Ankawa.com
montadayaat montadayaat montadayaat montadayaat
English| عنكاوا |المنتديات |راديو |صور | دردشة | فيديو | أغاني |العاب| اعلانات |البريد | رفع ملفات | البحث | دليل |بطاقات | تعارف | تراتيل| أرشيف|اتصلوا بنا | الرئيسية
أهلا, زائر. الرجاء الدخول أو التسجيل
21:17 23/04/2014

تسجيل الدخول باسم المستخدم، كلمة المرور و مدة الجلسة


بداية تعليمات بحث التقويم دخول تسجيل
  عرض الرسائل
صفحات: [1]
1  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / طعنتا سُمّيل . . في خاصرة العراق وظهر الآشوريين في: 14:33 29/08/2013
طعنتا سُمّيل . . في خاصرة العراق وظهر الآشوريين

سعدي المالح

يحزّ في نفسي، كلما مرت ذكرى مذبحة سميل 1933، التي راح ضحيتها عدة آلاف من الآشوريين، عدم تفهّم العراقيين، بمسؤوليهم وسياسييهم ومثقفيهم، آنذاك، لمطالب هؤلاء الناس المقهورين الباحثين عن بصيص أمل في الاستقرار بأرض أجدادهم، وكأنَّ المأساة الفظيعة التي عانوها من قتل وتشريد في مسيرة طويلة وشاقة من هكاري ووان وتشيرناخ (تركيا) إلى أورميا فهمدان (إيران) فبعقوبة (العراق) لم تكن ماثلة في أذهانهم، ولا أخبار الفظائع التي اقترفت بحقهم في ديرَبون وسمّيل وأكثر من ستين قرية أخرى، وإن كان المحرض الرئيس لتلك الأحداث الإعلام الرسمي والشعبي الذي قاد حملة منظمة ضد الآشوريين للنيل منهم وتشويه سمعتهم. أقول ذلك مستشهدا بيوسف مالك الذي عاصر الأحداث وكتب عنها كتابه الشهير (الخيانة البريطانية للآشوريين)، الذي يؤكد فيه "أن في الأسبوعين الأولين من تموز 1933 فقط كتبت 80 مقالة ضد الآشوريين جميعها تُعدّهم مرتزقة وجواسيس وعملاء الاستعمار والإمبريالية وتطالب بالقضاء عليهم وإفنائهم". وشخّص في الكتاب نفسه، أنه خلال شهر آب من العام نفسه، قبيل وأثناء وبعد المذبحة، نشرت الصحافة العراقية أكثر من 230 عمودا صفحيا ومقالة مهينة، كلّها تدعو إلى تخليص البلاد من "الملحدين والمتمردين" الآشوريين. واعتبر كاتب آخر وهو إبراهيم العلاف أن ما كتبته الصحافة العراقية في هذا الموضوع كان حدثا مهما من أحداث عهد وزارة رشيد عالي الكيلاني وأضاف" فطفحت أنهر الجرائد بالمقالات الحماسية والتنديد بما أسمتهم الضيوف الثقلاء (من الآثوريين) الذين أحسن العراق قبولهم وخصص لهم من أراضيه، وأغدق عليهم، فقابلوه بحركة تمرد وعصيان حاولوا فيها أن ينالوا من استقلاله ويثلموا سيادته ويشوهوا سمعته".

والغريب أن أحداً من أحزاب ذلك الوقت، أو الصحف والمجلات، وحتى تلك التي كان يمتلكها بعض المسيحيين، لم يختلف بالرأي عن الرأي الرسمي الحكومي. جماعة الأهالي الليبرالية التي كانت تدعي الديمقراطية وتتبنى بعض الأفكار اليسارية وتضم أسماء بارزة مثل عزيز شريف وحسين جميل ومحمد حديد ويراسلها من البصرة والناصرية يوسف سلمان يوسف (فهد) انقادت مع رأي الحكومة وراحت جريدتها تدبج المقالات المعادية للآشوريين وانتفاضتهم. الكتاب والمؤرخون القوميون أمثال ساطع الحصري وعبد الرزاق الحسني وعبد الرحمن البزاز وغيرهم نكروا أصل الآشوريين وعدّوهم غرباء جاؤوا من تركيا، بينما في الحقيقة أن منطقة حكاري التي اضطر الآشوريون الهجرة منها كانت جزءا من ولاية الموصل قطعت عنها بعد إلحاق الموصل بالعراق. في ظل هذه الأجواء، لم يتجرأ آنذاك حتى الشاعر الشاب التائق إلى الحرية محمد مهدي الجواهري وشاعر العراق الأكبر منه سناً جميل صدقي الزهاوي أن يكتبا سطرا عن هذه المأساة، بينما راح زميلهما معروف الرصافي يلقي الخطب المعادية لهؤلاء المقهورين في البرلمان ويكتب ضدهم القصائد الحماسية، ويفتخر بجزّ نواصيهم:

وقد علِمَتْ بنو آثور أنا/ أوّلو بأس يعرقب كل ناز

فنحن بسيفك الماضي جززنا/ نواصي جمعهم أي اجتزاز

ثم في قصيدة أخرى عن الفلوجة يصف الآشوريين بـ "الذئاب التي عاثت فيها عيثة تحمل الشنار".

الجواهري استوعب نتائج هذه المذبحة فيما بعد، وتفهم اسبابها ومقدماتها، فعاد في سنوات لاحقة، في الثمانينيات، وأدان في مذكراته قتلة الآشوريين تحت ستار "الوطنية المتطرفة" واعتبرهم "دمويين تجاوزوا الحدود".

بينما على مبعدة مئات الآلاف من الكيلومترات، في الولايات المتحدة، كتب وليم سارويان الروائي الأمريكي، الأرمني الأصل، في العام نفسه، قصته القصيرة (سبعون ألف آشوري) يدين فيها تلك المجزرة، ويعبر فيها عن الألم النفسي للإنسان الآشوري وتبدد آماله، ثم اختار هذا العنوان ليكون عنوانا لمجموعته القصصية التي صدرت في 1934.

للآن لم تُعطَ مذبحة سميل حقها من الدراسة والتقييم عراقيا وعالميا. كتابان فقط أنصفا هذه الأحداث في حينه وهما لشاهدَي عيان؛كتاب يوسف مالك عن (الخيانة البريطانية للآشوريين) وكتاب الضابط البريطاني رونالد ستارفورد (مأساة الآشوريين)، الذي ترجمه جرجيس فتح الله وكتب من خلاله دراسة منصفة عن تلك الأحداث في الجزء الرابع من (نظرات في القومية العربية، مدا وجزراً حتى العام 1970). أما حديثاً، فلا بد من الإشارة إلى كتاب مهم لعبد المجيد حسيب القيسي صدر تحت عنوان (التاريخ السياسي والعسكري للآثوريين في العراق) والفصل الخاص بأحداث سميل في (تأريخ الحركة الوطنية العراقية) لعبد الغني الملاح الذي يعتبر الآشوريين جزءا من الحركة الديمقراطية في العراق، وكتاب سليم مطر (الذات الجريحة) وبعض كتابات أبرم شبيرا وكمال مظهر ومحمد البندر وغسان عطية وبعض المقالات المتفرقة هنا وهناك.

سأقتصر هنا على الحديث عن طعنتين عميقتين لهذه المذبحة؛ أولاهما في خاصرة العراق برمته، وهي سياسية والثانية في ظهر الآشوريين وهي اجتماعية نفسية.

أما بالنسبة للعراق فقد كانت هذه المذبحة أول إبادة جماعية في تاريخه الحديث، وقد مهدت هذه الإبادة الجماعية التي حظيت بتأييد رسمي وشعبي، وعُدّ مرتكبوها أبطالا، لإبادات جماعية أخرى وقمع مسلح لانتفاضات وحركات تمرد وعصيان شعبي، بدءا من ضرب الجيش العراقي انتفاضة أبناء عشائر الظوالم والحجامه في العارضيات شمال الرميثة، وفي ادبيس جنوبها، بعد سنوات قليلة من المذبحة، مرورا بانقلاب بكر صدقي 1936 والفرهود ضد اليهود، وفيما بعد تهجيرهم، وقمع انتفاضة البارزانيين في 1945 وكاورباغي 1946 ووثبة كانون 1948 والانتفاضات الفلاحية في 1952 و1954، ثم الانقلابات الدموية المتعددة التي شهدها العراق ومذبحة صوريا 1968 وصولا إلى الأنفال في 1988 ـ 1989 ضد الشعب الكردي وقمع انتفاضة الشيعة في الجنوب عام 1991.

فضلا عن ذلك، كان لهذه المذبحة والحملات الإعلامية التي رافقتها، دور كبير في إذكاء الروح الطائفية والتمييز الديني والقومي ومعاداة جزء أصيل من أبناء الشعب العراقي.

وأما التأثير الاجتماعي النفسي لهذه المذبحة على الآشوريين فكان عميقا وأحدث شرخا كبيرا في نفوسهم، فقد تبددت آمالهم القومية والسياسية منذ ذلك الوقت، إذ لم يقم لهم حزب سياسي في العراق إلا بعد عقود، وتشتتوا في البداية بين سوريا والعراق والولايات المتحدة ثم في دول العالم أجمع، فعاش البطريرك مار شمعون منفيا في قبرص حتى 1948 ثم هاجر مع مجموعة من أتباعه إلى الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين ترك مقر كنيسة المشرق الآشورية أرض الآباء والأجداد، وتشتت الآشوريون بين استراليا وأمريكا ونيوزيلندا وكندا وعدد من الدول الأوربية، حتى قال الشاعر الآشوري المعروف آدم هومه:

غرباء في هذا العالم

مثل القمر الطالع فوق المدن الكبرى

يسلمنا الرحم إلى الريح

والريح إلى التيه

والتيه إلى القبر

أما من تبقى منهم في العراق فقد تحمل التمييز الديني والقومي والنظرة الدونية التي تركتها أحداث سميل تجاههم، إذ عُدّوا خونة ومجرمين بحق الشعب والوطن ولسنين طوال، وحرموا من الكثير من الوظائف العامة كالشرطة والجيش والطيران والإدارة والداخلية، والأهم من كل ذلك حرموا من الجنسية العراقية لعقود وترتبت على ذلك تبعات سياسية وقانونية سلبية.

ولجت أحداث سميل وجدان الإنسان الآشوري المعاصر، وتركت بصماتها على عدد من الأجيال، وجسد المبدعون مآسيها في نتاجاتهم الإبداعية المختلفة، فنظمت عنها العديد من القصائد وكتبت القصص والروايات ومثلت مسرحيات وألفت الأغاني والمقطوعات الموسيقية ورسمت اللوحات التشكيلية، وهي نتاجات تستدعي الدراسة المعمقة.

وستظل صدى هذه الأحداث، على الرغم من مرور ثمانين عاما عليها، تتردد في ذاكرة الآشوري مثل صدى نواقيس أغنية سُمّيل للفنان شليمون بيت شموئيل المرافقة لصوته الحزين:

اصرخوا، إننا نذبح في سميلي

النجدة، إننا نذبح

وإننا نذبح اليوم في العراق. وعينا ذلك الطفل الآشوري من سُمّيل تحدقان جاحظتين من لوحة الرسام حنا الحائك في هذا العالم الساكت على كل هذا.

* قاص وروائي عراقي

 
2  المنتدى الثقافي / أدب / قَصْرا (ܩܨܪܐ) في: 14:12 31/08/2012
قَصْرا (ܩܨܪܐ)

سعدي المالح

غمغم جدي ببعض كلمات غير مفهومة وسكت. كان عجوزا طاعنا، بدأ يروي، في أيامه الأخيرة، خرافات أغرب من الخيال، ويهذي، خابطا بيديه على غير هدى. قبل يوم من وفاته توقف عن الحركة واستكان، وغدا يتنفس بمشقة. بين حين وآخر تناديه جدتي: توما.. يا توما! يلتفت نحوها برأسه ولا يستطيع الرد على ندائها. أحسّ والدي بدنو ساعة أبيه، فأرسل في طلب الكاهن. مع أن المساء كان في أوله، إلا أن الظلام نشر عباءته في كل الأرجاء على نحو عاجل كأنه يريد أن يضل ملاك الموت طريقه حتى لا يقبض بسرعة على روح جدي. جاء الكاهن ومعه طفل في حدود العاشرة يحمل فانوساً يكشف له الطريق بضوئه الشاحب، ولولا ذلك الفانوس لما تمكن أحد من أن يميز الكاهن من الظلام، لأنه كان يرتدي جُبَّة سوداء ويعتمر قلنسوة بلونها. وإذ اجتاز عتبة البيت التفت نحو جدي وتمتم " ليكن الرب في عونه" ثم تقدم باتجاه التخت الذي يرقد فوقه يقول بصوت خفيض لكنه واضح " بْشِمْ آوا وَوْرا وْروحا دْ قودْشا لْعَلْمينْ" وأخرج قنينة زجاجية صغيرة  من عُبّه، بلل أصبعه من فمها بزيت المسحة ورسم به إشارة الصليب على جبين جدي ويديه، وهو يرفع صوته " ليؤازرك الرب بهذه المسحة المقدسة في رحمته الغنية، وليقف إلى جانبك بقدرة روحه القدوس. وليخلصك الرب من خطاياك وينهضك بنعمته" لكن جدي لم ينهض، بل توفي في صباح اليوم التالي، وهذا ما كنا نتوقع، وكذلك الكاهن الذي كان يقصد بالنهوض المرتجى النهوض من بين الأموات في يوم القيامة على حد فهمي.

وما أن لفظ جدي أنفاسه الأخيرة حتى انقلب البيت فجأة رأسا على عقب، وكأن انفجارا روحيا هزه من أعماقه وأفلت مزالج التحكم به، لتخيم حالة من القلق والفزع والخوف من المجهول على أجوائه. زعقت النساء مولولات باكيات يلطمن خدودهن، ويرفعن الأغطية عن رؤوسهن، وينشرن  شعرهن، وينتفن منه خُصلاً على الرغم من أن جدي لم يكن شابا ولا مات ميتة مفجعة. خلال لحظات انتشر الخبر المتوقع لوفاة جدي في المحلة، وامتلأ بيتنا بالأقارب والجيران وأهل القرية الذين توافدوا من كل حدب وصوب. انهمك الرجال في تهيئة مراسم الدفن واستدعاء الكهنة والشمامسة. بعد وقت قصير جاء رجلان حاملين نقالة الموتى. تضافر عدد من الرجال على الجثة المسجاة، رفعوها من على التخت ووضعوها في النقالة، ثم حملوا النقالة التي كان الجثمان يتأرجح فيها قليلا على أكتافهم من أطرافها الأربعة وسط عويل النساء وصراخهن، وساروا بها نحو الكنيسة عبر الزقاق المقابل لبيتنا، يتقدمهم الكاهن ذو الجبة السوداء وثلاثة شمامسة، يرددون بأصوات مرتفعة، وبألحان سريانية تقليدية تراتيل وصلوات، وعدد كبير من الرجال المقربين وغيرهم يسيرون خلفهم بوجوه حزينة صامتة، بينما سارت جدتي وعماتي ونساء قريبات أخريات فارعات الرأس نافشات الشعر باكيات منتحبات أو متباكيات خلف الجنازة.
في الأثناء هذه قُرع ناقوس الكنيسة بنغمات جنائزية بطيئة تخطى صداها القرية إلى الارتفاعات العالية معلنا لأهل القرية، وملائكة السماء، وفاة جدي، طالبا منهم أن يصلّوا لأجله.
بلغت الجنازةُ الكنيسةَ.  وُضِع جثمان جدي أمام المذبح، ووقف الكاهن والشمامسة على المذبح، في حين أخذ الجمهور المرافق مكانه في الكنيسة، لكن عويل جدتي وعماتي وعدد آخر من النساء كان يسمع من وراء القاعة.  رفع احد الشمامسة صوته كأنه يريد أن يغطي به نواحهن:
- مَحّي ميثيهْ، شوحا لْشماخ، نصلّي شلاما عَمّان(1) ( محيي الموتى، المجد لاسمك، لنصل: السلام معنا)
تراجع بكاء النساء.
رد عليه الكاهن:
- نودي ونسغد ونشبح لحيلا خسيا ومشبحا لتليثايوثاخ مشبحتا...(نشكرُ ونسجدُ، ونسبِّحُ قوةَ ثالوثك المجيد ...)(2)
ثم راح الكاهن والشمامسة يتناوبون على أداء مزمور، قال الكاهن:
- مريا آلاها دبورقاني. بأيماما كعيت وَ بليليا قداميك (أيها الرب اله خلاصي، في النهار والليل صرخت إليك) (3)
فرد عليه الشمامسة:
- محي ميثيه، شوحا لشماخ ( محيي الموتى، المجد لاسمك)
وواصل الكاهن يقول بيتا آخر والشمامسة يردون بالجواب نفسه: محي ميثيه، شوحا لشماخ
واستمر الجنّاز بين صلوات وتراتيل ومزامير وقراءة من الإنجيل إلى أن بلغ الختام، فرفع الكاهن صوته عاليا:
"لنصلِّ لأجل توما أخينا في الإيمان الذي رحل من هذا العالم، ولنسأل الرب الذي أرضاه بأعماله، أن يقيمه عن يمينه ويسعده مع الأبرار والصديقين"
فرد الشمامسة: آمين
وأضاف الكاهن:
ويكتب اسمه في سفر الحياة
ويضمه إلى أجواق الملائكة والقديسين
 ليسبحه ويمجده إلى الأبد.
ثم تقدم نحو الجثمان ورشه بقليل من الماء المقدس من زوبا، وهي منضحة أشبه بقلّة مسدودة ذات فتحات صغيرة في رأسها، راسما إشارة الصليب وقائلا: روص عْلّي بزوبا وإثذكّي، حلّيلين بيه ومن تلكا أحور(4).والتي تعني: رش عليَّ بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي به فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ.  بينما كان أحد الشمامسة يبخره ببيرما، وهي مبخرة نحاسية معلقة من ثلاثة حبال معدنية، يحركها بيده، ترتفع منها حلقات دخان أبيض تفوح منه رائحة بخور زكية. واسم القلة هذه "الزوبا" مشتق من نبات الزوفى الذي كان يخلط مع نباتات أخرى عطرية كالأرز والقرمز مع الماء وينضح به البيت أو الشخص المراد تطهيره، أما العبارة هذه المرافقة لعملية الرش فمأخوذة من سفر المزامير 51: 7 . بعد ذلك اختتم الكاهن الجنّاز قائلا:"اللهم نسألك أن تمنح الراحة الدائمة لأخينا توما الذي رحل من بيننا، اشمله بحنانك الأبوي، أنت الذي خلقته على صورتك وشبهك واغفر خطاياه كلها فيملك مع كل القديسين الآن والى الأبد".

حُمِلَتْ النقالة من جديد على الأكتاف إلى المقبرة- التلة الملاصقة للكنيسة حيث كان عدد آخر من الرجال تبرع بحفر قبر كالعادة، لأن حفر القبر أو حمل جنازة الميت يعد ثوابا كتقديم أضحية.
شرع الكاهن والشمامسة يرتلون بألحانهم التقليدية بينما رفع بعض الرجال الجثمان المسجى عن النقالة وأنزلوه بالحبال في القبر. تقدم الكاهن وأخذ حفنة من التراب ورماها على الجثمان راسما بها إشارة الصليب وهو يقول:" آلاها مارَي كول دَبْقَثْ عليك د من عبرا آت ولعبرا تهيخ...(5) ( الله رب الكل الذي حكم عليك إن تكون من التراب والى التراب تعود، هو يدعوك ويقيمك عن يمينه، فيجازيك بمجد قيامته، والأسرار المقدسة التي قبلتها تتقدمك وتمنحك الغفران في يوم الدين. آمين)
واخذ الحفارون يرمون التراب على الجثمان فارتفع من جديد نحيب جدتي وعماتي والنساء المتجمعات بالقرب من القبر وولولاتهن. أمي لم تكن بين النساء الباكيات، كانت في بيت والدها، جدّي الآخر، تنتظر مولودا جديدا.
عاد الجميع إلى بيت جدي حيث ابتدأت مراسم التعزية. الرجال في الصالة الرئيسة من البيت والنساء في غرفة ملحقة، الرجال يتوافدون، يقفون، يؤدون الصلاة على روح جدي، يقدمون التعازي، ثم يجلسون بصمت، يرحب بهم الجميع. تقدم لهم أقداح الماء والقهوة والسكائر، بعد عشر دقائق أو ربع ساعة يغادرون يأتي غيرهم وهكذا. أفراد وجماعات يأتون بصمت ويغادرون بصمت، بينما النساء ما أن يدخلن باب الغرفة حتى يبدأن بالنحيب والبكاء والولولة فتلتحق بهن بقية النساء ثم تعدّد إحداهن الميت بلحن حزين باكية مولولة واصفة سجاياه ومآثره ومناقبه لإثارة التفجع، ومع الانتهاء من كل مقطع تنشج النساء بصوت عال ماسحات عيونهن المحمرة وأُنوفهن المبتلة، ولم أكن أعرف أن لجدي كل هذه السجايا والمآثر في حياته! وفي كثير من الأحيان كنت أسمع النساء يبكين على أمواتهن ويعظمن قدرهم ويؤكدن كبر الخسارة والفاجعة إلى درجة كنت أتصور أن هؤلاء النساء سيقتلن أنفسهن بعد التعزية، لكني كنت أراهن يتحدثن على نحو طبيعي ويضحكن بعد قليل.
عند الظهر تقريبا جاءت إحدى قريبات أمي من محلة جدي الآخر، قالت لي: اذهب ونادي لي والدك من مجلس الرجال. ذهبت إليه ووشوشت في أذنه. خرج والدي مستغربا. كانت المرأة تريد أن تزف اليه نبأ ولادة أخ جديد لي. غير أنها كانت محتارة من أمرها لا تدري ماذا تقول لوالدي: البقية في حياتك أم تهانينا بالمولود الجديد؟  قالت له: ليرحم الله والدك ويدخله ملكوت السماء، لا تحزن فقد عوضك الله بصبي جميل. ولم يعرف والدي هو الآخر ماذا يقول فرفع نظارته ومسح دمعة من عينه وهو يكاد يشهق بالبكاء. وسرعان ما انتشر خبر المولود الجديد في البيت وانقشع بعض الحزن من القلوب على الرغم من أن الوجوه بقيت صامتة لا تحاول التعبير عن فرحها أو حزنها.  عندما تناهى الخبر الى مسامع جدتي فريدة، أرملة جدي المتوفى، التي كانت تكره والدتي، امتعضت وقالت بصوت عال على مسامع النساء في الغرفة:
- أريد أن أعرف متى ولد الطفل؟ قبل وفاة المرحوم زوجي أم بعدها؟
ردت عليها إحداهن:
- ما الفرق يا فريدة، من المفروض أن تفرحي لقد جاءكم مولود بدلا من الذي غادركم.
قالت جدتي معاندة:
- هناك فرق، إذا وُلِدَ قبل وفاة زوجي يعني أنه فأل شؤم، أما إذا ولد بعد وفاته فلا بأس، إنه بشير خير.
أجابت المرأة، قريبة أمي، التي نقلت خبر المولود الجديد، بسرعة:
- ولد بعد وفاة المرحوم زوجك، عندما دق الناقوس معلنا وفاته لم يكن قد ولد بعد. أنا كنت هناك.
لم تقتنع جدتي بجوابها، بل دمدمت عليها بعدم ارتياح لأنها عرفت أنها هي التي نقلت الخبر:
- لا أريد شهادة زور، سأتأكد من الأمر بنفسي.
شعرت المرأة بالإهانة لكنها لم تشأ أن تنشب شجارا في تعزية فنهضت وغادرت بسرعة.
وراحت جدتي لعدة أسابيع تجري تحرياتها لتعرف إن كان أخي ولد قبل أن يلفظ جده أنفاسه الأخيرة أم بعدها، تسأل النساء القادمات للتعزية من محلة جدي الآخر؛ واحدة تقول لها ولد بعد وفاته وأخرى قبل وفاته وثالثة مع وفاته ورابعة لا تعرف، فظلت حائرة غير مستقرة على رأي، ولا تسمح لوالدتي ووليدها الصغير بالعودة إلى البيت إلا بعد أن تتأكد من الأمر جيدا. كان والدي سريع الغضب لكني لا أعرف لماذا لاذ بالصمت وتمالك أعصابه ولم يفعل شيئا، ربما احتراما لمراسم تعزية والده أو لأنه يعرف جيدا أمه المترملة حديثا ولا يريدها أن تتمادى في غيها ويحدث ما لا تحمد عقباه. بينما، في الوقت نفسه، أرسل خبرا إلى زوجته أن تُعَمِّدَ الطفل وهي في بيت أهلها وتسميه توما (التوأم) باسم والده المتوفى. فهمت أمي مضمون الرسالة جيدا وعرفت أن زوجها أصبح لا يأمن نية أمه، ويريد أن يسرع في تعميد الطفل. وكان لوالديّ الحق في ذلك، لأنهما كانا قد فقدا أخا لي سمياه سليم فاحتجت جدتي لأن عمي ساكا الموظف في مدينة بعيدة بين العرب، بحسب جدتي،  كان أصدقاؤه ينادونه سالم بدلا من ساكا الاسم غير المألوف لديهم. ولهذا احتجت على هذا الاسم، ولما أصر والدي على عدم تغيير الاسم لعدم قناعته بمبرراتها صارت تلعنه كل يوم وتدعو له بالموت. وبالفعل مات الطفل قبل أن يكمل سنته الأولى، لا أحد يعرف إن كان بسبب دعواتها أم لا، لكن هذه الحادثة كانت ما تزال طرية في ذهنيهما وتثير القلق والخوف في نفسيهما.  
في نهاية الأسبوع الثالث من عمر أخي الصغير أخذناه- أنا وجدتي الأخرى سارة وابن خالتي شمعون - إلى الكنيسة لتعميده. كان الكاهن والشمامسة ينتظروننا في بناء ملحق بالكنيسة يسمي باسم يوحنا المعمدان. وهو صالة مستطيلة فيها مذبح صغير وجرن وبعض الكراسي، القاعة نفسها التي كنا نتعلم فيها الصلوات واللغة السريانية صيفا. حمل شمعون الشاب في ذلك الوقت المولود الجديد أمام المذبح، أي أصبح إشبينه. جاء الكاهن وطلب من الإشبين أو العرّاب (وكلتا المفردتين سريانيتان) اسم الطفل أجاب : توما. دمدم الكاهن بصوت خفيض: "راح توما وجاء توما!" ويبدو أنه لم يكن يرتاح لجدي. ابتسم الشماسان المرافقان للكاهن الذي بدأ يسجل الاسم في سجل العماد. قال الكاهن موجها كلامه للطفل: جدك، رحمه الله، لم يكن تقيا ولم يترك أثرا ملحوظا في حياته، لكنك أنت ينبغي أن تكون مبشرا بالمسيح في بلاد النهرين والهند مثل سميك التلميذ مار توما.  هز الإشبين رأسه تأييدا دون أن يستوعب مغزى ما قال الكاهن. يبدو أن الكاهن، لسبب لا يعرفه إلا هو، شعر بالارتياح لأنه أزاح ثقلا عن نفسه وبدأ حينئذ بطقس سر المعمودية:
- بشم آوا وورا وروحا دقودشا لعلمين. تْشْبوحْتا لْآلاها بَمْرَوْميه وْعَلْ أرْعا شلاما وْسَوْرا طاوا لَبْنَيْ ناشا بْكُلْ عْدّان لْعالْمين(6)....(المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام، والرجاء الصالح لبني البشر كل حين إلى الأبد)   بعد قليل تقدم الكاهن إلى الإشبين يسأله:
- أُو توما كابْرْ آتْ بْصَطانا؟ (7) ( يا توما هل تكفر بالشيطان؟)
تردّد الإشبين قبل أن يقول: نعم أكفر
وخفت أنا في مكاني أن لا يرسل شمعون شتيمة فاضحة بحق الشيطان مثلما فعل أحدهم بعد أن فسر كلمة "كابر آت" والتي تعني أتكفر بـ أتشتم كما بالعامية. لكن ابن خالتي على ما يبدو كان قد تعلم جيدا الدرس الذي لقنته إياه جدتي سارة.
أضاف الكاهن: وبجميع أعماله
أجاب الإشبين: نعم أكفر
وواصل الكاهن: وبجميع أباطيله
ردد الإشبين: نعم أكفر
ثم عاد الكاهن يطلب من الطفل بواسطة إشبينه أن يعلن إيمانه بالله وبيسوع المسيح وبالروح القدس الذي أجاب عليه الإشبين أؤمن ثلاث مرات. كانت جدتي تسبقه بالجواب بصوت مسموع خوفا من أن ينسى.
وأخيرا سأله: يا توما هل تريد أن تتعمد؟
أجاب الإشبين بدلا من الطفل: نعم أريد
وفي الحال بدأ الكاهن يمسح الطفل بالزيت قائلا: مْثْمَشّحْ ومْثْقَدَّشْ (جيد توما بْشْمْ آوا وْوَرا وْروحا دْ قودْشا لْعالْمين.( لِتُمْسَحْ وتتقدس يا توما باسم الآب والابن والروح القدس إلى الأبد)
ثم أخذ الطفل الذي كانت جدتي قد نزعت عنه ملابسه قائلاً:  يا عبد الله توما، أنا أعَمِّدُك باسم الآب (وغطس الطفل في الجرن المملوء بالماء حتى رأسه)  والابن(وغطس الطفل بالماء ثانية) والروح القدس (وغطّسه بالماء ثالثة) بينما راح الطفل يصرخ بفزع من هول المفاجأة. ثم تلقفته جدتي من يد الكاهن وألبسته فستانا أبيض كأنه عروس. بعد قليل حمله الإشبين من جديد ليمسح الكاهن على جبينه بالميرون على شكل صليب تثبيتا لمعموديته، والميرون هو خليط من زيت وعطور يصلي عليه الكاهن في طقس خاص.

2

كان للماء قدسية خاصة في بلاد ما بين النهرين منذ بدء الخليقة. بل وبالماء تبدأ الخليقة كما يرد في ملحمة إينوما إيلش:
بينما في الأعالي
 لم تكن السماء قد سميت بعد
والأرض اليابسة في الأسفل
لم يكن أطلق عليها أي اسم
وحدهما أبسو- الأول
والأم تيامات
والدتهم جميعا
كانا معا
يمزجان مياههما
وأبسو وتيامات هما عنصرا المياه البدئية، مياه الغمر، العذبة والمالحة، اللذان يمثل مزيجهما أساس كل حي، وهذا يعني أنه لم يكن في الوجود سوى المياه الأولى. و" إن الله يجلس على المياه كما يجلس الطير على البيضة." كما يقول نص مسماري في ملحمة أسطورية اكتشفت ألواحها في أوغاريت.
وهذا ما يؤكده العهد القديم أيضا منذ الأسطر الأولى " و كانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرفّ على وجه المياه" ( تكوين 1: 2).  
ونظرا لقدسيتها غدت المياه رمزا للتطهر في الأساطير السومرية والبابلية – الآشورية، ففي " اينوما ايلش" نفسها يقصد الآلهة المتصارعون المشاركون في الحروب الدامية نهر الفرات للتطهر بمائه لكي ينجوا بأنفسهم من القصاص.
وفي زيارة إينانا لأنكي يصب لها الماء البارد المنعش للقلب، وعندما نزلت عشتار إلى العالم السفلي تطلب الآلهة ايريشكيغال من وزيرها الإله نامتار أن تُنضح بماء الحياة ويؤتى بها أمامها... " نضح بعد ذلك ماء الحياة على عشتار وجاء بها أمام ايريشكيغال"
ثم تأمره (9):
"وفيما يخص بتموز عشيق حبها الأول
دعه يغتسل بماء صاف ويتدلك بالطيوب
وليرتدِ لباس الأبّهة"
وكان القدماء من أجدادنا يقومون برشّ الماء على بعضهم البعض لغَسل خطاياهم قبل استقبال الإله دموزي بعدَ أسره من قبل إلهة الموت أيرشكيغال. ولا يزال الكثير من السريان يمارسون بعضا من هذه الطقوس من خلال عيد شعبي يسمى " نوسرديل" ومعناه عيد " رش الماء على الإله" وذلك برش الماء على بعضهم بعضا.
أشارت ملحمة كلكامش، وفي أكثر من موضع، إلى الاغتسال بالماء، كشكل ضروري من أشكال التطهر، إلا أن الرش بالماء المقدس انتقل فيما بعد إلى أماكن العبادة والملوك والقصور وغيرها. إذ نرى أن الأيام الأربعة الأولى من برنامج الاحتفال برأس السنة البابلية الآشورية مخصصة لتطهير الأماكن استعدادا للعيد" ففي كل صباح ، وعند شروق الشمس، كان كبير الكهنة، بعد التطهر بالاغتسال يدخل بمفرده إلى معبد مردوخ ويتوجه بصلواته إلى الإله والى آلهة آخرين" وفي اليوم الخامس "يرش المعبد بالماء المقدس" قبيل تقديم القرابين. وكان في المعابد " موضع لسكب الماء المقدس".
والزيت أيضا كان مقدسا منذ القدم، وقد ذكرته الأساطير يؤدي دورا دينيا، فالبغي في ملحمة كلكامش عندما خاطبت أنكيدو:
"كل الطعام يا أنكيدو، فأنه مادة الحياة
و أشرب من الشراب القوي، فهذه عادة البلاد"
فأكل انكيدو من الطعام حتى شبع
و شرب من الشراب القوي سبعة أقداح
فانطلقت روحه و انشرح صدره و طرب لبّه و نوّر وجهه
نظف جسده المشعر ومسحه بالزيت
و أضحى إنسانا، لبس اللباس و صار كالعروس.
وهذا يشبه التعميد ليولد ولادة جديدة كإنسان تخلص من "خطيئته" الحيوانية، أو بكلمة أخرى اكتمال دخوله في طور الحضارة والمدنية. والمسح بالزيت هنا هو علامة التقديس والتطهير حتى في المسيحية ، فالطفل من خلال التعميد والمسح بالزيت يطهر من خطيئته المميتة فيلبس ثيابا بيضاء كأنه عروس.
وعندما يخفف كلكامش من وطأة الحلم الذي رآه أنكيدو عن اقتراب موته يخاطبه:
عسى أن يندبك من عظّم اسمكَ في أريدو
ويبكيك من أطعمك الخبز
ومن مسح ظهرك بالزيت
ويندبك من سقاك الجعة
وتبكيك البغي التي طيبتك بالزيت العطر.
إذ يعد المسح بالزيت والتطيب أحداثا مهمة في حياته مثل إطعام الخبز!
وتذكر الأساطير أن «آدابا» صعد إلى السماء، بعد أن مُسِحَ بالزيت.
وكان المسح بالزيت يستخدم حتى من قبل البسطاء، ففي لوح بابلي يتحدث عن الحياة اليومية لصائغ يقول: "يستيقظ بيل - ابني وزوجته قبل الفجر ويقبل احدهما الآخر والأطفال ثم يذهبان للاستحمام ويختمانه بالمسح بزيت الزيتون والعطور".
وعندما يشتد المرض بأنكيدو يرى حلما يجد فيه نفسه في:
البيت الذي لا يرجع منه من دخله
البيت الذي حرم ساكنوه من النور
حيث التراب طعامهم والطين قوتهم
ثم يقول:
وفي البيت الذي دخلت
يسكن الكاهن الأعلى وخدم المعبد
ويسكن كهنة التطهير والرقاة والمعوذون
ويسكن الذين يقدمون زيت المسح للآلهة العظام.
أي أن عمليات التطهير والمسح بالزيت كانت تجري حتى في تلك الأزمنة للموتى وكان ثمة من يقوم بتأديتها. وكانت المعابد تمسح بالزيت وترش بالماء المقدس قبل تدشينها وربما كان هذا أول استخدام للزيت في العراق القديم. ثم انتقل المسح بالزيت إلى الملوك والآلهة، وتشير الرُقم المسمارية إلى أن ثلاثة ملوك من سلالة أكاد وهم سرجون، ومنيشتوسو ، ونرام سين حملوا لقب "ممسوح أنو". ويبدو أن المسحة بالزيت كانت وسيلة لممارسة العهد و كان هؤلاء الملوك الثلاثة الذين اختاروا هذا اللقب قد نالوا المسحة. وهناك إشارات إلى أن أسرحدون مسح بالزيت، وفي تتويج ملك آخر من ملوك الحقبة الآشورية الوسيطة نقرأ " حُمل الزيت المصبوب في كأس ذهبيّة من القصر إلى الهيكل وجعله الملك عند قدمي الإله" في إشارة واضحة إلى عملية المسح التي كانت سائدة آنذاك.

*   *   *
وانتقلت طقوس الرش بالماء المقدس والمسح بالزيت من بابل وآشور إلى اليهود، فاستخدموا الماء للتطهير الطقسي وعدّوا التطهير بالماء رمزا لتطهير النفس والضمير. "وكلم الرب موسى قائلاً : خذ اللاويين من بين بني إسرائيل و طهرهم وهكذا تفعل لهم لتطهيرهم: أنضح عليهم ماء الخطية."( العدد 8: 7) والماء لدى حزقيال لا يطهر من نجاسة فحسب، إنما يمنح روحا جديدة:" وأرش عليكم ماء طاهرا فتطهرون من كل نجاستكم و من كل أصنامكم أطهركم وأعطيكم قلبا جديداً وأجعل روحاً جديدة في داخلكم و انزع قلب الحجر من لحمكم وأعطيكم قلب لحم. و أجعل روحي في داخلكم وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي و تعملون بها وتسكنون الأرض التي أعطيت آباءكم إياها و تكونون لي شعباً وأنا أكون لكم إلها (حزقيال 36: 26) أما إشعياء فيعده روحا وبركة" لأني أسكب ماء على العطشان و سيولا على اليابسة أسكب روحي على نسلك و بركتي على ذريتك " ( إشعياء 44: 3 ) أو ينبوع الخلاص: "فتستقون مياهاً بفرح من ينابيع الخلاص" (إشعياء 12: 3، 41: 17). ولم يعط الرب الكهنوت لهارون ألا بعد أن غسل جسده أولا بالماء "فقال الرب لموسى اذهب إلى الشعب وقدسهم اليوم وغدا وليغسلوا ثيابهم ويكونوا مستعدين لليوم الثالث لأنه في اليوم الثالث ينزل الرب أمام عيون جميع الشعب على جبل سيناء" ( الخروج 19).
واستُخدِمَ الزّيتُ في مسْحِ الملوكِ والكهنةِ ورؤساء الكهنةِ، في سفر الخروج عندما يأمر الرب موسى أن يمسح هارون: "وَتَمْسَحُ هَارُونَ وَبَنِيهِ وَتُقَدِّسُهُمْ لِيَكْهَنُوا لِي" ( الخروج 30:30) ويمسح صادوق الكاهن سليمان ليصبح ملكا " فَأَخَذَ صَادُوقُ الْكَاهِنُ قَرْنَ الدُّهْنِ مِنَ الْخَيْمَةِ وَمَسَحَ سُلَيْمَانَ. وَضَرَبُوا بِالْبُوقِ، وَقَالَ جَمِيعُ الشَّعْبِ: «لِيَحْيَ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ" (الملوك الأول 1: 39)
وقد ذكر الكتاب المقدس مسح شاول وداود بواسطة صموئيل النبي : "فَأَخَذَ صَمُوئِيلُ قَرْنَ الدُّهْنِ وَمَسَحَهُ فِي وَسَطِ إِخْوَتِهِ. وَحَلَّ رُوحُ الرَّبِّ عَلَى دَاوُدَ مِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ فَصَاعِدًا. (صموئيل الأول: 16: 13) ومسح يا هو بن نمشى ملكاً على إسرائيل بواسطة إيليا. ومسح هارون رئيساً للكهنة بواسطة موسى. ومسح إليشع نبياً بواسطة إيليا (ملوك الأول 16:19).

*   *   *


. يقول المؤرخ يوسابيوس بانفيلوس، أسقف قيصرية فلسطين في " التاريخ الكنسي"، وقد كتبه في عام 325 "إن للمعمودية جذورا في الفكر التوراتي". وفعلا يعتقد اللاهوت المسيحي أن الطوفان وعبور بني إسرائيل في البحر في العهد القديم كانا رمزا للمعمودية، وفي هذا قال الرسول بولس" إن آباءنا جميعهم كانوا تحت السحابة وجميعهم اجتازوا في البحر وجميعهم اعتمدوا لموسى في السحابة وفي البحر( كو10: 1-2) لكن العماد بشكله المعهود بالغطس بالماء ( والفعل –ܥܡܕ- عمد بالسريانية يعني غطس) ظهر لدى اليهود في تعميد المتحولين من الوثنية إلى اليهودية فقط وليس المولودين من أبوين يهوديين وكانوا يغطسون إلى النصف بالماء(10) ، ومارسته أيضا جماعة يهودية أخرى تسمى الاسيانيين كانت تعيش على ضفاف البحر الميت، هذه العمادات سـتأخذ بها المسيحيّة وترفعها إلى مستوى موت يسوع وقيامته، ولكن بمفهوم المسيحية يبقى الفرق شاسعًا بين تلك العمادات، وعماد يوحنّا المعمدان الذي يُعطى مرّة واحدة بالغطس الكامل كبداية مسيرة التوبة وعلامة تدلُّ عليها، يقول مرقس1: 4 (ولوقا أيضا 3: 3) إنَّ يوحنّا كان يكرز "بمعموديّة التوبة لغفران الخطايا". فالإنسان يتطهَّر حين يغتسل. أمّا يوحنّا فيعمِّد من أجل الغفران وهذه الوظيفة لم يسبقه إليها أحد. لأن الخاطئ لا يغفر لنفسه. كذلك إنَّ عماد يوحنّا يرتبط بنهاية الأزمنة "توبوا لأنه قد اقترب ملكوت الله" (مرقس 1: 4).  وتعتقد المسيحية "أن هذه النهاية تمَّت بمجيء المسيح، بينما العماد المسيحي ينطلق من موت المسيح نفسه وقيامته بانتظار مجيئه، مع محطّة متوسِّطة تتمثَّل في موت كلِّ واحد منّا. فنحن في المعموديّة نموت في الرمز مع يسوع، ونقوم معه".
إذن معمودية يوحنا المعمدان مهدت الطريق أمام المسيح الذي "كما جاء يكمِّل العهد القديم، كذلك جاء بعماده يكمِّل تطلُّعات العالم اليهوديّ ويصل بها إلى مستوى العهد الجديد، إلى مستوى ما فعله هو من أجلنا. حين مات وقُبر، وقام في اليوم الثالث ليقيمنا معه في حياة جديدة فتح لنا الطريق لننال العماد من يد الكنيسة باسم الآب والابن والروح القدس" كما هو الآن في المسيحية. "إذن  المعمودية هى سر الولادة الجديدة بالماء والكلمة ".  واستخدم يسوع الماء في حديثه مع نيقوديموس رمزاً لكلمة الله، بالقول: "إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله. المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح " (يوحنا 3: 5 )
وعلى هذا الأساس فأن المسيح نفسه تعمد بالتغطيس ( متى 3: 16) ولا يزال التعميد يتم في عدد من الكنائس الشرقية بالغطس الكامل فضلا عن المسح بالزيت، والمسح بالزيت المقدس، ( زيت معطر يقدسه الأسقف، ويرمز إلى موهبة الروح القدس للمعمد الجديد) هو دلالة على أن الطفل أصبح مسيحياً أي ممسوحاً " بمسحة الروح القدس ومتحداً بالمسيح الممسوح كاهنا ونبياً وملكاً" .
ولعل أول ذكر للمسح في التوراة جاء عند تكريس الأماكن لله كالمسكن وكل ما فيه "وَتَأْخُذُ دُهْنَ الْمَسْحَةِ وَتَمْسَحُ الْمَسْكَنَ وَكُلَّ مَا فِيهِ، وَتُقَدِّسُهُ وَكُلَّ آنِيَتِهِ لِيَكُونَ مُقَدَّسًا."(الخروج 40: 9) وخيمة الاجتماع والتابوتِ "وَتَمْسَحُ بِهِ خَيْمَةَ الاجْتِمَاعِ، وَتَابُوتَ الشَّهَادَةِ"( الخروج 30: 26) والمائدةِ والمذبح " وَتَمْسَحُ مَذْبَحَ الْمُحْرَقَةِ وَكُلَّ آنِيَتِهِ، وَتُقَدِّسُ الْمَذْبَحَ لِيَكُونَ الْمَذْبَحُ قُدْسَ أَقْدَاسٍ"( الخروج 40: 10) والمرحضةِ وقاعدتها " وَتَمْسَحُ الْمِرْحَضَةَ وَقَاعِدَتَهَا وَتُقَدِّسُهَا"( الخروج 40: 11) .لذلك كان استعمال بيلشاصر (دا2:5-4) في آخر يوم له، لآنية بيت الرب اعتداء على الله استوجب معه نبوة دانيال المخيفة "وزنت فوجدت ناقصاً" ومات في الليلة نفسها!
   
وكان من الطبيعي أن ينتقل المسح بالزيت إلى المسيحية التي ظهرت في بيئة تعاملت مع هذا التقليد آلاف السنين. ونجد تطبيقات عديدة للمسح بالزيت في الإنجيل. والمسيح نفسه، على وفق الإنجيل، مسح عدة مرات، " فَأَخَذَتْ مَرْيَمُ مَنًا مِنْ طِيبِ نَارِدِينٍ خَالِصٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ، وَدَهَنَتْ قَدَمَيْ يَسُوعَ، وَمَسَحَتْ قَدَمَيْهِ بِشَعْرِهَا، فَامْتَلأَ الْبَيْتُ مِنْ رَائِحَةِ الطِّيبِ.( يوحنا 12: 3) ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْمَرْأَةِ وَقَالَ لِسِمْعَانَ: "أَتَنْظُرُ هذِهِ الْمَرْأَةَ؟ إِنِّي دَخَلْتُ بَيْتَكَ، وَمَاءً لأَجْلِ رِجْلَيَّ لَمْ تُعْطِ. وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ غَسَلَتْ رِجْلَيَّ بِالدُّمُوعِ وَمَسَحَتْهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا" (لوقا 7: 44)
   
 لكن الزيت في المسيحية أصبح "رمزا للروح القدس" ... والأشخاص بالمسحة يأخذون "هبة من الروح القدس ". وسفر الأعمال يقول "مسحه الله بالروح القدس" (38:10) ولذلك سمي المسيح أي الممسوح. وهذا ما يؤكده الإنجيل: "رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ مُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ"(لوقا: 18)
يقول مار توما الرسول إن "في الزيت المقدس شيئا من قوّة المسيح ومن له هذه القوّة فمعه الشفاء والحياة". لذا فاستخدام الزيت في طقوسنا له أبعاده الطبية والروحية.
والزيت المستعمل في المسح كان يخلط بمقادير معينة من عدة عطور وحينما يمسح الشخص أو المكان به تفوح منه رائحة هذه العطور.
 
3

أقف على هذه التلة- قصرا، أبحث عن قبر جدي. كان هنا في هذا الجانب، لم يصله الشارع الذي شق قصرا عام 1967 ولا معاول الآثاريين الذين نبشوا فيه بحثا عن لقى من هياكل عظمية وفخار وأدوات حجرية ومعدنية. لا، هذا ليس هو، أزيح التراب عن قبر آخر، أرى كتابة على اللوح الأسمنتي، أقرؤها، نعم إنه هو. أشم تلك الرائحة الزكية للبخور المختلطة برائحة الزوفا في ذلك اليوم، وأفكر: هل كل الذين دفنوا فيها نُضِحوا بالماء بعد وفاتهم ومُسِحوا بالزيت قبله؟ ربما، أو قل على الأغلب، لا سيما أننا نعرف، من خلال التنقيبات التي جرت فيها، أن هذه التلة التاريخية تعود في الأقل لسبعة آلاف سنة، إذ اكتشف الآثاريون في طبقاتها هياكل عظمية لرجال ونساء وأطفال، تعود لمختلف الحقب الزمنية منذ مرحلة تل العبيد وحتى الآن، وخلال كل هذه السنوات، على ما يبدو، أن طقوس دفنهم، والبكاء عليهم، وزيارة قبورهم لم تتغير كثيرا.  لقد رقد هنا على رجاء القيامة أو دون رجاء كل الذين تعاقبوا على هذه البقعة من الأرض، من السوبارتويين والآشوريين المؤمنين بالإله آشور والإلهة عشتار وأحفادهم المؤمنين بالمسيح منذ ألفي سنة وربما آخرين، يهود وفرس وميديين، من يدري؟ مئات الآلاف دفنوا في هذه التلة وباحة الكنيسة المجاورة.
جلست على حافة القبر الأسمنتي. فجأة أسمع جدي يحدثني، قلت: افصح يا جدي فأنا مشتاق لحديثك. ولهذا بعد كل هذه السنين التي قضيتها في الغربة جئت لزيارتك. قال: أخبرني جدي، وكان اسمه توما مثلي، نقلا عن والده بويا، الذي كان نسطوريا، أن هذه التلة، كانت، في أواخر القرن الثامن عشر، مقبرة للنساطرة (والنسطورية مذهب مسيحي شرقي يؤمن بأن مريم العذراء هي أم المسيح الإنسان وليس الإله)، وفي عام 1879جاء مطران من الموصل اسمه يوحنان هرمز وحولنا من النسطورية إلى الكثلكة، على وفق الطقس الكلداني. قال النسطورية هي ضلال وهرطقة والذي يموت عليها مكانه جهنم الحمراء. ورفع يده فوق المصلين في الكنيسة قائلا: اليوم جئت لأحلكم جميعا وأجعل منكم مسيحيين صالحين. ومنذ ذلك اليوم غدت هذه المقبرة كاثوليكية لا يدفن فيها النسطوري.
قلت: ياجدي وأجدادكم، ألم يموتوا على النسطورية؟ قال: بلى، وضحك. قلت: لماذا تضحك؟ ألم يدفنوا هنا، في هذه المقبرة؟. قال: كان الناس يبكون على موتاهم لأنهم ماتوا على ضلال. ولا سيما النساء كن في ذلك الوقت يكثرن من زيارة القبور والصلاة على الموتى، وبالأخص على الذين ماتوا على النسطورية ليغفر لهم الله؛ لأنهم كانوا جهلاء ولم يأتِهم أحد من قبل على مدى 12 قرنا ليخبرهم بالحقيقة. قلت: والرجال؟ قال: الرجال أيضا تضايقوا، وتذمروا ثم قبلوا بالأمر الواقع. حكى لي جدي عن أبيه، أنه في أحد الأيام كان القس يوسف مارا بمحاذاة المقبرة ذاهبا إلى الكنيسة وإذا به يرى شماسا جالسا على قبر مطأطئا رأسه فناداه ، لم يجب الشماس، ناداه مرة أخرى لم يجب أيضا، تقدم نحو فوجده يبكي. سأله: لماذا تبكي؟ أجاب: أبكي على أبي. فسأله: لماذا تبكي عليه الآن وقد توفي منذ عشر سنوات؟ قال: أبكي عليه لأنه مات على النسطورية فلن يرى ملكوت السماء. كان القس يوسف من دعاة الكثلكة المتحمسين وهو الذي حرض أهل عنكاوا على التحول إليها فكان يتقن اللعبة جيدا. أنهضه وقال له: مات ولم يدعه أحد إلى الطريق القويم، هذا ليس ذنبه، الربان بويا مات على النسطورية أيضا، يكفي أن تصلي له فيغفره الله ويدخله ملكوت السماء. وعندما سمع الشماس أن الربان بويا سيلاقي مصير والده نفسه أحس بالارتياح. سألت جدي: وأين صار يدفن النساطرة موتاهم. أجاب: في تلك الأيام لم يبق نساطرة في القرية، لكنهم ظهروا بعد الحرب العالمية الأولى من جديد، وراحوا يدفنون موتاهم في مزار مارت شموني التي كنا نسميها مقبرة الغرباء. أي للمسيحيين من غير الكاثوليك، وأتذكر، وكنت آنذاك رجلا بالغا، أن عريفا في الجيش البريطاني اسمه ميثوين Methwen قتل في حفل بأربيل ووُرِيَ التراب في هذه المقبرة وكان ذلك بعد السفربرلك. ولعل هجرة بعض أبناء الكنيسة النسطورية في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي إلى عنكاوا أحيت هذا المزار. إذ بدأ هؤلاء، والذين هاجروا إلى عنكاوا من حرير وباتاس فيما بعد في أوائل الستينيات، يقيمون فيه بعض المراسم الدينية ويدفنون موتاهم في فنائه. فظهرت في تلك السنوات قبور عديدة حواليه. هذا المزار كان يبعد نحو 500 خطوة عن قصرا، يقوم وحده إلى شمال المدينة على تلة أصغر بكثير وسط حقول القمح أو الشعير القريبة. وكان عبارة عن غرفة أثرية صغيرة مبنية باللبن المفخور في داخلها صخرة كبيرة تشعل فوقها الشموع.
قلت: يقال إنه كان كنيسة قديمة بهذا الاسم. قال: أن عشرات الكنائس والمزارات تسمى باسم مارت شموني وأولادها السبعة في العراق واغلبها كانت للكنيسة النسطورية ( تسمى حاليا كنيسة المشرق الآشورية) والكنيسة السريانية الأرثوذكسية. وجميعها تقع في "آشور المسيحية".  وشموني هذه سيدة يهودية وردت قصتها في العهد القديم (المكابيين 7: 1-42) إذ استشهدت هي وأبناؤها السبعة على يد الملك الوثني الروماني أنطيوخس الكبير سليل سلوقس الأول ( النصف الثاني من القرن الثالث قبل الميلاد)، لعدم تخليهم عن إيمانهم التوحيدي وتقاليد دينهم اليهودي الموروثة. ويبدو أن كنيسة المشرق اعتمدت قديما هذه القصة في تقليدها الكنسي وأبرزتها أثناء فترات الاضطهاد التي واجهتها في العصور المسيحية الأولى لتعزيز الشهادة والتضحية لدى رعاياها من أجل ترسيخ إيمانهم.  

مع ذكرى هذا المزار الأثري تألمت وتأسفت لأنه أزيل في عام 1982 لتبنى فوقه كنيسة صغيرة بالاسم نفسه ويتم القضاء على معلم اثري مهم كان يمكن أيضا أن يكشف عن المزيد من تاريخ المنطقة. وضعت رأسي بين يدي وغرقت في التفكير والذكريات وانأ أنظر مليا باتجاه المزار.
كان الطريق الترابي الذي يمر بين الحقول من أمام مزار مارت شموني في ذلك الوقت ممشى للشباب والشابات يتمشون فيه أزواجا ومجموعات يتسلون بأنواع من البذور (الجرزات) ويتحدثون ويغازلون بعضهم بعضا من بعيد، أو يتمكنون أحيانا من إلقاء بعض الكلمات لبعضهم بعضا. وكانت في تلك السنوات كعوب الأحذية النسائية العالية ظاهرة جديدة في عنكاوا ولهذا كنت ترى الشارع الترابي الرطب في الربيع مليئا بالثقوب التي أحدثتها فيه تلك الكعوب.
وفي فناء المزار كانت الشابات يجتمعن للعب لعبة التراب، وكانت تلعب بإخفاء قطعة نقود معدنية في كومة صغيرة من التراب الأحمر النظيف وتقسيمها حفنات صغيرة على عدد اللاعبين فمن يحظى بقطعة النقود المعدنية يحصل على ما يماثلها من اللاعبين الآخرين. وهي لعبة منسية حاليا. ونحن الصغار كنا نتسابق على جلب التراب الأحمر النظيف للاعبات من أجل الحصول على قطعة نقود معدنية بين فترة وأخرى.
وإلى مزار مارت شموني كان يأتي البائع المتجول آنذاك توما حاملا طبقا من السكاكر والبسكويت والحامض حلو وبعض "الجرزات" فتلتف حوله النسوة والأطفال يشترون وأحيانا يلعبون اليانصيب المتكون من خشبة مدورة مقسمة إلى مثلثات ثبتت عليها قطعة معدنية رفيعة مثل المسطرة تدور على بكرة، وعلى أي مثلث يقف مؤشر الحديد يربح صاحبه جميع المبالغ الموضوعة في المثلثات الأخرى، أي كانت اللعبة عبارة عن نسخة مبسطة للروليت.
ضحكت مع نفسي: عندما كنت صغيرا، كلما سمعت عن قصة موت المسيح وقيامته، أتصور انه صُلِب على هذه التلة، التي كنت أتصورها جبل الجلجلة، ودفن في مقبرتها، وقام من قبر فارغ ملاصق لسور الكنيسة، وصعد إلى السماء!.
كان ذلك زمن آخر.
الآن يعيش في عنكاوا مسيحيون من كل المذاهب والطوائف؛ كاثوليكية ونسطورية وأرثذوكسية وانجيلية، يؤدون طقوسهم وصلواتهم على وفق تقاليد خمس طوائف مستقلة وبطقوس مختلفة عن بعضها البعض نوعا ما، وربما بلغات ولهجات متباينة، لكن عندما يموتون يدفنون جميعهم في مقبرة حديثة واحدة، يرقدون إلى جانب بعضهم بعضا دون أن يقول الكاثوليكي للأرثذوكسي الراقد بجواره أنت تؤمن بطبيعتين في المسيح أو الأرثذوكسي للنسطوري أنت تعد مريم العذراء أم المسيح الإنسان وليس الإله! يختلفون في الطقوس والمذاهب ويتصارعون في فلسفاتهم الدينية، وأخيرا يهجعون في مكان واحد! لعل هذه هي أولى بوادر الوحدة المسيحية وربما القومية للسريان الكلدان الآشوريين المشتتين على وفق طوائفهم!

