نبيل يونس دمان
في اواخر الخمسينات اصطحبتني والدتي الى بيت الياس افندي لنُسلّم على عمِّها داود اسطيفو اودو (والد مطران حلب الحالي) القادم من سوريا، اتذكر دخلنا غرفة كبيرة نسبياً على الجانب الايمن لأيوان واسع يشرف على القوش كلها، نظرا لصغري النسبي انطبع في مخيّلتي ارتفاع القنفات عن الأرض والتي جلس فوقها الضيف، فحملتني والدتي وقربتني منه ليطبع قبلة على وَجْنتيَّ، وهو يكرّر أمانيه الطيبة لمستقبلي، ثم قدمتني الى الياس افندي ايضاً (1909- 1998) ، وتوالت زياراتي الى البيت خصوصاً عندما أصبح مركزاً للناحية والشرطة في اوائل السبعينات، كان في داخله سرداب محفور بالصخر يسموه (كُبّا- اي الكهف) تحول في تلك الايام الى سجنٍ لمن تعتقلهم السلطات، اتذكر احد مدراء الناحية استدعاني مع زملائي سلام تومكا، فرج خوركا، وسعيد قودا للتحقيق في سرقة عُدَد حاصدات (درّاسات) الاصلاح الزراعي فهددنا بالزج في ذلك السجن اذا لم نعترف، ولكن الاشكال تم حله بتشكيك زميلنا سلام في شاب بمقتبل العمر (إسمه جميل وكنا نطلق عليه كنية زَلام) كان يحوم حول الدرّاسات، فأستدعي واعترف بسرقتها مع اخوانه الأكبر سناً، ومن ثم أرجعوها كاملة الى اماكنها.
في محلة اودو عاشت العمّة كوزي اسطيفو مدالو، كانت إمرأة شهمة، ربّة بيت، وتملك بقرة تنتج أفضل الألبان، جهزت يوم أحدٍ سطلها الصغير باللبن الطازج وحملته الى بيت اخيها الياس مدالو وعند عودتها في العصر وما ان وصلت الى وسط ديوان محلة اودو الذي يفترش الارض تحت القنطرة المعروفة، صارت تحدث نفسها هكذا: قلت لوارينة (زوجة اخيها) ان لا تكلف نفسها في ملأ السطل (ستلوكي) بأكلة "الپاݘة" لكنها اصرت فاضطررت الى جلب الباجة معي الى البيت، هكذا بدأت كلمتها بالسورث (ديخْ كاوْ گلّيكي، ميري لَگبِخلي لگبخلي أن كْيبايي.... ) فصار كل من في الديوان يتأفف ويتذمر حيث في ذلك الزمان كان الحرمان والفاقه وكان تذوق الباجه يحصل بالسنة مرة او لا يحصل، فجعلت كوزي الرجال بتصرفها المثير جعلتهم يمسحون شفاههم بألسنتهم رواد ديوان محلة اودو الذي ذاع صيته في اطلاق النعوت على العابرين مهما بلغت منزلتهم.
بعد ان سرَحتْ الخالة كوزي مدالو عجل بقرتها (شرخا) عند سفح الجبل في منطقة تسمى (قَصيله) جلب انتباهها شرطيٌ قد خرج من مركز الشرطة (قشله) وصعد الى صخرة مرتفعة قليلاً، فوضع كفيه على وجهه مناديا للصلاة (الله وأكبر..... ) لم يعجبها ذلك، وعند رجوعها وقرب قمطار محلة اودو، شاهدت بعض الشباب يسرحون ويمرحون في المكان ففتحت كفها وحركته مرة واحدة وبقوة الى الاسفل وهي تزم شفتيها (قُطْمَه....) انتم تدعون انكم شباب محلة اودو، اين نخوتكم؟ ان ما يفعله الشرطي يندرج نحو بناء مسجد وسط بلدتكم وانتم تتفرجون! كان بينهم شاب أكبر سناً وهو المرحوم ميخا اسحق زرا من سكنة محلة قاشا، لكنه كان يفضل التواجد في محلة اودو، في تلك الاثناء سمع جيداً ما قالته المرأة، وهي تواصل طريقها الى بيتها في حوش خوشو (درته دبي خوشو) ، فطلب ميخا من المجموعة ان تستعد، وقد ضمت (بندق، ﭙݘو، جمال، حكمت، كامل وغيرهم) بعد تأثرهم بكلام الخالة كوزي، وضعوا خطة سريعة نفذوها في اليوم التالي، حيث تزودوا بمصائد العصافير (جطالي) وكمنوا بين الصخور القريبة وحان موعد خروج الشرطي، وما ان صعد كالمعتاد فوق الصخرة، حتى انهالت عليه احجار المصائد في آن واحد وقد اضطلع بالضربة الاولى ميخا زرا، فأصيب الشرطي بجروح عدة ودخل يشكي حاله الى مأمور المركز وكان في حينها المرحوم شاكر كرمو (من تلكيف) ، عندما فهم الموضوع قال له: لماذا توجه أذانك في محيط كله مسيحي وكذلك الجبل أصم لا يسمع، من الافضل ان تؤذن من داخل المركز، فأسقطت حججه تباعاً، ثم كان نقله في الفترة اللاحقة الى منطقة أخرى.
