عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - nori mandoo

صفحات: [1]
1
رحلة حج إلى الأبرشيات المنسية
                                                      الشماس: نوري إيشوع
قام صاحب السيادة مار أنطوان أودو مطران أبرشية حلب والجزيرة العليا الكلدانية السامي الاحترام يرافقه كهنة الأبرشية الآباء نضال توماس وأنطوان غزي ومالك ملوس وسمير كانون والشماس نوري إيشوع بزيارة الأبرشيات الكلدانية في شرق تركيا ضمت الجزيرة العمرية بازبدي وسعرت وأمد ديار بكر وماردين. واستمرت مدة خمسة أيام، وذلك من 12 حزيران 2006 وحتى 16 منه.
اليوم الأول: صباحاً انطلقنا من مدينة القامشلي السورية نحو نقطة الحدود التركية، وبعد إنجاز المعاملات دخلنا مدينة نصيبين التاريخية. في مدخل المدينة وجدنا عدد من الأعمدة ضمن أرض مسيجة يدعوها العامة " القبان ". هذه الأعمدة هي مدخل مدرسة نصيبين العريقة والشهيرة في تاريخ كنيسة المشرق، والتي تعاقب على رئاستها ملافنة عظام أمثال مار أفرام النصيبيني ملفان الكنيسة الجامعة، والملفان نرساي النوهدري كنارة الروح القدس. تأملنا في هذا المكان الذي كان يعج يوماً بمئات التلاميذ يتنقلون بين الصفوف والأروقة لينهلوا العلم والمعرفة، واليوم أضحى الموقع كالصحراء القاحلة التي لا حياة فيها. غادرنا المكان بين الذكرى والحسرة لما آل إليه هذا الصرح الشامخ.
اتجهنا من هناك نحو كاتدرائية مار يعقوب النصيبيني والتي شيدت في سنة 320 م على عهد مطران نصيبين الذائع الصيت مار يعقوب النصيبيني أشهر قديسي كنيسة المشرق. دخلنا الكنيسة التي قوض القسم الكبير منها بسبب عوادي الزمان وبقي جزء منها، تأملنا في جدرانها وحناياها مستذكرين ما كان لها من عظمة ومكانة في تاريخ كنيسة المشرق عبر التاريخ. هذا الكرسي العريق الذي تعاقب عليه 75 مطراناً حتى نهاية القرن التاسع عشر، وجدناه خالياً خاوياً إلا من روح الله الذي يرفرف عليه. ثم نزلنا إلى السرداب الذي يحتوي ضريح مار يعقوب النصيبيني وتباركنا منه، غادرنا المكان وفي القلب غصة وفي العين دمعة.
ثم زرنا جامع زين العابدين الذي كان حتى القرن العاشر ديراً للراهبات باسم دير مارت نارسوي، وقد حول إلى جامع بعد الفتح الإسلامي. وحتى اليوم يضم ترابه جسد الشهيدة فبرونيا النصيبينية، زرنا الضريح في داخل الجامع والذي يقال عنه أنه ضريح زين العابدين، وهو في واقع الأمر ضريح الشهيدة فبرونيا، تبركنا من الضريح وغادرنا المكان متجهين شرقاً نحو جبل إيزلا، هذا الجبل المقدس الذي ضم منذ بداية المسيحية العشرات من الأديرة. وبعد مسافة عشرين كلم وصلنا إلى دير مار أوجين مهد الرهبانية المنظمة في المشرق، اقتربنا من موقع الدير الذي دمره الجيش التركي في بداية القرن العشرين، ولم يبقى منه اليوم سوى الأطلال. تمعنا ملياً في الموقع الذي كان يضم يوماً مئات الرهبان الذين انطلقوا منه حاملين بشرى الخلاص إلى بلاد الهند والصين. وشرق دير مار أوجين وعلى بعد 3 كلم شاهدنا دير مار يوحنا الطائي البديع البنيان، ثم زرنا أطلال دير مار باباي برنصيبيناي. غادرنا المكان وتوجهنا نحو مدينة الجزيرة العمرية، وقبل أن ندخل المدينة شاهدنا وادي السوس الذي ضم الآلاف من الشهداء سنة 1915 الذين سيقوا إلى هذا المكان ونحروا كالخراف جزاء إيمانهم بالمسيح. دخلنا المدينة والتي لم يبقى فيها أي أثر مسيحيي، وزرنا برجا بلك على ضفاف دجلة حيث قتل مطران الجزيرة للكلدان مار يعقوب أوراها ورميت جثثه هناك. وشرق المدينة شاهدنا جبال البوهتان الشامخة والتي كانت تضم العشرات من القرى الكلدانية التابعة لأبرشية بازبدي مثل: فنك هربول وحسانة وطاقيان وأومرا دمار آحا وأمرا دمار سبريشوع ومسورية وحصد وأشي وبلون وشاخ وتل قبين ونهروان وأجنبت وأكرم وكزنخ وبيسبين وغيرها، ولم يبقى منها اليوم سوى الأطلال والذكريات.