4

ثمة حكايات كثيرة في القرية، وربما لا تزال، تتحدث عن أشباح ظهروا لأناس في هذه المقبرة، وعن أصوات بلغات غير مفهومة، أو عمود من الضوء ينزل من السماء على قبر ما، أو شمعة مشتعلة يتراقص نورها على قبر آخر.
غير أن أضخم قبر في قصرا كان لصليوا يعقوب أوستا المعروف بإتشي: غرفة مستطيلة ترتفع بقامة رجل، يقال أن والدته أصرت أن تشيد له مثل هذا القبر لتواجهه وتبكي كل يوم، ولا سيما وأن بيتها كان على الزاوية اليمنى من البيوت المشيدة شرقي قصرا. كان صليوا شابا تزوج حديثا ولم يكن قد أنجب ذرية بعد عندما قتل. ذات يوم من صيف عام 1963 وهو يعود من عمله في عقار القرية راكبا حمارته حاملا في رأسه أحلاما جميلة بلقاء زوجته الشابة وما يمكن أن تكون قد حضرت له من طعام بعد يوم شاق، تصدى له أربعة جنود مسلحين على مشارف القرية، وجهوا له بنادقهم وانزلوه عن حمارته واقتادوه بالضرب والركل والشتائم والبصاق إلى الحديقة العامة القريبة في طرف القرية. صدم صليوا مما يحدث له وأصيب بما يشبه البكم، خاصة أنه لم يكن متعلما، ولا يجيد اللغة العربية، ولا حتى يعرف بما يجيب هؤلاء الجنود الذين يقولون له أنت من العصاة كما كانت الحكومة تسمي الثوار الكورد.
صليوا لم يكن يعرف أن العقيد خليل سعيد قائد اللواء الخامس هاجم عنكاوا وحاصرها من كل الجهات بالدبابات والمدرعات وأرسل المئات من جنوده المسلحين يفتشون بيوت الأهالي بيتا بيتا بحثا عن السلاح والرجال ويأخذون جميع رجال القرية شبابها وشيبها إلى الحديقة العامة (جمعية مار عودا حاليا) وهناك يوثقون كل اثنين أو أكثر مع بعض من الظهر، ويضربونهم ضربا مبرحا بالعصي وأخامص البنادق مع أقذع الشتائم والمسبات مما أدى إلى إصابة الكثير بكسور وجروح بليغة وكأن عنكاوا وأهاليها هم الذين أضاعوا فلسطين وفسخوا الوحدة العربية!.    
وحتى لو عرف صليوا ما يحدث لقريته قبل دخولها ربما لما  همه الأمر فهو الفلاح البسيط ، الذي لم يحمل السلاح في حياته، وبالكاد يحصل على قوته من حراثة أراضي الآخرين، ولما فكر بأن يتصدى له أحد، وحتى لو عرف، لما فكر أبدا في أن ملابسه الشبيهة بالملابس الكوردية وخاصة شدة الرأس الحمراء الشبيهة بشدة البارزانيين، وعدم تمكنه من الرد على الجنود بلغتهم العربية ستكون سببا آخر يزيد من قساوتهم عليه.
تدحرج صليوا أمامهم يتلقى الضربات كأنه كرة إلى أن وصل الحديقة العامة حيث عشرات الرجال المربوطين بالحبال من ظهورهم.  كان صليوا ينزف من عدة أماكن من جسده. قال الجنود لآمرهم:
-   سيدي ، هذا من العصاة، رأيناه قادما من خارج القرية.
سأله الآمر بعض الأسئلة فلم يجب، نظر إليه مليا فوجده يرتدي الملابس الكوردية نفسها تقريبا وشدة راس حمراء فشك هو أيضا بأمره، سلمه إلى فريق آخر من جنوده ليؤدبوه جيدا. بعد وجبة أخرى من الضرب المبرح على رأسه وظهره وقدميه سقط صليوا مغشيا عليه لكن الجنود لم يتوقفوا على الرغم من أن قلب صليوا كان توقف عن الخفقان وهو لا يدري لماذا يضرب ولماذا يموت!
وعائلة صليوا، أو بالأحرى والده وعمه كانا قد هاجرا قبل بضعة عقود إلى جانب عائلات أخرى من منطقة راوندوز، وربما كانوا من آخر العائلات المسيحية التي نزحت من تلك المنطقة إلى عنكاوا. لأن كليهما، يعقوب وعيسى، كانا يتحدثان بلهجة سريانية تختلف عن لهجة أهل عنكاوا.
إلى جانب هذين البيتين المواجهين للبيادر كان ثمة بيت آخر على الزاوية قبل أن تغدو البيوت مواجهة لقصرا. بيت العم شابو كشمي، وكان يسمى كشمى التي تعني الجسيم لضخامته وطوله الفارع . كان العم شابو مشهورا بتسييع الجدران بالطين بكفه الغليظة ذات الأصابع الطويلة وتسلقه السلالم المربوطة بعضها ببعض للوصول إلى أعلى حافة في الحائط. وكان للعم شابو ابن اسمه قرياقوس متزوج سيق إلى الخدمة العسكرية في عام 1948 وأرسل إلى فلسطين، في غيابه انجبت زوجته الحامل بنتا جميلة. مرت نحو سنتين وقرياقوس لم يعد حتى توقع أهله أنه قتل في تلك الحرب اللعينة، لكن ذات يوم عاد قرياقوس على حين غفلة، ولما وطأ بقدمه عتبة البيت أصدرت ابنته صوتا وتوفيت فجأة. فقيل إن الأب داس على صدر ابنته بوطئه عتبة البيت! إذ يسود الاعتقاد إن القادم من سفر بعيد لا يجوز أن يطأ عتبة الدار بقدمه! وكانت العمة سارة بطرس زوجة قرياقوس أول وأشهر قابلة مأذونة في القرية، بعد إكمالها الصف الخامس الابتدائي في أوائل الأربعينيات دخلت دورة للقابلات المأذونات وبعد تخرجها تم تعيينها رسميا في ناحية طقطق لكن والدها رفض أن تذهب ابنته الشابة اليافعة إلى هناك فبقيت في عنكاوا تؤدي عملها لحسابها الخاص. ثم خطت ابنتها خُطاها فالتحقت بالتمريض في الستينيات وأصبحت هي الأخرى من اشهر القابلات والممرضات في القرية، حتى أصبح البعض يقول أن نصف عنكاوا ولدت على يدي الأم والنصف الثاني على يدي البنت.
ولوالد سارة هذه، بطرس حنا المشهور بخزو قصة أيضا، كانت عائلته مهاجرة إلى عنكاوا من قرية بيديال في منطقة بارزان، وكان يعمل راعيا أجيرا في بيت آل عظمت الغنية ومشهورا بصوته الشجي وغنائه، وقد أحب ابنة سيده مريم حبا شديدا لكن رب عمله رفض تزويجها منه لكونه فقيرا وغريبا فراح هو يتغنى بها في أعراس القرية ودواوينها وفي الحقول حيث يرعى الغنم حتى انتشر خبره بين الناس، وكان لوالد تلك الفتاة عم كاهن فكان يرى بطرس ويسمعه يغني غناء  متيما فوق تلة قصرا كلما ذهب إلى الكنيسة. وبعد ان اصبح بطرس ظاهرة في القرية سأل القس عن سبب ما يفعله هذا الشاب قالوا له إنه يغنى لابنة عمك لأنه يحبها وأهلها لا يسمحون بزواجه منها. فذهب الكاهن إلى أبيها وقال له: اعطه ابنتك، لنتخلص منه ومنها. ويبدو أن كلمة الكاهن كانت مسموعة لديه فوافق وزوجها له.
إذا انعطفنا يسارا إلى صف البيوت من الجهة المقابلة لقصرا نجد أن لكل بيت تقريبا قصة.
في الزاوية بيت كوركيس عيسى وأخوه اسحق عيسى (حيدر)، وعلى عتبة هذا البيت قتل العم اسحق وهو شاب. كان العم اسحق رجلا شجاعا معروفا بشجاعته في القرية، لا يتجرأ أحد على الاقتراب منه، لكن أحد أبناء القرية الذي كان على خلاف معه ونكاية به أخبر اللصوص من قرية مجاورة بتحركاته، فأعلمهم بموعد مناوبته في المدرسة حيث كان حارسا وأفهمهم أنه لن ينام في بيته ويكون من السهل سرقة بقرته في تلك الليلة. لكن لسوء حظ اسحق انه في ذلك اليوم أبدل ورديته لعمل ما ارتبط به ونام في بيته. جاء اللصوص في حوالي منتصف الليل ودخلوا حظيرة البقرة وأفلتوها من قيدها، سمع اسحق حركة في الحوش فخرج ورأى اثنين من اللصوص يحاولون إخراج بقرته من البيت فتصدى لهما، هرب الأول بينما أمسك بالثاني، فرفعه وهوى به على عتبة داره وأحكم يديه حول رقبته، صاح الرجل صيحة قوية تدل على الحاق الأذى به فسمعه زميله، عاد وبيده بندقيته وهو يقول لإسحق اتركه وإلا قتلتك، إلا أن اسحق كان لا يخاف أحدا فأراد أن يهجم عليه هو الآخر فأطلق ذاك رصاصة من بندقيته أردته قتيلا. وعندما تجمع الناس من أهل المحلة رأوا من بعيد اللص القاتل وهو يسحب وراءه زميله باتجاه القرية المجاورة. وعلى الرغم من أن أمر القاتل افتضح فيما بعد إلا أنه لم ينل العقاب. لقد وقع العديد من مثل هذه الحالات في القرية، إذ قتل اللصوص الجدة بجي في حوش دارها بعد خروجها من غرفة في الدار اثر سماعها حركة في زريبة الحيوانات وذلك لكي لا تعرفهم. وقتل العم كليانا في الستينيات من قبل اللصوص وهو يحرس بيوت القرية، كما قتل العم حنا وهو يحرس حقول القرية من اللصوص وهكذا كانت هذه القرية المسالمة محط أطماع اللصوص دائما. ويذكر أن اللصوص من القرى المجاورة كانوا في فترة من الستينيات يسرقون الدكاكين والبيوت كل ليلة تقريبا أمام أنظار أهل القرية دون أن يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم بسبب الدعم الذي كانوا يتلقونه من جهات رسمية وغير رسمية مختلفة لأسباب سياسية ودينية.
جارهم العم رحيم كوندا كان شرطيا، أنا اتذكره متقاعدا. وكان العم رحيم رجلا مستقيما لا يحب الكذب والمبالغة، عندما كان يسمع أحدهم يبالغ في الكذب يقول له: ابن القحبة هذا كذب، لا يجوز أن يحدث هذا، ولهذا اعتاد الناس على إغضابه بتهويلهم للأحداث أو اختلاق أكاذيب مفضوحة كأن يقال له مثلا أن شجرة بيتنا أثمرت بيضا بدلا من التفاح أو إنني قطفت من بستاني بطيخة تزن طنا، أو أن عمود الكهرباء قد نبتت له أغصان فينزعج ويشتم ويرفع عصاه بوجه الرجل ويضحك الناس من حواليه.
صحيح أن مثل هذا الكلام مفبرك لإغضابه لكن قبل عقدين أو ثلاثة عقود من ذلك كان أهل عنكاوا يعدون إلياس علي بك ( وعائلة علي بك هي من اصول أيزيدية) مبالغا وكذابا لأنه قال إنه رأى أثناء حجه إلى القدس طائرا من حديد يطير في السماء محدثا صوتا هائلا يشق عنان السماء بصوته، أو أن يقول رأيت حصانا من حديد برجلين يسير على الأرض في وصفه للدراجة الهوائية أو عربة تسير على الأرض من تلقاء نفسها دون أن يجرها حصان قاصدا السيارة. لم يكن الناس في بداية القرن العشرين قد رأوا هذا كله وكانوا يعدوه كذبا، أو أعجوبة عندما يكون مرتبطا بالدين.  
أما جاره العم منصور يونان اوغي المولود في عام 1900 فكان مزواجا لا يضاهى في تلك السنوات، إذ تزوج أربع مرات، وربما كان في ذلك الوقت أول رجل في القرية يتزوج اربع مرات . فقد زوجته الأولى حني في 1940 فتزوج ثانية بعد أشهر من شوني التي توفيت بمرض في 1957 ثم تزوج للمرة الثالثة من تريزيا فتوفيت هي الأخرى في 1970 ، لكنه تزوج في عام 1976 وهو في السادسة والسبعين امرأة من تلسقف وأنجب منها بنتا في السنة التالية. وكان العم منصور فقد ابنه الشاب عزيز ذو ال23 سنة في 1968 . كان عزيز اقتيد قبل سنة إلى الخدمة العسكرية وأرسل إلى القطعات العراقية المرابطة في الأردن، هناك في أثناء التدريب انفجرت قنبلة بين يديه واستشهد. وربما كان عزيز أول الشهداء العسكريين الذين تفقدهم عنكاوا في تلك السنوات فنظم له الشباب مسيرة جماهيرية إلى المقبرة وألقيت عند توديعه إلى مثواه الأخير كلمات مفعمة بالعاطفة والغضب.    
الكثير من رجال البيوت التي على شرق قصرا وجنوبها كانوا من صغار العاملين في الدولة شرطيين وحراسا وكناسين فضلا عن بعض الفلاحين. إلا بيتا واحدا كان مركزا للثقافة والعلم، بيت شيشا شابو كوندا، كان له ثلاثة أولاد عبد الأحد ويعقوب وبهنام . كان لعبد الأحد المولود في عام 1883 دور بارز في التربية والتعليم في عنكاوا، بعد أن درس في مدرسة القرية حتى الثانية عشرة من عمره التحق في عام 1895 بمعهد مار يوحنا الحبيب في الموصل وتعلم اللغات السريانية واللاتينية والتركية والايطالية والفرنسية وفي 1906 سيم قسا، وعين معلما للغة الفرنسية في مدرسة شمعون الصفا في الموصل لسنتين ثم مديرا للمدارس الكلدانية للذكور والإناث في كركوك ثم معلما للغتين الفرنسية والألمانية في المدارس السلطانية بكركوك حتى عام 1920 إذ يعود إلى عنكاوا ويصبح أول مدير لأول مدرسة تفتح في القرية. توفي عام 1934 في الموصل ونقل جثمانه إلى عنكاوا ودفن في كنيسة مار كوركيس. لعل عبد الأحد كوندا كان من ابرز المثقفين التنويريين في عنكاوا في الثلث الأول من القرن العشرين، إذ أنشأ مكتبة عامرة بأنواع الكتب وبلغات عديدة في بيته وفتح مجلسا يرتاده الشمامسة والمتعلمون في ذلك الوقت يقرأ عليهم كتبا تاريخية ودينية واجتماعية، وأخبارا من مجلات كانت تصله من الموصل.  
يعقوب أيضا كان تربويا فقد أصبح هو الآخر معلما ومن ثم مديرا لمدرسة عنكاوا الابتدائية للبنين، أما بهنام فدرس في دورة صحية وأصبح مضمدا، وكان أول مضمد في أول مستوصف يفتح في عنكاوا في نهاية الأربعينيات، كان المرضى يزورون المستوصف و العم بهنام يعطيهم مشروبا ملونا في قنينة أو حبوبا بيضاء مثل الطباشير كتب عليها عراق مجانا، في بعض الحالات كان يتكرر هذا المشروب وهذه الحبوب لكل أنواع الأمراض فكان الناس يستهزئون بالمستوصف ويشككون بأن يتم الشفاء بقطعة الطباشير هذه أو المشروب الملون.

5

كنت أمر عصر كل يوم تقريبا بصديقي فاضل نوري في بيتهم الذي كان في مدخل الزقاق المؤدي إلى المقبرة، فأجده قد ارتدى ملابس أنيقة، ورتب شعره، وجهز نفسه على وفق الموعد المتفق عليه، فنخرج سوية ونصعد التل فنقف عند حافة قبر أو نجلس، أقرأ له ما كتبت من أشعار أو قصص، ويقرأ لي ما كتب من قصص ومقالات، أو نتبادل الرأي في الكتب والمجلات التي قرأنا أو حول بعض الشؤون السياسية، ولربما أيضا كان يدس في جيبي نسخة من جريدة سرية كانت تصدر آنذاك. وقد يجتمع معنا بعض الأصدقاء الآخرين، من شباب الحي المراهقين، وبعض لاعبي كرة القدم الذين كانوا يتداولون في شؤون الملاعب والسباقات، وقد نهمس لبعضنا البعض عن المغامرات البريئة التي خضناها.
كانت تلك الأيام التي قضيناها فوق هذا التل أياما تاريخية في حياتنا. لكن ، مع الأسف، تعرض هذا التل الأثري المهم إلى جريمة نكراء في عام 1967 إذ قامت بلدية أربيل أو عنكاوا وبدفع من السلطات في المحافظة بشق هذا التل وفتح شارع يمر من وسطه ليشطره شطرين معرضة للتلف المئات من القطع الأثرية الثمينة التي كانت مطمورة تحته إما غباء وإهمالا أو عقوبة للأهالي على عدم خضوعهم سياسيا للحكومة. وكنت أنا وجيلي من الشباب اليافعين شهودا على تلك الجريمة، لكن لم تكن بيدنا يومها أي حيلة للحيلولة دون القيام بذلك. يقال أن عالم الآثار بهنام أبو الصوف عندما سمع بالأمر جاء من بغداد ووقف في مواجهة البلدوزرات محاولا منعها من العمل في التل إلا أن الأوامر كانت أقوى من إرادته وأمضى.
في تلك الأيام كنا نذهب كل يوم إلى قصرا لنتابع أعمال شق الشارع بالبلدوزرات وهي ترفع ببوزها التراب مختلطا بالعظام من عصور مختلفة وبكسرات الجرار والتنانير(جمع تنور) والحبب واللبن المفخور والرماد وأحجار وأدوات بيتية قديمة معدنية وحجرية مختلفة وغيرها وتضعه في جوف "قلابات" تصطف أمامها لتذهب به بعيدا. بينما تبكي النساء على قبور أمواتهن التي خُربت ونبشت. وكان بعضهم ممن له موتى جدد لم تمض عليهم فترة طويلة قد أخرج ما تبقى من تلك الجثث وأودعها في كيس أبيض ودفنها من جديد في المقبرة الحديثة على طريق الموصل القديم خارج عنكاوا، أما الذين لم يفعلوا ذلك فرفعت البلدوزرات ببوزها جثث موتاهم وسط البكاء والصراخ ورمتها في القلابات. أحيانا كان الأهالي يوقفون عمل البلدوزر لدقائق حتى يضعوا بقايا جثة أو بعض عظام في أكياس لتنقل إلى المقبرة وسط عويل النساء وصراخهن.
فيما بعد، وفي أثناء إعادة ترميم وأعمار كنيسة مار كوركيس المجاورة للتل تم إلحاق ما تبقى من  الجزء الملاصق للكنيسة من التل بالكنيسة وضم إليها. كما وتم في الثمانينيات قضم جزء آخر من الطرف الشرقي المحاذي للبيوت السكنية القديمة من التل إمعانا في الجريمة.  وفي السنوات الأخيرة فكر البعض أيضا بإزالة التل بكامله لتكتمل معالم الجريمة من جميع الجهات.
وربما في هذه المقبرة دفن كل الموتى في عنكاوا منذ نشوئها وحتى أواسط القرن العشرين، لأنه لا وجود لآثار مقبرة أخرى في البلدة. وكنت ترى في أيام الآحاد، في تذكار الموتى الذي يصادف يوم جمعة، العشرات من النساء المرتديات ملابس سوداء يتوزعن حول القبور وهن يبكين ويعدّدن موتاهن أو يصلين أو يضعن بعض الزهور على القبر أو يرتبنه، وهذا التقليد ما يزال معمولا به في عنكاوا، لهذا فأن إزالة هذه التلة هي عملية محو ذاكرة المدينة والقضاء على شاهد تاريخي مهم.
في يوم الأربعين من وفاة جدي ذهبنا إلى الكنيسة منذ الصباح كما هي العادة وحضرنا قداسا وجنازا على راحته. قال الكاهن بعد الانتهاء من قراءة الإنجيل إن هذا القداس يقام على راحة نفس المرحوم توما وطلب من الناس أن يصلوا من أجله، فصليت أنا أيضا. تعاليم الكنيسة تقول أن الصلاة من أجل راحة الموتى مفيدة من أجل خلاصهم. فكتاب تعليم الرسل " ديدسكالية" يذكر :" أما أنتم فبموجب الإنجيل فاجتمعوا في المقابر واقرأوا الكتب المقدسة وكملوا بلا تذمر خدمتكم وصلاتكم لله، قدموا الأفخارستيا اللذيذة في اجتماعاتكم ومقابركم". لأن "الكنيسة الكاثوليكية تعتقد وتؤمن بوجود المطهر، وهو مكان ثالث غير الملكوت وجهنم فيه تتطهر النفوس وتتنقى من العقوبات الزمنية. وتعتقد الكنيسة أن ما يقدمه المؤمنون الأحياء من القرابين والذبائح والصدقات والصلوات والأصوام إسعافاً للأنفس المتعذبة في المطهر يفيدها حقاً، ويخفف من عذابها أو ينقذها منه بالكلية".
بعد القداس عاد الرجال إلى البيت لكن النساء ذهبن إلى المقبرة فذهبت معهن، جلست النساء حول القبر على الأرض وأخذن يبكين ويعددن، رفعت جدتي صوتها:
أيكا ييت تت شمت يا كورا
قم شخني كرمامخ بقورا
ابرخ كم آثيلي خا زورا
وكم داريلي شميه بشمخ توما
(أين أنت لتسمع يا رجل
قبل أن تتدفأ عظامك في القبر
جاء لولدك صغير
سماه باسمك توما)
نظرت النساء في وجوه بعضهن بعضا متعجبات ولم يقلن شيئا، فراحت كل واحدة من طرفها تعدّد وتبكي غير آبهات بجدتي.
البكاء على الميت  ليس تقليدا جديدا، وقد يعود إلى آلاف السنين في بلاد مابين النهرين. فقد بكى كلكامش صديقه أنكيدو قائلا:
اسمعوني أيها الشيوخ وأصغوا لي
من اجل أنكيدو خلي وصاحبي ابكي
وأنوح نواح الثكلى
......
سأجعل أهل أوروك يبكون عليك ويندبونك
سأجعل آهل الفرح يحزنون عليك
وبكت الإلهه إينانا بكاء مرّاً على زوجها دموزي:
أسأل التلال والوهاد أين زوجي؟
لن يكون بمقدوري بعد الآن أن آتي له بالطعام
لن يكون بمقدوري بعد الآن أن أقدم له الشراب
تسألوني عن مزماره
لابد أن الريح تعزف به الآن له
تسألوني عن أغنياته العذبة
لابد أن الريح تغنيها له  
ولم يكن الرثاء يتوقف على أهل المتوفى أو أصدقائه وإنما كان ثمة مراث للمدن والآلهة والمعابد، وفي بعض الفترات أصبح الرثاء حرفة قائمة بذاتها يمارسها الندّاب (النوّاح)، ضمن طقوس دينية ترافقها بعض الآلات الموسيقية. وكان في عنكاوا العديد من النساء الشهيرات في العدّ بلحن جنائزي تقليدي يجعلن الصخر يبكي، كما يقال، أشهرهن في المحلة الخالة كاترينا زوجة العم عيسى كوندا. اليوم لم تعد في البلدة على الرغم من توسعها الكثير من العدادات حتى أن بعضهم أصبح يؤجر عدّادة من قرى أخرى لإحماء التعزية. وذات يوم التقيت صدفة بامرأة قرب المقبرة الحديثة ترتدي ملابس تقليدية لقرية من قرى سهل نينوى، سألتها: من أي قرية أنت؟  قالت: من باطنايا، ثم من خلال الحديث فيما بيننا عرفت أنها تعمل عدّادة محترفة. طلبت منها تصويرها وهي تعدد للاحتفاظ  بهذا التقليد المتوارث.  قالت: لا أقدر، إلا أن تذكر لي أحدا توفي وتشرح لي عنه لأعدّد مناقبه وخصاله. فقلت لها: ابن عمي، كان طبيبا قتل تحت التعذيب في السجن عام 1982 وقبره هنا في هذه المقبرة. دخلنا المقبرة ورأيتها تجلس على حافة القبر وتبدأ بالعد والنحيب وذكر مناقب الفقيد دون مقدمات تشدو ابياتا شعرية مرتجلة بلحن جنائزي وصوت يقطر أسى بحيث أثارت فيَّ مشاعر الحزن فدمعت عيناي.
ثم طلبت منها إن تعدّد أخي. سألتني: أين قبره؟ قلت: لا أعرف، لا قبر له، أخذوه في عام 1987 ولم يعيدوه لنا، أعطونا ورقة فقط تقول إنه مات في السجن. قالت: كم كان عمره: قلت: 34 سنة ولم يكن متزوجا بعد. قالت: لينتقم الله من قاتليه، أخوك هذا أصيب بالعين الشريرة منذ صغره. نزل الدمع من عينيها وراحت تبكي بحرقة من صميم قلبها معددة مناقبه وواصفة شبابه فبكيت معها وكأن أخي توفي بالأمس، وكأني كنت أعوض بذلك عن ذلك اليوم الذي سمعت بوفاته وأنا غير قادر على زيارة الوطن وحضور مراسم تعزيته.

نصوص أصلية وهوامش:
(1)   ܡܚܐ ܡܝܬܐ ܫܘܒܚܐ ܠܫܘܡܟ ܢܨܠܐ ܫܠܡܐ ܥܡܢ
(2)   ܢܘܕܐ ܘܢܣܓܘܕ ܘܢܫܒܚ ܠܚܝܠܐ ܟܣܝܐ ܘܡܫܒܚܐ ܕܬܠܝܬܝܘܬܟ ܡܫܒܚܬܐ
(3)   ܡܪܝܐ ܐܠܗܐ ܕܦܘܪܩܢܝ  ܒܐܝܡܡܐ ܓܥܝܬ ܘ ܒܠܝܠܝܐ ܩܕܡܝܟ
(4)   ܪܨ ܥܠܝ ܒܙܘܦܐ ܘ ܕܟܝ܏
(5)   ܐܠܗܐ ܡܪܟܠ ܕܦܩܕ ܥܠܝܟ ܕܡܢ ܥܦܪܐ ܐܢܬ ܘܠܥܦܪܐ ܬܗܦܘܟ
(6)   ܒܫܡ ܐܒܐ ܘܒܪܐ ܘܪܘܚܐ ܕܩܘܕܫܐ ܠܥܐܠܡܝܢ؛ ܬܫܒܘܚܬܐ ܠܐܠܗܐܒܡܪܘܡܐ ܘܥܠ ܐܪܥܐ ܫܠܐܡܐ ܘܣܘܪܐ ܛܐܘܐ ܠܒܢܝ ܢܫܐ ܒܟܠ ܥܕܐܢ ܠܥܠܡܝܢ
(7)   ܐܘ ܬܘܡܐ ܟܐܦܪ ܐܢܬ ܒ ܨܛܢܐ؟
(جيد   ܡܬܡܫܚ ܘ ܡܬܩܕܫ
(9)   معظم الاستشهادات من الاساطير العراقية القديمة معتمدة من كتاب "ديوان الأساطير" ترجمة قاسم الشواف ومراجعة أدونيس، طبعة دار الساقي.
(10)   المعلومات عن تاريخ العماد والغطس واستعمال الزيت في المسيحية واليهودية مستقاة من مصادر دينية وتاريخية عديدة.
 
آذار 2012

•   ينشر هذا النص السردي في الملحق الثقافي لجريدة طريق الشعب على ثلاث حلقات اعتبارا من السبت 9/أيلول/ 2012
3  المنتدى الثقافي / أدب / دَرْگـا في: 11:07 12/07/2012

دَرْگا (ܕܪܓܐ)


سعدي المالح


كانت محلتنا ملمومة على بعضها البعض، صغيرة جدا، عبارة عن زقاق قصير، اصطفت على جانبيه، على غير انتظام، عدة بيوت طينية متكئة بأكتافها على بعضها البعض، متلاصقة، يسده بيت كبير يحرسه كلب ضخم دائم النباح كأنه يعلن أن هنا ينتهي العالم. وكان هذا الزقاق يصعد من ساحة (درگا) باتجاه الغرب، بينما يتفرع منه يمينا، مقابل بيتنا بالضبط، زقاق آخر أصغر منه  وأقصر، تصطف ستة بيوت فقط على جانبيه، ويلقى حتفه عند المقبرة القديمة ( قصرا). لكن هذا الدرب الضيق القصير كان يستقبل أيضا من محلة (درگا)، كل صباح ومساء، المصلين الذاهبين إلى الكنيسة المحاذية للمقبرة والقادمين منها، وخاصة العجائز المدمدمات بأدعية وصلوات متواصلة في ورع ورهبة وهن خارجات من الكنيسة وحتى بلوغهن بيوتهن، فيما عدا ذلك لا يدخله احد غريب في النهار، فنحتله نحن الصغار ليصبح ملعبا لكل ما يخطر على بال من ألعاب الطفولة. أما في الليل فيأوي الناس إلى بيوتهم التي تنفتح على بعضها البعض عبر كوات خلفية أو جانبية، بينما يخيم في الخارج على المحلة كلها ظلام دامس يحولها إلى مستعمرة للكلاب والقطط السائبة والجن والأشباح والموتى الراقدين على بعد لا يزيد عن رمية عصا.
كانت ساحة "درگا" بالنسبة لأهل القرية مركزا للتجارة والأعمال والترفيه، أما بالنسبة لي فكانت قلب العالم كله، مثلما كانت بابل أو نينوى محورا للعالم بالنسبة للبابليين أو الآشوريين، ولهذا صوروا الثور المجنح، رمز قوتهم وعظمتهم، بخمس قوائم الأربع منها هي الأطراف في الاتجاهات الأربع والوسطى، الخامسة، هي أنفسهم. لأنهم كانوا يعتقدون أنهم يعيشون في مركز العالم ويعدون أنفسهم محوره، هكذا كانت درگا؛ مركز القرية ومحورها وقلبها النابض، ساحة صغيرة تتوسط حيا شعبيا، تتفرع منها أربعة أزقة من جهات أربع؛ شرقا زقاق قصير يهبط نحو الساقية وينتهي بها بعد نحو ثلاثمائة خطوة، وغربا يصعد زقاق أقصر منه مسدود ينتهي ببيت آل عزوز حيث يقع بيتنا، لكن فرعا ضيقا وقصيرا يلتف منه يمينا نحو الكنيسة.  شمالا يسير زقاق منبسط باتجاه البيادر يتفرع منه درب آخر نحو زقاق الحائكين، وجنوبا زقاق مسدود آخر، ضيق جدا، قد يبلغ طوله مائتي خطوة، يلتوي ليلتف من وراء مقهى العم گوگا، وهو زقاق معظم بيوته من صانعي العرق المحلي القجغ. كان العالم بالنسبة لي ينتهي عند حافات هذه الأزقة الأربعة وفرعيها، لأن درگا كانت معزولة عن بقية عنكاوا من طرفيها الغربي والجنوبي ومفتوحة على البيادر والحقول وقُصلان الشعير( جمع قصيل، وهو حقل قريب من القرية ترعى فيه الخرفان والأبقار وهو أخضر) والأراضي الديم.  على الرغم من ذلك كانت البيوت تلتصق ببعضها البعض عبر حيطانها وأسطحها الطينية، فتنفتح على بعضها البعض عبر كوات صغيرة وكبيرة من هذه الحيطان ومن على الأسطح المتلاصقة إذ يتبادل الناس من خلالها الحاجات الضرورية والرسائل القصيرة بواسطة النداءات. كان من السهل أن  تنتقل عبر السطح إلى عدة بيوت متلاصقة من الخلف وتهبط في باحاتها بواسطة الدرج مختصرا مسافة كان لابد أن تلتف حول نصف عنكاوا لتقطعها. وهذا ما خلق للقرية عالمان: خارجي مفتوح على الفضاء وداخلي سري منغلق على ذاته عبر الأزقة المغلقة.
لكن في أوائل الستينيات تغير كل شيء، اختلط هذان العالمان ببعضهما البعض، لا سيما بعد أن شُقّ شارع ليضرب درگا في الخاصرة بانتهائه على حافة ساحتها ليفتحها نحو الغرب من جهة والجنوب من جهة ثانية، وليعري عالمها السري ويوصله ببقية أطراف القرية أخيرا.
كانت علامات حمراء رسمت، منذ سنوات، على أسطح بيوت كثيرة وجدرانها على شكل خط مستقيم من غرب القرية إلى شرقها تحدد موقع شارع جديد مرشح للفتح. وكان بعض تلك العلامات الحمراء قد اندثر أو زال بمرور الأيام، حتى أن الناس الذين وقعت بيوتهم على خط الشارع الجديد اطمأنوا نوعاً ما من أن المشروع بات منسياً ولن يُنَفّذ.
لكن ثورة تموز 1958 التي قلبت كل الأمور على عقب، وهزت العراق كله، بكل أحداثها، سلبا وإيجابا، أعادت الحياة إلى ذلك المشروع شبه الميت. فجاء المساحون بعد حوالي سنة، يعيدون رسم علاماتهم الحمراء على الحيطان الطينية القديمة وينشرون الذعر في قلوب أصحاب البيوت التي سيقطعها الشارع الموعود وصولا إلى ساحة درگا.  
أما لماذا درگا فلا نعرف أصل الاسم، ربما يكون محرفا من ديركا، وكانت قرية بين أربل وعنكاوا، انتقل أهلها إلى عنكاوا قديما وسكنوا في هذا الحي وسمّي باسمهم. وديركا هي تصغير لدير بالسريانية كعما – عمكا، وثمة قرى عديدة تحمل هذا الاسم في المنطقة، أو ربما يكون درغا الذي يعني الدرج بالسريانية، والمنطقة فعلا تنحدر من أعلى حيث التلة قصرا إلى أسفل حيث الساقية، ولعل درجاً كان هناك في زمن ما.
كان بيتنا يقع قبل نهاية الزقاق القصير المسدود المنتهي ببيت آل عزوز. جاء المساحون ورسموا علامتهم الحمراء على منتصف درج بيت جدي، هذا يعني أن بيت جدي ونصف هذا الدرج سيبقى لكن الغرفتين الطينيتين اللتين شيدهما والدي قبل نحو سنتين ونصف والحوش كله سيبتلعهما الشارع. وكانت باحة البيت كبيرة جدا تسكنها عدة عائلات تنحدر من توما الجد الأكبر لعائلة المالح (جد جدي توما)،  بيت العم قاقوزا القصاب  وبيت العم أدو (يلدا) النجار ابنا سوريش عم جدي، وبيت فارغ لأبناء عمه الآخر حنوش، وهذا يعني أن نصف هذه البيوت أيضا سيضيع بحسب العلامة الحمراء ، وسيأتي الشارع على نصف بيت الأخوين زورتا العم فرنسي والعم بهنام، المجاور لنا من الطرف الآخر، ثم بيت آخر يؤجر بين فترة وأخرى لعائلةجاءت عنكاوا حديثا، يليه بيت حنا شماشا حتى يصل خاصرة درگا ويقف عندها. لقد كشف الشارع الجديد عن عورات بيوت المحلة، إذ بقيت لسنتين تقريبا من دون سياج انتظارا لإكمال تبليط الشارع. بعض البيوت ابتلع الشارع مساحة كبيرة منها فأرغم أهاليها على الانتقال إلى بيوت أخرى. بينما بقي الزقاق القصير المتفرع من زقاقنا المسدود نحو قصرا على حاله دون أن تصله مخالب الشارع. كان هذا الزقاق يقع مقابل بيتنا بالضبط. على الطرف اليسار من الزقاق يقع بيت العم بويا هللاوا ثم بيت توما فشة يليه بيت العم عيسى، وشكرية قاقوزا ، وينتهي ببيت آل شيشا كوندا على الزاوية لكن بابه يواجه قصرا. بينما على الطرف اليمين حوش تسكنه عدة عائلات من آل كليانا بينها بيت صديقي فاضل نوري ثم بيت بتو ( بطرس) مرقس كوندا وأولاده الكثر وويردو خالا الحلاق وبطرس روالا الذي يقف في مواجهة قصرا من الطرف الآخر.
وكلما مدح أحدهم ثورة تموز وانجازاتها قالت أمي أي انجازات هذه، لقد قتلوا الملك في بغداد وخربوا بيتنا وبيوت الآخرين في عنكاوا، وبالفعل كان لثورة تموز نتيجة كارثية على عائلتنا الصغيرة إذ لم يتبق من بيتنا الذي لم يمض على بنائه إلا سنوات قليلة، غير بضعة أمتار مربعة ظلت خربة فترة طويلة.
هذا الحدث، كان بالفعل كارثة قصمت ظهر والدي الذي تمكن أن يوفر بعض المال من مرتبه الشحيح ويبنى لعائلته بيتا صغيرا يكون سترا لها، سيما وأن والده قد سطا على الجزء الأكبر من تعويض البلدية للبيت باعتبار أن الأرض كانت ملكه.
بيد أن هذا كله لم يعن لي شيئا. كارثتي كانت غير" كارثة عائلتي" ، مع أن سببها الرئيس كان الشارع نفسه، الذي بلع عند نهايته بيتا آخر، هو البيت الذي ولدت فيه.
كان جزء من ذلك البيت الطيني القديم الواقع في مدخل زقاق خلفي، مؤجرا من قبل عائلتي قبل أن نشيد بيتنا الجديد، وفيه ولدت، كما كانت تقول لي أمي عندما تتحدث عن تواريخ ميلادنا وأماكنها التي تحفظها جيدا بالساعات والأيام مرتبطة بحال الطقس في ذلك اليوم أو بمواعيد الأعياد أو الصوم أو المناسبات الأخرى الكثيرة. ذلك البيت كان يطل على ساحة درگا ولا يبعد كثيرا من بيتنا ومن ذاكرتي الطفولية.  لهذا كانت درگا، محور العالم ومركزه بالنسبة لي.
في الطرف الجنوبي من الساحة جايخانة (مقهى) العم كوكا (كوركيس) ملاصقة لبيته. وهي أقدم جايخانة في القرية؛ مبنى طيني يتكون من صالتين مفتوحتين على بعضهما من الوسط فيهما فتحات كبيرة تشبه الشبابيك وفي أعلى منها فتحات أصغر؛ كوّات تسمح دائما بدخول الهواء وخروجه، وقد توزعت دِكاك (جمع دكّة) طينية في أطراف الصالتين بدلا من المصاطب مع بعض التخوت والطاولات الخشبية القديمة. على الدِّكاك والتخوت حصران قديمة مصنوعة من الحلفاء، يتوزع الناس هنا وهناك يلعبون الدومينو والداما، والعم كوكا وابنه حبيب الفارعا الطول، ولعلهما أطول رجال القرية، يسقيان الزبائن الماء والشاي واللبن وبعض المشروبات الغازية آنذاك من زاوية على اليمين في الصالة الأولى حيث أباريق الشاي وحِب الماء وأحيانا سطل اللبن في الصيف. أسماء المشروبات الغازية كانت غريبة وصعبة اللفظ بالنسبة لكثير من الرجال، فيطلبونها على وفق ألوان القارورة أو السائل الذي فيها: هات الأصفر، أو الأسود ، أو الأحمر وهكذا، فمن لديه عانة ثمن الشاي أو عانتان ثمن القارورة الغازية يدفع ولا سيما الأفندية الذين كانوا يتقاضون رواتب شهرية، ومن ليس لديه من فقراء الفلاحين والأجراء يقول للعم كوكا سجلها على الحساب، والعم كوكا يؤشر خطا على الحائط إلى جانب خطوط أخرى أو يحفظها عن ظهر قلبه لكي يسجلها ابنه فيما بعد في دفتر الديون حتى يأتي موسم الحصاد أو حصول الأجير على أجره أو راتبه.
في الصيف يرش العم كوكا الساحة الأمامية الترابية ذات الدكّتين الترابيتين الطويلتين بالماء الذي تجلبه له زوجته من الساقية منذ الصباح، ويُخرِج الطاولات والمصاطب إليها لتتحول المقهى إلى الباحة الأمامية ويجتمع عديد من الرجال هناك. كان هذا المقهى، مركزا لتبادل الأخبار وإجراء الصفقات ووضع الخطط ومعرفة الأنواء الجوية وموعد الحِرْث والزَّرْع والحصْد. كيف لا وفي المقهى راديو لا يملك مثله إلا بضعة بيوت في القرية. كان صوت الراديو يلعلع في المقهى لا أحد يعير له انتباها كبيرا لا سيما عندما كان يذيع أغنية لزهور حسين أو أم كلثوم أو مائدة نزهت. بينما عندما كان يحين موعد نشرة الأخبار كان عدد من الأفندية يقتربون منه ليصغوا جيدا إلى صوت المذيع محاولين فهم ما يقوله بذلك القدر الذي يعرفونه من اللغة العربية، ليصبحوا فيما بعد ناقلي الأخبار بالسورث (السريانية العامية) لمن لا يجيد العربية ويدفعه الفضول لسماع بعضها.
في تلك الأيام سجل الشماس سيوا من كويسنجق بعض الأغاني باللغة الكوردية في الاذاعة العراقية واشتهر صيته بواسطتها، وكلما سمع الشماس ججي في عنكاوا أغنية هه ري كولي كان يقول إن سيوا يغني قوم شبير بالكوردية، ويغنيها معه كما هي بالسريانية، فيضحك الرجال منه، أما عندما يغني ناظم الغزالي "طالعة من بيت ابوها" فيردد معها مدراشا ويقول هذا مدراش مار أفرام على اللحن السباعي، ومع أغنية "فوك النخل فوك" يردد ترتيلة أخرى قائلا هذه لمار يعقوب، وكان الرجال الذين يجهلون تاريخ موسيقاهم وألحانها يتندرون عليه بتعليقاتهم ويسخرون منه، وما أن اشتهرت أغنية "يالله صبوه هالقهوة" لسميرة توفيق المعروفة بكونها أغنية بدوية سألوه ساخرين منه : يا شماس هذه تشبه أية ترتيلة؟ استمع جيدا للأغنية ثم راح يغني معها بالسريانية قائلا هذه سوغيتا على الوزن المثمن، عندئذ ضحك الجميع  متصورين أن الشماس بدأ يخرف، لكن في الحقيقة كان الشماس على حق فهذه الألحان والكثير غيرها من الألحان التي تعد ألحانا شعبية وتراثية هي بالأصل ألحان سريانية تداولها رجال الدين في الكنيسة الشرقية بالتناقل منذ القرون المسيحية الأولى، لكنه لم يكن يعرف كيف يعبر عن وجه الشبه  بين هذه وتلك الألحان لأنه كان يحفظ الألحان الكنسية دون أن يعرف مصادرها ويشرح أصولها.  
 كان والدي يتردد إلى المقهى صيفا لكني لم أجده يلعب الداما أو الدومينو، كان يقف مع الرجال حيث يتبادلون الأخبار والأحاديث المنوعة، وكثيرا ما يأتي إليهم العم لورنس فيلقي نكتة أو كلمة عابثة ثم يخرج من عبه ربعية العرق ويأخذ منها مصة، يمسح فمه بيده ويرجعها إلى مكانها، وإذا ما أغضبه أحدهم أو ناكده أهداه واحدة من عفطاته المشهورة. كان العم لورنس دائم المرح أراه أحيانا بين الحقول يرفع إلى فمه ربعيته ثم يخرج ليمونة حامضة من جيبه يتمزز بها. كنا نحن الصغار نستغل وجود والدي بين شلة الرجال لنذهب إليه ونطالبه بالفلوس فيستحي ويعطينا لكنه عندما يرجع إلى البيت يعاقبنا ويعاتب أمي على السماح لنا بإحراجه أمام رجال القرية، فتقول إنها لم تعرف بما فعلنا، وفعلا كنا لا نخبرنا بالأمر كي لا تمنعنا من الذهاب إليه. ومع ذلك كنا أحيانا نكرر فعلتنا هذه كلما تضايقنا وشعرنا إننا بحاجة إلى المال. كيف لا نفعل وإلى جانب هذا المقهى، وتحديدا عند حافة باحته كان يقع دكان حنا شماشا.
كان حنا يعيش في بيت مجاور مع أمه وأخته وقد توفي والده وكان أخوه الأكبر المتزوج قد ترك البيت ليعيش في بيت مستقل. تعتاش العائلة من هذا الدكان الصغير لكنه يحتوي كل ما تحتاجه العائلة من سمن وسكر وشاي وصابون وأرز وغيره ، لكن ما كان يستهويني وإخوتي السكاكر والحلويات والبسكويت والعلكة التي كنا نسرع لشرائها كلما توفرت في أيدينا عانة (أربعة فلوس) أو أقله تلك القطعة المعدنية الصفراء أم الفلسين التي نحصل عليها بشق الأنفس من خلال صراعنا اليومي مع والدتنا. يبدو أن حنا تعلم الصنعة من أبيه الشماس الأعرج الذي بدأ يبيع في أيوان بيته قطعا من السكر القند وبعض الحلويات والشاي الفَل وبعض الحاجيات الأخرى، لكن لم يكن يملك المال ليطور هذه البقالة الصغيرة فتبرع له أحد أقربائه الأغنياء بعشرين دينارا في ذلك الوقت ليفتح دكانا يحوي معظم الحاجات المنزلية. أقف الآن أمام دكان حنا شماشا وقد اعيد بناؤه بالاسمنت، وها هو الابن(حفيد الشماس الأول) يقوم مقام والده بعد أن استشهد حنا شماشا أثناء انتفاضة آذار 1991 برشقات من رشاش طائرة هيليوكوبتر للجيش العراقي كانت تصوب سلاحها نحو كل هدف متحرك على الأرض.. دون أن يكون له أي علاقة بالسياسة بل أنه كان يحاول الهرب من بيته إلى ملجأ آمن يلوذ به.
في ركن آخر على فم الزقاق المؤدي إلى البيادر  كان العم ميخا الأصلع العجوز الهرم يجلس أمام طبق قديم فيه بعض الحلوى والمعجون والبسكويت والعلكة وربما حب عباد الشمس بالقرب من بيته، أحيانا يتجمع الأولاد حوله، يناولونه نقودهم القليلة فيتفحصها جيدا ويضعها في علبة معدنية صغيرة ثم يسال الطفل ماذا يريد فيعطيه. كان طبق العم ميخا أقدم من دكان حنا شماشا لكنه أضحى أقل شهرة في تلك الأيام لتقدمه في السن وهرمه حتى أن مراهقا من عائلة ميسورة تجرأ وسرق ذات يوم العلبة المعدنية بما فيها من نقود!. وبالطبع كانت الفتيات يفضلن الشراء من حنا الشاب غير المتزوج الذي يمزح معهن وأحيانا يعطيهن بعض الزيادة على ما يطلبنه فيما إذا كان ثمة من تجاوب مع مزحة أو حديث جميل. فضلا عن ذلك كانت رائحة النفط تفوح دائما من طبق العم ميخا لأنه في الوقت نفسه كان يبيع النفط (الكيروسين) فكلما جاء مشترٍ ينهض من أمام طبقه فيدخل أيوان البيت ليصب من تنكة نفطا في قارورة زجاجية لأن الناس في ذلك الوقت كانوا يشترون النفط بالقوارير لاستعماله في الإنارة فقط!
وبين دكان حنا شماشا وبيت العم كوكا يقع بيت هرمز عمانا المشهور بصيد عصافير الحقول بالفخاخ المعدنية الصغيرة في الخريف، ويكون صيد العصافير عادة بين حراثة الحقول وبذارها وقبل سقوط المطر. كان العم هرمز يأتي عصرا مع الغروب حاملا أفخاخه وكيسا مليئا بالعصافير، فتكون زوجته بانتظاره لتنتف ريش العصافير الناعم مستفيدة منه لبيعه لصنع المخدات، وقبل أن تنتهي من مهمتها يتوافد الزبائن، هذا يريد خمسة وذاك عشرة وهذه ستة وهكذا، لأن العصافير تستخدم مازة لشاربي العرق وأيضا تطبخ مع البرغل. أذهب مع أمي لشراء العصافير فأراها تجلس أمام الطشت تساعد في نتف ريش العصافير المسكينة الصغيرة التي قتلتها فخاخ العم هرمز. لا اتحمل المنظر فأخرج. العديد من الرجال كان يعيش على صيد العصافير، وما يزال، حتى أن ابن أحدهم ما يزال يمارس اصطياد العصافير بالفخاخ كهواية على الرغم أنه يعمل موظفا مرموقا منذ ثلاثين سنة!
وكانت ساحة درگا في الصيف سوقا للترعوزي والبطيخ الأصفر منذ الصباح الباكر، ومركز السوق كان في ظلال بيت العم ايليا بطروزا ( بطرس) وتحت حائطهم. الترعوزي هو القثاء وقد يكون انتقل إلى سهل أربل ونينوى من ألرها لأنه سمي باسم قرية "طرعا دْ عوزي" السريانية ( باب العوز) القريبة منها والتي اشتهرت به. ويزرع ديميا في سهول عنكاوا إلى جانب البطيخ الأصفر (الشمام). يأتي المزارعون بمحصولهم اليومي من الترعوزي والبطيخ الأصفر منذ الصباح الباكر ويضعونه أكواما على ملايات أو خُرج فارغة أو على الأرض مباشرة فيهب الناس إلى شراء ما يحتاجون. وتتحول الساحة إلى هرج ومرج الباعة والشارين والأطفال والحمير المربوطة بالقرب منهم. تقاس جودة الترعوزي بطراوته وصغر حجمه أما البطيخ بحلاوته وكبر حجمه ونوعيته. كان أحيانا يظهر صراع بين الباعة حول أي منتوج هو الأفضل وأي بطيخ هو أحلى أو أي ترعوزي هو أطرى.  كانت أمي ترتاد هذه السوق قبل أن يكون لنا بستاننا الخاص فتشتري من هذا وذاك لكن أيضا كان يعجبها أن تشتري كومة من البطيخ "كوترة" أي على التخمين من دون وزن....
وإلى جانب هؤلاء تجد العم اسحق عمبارك جالسا أمام كومة صغيرة من الطماطم والباذنجان والسلق والبصل وبعض الأعشاب ساعة أو ساعتين دون أن يقبل عليه الكثير من الزبائن لأن معظم الناس يزرعون الخضار بأنفسهم فيضطر بعد بعض الوقت لتحميل بضاعته في خرج مصنوع من الحصيرعلى حمارته ليدور بها في القرية عله يبيع ما تبقى لديه من الخضراوات. وعندما كبر ولداه صباح وأوسا (يوسف) أخذا يساعدان والدهما، كانا عصاميين وعملا بجد ثم فتحا دكانا تطور إلى تجارة ناجحة يضرب بها المثل.    
ولأن البيوت في عنكاوا كانت تبنى باللبن (الطوب)، المصنوع من الطين والتبن، كان درگا مسرحا لصناعة مثل هذا اللبن كلما احتاج أحدهم بناء بيت، يأتي بالتراب الأحمر من (خبّرتا) وهي حفرة كبيرة جدا تمتد لمساحة واسعة وبعمق عدة قامات تشبه المقلع في بداية القرية (بارك عنكاوا حاليا). وينقل هذا التراب بواسطة الخُرْج المحمول على دابة ويخلط بتبن ناعم وماء فيُجبل منه طينا، ويصب هذا الطين بعد تخمره في قوالب خشب مستطيلة بحدود 40في 60 سم ثم يسوى سطح القالب ويزال الطين الزائد بقطعة خشبية أو باليد ويترك قليلا إلى أن يتماسك فيرفع القالب وتترك قطع اللبن لأسبوع أو أكثر لتجف أمام الشمس في ساحة درگا ثم تقلب على حافتها لتجف من الأسفل والجوانب أيضا. ويستعمل هذا اللبن فيما بعد للبناء بدلا من الطابوق أو البلوك الخرساني الذي نستعمله الآن، وكان يوسب كتا أشهر طوّاب وبناء في ذلك الوقت، ولم يكن يضاهيه في قطع اللبن غير هرمز جمعة، كان العم هرمز طويل القامة يسير بخطوات سريعة واسعة، ومشهورا بسرعته في المشي، يقال  أنه كان ذات صباح، يعود من قرية قريبة من راوندوز (أكثر من 100 كلم عن عنكاوا) فلم يجد سيارة تقله فأخذ يمشي على قدميه فوصل عنكاوا في الليل، ويحكى عن عداء آخر وهو العم حنا المعروف بحتا أنه ذهب إلى شقلاوة وعاد منها إلى عنكاوا في اليوم نفسه والطريق بين عنكاوا وشقلاوا يبلغ نحو خمسين كيلومترا، وينبغي أن لا ننسى هنا أنه كان على الأول أن يجتاز جبل صلاح الدين والثاني أن يقطعه في ذهابه وإيابه. ويحكي لي ابن خالتي جبرائيل أنه في شبابه كان يسافر من عنكاوا إلى ألقوش سيرا وراء الدواب المحملة بالجوز والزبيب وبضاعة أخرى منذ الصباح الباكر فيصل ألقوش مساء. هذه المسافة تقطعها السيارة الآن بنحو ساعة وثلاثة أرباع الساعة! لا أدري إلى أي درجة تكون هذه الحكايات صحيحة لكن المصادر التاريخية لا تخلو من أخبار مشابهة إذ كانت جيوش الدولة الآشورية تسير نحو 40 كم في اليوم فما بالك إذا كان السائر شخصا بمفرده. وقد تمكن كلكامش وانكيدو من قطع نحو 500 كم في عدة أيام بقياسات تلك الأيام في رحلة عودتهما إلى مدينة اوروك. وإذا كانت ملحمة كلكامش قصة أو أسطورة فإن شولكي، ثاني ملوك سلالة أور الثالثة الذي حكم بين (2095-2048) قبل الميلاد يخبرنا في أنشودة "ملك الطريق" متفاخرا أنه ركض من أور إلى نفّر وعاد منها إلى أور في يوم واحد ليحتفل بمهرجان القمر في المدينتين في اليوم نفسه، والمسافة بين المدينتين تزيد على 300 كم ذهابا وإيابا. كان هناك العديد من الرجال الذين يضرب بهم المثل في المشي السريع لمسافات طويلة.
على أية حال لقد توارث سريان السهول هذه الطريقة في قطع اللبن من أجدادهم البابليين والآشوريين لعدم وجود حجارة في السهل الفسيح الذي كانوا يسكنونه. وكانت أبعاد هذا اللبن نفس أبعاد اللبن الآشوري القديم تقريبا. ومثل هذا اللبن اكتشف في الطبقات الوسطى والسفلى من تل قصرا في عنكاوا الذي يعود تاريخه إلى نحو سبعة آلاف سنة. ويشهد سفر التكوين(10: 2-3) على استعمال سكان بابل اللبن إذ يشير إلى أن العبرانيين "فِي ارْتِحَالِهِمْ شَرْقًا أَنَّهُمْ وَجَدُوا بُقْعَةً فِي أَرْضِ شِنْعَارَ وَسَكَنُوا هُنَاكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَلُمَّ نَصْنَعُ لِبْنًا وَنَشْوِيهِ شَيًّا. فَكَانَ لَهُمُ اللّبْنُ مَكَانَ الْحَجَرِ، وَكَانَ لَهُمُ الْحُمَرُ مَكَانَ الطِّينِ". والبيوت المبنية من الطين كانت أدفأ شتاء وأبرد صيفا.
وكنت تجد في هذه الساحة أيضا مئات من سيقان أشجار الحور الطويلة الباسقة التي تستعمل عادة لتسقيف البيوت فتمدد بعيدة عن بعضها البعض بحدود خطوة إلى خطوتين على عرض السقف ثم ترصف ما بينها فروع أشجار أرفع منها لتغطى هذه وتلك بحصران من الخوص وبعض النباتات اليابسة ثم تكسى بطبقة من الطين المجبول بالتبن. لكن كل هذا لا يمنع من إن يتسرب ماء المطر إلى البيت عندما تهمل إدامة السقوف والجدران. تصوروا لآلاف السنين لم تتغير طريقة البناء هذه إلا في النصف الثاني من القرن العشرين عندما دخل الطابوق والسمنت والحديد صناعة البناء! كان قدماء العراقيين يصنعون بيتهم في البداية من الحلفاء ثم تعلموا صناعة اللبن وشيدوا باللبن زقوراتهم وأبراجهم وقصورهم، ولم يكتفوا بذلك بل أخذوا فيما بعد يفخرون هذا اللبن ويشوونه بالنار ليبقى قويا ويدوم سنوات طويلة. بيتان فقط في درگا كانا مبنيين باللبن المشوي، بيت عمي يوسف بائع العرق المعروف في أربيل وبيت صليوا أوراها أحد أقدم المعلمين في القرية، لكن كليهما انتقلا إلى مساكن جمعية الخالدية التي شيدت في عام 1957 في مدخل عنكاوا من الطابوق والطين.
ونظرا لوجود الأخشاب واللبن في الساحة هذه ليس غريبا أن تصبح أيضا مركزا لتجمع عمال البناء وغيرهم فيأتي أصحاب العمل أو البناؤون فيختارون عمالهم منذ المساء ليبدأوا في اليوم الثاني ومنذ الصباح الباكر بنقل المواد أو البناء. وكانت الساحة في أشهر الحصاد تصبح أيضا مركزا لتجمع الحاصدين ونقلة الحصيد من الحقول إلى البيادر.
وكلما أضاع أحدهم شيئا ثمينا كلف المنادي في القرية العم بهنام الملقب بسقرا ليأتي ويقف في وسط الساحة وينادي ( الله يرحم والدَيّ من عثر على كذا ويعيده لصاحبه فتمنح له مكافأة مجزية) وعادة ما تكون تلك الأشياء الثمينة حليا أو ساعة أو محفظة ومعظمها لنساء وهكذا. والعامة تسمي المنادي كزيرا وهي كلمة تركية أو فارسية بينما اهملت الكلمة السريانية سقرا ܣܩܪܐ اللصيقة باسمه والتي تعني المُبَلّغ، ويتصورها البعض صقرا من صقر العربية وهذا غير صحيح.
وإلى ذلك فأن ساحة درگا هي مركز شراء وبيع الحلفاء المستخدمة في صناعة الحصران ، كانت تأتي اللوريات وأغلبها من باطنايا وباقوفا وتللسقف أو من ألتون كوبري محملة بالحلفاء المجففة رزما رزما ويشتريها العاملون في صناعة الحصران ليتقاسموها فيما بينهم، بالأحرى كان صليوا ساكا هو الذي يشتري اللوري ويقسمه إلى حصص صغيرة يشتريها صانعو الحصران فيستفيد هو حصة أو حصتين لأن صانعي الحصران يدفعون له بالمؤجل بعد بيع حصرانهم. وهذه الحلفاء التي نسميها "برديل؟" تنبت على نحو جيد على ضفاف نهر خوصرتا (الخاصرة) الذي يسمى الآن الخازر بقلب الصاد زايا. وعلى ضفاف الخابور وغيرها من حواف الأنهر، ولولا هذه الحلفاء لما كان لنا أعظم ملك في تاريخنا ولا أول نبي يؤسس ديانة سماوية . فها هي الكاهنة العظمى اينيتو التي ولدت ابنها (سرجون الأكدي) سرا ( كان يمنع على الكاهنات آنذاك إنجاب الأطفال على وفق قوانين حمورابي) وضعته في سلة من البردي وختمت غطائها بالقير وتركته بين الحلفاء على حافة النهر، قبل ألفين وثلاثمائة سنة، ولا أدري كيف فكرت والدة النبي موسى العبرانية أن تفعل الأمر نفسه بعد ألف ومائتين سنة وفي مصر على مسافة تبعد آلاف الكيلومترات "فأخذَتْ لَهُ سَفَطًا مِنَ الْبَرْدِيِّ وَطَلَتْهُ بِالْحُمَرِ وَالزِّفْتِ، وَوَضَعَتِ الْوَلَدَ فِيهِ، وَوَضَعَتْهُ بَيْنَ الْحَلْفَاءِ عَلَى حَافَةِ النَّهْرِ". (سفر الخروج 2: 3) ويكون لكلا الطفلين المصير نفسه فيعثر عليهما بستاني في الأول وأمَة في الثاني ويتربيان في عائلتين ملكيتين ويصبح الأول أشهر ملك في الشرق الأوسط والثاني نبيا في المنطقة نفسها!!! على المؤرخين أن يستنطقوا هذه الحلفاء اللعينة أو المقدسة إن كان كلاهما واحد أو أن كليهما اختلقا قصتهما واعتديا على هذه النبتات التي صرنا نعذبها بجدلها وغزلها والجلوس عليها لكي تنطق لنا بالحقيقة! لكن هذه الحلفاء أتت اليوم على موقع برج بابل باعتراف طه باقر ففي محاضرة له تحت عنوان (برج بابل) ضمن فعاليات المؤتمر العالمي للآثار الذي انعقد ببغداد في 1978 قال:
"غدا برج بابل الآن عبارة عن حفرة مليئة بالمياه ونبات الحلفاء.. فقد حمل أهالي الحلة القدماء كل الطابوق الذي بُني به البرج.. وبنوا بهِ بيوتهم.. ففي بيتنا القديم بالحلة.. طالما شاهدت أسم الملك (نبوخذ نصر) محفورا بعلامات مسمارية على سطوح الطابوق الذي شيدنا بهِ دارنا"...
وكلما طال شعري تاخذني أمي إلى بيت العم ويردو خالا القريب فيجلسني على الأرض في الأيوان ويربط شعري من الأعلى بخيط حتى يحصد بقية رأسي على هواه. أما تلك البقعة المشدودة بالخيط فتبقى على حالها مثل عرف الديك، وكانت هذه موضة حلاقة الأطفال في تلك الأيام. وكان في درگا حلاق آخر هو العم عيسى سيدا. هذان الحلاقان يحلقان الكبار والصغار، الرؤوس واللحى،  مقابل كذا وزنة من الحنطة سنويا. كانا يستعملان المقص والموسى العريضة ويحدانها بقطعة من جلد تسمى النشتر وأحيانا يستعملان رغوة صابون.
 وفي نهاية الخمسينيات حدث تطور آخر في عنكاوا، إذ شيد أول مشروع فيها لإسالة الماء، لكن الماء لم يكن يصل البيوت، بل نصبت حنفيات ذات رؤوس عديدة في المحلات، وكان من حصة درگا ثلاث حنفيات، الأولى أمام بيت صليوا اوراها أفندي والثانية عند الزاوية اليسرى لبيت ايليا بطروزا، والثالثة في مدخل زقاق صانعي العرق، بالقرب من مقهى العم كوكا. يأتي الماء لهذه الحنفيات من خزان اسمنتي شيد على ارض مرتفعة قليلا بالقرب من متنزه عنكاوا الحالي. وكان جارنا، العم فرنسي، مشغلا لمضخة الماء المنصوبة على بئر ارتوازية تضخ ماء زلالا إلى الحوض. وبما أني كنت صديقا لرمزي ابن العم فرنسي كنا نذهب مع والده أحيانا إلى المضخة، وكنا نسأله أن يسمح لنا بتشغيلها، وكانت تلك متعة كبيرة فنشعر إننا وفرنا الماء لعنكاوا كلها. لكن هذه الحنفيات لم تحل مشكلة الماء في القرية كليا، لأن بعض النساء المتنفذات والمتسلطات كن يسيطرن على هذه الحنفيات ساعات طويلة دون أن يسمحن لغيرهن بأخذ الماء إلى أن يرتوين ويملأن كل ما لديهن من حبب وطسوت وأواني. هذا الأمر كان يخلق مشاكل كثيرة ومخاصمات خاصة بين النساء فتصل في بعض المرات إلى جر الشعر والعض والاشتباك بالأيدي، مما أدى ذات يوم أن يقوم أحد الرجال وفزعة لزوجته المغلوب على أمرها بقفل إحدى الحنفيات وإخفاء أقفالها في المزارع لينقطع ذلك الصنبور من الماء للأبد!
كانت أمي تشتري اللحم من العم يعقوب نعمتو الذي كان يثبت قنارته على حائط بيت ايليا بطروزا ويعلق عليها قطع اللحم الكبيرة ليقطع منها لزبائنه بالوقيات التي كان يزنها بميزان من صفيحتين من الفافون كل منها معلقة بثلاثة حبال من رأس عصا غليظة فيها ممسك في الوسط، وعندما يبقى بعض اللحم الرديء والعظم والشحم في قنارة العم يعقوب والذي قد لا يشتريه أحد ينادي: هيوا يا رجال الرديء بالرديء، والرديء المقصود به هو العرق فيبادل ما تبقى له من رديء اللحم بقنينة عرق محلي الصنع ليبدأ مشوار الشرب لديه منذ الظهيرة. وكان ثمة عدد من باعة اللحم، لا يذبحون بأنفسهم بل يشترون اللحم من القصاب ويتجولون به في أطباق على رؤوسهم في القرية أي كانوا باعة متجولين. كان جدي لأبي واحدا من هؤلاء، مزارعا فقيرا وبائعا للحم في الوقت نفسه، أنا لا أتذكره كذلك، لكن جدتي تقول إنه كان يحمل طبق اللحم على رأسه وفي إحدى يديه ميزان صغير.  سرعان ما ترك جدي هذه المهنة التي لم ينجح فيها وسببت له الكثير من المتاعب، لأنه، بحسب جدتي، كان يوزع لحمه مجانا على النساء الجميلات اللواتي يدخل بيوتهن، وكان ذلك سبب مشاجراتهما باستمرار. وكان العم كوركيس نني وهو من أبناء عمومة جدي أيضا يحمل طبق اللحم على رأسه متجولا في أزقة القرية وعلى ما يبدو كان بائعا ناجحا. أما العم قاقوزا ابن عم جدي اللح كان أيضا بائعا متجولا للحم ولا أتصور أنه نجح في تجارته لأني أتذكره في شيخوخته فقيرا معدما.
كان عجوزا وحيدا فقد زوجته منذ زمن يعيش مع ابنته الأرملة التي تعتني به.. وكان للعم قاقوزا الأصلع، الضعيف، الصغير الحجم، بدلة واحدة بقطعتين من الملابس لا غير. وربما لم يعرف ما هو الحمام منذ زمن مثل الكثير من أمثاله في ذلك الوقت. لكن كلما انتهت ابنته من صناعة الخبز في التنور أراه ينزع بدلته ويبقى عاريا منكمشا على نفسه أمام التنور إلى أن تنتهي ابنته من نفض ملابسه في التنور حيث كان القمل يقع منها ويحترق بصوت مسموع.
أما أخوه العم أدو(يلدا) النجار الذي بيته ملاصق لبيت جدي. كنت أراه يصنع بعض الأدوات الزراعية البسيطة كالمحراث والمذراة والفؤوس والشخرا( لنقل الحصيد من الحقل إلى البيدر) وبعض التخوت وغيرها ربما كانت حاله أحسن من حال أخيه. وكانت زوجة العم أدو وجدتي على خلاف دائم وكثيرا ما تنشب بينهما معارك كلامية من الوزن الثقيل.
ولأن إمكانيات شراء اللحم كانت محدودة استغل بيت خال والدي وجود عجل صغير أجهضته بقرتهم، بحسب اعتقادهم، ليتهنوا في ذلك اليوم بأكل اللحم. في الحقيقة كان لهم حمارة وبقرة حاملين، وكلاهما على وشك الولادة. وذات صباح استفاقوا ورأوا حيوانا حديث الولادة على وشك الموت في الإسطبل، ولما كانت الدنيا تمطر والبرد ينخر في العظام والإسطبل يلفه الظلام تصوروا أن البقرة هي التي أجهضت، فأسرعوا إلى ذبح الحيوان قبل أن ينفق، وسلخه بسرعة، ووضعه في مرجل كبير ليطبخ على النار. ظلت النار تشتعل طويلا تحت القدر إلى أن طبخ اللحم فأكلوه وكأنهم في يوم عرس، لأن الفلاحين الفقراء نادرا ما كانوا يأكلون اللحم في ذلك الوقت. مثلا كانوا يأكلون الدجاجة في حالتين أما أن تكون الدجاجة مريضة أو أن يكونوا هم مرضى ليشفوا. لكن المفاجأة كانت في اليوم الثاني عندما وجدوا في الإسطبل عجلا صغيرا ولدته أمه للتو. فأيقنوا أنهم أكلوا أتانا البارحة! كنا كلما نتذكر هذه الحادثة نقول لجدتي كيف كان طعم الأتان الذي أكلتيه فكانت تتهرب من الجواب وتقول: في ذلك اليوم كنت زعلانة ولم أنم في البيت!
ولم يكن العم يعقوب نعمتو من مشاهير محتسي العرق الوحيد، بل كان يشاركه في هذه الشهرة العديد من الرجال، أمثال بتي ششا وكربيت و... ومعظم الرجال كانوا يحتسون العرق أيضا ولهذا كانت صناعة العرق مهنة مشهورة وشائعة في عنكاوا يمارسها العشرات من العائلات بعضها تتفنن في صناعته وتطيبه وتقطيره عدة مرات.  
 هذا العرق القجغ كان يصدر بالأساس ليباع في أوكار عدة بأربيل التي كان فيها فضلا عن ذلك خمسة متاجر لبيع العرق المرخص يديرها عنكاويون، ولا يكفيها كل هذا، بل كان الاربيليون أنفسهم يأتون دائما إلى عنكاوا لشراء العرق وأحيانا للشرب في البساتين القريبة من القرية. ومن أشهر هؤلاء كورا وموسى ومطلب ومجكو، ( وكان هذا الأخير مطربا معروفا في أربيل) يأتون من أربيل بالباص عصرا حاملين معهم بعض الخيار والطماطم والطرشي والثلج ويشترون قنينة من العرق القجغ وينصبون مائدتهم في ظل قبرانا (كوخ بستان) العم ويردينا فيشربون ويغنون بالكردية والتركمانية، وقبل أن يغادروا في معظم المرات يتشاجرون فيما بينهم ويترنحون يمينا وشمالا وهم ذاهبون إلى موقف الباص مساء، وكنا، نحن الصغار، نجدها فرصة لنركض وراءهم صائحين موسى أو كورا فيلتفتوا إلينا وهم بالكاد يسندون أنفسهم وأحيانا يقعون على الارض ولا يقدرون على النهوض فيأتي بعض الرجال لمساعدتهم وإيصالهم إلى موقف الباص. ويتكرر هذا المشهد معظم أيام الربيع والصيف.    
وكان يأتي إلى ساحة الدركة راقصون على الحبال أو مرقصو القردة فيجتمع الأطفال والرجال حولهم وتخرج النساء أمام البيوت ليراوا ما يشبه الأعاجيب رجلا يسير على حبل أو يتسلق حبلا مربوطا من سقف أو رجلا يرقص قردا ويعطيه موزة بين حين وآخر. وأخيرا يمر مهرج بالرجال والأطفال ليدفعوا له مقابل هذه الفرجة اللطيفة.  
ولأنها اكبر ساحة في القرية فكانت معظم الأعراس تمر بها فيقف المحتفلون بها لتعقد حلقات الدبكة على أنغام الطبل والمزمار أو الأغاني الشعبية. ويخرج رواد المقهى للتفرج ويفد غيرهم من اماكن مختلفة ويتحلقون حول الراقصين وتخرج النساء حاملات أطفالهن يستمتعن بالخكا( دبكة الأعراس). فيرتفع الغبار من تحت اقدام الراقصين والراقصات وتتحول الساحة الى مهرجان حقيقي للفرح، بينما تكون العروس مجللة بوشاح راكبة حصانا يسندها من اليمين واليسار اثنان من أصدقاء العريس. وفي يوم عرسه في هذه الساحة طعن والدي رجلا بالخنجر فبات ليلته في السجن بدلا من أن ينام إلى جانب عروسه في السرير. يقول والدي إن هذا الشخص اختلف مع ابن خاله ورفع يده عليه ليضربه أثناء توقف مسيرة العرس في الساحة هذه وبينما كان هو قريبا منه فهب لنجدته وبالطبع كان يحمل خنجرا كأي عريس فاستله وضرب المعتدي فجرحه....
وجميع أهل الحي، بل وعنكاوا كلها، ينامون فوق السطوح في الصيف، وعادة ما كانت العديد من الأسطح متلاصقة فبإمكان المرء الانتقال من سطح إلى آخر بسهولة وأحيانا من محلة إلى أخرى. وهذا الأمر كان يحدث إحراجا شديدا لبعض العائلات من حيث خصوصيتهم وإسرارهم العائلية، أما المتزوجون الجدد والعائلات الشابة فتنصب الكلل فوق أسرتها حتى تحمي نفسها من الأنظار والبعوض، لكن مع ذلك كانت تحدث مواقف محرجة ومضحكة أو مشادات كلامية لأسباب مختلفة. وذات يوم ضرطت امرأة بدينة ضرطة مسموعة فوق سطح دارها فسمعها جارها الذي كان يحتسي كأس العرق فوق السطح فقال من مكانه: لينفجر بطنك الفاسد، وفي هذه الأثناء سمعه جار آخر ربما كان يقربها أو يرتبط مع عائلتها بعلاقة صداقة فنهره: ما لك تحكي على المرأة، هلا شممت رائحتك الكريهة، ثم كلمة من هذا وكلمة من ذاك حتى وتوتر الوضع وتحول إلى مشادة كلامية ثم تطورت إلى مسبات وشتائم وعركة بالأيدي والأرجل كاد أحدهما يقع من على السطح. تجمع أهل المحلة وبدأوا يسألون عما حدث وما هو سبب العراك، إلى أن عرفوا إنها ضرطة تلك العمة البدينة، وهكذا دخلت تلك الضرطة تاريخ القرية.  
وإلى ذلك كانت درگا مكانا مناسبا لألعاب شعبية كثيرة كنا نلعبها كالدعابل وهللكان والاختباء والقفز من فوق بعضنا البعض وغيرها  وعادة ما كانت تلك الألعاب تجري في الساحة المقابلة لذلك البيت الذي ولدت فيه
كان جزء من ذلك البيت الطيني القديم الواقع في مدخل زقاق خلفي ضيق، مؤجرا من قبل عائلتي قبل أن نشيد بيتنا الجديد، وفيه ولدت، كما كانت تقول لي أمي.
بعد أن اهتديت إلى مكان ولادتي كلما مررت بذلك البيت أقول في نفسي، وأحيانا لأصدقائي، هنا ولدت. وأكثر ما كان يحز في نفسي، بعد أن وعيت، وكبرت، ودخلت المدرسة، هو أنني لم أدخل ذلك البيت أبدا لكي أراه من الداخل، وأتطلع إلى الغرفة التي فتحت فيها عيني على الحياة للمرة الأولى.
وكنت أحيانا أبذل قصارى جهدي لأستعيد بعض ملامح ذلك البيت من الداخل فلا أتوفق، وتخونني الذاكرة، ربما لأنني كنت صغيرا جدا عندما ترك أهلي ذلك البيت إلى بيت جدي حين شيدوا بيتنا الجديد.
وظل ذلك الألم أو الحلم يراودني، وبتّ على ثقة تامة من أنني ذات يوم سأقتحم ذلك البيت وأتفرج على الغرفة التي ولدت فيها، ولهذا عندما نمي إلي أن ذلك البيت سيهدم انتابني القلق والحزن عليه أكثر مما على بيتنا الجديد.
وكنا نحن الصغار، في تلك الأيام، نتفرج بلهفة على الجرافات وهي تهدم البيوت وتثير غبارا كثيفا وضجة عالية مذهولين من قوتها وضخامتها وشطارة سائقها، بينما الناس، ولاسيما أصحاب تلك البيوت يبكون على بيوتهم ويتأسفون على ما بنوه بمشقة وعناء وجهد، وعلى مدى سنوات طويلة، فيرونه يُهدم بسهولة ويتحول إلى ركام في ساعات معدودة.
في اليوم الذي أقدمت فيه الجرافات على هدم ذلك البيت. هُرِعت منذ الصباح لأتفرج بقلب يقطر أسىً وألماُ على محو مكان ولادتي من الوجود، تلك الغرفة التي رأيت فيها النور لأول مرة. عندما بدأت الجرافة تهدم الحيطان الخارجية للبيت ومن ثم بعض الملحقات الصغيرة تسمرت في مكاني ووقفت متمالكا نفسي بعض الشيء، لكن ما أن رفعت الجرافة " بوزها" نحو تلك الغرفة المستقلة في الحوش والتي ولدت فيها، تفطر قلبي وارتعش جسدي فجأة وتفجرت دموعي، ثم لم أتمالك من ضبط نفسي فعلا صوت بكائي، فهرعت إلى البيت وأنا أصرخ.
سألت والدتي منفعلة: ماذا حدث؟
قلت وأنا أشهق بالبكاء:
-   بيت العم عيسونة!
قالت بسرعة لتستكشف الخبر:
-   ماذا به؟
قلت:
-   هدموه.
فسألتني معاتبة:
-   ولماذا تبكى أنت؟
أجيت وأنا أكفكف دموعي:
-   أليس هو البيت الذي ولدت فيه؟
فأكلتها صفعة على وجهي.
-   يا ابن الحرام، هدموا بيتنا الذي وفرنا فيه تعب العمر كله ولم تبك، فتبكي على بيوت الآخرين. وخاصة ذلك البيت الذي كان كلما سقطت قطرتين من المطر، نزلت واحدة منها إلى داخله؟ أتدري كم عانينا في ذلك البيت؟ وكيف كان صاحبه يطالبنا بالإيجار كل يوم إن لم ندفع بالموعد المحدد؟
بعد ساعات قادني الحنين مرة أخرى إلى ذلك البيت، فرأيته مهدما بكامله. وظلت رؤية الغرفة التي ولدت فيها حسرة في قلبي تنخسنى كلما تذكرت تاريخ ميلادي.




