عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - د. شابا أيوب

صفحات: [1]
1
المنبر الحر / جنس الدواعش
« في: 23:12 12/03/2015  »
جنس الدواعش

الجزء الآول
في العاشر من حزيران الماضي غزا الدواعش مدينة الموصل، إحدى أقدم وأهم مدن العراق التاريخية وعاصمة الدولة الآشورية، وثاني أكبر مدن العراق حاليا. تم غزوها من دون أية مقاومة تذكر، لا بل تركتْ قوات الجيش والشرطة وعناصر الأمن في المحافظة مُعِدّاتها وأسلحتها الثقيلة والخفيفة لها، وهربت بزيّها المدني تاركة مصير أهل الموصل وسكان الضواحي، وكل عراقي يرفض عقيدتهم التكفيرية وأفعالهم البشعة، بيد الأرهابيين وا لتكفيريين، الذين لا تعرف قلوبهم لا الرحمة ولا الشفقة، ولا تراعي أبسط قواعد السلوك الأنساني المتعارف عليها على مر العصور.

ليس عتبي على ما فَعَله ويفعله الدواعش بالموصل وغيرها من الأماكن، لأنهم أصحاب عقيدة ومشروع سياسي يستندان الى نص مقدس من وجهة نظرهم يبرر أفعالهم، رغم إني أرى أن مثل هذه الأفعال ليس فقط لا تنسجم مع روح العصر، حيث تتطور مفاهيم حقوق الأنسان وحقوق المرأة والطفل، وحتى حقوق الحيوان، بل ترقى الى جرائم حرب وجرائم إبادة. لكن عتبي على من مَكّن داعش من إحتلال الموصل ومدن وبلدات أخرى مهمة. وسأعود الى هذا الموضوع لاحقا.

ففي الوقت الذي تترسخ فيه مفاهيم حرية التعبير والفكر، وحرية العقائد السياسية والدينية، وتُثبّت في دساتير الدول المتحضرة وتصبح من بديهيات الحياة اليومية في المجتمع، نرى داعش تضع مخالفيها أمام خيارات كلها مرة، إما أعتناق الأسلام وفق مذهبهم، وإما دفع الجزية، وإما الطرد من بيوتهم وتهجيرهم، وإلا الموت بكل أشكاله. ليس هذا فقط بل أعادت الى الأذهان أقذر جرائم البشر، وهو قتل الرجال، وسبي النساء وبيعهم في سوق النخاسة. وايغالا منهم في الجريمة وزيادة في ترويع المواطنين تراهم يعدون ويفبركون مشاهد فيديو مروعة لا تتحمل عين الأنسان مواصلة رؤيتها، كحرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة ، ونحر 21 قبطيا من مصر، وقبل ذلك قطع رؤوس صحفيون أجانب وعمال في وكالات الأغاثة الدولية.

لقد تمادى الدواعش في حقدهم ليس على شيعة العراق ومسيحييه، وعلى اليزيديين والشبك والصابئة، وعلى الكثير من أهل السنة أنفسهم، بل واعتدوا على الأنسانية، وتراثها الغني وكنز من كنوزها، وذلك بحرق الآلاف من الكتب الثمينة والمجلدات والمخطوطات القديمة، ومن مختلف العصور، من مكتبة الموصل، في الهواء الطلق، في مشهد يتسم بالظلامية والجهل المطلق بأهمية هذه الكتب والمخطوطات في دراسة تطور المجتمعات البشرية، وتلاقح الحضارات، والأرتقاء بالمعارف الأنسانية الى مستويات أرقى. إنها لخسارة فادحة ليس للعراقيين وحدهم بل للأنسانية جمعاء، لأن التراث الثقافي العراقي هو جزء لا يتجزأ من الثراث الأنساني.