غادرنا الجزيرة لنزور في طريقنا بلدتي أزخ وميدن ومع غروب الشمس وصلنا إلى دير مار كبرئيل في طور عبدين حيث استقبلنا مطران الدير مار صموئيل أقطاش السامي الاحترام بحفاوة وحللنا ضيوف عليه.
اليوم الثاني: انطلقنا صباحاً نحو قرية حاح لنزور كنيستها الشهيرة المكرسة على اسم العذراء، والذي يتحدث التقليد الكنسي أن المجوس في طريق عودتهم من بيت لجم مروا من هذا المكان. ثم زرنا قرية صالح والتي تضم دير مار يعقوب الحبيس المشيد في بداية الجيل السادس للمسيحية، ثم زرنا مدينة مديات وتعرفنا على معالمها وكنائسها وأديرتها العديدة. وقمنا بزيارة مصلى الكلدان في المدينة المكرس على اسم العذراء، والتقينا بالعائلة الكلدانية الوحيدة المتبقية فيها. ومن هناك انطلقنا نحو قرية انحل ومنها إلى وادي بونصرا الشهير والذي يضم نبع نهر الهرماس الذي يروي مدينة نصيبين. ويتحدث التقليد أن تسمية الوادي جاءت من اسم الملك نبوخذنصر الذي دمر مملكة إسرائيل وجلب معه آلاف السبايا ووضعهم في هذا الوادي. ومع غروب الشمس عدنا إلى دير مار كبرئيل.
اليوم الثالث: انطلقنا صباحاً نحو قرية كفر جوز والتي كان سكانها جميعاً من الكلدان قتلوا جميعاً في مذابح السفربرلك سنة 1915. ومنها إلى مدينة بطمان ثم عرجنا شرقاً لنمر في منطقة البشيرية والتي كانت تضم حتى بداية القرن الماضي العشرات من القرى سكانها من أبناء الكنيسة السريانية الأرثوذكسية وكان لهم في المنطقة دير شهير على اسم مار قرياقس واليوم لم يبقى في المنطقة أي أثر مسيحيي يذكر.
أكملنا السير شرقاً لنصل إلى منطقة غرزان والمعروفة في تاريخ كنيسة المشرق بـ أرزن وكانت مقر لأسقفية تابعة لكنيسة المشرق منذ بداية المسيحية. وبعد القرن السادس عشر ضمت إلى أبرشية سعرت. وكانت منطقة أرزن العديد من القرى الكلدانية نذكر منها بيكند وبركي وزوق وهللر وعين قصر وتل منار وغيرها، كانت عامرة حتى بداية القرن الماضي. زرنا قرية بيكند الشهيرة بعيون المياه وحدائقها الغناء الغنية بالأشجار المثمرة. وشاهدنا عن بعد أطلال دير مار يوحنا نحلايا الشهير، وأيضاً العديد من بيوت المسيحيين المشيدة من الحجارة والتي بقيت حتى اليوم شاهدة على تاريخ القرية.
أكملنا السير شرقاً حتى وصلنا مدينة سعرت هذه المدينة التي كانت تضم كرسي عريق لكنيسة المشرق، زرنا الحي القديم لنقف عند عين ماء تدعى عين صليب والذي كان ضمن الحي الكلداني في المدينة. ثم زرنا جامع النبي الذي باعتقادي هو موقع مطرانية الكلدان، ومقبرة الخليلي التي كانت موقع كاتدرائية العائلة المقدسة الكلدانية. وشاهدنا بعض البيوت القديمة والتي كانت قبل المذابح مسكن مسيحيي المدينة. انطلقنا جنوباً لنزور أطلال دير مار يعقوب الحبيس الذي كان يوماً مقراً لبطاركة الكنيسة الكلدانية، وكان يضم مكتبة ضخمة دمرت ونهبت خلال المذابح. ومن موقع الدير شاهدنا جبال البوهتان الشامخة والتي كانت تضم حتى بداية القرن الماضي العشرات من القرى الكلدانية واليوم لم يبقى منها سوى الذكرى منها قوتميس مار كوريا كيدوانيس تل ميشار بينكف بيركة راموران دهريان دهمزيا أرتون العليا أرتون السفلى كير أثيل مار شانس صاداخ مار يعقوب مارت شموني حديدي شويثا روما بيروز دينتاس حاخ بوريم قوريج أوريج دير شمش قب وغيرها. تركنا المنطقة بأسف شديد، هذه المراكز كلها قسا عليها الزمان وعبث بها الوحوش البشرية فجعلوها أثر بعد عين.
وفي طريق العودة زرنا مدينة حصن كيبا الشهيرة والتي كانت يوماً كرسياً أسقفياً لكنيسة المشرق، واليوم لم يبقى فيها من المسيحيين شيء يذكر سوى معالمها الأثرية التي تشهد على عظمة تاريخها وعراقة ماضيها. ومع غروب الشمس عدنا إلى دير مار كبرئيل.