تكلم صاحب الذكريات عن التصاق عنكاوا بأربيل وعن إمكانية دمج الإسمين على غرار شقي بودابست الجميلة على ضفتي نهر الدانوب، حضرتني النكتة التالية: في السبعينات سُأل فرّاش المدير عن مقدار راتبه الشهري فأجاب، انا والمدير نقبض 220 ديناراً، وتبين ان راتبه 20 والمدير 200، هكذا تبدو لي النسبة بين اربيل وعنكاوا تقريبا، امنياتي ان يبقى اسم اربيل التأريخي الذي يعني الآلهة الأربعة (أربا ئيلو) فالأسماء التاريخية لا تقبل التجزئة او الدمج او الإلغاء، لقد درج الاخوة الاكراد في السنين الاخيرة على تغيير اسم اربيل في الاستخدام اللغوي الكردي بإسم "هولير" فكثر استخدام هذا الاسم الحديث. في عام 1971- 1972 زرت عنكاوا وكان والدي يعمل نجاراً عند المهندس القدير سمير الياس مدالو في مشروع الدواجن، كانت تفصل عنكاوا عن اربيل مسافة يغطيها معسكر كبير للجيش ( كان رمزا للظلم والطغيان ) على جانبي الطريق، اما اليوم فقد زال المعسكر والتصقت مجاميع البيوت والشوارع والعمارات بين الجانبين الأربيلي والعنكاوي. وشهدت المدينة في العقدين الماضيين تطوراً سريعاً جعلتها من مدن العراق المهمة في الوقت الحاضر.
عزيزي سامي مدالو: لقد غادرت العراق وبلدتك في الماضي البعيد وتركت جيرانك في عز شبابهم او مهابة شيخوختهم، ولكنك حين عدت لم ترهم فقد رقدوا الى الابد على رجاء القيامة، لنذكر اسماء بعضهم الذين على الأكثر عرفتهم في محيط بيتكم الجديد في (قرزي) والقديم في محلة اودو، لجميعهم الرحمة ولأحفادهم استمرار النسل والبقاء، ومنهم: بولص قاشا، لاسو مرادو، أيسف مرادو،حنا عازو، حنا حقّا، حنا ناطور، دودي كادو، جبو كادو، هرمز كادو، ياقو قيا، سعدو قيا، كوما بهاري، خوارا بهاري، رشو شاجا، نونو شاجا، اورو حميكا، عيسى حميكا، ݘاكا حنونا، عيسى دمان، ايليا دمان، شمعون طعان، كوريال اودو، مامينو اودو، ياقو شابيو، أيسف مدالو، .... وغيرهم.
لقد ذكرتَ أسماء أولية لزملاء لك في المدرسة وانا احاول ان اكملها قدر استطاعتي، فقد ذكرت اسم بهجت واعتقد هو بهجت فرج القس يونان، وذكرت اسم برهان فاعتقد هو برهان سنحاريب الياس بولا، وذكرت اسم قيصر واعتقد هو قيصر بيبو حنا رمو، اما المعلم من اهالي عنكاوه فهو عبد المسيح عبدوكا (ابو زهير)، والشخص الذي التقيت به في منتزه الفقيد توما توماس فكان ماجد ابن خالتي جميلة.
كنت اتمنى ان تذكر نبذة عن حياتك في المانيا حتى تستكمل الحلقات من قبيل كيف قضيت الخمسين سنة؟ وكيف حافظت على لغة الكتابة العربية بهذه الامكانية التي نحسدك عليها؟ وهل حافظت على لسان "السورث" المحكي لغة قومك العريق؟. وهل كان لديكم تجمعات عراقية او لقاءات عبر البلدان الأوربية؟ هل كانت تغزوك احلام العراق والقوش؟ وماذا كتبت من اشعار ونتاجات ثقافية حتى تطفئ الظمأ لبلادك الحبيبة؟ يقول ابو تمام:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتـى وحنينه أبدا لأول منــــزل
عندما زرتَ بلدتك هل عرفك أحد؟ وهل تبقّى لك اصدقاء؟ وكيف كان استقبالهم لك؟ كيف رأيت القوش بعد هذا الفراق الطويل، هل هي متطورة من ناحية البناء والشوارع والمؤسسات وكيف كانت مشاعرك عندما رأيت بيتكم وقد أزيل من الوجود، وللعلم اصبح بعد نزوحكم الى بغداد مدرسة، ثم نادي الموظفين (في عهدة المرحوم متيكا عوصجي) ثم ادارة الناحية، فدير الراهبات، ثم الهدم ليصبح ديرا ذو ألوان غير جذابة!.
May 23, 2013
USA





























