كما قام الدواعش بتكسير وتحطيم التماثيل واللقى الأثرية في متحف الموصل في منظر يوصف بالروح التخريبية والهمجية والحقد على الحضارة، وعلى كل ما أبدعته يد الأنسان وعقله، كما دمّروا آثار مدينة خُرسباد، والتي يعود تاريخها الى 1000 سنة قبل الميلاد، وسوّوا مدينة نمرود الأثرية بالارض.
صدقوا أم لا تصدقوا بأن كل ضربة من معولهم ومطرقتهم على التمثال كانت بمثابة خنجر يُغرس في قلبي، وقد ضاقت نفسي في تلك اللحظات اللعينة من الزمن العراقي الردئ، وفقدت توازني وعقلي من شدة غضبي، ولكن سرعان ما تداركت بان العراق وتاريخه وحضارته أشمخ من هذه العقيدة الفاسدة والمدمرة، وأن تحطيم تمثال لا يغير من حقيقة ان كل شبر من أرض العراق تحكي قصة مجد عظيم وعطاء مذهل، فأنتم أيها الدواعش الى مزبلة التاريخ ماضون والعراق با قٍ بمسلته، وزقورة أوره، وبثور مجنحه، وبشهرزاده وشهرياره و...
ويا أيها الأوغاد، أنتم تعلمون جيدا بأن لا أحدا من العراقيين في القرن الواحد والعشرين يعبد صنما أو تمثالا، كما كان العرب يفعلون في الجاهلية، وأن هذه القطع الأثرية هي من بقايا شعب عاش على هذه الأرض وترك لنا بعضا من إنجازاته ليخلد ذكراه، وهي أشياء لا تؤذي أحدا بما في ذلك عقيدتكم الأسلامية، والتي ظهرت بعد عشرات القرون. فلماذا تخرجون عن المألوف؟ وكيف تقبلون بأفغانيا أوشيشانيا يدمر حضارة بلدكم؟ والى أي مستنقع قذر أنتم ذاهبون؟
فاذا كان هدف بث الرعب والفزع في قلوب العراقيين والسوريين وغيرهم، هو في توسيع رقعة أماكن تسلطكم، فأن هذه الأفعال البشعة سوف تقلص من مساحتها، وتخلق ردود فعل قوية وسريعة من جانب باقي فئات الشعب الراغبة في العيش بحرية وأمان، وستقاوم وتجابه مشروعكم المتخلف.
وإذا كان هدفكم نشر الأسلام في المنطقة والعالم فأن هذه الأفعا ل المنافية للقيم الأنسانية ستبعد أفواجا من المسلمين عن دينهم أو تدفعهم الى إعتناق ديانات ومذاهب أخرى تنبذ مثل هذا العنف المفرط.
لا أدري إن كانت هذه هي قناعتكم فعلا، أم أنتم تنفذون أجندات خارجية، لأني وكثيرون من أمثالي نعلم جيدا، من يُموّلكم ،ومن يدربّكم، ومن يسلحكم، ومن يسمح بتدفق المقاتلين الى مناطق نفوذكم. لكنني أجزم بأن أفعالكم هذه لاتخدم إلا المشروع الصهيوني في المنطقة، وتثلج صدور الصهاينة وكل أعداء الشعب العراقي، في فصل ساخن يهب على منطقة الشرق الأوسط.

وإستنادا الى ما تم وصفه فأني أستطيع أن أوصفكم بأنكم نوع جديد من الجنس البشري، وأقترح تسميتكم ب (كارهي الحياة) وأتمنى من علماء النفس والبيولوجيا تبني هذا المقترح، وتثبيته في قاموس علم النفس البشري.