اليوم الرابع: صباحاً ودعنا المطران صموئيل شاكرين محبته ولطفه وكرم الضيافة خلال أقامتنا في ديره العامر. توجهنا نحو مدينة ميافرقين والتي كانت عامرة بسكانها المسيحيين حتى بداية القرن الماضي، وكانت مركزاً هاماً لكنيسة المشرق حيث ضمت كرسياً أسقفياً لعصور عديدة، واليوم لم يبقى فيها أثر يذكر لمعالمها المسيحية، وبعد أن زرنا سورها الشهير اتجهنا نحو مدينة ديار بكر هذه المدينة العريقة في تاريخ كنيسة المشرق والتي كانت مركز بطاركتها بعد الإتحاد. وما أن وصلنا المدينة اتجهنا نحو كاتدرائية مار بثيون الكلدانية حيث استقبلنا بالأهازيج ونثر الحلوى وقرع الناقوس من قبل من تبقى من المسيحيين في المدينة وهم عشر عائلات منها عائلتان كلدانيتان. وقد أقام المطران أنطوان أودو قداساً احتفالياً يعاونه الكهنة. وبعد انتهاء القداس تعرفنا على معالم الكاتدرائية ووقفنا أمام قبر المطران الشهير سليمان صباغ وصلينا من أجل راحة نفسه. ثم زرنا دار المطرانية والميتم الشهير الذي أسسه المطران صباغ وضم العديد من الأطفال ومن جميع الطوائف بعد المذابح. وقد أقام لنا الأخوة زكي ويوسف قصار الكلدانيان مأدبة غذاء فاخرة. وعصراً زرنا كنيسة المريمانا للسريان الأرثوذكس واستقبلنا من قبل كاهنها الفاضل. غادرنا ديار بكر حاملين في نفوسنا الأسى والحزن على هذا الواقع المرير. وعند غروب الشمس وصلنا إلى دير الزعفران قرب ماردين فاستقبلنا المطران صليبا أوزمن بحفاوة ثم دعنا إلى مأدبة عشاء عامرة في فندق ماردين الكبير، وبعد العشاء عدنا إلى الدير.
اليوم الخامس: صباحاً غادرنا دير الزعفران متوجهين إلى ماردين، وما أن وصلنا إلى كاتدرائية الربان هرمزد الكلدانية والتي تعتبر أقدم كنيسة في المدينة إذ شيدت سنة 430 م، أقام المطران أنطوان أودو قداساً احتفالياً يعاونه الكهنة، وقد حضر القداس المطران صليبا وكاهنه الفاضل في المدينة وجمع من مسيحيي المدينة. وبعد القداس تعرفنا على معالم الكاتدرائية ووقفنا أمام قبر المطران إسرائيل أودو وقبر المطران أغناطيوس دشتو وقبر المطران إيليا ميلوس وصلينا من أجل راحة أنفسهم. ثم زرنا دار المطرانية حيث التقينا مع من حضروا القداس، ومن الجدير بالذكر أنه في ماردين ثمانين عائلة مسيحية منها واحدة فقط كلدانية، هي عائلة السيد عدنان دهين. وبعد استراحة قصيرة زرنا كاتدرائية مريم العذراء للسريان الكاثوليك، ودار البطريركية الرائع الجمال المجاور والذي أخذته الدولة وحولته إلى متحف لماردين، ثم زرنا كاتدرائية مار يوسف للأرمن الكاثوليك وهي أية في الجمال، ثم زرنا كنيسة الأربعين شهيداً للسريان الأرثوذكس. وبعد استراحة في دار المطرانية السريانية الأرثوذكسية توجهنا إلى مدينة نصيبين، وقد أبى المطران صليبا مشكوراً إلا أن يرافقنا من ماردين وحتى الحدود السورية.
الخاتمة: بالحقيقة كانت أيام حلوة جعلتنا نتذكر ما علق في أذهاننا من خلال مطالعتنا تاريخ هذه الأبرشيات العريقة والشهيرة في تاريخ كنيسة المشرق، والتي كانت بكل حق القلب النابض لهذه الكنيسة حتى بداية القرن الماضي. لكن المحن العظيمة التي تكبدها أبنائها البررة في مذابح السفربرلك يتوقف القلم البليغ ويعجز عن وصفها والإحاطة بها. لقد انقضى الظالمين العتاة على قطيع المسيح ونحروهم كالخراف الوديعة، فسالت دمائهم المقدسة تروي أعتاب الكنائس والأديار والمزارع والحقول والوديان والجبال والأنهار والآبار.
وحيث أننا أبناء من قام من القبر منتصراً على الموت والخطيئة، لذا يحدونا الأمل الوطيد أن الكنيسة هناك ستنهض من جديد، وسينبت بذر الشهداء جنائن غنية بسنابل الإيمان والرجاء والمحبة.           
           

صفحات: [1]