبرة هنا وبيت القصيد هو تشديد الصراع والنزاع والكراهية والحقد الطائفي بين اتباع المذاهب العديدة.
شيوخ الدين الكبار, منهم من مات ومنهم من ينتظر, يعرفون خطأ تلك المشاهد الكربلائية ومخالفتها للدين, سواء في العشرة الأولى من شهر محرم أم الأربعينية أم غيرها من مناسبات وفاة الأئمة الاثنا عشر وذويهم, حيث تسكب العبرات ويلطم الناس الخدود والصدور وتنزل السلاسل الحديدية بسكاكينها الحادة على ظهور الناس, وتضرب القامات أو السيوف على الرؤوس فيسيل الدم مدرارا, ولكن بعضهم الكبير لا يجرأ على ذلك وبعضهم يسانده لتخلفه أو يخفف من أثره. ولكن هناك من  كتب رافضاً ذلك مثل السيد أبو الحسن الموسوي, والشيخ محمد حسين القمي والسيد الخوئي, كما كتب عنه السيد محمد باقر الصدر وكاظم الحائري وغيره وغيره من كبار فقهاء المذهب الشيعي من المسلمين.
"إليكم بعض آراء المراجع الشيعية العليا في جلد الذات وإدمائه .... :
1 . أية الله العظمى السيد محسن الحكيم: " إن هذه الممارسات ( التطبير) ليست
فقط مجرد ممارسات... هي ليست من الدين وليست من الأمور المستحبة بل هذه
الممارسات أيضا مضرة بالمسلمين وفي فهم الإسلام الأصيل وفي فهم أهل البيت
عليهم السلام ولم أرى أي من العلماء عندما راجعت النصوص والفتاوى يقول بان
هذا العمل مستحب يمكن إن تقترب به إلى الله سبحانه وتعالى ان قضية التطبير هي
غصة في حلقومنا"
2 . أية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي:في رد على سؤاله حول إدماء
الرأس وما شاكل يقول: " لم يرد نص بشرعيته فلا طريق إلى الحكم باستحبابه".
المسائل الشرعية ج2 ص 337 طبع دار الزهراء, بيروت.
3 . أية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر في جوابه لسؤال الدكتور التيجاني
حين زاره في النجف الاشرف " ان ما تراه من ضرب الأجسام وإسالة الدماء هو من
فعل عوام الناس وجهالهم ولا يفعل ذلك أي واحد من العلماء بل هم دائبون على
منعه وتحريمه". كل الحلول عند آل الرسول ص 150 الطبعة الأولى 1997 م للتيجاني.
4 . أية الله العظمى السيد أبو الحسن الأصفهاني: " ان استعمال السيوف
والسلاسل والطبول والأبواق وما يجري اليوم من أمثالها في مواكب العزاء بيوم
عاشوراء باسم الحزن على الحسين (عليه السلام) اما هو محرم وغير شرعي" كتاب
هكذا عرفتهم الجزء الأول لجعفر الخليلي.
 5 . أية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: " على المؤمنين الأخوة والأخوات
السعي إلى إقامة مراسم العزاء بإخلاص واجتناب الأمور المخالفة للشريعة
الإسلامية وأوامر الأئمة (عليهم السلام) ويتركوا جميع الأعمال التي تكون
وسيلة بيد الأعداء ضد الإسلام، إذ عليهم اجتناب التطبير وشد القفل وأمثال
ذلك".
6 . أيه الله العظمى السيد كاظم الحائري: " إن تضمين الشعائر الحسينية لبعض
الخرافات من أمثال التطبير يوجب وصم الإسلام والتشيع بالذات بوصمة الخرافات
خاصة في هذه الأيام التي أصبح إعلام الكفر العالمي مسخرا لذلك ولهذا فممارسة
أمثال هذه الخرافات باسم شعائر الحسين (عليه السلام) من أعظم المحرمات".
7 . أيه الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله: "... كضرب الرأس بالسيف أو
جرح الجسد أو حرقه حزنا على الإمام الحسين (عليه السلام) فانه يحرم إيقاع
النفس في أمثال ذلك الضرر حتى لو صار مألوفا أو مغلقا ببعض التقاليد الدينية
التي لم يأمر بها الشرع ولم يرغب بها". إحكام الشريعة ص 247.
8. أية الله الشيخ محمد مهدي الاصفهي: " لقد دخلت في الشعائر الحسينية بعض
الأعمال والطقوس فكان له دور سلبي في عطاء الثورة الحسينية وأصبحت مبعثا
للاستخفاف بهذه الشعائر مثل ضرب القامات." عن كيهان العربي 3 محرم 1410 هـ.
9 . أيه الله العظمى السيد محسن الأمين: ".... كما ان ما يفعله جملة من الناس
من جرح أنفسهم بالسيوف أو اللطم المؤدي إلى إيذاء البدن إنما هو من تسويلات
الشيطان وتزيينه سوء الأعمال." كتاب المجالس السنية الطبعة الثالثة ص 7.
10 . أيه الله محمد جواد مغنية ".... ما يفعله بعض عوام الشيعة في لبنان
والعراق وإيران كلبس الأكفان وضرب الرؤوس والجباه بالسيوف في العاشر من
المحرم إن هذه العادات المشينة بدعة في الدين والمذهب وقد أحدثها لأنفسهم أهل
الجهالة دون ان يأذن بها إمام أو عالم كبير كما هو الشأن في كل دين ومذهب حيث
توجد فيه عادات لا تقرها العقيدة التي ينتسبون إليها ويسكت عنها من يسكت خوف
الإهانة والضرر." كتاب تجارب محمد جواد مغنية.
11 . أية الله الدكتور مرتضى المطهري: " ان التطبير والطبل عادات ومراسيم
جاءتنا من ارثودوكس القفقاز وسرت في مجتمعنا كالنار في الهشيم." كتاب الجذب
والدفع في شخصية الإمام علي (عليه السلام)."
(راجع في ذلك الكثير من المصادر, ومنها منتديات يا حسين, ك. حبيب)
وأخيراً وليس آخراً سقط 41 قتيلاً و 144 جريحاً ومعوقاً. بعدها قُتل آخرون في تفجيرات انتحارية جديدة. فمتى سينتهي البكاء في مسقط رأسي الحسين؟ متى يتوقف نزيف الدم العراقي بأيدي الطبارين أنفسهم, أو بأيدي الإرهابيين القتلة. متى تبتسم مدينتي احتفاءً بذكرى شهادة الحسين الذي ضحى بنفسه ضد الظلم والطغيان, ومن أجل أن يسود العدل؟ متى .. متى ...؟ صرخة لا بد لها أن تدوي يوماً فتصل إلى آذان كل الناس في العالم الإسلامي وإلى آذان شيوخ الدين قبل غيرهم من أجل أن يوقفوا هذه المآسي المتكررة سنوياً.   6/2/2010                      كاظم حبيب   

518
هل من عمليات عسكرية جديدة محتملة في منقطة  الخليج ؟

المؤشرات التي تحت تصرفنا وما يكتب في الصحافة الدولية أو ما يجري تداوله عبر الكواليس أو الأجهزة الأمنية وما طفح منها ونشر في بعض وسائل الإعلام تؤكد مجموعة من الحقائق المهمة التي يفترض الانتباه إليها عند تحليل الوضع في منطقتي الخليج والشرق الأوسط . وهي ذات أهمية فائقة للعراق. سنحاول لملمة أطراف الوضع الراهن بالنقاط التالية:
1.   ترفض إيران الكشف الكامل عن نواياها في إنتاج الأسلحة النووية وتكشف فقط عن تطور وتقدم أسلحتها الصاروخية بأبعادها المختلفة. وهذه القضية تثير بشكل خاص قلق متأزم لدى إسرائيل ودول الخليج, كما تثير القلق في عموم المنطقة والعالم. رغم وجود بعض العرب وبعض الدول العربية من يهلل لذلك.
2.   تمارس إسرائيل ضغوطاً دولية مكثفة على الدول الكبرى الأعضاء في مجلس الأمن الدولي ودول الاتحاد الأوروبي لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي. وآخر تلك اللقاءات الضاغطة كان مع رئيس وزراء إيطاليا برلسكوني وتصريحاته الصريحة.
3.   بدأت التهيئة الواسعة والمكثفة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية في بناء جدار دفاعي وقائي متقدم ضد احتمال الهجمات الإيرانية الصاروخية على إسرائيل ودول الخليج. كما بدات بسلسلة تجارب على دفاعات جديدة متقدمة.
4.   بدأت إسرائيل تهيئ نفسها باتجاهين: أ. احتمال قيامها بضرب مؤسسات تخصيب اليورانيوم والأجهزة المستخدمة لإنتاج السلاح النووي؛ ب. وتعزيز دفاعاتها ضد ردود الفعل واحتمالات شن هجمات عسكرية صاروخية من ثلاث جهات: القوات الإيرانية, ميليشيات حزب الله في لبنان ذات الانتماء الإيراني, وقوات حماس في غزة. كما يلاحظ الأسلوب الجديد الذي تمارسه قوات حماس في إرسال عبوات ناسفة مليئة بالمتفجرات إلى الشواطئ الإسرائيلية والتي يمكن أن تدفع إسرائيل إلى توجيه ضربات جديدة ضد غزة , والتي يمكن ان تقود غلى معارك أخرى تستفيد منها إيران مع اشتداد الحملة ضدها.
5.   بدأ المطبخ الدولي, وخاصة الأوروبي, يسعى إلى اتخاذ قرارات سريعة وجادة لمعاقبة إيران بما يسهم في درء خطر تفاقم الوضع وإيقاف مسيرة التدهور صوب معركة عسكرية جوية محتملة في حالة إصرار إيران على مواصلة طريقها في كسب الوقت لإنتاج السلاح النووي وعبر طرح مقترحات ترفض من المجتمع الدولي.
6.   وبدأت إيران تهيئ قواها الداخلية العسكرية والحرس الثوري وقوات البسيج لهذا الغرض ومن خلال توجيه ضربات قاسية لكل صوت معارض لسياسة إيران الداخلية والخارجية من طرف, ولكنها بدأت تهيئ من طرف آخر حلفاء إيران في العراق ولبنان وسوريا من أجل اتخاذ موقف التأييد لها في حالة وقوع أي حدث محتمل ضد إيران. وأكثر تلك القوى التي بدأ العمل على تهيئتها هي جيش المهدي وعصائب أهل الحق بقيادة الشيخ قيس الخزعلي المنشق سابقاً عن جيش المهدي, والذي بدأ مسيرة العودة إلى صفوف جيش المهدي بقياده مقتدى الصدر, كما يمكن العودة لتهيئة قوى أخرى, مثل منظمة بدر بقيادة هادي العامري وحزب الله العراقي, ترتبط باحتمال اضطرار القوات الإيرانية اختراق الحدود العراقية لتجد الدعم والمساندة المباشرة من هذه القوات.
7.   إن المشكلة الملموسة هي أن إيران تعتقد جازمة بأن الولايات المتحدة لا تجرأ على شن حرب جديدة في إيران نتيجة الأوضاع على أرض الواقع في كل من أفغانستان والعراق, وبالتالي فهي ليست بحاجة إلى دولة ثالثة تمر بذات الظروف. ولكن إيران تتحدث عن جانب واحد من الحقيقة, إذ أن الجانب الثاني هو أن المجتمع الدولي لا يقف إلى جانب إيران بل ضدها وإل جانب إسرائيل, وبالتالي فإيران سوف ترتكب حماقة كبيرة إن اعتقدت بعدم احتمال توجيه ضربات لها, كما أخطأ صدام حسين في ذلك.
إن الأوضاع في العراق ذاته تدعو إلى القلق الكبير نتيجة تفاقم نشاط القوى الطائفية في الأحزاب السياسية وأن غطي بعضه بمسائل أخرى, وتصعيد الصراع والاصطفاف الطائفي في العراق بحجة الانتخابات والتي يمكن أن تكون محملة بالكثير من المشكلات الإضافية التي تستثمر من القوى الحليفة لإيران من أجل الهيمنة التامة على الوضع والذي يمكن أن يدفع باتجاهات حرب أهلية خطرة. ويمكن ملاحظة ذلك في بيانات الحركة الشعبية لاجتثاث البعث في الآونة الأخيرة, وبشكل خاص البيان الصادر في بغداد بتاريخ 03/02/2010 .
من هنا يفترض العمل الجاد من جانب المجتمع الدولي لإقناع روسيا والصين بضرورة التنسيق مع بقية الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي من أجل وضع حد لسياسة إيران الراغبة في كسب الوقت لإنتاج السلاح النووي.
8.   كما لا بد من العمل لإقناع إسرائيل بضرورة التفاوض مع القيادة الفلسطينية قبل أن تتفاقم المشكلة وتقود إلى عواقب أبشع مما انتهت إليه الأوضاع حتى الآن. إذ إن حكومة نتنياهو اليمينية لا تزال عاجزة عن إدراك مخاطر عدم حل القضية الفلسطينية باتجاه حل الدولتين وأن تكون القدس الشرقية عاصمة لها ووفق حدود 1967 ومدى تأثير ذلك على قدرة إيران في استخدام هذه القضية لمواصلة إنتاج السلاح النووي وكسب عواطف الكثير من العرب والدول العربية إلى جانبها, سواء صرحت بذلك أم لم تصرح به.
نحن أمام مجموعة من العوامل التي يمكنها الدفع باتجاه استخدام السلاح في حل قضية إنتاج اليورانيوم المخصب في إيران, وهذا الحل يمكن أن يفجر المنطقة كلها, وبالتالي لا بد من اتخاذ الكثير من الإجراءات الحاسمة والصارمة لوقف إيران عن التمادي بسياساتها الداخلية والخارجية من جهة, وإقناع إسرائيل بالتوقف عن استخدام الضربات الجوية لتدمير المفاعلات النووية في إيران من جهة ثانية والسعي لحل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً من جهة ثالثة بما يسهم في إبعاد المنطقة من حرب محتملة. 
4/10/2010                     كاظم حبيب
     



519
كاظم حبيب
حوار مع السيد الدكتور بارق شبر
هل الدكتور بارق شبر على حق في موقفه من اللبرالية الجديدة؟
الحلقة الأولى
ما هي اللبرالية؟
كتب الزميل الدكتور بارق شبر نقداً موجهاً إلى الزميل الدكتور حيدر سعيد بتاريخ 25/1/2010 حول موقف الأخير من نقد فكر وممارسات النيوليبرالية في العراق والذي نشر في موقع العالم حيث نُشر مقال الدكتور حيدر سعيد, متهماً إياه وبعض المثقفين بأنهم لم يفهموا هذه المدرسة الفكرية بشكل صحيح وعلى هؤلاء دراستها, إذ يقول " لست بصدد الدفاع عن النيولبيرالية ولكني اعتقد بأنه ينبغي على بعض المثقفين العراقيين فهم أفكار المدرسة الاقتصادية النيوليبرالية بشكل صحيح، سيما وان كانوا لم يتعمقوا في دراسة مبادئ الاقتصاد الكلي الحديث وسياساته المتعددة الجوانب وفي مقدمتها المالية والنقدية. بالتأكيد لا تعني المدرسة النيوليبرالية اضعاف الدولة او تهميشها كما يفترض الكاتب حيدر سعيد وإنما إعادة صياغة دورها الاقتصادي من خلال تقليص الانشطة الانتاجية والتي غالباً ما تتسم بانخفاض الكفاءة الاقتصادية وهدر الموارد، وهذا واضح في حالة العراق وفي وضع المؤسسات العامة المملوكة للدولة والتي تشكل عبأً كبيراً على الموازنة العامة".   
ثم يورد الزميل نموذج العراق في عهد البعث ليبرهن على فشل مشاريع الدولة إذ كتب الزميل د. شبر ما يلي: " من الواضح ان كاتب المقال يخلط بين حجم الجهاز الاداري للدولة العراقية والذي هو متضخم ومترهل بجميع المقاييس وبين الوظيفة الاقتصادية للدولة والتي يجب ان تقتصر من منظور المدرسة النيولبيرالية على بناء وتطوير الاطر (المؤسسات) الملائمة والمساعدة على الانشطة الاقتصادية للقطاع الخاص بما في ذلك الطبقات الوسطى المنتجة وليس طبقة البيروقراطية الطفيلية التي تعيش على الريع النفطي من دون انتاج او خدمات ملموسة للمواطن العراقي. وتجدر الاشارة الى ان الطبقات الوسطى تلعب دوراً محورياً في اقتصادات الدول الرأسمالية والتي تتبنى فلسفة المدرسة النيوليبرالية. من ذلك يبدو لي ان استنتاج الكاتب بأن النيوليبرالية اضعفت
الطبقات الوسطى في العراق بعيد جداً عن الواقع. ما حدث فعلاً في الواقع هو عكس
ذلك، حيث ان الطبقات الوسطى في العراق وبمفهوم الكاتب المختزل على موظفين جهاز
الدولة ازداد عددها الى اكثر من 3 مليون موظف اي ما يعادل حوالي 40% من قوة
العمل في العراق، كما تحسن مدخولها بشكل واضح للعيان منذ التغيير في 2003."
كما ترون فأن الدكتور شبر لا يريد أن يدافع عن النيوليبرالية ولا يرى أنها تريد إلغاء دور الدولة الاقتصادي أو تهميشه, وإنما "إعادة صياغة دورها الاقتصادي من خلال تقليص الأنشطة الانتاجية". [انتهى تعليق الزميل د. بارق شبر, الخبير الاقتصادي الدولي].
كم كان حيراً بالصديق الدكتور بارق شبر أن يرى في ما طرحه الزميل الدكتور حيدر سعيد  اختلاف في وجهات النظر وليس "عدم فهم لنظرية اللبرالية الجديدة بشكل صحيح". إذ أنه في هذا يجافي الواقع ومستوى معارف ووعي الدكتور حيدر سعيد.
طبعاً ليس بودي أن أفقد التواضع وأقول للزميل د. شبر, يبدو لي أنت الذي لم تفهم طبيعة هذه المدرسة بكل أبعادها وخاصة الاجتماعية والسياسية والبيئة والعسكرية منها, إضافة إلى الاقتصادية, كما قال هو ذلك بحق جمهرة من الزملاء المثقفين العراقيين المطلعين جيداً على المدرسة اللبرالية واللبرالية الجديدة. بل أتمنى عليه أن يكون في المستقبل أكثر تواضعاً مع المثقفين الاقتصاديين العراقيين, فهم مثقفون حقاً ويدركون جيداً ما يكتبونه, وأن من المفيد للزميل نفسه إعادة النظر برأيه وموقفه من هذه النظرية الاقتصادية وأتمنى له الابتعاد عن محاولة الانسجام مع التيار الرأسمالي النيولبرالي المتوحش الذي ألحق ويلحق أفدح الأضرار بالاقتصاد العراقي وبالفئات الكادحة من المجتمع وخاصة تلك المنتجة للدخل القومي,
المدرسة اللبرالية الجديدة, التي هي بالأساس ذات المدرسة الاقتصادية الكلاسيكية اللبرالية القديمة التي ساد تطبيقها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وبداية القرن العشرين حتى حلول الأزمة العالمية الأولى التي فرضت على الرأسماليين والمنظرين الاقتصاديين تعديل بعض أهم جوانبها برؤية كينزية, (جون مينارد كينز John Maynard Keynes، اقتصادي إنجليزي 1883 -  1946), لدور الدولة وقضايا التشغيل ودور النقود والفائدة, والتي استمرت طوال الفترة الواقعة بين نهاية الكساد العظيم, والتي تجلت حينذاك في سياسة العهد الجديد New Deal لروزفلت, وبين تبني اللبرالية الجديدة في الستينيات من القرن الماضي, التي اقترنت بالتخلي عن النظرية الكينزية والعودة إلى النظرية الاقتصادية اللبرالية الكلاسيكية ذاتها مع بعض الرتوشات التي زادتها قسوة وظلماً وجوراً على الفقراء والمعوزين والعاطلين عن العمل وزادتها شدة في ممارسة الاستغلال على المنتجين الكادحين من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية والعسكرية, والتي تجلت بشكل خاص في سياسات رونالد ريگن وإليزابيث تاتچر, وقبل ذاك في سياسات الجنرال أوغستينو بينوشيت في شيلي بعد الانقلاب على حكومة سلفادور الليندي في العام 1973, وفي سياسات المكسيك وأزمتها المالية المدمرة, ومن ثم في سياسات جورج بوش الأب وجورج دبليو بوش الابن وبشكل أخص أضرارها الفادحة على شعوب البلدان النامية في ظل سياسات العولمة التي تفاعلت مع سياسات اللبرالية الجديدة في الولايات المتحدة والعديد من الدول الرأسمالية الأخرى. 
والآن من المفيد أن نتبين بوضوح ما هي اللبرالية وما هو الفرق بينها وبين اللبرالية الجديدة. ثم نتطرق إلى مخاطر اللبرالية الجديدة على اقتصاديات العراق بشكل ملموس, وما هو مفهوم سياسة السوق الاجتماعية التي هي من حيث المبدأ اشتقاق نمساوي-ألماني من نظرية اللبرالية الجديدة التي طرحها بشكل خاص فون هايك والتي مارسها بحدود معينة المستشار الألماني السابق لودفيگ ايرهارد في ألمانيا التي هي تختلف عن مدرسة "أولاد شيكاغو" ميلر وفوكسلي الأكثر تشدداً.
تؤكد النظرية اللبرالية الكلاسيكية على ثلاث مسائل جوهرية, كما وضعها أدم سميث  (1723 - 1790) باعتباره أول من صاغ مبادئ الليبرالية الاقتصادية, وهي:
1.   حرية التجارة.
2.   حرية كاملة لكل أفراد المجتمع في نشاطهم الاقتصادي.
3.   الالتزام بنظام السوق الحر.
ويفترض الالتزام بهذه المبادئ تحقيق الرخاء والرفاهية.
ماذا يعني ذلك؟ إن هذا يعني الكثير من النتائج في ضوء التجارب الفعلية لسياسات اللبرالية في العالم الرأسمالي المتقدم والتي يمكن الإشارة إلى بعضها فيما يلي:
1.   سيادة الملكية الفردية على وسائل الإنتاج, وخاصة رأس المال.
2.   انقسام المجتمع إلى طبقة مالكة لوسائل الإنتاج وطبقة غير مالكة لوسائل الإنتاج بل مالكة لقوة عملها التي هي مجبرة على تبيعها في سوق العمل, رغم ما يبدو من حقها في بيعها أو عدم بيعها والموت جوعاً.
3.   تحقيق أقصى الأرباح الممكنة عند توزيع الدخل القومي بين العمل ورأس المال, بين الأجر وفائض القيمة أو الربح.
4.   حرية التجارة ورفض جميع أشكال القيود.
5.   ممارسة سياسة مالية ونقدية تتناغم مع الأهداف الاقتصادية للرأسمالية, إذ أن السياسات المالية والنقدية هي الأدوات التنفيذية للسياسة الاقتصادية.
6.   عدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي, وما عليها إلا العمل في مجال الرقابة العامة والدفاع عن هذا النظام وحمايته وإصدار التشريعات التي تساهم في استمراره وتطبيق القوانين ضد من يتجاوز على هذا النظام ويطالب بتغييره.
7.   عدم الاهتمام بالمسائل الاجتماعية التي تمس قوة العمل وسبل تجديدها وإعادة إنتاجها.
8.   الالتزام بحرية حركة السوق وفعل قوانينه بالنسبة لرأس المال والعمل.
9.   عدم تدخل الدولة في تحديد الأسعار أو الأجور أو ساعات العمل.
وتقدم لنا الدراسات الغنية للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر وبداية القرن العشرين صورة حية وواقعية عن حياة المجتمعات الرأسمالية المتقدمة حينذاك, وبشكل خاص الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ... وغيرها, حيث تجلى في بشاعة وبؤس حياة ومعيشة وشروط عمل الطبقة العاملة والكادحين من جهة والاستغلال البشع الذي كانت تمارسه الطبقة الرأسمالية التي كانت تجد الدعم والحماية من جانب الدولة والتي أطلق فلاديمير إيليچ إليانوف لينين على الحياة الفعلية وانقسام المجتمع البريطاني إلى مجتمعين أو إلى عالمين مختلفين, إلى طبقتين, عالم وطبقة الأغنياء مالكي وسائل الإنتاج, وعالم الكادحين الفقراء المنتجين للخيرات المادية والمالكين لقوة عملهم الفكرية والجسدية. وعلينا أن نتذكر الأسباب التي دعت العمال في الولايات المتحدة إعلان الإضراب في الولايات المتحدة في العام 1886 والذي أقر في الأممية الاشتراكية الثانية في العام 1889 باعتباره يوماً عالمياً لتوحيد لنضال الطبقة العاملة في سائر أرجاء العالم, وكيف جوبه نضال عمال أمريكا من جانب الشرطة وكاسري الإضرابات حينذاك. ويمكن العودة لكتابات ماركس وإنجلز, على سبيل المثال لا الحصر, للتعرف الدقيق على حياة عمال المصانع في بريطانيا, ومنها مانشستر, لنأخذ صورة حقيقية عن تلك الفترة. 
لقد أدى تطبيق النظرية اللبرالية الكلاسيكية إلى تعميق الفقر وتوسيع قاعدته وتوسيع الفجوة الطبقية بين المنتجين والرأسماليين ولأنه أهمل كلية الجانب الاجتماعي ودور الدولة الاقتصادي الذي يفترض أن يسهم في تعديل الكثير من قوى السوق الحر, أو قوانين السوق الرأسمالية أو آلية حركة قوانين السوق الحر غير المقيدة, في حين يدعي آرثر لويس (1915-1991) أن العامل الاجتماعي لتعديل البرامج التي تهدف إلى تقليص الفقر وعدم المساواة يجب أن ينبع من السوق بدلاً من أن يأتي من خلال تدخل الدولة. وهذا هو الخط العام للبرالية الكلاسيكية.   
إن فشل نظرية اللبرالية الكلاسيكية في مواجهة أزماتها الدورية وأزمتها العامة التي حصلت في فترة الكساد العظيم (1929-1932) قد دفع بمنظري السوق الحر أن يجروا تعديلات مهمة على بعض آليات وأدوات عمل الرأسمالية والتي بلورها بشكل خاص كينز, ولكن لم تستمر هذه الفترة طويلاً حتى عاد منظرو الرأسمالية إلى اللبرالية الكلاسيكية محاولين تجديدها بإضافات على النظرية وممارستها. ولعبت المنظمات المالية والنقدية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة الحرة دورها في هذا المجال من خلال سياساتها المالية والنقدية, سياسات الإقراض للدول النامية بفرض شروط اللبرالية الجديدة على هذه الدول ومنها برنامجها المشهور تحت عنوان "سياسة الإصلاح الاقتصادي والتكييف الهيكلي", التي سنأتي على هذا البرنامج في حلقة لاحقة.
ولا بد من ملاحظة أن تطور وتطبيق هذه النظرية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين قد اقترن بالهيمنة الاستعمارية القاسية جداً لبعض الدول الاستعمارية على مناطق واسعة من بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وأجزاء من أوروبا والتي عانت من الاستغلال البشع لشعوبها واستثمار مواردها الأولية على حساب فقر وفاقة وتجويع هذه الشعوب. وخلال هذه الفترة أيضاً انفجرت الكثير من الثورات الاجتماعية ضد الرأسمالية وبقايا العاقات الإقطاعية وانتصرت ثورة أكتوبر 1917 الاشتراكية في روسيا القيصرية, كما فجرت الدول الاستعمارية الكثير من الحروب العالمية والإقليمية وبشكل خاص الحربين العالميتين الأولى والثانية لأهداف استعمارية استغلالية.   
لا شك في أن العلاقات الإنتاجية الرأسمالية, وحاملها الطبقة البرجوازية, كانت الأداة التي أمكن بها التخلص من العلاقات الإنتاجية الإقطاعية ومن الطبقة الإقطاعية المالكة للأرض والفلاحين الأقنان, وهي خطوة كبيرة على طريق تقدم المجتمع البشري, رغم أن كلا العلاقتين الإنتاجيتين استغلاليتان.

4/2/2010                   كاظم حبيب
انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية حول مفهوم اللبرالية الجديد’

520
رسالة مفتوحة إلى
الصديق العزيز الكاتب والفنان التشكيلي الأستاذ كفاح محمود كريم المحترم
تحية طيبة
قرأت مقالك الموسوم "نحو فضائية كُردية ناطقة بالعربية". المقال جيد ويستحق كل اهتمام أولاً, والمباشرة في التنفيذ ثانياً.
حين نبحث في القضية الكُردية ونتحرى عن مدى فهم المواطن والمواطنة في الدول العربية لهذه القضية العادلة التي عمرها في العصر الحديث أكثر من ثمانين عاماً, كنا نتوصل إلى رأي مشترك مفاده أن السياسيين الديمقراطيين الكُرد والعرب العراقيين, وكذلك أجهزة الإعلام الكردية والعربية الديمقراطية,  قد قصروا كثيراً خلال الأعوام المنصرمة في البحث الهادئ والموضوعي والمتسم بالعقلانية في طرح واقع القضية الكردية ومعاناة الشعب الكُردي لا على مستوى العراق فحسب, بل وعلى  صعيد منطقة الشرق الأوسط بأسرها والعالم, وأن القوى العربية والتركية والفارسية الشوفينية كانت أكثر حيوية وهجومية وشراسة في الإساءة لنضال الشعب الكردي, كما لعب النظام الدكتاتوري والعنصري البعثي في العراق بأمواله ونهجه الفكري والسياسي الشوفيني ودعاياته المضللة إلى تشويه هذه القضية. ولا شك أن بعض العناصر والجماعات المتطرفة من الكُرد والقوميين المتشددين, الذين لا يختلفون في أسلوب تفكيرهم ونشاطهم عن كل الشوفينيين في العالم, قد لعبوا دورهم في تعقيد القدرة على فهم القضية لمن هم ليسوا على اتصال مباشر مع واقع هذه القضية.
لا شك في أن الإعلام الكُردي في السنوات التي أعقبت انسحاب الدكتاتورية من بعض مناطق إقليم كردستان العراق قد تميز بعضه بالحيوية والجرأة والوضوح. إلا أن هذا لا ينسحب على كافة وسائل وأساليب الإعلام الكُردي. ويمكن أن يفهم الإنسان المعاناة الشديدة التي تعرض لها الشعب الكُردي وانعكاسات ذلك على المواطن والمواطنة في كُردستان وبالتالي على الإعلام الكُردي. إلا أن الحركة الديمقراطية الكُردستانية استطاعت أن تفرض اتجاهاً عاماً جيداً ومؤثراً. وبرز هذا في أعقاب سقوط النظام الدكتاتوري على  نحو خاص.
إن البرامج العربية السياسية التي كانت تعرض في الفضائيات الكُردية كانت عموماً جيدة ومحفزة للتفكير بخلاف المسرحيات, وخاصة "برنامج لنتحاور" الذي لم يقتصر على مؤيدي القضية الكردية بل شارك من لم يفهمها جيداً أو من كان ضدها أيضاً ليخوض حواراً مفيداً ينتهي أحياناً بمواقف إيجابية. كما كانت إلى جانب فضائية كُردستانTV , فضائية كُرد سات التي كانت تقدم لقاءات ومقابلات جيدة مع بعض الشخصيات العربية. ثم توقف البرنامجان عن بث برامج عربية. وهي خسارة كبيرة للمستمعين العرب والكُرد في آن, والقرار خاطئ بكل صراحة وشفافية وناشئ عن وجهة تفكير خاطئة وضيقة, خاصة حين غياب البديل على سعيد العراق والخارج. ولا شك في أن الحرية لا تزال غير واسعة الانتشار وكانت فيها برامج جيدة.
ليس كل الإعلام الكردي الراهن إيجابي وفعال ومؤثر, سواء أكان الحكومي أو الناطقين باسم الحكومة منه, أم الحزبي, إذ فيه الكثير من التسرع في الأحكام وضيق الأفق والشدة في التصريحات, وكأن قسوة الكلمات في التصريحات والإعلام تعالج المشكلات.
إن كُردستان بحاجة إلى أكثر من فضائية كردية ناطقة بالعربية من أجل أن تصل إلى المواطن العربي والمواطنة العربية في كل مكان وتنظيم برامج علمانية متقدمة وتثقيفية وتنويرية مؤثرة تساهم في التفتح الفكري والسياسي والاجتماعي والقومي.
إن القبول بموقع مؤقت في فضائية كردستان TV أمر مقبول ولكن إلى متى, في وقت أصبح إقامة فضائية هي من أبسط الأمور خاصة مع وجود كادر كُردي متميز في هذا المجال.
لهذا أحييك على المقترح الذي تقدمت به أملاً أن يجد القبول المناسب والسريع وأن يتسنى للمشروع الظهور في الواقع العملي وأن يساهم بفعالية في تطوير وتعزيز الإعلام الديمقراطي المستقل والمتميز في كردستان العراق.
مع خالص التقدير والتمنيات الطيبة
كاظم حبيب       
 


521
كاظم حبيب
من يمارس الإرهاب في العراق ؟ ومن يسهل مهمته؟

لا أدعي الغيب ولا القدرة على التنبؤ ولا أضربُ أخماساً بأسداس, بل أنطلق من رؤية واقعية لما يجري في العراق والعالم العربي ودول الجوار غير العربية في محاولة مني لفهم تعقيدات الوضع الجاري في العراق والمشكلات التي تؤرق المجتمع ومواقف القوى السياسية العراقية المختلفة وتشل قدرتها على الحركة الضرورية لمواجهة الأحداث الكارثية, ومن ثم استخلاص بعض الاستنتاجات.
حين سقط نظام البعث تحت ضربات القوات الأجنبية وفُرض الاحتلال على العراق, كنت قد كتبت في شهر سقوط الطاغية ونظامه سلسلة مقالات تحت عنوان "نشاط قوى صدام حسين ما بعد سقوط النظام في العراق والخارج" أشرت فيها إلى ما قام به صدام حسين وحزبه من إجراءات لمواجهة أوضاعهم ودورهم ما بعد السقوط, إذ كان الطاغية متيقناً, وبعد أن بدأت الحرب, بأن نظامه لن يخرج منها سالماً. وقد برهنت الحياة, ومع الأسف الشديد, على صحة ما توقعته حينذاك. وقد استندت في حينها إلى معرفتي المتواضعة ببنية تفكير وشخصية صدام حسين والطغمة الفاعلة في حزب البعث الحاكم حينذاك. ورغم أن تلك المقالات قد ترجمت من جانب مراسل ألـ BBC في واشنطن ومن ألـ CIA, كما أُخبرت به من أخوة خبراء عراقيين كانوا يعملون ضمن فريق الخبراء في واشنطن والذين وزعت عليهم تلك المقالات قبل انتقالهم للعمل في بغداد وتحول أغلبهم إلى مجرد مترجمين لا غير, فأن الإدارة الأمريكية لم تدرس الحالة المحتملة ولم تتخذ أي إجراء حقيقي لمواجهة ما طرحته تلك الرؤية وما سيقوم به حزب البعث في الداخل, بل سارت في غيها وغرورها, ولعب الدكتاتور الصغير پول بريمر دوراً بارزاً في هذا الصدد, مما تسبب في ما صار إليه العراق خلال الأعوام السبعة المنصرمة.
القوى التي تساهم في تعقيد أوضاع العراق وتحرث الأرض التي يعمل عليها الإرهابيون القتلة, سواء أدرك البعض منهم بهذا الدور أم لم يدركه, فالحصيلة واحدة. فمن هي القوى الإرهابية ومن هي تلك القوى التي تسهل مهمة الإرهابيين شاءت ذلك أم أبت؟ سأحاول الإجابة عن هذا السؤال المعقد وأملي أن يحظى بالعناية الكافية, إذ أن إغفال ما فيه يمكن أن يقود إلى كوارث إضافية لا نتمناها لشعبنا المبتلى.
1 . القوى التي تمارس الإرهاب مباشرة معروفة للجميع وهي خليط غير متجانس, ولكنها تشترك في هدف مركزي واحد هو استمرار زعزعة الوضع في العراق وإبقاء حالة القلق وعدم الاستقرار والعجز عن البناء وإنزال المزيد من الخسائر البشرية والمادية بالمجتمع العراقي. وهذه القوى تشترك في تحالف سياسي يحتضن فيه: تنظيم القاعدة, ومجموعة هيئة علماء المسلمين, التي لا زال يرأسها الدكتور حارث الضاري, ومجموعة البعث التي يرأسها عزة الدوري وتلك الأخرى التي يرأسها محمد يونس الأحمد, ثم مجموعة من القوميين العرب الأكثر يمينية وتطرفاً والتي تدار من بيروت ويمكن أن نجد بعضهم في المؤتمر القومي العربي. هذه المجموعات تجد الدعم والتأييد من جانب بعض الدول وبعض القوى والتنظيمات السياسية المتنوعة والمتباينة في اتجاهاتها في منطقة الشرق الأوسط وتستخدم أساليب وأدوات مختلفة في عمليات الدعم والتأييد. وهي قوى تتبادل المعلومات والخبرات ولها أعوان في مفاصل كثيرة في الدولة العراقية وتستفيد بشكل صارخ من حالة الفساد المالي السائد في البلاد, وهي لا تزال قادرة على إنزال ضربات قاسية بالمجتمع العراقي.
2 . القوى التي تسهم سياساتها ومواقفها وجملة من إجراءاتها ودعاياتها, شاءت ذلك أم أبت, في حرث الأرض وتوفير المناخ الصالح بصورة غير مباشرة لنشاط وتخريب قوى الإرهاب الدموية. إنها القوى الطائفية, الشيعية منها والسنية, التي تؤجج المشاعر الطائفية وتستبيح المحرمات في دعايتها وتناقض بنود الدستور الذي يرفض تلك المظاهر الطائفية والعنصرية والتمييز, والمتمثلة في مواقف بعض الأحزاب الإسلامية السياسية المتشنجة في إطار العملية السياسية والعاجزة عن استخدام تكتيكات سياسية صائبة لتفليش شعور الخشية من الانتقام لدى الجماعات البعثية السابقة, رغم أن هذه الأحزاب الإسلامية السياسية تضم في صفوفها وفي ميلشياتها المسلحة الكثير من "البعثيين التوابين" الذين يمكن أن يكونوا قد ارتكبوا أبشع الجرائم بحق قوى المعارضة العراقية في عهد النظام المقبور!
إن من يحمل عقلاً سليماً وحساً وطنياً صادقاً وضميراً حياً لا يرفض معاقبة ومحاسبة المسؤولين عن ضحايا النظام البعثي, ضحايا التهجير القسري والتعريب والأنفال وحلبچة, ضحايا العرب والكُرد الفيلية الذين هجروا عنوة إلى إيران, ضحايا القبور الجماعية الذين يصعب معرفة عددهم الهائل ضحايا القوى السياسية العراقية من شيوعيين وديمقراطيين واشتراكيين وإسلاميين أو بعثيين وقوميين أيضاً بل يطالب بذلك, إذ إن النظام البعثي الذي حكم تحت قيادة البكر وصدام حسين كان نظاماً فاشياً دموياً وعنصرياً وطائفياً قذراً ومعادياً لمصالح الشعب والوطن. ولكن المسألة ترتبط في جانب آخر, وأعني به أهمية وضرورة التمييز بين قوى البعث, وليس الأخذ بما دعا إليه السيد كاظم الحسيني الحائري منذ أربع سنوات حين طالب بقتل كل البعثيين تقريباً, في حين كان جيش المهدي مليئاً بـ"البعثيين التائبين" الذين ساهموا بالعمليات الإجرامية التي مارسها جيش المهدي في الوسط والجنوب وبغداد! إن أغلب قوى الإسلام السياسية, وبسبب استعدادها لممارسة العنف, عاجزة عن ممارسة أسلوب الفرز السياسي الضروري بين قوى حزب البعث بحيث لا يُحرق الأخضر بسعر اليابس من جهة, وبحيث لا يتسلل من له علاقات بقوى الإرهاب إلى مواقع معينة تتيح له فرصة استخدام تلك المواقع لضرب المجتمع أو دعم الإرهابيين من جهة أخرى, وهي عملية معقدة بجانبيها ولكنها ضرورية. ليس كل من هو في الأحزاب الإسلامية مؤمناً, كما ليس كل من كان في حزب البعث مجرماً. فهل يعني من يحاول الاستفادة من أسلوب اجتثاث البعث لجمع أصوات الناخبين للانتخابات القادمة؟
لقد غير مجلس النواب قانون "اجتثاث البعث" السيئ الصيت إلى قانون "المساءلة والعدالة". وهذا التغيير لم يكن شكلياً, بل لا يزال يتضمن مفهوماً معيناً وسياسات وإجراءات معينة تختلف عن تلك التي كانت تتحكم بموضوع الاجتثاث والهيئة التي كانت مسؤولة عنه وعلى رأسها الدكتور أحمد الچلبي, بما في ذلك تعيين قضاة يملكون المعرفة القانونية والخبرة العملية والحصافة بما يؤهلهم لتحمل مسؤولية الفرز الدقيق والتحقيق الأمين بمن يتهم بارتكاب جرائم في عهد الطاغية صدام حسين وحزب البعث الحاكم. ومن هنا يتطلب الأمر ممارسة الروية والحكمة وليس العاطفة التي يمكن أن تقود إلى عواقب وخيمة على المجتمع. فهل بعض حكامنا المسؤولين مباشرة يملك مثل هذه الحكمة والروية في إصدار التصريحات والخطب والأحكام؟
إن رفع الصوت عالياً والتهديد والتقطيب في محاولة يائسة لكسب عطف ضحايا الإرهاب البعثي لضمان أصوات الناخبين في الانتخابات العامة القادمة لا تعالج المشكلات القائمة, بل تزيدها تعقيداً ويدفع الشعب ثمن ذلك غالياً.     
3. العوامل التي تساعد قوى الإرهاب على ممارسة عدوانيتها ضد الشعب لا تقتصر على السياسات الطائفية التي تمارسها الأحزاب الإسلامية السياسية, شيعية كانت أم سنية,  حسب, بل تمتد لتشمل حالة الفقر والبؤس والفاقة والحرمان التي تسود نسبة عالية جداً من عائلات المجتمع والتي تقدر بأكثر من 30%, أي التي تعيش تحت خط الفقر, في أحسن الحالات, وأكثر من تلك النسبة بكثير في أسوأ الاحتمالات. وهذا يعني بشكل ملموس بأن سياسة الحكومة العراقية غير متوجهة صوب معالجة المشكلات المعيشية والاقتصادية والاجتماعية لنسبة عالية من السكان مما يترك في المجال فسحة واسعة لنشاط الإرهابيين وقوى الظلام. إن المجتمع العراقي يعيش استقطاباً صارخاً بين الفقراء والأغنياء, بين الجياع والمتخمين, بين من تسرق لقمة عيشه, ومن يضع المسروق من المال العام في جيبه, بين من يحتمي بحي الخضراء ومن يعيش بين سواد الشعب   
أيها السادة: إن الإرهاب في العراق سيستمر ما دامت عوامل استمراره لا زالت قائمة وفاعلة في المجتمع العراقي وفي الساحة السياسية العراقية. وليس أدل على ذلك التفجيرات الإجرامية المتتالية ليومين متتالين في بغداد, بالرغم من كل الادعاء بالقضاء على تنظيم القاعدة وقوى البعث الصدَّامية, إنهما جزء أساسي من القضية ولكنهما ليس كل القضية!
4. لن يهدأ العراق ما دامت بعض دول الجوار العربية وغير العربية تعمل بكل ما تملك من طاقة على منع الاستقرار, وهي تستفيد من حالة التشتت والصراع الداخلي وأساليب الحكم غير السليمة والطائفية المستمرة وأعوانها أو امتداداتها في الداخل. ولكن يمكن أن يهدأ العراق حين نجد حلولاً عملية للمشكلات الداخلية, عندها يعجز, وإلى حد كبير, بعض هؤلاء الجيران الأعداء على الصيد في ماء غير عكر. إن توجه أصابع الاتهام إلى إيران وإلى سوريا وإلى بعض القوى السياسية في الخليج والسعودية ليست عبثية أو عفوية, فهي صحيحة وهادفة وعلينا العمل من أجل تفليش أهدافها.
إن على القوى السياسية العراقية أن تدرك بأن معالجة أوضاع العراق الراهنة تستوجب استعمال العقل والحكمة وتفويض الأمور للقضاء العراقي والقوانين في ما يخص موضوع شطب أسماء أو قوائم من حق المساهمة بالانتخابات, على أن يكون للقضاء حساسية سياسية مرهفة من أجل تجنيب الشعب المزيد من الضحايا والخراب وتعثر عملية البناء والتقدم, من أجل أن لا ندفع بالمزيد من الناس إلى التحول ضد العملية السياسية والوقوف إلى جانب القوى الشريرة الحاملة للسلاح ضمن مجموعات القاعدة والبعث الصدّامي ومن لف لفهما..
26/1/2010                   كاظم حبيب
     
           

522
كاظم حبيب
حكام وقضاة إيران يزيحون أقنعتهم ويكشفون عن وجوههم الكالحة وضمائرهم الميتة!

نفذ حكم الإعدام شنقاً حتى الموت بوطنيين إيرانيين من أوساط المعارضة السياسية للنظام الاستبدادي في إيران, وهما محمد رضا علي زماني وآرش رحماني بور. بسبب مشاركتهما في المظاهرات السياسية العارمة التي اجتاحت إيران وهزت النظام وقادته وعرش المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران علي خامنئي والتي أعلنت عن احتجاجها بسبب تزوير نتائج الانتخابات لصالح الدكتاتور الصغير محمود أحمدي نجاد. وتشير الأخبار الواردة من طهران إلى أن النظام الإيراني يهيئ الأجواء لإعدام تسعة أشخاص آخرين متهمين بالمشاركة بالمظاهرات.
إن من واجب كل إنسان شريف وملتزم بمبادئ حقوق الإنسان وحق الفرد في الحياة وفي ممارسة حقوقه بما فيها حقوق التجمع والتظاهر وإعلان المعارضة ...الخ, أن يرفع صوت الاحتجاج عالياً ويدين تنفيذ حكم الإعدام بالفقيدين, وأن يطالب بإيقاف المجزرة المحتملة بحق تسعة آخرين من قوى المعارضة السياسية. وحين أعلن عن احتجاجي وإدانتي لهذه الأحكام القاسية وارتكاب جريمة إعدامهم وأطالب بإيقاف المجزرة  اللاحقة  المحتملة, وأتمنى لذوي الشهيدين الصبر والسلوان وللفقيدين الذكر الطيب وللمعارضة الانتصار على أعداء الشعب.
إن النظام الإيراني قد فقد الثقة بنفسه واستمرار وجوده, فراح يتخبط بسياساته الداخلية, ومنها التجاوز الفظ على حقوق الإنسان والتدخل في شؤون القضاء الإيراني, فالحكم في إيران ليس غير ديمقراطي فقط, بل هو استبدادي شمولي شرس, لم يعد قادراً على تحمل حتى  تظاهرات سلمية تنظمها المعارضة الإيرانية. إن السلطات في إيران متركزة بيد شخص واحد هو المرشد الأعلى علي خامنئي ومعه منفذ سياساته على الصعيد الرسمي محمود أحمدي نجاد, وهما الممثلان الفعليان للشوفينية الفارسية والتعصب الديني والمذهبي وأعداء الحرية والديمقراطية.
إن أحكام الإعدام التي نفذها صدام حسين بحق الكثير والكثير جداً من قوى المعارضة العراقية, ولكنها لم تنجه من العاقبة التي انتهى إليها وشهدها العالم كله من على شاشة التلفزة. فهل سيكون مصير قادة إيران وبقية المسؤولين عن أحكام الإعدام هو نفس مصير طغمة صدام حسين المجرمة؟ سؤال مهم يفترض أن يجيب عليه كل من تعز عليه قضية الإنسان. بأن مصير هذه الطغمة سيكون نفس مصير صدام حسين,  أرى ذلك ما دام النظام يواصل سياسة الاستبداد والقمع الوحشي والقتل في الشوارع وأحكام الإعدام بحق المعارضين, إضافة إلى سياسات إيران الخارجية التي تتدخل في شؤون الكثير من بلدان المنطقة وتؤجج الصراعات والنزاعات فيها وتشارك في توجيه العملية السياسية من خلال أذناب لها في تلك البلدان وسعيها لامتلاك الأسلحة النووية التي تهدد شعوب وبلدان منطقة الشرق الأوسط بشكل مباشر.
كم هو جميل الحكمة الشعبية العراقية القائلة, فهل سيتعظ بها حكام إيران القساة:
يا حافر البير لا تغمج مساحيها         خاف (تره) الفلك يندار وأنت التگع بيها
28/1/2010                        كاظم حبيب

  
    


523
كاظم حبيب


شر البلية ما يضحك, وما أكثر البلايا في عراقنا "الجديد"!!


تتطلع المرأة في عشرات الدول المتحضرة أن تحتل موقعها المناسب لا في العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي فحسب, إذ أن هذا لأمر مفروغ منه, بل هي تسعى لاحتلال المناصب الرئاسية في الوزارات وأجهزة الدولة والمصارف والشركات الكبرى التي لا يزال الذكور يهيمنون على الكثير منها. ويوماً بعد يوم تفرض المرأة نفسها على هذا المراكز القيادية بحيث أصبحت تنافس الذكور حقاً لا بل بمعارفها وخبرتها وحكمتها ودرايتها الإدارية والمالية والثقافية والصحية والتعليمية..الخ فحسب, بل وبما تحققه من نجاحات مميزة في المجالات التي تأخذ على عاتقها قيادتها. وهو أمر ينعش العقل ويفرح القلب ويبهج النفس, بعد أن عانت المرأة في جميع بقاع الأرض من شراسة الفحولية المغتصبة لكل مجالات الحياة إلا المطبخ ورضاعة  الأطفال والبيت, والكثيرات منهن كن سجينات لدى الذكور الأوباش!
في هذه الفترة حيث تتفتح عقول المجتمع على المرأة ودورها في الحياة بمختلف جوانبها, نجد عراقنا الجديد يقيد المرأة بأشد القيود الممكنة التي تتجاوز حتى ما ألفناه في العراق في النصف الأول من القرن العشرين حين كان جميل صدقي الزهاوي وحسين وأمينة الرحال وغيرهم يناضلون في سبيل حقوق المرأة, أو حتى في سنوات الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن العشرين, في هذه الفترة بالذات تفتقت عبقرية مجلس محافظ واسط مثلاً على طلب حمايات للنائبات في مجلس المحافظة من أفراد عائلاتهن, والذي شُجب من غالبية الناس في العراق وتعجب العالم بانزعاج ًمن إبداعات بلاد الرافدين, بلاد الحضارات القديمة في الموقف من المرأة. وكان الناس أكثر عجباً وسخرية حين خرج جيش المهدي النسوي ولا يرى الإنسان منهن سوى عيونهن القادحات شرراً والسلاح الفتاك بأيديهن الذي لا يليق بالمرأة ولا بالرجل, وحيث ساد اللون الأخضر واللون الأسود! وقد اعتبر من عجائب الدنيا العراقية الجديدة!, بعد أن كانت حدائق بابل المعلقة إحدى عجائب الدنيا السبع.
أما اليوم, ومع بدء الحملة الانتخابية, فقد تفتقت عبقرية زوج أحدى المرشحات للانتخابات النيابية القادمة بنشر صورته بدلاً عن صورتها ليروج الدعاية لانتخاب السيدة أم سجاد. وبدلاً من أن يعرفها بما قامت به من أعمال لخدمة الشعب العراقي, عرف بنفسه وبأخيه وعشيرته! ويبدو أن الرجل يفكر أن يأخذ مكانها إن فازت بالانتخابات ويجلس على مقعد في مجلس النواب باعتباره زوج المنتخبة, وباعتبار أن النساء عموماً "ناقصات عقل وحكمة", ويحق له تمثيلها في المجلس, واعتبر هذا الترشيح بمثابة "كيان النزاهة والبناء"!! هل سمعتم يا بنات وأبناء العراق بمثل هذه الصرخة الجديدة في عالم الدعاية الانتخابية, بهذه (الپلتيقة) أو (القوانه) الجديدة المعطوبة التي لم يسمع بها العباد ولا من قبلها في البلاد. يقول السيد المحترم زوج المرشحة للانتخابات "انتخبوا من هو منكم وفيكم السيدة أم سجاد". كيف تكون هذه السيدة منا وفينا وهي لا تنشر صورتها ولا تريد رؤيتنا ولا تريد أن نراها ولو محجبة, كما هو حال النساء في مجاهل أفغانستان! زوج السيدة أم سجاد رجل متين البينان, يزن ما يقرب من مئة كيلوغرام ولا يزال يمتلك شعراً على رأسه فهو ليس بأصلع ومقبول من حيث الشكل رغم جهامته, ويستطيع حماية زوجته, فهو سيكون ضمن الحماية ويتسلم راتب الحماية, كما يبدو, وهذا كاف لانتخاب زوجته. ولكن ما علاقة كل ذلك بالمرشحة ذاتها؟ العلم عند مفوضية الانتخابات التي توافق على مثل هذه الدعاية الانتخابية!
هل يمكن أن يصل العراق إلى هذا الدرك اللعين؟ هل يمكن أن يقبل الشعب بمثل هذه السخرية القاتلة؟ هل يمكن أن تقبل المرأة بهذه الهيمنة الذكورية, بهذه الإهانة المباشرة؟ وهل يمكن لمثل هذه المرأة أن تدافع عن حقوق المرأة في العراق؟ وهل يمكن مقارنتها مثلاً بالسيدات ميسون الدملوجي ونرمين عثمان وهناء أدورد أو الكثيرات الأخريات في رابطة المرأة العراقية ومجلة نون وغيرهن ممن وضعن أنفسهن تحت مجهر المجتمع ليقدر دورهن في الحياة العامة ومصالح الشعب؟ نعم يمكن أن يصل العراق إلى هذا الدرك بفضل البعض الكثير من حكامنا الجدد, بفضل أولئك الذين يصدرون القرارات التحريمية, تحريم نزع العباءة في المدارس, تحريم مصافحة المرأة للرجل, تحريم الخمور, حتى العرق محرم, هذا الذي قال فيه العراقيون, "ما طول بالنخل تمر ما جوز من شرب الخمر", قال ابن خلدون, صاحب المقدمة, ما معناه, إن العراقيين أذكياء أطلقوا على مشروبهم المفضل اسم "العرق", والعرق غير محرم بالقرآن, إذ أن المحرم هو الخمرة! كان هذا في القرن الرابع عشر الميلادي, فهل نحن العراقيين والعراقيات واعون لما يجري في العراق من تخريب للقيم الإنسانية والعامة. حتى وزير التربية أصبح يدعي إعادة بناء العقل العراقي وهو الذي يحتاج إلى من يعيد بناء عقله ويصحح مسار تفكيره! 
وهكذا يعيش الشعب في العراق تحت حكم المحرمات, وهو نوع شديد من أنواع الاستبداد, نوع خاص وظالم, بعد أن كان العراق يعيش تحت وطأة استبداد عنصري شرس ومن نوع آخر. إن التجربة الحياتية تبدأ بمثل هذه المحرمات, كما حصل في البصرة, وكما طالبت إحدى النائبات المحصنات والمحسنات, لينتهي إلى استبداد شمولي قاتل. وإيران نموذج صارخ وقاطع ودال على ما أقول. لقد قال رئيس الوزراء الحالي في إحدى لقاءاته مع العشائر بأن الحكم لن يخرج من بين يديه بعد اليوم, ولكن الكثيرين أدعو ذلك. وكان آخرهم صدام حسين, ولكنهم أصبحوا في خبر كان, فلو دامت لغيرك ما وصلت إليك!  28/1/2009             كاظم حبيب
إليكم نص الإعلان, فهو حقيقة وليس مزحة!
 

524
كاظم حبيب
لو تحترم الحكومة نفسها لتقدمت باستقالتها بعد فضيحة الأجهزة الفاشلة!

عجيب أمر هذا العراق وحكومته .. عجيب أمر هذا الشعب ومصائبه ... عجيب أمر هذا الوطن الذي يتحمل كل هذه المآسي ولا ينزل لعناته على حكامه "الميامين!" ولا يثور.. كل شيء عجيب في هذا العراق الجديد, كما كان أمر الشعب عجيباً مع بقية حكام العراق.
حكومة عراقية تستورد أجهزة للكشف عن المتفجرات بقيمة 85 مليون باون استرليني من شركة بريطانية, وفق ما جاء في تقرير نشر يوم أمس في الـ BBC ووزع على طريقة الفيديو, غير قادرة على اكتشاف المتفجرات وتسببت حتى الآن في موت ما لا يحصى من الضحايا, دون أن تنطق بكلمة واحدة حول هذه الجريمة النكراء لا نفياً ولا تأكيداً ولا اعتذاراً ولا تهمة توجه لطرف دون غيره, ودون أن تسارع لإيقاف العمل بها واستخدامها لكي تمارس أساليب أخرى في نقاط التفتيش عن المتفجرات. ويقال أنها شكلت لجنة للتحقيق. وقيل قديماً حين تريد أن تبتلع قضية ما فشكل لها لجنة! فهل مثل هذه الحكومي تستحي من نفسها, لا أقول من شعبها؟ سؤال, إنه مجر د سؤال من حق من اكتوى بنيران الإرهابيين في ظل الحكومات الثلاث المتعاقبة على حكم العراق أن يوجهه إلى رئيس الحكومة, إلى المالكي الذي يملك في يديه وحده زمام الأمور في بغداد والعراق.
أما الحكومة البريطانية, التي تحترم نفسها وشعبها والشعوب الأخرى, فقد قامت باعتقال الشخص المسؤول عن الشركة المعنية للتحقيق معه. كما نشر من المعلومات في بريطانيا مئات المرات أكثر مما نشر في الإعلام الحكومي العراقي.
لو كانت أي حكومة حتى في الـ "واق واق" تواجه مثل هذه الفضيحة لقدمت استقالتها حالاً  واعتذرت لشعبها ووضعت نفسها تحت تصرف القضاء العراقي لتجيب عن أسئلة مشروعة؟ منها مثلاً: من استورد هذه الأجهزة ؟ من وقع على عقود الشراء؟ من فحص الأجهزة الملعونة للتيقن عن مدى صلاحيتها؟ لمِ َ لم يكتشف أمرها قبل الآن؟ من له ضلع في هذه القضية؟ هل هناك من تسلم عمولة عن هذه الصفقة؟ ومن هو؟ ما هي العمليات الإجرامية التي حصلت بسبب فساد هذه الأجهزة؟ وما هو عدد الضحايا الذي تساقط بسبب ذلك؟ من المسؤول عن كل ذلك؟ أليست الحكومة هي المسؤولة مباشرة عن ذلك؟
ألا يحق لنا أيها السيد رئيس الوزراء أن نتساءل, أن نحتج, أن نتظاهر, أن نطالب باستقالة الحكومة؟ لو كان قد حصل هذا في عهد نوري السعيد, فماذا كان قد حصل حقاً؟ لخرجت المظاهرات وصدرت البيانات الاحتجاجية ولأعلنت حتى "المرجعيات" إدانتها ومطالبتها باستقالة الحكومة. وأني لعلى ثقة بأن نوري السعيد, وهو الغائب لكان قد استقال وغاب عن الأنظار مرة وإلى الأبد! ألا نتذكر وثبة كانون 1948 وانتفاضة تشرين 1952 وانتفاضة العدوان الثلاثي على مصر 1956, إلا نتذكر ثورة تموز 1958؟ إنها كلها حصيلة لأسباب أقل بكثير مما يحصل اليوم في العراق, ولكن لا أحد من بنات وأبناء الشعب يحتج على ما يجري في العراق, لا أحد يتظاهر, لا أحزاب تدعو للاحتجاج والتظاهر وإعلان رفضها لما يجري من فساد وإفساد وسكوت عن الكوارث؟ لقد كان حرياً بالأحزاب الوطنية أن تعلن تضامنها مع الضحايا, أن تدعو إلى تظاهرة شعبية واسعة تجميع كل القوى حولها تطالب الحكومة بالاستقالة, تطالب بالتحقيق الفوري بالفضيحة النكراء, تطالب بتسليم القضية إلى القضاء العراقي.
كم هو مرير هذا الشعور بالإحباط الذي يعيش الشعب تحت وطأته حيث تتوالى الانفجارات في مناطق مليئة بنقاط التفتيش ومليئة بتلك الأجهزة الفاشلة, كما يبدو, وتعجز عن اكتشاف المتفجرات لتصل إلى أهدافها راضية مرضية ومطمئنة لتقتل خلال يومين متتالين عشرات الناس الأبرياء وتسقط الكثير من الجرحى والمعوقين وتنزل الخراب بالكثير من العمارات ودور السكن, ولا يتحرك هذا الشعب ليعلن عن احتجاجه. هل روض هذا الشعب بهذه الصورة؟ هل روضت الأحزاب السياسية بهذا الشكل؟ هل دُجنّا جميعاً بهذه الصورة المقيتة؟
كان على المالكي أن يعيد النظر بحساباته, كان عليه أن يفكر جدياً بما يفترض أن يقوم به لمواجهة الحالة الجديدة, كان ولا يزال عليه أن يقدم استقالته, فهو رئيس حكومة استوردت هذه الأجهزة الفاسدة, كما تنقل وكالات الأنباء العراقية. حتى وزير داخليته البولاني لم يفكر بذلك, بل ما زال يتبختر على رأس قائمة انتخابية, فأي حكومة هذه مشغولة بالانتخابات بأمل البقاء بالحكم, في حين أنها مهملة للكثير مما هو ضروري لحماية هذا الشعب المستباح!!
  27/1/2010               كاظم حبيب
     


525
كاظم حبيب
موازنات عراقية – كردستانية تستوجب التفكير!
وأخيراً نشرت موازنة 2010 العراقية في بغداد ولم تقر حتى الآن, كما صادقت حكومة الإقليم على ميزانيتها لنفس السنة. ولم يتم حتى الآن إقرار الموازنتين من مجلس النواب. ولهذا سيكون مفيداً مناقشة هاتين الميزانيتين في محاولة لمعرفة المضمون الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لهما من خلال ما توفر من معلومات شحيحة.
يشبَّه علماء الاقتصاد والإحصاء في الغرب الإحصائيات التي تنشرها أجهزة الإحصاء في الكثير من دول العالم, وخاصة الدول النامية, بمايوه السباحة البكيني, فما يُظهر من جسم المرأة كثير, ولكن ما لم يكشف عنه هو الجوهري. وهكذا هي حالة الميزانيتين في بغداد وأربيل. ومع ذلك فهما يسمحان لنا أن نكشف عن طابعهما الفعلي.
كتب الصديق الدكتور صالح حسن ياسر مقالاً مهماً وجيداً عن موازنة 2010 تحت عنوان "أسئلة تبحث عن أجوبة واضحة - ملاحظات أولية حول مسودة موازنة عام 2010 - (2-2), وهي ليست ملاحظات أولية بل تفصيلية. ولهذا سأركز من جانبي على موازنة الإقليم. ولا شك في أن هناك نقاط التقاء بين الميزانيتين في الجوانب السلبية. 
يردد الاقتصاديون بصواب ان السياسات المالية والنقدية هي تجسيد واقعي لمضمون ومعبر عن السياسات الاقتصادية وال اجتماعية التي تمارسها الدولة أو الحكومة في هذا البلد أو ذاك. والموازنة السنوية هي التعبير الأكثر ملموسية على مدى سنة لمضمون السياسة الاقتصادية ونهجها الاقتصادي والاجتماعي, والتي يفترض أن تكون جزءاً من إستراتيجية اقتصادية اجتماعية تلتزم بها الدولة وتنفذها عبر عدد من السنوات, وتجد تعبيرها في الميزانية الاعتيادية وميزانية التنمية. وموازنة 2010 تعبر عن الميزانيتين في آن.
وفي مقدور الموازنة السنوية عبر مؤشراتها المهمة أن تكشف بدورها عن الطابع الطبقي أو الاجتماعي والنهج الاقتصادي لهذه الحكومة أو تلك, وهي:
1.   مصادر الموارد المالية المخصصة للميزانية والتي تجسد بدورها طبيعة بنية الاقتصاد الوطني لهذا البلد أو ذاك, أي مدى تنوعه وتقدمه أو مدى تشوهه وتخلفه.
2.   اتجاهات توزيع تلك الموارد السنوية على حقلين جوهريين حقل التراكم وحقل الاستهلاك, ومن ثم كيف يوزع التراكم على القطاعات الاقتصادية المختلفة, وكيف يوزع الاستهلاك بين الاستهلاك الفردي والاستهلاك الاجتماعي وسبل توزيع هذه الموارد في هذا الحقل أيضاً ولمصلحة من, ألمصلحة الفئات المنتجة والكادحة والفقيرة, أم لمصلحة الفئات الحاكمة والغنية المتخمة.
3.   ثم وجهة توزيع ما يراد به تحقيق التراكم الرأسمالي, أي توزيع الموارد المخصصة للتثمير الإنتاجي بين مختلف القطاعات الاقتصادية الإنتاجية من أجل تغيير بنية الاقتصاد وتحقيق إغناء وتطوير الاقتصاد الوطني والثروة الوطنية.
4.   وهل ستترك الدولة الاهتمام بالتصنيع وتحديث الزراعة وتتوجه صوب الاستيراد وتهتم باستيراد السلع الاستهلاكية, بما فيها السع الاستهلاكية البذخية التي تساهم في التفريط بموارد البلاد, في حين تهمل حقاً استيراد السلع التي تساهم في تنمية الإنتاج المحلي الذي يسهم في إغناء المجتمع والثروة الاجتماعية ويقلص البطالة ويحسن مستوى معيشة الفرد.
5.   كما في مقدور الميزانية الكشف عن النهج الاقتصادي للدولة أو الإقليم في ما يخص الموقف من قطاع الدولة وموارد الحكومة والقطاع الخاص والقطاع المختلط بما يحقق التوازن المنشود في دولة تمتلك موارد أولية مهمة وموارد مالية سنوية كبيرة, ثم أين يتجه التركيز ولمصلحة من.
وحين نبحث في ميزانية الإقليم, فنحن نبحث في اقتصاد ريعي استهلاكي متخلف ومشوه وموروث من الماضي لا يختلف عن طبيعة الاقتصاد العراقي في بقية أجزاء العراق, لم يجر حتى الآن أي تغيير حقيقي ولو تدريجي في بنية هذا الاقتصاد منذ انهيار حكم صدام حسين في كردستان العراق في نهاية العام 1991 أو حتى بعد سقوط النظام في العام 2003, في ما عدا إقامة بعض مشروعات البنية التحتية. فهو لا يزال اقتصاد يعتمد على إيرادات النفط الخام وتراجع استثنائي في دور القطاع الزراعي وغياب الصناعة المحلية والتصنيع واستمرار وجود جيش من العاطلين بشكل مكشوف أو مقنع. وهو بذلك اقتصاد ريعي استيرادي استهلاكي لا يغني الثروة الوطنية بل يقلصها ولا يحسَّن ظروف حياة الشغيلة, بل يزيد غنى فئات معينة في المجتمع وفق أساليب غير سليمة بالارتباط مع الفساد المالي الذي يسود العراق كله, ومنه الإقليم. وفي مثل ها الاقتصاد يفترض في حكومة الإقليم عند وضع ميزانية العام 2010 أن تتجلى فيها خطوات عملية حثيثة وتدريجية تساهم في تغيير بينة  الاقتصاد والمجتمع, تغيير الواقع المرفوض. فهل تساهم الموازنة التخمينية التي صادق عليها مجلس وزراء الإقليم للعام 2010 في ضمان بداية فعلية باتجاه التغيير المنشود أم إنها تواصل إتباع سياسات خاطئة مورست حتى الآن في العراق كله وفي الإقليم أيضاً. والحقيقة المرة تشير إلى إن الموازنتين في بغداد وأربيل تساهمان في إبقاء التخلف والتشوه في الاقتصاد العراقي وفي إقليم كُردستان. كما أن الموازنتين يعبران عن مصالح الفئات الاجتماعية المستفيدة حالياً من أوضاع الاقتصاد العراقي عموما وأوضاع اقتصاد الإقليم السيئة. إذ أن الفارق بينهما ليس جوهرياً بل شكلياً ولا يؤثر على السمات السلبية التي تجمع بين اقتصاد الجزء (الإقليم) واقتصاد الكل (العراق).         
تبلغ الميزانية المخمنة للإقليم لسنة 2010 ( 11.4) ترليون دينار. خصص منها (7.9) ترليون للنفقات الاستهلاكية الجارية, و(3.5) ترليون لقطاع الاستثمار.
وهنا يبرز التناسب غير العقلاني والمضر باقتصاد كُردستان, التناسب بين الاستهلاك والتراكم  69,3 : 30,7, في حين أن كردستان بحاجة إلى المزيد من التراكمات الرأسمالية, وكان المفروض أن تكون الصورة مقلوبة, أو بتناسب آخر يميل لصالح التراكم.
وحين إمعان النظر وفق ما هو منشور من أرقام في موقع حكومة الإقليم فإنها لا تكشف عن الجوهري من الأمور, كما في حكاية "المايوه البكيني", إذ يلاحظ توجيه (2.4) ترليون دينار عراقي من إجمالي المبلغ المخصص للاستثمار لتغطية المشاريع القديمة, وهي كلها لم تكن استثمارات في القطاع الصناعي أو الزراعي الأساسي, كما لم تجر الإشارة إلى طبيعة تلك المشاريع والتخصيصات الموجهة لها والمدى الذي قطعته. ولم يبق من إجمالي المبلغ الموجه للاستثمار سوى 1,1 ترليون دينار عراقي أو ما يعادل 31,4% والتي وزعت على النحو التالي:
** (350) مليار دينار  لصندوق هيئة الاستثمار ودعم بناء وحدات سكنية.
** 150 مليار دينار لبناء مدارس.
** 50 مليار للمصرف الزراعي.
** (30)  مليار دينار  للمصرف الصناعي.
من هنا يتبين أن الدولة لم تخصص أي مبلغ حقيقي للتنمية الصناعية والزراعية في قطاع الدولة أو القطاع التعاوني, بل وجهت المبلغين المحدودين إلى المصرفين الصناعي والزراعي لأغراض التمويل الخاص عبر القروض والمساعدات. الخلل ليس هنا, بل الخلل في إهمال قطاع الدولة وفي قلة الموارد المالية التي يفترض أن توجه لهذين القطاعين. وهذا يعني أن الاقتصاد الكردستاني سيبقى متخلفاً ومشوهاً في بنيته وتابعاً للاستيراد الخارجي ومكشوفاً بشكل كامل على جيرانه والعالم وفاقداً للقدرة على التشغيل في القطاعات الإنتاجية التي تحقق التراكم الرأسمالي الضروري والمشارك في إغناء الثروة الوطنية والمحفز للنمو الاقتصادي الأكثر استقراراً والأكثر ازدهاراً.
إن اقتصاد كُردستان بحاجة إلى تثمير إنتاجي أولاً وقبل كل شيء, وهو الذي ينمي الاقتصاد ويغير بنيته ويشغل العاطلين عن العمل ويرفع من مستوى الدخل الفردي والدخل العام ويساهم في تغيير بنية السكان وفي تنمية الوعي ويوفر أرضية صالحة لنمو المجتمع المدني والخروج من المجتمع العشائري الفلاحي المتخلف, رغم قلة الفلاحين في ريف كردستان.
كلنا يعرف أن النظم السابقة لم تهتم بالاقتصاد الكردستاني وأهملته, ولكنها أهملت أيضاً الكثير من مناطق العراق الأخرى. وقد كانت هذه السياسة محور نقد شديد من قوى المعارضة العراقية بمن فيهم قادة الحزبين الحاكمين, الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني, وكذلك موضع نقد بقية قوى المعارضة السياسية حينذاك, ولكن السؤال العادل هو: لماذا لا يبدي أبناء وبنات كردستان, وهم في الحكم, اهتماماً أكبر وأفضل بتطوير اقتصاد كردستان؟ ولماذا يجري الإصرار على إهمال قطاعات الصناعة والزراعة والطاقة حيث يجبر الإقليم على استيراد الطماطة والفجل والعنب وكل ما كان ينتج بكميات كبيرة في إقليم كردستان العراق؟ هذه ليست (حزورة) فزوره. فقد وصلت القوى المعارضة إلى السلطة وكان عليها ممارسة السياسات التي لم تمارسها النظم السابقة وكانت تطالب بها والتي نكتشفها في أدبيات أحزاب المعارضة العراقية عموماً والكردستانية منها خصوصاً.
عند متابعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية لإقليم كردستان العراق لا نجد دليلاً واحداً على اختلاف في جوهر السياسات الاقتصادية التي كان ولا يزال لزوم تغييرها لتساهم في تغيير طبيعة الاقتصاد الكردستاني وتستثمر موارد النفط المالية وكمادة خام في التنمية الصناعية والزراعية وليس في صرف الأموال على المزيد من الاستيراد الاستهلاكي والبذخي الذي يفرط بالموارد المالية ولا يساهم في تنميتها.   
لم يكشف المبلغ المخصص (350) مليار دينار عراقي لصندوق هيئة الاستثمار ودعم بناء وحدات سكنية عن شيئين مهمين فيه, وهما: ما هي تلك المشاريع أولاً, وكيف كان عمل هذه الهيئة قبل ذاك ثانياً؟ إن المبالغ الموجهة لبناء المدارس ليست كثيرة ولكنها ضرورية, والسؤال الذي يفترض أن تجيب عليه السياسة الاقتصادية للحكومة هو من سيحصل على عقود بناء هذه المدارس وغيرها؟ وهل ستجري بطريقة المناقصة السرية أو ستوزع كما في الماضي وفق إرادة المسؤولين واختياراتهم؟ وما هو الموقف من المنافع والخدمات الاجتماعية الأخرى الضرورية للمجتمع مثل الصحة والاتصالات وتحديث بنية أجهزة الدولة ... الخ. 
 دعونا نتابع جانباً آخر في الموازنة التخمينية للإقليم.
خصصت حكومة الإقليم مبلغاً قدره 90 مليار دينار عراقي أو ما يعادل 76,9 مليون دولار أمريكي لمساعدة الأحزاب السياسية, يذهب منه أكثر من 60 مليون دولار أمريكي للحزبين الحاكمين والباقي 17 مليون $ أمريكي يوزع من حيث المبدأ على بقية الأحزاب والمنظمات. أي بنسبة 86,7 : 13,3. وهذا المبلغ الكلي يزيد عما هو مخصص لقطاعي الصناعة والزراعة في إقليم كردستان. فمجموع المبلغ المخصص للأحزاب والصناعة والزراعة هو 170 مليار دينار عراقي أو ما يعادل 145,3 مليون دولار أمريكي ونسب التوزيع هي 52,9 % للأحزاب السياسية, و47,1% للمصرفين الصناعي والزراعي. وهو أمر لا يمكن أن يفهم من اقتصادي عراقي يدرك المشكلات التي يعاني منها اقتصاد الإقليم, كما يفترض أن لا يقبل به أي سياسي يعي مسؤوليته في تغيير بنية الاقتصاد والمجتمع في الإقليم ويكافح البطالة والفقر.   
منه يمكن أن نشير إلى أن نسبة مهمة من الإنفاق الجاري لا تذهب إلى الخدمات الاجتماعية الضرورية بل إلى جهات ووزارات خدمية غير معنية بالتنمية أو بالخدمات الإنتاجية أو الخدمات الصحية والتعليمية والثقافية والتنويرية ...الخ.
من هنا يمكننا القول بأن الموازنة التخمينية للإقليم تتميز بما يلي:
1.   إنها ميزانية ذات طبيعة طبقية مشوهة وبعيدة كل البعد عن خدمة مصالح الفئات الاجتماعية الفقيرة والكادحة والمنتجة, وهي بالتالي تخدم مصالح التجار المستوردين والمقاولين والشركات الأجنبية العاملة في الإقليم والفئة البيروقراطية, سواء أكانت حزبية أم إدارية.
2.   وهي ميزانية هادرة لموارد الإقليم وغير منمية للدخل القومي, كما أنها سياسة تفتقد إلى الرؤية الاقتصادية الإستراتيجية ولا تساهم في إزالة التشوه ولو تدريجاً وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة.
3.   وهي تنطلق من ذهنية لبرالية جديدة قاصرة عن وعي الواقع القائم في كردستان وضروراته, ولكنها مشوهة وفاقدة لفهم طبيعة ومضمون هذا النهج اللبرالي الجديد في السياسات الاقتصادية, إذ أنها لا تجسد حتى مصالح الطبقة البرجوازية المتوسطة في المجتمع والبرجوازية الصغيرة, دع عنك أهمية نمو طبقة عاملة منتجة للدخل القومي. إن من يدافع عن اللبرالية الجديدة لا يعي عواقبها الوخيمة على الاقتصاد والمجتمع في البلد النامي, رغم اتهامه للاقتصاديين الآخرين بأنهم لا يعون مضمون اللبرالية الجديدة رغم كل الكوارث التي تسبب بها سياسات اللبرالية الجديدة على الصعيد العالمي, وكأنه الوحيد الذي يفهم ميكانزم (آليات عمل) هذا النموذج الاقتصادي الرأسمالي الاستغلالي المتطرف والمناهض  لمصالح شعوب الدول النامية, ومنها العراق, ومنه إقليم كردستان!   
4.   وأن هذه الميزانية مستنزفة لموارد النفط المالية وتبقي التشوه في البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والوعي الاجتماعي ولا تستخدم النفط الخام كمادة أولية لأغراض التصنيع المحلي وبالتعاون والتنسيق مع حكومة بغداد.
أتمنى على مجلس النواب في الإقليم أن يدرس هذه الميزانية التخمينية ويجري تغييرات جذرية عليها وفق مصالح تطور اقتصاد ومجتمع الإقليم, وخاصة تلك الفئات الاجتماعية التي كانت وراء انتصار قضية الشعب الكردي, تلك الفئات الكادحة التي كانت وقود الثورة الكردستانية على مدى ثمانين عاماً. وأتمنى على حكومة الإقليم أن تعيد النظر بهذه الموازنة لصالح شعب كردستان وتقدمه ولصالح العراق عموماً.
25/1/2010                     كاظم حبيب       
   

526
كاظم حبيب
هل لبعض من هم في السلطة أو على رأسها أن يحظى بثقة الشعب وتأييده؟

بعد نشر مقالتي الموسومة " هل نحن أمام لعبة صدق أو لا تصدق؟ وأين دور الحكومة في نشر الحقيقة ؟ وصلتني عشرات الرسائل المؤيدة ومن أخوة في داخل الوطن وخارجه, كما نشرت تعليقات في مواقع إلكترونية نشرت هذه المقالة. وإحدى هذه الرسائل المهمة, التي اخترتها لأهمية ما جاء فيها, تقول ما يلي:
" تحية أخوية... قرأت موضوعك في الجيران وأريد أن أضعك في صورة الحقيقة فيما يتعلق الأمر بالأجهزة الفاشلة لكشف المتفجرات والتي عندما كنت أذهب لمكان ما خلال ... يمسكون هذه الأجهزة ويبدأ الشخص يدور حول السيارة وبيده جهاز صغير مثل لعبة الأطفال كما تقول. ذلك في شهر مايس – حزيران من عام 2009 وقد التقيت مسئولا في حزب الدعوة زارني في منطقة ... وتوطدت علاقتي به حيث يسكن في نفس منطقة ... الحكومية – الرئاسية سابقاً. وذات ليلة وفي معرض حديثنا عن الفساد المستشري في الدولة، كشف لي أنهم وجدوا بأن هذه الأجهزة التي تستعمل في كشف المتفجرات فاشلة وأنها مستوردة بقيمة 65 ألف دولار للجهاز الواحد فيما سعر بيع الجهاز بالمفرد في بيروت بخمسة آلاف دولار وسعره في تايلاند ألف دولار للجهاز الواحد بالمفرد وبالجملة 500 دولار. ومن هذه الأجهزة استوردوا الآلاف ففي كل نقطة تفتيش في العراق هناك جهاز من هذه الأجهزة التي لا تكشف شيئا .. وهكذا الوطن المستباح أمام أعيننا والخافي أعظم .. محبتي .." (انتهى نص الرسالة, ك. حبيب).
أين تكمن أهمية هذه الرسالة؟ إنها تشير بوضوح إلى أن الشخص المقصود هنا هو أحد أعضاء حزب الدعوة, وهو عضو في حزب حاكم, ويعيش في المنطقة الخضراء, أي من المسئولين, ويعرف بأن هذه الأجهزة غير صالحة, وهذا يعني أن حزب الدعوة المشارك في الحكم يفترض أن يكون قد عرف ذلك أيضاً, ويفترض أن يكون رئيس الحكومة قد وصله هذا الخبر, فلِمَ إذن هذا التهاون في التحري عن الحقيقة وإيقاف استيراد هذه الأجهزة ومنع استخدامها بسبب عجزها عن الكشف عن المتفجرات, ولِمَ لم تبذل الجهود للكشف عنالحقيقة في حينها؟ لا أمتلك إجابة قاطعة عن هذه الأسئلة, ولكن الإجابة اليقينية عند الحكومة ورئيسها السيد نوري المالكي وحزب الدعوة الحاكم حالياً وعند الناطق الرسمي باسم الحكومة الدكتور علي الدباغ, فهل سيمنحنا الإجابة أم يجعلنا نتحرك بين مدينتي "نعم ولا" على حد تعبير الشاعر الروسي افتوشنكو.      
في الوقت الذي يخرج إلينا الدكتور على الدباغ في كل مناسبة وغير مناسبة بتصريحاته المشوشة, سكت هذه المرة سكوت أبي الهول, فلم هذا السكوت؟ الجواب عنده أيضاً!
يشعر الإنسان بالغثيان مما يجري في العراق الراهن ومن سياسات الحكومة ومن الخطب النارية بسبب الحملة الانتخابية والتي غالباً ما تحمل وعوداً فارغة من لدن الحاكمين.
يبدو لي أن الإرهابيين ما زالوا يستفيدون من فشل تلك الأجهزة في الكشف عن المتفجرات والانتحاريين مما يتسبب بالمزيد من الموتى والجرحى والمعوقين والخراب. ويتمنى الإنسان أن لا يكون تفجير اليوم الإجرامي قد نجم عن فشل تلك الأجهزة في الكشف عن المتفجرات التي استخدمت في العملية أيضاً.
أليس من حقي وحق غيري أن نتساءل: هل يمكن لبنات وأنباء الشعب العراقي, الذين يتلظون يومياً ويحترقون بنيران قوى الإرهاب ويحصدون الموت أو الإعاقة بسبب سيادة الفساد في الدولة وفي الأوساط الحكومية وأجهزة الدولة ووجود الكثير والكثير جداً من المتسللين إلى مواقع المسئولية حيث سمحوا بما حصل اليوم في العراق مثلاً, أن يثقوا بقوى الإسلام السياسية الحاكمة, وهي تشكل الأكثرية في الحكم, وتحالفاتها التي لا تصب, كما برهنت السنوات السبع المنصرمة, في مصلحة الشعب, بل في مصلحة أفرادها.      
كم أتمنى أن يكون الشعب العراقي قد استفاد من خبرة السنوات السبع المنصرمة وأدرك بأهمية الذهاب إلى صناديق الاقتراع ومنح أصواته لمن يجسدون مصالح الشعب والوطن, لمن يبتعدون عن الشوفينية والتمييز الديني والمذهبي والطائفية المقيتة, لمن يتبنون مبدأ المواطنة المتساوية للجميع وكذلك للنساء والرجال على حد سواء, لمن يكافحون الفساد والإرهاب في آن واحد.
كم أتمنى أن تكون السنوات المنصرمة كافية لرفع مستوى الوعي التنويري لدى الجماهير الكادحة لكي تعرف وتميز بين من وقف ويقف إلى جانبها في السراء والضراء, ومن يقف إلى جانب مصالحه الخاصة ويغرف بالمال الحرام ليملأ به جيبه ولو على حساب موت وبؤس الناس, كما في حالة شراء الأجهزة غير الكاشفة عن المتفجرات والمضللة لقوى الأمن والجيش والشرطة, وضحيتها لم يكن سوى أبناء وبنات هذا الشعب المستباح!    
25/1/2010                        كاظم حبيب



527
كاظم حبيب
هل نحن أمام لعبة صدق أو لا تصدق؟ وأين دور الحكومة في نشر الحقيقة ؟

لا يمر يوماً على العراق "الجديد !" إلا ورائحة الفضائح تزكم الأنوف وتصل إلى عنان السماء معلنة عن إن العراق هو ثاني دولة في العالم في مجال الفساد المالي والإداري بعد الصومال.
ولا يمر يوماً إلا وفي العراق ضحايا أبرياء يتساقطون من جراء العمليات الإرهابية التي تمارسها قوى الظلام والعدوان ضد شعب العراق.
ولا يمر يوماً دون أن نستمع إلى خطب تشدد من واقع الصراع السياسي في العراق وتثير الأحقاد والضغائن بدلاً من إيجاد حلول عملية للمشكلات القائمة التي يعاني منها الفرد العراقي أشد المعاناة, وفي وقت يتضور أكثر من 30 % من السكان من الجوع والحرمان, وقلة قليلة من النخب الحاكمة والسياسية والطفيلية هي التي تعيش التخمة بكل معانيها وبكل ما تحمل كلمة الجشع من معان اجتماعية حقيقية.
اليوم نشر الخبر التالي في موقع "المختصر" الإلكتروني:
"قالت صحيفة نيويورك تايمز في مقال لها اليوم الأربعاء أن أجهزة كشف المتفجرات الذي صرف عليها العراق أكثر من 200 مليون دولار لا تساوي حتى أن تكون لعب للأطفال وهي أكذوبة ومهزلة بحيث يكلف الجهاز الواحد ما بين 15000 إلى 60000 دولار.تقول الصحيفة أن القوات الأمريكية في العراق قالت للعراقيين مرارا وتكرارا أن هذه الأجهزة لا تصلح لكشف المتفجرات وأن الشركة البريطانية التي باعت هذه الأجهزة للعراقيين غير قادرة على إنتاج أي أجهزة تكشف المتفجرات وإنما لكشف العطور وبعض المواد الكيمياوية او قد تكشف حشوة الأسنان من الذهب والبلاتين. وإضافة أن المسؤول في وزارة الداخلية الذي تبنى استيراد الأجهزة من شركة ATC البريطانية قال للصحيفة أن الأمريكان لا يفقهون في هذه الأمور وأنه يفهم أحسن بكثير منهم وأنه الخبير الوحيد في العالم في ما يختص بالكشف عن المتفجرات". أما صحيفة الإندبندنت فقد ذكرت ب" أن الأجهزة المغشوشة تسببت في إخفاق الجهود للكشف عن متفجرات في العراق", وتسبب ذلك "بسقوط مئات الضحايا الأبرياء".
هل يمكن أن نصدق هذا الخبر أم نكذبه؟ هل يمكن لوزارة الداخلية العراقية أن لا تفحص تلك الأجهزة وتتيقن من صلاحيتها في الكشف عن المتفجرات؟ هل يمكن قبول واقع سقوط مئات وربما ألاف الضحايا من نساء ورجال وأطفال أبرياء رغم وجود حراسات وأجهزة الكشف عن المتفجرات والأسلحة, دون أن تفكر الحكومة بالأسباب الكامنة وراء ذلك؟
لا يمكن لصحيفة أمريكية وأخرى بريطانية محترمتين أن تنشرا هذا الخبر ونشر اسم الشركة البريطانية دون أن تكون لديهما معلومات موثقة عن هذه الجريمة البشعة, ألا يحق لنا أن نتساءل : هل يمكن أن يحصل ذلك دون أن يكون هناك تواطؤاً بين الشركة والمستورد العراقي, أياً كان المسؤول عن استيراد هذه الصفقات التي بلغت قيمتها, كما تشير الأخبار, إلى أكثر من 200 مليون دولار أمريكي. 
إن على الحكومة العراقية أن تكشف عن الحقيقة بكل أبعادها وكل المتورطين بها والعواقب التي ترتبت عليها وتقديم المسؤولين عنها إلى القضاء العراقي وإقامة دعوى دولية على الشركة البريطانية إن صح الخبر المشار إليه في أعلاه.
23/1/2010                     كاظم حبيب

528
كاظم حبيب
تعليق
على تعليقات حول مقال هل قرار شطب اسم وقائمة الدكتور صالح المطلگ عادلاً؟

وردت تعليقات كثيرة, مهمة ومتناقضة حول المقال الذي كتبته تحت عنوان " هل قرار شطب اسم وقائمة الدكتور صالح المطلگ عادلاً؟. وهو أمر طبيعي وأجده نافعاً لخوض حوار حول جملة من المسائل المهمة التي تمس مستقبل عراقنا.
بغض النظر عن المواقف المتباينة في ما جاء في التعليقات على مقالي الخاص بقرار شطب اسم الدكتور صالح المطلگ وقائمته من حقهم في الترشيح للانتخابات القادمة, فأني أشكر جميع المعلقين, وارجو لي ولهم حواراً هادئاً وموضوعياً.
سأحاول مناقشة بعض الأفكار لضرورة البحث فيها وباختصار:
أولاً: أرجو أن تميزوا بين رأيي ورأي الحزب الشيوعي العراقي, إذ لا يجوز قبول هذا الخلط, وبالتالي استغلال رأيي الشخصي في محاولة لاعتبار ذلك هو رأي الشيوعيين وهم لا دخل لهم ولا للحزب الشيوعي في ما اكتبه وما أنشره من مقالات أولاً, ومحاولة يائسة للإساءة للحزب الشيوعي العراقي, هذا الحزب الوطني العتيد والمناضل منذ أكثر من 75 عاماً, وهو أقدم الأحزاب السياسية العراقية القائمة حالياً وليس هناك من حزب استطاع الصمود في أوضاع العراق كهذا الحزب الوطني, والذي قدم من الشهداء ما يعجز عن ذكر العدد واجتراح مناضليه البطولات الحقيقية التي جلَّها العدو قبل الصديق. وأؤكد مرة أخرى بأن الحزب الشيوعي لا يتحمل مسؤولية أفكاري ومواقفي السياسية, فأنا رجل مستقل رغم تأييدي العام للحزب الشيوعي العراقي عموماً وفي الانتخابات القادمة أيضاً.  
ثانياً: على من يريد أن يناضل ضد أي فكر سياسي غير ديمقراطي يفترض فيه أن يميز بين مسألتين: بين المكافحة الفكرية السلمية لهذا الفكر وبأساليب عقلانية, وبين المكافحة العنفية غير المجدية لهذا الفكر أو ذاك. إذ لا يمكن القضاء على أي فكر سياسي بالعنف أو أو بإجراءات ردعية, بل هو يتعزز ويحصل على أتباع جدد ويشدد من التزمت لدى مؤيدي هذا الفكر. هكذا تقول التجارب العالمية وتجارب العراق أيضاً. الفكر الفاشي يكافح بفكر ديمقراطي حر وبعقلانية وليس بفكر طائفي أو شوفيني مماثل. وتجربة ألمانيا الراهنة تؤكد بأن التشدد وفرض المنع على القومية اليمينية ذات الوجهة والنزعة النازية الجديدة لم تساعد على انتشار وزيادة أعضاء هذه الجماعات المتطرفة يمينياً, بل أن المواقف العقلانية في مكافحتها فكرياً وعدم منع وجودها ساعد على تقلص عدد العاملين فيها ومؤيديها حقاً. ورفضت المحكمة الدستورية الألمانية حتى الآن المطالبة بمنع وجود تلك الأحزاب في الساحة السياسية الألمانية, وبعضها ممثل بشكل ضعيف جداً في بعض البرلمانات المحلية.  
ثالثاً: المجتمع العراقي أقر بأغلبيته عدة مسائل  جوهرية, منها بشكل خاص:
-   محاسبة ومعاقبة من تلطخت أيديهم بدماء العراقيات والعراقيين من قوى النظام البعثي الدكتاتوري ووفق القانون والقضاء العراقي.
-   التمييز بين قوى النظام السابق, أي بين قوى البعث, بين أولئك الذين كانوا رموزا دموية للنظام وبين من أجبر على الانضمام للبعث أو من كان انتهازياً وأراد الاستفادة, وهو فارق كبير بين الجماعة الأولى والجماعتين التاليتين. حيث تعاقب الأولى وفق القانون وعبر القضاء, ويعفى عن الآخرين ويراد كسبهم للعملية السياسية الديمقراطية التي لا تزال غير متوفرة في العراق بصورتها الصحيحة, وهو أحد أركان المصالحة الوطنية والفرز الضروري في قوى البعث.
-   رفض القوى التي تحمل السلاح وتدعي ممارسة "مقاومة شريفة", فهي قوى تصب في مجرى العداء وتلتقي مع قوى الإرهاب ما دامت تحمل السلاح ولا تقاوم أو تعارض الوضع القائم بأساليب سياسية, فالمعارضة السياسية للوضع القائم ممكنة ومفيدة, ولكن ليس بحمل السلاح وقتل الناس.
-   كلنا يدرك بأن ما فعله البعث في العراق لن يسمح له الشعب بالعودة إلى الحكم, ولن يتمكن من ممارسة جرائم أنفال أخرى, أو تهجير العرب الشيعة من الوسط والجنوب أو تهجير الكُرد الفيلية بذريعة التبعية الإيرانية. وهذه المسألة كفلت بواقع جديد ومضمونة دولياً, ولهذا لا يجوز المبالغة بتهديد البعث, رغم أن الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية مليئة بالبعثيين القدامى الذين كما قيل أنهم من التوابين. وخطرتم أنهم يشكلون جزءاً من المليشيات الطائفية المسلحة التي يمكن أن تعود ثانية لقتل الناس على الهوية التي عاش الشعب عذاباتها طويلاً.
-   الحياة السياسية والاجتماعية الحرة والديمقراطية وسيادة مبادئ حقوق الإنسان وحقوق القوميات وحقوق المرأة هي التي تضمن تطور العراق صوب الأفضل والأكثر استقراراً وأمناً وليس المليشيات الطائفية المسلحة أو السياسات الطائفية السياسية المقيتة التي تعزز الاصطفاف المذهبي والتمييز بين أوساط الشعب العراقي, كما يجري اليوم وقبل الانتخابات العامة القادمة بشكل صارخ. وشطب اسم الدكتور صالح المطلگ وقائمته سوى واحداً من أساليب هذه العملية غير السليمة التي تشدد وتعمق الاصطفاف الطائفي في العراق.
-   ليس حباً بشخص الدكتور المطلگ, فهو واحد من جمهرة لا استسيغ أفكارهم وسياساتهم ولا أجدها نافعة للشعب العراقي لأن فيها الكثير مما لا أتفق معهً, ولكن هل يحق لي ما دام يمارس السياسة منذ سبع سنوات وتحت قبة البرلمان أن أنفيه من العملية السياسية لأحوله وأتباعه إلى معارضين بالسلاح وتعزيز القوى المسلحة بحليف جديد.
يفترض أن لا تعرف السياسة روح الانتقام, بل المحاجة بالفكر والمواقف السياسية.
أتمنى أن يدرك الأخوات والأخوة الكرام بأني شخصياً قد تعذبت على أيدي البعثيين وعائلتي سقط لها أكثر من شهيد على أيدي النظام البعثي, فهل يحق لي أن انتقم من هؤلاء شخصياً أو أن القانون, أي القضاء, هو الذي يعاقب طغمة النظام السابق, وأن علي أن أحمي القانون وأن أميز بين البعثيين لكي أساهم في تغيير أساليب العمل السياسي في العراق الذي نريده ديمقراطياً حراً واتحادياً مستقلاً وعقلانياً وغير انتقامي وغير طائفي أو شوفيني.      
  
10/1/2010                     كاظم حبيب

529
كاظم حبيب
ليست القضية دفاعاً عن صالح المطلگ, بل عن سبل ممارسة القوانين!
لقد كتبت مقالتين بشأن قرار منع ترشيح الدكتور المطلگ وقائمته للانتخابات القادمة, ولم يكن جوهر المقالين دفاعاً عن هذا الرجل بل التزاماً بالأسس القانونية للانتخابات ووفق الدستور العراقي, إذ أن أي خرق لهما يقودان غلى عواقب سلبية لاحقاً. وكان اعتراضي واضحاً وملموساً هو أن القرار جاء في وقت غير مناسب وكان المفروض أن يتخذ قبل هذا التاريخ بكثير إذ أن المطلگ كان قد دخل العملية السياسية منذ سبع سنوات وهو لا يزال عضواً في البرلمان العراقي. وكانت له خطب وتصريحات سيئة جداً كان المفروض أن يحاسب عليها في حينها وتتخذ الإجراءات الضرورية الصارمة بحقه. كما أن القرار جاء في وقت وجود وزير خارجية إيران الذي يمكن ان يفسر القرار بصورة أخرى. وعدا عن ذلك فأن هناك الكثيرين ممن ولج في الأحزاب الإسلامية السياسية الذي لا يختلف عن هذا الرجل سوى بعدم الظهور أو من ارتكب جرائم بشعة بحق الشعب وعلى الهوية, إذ أشرت غلى ذلك في المقالتين بهذا الصدد.
إن قرار لجنة المساءلة والعدالة يفترض أن لا يعلن بل يرسل إلى مجلس النواب لمناقشته وإقراره ومن ثم إعلانه, وهذا الأمر هو الآخر لم يتم بل أعلن عنه من قبل اللجنة مباشرة.
لقد كانت لدي معلومات كثيرة عن الدكتور المطلگ وعن تاريخه السياسي في العراق ممن يعرفونه حق المعرفة حين كان في كلية الزراعة وحين منح زمالة لدراسة الماجستير في بريطانياو ولنه عاد بالدكتوراه دفعة واحدة. والآن وصلني مقال منشور في صوت العراق  بتاريخ 8/1/2010 تحت عنوان "من هو صالح المطلق ـ إلى د. نزار مع التحية " بقلم حميد النعيمي, فيه الكثير من المعلومات عن الدكتور صالح المطلگ التي يمكن أن أضعها تحت تصرف الأخوات والأخوة ليعرفوا من هو صالح المطلگ, وليدركوا بأن دفاعي لم يكن عنه, بل عن السبل القانونية من جهة والتوقيت في اتخاذ مثل هذه القرارات وعدم إخضاعها للأمزجة وتأخر سبع سنوات لأخذ هذا القرار, في حين كان بالإمكان تقديم طلب لمجلس النواب بدراسة عضويته في المجلس حالياً قبل اتخاذ مثل هذا القرار. كاظم حبيب
"من هو صالح المطلق ـ إلى د. نزار مع التحية "
بقلم حميد النعيمي
إنا من المتابعين لكتاباتك المدافعة دائما ً عن أشخاص دون غيرهم . ولكن لي طلب أن تعرف من هو صالح المطلق .
صالح المطلق كان بداية السبعينات رئيس الاتحاد الوطني لطلبة العراق ـ كلية الزراعة ـ أبو غريب . وكان من ضمن الكوادر الصِدامية لحزب البعث ، حيث كان و مجموعته يلاحقون و يضربون حتى الموت جميع من يشكون في تعاطفه مع الحزب الشيوعي . كان صالح المطلق و محمد عبد الرحمن محل و إياد السامرائي مسلحين بكل شئ من اجل قتل كل الشيوعيين في كلية الزراعة، لأن كلية الزراعة ـ ابو غريب في ذلك كانت مغلقة للشيوعيين . كان سلاح الشيوعيين الثقافة و سلاح صالح المطلق و جماعته المسدس . صالح المطلق يلعن الطائفية حسب ما يقول و لكنه يغط بها حيث كان يقول كل أبناء الجنوب شيوعيين يجب التخلص منهم . بعد أن تخرج من كلية ألزراعه أرسله حزب البعث بعثة دراسية إلى بريطانيا لتكملة الدراسة مكافئة لما قام به في كلية الزراعة وكذلك الاتصال بالبعثيين هناك . في بريطانيا أصبح رئيس الاتحاد الوطني هناك وله اتصال بالمخابرات العراقية عن طريق السفارة العراقية . أرسل محمد عبد الرحمن محل إلى بلغاريا و إياد السامرائي إلى أميركا . بعد ثلاث سنوات رجع صالح المطلق و يحمل شهادة الدكتوراه من أحدى الجامعات ( التعبانة ) ـ تصور د. نزار أنت رجل علم طالب عراقي يذهب الى بريطانيا ويكمل الماجستير و الدكتوراه في ثلاث سنوات من ضمنها كورس اللغة ـ اترك التعليق لك ـ .
عندما رجع من بريطانيا لا يملك صالح المطلق غير سيارة الكفاءات ـ حسب القانون ـ وسكنَ في القسم الداخلي لكلية الزراعة مع شخص أخر من الموصل اسمه نوفل الطالب و كان نوفل أمين سر منظمة البعث للقطاع الزراعي ( كلية الزراعة وكلية الطب البيطري و المعهد الزراعي ). عندما رجع صالح كانت درجته الحزبية عضو قيادة فرقة ـ هذا في السبعينات . بعد أشهر قليلة أصبح صالح المطلق عضو قيادة شعبة . وبعد سنة تفرغ صالح مع شخص أخر يدعى محسن الشيخ راضي ( عضو قيادة قومية لحزب البعث سابقاً ) للعمل في مزارع زوجة صدام ـ ساجدة ـ بعد أن أصبحا الاثنان جزء من المنظومة المخابراتية . تحول صالح المطلق من شخص يسكن القسم الداخلي في كلية الزراعة إلى تاجر يسكن في المنصور و يركب سيارة مرسيدس أخر موديل . استثمارات ساجدة كانت أكثر من 10 ملايين دينار و كانت كل الاستثمارات بأسم صالح و محسن . بعدها طرد محسن و بقي صالح المطلق المسئول عن جميع الاستثمارات . لقد حصل صالح المطلق من البنك سلفه قدرها 4 ملايين دينار عراقي اي ما يعادل 12 مليون دولار ( الرقم في الثمانينات ) لاستثماره في حقول الصويرة و الراشدية ، بعد أن استولى صالح على جميع البيوت الزجاجية في الراشدية لغرض الاستثمار ـ البيوت الزجاجية في الراشدية كلفت الدولة العراقية ملايين الدولارات و ذهبت بدون ثمن الى ساجدة ( صالح ).
توسعت استثمارات ساجدة لتشمل العقارات بدأت بشراء القطع و الأراضي لجميع العراقيين الذين غادروا العراق . وكان صالح هو المسؤول عن الاستثمارات الجديدة . لذا اتصل بمكتب الغزالية لصاحبه ابو حازم و الموجود في الغزالية قرب أسواق الزاوية سابقا ً و بدأ صالح يبحث و بطرق مخابراتية على جميع حملة الشهادات الذين غادروا العراق للبحث عن لقمة العيش من اجل ابتزاز عوائلهم و شراء أراضيهم او دورهم بأبخس الأسعار ـ اسأل مكتب الغزالية وصاحب المكتب ابو حازم و ابنه ـ . أصبح صالح المطلق عضو فرع مفرغ لاستثمارات ساجدة حيث أن جميع الاستثمارات مسجلة بأسم صالح لحد الآن . ـ لحد هذه اللحظة صالح يرسل جزء من مبالغ الاستثمارات إلى ساجدة في قطر ـ . اسأل أخي الكريم الدكتور عبد الجبار النعيمي حاصل على الدكتوراه من بلغاريا ـ من أصدقاء صدام ـ عمل في جامعة البصرة و بغداد و طرد من ليبيا لعدم الكفاءة .
إنا لا أريد أن أطيل عليك لأنني املك معلومات كثيرة عن هذا الرجل ، و لكن لكل حادث مقال. أتمنى من كل قلبي لكم بالتوفيق في جميع أعمالكم و أن يزيد من قدرتكم في الدفاع عن العراق.“ 

530
كاظم حبيب
هل قرار شطب اسم وقائمة الدكتور صالح المطلگ عادلاً؟

منذ سقوط نظام البعث الدكتاتوري تحت ضربات القوات الأمريكية والبريطانية وبدء تحرير العراق من عبودية الدكتاتورية الصدّامية ووقوعه تحت الاحتلال الرسمي المشين للدولتين العظميين, شارك الدكتور صالح المطلگ, المفصول من حزب البعث الحاكم لأي سبب كان, في العملية السياسية في العراق. وكانت مواقفه كلها معارضة بشكل عام. وكان نشاط هيئة اجتثاث البعث برئاسة الدكتور أحمد الچلبي ناشطة جداً حينذاك ولم تتخذ قراراً بإبعاد الدكتور صالح المطلگ من العملية السياسية أو من مجلس النواب الذي انتخب وأصبح عضواً فيه.
لا شك في أن سياسات ومواقف الدكتور المطلگ لم تعجب الكثير من الناس في العراق, وبشكل خاص القوى الطائفية الشيعية لأنه كان ضمن القوى الطائفية السنية, كما أنه لم يتخل عن مواقفه القومية العروبية المتشنجة. ولم أكن في كل الأحوال مرتاحاً من السلوك السياسي ومن جملة من تصريحات الدكتور المطلگ الاستفزازية التي كان يطلقها بين فترة وأخرى, سواء أكان يتحدث بها من على منصة البرلمان أم خارجه, وسواء أكان في بغداد أم في عمان. كما أن جماهير غير قليلة كانت ضد تصريحات العشرات من أعضاء مجلس النواب الشوفينيين والطائفيين من الشيعة والسنة التي كانت تطلق في أحايين كثيرة تثير العداء بين أتباع الأديان والمذاهب الدينية, إضافة إلى واقع أن أجنحة عسكرية لقوى إسلامية سياسية كانت ولا تزال تساهم في العملية السياسية وفي البرلمان تسببت في قتل المئات بل الآلاف من المواطنات والمواطنين العراقيين خلال السنوات المنصرمة لم يحرموا من المشاركة في الانتخابات العامة أو يمنعوا من الترشيح للانتخابات. ولهذا فقد جاء قرار لجنة المساءلة والعدالة, التي كما يبدو لا يزال يرأسها الدكتور أحمد الچلبي التي تمارس نهجها السابق المتشدد والبعيد عن جو المصالحة الوطنية والوعي بالمسؤولية, بشطب اسم الدكتور صالح المطلگ وقائمته من قوائم المرشحين للانتخابات القادمة, بعيداً عن العدالة والوعي بالمسؤولية ويثير غباراً لا مبرر له. ويمكن إعطاء تفسيرات وعوامل عديدة تقف وراء مثل هذا القرار غير العادل, بغض النظر عن الموقف الشخصي لكل منا من سياسات وأراء ومواقف الدكتور صالح المطلگ وقائمته التي أنظمت بدورها إلى القائمة العراقية التي يقودها الدكتور أياد علاوي. إن هذا القرار يشير إلى ما يلي:
1 . عدم الرغبة في السير صوب المصالحة الوطنية مع عناصر معتدلة وعدم الرغبة في التأثير على عملية الاصطفاف الضرورية داخل قوى النظام السابق لصالح كسب الكثيرين منهم لصالح العملية السياسية الجارية.
2 . وإنه يصب في صالح رغبة أولئك الطائفيين الذين يسعون إلى تشديد الاصطفاف الطائفي من القوى الشيعية بأمل جر كل أتباع المذهب الشيعي إلى جانبهم في الانتخابات القادمة بذريعة أن الصراع على السلطة هو بين أتباع المذهبين وليس بين أتباع أحزاب ذات نهج طائفي مقيت.
3 . كما أنه يريد تشديد الصراع بين القوى التي تسندها الدول العربية وتلك التي تسندها إيران الطامعة بالعراق وبالهيمنة على سياساته ومواقفه وأرضه, بعد أن أعترف وزير خارجيتها تجاوز إيران على الأرض العراقية في فكة لأسباب تكتيكية لا غير.
4 . كما أن هذا القرار وبهذا الوقت الحرج يعبر عن تأثير إيران الفعلي على البيت الشيعي الذي يضم فيه الدكتور أحمد الچلبي الذي يترأس لجنة المساءلة والعدالة وضمن القائمة التي يترأسها عمار الحكيم. كما أنه صدر في فترة وجود وزير خارجية إيران في بغداد وكأن القرار هدية تقدم لإيران.
5 . إن هذا القرار يعبر عن أن هذه الهيئة غير معنية وغير مهتمة باحتمال تعكير المياه وإثارة وتشديد الصراعات الطائفية من جديد والتي تفتح بدورها أبواباً جديدة لقوى الإرهاب لتنفذ منها وتمارس بحرية تامة قتل العراقيات والعراقيين وتدمير الاقتصاد العراقي وإشاعة الفوضى فيه, فالغاية عندها تبرر الواسطة ولو على موت الناس وخراب العراق.
إن على هيئة الرئاسة ومجلس النواب ومجلس الوزراء والمحكمة الدستورية أن تمارس دورها في منع دفع الأمور إلى مزيد من الصراعات والنزاعات وإثارة الشغب من قوى غير مدركة لمسؤوليتها, إذ أن رغبتها في الانتقام تهيمن على عقلها وتسلب منها القدرة على التفكير الهادئ والمتزن لصالح استقرار العراق وأمن شعبه.
9/1/2010                     كاظم حبيب               
           

531
كاظم حبيب
ماذا يجري في عالمنا العربي؟ وهل هو بخير؟
من كان يعتقد ويأمل أن تتراجع مشكلات مجتمعاتنا في الدول العربية وتتعلم نظمها السياسية من تجاربها المنصرمة في معالجة المشكلات المتراكمة والمتفاقمة سنة بعد أخرى في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية وفي العلاقات الدولية وفي ما بينها, أصيب بخيبة أمل شديدة وأحس الكثير من البشر بالإحباط والألم, إذ أن نسبة عالية من سكان هذه الدول قد عانت الأمرين على أيدي حكامها المستبدين.
ومن كان يأمل من الجامعة العربية أن تساهم في معالجة المشكلات في ما بين الدول العربية وفي كل منها والتي تفاقمت في عدد غير قليل منها, أصيب بإحباط أكبر وابتعد عن التفكير بأهمية هذه المؤسسة وبدورها ويريد أن ينسى أنها موجودة أصلاً ومنذ 65 عاماً بالتمام والكمال. وغالباً ما يتذكر الناس أغنية عزيز علي عن الجامعة العربية التي يقول فيها "جامعتنة الما لمتنة", أي "الجامعة العربية التي عجزت عن جمع كلمتنا", وهو تعبير عن الفجوة التي كانت ولا تزال قائمة بين هذه الدول والتباين الشديد في سياساتها التي لا تصب عموماً في مصالح شعوبها بل في جيوب نخبها السياسية والمهيمنين على ثرواتها والمتصرفين بأموالها تماماً كما كان يفعل أبو جعفر المنصور حين بلور ذلك في خطبة له يوم عرفة حدد فيها برنامجه السياسي فقال:
"أيها الناس, إنما أنا سلطان الله في أرضه, أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده, وحارسه على ماله, أعمل فيه بمشيئته, وإرادته وأعطيه بإذنه, فقد جعلني الله عليه قفلا, إذا شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم, وإذا شاء أن يقفلني عليه أقفلني". [إمام عبد الفتاح إمام: الطاغية- دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي, سلسلة عالم المعرفة رقم 183, الكويت. ص 219]. ولا شك في أن الحكام العرب الحراس على أموال الأمة مفتوحون على أنفسهم فقط وبالتمام والكمال!
ترتفع عماراتنا لتصل إلى عنان السماء وتنافس من هم أكثر تقدماً منا, ولكن خلفيتنا مكشوفة لمن شاء الوصول إليها. فمجتمعاتنا تجسد الوقائع التالية:
** التخلف الفكري والسياسي وغياب التنوير الديني والاجتماعي.
** الأرض الغنية بثرواتها الخامية من جهة, والشعوب المحرومة من تلك الثروات التي يهيمن عليها الحكام ويسيئون توزيعها واستخدامها.
** التخمة ترهق النخب الحاكمة والمالكة لوسائل الإنتاج والمهيمنة على أموال الدولة والشعب من جهة, والفقر المدقع والبطون الخاوية للغالبية العظمى من سكان الدول العربية من جهة أخرى.
** المظاهر الشكلية للحضارة الحديثة هي المهيمنة على الدول العربية, وفقر الفكر والروح الحية والتعامل العشائري الأبوي التعسفي اليومي سائد في مجتمعاتنا.
** التعددية الدينية والمذهبية التي تعبر عن حركة العقل مقترنة بغياب الاعتراف المتبادل والتسامح لدى المسلمين عموماً وشيوخ الدين والمتشددين منهم خصوصاً والذي يتجلى بشكل صارخ في المزيد من القتلى من أتباع الديانات الأخرى الأكثر قدماً في الأرض ومن أصل أهل البلاد. العراق نموذجاً صارخاً, وأخيراً مصر حيث قتل أخيراً ثمانية من أبناء البلاد الأقباط.
** غياب متواصل وتراجع عما بني في بعضها من مظاهر ومضامين محدودة لقيم المجتمع المدني لصالح القيم والنزعات والتقاليد القبلية البالية.
** مجتمعات تبني وتنتج في الغرب المتحضر, ومجتمعاتنا, بفضل سياسات حكامها, تستهلك وتفقد الكثير من ثروات بلدانها وتستنزف ثروات الأجيال القادمة لصالح النخب الحاكمة.
** تتعمق مضامين الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والقوميات لدى المجتمعات المتحضرة, وتغيب في الوقت تلك الشموس المشعة عن شعوبنا وهيمنة الاستبداد والحكام المستبدون على إرادة شعوبها.
** تشتد الخلافات والنزاعات المسلحة ويتفاقم التطرف الديني والمذهبي في بلداننا وتتسع فتاوى المتعصبين والمتخلفين من شيوخ الدين ويتسع الموت على أيديهم لا في بلداننا فحسب, بل يمتد قطع رؤوس الناس من بلدان وشعوب أخرى.
** وإذ تتسع وتتنوع حقوق المرأة وتحتل مكانها الطبيعي في المجتمعات المتحضرة, تنمو ذكورية حكامنا وتهيمن على سلوك مجتمعاتنا في غير صالح المرأة وحقوقها المشروعة ومساواتها بالرجل, كما يزداد العنف ضدها وتقتل يومياً بذريعة غسل العار السيئ الصيت وبذريعة مخالفة الشريعة!
** وأذ تتنافس شعوب وحكومات على نظافة اليد ونزاهة النفس, يتسع الفساد المالي والإداري في بلداننا ويتنافس حكامها على احتلال بلدانهم الموقع الأكثر فساداً في العالم والأكثر تفريطاً بأموال الشعب.
** وأذ تتخلى جمهرة من الدول المتحضرة عن حكم الإعدام أياً كان السبب, يتبارى ويتفنن الكثير من حكامنا في أشكال قطع الرؤوس ومصادرة حق الإنسان في الحياة وكأنهم يرددون قول المستبد بأمره الحجاج بن يوسف الثقفي لشعب العراق " والله إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها وأني لصاحبها...". وأغلب حكامنا, وبصيغ مختلفة, أصحاب قطع الرؤوس ويشاركهم فيها حكام أغلب الدول الإسلامية غير العربية أيضاً.
** مصادرة حقوق القوميات الأخرى في تقرير مصيرها, ولنا من السودان والدول المغاربية وغيرها نماذج صارخة, إضافة إلى العديد من الدول الإسلامية كتركيا وإيران وسوريا على سبيل المثال لا الحصر.
 قائمة المتناقضات كثيرة يمكن الاستمرار بتسجيلها, ولكنها كافية لتبرز ما يجري في عالمنا العربي ونحن نعيش في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين, إذ أن إلقاء نظرة على الصومال واليمن والسودان بأوضاعها وصراعاتها وما ينشأ عنها يقدم الدليل على خراب أوضاعنا وعجز الجامعة العربية عن المساعدة فيها مما يلزم الدول الأخرى التدخل في شؤونها ومساعدتها, في حين أن حكامها يلتهمون تلك المساعدات ويوزعونها على أتباعهم لكي يبقوا في دست الحكم لا غير.
كل هذا وغيره يجري في عالمنا العربي, فهل نحن بعد كل هذا بخير؟ من حق الناس جميعاً أن يطرحوا هذا السؤال ويجيبوا عنه, وأن يكونوا صادقين مع أنفسهم في الإجابة عنه. نحن لسنا بخير, نحن في حالة يرثى لها, نحن نعاني من جمهرة من الأوباش يحكمون الكثير من بلداننا! 
الأسئلة التي يثيره الوضع العربي مثلاً:
الم يكن في مقدور المليار ونصف المليار دولار التي وظفت لبناء برج خليفة في الإمارات مساعداً للنهوض باقتصاد اليمن وتشغيل عشرات الألوف من العاطلين عن العمل في بناء صناعة وطنية وتطوير زراعة اليمن وتحسين ظروف حياتهم, وكانت بدورها تشكل تراكماً للمال وأرباحاً لأصحاب هذه الأموال؟
الم يكن في مقدور حكام المملكة العربية السعودية توجيه نسبة من إيرادات "نفطهم!" السنوية لصالح هذا "اليمن غير السعيد" لإعماره وتطوير حياته, رغم وجود الفقر في السعودية ذاتها بسبب سوء توزيع الثروة وسوء استخدامها من قبل الحكام وبخلاف كل الأسس الخلقية في توزيع الثروة مثلاً؟
ألم يكن في مقدور بعض الحكام الآخرين, مثل حكام ليبيا, القيام بمهمة مماثلة في اليمن؟
ألم يكن في كل ذلك ما يساعد على تعزيز وحدة اليمن وحل صراعاتها ونزاعاتها ومنع نشوء تلك الأرض الخصبة التي تنمو عليها تنظيمات القاعدة المجرمة, الفقر والبطالة والجوع والحرمان والتمييز والاستبداد؟
يصعب إقناع الحكام الذين اعتادوا على قهر ونهب وتمريغ جباه شعوبهم بالتراب أن يتعظوا ويعودا إلى رشدهم. إنهم بسلوكهم يدفعون بشعوبهم إلى الثورة ضدهم في نهاية المطاف. وبعضهم يذهب إلى القوى المتطرفة والإرهابية التي تمتهن القتل والتدمير.
وتاريخ الدول العربية مليء بمثل هذه الثورات, إذ أن الظلم إذا دام دمر, والسكوت على التدمير لا يمكن أن يدوم طويلاً, ولكنه مليء بالحركات المتطرفة والإرهابية التي يمكن أن تنتشر إلى مناطق أخرى ومنها بقية دول الخليج مثلاً.
9/1/2010                                          كاظم حبيب   


532
كاظم حبيب
رسالة مفتوحة
إلى الأخ السيد الدكتور برهم صالح المحترم / رئيس وزراء حكومة إقليم كُردستان العراق

منذ ثلاثة أشهر تقريباً توليتم مسؤولية رئاسة حكومة إقليم كُردستان العراق , وهي مهمة ومسؤولية كبيرة حقاً , ولدي القناعة الشخصية بأنكم قادرون على النهوض بها بما يتناغم ومصالح شعب كُردستان خصوصاً والشعب العراقي بكل مكوناته عموماً.  كما أتمنى أن تجدوا الدعم والتأييد الكامل لوضع وإنجاز برنامج يسهم في صياغة وجهة عملية التحول الديمقراطي سياسياً واجتماعياً وثقافياً في كردستان العراق والعراق عموماً.
كنت وما أزال أتابع مسيرة كُردستان العراق على امتداد الفترة المنصرمة , وخاصة في أعقاب تحرير الإقليم من هيمنة حزب وحكم البعث والطاغية صدام حسين وعلي حسن المجيد (كيماوي) , ومن ثم في أعقاب سقوط النظام الدكتاتوري. وكنت أمارس الكتابة والنقد بشأن التجربة والمسيرة الكُردستانية حين أجد ذلك ضرورياً , سواء من خلال تبيان الجوانب الإيجابية المتحققة أم الإشارة الواضحة للجوانب السلبية التي كانت ولا تزال تستوجب التغيير أو التعديل أو التحسين من منطلق الحرص على هذه التجربة التي لا تمس الإقليم والعراق حسب , بل وبقية الدول المجاورة التي فيها شعب كُردستان وأقاليم كُردستانية.
ولا شك في أن ملاحظاتي كانت وستبقى بطبيعة الحال وجهة نظر شخصية تحتمل الخطأ والصواب. إلا أن من واجب العاملين في الشأن العام أن يمارسوا هذه المهمة , مهمة الإطلاع والمتابعة وممارسة النقد البناء الذي يفترض أن يسهم في تعزيز المسيرة الديمقراطية والتقدمية والبناء المستديم في الإقليم وفي عموم العراق.
لا شك في أن إقليم كُردستان العراق قد قطع خلال السنوات الأربع المنصرمة شوطاً طيباً في حفظ الأمن والاستقرار والسلام في الإقليم وحقق نجاحات ملموسة في مجال البناء والعمران بشكل عام وفي إقامة مشاريع البنية التحتية وتأمين بعض الخدمات العامة التي لم يتم تحقيقها حتى الآن في بقية أنحاء العراق , وهي نتيجة تحسب لصالح حكومة إقليم كُردستان. ولكن هناك الكثير من المسائل التي تستوجب المعالجة من خلال تدقيق السياسات السابقة لتأمين مسيرة أكثر قوة وتبنى على قاعدة مادية متينة لا تهتز بسهولة وتصبح نموذجاً للبناء في بقية أنحاء العراق؟ والسؤال هو: هل هذا ممكن في أوضاع كُردستان الراهنة؟ الجواب: نعم , لو بادرت حكومة الإقليم ووضعت سياسة جديدة منسقة بين مختلف جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية على أسس ديمقراطية بحيث تنسجم مع متطلبات الوضع الجديد , أي لو بادرت حكومتكم بدراسة جادة لتجربة السنوات المنصرمة وتوقفت عند كل مفاصلها الأساسية وتفاصيلها ودققت في نجاحاتها وإخفاقاتها وما يفترض أن يتخذ من إجراءات لمعالجتها خلال السنوات الأربع القادمة مثلاً ووضعت إستراتيجية تنموية جديدة ذات جانبين:
الجانب الأول يرتبط بواقع إقليم كُردستان العراق وحاجاته وطاقاته وما يمكن أن يتحقق فيه , والجانب الثاني يستوجب الأخذ بالاعتبار أهمية استمرار وتطوير العلاقة العضوية الضرورية بين إقليم كُردستان العراق وبقية أنحاء العراق الفيدرالي في مجمل عملية التنمية الاقتصادية والبشرية والبيئية , أي أهمية التنسيق والتكامل بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية باعتبارهما اقتصاداً واحداً , بما في ذلك اقتصاد النفط الخام , وسوقاً وطنياً واحداً.
حين أطرح تصوراتي الشخصية لا أتقدم بتصور متكامل وجاهز , بل أطرح أفكاراً أضعها في خدمة الحوار داخل حكومة الإقليم وفي المجتمع الكُردستاني وعلى مستوى العراق , أي أنها جملة من الأفكار والملاحظات التي تستهدف التحفيز على الحوار بأمل الخروج بنتائج تخدم المسيرة التي يفترض أن تكون ديمقراطية تحقق مصالح مكونات الشعب في إقليم كُردستان العراق وعلى مستوى العراق , رغم ما سأطرحه هنا يمس إقليم كُردستان بالأساس , إذ أن الرسالة المفتوحة موجهة إلى جنابكم باعتباركم رئيس وزراء الإقليم.
لقد تم تقليص عدد وزارات حكومة الإقليم من خلال إلغاء أو دمج بعضها بالآخر, وهو أمر إيجابي حقاً. إلا أن هذا التقليص يلقي على عاتق السيد رئيس الوزراء والسادة الوزراء مهمات إضافية لوزارات كانت قائمة وذات مهمات محددة , وبالتالي لا بد من اتخاذ إجراءات تسهم في سد الثغرات المحتملة في هذا المجال لصالح التنفيذ الأفضل للمهمات وعمل الوزارات. وفي الوقت نفسه يفترض أن يستند عمل الحكومة إلى قواعد ومعايير عمل ثابتة ومستقرة ومتطورة بتطور عمل ومهمات حكومة الإقليم , وهو أمر لا يخفى عليكم بحكم تجربتكم السابقة في السليمانية وفي بغداد.
من متابعاتي الشخصية أدرك بأن رئيس الحكومة يحتاج إلى كادر علمي متخصص يحيط به وليس إلى ديوان يديره شخص واحد بغض النظر عن كفاءة هذا الشخص أو ذاك , بحيث يتوزع العمل على الكادر المتخصص وفق القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية... الخ والمهمات المشتركة في ما بينها بما يساعد على تأمين وضوح الرؤية في ما يجري في الوزارات المختلفة والعلاقة في ما ينتج عن عمل تلك الوزارات. وهذا يعني بدوره ما يلي , رغم أن ما أشير إليه يفترض أن يكون من البديهيات التي غابت عن العمل بشكل عام :
مجلس الوزراء بحاجة إلى اجتماعات دورية أسبوعية أو نصف شهرية منتظمة , كما أخذتم بهذه القاعدة حالياً , على أن يعد لها بشكل جدي جدول عمل وموضوعات مهيأ لها جيداً بحيث يمكن معالجة الأمور بتفاصيلها وأن لا تترك الأمور معلقة ولا يعرف من المسؤول عن التنفيذ أو المتابعة. إن تباعد الاجتماعات وعدم دوريتها وضعف إنجاز جداول عملها يقود بالضرورة إلى التسيب والعفوية وعدم الاهتمام بأهمية تلك الاجتماعات.
مجلس الوزراء بحاجة إلى برنامج عمل يضم إليه برامج الوزارات أو مهمات كل الوزارات خلال السنوات الأربع القادمة والتي توزع بدورها على السنوات الأربع وعلى الفصول الأربعة في كل سنة.
أن يكون لمجلس الوزراء مكتب متابعة من المتخصصين. يتابع هذا المكتب مدى تنفيذ تلك الوزارات والمؤسسات التابعة لمجلس الوزراء لمهماتها وأين تحصل الاختناقات وأين تكمن العقد التي تستوجب الحل بصورة علمية أو فنية أو إدارية , وكيف تسير عمليات معالجة تلك الاختلالات. إذ أن غياب المتابعة ينسي المهمات وينسي حصول اختناقات , وتنعكس سلباً على واقع الحال وليس على مجلس الوزراء وحده , ولكن في المحصلة النهائية يتحمل رئيس الوزراء قبل غيره مسؤولية الإخفاق بسبب ضعف أو عدم وجود متابعة منهجية لعمل ومهمات وبرامج الوزارات.
إن وضع برامج وجدولة العمل والمتابعة الدقيقة والمباشرة ثم الأخذ بمبدأ تحفيز الهمم والمحاسبة والمكافئات التقديرية للوزارات والمسؤولين لها والعاملين فيها لها دورها الكبير في تنفيذ المهمات وفي المبادرة والإبداع , إضافة إلى الزيارات المباشرة لرئيس الوزراء لوزاراته واللقاء بكل منهم على انفراد لمعالجة مشكلات كل هذه الوزارات ذات أهمية فائقة لتبيان الاهتمام الفعلي من جهة , وشعور الوزير بمسؤولياته من جهة ثانية.     
ولا بد من ممارسة العمل الديمقراطي مع العاملين في جميع الوزارات من خلال تنشيط دور المسؤولية الفردية والجماعية إزاء عمل كل وزارة وكل الوزارات في آن , إذ بدون ذلك يصبح الاهتمام شكلياً في الوزارات , في حين تستوجب الضرورة تنشيط كل العاملات والعاملين في كل وزارة.
وهذا يصح على أهمية وضرورة اللقاء بأجهزة الإعلام ومنظمات المجتمع المدني لتنشيط حالة الرقابة على عمل الوزارات وتشجيع عملية النقد البناء والمسؤول والمنطلق من مصلحة المجتمع أولاً وقبل كل شيء دون محاباة أو مجاملة او سكوت على الأخطاء والنواقص والبيروقراطية القاتلة.
لقد اعتاد العاملون في المكاتب الخاصة لرئيس الوزراء أو الوزراء , كما عو معروف على نطاق واسع , تقديم تقارير لا تعبر بالضرورة عن حقيقة ما يجري على صعيد الإقليم أو الوزارات. وهذا ينطبق على العراق كله. وغالباً ما يحاول هؤلاء تقديم تقارير ترضي المسؤولين وتبهجهم وتريحهم , وكأن كل شيء هادئ في الجبهة الغربية , في حين أن كل شيء متحرك في تلك الجبهة وربما يسير من سيء إلى أسوأ دون أن يعلم رئيس الوزراء بما يجري في وزاراته. ولهذا قيل قديماً بحق "الثقة جيدة , ولكن الرقابة أجود".
أنا واثق جداً من أنكم , وكذلك السيد نيچرفان بارزاني, رئيس وزراء الإقليم السابق , وكذلك السيد رئيس الإقليم , تعرفون بوجود مشكلات كثيرة وكبيرة تستوجب المعالجة والحل , أشير إلى بعضها الأهم فيما يلي:
وجود كثرة من الأشخاص يحتلون مواقع وظيفية لا يستحقونها , في حين أن هناك أشخاصاً آخرين يستحقون تلك المواقع , ولكنهم مبعدون عنها لأسباب حزبية أو علاقات قرابة أو غيرها. وهو أمر يفترض أن يتغير بصورة منهجية من خلال مجلس خدمة نزيه ومستقل ويعتمد العلم والكفاءة والمواصفات الضرورية لكل وظيفة.
إرساء قواعد العمل الإداري العلمي في الوزارات والمؤسسات الحكومية كافة , تتسم بالشفافية والوضوح وتلتزم بمعايير علمية معروفة. 
رفض العمل وفق معايير مزدوجة تمارس اليوم إزاء الأشخاص والمواقف والتي تؤثر سلباً على موقف المجتمع من الحكومة ومن إجراءاتها التي تميز بين الأفراد والمواقف , ومنها الامتيازات المتكررة التي تمنح للوزراء أو أقارب من هم في الحكم مثل توزيع الأراضي السكنية لعدة مرات.
التشابك غير المقبول بين مهمات الأحزاب الحاكمة ومهمات الحكومة بما يجعل الحكومة يتحمل نواقص وأخطاء الأحزاب الحاكمة , أو أن الأحزاب تتحمل نواقص وأخطاء الحكومة.
معالجة  الفجوة الناشئة بين الحكومة وبين الفئات الشعبية أو عموم المجتمع والتي تطرقت إليها في مقالات غير قليلة خاصة بأوضاع كُردستان العراق.
استمرار وجود الفساد المالي على نطاق معروف لكم ولا يخفى على كافة المسؤولين الكبار والذي تم الوعد بمكافحته عدة مرات ومن جميع كبار المسؤولين ولم يتحقق حتى الشيء القليل في هذا الصدد.
إن الأوضاع الأمنية غير المستقرة في وسط وجنوب العراق ألزمت كثرة من المتخصصين الانتقال إلى  إقليم كُردستان العراق للعمل هناك. وقد غطت هذه الحالة نقصاً كبيراً في الكادر العلمي والمتخصص في الإقليم. إلا  أن هؤلاء يمكن ان يتركوا العمل في فترة لاحقة وحين تحسن الوضع الأمني والاستقرار في الوسط والجنوب , وبالتالي سيتركون فراغاً في كُردستان لا بد من الأخذ بالاعتبار هذا الأمر والعمل على تكوين الكادر المناسب الذي يمكنه الحلول محل من يغادر كُردستان لمناطق أخرى في العراق.
الأهمية الفائقة لإعادة النظر بالعلاقة بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية. ومبادرتكم التي ظهرت قبل فترة وجيزة في هذا الصدد مهمة. وإعادة النظر لا تقتصر على حكومة الإقليم , بل تشمل الحكومة الاتحادية أيضاً , إذ أن حل المشكلات العالقة يحتل أهمية كبيرة في نشوء وضع طبيعي متقدم في العلاقات بين الطرفين.
خلال الدور البرلمانية السابقة لم تكن هناك قوى سياسية معارضة متبلورة في إقليم كُردستان العراق. ولكن خلال السنوات الربع المنصرمة , ولأسباب موضوعية وذاتية طبيعية , نشأت معارضة سياسية وذات برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي واضح , بغض النظر عن مدى تطابقه أو اختلافه عن برامج الحزبين الحاكمين. وهذه المعارضة ممثلة في برلمان الإقليم. ومثل هذه الحالة الطبيعية يفترض أن تتحمل حكومة الإقليم مسؤولية التعامل الديمقراطي الواعي والمسؤول مع المعارضة السياسية بما يؤدي إلى نشوء تقاليد ديمقراطية في هذا المجال الحيوي وبروز معارضة موضوعية تمارس النقد البناء والفعال لسياسات الحكومة أو سياسات ومواقف البرلمان. ويمكن للحكومة أن تلعب دورها الفعال في إنجاح هذه التجربة الجديدة على إقليم كُردستان ولصالح الإقليم والمجتمع الكُردستاني. فرأي الأقلية يفترض أن يحترم ويعامل بصورة جدية بأمل المنافسة للوصول نحو الأفضل لصالح الشعب.     
لا شك في أن معرفة هذه الأمور وطرحها من جانب المسؤولين أمر مفيد لتوصيف الحالة , ولكن الأهم هو السياسات والإجراءات العملية الملموسة والمباشرة التي تساعد على تجاوز تلك المشكلات وإقناع المجتمع بجدية الحكومة في مكافحة العلل القائمة.
السيد رئيس الوزراء المحترم
أود الآن أن أبدي بعض الملاحظات حول قضايا التنمية الاقتصادية في الإقليم والتي أرجو أن تحظى بعنايتكم.
من متابعتي لتصريحاتكم ومشاريع المقترحات التي قدمتموها إلى مجلس الوزراء العراقي أو خطبكم في المؤتمرات الدولية التي عقدت بصدد العراق , إضافة إلى سياسة إقليم كُردستان خلال الفترة المنصرمة تبين لي , وأرجو أن أكون مخطئاً ,  بأنكم لا تعطون موضوع التصنيع في العراق عموماً وفي إقليم كُردستان خصوصاً أهمية تذكر , بل تركزون على التقسيم الدولي الرأسمالي الراهن للعمل الذي يهدف إلى إبقاء الدول النامية , ومنها الدول النفطية _والعراق أحدها_ , مستهلكة للسلع المصنعة المستوردة من الدول الصناعية المتقدمة ومصدرة للنفط الخام , مستندين في ذلك إلى موقف فكري وسياسي واقتصادي واجتماعي غير مؤيد للتصنيع أو من التنمية الصناعية بشكل عام في الدول النامية. وقد أبديتم والسيد رئيس وزراء الإقليم السابق اهتماماً خاصاًُ بتجربة "دبي" التي ليست بالنموذج الملائم لها ولا للعراق أو للدول النامية. وما الأزمة الأخيرة العميقة التي تمر بها سوى البرهنة الإضافية على فشل هذا النوع من التطور الاقتصادي المشوه الذي لا يبنى على قاعدة مادية متينة تساهم في تحقيق الوحدة العضوية والديناميكية في العملية الاقتصادية والاجتماعية في البلد.
إن إقليم كُردستان العراق محاط بدول جوار لها موقفها الخاص من الإقليم ومن الفيدرالية في العراق , وهذا الموقف يستوجب من الإقليم جهداً إضافياً لتأمين عدة مسائل جوهرية , منها:
إيجاد علاقات متينة وجيدة مع الحكومة الاتحادية في بغداد من خلال العمل المشترك والتنسيق في السياسات الاقتصادية والاجتماعية وفي المواقف , وهذه العلاقة بمثابة شارع باتجاهين.
بناء قاعدة اقتصادية تستند إلى التصنيع الحديث وتحديث الزراعة والتكامل بين هذين القطاعين على صعيد كُردستان والعراق.       
الاستفادة القصوى من موارد العراق المالية لتطوير قطاع الدولة , ولكن في ذات الوقت الاستفادة القصوى من إمكانيات القطاع الخاص المحلي والإقليمي والدولي بما يسمح في تعجيل عملية التنمية المتعددة الجوانب وتأمين الأمن الغذائي بشكل خاص والعمل للمجتمع.
الاهتمام بقطاع النفط الخام لا على أساس التصدير حسب , بل ومن أجل استثماره في عمليات التصنيع المحلي وبالتنسيق مع الحكومة الاتحادية لتعظيم الثروة الوطنية.
بالرغم من توفر الظروف الموضوعية والمادية لبناء الكثير من القطاعات الإنتاجية من صناعة وزراعة لتعزيز قدرة الإقليم على الاكتفاء الذاتي النسبي إستراتيجياً, إلا أن الإقليم يبقى عاجز عن سد الجزء الأكبر من متطلباته. وهنا تبرز أهمية التنسيق والتكامل مع بقية أنحاء العراق. ومن الجدير بالذكر تتوفر إمكانيات جيدة لقيام صناعات ناجحة في قطاعات المواد الإنشائية والصناعات الزراعي والغذائية والمنسوجات والوقود ومنتجات الصناعة النفطية.
يتمتع الإقليم بموارد طبيعية تؤهله لاحتلال موقع متميز في مجال السياحة والنشاطات والصناعات المرتبطة بها , ومنها صناعة الفندقة. وتزداد أهمية هذا القطاع بتحسن مستوى المعيشة في العراق إذ سيكون له مستقبلاً زاهراً حقا ليصبح واحدا من أهم مصادر الثروة والتشغيل وتكوين طبقة متوسطة مزدهرة.
ويفترض أن تلعب سياسة التجارة الخارجية والسياسات المالية والنقدية دورها في توفير مستلزمات تنفيذ عملية التنمية الصناعية والزراعية والتنمية البشرية في آن , لا أن تكون سياسة التجارة الخارجية عبئاً على ميزانية الإقليم ومستنزفة ومستهلكة للدخل القومي وبعيدة كل البعد عن تحقيق التراكم الرأسمالي الضروري لإغناء الثروة الوطنية في الإقليم.
وتزداد الحاجة للعناية بالبيئة والمشكلات التي نشأت بسبب سياسات النظام الدكتاتوري وحروبه الداخلية والخارجية وتدميره للكثير من المناطق الطبيعية التي تستوجب العناية الفائقة.
تبقى الحاجة ماسة في إقليم كُردستان العراق إلى وجود مفوضية تتعاون بشأن شؤون حقوق الإنسان وحقوق المرأة والطفل وملاحقة مشكلة العنف ضد المرأة أو المخالفات التي تقود إلى ضياع حقوق المجتمع والفرد , وهي إشكاليات ترتبط بمدى جهدنا لتطوير المجتمع المدني ومؤسسات المجتمع المدني.
إن التهميش الذي لحق بكُردستان خلال العقود المنصرمة يفترض أن ينتهي مع وجود حكومة قوامها من أبناء الإقليم لا أن يتواصل التهميش الاقتصادي من خلال إهمال التنمية الصناعية وتحديث الزراعة أو تأمين التكامل والتنسيق بينهما والاعتماد على الاستيراد لا غير. إذ أن مثل هذه السياسات تواجه بطالة حقيقية في المستقبل بين بنات وأبناء الشعب في الإقليم.
إن كل التجارب السابقة تؤكد بأن السياسة في منطقة الشرق الأوسط لها الأولوية على كل المجالات الأخرى. وهذا يعني إن بإمكان الجيران تطبيق سياسة تطويق إقليم كُردستان العراق متى وجدوا ذلك مفيداً لأهدافهم السياسية. وهذا الهاجس الفعلي يستوجب تطوير صناعات تعتمد بشكل خاص على المواد الأولية المتوفرة في الإقليم , ومنها النفط وخامات أخرى وعلى الزراعة بسبب خصوبة الأرض الجيدة في الإقليم وتطوير محاصيل تخدم التنمية الصناعية, وأن تلعب التجارة الخارجية دور المنشط في هذا المجال من خلال تنفيذ سياسة استيراد تنشط التنمية لا تعرقلها. إن الأمن الغذائي مسألة ذات أبعاد سياسية واجتماعية يفترض أن يؤخذ جدياً بالاعتبار من جانب الحكومة.
ومن هنا تنشأ أيضاً أهمية التنمية البشرية التي يفترض أن تأخذ بالاعتبار أهمية تكوين قدرات علمية وفنية ومهارات مهنية وعملية في مستويات مختلفة ولجميع فروع الاقتصاد الوطني والبحث العلمي, والذي يتطلب تحديد القبول في الفرع الإنسانية لصالح تلك الفروع التي تخدم التنمية والبحث العلمي.
إن المسح الجاري في إقليم كُردستان حول الموارد الأولية المتوفرة في الإقليم يفترض أن ينتهي بوضع خطة بعيدة المدى أو آفاقية وخطط خمسية وسنوية لإغراض تنمية الاقتصاد الوطني وتوزع مشاريع هذه الخطط على القطاعات الاقتصادية من حيث الملكية (عام وخاص ومختلط وإقليمي وأجنبي) ..الخ.
لا أطرح في هذه الملاحظات العامة تصوراً متكاملاً , بل أفكاراً عامة رغبة مني في تحريك الجو للنقاش وتبادل المعلومات في ما بين الباحثين والعاملين في السياسة والاقتصاد والمجتمع في الإقليم. وأتمنى أن تحظى بعنايتكم.
أرجو لكم النجاح في أداء مهماتكم وتحقيق طموحات شعب كُردستان في الحرية والديمقراطية والتقدم والازدهار.
مع خالص الود والتقدير
د. كاظم حبيب     

533
كاظم حبيب
لمن يفترض أن يمنح المواطنات والمواطنون أصواتهم في الانتخابات القادمة ؟


مرت أكثر من أربع سنوات على الانتخابات العامة الماضية حيث صوت غالبية الناخبين والناخبات في القسم العربي من العراق لصالح قوائم تدين بالولاء للمذاهب الدينية وعلى أسس طائفية سياسية. وقد جاءت هذه النتيجة لعدة أسباب نشير إليها فيما يلي :
1.   الأجواء السياسية السلبية العامة التي سادت البلاد ووقوع الحكم بأيدي القوى الإسلامية السياسية التي تحكمت بالكثير من المفاصل الأساسية وفي الإعلام والدعاية الانتخابية ومراكز الانتخابات.
2.   الإرهاب الدموي والطائفي الذي شنته قوى الإرهاب الدموية ضد المجتمع وعلى أساس طائفي مقيت مما شدد من الشعور بالانتماء المذهبي والموقف الطائفي.
3.   نشاط المليشيات الطائفية المسلحة التي كانت ترعب الناس وتسيطر على مناطق مختلفة من العراق, إذ لم تكن الجرائم التي ارتكبتها قليلة, بحيث وجد الناس أنفسهم أمام خيار النجاة بالنفس بدلاً من فقدانها بسبب الإدلاء بصوتها.
4.   التثقيف الطائفي المتشدد لأتباع المذهبين الشيعي والسني ووقوف المرجعيات الدينية وشيوخ الدين المسلمين من شيعة وسنة إلى جانب الأحزاب السياسية الإسلامية التي تدعو للطائفية وتبشر بها وتعمق من التباعد بين بنات وأبناء المذاهب الإسلامية أو المواطنين والموطنات على أساس الدين أيضاً.
5.   الأموال الطائلة والعطايا العينية التي كانت القوى الإسلامية السياسية تغدقها على الناخبات والناخبين المعوزين والفقراء الذين يشكلون الأكثرية الساحقة من السكان لشراء أصواتهم وفرض "الَقسم" عليهم في منح أصواتهم لهذا الحزب الإسلامي السياسي الطائفي أو ذاك.
6.   القانون الانتخابي الذي وجدت فيه الكثير من النواقص والمضامين غير الديمقراطية التي تبتعد عن مضمون الدستور العراقي, رغم نواقص الأخير أيضاً.
7.   التزوير المتعدد الوجوه الذي وقع على صناديق الانتخابات لصالح قوائم أحزاب وائتلافات قوى الإسلام السياسية.
8.   يضاف إلى كل ذلك الجهود الإقليمية التي كانت تبذل لصالح هذا الفريق المذهبي أو ذاك وبشكل خاص من دول الجوار وقواها السياسية وأحزابها ومنظماتها , إضافة إلى حكومات البعض المهم منها.
وفي مقابل هذا لم تكن القوى الديمقراطية والعلمانية قادرة في إطار تلك الأجواء السياسية المناهضة للديمقراطية والعلمانية على مواجهة فعالة مع تلك القوى المهيمنة, إذ كانت مخاطر الموت قاب قوسين أو أدنى من الكثير من عناصر هذا التيار, إضافة إلى خلو اليد من الأموال التي امتلكتها تلك القوى والطريقة التي حصلت عليها من الداخل أو الخارج. وليسوا قلة أولئك الذين خسروا حياتهم على طريق النضال من أجل الحرية والديمقراطية قبل أو بعد الانتخابات.
فهل تغيرت الأوضاع في العراق بين 2005 و2010 ؟
الكثير من الدلائل التي تحت تصرفنا والتي رأيناها ولمسناه مباشرة في العراق تشير إلى عدة حقائق مهمة؟
1.   إن قوى الإسلام السياسية الطائفية لا تمتلك نفس الرصيد السابق, كما إنها تعيش صراعاً شديداً على السلطة بحيث يسمح بعضها بالعمل لتدمير الآخر بشتى السبل الممكنة. وما حصل في كربلاء ومناطق أخرى يشير إلى طبيعة هذا الصراع.
2.   ولكن هذا الواقع قد اقترن بسعي قوى الإسلام السياسية إلى تشديد الصراع الطائفي السياسي بين أحزاب المذهبين السني والشيعي بهدف تشديد الاستقطاب بين القوى المذهبية وأتباع المذهبين لصالح هذا المذهب أو ذاك, رغم أنها في دعايتها المكشوفة تتحدث ضد الطائفية وتدعو لمبدأ المواطنة, ولكن في عملها مع الناس مباشرة تدعو إلى التشدد في هذا الصدد. وما التحالفات التي نشأت وبالرغم من تشابك في المواقع, إلا أنها لم تختلف كثيراً عن الفترة السابقة.   
3.   كما أن استمرار وجود قوى الإسلام السياسية الطائفية بالسلطة يمنحها القوة والاندفاع لوضعها في خدمة قوائمها, وخاصة في المحافظات المختلفة في القسم العربي من العراق.
4.   ولا تزال الأموال متوفرة بكميات كبيرة لدى القوائم الإسلامية السياسية التي تسعى لشراء أصوات الناخبات والناخبين. وحادثة توزيع البطانيات والصوپات و"الكلاوات" مثلا في انتخابات مجالس المحافظات تمنحنا وضوح الرؤية في ما يمكن أن يحصل في هذه الانتخابات.
5.   ولا تزال دول الجوار تلعب دورها في التأثير على العملية السياسية وعلى مجرى التحضير والسیر فی المعركة الانتخابية القادمة.
6.   ولا تزال الكثير من المليشيات الطائفية تلعب دورها, وكذلك قوى الإرهاب الدموية وأن تراجع دورها نسبياً في التأثير غير المباشر على هذه الانتخابات.
7.   يضاف إلى كل ذلك واقع استمرار معاناة غالبية الشعب العراقي من نقص في الخدمات العامة والبطالة والحرمان واستمرار الفساد وتراجع في الوضع الأمني نسبياً, كما أن نسبة تزيد عن ثلث السكان تعيش تحت خط الفقر الدولي الخاص بدول العالم الثالث ومنها العراق, ووجود أكثر من ثلاثة ملايين إنسان عراقي يعيش في المهجر, وهو نفس الوضع الذي كنا نعيبه على نظام الدكتاتورية الغاشمة, نظام حزب البعث وصدام حسين.
وفي مقابل هذا استطاعت القوى الديمقراطية والعلمانية أن تفضح الكثير من ألألاعيب الانتخابية ونواقص القانون الجديد وتراجعه عن الوجهة الديمقراطية المنشودة في جوانب كثيرة منه, بما في ذلك الموقف من أتباع القوميات والديانات الأخرى غير العربية والكردية أو غير الإسلامية. كما تكشف يومياً عن النواقص الجدية البارزة في الوضع المعيشي وعموم الوضع الاقتصادي للعائلات الفقيرة والمعوزة والموقف من العنف ضد المرأة ومعاناة الطفولة واليتامى منهم بشكل خاص والنساء الأرامل..الخ.
إن السمعة النظيفة العامة للكثير من القوى الديمقراطية والعلمانية تعزز ثقة المواطنات والمواطنين بها, رغم أنها لا تزال تعاني من تبعثر القوى والتحاق البعض الديمقراطي لأسباب ضيقة بقوائم القوى الإسلامية السياسية, أو الانخراط بصورة منفردة بقوائم خاصة به.
لقد تشكلت قائمة اتحاد الشعب من ثلاثة قوائم هي قائمة الحزب الشيوعي العراقي وقائمة الحزب الوطني الديمقراطي الأول (بقيادة هديب الحاج حمود) وقائمة كلدو أشور الديمقراطية, وهي تخوض الانتخابات بقائمة موحدة في محافظات العراق وتضم فيها شخصيات وطنية شيوعية وديمقراطية ومستقلة ذات وجهة ومهمات ديمقراطية مدنية, وتطرح برنامجاً انتخابياً وطنياً وديمقراطياً موحداً يعبر بصدق وموضوعية عن مصالح الشعب العراقي بكل مكوناته القومية وبعيداً عن النزعات الدينية والمذهبية أو الطائفية أو النعرات القومية الشوفينية أو الضيقة. بالرغم من النواقص الجدية وغير الديمقراطية التي تضمنتها بعض بنود قانون الانتخابات الجديد.
إن قائمة اتحاد الشعب, وهي تخوض الانتخابات العامة القادمة وفق برنامجها السياسي والاقتصادي والاجتماعي الديمقراطي, تدرك بأن الكثير من العوائق قد وضعت في طريقها وطريق القوى الديمقراطية عموماً, في ضوء الواقع الاقتصادي والوعي السياسي والاجتماعي من جهة, والمضامين غير الديمقراطية التي تضمنتها بعض مواد قانون الانتخابات الجديد وغياب قانون الأحزاب من جهة أخرى, وضعف الموارد المالية التي يمكن توجيهها لصالح الدعاية الانتخابية الضرورية للقائمة وللمرشحين, وهيمنة إعلام الحكومة على وسائل الإعلام لصالح القوى المتنفذة في الحكومة, من أجل منع فوز نسبة مهمة من المرشحين للانتخابات القادمة. إلا أن قوى قائمة اتحاد الشعب قررت خوض المعركة, وهو قرار سليم, بثقة عالية بالنفس تشير إليها حركة الكوادر والأعضاء والقوى المؤيدة لقائمة اتحاد الشعب في الوصول إلى الناخبات والناخبين من أجل دفعهم للمشاركة في الانتخابات أولاً, ومنح أصواتهم لقائمة اتحاد الشعب ثانياً, بهدف تمثيل أكبر عدد ممكن من مرشحي القائمة في المجلس النيابي الجديد ليكونوا, كما برهنا عليه ممثلا الحزب الشيوعي العراقي في المجلس النيابي الحالي من نظافة اليد والاستقامة والنزاهة والجدية والحضور الدائم دفاعاً عن مصالح الشعب وفئاته الكادحة. وهم ضمن نواب آخرين زكتهم لجنة النزاهة حين كشفوا عن أوضاعهم المالية أمام لجنة النزاهة في مجلس النواب وأمام الشعب.
إن أمام الناخبة والناخب حق الاختيار بين القوائم وبين المرشحين, ولكن عليه أن يحكّم ضميره لكي يختار هذه القائمة أو تلك التي تبتعد في نهجها عن الانتماء الديني والمذهبي والسلوك الطائفي السياسي أو القومي الشوفيني أو الضيق لصالح مبدأ المواطنة العراقية المتساوية والموحدة في العراق. إن قائمة اتحاد الشعب تضم في صفوفها شخصيات وطنية من كل القوميات ومن أتباع كل الأديان والمذاهب ومن اتجاهات فكرية وسياسية ديمقراطية وعلمانية ومدنية متعددة, وهي جديرة في الحصول على تأييد الناخبات والناخبين وثقتهم من أجل تكريس دولة القانون الديمقراطية, الدولة العراقية الديمقراطية الاتحادية الموحدة, من اجل تعزيز الاستقلال والسيادة الوطنية وإنهاء وجود القوات الأجنبية في العراق والقضاء على الإرهاب والطائفية السياسية والفساد والتخلف. إن ثقة قوى ومرشحي قائمة اتحاد الشعب بالنفس وبالشعب العراقي كبيرة وهي التي تدفع بهم إلى تحدي الأوضاع السلبية التي لا تزال تهيمن على الواقع السياسي العراقي الراهن وعلى المجرى الراهن للعملية الانتخابية والمشاركة بالانتخابات بكل طاقات أعضاء ومؤيدي وأصدقاء قوى قائمة اتحاد الشعب, قوى الشعب العراقي. إن المعركة الانتخابية القادمة تعتبر واحدة فقط من مجالات النضال في سبيل خدمة الشعب ودفع تقدمه إلى الأمام, وليس كلها. فهناك الكثير من المجالات الأخرى التي يجري النضال فيها على مستوى المحلات والمدن والمناطق والنقابات والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني الأخرى لصالح تحقيق أهداف الشعب وتأمين الخدمات العامة  والضرورية له أو النضال في سبيل تغيير وجهة التعليم العام في المدارس والمعاهد والكليات والجامعات, أو في تغيير وجهة التنمية الاقتصادية أو الكفاح ضد البطالة ومن اجل تحسين مستوى حياة ومعيشة الفئات الفقيرة والكادحة من المجتمع أو ضد التمييز بمختلف أشكاله وأوجه بروزه وممارسته.
سأعالج موضوع الانتخابات العامة في إقليم كُردستان في مقال آخر, إذ أن الانتخابات هناك لا تجري على أساس طائفي, بل وفق مسائل أخرى تستوجب المعالجة الخاصة.
وقبل الانتهاء من هذا المقال أود أن أضيف ملاحظة مهمة لكل من يهتم بمطالعة مقالاتي لأقول له: حين أقرأ مقالاً أو مادة ما وأشعر بوجود أي خطأ فكري أو سياسي, وفق قناعتي الشخصية, في إطار عمل قوى التيار الديمقراطي أو حتى من غير هذا التيار, عندها أجد نفسي ملزماً بتوجيه الملاحظة أو النقد الذي يهدف إلى إصلاح الخلل, إذ أن السكوت عنه يقود, كما أرى, إلى تداعيات أخرى, وليس القصد من ذلك النقد توجيه أنظار الناس إلى موقع أخر غير الموقع الذي يفترض الاهتمام به أو الإساءة أو ينطلق من مواقع التربص. ومثل هذه الانتقادات لا تعني بأي حال التربص والترصد للآخر, الذي هو ليس آخر, كما يظن البعض, فمثل هذا الظن خطأ فادح يقود إلى ممارسة النقد بتجريح شخصي لا ينفع أحداً ولا يستطيع منع النقد عند الضرورة, كما لا يمكنه البتة إقناع الناس بمحاولة كاظم حبيب أو جاسم حلوائي الإساءة لقوى التيار الديمقراطي أو للحزب الشيوعي العراقي أو التربص والتعريض برفاق الحزب الشيوعي, إذ مثل هذا التصور وهم زائف ووجهة خاطئة. إذ أن مثل تلك المقالات التي تكررت في الآونة الأخيرة تجلب الضرر الشديد والإساءة الكبيرة على المحرك لكتابة مثل تلك المقالات المسيئة وعلى الأسماء, سواء أكانت حقيقية أم وهمية, التي تخط تلك المقالات. أملي الاستفادة من الملاحظات النقدية حتى في فترة المعركة الانتخابية, فهي كالنور الذي ينير درب النضال والمسيرة الديمقراطية ويفترض شجب تلك المقالات المسيئة للأشخاص وليس للأفكار والسياسات التي تمارس النقد الرصين. ك. حبيب   

534
كاظم حبيب
هل أن النحت في حجر هو مجدنا... لا غير؟
تحت باب "تأملات" في جريدة طريق الشعب وفي مواقع إلكترونية كثيرة نشر صديقي ورفيقي في النضال من أجل غدٍ أفضل للشعب العراقي الأستاذ الكاتب رضا الظاهر مقالاً تحت عنوان "ننحت في حجر.. هذا هو مجدنا!". وتضمن جملة من الأفكار التي تستوجب المناقشة وتبادل الرأي لأنها تتضمن مفاهيم أرى أنها خاطئة ويصعب القبول بها كما وردت في هذا المقال, ويمكن أن تكون لها نتائج سلبية لا مبرر لها.
لا أعتقد بأن القوى المتنفذة اليوم تعتقد بأن الزمن متوقف, بل هي مدركة لحقيقة حركة الزمن والتحولات والتغيرات المحتملة عبر الزمن, ولكنها تريد أن تستفيد من اللحظة الراهنة لتبني عليها ما تريده لاحقاً, فهي مدركة أن هناك سباقاً مع الزمن وتريد أن تكرس مواقعها وتحقق مكاسب لها بحيث يمكن من خلالها إطالة عمر وجودها في السلطة. إنها تلاحظ, وربما أكثر من غيرها, أن تحولات كثيرة قد جرت حتى على قواها ومواقعها خلال السنوات السبع المنصرمة, وبالتالي فهي أمام منافسة حادة وتريد الفوز بها بأي ثمن. وبما إنها الأكثرية حالياً في مجلس نواب طائفي دافع الكثيرون عن شرعيته, فإنها تسعى إلى تحقيق مكاسب لها ولا يهمها إن تم ذلك بصورة دستورية أم غير دستورية. فمجلس النواب هو الجهة المشرعة وهي تمثل الأكثرية التي أقَّرت قانون الانتخابات الجديد. من حق هذا الفريق أو ذاك أن ينتقد وأن يتحفظ وأن يرفض, ولكنها تقول بأنها وصلت إلى هذا القانون عن طريق الأكثرية وتوافقات الأكثرية. لهذا فمبدأ الأكثرية والأقلية غير ثابت ومتغير, فالكل يعرف ذلك, وليس في هذا من جديد, ولكنهم يريدون أن يستثمروا هذه الأكثرية الراهنة لصالح أكثرية قادمة في مجلس النواب القادم .. وهلمجرا. وهل ينفعنا بشيء أن اعتمدنا على نصوص قرآنية للبرهنة على إمكانية غلبة فئة قليلة على فئة كثيرة؟ إلا يعبر الاعتماد على هذا النص عن ضعف في تفسير الأوضاع الراهنة في العراق. وما فائدة هذا النص للأقلية ما دامت أحزاب الأكثرية الإسلامية السياسية وتحالفاتها المتنفذة ستحقق نتائج لهم في الانتخابات القادمة التي تتقاتل في ما بينها للوصول إلى أكثرية مرضية لها, وهو هدفها الراهن وليس غير ذاك, إذ أنه يضمن لها استمرارها لسنوات أربع في الحكم, وأنت وأنا تريدنا أن نستمر في النحت في حجر! أشعر رفيقي العزيز إن خط السير الذي تريد التبشير به خاطئ ويستوجب إعادة النظر به قبل فوات الأوان.
رفيقي العزيز, تقول في مقالتك "فهذا الانقلاب هو تجسيد لنهج الاستحواذ على السلطة، وإقصاء وتهميش "الآخرين"، وحرمانهم من مشاركة فعالة، مثمرة، ونزيهة في البرلمان والحياة السياسية. وهو، قبل هذا وذاك، مرحلة جديدة في احتكار صنع القرار السياسي والتبرّم بالتعددية والتنوع". (راجع: رضا الظاهر. ننحت في حجر.. هذا هو مجدنا" طريق الشعب في 29/12/2009 وفي مواقع الحوار المتمدن وصوت العراق والناس وغيرها بنفس التاريخ).
أخي الفاضل, إنهم يستحوذون على السلطة منذ سبعة أعوام ويمارسون ما يريدون بالأكثرية الكافية التي لديهم في مجلس النواب ولم يجر الحديث عن ذلك صراحة وجهارا وعن سلطة مستبدة ومجلس بائس قبل الآن , في حين تشير إلى وقوع انقلاب في مجلس النواب. ليس هناك من انقلاب, بل أن هناك استمراراً في انتهاج ذات السياسة التي لم تنتقد قبل ذاك وتقوم بنقدها الآن. هناك ضرورة لنقدها ولكن لا على أساس النحت في حجر, بل بالممارسة العملية التي يقوم بها الحزب الشيوعي العراقي الآن في سعيه لتحريك الجماهير صوب مطالبها المشروعة التي عجز الحكم في السنوات السبع المنصرمة عن تحقيقها.
من حق أي حزب أو أشخاص وكتل سياسية واجتماعية أن ترفض قانون الانتخاب, الذي كتبت أنا أيضا ضده, وأن تذهب إلى المحكمة الدستورية لتطرح رأيها وتحاول النجاح في ذلك. فما دمنا قبلنا بمجلس النواب السابق وبأكثريته, فمن حقنا أن نحتج ونرفض ونطالب بالتغيير, ولكن هذا لا يعد انقلاباً, بل هو جزء من طبيعة النظام القائم والتوافقات المخلة بالديمقراطية والتي رضينا بها طويلاً. الانقلاب يحصل ضد وضع قائم باتجاه مغاير, في حين أن القرار الصادر عن مجلس النواب لا يختلف عن القرارات الأخرى الصادرة عن نفس المجلس وبذات الأكثرية المتنفذة. من ينحت في حجر, عليه أذن الصبر والاستمرار بالنحت, فهو ينحت وهم يمارسون الحكم ويكررون النجاح في الانتخابات.
تقول في مقالتك ما يلي: " وأما أولئك الذين يريدون أن نتوقف عن المسير فسنخيّب ظنهم .. لن نستسلم، فهذا ما يبتغون .. ولن نختار مقاطعة الانتخابات، كما يدعو متطرفون وعدميّون، لأن هذا الاختيار لن يعني سوى الخنوع والانعزال عن الناس والحياة."(راجع: نفس المصدر السابق).
أنا لست من دعاة وأنصار مقاطعة الانتخابات, رغم إدراكي منذ الآن باحتمال كبير في تزويرها لأسباب عدة بما فيها نص القانون والأوضاع السائدة في العراق وهيمنة قوى الإسلام السياسي على الحكم والتحالفات السياسية غير الديمقراطية السائدة والأموال والمواد العينية الكثيرة التي بدأت تنهال لتوزع على الناخبين ...الخ. ولكن, أليس من حق أي إنسان في العراق, سواء أكان شيوعياً أو ديمقراطياً أو اشتراكياً أو أي مواطن كان, أن يدعو إلى مقاطعة الانتخابات؟ وهل من حقنا أن نتهم من يدعو إلى المقاطعة بأنهم "متطرفون وعدميون, لأن هذا الاختيار لن يعني سوى الخنوع والانعزال عن الناس والحياة", ومت أعطاك هذا الحق, الذي فيه الكثير من الاستبداد والإطلاق, باتهام مثل هؤلاء الناس, بمن فيهم من يحتمل أن يكون عضواً الحزب الشيوعي العراقي أو مؤيداً وصديقاً له. أبهذا الأسلوب نقمع الرأي الآخر ونقنع الناس برأينا؟ من حقك الكامل أن تطرح رأيك, ولكن ليس من حقك قمع الرأي الآخر. 
إن المقالة كلها وكأنها تصب في مجرى الخشية من الفشل في الانتخابات القادمة؟ حتى هذا الهاجس إذا ما وجد, فيفترض أن يطرح بطريقة أخرى وليس بهذا الأسلوب الغيبي, أسلوب النحت في حجر.   
أتابع مجرى النشاط الجديد الذي يقوم به الحزب الشيوعي العراقي, وهو بعيد كل البعد عن النحت في حجر, بل بدأ يطرح منذ فترة مشاكل الناس ومطالبها بصورة أفضل من السابق وبحيوية منشودة ويطرق أبواب الدور ليتحدث ببرنامجه مع الناس ويدعوها للمشاركة في الانتخابات والتصويت له. وهذا أمر جيد وضروري, وهو ما كنت أطرحه في مقالاتي السابقة وغيري أيضاً. إنه الأسلوب النقدي المطلوب إزاء الحكومة والحلفاء وغيرهم, وهو ليس نحتاً في حجر!     
صديقي العزيز, تقول في بداية المقال ما يلي: "بينما يتفاقم صراع السلطة والامتيازات، يسعى متنفذون إلى طمس حقائق وتشويه أخرى". (نفس المصدر السابق) والسؤال الذي يدور في بالي وبال الكثيرين: هل هذا الصراع على السلطة والامتيازات بدأ الآن ومع القانون الجديد, أم أنه جار منذ سقوط النظام الدكتاتوري؟ وهل أن طمس الحقائق هي ظاهرة برزت الآن أم أنها كانت منذ سنوات عدة؟ بل عليَّ أن اقول حتى قبل سقوط النظام حين كانت محاولات إبعاد أو عزل الحزب الشيوعي من جانب بعض قوى الإسلام السياسي, وحتى بعد سقوط النظام. هل نسينا ذلك, وهل الذاكرة قصيرة إلى هذا الحد؟ لا اعتقد ذلك, خاصة وأنت المثقف والكاتب اللامع.
أعرف أنك دقيق وصبور في الكتابة, ولكن لم تكن في مقالتك هذه تعبر بصورة موضوعية عن واقع الحال وعن المشكلات التي كان عليك معالجتها وليس إتحافنا بهذه المقالة التي تضعف الثقة لا تعززها, رغم قولك " لقد اخترنا التحدي ومقاومة تأبيد الراهن وثقافته السائدة، ونحن نعرف أن طريقنا مليئة بأشواك الجزر، وهي أشواك لا تستطيع أن تحجب زهور المد. وإذا ما هُزمنا في معركتنا، فأننا لن نلقي الرايات، ذلك أننا ناظرون الى نجوم، ومتطلعون الى أفق، وخائضون جولات وجولات في طريق يمتد أمامنا وفيه نغذّ المسير." هل يمكن تفسير هذا القول بوجود ثقة بالنفس أم الإحساس بالفشل المسبق والمراهنة على "نحت في حجر". كان فهد يقول: "لا تضيعوا الفرص بانتظار الفرص", فهل كان فهد مخطئاً في هذا القول أم كان يدرك بأن العمل مع الجماهير والدفاع عن مصالحها اليومية ونقد الأوضاع الراهنة بجرأة فائقة هو السبيل الوحيد لتحقيق نتائج إيجابية وليس النحت في حجر!
إن خسارة انتخابات لا تعني الانكسار والتقوقع, بل تعني دراسة أسباب ذلك والبدء مجدداً, ولكن يفترض أن لا يتوقع خائض الانتخابات الخسارة مسبقاً, وبالتالي فان قولك التالي هو الأصح حين ورد فيه ".. وإذا ما هُزمنا في معركتنا، فأننا لن نلقي الرايات، ذلك أننا ناظرون إلى نجوم، ومتطلعون الى أفق، وخائضون جولات وجولات في طريق يمتد أمامنا وفيه نغذّ المسير. وهذا لا يعني أبداً النحت في حجر. ورغم اللمسة الأدبية في هذا القول فكان الأفضل أن نقول .. إننا ناظرون إلى الناس ومتطلعون إلى ثقتهم وخائضون مع الناس جولات وجولات ....
أخي الكريم , كم أتمنى عليك أيها الأخ العزيز أن تعيد النظر في تأملاتك, إذ تبدو هنا وكأنك تسكن في صومعة معزولة عن الناس وليس في مقدورك سوى التأمل و"النحت في حجر". لدي القناعة بأن الحزب الشيوعي العراقي لا يقبل بهذا الأسلوب ولا "النحت في حجر", وإذا قبل به فهو مخطئ. ولكني أعرف جيداً بأنه بدأ يعمل بحيوية أكبر مع الناس, مع الكادحين والفقراء المدقعين وفي الأحياء الشعبية ومع المثقفات والمثقفين ومع أولئك الذين تبلغ نسبة من يعيش منهم تحت خط الفقر أكثر من 30 % من سكان العراق. ليس مجداً لنا الحفر في حجر, بل العمل الجاد والدؤوب مع الجماهير الشعبية في سبيل انتصار مصالحه وإرادتها في إقامة عراق ديمقراطي اتحادي حر ومستقل.
29/12/2009                      كاظم حبيب   

535
كاظم حبيب
هل بدأ العد التنازلي للدكتاتورية الثيوقراطية في إيران؟


نعم, فالكثير من الدلائل تشير إلى أن الدكتاتورية الثيوقراطية في إيران بدأت تفقد المزيد من قاعدتها السياسية التي استندت إليها حين سرقت الثورة الشعبية الإيرانية قبل ثلاثين عاماً واحتكرت الحكم لنفسها وزجت بالكثير جداً من القوى الديمقراطية في السجون أو أرسلتهم إلى مقابر جماعية ستكتشف حين يسقط هذا النظام الدموي, أو اضطروا إلى الهجرة قسراً هرباً من ظلم النظام.
خلال أكثر من ثلاثة عقود والنظام الدكتاتوري في إيران يسلط أبشع استبداد إسلامي سياسي طائفي مقيت على الشعب الإيراني بكل قومياته وأتباع أديانه ومذاهبه الدينية وأحزابه العلمانية السرية أو القوى الإسلامية المعتدلة والمعارضة لسيطرة هذه الجماعة المحافظة والرجعية على الحكم في إيران والتي تعيش عزلة شديدة بسبب سياساتها الداعية إلى تصدير "الثورة الإسلامية الإيرانية" إلى الدول الأخرى. وكان خاتمة تلك السياسات تزوير الحكم لانتخابات الرئاسة الإيرانية وفوز مرشح المرجعية الدينية بها زوراً وتأييد ولاية الفقيه, التي أسست للدكتاتورية في إيران, لنتائج تلك الانتخابات وفرضت هذا الدكتاتور القزم فرضاً على الشعوب الإيرانية.
إن الرد الواقعي والصارم على  هذا التزوير وتلك السياسات جاء من القوى المعارضة لسياسات الحكم الإيراني حيث انطلقت المظاهرات الشعبية معلنة عن عدم قبولها بنتائج تلك الانتخابات واستمرار المظاهرات التي جوبهت بالحديد والنار وسقط الكثير من الضحايا وكان أخرها وليس نهايتها ما حصل في يوم الأحد الدامي (27/12/2009) في طهران حيث سقط ثمانية أو تسعة من المتظاهرين شهداء في الشوارع الإيرانية على أيدي "الحرس الثوري" القومي الشوفيني وقوى الإرهاب الحكومية. إن الشعوب الإيرانية وقواها السياسية المعارضة, وكما يبدو من تطور الأحداث, ترفض الرضوخ لسياسات الحكم وقررت خوض النضال إلى حين الخلاص من هذا الحكم الثيوقراطي الذي لا يتعارض مع إرادة ومصالح الشعوب الإيرانية فحسب, بل ومع مسيرة التاريخ والعصر الذي نعيش فيه. فالدلائل الكثيرة تشير إلى أن العد التنازلي لوجود هذا النظام قد بدأ فعلاً وأن الزمن مهما طال سينتهي لصالح الشعوب الإيرانية وفرض إرادتها الحرة والمستقلة.
إن الحكم في إيران يحاول أن يثير الصراعات والنزاعات على الصعيدين الإقليمي والدولي ليبعد أنظار الشعوب الإيرانية عن المآسي التي تعيش فيها يومياً وعن التدهور المتواصل في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للسكان الفقراء والمعوزين والعاطلين عن العمل الذين تضخم عددهم كثيراً. فمحاولة إشغال الشعوب الإيرانية بالصراع مع العالم حول القضية النووية بذريعة الدفاع عن حق إيران في امتلاك الطاقة النووية من جهة, ومواصلة تأجيج الصراعات في كل من اليمن ولبنان وفلسطين والعراق وغيرها بذريعة الدفاع عن الإسلام الشيعي أو الإسلام عموماً في تلك البلدان من جهة ثانية, وأخيراً احتلال حقول النفط في فكة التابعة لمدينة العمارة بذريعة الدفاع عن مصالح إيران الاقتصادية وهي المعتدية منذ فترة طويلة على هذه الأرض الطيبة, لم يعد ينفع الحكام ولن يبعد أنظار الشعوب الإيرانية عن واقعها المرّ المتفاقم.
لقد كتبنا الكثير بهدف الكشف عن الوجه الحقيقي للحكم الإيراني أمام أنظار الشعب العراقي, وخاصة سكان الوسط والجنوب, ومهما كان مقنعاً, فأن احتلال إيران لفكة وأسلوب تعامل القوى الإسلامية السياسية الشيعية العراقية مع هذا الحدث, كان الدليل الجديد الأكثر إقناعاً للكثير من سكان العراق على الأهداف والأطماع الإيرانية في العراق. ولم نكن في ما قلناه عن الحكم في إيران خاطئاً, بل عين الحقيقة والواقع.     
إن إيران بسياساتها الطائفية تثير المزيد من الطائفيين السياسيين من مذاهب أخرى وتؤجج الصراع بدلاً من إيجاد أرضية للتفاهم بين أتباع المذاهب الإسلامية, كما هو حال بقية المتطرفين, ومنهم قوى القاعدة الإرهابية, من أتباع المذاهب الأخرى.
تعيش إيران عزلة دولية متفاقمة ويتهددها الحصار الاقتصادي, الذي سوف يرهق الشعوب الإيرانية وليس حكامها المتخمين بأموال الشعوب الإيرانية والفاسدين الذين يتصرفون بخزينة الدولة دون حسيب أو رقيب. وأن هذه العزلة ستثير المزيد من البشر في إيران ضد النظام الثيوقراطي المتخلف. وسيقنع ما يجري في إيران المزيد من بنات وأبناء الشعب العراقي بان قوى الإسلام السياسية في العراق هي الأخرى لن تستطيع أن تقيم نظاماً سياسياً ثيوقراطياً أفضل مما هو قائم في إيران, وأن الحياة والعصر الجديد لم تعد تقبل مثل هذه النظم في أي دولة من دول العالم.
على حكام إيران أن يدركوا بأن ليل الدكتاتورية مهما طال, ومهما كانت طبيعتها, ومنها الدكتاتورية الثيوقراطية, سينقشع عن صبح بهي وعن حياة حرة وديمقراطية على أيدي الشعوب الإيرانية ذاتها كما انتهت إليه الكثير من النظم الاستبدادية في العالم. وها هي الشعوب الإيرانية تمارس إرادتها كما عبر عن ذلك الشاعر التونسي الشاب الفقيد أبو القاسم الشابي:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة    فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بـد لليـل أن ينجـلي    ولا بد للقيـد أن ينكسر
ومن لم يعانقه شوق الحياة    تبخـر في جوها واندثر       

536
كاظم حبيب
هل سيتعلم العرب والترك والفرس من فكر ورؤية عزيز شريف للقضية الكردية؟
في الذكرى السنوية 105 على ميلاد عزيز شريف والذكرى 19 على وفاته.