الجزء الثاني
يعلم الجميع ان التاريخ أصبح علماً، ويُكتب بطريقة علمية، أي من دون تشويه أو تحريف للوقائع والأحداث، ومن دون أية مبالغات أو تجميل للصورة، ومن حق الأجيال القادمة أن تعرف بصدق، ماذا فعل الآباء والأجداد والسلف؟ ماذا أنجزوا، وبماذا أخفقوا؟ ما هي إنتصاراتهم ؟ وما هي هزائمهم ؟
فلماذا تعملون على طمس تاريخ شعبكم وتسعون الى تغييب جزءاً من التراث الثقافي لبلدكم. إن النظرة الى التاريخ يجب أن لا تكون إنتقائية، وعلينا النظر اليه من جميع جوانبه، أي بأيجابياته وسلبياته.
خذ على سبيل المثال لا للحصر تاريخ الدانمارك
يقر الدانماركيون بأنّهم قبل 6 - 7 قرون خلت، كانوا قراصنة البحار وشعب غير متحضر، ويوعزون سبب ذلك الى العاملين الجغرافي والأقتصادي، أي بسبب قسوة الظروف المناخية، وضعف الأنتاج الزراعي والحيواني آنذاك، ناهيك عن غياب الأنتاج الصناعي، ولكنّهم لم يشعروا قط بالحرج عن هذا الماضي التعيس، بل بالعكس فأنّهم يشعرون بالفخر كونهم صنعوا تاريخهم الحديث بأيديهم، حتى باتوا من أسعد شعوب العالم، وهذا ليس تقييمي الشخصي، بل بأقرار المنظمات المختصة التابعة للامم المتحدة.