 
4  المنتدى الثقافي / أدب / ينبوع المطر في: 12:57 06/10/2011
ينبوع المطر
سعدي المالح

كلما ارتفعت الرياح قليلا وبدأت الغيوم تنتشر في السماء تهرع العصافير الدورية التي تأتي إلى باحة الدار لالتقاط فتافيت خبز تتركها لها والدتي أو للعبث بأوراق شجرة الزيتون العتيقة أو دالية العنب في الحوش، إلى شباك غرفتنا المكون من درفتين خشبيتين تؤطران  صفيحتين رقيقتين من الزجاج. وتنقر تلك العصافير بمناقيرها الرفيعة على الزجاج منذرة أن تحولا ما يجري في الطقس يحمل بردا ورعدا ومطرا، فتهرع أمي إلى جمع الملابس المنشورة على الحبل أو تأخذ بعض الفرش والمطارح إلى داخل البيت وتطلب بصوت عال من هذا أو ذاك أن يدخل حصيرا أو غرضا ما إلى البيت لأن عاصفة من المطر قادمة لا محالة. أقول لها: كيف تعرفين؟ تقول: ألا ترى الطيور كيف احتمت بالشباك؟ هي تعرف أكثر منا. فأدخل إلى الغرفة وأراقب العصافير من الداخل وهي تنقر على الزجاج بخفة وقد نفشت أجنحتها المرتجفة قليلا. ثم سرعان ما تكفهر الدنيا وينهمر المطر وابلا، تهرب العصافير لتحتمي بمكان أكثر أمنا تاركة قطرات المطر تضرب بقوة على زجاج النافذة، وتجري في مسايل رفيعة على خد الشباك وتصب في المياه المتجمعة في الحوش تغسل الأرض أولا  ثم تغمرها بالماء، فاتأمل ذلك المنظر بمهابة كبيرة بينما تقول أمي: نشكر الرب ونحمده، نزل الخير في أوانه.   
وللمطر، منذ القدم، قدسية خاصة عند شعوب مابين النهرين. فهو ماء السماء الذي يلقح الأرض ويخصبها. وتزداد قدسيته لدى سكان سهل حدياب أو أربل الواقع بين الزابين الأعلى والأسفل شمالا وجنوبا، ونهر دجلة غربا، لأن هذين الزابين اللذين سمي السهل باسمهما (بين الزابين، إديابين، حدياب) لم يمنحا السهل على مر العصور، شيئا غير الاسم! ولم تصل هذا السهل منهما، ولا من دجلة الخير، قطرة ماء واحدة، وخاصة للبلدات والقرى المترامية في وسطه، التي ظلت تروي بالأمطار أو بالمياه الجوفية منذ آلاف السنين. ولذلك نشأت علاقة جدلية بين السماء وهذا السهل الذي تلتحفه، فمد بدوره خيوطا نحوها ليبقى متعلقا بها، وظل، في كل العهود، متوجسا، خائفا منها، متوسلا إليها، يطلب رحمتها، ويستنجد بها كلما واجهته مصيبة. وكأن عشتار، السيدة الجليلة، التي وضعت السماء قبعة على رأسها والأرض صندلاً في رجلها، كما تقول الأسطورة،(1) بقيت تتحكم، من على قلعة أربل، موطنها، بطبيعة هذه العلاقة وتناقضاتها منذ ذلك الوقت وحتى الآن.
الوحيد الذي أدرك قوانين هذه العلاقة الجدلية ودرس ظواهرها بعمق كان الملك الآشوري سنحاريب، فحاول منذ سبعة وعشرين قرنا أن يتحدى إلهته عشتار، أو ربما يسدي لها خدمة ويرفع عنها هذا الهم، بفك هذا الارتباط المصيري بين السهل وسمائه، فحفر ثلاثة أنهر في جبال (خاني) التي في أعلى مدينة أربل، كما يقول بنفسه، ومن ثم فتح كهاريز وترعا للماء من وادي بستورا القريب تسقي السهل فترتوي الأرض ويشبع الناس، مستوحيا فكرته، على الأرجح، من أسطورة سومرية تعود إلى بداية الألف الثاني قبل الميلاد تقول:
من مقره السماوي
أخرج (أوتو) المياه الحلوة من الأرض
من فوهات تنبعث منها
جعلها تصل إلى صهاريج متسعة
فاستهلكت المدينة منها كميات وافرة
   
وجلبت حقول حصاده، كميات كبيرة من الحبوب!
أصبحت بعد ذلك (دلمون) الأهراء،
الأهراء التي تمول بالحبوب بلاد سومر كلها!
بيد أن هذا المشروع الإروائي الشهير الذي كانت آثاره باقية إلى أواخر القرن العشرين تهدم بمرور الزمن، ولم يعوض عنه بأي مشروع آخر مماثل أو عصري يتوافق مع متطلبات الحياة وتطورها ليروي المدينة وسهلها. حتى أن مشاريع تزويد أربل وضواحيها بالماء الصالح للشرب ما تزال معظمها فاشلة! وهذا اكبر دليل على أن أفكار الذين حكموا المنطقة ومخططاتهم منذ ألفين وسبعمائة سنة وحتى الآن كانت محدودة وضيقة، وغير مكترثة بمصائر أهلها ومستقبلهم. في ظل هذا الواقع كانت عنكاوا تواجه، في الأزمنة القديمة، العطش مع السهل كلّما أغلق شقيق عشتار إيشكور أو أدد، إله الأمطار والعواصف باب السماء بمزلاجه المهيب، أو سدّ الأعماق كي لا تفيض المياه من الينابيع لتتحول الحقول السمر شاحبة وتربط الأرض رحمها فلا يعود الزرع ينبت ولا تنمو حبوب فيقصد الناس باب أدد ويقدمون إليه رغيفا من خبز وقربانا من الطحين فيستحي مما يُقّدم له ويكف عن الأذى. وفي الصباح ينزل الضباب وفي المساء يمطر طلا إذ يفتح أدد ثغرات الغيوم المحملة بالماء وتنسكب من الأعالي غزيرة. وتنتج الحقول الغلال خلسة (2) وتعيش عنكاوا الرخاء مع الأربليين.
وانتقلت قدسية المطر من الأساطير الوثنية إلى المعتقدات اليهودية والمسيحية فأصبح المطر يهطل بمشيئة الرب: "اُطْلُبُوا مِنَ الرَّبِّ الْمَطَرَ فِي أَوَانِ الْمَطَرِ الْمُتَأَخِّرِ، فَيَصْنَعَ الرَّبُّ بُرُوقًا وَيُعْطِيَهُمْ مَطَرَ الْوَبْلِ. لِكُلِّ إِنْسَانٍ عُشْبًا فِي الْحَقْلِ".( سفر زكريا 10: 1) أو في بعض الأحيان "يَحْمَى غَضَبُ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ، وَيُغْلِقُ السَّمَاءَ فَلاَ يَكُونُ مَطَرٌ، وَلاَ تُعْطِي الأَرْضُ غَلَّتَهَا، فَتَبِيدُونَ سَرِيعًا عَنِ الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ الَّتِي يُعْطِيكُمُ الرَّبُّ."( سفر التثنية 11: 17) ويهدد الرب من لا يسجد له بقطع المطر عنه "وَيَكُونُ أَنَّ كُلَّ مَنْ لاَ يَصْعَدُ مِنْ قَبَائِلِ الأَرْضِ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِيَسْجُدَ لِلْمَلِكِ رَبِّ الْجُنُودِ، لاَ يَكُونُ عَلَيْهِمْ مَطَرٌ."( سفر زكريا 14: 17) حتى أن إيليا النبي " صَلَّى صَلَاةً أَنْ لَا تُمْطِرَ، فَلَمْ تُمْطِرْ عَلَى الْأَرْضِ ثَلَاثَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ. ثُمَّ صَلَّى أَيْضاً فَأَعْطَتِ السَّمَاءُ مَطَراً وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ ثَمَرَهَا." (يعقوب 5:17 ) ويصف لنا الكتاب المقدس كيف "خرَّ إيليا إلى الأرض وجعل وجهه بين ركبتيه وأخذ يصلي متضرعاً إلى اللّه أن يرفع العقوبة عن الشعب بأن يُنزل المطر. وبعد وقتٍ من الصلاة أمر غلامه أن يذهب نحو البحر ليتطلَّع، لعله يرى سحاباً، فعاد الغلام يقول: إنه لم ير شيئاً. وجعل إيليا يصلي ويأمر غلامه بالذهاب للتطلُّع نحو البحر ست مرات، دون أن يرى الغلام شيئاً. وفي المرة السابعة قال الغلام للنبي إيليا: رأيت غيمة صغيرة قدر كفّ إنسان صاعدة من البحر. وسرعان ما اسودّت السماء بالغيوم، وهطل مطر عظيم." (سفر الملوك الأول18-42/44) وتعليقا على ذلك يقول مار أفرام السرياني في القرن الرابع إن "الصلاة هي التي أغلقت السماء فلم تمطر وهي التي فتحت كوة السماء فنزل المطر على الأرض"
بعد ذلك أصبح المسيح نفسه المطر النازل من السماء ليطهر العالم كله ويجعل من القلوب فردوسا خصبا. 

*   *   *

أما حديثا فشهدت الأجيال الثلاثة التي سبقتني سنوات قحط وجفاف ومجاعة بسبب انحباس المطر، أو سقوطه في غير أوانه، بينما كان جيلي، في طفولته، شاهدا على نضوب آخر مصدر للماء في القرية: الكهريز، احد المجاري الهامة لمشروع سنحاريب على الأرجح. وهذا يعني، فيما يعني، جفاف البساتين المروية وكافة المزروعات الصيفية. سيما الخضروات والبقول والأشجار المثمرة.
وأمام تساؤلاتي الطفولية الملحاحة، بل وأمام ناظري، جفت البساتين العامرة للخواجة ويردينا على الطريق القديمة المتجهة نحو نينوى (الموصل) غربي القرية، وبساتين الخواجة سبي وأولاده اليانعة المواجهة لبيتنا، وحديقة القس بولص وأرملة أخيه مينا، ذات الأشجار الدائمة الخضرة والكروم والتوت في الطرف الشرقي من عنكاوا القديمة... كما أن تجارب الآبار الارتوازية والإرواء الصناعي التي حلت محلها لم تدم إلا بضع سنين، وسرعان ما أخفقت.
وهكذا عادت القبعة الفسيحة على رأس عشتار تتحكم بهذي الأرض المنبسطة وتقرر مصير الناس الكلي مثلما كان الأمر قبل ألفين وسبعمائة سنة مما اضطر الناس الذين يئسوا من هذه العلاقة، وكفروا بآلهتهم إلى أن يشيحوا بأوجههم عن الأرض والزراعة نحو الآفاق الجديدة التي فتحها أمامهم التطور الإداري والعلمي والتكنولوجي، فاندفعوا صوب المدارس والوظائف الحكومية حتى اكتظت دوائر محافظة أربل ومدارسها ومستشفياتها بالعنكاويين منذ أواسط القرن العشرين.

ولم يعد أدد يرعد داخل الغيوم ويحرس الأعالي فأوكلت مهمة التحكم بالسماء وسقوط الأمطار وهبوب العواصف إلى القديس مار كوركيس (مار جرجس)، شفيع القرية وكنيستها. والكنيسة أولت بالفعل أهمية خاصة للمطر في سجلاتها. والهوامش التي سطرها القسس والشمامسة على المخطوطات وكتب الصلوات، تخبرنا في أية سنة وهب الله عباده مطرا غزيرا وفي أية سنة منعه عنهم، وماذا كانت نتائج ذلك وكيف تصرف الناس. ففي نهاية مخطوط كتاب " قلائد الياقوت" ليوسف بن إبراهيم العنكاوي المترجم عن العربية إلى السريانية عام 1798 الذي يعيد أحدهم استنساخه في عام 1819نجد ملاحظة تقول: "في سنة 1819 ميلادية أي سنة كتابة هذا المخطوط هطل المطر مدرارا، وسالت المياه أنهارا بحيث أتلفت محصول الحنطة الموجود في البيادر". ومن بين هوامش مخطوطة أخرى للحوذرا، وهو كتاب الصلوات على مدار السنة، كتبت في 1788 ورد أنه في 22 نيسان 1885 "سقط حالوب (بَرَد) شديد وأتلف الزروع (يقصد الحقول) والمنتجات الزراعية في القرية." والحوذرا نفسه الذي جُمع في القرن السابع الميلادي يضم في القسم الخاص بـ قالى وشوحلابي ( المقامات والتقلبات) الكثير من الصلوات الخاصة بالمطر التي ترتل على وفق انغام خاصة بها كلما انحبس المطر. تقول واحدة من تلك الصلوات بالسريانية الفصحى: "آلاها مرحمانا حوس عالزرعي دها حيرين ومسكين لرسيساخ ولنطبثاخ، وهول لهون بحنانخ مطرا درحمى ، دنتلون بيري لأكارى ،نثبسمون مث من يذ علّثهون، ونسقون تشبحتا لشماخ قديشا" والتي تعني " أيها الرب الرحيم ارأف بالحقول التي ترسل النظر وتنتظر سيولك وقطراتك، هب لهم بحنانك مطر الرحمة ، لتنضج ثمار الفلاحين ويسعدوا بمحاصيلهم ، ونرفع المجد لاسمك القدوس". 
أما الناس الذين ينتظرون المطر فنسجوا حوله مجموعة من الحكايات والخرافات والحكم والأمثال والأحداث المثيرة. واتبعوا عادات وتقاليد خاصة بهم.
من ابرز تلك التقاليد صلاة طلب المطر كلما انحبس، وترفع هذه الصلاة في البداية عادة إلى مار كوركيس شفيع القرية الجبار المعتلي صهوة جواده الأبيض شاقا عنان السماء يسوق الغيوم أمامه كقطعان الماشية ويضرب برمحه في المكان الذي انحبس فيه المطر لينهمر مدرارا على أراضينا. وان لم يشفع لهم مار كوركيس التجأ الأهالي إلى مريم العذراء، ونظموا مسيرات جماعية إلى مزارها الكائن غرب القرية بنحو ثلاثة كيلومترات عساها تطلب من ابنها يسوع أن يرحم أهل القرية ويرسل لهم المطر وما زال يتواصل هذا التقليد. يتقدم المسيرة موكب مهيب من القسس والشمامسة والمؤمنين حاملين الإيقونات والصلبان رافعين أصواتهم في ترديد صلاة طلب المطر، يتبعهم جمهور كبير يعد بالآلاف في طابور طويل يمتد من القرية وحتى قبة العذراء. عند الظهيرة تصل المسيرة إلى مزار العذراء (وهو على هيئة قبتين متلاصقتين الكبيرة للعذراء مريم والصغيرة لابنها يسوع) ويقام هناك قداس خاص بطلب المطر. ومما كان يلفت نظري في هذه المسيرات تضرعات الناس الصادقة وإيمانهم العميق وقناعتهم أن المسيح سيرسل لهم المطر لا محالة، بما فيهم أولئك المعلمين الذين كانوا يشرحون لنا في المدرسة عن دورة المياه في الطبيعة!.
أما الآن هذه المسيرات لا تنظم كما في السابق لوقوع هذا المزار داخل سياج مطار أربيل الدولي وأيضا لأن كل بيت يملك أكثر من سيارة فيخرج الناس بسياراتهم، لكن يتوجب عليهم أن يمروا عبر نقاط تفتيش تابعة للمطار ليصلوا إلى هناك. ومع ذلك يرى المرء في الطريقمن يقطع هذه المسافةعلى قدميه لكي تلبي العذراء طلبه على نحو أسرع.
وكلما تأخر المطر تنوعت أساليب الناس في طلبه وتعددت، في هذه المرة تأتي المبادرة من الكورد المسلمين، فيأتي عدد من الدراوشة من القرى القريبة يتقدمهم بيرق أخضر يعلوه هلال، يسيرون في أزقة القرية ضاربين دفوفهم رافعين أصواتهم بالصلوات والأدعية. وأحيانا يختلط الدعاء بالتهريج الشعبي فيأتي رجل ملطخ بالسخام عدا عينيه اللتين تبرقان من محجريهما وتزوغان ببلاهة، تسميه العامة "كوسه" يرافقه ضارب دف ماهر، يقوم بحركات بهلوانية. وسرعان ما يتناهى الخبر إلى مسامع الأطفال فيركضون للالتحاق بالموكب حشودا مندفعة وينشدون بالكردية: (هياران وهياران..ياخوا بنيرة باران.. بو فه قير و هه زاران) والتي ترجمتها : يا أحبة يا أحبة .. اللهم أرسل المطر.. للفقراء والمساكين .
وما أن يصل الموكب أمام باب أو شباك حتى تخرج امرأة لتسكب الماء من كوز أو إناء على رأس المهرج فيهز جسده نافضا عنه الماء كأنه طير، وأحيانا يفاجئه الماء على غفلة من فوق الأسطح. وعادة ما كان يحصل هذا المهرج على بعض الحبوب أو الثمار. ومن أشهر العنكاويين الذين أدوا هذه الأدوار يونان يلدا وقاقوس ستة وصليوا سُلي ، لكن في طفولتي كنت أرى بعض الكورد يأتون إلى عنكاوا للقيام بهذا الدور.
كان هذا المشهد يشدني إليه دائما، فأحشر نفسي بين الأجساد الصغيرة وأتدافع لرؤية المهرج، الذي أقلده فيما بعد مع أترابي في المحلة لنعود إلى أمهاتنا بملابس تنقط ماء مثل فراريج منقوعة! في الوقت الذي كان يعتبر تأخر سقوط الأمطار بالنسبة لنا نحن الصغار لهوا وتسلية، كانت وجوه الرجال تقطر حزنا وهما وقلقا على مصير مزروعاتهم وأراضيهم.
أما المطر، كعادته، لا يبالي بهذا أو ذاك، ويأتي متى شاء، معززا مكرما. أحيانا ننام في إحدى الأمسيات الدافئة متذمرين من الحر الذي طال، لكننا ننهض في صباح اليوم التالي على صوت المطر يقرع زجاج نوافذنا، وأحيانا يفاجئنا في بداية الخريف على السطوح، فتنهمر زخات منه علينا ونحن نيام تحت أغطيتنا، فنفيق بسرعة وننزل من على السطح حاملين أفرشتنا، وقد ينبئنا عن تباشيره، في بعض المرات، فنرى في الأول قزعاً بعيداً يطرز طرفا من السماء، ثم تظهر غيمة بيضاء، تقترب، وسرعان ما تجتمع مع غيرها، وتحتشد مكونة سحبا داكنة تحجب عنا السماء، ولا تغادر إلا بعد أن تسكب فوق رؤوسنا ما تحمله من ماء. وكثيرا ما كنا نحن الطلاب نحمل كتبنا المدرسية لمذاكرة دروسنا في أواخر الربيع بين الحقول البعيدة نوعا ما من القرية ويكون الجو صحوا لكننا نفاجأ بعد وقت قصير بعاصفة قوية من المطر فلا نلحق من العودة إلى بيوتنا على الرغم من أننا كنا نركض من احساسنا بسقوط القطرات الأولى فتخضل بالماء ملابسنا وتبتل كتبنا وتغوص أرجلنا في الطين بين الحقول.
ومع المطر الأول كنا نشتم رائحة الأرض الطيبة المتشوقة لقطراته فتفوح تلك الرائحة المدوخة في القرية وكأن يدا سحرية عطرت الاجواء وخضبتها. وكنا نحن الأطفال نخرج إلى الأزقة، نتقافز تحت الرذاذ الخفيف وننشد بأعلى صوتنا ما معناه:
زخ .. زخ يا مطر
وأملأ لنا العنبر
وفي هذه الأثناء نفتح أفواهنا الصغيرة لتسقط فيها قطرات المطر مباشرة أو نفرد له أيدينا ليبللها ونمسح بقطراته وجوهنا، لأن المطر الأول مقدس من ناحية، ويزيدنا صحة وعافية من ناحية أخرى، كما تقول أمهاتنا.
على أية حال، تأخر المطر أو أبكر، ثمة استعدادات تجري لاستقباله: يحرث الفلاحون أرضهم حراثة أولى، ويحضر صيادو العصافير فخاخهم أو شباكهم، ويجهز الرعاة الأعلاف لمواشيهم، وتنقل النساء الذخيرة إلى مخازنها، ويسيع الأهالي حيطان بيوتهم وأسطحها بالطين، ويعيدون تصليح ما خرب من ملحقات البيت.
ومع أن أمي كانت تسيّع الحيطان كلها، وهو تقليد موغل في القدم تذكره أسطورة كلكامش لأن منازل المنطقة ظلت تبنى منذ سبعة آلاف سنة وحتى أواسط القرن العشرين من اللبن (الطابوق غير المفخور). ثم تقوم بمساعدة من إخوتي وأنا ووالدي، وأحيانا من بعض أصدقائنا وجيراننا، بتسييع السطح، إلا أننا لم نكن نتخلص من الدلف فيما إذا واصل المطر سقوطه أياما متتالية، فنضع إناءً هنا وإناءً هناك، ينقط فيه الماء من السقف، ولما يزداد الدلف يضطر أحدنا إلى الصعود إلى السطح، فيدلك، بالمحدلة أو بيده، الأماكن التي يتسرب منها الماء لكي تمتلئ شقوقها ويتوقف، وهي ، بالطبع، مهمة شاقة تحت وابل المطر، وخاصة عندما يكون الدرج والسطح قد تحولا إلى وحل وطين. ولقد قيل " اَلْوَكْفُ الْمُتَتَابعُ فِي يَوْمٍ مُمْطِرٍ، وَالْمَرْأَةُ الْمُخَاصِمَةُ سِيَّانِ"( سفر الأمثال 27: 15).
وكل بيت كان يملك محدلة فوق السطح لأن الأسطح مصنوعة من سيقان وأغصان الأشجار أو الحصران المكسوة بالطين، ولكي يبقى السطح قويا لا تتسرب منه المياه لابد من حدله في نهاية الربيع بعد توقف الأمطار وفي الخريف قبل سقوط المطر ليتماسك ولا يسمح بتسرب الماء. 
وهناك نكتة تحكى عن احدهم: طلبت منه زوجته أن يصعد إلى السطح ليوقف الدلف، فتمدد صاحبنا فوق الشق ونادى من هناك زوجته يستوضح منها إن كان الدلف قد توقف. ولما أخبرته لا ، قال، سأحاول أن انبطح في المكان الملائم!
والمطر إذا جاء في موعده، في أواخر تشرين الثاني وأوائل كانون الأول، بكميات كافية، وارتوت الأرض كان علامة على خير وفير في تلك السنة. ولا يعرف عن ارتواء الأرض إلا الشيوخ المجربين، فبعضهم يقول إن الأرض ترتوي عندما يمتلئ كوز الفلاح بحبات المطر، وأخر يقيس مدى الارتواء بعدد أيام سقوط المطر، وثالث لا يقتنع بهذا أو ذاك فيحفر حفرة بعمق عدة أشبار ليتأكد بنفسه من أن الماء قد تسرب إلى أعماق كافية وأن الأرض ارتوت.
ومن المؤكد أن السماء هي التي تقرر ما إذا كان المطر يتأخر هذه السنة أم لا، لتنتج الأرض على ضوء ذلك غلتها، يتساقط في غير أوانه، فيكون عديم النفع، أو يزيد عن حده فيلحق أضرارا فادحة بالحقول، أما الإنسان فهو عبد للسماء، لا حول له ولا قوة، إرادته مسلوبة، لا يعرف  ماذا كتب له القدر، سنة خير مفعمة بالمسرات أم سنة قحط مليئة بالنكبات.

*   *   *

وعندما كنت صغيرا، لم يكن هذا كله يهمني، أو يشغل تفكيري، بل ما كان يأسر قلبي، فعلا، هو حال أو كيفية سقوط المطر، أو بالأحرى لحظات انهماره بقوة وسطوة أخاذة، فيأخذني بسحره الرهيب، أقف وراء الشباك أو أمام الباب وأتسمع إليه وهو يهدر بقطراته المتساقطة على الأسطح والحقول المحروثة والأرض، فيعج صوته في الآذان،وسرعان ما تسقط المزاريب شلالاتها السريعة في الأزقة، وتتراكض المياه في مسايل الطرقات سريعة مصدرة خريرا، فيختلط هذا كله ليشكل صوتا متناغما جميلا، عازفا سمفونية أزلية لم أسمع قط مثيلا لها فيما بعد.
ويزداد حبي للمطر كلما انهمر وابلا مدرارا، أو بتعبير والدتي، كلما انسكبت البرابخ (2) من السماء، وهو تعبير لم أجد أبلغ منه وأقوى ينطبق على هذه الحالة، فلا Cats & Dogs كما يقول الانكليز، ولا averse بلسان الفرنسيين ولا كأفواه القِرَب kak is vedra  بلغة الروس يمكن أن تصورها، وهي حالة ربما تكون أقرب إلى الأسطورة منها إلى الواقع. فيكفهر الجو، وتختبئ الضواري في جحورها والماشية في زرائبها والطيور في أعشاشها، والناس ينسحبون إلى بيوتهم منكمشين على أنفسهم خائري القوى مشلولين أمام هول الطبيعة، بينما السماء تبرق ضوءاً ساطعا مدوخاً أحيانا يتبعه بعد لحظات هدير الرعد وزمجرته، فيرتفع زبد من الأرض ويستمر هطول المطر عدة أيام متواصلة وتشعر كأن الطوفان الذي تحدثت عنه أساطير ما بين النهرين قد حل مرة أخرى. وفعلا عندما يحدث ذلك يقول الأهالي (طوبانا قْمْلا) أي قام الطوفان، وكلمة طوبانا السريانية يعنى بها طوفان نوح لتشبّه هذه الحالة بتلك التي فيها "انْفَجَرَتْ كُلُّ يَنَابِيعِ الْغَمْرِ الْعَظِيمِ، وَانْفَتَحَتْ طَاقَاتُ السَّمَاءِ." كما يرد في سفر التكوين وحتى أن استخدام فعل "قام" في هذا الموقف له أثر مريع لأننا نستعمله فقط مع القيامة كأن نقول قامت القيامة.
ولا يكمن الخوف في هذه الأيام التي تنفتح فيها طاقات السماء وإنما في تلك السيول الجامحة التي تتكون في الوديان العديدة غير العميقة في شرق عنكاوا وتجتمع لتصب في الوادي الرئيس الذي يمر بالبلدة كأن الإله ننورتا فتق السدود وحطم الحواجز كما تتحطم الجرة بحسب أسطورة كلكامش. فتندفع مياهه التي ترتفع بارتفاع قامة رجل أحيانا نحو الكثير من بيوت البلدة الواقعة على طريقه فتكون المأساة الحقيقية بالنسبة للأهالي الذين يتفاجأون به قبل أن يتمكنوا من إنقاذ بعض أمتعتهم ومؤونتهم.  ولقد رأيت بأم عيني مرتين أو ثلاث مثل هذا الفيضان فتدخل المياه العكرة بيتنا فجأة دون أن يكون لدينا أي استعداد لمواجهتها. لكن عندما ينخفض مستوى المياه ولا يبقى منها إلا مسايل ضعيفة نجعل منها نحن الأطفال أماكن للهو واللعب. وفي عام 1973 حدث أكبر فيضان في عنكاوا إذ اجتاحت السيول القرية بقوة كبيرة وراحت تجرف معها التخوت والفرش والأبقار والأغنام والخيول والأشجار وكل ما تتمكن منه، فهبت أهالي القرية في ذلك اليوم لمساعدة المنطقة المنكوبة وانقذوا الكثير مما تمنكوا منه. وكانت الحكومة حاولت في الستينيات إيجاد حل لهذه المشكلة فشيدت مجرى مسقفا للمياه لا يسع إلا كمية بسيطة من تلك التي تركض نحو البلدة والتي تزيد بكثير عن حجم المجرى فكان يحدث ما هو أسوأ ويؤدي ذلك إلى انسداد المجرى وحدوث فيضانات وما فيضان عام 1973 إلا بتأثيرها. ثم أقيمت في أواخر الثمانينات سدة ترابية شرق البلدة كانت إلى حد ما مانعا لحدوث فيضانات كبيرة. الآن شيدت أحياء سكنية في حوض تلك السدة لا ندري ماذا سيحدث لها فيما إذا حدث فيضان كبير. والحال نفسه كان بالنسبة لأربيل فتمر عبر القسم السفلي من المدينة عدة وديان تفيض هي الأخرى كلما هطلت أمطار كثيفة فتمتلئ الشوارع والبيوت بالمياه وتعيق حركة السير ولا تزال العديد من الأحياء تعاني من مياه السيول في الشتاء والربيع.
وأذكر كان ثمة واد يمر بين عنكاوا وأربيل جنوب منطقة كوران الحالية. كان هذا الوادي يفيض بسرعة بتأثير أقل كمية من الأمطار فيقطع الطريق بين أربيل وعنكاوا ويمنع وصول السيارات وباصات مصلحة نقل الركاب إلى عنكاوا فيرتدي الناس وخاصة الموظفون والطلاب الجزم المطاطية ليعبروا هذا الوادي مشيا. وأحيانا كنا نحن الطلاب نحمل أحذيتنا بأيدينا ونرفع بناطيلنا إلى أعلى رُكَبنا ونخوض في المياه المتراكضة لعبور الوادي مشيا على الأقدام حتى لا نغيب عن دروسنا. أما في السابق فكان أهل عنكاوا يقطعون المسافة بين أربيل وعنكاوا إما مشيا على الأقدام بواسطة الحمير فيواجهون مشكلة البقاء في الجانب الآخر من الوادي في حال فيضانه ويبقون هناك إلى أن يرسلون خبرا لأهاليهم فيأتون بالخيول ليساعدوهم في عبور الوادي.   
على العموم، عندما يهطل المطر في أوانه، وبكمياته المطلوبة، ترى السهل الممتد تحت ناظريك ينتشي فرحا لاستقباله، يرفع له ذراعيه، يعانقه ويمتصه، يتشبع به ويخزنه في أعماقه، كأنه فعلا مَني الآلهة الذي يخصب رحم الأرض. والناس المتلهفون لعملية الإخصاب المتكررة كل عام تغمرهم البهجة وهم يشاهدون هذا الحب العنيف الجامح فيقطفون ثماره غلالا وفيرة وحياة هانئة.

*   *   *

في أيلول عام 1973 حاولت أن استعيد سمفونية المطر وحبه للأرض وعناقه الأزلي لوجهها في قرية (بيشه) الكردية النائية بالقرب من سفح جبل حسن بك الذي يفصل منطقتي بهدينان وسوران في منطقة كوردستان، تلك القرية التي وصلتها، من عنكاوا، بعد مسيرة ثلاث ساعات بالسيارة، ومن ثم نحو عشر ساعات ركوبا على البغل بين طرقات الجبال المتعرجة.
بعد شهر من وصولي القرية، في تشرين الأول، سقط مطر غزير. جلست في إيوان غرفتي الطينية، مقابل المدرسة الصغيرة التي كنت معلما فيها، في أعلى مرتفع من القرية، أتأمل المطر المنهمر بجنون وأتسمع لصوته. كان المطر يعزف في تلك الجبال سمفونية أخرى غير التي كنت أسمعها في عنكاوا، وسهلها الفسيح، كان قد اختفى من تلك السمفونية خرير المياه المتراكضة في مجاري الأزقة، وصوت المزاريب، ووقع قطرات المطر المرتطمة بالأسطح، ووجه الأرض، والحقول المحروثة، وحل محلها هدير كاسح لشلالات المياه المتساقطة من سفوح الجبال يتخلله صوت ضعيف يكاد لا يسمع لقطرات المطر وهي تضرب أوراق الأشجار الكثيفة المنتشرة في كل مكان من تلك القرية الصغيرة ببيوتها العشرين. اختفى ذلك الحب العنيف والعناق الحار الذي رأيته بين المطر والسهل. توارت تلك العلاقة الأزلية، وحل محلها عدم اكتراث من الجبال للمطر المنهمر الذي سرعان ما يتحول إلى مياه متراكضة نحو الوديان. واكتشفت أنه بين تلك الجبال والمرتفعات العالية والانحدارات الشديدة للسفوح والوديان والأشجار الكثيفة ومياه الثلوج والينابيع الوفيرة، تفقد الأرض مشاعرها كليا تجاه المطر ولا تعلن عن شوقها له إذا تأخر أو غاب، وينسى الناس أيضا حبهم للمطر، بل ويحس المرء أن المطر لا يلقى هنا نفس الاهتمام الذي يلقاه عند ساكني السهول، لأنه لا يقدم ولا يؤخر شيئا في حياتهم، بل ولا يشكل لديهم حاجة مصيرية! .. رأيت الناس هناك، في ذلك اليوم، لا يكترثون بالمطر، ولا يعيرون أيه أهمية لنزوله، وتأكد لي أنه ليست لديهم أية أساطير أو حكايات حوله، خلاف ما هو لدى سكان السهول الديمية، هذا يعني أن المطر عند سكان الجبال ليس مقدسا. فانتابني شعور بالحزن لا أعرف كيف أصفه.

*   *   *

في موسكو انتظرت المطر في الخريف فلم يأت. حزنت كثيرا على فراقه في مثل هذا الوقت من السنة، لكن هذا الحزن تبدد رويدا رويدا أمام مرأى سقوط الثلج بكثافة. بصراحة كنت رأيت سقوط الثلج في عنكاوا عدة مرات في حياتي بيد أن ثلجنا كان لا يدوم طويلا وأحيانا يذوب ما أن يلامس وجه الأرض، أما في موسكو فكان يتساقط لساعات وأيام دون انقطاع تتطاير ندفه في السماء القريبة كأنها قطن أبيض منثور في كل مكان. لكن للثلج قصة أخرى. 
مرة كنت اركب الباص الذاهب إلى مسكني فتعطل في الطريق بين محطتي وقوف. اقترح علينا السائق النزول وانتظار الباص الآخر في المحطة القادمة، فنزلنا. كان المطر ينث نثيثا خفيفا. أخرج الركاب مطرياتهم (شمسياتهم!؟) وراحوا يترجلون نحو المحطة المقبلة. كنت بلا مطرية كالعادة لانزعاجي من حملها. وكانت ثمة فتاة جميلة من ركاب الحافلة تسير بموازاتي تقريبا، فعجبني أن أمازحها، قلت لها بالعربية: ناس تأكل دجاج وناس تتلكة العجاج. ضحكت وقالت: لا أفهمك؟ بأية لغة تتكلم؟  قلت: بالعربية وباللهجة العراقية. أها، ماذا قلت. شرحت لها ماذا قلت، فهمت قصدي فابتسمت ورفعت مطريتها عاليا لكي تحميني من المطر: التحق بي فمطريتي تكفي لاثنين. اقتربت منها وأخذت المطرية من يدها ورفعتها على رأسينا، ورحنا نتحدث. عندما وصلنا موقف الباص المقبل اقترحت عليها أن نمشي إلى الموقف الآخر الذي يليه، وافقت وهكذا تعارفنا وتحدثنا ونحن نعبر موقف باص تلو آخر إلى أن وصلت هي قبل محل سكناي بمحطتين، قالت: إن بيني هنا قريب سأتركك، شكرا على مرافقتي. شكرتها أنا أيضا على لطفها وأعطيتها المطرية. قالت: لا لتبقى عندك عليك أن تسير مسافة حتى بيتك. رفضت طبعا، لكنها أصرت. عندئذ رأيتها فرصة للقاء آخر معها فسألتها: لكن كيف سأعيدها إليك؟ أجابت: ستراني هنا على نفس خط الباص، فأنا أستقله يوميا إلى مقر عملي. وتوادعنا. ومنذ ذلك اليوم صرت آخذ ولفترة طويلة خط الباص نفسه وأحيانا في نفس ذلك الموعد الذي التقينا ولم ألتق بها. لكني بقيت احتفظ بمطريتها كذكرى لفترة طويلة.     
في موسكو لا يرتاح المرء كثيرا لسقوط الأمطار. لأن المطر في هذه المدينة الخضراء الجميلة يبعث على القرف أحيانا: إذا جاء في الربيع يذيب الثلج وتتحول المدينة بشوارعها وساحاتها إلى أوحال؛ خليط من الرمل الخشن الثلج، وإذا نزل في الصيف أفسد طقسها المشمس الدافئ وحولها إلى جحيم: رطوبة عالية، هواء خانق، وبرد وبعوض. ومن الغريب أن المطر يسقط في موسكو عدة مرات في اليوم الواحد زخات سريعة وقوية ومتقطعة، ولهذا يحاول كل من يتمكن أن يغادر موسكو في الصيف فيغادر ليقضى إجازته على شاطئ البحر الأسود.