المدخل
مرت هذا العام الذكرى السنوية 105 على ولادة الشخصية الوطنية والتقدمية العراقية وعضو مجلس السلام العالمي عزيز شريف والذكرى 19 على وفاته. ترك لنا عزيز شريف مجموعة كبيرة من المقالات المهمة المبعثرة التي لم يتم جمعها حتى الآن , سواء ما نشر منها في العراق أم سوريا ولبنان, وكذلك الخطب التي ألقاها أو التصريحات التي أدلى بها في القضايا العراقية والعربية والدولية حين كان رئيساً لمجس السلم والتضامن في العراق, إضافة إلى مذكراته الغنية بالمعلومات والتحليل العلمي والمواقف الوطنية التي لم تنشر بعد, وكذلك الكراس المهم الذي نشر في العام 1950 حول المسألة الكردية في العراق وعموم القضية الكردية في المنطقة. ويحق لمن عرف عزيز شريف أن يعتز بتراث هذه الشخصية الوطنية والأممية النبيلة التي قدمت الكثير لصالح العراق والمنطقة وناضل بحيوية لا تعرف الكلل من أجل منع الحروب واستتباب الأمن والسلام في العالم وفي سبيل تحقيق التضامن بين شعوب بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وضد الاستعمار والرجعية والهيمنة الأجنبية ومن أجل العدالة الاجتماعية.
وكان موقفه المشرف والسليم من القضية الكردية متميزاً يستوجب الإشارة إليه لما فيه من علمية ومبدئية عالية ورؤية قومية تقدمية سليمة تستوجب الدراسة والتدقيق من جانب تلك أبناء وبنات القوميات أو الشعوب التي توزعت على دولهم الأرض الكردستانية والأمة الكردستانية, وهي دول إيران وتركيا والعراق وسوريا لكي تستفيد من تاريخ هذه القضية ودروسها المنصرمة في مواقفها من هذه المسالة الحيوية, ولكي تستفيد من تجربة العراق الراهنة, ورغم النجاحات التي تحققت, فإنها لا تزال بحاجة إلى رؤية عقلانية وموضوعية لصالح الشعب الكردي والشعب العراقي برمته.
ومن أجل التذكير بالأستاذ عزيز شريف الذي فارقنا عن عمر ناهز 86 عاماً تقريباً, ومن أجل أن يجري التفكير بإقامة نصب تذكاري لهذه الشخصية الوطنية على أرض العراق وفي إقليم كردستان أنشر هذا المبحث المختصر الوارد في الكتاب الخامس من كتابي الجديد الموسوم "لمحات من عراق القرن العشرين في عشرة أجزاء, والذي صدر الجزء الأول منه في السليمانية في العام 2009 عن مؤسسة حمدي للطباعة والنشر.
لقد وجدت مناسباً أن أنشر ما سجلته في كتابي غير المنشور حتى الآن عن الفقيد "عزيز شريف والمسألة الكردية" في هذه الفترة بالذات بسبب السياسة الشوفينية للحكومة التركية والقضاء التركي غير النزيه إزاء قضية الشعب الكردي وحزب المجتمع الديمقراطي الذي منع بذريعة وجود علاقة له مع حزب العمال الكردستاني وإزاء الشعب الكردي في شمال كردستان أو كردستان تركيا, لكي تدرك تلك القوى بأن حكومة لأمة كبيرة تضطهد أمة أخرى ليست حرة وليست جديرة بالاحترام ويفترض النضال ضدها لصالح الأمة المضطهدة.
وكما كتب الصديق الدكتور زهدي الداوودي بحق:
"إن القومية الكبيرة التي تستعبد القومية الصغيرة، ليست حرة. ولقد آن الأوان كي يفهم القوميون العرب والأتراك والفرس هذه الحقيقة التي تحققت ضمن كيان حكومة فدرالية كردستان العراق. هذه الفدرالية التي لم تقسم العراق، بل رسخت وحدته وديمقراطيته ." [الحوار المتمدن بتاريخ 26/12/2009].

عزيز شريف والمسألة الكردية

" لا يجوز للعرب , وليس في صالح قضيته أن يكون سوط العذاب بيد الجلادين المستعمرين يلهبون به جلود الأقوام المضطهدة ويقطعونها على ظهورها."
         نصير (عزيز شريف)

حاولت في الفقرة السابقة أن أوضح مع الصديق الدكتور زهدي الداوودي في كتابنا المشترك ÷فهد والحركة الوطنية في العراق" أن موقف الحزب الشيوعي العراقي كان من حيث المبدأ ومنذ البدء سليماً حين أكد على حق الشعب الكردي في تقرير مصيره في العام 1935 ثم السكوت عن هذه المسألة فترة طويلة, ثم بدأ الموقف يتطور تدريجاً ويتحسن لصالح الشعب الكردي والقضية الكردية. إلا أن الموقف الذي اتخذه الحزب وفق قرار جماعي صدر عن الهيئات الحزبية المسؤولة حول المسألة الكردية كان في العام 1956 أثناء انعقاد الاجتماع الحزبي الموسع (الكونفرنس الحزبي الثاني) بعد توحيد قوى الحركة الشيوعية العراقية الثلاث (الحزب الشيوعي العراقي بقيادة سلام عادل , وراية الشغيلة بقيادة جمال الحيدري , ووحدة النضال بقيادة عزيز شريف).
إن تفرد عزيز شريف في طرح موقفه المبدئي الصائب مبكراً إزاء المسالة الكردية هو الذي جعلني أخصص مبحثاً خاصاً به , باعتباره من أوائل الماركسيين العراقيين الذين تميزوا بالجرأة والوضوح في وضع القضية الكردية في إطارها الصحيح وفي طرح المواقف السليمة منها وفق المنهج المادي والفكر الماركسي والوعي بقضية الشعوب وحقها في تقرير مصيرها.
أن موقف عزيز شريف المبدئي من المسالة الكردية , حتى قبل تأسيس حزب الشعب الذي ترأسه , وعمل من أجله فترة طويلة إلى أن صدر له في العام 1950 الكراس المهم الموسوم: "المسألة الكردية في العراق" لا يستحق التقدير والثناء حسب, بل والدراسة من جانب كل العرب ليتبنوا من خلاله إن الكتاب لا يخدم القضية الكردية حسب, بل والقضية العربية أيضاً. إذ لا يمكن ان يكون شعب حراً وهو يستعبد أو يهيمن أو يرفض منح شعب آخر حريته وحقه في تقرير المصير. ويبدو هذا الموقف المبدئي لعزيز شريف من أول صفحة في الكراس حين يعرض المسألة الكردية على النحو التالي:
"ظاهرتان لمسألة الكردية في العراق:
الظاهرة الأولى تمثل الوجه السلبي للمسألة الكردية أي أثر السياسة الاستعمارية الرجعية التي قضت باستعباد الشعب الكردي وتمزيق أوصاله وإبقائه في مستوى من العيش البهيمي.
أما الظاهرة الثانية للمسألة الكردية في العراق فإنها تمثل الوجه الإيجابي لهذه المسألة وهو كفاح الشعب الكردي في سبيل حرياته وفي سبيل تقرير مصيره.
والمسألة الكردية في العراق ليست عراقية صرفة , إنها جزء من مسألة الشعب الكردي في جميع موطنه كُردستان وأن مزقته السياسات الاستعمارية الرجعية المحلية الجائرة وأن تعددت لهجاته حتى بدت أحياناً كأنها لغات مختلفة بسبب العزلة. وأن ترابط أجزاء المسألة الكردية يبدو جلياً في التدابير السياسية والبوليسية العسكرية المنسقة التي تقوم بها قوات الحكومات السائدة في العراق وتركيا وإيران ومن فوقها ومن ورائها الاستعمار الانگلو أمريكي لقمع أية حركة انتفاضة كردية , تقع في أي من الأقطار الثلاثة وأحدث مثال لهذه التدابير المنسقة هو التعاون العسكري بينها لسحق حركة البارزانية عام 1945." 
ويعالج الكاتب في متن كراسه الظاهرتين بتفصيل دقيق وسليم ويدين السياسات الرجعية التي ترفض الاعتراف بحق الشعب الكريي لا في العراق فحسب, بل في كل الأقاليم الأخرى التي توزعت على الدول المتجاورة فيشرح خصائص القومية الكردية ونضالها التحرري, كما يطرح الموقف ألأممي البروليتاري كما يراه لهذه المشكلة القومية التي تعقدت بفعل قوى الاستعمار وأطماع القوى القومية الشوفينية في الدول الثلاث التي توزعت عليها الأرض الكردستانية وشعب كردستان.
وقبل أن ينهي عزيزي شريف ويلخص نتائج بحثه كتب يقول:
"بقيت نقطتان نرى ضرورة التنويه بهما , وهما :
 أولاً: إن مسالة الاتحاد الاختياري ليست مسألة مطلقة دائماً وفي كل مكان وزمان , يقول لينين : (ومن ناحية أخرى على الاشتراكي المنتمي إلى أمة صغيرة أن يؤكد في دعايته على الشطر الثاني من الصيغة العامة –الاتحاد الاختياري- بين الأمم. ويسوغ له دون إخلال بواجباته بوصفه أممياً أن يفضل إما استقلال أمته السياسي أو إلحاقها في دولة مجاورة ..الخ وعليه في كل الحالات أن يكافح ضد ضيق ذهنية الأمة الصغيرة وضيق الفكر والترفع , عليه أن يناضل في سبيل الاعتراف بالكل والعموم وفي سبيل تبسيط مصالح الخاص إلى مصالح العام.) (راجع ستالين , الأسس اللينينية).
والنقطة الثانية : هي أن الضرورات الا قتصادية هي الأساس العام الدائم للاتحاد الاختياري بين الشعوب.
بيد أنه في ظروف الإمبريالزم يكون للاعتبارات السياسية وزن هام وأن كان موقوتاً في تقرير الحوادث المعينة. لأن الأوساط الاستعمارية تستغل الحوادث للتآمر على حريات الشعوب كلما وجدت إلى ذلك سبيلا. ...
وخلاصة القول في هذه الناحية إن الكفاح ضد العزلة في الأمم الصغيرة عام ومطلق ودائم. أما الدعوة إلى الاتحاد الاختياري بين الشعوب فإنها ليست مطلقة وهي في التطبيق خاضعة لما تمليه الضرورات القائمة في كل حادثة من الحوادث المعينة.
وفي نظرنا إن دعوة الديمقراطيين الأكراد في العراق إلى الاتحاد الاختياري كانت مصيبة بالنظر إلى الظروف الاقتصادية والسياسية الحاضرة معاً."
وانتهى عزيز شريف إلى الخلاصة التالية :
"إن حل المسالة الكردية في العراق يتضمن ما يلي:
1 -  نضال الجماهير العربية الكادحة في سبيل حرية وتقرير المصير للقومية الكردية بما في ذلك الانفصال وتأليف دولة مستقلة.
2 -  نضال التقدميين الأكراد المطلق ضد الميول الانعزالية بين الجماهير الكردية ودعوتهم إلى الاتحاد الاختياري بالعراق (في الظروف الراهنة القائمة).
على أن هذا النضال بوجهيه لا يتجزأ من الحركة الوطنية التحريرية ضد الاستعمار وعملائه المحليين من جهة , ومن الكفاح العام ضد الإمبرياليزم بنوع خاص ضد المؤامرات الحربية العدوانية الانگلو أمريكية , من جهة أخرى." 
كان عزيز شريف ينتقد القوى التقدمية في مواقفها الضعيفة والمترددة إزاء حق الشعب الكردي في تقرير مصيره. وكان هذا النقد وارداً للحزب الوطني الديمقراطي وبعض القوى الديمقراطية الأخرى , كما كان وارداً بالنسبة للحزب الشيوعي العراقي في فترة النكسة الشديدة التي تعرض لها الحزب قبل وفي أعقاب استشهاد فهد , ومجيء قيادات ضعيفة وغير مثقفة ثقافة ماركسية متينة والذي تجلى في اتهام عزيز شريف بالتروتسكية والتيتوية بسبب ما طرحه من موقف مبدئي إزاء القضية الكردية. فنحن نقرأ في المقدمة التي كتبها للطبعة الثانية من كراسه الموسوم "المسألة الكردية في العراق باسم "نصير" حيث يقول:
"ولكننا مع صرف النظر عن سياسة التمييز الاستعمارية ومع صرف النظر عن شوفينية البورجوازية الرجعية نجد أن التقدميين العرب في العراق لمي يعيروا هذه الحقيقة ما تستحقه من أهمية ولذا فقد تضمنت الطبعة الأولى من هذا الكراس لوماً لمن أسميناهم (الجبهة التقدمية) . [ لموقفها الفاتر من الحركة القومية الكردية مع أن الشيوعيين يدينون بحرية تقرير المصير للقومية الكردية لم يبرز بينهم شعار قوي للدعوة إلى هذا المبدأ ونشره وجعله قوة محركة].   
وبعيد ظهور تلك الطبعة وما قوبلت به من عداء سافر للحل اللينيني الذي تضمنته قد كشف عن قصور ذلك النقد , فبعد أن حاربت جماعة القاعدة هذا الكراس بالصمت ولما لم يجد الصمت في قتله لجأت إلى أسلوب الهجوم المكشوف فوصفته في العدد التاسع من جريدة القاعدة ( أواسط تشرين الثاني 1950 ) بكونه (يحل المسألة بالشكل الذي طالما دعا إليه الانتهازيون , وراق ذلك له (كذا وردت) المستعمرون ...) وانحدرت إلى التشهير باسم عزيز شريف باعتباره واضع هذا البحث , كما انحدرت أكثر في العدد الثاني و زعمت أنه يحرض الجماهير الكردية ضد العرب وافترت افتراءً بذيئاً مصرحة أن للمؤلف (نصير) غرفة في السفارة البريطانية."
إن هذا الموقف الخاطئ الذي تميز بروح المهاترة غير الودية إزاء قوة ماركسية أخرى من جانب قيادة الحزب الشيوعي العراقي حينذاك عبرت عن المستوى المتخلف لتلك القيادة. وقد استمر هذا الموقف فترة قصيرة إلى أن تم تعديله بقرار وموقف من قيادة الحزب التي كان بهاء الدين نوري (باسم) سكرتيرا للجنة المركزية للحزب حينذاك, حين رفع شعار حق تقرير المصير للشعب الكردي. ثم اغفل ثانية, ثم عاد إلى الواجهة في تقرير سلام عادل إلى الاجتماع الحزبي الموسع الثاني في العام 1956.
أتفق كل من سلام عادل وجمال الحيدري وعزيز شريف على التعاون المشترك لصياغة التقرير الذي قدمه سلام عادل إلى الاجتماع الحزبي الموسع الثاني الذي عقد في العام 1956 في ما يخص المسألة الكردية, إذ يجد المتتبع أن الحل الذي طرحه عزيز شريف في العام 1950 قد انعكس في هذا التقرير أولاً وأن دراسة جمال الحيدري الخاصة بالمسألة الكردية التي أنجزها في العام 12957 تحوي نفس الوجهة التي التزم بها وناضل من أجلها الأستاذ الفقيد عزيز شريف.
لقد كان عزيز شريف قومياً تقدمياً نزيهاً في وعيه للمسألة القومية الكردية من منطلق الوعي بالقضية القومية العربية أيضاً, وكان وطنياً أميناً وحريصاً على مصالح الشعب العراقي بكل مكوناته القومية والذي كان يتجلى في نضاله الدؤوب ضد الاستعمار والرجعية والظلم والاضطهاد ومن أجل الديمقراطية وحقوق القوميات والعدالة اجتماعية , كما كان ماركسياً واعياً مستخدماً المنهج المادي في التحليل والاستنتاج ورسم السياسات, إضافة إلى كونه أممياً صادقاً من حيث الموقف العام في النضال ضد الإمبريالية وفي التضامن بين شعوب البلدان المستعمرة والتابعة من أجل نيل حريتها واستقلالها وسيادة  بلدانها, وفي سبيل استتباب الأمن والسلام في العالم. وقد برهنت الحياة على صواب الموقف الذي التزم به عزيز شريف إزاء القضية الكردية طوال حياته, وهو نفس الموقف الذي توصل إليه الحزب الشيوعي العراقي أيضاً خلال تلك الفترة وما بعدها. 

537
كاظم حبيب
الآلام العراقية كثيرة وأشدها وجعاً اضطهاد الأيتام في ملاجئ حمايتهم!

الكثير والكثير جداً من القيم والمعايير الإنسانية التي سادت في العراق في فترات مختلفة من حياة الشعب العراقي, رغم الكثير من الجوانب السلبية في النظم السياسية التي سادت في العراق الحديث, اختفت من التعامل اليومي منذ أن استولى "حزب البعث العربي الاشتراكي" على السلطة ثانية في البلاد, حيث انتشرت الكثير من القيم والمفاهيم والمعايير السيئة والمشوهة والخبيثة في حياة الدولة والمجتمع. وتعمقت هذه الحالة بعد سقوط النظام الدكتاتوري حيث فرض الاحتلال وحصل الانفلات الأمني والسقوط الأخلاقي بنسبة غير قليلة من الناس وسيادة الطائفية السياسية, التي حلت محل الدكتاتورية المغتصبة لحرية الإنسان وحقوقه الأساسية وأرادته الحرة. فلم تعد حياة العنف والقسوة تتجليان في عمليات القتل والتدمير اليومية المريعة التي تمارسها عصابات الإرهاب والمليشيات الطائفية المسلحة, ولا في عمليات الاختطاف والابتزاز أو التعذيب النفسي والجسدي للمعتقلين والسجناء من جانب ذات القوى, ولا في عمليات النهب والسلب والسطو على أموال الشعب فحسب, بل وفي صيغ التعامل اللاإنساني مع الأطفال الأيتام المعوقين الذين أدخلوا إلى تلك الملاجئ التي شيدت وأقيمت لغرض حمايتهم من حياة التيتم ومنحهم بعض الحب والحنان تعويضاً لهم عن فقدانهم للأبوين ولأي سبب كان ومساعدتهم بسبب العوق الذي يعانون منه.
فالصور الجديدة التي وصلت لي ولغيري من بغداد تكشف عن بشاعة التعامل اليومي مع هؤلاء الأطفال الأيتام المعوقين والتي تشكل الفضيحة الثانية بعد الفضيحة الأولى التي اكتشفت من قبل القوات الأمريكية أيضاً وفي قلب العاصمة بغداد في مراكز حماية الأطفال المعوقين عقليا في فترة حكم إبراهيم الجعفري أو المالكي أيضاً. ولا يعرف الإنسان عدد الملاجئ الأخرى التي فيها من الفضائح ما يزكم الأنوف ويهين كرامة البشر. إنها صور تكشف عن القسوة والجشع والبؤس الفكري وانعدام الضمير لا بالنسبة للعاملين في هذه الملاجئ الذين يسرقون اللقمة من أفواه الأيتام والملابس من أجساد البؤساء المعوقين فحسب, بل وعن قسوة وعنف الحكومة التي لا تراقب حياة هؤلاء الأيتام وتسكت عن هذا الوضع, وكذلك المجتمع الذي يقبل بوجود مثل هذه الحالات ولا يحتج عليها ولا يتظاهر ضدها, رغم بروزها قبل ذاك ولم يطالب حتى الآن بالكشف عن حقائق ما يجري في هذه الملاجئ وغيرها .
كتب الشاعر الرقيق والمبدع الرائع يحيى السماوي يقول بأن "محطة "سي بي أس" التلفزيونية عرضت فضيحة جديدة في العراق, طالت الأطفال هذه المرة, كاشفة عن ملجأ يضم 20 يتيماً عراقياً، يحتضرون وأيديهم مكبلة إلى الأسرّة، وعظامهم البارزة ينهشها الذباب". أطفال معوقون مقيدون, جياع حولهم الجوع والمرض إلى هياكل عظمية, مرميون على بلاط الغرف الباردة في فصل الشتاء, أجسام رقيقة ولكنها قذرة يحيط بها البول والغائط, تنهش بها جموع الذباب.
إن هذا الإداري الذي يسرق القليل من أفواه هؤلاء الأيتام الجياع والمرضى والمعوقين, يطعم بما يسرقه أطفاله. وهو لا يحس بحقيقة ما يقوم به, إذ أنه يعتقد جازماً بأن في الحكومة التي تدير أموره وفي المؤسسات الأخرى المسؤولة عن أموال الشعب من يسرق من أفواه الشعب قوتهم. وإذا كان يسرق القليل, فأن هناك من يسرق الكثير والكثير جداً. وهو يردد مع نفسه:
إذا كان رب البيت في الدف ناقر       فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
والمقصود برب البيت هنا ليس فرداً بذاته, بل هو الرمز الذي يشير إلى الجهات والمؤسسات العليا في الحكومة والدولة, ولا شك في أن فيها من هو نزيه وأمين على أموال الشعب وفيها من هو نهاب خسيس!   
وتقول القوات الأمريكية التي اكتشفت هذا الملجأ صدفة, بأن الحكومة  تعهدت لها بالتحقيق, وكان عليها أن تتعهد للشعب والدستور أولاً وأخيراً. حتى الآن لم تكشف الحكومة عن نتائج التحقيق الذي تعهدت به حكومة الجعفري في الفضيحة الأولى, ولا عن وجود الكثير من أمثال هذا الملجأ وفيه من الفضائح ما يثير الرعب والألم.
إن حياة الأطفال في العراق عموماً أليمة, وحياة الأيتام منهم أكثر ألماً ولكن حياة المعوقين من الأيتام أكثر وجعاً على عقول وقلوب الناس الذين يملكون ضميراً حياً وحساً إنسانياً بالمساواة والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان, وحقوق الطفل على نحو خاص.
إن غالبية حكامنا نسوا أنهم كانوا يوماً في المعارضة وعملوا ضد النظام الدكتاتوري وعواقب حكم الدكتاتورية, وهم في الحكم لا يعملون ضد تلك العواقب, بل سمحوا لها بأن تتراكم. ونسوا أن هناك الكثير من الجياع والأيتام بسبب الحروب والفاشية والقبور الجماعية. وهنا يمكن أن استعين بشاعر العراق والعرب الكبير محمد مهدي الجواهري في هذا المقام وأردد معه بعض أبيات شعره:
نامي جياع الشعب نامي       حرستك آلهة الطعام
نامي فأن لم تشبعي         من يقظة فمن المنام
نامي على زبد الوعود         يداف في عسل الكلام
نامي تزرك عرائس          الأحلام في جنح الظلام
               نامي فقد أضفى (العراءُ)        عليك أثـواب الغـرام
وليس هناك في العراق من هم أكثر جوعاً وعجزاً من الأطفال الأيتام المقعدين الذين ينتظرون من الدولة أو الحكومة ومؤسساتها الرعاية والحنان وليس الإهمال والاضطهاد, كما يجري اليوم في الملاجئ "الخيرية" التي, كما يبدو, تحول الكثير منها إلى مواقع لاضطهاد وتعذيب الأطفال وزيادة وجعهم المبرح.
23/12/2009                  كاظم حبيب
 

538
هل إن رفض بناء المآذن رفض للإسلام في سويسرا؟

قبل فترة وجيزة صوت السويسريون ضد بناء المآذن في الجوامع الجديدة التي يراد إقامتها في المدن السويسرية. وهذا يعني أن القرار لا يمنع إقامة الجوامع بأي حال ولا يمنع المسلمين والمسلمات من تأدية فريضة الصلاة والعبادة, بل يرفض إقامة مآذن ترتفع في السماء حيث يرتقيها المؤذنون خمس مرات في اليوم ليعلنوا عن إقامة الصلاة أو ليؤذنوا من داخل الجوامع ويمتد الصوت إلى مسافات بعيدة من خلال مكبرات الصوت التي تنصب فوق المآذن لتوقظ المسلمات والمسلمين ناس للصلاة. ولكن هذه المآذن لا توقظ المسلمات والمسلمين فقط بل وتوقظ أتباع بقية الديانات الذين لا علاقة لهم بدين وصلاة المسلمين, بل يحترمون ذلك طبعاً. والمئذنة في الأصل ليست من أصل الدين ولم تبن الجوامع بمآذّن إلا في فترة متأخرة ولم يتحدث عنها النبي محمد ولم ترد في القرآن, فهي واحدة من إبداعات المسلمين في منافسة نواقيس المسيحيين علواً وارتفاع صوت. ولهذا فهي ليست ضرورية, إذ يمكن أن يتم الآذان في داخل الجوامع وبدون مكبرات صوت.
ومن جو هذه المنافسة كتب أبو العلاء المعري أبياته الشعرية الجميلة:
في اللاذقية ضجـة       ما بيـن أحمد والمسيح
               هذا بناقـوس يـدق      وذا بمـأذنـة يصـيـح
كل يعـزز ديـنه         يا ليت شعري ما الصحيح

 
إن هذا الإجراء الذي جاء بعد استفتاء شعبي فرض على الحكومة السويسرية إجراؤه بموجب الدستور السويسري يختلف في جوهره ومضمونه الديمقراطي عن السلوك الاستبدادي لجهتين أساسيتين في المجتمعات العربية والإسلامية نشير إليها فيما يلي:
1 . الموقف الحكومي لعدد من الدول العربية التي لا تسمح بإقامة الكنائس المسيحية في بلادها أو أن يسكن المسيحيين فيها, ومنها أولاً وقبل كل شيء الدولة السعودية التي لم يبق فيها من أتباع الديانات الأخرى أي فرد ولم ترتفع أي كنيسة على هذه الأرض. ونجد هذه الممارسة في عدد آخر من الدول حيث حولت الكنائس فيها إلى مساجد, كما في تركيا مثلاً.
2 . السلوك المتوحش للمتطرفين والإرهابيين من المسلمين والمسلمات الذين قتلوا أو هجروا أعداداً كبيرة من المسيحيين وأتباع الديانات الأخرى من ديارهم ومنازلهم وشتتوهم في بلدان أخرى أكثر احتراماً للديانات, ومنها الإسلام. وأقرب مثال على ذلك قتل وتهجير المسيحيين من البصرة والموصل وبغداد أو الصابئة المندائيين من جنوب العراق وبغداد أو قتل الإيزيديين في أقضية الموصل ... وليس ما يجري في إيران ضد أتباع الديانات الأخرى بخاف على أحد, رغم الأسلوب الهادي الذي يمارس هناك لتهجير المسيحيين من موطنهم الأصلي إيران. علينا أن نتذكر حرق الكنائس في العراق وتركيا,
علينا أن نتذكر السلوك الوحشي للمتطرفين والإرهابيين والطائفيين المسلمين ضد المسلمين من طوائف أخرى في العراق أو في الهند أو باكستان أو أفغانستان أو إيران أو في السعودية واليمن. وما جرى ويجري في العراق حتى الآن يمنحنا الثقة العالية بأن الإجراء السويسري حضاري وديمقراطي إلى ابعد الجدود ما دام لا يمس الدين أبداً ولا أتباع هذا الدين, بل يمس بدعة من بدع المسلمين الكثيرة ومنها إقامة المآذن, مع ما يجري في بلدان العرب والمسلمين ليس إزاء أتباع ودور العبادة لأتباع الديانات الأخرى فحسب, بل وضد أتباع الدين الإسلامي أيضاً. 
إن الدستور السويسري يمنح المسلمات والمسلمين إقامة الجوامع وإقامة الصلاة في أوقاتها المحددة وليس هناك من يحرمها ذلك. ومن حق الناس أن تبني ما تشاء من الجوامع أو المساجد شريطة أن لا تقيم المآذن, وهذا الإجراء غير متعارض مع حقوق الإنسان وحرية الفرد في أداء طقوس الدين والعبادة.
ولكن من المفيد أيضاً تقديم اقتراح إلى السويسريين في أن يمنعوا بناء منارات خاصة لكنائسهم الجديدة لكي لا تنصب فيها الأجراس الكبيرة ويمنع دق النواقيس في الكنائس التي أصبحت تمتلك ذات الرمزية المآذنية للمسلمين. وهو مقترح لا غير!
إن المتطرفين والإرهابيين وكذا المحافظين والمتزمتين من المسلمين والمسلمات سيثيرون ضجة كبيرة في سائر بلدان العالم ضد الإجراء السويسري بذريعة معاداة  هذا الإجراء للإسلام والمسلمين والمسلمات, وهو موقف خاطئ وخطير في آن واحد وسيقود إلى عواقب سلبية, إذ يمكن أن يتجرأ البعض بممارسات إرهابية وقتل البشر بدون مبرر. وعلى شيوخ الدين ان يلعبوا دورهم في تهدئة الخواطر المتهيجة وليس في إثارة العاطفة المرضية والحماس البدائي لدى البعض من الناس الجهلة الذين لا يعرفون أن المنارة ليست من أصل الدين. 
أتمنى أن ينتصر العقل لدى العرب المسلمين وغير العرب من المسلمين بحيث لا يجدوا في هذا الإجراء سوى ممارسة جماعة سكانية حقها المشروع وفق دستور بلادها وليس في جوهره عداً للمسلمات والمسلمين أو الإسلام.
10/12/2009                   كاظم حبيب

539
كاظم حبيب
إيران واللعب والمراهنة على كسب الوقت!

كل الذين كانوا يراهنون ويصرون على الرأي القائل بأن إيران لا تهدف إلى تعزيز قدراتها العسكرية بامتلاك السلاح النووي والصواريخ ذات المدى المتوسط والبعيد , وأن إيران لا تريد أن تكون دولة عظمى في الشرق الأوسط وتفرض سياساتها على المنطقة وتصدر ثورتها الدينية ودولتها الثيوقراطية المتخلفة إلى الدول الأخرى , برهنوا على أنهم كانوا حسني النية وعجزوا عن الإمساك بالخيط الأساسي وما يسمى في العراق مجازاً بـ (رأس الشليلة) الذي يوجه إيران وسياستها في المنطقة وعلى صعيد العالم الإسلامي. فمنذ سقوط نظام الشاه في إيران وهيمنة قوى الإسلام السياسي الطائفية على السلطة برزت نزعتان إضافيتان للدولة الإيرانية الإسلامية بالمقارنة مع دولة الشاه , إضافة إلى التعصب القومي الفارسي , وهما: التعصب الديني والقناعة بأنهم يمثلون الدين الإسلامي الصحيح أولاً , والسعي لتصدير الثورة الإيرانية  إلى الدول الإسلامية , ومنها الدول العربية, ثانياً. ومن هذه العناصر الثلاثة : الذهنية القومية الشوفينية , التي كانت لدى الشاه أيضاً , والذهنية الدينية الطائفية المتعصبة وتصدير الثورة الإسلامية , نشأ تطلعها غير المحدود نحو تحويل إيران إلى دولة عظمى في منطقة الشرق الأوسط وفي إطار الدول الإسلامية بحيث تلعب دوراً مميزاً في السياسة الدولية. وتوقعت بأنها ستكون عاجزة عن تحقيق ذلك بالقدرات العسكرية التي كانت لديها والتي برز ضعفها في الحرب ضد العراق , ولهذا توجهت مصحوبة بذهنية مركبة بالعناصر التي أشرت إليها صوب التسلح النووي وامتلاك أحدث الأسلحة والصواريخ ذات المدى المتوسط والبعيد التي يمكن أن تصل إلى أهداف محددة ترى فيها عدواً يهدد مصالحها ومشاريعها وأهدافها. ولم تعلن عن عودتها إلى ذلك رغم وجودها في عضوية لجنة الطاقة الدولة التي تفرض رفض قيام دول جديدة بامتلاك السلاح النووي.
واليوم نلاحظ أن إيران تلعب بالنار حقاً وتراهن على الصراع الدولي بين روسيا الاتحادية والصين الشعبية من جهة , والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى , لتكسب الوقت المناسب لإنتاج السلاح النووي , الذي كما تعتقد سيعرقل قدرة العالم على التحرش بها , إذ أنها ستهدد إسرائيل بسلاحها النووي. ولكن إيران تنسى بأن السلاح النووي موجود لدى إسرائيل أيضاً وبكمية اكبر مما تستطيع إنتاجه إيران خلال الفترة القادمة , إضافة إلى وجوده بيد حلفاء إسرائيل الدوليين.
إن ممثل الحرس الثوري , الرئيس الإيراني الراهن , مصاب بجنون العظمة والرغبة الجامحة بامتلاك إيران للسلاح النووي , ولا يختلف كثيراً عن جنون صدام حسين الذي دفع العراق لخوض مغامرات قاتلة كانت عاقبتها فرض الاحتلال رسمياً على العراق من جانب مجلس الأمن الدولي , وسلم هذا الدكتاتور  ما يقرب من مليون ونصف المليون إنسان عراقي إلى ملك الموت خلال حكمه الشائن. ولكن ما سوف يترتب على السياسة الإيرانية , إن سارت بهذه الوجهة الراهنة وإذا ما وصل رئيس جمهوريتها والقوى المحافظة الأكثر يمينية بدفع إيران إلى حافة الحرب مع الغرب , , سيكون أسوأ من ذلك بكثير. لا يمكن لإيران أن تراهن على الصراع الراهن في داخل الولايات المتحدة بشأن الانتخابات إذ أن تلك الأحزاب كلها سوف تقف ضد التسلح النووي الإيراني وستقابله بتدمير كامل لهذا السلاح وتعيد إيران إلى ما قبل الفترة الصناعية , كما حصل مع العراق. كما على حكام إيران القوميين والطائفيين والمستبدين أن لا يراهنوا على الصراع الروسي الأمريكي , إذ أن روسيا بدأت تدرك المخاطر التي وراء نهج التسلح والعسكرة الإيرانيين والذي يهدد مصالحها وأمن منطقة الشرق الأوسط أيضاً.
ولكن المخاطر في حالة نشوب حرب لن تكون على إيران وحدها , بل ستشمل جميع دول المنطقة , وبالتالي يمكن أن تتسبب في موت عدد كبير جداً من الشر وتحمل خسائر مادية وحضارية بالغة. ولهذا لا بد للعالم أن يتحرك وأن يتضامن في هذه المرحلة الحرجة بالذات وقبل فوات الأوان من أجل وقف التسلح النووي الإيراني ومنع انتصار جنون العظمة وجنون الدولة العظمى التي يسعى الحكام الإيرانيون إلى بلوغها , إذ أنها ستكلف البشرية غالياً. ولا بد من وقف تدخل إيران في شئون دول المنطقة , سواء أكان ذلك في العراق أم في لبنان أم في فلسطين , إذ أن لذلك عواقب وخيمة على الشعوب العربية بشكل خاص , في حين تبقى إيران في مثل هذا الصراع بعيدة عن الأحداث ولكنها تلعب دور الموجه والمشرف والمعبئ إعلامياً وفكرياً وسياسياً والممول بالمال والسلاح والعتاد والرجال. لنواجه المخاطر الإيرانية الآن وقبل فوات الأوان.
7/2/2008                         كاظم حبيب
   

540
كاظم حبيب

الأحزاب السياسية الإسلامية الشيعية ودولة إيران الإسلامية الشيعية

الدول المتجاورة جغرافياً وحدودياً لا سبيل لها لتغيير مواقعها والخلاص من هذه الدولة الجارة أو تلك, فأراضي دول الجوار متلاصقة شاءت هذه الدولة أو تلك أم رفضت. وهذا الواقع الذي لا خيار فيه يفرض على الدول المتجاورة أن تلتزم بممارسة صارمة وحازمة لمبادئ حقوق الدول التي أقرتها الأمم المتحدة وضمنتها في لائحتها الأساسية وأصبحت ملزمة لجميع الدول كبيرها وصغيرها, وأعني بها: مبادئ الاحترام المتبادل للاستقلال والسيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والسعي لإقامة علاقات حسن جوار وتعاون وتبادل المنافع المتعددة الجوانب وحل المشكلات بالطرق التفاوضية السلمية في ما بينها أو بمساعدة طرف ثالث أو الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ومحكمة العدل الدولية. والالتزام بها يعتبر ضمانة فعلية لسيادة الأمن والاستقرار والسلام والاحترام والمنفعة المتبادلة لجميع الأطراف. وبعكس ذلك تنشأ الكثير من الصراعات والنزاعات والحروب ويعم الموت والخراب والكراهية والحقد بين حكومات وشعوب البلدان المتجاورة. وتاريخ العالم يقدم لنا دروساً غنية ومريرة في هذا الصدد, ومنها تاريخ منطقة الشرق الأوسط, إضافة إلى الحرب الاستعمارية الأولى 1914-1918 وكذلك الحرب العلمية الثانية 1939-1945. وتاريخ الدولتين العثمانية والفارسية يقدم, على سبيل المثال لا الحصر, ما يكفي من الأدلة الدامغة للبرهنة على غياب تلك المبادئ في العلاقة بين الإمبراطوريتين في تلك العهود, أي قبل قيام عصبة الأمم ومن ثم الأمم المتحدة. كما أن تاريخ العلاقات بين العراق وإيران في الربع الأخير من القرن العشرين ما يؤكد على سيادة قانون الغاب وليس النظام الداخلي للأمم المتحدة.
في الواقع العراقي الراهن ما يؤكد ضرورة العودة لدروس الماضي في العلاقة بين الدولتين الفارسية والعثمانية في العراق لتجنب مأساة الصراع المذهبي الذذ حكم تلك العلاقة بنوايا استعمارية طبعاً. فقد اشتد الصراع والنزاع بين النخب الحاكمة في الإمبراطوريتين لا على استمرار احتلال إحداهما أو الأخرى للعراق واستغلال شعبه وخيراته في هذه الفترة أو تلك وخوض الحروب على الأرض العراق وما اقترن بذلك من خراب ودمار وموت وأحقاد فحسب, بل وإشاعة وتأجيج الخلافات المذهبية بين الشيعة والسنة والتجاوز الفظ والاعتداء على دور العبادة والمراقد المقدسة لأئمة الشيعة والسنة في المدن العراقية والتي ساهمت بافتعال مجازر دموية مرعبة ضد سكان العراق, إضافة إلى العداء والإيذاء المتواصل للكُرد في كل كردستان وفي كرُدستان العراق على نحو خاص. لقد كانت فترات مريرة في تاريخ العراق والشعوب العراقية والإيرانية والتركية والكردية والقوميات الأخرى التي كانت ولا تزال تعيش على أراضيها في هذه المنطقة من العالم. وإذا كانت الدولة العثمانية قد مارست سياسة هادئة إزاء المسيحيين واليهود, بسبب علاقاتها مع الدول الأوروبية, إلا أنها لم ترحم الإيزيديين باعتبارهم مرتدين عن الدين الإسلامي! كما لم ترحم الصابئة المندائيين أو أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى في إطار هذه المنطقة الجغرافية. وكذا الحال مع الدولة الفارسية في سياساتها إزاء القوميات وأتباع الأديان والمذاهب الأخرى.
ولسنا بعيدين عن سياسة نظام البعث الدكتاتوري في عدائه القومي والمذهبي لجمهرة كبيرة جداً من سكان العراق اتهموا بالتبعية الإيرانية, سواء أكانوا من الكُرد الفيليين أم عرب الوسط والجنوب, وهم من أتباع المذهب الشيعي.
ولكن أسوأ المعاناة برزت في فترة الحرب بين العراق وإيران التي دامت قرابة ثماني سنوات عجاف. ولا شك في أن حرب الخليج الأولى قد بدأ بها نظام البعث ألصدامي, ولكن إيران الإسلامية لم تكن بريئة تماماً وبدون مسؤولية إزاء وقوع الحرب, إذ أنها بدأت تتدخل بشكل فظ في الشأن الداخلي العراقي ودفعت بالدكتاتور إلى مزيد من الإرهاب الداخلي وإلى شن الحرب ضد إيران. وراهن النظامان المستبدان على قدرتِهما في إسقاط الآخر عبر هذه الحرب. ومعاناة الشعبين كانت كبيرة جداً من الحرب ومن سياسات حكومتيهما في الداخل.   
والآن فنحن أمام حالة جديدة بعد سقوط النظام الدكتاتوري عبر حرب خارجية واحتلال العراق من قبل قوات الدولتين الأمريكية الشمالية والبريطانية ومجموعة من الدول المتحالفة معهما وما جر هذا الأسلوب في إسقاط النظام وما بعده من تداعيات على الساحة السياسية العراقية والإقليمية والدولية. إذ أن ترك أبواب العراق مشرعة أمام من كان يريد ولوج العراق, قد سمح ليس بحرية التنقل للناس الطيبين بين البلدان المتجاورة حسب, بل وسمح أيضاً بدخول قوى الإرهاب من مختلف الجنسيات والهويات الفكرية والسياسية, ومختلف عصابات الجريمة المنظمة ومهربي القطع الأثرية المنهوبة والأموال وموردي السلاح بالسوق السوداء ومن قبل الدول الراغبة في الهيمنة على سياسة العراق, ومنها الدول المجاورة, وخاصة إيران والسعودية وسوريا ودول الخليج, إضافة إلى دول أخرى شاركت في كل ذلك. وكان هم الولايات المتحدة سحب الإرهابيين إلى الأرض العراقية لخوض المعركة معها على أرض العراق, واعتقدت بأنها قادرة بهذه الطريقة البائسة على كسب المعركة ولم تدرك بأن قوى الإرهاب يمكنها أن تتحرك في كل الاتجاهات وغير مقيدة بحدود كما هو حال الجيوش النظامية, ما دامت هناك الكثير من النظم السياسية يساعدها في نشاطها الإجرامي. وقادت هذه السياسة وغيرها إلى مآسٍ دموية وخراب اقتصادي ونهب وسلب لا مثيل له في تاريخ العراق الحديث, وهي حالة لا تزال بهذا القدر أو ذاك قائمة ويعاني منها شعب العراق بكل قومياته وأتباع أديانه ومذاهبه مع فارق ملموس ومهم في إقليم كردستان العراق, إذ كان الشعب الكردي قد تخلص من سيطرة نظام صدام حسين المباشرة منذ العام 1991¸وكان الوضع الأمني مستتباً في الإقليم واستمر حتى الوقت الحاضر. وهي حالة ممتازة.
وفي مثل تلك الأجواء التي نشأت ما بعد سقوط النظام الاستبدادي تسنى لإيران دخول العراق وفرض هيمنة سياسية واجتماعية فعلية على منطقتي الوسط والجنوب وإلى حدود بعيدة على بغداد أيضاً, رغم أن الهيمنة من حيث إصدار القرارات كانت بيد الحاكم بأمره بول بريمر, إلا أن التنفيذ لم يكن بالكامل بيد الولايات المتحدة وبريطانيا, بل كان يتأثر بالدور الإيراني وسياستها في العراق بصورة غير مباشرة,
لا أتهم الأحزاب السياسية الإسلامية الشيعية بأنها كانت وراء ذلك أو أنها تابعة لإيران, فهي أحزاب عراقية, رغم أن بعضها تأسس في إيران, كما في المجلس الأعلى الإسلامي, ولكن دخلت القوى الإيرانية إلى صلب هذه الأحزاب ومعها جمهرة واسعة جداً من ثلاثة أصناف من الناس , وهي:
قوى سياسية مؤمنة بأهمية دور إيران الشيعية الصفوية في العراق الذي يراد له السيطرة طائفياً على حكم العراق الحديث بعد حكم السنة الذي قارب الثمانية عقود, إذ أنها ترى وتعتقد بأنها غير قادرة على الحكم دون دعم إيران, الدولة الكبرى في المنطقة. وعلينا أن نفهم تداعيات مثل هذا التصور على بقية القوى العراقية السنية والدول المجاورة التي تدين بالمذهب السني.
قوى سياسية إيرانية بهويات عراقية ولجت إلى هذه الأحزاب واستطاعت أن تسير الكثير من الأمور وتصدر الكثير من القرارات بما يخدم مصالح إيران قبل أن يخدم مصالح العراق.
قوى بعثية شيعية ولجت إلى هذه الأحزاب باتجاه التوبة, وهي في ممارساتها أصبحت في الكثير من الجوانب تدين بالولاء لإيران أكثر مما تدين بالولاء للأحزاب السياسية الإسلامية العراقية, وكانت من بين القوى التي ساهمت بقتل الكثير من البشر. وجمهرة غير قليلة من هؤلاء من الجنود الذين أسروا وجرى غسل أدمغتهم وإرسالهم ثانية للعراق أو التحقوا بفيلق بدر, المنظمة العسكرية التابعة "للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية". 
واستطاعت إيران الهيمنة على عدد كبير من منظمات أهلية اجتماعية ودينية وسياسية أسست على أساس أنها منظمات مجتمع مدني وأحزاب إسلامية صغيرة تحت أسماء كثيرة للغرض نفسه. ومن خلال كل ذلك كانت إيران تسعى إلى تحقيق ما يلي:
1 . الهيمنة الكاملة على الحكم والسياسة العراقية لا في الداخل حسب, بل وباتجاه الدول العربية والدول الإسلامية والخارج, رغم وجود الولايات المتحدة التي تحكمت لسنوات عدة بإصدار القرارات والعجز النسبي عن التنفيذ, إذ كان التنفيذ بأيدي قوى أخرى عملياً.           
2 . التأثير المباشر على دور المليشيات الطائفية المسلحة في العراق ودفعها باتجاه تنفيذ مهمات تخدم مصالح إيران في العراق, ومنها قوى في منظمة جيش المهدي وفيلق بدر, رغم وجود صراع بين الاثنين على التحكم بالسلطة والشارع.
3 . العمل على تهديد وقتل وتشريد وتهجير واختطاف أتباع الديانات الأخرى من مسيحيين وصابئة مندائيين في جنوب ووسط العراق لإفراغهما منهم تماماً. والكثير من المختطفين نقلوا إلى إيران وتمت تصفيتهم هناك.
4 . تهديد وقتل وتشريد وتهجير الكثير من العائلات والعناصر الديمقراطية التي ترفض الانصياع لها ولمواقفها السياسية إزاء ما يجري في العراق. وسجل القتلى والجرحى والمعوقين من هؤلاء الضحايا لا يزال ينمو ويكبر بأسماء جديدة.
5 . وتسنى لأتباع المليشيات الطائفية المسلحة الشيعية الولوج بشكل خاص إلى مؤسسات وقوات وزارة الداخلية ووزارة الأمن الداخلي والجيش في فترة وجود الدكتور إبراهيم الجعفري على رأس الحكومة العراقية ولفترة غير قصيرة. إذ لم يكن الدخول على شكل أفراد فحسب, بل من خللا السيطرة على هيكلية هذه الوزارات وأجهزتها المسؤولة عن الأمن ومكافحة الجريمة أو مطاردة الإرهاب, في حين كانت هي بالذات قوى إرهابية. وتعتبر فترة وجود الجعفري على رأس الحكومة الفترة الذهبية لإيران حقاً وانتعاش دورها ومؤسساتها الأمنية والإرهابية في العراق والتأثير على وجهة العمل أيضاً, ولكنها كانت في القوت نفسه أسوأ فترة خلال السنوات السبع المنصرمة, حتى كان بيت الشعر التالي ملائماً لهذه الوزارة:
       أي طرطرا تطرطري        تقـدمي تأخـري
       وزارة من كركـري      يرأسها الجـعفري
 
ورغم الضربات التي وجهتها القوات المسلحة العراقي ة لمليشيات جيش المهدي المسلحة بقرار من رئيس الوزراء, والتي لم تمس قوات فيلق (منظمة) بدر التي حافظت على وجودها بذات القوى والرئاسة والوجهة والأهداف والتسلح, لم تتضرر هيكلية جيش المهدي وحافظت على  بنيتها التي غادرت إلى إيران ثم بدأت تعود تدريجاً منذ سنتين, وهي لا تزال تمتلك قواها الخاصة وتأثيرها على مناطق من بغداد والعراق وتتحكم بسكانها, إذ بمقدورها, ومقدور ميليشيات أخرى, استخدام كواتم الصوت لإسكات أي صوت لصحفي أو لسياسي معارض لهذه القوى يمكن أن يتعرض أو يهدد مصالحها الأساسية أو يكشف عن فضائح معينة في العراق.
هل يعرف رئيس الوزراء العراقي هذه الأمور وغيرها؟
لدي القناعة, وأرجو أن أكون مخطئاً, بأنه يعرف جيداً دور إيران وقواها في العراق, وأنه على الأقل مطلع بما فيه الكفاية على عدة مسائل جوهرية, وهي:
1 . إنها مالكة لزمام المبادرة والتأثير المباشر على جوهر سياسات ومواقف غالبية الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية في العراق, ولكنها ليست بالضرورة قادرة على ممارسة التأثير المباشر على بعض العناصر المهمة في هذه الأحزاب.
2 . وإنها مالكة لقوة مهمة ومؤثرة في كل من وزارة الداخلية ووزارة الأمن الداخلي, كما لديها في العراق جهاز أمن سري تابع لأجهزة الأمن الإيرانية والحرس الثوري الإيراني ومتغلغل في أوساط واسعة وفي الجوامع ومنظمات المجتمع المدني, إضافة إلى العديد من الوزارات.
3 . وأنها تساهم مع أجهزة الأمن السورية وقوى فيها في إشاعة عدم الاستقرار في العراق.
4 . وأنها أصبحت تهيمن على نسبة مهمة من التجارة الخارجية للعراق وعلى السوق المحلي في الوسط والجنوب وبغداد, وأن هذه الهيمنة تمنحها القدرة في التأثير غير المباشر على حركة الاقتصاد الوطني وعلى السياسة الداخلية العراقية.
5 . وأن كل هذه العوامل تساعدها في التأثير غير المباشر وأحياناً المباشر على سياسات ومواقف الحكومة العراقية.
6 . وأنها تتجاوز منذ سنوات على حقول النفط العراقية في العمارة وتفرض هيمنتها عليها, وهو تجاوز فظ على سيادة العراق, على أرضه وثرواته. 
ومع هذا فأن رئيس الوزراء العراقي يرفض حتى الآن التعرض لإيران ودورها السلبي في العراق, ولكنه يتحدث عن دور سوريا في لعراق, وهو يعرف أن سوريا تلعب دور التابع الذليل للسياسة الإيرانية في العراق, بدلاً من التوجه صوب الرأس المحرك والدافع للأموال من أجل إشاعة عدم الاستقرار في العراق. وإذ أصبح العدوان صارخاً ودخلت قوات إضافية غلى الأرض العراقية, ارتفع صوت الناس قبل صوت الحكومة.
وكان الكاتب الدكتور رشيد الخيون قد أصاب الهدف حين أشار إلى ابتعاد رئيس الوزراء العراقي عن توجيه الاتهام لإيران رغم وجود أدلة كافية لدى القوات الأمريكية على الدور التخريبي لإيران, ومنها تهريب الأسلحة والإرهابيين وتهريب المخدرات والأموال لمساعدة قواها وأتباعها في العراق.
إن الخطب والتصريحات التي يلقيها السيد رئيس الوزراء لم تعد مملة للناس وعافت عن سماعها الآذان فحسب, بل هي بعيدة كل البعد عن واقع الحال في العراق. فالنوايا الحسنة التي يريد إقناعنا بها عن الدور الإيجابي لإيران يمكنها أن تقود الشعب إلى جهنم وبئس المصير. وهو ما ينبغي تجنبه. والسؤال الذي يدور في البال هو: هل في مقدور رئيس الوزراء أن يتحدث بما يعرفه عن النشاط الإيراني في العراق, أم أنه عاجز لأسباب نعرفها ويعرفها هو أيضاً؟
لم يستطع حتى مستشار الأمن القومي, المعروف بطائفيته ومشهود له بها, أن ينكر دور إيران في العراق والعواقب الوخيمة المترتبة عن هذا الموقف.
ليست هناك من أسرارٍ غير معروفة بهذا الصد, ولكن من المفيد بلورة بعض النقاط:             
** من المعروف عن قيادة حزب الدعوة الإسلامية, ورغم التزام قائده المؤسس الشهيد محمد باقر الصدر بولاية الفقيه, وبخاصة بعد إسقاط نظام الشاه وتولي الخميني مسؤولية المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران, إنها اضطرت على مغادرة إيران والتحول إلى سوريا أو الدول الأوروبية وكندا للعيش فيها ومواصلة العمل السياسي بهدف التخلص من الضغوط الإيرانية عليها والتدخل في شؤون الحزب الداخلية وبأمل التصرف باستقلالية إزاء الوضع في العراق والتحالفات السياسية التي تراها القيادة  ضرورية. وقد سجل هذا الموقف المستقل لصالحه. ولكن هذا الحزب, ونتيجة تلك الضغوط انشطر على نفسه, كما خرج منه محمد باقر الحكيم الذي شكل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي كان أكثر التصاقاً بإيران والسياسة الإيرانية, ولا يزال كذلك, إضافة إلى الصدريين الذين نواتهم الأساسية من جماعة الشهيد محمد باقر الصدر. وفي الغربة انشطر حزب الدعوة الإسلامية عدة مرات ولأسباب كثيرة. ولهذا كان الحديث يجري عن تنظيم الخارج وتنظيم إيران أو تنظيم الداخل, وكانت سياساتها ومواقفها غير موحدة تماماً.
** وحين وصل هذا الحزب, الذي رفض الحرب كما رفضها الحزب الشيوعي العراقي ودخلا في تعاون مشترك بهذا الصدد, مع بقية القوى السياسية العراقية إلى السلطة, كان الدكتور إبراهيم الجعفري على رأس الحزب ثم تسلم رئاسة الحكومة في ضوء وجوده بتحالف البيت الشيعي أو الائتلاف الوطني العراقي. مارس الجعفري سياسة طائفية سياسية وسياسة موالية لإيران وللمليشيات الطائفية الشيعية المسلحة, وخسر بذلك تأييد الكثير من القوى الداخلية, وأجبر على مغادرة الحكم وتسلمه إلى نائب رئيس الحزب نوري المالكي. ونتيجة ذلك كانت انشطارا جديداً في حزب الدعوة قاده الدكتور الجعفري المسحور والمفتون بالسلطة إلى حد اللعنة, في حين قاد المالكي وعلي الأديب حزب الدعوة الإسلامي والحكومة في آن. إن هذا الموقع الجديد الذي أحتله المالكي في الحزب والحكومة ممثلاً عن الائتلاف الوطني العراقي الذي كان يقوده عبد العزيز الحكيم قد وضع رئيس الوزراء الجديد تحت تأثير عوامل عدة ضاغطة باتجاهات مختلفة وكانت أمامه تجربة الجعفري الفاشلة جداً, كانت نتيجتها عدم وجود سياسة واضحة في مختلف المجالات وغياب القدرة على اتخاذ قرارات جريئة لمعالجة الوضع في ما عدا الضربات المحدودة التي وجهت لجيش المهدي وكذلك ضربات جماعات الصحوة بدعم من الولايات المتحدة لقوى القاعدة مما أسهم في خلق وضع أمني أفضل حصل من خلاله على تأييد ونجاح واضحين في انتخابات مجالس المحافظات. وقد ساعد هذا الموقف على طرح شعار المواطنة بدلاً من الهوية الطائفية, الذي كرره كثيراً دون تلمس نتائج له.
** إن هذا الشعار الوارد في خطب وتصريحات المالكي لم يخرج إلى حيز التنفيذ, وهي نتيجة مباشرة للضغط المتزايد عليه من ثلاثة أطراف, وهي: أ) البيت الشيعي الذي أسسه الدكتور أحمد الجلبي لخوض الانتخابات الأولى بتركيبته الطائفية الجديدة, رغم تطعيمها بقوى الحزب الوطني الديمقراطي (نصير الجادرجي) وعامر حسن فياض, ب) جماعات في حزبه لا تزال ترى ضرورة التحالف مع الائتلاف الذي يضم المجلس والصدريين, ج) إيران التي ترى ضرورة ممارسة سياسة طائفية في العراق لترتبط عضوياً بالسياسة الإيرانية, إذ لم تكن زيارة رئيس البرلمان الإيراني للعراق في فترة تشكيل التحالفات عبثية ودون محاولة للتوفيق بين القوى الشيعية.
وهذه الضغوطات كانت ولا تزال تمنع رئيس الوزراء من توجيه الاتهامات لإيران في سعيها لإشاعة الفوضى في العراق واتهام سوريا فقط, وهو المدرك حقاً للعلاقة العضوية الراهنة بين إيران وسوريا ولأنهما ينسقان في السياسة إزاء العراق. كما لم يتحدث, وكذا وزير النفط, عن تجاوز إيران على حقول النفط العراقية وغيرها.
إن القوى الإسلامية الشيعية, ومنها حزب الدعوة بجناحيه المنشق (الجعفري) والأصل (المالكي-الأديب), وكذلك الأحزاب الإسلامية الشيعية الأخرى, ترى في إيران دولة كبرى في منطقة الشرق الأوسط داعمة وحامية لوجود هذه الأحزاب في السلطة ومخففة من ضغوط الدول العربية ذات الهوية السنية عليها, كما أن إيران ترى في استمرار وجود هذه القوى في السلطة لصالحها, إذ أنها لا تسلك سياسة معادية لإيران, بل تمارس سياسة الدفاع عن إيران.                     
** من يعرف طبيعة الأحزاب الإسلامية السياسية, يدرك أنها لا تتبنى الديمقراطية في الحياة السياسية ولا تشكل عندها فلسفة مقبولة, بل اعتبرتها في الآونة الأخيرة أداة للوصول إلى السلطة والسعي الكامل بكل السبل للبقاء في السلطة. وهذا الأمر ينطبق بالكامل على حزب الدعوة الإسلامية. إذ أن هذا الحزب ينطلق من ذات الأهداف التي حددها الشهيد محمد باقر الصدر والتي لا تختلف عن أهداف الخميني أو علي خامنئي. وما الاختلاف في الأساليب والأدوات إلا التعبير عن تباين في الإمكانيات وفي الظروف الراهنة على الصعد المحلية والإقليمية والدولية. 
من هنا يفترض في المواطنة والمواطن العراقيين أن يتمعنا ويتابعا الحالة التالية:
هل أن تصريحات وخطب رئيس الوزراء العراقي المتكررة حول الديمقراطية والمواطنة تنطلق من تحول فعلي في مواقفه ومواقف حزبه الإسلامي السياسي أم أنها مجرد تكتيكات تمارس لمواصلة البقاء في السلطة, وهي ذات التكتيكات التي مورست من قبل قوى سياسية أخرى ولكنها تحولت عنها بعد أن وصلت إلى السلطة. وأنها ستسلك سبيلاً آخر وتمارس نهجاً آخر غير ما ادعته قبل الانتخابات.
علينا أن نراقب الموقف من حرية الإعلام وسبل التعامل مع الصحفيين والكتاب, إذ إن إشارات غير قليلة ذات وجهة تنتقص جدياً من حرية الصحافة أو الإعلام بشكل عام بدأت تبرز في سياسة رئيس الحكومة في الآونة الأخيرة. وهي الإشارات التي يمكن أن تصبح نهجاً وتمتد لتشمل بقية الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأمنية ...الخ. وغالباً ما يبدأ الاستبداد بفرض الرقابة على حرية الإعلام وتهديد الصحفيين والكتاب أو قتلهم بطرق شتى!
أدرك تماماً بأن حزب الدعوة لا يمكنه حالياً ممارسة النهج الاستبدادي أو احتكار السلطة كما يرغب أو كما يجري حالياً في إيران لأسباب منها ما يرتبط بالواقع السياسي العراقي, ومنها ما يرتبط بالتكوين القومي والديني والمذهبي للعراق, ومنها ما يرتبط بالتجربة الغنية والمريرة التي مرَّ بها الشعب العراقي مع الدكتاتورية والفاشية ومع أي رداء يمكن أن تختفي خلفه الدكتاتورية, إضافة إلى محيطه الإقليمي بطابعه القومي والمذهبي, وكذلك الوضع الدولي ووجود القوات الأمريكية في العراق ودورها الراهن. كما أن القوى الكردية سوف تلعب دورها المضاد لأي سياسة استبدادية على صعيد العراق, إذ أن الفيدرالية لا يمكن أن تعيش في ظل الدكتاتورية والاستبداد في بغداد, بل تنتعش وتتطور في ظل الحرية والديمقراطية على صعيد العراق كله. إلا أن هذا يتطلب تعديلاً جدياً في سياسات القوى الكردستانية وحكومة الإقليم بما يسهم في تعزيز القوى الديمقراطية على صعيد العراق كله والانطلاق من أهداف عراقية عامة وعدم إخضاع كل الأمور للأهداف الكردستانية التي تضيق الأمور إلى حد بعيد, بحيث تتعرض مكاسب الشعب الكردي كلها إلى مخاطر جدية. فتجاربنا غير قليلة بهذا الصدد. وواقع العراق الراهن ليس نهاية التاريخ ولا المكاسب المتحققة, بل هي قابلة للتراجع والتقدم. وعوامل عديدة سوف تلعب دورها في أي من الاتجاهين, ومنها دور الشعب الكردي وكل القوى الديمقراطية العراقية.
ستبقى إيران طالما بقي الحكم الراهن فيها, تواصل فعلها المباشر وغير المباشر بالتدخل في الشأن العراقي, ولكن علي كل الشعب العراقي تقع مسؤولية إيقاف التدخل الإيراني المستمر في العراق وفضح أهداف إيران في العراق والمنطقة, كما فعل أخيراً النائب السيد أياد الجمالي, وليس على رئيس الوزراء وحزبه الذي لم يمارس فضح دور وطبيعة السياسات الإيرانية في العراق والمنطقة حتى الآن بل دافع باستمرار عن إيران واعتبرها لا تتدخل بالشأن العراقي وهاجم التابع لإيران الكامن في الدور السوري وفي دور السعودية. وقد تعرض أياد جمال الدين بسبب مواقفه الصارمة والصريحة من إيران إلى عدة محاولات اغتيال نجا منها بأعجوبة من ذات القوى التي تؤيد إيران أو من قوى إيرانية فاعلة في العراق في الغالب الأعم.
إن الأيام والأشهر القادمة ستبين لنا مدى حرص رئيس الوزراء العراق على الديمقراطية والمواطنة والحرية التي تحدث عنها, ومدى قدرته في التصدي للأهداف الإيرانية في العراق. وكل آت قريب!
21/12/2009                كاظم حبيب   

541
كاظم حبيب
الساعون إلى السلطة كثيرون, بعضهم على استعداد لحكم البلاد بلا شعب!!

الإرهابيون القاعديون والبعثيون الصدَّاميون القتلة, وأعضاء المليشيات الطائفية المسلحة الشيعية والسنية القتلة, هم كثيرون ومنتشرون في أنحاء مختلفة من العراق. إنهم عراقيون من الداخل, كما أنهم من العرب والفرس والأفغان والباكستانيون ومن جنسيات أخرى قادمون من وراء الحدود السورية والإيرانية والخليجية, بما فيها السعودية, فهم قتلة يسعون إلى إشاعة الفوضى والخراب والموت والدمار في العراق, بعضهم يتحرك ويقتل حالياً, وبعضهم الآخر أُدِخلَ في قيلولة بانتظار الأوامر لينهض بعدها ويفجر نفسه أو يفجر شاحنة فيقتل معه أو بدونه مئات الأبرياء من العراقيات والعراقيين من مختلف الأعمار.
كل هؤلاء القتلة ينتظرون الصعود إلى السماء السابعة والدخول إلى الجنة الموعودة بمفتاح القتل الممنوح لهم من شيوخهم القتلة الأوباش والحلم بالعيش في "جنة تجري من تحتها الأنهار وفيها ولدان وحور!..." أنهم الراغبون في الخلاص من العيش على الأرض حيث يواجهون حالات من البؤس والفاقة الفكرية والسياسية والوعي الغائب أو الغاطس في مستنقع من الطقوس الدينية المشوهة والمتخلفة والجائرة.
إن هؤلاء القتلة مأجورون بصيغ مختلفة وهم مقتنعون بما يقومون به بسبب جهلهم المطبق وتخلف عقولهم وبؤس حياتهم اليومية, ولكن الذي يقف وراء هؤلاء القتلة هم القتلة الحقيقيون, هم الموجهون والمخططون لتلك العمليات الجبانة, وهم الذين يحددون الوقت المناسب لتفجير أنفسهم من أجل قتل الآخرين أو تفجيرات عن بعد وفق ظروف المكان والزمان والمهمة المكلفين بها. إن هؤلاء هم المجرمون الفعليون الساعون إلى السلطة بأي ثمن. إنهم مستعدون لحكم البلاد بلا بشر, أو كما قال صدام حسين: لن أترك العراق إلا على خرائب وجثث الضحايا! 
بعضهم يمارس السياسة ويشارك في العملية السياسية, ولكن جناحه العسكري يمارس القتل لإشاعة الفوضى والخراب والدمار والموت في البلاد, إنهم يعيشون بيننا, بعضهم يعمل في القوات المسلحة ويرتدي الملابس العسكرية لتنفيذ عملياته الإرهابية متخذاً منها حماية له ولمن معه. وبعضهم الآخر يمارس عمله اليومي بصورة عادية, ولكنه يمارس القتل ليلاً أو نهاراً كما حصل للسيد العبادي أو للكاتب الشهيد كامل عبد الله شياع أو مئات وآلاف من القتلى والمعوقين الآخرين. بعضهم يقف على مسافة من العملية السياسية رافضاً المشاركة فيها ويمارس جناحه العسكري القتل كلما سنحت له الفرصة لفرض مطالب معينة على العملية السياسية, وبعضهم الآخر يائس من الوصول إلى السلطة, ولكنه يحلم بها ويعمل من أجل تخريب الوضع فيمارس القتل حيثما أمكن. إن القتل والتدمير هما الوسيلتان المناسبتان لهؤلاء السياسيين المجرمين في سبيل الوصول إلى السلطة.
أما القوى الإرهابية في الدول المجاورة فهي لا تريد السلطة لها مباشرة, بل لقوى مؤيدة لها التي أبدت حتى الآن استعداداً تاماً للخضوع لإرادتها وممارسة سياساتها في العراق, إنهم الطائفيون الأشرار من إيران وأفغانستان والسعودية والخليج ومن يتعاون معهم من مواطني دول عربية وإسلامية أخرى, كما في حالة سوريا أو السودان أو المغرب.
إن ممثلي حكومات دول عديدة يجتمعون تحت شعار مكافحة الإرهاب في العراق, ولكن أغلب دولهم مسؤول عما يجري في العراق من إرهاب أسود وموت غير منقطع وعمليات معرقلة لإعادة إعمار البنية التحتية والخدمات الأساسية والاقتصاد الوطني.
التفجيرات التي لم تنقطع منذ الأربعاء والاثنين الداميين وما بعدهما, ومنذ البدء بالتهيئة للانتخابات العامة في العراق, إذ عاد المجرمون القتلة لإشاعة الفوضى, وليبرهنوا بأن الحكم في العراق غير قادر على إشاعة الأمن والاستقرار في البلاد, رغم أن بعضهم يساهم في الحكم, ولكن يريد الحكم له وحده. فمن هم هؤلاء القتلة؟ إنها مهمة غير سهلة, فوضع اليد على العدو أو العدو الحليف أو العدو من ذات المعسكر يتطلب تحقيقاً حراً ومستقلاً ودولياً, وهو ما يفترض الإصرار عليه ليساعد شعب العراق في الكشف عن هويات الدول أو القوى التي تقف وراء تلك العمليات الإجرامية والضحايا البريئة التي هدر المجرمون دمها.   
والسؤال الكبير الذي يفترض الإجابة عنه هو: هل القتلة من بين الأوساط الحاكمة أم من خارجها؟ إن على التحقيق الدولي أن يكشف لنا عن هذه الجرائم البشعة ومن يقف وراء كل ذلك.   
ها هم القتلة يعودون, كعودة حليمة إلى عادتها القديمة, يفجرون ثلاث سيارات محملة بالمتفجرات في مواقع مختلف من بغداد مزدحمة بالسكان, ليقتلوا المزيد والمزيد من البشر, إنه التحالف العدواني القديم الذي عاد للأفعال الشريرة بعد أن شعر بأن قانون الانتخابات لا يناسبه فبدأ يعيد شد الخيوط التي لم تنقطع ليثير الفوضى من جديد ويمنع حصول انتخابات جديدة أو يعرقلها أو بأمل التأثير فيها لعودة القوى الطائفية المقيتة وذات الجماعات والقوى والعناصر المماثلة إلى مجلس النواب العراقي.
إنها المحنة مع حكومة تعلن عن قدرتها على حماية الأمن وتعجز عن كشف مخابئ المجرمين القتلة سواء في صفوف القوى المضادة لها أو من بين صفوفها, إنها محنة الشعب والوطن ونتيجة السياسات الطائفية وسياسات قوى الإرهاب ودور الدول المجاورة في كل ذلك. إنه الطريق الطويل الهادف في الوصول إلى شاطئ الأمن والسلام.
15/12/2009                                                                 كاظم حبيب           

542
كاظم حبيب
ناس تأكل بالدجاج ... وناس تتلگه العجاج..!!

ناس تأكل بالدجاج ... وناس تتلگه العجاج مثل شعبي قديم, منذ أن بدأ تقسيم العمل الاجتماعي وبروز فائض إنتاج والملكية الفردية لوسائل الإنتاج ونشوء الاستغلال في المجتمع البشري.
وفي العراق يجسد هذا المثل الشعبي وعياً اجتماعياً عميقاً وتلخيصاً لتحليل علمي لواقع اقتصادي ومعيشي قائم تئن تحت وطأته الغالبية العظمى من السكان والكادحين منهم على نحو خاص. إنها الحكمة القديمة التي انبثقت من قلب المجتمع ومن الأوساط الشعبية الجائعة في العراق والتي لم تكف عن دق أبواب الحكام والأغنياء, وهم غارقون في تخمتهم وسادرون في غيهم وفي أذانهم صمم.
هذا المثل الشعبي الرائع المعبر عن وعي طبقي وجمعي صارخ الذي انطبق دوماً على واقع العراق, أصبح اليوم أكثر انطباقاً من أي وقت مضى في البلد الذي حبته الطبيعة بأرض طيبة تختزن ثروة هائلة أسيئ استخدامها على أوسع نطاق منذ أن تم اكتشافها والبدء باستخراجها إلا  في فترة قصيرة, هي الفترة الأولى من حكم قاسم في العراق. 
امرأة شعبية فقدت جزءاً مهماً من أسنانها ويبدو عليها الإملاق والإجهاد والمرض وسوء التغذية, وهي لا تزال في سن الأربعين, تصرخ بأعلى صوتها : " ناس تلعب بالمليارات.. وناس لا تدري وين تنام ولا تدري شتاكل". هذه صرخة حزينة ومتمردة على الخوف تنطلق من فمها كالطلقة لتصل لمن يحكم العراق اليوم ومن بدا وهو في المعارضة وكأنه كان يناضل ضد الجوع ولصالح الجياع, وإذا به يشارك في إشباع ذاته حتى التخمة وإشباع الجائعين بمزيد من الجوع والحرمان.
مضمون صرخة المرأة صحيح ومعبر وأليم, فهو صحيح ومعبر عن واقع قائم. فهناك حسب تصريحات مسؤولين كبار في البلاد زيادة كبيرة في عدد أصحاب الملايير في العراق, وعددهم الكبير لا يقاس بأي حال مع تلك القلة من أصحاب النعمة الحديثة المسروقة من أفواه وبطون عائلات كادحة, من أفراد عائلة وحاشية وبعض أفراد طغمة الدكتاتور المقبور صدام حسين, أولئك الذين يلعبون اليوم بالمليارات لم يحصلوا في الغالب الأعم عليها من عرق جبينهم, بل من نهب المال العام, من نهب خبز الجياع, من الفساد المالي بكل أشكاله.
ومثل هذا الظلم لا يجوز أن يدوم, فأن دام دمر.
كثرة من الحكام والساسة مشغولون بالانتخابات وقانون الانتخابات وسبل الحصول على الأصوات وكيف يمكن إقناع الآخرين على انتخابهم وبسبل مختلفة, بما فيها توزيع النقود لكسب الأصوات, ولكنهم في الغالب الأعم والأغلب منهم نسى هؤلاء الجياع الذين دعا لإنقاذهم من الجوع حين كان معارضاً وحين أصبح حاكما وأحس بدفء الكرسي نسى هؤلاء ولم يتذكر منهم سوى الأقربون له من أفراد العائلة أو من أفراد الحزب المقربين جداً.
وأنا أكتب هذا المقال تذكرت قول الشاعر الزهاوي :
يا مليكاً في ملكه ظل مسرفاً      فلا الأمن موفور ولا هو يعدل
تمهل قليلاً لا تغض أمة إذا       تحرك فها الغيظ لا تتمهل
وأيديك أن طالت فلا تغترر بها      فأن يد الأيام منهم أطول       
وأنا أتابع كرم السادة رؤساء الوزارات في العراق وهم يوزعون أراض الشعب العراقي, أراضي الدولة على الوزراء والنواب والأحباب بمساحة تصل إلى 600 م2 وربما لعدة مرات, تذكرت مقطعاً من قصيدة للشاعر محمد صالح بحر العلوم حين قال:
وفتاة ما لها غير غبار الريح سترا
تخدم الحي ولا تملك من دنياها شبرا
وتود الموت كي تملك بعد الموت قبرا
                                       وإذا الحفار فوق القبر يدعو
أين حقي
وهل ننسى صرخات الفلاحين المماثلة لصرخة المرأة التي تقول ملينة والله ملينه من هذي العيشة الگشرة حين راحوا يهزجون بتمرد واعٍ:
كريم ياكل عنبر       وأنه بليه دنان       اسمع يا مفوض
كريم يركب كاديلاك    وأنا بليه نعال       اسمع يا مفوض
فهل للسادة الحكام في العراق أن يدركوا هذه الحقيقة, التي تعيش تحت وطأتها نسبة عالية من بنات وأبناء الشعب العراقي, في حين هم لاهون في حمى مناقشة قانون انتخابات غير موفق وفيه من الجور غير قليل؟
5/12/2009                   كاظم حبيب            
     
   

543
كاظم حبيب
ليس هناك سجناء فكر وسياسة, ولكن هناك قتلى فكر وسياسة في العراق .. !!

يفتخر بعض المسؤولين الكبار في الحكومة العراقية ويعبر عن ذلك بصوت مرتفع مدعياًً أن ليس هناك سجناء فكر وسياسة في العراق, ولكن هذا البعض لا يتحدث عن القتلى المتزايد عددهم بين الكتاب والصحفيين من النساء والرجال بسبب نشاطهم الفكري والصحفي وبسبب كشفهم لملفات الفساد المالي والإداري أو جرأتهم في عرض جملة الاختلالات الجارية يومياً في مجلس النواب وأجهزة الدولة ونشاط الحكومة أو رئيس الوزراء, أو بسبب النقد الصريح الذي يوجهونه لممارسات الأحزاب والقوى السياسية الإسلامية أو غير الإسلامية لممارساتهم وممارسات مليشياتهم العلنية منها والسرية, أو كاشفاً عن البؤس والفاقة التي يعيش فيها أكثر من ثلث سكان العراق من جهة, والنخبة المتزايدة غنى وتخمة على حساب مال الشعب والبطون الخاوية لنسبة عالية من سكان العراق من جهة أخرى.
أغلب الجرائم التي ارتكبت في العراق ضد الكتاب والصحفيين أو المثقفين بشكل عام لم يتم الكشف عنها حتى الآن, [باستثناء تلك التي وقعت ضد أحد أتباع التيار الصدري], ولم تنشر الحكومة نتائج ما ادعت عن وجود لجان تحقيق بشأن تلك الجرائم. فهل اكتشفت الحكومة من خلال وزارة الداخلية القتلة فعلاً؟ وإذا كان قد حصل ذلك, فلم لم  تنشر حتى الآن النتائج لمعرفة القتلة؟ ولِمَ لم يُقدم هؤلاء للمحاكمة؟ هل هم من الوسط الحكومي؟ هل هم من وسط أحزاب سياسية متهمة بامتلاكها ميليشيات مسلحة وطائفية؟ هل هم من إيران أو من سوريا أو من أي بلد آخر؟
حتى الآن قتل من 346 صحفياً عراقياً بصورة غادرة, فهل ننتظر المزيد من القتلى في ظل الأوضاع الراهنة؟
بالأمس مارس عماد العبادي في ندوة عقدت في قناة البغدادية نقداً جريئاً جسدت ثقة بالنفس ووعياً سليماً للأوضاع الراهنة في العراق. وكان النقد موجهاً صوب الحكومة ورئيس مجلس الوزراء نوري المالكي مباشرة مشيراً إلى النواقص الجدية الكبيرة جداً في العملية السياسية وفي أوضاع الناس وعمل الحكومة عموماً. وبعد هذه الندوة بأيام قليلة جرت محاولة لاغتيال الصحفي عماد العبادي شبيهة  بتلك التي أودت بحياة الأستاذ الكاتب والفقيد كامل شياع. فمن المسؤول عن هذه المحاولة الجبانة؟
لا أستطيع أن أحدد الجهة التي جاء منها القاتل, فأنا لست محققاً ولا عالم بالغيب, ولكن ما نشر وقيل حتى الآن وما يدور وراء في شوارع العراق وفي الصحافة يشير إلى أن أصابع الاتهام تتجه صوب جهتين, وليس بينهما تنظيم القاعدة أو حزب البعث الصّدامي أو هيئة علماء المسلمين, فالنقد لم يكن موجهاً لهم بل اتجه صوب الحكومة, إلى:  
جهتين تعملان في إطار العملية السياسية, وبتعبير أكثر ملموسية صوب قوى مشاركة في السلطة بالارتباط مع الصراع الدائر حالياً بين القوائم الانتخابية في إطار القوى الشيعية, بين البيت الشيعي وحزب الدعوة الشيعي ومن معه:
1.   يؤشر البعض, إلى أن القوى المناهضة لقائمة دولة القانون وضمن معسكر القوى الإسلامية السياسية هي الجهة الأولى التي رأت مفيداً اغتياله من أجل توجيه أصابع الاتهام صوب رئيس الوزراء وحزبه بسبب النقد الذي توجه له ولحكومته من قبل هذا الصحفي الجريء عماد العبادي.
2.   ويؤشر البعض الآخر إلى أتباع رئيس الوزراء باعتبارهم الجهة المتهمة الذي يفترض أن يتوجه نحوها الاتهام, لأن النقد الشديد والجريء والواضح من الصحفي عماد العبادي كان موجهاً ضد الحكومة وصوب شخص رئيس الوزراء, ولأن هذا النقد قد أغاض هذه الجهة جداً ولم تتحمله وقررت إسكاته وبه يمكن إسكات الآخرين.
ليس فينا من يستطيع أن يقول هذا أو ذاك ولا أن يبعد القوى الإرهابية الأخرى عن الاتهام, إذ يمكن أن يكون في خلفية تفكيرها ما تفكر به الجهة الأولى الواردة في أعلاه.
الوحيد القادر على  حسم الأمر هو التحقيق, ولكن السؤأل: من هو المحقق؟ وهل سيصل التحقيق إلى نتائج فعلية؟ وهل ستنشر نتائج التحقيق أم تذهب أدراج الرياح كما ذهبت غيرها من لجان التحقيق التي شكلها رئيس الوزراء أو وزير الداخلية أو القوات الأجنبية؟ قبل عامين قتل ابن أختي السيد احمد جواد هاشم الهاشمي وزوجته وابنته. وكتبت عدة رسائل إلى وزير الداخلية ولم يكلف نفسه هذا الوزير, الذي يترأس الآن قائمة مع أحمد أبو ريشة, حتى الإجابة عن تلك الرسائل, وكأن القتلى الثلاث ليسوا بشراً والمطالب بالتحقيق لا يستوجب حتى إعلامه بالتحقيق, في حين أن الفساد الذي ظهر في أمانة العاصمة يمكن أن يشير إلى القتلة, إذ أن الضحية كان مديراً عاماً في أمانة العاصمة وأحيل إلى التقاعد قبل قتله, وكان قبل ذاك قد أشار إلى الفساد والفاسدين في أمانة العاصمة بناءً على طلب رسمي من لجنة النزاهة, فكان الموت نصيبه ونصيب عائلته!
من هو الذي مارس محاولة الاغتيال بكاتم الصوت؟ ومن هي الجهة السياسية التي وجهت القتلة لتنفيذ ذلك؟ على وزارة الداخلية الكشف عنهما وإعلانه على  الملأ.. وإلا فالشكوك والإشاعات ستشمل دائرة أوسع من الدائرة الراهنة لتشمل مسؤولين آخرين أيضاً.
أما مجلس النواب العراقي فلا هم له سوى المزيد من المكاسب الشخصية وإصدار قانون انتخابات غير حر وغير ديمقراطي وغير مدني, أما حرية الصحافة وحرية وحياة الصحفيين, أما القتلى من الكتاب والصحفيين فهي ليست من مهمات مجلس النواب ولا من شؤونه, وإذا تسنى للبعض غير القليل من أعضاء المجلس أن يتخلصوا من أجهزة الإعلام الحرة لفعلوا ذلك.  فهو في بنيته الراهنة بعيداً كل البعد عن الديمقراطية وعن وعي أهمية الإعلام ونشاط الصحفيين الحر وعن القبول به أو الاستعداد للدفاع عن الرأي الآخر. إن عدداً كبيراً من أعضاء مجلس النواب لا يحترم الرأي الآخر ولا يحترم الآخر, بل لا يحترم نفسه أيضاً, لأن من لا يحترم الآخر لا يحترم نفسه في آن.
ولكن ماذا على نقابة الصحفيين والصحفيين عمله إزاء هذه العمليات الجبانة؟ ماذا يفترض أن يقوموا به لمنع كتم الأصوات بالقتل أو الفصل أو الطرد والمحاربة بالرزق؟
على نقابة الصحفيين أن لا تكتفي بزيارة رئيس النقابة للمسؤولين وتقديم الاحتجاجات والبيانات على أهمية ذلك, بل يفترض في النقابة والصحفيين أن يحتجوا بالتظاهر والإضراب والكف عن الكتابة والنشر ليوم أو يومين, أن يدعو النقابات الصحفية في الأقطار العربية وفي الإقليم والعالم إلى التضامن مع صحفيي العراق بصيغ مختلفة لمنع الموت الذي يلاحقهم أو منع الرزق عنهم وحرمانهم من العمل بصيغ مختلفة. لنتذكر جميعاً حالة الأستاذين أحمد عبد الحسين وفلاح المشعل!!  
علينا كصحفيين مواصلة الكتابة والنشر وفضح كل ما هو سلبي وسيء في البلاد, فهو الطريق الوحيد للمساهمة في بناء عراق حر وديمقراطي في المستقبل.
علينا أن نشير إلى ملاحظة مهمة وخطيرة حقاً, وهي تمس جميع الأحزاب السياسية العراقية وجميع السياسيين العراقيين دون استثناء, وأن كانت بنسب متفاوتة وفق الموقع في الحكومة أو خارجها, إنها الموقف من الكتابات النقدية والكتاب والصحفيين الناقدين للأوضاع والأحزاب والسياسيين في العراق, أولئك الذين يمارسون النقد الجاد والمسؤول والمفيد, فهم معرضون للإساءة من قبل هذا الحزب أو ذاك وهذا السياسي أو ذاك, معرضون للتهديد والوعيد, وحين تكون الأحزاب حاكمة أو تمتلك ميليشيات مسلحة فالرصاصة هي القول الفصل أو التغييب وطرق الخلاص من هؤلاء كثيرة ومتنوعة والخزين العراقي المتراكم في هذا المجال كبير وكبير جداً. 29/11/2009 كاظم حبيب

    

544
كاظم حبيب
ما هي الأهداف التي يسعى كل حزب إلى تحقيقها 
من مشاركته في الانتخابات العامة؟

في ظروف الدول المتقدمة تشكل الانتخابات العامة فرصة أمام كل حزب يعمل على ساحة هذا البلد أو ذاك لتحقيق ثلاثة أهداف جوهرية:
1.   التبشير والتثقيف الواسعين والترويج للبرنامج الانتخابي الذي يتبناه بين أوسع أوساط الشعب.
2.   سعي كل حزب في الحصول على مساندة ودعم الناخبين لبرنامجه الانتخابي من خلال منحهم أصواتهم له دون غيره من الأحزاب.
3.   السعي من خلال حصوله على أصوات الناخبين والحصول على مقاعد في البرلمان يمكن أن تؤهله إلى تشكيله الحكومة بمفرده أو بالتعاون مع قوى أخرى, أو مشاركته في الحكم مع الأكثرية أو وقوفه في صف المعارضة النيابية. وفي حالة عدم حصوله على أي مقعد في المجلس النيابي, يحاول أن يكون معارضاً جاداً وموضوعياً من خارج قبة البرلمان لكي يبرهن على التزامه بالبرنامج الذي تبناه والمصالح التي يدافع عنها.
وليس هناك من حزب يدرك مسؤوليته إزاء البلد والشعب يمكنه أن يستهين بمقاعد مجلس النواب ولا يعتبرها هدفاً من أهم أهدافه, لا لأن مقاعد المجلس النيابي هي الغاية بحد ذاتها, بل لأنها الوسيلة المهمة للمشاركة في تحقيق مصالح الناس وفق برنامج هذا الحزب أو ذاك باعتباره المنبر الرسمي الذي يمكن طرح مشكلات ومصالح الناس, إضافة إلى إمكانية الاستفادة من الموارد المالية التي تصل للنواب لصالح المزيد من نشاطات هذا الحزب أو ذاك في المجتمع وفي النشاطات خارج قبة البرلمان.
ولم أعثر على حزب سياسي واحد في العالم يمكنه أن يستهين بمقاعد المجلس ولا يعتبرها هدفاً مهماً ضمن أهداف أخرى. هذا في الدول المتقدمة, فهل تختلف الرؤية في الدول النامية, ومنها العراق؟ ليس هناك أي اختلاف من حيث الأهداف. ولهذا لا يجوز لأي حزب أن يستهين بأهمية حصوله على مقاعد في البرلمان, إذ أن الأهداف الثلاثة الواردة في أعلاه متكاملة ولا يجوز فصل بعضها عن البعض الآخر. ولكن الاختلاف في الوسائل والأدوات والأساليب ومدى نزاهة وشفافية الانتخابات ودور من هو في الحكم في التأثير المتعدد الجوانب عليها. وهي المشكلة الكبيرة التي تعاني منها جميع الدول النامية, وخاصة العراق الذي لا يزال يعاني بقوة من الطائفية السياسية في الحكم ومن دور وتأثير المرجعيات الدينية ودور الجوامع, وكذلك من نواقص جدية ومخالفات دستورية في قانون الانتخابات, إضافة إلى الأموال التي تبذل لصالح هذه القائمة أو تلك من جانب الأحزاب الحديثة النعمة, بما في ذلك التدخل الإقليمي.
دخل الحزب الشيوعي العراقي في قائمة مستقلة التحقت به وتعاونت معه بعض القوى الديمقراطية الضعيفة عموماً. وهو أفضل بأي حال من الدخول مع قوائم طابعها العام طائفي رغم محاولات التغطية على هذه الطائفية. ومن المؤسف أن التحق البعض من القوى والشخصيات الديمقراطية بتلك القوائم لأي سبب كان. ولكن ليس هناك من يمكن تغيير حالة التشرذم في صفوف القوى الديمقراطية والعلمانية في هذه المرحلة.
ويفترض أن تبذل قائمة اتحاد الشعب المزيد من الجهد المضني باتجاهين أساسيين ومكثفين بعد أن انتهى الأمر إلى الحالة الراهنة:
** السعي الكثيف للوصول إلى أوسع أوساط الشعب العراقي والفئات الفقيرة والمتوسطة والفئات المثقفة والواعية لأهمية الديمقراطية في العراق والترويج الواسع لبرنامج قائمة اتحاد الشعب لأنه الأفضل حقاً من بين البرامج التي تمس مصالح العراق كله بكل قومياته وأتباع أديانه ومذاهبه وليس شريحة أو جماعة بعينها أو منطقة أو إقليماً بعينه.
** دعوة الناخبين بكل حرارة وقوة إلى التصويت لصالح قائمة اتحاد الشعب. ومثل هذه الدعوة يفترض أن تنطلق من الثقة بالنفس وأن حصول القائمة على مزيد من الأصوات يسمح لها بالدفاع الأفضل عن مصالح الشعب وتحقيق ما يمكن تحقيقه منها.     
وفي هذا أختلف تماماً مع الملاحظة التي أعتبرها غير سليمة من الصديق جاسم الحلفي, عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي, والتي وردت في التصريح الذي أدلى به ونشر في موقع الطريق, تلك الملاحظة  التي كررها بصيغة أخرى السيد محمد جاسم اللبان, عضو المكتب السياسي, والتي أرجو أن لا تكون هي السياسة التي تعبر عن موقف الحزب الشيوعي وقائمة اتحاد الشعب :
".. وأشار الحلفي، أيضا، الى ان الحملة الانتخابية للقائمة سوف لن تعتمد على طريقة دعوة الجماهير الى انتخابها، بل سوف تبذل جهدا في تبني مصالحهم والدفاع عن مطالبهم المشروعة في أكثر من مجال." [موقع الطريق في 23/11/2009]
كان على الصديقين العزيزين أبو أحلام وأبو فلاح, أن يؤكدا ما يلي:
إن دفاع الحزب المستمر عن مصالح الجماهير وأهدافها الحيوية خلال الفترات المنصرمة هي التي تجعل قائمة اتحاد الشعب تتوجه بندائها إلى الناخبات والناخبين لإعطاء أصواتهم لصالحها, إذ أنها ستبقى الأمينة على هذه الأصوات والصادقة في الدفاع عن مصالح الشعب والوطن.
إن هذه العبارة تعبر عن الثقة بالنفس, في حين أن عبارة الحلفي فيها هروب إلى أمام في خشية مسبقة من عدم الحصول على مقاعد, وأرجو أن تكون غير مقصودة. ولكن جاء تأكيد ذلك في تصريح آخر للسيد محمد جاسم اللبان حين أكد بأن مهمة قائمة اتحاد الشعب ليست الحصول مقاعد في البرلمان, بل الدفاع عن مصالح الناس؟ ولكن السؤال أليست المقاعد في البرلمان لحزب ما هي التي تساهم أيضاً وبدور مهم في الدفاع عن مصالح الناس, إضافة إلى النضال غير البرلماني في العراق الراهن؟
إن اختلافي في هذه القضية أو تلك مع هذا الحزب أو ذاك من قوى التيار الديمقراطي لا تسقط الود والاحترام والتأييد العام من جهة, ولا تؤكد بالضرورة صواب أو خطأ وجهة نظري من جهة أخرى.
أتمنى للقائمة الوصول إلى الكثير من الناس في الداخل والخارج, كما أتمنى لها النجاح في نشر برنامجها وفي الحصول على أكبر قدر من الأصوات والجلوس في مجلس النواب دفاعاً عن مصالح الشعب والوطن. كما أدعو المزيد من المواطنات والمواطنين في الداخل والخارج إلى منح أصواتهم لقائمة اتحاد الشعب.
25/11/2009                   كاظم حبيب   
 

545
كاظم حبيب
هل هناك من يريد خلط الأوراق في الموقف من قانون الانتخابات؟
من يتابع التصريحات التي تدلى في هذه الأيام في أجهزة الإعلام العراقية وفي القنوات الفضائية ومن يتحدث في مؤتمرات صحفية في مجلس النواب العراقي أو بعض المقالات التي تنشر يدرك أن هناك محاولة جادة لخلط الأوراق ومحاولة غير مسؤولة لتضييع القضايا الأساسية التي يطرحها منتقدو قانون الانتخابات الجديد الذي أقره مجلس النواب العراقي والمخالف للدستور العراقي ذاته ولأسس الديمقراطية في محاولة وضع المنتقدين كلهم في خانة واحدة, خانة الطائفية السياسية, وكان الداعين لها هم من أتباع المذهب السني أو من البعثيين القدامى أو من يريد الدفاع عن وصول البعثيين للسلطة والتي تتعانق مع حملة واسعة تريد البرهنة على خطر البعثيين الراهن. كما أن هناك رؤية استبدادية تريد اعتبار من ينتقد القانون أو يرفض التوقيع يمارس عملاً تخريبياً ضد العملية السياسية في العراق وأن من يؤيد هذا القانون, بمن فيهم الصدريون, هم المخلصون لهذا البلد المبتلى بالمحاصصة الطائفية والإثنية. علماً بأن القوائم التي تدعي الطلاق مع الطائفية السياسية, لم تتخلص منها حتى الآن رغم التطعيم النسبي لبعضها بأسماء أشخاص يعتبرون ضمن القوى المدنية أو العلمانية أو الديمقراطية.
لقد تغيرت سياسات ومواقف بعض الأشخاص, وهذا من حقهم ولا تهمنا أسباب هذا التغيير, ولكن لا يجوز لهم ما يلي:
** اعتبار من لم يغير رأيه بأشخاص معينين وقوائم معينة أنهم مخربون,
** ونسيان حقيقة أن هذا القانون غير ديمقراطي وغير عقلاني ويحتاج إلى إعادة نظر انطلاقاً من واقع العراق الراهن وما يحتاجه المجتمع حالياً.
المثل العراقي يقول: "قف معوجاً ولكن تحدث باستقامة", فهل التزم البعض بهذه الحقيقة.
القانون يتضمن أخطاءً فادحةً لا بد من تأكيدها ثانية وقد صدرت حتى الآن أكثر من مذكرة تدعو إلى إعادة النظر بالقانون حتى قبل أن يرفض السيد طارق الهاشمي التوقيع على  قرار رئاسة الجمهورية. لنتذكر معاً أن الحزب الشيوعي العراقي كان أول من سجل ملاحظاته الجادة والمسؤولة والصحيحة على القانون قبل أن ينطق الهاشمي بكلمة واحدة بهذا الصدد. كما كتب العشرات من الكتاب بهذا الصدد, وطرح الكثير من الكتاب موقفاً معارضا لقائمة التحالف الكردستاني حين أيدت تلك القائمة إصدار القانون في البرلمان, ثم وقف مجلس النواب الكردستاني ضد القانون في ضوء ملاحظات الكثير من الكتاب الديمقراطيين والتقدميين التي لم تنتبه لها قائمة التحالف الكردستاني قبل ذاك.
أدرك جيداً منجزات حكومة المالكي في مجال الأمن وهي مهمة لأنها قلصت موت العراقيات والعراقيين, ولكنها لم تستطع إيقافه طبعاً لأنها لم تحقق المصالحة الوطنية وفق أسس قويمة, إذ أن الأحد الدامي والأربعاء الدامي غير بعيدين عنا من حيث الزمن. والتحسن في مجال الأمن هي منقبة تحسب للمالكي وللجيش العراقي ومجالس الصحوة وتلك القوات الأمريكية الإضافية التي وصلت لدعم جهد قرار فرض القانون في العراق. ولكن هذا شيء والواقع العراقي عموماً شيء آخر وكلنا يدرك ذلك. ولهذا فليس إنصافاً مهاجمة من ينتقد الحكومة في سياساتها الأخرى التي لم تحقق الكثير لصالح تحسين أوضاع الجماهير الواسعة, ومنها مجال الخدمات العامة والحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية. ومن شعر بالانتعاش بعد زيارته لبغداد فهنيئاً له, ولكن لا يفترض فيه أن يعتقد بأن على كل من يزور العراق أن يعتقد بأن ما قاله مطابقاً لكل الحقيقة, في وقت كان هو في ضيافة وحماية الحكومة, رغم التحسن الأمني.
أريد أن أؤكد ثانية بأن هناك الكثير من النواقص في القانون الحالي, وأبرزها ما يلي:   
2. القانون غير ديمقراطي إزاء القوميات وأتباع الديانات الأخرى من غير المسلمين ومن غير العرب والكُرد؛
3. والقانون غير ديمقراطي في الموقف من المواطنات والمواطنين في الخارج؛
4. وغير ديمقراطي من حيث عدد المقاعد التعويضية بالنسبة للقوائم والأشخاص الذين لا يحققون المتوسط العراقي في عدد الأصوات المطلوبة؛
5 وغير ديمقراطي في زيادة سكان محافظات بعينها كالموصل وإبقاء محافظات أخرى دون تغيير في سكانها مثل السليمانية وأربيل ودهوك الكردستانية وكأن لا ولادات فيها ولا نمو سكاني, في حين كانت المحافظات الأخرى ومنها الموصل قد أعطيت نسبة نمو 15 %, مما سيزيد من مقاعدها في المجلس دون وجه حق!
5 وغير ديمقراطي في رفضه اعتبار العراق دائرة انتخابية واحدة, إذ بها تضيع الكثير من أصوات الناخبين الممنوحة للقوائم أو للمرشحين؛
6   وغير ديمقراطي في فرص الإعلام التي تمنح للقوائم المختلفة؛
7. وغير ديمقراطي بالنسبة للأموال التي تسخر لخوض المعركة الانتخابية بين القوائم الكادحة وقوائم الأغنياء والمتخمين بالأموال أو الذين يتلقون المساعدة المالية السخية من دول الجوار "الشقيقة والصديقة!".

لقد وجه رئيس البرلمان الثقافي العراقي في المهجر الأستاذ الدكتور تيسير الآلوسي مثلاً مذكرة إلى رئاسة الجمهورية والمحكمة الدستورية في العراق طالب فيها, ومعه مجموعة من المنظمات العراقية, نقض القانون وإعادته إلى مجلس الناس لإجراء تغييرات فيه في ضوء الدستور العراقي. وبسبب أهمية هذه المذكرة نورد الجزء الأساسي منها فيما يلي:
"إنَّنا في البرلمان الثقافي العراقي في المهجر ومعنا عدد من المنظمات العراقية التي وقعت هذه الشكوى؛ ومن منطلق الواجب الوطني المؤمّل نتقدم إليكم في المحكمة الدستورية كيما تتفضلوا بالفصل في حقنا باسم الملايين من عراقيي المهجر في طلب تعديل المادتين الأولى والثالثة بما يكفل حق مواطني العراق بالمساواة التي كفلها الدستور الأمر الذي يفرض التزام القوانين الصادرة بنصوص الدستور وروحه.. وفي ضوء ذلك ندعو محكمتكم الموقرة بردّ القانون المشار إليه في المادة المخصوصة لعدم دستوريته، ولأنّ إجراء الانتخابات في ظل قانون غير دستوري يأتي بنتائج لا تقف عند التعارض والدستور العراقي حسب بل يأتي بنتائج مخلة بتمثيل العراقيين ويحيق بملايين منهم بالظلم وبالاعتداء على حقوقهم الثابتة ويهدد السلم الأهلي ومستقبل النظام الدستوري الديموقراطي الفديرالي في العراق..
ونحن هنا نحيلكم إلى أنَّ القانون الذي جرى تمريره في البرلمان العراقي قد تمَّ بخلاف الحوارات وأشكال النصح والمشورة القانونية سواء من عدد من السادة أعضاء المجلس أم من محكمتكم الموقرة في إجابة استشارية سابقة أم من ممثلي منظمات المجتمع المدني وأحزاب سياسية ومن مسؤولين مكلفين بحماية الدستور ومصالح الجمهور. وجميع هذه الآراء اتفقت على تعارض المادتين الأولى والثالثة من القانون مع مبدأ مساواة العراقيين كافة  أمام القانون ونص المادة يتعارض ومواد الدستور بالإشارة إلى المواد 14 و46 و 49 و 65 منه..
لقد طاول القانون مكونات شعبية تطلعت للمساواة والإنصاف بعد سنوات التهجير القسري والنفي والإبعاد، فخصم من نسبتهم الحقيقية أكثر من ثلثي المقاعد التي يستحقونها، كما فرض نظاما انتخابيا مختلفا وحرمهم من حق اختيار الشخصيات التي يرونها ممثلة لهم باستخدام القائمة المغلقة في التصويت بخلاف قرار استخدام القائمة المفتوحة وطنيا (في الداخل)..
وفضلا عن ذلك فقد فرض قسرا إحصاءات مشكوك فيها وغير متفق على تفاصيل استخدامها بما أفضى لاعتماد معايير وأسس تقدير التغيرات السكانية بطريقة متباينة مختلفة بما أخلّ في تحديد مقاعد المحافظات بطريقة عادلة ممتلكة للصدقية والدقة.. بالإشارة هنا إلى مضاعفة المقاعد لمحافظة نينوى على سبيل المثال والتراجع (النسبي) لمحافظات إقليم كوردستان.   
وبالإشارة هنا إلى حقوق المكونات العراقية المسماة تهميشا واعتداء قانونيا وإنسانيا بـِـ (الأقليات) يعزز قانون الانتخابات الجديد موقفه في توكيد التهميش متغافلا عن نصوص الدستور الذي أكد (أصلا) واجب استكمال الهيأة التشريعية التي تدعو إلى تكوين البرلمان من مجلس نواب ومجلس اتحادي . فحسب الباب الثالث من الدستور العراقي وفي الفصل الأول تحديدا من هذا الباب، تنص المادة (48) على أنّه "تتكون السلطة التشريعية الاتحادية من مجلس النواب ومجلس الاتحاد. ويُشار في أولاً  إلى  مجلس النواب  فتذكر المادة (49)
على أنه يتكون "من عدد من الأعضاء بنسبة مقعد واحد لكل مائة ألف نسمة من نفوس العراق يمثلون الشعب العراقي بأكمله، ...". وهذا ما  نقضته المادة أولا من القانون ما يجعل القانون غير دستوري وواجب التعديل لتوفير دستورية القانون والتزامه بسمو الدستور وبنصوصه وقواعده الثابتة.
وبشأن تمثيل المكونات العراقية بعيدا عن التهميش والمحددات في [مقاعد الكوتا] ، تنص المادة (65) على ما يأتي:

 
"يتم إنشاء مجلسٍ تشريعي يُدعى بـ (مجلس الاتحاد ) يضم ممثلين عن الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في أقليم، وينظم تكوينه، وشروط العضوية فيه، واختصاصاته، وكل ما يتعلق به، بقانونٍ يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب."
إنَّ هذا تحديدا هو الغطاء الدستوري القانوني لتمثيل المكونات من المجموعات القومية والدينية بجميع المناطق والأقاليم والمحافظات العراقية تمثيلا عادلا بما يخرجها من الكوتا المحدودة والتهميشية، ولأن مجلس النواب قد تأخر عن سن القانون الذي يتيح استكمال الهيأة التشريعية ويضمن حقوق المكونات فإن الواجب عليه إتاحة توفير حجم تمثيل نسبي يماثل الحجم النوعي الحقيقي لهذه المكونات، وهو ما لم يحصل بحجم المقاعد الثمانية التي تمّ تعيينها وهو ما لم يحصل أيضا بسبب تشكيل الأحزاب والتحالفات الكبرى على أساس عرقي و\أو طائفي ما استبعد المكونات العراقية الأخرى عبر المنافذ الطبيعية وطنيا، وأقصاها فعليا عن التمثيل في مجلس النواب فضلا عن عدم وجود مجلس الاتحاد ما يحرمها من التمثيل الصائب بالمخالفة مع نصوص الدستور بالخصوص، سواء بشأن المساواة أم بشأن التآخي والعدل وتعزيز التفاعل بين المكونات وطنيا.. فضلا عن التعارض مع الطبيعة الفديرالية التعددية التي أقرها الدستور وعن استئثار جهة واحتكارها السلطات بخلاف مبدأ الديموقراطية التي ثبتها الدستور العراقي الدائم.
وإذا ما نظرنا إلى الظروف العامة التي قضت بنظام الكوتا للنساء العراقيات اللواتي يمثلن أكثر من نصف المجتمع على وفق الإحصاءات الرسمية، فإنَّ هذا النظام (الكوتا) يستلب حقوق المكونات العراقية بخلاف نصوص الدستور وروحه وبخلاف الإحصاءات الرسمية المعنية..
وبناء على ما تقدم، نؤكد مجددا عدم دستورية القانون الصادر عن مجلس النواب وواجب  ردِّه للتعديل في البنود والمواد المشار إليها، بقرار من محكمتكم الموقرة على أساس الصلاحيات الدستورية المتوافرة بمهام محكمتكم؛ من جهة للتوجيه بالتعديل الملزِم  بما يتضمن إعادة حقوق عراقيي المهجر ومن جهة أخرى بما يتضمن تعديل نسب  تمثيل المكونات العراقية بطريقة منصفة مع التوصية بسقف زمني لتشريع قانون مجلس الاتحاد لا يتجاوز منتصف الدورة التشريعية التالية للخلل الدستوري القانوني الصريح في استمرار عمل مجلس النواب منفردا في تمثيل الهيأة التشريعية المنصوص عليها في المادة 65.
وسيبقى إجراء الانتخابات  بنصف الهيأة التشريعية وتمرير القوانين مناقضا لحقوق الشعب العراقي  في تمثيله الكامل وغير المنقوص في هيأة تشريعية تعبر عن مكوناته وتركيبته المدنية المعاصرة التي لا تعبر عنها تشكيلات ما قبل الدولة الحديثة من تلك التي تعتمد التشظية والتشطير والتقسيم بخلاف روح الدستور في وحدة العراق الفديرالي الديموقراطي وشعبه وصدقية ظهور تمثيل مكوناته كافة في جميع السلطات الاتحادية...".
 
إنَّ إجراء الانتخابات بظل هكذا قانون وبأقلية ضئيلة من الناخبين لن يبقى بحدود الإجراء الشكلي السلبي، ولكنه سيفضي إلى تداعيات أخطر من عزوف الناخب عن التصويت وتشكيل مجلس نواب بتمثيل مختلف عليه وإنما أيضا تبقى الهيأة التشريعية ذاتها منقوصة التركيب بالمخالفة والمواد الدستورية المشار إليها في مذكرتنا التفصيلية هذه.
ومن هنا فإنّنا ندعو سيادتكم وأعضاء المحكمة الاتحادية الموقرين لرد القانون مع التوصية بالتعديلات الدستورية الواجبة وصياغته بما يكفل الانسجام مع الدستور والصدقية والإتيان بتمثيل حقيقي سليم للتعددية والتنوع وما ينسجم وتركيبة المجتمع العراقي المدنية المعاصرة وما يعزز من مسيرة عراق ديموقراطي تعددي فديرالي..
آملين أن يجري هذا مع احترام لتوقيت إجراء الانتخابات في موعدها المقرر بالاعتماد على حسم القرار في محكمتكم وتوجيه المفوضية المعنية بالانتخابات لاستكمال الإجراءات التفصيلية وبما يمنع التذرع (السياسي) غير القانوني وغير الدستوري  باحتمال الفراغ الدستوري إذا ما جرى تعديل القانون وهو التذرع الذي يريد فرض تمرير ما هو غير دستوري لأربع سنوات أخرى فيما يحذر من فراغ دستوري غير وارد إذا ما صدر قرار المحكمة الدستورية الاتحادية بالطرق القانونية والآليات المعروفة لديكم والمنصوص عليها دستوريا..". (مقتطف طويل من نص المذكرة الموجهة في 16/11/2009 إلى رئاسة الجمهورية والمحكمة الدستورية العراقية).
21/11/2009                        كاظم حبيب

 
   

546
كاظم حبيب
السيد أحمد أبو ريشة والقضية الكردية
قطعت القضية الكردية في العراق شوطاً طيباً على طريق الحل الصحيح في إطار الدولة العراقية, بعد أن عاني الشعب الكُردي بشكل خاص وبقية أبناء وبنات الشعب العراقي من القوميات الأخرى محاولات تصفية القضية الكردية بقوة السلاح والتي انتهت لا بالفشل الذريع فحسب, بل وسقوط كل النظم التي حاولت التصدي لحقوق الشعب الكردي المشروعة, إضافة إلى مئات ألوف الضحايا الغالية والخسائر المالية والحضارية. فمنذ أن تحرر إقليم كُردستان العراق من هيمنة وسطوة البعث الفاشي والدكتاتورية الغاشمة في نهاية النصف الثاني من العام 1991 وتسلم السلطة من جانب القوى الكردستانية وانتخاب البرلمان الكردستاني الذي أقر الفيدرالية الكردستانية في إطار الدولة العراقية, وبعد سقوط النظام العدواني في بغداد, جرى تكريس هذا الحل الصحيح في الدستور العراقي الذي صوت له غالبية الشعب العراقي ثم إقرار ذلك من جانب البرلمان العراقي في العام 2005, رغم الطبيعة التي نعرفها عن هذا البرلمان..
ولا شك في أن تنشأ مشكلات ملموسة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم بصدد الكثير من القضايا المهمة والثانوية بالارتباط مع عدة حقائق, منها:
** إن العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم حديثة العهد والتجربة قليلة في سبل التعامل والتعاون والتكامل, وهي تحتاج إلى فترة غير قصيرة من الزمن وتراكم الخبرة.
** عدم وجود قوانين تحكم هذه العلاقة بالملموس في ضوء الدستور العراقي والتي كان يفترض وضعها من قبل البرلمان العراقي.
** وجود مشكلات معقد واختلاف في وجهات النظر بشأنها, ومنها قضايا كركوك وخانقين وغيرها, أو عقود النفط أو الميزانية ...الخ التي تستوجب المزيد من الصبر والهدوء في معالجتها لصالح العراق الديمقراطي الاتحادي وبعيداً عن أجواء التهديد والوعيد وجعجعة السلاح.
** دور دول الجوار في تشديد الاختلاف والخلاف والسعي لتحويله إلى صراع فنزاع يأكل الأخضر بسعر اليابس في كل العراق.
في الآونة الأخيرة بدأت بعض القوى السياسية العراقية, وبدعم إقليمي ملموس تشكك بهذا الحل السليم وتطرح نهجاً لا يختلف بأي حال عن نهج صدام حسين ورهطه ولا عن نهج القوى القومية الشوفينية التي فشلت في فرض حلولها السابقة على الشعب الكردي خصوصاً والشعب العراقي عموماً من خلال التصريحات التي تعبر عن رفضها للحل الذي توصل إليه الشعب العراقي. فآخر التصريحات التي أدلى بها رئيس مجلس صحوة الأنبار السيد أحمد أبو ريشة تشير إلى هذا النهج القديم الجديد الخطير الذي يمكن أن يدفع بأوضاع العراق إلى متاهات جديدة وعواقب وخيمة على الجميع. فقد ذكر في تصريحاته ما يلي:
"إن الأكراد استفادوا من الصراع السني الشيعي لصالحهم، فمنذ الستينات وهم ضد العراق الموحد، ولهذا قاتلهم النظام السابق، الذي أضطر للتنازل عن جزء من أرض العراق لإيران مقابل إيقاف الدعم للأكراد (ضمن اتفاقية الجزائر عام (1975)، ثم ألغى النظام السابق الاتفاقية مع إيران ودخلنا حربا معها، والأكراد لم يكونوا معنا بالحرب وأنا كنت ضابطا في الجيش العراقي حينها." ثم يواصل حديثه فيقول:
أن «الأكراد يطالبوننا اليوم بكركوك، وهم لهم إقليم وحكومة وميزانية تبلغ 17 في المائة من مجمل التخصيص العام، وهذا ناتج عن الخلاف ما بين الشيعة والسنة، هذه لا تسمى سياسة بل هي مهزلة واستغلال ظرف صعب نمر به». وأضاف «نحن نقول لهم إذا لا ترغبوا بنا خذوا محافظاتكم الثلاث واذهبوا ولا تشجعوا الخلاف بيننا، يمكن أن نعمل تحالفا قويا بين الشيعة والسنة ونشكل الحكومة ونخرج الأكراد ويبقى العراق إما 18 محافظة أو 15». ويتألف إقليم كردستان العراق من ثلاث محافظات هي أربيل والسليمانية ودهوك".

وقال أبو ريشة إن «رئيس الوزراء نوري المالكي لم يتفاوض مع الأكراد نهائيا، ويمكن القول إنه كان الأشد عليهم من غيره، وقال لهم أما انتم مع العراق الواحد أو لا»، واستطرد قائلا «لم يعد هناك الآن شيء اسمه أقاليم فهذه الفكرة تبناها الائتلاف العراقي الموحد (يتألف من القوى الشيعية)، وألان هو أول من شكل تحالف وطني الآن وهكذا بقية الكتل كلها شكلت تحالفات وطنية، كما أن أهل الجنوب رفضوا الفكرة برمتها وصوتوا على عدم قبولها بشكل رسمي بإشراف الأمم المتحدة، إذا هو مشروع فاشل ولا يمكن تحقيقه". راجع: شبكة دولة القانون, أخذ النص بتاريخ 18/11/2009).
ماذا يتضمن هذا النص الذي طرحه السيد أحمد أبو ريشة؟ يمكن تلخيص أفكاره بالنقاط التالية:
1.   إن الأكراد كانوا ضد وحدة العراق, تماماً كما كان يدعي صدام حسين ذلك وكل القوى العربية الشوفينية المتطرفة التي وجدت في مطالب الكُرد العادلة تقويضاً لوحدة العراق لكي تستطيع تعبئة الناس العرب في العراق والعالم العربي ضد الشعب الكردي ومناضليه. إن هذا الطرح يذكرنا بمحاولات نعت كل من يطالب بحقوقه القومية المشروعة بأنه يريد تدمير وحدة العراق, في حين أن السياسات الشوفينية التي يريد أحمد أبو ريشة العودة إليها وممارستها هي التي تسببت في تدمير العراق وهي التي يمكن أن تتسبب مجدداً في تدمير العراق إن تسنى له العودة بالعراق إلى الوراء, كما يحلم بذلك, وهي أضغاث أحلام وكابوس مزعج. 
2.   وأنهم السبب في عقد اتفاقية الخيانة بين النظام ألصدامي وإيران في الجزائر. هذا ادعاء وترديد لإدعاءات النظام ألصدامي, في حين كان عليه أن يدرك بأن رفض مطالب الشعب الكردي ومحاولة الالتفاف على الحكم الذاتي حينذاك ومحاولة اغتيال ملا مصطفى البارزاني ...الخ, إضافة إلى الذهنية العسكرية والفاشية والتوسعية وجنون العظمة لدى "القائد الضرورة!" صدام حسين, هي التي كانت ضمن الأسباب الأساسية وراء ما حصل في العراق حينذاك وعقد تلك الاتفاقية المذلة مع شاه إيران من أجل ضرب وتصفية الحركة الكردية التحررية المسلحة والتي عادت من جديد بعد فترة وجيزة لأنها قضية مشروعة وعادلة.
3.   وأن الحرب التي خاضها النظام كانت بسبب فسخ الاتفاقية من طرف واحد وخاض الحرب من أجلها. إن السيد أبو ريشة لا زال يحن للماضي ألصدامي الذي لن يعود حيث كان ضابطاً في الجيش العراقي, ولا زال يرى إن الحرب ضد إيران كانت سليمة وعادلة وليست مجنونة وجريمة بشعة أرتكبها النظام العراقي حينذاك والتي ولدت بدورها حروباً أخرى أكثر إجراماً وجنونا, ومنها غزو الكويت, في حين أن الشعب العراقي بأكثريته قد أدان تلك الحرب المجنونة وبقية الحروب العدوانية التي شنها النظام العراقي في الداخل والخارج. وبسبب تلك الحروب فقد العراق جزءاً جديداً من أراضيه في ما عدا تلك التي أهداها للغير.
4.   وأن الأكراد لم يكونوا معنا في الحرب, بل كانوا ضدنا. إن هذا القول يتفق مع المشهد البعثي ألصدامي الذي قام بعمليات مجازر الأنفال وحلبچة بحجة أن الكُرد وقفوا مع إيران في الحرب العراقية – الإيرانية. رغم أنه لم يذكر ذلك صراحة, ولكن في خلفية تفكيره تكمن هذه الفكرة ألصدّامية. 
5.   ثم يعود السيد أبو ريشة لينكر وجود إقليم كردستان القائم رسمياً ووفق الدستور العراقي ويريد إلغاء ما هو قائم, والغريب بالأمر أنه يدعي بأن اللقاء الكردي الشيعي هو الذي منح الكُرد إقليماً, ولم يدرك بأن إقليم كردستان العراق ووجود الكُرد في هذه المنطقة هو أقدم بكثير من وجودنا نحن العرب, وأبو ريشة عربي أيضاً, في هذه المنطقة أولاً, وأن فيدرالية إقليم كردستان نهضت في العام 1992 ولم تكن الأحزاب السياسية الشيعية في الحكم بل في المعارضة وكان صدام المدعي بأنه سني على رأس الحكم, وهو الغريب والدخيل على أتباع هذا المذهب ثانياً, وأن الاتفاق بين كل قوى المعارضة العراقية بمن فيهم القوى السياسية السنية قبل سقوط النظام وفي فترة النضال ضده كانوا قد اتفقوا على الاعتراف بالفيدرالية في إقليم كردستان ثالثاً, وكان ذلك قبل وصول القوى الراهنة إلى الحكم. فما دخل التحالف الشيعي - الكردي في هذه القضية؟ التحالف الشيعي الكردي له دخل في موضوع فيدرالية الجنوب كجزء من الفيدراليات عموماً, أي كان موقف هذا التحالف لصالح فيدرالية الجنوب التي كان يسعى إلى إقامتها المجلس الإسلامي الأعلى والتي رفضها الشعب العراقي بأغلبيته, ولكن الشعب لم يرفض فيدرالية كردستان التي هي لشعب كردي غير الشعب العربي ولقوميات أخرى تسكن كردستان العراق, الكلدان والآشوريين والتركمان وجمهرة غير قليلة من العرب أيضاً, ضمن إقليم كردستاني يشكل مع الإقليم العربي الجمهورية العراقية الاتحادية. إن هذا هو جزء أصيل من حق الشعوب في تقرير مصيرها ومن حق الشعب الكردي أن يقرر ذلك دون وصابة من أحد ولا حتى  من رئيس مجلس صحوة الأنبار السيد أبو ريشة.   
6.   إن أحمد أبو ريشة يدعو إلى اتفاق ووحدة بين الشيعة والسنة لا لغرض تحقيق الوحدة العراقية, بل من أجل الوقوف بوجه الشعب الكردي, وبالتالي فهو يدعو عملياً إلى التقسيم أو إلى حرب جديدة ضد الكُرد حين تتحقق وحدة السنة والشيعة! إن هذه الفكرة هي من أسوأ الأفكار التي يمكن أن ترد على الطائفيين, فكرة أن يتحدوا لا لغرض خير وسليم بل من أجل الوقوف بوجه مكون آخر من مكونات الشعب العراقي الأصيلة. إنه الجنون بعينه, إنها المأساة والمهزلة في آن واحد في عراق اليوم, كما كانت في عراق صدام حسين من حيث استمرا وجود وفعل الفكر القومي الشوفيني.   
7.   علينا أن ندعو إلى إلغاء الفكر الطائفي السياسي وليس إلغاء وجود المذاهب, فالأخيرة حق مشروع وتعبير عن حركة الفكر المتنوع, وعلينا أن ندعو إلى وحدة الشعب العراقي بكل قومياته وأديانه ومذاهبه, ولكن ليس من أجل اتفاق بين طرفين سياسيين طائفيين ضد طرف ثالث هو الشعب الكردي.   
8.   ثم يقترح أبو ريشة على الكُرد أن يغادروا العراق إن رفضوا الحل الذي يريد فرضه على الكُرد. ومن هنا يتبين لنا من هو الانفصالي الفعلي, ليس الكُرد هم الانفصاليون, بل من يدعو إلى فصل الكُرد عن العراق, في حين أن الكُرد قد اقروا الفيدرالية في إطار الدولة العراقية الواحدة الموحدة.   
9.   أما بصدد كركوك فقد كتب السيد أحمد أبو ريشة في ا آب/أغسطس 2009 يدعو إلى حل القضية لصالح الجميع وبالطرق السلمية وبعيداً عن السلاح, وكان التصريح سليماً وعقلانياً. ولكنه عاد في 17/11/2009 ليهدد الكُرد بالويل والثبور حين تعود الوحدة بين الشيعة والسنة وبطريقة تختلف كلية عن مقترحه بحل المسألة سلمياً, وه حل غير سليم وغير عقلاني في كل الأحوال, إذ هو يعرف كما يعرف غيره أن هناك أسساً قد أُقرت دستورياً لمعالجة القضية, وبغض النظر عن موقف كل منا بشأنها. وبالتالي يفترض أن يبقى الحل سلمي تفاوضي وديمقراطي وبعيداً كل البعد عن القوة والتهديد والإثارة الفجة التي مارسها أحمد أبو ريشة في تصريحاته الأخيرة.
10.   ويشير أبو ريشة إلى أن السيد رئيس الوزراء رفض التفاوض مع القيادة الكردية ورحب بهذا الموقف الشديد الذي لم يقفه غيره, [ونسى هنا ماقف صدام حسين وعلي حسن المجيد وغيرهما], إن كان ما قاله صحيحاً فرئيس الوزراء كان مخطئاً بهذا الموقف, إذ ليس هناك من عاقل يرفض التفاوض, والبديل لا يكون غير تفاقم الصراع والنزاع وما إلى ذلك. وما كان من حقه أن يتحدث عن لسان رئيس الوزراء بأي حال, إذ أن الأخير كان قد اجتمع مع رئيس الإقليم في كردستان وتباحثا بشأن القضايا المعلقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وأبديا رغبة في حل المشكلات وفق أسس سليمة ودستورية, رغم التلكؤ في ذلك.
إن حل قضية كركوك يفترض أن يستند إلى الدستور وأن يعالج بحكمة من قبل كافة الأطراف, خاصة وان مستقبل العراق مشترك بين جميع قومياته ولأمد طويل حقاً.
11.   وفي هذا المقال يسعى أبو ريشة, الضابط السابق في الجيش العراقي, إلى الدفاع عن حق البعثيين في المشاركة في الانتخابات واعتبار أن البعث كان يضم ستة ملايين عراقية وعراقي. من حق كل العراقيات والعراقيين أياً كان رأيهم الفكري والسياسي أن يمارسوا حقهم في الانتخابات, وهو حق مطلق لا يمكن أن يتنكر له أحد. ولكن أبو ريشة يحاول بهذا الطرح ان يضع نفسه محامياً عن البعثيين ليتقرب إلى الحلفاء السابقين ليمنحوه أصواتهم, خاصة وأنه حاول أن يكون شوفينياً مثلهم في تلك التصريحات التي أدلى بها أخيراً. يضاف إلى ذلك أن الرقم الذي قدمه لنا غير صحيح ومبالغ به, إذ أن البعثيين قد اتفقوا هم على أن حزبهم ضم بين 2-3 مليون إنسان في أوج فترة فرضهم العضوية بالقوة على الناس. وسعيه للمبالغة بعدد البعثيين يهدف إلى كسب أصواتهم له ولكي يحصل على 160 مقعداً بقوة البعثيين كما ادعى في تلك التصريحات.
نسى السيد أبو ريشة أن حزب البعث قد فقد دوره في الفترة الأخيرة من وجود صدام حسين في الحكم وأن كثرة كبيرة من الأعضاء والمؤيدين المجبرين كانت قد انسحبت بعيداً عن المشاركة حتى في الاجتماعات السياسية البعثية.
يتمنى الإنسان على أحمد أبو ريشة, الذي ساهم مع الجيش العراقي والقوات الأمريكية في دحر قوى القاعدة, أن يعيد النظر بمواقفه إزاء الشعب الكردي, وأن يمعن النظر بتاريخ العلاقات بين الحكومات العراقية المتعاقبة والشعب الكردي والعواقب التي جرها الموقف الشوفيني العربي والدكتاتورية الغاشمة إزاء الشعب الكردي, إلا إذا كان يريد للحكومة العراقية القادمة أن تكون عاقبتها مثل عواقب الحكومات السابقة التي تنكرت لحقوق الشعب الكردي العادلة والمشروعة.
20/11/2009                      كاظم حبيب

547
كاظم حبيب
هل الرأسمالية هي نهاية التاريخ؟
بمناسبة منح الزميل والمفكر الكبير الأستاذ الدكتور سمير أمين جائزة أبن رشد التقديرية في برلين.
حين تخلى فرنسيس فوكوياما عن موضوعته المثيرة للجدل التي سعى من خلالها إلى تأكيد "أن الرأسمالية هي نهاية التاريخ وليس هناك من نظام اقتصادي اجتماعي بديل لها" باعتبارها مقولة خاطئة لا تستند إلى حركة وفعل القوانين الاقتصادية الموضوعية وقوانين التطور الاجتماعي, بدأ آخرون يسعون إلى تبني ذات الفكرة الخاطئة لفوكوياما من أوساط أخرى كانت ضد الرأسمالية وإلى جانب التوجه صوب الاشتراكية, إضافة إلى أتباع الفكر الرأسمالي أو البرجوازي عموماً.  وكما يبدو لي بأن هذه المجموعة من الأشخاص لم تكن واعية للمنهج المادي الديالكتيكي ولا لحركة وفعل القوانين الاقتصادية الموضوعية وقوانين التطور الاجتماعي, ولهذا تخلت عن كل ذلك حين اصطدمت بانهيار الاتحاد السوفييتي وبقية بلدان المنظومة, حتى أن هذا البعض أصبح أكثر دفاعاً عن الرأسمالية واندفاعا لها من أيديولوجيي الرأسمالية أنفسهم. ويبدو أن هذا البعض بدأ يخلط بين فشل النظم السياسية التي نهضت في الاتحاد السوفييتي ومجموعة من بلدان أوروبا الشرقية من جهة, وبين الفكر الاشتراكي  العلمي الذي لم يمارس بوعي ومسؤولية ومنهجية مادية ديالكتيكية في تلك الدول بل بإرادة ذاتية ورغبات خاصة, كما أنه النقيض للفكر الرأسمالي من جهة ثانية. ويبدو لي بأن البعض الآخر راح يخلط بين إمكانية بناء الاشتراكية على الصعيد العالمي في مستقبل مفتوح الأفق الزمني, وبين الدعوة إلى إقامة الاشتراكية في دول نامية, الدول التي لا تزال العلاقات الإنتاجية الرأسمالية ضعيفة التطور فيها أو أنها لا تزال تعيش تحت وطأة العلاقات الإنتاجية ما قبل الرأسمالية.
في حوار أجاره معي الصديق والفقيد الغالي المغدور كامل عبد الله شياع في تسعينات القرن الماضي عن الاشتراكية والرأسمالية, أشرت إلى أن الاشتراكية لم تخسر المعركة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع الرأسمالية, والرأسمالية لم تنتصر على الاشتراكية, ولكن النظم الرأسمالية السائدة انتصرت على تلك "الاشتراكية القائمة في الواقع" حينذاك, تلك التي أقيمت في الاتحاد السوفييتي وبلدان أخرى, كما قلت بأن الدول النامية بشكل عام والتي تتوزع بمواقع مختلفة من حيث مستوى التطور على دوائر تبتعد أو تقترب من مراكز الرأسمالية في العالم تقف أمام مهما إما تصفية بقايا العلاقات ما قبل الرأسمالية أو بناء وتوسيع قاعدة وتطوير العلاقات الإنتاجية الرأسمالية, وهي بالتالي ليست أمام أهداف ومهمات اشتراكية. وقد نشر هذا الحوار في مجلة الطريق اللبنانية على عددين.   
لقد فشل الاتحاد السوفييتي في بناء الاشتراكية لا لأن الاشتراكية لا يمكن تطبيقها في أي بلد من بلدان العالم, بل لأن القوى التي كانت تتبنى الاشتراكية وصلت إلى السلطة في تلك البلدان التي لم تكن مستلزمات بناء الاشتراكية فيها متوفرة, بل كانت تقف أمام مهمات أخرى لم تؤخذ بنظر الاعتبار من جانب لينين إلا قبل وفاته بفترة قصيرة وبسياسة "النيب" (السياسة الاقتصادية الجديدة) التي جاءت متأخرة جداً ووحيدة الجانب والتي أهملت كلية من جانب ستالين. ورغم غياب المستلزمات حاول الحكام بناء الاشتراكية بأساليب زجرية قهرية وبيروقراطية في بلدانهم. فجاءت النتيجة بعد سبعة عقود تقريباً في الاتحاد السوفييتي وأقل من ذلك في دول الديمقراطيات الشعبية. إن غياب الشروط والمستلزمات الضرورية والقاعدة المادية لبناء الاشتراكية قد غيب معه الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية التي قامت ثورة أكتوبر 1917 لتحقيقها, كما غيب بدوره الوعي الاجتماعي والسياسي الضروريين لبناء الاشتراكية في أي مجتمع من المجتمعات وعلى الصعيد الدولي.
إن من مهمات الفكر الاشتراكي أن يربط بصورة عضوية بين العدالة الاجتماعية من جهة وبين الحرية الفردية والمجتمعية والحياة الديمقراطية والحياة الدستورية وحقوق الإنسان من جهة ثانية.
يتطلب منا حين نبحث في مسألة الرأسمالية والاشتراكية أن نفصل بين الواقع القائم حالياً, حيث يفترض أن يسعى العراق مثلاً إلى بناء القاعدة المادية للتطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي, وخاصة التصنيع وتحديث الزراعة وتغيير بنية وأسس التعليم والبحث العلمي في مختلف مراحله وإيجاد فرص عمل للعاطلين ومحاربة الفساد ونهب المال العام, وإلى تصفية بقايا العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية والأبوية السائدة في الريف والموجودة في المدينة أيضاً, وإقامة العلاقات الإنتاجية الرأسمالية باعتبارها أكثر تطوراً وتقدماً رغم كونها علاقات استغلالية أيضاً من جهة, وبين الدعوة غير العقلانية لبناء الاشتراكية في العراق في الوقت الحاضر من قبل بعض القوى التي لا زالت تحلم وهي بعيدة كل البعد عن وقع الحياة اليومية للمجتمع العراقي. إن هذا يعني أن واقع التطور الاقتصادي والاجتماعي في العراق هو الذي يفترض أن يحدد المهمات والشعارات وليس الرغبات الذاتية لهذا الحزب أو ذاك أو لهذا الشخص أو ذاك. فمن يريد أن يبني الاشتراكية في العراق عليه أن يزيل قبل ذاك معوقات البناء الرأسمالي لكي يستطيع إقامة وتطوير العلاقات الرأسمالية الوطنية وإقامة الصناعة والزراعة الحديثة وتأمين مستلزمات تغيير البنية الاجتماعية والوعي الاجتماعي.. الخ, وهي عملية تستوجب الكثير والكثير جداً من الزمن, إضافة إلى تلازم ذلك مع جملة من التغييرات الجادة في دول الجوار والإقليم والعالم في آن واحد.
ولنأخذ العراق كنموذج في هذا الصدد. لا شك في أن الدولة العراقية اليوم, كما هي بالأمس, تعتبر دولة نامية كانت منذ أربعينيات القرن الماضي تسعى إلى تنشيط عملية التراكم البدائي لرأس المال. وقد تحقق بعض التطور البسيط على هذا الطريق, ولكن أصيبت الدولة العراقية بردة فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية شديدة منذ نهاية العقد الثامن والتي تفاقمت في الحرب ضد إيران والحروب اللاحقة وما بعدها, ولا تزال هذه الدولة الغنية بمواردها المادية والبشرية تعيش تحت وطأة هذه الردة الفكرية والاجتماعية, رغم تخلصها من النظام الاستبدادي وسياساته الفاشية بسبب فرض الاحتلال وقيام قوى الاحتلال بالمساعدة الجدية في فرض هيمنة فكر إسلامي سياسي وطائفي متخلف وحكم يستند إلى المحاصصة الطائفية والإثنية ومحاولة فرض وجهة تطور تتعارض مع قوانين التطور الاجتماعي.