أمّا تاريخنا فهو مليئ بالمغالطات والتشويهات ولكنّكم مع ذلك تريدونه أن يكتب بلون ناصع البياض، أي من دون أخطاء أو خطايا، وبشكل يصعب على المرء أنتقاد جوانبه السلبية، وقد تمت ملاحقة وعزل ونفي كل من حاول كتابة هذا التاريخ بنظرة نقدية. ولو تعمقنا كثيراً في دراسته سنرى بأن جذور العنف الدموي المفرط في عراقنا اليوم تعود إلى هؤلاء البدو، القادمين من الصحراء. حيث لم يستطع بعضاً من هؤلاء البدو إستيعاب الحضارة بالرغم من مرور أكثر من 14 قرناً من الزمان، ولهذا السبب ما زال هذا البعض يحلم بالغزوات وسبي النساء، ولهذا السبب لم يفقه حتى اللحظة قيمة الحضارة وكنوزها.
إنّ داعش بقدر ما هي وحشية وهمجية، وأنّ ما إرتكبته بحق العراقيين والسوريين من بشاعات وحماقات لا تقل عن تلك البشاعات التي إرتكبها هولاكو وجنكيز خان وتيمورلنك من قبل. إلاّ أنّه كان من ورائها فائدة عظيمة للأسباب التالية
1 إذْ وحّدت ولاول مرّة منذ سقوط النظام السابق، الشعب العراقي بكل أطيافه، للقضاء على الأرهاب والتطرّف، والذود عن الوطن من خلال قتال الغرباء من شراذم الأفغان والشيشانيين والسعوديين ومن لفّ لفهم، وستغيّر أفعال داعش القبيحة بوصلة السياسيين العراقيين من النهج الطائفي المقيت الى نهج أكثر قربا للوطنية العراقية ، نهجاً نأمل منه أن يتسم بالوطنية الصادقة وبروح التآخي القومي والتسامح الديني والمذهبي.
2 إذْ كشفت على العلن عيوب وأخطاء وخطايا القادة السياسيين المتنفذين منذ سقوط النظام السابق ولحد يومنا هذا، كشفت أنانيتهم الشخصية وحزبيتهم الضيّقة وطائفيتهم المقيته وغباءَهم وخواءَهم السياسي.
تلك الأنانية المتمثلة بحرصهم الشديد للأحتفاظ بأمتيازاتهم سواء بالرواتب الخيالية التي يتقاضونها كوزراء في الحكومة أو كأعضاء في البرلمان أو مدراء عامون في مؤسسات الدولة، أم بتكاليف أفراد حماياتهم الباهضة، أم بأستغلال مناصبهم في توظيف أفراد من عوائلهم وأقاربهم من دون توفٌر المؤهلات والشروط الضرورية، أضف الى ذلك تقاضي بعضهم رشاوى، وغض النظر عن إنتشار الفساد، ونخره لمؤسسات الدولة والمجتمع.
أمّا حزبيتهم الضيّقة فتتمثل في تغليب مصلحة فئة قليلة أو كثيرة على مصلحة الشعب العراقي والدولة العراقية، راعية الجميع.
فقد أَسست هذه الأحزاب وبالتعاون مع المحتل الأمريكي دولة فاشلة من كل النواحي، دستور توافقي ملغوم، وجيش ولائُه للطوائف وليس للوطن، وأكبر دليل على ذلك هو خذلانه أمام داعش الأرهابية، وعدم قدرته على حماية حدود البلد. وحكومات تُقسّم وزاراتها الى حصص طائفية وإثنية، وتعمل كل وزارة من هذه الوزارات لمصلحة الحزب وأبناء الطائفة أو العشيرة التي ينتمي إليها الوزير. و حتى أكون منصفاً في قولي، لا بد من أن أستثني عدداً محدودا من الوزراء، الذين خدموا بمهنيه عالية ونزاهة، وبعيدا عن الحزبية والتخندق الطائفي. أمّا القضاء فلم يكن محايداً وكان في أغلب الأحيان منحازاً لجهة رئيس الوزراء، وبرلمان يفتقر الى الكفاءة، وعدم إرتقائه إلى مستوى التحديات الجسيمة، حيث أحد أعضائه يَجرُّ بالطول والآخر بالعرض.
والى جانب الحزبية الضيّقة شكّلت الطائفية السياسية وَبالاً خطيراً على العراق وشعبه، هدّد ومازال يُهدّد النسيج الأجتماعي العراقي. وقد سعى بعض القادة السياسيين والمسؤولين في الحكومة والبرلمان، وخاصة في فترة حكم نوري المالكي، الى تأجيج الصراع الطائفي، والى زيادة درجة الأحتقان الى حد القتل بالجملة على الهوية، كما حصل في عامي 2006 و 2007  كلّ ذلك من أجل ضمان مقعد إضافي لهم في البرلمان او ضمان كرسي إضافي في أحدى الوزارات. ولم يكتفوا بهذا القدر، بل راحوا يستقوون بحلفائهم الطائفيين في المنطقة من إيران وتركيا والسعودية وباقي دول الخليج، معرّضين أمن بلادنا للتدخلات الخارجية وعبث مخابراتها. وقد شلّت هذه السياسة العقيمة، القائمة على إقصاء وتهميش الآخر، قدرات الشعب العراقي في البناء والأعمار وفي التنمية الأقتصادية، وفي ظل هذه الأجواء المشحونة والتوترات بين الفرقاء السياسيين، غابت الرقابة على أموال الدولة، ولم تجرِ أية مراقبة أومحاسبة للفاسدين والمفسدين، مما أدى إلى سرقة مليارات الدولارات من خزينة الدولة العراقية، ذهبت أغلبها الى جيوب المسؤولين الكبار وسماسرتهم، وها هي اليوم خزينة دولتنا شبه خاوية .
إنّ الخطيئة الكبرى لهؤلاء الساسة، الذين إبتلى العراقيون بهم، تكمن في غباِئهم وخوائِهم السياسي، المتمثل بضعف التجربة السياسية في بناء الدولة، وفقدان البصيرة، وغياب الأرادة السياسية الحازمة، والافتقار الى الوطنية الصادقة، والسلوك الأنفعالي المتمثل بردود الأفعال السريعة.
فمن المعروف أنّنا كعراقيين كُلّنا نبحر في زورق واحد إسمه العراق. وما حصل في العاشر من حزيران ، وحتى قبل ذلك بكثير، أنّ المياه بدأت تتسرّب الى الزورق من خلال بعض الثغور، وأصبحت كمية هذه المياه تشكل خطراً علينا وعلى الزورق نفسه، ولكن لا أحداً من قبطان الزورق إنتبه الى خطورة هذه المياه، بسبب تخاصمهم وجدلهم حول من هو الأجدر والأحق في قيادة دفة الزورق، وفجأة رأى الجميع أنفسهم والزورق معا في البحر. هذا هو بالضبط ما مكّن داعش من العبث بنا وبعراقنا. لأنّنا لم نتعاون ولم تتوحد سواعدنا لنصل بهذا الزورق الى شاطئ الأمان.