*   *   *

في آب عام 1981 باغتني المطر، وأنا مستلق على شاطئ البحر الأسود في مدينة يالطا، جنوب روسيا. هرع المصطافون كل إلى حال سبيله، واختفوا بلمح البصر بعد سقوط القطرات الأولى، اما أنا، كأنني انتظر هذه الفرصة، فارتديت ملابسي على مهل وجلست على صخرة أراقب قطرات المطر وهي تنغرز في البحر الذي كان يتراقص أمامها بموج خفيف هادئ، ويحتضنها بحنان وعطف وأبوة فيثير هذا اللقاء رذاذا يرتفع في السماء كالغبار!
هذا العناق الأزلي، وربما السرمدي، بين المطر والبحر كنت أشاهده للمرة الأولى في حياتي، كان منظرا مثيرا للتأمل: بحر ازرق مترام، ينعقد فوقه، وعلى ارتفاع متلاصق به، بخار شفيف ورذاذ ناعم، والمطر يزخ وئيدا متريثا كمن يعرف أي مصير ينتظره، يلامس وجه الماء بهدوء وبشفافية مفرطة ليلعن موته عازفا موسيقى جنائزية مثيرة! تساءلت مع نفسي: هل كان موزارت يعرف عندما كتب ال ( ريكويم Requiem) لنفسه أن المطر يعزف موسيقاه الجنائزية وهو يسير إلى حتفه، إلى مثواه الأخير!؟
فاكتشفت في تلك اللحظات أن علاقة المطر مع الطبيعة تختلف من موقع إلى آخر، ولكل نوع من هذه العلاقة طبيعتها وقوانينها، حكاياتها وموسيقاها، وحتى شكلها الجمالي المستقل. مع السهل الذي لا نهر يخترقه يعيش المطر حبا عنيفا تتخلله معاناة حقيقية، وفي هذه المعاناة يواجه عتابا ورضا، جفاء وشوقا، صدودا وردودا، أحزانا وأفراحا.. في الجبل المكلل بالثلوج يلاقي الإهمال المقصود، ويواجه احتقارا وعدم اكتراث، بينما مع البحر، يكمل دورته الحياتية، فيرجع إلى أصله، منه خلق واليه يعود، ثم يركن إلى هدوئه الأبدي.
محلَّقاً مع هذه التأملات مشيت في شوارع المدينة، وملابسي تقطر ماء. كان الماء يجري في مسايل الشوارع متدافعا سريعا، شبهته بما كان يجري في مسايل عنكاوا، نزعت حذائي المبتل ورفعت بنطلوني المخضل بالمطر وبدأت امشي خائضا في برك الماء ومسايلها. فراحت مياه المطر تداعب رجلي وكأن لها معرفة قديمة بها، سررت جدا ورحت ابتسم منتشيا للسابلة الذين كانوا يركضون للاحتماء بسقف ويتلفتون نحوي بتعجب وذهول كبيرين. بيد أني كنت أعيش فعلا نشوة حقيقية، وكانت فرصتي أن أحقق من خلالها، في تلك المدينة التي لا يعرفني فيها أحد، حلما طفوليا ظل يراودني كلما هطل المطر طيلة سنوات الغربة.
على هذا الحال قطعت المسافة بين البحر ومنتجع تشيخوف للأدباء الكائن على تلة عالية من المدينة، ولم اعرف خلالها كيف مر الوقت الذي استغرق أكثر من ساعتين قضيتهما في خوض الماء والدندنة تحت مطر غزير ينهمر بلا توقف.
في باحة المنتجع، رآني أحد نزلائه أعصر ملابسي، وكان كاتبا للقصص البوليسية، ظن أن شيئا ما حصل لي، أو ربما مسا من جنون أصابني، فسألني على الفور: ماذا حدث؟ أجبته ببرودة أعصاب متناهية، ونشوة لا توصف: لاشيء، أعجبني فقط أن أخوض في مسايل الماء، إنها تشبه مسايل قريتي. ضحك الرجل، ولامني قائلا إنني أعرض نفسي للمرض من اجل نزوة. لكن المرض الحقيقي، مرض الغربة ذلك الذي كان قد أصابني حديثا بالفعل، ابتعد عني ذلك اليوم، شفيت منه، بفعل هذا الدواء السحري الذي اكتشفته لنفسي: المطر، وعشت تلك الأمسية في صحة وعافية، جسدية وروحية، لم أعشهما أبدا في تلك البقعة من الأرض.

*   *   * 
 
كنا، هي وأنا، فوق الجبل الملكي المنتصب وسط مدينة مونتريال، نتنزه ونرسل بنظراتنا إلى زجاج السيارة عندما اشتد المطر وراح ينهمر قطرات كبيرة لا تلحق معها الماسحة المشتغلة بأقصى  سرعتها أن تفسح في المجال للرؤية. أوقفنا السيارة عند منحدر يطل على المدينة نراقب قطرات المطر المرتطمة بالزجاج بسرعة شديدة.
قالت: أحب كثيرا الوقوف وراء الزجاج والمطر ينقره بقطراته.
كانت المدينة مثل عروس في ليلة زفافها تستحم بذلك المطر الدافئ فرحة منتشية بأضوائها وحركة شوارعها ومسائها المقبل على العطلة الأسبوعية. أوقفت الماسحة فتحبب سطح الزجاج بقطرات الماء وتغبش.
أضافت: وكلما هطل مطر في الخريف شعرت برائحة الأرض.
تذكرت رائحة الأرض المخضلة بالمطر الأول ولزمت الصمت. اكتفيت بالإصغاء لصوت المطر الذي كان يعزف سمفونيتي الخاصة في ذلك اليوم فغمرني شعور غريب، وفجأة باغتها وباغت نفسي:
-   احبك مثلما يحب هذا المطر وجه الأرض.
حدقت في عيني لحظة ثم فتحت باب السيارة وركضت باتجاه الخميلة المحاذية تحت المطر. كانت مفاجأة بالنسبة لي أيضا، خرجت من السيارة وتبعتها ركضا لنشارك المدينة عرسها تحت قطرات المطر الدافئ.
هذا الحب الذي ولد تحت المطر كان أطول حب عشته.

*   *   *

مرات كثيرة حاولت أن اجمع انفعالاتي ومشاعري تجاه المطر في قصة، لكني مع كل الأسف كنت اخفق دائما مع إني احتفظ بعشرات الأوراق المسودة لمشاريع قصصية من هذا النوع. وكلما أخفقت، أقول، لا بأس سأحاول مرة أخرى علني انجح في هذه المرة، ولا تبلغ تلك المحاولة نهايتها. وكأن عشتار لا تزال تتحكم بطبيعة تلك العلاقة الجدلية بين الأرض والسماء، بين الناس والمطر، بيني وبين المطر.








5  المنتدى الثقافي / أدب / ينبوع الخبز في: 11:59 30/06/2011


ينبوع الخبز

سعدي المالح


وعيت والطاحونة الحجرية القديمة، المقامة على تلة عند فتحة الكهريز، متوقفة عن العمل. ربما توقفت قبل ولادتي بعقد أو عقدين أو أكثر، لاأعرف بالضبط، لكن الذي أتذكره فقط هو أن جزءاً كبيراً من بنائها كان ما يزال باقيا، وتظهر بعض حجارتها ولا سيما رحاها ظاهرة للعيان من خلال جدار أمامي متداعٍ لتشهد أنها كانت ذات يوم تعمل بهمة ونشاط. ولعل هذه الطاحونة الحجرية كانت واحدة من أقدم الطواحين الحجرية في المنطقة.  
كلما مررنا بقربها، أصدقائي الصغار وأنا، دفعنا الفضول لنعرج عليها، ونتفحص بعض عدتها. نخمن أو نتعجب كيف كانت تعمل هذه أو تلك من القطع المتبقية فيها، أو  تراودنا أسئلة حيرى: كيف كان يدور هذا الحجر على الحجر الأساس ويطحن الحنطة، أو كيف كان يُسحب الماء إليها من الكهريز، ومتى توقفت عن العمل، ولماذا؟. وأحيانا  كنت أتباهى بأن جد والدي (من أمه) ججي كندلان كان طحانا في هذه الطاحونة على الرغم من أنني لم أره قط في حياتي. لكن عدداً من أفراد العائلة كان يذكر ذلك متباهيا ويحكي عنه قصصا بقيت واحدة منها عالقة في ذاكرتي.
ذات يوم قررت العمة راحيل، والدة لوقا توما (جكما) ، قريبتنا وجارتنا، أن تذهب باكراً جداً إلى الطاحونة حتى تكون أول من تطحن حبوبها وتعود مسرعة للقيام بأعمالها الكثيرة في البيت، معتمدة على أن قريبها ججي كندلان سيساعدها في ذلك. وهكذا استيقظت قبل الفجر، وظلام كثيف كان ما يزال يُخيم على القرية. حملت حنطتها على ظهرها في كيس، وتوجهت بخطى واثقة نحو الطاحونة التي كانت في تلك الأيام خارج القرية، وفي منطقة خالية من البيوت السكنية. ولأن العتمة كانت توزع عفاريتها في مكان لتحجب الرؤية وتلعب بالعقول التي ربما لم تشبع النوم بعد في ذلك الفجر، حادت راحيل عن طريقها وسارت في اتجاه بعيد من موقع الطاحونة. ولما مشت مسافة طويلة ولم تصل تلك الطاحونة الملعونة خامرها شك بأن تكون قد أضلت طريقها، فتلبسها خوف مرتعد . وفي هذه الأثناء رأت، كما روت لأهل الحي فيما بعد، مجموعة من الرجال منهمكين في الرقص في حلقة نصف دائرية يحيطون بعازِفَي طبل ومزمار، وما أن لمحوها إلا ونادوها: هيا يا راحيل تعالي وارقصي معنا. تقول راحيل: تسارعت دقات قلبي وتسرب الفزع إلى كل أجزاء جسدي ورحت أرجف! فرميت حالا حنطتي لا أدري أين، وقفلت راجعة مهرولة من شدة الهلع.
في البيت كلما قصت راحيل للناس ما تراءى لها عن الرجال في حلبة الرقص، وكيف أنهم دعوها لمشاركتهم تلك الدبكة قالوا لها: لابد أن هؤلاء كانوا من الجن والعفاريت، وكان عليك أن ترسمي إشارة الصليب ليختفوا. فتقول لهم: نسيت أن أفعل ذلك من شدة خوفي. وتبكي.
كان الخوف من العتمة واللصوص والأغراب في الأماكن البعيدة والمقفرة يولد أحيانا العديد من الرؤى والخيالات، وقيل أيضا في رجل كان يعود في ليل مظلم من أربيل إلى عنكاوا، إنه عندما وصل الوادي في منتصف الطريق خيّل إليه أن مجموعة من الناس يرقصون في حلقة بينما الطبل والمزمار يعزفان بفرح فشاركهم الرقص وواصل فترة إلى إن مرَّ به أحد أبناء القرية فرآه يرقص وحده وسأله عن السبب، فقال له: تعال انضم إلينا وارقص. لكن ابن قريته كان متماسكا فأيقظه من غفوته وأفهمه أن لا أحد هنا غيره.  
حتى تلك الآثار القديمة للطاحونة الحجرية اندثرت مع تسارع السنين. ولعل سكان عنكاوا والمنطقة أهملوا طاحونتهم الحجرية مع ظهور الطاحونة الميكانيكية، الأسرع والأسهل والأقل كلفة وجهدا، فرأيت واحدة منها في عنكاوا في أواخر الخمسينيات، كانت تقع على مشارف البيادر المقابلة لمركز الشرطة، وكانت ذات محرك يعمل على دورة مياه ويصدر صوتا يصم الآذان من مسافة بعيدة. أتذكر هذه الطاحونة وأنا طفل صغير أذهب إليها مع والدتي، فيأخذ نمرود الطحان، الذي كانت تغطي طبقة من الدقيق الأبيض شواربه ورموشه وشعره وملابسه، حنطتها وسرعان ما يضعها في الفم العلوي المخروطي من الطاحونة ليخرج الطحين ابيض ناصعا من فم اسطواني في الأسفل حيث يربط به كيسا سرعان ما ينتفخ من شدة امتلائه بدقيق يتطاير منه غبار كثيف ابيض . ولم يكن نمرود هذا من أهل عنكاوا، بل كان قد هاجر إلى العراق من قرى تياري بمنطقة حكاري في تركيا، وهو طفل أثناء الحرب العالمية الأولى في مسيرة شاقة قطعها عشرات الآلاف من أمثاله هربا من القتل. وقد استقر في بغداد أولا، ثم في كركوك، جاء بعدها إلى عنكاوا لتشغيل هذه الآلة العجيبة التي اشتراها أخوه شليمون حنا مراد من الحاكم حيدر أحد قضاة أربيل. وقصة هذه المكنة طويلة، ومختصرها، بحسب بعض كبار السن، أن أحد كهنة القرية؛ القس بولص عجمايا، كان مهتما أن يكون لعنكاوا طاحونتها حتى لا يتجشم الأهالي عناء الذهاب إلى المطاحن الموجودة في القرى الكردية القريبة أو إلى أربيل. لكن أحدا من أهل القرية لم يتشجع على القيام بهذا المشروع الذي كان يعد بالنسبة إليهم مغامرة. وذات يوم كان القس بولص يتحدث عن ذلك إلى الحاكم حيدر من أربيل الذي كانت له علاقة صداقة معه فاقترح ذاك أن يتولى هو المشروع على شرط أن يوفر له القس دونما واحدا من الأرض ليقيم عليه الطاحونة. وتمكن القس عجمايا أن يقنع أحد الفلاحين الأغنياء إلياس علي بك ببيع هذا الدونم من الأرض له. وهكذا أصبح لعنكاوا من جديد طاحونتها بحدود عام 1953، لكن الحاكم حيدر لم ينجح في إدارة الطاحونة فباعها بعد أشهر لشليمون حنا مراد. ولأن هذا الأخير كان يعمل أصلا في مركز تدريب شركة نفط العراق في كركوك لم يكن متفرغا لها فأوكل أخيه نمرود لإدارتها. وكان نمرود يرى نفسه أكثر تمدنا من أهل القرية لأنه عاش في بغداد وكركوك وخالط الانكليز وتطبع ببعض طبائعهم، بينما يعده أهل القرية متعاليا وغريب الأطوار بعض الشيء، لا سيما وأن ابنته أستر، المراهقة في تلك السنوات، كانت تلبس البنطلون وتركب دراجة هوائية!
 وراحت هذه الطاحونة تطحن الحنطة لآلاف الأفواه في عنكاوا والقرى المجاورة بجعجعة لا مثيل لها في القرية وشهرة صاحبها المثيرة للجدل.
وذات يوم امتزج هذا الطحين الذي تنتجه الطاحونة بالدم، إذ قتل على مبعدة أمتار منها شخص كان يكنى يوسف سورايا.  وليوسف هذا قصة مأساوية. ولد في عائلة مسلمة في قرية قريبة من عنكاوا وقرر أن يعتنق المسيحية بعد تحقيق مطلب له تضرع من أجله لمريم العذراء وابنها يسوع عندما كان بالقرب من مزارهما في عقار القرية وهو شاب مراهق كما أدعى. ولأن مثل هذا العمل في ذلك الوقت وفي قرية محاطة من جميع جوانبها بالقرية الكوردية المسلمة كان محفوفا بالمخاطر، لهذا أُرسِل في البداية إلى دير بعيد ونال هناك التعليم المسيحي وعمّد. ثم بعد سنوات عاد إلى عنكاوا شابا مكتملا باسم يوسف. عمل في البداية فلاحا أجيرا عند أكثر من عائلة. ثم في الأربعينيات التحق بقوات الليفي في بغداد، وعندما رحع إلى عنكاوا تزوج من شيرين الراهبة التاركة لسلك الرهبنة ( أخت سيدي الخادمة في بيت بويا قاقوزا) والأختان من أصل تلكيفي، وعمل فلاحا في بيت إلياس علي بك، وصار الجميع يسميه يوسف سورايا، أي السرياني.  قبل اغتياله بسنة تقريبا مرضت زوجته وعادت إلى الدير فتوفيت هناك. أما هو فبقي وحيدا إلى جانب كلبه الأبيض والأمين سيمون الذي كان شديد التعلق به. وكان سيمون يرافقه دائما، ومن شدة حبه له واهتمامه به كان يغسله بين فترة وأخرى بالماء والصابون حتى أصبح ذلك الكلب مضربا للمثل لأن يوسف نفسه ربما لم يكن يغسل جسمه بالصابون بهذه الكثرة. وكان هناك على مبعدة أمتار منه حارس على بناية المدرسة الابتدائية التي كانت في طور الإنشاء يدعى سولبك، يقال أن سولبك هذا اختلف مع يوسف وتوعده بقتله، ويقال أيضا أن بعض الأشخاص الذين كانوا يكنون العداء لعائلة سيده حرضوا سولبك، وهو كوردي مسلم، على قتله باعتبار أن يوسف هذا يُعد مرتداً بالنسبة لسولبك فكمن له ذات يوم وقتله في كوخ ملاصق لهذه الطاحونة حيث كان يحرس بستانا لسيده.
لحق سيمون بجنازة يوسف حتى المقبرة في التلة المسماة قصرا، وظل يدور هناك بين الناس إلى أن وري صاحبه التراب وتفرق الناس. إلا أنه هو لم يغادر، فجثم فوق القبر لا يبارحه. استمر هذا الوضع أياما وليال حتى أثار انتباه بعض أهالي المنطقة، رأفوا بحال الكلب المسكين وقدموا له بعض الأكل تعاطفا مع مشاعره. بيد أنه لم يقترب من الأكل وظل على حاله جاثما فوق القبر يشم رائحة صاحبه إلى أن وجد ذات يوم ميتا فوق القبر.
وكلما جاء ذكر يوسف هذا قالت أمي أنه مات شهيدا وتشبهه بحبة الحنطة التي تقع على الأرض وتموت لتأتي بثمر كثير. فكنت أتعجب من أين لها هذا الوصف. ولم أكن أعرف في ذلك الوقت أنها تستعير كلمات الانجيل:" "الحق الحق أقول لكم: إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتَمُتْ، فهي تبقى وحدها. ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير" (يوحنا12: 24). وعلمت فيما بعد أن الحنطة كانت مضربا للمثل بالموت من أجل الآخرين والشهادة في المسيحية، والسيد المسيح نفسه استخدم الحنطة في الكثير من أمثاله، كما في مثل الزارع "فكلمهم كثيرا بأمثال قائلا هوذا الزارع قد خرج ليزرع. وفيما هو يزرع سقط بعض على الطريق. فجاءت الطيور وأكلته. وسقط آخر على الأماكن المحجرة حيث لم تكن له تربة كثيرة. فنبت حالا إذ لم يكن له عمق ارض. ولكن لما أشرقت الشمس احترق. وإذ لم يكن له أصل جف. وسقط آخر على الشوك فطلع الشوك وخنقه. وسقط آخر على الأرض الجيدة فأعطى ثمرا بعض مئة وآخر ستين وآخر ثلاثين" (متي 13: 2 ـ 23، مرقس4: 3ـ 20). ومثل الحنطة والزؤان "قدم لهم مثلا آخر قائلا. يشبه ملكوت السموات إنسانا زرع زرعاً جيداً في حقله.  وفيما الناس نيام جاء عدوه وزرع زؤانا في وسط الحنطة ومضى. فلما طلع النبات وصنع ثمراً حينئذ ظهر الزؤان أيضا  فجاء عبيد رب البيت وقالوا له يا سيد أليس زرعا جيدا زرعت في حقلك. فمن أين له زؤان. فقال لهم. انسان عدو فعل هذا. فقال له العبيد أتريد أن نذهب ونجمعه. فقال لا، لئلا تقلعوا الحنطة مع الزؤان وأنتم تجمعونه.  دعوهما ينميان كلاهما معا إلى الحصاد. وفي وقت الحصاد أقول للحصادين اجمعوا أولا الزؤان واحزموه حُزماً ليُحرق. وإما الحنطة فاجمعوها إلى مخزني" (متي13: 24ـ 30) ومَثل البذار التي تنمو من ذاتها، وقال "هكذا ملكوت الله كان اِنسانا يلقي البذار على الأرض وينام ويقوم ليلا ونهارا والبذار يطلع وينمو وهو لا يعلم كيف. لأن الأرض من ذاتها تأتي بثمر. أولا نباتاً ثم سنبلاً ثم قمحاً ملآن في السنبل. وأما متى أدرك الثمر فللوقت يرسل المنجل لأن الحصاد قد حضر" (مرقس4: 26ـ 29). والرجل الغني الذي أخصبت كورته (لوقا 12: 16ـ 21). كما استخدم الرسول بولس حبة الحنطة التي تزرع في الأرض فتنمو في شكل جديد رمزاً لقيامة الأجساد (1كو15: 37).
وتقول ترتيلة مسيحية: إني حبة القمح ذقت الموت كي أحيا..قلبي من طعن الرمح أسقى حبه الدنيا.. قوتاً روحياً حيّا. وقال مار أغناطيوس الأنطاكي ، ثالث بطاركة الكنيسة السريانية الغربية الذي سيق سنة 107 ميلادية إلى  ساحة روما وألقي للحيوانات المفترسة في إحدى رسائله مشجعا المؤمنين على التمسك بالايمان :" أنا هو القمح الإلهي الذي ستطحنه أنياب الحيوانات المفترسة إلى دقيق كي أصبح خبزا صافيا للمسيح".
بينما يشبه الشاعر الرهاوي قوريللون ( أواخر القرن الرابع / أوائل القرن الخامس) مراحل الحياة الأرضية للمسيح بحبة القمح ابتداءً من طمرها في التربة وانتهاءً بتحويلها إلى خبز.
مار أفرام الملفان من القرن الرابع يقول " الخبز السماوي لم ينقذ العالم بل القربان المقدس " والقربان كما هو معروف مصنوع من القمح.
كل هذه الأهمية والمكانة التي منحت للخبز تاريخيا وترسخت في الثقافة الجمعية للأصلاء من أهل المنطقة، وكذلك الحاجة الماسة إليه للأكل وكمورد رزق أيضا، وخصوبة الأرض وملاءمتها لزراعته، جعلت منه مادة محاطة بهالة من القداسة، حتى أضحت مسألة رمي الخبز التالف أو سقوط بعض كسرات منه على الأرض أقرب إلى جريمة أو خطيئة. وعلى هذه الأفكار والممارسات تربيت وتربى جيلي، فكانت الحبوب نبض الحياة الدائم من الصباح إلى المساء.
أذهب إلى بيت جدي أجد عنبرا كبيرا وعدة عنابر صغيرة للحنطة لها فتحة أمامية مسدودة بحاجز فخاري تخزن فيها الحنطة للاستعمالات اليومية في الشتاء، أما في الصيف فأخرج في أي طرف من القرية أرى بيادر الحنطة منتشرة حولها من كافة الأطراف. أخرج بين الحقول إما تجوالا أو لمذاكرة دروسي المدرسية في الربيع فأقطف أكثر السنابل امتلاء وآكل ما أشاء من حبوب الحنطة الخضراء الطازجة التي تذوب في الفم. وعندما تنضج هذه الحبوب أكثر وتصبح ما نسميه الفريكة أجمع حزمة من هذه السنابل لشويها بإشعال النار مباشرة في شعيراتها واطفائها بسرعة قبل أن تحترق حبوبها، ويكون ذلك ألذ وأطيب. وعندما يأتي بائع العنب أو الرمان أو التين إلى القرية تقول لي جدتي خذ هذا اللكن ( صحن معدني) واذهب إلى البيدر وأملأه بالحنطة من الكومة الفلانية وقايضه بما عنده هذا البائع، فأركض بسرعة وأعود حاملا "لكناً" مليئا بالعنب أو الرمان أو أي فاكهة أخرى.  
وبعدما تحصد الحنطة وتدرس وتصفى وتصبح جاهزة للاستعمال تأخذ كل عائلة كمية من أفضل حنطتها لتسلقها في قدر كبير جدا ينصب على قاعدة ويلقم بنار متواصلة وقودها القش  أو التبن أو روث البقر إلى أن تسلق وتسمى بالسليقة فيأتي أطفال المحلة حاملين طاساتهم ليأخذوا حصتهم من هذه السليقة الطيبة. وكنت أتلذذ كثيرا بتلك السليقة اللذيذة. ومن هذه السليقة بعد تجفيفها تصنع أنواع البرغل والحبية.
بينما الأهم من هذا أن ترى كيف تتحول حبات القمح إلى دقيق أبيض في الطاحونة. لكن طاحونتنا توقفت بعد سنوات وهمد صوتها إلى الأبد بعد أن قطع نمرود أصابع إحدى يديه سهوا فيها ولم يعد قادرا على ممارسة عمله على النحو المطلوب بيد واحدة.. وهكذا عادت عنكاوا إلى محنتها لتعيش من دون طاحونة من جديد. وبدأ أهلها يأخذون حنطتهم إلى طاحونة قريبة تقع في منطقة خالية في الشمال الشرقي من أربيل، ولهذا كانت تسمى بطاحونة العراء أي ( جول) بالكردية، وكان الناس أما يذهبون بأنفسهم إلى الطاحونة أو يسلمون حنطتهم لرجل من القرية يدعى صليوا فيأخذها في عربة يجرها حمار في الصباح الباكر ليعيدها مساء مقابل بضعة دراهم أو حصة من الدقيق . وهكذا كان تفعل والدتي.
ولا أدري في تلك السنة كيف ولماذا اختلفت أمي مع ذلك الرجل، فلما نفد الطحين من البيت وغدت مضطرة لأن ترسل حنطتها إلى الطاحونة نادتني وقالت لي:
- يا ابني لقد كبرت وأصبحت قد الحمار، يكفيني أعلفك وأعلف إخوانك يوميا ولا فائدة ترتجى منكم!
 لم أتعجب من لهجتها لكن ما أثار شكوكي أنها لن تقول لي هذا الكلام الآن لو لا خطة ترسمها في مخيلتها. فقلت معاتبا:
-   لكننا يا أمي ندرس ولم نقصر في دروسنا وسنفيدكم مستقبلا.
وسرعان ما واجهتني:
-   المستقبل بعيد، ومن يدري هل سأعيشه أم لا، سأستعير الآن حمارة الجيران وأحمّلها كيس الحنطة هذا- مشيرة بيدها إلى كيس كبير من الحنطة مطروحا على الأرض في الحوش- وتأخذه إلى الطاحونة!
انتابني قلق مفاجئ:
-   كيف أذهب إلى الطاحونة وحدي، لا أعرف الطريق إليها أولاً، ولا موقعها ثانياً، ثم إنها بعيدة وفي منطقة غير مأهولة.
لم تسمح لي أمي بمزيد من الكلام ، فقبل أن أنهي تبريري رأيتها تختفي بسرعة وتعود وهي تقود حمارة الجيران، وتطلب مني مساعدتها لتحميل الكيس على ظهر الحمارة، ثم تناولني عصا صغيرة وبضعة دراهم وزوّادة للطريق وتشير بيدها:
-   هو ذا الطريق أمامك، والحمارة نفسها تعرفه، لن تقف بك إلا عند الطاحونة، طريق العودة هو نفسه.
تأكدت من أن لا مجال لأي نقاش أو اعتراض، ولا محالة من تنفيذ الأمر. تناولت العصا والزوادة ولكزت الحمارة فلم تتحرك. رفعت العصا قليلا ونهرتها به فأطاعت وسارت نحو الطريق الذي تعرفه. لكن أمي صاحت ورائي:
-   انتبه، إياك أن تقتل الحمارة بعصاك، تذكر إننا يجب أن نعيدها للجيران سليمة.
نهرت الحمارة نهرة أقوى من سابقتها، عناداً لأمي، فتراكضت الحمارة في الطريق وأسرعت أهرول وراءها.    
 في الحقيقة ، بالرغم من ممانعتي، كنت أرغب في خوض هذه التجربة والذهاب إلى الطاحونة وحدي وكنت أشعر بزهو خاص إزاء أداء ذلك العمل الذي يدل على الرجولة والاستقلالية وأنا في الثانية عشر من عمري، فكنت وأنا أسير خلف الحمارة أفكر كيف إنني سأقص لزملائي أخبار هذه الرحلة الممتعة في يوم ربيعي بين الحقول الخضراء، وكيف أديت هذا العمل الكبير وحدي.
في حوالي منتصف الطريق مال كيس الحنطة المثبت فوق ظهر الحمارة إلى طرف اليمين فأسرعت إليه أحاول رفعه قليلا وموازنته إلا إنني لم افلح من القيام بتلك المحاولة لرفعه أكثر مما يجب بحيث جعلت التوازن يختل ثانية وينقلب الكيس في الجهة الأخرى اليسار، ويسقط على الأرض. حاولت رفعه من على الأرض وإعادته إلى ظهر الحمارة فلم أتمكن من رفعه إلا قليلا، كان ثقيلا بما فيه الكفاية. أوقفت الحمارة على طرف الطريق وجلست على الكيس لا ادري ماذا أفعل. بكيت أولا ورحت أعاتب والدتي على تحميلي ما لا أقدر عليه وتعريضي لمثل هذه الورطة. ثم فكرت أن الطريق عادة لا يخلو من المارة فلا بد أن يطرقها غيري. بعد انتظار قصير حسبته دهرا رأيت قافلة صغيرة قادمة، وما أن بلغتني أدرك رجالها إنني في ورطة، فهبوا لمساعدتي، وحمّلوا الكيس على ظهر الحمارة واقترحوا علي مرافقتهم حتى الطاحونة.
كانت الطاحونة عبارة عن بناء طيني قديم يشبه خانات الطرق معبأ بغبار ابيض كثيف يقبع داخله جهاز حديدي يصدر صوتا قويا ورتيبا لا يسمح لأي كان أن يسمع الآخر مهما صرخ. وإلى جانب هذا البناء مربط للدواب من حمير وبغال وأحصنة.
قضيت ساعات طويلة في الطاحونة، تحدثت مع أناس لا اعرفهم، تجولت بين الحقول المحيطة بالبناء، واستمعت كثيرا إلى صوت الطاحونة المرتج والرتيب وراقبت طيورا تطير في سماء المنطقة أسرابا وفرادى، أكلت بعض الحشائش. وعندما جاء دوري وقفت أشاهد كيف ينتفخ الكيس المعلق في فم الطاحونة بالدقيق الأبيض، ثم سحبت الكيس إلى الخارج وحملته بمساعدة آخرين على ظهر الحمارة التي توجهت من تلقاء نفسها نحو الطريق التي جاءت منها.
بعد الظهر عدت إلى البيت ومعي كيس الطحين، فرحت والدتي كثيرا وقالت لي: الآن أصبحت رجلا يُعتمد عليك، تعال أصب لك الأكل قبل أن يبرد.
جلست ونفشت ريشي كديك منتصر، فلاحظت والدتي ذلك نهرتني وقالت: لا تتباهى كثيرا وإلا فقد عملك قيمته.  أكلت صامتا لكن في داخلي كنت انفش ريشي مثل طاووس فقد أصبحت مساهما في صنع الخبز الذي نأكله.
والخبز عندنا يصنع في التنور الطيني منذ القدم. مئات التنانير اكتشفت في الخرائب البابلية والآشورية تثبت أن أجدادنا القدماء كانوا أوائل من صنعوا خبزهم في التنانير. وأصل الكلمة (ܬܢܘܪܐ تنورا) سرياني وتنحدر من جذر ( ܬܢܐ- تنا) التي تعني الدخان و (ܢܘܪܐ- نورا) التي تعني النار، والتنور فعلا هو الأتون أي موقد النار. و"المنجد في اللغة والأعلام" يرجع الكلمة إلى أصلها السرياني. ومنها أيضا كلمة "التنورة" اللباس النسائي الذي يلبس من الخصر إلى الأسفل لتشبهه بالتنور. وتسمية هذا الثوب بالتنورة معروفة فقط في بلدان المشرق العربي التي سادت فيها اللغة السريانية سابقا بينما تسمى في مصر "جونيلة" المستعارة من الايطالية، و في بلدان المغرب العربي " Jope " المستعارة من الفرنسية.
وليس غريبا أن يخترع قدماء العراقيين هؤلاء التنور، فقد كانت أرضهم المحصورة بين الزابين الأعلى والأسفل شمالا وجنوبا، وحتى نهر دجلة غربا، على الأرجح، هي الموطن الأول للحبوب في بلاد ما بين النهرين، في الأقل هذا ما يشير إليه نص سومري قديم.  وكان السومريون يرون أن الإله آن ( إله السماء) هو الذي أنزل الحبوب من السماء تحت التسمية الإلهية "أشنان" التي غدت فيما بعد آلهة الحبوب، وكانت تتفوق على آلهة الماشية:
"في ذلك الزمان ،
كان البشر لا يأكلون سوى العشب
كما يفعل الخرفان
عند ذلك
أنزل (آن) الحبوب من السماء"
ويبدو أن الحبوب أصبحت ذات أهمية بالغة في العهد السومري، فقد حولت مجتمعهم الرعوي البدائي إلى مجتمع زراعي. وهذا التحول جعل الشعراء يتغنون بالحبوب كثيرا ويشبهون نساءهم بها أو بالعكس، فيصف نشيد سومري نينورتا بـ " البذرة المخصبة!"
وفي قصيدته يشبّه شاعر آخر الحبوب بفتاة جذابة: "إله الصيف جعل أشنان تنمو بشكل رائع كفتاة جذابة".
من جهته يخاطب دموزي حبيبته إينانا مشبها صدرها بحقل فسيح يسكب الحبوب. فيقول لها:
"صدرك يا اينانا هو حقل
حقل متسع ينتج الزروع
حقل فسيح يسكب الحبوب"
وفي  قصيدة أخرى يستجيب الفلاح أنكيميدو لدعوة العرس المقدمة من دموزي، ويقدم لها الطحين من بين هدايا العرس:
"سوف أحمل إليك الطحين
وأجلب لك البيقة
سوف أجلب لك العدس"
وشاعر آخر يصف صوامع الحبوب فيقول:
"صوامع لا تتوقف عن سكب الحبوب
عنابر ممتلئة حَبّاً."
ولهذا كانت الحاجة إلى اختراع التنور لصنع الخبز وحفظه. وللخبز المرقوق المصنوع في تنور الطين نكهة تختلف عن المصنوع على الساج مثلا، ناهيك عن المصنوع في الأفران العصرية. لقد صورت عملية صناعة الخبز المرقوق في التنور في قصة قصيرة لي تحت عنوان " حرس قومي" في مجموعتي " حكايات من عنكاوا". ولا يزال التنور التقليدي هذا مستعملا في بعض القرى السريانية الكلدانية الآشورية. وخبز التنور هو ألذ خبز آكلته في حياتي، لكني لا أنكر أن في آسيا الوسطى مئات الأنواع من الخبز المصنوعة معظمها في المواقد الطينية والحجرية، فعندما يذهب المرء إلى سوق شعبي في طشقند أو سمرقند أو أية مدينة أخرى يحتار أي نوع الخبز يختار فكل الأنواع لذيذة ومشهية ومصنوعة من القمح.
والتنور هذا بعد الانتهاء من صنع الخبز فيه يبقى حارا متوقدا مليئا بالجمر فيستغل لتحضير الهريسة في جرار فخارية: لحم بعظم وحبية أو لحم بعظم وحمص، لتوضع في داخل التنور لكي يستوي الأكل فيها على نار هادئة حتى الصباح.  
أما الخبز الإفرنجي الذي يسميه العراقيون "الصمون" نسبة إلى سيمون الفرنسي الذي كان أول من صنعه في العراق، فلم نعرفه إلا مؤخرا، في الستينيات من القرن الماضي. وكانت البداية من خلال النوع الأسمر منه الذي كان يجلبه العم إلياس من معسكر الجيش القريب في أربيل. كان العم إلياس يعمل كناسا في المعسكر وكان يجمع ما يتبقى من الصمون العسكري من هنا وهناك ويأتي به إلى القرية ليبيعه مقابل بضعة فلوس يوميا. كان البعض ينتظر العم إلياس ليمر بالمحلة ويشتري منه صمونه العسكري الأسمر اليايس. أما نحن الأطفال فكنا نلتهم هذا الصمون وكأنه كعك لذيذ. ثم فتح فرن للصمون الحكومي في القرية. لكن مع ذلك لم يتردد الكثير من الناس على خبز "الحكومة" في البداية، إلا من كان مضطرا، أو بعض النساء المتمدنات كالمعلمات والممرضات والموظفات اللواتي وجدن فيه فرصة للتخلص من صنع الخبز في البيت. فالخبز المحلي المصنوع في تنور البيت كان يضاهى وينافس كل أنواع الخبز. ولم آكل أنا شخصيا للآن خبزا أطيب وألذ من ذلك الخبز المرقوق الحار الذي كانت تخرجه أمي بعجالة من فم التنور وترميه لي قائلة: كُل... هنيئا.

6  المنتدى الثقافي / أدب / كنيسة مار كوركيس في: 08:41 14/06/2011
كنيسة مار كوركيس

سعدي المالح

كنت أذهب إلى الكنيسة كل يوم لحضور القداس الصباحي، وأحيانا في المساء أيضا لحضور صلاة الرمش (العصر). فأدخل من باب خشبي بدرفتين كبيرتين تعلوه صورة للقديس مار كوركيس، شفيع القرية الذي شيدت الكنيسة على اسمه، ممتطيا صهوة جواد أبيض وهو يصوب رمحه نحو تنين ضخم في الأسفل.  ينفتح هذا الباب على فناء طيني تتوزع فيه على غير انتظام قبور مبنية بالاسمنت. اتجه يمينا أسير على شريط من الأرض مرصوف بالحجارة والاسمنت نحو باب الرجال. وما أن ألج هذا الباب أنزل درجة أو درجتين على أرض من المرمر الأبيض حتى ألتفت إلى اليمين لأغمس رؤوس أصابع يدي اليمنى قليلا بـ"الماء المقدس" في طاسة مثبتة على الحائط،  وأرسم على وجهي إشارة الصليب. ثم أتقدم إلى أمام فأنزع حذائي وأصعد درجة وأجلس في ذلك المكان المرتفع قليلا الذي يقع بين القسطرون والبيم حيث يجلس الأطفال عادة على أرضية مفروشة بسجادة نظيفة. ولم تكن الكراسي في ذلك الوقت متوفرة إلا في القسم المخصص للرجال، حتى النساء كن يجلسن على الأرض، وأحيانا تجلب بعض النساء المترددات إلى الكنيسة باستمرار معهن مطارح صغيرة لجلوسهن.
أنظر إلى أمام يواجهني تمثال للسيد المسيح وعلى الحيطان تماثيل وإيقونات وصور للقديسين بأحجام كبيرة، ومصابيح نفطية (لمبات ولوكسات) وثريات شموع ضخمة تحتوي على مئات الشموع تتدلى من السقف، وأخرى صغيرة تضم شموعا قليلة أمام بعض الإيقونات، والمكان كله قد امتلأ  برائحة البخور والشموع تخيم عليه رهبة مهولة. وأكثر ما كان يعجبني من هذه الشموع رائحتها وهي تنطفئ وطريقة إطفائها من قبل الساعور العم سيدا الذي كان يرفع نحوها عصا طويلة ثبّتَ في رأسها قمعا مخروطيا، يضع هذا القمع للحظات فوق الشمعة المشتعلة لتنطفئ من تلقائها فينقله إلى شمعة مجاورة وهكذا، تنتشر رائحتها في أرجاء الكنيسة لتختلط بعبق البخور. وكنت أرى أيضا كيف يشعل هذه الشموع بمشعل مربوط برأس عصاه هذه، والمشعل كان عبارة عن "فندا" وهو شمع داكن رفيع كثير الخيوط مصنوع على شكل أُملود. (وفندا كلمة سريانية وتعني الغصن الصغير). يرفعه نحو الشموع فيشعلها شمعة شمعة. كنت أجلس مثل بقية الأطفال اسمع القداس وأصلي مردداً مرة تلو أخرى " أوون د بشميا نث قداش شماخ تئيثى ملكوثاخ...."(1) و" شلاما ألّخ مَريم مْليثا نَعْمى...." (2)، كلما دق الجرس أسجد مثل بقية الأطفال أو أقوم واقفا. وأحيانا في مرحلة ما من القداس يحجب عنا المذبح بستارة ضخمة حمراء قانية بواسطة حبل يجره أحد الشمامسة فنسمع أصوات القس والشمامسة من ورائه مرتلين فترة إلى أن تفتح بعد حين بحبل آخر. كان نظام الفتح والإسدال الميكانيكي/ اليدوي المشترك هذا يثير فضولي لمعرفة كيف يتم ذلك، واستغرب أيضا لماذا يجري ذلك، وأنا لم أكن أعرف أن هذا التقليد الذي أُلغي اليوم من الكنائس الكلدانية كان شائعا لمئات السنين في كنيسة المشرق. كان بهو الكنيسة مقسما إلى ثلاثة أقسام؛ في الوسط مذبح رئيس تعلوه قبة كبيرة وفي اليمين واليسار مذبحين صغيرين تعلوهما قبتان صغيرتان. ويستند السقف على ثمانية أعمدة اسطوانية قديمة ضخمة مزروعة بانتظام في وسط الكنيسة، فكنت لا أتردد من عدها بين فترة وأخرى وكأني كنت أخاف أن تختفي ذات يوم؛ صفان متساويان من الأعمدة كل منهما تصطف فيه ستة أعمدة متوازية.
بين فترة وأخرى كنت أقف في الدور أمام منبر الاعتراف الكائن في الطرف الشمالي من بهو الكنيسة، بين المكانين المخصصين للنساء والرجال تقريبا. وكان عبارة عن كابينة خشبية صغيرة من دون باب تكفي لجلوس شخص واحد، وقد فُتِح شباكان على يمينها ويسارها وغطّيَ كل شباك بما يشبه المشربية الخشبية. أرى من مكاني العجائز يرددن صلواتهن بصوت مسموع تقريبا ويضربن بأيديهن التي تتدلى منها المسبحات على صدورهن. كنت أفكر مع نفسي ماذا عملن هؤلاء النسوة لكي يتضرعن هكذا إلى الرب ليغفر ذنوبهن!  أقف في الدور وأنا أُعد مع نفسي خطاياي التي سأعترف بها للقس: حلفت بالله ثلاث مرات.. كذبت على أبي مرة... لم أنفذ طلبا لأمي قبل أيام...شتمت زميلا لي في المدرسة عندما ضربني. أفكر، ماذا بعد؟ لم أسرق، لم أعتد على أحد، هذا كل شيء. لكنه سيسألني: منذ متى لم تعترف؟ أعد الأيام والأسابيع، ثلاثة أو أربعة أسابيع. تقفز حكاية تلك المرأة التي يحكي عنها أهل عنكاوا عندما سألها القس عن آخر موعد اعترفت فيه. قالت: يا أبونا منذ ذلك اليوم الذي طبخنا فيه الكبة! أضحك مع نفسي. أمي لم تطبخ الكبة منذ زمان بعيد، كانت المرة الأخيرة عندما جاءنا ضيوف من بغداد، ليأت الضيوف كل يوم وأنا مستعد أن أعترف للقس يوميا دون أن أنسى موعد الاعتراف السابق!  يأتي دوري، أتقدم نحو الشباك، أسجد على ركبتي، بالكاد يصل رأسي مقابل الشباك الذي يجلس القس وراءه داخل الكابينة على الكرسي. أتلو صلاة الاعتراف: آنا كمودن قم خا آلاها ، قامت مارت مريم ديلا دايم بثولتا، قامخ يا ستادي مولباني، سبب حطيلي كبيرا، خوشاوت لبي ، محكيثت كمي، خيارتت أيني، شماءت نثياثي، كناهي كبيريلي، حطيلي، حطيلي، حطيلي.....(3). ثم أتوجه للقس: باركني يا أبتي لأني أخطأت. يسألني القس: منذ متى لم تعترف؟ اتذكر حكاية الكبة، أخفي ضحكتي في داخلي وأقول: منذ ثلاثة أسابيع أو أربعة. يطلب مني أن أسرد له خطاياي. أبدأ بسردها مثلما كنت قد أعددتها في ذهني وأنا واقف في الدور. يرفع القس يده هامسا ببعض الصلوات دون أن اسمعها جيدا، ثم يقول لي: مور عوادت بشمنتا كامل (قل فعل الندامة). أقرأ له عن ظهر قلب: عوادت بشمنتا كامل، يا ماري ويا آلاهي ، بيد ديوت مارت طاوثا كامل .....(4) يقول لي القس: أذهبْ يا بني وصلِّ ثلاث مرات "أبانا الذي في السموات..." وثلاث مرات "السلام عليك يا مريم...". أذهبُ وأجلسُ مكاني حيث الأطفال أصلي الواجب، ثم بعض صلوات التناول والشكر إلى أن يحين موعد تناول القربان المقدس.  لكن مشكلتي مع تناول القربان كانت أنه كلما وضع القس البرشان (خبز القربان) في فمي التصق بسقف حلقي وجعلني أعيش موقفا حرجا. أخجل أن أدخل أصبعي في فمي لتحريكه فأنكس رأسي وأظل أحرك لساني مرة تلو أخرى إلى أن يذوب فأبلعه.  
ذات يوم أعدت إلى ذاكرة أحد أصدقائي ذلك كله، وما كنا نقوم به ونحن صغار وأبرياء، نعترف بخطايانا ونصلي للرب بورع من أجل أن يغفر لنا تلك الهفوات البسيطة، بينما في الكبر وبعد أن اقترفَ الكثير منا خطايا كبيرة وثقيلة تخلت الكنيسة في كثير من المناطق عن هذه العملية وتركت الشخص الخاطئ يعترف لنفسه، بينه وبين ربه. ضحك صديقي وقال: لماذا لا تقترح تبني طريقة الاعتراف هذه كواحدة من الحلول في عملية الإصلاح السياسي والاجتماعي في العراق!؟ ليذهب كل مسؤول ظالم أو فاسد أو مرتش أو سارق ويعترف أمام ربه بما اقترف من ذنوب وخطايا في حياته، ليسمع ماذا سيكون رد فعل ضميره. وعدته أن أكتب عن هذا الاقتراح مع ثقتي بأن ضمائر هؤلاء قد تحجرت منذ زمن لا يفيدها أي اعتراف أو بالأحرى ليست مستعدة للاعتراف بخطاياها من تلقاء نفسها أللهم إلا إذا حوصرت بين جدران أربعة!
في أيام الجمع التي يقام فيها درب الصليب، وهي الجمع التي تقع خلال صوم الخمسين، كانت تشهد هذه الكنيسة مشاهد تصور الآلام التي تعرض لها السيد المسيح، فيجول موكب بمحاذاة جدران الكنيسة يتقدمه القسس والشمامسة وفي الأخير نحن الصغار حاملين الشموع في أيدينا. كنت دائما بين هؤلاء الصغار أحمل شمعتي أثناء مرورنا بأربع عشر صورة تمثل كل منها مرحلة من مراحل الآلام التي اجترحها السيد المسيح في درب الصليب الذي حمله إلى الجلجلة. يقف الموكب أمام كل صورة بعضا من الوقت فنردد نحن أمام كل صورة مقطعا من:" كليثاوا خي صلّابى... يمت كيوى حشى رابى.. دمئا مأينا بجرايا....." (5). كانت هذه العملية تطول نحو ساعة ونصف تجعلنا نحن الصغار نشعر بالملل والتعب، وأكثر ما كنت أخافه أثناء حملي للشمعة المشتعلة هو أن أغفى وأشعل رأس الصبي ذو الشعر الكثيف الذي أمامي أو أن أميل الشمعة جانبا ويسيل الشمع المائع على يدي ويحرقها.  
وفي يوم الجمعة العظيمة آتي إلى الكنيسة فأراها متشحة بالسواد، كل الصور والتماثيل والإيقونات تكون مغطاة بقماش أسود حزنا على صلب السيد المسيح ووفاته، وتكون التراتيل في هذا اليوم هي الأخرى حزينة، مثل "نقوم شبير"(6) التي ترتل بلحنها الجنائزي الاحتفالي و"خيثت صليوا كبخيا .. مريم دمئى كمجريا..."(7)  وغيرها، فتصدح أصوات الشمامسة مدوية في القاعة تدخل الأسى في القلوب، إلا أن هذه الأجواء الحزينة تنقلب إلى فرح في ليلة السبت على الأحد، سبت النور وليلة قيامة السيد المسيح إذ ينادي القس اثناء القداس "قام المسيح" يجيبه الشعب: "حقا قام" فترتفع أصوات النسوة بالهلاهل ويصفق الجميع من أماكنهم، حينئذ يبدأ العم سيدا الساعور برفع الأوشحة السود عن الإيقونات والصور والتماثيل فيرفع عصاه الطويلة تلك الذي ثبت في رأسها هذه المرة ما يشبه الكلاب ويرفع به القماش الأسود ويزيحه جانبا. فتشتعل الكنيسة بالأنوار والفرح والبهجة والتراتيل المفعمة غبطة وسرورا.
واحدة من أجمل ذكرياتي في هذه الكنيسة كان يوم غسل أرجل التلاميذ في خميس الفصح، العملية التي يقوم بها الكاهن تقليدا لقيام السيد المسيح بغسل أرجل تلاميذه. وكان في تلك الأيام عادة يتم اختيار 12 تلميذا من تلاميذ المدرسة لهذا التقليد. وفي تلك السنة وقع الاختيار علي فشاركت مع 11 تلميذا آخر بهذه الاحتفالية. وطبعا كان علي الذهاب عصر كل يوم إلى الكنيسة للتدريب على التفاصيل والصلوات الخاصة المطلوبة بالمناسبة. وأيضا كان علينا أن نكون نظيفين جدا وخاصة أقدامنا لأن الكاهن سوف يقبلها بعد الغسل مثلما فعل المسيح مع تلاميذه. ولأن موعد هذا التقليد يأتي مع الربيع فعادة ما تكون طرقات القرية كثيرة الأطيان والأوساخ بسبب الأمطار والمياه المتجمعة فيها. فكلما دخلت البيت ورأتني أمي متسخا وبختني وقالت: كيف سيقبل القس رجلك وأنت بهذه الوساخة؟ اذهب واغسلهما فورا. كانت تنتهز الفرصة لإرغامي على دخول الحمام. وأنا خوفا من أن لا يحدث أمر لا تحمد عقباه قبل يوم غسل الأرجل أدخل الحمام وأغسل رجلي جيدا على نحو ترضى به أمي. ولو كنت عددت المرات التي غسلت فيها رجلي في تلك الأيام لازدادت على جميع المرات التي غسلتهما فيها منذ ولادتي! لكن حفلة الغسل الكبرى كانت في الساعات القليلة قبل الاحتفال إذ أمسكتني والدتي وأدخلتني الحمام فغسلتني بالليفة والصابون ثم حكت رجلي بـ"حكاكة" من حجر البازلت الأسود حتى جلختهما، وبعد أن ألبستني ثوبي الأبيض الخاص بالمناسبة شمّتني جيدا، وبعد أن ارتاحت لرائحتي قالت: الآن رائحتك طيبة، اذهب سآتي لأراك في الكنيسة.
كانت كنيسة مار كوركيس هذه ذات هيبة وسطوة رهيبة من الداخل مثلما كانت من الخارج؛ بناء أثري ضخم مشيد على نمط الكنائس المشرقية آنذاك، محاط بسور عال، ذي باب خشبي كبير مرصع بمسامير ضخمة. وكنت في طفولتي شاهدا على تغيير هذا الباب التاريخي وتبديله بباب حديد لا صلة له بتراث الكنيسة. بينما كان بناء الكنيسة الأساس لا يزال يحمل الكثير من طابعه القديم. قبة كبيرة رئيسة يعلوها صليب وعلى يمينها وشمالها قبتان صغيرتان، وفي زاوية المبنى برجا عاليا يُرى من بعيد ، يتدلى من أعلاه ناقوس كبير يطل على تل قصرا الدائري الذي تتوزع عليه أكثرية قبور موتى القرية.  
ما أن تدخل من الباب الخشبي الكبير لفناء الكنيسة إلا وتواجهك في الإيوان أقواس كبيرة من المرمر تستند على أعمدة اسطوانية ضخمة ذات طراز روماني، ترى من خلالها بابين الأول على اليمين لدخول الرجال والثاني في الوسط لدخول النساء. بينما تتناثر مجموعة من القبور في الطرف الأيسر من الفناء الفسيح أمام باب داخلي آخر على اليمين يؤدي إلى صالة مار يوحنان المخصصة لإجراء مراسيم العماد حيث جرن العماد الحجري، وكانت تستخدم أيضا لتكليل العروسين بحضور الأهل والأقارب وسط زغاريد وهلاهل، بينما يقوم أصدقاء العريس بوخزه بالإبر في مؤخرته أحيانا على جري العادة فيجفل المسكين دون أن يتمكن من أن ينبس ببنت شفة. ويرى الداخل في فناء الكنيسة على يمينه مباشرة مبنى حجريا قديما، يبدو من الوهلة الأولى أقدم من بناء الكنيسة نفسه. في أسفل هذا البناء قبو، مقفل دائما يسمى بيت الشهداء لاحتوائه على ذخائر الشهداء، وهي بقايا دماء متيبسة وعظام لشهداء من المنطقة في عصور غابرة، وكان يستعمله الساعور أيضا لحفظ الخمر المستعمل في القداس الذي يرمز إلى دم المسيح. تعلو هذا القبو غرفتان على اليمين وعلى اليسار تصعد إليهما بدرج حجري قديم مخصصتان للقُسُس والأعمال الإدارية، وفي هاتين الغرفتين كانت تحفظ بعض الكتب والمخطوطات ودفاتر تسجيل العمادات والزواج والوفيات وربما بعض الأحداث التي عصفت بالقرية. وثمة باب من هناك يخرج إلى باحة خلفية للكنيسة تصطف فيها قبور عديدة على بعضها شواهد حجرية أو إسمنتية. وفي الباحة الصغيرة لهذا البناء الحجري القديم كان ثمة لوحة للإعلانات فيها مواعيد القداديس وإعلانات رعوية مختلفة. وفي تلك الباحة كان يجتمع الشباب الذين يأتون قبل موعد القداس بفترة ويستغلونها فرصة لرؤية حبيباتهم اللواتي كن يمرن  بصحن الكنيسة إلى مدخل النساء منذ الصباح الباكر. كانت الفتيات الصغيرات من طالبات المدارس والشابات المتمدنات يرتدين ملابس محتشمة لكنها أنيقة ومهندمة ويضعن على رؤوسهن مناديل"ايشاربات" رقيقة، بينما كانت النساء الطاعنات في السن يضعن إزارا على رؤوسهن، أما بقية النساء فيلبسن العباءات السود مثلما تلبسها النساء المسلمات. وكانت أمي تلبس مثلها مثل أترابها عباءة سوداء كلما ذهبت إلى الكنيسة أو إلى أربيل احتشاما، أما لماذا أربيل فلأن الأربيليات كن لا يخرجن من دون ارتداء العباءات فلا يجوز للعنكاويات أن يظهرن في أربيل سافرات. بينما يتجولن في القرية بملابسهن التقليدية دون عباءة.    
في الصيف كانت صلاة الرمش تقام في فناء الكنيسة، في "بيث صلوثا"، فتخرج مساند الكتب وبعض الإيقونات ويقف الشمامسة صفين متقابلين يتقدمهما القسُس، أحد الصفين يرتل والآخر يرد عليه من خلال كتب ضخمة يحملونها بين أيديهم. كنت أصغي إليهم دون أن افهم شيئا مما يقولون مثلما لم أكن أفهم الكثير مما أسمعه في القداس أو معنى الصلوات التي كنت أحفظها عن ظهر قلب وأتلوها مع نفسي كل يوم مرات ومرات. فهمت بعد سنوات أن معظم الصلوات كانت بالسريانية الفصيحة التي كان الناس العاديين ونحن الأطفال لا نعرفها لأننا نتكلم السورث وهي مزيج من الآرامية (السريانية) والأكدية التي أفسدتها مؤخرا الكثير من المفردات العربية والتركية والفارسية والكوردية. وإلى السورث كان ترجم سابقا عدد قليل من الصلوات التي تعد مفهومة من الجميع. الكنيسة ليست متهمة في هذه القضية التي تختلف عن تفضيل الكنيسة في أوربا للغة اللاتينية وإهمالها اللغات المحلية في العصور الوسطى، إنما الظروف السياسية والاجتماعية والتعليمية والاقتصادية التي مر بها هذا الشعب وعاشها من دون سلطة ومظلة سياسية ولغوية هي السبب، فطرأت خلالها تغيرات كبرى على اللغة التي يتكلم بها!  إنها مشكلة لغوية وحضارية لا نواجهها نحن فحسب، بل الكثير من الشعوب. ذات مرة عدت إلى روسيا بعد غياب سنوات طويلة فرأيت واحدة من زميلاتي قد تحولت من كنيستها الروسية الأرثوذكسية إلى إحدى الكنائس الإنجيلية، فسألتها عن السبب، قالت: السبب الرئيسي هو اللغة، وأضافت: أنت تعرف إنني لم أكن مؤمنة. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عدت إلى الإيمان ورحت أتردد على الكنيسة. لكني فوجئت أن الصلوات هناك لا تجري بالروسية المعاصرة، وإنما باللغة السلافية القديمة!! تصور لم أكن أفهم شيئا، فحكيت ذلك لإحدى صديقاتي قالت لي تعالي إلى كنيستنا فالصلوات تجري فيها بالروسية المعاصرة! .... والمسلمون غير العرب يواجهون هذه المشكلة على نحو أسوأ. وقد لمست ذلك بنفسي شخصيا عندما كنت لبضع سنوات في اوزبكستان بآسيا الوسطى، إذ كلما التقيت مسلما مؤمنا وعرف إنني من بلد عربي توسل إلي أن أترجم له ما كان يحفظ من آيات قرآنية أو أدعية والتي عادة كان يتهجاها على نحو خاطئ لعدم معرفته للغة العربية. هؤلاء أيضا مثلهم مثل الكثير من الشعوب يرددون صلوات لا يعرفون معناها، ومع ذلك يقتنع الجميع أن هذه الصلوات ستدخله الجنة! لكن هذه مسألة أخرى لها علاقة بالإيمان.
ويعود تاريخ كنيسة مار كيوركيس بتقديري إلى نهاية القرن الرابع أو الخامس الميلادي، لأننا نعرف من التقليد ومن الوثائق أن المسيحية انتشرت في حدياب التي هي أربل والمناطق المحيطة بها منذ العصور الميلادية الأولى. وأيضا لأن الكتابات المنقوشة على الحجر باللغة السريانية التي عثر عليها في هذه الكنيسة في 1929 وفي 1995 حول تاريخ تجديدها ووفاة أحد القسس فيها تدل على أنها كانت موجودة قبل القرن التاسع الميلادي، إذ تشير إحدى الكتابات إلى أن هذه الكنيسة جددت في عام 816م وأخرى إلى وفاة قس من هذه الكنيسة في عام 917 م. ونظرا لمعمار الكنيسة القديم المطعم بالهندسة الرومانية يعتقد أنها تعود لقرون كثيرة قبل القرن التاسع وتحديدا قبل انشقاق النساطرة عن الكنيسة الأم في نهاية القرن الرابع الميلادي. وقد يكون هناك مبنى أقدم تحتها أو تحت القبو المهدم يكون هو المبنى الأول لها. لا أحد يعرف للآن إذ لم يجر أي تنقيب لآثارها أو أية دراسة علمية لتاريخها.
بصراحة لقد صدمت عندما رأيت هذه الكنيسة الأثرية المهمة بعد عودتي إلى القرية قد خضعت لعملية تجديد وتعمير غير مستندة على أسس علمية، ودون أي اعتبار لتاريخها ومعمارها القديم أو لكونها الشاهد الأثري الوحيد الحي على المسيحية في منطقة حدياب. فقد تغير سورها التاريخي وبوابتها وسويت القبور بالأرض وبالسمنت في باحتها الأمامية وساحتها الشرقية، وكسيت أرضيتها المرمر بالكاشي، وشوهت الأعمدة بتلبيسها بحجر حلان جديد حتى ثلثها، وهدم الجزء الحجري المتضمن القبو وغرف القسس بينما ترك الهيكل الأساس للكنيسة على ما هو عليه. أعتقد أن إعادة بعض مما كانت عليه الكنيسة في السابق مع الأخذ بنظر الاعتبار ظروفها العمرانية هي مهمة دينية ووطنية في الوقت نفسه.
في هذه الكنيسة قضيت ردحا من طفولتي مثل الكثيرين من أطفال البلدة. تعلمت وأنا في السابعة أو الثامنة ألأوليات البسيطة لخدمة القداس؛ دق الجرس الصغير في موعده أثناء السجدات الثلاث خلال القداس. وتقديم بعض الخمر والماء للقس أثناء تحضيره للذبيحة الإلهية، والإضاءة للقس بشمعة أثناء قراءته للإنجيل، وأحيانا بعد أن كبرت قراءة رسالة من رسائل بولس الرسول عندما أكون قد حفظتها جيدا أو أتلو بعض التراتيل أو الصلوات عندما يسمح لي الشماس.
عندما كنت أدق الجرس  الصغير ويسجد الناس على ركبهم أو ينهضوا واقفين من كراسيهم أشعر وكأنني احمل عصا سحرية بيدي بدلا من الجرس متى ما أريد اجعل الناس ينهضون أو يجلسون أو يركعون!
ومن المهام الممتعة التي كنت أؤديها في هذه الكنيسة توزيع السلام للمصلين عندما يحين موعده قبل الإقدام على المشاركة في ذبيحة القداس. فما أن يقول الكاهن " شلاما عمخون"(7) ويرد عليه الشماس " عماخ وعم روحاخ.. أحاي هَوْ شلاما حَذ لحَذْ بحُبِّهْ دَمْشيحا"(8) إلا وأتقدم مع زميل آخر لي نحو القس واستلم منه السلام بمصافحة بكلتا اليدين لأذهب بسرعة وأصافح بالطريقة نفسها بعض المصلين ثم ليصافحوا بعضهم بعضا، وهي علامة على المحبة الأخوية التي يجب أن تسود بين المؤمنين.  
وكنت في الصيف أذهب مع أقراني من التلاميذ إلى صالة مار يوحنان الكبيرة لتعلم اللغة السريانية وتعاليم الدين المسيحي على يد الشماس عبد الأحد روفو وهو يحمل بيده عصا طويلة. ومع تلك الدروس اكتشفت الازدواجية اللغوية التي عشتها أنا وأترابي. تصوروا أننا كنا نتحدث في البيت والمحلة والقرية بالسريانية المحكية ( السورث) وما أن نذهب مع أهالينا إلى أربيل نجد أن الحديث انقلب إلى الكوردية، بينما في المدرسة ندرس كل الدروس باللغة العربية!! منذ ذلك الوقت أصبحت وزملائي نواجه هذه المعضلة اللغوية ولم نتمكن من حلها للآن، بسبب الظروف السياسية التي مر بها العراق.  فالغالبية لم تتمكن من تعلم لغتها، ولا من امتلاك ناصية العربية أو الكوردية على نحو جيد جدا، ولم يفلت من هذه القاعدة حتى من يعدون أنفسهم صحفيين أو أدباء أو شعراء اللهم إلا بعض المختصين منهم.  
وفي الفرصة أو قبل الدرس أمر بشواهد قبور رجال الدين في باحة الكنيسة أو اللوحات الرخامية المزروعة هنا وهناك، كنت أحاول تهجئة ما تعلمته من لغتنا الأم السريانية، مختصرات عن حياة  بعض القديسين والمطارنة والقسس والموتى الآخرين ولا أفلح في فك تلك الرموز جيدا، لكني كنت أقف بخشوع أمام عظمة هؤلاء وأعمالهم، وبراعة أولئك الكتبة الذين نقشوا تلك الخطوط المبهمة على ألواح المرمر والحجارة، ولا أفهم منها إلا القليل. لقد تعلمت شخصيا الكثير في هذه الكنيسة التي كان لها دورها في التعليم والتهذيب الأخلاقي وضمت على مر التاريخ مدارس عديدة بعضها عُدّت مدارس رسمية وذكرت في المصادر التاريخية.
في مرحلة من مراحل مراهقتي شعرت بالملل من الذهاب الكنيسة وصرت أتقاعس عن النهوض باكرا والتوجه لسماع القداس صباحا، فكنت كلما تأخرت في الاستيقاظ كان يقف والدي على رأسي وبيده عصا يقول لي: تنهض أم أشبعك ضربا بهذه العصا. أقول له اتركني أنام لم أشبع نوما. فيحلف إن لم انهض بعد عده إلى ثلاثة سيهوي بالعصا على رأسي. كنت أضطر للنهوض وترك الفراش الدافئ في ذلك الصباح والذهاب إلى الكنيسة.
لكن دهشتي الكبيرة كانت كلما نظرت إلى الناقوس الضخم المعلق داخل البرج العالي، فأتعجب من الساعور كيف يستطيع ضرب هذا الناقوس العالي من داخل غرفة صغيرة في الكنيسة لأني لم أكن أعرف أن الناقوس مربوط بحبلين طويلين إلى غرفة تحتانية. لكن صوت هذا الناقوس كان يلهمني، ويشجعني للذهاب إلى الكنيسة.
ما تزال رائحة البخور والشموع وأصوات الشمامسة العذبة التي كانت تؤدي مقامات دينية بألحان مؤثرة، والتراتيل الجماعية في هذه الكنيسة، تدوخني وتجعلني أعيش لحظات روحية ملؤها رهبة وخشوع. ومن الألحان التي لا أنساها أبدا وأطرب لها على نحو خاص "نقوم شبير" عندما تتلى بلحنها الاحتفالي و"أمر لي عيتا أيكا" في المناسبات الخاصة. ومن الشباب في ذلك الوقت الذين كنت أعجب بأدائه في الصلوات فريد بويا شابا الذي كان يكبرني بسنتين أو ثلاث كنت أراه حاملا كتابا كبيرا مكتوبا بحروف سريانية سوداء مع بعض الحروف الحمراء في أماكن من الصفحة فيرفع صوته بالترتيل من بيننا وكأنه شماس قدير، كنت أغبطه على معرفته القراءة بالسريانية وإمكانيته في الترتيل لكني لم أكن أجرؤ على الاقتداء به لضعفي في كلا المهمتين.
هذه الكنيسة تواجه اليوم وقتا عصيبا إذ بدأت الجهات المعنية بإعادة تعميرها، وأتمنى أن لا يتم ذلك من جديد على حساب معمارها وآثارها وهندستها وقيمتها التاريخية، فهي، فضلا عن دورها الديني والأخلاقي في القرية، مخزن ذكرياتنا وصرحنا الثقافي الأول.
وإذا ضاعت التمنيات لا يبقى أمامنا إلا أن نرفع الدعاء للقديس مار كوركيس أن يشفع لكنيسته.
حزيران 2011 عنكاوا- أربيل