لهذا فأن العراق لا يقف اليوم أمام مهمات اشتراكية, بل أمام مهمات وطنية وديمقراطية أساسية والتي تبلورت بهذا القدر أو ذاك في بعض برامج قوى التيار الديمقراطي في العراق. وحين نتحدث عن بناء العلاقات الإنتاجية الرأسمالية لا يعني بأي حال عدم مكافحة الاستغلال أو سعي الرأسماليين إلى تشديد درجة الاستغلال على الطبقة العاملة بمفهومها الواسع وعلى الفلاحين في الريف وبقية فئات المجتمع, بل يفترض وضع قوانين تحد من ذلك لصالح الاقتصاد الوطني والمجتمع ولصالح حماية المجتمع من تفاقم التناقضات والصراعات الطبقية المعرقلة للنمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي وإلى حين نضوج ظروف ومستلزمات التحول صوب الاشتراكية. ولا نقصد في هذا نضوج المستلزمات بصورة ميكانيكة أو عفوية بل وبفعل النضال من أجلها وفق وعي المراحل التي يمر بها المجتمع والمهمات التي ي فترض طرحها في كل مرحلة من تلك المراحل المحتملة.
وحين يجري الحديث عن اقتصاد السوق الحر لا يعني بأي حال غياب الرقابة على مجمل العملية الاقتصادية بمختلف مراحلها أو عدم تأمين سياسات اقتصادية ومالية ونقدية وطنية, بما فيها السياسات المصرفية والتأمينية والضريبية والجمركية والسعرية, مدروسة جيداً ومتوازنة وفعالة لصالح تنمية وتحديث فروع وقطاعات الاقتصاد الوطني وزيادة التراكم الرأسمالي (العلاقة بين التراكم والاستهلاك مثلاً) وتوسيع قاعدة البحث العلمي وتطوير معدلات النمو وتحسين مستوى المعيشة, كما لا يعني ذلك تغييب البرمجة الاقتصادية أو التخطيط الاقتصادي وتحدي إستراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية وطرح المؤشرات الأساسية لوجهة التطور الاقتصادي, وخاصة مسائل التوظيف أو الاستثمار والتشغيل والأسعار أو عموم السياسة المالية والنقدية. ولا يعني ذلك الاقتصار على القطاع الخاص دون الاستفادة التامة والعملية من موارد الدولة المالية لأغراض تنمية قطاع حكومي متقدم وفعال ومنافس وقائم على أساس الكفاءة الاقتصادية ومعايير الربح والخسارة فحسب, بل يفترض التفكير الجاد بوجود القطاعين العام والخاص والقطاع المختلط, إضافة إلى القطاع الأجنبي في ظروف العراق التي تستوجب نشاط ودعم كل هذه القطاعات ووفق منظور اقتصادي واجتماعي وطني سليم.         
حين نتحدث عن الحلم الذي كنا نعمل من أجله في العقود المنصرمة فهو يتضمن جانبين ايجابي وسلبي, وهما:
•   إن الحلم أو الأمل في بناء الاشتراكية لا يخضع للإرادة الذاتية للفرد أو الجماعة, بل يرتبط عضوياً بواقع التطور المتعدد الجوانب في هذا البلد أو ذاك, وبالتالي فقد كنا نحلم حقاً حين كنا نسعى لإقامة الاشتراكية في بلد لا يزال بعيداً كل البعد حتى عن الرأسمالية, وفي هذا كان الخلل.
•   وهذا يعني أن الخلل لم يكن في إمكانية بناء الاشتراكية في مستقبل آت في العراق أيضاً ولا ريب فيه. أي أن الأمل في البناء الاشتراكي يبقى قائماً ولكن ليس على المدى القريب أو المتوسط بل على المدى البعيد الذي لا يمكن تقديره الآن بل يخضع للعمليات الاجتماعية الجارية على الصعد الملحية والإقليمية والدولية في آن واحد, وليس على واحد منها فقط.
هذه المسألة التي يجري الحوار حولها والنقاش بشأن تفاصيلها تستحق بذل كل الجهد الفكري لتوضيحها وتبيان الموقف منها لكي لا يخلد البعض إلى الراحة ويعتقد بأن العالم ألغى كلية من تفكيره إمكانية بناء الاشتراكية في يوم من الأيام, وأن الرأسمالية انتصرت وإلى الأبد على الفكر الاشتراكي, وأن من ينادي بالاشتراكية أصبح وكأنه يتحدث عن ماضٍ ولى ولن يعود. لن تعود تجربة النظم السابقة, هذه حقيقة, ويأمل الإنسان أن لا ترتكب أخطاء مماثلة في هذا الصدد, ولكن الاشتراكية لن تغيب عن ذهن وعقل الإنسان لأنها تجسد القيم الإنسانية الأساسية التي تعتنقها البشرية منذ قرون, ومنها العدالة الاجتماعية والمساواة والإخاء ومبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان, بما فيها حقوق المرأة, والسلام والأمن وحماية البيئة والطبيعة, كما أنها تتناغم مع قوانين التطور الاجتماعي للمجتمع البشري. وفي هذا تكمن واحدة من ابرز خصائص الأبحاث التي يقدمها لنا الكاتب والمفكر المتميز الأستاذ الدكتور سمير أمين منذ أن أنهى رسالة الدكتوراه في مجال "التبادل غير المتكافئ" وتواصلاً مع الكثير من كتبه, ومنها  كتاب ما بعد الرأسمالية وإلى أبحاثه ودراساته الفكرية الأخيرة والقيمة, بما فيها تلك الدراسات الناقدة للتجارب "الاشتراكية في بلدان "المنظومة الاشتراكية" في حينها.
إن إغناء البحث الفكري في مسائل العصر, ومنها الرأسمالية والعولمة الرأسمالية والأزمة التي يمر بها النظام الرأسمالي العالمي والعوامل الكامنة ورائها واتجاهات معالجة هذه الأزمة والحلول العملية لها وقضايا الاشتراكية ومستقبل النضال في سبيلها على الصعيد العالمي, وقضايا البلدان النامية والمهمات التي تجابه شعوب هذه البلدان كلها من الموضوعات المهمة التي ساهم ويساهم الأستاذ سمير أمين في البحث فيها وبصورة ريادية متينة. إن البحث في الماضي والحاضر على أسس علمية ومنهجية سليمة تساعدنا على  رؤية المستقبل وآفاقه المشرقة رغم المصاعب التي يمر بها الإنسان على هذا الطريق الطويل. إن أروع وأعمق ما في أبحاث الدكتور سمير أمين هي تلك الروح الشابة والوثابة والجادة والمسؤولة والمتطلعة لمستقبل أفضل للبشرية جمعاء. وأبحاثه تقدم زاداً غنياً للباحثين الشباب وللعاملين في مجالات الفكر الاقتصاد والمجتمع بشكل خاص.   
لقد أنصف الأساتذة في لجنة التحكيم الذين شاركوا في اختيار ومنح الأستاذ سمير أمين هذه الجائزة التقديرية من بين مجموعة مهمة من الباحثين الاقتصاديين والمفكرين في الدول العربية. فلهم منا ولمؤسسة ابن رشد للفكر الحر الشكر الجزيل.
19/11/2009                      كاظم حبيب
                                                                                                                 
   ملاحظة: من الجدير بالإشارة إلى أن صموئيل هنتنكتون فش هو الآخر في محاولاته نشر وتعميم مقولته الخاصة بصراع الحضارات أو الثقافات على خلفية مقولته بانتهاء الصراع الطبقي, في حين لم يستطع رؤية أن هذه الصراعات الدينية يكمن في جوهرها صراع طبقي اتخذ مساراً خاطئاً بحكم التعصب الديني والتطرف المذهبي لدى مختلف الديانات ومنها الدين الإسلامي, وأن معالجة التناقضات الاجتماعية والتمييز القومي والديني والمذهبي ... الخ تساهم كلها في نشر علاقات الاعتراف المتبادل والتفاهم والتسامح بين الشعوب ولا تثير الضغائن والكراهية والأحقاد والحروب.


548
كاظم حبيب
هل ستكون الانتخابات العامة القادمة في العراق نزيهة ونظيفة؟
لم يعرف العراقيون الانتخابات قبل نشوء الدولة العراقية الملكية الحديثة, ومع ذلك طالبوا بالاستفتاء على طريقة الشورى التي لم تكن يوماً شورى بالمعنى الصحيح, بل كانت "تؤخذ الدنيا غلابا وبحد السيف", كما جرى في عهد معاوية بن أبي سفيان حين أراد أن يكون ابنه يزيد خليفة له:
".. عندما أرسل يطلب رأيهم في أمر أخذ البيعة ليزيد "وليا للعهد" قام يزيد بن المقنع , فلخص الموقف الأموي من الخلافة في عبارة موجزة بليغة عندما جمع فأوعى!. قال: "أمير المؤمنين هذا" وأشار إلى معاوية.. "فإن هلك , فهذا" وأشار إلى يزيد.. "فمن أبى, فهذا" وأشار إلى سيفه!.. فقال له معاوية: "أجلس , فإنك سيد الخطباء"!!(راجع: إمام, إمام عبد الفتاح د. الطاغية - دراسة فلسفية لصور الاستبداد السياسي-. عالم المعرفة 183, سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت. مارس/آذار 1994 م. ص 205/206).
هذا في عهود الدولة العربية والإسلامية. أما في العهد الملكي فقد عبر عن ذلك بوضوح كبير نوري السعيد, ميكافيلّي العرب, حين كان يؤكد بأن من المستحيل حصول مرشح لمجلس النواب على مقعد فيه ما لم يجد الدعم والمساندة الحكومية, وبهذا كان يتحدى جميع النواب وتحت قبة البرلمان ذاته. (محاضر مجلس النواب العراقي في العهد الملكي).
هذه هي التقاليد المتوارثة التي نشأ عليها النظام السياسي العراقي حتى سقوط الملكية, وهي تقاليد سيئة وتزوير دائم للانتخابات واستهانة كاملة بإرادة الناس أو الناخب. فعلى سبيل المثال لا الحصر حين فاز 12 نائباً في انتخابات مجلس النواب في العام 1954 لم يتحمل نوري السعيد هذه النتيجة, فحل مجلس النواب وأجرى انتخاب ضمن كل أعضاء المجلس لصالح مشاريعه والمراسيم الاستبدادية التي أصدرها في العام 1955.
وفي العهد الجمهوري الأول لم تكن هناك انتخابات في ما عدا انتخابات النقابات التي جرى السعي لتزويرها أيضاً. وغياب الدستور الدائم والانتخابات العامة تسببت في تفاقم فردية قاسم وسوء سياسات الأحزاب والقوى إلى تدهور الأوضاع وانتصار الانقلاب الفاشي في العام 1963.
وأكثر الأساليب شراسة وعدوانية وتزييفاً لإرادة الإنسان والشعب جرت في عهد البعث وصدام حسين بعد أن وصلا إلى السلطة مرة أخرى. ففي هذا العهد البعثي كان التصويت يتم بورقة كتب خلفها اسم وعنوان الناخب ومنها يتبين لمن أعطى هذا المواطن أو ذاك صوته, وحينها تبدأ أجهزة الأمن بمطاردة الضحية التي لم تمنح صوتها لصدام حسين وقائمة البعث ليجد نفسه إما في السجن أم في المقابر الجماعية. والشعب العراقي كله شاهد على ذلك.
وفي العهد الجديد لعبت المليشيات الطائفية المسلحة دورها في حصد رؤوس من يقف ضد مرشحيها أو القوائم الدينية الشيعية على نحو خاص, وكذلك حصل فيما بعد بالنسبة للقوائم السنية أيضاً.
بعدها وأثناء ذلك أيضاً جاء دور البطانيات والثلاجات والمدفئات والأموال لتمنح للفقراء والبسطاء من الناس, وهم الغالبية العظمى في العراق, لقاء القسم برأس أبو فضل العباس أبو رأس الحار الذي يسطر (يصفع) من لا يوفي بقسمه لمنح هذا الصوت أو ذاك لهذه القائمة أو تلك أو هذا المرشح أو ذاك. يضاف إلى ذلك أساليب أخرى متنوعة.
ثم كان التزوير المفضوح في وضع أوراق إضافية أكثر من عدد الناخبين في صناديق الاقتراع في الكثير من الدوائر الانتخابية.. وكانت مفضوحة جداً, ولكنها عبرت ولم تجد المفوضية ضرورة إعادة الانتخابات فيها... وثم..الخ.
لقد شهدت انتخابات 2005 حصول عمليات تزوير كبيرة وعدم نزاهة, إذ كانت هذه الظواهر هي سيدة الموقف. فماذا يمكن أن يحصل اليوم؟ وهل ستتكرر العملية والتقاليد السلبية؟
لدينا في مجلس النواب كتلاً عديدة تهيمن على الموقف في المجلس الراهن, وهذه الكتل الكبيرة هي التي حسمت الموقف من قانون الانتخابات الجديد. فقد حصل توافق بينها, ولكن هذا التوافق الذي أدى إلى صدور قانون الانتخابات في الكثير من جوانبه غير ديمقراطي سواء من الناحية المبدئية, أم من ناحية الممارسة العملية وباتجاهات عدة, منها:
** فهو قانون غير ديمقراطي إزاء القوميات وأتباع الديانات الأخرى من غير المسلمين ومن غير العرب والكُرد؛
** وغير ديمقراطي في الموقف من المواطنات والمواطنين في الخارج؛
** وغير ديمقراطي من حيث عدد المقاعد التعويضية بالنسبة للقوائم والأشخاص الذين لا يحققون المتوسط العراقي في عدد الأصوات المطلوبة؛
** وغير ديمقراطي في زيادة سكان محافظات بعينها وإبقاء محافظات أخرى دون تغيير في سكانها وكأن لا ولادات فيها ولا نمو سكاني, في حين كانت المحافظات الأخرى ومنها الموصل وكأن السكان قد تضاعفوا فيه, مما سيزيد من مقاعدها في المجلس دون وجه حق!
** وغير ديمقراطي في رفضه اعتبار العراق دائرة انتخابية واحدة؛
** وغير ديمقراطي في فرص الإعلام التي تمنح للقوائم المختلفة؛
** وغير ديمقراطي بالنسبة للأموال التي تسخر لخوض المعركة الانتخابية بين القوائم الكادحة وقوائم الأغنياء والمتخمين بالأموال...
هذا ابتداء, ولكن ماذا سيجري في مجرى العملية الانتخابية وفرز الأصوات؟ .. هذا ما يمكن تقديره والتنبؤ بنتائجه وفق تجاربنا السابقة وتقاليد الحكام العرب والمسلمين بشكل عام.
هل ستكون هذه الانتخابات أفضل من سابقاتها؟ من الممكن أن تكون كذلك, خاصة وأن القوى الإسلامية السياسية اُجبرت تحت ضغط الشارع العراقي والرأي العام العالمي إلى كسب مرشحين وقوى غير إسلامية سياسية أو علمانية في قوائمها, فهل هي محاولة لعبور العاصفة ثم العودة إلى الطائفية السياسية للأحزاب السياسية الإسلامية لتكريس مواقعها في الحكم؟ إذ أن الأحزاب الإسلامية بنيت على أسس طائفية صارخة ولم تتخل عنها عملياً حتى الآن ولم تغير برامج أحزابها بما يساعد على القول بأنها قد تغيرت حقاً لصالح المواطن والمواطنة العراقية. هذا ما نتوقعه وما سوف تكشف عنه الأيام رغم رغبتنا بأن لا يكون الأمر بهذه الصورة. ويمكن أن تكون هناك مفاجئات, ولكنها سوف لن تكون استثنائية في ظل الأوضاع الراهنة وموازين القوى الداخلية.
رغم التحسن النسبي في أوضاع الأمن الداخلي, إلا أن الأوضاع العامة ومستوى الوعي العام لا يضمنان انتخابات نزيهة ونظيفة كما يرغب الإنسان أن تكون عليه, ولكن لنعمل من أجل أن تكون نظيفة ونزيهة قدر الإمكان وبحدهما الأدنى, رغم المقدمات التي تمنع من أن تكون ديمقراطية.
ويبدو لي أن من واجب رئاسة الجمهورية رفض هذا القانون والاستجابة للمطالبة المتنامية بضرورة إجراء تعديلات عليه لصالح انتخابات حرة أقل تزويراً وأكثر نزاهة وتعبيراً عن رأي الناس.
وعلى العموم يمكن أن نجد الجواب عن السؤال الرئيسي في هذا المقال في مجرى وفي أعقاب 21/1/2010 حين تنتهي الانتخابات وحين يتم فرز الأصوات, وحين يكون قد فات الأوان لأي تعديل مناسب إلا أثناء الدورة البرلمانية الجديدة ما لم تبادر رئاسة الجمهورية وتقترح إجراء تعديلات جادة على هذا القانون قبل التوقيع عليه.
17/11/2009   كاظم حبيب          
 

   

549
د. كاظم حبيب
شيء عن حقيقة الأنفال الصدّامية في كُردستان العراق!
بناء على دعوة وجهت لي من لجنة الوفاء لمبدعي الثقافة العراقي من الأحياء والأموات واحتفاءً بذكرى وفاة الكاتب والصحفي الأستاذ ناجي صبري عقراوي شاركت في ايام ثقافية ثلاثة أقيمت في مدينة أربيل بين 28/10-30/10/2009 وبالتعاون والتنسيق مع وزارة الثقافة في حكومة إقليم كُردستان العراق. وفي هذه الندوة تسنى لي تقديم المداخلة التالية حول واحدة من أبشع العمليات الإجرامية التي ارتكبتها الدكتاتوريات الغاشمة في بلدان العالم في النصف الثاني من القرن العشرين ضد الشعب الكُردي والتي أصبحت تعرف بـ"مجازر عمليات الأنفال وكيماوي حلبچة" , والتي تعتبر جزءاً وتدخل ضمن مفهوم "عمليات الإبادة الجماعية وضد الإنسانية". وإلى السيدات والسادة الكرام اقدم نص هذه المداخلة:
المضمون الفاشي لمجازر الأنفال وحلبچة في كُردستان العراق
المدخل
أين تكمن أهمية البحث في هذا الموضوع ؟
حين اخترت الكتابة في هذا الموضوع في ضوء الدعوة التي وجهت لي للمشاركة في مهرجان الذكرى السنوية لوفاة الكاتب والصحفي الكردي ناجي صبري عقراوي, هذا الكاتب والمثقف الذي عالج المشكلات الكردية والعراقية باللغة العربية, انتصبت أمامي الملاحظات التالية:
1.   إن المهرجان يُعقد بحدود الشهر الذي توقفت فيه عمليات مجازر الأنفال ضد شعب كردستان في تشرين الأول/أكتوبر 1988, وبالتالي فهو يبحث في ذكرى حدث مهم ونهاية  لكارثة إنسانية كبرى.
2.   وأن أصدقاء الكُرد من العرب وكذلك قوى الشعب الكردي الديمقراطية لم تستطع حتى الآن ورغم مرور 21 عاماً على تلك الأحداث المأساوية أن تقنع نسبة عالية جداً من بنات وأبناء الشعوب العربية بدموية تلك الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب الكردي الذي لم يكن يطالب بأكثر من حقوقه القومية المشروعة وجوبه بتلك العمليات الجهنمية. وبالتالي لا يزال هناك الكثير من العرب ومن المثقفين العرب الذين لم يصدقوا وقوع تلك الجرائم في كُردستان العراق.
3.   وأن الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان لم تستطيعا حتى الآن إعادة بناء مدينة حلبچة والمشاركة في تعويض عائلات ضحايا الأنفال أو توفي السكن اللائق والعمل المناسب والمعالجات الطبية والنفسية الضرورية.
4.   وأن فكر الكراهية والحقد ما زالا يفعلان فعلهما في الساحة السياسية العراقية وفي المجتمع العراقي, سواء أكان فكراً شوفينياً أو عنصرياً أو مناهضاً لأتباع ديانات أخرى أو مذاهب أخرى, وأن ثقافة العنف والقسوة والتمييز لا تزال هي التي تلعب دورها في العلاقة بين المكونات رغم تراجع العنف والإرهاب الدموي نسبياً.
5.   ولأن الحكومة الاتحادية في بغداد لم تع حتى الآن أهمية وضرورة الاعتذار لما مارسته الدكتاتورية في كردستان باسم القومية العربية وباسم الحكومة العراقية بحق الشعب الكردي.
6.   ولأن الراحل كان قد كتب الكثير من المقالات التي تدين جرائم عمليات الأنفال والتي تفضح الفكر والذهنية والممارسة التي كانت تكمن وراء ذلك ومن أجل منع وقوعها ثانية في العراق أو في أي بلد أو منطقة في العالم.  
*********
  تمر علينا في هذه الأيام الذكرى الحادية والعشرون لنهاية مجازر الأنفال التي مارسها النظام الفاشي في العراق والتي بدأت في شهر شباط/فبراير من العام 1988. وقد كتب عنها الأخ الراحل الأستاذ ناجي صبري عقراوي الكثير وسعى لإنصاف ضحايا الأنفال. وتأكيداً لما ناضل من أجله بهدف تشديد فضح الخلفية الفكرية والسياسية لتلك العمليات وإعادة بناء ما خرب من كردستان, وخاصة بالنسبة إلى تلك المناطق التي شملتها الضربات العسكرية لقوات الحكومة الفاشية, وخاصة حلبچة, أقدم هذه المساهمة في الحديث عن الطبيعة الفاشية لحملات مجاز الأنفال وحلبچة من قبل النظام البعثي.
لقد شهد العالم خلال سنوات القرن العشرين الكثير من المجازر البشرية التي راح ضحيتها عشرات بل مئات ألوف وملايين الناس الأبرياء لأسباب ترتبط بالطبيعة العنصرية للنظم والقوى السياسية التي مارست تلك العمليات والتي استهدفت إبادة مجموعة قومية أو أثنية أو دينية أو مذهبية أو فلسفية أو فكرية وسياسية والتي اعُتبرت كلها مجازر جرائم إبادة جماعية وضد الإنسانية . وكانت مجازر الأنفال وقصف حلبچة بالكيماوي واحدة من أبشع المجازر تلك التي تعرض لها شعب كُردستان في العام 1988 والتي كانت القمة المرعبة في ما مارسته كل الحكومات العراقية السابقة.
وكمواطن عراقي من أبناء القومية العربية اشعر بالألم والخجل لما ارتكبه الفاشيون العرب في كردستان العراق من جرائم يندى لها جبين البشرية وتطالبنا تلك الضحايا البشرية جميعاً بالنضال من أجل منع وصول مثل هذه القوى المجرمة إلى الحكم ثانية في العراق أياً كان الرداء الفكري والسياسي والديني والمذهبي الذي يمكن أن تتلفع به أو تدعيه.
وأتمنى أن يساهم كل مواطن عربي في العراق وفي أي مكان آخر بحمية عالية في تعرية الخلفية الفكرية والأهداف الحقيقية وراء ما حصل في كردستان وأن يمارس الشجب والإدانة ضده بكل وعي ومسؤولية إزاء التآخي بين مختلف الشعوب في البلد الواحد وفي أرجاء المعمورة. إن الوعي القومي حين يشذ عن الطريق ويتشوه, حينها يمكن أن يمارس كل الجرائم المريعة باسم القومية والدفاع عنها والحفاظ على نقاوتها, وهي الشوفينية والعنصرية المقيتة بعينها وليس غير ذلك.  
لم تكن هذه المجازر التي تواصلت طوال تسعة شهور نتيجة رد فعل أو موقف سياسي إزاء الحركة الكردية التحررية المسلحة في كردستان العراق, بل كانت تعبر عن أيديولوجية فاشية وذهنية عنصرية مناهضة للقوميات الأخرى تلبست قوى البعث الحاكم وكانت ترفض الأخر وتسعى إلى تصفية حركة شعب يطالب بالحرية والديمقراطية وممارسة حقوقه كاملة غير منقوصة بما فيها حقه في تقرير مصيره بنفسه ودون وصاية من أحد.
إن عمليات مجازر الأنفال والضربات الكيماوية في حلبچة كانت قمة الأفعال العسكرية والعدوانية التي جابهت بها الحكومات المركزية في العراق الشعب الكردي الذي كان طالب قبل تأسيس الدولة العراقية بحقوقه المشروعة واستمر في المطالبة عليها طيلة العقود المنصرمة إلى أن حقق جزءاً أساسياً منها في العام 1991/1992 والتي تستوجب التكريس دستورياً وعبر قوانين واضحة وتمارس فعلياً.
لقد رفض المحتل البريطاني تحقيق حلم الأمة الكردية بالوحدة وواصل وعمق ووسع من حالة التقسيم التي منيت بها أرض كردستان منذ معارك جالديران في العام 1534 ووزعت إلى أربع دول بعد أن كانت حينذاك تحت احتلال الدولتين العثمانية والفارسية.
ثم رفضت الحكومات العراقية المتعاقبة, بعد أن ألحقت ولاية الموصل بالعراق في العام 1926, الاستجابة لمطالب الشعب الكردي وتنفيذ ما اتفق عليه في قرار عصبة الأمم والرسائل المتبادلة بين رئاسة العصبة والملك فيصل الأول والحكومة العراقية. واتخذت سياسات الحكومات المركزية المتعاقبة تهميش الشعب الكردي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً, إضافة إلى محاولات أولية في تغيير البنية السكانية لبعض مناطق كُردستان العراق دون أن يتبين منها أنها تريد ذلك والتي بدأت في منطقة الحويجة.
وحين كانت الأصوات الكردية ترتفع مطالبة بحقوقها المشروعة, كانت الحكومات العراقية المتعاقبة في العهد الملكي تواجه ذلك بالادعاء بوجود تمرد كردي لتتوجه بإنزال ضربات عسكرية ضد مواقع مناضلي الشعب الكُردي, ولم تتورع عن إعدام من كان مشاركاً في هذا النضال من العسكريين الكُرد, كما حصل في الموقف من الضباط الأحرار الكُرد الأربعة في حركات عام 1946.
ورغم النضال الذي خاضه الشعب الكردي والدعم الذي حصل عليه من المناضلين العراقيين العرب والأحزاب الديمقراطية لم يتحقق للشعب الكردي حتى سقوط الملكية أي مطلب من مطالبه العادلة وبقى التهميش متواصلاً ولم يحصل حتى على جزء ضئيل من موارد نفطه المالية لتصرف على عمليات التنمية والإعمار والتشغيل في كردستان العراق. وإذ شارك بعض الكُرد في مجلس النواب أو الحكومات المركزية العراقية المتعاقبة, فلم تكن تلك المشاركة حقيقية أو مدافعة عن مصالح وإرادة الشعب الكردي بل كانت تجري تحت مظلة الحكم الملكي ولصالحه وضد الشعب الكردي وحقوقه. كما أن البعض من ابرز هؤلاء قد شارك في اضطهاد كل الشعب العراقي بمن فيهم الشعب الكردي. ونورد هنا نماذج قليلة على سبيل المثال لا الحصر: بكر صدقي العسكري سعيد قزاز وعمر علي.
لم يكن الحكم الملكي عنصرياً أو فاشياً, بل كان رجعياً ومناهضاً للديمقراطية رغم وجود دستور ديمقراطي وكان قومياً عربياً شوفينياً, رغم الأصول الكردية أو التركمانية للبعض منهم. ووجد هؤلاء التأييد من القوى القومية العربية الشوفينية في الموقف من المسألة الكردية ومن حقوق الشعب الكردي العادلة والمشروعة.
وبعد ثورة تموز 1958 بدأ الحكم الجديد بمحاولة جادة لإنصاف الشعب الكردي والاعتراف له بحقوقه المشروعة على أرض العراق وعلى المشاركة في الوطن والحقوق والواجبات. إلا أن هذه البداية من رئيس الحكومة وقائد الثورة عبد الكريم قاسم قد تعثرت بفعل عوامل كثيرة بما فيها الفردية والحكم غير الديمقراطي وغياب المؤسسات الدستورية من جهة, والعجالة في تحقيق المطالب من جهة أخرى, ودور القوى القومية العربية الشوفينية الداخلية والدول العربية والدولية من جهة ثالثة, كما بدأ النزاع العسكري المسلح بين قوات الحكومة وقوات البيشمرگة الكُرد, وبهذا بدأ استكمال تراجع الثورة لا عن حقوق الشعب الكردي فحسب, بل وعن مجمل مسيرتها الديمقراطية وانتكست بثورة الردة الفاشية في شباط/فبراير 1963.
ومارست الحكومات القومية المتعاقبة سياسات مناهضة للكُرد ومتميزة بالشوفينية والذهنية العنصرية والاستبداد وممارسة القسوة في معالجة  المشكلات الداخلية. ولم تبذل أية جهود حقيقية لمعالجة المسألة الكردية, بل استمر التهميش بكل أشكاله واستمر استخدام القوة والسلاح لفرض إرادة الحكم المركزي وذهنيته الشوفينية على الشعب الكردي. وإذ حاول الدكتور عبد الرحمن البزاز, وهو القومي القانوني المنفتح, أن يعالج المشكلة بصيغة ما, وجد المقاومة من القوى العسكرية في حكومة عبد الرحمن عارف مما قاد إلى تنحيته وإلى بدء نزاع عسكري جديد ومتواصل.
وحين جاء حزب البعث مجدداً إلى الحكم واصل القتال ولم يكن في نيته تحقيق أي هدف من أهداف الشعب الكردي, وحين أجبر عليه في 11 آذار 1970, كان في خلفية تفكيره وأهدافه القضاء التام على الحركة الكردية وعلى مطالب الشعب الكردي. كان يتبجح في الظاهر القبول بـ "الحكم الذاتي لبعض محافظات الشمال" وليس الاعتراف بإقليم كردستان العراق أولاً, ومن ثم الإصرار على تصفية الحركة في أقرب فرصة تتاح له, وحين توفرت له وجه ضربته القاسية والتي تجلت في مضامين اتفاقية الجزائر المذلة والمعادية لمصالح الشعب الكردي وعموم الشعب العراقي في آن واحد.
إن سياسات الحكم المركزي في العراق قد تفاقمت تدريجاً لتتحول إلى نهج شوفيني عنصري فاشي الفكر والممارسة. وتبلور ذلك قبل وخلال فترة الحرب العراقية الإيرانية وتصاعد تدريجاً حتى نهاتها حيث توجه النظام البعثي بعدوانية لا مثيل لها والتي تجلت في تنفيذ عمليات مجازر الأنفال وضربات حلبچة في كردستان العراق
وإذ كانت كردستان مسرحاً لعمليات عسكرية مستمرة طيلة فترة الحرب العراقية الإيرانية, فأن النظام لم يبخل بالإرهاب والقمع والقتل والتهجير للكرد الفيلية, وهم جزء أصيل ومتميز من الشعب الكردي, ومن عموم الشعب العراقي, وكذلك شمول ذلك لعرب الجنوب والوسط بذريعة التبعية الإيرانية وتصفية الجبهة الداخلية من الجيوب العميلة !!  
أشير هنا ومن جديد أؤكد بأن عمليات مجازر الأنفال جاءت وفق ذهنية استبدادية عسكرية وأيديولوجية عنصرية وأساليب فاشية في القهر والتصفية وفي عمليات التعريب والتهجير القسريين والتغيير الديموغرافي لمناطق من كردستان.
العوامل التي تجعل من عمليات الأنفال ذات طبيعة عنصرية في الفكر وفاشية في الأساليب
- الأيديولوجية القومية اليمينية المتطرفة التي يستند إليها حزب البعث العفلقي منذ تأسيسه حتى اليوم.  
_ رفض القوميات الأخرى واعتبار القومية العربية هي الأفضل والأرقى وهي خير أمة في العالم ورفض احترام أو حقوق القوميات الأخرى واعتبارها الأدنى مستوى.
- معاداة القوميات الأخرى الموجودة في الدول العربية والسعي لصهرها في القومية العربية أو التخلص منها بأي سبيل كان.
- فرض الاستبداد والعنف في الممارسة السياسية وفي الموقف من القوى الأخرى والتربية بذهنية عسكرية والاستعداد لسحق من يقف في طريق القوى العربية الشوفينية.
- فرض الفكر الواحد والنهج الواحد والسياسية الواحدة للحزب القومي, سواء أكان بعثياً أم قومياً يمينياً شوفينياً على شاكلة القوى الموجودة في الدول العربية.
- رفض الديمقراطية والتعددية الفكرية والسياسية.
- رفض الحياة الدستورية والبرلمانية ومؤسسات المجتمع المدني المستقلة.
- اعتبار كل الدول العربية جزءاً من الوطن العربي واعتبار الشعوب الأخرى خاضعة له وينبغي أن تسير تحت رايتها شاءت ذلك أم أبت, ورفض جميع الحقوق القومية للقوميات الأخرى.
- العمل من أجل التوسع نحو الأراضي التي كانت يوماً ما في الدول الإسلامية والأراضي التي فتحت بالقوة واعتبارها جزءاً من الأراضي العربية التي يفترض لها أن تعود للدولة الأم. وهي لا تتورع عن خوض الحروب الخارجية من أجل تحقيق ذلك.
- ممارسة قاعدة الغاية تبرر الواسطة التي مارسها المستعمرون والفاتحون في كل الأوقات للهيمنة على دول وشعوب أخرى وإخضاعها لهم.
- وتمارس الفاشية في الحكم أساليب القهر اليومي والسجون والتعذيب النفسي والجسدي بكل أشكاله القديمة والحديثة والقتل والمقابر الجماعية لكل من تعتقد بكونه ضدها ومن تعتبره ضمن من تطلق عليهم تسمية الشعوبيين. وهي بالتالي تمارس نشر الكراهية والحقد بين الشعوب.
التصميم المسبق والتهيئة الفعلية لممارسة عمليات الأنفال
منذ أن وقع البعث بيان 11 آذار 1970 كانت في خلفية تفكيره تأمين السبل للتخلص من الحركة الكردية المسلحة وتصفية الحركة الديمقراطية الكردية وفرض الهيمنة الكاملة على كردستان. وتوفرت فرصة أولية لتحقيق ذلك حين اتفق مع شاه إيران في عقد اتفاقية الجزائر وكانت الضربة قاسية وشديدة. ولكن الشعب الكردي وقواه السياسية نهضت مجدداً وواصلت حمل السلاح. في هذه الفترة عمد النظام إلى مجموعة من الإجراءات حتى قبل بدء الحر مع إيران, وأهمها:
** تطوير القوات المسلحة العراقية وزيادة عددها وعدتها.
** تأمين ترسانة كبيرة جداً من السلاح الدفاعي والهجومي استيراداً وإنتاجاً, إضافة إلى السعي لإنتاج أسلحة الإبادة الجماعية, وخاصة بعد عملية التأميم وبدء تدفق الموارد المالية الكبيرة,
** نشر الفكر المناهض للكرد والكاره لهم باعتبارهم قوى انفصالية شعوبية وجيب عميل يحاول منع الوحدة العربية وتطور الحكم في العراق.
** بناء الثكنات العسكرية الكثيرة في مناطق جبال كردستان وممارسة إقامة المجمعات السكنية القسرية, إضافة إلى تهجير الكٍرد الفيلية وتهجير واسع النطاق للكُرد من كركوك إلى وسط وجنوب العراق أو إلى مناطق كردية أخرى.
** تصفية أي وجود علني للقوى السياسية الأخرى في البلاد وإنهاء آخر تحالف داخلي له مع الحزب الشيوعي بضرب قيادات وقواعد وتنظيمات الحزب الشيوعي على نطاق القطر كله, مما صفا له الجو لتنفيذ سياساته العدوانية ضد الشعب الكردي.
** كما عمل على تعبئة الرأي العام العربي ضد الكُرد بأساليب دعايته الجيماگوگية والمستمدة من الترسانة الفكرية السياسية للنازيين في ألمانيا ومن قول غوبلز "أفتروا ثم أفتروا ثم أفتروا, لعل بعض افتراءاتكم تعلق بأذهان الناس".
** شن حرب فعلية ضد الشعب الكُردي في الوقت الذي كان خوض الحرب العدوانية والتوسعية ضد إيران.
** تدمير الكثير من القرى والأرياف والغابات والمزروعات في كردستان العراق لضمان كشف المنطقة أمام ضربات القوات الجوية العراقية, إضافة إلى تدمير البنية التحتية والاقتصاد الزراعي وقدرة الفلاح العراق على ممارسة الزراعة والمشاركة في الإنتاج, وتحميل المجتمع والإقليم والدولة خسائر مالية فادحة, إضافة إلى خراب البيئة وتلويثها على أوسع نطاق.  
** تعزيز الوجود العسكري العراقي في كردستان العراق والتهيئة لتوجيه ضربات قاسية لقوات الپيشمرگة المسلحة ومناطق وجودهم فيها.
** تعزيز القيادة الحزبية والعسكرية للقوات الحكومية والجحوش وقوات الأمن. وقد تم تكليف المجرم علي حسن المجيد بمهمة قيادة العمليات العسكرية في كردستان العراق.
** ومع بدء عمليات الأنفال دعا الدكتاتور صدام حسين في آذار من العام 1988إلى التفاوض مع القوى المسلحة والأحزاب المناهضة له بهدف التغطية على عملياته العدوانية الإجرامية ضد الشعب الكردي والتي رفضت من قبل كل القوى السياسية الوطنية العربية والكردية الديمقراطية.
إن كل هذه الإجراءات كانت تؤكد وتدلل على النية الكاملة والتصميم والتخطيط والتنظيم لتنفيذ العملية في الوقت المناسب الذي تم اختياره وتحديده قبل نهاية الحرب العراقية الإيرانية بفترة وجيزة من جانب الدكتاتور المقبور صدام حسين.
ثالثاً : ثالثاً : التنفيذ الإجرامي لحملات ومذابح الأنفال
استخدم النظام العراقي في حملاته العسكرية الجديدة في العام 1988 كل تلك الأساليب والأدوات التي أشرنا إليها سابقاً, إضافة إلى ما يلي, سواء بالتتابع أم كلها دفعة واحدة وفي ظروف متباينة ومواقع مختلفة:,
1. استخدام الأسلحة الكيماوية: وهذا ما تحدث عنه قائد الحملات العدوانية بنفسه علي حسن المجيد بعد أن كان قد قطع شوطاً بعيداً في حملات الإبادة الجماعية. ورغم إنكاره في المحكمة استخدام السلاح الكيماوي, إلا أنه أبدى الاستعداد الكامل لتكرار ذلك إذا ما طلب منه ذلك في ظروف مماثلة.
عمد النظام إلى تدمير كامل لأكثر من 4200 قرية كردية بعدد متباين من النفوس في كل منها, وتدمير المزروعات والحيوانات فيها. ومن أجل إنجاز الحملة العسكرية على شعب كردستان استخدمت قوات النظام القصف الجوي قاذفة بالأسلحة المحرمة دولياً ومنها الناپالم والأسلحة الانشطارية, كما استخدم المدافع الثقيلة لهذا الغرض. ولم تقصف هذه القرى بعد تخليتها من السكان باستمرار, بل خرب الكثير منها على رؤوس ساكنيها في غالب الأحيان.
قام النظام بعمليات تمشيط واسعة لأغلب القرى والأرياف الكردية تم خلالها حجز سكانها وتجميعهم في مراكز معينة, ثم نقلهم بشاحنات إلى مناطق مجهولة بهدف تصفيتهم جسدياً.
تؤكد المعلومات المتوفرة أن النظام كان قد شكل بعض الفرق الخاصة التي أخذت على عاتقها تصفية هذه المجاميع الكبيرة من السكان من خلال قتل عشرات الآلاف منهم ودفنهم جماعياً أو دفنهم وهم أحياء في حفر واسعة والدوس على قبورهم الجماعية وتسوية الأرض بالجرافات التابعة للقوات المسلحة. ولم ينج من هذه المجازر في الغالب الأعم لا الأطفال ولا النساء ولا المرضى والعجزة ولا الشباب والشابات. وكان الفاعلون, وهم أدوات بيد الجلاد, ذات نزعات سادية بيد الجلاد,  يسلبون ضحاياهم كل ما هو ثمين.
5. توجد حالات أخرى قام الجلادون بفرز الرجال والشباب عن النساء والأطفال, ثم وضعوا مجموعة الرجال في شاحنات عسكرية نقلوهم تدريجاً حيث الموت المحقق, في حين أخذوا النساء والأطفال إلى أماكن مختلفة. فمنهم من أرسل إلى نقرة السلمان ومنهم من أرسل إلى تكريت وبعضهم أرسل إلى السليمانية حيث تركوا في عربت. وكانت المعسكرات الكثيرة والكبيرة عاجزة عن استيعاب كل هؤلاء الذي طالتهم عمليات الأنفال .        
6.    نفذ النظام عمليات إعدام أخرى في المدن والقرى التي أشرنا إليها سابقاً بسبب ولوج مناطق محظورة أمنياً أو بسبب اتهام الناس بالتعاون مع قوى الپیشمرگة أو الشك بإخلاصهم. ولم يكن الموت نصيب هؤلاء وحدهم, بل نصيب أقرباء هؤلاء الضحايا من الدرجة الأولى, إضافة إلى تهديم بيوتهم ومصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة.    
7. تشير الكثير من الدلائل إلى أن المجموعات الخاصة التابعة لقوى الأمن العراقية هي التي كانت تقوم بعمليات اغتصاب النساء والشباب في أقبية الأمن أو في المواقع التي يتجهون إليها.
8. وخلال الفترة الواقعة بين بدء العمليات العسكرية ضد إيران في عام 1980, عمد النظام في كردستان إلى استخدام كل السبل المتوفرة للقضاء على مقاومة الشعب الكردي. وكان من تلك السبل الخسيسة والغادرة إعطاء مكافأة مالية كبيرة لكل من يقوم بقتل واحد أو أكثر من الپیشمرگة/الأنصار ويأتي برأسه وسلاحه. وشكل النظام فرقاً لهذا الغرض كما عمد إلى تنشيط المجرمين للقيام بهذه العمليات لقاء بعض المال.
9. وعمد النظام إلى تدمير فعلي للبنية التحتية والاقتصاد الفلاحي في الريف الكردستاني ساعياً إلى اغتصاب الحياة فيها من السكان ومنعهم من العودة إليها بتاتاً . أقدمت قوى النظام وبتوجيه من صدام حسين مباشرة على تدمير 1757 مدرسة 2457 مسجداً و271 مستوصفاً في القرى التي قامت بتدميرها .
   وعلينا أن نتذكر باستمرار بأن حملات الأنفال المرعبة كانت قمة العدوان الفاشي والانحطاط الأخلاقي والإنساني للجلادين لما ارتكبوه من جرائم بشعة إزاء الناس من نساء ورجال وأطفال كردستان العراق. إنها عار في جبين النظام وقادته وجناته. ولكن ما هي حصيلة عمليات الأنفال المرعبة؟

رابعاًً : ماذا يمكن فعله لضحايا الأنفال في كردستان العراق؟
إن الدراسة الجادة والمعمقة والمسؤولة لسياسات الحكومات العراقية المتعاقبة على امتداد الفترة منذ العهد الملكي حتى سقوط النظام البعثي (1921-2003) إزاء إقليم كردستان وشعب كردستان تشير بما لا يقبل الشك لا إلى التهميش فحسب, بل وإلى القهر والاستعداء والعداء. كما أن عمليات الأنفال تؤكد هذه الحقيقة بأجلى معانيها. ومن هنا يفترض فينا أن نستخلص الدروس المناسبة لهذه التجربة الطويلة أولاً, وان نعمل من أجل تصحيح تلك العلاقة ثانياً, وأن نفكر في كيفية إنصاف ضحايا الأنفال وعائلاتهم ثالثاً. وهذا يتطلب منا:
1. يفترض العمل من أجل بناء القاعدة المادية لقيام مجتمع مدني ديمقراطي علماني وتربية فكرية وتنوير اجتماعية ضد الشوفينية والعنصرية ومعاداة الأديان الأخرى وضد الطائفية السياسية والتمييز الديني والطائفي, ومن أجل تكريس روح المواطنة المتساوية, وضد الاستبداد والعنف والقسوة والالتزام بحل المشكلات بالطرق السلمية وبآليات ديمقراطية.  
2. يفترض نشوء علاقة دستورية واضحة بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية في مجال الصلاحيات والحقوق والواجبات وان توضع تلك النصوص الدستورية في قوانين ملزمة لتلك العلاقة ومحكمة دستورية تفض النزاعات حين تحصل بين الحكومتين. والمضمون الأساسي لهذه العلاقة هي المصالح المشتركة بين الشعبين والحكومتين وبقية القوميات الموجودة في العراق.
3. وفي مجال ضحايا الأنفال يفترض فينا جميعاً العمل من أجل ما يلي:    
1.    الاتفاق على تأسيس مركز علمي موحد في كردستان العراق لجمع وتصنيف وترتيب وحفظ الوثائق الخاصة بما ارتكب بحق الشعب الكردي من جرائم خلال العهود المنصرمة, ولكن بشكل خاص خلال الفترة التي أعقبت مجيء البعث إلى الحكم في العراق.
2.    تشكيل لجنة دولية لإعادة إعمار المناطق التي دمرت من قبل القوات العسكرية العراقية وخاصة تلك التي ضربت بالكيماوي, من خلال دعوة معماريين دوليين لإعادة بناء حلبچة الجديدة لتبقى القديمة تشير إلى الجرائم المرتكبة. ويمكن أن تقام عملية جمع تبرعات دولية لصالح بناء المدينة الجديدة مما يشير إلى التضامن الدولي مع هذه المدينة المغدورة.
3.    تقديم طلب رسمي باسم اللجنة الدولية الدائمة والمسئولين في كردستان العراق إلى الأمم المتحدة من أجل اعتماد تنظيم ندوة دولية خلال العقد الجاري تبحث في أسباب وعواقب مجازر عمليات الأنفال التي مارسها النظام العراقي, باعتبارها أعمالاً عنصرية استهدفت التطهير والإبادة الجماعية للشعب الكردي في كردستان العراق, واستخلاص الدروس والسياسات والإجراءات الممكن اتخاذها لمعاقبة النظام ومن أجل منع تكررها في كردستان العراق أو في أي مكان من العالم, وهي بمثابة تحذير لكل الحكومات والقوى والسياسات العنصرية في المنطقة, وخاصة في تلك الدول التي تعيش فيها بقية أجزاء الأمة الكردية.
4.    مواصلة محاكمة كافة المسؤولين الأساسيين عن ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية وضد الإنسانية في كردستان العراق.
5.    فتح صفحة خاصة على الإنترنيت باسم حملة الأنفال الدولية وإصدار نشرة خاصة بها بلغات مختلفة.
6.   قيام اللجنة الدولية بتنظيم ندوات أو مؤتمرات سنوية تعقد في كردستان العراق من أجل مواصلة فضح هذه السياسات والكشف عن السبل والأساليب والأدوات التي أستخدمها النظام في قتل هذا العدد الهائل من السكان الأكراد في كردستان العراق وعن بقية جرائم النظام بحق الشعب الكردي وبنات وأبناء القوميات الأخرى.
7.    تأمين إقامة معارض فنية تشكيلية حول الواقع العراقي ومجازر الأنفال, ومنها حول جريمة حلبچة, ونضال الشعب الكردي وإصدار البوم خاص بتلك اللوحات ونشرها على نطاق واسع, على أن يدعى لها أوسع عدد ممكن من الفنانين العراقيين من مختلف القوميات, إذ في ذلك إدانة فعلية للعنصريين من العرب بسبب المجازر التي ارتكبوها بحق الشعب في كردستان, وفي مقدمتهم قادة الحكم القائم في العراق وعلى رأسهم صدام حسين وعلي حسن المجيد.
8.    إيلاء اهتمام كبير بالناس المتبقين والفالتين من عمليات الأنفال لضمان استكتابهم أو إجراء المقابلات معهم للحصول على أوسع وأدق التفاصيل عن هذه العمليات العنصرية وتسجيلها صورة وصوتاً ونشرها بشكل منظم ومبرمج.
9.    كما يفترض إيلاء اهتمام خاص من جانب الأحزاب الوطنية الحاكمة في كردستان العراق, وفي العراق بالناس الذين نجوا من المذابح, ورعاية أطفال وعائلات شهداء مذابح الأنفال.
10.    بناء متحف في كردستان لضحايا الشعب الكردي وخاصة ضحايا مجازر الأنفال ليكون موقعاً ومعلماً يزوره الناس ليتعرفوا على طبيعة الجرائم التي ارتكبت ضد الإنسانية في كردستان العراق من جانب النظام والذهنية التي حكمت ذلك, كما يمكن أن يتحول إلى مزار لكافة سائحي كردستان أيضاً.
11.    إقامة نصب تذكارية مركزية ونصب أخرى لضحايا الأنفال تقام في مواقع مناسبة من كردستان وبغداد.
12.    عناية الحكم الفيدرالي وكذلك الحكم الاتحادي في بغداد بدعم الكتب التي تبحث في المجازر والمحن التي تعرض لها الشعب الكردي وبقية القوميات في كردستان العراق من أجل فهم العوامل الكامنة وراء ما حدث واستيعاب دروسها ومنع حصولها مستقبلاً.                
13.    إدخال حملات عمليات الأنفال مادة خاصة ضمن حقوق الإنسان في المناهج التعليمية والتدريسية لتعميق الوعي بمناهضة التجاوز على حقوق الإنسان بكل أشكاله.
14.    الطلب من حكومة بغداد المركزية بتعويض ضحايا الأنفال وفق تقديرات علمية صحيحة. وهناك دراسة بهذا الصدد وضعها فريق عمل مستقل لصالح وزارة المؤنفلين في إقليم كردستان يفترض أخذها بنظر الاعتبار في هذا الصدد.
28/10/2009                                            كاظم حبيب  

  

550
مسيرة الأحزاب السياسية ونتائج انتخابات الإقليم الأخيرة
الحلقة الثالثة والأخيرة
 المعارضة السياسية الاحتجاجية في كُردستان العراق
المدخل: دور ومهمات المعارضة السياسية
لا شك في أن وجود معارضة سياسية فاعلة ومؤثرة يعتبر أحد معالم الديمقراطية في أي بلد من البلدان حين تمارس حقها المشروع كحكومة ظل في نقد سياسات الحكومة التي تشكل الأكثرية في المجلس النيابي وتطرح في الوقت نفسه برنامجها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي ومشروعاتها التي يمكن أن تتعارض أو تتفق في بعضها وتختلف في بعضها الآخر مع سياسات الحكومة. وكلما كانت المعارضة قوية وموضوعية وواعية لدورها ومهماتها وهادفة في سعيها للوصول إلى السلطة عبر التداول الديمقراطي السلمي, تسنى لها أن تمارس النقد الموضوعي البناء, إذ تؤيد ما هو إيجابي وسليم في سياسة السلطة, وترفض ما تعتبره خاطئاً.
لا تنشأ المعارضة السياسية الديمقراطية من فراغ, بل لا بد لها أن تقوم على قاعدة المجتمع المدني المتطور, كما لا بد أن تستند سياسات الحكومة ومواقفها إزاء المعارضة السياسية إلى أسس مبدئية وقيم يقرها الدستور, ومنها الاحترام للرأي الآخر أو احترام رأي قوى المعارضة أو الأقلية وأخذها بنظر الاعتبار في حالة كونها مقنعة وصالحة وليس الرفض مسبقاً. ومثل هذه الممارسة تحتاج إلى تقاليد ديمقراطية وحضارية ورؤية واعية لأهمية المعارضة السياسية ولدورها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والأمنية من جانب قوى الحكومة, وكذلك الرؤية الواقعية من جانب قوى المعارضة لدور الحكومة وسياساتها باعتبارها تمثل الأكثرية التي تحققت لها عبر انتخابات عامة ونزيهة.
ولا شك في أن وجود معارضة سياسية لا يعبر وحده, من حيث المبدأ, عن وجود حياة ديمقراطية في هذا البلد أو ذاك, بل هو أحد معالم النظام الديمقراطي المدني, إذ يفترض أن تقترن بجملة من الخصائص والسمات الأخرى التي تعطي الحق بتسمية هذا البلد أو ذاك بالديمقراطي, ومن بينها وجود دستور ديمقراطي فاعل وحياة ديمقراطية فعلية ووجود مؤسسات دستورية ديمقراطية, إضافة إلى الفصل بين السلطات الثلاث والفصل بين الدين والدولة والاحتكام للشعب لا في إجراء الانتخابات فحسب, بل وفي استشارته (الاستفتاء العام) في أهم القضايا التي تمس مصالح المجتمع بأسره.
ويمكن للحكومة من طرف وللمعارضة من طرف أخر, سواء أكانت حزباً واحداً أم عدة قوى متحالفة, الاتفاق على برنامج سياسي واحد بالنسبة للطرف الذي يقوم بتشكيل الحكومة, في حين يمكن لقوى المعارضة أن تتحالف أو تبقى منفردة في طرح برنامجها والتعريف بمواقفها إزاء برنامج وسياسات الحكومة. ومثل هذه التحالفات يمكن أن يعلن عنها قبل أو بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات والبدء بالمحادثات الخاصة بتشكيل الحكومة.   
لا شك في أن المنافسة الانتخابية, أو بعد إجراء الانتخابات, تسعى إلى كسب تأييد الفئات الاجتماعية المختلفة من خلال تحقيق البرامج المطروحة التي يمكن أن تتخذ صورة صراعات فكرية وسياسية هادئة وموضوعية وهادفة, كما يمكن أن تتخذ صورة مهاترات واتهامات متبادلة, كما يمكن أن تبرز حالة بين الحالتين أو منهما في آن واحد. إلا إن ذلك كله يعتمد على عوامل عدة بما فيها التقاليد الانتخابية الديمقراطية في هذا البلد أو ذاك. وغالباً ما تتخذ المنافسة الانتخابية في دول العالم الثالث وحتى في دول أوروبية متقدمة الحالة الوسطية بين الحالتين, وهو أمر سلبي بطبيعة الحال, والحالة الديمقراطية تلك التي تبعد المرشحين والقوائم والأحزاب السياسية والناخبين عن المهاترات والبقاء على أرض الواقع واستخدام أسلوب التنافس السلمي الديمقراطي للحصول على مقاعد المجلس والسعي لتحقيق مصالح المجتمع.
من هنا تبدو أهمية وجود ودور المعارضة في الحياة السياسية في أي بلد ديمقراطي, إذ أن النقد يساعد على تنوير الطريق وإصلاح الخطأ وليس التخريب والهدم والإساءة. ولا شك في أن قوى المعارضة السياسية تسعى لوصول إلى السلطة دون أدنى ريب, وسعيها هذا طبيعي ومطلوب شريطة أن تبرهن للناخبات وكذلك للناخبين أنها تمتلك برنامجاً أفضل وطاقة أعلى ورؤية أوضح واستعداداً أكبر لخدمة قضايا الشعب وتحقيق مصالحه في الواقع العملي وليس بالحديث والخطاب السياسي فقط.

المعارضة السياسية في إقليم كُردستان العراق
كل القوى السياسية الكُردستانية كانت في المعارضة السياسية حين كان العراق كله, بما فيه الجزء الكُردستاني, تحت الهيمنة الفاشية للدكتاتورية الصدّامية. ولكن ومنذ أن تسلمت الجبهة الكُردستانية السلطة في النصف الثاني من العام 1991 تغير الوضع. وكانت القيادة الفعلية بيد الحزبين الرئيسين, الحزب الديمقراطي الكُردستاني والاتحاد الوطني الكُردستاني, وانتهى دور الجبهة الكُردستانية عملياً الذي ما كان له أن ينتهي بتلك السرعة ودون مبرر مناسب.   
وبعد التخلص من الدكتاتورية تغير الوضع تماماً, فلم تعد هناك معارضة سياسية, بل كان الوضع يشير إلى صراع بين الحزبين الرئيسين الحاكمين, إذ تم تشكيل حكومتين منفصلتين في أربيل ودهوك من جهة, وفي السليمانية من جهة أخرى وأقيمت الحدود المفتعلة.
ولم تظهر معارضة جادة حينذاك حيث كان الفصل بين الحكومتين قد جعل وجود معارضة في كل طرف مستحيلاً تقريباً. ومنذ بدء التوحيد الحكومي بدأت تبرز معارضة سياسية جديدة كانت مغمورة وفي العتمة. وكانت حاجة بعض الأحزاب الصغيرة لأموال الحزبين الكبيرين تبعدها عن المعارضة السياسية والسكوت!   
ولهذا يمكن القول بأن لم تكن في إقليم كُردستان العراق حتى الأمس القريب معارضة سياسية واضحة المعالم وجادة وواعية لدورها, بل كانت معارضة سياسية مبطنة وباطنية أو من الباطن, أي تبرز في كل حزب من الأحزاب السياسية القائمة, وبشكل خاص في الحزبين الرئيسين.
لقد شاركت في البداية أغلب الأحزاب السياسية في تشكيل الحكومة بغض النظر عن حجم المشاركة. ومن بين التقاليد السيئة الموجودة في العراق أن الأحزاب التي تشارك في الحكم تكف عن إبراز مواقفها المختلفة عن سياسة الحكومة وتبتعد عن ممارسة النقد حين تتعارض إجراءات السلطة مع برامج تلك الأحزاب أو حين يمارس الحزب الحاكم الأكبر سياسة منفردة دون الأخذ بالاعتبار وجود قوى مخالفة لتلك السياسات أو الإجراءات أو غير مقتنعة بها مستنداً إلى القول الشعبي "تريد أرنب أخذ أرنب, تريد غزال حصتك أرنب".
إلا أن وجود الحزبين الرئيسين في الحكم لسنوات طويلة وتراجع كبير لدور الأحزاب السياسية الأخرى في الحياة العامة وفي العلاقة مع فئات المجتمع وتراجع مصداقيتها أمام الناس من جهة, وتفاقم المشكلات التي أشرت إليها سابقاً, برزت في السنوات الثلاث المنصرمة على نحو خاص صيغاً عدة للمعارضة, منها:
1.   معارضة شعبية صامتة متنامية, لكنها غير خافية على أحد وتدور بين أفراد المجتمع حول المظاهر السلبية التي تسجلها رؤيتها للمسيرة. وهي في تراكم متواصل لأنها لم تتم مراجعة سياسات الحزبين والحكم ومعالجتها.
2. معارضة حزبية داخلية من قوى داخل الحزبين وفي الأحزاب الأخرى بصوت منخفض وغير مسموع في البداية ثم أصبح قوياً يردد في دوائر مغلقة متسعة تدريجاً ثم انفتح على  المجتمع, كما في الآونة الأخيرة وفي إطار الأحزاب الصغيرة أيضاً, ومنها الحزب الشيوعي الكردستاني. وقد أثار هذا إشكاليات للأحزاب الحاكمة وغير الحاكمة لأن الأعضاء بدأوا يفقدون  القدرة على الدفاع عن سياسات أحزابهم في الأوساط الشعبية ويفقدون مصداقيتهم في آن.
1.   ونتيجة للسياسات السابقة برزت معارضة من داخل الأحزاب ذاتها ومن الأوساط المستقلة ومن الأحزاب القليلة غير المشاركة في الحكم وجدت تعبيرها في مقالات تنشر في بعض الصحف والمجلات والبرامج التلفزيونية غير الحكومية والتي استطاعت أن تستقطب تدريجاً الكثير من الناس إلى جانبها, وخاصة الكثير من تلك القوى الصامتة التي كانت تخشى التصريح برأيها لأي سبب كان, مستفيدة من الحرية النسبية الموجودة في كُردستان العراق وفي العراق بشكل عام.
إن قوى المعارضة السياسية التي ظهرت خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة كانت في الغالب الأعم من داخل الحزبين الحاكمين الرئيسين. وتسنى لها أن تستقطب الكثير من الناس في الشكلين الأول والثاني, سواء أكان في أوساط الحزبين أم في أوساط المجتمع, وهي في اتساع ملموس.
المعارضة التي نهضت في داخل الحزبين لم تكن في البداية ضد الحزبين, بل كانت معارضة سياسية قلقة وأحياناً كثيرة لأسباب شخصية, تسنى لها أن تستقطب تدريجاً الكثير من المحتجين على سياسات الحزبين الحاكمين والمتضررين من الأوضاع السائدة التي تعيشها الفئات الاجتماعية الكادحة وغياب العدالة الاجتماعية وتفاقم الفجوة بين الأغنياء والفقراء والتي ترى فيها ضرراً على حياتها الراهنة ومستقبل إقليم كردستان.
ومع إنها برزت وتبلورت في جماعة سياسية من بين قادة وكوادر وأعضاء الاتحاد الوطني الكُردستاني التي استخدمت أموال الحزب ذاته في تعبئة القوى حولها, فإن قوى أخرى مماثلة لم تستطع بلورة قوامها في الحزب الديمقراطي الكُردستاني أو التحضير والدخول بقائمة موحدة في الانتخابات الأخيرة لأسباب ارتبطت بعدم حسم الموقف داخل الحزب الديمقراطي الكُردستاني بخلاف ما حصل في الاتحاد الوطني الكُردستاني. وهذا لا يعني أنها غير موجودة, بل هي موجودة وواسعة أيضاً.
لم تكن القوى المحتجة المعارضة في الاتحاد الوطني الكُردستاني تختلف في سياساتها ومشاركتها ومسؤوليتها عن القيادات الأخرى في سياساتها السابقة, بل كانت جزءاً منها ورفعت شعار التغيير الذی أصبح شعاراً جماهيرياً منذ أن انتصر به باراك أوباما, مع تناغمه موضوعياً مع تطلعات ورغبات الناس فی التغيير, كما أن قيادتي الحزبين الحاكمين لم تأخذا مصالح الناس والسلبيات المتزايدة وهذه القوى المعارضة بالجدية الضرورية ولم تعمدا إلى مبادرة جريئة لتحقيق التغييرات المنشودة في أوضاع حزبيهما, قيادة وقاعدة, وفي سياسات حكومة الإقليم, بل واصلتا سياستيهما السابقتين بذات النهج والأساليب والأدوات والشخوص والخطاب السياسي, وبالتالي عجزتا عن معالجة الموقف الجديد. ومن هنا حصل الانشقاق الفعلي في الاتحاد الوطني حتى قبل إعلانه بفترة غير قصيرة رغم بقائه في إطار الاتحاد الوطني حتى عقد الاجتماع الموسع وفصل قياديي گوران من الاتحاد الوطني الكُردستاني, إذ بدا قبل ذاك وكأن القائمين به ليسوا سوى قائمة انتخابية فقط, في حين كان الأمر منذ البدء غير ذلك, لقد بدأ حزباً سياسياً تحت اسم التغيير أو گوران كان يأمل إما أن يسيطر على  الاتحاد الوطني كله أو أن يشكل حزباً جديداً, وهذا ما حصل. إلا أن هذه القوى لا تختلف حتى الآن, كما أرى, عن ذات الطبيعة والأهداف العامة وأساليب وأدوات العمل في الحزب الأم,
من كان يتتبع تطور الأحداث والأوضاع في كردستان العراق, كان في مقدوره أن يتوقع حصول ذلك قبل وقوعه بفترة غير قصيرة, إذ كانت كل الدلائل تشير إلى ذلك, 
وخلال الفترة القادمة سيساعد هذا الوضع على بلورة المعارضة السياسية في أربيل ودهوك أيضاً إذا ما استمر الوضع في الحزب الديمقراطي الكُردستاني على حاله, وإذا عجز الحزبان الحاكمان عن ممارسة سياسات وإجراءات جديدة لتغيير أوضاع حزبيهما والحكم الذي يقودانه. ومع ذلك ستبقى المعارضة موجودة وهو أمر طبيعي ومفيد لغرض المنافسة وتحسين الأوضاع الناس وخاصة الكادحين منهم.
إن وجود معارضة سياسية ليس خطأً بل ضرورة موضوعية, وواجبها أن تلعب دوراً إيجابياً في الحياة السياسية وفي المنافسة على الحكم وتقديم الأفضل في برامجها وفعلها وعلى مستوى العلاقة مع الشعب ومصالحه وتجديد أساليب وأدوات الحكم والتوجه صوب الديمقراطية والحداثة. فهل في مقدور هذه المعارضة أن تمارس مثل هذا الدور؟ وهل ستسمح القوى الحاكمة ذلك؟ وهل ستكون المنافسة سلمية وديمقراطية؟ هذا ما ستكشفه الأيام.
المعارضة السياسية الراهنة لا تزال احتجاجية وتتشكل من 40 نائباً من مجموع 111 (100 للكُرد و11 للقوميات الأخرى) ترتبط بعدة أحزاب سياسية بعضها متحالف في ما بينه (13 نائباًً), كما أن گوران يمتلك 25 مقعداً, وتمتلك الأحزاب المؤتلفة على بقية المقاعد. وسيكون في مقدور الأحزاب الحاكمة الحصول بسهولة على الأكثرية في أي تصويت داخل البرلمان الكردستاني, ولكنها سوف لن تكون حرة كما كانت عليه قبل بروز هذه المعارضة. وهو جانب إيجابي في مجمل الوضع في كُردستان العراق, كما ستجد نفسها مضطرة إن أرادت البقاء في الحكم أن تمارس سياسات جديدة, فهل ستفعل ذلك؟ هاذ ما يفترضه المنطق والعقل الفعال.
والمشكلة لا تمس الوضع الداخلي لكُردستان وحده فحسب, بل تمس العلاقة مع الحكومة الاتحادية وسبل معالجتها للقضايا الخلافية الراهنة.
إن الواقع الجديد سيجد تعبيره في الانتخابات القادمة التي لم يبق على بدئها سوى 70 يوماً, فهل سيكون في مقدور قيادتا الحزبين الحاكمين تحسين أوضاعها ومعالجة الاختلالات التي تعانيان منها خلال الفترة المتبقية وما بعدها لا بهدف الحصول على  مقاعد أكثر فحسب, بل وبالأساس بهدف  تغيير وتحسين علاقتها بفئات المجتمع واعتماد مصالح الناس قبل غيرهم. كما يفترض أن يجري التغيير المناسب في العلاقة بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية ومن جانب الحكومتين ووضع قوانين جديدة تحكم هذه العلاقة في ضوء الدستور القائم.
إن مرحلة سياسية جديدة بدأت في كُردستان والتي من بين إيجابياتها أن قيادة الاتحاد الوطني الكُردستاني قد وضعت في الاجتماع الموسع الأخير على المحك لما يفترض أن يقوم به في الفترة القادمة وإزاء منافسة مجموعة گوران له في السليمانية وكركوك بشكل خاص, إذ يفترض فيه, إن أراد الاحتفاظ أو استعادة ما فقده من قواه الذاتية, إن يجري تغييرات واسعة وعميقة في الشخصيات والكوادر القيادية والاعتماد على الشباب والنساء وفي بنية الحزب وفي أساليب وأدوات عمله وعلاقاته مع فئات المجتمع والمثقفين ...الخ, إضافة إلى مكافحة الفساد في صفوفه وعلى مستوى  الأجهزة الحزبية والحكومية,
كما سيكون الحزب الديمقراطي الكُردستاني أمام حالة مماثلة دون أدنى ريب تفرض عليه إجراء التغيير, وإلا ستنطلق معارضة سياسية من داخله بصورة موضوعية وحتمية أيضاً. وسيبقى السؤال المهم: كيف سيتعامل قادة الحزب الديمقراطي الكُردستاني مع التغيير المطلوب والذي يفترض أن يمس القيادة والكوادر قبل القاعدة؟
إن من بيده الحكم هو القادر عملياً وقبل غيره على القيام بعمليات التغيير في الإقليم, وليس في مقدور المعارضة ذلك إلا من خلال تشديد النقد وتعبئة القوى ضد الأحزاب الحاكمة حين ترفض تحقيق التغيير المنشود. إن الدور التاريخي السابق لأي حزب من الأحزاب لم يعد كافياً لكسب الشعب, بل السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والأمنية ومصالح الناس اليومية والخدمات التي يمكن تقديمها وتحسين مستوى المعيشة ومكافحة البطالة بمختلف أشكالها والفساد المالي والإداري السائدين والتواضع في التعامل مع الناس والاحتكاك المباشر بفئات الشعب وبعيداً عن الوسطاء من الموظفين البيروقراطيين المسؤولين عن مكاتب المسؤولين الذين يخفون عن رؤسائهم المشكلات الحقيقية, باعتباره الطريق القويم إلى عقول وقلوب الناس.
15/11/2009                  كاظم حبيب   


551
مسيرة الأحزاب السياسية ونتائج انتخابات الإقليم الأخيرة
الحلقة الثانية 
الأحزاب السياسية الكُردستانية
المدخل
"ويل لعالم لا ينفتح على غيره, وجاهل منغلق على نفسه"
حكمة مندائية قديمة
الحياة الحزبية الكُردستانية العراقية ليست حديثة العهد, بل هي قديمة وتعود إلى سنوات العقد الثالث والرابع من القرن العشرين والتي برزت في أحزاب سياسية قومية ويسارية, وتبلورت أكثر فأكثر في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية وما بعدها والتي تجلت عملياً في حزبين رئيسين هما الحزب الديمقراطي الكُردي, (الكُردستاني فيما بعد), والحزب الشيوعي العراقي (فرع كُردستان). ثم انشطر الحزب الأول إلى حزبين عملياً منذ العام 1964 تقريباً, بعد أن ظهرت مجموعة المكتب السياسي بقيادة إبراهيم أحمد وجلال الطالباني نتيجة ذلك الانشطار, إلى جانب الحزب الديمقراطي الكُردستاني بقيادة ملا مصطفى البارزاني, ثم تبلور الحزب المنشطر في العام 1975/1976 في أعقاب النكسة المريعة بسبب الاتفاق الشائن مع شاه إيران في العام 1975 وعقد اتفاقية الجزائر الخيانية, إذ برزت مجموعة المكتب السياسي مع مجموعات أخرى مثل كومله والخط العريض لتشكل سوية "الاتحاد الوطني الكُردستاني", ثم ظهرت أحزاب أخرى في الثمانينات كالحزب الاشتراكي الكُردستاني وباسوك وغيرهما, وكلها من ضلع الحزب الأم أو فيما بعد من الاتحاد الوطني الكُردستاني, إضافة إلى الحزب الأشوري والحزب الكلداني ومن ثم بعض القوى الإسلامية. كما أصبح للشيوعيين الكُرد حزبهم السياسي المستقل ذاتياً والمرتبط بالحزب الشيوعي العراقي بعلاقة تضامنية ونضالية خاصة, باسم الحزب الشيوعي الكُردستاني.
واليوم يمكن أن يجد المتتبع أكثر من ستة عشر حزباً سياسياً في كُردستان. وأكثرها بروزاً هما الحزب الديمقراطي الكُردستاني والاتحاد الوطني الكُردستاني وجماعة گوران أو "جماعة التغيير". ولا شك في أن في هذه الأحزاب توجد تيارات فكرية وسياسية متنوعة ومتصارع داخلياً, إضافة إلى صراعات أخرى. كما توجد أحزاب أخرى ممثلة في المجلس النيابي, ولكنها لا تزال ضعيفة أ ضعفت كثيراً في السنوات الأخيرة مثل الحزب الشيوعي الكُردستاني, في وقت تعززت مواقع الحزب الإسلامي. سأحاول هنا الحديث عن الحزبين الرئيسيين الحاكمين.
الحزب الديمقراطي الكُردستاني والاتحاد الوطني الكُردستاني 
احتل هذا الحزبان موقع الصدارة في أعقاب انسحاب القوات العراقية من إقليم كُردستان, إذ تم الانسحاب من المحافظات الثلاث, أربيل والسليمانية ودهوك, ولم يتم الانسحاب من كركوك. وشكلا الحكومة المشتركة ثم الحكومة الخاصة بكل منهما في كل من أربيل ودهوك من جهة, والسليمانية من جهة أخرى. ثم توحدت الحكومتان في حكومة واحدة, ولكن ذيول هذا التوحيد الحكومي لم تنته حتى الآن رغم تشكيل حكومة واحدة لدورة نيابية سابقة وحالية. والأسباب معروفة للقاصي والداني.
امتلك هذان الحزبان قاعدة اجتماعية وسياسية متباينة ولكنها متقاربة بسبب طبيعة تكوين المجتمع الكُردستاني. كما أنهما كانا ولا زالا يعتبران أكبر حزبين سياسيين في كُردستان العراق, رغم الصعوبات التي تواجههما, ولكن الكثير من الأعضاء ليسوا أعضاءً حقيقيين أو فاعلين جيدين, بل هذه الكثرة ناشئة عن كون الحزبين في السلطة ويمتلكان موارد مالية كثيرة. وللعراق, كما للعالم, تجارب كثيرة وغنية في هذا الصدد والتي لا تساعد هذين الحزبين بل تزيد من الأعباء عليهما وعلى المجتمع, لما في طبيعة هؤلاء الأعضاء من انتهازية ومصالح آنية أو من شعور بالعضوية المفروضة عليهم وعبر صيغ مختلفة.
والغريب أن غالبية الأحزاب السياسية الأخرى, رغم وجود حريات نسبية مناسبة في إقليم كُردستان, لا تمارس النقد للظواهر السلبية في نشاط وعمل الحزبين أو الحكومة المنبثقة عنهما, بل تسكت عن تلك الأخطاء علناً وتمارس بعض النقد سراً أو داخلياً ولا يؤثر على مجرى العملية السياسية, مما أدى إلى خسارة تلك الأحزاب للكثير من قواعدها السياسية والاجتماعية وفقدان تأييد الناس لها والتي ظهرت بشكل صارخ في نتائج الانتخابات الأخيرة في كُردستان, إذ لم تعد لتلك الأحزاب الكثيرة مصداقية لدى الجماهير الواسعة. إن هذه الظاهرة السلبية لا تخدم الحزبين الرئيسين والحاكمين, بل تلحق بهما أضراراً كثيرة آنية وبعيدة المدى. والذي تبلور في الانتخابات الأخيرة أيضاً.
ومن المؤسف أن الحزبين الرئيسين لا يسعون إلى إقناع القوى والأحزاب الأخرى بضرورة الشفافية والصراحة وممارسة النقد العلني والفعال, بل هما في ارتياح بعدم ممارسة النقد وكأن "كل شيء هادئ في الجبهة الغربية".
في أعقاب انكسار الحركة التحررية الكُردستانية المؤقت في العام 1975 برزت على الساحة الكُردستانية ولأول مرة العديد من الأحزاب السياسية بجوار الحزب الديمقراطي الكُردستاني والاتحاد الوطني الكُردستاني والحزب الشيوعي العراقي. ومنذ العام 1991 تسلم الحزبان السياسيان الرئيسان في كُردستان العراق السلطة, وبتعاون هامشي مع قوى سياسية أخرى. وهذا يعني أن الفترة التي يحكم فيها هذان الحزبان بلغت حتى الآن حوالي ثمانية عشر سنة. فماذا حصل لهذين الحزبين خلال السنوات التي تقترب من عقدين؟ أسجل هنا ملاحظاتي بكل صراحة وشفافية ورغبة مني في أن يجد الحزبان فرصة للتفكير بطريقة عقلانية لتحقيق التغيير في الحزبين وليس لمواصلة الوضع القائم حتى الآن. فمن يبقى في الحكم طويلاً لا يفقد ثورته وعلاقته بالمجتمع فحسب, بل يمكن أن يسود فيه الدفء والفساد والجفوة مع الناس والفجوة أيضاً. وينتقل هذا المرض إلى الحزبين فقط فحسب, بل وإلى الحكم ويعاد إنتاج الخصائص والسمات السلبية, وهو الخطر الأكبر.
لقد ورد أخيراً على لسان السيد نيچرفان برزاني, عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكُردستاني, بأن على الحزب أن يجري تغييراً في أوضاعه, كما أقر الاجتماع الموسع للاتحاد الوطني الكُردستاني في نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر من هذا العام (2009) ما يؤكد أيضاً على ضرورة التغيير والتجديد والمصارحة والكشف عن النواقص. ومن هذا المنطلق أضع أمام قيادتي وأعضاء الحزبين رؤيتي لواقع الحال في الحزبين وأهمية إجراء التغييرات الضرورية على مختلف المستويات لصالح الحفاظ على الدور الضروري لإقليم كُردستان على مستوى الإقليم ذاته وعلى مستوى العراق كله, باعتبار الإقليم ضمانة مهمة لعدد من المسائل التي تمس الوطن العراقي كله. وهي ملاحظات أملي أن لا تعتبر محاولة لإلحاق الأذى بالحزبين, بل تنطلق من حرصي على تجربة إقليم كُردستان العراق والحياة الحزبية فيه. وفيما يلي أشير إلى أهم تلك الملاحظات:
1.   الترهل الشديد في العضوية والمؤيدين من طلاب المصالح الآنية والخاصة ومن غير المهتمين بمصالح الناس والإقليم. وهي ظاهرة نعرفها لدى أحزاب حاكمة أخرى في العراق وفي بلدان العالم النامي أيضاً.
2.   تراجع شديد في المستوى الفكري والوعي السياسي لدى الكادر القيادي وعلى مختلف المستويات.
3.   وصول عناصر إلى القيادات الحزبية واحتلالهم مواقع مؤثرة في أجهزة الإقليم لا هم لها غير مصالحها الخاصة والرغبة في الاغتناء على حساب الشعب والإقليم, وبالتالي أصبح هناك كثرة من الأشخاص غير المناسبين في المواقع غير المناسبة على أهمية تلك المواقع ودورها في العلاقة مع المجتمع.
4.   تنامي ظاهرة البيروقراطية في الحزب وفي الإقليم وعمل روتيني بعيد عن المبادرة والإبداع وخدمة الناس وتراجع في الروح الثورية التي ترى في خدمة الناس ومصالحها هدفها الأسمى وليس مصالحها الخاصة.
5.   نشوء فجوة واسعة وتزداد عمقاً بين قيادتي الحزبين والقاعدة الحزبية وبين الحزبين والمجتمع, بين مهمات الحزبين ومهمات الشعب في كُردستان العراق.
6.   فالركض وراء الامتيازات الخاصة والحصول على مزيد من الأراضي والأموال أصبح الشغل الشاغل للكثير من الكوادر الحزبية والحكومية, ولم يعد هذا خافياً على الناس, بل الحديث عنه يجري في الشوارع ويتحدث به سواق التاكسيات على نطاق واسع, وهي تعبر عن واقع قائم لا غير.   
7.   تراجع كبير في مستوى إعلام الحزبين ودوره في الحياة الفكرية والسياسية والثقافية والاجتماعية ونكوص شديد عن الرؤية النقدية لعمل الحزبين في تلك المجالات ولعمل حكومة الحزبين أيضاً, وقصور عن رؤية الوضع العام للفئات الشعبية الكادحة.
8.   الازدواجية في العمل, أي التشابك بين العمل الحزبي والعمل الحكومي مما أدى إلى غياب التمايز فنواقص عمل الحزبين تحسب على الحكومة ونواقص الحكومة تحسب على الحزبين, وبينهما مداراة للنواقص وسكوت عنها, وخاصة من المقربين والعاملين مع المسؤولين الذين يسعون إلى تقديم الجميل وإخفاء القبيح من النتائج أو تشويه الحقائق.
9.   صراع على المواقع والمصالح داخل الحزبين وعلى مختلف المستويات وغالباً ما يتم عملية طرد للجيد وجذب للسيئ من الناس لأسباب ترتبط بالمحسوبية والمنسوبية والقرابة العائلية.
10.   وحين تسود مثل هذه الظواهر يصبح الهم الاجتماعي والاقتصادي للشعب بعيداً عن هم الحزبين, شاءوا ذلك أم أبوا, فهذا هو منطق الأحداث الفعلية الجارية, وهذا هو ديالكتيك العملية والتي تكون لها عواقب سلبية إن تواصلت على نفس الحالة طويلاً.
11.   إبعاد الكثير من العناصر المستقلة وغير الحزبية وذات الكفاءة العالية عن مسؤوليات المديريات العامة والمستشارين وحصرها بالحزبيين من الحزبين بغض النظر عن كفاءتهم وقدراتهم الفعلية مما يغيض جمهرة كبيرة من البشر, خاصة وأن أكثرية المجتمع من غير الحزبيين.       
 أدعي, في ضوء متابعاتي ومشاهداتي, بأن نتائج الانتخابات الأخيرة بالنسبة للحزبين تعتبر دليلاً صارخاً على صواب ما أدعيه. وإذا كان الأمر قد برز واضحاً بالنسبة للاتحاد الوطني الكُردستاني, فأن الحزب الديمقراطي الكُردستاني قد تجنب هذه النتيجة بطريقته الخاصة, إذ لو كان قد ظهر شخص معارض مثل نوشيروان مصطفى أمين في أربيل ودهوك لحقق نتائج أكبر أو مقاربة لما تحقق لجماعة گوران, إذ أن الأخير لا يحظى بتأييد الكثير من الناس الكُرد أو من قوى سياسية أخرى ويعتبر مسؤولاً عن كل ما حصل خلال السنوات الأخيرة في الاتحاد الوطني الكُردستاني, إذ كان عملياً المسؤول الأول عن تنظيمات الحزب ونشاطه العام قبل أن يبتعد عن العمل القيادي. وعلينا أن نعي أيضاً بأن ما تحقق لگوران في إقليم كُردستان لم يأت من قوى الاتحاد الوطني الكُردستاني وحده, بل من قوى مؤيدة للحزب الديمقراطي الكُردستاني أيضاً.
لقد كانت نتائج الانتخابات ضربة موجعة للاتحاد الوطني الكُردستاني خاصة, ولكنها كانت ضربة موجعة للحزبين ولقيادتيهما أيضاً, ولكنها كانت متوقعة بالنسبة لي, وللكثير من المتتبعين لمجرى الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في كُردستان العراق, منذ فترة طويلة وقد كتبت بشأنها عدة مقالات قبل الانتخابات بفترة غير قصيرة, كما أرسلت رسائل خاصة إلى السيد رئيس الإقليم أو عبر التجمع العربي لنصرة القضية الكُردية لشرح تصوراتي وتصورات التجمع عن الوضع في كُردستان. ولكن, وبدلاً من الاهتمام بها وأخذها بنظر الاعتبار, ازدادت الجفوة لكاتب المقالات وللتجمع أيضاً, رغم أن الهدف كان خدمة التجربة الكُردستانية. كما كتبت سلسلة مقالات عن الاقتصاد العراقي العام وعن اقتصاد كُردستان العراق وكانت تهدف إلى مناقشة اتجاهات التطور في هذا المجال مع السادة المسؤولين في كُردستان العراق ومنهم الدكتور برهم صالح والسيد نيچرفان بارزاني. ويمكن لمن يرغب الإطلاع على مقالاتي العودة إليها في موقع الحوار المتمدن وصوت العراق وموقع الناس مثلاً ليتبين موقفي من مواطن الخلل والضعف في التجربة الكُردستانية وفي عمل القوى والأحزاب السياسية ومواقع القوة في هذه التجربة الغنية أيضاً.
إن التفكير يفترض أن يذهب إلى الوضع القيادي وإلى العمل القيادي في آن واحد, إضافة غلى الخطاب السياسي والعلاقة مع فئات المجتمع والعدالة الاجتماعية.
لا أشك في أن في الحزبين الكثير من العناصر الجيدة وعلى مختلف المستويات, ولكن الكثير منها غير قادر على لعب دوره المطلوب ولأسباب كثيرة يفترض في الحزبين التحري عنها, خاصة وأنهم أدرى بحزبييهم ويأمل الإنسان أن يجري التحري عنهم ووضعهم في المواقع المناسبة. 
14/11/2009                كاظم حبيب
انتهت الحلقة الثانية وتليها الحلقة الثالثة حول المعارضة السياسية والاحتجاجية في كُردستان العراق. 


552
كاظم حبيب
مسيرة الأحزاب السياسية ونتائج انتخابات الإقليم الأخيرة
الحلقة الأولى
غنى التجربة في كُردستان العراق
المدخل
كانت زياراتي للعراق خلال السنوات الخمس الأخيرة تمر عبر إقليم كُردستان العراق, وكانت هذه الزيارات المتكررة سنوياً ولفترات مناسبة تفسح لي في المجال إمكانية الاحتكاك المباشر بأوضاع العراق والتطورات والتحولات الجارية على الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية, إضافة إلى الأوضاع الأمنية وحياة الاستقرار والسلم الاجتماعي. وغالباً ما كان الاحتكاك يتم مع مختلف القوى والأحزاب السياسية ومع الكثير من المواطنات والمواطنين ومنظمات المجتمع المدني. وكنت في كل زيارة أسجل الكثير من الملاحظات لاستفيد منها في كتابة المقالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على  نحو خاص والتي كانت تتضمن الجوانب الإيجابية والسلبية, سواء على صعيد العراق عموماً وصعيد كُردستان العراق خصوصاً. وكانت هذه المقالات تستقبل بمواقف متباينة, بعضها يحمل الترحيب والتأييد, وبعضها يتراوح بين القبول والرفض لبعض ما فيها من أفكار وملاحظات, وبعضها الثالث كان رافضاً لها لا من منطلق خطأ تلك الملاحظات بل من منطلق ليس لمصلحة التجربة والقوى السياسية في العراق وفي كردستان العراق أن يجري البحث في النواقص, أو أن البعد عن العراق لا يسمح بنقد موضوعي أولاً, ولأن تعقيدات الوضع غير مفهومة للمقيمين في الخارج ثانياً. وكلاهما لا يصمدان أمام النقاش الميداني المفتوح والشفاف.
لا شك في أن ما أكتبه يمثل وجهة نظري وقناعتي بشأن ما يجري في العراق وفي إقليم كُردستان العراق وفق مشاهداتي وحواراتي مع الناس وما تتبلور لدي من أفكار وملاحظات ملموسة أجد مناسباً طرحها على القراء من مسؤولين في الحكم وعلى المواطنات والمواطنين المسؤولين عن مصالحهم وعن الوطن بهدف المناقشة والدعوة للتفكير بما يكتب حول تجربة العراق الجديدة وتجربة كُردستان التي بدأت منذ نهاية العام 1991 ومتواصلة حتى الوقت الحاضر. ومثل هذه الأفكار والملاحظات تحتمل الصواب والخطأ, ولكن قناعتي بها هي التي تدفعني إلى نشرها ويترك لمن يقرأها من مسؤولين في الحكم أو غيرهم مناقشتها وتقدير مدى الاستفادة منها أو تصحيحها عبر ممارسة النقاش الهادف والموضوعي. وفي ضوء هذا فأنا أتحمل وحدي مسؤولية هذه الأفكار والملاحظات وهي تنطلق من حرصي, كما أرى, على ما يجري في العراق وعلى مستقبل الوطن المشترك لبناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة.
وهذا المقال يبحث في بعض جوانب تجربة إقليم كردستان العراق.
غنى التجربة في كُردستان العراق
تقدم لنا تجربة الفيدرالية الكردستانية دروساً غنية لأنها نشأت وتبلورت في أحضان المجتمع الكردستاني بكل قومياته وقواه السياسية المناضلة, ولأنها تعمدت بدماء وأرواح ضحايا بشرية هائلة لا تقل منذ تشكيل الدولة العراقية حتى سقوط النظام الاستبدادي عن ربع مليون إنسان, إضافة إلى مختلف الخسائر المادية والمعنوية الأخرى والعلل النفسية والاجتماعية التي أصيب بها المجتمع الكُردستاني خلال تلك الفترة الطويلة والتي تصل إلى ما يقرب من ثمانية عقود. كما أن الفيدرالية الكردستانية تشكل أملاً وتطلعاً لا للشعب الكردي وبقية القوميات في كردستان العراق في العيش الكريم فحسب, بل تقدم أملاً ونموذجاً لبقية الشعوب الكردية في المناطق الأخرى من كردستان أو بقية بنات وأبناء الأمة الكردية المجزأة في الدول الأربعة المجاورة. والفيدرالية الكُردستانية, شاء الإنسان أم أبى, تعتبر ضمانة مهمة جداً لمسيرة العراق الراهنة, وخاصة في الموقف الرافض لإقامة دولة دينية في العراق, رغم الصعوبات والمشكلات التي تعترض طريق إقامة دولة مدنية ديمقراطية حديثة وإنسانية في آن.
قدمت تجربة الفيدرالية الكردستانية العراقية منجزات مهمة للشعب الكردي والقوميات المتعايشة معه منذ إعلانها في العام 1992 حتى الآن, ولا شك في أنها ستتواصل في العطاء الإيجابي ولصالح العراق كله.
أبرز تلك المنجزات أن الحكم في كُردستان بيد أبنائه وبناته ولم يعد يفرض عليه من بغداد ولم يعد يمكن تهميش دور الشعب الكردي أو كردستان في الحكم في كردستان أو على صعيد العراق أو في السياسة والاقتصاد والمجتمع والحياة الثقافية والعسكرية, كما حصل له منذ إلحاق ولاية الموصل بالعراق في العام 1926 من جانب حكومة بغداد. وهذا الإحساس هو الذي يمكن أن يشد إليه بقية أجزاء كردستان الكبرى ويدفع بها للنضال من أجل الوصول إلى ذات الهدف وبهذا القدر أو ذاك, مع احتمال لوصول إلى حلول مقاربة أو مماثلة للقضية الكردية في العراق.
والمنجز المهم والأساسي الثاني هو الاستقرار الأمني والعيش بسلام بالنسبة لسكان الإقليم, وبشكل خاص منذ الاتفاق الذي تم في العام 1998 بين الحزبين الحاكمين حتى الوقت الحاضر, رغم حصول بعض الاختراقات والتفجيرات بين فترات متباعدة حصدت المئات من القتلى ولكنها لم تستطع أن تغير الهدوء العام والأمن السائد في كردستان في مقابل ما يجري في بقية أنحاء العراق رغم مرور ما يقرب من سبع سنوات على التغيير الذي حصل في بغداد والعراق.
كما تبلورت خلال الفترة المنصرمة فكرة أساسية هي أن شعب كُردستان يستطيع أن يتصرف بموارده المالية التي تخصص من موارد العراق المالية الكلية وفق مشيئته وإرادته ومصالحه, شريطة أن تستقر هذه العلاقة المالية مع العراق وتنتظم وفق الدستور والقوانين الملزمة من جهة, وشريطة أن تستخدم من جانب حكومة كردستان بما يسهم في تنمية الاقتصاد الوطني وبناء البنية التحتية والقاعدة المادية الصناعية والزراعية لإغناء الدخل الوطني وتحقيق مستويات أفضل للمعيشة وتوزيع واستخدام أفضل للثروة وتحقيق النمو والتقدم والتطور العام من جهة ثانية. 
وخلال الفترة المنصرمة تحققت منجزات كبيرة منها إعمار مناطق كثيرة من كردستان العراق وإنشاء شبكة من الشوارع والجسور وتحقيق تقدم على مستوى خدمات الطاقة الكهربائية التي يصل وصولها إلى السكان بحدود تقترب من 24 ساعة في اليوم. كما جرت حتى الآن دراسات كثيرة على الموارد المتوفرة في كردستان العراق وعلى سبل استخدامها والتي لم تبدأ عملية التنفيذ حتى الآن.
ومن يزور كردستان يستطيع أن يشخص التحسن الملموس والمهم على مستوى معيشة الناس عموماً وعلى معدل حصة الفرد الواحد من الدخل الوطني سنوياً, رغم وجود تمايز شديد وهائل بين الغني والحد الأدنى الفعلي لدخل الفرد الواحد.
وتحسنت حرية النشر وطباعة الكتب بحيث تتوفر في كردستان الكثير من الصحف والمجلات ودور الطباعة والنشر والمكتبات, كما ازداد عدد الجامعات وعدد الطالبات والطلاب وعدد التلاميذ في المدارس وعدد الخريجين من الناحية الكمية ومن مختلف المراحل الدراسية.
ولا شك في أن علمانية إقليم كُردستان لها أهميتها البارزة, إضافة إلى وجود الكثير جداً من منظمات المجتمع المدني, ومنها منظمات نسائية قوية ومدافعة عن حقوق المرأة, وجدت أو نشأت الكثير من الأحزاب السياسية, بغض النظر عن قوتها ودورها في المجتمع والحياة السياسية الكردستانية.
كما تعقد في كردستان الكثير من المؤتمرات والندوات الثقافية العامة والمفتوحة التي تسمح بزيادة ورفع وعي الإنسان الكردستاني وتساعده على تلمس دربه وتشكيل مواقفه الفكرية والسياسية, رغم أن هذه الحالة لا تزال مقتصرة على المدن ولم تصل إلى الريف الكردستاني, إذ يزداد تقلص دوره في الاقتصاد والحياة الاجتماعية وفي بنية وحجم السكان.     
هذه جوانب مهمة وضرورية في فيدرالية كُردستان العراق التي لا بد من ذكرها وإبرازها باعتبارها جزءاً من مكاسب الشعب ونتيجة منطقية لنضاله الطويل والعنيد, ولكنها تعتبر جانباً واحداً, إذ لا تزال هناك الكثير التي ينتظر الحل, ومنها مشكلة التشابك بين الحزبي والحكومي على صعيد الدولة وفي جميع المستويات والمجالات, ومسألة الفساد الإداري والمالي والبيروقراطية القاتلة في دوائر الإقليم والمحسوبية والمنسوبية العائلية والحزبية والشخص غير المناسب في المكان غير المناسب, والتوزيع والاستخدام غير الفعال للدخل وغير العادل أيضاً والغلاء المتفاقم لأسعار السلع والخدمات دون رقيب أو حسيب, والابتعاد الفعلي عن التصنيع أو تحديث الزراعة والعمل لتحقيق بعض التنسيق والتكامل بينهما, إضافة إلى سوء السياسة المالية والنقدية كجزء من السياسة المالية العراقية غير الجيدة والتي هي بدورها تشكل جزءاً من غياب الإستراتيجية التنموية والأهداف الواضحة على صعيد العراق وكردستان العراق في آن واحد, حيث تعتبر السياسات المالية والنقدية الأداة التنفيذية للسياسات الاقتصادية.       
13/11/2009                     كاظم حبيب
انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية   


553
كاظم حبيب
مجلس النواب يقاضي المدى والشعب في آن واحد!

هدد السيد رئيس مجلس النواب العراقي بمقاضاة كل من يرتفع صوته على صوت مجلس النواب وكل من يسيء إلى هذا المجلس. والأسئلة العادلة التي تدور في البال هي: كيف يمكن للشعب أن يقاضي المجلس الذي أساء إلى الشعب ومصالحه وقضاياه العادلة؟ وكيف يمكن للشعب أن يقاضي مجلساً يصدر قوانين ومراسيم وقرارات مخالفة للدستور العراقي, رغم نواقص هذا الدستور؟ وكيف يمكن للشعب أن يقاضي مجلساً قضى الكثير من أعضائه خلال الدورة الحالية أوقاتهم في الخارج أكثر مما كانوا في الداخل وأقل من ذلك تحت قبة البرلمان؟ وكيف يمكن للشعب أن يقاضي مجلساً ماطل في إصدار الكثير من القوانين وكاد يقود أو قاد إلى حدوث مآسي في المجتمع؟ وكيف يستطيع الشعب أن يقاضي هذا المجلس الذي يزيد يومياً من امتيازاته الخاصة على حساب مصالح وقوت الشعب, والمجلس يرى بكل عيون أعضائه أن نسبة عالية من بنات وأبناء الشعب يتضورون جوعاً ويعيشون تحت خط الفقر؟ وكيف يتعامل الشعب مع مجلس خلال أربع سنوات من دورته الحالية لم يعالج بعدل وإنصاف مشكلة الكُرد الفيلية مثلاً الذين اغتصب الدكتاتور ونظامه حقوقهم المشروعة طيلة ثلاثة عقود منصرمة؟ وكيف يتعامل الشعب مع مجلس يُمنح أعضاؤه 600 م2 على نهر دجلة وهم لهم دورهم وقصورهم وأطيانهم وأموالهم ورواتبهم العالية ومخصصاتهم ومخصصات حمايتهم وسياراتهم الحكومية الشخصية وخدمهم, في وقت لا تمتلك نسبة عالية من أبناء وبنات الشعب, من العائلات العراقية الكادحة, قطعة أرض صغيرة حتى لو كانت عشرين متراً لكي تعيش على أرض العراق؟ إلا يصح على أفراد مثل هذه العائلة قول الشاعر العراقي "
وفتاة مـا لها غير غبـار الريح سترا
تخـدم الحي ولا تملك من دنياها شبرا
وتود الموت كي تملك بعد الموت قبرا
وإذا الحفار فوق القبر يدعو
أين حقي؟
     
هناك عشرات الأسئلة الأخرى التي يمكن طرحه وعند الإجابة عنها ندرك أي وضع يعيشه مجلس النواب العراقي, وأي وضع يعيش فيه الشعب العراقي المبتلى بكل شيء خاطئ, ومنه هذا المجلس, وليس هناك من صحيح إلا وجود هذا الشعب بهذه الحالة المزرية! وعلى هذه الحالة المزرية يرفع البعض صوت القانون. ليتذكر السيد رئيس المجلس والكثير من أعضائه هنا القول الشعبي المشهور والنابت:
هذا قانون يعزفون به في الليل ويحكمون به في النهار!!!
العالم المتحضر والمجلس النيابي المتحضر يقاضي شخص ما أو صحيفة ما حين يتجاوزان على شخص بعينه ولا يملكان ما يبرران ذلك التجاوز أو الإساءة لكرامة الشخص وعلاقاته العائلية مثلاً, أما نقد مجلس نواب ومؤسسة حكومية أو حكومة ورئيس دولة, فهي من واجبات كل مواطن حر وكل صحيفة حرة, وهي جزء من الحرية الفردية وحرية الصحافة والحرية التي يضمنها الدستور وقوانين الصحافة في العالم وكذلك لائحة حقوق الإنسان.
وكما يبدو فأن هذا المجلس الذي قام على أسس طائفية سياسية مقيتة يعتبر "إن التجاوز على حقوق الشعب حلال في حلال, أما نقد مجلس النواب وتبيان حالته الراهنة أمام أنظار الشعب فهو حرام في حرام ويعاقب عليه الإنسان". لنتذكر معاً قول الشاعر الرصافي الكبير حين قال:
علم ودستور ومجلس أمة          كل عن المعنى الصحيح محرَّف
ولم ترفع قضية ضد هذا الشاعر, رغم نواقص مجلس النواب ورغم سوءات الحكومة العراقية الملكية حينذاك. ويمكن ويحق لكل ذي عقل أن يقارن بين الحالتين!
إن مقاضاة المدى وكتاب المدى من جانب هذا المجلس العليل يراد بها إسكات صوت الشعب والعودة به إلى الوراء من جانب مجلس المطلوب منه الدفاع عن الحريات الفردية والعامة! ولكن هذا المجلس سيعجز عن إسكات المدى وغيرها من الصحف الديمقراطية وإسكات الشعب, لأن الصحافة الحرة والنقد الحر هما السبيل لتغيير واقع الحال المزري الذي نراه في مجلس النواب وفي العراق عموماً, وهي قضية الشعب الملحة.. 
11/11/2009                     كاظم حبيب   

554
كاظم حبيب
الخونة المجرمون يسعون لإشاعة الفوضى والموت في العراق
لقد غاص المجرمون القتلة حتى قعر مستنقع الخيانة للوطن والشعب, لقد فقد القتلة الأوباش كل حس إنساني إزاء البشر, ليس الذين ينفذون بين فترة وأخرى عملياتهم الإجرامية التي تستهدف المئات من المواطنات والمواطنين من مختلف الأعمار بمن فيهم الأطفال في رياضهم فحسب, بل وقبل ذاك أولئك الذين يمارسون التنظيم والتخطيط وتوفير مستلزمات تنفيذ الجلادين للعمليات الإرهابية. وهؤلاء ليسوا أفراداً, بل هم منظمات وأحزاب ودول تقف وراء مثل هذه العمليات. إنه التحالف الذي يضم ثلاث قوى تغوص في الجريمة مباشرة وخلفها تقف الكثير من القوى المساندة في الدول المجاورة, إنهم:
1.   بقايا تنظيم حزب البعث الصدامي الذي يقوده عزة الدوري؛
2.   وتنظيم هيئة علماء المسلمين السنة الذي يقوده حارث الضاري؛
3.   ومن ثم بقايا تنظيم القاعدة.
وخلال السنوات المنصرمة ورغم كل الجهود المبذولة استطاعت هذه القوى وغيرها الولوج إلى مواقع مهمة يمكنهم من خلالها تسهيل مهمة المجرمين في توجيه الضربات وبأهداف مختارة ومتى قرروا تنفيذ عملياتهم. إنهم يمتلكون حرية الحركة وأغطية متنوعة, إذ يكفي أن يكون لهم حارساً أو موظفاً واحداً في وزارة ما ليمكن من خلاله دخول المجرمين إلى  هذه الوزارة أو تلك وتنفيذ ما خططوا لأفعالهم الدنيئة.
إنه التحدي الأكبر الذي يفترض أن نأخذه بنظر الاعتبار, لا يكفي أن ندعي بعجز المجرمين عن ارتكاب الجرائم لأننا رفعنا القضية إلى مجلس الأمن الدولي, ومن ثم ترتكب الجريمة بعد يومين من مثل هذا التصريح, فهؤلاء المجرمون لا يخشون مجلس الأمن الدولي ولا يحترمون الهيئات الدولية, ويسعون لفرض التحدي.
لقد سقط أكثر من 130 شهيداً في تفجيرات يوم 25/10/2009 وأكثر من 600 جريحاً ومعوقاً, وبينهم مجموعة من الأطفال بعمر الجنابذ العطرة. ويمكن أن يسقط غيرهم في الفترة القادمة وقبل بدء الانتخابات, لأن المجرمين مصممون على تفجير الوضع والصراع. فكيف سنواجه هذه الجرائم البربرية؟
لا يمكن قطع دابر الإرهاب, وهو يقع كل يوم في عدد غير قليل من الدول, والسؤال هو كيف نقلل مثل هذه العمليات وكيف نقلص عدد الشهداء والجرحى والمعوقين ومن قم نقطع دابرهم؟ هذه هي مهمة الحكومة وسياساتها اليومية ودورها في معالجة مشكلات المجتمع اليومية لكي ترفع من يقظته وتكاتفه في مواجهة هذه القوى الشريرة التي ستبقى تعمل من أجل إشاعة الفوضى والخراب واستمرار نزيف الدم العراقي ودموع الثكالى والأيتام.
مرة أخرى أحاول أن أشير إلى أن الخبرة العراقية رغم تحسنها, فإنها لا تزال غير كافية لمواجهة قوى الإرهاب ودحرها, إذ لا يزال العراق بحاجة إلى معارف وخبرات وقدرات فنية دولية, وسواء أكان ذلك من دول أوروبية أو غيرها لكي يشكل فريق عمل دولي يساعد الحكومة العراقية ووزارة الداخلية وأجهزة الأمن في ملاحقة الجريمة. ليس عيباً أن نستعين بخبرات الآخرين, بل العيب أن يستطيع الإرهابيون قتل المزيد من البشر, إذ تتحمل الحكومة عواقب هذا العيب. إذ أن قوى الإرهاب المجرمة تستعين بخبرات وأموال ومعارف وأجهزة أمن قوى وأحزاب ودول إقليمية عديدة لتنفيذ جرائمها البشعة في العراق.
إن من يدعي بعد اليوم بأن هذه الأفعال الشريرة مقاومة شريفة, فأنه يرتكب يشارك في ارتكاب هذه الجرائم البشعة ويغوص معهم في مستنقعها, وهي  الخيانة بحق الشهداء الأبرار وبحق الشعب والوطن.
25/10/2009               كاظم حبيب
   
     

555
كاظم حبيب

التيار الديمقراطي وأزمة تحالفاته المستمرة!
حين أسعى إلى فهم منطق الصراع داخل التيار الديمقراطي وعجز قواه في الوصول إلى اتفاق سياسي لخوض الانتخابات القادمة أو الوصول إلى اتفاق استراتيجي يسمح بإقناع الفئات الاجتماعية بقدرته على تحقيق منجزات إيجابية له من خلال زيادة دوره وتأثيره في الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية والعسكرية والبيئية والعلاقات الدولية الجارية في العراق, أجد نفسي أنا الآخر أكثر عجزاً عن فهم هذا اللغز الذي يصعب على كل عاقل فهمه ما لم يدخل في تفاصيل الأمور ويسعى إلى فهم أو استيعاب صعوبات العملية الجارية في العراق والمناورات والوعود التي تمنحها القوائم الكثيرة ذات القاعدة الفكرية الإسلامية السياسية والطائفية السياسية التي تشكلت لخوض الانتخابات القادمة تحت تسميات جديدة قديمة. ليست التسميات الجديدة سوى التعبير عن فشل قوى التيار الطائفي السياسي عن إقناع الناس بصواب منهجه المقيت. وهو أمر جيد, رغم أن أساسه الفعلي يقوم على المثل الشعبي القائل "أخاك مجبر لا بَطل".
قبل سقوط النظام الدكتاتوري البعثي كانت الأحزاب كلها ممنوعة, بما فيها الأحزاب الإسلامية السياسية, إلا أن الأخيرة كانت تمتلك بيوت الله حيث كانت قواها المتخفية, وبدعم من المرجعيات الدينية لتلك القوى, تمارس نشاطها في العراق وتعوض عن وجود قيادات أحزابها في العمل بين الناس, في حين لم تستطع القوى العلمانية الديمقراطية أن تمارس ذلك في بيوت الله, بل كانت مهددة بالموت دوماً, ولكن بعضها كان يمارس العمل حتى تحت تهديد المقصلة وقتل الكثير من عناصر جميع القوى السياسية دون استثناء.
وبعد سقوط النظام انفتح الجو للجميع ولكن بصورة غير متكافئة, إذ كان الانفتاح لقوى الإسلام السياسية والقوى الكردستانية أكثر بكثير من انفتاحه على القوى الديمقراطية العربية, إذ جرى تطويق وحصر القوى الديمقراطية بالفكر الإسلامي السياسي وبالفكر الطائفي من جهة وبالفكر المناهض لما حصل في العراق من تغيير من جهة أخرى. ولم يكن دور الاحتلال مساعداً لقوى التيار الديمقراطي , بل كان معززاً لقوى التيار الديني في السلطة والمجتمع من جهة ثالثة.
وهكذا لم تستطع القوى الديمقراطية أن تحقق مواقع مهمة وواسعة في صفوف المجتمع رغم الجهود الخيرة التي بذلت على هذا الطريق, خاصة وأنها كانت مهددة أكثر من غيرها بالقتل من جانب كل قوى الإرهاب, سواء أكانت من قوى القاعدة, أم من قوى البعث ألصدّامية أم من قوى هيئة علماء المسلمين السنة, أم من قوى جيش الهدي أو المليشيات الطائفية الأخرى, وقد قتل الكثير منهم فعلاً. وهي لا شك تعمل في ظروف فكرية وسياسية معقدة وفيها الكثير من ردود الفعل الطائفية لسياسات النظام البعثي الشوفيني والطائفي السابق.
أما اليوم فنحن أمام تكتلين سياسيين هما الائتلاف الوطني العراقي وائتلاف دولة القانون. وهذان الائتلافان يسعيان بكل جهد, ومن خلال مواقعهما في السلطة ولدى المرجعيات الدينية,  للوصول إلى تمزيق التيار الديمقراطي العلماني من خلال التفاوض مع بعض قوى التيار الديمقراطي لكسبه إلى جانبها, ومن خلال تطويق بقية قوى التيار الديمقراطي بنشاطها ومنع حركته الفاعلة. وحركة الكسب محمومة جداً والوعود بمناصب ودور أكبر في الحياة السياسية معسولة وتتجه لعناصر معينة في التيار الديمقراطي. وقد استطاعت أن تكسب فعلاً بعض عناصر قوى التيار الديمقراطي. فالدكتور عامر حسن فياض التحق بالائتلاف الوطني العراقي, والدكتور مهدي الحافظ بعد انتقالات وتشكيلات ومحاولات كثيرة استقر في صف ائتلاف دولة القانون, وهما نموذجان لعدد آخر من عناصر كانت تعتبر تقليدياً جزءاً من التيار الديمقراطي أو محسوبة عليه, وهما على سبيل المثال لا الحصر.
ولم يكن هذا كافياً بل توجهوا صوب القوى الأساسية في التيار الديمقراطي وتحرك الدكتور أحمد الچلبي ليجر إليه من يمكن جره, كما تحرك السيد علي الأديب ليكسب هو الآخر من يستطيع كسبه. وإذ نجح الچلبي بسهولة, كما يبدو, في كسب الحزب الوطني الديمقراطي مجموعة السيد نصير الجادرجي والدكتور هاشم شبلي), وهو أمر مثير للشجن وصعوبة الهضم, عجز الاثنان أو التكتلان الإسلاميان عن كسب الحزب الشيوعي العراقي وبعض المنظمات السياسية الديمقراطية الجديدة والتي لا تزال في بدايات عملها المنظم أو في تكوين تحالفاتها الجديدة. لقد أصبح التيار الديمقراطي في العراق (عدا الكُرد الذين لهم التحالف الكردستاني وقائمة التغيير حتى الآن) عرضة للنهب والسلب من قبل قوى التيارات الأخرى, وهي والحق يقال مشكلة كبيرة يفترض أن تعالج بعقل بارد وقلب دافئ من قبل قوى التيار ومستقبله ونضاله.
إن هذا الكسب لبعض قوى التيار الديمقراطي من جانب القوى الإسلامية السياسية والطائفية يبدو وكأنه كسر للطائفية, وهو ينطوي على نصف الحقيقة, أي ينطوي على مسألتين, وهما حقيقة فشل التوجه الطائفي في الدولة والمجتمع إلى حدود مهمة, وليس كلية,  بين صفوف الجماهير من جهة, ولكنه في الوقت نفسه انحناء مؤقت أمام العاصفة المضادة للسياسات الطائفية من جهة أخرى. ولهذا يفترض في من تبقى من التيار الديمقراطي الرافض للركض وراء سياسات المكاسب الجزئية والشخصية, أن يتحروا عن أسلوب عمل يساعدهم على تعبئة من تبقى من قوى التيار الديمقراطي, وهم ليسوا بقلة, فهم الحزب الشيوعي العراقي ومنظمات وشخصيات أخرى, وتحت اسم وطني وديمقراطي عام يستطيع أن يعبئ كل القوى الديمقراطي حوله وتحت رايته, إذ يمكن لمثل هذا التحالف أن يكسب إلى جانبه حتى عناصر ومجموعات من بين صفوف أولئك الذين انتقلوا إلى صف قائمة أهل البيت الشيعي (قائمة ائتلاف العراقي الموحد السابقة) أو قائمة ائتلاف دولة القانون أو التجمع الذي نظم أخيراً وبمشاركة طارق الهاشمي. لنعطي قائمة التيار الديمقراطي اسماً أرحب من اسم يقترب من حزب بعينه, لنمنح القائمة اسم قائمة الشعب الديمقراطية أو قائمة "المستقبل الديمقراطي العراقي", أو قائمة "الديمقراطية والتجديد" لكي يمكن به تعبئة القوى وليس الانفراد بقائمة مستقلة, فقائمة متحالفة هي الأداة الأفضل والأكثر حكمة في المرحلة الراهنة لنضال من تبقى من قوى ديمقراطية في الساحة السياسية العراقية أو في القسم العربي من العراق, وهي ليست قليلة حقاً ويمكن العمل في صفوفها لصالح المسيرة الديمقراطية للقوى العراقية, خاصة وأن أغلب القوى المتبقية التي لم تلتحق بقوى التيارات الأخرى هي ديمقراطية يسارية لا اعتقد بصعوبة الوصول في ما بينها إلى اتفاق انتخابي مناسب. لا أنكر وجود اختلافات, ولكن يمكن لوي عنقها لصالح التحالف المشترك.
أتمنى على الجميع بذل أقصى الجهود لتحقيق هذه الخطوة المهمة, خطوة ضمان بروز قائمة مشتركة لقوى التيار الديمقراطي, لتلك القوى التي لم تتخل عن مواقفها المبدئية لصالح مستقبل العراق الديمقراطي. المساومة المحسوبة هنا ضرورية, والقبول المشترك بها ينفع الجميع. ليس لي غير أن أتمنى, رغم أن التمني هو رأس مال المخلص لمثل هذا التحالف الديمقراطي بين قوى التيار الذي يراد تفتيته والتضييق عليه وحصره في زاوية حادة.
 25/10/2009                     كاظم حبيب
         
           

556
كاظم حبيب
الفنان الكاريكاتير سلمان عبد والظواهر السلبية في المجتمع
حين تصلك يومياً تقريباً لوحة فنية كاريكاتيرية من الفنان المبدع سلمان عبد, تدرك بسرعة وارتياح أن هذا الفنان يلاحق الواقع العراقي ويتابعه بنظرة إنسانية عميقة وعراقية صادقة ويلتزم بإصرار بعدد مهم وأساسي من القيم والمبادئ الديمقراطية التي تعبّر بدورها عن رفض المزيد من الاستغلال للفقراء والجائعين لصالح تسمين القطط السمان وذات النعمة الحديثة والفاسدين والمفسدين, ضد الاستبداد والقسوة والعنف والإرهاب, وضد تهميش المثقفين في الحياة العامة وضد المواقف السلبية من الفنون الإبداعية التي تعبر عن حاجة المجتمع وضرورات تطور حياة الفرد والمجتمع, وهي كلها تجسد في تتبعه للحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأمنية والعسكرية في العراق, وكذلك الموقف من الحكام وضد الطائفية والشوفينية وضيق الأفق القومي ومن أجل حياة حرة وكريمة ولصالح حقوق المرأة وإخراجها من البؤس والفاقة والحرمان من الحقوق المتساوية مع أخيها الرجل.
وأخيراً رأيت له اللوحة الكاريكاتيرية الجديدة التي نشرها بتاريخ 20/10/2009 التي صورت حالة الحياة السياسية الراهنة المنتشرة في العراق: سجل على اللوحة الكلمات التالية: "ابيتنه ونلعب بيه شله غرض بينه الناس", ثم وضع كلمات "الحسود لا يسود", وأعطى العنوان التالي: "البرلمان رفض النقد وسيقاضي من ينتقده!!!" إنها لا تصور حالة البرلمان العراقي فحسب, بل تصور كامل الحياة السياسية العراقية كلها, فهي تعبر عن:
** استمرار روح الرفض للنقد التي لا تزال تهيمن على أخلاقيات الحياة السياسية في العراق, وهي جزء أصيل من روح الاستبداد وعدم الاستعداد للاستماع للرأي الآخر, وبمعنى آخر, م أنتم وما نقوم به, إنها قضيتنا وليست قضيتكم وابتعدوا عن التدخل في شؤوننا.
 ** الشعور بأنهم يقدمون الأفضل وليس هناك ما يفترض نقده, وأن على الجميع أن يروا ما هو مليان من الكأس وليس الفارغ منه.
** وأنهم سعداء بما بلغوه حتى الآن, ولهذا يرون بأن ليس في الإمكان أبدع مما كان, وأن روح النقد القادم ينطلق من الحسد على ما بلغوه من تقدم وليس من الرغبة في التحسين والتطور والإغناء. ويتمنون أن تكون في عين الحسود عود.
** وأن على الفرد والمجتمع أن يكف عن النقد وإلا فالعاقبة غير محسوبة!
كم أتمنى على مجلس النواب وعلى أعضائه وعلى كل الأحزاب السياسية في العراق أن يرتقي الإدراك بأن النقد حتى لو جاء حاداً, فهو يريد صلاح الحياة السياسية وتقدمها وتطورها صوب الديمقراطية وليس الإساءة لأحد, رغم أن مجلس النواب قد بني على أسس طائفية ولا يزال يعمل بنفس الوجهة حتى الآن, وهي كارثة. والقوى السياسية في العراق تأخذ اتجاه فعلها, شاءت ذلك أم أبت, تسير بذات الوجهة العامة التي تسود البلاد ومجلس النواب, رغم النضال ضد تلك الظواهر السلبية.
لقد حاولوا اعتقال سلمان عبد وكان التهديد واضحاً وليس مبطناً, ولكن الرجل المرتبط بشعبه وقضية الديمقراطية والتقدم الاجتماعي ومساعدة الفقراء والكادحين من أبناء المجتمع, كان ولا يزال جريئاً يرتضي تحمل العواقب لصالح هذا الشعب ولصالح العراق.
21/10/2009                      كاظم حبيب
     

557
دعوة للمشاركة في التوقيع على مقترحات 
لدعم إدخال تعديلات مهمة على قانون الانتخابات في العراق

على موقع الحوار المتمدن
نحن الموقعين أدناه ندعو مجلس النواب العراقي والحكومة العراقية ومجلس رئاسة الجمهورية إلى دعم المطالب التالية من أجل إجراء تعديلات مهمة على  قانون الانتخابات العامة لضمان حماية حقوق وصوت المواطنة والمواطن في العراق:

1.   اعتبار العراق دائرة انتخابية واحدة لضمان عدم ضياع صوت الناخبة أو الناخب أينما أعطيا صوتيهما، ولضمان اشتراك عراقيي الخارج في الانتخابات.
2.   ضمان الأخذ بقاعدة القائمة المفتوحة.
3.   ضمان حصول النساء على الحصة المقررة لهم دستورياً, وهي ربع مقاعد مجلس النواب.
4.   ضمان أن يتراوح عمر الترشيح لمجلس النواب العراقي بين 25-30 سنة. 
5.   ضمان حق العراقيات والعراقيين المقيمين في الخارج المشاركة في الانتخابات العامة.
6.   اعتماد إبراز هوية الأحوال المدنية أو جواز السفر العراقي أو شهادة الجنسية العراقية لإثبات الشخصية في الانتخابات العامة.
7.   مشاركة منظمات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية في المراقبة على سير نزاهة العملية الانتخابية.
8.   ضمان الاستفادة المتساوية لكافة المرشحات والمرشحين والقوائم الانتخابية من جميع أجهزة إعلام الدولة لصالح الدعاية لبرامجهم الانتخابية.

الموقعون
د. صادق البلادي
د. راقيا الرازقي
د. حسن حلبوص
د. منذر الفضل
د. غالب عبد العزيز العاني
السيد ضياء الشكرجي 
السيد جاسم المطير
د. كاظم حبيب



558
كاظم حبيب
هل من مشروعية لتدخل الحكومة العراقية في شؤون النقابات العراقية؟

تتكرر حالة التدخل الحكومي في شؤون الاتحادات والنقابات العراقية والمنظمات المهنية الأخرى. فقبل فترة وجيزة أعلنت الحكومة دون وجه حق أن رئيس اتحاد الصناعات العراقي, الأستاذ هاشم الأطرقچي لا يمثل الاتحاد المذكورو واثار ضجة مفتعلة ضده دون أدنى مبرر سوى الرغبة في السيطرة على الاتحاد لصالح طرف معين في الحكومة. واعتبر هذا الموقف من عدد كبير من النقابات والاتحادات تدخلاً فظاً في شؤون هذه الاتحاد ودوره في تنمية الصناعات العراقية. وهو موقف مناقض لأسس العمل النقابي والمهني والقانون الخاص بهذا المجال,
وها نحن اليوم أمام قرار جديد للجنة الوزارية العليا المشرفة على تنفيذ قرار مجلس الحكم رقم ( 3 ) لسنة 2004 تعلن فيه عن فتح باب الترشيح لتشكيل لجنة تحضيرية لانتخابات الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق تتولى التهيئة لانتخابات الاتحاد ولتشكيل ( مجلس إدارة دائمي ). فهل صدور مثل هذا القرار يدخل ضمن باب التدخل الفظ في الشأن النقابي أم يعتبر قراراً مشروعاً للحكومة العراقية؟
أصدر الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق بياناً توضيحياً استنكر فيه صدور مثل هذا الموقف عن اللجنة الوزارية, إذ أنه يتنافى مع القانون الخاص بتنظيم الانتخابات, كما "يتنافى كلياً مع ما نص عليه قانون التنظيم النقابي للعمال النافذ رقم ( 52 ) لسنة 1987 وما جاء في النظام الداخلي للاتحاد العام. حيث أكدت الفقرة ( سادساً) من المادة ( 27 ) من القانون: يتولى المكتب التنفيذي ما يأتي: إصدار التعليمات الخاصة بالإجراءات التنظيمية المتعلقة بانتخابات التنظيمات النقابية. وكذلك الفقرة ( ثانياً ) من المادة ( 44 ): تنظم بأنظمة داخلية يصدرها المكتب التنفيذي للاتحاد العام لنقابات العمال ما يأتي: إجراء  الانتخابات للتنظيمات النقابية". كما يتعارض مع ما التزمت به الوزارة في تنفيذ ما أصدرته من كتب رسمية وتعليمات ومنها كتاب وزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني ذي العدد ج ق / 106 في 13 / 2 / 2008 وبناءً على الأمر الإداري الصادر عن المكتب التنفيذي للاتحاد العام لنقابات العمال في العراق ذي العدد 3 في 2 / 1 / 2008 حيث شكلت لجنة تحضيرية مهنية ومحايدة تتولى الإعداد للانتخابات العمالية وتمارس واجباتها المحددة ومنها (التنسيق مع اللجنة الوزارية لإطلاق صرف الرواتب للموظفين العاملين في الاتحاد العام والاحتياجات الضرورية لإدامة عمل الاتحاد). وأصدرت اللجنة التحضيرية تعليماتها حول الانتخابات وحددت يوم 22 / 6 / 2008 ومن ثم الأول من آذار/2009 موعداُ لبدء العملية الانتخابية في جميع مواقع العمل في بغداد والمحافظات" . هذا ما جاء في بيان الاتحاد العام, وفيه إشارة صريحة وواضحة بأن موقف الوزارة يعتبر تدخلاً فظاً ومريباً وغير ديمقراطي بشان لا يخص الوزارة بل يمس العمال وحدهم واتحادهم العام.
ويحق لي أن أشير هنا إلى أن القرار الصادر عن الوزير المذكور لا يعبر عن رأي الوزير الخاص فحسب, بل يعبر من حيث المبدأ والواقع عن رأي وموقف رئيس الحكومة العراقية, إذ من غير المعقول أن يتصرف وزير دون العودة إلى رئيسه في قضية من هذا النوع وفي قضية مماثلة تتكرر كثيراً. وهذا الموقف يتناقض مع يبشرنا به رئيس الوزراء وناطقه الرسمي بأنه لم يعد شمولياً كالقوى الإسلامية السياسية الطائفية, وليس قومياً شوفينياً كالقوميين الشوفينيين السابقين أو الموجودين في العراق وفي الحكم أيضاً, وأنه ليس مستبداً بل ديمقراطياً ويسعى إلى تطبيق القانون, ولهذا السبب شكل قائمة في انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة باسم دولة القانون وفاز بأصوات كثيرة لهذا السبب وليس لحزب الدعوة الذي يقوده, ويريد أن يدخل الانتخابات العامة بقائمة جديدة تحت نفس الاسم >دولة القانون", فهل مثل هذا التصرف من وزير في وزارته يعتبر تطبيقاً لدولة القانون أم تجاوزاً فظاً عليها من الحكومة التي تريد حفظ وحماية القانون وتطبيقه.
إن على الحكومة العراقية أن تعيد النظر بهذا الموقف الذي لا يبشر بالخير إن تواصل في الممارسة العملية, عليها أن تترك النقابات العراقية والمنظمات المهنية ومنظمات المجتمع المدني أن تمارس نشاطها وتجري انتخاباتها بشكل مستقل وبعيداً عن تأثير أي طرف مشارك في الحكومة, أو أي حزب من الأحزاب السياسية العراقية بحيث يتسنى لها وضع مصلحة العمال والاقتصاد الوطني والمجتمع نصب عينيها. إن على الحكومة أن تعي بأن مثل هذا التدخل يسقط كل الدعايات الحكومية بأنها تريد ممارسة الحياة الديمقراطية في العراق وتكريسها في حين تمارس التدخل في الشأن النقابي وبطريقة فجة لم يمارسها إلا البعثيون قبل ذاك وقادوا إلى تشويه العمل النقابي وجعلها في خدمة الحزب الحاكم وليس في خدمة العاملات والعمال في العراق.
أملي أن يقتنع رئيس الحكومة بخطورة هذا الإجراء من الناحية الديمقراطية وينبغي أن لا يسير على الطريقة البراغماتية القائلة: " أن الغاية تبرر الواسطة", أي غاية السيطرة على النقابات وإخضاعها لحزب الدعوة يبرر سلوك هذا الطريق البائس الذي يتعارض مع أبسط مبادئ الديمقراطية وحقوق النقابات.
إن على العمال أن يساندوا موقف اتحادهم المبدئي ويدافعوا عن حقه في تنظيم انتخاباته دون أي تدخل من طرف الحكومة أو من غيرها وأن يمارس الدفاع العادل عن حقوق العمال.
15/10/2009                   كاظم حبيب  
 

559
كاظم حبيب
لم التشاؤم من إمكانية تشكيل جبهة وطنية أو تحالف سياسي انتخابي؟
حين بدأت بكتابة سلسلة مقالات متباعدة عن موضوع التحالفات السياسية بين القوى الديمقراطية برزت ثلاثة اتجاهات حول ما كتبته حتى الآن بهذا الصدد:
الاتجاه الأول: يدرك أصحاب هذا الاتجاه صعوبات إقامة مثل هذه الجبهة الوطنية الطويلة الأمد أو التحالفات السياسية لأغراض خوض الانتخابات العامة القادمة, ولكنه يدرك أيضاً أهمية ذلك في العراق في المرحلة الراهنة, وبالتالي فهو غير فاقد الأمل في إمكانية الوصول إلى هذا الهدف المنشود لأهمية ذلك لقوى التيار الديمقراطي والشعب العراقي ومستقبل الوطن. ولو كان التشاؤم هو السائد في قوى التيار الديمقراطي لما توجهت صوب الحوار والتفاوض في محاولة جادة للاقتراب والتفاعل والتفاهم والاتفاق.
الاتجاه الثاني: أبدى هذه الاتجاه تشاؤماً شديداً من إمكانية تشكيل جبهة وطنية أو تحالفات سياسية أوسع من التحالف السابق "مدنيون". وأكد على أن ما أكتبه لن يجدي نفعاً والأفضل أن أكف عن ذلك, وكأن القوى الديمقراطية مصابة بمرض عدم الاتفاق. ويمكن متابعة هذا الرأي لدى عدد من الكتاب ومنهم الأستاذ محمد علي محي الدين, الذي أحترم كتاباته ورأيه, ولكني لا أتفق معه في هذا الموقف التشاؤمي, رغم احتمال عدم وصول القوى الديمقراطية إلى اتفاقات في هذا الشأن. ولكن السياسة ليست معركة واحدة وينتهي الأمر, بل هي عملية معقدة وطويلة الأمد وهي سيرورة وصيرورة صعبة جداً.
الاتجاه الثالث: أبدى البعض تذمراً شديداً بقوة إزاء ملاحظاتي النقدية وأساء كثيراً ووضعني في خانة أعداء الحزب. ولا شك في أن هذا البعض كان مخطئاً بهذا الموقف, سواء أكان مخلصاً للحزب أم مناهضاً لا يريد النقد البناء لسياسة الحزب أو التيار الديمقراطي بشكل عام. ومثل هذا البعض لن يستطيع دفعي إلى هذا الموقع بأي حال, لأن الشيوعيين مخلصون لوطنهم, وهم مناضلون بحرص على مستقبل العراق وشعبه, ولهذا فملاحظاتي النقدية تصب في دفع الحزب للتحرك بشكل أسرع وأخذ المبادرة في هذا الصدد, وليس الإساءة له حتى حين تحدثت عن توقف الساعة, فهي قابلة للتحرك.
وأمس صرح الأستاذ حميد مجيد موسى مشيراً إلى بدء التفاوض للوصول إلى تشكيل جبهة وطنية, وفي حالة تعذر ذلك السعي لتحقيق تحالفات سياسية, وأن تعذر ذلك فسيدخل الحزب بقائمة منفردة.
هذا الموقف سليم من حيث المبدأ ويستوجبه الواقع, إذ لا بد من بذل أقصى الجهود لتحقيق هذه المهمة باعتبارها وسيلة مناسبة لتأمين تأثير إيجابي في أحداث العراق. ولكن هذا الموقف لا يُطلب من الحزب الشيوعي العراقي وحده, بل هو مطلوب من بقية القوى الديمقراطية التي تريد تحقيق الجبهة أو التحالفات السياسية الضرورية لهذه المرحلة, إذ أن يداً واحدة لا تصفق, بل لا بد من المزيد من الأيدي. ولا يمكن رمي عبء عدم تحقيق هذا الهدف على طرف واحد والسكوت عن الأطراف الأخرى في حالة تعذر الوصول إلى رؤية مشتركة وبرنامج مشترك ومن ثم تفاصيل أخرى لتنظيم مجرى العملية الانتخابية وما بعدها.
لم تعد هناك من فائدة أن نتحدث عن التأخر في بدء المفاوضات, علماً بأن البحث فيها لم يبدأ الآن بل هو جارٍ منذ فترة غير قصيرة, ولكن يبدو أن الوقت قد حان للقاء القيادات للتباحث في هذا الصدد. ويأمل الإنسان أن تبذل المزيد من الجهود لتذليل الصعاب وإيجاد قواسم مشتركة للمهمات التي يراد صياغتها, وسواء أكان ذلك لإقامة جبهة وطنية بعيدة المدى وذات أهداف إستراتيجية, أم تحالفات سياسية لخوض المعركة الانتخابية القادمة أولاً, ومن أجل إيجاد آلية لترتيب المرشحين بحيث لا يضيع الجهد الذي يبذل الآن للوصول إلى اتفاق وفي حالة الوصول فعلاً إلى اتفاق ثانياً.
كم أتمنى أن تُقدر كل قوة من قوى التيار الديمقراطي إمكانياتها الفعلية في جميع المحافظات لكي لا تبتعد عن الواقع وتطالب بما لا يتناسب وقدراتها, وبالتالي نضيع الفرصة التي يفترض تحقيق الاتفاق بشأنها, رغم أن هذه المهمة تأتي لاحقاً وليست في هذه المرحلة من التفاوض.
أرجو لقوى التيار الديمقراطي النجاح في سير المباحثات والتفاوض على البرنامج, إذ أن هذه القوى تعمل على الساحة العراقية كلها, وهو الأهم, فهي ليست لأتباع قومية واحدة وليست لأتباع دين واحد أو مذهب أو طائفة واحدة, بل تمس كل المواطنات والمواطنين في داخل وخارج العراق.
14/10/2009                      كاظم حبيب       
       


560
كاظم حبيب
لتكن قضية الكرد الفيلية والمهجرين قسراً
واحدة من أبرز القضايا في الحملة الانتخابية

ليست القضايا المهمة والملحة التي يفترض النضال من أجلها في المرحلة الراهنة قليلة, بل هي كثيرة حقاً. ورغم تقديرنا للظروف الصعبة التي مر بها العراق والعوامل التي أعاقت تحقيق الكثير المهم منها, إلا أنها ليست كافية للتعكز عليها وإبقاء المشكلات دون حل, ومنها مشكلات الكهرباء والماء والبطالة الواسعة وتفاقم التصحر والتلوث الرهيب للبيئة في العراق وخاصة جنوب العراق ... الخ. إلا أن هناك الكثير من المسائل التي طرحت بإلحاح كبير ولكن بقيت دون حل إيجابي يساهم في استعادة الكثير من العائلات لحقوقهم المشروعة في العراق. وقد تبنت الكثير من القوى الوطنية هذه القضايا, كما سافر وفد عراقي من الخارج والتقى بالمسؤولين لمعالجة المشكلة,  ولكن كل تلك الجهود لم تثمر عن نتائج إيجابية كافية ترضي هذه الجماعات السكانية الطيبة التي عانت الأمرين بفعل سياسات الدكتاتورية الغاشمة والعنصرية والطائفية البغيضة.
شريحة الكُرد الفيلية تعتبر إحدى تلك الجماعات السكانية ذات الأصل العراقي التي عانت من سياسات القوى القومية العربية اليمنية والشوفينية وذات النهج الطائفي, فهم كُرد ينتسبون إلى الأمة الكردية الموزعة على دول أربع, وهم شيعة حوصروا بتهمة الشعوبية والتبعية الإيرانية وهجروا إلى إيران بذريعة الخشية من دورهم في دعم إيران في فترة الحرب العراقية الإيرانية, كما هجر الكثير من العرب الشيعة من الوسط والجنوب بنفس التهمة الوقحة أيضاً. ويذكرني هذا الموقف بالمحاكم القرقوشية التي كانت تحكم في فترات البعث والقوى القومية اليمينية حين كان يقال المتهم المحكوم عليه بحكم ثقيل , "لك أنت هم شيوعي, وهم شيعي وهم شروگي"! وحين طلبت اللقاء بنائب رئيس الجمهورية السيد طارق الهاشمي حول نفس الموضوع, ذكر بأن هذه القضية شائكة وبشأنها وجهة نظر! 
لقد اعتقد الكُرد الفيلية أن الأحزاب الإسلامية السياسية ستحل مشكلتها فصوتت لها في الانتخابات الأولى, ولم تحظ بشيء, ثم أعطيت هذه الشريحة الوطنية المعذبة الكثير من الوعود من ذات الأحزاب في الانتخابات الثانية, ولم تعالج القضية إلا جزئياً. ثم توزعت أصوات الناخبين الكُرد الفيلية على الكثير من القوى ولم تفلح في الوصول إلى نتيجة إيجابية حتى الآن رغم مرور أكثر من ست سنوات على سقوط الفاشية الغاشمة التي عذبت وقتلت الكثير من هذه الشريحة الوطنية الطيبة.
لقد دافعت قوى ديمقراطية كثيرة, ومنها الحزب الشيوعي العراقي, خلال الفترة التي أعقبت سقوط حكم عبد الكريم قاسم, عن حق الكُرد الثابت في المواطنة وفي العيش بحرية وسلام في العراق, موطنهم الأصلي. واليوم ترفع ذات القوى الديمقراطية شعار إنصاف الكُرد وتنظيم حقهم في العودة واستعادة حقوقهم المغتصبة, ومنها أموالهم المنقولة وغير المنقولة. ولا شك في أن سيكون حقهم المغتصب جزءاً من شعارات الحملة الانتخابية التي يفترض أن تستقطب الكُرد الفيلية في الانتخابات القادمة. إن الغالبية العظمى من الكُرد الفيلية يشكلون جزءاً من قوى وقاعدة أساسية للتيار الديمقراطي العراقي على مدى عمر العراق الحديث, وكانوا جزءاً أساسياً من القوى التي دافعت عن ثورة تموز 1963 في حي الأكراد في بغداد واستجابت لنداء الحزب الشيوعي في مقاومة الانقلاب, وكان الكثير منهم أعضاء ومرشحين وأصدقاء ومؤيدين للحزب الشيوعي العراقي. وهم اليوم لا يبتعدون عن نفس التيار ويجدون في هذه القوى, ومنها الحزب الشيوعي العراقي, كما يفترض أن تكون منها الأحزاب الديمقراطية الكُردستانية, سنداً لقضاياهم العادلة.
نثق بأن قوى التيار الديمقراطي, التي يتطلع الإنسان إلى تحالفها القريب لخوض الانتخابات القادمة, أن تضع ضمن أولوياتها إنصاف هذه الشريحة من الشعب العراقي, إنصاف الكُرد الفيلية والدفاع عن حقهم في العودة واستعادة حقوقهم المغتصبة وتنفيذ القرارات الخاصة بالجنسية العراقية دون عرقلتها بأساليب بيروقراطية أو عبر أجهزة كارهة لهم لأي سبب كان.
14/10/2009                         كاظم حبيب   
 
 

561
كاظم حبيب
ما الموقف من سياسات الحزب الشيوعي
والقيادة المركزية من الحكم العارفي في العراق
نشر الصديق الروائي والكاتب إبراهيم أحمد مقالاً تحت عنوان "عزيز الحاج: في آب بغداد الساخن". بعدها نشر الصديق الدكتور عزيز الحاج مقالاً ناقش فيه ما جاء في المقال الأول. وكلا المقالين يبحثان في أحداث الفترة التي أعقبت سقوط البعث في تشرين الثاني 1963 على أيدي الحلفاء القوميين للبعثيين.
إن المقالين ناقشا موضوعاً مهماً هو: الإستراتيج والتكتيك في السياسة وبشكل خاص حول سياسة الحزب الشيوعي العراقي في فترة الحكم القومي والحكم البعثي ومن ثم في الفترة الراهنة بشكل شديد التكثيف والاختصار.
الموضوع غاية في الأهمية, وكان النقاش هادئاً ومفيداً, لكنهما لم يستندا إلى وثائق ضرورية بل على الذاكرة بشكل خاص من جانب الأستاذ إبراهيم أحمد ولهذا برزت بعض المسائل غير المدققة التي اشار إليها عزيز الحاج. ولا شك في أن كليهما يمتلك الوثائق المهمة وبشكل خاص الدكتور عزيز الحاج حيث كتب الكثير في هذا الموضوع.
سأناقش من جانبي ثلاث مسائل جوهرية وردت لدى الكاتبين وبرؤية متباينة أو متفقة.
المسألة الأولى: هل كان خط آب سليماً إزاء حكم عبد السلام محمد عارف أم خاطئاً؟
المسالة الثانية: هل كان الموقف إزاء فترة حكم عبد الرحمن محمد عارف سليماً أم تضمن مواقف خاطئة؟
والمسألة الثالثة: هل كانت سياسة الحزب الشيوعي أو سياسة القيادة المركزية خلال هذه الفترة صائبة أم خاطئة خلال هذه الفترة؟
*****
المسألة الأولى: لم تكن سياسة خط آب 1964 للحزب الشيوعي العراقي صائبة حينذاك, بل كانت خاطئة لأنها لم تكن تنسجم مع واقع العراق حينذاك, رغم الشعور بالتخفيف العام الذي حصل في أعقاب إزاحة الحكم البعثي الدموي واحتلال القوميين الناصريين واليمينيين الشوفينيين منهم للسلطة بالكامل. وقد كانت مشاركة القوميين في أحداث 1963 مماثلة لدور البعثيين.
بعد تنفيذ الانقلاب ونجاحه اعتلى عبد السلام محمد عارف سدة الحكم وأصبح رئيساً للجمهورية ورئيساً لمجلس قيادة الثورة والقائد العام للقوات المسلحة بصلاحيات استثنائية مطلقة ومفتوحة. وكان موقف الحزب الشيوعي في البداية أو في أعقاب الانقلاب سليماًً حين طالب بحياة دستورية والتحول صوب الحكم المدني وإدانة الجرائم السابقة, ولكن تغير هذا الموقف مع اجتماع 1964 وبتأثير فعلي من الحزب الشيوعي السوفييتي, إذ لم يكن هذا الخط واقعياً ولا موضوعياً, إذ كان النظام يمارس سياسة استبدادية والحزب يدعو إلى سلوك طريق التطور اللارأسمالي, ولم يعر النظام أي اهتمام لهذه السياسة. من هنا يفترض فينا الإجابة عن الأسئلة التالية: هل توفرت للحزب إمكانية فعلية للتعامل مع الحكم الجديد؟ وما السمات التي اتسم بها قائد النظام السياسي القومي الجديد؟ وما هي طبيعة هذا النظام؟
تميزت شخصية عبد السلام محمد عارف بما يلي:
1. عقلية استبدادية شمولية وعنجهية وروح مغامرة جامحة وشراسة في مواجهة الآخر وعدم التردد في القتل للوصول إلى الغاية التي يسعى إليها والاستعداد المستمر للتآمر ضد من يتحالف معه.
2. لم يكن عبد السلام محمد عارف مثقفاً ولا يعي مفهوم الديمقراطية وحق الآخر في إبداء الرأي, وكان ضد الأحزاب بشكل تام وأياً كان هذا الحزب, ولم يبادر إلى تشكيل حزب الاتحاد الاشتراكي لاحقاً إلا تحت تأثير الناصريين من أجل رفض إقامة أحزاب سياسية أخرى ومنعها من التأسيس والعمل العلني الشرعي, ومطاردة الأحزاب السرية لوأدها من الوجود أصلاً. وكان الهم الأكبر حل الحزب الشيوعي واحتواء رفاقه.             
3. وكان عبد السلام محمد عارف مشدوداً إلى القبيلة التي انحدر منها شداً لا فكاك منه, كما كان يسعى إلى وضع المراكز الحساسة والأساسية في أيدي أبناء قبيلة الجُمَيلة بشكل خاص لضمان استمراره في الحكم.
5. هيمنت على فكر عبد السلام عارف الإيديولوجية القومية المتعصبة والانشداد الفعلي للماضي وللفكر اليميني الشوفيني الذي يرى بأن هناك من يريد تدمير القومية العربية ويكره الأمة العربية وتاريخها ومستقبلها, واتهم الجميع بالشعوبية لأن لهم وجه نظر أخرى.
6. كما كان مسلماً سلفياً متزمتاً وطائفياً متعصباً, لكنه كان بعيداً عن أن يسلم السلطة للقوى الدينية, وكان كارهاً عميقاً لا للمذهب الشيعي فحسب, بل وللشيعة "الرافضة!" عموماً. وكان يتهمهم جميعاً بالشعوبية.
7. وكان شديد الكراهية للشيوعية والاشتراكية وللحزب الشيوعي العراقي على  نحو خاص. إذ تميزت مشاركته مع البعثيين وعهده بقمع شرس للحزب الشيوعي العراقي وقوى اليسار الديمقراطي, وقتل بيديه وبيد عبد الغني الراوي الكثير من الشيوعيين. وفي فترة حكمه في الجمهوريتين الثانية والثالثة لقي غالبية شهداء الحزب الشيوعي حتى ذلك الحين نهايتهم الحزينة بالموت بأساليب مختلفة.   
8. وكان عبد السلام محمد عارف واحداً من أبرز وأشد المناهضين لمنح الشعب الكُردي حقوقه القومية المشروعة والساعين بكل السبل, وخاصة العسكرية, للقضاء على الحركة المسلحة التي كان يقودها ملا مصطفى البارزاني.
9. ورغم حديثه عن القومية والوحدة العربية كان أكثر القوميين قطرية ورغبة في الاحتفاظ بالحكم بيديه.
هل تركت هذه السمات أثرها على طبيعة الحكم في فترة حكمه؟
10. كما كان يحمل حقداً لا مثيل له لعبد الكريم قاسم برزت بشكل صارخ في جريمة قتله في دار الإذاعة العراقية وعلى أيدي عبد السلام محمد عارف وأحمد حسن البكر وبقية الطغمة في شباط 1963.   
لم يكن هناك أي وهم لدى القوى السياسية العراقية المختلفة في أن حكومة عبد السلام محمد عارف ليست سوى استمراراً للحكم العسكري الذي هيمن على البلاد والذي جاء بالبعث إلى السلطة, وأن غلاة العسكريين القوميين هم الذين يهيمنون على السلطة, وأن حكومة عارف–يحيى غير عازمة على تحقيق الديمقراطية في العراق وفسح المجال أمام مختلف القوى السياسية للعمل بحرية ووفق الشرعية الضرورية, بل كل الدلائل كانت تشير إلى أنها حكومة ذات نهج استبدادي مطلق وقومي يميني وشوفيني وطائفي, وهي غير راغبة في التوجه صوب الحياة الدستورية والديمقراطية والحزبية والتعددية السياسية أو احترام حقوق الإنسان وحقوق القوميات. تجلى ذلك في انتزاع عبد السلام محمد عارف قرارات واضحة بصلاحيات استثنائية واسعة جداً من مجلس قيادة الثورة الذي كان على رأسه ومنحه سلطة مطلقة في البلاد, بما في ذلك عدم العودة إلى المجلس الذي منحه تلك الحقوق المخالفة لمبادئ الحرية والديمقراطية والدولة المؤسسية, كما أن مثل هذه الصلاحيات المطلقة لم تحترم بأي حال إرادة الشعب وحقه في التعبير عن مصالحه والمطالبة بتنفيذها بل كانت تخضع لإرادة الدكتاتور الفرد.
لم يكن الحزب الشيوعي العراقي وحده من دعا إلى إنهاء الحكم العسكري والعودة بالبلاد إلى الديمقراطية والحياة الدستورية, بل شاركت فيه كل القوى السياسية الأخرى في توجيه انتقاداتها الشديدة للحكم الجديد باعتباره حكماً عسكرياً واستبدادياً ويمينياً وشوفينياً وطائفياً منافياً للديمقراطية والشرعية الدستورية وحقوق المواطنة المتساوية. وكان من بين أبرز المنتقدين الأستاذ إبراهيم كبه والأستاذ كامل الجادرجي ومحمد حديد وحسين جميل والشيخ محمد رضا الشبيبي والدكتور محمد سلمان حسن وغيرهم. ولكن عارف لم يستجيب لكل ذلك, حتى بعد إصداره للدستور المؤقت أو صدور قرارات التأميم في تموز 1964.
من هنا أرى بأن موقف الحزب في رفض خط آب ورفض محاولة حل الحزب الشيوعي العراقي كان صائباً في فترة حكم عبد السلام محمد عارف, إذ لم يكن بالإمكان تخليص العراق من الحكم العسكري والحكم المطلق وبناء الديمقراطية والحياة الدستورية, ولكن لم يكن بالإمكان إسقاطه بحمل السلاح والعمل الحاسم, إذ لم تكن للحزب مواقع مناسبة في القوات المسلحة حينذاك, وفي هذا أؤيد رأي الدكتور عزيز الحاج, إذ أنه الأكثر دقة وقرباً من الواقع العراقي حينذاك. إذ كنت في حينها في العراق ومطلع على الوضع بشكل تفصيلي,
المسألة الثانية: تَسلَمَ عبد الرحمن محمد عارف السلطة بعد موت أخيه في حادث الطائرة. وجاء بتأييد من العسكريين من أتباع عبد السلام محمد عارف والقريبين منه عائلياً وعشائرياً. ولكن عبد الرحمن كان يختلف عن أخيه. كان هو الآخر أحد أعضاء حركة الضباط الأحرار التي ساهمت بإسقاط النظام الملكي, ولكنه تميز بالهدوء ورغبة أقل في ممارسة الحكم وتطلع أكبر في معالجة القضايا العالقة في البلاد بحلول وسطية وسلمية, كما لم يكن مستبداً, ولكنه كان عاجزاً عن المبادرة والتأثير في الأحداث بسبب ضعف شخصيته إزاء الضباط الآخرين الذين رشحوه ليحل محل أخيه بعد موته وعدم قدرته على تغيير الحكم العسكري وإقامة الحياة الدستورية. وبالتالي كان يعيش التردد إزاء الموقف من الحريات العامة ومن القضية الكُردية ومن تدخل الجيش في الحياة السياسية والاقتصادية والتأثير على مسيرة الدولة ومن اتخاذ مواقف واضحة في مجال اقتصاد النفط الخام, رغم رغبته الشخصية بحل كل هذه القضايا. ولعب الدكتور عبد الرحمن البزاز دوراً مهماً في محاولته حل المسألة الكردية, ولكن العسكريين لم يسمحوا له بذلك واُجبر عبد الرحمن محمد عارف على  إزاحته من الحكم بعد عودته من سفرة عمل في الاتحاد السوفييتي.
ولكن العراق عاش تحسناً في مجالات عدة, ومنها الحياة التعليمية والثقافية والنشر والقدرة على الحركة السياسية, رغم استمرار اعتقال الشيوعيين وزجهم في السجون. ومع ذلك كانت الفترة تستوجب إعادة النظر بسياسات القوى الوطنية العراقية, ومنها سياسة الحزب الشيوعي التي تقررت في 1965 وتعزت في العام 1967. فبدلاً من شعار إسقاط النظام كان المفروض أن يكون شعار التحول صوب الحياة الدستورية والديمقراطية والمساهمة في منع وقوع انقلابات ومن أجل حل المسألة الكردية بطرق سلمية.
المسالة الثالثة: كان شعار الإطاحة بالسلطة وعبر العمل الحاسم, أي العمل العسكري, غير سليم وغير منسجم مع واقع العراق وقدرات الحزب الشيوعي العراقي, وبالتالي كانت المعارضة بهذه الطريقة هروباً إلى أمام وسياسة يسارية انعزالية متطرفة قادت إلى تسهيل مهمة البعثيين بشكل غير مباشر في الإطاحة بالسلطة, رغم أن السبب في سقوط النظام العارفي يكمن في طبيعة النظام وسياساته وعدم الانفتاح على الشعب والديمقراطية.
وكانت سياسة القيادة المركزية أكثر تطرفاً وأكثر تشنجاً وبالتالي أدت إلى إضعاف الحزب الشيوعي وإلى نشوء حالة من المنافسة والمزايدة اليسارية التي آذت الحزب والوضع العام. لقد التزم عزيز الحاج بالخط الذي وضعه مع زكي خيري, الذي رفض الانشقاق رغم تأييده للخط الفكري المتياسر المشترك لهما.
في العام 1967 وقبل الانشقاق وضع عزيز الحاج وزكي خيري مشروع برنامج للحزب تضمن المهمات الجديدة للمرحلة الثورية الجديدة, وهو يختلف عن برنامج الحزب الشيوعي, وكانت على النحو التالي:
"إن المهام أنفة الذكر هي مهام وطنية ديمقراطية وليست مهاماً اشتراكية, وهي ما خلفته ثورة [14 تموز] الثورة الوطنية الديمقراطية غير المنجزة, جراء انقطاعها بثورة الردة, وعلى المرحلة الجيدة من الثورة إنجازه. بيد أن المرحلة الجديدة من الثورة لن تكون ثورة ديمقراطية خالصة. فالشيء الأساسي, الأكثر أهمية, في كل ثورة هو السلطة السياسية في الدولة, هو مسألة من سيمسك بزمام سلطة الدولة, أية طبقة وأي حلف بين الطبقات ستمثله الدولة الثورية الجديدة؟ أي طبقة ستكون الطليعة والقائد للدولة الجديدة؟ إن انتصار الثورة الحاسم, لا يمكن أن يتحقق إلا بقيام جمهورية ديمقراطية ثورية, تضطلع فيها الطبقة العاملة وعلى رأسها الحزب الشيوعي العراقي, بالدور الطليعي والقائد السياسي, وتعتمد بالأساس على حلف العمال والفلاحين. إن الاستعمار سيبقى هو العدو الأساسي والرئيسي للثورة, ولكن اتجاه الضربة ضد الاستعمار قد تبدل.فلم يعد اتجاه الضربة مسدداً ضد الاحتلال الأجنبي والحكم الاستعماري [الكولونيالي] المباشر كما كان في ثورة [1920] الوطنية العامة, ولا ضد النظام الملكي شبه الإقطاعي التابع للاستعمار كما كان في ثورة [14 تموز] الوطنية الديمقراطية, بل ضد الدكتاتورية العسكرية البوليسية الممثلة للبرجوازية المعادية للثورة الآن, فأن المصالح والهيمنة الاستعمارية تختفي الآن وراء ستار هذه الدكتاتورية الرجعية الشوفينية المعادية للشعب وللديمقراطية وللقومية الكُردية وللشيوعية ولحركة التحرر العربي الثورية المتهادنة مع الاستعمار واحتكاراته"( مشروع منهاج الحزب الشيوعي العراقي. مسودة أولية للمناقشة العامة. المسيرة التاريخية للثورة العراقية نحو جمهورية ديمقراطية ثورية. منشورات الحزب الشيوعي العراقي. عام 1967. ويشار هنا إلى أن هذا الكراس قد كتب بالا تفاق بين زكي خيري وعزيز الحاج وطرح للمناقشة باسم الحزب الشيوعي العراقي).
ثم خلص التقرير إلى المهمة التي تواجه الطبقة العاملة والحزب الشيوعي العراقي فأكد ما يلي:
"إن السلطة الثورية الجديدة بقيادة الطبقة العاملة هي وحدها القادرة على إنجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية التي لم تنجز بعد والتي يطالب تسعون بالمائة من سكان العراق إنجازها. ولكن يترتب على السلطة السياسية الجديدة, على الجمهورية الديمقراطية الثورية, ليس فقط إنجاز واجبها الأساسي والغالب: مهام الثورة الوطنية الديمقراطية, بل بإمكانها ومن واجبها أيضاً إنجاز المهام الانتقالية الأولية للثورة الاشتراكية. يعني المباشرة بالخطوات الأولى من الثورة الاشتراكية. فأن المرحلة الثورية الجديدة ليست مرحلة وطنية ديمقراطية وحسب, بل إن المرحلة الختامية من الثورة الوطنية الديمقراطية يمكن ويجب أن تمتزج بالثورة الاشتراكية, بالمرحلة الانتقالية الأولية من الثورة الاشتراكية. إن الحلقة المشتركة بين الثورتين هي السلطة الثورية الجديدة, هي الدكتاتورية الديمقراطية الثورية التي تقودها الطبقة العاملة وعلى رأسها الحزب الشيوعي العراقي." (نفس المصدر السابق).                             
على ماذا يستدل من هذه المقاطع الضافية من مشروع منهاج الحزب الشيوعي العراقي حينذاك. يبدو لي بوضوح ما يلي:
إن المجموعة التي أيدت هذا الخط كانت متأثرة بشكل خاص بالاتجاهات الماوية والتروتسكية التي تبلورت في أمريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا والتي كانت تدعو إلى مثل هذه الاتجاهات, وهي لم تكن سوى محاولة تنظير لا ترتبط بالواقع العراقي المعاش حينذاك وطبيعة المجتمع والمشكلات المباشرة التي تواجهه. كما إنها كانت ردة فعل للخط اليميني الذي طرحه الحزب الشيوعي في خط آب 1964 ومحاولات التشبث بذلك الخط السياسي. 
لقد عبر هذا الخط عن ذهنية يسارية وخط يساري انعزالي يرفض دور البرجوازية الوطنية ويخونها, كما يرفض دور البرجوازية الصغيرة ويعتبرها عاجزة عن تحقيق مهمات المرحلة الوطنية الديمقراطية, في حين كان المجتمع لا يزال يعيش في مرحلة تسودها العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية والطبقة العاملة لا تشكل إلا نسبة ضئيلة جداً من السكان, وأن الغالبية العظمى من السكان هم الفئات الفلاحية الفقيرة على نحو خاص. ثم يربط بين مهمات المرحلة الوطنية والمرحلة الاشتراكية من خلال سلطة الدولة متجاوزاً على كل القوانين الاقتصادية والاجتماعية الموضوعية التي تتحكم بعمليات التحول الاجتماعي وبعيداً كل البعد عن واقع العراق السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الفعلي. لقد كان المشروع هروباً إلى أمام ومزايدة لا معنى لها في واقع الحزب وصراعاته حينذاك. كما أن المشروع لم يأخذ بعين الاعتبار التغير الذي حصل في العراق بعد حادث طائرة عبد السلام محمد عارف وحلول أخيه عبد الرحمن محمد عارف في الحكم, حيث تبلورت مواقف أخرى كان لا بد من دارستها بعناية ومعرفة مدى إمكانية الاستفادة منها لتحسين الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق دون اعتبار النظام القائم ديمقراطي, إذ لم يكن ديمقراطياً بأي حال, ولكنه لم يكن أيضاً على شاكلة حكم عبد السلام محمد عارف. 
من هنا يتبين بأن سياسة الحزب حينذاك لم تكن سياسة واقعية معبرة عن واقع وإمكانيات الحزب أو الجماهير الواسعة. ولكنها لم تكن السبب في ما حل بالعراق من كوارث, فالسبب الحقيقي يكمن في سياسات القوى التي وصلت إلى السلطة حينذاك وتلك القوى التي تأمرت مع البعث لإسقاط حكم عبد الرحمن محمد عارف والمجيء بحكم البعث الفاشي.   
وقد شخص كل من عزيز الحاج, وكذلك إبراهيم أحمد, بصواب خطأ تلك السياسة التي دعت إلى حمل السلاح للإطاحة بالحكم العارفي, وخاصة عارف الثاني, وأن تلك السياسة قد أضعفت النظام العارفي الثاني, ولكنها لم تكن السبب في إسقاط النظام, بل كانت طبيعة النظام هي السبب الرئيسي في سقوطه, إضافة إلى التآمر البعثي والأمريكي أو الخارجي عموماً.     
كاظم حبيب      14/10/2009

562
كاظم حبيب
من أجل إنجاز برنامج واقعي للتحالف الديمقراطي العراقي المنشود
من أجل الإسراع بإنجازه لضمان الدعاية له والتعبئة حوله
يقترب موعد الانتخابات العامة القادمة ويزداد الحديث عن قانون انتخابات ديمقراطي يفترض وضعه وإقراره. كما أعلنت بعض القوى عن تحالفاتها وعن الجماعات المشتركة فيها, والتي تشير إلى عدم تغيير كبير في صورتها السابقة واكتفت بوضع مساحيق لم تغير من الطبيعة الفعلية لتلك التحالفات وبرامجها وسياساتها وأساليب عملها, وبعضها شدد من الطابع الطائفي رغم الحديث عن المواطنة أو ضم بعض من كان في الصف الديمقراطي إلى قوائمه, وهو من نفس الطائفة الدينية.
وهذه الحقيقة تضع على عاتق القوى الديمقراطية التي لا تزال تخوض الحوارات والنقاشات في ما بينها لتصل إلى صياغة برنامج مشترك ومن ثم الدخول في المشكلة الأكثر تعقيداً ألا وهي تحديد أسماء المرشحين من القوى والأحزاب المشاركة في التحالف والتي يراد خوض الانتخابات بها, مسؤولية كبيرة باتجاهات عدة والتي لا اعتقد بأي حال أنها غائبة عن أنظار المشاركين في الحوار الديمقراطي الراهن. إلا أن التذكير بها ضروري وتأكيده باستمرار على قاعدة "المعرفة جيدة, ولكن تأكيدها المستمر أجود, وممارستها الفعلية أكثر جودة وأهمية":
1.   التمييز بين البرنامج العام لكل حزب أو منظمة سياسية من جهة وبين البرنامج الانتخابي الذي يراد خوض الانتخابات به من جانب التحالف الديمقراطي من جهة أخرى, ولكن بطبيعة الحال لا يمكن نسيان العلاقة الجدلية بينهما.
2.   أهمية التركيز على المشكلات الراهنة التي تعاني منها أوسع الأوساط الشعبية ومصالح مختلف الفئات الاجتماعية من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقومية, وكذلك مصالح المرأة والشبيبة والطلبة وقضايا البطالة والفقر ومكافحة الفساد. مع اختيار شعار مركزي للحملة الانتخابية يمس المجتمع بأسره.
3.   عدم طرح شعارات فيها مزايدة ولا يمكن تحقيقها في حالة الوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها, إذ أن ذلك لا يمكن أن يقنع الناس وخاصة الجماعات الواعية والمتعلمة والمثقفة بصدق المناضلين من أجل تحقيق تلك الأهداف.
4.   الربط العضوي بين البرنامج المطروح في الانتخابات وما عجزت الحكومات المتعاقبة عن تحقيقه والاستفادة من المعلومات والإحصائيات الكثيرة المتوفرة لتبيان عجز الحكومات المتعاقبة عن تحقيقها رغم توفر الإمكانية.
5.   عدم نسيان القوات المسلحة التي يفترض أن تكون ذات وجهة وطنية عامة وتؤمن بالمواطنة وبعيداً عن السلوك القومي الشوفيني أو ضيق الأفق القومي أو الطائفية السياسية.
6.   الدعوة الواضحة بالابتعاد عن العنف والقوة في معالجة المشكلات بل التفاوض السلمي وبآليات ديمقراطية ومشروعة.
7.   التعجيل بالانتهاء من النقاشات من أجل تأمين فترة كافية وفرصة مناسبة للدعاية الانتخابية وخوض المعركة بأفكار وأهداف واضحة وقابلة للتنفيذ.    
8.   وارى ضرورة تشكيل هيئات مشتركة لخوض الحملة الانتخابية بحيث تعكس الانسجام والتناغم بين القوى المتحالفة لخوض الانتخابات لأهمية خوضها المشترك بعيداً عن التناقضات والصراعات.
9.   محاولة إيجاد أسلوب عملي وموضوعي يساعد على أن لا تكون عملية تشكيل قوائم المرشحين صعبة أو معرقلة للوصول إلى اتفاق. وحين الاتفاق يعتبر كافة المرشحين يمثلون التحالف الديمقراطي المشترك وليسوا لحزب أو منظمة بعينها, وهو أمر ضروري في هذه المرحلة من نضال الشعب لانتخاب مجلس أكثر حيوية وموضوعية وأكثر استقلالية لصالح العراق وشعب العراق.
10.   وخلال هذه الفترة وإلى حين إقرار قانون جديد للانتخابات العامة يفترض النضال من أجل خمسة مسائل جوهرية, وهي القائمة المفتوحة مع الحفاظ على النسبة المقررة للمرأة, واعتبار العراق دائرة انتخابية واحدة, والموافقة على ممارسة المواطنات والمواطنين في الخارج لحقهم الانتخابي, والموافقة على اعتبار جواز السفر أو هوية الأحوال المدنية أو شهادة الجنسية أساساً لممارسة حق الانتخاب بدلاً من البطاقة التموينية, وإجراء تعديل في مفوضية الانتخابات ليكونوا مستقلين عن الأحزاب السياسية, والإصرار على  حق مساواة جميع المرشحين والقوائم في الاستفادة المتساوية من إعلام الدولة لصالح حملتهم الانتخابية والعمل من أجل خوض انتخابات نزيهة وديمقراطية ومراقبة من جانب الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان.
أتمنى على الجميع بذل الجهود لتسهيل النقاشات والمفاوضات لتحقيق البرنامج الانتخابي المشترك وتشكيل القوائم المشتركة, أتمنى أن يتحقق ذلك بأسرع وقت ممكن وأن نوجه كل الجهد لصالح تأمين كل مستلزمات تحقيق التنوير الاجتماعي والسياسي ومن ثم تحقيق نتائج إيجابية لصالح الديمقراطية والتقدم والسلم الاجتماعيين في العراق.
كاظم حبيب                     12/10/2009

563
كاظم حبيب
كم من حاكم مستبد ونرجسي يمسك برقاب شعوب منطقة الشرق الأوسط؟
كم من مأساة وملهاة تعيش تحت وطأتها شعوب المنطقة؟


نحن بنات وأبناء منطقة الشرق الأوسط نواجه ظاهرة قديمة متجددة, ظاهرة يعاد إنتاجها دون انقطاع, رغم المآسي التي تسببت بها هذه الظاهرة المريعة لشعوب هذه البلدان حتى الآن, إنها ظاهرة الحاكم المستبد بأمره المصاب بالنرجسية والتعالي والسادية والاستهانة بشعبه, المستبد المتمرد على شعبه والمتحكم برقاب سكان بلده والرافض لمبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية وحقوق المرأة والضارب عرض الحائط حتى الشريعة التي يتمسح بها, هذا المستبد الممارس لكل المظالم والغارق في الجهل والأمية السياسية والثقافية والفاقد لمعنى الثقافة والمنتعش بجدبها وبهدر كرامة الإنسان والمالئ لسجونه ومعتقلاته بالكثير والكثير جداً من أصحاب الرأي الآخر والعقيدة الأخرى. كما أن هذا الحاكم مستعد إلى استئصال من يقف بوجهه أو يطالب باحترام حقوقه شخصاً كان أم جماعة, فما أسهل عليه أن يقول للمنتفضين "سنستأصلكم عن بكرة أبيكم!", كما قال الدكتاتور صدام حسين مرة اقتل 2000 أو 3000 أو 10000 ولا ترتعش يدي!, إذ فعلها حقاً في الأنفال وحلبچة مثلاً "دون أن يرمش له جفن!".
كم من حاكم لدينا يرى في نفسه أنه الأعقل بين حكام العالم وأكثرهم عدلاً ورقة وشعبية, ويرى الحكام الآخرين أقل موهبة وحكمة وعدالة منه وأقل هيبة منه لدى شعوبهم!
كم من حاكم في هذه المنطقة من العالم, التي ظهر فيها المصلحون ومشرعو اللوائح القانونية والدساتير والأنبياء, مصاب بجنون العظمة وازدواج الشخصية وكل الأمراض النفسية الأخرى التي يمكن تشخيصها فيه من جانب علماء علم النفس الاجتماعي. كم من حاكم يسعى إلى أن يطأ بإقدامه القذرة رؤوس الناس الطيبين من بنات وأبناء شعبه ويريد من الناس أن تطأطئ له رؤوسها وتنحني إجلالاً له, وهو الفاسد والمنافق والحاقد.
نحن أمام أناس يعتقدون أنهم ليسوا ملوكاً وأمراء وحكاماً في الأرض فحسب, بل هم وكلاء وأولياء الله على الناس, بل أن بعضهم يرى في نفسه إنه الله بعينه! إنه ملك الملوك وإله الآلهة كلهم!
كم من سياسي, مدني كان أم عسكري, ثار على الملكية وأطاح بها عبر القوات العسكرية أو بأساليب أخرى بذريعة إعادة الحق إلى أهله ونصابه وممارسة العدل والإنصاف, ثم أصبح هو الملك المتوج وراح ينعت نفسه بأسماء لا أول لها ولا آخر ولا معنى لها مثل "ملك ملوك أفريقيا", ثم تنتفخ أوداجه حين ينادي أحد رؤساء الدول العربية صاحبنا بهذا الاسم الذي لا يلائم سوى المجانين على أرض الواقع ونزلاء مستشفى الأمراض العقلية؟
كم من حاكم يعتقد بأنه لا يمكن أن يُعوض بغيره من فرط دهائه وحب الشعب له بسبب "إخلاصه" للوطن, فهو المتفرد وهو الأوحد والأمثل والأكمل, وعليه فلا بد له من أن يبقى على رأس السلطة مدى الحياة, وعلى الشعب أن يوقع له بالدم على ذلك. ومثل هذا الحاكم المستبد بأمره لا يريد أن يعي ويدرك بأنه لا يساوي في نظر شعبه وشعوب العالم شروى نقير, حتى أصبح البعض الكثير منهم أضحوكة لبقية حكام العالم كله وشعوب الكرة الأرضية, إنها "المأساة والملهاة" في آن واحد التي تعيشها أغلب شعوب منطقة الشرق الأوسط!
لقد أسقط البعض منهم الملكية لينهي نظام السلالات الوراثية, وأقام الجمهورية, ولكنه بدأ بتكريس سلالته لتشكل نظاماً جديداً يمكن أن نطلق عليه "الجمهلكية" (الجمهورية الملكية)! وليفرض الاستبداد من جديد على رؤوس الأمة!
كم من حاكم فاشي النهج والممارسة, يقف متحدياً العالم كله وشاتماً إياه وممزقاً اللائحة الدولية التي تنظم عمل الأمم المتحدة من على منصة الأمم المتحدة متحدياً شعوب ودول الأرض كلها, أو حاكم آخر يقسم بالطلاق في أنه سيستأصل قبيلة الحوتيين في "اليمن السعيد!" جداً, بدلاً من تأكيد أهمية حل المشكلات بالطرق السلمية التفاوضية, في وقت ترتفع أصوات المحتجين في الجنوب مطالبين بالانفصال عن المستبد بأمره بسبب تفاقم الفقر والبطالة والتمييز, وحاكم آخر في هذه المنطقة من العالم يتحدى العالم كله ويثير الناس ضد شعب فلسطين وقضيته العادلة بذريعة الدفاع عن قضية فلسطين ومحو إسرائيل من خلال تحدي الحقائق التاريخية بشأن الهولوكست ضد اليهود في ألمانيا وفي أوروبا التي نفذها النظام النازي والفاشي في ألمانيا في النصف الثاني من العقد الرابع من القرن العشرين وأثناء الحرب العالمية الثانية ومعسكرات الاعتقال التي أدت إلى قتل أكثر من خمسة ملايين إنسان من أتباع الديانة اليهودية, إضافة إلى عشرات ألوف القتلى من شيوعيين واشتراكيين وديمقراطيين مسحيين, وكذلك الكثير من بنات وأبناء قوميات سلافية والروما والسنتي (أي الغجر أو النوريين), دون أن يكون له أدنى مبرر وأدنى سند حقيقي لمثل هذا الإنكار العدواني؟ يكفي هذا الحاكم أن يزور المعتقلات النازية في ألمانيا, ومنها: ساكسن هاوزن, بوخن فالد, داخاو .., وغيرها, أو أوسشفتس في بولونيا أو غيرها في دول أوروبية أخرى ليتيقن مما يسعى إلى تكذيبه ويثير لشعوبنا في المنطقة المزيد من المشكلات التي هم في غنى عنها. ومن المفيد أن نشير هنا إلى أن مجموعة غير قليلة من العرب قد وجدت في هذه المعسكرات النازية الرهيبة. جاء في كتاب المستشرق الألماني "گيرهارد هب" الموسوم "العرب في المحرقة النازية ضحايا منسيون" الذي ترجم إلى العربية من قبل السيد محمد حديد ونشر في دمشق ما يلي: "في مجمل الإحصاء حتى الآن وجد نحو ألف معتقل عربي على الأقل. وتتصدّر الجزائر اللائحة (248 معتقلاً) ويليها المغرب (27) ثم تونس (22) والعراق (4) وفلسطين (4) ثم لبنان وسورية، علاوة على ليبيا واليمن الدولتين اللتين لم يشملهما الإحصاء. ومن الملاحظ أن يهوداً عرباً من ليبيا واليمن والمغرب والعراق، كانوا في عداد هؤلاء." (راجع موقع نسيج الإلكتروني بتاريخ 8/10/2009)
كم من حاكم أبله يحمل عصاه بيديه ويرقص كالقردة ليُضحِك الآخرين من أعضاء حزبه ويتحدى العالم كصاحبه المقبور المهووس بالصور والتماثيل والأزياء والألقاب صدام حسين في عدوانيته ومقابره الجماعية وجرائمه ضد الإنسانية. وحين ينتهي هذا النظام ستظهر المقابر الجماعية وتكتشف وتعرض على العالم ليروا بأم أعينهم ما فعله هذا "الدكتاتور المسلم".
وكم من حاكم يشبه في أوهامه دون كيشوت الذي يقاتل الطواحين الهوائية متصوراً إياها جيوش جرارة لعدو مدجج بالسلاح, 
كم, وكم, وكم من الحكام المستبدين ابتلت بهم شعوب الأرض منذ نشوء البشرية حتى الآن؟ إنهم كثيرون لا يحصون, ولكن أغلبهم ولد وترعرع وحكم على هذه الأرض الطيبة, على أرض منطقة الشرق الأوسط, في بلدانها العربية وغير العربية.
كان لنا في العراق حكام أوباش قتلة, يكفينا أن نقرأ ملحمة گلگامش لشاعر مبدع لنتيقن من الاستبداد الذي ساد تلك الفترة والذي وجد تعبيره في الملك الذي لم يترك امرأة متزوجة أو مخطوبة أو عذراء إلا ودخل فيها عنوة, ألم يكن في العراق الحجاج بن يوسف الثقفي وعبيد بن زياد بن أبي سفيان وزياد بن أبيه والسفاح وجمهرة من الخلفاء العباسيين الذين تميزوا بالظلم والاستبداد وناصبوا الإنسان العداء, ومن ثم كان لنا الجزار ومؤسس القبور الجماعية صدام حسين وأول من استخدم السلاح الكيماوي ضد شعبه في منطقة الشرق الأوسط. وإذا كان علي حسن المجيد قد استحق لقب "علي كيماوي", فأن اللقب اللائق بصدام حسين هو "أبو القبور الجماعية", إذ كان هو الجزار الحقيقي في بلاد الرافدين وكردستان العراق.
ثم للنظر معاً إلى إيران وما في سجونها من بشر يقبعون في ظلمات الدهاليز حيث يتعرضون للتعذيب على الطريقة "الإسلامية!" والاغتصاب "الإسلامي!" للنساء والرجال, ولا يكف عنهم "حراس الثورة" ليل نهار بذريعة التأديب وفرض التوبة. أنظروا كيف يواجه كل العالم حاكمهم المجنون ويسعى لامتلاك السلاح النووي ويجوع شعبه تماماً كما فعل قبله من كان حاكماً أفّاكاً في العراق, وسينتهي إلى نفس مصير صدام حسين إن سار على درب الصدّ ما ردّ!ً
لم يكن العراق بعيداً عن كل ذلك, بل كان في القلب من هذه المنطقة التي حملت وأنجبت المئات والمئات من الحكام المستبدين والذين مرغوا وجوه شعب العراق بالتراب وشنوا به الحروب وهدروا كرامته وعزة نفسه. مات الكثير من هؤلاء الحكام المستبدين, ولكن الأرض العراقية, كما يبدو, لا تزال تعيد إنتاج المستبدين, فمتى يتوقف هذا البلد عن إنجاب المستبدين والفاسدين والمفسدين, متى يعم الهدوء ربوع الأرض الطيبة وينتشر إلى بقية بقاع هذه المنطقة المبتلاة بهم.
غنى الشاعر التونسي الشاب أبو القاسم الشابي بأبيات شعر, ولكنه مات وهو في ريعان الشباب ولم يطل به العمر ليمتحن المضامين التي وردت في شعره ليرى إن كان مصيباً في ما قال:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة          فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بـد لليـل أن ينجلـي          ولا بد للقيـد أن ينكسر
أشك في أن القدر سيستجيب لرغبة الشعوب وإرادتها الحرة في الخلاص من حكامها المجانين والمستبدين ما لم تأخذ هذه الشعوب الأمر بيديها وتغير من أسلوب حياتها ومن بنية اقتصادها وعلاقاتها الاجتماعية ووعيها السياسي والديني والاجتماعي في هذا البلد أو ذاك من بلدان المنطقة التي يفترض أن تكون لها عقلية وتربية ووعياً جديدا وسلوكاً اجتماعيا وسياسياً آخرين وتنتج تقاليد وعادات وقيم أخرى غير السائدة حالياً والعائدة لعقود وقرون سحيقة في القدم لا تزال تُسيَّر الناس وتتحكم بإرادتهم وأفعالهم وتخلق لهم من الحكام المستبدين ما يكفي لقهر العالم كله بهم.
إن المشكلة التي تبدو للعيان حالياً هي أن هؤلاء الحكام يسعون أن يخلقوا في شعوبهم الكثير ممن على شاكلتهم, أن يكونوا نموذجاً لهم, حينها تكون المصيبة أعظم والعذاب أطول والحياة أكثر إرهاقاً على البشر.
في العام 1976 صرح صدام حسين بأنه يسعى إلى خلق شبيبة مماثلة له, وأن يكون نموذجاً لها في المأكل والملبس والتصرف والسلوك والعلاقات. وقد ترك لنا كما يبدو الكثير في ما أراد إعادة إنتاجه! ولكن ذلك لم يقتصر على حزب البعث الحاكم حينذاك, بل ترك أثره الملموس ونهجه في التعامل مع المجتمع ومع الآخر على عدد غير قليل من الناس, ولكن بشكل خاص على أعضاء أحزاب سياسية أخرى نعيش تحت وطأتها سياساتها وممارساتها في يومنا هذا.
حين يموت هذا المستبد أو ذاك يطاح بحكمه وبه, فهذا لا يعني أن المستبدين قد انتهوا, إذ أن إعادة إنتاجهم سيتواصل إلى أن تصفى الأرضية الاقتصادية والاجتماعية والفكرية التي ساهمت وتساهم أساساً في إعادة إنتاج المستبدين...       
9/10/2009                      كاظم حبيب

564
كاظم حبيب
قانون الانتخابات والديمقراطية في العراق !