والسؤال الذي يطرح نفسه بألحاح هو؛ من تسبب في سيطرة داعش على الموصل وغيرها من المدن؟ وفي إراقة دماء العراقيين الأبرياء ومنها دماء شبابنا في مجزرة سبايكر؟ وفي نزوح مئات الآلاف من العوائل العراقية الى المناطق الآمنة، تاركين خلفهم وظائفهم ومزارعهم ومصادر رزقهم والتي أصبحت عرضة للسلب والنهب، وتعرّض النساء الأيزيديات والمسيحيات الى الأغتصاب والسبي، وبيعهن في سوق النخاسة، مما يشكل كارثة إقتصادية وإجتماعية ونفسية لأبناء هذه العوائل وعموم البلد.
يتحمّل الأسلام السياسي بشقّيه السني والشيعي ممثلا بأحزابهما السياسية وميليشياتهما المسلحة، مسؤولية إراقة دماء الكثير من العراقيين الأبرياء، على خلفية الصراع الطائفي والمذهبي، وتغافلهم للمشروع الوطني الديمقراطي المدني، كما تتحمّل الكتل المتنفذة في البرلمان العراقي السابق والمسؤولين الأكراد، ورئيس الحكومة السابق نوري المالكي مسؤولية كل ما جرى ويجري من خراب ودمار، بسبب خروقاتهم للدستور، والتنصل عن التفاهمات التي وقعوا عليها، واتباع سياسة الأقصاء والتهميش، واستخدام القوة في حل الخلافات القائمة بدلاً من الحوار البناء، وغياب التنسيق الأمني، مما أضعف قدرات ومعنويات الجيش العراقي في التصدي للأرهابيين من داعش ومثيلاتها ومن الميليشيات المنتشرة في بغداد والمدن الأخرى.

ما هو الحل؟
لحسن الحظ أن الأُمور تغيّرت كثيراً بعد تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة الدكتور حيدر العبادي، حيث يعمل بأتجاه حل الأزمات المتراكمة في فترة حكم نوري المالكي، والتخفيف من تبعاتها، وهناك الآن إجماع بين كل أطراف العملية السياسية على وضع الخلافات جانباً، والتركيز على دحر داعش وطردها من المدن والأراضي التي تسيطرعليها. وهو أمر في غاية الأهمية.
ونشاهد على شاشات التلفزة يومياً بأرتياح كبير، الأنتصارات المتواصلة التي يحققها الجيش العراقي ، بعد إجراء تغيير في قياداته، وقُوّات الشرطة والأمن، وقوّات الحشد الشعبي وأبناء العشائر على الدواعش الأرهابيين. ولدي ثقة عظيمة في ظل الأجواء السائدة بأنّ مدينة تكريت سوف تتحرر من قبضة الدواعش في غضون أيام قليلة، وتبقى أنظارنا متوجهة نحو معركة الموصل الحاسمة، لكي نطوي صفحة الأرهاب والتطرّف، ونتقدم نحو البناء والأعمار.

أبو سرجون
كوبنهاكن في 8 آذار 2015


2
الكلمة التي ألقيت في الحفل التأبيني الذي أقامته الأحزاب والقوى السياسية العراقية في الدانمارك