_____________    
(1)   أبانا الذي في السموات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك....
(2)   السلام عليك يا مريم الممتلئة نعمة الرب...
(3)   أنا أعترف لله الواحد، القادر على كل شيء، ولسيدتي مارت مريم، ولك يا أبانا، لأني أخطأت كثيرا، بالفكر، وبالقول، وبالنظر، وبالسمع ، أخطأت ويكفيني هذا لمحبة الله . أقبل الموت على نفسي ولا الخطيئة المميتة، خطيئتي، خطيئتي، خطيئتي عظيمة جدا آمين.
(4)   يا إلهي، يا ينبوع العدل والرحمة، ها إنني أنا الخاطئ، منطرح أمامك، معترف بخطاياي التي بها أهنتك واحتقرتك، اغفر لي يا إلهي اغفر لي، خطاياي الكثيرة العظيمة، ها إنني نادم عليها من كل قلبي، وأنوي نية ثابتة. أن لا أرجع إليها أبدا. آمين.
(5)   كانت واقفة تحت الصليب...أم المتاعب والأحزان الكبيرة... تنسكب الدموع من عينيها....
(6)   تبكي مريم تحت الصليب وتسكب الدموع...  
(7)    السلام معكم.
(8)    معك ومع روحك.. إخوتي تبادلوا السلام بحب المسيح.

7  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / متحف التراث السرياني مرآتنا القومية والثقافية في: 21:50 10/04/2011
متحف التراث السرياني مرآتنا القومية والثقافية

د. سعدي المالح

سيادة المطران بشار وردة رئيس أساقفة أربيل للكنيسة الكلدانية.
سيادة المطران اسحق ساكا، النائب البطريركي للدراسات السريانية
السيد وزير الثقافة والشباب
السيد محافظ أربيل
السادة أعضاء البرلمانين الكوردستاني والعراقي
السادة رؤساء الدوائر والمؤسسات الحكومية   
السادة ممثلي الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني
السيدات والسادة
نرحب بكم جميعا ونشكركم على حضوركم ومشاركتكم إيانا بهذا الانجاز المتواضع بحجمه وإمكاناته لكنه الكبير بمعناه ومدلولهِ، لأن هذا المُتحف هو الوحيد والأول من نوعه، ليس في كوردستان والعراق فحسب، وإنما في العالم بالنسبة لشعبنا الكلداني السرياني الآشوري، مُتحفٌ يُسهِم في صياغة شخصيتِنا، يَحفِظ تراثَنا وغِنانا الروحي، ويُبرِزُ قيَمَنا الإبداعية، الماديةَ والمعنوية، ويُعرِّفَ بنا العالم. ولم يكن هذا ليَتِمَّ لولا دعمُ حكومةِ إقليم كوردستان مُمثّلةً بوزارة الثقافة والشباب واهتمامِها بثقافتِنا القومية، واحترامها للتنوعِ الثقافي في الإقليم من جهة، وحرصُ أبناءِ شعبِنا على الحفاظ على تراثِهم من الضياع والفقدانِ وصونِهم خصوصيتِهم الثقافية من جهة ثانية.
إنّ حفاظَنا على تراثِنا الثقافي والفني، المادي من معمارٍ وزخرفةٍ، وأدواتٍ مختلفة، ومصنفاتٍ فنية، وملابسَ وأطعمة شعبية، وحرفٍ يدوية وغيرها، والمعنوي من نتاج إبداعي للآداب والفنون الشعبية والموسيقى والغناءِ والرقص والترتيلِ والأساطير والحكاياتِ والمعتقدات الدينية والتقاليد وغيرها هو حفاظٌ على خُلاصةِ تجارِبنا وخبراتِنا الشعبيةِ التراكمية، حفاظٌ على ذاكرتِنا الفردية والجَمعية، فالتراثُ هو تلك الذاكرةُ الحيةُ التي يتعرّف بها الناس على هويتِنا المتجذرةِ في أعماق التاريخ، تلك الهويةُ التي حاولت الحكوماتِ السابقة طمرَها من خلالِ التشويه والتهميش والإقصاءِ وسلب الحقوقِ القومية والثقافيةِ ولم تتمكن.     
هذا المُتحف الذي تمكنّا أن نجمعَ فيه بعضٌ مما تبقى من تراثنا إنقاذاً له من الاندثار والنسيان هو جزءٌ من هويتِنا، هو مرآتُنا القومية والثقافية التي تَعكِسُ خصوصيتَنا التي تميُّزُنا عن بقية مكوناتِ شعبنا الكوردستاني والعراقي وتوحِّدُنا معهم في آنٍ، باعتبار أن هذا التراث هو في الوقتِ نفسهِ اغناءٌ للثقافة الكوردستانية والعراقية والميراثِ الثقافي الإنساني المتنوع. لأن فقدانَ هذا التراث يعني فقدانٌ لجزءٍ كبير من الذاكرة القومية والوطنية الكوردستانية والعراقية. ولا سيما أن تراثَنا زاخرٌ بشتى أنواع العلوم والمعارفِ والآداب والشواهدِ والقيمِ التي أغنت الحضارةَ الإنسانيةَ.
أيها الحفل الكريم:
جمَعنا خلال سنتين من عمر مديرية التراث والفنون الشعبية السريانية أكثر من ثلاثة آلاف مادة تراثية من ملابسَ وأدواتٍ وصورٍ وكتبٍ ووثائقَ ومخطوطاتٍ وأغانٍ وتراتيلَ وحكاياتٍ وأجهزةٍ ومصنوعات ومنسوجاتٍ وغيرها أغلبُها قُدِّمت هدايا من قبل أبناء شعبنا مشكورين، وعرَضنا من هذا الكم  في متحفنا هذا نحو ألفين مادةٍ تراثية متنوعة قديمة يعود تاريخُها لأكثرَ من خمسينَ سنة وأقلَّ من مائتين وخمسينَ سنة. وجميع ُهذه المواد معرّفةٌ بتعريفاتٍ مختصرِةٍ بأربعِ لغاتٍ هي السريانيةُ والكورديةُ والعربيةُ والانكليزيةُ، وعرَضنا مع بعضِ هذه المواد ما توفَّر لدينا من صورٍ قديمةٍ تبيّن طريقةَ استعمالها.
ووفّرنا لزوارِنا الكرام أفراداً ومجموعاتٍ أجهزةَ تسجيلٍ للصّوتِ والصورة لسَماعِ ومشاهدةِ أغانٍ ومعزوفاتٍ وتراتيلَ قدماءِ الموسيقيينَ والمغنين والمرتلينَ الكلدان السريان الآشوريين فضلاً عن بعضِ الأفلامِ الوثائقية. 
ولا ندعي أن عمَلنا هذا متكاملٌ لا تعتريه النواقصُ ولا تشوّبُهُ الهَفَوات، لا بل نؤكد أن ما أنجزناه للآن لا يشكل إلا اللُبنةَ الأولى في مٍدماك هذا الصرح الحضاري، لا يشكل إلا الأساس لمُتحفٍ متكاملٍ يكون مقصدَ جميع السائحينَ والباحثين والطلابَ والزوار ومحبي الثقافة، مُتحفٌ يرى فيه جميعُ أبناءِ شعبنا الكلداني  السرياني الآشوري، بكافة تسمياتهم وكنائسهم وطوائفهم، بكافة قصباتِهم وبلداتِهم ومجموعاتِهم، يرى فيه أبناءُ الداخلِ مثلَما أبناءُ الشَّتاتِ، يرى فيه الجميعُ من دونَ استثناءٍ أو تمييزٍ أو تفرقةٍ وجهَهُم الحقيقي وصورتَهُم وهويتَهُم القومية. يرى فيه الكوردي والعربي والتركماني والصابئي واليزيدي وغيرُه وجهَهُ الثقافي الآخر المغاير والمتمم في آن ، يرى فيه توأمَهُ وشريكَهُ في الموروث الوطني.
وانطلاقا من هذا الإدراك لمفهوم التراث، والإيمان بدوره في تعزيزِ هويتُنا الوطنية ندعو حكومةَ إقليم كوردستان ووزارةَ الثقافةِ والشباب إلى تقديم المزيد من الدعم لهذا المشروع الحضاري لإكماله وتطويرهِ، وفي الوقت نفسِهِ ندعو كلَّ فردٍ من أبناء شعبنا ووطنِنا أنْ يساهمَ في إثراءِ محتوياتِه ليجدَ نفسَهٌ فيه كفردٍ أو كجماعة.
في الختام أشكرُ رئاسةَ بلدية عنكاوا على إنشاء هذا المبنى وتعاونها معنا في إحياء تراثنا، وجميع الذين تبرعوا بما لديهم من مواد ثراثية، أو قدموا مقترحاتهم وملاحظاتهم لتطوير المتحف أو شجعونا على المضي قُدُماً في إكماله. نشكر مديرية التراث والفنون الشعبية السريانية ولا سيما مديرها الأخ العزيز فاروق حنا وجميع العاملين معه على عملهم الدؤوب والمتفاني، أشكرُ جميعَ العاملين في المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية ومديرية أربيل على إسهامهم في تقديم العون والمساعدة المطلوبة لهذا المُنجَز.
وأشكركم جميعا مرة أخرى على حضوركم ومشاركتكم.

•   نص الكلمة التي أُلقيت في افتتاح متحف التراث السرياني صباح الأحد 10 نيسان 2011. 
 
 



8  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / من أجل الحفاظ على أدبنا ولغتنا السريانية وتطويرهما* في: 22:35 11/07/2010
من أجل الحفاظ على أدبنا ولغتنا السريانية وتطويرهما*
د. سعدي المالح

سيادة المطران بشار متي وردة رئيس أساقفة أربيل للكنيسة الكلدانية، والآباء الكهنة الأفاضل
الأستاذ كاوة محمود وزير الثقافة والشباب في حكومة إقليم كوردستان
السيد نوزاد هادي محافظ أربيل
السادة نواب البرلمانين العراقي والكردستاني
السادة ممثلو القناصل والبعثات الدبلوماسية الأجنبية في أربيل
السادة ممثلو المؤسسات الرسمية والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني
الضيوف الأجانب
السيدات والسادة
نرحب بكم جميعا، ونشكر حضوركم هذا ومشاركتكم معنا في هذه التظاهرة الأدبية المتميزة التي نأمل أن تحظى بالنجاح بدعمكم ومؤازرتكم.
نسعى اليوم لتأسيس تقليد متميز وذي أهمية خاصة، وهو عقد حلقة دراسية سنوية تكون جميع الأبحاث والدراسات فيها باللغة السريانية.
وعندما عقدنا العزم على إقامة هذه الحلقة كنا نتهيب من عدم وجود باحثين سريان يقدمون أبحاثا متخصصة تلقى باللغة الأم السريانية. لكن ما أن أعلنا عن نيتنا للبدء بهذا المشروع إلا وبدأت تأتينا مشاركات قيمة من أدباء ومتخصصين كثيرين ومن مناطق عديدة بحيث شكلنا لجنة لدراستها وإقرار الصالح منها.
أيها الأحبة
في نيتنا أن نجعل من إقامة مثل هذه الحلقة الدراسية تقليدا سنويا للمساهمة في تطوير أدبنا ولغتنا السريانية، على أن تعقد كل سنة في بلدة من بلدات شعبنا، وتكون باسم واحد من مشاهير أدبائنا في تلك المنطقة. وحلقتنا اليوم تحمل اسم الأديب والمؤرخ المطران الشهيد أدي شير تقديرا لنتاجه في مجالات التاريخ والتراث واللغة، ولهذا ارتأينا أن تقام بمحافظة أربيل، في عنكاوا ومن ثم في مسقط رأسه شقلاوا تحديدا.
يشارك اليوم في حلقتنا الدراسية هذه 28 باحثا أغلبهم أكاديميون ومتخصصون في الأدب واللغة، ويحضرها للاستماع إلى هذه الأبحاث ومناقشتها نحو سبعين آخرين وجلهم من الأكاديميين والمهتمين والأدباء والمدرسين والمتخرجين من الثانويات السريانية المتخصصة. وتتوزع محاور الأبحاث على قواعد اللغة السريانية وبلاغتها وإشكاليات تعليمها، وعلى الأدب السرياني الكلاسيكي والمعاصر بما في ذلك الرواية والشعر والمسرح، والمخطوطات السريانية، والدراسات اللغوية المقارنة، فضلا عن الأبحاث المتخصصة بحياة أدي شير وأدبه.
أيها السيدات والسادة
ليست اللغة السريانية أقدم لغة حية في العراق فحسب، بل واحدة من أقدم لغات العالم الحية، كتبت بها الآلاف من المخطوطات والكتب في العلوم البحتة والآداب واللاهوت والفلسفة والتاريخ وغيرها منذ أكثر من ألفين وسبعمائة سنة ولحد الآن وعلى يد العشرات من مشاهير الكتاب والأدباء.
ولقد سادت هذه اللغة لأكثر من ألف سنة في المشرق إذ كانت حلقة وصل كبرى بين الثقافتين اليونانية والعربية. وهذا يعني أنها تشكل جزءا هاما من حضارة العراق والحضارة الإنسانية جمعاء، فلا بد من الحفاظ عليها بل وتطويرها ونشرها بحيث تواصل العطاء، ولا يتم ذلك إلا من خلال ما يلي:
1- نشر هذه اللغة من خلال المدارس والدورات والإذاعة والتلفزيون والصحف والمجلات والكتب والتشجيع على تعلمها. وفي هذا الشأن لا بد من دعم عملية التعليم الشامل باللغة السريانية في الدراستين الابتدائية والثانوية للمدارس التي أكثرية طلابها وطالباتها من السريان. وأدعو من على هذا المنبر أولياء أمور الطلبة إلى إرسال أبنائهم إلى هذه المدارس.
2- تأسيس مجمع للغة السريانية مدعوم من قبل الدولة يتولى تقديم الدراسات والأبحاث والمقترحات العملية لتطوير هذه اللغة وتجديدها.
3- فتح أقسام للغة السريانية وآدابها في جامعات الإقليم لتعليم اللغة أكاديميا ودراسة آدابها على وفق أصول البحث العلمي.
وما هذه الحلقة إلا محاولة وخطوة أولى لتحقيق ذلك، نأمل أن تتمخض عن نتائج طيبة ومثمرة تعود بالفائدة على أدبنا ولغتنا.
وأخيرا باسم العاملين في المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية نشكر حكومة الإقليم ووزارة الثقافة والشباب على إتاحة مثل هذه الفرص لنا للاهتمام بأدبنا وثقافتنا، ونشكركم جميعا لتلبية هذه الدعوة المخلصة وخاصة الذين حضروا من بغداد ودهوك وبلدات سهل نينوى، نشكر ضيوفنا من هولندا وسوريا ونأسف لعدم تمكن وفد إيران من الحضور.
ولكم محبتنا.

* نص الكلمة التي ألقيت في حفل افتتاح الحلقة الدراسية حول الأدب واللغة السريانية التي عقدتها المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية في الفترة من 8 إلى 10 تموز 2010 في عنكاوا وشقلاوا.   
       



 

9  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الثقافة السريانية: تاريخ طويل من الإبداع وأسماء لامعة في: 00:47 14/03/2010
الثقافة السريانية: تاريخ طويل من الإبداع وأسماء لامعة

للثقافة السريانية تاريخ طويل من الابداع والغنى الروحي يمتد لأكثر من ألفين وخمسمئة سنة، وثمة رموز كبيرة لهذه الثقافة في الشعر والأدب والموسيقى والفلك والمنطق والطب والترجمة والجغرافيا والتاريخ والرسم وخاصة الايقونات وغيرها من المجالات. على سبيل المثال لدينا في الشعر والأدب برديصان من القرن الثاني ومار افرام من القرن الرابع و قورلونا وبالاي وبرصوما من القرن الخامس  ويعقوب السروجي  ونرساي وفيلينوس المنبجي من القرن السادس وماريعقوب الرهاوي من القرن الثامن وأنطوان التكريتي من القرن التاسع وابو نصر البرطلي وكوركيس وردا وخاميس القرداحي من القرن الثالث عشر وغيرهم الذين نظموا أجمل القصائد وكتبوا أشهر السير والقصص.
وفي التاريخ  يوحنا الأفسسي من القرن السادس ويوحنا بر فنكايى من القرن السابع ويعقوب الرهاوي من القرن الثامن وتوما المرجي وديونيسيوس التلمحري من القرن التاسع وإيليا بر شينايا من القرن الحادي عشر وابن الصليبي و مار ميخائيل من القرن الثاني عشر وابن العبري من القرن الثالث عشر.
وفي الفلسفة والمنطق ظهر بين السريان في عهد الخلافة العباسية كل من يحيى بن عدى والحسن ابن الخمار ومتى بن يونس وبشر بن متى وإسحق بن زرعة، إذ احتل العديد منهم مكان الصدارة في بيت الحكمة.
وفي الطب برز سرجيوس الرأسعيني وأبو زيد حنين بن إسحق العبادي و آل بختيشوع ومنهم جبريل وجورجيس,
ومن أوائل المترجمين  أبو يحيى ابن البطريق و يوحنا بن ماسويه وحنين بن اسحق مع ابنه إسحق وابن أخته حبيش بن الحسن الأعسم وأبي يحيى المروزي وعيسى بن زرعة. ونقل المترجمون السريان معظم المُصنفات والوثائق اليونانية المسيحية إلى لغتهم و معظم مؤلفات أرسطو ومن سبقه من فلاسفة اليونان، كما نقلوا أهم مصنفات قدماء الأغريق الطبية والعلمية.
وفي الموسيقى  برديصان وهرمونيوس ومار أفرام وشمعون الفخاري وعشرات غيرهم.
 ولقد سادت هذه الثقافة ولغتها لأكثر من ألف سنة في المشرق إذ كانت حلقة وصل كبرى بين الثقافتين اليونانية والعربية.
ومن المحدثين في القرنين التاسع عشر والعشرين نذكر نعوم فائق وتوما أودو وبنيامين أرسانيس وفريد نزها ويوسف قليثا وأوجين منا وبطرس نصري ويوسف إقليمس داود وجرجس قندلا وجرجس عبد يشوع خياط وادي شير ويوسف داود زبوني ونعمة الله دنو واسحق ارملة ويعقوب ساكا ويوحنا دولباني وبولس بهنام وفولوس كبرييل وعشرات غيرهم.
لكن هذه الثقافة عانت في النصف الثاني من القرن العشرين اهمالا كبيرا واجحافا من لدن جميع الحكومات التي توالت على العراق، فاصابها الكثير من الجمود وانزوت في الكنائس والاديرة، ولجأ ابرز ممثليها الى خدمة الثقافات العربية والكردية والفارسية والتركية وغيرها من ثقافات المنطقة وأصبحوا روادا للنضهة الفكرية والثقافية والفنية والأدبية في المشرق منذ أواخر القرن السابع عشر. وقد أسهموا إسهاما كبيرا وفاعلا في نشأة المسرح والموسيقى والقصة والشعر والنقد والصحافة والترجمة واللغات والبلدانيات وأدب الرحلات وغيرها من المجالات الثقافية، بل وكانوا أول من أدخل العديد من الأجناس الأدبية والفنية والثقافية كالقصة والنقد والمسرحية وعدد من الآلات الموسيقية والطباعة والصحافة والمدارس العصرية إلى العراق الحديث. وظهر بينهم مبدعون كبار في معظم صنوف المعارف والعلوم يشار لهم اليوم بالبنان.
وكان الكلدان السريان الآشوريين أول انشأوا المدارس في العراق منذ أواسط القرت الثامن عشر. و اول من اصدروا صحيفة في المنطقة " زهريرا د بهرا" في عام 1849. وأول من أسسوا مطبعة حجرية في العراق وذلك في الموصل عام 1857، وأصدروا أول مجلة (أكليل الورود) في عام 1902، ويعد حنا حبش أول من كتب مسرحية في العراق في عام 1880، ويُعد متي عقراوي أول رئيس لجامعة بغداد وحنا خياط أول وزير للصحة وروفائيل بطي أول ناقد أدبي معاصر في العراق، والياس الموصلي أول رحالة شرقي يصل أمريكا، ومريم نرما اول صحفية في العراق وبولينا حسون صاحبة أول مجلة نسائية في العراق ؛ مجلة ليلى، وهكذا فأسماء الرواد كثيرة.
ومن البارزين في الشعر نذكر سركون بولص وألفريد سمعان والأب يوسف سعيد ويوسف الصائغ وجان دمو وغيرهم ، وفي الموسيقى والغناء تعد أسماء مثل حنا بطرس وسعيد شابو وجميل بشير ومنير بشير وغانم حداد وصليوا يلدا صليوا المعروف بـ (سيوا) وباكوري نجوما لامعة في سماء كردستان والعراق. ولابد أن نذكر في اللغات والتراث الأب أنستاس ماري الكرملي وتوما أودو وأوجين منا، وفي التاريخ يعقوب سركيس ويوسف غنيمة وروفائيل بابو اسحق وبطرس نصري وألبير أبونا ويوسف حبي ، وفي التراث الأخوين كوركيس وميخائيل عواد وفؤاد قزانجي والأخوين لطفي الخوري وجورج حبيب. وفي المسرح اسكندر زغبي ونعوم فتح الله السحار وسليمان الصائغ وعوني كرومي وغيرهم، وفي الصحافة روفائيل بطي وداود صليوا وسليم حسون وتوفيق السمعاني، وفي القصة والرواية يوسف متي وادمون صبري وحازم مراد ويوسف يعقوب حداد ويعقوب أفرام منصور، وفي الآثار هرمز رسام وفؤاد سفر وبشير فرنسيس وبهنام أبو الصوف، وفي السياسة كل من يوسف مالك وآغا بطرس ويوسف سلمان يوسف (فهد)  وفرنسوا حريري وتوما توماس وبولص بيداري ويوسف حنا وجرجيس فتح الله وسليمان يوسف ومئات غيرهم من المناضلين والشهداء الذين قدموا أنفسهم قرابين على مذبح الحرية, 
لا أود أن اذكر المزيد من الأسماء لأن القائمة ستطول في جميع الصعد الأدبية والفنية والسياسية والعلمية والتربوية والعسكرية والادارية وغيرها، إلا أن ما ينبغي الإشارة اليه في هذا المجال أن هؤلاء المواطنين الأصلاء الذين خدموا هذا البلد سنوات طويلة واسهموا في نهضته وتطوره يتعرضون في بعض مناطق العراق في السنوات الأخيرة لهجمة شرسة ومبرمجة من الاضطهاد وللقتل والخطف والتهجير والتهديد والملاحقة والتضييق الاجتماعي من دون وجه حق مما اضطروا إلى ترك بيوتهم ووظائفهم وأعمالهم ومصالحهم والهجرة إلى دول الشتات. بل وتتعرض آثارهم إلى النهب والسلب، وقيمهم الحضارية والتراثية والدينية إلى التفجير والهدم. الأمر الذي يدعونا إلى القلق حول مستقبل تواجدنا في بلدنا الذي نعيش فيه منذ آلاف السنين، ومصير ثقافتنا وحضارتنا المعرضة للأهمال والتخريب.
 في الوقت الحاضر من الممكن أن نقول إن الثقافة السريانية على الرغم مما تواجهه من تضييق واهمال في بعض مناطق العراق بدأت تنهض من كبوتها في السنوات الاخيرة ليس في العراق فحسب، وإنما في الدول المجاورة وفي دول الشتات أيضا. إلا أن ما يشهده إقليم كوردستان من نهوض ثقافي وأدبي وفني سرياني كلداني آشوري لا يقاس بأية فترة زمنية سابقة. فكوردستان تشهد، بفعل دعم حكومة الاقليم والوعي القومي للمثقفين السريان الكلدان الآشوريين، تطورا ملحوظا في تعليم اللغة السريانية في المدارس الابتدائية والثانوية ولو بمستويات متباينة، وحركة نشر لا سابقة لها من كتب ومجلات وجرائد وإن كان الكثير منها على حساب النوعية، وظاهرة إعلامية ملحوظة من إذاعات وتلفزيونات، ونشاط ثقافي وفني عام من ندوات وأمسيات ومسرحيات ومعارض رسم وغيرها. هذا كله أدى إلى ظهور جيل جديد من أدباء وشعراء وقصاصين وصحفيين يكتبون بالسريانية ومخرجين وممثلين يقدمون مسرحياتهم بالسريانية إضافة إلى إنتاج بعض الأفلام الروائية والوثائقية بالسريانية. صحيح أن بعض هذه الأعمال واالنتاجات يعتورها الضعف إلا أنها تشكل ظاهرة ثقافية لم نشهدها من قبل.
المثقفون السريان مدعوون في هذه المرحلة، أكثر من أي وقت آخر، للعب دورهم القومي التاريخي في نشر اللغة السريانية وتعليمها على أسس صحيحة وتطويرها على الأسس العلمية المتبعة في اللغات الأخرى وتوحيد لهجاتها. فضلا عن اهتمامهم في التحول إلى الكتابة باللغة السريانية بدلا من اللغات الأخرى التي يكتبون بها، خاصة بالنسبة للشباب منهم الذين أمامهم فرص كبيرة لهذا التحول فالاهتمام بالثقافة السريانية اصبح ضرورة ملحة.

10  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الثقافة السريانية مشاريع وآمال في: 12:31 22/08/2009
الثقافة السريانية مشاريع وآمال
د. سعدي المالح

الأستاذ فلك الدين كاكايي وزير الثقافة في كردستان
السادة المسؤولين وأعضاء البرلمان وممثلي الدوائر الرسمية والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والمثقفين
أيتها السيدات والسادة
بدأت الثقافة السريانية في العراق وبخاصة في إقليم كردستان تنهض من كبوتها وتعلن عن نفسها ثقافة مبدعة تواكب العصر وتواظب على إنتاج الأجناس الأدبية والفنية المتنوعة وباللغة السريانية كالمسرحيات والقصص والروايات والقصائد والسير وغيرها. وما أسبوعنا الثقافي هذا إلا مظهرا من مظاهر هذا النهوض المبارك. وعلى الرغم من اختزالنا للكثير من الفعاليات، الفنية منها خاصة، بسبب محدودية امكانياتنا المالية، إلا أن برنامجنا ظل حافلا بالعديد من المسرحيات والمعارض والأمسيات الشعرية والأدبية والفقرات الموسيقية والغنائية وعلى مدى سبعة أيام، بل أن معظم الأيام تقام فيها أكثر من فعالية، مما يدل على غزارة النتاج الثقافي والفني لأبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري.   
وتمكنت مديريتنا العامة منذ افتتاحها في 19 شباط 2008، وخلال السنة والنصف المنصرمة هذه أن تكون لولبا ومركزا للكثير من هذا النشاط الثقافي العارم لشعبنا. إذ أنجزت مهام ثقافية كبيرة كانت مقررة في برامجهاا في مجالات التراث والفنون الشعبية والمسرح والموسيقى واللغة والأدب والشعر والفنون التشكيلية وغيرها، وذلك بفضل دعم وزارة الثقافة لنا من جهة وتعاون مؤسساتنا الثقافية والفنية معنا والتفاف مثقفي شعبنا الكلداني السرياني الآشوري حولنا من جهة أخرى.
نحن فخورون بكل ذلك، فخورون أن نعلن أنه يتعاون اليوم مع مديريتنا العامة أكثر من ثلاثين مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني بينها جمعيات وفرق فنية ومسرحية ومراكز ثقافية ونواد من محافظات أربيل ودهوك والسليمانية وسهل نينوى وكركوك وبغداد، حصلت العديد منها على منح من وزارة الثقافة بواسطتنا وتحصل الكثير من هذه المؤسسات والعديد من الأدباء والفنانين على دعم مديريتنا في تقديم نشاطاتهم الثقافية والفنية وبالذات فيما يخص إقامة المعارض وعرض المسرحيات وتقديم الأمسيات الشعرية وطبع الكتب. وما هذا الأسبوع الثقافي إلا وجها من أوجه هذا التعاون.
إن هذه العلاقة الوطيدة مع مثقفي شعبنا وثقتهم بنا قادت بعض أدبائنا ومثقفينا إلى تكليفنا بالعمل على توحيد اتحاداتنا الأدبية الثلاثة، وفعلا نحن نعمل منذ سنة تقريبا من خلال اجتماعات ثنائية وجماعية مع اتحاد الأدباء والكتاب السريان واتحاد الأدباء والكتاب الكلدان والسريان ورابطة الأدباء والكتاب الآشوريين على خلق أسس مقبولة لهذه الوحدة، ونأمل أن تتم هذه الوحدة بتأسيس اتحاد أدبي واحد يكون مظلة لجميع الأدباء الكلدان السريان الآشوريين، ونرجو من جميع السياسيين والمسؤولين الحكوميين ذوي العلاقة وأدباء وكتاب شعبنا وأصدقائنا في اتحاد الأدباء الكورد واتحاد الأدباء العراقيين مساعدتنا في هذا المسعى النبيل لأنه لا يجوز أن يكون لشعب واحد وأمة واحدة ثلاثة أو أربعة اتحادات أدبية.

أيها الحفل الكريم:
افتتحنا اليوم، وبالتعاون مع بلدية عنكاوا نُصبا تراثيا لآلة الدنك في محلة دركا كجزء من الاهتمام بتراثنا وحرفنا الشعبية. ونعمل من أجل إقامة حديقة الثقافة السريانية في شارع قصرا وبالتعاون أيضا مع بلدية عنكاوا تتضمن تماثيل لرموز من ثقافتنا وستاندات لعرض الصور التراثية ومقهى شعبية تراثية، ونحن إذ نشكر بلدية عنكاوا على تعاونها معنا وتحملها نفقات هذه المشاريع نعاهد هذه البلدة وكافة بلداتنا في الحفاظ على قيمنا الثقافية والتراثية كافة من الإهمال والتلف والنسيان. وثمة في هذا الصدد عمل كبير نقوم به ألا وهو إنشاء متحف للتراث السرياني. وللآن جمعنا أكثر من ألف مادة تراثية تشمل أدوات الاستعمالات البيتية والزراعية والصناعات الشعبية والحرف اليدوية والملابس الفولكلورية والصور والنقوش والمخطوطات والوثائق والأغاني والحكايات والمواد الصوتية والفلمية وغيرها، تنتظر هذه المواد كلها أن تنتهي بلدية عنكاوا قريبا من إنشاء متحف التراث السرياني الذي يقام خلف التلة التاريخية قصرا لتنقل إليها في ترتيب وتصميم عصريين. ومن الجدير بالذكر أن نحو تسعين بالمائة من هذه المواد تم الحصول عليها مجانا بفضل نشاط  منتسبينا وجهدهم الدؤوب وتعاون أبناء شعبنا معنا، لا بل أن مديرية التراث والفنون الشعبية التابعة لنا تقوم بنفسها بإعادة إنتاج بعض هذه المواد التراثية كالصناعات الشعبية الطينية والفخارية والمنسوجات اليدوية والأزر المطرزة والملابس وغيرها.   
إن هذا المتحف ليس لعنكاوا وحدها، إنما لجميع أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري،.لجميع قرى وبلدات شعبنا من زاخو وبرواري بالا ونهلة إلى قرانا وبلداتنا في سهل نينوى إلى كوي وديانا والسليمانية. لذا نهيب بكافة أبناء شعبنا تزويدنا بالمزيد من المواد التراثية لضمها إليه.
ومن ناحية أخرى تقوم مديريتنا بإنشاء أكبر مكتبة متخصصة في الثقافة السريانية ، ففي حوزتنا الآن نحو ألفين من الكتب المتخصصة في مختلف فروع ثقافتنا وبعدة لغات، ونسعى بجد إلى إيصالها إلى ثلاثة آلاف كتاب حتى نهاية هذه السنة. إن مثل هذا العدد من الكتب المعنية بثقافتنا لا يتواجد حاليا في أية مكتبة عراقية، لكننا تمكننا من جمعه بمثابرة وجهد وبأقل التكاليف. وستكون هذه المكتبة مفتوحة أمام الباحثين والمتخصصين والأكاديميين وطلبة الجامعات في غضون أشهر.

أيها الأحبة
يقال إن الإنسان بأحلامه وتطلعاته، ونحن في رؤوسنا المزيد من الأحلام والتطلعات وفي جعبتنا حفنة من المشاريع والآمال. فهذا العمل الثقافي الكبير الذي نقوم به يجعلنا نطمح في أن نطالب حكومة إقليم كردستان بأن تشييد لمديريتنا العامة ومديرياتها الفرعية بنايات تليق بأعمالها ونشاطاتها، وأن توفر لنا السيارات والمعدات الفنية الضرورية للعمل، وتشيد قاعات المحاضرات والاحتفالات والمسارح والكاليريهات، إذ لا يوجد لا في عنكاوا ولا في أي بلدة أخرى من بلداتنا في الإقليم ، على سبيل المثال، مسرح مناسب للعروض المسرحية أو كاليري لإقامة معارض تشكيلية.   
نحن نتطلع أيضا إلى أن تكون لنا فرقة رقص شعبي محترفة تستلهم رقصاتها من تراثنا وثقافتنا الشعبية، وفرقة موسيقية وغنائية تطور موسيقانا وتحافظ على أغانينا التراثية من الضياع.
نشكر حضوركم ونتمنى لكم وقتا ممتعا مع حفلنا الفني.   
وأخيرا نشكر جمعية الثقافة الكلدانية ونادي شباب عنكاوا الاجتماعي وجمعية مار عودا الزراعية وجميع الجمعيات والمراكز الثقافية والفرق الفنية والمثقفين الذين أسهموا في هذا الأسبوع الثقافي.
نشكر حضوركم ونتمنى لكم وقتا ممتعا مع حفلنا الفني وبرنامجنا الأسبوعي.

* نص كلمة افتتاح الأسبوع الثقافي السرياني الثاني.   
11  المنتدى العام / بحوث و دراسات عامة / رد: دور الكلدان الآشوريين السريان في نشأة الموسيقى العراقية المعاصرة وتطورها في: 16:51 19/03/2009
وديع خوندة (سمير بغدادي)
ولد الفنان وديع خوندة المعروف بـ (سمير بغدادي) ببغداد العام 1920 في أسرة عرفت بالعلم والأدب والسياسة. وبعد إكماله الدراسة الإعدادية دخل كلية الحقوق ولكنه لم يكمل الدراسة فيها لاتجاهه إلى الفن فعمل في العام 1941 مذيعا في الإذاعة، إلا أن هذا العمل لم يستهوه أيضا فاتجه إلى الغناء والتلحين وقدم حفلات أسبوعية من الإذاعة العراقية غنى فيها ألحانه الشهيرة " شهرزاد" و" خمرة الربيع" و" حبيبي ليش تنساني" و" المصطفى"، وعمل أكثر من مرة رئيسا لقسم الموسيقى في الإذاعة العراقية. سافر إلى لبنان ولحن هناك لأصوات معروفة مثل نور الهدى وصباح ووديع الصافي ونجاح سلام وزكية حمدان ونصري شمس الدين ومحمد غازي وسواهم. عمل زمنا مساعدا لرئيس قسم الموسيقى لإذاعة الشرق الأدنى التي كانت تبث برامجها من قبرص، وبعد عودته إلى بغداد، عين رئيسا لقسم الموسيقى، ولحن العديد من الأغاني للمطربة مائدة نزهت وعفيفة أسكندر وناظم الغزالي. ويعد من رواد الموسيقى العراقية.(46)
ولحن وديع خوندة الأغنية الإذاعية الأولى لناظم الغزالي التي دخل بها الإذاعة العراقية وكان مطلعها ( وين ألكه الراح مني وأنا المضيع ذهب.. وراحت السلة من إيدي وراح وياها العنب) (47) والأغنية الأولى " دانة ودان" للمطربة الأردنية نجوى سلطان التي تحقق حلمها من خلالها على الصعيد العربي حيث فازت بالمرتبة الأولى"(48)
وفي معرض حديثه عن الأغنية العراقية أشاد فؤاد سالم في مقابلة معه بدور وديع خوندة في تطويرها فقال " الأغنية العراقية وقفت عند السبعينات فقط... في زماننا كان المطرب يُعصر ويمتحن أمام لجنة مؤلفة من عباقرة الفن في العراق ، كان يدير دفة الغناء في بغداد في مراقبة الموسيقي الأستاذ الكبير وديع خونده الذي خدم الأغنية العراقية بشكل جميل جدا من بداية الأربعينيات إلى نهاية السبعينيات. ومعظم المطربين العظام الذين اشتهروا على الساحة الفنية من أمثال ناظم الغزالي  ورضا علي إلى فؤاد سالم وحسين نعمة وياس خضر وفاضل عواد كل هؤلاء تخرجوا من تحت يد وديع خونده، لأنه لم يكن يجامل أبدا. وأذكر في يوم من الأيام اتصل بي هاتفيا وقال لي: هناك أغنية تعال وسجلها. وكان الوقت ظهرا، فقلت له: الآن. قال: نعم الآن وفورا وسوف تجد الأستاذ (المرحوم) عباس جميل، اسمعْ منه الأغنية وأحفظها. الأغنية حملت عنوان (ثلاث نخلات) فحفظتها ودخلت الأستوديو وسجلتها في اليوم نفسه. عندما خرجت إلى الكنترول،  وكان هو من يخرج لي أغانيي،  سألتني المطربة الكبيرة مائدة نزهت، التي كانت متواجدة، قائلة:هل تعرف قصة هذه الأغنية؟ قلت: ما بها. قالت: أنا سجلتها. فأجبتها فورا:  لماذا جعلتموني أسجلها إذن؟ فقالت: إن وديع خونده لم يقتنع بغنائي، وقال لي لنر فؤاد سالم كيف يغنيها؟ وعندما غنيتَ أنتَ قال لنا بعد التسجيل: سمعتموه كيف يغني اسمعوا جيدا! قالت مائدة نزهت: انه فضّلك علي، فتصور انه زوجها ولم يجاملها فلا هي زعلت منه ولا هو زعل منها وقال لها:لا تصلح (هذه الأغنية) بصوتِكِ، هذه تصلح لصوت فؤاد سالم.اليوم في وقتنا الحالي هذا الشيء غير موجود."(49)
ويتحدث كرم نعمة عن مثل هذه النزاهة الفنية التي كان يتميز بها الفنان فيقول:"ثمة حكاية تنم عن حس عال بالذائقة السمعية قرأتها يوما عن الفنان وديع خوندة وتأكدت منها عند سؤاله شخصيا في لقاء معه بنقابة الفنانين العراقيين قبل سنوات.... اذ أصر الفنان الرائد على تنبيه شاب جاء إلي الاختبار أبان عقد الستينيات من القرن الماضي أمام لجنة موسيقية كان يترأسها خوندة نفسه في دائرة التلفزيون لاكتشاف الأصوات بان خامته الصوتية لا تصلح أصلا للغناء وأنه عندما يغني يسيء إلى الذائقة العامة وهي جريمة لا تختلف عن جريمة سطو أو سرقة وعليه أن يترك هذا المجال كي لا يحاسبه القانون علي تشويه ذائقة الناس!." (50)
وثمة حكاية عن الفنان خوندة أطرف وأقوى من ذلك كله رواها جميل مشاري على صفحات جريدة " المدى" البغدادية كالتالي: "كان مدير الاذاعة آنذاك حسين الرحال ،
ووجد أن الحاجة تدعو إلى استحداث قسم للتنسيق ، فعين الفنان وديع خونده رئيساً لهذا القسم لكونه قام بواجبه في التنسيق بين فعاليات الفرقة الكبيرة التي قامت بالترفيه عن الجيش العراقي في فلسطين، وبدأ وديع خونده العمل بتنسيق الاسطوانات الغنائية التجارية الموجودة في الاذاعة في المنهاج اليومي .  وحدثنا المذيع الراحل الأستاذ حافظ  القباني عن حكاية طريفة حدثت في احد الأيام من ذلك العام فيقول : كنت مذيعاً في فترة المساء فتسلمنا نداء هاتفياً تكلم معنا صاحبه بطريقة الأمر طالباً أن نضع أغنية تركية لإحدى المطربات الشهيرات التركيات، وعندما سألت : من المتكلم رجاء؟. اخبرني انه رئيس الوزراء أرشد العمري.فأجبته بأننا سوف نذيع الأغنية تلبية لطلبك، وأخبرت رئيس قسم التنسيق الجديد بذلك ،الذي أصرّ على عدم تلبية الطلب لأن الأغنية المطلوبة ليست مدرجة في المنهج اليومي .. فسكتنا، ثم رن جرس الهاتف بعد ربع ساعة فإذا بالمتكلم نفسه رئيس الوزراء يستفسر عن الشخص الممتنع عن تلبية طلبه ، فأخبرته باسمه، وهنا سأل عن مدير الاذاعة حسين الرحال وعن هاتفه ، فأخبرناه بأنه أوصانا أن نحول المكالمات الخاصة به إلى نادي المحامين فشكرنا رئيس الوزراء. وبعد قليل اتصل بنا المدير وقال :قدموا الأغنية التركية التي طلبها رئيس الوزراء واخبروا رئيس قسم التنسيق الذي مازال تحت التجربة أن يترك قسم التنسيق ويغادر الاذاعة ولا يفكر بالعودة إليها!" (51)



ناظم نعيم
 
يعد الفنان ناظم نعيم ( مقيم في الولايات المتحدة منذ عام 1982) واحدا من أشهر الملحنين وعازفي الكمان الشرقي في العراق.
ولد ناظم نعيم سلمو، في بغداد عام 1925 في عائلة عشقت الموسيقى وتعايشت معها بمستوى الحرفة؛ كان والده (نعيم سلمو) عازف كمان مقتدرا عمل طويلاً عازفاً ورئيساً في مختلف الفرق الموسيقية العراقية الرائدة، وعمه شاكر عازفا للعود وشقيقه عزت عازفا للكمان فنشأ ناظم نعيم منذ صغره في أجواء النغم، ليأخذ في بداية أمره زِمام الكمان والعود محرِّكاً أصابع يده الناعمة فوق الأوتار، مستخرجاً الأنغام الشائعة آنذاك.(52)
في نهاية الثلاثينيات التحق بمعهد الفنون الجميلة ولكنه لم يكمل دراسته التي كانت على يد البروفيسور ساندو آلبو أستاذ الكمان في المعهد، واتجه إلى عزف الكمان بالروح الشرقية الصحيحة متدربا على يد أساتذة العزف على الكمان الشرقي والاستماع إلى اسطوانات أمير الكمان سامي الشوا وغيره من الرواد الأوائل. كما نهل المقامات العراقية والعربية من ينابيع صافية المنهل (53) 
 عمل في دار الإذاعة العراقية كعازف كمان منذ عام 1943، واختلط بكبار الموسيقيين والملحنين في ذلك الوقت. ثم مارس تلحين القصيدة والأغنية العربية والبغدادية  والريفية والمنولوج  فأبدع في هذه الفروع جميعا ولحن للعديد من المطربات والمطربين أمثال نرجس شوقي وسليمة مراد وعفيفة اسكندر ولميعة توفيق وزهور حسين  وأحلام وهبي ولعدد من المطربين من أبرزهم ناظم الغزالي الذي حظي بأكبر عدد من الإلحان، ثم أشتهر مع ناظم الغزالي كعازف وملحن حتى أصبح اسمه واسم فرقته ملازمين له.(54)
وإذا كان جميل بشير أحد الذين قاموا بإعداد وتوزيع الكثير من الأغاني التراثية المشهورة للمطرب ناظم الغزالي فإن الملحن وعازف الكمان المعروف ناظم نعيم  هو أبرز من لحن لناظم الغزالي وعزف، هو وفرقته الموسيقية. إذ من المعروف أن التسجيلات الغنائية لناظم الغزالي التي سجلها له التلفزيون الكويتي في عام 1962 قبل رحيله بأشهر( 22 أغنية ومقام)  والتي تبثها محطات التلفزيون المختلفة حاليا معظمها من ألحان ناظم نعيم. ومن أشهر تلك الأغاني: أحبك، طالعة من بيت أبوها، فوق النخل فوق، يم العيون السود.  ولو أمعنا النظر في الفرقة الموسيقية المرافقة للغزالي في هذه التسجيلات  نجد من بينها أربعة عازفين من العراق يقودون العمل الموسيقي من بينهم ناظم نعيم  عازفا على الكمان.
وقد لحن ناظم نعيم أغنية (نداء) للشاعر حافظ إبراهيم لأم كلثوم إلا أن الفنانة المعروفة توفيت قبل تقديم الأغنية.(55)
يعيش ناظم نعيم منذ عام 1982 في ديترويت بولاية مشيغان في الولايات المتحدة الأمريكية ويسهم على نحو متواصل عازفا على الكمان في حفلات المطربين العراقيين والعرب القادمين إلى الولايات المتحدة وحفلات الجالية العراقية هناك.