مر العراق حتى الآن بعدة تجارب انتخابية كان آخرها انتخابات مجالس المحافظات ثم انتخابات إقليم كردستان العراق. وقد بينت هذه التجارب مجموعة من الاختلالات والنواقص الجدية التي تواجه الناخب العراقي والتي يفترض معالجتها من جانب مجلس النواب العراقي, بغض النظر عن موقف الأفراد والجماعات المختلفة من هذا المجلس ومن الواقع الأمني والاجتماعي والفكري والسياسي المتردي الذي أنتجه وحدد مستوى ومضمون مسيرته السلبية خلال السنوات الأربع المنصرمة.
ولا بد لكل مواطن يعي أهمية الانتخابات والمهمات الملقاة على المجلس الجديد المنتخب, رغم كل الأحاسيس التي تشير إلى احتمال غير قليل ببروز مشكلات وأجواء تجعل من تأمين نزاهة مناسبة في الانتخابات مهمة غير سهلة بأي حال.
إن تأخير إقرار قانون الانتخابات يعتبر جزءاً من محاولات بعض القوى السياسية إعاقة إصدار العديد من القوانين الضرورية في المرحلة الراهنة للدولة والمجتمع لزيادة التعقيدات والمشكلات التي يواجهها المجتمع ومسيرة الدولة العراقية. ويكمن وراء هكذا مواقف العديد من الأهداف الأنانية التي تريد الوصول إلى نتائج ترضيها وتعبر عن مصالحها وليس عن مصالح الشعب العراقي وأمنه واستقراره وتعزيز سيادته.
فالتأخير يعتبر شكلا من أشكال إعاقة مسيرة العملية السياسية وبهدف استمرار وجود النظام السياسي الطائفي والتوزيع المحاصصي الطائفي للسلطة. ولكن المشكلة الجوهرية لا تكمن في التأخير حسب, بل وفي مضمون قانون الانتخابات الذي يفترض إقراره. فالأكثرية البرلمانية الراهنة التي تحتل مقاعد مجلس النواب العراقي ليست ديمقراطية. ومن يتابع تصريحات أعضاء مجلس النواب واتهاماتهم له في فترة بدء الحملة الانتخابية للانتخابات الجديدة تكشف حقيقة وطبيعة بنية أكثرية هذا المجلس وتؤكد غياب الديمقراطية عنه, إذ نشأ في ظل القوائم الطائفية والمحاصصة الطائفية ووفق قانون غير ديمقراطي في الكثير من مواده, مع العلم بأن الدستور ذاته يتضمن الكثير مما يفترض العمل على تعديله.
أين تكمن عدم ديمقراطية القانون بالارتباط مع أوضاع العراق بشكل ملموس؟
إنها تكمن, كما أرى, في عدد من الملاحظات الأساسية, إضافة إلى الملاحظات الخاصة بالموقف من المرأة ومن أتباع القوميات الأخرى, أشير إلى أهمها فيما يلي:
1.   يفترض أن يعتبر العراق دائرة انتخابية واحدة. فالمرشح الذي ينتخب ويحتل مقعداً في مجلس النواب يفترض فيه أن لا يمثل المجموعة التي صوتت له أو المنطقة التي رشح فحسب, بل كل الشعب العراقي. وهي مهمة ترفع من دور النائب ومن روح المواطنة فيه ومن إحساسه بالوطن الذي يمثله. ومثل هذه الدائرة الراقية المفتوحة لا تسمح للأصوات بالضياع, مهما كان عدد الأصوات المعطاة في محافظة معية, بل تحسب الأصوات على صعيد البلاد كلها. إنها الممارسة الأكثر ديمقراطية والأكثر ضرورة في المرحلة الراهنة للعراق. إن الحالة الراهنة تحصر النائب في دائرته فقط, في حين أن القائمة المفتوحة تجعله مسؤولاً عن المحافظة التي أعطته أكثر الأصوات, ولكنها يحس بمسؤوليته إزاء بقية أنحاء العراق من خلال حصوله على أصوات فيها حسبت له في المحصلة النهائية. فالناخب عراقي ويمنح صوته لهذا المرشح أو ذاك ولهذه القائمة أو تلك, وحيثما كان يفترض أن يحسب الصوت له.
2.   لا بد أن تكون القوائم مفتوحة لأهميتها في الوصول إلى أفضل المرشحات والمرشحين الذين يختارهم الناخب أو الناخبة بكل حرية وبمعرفة جيدة بالمرشح أو المرشحة التي يراد انتخابهما. إلا أن الأخذ بالقائمة المفتوحة يفترض أن يحافظ في الوقت نفسه على النسبة المقررة دستورياً للنساء لا أن يتم التجاوز عليها بسبب القائمة المفتوحة, ومن ثم اختيار الرجال فقط.
3.   أن أي محاولة لرفع الحد الأدنى لحق الترشيح للانتخابات من 30 إلى 35 سنة يعتبر تجاوزا على حقوق الإنسان البالغ سن الرشد, إذ من غير المعقول أن نمنع من يعتبر قد بلغ سنة الرشد وبالتالي فهو يمتلك حقوق المواطنة لبالغي سن الرشد. إن شعوب العالم تسعى اليوم إي تخفيض الحد الأدنى لتجعله 18 عاماً, فيحين يسعى البعض في بلادنا إلى رفعه إلى 35 سنة. إن من حق الشباب الترشيح للانتخابات واحتلال مقاعدهم في المجلس ليعبروا عن إرادة ومصالح وتطلعات ملايين الشباب الذين بعمرهم أو اقل من عمرهم. ومن هنا يفترض أن يتم تعبئة الشباب من النساء والرجال للنضال من أجل تغيير الحد الأدنى إلى عشرين سنة وليس إلى رفعه إلى 35 سنة لنرى وجوهاً شابة وفكراً متقداً وحيوية الشباب تسيطر على أجواء ونقاشات وقرارات وكذلك القوانين التي يصدرها المجلس.
4.   إن المشكلة الأخرى تبرز في محاولة إبعاد ربما أكثر من مليون إنسان يقطنون خارج البلاد عن حقهم في التصويت لصالح هذا المرشح أو المرشحة أو هذه القائمة أو تلك, في حين أنه حق منحه الدستور العراقي. وبالتالي لا يجوز اتخاذ مثل هذا الإجراء الذي يراد, كما يشار, اعتماده في القانون الجديد أو التعديلات التي يراد إدخالها على القانون السابق, إذ أن مثل هذا الإجراء يكرس الرؤية والممارسة اللاديمقراطية في المجلس النيابي.
5.   أما النقطة الأخرى فهي التي تؤكد حق الناخبة أو الناخب الإدلاء بصوتهما حين يحملان معهما البطاقة التموينية, وهو أمر لا يمكن تصوره بسبب ضحالة القرار, إذ المفروض أن يؤكد على واحدة من الهويات الثلاث التالية:
أ‌)   جواز السفر العراقي, ب) هوية الأحوال المدنية, ج) شهادة الجنسية العراقية.
إن عدم الالتزام بالأسس المعقولة للانتخابات لا يعبر إلا عن فعل عوامل غير ديمقراطية تمس الوضع الانتخابي في العراق وعدم ديمقراطية قانون الانتخابات وتخلف التفكير الديمقراطي لدى بعض القوى التي ترى في ذلك مصلحة لها ولا تريد أن تهتم بمصالح الشعب العراقي كله.
أتمنى أن يصدر القانون الجديد المنظم للانتخابات العامة القادمة. وأن يقر المبادئ الديمقراطية التي تسمح بتطور العراق صوب الأفضل, لا أن تدفع به إلى الوراء.
إن الانتخابات القادمة لا تجري في ظل أجواء مناسبة للجميع, فهناك القوى الماسكة بزمام الحكم والقادرة على التأثير فيها, وهي المالكة للسلطة وثروة المجتمع وأجهزته المختلفة, وتلك القوى المالكة للموارد المالية والتي تسمح لها بتوزيع البطانيات والساعات والأموال لصالح شراء أصوات الناخبات والناخبين. ومن المحزن حقاً وجود مواطنات ومواطنين يبيعون أصواتهم لمن لا يستحق هذا الصوت إذ أنه يبدأ بالرشوة ويسعى إلى استرداد ما وزعه من هدايا وأموال بل وأكثر من ذلك مئات المرات عبر نهب الدولة. كما أن المرشحين والمرشحات كافرا داو كقوائم لا يمتلكون نفس مستلزمات خوض الانتخابات في مجال الإعلام. فأجهزة الدولة مسخرة اليوم لمن في السلطة وليس لأبناء الخايبة والذين يسعون إلى تمثيل الفئات الكادحة والمسحوقة في المجتمع والدفاع عن حقوقهم ومصالحهم.
8/10/2009                     كاظم حبيب
               

565
مع المفكر السياسي الدكتور كاظم حبيب
رئيس هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراقية
تحيات عراقية طيبة

لا يخفى عنكم حملة الإبادة اللاإنسانية المنظمة التي يقودها الظلاميون ضد الوجود المندائي في بلدهم الأصلي العراق. والتي اتخذت مظاهر القتل المتعمد واغتصاب النساء وفرض العقيدة الدينية الإسلامية وما صاحب ذلك من ابتزاز ومصادرة الأموال والاستيلاء على البيوت الآمنة، في ظل واقع يكاد يكون شبه صامت ولا أبالي من قبل مؤسسات الدولة وحمايتها المفترضة لأبنائها.
في هذا الظرف العصيب الذي يمر به أبناء طائفتنا المسالمة، وبعد عمليات قتل متواصلة تعرض لها عدد من أبناء الطائفة الأبرياء، كان آخرها عملية قتل الشاب وئام لازم  بكاتم صوت داخل محله الصغير في بغداد، يكون لصوت المثقفين والمفكرين المتنورين من أبناء بلدنا، تضامن إنساني مع محنتنا، ومواقفك الإنسانية المسالمة والمتسامحة التي عودتمونا عليها في كل مناسبة، تمثل احد ابرز الأصوات التي نحمل لها اعتزازا وتقديرا كبيرين.
بمناسبة الأحداث الأخيرة المفزعة التي يتعرض لها أبناء وبنات طائفتنا المسالمة، اطرح عليكم يا أستاذنا الفاضل مجموعة من المحاور أتمنى أن تتاح لكَ الفرصة والوقت المناسب للإجابة عنها لغرض نشرها في وسائل إعلامنا المندائية و العراقية والعربية
وتقبل خالص شكري وامتناني
                                        موسى الخميسي/ كاتب وفنان تشكيلي عراقي
                         عضو الأمانة العامة لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق

 

أخي الكريم الأستاذ الفنان التشكيلي والكاتب موسى الخميسي المحترم/ عضو هيأة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق
تحية طيبة
أولاً أعتذر عن التأخير عن الإجابة بسبب غيابي عن برلين. سأحاول الإجابة عن أسئلتك المهمة فيما يلي:
* - في كتاباتكم التي تؤكد على الاحترام المتبادل بين الديانات كنتيجة ضرورية من نتائج الاعتراف بالاختلاف باعتبار أن لكل أهل دين خصوصياتهم الدينية ولكل فريق أو مذهب داخل الدين الواحد خصوصيته الفكرية، لماذا برأيك لا تراعى مثل هذه الطروحات الواقعية من قبل المرجعيات الدينية العراقية وعدد من الأحزاب السياسية في العراق؟

*** انطلق في كتاباتي من مبادئ أساسية ثبتت في اللائحة الدولية لحقوق الإنسان التي صدرت في العام 1948 وبقية العهود والمواثيق الدولية التي صدرت بشكل خاص في العام 1966 والتي تشكل مجتمعة "شرعة حقوق الإنسان", وهي كلها لوائح وعهود ومواثيق صادرة عن الأمم المتحدة وعن الهيئات والمنظمات الدولية المختصة بهذا الشأن والتي كلها تؤكد على حق الإنسان الفرد أو الجماعات البشرية وحريتها في الإيمان بأي دين أو مذهب أو عقيدة أولاً, ومن واجب الدولة والمجتمع احترام إرادة الإنسان أو الجماعات البشرية في اختيار الدين أو المذهب أو العقيدة التي يرونها متناغمة مع المثل والقيم التي يعتنقها الفرد أو تعتنقها جماعة بشرية معينة. ومن هذا المنطلق التقينا مجموعة من مثقفي العراق ومن المناضلين في سبيل تكريس حقوق الإنسان على هذه المبادئ وشكلنا "هيأة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق", والتي التحق بها, إضافة إلى أعضاء الأمانة العامة الكثير من العراقيات والعراقيين الذين يحترمون الإنسان أساساً ويرون بأن صيانة كرامة الإنسان وحريته وحقوقه هي المسألة المركزية في حياة المجتمع ونشاط الدولة.
إن الرؤية العقلانية والحضارية هي التي ترى بأن الناس في جميع القارات سواسية لا يختلفون ألا في اللغة أو اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب أو العقيدة أياً كانت, وبالتالي يفترض أن لا ينشأ أي تمييز أو عدم مساواة بين البشر لأي سبب كان, لأنهم سواسية حقاً.
من المحزن والمؤسف أن نشير إلى أن البشرية كلها شهدت على امتداد تاريخها الطويل الكثير من المظالم والتمييز وعدم المساواة بسبب الإثنية أو القومية أو الدين أو المذهب أو أي عقيدة أخرى كتابية أو غير كتابية وبسبب الجنس, وغالباً ما كانت الرغبة في الاستغلال والاستعباد أو الفتح والهيمنة أو الاستعمار سبباً في بروز مثل هذه المظاهر السلبية في حياة البشر .
ولقد عانى العالم العربي كله من هذه المحن المريرة عبر التاريخ. أما العراق فكانت محنه كثيرة في هذا الصدد والمظالم التي تعرض لها أتباع الديانات العديدة في العراق كثيرة جداً وعلى امتداد التاريخ, رغم الأحاديث الفنطازية التي تتحدث عن المساواة والاعتراف بالآخر والتسامح بين الديانات في العراق. نعم كانت هناك مواقف فعلية تعبر عن الاعتراف المتبادل والتسامح والتفاعل بين أتباع الديانات والمذاهب الدينية من جانب الناس العامة الطيبين , ولكن الحكام وكثرة من شيوخ الدين هم الذين كانوا في الغالب الأعم يؤججون العداء لأتباع الديانات والمذاهب الأخرى, ويحصدون من وراء ذلك ما لذ لهم وطاب, ولكن الموت أو الصراع كان نصيب المجتمع.
يبدو لي بأن المشكلة الكبرى في العراق تبرز في وجود وفعل ثلاثة عوامل جوهرية, وهي:
1 . عرف العراق في تاريخه الطويل مجموعة كبيرة من الحكام المستبدين والقساة الذين مارسوا العنف والقسوة إزاء الناس ولم يحترموا الآخر ولا الرأي الآخر أو الدين الآخر عملياً, كما ميزوا بين أتباع الديانات الأخرى. ومنذ نشوء الدولة العراقية, غيب الدستور الديمقراطي لعام 1925 وشوهت المؤسسات التي أقيمت, ومنها البرلمان. ومنذ وصول القوى البعثية والقومية إلى السلطة غاب الدستور الديمقراطي كلية وغابت المؤسسات الدستورية والديمقراطية. واليوم نشاهد دمجاً غير عقلاني بين الدين عن الدولة ووجود حكومة ذات نهج طائفي مقيت.
2 . تخلف المجتمع اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ووعياً فكرياً وغياب عملية التنوير الديني والاجتماعي للفرد والمجتمع على صعيد العراق بشكل عام, وتراجع شديد في دور المثقفة والمثقف في الحياة العامة وفي نشر القيم والمعايير الإنسانية والديمقراطية التي تدعو إلى المحبة والمساواة وعدم التمييز واحترام الرأي والرأي الآخر وأحترام كل الأديان والمذاهب الدينية والاتجاهات الفكرية غير الفاشية وغير الشمولية.
3 . هيمنة الفكر الغيبي وسيطرة المؤسسات والمرجعيات الدينية التي ترى في المجتمع المدني خطراً عليها, وفي حقوق الإنسان مصادرة أو تغييباً لدورها وحقها في إصدار الفتاوى, إضافة إلى رفض ممارساتها التمييزية. وبسبب غياب نقد الفكر الديني والتنوير الديني تسود الآن في العراق النزعة المتعصبة للدين أو المذهب والمتزمتة إزاء الآخر والمميزة نفسها عن الآخر والتي تقود إلى عدم المساواة وعدم الاعتراف بالآخر وبالفكر أو الدين أو المذهب الآخر.
إن هذا الواقع يؤكد غياب المجتمع المدني في العراقً, بل نحن أمام مجتمع لا يزال يلهث وراء العلاقات العشائرية والمراجع الدينية, كما أن الأرضية الصالحة للمجتمع المدني لم تنشأ في العراق حتى الآن, رغم المحاولات الدستورية التي بدأت في العام 1925 وغيبت بعد فترة وجيزة. إلا أن هذا الواقع هو الذي يدفعنا إلى تشديد النضال من أجل بناء القاعدة المادية للمجتمع المدني, من أجل تحقيق التصنيع والتحديث الزراعي وتوسيع قاعدة الطبقة الوسطى والطبقة العاملة وفئة المثقفين وتطوير وعي الفرد والمجتمع التي تشكل كلها الأساس المادي لبناء المجتمع المدني والديمقراطي الحديث.          
عاش الناس طوال قرون في علاقات عامة طيبة, رغم وجود مصاعب غير قليلة عانى منها اليهود في العراق أو عانى منها الإيزيديون في فترات معينة أو بقية أتباع الديانات والمذاهب الأخرى, كما في حالة أتباع المذهب الشيعي أو أتباع البهائية مثلا. إلا أن هذا لم يكن على مستوى الحكم, فالتمييز كان سائداً ومستمراً دون انقطاع.
وفي العراق نجد, ومنذ سقوط نظام الاستبداد والقسوة والتعذيب والعهر السياسي في العام 2003, وضعاً مأساوياً حقيقياً بالنسبة لأتباع الديانات الأخرى, ولم يتخلص منها حتى أتباع الدين الإسلامي من السنة والشيعة. والممارس لمثل هذه الأعمال الوحشية ضد الشيعة, هم جماعات سنية إرهابية متطرفة. والممارس لهذه الأعمال الوحشية ضد السنة هم جماعات من الشيعة الإرهابية المتطرفة, إذ أصبح القتل على الهوية شيعية أم سنية لعدة سنوات والخطر لا يزال قائماً.
إلا أن تلك الجماعات, سواء أكانت سنية متطرفة ومتوحشة أم شيعة متطرفة ومتوحشة, كلها توجهت بالحقد والكراهية والأعمال الوحشية الجبانة ضد أتباع الديانات الأخرى, أتباع الديانة المندائية والديانة المسيحية والديانة الإيزيدية وديانات أخرى موجودة في العراق. لقد قتل الكثير من أتباع هذه الديانات وأحرقت معابدهم واغتصبت جمهرة من نسائهم وتمت السيطرة غير القانونية على بيوتهم وأثاثهم وما يملكون وهجروا قسراً إلى خارج العراق لتتم السيطرة على ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة. ولم تقم الحكومة بما يكفي لمواجهة هذا الوضع, رغم الدعوة المتزايدة لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بقطع دابر هذه الأوضاع المشينة.        
هناك قاعدة عامة تقول بأن من لا يحترم نفسه, لا يمكن أن يحترم غيره, وهكذا فمن لا يحترم الديانات أو المذاهب الأخرى, لا يحترم دينه أو مذهبه بالذات.
إن بعض المشكلات تكمن في الدين ذاته. فحين تتحدث التوراة عن كون اليهود هم "شعب الله المختار", أو عندما يتحدث القرآن عن : "كنتم خير أمة أخرجت للناس .. .", فلا بد أن تظهر علامات تقلل من أهمية شعوب أخرى أو ترفع من الإحساس لدى المسلمين بأنهم الشعب الأفضل بين أمم العالم من جهة, وأن دينهم هو أفضل الديانات, وهي مشكلة معقدة تخلق أحكاماً مسبقة إزاء الشعوب والديانات الأخرى, رغم وجود مواقع أخرى في التوراة أو الإنجيل أو القران تؤكد على حرية الرأي والدين, كما جاء في القران, "... لكم دينكم ولي دين... " مثلاً من جهة ثانية .  
  

*- لقد أكدتم على الدوام انه لا يجوز أن يساء إلى الإنسان بسبب عقيدته وان أيمان أهل دين ما بصحة عقيدتهم وحقيقتها يجب أن يورث شعورا بالأفضلية ولا بالتميز ولا يؤثر سلبا على العلاقات الإنسانية بين العراقيين، لكن ما هو حاصل الآن على الساحة العراقية يقرأ بشكل مختلف.

*** أؤكد هنا ومن جديد على عدة مسائل أساسية:
1 . من حق أي إنسان أن يؤمن أو يعتنق أي عقيدة دينية أو غير دينية, وعلى الآخرين احترام هذا الحق في كل الأحوال. وهو حق ضمنته لوائح شرعة حقوق الإنسان والدساتير المتحضرة في العالم, كما ضمنه الدستور العراقي الجديد.
2 . إن اعتناق هذه العقيدة أو تلك من هذا الإنسان أو ذاك يأتي عبر ولادة هذا الشخص أو ذاك من أبوين يدينان بهذه العقيدة أو تلك, وهذا يتم بدون اختيار المولود الجديد, بل يورث له اجتماعياً وتقليداً أسرياً من جهة, ويأتي عبر تبني الإنسان وبإرادته الحرة لهذه الدين أو العقيدة أو تلك, إذا ما توفرت له فرصة الدراسة المتفحصة والقناعة بصواب هذا الدين أو العقيدة التي اختارها. أو تأتي عبر فرض دين أو عقيدة معينة على شخص أو مجموعة بشرية تحت ظروف معينة بحيث يتحولون من دين أو عقيدة إلى دين آخر أو عقيدة أخرى بالقسر, ولكنها تتكرس لديهم ولدى من يولد في عائلاتهم بمرور الزمن.
وفي كل هذه الأحوال لا يحق أتباع كل الديانات والمذاهب اعتبار عقيدتهم هي الأفضل, فهي مسألة نسبية بالنسبة لكل فرد أو جماعة, فالموقف يفترض أن يكون متساوياً إزاء جميع الأديان والمذاهب وإزاء أتباعها.
حتى في حالة اعتبار هذا الفرد أو تلك الجماعة بأن دينها أو عقيدتها هي الأفضل, فلا يحق لهم في كل الأحوال ممارسة التمييز إزاء العقائد الأخرى أو الإساءة إليها أو إلى أتباعها. وإذا ما تم ذلك فهذا يعني وقوع تجاوز فظ على الدين الآخر وعلى معتنقي الدين أو العقيدة الأخرى. وهذا ما نلاحظ حصوله اليوم في العراق. وهي كارثة حقيقية ألمت بالعراق وستبقى تستنزف الكثير من الدماء والدموع إلى أن يتسنى للمجتمع تغيير هذا الواقع وفصل الدين عن الدولة واعتبار "الدين لله والوطن للجميع", والبدء ببناء دولة المواطنة.      
في علم النفس الاجتماعي نجد لا في العراق فحسب, بل وفي دول أخرى أو في العالم كله نوع من النمطية في رؤية الإنسان إلى نفسه من جهة وإلى غيره من جهة أخرى. وإذا كانت هذه ترتبط بالشخص وخصائصه وتقاليده الاجتماعية .. الخ, فأنها تنعكس أيضاً على قضايا الدين ومجمل البنية الفوقية في المجتمع. حيث نلاحظ نشوء مسألة ألـ "أنا" والـ "آخر", فأنا الأفضل والأكثر تألقاً والأكثر ثقافة والأكثر وطنية ودين من الآخر ودين الآخر وثقافة الآخر... هذه نظرة نمطية وحكم مسبق يمارسه الكثير من الناس إزاء الآخرين أو شعب إزاء شعب آخر وحزب إزاء حزب آخر. وهو سلوك غير مناسب وغير مقبول وهو الذي يخلق المزيد من المشكلات بين الشعوب أو القوميات أو أتباع الديانات والمذاهب الدينية. وإذا كانت قد برزت في الجانب القومي بشكل خاص, حيث يرى القوميون من كل الشعوب أنهم الأفضل والأقوى والأعظم, في حين يرون في الشعوب الأخرى الأدنى والأضعف والأقل أهمية, فأنه قد برز أيضاً لدى أتباع الديانات المختلفة في الموقف من دينهم ومن الديانات الأخرى. وإذا وجدت هذه النظرة لدى الجماعات البشرية الصغيرة في الموقف من دينها, فأنه سيؤثر سلبياً بشكل عام على العلاقات مع الديانات الأخرى, ولكنه سيشكل خطراً كبيراً حين ينشأ هذا الموقف لدى الجماعات البشرية الكبيرة التي تؤمن بهذا الدين أو ذاك في موقفها من الديانات الأخرى. وهو ما نلاحظته في المجتمعات الإسلامية إزاء الديانات الأخرى, ومنها الديانة المندائية.
3 . لقد بدأ المجتمع في أعقاب ثورة تموز يتراجع عن الرؤية التمييزية لأتباع الديانات والمذاهب الأخرى بفعل زخم الثورة الديمقراطي ومعاناة الناس قبل ذاك من بعض مظاهر التمييز في العهد الملكي. ولكن لم يستمر زخم الثورة الديمقراطي طويلاً, إذ سرعان ما هيمن القوميون العرب اليمينيون والبعثيون على السلطة ومارسوا التمييز بمختلف أشكاله وقادوا إلى بروز ظواهر سلبية لدى أتباع الديانات والمذاهب الأخرى, خاصة وأن الحكم كان في أيدي جماعات قومية رفعت راية الإسلام السني زوراً وبهتاناً. وكانت لسياسات وممارسات حزب البعث وصدام حسين خلال ثلاثة عقود ونصف العقد قد أوجدت أرضية صالحة للتمييز القومي والديني والفكري والطائفي... وحين سقط النظام اشتدت هذه الظاهرة السلبية, خاصة وأن الحكم قد أصبح طائفياً مقيتاً بجدارة! ثم تفاقم ذلك بوجود قوى إرهابية وميليشيات طائفية مسلحة بعضها الكثير يكره أتباع الديانات الأخرى وبعضها الآخر يكره أتباع المذاهب الدينية الأخرى, وبعضها الثالث يكره الجميع. وهكذا حصد الموت الكثير من البشر من مسلمين شيعة ومسلمين سنة, من مسيحيين وصابئة مندائيين وإيزيديين وغيرهم على أيدي هذه العصابات الجبانة التي كانت تقف وراءها قوى وأحزاب سياسية لم تتورع عن دعم ذلك, إذ ممارسته هي أيضاً.
هناك ردة فكرية وسياسية وثقافية واجتماعية وأخلاقية عميقة في المجتمع العراقي, وسوف تستغرق وقتاً طويلاً للخلاص منها, إذ أن الأساس المادي للخلاص منها لا يزال غير متوفر, وهي المشكلة الأكثر إثارة للفزع لما يمكن أن يحصل في العراق.
إن هناك توجهاً صارخاً يسعى إلى إبعاد أتباع الديانات الأخرى من العراق, وهي جريمة لا تغتفر ويفترض النضال ضد مثل هذا الوجه مهما كان صغيرا أو كما يدعي البعض محدوداً.          
  

* تطال الأقليات الدينية ذات الأصول المتجذرة في هذا البلد ومنذ سنوات حملة إبادة منظمة تقوم بها القوى الظلامية والسلفية شملت حملات قتل واغتصاب وفرض العقيدة الإسلامية على الرجال الذين تم ختانهم تحت سلطة السيف واغتصاب نساء وبنات( موظفات وطالبات) أمام أزواجهن وآبائهن، ولم تتحرك مؤسسات الدولة لفرض الحماية إلا بنطاقها الضيق ولم تصدر المرجعيات الدينية أي فتوى بتحريم قتل أصحاب الوطن الأصليين. برأيك سبب هذا الصمت المتواطئ؟

*** أشرت إلى أن السبب المركزي في بروز مثل هذه الحالات والممارسات الوحشية تكمن في طبيعة ومستوى تطور المجتمع اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً, المتميز بالتخلف والضعف, إضافة إلى التردي في مستوى الوعي الاجتماعي للفرد والغالبية العظمى من المجتمع وغياب التنوير الديني ليس عند أفراد المجتمع حسب, بل ولدى الكثير جداً من شيوخ الدين والمؤسسات والمرجعيات الدينية ذاتها التي لا تقف بوجه هذه الممارسات, وربما بعضها يؤيد ذلك لأنه يريد حقاً تفريغ المجتمع من الكيانات القومية والدينية الأخرى.
لقد اصدر بعض شيوخ الدين فتاوى ضد القتل, ولكنها لا تعادل عدد الفتاوى والتصريحات والإدانات التي صدرت عن شيوخ دين آخرين نشطوا كل تلك العمليات بصورة مباشرة أم غير مباشر, إضافة إلى دور بعض دول الجوار في كل ذلك.
إن الكثير من شيوخ الدين السلفيين وغير السلفيين لم يفهموا دينهم جيداً, وبعضهم فهمه على أنه حمال أوجه ويقبل بكل التفاسير وممارسة كل الأساليب, وبعضهم فهمه هكذا ولا يجده رادعاً عن القتل أو التعذيب أو الاغتصاب أو الفساد المالي ونهب المال العام ... الخ, خاصة وأن بعضهم يجد في دفع الكفارة حلاً وغفراناً لكل ذنوبه وجرائمه.
القرآن اعترف بالعديد من الديانات التي اعتبرت ديانات كتابية مثل اليهودية والمسيحية والمندائية والمجوسية... وكان هذا الاعتراف يفرض على المسلمين احترام أتباع هذه الديانات ورفض تعريضهم للأذى. ولكن المشكلة تكمن في موقف جمهرة  كبيرة من المسلمين, وخاصة شيوخ الدين والمؤسسات والمراجع الدينية, من الإسلام, إذ يعتبرون دينهم هو آخر الديانات وهو الأفضل بينها وله البقاء, وبالتالي فأن ظهور الإسلام, دين محمد, نسخ جميع الديانات الأخرى, وبالتالي, على أتباع الديانات الأخرى جميعاً أن يتحولوا إلى مسلمين, وإلا فهم كفرة! وفي هذا المأزق لا يوجد أي تنوير عن أهمية وضرورة الاعتراف ببقية الديانات, بل نرى التثقيف يجري برفض الأديان والمذاهب الأخرى. إن لوائح خقوق الإنسان ترفض مطالبة أي إنسان بتغيير دينه أو فرض دين عليه وتمنحه الحق في اختيار دينه أو مذهبه, سواء أكان ديناً كتابياً أم غير كتابي, وفق المصطلح المتداول بين المسلمين.
وما جرى في العراق منذ سقوط النظام البعثي يعتبر كارثة حقيقية بالنسبة للناس ولأتباع مختلف الديانات والمذاهب, إذ لم يخل دين ومذهب إلا وتعرض لأشكال التجاوزات والموت أو التعذيب أو فرض تغيير الدين من خلال أساليب قمعية وإرهابية ولا أخلاقية في آن.
من المؤسف أن أقول بأن المجتمع العراقي لا يزال يعيش ردة فكرية عميقة لم يخرج منها بعد وستبقى لفترة أخرى وستكون قاسية على الجميع, ولكن بشكل خاص على الديانات الأخرى من غير الإسلام.        

*- ما هو السبيل لقيام حملة تضامنية تقوم بها هيئة الدفاع عن الأقليات الدينية العراقية، مع محنة الأقليات العراقية يتم من خلالها دعوة المرجعيات والهيئات الدينية بتحريم الفتاوى التي تحارب وجود أبناء وبنات الأقليات الدينية العراقية وتحرمهم من حقوقهم الإنسانية المشروعة؟ والمطالبة الصريحة لإصدار فتاوى من المرجعيات والهيئات العليا بالضد من  الفتاوى التي يصدرها البعض ضد وجود الأقليات وإحلال دمائها؟

*** إن ما يجري في العراق من اعتداءات واضطهاد وتشريد وقتل فردي وجماعي من جانب القوى الظلامية المتطرفة والقوى الطائفية المناهضة لأتباع الديانات الأخرى إزاء أتباع الديانات والمذاهب الدينية الكثيرة الموجودة في العراق منذ ألاف السنين هو تجاوز على كل الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والثقافية والإنسانية التي تقع تحت طائلة القانون, كما إنها تجاوز فظ على كل الشرائع والديانات السماوية وغير السماوية. ومن هنا يفترض القيام بما يلي:
- تشديد الضغط المتواصل والمكثف على الحكومة العراقية لإلزامها بممارسة مسؤوليتها في حماية المواطنات والمواطنين من أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق من أي تجاوز على الكرامة أو الحقوق أو الحياة أو ممارسة التمييز بكل أشكاله ضدهم. إن هذا الضغط يتطلب التحرك على ثلاث مستويات:
** المستوى الأول هو تشكيل هيئة غير حكومية في العراق يتمثل بها أطراف أو أحزاب وقوى سياسية ومنظمات مجتمع مدني تسعى إلى تشكيل الوفود لمقابلة المسؤولين, وخاصة الرئاسات الثلاث لوضعها أمام مسؤولياتها والحصول على التزامات واضحة بهذا الصدد. ويتطلب هذا الأمر تحريك الشارع العراقي من أجل ممارسة الضغط على الحكومة لمواجهة الحالة التي أصبحت غير استثنائية في قتل المواطنين من الصابئة المندائيين أو المسيحيين والاعتداء الظالم عليهم وإيقاف هذه الأعمال بكل السبل المتوفرة.
** المستوى الدولي, أي إثارة الموضوع على مستوى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وتشكيل وفد كبير يتحرك على مؤسسات الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان لممارسة الضغط على الحكومة العراقية لتوفير الحماية الكافية لأتباع الديانات العراقية من أجل استمرار وجودهم في العراق وممارسة حقوقهم المتساوية كمواطنات ومواطنين.
** البدء بحملة مكثفة في أجهزة الإعلام الدولية والإقليمية والمحلية لفضح سكوت الكثير من المؤسسات والمراجع الدينية وبعض أطراف حكومية وغير حكومية في العراق عن إدانة تلك التجاوزات واتخاذ الإجراءات الكفيلة بوضع حد لكل ذلك.
لا شك في أن بعض المراجع الدينية قد أدانت وتدين هذه الممارسات, ولكنها كانت وستبقى دون المستوى المطلوب. هناك من أصدر فتاوى ضد قتل المسلم, ولكنها لم تتحدث عن الموقف من قتل المواطنة والمواطن العراقيين, إذ لا بد من تحريم قتل الإنسان العراقي أياً كان دينه أو مذهبه أو عقيدته أو قوميته, إذ أن القضية تمس الإنسان أساساً, فهو الذي يذبح في العراق من جانب القوى الإرهابية والظلامية والطائفية السياسية والمليشيات الطائفية المسلحة.
إن القوى الإرهابية والظلامية التي تمتلك السلاح وتمارس القتل تسعى إلى تصفية وجود أتباع الديانات من غير المسلمين في العراق بكل جبن ونذالة, وهي التي تقف خلفها قوى سياسية بعضها صريح في ما يمارسه, ومنه قوى القاعدة العدوانية, وبعضها لا يفصح عن نفسه ولكنه يمارس ذلك في الوقت الذي يمارس العمل السياسي أيضاً.
إن علينا العمل بجدية وبسرعة لكي نمنع تحقيق مثل هذا الهدف الدنيء, هدف تصفية وجود أتباع الديانات الأخرى في العراق بجوار أتباع الدين الإسلامي من مختلف المذاهب الدينية.        
  

 *- ألا تعتقدون بأنه آن الأوان للدولة ورئاستها بتشكيل مجلس أمني مرتبط بها مباشرة يتولى الحماية المباشرة لأبناء الأقليات الدينية؟

*** بناء على هذه الرؤية أشرت إلى ضرورة تشكيل وفد لزيارة الرئاسات الثلاث ومنها رئاسة الجمهورية, إذ فيها نجد وجود قومي, عربي وكردي, ونجد وجود ديني طائفي, شيعي وسني, في حين يغيب عن هذه التشكيلة وعن تشكيلات بقية الرئاسات أتباع الديانات الأخرى في العراق. وفي مثل هذه الحالة القائمة على أساس طائفي, لا بد من تأخذ هذه الرئاسات الثلاث (والحالة المحاصصية ذاتها نجدها في رئاسة الحكومة وفي رئاسة مجلس النواب, إذ أنهما قائمان على نفس التقسيم غير المدني), على عاتقها مهمة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق لا أن تقتصر مهمتها على من تمثلهم من القوميات أو من أتباع الدين الإسلامي بمذاهبه العديدة, بل الدفاع وحماية كل المواطنات والمواطنين في العراق بغض النظر عن القومية أو الدين أو المذهب.
من حيث المبدأ لا أرى مناسباً ولا صحيحاً أن نتحدث عن أقليات قومية أو دينية, فبغض النظر عن عدد السكان من أتباع هذه القومية أو تلك ومن أتباع هذا الدين أو ذاك, أو هذا المذهب أو ذاك, فهم مواطنات ومواطنون لهم حقوق متساوية مثبتة في الدستور, رغم كل نواقصه, وأمام القانون, رغم الكثير من عيوبه, إلا أنه يضمن من حيث المبدأ وليس من حيث الواقع حقوق كل المواطنات والمواطنين من حيث المساواة في الحقوق والواجبات.
إن الحل العملي لمشكلة العراق يكمن في تخليص العراق من الدمج بين الدين والدولة والطائفة الدينية والدولة ولا بد من فصلهما, إذ بهذا نضع العراق على طريق "الدين لله والوطن للجميع", وهذا هو المفقود حالياً في العراق.  
من الممكن تشكيل اللجنة المقترحة شريطة أن تفعل الحكومة دور أجهزتها الأمنية والشرطة في مواجهة الأفعال الإجرامية للقوى المناهضة لأتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق.            

566
كاظم حبيب

ما العلاقة بين النقد والعاملين في الشأن العام في العراق؟

نشأت وتطور عبر الزمن وفي حياة البشرة ومجتمعاتها المختلفة ظاهرة قيمية سليمة وأن اختلف الموقف منها والنظر إليها بين المجتمعات المتحضرة والمجتمعات التي لا تزال تسعى إلى اللحاق بهذه المجتمعات, رغم الفجوة المتسعة بينهما. وهذه الظاهرة القيمية الناضجة فرضتها حياة الإنسان والمجتمعات ذاتها لأنها ارتبطت ولا تزال ترتبط بحاجة الإنسان إلى  تقوييم مسيرته وتصحيح خط سيره وتنمية قدراته. وقد التصقت منذ زمن بعيد بأولئك الناس الذين يشتغلون في الشأن العام, أي في السياسة والثقافة والعلاقات الاجتماعية, إذ أن من يعمل في هذا المجال يكون مكشوفاً على المجتمع كله, وبالتالي فأن تصرفاته وسلوكه العام والخاص ونشاطه السياسي والثقافي والاجتماعي, وربما العائلي للأفراد, كشخص, أو كحزب يكون معرضاً للملاحظة والمتابعة والنقد, كما يمكن لهذا الفرد أو ذاك, أو هذا الحزب أو ذاك أن يمارس النقد الذاتي إن امتلك المستوى الحضاري والثقافي المناسب والشجاعة الكافية والثقة بالنفس الذي يساعده على ممارسة ذلك.
لا شك في أن من يمارس النقد إزاء هذا الشخص السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي أو هذا الحزب أو ذاك يفترض فيه أن ينتظر رد فعل معين, في ممارسة النقد المضاد أو ضد ما طرحه من ملاحظات نقدية إزاء الآخرين كأفراد أو كأحزاب. وهي ممارسة طبيعية وإنسانية ويفترض أن تكون اعتيادية إذ لا ضير فيها بأي حال حين تكون موضوعية وهادفة إلى التحسين وليس إلى الإساءة, بل تعتبر مساهمة فعالة في تحسين أوضاع معينة لدى هذا الشخص أو ذاك ولدى هذا الحزب أو ذاك.
وردود الفعل يفترض أن تحافظ على المستوى المناسب في النقد, إذ لا فائدة من تصعيد النبرة وتحويلها إلى قضية شخصية لا مسألة عامة تمس المجتمع وأن تحركت صوب أشخاص معينين ولكنها لا تمس أو تسيء إلى قضايا شخصية, بل وجه النقد بسبب نشاطه في الشأن العام.
وتشير التجارب المنصرمة إلى أن استخدام أسلوب غير منطقي ودون مسؤولية في ممارسة الإساءات والشتائم أو التهديد بكشف أوراق غير موجودة أصلاً, بل من أجل جعل الأمر معلقاً في الهواء, وكأن الأمر أشبه بماء سكب ولا يمكن جمعه, قرأه من قرأه وتمت تداوله دون أن يكون لدى هذا الشخص أو ذاك أي شيء يهدد به, إذ كان الأصوب له ولغيره أن ينشر ما لديه مباشرة دون التهديد والوعيد بالنشر.
أقول هذا لمن لم يتعلم أن يسمع النقد وأن يتفهم الأهداف الأساسية  الكامنة وراء هذا النقد إذ ليست هناك نوايا تخريبية, أقول هذا لكي يكف البعض عن تهديد الناس بما لا يملكون لكي لا يثيروا لغطاً يرد عليهم بمفعول عكسي.
ممارسة النقد ظاهرة حضارية وممارسة التهديد والوعيد ظاهرة قبيحة في المجتمعات المتحضرة, ولكنها تقبل لدى البعض بسبب الجهل والأمية السياسية والحضارية وعدم وعي لمفهوم النقد, فالنقد الذاتي بالنسبة للبعض كمن يبصق من أسفل إلى أعلى, يعود البصاق إلى وجه, أما النقد فكمن يبصق من أعلى فيصل إلى وجه ذات الشخص. أنه منطق أفلج, إذ هكذا يفهم البعض النقد والنقد الذاتي.
وظاهرة النقد تحدث عنها الكثيرون وكان أكثرهم وضوحاً ذلك الذي قال النقد ضوء ينير الطريق لمن يريد أن يستنير به, أو الذي قال "لا تصدق الذي يضحكك ويطبطب على كتفيك ويمسح جوخك, بل صدق من يمارس النقد الواقعي إزاء عملك, والشعب يقول ببساطة "لا تركض وراء الذي يضحكك, بل أركض وراء ا الذي يبكيك", فهل سنتعلم من هذه الحكمة الشعبية.
كم أتمنى أن يتعلم البعض هذه الحكم الشعبية المجربة بدلاً من توجيه من يكتب وبأسماء مستعارة للإساءة للآخرين. فمثل هذا الأسلوب غير ذي فائدة وغير منتج لما هو نافع للمجتمع وللشخص نفسه.
علينا جميعاً أن نتعلم, فنحن ما زلنا نزحف بعيداً عن جرف الديمقراطية, نحن ما زلنا نحمل سلوكاً مستبداً لا يبرز في الحاكم وحده, بل في المحكوم أيضاً, في سلوكنا اليومي إزاء البعض, كم كنت أتمنى أن استمع إلى نقد موضوعي لكي أناقش بصورة موضوعية ما يطرح من أفكار تنتقد ملاحظاتي النقدية وليس إلى من كان ينتظر أن يشتم الرجل ليقولوا أحسنت فقد حان أوان إسكاته!
كم هم مخطئون هؤلاء الناس, كم هم غرباء عن الفكر العلمي الذي يسعى إلى  تقديم موضوعة للمناقشة في مقابل موضوعة أخرى, ويبدأ النقاش للوصول إلى رؤية موحدة أو متقاربة, إلى موضوعة ثالثة أكثر نضوجاً للجميع.
إنها محنة التخلف ومحنة الاستبداد بالرأي ومحنة الاعتداد والرغبة في التسلط ومنع ممارسة النقد. ليس هنام ما هو محرم, والخطوط الحمراء تبدأ حين تبدأ الشخصنة والإساءات والشتائم.
الحياة تقول لنا شيئاً آخر تعبر عنها بدقة عالية حكمة مندائية رائعة تعبر عن قدم هؤلاء الناس وتجربته الكبيرة والغنية في الحياة:
"ويل لعالم غير منفتح على غيره, وويل لجاهل منغلق على نفسه"

كم أتمنى أن تفهم هذه المقولة لكي لا يتكرر ما لا ينبغي تكراره في ممارسة ردود فعل غير محسوبة العواقب لنقد لم يستهدف سوى الخير لمن وجه له النقد. كم أتمنى أن نعي جميعاً أهمية النقد والنقد الذاتي, فهو ليس رذيلة بل فضيلة.
27/9/2009                                                 كاظم حبيب


567
كاظم حبيب

ماذا يمكن أن نقرأ في ثنايا رواية "رسائل حب خليجية"
للكاتب والقاص والسياسي المعروف جاسم المطير؟
عنوان الكتاب : رسائل حب خليجية
اسم الكاتب    : جاسم المطير
الناشر     : الدار العربية للعلوم ناشرون, بيروت
سنة النشر    : طبيعة أولى 2008
عدد الصفحات : 288

للكاتب العراقي المعروف جاسم المطير الكثير من المؤلفات الغنية شكلاً ومضموناً, فهو منتج غزير وقارئ دؤوب وناقد سياسي واجتماعي ساخر, ومساميره ستبقى تلاحق من يستحق الملاحقة والنقد. قرأت الكثير من الكتب التي صدرت له خلال العقود الأربعة المنصرمة, كما قرأت له المئات من المقالات السياسية والنقدية التي نشرها في المهجر, أو قبل ذاك حين كان يمارس العمل الكتابي والصحفي في مجلة النفط والتنمية وفي صحف أخرى. وقد أكسبه العمل السياسي والعيش في السجون خبرة ومعرفة قيمة بالبشر, وعواقب التعذيب في سجون ومعتقلات نظامي البعث الأول والثاني تعيق اليوم حركة جاسم المطير وأتعبت جسده, ولكنها عجزت عن تعطيل عقله وفكره النير وثقته العالية بصحة القضايا التي يناضل من أجلها وقدرته على الكتابة والتعبير الصادق عما يختلج في داخله وممارسة النقد. ومع ذلك ورغم مرارة الغربة يمتلك الكثير من الحيوية والعقلانية والعفوية الواعية في الكتابة وفي التعبير النافذ لما يريد إيصاله. وقد أعجبتُ كثيراً بما قرأته له خلال الفترة المنصرمة. ولكن رواية "رسائل حب خليجية" منحتني فرصة التعرف بشكل أجود على المستوى الفني الرفيع الذي يمتلكه الصديق جاسم المطير في كتابة الرواية وحبكة أحداثها واللغة الغنية المتماسكة والشفافة التي استخدمها في إنجاز هذا العمل الروائي الجديد كل الجدة على أدبنا العربي والشرق أوسطي. فالكاتب قدم لنا في "رسائل حب خليجية" لوحة أدبية ذات قيمة تاريخية وذات مستويات وأبعاد عدة, إنها أشبه بلوحة تشكيلية متباينة في مستويات النظر إليها.
أبدع الكاتب في عملية المزج الممتع والهادف بين الحقيقة والخيال, بين الواقع والاغتراب عنه, بين الحب والكراهية, بين الادعاء بالدين والدين, بين الظاهر من الأمور والباطن منه, بين الصدق والمخاتلة, بين الأمس واليوم. وكان التاريخ أداة طيعة بين يديه للتعبير عن الواقع الراهن عبر الماضي المتجدد بصيغة ما دون إقحام قسري لما يجري اليوم في واقع الحال. إنها رسائل حب غير اعتيادية, فرائحة الذهب الأسود, وقبلها اللؤلؤ, يفوح منها. إنها المواد التي تجلب رأس المال لتضاعفه عشرات بل مئات المرات على حساب شعوب هذه المنطقة.   
الأسئلة التي تدور في بال القارئة والقاري لهذه الرسائل الخليجية في الحب كثيرة, ولكن على الأقل يمكن طرح سؤالين الأول: لِماذا اختار الكاتب هذه الموضوع, ولم أختار هذه الأسلوب في الكتابة؟ والسؤال الثاني هو: ماذا نقرأ في هذه الرواية الصادرة في العام 2008؟
لا أعرف بالضبط الدوافع التي دفعت بالصديق الكاتب على اختيار هذا الموضوع, ولكن اقدر بأن الأحداث المتتابعة منذ عدة عقود في المنطقة ومن ثم في دولها يعاد إنتاجها مرات ومرات ولكن بصيغ مختلفة وبأشخاص آخرين, ولكن الأهداف تبقى واحدة والعواقب على شعوب المنطقة واحدة, وهي التي أراد بها الكاتب جلب انتباه القارئات والقراء إلى هذه الحقيقة, رغم أنه يعتقدون بالمقولة القائلة "المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين, في حين أن المؤمنين من شعوبنا لدغوا مئات المرات ومن نفس الجحر لا غيره, ولم يتعلموا منه شيئاً. واشعر بأن الأسلوب الذي اختاره أراد به أن يكشف عن الوجه المزدوج أو الوجوه العدة لأولئك الذين يسعون إلى تحقيق أهدافهم في بلداننا على حساب شعوبنا ويمارسون الأساليب الغبية التي تمر علينا ولا نحس بها لأننا ما زلنا نياماً وكأننا في سبات عميق لا نختلف كثيراً عن أهل الكهف. أن الطريقة التي عالج بها الموضوع استنفذت منه كتاباً واحداً, في حين استنفذت من الراحل الكاتب المبدع عبد الرحمن منيف خمسة أجزاء في كتابه الموسوم "مدن الملح" ليعبر عن نفس الموضوعات ويصل إلى نفس النتائج, ولكن بتكثيف رفيع وغير مخل.   
يطرح الكاتب حاسم المطير في هذه الرواية مجموعة من الإشكاليات الكبيرة التي عاشها الخليج العربي خلال الفترة  الواقعة بين النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين, استفاد في ذلك من فن كتابة "الرسائل المتبادلة" بين عاشقين أوروبيين, وبتعبير أدق إنكليزيين, بين بطلي الرواية ليكشف لنا عن تلك المشكلات التي عانى منها الخليج والتي نحصد اليوم نتائج وعواقب تلك الفترة.
الكاتب يقدم لنا بشكل خاص رؤية تفصيلية لما كان يدور في رأس الرجل العربي في تلك الفترة, وخاصة الرأس العربي البدوي قاطن الصحراء, ومدى ارتباط ذلك بما هو تحت الحزام. لقد استطاع الروائي المبدع جاسم المطير استخدام "رواية ألف ليلة وليلة" خير استخدام وقدم أفضل وأدق تحليل حول العلاقة بين الرجل والمرأة وحول إعادة إنتاج هذه العلاقة جيلاً بعد جيل في هذه المنطقة من العالم, كما أشار إلينا بشكل فني ممتع ودون إسراف كيف تتم مثل هذه العملية المعقدة والمتوارثة اجتماعياً وليس جينياً عبر تكريس العادات والتقاليد والتربية اليومية وما يمكن تطويعه عبر الدين في تربية الأطفال.
فالمرأة سلعة تباع وتشترى, إنها سلعة لأغراض متعة الرجل وليست للمشاركة مع الرجل في المتعة الجنسية, إنها متعة من طرف واحد لا غير. فالرجل سيد الموقف, ولكن السيد الفعلي الذي يتحكم به ليس عقله بل سلاحه البائس المنتصب دوماً بين فخذيهً.
فالرجل البدوي أو العربي يحمل سلاحه الذاتي شاهراً إياه في وجه المرأة فيقتنص الواحدة تلو الأخرى ليزيد عددهن عما سمح به القرآن, إذ أن النبي كانت له أكثر من 10 زوجات وقيل 15 زوجة, يقول الشيخ صالح الكرباسي في مركز الإشعاع الإسلامي ما يلي: "إختلفت الأقوال في عدد نساء النبي محمد ( صلَّى الله عليه و آله) ، لكن المختار لدينا إعتماداً على ما رُوِيَ عن أئمة أهل البيت ( عليهم السَّلام ) أنَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلَّى الله عليه و آله ) تَزَوَّجَ بِخَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَة ، منها ما دَخَلَ ( صلَّى الله عليه و آله ) بهنَّ من نسائه",(راجع: موقع مركز الإشعاع الإسلامي"للشيخ صالح الكرباسي بتاريخ 2/10/2009, ك. حبيب), إذ يشير الشيخ صالح الكرباسي إلى أن النبي دخل بثلاث عشرة منهن ولم يدخل باثنين منهن. أما المجلسي فيذكر ما يلي: هناك أقوال أخرى منها ما رواه العلامة المجلسي عن " المبسوط " ، و ابن شهر آشوب عن أبي عبيدة أنه قال : تزوج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثمانية عشر امرأة و اتخذ من الإماء ثلاثا ، راجع : ما ذكره العلامة محمد باقر المجلسي ، المولود باصفهان سنة : 1037 ، والمتوفى بها سنة : 1110 هجرية ، في كتابه بحار الأنوار : 13 / 389 ، و 22 / 191 ، طبعة مؤسسة الوفاء ، بيروت / لبنان ، سنة : 1414 هجرية ، و راجع أيضاً : ما ذكره محمد بن شهر آشوب المازندراني ، المولود سنة : 489 هجرية بمازندران ، و المتوفى سنة : 588 هجرية بحلب ، في كتابه مناقب آل أبي طالب : 1 / 159 ، طبعة : انتشارات علامة ، سنة : 1379 هجرية ، قم / إيران" (راجع: موقع مركز الإشعاع الإسلامي"للشيخ صالح الكرباسي بتاريخ 2/10/2009, ك. حبيب). في حين لم يسمح القرآن إلا بأربع زوجات (لا غير!), وما ملكت أيمانكم (لا غير أيضاً!). أما الخلفاء المسلمون في عهود الأمويين والعباسيين وسلاطين العثمانيين وأولياء الله "الصالحين" والولاة وقادة الجيوش "المغاوير", فكانت لهم زوجات وجواري يصعب عدّهن في غالب الأحيان, إذ كانت خزائن الأمة مفتوحة لهم بشكل مطلق!, وقد زادوا على ذلك حين امتلكوا الكثير من الغلمان, فهم يعتقدون بأن الله يسمح لهم بذلك ما دام سيوفره لهم في الجنة كما جاء في الآيات الثلاث التالية: "تحدّث القرآن الكريم عن "الولدان المخلّدون" في ثلاث سور هي الواقعة والطور والإنسان: "على سرر موضوعة، متكئين عليها متقابلين، يطوف عليهم ولدان مُخلّدون، بأكواب وأباريق وكأس من معين" (الواقعة، 15-18)، "ويطوف عليهم غلمان لهم كأنّهم لؤلؤ مكنون" (الطور، 24)، "ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا" (الإنسان، 19)." (راجع: من هم الولدان المخلدون في القرآن ؟, بقلم ناصر بن رجب). 
المرأة العربية أو الشرق أوسطية هنا في ألف ليلة وليلة وفي الحياة العربية اليومية ليست سوى مشروع جنس وإشباع غير منقطع لِِلذات وشهوات الرجال, ووظيفتها إنتاج المزيد من الأبناء دون البنات والبقاء وراء حجاب. المرأة خائنة, خانعة, ذليلة, مهذارة, راضية بالخنوع للرجل رغم العدد المتزايد من الزوجات فوق رأسها وكثرة هائلة من الجواري الحسان المستعدات لفتح سيقانهن لسيدهن في كل لحظة يشاء أو لغير سيدهن كما يشاء صاحب الجواري الحسان. أما الرجل فهو النموذج والأسد القادر على إخضاعهن جميعاً وغير الواثق منهن والرافض لاحترامهن. إنها مصيبة الرجل في نظرته البائسة والوقحة إلى المرأة, إلى الأخرى! وهنا يذكرني أسم أحد الرؤساء الأفارقة الذي حين يترجم إلى العربية يكون كالآتي: الديك الذي لم تنجو منه دجاجة. هل يتذكر القراء من هو؟ إنه الحاكم الشمولي موبوتو سيسيسيكو, الذي حكم كونغو المستقلة (زائير) 32 عاماً من 1965-1997!   
ليست تلك الجارية العالمة في الفقه والطب والتاريخ والحياة العامة التي أعجبت هارون الرشيد سوى محاولة يائسة من مؤلف قصص "ألف ليلة وليلة" للتقليل من أثم الرجال ورفع الغبن المسلط على عقل النساء, لاتهامهن أو اعتبارهن "ناقصات عقل!". هل تذكر بنات وأنباء هذه المنطقة وكل المسلمات والمسلمين أين يرد مثل هذا النص, النساء ناقصات عقل؟ وحين تجتمع المرأة والرجل في مكان واحد فالشيطان ثالثهما! هل يمكن أن يكون يزايد أحد على هذا الشك اللعين والظالم بحق المرأة؟         
جاسم المطير يمنحنا بهذه الرواية الجميلة فرصة التعرف أيضاً على الحب الذي لا يخضع للتمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس, أو يدلنا على الحب الشبقي الذي لا يُجهد المصابين به إلا من قلة الجنس, أو الحب الذي يعيش على اجترار الذكريات, وكذا الجنس الذي يخضع للوظيفة الحكومية والمصالح الدولية ومن أجل الوصول إلى توقيع وثيقة بالذل الدائم للشيخ الذي ارتضى لنفسه نهش قبيلته من أجل لحظة تجلي جنسي لا غير, "لقد نكح لندن ورب الكعبة" هكذا صرخ الشيخ عبد الله بعد أن استطاع أن ينام ليلة مع كريستين التي انتزعت منه في هذه الليلة جل ما كانت تسعى إليه لصالح بريطانيا, ولكن هذا الشيخ "الفحل!" نسى تماماً أنه بذلك فتح الأبواب أمام "نكح كل شعبه" وسرقة "ثروة قومه", ورب الكعبة! وكذلك الحب الوظيفي الذي يسمح للعاشق أن يقبل بأن تنكح حبيبته لصالح وظيفته ومركز أعلى لهما مقابل تقدمها خدمة تقدمها لوزارته!
وبهذا كشف لنا الكاتب عن تلك الشبقية التي يتميز بها أمثال هذا الرجل العربي الذي أبدى استعداداً لا حدود له من أجل إشباع شهواته الجنسية في التوقيع على اتفاقيات أبقت شعبه أسير تلك الاتفاقيات لعقود طويلة لاحقة. إنه ليس شخصاً بعينه, إنه الرمز الذي تكرر ويتكرر مرات ومرات. 
كما يمنحنا الكاتب فرصة ثمينة للتعرف على النوايا والمخططات الاستعمارية والصراعات بين الدول الاستعمارية وبين الشركات الاحتكارية حول النفوذ في منطقة الخليج والمؤامرات والمناورات والأساليب الملتوية التي كانت تحاك في وزارات الخارجية وأجهزة التجسس لصالح الحصول على ما يمكَّنها من البقاء واحتكار المنطقة لصالحها ومصالح شركاتها دون غيرها, إنها "المصالح الحيوية!". ولم تكن تجارة السلاح إلا شكلاً من أشكال الهيمنة وإثارة الصراعات والنزاعات بين القبائل وتحقيق أقصى الأرباح ومن خلالها الوصول إلى أفضل المواقع والامتيازات.
رواية "رسائل حب خليجية" تقدم لنا, إضافة إلى أسلوبها الأدبي الرفيع والجديد, أربع مسائل مهمة, وهي:
1 . الدور الذي لعبته المرأة في السياسة البريطانية. وعلينا أن نتذكر هنا "مس بل" ودورها في تنصيب ملك العراق وتشكيل الوزارات في العراق وفي البناء الأول للدولة العراقية, إضافة إلى علاقاتها الوطيدة بشيوخ العشائر وتأثيرها الكبير على عبد الرحمن النقيب أول رئيس وزراء عراقي ومن كان على شاكلته والذي كان يناديها بـ"خاتون". فجاسم المطير لم يخترع كريستين, ففي السياسة البريطانية الكثير من أمثال هذه المرأة ممن لعبن أدواراً مهمة في السياسة البريطانية في الدول المستعمرة والتابعة حينذاك. لقد كانت المرأة مهمة في مخططات السياسة البريطانية في منطقة الشرق الأوسط لما لها من تأثير كبير وحاسم أحياناً غير قليلة على "الفحولة" العربية!
2 . المبدأ الذي تعتمده السياسة الاستعمارية, "الغاية تبرر الواسطة", إذ كانت تمارس كل الأساليب الملتوية والمضللة, بما في ذلك اللعب على قاعدة "فرق تسد" قبلياً ودينياً ومذهبياً للوصول إلى تكريس مصالحها في المنطقة. ولم تكن الاغتيالات السياسية غريبة عنها, ومن هنا لم يقبل سكان العراق حتى الآن بأسباب موت الملك فيل الأول في سويسرا أو مقتل الملك غازي بحادث سيارة.
3 . أهمية إبقاء هذه المجتمعات متخلفة, رغم كون السياسة الاستعمارية تفتح مجبرة أبواب الحداثة على هذه الدول بسبب ركض المستعمرين الأعمى وراء مصالحهم وليس حباً في تقدم هذه الشعوب, سواء أكان ذلك عبر تكريس ممارسات الصراع والنزاع والتمييز بين القوميات والأديان والمذاهب, أم بتكريس عدم ثقة الرجال بالنساء, أم بإبقاء المرأة خاضعة للرجل ولا تمارس حياة المساواة والحرية المطلوبتين والضروريتين لتطور المجتمع وتقدمه.
4 . والكاتب يضع أمامنا بانسيابية وموضوعية العوامل الكامنة وراء الأرتال الأولى من السياسيين والعاملين في أجهزة الأمن البريطانية أو الفرنسية التي وصلت إلى المنطقة بهدف التهيئة والتحضير وتوفير مستلزمات الحصول على قواعد اجتماعية مؤيدة للوجود الاستعماري في المنطقة, وعن الهدف المباشر من هذا الوجود الذي لم يكن يعني سوى استغلال ثروات هذه المنطقة. فإذا كانت في البداية مسألة الغوص في البحار لاستخراج "اللؤلؤ" ليحقق لهم أقصى الأرباح, فأن التنقيب فيما بعد عن الثروات في باطن الأرض, وخاصة النفط الخام, أصبحت هي المهمة التي استحوذت على عقول وسلوك كل العاملين, هذا الذهب الأسود الذي حقق لهم ولا يزال يحقق لهم أقصى الأرباح, في حين كلف ولا يزال يكلف شعوب منطقة الشرق الأوسط سيولاً مريعة من الدماء الزكية, كما لا يزال الفقر يعم نسبة عالية من سكان منطقة الشرق الأوسط, رغم غنى المنطقة بثرواتها أو خاماتها الأولية. وكانت المنطقة غنية بمستبديها والفاسدين والمفسدين ممن حكموا فيها والذين وجدوا الدعم والتأييد من تلك الدول.
وعلى امتداد الرواية يقدم لنا الكاتب معلومات قيمة عن العادات والتقاليد والطقوس القبلية, صراعات هذه القبائل ونزاعاتها, تحالفاتها واتفاقاتها وعهودها, وسبل حل الخلافات في ما بينها والأسس القويمة لهذه العلاقات, إضافة إلى علاقة الشيخ بقبيلته, ومدى الغنى الذي يتمتع به على حساب قبيلته وكثرة زوجاته وجواريه والعواقب الوخيمة لمثل هذه العلاقات ومصروفات الشيخ المالية على المنطقة وثرواتها.   
إن الكتاب يضع أمام القارئة والقارئ لوحة كبيرة ملونة تجسد العلاقات البدوية وحياة البداوة وقبل انتقال تلك القبائل إلى حياة المدينة. ويمكن للمتتبع أن يقارن بين ما كانوا عليه هؤلاء القوم وبين ما هم عليه اليوم, فالسلوك لا زال بدوياً والعواقب لا زالت ذاتها رغم التقنيات الجديدة, فالعقلية ذاتها وما تحت الحزام ذاته لا ينقطع عن تسيير سيده!
إن الكتاب يكشف بما لا يقبل الشك عن كون الهدف الأساسي والمركزي للسياسات الاستعمارية في المنطقة كان اللؤلؤ والنفط وبقية الخامات, كان توظيف رؤوس الأموال والهيمنة على السوق وصادرات السلاح لها, وكذلك الاستفادة القصوى من الأيدي العاملة الرخيصة حينذاك, ولكنه مع ذلك أجبر على فتح نوافذ على حضارة وثقافة الغرب, كما اضطر إلى إقامة الشوارع والسدود والموانئ والسكك الحديد لكي يستطيع تمشية أموره الاقتصادية والتجارية والمالية, كما لم يكن أمامه إلى فتح مدارس .. وكان على شعوبنا أن تتابع هذا التناقض في هذه السياسة وأن تستفيد منه قدر الإمكان, ولكن الفائدة حتى الآن كانت ضئيلة.
أتمنى أن يُقرأ هذا الكتاب على أوسع نطاق, إذ أنه ليس جديداً بأسلوب روايته واعتماد الرسائل في متابعة الأحداث حسب, بل باللغة الغنية التي استخدمها الكاتب ومضمون الرواية وتسلسل الأحداث عبر الرسائل المتبادلة أيضاً. إن الرواية تمس الماضي, ولكنها تقربنا اليوم وبعفوية محببة من أحداث مختلفة من حيث المكان والزمان والأشخاص والأحداث, ولكنها متماثلة من حيث الفكر والعقلية والمضامين والعواقب.

23/ أيلول/سبتمبر 2009                كاظم حبيب                         




568
كاظم حبيب
لا يمكن إخضاع مبادئ وشرعة حقوق الإنسان للإرادة الذاتية للحكام,
ولا يجوز ممارسة أساليب لا شرعية في مخيم اشرف في العراق!!

يتصور البعض الذي يتحدث بحقوق الإنسان إنها قابلة للتجزئة, يمكن القبول ببعضها ورفض البعض الآخر, في حين أن مجمل شرعة حقوق الإنسان التي تتكون من اللائحة الدولية لحقوق الإنسان 1948, والعهد الدولي للحقوق والحرّيات المدنية والسياسية، والعهد الدولي للحقوق والحريات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1966, إضافة إلى كل المواثيق الأخرى التي صدرت فيما بعد والتي تضمنت الكثير من المسائل التفصيلية في ما تضمنه اللائحة الأساسية والعهدين الدوليين, ومنها حقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق السجناء السياسيين والحقوق البيئية وتحريم التمييز العنصري وتحريم التعذيب ...الخ, هي التي يفترض أن تحترم وتمارس من قبل جميع دول العالم دون استثناء. ولكننا نعيش التجاوزات يومياً على حقوق الإنسان, سواء أكان من حكومات أم من قوى سياسية متطرفة ورافضة للآخر ومتجاوزة على  القوانين التي يفترض أن يكون معمولاً بها في الكثير من البلدان. 
ومن بين تلك الحقوق تؤكد كل اللوائح والمواثيق الدولية إلى حق الإنسان في اللجوء السياسي واحترام كرامته وعدم تسليمه للدولة التي ينحدر منها أو التي حمل جنسيتها والتي أجبر على ترك بلاده بسبب سياساتها التي لم يتفق معها ويعارضها, إضافة إلى احترام بقية حقوقه المشروعة كإنسان. ويفترض أن ينطبق هذا الأمر على سكنة مخيم أشرف في العراق.
وخلال الفترة التي أعقبت سقوط شاه إيران بثورة الشعب الإيراني, كانت هناك قوى سياسية وطنية إيرانية معارضة لنظام الشاه الإيراني, ومنها حزب توده وحزب مجاهدي خلق وحزب فدائيي خلق, إضافة إلى أحزاب برجوازية وطنية أخرى وقوى معارضة مستقلة. إلا أن قوى الإسلام السياسية بقيادة آية الله العظمى روح الله الخميني قد سيطرت على الثورة وهيمنت على الحكم وبدأت بعد فترة وجيزة إلى محاربة كل القوى السياسية التي كانت معارضة للشاه بهدف احتكار السلطة. ورفضت تلك الأحزاب الثلاثة هذه السياسة وعارضت سياسة الخميني, مما أدى إلى شن حملة قمعية ظالمة ضد هذه الأحزاب الثلاثة وقوى برجوازية وطنية أخرى, مما أجبر بعض قواها على مغادرة البلاد, في حين زج بأعداد غفيرة ومن قوى المعارضة في السجون والمعتقلات الإيرانية ووضعوا تحت رحمة الحرس الثوري الإيراني, الذي مارس كل الأساليب القمعية في التعذيب لفرض ما يسمى بـ"التوبة" عليهم والابتعاد عن أحزابهم والعودة إلى "جادة الدين!" بالقوة الغاشمة. وكان ولا زال ما يحصل في سجن إيفين الذي كشفت عنه قوى إسلامية من داخل المعسكر يؤكد صواب ما يتحدث به العالم ومنظمات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية والمحلية عن جرائم الحرس الثوري وأجهزة الأمن الإيرانية بحق المناضلات والمناضلين الإيرانيين من قوى المعارضة السياسية لنظام هذه القوى الطائفية الحاكمة.
ومنذ سنوات قبل سقوط نظام الشاه في إيران وافق النظام العراقي على قبول جماعات من قوى المعارضة للشاه في أن تقيم في العراق, وهم جماعات من حزب توده وفدائيي خلق ومجاهدي خلق. وحين أعلنت الحرب العراقية الإيرانية عمدت الحكومة الإيرانية إلى ملاحقة مشددة وكثيفة ضد القوى التي عارضت سياساتها, مما أجبر الكثير من أعضاء ومؤيدي حزب توده مجاهدي خلق وفدائيي خلق على الهرب والالتحاق بجبال كردستان, وكنت شاهداً على وجودهم في جبال كردستان العراق وعمل بعضهم معي في إعلام الحزب الشيوعي العراقي وكانوا من فدائيي خلق ومن الحزب الديمقراطي الكردستاني في كردستان إيران مثلاً حيث احتضنهم الحزب الشيوعي العراقي. كما أن بعضهم قد وصل إلى بغداد واعتبروا لاجئين سياسيين, ومنهم الصديق الراحل, الذي اغتيل في النمسا من قبل أجهزة الأمن الإيرانية, الدكتور عبد الرحمن قاسملو, رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في كردستان إيران.
وقد ازداد عدد هؤلاء بمرور الزمن, خاصة بعد احتدام الحرب بين العراق وإيران, حيث اشتد الاضطهاد ضد القوى المعارضة للنظام السياسي الإيراني متسترين بغطاء الحرب والحفاظ على الجبهة الداخلية. وفي حينها حاول العراق الاستفادة منهم في صراعه ومساومته مع النظام الإيراني, خاصة وأن قوى معارضة عراقية كانت موجودة على الأرض الإيرانية وقريبة من حدود البلدين, إضافة إلى وجود واسع للمعارضة العراقية في كل من سوريا ولبنان وفي دول أخرى في العالم.
وأثناء انتفاضة الشعب العراقي ضد النظام العراقي في ربيع العام 1991 "يقال" أن النظام العراقي الاستبدادي حاول استخدام مجموعة من أعضاء مجاهدي خلق في ضرب انتفاضة الشعب العراقي. ولكن ليست هناك معلومات مدققة حول هذا الموضوع, والذي يمكن التحقق منه بطبيعة الحال عبر لجنة تحقيق مختصة ومحاسبة من أمر بذلك, علماً بأن النظام العراقي كان قد فرض على العرب من غير العراقيين أيضاً المشاركة في مثل تلك الفعاليات أو حتى في خوض الحرب العراقية الإيرانية.
إن وجود هذه الجمهرة الكبيرة من مجاهدي خلق في العراق يمكن أن تشكل نقطة احتكاك مع النظام الإيراني, ولكن غالباً ما كان مثل هذه الوجود لقوى معارضة لنظام معين نقطة احتكاك مع مضيفي قوى المعارضة في بلد آخر, كما كان الحال بين العراق وسوريا حين احتضنت سوريا قوى عراقية معارضة كثيرة ومتنوعة في فترة حكم البعث الصدامي.
إن من واجب الحكومة العراقية أن تحترم المواثيق الدولية في هذا الشأن وأن تبتعد عن اعتقال أو إبعاد هذه المجموعات الإيرانية المناهضة للحكم في إيران. إن ما حصل خلال الأشهر الأخيرة يعتبر كارثة إنسانية لا يجوز القبول بها بل إدانتها والعمل من أجل إيجاد حلول عملية مع الأمم المتحدة والدول الكبرى. إن من واجب الحكومة العراقية عدم تسليم أي من الجماعات القاطنة في العراق وفي مخيم أشرف إلى الحكومة الإيرانية, إذ أن ذلك لا يعني سوى الموت لهذه العناصر, وهو أمر مرفوض دولياً كما هو مرفوض ومذموم عرفاً وتقليداً في العراق. ولكن من حق الحكومة العراقية أن تطالب قاطني أشرف بعدم ممارسة النشاط السياسي ضد الحكم الإيراني من الأراضي العراقية.
إن الأخبار الواردة من العراق تشير إلى نقل 36 سجيناً من سكنة مخيم أشرف إلى بغداد بنية تسليمهم إلى إيران, وإذا ما حصل ذلك فأنها تعتبر جريمة سياسية حقاً يفترض محاكمة من ينفذ مثل هذه الجريمة. وعلى الأمم المتحدة أن تعمل من أجل تسلم هؤلاء السجناء ومنع تعذيبهم في بغداد أو تسليمهم إلى قوى الأمن الإيرانية وحرسها الثوري. إن حياة هؤلاء الناس الرهائن أمانة بيد الحكومة العراقية وعليها عدم تعريضهم لخطر الموت بأي حال.
لا بد من التحقيق في أسباب العمليات التي جرت ضد مخيم اشرف ومعاقبة المسؤولين عن قتل مجموعة من سكان المخيم أو حتى عن قتل أو جرح بعض الشرطة بسبب صدور أوامر بالهجوم على المخيم ومن فيه.
إن حملة عالمية ينبغي أن تنطلق لوقف أي استفزاز أو اعتداء أولاً, ثم التعاون مع سكان مخيم أشرف والأمم المتحدة لإيجاد حلول عملية لهؤلاء اللاجئين السياسيين على الأرض العراقية ثانياً.
ليس من حق الحكومة العراقية أو الدولة العراقية التدخل في الشأن الإيراني, رغم تدخل إيران الفظ واليومي في الشأن العراقي, ولكن من حق الرأي العام العراقي وأحزابه السياسية التعاطف مع الشعب الإيراني ومع القوى المعارضة لهذا النظام وتقديم التأييد لنضال الشعب الإيراني للخلاص من الحكم الثيوقراطي المستبد في إيران.
2/10/2009                        كاظم حبيب                 

569
كاظم حبيب
هل العراق بحاجة ماسة إلى جبهة ديمقراطية واسعة؟

إن المتابعة الدقيقة والمستمرة لما يجري على الساحة السياسية العراقية خلال الفترة التي أعقبت إسقاط النظام الدكتاتوري الفاشي حتى الآن تؤكد بما لا يقبل الشك أن العراق بحاجة إلى ضمان مسألتين مهمتين, وهما:
1 . إنه بحاجة إلى قوى سياسية يسارية ذات نهج ديمقراطي تناضل من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة في المواطنة ورفض التمييز بمختلف أشكاله وصور ظهوره ومكافحة البطالة وتحسين ظروف العمل وحل المسألة الزراعية وتعجيل التوجه صوب التصنيع وبناء قاعدة اقتصادية متينة تستند إلى الموارد الأولية المتوفرة في البلاد, ومنها بشكل خاص النفط الخام والغاز الطبيعي, ومن أجل بناء المجتمع المدني الديمقراطي والدولة المدنية الديمقراطية التي تستند إلى الحياة والمؤسسات الدستورية والبرلمانية والفصل بين السلطات والتداول السلمي الديمقراطي البرلماني للسلطة. وهو بحاجة إلى قوى يسارية متآلفة ومتحالفة وقادرة على تشكيل رقم مهم مؤثر في الحياة السياسية العراقية لا تبقى تتحرك على هامش الحياة السياسية وتكتفي بالتثقيف العام للمجتمع أو تتحرك في مكانها. كما أن من المفروض أن تدرك جميع قوى اليسار في العراق بأن كلاً منها على انفراد غير قادر على تحقيق نتائج إيجابية كبيرة, سواء أكان على صعيد الانتخابات العامة, أم على مستوى مجالس المحافظات, أم على صعيد تحقيق أهداف الفئات الاجتماعية الكادحة المنتجة للخيرات المادية والفقيرة والمعوزة لتقديم الدعم والمساعدة لها للخروج من حالة الكفاف أو العيش تحت خطر الفقر الدولي المحدد للدول النامية أو البطالة الهادرة للكرامة.
2 . ولكن الساحة السياسية العراقية بحاجة ماسة حقاً إلى أكثر من ذلك , إنها بحاجة إلى قوى ديمقراطية أخرى أيضاً, إلى أحزاب سياسية وطنية ديمقراطية قادرة على تعبئة قوى الوسط ويسار ويمين الوسط في إطار الطبقة الوسطى والبرجوازية الصغيرة وغيرها من الفئات الاجتماعية, وبمعنى أخر, فالعراق بحاجة إلى أحزاب وطنية ديمقراطية يمكن أن تلتقي في جبهة عريضة مع أحزاب اليسار الوطنية بسبب أهدافهما الوطنية العامة المشتركة وبسبب سعيهما المشترك لصالح إقامة الدولة الديمقراطية البرلمانية والمجتمع المدني الديمقراطي القائم على أساس الحياة الدستورية والدولة المؤسسية والتداول السلمي الديمقراطي للسلطة.
إن الطبقة الوسطى في العراق تتكون لتوها مجدداً بعد أن غيبت عملياً ما يقرب من أربعة عقود وفي الكثير من المجالات الاقتصادية والحياة السياسية, رغم أنها لا تزال ضعيفة وبعيدة عن المجال الصناعي الحديث والذي كما يبدو أنها سياسة مقصودة يراد بها إضعاف الطبقة الوسطى الصناعية وإبقاء البلد خاضعاً لموارد النفط المالية والاستيراد من الخارج وأن يبقى مكشوفاً لها, إضافة إلى إبقاء المجتمع العراقي مجتمعاً عشائرياً استخراجياً واستهلاكياً غير منتج للسلع الزراعية والصناعية يستهلك دخله القومي دون أن يعظّم الثروة الوطنية ويحقق التراكم المنشود وبما يسهم في تغيير بنية الاقتصاد الوطني وبنية الدخل القومي والبنية الاجتماعية وكذلك الوعي الاجتماعي والديني في البلاد. إنها سياسة خطرة لا يمكن مواجهتها إلا بتحالف القوى الديمقراطية من مختلف الفئات الاجتماعية وعلى مستوى العراق كله.
إلا أن هذا التوجه نحو قوى اليسار والقوى الديمقراطية الأخرى باعتبارها قوى سياسية وأحزاب وطنية غير كاف لمواجهة تحالفات سياسية يمينية, سواء أكانت إسلامية سياسية طائفية أم قومية, ما لم يجر التحرك على عدة اتجاهات أساسية في المجتمع العراقي, وهي:
أ . نحو منظمات المجتمع المدني الديمقراطية مثل النقابات العمالية والمهنية الكثيرة في العراق والجمعيات العاملة في مجالات الفنون والآداب والموسيقى والغناء والثقافة بشكل عام للتأثير الإيجابي عليها للمشاركة في الحياة العامة والانتخابات مع بقائها مستقلة من حيث المبدأ سياسياً.
ب . التوجه صوب الشبيبة العراقية, من النساء والرجال, التي تشكل نسبة عالية من سكان العراق والتي يهمها أن تعيش في أجواء الحرية والديمقراطية ورفع القيود المحددة لحركتها ونشاطاتها المتنوعة وضمان توفير كل مستلزمات تطورها الفكري والاجتماعي والفني والرياضي...الخ.
ج . التوجه صوب النساء العراقيات اللواتي حُرمن من الكثير من حقوقهن المشروعة والعادلة في الدستور أولاً, وفي الحياة العملية والممارسة اليومية ثانياً, وخضوعهن لإجراءات وعادات وتقاليد بالية تحط من مكانة ودور واستقلالية شخصية المرأة وكأنها إنسان من الدرجة الثانية.
إن النساء في العراق يشكلن قوة كبيرة فهن أكثر من نصف المجتمع ويهيمن على نسبة كبيرة منهن الجهل والأمية والخشية من التقاليد والعادات ومن الرجل, إضافة إلى دور المؤسسات الدينية والكثير من شيوخ الدين في تعميق هذه الوجهة السلبية في حياة المرأة. نحن بحاجة إلى توعية تنويرية في المجتمع النسوي العراقي, بحاجة إلى رفع الغشاوة عن عيون وعقول الغالبية العظمى منهن, علينا أن نبدأ مجدداً في العمل الدؤوب لتغيير واقع المرأة ووعيها ودورها في المجتمع وفي الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والفنية والرياضية, إنها المهمة الكبيرة التي يفترض أن تنهض بها القوى الديمقراطية لأن غيرها من القوى لا يريد للمرأة غير الحالة الراهنة أو أكثر غوصاً في الجهل والأمية ومزيداً من الاختفاء وراء الحجاب. 
د . وعلى القوى الديمقراطية أن تتوجه صوب أتباع القوميات الأخرى وأتباع الأديان الأخرى أيضاً, هذه الجماعات السكانية تعاني اليوم من التمييز في المواطنة وفي التعامل اليومي والتي تواجه أخطار الموت على أيدي القوى الإرهابية المتطرفة والطائفية المقيتة, رغم أن قوى الإرهاب تلاحق الشعب العراقي كله, ولكن هناك نية مبيتة لدى الأوساط الإسلامية السياسية الإرهابية والكثير من القوى الطائفية المتطرفة التي تسعى إلى "تنظيف العراق!" من أتباع هذه القوميات وأتباع الأديان الأخرى. وعلينا أن نلاحظ ذلك بوضوح كبير, إذ ما جرى مع المسيحيين والصابئة المندائيين أو الإيزيديين المقيمين في الأقضية والنواحي التابعة لمحافظة الموصل إدارياً يمكن أن يتكرر في كل لحظة. إننا إذ نعمل بحرص ومسؤولية للحفاظ على حياة هؤلاء الناس, نحافظ في الوقت نفسه على التنوع الرائع في الحياة القومية والدينية في العراق, فهو موزائيك جميل وينبغي منع تفليشه.
هـ . إن العمل في هذه الأوساط الاجتماعية والفئات العمرية المختلفة يستوجب صياغة شعارات تمس مصالحهم الآنية وحاجاتهم المشروعة الراهنة والابتعاد عن تلك الأهداف المستقبلية التي يفترض أن يتضمنها برنامج حزب سياسي يساري أو ديمقراطي بشكل عام, إذ أن البرنامج مطروح للنقاش وعلى المجتمع كله ويمكن ترويجه باستمرار, في حين أن البرنامج الانتخابي يفترض أن يتضمن ما هو راهن وعملي يوضع في المقدمة من الحملة الانتخابية والتحري عن السبل في كسب هؤلاء الناس للمطالبة بتحقيق تلك الأهداف, مثل الكهرباء أو الماء أو النقل أو العمل أو تنظيف الشوارع وتخليص الناس من أكوام القمامة وتعمير الشوارع المدمرة وإقامة ساحات للرياضة أو توفير ملاعب للأطفال أو تأمين الكتب الدراسية أو تنظيم القبول في الجامعات والكليات والبعثات الدراسية والزمالات التي تمس الطلبة مباشرة وعائلاتهم لمنع استخدام أساليب غير نظيفة, أو استعادة بناء مجلس الخدمة العامة لتجنب المحسوبية والمنسوبية والمحاصة الطائفية, أو مكافحة الفساد المالي والإداري ابتداء من نشاط الرئاسات الثلاث ومجلسي الوزراء والوزراء والوزارات والمؤسسات ومجالس المحافظات, وتنظيم التجارة الخارجية والداخلية والرقابة على النوعية من خلال هيئة المقاييس وضبط أسعار السلع وسبل تنظيم الدعم الحكومي والكوبونات للعائلات الكادحة والمحتاجة فقط....الخ.
و . ولا بد من خوض نقاش واسع مع برامج القوى الأخرى, وخاصة برامج قوى الإسلام السياسية الحاكمة, التي "ذرعت بالجنة" وعمدت إلى إعطاء الانطباع بأنها ستجعل "الهور مرگ والزور خواشيگ" والعشاء لم يكن في حقيقة الأمر سوى "الخباز", إن على القوى الديمقراطية أن تقدم البراهين, وهي ساطعة على ما يعانيه الناس في مقابل الوعود من جهة, وكيف تعيش الفئة الحاكمة برفاهية وكهرباء مستمر من جهة أخرى. .       
إن الانتخابات القادمة تستوجب تكثيف العمل المشترك لكل القوى الديمقراطية والعلمانية العراقية من أجل بناء جبهة سياسية واسعة أو تحالف واسع لصالح خوض الانتخابات والتي ستكون قاعدة وأساساً جيداً لبناء التحالف الاستراتيجي المنشود, إن النجاحات الصغيرة هي التي تخلق أرضية مشتركة لنجاحات أكبر وعلاقات أمتن وتقرب تدريجاً من الفهم المتبادل لما يحتاجه العراق خلال الفترة القادمة.
 لنعمل من أجل رفع الهمم لتحقيق ما عجزنا عن تحقيقه حتى الآن رغم الجهود المبذولة والتي كما يبدو لم تكن كافية, كما جاء في مقالة العزيز الدكتور حسان عاكف, عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي. إن إدراك المصاعب التي تواجه تحقيق مثل هذه العملية لا يمنع من العمل من أجلها, بل يتطلب المزيد من الجهد ومن الجميع لضمان الوصول بأقرب فرصة ممكنة لتحقيق ذلك, وأن نستمر في الحفاظ عليه وتطويره وليس نسيانه بعد الانتهاء من الانتخابات أياً كانت النتائج التي يمكن أن يخرج بها تحالف القوى الديمقراطية العراقية. من المفيد أن يستعيد تحالف "مدنيون" دوره ويتوسع مع قوى ديمقراطية أخرى ليصبح قادراً على التأثير الإيجابي في الانتخابات القادمة.
المسيرة طويلة والمهمات كثيرة ومعقدة, ولكنها تستحق وتستوجب بذل المزيد من الجهد لصالح تأمين مستلزمات تحقيقها ولو على مراحل.         
2/10/2009                     كاظم حبيب

570
كاظم حبيب
مقابلة صحفية في الشأن العراقي
وجه الصحفي والكاتب العراقي الأخ السيد سعدون محسن هليل عدة أسئلة للإجابة عنها.
وقد أرسلت له للنشر في جريدة المدى العراقية في أوائل أيلول/سبتمبر 2009 بتاريخ .
الأسئلة
= البناء الديمقراطي في العراق ،  ماهي المعوقات والتحديات التى تواجة هذا المشروع  ؟
= كيف يتم بناء دولة ديمقراطية في العراق ومجتمع ديمقراطي ؟
= الازمة العراقية هل هي ازمة بناء مجتمع ام ازمة بناء دولة ؟ ماهي القوى الاساسية التي بستطاعتها بناء دولة؟
= من مهام الدولة الحديثة تفكيك الولاءت الطائفية والقومية والاثنية وان تكون الدولة المحور الاساسي  هل حدث هذا التحول في العراق منذ العام 2003 ؟
= الطبقة الاجتماعية الوسطى الشرط الاجتماعي لقيام وبناء دولة  ماهي الشروط الاقتصادية لاعادة ترميم الطبقة الوسطى ؟

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
الجواب الأول
** تتوزع معوقات  البناء الديمقراطي بالعراق على عاملين أساسيين متشابكين, وهما:
العامل الموضوعي الذي يرتبط بواقع المرحلة التي يمر بها المجتمع ومستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي والتركة الثقيلة التي تعيد إنتاج مكوناتها, ومن ثم تجليات ذلك في مستوى الوعي الاجتماعي للفرد والمجتمع أولاً, ومن ثم العامل الذاتي الذي يرتبط بالقوى والأحزاب السياسية العراقية وبرامجها واتجاهات نشاطها وأساليب عملها والمستوى الحضاري الذي تجد نفسها فيه ويؤثر بقدر كبير على دورها ودور فئات المجتمع في مجمل العملية السياسية في العراق ثانياً.
وحين نسعى إلى تحليل أو تفكيك هذا العامل الموضوعي, سنجد أنفسنا في مواجهة ثلاث مشكلات جوهرية, وهي:
1.   استمرار وجود وفعل بقايا العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية في الريف وتأثيرها المباشر وغير المباشر على سكان المدينة وعلى مجمل العملية الاقتصادية وتخلف عملية التخلص من تلك العلاقات وبناء العلاقات الإنتاجية الرأسمالية التي تعتبر مرحلة متقدمة من مراحل التطور الاجتماعي للمجتمع العراقي والتي لم يبلغها بعد. وطبيعة هذه العلاقات الإنتاجية تمنع عملياً التراكم الرأسمالي في التنمية الصناعية والزراعية والبحث العلمي وفي تغيير البنية الاقتصادية وتبرز إلى السطح النزعة الاستهلاكية بدلاً من التراكم الضروري الُمعظم للثروة الوطنية. 
2.   إن هذا الواقع يرسم لنا الخريطة الطبقية للمجتمع, إذ تشكل فئات الفلاحين والهامشيين والفقراء والكادحين والعاطلين عن العمل النسبة الكبرى من السكان, في حين نجد ضعفاً شديداً في عدد وبنية الطبقة الوسطى والطبقة العاملة وفئات المثقفين والمتعلمين في المجتمع.
3.   ويجد المتتبع تجليات هذا الواقع في البنية العقلية والوعي الاجتماعي والديني للسكان من جهة, وفي ضعف الطبقات الاجتماعية الحاضنة للمجتمع المدني الديمقراطي في العراق من جهة أخرى, في حين يرتفع دور مؤسسة العشائر والمؤسسة الدينية, وهما مؤسستان متحالفتان في مواجهة ثلاث مسائل أساسية في المجتمع العراقي, وهي:
** ضد التصنيع وضد تنامي مكانة ودور الطبقة الوسطى أو البرجوازية الوطنية الصناعية والطبقة العاملة في الاقتصاد الوطني وفي الحياة السياسية أولاً ودور ومكانة الفئة المثقفة في الحياة السياسية والثقافية والتربوية والتعليمية ثانياً.
** ضد بناء المجتمع المدني الديمقراطي والحريات العامة وحل مشكلة الأرض الزراعية والتنمية الزراعية الحديثة وضد تعليم البنات.
** ضد الانفتاح على ثقافات العالم والتلاقح الثقافي وتنشيط الحياة والحريات الديمقراطية وضد تحرير المرأة ومساواتها بالرجل ...
وفي مثل هذه الأجواء يتدنى الموقف من الهوية الوطنية والوطن والمواطنة ويتفاقم الاعتماد على الهويات الثانوية التي يمكن أن تكون قاتلة للهوية الوطنية وممزقة للنسيج الاجتماعي كالهويات الطائفية أو الهويات القومية الشوفينية أو الهويات القومية ذات الأفق القومي الضيق, ثم الهويات العشائرية (القبلية) والأسرية والإقليمية والمحلية.
إذن نحن أمام واقع قائم لم ينشأ اليوم, ولكنه قادم مع التركة الثقيلة السابقة والمتفاقمة بفعل الواقع الراهن الذي يتجلى بالعمليات التي تعطي الذريعة بعدم التوجه صوب التنمية, والتي هي تشير إلى نصف الحقيقة وليست الحقيقة كلها.

أما العامل الذاتي فهو نتاج العامل الموضوعي من جهة, ونتاج ما يفرزه العامل الموضوعي من نتائج في مجال الشرعية الديمقراطية وغياب الحياة الدستورية الحقيقية وتقريم الحريات الديمقراطية والفصل بين السلطات الثلاث وفصل الدين عن الدولة وضعف الوعي الاجتماعي, ومنه الوعي الديني وضعف مجمل البناء الفوقي للمجتمع بما فيه الأحزاب السياسية.
فالأحزاب السياسية تنشأ من أعماق هذا المجتمع وتأخذ سماتها منه, رغم محاولتها طرح بدائل فكرية وسياسية, ولكن لا يوجد تطابق بين الواقع وبين النظرية أو بين البرنامج المتبنى حتى من القوى التي تدعو للديمقراطية أو تسعى للالتزام بها وبين الممارسة الفعلية, إذ أنها ليست مسألة ترتبط بالرغبات والإرادة الذاتية, بل هي عملية موضوعية.
فأغلب الأحزاب القائمة في العراق, كل العراق تستند إلى مؤسستين: العشائرية والدينية, ومن الاثنين تبرز المؤسسة القومية. وهي تدعو إلى إقامة دولة غير ديمقراطية ولا تسعى إلى المجتمع المدني من خلال عدم سعيها لتغيير البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع العراقي, رغم ما تدعيه بغير ذلك, إذ أن الواقع يؤكد هذا الاستنتاج. والأحزاب الديمقراطية والعلمانية واللبرالية حين تنظر إليها بعناية وتفحص سلوكها اليومي وعلاقتها ببعضها أو بمؤسسات الدولة, ومنها الحكومة والمجلس النيابي والمجتمع, ستجد أنها لا تسير وفق نهج ديمقراطي سليم. وحين تصل إلى السلطة ستكون الفجوة بينها وبين ما تسجله في برامجها كبيرة حقاً.
لم يكن صدام حسين غريباً عن المجتمع العراقي, فهو من هذا المجتمع الفلاحي, العشائري والديني, ومن أمثاله لا يخلو المجتمع, رغم أن بعضهم لم يتسن له الحكم حتى الآن. ولهذا جاء في مقال لي, مات الدكتاتور, فهل انتهت الدكتاتورية في بلادنا أو توقفت عملية إعادة إنتاج الدكتاتوريين.
إذا أردنا بناء دولة ديمقراطية اتحادية حديثة في العراق نحتاج إلى تغيير في العاملين المشار إليهما سابقاً, أي نحتاج إلى:
1.   النضال من أجل بناء القاعدة  المادية للمجتمع المدني الديمقراطي, بناء القاعدة الاقتصادية الصناعية والزراعية الحديثة, وتوسيع قاعدة  الطبقة الوسطى والطبقة العاملة والمثقفين باعتبارها الفئات الحاضنة للمجتمع المدني والقادرة على تنمية الوعي الاجتماعي والديني والمنشطة للحريات والحقوق الديمقراطية والتداول الديمقراطي للسلطة ...الخ. وهذه الوجهة تفسح في المجال إلى مكافحة البطالة والبطالة المقنعة وتوفير الأساس السليم لحماية كرامة الإنسان من الفقر والفاقة والحرمان.
2.   النضال من أجل إرساء المؤسسات التشريعية الديمقراطية والعمل بها وبناء الحياة السياسية والحزبية على وفق أسس حديثة وإعادة بناء الأحزاب السياسية وتجديدها وإلزامها بالعمل وفق قواعد ديمقراطية وبعيدة عن الاتجاهات الفكرية العنصرية والشوفينية والطائفية السياسية والتمييز بمختلف أشكاله.                 
3.   الالتزام باللوائح الدولية لحقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية واللوائح الدولية الخاصة بالعلاقات مع الدول الأخرى وسبل حل الخلافات الداخلية وعلى المستويين الإقليمي والدولي.
4.   وهذا التوجه يوفر أرضية صالحة لمحاربة الفساد المالي والإداري والكشف عنه بسرعة حين وقوعه من جهة, ومكافحة الإرهاب والأساليب الإرهابية في ترويع المجتمع وقتل الناس الأبرياء وتدمير الاقتصاد الوطني والثروة الاجتماعية من جهة ثانية. 
ومن هنا تبدو للمتتبع حقيقة التفاعل والتشابك الضروريين بين العامل الموضوعي والعامل الذاتي والذي لا ينشأ بصورة ميكانيكية, بل يتطلب نضالاً دؤوباً من جانب القوى المثقفة والواعية في المجتمع.
الجواب الثاني
إن الإجابة عن السؤال الأول تكشف جوهر الإجابة عن السؤال الثاني من حيث البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربية والتعليم, وتضع نصب أعيننا, ونحن نناضل من أجل بناء الدولة الديمقراطية, أهمية منح القضايا التالية اهتماماً أكبر:
1, الاهتمام بالعملية التربوية والتعليمية التي تستغرق وقتاً طويلاً إلى حين الحصول على نتائج طيبة, تربية وتعليم وثقافة إنسانية ديمقراطية حرة بعيدة عن التعصب الديني والقومي أو التمييز بمختلف أشكاله. إن مكافحة أمية القراءة والكتابة لم تعد كافية, بل يفترض مكافحة أمية التعامل الواعي مع التقنيات الحديثة والثورة الجديدة في الحضارة الإنسانية الأكثر حداثة وتقدماً.
2. إعادة صياغة الكثير من بنود الدستور العراقي لجعله مفهوماً وواضحاً وليس حمالاً لأوجه عديدة أو تشوبه مسحة طائفية سياسية مريبة لا تمت إلى الدساتير الديمقراطية بصلة.
3. الفصل الفعلي بين السلطات الثلاث والاستقلال التام للقضاء وفصل الدين عن الدولة وممارسة بنود الدستور العراقي في ما يخص نزاهة الانتخابات العامة ووضع القوانين الكفيلة بممارسة الحياة الحزبية والسياسية بصورة عقلانية والتداول الديمقراطي البرلماني للسلطة. وليس هناك أهم من رفض بناء الأحزاب العراقية على أسس طائفية سياسية أو مذهبية, إذ أنها السبيل لزعزعة الوحدة الوطنية العراقية وتدمير النسيج الوطني للشعب العراقي بكل مكوناته القومية.
4. إن التفكير العقلاني يطرح ضرورة منح المثقفة والمثقف في العراق الدور المناسب والفعال في الحياة العامة وفي تعميق الوعي الوطني والديمقراطي للمواطن وعلى أساس المواطنة الحرة, وعلى أساس عدم التمييز بين المرأة والرجل, بل المساواة بينهما.   
5. ولا بد من إلغاء المحاصصة الطائفية الراهنة التي عمقت ما كان موجوداً من تمييز طائفي في العراق قبل ذاك ومنذ تأسيس الدولة العراقية وتفاقم بعد ذلك, وخاصة في فترة حكم القوميين العرب والبعثيين الذين دمجوا عملياً بين القومية والمذهب السني واتهموا الشيعة بالشعوبية والعداء للعرب ظلماً وبهتانا. 
إن بناء الدولة الديمقراطية عملية معقدة وصعبة كما أنها طويلة الأمد, إذ تبدأ بتغيير بنية الاقتصاد والمجتمع والوعي وتتواصل متزامنة ومصاحبة لدور فعال لوسائل الإعلام والثقافية والتربية والتعليم والمناهج التربوية والدراسية والممارسة الفكرية والسياسية للأحزاب العراقية.
الجواب الثالث
الأزمة العراقية أزمة مركبة تجمع بين الأزمة الاقتصادية والأزمة السياسية والأزمة الثقافية والتربوية والتعليمية, إضافة إلى أزمة أخلاقية وقيم حضارية, أزمة دولة ومجتمع في آن واحد. وتبرز تجليات هذه الأزمات لا في كل مجال على انفراد حسب, بل وفي فعل كل منها وفي تشابك أفعالها وتداخل عواقبها أو التأثير المتبادل في ما بينها. هنا يمكن أن أورد مثالاً واحداً على المجال التربوي والتثقيفي:
حين نواجه في الساحة السياسة أحزاباً طائفية سياسية تعتمد المذهب كهوية وتمارس التمييز الطائفي السياسي, وحين تمارس هذه الصيغة في توزع المناصب الوزارية, سنجد تجليات ذلك في داخل كل وزارة وفي العلاقة بين الوزارات وكذلك بين كل الوزارات والمراجعين المتتبعين لمعاملاتهم اليومية, وستخلق إشكالية اجتماعية وحكومية في آن واحد وستنعكس على بقية مجالات الحياة. أو حين تكون المناهج الدراسية في المدارس الابتدائية محملة بفكر طائفي سياسي وقومي شوفيني سينعكس ذلك سلباً على العلاقة بين الطلبة ويتفاقم لينعكس على العائلات وعلى المجتمع بأسره, ثم ينمو في داخل الدولة ويتفتت النسيج الوطني. ويخلق أزمة ثقة في ما بين الناس وبين الناس والحكومة...الخ.
والأزمة الاقتصادية القائمة في العراق ذات طبيعة بنيوية, وتتجلى في بنية الاقتصاد وتجليات ذلك في البنية الاجتماعية. ويخلق هذا الواقع المتخلف بطالة واسعة وبطالة مقنعة, وتبرز تجلياتها في مشكلات اجتماعية ونفسية وأخلاقية كبيرة, وهو ما يعاني منه العراق حالياً.
الأزمات العراقية المتداخلة والمتبادلة الفعل والتأثير ليست بنت اليوم, وهي متراكمة عبر الزمن, ولكنها متفاقمة مع الأيام وبفعل عوامل عديدة جئت على ذكر أهمها في الإجابتين السابقتين, إذ لم تجر معالجتها بصورة سليمة.   

الجواب الرابع
 لقد نشأت الدولة العراقية باتجاهات ثلاثة, وهي:
1.   دولة تقوم على أساس دستور مدني ديمقراطي يعتمد الملكية الدستورية الديمقراطية قاعدة للحكم في البلاد.
2.   دولة اعتمدت المذهب السني في الإسلام, رغم أنها تميزت بالعلمانية من الناحية العملية, ولكنها لم تخل من التمييز الطائفي الممارس فعلاً.
3.   دولة تعتمد قانون العشائر كمرادف للدستور المدني الديمقراطي.
وفي الممارسة العملية كنا نجد هذه الحالات الثلاث مع موقف شيعي ينبع من المؤسسة الدينية الشيعية مشجع على عدم المشاركة في الدولة ثم المشاركة فعلاً من جانب فئات المجتمع وبرز موقف المواطنة بوضوح أفضل, ولكنه بقى يعاني من التمييز, إضافة على التمييز ضد المرأة. وقد شكا الملك فيصل الأول من واقع المجتمع وفئاته المثقفة حينذاك.
جاءت ثورة تموز 1958 فأعطت زخماً جديداً لمبدأ المواطنة   العراقية ومحاول معالجة المشكلات الطائفية بروح تقدمية, خاصة وأن قائد الثورة كان من أب سني وأم شيعية ولم يلتزم بالطائفية بل كان ضدها وعمل من أجل المواطنة والتي تجلت حين سؤل كيف يعين العالم الكبير الدكتور عبد الجبار عبد الله رئيساً لجامعة بغداد وهو صابئي مندائي الدين, فقال لهم بوضوح تام أنا عينته ريساً لجامعة بغداد وليس أماماً لجامع.
ثم جاء حكم البعثيين والقوميين, فكان التمييز الطائفي على أشده وتفاقم سنة بعد أخرى حين بدأت صحافة عدي صدام حسين بالإساءة لأتباع المذهب الشيعي بصورة وقحة وقبيحة, مما عمق مشاعر الخلاف, ولا يجوز بأي حال اتهام أتباع المذهب السني بالمسؤولية عما مارسته القيادة البعثية وعائلة صدام حسين في هذا المجال.
وحين سقط النظام دار الدائرة بعكس الاتجاه وأصبح المجتمع يعاني من طائفة مستفحلة شددتها الأحزاب السياسية الإسلامية والقائمة على أسس مذهبية وممارسات طائفية سياسية,
والدولة التي نهضت في أعقاب إسقاط النظام الدكتاتوري عبر الحرب الخارجية قامت على أسس طائفية وجدت تعبيرها في بنية مجلس الحكم الانتقالي. وبالتالي لم تنهض الدولة العراقية بتفتيت النهج الطائفي بل كرسته وعمقته ونقلته إلى الأوساط الشعبية وما اقترن بذلك من قتل متبادل على الهوية ونشاط قوى الإرهاب الطائفية والمليشيات المسلحة في هذا الصدد.
نحن بحاجة إلى ثلاث عمليات:
1.   التخلي عن إنشاء أحزاب سياسية تقوم على أساس مذهبي وتمارس سياسات طائفية, بل نحتاج إلى أحزاب وطنية عراقية لا تعتمد الدين والمذهب أساساً لها.
2.   التخلي عن ممارسة مبدأ المحاصصة الطائفية في توزيع المناصب في الدولة وفي الوزارات والمؤسسات. ومن المؤسف أن نتابع الآن عودة قوى  إسلامية سياسية مذهبية مرة أخرى إلى تحالفات ذات نهج مذهبي طائفي سياسي لا يقود إلا إلى انتعاش الطائفية السياسية المقابلة وإلى تصليب الانقسام والاصطفاف الطائفي في المجتمع. ومثل هذا النهج لا يفتت الطائفية بل ينشطها. وما جر بعض العلمانيين من أتباع المذهب الشيعي إلا محاولة جادة لتفتيت القوى الديمقراطية وعزلها عن محيطها ودورها الديمقراطي.
العراق ليس بحاجة إلى دولة مركزية جامدة ومتصلبة, بل بحاجة إلى دولة مدنية اتحادية ديمقراطية تعي دورها ومهماتها, وتضع القوانين الكفيلة بتوزيع المهمات على ثلاث مستويات على مستوى الحكومة الاتحادية وعلى مستوى ح-كومة الإقليم وعلى مستوى المحافظات. وهي الصيغة التي تجعل الجميع قوياً من خلال ممارسته لصلاحياته أو حقوقه وواجباته لإنجاز المهمات الملقاة على عاتقه.   

الجواب الخامس
خلال سنوات العهد الملكي نمت الطبقة الوسطى العراقية ببطء شديد وعانت الكثير من المصاعب, ولكنها, وبالتعاون مع الطبقة العاملة والبرجوازية الصغيرة والمثقفين, لعبت دوراً مهماً في النضال من أجل إقامة المجتمع المدني ونشر الديمقراطية. وكانت لهذه الطبقة الوسطى ممثلون سياسيون مثل الحزب الوطني الديمقراطي, معبراً عن الوسط ويسار الوسط بشكل عام, في حين كان حزب الاستقلال معبراً عن يمين الوسط أو اليمين القومي للفئات الوسطى, أم حزب الجبهة الشعبية فكان يتحرك بينهما.
وفي تموز من عام 1964 تلقت الطبقة الوسطى الصناعية ضربة قوية من قبل القوى القومية, حين أصدر عبد السلام محمد عارف بناء على توصيات القوميين الناصريين, ومنهم الدكتور خير الدين حسيب, قرار تأميم مشاريع الطبقة الوسطى في الصناعة والتجارة على نحو خاص, بهدف التقارب مع إجراءات وقرارات التأميم التي أصدرها جمال عبد الناصر في مصر في الفترة بين 1961-1964. وقد أعاقت هذه الإجراءات نمو الطبقة الوسطى في العراق, وخاصة في مجال التصنيع, كما كانت قد أعاقت قبل ذاك تطور الاقتصاد المصري وأجهزت على الطبقة الوسطى بشكل خاص.
ثم تمتعت الطبقة الوسطى في العراق ببعض المكاسب في العقد الثامن من القرن العشرين والذي لم يستمر طويلاً, حيث كانت الغوص في سياسات الاستبداد ومصادرة كل شكل من أشكال الحرية ثم الحروب المتتالية. وتعرضت البرجوازية المتوسطة إلى ضربات قوية ولم تعد هناك في تسعينيات القرن العشرين طبقة وسطى بل انحدر أصحابها إلى مستوى الفئات البرجوازية الصغيرة مثلاً أو تركوا البلاد إلى الخارج. ونمت على  أنقاض هذا الواقع بعض القطط السمان من أصحاب النعمة الحديثة من أتباع النظام وحاشيته وحواشيه.
واليوم لا نجد طبقة وسطى فعلية في البلاد, ولكن هناك نشوء جديد لطبقة وسطى لا تزال لا تحظى بأي اهتمام ورعاية ودعم. والمجال الملائم والضروري لنمو البرجوازية المتوسطة أو الطبقة الوسطى هو القطاع الصناعي والاستثمار الزراعي الحديث والنشاط التقني والأبحاث وفي مجالات التجارة الداخلية والمصارف والتأمين التي تعتمد على المنتجات المحلية وليس الاستغراق في الاستيراد إلى حد منع نمو طبقة وسطى صناعية وزراعية حديثة.
العراق يواجه مصاعب جمة في هذا المجال والذي تجسده تصريحات مهمة صادرة عن رئيس اتحاد الصناعات العراقي ورئيس اتحاد رجال الأعمال, إضافة إلى ما يطرحه الاقتصاديون المتخصصون في مجالات التنمية والتصنيع في البلاد.
إليكم الملاحظة التالية:
خلال الأشهر الأخيرة, دع عنك منذ تولي السيد المالكي رئاسة الوزراء التقى عشرات المرات بشيوخ العشائر والتجمعات العشائرية ألقى فيه العشرات من الخطب, ولكن لم يلتق ولا مرة واحدة باتحاد الصناعات العراقي أو باتحاد رجال الأعمال أو بأساتذة الجامعة, في ما عدا اجتماع ذوي الكفاءات القادمين من الخارج, كما لم يلتق بالاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق. إنها لظاهرة سلبية تعبر عن الموقف من المجتمع المدني من جهة, ومن المجتمع العشائري من جهة أخرى. وهي ظاهرة سلبية غير مقبولة ومؤثرة سلباً على وجهة تطور المجتمع.   
      5/9/2009         كاظم حبيب



571
كاظم حبيب
قوى التيار الديمقراطي ستبقى بحاجة إلى مزيد من الجهد لتوحيد صفوفها

خلال السنوات الست المنصرمة خاضت قوى التيار الديمقراطي عدة انتخابات وبصيغ مختلفة, سواء أكان ذلك بصورة منفردة أم بتحالفات جزئية, وكانت النتائج غير مريضة للجميع, رغم أن الانتخابات لا تعني الوصول إلى المجالس النيابية بالضرورة فحسب, بل تعني التثقيف والتنوير الديني والاجتماعي ورفع مستوى المسؤولية لدى المواطنة والمواطن إزاء مصائر الشعب. إلا أن هذا التأثير يفترض أن يتجلى في عدد الأصوات الذي تحرزه قوى هذا التيار ومدى القدرة على إيصال صوت القوى الديمقراطية إلى البرلمان, رغم ما يشوب تلك الانتخابات من تشويهات وتزويرات متنوةعة وإساءات ورشوات أو فرض القسم على الناخب ليمنح صوته لجهة إسلامية معينة دون غيرها من القوائم ...الخ.
ها نحن نقترب من موعد انتخابات عامة جديدة سوف لن تكون سهلة, كما لا يمكن ضمان نزاهتها, مثلما يفترض أن تكون عليه أية انتخابات عامة, وها نحن نلاحظ حمى العمل من أجل تشكيل التحالفات السياسية, سواء تلك التي تعتمد على بعض المرجعيات الدينية وشيوخ العشائر والهوية المذهبية, أم تلك التي تعتمد على الانتماء القومي وتضييق مجال الانفتاح على كل القوميات في العراق. وبعض هذه التحالفات يحظى بإسناد إقليمي كبير ومتنوع, في حين لا تزال قوى التيار الديمقراطي لم تتوصل إلى نتيجة تساعد على تعبئة كل أو أغلب قوى التيار الديمقراطي في ائتلاف سياسي يضمن لها حركة موحدة في الشارع العراقي ويؤمن لها قوة عددية ونوعية جيدة نسبياً في الانتخابات القادمة تستطيع بها التأثير الإيجابي على مجرى الأحداث السياسية في العراق, وخاصة تلك التي تمس مصالح الفئات الكادحة في المجتمع.
لا نقلل من أهمية عقد الاجتماعات التي تحصل في ما بين القوى الديمقراطية, فهي ضرورية كما أنها تشكل الدرب الموصل إلى عقد اتفاقات. ولكن قرب الانتخابات يجعل من عقد مؤتمر عام للقوى الديمقراطية أكثر فائدة وأكثر تأثيراً في الناخب العراقي ويساعد على تعبئة القوى الديمقراطية ويزجها في العملية الانتخابية, رغم كل المعوقات, بصوت واحد وهدف واحد حالياً, وأعني به إيصال أكبر عدد ممكن من المرشحين إلى المجلس النيابي. ولن يتم هذا بعقد المؤتمر وحده, بل هو أحد الأدوات المهمة, في حين أن الأدوات الأخرى هي الدفاع عن مصالح الناس, كما حصل في اعتصام الرصافة, والمطالبة بحل مشكلات الناس اليومية وخاصة موضوع الكهرباء وما إلى ذلك وعدم نسيان إمكانية استخدام الإضراب والمظاهرة وأشكال الاحتجاجات الشعبية الأخرى.
أدرك أن الكتابة في هذا الموضوع تتكرر ويضيق صدر البعض بسبب الإلحاح عليه ونقد الجوانب السلبية, و خاصة ضعف وتفتت الحركة في حين أن الوقت يسير بسرعة ويصعب اللحاق بأولئك الذين يملكون النقود والدولة والتأييد الخارجي وأساليب أخرى تساعدهم في حركتهم وإشباع حاجات بعض الناس بالبطانيات أو المدافئ لضمان الصوت ونحن نقترب من فصل الشتاء, أو غير ذلك من أدوات إسكات الضمير الحي لدى الناخب.
في الحركة بركة, وفي بطئها ضرر, وفي سرعتها مع وضوح الرؤية والهدف وتجميع القوى منفعة لقوى التيار الديمقراطي والشعب وتحقيق الاستقرار والأمن في البلاد. لا زلت عند رأيي بأن الحركة بطيئة والاجتماعات لم تتوصل إلى نتائج مثمرة حتى الآن في ما بين قوى التيار الديمقراطي, وأن الجهد موجه صوب نشاط كل حزب أو جماعة لتنشيط جماعته.
ليس هناك من بديل للطائفية السياسية غير القوى الديمقراطية والعلمانية على صعيد العراق كله, طال الوقت أم قصر, ولكن كلما أمكن تقصير وقت وصول القوى الديمقراطية إلى مواقع المسؤولية والمشاركة في رسم سياسية البلاد الداخلية والخارجية, أمكن معه تقليص الآم الشعب وحل مشكلاته الراهنة وإعادة الأمن والاستقرار والسلام للبلاد بعد سيادة الموجة الطائفية المقيتة في ربوع البلاد وما صاحبها ولا يزال من إرهاب دموي مرعب..
على قوى التيار الديمقراطي, وأحسب نفسي منها, أن توطن نفسها على سماع النقد وان نتعلم جميعاً سبل ممارسة النقد الديمقراطي البناء. الديمقراطية ليست صبغة يمكن أن يتلون بها من يشاء, بل هي حضارة وممارسة يومية وثقافة حوار هادئ وموضوعي ونقد هادف, ونحن جميعاً بأمس الحاجة إلى كل ذلك.
إن النداء الذي يوجه إلى قوى التيار الديمقراطي يتفرع إلى عدة اتجاهات:
•   العمل من أجل تعزيز الصلة بالجماهير من خلال الدفاع عن مصالحها اليومية بالعمل اليومي وقيادة نضالاتها من أجل تأمين الخدمات لها وإيجاد فرص عمل للعاطلين.           
•   القبول بالآخر والتفاعل معه وإيجاد قواسم مشتركة للعمل المشترك بين جل أو أغلب قوى التيار الديمقراطي من أجل خوض الانتخابات القادمة التي تسهل مهمة الوصول إلى إستراتيجية عمل مشتركة بين القوى الديمقراطية.
•   أن يكون شعار المرحلة قووا تنظيم الحركة الوطنية يتعزز من خلاله تنظيم كل قوة من قوى التيار الديمقراطي وينمو التفاعل والانسجام في ما بينها, وهي ليست بديلاً عن شعار الرفيق فهد "قووا تنظيم حزبكم, قووا تنظيم الحركة الوطنية", ولكن المرحلة تتطلب توجهاً مشتركاً لغرض مواجهة قوى مشتركة تريد فرض تحالفات طائفية والمجيء بمجلس طائفي وحكومة طائفية.
•   توجيه النقد اللازم للسياسات التي تمارسها الحكومة في الكثير من المجالات بما في ذلك نقص الخدمات والطائفية السياسية والفساد المالي المتفشي في البلاد.
•   إن تكتيك التحالفات السياسية حول مهمات يومية تمس مصالح الفئات الاجتماعية الكادحة والمثقفة ومصالح الاقتصاد الوطني, وتكتيك خوض الانتخابات بقوى ديمقراطية مشتركة تلتقي عند تلك المهمات هو الطريق العملي والمضمون للوصول إلى إستراتيجية تحالفات سياسية طويلة الأمد, وليس العكس, إذ من الصعوبة بمكان الاتفاق على إستراتيجية طويلة الأمد من دون الخوض المشترك لتجارب نضالية يومية لتعزيز الثقة المتبادلة والوعي المتبادل بأهمية الآخر وضرورات التحالف والعمل المشترك.
•   الاستماع بأذن صاغية إلى الملاحظات النقدية التي تصل إلى قوى التيار الديمقراطية من كل من يوجه النقد بغض النظر عن مصدره والغاية منه, إذ في كل ذلك فائدة لقوى التيار الديمقراطي ويخدم مسيرتها النضالية وتحالفاتها المنشودة, كما ينبه إلى مواطن الخلل ومواطن القوة في آن وما يفترض أن يعزز أو يعالج بالتصحيح.  أتمنى أن لا يفقد البعض صبره وبصيرته حين يتعرض للنقد الصريح والشفاف والمخلص.
•   أهمية الابتعاد عن التحالف مع قوى الإسلام السياسية التي فرضت الطائفية في البلاد وكرستها في الدستور الدائم وتعمل اليوم وفق هذا النهج أيضاً, بغض النظر عن التسمية التي تتسمى بها, فهي في المحصلة النهائية واحدة.
15/9/2009                         كاظم حبيب 



572
كاظم حبيب


التردي الحضاري في السلوك الأكاديمي لجامعة تكريت وموقف الدكتور محمد صابر عبيد!

تعاني الجامعات العراقية منذ أكثر من ثلاثة عقود من تفاقم حالة التردي في المستوى المناهج الدراسية والتعليم, إضافة إلى التجاوزات الفظة على المستوى المهني للدراسات العليا. كان من النادر حقاً أن تجد كليات استطاعت أن تحافظ على مستوى معين من العلمية والدراسات الأكاديمية بسبب التدخل المباشر للدولة وأجهزتها في الشؤون الأكاديمية. وقد لعب حزب البعث العربي الاشتراكي باتجاهاته القومية الشوفينية وسياساته الطائفية ومناهضته العدوانية للفكر الآخر دوراً أساسياً في تعميق التردي الذي حصل في المستوى الأكاديمي للجامعات العراقية, بحيث غادر الكثير من الأساتذة جامعاتهم للخلاص من ذلك التدني في المستوى والتأثير الحزبي وتدخل منظمة الطلبة البعثية في الشأن العلمي وفي نتائج الامتحانات وفي فرض منح الشهادات وطبيعة ووجهة ومضمون الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه). كما كان للاستبداد والقمع والإرهاب البعثي دوره في كل ذلك.
ولم يستطع سقوط النظام العراقي تغيير هذه الحالة, إذ سقط العراق في لجة الصراع الطائفي والقتل على الهوية وقتل الأساتذة والمثقفين والكثير من بنات وأبناء العراق. وقد أصبح العراق بالنسبة للمثقفين الديمقراطيين والعلمانيين جحيماً لا يطاق. ولم ينقطع التردي الحضاري في المستويات الجامعية بعد سقوط النظام, بل تفاقم, كما يتبين ذلك من الدراسات والتقييمات الموضوعية التي أعدها باحثون عن واقع الجامعات العراقية ومستوى التعليم والمناهج ومستوى الدراسات العليا.
ورغم كل ذلك لم تجرأ جامعة عراقية في فترة حكم البعث أن ترفض البحث في حياة شاعر أو كاتب عراقي بسبب الانتماء الطائفي الذي يراد دراسة شعره أو كتاباته. وغالباً ما كان الرفض يستند إلى قضايا فكرية وسياسية.
ومن هنا جاء الاستنفار العادل الذي بدأ به الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق حين استعرض لنا ما حصل في كلية التربية في جامعة تكريت. لقد رفضت لجنة خاصة في كلية التربية طلب أحد طلاب الدراسات العليا في كتابة أطروحة دكتوراه حول الشاعر العراقي المعروف والمبدع حسب الله يحيى. ولم يأت هذا الرفض لأسباب علمية مشروعة, بل جاء صريحاً يحمل في طياته الجرح الذي لا يزال الشعب ينزف بسببه, جرح الطائفية المقيتة والعداء للفكر الآخر, للشيوعية والاشتراكية , ويحمل روح التحدي الفظ للمواطنة العراقية الحرة والمتساوية.
ليس غريباً أن يرفض موضوع معين من جانب الأستاذ المشرف على طالب الدراسات العليا لسبب علمي وعملي, ولكن الغريب حقاً أن يرفض الطلب بسبب أن الذي يراد البحث عنه وعن شعره ينتمي إلى طائفة دينية معينة وإلى فكر آخر ورأي سياسي آخر وإلى نهج آخر في الكتابة وحب الحياة؟ وتبرز الغرابة في جانبين:
الجانب الأول: كيف تسمح لجنة علمية جامعية لنفسها أن توجه أسئلة لأستاذ جامعي عبر الهاتف تستفسر منه عن الشخص المطلوب دراسة شعره من جهة, وأن الاستفسار لا يرتبط بمستواه الشعري عن هويته الفكرية والسياسية وعن هويته الدينية والمذهبية وعن اتجاهات كتاباته الشعرية.
والجانب الثاني: كيف يسمح أستاذ جامعي, وهو يحمل شهادة الدكتوراه ويدرك متطلبات مهنته الجامعية, لنفسه الإجابة عن أسئلة من هذا النوع ويقدم للجنة السائلة معلومات شخصية عن الهوية الفكرية والسياسية "شيوعي" للشاعر المطلوب دراسة شعره, وعن هويته المذهبية "شيعي", وعن وجهته في البحث حيث كتب الأستاذ محمد صابر عبيد يقول " إن شعره يمجّد الحياة واللذة الدنيوية", دون أن يشعر بالخجل من نفسه وهو يقدم للجنة مثل هذه المعلومات؟
ما كان بودي أن أخوض في هذا الموضوع بعد أن كتب فيه العديد من الأخوة الكرام بعد صدور بيان الاتحاد, ولكن التوضيح الذي نشره الدكتور محمد صابر عبيد في "موقع إيلاف أقنعني الإلكتروني" بيَّن لي بأن الرجل لم يدرك الخطأ الفادح الذي ارتكبه وهي خطيئة أكاديمية وزمالية في آن واحد, كما أنها إساءة كبيرة لروح المواطنة العراقية. يضاف إلى ذلك أن الدكتور محمد صابر عبيد لم يجرأ على تقدم الاعتذار عن ذلك الخطأ إلى زميله حسب الله يحيى ولا إلى الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق الذي يجمعهما في عضويته, ولا إلى كل الأكاديميين بسبب انتسابه لهم.
إن كل ذلك يعبر عن عدم احترام الرجل لشهادته ومهنته وللزمالة التي تجمعهما معاً, رغم الاختلاف بينهما, وأن ما طرحه في التوضيح يدخل في باب "عذره أقبح من فعله". وحين تجنب ذكر أقبح ما في إجابته حين أشار للجنة الطائفة الدينية التي ينتمي إليها ليقول للطائفيين في جامعة تكريت إنه شيعي وأنتم سنة حنفية, وليؤكد لهم أنتم صداميون وهو شيوعي مناهض لكم, وأنتم متدينون (!), وهو شاعر يكتب ويمجد الحياة واللذة الدنيوية.
إن على وزير التعليم العالي من جهة, واتحاد الجامعات في الدول العربية من جهة أخرى, أن يدرسا مدى صلاحية مثل هذه اللجنة "العلمية" في تقييم وتقويم قبول أو رفض طلبات طلبة الدراسات العليا للموضوعات المقترحة لرسائلهم العلمية, إذ أن الرفض أو القبول لا يرتبط بالمستوى العلمي للمشروع ومدى منطقيته وبنيته الداخلية, بل يستند إلى المذهب الذي ينتمي إليه والفكر الذي يحمله والوجهة التي يكتب بها الشاعر المطلوب دراسة حياته وشعره.
كما أن المطلوب من كلية التربية أن ترفض موقف اللجنة وتسمح أما بتشكيل لجنة أخرى لدراسة الطلب أو تسمح لطالب الدكتوراه الشروع بالبحث والكتابة عن الموضوع الذي اختاره لرسالة الدكتوراه, وبهذا تصحح إدارة الكلية خطأ كان المفروض أن لا يقع, كما أن المفروض أن لا يتكرر.
15/9/2009                      كاظم حبيب    
  

573
حين تتوقف ساعات بعض أو كل القوى الديمقراطية في العراق,
فإن الزمن لن يتوقف قطعاً!

تشير الأحداث الجارية في العراق إلى إمكانية توقف ساعات البعض أو كل القوى الديمقراطية والعلمانية في العراق, حينها يتصور هذا البعض أو الكل بأن الوقت قد توقف أيضاً, في حين يقول الواقع غير ذلك, إذ أن الوقت لم ولن يتوقف بتوقف تلك الساعات قطعاً. فهل القوى السياسية التي نتحدث عنها ويهمنا أمرها أدركت هذه الحقيقة البسيطة  وهضمت مضمونها وأبعادها. وقال العرب قديماً وأمنوا بحكمة لم ولا يعملون بها حتى الآن: إن الوقت كالسيف إن لم تقطعه يقطعك! وها نحن نعيش هذه الحكمة بكل أبعادها. ومن هنا جاءت الحكمة الصادقة التي أوردتها في مقالي السابق والقائلة بأن من يأتي متأخراً تعاقبه الحياة! فكيف تتعامل قوى التيار الديمقراطي مع هذه الحكم المجربة؟
تؤكد المعطيات المتوفرة لدَّي أن القوى الديمقراطية العراقية لا تزال متأخرة وبطيئة في حركتها صوب الحوار, ولا تزال منشغلة بمتابعة تحالفات الآخرين من التيارات الأخرى وتحليلها وتحليل المواقف وتكوين رؤية أولية عنها, ولكنها لا ترى أن الوقت يمر سريعاً جداً ولا تسعى بالصيغة المطلوبة لمتابعة أوضاعها وتحليل أسباب تخلفها عن تحقيق التحالف الضروري. فهي لا تدرس من المسؤول عن إعاقة التحالف وكيف يفترض تذليل الصعاب التي تعترض طريق الوصول إلى تحقيق وحدة الموقف من عملية الانتخابات القادمة في ظل غياب قانون ديمقراطي سليم للانتخابات وفي ظل تحالفات طائفية خانقة وذات عواقب وخيمة على البلاد ومستقبله وسيادة شعبه والالتزام بإرادته الحرة.
نحن أمام وقائع ومواقف للقوى الديمقراطي غير مفهومة ويصعب هضمها دع عنك القبول بها. فالوضع الذي تعيش في ظله القوى الديمقراطية معقد ومتشعب حقاً, وزاد السياسيون العراقيون وأجهزة الدولة الأمنية من هذا التعقيد بسبب فجائع الأربعاء الدامية والمريرة والتصريحات المتناقضة الصادرة عن المنفذين الفعليين للعمليات الإجرامية وعن من يقف وراءها, وهل فيها كشف عن البعض والتغطية عن البعض الآخر من الدول والقوى؟
إليكم نموذجاً جديداً للتفكك في التيار الديمقراطي: لم تكتف شخصيات وطنية ومثقفة ورجال أعمال بوجود حزبين يمثلان الحزب الوطني الديمقراطي السابق, بل أسست جماعة جديدة حركة جديدة باسم "الأهالي اليوم", وهي حركة تريدي تذكيرنا بجماعة  الأهالي التي نشأت في النصف الأول من ثلاثينيات القرن الماضي. وأن بعض مؤسسيها من قدامى المناضلين في الحزب الوطني الديمقراطي الذي كان يقوده كامل الجادرجي وبعضهم جديد أعلنوا عن برنامجهم الذي يحتاج إلى مناقشة, إذ أن فيه ما ينطبق عليه المثل القائل خطوة إلى الأمام, خطوتان إلى الوراء بشأن بعض أهم القضايا العقدية في العراق, ومنها الموقف من القضية الكردية ورفضها للفيدرالية, كما يبدو من البرنامج ودعوتها للامركزية. وفي هذه التشكيلة الجديدة مجموعة من المثقفين من رجال الأعمال والمثقفين الذين ينتمون إلى الطبقة الوسطى في المجتمع, ولكنهم لم يجدوا حزباً يمثلهم ويحركهم فأسسوا جماعة جديدة هي جماعة "الأهالي اليوم". وسنجد خلال الفترة القادمة نشوء جماعات أخرى على هذه الشاكلة.
فهل هذا التشكيل الجديد والتشكيلات الأخرى المتفرقة والمشتتة حقاً قادرة على إحراز نجاحات مهمة في الانتخابات العامة القادمة والحصول على عدد من المقاعد قادرة في أن تشكل قوة يعتد بها في رسم السياسة العراقية وقادرة على مواجهة البرامج التي تتبناها بعض القوى الحاكمة ومنها القوى الطائفية السياسية؟ كل الدلائل تؤكد, ومع كل الاحترام للأخت والأخوة المؤسسين لجماعة أهالي اليوم, فأن هذا لا يصب في خانة تعبئة القوى وتجميعها ودفعها للعمل لصالح انتصار الديمقراطية في العراق. ليست لي مواقف ضدهم ولي معرفة طيبة ببعضهم وأبارك لهم عملهم, ولكن هذا لا يخدم وحدة القوى, بل يزيد من مصاعب توحيدها وعملها المشترك.
لا زلت اعتقد بأن النزول عن البغلة والاتفاق على عقد مؤتمر عام للقوى الديمقراطية, ومنها العلمانية واللبرالية واليسارية, ودعوة الجميع لهذا المؤتمر ومناقشة نقطة واحدة مركزية: هل يمكن تحقيق النجاح للقوى الديمقراطية بهذه البعثرة للقوى والقوائم المنفردة والتنظيمات المتنافسة وفق أسس ضعيفة. أم يفترض أن نختار طريقاً آخر يساعدنا على الوحدة والاتفاق والتكامل لخوض الانتخابات القادمة.
هناك جماعة "مدنيون" التي تضم ثلاثة أحزاب سياسية, وهناك الائتلاف الديمقراطي العراقي بالجماعات السبع الذي تم تشكله أخيراً, وهناك لجنة التنسيق التي تحتضن عدد أكبر من القوى السياسية, وبضمنهم "مدنيون" إلى جانب بعض ابرز الأحزاب الكردستانية, ومنها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني, وهناك الثلاثي الذي ترك القائمة العراقية خلفه ويسعى إلى إيجاد موقع له للعمل مع الآخرين لصالح الديمقراطية وضد الطائفية, وهناك الشخصيات الأخرى التي يمكن أن تلتقي بمثل هكذا تجمع لتناقش سوية الموضوع المركزي: كيف يمكن الوصول إلى تعاون مشترك وفق أهداف تعتبر قواسم مشتركة للقوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية في المرحلة الراهنة.       
في هذا المؤتمر سيظهر بجلاء من الذي يريد أن يعبئ القوى ويسعى إلى تجميعها وزجها ككتلة واحدة لخوض الانتخابات القادمة وما بعدها من جهة, كما يمكن أن يكشف عن المواقف المخالفة من جهة أخرى.
أتمنى أن ننتبه إلى حركة الزمن وأن لا نقيس ذلك على ضوء ساعات أحبتنا التي توقفت عن الحركة لأي سبب كان.                       9/9/2009            كاظم حبيب       

574
رسالة مفتوحة إلى من يهمه الأمر في قوى التيار الديمقراطي العراقي!