في البدء نعرب عن شكرنا وتقديرنا لمبادرتكم الطيبة بأحياء هذا الحفل التأبيني تكريما لشهداء كنيسة سيدة النجاة ويوم الثلاثاء الدامي. أنها بداية جيدة لتفعيل العمل الأنساني المشترك بين الأحزاب والقوى السياسية العراقية على الساحة الدنماركية.
من جديد تطحن ماكنة الأرهاب أرواح العراقيين الأبرياء, ولكن هذه المرة كانت قبضة الأرهابيين أشد عنفا وأكثر وحشية وبربرية, كما كانوا أكثر وضوحا وتصميما في ايصال رسالتهم المسمومة, ضاربين عرض الحائط  كل الأعراف الدينية والقيم العراقية الأصيلة والمواثيق والمعاهدات الدولية وبصفة خاصة حق الأنسان في حياة حرة آمنة كريمة.
ففي الأحد الماضي والموافق 31 تشرين الأول نفذ أزلام ما يسمى بدولة العراق الأسلامية هجوما بشعا غادرا على كنيسة سيدة النجاة في قلب العاصمة بغداد, وأسفر هذا الهجوم البربري عن قتل وأستشهاد 52 فردا من الرجال والنساء والأطفال وجرح العشرات منهم. قتلوهم بدم بارد ومن دون واعز للضمير. ولم يمضي سوى يوم واحد فقط على ارتكاب هذه المجزرة البشعة, حتى قامت هذه الزمر المنفلتة بحصد أرواح المئات من العراقيين الأبرياء في شوارع وأسواق وأحياء عديدة من بغداد الحبيبة عبر مفخخاتهم وعبواتهم الناسفة في ثلاثاء دامي سماه العراقيون بالثلاثاءالأسود, وقبل يومين فقط  كرر الأرهابيون اعتداءاتهم على بيوت المسيحيين في عدد من أحياء بغداد, مستهدفين نشر الذعر والرعب في نفوس أهالينا, ماضين قدما نحو مشروعهم البغيض والساعي الى أخلاء العراق من المسيحيين وباقي الطوائف.
اننا أّذ ندين بشدة هذه الجرائم النكراء والتي يندى لها الجبين, المرتكبة بحق الأنسان العراقي عموما والمسيحيين منهم بصفة خاصة, نحمل الحكومة وقوى الأمن الداخلي جزءا كبيرا من المسؤولية عن هذه المآسي بسبب اخفاقها في حماية ارواح المسيحيين وكنائسهم بالرغم من كل المناشدات السابقة بضرورة توفير حماية أكبر لهم كونهم مستهدفين أكثر من غيرهم. ونطالبها الآن بأن تبذل قصارى جهدها عبر زيادة فعالية السيطرات وتشديد الحراسات على دور العبادة والأسواق وألأماكن العامة من أجل  حماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم. من حقنا أن نسأل هؤلاء المسؤولين ومعنا كل عراقي مفجوع, الى متى تنشغلون في منافعكم الشخصية وتنسون ألم وأنين المواطن ؟ أليست أرواح العراقيين الأ برياء أثمن من كل منافعكم؟
نحن مسيحييوا العراق في محنة كبيرة لم نرى لها مثيلا من قبل. نقتل وتبتز أموالنا وتنتهك أعراضنا ويعتدى على دور عبادتنا, لا لذنب ارتكبناه ولا لموقف منحاز اتخذناه , بل ببساطة لأننا مسيحييون, لأننا شعب مسالم لا ميليشيا لنا ولا سلاح بيدنا. رسالتنا هي المحبة والرجاء والسلام وصون كرامة الأنسان.
فهل من شيمة العربي أو المسلم أن يقتل رجلا مسالما أعزلا؟ ناهيك عن أن يقتحم بيت الله وهو مدجج بالسلاح ليفتك بكل من في داخله من رجل الدين الى الطفل الرضيع. والأنكى من هذا كله هو انه يرتكب كل هذه البشاعات لكي يقابل وجه الله في الجنة ويتناول طعامه مع الرسول والصحابة الكرام.
وهنا أتساءل أي أله هذا الذي يرضى بان يقتل عباده في بيته وهم خاشعون يصلون له من أجل غفران خطاياهم ومن اجل أن تسكن الألفة واللحمة قلوب العراقيين وأن يعم الأمن والسلام في ربوع بلدهم؟