فؤاد ميشو:
  
يعد فؤاد ميشو واحدا من أعلام الموسيقى العراقية ولا يزال. ولد في العام 1922 في عائلة معظم أفرادها من الموسيقيين.
وكان فؤاد ميشو الطالب في مدرسة الهندسة آنذاك(كلية الهندسة فيما بعد) من بين أوائل المسجِّلين في معهد الفنون الجميلة، حيث تلمذ على حنا بطرس في آلة (الكلارينيت Clarinet)، وفي العام 1937 جاء أساتذة أجانب للعمل في المعهد، بينهم الشريف محيي الدين حيدر (حجازي الأصل من تركيا) لتدريس العود والفيولونسيل، فالتحق ميشو لتعلّم العود على يده فضلا عن الكلارينيت. ومن ثم بدأ بدراسة الكمان الغربي على الأستاذ ساندو آلبو (روماني). وهكذا اتسعت مَلَكة الإبداع الفني عنده بما امتلك من المواهب والعمل المجد.
في العام 1948 أعيد تشكيل الفرقة السمفونية العراقية ضمن معهد الفنون الجميلة (ارتبطت بجمعية بغداد الفيلهارمونيك) وأنيطت قيادتها بالأستاذ ساندو آلبو؛ فقد تولى فؤاد ميشو رئاسة قسم الكمان الثاني فيها، والتحق شقيقاه لويس بقسم الفيولونسيل وناظم عازفاً للكلارينيت.(56)
يقول ميشو عن نفسه"لقد تعلمت لفترة وجيزة العزف على العود على يد الشريف محي الدين حيدر. وكان جميل بشير صديقاً حميماً لي عند مجيئه من الموصل إلى بغداد. كان يمتلك معرفةً عالية في موسيقى الشرق الأوسط ؛ لذلك أعجبتُ كثيراً بمعرفته الواسعة في الموسيقى الشرقية، فأخذنا نعزف سويةً. وتطور الأمر بنا حين شكَّلنا جوقة موسيقية بما كان يعرف بـ (التخت الشرقي) ضمَّ إضافةً إليّ شخصياً، كلاً من سلمان شكر، وجيد إبراهيم، وجمال سري، وساجد إبراهيم، وداؤد الكويتي. في العام 1946 صار لنا حفلة أسبوعية نقدمها من خلال إذاعة بغداد. ونظراً لخلفيتي في الموسيقى الكلاسيكية، فلقد توقفت عن العزف في تلك الجوقة حرصاً على الالتزام بدقة الدرجات الصوتية – النغمية المكتوبة من قبل مؤلفي الموسيقى الكلاسيكية عند عزفها .(57)
في وقت سابق، انضممتُ إلى غانم حداد وسالم حسين وأحمد الخليل في جوقة تخت لعزف الموسيقى الشرقية عند الأصدقاء.
لدي اهتمام بالمقام العراقي والموشحات والأدوار والطرب.  لذلك قمتُ بعزف مقطوعة (حجاز كار كرد) على الكلارنيت  وهي من مؤلفات أستاذي حنا بطرس الموسيقية وسجلتها على شريط كاسيت أرسلته إلى صديقنا منير الله ويردي ؛ لقد عزفتها من ذاكرتي مع غيرها من القطع التي تعود للفترة 1937 أو 1938، لأني لا أملك المدونَة الموسيقية لها." (58)
هاجر في عام 1978 إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لكنه ظل يواصل نشاطاته الموسيقية ، فعزف على العود والكمان ً مع بعض الموسيقيين العراقيين في ديترويت.
وعزف على العود وغنى  مع حامد السعدي في لندن، مقام أورفه وبعض الأغاني العراقية. وقد حضر الحفلة عدد من الإنكليز والأمريكيين فضلا عن جمهور كبير من العراقيين والعرب. كما عزف في (مهرجان بلاد ما بين النهرين)، الذي يقام في مدينة (Knoxville) حيث عزف على العود عدداً من المقطوعات والأغاني العراقية.
فيما يتعلق بالموسيقى الكلاسيكية،  فهو عضو في المجلس الاستشاري لمدرسة الموسيقى في جامعة (Tennessee)  تينيسي. وعمله فيها تطوُّعي فخري. وقد منح جائزتين تقديريتين تكريماً لإسهاماته هناك. كما يقيم حفلات موسيقية في بيته دعماً لأوركسترا وأوبرا مدرسة الموسيقى.
من بين زملائه الدكتور ديفد برونيل، وفاي آدمز والدكتور نوثنكتون، إضافة إلى غيرهم من أساتذة البيانو والكمان والكلارنيت والجلو والغناء الأوبرالي. وهم يعزفون في بعض النوادي من أجل دعم مدرسة الموسيقى لهذه الجامعة. ويقيمون الحفلات في المدارس والكنائس وبعض البيوت الخاصة. ألف كتابه الموسوم (من الذاكرة - سيرة وذكريات) بجزئيه الأول والثاني، الذي كان دقيقاً في كل تفصيلاته. (59).
وما زال فؤاد ميشو يسهم في دعم وتطوير الموسيقى العراقية. ففي عام 2005  عندما قامت الفرقة السيمفونية العراقية بتقديم عروض لها في الولايات المتحدة بطلب من السفارة العراقية في الولايات المتحدة  التقى  بأعضاء الفرقة و بالسفير العراقي و بحثوا في مشروع عمل أو نشاط لدعم الفرقة السيمفونية مادياُ، فتطوع لتقديم ألبوم من مكتبته الموسيقية  يضم تراثيات عراقية منوعة تكون من جهة مصدر تعريف للجيل العراقي الشاب بتراثه الموسيقي و من جهة أخرى يكون الوارد المادي من بيع الألبوم مصدراُ لدعم الفرقة السيمفونية.
اختار ميشو أغنيات نالت شهرة و شعبية واسعة في حقبة من التاريخ العراقي الموسيقي و ابتعد عن القوالب الكبيرة التي تتطلب ثقافة موسيقية كبيرة (كالمقامات العراقية) كما ضمّـن الألبوم أغنيات من التراث الكردي و التركماني و الآشوري ليشمل الثقافات المتواجدة في بلاد الرافدين كافة.
وظل الألبوم بكل مواده في خزائن السفارة العراقية التي تكفلت بتغطية نفقات إصداره و توزيعه لأكثر من عام و نصف فارتأى الأستاذ فؤاد ميشو إطلاقه بنفسه وقدمه هدية لموقع يو اس انفو USInfo. الأغنيات تم تنقيتها و معالجتها صوتيا لإزالة بعض التشويش الناجم عن قدم التسجيل وقد قام بالتنقية المرحوم رعد هرمز الذي قدم من مجموعته الخاصة أغنية آشورية بصوت حنا بطرس. (60)

جميل سليم بيو
 
ولد في بغداد العام 1938، في كنف عائلة متعلمة، إذ كانت والدته تعشق الموسيقى والإنشاد، وترتل في جوقة تراتيل في إحدى كنائس بغداد. فأحب الموسيقى والغناء منذ طفولته. وفي سن الثانية عشرة من عمره اعتلى خشبة المسرح ليغني أولى أغنياته. شارك في فرقة الموشحات التي أشرف عليها الشيخ علي الدرويش مع زملائه من الفنانين المعروفين آنذاك منهم المطرب ناظم الغزالي والمطرب محمد كريم والمطربة خالدة والمطرب يحيى حمدي وغيرهم. واخذ يمارس كتابة النوتة الموسيقية وقراءتها منذ دخوله معهد الفنون الجميلة، وتتلمذ على الأستاذ منير بشير. بعد تخرجه عين مدرسا في المعهد نفسه، وأخذ يمارس فنه في التأليف الموسيقي والتلحين بأنواعه وخاصة الموشحات التي أشتهر له منها موشح:
مداك ما لا يحصر          حدّث عنه العنبر
ولحن الكثير من الأغاني للمطربات والمطربين الذين عاصروه، كانت ألحانه تمتاز بتنوعها وغناها اللحني. وكان له الفضل الكبير في تدريس وتخريج عدد كبير من طلبة معهد الفنون الجميلة – قسم الموسيقى. كان من المتميزين في قراءة النوتة الموسيقية وكتابتها. وشارك مع زملائه الأساتذة روحي الخماش وعبد الكريم بدر وعقيل عبد السلام في تدوين المكتبة الموسيقية الخاصة بالمطرب ناظم الغزالي. وشارك عازفا على العود مع الفرقة الموسيقية التي ضمت كلا من الأساتذة سالم حسين على القانون وناظم نعيم على الكمان وخضر الياس على الناي والحاج حسين عبد الله على الإيقاع. ومن مؤلفاته الموسيقية الشهيرة : دجلة ، بغداد، المدائن، الحصاد. (61)
يحكى أنه عندما كان يدون النوتة الموسيقية للملحنين الآخرين كان غالبا ما يتذمر منهم لأنهم يغيرون موسيقاهم بسرعة فيقول لبعضهم: أنت عزفت الجملة هذه بعِدَّة صيغ، بإي صيغة تريدني أن أدونها لك؟ (62)
يقول عنه زميله عبد الوهاب الشيخلي " عرفته من خلال تواجده في فرقة الموشحات الأندلسية عام 1948، والتقيت به في معهد الفنون الجميلة.. وكنت أستمع إلى ألحانه قبل أن تذاع من إذاعة بغداد.. وشاهدته يدير الأسطوانات القديمة للسفطي وصالح عبد الحي ومحمد عبد الواحد ويصاحبهم على العود في داره في رأس القرية ببغداد.. وكان الموسيقيون في الإذاعة يجلونه ويحترمونه لأنه قدم لهم أجمل الألحان مكتوبة بالنوتة الموسيقية الحديثة.. وكان يجيد الصولفيج بدرجة عالية تصل أحيانا إلى درجة الموسيقار روحي الخماش وعمل في سنواته الأخيرة مع المطرب ذائع الصيت ناظم الغزالي.. وكان هو الذي يكتب نوتات أغانيه. وكان الغزالي يرعاه وكأنه أحد أفراد عائلته !أما أنا فقد كنت أمده بالكتب الموسيقية وبعض الأسطوانات التي جمعتها خلال سنوات طويلة.." (63)
ويقول عنه تلميذه سابقا في معهد الفنون الجميلة الفنان جعفر حسن " إنه عبقري الموسيقى الذي لن يتكرر، لكن مع الأسف 99% من العراقيين لا يعرفونه لان الإعلام طمسه نتيجة محاربة النظام السابق له. على الرغم من أنه لم يكن يضره بشيء. (64) ويعتقد أنه لم يكن سياسيا، بل أن محاربة النظام السابق له كانت بسبب تلحينه لأغنية " وسام الزعيم" عن عبد الكريم قاسم في بداية الستينيات.(65)
كان جميل سليم يحب أمه إلى درجة العبادة وكانت هي تبادله الحب وتهيئ له أسباب الراحة الجسدية والنفسية وتقدم له أنواع الأطعمة التي يحبها ويميل إليها ... قبل وفاة والدته كان جميل سليم قد صادق (الخمرة) وأخذ يتناولها ليلا ونهارا.. وكان ديدنه زيارة قبر والدته يوميا بعد وفاتها .... مات وحيدا ( العام 1980) في شقة متواضعة خلف دائرة الاتصالات في منطقة السنك، وبذلك فقد الوسط الفني أحد عباقرة الموسيقى في بغداد.(66)

الموسيقى الكلاسيكية

فريد الله ويردي
ولد فريد الله ويردي في العام 1924 وهو من عائلة مسيحية شهيرة في كركوك، فأسرة الله ويردي أبرز أسرة مسيحية كركوكية ، ولكن الرجل قضى اغلب حياته في بغداد. استهوته الموسيقى وفنونها الرحبة مذ كان طفلا ، إذ تعلمها منذ نعومة أظفاره على يد والدته الأرمنية القديرة المثقفة. (67)
 التحق بكلية الحقوق وتخرج فيها في العام 1948 وكان تخرجه من كلية الحقوق دافعا للاستزادة من مسيرة النهل من علوم الموسيقى التي سيطرت على لبه، فقد كان يواصل دراسته في معهد الفنون الجميلة حيث تخرج فيه وكان يعتصره شعور بأن دراسته للموسيقى في بغداد تظل ناقصة! لذا قرر السفر إلى باريس للحصول على اكبر قدر علمي في الدراسة المنهجية للموسيقى، ولكي يتخصص في الاقتران بعلوم المعرفة المبرمجة للهارمونية.
أتقن العزف على آلة (الفيولا) كما أن شعوراً باطنيا قد طغى وميضه على عقله الداخلي ، أدرك من خلاله أن الهارمونية (علم انسجام الأصوات) والبوليفونية (علم تنافر الأصوات) هما جناحا التأليف الموسيقي المبرمج، لذلك بعد عودته من باريس ألف بتمكن رباعية وترية والرباعية هي قالب موسيقي لأربع آلات قوسية وترية وهي (كمان أول، كمان ثان، فيولا وجلو) ووقت ظهور هذه الرباعية 1953 كانت الحياة الفنية العراقية تخلو من التفكير بإرهاصات التطوير التأليفي في الموسيقى.
قرر السفر إلى موسكو لدراسة التأليف الموسيقي وأمضى هناك مدة من الزمن أعقب ذلك السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمزيد من الدراسة للموسيقى. وكان الهاجس الذي دفع فريد الله ويردي لمثل هذه الرحلات العلمية هي التمكن من الجانب الأكاديمي بشقيه النظري والتطبيقي في الدراسة الموسيقية. وعندما عاد إلى بغداد انهمك في سلك التدريس في معهد الفنون الجميلة وفي أكاديمية الفنون الجميلة ، إلى جانب عمله في المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون آنذاك ، حيث أسهم إسهاما فعالا في تأسيس أول مكتبة موسيقية متخصصة بالمسح الميداني. وهذه المكتبة تحولت فيما بعد إلى مركز للدراسات الموسيقية الدولي التابع لدائرة الفنون الموسيقية.
 يمتلك العديد من المؤلفات الموسيقية تلك التي لم تر النور بسبب ظلامية الظروف التي مرت بالعراق وعوامل وأد البوادر الحضارية تلك التي تتفجر هنا وهناك. على أن الطابع الذي يسيطر على مؤلفات فريد الله ويردي هو إبراز الظواهر الجمالية في البناء الموسيقي والقالب الموسيقي حيث غلبت عليه الروح التصويرية وكانت الجوهر الحقيقي لأعماله.
وأطلق الناقد الموسيقي الراحل اسعد محمد علي على فريد الله وردي لقب رائد التأليف الموسيقي في العراق، ونضيف أن فريد الله ويردي لم يكن موسيقيا حسب بل كان مفكرا في الموسيقى أشغل نفسه بكل شيء يمت للموسيقى بصلة على الأصعدة الزمنية والتاريخية والإنسانية لم يعرف دعة أو راحة أو قناعة وهو في مسعاه العظيم للوصول إلى جوهر عمله التاريخي في فن التأليف ويلمس نوازعه إلى المسافات والأعماق فالروح الجليلة التي تلبست فريد الله ويردي بقيت رزينة رائعة عميقة في شخصه الغائب.
إن إعمال فريد الله ويردي النموذجية هي إشعارات في الفن التأليفي الموسيقي العراقي، بل هي قمته بلا جدال، تلك التي تتبدى تباشير فجره، على أنها صورة لذلك الدعك العظيم لموهبة فذة في فن التأليف الموسيقي العراقي لا نظير لها في كل الحقب التي مرت بالعراق. (68)
وكانت تجمعه صداقات وزمالات بالعديد من أشهر الموسيقيين والمؤلفين في العالم ، ولكن العراق والعراقيين لم يعرفوا قدره ، ولم يثمنوا دوره ، بل ولم ينل حقّه من الاهتمام ، بل كان قد حورب حربا لا هوادة فيها لأسباب سياسية وشخصية، إذ حقد عليه بعض خصومه لاختلاف مدرسته عن أساليبهم وأفكارهم . .. وخصوصا بعد أن لحّن النشيد الوطني في أول جمهورية انبثقت بعد 14 تموز / يوليو 1958 ، وقال بأن ذاك " النشيد " لم يكن هو نفسه السلام الجمهوري ، اذ كان النشيد الوطني غير السلام الجمهوري ، ولما كان قد نال لحنه إعجاب الزعيم عبد الكريم قاسم، فلقد كان ذلك سببا في أن يلاحق من قبل القوميين والبعثيين بعد 8 شباط/ فبراير 1963 ..
وكان فريد الله ويردي حصل على شهادات وميداليات وجوائز عدة في الموسيقى النظرية والتطبيقية عدة، وانه وحده مدرسة بارعة في الفن الموسيقى الراقي الذي يهذب النفوس ويسمو بالإنسان إلى مصاف عليا لا يبلغها إلا المتصوفة في مناجاتهم الروحية.
قرر مع زوجته أن يغادرا العراق معا بعد سقوط النظام العراقي ليغدو أستاذا للفايولين ( = آلة الكمان ) في عدد من الجامعات ومنها جامعة اليرموك بالأردن .
     اشتهر الموسيقار فريد الله ويردي بالعديد من مقطوعاته الموسيقية والسيمفونية الجميلة التي نال من خلال تأليفها على شهرة دولية وخصوصا في أوروبا ، علما بأنه قد عزف في أمريكا أيضا، وهو متمكن في تخصصه، ومثقف في أسلوب حياته، وله باع لا يقدر بثمن برصيد أولئك الرواد من الفنانين والأدباء والمبدعين العراقيين الذين كان لهم شأنهم في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين.
 وكان اجتهد وسعى كثيرا ليغدو واحدا من امهر الفنانين : موسيقار اوركسترالي عراقي يشار إليه بالبنان في العديد من عواصم الغرب. (69)

ألبير شفو
 
وكان لألبير رزوق شفو (ولد في عام 1917، غادر العراق في عام 1952 إلى بريطانيا ثم استقر في الولايات المتحدة الأمريكية وما يزال) دور بارز في تأسيس الموسيقى الكلاسيكية في العراق التي كانت بدايتها عبر موسيقى الجيش. 
وعمل شفو منذ عام 1939 مديرا لموسيقى الجيش. يتحدث عن عمله في تلك الفترة فيقول: "كان لموسيقى الجيش دور مهم في استقطاب الكفاءات الموسيقية التي برزت من بين صفوفها من الأفراد - ضباطاً وضباط صف وجنودا - ضمن تشكيلات أجواق الموسيقى العسكرية؛ كانت هذه الأجواق تؤدي القطع الموسيقية ذات الطابع الكلاسيكي الخفيف، فضلا عن موسيقى المسير (March)  المستخدَمة في الاستعراضات العسكرية"
ويضيف:" كان لدينا في مدرسة الموسيقى ثمانين موسيقياً؛ اخترنا أفضلهم للعزف في حفلاتنا على قاعة الملك فيصل الثاني. إضافة إلى الاستعانة بهم في الفرقة السيمفونية.(70)
ويعد شفو مؤسس فرقة بغداد السيمفونية  Baghdad Symphony Orchestra في مطلع الأربعينيات من القرن الماضي والتي قدمت حفلاتها على قاعة الملك غازي آنذاك.
 وعمل شفو أيضا مديراً لمدرسة الموسيقى العسكرية، ومنظماً لبرامج إذاعية للموسيقى الكلاسيكية، فضلا عن قيادته الفرقة السيمفونية العراقية، ومسؤولية الإشراف على جوق موسيقى الشرطة.(71)
 بعد مغادرته العراق عمل ولأكثر من خمسة عشرة عاماً، قائداً أول لفرقة (سالزبوري) السيمفونية في الولايات المتحدة، مدربّاً ومديراً فنيّا لها ولقد أنجز ألبير شفو حتى الآن (119) قطعة موسيقية.(72)
يقول شفو في إحدى رسائله الموجهة إلى باسم حنا بطرس، إنه ترك العراق في العام 1952، ولم يرجع إليه نهائياً. مُرجِعاً أسباب ذلك إلى اختلافه مع الأمير عبد الإله – الوصي على العرش وولي العهد؛ لأن الوصي كان يرغب في الموسيقى العربية، وشفو لا يميل إلى ذلك.ثم يضيف: "في العام 1951 – 1952 إلتقيتُ في لندن بوزير المعارف العراقي آنذاك خليل كنّة. الذي أراد منِّي العودة للعراق لتسلُّم إدارة معهد الفنون الجميلة إضافة إلى عملي الأصلي. فكَّرتُ مليّاً بالعَرض الذي تقدم به الوزير: أعلمتُه موافقتي على العودة.   لكن الوزير، حين عاد للعراق وبحث الموضوع مع وزير الدفاع (بحكم عملي في موسيقى الجيش)، أعلن الأخير رفضه، نتيجة حادثة "عابرة" جرت في السابق. استمر الوزير على رفض التعامل معي. كان ممكناً لي الذهاب إلى (تحسين قدري – رئيس الديوان الملكي) الذي كان صديقاً حميماً لي؛ لم يكن يرفض لي طلباً. لكني  قررتُ أنه من الأفضل أن نعود إلى لندن. وهذا ما حصل فعلاً بسفرنا زوجتي وأنا إلى هناك.(73)

فكري بشير
وللأخ الثالث من عائلة بشير القس عزيز أيضا فكري بشير دور مشهود في الحياة الموسيقية العراقية فقد كان مؤلفا موسيقيا وعازف كمان مشهورا وأصبح فيما بعد مديرا لمدرسة الموسيقى والباليه ببغداد.
ولد فكري بشير في الموصل، أكمل دراسته الابتدائية عام 1947 والمتوسطة 1950. حصل على دبلوم معهد الفنون الجميلة في الموسيقى عام 1959. وعلى دبلوم عال من كونسرفاتوار ماياكوفسكي في موسكو في عام 1967.
له (خمسون نشيدا وأغنية وطنية) لمدرسة الموسيقى والباليه، وله مؤلفات موسيقية للفرقة السيمفونية الوطنية، ونشيد وطني خاص لكورال الشبيبة الأرمنية في بغداد عام 1988. وثماني أغنيات للأطفال مسجلة في إذاعة بغداد 1990.
نال عن إبداعاته الموسيقية شهادات تقديرية عديدة من مؤسسات فنية وثقافية (1982- 1987). مارس تعليم الموسيقى في المدارس في الفترة من 1959 وحتى 1961 ثم التدريس في معهد الفنون الجميلة (1967- 1980). وعين مديرا لمدرسة الموسيقى والباليه (1980-1982)، ثم مسؤولاً عن الشؤون الفنية فيها منذ سنة 1982، ومديرا لفرقة بغداد لموسيقى الصالة التي تأسست سنة 1988.
أسهم في مؤتمرات ومهرجانات موسيقية في بغداد والجزائر وتونس والأردن .(74)

لويس زنبقة
 
ويعود الفضل للملحن وعازف الترومبون  لويس زنبقة  في تأليف أول سلام جمهوري للعراق، وهو العراقي الوحيد من بين مؤلفي السلام الملكي السابق (من تأليف الكولونيل البريطاني كونفليد) وأكثر من سلام جمهوري لاحق ( والله زمن يا سلاحي لملحِّنه المصري كمال الطويل، ومن بعده النشيد الوطني العراقي - وطن مدَّ، لملحنه اللبناني وليد غلمية). وزنبقة خريج معهد الفنون الجميلة، كان عازفا في الفرقة السيمفونية العراقية ومدرسا للموسيقى. لكن عندما ألف السلام الجمهوري العراقي كان يواصل دراسته الأكاديمية للموسيقى في فينا. ومن المعروف عن لويس زنبقة أنه في أوائل السبعينيات عندما أعلن عن مسابقة لتلحين سلام جمهوري جديد (كان السلام الجمهوري قد تغير بعد انقلاب 1963، وكان زنبقة آنذاك يعمل في إدارة الفرقة السيمفونية العراقية) رفض فكرة المسابقة والمشاركة فيها لأن السلام الجمهوري الذي ألفه وتم اعتماده في العام 1958  وفقا لرأيه ما كان مكرسا لنظام معين وإنما للعراق الجمهوري. وكان زنبقة مصيبا في رأيه فقد أعيد سلامه الجمهوري ليكون رمزا موسيقيا للعراق بعد سقوط الحكم الدكتاتوري في العراق عام 2003.(75)

باسم حنا بطرس
 
الموسيقار باسم حنا بطرس (مواليد 1931) يعد أحد الكوادر الموسيقية العراقية المهمة، واكب تطور الفنون الموسيقية في العراق منذ نهاية الأربعينيات عندما كان طالباً في معهد الفنون الجميلة ولغاية خروجه من العراق في أواخر التسعينيات وإقامته في أوكلند بنيوزيلندا في العام 2000 .
            ترعرع باسم حنا بطرس في عائلة تشبعت أجواؤها بالثقافة والفن والموسيقى. والدته خريجة مدرسة الأمريكان لراهبات الموصل في العشرينيات. والده حنا بطرس كان شماسا إنجيليا وأستاذ موسيقى، تعددت مواهبه وبرع في العزف والتدريس واشتهر بتأليف الأناشيد الوطنية، ومن بينها نشيد ”موطني“، ووضع الكتب العلمية في الموسيقى. وبرع أخوانه المتخرجون في معهد الفنون الجميلة، كلٌّ من بطرس في العزف على الترومبيت والهورن، وصباح على الكلارينيت، وسمير على البيانو. تخرَّج باسم الذي يعزف على الجلو والأورغن في معهد الفنون الجميلة في العام 1954 (قسم الموسيقى) ومن إعدادية التجارة (قسم اللغة الإنكليزية) في العام الذي تلاه. عمل مترجما في عدد من الشركات والسفارات، وفي الوقت نفسه التحق بالفرقة السيمفونية العراقية عازفا على الجلو..
وهو من أعضاء الجيل الثاني المؤسسين للفرقة السيمفونية الوطنية العراقية، وعضو في عدد من فرق موسيقى الصالة، بل ومن مؤسسي فرقة سومر لموسيقى الصالة ورباعي هايدن. كما نشط في مجال البحث والكتابة، وكان أستاذا للموسيقى في كلية الفنون الجميلة ومدرسة الموسيقى والباليه وغيرها من المؤسسات في الأردن. ومديرا لتحرير مجلات موسيقية متخصصة عدة هي: ”القيثارة“، ”الموسيقى والطفل“ وقد صدرتا عن دائرة الفنون الموسيقية بوزارة الثقافة والإعلام، ومجلة ”الموسيقى العربية“ التي أصدرها المجمع العربي للموسيقى بجامعة الدول العربية.
أسهم باسم حنا بطرس في تمثيل العراق في المحافل الموسيقية الدولية، منها اجتماعات المجلس الدولي للموسيقى (التابع لمنظمة اليونسكو) ومؤتمرات المجمع العربي للموسيقى. وهو خبير معتمد لموسيقى كنيسة الكلدان، ودرّسها في معهد شمعون الصفا الإكليريكي، وكلية بابل للدراسات اللاهوتية والفلسفية، ودير راهبات الكلدان في الزعفرانية ببغداد. وكان أمين سر اللجنة الوطنية العراقية للموسيقى للفترة من 1974 لغاية تقاعده وظيفياً عام 1992 . حاز على شهادات تقديرية متعددة.
أعد وقدم مع منذر جميل حافظ برنامج (مع الموسيقى العالمية)، وهو أول برنامج ثقافي من نوعه في تلفزيون العراق، خصصت له مدة ساعة كاملة كل أسبوع، كان يُعرض في بغداد، وينتقل للعرض تباعاً إلى البصرة ومن ثم إلى الموصل.
ويواصل باسم حنا بطرس العزف والمساهمة في تنشيط وإحياء الموسيقى العراقية من نيوزيلندا حيث يقيم، ويكتب عشرات المقالات عن رواد الموسيقى العراقية في مواقع الانترنيت المختلفة.(76)

رائد جورج
  
أحَب الموسيقى منذ صغره وحصل على شهادة الموسيقى من معهد التدريب الإذاعي تحت إشراف الأستاذ سعيد شابو عام 1980، ثم على دبلوم من معهد الفنون الجميلة قسم الموسيقى عام 1988. وكانت انطلاقته الأولى رغم صغر سنه كبيرة بحجم إبداعه وذلك عندما قام بتأليف الموسيقى التصويرية لمسرحية"الإنسان الطيب"للمخرج المسرحي عوني كرومي في منتصف الثمانينيات فكان حينها أصغر مؤلف موسيقي عراقي.
في نهاية الثمانينيات انتبه الكثير من العراقيين المهتمين والمولعين بالموسيقى إلى ظهور موهبة موسيقية متميزة عن باقي أبناء جيلها من الفنانين بموسيقاها وأغانيها وطريقتها في التوزيع الموسيقي أسمها رائد جورج، ولقد كانت موسيقاه وطريقته في التوزيع الموسيقي فعلاً ذات طعم خاص ونكهة متميزة لدرجة أنه عندما كان المرء يستمع لأول مرة إلى لحن قام هو بتأليفه أو بتوزيعه موسيقياً كان يعرف على الفور بأن أنامله السحرية هي التي صاغته وأبدعته.. كان رائد جورج يمتلك موهبة ومَلَكة غير عادية في الموسيقى كانت واضحة في جميع مؤلفاته وتوزيعاته الموسيقية التي سبقت عصرها، أو التي ولدت أصلاً في غير زمانها ومكانها، لكنه رغم ذلك ظل ملتزماً بنهجه الموسيقي الرائع وكوّن شخصيته الموسيقية المتميزة ولم يقايض فنه بالمال أو بالسياسة كما فعل بعضهم.. كان رائداً بالفعل وبكل معنى الكلمة لمدرسة عراقية جديدة في التأليف والتوزيع الموسيقي كما كان من المجددين في الغناء العراقي بطريقته المتميزة في التوزيع الموسيقي للأغاني والتي كانت تجمع بين عظمة الموسيقى الشرقية وإعجاز الموسيقى الغربية، وهي مهمة ليس بالسهلة كما نعلم ولم ينجح فيها سوى موسيقيين عرب قليلين يُعدون على الأصابع كان رائد منهم، ولو قُدِّر له أن يستمر في عطائه وإبداعه في أحضان وطنه لاستمرت هذه المدرسة تُخَرِّج لنا حتى اليوم أجيالاً جديدة من الموسيقيين، لكنه للأسف وكأغلب الفنانين والمبدعين العراقيين اضطر إلى مغادرة العراق وهو في قمة هذا العطاء بسبب الظروف التي مر بها العراق..
أبدع رائد جورج مجموعة من الأعمال الموسيقية والغنائية التي واكبت جيلاً من الشباب .. وفي عام 1994 أبدعت أنامله السحرية موسيقى أوبريت "الملكات الخمس" الذي كان افتتاحية مهرجان بابل الدولي لذلك العام. وهو يعد من أروع أعماله الموسيقية وحاز به على جائزة المهرجان التقديرية، وعُدّ هذا العمل حينها ولا يزال أضخم عمل سيمفوني عراقي. ثم حصل على الجائزة التقديرية لموسيقى اختتام مهرجان بابل الدولي عام 1995. بعد ذلك قام بتأليف الموسيقى التصويرية لمسلسل "رجال الظل" والتي حاز بها على الجائزة الذهبية لأحسن موسيقى تصويرية ضمن مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون عام 1997 وفي عام 2002 حصل على جائزة أحسن موسيقي عراقي من الإتحاد الكلداني في الولايات المتحدة الأمريكية.   
كما ولحن رائد العديد من الأعمال الموسيقية أبرزها " بين النهرين أو ميسوبوتاميا " , " رجال الظل " و " سميراميس ملكة بابل " و " نفرتيتي ملكة مصر " و " دوشفري ملكة الحضر " و " الملكات الخمس" وقام بتوزيع العديد من الأعمال الموسيقية والأغاني وإعادة توزيع البعض الآخر كنشيد " موطني " على سبيل المثال.. أما أغانيه الشخصية فقد كانت قليلة لأن اهتمامه كان منصباً على التأليف والتلحين والتوزيع الموسيقي أكثر منه على الغناء وكانت أغانيه عموماً عاطفية وتتسم بالبساطة والشاعرية مثل " حيرتيني " و " لا ترحلين " و" سمّعني كلمة " و " ذكريات " و " سمعت عنك كلام " و " بغداد " و " يبقى حبنا "(77)

نهلة إلياس ججو
 
في السادسة من عمرها دخلت مدرسة الموسيقى والباليه ببغداد لتتعلَّم العزف على آلة الكمان وعلوم الموسيقى، بالأسلوب الكلاسيكي الأوربي. فكان أنْ أختير لها، كما لأقرانها الأطفال الصغار، آلةَ كمان صغيرة الحجم، تلك التي ندعوها بـ (الكمان الطفل – Baby Violin) لتتمكن من الإمساك بها وتحريك أناملها الناعمة على أوتارها الأربعة. وهي في الوقت ذاته، تلميذة في الدراسة العامة.
وهكذا بدأ مشوارها عازفةً للكمان في الفرقة السيمفونية العراقية، كما عند أقرانها من خريجي مدرسة الموسيقى والبالية، ومعهد الفنون الجميلة. دخلت نهلة كعازفة مبتدئة ليتطوَّر أداؤها بشكل سريع، وتتخذ مكانها الطبيعي ضمن مجاميع الفرقة.
وفضلا عن عملها هذا، شاركت مع مجاميع موسيقية مصغَّرة، كفرقة سومر لموسيقى الصالة (التي ضمَّت كلاً من الأساتذة: فؤاد الماشطة وإحسان أدهم – فلوت، حسن حمد ونهلة إلياس – كمان، وأسعد محمد علي – فيولا، وباسم حنا بطرس – جلو، وبياتريس أوهانيسيان – بيانو) في حفلاتها داخل العراق وخارجه. وكذلك فرقة بغداد للموسيقى (التي ضمت الأساتذة: زيد عصمت ونهلة إلياس – كمان، محمد طالب – فيولا، احمد الجميلي – أوبوا، هشام إيشوع، كلارينيت، ونتاشا الراضي – بيانو).
تقيم نهلة إلياس منذ مطلع الألفيَن في باريس، تمارس عملها الهندسي، واختصاصاتها الموسيقية تعليماً وعزفاً داخل فرنسا وخارجها، ضمن فرق موسيقية كبيرة للسيمفونية، وتعزف الموسيقى في الكنيسة، وتسافر بين الحين والآخر كموسيقية ملتحقة بأوركسترا دوليَّة للشباب في حفلاتها في بلاد مختلفة، وكمهندسة لمتابعة تنفيذ عقد هندسي في مشاريع عمل خارج فرنسا.(78)

عازفون ومغنون بالكردية

صليوا يلدا صليوا(سيوا)
 
يعد صليوا يلدا صليوا الملقب بـ (سيوا) أشهر مطرب مقامات باللغة الكردية. ولد في عام 1884 في مدينة كوي (كويسنجق) . في عام 1902 تعلم القراءة والكتابة بالسريانية على يد القس حنا في  كنيسة مار يوسف في المدينة. وفي عامي 1903 و1904 تلقى دروس اللغة السريانية والتعليم المسيحي على يد القس كوركيس ربان في الكنيسة نفسها، ثم واصل من عام 1905 إلى عام 1907 الدراسة على يد القس بولص عجمايا (من عنكاوا)  وكان يكنى بالقس الأحمر من قبل الأهالي بسبب لحيته وشعره الأحمر، والذي أصبح كاهنا في الكنيسة ذاتها، وهو الذي رسم سيوا شماسا بعد إكماله لخمس سنوات من دراسة اللغة السريانية وبعض الفرنسية والعلوم المسيحية وتعلمه للتراتيل الكنسية وألحانها. وكان سيوا منذ أن توفي والده بالكوليرا عام 1903 انتقل إلى العمل صانعا لدى أحد النساجين من أصدقاء والده واسمه يوسف، حيث عاش في بيته حتى شبابه، وتعلق بابنته وارينه. لكن يوسف لم يزوجه ابنته، بل زوجها لابن صليوا القس إلياس أحد أقربائه، ثم مرضت بعد سنة وتوفيت. فتأثر سيوا، الذي كان يهيم بحبها، لها تأثرا كبيرا وراح يغني لها أغان عاطفية مليئة بالحب والهيام. وكانت تلك بداية انطلاقته الغنائية. (79)
بعد فترة تزوج سيوا من إحدى قريباته، وتفرغ لخدمة كنيسة مار يوسف في كوي شماسا، لكنه كان يعتاش من العمل كاتبا ومحاسبا لدى التجار ومزارعي التبغ في كويسنجق. (80)
وبقي غناء سيوا حتى الأربعينيات محصورا في إطار المضايف (الديوانخانات) وحلقات الأصدقاء والأحباب. في عام 1952 سجل خمس أغان للقسم الكردي في دار الإذاعة العراقية بمصاحبة فرقة الإذاعة المكونة من كل من أحمد الخليل (عود) إيفن بهنام البناء(ناي) وقادر ديلان ( كلارنيت) وإبراهيم محمد (جمبش) وناظم نعيم (كمان) وعبد الأحد جرجيس (قانون) والمقامات التي سجلها هي: (مقام عجم: سحر، ومقام حجاز: كورلي ، وبيات: عائشة كول، وحجاز: الربيع، ومقام شه نك ميره م.) وأذيعت هذه المقامات في حينها ولا تزال من الإذاعة العراقية.
في عام 1958 تأسست جمعية للفنون الجميلة في كويسنجق ومنح سيوا العضوية الفخرية فيها. وعبر هذه الجمعية قدم سيوا الكثير من آغانيه في كل من كويسنجق وأربيل ورانية والسليمانية.
وفي عامي 58 و59 دعي سيوا وباكوري إلى السليمانية وأربيل فأقاما حفلات جماهيرية كبيرة بمشاركة الفنانين قادر ديلان ، وليم يوحنا، نجاة عبده وغانم حداد حيث كانت تتواصل أحيانا حتى الصباح.(81)
توفي في 9 كانون الثاني 1963 ودفن في مقبرة قرية أرموطة القريبة من كويسنجق.
لقد تمكن سيوا الذي كان له صوت ساحر أن يوظف المقامات الكنسية التي كان ضليعا بأدائها ليؤدي عليها كلمات من الشعر الكردي الشعبي نتيجة تأثره به ونظرا لكونه يعيش في تلك المنطقة الكردية. ومن أبرز الأغاني الكردية التي غناها على الإلحان الكنسية السريانية مقام به هار - الربيع (حجاز) الذي آداه على لحن (قوم شبير) المعروف منذ القرن الثامن ميلادي. إضافة إلى أغانيه الأخرى المعروفة : عائشة كول، سحر، نيوه شه و، باييز (الخريف) و شه نك ميره م. وقد طابق الفنان أندريوس باكوري في أمسية في جمعية الثقافة الكلدانية بعنكاوا في عام 2005 وأمام جمهور كبير مقامات سيوا مع بعض الألحان الكنسية. وهذا الرأي يخالف كليا ما كتبه الأستاذ كريم شاره زا عاكسا للحقيقة من أن سيوا أدخل ألحان المقامات الكردية إلى الكنيسة. ونحن بدورنا نختلف مع الأستاذ كريم شاره زا ونؤيد رأي الأستاذ باكوري لأن الألحان الكنسية الأشورية الكلدانية موجودة منذ القرون المسيحية الأولى وموثقة في كتاب يسمى كنز الألحان يتناقلها القسس والشمامسة من جيل إلى جيل.   
يقول أندريوس باكوري كان مربين ابن القس شابيل ( من مسيحيي كوي) مغني المقامات ذو الصوت الجميل أحد المغنين الذين تأثر بهم سيوا. وكان مربين من معاصري الشاعر الكردي أمين أغا أختر ومن ذوي الأصوات الجميلة جدا وملما على نحو جيد بالمقامات.وقد غنى إلى جانب أختر في مضيفه وكان ملازما له. وإن مقامات منطقة كويسنجق : نيوه شه و ، سه حه ر ، به هار ،  عايشة كول ، شه نك ميره م ، شله و خان التي غناها المغنون أمثال نشأت رشيد أغا و حنيل وعه به الشايشي وبووتي (بطرس) وسيوا وملا أسعد واحمدي حمه ملا وطاهر توفيق واحدا بعد الآخر جميعها تنتمي إلى ذلك الزمن (النصف الثاني من القرن الثامن عشر) وذلك المكان (مضيف أختر). (82) 
وينقل كريم شارزا عن كبار السن أن مربين ولد في حدود عام 1835 في كويسنجق وتوفي سنة 1895 ودفن في مقبرة قرية أرموطة.(83)
وقد تعلم سيوا آداء المقامات في البداية من نشأت رشيد آغاي حويزي، ثم تتلمذ على يد حنيل ( حنا توما) المغني والشماس الذي كان بدوره قد تعلمها من مربين  لأن سيوا لم ير مربين، أو كان صغيرا جدا عندما توفي مربين. لكن سيوا استفاد استفادة كبيرة من الألحان الكنسية وكان يؤدي مقاماته ليس على طريقة نشأت رشيد حويزي أو حنيل وإنما كان سيوا فنانا قديرا وكانت له إمكانية وضع الألحان الجديدة وتجديد الإلحان الفولكلورية، فكنت تحس عندما كان  يغني لحنا أنه يختلف بعض الشيء عن إيقاعه الأصلي يكون قد غير فيه شيئا أو أضاف اليه شيئا أو حذف منه شيئا ما فيكون غناؤه أفضل وأجمل ولا أحد غيره قادر على آدائه بطريقته.(84)
لقد غنى سيوا في الخمسينيات إن في المناسبات مع فرقة باواجي في كويسنجق أو مع فرقة  مولوي في السليمانية أو في الحفلات الخاصة التي كانت معظمها تقام في البساتين إلا أن معظم هذه الأغاني لم يسجل ما عدا القليل منها وحتى هذا القليل ضاع معظمه، إذ كان أحد الفنانين الكرد المغرمين بأم كلثوم بسجل على تلك الأشرطة التي سجل عليها أغاني سيوا أغاني أم كلثوم. (85)
للآن لم يتمكن أحد أن يؤدي المقامات مثل سيوا أو أن يقلده بنجاح ، لأن سيوا كان يغني على نحو من يعشق المقام.(86)

أندريوس باكوري:

هو أحد أبرز الموسيقيين والمغنين الذين قدموا خدمات كبيرة للفن الكردي سواء من ناحية الغناء أم التلحين أم التوثيق.
ولد أندريوس إسرائيل خمو الملقب فيما بعد بـ (باكوري) في عام 1928 في كوي (كويسنجق) من أبوين آشوريين نازحين من منطقة وان التركية أثناء الحرب العالمية الأولى. وكان والده أثناء ولادته شرطيا في الشرطة الخيالة بمدينة كوي. تربى في المدينة وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة ما عدا سنة واحدة (الرابع الابتدائي) درسها في بيت جده بالموصل. ثم انتقل إلى عنكاوا ودرس في ثانوية أربيل الصفين الرابع والخامس الإعدادي.
في عام 1950 انتقل إلى كركوك وعمل معلما للغة العربية والموسيقى والنشيد في المدرسة الآثورية الأهلية.
تأثر منذ صغره بالمطرب سيوا سواء من خلال مقاماته أو تراتيله في الكنيسة. ثم بدأ بالغناء كهواية وخاصة عندما كان في عنكاوا وأربيل. بعد ذلك واصل هوايته في كركوك حيث تعلم العزف على الموسيقى على يد أحد الموسيقيين البغداديين القادمين إلى كركوك.
في خريف عام 1953 التحق بدار المعلمين العالية. وفي الوقت نفسه قُبِل مطربا ومعدا لبرامج غنائية في القسم الكردي في الإذاعة العراقية. وتضمن برنامجه حفلة غنائية واحدة كل أسبوع، قدم فيها مجموعة أغاني يلحنها بنفسه من قصائد لشعراء أكراد.
تخرج في دار المعلمين العالية في عام 1957، فعين مدرسا للغة الانكليزية في متوسطة كويسنجق للبنين. خلال الفترة هذه أسس فرقة موسيقية من طلابه باسم (فرقة موسيقى باواجي)  ونشطت هذه الفرقة في الأعوام التالية. وكانت تحيي جميع الحفلات الرسمية والشعبية في المدينة ثم توسع نشاطها فقامت بسفرات  فنية إلى أربيل ورانية والسليمانية ، وفيما بعد إلى بغداد حيث سجلت مجموعة من الأغاني التراثية الفولكلورية الكردية.وهي الآن من أهم الفرق الغنائية الكردية.
في عام نقل إلى أربيل فدرّس اللغة الانكليزية في العديد من المدارس المتوسطة والثانوية والمعاهد. في عام 1993 نقل إلى معهد الفنون الجميلة في أربيل لتدريس اللغة الانكليزية وتاريخ الموسيقى الكردية حتى إحالته على التقاعد عام 1996.
وعلى الرغم من تقاعده له نشاطات عديدة في الموسيقى والغناء في الحفلات الرسمية والشعبية وأثبت حضورا دائما في الساحة الفنية في الإذاعات ومحطات التلفزيون.
غنى باكوري خلال أكثر من خمسين سنة من عمره الفني العشرات من الأغاني بعضها احتلت مكانا متميزا في الغناء الكردي كـ ئه لين جوانه ، باستوره ، زيريني، سوك بن ده ي ده ي، به هيواد كيانه وغيرها.
لحن وغنى مع شمال صائب الأغنية الكردية المشهورة هه رى له يلى  كما ولحن العديد من الأغاني لكول به هار وفؤاد أحمد ومحمود وندي وجمال عبد الكريم وغيرهم، وعزف في معظم الحفلات والمهرجانات التي كانت تقام في المدن الكردية.
ألف في عام 2001 كتابا بجزئين تحت عنوان ( مطربون خالدون) تحدث فيه عن السيرة الفنية والحياتية لأكثر من أربعين مطربا كرديا، يعد وثيقة  فنية ذات أهمية كبيرة للفن الكردي.وأصدر أيضا مذكراته بجزئين باللغة الكردية (حوالي 800 صفحة) تحت عنوان ( عمر من الغناء والألحان والموسيقى والانشراح) يتحدث فيه عن حياته الشخصية والفنية ومن خلالها يتحدث عن الموسيقى والغناء الكردي وعلاقاته برموز هذا الفن خلال مسيرة حياته.(87) 

وليم يوحنا
يُعد وليم يوحنا واحدا من أبرز رواد الموسيقى في السليمانية، كان عازفا على العود والجلو والكمان وأحد مؤسسي فرقة  مولوي الموسيقية .
ولد في السليمانية  في عام 1934 ودرس فيها الابتدائية والمتوسطة ، وفي عام 1951 التحق بمعهد الفنون الجميلة وتخرج فيه عام 1954 وتعين معلما للموسيقى والنشيد بمدارس السليمانية حيث علّم العزف والأناشيد لآلاف التلاميذ من خلال المدارس والدورات الموسيقية التي كان يفتحها. أسس في أواسط الخمسينات بالاشتراك مع قادر ديلان ورفيق جالاك فرقة مولوي الموسيقية في السليمانية.
في السبعينيات أسس مع آخرين النادي الثقافي الآشوري في السليمانية وشكل له فرقة للغناء والموسيقى والرقص .
كان وليم يوحنا عازفا مشهورا وملحنا قدم عشرات الألحان للمطرب الكردي عمر رضا ومطربين آخرين ووضع عددا من الأناشيد الكردية.(88) 

عازفون وموسيقيون أخرون
وثمة العشرات من العازفين الكلدان الآشوريين السريان في العراق أسهموا على نحو كبير في الفرق الموسيقية المختلفة، نأتي هنا على ذكر بعض البارزين منهم الذين توفرت لدينا معلومات عنهم:

منير الله ويردي:
 
ولد في البصرة عام 1926، التحق بمعهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1942. ومن قدامى الذين درسوا الكلارنيت على يد حنا بطرس.  عزف في العديد من الفرق السمفونية العراقية وكذلك في الإذاعة والتلفزيون اعتبارا من العام 1945 كعازف على الكلارنيت وفي بعض الأحيان على الكونترباص. تخرج في كلية الهندسة مهندسا مدنيا، وفي معهد الفنون الجميلة ببغداد كعازف على الكلارنيت في آن واحد عام 1948. وفي العام نفسه بذل جهودا مهمَّة في السعي لتأسيس الفرقة السمفونية. درّس الكلارنيت في معهد الفنون الجميلة.  في نهاية السبعينات غادر العراق إلى الولايات المتحدة،  وحصل على الماجستير في الهندسة من جامعة ولاية أيَوا.عمل رئيسا لقسم الدول العربية التابع لمنظمة العلوم والتكنلوجيا التابعة للأمم المتحدة 1980-1985. في عام 1985 أحيل على التقاعد وأستقر في فينا حيث أسس مجاميع موسيقية رباعية وخماسية تضم عددا من العازفين المعروفين قدمت عروضها في فينا وفنلندا. (89)

خضر إلياس:
 
اعتقد أن العراقيين يتذكرون جيدا خضر إلياس عازف الناي الضرير الذي ظل ملازما للفرقة الموسيقية المصاحبة للمطرب ناظم الغزالي ولغيره من مؤدي المقامات بعزفه الشجي ومثابرته الدائمة.
ولد خضر الياس في بغداد عام 1928 من أبوين تلكيفيين. "تعلم العزف على آلة الناي منذ صغره، تعيّن في الاذاعة والتلفزيون عام 1950 فكان عازفا ماهرا انصرف إلى حفظ المقام العراقي، فأجاد عزف الناي بمهارة، وبروحية المقام والغناء الريفي بكل دقة، بحيث تأثر بأسلوب عزفه مجموعة من عازفي الناي العراقيين أمثال : فائق حنا وحكمت داود وعدنان السيد على رأي نقاد الفن في العراق. لحن مجموعة من الأغاني للمطربين والمطربات ووضع بعض القطع الموسيقية الجميلة، وسافر إلى أقطار عربية عدة بصحبة بعض المطربين"(90). توفي عام 1998

فائق حنا:
ولد في بغداد العام 1939، وتخرج في معهد الفنون الجميلة العام 1963 وعين في وزارة الثقافة والإعلام العام 1965 حيث أسهم في تأسيس الفرقة الموسيقية التابعة لفرقة الرشيد للفنون الشعبية وعمل عازفا على آلة الناي فيها. تأثر بخاله عازف الناي الشهير الفنان خضر إلياس ولحن العديد من القطع الموسيقية الجميلة وبعض اللوحات الفنية الراقصة للفرقة الشعبية التي بقي يمارس عمله الفني فيها طيلة حياته الفنية. كما أسهم بالعزف مع فرقة البيارق التابعة لوزارة الثقافة والإعلام. وشارك بالعزف مع فرقة الاذاعة والتلفزيون والفرقة المركزية لنقابة الفنانين والتي قادها زميله الفنان عازف القانون عقيل عبد السلام وسافر إلى بلدان عربية وأجنبية عدة وشارك في العديد من المهرجانات العربية والعالمية ، داخل العراق وخارجه.(91)

إيفن بهنام ميخائيل
ولد في بغداد العام 1933 وتخرج في معهد الفنون الجميلة العام 1957 وقد درس العزف على آلة الناي وتلقاها من الأساتذة الشيخ علي الدرويش، أستاذ الناي، والموشحات في معهد الفنون الجميلة، والأستاذ حنفي حسن الحناوي والأستاذ ساجد توفيق والأستاذ عبد اللطيف النبكي وحصل على زمالة إلى تركيا وعين في النشاط الفني في وزارة التربية وبعدها عين مدرسا في معهد الفنون الجميلة وعاد إلى التربية ثانية وأحيل على التقاعد. بعد تقاعده واصل نشاطه الثقافي والفني في جامعة بغداد.(92)


الفريد جورج ( فريد البابلي)
 
من الملحنين الذين ظهروا في أوائل السبعينيات وكان ملحنا مقتدرا أعطى إلى الكثير من المطربين والمطربات ألحانا جميلة، رفد المكتبة الغنائية بالكثير من ألحانه (93).
في تموز 2001 مثل العراق في المهرجان الثاني للموسيقى في معهد العالم العربي في باريس عازفا على العود وفي عام 2002 عزف في لندن للقصبجي والسنباطي وعبد الوهاب في الأمسية الموسيقية التي أحياها المركز الثقافي المصري بلندن. وكتبت عنه جريدة الشرق الأوسط فقالت: "استطاع الفريد جورج المعروف بـ«البابلي» أن يخلق له خطا موسيقيا واضحا في تأكيد الانتماء إلى أصالة الموسيقى العربية، هكذا بدا في الأمسية الموسيقية التي أحياها المركز الثقافي المصري بلندن مؤخرا، وهو يعزف لأساتذة الموسيقى العربية القصبجي والسنباطي وعبد الوهاب وغيرهم من تلك الروائع الفنية سواء كانت أغان عاطفية مثل «رق الحبيب» و«الحلم» وغيرهما أو أناشيد وطنية مثل «أخي جاوز الظالمون المدى». وفي عزفه الذي يعتمد تداخلات الصدى تنجم رابطة لحنية هي اقرب للآلات الهوائية منها إلى الوترية. فهو إذن يطمح أيضا إلى تفعيل الوتر وتثويره فوق طاقته ولذلك كان جمهوره مشدوها بالإنصات والمتابعة.(94)
ويعتقد بعض المتخصصين بالعود أن الفريد جورج هو الذي طور العود بإضافة الوتر السادس المسمى «قبادوكا» أو الوتر المثخن إليه مع أن الكثيرين ينسبون هذه الإضافة إلى جميل بشير.. 
 
لويس توماس:
عازف ماهر على آلة الكمان وملحن بارع له هواية صنع الآلات الموسيقية. شارك بالعزف مع  فرق موسيقية عدة وعمل مع فرقة البصرة للفنون الشعبية. معروف على نحو بارز في البصرة.(95)
 
عازفون آخرون:
ومن العازفين المعروفين أيضا على الكمان: جوزيف حنا منصور وحكمت يوسف حنا وحربي سعيد شابو وعماد يوسف وشهلاء غانم حداد وموريس ميشيل. وعلى العود: أنيتا بنيامين وجورج إلياس وفيحاء عبد الأحد وفؤاد توما. وعلى الناي: بشار فؤاد بهنام وحكمت داود. وعلى الأكورديون: حكمت زيباري وسونيا جوزيف. وعلى القانون: عبد الأحد جرجيس ومهذب بطرس وهويدا حنا. وعلى البيانو: أكنس بشير وسولاف غانم حداد وعطيل غانم حداد. وعلى الايقاع: سامي عبد الأحد. والجلو: جورج جابر منصور، والسنطور: سلمان أنويه، والجوزة: إدمون بنيامين، والفيولا: جون بشير والبسون لانس ميشو وغيرهم ممن لم نتمكن من الحصول على معلومات كافية عنهم.

شهادة:
لقد تأثر الكثير من الموسيقيين العراقيين بأقرانهم الكلدان السريان الآشوريين ، وهوذا  الفنان محمد حسين كَمر أستاذ مادة النظريات الموسيقية وعازف آلة الجوزة ومؤسس فرقة المقام العراقي في العراق وهولندا يقول في مقابلة لموقع القيثارة العراقية أجراها معه حسين السكاف " عشت مرحلة الطفولة بداية الستينيات في مدينة الحبانية والتي كانت عبارة عن عراق مصغر شأنها بذلك شأن أغلب المدن العراقية، حيث الموزائيك العراقي المتنوع في الثقافات واللغات والتقاليد والموروث. . في تلك المدينة تجد الكردي والعربي والأثوري والتركماني في روابط وعلاقات اجتماعية متينة مبنية على المحبة والعلاقات الطيبة والأصيلة، وكانت تجاورنا عائلة موسيقية معروفة في تلك الفترة هي عائلة عازف السكسفون المبدع " خننيا " وشقيقه " يوخنا " وكان يجذبني كثيرا صوت موسيقاهم حين يمارسون التمرينات، كنت أذهب الى جوار الشباك كي أسترق السمع الى تلك الموسيقى التي كانت تبكيني وأنا أستمع إلى صوت السكسفون الحزين، وكثيراً ما كنت أنام وأنا أستمع لموسيقاهم".
ويضيف :" في المدرسة أكتشف معلم النشيد الذي أذكر أسمه لغاية الآن وهو الأستاذ " عبد الاحد "  حبي للموسيقى والغناء وشجعني كثيرا ورشحني لكي أغني أناشيد الصباح، في تلك الفترة وفي أيام رمضان كنت أترأس مجموعة منطقتنا وأنا أغني معهم الأغاني الرمضانية وأعزف على ( الدم بك) أي الطبلة الصغيرة".

 _______________________________________ 
(*) هذه الدراسة هي فصل من كتاب يتضمن فصولا أخرى عن الموسيقى في سومر وبابل وآشور، وموسيقى كنيسة المشرق، وموسيقى الكلدان السريان الآشوريين المعاصرة. أرجو ممن له أية معلومات إضافية أو صور عن الموسيقيين تزويدي إياها على العنوان التالي: salmalih@yahoo.com لإغناء الكتاب.