علمتنا عقود النضال الصعبة وتاريخ نضال الشعوب دروساً ثمينة منها على سبيل المثال لا الحصر: إن من يأتي متأخراً تعاقبه الحياة, وكان فهد يؤكد دوماً ينبغي أن لا نضيع الفرص بانتظار الفرص. وكثيراً ما عوقبت القوى الديمقراطية العراقية, ومنها الحزب الشيوعي العراقي, خلال الفترات المنصرمة لأنها أدركت متأخرة ما كان عليها أن تدركه قبل ذاك وتعالجه بجرأة مسؤولية.
ومنذ سقوط الدكتاتورية تحرك الجميع ولكن بتعجيل متباين. وكانت حركة القوى الديمقراطية العراقية, وخاصة العربية منها, بطيئة جداً إلى حد اللعنة, كما أن تحركها كان باتجاهات مختلفة ومتصارعة ومتنافسة ومتخندقة أيضاً بدلاً من أن تسير باتجاه متقارب أو متماثل وتتعاون في ما بينها وفق أسس جديدة وعلى  قواسم مشتركة. في حين سارت القوى الإسلامية السياسية باتجاه طائفي, رغم الاختلاف في ما بين طائفية شيعية وسنية, ورغم التباين في مستوى سلفيتها وتطرفها ومدى ممارستها للسياسة الطائفية والتمييز إزاء الديانات والمذاهب الدينية العديدة الأخرى.
تشكلت تحالفات عديدة في ما بين تلك القوى وحققت نتائج مهمة, في حين عجزت القوى الديمقراطية والعلمانية, وخاصة العربية, في الوصول إلى تحالف متين ومتماسك يخوض الانتخابات العديدة بقائمة واحدة على صعيد البلاد كلها. ما السر في ذلك؟ ليس هناك من سر غير معروف, بل أصبح الأمر معروفاً للجميع. فالكل يريد أن يترأس, أن يقود, أن يكون في المقدمة, أن يكون ممثلاً في المجلس, وليس هناك من يقبل أن يكون الثاني, فكل واحد منهم يريد أن يكون الأول حتى لو جاء ذلك على حساب خسارة الجميع. إنها الكرامة التي يحس أنها تجرح حين يكون الثاني, إنها الهيبة الزائفة (البرستيج) التي يفتش عنها  البعض, وهي التي لن تقود إلا إلى نتائج سلبية وتداعيات في الموقف ومزيد من التفكك.
لو توفر التواضع والوقوف على أرض الواقع وعدم التحليق في السموات العليا لدى أطراف وقيادات القوى الديمقراطية, لو أدرك كل واحد منهم, إنه وبهذا التفكير يعد ضمن الخاسرين, ويساهم في خسارة الجميع, لتغير ربما الموقف وتحقق ما يفترض أن يحصل منذ عدة سنوات.
الأيام تمر متسارعة, ولا نزال نفكر بعقلية متأخرة جداً عن الزمن الجاري بسرعة والفرص تمر من بين أيدينا كما يمر الماء دون أن نحس بتغيره وتغير  تدفقات جريانه. لا أتحدث هنا عن هوى وبدون حقائق, بل هي الحقيقة بعينها رغم نسبيتها.
بالأمس صرح سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي الأستاذ حميد مجيد موسى داعياً إلى إعادة تشكيل التحالف الذي نشأ قبل سقوط النظام, رغم أن الحزب الشيوعي وحزب الدعوة لم يكونا ضمن التحالف الذي ارتضى إسقاط النظام عبر الحرب ورفضا الحرب , وبالتالي أبعدا عن المشاركة في التحالفات التي كانت قائمة في أعقاب سقوط النظام لولا إصرار البعض (القوى الكردستانية), إذ عندها أمكن دخولهم في مجلس الحكم الانتقالي والعملية السياسية.
من المحزن حقاً أن الأستاذ حميد مجيد موسى لم يلاحظ كم هو متأخر في طرح هذا المقترح غير الواقعي الداعي إلى العودة وإقامة التحالف القديم من قوى ساهمت بالأساس بتكريس الطائفية وتعميق الاصطفاف الطائفي السياسي في العراق, كما أنها قامت الآن بمبادرة بائسة بتشكيل تحالفها الجديد على وفق الأسس الطائفية نفسها التي تشكل في ضوئها البيت الشيعي قبل انتخابات العام 2005 وبمبادرة من الدكتور أحمد الجلي, وكانت إيران هي العرابة الفعلية لذلك التحالف الشيعي., وهي اليوم عرابة التحالف الطائفي الشيعي الجديد, الذي يمكن ان يدفع غلى تحالف طائفي سني بالمقابل,
وبدلاً من أن يوجه الأستاذ حميد مجيد موسى همه وكل طاقة حزبه صوب العمل من أجل قيام تحالف بين قوى التيار الديمقراطي, وبدلاً من أن يوقف التداعي الجاري في قوى التيار الديمقراطي والتحاق البعض منها بقوى طائفية مقيتة, يدعو إلى العودة لما يمكن العودة إليه, إذ فات أوانه منذ سنوات ونشأت ظروف جديدة وكرست مواقع ومصالح جديدة غير تلك التي سادت في أعوام 2002 و2003. وعلى الماشي يطرح موضوع الاهتمام ومتابعة ائتلاف القوى الديمقراطية!
كم كان الأجدر بالأخ جاسم الحلفي (حشع) والأخ د. صباح عقراوي (حدك) وهما يجتمعان مع بقية أعضاء لجنة التنسيق أن يفكرا في أسباب تفتت القوى  الديمقراطية والتحاق البعض بالائتلاف الوطني العراقي بدلاً من توجيه الدكتور صباح عقراوي اللوم والتوبيخ للحزب الشيوعي العراقي, الذي بلغ عمره 70 عاماً ولم يستطع ان يكتشف أن شخصاً من أعضاء التنسيق يغادر الموقع ليحط في الائتلاف الوطني العراقي, وكأن حزبه غير مسؤول عن هذه الظاهرة وعن عدم نهوض تحالف ديمقراطي واسع في العراق والاقتصار على تحالف القوى الكردستانية, التحالف الذي تفتت في الآونة الأخيرة أيضاً.
كم كان حرياً بممثلي الحزبين العمل الجاد ضمن لجنة التنسيق وخارجها لتجميع كل القوى الديمقراطية وبكل تواضع ومسؤولية من أجل البحث في سبل توحيد القوى قبل أن يتواصل ويستفحل التسرب والتداعي, خاصة وأن الحزب الديمقراطي الكردستاني هو لا يزال حليف المجلس الإسلامي الأعلى الذي يشكل العمود الفقري في الائتلاف الوطني العراقي وباسمه الجديد.
إن الحضور الشكلي لممثلي الأحزاب السياسية في لجنة التنسيق لم ولن ينجز شيئاً وعلى  القوى المنظمة, وهي القوى الكردستانية, أن تبذل جهداً أكبر لتحقيق تحالف ديمقراطي عراقي واسع سيحقق الكثير من النتائج الطيبة في الانتخابات القادمة بدلاً من الركض وراء التحالف مع القوائم الطائفية السياسية أو الانتظار لفرج لن يأتي.
كم أتمنى على  اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي أن تبادر إلى طرح أفكار جديدة للتحالف, بعد أن انتهت عطلة البرلمان وعاد القادة إلى عملهم, في ما بين القوى الديمقراطية بدلاً من الانتظار الذي لن يجلب لهم ولبقية القوى غير المزيد من خسارة الوقت والتعبئة للانتخابات بالتعاون مع بقية القوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية.
ليست الغاية الدخول في البرلمان فحسب, بل الغاية أيضاً تحريك وتعبئة الفئات الاجتماعية للدفاع عن مصالحها, لتنظيم الإضرابات والمظاهرات والاحتجاجات ضد الأوضاع السيئة التي تعاني منها الفئات الكادحة وفئات البرجوازية الصغيرة والكثير من المثقفين وغيرهم, من أجل كسبها إلى جانب برنامج وطني وديمقراطي يعالج مشكلاتها اليومية ويحقق لها مصالحها أولاً وقبل كل شيء. من أجل التصدي للإرهاب وتخليص أجهزة الدولة من القوى المندسة ومن الفساد المالي والوظيفي ومن البطالة والفاقة المتفشية في الأوساط الشعبية, من أجل العناية بالعلاقات العربية والإقليمية والدولية والاستناد إلى أسس سليمة ومعلومات دقيقة عند طرح الاتهامات ومعالجتها الجادة مع المؤسسات الدولية ومنها مجلس الأمن الدولي والجامعة العربية..
7/9/2009                   كاظم حبيب             


575
مهرجان الحزن والفرح المتشابك,
مهرجان الحب والحنين والحياة في برلين
 
التقت في برلين على مدى أربعة أيام مجموعة كبيرة من مثقفات ومثقفي العراق, من أدباء في الشعر والقصة والرواية, ,من كتاب وصحفيين ومبدعي الغناء والموسيقى والمسرح والفن التشكيلي, التقت هذه النخبة المبدعة قادمة من دول أوروبية عديدة لتساهم بحيوية ومسؤولية عالية في المهرجان الخامس لنادي الرافدين الثقافي العراقي وتمارس دورها وتواصل نشاطها في التفاعل المتبادل بين هذه الجمهرة مع الحضور البرليني وتنعش الحياة الثقافية للعراقيات والعراقيين في المهجر الألماني وتساهم في مزيد من شدّْ الإنسان العراقي بوطنه الحبيب, بالعراق الذي لا يزال ينزف دماً ويسقي أرضه العطشى بدموعه.
كان المهرجان مناسبة للقاء الأحبة والتعارف وتجديد الصداقات وخوض الحوارات الفكرية, بحماسة العراقيات والعراقيين المعهودة, في تلك القضايا التي تشغل بال كل عراقية وعراقي في الوطن الجريح وفي الخارج, إضافة إلى التمتع بالجديد من الشعر والموسيقى والغناء والمسرح واللوحات الجميلة لمجموعة من مبدعي الفن التشكيلي.
كانت الأيام الأربعة مليئة بالحيوية والفاعلية تبدأ قبل الظهر بقليل لتنتهي مساءً ثم تتواصل في مكان سكن الضيوف حيث تتواصل السهرة حتى بعد منتصف الليل بساعات. وهي الساعات الحرة التي تنطلق الحناجر بالأغاني المحببة من كل ركن من أركان القاعة  والأحاديث الشيقة.
يصعب الإلمام بكل ما قدم في هذه الأيام الأربعة. فالشعر الحديث والشعر الشعبي كان له النصيب الأوفر من الوقت, فالعراق بلد الشعر بالدرجة الأولى وبلد الفن التشكيلي أيضاً, فهما على مستوى واحد من حيث الأهمية والاهتمام وغنى العراق بهما. الشعر الذي قدم من شاعرة مبدعة وشعراء مبدعين أبكوا الحضور حقاً بما تجلى في تلك القصائد من لوحات عشق "جنوني" بالوطن والأهل ومرابع الطفولة, فالوطن أم والغربة زوجة الأب! وزاد الحنين ألماً هي الخشية الدائمة على حياة الناس والأهل والأحبة في الوطن الذي ما زال المجرمون فيه ومن حوله يقتلون الإنسان زرافات ووحدانا!
والحديث عن أدب وكتابات الغربة كان مفعماً بالتعبير عن واقع المهاجرين والمنفيين ورغبتهم في الاحتفاظ بتلك العلاقة المتينة بالوطن وقضاياه ومشكلاته الذي كان موضع حوار مع الكاتبة والقاصة والصحفية التي قدمت المادة.
والحديث عن الحزن في الأغنية العراقية احتل موقعه المناسب, إذ أن الحزن بلف المجتمع العراقي منذ قرون غير قليلة, وأفراحه السعيدة نادرة وتعد على أصابع اليد الواحدة. والبحث المقارن بين الفكر الواحد والرؤية الواحدة ورفض الأخر والسعي لاستئصاله من جهة, والتعدد الفكري والثقافي وتنوعهما والقبول بالرأي الآخر والآخر واحترامهما من جهة ثانية, كان مثار حوار شديد السخونة ولكنه بالحدود المعقولة, وكان نقد الفكر الديني ونقد الفكر العلماني الداعيين إلى الوحدانية أو الرؤية الواحدة مكانه المناسب في حوار المحاضرين والحضور. فالرؤية الواحدة التسلطية تخلق الجحيم والتعدد والتنوع تخلق النعيم والانفتاح والإبداع, إنها حصيلة النقاش العقلاني الذي شهدته قاعة المهرجان.
وكان للمسرح المتجدد والحداثي حضوره الجميل أيضاً وحاز ارتياح الحضور.
وكان للسيدين المحاضرين عن أدب الراحل الطيب صالح حضور كبير في المهرجان لعمق ما قدماه لنا من تحليل علمي دقيق وواضح لأدب هذا الكاتب السوداني الكبير الذي ترك أثره الواضح لا على أدب السودان فحسب, بل والأدب العربي الحديث. فكان الحديث عن روايته "موسم الهجرة إلى الشمال" وعن "الطيب الصالح في عيون الألمان".
كما أبدع المحاضر عن أدب وشعر الشاعر الألماني الفذ والراحل هاينرش هاينه في عرض جميل عن حياته وشعره, وكان للموضوع موقعه المناسب في المهرجان بالنسبة للبلد الذي يعتبر الوطن الثاني الذي وفر الأمن واستقرار للمنفيين والمهاجرين من العراق.     
وكانت واحدة من أجمل اللحظات حين قدمت دراسة قيمة ومتنوعة عن الفنان العراقي الكبير محمود صبري, ثم كرم هذا الفنان المبدع وابن الشعب والباحث الأكاديمي في الفن العراقي وصاحب نظرية الكم في الفن بهدية جميلة, (نحت), قدمها نادي الرافدين الثقافي العراقي للفنان محمود صبري, وهي من عمل الفنان المبدع الأستاذ الدكتور سلمان داود عنان والتي قدمها الفنان عنان هدية مجانية منه للنادي لتقدم باسم النادي إلى محمود صبري وبناء على طلب النادي.     
واتفق المشاركون في المهرجان على تأكيد تنفيذ مشروع الجائزة السنوية التقديرية لأحد مبدعي الفن والأدباء والكتاب والعلماء من عراقيات وعراقيين في المهجر, يتم التبرع بقيمتها من مثقفات ومثقفي المهجر أو من الداخل.
ولأول مرة شارك في هذا المهرجان شاعر عراقي هو وكيل وزارة الثقافة في العراق ساعياً إلى التعبير عن وجه مشرق للوزارة, وكان يدرك بأن الحضور يعرفون وجهها الآخر الذي لا زال فاعلاً ومؤثراً بشكل سلبي في حياة المجتمع.
وكانت التفاتة جميلة أن تحضر واحدة من ابرز المتخصصات المهتمات بالآثار العراقية لتقدم محاضرة عن وضع الآثار في العراق في العقود الأربعة  المنصرمة والوقت الحاضر. وكانت السيدة رائعة في حبها للآثار العراقية ودفاعها عن التراث ورغبتها في حمايته وصيانته من السرقة أو التدمير الذي يلحق بالمناطق الأثرية من جراء الاعتداء عليها وسرقة بعضها وتدمير كمية أكبر. ولأول مرة شارك في هذا المهرجان شاعر عراقي هو وكيل وزارة الثقافة في العراق ساعياً إلى التعبير عن وجه مشرق للوزارة, وكان يدرك بأن الحضور يعرفون وجهها الآخر الذي لا زال فاعلاً ومؤثراً بشكل سلبي في حياة المجتمع. (ملاحظة لا بد منها: لقد ارتكبت السيدة هناء الجبوري, مديرة العلاقات والإعلام في مكتب الوكيل فوزي الأتروشي, خطأ حين أشارت في بيانها الأول عن وفاة الشاعر العراقي الرائع والكاتب المتميز الدكتور حميد خاقاني, في حين كانت تقصد خسارتنا بالشاعر والكاتب أنور الغساني, ولم تصدر السيدة هناء حتى الآن تصحيحاً لهذا الخطأ. نتمنى لصديقنا العزيز الخاقاني طول العمر والصحة والإبداع).
الأشياء الجميلة في هذا المهرجان هو ذلك الجهد الكبير والمنتج الذي قدمته اللجنة التحضيرية للمهرجان  رئيساً وأعضاءً, رغم قلة عدد أعضائها, وبدعم مباشر من الهيئة الإدارية للنادي رئيساً وأعضاءً. ويعرف الجميع أن مثل هذا العمل التطوعي لا يحظى باستمرار بالتقبل الحسن فحسب, بل وبالنقد أيضاً, وكلاهما ضروري لتطوير العمل وتنشيطه. ولكن مع ذلك فهم مقتنعون بأن مثل هذه المهرجانات العراقية البرلينية ضرورية لهم ولكل من يحضر أو يسمع به وبما يحصل فيه. لقد كان هنا جنود مجهولون مارسوا العمل بحيوية, إضافة غلى أعضاء اللجنة التحضيرية ومنهم أولئك الذين كانوا مسؤولين عن المطبخ وتهيئة الطعام للضيوف وبوجه بشوش ومشرق دوماً.
لقد نجح المهرجان في ما كان يسعى إليه, وكان نجاحاً كبيراً جسد خبرة المهرجانات المنصرمة وعبر عن الاستفادة منها في هذا المهرجان. وتجلى هذا النجاح في ما كتب عن المهرجان من كاتبة وعدد من الكتاب الذين شاركوا في المهرجان. إن الجوانب المشرقة قد ذكرت بشكل طيب, وعليَّ الآن أن أتناول ما أراه ضرورياً للمهرجانات القادمة:
1.   رغم التنظيم الجيد في هذا العام فأن اليوم الأول تميز بخلل تنظيمي كبير أثار نقد الحضور, ومنهم الضيوف الألمان, أذ يبدو أننا تعودنا على ضعف التنظيم.
2.   لقد تحملت اللجنة التحضيرية أولاً, والهيئة الإدارية ثانياً, وبعض الأعضاء القلة ثالثاً, مهمات العمل. كم كان ضرورياً أن يساهم عدد أكبر من أعضاء النادي في التهيئة والتحضير أو في تحمل مسؤوليات معينة أثناء سير المهرجان.           
3.   زج في المهرجان عدد كبير من الموضوعات بحيث لم يتسن للحضور الخوض في نقاشات وبد الأمر وكأننا نستمع إلى محاضرة لا غير وليس إلى حوار متبادل. وقد برز هذا في أغلب الندوات التي عقدت, وهي خسارة كبيرة للمحاضرين وللحضور في آن. وكانت هذه الحالة موضع نقد من أغلب المشاركين.
4.   خلا المهرجان من شعر وثقافة القومية الثانية في العراق, القومية الكردية, في حين أن اسم المهرجان هو الثقافة العراقية. ولهذا أرى مناسباً أن يخصص يوم كامل في المهرجانات القادمة للثقافة الكردية. ومفيد أن نهتم بالثقافات الأخرى أيضاً.
5.   جرت دعوة عدد كبير من الشعراء ليساهموا في إلقاء الشعر. وقد أبدعوا حقاً. ولكن الخلل, كما أرى, يكمن في كون أغلب الشعراء المدعوين جاءوا من الجنوب, وبالتحديد من الناصرية. ورغم صداقتي للجميع ورغبتي في رؤيتهم والاستماع لشعرهم, إلا أن العراق مليء بالشعراء وكان المفروض أن ندعو شعراء آخرين من محافظات أخرى يعيشون في المهجر أيضاً.
6.   أقترح أن يخصص نصف نهار مثلاً لأكثر من ندوة تقدم من كاتب وشاعر أو جهة ألمانية ليكون مجالاً للتماس الثقافي مع الألمان, إذ أن في ذلك فوائد عديدة للمثقفات والمثقفين العراقيين والألمان في آن واحد مع تهيئة الترجمة العربية, كما حصل هذا العام,
لقد برهن نادي الرافدين الثقافي العراقي خلال الفترة المنصرمة على عدة مسائل جوهرية, وأبرزها ما يلي:
** إنه بيت كل العراقيين من جميع القوميات والأديان والمذاهب الموجودة في العراق ومن كافة الاتجاهات الفكرية والسياسية. فهو منظمة مجتمع مدني ديمقراطية مستقلة وواعية لمهماتها ورؤيتها العلمانية للوطن والمواطن.
** إنه البيت الثقافي الفعلي الذي تهمه الثقافة والحياة الثقافية العراقية في المهجر, كما تهمه عملية التفاعل والتواصل بين المثقفات والمثقفين العراقيين في المهجر ومع الداخل.
** عن تضامن فعلي بين أعضاء النادي لدعم الهيئة الإدارية أو اللجنة التحضيرية عند الضرورة وحل كل المشكلات التي يمكن أن تحصل بين أعضاء بالود والتفاعل, إذ لا يمكن أن تخلوا التجمعات الثقافية من مشكلات بأي حال.
** كما يهم هذا البيت أن يحتضن القادمين الجدد من العراق ممن أجبر على المغادرة ليكون بيته الجديد حيث يجد فيه المساعدة والدفء والود العراقي.
ملاحظة: أرفق ملحقاً مع هذه المقالة يتضمن برنامج المهرجان ليتسنى للقراء الاطلاع على ما قدم ومن شارك في تقديم فقرات البرنامج. 

5/9/2009                   كاظم حبيب
الملحق

 
عمل الفنان فيصل لعيبي
اليوم الأول الخميس : 20 / 8 / 2009

قاعة المسرح - الطابق الثاني

الوقـت

الفعالية

12:00- 13:30 ألافتتاح
مقطوعات موسيقية يقدمها الفنان سيف كرومي
1ـ كلمة الهيئة الادارية للنادي : ناصر السماوي رئيس الهيئة الادارية
2 – كلمة اللجنة التحضيرية : لطيف لحبيب ، رئيس اللجنة التحضيرية
3ـ كلمات الضيوف
14.00-13.30 عرض فلم الاخضر بن يوسف اخراج جودي الكناني / باسل علي عمران
15.30 – 14.30 فترة الغداء في مكان الفعاليات
17.30-16.00
محور ثقافة الطفل العراقي
1- عرض فلم حي ابن يقظان للفنان ثامر الزيدي
2- حوار حول تكوينات ثقافة الطفل العراقي يشترك فيه الفنانون:
ثامر الزيدي , منصور البكري
18.00-20.00 أمسية شعرية للشاعر سعدي يوسف
تقديم : د. حميد الخاقاني
مرافقة على الة الجلو

اليوم الثاني : الجمعة 21/ 8/ 2009

قاعة المحاضرات - الطابق الثاني
12.30- 11.00
افتتاح المعرض التشكيلي : يسـاهم فيه الفنانات والفنانون :
داود سلمان , صلاح جياد ,على فنجان , قاسم الساعدي, منصور البكري , يونس العزاوي ,رياض البزاز , عدنان شينو , ,احمد الشرع، فهمي بالاي , صفاء حسين, ابراهيم الجزائري ,, احمد امير , ايمان على خالد , حسين الشنون, منير احمد , نسرين شابا, حسين هاتف جاسم
14.00-13.00 محاضرة بعنوان : الادب في المنفى
تقديم : الدكتورة سالمة صالح
15.30-14.30

فترة الغداء في مكان الفعاليات

17.30-16.00 نافذة على الثقافة العربية
محاضرة عن الكاتب السوداني الراحل الطيب صالح
عرض : الدكتور صلاح نيازي
تقديم: الدكتور حامد فضل الله
21.00- 18.30

ندوة : الثقافة العراقية بين نعيم التنوع او جحيم النظرة الاحادية
يشترك فيها:
د. صادق اطيمش د. حسين كركوش د. هاتف جنابي. د.حميد الخاقاني،
يدير الندوة ويشارك فيها د. كاظم حبيب

العشـاء في مكان الاقامة

تقيم مكتبة الطعان معرضاً للكتب في الطابق الثاني- في الرواق المؤدي لقاعة المحاضرات – حيث ستعرض إصدارات جديدة .



اليوم الثالث : السبت 22/8/2009
قاعة المحاضرات - الطابق الثاني

14.00 – 12.00 محاضرة بعنوان : حضارة وادي الرافدين بين الماضي والحاضر
عرض : الأستاذة ماركريت فان أس باللغة الألمانية
تقديم : د. بارق شبر
15.30- 14.30
فترة الغداء في مكان الفعاليات

17.30 -16.00 محاضرة بعنوان:
هاينريش هاينة شاعرالرومانسية الساخرة ورائد القصيدة السياسية الألمانية
تقديم : الأستاذ ماجد الخطيب ، د.ممتاز كريدي
20 .00- 18.30 واحة الرافدين الشـعريــة :
تقديم ومساهمة الشعراء

عدنان محسن , هاشم شفيق , جمال جمعة , محمد الجاسم، بلقيس حسن

15 دقيقة استراحة
20:15-21:00 الشعرالشعبي
كامل الركابي ، سامي عبد المنعم
تقديم : طه رشيد
العشـاء في مكان الاقامة

اليوم الرابع : الاحد 23- 8 -2009
قاعة المسرح - الطابق الثاني

13.30- 12.00 عرض مسرحية : اشتعال .. أنطفاء
نص وتمثيل الفنان صالح حسن فارس اخراج : كيتا هاخام
15.30- 14.30
فترة الغداء في مكان الفعاليات

17.30-16.00 محور الحزن في الاغنية العراقية
يشترك فيه الفنان طالب غالي والاستاذ الشاعر داوود امين
19.30- 18.00 حفل تكريم الفنان محمود صبري
تقديم الفنان فيصل لعيبي
1- عرض فيلم (عكس الضوء) للفنان قتيبة الجنابي.
2- محمود صبري .. طليعي الوعي الفني وآخر الأعمدة الحية, ما يتكشّف عنه الأثر الريادي للتجربة الفنية بشقيه ؛ الزمني والإبداعي
للناقد كفاح الحبيب
كلمة ختام المهرجان الكلمة الختامية للمهرجان يليقها الزميل ناصر خزعل مدير ادارة المهرجان

24.00-20.00
الحفل الفني الساهر يشترك فيه :
الفنان طالب غالي
الفنان لطيف الدبو
الفنان سيف كرومي
الفنان مروان كرجوسلي
فرقة Elandarab : الفنان الامين بلال والفنانة حنان شموتي

إيضاحات حول الاشتراك في مهرجان ايام الرافدين الثقافية العراقية 2009

1- يتحمل المشارك الضيف في فعاليات المهرجان بطاقة سفره ذهابا وايابا ويتحمل المهرجان تكاليف اقامته في برلين ( السكن ووجبات الطعام) .
2- يتحمل الضيف غير المشارك في فعاليات المهرجان بطاقة سفره ذهابا وايابا ويدفع مبلغ قدره 100€ عن تكاليف اقامته في برلين في مقر إقامة المشاركين الضيوف المهرجان ( السكن ووجبات الطعام).

استقبال المشاركين سيكون في يوم الاربعاء 19/8/ 2009 ، من الساعة العاشرة صباحا وحتى الساعة السابعة مسـاءً ، وذلك في مقر النادي الكائن في : Weser Str.21/22 Berlin 12045
طريقة الوصول :
قطار الأنفاق : رقم U8 من الكسندر بلاتس اتجاه هيرمان شتراسة Hermann Straße

محطة النزول : هيرمان بلاتس Hermann platz


للإنصــــال : تليفون النادي : 004930- 29 006689
فاكس : 00493060031252

Mobil: 017662278345 ناصر السماوي رئيس الهيئة الادارية :
Mobil: 017649245575 لطيف الحبيب رئيس اللجنة التحضيرية للمهرجان :
E-Mail : irakkulturtage5@gmail.com

عنوان مقر السكن وطريقة الوصول

Jugend Begegnungsstätte
Tunnel Str. 12
10245 Berlin
من المحطة الرئسية لمدينة برلين الكسندر بلاتس
القطار السريع S5 اتجاه Strausberg
النزول في محطة Warschaur Str ثم الصعود في الباص رقم 347 اتجاه
Stralau/Tunnel Str. ، النزول في المحطة الاخيرة عند مقر السكن

مع تحيات:
الهيئة الإدارية لنادي الرافدين الثقافي العراقي و اللجنة التحضيرية للمهرجان الخامس

576
ماذا يجري في صفوف القوى الديمقراطية العراقية ؟
أتطرق في هذه المقلة إلى بعض الظواهر السلبية في صفوف الحركة الديمقراطية, واستميح العذر إن بدا في بعض ما يرد في هذا المقال تجاوزا على البعض فليست هي رغبتي هذه بل حرصاً على ما اعتبره ضرورة ذكره لجلب الانتباه إليه:
أولاً: إن ما يجري في صفوف القوى الديمقراطية العراقية يعبر عن فوضى وعجز واغتراب فعلي عن فئات الشعب الواسعة وضعف أمام الواقع القائم, فهي ليست قوى مبعثرة فحسب, بل أصبح البعض منها أو بعض أفرادها لقمة سائغة للقوى الإسلامية السياسية التي تريد ابتلاعها بصيغ مختلفة ومن ثم الإجهاز عليها بطريقة أخرى غير الطرق المقترنة بالعنف, بل عبر الاحتواء. وهكذا ينسلت البعض ليلتحق بقائمة دينية مذهبية معروفة كانت وستبقى تمارس سياسة طائفية تساهم في تعميق الاصطفاف المذهبي والصراع الطائفي في البلاد بالذريعة التالية: باعتباري ديمقراطياً استطيع, حين التحق بهذه القائمة الطائفية أو تلك أن احتل موقع معمم لا خير فيه أو يلحق ضرراً بالمجتمع. أو يقول لنا: لكي أؤثر بقدراتي الفكرية والسياسية بالبنية الفكرية والممارسات السياسية للقوى الإسلامية السياسية, أو يقول: إن من الأفضل لي أن أحتل كديمقراطي الموقع في المجلس النيابي بدلاً من أن يبقى أجتر مواقفي مع بقية القوى الديمقراطية دون الوصول إلى نتيجة منطقية معها. أي أنه لم يعد يرى مفيداً بذل الجهد الحقيقي لتوحيد صفوف القوى الديمقراطية!
وهكذا ينسلخ من جسد القوى الديمقراطية البعض الديمقراطي ليقع في أحضان قوى الإسلام السياسية ويعتقد بأنه قادر على تغييرها. وربما ستلتحق هذه الكتلة أو ذاك الحزب بهذا الائتلاف المذهبي أو ذاك بذات الذريعة مضحياً بكل تاريخه السياسي العلماني ويفقد الموقع الذي بناه طيلة عقود أو سنين غير قليلة.
إن من السذاجة القاتلة أن يتصور البعض بأن في مقدوره تغيير بنية قوى الإسلام السياسية وهي مبنية من حيث المبدأ على أسس مذهبية ووفق قواعد طائفية تريد انتزاع حقوق هذه الطائفة من طائفة أخرى في الإسلام. إنه ألعمي السياسي بعينه إذا حصل مثل هذا الالتحاق, إذ لا يراد منه سوى نشر الغشاوة على عيون الناس لتمرير مثل هذه التحالفات البائسة.
ثانياً: إن ضعف الأحزاب الديمقراطية كان ولا يزال يقود وفي غالب الأحيان إلى سياسات ذيلية وإلى عجز عن التحرك لإعادة بناء القدرات الذاتية, وبالتالي وبدلاً من بذل جهود أكبر لتغيير الأوضاع داخل الحزب ومع الجماهير, تمارس قيادات تلك الأحزاب سياسات لا تتفق مع الأسباب التي دعت إلى تشكيلها, وبالتالي لا تعزز مواقعها, بل تفقد الكثير من قواها الذاتية وينسلت الكوادر منها إلى أحزاب أخرى لأنهم لا يجدون فارقاً بينهم وبين تلك الأحزاب الوطنية. وهذا ما حصل في الحزب الشيوعي الكُردستاني خلال الأعوام المنصرمة وخاصة بعد سقوط النظام ومشاركة الحزب في الحكم بوزير واحد.
والبيان الذي أصدره اجتماع رفاق هذا الحزب في الخارج ومن ثم المقابلة الصحفية التي أجريت ونشرت مع الشيوعي المخضرم كريم أحمد (أبو سليم) والأحاديث التي يتداولها الشيوعيون الكُرد في الداخل والخارج كلها تؤكد صحة ما أقول.
كل زيارة أقوم بها إلى كُردستان أزور مقر الحزب الشيوعي الكُردستاني وأحياناً محلية أربيل أيضاً. وقبل ثلاث سنوات زرت منظمة الحزب الشيوعي الكُردستاني في أربيل حين كانت في مكان واحد مع محلية أربيل وقبل النباء الكبير الذي بني للحزب. والتقيت في حينها بمسؤول الإعلام المركزي لهذا الحزب. أطلعني هذا الرفيق بأن عدداً كبيراً من رفاق الإعلام عندهم في الحزب انتقلوا إلى صفوف الحزب الديمقراطي الكُردستاني, وذكر لي على سبيل المثال لا الحصر, أسماء عديدة منها على سبيل المثال لا الحصر سرو قادر, وشمال, وكروان عقراوي, وأسو كريم, وفؤاد صديق وآخرون. وهم يحتلون اليوم مواقع مهمة وقيادية في الإعلام المركزي للحزب الديمقراطي الكردستاني. وكنت أعرف هذه الحقيقة قبل ذاك. ثم أخبرني عن أسباب هذا الانتقال التي لا ترتبط بالمبادئ بل بسياسة الحزب ووضع التنظيم والعلاقات الحزبية وأفق التطور للحزب الشيوعي الكُردستاني, إضافة إلى مسألة المال والجاه والنفوذ التي يحصل عليها الشخص حين يكون في الحزب الحليف.
لقد كان أغلب هؤلاء يعملون في إعلام حركة الأنصار الشيوعيين التابعة للحزب الشيوعي المركزي حين كنا في جبال كُردستان, وكنت يومها مسؤولاً عن البعض منهم أو أغلبهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فاستفسرت منه وبجدية متناهية: متى ستنتقل أنت أيضاً إلى صفوف الحزب الديمقراطي الكُردستاني؟ فابتسم بطريقة تعبر عن بعض العتب, ولكن ليس فيها أي روح احتجاج! سجلتها في ذاكرتي تلك الابتسامة القلقة!
بعد عام من هذا اللقاء زرت إقليم كُردستان ثانية. والتقيت عن طريق الصدفة في بيت صديق مشترك لنا في أربيل بنفس مسؤول إعلام الحزب الشيوعي في كُردستان العراق وبحضور مجموعة كبيرة من الأصدقاء, وأردت الاستفسار منه عما حصل للإعلام في الحزب الشيوعي الكُردستاني خلال الفترة المنصرمة, وإذا بآخرين يخبروني على عجل بأن مسؤول الإعلام المركزي للحزب الشيوعي الكُردستاني قد انتقل منذ فترة قصيرة إلى صفوف الحزب الديمقراطي الكُردستاني ولأسباب عدة لا تختلف عن أسباب من سبقه واحتل موقعاً مهماً وحصل على امتيازات مهمة!
وبالأمس كتب رفيقي وصديقي منذ أيام الأبعاد السياسي في بدرة في العام 1956 أبو سليم (كريم أحمد الداوود) ما هو محتمل أن يحصل في الحزب الشيوعي الكُردستاني ما لم يغير نهجه وسياسته ومواقفه, إذ يمكن أن يبرز من يبني حزباً آخر ليحل محل الحزب الشيوعي الكُردستاني أو أن تقدم قاعدة الحزب إلى انتخاب قيادة جديدة أو يستمر في هامشيته الراهنة في الحياة السياسية الكُردستانية إن واصل هذا النهج الخاطئ في السياسة وفي العلاقات.
عمم أبو سليم هذه الحالة على الحزب الشيوعي العراقي أيضاً, وأشار إلى مسائل كثيرة تستوجب القراءة الهادئة والجادة والاستفادة منها لمن يريد أن يستفيد فعلاً.
لم "يجفص" أبو سليم هذه المرة, بل قال الكثير من الحقائق بصراحة وشفافية عالية وعلى طريقته المعروفة, وعبّر عن ذلك بقلب ممزق مشيراً إلى حالة التفكك والتدهور في شعبية وتأييد جماهير كُردستان للحزب الشيوعي الكُردستاني على نسبيتها السابقة والتي بدأت مع وجود أبو سليم ذاته على رأس الحزب, لكنه ما كان في مقدوره أن يرى ذلك حين كان مسؤولاً ولا يرى ذلك المسؤولون الحاليون أيضاً.
حين التقيت مع أبو سليم في بغداد خلال سفرتي الأخيرة إلى بغداد, تحدثنا عن أوضاع الحركة الديمقراطية ومصاعبها وعن أهمية حماية المكتسبات التي تحققت في كُردستان من خلال سياسات أكثر واقعية وأكثر حيوية وأكثر انسجاماً مع ما يطلق عليه بفن الممكنات في السياسة.   
الجماعة التي انتقلت من مواقع الحزب الشيوعي العراقي إلى مواقع الحزب الديمقراطي الكُردستاني تحتل اليوم مواقع مهمة في الإعلام المركزي لهذا الحزب, ولكنها عاجزة عن تقديم ما يمكن أن تقدمه له في مجال الإعلام, رغم أنها تمتلك كفاءات وقدرات طيبة وذات خبرة مناسبة, رغم حاجتها إلى إعادة التأهيل باستمرار, إذ كلما انتقد هؤلاء المنتقلون سياسات ومواقف وإجراءات معينة في الحزب الديمقراطي الكُردستاني, ذكروهم بتاريخهم الشيوعي, مما دفع ويدفع بهم إلى السكوت المطبق بدلاً من الإصرار على الرأي باستقلالية عالية ولصالح الحزب الديمقراطي الكُردستاني الذي انتقلوا إليه إذ يفترض أن يخلصوا له من خلال ممارسة النقد حين يكون النقد ضرورياً, بل هم يعمدون إلى السكوت وربما التغطية على الأخطاء لتجنب المصاعب الشخصية, وبالتالي أصبح الإعلام المركزي للحزب الديمقراطي الكُردستاني أشبه بإعلام خشبي جامد يفتقد الروح الحية ولا يحمل معه الديناميكية الضرورية المحركة لقواعد الحزب الذي انتموا إليه والمجتمع الذي ينتظر منهم مواقف صادقة في مقابل الامتيازات التي حصلوا عليها بانتقالهم إلى صفوف الحزب الديمقراطي الكُردستاني. وأدى ذلك إلى خسارة الحزب بسبب ذلك ولأسباب أخرى الكثير من تأييد الأوساط الشعبية. ونتائج الانتخابات الأخيرة يفترض فيها أن تدفع قيادة الحزب الديمقراطي الكُردستاني إلى دراسة العوامل التي قادت إلى هذه النتيجة. وهذه النتيجة تشمل أيضاً الحزب الشقيق له, الاتحاد الوطني الكُردستاني, الذي كانت خسارته ولأسباب أخرى  كثيرة حقاً ومعطلة للكثير من طاقاته. وعلى مؤتمرات هذه الأحزاب أن تعيد النظر بأوضاعها جدياً وأن تغير من لا يملك الكفاءة ومن وضع لأسباب عائلية في مواقع المسؤولية في مجالا  الحزب والإعلام أو في أي موقع أخر.
لقد كف إعلام الأحزاب الكُردستانية الحاكمة عن ممارسة النقد والنقد الذاتي لحزبهم ولحكومتهم, وهو خلل كبير يفترض أن ينبه الآن قيادتا الحزبين لمراجعة سياساتهما في مختلف المجالات وأن يبدأ العمل الجدي لنقد القضايا السلبية في الحياة اليومية للإقليم والمؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية والحياة الحزبية, ومنها السياسة الإعلامية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والعلاقة مع الكادحين الذين كانوا وقوداً دائماً للثورة. ولكن لم تكف الصحف المستقلة أو المعارضة عن ممارسة هذه المهمة وبقة وشجاعة كبيرة وحظيت بتأييد الناس وتجلى في الانتخابات الأخيرة بشكل واضح.
ثالثاً: يفترض في الحزب السياسي المسؤول عن قضية عادلة أن يرفض من يسبح بحمد المسؤولين, إذ يلحق عبر هذا التسبيح أضراراً فادحة بالحزب وبالإقليم وبالوطن, وكذلك بهؤلاء المسؤولين, ومن حقنا لا أن نهمس في آذان المسؤولين وننبههم إلى الأخطاء التي ارتكبوها أو يرتكبونها فحسب, بل أن نتحدث بصوت مرتفع بحيث يُسمع منهم ومن الناس الآخرين من أجل أن يصححوا المسارات أو يتخلوا عن المواقع.
إن الحزب الشيوعي الكُردستاني بحاجة إلى إعادة النظر بسياساته ويضعها وفق أسس سليمة, وعليه أن يفكر بإعادة النظر باسم الحزب أيضاً وبطبيعة المرحلة التي تستوجب مهمات أخرى وتستوجب اسماً يطابق مهمات الحزب الراهنة ولفترة طويلة قادمة. 
إنه بحاجة إلى وقفة طويلة وخلوة مع النفس, وأن يثق بأن السياسة المستقلة التي يفترض أن يمارسها لا تلحق ضرراً بإقليم كُردستان أو تعيق توطيد مكتسباته, بل تعززها وتعزز الديمقراطية أيضاً.
إن عدم إعادة النظر بسياسة الحزب ومجمل نشاطه وبرنامجه ومواقفه وكادره يعني استمرار الضعف وخسارة المزيد من أعضاء الحزب والمساندين له والتحول أكثر فأكثر إلى حزب يعيش على  هامش الأحداث وعلى  المساعدات التي لا تغني ولا تشبع, بل تزيد الحزب ضعفاً وهزالاً.
وعلى صعيد العراق أتمنى أن تدرك القوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية الخطر الذي يتهددها من إعادة بناء البيت الشيعي والبيت السني على أسس طائفية مريضة وجر المزيد من العناصر الديمقراطية إلى المواقع الطائفية حتى أولئك الذين يدعون المتانة الفكرية وكانوا ينظّرون في المسائل الفكرية للديمقراطية طيلة السنوات المنصرمة.
إن هذا الانسلاخ سيزداد يوماً بعد آخر ما دامت القوى البارزة في التيار الديمقراطي عاجزة عن إيجاد لغة مشتركة في ما بينها. وإذا ما ابتلعوا اليوم بعض الديمقراطيين, فغداً يمكن أن يبتلعوا أحزاباً بقدها وقديدها! أرجو وأتمنى أن لا يحصل ذلك, وأن لا يقال لي أن التمني ليس سوى رأس مال المفلس أو العاجز!       
2/9/2009                         كاظم حبيب


577
الضحية هو شعب العراق والجلاد متعدد الهويات!
كان شعب العراق منذ نصف قرن ولا يزال حتى الآن يحتل موقع الضحية الفعلية في حين تحتل الكثير من دول الجوار والدول العربية وبعض الدول الكبرى موقع الجلاد الذي لا يعرف الرحمة ولا يمتلك ذمة أو ضمير, وغالباً ما يحمل الجلاد الجنسية أو الهوية العراقية, ولكنه في الغالب الأعم يمثل حامل الهراوة التي تعود لهويات فكرية وسياسية أخرى, تعود لعدد غير قليل من دول الجوار. فالضربات تأتي من جميع الجهات المحيطة بالعراق وأن اختلفت الأسباب والأهداف في مراحل مختلفة, ولكن يبقى الشعب العراقي في المحصلة النهائية هو المبتلى بعواقب تلك الضربات. ومن يتتبع تاريخ العراق خلال نصف قرن يرى بوضوح واقع التحالفات الداخلية والإقليمية والدولية التي كانت تنشأ لمصادرة حق الشعب العراقي في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. فمرة كان الجلاد العراقي يأتي حاملاً راية شركات النفط الاحتكارية, ومرة أخرى يأتي عبر السفارة البريطانية في بغداد, وثالثة يأتي بقطار أمريكي, ورابعة يختفي تحت عمامة أو عباءة إيرانية, ومرة خامسة يأتي وهو يلبس رداء معاوية بن أبي سفيان ويحمل في رأسه أساليبه في تصفية الخصوم بصورة هادئة أو بشكل غير مباشر, ويأتي مرة سادسة وهو يحمل على ظهره وفوق رأسه أكياساً من أموال الخليج النفطية وعوائد الحج التي تجعل الإنسان يفقد البصيرة والبصر فيعبث بحياة الناس وفق رغبة دافع النقود. ولم يكن نادراً فيما مضى أن يكون الجلاد العراقي يتسلم السلاح من سفارة عربية زائداً البيانات الديماغوجية والأموال. والعودة إلى فترة حكم قاسم كفيلة بتوضيح الكثير من الأمور.     
واليوم يتناقش العراقيون والعراقيات في ما بينهم وبكل جدية حول سؤال كبير: من هو الجلاد الفعلي الذي يقف وراء حامل السوط المباشر أو المتفجرات؟ هل هو إيراني الهوية أم سوري الجنسية, أم هو من بلدان أخرى؟. والجميع يدرك بأن الجلاد قادم من هذه الدول كلها, سواء أتي باختياره أم باختيار منظمات وقوى غير حكومية أم بدفع وتحريض غير مباشر من حكومات بعينها. والجميع يدرك أن هناك تحالفاً فعلياً قائماً على الساحة العراقية تشترك فيه كل تلك الجماعات والقوى والمؤسسات الأمنية السياسية أو حتى الحكومات. والجميع يدرك بأن الهدف يتجه صوب منع الهدوء والاستقرار والسلام والتطور في العراق؟ من يستطيع أن يدلنا بشكل ملموس على الجلاد الفعلي للشعب العراقي؟ هل يمكننا أن نخمن ونقدر مثل هذه المسألة الخطيرة التي يذهب ضحيتها مئات الناس الأبرياء من بنات وأبناء الشعب العراقي, كما حصل أخيراً في بغداد أو قبل ذاك في تلعفر وفي الموصل ...الخ؟ من يساعدنا على معرفة الجاني ومن يقف خلفه لكي لا نضيع في متاهات التخمين والجدل غير المجدي نتيجة التخمين, ولكي لا يتهم هذا الطرف أو ذاك بأنه يمارس أسلوباً غير أخلاقي حين يتهم هذا البلد أو ذاك بمثل هذه العمليات المجرمة.
كلنا نعرف حقائق معينة لا جدال فيها, نعرف مثلاً:
** وجود قوى بعثية محلية تعتبر من بقايا جلادي الشعب العراقي في عهد الدكتاتور صدام حسين, وهي متحالفة مع قوى عديدة في الداخل والخارج وتمارس دور الجلاد حالياً.
** وجود قوى تابعة لهيئة علماء المسلمين متحالفة مع القاعدة وقوامها جزء من البعثيين والقوميين السابقين أيضاً, إضافة غلى جمهرة من إخوان المسلمين, وهي تمارس الجلد أيضاً.
** وجود قوى تابعة لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين التي تشكل أحد أبرز جلادي الشعب العراقي والمتحالفة حالياً بشكل مباشر أو غير مباشر مع بقية القوى المناهضة للوضع الراهن.
** وجود ميليشيات شيعية مسلحة تمارس العمليات العسكرية في ما بينها أو تريد خلق الإحباط في نفوس الناس أو ترويج حالة عدم الاستقرار وتبويش الأرضية التي يقف عليها المالكي ونسف سياسته في دعم دولة القانون. كما أن فيها الكثير من الضغط للوصول إلى أهداف معينة للحملة الانتخابية القادمة
** وجود نشاط لقوى أجنبية لها مواقع في الأحزاب الإسلامية السياسية, سواء أكانت شيعية أم سنية, وهي تشترك في هدف أساسي نشر عدم الاستقرار, وهي تستخدم الهوية العراقية لإنجاز مهماتها التخريبية والدموية, وسواء أكانت موجهة للعراق أم كانت موجهة للولايات المتحدة.
** وجود اندساسات غير قليلة في مواقع الدولة العسكرية والمدنية وفي الأحزاب السياسية والمؤسسات الأخرى التي تستطيع قوى الإرهاب الولوج من خلالها للحصول على المعلومات الكافية لإنزال الضربات بالمجتمع العراقي. فالهوية التي لم تنتصر بعد في هذه المجالات هي هوية المواطنة العراقية.         
كل هذا موجود في البلاد واكتشاف الفاعل من هذه التجمعات ليس سهلاً بسبب التداخل والتشابك والتحالف حول هدف مشترك واحد هو عدم إعطاء فرصة لاستنشاق هواء الطمأنينة والاستقرار والأمان.
ومن أجل أن نكتشف الجلاد دون توجيه اتهامات, والمتهم برئ حتى تثبت إدانته, فما علينا إلا أن نطلب من مجلس الأمن الدولي الموافقة على أخذ مهمة التحقيق بالمسالة وتشكيل محكمة جنائية دولية لمتابعة الجرائم التي ارتكبت وسوف ترتكب في العراق خلال الفترة القادمة, إنه السبيل الجاد والعملي لترك الاتهامات المتبادلة جانباً وإعطاء التحقيق والتحري عن أدلة إثبات قوية ضد الفاعلين, والذي يمكن أن يخلق أرضية ثقة متبادلة حين يكتشف الفاعل ويقدم للمحاكمة ويعاقب على  الجرائم التي ارتكبها. أتمنى أن يعي الجميع أهمية ذلك ودعم طلب العراق الموجه إلى مجلس الأمن الدولي على غرار محكمة قتلة رفيق الحرير وصحبه.
1/9/2009                                            كاظم حبيب         

578

اقتصاد السوق
وامكانيات التطبيق في الاقتصاد العراقي

     د. عبد الامير رحيمة العبود

اولاً:  ألسمات الرئيسية لاقتصاد السوق او الاقتصاد الحر

ويسمى احيانا بأقتصاد الدول الرأسمالية الحرة ، وما يميز هذا النظام هو الحرية الاقتصادية التي تعني ابتعاد الدولة عن تنظيم الحياة الاقتصادية ، وانحسار دورها على القيام بنشاطات الامن الداخلي والدفاع عن البلد ، والقيام بنشاطات السياسة الخارجية ، وتوفير بعض الخدمات الضرورية للسكان ، كتوفير الطاقة والمياه والصرف الصحي والرعاية الصحية والاجتماعية والتعليم الاساسي ، وان ينفرد القطاع الخاص بمزاولة النشاطات الاقتصادية سواء عن طريق الشركات او الافراد ، وان تكون السوق هي المحدد لفعالية وربحية النشاطات الاقتصادية بتأثير تيارات العرض والطلب داخل السوق ، دون تدخل الدولة لحمياتها وتنظيم نشاطاتها ، توخيا لتحقيق المنافسة المتكافئة بين المؤسسات الاقتصادية داخل السوق.
وتنفيذا لهذا التوجه ، اصبحت المنظمات الدولية وبخاصة منظمة صندوق النقد الدولي ، والبنك الدولي ، ومنظمة التجارة الدولية ، تشترط للحصول على عضويتها ، والاستفادة من نشاطاتها ، ان تلتزم الدولة بعدم تطبيق القيود على حركة انتقال السلع ورؤوس الاموال فيما بينها وبين الدول الاخرى ، مثل اجراءات الدعم ، واجراءات حماية الاقتصاد الوطني التي تشمل الرسول الجمركية واجراءات منع الاستيراد وحصص الاستيراد في سبيل توفير المنافسة المتكافئة بين مؤسسات الدولة ومؤسسات الدول الاخرى.
ومن الدول التي تطبق هذا النظام حاليا كل من الولايات المتحدة الامريكية ، ودول الاتحاد الاوروبي ، واليابان ، وكندا واستراليا.

ثانيا: تطبيقات اقتصاد السوق على الاقتصاد العراقي:
تتجه الكثير من دول العالم نحو تطبيق اقتصاد السوق وفق الصيغ التي تأخذ بها الدول المتطورة بعد فشل الانظمة الاشتراكية ، والمصاعب الكثيرة التي تعاني منها الدول النامية من جراء تطبيق اجراءات الحماية وتدخل الدولة في تنظيم الحياة الاقتصادية.
ومن هنا يثار السؤال:
هل ينبغي تطبيق نهج اقتصاد السوق وفق الصيغ التي تطبقها الدول المتطورة عندنا في العراق ، في الوقت الحاضر؟
في سبيل الاجابة عن هذا السؤال لا بد في البداية من الاشارة الى واقع الاقتصاد العراقي حاليا. ذلك لان الاقتصاد العراقي يعاني في الوقت الحاضر من مشاكل مستعصية ، ولان قطاعاته المنتجة شبه معطلة ، فالقطاع الزراعي الذي يعتبر المصدر الرئيسي لتوفير الاغذية للسكان ، والمواد الاولية ذات الاصل الزراعي للصناعة ، والذي يعتاش على موارده اكثر من ثلث السكان، اصبحت اراضيه الصالحة للزراعة تتناقص بشكل سريع بسبب مشاكل شحة المياه ، والتملح ، والتصحر ، والفلاح العراقي اصبح في الغالب عاجزا عن مواجهة هذه المشاكل بامكانياته المالية والتكنولوجية الشحيحة ، فضلا عما يعانيه من ارتفاع كلف عناصر الانتاج في السوق المحلية. ولهذا اصبح الفلاح العراقي عاجزا عن منافسة السلع الزراعية المستوردة بعد ان قامت الدولة ، في النظام الجديد بتخفيض الرسوم الجمركية او الغائها ، وكذلك الغاء القيود الكمية على الاستيراد، وبعد ان اصبحت مستويات الدعم التي تقدمها الدولة للانتاج الزراعي غير مجدية.
لذلك وازاء هذه المنافسة الشديدة للسلع الزراعية المستوردة تدهور الانتاج الزراعي واضطر الكثير من الفلاحين العزوف عن الانتاج الزراعي والهجرة الى المدن او العمل في المؤسسات الحكومية او غيرها من مجالات العمل غير الزراعي.
اما القطاع الصناعي فهو ليس افضل حالا ، اذ ان اغلب المؤسسات الصناعية اما متوقفة عن العمل كليا ، او ان تعمل بظروف صعبة للغاية نتيجة تقادم اجهزتها التكنولوجية ولارتفاع تكاليف انتاجها ، وهي بسبب هذه المصاعب الانتاجية اصبحت هي الاخرى عاجزة عن منافسة السلع الصناعية المستوردة التي تحصى بمزايا النوعية الجيدة وانخفاض تكاليف الانتاج.
يضاف الى هذه الحالة المزرية للقطاعات الانتاجية معاناة البلد كما هو معروف من تفاقم البطالة ، حتى اصبح عدد البطالين يتجاوز 30% من السكان الراغبين في العمل ، بينما تتجاوز البطالة المقنعة 50% من العاملين فعلا. ولا شك فإن ازدياد نسب البطالة هو انعكاس لتردي حالة المؤسسات الانتاجية لان الانتاج هو المصدر الرئيسي لتشغيل القوى العاملة.
من هنا يبدو واضحا بأن تطبيق اسلوب اقتصاد السوق وفقا للنموذج الذي تطبقه الدول المتطورة ، الذي يعني الغاء اجراءات الحماية والدعم وفتح الاسواق على مصراعيها ازاء السلع المستوردة سوف يفضي الى منافسة الانتاج الوطني والقضاء عليه.

لا غبار حول تحقيق المزايا والفوائد من تطبيق اجراءات اقتصاد السوق في الدول المتطورة التي تتوفر في اقتصاداتها الامكانات المادية والتكنولوجية ومزايا الانتاج الكبير. ففي هذه الدول تنتفي الحاجة الى تدخل الدولة لحماية الانتاج الوطني ، وان تضحي الدولة باموالها لاسعاف المؤسسات الضعيفة ، لان الافضل عندها ان تترك المؤسسات الضعيفة الساحة لمن هي افضل منها ، وان تذهب الى مجالات اقتصادية اخرى تستطيع فيها ان تحقق المزايا التي تساعدها على الوقوف بوجه منافسة الاخرين. لكن الامر هنا لا يتعلق باقتصاد متطور بل ببلد نام هو العراق الذي تعرض طيلة العقود الثلاثة الماضية لثلاث حروب خاسرة ، ونظام لم يهتم بالانتاج والمنتجين والمستهلكين ، وحشد كل طاقات البلد لتوجهاته السياسية والعسكرية الهوجاء ونزوات حكامه. وكان من ضحايا ذلك النظام اغلب مرافق الانتاج التي تعرضت للاهمال والتدمير. وأن الفترة بعد تغيير ذلك النظام عام 2003 لم تتمخض عن تحسن ملموس في عملية الانتاج بسبب غياب الامن وتفشي الارهاب وتعثر عملية التنمية الاقتصادية ، بل ان وضع الانتاجين الزراعي والصناعي ازداد سوء بسبب الغاء الجراءات الحماية وتقليص اجراءات الدعم وفتح الاسواق على مصراعيها امام السلع المستوردة التي راحت تنافس الانتاج الوطني وتقضي عليه كما اشرنا توار.
وازاء هذه المصاعب التي يعاني منها الانتاج الوطني العراقي لا بديل امامنا في الوقت الحاضر غير العودة الى تطبيق اجراءات الحماية الاقتصادية المتمثلة بزيادة الرسوم الجمركية على السلع المستوردة وغيرها من اجراءات الحماية ازاء السلع المنافسة للمنتجات الوطنية الزراعية والصناعية والاخذ بتطبيق اجراءات الدعم الاقتصادي المختلفة.
ومن الامور التي تثار للنقاش بشأن تطبيق اجراءات الحماية والدعم موقف المنظمات الدولية وبصورة خاصة صندوق النقد الدولي الذي راح يطالب الحكومة العراقية في السنوات الاخيرة بالغاء اجراءات الدعم وبخاصة دعم المستهلكين عن طريق توزيع مواد البطاقة التموينية كشرط لموافقته على قيام اعضاءه من الدائنين للعراق بتخفيض ديونهم بنسب تصل الى 80%.
لا يوجد من كان لا يقر بأهمية تخفيض الديون على العراق التي بلغت في حينها 120 مليار دولار كما هو معروف، لكن مثل هذا الموضوع وغيره من اجراءات الحماية والدعم هو ، كما نعتقد ، كان ولا يزال قابلاً للتفاوض مع ادارة صندوق النقد الدولي وغيره من المنظمات الدولية ، وقد اقترن هذا التفاوض بالتفهم لظروف العراق الاقتصادية الحالية ، بدليل ان ادارة صندوق النقد الدولي قد تفهمت ، في الاونة الاخيرة ، ضرورة توزيع المواد الغذائية الضرورية المدعومة من قبل الدولة والمشمولة بالبطاقة التموينية على اصحاب الدخول المنخفضة من المواطنين ، والاكتفاء بحجبها عن اصحاب الدخول المرتفعة ممن تزيد مدخولاتهم الشهرية عن مليون وثلاثمائة الف دينار عراقي.

الخلاصة والاستنتجات

اتضح مما سبق بأن ظروف العراق الاقتصادية الحرجة في الوقت الحاضر ، وما اتسمت به من تدهور الانتاج العراقي وتعثر عملية التنمية تقتضي قيام الدولة بتطبيق اجراءات الحماية الاقتصادية والدعم ، وقيامها في التدخل لتنظيم الحياة الاقتصادية ، وبخاصة توسيع دورها في عملية التنمية الاقتصادية ، والقيام الى جانب ذلك ، في الوقت ذاته بدعم وتشجيع القطاع الخاص ، وكذلك تشجيع نشاط الاستثمار الاجنبي ، اما الاجراءات التي ينبغي الاخذ بها في الوقت الحاضر فهي:
1.   زيادة الرسوم الجمركية على السلع المنافسة للانتاج الوطني بنسب لا تقل عن 15% بالنظر لدور هذه الرسوم في حماية الانتاج الوطني من منافسة السلع الاجنبية فضلا عن دورها في توسيع موارد الدولة.
2.   تطبيق نظام الحصص والاجازات بالنسبة لاستيراد السلع التي لا يغطي انتاجها الوطني حاجة السوق المحلية على ان يتسم هذا النظام بالدراسة الدقيقة والمرونة بحيث لا يفضي تطبيقه هذه الاجراءات الى احتكار السوق من قبل المنتجين المحليين والاضرار بمصلحة المستهلكين.
3.   تطبيق اجراءات منع الاستيراد ، في اوقات محددة ، حينما يفيض الانتاج الوطني عن حاجة السوق المحلية ، وان يقتصر تطبيق هذا الاجراء على منع السلع الزراعية المستوردة التي يفيض انتاجها الوطني عن حاجة السوق الداخلية ابان ذروة المواسم الزراعية وحينما تتميز السلع الزراعية المنتجة بالنوعية الجيدة والاسعار المتهاودة وصعوبة التصدير الى الخارج.
4.   قيام الدولة بزيادة الدعم المالي والعيني للمنتجين الزراعيين والصناعيين بخاصة تقديم القروض الميسرة للفلاحين والصناعيين ، وكذلك تقديم مختلف اساليب الدعم العيني للفلاحين بكميات مجزية ونوعيات جيدة ، كالاسمدة والبذور المحسنة ومواد الوقاية من الاوبئة والمعدات الزراعية ، ومعدات الرش والتنقيط وغيرها من المواد المستوردة المدعومة الضرورية لعمليات الانتاج وكذلك شراء الحبوب من الفلاحين باسعار مجزية ، والجدير بالذكر هو ان العراق يقوم بتطبيق هذا الاجراء منذ امد طويل ، لكن الذي نقصده من وراء الاشارة اليه هو ضرورة التوسع في تنفيذه والحرص على تطويره وتكيفه وفقا لمتطلبات العمليات الانتاجية.
5.   ولعل الجانب الاكثر اهمية في تحقيق النهوض والتطور الاقتصادي السريع هو توسع دور الدولة في اعداد خطط التنمية الاقتصادية القصيرة الامد والطويلة الامد والحرص على تنفيذ بنودها. ذلك لان اعداد الخطط الاقتصادية وتنفيذها هي الوسيلة الاكثر فعالية في تطوير المؤسسات الاقتصادية القائمة ومعالجة مشاكلها وتزويدها بالتكنولوجيا الحديثة ، وكذلك اقامة المشاريع الاقتصادية الصناعية والزراعية والخدمية الحديثة ، ذات الاثر الكبير في تحقيق النمو والنهوض الاقتصادي والاجتماعي ، نظرا لضعف امكانيات القطاع الوطني الخاص في اقامة مثل هذه المشاريع في المرحلة الراهنة.
6.   ومن الجوانب ذات الاثر الكبير والسريع في تحقيق النهضة الاقتصادية وتطوير القطاع الخاص في آن واحد هو قيام الدولة بانشاء المشاريع الاقتصادية ، ثم المبادرة الى بيعها على القطاع الخاص ، بخاصة بيعها الى العاملين في هذه المشاريع بعد اكتمال انشائها ونجاحها في الانتاج ، ويعرف التاريخ الاقتصادي دور هذا النموذج في التنمية في تطور الاقتصاد الياباني ، ومن امثلة ذلك قيام الدولة بانشاء المشاريع الزراعية النموذجية بالقرب من المدن ، والتي تقوم على اساس التكامل الزراعي الصناعي ، والاعتماد على الاساليب التكنولجية الحديثة ، كاستعمال المعدات الزراعية الحديثة ، واساليب الري بالرش والتنقيط وغيرها من الاساليب العلمية الزراعية ، واستغلال اراضي المشروع في زراعة الاعلاف والفواكة والخضروات والمحاصيل ، الى جانب القيام بتربية الاغنام والابقار والدواجن ، ثم القيام بتصنيع منتجات المشروع عن طريق اقامة مشاريع صناعية صغيرة داخل المشروع لانتاج البيض واللحوم والالبان وتعليب المنتجات الزراعية.
ولا يخفي دور مثل هذه المشاريع الانتاجية في تجهيز المدن بالمنتجات الزارعية ذات النوعيات الجيدة ، وكذلك تشغيل عدد غير قليل من العمال المهرة وخريجي كليات الزراعة والبيطرة. كما ان المبادرة الى بيعها فيما بعد الى العاملين في المشروع او الى الشركات المساهمة او المحدودة ، سوف يساهم في توسيع دور القطاع الخاص وتعزيز موقعه في القطاع الزراعي. فضلا عن دورها في انجاز عملية الارشاد الزراعي للفلاحين في المناطق المحيطة والقريبة من موقع هذه المشاريع.
7.   ولغرض تحقيق النهضة الاقتصادية والاجتماعية السريعة ، ومعالجة مشاكل الاقتصاد الوطني المتعددة ، وفي سبيل استغلال الموارد الاقتصادية المعطلة بالاعتماد على التكنولوجيا الحديثة ومزايا الانتاج الكبير ، لا يمكن الاستغناء عن الاستثمارات الاجنبية. بالنظر لما يمتلكه الاستثمار الاجنبي من امكانيات مالية وتكنولوجية وتسويقية هائلة يعجز الاقتصاد العراقي بقطاعيه الحكومي والخاص عن توفيرها.
وتبدو اهمية الاستثمارات الاجنبية واسعة بالنسبة لقضايا الاستثمار في حقول استخراج النفط والصناعات النفطية والبتروكيماوية. والمعروف ان العراق يمتلك احتياطيات هائلة من النفط الخام، وان ما ينتجه العراق حاليا من النفط الخام لا يغطي الا نسبة متواضعة من حصته في منظمة الاوبك ، بينما تقوم الدول الاخرى الاعضاء في هذه المنظمة بتصدير ما يتبقى من حصته، بمعنى ان العراق يفقد في الوقت الحاضر فرصة استغلال احتياطياته النفطية على الوجه الاكمل بسبب عجزه عن زيادة الانتاج ، في الوقت الذي هو فيه بامس الحاجة لزيادة عوائده من الصادرات النفطية لمعالجة مشاكله الاقتصادية والاجتماعية ، في وقت لم تكن الصورة في الاقتصاد العالمي واضحة عن مستقبل اسعار النفط في السوق العالمية في الامد المنظور ، وهل سوف تنهار اسعار النفط بتأثير ازدياد اعتماد دول العالم على مصادر الطاقة البديلة التي تتحدث عنها وسائل الاعلام يوميا ، ام انها سوف تحافظ على الاستقرار او الارتفاع ، لا يعلم احد ، لكن الامر لا يزال خاضعا لكافة التكهنات.
لا جدال حول اهمية وافضلية الاعتماد على شركاتنا النفطية في عمليات الاستخراج والتصدير ، لكن المسألة المطروحة النقاش هي: هل ان شركاتنا النفطية بامكانياتها التكنولوجية الحالية ودور الدولة في توسيع عملياتها الانتاجية قادرة في الوقت الحاضر على زيادة الانتاج وفقا لحصة العراق من التصدير وما تقتضيه حاجة العراق الى الموارد النفطية.
الجواب بالتأكيد هو النفي ، وان ما حصل من تلكؤ في الانتاج خلال السنوات الست الماضية يؤكد هذه الحقيقة ، وهو ما يؤكد الحاجة الى الاستثمارات الاجنبية في مجالات استخراج النفط وتصنيعه.
لا يعني ذلك بطبيعة الحال التفريق بمصلحة البلد لصالح الشركات النفطية الاجنبية فهنا من الممكن صياغة عقود الاستثمار وفق ما يضمن مصلحة البلد ، لكن التلكؤ في الاستفادة من مزايا الاستثمار الاجنبي بخاصة بالنسبة لعقود الخدمة سوف يعني فقدان الفرصة في استغلال عنصر الزمن للاستفادة من هذا الجانب الهام ، وقد تفيدنا الاشارة الى ما يقوم به الاستثمار الاجنبي من دور في تحقيق الازدهار الاقتصادي في كل من الصين والهند وغيرهما من دول العالم في المرحلة الراهنة ، التي اصبح فيها الاستثمار الاجنبي شريك لا غنى عنه في اغلب القطاعات الاقتصادية في تلك الدول ، الى جانب دوره في النهوض الاقتصادي والاجتماعي لاغلب دول العالم.

579
قناة العراقية الحكومية تشجع على ممارسة العنف المضاد!

مارس الإرهابيون جرائم بشعة ومرعبة في آن في يوم الأربعاء الدامي الذي سقط بسببها المئات من القتلى والجرحى والمعوقين. ولا شك في أن الإرهابيين سيسعون إلى تنفيذ المزيد من مثل هذه العمليات الدموية.
لا شك في أن المجرمين الذين ارتكبوا هذه الجريمة يجب أن يقدموا إلى المحاكم وينالوا اقسى العقوبات التي يسمح بها القانون العراقي. وليس أمام الحكومة العراقية التي تحترم نفسها وتحترم الدستور والقانون سوى الطريق الأمثل والأفضل, طريق ملاحقة القوى التي تقف وراء هؤلاء المجرمين الأوباش لاعتقالهم وتقديمهم للمحاكمة لينالوا جزاؤهم العادل.
ولكن ما هي الطريقة التي تتعامل معها قناة العراقية والتي يقوم بنقلها مراسلو القناة عبر استطلاع رأي الناس لتنشر الأقوال المرعبة التالية:
تقول امرأة عراقية تقول:
بوية هذولة اللي نفذوا الجريمة لازم نشنقهم ونقطعهم وصلة وصلة ونعلقهم على أعمدة الكهرباء, لازم نمثل بيهم, لازم .. لازم .
ويقول عسكري عراقي:
هذولة المجرمين لازم نعدمهم شنقاً, لازم نعلقهم على الأعمدة بكل مكان من العراق, هذولة يستحقون التمثيل بيهم, لازم نمثل باجسادهم...
كانت هذه الصرخات تذاع يوم الثلاثاء على الساعة  الثامنة والربع مساءً. ويكرر في أوقات الاستراحة بين وقت عرض فلم عراقي منتج للتلفزيون.   
هل بهذه الطريقة العنفية نثقف الشعب ليلتزم بالقانون ويرفض التمثيل بالجسد الذي هو محرم دينياً ايضاً.
أنه مواطنون لا يعون ما يقولون فللاغضب قد سيطر عليهم, ولكن أليس من واجبنا أن نرشح ما هو سلبي وما هو غيجابي, لكي نبعد عن الرأي العام مثل هذه الأفكار التي تحمل في طياتها الهمجية التي مارسها البعثيون في تعذيبهم للشعب العراقي..
لا أدري كيف يسمح لنفسه مسؤول البرامج في تقديم مثل هذه التصريحات الخطيرة التي تعني التصرف بصورة همجية تقترب من همجية القتلة الذين مارسوا التفجيرات في العراق, إنه من نفس الذهنية والعقلية البعثية التي قامت بتعليق المشنوقين في ساحة باب الشرقي بتهمة الخيانة, أو كالبعثيين الذين مثلوا بجثث القتلى في المعتقلا ت والسجون.
كم أتمنى أن يفكر صحاب دولة القانون والناطق الرسمي بدولة القانون إلى مثل هذه الدعاية السيئة التي تدعو إلى  القتل والتمثيل ربما حتى دون محاكمة, فالتمثيل الذي تروج له القناة مرفوض شرعاً وقانوناً.
إن ذهنية من يوجه قناة العراقية يسقط مرة في مستنقع الطائفية السياسية, ومرة في مستنقع المناهضة للقانون وينشر افكاراً تدعو إلى التمثيل بالجسد وتقطيع أوصال المجرمين وتعليقهم على أعمدة الكهرباء, فهل هذه قناة تثقيفية أم قناة تدعو للطائفية والهمجية؟ ليس سوى سؤال, ومن حق المواطن أن يوجه مثل هذا السؤال. وعلى  المسؤولين متابعة ذلك!
25/8/2009                      كاظم حبيب

580
شارع المتنبي ونعيم الشطري وجهان لكتاب واحد هو الإنسان ...

مع بداية ربيع هذا العام (2009) زرنا زوجتي وأنا لأول مرة شارع المتنبي بعد إعادة بنائه. كنت مهموماً بما حصل لهذا الشارع حيث دمر وقتل الكثير من الناس الطيبين بمن فيهم عائلة الشابندر. كانت زوجتي تعرف ما حصل لهذا الشارع وسكانه الأوفياء للكتاب والثقافة. وكان الخوف يسيطر عليها قبل دخولنا الشارع خشية أن تتكرر المأساة. فهذا الشارع شهد واحدة من أعتى العمليات الإرهابية وأكثرها بشاعة ة وإحراماً وأعمقها حقداً وكراهية للإنسان والكتاب والثقافة والعراق.   حين اقتربنا من وسط الشارع تقريباً, ونحن في طريقنا إلى حضور ندوة المعماري المبدع رفعت الجادرجي في ديوان المدى الثقافي في شارع المتنبي, حيث كان الشارع مزدحماً بقراء وباعة الكتب حتى ارتفع صوت متين ومتماسك, صوت رجل قارب الستين من عمره وهو يقرأ أبياتاً من قصيدة الجواهري الكبير.
سلام على  جاعلين الحتوف           جسراً إلى الموكب العابر
سـلام على مثقل بالحـديد          ويشـمخ كالقائد الظافـر
لا يمكن أن أخطئ التقدير, فهو صوت ذلك الإنسان الذي عشق الكتاب والشارع وأصبح جزءاً منه, رغم أن الشارع لم يجلب له العيش الرغيد ولا المال الكافي, بل جلب له الطمأنينة والصداقة مع الكتاب وحب الناس ومزيداً من حب الثقافة والمثقفين, إنه نموذج للإنسان الحر والأبي وصاحب فكرة مزاد الكتب في هذا الشارع المقدام, إنه نعيم الشطري, الذي تعتز به الشطرة والعراق كله.
جلب الصوت انتباه زوجتي أم سامر وراحت تمعن النظر بالرجل الذي يقرأ الشعر بصوت قوي ولكنه منفعل ومتفاعل مع مضمون البيتين. فنست خوفها, وهي ترى الزحام وهذا الإنسان بجسمه الممتلئ وروحه الوثابة التي هي روح الشباب وحيوية العاشق للإنسان والكتاب, فراحت تسألني عن القارئ وما عمله.
أعرف الشطري منذ السبعينات وسمعت عنه ولم نلتق. ثم التقنيا ونشأ ود أصيل بيني وبينه أحببته كثيراً وودت لو تحظى مكتبته بعناية خاصة. فكتبه مكدسة فوق بعضها يصعب استخراج كتاب منها, ولكنه العليم بموقع الكتب القادر على استخراج أي كتاب بلمح البصر. 
بعد ثلاثة شهور من زيارتي الأولى له, زرت شارع المتنبي ونعيم الشطري للمرة الثانية حين وصلت بغداد للمشاركة في مؤتمر ومهرجان حركة الأنصار الشيوعيين ببغداد. زرت الشارع هذه المرة لألتقي بنعيم الشطري ومازن لطيف ومحمد وبقية الصحب الكرام.
كان يقف كالطود الشامخ يقرأ الشعب رغم المعاناة من قلة بيع الكتب ورغم العيش المرهق في تلك الغرفة الصغيرة المنزوية خلف شارع المتنبي.
ولد الطفل نعيم لأبوين شطريين  كادحين, فسمي النعيم ليكون نعمة لعائلته , ونعم التسمية. ولد الطفل حسن الوجه وبهي الطلعة وعربي الملامح. نما وترعرع في مدينة الشطرة, وحين اصبح شاباً يافعاً بدا مربوع القامة أقرب إلى القصر منه إلى الطول, ولد بمدينة الشطرة الفقيرة والكادحة والتابعة لولاية الناصرية المشهورة بظلم الإقطاعيين وإمارة آل السعدون الذي منح رئيسهم لقب باشا في العهد العثماني, وسميت المدينة باسمه, ناصر باشا السعدون. التحق بصفوف الحركة الوطنية العراقية, تلك المدينة التي نمت وتطورت فيها الحركة الوطنية وجماعة ابو التمن ومن ثم صدر منها أول بيان شخصي للشيوعي يوسف سلمان يوسف.
سجن بسبب ممارسته السياسة التقدمية دفاعاً عن الحرية والديمقراطية وكرهاً لمشوهي الدستور العراقي وخاطفي الديمقراطية من حياة الناس. كان الرجل عاشقاً منذ الصغر, عاشقاً للأدب, وخاصة الشعر, والكتاب والقراءة الشغوفة.
فتح مكتبة ليتمتع بقراءة وبيع الكتب للناس وليشجع على امتلاك كل إنسان لخير صديق وخير جليس بعد ثورة تموز في العام 1958. لم يتمتع بهذه الهواية أيضاً بسبب المضايقات, فغادر الشطرة قاصداً بغداد العاصمة بعد انقلاب شباط من العام 1963. وحط الرحال في شارع المتنبي الذي سلب لبه وسيطر على عواطفه, وجعله أسير قراءة وبيع الكتب, وما أحلى مثل الأسر بين الكتب بالنسبة للشطري نعيم, رغم شظف العيش وصعوبة بيع الكتب حتى بات في فترات يصدح شجياً ومتحسراً على أيام أفضل حين كان الكتاب يلتهم في أعقاب ثورة تموز بالبيت التالي:
كل من يكلك زين كلّه أنتَ كذاب        الشطري صار أسبوع ما بايع كتاب
ها هو الشطري يقترب من نصف قرن يعيش ويأكل وينام بين الكتب في غرفة يسميها حقيرة خلف شارع المتنبي في منطقة جديد حسن باشا! فمن يعيش من كده يعيش فقيراً, ومن يعيش بغير جهد وبالسحت الحرام يصبح متخماً ويعيش في القصور ويمتلك قناة تلفزيونية لم يكن قبلها يملك شروى نقير! 
حين حضر مسرحية يدور مضمونها حول كارثة شارع المتنبي في إطار مهرجان حركة الأنصار الشيوعيين في مطعم فندق السدير, أنطلق من بين الحاضرين صوته الشجي ينشد ويشنف أسماعنا بأبيات شعر حزينة, فتهدج صوته وبكى وأبكانا معه. وزاد من فعل الحزن روعة التمثيل وجودة الإخراج. 
كم أنت طيب أيها الرجل الحكيم, كم أنت شهم أيها الإنسان الذي لا يبيع إلا الثقافة الحية, لا يتعامل إلا بالكتب النظيفة مضموناً, كم تستحق أن تعيش في بيت نظيف وواسع وفيه مكتبة واسعة لتقضي حياتك التي أتمنى لها أن تكون طويلة, في قراءة الكتب وكتابة مذكراتك التي سوف تكون قيمة ومهمة بعد أن تكون قد اقتربت من السبعين وعشت الكثير والكثير جداً من أحداث وكوارث ومآسي العراق الحزين حتى الآن, رغم سقوط النظام فقوى الإرهاب لا تريد أن يهدأ العراق أو يعيش بسلام, فهل سنسمح لها بممارسة هذه الحرفة والهواية النذلة؟ كلا وألف كلا....
لا تجد الرجل يجلس وحده أمام مكتبته الصغيرة والمليئة بالكتب, بل يجلس معه أو تقف بجواره مجموعة من أصدقاء الشطري, ومنهم الصديق صاحب اللحية الرشيقة والرجل الطيب سعد حرزة عويز والصديق العزيز مازن لطيف .     
كم هو منسي هذا الرجل من حكام العراق في كل العهود, لأنه يتعامل مع الكتاب الجيد, وكم هو مذكور ومطلوب ومحبوب من فقراء وكادحي ومثقفي العراق. كم أتمنى أن ينتبه له الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ليقدم اسمه مع مكن يستحق التقاعد والمكافأة والعيش بسلام.
يشكل الشطري وشارع المتنبي وحدة واحدة, كلاهما يحمل هموم العراق وكوارثه وآماله وطموحاته, فإذ تحققت لشارع المتنبي حين أعيد بناؤه, فمتى يتحقق للشطري إعادة بناء حياته المعذبة, رغم حلاوة العيش بين الكتب وقراء الكتب, فله الحق على الدولة أن يكون له بيتاً ومكتبة وراحة بال وراتب تقاعدي بعد مضي أكثر من نصف قرن في التعامل مع الكتب والكتاب والقراء.
تحية وألف تحية للشطري الجميل والحكيم والشهم وبائع الكتب الطيب في آن.
25/8/2009                   كاظم حبيب 

581
الثقافة العراقية ما بعد 2003

السيدات والسادة الكرام, ايها الأحبة
المدخل
أشعر بحاجة ماسة لأن أقول لكم ومن هذا المنبر وبصراحة تامة.. نحن لا نمتلك حريتنا, نحن نفتقدها.. نحلم بها .. ولكنها لا زالت بعيدة عنا وعن حياة الناس اليوميةو عن ممارساتنا و عن الأجواء التي تسمح لنا بتفعيلها.. فالحرية الفردية والعامة لا تنفصلان عن الديمقراطية, إن أن كليهما يشكلان الدولة المدنية الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي .. نحن نفتقد الدولة المؤسسة الديمقراطية .. نفتقد, بتعبير أكثر دقة وموضوعية, الأساس المادي للدولة المدنية الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي, نفتقد القاعدة اقتصادية والاجتماعية لهما.       
فالصناعة الحديثة والزراعة الحديثة يشكلان القاعدة المادية للتنمية الاقتصادية والبشرية, وهما المولدان للطبقة البرجوازية المتوسطة والطبقة العاملة وفئات المثقفين في بلانا, وهي الفئات الحاضنة والمنمية والمطورة للمجتمع المدني الديمقراطي والدولية الديمقراطية. وهذا يعني نحن بحاجة إلى كسر حلقة التخلف والفقر والتبعية الشديدة لاقتصاد النفط الخام التصديري - الريعي والمجتمع الاستهلاكي. فلا بد من توفير مستلزمات بناء المجتمع المدني والوعي الاجتماعي والثقافية المصاحبين له. نحن بحاجة إلى مكافحة التخلف والتبعية والبطالة والحرمان والجوع واللامساواة المستفحلة ضد المرأة التي لا تجد له مكاناً سوى البيت والمطبخ والحجاب.
لا يمكن الحديث عن الحرية الفعلية وفي كل لحظة يمكن أن يقطع رأس, كما حصل للكثير من علماء ومثقفي العراق أو يقتل برصاصة من كاتم صوت, كما حصل للراحل العزيز كامل شياع, لا يمكن الحديث عن الحرية حين يفصل أو يعطى إجازة طويلة من العمل بسبب مقال يفضح فيه الفساد, كما حصل مع الصحفي الزميل أحمد عبد الكريم .. لا يمكن الحديث عن الحرية المنشودة حين يُجبر الأستاذ فاضل ثامر, الأديب والناقد ورئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق على رفع صوته ليطالب بإنصاف المثقفات والمثقفينو بحمايتهم, بتأين العيش المناسب لهمو بتأمين المطلوب لتطور مكاتب وبناية ونشاط ودور المثقفين في حياة البلاد وفي عملية تنويره. حتى الآن ليس هناك من يسمع له كفاية ويستجيب لطالبه العادلة والمشروعة والبسيطة في آن.
نحن لا نمتلك ما يكفي من الحرية.. نحن في وهم حين نتحدث عن حرية مشوهة مقيدة يتربص بها وبممارسيهاالموت, وبالمثقف الذي يتحدث بحرية... أياً كان القاتل.. حين يغيب الأمن الضروري, فاحرية والديمقراطية وأمن المواطن صنوان لا ينفصلان..
من هنا يفترض أن نتحدث عن الثقافة والمثقفة والمثقف بعد 2003 وعن هامش الحرية النسبي المتاح.
دور الثقافة والمثقفين ما قبل وما بعد 2003
على امتداد سنوات القرن العشرين لعب المثقفون المتنورون دوراً كبيراً في التأثير على وجهة التطور الاقتصادي والاجتماعي في العراق. حمل المثقفون الأوائل وما زالوا يحملون راية الفكر التنويري الحر, فكر الحب والحرية والعدالة, فكر الأخوة والمساواة في المواطنة, فكر التقدم ومساواة المرأة بالرجل, فكر تعليم المرأة وزجها في الحياة العامة, فكر تحرير المرأة من البيت والمطبخ والحجاب, فكر بتاء المجتمع المدني الديمقراطي, كما لعبوا دورهم في دفع البلاد صوب التحولات الاقتصادية والا جتماعية المدنية رغم معوقات العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية ودور المؤسسة الدينية والذهنية الفلاحية العشائرية.
وجدنا دور المثقفات والمثقفين في الشعر والشعر الشعبي, في القصة والرواية والمسرح, في الموسيقى والغناء والرقص, في الرسم والنحت وتنوعات الفنون التشكيلية, كما وجدناه في البحوث العلمية والإنسانية ونقد الفكر الديني في الجامعات والدراسات الاجتماعية وفي التاريخ وفي النشاط السياسي والعمل الإعلامي. وقد أثرت جميع تلك الفنون والعلوم والأداب على أجيال عدة وساهمت في رفع وعي الإنسان في المدينة على نحو خاص وعبأت الكثير من القوى لصالح التغيير الاقتصادي والاجتماعي.
لقد حمل المثقف راية المجتمع المدني الديمقراطي, راية الحرية والحياة الجديدة, إذ كان لكل ذلك دوره في النضال الوطني, ولكنه عانى من دور السياسي المهيمن على دور المثقفة والمثقف ولفترة غير قصيرة. وكان لذلك دوره السلبي على انطلاقة المثقف نسبياً, إلا أنها تقلصت وتراجعت واشتد دور السلطة في أعقاب ثورة تموز نسبياً ثم في الفترات اللاحقة أكثر فأكثر.
ومنذ اربعة عقود حتى سقوط النظام البعثي الصدامي هيمنت على البلاد ثقافة قومية شوفينية عربية صفراء انطلقت من مواقع السلطة السياسية وعملت من أجل فرض نهجها الواحد المتخشب والتجهيلي على الثقافة والمثقفين, ولكنها اصطدمت بثقافة أخرى ومثقفين آخرين رفضوا الانصياع للدكتاتور, وسعوا إلى نشر ثقافة الانفتاح على الثقافة العالمية والتلاقح معها, ثقافة ديمقراطية تنويرية فاعلة ومحفزة على طلب الحرية والديمقراطية وتنويع أوجه الحياة الغنية والتقدم.
وفي هذا الصراع انتصرت السلطة البعثية في فرض ثقافتها لسنوات طويلة وساد الجدب في العراق إلا من اقلام حية عرفت كيف تستخدم أدوات واساليب أخرى لتمير ثقافة عدم الاتصياع والتمرد على القائم, والبعض مارس أسلوب كليلة ودمنة, إلا من ترك العراق ومارس العمل الثقافي في الخارج ليشارك في تعرية النظام وفضح طبيعته العدوانية. كانت حصيلة الصراع ولسنوات كثيرة موت الكثير من المثقفين المبدعين أو زجهم في السجون أو إرسالهم إلى جبهات القتال أو هجرة الكثيرين منهم ليعيشوا في المنافي ويكتبوا للعراق والشعب العراقي.
لم تهزم الثقافة الديمقراطية بل حافظت على إصالتها لدى الكثير من مثقفات ومثقفي الداخل إضافة إلى مثقفات ومثقفي الخارج. وكانت الخميرة التي تناضل اليوم من أجل أن يكون لها دورها في حياة المجتمع العراقي بكل مكوناته القومية.
إلا أن العراق يعيش ومنذ سنوات ثقافة ظلامية لا تختلف كثيراً عن ثقافة السلطة البائدة إلا من حيث الرداء الذي ترتديه. فإذا كانت ثقافة البعث الصدامي ثقافة قومية شوفينية وعنصرية صفراء, فأن ثقافة البعض المهيمن اليوم هي ثقافة دينية ط\ائفية سياسية صفراء ايضاً وهي في الجوهر متداخلة بثقافة قومية أيضاً. والتي تجد تعبيرها في المناهج التربوية والتعليمية وفي سوق الكتب وعلى المنابر ايضاً. إنها ثقافات لهويات قاتلة ومفرقة للصف الوطني.
نحن أمام ظاهرة جديدة سلبية ترفض الثقافة والفنون الإبداعية كالرسم والنحت والغناء والرقص والموسيقى والمسرح المفتوح والحر أو شعر الحب والغزل, وترفض باسم الخطر الغربي المهدد للثقافة العربية الإسلامية التلاقح والتفاعل الثقافي مع العالم الخارجي.
ولكن هذه الثقافة المشوهة هي عملة خاسرة, رغم هيمنتها النسبية البارزة في الحياة العامة بسبب تداعيات الحرب وفرض قرار الاحتلال والمحاصصة الطائفية والقومية السياسية, وستسود موضوعة التعدد والتنوع الثقافي في العراق الذي نريد ان يبنى ليكون بستاناً للثقافات العراقية العديدة والمتنوعة وليس لثقافة واحدة ورأي واحد ونظرة واحدة.
والصراع اليوم شديد ومتعدد الجوانب, ومن بيده السلطة يستطيع أن يعزز مواقعه وثقافته ويحارب الثقافات الأخرى, بسبب امتلاكه للسلطة والنفوذ والمال العام, وبسبب احتكاره لمؤسسات الدولة الإعلامية والثقافية من جهة, ومنعه أو غلقه أبواب الصرف على المؤسسات الديمقراطية للثقافة العراقية وللمثقفات والمثقفين في العراق. لا شك في وجود مقاومة ديمقراطية لمثل هذا النهج الذي برز في وزارة الثقافة وفي وزارات التربية والتعليم. ولا شك في أن مثل هذا الصراع كلف ويكلف حياة أناس كثيرينو ومنهم مثلاً قاسم عبد الأمير عجام وكامل شياع, على سبيل المثال لا الحصر.
علينا ان نتصدى لحرمان المثقفات والمثقفين من ممارسة النقد للفكر الديني (وهنا وردت لدي كلمة النقد للدين التي صححا الأتساذ فاضل ثامر في كلمته القيمة في أعقاب كلمتي, والتي برز فيها أهمية التعدد والتنوع في الثقافات والنقد لا يوجه للدين بل للفكر الديني الذي يبرز في الكثير من الأوجه ومنها بعض الفتاوي).
ليس هناك من يراقب الصحافة والصحفيين وما ينشرونه, وليس هناك من يراقب الكتب والمطبوعات, وليس هناك من يراقب المواقع الإلكترونية أو ما يدخل العراق من كتب ومجلات وجرائد, وهو أمر جيد وخطوة محمودة. ولكن في الوقت نفسه ليس هناك من يضمن حياة الصحفي والكاتب وصاحب المقال أو الكتاب, بل يمكن في كل لحظة أن تنزل عليه اللعنة بأشكال مختلفة, سواء التهديد من على منبر أو الطرد من الجريدة, كما فعل شيخنا المعمم محمد جلال الصغير وما نفذه فلح المشعل, أو كما فعل أصحاب كاتم الصوت مع قاسم عجام وكامل شياع أو الدكتورة المعملجي, أو ... الخ.       
علينا إيصال صوت الاتحاد العام للأدباء والكتاب إلى كل العراقيات والعراقيين, إلى كل المسؤولين, علينا النضال بطرق سلمية وديمقراطية من أجل تنشيط التنوع الفكري والثقافي, وإلى تلاقح الثقافات وليس غلى تناحرها.
أن مؤسسات التربية والتعليم والثقافة, التي تمتلك الموارد المالية والأجهزة, في مقدورها, وفي مقدور المنظمات غير الحكومية, رغم فقرها, المشاركة في رفع الوعي ونشر التنوير, شريطة أن تتميز كلها بالروح الحية وبقيم الحرية والديمقراطية.
إن المثقفة والمثقف في العراق يواجه نضالاً متعدد الجوانب, مضالاً من أجل تغيير البنية الاقتصادية والبنية الاجتماعية والوعي الا جتماعي والتنوير الديني والاجتماعي, إذ بدون ذلك تبقى عملية التغيير السلمي والديمقراطي صعبة ومعقدة ومليئة بالتضحيات.
في نهاية مداخلتي في ضوء الدعوة التي وجهت لي للحديث في قاعة الاتحاد العام للأدباء والكتاب بتاريخ 8/8/2009, تحدث الأستاذ فاضل ثامر وأبدى, كما سجلتها في ذاكرتي, ثلاث ملاحظات مهمة:
1.   تحدث عن مسيرة الثقافة في العراق منذ بداية تشكيل الدولة العراقية, الذي اختصرته من محاضرتي.
2.   عن النسبية في فهم الحرية وما متاح الآن منها في العراق وأهمية تكريسها وتطويرها.
3.   عن نقد الدين, إذ أشار إلى نقد الدين ونقد الفكر الديني, وإذ رفض الأول أيد وأكد الثاني.
لقد تضمنت مداخلته نقداً ودياً وأخوياً وغير مباشر لي, أحترمه وأتقبله دون أدنى ريب, فليس هناك من يمتلك الحقيقة كلها, ولي باستمرار أذناً صاغية لكل من يوجه النقد لي.
وفي مداخلتي بينت إلى أهمية نقد الفكر الديني, ولكن أحد حقوق الإنسان هو حقه في نقد الدين, كما يحصل اليوم في الديانة المسيحية او اليهودية أو غيرها من الديانات, ولكن ما جاء في كلمتي هو نقد الفكر الديني, وخاصة الاتجاهات الطائفية السياسية والعنفية والسلفية الجامدة والمتخلفة منه.
في نهاية الاحتفال شرفني الشاعر المبدع والصديق العزيز, سكرتير الاتحاد, الأستاذ ألفريد سمعان باسم الاتحاد درع الجواهري الكبير, فشكراً وأف شكر على هذا التقييم والتكريم الجميل, وكان الاتحاد قبل ذاك بأشهر قد شرفني بالعضوية فيه.
للاتحاد وأمانته العامة وجميع عضواته وأعضاءه الصحة المفورة والسلامة والتقدم.
24/8/2009                 كاظم حبيب                                                       

582
هل من صعوبات أمام تحقيق التعاون والتنسيق
أو التحالف بين القوى الديمقراطية العراقية؟
الحلقة الأولى
لن أكون مغالياً ولا مبالغاً حين أدعي بأن الخلافات الراهنة بين فصائل التيار الديمقراطي  العراقي لا تمت إلى المبادئ بصلة ولا إلى الأهداف الأساسية التي تمس مصالح الشعب في هذه المرحلة من مراحل تطور العراق التي تتميز بالتعقيد والصعوبة والتي يفترض أن تناضل وتشارك القوى الديمقراطية العراقية في تحقيقها. فهي مشاكل من نوع آخر, مشاكل ترتبط بخمس جوانب جوهرية من وجهة نظري, لا بد من طرحها بصراحة ووضوح بأمل العمل على تجاوزها. وقد تيقنت لدي هذه الرؤية بعد اللقاء الممتع والمهم الذي حظيت به مع جمهرة كبيرة ومهمة من الأحبة من ممثلي الكثير من قوى هذا التيار. ويمكن تلخيص تلك النقاط فيما يلي:
أولاً: بروز النزعة الذاتية الحادة في التعامل المتبادل ورغبة كل طرف في هذا التيار الحصول على موقع أفضل تحت الشمس في تحالفاته وعلى حساب الآخرين. 
ثانياً: غياب واضح للثقة المتبادلة والود المتبادل ووجود احترام شكلي متبادل بين أطراف الحركة الديمقراطية العراقية.
ثالثاً: ضعف الممارسة الديمقراطية في العلاقة بين قوى التيار اتي تتفاعل مع غياب الرؤية الموضوعية لواقع كل منها وقدراته وعلاقته بفئات المجتمع, إذ أن دلائل كثيرة تشير إلى وجود عزلة فعلية للكثير منها, إن لم نقل كلها وبمستويات مختلفة عن الشعب وعن العلاقة المطلوبة مع فئات المجتمع ذات المصالح المتنوعة والمختلفة.
رابعاًً: ضعف الوعي بالمخاطر التي تحيط بالعراق وبالشعب وبها في آن واحد, وكأن الأمور ستسير في المحصلة النهائية لصالحها.
خامساً: الاستهانة بقوى الأطراف الأخرى, وخاصة قوى الإسلام السياسية, والاعتقاد بأنها فقدت أرضيتها الاجتماعية الدينية, وأن الانتخابات القادمة ستبعدها عن الهيمنة على نسبة عالية من اصوات الناخبين الذين يتأثرون بعاملين هما: عامل العشائرية وعامل المؤسسة الدينية والطائفية السياسية والتلاحم بين هذين العاملين, سواء أكان بالنسبة لقوى الإسلام السياسية الشيعية أم السنية. كما يعتقد البعض بأن المرجعيات سوف تقف على الحياد في الانتخابات القادمة , وهو خطأ قاتل أن استمرت قناعتهم بذلك, فللمرجعية أساليبها وأدواتها في الدعم المباشر أو غير المباشر.
وحين تلتقي بهذا الحزب أو الكتلة على انفراد ستجد الشكوى مرة من الأطراف الأخرى, وهو تأكيد لضعف الصراحة والشفافية في ما بينها, وضعف السعي لمعالجة ضعف الثقة المتبادلة, رغم وجود أهداف مشتركة مرحلية وبعيدة المدى أيضاً, إضافة إلى وجود رؤية مضخمة للذات, للـ"أنا" والـ "نحن" في مقابل الـ "آخر" و"هم"!     
ومن هنا أقول بأن الخلاف لا يرتبط بالمبادئ والأهداف الأساسية التي تمس مصالح الشعب, بل بالقضايا الذاتية التي ترتبط بموقع كل منها في التحالف المنشود, وهو الذي يفرقها, وحين تتحالف يفرقها الموقع أو التسلسل الذي تحظى به في قوائم المرشحين للانتخابات. وحين دب الخلاف في تحالف "مدنيون" مثلاً واقترحت عليهم حلاً, رضي به البعض ورفضه البعض الآخر بذريعة أنه الأفضل من الآخرين ويمتلك قوة صوتية أعلى تؤهله للفوز بمقاعد في مجالس المحافظات, ولكن الجميع خسر حتى المواقع التي كان قد حصل عليها في الدورة السابقة بحكم وجوده في إطار التحالف مع القائمة العراقية.
علينا أن نتيقن بأننا لا نملك غير هذه القوى التي يفترض فيها أن تتعاون, لا يمكننا استبدالها بقوى أخرى, كما لا يمكن استبدال شعبنا بشعب آخر, وعلينا بذل الجهد لتذليل الصعاب في إطار القوى المتوفرة لدينا. وهي كثيرة ومهمة وقابلة للتكاثر. كما كان ساخراً برتولد بريشت حين قال ما معناه: بما إننا لا يمكننا تغيير الحكومة, فلا بد إذن من استبدال الشعب!
ولكن ما هي أسباب ضعف القوى الديمقراطية العراقية حالياً؟
لا ابالغ أيضاً حين اقول أن الضعف الحقيقي يكمن في العزلة الشديدة التي تعاني منها قوى التيار الديمقراطي عن فئات الشعب الأساسية وخاصة الفئات الكادحة والمهمشة في المدينة والريف, ومعزولة عن القوى المثقفة والواعية والقادرة على تعبئة الناس حول شعارات ملموسة وعملية ومثمرة, ومعزولة عن أولئك الذين تتحدث عن رغبتها في تمثيلهم والدفاع عن مصالحهم, في حين علاقتها بهم على اضعف ما يكون. فقوى التيار لا تمتلك علاقات نضالية جادة مع فئات الشعب رغم أنها تحمل شعارات مطلبية صائبة عموماً, لكن لا تناضل فعلياً وجماهيرياً من أجلها أو تعبئ الشعب حولها وتدفع بهم للمطالبة بها عبر احتجاجات جماهيرية أو إضرابات أو مظاهرات لتضع السلطة أمام مسؤولياتها الفعلية.
لقد تشظت قوى التيار اليمقراطي, ولكنها تبذل بعض الجهود لتلتقي في ما بينها وتتحاور, ولكن البعض منها غير مستعجل للوصول إلى اتفاق مناسب لخوض الانتخابات, بل يفكر بوضع استراتيجية بعيدة المدى, وهو أمر يحمل خللاً فكرياً, إذ من غير المعقول أن نفرط بفرصة بانتظار فرص محتملة لاحقاً. إن من المفيد أن نبدأ بالتحالف لخوض الانتخابات ووفق شعارات محدودة ومرحلية, ثم نواصل الحوار لإنجاز اتفاقات استراتيجية بعيدة المدى. يبدو أن البعض لديه نفس طويل ومرتاح للوضع الهادئ نسبياً في الوقت الحاضر, وكفى الله المؤمنين شر القتال!
البعض الآخر لا يريد الدخول بصراع مع رئيس الحكومة, وكأن الرجل هو الأمثل للمرحلة الراهنة, وبالتالي تراجع النقد الذي يفترض أن يوجه له بأمل التحالف معه بصيغة ما. إن الخشية من النقد للحكم بسبب مساهمة هزيلة في الحكم تقود إلى عواقب وخيمة عاشها الحزب الشيوعي الكردستاني/ العراق في علاقته مع الحزبين الحاكمين, إذ تشكل تحالف الحرية والعدالة بسبب رفض الحزبين التحالف مع قوى أخرى ومنها الحزب الشيوعي الكردستاني, مما اجبر الحزب على  بناء تلك الجبهة الهزيلة, وكانت النتيجة محزنة لتاريخ هذا الحزب وتراثه ونضاله الطويل. إن النقد والمعارضة لا تعنيان مناهضة وعداء موجه ضد الحكومة في ظل أجواء ديمقراطية, بل تعني رفع مستوى المسؤولية والوعي بالواقع وعواقبه المحتملة. وما يجري على مستوى البلاد مماثل نسبياً مع ما جرى ويجري على مستوى كردستان العراق.
أعتقد بأن عوامل ذاتية ورؤية قاصرة عن فهم الواقع الجديد ومستجداته ومشكلاته هي التي تعيق الوصول إلى اتفاق بين قوى التيار الديمقراطي. ويمكن تذليل هذه العقبة لو أمكن تحقيق بعض التغييرات في جميع قوى التيار الديمقراطي, وخاصة التي ترى في نفسها أنها الأكبر أن تتقدم بتواضع وبعيداً عن المماحكات بمشروع لعقد مؤتمرات في النواحي والأقضية والمحافظات وصولاً إلى بغداد لتأمين علاقات أفضل بين قواعد قوى التيار الديمقراطي من العرب والكرد وبقية القوميات التي تواجه مصاعب جدية في التعامل مع الأحزاب الإسلامية السياسية أو المغرقة في السياسات القومية الشوفينية.
نحن بحاجة إلى رؤية جديدة ولا بد من أخذ المبادرة, لا بد من البدء واستثمار الفرصة بدلاً من الدخول باستراحة صيفية طويلة الأمد يستفيد منها الآخرون على حساب التيار الديمقراطي الذي بدأ البعض من قواه يمنح نفسه فرصة الاستراحة الصيفية الطويلة.
19/8/2009                      كاظم حبيب
     
 

كاظم حبيب
هل من إمكانية لتحقيق التعاون والتنسيق بين أطراف القوى الديمقراطية العراقية؟

الحلقة الثانية
إن متابعتي لأوضاع القوى الديمقراطية تؤكد لي بأن ثلاثة عوامل تؤثر سلباً على تأمين التعاون بين قوى التيار الديمقراطي العراقي, والتي أشرت إليها في الحلقة الأولى والتي يمكن تلخيصها بنقاط ثلاث, وهي:
1 . ضعفها بشكل عام ونشوء تنظيمات جديدة خارجة من تنظيمات سابقة نشأت بسببها علاقات متوترة تستوجب التنقية.
2 . تركة غير ديمقراطية في مجمل العلاقات في ما بين القوى الديمقراطية وضعف الثقة, يضاف إلى ذلك شعور عام لدى كل طرف بقدرته وقوته ورغبته في البروز تحت تأثير ذاتية شديدة تؤثر سلباً على علاقات بعضها بالبعض الآخر.
3 . عزلتها عن الشعب وعن النشاط الجماهيري والتي نشأت تحت وطأة عوامل عدة منها الإرهاب والتهديد بالموت للكوادر السياسية وسقوط الكثير من الديمقراطيين والمثقفين شهداء على طريق النضال.
ولكن هناك الكثير من المسائل التي يفترض أن يجري التفكير بها من جانب القوى الديمقراطية العراقية والتي تستوجب تلاقيها والبحث في أوضاعها وتحويل المسار 180 درجة صوب التعاون والتحالف لخوض الانتخابات القادمة وتأمين استراتيجية تحالف لاحقة في ما بينها. وسأتطرق في هذه المقالة غلى بعض القضايا التي ربما تثير النقاش حولها لتقريب وجهات النظر. ومن باب تحيل حاصل أن نشير إلى أن القوى الديمقراطية تمتلك تجارب غنية في التحالفات السياسية, بينها ما هو ناجح وأخرى فاشلة, وبينها ما هو غث وبعضها كان سميناً. ومثل هذه التجارب يفترض أن تكون عوناً لنا جميعاً في التحري عن إمكانية لتحقيق الوحدة الوطنية لا على اساس اندماج الجميع في كيان واحد, بل على اساس التحالف السياسي لتحقيق أهداف معينة في إطار استراتيجي مناسب. ويفترض عند التحري عن إقامة مثل هذه التحالفات أن ينطلق من عدة مؤشرات أساسيةو منها بشكل خاص ما يلي:   
1 . الواقع المزري الذي يعيش فيه الشعب والمشكلات التي تبدو أكثر تعقيداً مما مضى وتستوجب الحل, ومنها الأجواء المحيطة والمحركة للعملية السياسية والتصورات المتناقضة بهذا الصدد.
2 . الآفاق التي تبدو مرة مشرقة ومرة أخرى مظلمة لاتجاهات التطور في ضوء المشكلات المعقدة على مستوى العلاقات بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية في بغداد, وكذلك العلاقات المتوترة بين القوى السياسية.
3 . الجهود التي تبذل لإقامة تحالفات ذات بعد طائفي مقيت يمكن أن يدفع بالبلاد غلى  ظلامية لا يمكن تقدير عواقبها السلبية, كما لا يمكن تقدير مدى قدرة القوى الديمقراطية  كل على  انفراد على تلك الصدمة ومواجهة الحالة الجديدة المحتملة.
4 . التعرف على مدى استعداد ورغبة وقدرة القوى الديمقراطية على تحقيق التعاون والتنسيق في ما بينها لصالح التحولات الديمقراطية لا على أساس انتخابي فحسب, بل وإلى ابعد من ذلك ايضاً.
5 . مدى تأثير الأوضاع الإقليمية والدولية المحبطة بالعراق والمحبطة أو المنشطة للقوى الطائفية السياسية من جهة, وللقوى الديمقراطية من جهة أخرى على التحرك وتحقيق التحالف الوطني والديمقراطي.
الواقع العراقي الراهن يشير إلى مجموعة من الظواهر المهمة التي يفترض أخذها بنظر الاعتبار عند العمل من أجل تأمين التحالفات الديمقراطية لتحقيق التغيير المنشود في وجهة تطور العراق الراهن, ومنها:
** التفتت الشديد والصراعات المحتدمة بين قوى الإسلام السياسية على السلطة والنفوذ والمال, رغم كل الجهود المبذولة لتحقيق التنسيق والتعاون في ما بينها وتشكيل أئتلاف جديد مشابه من حيث المبدأ للائتلاف المتفكك. وهذه الظاهرة لا تشمل القوى افسلامية السياسية الشيعية فحسب, بل والسنية ايضاً.
** التفتت الجديد في القوى الديمقراطية والسياسية والبرالية الكردستانية التي تجلت في قوائم خوض الانتخابات وفي النتائج التي انتهت إليها وفقدان نسبة الثلثين لدى الحزبين الرئيسيين الحاكمين, واحتمال بروز تأثير ذلك على الساحة العراقية, إضافة إلى ساحة غقليم كردستان العراق.             
** استمرار التفتت في قوى التيار الديمقراطي واللبرالية والعلمانية العراقية, رغم كل المحاولات الجارية لتحقيق التعاون والتنسيق, رغم بروز نجاحات بسيطة وجزوئية في نشوء الائتلاف الديمقراطي الجديد أو وجود لجنة تنسيق القوى الديمقراطيةو أو خروج مجموعة من القائمة العراقية لتشكيل كتلة ديمقراطية ربما تنسق مع قوى أخرى أيضاً.
حتى  الآن تشير المتابعة اgسياسية إلى أن حظ قوى الإسلام السياسية إلى تحقيق التعاون في ما بينها هو أكبر من حظ القوى الديمقراطية بسبب ضغوط قوى الجيران من الشرق والغرب والجنوب, ولكن لا يفترض أن نقبل بهذا الاستنتاج, إذ لا بد من تكثيف الجهود بهدف الوصول إلى نتيجة إيجابية أخرى.
وإذا كان التحالف الكُردستاني حتى الآن يتحرك على خطين ويسعى للاستفادة من الجانبين رغم تحالفه مع الجماعات الطائفية الأقوى التي ضعفت في الفترة الأخيرة جدياً وفقدت الكثير من قاعدتها في محيط القوى المتدينة, والتي ساهمت في غضعاف القوى الديمقراطية العربية وبشكل عام ايضاً, فأن احتمال استمرار التحالف معها قائماً, رغم محاولة هذا التحالف التحري عن بديل للتعاون بسبب النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات في الإقليم والتي خسرت الكثير من القوى التي كانت لها ومحسوبة عليها. التحالف الكردستاني يسعى لإيجاد تعاون مع قوى الإسلام السياسية السنية أيضاً بأمل تحقيق توازن معين في البلاد, ولكن مثل هذا التوازن لا ينهي التدخل الفظ من جانب القوى الإقليمية الشيعية والسنية في الشأن العراقي. والحل الأمثل للتحالف الكردستاني يكمن في ضرورة العمل لتأمين تحالف وطني عراقي ديمقراطي واسع مع القوى الديمقراطية العربية والتركمانية والكلدانية لخوض الانتخابات القادمة عبر تعاون مشترك يمكن أن يضمن لها مستوى إيجابي مناسب على مستوى العراق.
إن الخسارة التي منيت بها بعض قوى الإسلام السياسي لصالح قوائم إسلامية أخرى تحت واجهة قائمة فرض القانون, دفع بها إلى سلوك سياسة قريبة من الانتخابات السابقة والتي تتبلور في النقاط التالية:
* تنشيط الاستقطاب المذهبي القائم على نهج طائفي مقيت يؤدي بدوره إلى استقطاب في الطرف الثاني.
* تنشيط زيارة المراقد المقدسة لدى الشيعة بأمل ضشدهم إليهم وتعميق الإحساس بالارتباط بالمذهب والطائفة التي تأتي على حساب روح المواطنة المتساوية والانسجام الوطني.
* تحريك بعض أو كل المرجعيات الدينية لتأييدها في الانتخابات القادمة بحجة أن الصراع هو بين الإسلام والإلحاد. وبعض المعطيات تشير إلى مثل هذا التحرك.
* شن حملات ظالمة ضد القوى الديمقراطية واللبرالية والعلمانية بهدف تشديد الصراع وتأمين الاستقطاب الذي تنشده.
* كما ستواصل دفع المزيد من الموارد المالية والإعانات لجمهرة كبيرة من القوى المهمشة اقتصادياً لأخذ أصواتها في الانتخابات القادمة على طريقة البطانيات وما يماثلها
وستبرز هذه الوجهة في الانتخابات القادمة, وهي إشكالية كبيرة ليست في صالح القوى الديمقراطية, خاصة وأن الإعلام الحكومي موجه لخدمة ذات القوى, وكذلك الكثير من القوى التي لها علاقة بالانتخابات القادمة.   
قوى تيار الديمقراطي تقف أمام واقع اقتصادي اجتماعي وثقافي يتسم بالردة الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية, وهي بحاجة إلى استنهاض الهمم وتنشيط العمل الفكري والسياسي والثقافي بعد الخسارة التي منيت بها في انتخابات مجالس المحافظات ومن خلال طرح شعارات تلامس نبض الشارع وحاجات الناس اليومية ومعاناتهم مع مشكلات الكهرباء
والماء والنقل والخدمات الصحية والبطالة والفساد المالي والإداري والحزبية الضيقة والطائفية الأضيق والأكثر سلبية ... الخ.
المطلوب من القوى الديمقراطية بمختلف فصائلها واتجاهاتها الدعوة إلى عقد مؤتمر عام يحضره ممثلون عن تلك القوى في المحافظات بعد عقد مؤتمرات او لقاءات لها في المدن والأقضية وحيثما أمكن للبحث في موضوعات ثلاث:
- سبل تحقيق التحالف الاستراتيجي في ما بينها وما هي الأهداف والمهمات التي تثبت للعمل من أجلها والتي تعتبر القاسم المشترك الأعظم في ما بين أهداف هذه القوى مجتمعة.
- التحالفات التكتيكية وصولاً لتحقيق الاستراتيج الأبعد, ومنها التحالف الضروري لخوض الانتخابات القادمة في العراق كله وفق برنامج مشترك وقوائم مشتركة.
- سبل وأدوات النضال الجديدة التي يفترض ممارستها إلى حين الانتخابات القادمة وما بعدها وعدم التخلي عن اساليب الاحتجاجات والاعتصام والإضرابات والمظاهرات التي يفترض أن تمارس كلها بطرق سلمية وديمقراطية بهدف تنشيط الضغط على قوى الحكومة والوزارات المعنية لضمان أوضاع أكثر جدية وحداثة والتزاماً.
على ضوء كل ذلك واستناداً إليه وإلى غيره من العوامل الدافعة صوب ضرورة تحقيق التحالف بين القوى الديمقراطية على صعيد اعراق كله اقترح التالي مرة أخرى:
أولاً: عقد مؤتمر واسع ومفتوح لكل القوى الديمقراطية واللبرالية والعلمانية بدءاً بالمحافظات وانتهاء ببغداد.
ثانياً: بلورة المهمات الجديدة ذات المدى الاستراتيجي والمهمات التكتيكية المرتبطة بالانتخابات القادمة.
ثالثاً: تحديد الأدوات والأساليب والسبل الجديدة لتنشيط النضال المطلبي من أجل مصالح الشعب وحل مشكلاته الأساسية التي تمس جميع مجالات الحياة ابتداءً من الحريات العامة والتنمية الاقتصادية ومكافحة البطالة والمهمات الاجتماعية وحقوق المرأة والطفل والمهمات التربوية والتعليمية والحياة الثقافية وتطهير البلاد من القمامة وحماية البيئة, ...الخ.
رابعاً: توجيه المنظمات الحزبية والكتل السياسية والشخصيات التي تسعى للعمل في إطار القوى اليمقراطية بكل فصائلها إلى إبداء المرونة والاستعداد للمساومة من أجل الوصول إلى التحالف المنشود, سواء ما يمس الأهداف أو تشكيل القوائم الانتخابية.
ليس هناك ما يؤكد قدرة الجميع على الخروج بتحالف عام وشامل لكل القوى الديمقراطية, ولكن ربما يكون ممكناً تعبئة أوسع تحالف ممكن يمكن فيما بعد كسب بقية القوى إليه, إذ أن المعركة الانتخابية القادمة سترسي قاعدة مهمة لاتجاهات التطور القادمة.
إن من هو موجود في الساحة السياسية العراقية أدرى بشعاب بغداد والعراق عموماً, ولكن أملي أن نعمل لتحقيق التحالف ومواجهة المهمات الجديدة بوحدة واعية وقادرة على تأمين تأييد المزيد من العراقيات والعراقيين في الداخل والخارج. ولكن علينا أن لا نستهين بأي عنصر عراقي يريد المشاركة في النضال الجاري من أجل عراق أفضل, عراق ديمقراطي اتحادي خال من القوى الأجنبية والتدخل الفظ في الشأن الداخلي ومن الطائفية والتعصب القومي والتمييز والفساد.     
19/8/2009                     كاظم حبيب       

583
التفجيرات الأخيرة ... ماذا تعني؟

بعد قرار انسحاب القوات الأمريكية من المدن العراقية واقتصار عملها على التنسيق الأمني, اتخذ رئيس الوزراء العراقي قراراً برفع الحواجز الكونكريتية من تلك المناطق التي نصبت فيها باعتبار أن أجهزة الأمن العراقية قد استطاعت السيطرة على الوضع الأمني وليست هناك مخاطر كبيرة تهدد الناس في حياتهم. وقد أشرت في مقال لي بعد صدور هذا القرار مشيراً إلى خمس نقاط أجد مناسباً ذكر مضامينها, وهي:
1 . إن رفع الحواجز الكونكريتية يراد به طمأنة المواطنات والمواطنين إلى أن الأمن قد استتب في العراق عموماً وبغداد خصوصاً, وأن هذا الموقف يحمل معه بداية لحملة انتخابية يري بها رئيس الوزراء خوضها مبكراً. ولكن هذه السرعة تحمل مغامرة غير محسوبة العواقب جيداً.
2 . إن هذا القرار فيه تحدٍ لكل قوى الإرهاب التي برهنت خلال الأسابيع الأخيرة على أنها لا تزال تمتلك القدرة على إنزال الضربات بالمواطنات والمواطنين, وفيه تأكيد آخر أن أجهزتنا الأمنية غير مخترقة, وأن رئيس الوزراء يؤكد بأن من يشكك بأجهزة الأمن لا يخدم مكافحة الإرهاب! وقد برهنت الأيام على خطأ موقف رئيس الوزراء.
3 . وأن هذا القرار لا يتناغم مع عجز رئيس الوزراء عن تحقيق المصالحة الوطنية المنشودة وأن تحالفاً جديداً نشأ بين عدة أطراف مناهضة للوضع في العراق لتأجيج الصراع الطائفي.
4 . وأن التصريحات التي يطلقها رئيس الوزراء ضد الطائفية لا تجد تعبيرها في الممارسة العملية, بل أن الطائفية قد كرست في هذه الفترة, وأن المواطنات والمواطنين من أتباع المذهب السني يشعرون بالحيف اللاحق بهم, ومنهم قوى الصحوة التي رعتهم الولايات المتحدة وكفت عن ذلك نسبياً الحكومة العراقية.       
5 . كما أن رئيس الحكومة العراقية لم يبذل الجهود الضرورية لمعالجة المشكلات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم التي تسمح لقوى الإرهاب استثمارها في مناطق مختلفة من العراق لتشديد الصراع.
إن هذا الواقع يسمح بتحركات إقليمية نشطة من جانب بعض حكومات وقوى دول مجاورة على بعض القوى الداخلية الطائفية, شيعية وسنية, بعثية وقومية وإسلامية سياسية متطرفة, لإعادة العراق إلى نقطة الصفر قبل بدء حملة "فرض القانون".   
لقد سقط ما يقرب من مئة شهيد وأكثر من ألف جريح ومعوق, إنه يوم دام ومرير لكل العراقيات والعراقيين المحبين لشعبهم ووطنهم. إنها جريمة بشعة تؤكد شراسة القوى المناهضة لاستتباب الأمن العراقي وعن إصرارها على مواصلة القتل المتواصل وتدمير البنية التحتية وإشاعة الخوف والقلق وتنشيط الهجرة من العراق من جهة, كما تؤكد ضعف كفاءة وقدرات وخبرات ومعارف ونشاط أجهزة الأمن العراقية وغرور قادتها من جهة أخرى, وعن وجود ثغرات جدية واختراقات لهذه الأجهزة ومن حولها من جهة ثالثة, واختراقات حدودية من الدول المجاورة وبشكل خاص وصول المساعدات المالية والانتحاريين القادمين من دول عربية وإسلامية, ومنها سوريا والخليج وإيران وشمال أفريقيا من جهة رابعة.
 ولا بد لنا من الإشارة إلى  جانب آخر وأعني به مشكلة الغرور الذي هيمن على رئيس الوزراء وبعض العاملين معه وحزب الدعوة وكذلك بعض أجهزة الأمن التي لم بدأت تستهين بإمكانيات القوى المناهضة, ومن يستهين بها يرتكب حماقة كبيرة. وهو ما يواجهنا اليوم بشكل ملموس.
علينا أن ندرك تماماً بأن القوى المناهضة في الداخل والخارج لن تتورع عن ارتكاب أبشع الجرائم ولن تكف عن العمل ضد استقرار العراق ولو للحظة واحدة ومهما حصل العراق على تطمينات, فهي لن تكون جدية بل شكلية ودعائية, إذ أن الأهداف التي تكمن وراء تلك القوى واضحة. ولكن علينا أن ندرك بأن هذه القوى لا يمكنها أن تنجح حين نسد جميع الثغرات التي يمكن من خلالها ممارسة عملياتها العدوانية التي تقتل من خلالها المزيد من البشر وتدمر الكثير من البنية التحتية.
وبصراحة وشفافية تامتين, وأنا قادم لتوي من العراق, أؤكد بأن الشعب العراقي بمختلف قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه وأغلب اتجاهاته الفكرية والسياسية غير مرتاح لما يجري في العراق. نعم هناك بعض الأمن, وثبت لنا الآن بأن هذا الأمن غير مستقر قطعاً, وباقي الأمور غائب جدياً: الكهرباء, الخدمات الهاتفية, الماء الصالح للشرب, الخدمات الصحية والطبية, التربية والتعليم وسيادة الفكر الطائفي السياسي الرجعي, التمييز في التعيين والتوظيف والبعثات والقبول في الجامعات, القمامة في الشوارع, حتى في حي الخضراء وقرب دار رئيس الوزراء القمامة موجودة وقد رأيتها بأم العين حين مررت بقربً الدار بالسيارة في زيارة لأحد الأصدقاء.         
الشعب غير مرتاح بكل فئاته عدا القطط السمان الذين اغتنوا بالسحت الحرام بشكل خاص. الجياع كثيرون والبطالة واسعة والهامشيون والمهمشون ينتشرون في أنحاء الوسط والجنوب, المثقفون جزعون لأن كل شيء مغلق في وجوههم, في ما عدا ما يقدم لهم من "عطاءات" وليس كحق ثابت وهو قليل وقليل جداً, والصحفيون معرضون للطرد في كل لحظة بعد أي خطبة من شيخ جاهل وحاقد على الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الصحافة والنقد وحقوق المرأة, والمرتشون كثيرون جداً والفاسدون من سارقي أموال الشعب يساهمون بإثارة الشعب ويمارسون بصيغ شتى في دعم الإرهاب بطرق مباشرة وغير مباشرة.
من المؤسف حقاً أن رئيس الوزراء لا يمتلك من يقول له هذا صح وهذا خطأ من مستشاريهالكثيرين جداً, فهو كبقية الحكام العرب منفرد في رأيه ومستشاروه غير مستعدين للمجازفة بمناصبهم بتقديم النصيحة الجيدة له أو أنهم غير كفوئين لا يملكون نصيحة جيدة ولا يعون اهمية المنصب وضرورات الكفاءة الجيدة ...الخ, والقائمة طويلة ..
نحن أمام حرية يمكن أن نسميها "حرية المغامرة" التي يتورط بها المواطن وخاصة الكاتب والصحفي والمثقف عموماً والسياسي غير المحمي بالمنطقة الخضراء وما حولها. للإنسان الحق في أن يكتب ويتحدث بما يشاء, ولكنه لا يعرف متى تأتيه الرصاصة من كاتم صوت ومن هو المسؤول عن هذه الرصاصة: هل جاءت من الجماعات الإرهابية المتطرفة من أتباع تنظيم القاعدة, أم من مجموعة عزة الدوري المجرمة, أم من مجموعة هيئة علماء المسلمين وعلى رأسها حارث الضاري, أم من منظمة بدر أم من جيش المهدي أم من غيرها من عصابات القتل وفق مبلغ مدفوع, أم من جماعة الحرس الثوري الإيرانية أم من مجموعة تابعة بشكل غير مباشر إلى الأمن السياسي السوري أم من جماعات خليجية وسعودية غير قادرة أن ترى الطائفية الشيعية السياسية هي المهيمنة على الحكم وتريد الحكم للطائفة السنية السياسية ...الخ, دون أن تعي أهمية المواطنة غير الطائفية في العراق وفي بلد متعدد القوميات والديانات والمذاهب ...الخ..
نحن أمام مشكلات لا يراد حلها ولكي تبقى ترهق الوضع وتسمح لقوى الإرهاب الاستفادة منها لإشاعة الفوضى في البلاد. ودون أي حل لهذه المشكلات لن يستقر العراق ونقول هذا بكل ثقة, إذ لا ينفع العمل مع أجهزة الأمن والعمل العسكري فقط, بل العمل في كل الاتجاهات والمجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والتعليمية والتنويرية ...الخ.
20/8/2009                     كاظم حبيب
 
 

584
مرَّ عام وقتلتك غير معروفين يا أبا إلياس!! .. فهل هم صادقون في ذلك؟؟

ها نحن أمام الذكرى الأولى لاستشهادك يا أبا إلياس على أيدي قتلة مجرمين نتنين لا يعرفون معنى الحياة وربما لا يعرفون لماذا قتلوك, إذ أن العارفين بأسباب القتل هم من يقف خلفهم من أعطاهم القرار بتوجيه كاتم الصوت إلى رأسك النير وقلبك الطاهر ونفسك الأبية وشخصك الدافئ وشخصيتك الحميمة مع الجميع...
الأجهزة الأمنية للدولة الأمريكية والأجهزة الأمنية "للدولة!" العراقية لم تصل كلها حتى الآن, كما يقولون, إلى تشخيص أو معرفة القاتل أو الجهة الموجهة  للقتل, فهل نحن على بينة لما يجري في العراق؟ وهل هم صادقون؟
لا استطيع أن أتهم أي إنسان بهذا القتل, فأنا لست محققاًً قانونياً ولا قاضياً ولا أملك البراهين الكافية لكي أوجه اصابع الاتهام إلى من سفك دمك إيها الإنسان الطيب والصديق الحميم. ولكن أنا وغيري نستطيع أن نشخص بوضوح كامل تلك الإيحاءات التي تطلق بين فترة وأخرى لكي توجه بعض الناس وبعض الجهات لقتل من تشاء بتلك الإيحاءات. فالتهديد والوعيد أو التعبير عن الكراهية أو عدم الارتياح في الوزارة من هذا المسؤول الكبير المتنفذ أو ذاك المرتبط بهذه الجهة الظلامية أو المتطرفة أو المتعصبة طائفياً ودينياً أو تلك, هي كافية حقاً لكي يوجه كاتم الصوت نيرانه صوب هذا الرأس أو ذاك. وهكذا كان الأمر ببساطة مع الإنسان العقلاني المتنور كامل شياع, حيث قتل في وضح النهار بكاتم صوت ليكون درساً لمن يسير على دربه!! فهل هم قادرون على منع التقدم والتطور بمثل هذا الجرائم الدنيئة؟ كلا وألف كل, بل هم الخاسرون في نهاية المطاف وفي المحصلة النهائية.
بالأمس عشنا تجربة جديدة اقترنت بالمقال الذي كتبه الصحافي السيد أحمد عبد الحسين, بالأمس ارتفع صوت, وأي صوت, من على منبر جامع براثا مهدداً متوعداً بالويل والثبور لمن كتب هذا المقال, شاتماً إياه متحدثاً باقبح الكلمات, أرعبت مسؤول الجريدة وخشى على وظيفته وربما على نفسه أيضاً, قادت إلى إبعاد الرجل من الصحيفة الرسمية التي يعمل بها صحيفة الصباح التي يفترض أن تكون ناطقة باسم كل العراقيات والعراقين ويفترض أن تكون معبرة وحرة عن اراء كل المواطنات والمواطنين. ولا ندري كيف سيتطور الأمر مع الزميل أحمد عبد الحسين, إذ ليس لدينا القدرة على حمايته ونتمنى له السلامة من تلك الكلمات الحاقدة التي يمكن أن تتحول في لحظة ما ومن قبل شخص ما أو أكثر إلى رصاصات تصيب القلب والعقل. فهعؤلاء الناس أدرى بأن كلماتهم لدى بعض الجهلة تعني أشياء كثيرة ومنها الموت!!
إنها الكلمات, إنها الجريمة غير المباشرة التي ارتكبت وأدت إلى استشهاد كامل عبد الله شياع, المستشار الثقافي في وزارة الثقافة العراقية. ولكنها في واقع الأمر تشير إلى الجهة أو الجهات التي نفذت العملية ضد هذا القامة الثقافية الديمقراطية الشامخة في العراق والعالم العربي. وعلينا غيقاف مثل هذه الجرائم غير المباشرة والمباشرة, فهم نحن قادرون؟
لا يجوز أن نتحرى عن القاتل المباشر فهو مأجور, وحين يلقى القبض عليه يمكن أن يجد من اتسأجره قاتلاً آخر لتنفيذ أوامر القتل .. وهلمجرا, فالقتلة المأجورون كثرة في عراقنا الحبيبو عراقنا الجائع والمريض والمتخلف في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ العراق, بل علينا أن نتحرى عن "من يقف وراء القتلة", على من دفع مالاً أو موقعاً للقاتل في الجنة, لجاهل أهوج لكي يمارس القتل. على المسؤولين في أجهزة الأمن, إن كانوا جادين, أن يفتشوا عن القتلة في الخطب وفي التصريحات وفي الأحاديث التي أطلقت قبل قتل الأستاذ الراحل كامل شياع من جانب مجموعة غير قليلة من الذين كانوا يعملون مع المستشار الثقافي من هويات طائفية جارحة ومقيتة ألَّبت وحرضت على قتل كامل شياع. وهي لا تزال تحرض على قتل آخرين. وعلينا أن نتذكر تلك الضجة التي افتعلت حين اقيم مهرجان المربد في ايام 26 و27 و28 من شهر نيسان من هذا العام في البصرة, وقيل أنهم بعثيون يريدون الاحتفال بميلاد الدكتاتور صدام حسين في 28 منه! أفليس هذا تحريضاً وبغض النظر عن قائله ضد هذا الإنسان أو ذاك أو ضد هذه الجماعة أو تلك؟ ألا يحق لنا أن نطالب بإبعاد مثل هؤلاء الطائفيين الحاقدين عن مواقع المسؤولية التي لا يستحقونها وهم قابعون في واحدة من أكثر الوزارات أهمية ومسؤولية في المشاركة في نشر الوعي الثقافي, نشر الاعتراف المتبادل والتسامح والتفاعل والتعاون, نشر المحبة وضد الكراهية والحقد بين الناس, نشر فكر وشرعة حقوق الإنسان وليس اغتصاب حق الحياة أو الدفع باتجاه اغتصاب حياة إنسان.
أتوجه إلى مجلس الوزراء ورئيس الوزراء ووزارة الداخلية ووزارة الأمن الوطني وأجهزة الأمن العراقية لتذكيرهم جميعاً بأنهم لم يؤدوا حتى الآن واجبهم الرسمي باكتشاف قتلة كامل شياع وقتلة شهداء آخرين سقطوا في العاصمة بغداد وفي وضح النهار, سواء في الشوارع أم في البيوت وبأساليب شتى. نتمنى عليهم أن يكثفوا الجهود لاكتشاف من يقف وراء كل ذلك أولاً, ولكي يمنعوا المزيد من القتل المماثل ثانياً, ولكي يضعوا حداً للمحرضين على القتل سواء من على المنابر أم في قاعات واجتماعات احتفالية أو حزبية أو غير ذلك ومحاسبتهم أياً كان الموقع الذي يحتلونه والمكانة التي يتمتعون بها, فهم حين يقومون بذلك لا يستحقون تلك المواقع ولا تلك المكانات.               
إلى عائلة ورفاق واصدقاء وقارئات وقراء الشهيد كامل شياع أحر التعازي القلبية والمشاركة الوجدانية بالخسارة الفادحة, وله الذكر الطيب والدائم.
19/8/2009                الموجوع بموته كاظم حبيب     

585
لا لتطويع الكتاب والصحفيين .. لا لكم الأفواه ...!!

كتبت الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانم في روايتها "أحلام الجسد" تقول بحق أن الأم تبذل سنوات عدة من عمرها لكي تعلم الطفل كيفية النطق, في حين تبذل الحكومات العربية سنوات طويلة وأموالاً طائلة لتسكت الإنسان. هكذا عاش الكتاب والصحفيون وقوى المعارضة في العراق عقوداً طويلة ومريرة يعانون من سياسة كم الأفواه أو قضاء سنوات من عمر الإنسان في غياهب السجون الصدامية وسراديب الأمن العراقي أو الهروب إلى المنافي البعيدة أو الاختفاء القسري أو العثور على جثة الضحايا في المقابر الجماعية أو عدم العثور عليها أصلاً حيث كانت قد ذوبت في أحواض مليئة بحوامض تغيب جسد الإنسان كلية, أو رمي جسد الضحية, حياً كان أو ميتاً, في مكائن فرم هائلة تفرم اللحم والعظام وترمي بها إلى قنوات ماء حيث تتغذى عليها الأسماك!
لقد عاش الشعب المرارة والهزيمة والانسحاق, عاش الظلم والاضطهاد والقهر اليومي, عاش الألم والدم والدموع, عاش الجوع والحرمان, حمل الكثير من بنات وابناء الشعب على أكتافه البنادق لمقارعة المستبدين في أرض العراق. مات الكثير من الناس الطيبين الذين كانوا يحلمون بغدٍ أكثر أمنا وسلاماً وازدهاراً, أكثر ديمقراطية وحيوية وأكثر إنسانية مما نواجهه اليوم.
مات الإنسان العربي وبجواره مات الكردي, ثم مات التركماني والكلداني والآشوري, مات الصابئي المندائي ومات الأيزيدي والكاكائي والشبكي, ماتوا تحت حراب الدكتاتورية. كان كم الأفواه والموت يلاحق الجميع, مات صباح الدرة وصفاء الحافظ وعائدة ياسين, مات محمد باقر الصدر وأخته بنت الهدى, مات عزيز السيد جاسم..., ابتلع الموت الكثير من العراقيات والعراقيين على مدى أربعين عاماً, إضافة إلى السنوات الأخيرة تحت حراب التكفيريين والمليشيات الطائفية المسلحة والبعث الصدامي الهامد, أفلا يكفي كل ذلك؟ هل نحن نعيش في جهنم, كما صورها لنا القرآن, التي تطالب دوماً ودون انقطاع : هل من مزيد؟
على أولئك الذين يحملون معاول الهدم بحجة الدفاع عن الدين من على منابر المساجد والجوامع والحسينيات أن يكفوا عن محاولة تكميم الأفواه, فلن نسكت بعد اليوم عن أي فاسد ومفسد, ولن نقبل بأن نُقدم كالخراف للطعن أو جز الصوف أو الذبح. لن نقبل أن نكون خرافاً ونسكت عما يجري تحت سمع وأبصار الجميع من نهب وسلب, وإذا ما تحدث أحدنا, رفع أحدهم عقيرته ناهقاً بالشتم والإهانة والتهديد والوعيد. وما أن ينتهي من خطبته حتى يجد الكاتب أو الصحفي الكاتب نفسه خارج دائرة العمل, مطرود من وظيفته, وهناك من ينفذ هذا الأمر غير الرسمي والقادم إليه من على منبر حسيني دون مناقشة, لأنه يخشى على نفسه بعد أن سمح بنشر مثل هذا المقال ضد الفساد. قيل قديماً إذا ما حلقت لحية جارك, فأقرأ على  لحيتك السلام.. هكذا يتعامل بعض الناس ممن يخشون على وظائفهم من بعض الحكام والمتنفذين الحاليين, لأنهم كانوا في فترة البعث ممن رفع راية التأييد للبعث وتغني بصدام حسين أو كان مجبراً على ذلك!
الزميل أحمد عبد الحسين لم يتحدث كثيراً, كتب مقالاً قصيراً, وضع يديه على ما يتحدث به الشارع يومياً وفي كل ساعة, بل في كل لحظة. عشت ذلك في بغداد وكربلاء والحلة وفي أربيل والسليمانية ودهوك, عشت ذلك في كل مكان في أجهزة الدولة, في دائرة التسجيل العقاري وفي محاولات البعض في العودة إلى الوظائف من أجل الحصول على التقاعد رغم شرعيته, وعشت أخذ الرشوة حتى من بعض من يدعي الديمقراطية والتقدمية, بل والشيوعية. وتابعت ذلك كما عاشه الجميع في الحملة  الانتخابية الأخيرة. أليس من حق صحفي عاقل ويشعر بالمسؤولية أن يكتب عما عرف به وعاشه يومياً؟
لن ينفع كم الأفواه بعد اليوم من بعض القوى التي تريد كم تلك الأفواه بكل ثمن. ولكن لم يستطع حتى صدام حسين كم كل الأفواه, رغم الموت الذي طال الكثيرين جداً من بنات وأبناء الوطن.
لنرفع صوتنا عالياً مطالبين بثلاثة مطالب لا غير في هذا المجال:
-   الحرية الكاملة للصحافة والصحفيات والصحفيين وتأمين الحماية لهم من الموت والطرد من الوظيفة ومنع المحاربة بالرزق.       
-   الكف عن استخدام المنابر الحسينية والجوامع أو المساجد في محاربة الحريات الديمقراطية والحياة الحرة والدعاية الإيديولوجية الدينية ضد القوى الأخرى ومنها القوى الديمقراطية والعلمانية أو ضد المذاهب والأديان الأخرى.
-   إعادة كل من طرد من الوظيفة بسبب غياب حرية الصحافة إلى عمله ومعاقبة قانونية لمن تسبب في ذلك, ومنهم السيد أحمد عبد الحسين.
وحين لا تقوم الحكومة بذلك علمنا ممارسة اسلوب الإضراب السلمي والتظاهر السلمي لإيصال صوتنا إلى المجتمع العراقي والدولي في آن لينتصر لنا, ونفرض بأسلوب سلمي وديمقراطي مطالبنا المشروعة والعادلة... 
16/8/2009                        كاظم حبيب       


586
ما الذي كشف عنه أحمد عبد الحسين لينحى ويُهدد بأسوأ العواقب؟

 من مارس الكتابة والصحافة يدرك بأن هناك أساليب كثيرة في تناول المشكلات الاجتماعية والسياسية والفساد المالي والإداري وغيرها من القضايا اليومية الحاصلة في العراق. ولا يمكن أن يحاسب الكاتب والصحفي عن الأسلوب الذي يختاره ويكتب به القضايا التي يريد معالجتها, خاصة حين تشترك كل الأساليب في تشخيص قضية معينة ونتيجة واحدة في المحصلة النهائية. وفي حالة الزميل الصحفي الأستاذ أحمد عبد الحسين فقد عالج موضوعاً مهماً وجريمة بشعة تعرض ويتعرض لها الشعب العراقي يومياً, سواء أكانت بصورة نهب أموال الدولة بطريقة تبدو شرعية, أم بالنهب والسلب من المال العام كما حصل ويحصل مع النفط الخام والمقاولات وغيرها, أم بطريقة العصابة المجرمة التي قتلت ثمانية عراقيين شجعان دافعوا عن المال العام (ويفترض أن يقيموا ويمنحون أوسمة الشجاعة وتحتضن وتدعم عائلاتهم رغم فوات الأوان). وبدلاً من أن يأخذ المسؤولون في الأحزاب والقوى وفي الإعلام إجراءات حازمة وصارمة لوضع حد لمثل هذه الممارسات ودراسة المادة التي كتبها السيد أحمد عبد الحسين وغيرها, ارتقى أحد شيوخ الدين المنبر الديني واستخدم الدين ليهاجم بشراسة وعدوانية ولغة تهديدية لا مبرر لها وغير مقبولة, بل مرفوضة, ضد الأستاذ أحمد وضد المسؤولين عن إعلام جريدة الصباح التي نشرت ما كتبه الأخ أحمد, في حين يدرك الجميع بأن الصحافة العالمية تنشر يومياً مئات المرات مقالات أكثر نقداً وتعرية مما نشره الزميل وأكثر صراحة من ذلك, ولكن لا تحدث مثل هذه الضجة المفتعلة ولا يفصل الكاتب والصحفي من وظيفته ويركن في الموت يخشى من عصابات الموت على نفسه.
لا يجوز استخدام الدين والمساجد أو الجوامع أو الحسينيات لأغراض سياسية, فهو استخدام سيء وظالم ومؤذي في آن واحد, إذ يمكن أن يقود إلى عواب سلبية على الشحص الذي يوجه له النقد, فهو تحريض مرفوض من الناحية القانونية ويفترض أن يحاسب عليه من يمارس ذلك, وكان على شيخ المنبر أن يكتب مقالاً وينشره حيثما شاء وربما في نفس الصحيفة بدلاً من التهديد والوعيد المبطم. لا يجوز مطلقاً استخدام المنبر الديني لهذا الغرض أو لأي غرض سياسي آخر.
ما أشار إليه الزميل في زاويته الصغيرة كان يفترض أن ينتبه له المسؤولون ويشكرونه عليه, إذ في حماياتهم من لا يمكن الوثوق إليه, فمنهم من يمكن أن يكون بعثياًً من أتباع عزة الدوري, أو من أتباع حارث الضاري حليف القاعدة, أو من يكزون من أتباع القاعدة المجرمة أو من أتباع قوى سياسية وميليشيات طائفية مسلحة أو "منزوعة السلاح!" تريد الإساءة لهذا المسؤول أو ذاك بهذه الأساليب الدنيئة.
لم أتعرف على السيد عادل عبد المهدي, نائب رئيس الجمهورية, رغم ذلك لدي القناعة الكاملة بأن الرجل بعيد كل البعد عن مثل هذا الأساليب الدنيئة والنذلة والجرائم البشعة, بل ربما جاءت ممن يريد الإيقاع بهذا الرجل ونحن على أبواب انتخابات ساخنة. وكان على وزارة الداخلية أن تكون شديدة الحرص على أسلوبإطلاق بياناتها.
من الأصوب والأفضل والأكثر عقلانية أن تعالج الأمور بطريقة أخرى من خلال إلقاء القبض على كل المجرمين الذي ساهموا بهذه الجريمة وأن يحاسبوا حساباً عسيراً وأن ويتم الكشف عن القوى الموجهة والمخططة والمنظمة لهذه العملية ولعمليات أخرى مقاربة. إن الهجوم على السيد أحمد لم ولن يحل المشكلة, بل كان يراد, كما يبدو لي, تضييعها وإبعاد النظر عن ما جاء فيها من تهم وجلب الانتباه إلى مسألة أخرى, في حين كان ولا يزال يفترض التحقيق في صحة ما نشره عن 800000 بطانية أم النمر وعن الجريمة البشعة التي ارتكبت بحق ثمانية من الأشخاص الطيبين والمال العام.
يفترض في جميع الكتاب والصحفيين أن يتضامنوا بحرص ومسؤولية مع الأخ الصحفي والكاتب والشاعر السيد أحمد عبد الحسين وأن يطالبوا بعودته إلى الكتابة في صحيفته الصباح ويحتل موقعه السابق وأن يتم الاعتذار له عما جرى بحقه وأن يحاسب من أساء إليه وحرض ضده من على منبر جامع براثا وربما من على غيره من المنابر. وأن لم نفعل ذلك فستشملنا نحن الكتاب والصحفيين هذه السلوكية المرفوضة من قبل الروابط والجمعيات والنقابات الصحفية العالمية ومن قانون الصحافة العراقي ومن لائحة حقوق الإنسان.

أربيل في 10/8/2009                   كاظم حبيب

587
القوى الديمقراطية العراقية وحساب الشعب العسير !!

من جاء متأخراً عاقبه التاريخ, وبتعبير أدق, عاقبه الشعب, سواء أكان فرداً أم جماعة أم حزباً سياسياً أم نظاماً سياسياً, إذ أن التاريخ لا يعمل سوى تسجيل الأحداث التي تمر بها المجتمعات البشرية. والقوى الديمقراطية بكل تكويناتها ومكوناتها تواجه اليوم مرحلة جديدة تتميز بمجموعة من المؤشرات التي تستوجب الدراسة والتدقيق ثم الإقدام على اتخاذ الخطوات والإجراءات الضرورية لممارسة سياسة جديدة تستوجبها طبيعة المرحلة والمهمات التي يفترض أن تنهض بها. لقد برهنت نتائج الانتخابات الأخيرة لمجالس المحافظات في العراق, ثم نتائج الانتخابات الأخيرة لبرلمان إقليم كردستان إلى حصول بداية جدية لتغيرات مهمة في فكر الناخب العراقي وفي الساحة السياسية العراقية, ولكنها لا تزال في بدايتها, وهي بحاجة إلى فترة أطول لتختمر وتتبلور ومن ثم تتحول إلى تجاه على نطاق أوسع.
والأسئلة التي تواجهنا بإلحاح شديد هي: هل في مقدور القوى الديمقراطية, وبضمنها القوى العلمانية واللبرالية, إدراك حقيقة التغيرات الجارية في الواقع السياسي العراقي ؟ وهل هي قادرة على التصرف بعقلانية لصالح الغالبية العظمى من فئات المجتمع وفق ما يفرضه هذا الواقع المتغير تدريجاً ولكن بثبات نسبي؟ وهل ستجد كل هذه القوى الديمقراطية نفسها ملزمة على التفاعل المتبادل والتعاون والتنسيق لوضع برنامج يوحدها كقاسم مشترك أعظم لخوض الانتخابات القادمة؟
إنها أسئلة ليست سهلة في ظروف بلادنا الراهنة والتي تتميز بتفاقم فعل ظواهر سلبية كانت موجودة أصلاً, ولكنها أصبحت معرقلة لتحالفات سياسية مطلوبة كالرغبة الجامحة في الزعامة والبروز وتصدر كتل سياسية حتى لو كانت من ثلاثة أفراد, والرغبة في التفرد والانفراد, رغم كل الصواعق التي نزلت وتنزل على رؤوس البعض ممن يحاول التزعم ويرفض التحالف إلا حين يكون اسمه في الصدارة أو في الموقع الأول أو الثاني أو الثالث, أو وضع تحفظات على التعاون مع هذه الجماعة السياسة أو الحزب أو ذاك .. وهلمجرا. إنها المحنة التي تواجه المجتمع.
أذكر حادثة طريفة حصلت لجماعة قومية عراقية في دمشق تجسد حقيقة الوضع هناك وفي الوقت الحاضر أيضاً.
كانت هناك مجموعة قومية صغيرة جداً اختلف المسؤولون عنها في ما بينهم فانشق البعض على البعض الآخر. فقال أحدهم: كنا ثلاثة والآن أصبحنا "مجموعتين" مجموعة من اثنين مقابل مجموعة من شخص واحد, فلا هو قادر أن يحصل على شخص آخر, ولا أنا قادر في الحصول على شخص ثالث! ولكن أصبح لكل منهما حزباً سياسياً جديداً واسماً جديداً ومساعدة مالية من ليبيا ومن سوريا وربما من طرف ثالث, وعلى مدى سنين لم يزداد عددهم ولو بشخص واحد ولم ينقص!
القوى الديمقراطية في العراق تعاني اليوم من هذه الظاهرة التشرذمية التي تتوزع أصوات ناخبيها على عدد كبير من الكتل الصغيرة القزمية أو على أحزاب لا تزال ضعيفة, رغم كل الاحترام للفرد الواحد أو الكتلة الصغيرة أو الحزب. إلا أن هذا لن يخدم عملية التحول المنشودة صوب الديمقراطية, ولن ينهي الطائفية في العراق وهيمنتها على الجو والساحة السياسية العراقية رغم تفتت قواها.
خذوا مثالاً واحداً هو الحزب الوطني الديمقراطي, الذي أكن له الاحترام والتقدير. فهو حزب عريق بلغ عمره الآن 63 عاماً, وفي الحقيقة بلغ عمره ابتداءً من جماعة الأهالي أو الإصلاح الشعبي 76 عاماً بالتمام والكمال. وهذا الحزب يعاني اليوم من ضعف شديد رغم حاجة المجتمع لمثل هذا الحزب. وزاد بالطين بلة انقسامه إلى حزبين غير متعاونين بل متصارعين, مجموعة الأستاذ نصير الجادرجي ومجموعة الأستاذ هديب الحاج حمود. والخلاف بينهما لا يمس المبادئ بأي حال, وفق إطلاعي وتقديري, بل يمس المواقع! كم أتمنى عليهما أن يعيدا النظر بهذا الأمر وتسليم الأمر إلى شبيبة وليصبحا معاً رئيسين فخريين لهذا الحزب بغض النظر عن من هو الأول أو الثاني, بل نأخذ بمبدأ الحروف الأبجدية في ترتيب الأول والثاني مثلاً أو العمر. أنطلق في هذه الملاحظة من حرصي على هذا الحزب العتيد وعلى الفئات المتوسطة التي يمكنه تعبئتها لصالح التغيير الديمقراطي السلمي في العراق, وهو حرص يشمل كل القوى الديمقراطية في العراق. كما أن هناك جماعات انفصلت عن الحزب الشيوعي العراقي لأي سبب كان, وهو أمر ممكن, ولكن هذا لا يفترض أن يدفعها إلى عدم التعاون والتنسيق مع الحزب الشيوعي والاتفاق على قضايا مشتركة, وتبقى الخلافات على قضايا أخرى قائمة. كما يفترض أن لا يختزل الحزب الشيوعي وجودها ويعتبر هذه المجموعة أم تلك ممن خرجوا من الحزب, ولأي سبب كان, لا تستحق التعاون أو الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع بقية القوى الأخرى. أقول كل ذلك مجازاً لكي أبدد كل الحجج التي تدعي أن ليس هناك من يمكن التعاون معه, ومن هي تلك القوى الديمقراطية التي تريد منا التعاون معها, إنها مجرد رؤية نظرية ومن بعيد, وحين تكون في المعمعان السياسي العراقي الذي يدير رؤوس الناس ستجد مصاعب ذلك. أدرك مصاعب التعاون والتنسيق ولي تجاربي الشخصية في الخارج, ولكن لا ينبغي لهذا أن يبعدنا عن بذل الجهود, إنه التحدي الأكبر والامتحان العسير الذي يطالب الشعب به في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ العراق السياسي.
وأشعر بأن قوى التحالف الكردستاني وبقية القوى الكردستانية بعد أن تدرك العوامل التي أدت على تحقيق تلك النتائج في الانتخابات الأخيرة, ستكون أكثر استعداداً للتعاون مع بقية القوى الديمقراطية العراقية وأكثر تواضعاً وأكثر قدرة على المساومة للوصول إلى خطاب سياسي مشترك لخوض الانتخابات القادمة.
30/7/2009                     كاظم حبيب
                 

588
المرأة العراقية وأختها في مناطق أخرى من العالم!