وهل يعقل أن يأتي سوري أو مغربي نكرة ليقول لنا أيها المسيحييون أخرجوا من العراق لأنها بلاد المسلمين. فاذا كان الرسول محمد نفسه والصحابة الكرام لم يخرجوا مسيحيا شرقيا واحدا من أرض الدولة الأسلامية ، فمن أنتم كي تفتوا بمثل هذا الأمر؟ ثم أن أرض العراق ليست أرض المسلمين فقط. فكلنا نعلم أن المسلمين قدمواالى هذه الأرض من جزيرة العرب, جاؤوا ومعهم دعوتهم في نشر الأسلام ونجحوا في مهمتهم , واصبح المسلمون يشكلون الأغلبية الساحقة امرا واقعا. ولكن مسيحييوا العراق هم سكان الأرض الأصليون  وهم من بقايا الدولتين الآشورية والكلدانية من الذين ظلوا على ديانتهم, وليس من حق أحد أن ينازعهم على أرضهم ووطنهم. أن كل شبر من أرض العراق يحكي عن قصة مثيرة وعن تاريخ عظيم لهذا الشعب المغبون, فأكتشاف العجلة وصنع القيثارة واكتشاف رموز الكتابة وسن القوانين وبلورة مفهوم الدولة وتقديس الآلهة وسمو الروح ووضع اسس علوم الرياضييات والفلك ليست سوى أمثلة على عظمة هذا الشعب الذي يراد له أن يندثر.
هذا كان في الماضي, أما في الحاضر فأن نسبة حملة الشهادات الجامعية والشهادات العليا هي عند المسيحيين عالية جدا مقارنة مع الشرائح الأجتماعية الأخرى. فمن مصلحة من  التفريط بهذه الكفاءات؟
نحن المسيحييون العراقيون قوم مسالمون لا نبغض أحدا ولا نعتدي على أحد, لذلك لا نستطيع أن نفهم لماذا يعتدى علينا؟  أن لدى أبنائنا وبناتنا عقول تفكر وعيون تبصر وأيادي قادرة أن تصوب نحو المعتدي , والتاريخ يشهد على جبروت أسلافنا في أقامة أعظم أمبراطوريات عصرهم, لكن منذ أن أعتنق أجدادنا المسيحية تغيرت خياراتنا فأصبحنا ننبذ العنف والقسوة والبطش وحلت المحبة والأخاء والسلام  في قلوب أبنائنا. نحن نعمل وفق ما جاء بأنجيل متى ؛ أحبوا أعداءكم, باركوا لاعنيكم, أحسنوا الى مبغضيكم. وصلوا لاجل الذين يسيؤون اليكم ويطردونكم. لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات.
ففي هذه الآية أشارة واضحة الى أحترام الأنسان وصون كرامته كأرقى مخلوق وذلك عبر التسامح وغفران الخطايا وعدم المساس به من قبيل أيذائه أو الأنتقام منه. فنحن كلنا أبناء الله  وقد خلقنا على صورته ومثاله.
نقولها بصراحة  نحن نحب وطننا العراق ولن نرحل عنه الا جثثا هامدة, لأن أرواحنا تحلق في فضائه ولا ينعشنا  الا هوائه ولا يحلو لنا الشرب الا من مياهه. لن نودع جبال كردستان ووديانها ومروجها الجميلة ولا اهوار الجنوب وطيبة أهاليها. لا نستطيع ان ندير ظهرنا عن عظمة أور وبابل وآشور ولا عن بغداد الصوبين وبصرة السياب وأم الربيعين ولا عن أباء الحسين.
ان وطننا جنة, وطن الأنبياء والأئمة, عاش أهله في الأخاء والمحبة.
وفي الختام نقدر عاليا مشاعركم النبيلة أزاء كارثة كنيسة سيدة النجاة, كما نثمن مواقفكم السياسية الشجاعة وتضامنكم الفعال معنا في محنتنا، أن هذا يقوي عزيمتنا و يمنحنا الأمل والرجاء للخروج من هذا النفق المظلم, كما يخفف من أحزان المفجوعين ويقوي صبرهم.  
ونتطلع الى المزيد من دعمكم واسنادكم المعنوي لشعبنا ا لمسيحي في الداخل فهو بحاجة الى نصرتكم و حمايتكم من شرور المعتدين. بوركتم في عملكم والسلام عليكم.
د. شابا أيوب  

صفحات: [1]