الهوامش:

(1) الشماس رائد عزيز العمران، الدومنيكان في العراق والموسيقى، مجلة الفكر المسيحي، العدد 395-396 حزيران 2004 ص129 .
(2) الشيخ جلال الحنفي، المغنون البغداديون والمقام العراقي، وزارة الإرشاد، بغداد 1964 ص ص33-111 وأصل الكتاب نُشِر في الأعداد الـ 13 الأولى من مجلة "الفتح" لعام 1939 التي كان يصدرها الشيخ الحنفي نفسه.
(3)  الحاج هاشم محمد الرجب، المقام العراقي، مكتبة المثنى ، بغداد 1983 ص ص 103 -137
(4) هو، بحسب ولديه، حنا بن ججي(جرجيس) بن إلياس بن مراد بن عبد الأحد بن حنا، ينحدر من أسرة موصلية عريقة. وقد اشتهر بين الناس باسم حنا عواد لأنه كان أول من أدخل صناعة العود الحديث في العراق. (أنظر: الفنان العراقي حنا عواد وأثره في الآلات الموسيقية الشرقية، بقلم كوركيس عواد وميخائيل عواد، أيام بغداد، وزارة الثقافة ، دائرة الفنون الموسيقية، بغداد 1983ص221.)
(5) المصدر السابق ص 221 .
(6) و(7) المصدر السابق ص222
(8) و(9) المصدر السابق ص 223
(10) المصدر السابق ص 225
(11) سالم حسن الأمير: الموسيقى والغناء في بلاد الرافدين، بغداد 1999 ص183 و عبد الوهاب بلال: جميل بشير وعلاقته بالتراث الموسيقي العراقي ، أيام بغداد ، بغداد 1983 ص230.
(12) إدمون لاسو- مجلة القيثارة – ديترويت ، مشيغان- العدد 3 السنة 14 آذار 1999 ص76 .
(13) بهنام سليم حبابة "الآباء الدومنيكان في الموصل" – مطبعة هاشم ، أربيل 2006 ص 78.
(14) إدمون لاسو-المصدر السابق ص 76.
(15) من الموصل لكنه من أصل ألقوشي، ومن عائلة جوجا، بحسب الزميل إدمون لاسو.
(16) باقر الورد: أعلام العراق الحديث، ج1 ، بغداد 1978، ص 314،  والمعلومات زود بها حميد المحل مؤلف الكتاب في 18 آيار 1976.
(17) باسل حنا بطرس: "حنا بطرس ؛ الموسوعية والشمول والتفرُّد" مقال منشور في موقع بخديدا على الانترنت: www.bakhdida.com
(18) انظر: باقر الورد- المصدر السابق، ص 314 . و باسل حنا بطرس: المصدر السابق. (أطلعني الفنان أندريوس باكوري على كراس للأناشيد المدرسية المختارة صادر في بداية عهد البعث يرد فيه أن نشيد موطني هو من تلحين فليفل أخوان وهذا خطأ بحسب معلومات باسم حنا بطرس).
(19) باسل حنا بطرس: المصدر السابق، موقع بخديدا
(20) باسل حنا بطرس: المصدر السابق، موقع بخديدا
(21) جريدة كل العراق(http://www.kululiraq.com) الصفحة الأخيرة ، مقال "الفنان الراحل سعيد شابو ونشيد لاحت رؤوس الحراب" 6 كانون الأول  2006 ، وسالم حسين الأمير: "الموسيقى والغناء في بلاد الرافدين" بغداد 1999 ، ص 196-197
(22) منذر عبد الحر: مقال " حين تركنا الجسر" منشور في 24 كانون الثاني 2008 في موقع: http://www.aaramnews.com/website/29677NewsArticle.html 
(23) جريدة كل العراق(http://www.kululiraq.com ) المصدر السابق (الصفحة الأخيرة) ، وسالم حسين الأمير: المصدر السابق ، ص 196-197
(24) كوركيس عواد ، معجم المؤلفين العراقيين- مجلد2 ، بغداد 1969  ، ص 44
(25) سالم حسين الأمير: المصدر السابق، ص184.
(26) باقر الورد:أعلام العراق الحديث، بغداد، 1978 – ج1 ص221.
(27) عبد الوهاب بلال: جميل بشير وعلاقته بالتراث الموسيقي العراقي ، أيام بغداد ، بغداد 1983 ص231.
(28) المصدر السابق ص232.
(29) المصدر السابق ، ص 233- 236.
(30) المصدر السابق، ص 238-239.
(31) المصدر السابق ص 239
(32) سالم حسين الأمير : المصدر السابق ص185-186.
(33) باسم حنا بطرس : "لمحات من شخصية الفنان منير بشير"، مقال منشور على صفحة بخديدا على الانترنت، قسم فنانونا السريان: www.bakhdida.com
(34) باسم حنا بطرس: المصدر السابق
(35) سالم حسين الأمير: المصدر السابق، ص186-187.
(36) دريد الخفاجي: "غانم حداد.. ساحر المعزف ونديم القوس والوتر"- جريدة "المدى" العراقية، ص13 ، العدد (804 -11) 4 تشرين الثاني 2006م.
(37) من حديث الفنان لدريد الخفاجي، المصدر السابق ص13. العدد (804 -11) 4 تشرين الثاني 2006م 
(38) دريد الخفاجي: المصدر السابق ص 13. العدد (804 -11) 4 تشرين الثاني 2006م
(39) أنس حداد: مقال منشور في موقعه الشخصي: http://www.anashaddad.com .
(40) باسم حنا بطرس: "غانم ايليا حداد" مقال نشر في موقع بخديدا دوت كوم – قسم فنانونا السريان- في 12 كانون الثاني 2005
(41) من مقابلة اجرتها شيماء الزبير مع غانم حداد في قناة الشرقية - نص المقابلة منشور على موقع القناة.
(42) دريد الخفاجي: المصدر السابق: ص13 ، العدد (804 -11) 4 تشرين الثاني 2006م.
(43) باسم حنا بطرس: المصدر السابق ( يقول باسم بطرس في نهاية مقاله إن معلوماته مستقاة من وثيقة القسم الموسيقي لمعهد الفنون الجميلة الصادرة في نيسان 1979، من إعداد الموسيقار فريد الله ويردي ، فضلا عن الأرشيف الخاص به)
(44) أنس حداد: مقال منشور في موقعه الشخصي: http://www.anashaddad.com
(45) دريد الخفاجي: المصدر نفسه: ص13 ، العدد (804 -11) 4 تشرين الثاني 2006م.
(46) سالم حسين الأمير: المصدر السابق، ص 257
(47) فيصل الياسري في موقع فضائية الديار على شبكة الانترنيت في 3 آذار 2008
http://www.aldiyarsat.net/news/122/ARTICLE/1110/2008-03-03.html
(48) الموقع الشخصي للفنانة نجوى سلطان على شبكة الانترنيت:  www.najwasultan.com/bio.html
(49) فؤاد سالم (حاوره حيدر النعيمي) مجلة "الشبكة العراقية" عدد يوم الأحد 9 تشرين الثاني 2008
(50) كرم نعمة في عمود (تايتل) جريدة الزمان العدد 353 في 8 آب 2008
(51) جميل مشاري، في (استراحة المدى) جريدة المدى البغدادية ، عدد يوم 22 أيلول 2008
http://almadapaper.net/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=51218
(52) باسم حنا بطرس: "موسيقى العراق على يد ناظم نعيم" مقال منشور على موقع بخديدا دوت كوم في قسم " فنانونا السريان" .
(53) سالم حسين: المصدر السابق ، ص 258- 259 .
(54)  سالم حسين: المصدر السابق، ص 259.
(55) فؤاد ميشو ونخبة من الأدباء والشعراء :ناظم نعيم .. اللحن الجميل، هاي تك للنشر والاعلان،  مشيغان 1994، ص 140، عن باسم حنا : موسيقى العراق على يد ناظم نعيم/ مقال منشور على موقع بخديدا دوت كوم في قسم " فنانونا السريان".
(56) من لقاء مع باسم حنا بطرس أجراه ثائر صالح  - جريدة المدى، العدد 11- 533 ص 13.
(57) المعلومات مستقاة من رسالة لفؤاد ميشو إلى باسم حنا بطرس- موقع بغديدا دوت كوم ، قسم فنانونا السريان.
(58) باسم حنا بطرس: المصدر السابق، موقع بغديدا دوت كوم ، قسم فنانونا السريان.
(59) باسم حنا بطرس: المصدر السابق، موقع بغديدا دوت كوم ، قسم فنانونا السريان. 
(60) موقع: يو إس إنفو USInfo> منشورات > نشرة واشنطن (ألبوم تراثيات عراقية) مقال منشور في 7 شباط/فبراير 2007
(61) سالم حسين الأمير: المصدر السابق، ص 188- 189
(62) هيثم الملاك: موقع "موسيقى عراقية" على الانترنت
 http://video.aol.com/video-detail/-iraqi-song/1943297227/?icid=VIDURVMUS02
(63) عبد الوهاب الشيخلي: في عموده "صالون" مجلة "الشبكة العراقية"، العدد 13 بتاريخ 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2006
(64) جعفر حسن : لقاء أجراه عزيز الخيكاني في صفحة فنون لجريدة الصباح البغدادية،  بتاريخ 3 كانون الأول 2007.
(65) جعفر حسن: لقاء شخصي يوم 15 كانون الثاني 2009 في عنكاوا بأربيل.
(66) عبد الوهاب الشيخلي: المصدر السابق. مجلة "الشبكة العراقية"، العدد 13 بتاريخ 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2006
(67) د. سيار الجميل: "فريد الله ويردي الموسيقار الذي طارت شهرته في الغرب .. وبقي في الشرق معلم نوته !!" جريدة التآخي - إبعاد ثقافية ، العدد 22  شباط/فبراير 3/2/2007
(68) عادل الهاشمي: فريد الله ويردي "موهبة فذة وريادة بارزة في التأليف الموسيقي"
جريدة (الزمان) الدولية - العدد 2615 - التاريخ 10/2/2006
(69) د. سيار الجميل: المصدر السابق ، العدد 22  شباط/فبراير 3/2/2007
(70) من رسالة لألبير شفو إلى باسم حنا بطرس نشر نصها الأخير في مقال تحت عنوان (ألبير شفو .. الموسيقار السرياني العراقي- الجزء الأول)  كتب في آب 2005 ونشر في موقع بخديدا دوت كوم ضمن باب فنانونا السريان.
(71) باسم حنا بطرس: مقال تحت عنوان "ألبير شفو .. الموسيقار السرياني العراقي"  كتب في آب 2005 ونشر في موقع بخديدا ضمن باب فنانونا السريان.
(72) من رسالة لرينيه (صهر شفو) لباسم حنا بطرس. في 13 آذار 2006 نشرت في المصدر السابق نفسه- الجزء الثاني.
(73) من رسالة لألبير شفو إلى باسم حنا بطرس: المصدر السابق، موقع بخديدا ضمن باب فنانونا السريان.
 (74) المعلومات عن فكري بشير مستقاة من حميد المطبعي : أعلام العراق، بغداد 1988 ج3، ص194.
(75) باسم حنا بطرس، مقال عن لويس زنبقة ، بغديدا دوت كوم.
(76) ثائر صالح  - جريدة المدى، العدد 11- 533 ص 13.
(77) مصطفى القره داغي: "الموسيقار رائد جورج.. رائد التجديد في الموسيقى العراقية" موقع الحوار المتمدن على الانترنت - العدد: 2005 - 2007 / 8 / 12 
(78) باسم حنا بطرس: تعدد المواهب وحديث عن نهلة الياس ججو، بخديدا دوت كوم، ضمن باب فنانونا السريان.
(79) كريم شارَزا- مقامات سيوه في ميزان الأصالة، الأمانة العامة لإدارة الثقافة والشباب‘ 1980- الصفحات 19، 20، 21 .
(80) كريم شارَزا: المصدر السابق ص 21
(81) كريم شارَزا: المصدر السابق ص23
(82) أندريوس باكوري: مطربون خالدون – ج1 دار ئاراس، أربيل، 2001 ص 122
(83) كريم شارَزا: المصدر السابق ص 24
(84) أندريوس باكوري: المصدر السابق ص122-123
(85) أندريوس باكوري: المصدر السابق ص 124
(86) أندريوس باكوري: المصدر السابق ص 125
(87) المعلومات عن أندريوس باكوري مستقاة من كتابه "عُمْرٌ من الغناء والألحان والموسيقى والانشراح" دار ئاراس، أربيل، 2005
(88) المعلومات عن وليم يوحنا أفصح بها أندريوس باكوري لي شخصيا في مقابلة معه في بيته بأربيل في تشرين الأول 2008
(89) سالم حسين الأمير: المصدر السابق ص 89 ، ووفاء النثيمة في موقع: http://zennobia.blogspot.com/2005_04_01_archive.html بالانكليزية على الأنترنت
(90) سالم حسين الأمير: المصدر السابق، ص279
(91) سالم حسين الأمير: المصدر السابق، ص 279
(92) سالم حسين الأمير: المصدر السابق، ص 206
(93) سالم حسين الأمير: المصدر السابق، ص 283
(94) الشرق الأوسط:الأربعاء 27  تشرين الثاني/ نوفمبر 2002 العدد 8765
(95) سالم حسين الأمير: المصدر السابق ص 280

 
 
12  المنتدى العام / بحوث و دراسات عامة / دور الكلدان الآشوريين السريان في نشأة الموسيقى العراقية المعاصرة وتطورها في: 16:51 19/03/2009
تحميل الدراسة على شكل ملف  PDF
www.ankawa.com/pdf/dawr_kas_music.pdf


دور الكلدان الآشوريين السريان
في نشأة الموسيقى العراقية المعاصرة وتطورها(*)

د. سعدي المالح
 
                                       


تبوأت الموسيقى منزلة ذات شأن في المجتمع العراقي منذ العصور القديمة. ونظرا لأهميتها ودورها الفاعل في  الشؤون الدينية والدنيوية للناس دخلت المعابد والقصور الملكية والكنائس وأصبحت ترافق الكثير من الطقوس اليومية. وحصل العراقيون على إرث موسيقي غني من قدمائهم في عصور مختلفة. ومع بداية النهضة المشرقية، تحديدا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بدأوا بإحياء تراثهم الموسيقي من جهة والنهل من منابع التراث العالمي من جهة أخرى، فتمكنوا بذلك من أغناء ميراثهم الحضاري وخلق موسيقى عراقية معاصرة.
ولعب المسيحيون من الكلدان الآشوريين السريان دورا رياديا كبيرا وهاما في الفنون الموسيقية المختلفة في العراق المعاصر تواصلا لدورهم التاريخي المعروف في هذا الفن، ابتداء من سومر وبابل وآشور، ومرورا بالعصور الساسانية والإسلامية المتقدمة والمتأخرة. لقد برع هؤلاء في صناعة الآلات الموسيقية، والعزف عليها، والتأليف الموسيقي، وتشكيل الفرق الموسيقية والغنائية وتطوير النظريات الموسيقية. وبرز بينهم ملحنون وعازفون وأساتذة موسيقى ومؤلفون موسيقيون يعدون روادا لهذا الفن السامي، كان لهم شأن كبير في الحياة الفنية العراقية إلى جانب أقرانهم من القوميات والأديان الأخرى.
والجدير بالذكر أن معظم هؤلاء الرواد كانوا إما شمامسة في مختلف الكنائس المشرقية أو أولاد شمامسة أو درسوا الموسيقى وتعلموا العزف في صغرهم في المدارس المسيحية الخاصة التي كانت منتشرة في العراق في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وكانت هذه المدارس إلى جانب مدارس اليهود كالاليانس وغيرها تقدم دروسا في العزف على مختلف الآلات الموسيقية والغناء والتأليف الموسيقي.
وكان للآباء الدومنيكان في الموصل دور ريادي بارز في ذلك، واليهم يعود الفضل في إدخال آلة الاورغن الكنسي ذي الأنابيب الهوائية الكبيرة إلى العراق، إضافة إلى آلات غربية أخرى مثل الآلات الهوائية : فلوت ، ترامبيت ، كلارنيت... الخ. كما قاموا بنشر التعليم الموسيقي في مدارسهم، وتشجيع الطلاب على ذلك، فأسسوا جوقات غنائية ، دينية ودنيوية، من طلاب هذه المدارس لتنشد في الحفلات التي تقيمها مدارسهم. إذ بلغ عدد المدارس التي كان الآباء الدومنيكان يديرونها في عام 1900 نحو 22 مدرسة في الموصل وضواحيها للأولاد والبنات ما عدا مدارس محو الأمية والمدارس الحرفية. كل هذه المنجزات أثرت، بصورة لا تقبل الشك، في تنمية الوعي الفني الموسيقي وتشجيعه في مختلف طبقات المجتمع. وهذا أدى إلى ظهور شخصيات موهوبة في الفن الموسيقي آنذاك أبرزها: اسكندر الزغبي(1838- 1912) الأعمى الذي أحب الموسيقى منذ يفاعته وبرع فيها وأصبح أستاذا للموسيقى في مدرسة الدومنيكان في الموصل، وقدم هذا الأستاذ الجليل أعمالا موسيقية عدة شملت أناشيد دينية ومسرحيات غنائية.(1)   
من جهة أخرى كان للألحان الكنسية القديمة لكنيسة المشرق بشقيها الغربي (السرياني)  والشرقي (الكلداني الآشوري)، والتي تعود إلى القرون المسيحية الأولى، والمحفوظة في كتاب (كزّا- كنز الألحان) و( الأشحيم) وغيرها من كتب صلوات الفرض، وللآباء والشمامسة المرتلين، الذين حفظوا هذه الإلحان جيلا بعد جيل، تأثير كبير في ظهور المقامات العراقية وعدد من الألحان الأخرى إما على نحو مباشر عبر التراتيل والأناشيد والمزامير السريانية أو غير مباشر عبر الألحان الفارسية التركية.
ولا يخفى أن الكثير من مغني المقامات وعازفي الجالغي في القرن التاسع وبداية القرن العشرين كانوا إما من اليهود أو المسيحيين،  فقد ورد ذكرهم في كتاب" المغنون العراقيون والمقام العراقي" للشيخ جلال الحنفي(2) بينما أغفل الحاج محمد الرجب في كتابه " المقام العراقي" جميع الأسماء المسيحية واليهودية!(3)
وفيما يلي نلقي الضوء على دور السريان الكلدان الآشوريين في الموسيقى العراقية المعاصرة ( في القرن العشرين)  مركزين فقط على بعض رموز هذا الفن من الذين أسهموا في نشأة الموسيقى العراقية المعاصرة وتطورها بشقيها العربي والكوردي من دون ذكر العشرات من الموسيقيين والمطربين الآخرين المختصين بالموسيقى السريانية أو غير البارزين على نطاق واسع على الساحة العراقية.

صناعة الآلات الموسيقية:
كان حنا عواد 1862-1942(4)( والد الأستاذين الشهيرين كوركيس وميخائيل عواد) واحدا من أعلام الموسيقى العراقية المعاصرة، ورائدا من رواد صناعة الآلات الموسيقية وتطويرها، " فقد أمضى معظم حياته في صنع الكثير من آلات الموسيقى الوترية الشرقية. وأول ما ابتدأ يصنعه منها الآلة المسماة في الموصل الجنبر، وهي ضرب صغير من الطنبور أو البزق. وكانت هذه الآلة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كثيرة الانتشار ودائمة الاستعمال في مدينة الموصل وما حولها من قرى"(5)
وبحسب ولديه (كوركيس وميخائيل) إن حنا عواد أدخل تحسينا عظيما على هذه الآلة. فبعد أن كان بدن الآلة، فيما مضى، ساذجا، يُصنع من طاسة تؤخذ من جوزة النارجيل المجففة صار هو يصنعه من (أضلاع) خشب على غرار ما يتبع في صناعة بدن العود. وأدى تطور صناعة هذه الآلة، بهذا الوجه، إلى تحسين صوتها، إضافة إلى ما اكتسبته الآلة نفسها من أناقة وجمال.(6)
وأقبل حنا عواد أيضا على صناعة آلة القانون الشهيرة، وأدخل عليها تحسينات جمة منها استبدال خشب " وجه" القانون و" بطنه" اللذين كانا يصنعان من "الدلب" المعروف بالجنار بخشب "الجام"، فأصبح بذلك صوت هذه الآلة جهوريا ورخيما جدا، فضلا عما نجم من هذا التحسين من خفة وزن الآلة مما سهل حملها ونقلها.(7)
وهذا التحسين الذي أجراه حنا عواد على آلتي "الجنبر" و"القانون" – برأي العوادَين- يشبه التحسين الذي أجراه زرياب على عوده الذي أصبح يضاهي عود أستاذه اسحق الموصلي(8)
كان العود يستورد من اسطنبول وحلب والشام حتى أواخر القرن التاسع عشر، وكان حنا عواد يقوم بتصليح الأعواد التي أصابها العطب لبعض الضباط الأتراك الذين كانوا يفدون إليه في الموصل، ومن خلال ذلك تعلم سر هذه المهنة فصنع أول عود مماثل لتلك التي كان يصلحها، وكان ذلك بحدود عام 1890. وبهذا يعد حنا عواد أول من أدخل صناعة العود الحديث إلى العراق من دون أن يتلقى هذا الفن على أستاذ.(9)
ويقول ولداه كوركيس وميخائيل في المقال الآنف الذكر إنه صنع 318 عودا ونحو ألف جنبر و400 قانون و4 كمنجات.
ومن بين الأعواد التي صنعها عوده الأخير رقم 318 الذي صنعه في عام 1933 وجعله مسك الختام لحياته الفنية. ويُعد هذا العود رائعته الفنية، فعبر فيه عن براعته المكتسبة خلال حياته، فأدخل عليه من ضروب التفنين في الزخرفة والتطعيم والتخريم ما يخلب الألباب. وبلغ مجموع قطعه الخشب المتخذة فيه 18 ألف قطعة تتألف من صنوف الأخشاب: الجوز والمشمش والأبنوس والنارنج والجام والدلب والاسبندار. وقد عزف على هذا العود وأشاد به أهم الموسيقيين العراقيين والعرب من أمثال المصري شحادة سعادة والشريف محي الدين حيدر والاستاذ منير بشير ، كما وتبوأ هذا العود مكانة مرموقة في معرض موسيقي أقيم في مكتبة المتحف العراقي ببغداد عام 1976.(10)
ويتحدث أكثر من مصدر عن أن بشير القس عزيز( والد الفنانين جميل ومنير وفكري) كان من قدامى صانعي العود في الموصل وعازفا ماهرا وشماسا قديرا ملما بالألحان الكنسية ومرتلا في كنيسة السريان الأرثذوكس في الموصل.(11) لكن مع الأسف لم نتمكن من الحصول على معلومات كافية عنه.

الرواد الأوائل:


أسكندر زغبي:
يعد أسكندر أنطون زغبي واحدا من أوائل الموسيقيين والمغنيين المسيحيين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. ولد في الموصل عام 1874من والدين أصلهما من حلب (سوريا). كان موسيقيا وزجالا موهوبا على الرغم من أميته وعماه بسبب إصابته بالجدري منذ طفولته. كان ينظم الزجل على السجية ويلحنه بنفسه، ثم يرسله غناء وإنشادا على الأسماع. ويقال أنه كان وحده بمثابة فرقة موسيقية، إذ كان يعزف على آلات موسيقية عدة في آن واحد، فينفخ بالمزمار ماسكا بها بيد، ويضرب على الصنج باليد الأخرى، ويضرب على الطبلة برجله. ولذلك أُختير معلما للموسيقى في مدرسة الآباء الدومنيكان بالموصل لعدة سنوات حيث كان يدرب التلاميذ على مختلف الآلات، وخاصة الاورغن الذي يستخدم في التراتيل الكنسية. وينسب إليه تلحين جميع التراتيل المجموعة في كتاب(الكنارة الصهيونية لتسبيح العزة الإلهية) جمع المطران إقليمس يوسف داود زبوني، والمطبوع آنذاك في مطبعة الآباء الدومنيكان.(12)
وقد تمتع اسكندر زغبي بقدرة فائقة على نظم الأغاني الزجلية وتلحينها وتأديتها فألف الكثير منها واشتهر بها في الموصل. ولا يزال الموصليون يرددون بعضها، ومنها: طاف البنا بالشط طاف، و بزّونتي بزّوني، وعَلْ جنجلي سكران وعقلو كري، والخفيسانة وببالي، وفنجاني ، والولد المدلل وغيرها. والولد المدلل التي هي من تأليفه وألحانه غناها سعيد سحار لأول مرة في 12 شباط 1912 في مدرسة الآباء الدومنيكان بالموصل.(13)   
يقول إدمون لاسو في مقال له عن زغبي أن زجلياته وغنائياته تعد صورا انتقادية حية لأحوال المواصلة وعاداتهم إبان العهد العثماني، لذا استجاب لها الناس بعفوية وانتشرت بينهم سريعا، بل بقيت عالقة في أذهان بعضهم حتى اليوم. وكان زغبي ينظم هذه الأغاني على ما يعتقد محمد صديق الجليلي على ألحان أغان أخرى كانت شائعة في الموصل في الجيل السابق. بينما يعتقد د. عمر الطالب أن الزغبي تأثر بموسيقى الملا عثمان الموصلي الذي كان قد أشتهر أمره بالموسيقى بالموصل.(14)
وإن كان زغبي موسيقيا على السليقة يعتمد على الحس الشعبي إلا أنه ربى مئات الطلاب على حب الموسيقى والعزف وقدم أعمالا ما تزال حية في مدينته.     



حنا بطرس


أما رائد العزف والتأليف الموسيقي في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية فكان الفنان حنا بطرس (1896-1958) (15) الذي اشتهر بتلحين الأناشيد المدرسية والوطنية.
ولد حنا بطرس في الموصل وتخرج في المدرسة الإعدادية عام 1914 وبدأ دراسة الموسيقى على ضابط عثماني لمدة أربع سنوات وفي عام 1918 دخل موسيقى الجيش العثماني ثم رقّي إلى رتبة رئيس عرفاء لنبوغه في الموسيقى. وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى سُرّح من الجيش وعُيّن معلما. وفي عام 1921 أقيمت أول دورة كشافية في الموصل فعُيّن حنا بطرس مراقبا للكشافة ومدرسا للموسيقى. (16)
وفي تلك السنة (1921) لحن النشيد الموصلي (شعر الشيخ إسماعيل فرج الكبير) ودرب التلاميذ عليه فأنشد في الحشد الجماهيري المتصدي للمطالب التركية بولاية الموصل، يقول النشيد:

لست يا موصل إلا         دار عزّ وكرامة
أنت فردوس العراق       حبذا فيك الإقامة (17)

وقدم حنا بطرس الكثير للحركة الموسيقية العراقية ، فقد أدار أول جوق لموسيقى الجيش في الموصل عام 1923، ودرَّس الموسيقى في دار المعلمين الابتدائية في بغداد عام 1925.
تخرج في المدرسة الدولية البريطانية في العام 1931، حاصلاً على دبلوم بدرجة امتياز(بروفيسيانس) في علوم الموسيقى والتأليف والقيادة الموسيقية، وأسس في عام 1936 المعهد الموسيقي بوزارة المعارف ببغداد وكان أول مدير له  قبل استقدام الشريف محي الدين حيدر(تحول هذا المعهد فيما بعد إلى معهد الفنون الجميلة، وأصبح  حنا بطرس معاونا للعميد فيه)  وعمل كذلك مشرفاً على الموسيقى والنشيد في إذاعة قصر الزهور منذ تأسيسها من قبل الملك غازي الأول عام 1936 . وفي عام 1941 شكل وقاد أول فرقة سمفونية عراقية ضمن معهد الفنون الجميلة، قدمت حفلتها الأولى على حدائق الكلية الطبية الملكية في بغداد.(18)
وربما القليل جدا من العراقيين والعرب يعرف أيضا إن النشيد الوطني المعروف:" موطني .. موطني/ الجلال والجمال في رباك"( كلمات إبراهيم طوقان) والذي تعلموه في المدرسة وذاع صيته في معظم البلدان العربية هو من تلحينه.
وألف حنا بطرس العديد من الكتب في الموسيقى منها: كتاب "مبادئ الموسيقى النظرية – بغداد 1931" و كتاب "مبادئ النظريات الموسيقية – بغداد 1945"، وكتاب "الأناشيد الوطنية والقومية" 1945، الذي ضمَّ عدداً كبيراً من الأناشيد التي قام بتلحينها وتقديمها في فترة الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي. وله مؤلفان آخران هما " حياة الموسيقيين العالميين" و "وأصول قيادة الاوركسترا" ومؤلفات عدة للكمان والبيانو. فضلا عن ذلك ترك عددا من الكتب غير المطبوعة التي يذكرها أبنه باسم في مقاله المذكور منها: تاريخ الموسيقى- بغداد 1952 وقاموس المفردات الموسيقية (انكليزي – فرنسي- عربي) 1956 ومدونات التراتيل الطقسية الكلدانية- 1956.
وكان حنا بطرس شماسا إنجيليا ومؤدياً قديراً لتراتيل الطقس الكنسي في الكنيسة الكلدانية، وهذه التراتيل هي عبارة عن مقامات يؤديها الشمامسة في الكنائس  الشرقية السريانية (الآشورية الكلدانية السريانية) منذ القرون المسيحية الأولى في الأقل، وهي المقامات التي عليها تأسس فن المقام العراقي فيما بعد.
تدرج حنا بطرس في رتب الخدمة الكنسية بدرجة (شماس إنجيلي) مؤدياً قديراً لتراتيل الطقس الكنسي الكلداني، سجل فيها أول اسطوانتين فونوغرافيتين لشركة (صوت سيِّدِه – His Master’s Voice) بمصاحبة الكمان (عازف الكمان سامي الشوا – من حلب) والقانون (نوبار ملهاسيان – أرمني من تركيا) والعود (داؤد الكويتي موسيقار يهودي من العراق)، ضمَّنها أربع تراتيل، منها "كاروزوثا دحشّا" و "قوم شبير" باللحن الخاص بالجمعة العظيمة، و"قصة كيّاسا". (19)
ومن مقطوعاته الموسيقية:
1- الروندو الشرقي   Rondo Oriental  (للكمان والبيانو، ثم للأوركسترا السمفونية 1936)،
2- اللحن العربي Melodie Arabe (للكمان والبيانو، 1938)،
3- تأملات موسيقية (للفرقة الهوائية والفرقة السمفونية 1941) في خمسة مصنفات.
4- مجموعة من القطع الموسيقية المؤلفة خصيصاً لأجواق الموسيقى الهوائية.
5- لحنَّ عدداً من التراتيل الكنسية، وخصوصاً لحن بأربعة أصوات (هارموني) لترتيلة (طاس وَن حيث رَيش – إنحدر ملاك من السماء) الخاصة بقيامة المخلص.(20)
   
   سعيد شابو :
   ويعد سعيد شابو من رواد الرعيل الأول من الموسيقيين الكلدان السريان الآشوريين في العراق. كان له دوره الملحوظ في العزف والتلحين والتعليم الموسيقى سنوات طويلة امتدت من العشرينيات وحتى نهاية الستينيات.    
في السادسة من عمره وجد الطفل سعيد أباه يرتل الأدعية ويؤدي مراسيم الصلاة في كنائس الموصل، وراح يقلده في ما ينشد ويرتل. وعندما كان تلميذا في مدرسة شمعون الصفا الابتدائية (كانت المدرسة تابعة للكنيسة الكلدانية تديرها مجموعة من الراهبات) طلب المدرس (جميل نوري، معلم الموسيقى والأناشيد) من تلاميذه  تشكيل فرقة طلابية موسيقية، فكان سعيد أول من لبّى النداء بدوافع حبه للموسيقى وسار على أثر والده.  وتعلم في تلك الفرقة العزف على آلة الترامبيت وأصبح رئيسا لها. كان ذلك قبل أن ينهي دراسته الابتدائية، أي بعمر عشر سنوات وربما أقل !
في بداية عام 1925 انتقل من الموصل إلى بغداد ودخل (دار المعلمين الابتدائية ( ودرس النشيد على يد الاستاذ نوري ثابت (مدرس الرياضة والنشيد في الدار وصاحب جريدة حبزبوز). ويقول سعيد شابو:" وشكلنا أثناء دراستنا في الدار فرقة موسيقية غنائية تتكون من لويس فرنسيس على آلة (الآكتو) وزكريا يوسف على آلة الترمبيون ويعقوب عبد المسيح على آلة الكونترباص ( الصوت الغليظ) وخليل حنا على آلة البارتيون".
وفي عام 1928 تخرج في دار المعلمين الابتدائية وعين في مدرسة رأس القرية في محلة الدهانة ببغداد ، بعدها انتقل إلى مدرسة الطاهرة الابتدائية ببغداد. في العام 1930 شكل فرقة أناشيد من طلاب المدرسة التي كان يعلّم فيها. ثم عين مشرفا عاما للنشاط المدرسي في مدارس بغداد وانصرف إلى تلحين الأناشيد ومنها ( نحن الشباب لنا الغد) والنشيد الحماسي المشهور ( لاحت رؤوس الحراب/ تلمع فوق الروابي) وهو من تأليف مدرس مجهول. ويعد من بين الأناشيد العراقية والعربية الخالدة لصدق كلماته وعفويتها وانسجام اللحن الذي يدعو إلى التضحية في سبيل الوطن العراقي بكل قومياته ومختلف أديانه ومذاهبه. (21)
ولهذا النشيد قصة، لا أحد يعرف من هو الكاتب الحقيقي لمفرداته، حتى ملحّنه الفنان الكبير الراحل سعيد شابو، الذي روى حكايته مستغرباً  سطورها؛ عندما كان مشرفاً تربويّا زار إحدى مدارس بغداد،  وبينما كان في طريقه إلى مغادرة تلك المدرسة، ناداه أحد المعلمين من كبار السنّ وسلّمه ورقة بالية، وضعها شابو، في جيب سترته، وعندما وصل إلى بيته تذّكر الورقة البالية وأخرجها من جيبه، فإذا هي كلمات (لاحت رؤوس الحراب)، وقد أعجب بها وسرعان ما لحنها، وحين أراد تسجيلها لم يعثر على اسم الشاعر في الورقة، وكان قد نسي في أيّ مدرسة التقى فيها هذا الرجل المسن صاحب كلمات النشيد، الأمر الذي جعله يزور جميع المدارس التي زارها سابقاً ، ومع هذا لم يعثر على الشاعر ! (22) .
في العام 1936 دخل الفنان شابو معهد الفنون الجميلة، وكان شابو أول طالب عراقي يدرس الموسيقى على آلة البيانو على يد المدرس الايطالي جوليان هرتس، وفي تلك الفترة وضع أول ألحانه التي حملت عنوان "الطيار" والذي عمم على مدارس العراق للإنشاد الصباحي، كما قدم اللحن ذاته من الإذاعة اللاسلكية آنذاك. يقول الفنان شابو " أما أول لحن قدمته لمطرب فكان من نصيب المطرب الكردي الراحل علي مردان وذلك في العام 1949 ."
في عام 1958 عمل في معهد الفنون الجميلة، ثم نقل إلى وزارة التربية. وفي عام 1964 أسس معهدا موسيقيا للأطفال. 
 في عام 1969 اُحيل على التقاعد ، لكنه ظل يواصل عمله الموسيقى فأصبح مشرفا على فرقة الموسيقى الخاصة بالأطفال في الاذاعة العراقية . كما عمل أستاذا في مركز التدريب الإذاعي وتخرج على يديه عشرات الموسيقيين العراقيين. (23)
لسعيد شابو ثلاثة كتب أناشيد:
1-   أغاني الجمهورية العراقية الحديثة، بغداد ط1، 1959 ط2 1960.
2-   الأناشيد القومية الحديثة ، القاهرة 1948.
3-   الأناشيد الوطنية الحديثة ، بغداد 1941.
4-   كما أصدر في عام 1962 ( دار الموسيقى للأحداث ، بغداد 1962)(24)

جيل الأربعينيات والخمسينيات
جميل بشير



 
وواصل جميل بشير(1921-1977) لعب دوري حنا بطرس وسعيد شابو في الموسيقى العراقية وسار على نهجهما، بل وفاقهما شهرة وإنتاجا. وكان جميل بشير من عائلة فنية أيضا، إذ كان والده الشماس بشير القس عزيز من قدامى صانعي العود في الموصل وعازفا ماهرا وشماسا قديرا ملما بالألحان الكنسية ومرتلا في كنيسة السريان الأرثذوكس في الموصل. وبتأثير أجواء هذا البيت أتقن العزف على العود في وقت مبكر من حياته. التحق جميل بشير بمعهد الموسيقى في بغداد في السنة الأولى من افتتاحه عام 1936 في فرعي العود والكمان في آن وبرز بهما بروزا بارعا جعله قبلة الاستماع ومحط اهتمام الأساتذة والطلاب على حد سواء (25). فدرس العود على الأستاذ الكبير محي الدين حيدر والكمان على الموسيقار البروفيسور ساندو ألبو وتخرج عام 1943 بدرجة امتياز وعين مساعدا للشريف محي الدين والأستاذ ساندو البو في آن واحد، ومن الجدير بالذكر كان بشير الطالب الوحيد الذي تخرج بدرجة الامتياز في فرعي الموسيقى الشرقية والغربية.(26)
وشرع أثناء دراسته وبعد تخرجه ( وكان قد عين أيضا مراقبا للأناشيد والموسيقى قي وزارة المعارف) بتأليف الأناشيد المدرسية والتدريس الموسيقي. ويتضمن كتابه "مجموعة الأناشيد المدرسية الحديثة “ الذي جمع فيه أناشيده فيما بعد، 46 نشيدا مدرسيا مع نوتاتها الموسيقية وهي من ألحانه.
لكن أهم عمل قام به جميل بشير كان تدوين المقامات العراقية ونشر عدد من المقدمات الموسيقية لبعضها في كتابه " العود وطريقة تدريسه"(27) . كما دون موسيقى مقام الراست تدوينا كاملا من أوله إلى آخره بضمنها المقدمة الموسيقية والفواصل الموسيقية ، غير أنه لم ينشره في كتابه، وكان قد قدمه في إحدى حفلات معهد الفنون الجميلة في أواخر الخمسينيات. وسجل العديد من المقامات مع أبرز المطربين العراقيين : محمد القبانجي ، ناظم الغزالي ، يوسف عمر، عبد الهادي البياتي ، عبد الرحمن خضر، زهور حسين وصديقة الملاية وغيرهم...هذا إلى جانب تسجيله العديد من المقامات العراقية على آلتي العود والكمان كموسيقى متفردة لتراثنا الغنائي. (28)  ومن أعماله الفنية الشهيرة أيضا إعادة توزيع الأغاني الشعبية العراقية وتسجيلها بصوت المطرب ناظم الغزالي الذي برز فيها وذاع صيته في البلدان العربية كافة.  وربما لا يعرف الكثير من العراقيين أن الأغاني المعروفة التي يطربون عليها كـ " على جسر المسيب سيبوني " و" كلي يا حلو" و" مروا بنا من تمشون" و" يا ابن الحمولة" و" خايف عليها" و" طالعة من بيت أبوها و"ما اريده الغلوبي" و " يا بنية ويا بنية" و" فوك النخل " وغيرها من الأغاني الشعبية التراثية  أعدها إعدادا فنيا وموسيقيا وأشرف على تسجيلها جميل بشير.(29)
وألف جميل بشير مجموعة من المقطوعات الموسيقية في صيغ الموسيقى التقليدية العربية، ومجموعة من المؤلفات الموسيقية في صيغة الدراسات الأكاديمية ذات الأسلوب التقني الصعب الأداء الذي يتطلب المهارة الفنية العالية، كما ألف عددا من المقطوعات الموسيقية ذات طابع طروب(30).
كان جميل بشير يلحن و يغني باللغة الكردية أيضا، ويقول معاصروه إنه كان مؤديا بارعا ولكنه فضل الاستمرار في العزف متخليا عن الغناء. من ناحية العزف رافق جميل بشير معظم مطربي العراق الكبار على آلة الكمان والعود.  يقول عنه الباحث الفرنسي جان كلود شابرييه: " كان عازفا فذا ومدرسا عالي الكفاءة تتلمذ على يديه معظم الفنانين العراقيين المعاصرين وأفاد عازفو العود من تعليم منهجه شديد الشبه بمنهج الشريف محي الدين حيدر( أستاذه) الذي يعد بمثابة وثيقة فريدة في الشرق."(31)
وبرع جميل بشير في تدريس العود في معهد الفنون الجميلة في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وتخرج على يديه عشرات الفنانين.
ويعد كتابه " العود وطريقة تدريسه" الذي هو، عبارة عن خلاصة تجاربه في التدريس لعشرين عاما، واحدا من أهم المراجع لتدريس العود في العصر الحديث. والجدير بالذكر أن العديد من طلابه أصبحوا أساتذة للموسيقى العراقية من بعده أمثال غانم حداد و منير بشير و على الإمام و كذلك شعيب إبراهيم.
ولجميل بشير أيضا مجموعة من القطع الموسيقية الأـكاديمية المسجلة بعوده. وقد عزف وأقام كونسرتات في كل من القاهرة وبيروت وموسكو وباكو وباريس ومونت كارلو ولندن.
كان نتاج جميل بشير الموسيقي غزيرا ومتنوعا وقيما باعتراف الجميع.



منير بشير
 
وفي الوقت نفسه كان لأخيه منير بشير(1928-1997) دوره الكبير في النشاط الموسيقي عزفا وتأليفا منذ أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، فقد ولد في الموصل وتأثر بوالده وبالمقتنيات الغنائية والموسيقية التي كانت بحوزته مستمعا إليها بشغف وإعجاب على جهاز الغرامافون. تعلم منير بشير العزف على العود وهو صغير، فكان موضع رعاية والده وأخيه جميل وإعجاب الكثيرين من أبناء مدينته. (32)
درس العزف على العود بمعهد الفنون الجميلة  في عام 1939 على يد أستاذه محي الدين حيدر وأخذ عنه أساليبه التقنية المتقدمة في العزف وبعد تخرجه عام 1946 مارس العمل الفني في إذاعة بغداد، وفي التلفزيون بعد تأسيسه عام 1956عازفا ورئيسا لفرقته الموسيقية، ومن ثم رئيسا لقسم الموسيقى. كما مارس التدريس في معهد الفنون الجميلة، وأسس له فيما بعد معهدا خاصا باسم المعهد الأهلي للموسيقى، وانتخب رئيسا لجمعية الموسيقيين العراقيين.(33)
واصل منير بشير دراسته للموسيقى في الخارج فاختار العلوم الموسيقية المقارنة في هنغاريا وحاز على درجة الدكتوراه. يقول عنه زميله باسم حنا بطرس:" لقد جاهد للخروج بالآلة الموسيقية العربية من محدودية استعمالاتها بشكل ثانوي في مصاحبة الغناء. مؤكداً قدراتها الواسعة غير المحدودة في الأداء والتعبير. انطلاقا من تطوير أسلوب التقسيم التقليدي إلى سياحة آفاقية من الإرتجالات الحرة المؤسسة على الانتقالات المقامية العربية، بعيداً عن التطريب المفتعل. فصار – بحق – صاحب مدرسة متفردة في هذا المجال، اقتدى بها العديد من معاهد الموسيقى في العالم العربي، وصار أسلوبه واضحاً في أداء معظم عازفي العود المحدثين العرب. إذ تحول أداؤه من شكل العزف المتوسِّل للإعجاب، إلى منطلقاتٍ تأملية وجدانية، لكأنك داخلٌ صومعة متعبد تستوجب الإنصات التام بكل خشوعٍ." (34)
وتبوأ منير بشير مناصب عدة في العمل الموسيقي منها: مستشاراً فنياً في وزارة الثقافة والإعلام العراقية، ومديراً عاماً لدائرة الفنون الموسيقية فيها، ورئيساً للجنة الوطنية العراقية للموسيقى وأميناً عاماً للمجمع العربي للموسيقى بجامعة الدول العربية، ونائباً للرئيس في المجلس الدولي للموسيقى التابع لليونسكو، وعميداً فخريا لمعهد الموسيقى العربية في القاهرة، ومؤسساً لمهرجان بابل الدولي.
وقدم منير بشير للموسيقى العراقية مقطوعات جميلة من العزف المنفرد على العود بعضها مستوحاة من التراث.(35)



غانم حداد:
 
تشهد الموسيقى العراقية لغانم إيليا حداد (1925) عازفا مبدعا على الكمان والعود الذي بدأ نجمه يسطع منذ أوائل الخمسينيات من القرن الماضي.
ولد ببغداد وأكمل تعليمه الابتدائي والثانوي فيها. كان والده محبا للغناء والموسيقى ويمتلك صوتا جميلا ، وفي هذا الوسط بدأ منذ صغره يسمع الأغاني والمقامات العراقية.
ولج عالم الموسيقى في الثلاثينيات حين شُكلت في بغداد أول فرقة نشيد مركزية، وكانت بإشراف الفنان التربوي الراحل حنا بطرس، الذي اختار أعضاءها من طلبة مدارس عدة، أما الهدف الذي تشكلت من اجله الفرقة فكان إلقاء الأناشيد في إذاعة قصر الزهور التي يشرف عليها الملك غازي شخصياً، وقد كان الصغير غانم احد أعضاء هذه الفرقة التي زارت العديد من المحافظات لتقديم النشاطات الفنية وإحياء المهرجانات الوطنية والرياضية.(36)
ويقول غانم حداد نفسه: "وبعد وفاة الملك انحلت الفرقة، وقتها اقترح الأستاذ حنا بطرس تعليمنا العزف على الآلات الموسيقية النفخية، وتحمس بعض الزملاء للفكرة وبدؤوا بأخذ تمارين في العزف على الآلات النحاسية، وكانوا يتدربون في معهد الموسيقى الذي كان الأستاذ حنا بطرس مديراً له." (37) 
ويضيف :"أحببت آلة الكمان وتقدمت أنا وشخصِِ آخر للدراسة في قسم الآلات الوترية وتم قبولي بالمعهد، بعد تلك الفترة وجدنا من شجعنا حتى نتعلم، فبعد المقابلة التي اجتزتها اختارني الأستاذ ساندو آلبو لفرع الكمان ودرست بإشرافه ثلاث سنوات كنت خلالها أنال رضا الأساتذة جميعا، إلا إنني تعرضت فجأة لحادثٍ كسرت على أثره ذراعي اليسرى مما سببت لي آلاماً راحت تمنعني من مواصلة التمرين، وبعد شفاء الكسر نهائياً استمر الألم يعاودني أثناء العزف فقررت ترك المعهد وكان أمراً مؤسفاً لي ولأستاذي الذي روى لعميد المعهد ما حصل معي ونيتي ترك الدراسة بعد أن أوصلني إلى مستوىً متقدم قياسياً، ويومها أرسل الموسيقار الشريف محيي الدين حيدر بطلبي وقال لي:( سمعت إن حادثاً أصاب ذراعك ما جعلك تتأخر في دراسة الكمان وأنا اقترح عليك تغيير آلة الكمان والانتقال إلى العود وتستمر في الدراسة لان من المؤسف أن يترك المعهد طالب بمثل موهبتك، والعود آلة جميلة وواسعة التعبير ولها أعمال كثيرة وان شاء الله ستوفق فيها مستقبلاً.) ثم امسك بعوده وقال:(انظر.) وأعطاني العود وقال: (حرّك أصابعك، هل تشكو من شيء ؟.. غداً تحضر دفترك وتنتظم في الدراسة معي.) ومازلت احتفظ بهذا الدفتر الذي كتب فيه الشريف محيي الدين حيدر تماريني الأولى". (38)
اكمل غانم حداد دراسته في المعهد وحصل على دبلوم في الموسيقى بتفوق، لكنه لم يترك آلة الكمان التي أحب وعشق، لا بل عاد يمارس العزف على آلته الكمان وبدأ بتطبيق ما تعلمه وعمله على آلة العود بعزفه على آلة الكمان، حتى استطاع أن ينال المرتبة المرموقة بالموسيقى بصفته (فنان مبدع) في آلتي الكمان والعود. وبدأ نجمه يسطع منذ تلك الفترة في أوائل الخمسينيات. (39).
 وكان تخرّجه في فرع العود بمعهد الفنون الجميلة بامتياز سنة 1946. في العام ذاته ألتحق بقسم الموسيقى بـ (محطة إذاعة بغداد اللاسلكية – هكذا كان اسمها) عازفاً للكمان إلى جانب جميل ومنير بشير وجمال سرّي وحسين عبدالله وغيرهم من الموسيقيين.  حصل بعدها على زمالة دراسية في براغ (جيكوسلوفاكيا) لدراسة إدارة الأقسام الموسيقية الإذاعية وتنظيمها ونال الدبلوم فيها.(40)
           في دار الإذاعة والتلفزيون أصبح رئيساً للفرقة الموسيقية ومشرفاً على القسم الفني الموسيقي في الإذاعة الكردية.
عندما عمل في الإذاعة شكل مجموعة من عازفين ومنشدين من داخل مؤسسة الإذاعة، وقام بتدريبهم بقصد الحفاظ على تراثنا الأصيل. حيث سجل نحو خمسين أغنية عراقية لفرقة الإنشاد ولأشهر قدامى المطربين والمطربات في العراق، وبعدها اخذ الجقمقجي موافقة بها ونقلها على اسطوانات حيث انتشرت انتشارا كبيرا في الوقت الذي لم يكن فيه للأغنية أي اثر(41)  وقدمت فرقة الخماسي العديد من الحفلات داخل العراق وخارجه تضمنت مختلف ألوان الموسيقى العراقية والعربية والقوالب الكلاسيكية كالسماعيات والبشارف واللونغات والمقدمات والتحميلات الموسيقية تتخللها باقات من الارتجال الانفرادي والتقاسيم الكلاسيكية، ( 42)
سافر كثيراً متجولاً في أنحاء العالم لتقديم حفلاته الفنية منفرداً أو بمصاحبة فنانين آخرين. ومن بين أبرز تلك الجولات المبكرة، سفرته المشترَكة أواسط الخمسينات، مع منير بشير إلى تركيا ومنها إلى أوربا. هناك كان لقاؤه الأول مع محطة الإذاعة البريطانية (BBC) في مقابلة وعزف حي على الهواء لكل منهما. (43)
وشغل غانم حداد العديد من المناصب الفنية منها رئيس القسم الموسيقي والإنشاد في معهد الفنون الجميلة 1956. وعضو المجلس الأعلى لنقابة الفنانين العراقيين ورئيس القسم الموسيقي للإذاعة العراقية ونقيباً للموسيقيين العراقيين وعضو اللجنة الوطنية للموسيقى، وعضو لجنة التراث للفنون الموسيقية العراقية ومحاضر في معهد الدراسات النغمية، وكلية التربية (القسم الفني). ومن أعماله أيضا تشكيل فرقة (خماسي الفنون الجميلة) والمؤلفة من ابرز أساتذة الموسيقى العربية في العراق: غانم حداد- كمان، روحي الخماش- عود، سالم حسين- قانون، حسين قدوري - جلو، وحسين عبد الله - ايقاع.) ، حيث قدمت هذه الفرقة العديد من البرامج الموسيقية، وكان لها حضور واضح ومتميز في الساحة الموسيقية داخل العراق وخارجه .  كما ألف غانم حداد العديد من المقطوعات الموسيقية، وهي مسجلة في المكتبة الموسيقية لإذاعة بغداد، و معظمها مدون في الكتب الموسيقية التي تدرس في جميع المعاهد الموسيقية في العراق.
ومن هذه المؤلفات:
1- سماعي رست
2- سماعي لامي
3- مقطوعة موسيقية / ذكرى من مقام النهاوند
4- مقطوعة موسيقية / صدفة من مقام الرست
5- مقطوعة موسيقية / مع الصباح من مقام الصبا
6- مقطوعة موسيقية / ميادة من مقام النهاوند
7- مقطوعة موسيقية / رقصة الغجرية من مقام النكريز
8- مقدمة موسيقية / من مقام فرح فزه
9- لونكا / بلبل من مقام النكريز
10- سولاف / موسيقى من شمالنا الجميل من مقام المحير بيات
11- مقطوعة موسيقية / مزاهر من مقام الهزام
12- مقطوعة موسيقية / فراشة من مقام عجم(دو) (44)
وقام غانم حداد بوضع دراسات وتمارين ومقدمات متميزة من وحي التراث الموسيقي العراقي، وقد تتلمذ على يديه المئات من طلاب الموسيقى وهواتها وكانت بينهم أسماء لامعة في مجال الموسيقى مثل أستاذ العود معتز محمد صالح وعلي الإمام وصلاح القاضي وسالم عبد الكريم وسامي نسيم وآخرين.(45)

--- يتبع في الاسفل ----
13  الارشيف / تضامنا مع سيادة المطران بولس فرج رحو وتخليدا لمرافقيه / قداس بمناسبة أربعينية الشهيد المرحوم فرج رحو في عقرة في: 18:39 18/04/2008
قداس بمناسبة أربعينية الشهيد المرحوم فرج رحو في عقرة


بمناسبة أربعينية المرحوم الشهيد فرج رحو أقام الأب اندراوس ميخائيل، راعي أبرشية نهلة وعقرة لكنيسة المشرق القديمة صباح الجمعة المصادف 18 نيسان 2008 قداسا جنائزيا على روح الشهيد شارك فيه الشماس بنخاس خوشابا والشماس كيفان أويتر وحضره عدد كبير من مسيحيي مجمع عقرة.
وعبر الأب أندراوس ميخائيل عن الحزن العميق بفقدان المطران رحو معتبرا إياه شهيدا لكنيسة المشرق والشعب المسيحي.
عنكاوا كوم
14  المنتدى العام / بحوث و دراسات عامة / حول لطيف وخوشابا ودور السريان في نشأة المسرحية العراقية في: 09:30 06/04/2008

الأخوة في إدارة منتديات عنكاوا
تحية طيبة

كتب السيد  سالم ايليا ضمن حقل "صورة وخبر" في موقعكم الالكتروني أن رواية (لطيف وخوشابا) هي أول نص مسرحي نُشر في العراق معتمدا على بعض المصادر ومستعرضا موضوع المسرحية فضلا عن نشره صورة لغلافها وبعض صفحاتها، إننا في الوقت الذي نثمن ونقدر فيه جهود السيد سالم ايليا في متابعة النشاط الثقافي الرياديي لأبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري في العراق نود أن نقول أن هذه المعلومة تنقصها بعض الدقة إذ ليست (لطيف وخوشابا) أول مسرحية تنشر في العراق إنما سبقتها مسرحيات أخرى للقس حنا حبش ( آدم وحواء – يوسف الحسن – طوبيا) في عام 1880 وللقس هرمز نرسو الكلداني (نبوخذ نصر) في عام 1888 بينما نشرت مسرحية لطيف وخوشابا في عام 1893. وفيما يلي فصل من دراسة أكاديمية مطولة، كتبتها قبل أكثر من سنة ولم تنشر للآن، حول دور السريان الكلدان الآشوريين في نشأة المسرحية في العراق وتطورها، يلقي الضوء على هذا الموضوع.