كلما تركنا العراق  ويممنا وجهنا شطر الدول المتحضرة لشعرنا بمدى البؤس والفاقة والحرمان وفقدان الحقوق الذي تعيش فيه المرأة العراقية, وهي جزء واقعي من أوضاع المرأة العربية والمرأة المسلمة بشكل عام, فهي فاقدة للحقوق بشكل استثنائي, رغم كفاحها الطويل من أجل هذه الحقوق. وما حصلت عليه في فترات معينة, كما حصل لها في قانون الأحوال الشخصية الذي صدر في عهد حكومة عبد الكريم قاسم صودر في الفترات اللاحقة وأُعدم القانون كما أعدم رئيس الحكومة الذي أصدر القانون. وهي فاجعة مزدوجة لا تزال المرأة تعاني منها. ولم تستفد المرأة حتى الآن كثيراً من النسبة التي خصصت لها والبالغة 25% في إيصال نسوة يدافعن بحق عن حقوق المرأة كاملة غير منقوصة وعن مساواتها بالرجل, فهن قليلات حقاً. هناك قلة قليلة, سواء أكن في المجلس أم خارجه, يناضلن بعناد وجرأة استثنائية من أجل حقوق المرأة, إضافة إلى جمهرة من الرجال الواعين لمكانة ودور ومهمات المرأة في المجتمع العراقي الراهن, رجال تحرروا من رق الذكورية وأدركوا أن حريتهم من حرية المرأة والعكس صحيح أيضاً.
في بلد شقيق هو السودان تقدم امرأة سودانية صحفية مثقفة إلى المحاكمة بتهمة ارتداءها ملابس غير محتشمة, هي الزميلة لبنى الحسيني. ماذا كانت ترتدي؟ كانت ترتدي البنطلون العادي, ولكن المرض النفسي والعقلي المصابة به جمهرة الشرطة وجمهرة من رجال القانون قررتا الحكم على عشرة نساء قبلها بتهمة عدم الحشمة لنفس السبب, وهي ها هي تواجه حكامها وقضاتها لأنها ترتدي البنطلون. أي نظام يعيش به السودانيون وأي قضاة أولئك الذين يجلدون المرأة أربعين جلدة لأنها ترتدي البنطلون الذي يثير غرائزهم الحيوانية والمريضة. ولنا من أشباه الرجال هؤلاء كثرة كثيرة في العالمين العربي والإسلامي.   
حققت المرأة الأوروبية والأمريكية, وعموما المرأة الغربية على كامل حقوقها نظرياً, رغم أن التطبيق العملي لا يزال يعاني من تمييز نسبي, سواء أكان في الأجور أم في احتلال المواقع القيادية أم تحمل غضب الرجال المزري أحياناً حين يمارسون العنف ضد المرأة. وهي ظواهر سلبية من بقايا العهود المنصرمة يناضل المجتمع, نساءً ورجالاً, من أجل إزالتها والكشف عنها بجرأة ومسؤولية لمكافحتها علناً. وحين تقارب مع حقوق المرأة في العراق فسنجد البون شاسعاً كبعد الأرض عن السماء!
ففي العراق لا يزال المجتمع يتمتع بذكورية مضخمة مرضية, بفحولة منفوخة ومزرية, بامتهان غير مشروع للمرأة وكرامتها وحقوقها, سواء في طريقة تعامل أكثرية الرجال معها أم في حرمانها من ممارسة حقوقها وتلك القوانين الموروثة التي لا تزال تغطي كل تلك التجاوزات على المرأة وتساهم في إعادة إنتاج واستمرار هذه الظواهر.
نحن بحاجة إلى تحالف سياسي متين من جانب كل القوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية على صعيد العراق كله, ونحن بحاجة لأن تشكل المرأة جزءاً أساسياً فاعلاً فيه وتشكل مهمات استرداد حقوقها المشروعة والمغيبة والمصادرة ومساواتها بالرجل جزءاً عضوياً من مهمات نضال مثل هذا التحالف السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والبيئي المنشود. 
كلنا يدرك تماماً بأن المرأة حين تشارك في حوارات القوى الديمقراطية العراقية, فأنها قادرة على الإسهام في تسريع نهج التفكير بالتعاون والتنسيق لخوض الانتخابات القادمة. فلغتها أخرى غير لغة الذكور, وقدرتها على الاعتراف بالآخر والتسامح أكبر بكثير من قدرة الذكور, ورغبتها في التعاون أوسع بكثير من قدرة الذكور وفرديتهم بشكل عام. 
وحين تشارك المرأة في أي مجتمع بدورها الفعال, فإنها قادرة على تحسين أجواء الحوار وتسهم في تقريب وجهات النظر والوصول إلى نتائج إيجابية, إنها العنصر الذي يخفف من سعي الرجال للهيمنة أو فرض الرأي الواحد على الجميع.       
إنها عنصر وئام في الغالب الأعم وليست عنصر خصام, ويتمنى الإنسان أن تلعب المرأة دورها في المجتمع العراقي لتساهم بالتغيير المنشود صوب المجتمع المدني الديمقراطي الاتحادي, صوب الدولة الاتحادية التي تلعب المرأة دوراً بارزاً ومهماً فيها.
29/7/2009                         كاظم حبيب   


589
التجمع العربي لنصرة القضية الكُردية
يشجب العدوان التركي الجديد على أرض كُردستان في العراق


مرة أخرى تؤكد الأخبار الدولية بعودة الحكومة التركية إلى عادتها القديمة, عادت لممارسة القوة والعنف وضرب مناطق سكنية في جبال كُردستان مدعية بذلك دكها لمواقع تابعة لقوات بارتزانية تابعة لحزب العمال الكُردستاني, وهي بذلك متجاوزة على السيادة العراقية وعلى شعب كُردستان العراق.
مرة أخرى تؤكد الحكومة التركية أنها لم تتعلم حتى الآن من تجارب الحكومات العراقية المتعاقبة طيلة ثمانية عقود مع القضية الكُردية التي تميزت باستخدام القوات المسلحة والعنف والقسوة والتي تتوجت بمجازر الأنفال وحلبچة وتشريد مئات الألوف من الناس الكُرد في انتفاضة 1991 والتي لم يستطع كل ذلك العنف إنهاء المشكلة بل زادها في حينه تعقيداً. إن أسلوب العنف والقسوة وإشراك القوات المسلحة بدلاً من الحل السلمي والديمقراطي سيزيد من تصلب المناضلين الكُرد وسيدفع بالجديد والكثير من الشابات والشباب إلى درب الكفاح المسلح وحمل السلاح دفاعاً عن النفس وعن الحقوق المهدورة في كُردستان تركيا, بدلاً من التحول صوب النضال السلمي لتأمين الحقوق القومية المشروعة للشعب الكُردي.
إن الحكومة التركية وبسبب الرؤية والذهنية الشوفينية التي تسيطر على عقول وأفئدة القوات المسلحة التركية والأحزاب السياسية التركية فهي في أغلبها عاجزة حتى الآن عن فهم واستيعاب أن كل شعب على  هذه الأرض له الحق في تقرير مصيره وفي ممارسة حقوقه كاملة غير منقوصة, وأن هذا الحق لا يقتصر على الشعب التركي, بل هو حق ثابت من حقوق الشعب الكُردي في كُردستان تركيا.
إن شن الغارات الجوية والادعاء بوجود وضرب مواقع قوات الأنصار التابعة لحزب العمال الكُردستاني لن يحل المشكلة أبداً, بل أن الحل يتم على أرض كُردستان تركيا وفي الدولة التركية ذاتها وليس خارجها. وعليه لا بد من الدخول بحوار مع ممثلي الشعب الكُردي, كمل لا بد من القبول بمقترح إيقاف القتال والبدء بالتفاوض مع حزب العمال الكُردستاني لأن هذا هو الطريق العملي والواقعي لحل المشكلة.
إن التجمع العربي لنصرة القضية الكُردية إذ يشجب هذا الاستفزاز المبيت لمشاعر الشعب الكردي وكل الشعب العراقي والتجاوز على السيادة العراقية وضرب المناطق الآمنة من إقليم كُردستان العراق ويرفض كل الذرائع التي تقدمها الحكومة التركية للرأي العام العالمي والمجتمع الدولي, يطالب المجتمع الدولي بشجب هذه السياسة ورفضها والتدخل من أجل وضع حد لهذه الحملات الجوية الوقحة أولاً, والضغط على الحكومة التركية من أجل الإقرار بحقوق الشعب الكُردي في كُردستان تركيا والبدء بالتفاوض مع ممثليه ثانياًً, وأن هذا الطريق هو الدرب الوحيد القادرة على إيجاد حل عملي للقضية الكُردية, بالتالي, فأن هذا الحل سيكون لصالح كل القوميات التي تعيش على أرض الدولة التركية.
كما نطالب الرأي العام العالمي بدعم وتأييد حق هذا الشعب في امتلاك إرادته الحرة لتقرير مصيره بنفسه ضمن ما هو مطروح من جانب القوى الكُردية من خلال إيقاف القتال المتبادل والدخول في مفاوضات جادة وهادفة لحل المشكلة.
 الأمانة العامة
التجمع العربي لنصرة القضية الكُردية
كتب في 25/7/2009
     


590
رسالة مفتوحة موجهة للقوى السياسية والشعب الكردي الصديق في العراق

منذ ستة عقود ومنذ بداية ارتباطي بالحركة الطلابية العراقية (اتحاد الطلبة العام) والعمل السياسي (الحزب الشيوعي العراقي), تسنى لي أن أشاهد اتجاهين ملموسين:
أولاً: حركة وفعل الفكر القومي اليميني والشوفيني العربي في العراق ومواقفه إزاء القضايا العراقية ومنها القضايا القومية, ثم قرأت الكثير عن هذا الفكر منذ الثلاثينات من القرن العشرين في العراق وكتبت عنه, ثم عشت تجربة الفكر والممارسة الفعلية للقوى القومية العربية في الدول العربية والنظم العربية اليمينية التي برزت ومارست السياسة في بعض الدول العربية مثل مصر وسوريا منذ النصف الأول من القرن العشرين أو ما كان لهذا الفكر من تأثير مباشر وغير مباشر على سياسات دول عربية أخرى.
هذا الفكر القومي لم يعان منه العرب فقط, بل عانى منه بالأساس وبصورة صارخة بنات وأبناء القوميات الأخرى, سواء أكان ذلك في العراق أم في دول أخرى مثل الجزائر والمغرب أو السودان وسوريا أو مصر وحيثما وجدت قوميات أخرى أو أتباع أديان أخرى.
ففي العراق عانى منه الشعب الكُردي والتركمان والكلدان والآشوريين بشكل خاص, بسبب السياسات والمواقف الشوفينية والتي تحولت في ظل حزب وحكم القوميين ومن ثم بشكل خاص حكم حزب البعث إلى سياسات عنصرية وتطهير عرقي وتعريب وتشريد وتغيير بنية سكان بعض المدن العراقية, وخاصة في إقليم كردستان. وتبلورت الصورة القبيحة للفكر القومي اليميني والشوفيني والعنصري في مجازر الأنفال والضربات الكيماوية في حلبچة وفي قتل وسلب وتهجير الكُرد الفيلية, إضافة إلى  الجانب الموقف القومي والعنصري في تهجير العرب الشيعة من مناطق الوسط والجنوب بتهمة التبعية لإيران.   
ثانياً: وخلال هذه الفترات وتلك السياسات كلها كنت شاهداً ومساهماً في النضال المشترك لأتباع كل القوميات, وخاصة العرب مع الشعب الكردي وقضيته العادلة. وكان لهذا أثره البالغ والطيب على الحركة الوطنية العراقية وعلى نفوس كل الوطنيين والديمقراطيين الكُرد. إذ بسبب تلك السياسات القومية الشوفينية تعانق أتباع القوميات في العراق وتشابكت أيديهم في نضال مشترك ضد تلك النظم التي مارست تلك السياسات. كما لا يمكن أن ينسى نضال الأنصار الشيوعيين وأصدقاء الحزب الشيوعي العرب وقوى أخرى إلى جانب الپيشمرگة الكُرد والقوى الوطنية والديمقراطية الكردية في سبيل عراق ديمقراطي وحكم ذاتي لإقليم كردستان أو رفع شعار الفيدرالية من جانب الحزب الشيوعي العراقي فيما بعد وكمبادرة منه جاءت على  لسان المناضل الشيوعي الراحل الدكتور رحيم عجينة منذ بدء التوقيع على اتفاقية عقد الجبهة الكُردستانية في العام 1988.
واليوم أتابع بقلق كبير, وكصديق للشعب الكردي, بروز ظواهر سلبية لم تكن شديدة  الظهور في فترة النضال من أجل الحقوق القومية للشعب الكردي, وإذا كانت موجودة فكانت ضعيفة وهامشية ومحدودة في إطار الحركة السياسية الكردية, وكان لهذا أثره الطيب على القوى الوطنية والديمقراطية العربية. أما اليوم فأنا أتابع بقلق واضح وجود ظواهر جدية لما نطلق عليه بضيق الأفق القومي في الحركة السياسة الكردية وهي في السلطة وفي تصريحات ونشاطات بعض القوى السياسية الحاكمة التي يمكن أن تكون لها آثار سلبية على مجمل الحركة السياسية العراقية وعلى إقليم كردستان والعراق بشكل عام. لا أبالغ في ما أقوله في هذا الصدد, إذ أراقب بقلق تحول أو ابتعاد الكثير من الديمقراطيين العرب من أصدقاء الشعب الكُردي في العراق وفي الخارج عن التضامن مع القضية الكردية, حتى أن أعضاء "التجمع العربي لنصرة القضية الكردية" الذين وقفوا دوماً إلى جانب القضية الكُردية من منطلقات مبدئية وإنسانية, حيث أمارس في هذا التجمع صفة عضو الأمانة العامة وأمينه العام, عن التجمع ويمارسوا نقداً سليماً لبعض مواقف الحكومة الكُردستانية والتصريحات المتوترة والمثيرة أحياناً غير قليلة لبعض المسئولين الكبار في الإقليم.
إن من واجبي كصديق للشعب الكردي وكمناضل في سبيل حقوق القوميات في العراق والدفاع عن مصالحها ضد كل تجاوز عليها, أن أشير إلى الأخوات والأخوة الكُرد بأهمية إعادة النظر بأسلوب طرح وتناول القضايا الخلافية وأسلوب معالجتها على الصعيد العراقي, إذ لا يجوز التفريط بالتضامن الأخوي بين القوى الديمقراطية العربية مع القوى الديمقراطية الكردية ومع قضية الشعب الكردي في العراق, رغم معاناة القوى الديمقراطية العربية في العراق في المرحلة الراهنة من ضعف وتشتت, إذ أن هذا الضعف ليس حالة دائمة بل مؤقتة وهي الحليف الأكثر ثباتاً مع نضال القوميات الأخرى في سبيل حقوقها المشروع بالعراق.
إن الإصابة بالرؤية القومية الضيقة لدى الكُرد لا تختلف كثيراً عن إصابة العرب بالرؤية القومية الشوفينية في ما تتسبب به من عواقب سلبية على المجتمع بأسره.
كلي أمل في أن يعيد الأخوة المسئولون الكُرد في إقليم كُردستان العراق النظر بما يمكن أن يتحول إلى رؤية قومية ضيقة على صعيد المجتمع الكردي التي لا تساعد على حل المشكلات بطرق التفاوض السلمي وبآليات ديمقراطية مجربة على الصعيد العالمي وتقود بالعراق إلى نقطة الصفر, إذ أن هناك الكثير من القوى الذي يتمنى حصول ذلك, وهو  ما يفترض أن نواجهه بقلوب دافئة وعقول باردة في صالح التضامن العربي – الكردي ومع بقية القوميات في العراق ولصالح بناء عراق مدني ديمقراطي اتحادي موحد.
23/7/2009                      كاظم حبيب

591
الزنگين يأكل, والفقير جوعان وبالضيم حاله ... ملينه يا ناس والله ملينه... !!!"


انطلق صوت مثقل بالهم والعذاب, صوت امرأة عراقية, أم عراقية, ترتدي الفوطة والعباءة وتمسك بيدها ملفاً أحمر بهت لونه من كثرة الإمساك به ومراجعة دوائر الدولة دون فائدة, أنطلق صوتها عبر قناة الفيحاء العراقية لتقول لحكام العراق, كل العراق, قبل المستمعين أينما كانوا " الزنگين (الغني) يأكل والفقير جوعان وبالضيم حاله .. ملينه يا ناس والله ملينه.. ما عدت خائفة, ليفعلوا ما يشاءون, بعنا كل شيء ولم يبق شيء لنبيعه.. ". بهذه الكلمات المليئة بالحياة والمليئة بقهر السنين والحرمان وعذابات مراجعة الدوائر الحكومية دون فائدة رغم التغيرات المتعددة والمتنوعة التي طرأت على العراق, ولكن الشيء الوحيد الثابت لهؤلاء الناس الطيبين هو استمر حالة الفقراء والكادحين والمعوزين على حاله, لم يتغير!
لم يرحمهم أحد غير الزعيم الركن عبد الكريم قاسم حين, لأنه كان يحس بحالهم فهو منهم, من وسط الكادحين الفقراء, لم يدخل جيبه فلساً واحداً غير نظيف, حتى هذا الفلس النظيف تبرع به لعائلات كان يعرف أنها بحاجة له, مات ولم يستفد حتى من قطعة الأرض الصغيرة التي منحت له وفق القانون. بنى لكادحي وفقراء مدينة الثورة وفي غيرها دورأ وأوجد لهم عملاً وتبنى قضيتهم لأنه كان منهم ... في حين عاش العراق في ظل النهب والسلب والاغتناء الفاحش من السحت الحرام في فترات حكم أغلب حكام العراق الذين أتوا من بعده, منهم ومن غيرهم حتى يومنا هذا.
الكل حين يكونوا في المعارضة يستخدموا أوضاع الفقراء والمعوزين والكادحين أداة لنضالهم ويرفعوا شعارات تعزف على حالة الفقر والبطالة والحرمان والتجاوز على حقوق الإنسان, وحين يصلوا إلى السلطة ينسى الكثير والكثير جداً من هذا الكل كل ذلك ولم يبق في ذهنه سوى الغرف بأقصى ما يمكن ليملأ جيوبه المتضخمة بالمزيد من مال السحت الحرام وليتحول إلى  مليونير مرئي أو غير مرئي, ثم يحتفل البعض بوجود كثرة من المليونيرية في العراق الذين لا يريدون إخبارنا كيف أصبح هؤلاء بفترة وجيزة ضمن مليونيرية العراق, بل مليارديريته!
إن فقراء العراق والكادحين لا يجدون من يساعدهم ولا يجدون حتى وظيفة أو عملاً لهم, أو يحصلون على دخل محدود لا يسد الرمق. فالتعيين لا يتم عبر مجلس للخدمة ليعامل الجميع بالتساوي ووفق المؤهلات, كما كان يجري في العهد الملكية أو في فترة حكم عبد الكريم قاسم, بل حتى في فترة صدام حسين كان هناك مجلس للخدمة رغم استخدامه بشكل غير سليم في فتر الدكتاتور الأهوج صدام حسين, فالوزير والمدير العام التابع لهذه الطائفة أو تلك أو لهذا الحزب أو ذاك هو الذي يعين اليوم من يشاء ومتى يشاء ممن يحمل معه بطاقة عضوية هذه الطائفة أو تلك أو هذا الحزب أو ذاك, ومن يأتي ويحمل يسده "كارتاً" موقعاً من إمام أو شيخ هذه الطائفة أو هذا الحزب أو ذاك.   
المرأة العراقية, التي نفتخر بها, فهي أمنا وأختنا وزوجتنا وبنتنا, ووهي التي تتحمل الكثير بصبر ودأب ونضال فعلي ضد مجرى التيار,  كانت على حق وتتحدث باسم الغالبية العظمى من سكان العراق.. لقد ملَّ الناس كل ذلك, لقد تعبوا من الجوع وأنهكوا من المراجعات لدى دوائر دولة فاسدة ومرتشية ولا تمارس عملاً إلا بالرشوة, وهم لا يملكون لما يسد الرمق فكيف بدفع الرشوة!
أيها الحكام جميعاً .. اسمعوا صوت المرأة . اسمعوا صراخها فقد وصل عنان السماء ولم تسمعوه حتى الآن , فكيف ومتى ستسمعوه؟ لقد امتلأ الكأس وفاض, فهل من سميع من حكام العراق, كل العراق؟
23/7/2009                   كاظم حبيب
   

592
هل أغلقت كل الطرق أمام معالجة المشكلات
بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم في العراق؟

لم أكن مغالياً حين وجهت رسالة مفتوحة إلى رئيسي الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة الإقليم في أربيل داعياً إياهما إلى حل المشكلات القائمة بطرق الحوار والتفاوض السلمي وبآليات ديمقراطية ووفق الدستور العراقي. ولم أكن مخطئاً حين توجست خشية من استمرار الجمود في العلاقة بين الطرفين وتوقف التحرك المطلوب صوب معالجة جادة وهادئة للمشكلات التي تفاقمت عبر الزمن والأحداث وسياسات النظم المستبدة والعنصرية. خاصة وأن اللغة الاعتيادية بين قوى متحالفة في حكومة واحدة لم تعد هي السارية في العلاقات بين الطرفين, بل جرى تصعيدها من الطرفين وبصورة غير مريحة للجميع.
ولكن المشكلات التي تواجه الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم قابلة للحل في ضوء الدستور وقابلة للحلول الوسطية في عدد غير قليل منها, إضافة إلى وجود محكمة دستورية لمعالجة تلك المشكلات التي لا يصل الطرفان إلى موقف مشترك. ولكن الشرط الأول في كل ذلك هو الاستعداد للحوار وصدق النوايا والاستعداد المتبادل للمساومة والقبول بالوساطة في حالة الضرورة وليست ممارسات القطيعة وعدم اللقاء أو الاستعلاء هي الحل.
ليس حلاً ما يطرحه الصديق الدكتور عبد الخالق حسين, إذ ليس هناك أما أبيض أو أسود, إذ بين اللونين الكثير من الأطياف الأخرى, ويشعر الإنسان أن في ما يطرحه ضيق الصدر ونهاية الصبر , في حين أن القضايا السياسية والاقتصادية المطروحة هي ليست من نوع المعارك العسكرية كما أنها ليست جولة ملاكمة تنتهي بضربة قاضية من أحد الطرفين.
من باب تحصيل حاصل أن نؤكد حق الشعب الكُردي في أن يقرر مصيره بنفسه, بما في ذلك حق الانفصال وتشكيل دولته الوطنية المستقلة على أرض كُردستان. ولكن الشعب الكُردي والبرلمان ورئاسة وحكومة الإقليم قررت كلها تحقيق الفيدرالية في إطار دولة عراقية اتحادية ديمقراطية. وبالتالي, فمن باب التعجيز والهروب إلى أمام حين يطلب الأخ الدكتور عبد الخالق حسين من قيادة الإقليم وحكومته وشعب كُردستان أن يقرروا إما الاستقلال أو الفيدرالية, لأنه يرى في ما تمارسه رئاسة وحكومة الإقليم تجاوز على مبادئ الفيدرالية.
وفي الجانب الآخر ليس من الحكمة بمكان أن تنطلق تصريحات سياسية من مسئولين كبار كُرد تشير إلى أن الوضع بين الحكومتين أصبح قاب قوسين أو أدنى من حرب طاحنة, إذ أن هذا هو الآخر هروب إلى أمام وتهديد لا مبرر له ولا يساعد على إيجاد الحلول العملية للمشكلات بل يعقدها. إن من الواجب على  الجميع اختيار أسلوب التناول العقلاني الذي يبعدنا عن تعقيد الأمور.   
علينا أن نسجل هنا عدداً من المسائل الجوهرية, إذ أن نسيانها, كما أرى, لا يساعد الجميع على تجاوز المصاعب والتعقيدات التي تقف في طريق حل المشكلات, وهي:
1. أن الفيدرالية ليست هبة من أحد للشعب الكُردي, بل انتزعها من الحكم الدكتاتوري بنضاله وتضحياته الغالية والطويلة وبدعم وتضامن عراقي ودولي.
2 . إن غالبية الشعب العربي في العراق, وكذا الكلدان والآشوريين وجمهرة غير قليلة من التركمان, وقفت إلى جانب الشعب الكُردي في نضاله من أجل الحكم الذاتي أولاً, ومن أجل الفيدرالية فيما بعد. وقد تجلى ذلك في شعارات رفعت في أعقاب ثورة تموز 1958 " الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكُردستان" أو تطوع الكثير من العراقيين ومن مختلف القوى والأحزاب في النضال الأنصاري في كردستان العراق ضد النظام الصدامي.
3 . أن الفيدرالية الكُردستانية ليست كباقي الفيدراليات في الولايات المتحدة أو في ألمانيا, فالفيدرالية الكُردستانية تقوم على أرض كُردستانية ضمن الدولة العراقية أولاً, وفيها شعب كُردي يشكل الأكثرية ولكن هناك قوميات أخرى كلدانية, أشورية وتركمانية على هذه الأرض ثانياً. وأن لهذا الشعب لغته وتاريخه وتراثه المميز, مع وجود الكثير من المشتركات مع القوميات الأخرى. وأن هذا الشعب قد عاني الأمرين من جميع الحكومات المركزية في العراق سواء أكانت بسبب الذهنية الشوفينية أو الفكر العنصري. وعلينا الاعتراف بذلك وليس تغطيته من خلال القول أن العرب عانوا أيضاً. الكل عانى من الاستبداد والقمع, ولكن الاستبداد شيء والعنصرية والتطهير العرقي والتعريب والتهجير القسري شيء آخر. وعلينا أن ندرك بأن الشعب الكردي قد تعرض للاستبداد والعنصري وبقية القائمة, كما تعرض له الكُرد الفيلية, إضافة إلى حروب النظام التي تعرض لها الجميع. ول شك في أن من اتهموا بالتبعية الإيرانية من عرب الوسط والجنوب قد تعرضوا لعنصرية نذلة أيضاً.
إن علينا أن ندرك ذلك, وأن نضع أنفسنا في موضع الكُرد, إذ بدون ذلك سنكون مخطئين في فهم الوضع النفسي للشعب الكردي وتجاربه المريرة مع الحكم المركزي في العراق.
ولا يجوز إجراء مقارنة بين نضال الشعب الكُردي في كُردستان العراق مع نضال الشعب الكُردي في كُردستان إيران أو كُردستان تركيا أو سوريا, رغم أن الشعبين الآخرين وكذلك الكُرد في سوريا قد ناضلوا حقاً, ولكن كانت هناك بعض السمات الخاصة, ومنها نضال القوى الديمقراطية العربية مع شعب كُردستان العراق, التي ميزت وساعدت على تحقيق النجاحات الراهنة. العيب ليس في ما تحقق في العراق, بل العيب في ما لم يتحقق في الدول الأخرى. والأسباب معرفة لنا جميعاً, كما أرى.     
إن تجارب الماضي مع الحكومات المركزية , وبعض الدلائل التي ظهرت على سياسات حكومة المالكي وخاصة بعد حصول قائمته  على قوة صوتية عالية نسبياً في انتخابات مجالس المحافظات, تأتي خشية الكُرد من القوات العسكرية العراقية التي وجهت لهم ضربات قاسية في الماضي, وفيها من لا يمكن الاطمئنان إليه, وكانت المنفذ السيئ لقرارات كل الحكومات السابقة في الفترة التي سبقت سقوط النظام, ولكن هذا لا يعني أن كل العسكريين حينذاك كانوا سيئين, ولكن كمؤسسة  تعاملت بشكل غير ديمقراطي بسبب قرارات الحكومات المسئولة عنها.
وبالتالي فوجود دستور ووجود رئيس إقليم ووجود برلمان ووجود حكومة إقليم ووجود قوات مسلحة في الإقليم تعتبر جزءاً من القوات العراقية, ولكنها تحافظ على مستوى معين من الاستقلالية ضماناً لعدم تكرار ما حصل في السابق, إذ أن احتمالات التغيير في الأوضاع والسياسات تبقى دائماً محتملة. وليس في هذا ضير إن التقت الإرادات وحسنت النيات وتعززت الثقة المتبادلة ووجدت القوانين المحددة للصلاحيات والواجبات لكل من تلك المؤسسات. ومن هنا أقول بأن ما يجري في كُردستان هي حالة تقع بين الفيدرالية ولكنها اقل بكثير من الكونفدرالية التي لم يطرحها الكُرد. والدستور العراقي وافق على ذلك.
4 . من الواجب أن يجري تحديد الصلاحيات الواضحة للحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم على الصعيد الداخلي في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية, وكذلك العلا قات الدولية وقضايا العقود النفطية والتمثيل الدبلوماسي  وغيرها, وفق قوانين ونظم عمل على  وفق الدستور العراقي وتقر في البرلمانين وتصبح نافذة المفعول ويلتزم بها الجميع. وحين يتم وضع هذه القوانين المنظمة للعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم تصبح القضايا الأخرى مفهومة ولا تستوجب التوتر. إن التأخير في وضع تلك القوانين ناشئ عن قناعة لدى قوى الإسلام السياسي باحتمال حصول تغيير في ميزان القوى يساعد على تقليص صلاحيات الإقليم وفق منظورها أو حتى رفض بعضها الكثير للفيدرالية أصلاً.
5 . ليس العراق الدولة الوحيدة التي تعاني من مشكلات حدودية داخلية ودولية أو مشكلات مالية أو علاقات دولية. ولكن السؤال كيف نعالج هذه الأمور؟
أشعر هنا بأن رئاسة الحكومة الاتحادية تريد أن تترك بعض الأمور ليحلها الزمن وحده من خلال السعي إلى تغيير في ميزان القوى الداخلية والدولية وامتلاك القوة الكافية وبعد رفع قرار البند السابع عن العراق وخروج القوات الأمريكية من العراق, وهو أمر سلبي طبعاً, بينما تريد رئاسة وحكومة الإقليم حلها بسرعة ووفق ما جاء في الدستور ووفق المادة 140 , ولكنها تستعجل في إصدار مواقف لا تساعد على تعبئة الشعب العراقي كله حولها. وكل الدلائل تشير إلى ذلك, وبالتالي فأن نية الحكومة الاتحادية ورغبتها غير نية حكومة الإقليم ورغبتها. وفي هذه المساحة تتحرك السلبيات التي يعيشها العراق في العلاقة بين الحكومتين.
أشعر بأن الحكومة الاتحادية تسعى على تعبئة الرأي العام العربي ضد حكومة الإقليم وما يجري هناك, في حين يفترض عدم اللجوء إلى ذلك بل السعي لحل المعضلات مع حكومة الإقليم, كما ليس من مصلحة إقليم كردستان انعزالها, عبر سياسات غير مدققة بل وخاطئة, عن العرب, وعن أكثر حلفاء الكُرد العرب الذين وقفوا إلى جانب الشعب الكُردي في أحرج الظروف ودخلوا السجون واستشهدوا في سبيلها وفي سبيل الديمقراطية للعراق كله.   
من حق حكومة كُردستان أن تضع دستوراً لها, وكان لها ذلك منذ العام 1992. ومن حقها أن تضع دستوراً جديداً مقراً على صعيد العراق كله, لا ضير في ذلك أبداً. فالفيدراليات في جميع أرجاء العالم لها دساتير للدول ودساتير للفيدراليات. ولكن السؤال يقع في جانبين: ألم يكن مفيداً إقرار الدستور في فترة لاحقة أولاً, ومضمون هذا الدستور ثانياً؟
يمكن إبداء الملاحظات التالية إزاء هذه المشكلة الجديدة التي برزت بين الحكومتين بل هي أوسع من أن تكون بين الحكومتين, وهي
1 . أن الفترة الدستورية لدورة البرلمان الكردستاني كانت منتهية ومددت لغرض إقرار الدستور, ولم يكن ذلك مفيداً لقوة الدستور ذاته ولا هي قانونية.
2 . إن الانتخابات كانت على الأبواب, وبالتالي كان في الإمكان الانتظار لفترة أخرى, ولم يكن ينقلب العالم إن كان قد تأجل إقرار الدستور, الذي كان يريده الكُرد منذ عقود أو أكثر.
3. كما كان بالإمكان انتظار انتهاء الانتخابات العامة في العراق والتي يفترض أن تجري في بداية العام القادم.
4. إن الدستور يتضمن مشكلا ت خلافية تستوجب الحسم السياسي والعملي قبل تثبيت ذلك في الدستور, ومنها القضايا المتنازع عليها, كما اصطلح على تسميتها أخيراً ودخل وسيط من الأمم المتحدة لحلها, فالهروب بها إلى أمام ليس في مصلحة أحد. وعلينا أن ندرك بأن إيجاد حلول لما يسمى بالمناطق المتنازع عليها لا تحل بقرار أو بوضعها في دستور, بل بقرارات مشتركة, فما دام الحديث يجري عن التوافق, فيفترض أن يكون التوافق في هذه القضايا أيضاً, وليس على طريقة الصَّيادين"حين قال أحدهم للآخر تريد الأرنب خذ الأرنب, تريد الغزالة خذ الأرنب", إذ أن الحقوق فيها واضحة, سواء أكان بعضها للكُرد وبعضها الآخر للعرب, وفي الحالتين للشعب العراقي بكل مكوناته. وليس قلة أولئك العرب الذين ابدوا أراءً واضحة بهذا الصدد.   
5 . كما أن بنوداً أخرى في الدستور تستوجب المزيد من التدقيق لكي لا تتعارض مع الدستور العراقي أو يجري تصحيح الدستور العراقي في ضوئها.
6 . والكل يعرف بأن القوى في كردستان لم تكن كلها متفقة على إقرار الدستور بهذه العجالة وكانت المطالبة, كما أرى, عادلة بتأجيل إقراره في البرلمان, والآن بضرورة تأجيل الاستفتاء عليه لفترة من الزمن. أملي أن لا تكون الانتخابات التي ستجري في 25/7/2009 سبباً في عملية التصعيد لأغراض انتخابية لا مبرر لها.       
إن إقرار الدستور من البرلمان لم يحل المشكلات بل عقدها, ومثل هذه المشكلات لا تحل على طريقة "كلما اشتدت حلَُّت". ونحن لا نحتاج إلى تعقيد الأمور بل إلى تبسيطها, أو تفكيكها من أجل معالجتها وشدها من جديد لصالح الجميع.
لدي انطباع يكاد يكون قاطعاً إذ أرى بأن الطرفين لا يتصرفان بالحكمة المطلوبة والعقلانية التي تستوجبها المرحلة ولا تستند إلى الخبرة التاريخية والتجارب الغنية والمريرة الطويلة, سواء أكان ذلك في مجال إطلاق التصريحات أو الخطب, أم بالتهديدات واحتمال نشوب حرب, أم بالمقاطعة وعدم الدخول بحوارات مباشرة. إن هذا الوضع يضيع على الشعب العراقي بكل مكوناته القومية فرص معالجة  كل الأوضاع الراهنة بصورة عقلانية وموضوعية وواقعية, ويمنح القوى الإرهابية المزيد من الأمل بانفجار الوضع بين الحكومتين, وليس بين الشعبين, لأن الشعبين يريدان السلام والتضامن وحل المشكلات بهدوء وسلام.     
منذ نعومة أظفاري ومنذ أن عرفت أن هناك قضية كُردية, وقفت إلى جانبها وكنت إلى جانب منح هذا الشعب حقوقه القومية الكاملة والتزمت بموقف عام وسليم للحزب الشيوعي العراقي إزاء هذه القضية, وكذلك موقف المناضل الراحل والشخصية الوطنية والسياسية المعروفة عزيز شريف في هذا الصدد, ولكني أدرك أيضاً بأن قضية إقامة دولة كُردية على  أرض كُردستان كلها لا يزال هدفاً بعيد المنال أولاً, وأن قيام دولة كُردية على ارض كُردستان العراق هي الأخرى بعيدة عن التحقق حالياً لأسباب دولية وإقليمية أو حتى محلية في إطار القوى الكُردستانية, وأن الفيدرالية هي الآن خيار كردي أيضا, ولهذا فنحن نعيش دهراً طويلاً قادماً سوية, وعلينا أن نشعر بالمصير المشترك, ومن هذا المنطلق يفترض أن نتصرف بالموقف من حدود الإقليم والدولة والمحافظات.
أتمنى على الجميع أن يعيدوا النظر بمواقفهم ويعالجوا الشاكل بالحكمة والخبرة السياسية التي يمتلكونها وبالتجارب المريرة التي عاشها الشعب. ليس هناك من غالب ولا مغلوب, بل أن الجميع سيخسر, ولكي لا تتكرر تجارب الماضي ولا تحل علينا جميعاً لعنة أوضاع بلدان مماثلة تعاني الأمرين في الوقت الحاضر, ولن ينفع الندم من أي طرف كان بعد فوات الأوان.
21/7/2009                        كاظم حبيب   
         

593
هيأة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق

تهنئة بحلول العيد الكبير للصابئة المندائية


تزجي الأمانة العام لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق أحر التهاني وأطيب الأمنيات وأصدق مشاعر الود والاعتزاز إلى  مواطناتنا ومواطنينا من الصابئة المندائيين, سواء أكانوا داخل الوطن أم في المهجر, بمناسبة حلول العيد الكبير راجين لهم ولكل الشعب العراقي بهذه المناسبة السعيدة موفور الصحة والعافية والسلامة.
إن شعبنا العراقي الطيب بكل قومياته وأديانه ومذاهبه يعتز كبير الاعتزاز بهذا المكون الرائع من مكونات شعبنا, فأنتم من أصل هذه البلاد ومن المشاركين بفعالية في بناء حضارة وادي الرافدين والمساهمين بحرص كبير على مجالات الفنون والآداب والعلوم والصناعة اليدوية, فمنكم كانت الحكمة القائلة "ويل لعالم لا يفتح نفسه, وويل لجاهل منغلق على نفسه".
وبهذه المناسبة العزيزة على  قلوب الصابئة المندائيين وقلوبنا جميعاً نرجو أن لا  يصيبهم أي مكروه من جانب تلك القوى الشريرة التي هجرت الكثير منهم ومن قوميات وأديان أخرى إلى  خارج العراق أو أبعدتهم عن ديارهم.
مرة أخرى  نشد على  أيديكم ومهنئكم بهذه المناسبة السعيد, مناسبة العيد الكبير.     

الأمانة العامة لهيئة الدفاع عن اتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق
كنب في 20/7م2009

594

هل الجمهورية الإسلامية الإيرانية تسير على طريق الصَّد ما ردَّ؟

ليس هناك من لم يتابع الأحداث التي جرت ولا تزال تتفاعل في إيران, سواء أكان في فترة التحضير للانتخابات الرئاسية أم أثناء ذلك أم بعدها, وليس هناك من فوجئ بالنتائج التي انتهت إليها الانتخابات إلا القليل من البشر ممن لم يعرفوا بصورة جيدة البنية الداخلية للجمهورية الإسلامية وبنية القوى الحاكمة ودور المؤسسة الدينية المهيمنة على القرار السياسي بإيران. وليس هناك من فوجئ بالطريقة التي تعاملت بها أجهزة الأمن والشرطة والحرس الثوري والبسيج مع المتظاهرين والمحتجين على عملية التلاعب بالانتخابات التي يستطع أحد إنكارها ولكنهم قللوا من شأنها في التأثير على النتائج المعلنة.
حين دعيت إلى ندوة تلفزيونية حول نتائج الانتخابات قبل أقل من ساعة من إعلانها وما يمكن أن يحصل, توقعت ثلاث مسائل أساسية:
1 . أن القوى الحاكمة لن تسمح بمجيء قوى معارضة للسلطة حتى لو كانت من داخل النخبة الحاكمة ومن المؤسسة الدينية الواحدة لأنها تملك أجندة خاصة متفق عليها بين المرشد الأعلى والقوى المحافظة التي يترأسها وحمدي نجاد المنفذ المباشر لرؤية المرشد والحرس الثوري والبسيج معاً.
2 . والأجندة الفعلية للحكومة الإيرانية تتضمن ثلاثة أهداف جوهرية, وهي:
   إ. مواصلة السعي لتصدير "الثورة" الإيرانية أو "أفكار الثور الإسلامية" الشيعية إلى بلدان الشرق الأوسط وبعض البلدان الآسيوية والأفريقية الأخرى وإلى المسلمين في الدول الغربية.
   ب. مواصلة بذل الجهود لإبقاء الوضع غير المستقر في كل من العراق وفلسطين ولبنان على وجه الخصوص وإعاقة أي حلول عملية للمشكلات القائمة في هذه الدول وتأمين استمرار نشاط القوى الفاعلة فيها والمؤيدة لإيران.
   ج. مواصلة العمل لإنتاج السلاح النووي لتأمين القوة الرادعة لإيران وفرض دورها كدولة كبرى شرق أوسطية وتأمين التناغم معها في سياسات الدول الأخرى. 
3. وأن الحكومة الإيرانية الراهنة مستعدة لتوجيه أقسى الضربات واستخدام أقصى أشكال العنف والسلاح في مواجهة قوى المعارضة المحتجة على سياسات الحكومة الإيرانية والمرشد الأعلى وزج المئات بل مستعدة  لزج الآلاف في المعتقلات الجهنمية متهمة إياهم بالعمالة للأجنبي.
ومجرى الأمور في إيران خلال الأسابيع المنصرمة برهن على صحة هذا التدقيق الذي يشترك فيه الكثير من المطلعين على الوضع السياسي في إيران. فقد مورس العنف بقسوة كبيرة فسقط الكثير من الشهداء المحتجين والمتظاهرين, كما اعتقل أقطاب في المعارضة وزج بالمئات في المعتقلات الإيرانية, وجرت وتجري ممارسة التعذيب ضدهم لانتزاع اعترافات غير صحيحة بأمل الخلاص من التعذيب الشرس.
إلا أن هذه الاحتجاجات والمظاهرات لم تكن الجولة الأولى وليست الجولة الأخيرة, بل سنتعرف تدريجاً على جولات نضالية أخرى للشعب الإيراني ضد حكامه, إذ أن "النظام الإسلامي" الإيراني بدأ فعلياً بالتفكك من داخل المؤسسة الحاكمة ومن داخل المؤسسة الدينية ذاتها.
رغم التباين في شكل الحكم في عراق صدام حسين وإيران المرشد الأعلى واحمدي نجاد, فإن النظامين في الجوهر شموليان واستبداديان ومعاديان لحرية الفرد والديمقراطية وحقوق الإنسان وبعيدان كل البعد عن حقوق القوميات والعدالة الاجتماعية, وتعاملا مع المجتمع الدولي والرأي العام العالمي بخفة واستهتار وعنجهية لا مثيل لهما وبرزا قوتهما العسكرية وكأنهما يستطيعان التغلب على  العالم كله. فسقط الأول إلى حيث وبئس المصير وسيلحق به النظام الثاني إلى نفس المستنقع الذي حط فيه النظام الصدامي ولن تسكب عليه دمعة واحدة  بل ستعم الفرحة في إيران وسائر أرجاء العالم.
ستسعى حكومة إيران إلى مواصلة تصدير مشاكلها الداخلية صوب الخارج بانتهاجها سياسات أكثر تطرفاً وغباءً في آن واحد, رغم تصور الحكام بأنها أساليب ذكية لأنها تلعب على الصراع الأمريكي الروسي والأمريكي الصيني, ولكن هذه اللعبة لن يساعد إيران لفترة طويلة, وما حصل لنظام صدام حسين يفترض أن يكون درساً لإيران لا من حيث احتمال شن حرب ضدها, بل من حيث عزلتها عن الشعب والرأي العام العالمي والمجتمع الدولي وبالتالي نهايتها.
إن الأوضاع الداخلية في إيران صعبة للغاية والمجتمع الإيراني يعاني من بطالة واسعة وبطالة مقنعة وجيش جرار يفترض الصرف عليه وسباق تسلح لا مثيل له يستنزف نسبة عالية من دخلها القومي والحرمان يزداد بين الفقراء والكادحين وتأييد الفلاحين الفقراء للمرشد الأعلى سيكون له نهاية مؤكدة بسب تردي أوضاعهم المعيشية وارتفاع وعيهم السياسي وإدراكهم لأوضاعهم الراهنة الموجعة, كما أن الأزمة الراهنة والحصار المتزايد تدريجاً سيقودان إلى أوضاع بشرية أكثر صعوبة. ولهذا فالفترة القادمة في إيران لن تكون وردية ولن تكون في صالح النخبة السياسية الحاكمة, كما أنها لن تكون في صالح الشعب وحياته المعيشية, وستكشف الأيام عن وجهة تطور وحدة الصراع السياسي والاجتماعي الجاري في البلاد.
إن المعالجات الترقيعية لن تنفع ولن تنقذ النظام الإيراني من المصير الحتمي, وهي قاعدة تشمل جميع النظم الشمولية المناهضة لمصالح شعوبها, والشعب الإيراني كفيل بأخذ زمام المبادرة للخلاص من النخبة الحاكمة, كما أن المرشد الأعلى قد فقد مصداقيته وظهر زيف ادعائه بالأمانة للشعب واحترام إرادته, فالنخبة الحاكمة والنظام الإسلامي الإيراني سائران معاً على طريق واحد نحو الهاوية طال الوقت أم قصر, على درب الصدّْ ما ردّْ.

17/7/2009    كاظم حبيب[/b]

595
إرهابيون قتلة يحصدون أرواح الناس,
ودعاية انتخابية حكومية تتحدث عن المكاسب!

الشعب العراقي في واد وأغلب القوى السياسية العراقية في وادٍ آخر. فالشعب يواجه مصائب التهديد والقتل اليومي الفعلي, مع بدء اتساع عدد العمليات الإجرامية التي تمارسها القوى الإرهابية المتنوعة وعدد القتلى بعد تقلصها النسبي, ومصاعب الحياة اليومية, ومنها نقص الخدمات في عز الصيف العراقي, وخاصة الكهرباء والماء, واستمرار وجود أكوام القمامة التي تملأ شوارع المدن العراقية في الوسط والجنوب (راجع مقال الشاعرة المبدعة والكاتبة بلقيس حسن حول سفرتها الأخيرة إلى الناصرية وغيرها في موقع صوت العراق) والمناطق الشعبية في بغداد وليس منطقة الخضراء والقادسية بشطريها وليس شارع الأميرات في المنصور .., بل مدينة الثورة والشعلة والطالبية وبعض أجزاء الرصافة والكرخ, ومنها البتاويين وشارع فلسطين وبغداد الجديدة والگريعات وغيرها. والشعب يعاني من البطالة والبطالة المقنعة بكل مشكلاتها السياسية والاجتماعية والإدارية وتخلف سير معاملات الناس. كما يواجه الشعب بشكل مباشر ويومي استمرار الفساد المالي والإداري والحزبي بكل قسوته وتخريبه للحياة اليومية للناس, في حين تقف القوى السياسية في واد أخر, خاصة وأن جمهرة كبيرة من كوادر وأعضاء هذه الأحزاب تحتل مواقعها في أجهزة الدولة وهي التي تمارس الفساد المالي والإداري إضافة إلى أصحاب النعمة الحديثة والقطط السمان, وهي التي تتمتع بالمكاسب التي تجعلها لا تشعر بسوء حياة الآخرين, إذ أن أغلب المراكز المهمة في الدولة موزعة على ممثلي تلك الأحزاب الحاكمة. والأحزاب السياسية منشغلة بحملة انتخابية مبكرة للوصول إلى مجلس النواب وإلى تحقيق الأكثرية في المجلس وتشكيل الحكومة القادمة دون أن تقدم لهذا الشعب ما يفترض تقديمه, وهي التي تتحدث عن المكاسب التي تحققت وتضخمها إلى الحد الذي لا يصدقها ابن الشارع لأنه يعرف عدم صحتها وبالتالي تسقط مصداقية السياسيين الذين يتحدثون بذلك وخاصة كبار مسئولي الحكومة, وكأن ما مارسته في الآونة الأخيرة في مجلس النواب ضد وزير الداخلية أو اعتقال البعض القليل هو الشكل السليم لمكافحة الفساد المالي وليس تغيير النظم والقوانين والحياة الثقافة في المجتمع وإبعاد الكثير جداً من أهل العمائم ومن يماثلهم من الذين يربطون الحكم بالدين ويمارسون الفساد وهم في الحكم وحوله ثم يغطى كل ذلك باسم الدين, والدين منهم براء. ليس هؤلاء وحدهم من يسلب الشعب قوته, بل هناك بعض العلمانيين ممن يمارس ذلك أيضاً.
بدأ الموت يحصد من جديد وعلى الحكومة أن تدرس العوامل الكامنة وراء ذلك, عليها أن تعرف أين يكمن العيب؟ أليس ذلك نتيجة لسياساتها الطائفية وتخلف معالجة المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وضعف دور القوى الديمقراطية والنهج الديمقراطي لصالح قوى الإسلام السياسي الرجعية والطائفية البشعة. إن استمرار قتل المسيحيين والشيعة يهدف بالضرورة إلى الرغبة في إشعال حرب طائفية ويوجه الاتهام ضد أتباع المذهب السني, وعلى الحكومة الحذر من ذلك, إذ لا شك في وجود قتلة في هذا الجانب , ولكن هناك قتلة في جانب أتباع المذهب الشيعي الذين وجدوا فرصة أيضاً لممارسة الإرهاب إضافة إلى أتباع القاعدة وحارث الضاري.     
وإذ يجري كل ذلك في العراق يجري بجواره محاولات مستمرة لتحقيق تحالفات جديدة دون أن تبذل غالبية الأحزاب السياسية الجهد الضروري لوضع برامج جديدة وأهداف جديدة واقعية ودون أن تسعى لإشراك قوى الشعب بما يفترض أن يكون جديداً ومحركاً للواقع الراهن في العراق. إن الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي يستوجب تشكيل تحالفات جديدة على صعيد العراق كله, ويستوجب التخلص من القوائم الطائفية أو القومية الشوفينية أو القومية الضيقة, بل يستوجب الانفتاح على العراق كله على القوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية, ومنها قوى إسلامية ديمقراطية ليبرالية ترفض الربط بين الدين والدولة, كما يستوجب الابتعاد عن تلك التحالفات التي ألحقت أضراراً فادحة بالعراق وخاصة تلك التحالفات التي تسببت في التوزيع الطائفي للحكم ومقاعد مجلس النواب والقضاء العراقي أيضاً وكل وزارات العراق, وهي التي تحولت إلى حصون محكمة ومغلقة لهذا التحالف الإسلامي السياسي أو الحزب الديني أو القومي أو ذاك. وهي المسئولة عن الخسائر الهائلة في الأرواح والدماء التي هدرت في العراق والدموع التي سكبت فيه ولا تزال الدماء تهدر والدموع تسكب.
الشعب يعاني ويواجه المشكلات وأغلب القوى السياسية لا تريد أن ترى ذلك بعينين مفتوحتين وسليمتين وتتصرف في ضوء ذلك. حين تتحدث منظمات حقوق الإنسان الدولية, ومنها منظمة العفو الدولية التي كنا نحتمي بها ونطالبها بدعم ضحايا الإرهاب الصدامي, عن التجاوزات الفظة على حقوق الإنسان الجارية حالياً في العراق, ينبري السيد رئيس الوزراء ويرد على منظمات حقوق الإنسان التي تطالب بحماية حقوق الإنسان المهدورة ويقول لها عليها أن لا تبالغ بذلك وأن لا تسيَّس حقوق الإنسان ظلماً وبهتاناً, في حين هو يعرف قبل غيره أن حقوق الإنسان مغدورة ومهدورة في العراق, ومنها الموت اليومي والاعتقالات والتعذيب في السجون ومصادرة حقوق المرأة. وأقرب حالة نجدها في التفجيرات الأخيرة, ثم ما اكتشف في مؤسسة السجون التابعة لوزارة الداخلية. وحين يتحدث الناس عن المشكلات الكبيرة والفعلية القائمة في العراق, ينبري السيد رئيس الوزراء أيضاً وكأنه لا يعرف بما يجري في العراق ويقول بأن العراقيين يسيَّسون كل شيء, وكأن الأشياء غير مسيَّسة في العراق وأن الناس يفتعلون قسراً تسييسها. وحين تُحمل صورته من عسكريين في مسيرة عسكرية ويقال له "تيتي تيتي مثل ما رحتي جيتي" بكل صدق وحرص من جانب رسام الكاريكاتير المبدع والناقد الاجتماعي والسياسي المميز سلمان عبد لكي تذكره بأن الشعب لا يريد العودة لما كان عليه العراق في ظل حكم صدام حسين وطغمته الفاسدة والجائرة, يخشى الإنسان من أن "يزعل" السيد رئيس الوزراء وأتباعه مثلاً, ويمكن أن تتوجه مفرزة أمن وشرطة جديدة لاعتقاله في كربلاء كما حاولت قبل ذاك بسبب معرض الرسم الكاريكاتير الذي أقامه في كربلاء! 
السيد رئيس الوزراء يدعو إلى الابتعاد عن الطائفية. وهو أمر جميل, ولكن اشرح لي أيها الأخ الفاضل, كيف يمكن مكافحة الطائفية السياسية وأنت تترأس حزب سياسي يقوم على المذهب الشيعي الجعفري الاثنا عشري الطائفي, فحزب الدعوة قد تأسس على هذا الأساس, وهو حزب مذهبي طائفي سياسي ليس في عضويته أي إنسان عراقي منتسب إلى  دين أو مذهب آخر ولا من قومية أخرى غير شيعية؟ كيف يمكنني أن أتصور بأنك غير مذهبي وغير طائفي ما دمت تقف على رأس هذا الحزب المذهبي الطائفي !!
السيد رئيس الوزراء يمارس عملية تنشيط العشائرية والأجواء العشائرية في العراق ليكسبها إلى جانبه في الانتخابات القادمة, فكيف يمكن بناء مجتمع مدني ديمقراطي في العراق في ظل العشائرية والدور المتزايد للمؤسسة الدينية والإسلام السياسي؟ كيف يمكن ممارسة الديمقراطية وممثل حزبه يدعو إلى  الأخذ بالديمقراطية  كأداة والابتعاد عنها كفلسفة, فماذا يعني ذلك؟ هذا يعني أن الهدف هو استخدام الديمقراطية للوصول إلى الحكم وليس ممارسة الديمقراطية في الحكم وفي حياة المجتمع, كما عبر عن ذلك بوضوح لا ريب فيه على الأديب, النائب الأول في حزب رئيس الوزراء وهو الرئيس الفعلي لهذا الحزب بسبب مشاغل رئيس الوزراء الحكومية.
يدعو السيد رئيس الوزراء إلى التحالف مع المجلس الإسلامي الأعلى, وهو الحزب المركزي الذي يتبنى الطائفية السياسية ويتبنى ولاية الفقيه ويدير منظمة بدر, مثل صنوه جيش المهدي, أي ولاية علي خامنئي على شيعة حزبه, كما يسعى لتكون ولاية الفقيه على كل شيعة العراق.
السيد رئيس الوزراء يتعاون بكثافة مع قوى حزب البعث في الموصل, إذ يريدها أن تكون ضد القوى الكردستانية, كما صرح بذلك محافظ الموصل الجديد, ولا يسعى إلى حل الخلافات مع القوى الكردستانية وفق المادة 140 من الدستور العراقي, بل يعمد إلى  التعاون مع قوى قادت العراق إلى الحضيض الذي عشنا فيه ولا يزال المجتمع لم يخرج من عواقبه, وهي مجموعة بعثية وقومية شوفينية مقيتة لا يمكن الركون إليها والتعاون معها أو القبول بها في حكم محافظة من محافظات البلاد.
السيد رئيس الوزراء, كما أرى, بحاجة إلى رؤية أكثر صفاء ونقاء لفهم تعقيدات الوضع في العراق من أجل عدم تعقيد الوضع, إذ تقع على عاتقه حل تلك المشكلات. ومن أجل أن تكون له رؤية أكثر موضوعية, عليه أن يحل حزبه أو يخرج منه وتشكيل حزب عراقي جديد لا يستند إلى عناصر طائفية سياسية أو لا تؤمن بالديمقراطية بل تعتبرها أداة لا غير, يستند إلى قوى علمانية وليبرالية وديمقراطية وإسلامية ديمقراطية لا تريد ربط الدين بالدولة, وهي كثيرة ومستقلة في العراق, ويطرح برنامجاً جديداً يفصل بين الدين والدولة في الحكم ويتعامل بواقعية مع الواقع العراقي القومي, ويعمل وفق آليات ديمقراطية مجربة ويمارس الحكم على أسس جديدة تحارب كل ما هو خارج عن وعلى القانون, وخاصة ممارسة الطائفية والتمييز القومي والتمييز ضد المرأة ...الخ.
السيد رئيس الوزراء ليس بحاجة إلى خطب انتخابية كثيرة, إذ تعب الشعب منها, إذ أنها دون طائل, بل يريد برنامجاً واضحاً وتعبئةً للمثقفات والمثقفين العراقيين وفق أسس ديمقراطية وعلمانية, وليس في إبعاد هؤلاء الذين يحملون في رؤوسهم وعلى أكتافهم ثروة العراق الثقافية والعلمية والأدبية وتقاليده الطيبة وتراثه الحضاري الجيد وينزعون بثقافتهم ونشاطهم من رؤوس الكثير والكثير جداً من الحكام والناس ثقافة العنف والقسوة والاستبداد والفساد في الحكم والحياة اليومية.
سيبقى الشعب يعيش في وادٍ والحكم والقوى السياسية في وادٍ آخر ما لم تتغير الحياة السياسية والحزبية في العراق, ما لم تتجدد تلك الأحزاب, ما لم يوضع الإنسان ومصالحه في مركز البرامج السياسية وما لم تتخلص البعض من هذه الأحزاب من بنيتها وطائفيتها وشوفينيتها أو قوميتها الضيقة وعشائريتها كهوية, وما لم تتطلع نحو الجديد والحديث والهوية الوطنية العراقية.
16/7/2009                         كاظم حبيب
                   

596
هل من روية جديدة لخوض الانتخابات العامة القادمة في العراق؟

تشير مستجدات الوضع في العراق إلى حصول واقع تفتت فعلي لجميع التحالفات السياسية السابقة التي أقيمت خلال السنوات الست المنصرمة على ثلاثة أسس ابتعدت بالعراق عن طريق المواطنة العراقية الحرة والديمقراطية والتصقت بقوة بالهويات الثانوية لواقع العراق الراهن, وأعني بها:
-   التحالف المذهبي القائم على أساس طائفية سياسية مقيتة تميز بين العراقيات والعراقيين على أساس المذهب, فهنا تحالف شيعي وهناك تحالف سني وكلاهما منعزل عن أتباع الأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية الأخرى.
-   التحالف على أساس قومي الذي تبلور في التحالف الكردستاني الذي لا يضم غير الكُرد, وتحالف يضم بعض القوى القومية العربية التي تلاحمت نسبياً مع القوى الطائفية السياسية السنية على نحو خاص ولا تضم إليها من أتباع قوميات أخرى, مما سمح بنشوء قوائم أخرى للكلدان والآشوريين والتركمان.
-   تحالفات سياسية لم ترتق إلى مستوى الهوية الوطنية المنشودة وجمعت جملة من المتناقضات.
كل هذه التحالفات تفتت وراحت قواها تفتش عن تحالفات أخرى, بعضها لا يخرج عن الإطار السابق ولكنه يريد أن يظهر بمسميات أخرى يراد لها كما يبدو أن تغطي على حقيقة النهج الفكري والسياسي ذاته لتلك القوى. كما أن القوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية لم يكن لديها أي تحالف جدي يسمح لها أن تلعب دوراً أكبر في الحياة السياسية العراقية.
التفتت لم يأت من فراغ, بل جاء لأسباب جوهرية منها:
- غياب الهوية الوطنية العراقية عن تلك القوائم وانغلاقها على هويات ثانوية في وضع العراق الراهن, رغم أهمية الهوية القومية لمكونات العراق القومية.
- السياسات والمواقف التي اتخذتها الكثير من قوى تلك القوائم لم تكن مقبولة من جانب الشعب العراقي بمختلف مكوناته ولم تعبر عن مصالح تلك المكونات.
- غياب الديمقراطية والشفافية عن الحياة الداخلية لتلك الأحزاب وعن العلاقة في ما بينها ومع قوى الشعب وفئاته الاجتماعية الكادحة والفقيرة وعدم تنفيذ ما جرى الالتزام به أمام ناخبيها وضعف دفاعها عن مصالحهم بشكل عام.
- استمرار الفساد المالي والطائفية في حياة الدولة والمجتمع والذي ألحق أضراراً فادحة بالدولة والمجتمع والاقتصاد الوطني , ولكن كان في صالح مجموعات من المشاركين في الحكم ومن هم حولهم.     
- ضعف صارخ في معالجة المشكلات القائمة, سواء أكانت على مستوى الخلاف بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم, أم في مجال البطالة المكشوفة والمقنعة, أم الفساد المالي والإداري, أم نقص الخدمات العامة والأساسية, إضافة إلى الاغتناء الشخصي لجمهرة من السياسيين بحيث أصبح الشعب في واد وكثرة من السياسيين في وادٍ آخر من حيث مستوى المعيشة والدخل ...الخ, وأصبحت الفجوة واسعة جداً في مستوى حياة الفئة الاجتماعية الحاكمة والمحيطة بها من جهة وبقية فئات المجتمع من جهة أخرى.
كما لا بد من ذكر حقيقة الدور السلبي الذي لعبته قوى الإسلام السياسي في أربعة مجالات, وهي:
** التمسك السيئ بالمذهبية والطائفية السياسية في حكم البلاد.
** تفاقم قائمة الممنوعات والمحرمات على الشعب والتي تنطلق من ترسانة رفض الحرية الفردية والحياة الديمقراطية.
** القتل والتشريد والتهجير القسري الذي مارسته القوى المتطرفة والإرهابية والمليشيات الطائفية المسلحة, بحيث لم يعد من الممكن معرفة الفاعل, فكلهم تقريباً متهمون وكلهم تقريباً مشاركون في ذلك. ولا تزال الحالة سارية حتى الآن في عمليات تفجير الكنائس كما حصل لخمس كنائس في بغداد وكنيسة في الموصل, وهي موجهة ضد المسيحيين ووجودهم في العراق, كما أنها موجهة ضد الصابئة المندائيين والإيزيديين أيضاً.
** تشديد التعامل مع حقوق المرأة المعترف بها دولياً واغتصاب هذه الحقوق والهيمنة على إرادتها الحرة.
والآن نحن أمام وضع جديد, فما هو المطلوب من القوى الديمقراطية العراقية ومن مختلف القوميات لخوض الانتخابات العامة القادمة؟           
في آخر ندوة عُقدت لي في لندن في أوائل هذا الشهر (تموز-يوليو 2009) وبحضور جمهرة كبيرة من القوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية أشرت إلى أهمية وضرورة أن تدرك هذه القوى بأنها خسرت الكثير خلال الأعوام المنصرمة لأنها لم تدرك أهمية تحالفها وتعاونها في خوض الانتخابات ولأنها فتشت عن مصالح قصيرة الأمد وضيقة ولم تفكر بالمهمات الأبعد والأكثر أهمية والأكثر قرباً من مشاعر وحاجات الناس, وبالتالي لم تأخذ بالاعتبار ولم تتعلم من دروس الماضي منذ سقوط الملكية حتى الآن. إن الطريق الموصل للنجاح يمر عبر التعاون والتكاتف والتحالف وليس عبر الانفراد والتنافس والصراع والادعاء. إن الواقع العراقي الراهن بحاجة إلى تحالف وطني واسع لكل القوى الديمقراطية  والعلمانية واللبرالية وفق برنامج غير واسع ومؤسس وفق حاجات المجتمع للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات كلها دون استثناء والعدالة الاجتماعية. نحن بحاجة إلى تحالف وطني واسع يضم إليه العرب والكُرد والتركمان والكلدان والآشوريين والسريان, ويضم إليه الشخصيات الوطنية السياسية والاجتماعية والعلمية والثقافية إلى جانب الأحزاب والقوى والتكتلات السياسية وقوى المجتمع المدني التي تدرك مخاطر الواقع المحتملة خلال الفترة القادمة والمهمات التي يفترض النهوض بها لصالح كل القوى المشاركة في التحالف, لصالح المجتمع بأسره.
من أجل تحقيق هذا التعاون والتحالف اقترح تشكيل هيئة تحضيرية تضم إليها ممثلون عن جميع القوى والأحزاب والكتل السياسية الديمقراطية والعلمانية واللبرالية من جميع المكونات القومية في العراق ومجموعة من الشخصيات الديمقراطية المستقلة من النساء والرجال تهيئ لمؤتمر سياسي واسع لكل هذه القوى لتناقش ورقة عمل تعدها الهيئة التحضيري لتكون أساساً لتحالف هذه القوى لخوض الانتخابات القادمة على أساس قائمة موحدة على مستوى العراق كله, رغم الوقت الضيق لمثل هذه العملية المهمة. من الممكن أن يعتذر البعض عن المشاركة, وهو احتمال ممكن, ولكن المؤتمر يعقد بمكن يحضر ويشارك في الهيئة التحضيرية.
إنها الفرصة المناسبة والضرورية لكي تجتمع القوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية العربية والكردية (التحالف الكردستاني وبقية القوى الديمقراطية في كردستان) وغيرها لكي تعود للساحة السياسية العراقية بقوة كبيرة وقدرة في التأثير على الأحداث الجارية في العراق وتدفع بالعملية السياسية صوب المجتمع المدني الديمقراطي.
أتمنى أن يقرأ هذا النداء كل القوى المعنية بعقد هذا المؤتمر ويتعامل معه بمسئولية عالية.
15/7/2009                   كاظم حبيب           

597
د. كاظم حبيب
في الذكرى 51 لثورة تموز/يوليو 1958
الدروس والمهمات الراهنة
-1-
يستقبل الشعب العراقي في هذا اليوم الذكرى 51 لانتفاضة وحدات من الجيش العراقي بقيادة حركة الضباط الأحرار وقائدها عبد الكريم قاسم لإنهاء نظام الحكم السياسي القائم وسعي الشعب لتحويلها إلى ثورة اجتماعية تنقل العراق من علاقات الإنتاج شبه الإقطاعية إلى علاقات الإنتاج الرأسمالية الحديثة وبناء المجتمع المدني الدستوري حيث تسود فيه مبادئ الحرية الفردية والحياة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتأمين حياة آمنة ومستقرة وسعيدة للشعب بأسره. 
ومنذ سنوات, وكلما اقتربنا من الذكرى السنوية, تظهر كتابات غير قليلة تقدم تحليلات متباينة عن طبيعة ثورة تموز 1914 وعن العوامل الكامنة وراء تلك الثورة وعن دورها في الحياة السياسية العراقية منذ وقوعها حتى الآن. ويبدو أن هناك وجهتي نظر تتصارعان, إحداهما تشير إلى أن الثورة لم تكن ضرورية وأنها المسؤولة عما جرى ويجري في العراق, والثانية تؤكد بان لم يكن ممكناً إيقاف الثورة, وإنها كانت نتاجاً لعملية موضوعية لا مرد لها في ظل الأوضاع المحلية والإقليمية والدولية التي سادت حينذاك. فما هي حقيقة هذه الثورة وما هي العوامل الكامنة وراء التحرك العسكري والشعبي وما النتائج أو العواقب التي نشأت بسببها؟
-2-
لم تكن انتفاضة وحدات من الجيش العراقي عملية عفوية أو عبثية أو نتيجة غير متوقعة لما كان يجري في العراق حينذاك, بل كانت عملية موضوعية ونتيجة منطقية لما كان يعاني منه الشعب العراقي طوال عدة عقود. وهي تجسيد لتفاعل وتشابك عوامل موضوعية وذاتية نضجت وتبلورت خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وأحداث فلسطين, ثم تفاقم التناقض والصراع في ما بين الشعب العراقي والمصالح البريطانية في العراق وموقف الحكم من مصالح الشعب ومصالح الاحتكارات النفطية وفئات الإقطاعيين وكبار ملاكي الأراضي الزراعية والعقاريين. ولم تكن الوحدات العسكرية بقيادة حركة الضباط الأحرار واللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني سوى الأداة التاريخية لقطف ثمار ما كان قد نضج فعلاً وما كان الشعب يسعى إليه. وقد تجلى ذلك في أعقاب وقوع الانتفاضة حين برز بوضوح عجز النظام عن الدفاع عن نفسه من جهة, واستعداد القوى السياسية المعارضة والشعب بكل فئاته الاجتماعية لا في قبول عملية التغيير التي أطلق شرارتها تنظيم الضباط الأحرار حسب, بل والمشاركة الفاعلة فيها وضمان انتصارها وحمايتها. من عاش هذه الفترة أو من قرأ تاريخ هذه الفترة والفترة التي سبقتها بإمعان, سيدرك الشروط الموضوعية والذاتية التي كانت قد نضجت فعلاً وقادت إلى انطلاق الانتفاضة العسكرية, ومن ثم السعي لتحويلها إلى ثورة اجتماعية. فقد سبقت ذلك أحداثاً كثيرة, ومنها:
* الحركات القومية السياسية والعشائرية في فترة 1932-1935 مثلاً؛
* انقلاب بكر صدقي العسكري في العام 1936 وانقلاب مايس/ايار 1941.
* النضالات السلمية للفترة الواقعة بين 1942-1947 التي استهدفت تكريس الحياة الدستورية والبرلمانية النزيهة, ولكن دون جدوى, حيث مارست قوى الحكم سياسات قهرية ضد قوى المعارضة ومطالب الشعب.
* وثبة كانون الثاني 1948 بالارتباط مع الرغبة في إلغاء معاهدة 1930 والسعي لفرض معاهدة بورتسموث المماثلة على العراق والسياسات غير الديمقراطية للحكم.
* الصدمة التي تلقاها الجيش والشعب في أحداث فلسطين في العام 1948 والشعور بوجود تأمر حكومي على مستوى الدول العربية ضد الشعب الفلسطيني ومجاراة السياسة البريطانية في المنطقة.
* عمليات الإعدام التي لم يشهدها العراق الحديث إلا عند تنفيذها في قادة حركة مايس 1941 العسكريين الأربعة, والضباط الكُرد الأربعة بعد أحداث 1946 رغم الوعود التي قطعت لهم بعدم تقديمهم للمحاكمة, وكذلك إعدام خمسة من قادة الحزب الشيوعي العراقي في العام 1949.
* قانون إسقاط الجنسية عن اليهود وترحيل قسري عملياً لأكثر من 130 ألف يهودية ويهودي عراقي من البلاد ودفعهم إلى إسرائيل وفق مؤامرة اشتركت فيها ثلاثة أطراف هي بريطانيا وإسرائيل والحكومة العراقية.
* انتفاضة تشرين الثاني 1952.
* مجازر نظمتها الحكومة ضد سجناء سياسيين في سجني بغداد والكوت وراح ضحيتها الكثير من السجناء العزل, وكلهم أعضاء في الحزب الشيوعي العراقي أو من مناصريه.
* المراسيم الجائرة التي صدرت في العام 1955 في فترة حكومة نوري السعيد, ومنها إسقاط الجنسية العراقية عن عدد من المناضلين العراقيين, ثم العدوان الثلاثي على مصر وموقف الحكومة العراقية السلبي من الدفاع عن مصر ومن انتفاضة 1956 الشعبية وقتل وإعدام العديد من المناضلين.
* إقامة الاتحاد الهاشمي بين العراق والأردن دون العودة إلى الشعبين لاستشارتهما وإجراء الاستفتاء الشعبي حول الاتحاد.
* ابتعاد الحكم عن التفكير بأوضاع الناس الاقتصادية والمعيشية واستمرار حالة الفقر والبطالة وضعف التوجه صوب التنمية وتشغيل العاطلين وتحسين مستوى حياة ومعيشة الناس الفقراء وتفاقم استغلال كبار الملاكين للفلاحين الفقراء في ريف العراق. 
-3-
لقد جوبهت جميع تلك النضالات الشعبية بسياسات استبدادية جائرة والتصدي للمشاركين فيها بقسوة بالغة وزج الناس بالسجون والمعتقلات أو القتل العمد وأحكام قاسية, سواء أكان بالسجن والنفي أم بالتعذيب والإعدام بدلاً عن الالتزام بإرادة الشعب وتحقيق التغييرات المنشودة والتخلص من الحكومات الفاسدة, مما قاد إلى تشديد الصراع بين النخبة الحاكمة والمجتمع بأغلبه. لقد أخل نظام الحكم بالقانون الأساسي (الدستور) العراقي في بنوده الديمقراطية من جوانب عدة نشير إلى أبرزها:
1. عدم الفصل بين السلطات الثلاث عملياً رغم وجودها شكلياً, وعدم استقلال القضاء وفق ما أقره القانون الأساسي (الدستور).
2. التجاوز الفظ على القانون الأساسي من خلال تشويه مؤسسات الدولة الدستورية وتزييف الانتخابات النيابية وتخريب الحياة السياسية في البلاد وباعتراف الحاكمين أنفسهم, ومنهم نوري السعيد.     
3. التجاوز على مضمون الدستور بإصدار تشريعات (قوانين ومراسيم) ذات مضمون قمعي استبدادي ورجعي في آن واحد.
4. عدم الالتزام بقرارات الحكومة وتعهداتها أمام عصبة الأمم بشأن حقوق الشعب الكردي والقوميات الأخرى والتي تبلورت في تهميش حقيقي للشعب الكردي وقواه السياسية, إضافة إلى الابتعاد عن احترام إرادة  الناس.
5. الاستبداد والعنف والقسوة في التعامل مع مطالب الشعب والحياة السياسية الديمقراطية من خلال إصدار أحكام ظالمة بالسجن والنفي والقتل والإعدام للمواطنين والمواطنات دون توفير فرصة الدفاع المشروع والنزيه عن النفس.
6. ضعف استخدام موارد العراق النفطية والمالية والموارد الخاصة في عملية التنمية, سواء أكان من جانب الدولة أم القطاع الخاص, والذي أدى إلى نمو البطالة والبطالة المقنعة في دوائر الدولة ووجود فئات واسعة من الفقراء والمعوزين بجوار تنامي ثروة الأغنياء.
7. مساهمة البلاط بشخص الوصي على العرش عبد الإله بن علي بن حسين في رسم وإقرار وممارسة تلك السياسات المناهضة لمصالح الشعب العراقي والتي حصدت كراهية الشعب ورفضه لها وللبلاط, رغم افتراض أن الملك مصون غير مسؤول وفقاً للقانون الأساسي.
8. البدء بدخول العراق في نهج ومخطط السياسات العسكرية للدول الرأسمالية في فترة الحرب الباردة حينذاك والتي تبلورت في مشروع الشرق الأوسط وحلف بغداد, الذي أصبح العراق عضواً أساسياً فيه إلى جانب تركيا وإيران وباكستان وبريطانيا والولايات المتحدة كمراقب ومن ثم مشارك فعلي.
-4-
قاد هذا الواقع إلى نشوء فجوة عميقة وواسعة يصعب ردمها بين الشعب وقوى المعارضة السياسية من جهة, ونظام الحكم والقوى الحاكمة وكبار ملاكي الأراضي الزراعية والعقاريين والبلاط الملكي من جهة أخرى, وإلى حصول تحرك جديد في صفوف الجيش, إضافة إلى التحرك الجديد في صفوف الشعب والمعارضة. فنشأت حاجة موضوعية لعملية التغيير ولم يعد هناك من يستطيع إيقاف سير العملية الموضوعية إرادياً, وإلا لما نجحت الانتفاضة ولما وجدت التأييد العارم من أوساط الشعب الواسعة.
-5-
لا شك في أن الوضع في منطقة الشرق الأوسط وعلى صعيد الدول النامية كان في حراك دائم, غذ تصاعد المد الثوري على صعيد حركة التحرر الوطني وأحرزت أفريقيا واسيا الكثير من النجاحات في نضالها لإقامة دولها الوطنية المستقلة أو تعزيز استقلالها وسيادتها الوطنية, إضافة إلى دور بلدان المعسكر الاشتراكي في دعم حركات التحرر الوطني على الصعيدين الشعبي وفي الأمم المتحدة وأخبار النجاحات والعدالة في توزيع الثروة الوطنية التي كانت تصل إلى مسامع شعوب الدول النامية عن أوضاع الدول الاشتراكية في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وتطلع شعوبها للحرية والعدالة الاجتماعية. لقد كان العالم في حراك والرأسمالية تكشف عن المزيد من مصاعب الحياة فيها, وخاصة أزماتها الاقتصادية, في حين لم يكن العالم يسمع عن أزمات ومصاعب اقتصادية في الدول الاشتراكية رغم وجودها والتي تسببت فيما بعد, بسبب عدم الاعتراف بها ومعالجتها وأسباب أخرى إلى انهيارها.
-6-
كل هذه العوامل الداخلية والإقليمية والدولية وغيرها لعبت دورها في جعل قيام الثورة أمراً مطلوباً وليست حالة طارئة أو قسرية, مما أدى إلى نجاحها في إسقاط الملكية وقيام الجمهورية العراقية.
لا شك في أن الزعيم الركن عبد الكريم قاسم لعب دوراً أساسياً ورئيسياً في إنجاح الانتفاضة العسكرية من خلال عدد من الإجراءات المهمة, ومنها:
* تشكيل تنظيم الضباط الأحرار وتوحيد المجاميع التي وجدت حينذاك أو التعاون والتنسيق مع بعضها الآخر.
* تشخيص مجموعة من المهمات الوطنية والاجتماعية والديمقراطية والخارجية التي كان الشعب يدعو لها ويؤيدها والتي ساهمت بتوفير أرضية مناسبة للاتفاق مع برنامج اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني التي تشكلت في العام من أربعة أحزاب سياسية (الحزب الوطني الديمقراطي, حزب الاستقلال, الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث العربي الاشتراكي ومشاركة غير مباشرة لحزب خامس هو الحزب الديمقراطي الكردستاني في العام 1957.
* الاتصال بالقوى والأحزاب السياسية المدنية للتعاون والتنسيق معها في تنفيذ الانتفاضة العسكرية, إذ أن صلة هذه الأحزاب كانت قوية وهي الضمانة لتعبئة فئات المجتمع إلى جانب الانتفاضة والتي تمثلت بقوى الجبهة.
* الاحتفاظ بسرية عالية في التحضير للانتفاضة واختيار اللحظة المناسبة لتنفيذ العملية وإنجاحها. وكان نجاح الانتفاضة وتحولها إلى مسيرة ثورية وثورة شعبية قد ارتبط بما اتخذته القيادة العسكرية والحكومة من سياسات وإجراءات في الأسابيع والأشهر الأولى. ولكنها لم تكن كافية لمواصلة المسيرة.
لقد كانت هذه المواقف والإجراءات ضمانة لنجاح الانتفاضة وسر انتصارها.
-7-
لقد أخل عبد الكريم قاسم بعدد من المسائل التي ألحقت الضرر الكبير بالثورة ومسيرتها واتجاهات تطورها, ومنها بشكل خاص:
1. انفراده مع عبد السلام محمد عارف في اختيار ساعة الصفر وإبلاغ وحداتهما بموعد العملية دون إبلاغ بقية قيادة حركة الضباط الأحرار بالموعد للمساهمة بها. خلق هذا الموقف مشكلات وحساسيات كثيرة رافقت مسيرة الثورة ولعبت دورها السلبي لاحقاً في صفوف الضباط الأحرار وفي زعزعة الثقة والتضامن بين حركة الضباط وبدء المنافسة في ما بينهم والتآمر على بعضهم. ويفترض أن نشير هنا إلى التمايز الذي حصل في أعقاب نجاح الانتفاضة العسكرية في توزيع المناصب الوزارية والمواقع الأساسية في الدولة والقوات المسلحة بين جماعة معينة من الضباط وإبعاد جماعة أخرى من أعضاء حركة الضباط الأحرار عن مواقع المسؤولية السياسية المهمة. وكان الأفضل والأصوب هو انسحاب كل العسكريين إلى ثكناتهم.
2. تراجع قاسم عن الوعد الذي قطعه على نفسه ومع اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني في تسليم السلطة بعد فترة انتقالية وجيزة إلى المدنيين وعودة القوات المسلحة إلى معسكراتها استفادة من تجربة 1936.
3. عدم تنفيذ الالتزام بوضع وإقرار دستور البلاد الجديد والبدء بإقامة المؤسسات الدستورية والحياة الحزبية الشرعية.
4. الاعتماد على قرارات وسياسات فردية دون أن يسمح لمؤسسات الدولة القائمة والحكومة وأجهزتها في أن تلعب دورها الطبيعي في دراستها وإقرارها أو رفضها, مما ساعد على نشوء الفوضى والعفوية والصراعات وما نشأ عنها من نزاعات دموية.     
5. تخلى قاسم فعلياً عن مهمة إجراء تغيير مدروس ومنظم وديمقراطي في أجهزة الدولة لتتماشى هذه الأجهزة مع التغيرات التي حصلت في المهمات والأهداف واتجاه تطور البلاد, وبالتالي أبقى على نقطة الاحتكاك بين مصالح المجتمع ومصالح أجهزة الدولة التي برزت عملياً في رفض أو عرقلة وتعطيل تنفيذ قرارات رئيس الحكومة والقوانين الصادرة عن مجلس الوزراء ومجلس السيادة.
-8-
عبَّر نجاح حركة الضباط الأحرار في الاستيلاء على السلطة في بغداد في الرابع عشر من تموز من عام 1958 عن دور وأهمية التكامل والتفاعل الإيجابي المثمر بين نضوج الظروف الموضوعية لعملية التغيير السياسي والاجتماعي, وبين الاستعداد الواعي للقوى المنتفضة وتنسيقها وتناغمها النسبي مع حركة الجماهير الشعبية الواسعة المعارضة للسلطة الملكية - الإقطاعية وللهيمنة الأجنبية غير المباشرة حينذاك. كما عبَّر في الوقت نفسه عن أهمية التحالفات السياسية- الاجتماعية التي كانت قد نشأت قبل ذاك في إطار جبهة الاتحاد الوطني في توفير المستلزمات الضرورية لنجاح مثل تلك الانتفاضة, وخاصة دورها في نشر الوعي السياسي وفضح سياسات نظام الحكم وتأمين التفاف أوساط واسعة من الشعب حول الحركة وقيادتها السياسية, رغم التباينات التي كانت قائمة في ما بين تلك الأحزاب والقوى على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية, أو التباين بينها وبين القيادة العسكرية للحركة. ومنذ الوهلة الأولى لانتصار الحركة المسلحة سعت الجماهير الشعبية الواسعة إلى التدخل الفعلي لحسم الموقف لصالح الانتفاضة وإلى فرض وجودها وثقلها السياسي على القيادة السياسية الجديدة وإلى محاولة تحويل تلك الانتفاضة العسكرية المسلحة إلى ثورة شعبية تتبنى مضامين سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة تستجيب لطبيعة المرحلة ومضمون المهمات الداخلية والعربية والدولية التي ناضل من أجلها الشعب, وكان من الممكن تحقيقها, إذ إنها كانت تعبر بشكل عام عن المصالح الأساسية والحيوية للقوى الاجتماعية والسياسية المساهمة في العملية الثورية.
-9-
وقد لعب التباين في طبيعة القوى العسكرية المشاركة في الانتفاضة وفي إسنادها بعد وقوعها إلى حصول حالات قتل وسحل ثلاثة من قادة الحكم الملكي (الوصي على العرش ونوري السعيد وولده صباح) مع قتل الملك وآخرين. وقد أساء هذا العمل الوحشي إلى مجمل العملية السلمية التي تميزت بها الانتفاضة العسكرية. وكان لهذا الفعل أثره السلبي على الموقف من الثورة محلياً وعربياً ودولياً. وقد جاء هذا الفعل كرد فعل انتقامي غير مشروع لضحايا النظام والتعبير الصارخ عن حقد وكراهية متراكمة ضد النخبة الحاكمة والبلاط الملكي. وتستوجب الشفافية والصراحة أن نشير إلى ثلاث ملاحظات مهمة, وهي:
* أن هذا العمل غير سياسي وغير أخلاقي وانتقامي وغير مبرر بأي حال ومهما كانت الأسباب.
* إن هذا العمل لم يكن مقرراً من جانب قائد حركة الضباط الأحرار, بل جاء بمبادرة من بعض الضباط وخاصة عبد السلام محمد عارف, كما أنه لم يكن مقرراً من جانب اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني.
* ولكن لا بد من الإشارة بصراحة ووضوح إلى أن تاريخ العراق الطويل مليءٌ بالكثير من هذه الأفعال الشائنة التي كان الحكام يشجعون عليها, وهي لا تعبر عن مستوى حضاري إنساني, بل عن فعل انتقامي مرفوض ومدان.
-10-
وبعد أن بدأت الحركة الشعبية تفرض جملة من شعاراتها على السلطة السياسية وتتجلى في مجموعة من القرارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على المستويات الداخلية والعربية والإقليمية والدولية, بدأت الخلافات في الرؤية والأهداف والمواقف تظهر على سطح الأحداث وتجد تعبيرها الصارخ والمضر لا في الشارع السياسي حسب, بل وعلى صعيد السلطة السياسية وفي القوات المسلحة حيث احتدمت الخلافات بين مختلف الأجنحة العسكرية والمدنية, وخاصة الحزبية منها. وعندها أبتعد العمل السياسي عن الحلول الديمقراطية والسلمية والتحري عن سبل للمساومة وعن أرضية أو قواسم مشتركة, وأتجه تفكير وعمل الجميع نحو الإقصاء والحسم باستخدام أساليب القمع أو التآمر والتحضير لانقلابات عسكرية لمعالجة المشكلات التي تفاقمت بين الأحزاب والقوى السياسية المحلية. وهنا لعبت القوى العربية والإقليمية والدولية, وخاصة الدول القومية العربية (مصر وسرويا) والمملكة الأردنية الهاشمية ودول الخليج العربية ودول الجوار غير العربية وشركات النفط الاحتكارية الدولية, دورا كبيرا وأساسيا لا في تأجيجها وقطع الطريق عن معالجتها سلميا وديمقراطيا حسب, بل وفي مدّ بعض القوى المتصارعة بالمزيد من الدعم والتأييد المادي والسياسي والإعلامي وبالأسلحة لتشديد نهجها الانقسامي داخل صفوف الشعب والقوات المسلحة.
-11-
لقد كانت أوضاع العراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية حينذاك تتطلب من قيادة الدولة الجديدة معالجة سبع قضايا أو مهمات أساسية, وهي:
أ. التحول صوب المجتمع المدني وتسليم السلطة للمدنيين من أجل وضع دستور ديمقراطي دائم للبلاد وعودة القوات المسلحة إلى ثكناتها بدلاً عن مواصلة الحكم.
ب. إطلاق الحريات الديمقراطية بما فيها حرية التنظيم الحزبي والمهني وحرية الصحافة والتعبير والتجمع والتظاهر والإضراب وفق قوانين جديدة, إضافة إلى إنهاء نشاط ووجود أجهزة الأمن أو التحقيقات الجنائية القديمة والكف عن الاعتقال الكيفي وتأمين تنظيم الحياة المدنية... الخ. وكانت هذه الوجهة تستوجب الالتزام بوضع واستفتاء الشعب على دستور ديمقراطي جديد يستند إلى أسس وقواعد المجتمع المدني الديمقراطي والعلماني والحياة البرلمانية الحرة وتسليم السلطة إلى المدنيين ممن يحوز منهم على تأييد أصوات غالبية الناخبين.
ج. معالجة القضية الكردية على أساس الاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الكردي ومنحه حق إقامة الحكم الذاتي في إطار الجمهورية العراقية والاستجابة لمطالب القوميات الأخرى الثقافية والإدارية المشروعة.
د. حل المشكلة الزراعية باتجاه تصفية العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية في الريف وتأمين مستلزمات التطور الرأسمالي في الزراعة.
هـ. توفير مستلزمات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للتخلص من التخلف والتبعية وضمان السيطرة التدريجية على موارد البلاد الأولية وخاصة النفط الخام وموارده المالية, في خدمة التنمية, ومنها التنمية الصناعية والزراعية, وزيادة التشغيل وتقليص عدد العاطلين عن العمل, وتحسين مستوى حياة ومعيشة الشعب, وضمان تطور معجل للقطاعين الخاص والعام والقطاع المختلط في المشاركة في هذه العملية.
و. إقامة علاقات تعاون وتنسيق وتضامن واسعة وشاملة مع الأقطار العربية ومع بقية بلدان منطقة الشرق الأوسط, وخاصة دول الجوار.
ز. إقامة علاقات تعاون متعدد الجوانب وممارسة سياسة الحياد الإيجابي في السياسة الدولية وفي العلاقة مع الدول الكبرى, إضافة إلى التخلص من سياسة الأحلاف العسكرية والوجود العسكري الأجنبي في البلاد وإلغاء المعاهدات المقيدة لحرية البلاد وسيادته.
-12-
       
بدأ الحكم الجمهوري السير على هذا الطريق عندما أصدر وتحت ضغط الشارع العراقي أو بمبادرة منه جملة من الإجراءات التي كانت تعتبر جزءا من تلك الأهداف والتي كان بدونها يصعب الحفاظ على الزخم الثوري للحركة وعلى تأييد الجماهير لها. ويمكن الإشارة في هذا الصدد, على سبيل المثال لا الحصر, إلى:
• الانسحاب الفوري من حلف بغداد (السنتو),
• الانسحاب من منطقة النفوذ الإسترليني.
• إلغاء معاهدة 1930 وفرض انسحاب القوات العسكرية البريطانية من قاعدتي الحبانية والشعيبة.
• إصدار قانون الإصلاح الزراعي الديمقراطي رقم 30 لسنة 1959.
• البدء بعملية تنمية وتصنيع جديدة وممارسة سياسة تجارة خارجية أكثر واقعية.
* إقامة علاقات جديدة وواسعة مع بعض بلدان المنظومة الاشتراكية, وبشكل خاص مع الاتحاد السوفييتي.
• الدخول في مفاوضات مع شركات النفط الاحتكارية حول سبل استثمار النفط العراقي وحصة العراق فيه, وانتهت تلك المفاوضات, بسبب تعنت الشركات الأجنبية, إلى إصدار الحكم الجمهوري الجديد القانون رقم 80 لسنة 1961 الذي صادر بموجبه أكثر من 99,5% من الأراضي التي كانت تحت تصرف شركات النفط الأجنبية والتي لم تكن مستثمرة حتى ذلك الحين عمليا, كما تم بموجبه تأسيس شركة النفط الوطنية.
• المبادرة إلى الدعوة لتشكيل منظمة البلدان المنتجة والمصدرة للنفط أوبيك OPEC لحماية مصالحها إزاء الدول والشركات البترولية الاحتكارية الدولية.
• إصدار قانون العمل والعمال الذي تميز بمضامين ديمقراطية جديدة وعبر بمجمله عن التقدم الذي كانت تتسم به الحركة النقابية العراقية التي كانت قد نشأت في وقت مبكر في العراق, رغم قرارات المنع والتحريم والمطاردة التي تعرضت لها تلك الحركة النقابية.
• إصدار قانون الأحوال الشخصية وضمان جملة من الحقوق المشروعة للمرأة العراقية.
* اتخاذ جملة من الإجراءات الشعبية لخدمة مصالح الفئات الاجتماعية الفقيرة والكادحة والنازحة  أساساً من الريف إلى المدينة وتقطن في حواشي المدينة, كما في مدينة الثورة ومنحهم قطع أرض وبناء دور لهم مثلاً.
* إنصاف الكُرد الفيلية باعتبارهم مواطنين من أصل البلاد ويشكلون جزءاً من نسيجه الوطني والاجتماعي. وهو أول حاكم عراقي يعترف بهذه الصراحة ويقر للكُرد الفيلية بحقوقهم كعراقيين ومواطنين لهم حقوق وواجبات متساوية.
-13-
ولكن قيادة الدولة, بشخص رئيسها اللواء الركن عبد الكريم قاسم, قد تعثرت كلية في معالجة عدة مسائل مركزية, وهي:
** رفض العودة إلى الحياة المدنية وإقرار دستور ديمقراطي جديد للبلاد وحياة برلمانية حرة ونزيهة والإصرار على احتفاظ قاسم بالسلطة وعدم نقلها إلى المدنيين. وقد لعبت شعارات الجماهير الشعبية "عاش الزعيم الأوحد عبد الكريم قاسم" وتأليه شخصيته ونسج الحكايات الشعبية الخرافية الممتزجة بمشاعر الحب عن شخصه في تكريس الإحساس لدى قاسم بأنه الشخص الوحيد القادر على التعبير عن مصالح الشعب, مما عمق من الفردية لديه والتي قادت بدورها إلى:     
** اتخاذ موقف سلبي صارخ من الحياة الديمقراطية, وخاصة الحياة الحزبية والتعددية السياسية, وإرساء الحياة السياسية في البلاد على أسس دستورية وديمقراطية قويمة؛
** واتخاذ موقف سلبي من حقوق الشعب الكردي اتسم بنظرة ضيقة إزاء الحقوق المشروعة للقوميات, رغم الاعتراف بأن العرب والكُرد شركاء في الوطن, إضافة إلى دور القوميين والبعثيين في تعطيل إرادة التغيير في الموقف من حقوق الشعب الكردي والخشية من تعقيدات الوضع على الصعيد العربي بذريعة رغبة الكُرد في الانفصال. وقاد هذا الموقف إلى صدام بين حكومة عبد الكريم وقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني والحركة الكردية بشكل عام, فاستخدم قاسم القوات المسلحة والطيران لضرب مواقع القيادة الكردية في بارزان ومواقع أخرى مما دفع بالملا مصطفى البارزاني إلى إعلان الثورة المسلحة على الحكم في أيلول/سبتمبر 1961, وهي ثورة لم تكن ناضجة ولا حكيمة قادت على تداعيات كبيرة, رغم صحة  وأهمية مطالب الشعب الكُردي.
** الفشل في معالجة جادة وعقلانية للعلاقات العربية ومع دول الجوار. ولم يكن سبب ذلك بالضرورة سياسة قاسم بقدر ما كانت سياسة الدول العربية, وخاصة تلك التي حملت راية القومية العربية والوحدة الفورية, وعلى رأسها مصر وسوريا بقيادة جمال عبد الناصر من جهة , وتلك التي تضررت من سقوط الملكية, وخاصة الأردن والسعودية ودول الخليج العربي من جهة أخرى.
** السياسة المغامرة وغير الحكيمة التي مارسها قاسم ومطالبته بضم دولة الكويت الشقيقة إلى العراق والتعبئة الإعلامية وممارسة التهديد ضد الكويت, في وقت كانت المشكلات في العراق تتفاقم, فسعى إلى  تحويل الأنظار صوب الصراع مع الكويت, وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير.
نجم عن كل ذلك تفاقم في الصراع الداخلي بين القوى السياسية في البلاد وفي داخل السلطة, وخاصة بين مجموعات الضباط الأحرار, وما نجم عن ذلك من مؤامرات وفوضى سياسية داخلية وجهود دولية وعربية كانت تسعى أساساً إلى تقويض الحكم الجمهوري والإطاحة بحكومة عبد الكريم قاسم.
-14-
مع كل التقدير الكبير للدور الذي لعبه عبد الكريم قاسم, ومعه بقية الضباط الأحرار, في إعلان الانتفاضة العسكرية ضد الحكم الملكي ونجاحهم في انتزاع السلطة, ومع كل التقدير لشخصية قاسم الوطنية والنزيهة والصادق في تبنيه لقضايا الشعب والكادحين, فأن المشكلة التي عانى منها لم تختلف عن مشكلات بقية العسكريين الذين جاءوا إلى السلطة عبر الانقلابات العسكرية, إذ تغلبت عنده النزعة العسكرية الفردية والاعتداد بالرأي إلى حد الاستبداد ورفض الرأي الآخر. لقد عجز قاسم عن التفكير الجدي بالتخلي الفعلي عن السلطة وتسليمها إلى القوى المدنية المتمثلة بالأحزاب السياسية العراقية, كما برهن عن عجز فعلي في ممارسة الحياة الديمقراطية وفق أسس دستورية وعن إيجاد حلول عملية للصراعات التي بدأت تجتاح البلاد, كما لم يلعب دورا إيجابيا منذ البدء بوضع الدستور الدائم وإقامة دولة المؤسسات الدستورية والمجتمع المدني مما فسح في المجال للعمل السياسي والعسكري ضد السلطة الجديدة وإلى سيادة العفوية والفردية والفوضى في البلاد. لقد كان الوعي المدني الديمقراطي لدى الضباط الأحرار, بغض النظر عن شخوصهم, ضعيفا وبعيدا عن فهم حاجات المجتمع وضرورات التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي الديمقراطي. ولم يكن هذا الوعي القاصر محصورا بالضباط الأحرار فحسب, بل شمل أغلب القيادات السياسية للأحزاب الوطنية حينذاك, كما شمل الشارع العراقي أيضاً. وهي مسألة مرتبطة عضويا بالمستوى الحضاري وبمستوى تطور العلاقات الإنتاجية وبنية الاقتصاد والمجتمع ومستوى الوعي السياسي والاجتماعي, إضافة إلى واقع التركة الثقيلة لعهود الاستبداد والهيمنة العثمانية والبريطانية الطويلة على العراق.
-15-
من عاش أحداث تلك الفترة يستطيع أن يشَّخص بوضوح مظاهر صارخة لفعل التفاوت والتناقض بين طبيعة القيادة العسكرية التي تسلمت الحكم وأشركت معها في السلطة مجموعة من المدنيين من ممثلي بعض الأحزاب السياسية, وبين طبيعة ومنحى حركة الجماهير الشعبية الواسعة التي كانت الثورة قد فجرت قدراتها المكبوتة ولم يعد ممكنا فرض الحجر عليها في الحدود الضيقة التي كانت تريدها لها ذهنية جزء مهم من تلك القيادة العسكرية. أي إن الثورة قد واجهت ابتداءً تناقضاً بين الذهنية العسكرية, بغض النظر عن أشخاصها حيث تتفاوت تأثيرات هذه السمة على سلوكهم العملي, وبين حركة الجماهير ذات المضمون الاجتماعي التي عرفت لأول مرة في تاريخها السياسي الحرية بمعناها العملي وما اقترن بهذا الفهم من عفوية وفوضى وتمرد على القوانين لاحقاً, وبين العملية الديمقراطية التي تعطلت بفعل بقاء العسكر في السلطة وبدء الصراعات في ما بينهم, وكذلك الصراع في ما بين الأحزاب والقوى السياسية الراغبة في امتلاك السلطة. وقد تبلورت هذه التناقضات بشكل أكثر وضوحا في المهمات التي واجهت الثورة والتي طرحتها فئات الشعب المختلفة على السلطة السياسية الجديدة لتحقيقها وبين القيادة العسكرية-السياسية التي كانت لديها تصورات وإمكانيات أو حتى استعدادات محدودة في الاستجابة لمثل تلك الأهداف. وكان لغياب المؤسسات الدستورية أثره السلبي البالغ على اتخاذ الموقف المناسب لحل التناقضات والصراعات والنزاعات السياسية الناشئة عن وإزاء تلك القضايا.
-16-
ولا شك في أن الدول العربية ذات الوجهة القومية والنهج الشوفيني أو ذات النهج الرجعي, والدول المجاورة المناهضة للديمقراطية, ومنها إيران وتركيا من مواقع واتجاهات حلف السنتو السياسية والعسكرية, قد مارست كلها أدوراً سيئةً ومدمرة في العملية السياسية الجديدة في العراق من خلال التدخل الفظ والمباشر في شئون الدولة العراقية وفي التأثير المباشر على قوى الثورة والأحزاب السياسية الفاعلة فيها وعلى النخبة العسكرية الحاكمة باتجاهات مختلفة, مما أدى إلى تشديد تلك التناقضات والصراعات السياسية والاجتماعية وتحويلها إلى نزاعات وإلى تنشيط القوى المضادة لتلك الثورة والجمهورية الأولى, سواء أكان ذلك في الموقف من الحريات الديمقراطية أم من الإصلاح الاقتصادي, ومنه الإصلاح الزراعي, أم من قانون الأحوال الشخصية, أم من موقف التعاون مع الاتحاد السوفييتي وبلدان المنظومة الاشتراكية حينذاك, أم من مفاوضات النفط مع الشركات الأجنبية, أم من محاولة قاسم اليائسة اعتبار الكويت جزءاً من العراق! وقادت هذه المشكلات إلى بروز عملية ذات اتجاهين مختلفين ولكنهما كانا يصبان في مجرى واحد, وهما:
* تنامي ضعف الحكومة وارفضاض جزء مهم من السكان والقوى السياسية عنها وعن تأييدها, وبتعبير أدق, غياب الوحدة الوطنية الضرورية لحل المشكلات المستعصية بعد أن انتهى وجود جبهة الاتحاد الوطني من جانب,
* وتفاقم النشاط ألتآمري على حكومة الجمهورية الأولى من أغلب القوى السياسية التي اختلفت مع سياسات قاسم بقوة ودأب وإصرار مدعومة بتأييد وإسناد من جانب شركات البترول الدولية على نحو خاص ومن الدول الرأسمالية الصناعية المتقدمة أو الدول الإمبريالية بشكل عام من جانب آخر. 
-17-
ومما زاد في الطين بلة أن الحكم الجديد لم يمس أجهزة الدولة التي كانت قائمة منذ العهد الملكي, بما فيها القوات المسلحة, بالتغيير, سوى إبعاد الصف الأول من النخبة الحاكمة. وكان هذا يعني نشوء تناقض وصراع بين الحداثة والطابع المدني المنشود للجمهورية العراقية وما يفترض أن تنجزه من مهمات المرحلة, وبين الطابع شبه الإقطاعي والعشائري الضيق للعلاقات الاجتماعية والسياسية التي سادت البلاد وطبعت نشاط المؤسسات القائمة. كما لعبت المؤسسة الدينية وشيوخ الدين دوراً سلبيا كبيراً في محاولة منها لعزل عبد الكريم قاسم عن أوساط شعبية معينة والتحالف مع قوى مناهضة له بسبب إجراءاته التقدمية والقوانين التي أصدرها, وخاصة قانون الأحوال الشخصية وحقوق المرأة وخشيتها من فقدان مكانتها وتأثيرها على أوساط المجتمع. ولا بد من الإشارة إلى أن المؤسستين الدينيتين الشيعية والسنية قد تضافرت جهودهما ضد حكومة قاسم والنظام السياسي الجديد.
إن هذه التناقضات والصراعات أعاقت عملياً حركة الدولة "الجديدة" والمجتمع نحو الأمام باتجاه الاستجابة لحاجات المجتمع المدني وتنفيذ مضامين القوانين الديمقراطية التي أصدرتها قيادة الدولة حينذاك. لقد ساهم جهاز الدولة البيروقراطي المناهض في بنيته للتحولات الجديدة المنشودة في أعاقة تطور قدرات الدولة والمجتمع على تأمين مستلزمات بناء المجتمع المدني السلمية والديمقراطية ومعالجة مشكلاته الاقتصادية والاجتماعية ونزاعاته السياسية. لقد كان على جهاز الدولة القديم أن ينفذ مهمات التحولات الرأسمالية الحديثة والتقدمية التي طرحتها طبيعة المرحلة الجديدة, ولكن لم يكن هذا الجهاز مهيئاً لذلك ولا مستعداً له وقاد إلى طريق مسدود.
-18-
لقد ارتكبت الأحزاب السياسية العراقية خطأً فادحاً حين وافقت على الاستمرار في العمل السياسي بوجود العسكر وعدم تحويل السلطة إلى المدنيين من جانب قاسم. إذ بعد فترة وجيزة انفرط عقد الجبهة وبدأ التناحر بين بعض أعضائها. ويبدو لي بأن الأستاذ كامل الجادرجي, الذي رفض المشاركة في السلطة منطلقاً من تجربته السابقة في انقلاب بكر صدقي وتحول قيادة الانقلاب ورئيس الحكومة إلى مواقع الفردية والاستبداد في حينها ثم موافقته على التعاون مع حركة الضباط الأحرار كجزء من جبهة الاتحاد الوطني والموافقة على إسقاط النظام الملكي عبر انتفاضة الجيش, هي التي منعته من المشاركة المباشرة بالحكم, إذ كان صادقاً مع نفسه وصائباً في تشخيصه لاحتمالات المسيرة إن أصر قاسم على البقاء على رأس الحكومة وعدم إبعاد الجيش عن الحكم وإعادته إلى  ثكناته العسكرية وممارسة مهمة الدفاع عن حدود الوطن.
كان الجادرجي غير مرتاح أصلاً من مشاركة حزبه في الحكومة الجديدة التي تشكلت في أعقاب سقوط الحكم الملكي في العراق, ولكنه وافق لرغبة قادة حزبه في ذلك. إن بعد النظر الذي تميز به الجادرجي وخشيته على المنجز الذي تحقق, يراد اليوم جعله من قبل البعض نقيصة وأنانية لدى الجادرجي لأنه فقد الأضواء التي حاز عليها قاسم. إن هذا التحليل التبسيطي ليس سوى محاولة غير موفقة لشخصنة الأمور الأساسية التي لا تخدم المسيرة الراهنة ولا تسمح بنمو وعي ديمقراطي حر وجرئ ورافض للمساومات غير العقلانية في تقرير مصير البلاد. ولا بد من الإشارة إلى أن مثل هذه الحصافة السياسية لم تتوفر لدي القيادات السياسية للأحزاب الأخرى, بما فيها قيادة الحزب الشيوعي العراقي التي لم تكن موحدة في الموقف من سياسات قاسم ودوره. وقد كان سلام عادل على وفاق مع كامل الجادرجي بشأن خشيته من استمرار وجود الحكم بيد العسكريين. ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى وعي عميق بالواقع وبضرورات الديمقراطية في البلاد من جهة, ورفض المشروعات الطائفية السياسية التي تمزق النسيج الوطني وتشدد الصراعات والنزاعات في البلاد من جهة أخرى. كما أجد مناسباً أن أشير هنا بوضوح وبلا تردد إلى أن قاسماً لم يكن يملك الأذن الصاغية للاستماع إلى منتقديه والاستفادة منهم لصالح مسيرة الثورة, وفي مقدمتهم الأستاذ الراحل كامل الجادرجي, بل كان يستمع إلى مادحيه الذين ساهموا بوعي أو بدون وعي في التفريط بالثورة. لقد قدم الجادرجي ملاحظات صريحة وجريئة وصادقة إلى عبد الكريم قاسم لإنقاذ البلاد من الفردية والضياع والتحول بالبلاد صوب الدولة المؤسسية الدستورية والديمقراطية البرلمانية. ولكن قاسم اعتبرها مناهضة له, رغم احترامه للجادرجي.   
-19-
أشرت إلى أن ثورة تموز والفترة اللاحقة عجزت عن تحقيق المهمات التي كانت تواجه المرحلة, رغم صدور قوانين وقرارات بشأنها ورغم البدء بتنفيذ العديد منها, ولكنها تعثرت وتعرقلت ثم تراجعت فارتدت إلى فترة ما قبل ثورة العشرين في بعض جوانبها, وخاصة الاجتماعية منها وغياب التنوير الديني والبؤس الثقافي ووجود قوات أجنبية محتلة, فعادت المؤسسة العشائرية والمؤسسة الدينية لتلعبا دورهما السابق المعرقل لنمو المجتمع المدني.
لقد وئدت ثورة تموز, اغتيلت,واغتيل الكثير من قادتها, فهي الثورة المغدورة, كما عبر عن ذلك الكثير من الكتاب والمحللين السياسيين.
واليوم يواجه المجتمع مهمات كبيرة تقف في الواجهة منها مسألة بناء الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية والمجتمع المدني الديمقراطي, دولة ومجتمع يستندان إلى دستور مدني ديمقراطي غير طائفي وغير قومي شوفيني أو يعاني من ضيق الأفق وإلى حياة برلمانية مستقلة ونزيهة, وإلى حل واقعي للمسألة الزراعية والتخلص من بقايا العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية والعلاقات العشائرية ومن التأثير المباشر أو غير المباشر للمؤسسة الدينية على الدولة العراقية من أجل إبقاء اقتصاد النفط الخام بيد الدولة وفي إطار قطاعها الاقتصادي, وكذلك البدء بعملية تصنيع تحويلية وزراعة حديثة ومتنوعة وربط التجارة الخارجية بمهمات التنمية الوطنية وتأمين المساواة بين المواطنين وعدم التمييز بينهم على أساس القومية أو الدين أو المذهب أو الرأي الفكري والسياسي ورفض العنصرية والشوفينية والطائفية السياسية والتمييز على أساس الدين أو التمييز بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات والتخلي الفعلي عن المشاريع الطائفية السياسية في إقامة فيدرالية الجنوب وتعزيز العراق الاتحادي ومكافحة الفساد المالي والإداري السائدين حالياً.
-20-
وهذه المهمات المتعددة لا تعني سوى أننا ما زلنا بعيدين عن المرحلة التي بدأت بها ثورة تموز في بعض الجوانب المهمة منها, وفي بعضها قد تجاوزت تلك الفترة كما في المسألة الكردية. ولكن بشكل عام لا تزال تلك المهمات ي تواجه الشعب وتنتظر الحل, ومنها إنهاء الوجود الأجنبي وإنهاء الإرهاب والفساد المالي والوظيفي والطائفية والبطالة بمختلف أنواعها في البلاد. ومثل هذه المهمات لا يمكن أن يتحملها حزب واحد أو مجموعة واحدة بل تتطلب تضافر جهود كل العراقيات والعراقيين المدركين لمسؤولياتهم إزاء الشعب ومستقبل البلاد والذين تعلموا من دروس انتكاسة ثورة تموز والعقود الخمسة المنصرمة. إنها مهمة الجميع, والطريق إليها سوف لن يكون سهلا ولا قصيرا بأي حال, ولكن لا يملك الشعب العراقي ولا قواه الديمقراطية سبيلاً غيره.
-21-
إننا إذ نحيي ثورة تموز في ذكراها 51 ونتحدث عن جوانبها الإيجابية والسلبية وعن غنى التجربة والدروس التي يمكن استخلاصها من تلك المسيرة الطويلة والصعبة والمعقدة, فأن ما نسعى إليه من وراء ذلك هو اجتناب ارتكاب تلك الأخطاء في المرحلة النضالية الراهنة التي ساهمت في حينها في تفتيت القوى الوطنية, ثم التحري عن سبل تجديد وتحديث فكر وممارسات وأساليب عمل وأدوات وخطاب القوى الديمقراطية العراقية السياسي والعمل من أجل اكتشاف الاختلالات والنواقص الراهنة في بنيتها السياسية والتنظيمية ونشاطها لمعالجتها والسير صوب تعاونها والتنسيق في ما بينها لصالح دور أكبر لها في الحياة السياسية العراقية الراهنة والتخلص من الدور الهامشي الذي تلعبه وتعاني منه حالياً.
في 14/07/2009        كاظم حبيب

598
هيأة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق

مرة أخرى وأخرى يتوجه الإرهابيون صوب كنائس المسيحيين في بغداد والموصل بهدف تدميرها ونشر الرعب بين المواطنات والمواطنين وإيصال رسالة مجرمة تقول لهم بأنهم مستهدفون في العراق وعليهم مغادرته.
ومرة أخرى وأخرى تعلن أوساط في الحكومة وأجهزة الأمن عن أسفها وشجبها للعمليات الإرهابية وعن سعيهم لتوفير الحماية للمسيحيين وكنائسهم في بغداد والموصل, وكأن الضربات القاسية التي لحقت بهم في الموصل قبل فترة وجيزة وأدت إلى قتل 14 مواطنة ومواطناً مسيحياً وهجرة عدة ألاف منهم إلى سهل الموصل والأقضية والقرى المجاورة وإلى إقليم كردستان, ومنهم من غادر البلاد أصلاً, لم تكن كافية لتأمين أقصى حالات الحماية لهم من قوى الإرهاب التي تستهدف أتباع القوميات والأديان الأخرى في العراق بهدف فرض الهجرة الخارجية عليها.
ثم تتكرر الحالة ويتكرر الاعتذار, ولكن الواقع يشير إلى استمرار تقلص عدد المواطنات والمواطنين المسيحيين في العراق, عدد الكلدان والآشوريين والسريان في البلاد, وهم من اصل أهل البلاد. وإذا ما جرى إحصاء جديد للسكان المسيحيين في العراق لوجدنا أن العدد قد تقلص إلى اقل من النصف إن لم يكن قد تراجع إلى الثلث, كما تشير بعض وسائل الإعلام المطلعة.
وهكذا هي حالة أتباع الديانة الصابئية المندائية الذين تقلص عددهم إلى نسبة ضئيلة جداً بالمقارنة مع فترة ما قبل سقوط النظام الدكتاتوري, وهم لا زالوا مشردين عن مناطق سكناهم أو في خارج البلاد.
ليس غريباً أن تبذل قوى الإرهاب الدموية بكل أصنافها المزيد من عمليات الإرهاب لإشاعة الفوضى والخوف في نفوس الناس والتشكيك بقدرة الحكومة وأجهزة الأمن على ملاحقتها وحماية المواطنات والمواطنين منها, إضافة إلى هدفها في منع انسحاب القوات الأجنبية من العراق وفق الجدول الزمني المحدد, ولكن الغريب أن تعجز الحكومة وأجهزة الأمن وقوات الشرطة عن منع وقوع مثل هذه العمليات الإجرامية ليس فقط ضد المسيحيين, بل وضد بقية أبناء وبنات الشعب العراقي, كما حصل خلال الأسابيع الأخيرة في بغداد وتلعفر وفي غيرها وآخرها تفجير الكنائس في بغداد والموصل.
إن الأمانة العامة لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق إذ تعلن عن إدانتها الشديدة واحتجاجها ضد هذه العمليات الإجرامية ضد بنات وأبناء شعبنا من الكلدان في بغداد والموصل, نطالب الحكومة العراقية وأجهزة الأمن أن تبذل كل الجهد وتعمل من أجل إيقاف هذه العمليات التي تستهدف بإصرار تهجير أتباع الديانة المسيحية من العراق. ونأمل أن يتعاون الشعب العراقي من أجل وضع اليد على  هؤلاء المجرمين واعتقالهم ومعاقبتهم واعتقال من يقف وراءهم.

كتب في 14/7/2009   الأمانة العامة لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق

599
كاظم حبيب
هل السودان دولة شوهها الاستبداد والعنف والقسوة؟
وهل هي دولة تجسد استهتار البشير بحقوق الشعب والإنسان؟


كلنا نعرف طيبة الشعب السوداني ونزوعه الشديد لحياة السلم والتضامن والتعاون والاعتراف بالآخر والتسامح, وكلنا يعرف أن الشعب السوداني عموماً ومثقفيه خصوصاً كانوا ولا زالوا يناضلون من أجل التمتع بالحرية وسيادة الديمقراطية ورفض الاستبداد والعنف والقسوة, وكلنا يعرف نضال هذا الشعب من أجل الاستقلال والسيادة الوطنية. ولهذا فوجئ الجميع حين ارتكبت عمليات القتل التي رافقت بعض الانقلابات وتنفيذ أحكام الإعدام. إلا أن هذه المفاجئة تبخرت تدريجاً, وخاصة حين نفذ البشير وأتباعه الانقلاب المتطرف لقوى الإسلام السياسي وسيطروا على  السلطة السياسية وبدأوا بتنفيذ مخطط مناهض للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق سكان الجنوب وتشديد الحرب ضد قوى الجنوب وضد شعب دار فور. وحين تفاقم الصراع داخل قوى الإسلام السياسي نفذ البشير انقلاباً ضد حسن الترابي وركل رفاقه القدامى وزج ببعضهم في السجون.
حاكم السودان لا يمتلك الشرعية الدستورية, فهو لم يصل إلى  السلطة عبر انتخابات حرة وديمقراطية بل عبر انقلاب عسكري دموي, وحاكم السودان عسكري مستبد لا يعرف معنى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وهو متهم بتنفيذ أبشع الجرائم ضد قوى الجنوب إلى أن فُرض عليه التوقيع على اتفاقية المشاركة في الحكم لقوى الجنوب باعتبارهم جزءاً من شعب السودان, ولكن بقومية أفريقية أخرى غير عربية ودين آخر غير الدين الإسلامي.
وحين انتهت المعارك ضد الجنوب توجه بقوة ضد شعب دار فور. فها هو لا يزال يواصل, رغم كل الدعوات الدولية, الإساءة لشعب دار فور وتعطيل الوصول إلى حلول عملية مع القوى المنتفضة على النظام الاستبدادي في دار فور.
لم يكن عبثياً تقديم هذا المستبد إلى المحكمة الدولية لمحاكمته بسبب اتهامه بارتكاب جرائم بشعة ضد شعب دار فور أو إصدار القرارات بارتكاب تلك الجرائم. وسوف يحاكم هذا الدكتاتور, طال الوقت أم قصر, ليلقي الجزاء الدولي العادل نتيجة اضطهاده للشعب السوداني ومصادرته للحريات الديمقراطية والحياة السياسية الحرة, ولن تنفعه دعوات الحكام المماثلين له بالكف عن ملاحقته.
وأخيراً هذه جريمة أخرى ترتكب من جانب الشرطة والقضاء في السودان, حيث اعتقلت دزينة كاملة من الفتيات السودانيات بذريعة ارتداء بناطيل لصيقة بالجسم تخدش مشاعر الناس! إن هؤلاء الذين تخدش أحاسيسهم ملابس النساء معتلون ومصابون بعلل نفسية وعقد جنسية عميقة ولا ينطلقون من أرضية دينية إسلامية, بل هم يشاركون في تشويه الحياة العامة ويريدون فرض إرادتهم المشوهة على إرادة النساء خصوصاً والناس عموماً. لقد حكم على عشر نشاء بالجلد ونفذ الجلد فعلاً. والآن يراد محاكمة الصحفية لبنى أحمد الحسن والحكم عليها بالجلد 40 جلدة أيضاً وتنفيذها علناً.
إن هؤلاء الناس يخشون حرية المرأة ويخشون التحرك الشعبي المناهض للحكم الدكتاتوري وسعيه لفرض فكره البائس والمتحجر على الإنسان ومنعه من الحركة الحرة والحياة السوية.
إن ما يجري في السودان يعود إلى قرون خلت, فالسودان لا يعيش اليوم في القرن الحادي والعشرين, بل يعيش في القرن الثاني عشر للميلاد من حيث العلاقة بين المجتمع والحكم, وبين الدين والدولة وسيادة سلطة الاستبداد التي تمارسها القوى المتخلفة ضد حرية أفراد المجتمع.   
 لنعمل بداً واحدة للكشف عن الاستبداد الذي يمارسه النظام السوداني وعن استهتار شرطة وقضاء ورئيس السودان بحياة وحرية وحقوق الإنسان في السودان.   
 

600
كاظم حبيب
أوضاع العراق والدعاية الانتخابية


الشعب العراقي في واد وأغلب القوى السياسية العراقية في وادٍ آخر. فالشعب يواجه مصائب التهديد والقتل اليومي, رغم تقلص عدد العمليات الإجرامية التي تمارسها القوى الإرهابية المتنوعة وعدد القتلى, ومصاعب الحياة اليومية, ومنها نقص الخدمات في عز الصيف العراقي, وخاصة الكهرباء والماء, وأكوام القمامة التي تملأ شوارع المدن العراقية في الوسط والجنوب (راجع مقال الشاعرة المبدعة والكاتبة بلقيس حسن حول سفرتها الأخيرة إلى الناصرية وغيرها في موقع صوت العراق) والمناطق الشعبية في بغداد وليس منطقة الخضراء والقادسية بشطريها وليس شارع الأميرات في المنصور .., بل مدينة الثورة والشعلة والطالبية وبعض أجزاء الرصافة والكرخ, ومنها البتاويين وشارع فلسطين وبغداد الجديدة وغيرها. والشعب يعاني من البطالة والبطالة المقنعة بكل مشكلاتها السياسية والاجتماعية والإدارية وتخلف سير معاملات الناس. كما يواجه الشعب استمرار الفساد المالي والإداري والحزبي بكل قسوته وتخريبه للحياة اليومية, في حين تقف القوى السياسية في واد أخر, خاصة وأن جمهرة كبيرة من كوادر وأعضاء هذه الأحزاب تحتل مواقعها في أجهزة الدولة وهي التي تمارس الفساد المالي والإداري, إضافة إلى آخرين, إذ أن أغلب المراكز المهمة في الدولة موزعة على ممثلي تلك الأحزاب الحاكمة. والأحزاب السياسية منشغلة بحملة انتخابية مبكرة للوصول إلى مجلس النواب وإلى تحقيق الأكثرية في المجلس وتشكيل الحكومة القادمة دون أن تقدم لهذا الشعب ما يفترض تقديمه, وكأن ما مارسته في الآونة الأخيرة في مجلس النواب ضد وزير الداخلية أو اعتقال البعض القليل هو الشكل السليم لمكافحة الفساد المالي وليس تغيير النظم والقوانين والحياة الثقافة في المجتمع وإبعاد الكثير جداً من أهل العمائم ومن يماثلهم من الذين يربطون الحكم بالدين ويمارسون الفساد وهم في الحكم وحوله ثم يغطى كل ذلك باسم الدين, والدين منهم براء. ليس هؤلاء وحدهم من يسلب الشعب قوته, بل هناك من العلمانيين من يمارس ذلك أيضاً. 
نحن أمام محاولات مستمرة لتحقيق تحالفات جديدة دون أن تبذل غالبية الأحزاب السياسية الجهد الضروري لوضع برامج جديدة وأهداف جديدة واقعية ودون أن تسعى لإشراك قوى الشعب بما يفترض أن يكون جديداً ومحركاً للواقع الراهن في العراق. إن الواقع الاجتماعي والسياسي يستوجب تشكيل تحالفات جديدة على صعيد العراق كله, ويستوجب التخلص من القوائم الطائفية أو القومية الشوفينية أو القومية الضيقة, بل يستوجب الانفتاح على  العراق كله على القوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية, ومنها قوى إسلامية ديمقراطية ليبرالية ترفض الربط بين الدين والدولة, كما يستوجب الابتعاد عن تلك التحالفات التي ألحقت أضراراً فادحة بالعراق وخاصة تلك التحالفات التي تسببت في التوزيع الطائفي للحكم ومقاعد مجلس النواب والقضاء العراقي أيضاً وكل وزارات العراق, وهي التي تحولت إلى حصون محكمة ومغلقة لهذا التحالف الإسلامي السياسي أو الحزب الديني أو القومي أو ذاك. وهي المسئولة عن الخسائر الهائلة في الأرواح والدماء التي هدرت في العراق والدموع التي سكبت فيه.
الشعب يعاني ويواجه المشكلات وأغلب القوى السياسية لا تريد أن ترى ذلك بعينين مفتوحتين وسليمتين. حين تتحدث منظمات حقوق الإنسان الدولية, ومنها منظمة العفو الدولية التي كنا نحتمي بها ونطالبها بدعم ضحايا الإرهاب الصدامي, عن التجاوزات الفظة على حقوق الإنسان الجارية حالياً في العراق, ينبري السيد رئيس الوزراء ويرد على منظمات حقوق الإنسان التي تطالب بحماية حقوق الإنسان المهدورة أن لا تبالغ بذلك وأن لا تسيَّس حقوق الإنسان ظلماً وبهتاناً, في حين هو يعرف قبل غيره أن حقوق الإنسان مغدورة ومهدورة في العراق, ومنها حقوق المرأة. وأقرب حالة هي ما اكتشف في المؤسسات السجنية التابعة لوزارة الداخلية. وحين يتحدث الناس عن المشكلات الكبيرة والفعلية القائمة في العراق, ينبري السيد رئيس الوزراء أيضاً وكأنه لا يعرف بما يجري في العراق ويقول بأن العراقيين يسيَّسون كل شيء, وكأن الأشياء غير مسيَّسة في العراق والناس يريدون قسراً تسييسها. وحين تُحمل صورته من عسكريين في مسيرة عسكرية ويقال له "تيتي تيتي مثل ما رحتي جيتي" بكل صدق وحرص من جانب رسام الكاريكاتير المبدع والناقد الاجتماعي والسياسي المميز سلمان عبد لكي تذكره بأن الشعب لا يريد العودة لما ساد في ظل حكم صدام حسين وطغمته الفاسدة والجائرة, يخشى الإنسان مكن أن "يزعل" السيد رئيس الوزراء وأتباعه مثلاً, ويمكن أن تتوجه مفرزة أمن جديدة لاعتقاله في كربلاء كما حاولت قبل ذاك بسبب معرضه في كربلاء! 
السيد رئيس الوزراء يدعو إلى الابتعاد عن الطائفية. وهو أمر جميل, ولكن اشرح لي أيها الأخ الفاضل, كيف يمكن مكافحة الطائفية السياسية وأنت تترأس حزب سياسي يقوم على المذهب الشيعي الجعفري الاثنا عشري, فحزب الدعوة قد تأسس على هذا الأساس, وهو حزب مذهبي طائفي سياسي ليس في عضويته أي إنسان عراقي منتسب إلى  دين أو مذهب آخر ولا من قومية أخرى غير شيعية؟ كيف يمكنني أن أتصور بأنك غير مذهبي وغير طائفي ما دمت تقف على رأس هذا الحزب المذهبي.
السيد رئيس الوزراء يمارس عملية تنشيط العشائرية والأجواء العشائرية في العراق ليكسبها إلى جانبه في الانتخابات القادمة, فكيف يمكن أن يبني مجتمعاً مدنياً ديمقراطياً في العراق في ظل العشائرية  والدور المتزايد للمؤسسة الدينية؟ كيف يمكن ممارسة الديمقراطية  وممثل حزبه يدعو إلى  الأخذ بالديمقراطية  كأداة والابتعاد عنها كفلسفة, فماذا يعني ذلك؟ هذا يعني أن الهدف هو استخدام الديمقراطية للوصول إلى الحكم وليس ممارسة الديمقراطية في الحكم وفي حياة المجتمع, كما عبر عن ذلك بوضوح كامل لا ريب فيه على الأديب, النائب الأول في حزب رئيس الوزراء وهو الرئيس الفعلي لهذا الحزب بسبب مشاغل رئيس الوزراء الحكومية.
يدعو السيد رئيس الوزراء إلى التحالف مع المجلس الإسلامي الأعلى, وهو الحزب المركزي الذي يتبنى الطائفية السياسية ويتبنى ولاية الفقيه ويدير منظمة بدر, كصنوه جيش المهدي, أي ولاية علي خامنئي على شيعة حزبه, كما يسعى لتكون ولاية الفقيه على كل شيعة العراق.
السيد رئيس الوزراء يتعاون بكثافة مع قوى حزب البعث في الموصل, إذ يريدها أن تكون ضد القوى الكردستانية, كما صرح بذلك محافظ الموصل الجديد, ولا يسعى إلى حل الخلافات مع القوى الكردستانية وفق المادة 140 من الدستور العراقي, بلي يعمد إلى  التعاون مع قوى قادت العراق إلى الحضيض الذي عشنا فيه ولا يزال المجتمع لم يخرج من عواقبه, وهي مجموعة بعثية وقومية شوفينية مقيتة لا يمكن الركون إليها والتعاون معها أو القبول بها في حكم محافظة من محافظات البلاد.
السيد رئيس الوزراء, كما أرى, بحاجة إلى رؤية أكثر صفاء ونقاء لفهم تعقيدات الوضع في العراق من أجل عدم تعقيد الوضع, إذ تقع على عاتقه حل تلك المشكلات. ومن أجل أن تكون له رؤية أكثر موضوعية عليه حل حزبه وتشكيل حزب عراقي جديد لا يستند إلى عناصر طائفية سياسية أو لا تؤمن بالديمقراطية بل تعتبرها أداة لا غير, يستند إلى قوى علمانية وليبرالية وديمقراطية, وهي كثيرة ومستقلة في العراق, ويطرح برنامجاً جديداً يفصل بين الدين والدولة في الحكم ويتعامل بواقعية مع الواقع العراقي القومي, ويعمل وفق آليات ديمقراطية مجربة ويمارس الحكم على أسس جديدة تحارب كل ما هو خارج عن وعلى القانون, وخاصة ممارسة الطائفية والتمييز القومي والتمييز ضد المرأة ...الخ.
السيد رئيس الوزراء ليس بحاجة إلى خطب كثيرة, بل إلى برنامج واضح وتعبئة للمثقفات والمثقفين العراقيين وفق أسس ديمقراطية وعلمانية, وليس في إبعاد هؤلاء الذين يحملون في رؤوسهم وعلى أكتافهم ثروة العراق الثقافية والعلمية والأدبية وتقاليده الطيبة وتراثه الحضاري الجيد وينزعون بثقافتهم ونشاطهم من رؤوس الكثير والكثير جداً من الحكام والناس ثقافة العنف والقسوة والاستبداد في الحكم والحياة اليومية.
سيبقى الشعب يعيش في وادٍ والحكم والقوى السياسية في وادٍ آخر ما لم تتغير الحياة السياسية والحزبية في العراق, ما لم تتجدد تلك الأحزاب, ما لم يوضع الإنسان ومصالحه في مركز البرامج السياسية وما لم تتخلص البعض من هذه الأحزاب من طائفيتها وشوفينيتها أو قوميتها الضيقة وعشائريتها كهوية وما لم تتطلع نحو الجديد والحديث والهوية الوطنية العراقية.
13/7/2009                         كاظم حبيب
                   

601
كاظم حبيب

القاعدة والاستثناء في الواقع العراقي الراهن والجهد المطلوب لتغييرهما !

حين يحمل الإنسان الوطن في عقله وقلبه وعلى كتفيه, عندها يحس هذا الإنسان بكل حركة تحدث في هذا الوطن, سواء أكانت حركة جميلة حيث تبعث الدفء والانتعاش في العقل والقلب وتخفف من عبء السنين المحمولة مع الوطن على الكتفين, أم تعِّرض الوطن إلى ضربات وحشية موجعة وقاتلة, كما تحصل في هذه الأيام ومن جديد في أكثر من مكان في العراق, حيث يحس الإنسان بوخزات حادة وقاسية تمر عبر العقل والقلب لتحط بثقلها الشديد على الكتفين فترهق النفس وتتسبب بعلل يطلق عليها علم النفس الاجتماعي بـ "علل الجسد النفسية" psychosomatics , تخففها أحياناً الدموع التي تنساب على  الخدين في محاولة عفوية لغسل الألم الدفين الذي تزيده الغربة عمقاً وسعة وحرقة, وتقود أحياناً إلى جلطة دماغية أو قلبية أو إلى شلل مميت. وأخبار الوطن بالنسبة للغريب كثيراً ما تقود إلى تلك العواقب, إلا لمن نفض يديه من هذا الوطن الجريح وقرر نسيانه ونسيان الألم الذي يختزنه هذا الوطن بسبب البعض الكثير من أبنائه قبل الأجانب!
ها نحن نعيش عودة الوطن المستباح ليستباح من جديد من جانب قطعان الذئاب الجائعة للدم, هذا الدم الذي لم ينقطع نزيفه والدموع التي لم تتوقف طوال عقود, يتعرض إلى ضربات مجنونة جديدة من ذات القوى السوداء المرعبة التي لا هم لها سوى قتل الناس وإشاعة الفوضى ونشر الحزن والألم والبؤس والفاقة بين الناس.
أدرك وغيري يدرك أيضاً بأن وراء هذه الضربات الجديدة التي أسقطت خلال أسبوع واحد أكثر من 250 قتيل ومئات الجرحى والمعوقين (وأخرها بتلعفر وفي مدينة الثورة ببغداد) تكمن جملة من الأهداف القاتلة التي لا تريد الأمن والاستقرار والسلام والطمأنينة لبلد السلام أولاً, وأنها لا تنطلق من جهة واحدة بل هناك أكثر من طرف يمارسها, سواء أكان عبر تحالف تم في ما بينها أو باتفاق مسبق على مواصلة الضربات وتوزيع الأدوار والأفعال الشريرة بما يسهم في توسيع الضربات وتنويعها وإشاعة القلق وعدم الثقة في القدرة على تحقيق الأمن في البلاد. فمنهم من ينطلق من داخل العملية السياسية الجارية والمتباطئة حقاً, ومنهم من ينطلق من خارجها ولكن في داخل البلاد, ومنهم من يقف وراء الحدود ليتحرك على هواه ويحصل على ما يشاء من الدعم الخارجي, العربي والإسلامي! 
والقوى المشاركة في ممارسة الإرهاب تدرك تماماً ما تريده للعراق, ولهذا فهي تواصل أفعالها المنكرة ولن تتوقف برغبتها أو برغبة من يدعمها, سواء بتوجيه من داخل البلاد أم من وراء الحدود بالاتجاهات الأربعة, فهي في الواقع واحدة, رغم تنوع شخوصها وأسماء تنظيماتها وأساليب عملها والقوى التي تقف خلفها. ولكن السؤال هو: هل ندرك نحن بالعراق كيف السبيل لمواجهة هؤلاء الأشرار, أياً كان الفكر الذي يحملونه والتنظيم الذي يتسترون به والجهة التي تقدم لهم التأييد والدعم؟ وهل نعمل كل شيء مشروع حقاً من أجل مواجهة هؤلاء الأشرار؟ هل يساهم كل فرد منا في مواجهة كل ذلك؟
لا أريد هنا أن أتحدث عن العراق المشارك بفعالية في بناء حضارة الإنسان عبر التاريخ أو المنتج للكثير من المنجزات لصالح الإنسانية, فلم يعد هذا خافياً على أحد, ويعرفه الناس خارج العراق أكثر من كثرة من العراقيات والعراقيين الذين لم يتسن لهم دراسة تاريخ بلدهم أو التعرف عليه عن كثب أو السفر عبر محافظاته وإقليمه أو الإطلاع على مكتشفات التنقيبات الأثرية في العراق, كل العراق. لا أريد الحديث عن الفلاح الكادح والعامل المنتج والطبيب والمعلم والمهندس, أو عن المرأة الأم والأخت والبنت والزوجة أو العمة والخالة, فنحن جميعاً نعرف كل ذلك ونتحدث عنه باستمرار, فهم يمارسون حياتهم ويسعون للمشاركة في إنجاز أعمالهم.
ولكن ما ينبغي الحديث عنه والبحث فيه بكل صراحة وجدية والإلحاح لبلورته وإبرازه إلى الناس من أجل معالجته يتركز حول: ظواهر العنف والقسوة والاستبداد والتعالي والكبرياء المفتعلة التي نتميز بها ونمارسها يومياً بصيغ وأشكال شتى دون أن نحس بها أو ندرك أضرارها على الذات وعلى الآخر. ونرى ذلك أولاً وقبل كل شيء لدى الحكام, ولكن لدى السياسيين عموماً.
لقد كان السعي المتواصل للحكام الشوفينيين والمتزمتين دينياً هو تكريس ألـ "أنا" فينا, ضد ألـ "أخر", سواء أكان المقصود الآخر هو القومي أو الديني أو المذهبي أو الأيديولوجي أو السياسي, فأنا الأفضل والآخر هو الأسوأ , وأنا صاحب القومية أو الدين أو المذهب أو الأيديولوجية أو الرأي السياسي الأفضل أو في كل ذلك, والآخر الذي لا يمتلك غير الأسوأ من كل ذلك! وقد تربينا أيضاً على القوة والعنف لاسترداد ما نعتبره حقاً لنا, بغض النظر عن صواب أو خطأ هذا الاعتقاد. وهذا الحكم نجده في ألـ "أنا" الرجل مقابل ألـ "آخر" المرأة ! 
إن القرون الطويلة التي مر بها المجتمع العراقي بكل مكوناته وما تراكم في الميثولوجيا العراقية تؤكد واقع وجود ظواهر العنف والقسوة والاستبداد إلى جانب ظاهرة الخوف من الآخر والخشية من المستقبل. وهي ظواهر عامة تواجهنا يومياً في حياة وسلوك الفرد وهي التي تشكل القاعدة في حياتنا وتتجلى حتى في اللغة التي نستخدمها والتصريحات التي نطلقها والتي لا تحمل سوى لغة التهديد والوعيد والقطيعة والتعالي على الآخر, في حين أن ظواهر رفض الراديكالية بمعنى التطرف أو العنف والقسوة والابتعاد عن ممارسة الاستبداد, كالحوار الحضاري والاعتراف بالآخر والتسامح والتفاهم, تشكل استثناءً في الدولة والمجتمع في العراق, وخاصة بين الحكام والسياسيين.
وحين نتابع هذه الظواهر علينا أن نوجه أنظارنا إلى التربية العائلية, إلى موقف الأب من أبنائه, من زوجته وابنته أو ابنه, من علاقات الناس بجيرانهم, إلى الموقف من المرأة عموماً, من الآخر, موقف الحاكم من "رعيته", موقف شيخ الدين من المؤمنين الخاضعين لإرادته, إذ سنجد أنها تتميز بصيغ الاستبداد والعنف والقسوة في التعامل, وأنها هي السائدة , في حين أن الظواهر الأخرى هي النادرة جداً مهما ادعينا عكس ذلك, ولم تعد لدينا مصداقية بها وبالتالي انعدمت الثقة المطلوبة في المجتمع وبين الأحزاب على نحو خاص.
لا شك بأن ما أطرحه ليس نتيجة  جينات فينا, كما أن مثل هذه الظواهر لا ينفرد بها شعب العراق بكل مكوناته, بل نجدها لدى شعوب أخرى, وأن اختلفت في بعض جوانبها أو حدتها وأشكال ظهورها واستمراريتها. إنها ليست جينات خاصة بنا قطعاً, ولكنها تربية دينية وسياسية رسمية مكرسة منذ قرون, إنها تربية أبوية تسلطية يومية في البيت والمدرسة والشارع والعمل والمزرعة وفي دوائر الدولة والدولة ذاتها, في نظام الحكم والحكام, في الأحزاب والقوى السياسية وفي كل مكان في بلادنا. استمعوا إلى ترنيمة الأم لابنها في المهد:
دللول يا الولد يا أبني دللول                       عدوك عليل وساكن الچول
إنها خائفة على وليدها الجديد فتغذي فيه الخشية من وجود عدو يتربص به ولكنه بعيد وعليل في آن, وعليه أن لا يخشى منه, وهي تنسى أو لم تتعلم أن تدندن له بوجود أحبة له بدلاً من الأعداء.   
استمعوا إلى محفوظات المدرسة الابتدائية التي كنا نقرأها في العهد الملكي:
يا ليتني كنت حساماً ماضيا    أو عسكرياً مستعداً غازيـا
أذود عن قومي وعن بلاديا    وأحرز النصر على أعدائيا
إنه العدو الذي يهدد الجميع, إنه الآخر, وأنه مستعد لغزو البلد الآخر للذود عن الوطن !! ليس هناك من صديق, أنهم الأعداء المتربصون بنا أبداً! 
استمعوا إلى نشيد البعث المتسم بالروح والذهنية الفاشية, بغض النظر عمن قاله, وهي صورة مرضية سادية مرعبة لا تسكن الشاعر وحده, بل كل الذين كانوا يرددونها عن وعي أو بدون وعي لمضمونها السادي.
حزب تشيده الجماجم والدم    تتهدم الدنيا ولا يتهدم
أو ذلك الشاعر العربي الذي قال بنفس سادية مجنونة:
سأقتلك .. سأقتلك .. وقبل أن تقتلني .. سأقتلك
وقبل أن تغوص في دمي .. أغـوص في دمـك
أو قول الشاعر العربي القديم:
السيف أصدق أنباءً من الكتب    في حده الحد بين الجد واللعب
....الخ
لم يجد الدكتاتور صدام حسين أجمل من أن يظهر أمام الجمهور وهو يحمل بندقية مهداة له ليطلق منها رصاصة وبيد واحدة, أو يحمل سيفاً يتباهى به لرهافة حده في قطع رؤوس الناس متمثلاً قول مثيله المستبد بأمره الحجاج بن يوسف الثقفي:
أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها, وأني لصاحبها...".
نحن بحاجة, كما قال الصديق الفاضل الدكتور جلال الماشطة في مدونته القيمة ضد العنف, إلى ثقافة أللاعنف, إلى ثقافة الحوار ومناهضة العنف والقسوة وروح الاستبداد, وهي غير متوفرة في مجتمعنا بشكل عام. نظرة واحدة إلى مجموعة كبيرة من السياسيين العراقيين من مختلف الأحزاب والقوى السياسية سنجد مصداقية ما نقول. 
لقد عاش العراق 40 عاماً (1963-2003) تحت الهيمنة القومية اليمينية والبعثية المتوحشة التي شاركت في تربية أجيال عاشوا في ظل العنف والقسوة وحياة الاستبداد والحروب والقتل واعتاد الكثير منهم عليه. وكان صدام حسين يسعى لأن يكون النموذج الذي يحتذى به من جانب الشباب العراقي في كل أخلاقياته وسلوكه وحتى في مظهره. وقد ترك الكثير السيئ مما كان يسعى إليه وما تميز به قائماً في واقع الحياة العراقية, ومنها تلك الظواهر السلبية التي يعيشها الشعب كل يوم تقريباً. إن هذه التركة بحاجة إلى تنظيف جذري, ولا يُنظف ذلك بفكر طائفي مريض أو قومي شوفيني أو قومي ضيق أيضاً, بل بفكر سليم خال من الاستبداد والعنف والقسوة, خال من الشوفينية وضيق الأفق القومي, خال من العنصرية والطائفية والتمييز الديني, خال من إشاعة الكراهية والحقد ضد الآخر, خال من التعالي والكبرياء, وخال من التمييز ضد المرأة, وهو غير متاح على صعيد الدولة والمجتمع حتى الآن.
لهذا فنحن بحاجة إلى ثقافة إنسانية حضارية جديدة, ثقافة التآخي والتضامن والتعاون والاعتراف بالآخر والتسامح, وبحاجة ماسة إلى دور المثقفين الديمقراطيين والسياسيين والإعلاميين العقلانيين, وليس إلى شخصيات باهتة ومحرضة على الطائفية السياسية والتمييز من أمثال صدر الدين القبانچي وحارث الضاري ومحمود حسين الصغير ومن لف لفهم.     
السؤال العادل الذي يواجهنا هو: من يمارس الإرهاب في العراق؟
أطراف أربعة تدعو إلى العنف وتمارس الإرهاب في العراق بصور شتى وبأساليب مختلفة, سواء أكان بالكلمة أم بالمتفجرات والانتحاريين أم بلنهب والسلب والفساد, أكرر, ليس طرفاً واحداً, ليس أتباع القاعدة وحدهم, وليس أتباع القوى القومية المتطرفة والبعثية الفاشية بقايا الحثالة الصدامية وحدهم, وليس أتباع حارث الضاري المتلبس برداء الطائفية المقيتة والقومية الشوفينية اللعينة وحدهم, بل معهم تلك القوى الطائفية الشيعية والسنية المسلحة التي مارست التهجير القسري والتشريد والتعذيب والقتل أيضاً, وهي وأن أخفت سلاحها اليوم أو سلِّمت بعضه, فهي لا تزال تمتلك ما يكفي من أسلحة ومتفجرات لقتل المزيد من الناس أو لتعذيبهم في معتقلات العراق, كما حصل أخيراً وصرح به وزير الداخلية العراقي علناً بعد أن لم يعد ما يمكن التستر عليه والذي كما يبدو لم ينقطع حتى الآن في سجون ومعتقلات عراقية أخرى. وعلى السيد رئيس الوزراء أن يقتنع بأن قوى ومنظمات حقوق الإنسان لا تتحدث عن هوى حين تشير على الاعتقالات التي تجري أو التعذيب الذي يتعرض له المعتقلون, فلديها ما يكفي من معلومات, وهي لا تسيَّس ولا راغبة في تسييس حقوق الإنسان, بل تطالب بما هو حق وعدل, كما كنا سابقاً نطالب به من حكام بغداد الأوباش. ويمكن للسلاح أن يصل إلى العراق في كل لحظة, فالحدود طويلة والرغبة جامحة في إيصاله لمن يريد التشويش على حياة العراقيات والعراقيين.
إن بعض قوى ودول الجوار لا تريد للعراق الخير والتقدم, بل تريد فرض سياساتها وهيمنة كل منها على الشأن العراقي, لا تريد أن ترى القوات المسلحة الأجنبية قد غادرت العراق, بل تريدها موجودة لتدعي الكفاح ضد القوات الأجنبية أو تدعي الاحتماء بها. ولا تريد أن يجد العراق حلولاً لمشكلاته الداخلية غير الإرهاب والبطالة ونقص الخدمات, بل المشكلات السياسية والحدود الإدارية للإقليم والمحافظات العراقية, بل تريد استمرار التناقض والصراع وبدء النزاع السياسي!
وبعض القوى السياسية الحاكمة في العراق هي الأخرى, وكما يبدو من سير الأحداث, لا تسعى إلى إيجاد حلول عملية للمشكلات القائمة, بل تريد المراوحة في مكانها لحين الحصول على فرصة مناسبة لتقوض ما أنجز وتقفز على الحكم وتعيد العراق إلى مربع الاستبداد والعنف والقسوة وأن كان بأردية أخرى غير الرداء البعثي المزري.   
لقد عمّ الشعور بالانتصار لما تحقق من منجز نسبي هش في الجانب الأمني, فتصاعد التعالي والغرور لدى المسئولين المباشرين عن الملفات العديدة في العراق, فبدأوا بإثارة مشكلات بحجة حصول تطور في الوضع بحاجة إلى تغييرات سريعة في حين لا يزال الوقت غير ناضج لطرحها أو لحلها.
العراق بحاجة إلى معالجة مشكلاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, إضافة إلى البيئية وشحة المياه بأساليب جديدة وواعية وموحدة للقوى, وهي القادرة على تعزيز الأمن, بحاجة للخلاص الفعلي من الطائفية السياسية الشيعية منها والسنية, والتخلص من الطائفيين بإبعادهم عن مواقع الحكم والمسئولية من خلال كشف العواقب الوخيمة وراء النهج الطائفي, فهم الذين يساهمون في وضع العصي في عجلة التقدم والأمن والاستقرار والوحدة الوطنية في العراق, سواء أكانوا من الشيعة أم السنة.
يبدو لي بأن السيد رئيس وزراء العراق لن يستطيع تحقيق ما يدعو إليه ما لم يكف عن الدعوة لعودة الائتلاف الشيعي السيئ الصيت إلى العمل ثانية ولكن تحت اسم أخر. فقوى الائتلاف الشيعي الموحد لا يمكنها أن تنزع عنها رداء الطائفية السياسية بهذه السرعة, وهي التي خاضت الانتخابات الأخيرة بأكثر الشعارات السياسية طائفية وإساءة للوحدة الوطنية والتي تصب في الوجهة التي دعا إليها خطيب جمعة النجف السيد صدر الدين القبانچي, أي الدعوة لإقامة نظام حكم شيعي في العراق, ما لم تنه عملها الحزبي على أساس طائفي وتتحول نحو قاعدة المواطنة العراقية والالتزام بمبدأ "الدين لله والوطن للجميع!
أشعر بمرارة وأقول بكل تواضع يفترض أن يتحلى به الإنسان, بأن جمهرة غير قليلة من المسئولين السياسيين في العراق, والحديث هنا عن كل العراق وليس عن جزء منه, لا يتحلون بقدر كاف من المسئولية إزاء مصائر الشعب وعراق المستقبل, وبالتالي, فهم لا يسعون بما فيه الكفاية لمعالجة المشكلات الشائكة بدأب وحيوية, مع معرفتي الكاملة بكل الصعوبات التي تكتنف القضايا التي تستوجب الحسم على مختلف الأصعدة, ومنها المشكلات القائمة بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية التي تستوجب أقصى الجدية والوعي بالمسئولية الاستعداد لاتخاذ القرارات الصعبة من جانب وعبر الحوار. أي أن الحوار المسئول والمستمر والمساومة المحسوبة والمطلوبة من الجميع هي التي في مقدورها أن توفر الأجواء المنشودة وإمكانية الوصول إلى ما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار والسلام وحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإدارية وحدود الإقليم والمحافظات وغيرها. وهو ما يصبو إليه كل عراقي وعراقية في الداخل أو الخارج.
إن الحديث عن الوحدة الوطنية والتخلي عن الطائفية مثلاً جميل وسهل ومقبول بل ومطلوب حالياً, ولكن ممارسة ذلك بالواقع العملي والوصول به إلى النتائج المرضية هو الأصعب وهو الذي يستوجب بذل الجهود الاستثنائية ومن قبل الغالبية العظمى من أفراد المجتمع أن تعذر عمل وفعل الجميع في ظروف العراق الراهنة. 
9/7/2009                        كاظم حبيب              

602
مهمة على طريق استكمال الاستقلال والسيادة  الوطنية

" ليس للحرية الفلسفية حدود، فإما أن نفكر بكل حرية، وإما ألا نفكر أبداً ".
                                                                      ب. سبينوزا

مع بزوغ فجر هذا اليوم تكون الوحدات العسكرية الأمريكية قد تركت مواقعها في داخل المدن العراقية وانسحبت إلى مواقع خارج جميع المدن لتبقى في معسكراتها المؤقتة حتى نهاية العام 2011 لتقدم الدعم الضروري المحتمل في مواجهة قطعان الذئاب من قوى الإرهاب وما يطلق عليه بـ "المقاومة" غير الشريفة, كلما استدعت الحاجة وطلبت الحكومة العراقية والقوات المسلحة ذلك. وبهذا الانسحاب يكون باراك أوباما قد أوفى بأول خطوة من الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع الإدارة الأمريكية على أن تستكمل بخطوات لاحقة تنتهي بالانسحاب الكامل من الأراضي العراقية.
لم يكن أي مواطن عراقي شريف يريد أن تكون القوات الأمريكية أو أية قوات عسكرية لدول أخرى في العراق, وليس هناك من عراقي شريف وافق على قرار مجلس الأمن الدولي باعتبار القوات الأمريكية والبريطانية الموجودة في العراق هي قوات احتلال مؤقت. هذا صحيح تماماً. ولكن ما لا ينبغي نسيانه أبداً هو الجواب عن الأسئلة التالية: من كان المسئول عن وجود هذه القوات في العراق أولاً؟ ومن أذل الشعب العراقي ومرغ كرامته بالتراب ثانياً؟ ومن نفذ عمليات القتل الجماعي والقبور الجماعية في العراق ثالثاً؟ ومن خطط ونفذ الحروب الهمجية المجنونة في المنطقة (ضد إيران, غزو الكويت) رابعاً؟ ومن نفذ عمليات الأنفال وقصف حلبچة بقذائف صاروخية تحمل السلاح الكيمياوي خامساً؟ ومن هجَّر الكُرد الفيلية وعرب الوسط والجنوب وأسقط عنهم الجنسية وقتل شبابهم وهجر مئات الألوف منهم بذريعة وقحة هي التبعية لإيران؟ ومن جفف أهوار الجنوب وشرد سكانها؟ ومن غير التركيبة السكانية لمناطق عديدة في العراق؟ ومن تسبب في هجرة أكثر من ثلاثة ملايين إنسان إلى خارج الحدود العراقية وفي الشتات العراقي؟ من تسبب في تلويث المياه والأرض والبيئة عموماً في العراق؟ ومن شارك في التفريط بثروات العراق في عمليات وحروب وقمع جنوني خلال 35 عاماً؟ من سرق البسمة من وجوه الناس؟ من فرط بالأرض العراقية وشط العرب لقمع حركة وطنية للشعب الكُردي كان يطالب بحقوقه من خلال عقد اتفاقية العار في الجزائر في العام 1975؟ من .. ومن ... ومن ؟ علينا أن نتذكر باستمرار بأن النظام العراقي الصدامي كان السبب المباشر في كل الحرب المنصرمة, بغض النظر عن معرفتنا بأهداف القوى والدول الأخرى.
يفترض أن نتذكر كل ذلك حين يجري الحديث عن الحرب التي نفذتها الإدارة الأمريكية ضد نظام صدام حسين الدموي وبموافقة غالبية قوى المعارضة العراقية. وعلينا أن نتذكر بأن القوات الأمريكية قد اُستقبلت بالورود حين سقط الدكتاتور المتوحش ونظامه الدموي تحت ضربات القوات الأجنبية. فالموقف من السقوط لم تكن المشكلة بين غالبية الشعب والإدارة الأمريكية, بل ما تبع ذلك من سياسات وإجراءات مخالفة للكثير من قواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية, بما فيها صدور قرار الاحتلال وترك حدود العراق مفتوحة والنهب والسلب والتدمير الذي لحق بمؤسسات الدولة  وطريقة حل الجيش العراقي وما حصل للمعتقلين من أعمال إجرامية مخزية في سجن " أبو غريب" أو مواقف بريمر السياسية والإدارية المستبدة, أو فرض المحاصصة الطائفية في حكم العراق, أي استبدال الشوفينية العربية بالطائفية المقيتة...الخ.
لقد تسبب الإرهاب الدموي من جانب قوى القاعدة المجرمة ومن قوى الإرهاب البعثية الصدامية والمليشيات الطائفية المسلحة, سواء أكانت شيعية أم سنية, باستشهاد وجرح وتعويق مئات ألوف العراقيات والعراقيين, بمن فهم العلماء والمثقفات والمثقفين وأساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين والصحفيات والصحفيين والسياسيات والسياسيين, إضافة إلى عدة ألاف من الجنود والضباط الأجانب من مختلف الدول التي وجدت في العراق وشاركت في مواجهة تلك القوى الشريرة التي لم تقتل الناس فحسب, بل ودمرت مؤسساته الاقتصادية والخدمية وأعاقت إعادة البناء وساعدت على  استمرار وجود القوات الأجنبية في العراق.
إن خروج القوات الأمريكية, وقبلها البريطانية, من المدن على طريق الخروج النهائي, يعني حصول تحسن في الوضع الأمني ووجود أفق لتكريس هذا التحسن بإجراءات سياسية واقتصادية واجتماعية  وثقافية, رغم حالة الهستيريا التي تعيشها قوى الإرهاب خلال الأسبوعين الماضيين والتي دفعتها على  قتل المزيد من البشر بعملياتها الإجرامية الدنيئة.
إن خروج القوات الأمريكية من العراق لم يكن مطلباً عراقياً وحيد الجانب, بل هو مطلب أمريكي أيضاً, وجد تعبيره في الحملة الانتخابية لباراك أوباما, الرئيس الحالي للولايات المتحدة. وهو أمر إيجابي يفترض عدم نسيانه, رغم كل التعقيدات والتشابكات التي أحاطت ولا تزال تحيط بالوضع في العراق منذ الحرب الأخيرة في العام 2003 حتى الوقت الحاضر.
إن كان الشعب العراقي بكل مكوناته القومية وقواه السياسية يعتبر خروج القوات الأمريكية من المدن خطوة مهمة ومرحلة جديدة, فأن عليه أن يجسدها حقاً في سياسات ومواقف وإجراءات جديدة تماماً تختلف عما حصل في العراق خلال الأعوام الفائتة, سياسة تلح على الطلاق الثلاثي مع الطائفية السياسية والفكر الشوفيني وضيق الأفق القومي في حل المشكلات المعلقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم, ويعني إطلاق الحرية والحريات الديمقراطية وقانون الأحزاب وقانون النفط, ويعني التصرف بمسئولية كاملة إزاء أتباع القوميات والأديان والمذاهب المختلفة ومحاربة محاولات قتل وتهجير المواطنات والمواطنين من مسيحيين وصابئة مندائيين وإيزيديين وغيرهم, يعني محاربة الفساد المالي والمحاصصة الطائفية الوظيفية, ويعني التوجه صوب العدالة الاجتماعية ... يعني التوجه صوب الحوار السلمي ووفق آليات ديمقراطية لمعالجة كل المشكلات المعلقة وبعيداً عن التهديد والوعيد أو استخدام القوة.
إن منابر الخطابة السياسية غير نافعة باستمرار لحل المشكلات, إذ أنها في أحيان غير قليلة تزيد الأمور تعقيداً وتزيد من ضبابية السياسات والمواقف والأهداف, بل اختيار نهج الحوار والجلوس حول الطاولة المستديرة لمناقشة كل شيء من أجل التفاهم وإبداء الاستعداد للمساومة على بعض الأمور في وطن يجمعنا بقومياتنا العديدة. 
تحية إلى كل من عمل لمواجهة الإرهاب وكسر شوكته, تحية لكل الشعب العراقي الطامح إلى  العيش بحرية وأمن واستقرار وعيش كريم, تحية لكل المناضلين في سبيل حرية الكلمة وحرية التفكير وحرية الرأي وحرية العقيدة والفلسفة والتعددية الفكرية والسياسية, تحية للمرأة المناضلة في سبيل حقوقها المشروعة ومساواتها بالرجل, رغم الظروف الصعبة التي تواجهها يومياً واضطهاد المجتمع الذكوري الذي تتعرض له بسبب طبيعة وبنية ومستوى تطور الدولة والمجتمع, وتحية إجلال لكل الذين سقطوا على أرض العراق وهم يكافحون بحزم وإصرار كل القوى الشريرة التي عاثت في أرض العراق قتلاً وفساداً وتخريباً ودمارا.
30/6/2009                كاظم حبيب                             


603
كاظم حبيب
هل الحكم الاستبدادي الإيراني في واد, والشعب في واد آخر؟

حين انطلقت الثورة الشعبية الإيرانية قبل ثلاثين عاماً, قرر الشاه الإيراني عدم استخدام القوة والسلاح لضرب جموع المتظاهرين, بل أجبر على التراجع والهروب من إيران. فانتصرت ثورة الشعب العارمة والسلمية. إلا أن هذه الثورة الشعبية سُرقت في غفوة وغفلة من التاريخ من الشعب لصالح الحوزة الدينية التي كانت قيادتها في حينها للسيد الخميني. وانفرد شيوخ الدين بالحكم ووجهوا تدريجاً الضربات تلو الضربات للقوى السياسية العلمانية والدينية المعتدلة التي كانت وقوداً للثورة لسنوات طويلة. فامتلأت السجون الإيرانية بالقوى التي عارضت الشاه وناضلت ضده وساهمت في إسقاطه. وتعرض السجناء الجدد إلى التعذيب النفسي والجسدي والقهر اليومي في محاولة إلى إجبارهم على تنفيذ ما يسمى بـ " التوبة ", أي العودة إلى الدين الإسلامي, كما يفهمه الحكام الجدد, وكأن كل هؤلاء كانوا خارجين عن الدين الإسلامي, ولكنهم بالقطع لم يكونوا طائفيين كالحكام. وبدأت أساليب العنف والإرهاب والاستبداد تمارس إزاء المطالبين بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية واضحةً في سلوك النظام "الإسلامي" منذ بداية هيمنة شيوخ الدين على السلطة السياسية وبناء أجهزتها القمعية, ومنها "الحرس الثوري" الإيراني, الذي لا يختلف في التخلف الفكري والممارسة الفعلية قيد أنملة عن فكر وممارسات الحرس القومي الذي شكله حزب البعث في أعقاب إسقاط الجمهورية الأولى في بغداد في شهر شباط الدموي في العام 1963. 
وحين انطلقت انتفاضة الشعب الإيراني الجديدة بعد ثلاثين عاماً بسبب التزوير المريع للانتخابات وفرض فوز الفاشي الجديد محمود احمدي نجاد المرتدي لباس الدين والمتخفي وراء سيده الخامنئي, جوبهت, على عكس ممارسة نظام الشاه قبل ثلاثين عاماً, هذه الانتفاضة السلمية المناهضة لنتائج الانتخابات بالعنف الدموي والسلاح والقتل في شوارع طهران. وقد استخدم حكام إيران أصحاب الملابس المدنية (البسيج) والحرس الثوري وأجهزة الأمن الداخلي والشرطة الرسمية وقوى من الجيش لممارسة القتل العمد ضد المتظاهرين. وسقطت ورقة التوت عن عورة شيوخ الدين الحاكمين في إيران وظهرت أيديهم الملطخة بدماء البريئات والأبرياء الذين استشهدوا في زنزانات النظام خلال العقود الثلاثة المنصرمة. علينا أن نتذكر بأن نظام صدام حسين قد دام هو الآخر أكثر من ثلاثة عقود ولكنه انتهى إلى حيث وبئس المصير! 
لم تكن نتائج الانتخابات الأخيرة سوى القشة التي قصمت ظهر البعير في إيران, إذ أن الأزمة في إيران أعمق بكثير من تزوير تلك النتائج وإعلان فوز احمدي نجاد فيها بعكس الفوز الفعلي لمرشح المعارضة السيد حسين موسوي. فما هي الأسباب الكامنة وراء هذه الانتفاضة, وهل ستنتهي أم ستكون لها تداعيات كثيرة لاحقة؟
تؤكد المعطيات التي تحت تصرفنا إلى أن الحكم الاستبدادي في إيران أصبح بعد مرور ثلاثين عاماً على الثورة يعيش في واد والشعب الإيراني يعيش في وادٍ آخر تماماً, وأصبح الحوار, منذ وصول احمدي نجاد إلى رئاسة الجمهورية وأكثر من أي وقت مضى, بين السلطة والغالبية العظمى من المجتمع أشبه بحوار الطرشان. فالحكومة لا تريد أن تسمع مطالب الشعب بل توجه الرصاص إلى صدور الناس, ولم يعد الشعب يريد هذه السلطة وغير قادر على تحمل أوزارها. وسبب ذلك يكمن في عددٍ من العوامل التي يفترض الإشارة إليها فيما يلي:
1.   المصادرة الفعلية من جانب الفئة الحاكمة لحرية الإنسان وحقوقه المشروعة وتدخلها في حياة الفرد الخاصة, رجلاً كان أم امرأة, عبر نشر ودور أجهزة الأمن والمخبرين والجواسيس في أنحاء البلاد, وهؤلاء جميعاً يحصون كل حركة من جانب أفراد الشعب  ويتربصون بهم وغالبا ما ينتهي أمر الكثير منهم إلى الاعتقال الكيفي والزج في السجون.
2.   تفاقم البطالة بين القوى القادرة على العمل واتساع ظاهرة الفقر المدقع بين الناس وتفاقم المشكلات الاجتماعية التي لم تعد محتملة حتى أن الإنسان الإيراني يتحدث عن "الموت التدريجي لحياة الإنسان في إيران " "زنديگي ما مرگ تدریجی", كما عبر عن ذلك أحد ركاب باصات نقل الركاب العامة في طهران لصاحبه في العام 1988 حين كنت لفترة قصيرة في طهران في تلك السنة.
3.   تنامي متواصل للفجوة المتسعة بين حياة أفراد الفئة الحاكمة والمهيمنين على أجهزة الدولة وحواشي الحكومة من قوى الحوزة الدينية من جهة, وقوى الشعب المنتجة والكادحة والفقيرة والمعدمة من جهة ثانية, إضافة إلى تفاقم الفساد المالي والإداري بشكل يصعب تصوره, فالعمامة والعباءة أصبحت من أكثر رموز الفساد المالي والإداري في البلاد التي تغطي تحتها تلك المفاسد. وهذا لا يعني أن جميع من لبس العمامة والعباءة هو من هذا الصنف السيئ من شيوخ الدين, ولكن الغالبية العظمى من الحكام ومن المحسوبين على الحكم الراهن. وقد ذكرني ذلك بقصيدة الشاعر محمد صالح بحر العلوم حين قال:
ليتني أسطيع بعث الوعي في بعض الجماجم
لأريح البشر المخدوع من شر البهائم
وأصون الدين عما ينطوي تحت العمائم
من مآس تقتل الحق وتبكى: أين حقي؟!
 
يا ذئابا فتكت بالناس آلاف القرون
أتركينى أنا والدين فما أنت وديني
أمن الله قد استحصلت صكاً في شؤوني
وكتاب الله في الجامع يشكو: أين حقي؟!
4.   الاضطهاد المشدد الذي تتعرض له وتعاني منه المرأة الإيرانية سواء بحرمانها الفعلي من المشاركة في الحياة السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو فرض سلوكيات معينة عليها لا تتناغم مع حرية الإنسان في ما يفترض أن يسلكه في حياته الخاصة.
5.   تفاقم سياسة عسكرة الاقتصاد الإيراني, سواء عبر استيراد المزيد من السلاح أم التوسع في إنتاجه محلياً لإقامة أوسع ترسانة عسكرية في منطقة الخليج, بسبب سياساتها التوسعية في المنطقة وسعيها المستمر لتصدير السلاح للحركات المناهضة للنظم المحلية في تدخل مباشر لها في شئون الدول الأخرى. وهي السياسة التي تكلف خزينة الدولة مبالغ طائلة تبعد تلك الأموال الحكومية عن البناء الاقتصادي السلمي وتوفير فرص عمل للعاطلين وتحسين مستوى حياة ومعيشة السكان, وخاصة الفقراء والكادحين والفلاحين.
6.   التوجه نحو إنتاج السلاح النووي والصواريخ ذات المدى المتوسط والبعيد, إذ أن إيران تسعى على فرض سياستها في المنطقة وإخضاع حكومات دول المنطقة لسياستها وإرادتها. وهي التي تكلف بدورها خزينة الدولة مبالغ طائلة وتزيد من المصاعب المالية في البلاد وتنعكس سلباً على حياة الفرد. وخير مثال على ذلك حب الله الإيراني في إيران, والحماس ذات النهج الإيراني والتمويل والتسليح الإيراني في فلسطين المحتلة.
7.   الهجرة المتزايدة لمزيد من الناس من إيران إلى بقية بلدان العالم لأسباب ثلاثة أساسية:
أ‌.   تفاقم الاستبداد ومناهضة قوى المعارضة والخشية من الاعتقال والقهر السياسي.
ب‌.   تفاقم البطالة والرغبة في العيش بحرية وكرامة في الدول الأخرى.
ت‌.   تفاقم السياسة الشوفينية المناهضة لأتباع القوميات الأخرى وعدم منحهم حقوقهم القومية المشروعة, إضافة إلى السياسة الدينية والمذهبية الضيقة والطائفية الشيعية ضد أتباع المذاهب الدينية الأخرى. 
ويقدر عدد المهاجرين الإيرانيين المقيمين في الخارج بأكثر من عشرة ملايين إنسان, أغلبهم في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا الغربية وفي استراليا والدول المجاورة.           
8. التدخل الفظ في الشأن الداخلي للدول الأخرى بهدف تصدير الثورة الإيرانية والمذهب الشيعي ومعاداة المزيد من دول العالم بهدف فرض كونها الدولة الأكبر والأقوى والأكثر تسلحاً في منطقة الخليج وربما الشرق الأوسط وبرغبة التحكم بسياسات الدول الأخرى وتقديم الدعم لقوى المعارضة فيها من منطلقات قومية شوفينية ودينية وطائفية متطرفة.
 إن سياسات معاداة مصالح الشعب ومطالبه وممارسة القوة والعنف الدموي في مواجهة ذلك ستزيد من حدة التناقض وشدة الصراع بين الفئة الحاكمة المرتبطة بالخامنئي واحمدي نجاد وتلك المجموعة من الحوزة الدينية التي تقف خلفها ومرشدها الأعلى, وبين الجماهير الشعبية الواسعة المتزايدة غضباً وإصراراًً على التغيير. ومن هنا يمكن القول بأن ما بدأ في الانتفاضة الأخيرة لا يمكن إسكاته, وما لا ينجح اليوم سينجح غداً, فعملية التناقض والصراع ستنموان من الناحية الكمية خلال الفترة القادمة لتفرض تحولاً نوعياً جديداً للوضع القائم والذي يمكن أن يقضي على الدولة الدينية الطائفية المتطرفة في إيران لصالح حرية الإنسان والحياة الديمقراطية وحقوق الإنسان المشروعة والطبيعية ورفض تصدير الثورة والتدخل في الشأن العراقي والدول الأخرى, وخاصة لبنان وفلسطين واليمن.

25/6/2009                         كاظم حبيب 
 

604
كاظم حبيب
رؤية أولية للحوار
حول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في إقليم كردستان العراق وسبل معالجتها
الحلقة الثالثة
نحو تكريس إستراتيجية التنمية الوطنية المشتركة بين المركز والإقليم

حين يجري الحديث عن إستراتيجية وطنية مشتركة بين المركز والإقليم لا بد من التنبيه هنا إلى عدة حقائق جوهرية مرَّ بها الشعب العراقي خلال العقود المنصرمة والتي يفترض الانتباه إليها وعدم نسيانها بالنسبة لأوضاع العراق ومستقبله, إذ أنها كانت أحد أهم أسباب الكثير من المشكلات والكوارث, أي بسبب سياسات التهميش والإساءة والسياسات الشوفينية والمركزية المشددة وعدم التنسيق وعدم التشاور والاتفاق مع قوى الإقليم وشعب كردستان, وأعني بذلك ما يلي:
1 . لا بد من تحديد مفهوم مصطلح المركز أو الحكومة المركزية حين استخدامهما, إذ ينبغي أن لا تعني أكثر من كونها تعبر عن الحكومة الاتحادية, بحيث لا تعني المركزية المشددة والانفراد بالسلطة والقرارات لكل العراق, إذ بغير هذا التحديد لا يعني سوى العودة إلى نقطة الصفر التي لا يفترض أن يسعى إليها أي إنسان في العراق. وهذا يتطلب التنسيق في جميع القضايا والقرارات التي تمس العراق كله وتمس الإقليم في آن واحد وكذلك جميع المحافظات العراقية, كما أن من واجب الإقليم والمحافظات عدم الإنفراد بالقرارات وكأنه استقلالاً عن الدولة العراقية وحكومتها الاتحادية. ومثل هذا الموقف السليم من جانب الحكومتين يعزز الثقة المتبادلة المطلوبة ويهيئ فرصة التعامل المتساوي البعيد عن الشعور بالتعالي والهيمنة والانفراد أو الرغبة في ممارسة ذلك.
2 . محاربة الاتجاهات الفكرية الشوفينية التي تجلت في مسارات الحكومات العراقية على مدى تاريخ العراق الحديث إزاء القوميات الأخرى ومنها القوميات الكُردية والتركمانية والكلدية- آشورية, كما لا بد من مكافحة الاتجاهات القومية الضيقة والمغالية في اندفاعها القومي, كما تبرز في المرحلة الراهنة والتي لا تخدم المسيرة لإقامة عراق مدني ديمقراطي, كما تثير المزيد من المشكلات بدلاً من تعزيز الوحدة والتعاون والتنسيق والتكامل. وبالنسبة لي فأن هذا الموقف لا يتجاوز بأي حال حق الشعب الكردي في تقرير مصيره, إذ أني هنا أتحدث عن قرار اتخذ من قبل برلمان كُردستان بعراق فيدرالي يتمتع فيه إقليم كُردستان بالفيدرالية ضمن الدولة العراقية.
3 . أن يأخذ كل من الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم المصالح المشتركة وعدم التفريط بأحدهما لصالح الآخر, بل إيجاد الصيغ الديمقراطية المناسبة للتطور المتسارع والمنسق لكل العراق دولة وإقليماً ومحافظات.
4 . الأخذ بالاعتبار من جانب الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم مصالح شعوبها, سواء أكنا نتحدث عن الشعب العراقي بكل مكوناته أم نتحدث عن مصالح العرب والكُرد والتركمان والكلدان والآشوريين, إذ أنهم كانوا بشكل عام مهملين والذي يتجلى في أوضاعهم المعيشية ومعاناتهم من البطالة ونقص الخدمات ...الخ.
5 . التنسيق والإصرار على مكافحة الفساد المالي والإداري والمحاصصة الحزبية الضيقة أو الطائفية التي لاستمرارها عواقب وخيمة على مجمل الشعب العراقي بكل مكوناته القومية وعلى الناس المستقلين وعلى مبدأ " الإنسان المناسب في الموقع ألمناسب ".
إن الأخذ بنظر الاعتبار هذه المسائل المهمة سيكون في صالح كل العراق دون استثناء, كما سيساعد على تحديد إستراتيجية واحدة في التنمية الاقتصادية والبشرية للعراق كله, مع إمكانية تفاصيل أخرى تمس الإقليم أو المحافظات المرتبطة بمجالس محافظاتها, وفي مهمات المركز المشتركة, إذ أن جوهر ما يطمح إليه الشعب الكردي وبقية القوميات في إقليم كردستان العراق, بل والعراق كله, هو التغيير بالاتجاه المدني الديمقراطي وبالاتجاه العلماني الذي يؤكد بأن "الدين لله والوطن للجميع" وعلى حد سواء. ويطمح المجتمع الكردستاني إلى أن تكون الانتخابات القادمة ونتائجها بداية فعلية لعملية التغيير المنشودة في كردستان, إذ من غير المتوقع أن تتشكل النتائج تغييراً جذرياً في تركيب البرلمان من ناحية التوزيع الحزبي, بل سيحرز الحزبان, الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني, الأكثرية في المجلس وستعتمد عليهما وضع السياسات القادمة التي تستوجب التغيير. ولكن الجديد الذي يمكن ان يحصل هو نشوء معارضة إسلامية من جهة وعلمانية من جهة أخرى لسياسات حكومة الإقليم, وهو أمر ديمقراطي, رغم أن قوى الإسلام السياسية لا تعرف الديمقراطية, بل تعتبرها أداة للوصول إلى السلطة وليس فلسفة ديمقراطية, وبالتالي تتخلى عنها حال وصولها إلى السلطة.
ماذا ينبغي أن تتضمن إستراتيجية التنمية الوطنية في إقليم كردستان العراق؟
أ . اعتماد الموارد المالية المتأتية من تصدير النفط الخام والغاز الطبيعي في عملية التغيير الملحة لبنية الدخل القومي على صعيد الإقليم, وعلى صعيد العراق كله, وهي مهمة إستراتيجية مشتركة.
ب . الاهتمام بتوفير مستلزمات إشباع الحاجات المادية لأفراد المجتمع من خلال تنفيذ سياسة تجارة خارجية عقلانية تساهم في توفير تلك الحاجات من جهة, ولكنها تساهم في تنمية الثروة الوطنية من خلال تنمية الصناعة والزراعة وتقليص الحاجة إلى الاستيراد سنة بعد أخرى , بدلاً من إغراق الأسواق المحلية بالسلع الاستهلاية والكمالية ذات النوعيات الرديئة والمستوردة لأغراض سياسية بحتة.
ج . وهذا يعني بوضوح كبير توجيه هذه الموارد وتوزيعها على خمسة اتجاهات أساسية في المرحلة الراهنة:   
أولاً: استكمال وتطوير وإنشاء مشاريع البنية التحتية بكل أجزائها, إذ يفترض أن يتم الاهتمام في هذا القطاع والإصلاح الإداري معاً لأهميتهما في العلاقات الاقتصادية المحلية والدولية.
وأهمية البنية التحتية تكمن في كونها القاعدة الفعلية والضرورية لتعجيل التنمية الوطنية في إقليم كُردستان وفتح الأبواب على مصراعيها لدخول الاستثمارات الأجنبية إلى الإقليم.
وهي تشمل مشاريع الكهرباء وشبكة المياه الصالحة للشرب والطرق العامة والاقتصادية الداخلية والخارجية والجسور والنقل السلعي والبشري والمخازن الاعتيادية والمبردة والصحة والتعليم والفنادق والقوانين المرتبطة بها, كما أنها ترتبط بالمدينة والريف.
تتوزع مهمات إقامة مشاريع البنية التحتية في المرحلة الراهنة, وبسبب التخلف الكبير الموروث في هذا القطاع, على عاتق حكومة الإقليم وعلى عاتق الحكومة العراقية المركزية بسبب وجود ارتباطات وعلاقات واسعة في هذه المشروعات والتي تستفيد منها كلا الحكومتين, وبالتالي يكون الصرف عليها من الجانبين. إلا أن القطاع الخاص يستطيع أن ينهض بأعباء غير قليلة ويساهم في توفير القاعدة الصالحة لتطور نشاط واستثمارات القطاع الخاص المحلي والأجنبي.
كما يفترض أن تتوفر الضمانات الاجتماعية والأمن الصناعي والصحة والعناية بالمنتجين وبالمستثمرين المحليين والأجانب ووضع القوانين الضامنة لكل ذلك. ...الخ.
كما يفترض الاهتمام بتغيير واقع الإدارة والإصلاح الإداري من خلال ترشيق تدريجي لمؤسسات الدولة ووضع الأنظمة والضوابط الإدارية التي تخفف من البيروقراطية والبطالة المقنعة وترفع من مستوى الشفافية وتسهل وتبسيط العمليات والمعاملات الخاصة بالسكان وبإقامة الشركات أو نشاط المستثمرين وتمنع التعيينات غير المناسبة لأي سبب كان لكي لا يأتي الشخص غير المناسب وتساعد على معالجة مشكلات المواطنين وإدخال المحاسبة الاقتصادية والرقابة والمتابعة إلى مختلف مجالات الاقتصاد والخدمات والحياة الاجتماعية.
إن تأسيس المزيد من مراكز البحث العلمي الصرف والتطبيقي والمكاتب الهندسية الحكومية والخاصة والسعي إلى ربط نشاطها واتجاه بحثها بمؤسسات الإنتاج والخدمات لخدمة أغراضها مباشرة, من جهة, وبالجامعات والمعاهد من جهة أخرى, وبمراكز مماثلة في الدول المتقدمة علمياً وتكنولوجياً سيوفر ما تحتاجه عملية إقامة مشاريع البنية التحتية والمشاريع الاقتصادية الأخرى من دراسات حول الجدوى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من تلك المشاريع ويساعد على تقليص التكاليف وتسريع العملية كلها.
وإذ أشرنا إلى مشروعات الطاقة في مكان آخر فيهمنا هنا أن نشير إلى أهمية إقامة شبكة واسعة من مشاريع الماء الصافي لسكان المدن والأرياف, إذ أنها الضامن لتحسين المستوى الصحي للسكان وتقليص الكثير من الأمراض. ويمكن أن ينهض القطاع الخاص بهذه المهمة وبدعم من حكومة الإقليم أو أن يوضع على عاتق الحكومة.

ثانياً: الصناعة: توجيه المزيد من الموارد المالية الحكومية لأغراض التنمية الصناعية الحديثة المراعية لمسائل حماية البيئة وتقليص التلوث التي تجعل من إقليم كردستان بلداً صناعياً متقدماً بتشابك ويتكامل مع التصنيع مع باقي أجزاء الدولة العراقية. ويمكن هنا أن نشير بوضوح إلى وجهة التطور الصناعي في إقليم كردستانالتي تشمل خمسة مجالات أساسية, وهي:
- التوسع في عمليات التنقيب عن النفط الخام والموارد الطبيعية الأخرى في كُردستان للاستفادة منها في عمليات التصدير والإنتاج المحلي في آن من جهة, واستخدام الموارد المالية المتأتية من النفط الخام وغيره لأغراض عملية الاستثمار الإنتاجي ودعم الميزانية الاعتيادية.
- التوسع في إنتاج الطاقة, سواء الكهربائية أم المائية أم الشمسية, وكذا الحرارية على مستوى العراق, وفق الإمكانيات المتاحة, لتوفر الإمكانيات الفعلية لعملية التنمية الشاملة والمستمرة.
- ويمكن لهذا الغرض إقامة المشاريع الكهربائية الصغيرة والكبيرة على مستوى إقليم كُردستان والعراق عموماً, ويمكن هنا الاستفادة من الخزانات المائية الكبرى وكذلك الخزانات الصغيرة لهذا الغرض أيضاً.
وفي مجال الصناعات التحويلية يفترض الاهتمام بما يلي:
- صناعة المشتقات النفطية والغاز المسيل والصناعات البتروكيماوية المناسبة لكُردستان. ويمكن أن يقام أكثر من مصنع متوسط الحجم للمشتقات النفطية والغاز المسيل في أكثر من مدينة كُردستانية لتغطية الحاجات المحلية والمشاركة في حاجات العراق, في حين يمكن التنسيق بصدد المشاريع الكبرى في هذا الصدد على صعيد العراق والمنطقة.
- الصناعات الإلكترونية والآلات الدقيقة القائمة على التجميع وكذلك صناعة أجهزة الاتصالات الحديثة.
- الصناعات الزراعية, بما في ذلك صناعات التعليب النباتي والحيواني والألبان والفواكه المجففة, وصناعة التبغ والغزل والنسيج والسجاد والملابس .. الخ.
- الصناعات الإنشائية وخاصة المقالع والأسمنت والمرمر والطابوق.
ويمكن أن تتوسع هذه الصناعات على مستوى الإنتاج الصغير والعائلي والقسم الأخر الذي يستوجب تقنيات عالية وإنتاج متقدم ومشاريع متوسطة أو كبيرة وفق التعرف على السوق الكُردستاني والعراقي والإقليمي أو التنسيق على الصعيد الدولي.

ثالثاً: الزراعة: توجيه المزيد من الموارد المالية لإغراض التنمية الزراعية والتي تتجه صوب:
-   تأمين المياه الكافية للإنتاج الزراعي, من خلال إقامة السدود والخزانات الصغيرة والمتوسطة, إضافة إلى أهمية وضرورة تقنين الاستفادة من الثروة المائية. وتلعب هنا أهمية كبيرة الاهتمام بمياه العيون والأنهار وإقامة الجسور والخزانات الصغيرة والمتوسطة لتجميع المياه والاستفادة منها في فصول شحة المياه.
-   الاهتمام بتحديث الزراعة وتطوير تقنياتها والابتعاد عن التقنيات البالية والمرهقة للفلاح وبما ينسجم مع الطبيعة الجغرافية والمناخية لكُردستان.
-   الاهتمام بالزراعة الحقلية كالحبوب الضرورية لاقتصاد كُردستان وكذلك البستنة وخاصة الفواكه والكروم والتفاح والخضروات والتبغ والكرزات التي تساهم في تنمية الصناعات الزراعية أيضاً وتشبع حاجة السوق المحلي الكُردستاني والعراقي.
-   تطوير الثروة الحيوانية كالدواجن والماشية وتنمية المراعي الطبيعية لهذا الغرض وكذلك الثروة السمكية وحمايتهما.
-   الاهتمام بالغابات الطبيعية وتنميتها وحمايتها, إضافة إلى زيادة التشجير ومعالجة مشكلة الانجرافات الأرضية والانهيارات.

رابعاً: السياحة: توجيه المزيد من الموارد لأغراض التنمية السياحية, بما فيها صناعة الفندقة, إذ يمتلك إقليم كُردستان إمكانيات كبيرة ومتنوعة لتنمية السياحة الاصطيافية أو الاستجمامية والحضارية والدينية, وهو ما يفترض الاهتمام به. ويتم ذلك عبر:
-   تطوير قسم السياحة والفندقة في المعاهد والكليات المختلفة, بما في ذلك إقامة كلية خاصة أو أكثر لهذا الغرض بما يسهم في تكوين كوادر إدارية وفنية وعلمية في مجال تنظيم وتطوير السياحة والفندقة في جميع أنحاء كُردستان. فهذا القطاع لا يعتبر مورداً مالياً فحسب, بل ومورداً معرفياً وحضارياً وإنسانياً في آن واحد. 
-   الاستفادة من الكوادر السياحية المتوفرة في العراق والتي لا يمكن الاستفادة منها حالياً لهذا الغرض بسبب الأوضاع الأمنية والسياسية المتردية هناك.
-   الاستفادة من الأمم المتحدة (اليونسكو) لتطوير المواقع الأثرية والحضارية في كُردستان, إضافة على فتح دورات لتدريس وتدريب كوادر مهنية وفينة لهذا الغرض.
-   العناية الجادة بالمواقع الأثرية الكثيرة القائمة في كُردستان وكذلك المزارات الدينية لمختلف الأديان والطرق الدينية.
-   الاهتمام الواسع بالمناطق السياحية الخاصة بالاستجمام والاصطياف في كُردستان وهي كثيرة وممتازة من خلال إقامة سلسلة من الفنادق والطرق المساعدة للوصول إليها على أساس المبادرة الفردية وتقديم القروض والمساعدات المناسبة للقطاع الخاص لهذا الغرض.
-   حملة إعلامية من أجل التثقيف بقضايا السياحة وسبل التعامل مع السائحين الأجانب لخلق وعي سياحي.
-   حملة إعلامية من أجل التثقيف بأهمية حماية البيئة من التلوث من قبل المواطنات والموطنين والسائحات والسائحين في آن واحد. 
 
خامساً: البنوك وشركات التأمين: يحتل هذان القطاعان أهمية استثنائية في الاقتصاد الكُردستاني باعتبارهما يمثلان بعض أهم الأدوات التنفيذية في السياسة المالية والنقدية للإقليم التي يفترض فيها أن تساهم في تنفيذ السياسات الاقتصادية لحكومة الإقليم. نعرف جميعاً بأن كُردستان بحاجة إلى:
 سلسلة من البنوك التابعة للقطاع الخاص المحلي والأجنبي وبالنسبة إلى مختلف القطاعات الاقتصادية. ويفترض أن تساهم هذه البنوك ذات الاختصاص (مصارف صناعية وزراعية وسكنية وتجارية), سواء أكانت تابعة للقطاع الخاص المحلي والأجنبي أم تابعة للحكومة, في عمليات التمويل الائتماني للنهوض بالمشاريع الاقتصادية الصناعية والزراعية والتجارية والاجتماعية الصغيرة والمتوسطة على نحو خاص, من أجل تشجيع المبادرة الخاصة لتحسين وسائل الإنتاج والقدرات والمهارات البشرية وتحسين مستوى الإنتاج وزيادة الإنتاجية والتشغيل والدخل والربح المتحقق لأصحاب المشاريع والعاملين. ويمكن أن تقدم هذه التسهيلات والقروض إلى الأفراد والشركات والمؤسسات. ويمكن أن تمنح القروض على آجال مختلفة وفق طبيعة وأهمية المشروع. ومن المفيد أن تساهم الحكومة في هذه العملية بسبب ضرورتها الآنية للتنمية وتشجيع وتعجيل إقامة المشاريع من جانب الأفراد, ما دامت الحكومة قادرة على تقديم القروض وبفوائد واطئة جداً ومنشطة للعملية الاقتصادية.
كما تلعب هذه البنوك دورها الأساسي في العمليات المصرفية مع البنوك الأجنبية لتنظيم العلاقات والمعاملات المالية والتحويلات المصرفية وما إلى ذلك.
وقد يكون من المناسب في هذه المرحلة تأسيس بورصة لتداول الأوراق والأسهم المالية.
كما أن اقتصاد الإقليم بحاجة ماسة إلى النشاط التأميني الذي يمكن أن تنهض به شركات التأمين وإعادة التأمين التي تسهم في دعم النشاط الاقتصادي والتمويلي في الإقليم. وهي مؤسسات اقتصادية تساهم في عملية الادخار من جهة, وفي تعويض عمليات اهتلاك رأس المال الثابت والخسائر التي تتحملها الشركات والأفراد لأسباب مختلفة مثل الكوارث الطبيعية أو الحرائق أو السرقات أو الموت على سبيل المثال لا الحصر. إنها تعبر عن ضمانة مالية واقتصادية كبيرة ومهمة للاقتصاد الكُردستاني وللأفراد والشركات والمجتمع في آن واحد.
ويتطلب قطاعا البنوك والتأمين وجود كوادر علمية وفنية مختصة تضع الأسس العملية والعلمية والفنية لإنشاء البنوك وشركات التأمين في كُردستان العراق وتطويرها وتحديد علاقتها ببغداد وبالعالم الخارجي.
ويبدو لي ضرورة وإمكانية وضع تقارير خاصة عن هذين القطاعين بحيث يمكن البدء بتنفيذها في كُردستان مباشرة, إذ لا بد من البدء بذلك مع البدء بعملية الإصلاح الإداري والاقتصادي وعملية التنمية في الإقليم. فهي جزء من آليات السياسة المالية المسؤولة عن تنفيذ السياسة الاقتصادية والاجتماعية.
علينا أن نؤكد هنا مجدداً بأن الإنسان هو هدف هذه الإستراتيجية وهو في الوقت نفسه الإدارة المركزية التي يتم عبرها تنفيذ هذه الإستراتيجية, فهو هدف وهو أداة في آن, وإذا ما أدرك الإنسان أن هدف الإستراتيجية هي لصالحه, أي لتوفير العمل والحياة الكريمة له ولأفراد عائلته ولصالح الأجيال الطالعة في إقليم كُردستان العراق, فأنه سيبذل أقصى الجهود والهمم لتحقيق هذه الإستراتيجية, وهي بدورها تعتمد على الأدوات الديمقراطية التي يفترض أن تستخدم لتحقيق الأهداف الإستراتيجية. (يمكن بهذا الصدد العودة إلى الدراسة التي أنجزت من قبل الدكتور كاظم حبيب والدكتور جعفر عبد الغني).

605
محاولة لخوض غمار حوار جاد
سعى له الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح بوعي ومسئولية
1 . أهمية وعي مفهوم النقد 
كأي عالم حصيف متمرس في اختصاصه ومفكر ساع إلى طلب الحقيقة على نسبيتها ومساهم فعال في نشر الوعي الإنساني والحضاري الحديث طرح الأخ الفاضل الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح مجموعة كبيرة من الأسئلة التي تفتح باباً واسعة لحوارات بين الناس ونقاشات فكرية معمقة وهادئة. والأسئلة التي طرحها الأستاذ الكريم تفتح بدورها مجالاً رحباً لمزيد من الأسئلة التي لا شك أنها تتداعى في مخيلة الإنسان وهو يقرأ أو يعالج مثل هذه المسائل الحياتية والحيوية اليومية. سأحاول في النقاط التالية مناقشة بعض الأفكار الواردة في الحلقتين الأولى والثانية من مقال الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح الموسوم "تساؤلات محرجة .. في الدين - الحلقة الثانية - التطرفان الديني والإلحادي .. وصناعة الموت" المنشورين في العددين 2665 و2666 بتاريخ 2/3/ و3/3/2009 على التوالي على موقع الحوار المتمدن.
يفترض من حيث المبدأ الاتفاق حول مشكلة لا تزال تعتبر معطلة للكثير من ضرورات وحيوية النقاش حول مسألة الدين, وأعني بذلك نقد الدين. فليس كل ناقد للدين ملحد. وليس كل نعت يوجه لقضية ما تعتبر تطرفاً أو رفضاً للفكر الآخر أو اعتداءًِ على الرأي الآخر, إذ أن مثل هذه الأحكام تمنع التوصيف الضروري لأفكار معينة أو إيديولوجيات معينة دون أن يكون في نية الكاتب الاعتداء على الرأي الآخر أو سلب حق الآخر في امتلاك رأي أو موقف آخر. فحين نشير إلى الفكر الشوفيني والعنصري وأساليبه في التعامل مع أتباع القوميات أو الإثنيات الأخرى بالفاشية التي تمارس الاستبداد والعنف السادي والقسوة, فلا يعني ذلك تجاوزاً على حاملي هذا الفكر النازي ألألماني أو الفاشية الإيطالية بل توصيفاً صادقاً لهذا الفكر العدواني, وحين نشير إلى الموقف المناهض لحرية ومساواة المرأة بالرجل بالتخلف والظلم بحق المرأة والتجاوز على إنسانيتها فلا يعني هذا التوصيف تطرفاً أو اعتداءً على الرأي الآخر, سواء انطلق من أتباع الدين الإسلامي أم اليهودي أم المسيحي أم أي دين آخر. وحين نشير إلى نظم سياسية بعينها ونصفها بالشمولية والاستبداد الفكري والسياسي والاقتصادي, كما في بعض النظم العربية أو الإسلامية فلا يعني هذا تجاوزاً على الرأي الآخر, ومثال ذلك الحديث عن الوهابية المنطلقة من فوهة ومضمون المذهب الحنبلي المتشدد, أو حين الحديث عن المذهب الشيعي الإثنا عشري الصفوي الإيراني والتزامه بولاية الفقيه باعتبارهما نموذجين للشمولية في الحكم والدكتاتورية والتوزيع غير العادل والاستخدام السيئ للثروة الوطنية, فلا يعني ذلك تجاوزاً عليهما بل توصيفاً لحالتيهما الفعلية المدانة. وحين نصف الفتاوى التي تحرم تقديم باقات الزهور إلى المرضى في المستشفيات باعتبارها بدعة غربية مسيحية من جانب بعض شيوخ الدين السعوديين بالتخلف والرجعية فلا يعني هذا إساءة لأحد, بل شرح حالة معينة يراد بها الفرقة والإساءة والتخلف في فهم دور الزهور في إنعاش روح المريض الراقد في المستشفى والتخفيف من ألامه. وحين يطرح إمام الجمعة في النجف إقامة دولة شيعية على أساس مذهبي شيعي, أفلا يعني ذلك أن هذا الرجل طائفي متعصب وبعيد كل البعد عن مبدأ المواطنة في الحضارة الإنسانية الحديثة والمجتمع المدني؟ أفلا يعني ذلك تخلفاً ورجعية وتمييزاً لمن هم من غير الشيعة, سواء أكانوا من المسلمين السنة أم من المسيحيين أو من الصابئة المندائيين أو غيرهم من أتباع الديانات والمذاهب في العراق أو حتى من غير المؤمنين بدين؟ ألا تعني هذه الدعوة اعتداءً على سكان العراق ووحدتهم ونسيجهم الوطني؟ ألا يعني ذلك استفزازاً للسنة في العراق ولأتباع الديانات الأخرى وتحريضاً على الكراهية وتشديد الصراع وتوفير مستلزمات النزاع الدموي الذي عانى منه العراق خلال السنوات الست المنصرمة والتي لم تنته بعد حتى الآن؟ أ لا يحق لنا نعت ذلك بما يستحقه, أـم يعتبر تجاوزاً على رأي السيد صدر الدين القبانجي؟ 
يفترض من حيث المبدأ احترام كل الأديان والمذاهب, ولكن هذا لا يتعارض مع نقد الأديان والمذاهب من أي زاوية شاء الإنسان توجيه النقد له, فليس في ذلك أي تجاوز ما دام بحدود الأدب واللياقة. كان الصديق الراحل والأستاذ إبراهيم كبة يمارس نقد الدين المسيحي في كتبه حول التاريخ الاقتصادي, وكان يعني بذلك كل الأديان, ومنها الدين الإسلامي, ولكنه كان يتجاوز ذلك بحكم الواقع الاجتماعي حيث كان يصعب عليه ممارسة نقد الدين الإسلامي مباشرة, هذا ما أخبرني عنه حين كنا نلتقي في النصف الأول من سبعينيات القرن العشرين في غرفتي الصغيرة في الجامعة المستنصرية ونتحدث عن شئون الاقتصاد وعن الأوضاع السياسية والاجتماعية في البلاد.
كلنا يعرف بأن نقد الدين يأتي من شخصيات مؤمنة لأنها ترى في ذلك ضرورة لاستمرار وجود الدين, فلا يمكن أن يبقى الدين على حاله لأكثر من 3000 سنة أو 2000 و 1000 عام مع كل التغيرات التي تطرأ على الإنسان وحياته وظروف معيشته ووعيه ومستوى ثقافته... الخ. كما يمارس الملحدون نقداً موجهاً للدين من حيث الأساس أو من حيث مظاهر ممارسته وما نشأ عنه وما علق به خلال الفترات المنصرمة.
حين يواجه الإنسان المثقف, بغض النظر عن إيمانه الديني أو إلحاده, ما يتعارض مع العقل, وبغض النظر عن مسألة وجود أو عدم وجود إله, يتعارض في الممارسة مع العقل السوي, فليس أمامه إلا توصيف الحالة ونقدها بما يساعد على التخلص منها. وربما يفترض أن يكون المؤمن أكثر إلحاحاً على التغيير لحماية دينه من التطرف والبدع الإضافية التي يحتضنها الدين ويتسبب بها شيوخ الدين أو المؤسسات الدينية. فالنقد ضرورة, سواء أكان ذلك من إنسان مؤمن صوب دينه أم صوب الإلحاد, كما أن من حق الملحد أن يمارس النقد إزاء الدين أو ما يرتبط به من مظاهر. النقد ضرورة موضوعية في حياة الإنسان وفي مواجهة القديم البالي والجديد المتطلع للتكريس. إن صياغة بعض الأسئلة التي طرحها الأستاذ الدكتور قاسم حسين واعتبر بعض النعوت التي توجه لحالات معينة تطرفاً يصعب القبول بها, سواء أكانت موجهة للقوى الدينية أو لمدعي العلمانية غير الديمقراطيين. فلا بد من توجيه النقد ووسمها بنعوت معينة حين ادعى صدام حسين في بداية حكمه العلمانية وقبل أن يرتدي زيفاً قناع الحملة الإيمانية, أو حين ادعى هتلر في حينها العلمانية أيضاً وكانت له مواقف ضد الكنيسة, رغم مساومة الكنيسة لسياساته ضد اليهود وضد القوى السياسية غير الفاشية. وفي هذا ليس تطرفاً, بل التطرف كان في تلك السياسات, بما في ذلك الكنيسة المساومة أو القوى الإسلامية المساومة لصدام حسين تحت شعار "حاكم ظالم خير من فتنة!".
النقد الموضوعي الواعي والواضح والصارم وغير المساوم, والمؤدب والهادئ وفق التعبيرين اللذين استخدمهما الأستاذ قاسم حسين صالح, ينير الطريق لمن يريد أن يستنير بالرأي الآخر ويستفيد منه, النقد لا يتضمن إظهار الجوانب السلبية فحسب, بل يمكن أن يشير إلى الجوانب الإيجابية إن وجد الجانبان في فكر معين وعمل معين. ولكن النقد غير ملزم بتبيان الجوانب الإيجابية, ويحق له التركيز على السلبيات من الفكر والممارسة. والنقد محرك نحو التقدم والتغيير والتفاعل مع الواقع القائم.
2 . العوامل الكامنة وراء الاحتراب والصراع في المجتمعات؟ 
طرح الدكتور قاسم حسين صالح النص التالي المحمًّل بالكثير من الأسئلة:
"هل أن كل أرض يهبط عليها دين تكون بعد ألف سنة أكثر بقاع العالم صراعا واحترابا وتنغيصا للحياة وفقرا وأمراضا وأميّة ؟. هل السبب في الدين ؟.. أعني لو لم ينزل على الناس دين من السماء لكانوا عاشوا في سلام ، أو لصاروا بوضع أفضل مما هم عليه الآن ؟
لو كان السبب في الدين لما آمنت به الملايين ، بل لظهر حزب او جيش او منظمة او ميليشيا تدعو إلى الإلحاد ومحاربة كل دين .. ولقاموا بثورة ليتخلصوا منه كما يفعلون مع الأنظمة الدكتاتورية والسلطات التي تحتكر الثروات لنفسها . ستقول : إن السبب ليس في الدين إنما في السلطة التي توظف الدين لخدمة مصالحها وضمان بقائها .. وهذا صحيح . فتاريخ المنطقة يحدثنا أن كل السلطات التي حكمتنا على مدى أكثر من ألف وأربعمائة عام ، كانت ظالمة ودكتاتورية ، وأنها كانت تحكم باسم الدين . ولكن معظم الثورات التي قامت ضد هذه السلطات ثارت أيضا باسم الدين ، فإذا كان الدين واحدا فكيف يكون له تفسيران متناقضان ؟ وكيف يكون له ممثلان ( جبهتان ) متعارضان أحدهما: خير وعدل وسلم ، والآخر: شرّ وظلم وسفك دماء ؟. [نص راجع بشأنه الحلقة الأولى من مقال الأستاذ قاسم حسين صالح].
في هذا النص العديد من الأسئلة التي تحتمل أكثر من رأي وليس مجرد القول مع أو ضد, كما أنها متشابكة وتستوجب التدقيق والملموسية. لا شك عندي من أن الدين من صنع الإنسان, وهو في جوهره عملية إصلاحية يطرحها المصلحون حين تبرز في مجتمع ما حاجة فعلية تفرضها الضرورة الموضوعية, سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية وثقافية. وقد برزت هذه الظاهرة منذ آلاف القرون ويصعب تحديد وقت ظهور الدين, ولكن برزت الكثير من الأبحاث الدولية التي تشير إلى العوامل الكامنة وراء ظهور الدين وجوهر الدين. والعراق القديم أو منطقة الشرق الأوسط شهدت الكثير من الديانات والديانات المتفرعة عنها أو المذاهب المتفرعة عن كافة الأديان تقريباً بمرور الزمن وبالحاجة على التغيير. كما أن أدياناً انقرضت أو لم تبق على صيغتها القديمة أو أن أتباعها أصبحوا قلة قليلة. كما أن البعض منغلق على دينه. والعراق وحده عرف عشرات الديانات المعروفة لنا اليوم أو غير معروفة, إذ أن الكثير من تلك الديانات التي نشأت فيه أو نزحت إليه مع النازحين واستقرت فيه أو تداخلت مع أديان العراق الأخرى. ولست معنياً في هذه الملاحظات بكيفية نشوء الدين فقد بحثت ذلك بشكل مكثف في كتابي الموسوم "الأيزيدية ديانة قديمة قاومت نوائب الزمن", بل أحاول أن أطرح الرأي التالي:
مر الإنسان بمراحل تطور عديدة. السمة المميزة فيها هو تطورها وتقدمها في سلم الحضارة البشرية بشكل عام وعلى الصعيد الدولي, مع وجود انقطاعات وتراجعات أو انكسارات جزئية في بعض مناطق العالم أو تخلف عن التطور واستمرار الحياة كما كانت عليه قبل مئات السنين أو يزيد عن ذلك. والعالم الآن يتسم بشكل عام بمستوى حضاري معين, ولكن نجد في هذا العالم الواحد مناطق لا تزال تعيش في مراحل التطور المختلفة التي عاش فيها الإنسان, كما يطلق على مجاهل أفريقيا أو جنوب شرق آسيا, وبشكل خاص في مجاهل إندونيسيا أو في بعض مناطق في أستراليا, على سبيل المثال لا الحصر. وسنرى في تلك المناطق ديانات قديمة أنتجها الإنسان والتزم بها وسار عليها.
الديانات حين ظهرت في أي من مناطق العالم كانت لأغراض معينة, إذ كانت من حيث المبدأ للإصلاح والتغيير والتجديد, ولكن وفي كل الأحوال استثمرت ووضعت في خدمة الحاكم بشكل عام, كما نشأت في فترات معينة من التاريخ القديم والحديث صراع بين الدين والسلطة على الموقع الأول في المجتمع والموقع المؤثر في مسيرة الدولة. الدين من صنع الإنسان سواء أكان حاكماً أم محكوماً, ولكن المشكلات التي نشأت في العالم لم يكن سببها بالأساس الدين, بل لعب الدين دوره في تبني وجهة معينة لحلها وكانت في الجوهر لصالح الحكام بشكل عام, إلا ما ندر.
المشكلات تنشأ بسبب أوضاع اجتماعية- اقتصادية – سياسية. أي تنشأ أوضاع اقتصادية واجتماعية تقود إلى مشكلات سياسية بين فئات المجتمع بسبب الاستغلال والعيش بمستويات متباينة تقود على تناقضات اجتماعية وتتحول إلى صراعات, وحين لا تجد حلولاً عملية لها من جانب الحكام تتحول إلى نزاعات سياسية ويمكن أن تتخذ طابع الانقلاب أو الثورة أو النزاع المسلح, الذي غالباً ما يقود إلى نزيف الدم وينتهي إلى وضع معين. وفي هذا المعمعان المحتمل يتخذ شيوخ الدين موقفاً معيناً يمكن أن يقود إلى تبني أتباع هذا الدين ذات الموقف أو بنقسمون إلى مجموعات ذات رأي وموقف متباين .. وهي حالة يعيشها العالم الراهن, كما حصلت وذكرت بصيغ كثيرة جداً في كتب التاريخ.       
الدين نتيجة نشاط الإنسان وليس سبباً في نشاط الإنسان, ولكن هذه النتيجة يمكن ان تصبح سبباً لمشكلات قادمة لأسباب ترتبط بشكل استخدام الدين. ومن هنا جاء التقدير الخاطئ لصموئيل هنتنكتون بأن الدين سيكون العامل الأساسي في الصراعات القادمة وانتهى الصراع الاجتماعي أو الطبقي في المجتمع, أو كما عبر عنها بطرقة أخرى حين قال فرنسيس فوكوياما بأن الرأسمالية نهاية التاريخ, ثم عاد عن رأيه الخاطئ مصححاً بأن الرأسمالية لا تشكل نهاية لحركة التاريخ وتطور المجتمع.
لو تحرى الدكتور تاريخ العالم لوجد الكثير من الثورات التي سعت لا إلى تغيير الدين, بل إلى تغيير النظام الاقتصادي-الاجتماعي-السياسي, وإلى تغيير العلاقة بين الدين والسياسية وما يتبعها من تغيير ملازم للعلاقة بين الدين والدولة. هذا حصل في أوروبا وكل العالم الغربي, وهذا ما سيحصل في بلداننا حين تصل إلى مستوى التحضر الراهن في أوروبا. أي المشكلة ترتبط بطبيعة أسلوب الإنتاج السائد والعلاقات السياسية والاجتماعية  المنبثقة عنها. لا يمكن إزالة دور الدين في مجتمع تسوده العلاقات العشائرية ويغيب عن المجتمع التطور الصناعي والزراعي ومستلزمات بناء المجتمع المدني الذي يخلق وعياً جديداً ودوراً جديداً للدين من جهة وللدولة من جهة أخرى وللإنسان بشكل خاص.
ولكن ليس كل شعب استطاع أن يثور وينتصر على حاكميه أو على النظم التسلطية التي سادت في البلاد والتي اعتمدت على نظام اقتصادي اجتماعي وسياسي معين تميز بالتخلف والاستبداد والعنصرية والسادية المرعبة. كما ليس كل شعب قادر على أن يتخلص وبسهولة من تأثير الدين وشيوخ الدين, بل هي عملية معقدة وطويلة الأمد وتستوجب التغييرات التي أشرت أليها. فالعراق مثلاً لم تستطع القوى والأحزاب السياسية والمجتمع العراقي كله الخلاص من نظام صدام حسين الاستبدادي, رغم توفر كافة الشروط الموضوعية لإزاحته, إذ أن العامل الذاتي لم يكن متوفراً. ولكنه سقط بفعل العامل الخارجي. وهذا العامل الخارجي لم يأخذ بنظر الاعتبار عدم توفر الشروط والمستلزمات الذاتية للنهوض بأعباء ما بعد السقوط, فكانت التداعيات التي شهدناها خلال السنوات الست المنصرمة والتي لن تنتهي بسهولة وبسرعة كما يتمناها الإنسان.         
الكلمة التي تحدث بها كارل ماركس كانت صائبة جداً حين قال باختصار شديد بأن "الدين افيون الشعوب". الدين بحد ذاته ليس شيئاً فاعلاً دون الإنسان الذي يتبناه. فالإنسان هو الذي يتعامل بالدين ويتفاعل مع المبادئ التي يطرحها هذا الدين أو ذاك, وكلها على امتداد التاريخ متقاربة وفي الغالب الأعم ذكورية. والقول السابق يعني بأن استخدام الدين بشكل سيئ يقود إلى تخدير المجتمع, إلى محاول جعل الإنسان ينسى واقعه المرير والاستغلال البشع الذي يتعرض له. ولم يكن كارل ماركس مسيئاً في هذا القول لأي دين بل ثبت حقيقة كانت قائمة حين كان يستخدم الدين لأغراض الحكام, كما حصل ويحصل بحدود معينة في أوروبا, أو كما حصل ويحصل على امتداد تاريخ العرب والمسلمين حتى الوقت الحاضر وبشكل خطير ومرضي.
المشكلة تكمن أذن في النظام الاقتصادي-الاجتماعي-السياسي القائم في هذا البلد أو ذاك, ومنه العراق أيضاً وفي الوعي الاجتماعي والسياسي المنبثق عن هذا الواقع. ولكن هذا لا يعني أن الوضع ميئوس منه, بل أن التطور العالمي سيساعد في تسريع تطور العوامل الداخلية, أي أن التغيير يفترض أن يحصل من وفي الداخل, ولكن أصبح للعامل الخارجي الأثر الأكثر أهمية من السابق.         
10/6/2009                         كاظم حبيب


606
كاظم حبيب
هل الإنسان أولاً أم إثنيته وقوميته ودينه ومذهبه وفكره؟

صدر منذ سنوات الكتاب القيم للكاتب والروائي المعروف الأستاذ أمين معلوف تحت عنوان "الهويات القاتلة", وقد حظي هذا الكتاب باهتمام كبير من جانب الكتاب والقراء على حد سواء. وقد تسنى لي قراءة هذا الكتاب الإنساني بإمعان وأخذت منه بعض المقتطفات حين كتبت بعض مقالاتي مشيراً إلى أهميتها وداعياً إلى الاهتمام بمضمون هذا الكتاب وخاصة في دول منطقة الشرق الأوسط المتعددة القوميات والأديان والمذاهب والعقائد الأخرى وذات الاتجاهات الفكرية العديدة. ومن لم يتسن له قراءة هذا الكتاب, أملي أن يسعى للحصول عليه ومطالعته. ويحمل هذا الكتاب إلى القارئات والقراء فكرة جوهرية أساسية هي أن الإنسان هو الأول وهو الأساس وليست هويته أياً كانت, خاصة وأن إنسان الشرق الأوسط, لا يحمل هوية واحدة بل هويات عديدة لا يمكن ولا يجوز تقليصها إلى هوية واحدة, ولكن الأهم من كل ذلك والذي يجمع بين البشر هو الإنسان ذاته الذي يفترض أن يُحترم وأن يمارس حقوقه وواجباته بمساواة تامة ودون تمييز وبعيداً عن الهويات المفرقة للبشر.
وحين نشرت مقالي الموسوم "هل يحق للعرب والمسلمين إنكار المحارق والمجازر الفاشية ضد اليهود", مشيراً إلى المحارق الرهيبة والمجازر الدموية التي ارتكبت بحق الإنسان في ألمانيا الهتلرية, وخاصة ضد اليهود والعدد الهائل منهم الذين قتلوا على أيدي العصابات النازية الفاشية, كتب المدعو السيد أبو نيرودا الذي خجل من ذكر اسمه الصريح بسبب عدوانية وعنصرية التعليق الذي نشره في الحوار المتمدن بتاريخ 11/6/2009 وتحت عنوان "ما هكذا تورد الإبل يا دكتور كاظم" يقول: " دكتور كاظم ماعرف مادخلك بالموضوع هل انت يهودي وهل ماتدعية اسرائيل والصهيونية العالمية صحيحا ؟ نعم هناك مجزرة ولكن من يقف وراء المجزرة لماذا القفز على الحقائق؟ كل اليهود في اوربا كانو مليونان فكيف هتلر قتل سته؟لماذا لا يقبل اليهود بالتحقيق ولماذا كلما انتقد احد او اراد البحث انقلبت الدنيا ولم تقعد ؟ ارجوك يا دكتور كاظم ان تعتذر للعرب على تهجمك لصالح فئه انت تعرفها." أترك للقارئ معرفة الأخطاء النحوية والإملائية الكثيرة في هذا المقطع القصير. وهذا ليس بالأمر المهم, إذ من المحتمل أن يكون الرجل لم يحظ بعناية المدرسين أو لم يكن مجتهداً لتعلم اللغة العربية. إذ أن الأهم من كل ذلك هو ما ورد في هذا المقطع القصير من أفكار بائسة وذات وجهة شوفينية وعدوانية. ومع شكري للأخوة السادة الذين كتبوا مشيرين إلى الأخطاء الفكرية التي ارتكبها, فلا بد لي من مناقشته لتبيان الخلل والأخطاء القاتلة التي ارتكبها في ما كتب وليس كل الأخطاء التي تستوجب المناقشة.     
لم يبرهن الأخ أبو نيرودا على أنه لا يعرف شيئاً في فن الكتابة والإملاء فحسب, بل لا يعرف شيئاً عن التاريخ الأوروبي وعن عدد السكان اليهود في أوروبا حينذاك وتوزيعهم الجغرافي, في حين كان في مقدوره أن يعود على الحاسب الإلكتروني والإنترنيت ليوفر له الأرقام الدقيقة عن عدد سكان أوروبا التي وقعت تحت الاحتلال الألماني أو التي كانت ضمن مناطق المعارك الحربية في الحرب العالمية  الثانية أو التي سارت على طريق الفكر العنصري لهتلر. لقد أصبح الإنترنيت يوفر مثل هذه الإمكانية لأبسط الناس, فكيف بمن يحاول التعليق على قضية مهمة من هذا القبيل. فالدخول إلى google  أوYahoo  كفيل بمساعدة  أي إنسان في الحصول على المعلومات الضرورية عن عدد مواطنات ومواطني الدول الأوروبية في العقد الرابع والخامس من القرن العشرين. وأنصحه أن يقوم بذلك, إذ كان الأجدر به أن يقوم بذلك قبل أن يرد على ما كتبته. ويتساءل أبو نيرودا, بعد أن يعترف بوجود مجزرة ضد اليهود وغيرهم, ولكن من يقف وراء هذه المجزرة؟ والسؤال بطريقة صياغته يوجه الاتهام إلى الصهيونية العالمية التي كانت تسعى إلى إقامة وطن لليهود في فلسطين وفق وعد بلفور 1917. دعني أقول بأن الصهيونية قد رغبت في كل الأحوال بأن تقنع اليهود في مختلف بقاع الأرض للهجرة إلى فلسطين, ومنها يهود ألمانيا. ولكن هل بهذا السؤال يريد أن ينفي عن النازية الألمانية صفة الفاشية والعداء للسامية واليهود منهم على نحو خاص؟ هل يريد أن يبرئ, حتى لو كانت الصهيونية هي المسئولة جدلاً, الأداة التي نفذت تلك الجريمة البشعة بحق مواطنات ومواطني أوروبا بتلك الوحشية؟ أمر غريب ومنطق أفلج يمارسه كل من فقد الرؤية الإنسانية السليمة وبوصلة التفكير العقلاني! كانت الصهيونية العالمية دون أدنى ريب تسعى إلى أن يهاجر يهود أوروبا إلى فلسطين, ولكنها لم تنجح في ذلك, كما فشلت في الثلاثينيات والأربعينيات في إقناع يهود العراق للهجرة إلى فلسطين, لأن مواطنات ومواطني أوروبا والعراق كانوا متمسكين بالبلد الذي ولدوا فيه وعاشوا فيه وعملوا فيه وأصبحوا منذ مئات السنين جزءاً من شعوب تلك البلدان. ولكن الفاشية التي عمدت إلى قتل اليهود وتصفية وجودهم في أوروبا هي المسؤولة عن تلك الجرائم البشعة في ألمانيا وعن هرب من استطاع الهرب من أوروبا على الولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها من الدول للحفاظ على الحياة. والقوى القومية العربية اليمنية والفاشية هي التي كانت مسئولة عن الفرهود في العراق وهي التي دفعت اليهود لمجموعة من اليهود للتفكير بالهجرة, في حين أن قرار إسقاط الجنسية هو الذي فرض عليهم الهجرة القسرية. لقد قال العرب بحق "أجلس أعوج ولكن أحكي عدل أو باستقامة ", وكم كان مهماً للسيد أبو نيرودا أن يلتزم بهذه الحكمة المجربة       
ثم يتساءل هذا السيد فيقول "دكتور كاظم ما أعرف دخلك بالموضوع هل أنت يهودي.... والسؤال هو أقبح من فحوى بقية التعليقو إذ أنه ينفي عن الإنسان إنسانيته ويربطه بهوية معينة ثانوية. والسؤال المضاد هو: هل ينبغي للإنسان أن يكون يهودياً لكي يشجب ما حصل لليهود في ألمانيا أو في بقية أنحاء أوروبا في زمن الهتلرية أو ما حصل لهم في العراق في فجيعة الفرهود في 1 و2 من شهر حزيران/يونيو 1941 وما نشأ عنها من مخاوف لدى اليهود؟ هنا يفترض أن نعي تلك الموضوعة التي أدت إلى عواقب وخيمة في العلاقات بين البشر, أي العلاقة بين "أنا" و "الآخر". ينسى هؤلاء الناس الذين يطرحون المسألة: أنا الأفضل والأحسن والأفهم ومن الإثنية الأرقى والأعلم, في حين ينحدر الآخر من الأدنى والأسوأ والأكثر جهلاً, بأنهم ينطلقون من أرضية التمييز بين البشر وينطلقون من أحكام مسبقة ونمطية متخلفة في الرؤية إلى الذات وإلى الآخر. إن إدانة محارق ومذابح اليهود في أوروبا أو عمليات القتل والسلب في الفرهود أو مذابح الأنفال في كُردستان العراق أو المذابح في أفريقيا من البيض ضد السود أو المذابح ضد شعب دار فور في السودان ... الخ لا تحتاج لأن يكون الإنسان يهودياً أو مسلماً أو مسيحياً أو من أي أثنية أو قومية معينة أو من السود أو البيض لكي يدين هذه المجازر, بل يكفي أن يحس الفرد, امرأة كانت أم رجلاً, بأنه إنسان ويتعامل مع أخيه الإنسان, لأن الإنسان هو اثمن ما في هذه الدنيا بغض النظر عن هويته الأثنية أو القومية أو الدينية أو المذهبية أو الفكرية, حتى الإنسان العنصري أو الفاشي لا يجوز قتله, وفق ما أرى, بل وضعه في السجن, إن ارتكب الأخطاء أو مارس الدعاية الفاشية والعنصرية لتجنب احتمال ارتكابه جرائم بحق الناس لأنه في مثل هذه الحالة غير محسوب العواقب. الإنسان هو الأول وليس الدين أو المذهب أو القومية أو أي شيء آخر. إذ أن كل ذلك يأتي بالدرجة الثانية, ولا هوية يمكن أن تعلو على هوية الإنسان.
السيد المعلق على مضامين مقالي المشار إليه سابقاً نسى تماماً أو لا يعرف شيئاً عن محاكم نورنبيرغ في ألمانيا التي عقدت في الفترة بين 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1945 و1 تشرين الأول/ أكتوبر 1946, إضافة إلى محاكمات أخرى جرت في دول أوروبية أخرى في أوروبا وفي اليابان ضد مجرمي الحرب وضد الذين ارتكبوا جرائم جماعية وضد الإنسانية, وفي مقدمتها الجرائم التي ارتكبت ضد اليهود أو ضد المجموعات البشرية الأخرى ومنهم الغجر (السنتي والروما) في أوروبا أو ضد المسيحيين والشيوعيين والاشتراكيين من جانب النازيين وأتباعهم في أوروبا من منطلقات عنصرية وفاشية استبدادية ومعاداة الآخر. إنا لست مسيحياً أو إيزيدياً أو صابئياً مندائياً عراقياً, كما لست كردياً أو تركمانياً, ولكني شجبت وأدنت كل الجرائم التي ارتكبت في العراق ضد هذه المجموعات البشرية من مواطنات ومواطني بلادي, العراق, وكذلك شجبت وأدنت تلك الجرائم التي ارتكبت من الإسلاميين السياسيين المتطرفين والمليشيات الطائفية المسلحة ضد المسلمين السنة والشيعة في السنوات الست المنصرمة أو في فترات حكم القوميين والبعثيين. والسبب في ذلك هو أني كأي إنسان سوي آخر أحس مع بقية البشر بإنسانيتي, وحين يفقد الإنسان إنسانيته يتصرف كقومي وكمسلم وكمسيحي ويهودي ...الخ  متعصب في مواجهة الإنسان الآخر, أي ينطلق من مواقع التمييز بين البشر. وهو الخطأ الفادح الذي عرض البشرية إلى الكثير من المجازر العنصرية الجنونية, بما فيها الحروب الصليبية أو موقف البيض من السود في الولايات المتحدة على امتداد القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أو حتى النصف الأول من القرن العشرين, وبعض التمييز لا يزال قائماً, بالرغم من انتخاب أوباما, لدى بعض قوى البيض في الولايات المتحدة. يمكن للسيد أبو نيرودا أن يطلع على موقع الحوار المتمدن على مقالاتي المنشورة حول العنصرية والفاشية وعواقبها على  البشر. وللعلم لم يرفض اليهود في أوروبا أجراء التحقيقات بشأن تلك المجازر, بل كانت هناك معاهد علمية أنجزت الكثير من الأبحاث والدراسات الميدانية حول دور الفاشية والنظام النازي, ولا تزال هناك دراسات مهمة بهذا الصدد. ويمكن قراءة مئات الكتب حول تلك الجرائم التي يندى لها جبين البشرية بالعار والشنار.
حين يتنكر المدعو محمود أحمدي نجاد لجرائم الفاشية أو "الهولوكوست ", فهو لا يجسد إنسانية وعدلاً وموضوعية, بل يعبر عن فكر ونهج سياسي ودعاية فاشية قومية ودينية متعصبة بشعة. وسيقود إيران إلى عواقب وخيمة بعد أن انتخب بالتزوير لرئاسة الدولة ثانية, كما تشير الأخبار العالمية والمعارضة الإيرانية. إنها البداية لنهاية محتملة غير قصيرة لهذا النظام الإسلامي المزيف والبشع في إيران.       
لقد طلبت من الأخوات والأخوة العرب الذين سكتوا عن تلك الجرائم وأيدوا الدكتاتور أو هللوا له  أن يستنكروا الجرائم التي اقترفها النظام البعثي ضد الشعب الكردي وضد الكُرد الفيلية في العراق, كما طلبت منهم أن يستنكروا الجرائم التي ارتكبها نفس النظام ضد العرب في الوسط والجنوب أو في مناطق غرب بغداد, لأن ذلك تعبير عن وعي متأخر, ولكن ضروري لبشاعة الجرائم التي ارتكبت. وأشرت إلى ضرورة الاعتذار لأن النظام اقترف تلك الجرائم باسم العرب والعروبة والدفاع عن البوابة الشرقية للأمة العربية. وهو مطلب عادل لا لأنهم اشتركوا في ارتكاب تلك الجرائم, بل لأنهم سكتوا والساكت شيطان أخرس, أو أيدوا وهللوا وبالتالي فهم قد ساهموا بصورة غير مباشرة في ذلك. أما أن يطلب مني الاعتذار للعرب حول ما قلته عن أولئك الذين ينكرون تلك الجرائم البشعة فهي المأساة والمهزلة, وهو تعبير عن عقلية سقيمة ورؤية بائسة.
إن احترام الرأي والرأي الآخر ضروري جداً, شريطة أن يبتعد هذا الرأي عن فكر العنصرية والفاشية أو تأليه الدكتاتورية أو الدفاع عن جرائمها مجتمعة ضد الإنسانية.
15/6/2009                      كاظم حبيب 
             
 

607
رؤية أولية للحوار
حول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في إقليم كردستان العراق وسبل معالجتها
الحلقة الثانية
توفير مستلزمات الرؤية الواقعية للتنمية الاقتصادية في الإقليم

قبل التطرق إلى إستراتيجية التنمية والمهمات التي تواجه إقليم كُردستان نشير إلى عدد من الملاحظات التي نقترح أن تدرس من جانب حكومة الإقليم:
أ‌.   معالجة التحديات والمهمات المختلفة, وخاصة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, على أساس افتراض إن الإقليم - كياناً مستقلاً - يجب توفير كل مستلزمات إدامة وجوده واستمرار تطوره.
ب‌.   معالجة ذات التحديات باعتبار أن إقليم كُردستان يشكل جزءاً متكاملاً من الاقتصاد والمجتمع في العراق بما يوفر حرية الحركة والعمل والتفاعل المتبادل والشامل.
ت‌.   الأخذ بنظر الاعتبار التعاون في الظروف الراهنة بين الوضع في بغداد والإقليم ووضع برنامج مؤقت لكُردستان العراق يهدف إلى استغلال المزايا المتوفرة في كُردستان العراق لتوفير قدر مهم من احتياجات العراق من المنتجات والخدمات من الإقليم ذاته لدعم عملية التنمية في الإقليم من جهة, وللحد من استنزاف موارد العراق في الدول الأخرى من جهة أخرى.
ث‌.   وضع إستراتيجية متوسطة وبعيدة المدى تأخذ بالاعتبار البدء بعمل مشترك عندما تصبح المحافظات العراقية في القسم العربي من العراق قادرة على التنسيق والعمل المشترك.
ج‌.   أن يكون الاعتماد على المبادرة والقطاع الخاص في عملية التنمية واقتصاد السوق الاجتماعي الذي يسعى إلى تأمين علاقة عقلانية بين العمل ورأس المال, وبين النمو الاقتصادي والحياة الاجتماعية للسكان لضمان السلم الاجتماعي في كُردستان والتطور الهادئ.
ح‌.   تنشيط دور الدولة في مجالات لا يستطيع القطاع الخاص ولوجها, أو أنها تمس أمن وسلامة وثروات الإقليم والمجتمع بشكل عام وفي شؤون الإدارة والأمن وحماية البيئة والثروة الوطنية.
خ‌.   الاعتماد على الاستثمارات المتوفرة في داخل الإقليم وتلك الاستثمارات الموجودة في الجانب العربي من العراق والسعي لمنع هربها إلى الدول المجاورة, وكذلك تحفيز رؤوس الأموال الأجنبية للاستثمار في داخل الإقليم وفي العراق, إضافة إلى استثمار موارد الدولة والمساعدات والقروض الخارجية, لتأمين تسريع عملية إعادة إعمار كُردستان والتنمية الشاملة الاقتصادية والبشرية.
د‌.   ضرورة التوسع في  مناطق اقتصادية حرة تسمح بحركة رؤوس الأموال والتوظيف وبناء المشروعات الاقتصادية, الإنتاجية والخدمية, في المدن الكُردستانية المختلفة.
وتتطلب الفقرتان الأخيرتان بشكل خاص إصدار التشريع المناسب حول الاستثمار الأجنبي والمناطق الاقتصادية الحرة التي تنظم النشاط الاقتصادي لرؤوس الأموال الأجنبية وتمنح المحفزات المناسبة لتنشيط دخول رؤوس الأموال الأجنبية إلى اقتصاديات كُردستان العراق. وهناك مشروع قانون مطروح للمناقشة, بدا لنا مناسباً لهذه المرحلة من تطور الإقليم. 
تشكل فيدرالية إقليم كردستان العراق جزءاً من الدولة العراقية الاتحادية. وكأي دولة اتحادية تتوزع المهمات السياسية والاقتصادية والبيئية والعسكرية والأمنية بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وفق ما يقرره الدستور العراقي والقوانين التي تصدر وتنظم تلك العلاقات المتنوعة, سواء الخارجية منها أم الداخلية. وهذه القضية ليست بدعة بل هي موجودة في كل الدول الاتحادية, وخاصة تلك التي تتشكل من قوميات عدة, والتي هي ليست دولة كونفدرالية, بل فيدرالية أو فيدراليات داخل دولة واحدة. وتوزيع المهمات لا يعتمد على الثقة المتبادلة, رغم أهميتها بل تثبت بقوانين منظمة لتلك العلاقات ووجود محكمة دستورية عليا تحكم حين وقوع خلافات أو اختلاف في الرأي حول قضية معينة, وحين لا يمكن حليها سياسياً فيكون القضاء هو الحكم الأخير. والتنسيق القانون للمهمات يتوزع على جميع المجالات دون استثناء لاستبعاد المشكلات التي يمكن ان تظهر في مجرى التطبيق العملي للنظام الفيدرالي. ونحن الآن نتحدث عن الجانب الاقتصادي في المهمات التي يفترض أن تعالج. ويبدو لي أن مهمات الإقليم تتوزع على ثلاثة اتجاهات, وهي: 
1.   تأمين التنسيق والتكامل الاقتصادي والاجتماعي بين برنامج الحكومة المركزية وبرنامج حكومة الإقليم, بما يساعد على تجنب التعارض أو التكرار في المشاريع.
2.   توزيع المهمات على مستوى الدولة والإقليم, وعلى المستوى الحكومي في الطرفين أو على مستوى القطاع الخاص, أي تلك المشاريع التي يفترض أن تقام وتمول من الحكومة المركزية وتلك التي يفترض غقامتها وتمويلها من ميزانية الإقليم أولاً, وتلك التي يمكن ان ينهض بها القطاع الخاص على مستوى العراق كله أو على مستوى الإقليم, إذ يفترض أن يكون العراق كله مفتوحاً على توظيفات القطاع الخاص المحلي وافقليمي والأجنبي ووفق معايير يفترض أن تكون واحدة لمصلحةالعراق وجميع الأطراف.
3.   البرنامج الاقتصادي والاجتماعي الخاص بحكومة الإقليم والذي يمول من حكومة الإقليم والقطاع الخاص.
4.   لا بد من التزام الحكومة المركزية المسئولة عن تسلم الموارد المالية المتأتية من صادرات النفط الخام أو غيرها من الموارد الأولية أو المساعدات المالية غير المحددة لمشاريع معينة سواء أكان على مستوى المركز أو افقليم والمحافظات, بتسليم حصة الإقليم والمحافظات في المواعيد المقررة لها لكي لا يحصل أي اختلال في العملية التنموية في الإقليم والمحافظات أو على مستوى المشاريع المركزية.
5.   تنظيم جلسات دورية لرئيسي الورزاء في المركز والإقليم ومحافظي المجالس المحلية في المحافظات للتدارس بشأن تلك البرامج وسبل تعجيلها أو تجاوز المشكلات فيها, إضافة على اجتماعات الوزراء والمسئولين كل في مجال اختصاصه. 
وعلى جميع الأصعدة لا بد من الأخذ بنظر الاعتبار مصلحة الإقليم ومصلحة بقية المحافظات العراقية من جانب المركز بما يسهم في تحقيق تطور متناسق ومتكامل ويساعد على تغيير البنية الاقتصادية والاجتماعية وينمي الثروة الاجتماعية ويسهم في تقليص وإنهاء البطالة المكشوفة والمقنعة ويرفع من مستوى حياة ومعيشة السكان ويقلص تدريجا وبشكل ثابت التفاوت القائم بين مستوى جميع محافظات البلاد الناشئة عن السياسات التهميشية السابقة.
إن تحقيق معدلات نمو عالية, إضافة إلى تحقيق بقية الأهداف يتطلب لزوماً وجود رؤية إستراتيجية بعيدة المدى لدى راسم السياسة الاقتصادية ومقررها, أي جهاز التخطيط أو وزارة التخطيط وجهازها المتخصص بإستراتيجية التنمية, كما يتطلب وضع برامج خماسية وسنوية هادفة ومترابطة باعتباره الطريق الوحيد والضامن والقادر على تحقيق التطور المستقل للعراق, ومعه الإقليم. من هنا يمكن القول بأن المهمات تتلخص في العمل الهادف إلى التخلص المدروس والمبرمج والمنظم تنظيماً جيداً من كل السمات السلبية التي أتينا على ذكرها في الحلقة الأولى من هذه المجموعة من المقالات التي قدمنا فيها وصيفاً للواقع الكردستاني, والذي لا يختلف كثيراً عن مجمل الواقع العراقي مع تحسن عام في أوضاع الناس في إقليم كردستان بالمقارنة مع أوضاع الوسط والجنوب أو حتى بغداد.
إن من واجب المخطط والمشرع للتنمية أن يأخذ بالاعتبار التحديات الكبيرة التي يواجهها الإقليم في هذه المرحلة بالذات والتي هي أكثر من أي وقت مضى, بسبب أن الفيدرالية قد قطعت شوطاً مهماً وأن القوى التي ترفض هذه الفيدرالية متنوعة وليست عراقية فقط, بل وعربية ودول مجاور وإقليمية. إنها تحديات   على المستوى السياسي, وخاصة العلاقة مع الحكم المركزي ببغداد والعلاقة مع دل الجوار وإقامة المجتمع المدني وتنشيط دور الفئات الاجتماعية وكسبها إلى جانب مسيرة التنمية وأخذ مصالحا بنظر الاعتبار أولاً وقبل كل شيء وتعزيز الفيدرالية في إطار الدولة العراقية وممارسة حقوق الإنسان وحقوق القوميات الأخرى وحرية الصحافة وإيقاف الممارسات المخلة في السجون وإطلاق سراح معتقلي الرأي. وعلى المستوى الاقتصادي تبرز بشكل خاص في ضرورة تغيير بنية الاقتصاد والتصنيع والأمن الغذائي وتقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء وتحسين مستوى معيشة الفئات المنتجة والكادحة والفقيرة. وعلى المستوى الاجتماعي تبرز المهمات في تكريس منظمات المجتمع المدني وحقوق المرأة وتعميم الحياة الثقافية وخاصة لأوساط الشباب وتنويعها وكسر حالة الخمول والروتين والضجر, وتطوير أسس التربية والتعليم وتنمية مراكز البحث العلم. يضاف إلى كل ذلك الحفاظ على الأمن والاستقرار وتعزيزه. 
وفي ضوء كل ذلك يمكن تحديد المهمات العامة بما يلي: (راجع في هذا الصدد الدراسة المشتركة للسيد الدكتور جعفر عبد الغني وكاظم حبيب).
•   إزالة التخلف المتعدد الجوانب من خلال تغيير البنية الاقتصادية والاجتماعية وإزالة واعية ومستمرة للاختلال الهيكلي الراهن.
•    زيادة الموارد المالية للإقليم وتوجيهها لدعم الميزانية الاعتيادية وميزانية التنمية الاستثمارية ودعم الفئات الكادحة من السكان والاعتماد في ذلك من خلال المراحل الأولية على زيادة الموارد النفطية. يضاف إلى ذلك ضرورة استثمار بقية الموارد الأولية لتقليل دور النفط على المدى البعيد.
•    التنمية البشرية التي تشكل قاعدة البناء والتطور الاقتصادي والتقدم الحضاري لإقليم كُردستان خلال العقدين القادمين. 
•    تطوير مراكز البحث العلمي والتكنولوجي بتعزيز العلاقات مع معاهد العلم والتقنيات في العالم المتقدم, إضافة إلى ربط تلك المعاهد ومراكز البحث العلمي بالمؤسسات والمشاريع الاقتصادية والجامعات والكليات.
•    تطوير إنتاج الطاقة والصناعات التحويلية وخاصة الصناعات الإلكترونية والآلات الدقيقة ومشتقات النفط والصناعات البتروكيماوية, إضافة إلى الصناعات الزراعية لتطوير الأمن الغذائي.
•   إيلاء أهتمام كبير بالقطاع الزراعي وتنويعه وتحديث وسائل الإنتاج وتنظيم الإرواء والاستفادة القصوى من عيون الماء واستخدام التقنيات الحديثة في العملية الإنتاجية  والنقل والتخزين والتسويق.
•   إيلاء عناية خاصة بالسياحة المحلية والخارجية بما يجعل منها صناعة فندقة وخدمات سياسحية متقدمة,
•    وضع برنامج للإصلاح الإداري ومكافحة الفساد المالي والإداري والمحسوبية والمنسوبية والحزبية الضيقة. 
•    الاعتماد على الاستثمارات المتوفرة في داخل الإقليم وتلك الاستثمارات الموجودة في الجانب العربي من العراق والسعي لمنع هربها إلى الدول المجاورة, وكذلك تحفيز رؤوس الأموال الأجنبية للاستثمار في داخل الإقليم وفي العراق, إضافة إلى استثمار موارد الدولة والمساعدات والقروض الخارجية, لتأمين تسريع عملية إعادة إعمار كُردستان والتنمية الشاملة الاقتصادية والبشرية.
•    ضرورة التوسع في  مناطق اقتصادية حرة تسمح بحركة رؤوس الأموال والتوظيف وبناء المشروعات الاقتصادية, الإنتاجية والخدمية, في المدن الكُردستانية المختلفة.
وجدير بالإشارة أن الإقليم قد أصدر التشريع المناسب حول الاستثمار الأجنبي والمناطق الاقتصادية الحرة التي تنظم النشاط الاقتصادي لرؤوس الأموال الأجنبية وتمنح المحفزات المناسبة لتنشيط دخول رؤوس الأموال الأجنبية إلى اقتصاديات كُردستان العراق. وهذا القانون يغطي الفقرتين الأخيرتين مما ورد في أعلاه.
انتهت الحلقة الثانية وتليها الحلقة الثالثة


كاظم حبيب

608
ما هدف الأوساط الإسلامية السياسية الداعية إلى إقامة نظام إسلامي طائفي في العراق؟

ورد في موقع السيد علي السيستاني على الإلكتروني بتاريخ 31/آيار 2009 النص التالي:
"وقال مصدر رفيع في مكتب السيد السيستاني "السيد السيستاني لا يزال عند رأيه من أن العراق لا يحكم بأغلبية طائفية أو قومية وإنما بأغلبية سياسية من مختلف الشعب العراقي تتشكل عبر صناديق الاقتراع". هذا النص منقول عن الموقع المنقول عن جريدة الصباح العراقية.
للسيد السيستاني الحق في اختيار الطريقة التي يصرح بها والمكان الذي ينشر فيه تصريحاته, ولكن, بما أنه يمتلك موقعاً خاصة به, فكان الأفضل, كما أرى, لكل القارئات والقراء أن يقرأوا التصريح صادراً عنه مباشرة وفي موقعه أولاً ويؤخذ عن الموقع لينشر في الصحف العراقية ومنها جريدة الصباح. كما لم يكن سليماً بأن الناطق الرفيع المستوى لم يذكر اسمه, وبالتالي يمكن التخلي عن هذا التصريح في أي لحظة, إذ ليست هناك مسؤولية مباشرة عن صاحب التصريح خاصة وان المتحدث رفض الإعلان عن اسمه. وهو أمر غريب بحد ذاته ايضاً.
ومع ذلك فأن مثل هذا التصريح المهم من الناحية الرسمية, إن كان صحيحاً, يفترض أن تكون له نتائج على أرض الواقع والحوزة الدينية في النجف وبالنسبة للسيد صدر الدين القبانجي والمجلس الإسلامي الأعلى, خاصة وأن القبانجي لا يزال يحتل موقعاً مهماً في الحوزة الدينية من جهة, وموقعاً قيادياً في المجلس الإسلامي الأعلى من جهة أخرى, وخطيب الجمعة في جامع النجف من جهة ثالثة, وهي كلها مواقع مهمة يستطيع من خلالها ممارسة دوره التثقيفي المؤيد لإقامة دولة طائفية وحكم طائفي في العراق يمثل المذهب الشيعي حسب فهمه الطائفي السياسي لهذا المذهب.
إن السيد صدر الدين, ومعه زميليه العضوين البارزين في المجلس الإسلامي الأعلى, يلعبون اليوم دوراً تخريبياً في العلاقات الوطنية من خلال رفع شعارات مضادة للعلمانية والدعوة إلى دولة دينية طائفية, في حين أنهم يدركون أن أغلب القوى السياسية الكردستانية تتحدث بالعلمانية وقوى ديمقراطية عربية تتحدث بالعلمانية أيضاً, وهم يهاجمون العلمانية التي تعني الكثير في عالمنا العربي والإسلامي والعراقي أيضاً, فالمدارس الحديثة هي جزء من نظام العلمانية, والدولة العراقية الفيدرالية هي جزء من العلمانية, والدستور المدني العراقي هو جزء من العلمانية, رغم وجود نصوص تتناقض مع العلمانية مثل دين الدولة هو الإسلام, في حين أن الدولة لا يمكن أن يكون لها دين باعتبارها شخصية اعتبارية وليست إنساناً عاقلاً يحق له حمل دين معين. وهم بذلك يفسدون على المجتمع القدرة على تعزيز نسيجه الوطني العراقي ويتنكرون للهوية الوطنيةو هوية المواطنة العراقية, وأن شعب العراق يتكون من قوميات وأديان ومذاهب واتجاهات فكرية وسياسية متعددة, وبالتالي فهم يدعون إلى رؤية شمولية في الدولة العراقية, أي رؤية استبدادية قسرية وطائفية سياسية مقيتة, وهو أمر مرفوض.
لقد قبل بعض هؤلاء الذين يدعون إلى مهاجمة العلمانية ومظاهرها في المجتمع ويمارسون ذلك فعلاً, خدمة النظام الصدامي. فعلى سبيل المثال لا الحصر أرجو من الحوزة الدينية في النجف أن تراجع المجتهد العلامة محمد كلنتر رئيس جامعة النجف الدينية وتسأله, إن لم تكن قد فعلت حتى الآن, الدور الذي كان يمارسه الأخ غير الشقيق لمحمد جلال الصغير, المدعو الدكتور غير المعمم منذ حكم صدام حسين, محمد حسين الصغير في مكتب المجتهد في جامعة النجف الدينية. لقد كان المجتهد رئيس الجامعة في التسعينيات من القرن العشرين يبكي وهو يحدث أصحابه عن مجيء هذا الرجل يومياً إلى مكتبه لمراقبة دخول وخروج وأحاديث من يحضر إلى غرفة رئيس الجامعة, إذ كان مكلفاً بذلك أيضاً, وأنه كان يخشى على نفسه وعلى هؤلاء الناس من انتقام البعث, إذ كان الدكتور محمد حسين الصغير وكيل أمن أو مخبر أمن, لا أستطيع البت في أحدهما أو غيرهما, بل ضرورة العودة إلى ملفات الأمن في النجف وفي بغداد لمعرفة التفاصيل الدقيقة عن هذا الموضوع. وهو اليوم يرفع صوته عالياً ليشتم العلمانيين والديمقراطيين ويدعو مع أخيه الصغير الآخر إلى رفض العلمانية وإدانة تناول المشروبات الروحية أو بيعها ...الخ.
أدعو إلى حملة وطنية عراقية, إدعو الكتاب العراقيين الحريصين على وحدة الشعب والمجتمع المدني, أن يبدأوا بالكتابة لإدانة هذا النهج السيء والخطير الجديد الذي يتبناه هؤلاء ومن يقف خلفهم من الأحزاب والقوى السياسية, لأنه البداية لأمور أخرى حلت في إيران المجاورة والتي يمكن أن تتواصل في العراق أيضاً وتقود إلى صراعات نزاعات لا آخر لها.
7/6/2009                         كاظم حبيب          
        


609
هل السيد صدر الدين القبانجي مصاب بلوثة الطائفية المقيتة؟

يفترض أن يكون السيد صدر الدين القبانجي قد قرأ وتعرف على ما تضمنته لائحة حقوق الإنسان والعهود والمواثيق الدولية الأخرى من مبادئ وقيم حضارية توصل إليها بني البشر عبر قرون من الكوارث غير الطبيعية والحروب والمعاناة والآلام والدماء والدموع. ويفترض أن يعي بأن عليه أن يحترم تلك المبادئ التي تضمنت حقوق الإنسان, والتي سجلت بوضوح ما له وما عليه. ومن بين هذه المبادئ أن الإنسان حر في ما يؤمن به أو يعتقد به أو يقتنع به وليس لأي من الناس حق التدخل بشأن هذا الإنسان أو ذاك ما دام الإنسان حين يمد يده لا يمس أنف غيره!
من المؤسف حقاً أن النظم السياسية والبيت والمدرسة وأسس التربية والتعليم والمؤسسات الدينية والكثير جداً من القوى السياسية, إن لم نقل كلها, لم تربي وتعلم الإنسان في العراق وفي العالم العربي والإسلامي وفي الكثير من الدول الأخرى على مثل هذه المبادئ والأسس الإنسانية القويمة بصدد العلاقة في ما بين البشر من جهة, والعلاقة بين الإنسان وإيمانه من جهة أخرى, وبين الدين والدولة من جهة ثالثة. ونشأت عن ذلك تربية وأسس خاطئة في بنية التفكير والفكر لدى الإنسان في بلادنا. وأحد هؤلاء الذين يعانون من ذلك هو السيد صدر الدين القبانجي.
لست معارضاً لأيمان السيد صدر الدين القبانجي بالدين الإسلامي أو بغيره, كما لست مناهضاً له في تبنيه للمذهب الشيعي الإثنا عشري أو أي مذهب آخر, فله في ذلك كل الحق, ولا أعترض عليه إن أراد تغيير دينه أو مذهبه أو فكره, فله في ذلك كل الحق أيضاً, وهي حقوق تقرها لائحة حقوق الإنسان وكل المواثيق والعهود الدولية أو شرعة حقوق الإنسان, وكذلك الإنسان المتحضر. ولكن أعترض عليه حين يتحول من إيمانه بمذهب إلى إيمانه بالطائفية السياسية, سأقاومه تماماً كما قاومت الدكتاتور المجرم صدام حسين, فلا فرق بين من يريد أنم يفرض علينا رؤية شمولية قائمة على أساس قومي يميني شوفيني متطرف, ومن يريد أن يفرض علينا رؤية دينية مذهبية شمولية قائمة على أساس طائفي سياسي متطرف يميز بين البشر على أساس الدين والمذهب. في هذه المسألة لا يمكن أن يقف الإنسان محايداً, إذ أن القضية ترتبط بحياة الإنسان في العراق, بقضية الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات... الخ.     
لا شك في أن القبانجي قد واجه نظاماً مارس الاستبداد والعنف والقسوة في مواجهة الرأي الآخر والفكر الآخر والعقيدة الأخرى والقومية الأخرى والمذهب الآخر وفي نهاية المطاف ضد كل الناس من غير صبغته, ولا بد أنه تابع ما تعرض له الإنسان العراقي بسبب وجود مثل هذا النظام الدكتاتوري, نظام صدام حسين, في حالة أنه لم يواجه شخصياً مثل تلك المعاناة, كما في حالة الدكتور محمد حسين الصغير, الأخ غير الشقيق للشيخ محمد جلال الصغير, الذي خدم نظام صدام حسين حتى ضد حوزته الدينية بكل أريحية وعاش في بحبوحة لا يحسدها عليه إلا من هم من أمثاله. وإذا كان القبانجي قد تعرف على كل ذلك, فلا أدري لماذا أذاً يلح على دفع البلاد إلى طامة أخرى مماثلة للطامة السابقة التي عانى منها الشعب العراقي في ظل نظام البعث, لماذا يريد إقامة وفرض نظام طائفي مقيت على الشعب العراقي. ليس هناك أي إنسان سوي أو عاقل يقبل بإقامة نظام طائفي في العراق. الملوثون بالطائفية السياسية هم وحدهم الذين يريدون إقامة نظام طائفي في العراق, سواء أكانوا من الشيعة أو السنة, وهم الذين يريدون تمزيق وحدة النسيج الوطني للشعب العراقي, هذا الشعب المتنوع بقومياته وأديانه ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والسياسية المطرز بزهور الحياة وليس بوحدة الفكر الواحد والرأي الواحد واللون الواحد, سواء أكان اللون أبيضاً أم أسوداً أم أي لون وحيد آخر. إن أمثل هؤلاء الناس مصابون بلوثة عقلية حقيقية لأنهم لا يريدون للشعب أن يعيش بوحدة وتناغم بغض النظر عن القومية والدين أو المذهب أو الاتجاه الفكري أو السياسي. إنهم يريدون إقامة نظامٍ لا يختلف عن أي نظام استبدادي آخر في هذا العالم!         
إن إصرار القبانجي على ذلك وسكوت حزبه عن هذا الإصرار يقدم الدليل على تناغم وانسجام قيادة هذا الحزب مع رؤية القبانجي, فهل كلهم مصابون بلوثة الطائفية السياسية البشعة, مع كل الاحترام للمذهب الذي يؤمنون به؟ لا أرجو ولا أتمنى ذلك, إذ حسب علمي فأن الصديق السيد الدكتور أكرم الحكيم مثلاً غير مصاب بهذه اللوثة, ولذلك أعطي مسئولية لجنة المصالحة وأصبح وزيراً للمصالحة الوطنية. ولكن التمني شيء والواقع الذي نعيشه شيء آخر. وهو ما يفترض أن يتولى المجلس الإسلامي الأعلى توضيحه. إنها مسئولية قيادة هذا الحزب أن يوضح للشعب: هل هو حزب طائفي سياسي أم ماذا, رغم علمي بأن كل الأحزاب السياسية التي تبنى على أسس مذهبية لا يمكن أن تكون إلا طائفية, ومنها حزب الدعوة الإسلامية الذي يترأسه عملياً السيد على الأديب, الديمقراطي أداة وغاير الديمقراطي فلسفة!؟       
أتمنى على غير الطائفيين في مجلس النواب أن يبادروا بمسائلة قادة المجلس الإسلامي الأعلى الأعضاء في المجلس حول الدور التخريبي الذي يلعبه أحد قادتهم السياسيين في النجف في الحياة السياسية العراقية وسعيه لإثارة الصراع والنزاع الطائفي في العراق والعودة إلى المزيد من نزيف الدم في بلد أغرق حتى اليوم بالدماء والدموع والضحايا الأبرار.
إن إجابتي عن السؤال الوارد في عنوان هذا المقال هي على النحو التالي: لا يمكن لأي إنسان عاقل أن يطرح على مجتمع متعدد القوميات والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية السياسية مثل العراق إقامة نظام سياسي طائفي, ومن يمارس ذلك فهو مصاب بلوثة عقلية لا محالة, بغض النظر عن من يكون هذا الإنسان مع كل الاحترام للمذهب الذي يؤمن به هذا الإنسان أو ذاك!     
 4/6/2009                                                                                     كاظم حبيب



610
هل للطفل حقوق في العراق؟

لا أطرح هذا السؤال لاستفزاز أي أب أو أم ولا العائلات العراقية ولا المجتمع العراقي, بل هو مجرد سؤال يسعى إلى التعاون الفكري والسياسي والاجتماعي لمعرفة الحقيقة, أي العمل الجاد مع كل الناس الذين يسعون إلى معرفة الحقيقة على نسبيتها, فالحقيقة نسبية وليست مجردة, كما قال أوسكار وايلد بصواب.
دعونا نتثبت من بعض الأوضاع التي يعيش فيها المجتمع العراقي منذ قرون, وعاشها في العقود الخمسة الأخيرة بشكل ملموس ومباشر. فالمرأة في بلادي ليست حرة ولا تتمتع بالحرية والغالبية العظمى منهن لا يعرفن معنى الحقوق العامة, دع عنك حقوق الإنسان وحقوقهن بالذات. والمرأة العراقية غير متحررة من عبودية الرجل وهيمنته المطلقة على حياتها وحركتها ومصيرها, وهي غير مالكة لإرادتها ورسم مستقبلها وعلاقاتها ودورها في المجتمع. والمرأة العراقية في الغالب الأعم حبيسة فتاوى المؤسسة الدينية الرجعية وشيوخ الدين غير المثقفين والجهلة وغير الواعين وغير الديمقراطيين, إذ أن غالبيتهم يعيش في أجواء الغيبيات التي لا صلة لها بالواقع القائم وحياة الإنسان الفعلية والحضارة الإنسانية. والمرأة العراقية , بشكل عام وفي الغالب الأعم, حبيسة الدار والمطبخ والحجاب ومحرومة من العلم والثقافة والتربية الحديث. والشعب الذي لا يحترم المرأة لا يحترم نفسه, والشعب الذي يشطب على نصفه لا يمكنه أن ينهض بأعباء التقدم والتطور وبناء أجيال أكثر احتراماً لنفسه, بل يعيد إنتاج تخلفه وركوده القاتل.
المرأة العراقية, هذه الإنسانة المقيدة بقيود من حديد في مجتمع لا يعي حتى نفسه, تزهو حين تتوفر لها فرصة المنافسة الفعلية مع الرجل في أوروبا وأمريكا وحيثما توفرت لها حرية الحركة والتعلم والمساواة وممارسة الحقوق الأخرى.   

أما الرجل, وفي الغالب الأعم, يُعتبر سيد الدار والحاكم المطلق في عائلته ولا يختلف عن المرأة في تدني ثقافته وعلمه وتربيته الحديثة وفي وعيه للواقع الذي يعيش فيه, كما أنه حبيس المؤسسة الدينية وشيوخ الدين في الموقف من المرأة ولا يختلف عن هؤلاء الشيوخ والمؤسسة بل يمثلها أسوأ تمثيل في البيت وفي العمل والشارع وفي المجتمع وعلى مستوى الدولة. وهؤلاء الرجال البؤساء, أغلب الرجال, يشكلون المجتمع الذكوري المسيطر على المرأة والمانع عنها حريتها وإرادتها في دولة ذكورية مستبدة ومتحكمة بحياة ورقاب وحقوق وحرية المرأة. الرجل الذي لا يحترم المرأة لا يحترم نفسه, والرجل الذي لا يرى في المرأة سوى عيباً, هو العيب وليس غيره. والرجل الذي يقتل المرأة بدعاوى تطهير الشرف وغسل العار, هو العار وهو الفاقد للشرف وليس غيره. والرجل الذي يصادر حرية المرأة, مصادرة حريته أصلاً, وفاقد الشيء لا يعطيه.
حين تكون الأم فاقدة لحقوقها, وحين يكون الأب فاقداً لحقوقه ومشوهاً في ممارسته بعض الحقوق التي يمتلكها تقليداً وليس أصالة, ومستبداً في بيته, فهل في مقدورنا بعد كل هذا وذاك أن نتحدث عن حقوق للطفل في العراق؟ 
الطفل في بلادنا محروم من الطفولة أولاً, ومن الحقوق ثانياً, ومشروع موت في كل لحظة. وليس من باب المبالغة حين نتحدث عن موت مئات الألوف منهم خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
فالقبور الجماعية التي أوجدها صدام حسين في كل أنحاء العرق, وخاصة الأطفال الذين استشهدوا في الأنفال أو الكيماوي أو المهجرين في دروب الهجرة الحدودية والمضرجين بدمائهم بسبب التفجيرات الانتحارية وغيرها, أو الذين ماتوا في الحروب التي استعرت في العراق أو مئات الألوف الأخرى من الأطفال التي ماتت بسبب الحصار الاقتصادي الدولي, بسبب الجوع ونقص الدواء والحرمان, أو بسبب الإرهاب الدموي وسياسات الاحتلال والطائفية البشعة.
العائلة التي لا تعرف حقوقها لا تعرف أيضاً حقوق أطفالها, فهي حين لا تعي مصادرة حقوقها لا تناضل من أجلها, وحينها يصعب تصور أنها تناضل في سبيل حقوق أطفالها. والفئة الحاكمة هي من هذا المجتمع المتخلف والمريض نفسياً والمعطلة حقوقه أو المصادرة, وهي بالتالي مصابة بذات العلل ويصعب تصور أنها تسعى لتأمين حقوق المرأة والعائلة والطفل.
هل يمكن تصور أباً يعرف حقوق الطفل ويسمح له بها, حين يأخذ طفله الصغير لكي يضرب بسكين حادة على رأسه المحلوق ليسيل الدم منه على وجهه وعلى القماش الأبيض الملتفع به بسبب احتمال موته أثناء عملية التطبير "الحسينية!" في كل المدن العراقية التي أغلبية سكانها من أتباع المذهب الشيعي الاثنا عشري المبتلية بالجهلة من شيوخ الدين الذين لا يجرءون على منع هذه الممارسة الوحشية خشية تراجع تأثيرهم ومداخيلهم المالية في العراق أيضاً. ومن تحدث منهم كان صوته واطئاً وكأنه يهمس لنفسه لا لغيره.
من هنا يمكن الادعاء بأن الطفل محروم من الحقوق لأن الأم والأب محرومان من الحقوق قبل ذاك, وهما في الغالب الأعم لا يعرفان أن لهما حقوق أصلاً, وبالتالي فحقوق الطفل أسوأ حالاً من حقوق الأبوين. وهكذا ينمو الطفل في وضع لا حقوق له, وحين يصبح شاباً لا يتمتع بحقوق الشباب, بل هو محروم منها أيضاَ... وهكذا تستمر عملة إعادة إنتاج غياب الحقوق من المهد إلى اللحد.
الطفل في بلادنا فاقد لطفولته في البيت, وفاقد لشخصيته في البيت والمدرسة وفي الشارع, وفاقد لتربية سليمة على أيد معلماته ومعلميه لأن أغلبهم لا يمارس حقوقه ولا يعيها ولا يعي حقوق الطفل أيضاً.
نسبة عالية من أطفال بلادي لا تحصل على  تغذية مناسبة, بل تعاني من جوع دائم وصحة عليلة ونقص في المعالجة والدواء. ونسبة مهمة منهم لا تجلس على مقاعد الدراسة بل تتجول في شوارع الوطن الغني بثرواته طلباً لشيء من مال تسد به غائلة الجوع. من يتجول في شوارع كل مدن العراق سيجد هذه الظاهرة البشعة أطفال بعمر الزهور وأجمل منها يعملون لكسب العيش أو يبيعون الماء والعلكة في المقابر وعلى قارعة الطرق والتسول بين السيارات العابرة والمارة. نسبة من أطفال بلادي بدأوا يتعاطون المخدرات, سواء عبر أكياس النايلون أم تناول المخدرات مباشرة. ونسبة مهمة من أطفال بلادي عرضة للاغتصاب وهي تسعى للحصول على لقمة العيش أو تتعرض إلى الاختطاف وسلبها بعض أعضائها لبيعها لمن يشتري تلك الأعضاء!
والفساد المالي والإداري المنتشر في بلادي وسوء التربية والتعليم والمناهج الدينية والتعليمية والمناهج التلفزيونية الباهتة والبائسة والطائفية والبعيدة عن العلم في أغلبها تزيد كلها وتوسع وتعمق من هذه المشكلة الإنسانية حيث يعاني الأطفال منها بشكل عام.
هذه كلها وغيرها صيغ تجسد فقدان الطفل لحقوقه في بلادي, وهذه الصيغ من التعامل تُنقل عبرهم لأطفالهم لاحقاً وهلمجرا. هذه الحلقة المفرغة التي يفترض كسرها لا تكسر بالدعاء ولا بالنداءات أو التمنيات الطيبة, بل تكسر بالنضال من أجل تغيير الواقع القائم في العراق, تغيير بنيته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية البائسة حاليا, تكسر بالتنمية الاقتصادية والبشرية وبتغيير وعيه المتخلف, بتوفير مستلزمات تغيير هذا الوعي لدى الفرد والمجتمع, بممارسته لحقوقه, سواء أكان رجلاً أم امرأة. إنها الحلقة الشيطانية التي يفترض كسرها والتي يفترض مساهمة قوى المجتمع الواعية, وبشكل خاص القوى المثقفة والأحزاب والقوى الديمقراطية الواعية نسبياً رغم تباين وعيها لمخاطر هذه الحلقة المغلقة من فقدان هذه الحقوق أو تشويهها أو الهيمنة على المرأة وحرمانها من حقوقها من قبل الذكر والدولة الذكورية والقوانين الذكورية الجائرة والتشريع الديني ألذكوري الكاره للمرأة والرافض لحقوقها ومساواتها بالرجل. والدولة التي تعتمد العشيرة والدين قاعدة وأساساً لها تبتعد عن حقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق الإنسان والقوميات ولا تقترب منها, بل تجهض المسيرة نحوها, ومن هنا يفترض النضال من أجل إبعاد الدين عن السياسة وعن الدولة والالتزام بالقاعدة الأصوب: "الدين لله والوطن للجميع".     
إن النضال في سبيل حقوق المرأة والعائلة والطفل يعبر عن وعي سليم لأهمية ذلك في بناء المجتمع المدني الديمقراطي الحديث, وأن الطفولة الحالية هي حاملة المستقبل وهي الناهضة بمهماته اللاحقة, وعلى بنائها الراهن يتحدد بناء المجتمع القادم الذي نريد له أن يكون حراً وديمقراطياً وحديثاً.
3/6/2009                     كاظم حبيب
     

611
هل تحمل خطبة القبانجي محاولة جادة لتبويش المالكي والمنجزات الأمنية؟

حقق السيد نوري المالكي نجاحات مهمة في انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة , إذ رشح أعضاء حزبه وكافة مؤيديه باسم قائمة "فرض سلطة القانون" وبعيداً عن اسم حزب الدعوة الإسلامية. ولم تأت تلك النجاحات بقدرة قادر أو عبثاً , بل تحققت له بفعل عدة عوامل أساسية أركز عليها , رغم وجود عوامل أخرى أيضاً, وهي:
1 . نزول أتباعه ومؤيدي سياسته في فرض القانون تحت قائمة غير قائمة حزب الدعوة, وهو تكتيك تأكد نجاحه لابتعاد الناس عن الحزبية الطائفية المذمومة.
2 . إعلانه المستمر عن رفضه للطائفية السياسية والمحاصصة الطائفية وتأكيده على المواطنة العراقية, رغم عدم تخلصه من بعض المجموعة الطائفية الملتفة حوله حتى الآن.
3 . تحسن ملموس في الوضع الأمني رغم استمرار وجود ضحايا بشرية تسقط سائحة بدمائها على أيدي قوى الإرهاب والأعداء المناهضين للوضع الراهن والراغبين في منع الاستقرار, ومنها قوى القاعدة والبعث الصدامي وقوى ميليشيات طائفية نزعت أسلحتها ولكنها لا تزال تمارس الإرهاب المبطن لإشاعة الفوضى غير المنقطعة والتشكيك بقدرة الحكم على حماية الناس.
4 . ضرب المليشيات الطائفية المسلحة إلى حدود معينة, وخاصة في البصرة ومدينة الثورة ببغداد, وتركها تعمل سياسياً, رغم إدراكه بأنها توجه المليشيات المسلحة السابقة التي نزعت شكلياً أسلحتها, إذ أن بعض أهم أسلحتها مخبأ وبعضه الآخر يصل باستمرار, كما كشفت ذلك أجهزة وزارة الداخلية أخيراً والقادمة من إيران.
5 . شعور الناس بحريتها النسبية بسبب تراجع ضغط قوى الإسلام السياسي الطائفية والمليشيات المسلحة على حرية الأفراد وعلى تصرفاتهم الشخصية التي لا تؤذي أحدا, إضافة نراجع نسبي في تدخلها بشئون العائلات المباشرة.
6 . توقيعه على اتفاقية لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق في نهاية 2011/2012.
هذه النتائج المحدودة, ولكنها مهمة وطيبة وضرورية, أغاضت أبرز قوى الإسلام السياسية وحلفائها في إيران وحركتها باتجاه معارضة سياسات المالكي.
ولا بد من الإشارة أن هذه المنجزات تبقى هشة ما دامت الإجراءات السياسية لا تزال غير متحركة, كما في قضية العلاقة بين المركز والإقليم, إضافة إلى عدم وجود سياسة اقتصادية تساهم في تغيير تدريجي في الواقع الاقتصادي العراقي الراهن والابتعاد عن الاستثمار في الصناعة الوطنية وتحديث الزراعة وإغراق البلاد بالاستيراد السلعي. والسؤال هو: كيف تتم معارضة سياسة المالكي؟
القرار المتخذ, كما يبدو بوضوح كامل, هو تبويش هذه السياسة وتقويض أركانها المعلنة من جانب المالكي, وخاصة تحريك القوى الطائفية لمعارضة تصريحات ضد الطائفية السياسية والمحاصصة الطائفية من خلال شخصية دينية مثل صدر الدين القبانجي بصوته الطائفي المرتفع والمقيت أبداً, وبسبب قربه من الحوزة الدينية في النجف وتمثيله للسيد علي السيستاني. وبالتالي يبدو للناس وكأن المتحدث هو السيستاني ذاته. إن لم يتنكر لها السيستاني فهي تعبر عن رأيه ايضاً!
أين يفترض أن يبدأ مخطط التخريب من جانب القبانجي؟
نحن الآن أمام قضية جوهرية تمس المجتمع العراقي وشعوب وحكومات دول الجوار. فهي تمس عدداً من الأمور التي يفترض التفصيل النسبي بها لنرى مخاطرها على المجتمع العراقي. والنقاط التالية هي التي تفسر لنا وجهة عمل القبانجي ومن يقف خلفه ويسانده:
1. إن عليه مهمة تشديد الصراع والدفع به إلى نزاع سياسي أو حتى إلى نزاع مسلح داخل المجتمع العراقي. فهو حين يدعو إلى إقامة نظام إسلامي مذهبي شيعي في العراق, فهو بهذا يقف ضد المذهب الإسلامي السني أولاً, ويقف ضد كل القوى السياسية التي ترفض الطائفية من منطلقات ديمقراطية علمانية ومدنية ثانياً, ويقف ضد حكومة المالكي التي تتحدث يومياً عن نظام غير طائفي سياسي وضد المحاصصة الطائفية ثالثاً. إن مثل هذا المشروع الذي يطرحه القبانجي علناً هي دعوة صريحة للاحتراب الداخلي وتعبر عن إحباط في داخل هذه القوى الطائفية وليست عن قوة فعلية. إنه يدفع مجدداً, وإلى سطح الأحداث, النقاش البيزنطي المعهود الدجاجة أولاً أم البيضة, هل الصحابي أبو بكر الصديق الخليفة الأول , أم الصحابي علي بن أبي طالب هو الأول, والتاريخ يذكرنا بأن الإمام علي بن أبي طالب قد اقر بالخلافات الثلاث التي سبقته بغض النظر عن الأسباب التي دفعته إلى ذلك, ولكنها تعبر عن حصافة وحرص وثقة بالنفس وبحق الاختيار. فهل نجعل هذه المسألة نقطة خلاف وصراع مجدداً في العراق ليحترق الأخضر بسعر اليابس ونقود المجتمع إلى حرب أهلية ماحقة؟ إنها سياسة الجهل والتحريض المرفوض الذي يفترض أن يدان بقة وصرامة ومحاسبة.
2 . والقبانجي بهذا يثير جميع الدول العربية التي ترفض إقامة نظام طائفي في العراق والتي سعى السيد رئيس الوزراء إلى القول بأن العراق يرفض إقامة نظام سياسي طائفي في العراق ويرفض المحاصصة الطائفية. والقبانجي بهذا يعطي الحجة لتشديد الصراع ضد العراق والتأليب عليه وتقديم الدعم لمن يقف ضد الطائفية الشيعية في العراق من أتباع المذهب السني.
3 . إن هذه التصريحات تستبطن تحركاً قوياً من الحوزة الدينية الشيعية والأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية الطائفية, بسبب شعورها بالضعف والتراجع, إلى التعبئة واستقطاب المجتمع لصالح الانتخابات القادمة التي يراد لها أن تشطر المسلمين إلى معسكرين متصارعين ومتنازعين ومتحاربين شيعي وسني, وبهذا نعود إلى نقطة الصفر التي بدأ بها العراق بعد سقوط نظام البعث الدكتاتوري, والتي رفضها المجتمع بعد معاناة طويلة وقاسية.
4 . إن هذا التوجه الطائفي في خطاب القبانجي يحمل في طياته مسألة أخرى هي دعوة وقحة موجهة إلى إيران لمواصلة دعمها للحوزة الدينية والأحزاب والقوى الطائفية بمختلف أشكاله, ومنها المجلس الأعلى وجماعة مقتدى الصدر وبدر وممارسة الضغط على  المالكي لتغيير تصريحاته بشأن المجتمع غير الطائفي في العراق ورفض المحاصصة الطائفية, وكذلك الدعوة للتعاون من أجل إزاحته عن الحكم. وهم يستفيدون من الخلاف القائم والقابل للحل بين السيدين المالكي والبارزاني بشأن العلاقة بين حكومتي المركز والإقليم لهذا الغرض أيضاً.   
5 . يقول القبانجي بوقاحة بالغة متحدياً سلطة الدولة العراقية بأن المرجعية الدينية أو الحوزة الدينية حين تقول حول قضية ما "لا" فالناس كلها تقول "لا", وإذا قالت "نعم" كل الناس تقول "نعم". إن هذا هو أكبر تحدي تواجهه سلطة الدولة والحكومة والدستور والقانون, إنها محاولة جادة وخبيثة لوضع الرجل فوق الدستور والدولة والقانون وضد إرادة الأفراد الحرة وكأنهم قطيع من الغنم لا غير يقادون من الحوزة الدينية دون أي احترام لإرادة البشر وشخصياتهم المستقلة , من أجل تبويش وإفراغ دولة القانون من أي محتوى يراد تحقيقه وتحويلها إلى دولة مذهبية طائفية بائسة تأتمر بأوامر المرجعية الدينية الشيعية , وهي مرجعية طائفية بأجلى معاني الطائفية السياسية. وهي محاولة كثيفة للضغط على المالكي ليبتعد عن تصريحاته التي ترفض الطائفية, فأقوال القبانجي تنفث سماً قاتلاً لقوى المجتمع وتنبعث منها رائحة  قيح مثير للتقزز والكراهية والحقد, إنها الطائفية المقيتة, التي تؤمن وتعمل على أساس التمييز بين المواطنين بسبب اختلافهم الديني والمذهبي, وهي تحمل كراهية لكل الأديان والمذاهب الأخرى.   
وتصريحات القبانجي دعوة صريحة وشرسة لكل الشيعة للمبارزة مع كل قوى السنة على السلطة, أي نسف كل الجهود التي بذلت خلال السنوات الستة المنصرمة من أجل تقريب وجهات النظر والتفاعل المتبادل لإبعاد الحكم عن الطائفية السياسية, في حين يسعى القبانجي لا إلى تكريسها فحسب, بل وإلى جعل الطائفية السياسية معياراً للحكم في العراق.
لقد حان الوقت لتدرك قوى المجتمع السليمة التي ترفض الطائفية السياسية بغض النظر عن دياناتها ومذاهبها الدينية واتجاهاتها الفكرية وبرامجها السياسية الوطنية بأن المجتمع لا يمكن أن يتعايش مع الطائفية السياسية لأنها مدمرة وعليه أن يرفض أي تدخل للمؤسسة الدينية في الحياة السياسية وفي تسيير سلطة الدولة, لقد آن الأوان لكي يفكر كل مواطنة ومواطنة المستنقع النتن الذي يريد القبانجي ومن لفّ لفّه دفع العراق وشعب العراق إليه. إنها الحرب الأهلية التي فشل مجرمو القاعدة وقوى البعث ورأسها العفن عزة الدوري, الذي أصبح يطلق على نفسه لقب المعتز بالله, وكأن الدرويش عزة الدوري أصبح خليفة الله في أرضه كما في توقيعه لرسالته الموجهة على تايه عبد الكريم, وبعض القوى القومية اليمينية والطائفيين الآخرين, في إشعالها, يريد الآن القبانجي إشعالها بطريقة لا تخدم إلا القوى المناهضة للعراق, سواء أكانت إيران أم سوريا أم غيرها من الدول.       
إن المطلوب من السيد رئيس الوزراء إدانة هذه التصريحات والمطالبة بمحاسبته لأنه يدفع باتجاه إثارة الأحقاد والكراهية والحرب الأهلية في العراق. إنه سينشَّط الصراع المذهبي من على منابر المساجد, تماماً كما كان يحصل في فترة الصراع العثماني الفارسي في العراق, ويحوله على الشارع . وهي مخاطر جدية على الوحدة الوطنية العراقية وعلى  مستقبل العراق.
29/5/2009                      كاظم حبيب 

612
الحوزة الدينية في النجف والنظام السياسي الطائفي في العراق

كلما مادت الأرض تحت أقدام الطائفيين من كل نوع وصنف, ازدادوا صراحة في الكشف عن أوراقهم المذمومة وأنيابهم الجارحة, وازدادوا عداءً للعلمانية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات, وازدادوا غلواً في الطائفية السياسية والتمييز الطائفي والتخندق ومعاداة الآخر. هذه ظاهرة عامة لا تمس العراق وحده, بل تمس كل العنصريين والطائفيين أينما وجدوا في عالمنا الكبير. وهي الظاهرة السائدة في إيران , وهي التي ساهمت في نشوء صراعات ونزاعات وحروب دموية في فترات مختلفة من تاريخ البشرية. ولم تكن لوحة الحرب الأهلية في أيرلندا إلا نموذجاً صارخاً وطويلاً لها, كما لم يكن الصراع الطائفي والحرب الأهلية في لبنان إلا التجسيد الحي للممارسات الدينية والطائفية السياسية السيئة. وفي عراق ما بعد سقوط صدام حسين تجلت هذه الظاهرة بأجلى أشكالها, إضافة إلى عنصريته المقيتة. وهي اليوم وبعد مرور ست سنوات على سقوط البعث تتجلى الطائفية في العراق بأقبح صورها بؤساً وفاقة فكرية وأسوأ مظاهرها عداءً وكراهية وأشدها فرقة للصف الوطني وإساءة للوحدة الإنسانية بين البشر, إنها تتجلى اليوم في العراق, هذا البلد المتعدد القوميات والمتنوع الأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية, وهي الوجهة التي جرَّت وستجَّر على العراق المزيد من الكوارث والمآسي أن تواصل خطاب المرجعيات الدينية على هذا المنوال العقيم والمؤذي الذي تحدث به صدر الدين القبانجي في 27/5/2009 في النجف.
لقد شخصنا منذ سنوات وبعد سقوط النظام بأن الحوزة الدينية في النجف ومرجعياتها المتعددة تمتلك خطابين أحدهما عام يمارس على مستوى الشعب عامة, وهو خطاب يبدو فيه الاعتدال, والآخر خاص يتميز بالتطرف ويمارس وينفذ عبر القوى والأحزاب السياسية الشيعية المرتبطة بالحوزة الدينية الرئيسية التي يتربع على عرشها السيد علي السيستاني. وإذا كان الخطاب العام هو المعروف للعراقيات والعراقيين, فأن الخطاب الخاص داخلي ولا يكشف عنه إلا في الملمات, وحين تكون هناك أزمة في الصف السياسي الشيعي أولاً, وحين يكون هناك تراجع في القدرة على فرض الإرادة بطرق عادية ثانياً, وحين يلاحظ بأن قوى سياسية أخرى من غير الطائفيين بدأت تنتعش وتستعد لجولات نضالية من أجل الهوية الوطنية وليس من أجل الهوية الطائفية الضيقة والمثيرة للفرقة والصراع والنزاع ونزيف الدم ثالثاً, وحين تكون البلاد على  وشك إجراء انتخابات عامة يراد منه توحيد الصف الشيعي السياسي الطائفي رابعاً, وحين يتزايد الضغط الإيراني على الحوزة الدينية بصيغ شتى لصالح تكريس الطائفية السياسية اللعينة في العراق خامساً. وفي مقال لي قبل فترة غير قصيرة أشرت إلى أن الأحزاب السياسية الشيعية في العراق في الغالب الأعم, ليست سوى طيارات ورقية خيوطها بيد المرجعية الدينية. وهذه حقيقة برهنت عليها الحياة ومن يخرج عن إرادتها يواجه بعين غاضبة ونتائج غير طيبة وأحياناً مدمرة. فلم يكن مقتدى الصدر في تطرفه العسكري, والجعفري في تطرفه الطائفي وفسح المجال للطائفية الشيعية أن تسيطر على أجهزة الدولة العسكرية والسياسية, والمجلس الأعلى في سلوكه المزدوج بين بدر والسياسة ولكن بتوجه طائفي مقيت, بين ممارسة سياسة العصا والجزرة, وبين تجميع المزيد من الثروات والأراضي وقوة النفوذ والتسلط , سوى توزيع أدوار معينة لا يخلوا من صراعات ذاتية وشخصية حول المناصب والزعامة والرغبة في فرض القوة والحصول على التأييد المطلق من المرجعية, رغم أن المرجعية لا تمنح الدعم المطلق لجهة واحدة من قواها بل لأكثر من واحدة وهي أشبه بسياسة "شد وحل" بين هذه القوى والأحزاب السياسية.
 لم تكن المرجعية الدينية, ومن يمثلها في المحافظات وفي النجف ذاته ومنهم القبانجي, بعيدة عن مجمل التحولات التي جرت في العراق منذ سقوط النظام, سواء بتعجيل الانتخابات قبل استتباب الأمن, أو المطالبة بوضع دستور عراقي يتسم بالطائفية قبل التيقن من تطور وعي الناس وقدرتهم على التحكم بإرادتهم الحرة وإدراكهم لأهمية وخطورة ما يقومون به وما يحمله الدستور لهم من أجواء قادمة...الخ. لقد تحكمت بطريقة استثنائية في الوضع, وتحول پاول بريمر إلى أداة غير مباشرة لتنفيذ الوجهة الطائفية في العراق, مع قناعة معينة تامة لدى الإدارة الأمريكية بأن هذه الفرقة الدينية والطائفية في العراق مفيدة للولايات المتحدة في حينها "فرق تسد", ولم يستطع بريمر ولا جورج دبليو بوش إدراك أضرار تلك السياسة على الولايات المتحدة ذاتها في المستقبل حين تتداخل الأجندات العراقية الإيرانية وحزب الله في لبنان في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية. ورغم أن الوضع لم يصل إلى هذه الدرجة من التدهور في الوقت الحاضر, إلا أن اتجاهات التطور غير واضحة حتى الآن والاحتمالات عديدة ومعقدة, ولم تظهر سياسة المالكي بأبعادها الفعلية حتى الآن, إذ أنه لا يزال ينسق مع السيد السيستاني, الذي كشف ممثله عن عورة السياسة الطائفية التي تسعى إليها المرجعية بحسب رأي القبانجي, المتحدث باسم المرجعية وإمام الجمعة في النجف.
ويبدو أن ناقوس الخطر قد دق في الحوزة الدينية في النجف حين ارتقى صدر الدين القبانجي, إمام الجمعة في النجف وممثل السيد على  السيستاني, منبر الخطابة في الملتقى الشهري "لأساتذة وفضلاء وطلبة الحوزة العلمية والذي حضره جمع غفير منهم" كما جاء في التقرير المنشور في موقع صوت العراق، مؤكداً أولويات الشيعة في العراق:
1.   الأولوية الأولى: تثبيت اصل النظام الإسلامي وحق الإمامة للإمام علي(ع).
2.   الأولوية الثانية: إن الحاكمية في العراق هي لأهل الشيعة, أي المحافظة على حقوق الأكثرية، مضيفاً: شيعة أهل البيت في العراق تمثل الأكثرية، ومن حقنا أن يكون الحكم وتكون الحاكمية لشيعة أهل البيت، وأكد: إن الدفاع عن حق الأكثرية هو دفاع عن النظام الدستوري, .. وحاكمية الشيعة في العراق أصلٌ لا نتنازل عنه.
3.   الأولوية الثالثة: إن الحوزة العلمية هي المسؤولة عن حماية هذه التجربة السياسية الجديدة، ومن ثم تكون هي المسؤولة عن حماية حق الأكثرية، وهي القادرة على كسب رأي الناس، فالمرجعية الدينية إذا قالت(لا) فالناس يقولون(لا).
4.   الأولوية الرابعة: لا يمكن تحقيق ذلك إلا بوحدة البيت الشيعي. بدون وحدة البيت الشيعي لا ننتظر حاكمية، مشيراً إلى أن آليات الحاكمية هي أن الأكثرية في البرلمان هم الذين ينتخبون رئيس الوزراء فلا بد من تحقيق الأكثرية، ولكن أيضاً لا تكفي الأكثرية العددية، قائلا: نحتاج إلى أكثرية متحدة متحالفة مؤتلفة ويكون رأيهم رأي واحد، وهذه الأكثرية تستطيع أن تحقق(نصف+1)، مشيداً بدور المرجعية الدينية العليا في العراق وإنها هي التي بدأت مشروع الائتلاف ورعته، ثم بدأت التجربة تأخذ خطواتها البعديّة بما في ذلك من تجارب وأخطاء ونجاحات.
5.   الأولوية الخامسة وأهميتها تنبثق من الألوية الأولى , وهي الشعور بتهديد الحاكمية الشيعية في العراق, إذ قال: إننا نواجه تهديداً حقيقياً لحاكمية الشيعة في العراق ولهذه التجربة السياسية الجديدة، فكثير من الدول أغاضها ذلك ويريدون أن يقلبوا لنا ظهر المجن ويسلبوننا هذا الحق، موضحاً إلى أننا بحاجة إلى تكريس وتعزيز ثقافة حق الشيعة في الحكم، لتبقى هذه القضية بديهية على مرّ السنين وهي أن الحاكمية في العراق هي لشيعة أهل البيت، مع الحفاظ على حقوق الآخرين.
وعلينا أن نتذكر هنا بأن التنسيق بين الأحزاب الشيعية قد بدأ بمبادرة من الدكتور أحمد الجلبي وبرعاية وتأييد السيد السيستاني حيث تم ذلك بتشكيل ائتلاف البيت الشيعي أو الائتلاف الوطني العراقي منذ سنوات. ثم غادره الجلبي غير مرغوب فيه.   
بهذه الأولويات ظهر لنا الوجه غير المشرق للسيد القبانجي الذي كشر عن أنيابه دفعة واحدة  معبراً عن رأي المرجعية, إذ أن البلاد تقترب من الانتخابات العامة والخشية من فقدان الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية للأكثرية في المجلس النيابي وعلى الحكم. إن المرجعية على لسان ممثل السيستاني تريد تكريس الطائفية في العراق كنظام سياسي لا يعتمد مبدأ المواطنة في الحكم بغض النظر عن مذهبه ودينه وقوميته, وبمدى آهليته وقدرته ومواطنته العراقية, بل بالطائفة التي ينتمي إليها وبمدى إخلاصه للطائفية السياسية وممارسته لها بقوة, كما هو جار منذ سنوات حيث تحولت الوزارات العراقية إلى خنادق للقوى الطائفية, شيعية وسنية. وهذه حالة مخالفة كلية لأي نظام مدني ديمقراطي ومقاطعة حقيقية للائحة حقوق الإنسان الدولية وكل اللوائح والمواثيق الدولية بهذا الصدد. حتى نظام صدام حسين لم يعلن صراحة عن طائفيته, ولم يجرأ على ذلك, ولكن المستبد الجديد صدر الدين القبانجي يسعى إلى  ذلك ويريد فرض الأولويات التي تقود إلى المزيد من الاختلاف والخلاف ابتداءً من أول أولوية إلى آخرها التي هي ليست أقل أهمية من الأولى بالنسبة للقبانجي والمرجعية. إنها مواقد للصراع والنزاع والموت.
إن علينا, نحن العراقيات والعراقيين, أن درك ما يطبخ لنا في مطبخ المرجعية الدينية وبعض أبرز الأحزاب الإسلامية السياسية والمخاطر الجديدة التي تنتظرنا, وأن نرفع راية النضال ضد هذه الوجهة الطائفية المقيتة في الحكم, فلا نريد حكماً للمذهبية الشيعية أو المذهبية السنية أو أي مذهبية أخرى, بل نريد حكماً وطنياً بهوية وطنية عراقية بهوية المواطنة العراقية غير المقيدة بمذهب أو دين معين, فالوطن للجميع والدين لله. نريد نظاماً يحترم كل الأديان والمذاهب ولا يتعرض لها, ولكن يمارس حكماً وطنياً لا يخضع لدين أو طائفة بل لدستور مدني ديمقراطي حر.
إن القبانجي الذي كشف عن وجهه الطائفي المريض يريد للعراق أن يكون مريضاً مثله ومماثلاً لما حصل ويحصل في إيران من نظام طائفي شمولي مقيت ومرعب, وهو ما يفترض أن نرفضه ونناضل ضده.
إن تنسيق الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية مع المرجعية هو في غير مصلحة العراق, وبالتالي فهي تسير وفق وجهة لا تخدم وحدة النسيج الوطني العراقي بل تفرقه وتدفع بالبلاد إلى مزيد من الصراع والتطرف. إن خطاب القبانجي, كما ورد في موقع صوت العراق بتاريخ 27/5/2009, هو طامة كبرى, هو كارثة حقيقية, كما يجسد المأساة والمهزلة في العراق في آن واحد, وسوف لن يختلف الأمر كثيراً عما كنا عليه سابقاً ولكن بصورة مقلوبة والحصيلة واحدة.     
إن القبانجي يلعب على أوراق خاسرة عل المدى البعيد, ولكنه يلعب على أوراق برهنت الحياة على سلبياتها الحادة خلال السنوات المنصرمة وعلى عواقبها الكارثية بالنسبة للشعب العراقي, وأنه يلعب على ورقة الجهل والأمية والبؤس الفكري والاستبداد والقسوة والتطرف الطائفي الذي خلفه لنا نظام صدام حسين في العراق, وعلينا مواجهة هذا التطرف الطائفي للقبانجي والأهداف التي أعلنها القبانجي باسم الحوزة والمرجعية الدينية التي يمثلها أيضاً, تماماً كما قاومنا قبل ذاك تطرف نظام صدام حسين. إن القبانجي يريد بخطابه هذا توتير الأجواء ثانية من أجل المزيد من الاستقطاب والتخندق الشيعي ضد السني ليحصل على النصف+1 , كما أنه يريد هذا التخندق ليمنع الديمقراطيين والعلمانيين واللبراليين في الحصول على أصوات المواطنات والمواطنين من الشيعة  والسنة. إنه الهدف المثير للاشمئزاز الذي يسعى إليه القبانجي. إن من الحكمة بمكان أن يرفض السيد رئيس الوزراء نوري كامل المالكي هذا التوجه, إن كان يقف حقاً ضد الطائفية السياسية والتمييز الطائفي أو إقامة حكم طائفي التي يعلن عنها دوماً في الفترة الأخيرة, كما يسعى إليه القبانجي والمجلس الأعلى ومن لف لفهما في العراق. إنه الغاية  الإيرانية التي يفترض أن نتصدى لها ويمنع حصولها في العراق, لأنها تثير الأحقاد والكراهية وتشعل محارق وتعيد وقوع مجازر جديدة وتمرر ما سعى إليه الإرهابيون من إشعال حرب أهلية شيعية-سنية في العراق.       
28/5/2009                     كاظم حبيب

613


هل عاد صدام حسين ثانية بحملة إيمانية مزيفة جديدة أم هناك من حل محله؟

 
ما أن بدأ الناس باستنشاق نسيمات من الحرية المحفوفة بمخاطر قطع الرقاب من جانب قوى الإرهاب بمختلف تكويناتها وأشكال وجودها بعد أن تراجع الإرهاب الواسع النطاق وعدد العمليات الإرهابية اليومية نسبياً وبعد أن تقلص نسبياً وبشكل ملفت للانتباه عدد ضحايا عمليات الانتحاريين الأوباش, وما أن بدأ الناس بالسعي لتأمين حقهم المكفول دستورياً في التصرف بحرية ودون وصاية من مؤسسة دينية أو سياسية أو شخصية من دون أن يسيئوا إلى حرية الآخرين, وما أن بدأ الناس التفكير في احتمال بدء مرحلة جديدة في العراق يتراجع فيها الضغط الإرهابي النفسي على الفرد العراقي الذي تعرض له طوال حياته, وخاصة في فترة حكم الطاغية صدام حسين, وما تعرض له بعد سقوط النظام أيضاً من جانب قوى إسلامية سياسية متطرفة ومليشيات طائفية مسلحة كانت ولا تزال تهدد الإنسان إزاء أي تصرف يمكن أن يمارسه في حياته اليومية كأن يكون حلاقاً أو أن تكون امرأة حلاقة للنساء أو فتح محلات بيع المشروبات الروحية أو تناول هذه المشروبات في بارات التي كانت بغداد مليئة بها على امتداد قرون طويلة, وما أن شعر الناس بجو جديد يمكن أن يساهم بامتلاء شارع أبو نواس العتيد والمبهج حتى بدأت قوى خفية تتستر برداء الدين وتخفي أهدافاً أخرى تهاجم بأسلوب استفزازي شرس ومثير للقلق والتذمر والاحتجاج حقاً العلمانيين والديمقراطيين واللبراليين, ثم وبشكل خاص, متناولي المشروبات الروحية, ضد شاربي العرق العراقي أو غيره في حين أن كثرة كاثرة من العراقيين كانوا لا يتركون مناسبة إلا وذكرونا بالمقولة الشهيرة "ما طول بالنخل تمر, ما جوز من شرب الخمر", حتى أن ابن خلدون, صاحب كتاب المقدمة الشهير, إذ كتب يقول بأن العراقيين أذكياء فقد سمّوا المشروب الروحي المنتج من التمر عرقاً وليس خمراً, لأنه لم يأت ذكر العرق في القرآن بل الخمر, وبالتالي فهو غير محرم, رغم وجود تباين في الموقف من الخمر بين شيوخ الدين من مختلف المذاهب الإسلامية وفي المذهب الواحد أحياناً غير قليلة.
نحن أمام حملة "إيمانية" جديدة يقودها الشيخ جلال الدين الصغير وتروجها قناة الفرات الفضائية, الشديدة الطائفية والتمييز الطائفي وإثارة النعرات الطائفية في المجتمع, التابعة للمجلس الأعلى الإسلامي في العراق الذي يقوده عمار الحكيم ويقدمها الصحفي المتوتر والمتعصب وغير الحيادي المدعو جواد كاظم, إذ بدأ الناس عن حق يتساءلون "هل نهض صدام حسين من قبره وتردى برداء جلال الدين الصغير وأخيه محمد حسين الصغير ليقودا معاً حملة "إيمانية" جديدة مزيفة وبائسة لا تختلف عن حملات خير الله طلفاح وصدام حسين ومن لف لفهما, أم أن هناك من هم من أمثال صدام حسين وخير الله طلفاح يريدون قيادة مثل هذه الحملة لأغراض سيئة وخبيثة ولا يختلفون عنه إلا بالثوب الذي يرتدونه والعمامة التي يضعونها على رؤوسهم ليستروا بها تهلهلهم الفكري والسياسي والتعبير عن الخشية من فقدان المواقع التي يحتلونها الآن ويدفعوا إلى تهييج الجهلة من الناس, وهم كثرة حالياً في العراق, بقضايا أخرى بائسة ومثيرة للسخرية.
ينسى هؤلاء الناس أن الإنسان يولد حراًً ولا يحق لأي إنسان أن يقيد حريته بهذه الطريقة العدوانية. فالإنسان مالك لعقله وعليه أن يتصرف بالطريقة التي يراها مناسبة دون أن يؤذي أحداً أو يتجاوز على حقوق أحد, لا أن يفرض هؤلاء أنفسهم أوصياء على الناس. ومنذ قرون تحضرت الشعوب حين وضعت لها دساتير وقوانين وقواعد تسهم في تنظيم حياة البشر وتمنع العدوان أو التجاوز من أي كان على الإنسان وحريته. وليس هناك من يمارس الحكم باسم الله على الأرض. والعراق يملك الآن دستوراَ وعلى الجميع الالتزام به إلى حين تعديله وفق ما تتفق عليه الأكثرية.
ولا بأس أن أذكر هنا بأن منع المشروبات الروحية والتجاوز على من يتناولها أو يبيعها هو تجاوز على الدستور والقوانين وعلى حرية الإنسان أولاً, وأن على جلال الدين الصغير, ومن هم من أمثاله وأخيه, أن لا ينسى بأن العراق متعدد الأديان والمذاهب والقوميات, وبعض هذه الأديان تبيح شرب المشروبات الروحية ومن حقهم بيعها في كل بقعة من أرض العراق. نسى هؤلاء أن الكثير من أهل كربلاء من المسلمين الطيبين كانوا يذهبون مجاميع كبيرة وفي باصات كبيرة لمشاهدة الأفلام في سينما مدينة الهندية (طويريج) وتناول المشروبات الرةحية , كما كانوا يسافرون إلى سدة الهندية أيضاً لشرب العرق أو البيرة المثلجة هناك, إذ لم تكن هناك سينما في سنوات العقد السادس. نسى هؤلاء أن نادي الموظفين في كربلاء كان يقدم العراق والبيرة وغيرهما لمن يريد تناول الخمور في عهود كثيرة. ونسى هؤلاء أن أنبياءً ومؤمنين وشيوخاً صالحين من مختلف الأديان كانوا يتناولون العرق أو سواه, أو أنهم لم يحرموه ولأسباب كثيرة.
لقد توجه هؤلاء المتعصبون في تفكيرهم والراغبون في الهيمنة على فكر وممارسات الإنسان ضد الأديب العراقي إبراهيم خياط في ندوة أدارها المدعو المتحيز والمتشدد والفقير فكرياً السيد جواد كاظم ليهاجم بأسلوب غير معقول ومتوتر السيد إبراهيم الخياط الذي أبدى كياسة ووعياً في طريقة التعامل مع هؤلاء الذين لا يعرفون معنى لحقوق الإنسان وحرياته ولا يعرفون معنى في ضرورة عدم التجاوز على حياة الفرد الشخصية وعلى من يريد تناول المشروبات الروحية. كما حرم الأستاذ عبد الرحمن الباشا من الكلام عملياً ولم يعطه الوقت الكافي للتعبير عن رأيه. وكان المدعو جواد كاظم فظاً في تعامله وأسلوب حديثه ليثبت للشيخ الصغير وغيره أن مخلص لهم, إلا أن عينيه كانتا وكأنهما تفضحان سيرته الذاتية وتعاطيه لما يهرج به ضده.             
أنا لست من مشجعي تناول المشروبات الروحية, ولكن ليس من حقي منعها. وعلى من يريد أن يفرض على الناس التعامل بوجهين وليس بصراحة وحرية تامة, فما عليه إلا أن ينظر لما جرى ويجري في الدولة الإيرانية الإسلامية المتطرفة. فإيران واحدة من أكثر دول العالم استخداماً للخمور والمخدرات, وهي مصدرة للمخدرات أيضاً. والكثير من الناس يموتون لأنهم يتناولون كحولاً سيئة ومدمرة للصحة وليست مراقبة من قبل الدولة أو جهات صحية مسئولة عن المواصفات والمقاييس المقررة لها.
لقد جند الشيخ جلال الدين الصغير أخيه غير الشقيق الدكتور محمد حسين الصغير, وهما ولدا الراحل الشيخ علي الصغير, وكان خطيباً في جامع براثا, لهذه الحملة, وهو يعرف تماماً بأن الدكتور محمد حسين الصغير كان قد كلف في زمن صدام حسين بمراقبة دار وتصرفات وحركة السيد علي السيستاني وكتابة التقارير لجهاز الأمن الصدّامي بهذا الشأن حينذاك, وأهل النجف أدرى بذلك ويعرفون تفاصيل هذه الحقيقة ويتحدثون عنها علناً لأن ملفات الأمن قد ظهرت إلى النور وكشفت عن هذه الحقيقة المرة التي أعانته على العيش في بحبوحة وبعيداً عن المخاطر. إن المزيفين من الناس لا يمكن أن يمارسوا الكذب طويلاً, إذ سرعان ما يفتضح أمرهم. وهو نفسه الذي أصدر في العام 1959 كتاباً تحت عنوان "الشيوعية كفر وإلحاد" الذي قدم لها القومي اليميني الذي ناصب عبد الكريم قاسم العداء الدكتور عبد الرزاق محي الدين لا ليهاجم الشيوعيين والديمقراطيين وقاسم وأتباع قاسم فحسب, بل ليحرض على قتل الشيوعيين حينذاك, وينسجم مع ما صدر فيما بعد من فتوى في هذا الصدد. كم أتمنى على الشيخ جلال الدين الصغير, وهو النائب في المجلس النيابي, أن يهتم بأمور المجلس وأمور الجياع من الناس وأن يلاحق نهّابة وسلابة المال العام, وأتمنى أن لا يكون أحدهم, وليس الناس الطيبين الذين يتناولون الكحول لأي سبب كان, أو أن يعمل ضد العلمانيين ويلاحق الناس الطيبين والبسطاء والمثقفين في معيشتهم وفي حريتهم. أتمنى أن تنشر ملفات الأمن الخاصة بالدكتور محمد حسين الصغير أو ليكتب من لديه معلومات موثقة أكثر عنه لكي يتوقف هذا الرجل عما يمارسه وأخيه في هذا الصدد المجحف بحق الناس.
وآخر ما علمت وكتبت عنه الصحافة والمواقع الإلكترونية أن الشيخ جلال الدين الصغير قد هدم قبر الأستاذ الراحل الدكتور علي الوردي ليفتح طريقاً أمناًً لمروره. أملي أن لا يكون صحيحاً وأن يجري التحقيق بذلك وكشف الحقيقة, إذ أن هذا الأستاذ الجليل له مكانة كبيرة في عقول وقلوب الناس الطيبين وهو من أبرز العناصر العلمية التي أنجبها العراق والمناهضة لكل أشكال التمييز, ومنها الطائفية.
إن الحملة الإيمانية الجديدة لن تنفع الناس ولن تنجح لأنها مخالفة لروح العصر ومخالفة لطبائع الناس وعشقهم للحرية والديمقراطية, وهي لن تستطيع إشغال الناس عن قضاياهم وعن الإساءات التي لحقت بالناس من جراء تصرفات الكثير من قوى الإسلام السياسية, ومنها المجلس الأعلى وبدر وجيش المهدي, إضافة إلى قوى القاعدة وحارث الضاري ومن لف لفهم خلال السنوات السبع المنصرمة.
إن تشكيل قائمة "فرض القانون" لم تكن حالة عبثية بل مقصودة, كما أن حصولها على مزيد من الأصوات على حساب القوائم الإسلامية السياسية الأخرى لم يكن تصرفاً عبثياً من الناخبة والناخب العراقيين, بل عقوبة استحقتها تلك القوى التي لم تحترم الإنسان وحريته وحقوقه المشروعة. إنه الدرس الذي يفترض أن يتعلمه الجميع.
إن عملية حرق 25 شخصاً عراقياً "اتهموا" بالمثلية الجنسية, كما نقلت الأخبار ذلك, هي جريمة لا تغتفر ويندى لها جبين العراق كله, إنها جريمة بحق الإنسان والدستور العراقي والقوانين التي لا تبيح لأحد قتل آخر خارج إطار القانون ومن دون محاكمات شرعية وليست محاكمات قرََقوشية, كما فعلها جيش المهدي في النجف منذ عدة سنوات, أو كما مارستها محاكم تنظيم القاعدة الإجرامية. إن هذه الجريمة قدمت من جديد للعالم كله السلوك المتوحش لهؤلاء الناس الذين يريدون فرض أخلاقيتهم على المجتمع كله, وهم يعرفون أن هذا البعض الذي ساهم في القتل ربما كان من المثليين أيضاً. تكشف حقائق في جميع الأديان أن الكثير من رجال الدين يمارسون المثلية سراً ويشجبونها علناً, وعلينا متابعة هذه الحقيقة لدى بعض رجال الكنيسة, حيث توجد حرية وشفافية يكشف عنها بسرعة, في حين أنها موجودة أيضاً وليست بعيدة عن أتباع ديانات أخرى. وهكذا هي حالة جمهرة كبيرة من الناس في العالمين العربي والإسلامي, ولكنهم يستقبحون ذلك ويشجبونه علناً ويمارسونه سراً, وهي مصيبة المجتمعات المتخلفة.
ثبت بالدليل العلمي القاطع بأن المثلية ليست سوى نتاج هورمونات موجودة في جسم الإنسان وفي التكوين البيولوجي للشخص المثلي, امرأة كانت أم رجلاً. وأنه غير قادر على التخلص منها, بل هي التي تشكل تكوينه الجنسي. وأن على المؤمنين من شيوخ المسلمين أن يبتعدوا, ما داموا مؤمنين بالله واليوم الآخر, عن معاقبة إنسان خلق بهذا التكوين البيولوجي وليس بغيره. فهم مؤمنون, وهذل وفق إيمانهم, من خلق الله وعليهم القبول بما كتبه الله في جبين هذا الشخص أو ذاك لا أن يدعوا البعض منهم إلى قتل المثليين كما حصل أخيراً في بغداد, بحجة الدفاع عن الأخلاق, في حين أن القاتل هو الفاقد للأخلاق الحسنة وهو المجرم.
27/5/2009                      كاظم حبيب 


614
نقاش اقتصادي مفتوح وصريح مع السيد الدكتور برهم صالح
نائب رئيس الوزراء العراقي

الحلقة الرابعة
هل يتستر المعدل السنوي للفرد الواحد من الدخل القومي على سلبيات الواقع الاقتصادي؟

في لقائه مع قناة الشرقية ذكر الأخ الدكتور برهم صالح بارتياح ملموس ما يلي: "أنا أول الذين يقول بأن المواطن العراقي يستحق المزيد لكن لنتذكر بعض الأرقام المهمة: سنة 2003 موارد الدخل في العراق كانت (465 $) (المقصود هنا 465 دولار أمريكي للفرد الواحد في العام 2003, ك.حبيب) حسب إحصائيات البنك الدولي معدل الفرد العام تجاوز (3200$). البطالة كانت في 2005 (28%) الآن حسب الإحصائيات الموجودة (17.5%). (مأخوذ من نص الحديث وفق ما جاء في الإنصات المركزي للاتحاد الوطني الكردستاني بتاريخ 5/5/2009). سنحاول تناول المسألتين المذكرتين في الحديث:
أولاً: حول معدل حصة الفرد الواحد من الدخل القومي:
عندما بدأت أقرأ تصريحات الأخ الفاضل الدكتور برهم صالح ووصلت إلى المقطع أعلاه تذكرت حادثة شهيرة معروفة لمن عاش فترة العهد الملكي, ومفادها أن أحد الصحفيين سأل أحد الفراشين العاملين لدى أحد المدراء العامين في مجلس ووزارة الإعمار في بغداد عن راتبه الشهري. فأجاب الفراش: أنا والمدير العام نتسلم 203 دينار عراقي شهرياً. ألّح الصحفي بالاستفسار عن راتبه الشهري منفرداً وليس مع راتب المدير العام. فقال الفراش بخجل بالغ: راتبي 3 دنانير عراقية فقط وراتب المدير العام 200 دينار عراقي لا غير! وهذا يعني أن الراتب السنوي للمدير العام 2400 دينار, وراتب الفراش السنوي 36 ديناراً لا غير, ومجموعهما 2436 دينار عراقي, والتناسب بينهما: 98,52% للمدير العام و 1,48% للفراش. وكان للمدير العام طفلان, والفراش ستة أطفال.
هكذا يضع الأخ الدكتور برهم صالح مستوى معيشة الفرد الواحد في العراق في ضوء هذا المؤشر العام الذي لا يعبر عن حقائق الوضع في العراق وعن التمايز الجارح للكرامة الإنسانية. دعونا نبحث في هذا الرقم لنرى ما يخفي حقاً.
حين ننقل هذا الرقم إلى بنية وواقع الاقتصاد العراقي سنجد أمامنا الوقائع التالية:
1.   حول بنية الاقتصاد العراقي: أن القسم الأعظم من هذا المؤشر ناشئ من إيرادات قطاع النفط الخام المصدر وليس من القطاعات الاقتصادية الإنتاجية الأخرى كالصناعة والزراعة على سبيل المثال لا الحصر. وهذا تعبير عن تشوه وخلل كبير في بينة الاقتصاد العراقي أولاً, ومن ثم فهو قابل للزيادة أو النقصان بفعل ثلاثة عوامل: 1) حاجة  الطلب الدولي على النفط والكميات الممكن تصديرها سنوياً؛ و2) وسعر البرميل الواحد المتقلب وفق العرض والطلب؛ و3) الأوضاع السياسية المحيطة بالبلد أو علاقات البلد بالدول والمجتمع الدولي ومدى تأثير ذلك على إنتاج وتصدير النفط الخام. وإذا ما قارنا إيرادات العام الماضي بإيرادات هذا العام حيث استفحلت الأزمة سنجد الخبر اليقين في الخطورة والخطأ الفادح في الاعتماد على اقتصاد النفط الخام فقط بدلاً من تنمية وتطوير الصناعات التحويلية والزراعة المحلية ..الخ. ولا نريد أن نذكر هنا ما حصل للعراق في فترة الحصار الاقتصادي أو الحروب التي خاضها النظام الدكتاتوري. بمعنى آخر أن هذا الرقم لا يشير للقراء إلى أن الاقتصاد العراقي اقتصاد ريعي واستهلاكي يخسر أغلب دخله القومي في الاستيراد ولا ينمي تراكماته الرأسمالية عبر تنمية الإنتاج, وأنه ليس اقتصاداً إنتاجياً واستهلاكياً يغني الثروة الوطنية ويشغل الأيدي العاملة ويزيد من السيولة النقدية في آن ويحسن مستوى معيشة السكان.
2.   ففي الوقت الذي بلغت إيرادات العراق من تصدير النفط الخام في العام 2008 وفق تصريح وزير النفط العراقي الدكتور حسن الشهرستاني 61 مليار و883 مليون $, فأن تقدير إيرادات النفط لعام 2009 الجاري يقترب من نصف هذا المبلغ أو أقل, وسينعكس هذا بالضرورة سلباً وبشكل مباشرة على المؤشر الذي قدمه لنا الدكتور برهم صالح حول معدل حصة الفرد الواحد من الدخل القومي في السنة.  
3.   وأن هذا المؤشر لا يدلنا على واقع التوزيع الفعلي للدخل بين أفراد المجتمع, إذ أنه يأخذ المعدل الوسط بين الناس, وفي المثال الذي أوردته عن الفراش والمدير العام نرى بأن معدل حصة الفرد الواحد من راتبهما المشترك هو 101,5 دينار لكل منهما, في حين أن الحقيقة غير ذلك حيث يتسلم المدير العام 200 دينار والثاني يتسلم 3 دنانير في الشهر لا غير. وهنا نجد بكل وضوح أن هذا المؤشر يتستر على غياب العدالة في التوزيع عند الحديث عن هذا المؤشر, وهو رقم يراد به التشويش على واقع التوزيع الطبقي المجحف وغير العادل للدخل القومي في المجتمع وفي غير صالح الغالبية العظمى من أفراد المجتمع, بل في صالح فئة صغيرة منه.
4.   وهذا المؤشر لا يدلنا على كيفية توزيع الدخل القومي بين القطاعات الاقتصادية لاستخدامه في عملية التنمية, أي ما هي حصة القطاعات الإنتاجية والقطاعات الاستهلاكية, وكيف يوزع بين أرباح لرأسماليين وكبار الملاكين العراقيين والأجانب, وبين أجور العمال مدخولات الفلاحين وصغار المنتجين, إذ كما نعرف يقسم الدخل القومي إلى جزئين هما فائض القيمة أو الربح والريع من جهة, والأجور ومدخلات الفلاحين والمنتجين الآخرين من جهة أخرى. ومن هنا يتبين أيضاً من هو الذي يستفيد لا من عملية توزيع الدخل القومي فحسب, بل ومن عملية إعادة التوزيع التي تتجلى في الخدمات الصحية والتعليم والخدمات الأخرى التي يفترض أن يتمتع بها كل الموطنات والمواطنين على حد سواء, في حين تكون حصة الأغنياء والميسورين وكبار موظفي الدولة حصة الأسد, في حين أن الفقراء والمعوزين في المدينة والريف يعيشون على  فتات الموائد, أو لا يتمتعون بشيء يذكر...الخ.
5.   وهذا المؤشر لا يدلنا على واقع الفساد المالي في الدولة العراقية الراهنة وما هو حجم المسروق من الدخل القومي سنوياً, وهل هذا الرقم قبل أو بعد النهب الذي يتعرض له الاقتصاد الوطني. وفي الغالب الأعم يقصد بالرقم بعد النهب غير المعروف من حيث الكمية, ولكن النهب يستمر فيما بعد أيضاً من خلال العمولات والرشوات وسوء التصرف في العقود والمقاولات ومواد البناء أو الاستخدام السيئ للموارد ... الخ.
إن هذا المؤشر حين يستخدم بالصورة التي استخدمها الدكتور برهم صالحو أدرك ذلك أم لم يدركه, مؤشر خادع يفترض أن لا يستخدم إلا في أغراض معينة, إذ أنه لا يعكس حقيقة الوضع الاقتصادي والاجتماعي في العراق, بل يراد منه تغطية التشوه والانكشاف على الخارج والتوزيع غير العادل والاستخدام السيئ للدخل القومي, رغم التحسن النسبي الحاصل الذي لا نريد السكوت عنه. والسؤال هو من المستفيد من هذا التحسن النسبي؟ أعتقد إن إجاباتنا ستختلف بحكم الخلفية الفكرية التي نعتمدها في تقييم وتقويم الأمور الجارية في العراق, خاصة وأن الأمم المتحدة تتحدث عن النسبة العالية لمن يعيش في العراق تحت خط الفقر المعترف به دولياً للدولة النامية والتي تتراوح بين 30-40% من مجموع الشعب العراقي.

ثانياً: حول البطالة:
يشير الدكتور برهم صالح إلى أن البطالة تبلغ الآن في العراق 17,5 %, وهو رقم يثلج الصدور في ظروف العراق الراهنة إن كان الرقم صحيحاً, حيث كانت البطالة تزيد عن 50 %. ولكن تدور في البال الأسئلة التالية:
هل هذا الرقيم صحيح؟ وكيف استخرج؟ وما هو حجم البطالة المقنعة في الوقت الحاضر؟ ثم كيف نعالج هذه المشكلة؟
السبب في إثارتي لهذه الاستفسارات هو ذاكرتي التي لا تزال طرية في فترة العمل في وزارة الزراعة والمجلس الزراعي الأعلى حيث كانت الطريقة تتم على النحو التالي: تقدير مساحات الأراضي المزروعة بالحنطة في كل محافظة, ثم تقدير معدل غلة الدونم الواحد, ثم ضرب المساحة المقدرة بالغلة المقدرة ليكون الإنتاج السنوي المقدر. والفارق كان باستمرار كبيراً بين حساب الحقل وحساب البيدر, بين الواقع الفعلي والحسابات التخمينية لقسم الاقتصاد الزراعي في وزارة الزراعة العراقية! والنتيجة كانت تؤثر على تقدير حجم الاستهلاك والحاجة للاستيراد التي غالباً ما تكون مؤذية للمستهلك أو ترهق ميزانية الدولة.
إن البطالة في العراق تزيد كثيراً عن هذا الرقم. إليكم بعض الأرقام غير الدقيقة التي تسجلها وزارة التخطيط التي اعتمد عليها الدكتور برهم صالح في إيراد الرقم 28,1 % بالنسبة لعام 2008 % :
نشرت جريدة الصباح الخبر التالي:  "أشارت نتائج مسح أجرته وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي بالتعاون مع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في العراق إلى أن معدل البطالة بين السكان بعمر 15 عاماً فأكثر  يبلغ 28.1% لكلا الجنسين، وقد بلغ معدل البطالة للذكور 30.2 % في مقابل 16 % للنساء. وبحسب "تقرير عن نتائج مسح التشغيل والبطالة بلغ معدل البطالة في المناطق الحضرية 30% في مقابل 25.4% في المناطق الريفية". (جريدة الصباح. التخطيط تقدر حجم البطالة في العراق بأقل من ثلث السكان. أخذ المقتطف بتاريخ 16/5/2009, ك, حبيب).
ماذا يعني هذا في واقع الأمر؟ يعني إن المسح المشار إليه قد اعتبر أغلب نساء العراق ربات بيوت حتى لو كن بعمر 15 سنة فما فوق, وهو أمر غير مقبول, إذ أن نسبة عالية منهن عاطلات عن العمل ولا يجدن فرصة عمل فعلية وغير متزوجات ولسن طالبات أيضاً. ومن هنا أدى هذا التقدير إلى تقليص نسبة البطالة بين الجنسين إلى 28,1%, وهو رقم لا يمكن القبول به بأي حال, إذ يتعارض مع الواقع في العراق. كما أن أجهزة الدولة تضم ما يقرب من 43% من القوى العاملة ويقدر البطالة المقنعة بين هذه النسبة بما يتراوح بين 30-50%. الرقم الذي يطرحه السيد الدكتور برهم صالح غير واقعي ولا يعبر عن حقيقة البطالة في العراق بأي حال وهو بالتالي مضلل لمن يريد تنمية الاقتصاد ومعالجة  البطالة, رغم أن الدكتور صالح لا ذنب له في هذا الرقم فهو صادر عن جهة رسمية. ولكن بحكم كون إحصائياً كان يفترض أن يقدر واقع البطالة في العراق, ومنه إقليم كردستان حيث البطالة المقنعة فاحشة حقاً, دع عنك البطالة المكشوفة.
وإذا اقتطفنا مقطعاً من مجلة "الأسبوعية" الصادرة في بيروت والقريبة من الدكتور برهم صالح, فإننا سنقرأ فيها ما يلي:      
" تلفت التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة إلى وجود بطالة مقنعة في العراق تقدر بما يتراوح بين 30 و50 في المائة وفقاً للبيانات المتداولة. وفي الوقت الذي قدرت منظمة العمل الدولية نسبة البطالة في العراق بما بين ربع أو ثلث القوى الإنتاجية، تشير الأرقام التقديرية للبنك الدولي، بحسب موقعه الالكتروني، إلى أن إجمالي الناتج المحلي العراقي تراجع في العام 2003 بنسبة الثلث تقريباً، واتجه نحو الربع في العام  2004, واستمر في تراجعه ما بين الربع والثلث خلال الأعوام 2005-2006-2007 – 2008، ويؤشر هذا التراجع الخطير إلى إرباك واضح للاقتصاد العراقي" راجع : الأسبوعية. 11-20 نيسان/أبريل 2009). ولا شك في أن الأمر أكثر من إرباك واضح, بل هي سياسة ينبغي لها أن تتغير!  
من هذين المؤشرين نريد أن نؤكد أن في العراق تركة ثقيلة عمرها عشرات السنين من القهر والإرهاب والتهميش والتخلف والتبعية والنهب والسلب. وأن العراق يحتاج إلى وقت طويل لإزالة الأوضاع السيئة للنسبة العالية من السكان التي تعيش تحت خط الفقر, وفق تقديرات الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات. ولكن السؤال هو: هل يوصلنا فكر وذهنية وسياسة اللبرالية الجديدة المتطرفة التي يلتزم بها ويقترحها للعراق الدكتور برهم صالح إلى إزالة الواقع الذي يعيد إنتاج الفقر أم يبقي عليه ويكرسه, وفي الوقت نفسه يزيد من عدد المليونيرية من جهة ويزيد من عدد الفقراء والعاطلين عن العمل من جهة أخرى؟ وعلينا أن نتذكر الحكمة القائلة "ما بات متخم إلا وبجانبه جياع". ألا ينبغي للعراق اختيار نموذج آخر وإستراتيج آخر لعملية التنمية والتقدم في العراق بدلاً من كوارث اللبرالية الجديدة؟    
إجابتي عن ذا السؤال واضحة, ولكن لنستمع إلى رأي طرح في مجلة "الأسبوعية" ذاتها حيث جاء في ذات المقال عن البطالة في العراق يقول:
" ويرى اقتصاديون عراقيون أن الضرورة تتجه إلى تفعيل القطاعات الإنتاجية (الصناعية الزراعية) وتوسيع قاعدة الاستثمارات؛ سعياً لخلق فرص عمل تستوعب معدلات البطالة.
وترى دراسات اقتصادية مستقلة أن تسريع عملية إعادة الإعمار وتنفيذ عدد من المشاريع الاستراتيجية وتفعيل عدد من المعامل وفتح الاستثمارات في قطاع الزراعة من مقومات امتصاص البطالة، وتحريك الدورة الاقتصادية الساعية إلى تخليص الاقتصاد العراقي من اعتماده المفرط على النفط كمصدر دخل أساسي". هذا الرأي يتجاوب مع الرأي العام العراقي, ولكنه يتعارض مع نخبة من أصحاب الملايين.
إن البطالة في العراق تزيد حالياً عن هذا الرقم بنسبة عالية وأكثر من الضعف على أقل تقدير إن احتسبت مع البطالة المقنعة. إن جولة صغيرة في أجهزة الدولة والإدارات المحلية في جميع أنحاء العراق, ومنه غقليم كردستان العراق, ستنكشف أمام أصحاب البصيرة والبصر سعة البطالة المكشوفة والبطالة المقنعة المرهقة لميزانية الدولة والمعطلة للعمل. وهذا يعني أن عواقب البطالة المقنعة ليست تفريطاً بموارد البلاد المالية وعدم مشاركة هؤلاء بالإنتاج وإنتاج الدخل القومي فحسب, بل وفي عرقلة العمل والتخلف عنتلبية حاجات الناس وتأخير إنجاز معاملاتهم في دوائر الدولة. إن الإجابة عن السؤال الوارد في العنوان: نعم!
إن اقتصاد العراق, ومعه اقتصاد إقليم كردستان العراق, هو أحوج ما يكون إلى التنمية الصناعية والزراعية وليس إلى زيادة الاستيراد وإغراق الأسواق المحلية  بالسلع المستوردة ذات النوعية الرديئة وسريعة الاستهلاك ومحاربة الإنتاج المحلي واستمرار البطالة المكشوفة والمقنعة واستمرار الفقر واتساع الفجوة بين مدخولات الفقراء والمنتجين وأصحاب النعمة الحديثة من القطط السمان. أتمنى على الدكتور برهم صالح أن يتخلى عن ذهنية اللبرالية الجديدة المتطرفة وليس عن فكره الرأسمالي, فهذا غير مطلوب منه, ولكن المطلوب منه أن يفكر بمصالح كل مكونات الشعب العراقي, ومنه شعب إقليم كردستان العراق, على المدى القريب والبعيد!
20/5/2009                     كاظم حبيب
انتهت الحلقة الرابعة وتليها الحلقة الخامسة والأخيرة  






نقاش اقتصادي مفتوح وصريح مع السيد الدكتور برهم صالح
نائب رئيس الوزراء العراقي

الحلقة الخامسة والأخيرة
هل من رؤية واقعية للتنمية الصناعية في فكر وسياسة الدكتور برهم صالح؟
سأحاول في هذه الحلقة أن أعالج مسألة واحدة ترتبط بموضوع التصنع واللبرالية الجديدة, رغم وجود الكثير من المسائل الأخرى التي تستوجب النقاش مع السيد الدكتور برهم صالح بسبب جرأته في طرح وجهات نظره والحيوية التي يتحرك ويمارس عمله بها, وكثرة المسائل التي تتوجه اهتماماته لها والتي لا مجال لمعالجتها بمقالات قصيرة وسريعة. وأعد القراء بمناقشتها.
من المعروف إن الأطراف الثلاثة المبشرة والداعية إلى الأخذ بإيديولوجية اللبرالية الجديدة وسياساتها الاقتصادية على صعيد الدول النامية هما المؤسستان الماليتان الدوليتان, البنك الدولي وصندوق النقد الدولي, إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية ذات النفوذ الكبير في وعلى هاتين المؤسستين. وتسعى هذه الأطراف إلى توقيع اتفاقيات مع الدول الأخرى, ومنها دولة العراق للالتزام ببرنامجها من أجل تقديم المساعدة أو الدعم لها أو إعفائها من بعض الديون التي بذمة الدول النامية. وهذا ما حصل في العراق والذي تجلى في إقناع العراق بتطبيق ما يطلق عليه بـ"برامج وسياسات التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي" التي تشمل رؤية  محددة التزم بها ونفذها بريمر وواصلها السيد الدكتور برهم صالح في مواقفه وسياساته الاقتصادية ومناقشاته في مجلس الوزراء وفي خطبه المختلفة. وتشمل هذه السياسة كل فروع وقطاعات الاقتصاد الوطني والسياسات المالية والنقدية والتجارية وتخفيض الإنفاق العام وإيقاف الدعم الحكومي للسلع والخدمات والحد من ارتفاع الأجور مع الرغبة في زيادة ارباح الرأسماليين ... الخ, ولكن بشكل خاص رفض وجود قطاع دولة اقتصادي وخصخصة جميع مؤسسات الدولة الإنتاجية والخدمية والأخذ المطلق بمبدأ وسياسة التجارة الحرة غير المقيدة  بأي قيد حكومي, أي سياسة الباب المفتوح ورفض أي حماية للسلع المنتجة محلياً, سواء أكانت سلعاً صناعية أم زراعية أم حرفية. ومثل هذا الموقف يقود في بلدٍ مثل العراق إلى عواقب وخيمة منها: ارتفاع حجم البطالة واستهلاك واسع للدخل القومي دون تحقيق التراكم الرأسمالي وتفاقم التباين في مستوى المعيشة والفجوة الداخلية بين الفئات الاجتماعية واحتمالات التضخم وارتفاع الأسعار غير المنضبط وتراجع جدي في حجم ونفوذ ودور الطبقة الوسطى الصناعية والزراعية والخدمات الإنتاجية, وتعاظم المضاربات في الأسواق المالية وتنامي التناقضات الاجتماعية وتحولها إلى صراعات سياسية وبالتالي إلى نزاعات سياسية لا يعرف الإنسان عواقبها. إن هذه العملية تبقي وجود فئات اجتماعية تعيش على هامش الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وتتفاقم المشكلات التي تتفجر في مثل هذه الأوساط الاجتماعية البائسة والمنسية من جانب الدولة.
وكل المعطيات التي تحت تصرفي والتي تجمعت لدي من خطب ومقالات وتصريحات أدلى بها الأخ الدكتور برهم صالح تشير إلى أن السيد نائب رئيس الوزراء مؤمن إيماناً قاطعاً حتى الآن بهذه الإيديولوجية الرأسمالية المتطرفة, اللبرالية الجديدة, بأشد أشكالها ابتعاداً عن واقع الحياة في الدول النامية وحاجاتها للتنمية الإنتاجية, وخاصة في قطاعي الصناعة والزراعة. ومجرد القبول برفض قوانين وقواعد الحماية الوطنية للإنتاج المحلي من جهة والقبول المطلق بالتجارة الحرة غير المقيدة من جهة ثانية, يعني القول دون أدنى تردد بأن الدكتور برهم صالح ضد التصنيع المحلي وضد البرجوازية الصناعية ولكنه إلى جانب البرجوازية التجارية التي تعتمد على الاستيراد وعلى إبقاء الاقتصاد الوطني العراقي ومنه اقتصاد إقليم كُردستان العراق, شاء ذلك أم أبى وأدرك ذلك أم لم يدركه, في حالة من التخلف والتبعية واستهلاك الدخل القومي دون تحقيق تعظيم الثروة الوطنية على أسس سياسة عقلانية واعية.
كلنا يعرف, حتى إن لم يكن الإنسان اقتصادياً, بأن الصناعة والزراعة في أي بلد من البلدان هي عصب الحياة النابض, وهي القادرة على خلق فرص عمل جديدة ومنشآت اقتصادية مكملة جديدة وتراكم الثروة الوطنية وإنتاج الدخل القومي وتنويعه وزيادة الأجور المدفوعة وتحسين السيولة النقدية وتقليص الاستيراد والاحتفاظ بقسط من إيرادات النفط لصالح التثمير الإنتاجي. وأن بلداً مثل العراق يملك الثروة النفطية والموارد المالية, يكون في مقدوره أن يطور سلسلة طويلة من الصناعات المحلية باستخدام الأموال العامة أموال الدولة النفطية لصالح التنمية الزراعية والصناعية لا في مجال البنية التحتية, ومنها الري والبزل والطاقة الكهربائية والماء الصالح للشرب والنقل والتعليم العام والمهني ومراكز البحث العلمي النظري والتطبيقي والصحة ..الخ فحسب, بل وفي التنمية الصناعية والزراعية في قطاع للدولة, إضافة إلى تنشيط القطاع الخاص المحلي والأجنبي وتوفير مستلزمات مشاركته في التنمية.
لا يختلف إثنان في واقع أن السادة, الدكتور برهم صالح, نائب رئيس الوزراء, والدكتور علي بابان, وزير التخطيط, والأستاذ فوزي حريري, وزير الصناعة, كلهم من ملتزمي اقتصاد السوق الحر, وأنهم يسعون إلى تكريس هذا الاتجاه في الاقتصاد العراقي, ومنه اقتصاد كُردستان, كما أن الأستاذ نيجرفان بارزاني, رئيس وزراء الإقليم, يشترك معهم في التزام اقتصاد السوق الحر أيضاً. ولكن في نجد تبايناً واضحاً حتى الآن بين الدكتور برهم صالح وبين عضوي الحكومة العراقية الاتحادية في الموقف من التصنيع ومن بعض التفاصيل المهمة. يقول السيد وزير الصناعة في إجابته عن بعض الأسئلة التي وجهت له ما يلي:          
"يمكن لي أن أعزو السبب الرئيس إلى غياب الخطة الاقتصادية الشاملة خلال فترة ما بعد التغيير في العام 2003 حتى الآن، وأقول إن الصناعة لم تكن حاضرة في أذهان الحكومات السابقة منذ مجلس الحكم مروراً بالحكومات الانتقالية بسبب طغيان الأولويات التي تتصل بالجانب الأمني فضلاً على عدم توفر التخصيصات اللازمة الموازنة الاستثمارية للعام 2006، اعتمدت للوزارة 14 مليار دينار فقط، كانت 41 مليار دينار في العام 2007 و 438 للعام 2008 وهي تقارب ألـ 50 مليار دينار للعام الحالي 2009 وهي في مجملها لا تغطي حاجة القطاع الصناعي الفعلية. وماذا عن القوانين التي يمكن ان تسهم في تفعيل الصناعات الوطنية؟ لا تزال تراوح في اروقة مجلس النواب، وقد اقرت ثلاثة مشاريع قوانين اعتبرها غاية في الاهمية من قبل مجلس الوزراء، هي قوانين حماية المنتوج الوطني والتعرفة الجمركية وحماية المستهلك وهي في طبيعة الحال تمثل بيئة تشريعية مثلى يمكن ان تعطي دفعاً للمنتجات الوطنية وأن تحد من الاغراق السلعي وتؤمن منافسة حقيقية للبضائع والسلع المستوردة ذات المناشئ والمواصفات الرديئة التي تعج فيها الاسواق العراقية حاليا. يقدر الخبراء الكلفة الفعلية لتفعيل القطاع الصناعي بـمليار دولار، ماذا عن هذه التقديرات؟ اؤكد ان حاجة الصناعة العراقية تتجاوز هذه التقديرات لتصل الى اكثر من 1.5 مليار دولار وعلى مدى سنتين وعن طريق الاستثمار وفق خطة لتفعيل الشركات والمعامل وتوسيع القدرات الانتاجية وصولا الى ناتج الطاقات التصميمية". كما كنت قد أشرت في حلقة سابقة إلى موقف السيد وزير التخطيط الإيجابي من الصناعة الوطنية والإنتاج المحلي بشكل عام.  
إن المسألة لا ترتبط برغبتنا أو عدم رغبتنا بالقطاع الخاص, بل ترتبط بمدى قدرة الدولة على توفير المناخات والمستلزمات والمحفزات المناسبة لتنشيط توجه أصحاب رؤوس الأموال المحليين والأجانب صوب التثمير الإنتاجي في الصناعة والزراعة وفي القطاعات الخدمية, وبشكل خاص موضوع الأمن والاستقرار السياسي والبنية التحتية. ومهما عقدت من مؤتمرات دولية في بريطانيا أو في دول أخرى لإقناعهم بالاستثمار في العراق, فأن الاستجابة ستبقى في الحد الأدنى ما لم يتم توفير الضمان الأمني والمحفزات الأخرى.
إن الحديث عن أهمية القطاع الخاص لا يختلف فيها اثنان, ولكن السؤال: كيف يتم ذلك؟ علماً بأن الجهود المبذولة لهذا الغرض نادرة حقاً. ووفق تصريح السيد رئيس اتحاد الصناعات العراقي فأن 90% من المنشآت الصناعية متوقفة عن العمل ولم تبذل الجهود لإعادة العمل بها, في حين أن ال 10% تعمل بفعل المبادرة الذاتية. وهنا يفترض أن نتساءل عن دور الحكومة لدعم القطاع الخاص.
24/5/2009                      كاظم حبيب          

615
نقاش اقتصادي مفتوح وصريح مع السيد الدكتور برهم صالح
نائب رئيس الوزراء العراقي
الحلقة الثالثة
فحوى إستراتيجية التنمية وأهميتها للاقتصاد العراقي
حين قدمت وصفاً للحالة الفعلية التي يعاني منها المجتمع في الجانب الاقتصادي, كنت أهدف من وراء ذلك الوصول إلى تحديد إستراتيجية التنمية في العراق خلال الفترة القادمة والتي يمكن أن تمتد لعشرين سنة قادمة, أي تحديد الأهداف الأساسية التي يفترض بذل كل الجهد لتحقيقها, إذ أنها تشكل الأساس المادي لخروج العراق من الواقع الراهن وعلى مراحل أربع تتجلى في برامج أو خطط خمسية وسنوية. وهي مشكلة لا تنتهي بذلك التحديد فقط, بل تستوجب من أجهزة التخطيط وضع عدد من السيناريوهات أو المشاهد التي يتمكن العراق من خلالها اختيار الأكثر قرباً للواقع والأكثر قدرة على تحقيق ما يصبو إليه المجتمع. وعند تحديد الاستراتيجية وأدوات تحقيقها يمكن أن يبرز الخلاف بين المفكرين والعاملين في الحقل الاقتصادي. وهذا ما لمسته في صيغ الطرح المختلفة للاقتصاديين العراقيين. ولكن أبرز الخلافات في الشأن الاقتصادي العراقي ينشأ حالياً بين متبني اللبرالية الجديدة الأكثر تشدداً في تطبيق مبادئها, والتي ينتمي إليها المهندس والإحصائي الدكتور برهم صالح, وبين من يرى ضرورة الأخذ باقتصاد السوق الاجتماعي الذي ينسجم مع واقع البلاد الراهن. ورغم الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في النظام الرأسمالي العالمي التي لعبت سياسة اللبرالية الجديدة أكبر الأدوار في تفجرها, فأن هذه الإيديولوجية لا تزال تجد من يدعو لها وأكثر من منظري الدول الرأسمالية المتقدمة ذاتها, إذ أن أوباما مثلاً يسعى للتخلص منها.
فما هي استراتيجية التنمية التي أدعو إلى التفكير بها بصيغتها العامة والتي تستوجب التحديد الملموس ووضع المشاهد المتعددة لاختيار المشهد الأكثر تناغماً مع واقع وإمكانيات وحاجات العراق.
1.   يتحدد الهدف المركزي منذ الآن وعلى مدى السنوات العشرين القادمة في تخليص العراق من التخلف والاعتماد الوحيد الجانب على موارد النفط في تكوين الدخل القومي. أي تنويع وتطوير الإنتاج ومصادر تكوين الدخل القومي. وهذا الهدف يتم الوصول إليه عبر ثلاثة أهداف, وهي:
2.   تحقيق التنمية الصناعية استناداً لما موجود في العراق من موارد أولية خامية (النفط والكبريت والفوسفات والحديد ..) وثروة زراعية بشكل خاص. ويتوزع هذا الهدف إلى :
أ‌.   تجديد وتحسين التقنيات المستخدمة في استخراج وتخزين ونقل النفط الخام وتسويقه لزيادة موارد العراق المالية الضرورية للتنمية السنوية.
ب‌.   توجيه جهود مكثفة وكبيرة لتنمية الصناعات التحويلية التي تعتمد على النفط والموارد الأولية الأخرى, ومنها الصناعات الزراعية.
ت‌.   تنظيم التجارة الخارجية (الاستيراد بشكل خاص) والسياسة المالية, ومنها الجمركية, بما يسهم في حماية الإنتاج المحلي من المنافسة غير المتكافئة.
3.   تحقيق التنمية والتحديث الزراعي (الثروة النباتية والحيوانية والسمكية). وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية وضرورة التنسيق وتحقيق الترابط العضوي بين القطاعين الصناعي والزراعي.
4.   التنمية البشرية التي تستوجب مكافحة الأمية بين الجنسين وفي المدينة الريف وتغيير مناهج التعليم العام والمهني والفني وتطوير مراكز البحث العلمي النظري والتطبيقي والتعاون والتنسيق مع المجتمع الدولي في هذا الصدد.
5.   مكافحة البطالة المكشوفة والمقنعة بين الجنسين.
6.   تحسين مستوى معيشة الأفراد من خلال تحقيق العقلانية والعدالة في عمليات توزيع وإعادة توزيع واستخدام الدخل القومي.
7.   تأمين التنسيق بين التنمية الاقتصادية العامة والتنمية الإقليمية لمناطق العراق المختلفة, ومنها تنمية إقليم كردستان العراق وتنمية المحافظات وعلى مستوى المركز, من أجل إزالة تدريجية للتباين بين مختلف المناطق والمحافظات.   
8.   إيجاد علاقة سليمة بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة من التلوث في بلد يمتلك ثروة أولية مُلوِثة للبيئة واقتصاد متخلف وفقر واسع يساعد على حصول المزيد من التلوث.
إن تحقيق هذه الاستراتيجية في اقتصاد العراقي يستوجب التزام أدوات قادرة على المساهمة الجادة لتحقيق هذه المهمات, ومنها بشكل خاص:
 1. الاستفادة من إمكانيات القطاعين الخاص والحكومي في عملية التنمية, بما في ذلك القطاع الخاص العربي والإقليمي والدولي, إضافة إلى التعاون مع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.
 2. حماية الإنتاج المحلي من المنافسة الأجنبية خلال المراحل الأولى من تنفيذ إستراتيجية التنمية, أي تنظيم التجارة الخارجية بما يسهم في زيادة استيراد سلع الإنتاج وتقليص تدرجي لسلع الاستهلاك ووضع سياسة جمركية تساعد على تحقيق ذلك.
3. التحكم بتأمين انسياب نسبة تتراوح بين 60 – 70% من إيرادات النفط الخام صوب التثمير الإنتاجي وتنشيط القطاع الخاص لهذا الغرض ايضاً.
4. وضع سياسة مالية ونقدية, بما فيها السياسة الضريبية والجمركية, وسياسة جادة للتأمين وإعادة التأمين على نطاق البلاد كلها تتناغم مع إستراتيجية التنمية الوطنية وتساهم في تحقيق تلك الأهداف الأساسية وتنقل البلاد من حالة الاقتصاد الشمولي المتخلف إلى حالة الاقتصاد المتقدم, اقتصاد السوق الاجتماعي , إذ أن السياسة المالية والنقدية, ومعها التأمين, هي الأدوات التنفيذية للسياسات الاقتصادية.
4. تأمين وجود جهاز متقدم وحديث للتخطيط والمتابعة يأخذ بعين الاعتبار الجدوى الاقتصادية والاجتماعية من إقامة المشاريع والاهتمام الفعلي بالتنمية القطاعية والإقليمية.
5. تأمين الرقابة والمتابعة الرسمية على مستوى مجلس النواب والحكومة, والرقابة الشعبية على مستوى النقابات ومنظمات المجتمع المدني, بما فيها الأحزاب السياسية, والمجتمع بشكل عام وكذلك الإعلام بكل مكوناته.
...الخ.
إن هذه الإجراءات لا تتعرض لآليات عمل السوق, بل تسعى على تنظيمها والرقابة عليها بما لا يقود إلى تجاوزات على القوانين الاقتصادية الموضوعية وعلى مهمات التنمية أو تشديد التناقضات والصراعات الاجتماعية. 
اين يبرز الاختلاف بين رؤيتي ورؤية السيد الدكتور برهم صالح لاسترايجية التنمية الوطنية؟ أختلف معه في الموقف من وحدانية الاعتماد على موارد النفط الخام ومن رفضه للتنمية الصناعية والزراعية في البلاد. فهو غير مهتم بإزالة التبعية الكاملة للنفط الخام ولا بتنمية الصناعة والزراعة, بل يبتعد عن ذكر ذلك في كل خطبه وتصريحاته وتقاريره المنشورة. وما يطرحه في مجال الزراعة يبتعد كل البعد عن حاجة العراق للتنمية الزراعية, وسياسته تساهم في تجريد ما تبقى من أرض لدى الفلاحين لصالح كبار الملاكين وأصحاب رؤوس الأموال. إذ أن الإنتاج الكبير لا يعني تجريد الفلاحين من ملكية الأرض, بل يمكن إيجاد صيغ متنوعة في هذا الصدد.   
إن السياسة الاقتصادية التي يدعو لها الدكتور برهم صالح تتلخص في نقطة واحدة: الأخذ بحرية التجارة المطلقة وفتح الأبواب على مصاريعها أمام الاستيراد, دون الأخذ بالاعتبار واقع حاجة البلاد إلى التنمية الصناعية والزراعية وتنويع مصادر الدخل القومي. ونتائج هذه السياسة بارزة للعيان في كردستان العراق وفي عموم العراق حيث اختفت عملياً السلع المصنعة محلياً لتحل محلها السلع المستوردة, حتى السمنت العراقي بدأ يعاني من ذلك, وغابت السلع الزراعية, بما فيها لبن أربيل, ليحل محله ومحل بقية مشتقات الألبان السلع المنتجة والمستوردة من السعودية وتركيا وإيران وسوريا ودول الخليج. إنها سياسة مدمرة للإنتاج المحلي, إذ تجري في ظل غياب التكافؤ في فرص المنافسة تماماً, بين اقتصاد عراقي مخرب لم تساهم سياسة الحكومة في إنهاضه حتى الآن, بل في تراجعه لصالح الاستيراد, وبين سلع مستوردة من الخارج, رغم نوعيتها السيئة.
إن سياسة الباب المفتوح على طريقة اللبرالية الجديدة وجورج دبليو بوش وپول بريمر, أو منظمة التجارة الحرة, والتي يتبناها الأخ الدكتور برهم صالح, لن تخرج العراق من تخلفه ومن إنكشافه الكامل على  الخارج ولن تنقذه من وحدانية الجانب والاعتماد على موارد النفط المالية, وهي ثروة ناضبة بالنسبة لأجيال العراقيات والعراقيين القادمة, بل تزيد من ذلك ولا تحقق التراكم الرأسمالي البدائي الذي يحتاجه العراق حالياً في القطاعين الإنتاجيين, في الصناعة والزراعة.
في مؤتمر بدائل التنمية في العراق أشار السيد رئيس الوزراء نوري المالكي بكلمات واضحة وبسيطة إلى هذا الموضوع فقال: ".. نحن ضد مبدأ الإيراد الواحد ولا بد أن نتجه الى زيادة عائداتنا النفطية لإحياء القطاعات الأخرى وإدامة العملية الإنتاجية". وفي مجال نموذج التنمية فقد اشار إلى ما يلي بصواب: " ان نظريتنا الاقتصادية ينبغي ألاّ تتخلي الدولة من مسؤولياتها بالكامل في نفس الوقت الذي لايمكن للدولة أن تنهض دون أن يكون القطاع الخاص الى جانبها". (راجع مؤتمر بدائل التنمية في العراق, راجع جريدة المدى).
أما السيد وزير التخطيط الدكتور علي بابان فقد اشار في نفس المؤتمر حول إسترايجية التنمية, وبخلاف رأي السيد الدكتور برهم صالح, إلى نقاط أربع, ولكن يهمني منها في هذا المجال ما يلي: "ان القطاعات الاقتصادية شهدت إهمالا وتراجعا خلال السنوات الماضية جراء الاعتماد على سياسة الإيراد الواحد، واننا لا نهون من صعوبة مهمتنا في هذا الجانب اذ ان استمرار الإهمال سيجعل الاصلاح أكثر كلفة.. وأشار بابان إلى أربعة تحديات تواجه الاقتصاد العراقي مطالبا التصدي لها بجدية وحزم, .. أولا: تحرير الاقتصاد العراقي من التبعية الكاملة لإيرادات النفط وتفعيل القطاعات لتعظيم الانتاج المحلي وزيادة دخل المواطن .. ثانيا: إعادة التوازن لموازنة الدولة لصالح البرنامج الاستثماري على حساب النفقات التشغيلية".
إن السياسة التي يريد الدكتور برهم صالح انتهاجها ستحول العراق إلى مستهلك لا منتج, إلى مستخرج للنفط الخام ومصدر له, وإلى مستلم لموارد النفط لينفقها على الاستيراد, وبهذا يكون تعظيم الثروة في الدول الأخرى, أما العراق وفق هذه السياسة فسيتحول إلى مفرط بثروته النفطية وموارده المالية في آن دون أي يحقق التراكم الضروري ووتعظيم للثروة وزيادة التشغيل وتحسين مستوى توزيع واستخدام الدخل.
يتمنى الإنسان على الأخ الدكتور برهم صالح, وهو الماسك بالملف الاقتصادي أن يعيد  النظر بمواقفه الفكرية والسياسية من العملية الاقتصادية لصالح العراق حالياً ومستقبلاً, وكذلك لصالح إقليم كردستان العراق الذي تحول إلى مستهلك لا منتج في المجال الزراعي, بعد أن غابت عنه سابقاً الصناعة أيضاً.
25/5/2009                     كاظم حبيب
نشر المقال في جريدة المدى 

616
السيد المالكي والديمقراطية في العراق!

حين دعيت من الأخوات و الأخوة في مؤسسة المدى في بغداد قبل حوالي السنتين لإلقاء محاضرة عن رؤيتي للوضع القائم في العراق وآفاق التطور حينذاك , سؤلت من أحد الأخوة الأفاضل من أساتذة الجامعة عن فحوى مقال كنت قد كتبته في بداية مجيء السيد نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء بعد أن تسلم تركة ثقيلة لا من العهود السابقة فحسب, بل ومن مخلفات سياسة الدكتور الجعفري الطائفية التي أطلقت العنان للطائفية في تتكرس في أجهزة الدولة, وخاصة في أجهزة الأمن والشرطة وانتعاش المليشيات الطائفية الشيعية, وأنعشت معها المليشيات السنية, وهل توجد إمكانية في أن يتحول الناس من موقع فكري وسياسي مذهبي وطائفي إلى موقع فكري وسياسي مدني وديمقراطي؟ وكان المقصود بذلك, كما فهمت في حينها, هو: هل يمكن للسيد المالكي أن ينتقل من موقع يحتل فيه المسئولية الأولى في حزب سياسي شيعي مذهبي وطائفي, إذ لا يمكن تأسيس أحزاب مذهبية إلا على أساس طائفي, نحو مواقع المدنية والديمقراطية؟ وكان جوابي نعم, هذا ممكن في ظل ظروف وشروط معينة, وغير ممكن في ظروف وشروط أخرى. وإمكانية التحول تقترن بضرورة توفر الاستعداد الذاتي والتفتح الفكري لدى الشخص المعني, سواء أكان المالكي أم غيره من السياسيين العراقيين, مع عدم نسيان صعوبات وتعقيدات مثل هذا التحول والتغيرات السياسية المحتملة التي تفرض نفسها على الشخص. وكان في بالي من الناحية الإيجابية التحول الديمقراطي الذي برز لنا بوضوح وبشكل متميز منذ فترة مبكرة لدى الأخ والصديق الأستاذ ضياء الشكرچي ولدى الأخ الأستاذ محمد عبد الجبار شبوط وغيرهما. وكذلك إمكانية التحول من أيديولوجية كانت تدعي امتلاك الحقيقة كلها إلى فكر ديمقراطي يعترف بالتعددية وحرية الرأي والرأي الآخر. ومثل هذه العملية لا يمكن نفيها عن أي إنسان بأي حال, ولكن يصعب تعميمها أيضاً. فهي مقيدة بشروط وظروف مناسبة ومساعدة لتحقيق مثل هذا التحول لدى شخص ما بالارتباط مع مستواه الفكري وتفتحه الثقافي وتجاربه الحياتية والتي يعيشها راهنياً وحين تبرهن له الحياة خطأ الالتزام بخطه السابق, ويعمل على تبني نهج جديد بعيد عن الطائفية وفي صالح المواطنة والديمقراطية والمساواة بين المواطنات والمواطنين...الخ.
وعند متابعتي لخط التطور لدى السيد المالكي, وهذا رأي شخصي خاضع للخطأ والصواب, يتلمس الإنسان لديه مرونة على التحرك, ولكن تحركه حتى الآن كان زگزاگياً صعوداً وهبوطاً, وهي المسألة المقلقة في نهج المالكي, إذ أن السير خطوة إلى أمام يمكن أن تلحق بها خطوتان إلى الوراء. وتكون الحصيلة سلبية. ويمكن أن يكون السير خطوتان إلى أمام وخطوة إلى الوراء, وعندها تكون الحصيلة إيجابية رغم سلبياتها. ولكن يصعب الوثوق بمثل هذا التحرك غير المنظم وغير المبرمج وغير المحسوب مسبقاً, والذي يمكن أت تترتب عنه وعليه عوائق غير محمودة لا يتمنى لها الإنسان بالظهور.
وبما أن المسألة موضوع البحث ترتبط برغبة السيد المالكي التحول إلى النظام الرئاسي فلا بد لنا أن نعود إلى تاريخ وتقاليد هذه الشخصية السياسية العراقية التي اقترنت حياته السياسية حتى الآن بقوى إسلامية سياسية (حزب الدعوة) وموقف قادة هذا الحزب من الديمقراطية على  أنها أداة وليست منهجاً وفلسفة حياتية, كما عبر عنها السيد على  الأديب, إضافة إلى الأجواء المحيطة به وطبيعة حزبه القلقة الذي عرف الجعفري رئيساً له, ثم وضع السيد المالكي النفسي أثناء عملية التفكير بالتحول من موقع إلى آخر. وهذه العوامل المتفاعلة تتجلى في إشكالية تجد تعبيرها في طريقة عمله في مجلس الوزراء وفي الحياة السياسية العراقية وكذلك في الإجراءات التي يتخذها للوصول إلى الهدف الذي يسعى إليه والذي يمكن أن يعبر عنه "البراغماتية" و"الغاية تبرر ألواسطة وكذلك عن مدى وعيه للديمقراطية لا من مفهوم ديني, بل من مفهوم مدني حديث, خاصة وأنه يتحدث عن أن الديمقراطية في العراق ستكون بعد ثلاث سنوات!
إن آخر مسألة طرحها السيد المالكي في الوسط السياسي العراقي هو دعوته للأخذ بالنظام الرئاسي في العراق ودعوته إلى تغيير الدستور لصالح تكريس مثل هذا النظام الرئاسي. وقبل الإدلاء برأيي في هذا الصدد, أشير إلى ما يلي:
لا بد للإنسان وهو يبحث في مثل هذه الأمور أن يعود إلى تاريخ وتراث وتقاليد وعادات ومسيرة شعوبنا عموماً ومكونات الشعب في العراق خصوصاً, سواء بالنسبة للعرب أم الكُرد أم التركمان أم الكلدان والآشوريين, وأن كان بنسبة أقل, وأن يتذكر واقع أن الإنسان العراقي يميل إلى الفردية في العمل والمركزية المتشددة والفوقية أو الآمرية حين يكون في المسئولية وكذلك النزوع صوب الاستبداد الفردي بذريعة فرض النظام وممارسة العدل عبر الاستبداد, ولهذا وجد في تراثنا المكتوب المستبد العادل والمستبد الظالم, والرغبة في التحكم بمصائر الآخرين. وهذه الظاهرة العامة نجدها لدى أغلب الساسة العراقيين ولم ينجو منها السيد المالكي, كما أرى, فهو ابن هذه البيئة العراقية وأبن العشائر العراقية, حيث يسعى إلى تكريس العشائرية بأساليب مستحدثة والحصيلة واحدة ولغايات ضيقة, كما أنه ابن المؤسسة الدينية أو القوى والأحزاب الدينية التي يؤكد تاريخ العراق الطويل نزوعها صوب الفردية والفكر الواحد والتحكم بإرادة الناس. وتاريخ العراق في الدول الإسلامية ابتداءً من الدولة الأموية ومروراً بالدولة العباسية وانتهاء بالدولة العثمانية  ثم الدولة الملكية الحديثة فالجمهوريات الأربعة المنصرمة والمرحلة الراهنة كفيل بتأكيد هذا الواقع المؤلم.
لقد عاش العراق خلال العقود الأخيرة وفي ظل حكم القوى القومية اليمينية والبعثية في نظام شمولي فردي مطلق, سواء أكان على رأس الحكم عبد السلام محمد عارف أم أحمد حسن البكر أم صدام حسين, والأخير هو الأكثر دموية وكراهية للإنسان الآخر والفكر الآخر وحرية الآخر وأكثر من كل السابقين نرجسية وسادية وجنون العظمة وأكثر من كل الحكام العرب. وهي المشكلة التي يفترض في كل السياسيين العراقيين أن يدركوا بأنهم يمكن ان يقعوا في هذا الطب, أن يصابوا بهذه العلل الاجتماعية المرضية, وأن من واجبهم مراقبة سلوكهم اليومي لتجاوز احتمال السقوط في هذا المستنقع الذي ركد فيه صدام حسين.
كلنا يعرف بأن التحول في العراق قد بدأ بإسقاط الدولة الشمولية بالقوة, بصورة مشوهة وبطريقة غير طبيعية وعبر عملية قيصرية, الحرب, بعد 35 عاماً من النظام الفاشي, والتي اقترنت بدورها بالدماء والدموع والضحايا المرمية على قارعة الطريق وفي القبور الجماعية وفي مياه دجلة والفرات والقتل على الهوية الفكرية والدينية والمذهبية وعبر ممارسات بعبثية تدميرية لا سابق لها في العراق وبهذه الصورة البشعة.
وبعد كل هذا وذاك اقر المجتمع دستوراً جديداً وانتخب برلماناً جديداً وشكل حكومة مسئولة أمام البرلمان, رغم كل ما في هذه العملية  والمؤسسات من نواقص معروفة ومحاصصة طائفية وقومية لم تعد مرغوبة, وهي بداية لطريق طويل يحتاج العراق إلى  فترة غير قصيرة لهضم عملية التحول من الشمولية إلى وضع آخر يمكن أن يضع العراق على طريق المجتمع المدني والدولة المدنية الديمقراطية بدلاً من العنصرية والاستبداد والطائفية المقيتة. ولا شك في أن مثل هذه العملية ستواجه الكثير من المصاعب والأخطاء لسبب بسيط جداً هو غياب التقاليد الديمقراطية والتباين في وجهات النظر والرغبة في حسم الأمور بالقوة أو بالإجبار ورفض الرأي الآخر. ومثل هذه الحالة يفترض أن لا يتطير منها السياسي الذي يحتل مركز رئيس حكومة, بل أن يتفاعل معها ليلعب دوره في التأثير عليها وتغييرها صوب الأفضل. ولكن من غير المقبول أن يطالب رئيس الوزراء بتجاوز البرلمان ورئاسة الجمهورية ليبدأ بالدعوة إلى إقامة نظام رئاسي يسمح لرئيس الوزراء أن يمارس صلاحيات يراها مناسبة على طريقة نفذ ثم ناقش. وهي البداية لشروط التحول صوب الاستبداد الذي تميز به الشخص العراقي عموماً والسياسي خصوصاً وامتلأ به تاريخ العراق السياسي.
يأمل الإنسان في أن تكون الانتخابات العامة القادمة أكثر حيوية ومشاركة ونزاهة وأكثر قدرة على انتخاب جمهرة من النائبات والنواب تكون قادرة على وعي أعمق وممارسة أكثر صرامة وحيوية لمبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية وقادرة على وضع القوانين المناسبة لتأمين التوزيع العادل والسليم للواجبات والصلاحيات بين المركز وإقليم كُردستان والمحافظات وقانون ينظم الأحزاب ونشاطها, وقانون النفط وحل المشكلات التي لا تزال عالقة بما فيها التغييرات التي أجريت على حدود المحافظات والأقضية التي استهدفت إجراء تغيير سكاني في المناطق المعنية من العراق ...الخ.
إن المسافة بين الديمقراطية والشمولية يمكن أن تكون في الدول النامية, ومنها العراق, قصيرة جداً وأقصر مما يتصورها الإنسان, ولكن مهمة المثقفين وجميع الناس الديمقراطيين منع وقوع مثل هذا التحول, منع تقليص المسافة بل توسيعها إلى أقصى الحدود لتجنب العودة بالعراق إلى أي شكل من أشكال حكم الفرد والاستبداد والشمولية والطائفية تحت أية واجهة كانت.
19/5/2009                        كاظم حبيب            

617
نقاش اقتصادي مفتوح وصريح مع السيد الدكتور برهم صالح
نائب رئيس الوزراء العراقي
الحلقة الثانية

هل من نموذج للتنمية في العراق؟

كاظم حبيب
السؤال المشروع الذي يستوجب الإجابة الصريحة عنه هو : هل تمتلك الحكومة العراقية الراهنة إستراتيجية تنموية, أم لا تزال الأمور تراوح في مكانها رغم مرور ست سنوات على سقوط الفاشية السياسية, ورغم وجود وزارة للتخطيط ومسئولين عن الملف الاقتصادي؟ وهل هذا ناشئ عن تضارب في الآراء والمواقف والمصالح للقوى والأحزاب المختلفة المشاركة في الحكم في تشخيص وجهة وحاجات وآليات التنمية المنشودة أم أن شيئاً آخر وراء الأكمة؟
كل الدلائل تؤكد عدم وجود إستراتيجية للتنمية على  صعيد العراق كله, ومعه طبعاً إقليم كردستان, وهذا ما أكده السيد وزير التخطيط علي بابان أكثر من مرة. ولكن هناك بعض الأفكار والمواقف التي يلتزم بها المشاركون في الحكم وخارجه ويلتزمون بهذا النموذج أو ذالك في التنمية وفي تحديد الإستراتيجية, كما في حالة الأخ الدكتور برهم صالح أو حكومة إقليم كردستان أو بعض الأطراف الأخرى المشاركة في الحكومة المركزية ببغداد. وقبل الإجابة عن رؤيتي لاستراتيجية ووجهة التنمية وآلياتها يفترض الحديث عن النموذج الاقتصادي الذي يراد الأخذ به للتنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي في العراق. أي, ما هي العوامل التي تفرض على الحكومة العراقية تحديد النموذج الاقتصادي الذي يراد الأخذ به خلال الفترة القادمة؟
حين نمعن النظر في أوضاع الاقتصاد والمجتمع في العراق سنجد أمامنا الواقع الكارثي الموروث والمستحدث التالي :
1.   يعتبر العراق من البلدان النامية التي تعاني من تخلف اقتصادي شديد ومن انكشاف كبير على العالم الخارجي. وقد أدت السياسات التي مارسها النظام السابق والحروب العدوانية التي فجرها وخاضها والتفريط الوحشي بموارد البلاد المالية وثرواته الوطنية من جهة, والسياسات غير الرشيدة التي مارستها الإدارة الأمريكية والحاكم بأمره بريمر وتفاقم الطائفية السياسية والتمييز الديني والطائفي, وتفاقم الإرهاب الدموي وتكريس سياسية التوزيع الحصصي للسلطة وانتشار الفساد والنهب المالي من جهة أخرى, قد عطلا العملية التنموية طيلة السنوات المنصرمة في أعقاب سقوط النظام الدكتاتوري. والعامل الأخير حاول دفع البلاد في طريق مسدود حقاً لا يتناغم مع حاجات ومتطلبات وقدرات العراق.
2.   وبدت سوءات وجسامة وخطورة حالة الانكشاف على الخارج في فترة الأزمات والحروب والحصار الاقتصادي التي مر بها العراق في عهد النظام الاستبدادي , ولكنه يلاحظ اليوم أيضاً بالارتباط مع الأزمة الاقتصادية العميقة التي لا تزال لم تستكمل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتي تجلت بالنسبة للعراق في انخفاض إيرادات النفط الخام بسبب تراجع الطلب عل النفط وانخاض سعر البرميل الواحد بنسبة عالية جداً من 146 دوراً إلى أقل من 40 دولاراً للبرميل الواحد, وبقاء اسعار الاستيراد السلعي عالية جداً بالقياس مع سعر الخامات الأولية.
3.   والاقتصاد العراقي ليس مشوهاً من حيث بنيته الداخلية فحسب, بل ومخرباً تماماً بسبب تلك السياسات والحروب وما أعقبها من سياسات, إضافة إلى سيادة الفساد المالي والإداري الذي ضيع بطرق مختلفة ما وصلت للعراق من أموال من مانحين دوليين لأغراض إعادة الإعمار, حيث تعرقلت هذه العملية حتى الوقت الحاضر. والدكتور برهم الح المسئول عن العهد الدولي والذي إدار الكثير من اجتماعات المانحين يدرك أكثر من غيره التبذير والتفريط والضياع والفساد الذي ألم بتلك الأموال والنزر اليسير منه هو الذي بقي في العراق واستخدم لصالح الناس. 
4.   واقتصاد العراق, كما هو معروف, نفطي استخراجي ريعي وحيد الجانب, وتعتمد ميزانية الدولة الاعتيادية والتنموية فيه على إيرادات النفط الخام بشكل خاص من جهة, كما أنه اقتصاد استهلاكي يعتمد على الاستيراد السلعي في تغطية الحاجة المحلية بنسبة عالية جداً ويعتمد على موارد النفط الخام في دفع مبالغ الاستيراد الا ستهلاكي السنوية.  أي أن إيرادات العراق المالية يذهب معظمها لأغراض الاستيراد السلعي الاستهلاكي.
5.   وهذا يعني أن الاقتصاد العراقي محروم تماماً من عملية تراكم رأس المال ومن تنمية وتعظيم للثروة الوطنية من خلال تنشيط القطاعات الإنتاجية السلعية (الصناعة والزراعة) المحلية. ويتجلى ذلك بوضوح كبير في أسلوب علاقات الإنتاج المهيمنة والمضيعة لفرص الاستثمار وتحقيق التراكم من جهة, وضعف نمو العلاقات الإنتاجية الرأسمالية المنشطة للتراكم الرأسمالي وتخلف الأطر الضرورية لتعجيل التنمية الوطنية, وتنشيط القطاعين الخاص, المحلي والأجنبي, والقطاع الحكومي. ويمكن للتظاهرة الا حتجاجية التي نظمها اتحاد الصناعات العراقي مع بعض النقابات العراقية حول الموقف السلبي للحكومة من القطاع الصناعي تأكيد لما نقول في هذا الصدد.
6.   ورغم الحديث عن الجهود المبذولة في إقامة البنية التحتية والخدمات الأساسية, فأن العراق لا زال يعاني من تخلف شديد وشكوى مرة في هذا المجال أيضاً, وبشكل خاص في مجال الطاقة والماء والمجاري والهاتف والنقل...الخ , رغم توفر الإمكانيات لتنشيط العمل في هذا القطاع والذي يمكن أن يستوعب الكثير من الأيدي العاملة العاطلة حالياً.   
7.   كما أن هذا الواقع قد تجلى في وجود بطالة واسعة أكثر بكثير مما يصرح به المسئولون, إضافة إلى سعة قاعدة البطالة المقنعة المتراكمة في أجهزة الدولة المتضخمة والمستنزفة للكثير من موارد العراق المالية. وهي التي ستبقى تثير المزيد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وتهيئ أرضية تحرث دوماً لصتلح قوى الإرهاب والحصول على من ينفذ عملياتهم الإرهابية.
8.   ولا شك في أن العراق لا زال يعاني من نقص قاعدة المعلومات والبيانات ومراكز البحث العلمي النظري  والتطبيقي, إضافة إلى الضعف الشديد الذي تعاني منه الجامعات العراقية ومناهجها ونقص الجهاز التعليمي وضعفه ومعاناته من قوى الإرهاب وتدخل قوى الإسلام السياسي في الشأن الجامعي والتعليمي وفي وضع مناهج متخلفة ولا علمية واضطرار عدد كبير من الكادر العلمي إلى مغادرة العراق, إضافة إلى العدد الكبير الذي استشهد في حروب النظام المريرة وخلال الأعوام المنصرمة.
9.   ولا بد من الإشارة الواضحة إلى التدهور الشديد في بنية القوى العاملة في العراق من حيث مستوى التعليم العام والمهني والفني وتراجع مستوى المهنية والحرفية لدى الأيدي العاملة. وهذه الحالة تستوجب التغيير في وجهة التعليم العام والمهني والمناهج وإعادة التأهيل. وهي حالة مرتبطة بتراجع في حجم الطبقة العاملة وجمهرة الفلاحين لصالح الفئات المهمشة اقتصادياً واجتماعياً وفكرياً وتعليمياً وثقافياً وانضباطاً.   
10.   ولا شك في أن الشرط الأساس لاختيار ووضع وتنفيذ إستراتيجية تنموية هو الأمن والاستقرار والتفاهم والتعاون وحل المعضلات بالطرق السلمية والآليات الديمقراطية بين الأحزاب والقوى السياسية المشاركة في تكوين الحكومة, إضافة إلى موقف المجتمع من سياسات الحكومة. وأن ما يعيشه العراق حالياً هو غياب الثقة المتبادلة والتنافس بالمناكب المتبادل لانتزاع "اقصى الحقوق" في العراق الجريح والمخرب والإنسان العليل والمهمو حقاً.
11.   وبسبب الفوضى التي سادت العراق خلال عدة أعوام منصرمة وتحول مظاهر الفساد المالي والإداري الكبيرة في العهد الصدامي إلى مستوى النظام الفاعل في الدولة والمجتمع, وانسياب المليارات الكثيرة من الدولارات إلى جيوب الفاسدين والمفسدين, نشأت فجوة متسعة وأكثر من أي وقت مضى بين قلة قليلة مالكة للأموال ومرفهة, وبين أكثرية تعاني من الفقر والعوز وشظف العيش , رغم الحديث عن متوسط حصة الفرد الواحد من الدخل القومي الذي لا يعني شيئاً كما سنتحدث عنه في الحلقات اللاحقة.
12.   وقد أوجدت هذه الحالة تراجعاً شديداً وسريعاً في مصداقية الناس وثقتها بقوى المعارضة السابقة والحاكمة حالياً على مستوى العراق كله. فالثقة بالدولة وحكومة الإقليم ومجالس المحافظات ضعيفة جداً والثقة في ما بين القوى السياسية متردية, مما يزيد من حالة التأزم الجارية في البلاد.
13.   والشيء الوحيد المنتعش في العراق هو الاستيراد وإغراق الأسواق الملحية بالسلع المصنعة السيئة النوعية من دول الجوار والدول الأخرى ذات الإنتاج الردئ, وهي ظاهرة سلبية بسبب استنزافها لموارد العراق المالية, وإعاقة البناء الصناعي والزراعي في البلاد, إضافة إلى إعاقة تشغيل العاطلين عن العمل. 
هذا هو الواقع الذي يواجه العراق حالياً, رغم التحسن الأمني الهش الذي حصل في المحافظات مع تراجعه في كل من بغداد والموصل وديالي وربما كركوك. وهذا الواقع المزري اقتصادياً والموروث والمضاف إليه سلبيات جديدة, يفرض على الحكومة العراقية وحكومة الإقليم ومجالس المحافظات الأخذ بنموذج اقتصادي معين للتنمية في العراق. وتتلخص الأسباب الكامنة وراء الدعوة للأخذ بالنموذج الذي نطرحه لاحقاً بما يلي:
1.   العراق ليس بالدولة الفقيرة, بل مالكة للخيرات الأولية التي يمكن تحويلها إلى موارد مالية كبيرة توضع لتحقيق التنمية المعجلة. والنفط يشكل أبرز تلك الموارد المادية, إضافة إلى وجود خامات أخرى قابلة للتنمية الصناعية, كما أن أرض العراق متنوعةو قابلة للتنمية الزراعية الحديثة.
2.   والعراق مالك لطاقات بشرية متخصصة رغم فقدان نسبة كبيرة منها عبر الحروب والاستبداد والإرهاب, إضافة إلى اضطرار الكثير منهم للعيش في الشتات, ولكن يمكن الاستفادة منهم عند توفير الأطر المناسبة لعودتهم وعملهم في الوطن.
3.   والعراق مطلوب على الصعيد الاقتصادي العالمي لا من حيث ثرواته النفطية فحسب, بل ومن حيث قدرته على استيعاب الكثير من التوظيفات لأغراض التنمية التي تحقق أرباحاً طائلة لأصحاب رؤوس الأموال المحليين والأجانب, وكذلك من حيث كونه ثروة صناعية سياحية هائلة. إذ كل بقعة من العراق تعتبر موقعاً لجذب السياح والزائرين, سواء أكانت سياحة دينية لكل الديانات والمذاهب الدينية المعروفة, أم سياحة للآثار القديمة في بابل ونينوى وغيرهما, أم سياحة جبلية ومصايف كردستانية أم صحراوية.
4.   ويمكن للعراق أن يمارس عملية التعاون والتنسيق الاقتصادي على الصعيدين العربي والإقليمي وعلى الصعيد الدولي في مجال إعادة الإعمار والتنمية المستدامة والاستفادة من الخبرات والكفاءات والتقنيات الحديثة في عملية التنمية في كوكبنا المعولم.         
إن كل ذلك يفرض علينا أن نختار النموذج المناسب للتنمية بحيث يحقق للعراق الربط العضوي بين النشاط المعجل والمتسع والمكثف للقطاع الخاص المحلي والإقليمي والدولي, وبين النشاط الموجه والحركي لقطاع الدولة. ويمكن للقطاع الأخير أن يتوجه صوب القطاع الصناعي الإستخراجي للنفط والغاز الطبيعي ومنتجاتهما وصوب البنية التحتية وجملة من مشاريع الصناعة التحويلية التي يفترض أن ينهض بها القطاع الحكومي لصعوبة مساهمة القطاع الخاص بها. وبهذا يكون لدينا نموذج اقتصادي لا يعتمد على القطاع الخاص وحده, ولا على  القطاع الحكومي وحده, بل يجمع بين القطاعين ليحدد مسار التنمية الوطنية للعشرين سنة القادمة على أقل تقدير.
وفي هذه النقطة بالذات أختلف مع السيد الدكتور برهم صالح الذي يدعو إلى النموذج اللبرالي الجديد الأكثر تشدداً في مقاومة دور الدولة وقطاعها اقتصادي, والذي اثبت فشله وضرره للعالم كله, ولكن بشكل خاص للدول النامية. وفي قناعتي الشخصية أرى بأن الاقتصاد العراقي لا يمكنه أن يستغني بأي حال وعلى مدى العقود الثلاثة القادمة عن قطاع الدولة أو أن يستغني عن القطاع الخاص المحلي والأجنبي, وبالتالي لا بد من إيجاد صيغة تعاون وتنسيق عملية تنهض بالاقتصاد العراقي من كبوته الشديدة, وهي المهمة الأولى المركزية حالياً في الحقول الاقتصادية والاجتماعية والبشرية والثقافية التي في مقدورها أن تعالج أزمة البطالة المستفحلة وأزمة الفقر المدقع لفئات واسعة في المجتمع.. الخ. ومنذ مجيء بريمر إلى العراق حتى الآن اشتدت الدعوات إلى:
** توقف الدولة كلية عن النشاط الاقتصادي وجعله بيد القطاع الخاص بشكل كامل, في وقت يعجز القطاع الخاص على النهوض بهذه المهمة, وفي وقت يحتاج الاقتصاد العراقي إلى جهود الدولة.
** تصفية مشاريع القطاع العام من خلال بيعها للقطاع الخاص المحلي أو الأجنبي (الخصخصة) دون النظر إلى أهمية بقاء البعض منها في يد قطاع الدولة لأسباب كثيرة ودون النظر إلى عدم رغبة القطاع الخاص فيها, مع توفر إمكانية تشغيلها حكومياً.   
* ابتعاد الدولة عن التصنيع التحويلي كلية والاكتفاء باستيراد السلع المصنعة من الخارج, أي استمرار جعل الاقتصاد العراقي اقتصاداً إستخراجياً ريعياً واستهلاكياً لا غير , وهذا يعني عجز الحكومة عن تغيير عدة مسائل سلبية على الأقل:
أ. إبقاء الاقتصاد العراقي اقتصاداً ريعياً من حيث النفط والزراعة, واستهلاكياً في اعتماده على استيراد نسبة عالية جداً من احتياجات السوق المحلية.
ب‌. استنزاف شديد للموارد المالية المتأتية من النفط الخام دون المشاركة في إغناء الثروة الوطنية.
ت‌. عدم تحقيق تراكم رأسمالي ضروري جداً للعملية التنموية ولإغناء الثروة الوطنية والا حتفاظ بالثروة داخل البلاد وإحداث تغيير في بنية الاقتصاد الوحيد الجانب وتخليصه من تبعيته الشديدة الراهنة.
ث‌. العجز عن تأمين العمل لمزيد من الأيدي العاملة في دولة لا تزال نسبة الأطفال والصبية والشباب كبيرة جداً وتضخ سنوياً الكثير من الأيدي العاملة الجديدة إلى سوق العمل.
ج‌. العجز عن ضمان الأمن الغذائي من المنتجات الزراعية والصناعية في البلاد والانكشاف الشديد على الخارج, وخاصة في فترات الأزمات والتعقيدات مع دول الجوار.
وستكون لمثل هذه السياسة عواقب سلبية على المدى البعيد والأجيال العراقية القادمة, رغم أن الجيل الراهن سيعاني من البطالة والفقر بشكل خاص, إضافة إلى استمرار فعل بقية المشكلات الاقتصادية.
نحن أمام صراع ملتبس في غالب الأحيان بشأن العلاقة بين القطاعين العام والخاص من جهة, وبشأن العلاقة بين الصناعة والزراعة والتجارة من جهة أخرى, لسببين هما:
• الخلفية الفكرية والسياسية والمصلحية التي يحملها كل طرف من أطراف الصراع والمبنية على أحكام مسبقة وجاهزة.
• والتباين أو الضعف في وضوح الرؤية لبعض جوانب الواقع الراهن ومهمات المرحلة التي يعيش فيها شعب العراق ومن ثم مهماته الراهنة ومهمات أجياله القادمة.
وهذا النقد يتوجه صوب المغالين المتخندقين في اتجاهين متناقضين وليس باتجاه واحد, سواء من يرفض القطاع الخاص أو يرفض القطاع العام, في حين نحن ولسنوات طويلة قادمة بحاجة إلى الاثنين.
القطاع العام والقطاع الخاص لا يعنيان شيئاً في خضم الصراع من أجل السلطة السياسية. فالدولة الاشتراكية السوفييتية التي كانت تمتلك كل شيء, فرطت بكل شيء لأسباب كثيرة, ولكن بشكل خاص بسبب البيروقراطية وغياب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والفساد الحزبي والحكومي والمالي والإداري .. وبسبب التعسف في هيمنة الدولة على كل شيء الذي أدى إلى فقدان السيطرة على كل شيء, إضافة إلى أسباب كثيرة جوهرية أخرى.
إن جوهر القضية في العراق يكمن اليوم في موقفنا من مبادئ وممارسة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات ومدى الوعي بمهمات المرحلة ومستوى العدالة الاجتماعية الذي ننشده, وليس بالشعارات التي تطرح وفيها الكثير من المزايدات التي لا تتطابق مع الواقع القائم ولمدى ربع قرن قادم على اقل تقدير.
المرحلة الراهنة تستوجب الصراحة في طرح الأفكار والمواقف. نحن أمام مهمة بناء العلاقات الإنتاجية الرأسمالية في العراق ولسنا أمام أي مهمة أخرى. ولكن الرأسمالية التي يفترض أن تبنى في العراق يستوجب اعتمادها على قطاعين, على القطاع الخاص, أي على دور البرجوازية الوطنية وعلى نشاطها الاقتصادي التصنيعي والزراعي والتجاري ...الخ ومعه القطاع الخاص الأجنبي, وعلى قطاع الدولة الذي يمتلك الموارد المادية والمالية, إذ لا بد من مشاركتهما في عملية التنميةالمستدامة بالارتباط مع واقع المجتمع وحاجاته.  نحن أمام مهمة إزالة بقايا العلاقات القديمة المتخلفة والبالية المعرقلة لنمو الرأسمالية والتصنيع الحديث وتحديث الزراعة والتغيير الاقتصادي والاجتماعي في البلاد. ولكن, ونحن نبني العلاقات الرأسمالية , نحتاج إلى عتلات مهمة أو إلى آليات يفترض فيها أن تساند وتساعد تعجيل عملية التنمية والنمو وتحقيق التراكم الرأسمالي وتنظيم هذه العملية في اقتصاد السوق من جهة , ولكن بحن بحاجة أيضاً إلى كوابح يفترض فيها أن تحد في الوقت نفسه من شراسة الاستغلال المحتملة وأن تساهم في تنظيم العملية الاجتماعية بقوانين ملزمة بحيث يتجنب المجتمع احتدام الصراعات الطبقية بسبب نشوء فجوة متسعة في مستويات المعيشة والغني والثروة من جهة أخرى. ومثل هذه الإمكانية متوفرة وضرورية, أي أننا بحاجة إلى اقتصاد السوق ولكن بوجهة اجتماعية منظمة للعلاقات والضمانات في المجتمع. لقد كان بريمر يدفع بالعراق صوب الرأسمالية الأكثر عتواً واستغلالاً, وهذا ما يدعو إليه الكتور رهم صالح بوضوح كبير لا يقبل الا لتباس, وتصريحاته وخطبه كفيلة بتأكيد ما توصلت إليه.     
كلنا يعرف بأن القوانين الاقتصادية الموضوعية في الرأسمالية هي واحدة, ولكن فعل تلك القوانين متفاوت بالارتباط مع مستوى التطور والمراحل التي قطعها التطور الاقتصادي الرأسمالي في كل بلد من هذه البلدان والسياسات التي تمارسها الدولة. وهذا يعني أن التجارب متباينة من حيث الزمان والمكان ومستوى التطور ومن حيث التعامل مع تلك القوانين الاقتصادية الموضوعية ومع القواعد والآليات التي تنظم العملية الاقتصادية. ومن هنا علينا أن ننتبه وننبه بأن ما نفذ في الولايات المتحدة أو بريطانيا أو ألمانيا أو أسبانيا أو البرتغال أو غيرها من سياسات وإجراءات لا يمكن أن تكون ذاتها في العراق , رغم كون القوانين الاقتصادية الموضوعية الفاعلة للرأسمالية واحدة. إن وعي هذه القضية ضروري لكي نبتعد عن الجمود والنصية والتجريبية والخضوع لهذا النموذج أو ذاك, إذ لا يمكن أن يكون ذاته مناسباً لكل الدول. إن عملية التحول من الاقتصاد الشمولي الذي ساد في العراق صوب اقتصاد السوق ليس سهلاً, ولكن لا يجوز أن يتم على حساب مالح البشر والفقراء والمعوزين منهم على نحو خاص. ومن هنا يأتي مفهوم اقتصاد السوق الا جتماعي.
نحن بحاجة إلى تطور رأسمالي بالقطع ودون أي لف أو دوران , ولكن نحن بحاجة إلى ضوابط تسمح بنشوء سلم اجتماعي يساعد على مشاركة الجميع في البناء وفي الاستفادة من التقدم الاقتصادي , ونحن بحاجة إلى تسريع العملية الاقتصادية والبناء الرأسمالي والتغيير الاقتصادي والاجتماعي وينقل المجتمع من مرحلة إلى أخرى. نحن في العراق لا نزال في قعر التخلف والفوضى والبؤس والفاقة رغم غنى الأرض وقدرة الإنسان العراقي على البناء. نحن بحاجة إلى  اقتصاد السوق الاجتماعي وليس إلى اقتصاد رأسمالي متوحش. الحوار حول هذه المسألة جار على قدم وساق في سائر ارجاء العالم والأزمة الاقتصادية الشاملة الجارية عمقت هذا النقاش وساعدت على مشاركة الكثير من الناس به, وعلينا خوضه لصالح شعب العراق بكل مكوناته القومية والاجتماعية بهدف الوصول إلى ما يخدم الشعب. 

انتهت الحلقة الثانية وتليها الحلقة الثالثة الخاصة باستراتيجية التنمية في العراق.
نشرت الحلقة الثانية في جريدة المدى البغدادية بتاريخ 17/5/2009

618
كاظم حبيب
هل من جديد في الحياة السياسية في كردستان العراق؟

حين تتأخر الأحزاب السياسية عن إدراك التحولات الجارية في العالم والمنطقة أو في بلادها, وحين لا تتخذ الإجراءات التي تستوجبها تلك التحولات في اتجاهات تفكير وبرنامج وعمل أحزابها لأنها لم تدرك أهمتها وضرورتها الموضوعية ولم تتناغم معها, أياً كانت تلك الأحزاب السياسية, وأياً كانت الجماهيرية التي كانت تتمتع بها في فترة ما, وأياً كان حجم النضال الذي خاضته والتضحيات التي قدمتها, وأياً كانت الكارزما التي تمتع أو يتمتع بها بعض قادتها التاريخيين, سوف يعاقبها أعضاء الحزب ويعاقبها المجتمع والتاريخ بصيغ وأساليب شتى. وحينذاك لا ينفع الندم, إذ تكون قوى أخرى قد بدأت تحل تدريجاً محلها لأنها أهملت وعي حركة التطور والمرحلة الجديدة وحاجات الناس ومطالبها وانغمست في الركض وراء مصالحها والمكاسب الشخصية الزائلة والبقاء في دست الحكم. وقد مر العراق بتجارب مريرة في هذا الصدد. إذ غالباً ما تبرز قوى أخرى يفرضها واقع الحال وحاجة الناس إلى التغيير, تأخذ على عاتقها تأشير مواطن الخلل في العملية والحياة السياسية الجارية في البلاد وتقنع الناس بصواب النقد الذي توجهه إلى الأحزاب التقليدية والذي تعيشه الجماهير ذاتها يومياً. ويمكن أن تبقى تلك الأحزاب في الحكم ولكن علاقتها بالناس والمجتمع تصبح هامشية حقاً. ولا شك في أن مثل هذه العملية لا تتم بين ليلة وضحاها, بل تتخذ مساراً طويلاً ومعقداً ومحفوفاً بالمخاطر للجديد من جانب القوى القديمة التي, رغم النقد الصارخ الذي ترسله الأوساط الشعبية إلى أسماع المسئولين يومياً, لأنها لا تزال تمتلك القوة والقدرة المتمثلة بأجهزة الحكم التي في يديها على معاقبتهم ومحاولة وضع العصي في طريق التحول. وربما يكون بعض الجديد يحمل أخطاء القديم أيضاً بسبب انبثاقه منه وتحمله مسئولية ما جرى حتى هذه اللحظة, كما يمكن أن يكون بعض الجديد غير جديد بل بالِ تعيق, كما في حالة قوى الإسلام السياسية التي تريد إقامة نظام حكم لا يمكن أن تقوم له قائمة في القرن الحادي والعشرين, يشكل خطراً على المجتمع ذاته. ولكن تلك الأحزاب التي لا تزال في يديها مفاتيح الحكم والتغيير لا تريد التغيير وتجد أن "ليس في الإمكان أبدع مما كان" لأن التغيير, يأتي على مصالحها الأنانية الضيقة أو بعض قوى فيها.
والغريب بالأمر أن النقد الذي نوجهه لمجرى العملية السياسية ولوضع الناس والفساد المالي والإداري والحزبية الضيقة والهيمنة الأسرية ... الخ تؤخذ وكأنها عملية تجريح للأحزاب الحاكمة وليس من أجل تخليص تلك الأحزاب من العلل التي أصبحت تعاني منها وتهيمن على الواقع السياسي والاجتماعي في الإقليم بعد مرور ما يقرب من عقدين من السنين وهي في الحكم.
لقد قدم شعب كردستان تضحيات جليلة ومديدة لضمان حريته وتمتعه بحقوقه القومية والقضاء على التهميش الذي عانى منه طوال عقود. ومن حق هذا الشعب أن يتمتع بحريته وأن يعيش في أجواء الديمقراطية والحياة الدستورية وأن يكافح ضد كل أشكال الفساد المالي والإداري وضيق الأفق الحزبي وإهمال المستقلين من الناس, وهم الغالبية العظمى واستمرار البطالة, رغم توفر الموارد المالية والابتعاد عن التصنيع رغم حاجة الإقليم إلى ذلك وتخلف الزراعة رغم ضرورتها وإمكانياتها المتوفرة في الإقليم.
إن شعب إقليم كردستان يمتلك حرية التعبير والنقد بحدود معينة ويمتلك حرية النشر والصحافة بحدود معينة, ولكنه لا يمتلك حق المشاركة في رسم سياسة الإقليم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية, وكأن هذه المهمات ليست له ولصالحه وعليه إبداء الرأي بشأنها , بل هي من مهمات الحزبين الحاكمين, وبتعبير أدق قيادتي الحزبين الحاكمين, الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني, وهو أمر لم يكن لتقبله قيادتا هذين الحزبين حين كانتا في المعارضة.
وكأني بهما يقولان للجماهير " لا تفكروا نحن ندبر لكم الأمور!
ونتيجة لسياسات الحزبين الرئيسين في الإقليم برزت قوى أخرى كانت تعتبر جزءاً من الحزبين أو كانت في تحالف مع الحزبين, ولكنها لم تعد قادرة على السير على  طريقة "موافج" المعروفة من العهد الملكي, بل تريد أن تبدي رأيها في كل صغيرة وكبيرة. والأحزاب التي سكتت عن أخطاء سياسة الحزبين في الحكم وإدارة شئون الإقليم خسرت جماهيرها تماماً وأصبحت لا تملك المصداقية عند الجماهير التي أودعت ثقتها بها. وهذا أحد العوامل الذي دفع بعض القوى التي كانت متحالفة مع الحزبين أو مع حزب واحد منها, إلى التفكير في مصير حزبها إن سارت على  نفس النهج والسكوت عن النواقص والأخطاء الحاصلة في الإقليم أو على صعيد العراق كله.
لقد كتبت مجموعة من المقالات بعد كل عودة لي من زيارة قمت بها إلى العراق حيث كنت أقضي أسابيع في كردستان وأرصد الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الإقليم وأتابع أحاديث الناس من مختلف الفئات الاجتماعية, وخاصة سائقي التاكسيات, أو من مسئولين في الأحزاب ومن أوساط ثقافية وإعلامية وأصحاب المخازن, وكنت أشعر بأن مقالاتي النقدية بجانبيها الإيجابي والسلبي تجد صدى طيباً في الأوساط الشعبية لأنها تكتب بصراحة ومن منطلق الحرص على التجربة الكردستانية وعلى تضحيات الشعب الكردي, الذي كان هو قبل غيره وقوداً لوثباته وانتفاضاته وثوراته, والحرص على العملية السياسية والأحزاب السياسية المتحالفة وليس من منطلق التشفي بالنواقص أو الرغبة في الإساءة لأي من المسئولين.
شعب إقليم كردستان العراق مقبل على الانتخابات البرلمانية في 25 تموز/يوليو 2009. ولم تعد هناك قائمة واحدة, كما في السابق, بل ما يقرب من أربعين قائمة, كما أن القائمة الموحدة السابقة للإقليم لم تعد واحدة في الإقليم بل هناك أربع قوائم معتبرة تتنافس بقوة على مقاعد البرلمان. وأجواء الانتخابات ساخنة نسبياً وهي إلى حدود بعيدة مفتوحة. كما أن رئيس إقليم كردستان العراق السيد مسعود بارزاني أكد على أنه يريد انتخابات نزيهة وأنه يشجع على وجود ممثلين للأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان لمراقبة الانتخابات.
لا شك في أن هذه الانتخابات مهمة لأنها لم تعد هناك قائمة واحدة, رغم اتفاق الحزبين الرئيسيين على مناصفة المقاعد التي ستفوز بها القائمة المشتركة, بل عدة قوائم. ولا شك في أن الانتخابات لا يمكن لها أن تجري بصورة متكافئة بسبب التباين في امتلاك القنوات الفضائية والمحلية وامتلاك الأموال والوجود في السلطة ...الخ, إلا أنها ستبقى مهمة وبداية جديدة لحراك سياسي جديد ومنعش في إقليم كردستان, إنه بداية مهمة على طريق طويل لتحقيق التغيير باتجاه إقامة مجتمع مدني ديمقراطي تسوده الحريات الديمقراطية والحياة الدستورية واحترام وممارسة حقوق الإنسان وحقوق المرأة كاملة ومكافحة الفساد المالي والإداري ورفض الحزبية الضيقة في التعيين في أجهزة الإقليم, مجتمع يتم فيه الفصل الفعلي بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وتتقلص الفجوة بين أصحاب الملايين والفئات الكادحة التي ناضلت من أجل انتصار الحياة الحرة والكريمة والعيش الرغيد في الإقليم, إقليم يسعى إلى التنمية الصناعية والزراعية وتحقيق الأمن الغذائي واستخدام الموارد المالية لصالح التنمية ولا يفتح أبواب الإقليم على مصاريعها, كما يجري في بقية أنحاء العراق, أمام استيراد السلع الاستهلاكية بالطريقة الراهنة التي تجهز على الإنتاج المحلي, وخاصة الزراعي, وتمنع بروز صناعة في الإقليم.
أتمنى للانتخابات البرلمانية في إقليم كردستان العراق النجاح في أجواء من الحرية والديمقراطية والنزاهة, وأتمنى التماسك لشعب كردستان العراق والنجاح في إدخال ممثليه في الدورة البرلمانية الجديدة التي تعزز ممارسة الإقليم لحقوقه المشروعة وتعزز الوحدة والتنسيق والتكامل مع بقية أجزاء العراق الاتحادي وحل المعضلات مع المركز في بغداد وفق الآليات الدستورية الديمقراطية وعبر التفاوض السلمي.
17/5/2009                      كاظم حبيب

619
نقاش اقتصادي مفتوح وصريح مع السيد الدكتور برهم صالح
نائب رئيس الوزراء العراقي
المدخل
تابعت بعناية مستمرة خطب وتصريحات ومقابلات السيد الدكتور برهم صالح, نائب رئيس الوزراء العراقي, وبشكل خاص تلك المتعلقة بالشأن الاقتصادي العراقي, وكان آخرها مقابلته الصحفية مع "فضائية الشرقية" التي نشرت في نشرة "الإنصات المركزي" التابعة لهيئة الإعلام المركزي في الاتحاد الوطني الكردستاني بتاريخ 5/5/2009, وقبل ذاك خطابه في مؤتمر الاستثمار الذي عقد أخيراً في لندن. وما عرضه الدكتور صالح من أفكار واتجاهات في السياسة الاقتصادية التي يسعى إلى تحقيقها في العراق تستحق المناقشة وإبداء الرأي بشأنها, إذ لم تطرح مثل هذه الأفكار من أي مسئول عراقي حتى الآن بمثل هذا الوضوح لما يريده للعراق خلال السنوات القادمة. ولا شك في أن القضايا السياسية التي يطرحها هي الأخرى تستحق النقاش ايضاً لأهميتها في العملية السياسية الجارية في العراق, إلا أني سأوجل النقاش حول الأفكار السياسية المهمة التي طرحها لوقت آخر وأركز على السياسة الاقتصادية التي يريد للعراق أن يتبناها ويسير عليها.
إن مناقشتي لأفكاره, سواء بالتأييد أو الاختلاف, ستنصب على عشر نقاط جوهرية, يمكن صياغتها على شكل أسئلة فيما يلي:
1.   هل كان اقتصاد الدولة في العراق اقتصاداً اشتراكياً حقاً, كما يشير الدكتور برهم صالح أم شيئاً آخر, وما هو الموقف من قطاع الدولة الاقتصادي؟
2.   وهل يمتلك العراق استراتيجية اقتصادية, أم لا يزال يراوح في مكانه رغم مرور ست سنوات على سقوط الفاشية السياسية في العراقي؟
3.   وما هو الموقف من البنية التحتية المخربة, ومن يفترض أن ينهض بها؟
4.   وما هو الموقف من القطاع الصناعي العراقي, وهل يجوز إهماله, كما عليه الآن؟
5.   وكيف يفترض معالجة المسألة الزراعية؟
6.   وكيف يفترض أن يعمل القطاع التجاري العراقي, وهل الهدف قطع الطريق على تصنيع البلاد؟
7.   وما هو الموقف من الاستثمارات الأجنبية, وكيف يمكن تحريكها صوب الاقتصاد العراقي؟   
8.   وهل يعبر معدل حصة الفرد الواحد من الناتج المحلي الإجمالي عن تحسن فعلي في حياة الشعب, وما هي أهمية هذا المعيار في العملية الاقتصادية في العراق وفي حياة الناس؟
9.   وكيف يفترض معالجة المشكلات الاقتصادية بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كُردستان العراق؟
10.   وكيف يفترض معالجة قطاع التأمين وإعادة التأمين في العراق ليلعب دوره الاقتصادي وكاحتاط ضروري لثروات العراق؟
لا شك في وجود أكثر من مسألة أخرى في مطالعات وتصريحات وخطب ومواقف السيد الدكتور برهم صالح التي يفترض وضعها على طاولة النقاش, سواء أكان الإنسان متفقاً معه أو مختلفاً معه بشأنها, ولكني سأكتفي بمناقشة هذه النقاط العشر في حلقات عدة لكي تصبح موضع نقاش مفتوح بين جمهرة الاقتصادين من النساء والرجال في داخل العراق وخارجه.
*******************
الحلقة الأولى
هل كان اقتصاد الدولة في العراق اقتصاداً اشتراكياً حقاً أم شيئاً آخر , وما هو الموقف من قطاع الدولة الاقتصادي؟
جاء بشأن هذه النقطة في تصريحات السيد الدكتور برهم صالح ما يلي:
"هناك إجراءات مهمة لنتذكر ايضاً السياق العراقي له إرث إداري وقانوني كبير متعلق باقتصاد الدولة واقتصاد الاشتراكية نحن نتحول من ذلك الإرث إلى ما نريده من اقتصاد مفتوح, ..." ص 3 من حواره مع فضائية الشرقية.
فهل هذا التقدير صائب؟ كل الدلائل التي تحت تصرفنا تؤكد بأن السيد الدكتور برهم على خطأ فادح حين يعتقد بأن الاقتصاد العراقي في فترة حكم حزب البعث وصدام حسين كان اشتراكياً. فمن عاش في العراق ومن عرف الاقتصاد العراقي حينذاك عن كثب ومن عمل في المجال الاقتصادي يدرك دون أدنى ريب عدداً من القضايا الجوهرية, وهي:
1.   إن الدولة العراقية في عهد حزب البعث وقيادة صدام حسين كانت دولة شمولية مطلقة, دولة من حيث السياسة والممارسة فاشية, وكانت دولة تقوم في أحسن الأحوال على أساس "اشتراكية الحزب النازي" الرأسمالية الصرفة, ولكن وفق أوضاع اقتصاد متخلف وتابع, ولم يكن لهذا الاقتصاد أية صلة بقوانين الاقتصاد الاشتراكي بأي حال.
2. وأن ملكية الدولة لرأس المال لم يحولها إلى دولة اشتراكية , بل كان الاستبداد والقرارات الفردية هو المهيمنة على هذا الاقتصاد ويعمل لمصلحة النخبة الحاكمة والقوى البيروقراطية المهيمنة على أجهزة الدولة والمتحكمة بحركة ونشاط وموارد قطاع الدولة.
4. وأن الإدارة الاقتصادية في هذا القطاع لم تنهض على أسس اقتصادية, سواء أكانت رأسمالية أم اشتراكية, ولم تخضع للقوانين الاقتصادية الموضوعية, ومنها قوانين السوق, كما لم تلتزم بالمحاسبة الاقتصادية والحساب الاقتصادي, بل كانت تنشأ وفق رغبات وقرارات فوضوية ولا تمت إلى الجدوى الاقتصادية والاجتماعية باي صلة.
5. كما أن الأداة الرئيسية لوجهة التنمية في العراق تمثلت بما أطلق عليه بـ "التنمية الانفجارية", التي فجرت الحياة الاقتصادية والاجتماعية حقاً , وقبل ذاك السياسية في المجتمع بأسره ولم يحصد االمجتمع من هذا النظام وسياساته غير الركام.
6. وقد اقيمت هذه المشاريع على اسس غير اقتصادية وبذخية في فترة الفورة النفطية وما بعدها وحين كان وزير الصناعة العراقي السابق طه الجزراوي يقول "نريد الأفضل ونمتلك النقود". ومن خلال هذه المقولة وغيرها تم التفريط الفاحش بأموال الشعب بصورة غبية.
ومن هنا نقول أن الاقتصاد العراقي وقرارات السلطة العراقية حينذاك لم تكن اشتراكية ولا تمت للاشتراكية بصلة, كما لم تكن رأسمالية, بل كانت تخبطاً من جماعات لا ذمة لديها ولا ضمير.
إن هذا الواقع وما تسبب به النظام السابق يفترض أن لا يعني بأي حال بأن على العراق أن يبتعد كلية عن أن يكون له قطاعاً اقتصادياً حكومياً بمستوى معين ومجالات اقتصادية معينة, سواء أكان ذلك في مجال اقتصاد النفط الاستخراجي أم في القطاع الصناعي التحويلي, أم ي قطاات البنية التحتية (الهياكل الارتكازية), بل لا بد من ذلك في اقتصاد متخلف ومدمر مثل الاقتصاد العراقي الذي يستوجب ويحتاج كل الطاقات والإمكانيا والكفاءات لإعادة بناء الاقتصاد العراقي ووضعه على السكة السليمة التي تساهم في تغيير بنيته الراهنة لصالح بنية اكثر توازناً وتكاملاً.
إن مشاركة الدولة في التنمية الاقتصادية من خلال قطاعها الاقتصادي لا تعني الاشتراكية, بل الرأسمالية بعينها في مرحلتنا الراهنة أولاً, وهذا لا يعني عدم فسح المجال بأوسع نطاق ممكن أمام حركة القطاع الخاص واستثماراته, سواء أكان محلياً أم أجنبياً, إذ أن العراق بحاجة إلى كل تلك القطاعات بما فيها القطاع المختلط الذي يربط بين المحلي والأجنبي والحكومي.
من يدرك عمق الأزمة الجارية في الاقتصاد الرأسمالي العالمي, ومن يدرك حركة وفعل القوانين الاقتصادية الموضوعية, ومن وعى العوامل الكامنة وراء هذه الأزمة, سيعي ايضاً, وخاصة بالنسبة للدول النامية والنفطية, ومنها العراق, المخاطر الجدية الكبيرة في عدم مشاركة قطاع الدولة في التنمية الاقتصادية وفي الرقابة الفعلية  على حركة ونشاط رأس المال, سواء أكان مصرفياً أم عقارياً أم صناعياً ام تجارياً ام مضارباً في سوق الأوراق المالية ...الخ.
إن إهمال قطاع الدولة والتركيز على القطاع الخاص وحده لا يعني باي حال الرأسمالية, بل يعني اللبرالية الجديدة الأكثر تطرفاً وتوحشاً, كما عاشتها الولايات المتحدة وبريطانيا في السنوات العشر الأخيرة على نحو خاص. ولهذا فمن غير الممكن أن نرفض القطاع الحكومي في الاقتصاد بحجة أن النظام السابق سار باشتراكية مزعومة. إن الانفتاح الاقتصادي لا يعني رفض دور وقطاع الدولة في العملية الاقتصادي, بل يستوجبه في ظروف العراق الراهنة وأكثر من أي وقت مضى, وهو المنشط الفعلي للقطاع الخاص والذي سيسهم في توفير الأطر الضرورية للنمو والتوسع والنجاح.
ومن هنا تنشأ أهمية ان يقتنع الدكتور برهم صالح بأهمية وضرورة قطاع الدولة في العراق أولاً, وأن ليس مطلوباً من وزارة الصناعة أن تبيع جميع مصانع قطاع الدولة إلى القطاع الخاص, ما دامت هناك إمكانيات مناسبة لتطوير هذا القطاع وجعله اللبنة المناسبة للتنمية الصناعية في الاقتصاد العراقي ثانياً, مع توفير مستلزمات النهوض به إدارياً وفق أسس اقتصادية ومحاسبية سليمة ورقابة فعلية.
رغم ان النظام الاستبدادي العراقي كان سيئاً في سياساته الاقتصادية, إلا ان السنوات الأولى من العقد الثامن من القرن العشرين شهدت نمواً في القطاع الصناعي الحكومي ونجاحاً في أدائه وفي منتجاته, إلا أن الفورة النفطية وسياسة التنمية الانفجارية والرغبة في الهيمنة على الاقتصاد والحياة الاقتصادية للتحكم برقاب الناس وارزاقهم وعملهم هي التي أدت إلى عواقب سلبية على القطاع الصناعي العام والخاص في آن. وعلينا ان نتذكر بأن عمليات التأميم في العام 1964 في العراق كانت ضد المصلحة الوطنية وضد البرجوازية الوطنية وضد التطور الاقتصادي الصناعي وأعاقت حركة الاستثمارات المحلية صوب التنمية. ونحن اليوم أمام حركة معاكسة تسعى إلى إنهاء وجود قطاع الدولة لا في الصناعة فحسب, بل وفي قطاع النفط الاستخراجي وتكرير النفط والصناعات التحويلية الأخرى.     
إن الدعوة إلى إلغاء قطاع الدولة الاقتصادي هو الركض وراء نموذج البنك الدولي وصندوق الدولي الذي أصبح بائراً منذ فترة غير قصيرة من جهة, ولا تعبر عن حس اجتماعي لمصالح الفئات الاجتماعية الكادحة والفقيرة التي يفترض أن تنهض الدولة بأعباء اقتصادية معينة وإنتاج سلع ذات استعمال واسع من جانب جميع فئات الشعب من جهة ثانية, والمشاركة في تأمين الأطر المناسبة لحركة وفعل ونمو القطاع الخاص من جهة ثالثة. كما أن أهمية هذا القطاع تكم في ما تملكه الدولة من موارد مالية تتيح فرصة أفضل لاستخدامها في قطاعات اساسية تساهم في تراكم الثروة وإغناء الدخل القومي وتحسين مستوى حياة الناس. علينا أن لا نفكر بالمنافسة بين القطاعين, بل التكامل بينهما من جهة, ولكن المنافسة تكون على إنتاج السلعة الأفضل نوعية والأقل تكلفة والأكثر فائدة للاقتصاد الوطني والمجتمع. 
انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية.
9/5/2009                       كاظم حبيب
نشر في جريدة المدى/ بغداد

620
كاظم حبيب
ابو عمر البغدادي في قبضة العدالة,  وماذا بعد؟
حققت قوى الأمن العراقية نجاحاً مهماً بإلقائها القبض على أحد أبرز الإرهابيين والمسئول الأول عن تنظيم القاعدة الإرهابي في العراق, أبو عمر البغدادي, الذي احتل موقع المجرم القاتل ابو مصعب الزرقاوي بعد مقتله في مواجهة مع قوى الأمن العراقية. لا شك في أن هذا الاعتقال سيسهم في:
•   تعزيز ثقة قوى الأمن الداخلي بنفسها وسيساعدها على تنشيط دورها أكثر فأكثر , كما أنه سيسهم في تعزيز ثقة المواطنات والمواطنين بها.
•   الوصول إلى معلومات إضافية مهمة عن تنظيم القاعدة وعن القوى المتحالفة معه وتلك التي تمونه بالسلاح وتموله بالمال وتجهزه بالانتحاريين من الداخل والخارج. وبها يمكن توجيه ضربات جديدة لقوى القاعدة الشريرة.
•   إضعاف تنظيم القاعدة في العراق وبث الخشية في صفوفه من أحتمال وقوع أفراده بأيدي قوى الأمن العراقية.
ولكن هذا الاعتقال لا يعني بأي حال أن هذه القوى ستتوقف عن تنفيذ عمليات إرهابية جديدة في العراق بأمل إعطاء انطباع للناس بأن الاعتقال لا يؤثر على نشاطها في العراق, كما يمكن أن تشتد روح الانتقام والعدوانية في صفوف هذا التنظيم. ولهذا يفترض المزيد من اليقظة والحذر ومواصلة مطاردة هذا العدو الشرس المجروح باعتقال قائده. والمهمة الكبيرة تبرز في ضرورة التوسع في العمل الاستخباراتي في صفوف قوى الإرهاب لتقليص العمليات العسكرية وتخفيف عبئها على ميزانية الدولة وحياة الناس زتسريع عملية إلقاء القبض عليهم قبل ممارسة عملياتهم البشعة.
إن اعتقال أبو عمر البغدادي, ورغم إضعافه لقوى القاعدة, لن يصفي وجود التنظيم في العراق بسرعة أو وجود ونشاط قوى إرهابية أخرى, بل ستسعى إلى تعويضه بمجرم غادر آخر. وسبب ذلك يكمن في استمرار وجود الأرضية الصالحة لوجود ونمو قوى الإرهاب في العراق أولاً وللنشاط الخارجي المعادي للعراق ولاتجاهات تطوره ثانياً. فما العمل من أجل تطهير أرض العراق من قوى الإرهاب والأرض الخصبة التي تنتج المزيد منهم؟
لا نأتي بجديد بقدر ما نذكر مرة بعد أخرى بأن الأمر يتطلب توجه القوى السياسية العراقية, ومنها القوى المشاركة في الحكم, إلى اتخاذ خطوات جريئة لطرح حلول عملية للمشكلات العالقة والتي تعطل مسيرة العراق نحو تكريس الأمن والاستقرار والسلام, ومنها قضايا تعديل مواد الدستور المتفق عليها, وإنجاز قانون النفط الخام, ومعالجة المشكلات القائمة بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية, وبشكل خاص في مجال عقود النفط التي وقعها الإقليم بعد أن انتهت الفترة التي تحددت في اتفاق بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم لإصدار قانون النفط ولم يصدر, الذي نمتلك نصه ونشر في الصحف العراقية ايضاً, والبدء بوضع أسس الاتفاقيات الجديدة بعد تشريع القانون الخاص بالنفط العراقي وعدم تعطيل العملية بأمل إلغاء تلك الاتفاقيات التي لن تلغى, إضافة إلى إنهاء مشكلة كركوك والمناطق الأخرى المماثلة وفق الدستور العراقية وما ورد في المادة 140, وتغيير الأجواء التي نشأت أخيراً في الموصل والتي تهدد الوضع هناك بما لا تحمد عقباه.
ويبدو, ورغم كل تصريحات السيد رئيس الوزراء وغيرهم, أن الموقف من المصالحة الوطنية غير واضح والمصطلح يحتاج إلى تفسير وفق أسس دستورية وديمقراطية تخدم مسيرة العراق السلمية, خاصة وأن هذه الوجهة تساعد على نزع فتائل غير قليلة ووضع حد للاختلاف بين القوى السياسية العراقية حول الموقف من المصالحة الوطنية.
إن المشكلة الكبرى, التي يمكن أن تتسبب في نشوء أوضاع مساعدة لقوى الإرهاب وتحبط المساعي لتعزيز الأمن والاستقرار والسلم الاجتماعي, تبرز في حياة الناس اليومية ومشكلات نقص الخدمات والبطالة الواسعة والفساد المالي في أجهزة الدولة والبيروقراطية المرتبطة بالفساد والرشوة واستمرار الهوية الطائفية تفعل فعلها في الحياة اليومية للإنسان بالرغم من تصريحات رئيس الوزراء برفضها. فالمسافة والفجوة بين القول والاقع بعد السماء عن الأرض.
إن العمل الحكومي المشترك والموحد غير موجود حالياً, وكل وزير يعمل أو لا يعمل وفق رغبته, وبالتالي تزداد مصاعب متابعة القرارات والتوصيات التي يتخذها مجلس الوزراء أو رئيس المجلس, إذ لا يملك مجلس الوزراء نظام ولا نظام متابعة للقرارات التي يتخذها, إضافة إلى اختلاط الأوراق وبروز الخلافات والعمل وفق الأمزجة الشخصية. ورغم أن المطالبة بالتعديل الوزاري قد فاق كل تصور, فأن الحكومة ذاتها لم تقدم على مثل هذه الخطوة الضرورية بانتظار الانتخابات العامة القادمة التي أصبح موعدها نقطة خلاف جديدة في مجلس النواب, رغم أن مفهوم السنة التقويمية لا يستوجب حصول خلاف بشأنه. ويبدو أن الوضع الراهن يستوجب تحركاً شعبياً واسعاً للضغط على رئاسة الدولة ومجلس الوزراء ومجلس النواب لاتخاذ الخطوات الضرورية التي تفرج الغمة التي يعاني منها المجتمع في المرحلة الراهنة ويخفف من ألام الكادحين والمهمشين الذين يشكلون نسبة عالية من بنات وابناء هذا الشعب.
   
                 

621
العلمانية تفتح الطريق صوب الحرية أيها السادة في الأحزاب الإسلامية السياسية!
عند متابعة أجواء وحالة قوى الإسلام السياسية بعد مرور ست سنوات على توفير الإدارة الأمريكية وسلطات الاحتلال الأمريكية الفرصة لها لأن تلعب دوراً أكبر يفوق كثيراً أفق وحجم ودور هذه القوى في الحياة السياسية العراقية, سيواجه خمسة مؤشرات مهمة هي:
1.   أن هذه القوى مارست سياسات عاتية في المجتمع لا تقل سوءاً عن سياسات العتاة حين يهيمنون على الحكم في أي بلد من البلدان, ومنها إيران والسعودية أو سوريا أو ليبيا. 
2.   وسعت هذه القوى الإسلاميةي السياسية إلى فرض الإيديولوجية الدينية الواحدة والمذهب الواحد وفق تفسيرها الاستبدادي المتخلف للدين والمذهب والعلاقات مع البشر على المجتمع وبدأت بمحاربة كل فكر آخر لا عن طريق الفكر والحوار بل عبر البندقية.
3.   وأنها مارست القسوة في التعامل مع الإنسان, إضافة إلى تفاقم الفساد المالي والإداري الواسعين بحيث فاق الفساد الذي ساد في زمن الدكتاتور صدام حسين, وأصبح يمارس كنظام قائم بذاته ومقبول ومعمول به بصيغ مختلفة من قبل الدولة والحكم والمجتمع.
4.   وشكلت هذه القوى لها ميليشيات طائفية مسلحة مارست القتل والتهجير ومصادرة البيوت وكل ما هو مرفوض ومحرم , ومن بين ضحاياها في الفترة الأخيرة العلماني الشهيد كامل شياع حيث هرب المجرمون , كما يدعون إلى إيران. ووضعت المرأة في آخر السلم بالنسبة لمن يملك العقل , وهي من ناقصي العقل وعوملت بهذه الطريقة الفجة!
5.   كما هيمنت على الوزارات وفق تقسيم حصصي بالغ السوء ووضعت الناس العراقيين من النساء والرجال المستقلين بعيداً عن المراكز الحكومية وعن الضوء.
وحين تلمس الناس كل هذه الظواهر المرعبة, بدأ العد التنازلي لهذه القوى وبدأ الابتعاد عنهم وبدأت خشيتهم من عواقب ذلك عليهم, إذ لم يكن الإرهابيون المتطرفون وحدهم يمارسون شتى الأفعال الظالمة, بل ميليشيات طائفية أخرى مارست ذلك باسم الإسلام والمذهب, إنها الأحزاب الإسلامية السياسية. وكلنا قرأت الاتهامات الي وجهت لها بتزوير الانتخابات العديدة الماضية بأساليب شتى.
وهذه الحقيقة الواقعة هي التي جعلت السيد نوري المالكي يتخلى عن قائمة باسم الحزب الذي يقوده, حزب الدعوة, ليمنح قائمته اسماً آخر, الأسم الذي لا يبدو فيه اسم حزب الدعو الإسلامية الذي شكل على أساس مذهبي, اسم قائمة "فرض القانون" بعد أن بدأ بمكافحة المليشيات الطائفية المسلحة وسار فيها قليلاً ثم توقف عنها. وقد سمحت له جملة من العوامل الأخرى, بما في ذلك التحسن الأمني الحصول على مزيد من الأصوات.
وحين تم جمع عدد الأصوات التي فاز بها العلمانيون المتبعثرون في عشرات القوائم, كان عددها يقارب أو يزيد على عدد الأصوات الذي فازت به قوى الإسلام السياسية. وهو درس ثمين لتلك القوى الديمقراطية والعلمانية في ما يفترض منها ان تقوم به لمواجهة الأوضاع الجديدة.
وحين لاحظت قوى الإسلام السياسي الخسارة النسبية المهمة التي لحقت بها في انتخابات مجالس المحافظات لم تجد أمامها عدواً آخر غير القوى العلمانية, فراحت تنزل عليها جام غضبها وتستخدم بيوت الله لشتم العلمانيين والديمقراطيين واليساريين بلغة من أدرك التحولات الجارية في المجتمع, وهي عادة ما تمارس هذا الأسلوب حين تفقد الثقة بقدرتها على المواجهة الفكرية والحوار السليم. وهذا ما حصل أيضاً في العام 1961 حين أصدر عبد الكريم قاسم قانون الأحوال الشخصية وتسبب في تدهور الأوضاع والتي استثمرها البعثيون والقوميون المشوفينيون ليقزوا على السلطة ويمارسوا تلك السياسة العاتية ضد الشعب وضد الديمقراطيين والعلمانيين والشيوعيين منهم على وجه الخصوص.
كان المفروض أن تقوم هذه القوى بإعادة النظر بافكارها وسياساتها وممارساتها اليومية التي بدأت بتحويل الناس عنها, بدلاً من الإساءة من على منابر الجوامع إلى العلمانيين الذين لا يمتلكون الحكم, بل لا يزال بيد القوى الإسلامية السياسية على نحو خاص, ورئيس الحكومة هو من نفس المعسكر الإسلامي السياسي, رغم أنه يحاول تمييز نفسه عنهم, ولكن من في قيادته لا يترك له فرصة السير قدماً في الطريق الأفضل.
إن العلمانيين أيها السادة لا يشكلون خطراً على العراق, بل هم الرحمة للعراق , والخطر يأتي ممن يريد فرض دمج الدين بالدولة, ومن يحاول تسخير الدين لغاية في نفس يعقوب. إن العلمانيين يدعون إلى أن يكون "الدين لله والوطن للجميع" وأن تسود هية المواطنة العراقية وحقوق المواطنة المتساوية, لا الهوية الدينية والطائفية, فهل من سميع منكم لكي يدرك ما وصل إليه المجتمع بسبب السياسات التي مورست حتى الآن في العراق من جانب أغلب قوى الإسلام السياسية؟
العلمانيون لا يملكون أيديولوجية واحدة ولا يسعون إلى فرض فكر أيديولوجية واحدة على المجتمع, بل يسعون إلى نشر مبادئ الحرية والفكر الحر وحرية الإنسان وإلى بناء وتكريس دولة القانون الديمقراطية, يسعون إلى أن تزدهر في العراق ألف زهرة وزهرة وأن تتقدم البلاد على طريق الديمقراطية والنزاهة والبناء ومشاركة الجميع من النساء والرجال وعبر المساواة في بناء هذا المجتمع الخالي من الفساد والتمييز والطائفية.
العلمانية تعني امتلاك حرية ممارسة الناس للأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية المتعددة , وتعني الحرية في ممارسة الطقوس والتقاليد والمعتقدات واحترام الرأي والرأي الآخر, وتعني رفض تدخل الدولة بالأديان والمذاهب أو تدخل الأديان والمذاهب بشئون الدولة, وتعني سياسة التعايش السلمي الحر والاحترام المتبادل بين بنات وأبناء المجتمع من مختلف القوميات والأديان والمذاهب أو المعتقدات والآراء الفكرية والسياسية الأخرى.
4/5/2009                        كاظم حبيب
             

622
إيران والعراق , هل من جديد؟
كلما أبدى المسئولون العراقيون مزيداً من حسن النية والود والتعبير عن الحرص والرغبة في تعميق الصداقة وعلاقات الجيرة مع الشعب الإيراني والدولة ونظام الحكم في إيران, وكلما أتسعت ونمت أوجه العمل الاقتصادي مع الشركات الحكومية وغير الحكومية الإيرانية بهدف ضمان علاقات تعاون وتنسيق أفضل, تفاقم بالمقابل النهج السياسي الإيراني تشبثاً بمواقفه المناهضة لأي تحولات إيجابية في الساحة السياسية العراقية وفي العلاقات الفعلية بين الدولتين اابتداء من كُردستان العراق ومروراً بوسط العراق وجنوبه.
ويتجلى هذا بوقائع جديرة بالاهتمام, إذ أنها يمكن أن تقود, عند استمرار السكوت عنها وغض النظر عنها, إلى عواقب وخيمةن في العلاقات بين البلدين والشعبين, إضافة إلى بين الحكومتين, رغم تماثل بعض الاتجاهات الفكرية والسياسية والممارسات العملية لبعض أطراف الحكم من ما يجري في إيران.
فقبل أيام نشرت وكالات الأنباء خبراً عن قيام الطائرات السمتية الإيرانية بقصف مناطق من إقليم كردستان العراق تابعة لمحافظة السليمانية وكانت على ارتفاع منخفض غير معهود, وكأنها تريد استفزاز القوات العراقية, ومنها قوات الپيشمرگة. وقد أدى هذا القصف إلى دمار واسع في المنطقة, ولكنه لم يؤد من حسن الحظ إلى وفيات بين سكان المنطقة. وهذه العملية تعتبر بكل المعايير الدولية والإنسانية والجيرة تجاوزاً فظاً على سيادة العراق وإقليمه الكردستاني وعلى المبادئ الدولية التي تحكم العلاقات بين الدولتين. وهو بالتالي استهانة بالدولة العراقية والحكومتين في بغداد وفي الإقليم في آن واحد, رغم كل تصريحات حسن النية والمدح غير المبرر الذي تحصل عليه القيادة الإيرانية من مجموعة من السياسيين العراقيين, لا يجوز السكوت عنه ويستوجب رفع مذكرة احتجاجية إلى الأمم المتحدة لإدانة هذا العمل العسكري العدواني ووقف التدخل ورفض ممارسته في المستقبل. ولا يمكن قبول أي ذريعة واهية تتذرع بها الحكومة الإيرانية وقواتها العسكرية.
إن الشعب العراقي الذي وقف بأغلبيته ضد الحرب التي بدأ بها النظام الاستبدادي العراقي ضد إيران, رغم التدخل المعروف من جانب إيران في الشأن العراقي حينذاك ايضاً, إذ كان يفترض أن يحل بطرق أخرى غير إعلان الحرب وخوضها لثماني سنوات عجاف, يقف اليوم بأغلبيته أيضاً ضد هذا التدخل الفظ في الشأن العراقي ويطالب الحكومة الإيرانية بالامتناع عنه وتقديم اعتذار رسمي إلى الحكومتين في بغداد وأربيل والالتزام بتقديم تعويضات عن الخسائر التي لحقت بالمنطقة والسكان.
وفي الوقت الذي يفتر شجب التدخل الإيراني في الشأن العراقي, يجب إدانة التدخل التركي في الشأن العراقي والذي يتخذ أبعاداً وصيغاً مختلفة, كما يفترض إدانة التنسيق الراهن والجاري بين الحكومتين التركية والإيرانية والاتفاق على مواصلة التدخل العسكري في الشأن العراقي والاعتداء على الأراضي العراقية. ويأمل الإنسان أن تجد الأمم المتحدة والجامعة العربية والمؤسسات الدولية الأخرى كلمة تقولها في هذا الصد وتشجب العدوان المتكرر على الأراضي العراقية في إقليم كُردستان بشكل خاص وفي هذه الفترة بالذات. 
3/5/2009                  كاظم حبيب       

623
كاظم حبيب
مرة أخرى حول الحكم الذاتي للشعب الكلدي الأشوري السرياني!

كنت أتوقع ردود فعل بعض الأخوة الكرام على رؤيتي وموقفي من قضية الشعار المطروح منذ العام 2007 والخاص بغقامة الحكم الذاتي لمناطق الشعب الكلداني الآشوري السرياني. وليس في ذلك ضير. فالرأي والرأي الآخر مطلوب لتأمين الرؤية الواقعية لما نعالجه من مشكلات. والاختلاف في الرأي يفترض أن لا يضيع للود قضية. فإلى جانب التعليقات التي كتبت بشأن الموضوع وصلتني رسالة من صديق عزيز يؤكد نفس الآراء التي وردت في تعليقات العديد من الأخوة أو مقالاتهم , ومنهم السيد أنطوان دنخا من شيكاغو , كما تحدثت عبر الهاتف مطولاً حول الموضوع مع بعض الأصدقاء.
من أطلع على افكاري ومواقفي السياسية يعرف تمام المعرفة موقفي من حق الشعوب في تقرير مصيرها. ولم يكن موقفي عبثياً حين وقفت على جانب الحكم الذاتي للشعب الكردي ومن ثم إلى جانب الفيدرالية الكردستانية , وقد قاتلت مع غيري في سبيل ذلك. فحق الشعوب في تقرير مصيرها مسألة ثابتة ولا تحتاج إلى نقاش. ومن حق أي جماعة بشرية أينما كانت أن تطالب بما تشاء ولن اقف بوجهها. ولكن ماذا تعني المطالبة بالحكم الذاتي , ومدا واقعية تحقيق مثل هذا الشعار لا في ظل العراق الراهن , بل وفي المستقبل غير البعيد أيضاً؟
يبدو أن البعض يخلط بين موقف المبدئي من حق تقرير المصير وبين موقفي السياسي الذي يرتبط بتحليل واقع العراق وظروفه الملموسة وما يفترض ان يبنى على ذلك من مواقف واهداف وشعارات, ومثل هذا الخلط وقع فيه الكثيرون من الأحبة لأنهم فوجئوا بموقفي, في حين أن الأصدقاء يعرفون هذا الموقف.
بعض الأخوة الكرام لم ينتبهوا إلى رأيي وموقفي الصريح والواضح من فيدرالية الجنوب التي وقفت ضدها ايضاً, رغم جملة من الأصدقاء الذين دعوا إلى أكثر من سبع فيدراليات في العراق,  لأني كنت ولا زلت مقتنعاً بأنها سوف لن تكون في صالح الشعب العراقي وستزيد الأمور تعقيداً, إذ أنها لن تكون سوى فيدرالية طائفية مقيتة تساهم في زعزعة الأوضاع في العراق وتنشط التدخل الإيراني المباشر في الشأن العراقي, ولكني دعوت إلى إقامة فيدرالية رافدينية في الوسط والجنوب , وبالتالي يتكون العراق من فيدراليتين وحكومتين إقليميتين وحكومة اتحادية , كما يمكن أن ينشأ مجلس نيابي على أساس المواطنة ومجلس اتحادي على أسس قومية.
لا بد لي من الإشارة إلى أن الأخوة الذين يقطنون في الخارج مثلي لا يريد البعض منهم أن يدرك حقيقة الوضع في العراق ولا حقيقة الصراع عليه محلياً وإقلميا ودولياً , ولا يريد  هذا البعض أن يدرك وجود مؤامرة حقيقية لتهجير كل مسيحيي العراق إلى خارج العراق, تماماً كما حصل للمواطنات والمواطنين اليهود في العراق والذين بلغ عددهم في العام 1946/1947 وقبل التهجير الجماعي بحدود 150 ألف نسمة. ولم يبق منهم في العراق في الوقت الحاضر نفر واحد. وقد سجلت هذا في كتابي الموسوم "محنة يهود العراق الذي صدر عن مؤسسة حمدي للطباعة والنشر في السليمانية في العام 2006.
جماعات محلية في العراق تعمل ليل نهار وبشكل دءوب ومنظم لتهجير المسيحيين, كل المسيحيين بدون استثناء. إيران وبعض الدول العربية تسعى إلى ذلك أيضاً وبقوة متعاظمة وإصرار عجيب. قوى القاعدة وقوى إسلامية سياسية شيعية وسنية متطرفة تعمل من أجل هذا أيضاً. والتسيق بين الداخل والخارج قائم على قدم وساق وباتجاهات وتحالفات مختلفة. وفي دول الاتحاد الأوروبي يجري السعي الحثيث لقبول المزيد من اللاجئين المسيحيين, بل يتخذ هذا الاتجاه أبعاداً جديدة وخطيرة, وهناك مواقع في دول معينة توظف أموالاً طائلة لتنشيط هذا التوجه. ولولا الخشية من أتهام أوروبا بالتحيز للمسيحيين لقبلت عدداً أكبر من المسيحيين المهاجرين من العراق أو حتى لحصرت القبول بهم فقط. وأتحدث عن هذا الموقف بدراية تامة وليس من باب الاعتقاد أو التصور. وقبل سفري إلى العراق بقليل تحدثت مع الكنيسة الكاثوليكية في برلين وفي ندوة مفتوحة كيف أنهم بسياساتهم الراهنة يشجعون التآمر, سواء أدركوا ذلك أم لم يدركوه, على تهجير المسيحيين من العراق. وهكذا هو الأمر مع الصابئة المندائيين. 
هذه الحقيقة, سواء رغب البعض بإدراكها أم لم يرغب, فأنها حقيقة قائمة وستأخذ ابعاداً جديدة, ومن المؤسف حقاً أن أتحدث عن هذا والألم يحز في قلبي لأني أدرك ماذا يجري وماذا يراد أن يحصل في قادم السنين.
ولكن المندفعين من قوميي الشعب الكلدني الآشوري السرياني المتعصبين لا يريدون سماع ذلك فهم لا يسمعون إلا صوتهم ولا يريدون سماع الصوت الآخر الذي يحذرهم من مغبة ما يمكن أن يحصل ويحاول تجنب الوقوع في مطب يزيد من آلام الجميع.
أقدر بوضوح كفاءة الأستاذ جورج منصور واقدر دوره المتميز في قناة عشتار الذي أسس لها ووضع برامجها الأساسية وأدارها بحيوية واستقلالية فائقة وأرساها على اسس سليمة. ويمكن لأي متتبع لقناة عشتار الفضائية أن يلاحظ الفرق الشاسع بين ما كانت عليه القناة حين كان مديرها العام السيد جورج منصور, وبين ما آلت إليه بعد أخراجه منها. لا أختلف في ذلك مع من اشار إلى إمكانيات وكفاءات الأستاذ منصور لأني أعرفه حق المعرفة.
النظم السياسية والإدراية ليست غاية بذاتها, بل هي أداة لتحقيق المهمات وتحقيق الأهداف. والإدارة المحلية للمدن والمناطق التي يعيش في ظلها المسيحيون أو الشعب الكلداني الآشوري السرياني هي الضمانة الفعلية لتأمين حقوقهم القومية والإدارية والثقافية, وهي أفضل بكثير من اي حكم ذاتي حالياً يتوارى خلف الإقليم أو العراق. ولن أبوح بسر حين اقول بأن قيام حكم ذاتي في الإقليم سوف لن تدمج به المناطق المقامة في القسم العربي من العراق.
لم أطلع على تصريحات قادة إقليم كُردستان حول موضوع الحكم الذاتي للشعب الكلداني الآشوري السرياني, وإذا كانت القيادة الكردستانية تشجع حقاً وتريد إقامة حكم ذاتي للكلدو اشور سريان في المنطقة, فلتبدأ بالمناطق الموجودة في إقليم كردستان العراق وتحت إدارتها, ولتجمع شتات تلك المناطق في كيان واحد وتعيد المناطق المقطعة من نواحي واقضية تلك المناطق وغيرها إلى حدودها الإدارية القديمة التي كانت عليها منذ العام 1962 مثلاً. عندها يمكن القول بتطابق التصريحات مع الوقائع. ومن جانبي أشك بذلك, لأن هذا ليس من مصلحة أحد, فهو ليس في مصلحة الكرد ولا في مصلحة الشعب الكلد اشوري سرياني مثل هذه التجزئة حالياً. وأعتقد أنهم يتفقون تماماً في أن تكون هناك إدارة ذاتية في الأقضية والنواحي وفي القرى, سواء اكانت مسكونة بالكلدان أم بالآشوريين أم السريان. كم أتمنى أن تكون الطروحات أكثر وعياً بالواقع العراقي وأن تبتعد عن التصورات والرغبات الذاتية التي لا يزكيها الواقع الراهن ولا المستقبل.
الآشوريون والكلدان يشكلون جزءاً أساسياً وأصيلاً من بناة الحضارة العراقية القديمة والحديثة والمعاصرة. وهذا القول ليس لدغدغة المشاعر أو المجاملة, بل هم حقاً كذلك وعليهم أن يمارسوا ذلك لاحقاً. وإذا كنت أرى أن الإدارة المحلية هي الأصوب لهم, فليس من حقي أن أمنع من يريد يرفع شعارات أخرى, وارجو له الموفقية, شريطة أن يأخذ بالاعتبار ما يسميه البعض المخاوف الزائدة, وأتمنى أن تكون مخاوف زائدة لا غير. الحكم الذاتي سيكون المقدمة للذوبان الفعلي والتهجير القسري العدواني وطمس التراث والتاريخ والحقوق, وأتمنى أن لا يكون ذلك وأن نناضل من أجل منع وقوع ما أخشاه. لست عالماً بالغيب ولا منجماً أو قارئاً في فنجان, ولكن لي تجربتي السياسية التي تقول ما لا أريد التصريح به تماماً, رغم أني لا أخشى لومة لائم, ولكن لكي لا يقول البعض بأن الرجل يبالغ بالخشية والمخاوف. وإذا كان البعض يعتقد بأن ملايينه تساعده على فعل السحر فليجرب ذلك, شريطة أن لا يضحي بالشعب الذي أحترمه وأحترم تراثه وتقاليده وحضارته!
27/4/2009                   كاظم حبيب     
       

624
كاظم حبيب

ما الذي يجري في العراق؟ وما السبيل إلى إدراكه؟

حين عدت قبل أيام من زيارة للعراق, وجدت نفسي عاجزاً عن الإمساك بالقلم والكتابة عن أوضاع وطني الجريح, رغم التباين الصارخ بين منطقة وأخرى, سواء أكان ذلك على صعيد البلاد كلها أم على صعيد بغداد, أم على صعيد كل مدينة من مدن العراق المبتلى. القادم الجديد إلى البلاد يرى أشياء لا يراها بالضرورة المقيم الدائم فيها والغارق في مشكلات البلاد العامة والشخصية اليومية. وحين تتحدث مع القوى والأحزاب والأشخاص ستجد أمامك لوحة معقدة جداً وصعبة التفكيك. فالكل يسعى إلى استثمار الفرصة لتحقيق أقصى ما يريد على حساب الآخر, والكل يريد تعزيز مواقعه على حساب الآخر, والكل يريد, أن أمكن ذلك, إقصاء أو الخلاص من الآخر بكل السبل, والكل يدرك أن هذا غير ممكن وغير جائز, ولكنه لا يفوت الفرصة لممارسة عكس ما يدركه أو الإساءة للآخر. والكل خائب في مسعاه. صورة قاتمة يصاب الإنسان فيها بالدوار حين يتابع عن قرب حركة القوى والأحزاب السياسية والأفراد والناس والأسلاك المتشابكة في وسط الشوارع والغبار المتصاعد من كل مكان. 
الناس في العراق لم يفقدوا الأمل, ولكنهم يعانون كثيراً, ومسئولية رفع المعاناة تقع على عاتق الحكومة أولاً, وعلى عاتق كل الأحزاب والقوى السياسية ثانيا, وعلى الإنسان العراقي ثالثاً. ولا شك في أن أساليب الولايات المتحدة الأمريكية في عهد بوش الابن في معالجة الوضع تتحمل مسئولية كبيرة في ما وصل إليه العراق بعد سقوط النظام, وهي مشاركة في مسئولة تحسنه أيضاً. ومن باب تحصيل حاصل حين نقول إن كل ذلك هو نتاج التركة الثقيلة والمزرية للنظام الاستبدادي الشوفيني السابق.
لا شك في أن نتائج إيجابية تحققت خلال الفترة الأخيرة, وكان المفروض أن تتواص على مختلف المستويات دون تأزيم الوضع وتوتير العلاقات والأجواء وتشديد الخلافات بين الأطراف المختلفة. إلا أن هذا لم يحصل, بل تواصل الصراع دون تحقيق حلول تساومية ضرورية مطلوبة لمعالجة مشكلات البلاد. إذ حل الغرور والشعور بالنشوة والرغبة في الانفراد وفي تصعيد الخلافات بأمل حلها على خلفية" "إن اشتدت حلت" فحصل العكس. كما أن الطائفية المقيتة لا تزال تمارس بقوة في العراق وفي كل المستويات وبصيغ كثيرة مفضوحة ومستترة, وليس من طرف واحد, بل من كل الأحزاب القائمة على أساس مذهبي تمييزي واضح. 
تلقت قوى القاعدة ضربات قاسية وكذا القوى البعثية من أعوان عزة الدوري المنهمكة بالإرهاب, وكذا قوى جيش المهدي المباشرة. ولكن الشعور بالرضى عن النفس في أوساط رئيس الوزراء والحكومة ولدى بعض القوى العسكرية وانتفاخ المستشار الأمني بما تحقق, وفر لهذه القوى المعادية, ومنها قوى القاعدة والبعث وقوى أخرى شريرة, التي دفعت بخلاياها قبل ذاك إلى أخذ قيلولة ضرورية وإيقاف جملة من عملياتها الإرهابية وإعادة ترتيب أوضاعهاً والبدء بتكوين تحالفات جديدة في ما بينها وبدعم مباشر وغير مباشر من أعداء العراق في دول الجوار أولاً, ثم لتبدأ من جديد وبزخم واضح عملياتها لتؤكد للمجتمع العراقي والعالم بأنها :
1. لم تنته بعد, بل هي لا تزال قادرة على متابعة الوضع وجمع المعلومات عن المواقع التي يراد ضربها واختيار الوقت المناسب لها, وإنزال أقسى الضربات بالناس الكادحين وزعزعة الأمن والاستقرار.
2 . وأن الحكومة وقواتها عاجزة عن الوصول إليها أو جمع المعلومات الاستخباراتية عن مواقعها وقواها وعملياتها.
3. وهي تريد تعطيل خروج القوات الأجنبية من العراق ليبقى شعارها الكاذب "أخراج القوات الأجنبية".
4 . وهي تريد أن تؤكد للمجتمع بأن القوات والإدارة الحكومية مخترقة من جانبها ولصالحها.
5 . وهي تريد أن تجرب إشعال الفتنة الطائفية في العراق من جديد, إذ ترى بوضوح أن الطائفية لم تزل تمارس دورها, وستمارس توجيه الضربات لأتباع الديانات الأخرى أيضاً وبقسوة بالغة.
6. وهي تريد استغلال الصراعات والخلافات بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان لخلق أجواء أخرى تستفيد منها لصالح عمليات إجرامية جديدة في مختلف أنحاء العراق.
** يتطلب الأمر أولاً إدراك أن قوى محلية وإقليمية ودولية لا تريد الخير للعراق وتريد إبقاء الإرهاب مستمراً, مهما حاولت القوى العراقية وبسذاجة كبيرة إبداء حسن النية لها ومدحها على قاعدة فاشلة"شيم ألمعيدي وأخذ عباته", إذ أنها تستخدم ذلك لتزيد من رمي الأحطاب في النار المشتعلة وإشاعة عدم الاستقرار.
** ويتطلب الأمر إعادة الثقة المفقودة تماماً بين القوى السياسية العراقية لا من خلال ابتسامة مبطنة ويد مصافحة, في حين تمسك اليد الأخرى بخنجر وتتآمر عبر مناورات بائسة, بل بالصراحة والشفافية والوضوح والحوار والاستعداد للقبول بالآخر وبالمساومة لحل المشكلات.
** ويتطلب الأمر وعي واقع الجماهير والبؤس المتراكم وتصاعد الشكوى من البطالة والحرمان والغنى الفاحش والفساد واللامساواة والتمييز الصارخ والموت غير المنقطع.
إن المنجزات المتحققة, وخاصة الأمنية, يمكن أن تصبح في خبر كان, وقد حذرنا من ذلك مراراً, ما لم تعي القوى الحاكمة والقوى الفاعلة وقوى المجتمع ما يجري في العراق وما يراد له وسبل التعامل مع هذا الواقع وبتجرد نسبي من المصالح الذاتية والكف عن تشديد الصراعات وحل المشكلات بالتفاوض والحوار السلمي الديمقراطي والإدراك بأن ما لا يدرك كله لا يترك جله.
26/4/2009                       كاظم حبيب

625
كاظم حبيب

رأي في الحكم الذاتي والشعب الكلد- آشور- السريان في العراق

يحتدم النقاش حول موضوعة الحكم الذاتي للشعب الكلدو - اشوري - السرياني في العراق ويتخذ أبعاداً جديدة وبدأ أخيراً يلحق أضراراًً فادحة بمواطنات ومواطني هذا الشعب دون أدنى مبرر وبما يسيء إلى علاقتهم مع الشعبين العربي والكُردي في آن واحد دون أن يكون لبنات وأبناء هذا الشعب دور في كل ذلك.
هناك جملة من الحقائق التي لا بد من ذكرها لكي نكون على بينة مما نريد ودراية بما يمكن أن يقود إليه رفع شعار الحكم الذاتي أو العواقب المحتملة التي يمكن ان تترتب على الشعب الكلدي الأشوري السرياني في العراق خلال هذه الفترة والفترة القادمة.
فهذا الشعب المتعدد القبائل في تكوينه الأساسي نزح إلى العراق القديم منذ أكثر من ألاف السنين وأقام دوله المركزية في شمال العراق وكردستان وكذلك في وسط وجنوب العراق. فالآشوريون هم الخلف للشعب الآشوري والدولة الآشورية في آشور والحضارة الآشورية, والكلدانيون هم الخلف للشعب الكلداني والدولة الكلدية التي أقيمت في بابل والحضارة البابلية, ولغتهما المشتركة الأساسية هي الآرامية ومنها السريانية. وبالتالي, فهم من أصل البلاد ولهم الحق في العيش والإقامة في كل العراق القديم والحديث بحدوده الحالية الاتحادية من أقصاه إلى أقصاه. وهم الآن موزعون على العراق فعلاً. فهم في البصرة وبغداد والناصرية والعمارة, ولكنهم أيضاً في نينوى ودهوك وأربيل والسليمانية. وأسماء المدن التي عاشوا فيها أو أقاموا دولهم عليها لا تزال وستبقى تذكرنا بهم بغض النظر عن محاولات تغيير بعض تلك الأسماء التي يفترض أن نعتز بها ونحترم التاريخ الذي ارتبط بهذه المدن. وفي حينها تضافرت القبائل الكلدانية مع القبائل الميدية, التي يعود الشعب الكردي ببعض قبائله إليها, لإسقاط الدولة الآشورية, ومنها انبثقت المملكة الميدية من جهة, والمملكة الكلدية من جهة أخرى, على أنقاض الدولة الآشورية, وكان ذلك في العام 612 ق.م.     
فالشعب الكلدي – الآشوري _ السرياني له الحق في العيش في كل العراق ويفترض أن يكون العراق كله  مفتوحاً عليه وله الحق في العيش حيثما يرغب.
وهذا الشعب الكريم والمعطاء موزع اليوم في العراق الاتحادي وفي إقليم كُردستان باعتباره جزءاً من الدولة العراقية الاتحادية. بعض هذا الشعب يعتبر ضمن الدولة العراقية الاتحادية, وبعضه الآخر يعتبر ضمن فيدرالية إقليم كُردستان العراق. وبعض هذه المناطق أو الأقضية والنواحي والأرياف نشأ خلاف على واقعها الجغرافي منذ سنوات طويلة وكلنا يعرف أسباب هذا الخلاف وأدوار الحكومات الرجعية والاستبدادية المتعاقبة في نشوئه: هل تقع ضمن حدود إقليم كردستان, أم ضمن حدود نينوى باعتبارها جزءاً من القسم العربي من العراق؟ والمناطق التي يعيش فيها المسيحيون هي موزعة حقاً ضمن حدود الدولة الاتحادية وبعضها الآخر ضمن حدود الإقليم الذي يعتبر ضمن الدولة العراقية الاتحادية. وهنا تنشأ المشكلة التي لا بد أن تثير القلق والمخاوف لدى الناس القاطنين في هذه المناطق , خاصة وأنهم لم يشاركوا في خلق هذه المشكلة ولا هم يشكلون عاملاً في الصراع الدائر, ولكن لهم حقوق قومية وإدارية يفترض الاعتراف بها وممارستها.
حين كنت أتابع برنامج في قناة عشتار الفضائية قبل ثلاث سنوات تقريباً شاهدت برنامجاً خاصاً لمقابلة مع رئيس إقليم كردستان العراق السيد مسعود البارزاني. وكان مقدم هذا اللقاء هو السيد مدير عام قناة عشتار حينذاك, طرح على السيد رئيس الإقليم  سؤالاً لم يكن معهوداً عن رأيه بإقامة حكم ذاتي للشعب الكلدو-أشوري في العراق. فوجئ السيد رئيس الإقليم وقال له بأنه لم يفكر بهذا الموضوع قبل ذاك. وكان, كما بدا لي, صادقاً وواضحاً في قوله. ولكن كان هناك من يقف وراء هذا السؤال, إنه المالك لهذه القناة, إذ كنت قد خدعت بمالكها قبل ذاك واعتقدت بأنهم ممولون كلدان من الولايات المتحدة, في وقت كان السيد سركيس أغا جان هو المالك وهو الممول وهو الموجه للقناة وبرامجها, وكان في حينها نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للمالية في إقليم كردستان العراق في أربيل! وقد فوجئت أنا أيضاً بذلك السؤال. وحين تسنى لي اللقاء بالسيد مدير عام القناة قلت له بأن هذا السؤال لم يكن في محله وكان محرجاً ومضراً في آن واحد وسيخلق مشاكل إضافية في العراق وتمنيت عليه أن لا يكرره لأنه لا ينسجم مع مصالح الشعب الكلدو- أشوري-السرياني ولا مع ظروف العراق الراهنة. وقد أدركت في حينها وبوضوح كبير أنها قنبلة موقوتة ستساهم في خلط الأوراق وأنها في كل الأحوال ليست في مصلحة الشعب الكلدو اشوري وستثير ألف مشكلة ومشكلة بين العرب والكُرد, وسيكون السكان المسيحيون ضحيتها الأولى.
وقد كف فعلاً السيد مدير عام قناة عشتار عن التطرق لهذا الموضوع, إذ كان قد أدرك مخاطره قبل ذاك, ولكنه كان ملزماً بطرح السؤال, كما أنه لم يبق طويلاً في منصبه, إذ لم يرق لممول القناة السكوت عن هذه المسألة, كأحد عوامل الفراق المفاجئ بين الاثنين.
السياسة علم وفن في آن واحد, وهي في الوقت نفسه تجسد مصالح هذا الطرف أو ذاك. وأن طرح مثل هذا الشعار وفي ظل الأوضاع الراهنة والصراع على المناطق لا يساعد في تهدئة الأمور وحل المشكلات بل يزيدها تعقيداً وصعوبة وشظاياها تصيب المسيحيين قبل غيرهم, إذ أن السؤال الأول الذي سيطرحه العرب والكُرد هو: أين سيكون الحكم الذاتي ضمن حدود الدولة الاتحادية أم ضمن حدود الإقليم في إطار الدولة الاتحادية؟
الجواب الذي أدلى به السيد سركيس أغا جان حين وجه له هذا السؤال هو: أننا سنقرر ذلك بعد الحصول على الحكم الذاتي! ماذا يعني ذلك؟ كان ولا زال يعني إما إلى الحكومة الاتحادية أو حكومة الإقليم, وكان الموقف بالنسبة للعرب والحكومة الاتحادية واضحاً أنه يريد الالتحاق بحكومة إقليم كردستان, وهو ما أثار قلق العرب في نينوى وفي القسم العربي من العراق, وكذلك عند الإسلاميين السياسيين العرب, مما خلق مشكلات إضافية للمواطنات والمواطنين المسيحيين في العراق عموماً وفي نينوى على نحو خاص. ولست واثقاً من إن هذا الجواب قد أثار الارتياح لدى القيادة الكردية التي تسعى إلى حل المشكلات العالقة قبل زيادة التعقيد فيها, إذ أن السيد سركيس أغا جان قد طلق غباراً شديداً شوه اللوحة, كما أرى, التي يفترض أن تبقى ناصعة من أجل حل القضايا العالقة.
إن العراق الديمقراطي الذي نسعى إليه يفترض أن يوفر الحقوق القومية الثقافية, ومنها الحريات الدينية واللغة, للشعب الكلد-أشوري-سرياني على صعيد العراق كله, وأن يمنح هذا الشعب حقوقه الإدارية ضمن الوحدات الإدارية التي يعيش فيها. كما أن من الممكن أن تشكل لجنة عليا على مستوى الوحدات الإدارية للتنسيق بين هذه الإدارات سواء أكانت تلك الوحدات الإدارية في حدود الإقليم أم في حدود العراق الاتحادي العام. إنه الحل الأمثل للمرحلة الراهنة وأتمنى على الأخوات والأخوة أن يتمعنوا فيه. فالهدف هو تأمين الحقوق الثقافية والإدارية بما يتناغم والديمقراطية المنشودة للعراق الجديد المنشود.   
في مكالمة هاتفية أجراها السيد سمير اسطيفو شبلا نشرت في موقع شبكة زهريرا الإخبارية قال الأسقف الدكتور لويس ساكو بشأن الحكم الذاتي في المرحلة الراهنة ما يلي:
"في البداية إنني احترم جميع الآراء، إن كانت مع الحكم الذاتي اليوم أم لا، لأنهم حقاً غيورين على شعبهم المسيحي، ولكن من جانب آخر حقاً وقعوا في نفس الفخ المنصوب لنا ككلدان وكمسيحيين، وذلك بـ:
إنني قلت حرفياً إن الحكم الذاتي اليوم هو وهم وفخ، واعني بذلك كلمة "اليوم" أي أن الظروف الذاتية والموضوعية لم تنضجا بعد "اليوم" للمطالبة بالحكم الذاتي".             
لقد صرفت حتى الآن الملايين من أجل الدعاية والترويج لهذا الشعار, وكان الأفضل أن توجه هذه الملايين للعناية بأوضاع المسيحيين على صعيد العراق كله بدلاً من أن تساهم في ما أطلق عليه السيد ساكو بالفخ والوهم.
أتمنى على  الأخوات والأخوة أن يتمعنوا في هذا الرأي المنطلق من حس وطني وقومي في آن يحرص على سلامة وحقوق ومصالح هذا الشعب في المرحلة الراهنة وعلى المدى اللاحق.
25/4/2009                       كاظم حبيب


626
نداء عاجل : من هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب المختلفة في العراق
 
لنتحرك جميعاً ونتصدى للإرهاب الموجه ضد أتباع الديانة المندائية في العراق!
د. كاظم حبيب
برلين
 
في خضم الفوضى والنزاعات الطائفية السياسية السائدة في العراق وفي بغداد على وجه التحديد, اتسع نطاق التعرض الشرس والاضطهاد والعمليات الإرهابية ضد بنات وأبناء وعائلات الصابئة المندائية.

وهي عمليات إجرامية تستهدف فرض الهجرة عليهم من مناطق سكناهم ومن العراق عموماً, أو فرض تغييرهم لدينهم الذي كانوا وما زالوا يعتقدون ويؤمنون به منذ ألاف السنين والتحول صوب الإسلام خلال 24 ساعة، إلا فعليهم مغادرة بيوتهم أو يتم شنقهم أمام دورهم ويعلقون فوق أبوابها. ورغم كل النداءات التي توجهنا بها إلى المجتمع العراقي والأحزاب والقوى التي تمارس هذه الأساليب وتلك التي تدعي أنها لا تمارسها, وإلى المجتمعات الإقليمية والدولية, طالبين منهم العمل الجاد والمسؤول والتدخل المباشر من أجل وضع حدٍ لأعمال التهديد والاختطاف والابتزاز والاغتصاب الجنسي والتخريب والتدمير والقتل الفردي أو فرض تغيير الدين بالقوة وكل الأفعال الدنيئة الأخرى التي تتعارض مع السلوكية الإنسانية والحضارية لشعب العراق ومبادئ حقوق الإنسان والمواثيق والعهود الدولية بهذا الخصوص. ومن المحزن أن نعلن للملأ بأن جميع هذه الممارسات مستمرة في العراق, سواء أكان ذلك في بغداد أم كركوك أم البصرة أم في مناطق أخرى من العراق من قبل ميليشيات إسلامية سياسية متطرفة وسلفية وبعضها مدفوع بقوى محلية وأخرى بقوى خارجية هدفها الإساءة للمجتمع العراقي ومواطناته ومواطنيه وإلى العملية السياسية السلمية التي يراد استمرارها وتطويرها في العراق. وإزاء هذا الوضع الجائر أجبرت مئات العوائل المندائية إلى مغادرة البلاد إلى الأردن وسوريا وبعضها يعيش على أرصفة الشوارع نتيجة التدني السريع والكبير في إمكانياتهم المالية, كما أجبرت 14 عائلة مندائية من أصل أهل الناصرية كانت تعيش حتى الأمس في بغداد أن ترحل إلى الناصرية ثانية لتحتمي بالعشائر العراقية التي كانت لها علاقات طيبة قديمة.

لم يبق في مدينة الدورة في بغداد التي كانت مليئة بالصابئة من يسكنها منهم, وتحول الإرهابيون على مدينة العامل ليهجروا الناس منها, وقد اشتكت العوائل المهددة بالرحيل أو الإسلام أو الزوال إلى رئيس الديانة المندائية رجل الدين الكبير السيد ستار جبار الحلو, الذي أوصل الشكوى إلى الحكومة ولكن دون طائل أو جواب نافع! إن الشعب العراقي يعرف جيداً الدور الإنساني والحضاري الكبير الذي ساهم ويساهم به الصابئة المندائيون في العراق على مر التاريخ, ويعرف أنهم من أهل أصل البلاد ومن بين أقدم الأديان المعروفة في العراق والمعترف بها من قبل الإسلام, وأن هؤلاء الناس المسالمين عاشوا مئات السنين على أرض وادي الرافدين ولا يمكن ولا يجوز اقتلاعهم من جذورهم الممتدة عميقاً في هذه الأرض الطيبة أو فرض الدين الإسلامي عليهم. إن الشعب العراقي يدرك أيضاً من هي تلك الأيدي الخبيثة والقذرة التي تمتد لتؤذي بنات وأبناء هذه الديانة القديمة وتفرض عليهم الهجرة إلى خارج العراق أو الموت على أيديهم المجرمة. إنها جماعات إرهابية دموية لا تخرج عن دائرة القوى التالية التي ينبغي شل أيديها قبل أن تزيد إساءة للمجتمع العراقي:

1- جميع قوى الإسلام السياسي المتطرفة والسلفية التي ترفض الاعتراف بالأديان الأخرى أو ترفض وجودها على الأرض العراقية, وهم في الغالب من متطرفي المذهب الوهابي.

2- جميع قوى الإسلام السياسي الطائفية التي تمارس التمييز الديني والطائفي, وهم في الغالب من أتباع المذهب الشيعي وميليشيات مسلحة في بغداد وكركوك والجنوب أيضاً الذين يجدون الدعم والتأييد في ما يقومون به من قوى رجعية وأخرى إيرانية متعصبة.

3- بعض الجماعات البعثية الصدامية التي تريد إشاعة الفوضى والخراب في البلاد.

4- ولا شك في أن عصابات الجريمة المنظمة تستثمر الفرصة لإرهاب وتهديد وابتزاز أتباع الديانة المندائية أيضاً. فقد تم اختطاف الكثير من الأفراد وأفرج عنهم بعد ف\دفع الفدية.

5- إنها منظمات غير حكومية تدعي الإسلام وتأتمر بأوامر من خارج الحدود, من قوى موجودة في إيران أو في أفغانستان أو في السعودية. نحن أعضاء هيئة الدفاع عن حقوق أتباع الأديان والمذاهب المختلفة في العراق نؤكد وندعو إلى ما يلي:

- وتقع على عاتق علماء الدين المسلمين في العراق وعلى المجتهدين المتقدمين في العلوم الدينية والاجتهاد الديني والاجتماعي والمتميزين بالحكمة, وعلى رأسهم آية الله العظمى السيد علي السيستاني والسيد المدرسي وغيرهم, مهمة القيام بدور إنساني واجتماعي وثقافي مسؤول يؤكد رفضهم وإدانتهم لهذه الممارسات الشنيعة والإجرامية ضد الصابئة المندائية, والعمل الجاد والسريع من أجل إيقافها فوراً واعتبارها خروجاً عن الدين الإسلامي وعليه.

- ندعو رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ورئاسة مجلس النواب ورئاسة إقليم كردستان في أن تلعب كل هذه الرئاسات دورها في إيقاف العنف المنفلت من عقاله ضد أتباع الديانة المندائية في العراق, وكذلك إيقاف النزاعات الطائفية السياسية وتلك التي تدور حول أهداف قذرة وفساد مالي أشرنا إليها في مقالات أخرى.

- ندعو جميع الناس الخيرين والطيبين في العراق أن يسندوا أخوتهم في المواطنة ويرفضوا تلك الأفعال الشريرة ضدهم ويقفوا إلى جابهم في المحنة الراهنة, حيث تكاثرت المحن على كل الشعب ومنهم الصابئة المندائية, إخوتنا في المواطنة.

- ندعو الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ومنظمات حقوق الإنسان المحلية والإقليمية والدولية ومنظمة العفو الدولية أن تبادر إلى إدانة الإساءات المستمرة والاضطهاد غير المتوقف ضد أتباع الديانة المندائية في العراق واعتبار الحكومة العراقية مسؤولة عن تأمين الحماية لهم ورفض طردهم أو تهجيرهم من مناطق سكناهم, باعتبارها عملية تطهير ديني محرمة دوليا تطال هذه المجموعة الطيبة والمسالمة من بنات وأبناء الوطن.

- ندعو قيادة وشعب كردستان إلى الوقوف إلى جانب الصابئة المندائية الذين يتعرضون اليوم إلى التطهير العرقي ومحاولة فرض الدين الإسلامي عليهم بالقوة, تماماً كما فعل البعثيون العنصريون ضد الشعب الكردي, وخاصة في كركوك ومناطق أخرى, وفي فرض الخيار عليهم: بين البقاء على ارض كردستان مقابل التحول إلى القومية العربية, وبين المغادرة أو حتى احتمال الموت غدراً.

- ندعو السيد مسعود بارزاني, رئيس إقليم كردستان, الذي دعا كل العراقيين الذين يعانون من الاضطهاد في مناطق سكناهم إلى المجيء إلى كردستان للحصول على الأمن والاستقرار والعمل والعيش الكريم في وسط الشعب الكردي وبقية القوميات المتآخية. كان ذلك في لقاء أسبوع المدى الثقافي في أربيل في نهاية شهر نيسان من هذا العام (2006). فالبعض من بنات وأبناء أتباع الديانة الصابئة المندائية معرضون اليوم إلى شتى أنواع الاضطهاد, وقد وصلتنا صيحات استغاثة من أخواتنا وأخوتنا المندائيين, فهم معرضون للابتزاز والاختطاف وتغيير الدين والقتل, لهذا نأمل أن يحصلوا على ملجأ مؤقت لهم في كردستان العراق إلى حين حل أزمة الإرهاب والقتل والتدمير في العراق. إذ أن الحكومة ما تزال بعيدة عن اتخاذ إجراءات بهذا الخصوص, رغم مسؤوليتها المباشرة, كما لم تتخذ حكومة الجعفري أي إجراء حقيقي للتصدي لهذه الموجة البربرية المناهضة لأتباع الصابئة المندائية وتفاقمت في فترة حكه النزاعات الطائفية ذات الطبيعة العدوانية.

- ندعو جميع مثقفات ومثقفي العراق للوقوف صفاً واحداً, بغض النظر عن الانتماء القومي أو الديني أو المذهبي أو الفكري أو السياسي, إلى جانب مواطناتنا ومواطنينا المندائيين.

- ندعو كبير رجال الدين المندائيين, السيد ستار جبار الحلو, والمجلس المندائي في بغداد إلى بذل أقصى الجهود لتعبئة الرأي العام العالمي لمناهضة الجرائم التي ترتكب في العراق ضد الصابئة المندائيين.

- ندعو جميع العراقيات والعراقيين في الخارج إلى شن حملة واسعة وعقد ندوات وكتابة مقالات والمشاركة في ندوات تلفزيونية لفضح الجرائم التي ترتب في العراق بحق المندائيين أو بحق أتباع الديانات والمذاهب المختلفة في العراق لضمان حمايتهم.

- إننا نحمل الحكومة العراقية أولاً وقبل كل شيء مسؤولية ما يجري في العراق ونطالبها باتخاذ أكثر الإجراءات حزماً لمعاقبة الضالعين بهذه الجرائم, كما ندعو إلى وضع قانون يحمي حقوق ومصالح مختلف الأديان والمذاهب في العراق ويعاقب بشدة أي تجاوز عليها.

- إن هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب المختلفة في العراق تدعو الرأي العام العالمي إلى الوقوف إلى جانب المندائيين لضمان حمايتهم من القوى المتطرفة والإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة في العراق وتحميل القوات الأجنبية العاملة في العراق مسؤولية ما يجري فيه أيضاً. كما تدعو الهيئة كل العاملين معها ومؤيديها إلى المزيد من أعمال الاحتجاج ضد ما يجري في العراق. لنكن يداً واحدة تمنع الأذى عن أهلنا الصابئة المندائيين, ولنكن صوتاً واحداً يهدر صارخاً بوجه الإرهابيين العتاة والطائفيين السلفيين المقيتين أن توقفوا عن إلحاق الأذى بهؤلاء الناس المسالمين أو تهجيرهم قسراً, ولنردد معاً ومن جديد مع الشاعر كاظم السماوي قوله:
وإذا تكاتف الأكف فأي كف يقطعون
وإذا تعانقت الشعوب فأي درب يسلكون

* د. كاظم حبيب
عن الأمانة العامة لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق
برلين في 29/5/2006 [/b] [/size] [/font]



 

627
جولة استطلاعية في ضيافة قناة عشتار الفضائية في عنكاوة
كاظم حبيب

كانت المفاجأة سارة حين استقبلني الصديق الأستاذ جورج منصور, رئيس مؤسسة عشتار للإعلام والثقافة ومدير عام قناة عشتار الفضائية وبقية العاملات والعاملين في القناة في ربيع عام 2006 وتجولت بارتياح كبير في أقسامها المختلفة. والمفاجأة السارة كانت متعددة الجوانب.
إذ أن فكرة إقامة قناة فضائية عراقية جديدة كانت قد بدأت في ربيع عام 2005, وكانت تشغل بال الصديق الأستاذ جورج منصور, وكان يتحرى عن اسم مناسب لهذه القناة التي قال عنها أنها يفترض أن لا تكون صفراً على شمال عدد الفضائيات القائمة بل رقماً مهماً وإضافة جديدة في عالم الفضائيات المتسع دوماً على صعيد العراق والشرق الأوسط.
وفي صيف نفس العام بدأ العمل من أجل التحضير لإقامة ما كان يدور في البال ووأطلق على القناة اسم "قناة عشتار الفضائية" تيمناً طيباً بحضارة العراق القديمة التي ساهم السومريون والأكديون وبقية البابليين والآشوريون والكلدان والگوتيون والميديون وغيرهم من الأقوام التي قطنت العراق حينذاك في بناء حضارة وادي الرافدين التي تعتبر أحد أبرز مهود حضارة الإنسان والتي ما تزال معالمها منتشرة في مناطق شتى من العراق حتى الآن.
وكانت عشتار إحدى أبرز الآلهة في تلك العصور, إلهة رائعة ومعبودة تشترك في عبادتها كافة شعوب العراق القديم, فهي رمز الخصب والنماء والحب والحياة والأمومة والجمال والإبداع وواجبها الإلهي رعاية وحماية كل ذلك.
وفي أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية من العام 2005 بدأت القناة الفضائية ببثها التجريبي, ثم انتقلت بعد فترة وجيزة إلى البث اليومي المنتظم ولمدة ثماني ساعات, ثم يعاد بث البرنامج اليومي ليصل إلى النصف الثاني من الكرة الأرضية. فقناة عشتار تبث عبر خمسة أقمار صناعية تجوب الكون كله, وتصل في بثها إلى شعوب القارات الخمسة.
والمفاجأة السارة أيضاً أنها, وبعدد مناسب من العاملات والعاملين من المختصين بالصحافة والفن والرياضة والتقنيات الهندسية, تبث برامجها اليومية بثلاث لغات هي اللغة العربية والكردية والسريانية. ويمكن أن تتسع لتبث باللغة التركمانية أيضاً لتعبر عن المكونات القومية الأربعة للشعب العراقي, وهم العرب والكرد والكلد أشور سريان والتركمان.
من هنا يتبين أن الفترة بين فكرة تأسيس قناة عشتار وبدء بثها التلفزيوني في مدينة عنكاوة التابعة لمدينة أربيل التاريخية في كردستان العراق لم تتجاوز الثمانية شهور فقط, وأنها منذ البدء حتى الآن حصلت على موقع طيب ومتميز في عالم الفضائيات في العراق والشرق الأوسط, وهي مقبلة على تطورات جديدة خلال الفترة القادمة.
أقام الأستاذ جورج منصور, وبمساعدة مهندسين وفنانين بارعين, في دار ضيافة سابق في مدينة عنكاوة التاريخية ذات الشوارع والأزقة النظيفة والحركة العمرانية والسكانية الدائبة, قناة عشتار الفضائية, وهي بناية جميلة محاطة بحديقة واسعة معتنى بها جيداًُ, ثم جهز الاستوديو الرئيسي فيها لتصوير الحوارات وتقديم نشرة الأخبار والتقارير الصحفية, كما نصب أجهزتها الحديثة ومولدات الطاقة الكهربائية الكبيرة لتجنب انقطاع البث عند تكرار انقطاع التيار الكهربائي عدة مرات في اليوم الواحد.
وهو أمر لم يتغلب عليه المسؤولون في إقليم كردستان حتى الآن رغم الجهود المبذولة في السيطرة على إنتاج الطاقة وإيصالها إلى المستهلك.
وفي هذه البناية ذات الغرف الكثيرة المكونة من طابقين وطابق تحت الأرض انتشرت مجموعات من خيرة العاملات والعاملين في الإعلام والتقنيات والفن ووضع البرامج والإخراج والإنتاج والإدارة ممن له خبرة طويلة في هذه المجالات, إضافة إلى مجموعة من الشبيبة الطموحة المستعدة للتعلم وتبوء مكانة لائقة في عالم التلفزة المتطورة يومياً والمزودة بأحدث الأجهزة التقنية والتي تبدي رغبة في المطالعة والتعلم والـتأهيل المتواصل .
إن طموح رئيس المؤسسة كبير ومشروع في آن واحد. فهو يسعى إلى إصدار مجلة فصلية جديدة باسم "عشتار الحضارة", وإذاعة جديدة باسم راديو "صوت عشتار", وربما يتسع العمل ليقيم مركزاً ثقافياً متعدد الأغراض الثقافية والإنسانية الحضارية. وهي أهداف نبيلة لا تبدو لي بعيدة المنال, إذ أن كردستان خصوصاً والعراق عموماً والشعب الكلداني الآشوري السرياني بشكل أخص بحاجة إلى كل ذلك نتيجة التهميش السياسي والاقتصادي والثقافي الذي تعرض له الإقليم طيلة عقود طويلة والفراغ الذي يحس به الشباب من البنات والبنين والذي يفترض أن يُملأ بما يساهم في تطور وتحديث الحياة في جميع أرجاء الإقليم.
إن الأحاديث التي خضتها مع السيد رئيس المؤسسة ومدير عام القناة ومع عدد من مدراء الأقسام خلال الأيام التي قضيتها في عنكاوة تشير إلى أنهم كانوا وما زالوا يعملون من أجل أن تجسد القناة واقع العراق الراهن وتتحرى عن السبيل لتطوير البلاد وتقدمها من خلال اتخاذ موقف مستقل في نشاطها وبرامجها اليومية. وأن إدارة القناة تلتزم بما يلي:
1.   استقلالية القناة وعدم ارتباطها أو عائديتها لأي حزب أو جماعة سياسية أو حكومة, فلها رؤيتها الخاصة باعتبارها قناة عراقية وتبث برامجها اليومية للعراقيات والعراقيين في الداخل والخارج ولكل من يفهم اللغات التي تبث بها برامجها.
2.   وهي حيادية وأمينة في نقل الأخبار والأحداث والمعلومات التي يفترض أن تصل إلى جمهور المشاهدين وتمتلك الحرفة الصحفية المناسبة لممارسة هذا الموقف المطلوب من قناة عشتار الفضائية.
3.   وهي تدعو إلى وحدة الشعب العراقي بكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية والفكرية والسياسية من أجل تجاور الصعوبات التي يواجهها في المرحلة الراهنة والعمل من أجل تقدم العراق وازدهاره.
4.   وهي تدعم الجهود المبذولة من أجل بناء دولة عراقية ديمقراطية فيدرالية تعددية حيث تسودها الحياة المدنية الدستورية ودولة القانون الديمقراطي ومبادئ حقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية وحيث تتطور وتزدهر الثقافات في مجتمع متعدد الثقافات وتتفاعل وتتلاقح في ما بينها لصالحها المشترك.
5.   وهي تساند تعزيز فيدرالية كردستان وتقدمها وتطورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي حيث تعيش وتتآخى القوميات الكردية والكلد آشورية سريانية والتركمان وتعمل من أجل أن تتمتع جميع القوميات بحقوقها الإدارية والثقافية المشروعة والتي تعتبر انتصاراً للجميع وتكريساً للحرية.
6.   والقناة تدعو إلى نشر المحبة وثقافة الحوار بدلاً عن الكراهية والحقد وسيادة ثقافة العنف في حياة المجتمع وفي العلاقة ما بين السلطة والمجتمع على صعيد العراق كله وفي كردستان العراق, والاعتراف بالآخر واحترام الرأي والرأي الآخر, سواء أكان الآخر قومية أم فكراً أم ديناً أم مذهباً أم رأياً سياسياً. وهي تساند حرية المرأة ومساواتها التامة بالرجل.
إنها قناة فضائية تلتزم مبادئ الحرية والديمقراطية والعلمانية واللبرالية السياسية, وأن تقديمها اللقاءات والحوارات الفكرية والسياسية والثقافية اليومية لا يفترض أن ما يأتي على لسان الضيوف معبراً بالضرورة عن فكر القناة أو نهجها الفكري والسياسي الحيادي, بل يجسد اعتراف واحترام القناة لحق الإنسان في إبداء الرأي والتعبير عن قناعاته مع ضرورة احترام الموضوعية والنقد البناء والابتعاد عن الإساءة أو توجيه الاتهامات إلى الآخر بأي حال.
7.   وهي تسعى لأن تكون واحدة من أكثر القنوات حداثة وقرباً من الواقع وحاجات الإنسان العراقي وتطلعاته المشروعة والحضارية وأن تساند كل جهد على هذا السبيل بما في ذلك التعاون الجاد والمسؤول مع بقية الفضائيات العراقية والعربية والدولية بما يخدم تطور العراق ونشر الثقافة الإنسانية فيه وتمتعه بالتقدم.
وترى القناة ضرورة خوض المنافسة النزيهة والمدنية السليمة من أجل خدمة المشاهدة والمشاهد بدلاً من التزاحم وعدم التعاون أو عدم مد يد المساعدة الضرورية, كما يفترض أن يكون عليه العمل المشترك في مؤسسة واحدة.
8.   استقطبت القناة جمهرة مهمة من خيرة العاملات والعاملين في الحقل التلفزيوني, سواء أكانوا من العرب أم الكرد أم من الكلد أشور سريان ومن مختلف الأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية الديمقراطية, إذ أن المحدد للتعيين هو الخبرة والمعرفة وتقبل حيادية القناة الفكرية والسياسية واحترام استقلاليتها.   
والجدير بالإشارة إلى أن قناة عشتار, التي تحترم استقلاليتها وحياديتها وعراقيتها, تجد المساندة والتأييد لهذه الأسس من جانب السيد رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني ومن السيد رئيس مجلس الوزراء في إقليم كردستان نيچيرفان بارزاني ومن بقية المسؤولين والمجتمع.
وجدير بالذكر أيضاً أن قناة عشتار لا تمول من أحزاب سياسية أو حكومات بل من مجموعة من المسيحيين العراقيين القادرين على تمويل مثل هذه القناة لصالح العراق وشعبه ولصالح الكلدان والآشوريين والسريان في آن.   
وفي ضوء هذه الأسس وغيرها تابعت خلال وجودي في كردستان, وعلى مدى شهر كامل, وقبل ذاك أيضاً, برامج قناة عشتار, فتعرفت من خلالها على نشاط دائب وحركة سريعة من جانب العاملات والعاملين من أجل نقل الحدث أو نقل المؤتمرات واللقاءات الثقافية والحوارات الفكرية واستقدام الضيوف وتنظيم الندوات لهم ومعهم.
فخلال فترة وجيزة التقى مدير عام قناة عشتار في برنامجه "حصرياً على عشتار" مع السيد رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني ومع السيد رئيس البرلمان في كردستان عدنان المفتي ومع غبطة البطريارك مار عمانوئيل الثالث دلي بطريارك على الكلدان في العراق والعالم ومع نخبة من المفكرين والمثقفين العراقيين كالسادة الدكتور فالح عبد الجبار ومحمد سعيد الصگار ونوري عبد الرزاق حسين وزهير الجزائري والدكتور صلاح نيازي وزهير كاظم عبود كريم مروة وعباس بيضون وغيرهم, كما أجريت العشرات من اللقاءات الثقافية والصحفية المهمة ونقلت الكثير من الاجتماعات واللقاءات الفكرية والسياسية والثقافية العامة وحفلات الغناء والموسيقى التي نظمت خلال الفعاليات الكثيرة والمهمة في أسبوع المدى الثقافي الرابع في أربيل في الفترة بين 22-30/4/2006.
لا شك في أن قناة عشتار وهي في بداية تكوينها ونشاطها في هذا المجال الحيوي من العملية الإعلامية والثقافية والفنية تحتاج إلى المزيد من الوقت والجهد لترتقي إلى مصاف القنوات الدولية التي تستقطب الملايين من البشر.
رغم أن المعلومات الواردة من مختلف المناطق تشير إلى تتبع المزيد من العراقيات والعراقيين في الداخل والخارج إلى برامج قناة عشتار ولهم فيها رأي إيجابي وملاحظات إيجابية, كما لديهم مقترحات لتطوير القناة. فالقناة تحتاج إذن إلى برنامج خاص يطلق عليه, كما أرى, "بريد المشاهدين" مثلاً لكي ينقل أراء الناس حول القناة وبرامجها بروح نقدية بناءة, بإيجابيات النقد وسلبياته, لكي تساهم تلك الآراء في تطوير القناة وتحسين مستوى الأداء.
ولا شك في أن القناة تحتاج إلى مزيد من الجهد والعمل لتكريس عدة قواعد للعمل كانت وما تزال غائبة في أجواء العراق الراهنة نسبياً بسبب الفترة الزمنية المنصرمة التي ضاعت فيها الكثير من القيم والمعايير في ظل الدكتاتورية الشرسة والمركزية القاتلة التي تنتهي بفقدان النظام والالتزام واحترام الوقت والقانون أو قواعد العمل.
وأبرز تلك القواعد, هي الالتزام بالوقت واحترام المواعيد وتطوير إنتاجية العمل لزيادة الإنتاجية وتقليص التكاليف, وخلق روح التعاون الخلاق والمنافسة الشريفة بدلاً من الصراع بالمناكب أو وضع العوائق في طريق عمل الآخرين, والاحترام والتعاون المتبادلين, وتنمية الرغبة لدى مسؤولي الأقسام بنقل معارفهم وخبراتهم إلى الآخرين العاملين في القسم وابتعاداً عما يسمى بـ "سر المهنة" الذي لم يعد مناسباً بعصرنا وفي مجال التلفزة والثقافة بشكل خاص.
والقنوات الفضائية لا تستوجب إصدار القرارات وتسجيلها على الورق فحسب, بل العمل من أجل تنفيذها بحيوية وإبداع ومتابعة التنفيذ بما يسمح بإنجاز ممتاز وتقييم جيد لمجرى النشاط وتقييم العاملات والعاملين وفق أسس عقلانية وموضوعية هادفة إلى تحسين وتغيير ما هو سلبي.
ويبدو لي أن العاملات والعاملين في قناة عشتار يحتاجون إلى ترك الأجواء التي سادت العراق أو ما تزال سائدة خلفهم والتي لا يعير الموظف أي عناية مطلوبة بالممتلكات الخاصة بالمؤسسة وصيانتها وإدامتها وحمايتها من التلف السريع, وبالتالي تحميل القناة خسائر مالية غير قليلة, كما يحصل في دوائر الدولة حيث تضيع المسؤولية ويغيب الحرص على الممتلكات العامة ابتداءً من أجهزة التصوير والمكائه والأثاث وانتهاءً يسيارات النقل ودور السكن التابعة للمؤسسة.
إن قناة عشتار تحتاج إلى ثلاث مسائل أساسية خلال الفترة القادمة, وهي:
1.   المزيد من الاستوديوهات لكي يتمكن العاملون من استخدام الوقت بشكل أفضل لتنظيم الكثير من الحوارات والبرامج في آن واحد بدلاً من تركزها على أستوديو واحد. كما يمكن لهذه الاستوديوهات تقديم الخدمات لقنوات تلفزيونية أخرى عبر صيغ عديدة للعمل المشترك والتأجير.
2.   المزيد من الكاميرات والمصورين والأجهزة الضرورية للعمل وتطوير الجانب الفني والتقني في الديكور الحديث بشكل خاص.
3.   المزيد من المحاورين من ذوي الكفاءة والقدرة على خوض الحوارات الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفنية مع الضيوف لكي لا تتركز الحوارات على مدير القناة أو على شخص آخر فقط.     
                 
بدا لي أن قناة عشتار تعيش كعائلة واحدة تسعى لتحقيق أهداف القناة الأساسية, لأن أهدافها عراقية مشتركة يلتقي عندها الجميع وتحرص إدارة القناة على فسح المجال أمام الجميع للتعبير عن رأيهم بوعي وموضوعية بناءة. فإلى العاملات والعاملين في هذه القناة أقدم تحياتي وشكري الجزيل لحسن الوفادة والاحتضان الأخوي راجياً لهم النجاح والتقدم والمزيد من الجهد لإنجاح ما صمموا على إقامته وإنجازه على صعيد القناة والمؤسسة وبما يرفع اسم المؤسسة والعاملين فيها إلى مستويات عالمية منشودة.

كاظم حبيب 
برلين في 12/5/2006 [/b] [/size][/font]
 

صفحات: 1 [2]