د. سعدي المالح ( عنكاوا) العراق




حول لطيف وخوشابا ودور السريان في نشأة المسرحية العراقية




" التاريخ يسجل للمسيحيين فضل إدخال هذا الفن الجديد إلى العراق وتنبيه الجمهور إليه "
 د. علي الزبيدي – المسرحية العربية في العراق ص76

لقد سبق التأليف المسرحي غيره من الأجناس الأدبية الحديثة في العراق المعاصر، وكانت بداياته على أيدي الأدباء الكلدان السريان الآشوريين. وتؤكد الدراسات المتخصصة بتاريخ المسرح في العراق (1) على أن رجال الدين المسيحيين وقدامى المعلمين في المدارس الملحقة بالكنائس كانوا من أوائل من ألفوا أو ترجموا الأعمال المسرحية الكوميدية والدرامية باللغة العربية، ثم مثلوها على مسارح الكنائس والمدارس، وبالتالي أدخلوا هذا الفن الجديد إلى العراق ونبهوا الجمهور إليه.  ولهذا نرى الطابع الديني، وسيما المسيحي منه، يغلب معظم الأعمال المسرحية العربية الأولى في العراق. ويعزو هؤلاء الباحثون أسباب ذلك مباشرة إلى أساليب الثقافة والتعليم التي كانت تنشرها البعثات التبشيرية والجمعيات والمدارس المسيحية من تعلم للغات الأجنبية الحية كالفرنسية والايطالية والانكليزية والألمانية، والاتصال بالغرب والاطلاع على ثقافته، ومن ثم محاولة تقليد الأجناس الأدبية الغربية وخاصة فن القص في إطاره التمثيلي لتوجيه طلاب المدارس إلى المثل العليا الدينية والتربوية.
وتُعَد مسرحيات الشماس (فيما بعد القس) حنا حبش (2)" كوميديا آدم وحواء" و"كوميديا يوسف الحسن" و"كوميديا طوبيا" من قبل جميع الباحثين العراقيين في المسرح من أولى المسرحيات العربية المكتوبة في العراق (وهي ليست مسرحيات كوميدية، بل مسرحيات تراجيدية، وإن المؤلفين في العراق في ذلك الوقت لم يفرقوا بين الكوميديا والتراجيديا مثلما لم يفرقوا بين الرواية والمسرحية، لأن هذه الأجناس الأدبية كانت جديدة عليهم) وكان بعض طلاب معهد الفنون الجميلة ببغداد؛ أحمد فياض المفرجي وزملاؤه قد عثروا في عام 1966 على مخطوطة تضم هذه النصوص المسرحية، وقد ختمت بختم يشير إلى سنة 1880. (3) ويؤكد د. عمر الطالب أن مخطوطة هذه المسرحيات هي الآن في حوزة المؤسسة العامة للسينما والمسرح العراقية (4) وأنه عَثَرَ على النص المطبوع لهذه المسرحيات في مكتبة الأب توما عزيز وقد طبع في لبنان من قبل الكنيسة الكلدانية (5). وقام صباح الأنباري مؤخرا بنشر نصوص المسرحيات الثلاث على الانترنت(6). ويُعتقد أن هذه المسرحيات الدينية  التي تحاكي قصص من العهد القديم مقتبسة أو معربة عن التمثيليات الدينية الفرنسية أو الانكليزية التي حملت الأسماء نفسها. بينما يرجح د. علي الزبيدي أن التمثيل الديني العراقي قد سبق سنة 1880 بكثير لأنه تقليد ديني كنسي ، ولكن وجود المسيحيين في بلد إسلامي وضمن أكثرية اجتماعية ودينية إسلامية في الموصل أو في بغداد لم يحقق الانتشار الذي حظي به المسرح الديني في أوربا. (7) وهو رأي أقرب إلى الواقع لأن مدارس البعثات التبشيرية التي ظهرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في بغداد والموصل كمدرسة الآباء الكرمليين عام 1721 ومدرسة الكلدان عام 1843وغيرها مارست نشاطا مسرحيا متنوعا على نطاق واسع في الموصل وبغداد. (جيد إلا أنه لم يصلنا من ذلك النشاط غير أخبار متفرقة هنا وهناك.
شكلت مسرحيات حبش الثلاث الحجر الأساس واللبنة الأولى لتشييد صرح مسرحي عراقي، ومما يؤسف له أن أحدا، من أولئك الباحثين والمؤرخين، لم يتناول نصوص هذه المسرحيات بالدراسة والنقد. واكتفوا بالإشارة إلى رياديتها، والى عدم تأخرها عن النهضة المسرحية التي بدأت بوادرها بالظهور في لبنان وسورية ومصر مطلع القرن التاسع عشر الميلادي. صحيح أن نصوص حبش الثلاث ليست ذات قيمة عالية من الناحية الأدبية والفنية إلا أنها اكتسبت أهميتها من رياديتها، وقدرتها على تنمية جذورها ومدها عميقا في التربة العراقية البكر" (9)
وتدور مسرحية " يوسف الحسن" (والحسن هنا صفة بمعنى الجميل وليست علماً )، حول قصة يوسف الصديق مع إخوته كما جاءت في سفر التكوين من العهد القديم. ومسرحية "آدم وحواء" كما هو واضح من عنوانها دينية مستمدة من الكتاب المقدس وبالتحديد من حكاية قابيل وهابيل. أما مسرحية "طوبيا" فهي الأخرى مبنية على أحداث من العهد القديم وتحكي قصة طوبيا مع سنحاريب الملك اثر حملته على اليهود في كنعان وسبيهم إلى نينوى.
ويجد د.عمر الطالب في مسرحيات حنا حبش الثلاث – وإن لم تكتمل كمسرحيات فنية – قصصا متقنة ، فيها أبطال رسمت شخصياتهم رسما محددا ، ثم هي تمثيليات مكتوبة بطريقة فيها قدر كبير من مراعاة مقتضيات المسرح وإن لم تكن على شيء ذي بال من الناحية الفنية (10). ويقول صباح الانباري في معرض تحليله لها "وقد تجسدت في الحكايات الثلاث أفعال تدميرية تراوَحَ أثرها بين القتل الفعلي والقتل الافتراضي، ففي مسرحية"آدم وحواء" هناك قتل فعلي متحقق يقوم به قايين، كفاعل ، ويقع أثره على هابيل كمفعول به . وفي مسرحية "يوسف الحسن" يتفق الإخوة على قتل أخيهم يوسف ولكنهم ينقذونه بشكل افتراضي. وفي مسرحية "طوبيا" هناك قتل مؤجل يتجسد في إصدار قرار الحكم بالقتل على طوبيا و أسرته. وبهذا نرى القتل في المسرحيات الثلاث يشكل الأداة الفاعلة في قضاء إحدى القوتين على الأخرى، ولا شك أن وقوعه الفعلي سيخلق أثرا على القارئ أو المشاهد يفوق أثره في حالة كونه افتراضيا أو مؤجلا. وان تباين درجات القتل (فعلي/افتراضي/مؤجل) ستؤدي إلى تباين درجات التشويق عند القراءة ، وستفعل الشيء نفسه عند المشاهدة المباشرة للعرض. " (11).
وإذا أردنا تقييم مسرحيات حنا حبش الثلاث تقييما موضوعيا على أساس الفترة التي كتبت فيها ومقارنة لها بالواقع المسرحي في البلدان العربية آنذاك نجدها على الرغم مما يعتورها من ضعف فني وبلاغي تحمل قدرا لا بأس به من خصائص ومميزات الشكل المسرحي كجنس أدبي جديد يدخل للمرة الأولى الأدب العراقي المعاصر.
ويؤكد الباحثان د. عمر الطالب ود. علي الزبيدي على أن الخوري هرمز نرسو الكلداني ( 1820-1892) كتب فيما بعد مسرحية تاريخية تحت عنوان " نبوخذ نصر" تدور أحداثها حول فتح أورشليم وأسر اليهود وسبيهم إلى بابل. وقدمت على مسرح مدرسة الآباء الدومنيكان في الموصل التي كان معلما فيها. لكنهما يختلفان حول تاريخ كتابة النص وتمثيله، إذ يشير د. عمر الطالب إلى أنه كتب في عام 1886 ومُثِّل في عام 1888 اعتمادا على المطران جرجيس قندلا الذي شاهد المسرحية على حد زعمه ، بينما يشير د. علي الزبيدي إلى أن النص كتب في عام 1888 ومُثل في عام 1889اعتمادا على كوركيس عواد. بيد أن كليهما يتفقان على أن نص المسرحية المطبوع في لبنان قد فقد. (12)  ويعد خضر جمعة حسن هذه المسرحية من أوائل المسرحيات غير الدينية التي قدمتها هذه المدرسة في الموصل.(13) .
ولم يكتف رجال الدين والتربويون المسيحيون بكتابة المسرحيات الدينية والتاريخية، بل قام بعضهم باقتباس وترجمة المسرحيات الفرنسية والانكليزية . وكانت أول محاولة رائدة في هذا الشأن مسرحية " لطيف وخوشابا"  لنعوم فتح الله السحار (1855-1900) التي طبعت في عام 1893 بمطبعة الآباء الدومنيكان وكانت تقع في ثلاث وثمانين صفحة. وهذه المسرحية ترجمت بتصرف عن مسرحية  تحت عنوان: Fanfin et Colas للكاتب الفرنسي الكسندر لويس بتراند روبينو (1746-1823) الذي كان يكتب تحت الاسم المستعار الشهير مدام دو بيفوار (14) . والغريب أن أحدا من دارسي المسرح العراقي والسرياني بما فيهم د. عمر الطالب وخضر جمعة حسن وصباح هرمز وغيرهم لم ينتبهوا إلى اسم الكاتب الحقيقي فذكروا أن سحار ترجم المسرحية عن مدام دو بيفوار . وربما السحار نفسه لم يكن يعرف اسم الكاتب الحقيقي للمسرحية . وكان د. صالح جواد الطعمة معتمدا على فهرس المكتبة العامة بنيويورك ومطبوعات أخرى قد توصل إلى الاسم الحقيقي للكاتب الفرنسي. (15)
وإن كانت مسرحيات حنا حبش دينية وعظية وغير متقنة فنيا، ومسرحية هرمز نرسو الكلداني تاريخية تعليمية فأن مسرحية " لطيف وخوشابا" لنعوم فتح الله السحار(1859—1900) " عنت بمشكلة التمييز الاجتماعي أو الطبقي غير العادل، وكشفت عن تذمر الطبقة المستغلة وشروعها بالتمرد من أجل كرامتها"(16) مستعيرة بيئة وشخصيات سريانية عراقية بدلا من البيئة والشخصيات الفرنسية. أما لغة المسرحية فكانت متقدمة عن سابقاتها " وتمثل محاولة للجمع بين الفصحى المبسطة والعامية المستحدثة في منطقة الموصل، بحيث يمكن القول أن نعوم فتح الله سحار، يعالج مشكلة الحوار في ترجمته لهذه المسرحية ، بطريقة مماثلة لمعالجة رائد المسرح العربي مارون نقاش. (17)
ولمسرحية " لطيف وخوشابا" أهمية كبيرة في تاريخ المسرحية العربية في العراق لأسباب كثيرة أهمها تأليفها وتمثيلها في ذلك التاريخ المتقدم ، وطبيعة موضوعها الذي كان متباعدا أو بعيدا عن المسرحيات الدينية التي كانت تقدمها المدرسة الاكليريكية ، إذ كان اجتماعيا تربويا ، ثم لأسلوب حوارها الذي تردد بين العامية والفصحى، وأخيرا لطريقة اقتباسها عن الفرنسية وتعريقها والتصرف بها. (18)
ويقول د. علي الزبيدي إن هذه المسرحية كانت حدثا فنيا وأدبيا خطيرا في تاريخ المسرحية العربية في العراق ولا يقلل من أهمية هذا الحدث كونها مقتبسة عن أصل فرنسي ومعربة أو معرقة إذا أردت الدقة في التعبير. ( 19)
بينما يعدها د. عمر الطالب رائدة الفن المسرحي العراقي إذا استثنينا المسرحيات الدينية التي ألفها أبناء هذه الطائفة ومثلت في المدارس الأهلية المسيحية في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر (20)
وقد ترجم نعوم فتح الله السحار مسرحية أخرى عن الفرنسية هي مسرحية "الأمير الأسير" ومثلت هذه المسرحية على مسرح الآباء الدومنيكان في الموصل عام 1895. والذي دفع نعوم إلى الترجمة والاقتباس هو إتقانه اللغتين الفرنسية والانكليزية وإيمانه بما في تراث العالم المسرحي من مواضيع شيقة وحوادث مثيرة تخدم الإنسان العراقي المعاصر وتترك في نفسه أثرا حسنا.( 21) ويذكر روفائيل بطي في مقال عن تاريخ الطباعة العراقية نشر في مجلة لغة العرب (ج3-عدد 5 السنة الرابعة 1926) أن السحار ألف أو ترجم عن الفرنسية مسرحيات أخرى في الأخلاق والاجتماع ومثلت على مسرح مدرسة الدومنيكان في الموصل، فنالت إعجاب الأهلين وتقديرهم، إلا أنها أقل أهمية عن مسرحية " لطيف وخوشابا".  
ونعوم فتح الله سحار ولد في الموصل في عام 1859 ودرس في مدرسة الدومنيكان، تعلم العربية على الخوري ( فيما بعد المطران) يوسف داوود اقليمس. بعد تخرجه تعين معلما في المدرسة نفسها. كان يجيد العربية والتركية والفرنسية. تولى فترة الإشراف على مطبعة المدرسة ، ثم اشرف على النشاطات الفنية في المدرسة. له العديد من المؤلفات منها: التحفة السنية لطلاب اللغة العثمانية – جزءان، 1894 والقراءة التركية 1893و المكالمات 1896 و أحسن الأساليب لإنشاء الصكوك والمكاتيب. وكان سحار يكتب أيضا، إضافة إلى المسرحيات- الشعر، إلا أن شعره ضاع أكثره. (22)
يقول د. علي الزبيدي "ومهما يكن من شيء ، فأن محاولة نعوم سحار المذكورة، وما قيل عن محاولاته الأخرى، إنما قامت - في تصورنا – نتيجة تشجيع المشرفين على المدارس التي أنشأتها البعثات التبشيرية . ويبدو أن الفكرة عن المسرح كانت مختمرة في الأذهان آنذاك، في هذه الأوساط، ذلك لما عرف عن صلة الوصل بحلب والشام، واتصال الرهبان ببعضهم البعض ومعرفتهم اللغات الأجنبية وعلاقتهم الثقافية بكل من روما وباريس مما عرفهم على الفن المسرحي في أوروبا وزودهم بثقافة فنية"(23)  والمشرفون على تلك المدارس كانوا من المسيحيين العراقيين الذين تمكنوا من استيعاب ثقافة العصر وسعوا إلى نقل ثمارها إلى العراق.    
وفي الربع الأخير من القرن التاسع عشر أيضا ظهر المسرح الغنائي في الموصل على يد اسكندر زغبي الذي عاصر نعوم فتح الله سحار، وكان ملازما له. ومثلت مسرحيات زغبي الغنائية على مسارح المدارس المسيحية الأهلية في الموصل. " وكانت  مسرحيات زغبي الغنائية برأي الدارسين تشبه من بعيد بما يعرف عند الغربيين باسم" الأوبريت" ، ويغلب عليها الزجل. وقد فقد أكثر هذه المسرحيات ولم يبق منها إلا عدد من المسرحيات القصيرة مثل "بزونتي " و" البناء" و" ببالي وزوجها"التي مثلت على مسرح مدرستي الكلدان والدومنيكان ، وقد استخدم المؤلف فيها جميعا اللهجة العامية الموصلية. ودارت مسرحية "الخرده فروشي – بائع الخردوات" الطويلة التي مثلت عام 1905حول تاجر يدعى عمو إبراهيم يبيع الحاجات القديمة ويسخر منه الزبائن، ويخشى زوجته التي كانت تقسو في معاملته وتضربه أمام بناته كتبت باللهجة الموصلية أيضا، ومثلت بمصاحبة الموسيقى من قبل طلبة مدرسة الدومنيكان في الموصل ومجموعة من العمال كانوا يتلقون دروسهم فيها. (24)
وتوالت المسرحيات التي وضعها المعلمون الكلدان السريان الآشوريون في المدارس في الموصل. على سبيل المثال مسرحيتا سليم حسون " استشهاد ترسيوس" عام 1904 و" شعو" عام 1905 اللتان قدمتا على مدرسة مار عبد الأحد في الموصل . وتدور الأولى حول الصبي ترسيوس الذي أراد إيصال رسالة إلى السجناء المسيحيين في روما فلقي حتفه في سبيل مهمته تلك، والثانية تحكي قصة الصياد الفقير " شعو" الذي عثر في بطن سمكة اصطادها على خاتم الأمير الذي سقط منه أثناء استحمامه في ماء النهر. و" خاتم القبطان" للخوري روفائيل حبابة ، ومسرحية " البريء المقتول" لحنا الرسام التي قدمت على مسرح المدرسة الاكليريكية عام 1911 ( أعيد تمثيلها بعد سنة، أي في عام 1912 بعد أن بدل اسمها إلى " لوجه الله الكريم" ) ومسرحية "خراب  بابل" للخوري أنطوان زبوني والقس حنا حبي وتدور حول تآمر اليهود مع الفرس على احتلال المدينة، قدمتها مدرسة الكلدان في الموصل عام 1913م. و"الأميران الشهيدان" للقس (المطران فيما بعد) جرجيس قندلا عام 1915  وتدور حول قتل مار بهنام للأفعوان الهائل الذي أرعب السكان الآمنين. والعديد من المسرحيات المترجمة عن الفرنسية والانكليزية مثل مسرحية "جان دارك" المترجمة عن الفرنسية التي قدمتها مدرسة القاصد الرسولي في الموصل عام 1906( أعيد تقديمها من قبل طلبة الآباء الكرمليين في بغداد عام 1909- أنظر الإعلان المنشور في جريدة صدى بابل العدد 36 السنة الأولى/ 1909م عن المسرحية). ومسرحيتي " الطيور الصغيرة" و" مار كاسان" المترجمتين عن الفرنسية اللتان قدمتا على مسرح مدرسة السيمينير في الموصل عام 1908. كما قام المطران جرجس قندلا بترجمة مسرحيتي " الطبيب رغما عنه " و " المثري المتنبل" لمولير، ومثلتا على مسرح مدرسة الكلدان في الموصل عام 1908- 1910م. وقدمت المدرسة أيضا مسرحية سلسترا" أو " الوطن" عام 1908، وهي مسرحية تركية للشاعر نامق كمال ترجمها إلى العربية  محي الدين خياط. وقدم دير مار ميخا في ألقوش، شمال الموصل، عام 1912 م مسرحية " أستير الملكة" اقتبسها المطران اسطيفان كجو من الكتاب المقدس.
ومن الجدير بالذكر هنا أن نشاط الرهبان المعلمين لم ينحصر في الموصل ولم يقتصر على مدرسة مسيحية واحدة. إذ سرعان ما انتقل النشاط المسرحي إلى بغداد خلال السنوات الأولى من القرن العشرين. وكان طلاب مدرسة الكلدان ومدرسوها في بغداد مركز النشاط الفني المسرحي الجديد الذي لم يره أبناء عاصمة الرشيد من قبل. (25)  
وقدمت مدرسة السريان السريان الكاثوليك في بغداد عام 1908مسرحية " شهيد الدستور مدحت باشا"وهي مترجمة عن التركية وتدور حول سجن مدحت باشا وقتله. وكذلك قدمت المدرسة الكلدانية مسرحية سلسترا أو الوطن عام 1908وهي مسرحية مترجمة عن التركية للشاعر نامق  كمال نقلها إلى العربية محي الدين خياط في بيروت. وتذكر جريدة "صدى بابل" عددا من المسرحيات التي مثلت في بغداد بين عامي 1909-1912 وكلها مسرحيات مترجمة عن الفرنسية أو الانكليزية ، مثل مسرحية " أرثور البريطاني" التي مثلت على مسرح مدرسة الصنائع عام 1910 ومسرحية "الأسيران الصغيران" التي ترجمت عام 1912ومسرحية " الأقلون" ومثلها شبان المحفل اللاتيني عام 1912 على مسرح كنيسة اللاتين ومسرحية "الغدر" التي ترجمت عام 1912 أيضا . وكذلك مسرحيتا البرج الشمالي" و " البنت الضائعة" اللتان مثلتا عام 1913على مسرح مدرسة الكلدان وغيرها إلى أن جاء الاحتلال البريطاني فركدت الحركة المسرحية في العراق.  
وقد عكست صحيفة " صدى بابل" التي كان يصدرها المعلم داود صليوا بعض هذا النشاط المسرحي في بغداد من خلال الإعلانات التي كانت تنشرها على صدر صفحاتها في تلك السنوات. (26) .
وكان للمسرح المدرسي الذي بدأ نشاطه في المدارس المسيحية التابعة للكنائس في الموصل وبغداد والبصرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ثم انتشر في المدارس الأهلية العراقية الأخرى في أوائل القرن العشرين أثر في تطور فن المسرحية في العراق. (27)
كما كان لترجمة المسرحيات ولاتصال الأدباء العراقيين بالأدب الغربي الأثر الأكبر في نشوء فن المسرحية في الأدب العراقي الحديث. وأخذ هذا الفن شيئا فشيئا موضعه في الأدب العراقي الحديث، فنهج الكتاب العراقيون النهج الواضح ليسدوا هذه الحاجة واستعاروا فنهم من الغرب وخاصة من الكتاب الفرنسيين الذين كان أثرهم على العراق كبيرا لتأثيرهم على الفكر في الدولة العثمانية، ولإرسالهم البعثات التبشيرية إلى العراق. وهكذا شرع الكتاب العراقيون - وهم مسلحون بفن غير ناضج- يكتبون مسرحيات ليس فيها ابتكار في الشخصيات أو الموضوعات إلا قليلا ، ولكنها كانت عراقية الشخوص عراقية المناظر . وإذا كانت آثار هؤلاء الكتاب الأولين غير جيدة، فإننا يجب أن نتذكر أنهم كانوا يكتبون في فن جديد على الأدب العراقي. ومهما كان ضعف هذه المسرحيات الأولى فأنها كانت خطوة مباركة تمخضت عن رائدين كبيرين هما نعوم فتح الله سحار وحنا رسام. (28)
وبعد إحدى عشرة سنة على وفاة نعوم فتح الله سحار سار أحد تلامذته، حنا الرسام ( 1891-1958) على نهج أستاذه فعمل مدرسا في المدرسة الاكليريكية في الموصل بعد تخرجه منها بتفوق عام 1911 وانصرف إلى إتمام الرسالة التي بدأها أستاذه، ومثلت أولى مسرحياته " "البريء المقتول" على مسرح المدرسة الاكليريكية في العام نفسه 1911م، وأعيد تمثيلها بعد سنة بعد أن بدل أسمها باسم " لوجه الله الكريم" عام 1912م. وتقع مسرحية الرسام في أربعة فصول مقسمة إلى عدة مشاهد. وقد سار الرسام على نهج سحار في معالجة حواره وجعل كل شخصية تتكلم لهجتها العامية المحلية المتأثرة بالبيئة وعاداتها. وقد جمع بين لغة فصحى مبسطة استخدمها على ألسنة المتعلمين ولهجة عامية موصلية أجراها على ألسنة غير المتعلمين. أما مضمون المسرحية فهو مشكلة التمييز الاجتماعي والطبقي غير العادل(29). وكان الرسام موفقا إلى درجة كبيرة في مزاوجته هذه، حيث استطاع أن يقدم مسرحية تحمل نكهة فنية صادقة. (30) وهي ثاني مسرحية اجتماعية تكتب في العراق بعد لطيف وخوشابا.
للمؤلف عدد من المسرحيات التعليمية أهمها القرط الذهبي " ( نشرت في مجلة قلب اليسوع البيروتية عدد6 عام 1929) و" رسول الأكواخ" 1925 و" فلسطين المجاهدة" 1936 وهي مسرحية وطنية تدعو للجهاد في سبيل تحرير فلسطين. ومن مسرحياته كذلك " أحدوثة الباميا " وهي مسرحية فكاهية شعبية استخدم في حوارها اللهجة الموصلية . وتقع مسرحية العواطف" الصادرة عام 1929 في خمسة فصول وهي مسرحية تهذيبية تدعو إلى التضحية في سبيل الغير.. ومسرحياته التاريخية هي " الكونت سيليونسكي" 1925 و" الرجل النموذجي" 1930 و" ثمن الملكة" 1925 و" الغرباء" 1936 و" أسامة" 1937 و " مثال الوفاء ومثال الوطنية" 1926 .
ويعد د. عمر الطالب أبرز من درس أعمال حنا رسام المسرحية، ويقول إنه " يعتمد في جميع مسرحياته على الصراع الذي يولد الحركة المسرحية، وهذا أصل من الأصول الكلاسيكية الثابتة. وقد فطن الكاتب إلى المبدأ الكلاسيكي القائل بأن المسرحية تقوم على الصراع" ويضيف " وقدم لنا حنا رسام عدة مسرحيات تاريخية إلى جانب مسرحياته الاجتماعية. والكاتب في مسرحياته التاريخية أفضل منه في مسرحياته المعاصرة" ويشبّه مسرحياته التاريخية بالمسرحيات التاريخية التي كتبها الآباء المسيحيون كسليمان الصائغ وحنا رحماني وحنا حبي وجرجس قندلا. أما عن أسلوبه فيقول" وأسلوب الكاتب بسيط يخلو من الصور البيانية المتكلفة ، ويخلو من الصنعة اللفظية التي تتمثل في التوازن والسجع ، ولغته فصيحة نقية بخلاف اللغة التي كانت سائدة في مسرحيات تلك الفترة . ويعتمد المؤلف على الشعر ليوضح بعض الصور أو ليعبر عن عاطفة مكبوتة أو ليبث شكاة حائرة. (31).
ولم ينتقل هذا الفن إلى العراقيين العرب إلا في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين بعد أن تأسس وشب على أيدي الكلدان الآشوريين السريان.  


هوامش ومصادر :
(1)   أنظر: د. عمر الطالب- المسرحية العربية في العراق- مطبعة النعمان، النجف الأشرف، 1971 و أيضا: د. علي الزبيدي- المسرحية العربية في العراق- معهد البحوث والدراسات العربية ، القاهرة ، 1967. وأيضا: أحمد فياض المفرجي-  الحياة المسرحية في العراق- بغداد. وخضر جمعة حسن – حصاد المسرح في نينوى-مطبعة الجمهور – الموصل، 1972 .
(2)   اسمه الكامل هو حنا بولص حبش ولد في بغديدا" قرقوش" عام 1820 كان شماسا ثم سيم قسا وخدم في الموصل وزاخو وتوفي في مدينة زاخو عام 1882. وكان أخوه إيليا بولص حبش كذلك شماسا ثم سيّم قساً، وعائلة حبش هي من العائلات المعروفة في بغديدا
(3)   أحمد فياض المفرجي – الحياة المسرحية في العراق- فصل البدايات- الكتاب منشور في الانترنت في موقع فرقة مسرح بغديدا.
(4)   د. عمر الطالب: المسرحية العربية في العراق، مطبعة النعمان، النجف، 1971 ص9 .
(5)   المصدر نفسه ص6.
(6)   على موقع منتدى مسرحيون: http://www.masraheon.com
(7)   د. علي الزبيدي- المسرحية العربية في العراق- معهد البحوث والدراسات العربية ، القاهرة ، 1967 ص46 .
(جيد   روفائيل بابو اسحق- تاريخ نصارى العراق، ص125.
(9)   صباح الأنباري - الشماس حنا حبش.. جذر المسرح العراقي وحجره الأساس- دراسة في موقع  اتحاد أدباء الانترنت العرب على الرابط التالي : http://www.arab-ewriters.com/?action=showitem&&id=486   
(10)   د. عمر الطالب – المسرحية العربية ص10 .
(11)   صباح الأنباري – المصدر نفسه .
(12)   د.عمر الطالب – المسرحية العربية في العراق ص7 ود. علي الزبيدي –المسرحية العربية في العراق ص44 .
(13)   خضر جمعة حسن- حصاد المسرح في نينوى، مطابع الجمهور، الموصل، 1973 ص19
(14)   د. علي الزبيدي: المسرحية العربية ص57
(15)   انظر مقال صالح جواد الطعمة، لطيف وخوشابا، مجلة الأديب، ج5 السنة 25، مايو 1965
(16)   د. عبد الإله أحمد – نشأة القصة وتطورها في العراق 1908-1939، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط2 ، 1986 ص14
(17)   صالح جواد الطعمة- مسرحية الأديب البيروتية، عدد 5 السنة 25 مايو 1965 ص 17-18 نقلا عن د. عبد الإله أحمد ص14
(18)   د. علي الزبيدي- المسرحية العربية ...ص47
(19)   المصدر نفسه ، ص67
(20)   د.عمر الطالب- المسرحية العربية في العراق، ص19
(21)   خضر جمعة حسن: حصاد المسرح في نينوى ص20
(22)   سليمان صايغ ، تاريخ الموصل، الموصل 1928- ج2 ص273-274
(23)   علي الزبيدي- المسرحية العربية في العراق- مجلة الأقلام ج9السنة1 مايس"أيار"1965 ص48-49. نقلا عن عبد الإله أحمد ص14
(24)   د. عمر الطالب – المسرحية العربية ص31-32
(25)   د.علي الزبيدي: المسرحية العربية في العراق ص70
(26)   انظر الأعداد 9و 36 وو128 و191 للسنوات 1909-1913
(27)   د. عمر الطالب- القصة القصيرة في العراق ص14و خضر جمعة حسن- حصاد المسرح في نينوى ص21-23
(28)   د. عمر الطالب – القصة القصيرة في العراق ص17
(29)   د. عمر الطالب – المصدر السابق ص33
(30)   خضر جمعة حسن- حصاد المسرح في نينوى ص23
(31)   د. عمر الطالب: المسرحية العربية في العراق ص43         
 

 
15  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / في رثاء سينما صلاح الدين في: 23:56 29/03/2006
العين تسمع والأُذن ترى!
في رثاء سينما صلاح الدين
د. سعدي المالح

تجري الآن عملية هدم لمبنى سسينما صلاح الدين في أربيل. وكانت هذه السينما منذ تشييدها في عام 1946 معْلَمَاً حضارياً كبيراً من معالم المدينة، ولعِبت إلى جانب سينما الحمراء، التي تأسست بعدها بسنة، دوراً فنياً وثقافياً وترفيهياً كبيراً في هذه المدينة الصغيرة والمحافِظة نوعاً ما آنذاك.

أوَّلَ مرةٍ دخلتُ فيها دار سينما في حياتي كانت في صالة سينما صلاح الدين في عام 1965 عندما كنتُ أعملُ في الصيف بائعاً متجولاً لِحَبّ الباسورك في أربيل. وبما أني كنت أتجوَّل في المقاهي والشوارع لبيع بضاعتي كنت أتردَّد على سينما صلاح الدين وسينما الحمراء قبل موعد عرض الأفلام وإثناء فترة الاستراحة لازدحامهما بالرُوَّاد الذين كانوا يشترون أنواعاً من البذور للتسلية. 

كانت سينما صلاح الدين الواقعة على تقاطع شارعين مهمين في وسط المدينة واحداُ من أهم مراكز البيع بالنسبة لي. ذات يوم وكنت قد انتهيت مبكراً من بيع بضاعتي تجرأتُ واشتريْتُ تذكرةً بعشرين فلساً لمشاهدة نصف الفيلم الأخير من صبي في مثل عمري لم يعجبه النصف الأول منه. وكان هناك دائماً من يبيع تذكرته أثناء فترة الاستراحة بنصف القيمة فيشتريها غيره من الأولاد بعد أن يطلب منه أن يشرح له باختصار مضمون النصف الأول من الفيلم. أما أنا فلم أحظَ بمثل هذا الشرح إذ قال لي الشاب الكردي إنهم يتكلمون بالمصرية ولم افهم منهم شيئاً.

أخذت التذكرة فرحاُ ودخلت القاعة وكأنني أنا الضليع باللهجة المصرية . اِستلم الصبي الواقف على الباب مني تذكرتي وقادني إلى مقدمة الصالة المخصصة لرواد الأربعين فلساً حيث كان يجلس عدد من المشاهدين معظمهم من الأولاد المراهقين والجنود. تلفتُّ يميناً ويساراً، كانت القاعة عبارة عن فناءٍ مسَّورٍ رُتِّبَتْ فيه مصاطبَ خشبية. وقبل أن أمتع نظري بمشاهدة قاعة السينما جيداً أُطفِأتِ الأنوار.

بدأ الجزء الثاني من الفيلم وانتهى ولم أفهم منه إلا اليسير. كما لم تبق في ذاكرتي إلا تلك المشاهد التي كان يُقَبِّلُ فيها بطل الفيلم حبيبَتَهُ.

في هذه السينما ( وفيما بعد في سينما سيروان التي افتتحت في النصف الثاني من الستينيات) شاهدتُ عشرات الأفلام المصرية والأمريكية والهندية وغيرها، حتى أصبحت مولعاً بمشاهدة الأفلام السينمائية إلى درجةٍ كنتُ في بعض المرات أترك المدرسة مع زملائي بعد حصتين أو ثلاثة لنتمكن من مشاهدة فيلم ونفلحُ من لحاق الباص نفسه الذي يعود فيه طلاب الثانوية إلى عنكاوا لكي لا يعرف أهالينا بجريرتنا هذه.

وأجمل ما في هذه السينما (وغيرها من السينمات الأربيلية) صالة العرض الصيفية المكشوفة المرشوشة أرضها بالماء التي كنا نجلس فيها نأكل "الدوندرمة" ونفقس الحبوب المختلفة ونضحك إلى أن يبدأ الفيلم ثم نتقاتل في نهايته بعد أن تتباين آراؤنا حول مضمونه أو شكله الفني أو قدرات ممثليه.

ومن كثرة تعلقي بقاعات السينما الصيفية في أربيل، والتي كان هناك عدد منها في تلك السنوات، نقلت حبي لها معي إلى غربتي. ففي أواسط الثمانينات عرفت بوجود سينما صيفية في طشقند، عاصمة أوزبكستان ، حيث عملت مترجما للأدب وأستاذا في الجامعة فترة. كان الوقت شتاء، انتظرت بصبرٍ نافدٍ أن يأتي الصيف لدخول هذه السينما. كانت السينما تقع في مدخل مُتَنَزَّهٍ، على طرف الشارع، وفي منطقة تعجّ دائماً بالمارة والمتنزهين والسياح الأجانب وغيرهم طيلة أيام الصيف. في المساء كنت أما أدخل هذه السينما ذات الأرضية الترابية المرشوشة بالماء أيضا  لمشاهدة أحد الأفلام وأتذكر سينما صلاح الدين الصيفية في أربيل، أو في الأقل أمرُّ من أمامها متمشياً في نزهة قصيرة وأشتري من كُشْكٍ في مدخلها "دوندرمة" لذيذة أو حَبْ عباد شمس يَبِعْنَهُ نسوةٌ في ورقِ جرائد ملفوفة مخروطياً كما في أربيل.

في تلك السنوات- الستينيات والسبعينيات- كانت السينما مركزاً ثقافياً وترفيهياً كبيراً يرتادها المثقفون والموظفون والتجار والطلاب وبعض العائلات المتعلمة والميسورة في المدينة. كانت السينما متنفساُ اجتماعياً حتى للكثير من العائلات الناشِدة إلى التحرر الاجتماعي والفكري،  فترى المقصورات والمقاعد الخلفية تزدحم بهنَّ دائماً.

ما تزال السينما في معظم دول العالم تلعب الدور نفسه، بل وتشيَّدُ الآن مجموعةٌ من صالات العرض في دار سينما واحدة  (مجمَّع سينمائي) وتعرض بعض الدور أكثر من عشرة  من أحدث الأفلام في آن واحد. ما تزال هوليود في أَوْجِها، وكذلك صناعة السينما العالمية. وما تزال جوائز الأُوسكار تشعُّ بريقاً أخّاذاً ومهرجانات السينما العالمية في كان وكارلو فيفاري وروما وموسكو ومونتريال وغيرها من المدن تُعْقَد بنجاحٍ كبير، بينما السينمات في أربيل، وربما في كثير من مدن العراق، قد هرمت، وأصبح لا يؤمها غير عدد ضئيل من الرواد الهامشيين، ولا تعرض فيها إلا بعض الأفلام القديمة والهابطة أو المثيرة للشهوات، حتى صرنا نتجرأ أن نرثي حال السينما في المدينة مع غياب واحدة من أكبر دور العرض فيها.

المفارقة المثيرة في أمر دور السينما في أربيل أنه يوجد الآن في هذه المدينة، التي أصبحت عاصمة لإقليم كردستان منذ سنوات، أكثر من لجنة ومؤسسة حكومية وشيه حكومية، تُعنى بالسينما بينما لا توجد فعلياً أفلام سينمائية حقيقية تعرض في المدينة إن كان في دور العرض العامة أو في المراكز الفنية والثقافية والاجتماعية!

اليوم تُهدم سينما صلاح الدين، وقد تزال غدا سينما الحمراء، أو سينما سيروان، ولا نعرف ماذا سيبنى في مواقعها، لكن الذي نعرفه بالتأكيد أننا نفقد صرحاً ثقافياُ وترفيهياُ يستحق الرثاء. إننا نرثي فنا جميلاً ومؤثراً في الوقت الذي ما يزال يعيش هذا الفن شبابه في العالم المتحضر!

ألا تستحق السينما، أفلاماً ودور عرض، أن تُعاد إلى الحياة الثقافية في المدينة على نحو فعّال وهادف؟

والعين تسمع والأُذن ترى![/b][/size][/font]
16  الحوار والراي الحر / المنبر السياسي / هل يُصلح الجعفري اليوم ما خربه بالأمس؟ في: 13:23 12/03/2006
هل يُصلح الجعفري اليوم ما خربه بالأمس؟


د. سعدي المالح
 
باعتقادي، أن الدكتور إبراهيم الجعفري، رئيس الوزراء العراقي المنتهية رئاسته لا يصلح لأن يكون من جديد رئيسا لوزراء العراق، مع كل احترامنا لشخصه الكريم ومكانته العلمية ودوره السياسي.
نقول هذا ليس لأن قائمة التحالف الكردستاني رفضته، مهما كانت مبرراتها، وإنما لأسباب أخرى كثيرة لها وطيد العلاقة بالواقع العراقي ككل وليس الكردي وحده.
خلال سنة من قيادته دفة الحكم في العراق، أخفق الدكتور الجعفري في معالجة أهم القضايا التي جاء من أجلها، والواقع الذي نعيشه اليوم أكبر شاهد على ما نقول:
الوضع الأمني ازداد سوءاً، وما يزال يتدهور يوما بعد يوم على الرغم من تدريب وتخريج عشرات الآلاف من قوات الشرطة العراقية، وتشكيل وحدات مهمة من الجيش العراقي الجديد. لا بل انتقل القتل والخطف والاعتداء من الانتقام من هؤلاء "المتعاملين مع الجيش الأمريكي" وقوات الشرطة وبعض الدبلوماسيين الأجانب، والمسؤولين العراقيين إلى المواطنين الأبرياء والساحات العامة ليطال تخريب الكنائس والمساجد والحسينيات ومراقد الأئمة ثم تحول إلى نوع من القتل الطائفي على الهوية.
الرشوة والمحسوبية والمنسوبية والسرقات والفساد الإداري تفشى أكثر من السابق في دوائر الدولة والمؤسسات العامة والمجتمع العراقي ككل بحيث أصبح بعضه مكشوفا من دون أن تطاله يد رقيب أو حسيب.
الخلافات الطائفية تعمقت إلى درجة كبيرة في ظل حكومته، واصطبغت معظم المؤسسات التي تقاد من قبل ائتلافه وأنصاره بصبغة طائفية بحتة إن كان ناحية التوظيف أو من ناحية طبيعة عملها حتى أصبحت شعاراتها الطائفية" البراقة" تفرض وتعلق دون حياء على دوائر الدولة ومؤسساتها التي هي ملك لجميع العراقيين.
الوضع الاقتصادي بقي على حاله إن لم يكن قد ازداد سوءا، والوضع المعاشي للمواطنين في تدنٍ مستمر، إضافة إلى هذا الماراثون اليومي في البحث عن الغاز والنفط والكهرباء وغيرها من الضروريات الحياتية.
وهنا قد يتساءل القارئ: إذن لماذا فاز الائتلاف الشيعي مرة ثانية وانتخب الدكتور الجعفري لرئاسة الوزراء مرة أخرى؟
نقول ان الائتلاف فاز بالفعل، لكن بنسبة 15 % أقل من السنة الماضية، وهذا مؤشر على تخلى جزء من مؤيديه له. والدكتور الجعفري هو الآخر فاز داخل الائتلاف لكن بفارق صوت واحد عن منافسه عادل عبد المهدي بعد "صفقة" التأييد التي عقدت مع ممثلي التيار الصدري.
وفوز قائمة الائتلاف العراقي الموحد (الشيعي) جاء مثل فوز غيره من القوائم (كردية وسنية وغيرها) ضمن أجواء طائفية- قومية ملتهبة أفرزتها التحولات الجديدة في العراق، وأذكتها مرجعيات طائفية- دينية وقومية في محاولة للحصول على نصيب الأسد من الكعكة العراقية التي رفعت عنها اليد الدكتاتورية المقيتة. وأيضا في ظل ضغوط وتدخلات إقليمية ودولية نتلمسها جيدا.
ومن المعروف أن جميع الأحزاب العراقية ليست عراقية بمقاييس الامتداد الجغرافي والانتماء العرقي والطائفي المتنوعين، وحتى الحزب الشيوعي العراقي الذي كان يمثل الأطياف العراقية على اختلافها قوميا ودينيا وطائفيا لم يعد حزبا من هذا النوع بعد استقلال الحزب الشيوعي الكردستاني عنه.
بناء على ذلك لا الائتلاف العراقي الموحد الفائز بأكبر عدد من مقاعد البرلمان يمثل العراقيين جميعهم ولا الأحزاب الفائزة الأخرى تمثل العراقيين جميعهم. كل حزب يمثل طائفة أو قومية، أو لنقل توجها سياسيا فيها، لكنه لا يمثل سائر القوميات أو الطوائف أو التوجه السياسي لعدد أكبر من العراقيين بأطيافهم المختلفة.
ولهذا يكون من الأفضل عدم الاستناد على الاستحقاق الانتخابي وحده في تشكيل الحكومة الجديدة. إنما الأخذ بنظر الاعتبار تطلعات مكونات الشعب العراقي مجتمعة ومشاركتها البناءة في الحكم لأن ذلك لا يترك أحدا يشعر بالغبن والإبعاد عن العمل السياسي في هذه المرحلة التي نحن بمسيس الحاجة فيها إلى لم شمل الجميع وجعلهم ينخرطون في العملية السياسية السلمية.
إن حكومة بمثل هذه الموازين حتى إن ترأسها عضو في حزب الأكثرية البرلمانية، أقصد الائتلاف العراقي الموحد، ينبغي أن يكون، وقبل كل شيء، رئيسا لوزراء كل العراقيين ويحظى بقبولهم وليس فقط ممثلا لقائمته الانتخابية.
والسيد إبراهيم الجعفري لم يحظ بمثل هذا القبول، ولا كان يمثل كل العراقيين من خلال عمله رئيسا للوزراء خلال السنة الماضية، ولهذا ليس بإمكانه أن يصلح اليوم ما خربه بالأمس، لأنه  أفشل تجربته وتجربتنا الديمقراطية الوليدة.  فلماذا لا يجرب الائتلاف غيره ويختار سياسيا أكثر حنكة وتفتحا وبراغماتية يضع نصب عينه مصلحة العراق برمته وليس مصلحة جزء منه فيقود التجربة من نجاح إلى نجاح ويطورها بما فيه مستقبل الوطن وفائدة الجميع.
 
 [/b]
17  الحوار والراي الحر / المنبر السياسي / إيّاكم والطائفية السياسية! في: 11:29 02/03/2006
العين تسمع والأذن ترى!
إيّاكم والطائفية السياسية!
د. سعدي المالح
 
في بيروت، كلما استقل سيارة أجرة من جزئها الشرقي إلى جزئها الغربي، أواجه واقعا مريرا.  فما أن يجتاز السائق حدود ما كان يسمى ببيروت الشرقية يسألني عن وجهتي بالضبط وكيف عليه أن يصل المكان المطلوب. ثم يتوجب عليّ أن أدلّه على الطريق إن كنت أعرفه، أو نسأل هذا وذاك عدة مرات حتى نصل إلى العنوان المطلوب إن كنت لا أعرفه.
وأواجه أيضا الواقع المرير نفسه كلما استقل سيارة أجرة من جزئها الغربي إلى جزئها الشرقي. فما أن يجتاز السائق حدود ما كان يسمى ببيروت الغربية يسألني عن وجهتي بالضبط وكيف عليه أن يصل المكان المطلوب.  ثم يتوجب علي أن أدله على الطريق إن كنت أعرفه، أو نسأل هذا وذاك عدة مرات حتى نصل إلى العنوان المطلوب إن كنت لا أعرفه.
ذات مرة وأنا ابحث مع أحد السواق عن العنوان الذي أريد قلت له بتهكم: ما أغربكم أنتم اللبنانيون! لقد انتهت حربكم منذ أكثر من خمس عشرة سنة ، واُلغيَت الحواجز بين طرفي بيروت ووحدت الحكومة وهدأت الأحوال لكنكم ما تزالون تجهلون مناطق بعضكم البعض!
فقال لي: يا سيدي صحيح إن الحواجز الطبيعية ردمت والحكومة توحدت لكن الحواجز النفسية ما تزال تعشش في قلوب الناس وعقولهم، وعليهم أن يجتازوها أولا  لكي يتخطوا الحواجز الطبيعية التي اُزيلت منذ سنوات، فأنا شخصيا لم أزر هذه المنطقة التي ليست منطقتي إلا بضع مرات ولهذا لا أعرفها.
تذكرت هذا الوضع اللبناني الأليم في هذه الأيام بعد أن كادت أعمال العنف الطائفي في بغداد وبعض المدن القريبة منها تؤدي إلى إشعال فتيل حرب أهلية لا تجلب لنا غير الدمار. 
تصورت وأنا الذي لم يرَ بغداد منذ 29 سنة (ولم أتمكن من رؤيتها حتى بعد عودتي إلى الوطن قبل أكثر من سبعة أشهر بسبب الأوضاع الأمنية) أنه ذات يوم قد تكتحل عيني برؤية العاصمة التي أحب وحينها سأستقل سيارة من الأعظمية إلى الكاظمية أو بالعكس فيقول لي السائق إما إنه لا يخاطر على الذهاب إلى هناك أو إنه لا يعرف الطريق لأنه لم يذهب إلى هناك منذ زمن!
تصوروا أي جرح عميق يترك الاحتراب الطائفي، أو الحزبي ، أو الديني. جرح لا يندمل بسنوات. وأية حواجز نفسية تتركها مثل هذه الحرب بحيث تبقى آثارها في القلوب حتى لو اندملت تلك الجروح.
وفي العراق يحاول أعداؤه منذ سنوات جر العراقيين نحو طريق تؤدي بهم أو تنتهي إلى حرب أهلية؛ قومية وطائفية ودينية تحرق الأخضر واليابس لا نحصد منها إلا الخيبة والخراب والموت. 
ولقد فعل هؤلاء الأعداء من أجل دفعنا إلى هذه الطريق كل ما في وسعهم من إمكانيات، وفي أيديهم من قدرات،  سواء بتفجير السيارات المفخخة في الشوارع أو المطاعم أو الحافلات أو الأعراس أو المآتم أو في تجمعات السكان الآمنين.
حاولوا شق وحدة الشعبين الكردي والعربي ولم يفلحوا فاختار الشعبان الاتحاد ضمن عراق ديمقراطي فيدرالي.
وحاولوا النيل من حقوق القوميات العراقية الصغيرة وتهميشها فلم تقبل تلك القوميات إلا أن تكون جزءا من نسيج الشعب العراقي وطيفا من أطيافه.
ثم حاولوا تقويض الإخوة الدينية بين المسيحيين والمسلمين بتفجير الكنائس واغتيال الأبرياء وإرغام الآخرين منهم على الهجرة فلم يفلحوا لأن المسيحيين بقوا أوفياء لهذا الوطن الذي ولدوا  فيه وترعرعوا، وطن آبائهم وأجدادهم.
والآن يحاولون دق إسفين الحقد والبغضاء  بين الشيعة والسنة بنسف قبة الإمامين الكريمين على الهادي وحسن العسكري في سامراء من جهة وتخريب مساجد السنة وقتل أئمتهم من جهة أخرى، ولن يحالفهم النجاح إذا وقفنا  وقفة واعية ومسؤولة بوجه هذا التحرك مؤكدين على أن هذه الأعمال ليست إلا خنجرا في خاصرتي الاثنين معا؛ الشيعة والسنة.
فيا علماء الدين الأفاضل لا تحاولوا أن تضفوا على نشاطكم الطائفي الإيماني بعدا سياسيا فهذا من شأنه أن يسكب الزيت على نار الفتنة.
ويا أيها السياسيون لا تحاولوا أن تلبسوا أحزابكم السياسية ثوبا طائفيا فهذا أيضا من شأنه أن يضرم النار في هشيم الفتنة.
لأن الخطورة تكمن دائما في الطائفية السياسية وليس في الطائفية الإيمانية.
ويا أيها لعراقيون البسطاء لا تنجروا  وراء هذه الحرب المفتعلة فأنتم تعرفون أن من يفجر الكنائس هو نفسه من يفجر المساجد والحسينيات ومراقد الأئمة، وهو نفسه من يفجر الحافلات والمطاعم وحفلات الأعراس وسرادق العزاء .. هو نفسه وإن تراءى لنا أحيانا بصور وأشكال مختلفة ، لا تلحق جميعها إلا الدمار والخراب بالعراق.
أيها البغداديون لا تقسموا مدينتكم إلى كانتونات ومناطق محرمة فالآلاف مثلي – الذين حُرموا منها سنوات طويلة - يتوقون لزيارة  بغداد ذات يوم والتجول فيها بأمان أو الانتقال بين الكاظمية والاعظمية بسلام!
 والعين تسمع والإذن ترى! [/b][/size] [/font]
 
18  الحوار والراي الحر / المنبر السياسي / رداً على الارهاب المنظم ضد الكلدان الآشوريين السريان، الإدارة الذاتية هي الحل في: 14:07 31/01/2006
رداً على الارهاب المنظم ضد الكلدان الآشوريين السريان
الإدارة الذاتية هي الحل

 
د. سعدي المالح



 يتواصل مسلسل الاعتداء على المسيحيين العراقيين من الكلدان الآشوريين السريان على نحو كثيف، ومنظم أحيانا، من دون وجه حق. إذ تم مساء الأحد المنصرم تفجير عدة سيارات مفخخة أمام أربع كنائس في بغداد وكنيستين في كركوك أثناء إقامة القداديس أودت بحياة أناس أبرياء.

وما يزال الكثير من المسيحيين العراقيين يواجهون، منذ الإطاحة بنظام صدام حسين، القتل والتهجير والاختطاف ومختلف أنواع الاعتداءات والمضايقات بحجج مختلقة وواهية ليس لها أي سند. فقد تعرضت العديد من كنائسهم ومنتدياتهم والكثير من مراكز عملهم إلى التفجير والتخريب والهجوم المسلح إلى درجة خلت مدينة البصرة والجنوب العراقي كله تقريبا من المسيحيين الذين سكنوا هذه المناطق منذ أزمان طويلة، واضطر عشرات الآلاف من سكان بغداد المسيحيين إلى ترك بيوتهم وأعمالهم وممتلكاتهم والهرب بجلدهم إما إلى إقليم كردستان الآمن أو إلى الدول العربية المجاورة ولا سيما سوريا والأردن.

المسيحيون العراقيون الذين نشدوا الحرية والمساواة بعد التحولات الأخيرة في العراق، كغيرهم من أبناء الشعب العراقي، وجدوا أنفسهم في حلقة ضعيفة وسط الفلتان الأمني والتحزب الطائفي والقومي لمكونات الشعب العراقي الرئيسة، وذلك لأنهم أولاً: لا يشكلون في الوقت الحاضر إلا أقلية صغيرة موزعة بين محافظات بغداد والبصرة وكركوك والموصل وأربيل ودهوك. وثانيا: لعدم وجود مرجعية موحدة كنسية أو سياسية أو عشائرية تذود عنهم وتقود أمورهم الدينية والسياسية والاجتماعية، وتكون عونا لهم في الدولة ومؤسساتها.

إن هذه الحلقة الضعيفة من العراقيين أصبحت تتعرض لاعتداءات مختلفة ومستمرة كلما دق الكوز بالجرة كما يقال. فإذا صادف أن تضرر جامع بنتيجة معركة بين الأمريكيين أو القوات الحكومية مع الإرهابيين سرعان ما رفع البعض في اليوم التالي قبضته مهددا بهدم الكنائس على المصلين وينفذ تهديده. وإذا مُنع الحجاب في فرنسا سارع بعض آخر  إلى قتل المسحيين في العراق أو فرض الحجاب على نسائهم ردا على ذلك. وإذا نشرت صحيفة أوربية صورة مسيئة للدين الإسلامي الحنيف انفجرت بعد أيام مجموعة من السيارات المفخخة أمام عدد من الكنائس دفعة واحدة. كل ذلك يحدث وكأن المسيحيين العراقيين جزء من الغرب " المسيحي" أو تابعين له متناسين عن قصد أو غير قصد أن العراقيين الكلدان الآشوريين السريان كانوا من أوائل الشعوب التي اعتنقت المسيحية وأسسوا كنيستهم الوطنية المستقلة بقرارها – كنيسة المشرق.

صحيح أن العراق يعيش وضعا صعبا وفلتانا أمنيا وخاصة في القسم الأوسط منه حيث يتعرض الكثير من العراقيين من شيعة وسنة وغيرهم إلى قتل وتعذيب وسجن وخطف ومضايقات مختلفة إلا أن المسيحيين في هذه المناطق وخاصة في بغداد والبصرة والجنوب يعيشون الإرهاب مضاعفا مرة لكونهم مواطنين عراقيين مسالمين أسوة بغيرهم ومرة أخرى لكونهم مسيحيين ومن قومية صغيرة لا لا حول ولا قوة لها.

هذا الوضع الشاذ الذي يعيشه المسيحيون في العراق من الكلدان الآشوريين السريان يتطلب حلولا جذرية قبل أن يفرغ  العراق من سكانه الأصليين، أبناء بابل وآشور، بناة حضارته القديمة ورواد نهضته المعاصرة، ويفقد هذا البلد طيفا من أطيافه القومية والدينية الذي تميز به منذ أزمان قديمة.

إن واحدا من الحلول المطروحة في الوقت الحاضر هو أن يحصل المسيحيون العراقيون من الكلدان الآشوريين السريان ضمن العراق الفيدرالي الموحد على إدارة ذاتية ؛ اقليم أو محافظة تتمتع بحكم ذاتي في سهل نينوى حيث العشرات من القرى والمدن الكلدانية الآشورية السريانية التي تشكل مع بعضها البعض جغرافيا وقوميا ودينيا وثقافيا وحدة إدارية متميزة لا تزال تعيش على جزء من أرض أجدادها الآشوريين.

هذه الإدارة الذاتية تصبح مستقبلا مستقرا لأكبر عدد ممكن من الكلدان الآشوريين السريان المسيحيين وتساهم في تطوير ثقافتهم وبعث تراثهم وتعزز تكوينهم السياسي- القومي. 

إن هذا الحل- المطلب ينبغي أن يصبح هدفا لجميع الأحزاب الكلدانية الآشورية السريانية، وجميع الكنائس والطوائف المسيحية في العراق، وكذلك جميع منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الثقافية والاجتماعية لشعبنا داخل العراق، تطالب به دستوريا وبكافة الطرق المشروعة وتكسب له تأييد الأحزاب والقوى والمؤسسات العراقية وخاصة المجلس الوطني (البرلمان) العر اقي. وأيضا يجب أن لا يقل هنا دور المؤسسات القومية والدينية الكلدانية السريانية الآشورية خارج العراق التي يتوجب عليها أن تشكل قوة ضغط (لوبي) تطالب المجتمع الدولي بدعم مثل هذا المشروع – الحل من أجل بلوغ هذا الهدف بأسرع وقت. 

[/b] [/size][/font]         
19  الحوار والراي الحر / المنبر السياسي / هل يحتاج العراقيون إلى مصالحة؟ في: 18:06 17/10/2005
هل يحتاج العراقيون إلى مصالحة؟
د. سعدي المالح

يزور بغداد هذه الأيام وفد من جامعة الدول العربية لإجراء مباحثات ولقاءات مع أطراف وأحزاب وجماعات عراقية عدة ومحتربة فيما بينها تمهيدا لما يسمى بمؤتمر للمصالحة قد يعقد برئاسة عمرو موسى الأمين العام للجامعة.
هذه الزيارة أثارت منذ اليوم الأول ردود أفعال ونقاشات في الشارع العراقي وتناولها السياسيون من أطراف مختلفة، كل حسب توجهه السياسي والفكري والطائفي وميوله ومصالحه. فهناك من رفض كليا مبدأ المصالحة وفكرة انعقاد هذا المؤتمر على اعتبار أن العراقيين ليسوا بحاجة إلى مصالحة ولا سيما إذا كانت بمبادرة من الجامعة العربية المنحازة دائما إلى طرف من الأطراف. لكن في الوقت نفسه هناك من رحب بالمبادرة وأثنى على موقف الجامعة إما من منطلق يعتبر فيه الجامعة العربية متحيزة إلى جانبه أو أن هذه المصالحة قد تأتي بنتائج تكون إلى حد ما من مصلحته. وهناك من ينظر إلى مبادرة جامعة الدول العربية وانعقاد مثل هذا المؤتمر نظرة ايجابية موضوعية باعتبار أنها قد تؤدي إلى إيجاد مخرج للمأزق الذي يمر به العراق، وخاصة المأزق الأمني.
فهل يحتاج العراقيون فعلا إلى مثل هذه المبادرة والمصالحة؟
إن قراءة سريعة للتاريخ السياسي للعراق المعاصر منذ تأسيس الدولة العراقية وللآن تكشف لنا مدى الحقد الذي اختزنته قلوب الكثير من العراقيين خلال هذه السنوات سواء كانت بين نوري السعيد وأعوانه من جهة وبين الحركة الوطنية العراقية وخاصة الأحزاب اليسارية من جهة أخرى، وما أدى إليه هذا الحقد من قتل للعائلة المالكة على نحو مفجع وسحل لنوري السعيد بشكل عشوائي في الشوارع من قبل بسطاء الناس. أو الحقد المتولد بين عبد الكريم قاسم والحركة الكردية الذي أدى إلى نشوب قتال دموي كان بداية لحرب طاحنة ضد الشعب الكردي. أو الحقد المستفحل بين البعثيين والشيوعيين في عام 1963 أو بين البعثيين من جهة وبين الشيعة أو الأكراد أو أية فئة أخرى من أبناء الشعب العراقي التي طالها القمع.
إنه الحقد نفسه الذي أنتج أحقادا أخرى لا يزال يعاني منها الشعب العراقي. هذا الشعب الذي هو الآخر لا يزال يعيش العلاقات العشائرية والطائفية والفئوية التي لا تستطيع نسيان الماضي والتخلص من تبعاته.
إن استمرار مثل هذا الحقد والاحتراب مضافا إليهما القتل بين فئات مختلفة من الشعب العراقي سوف يزيد من الأحقاد والضغائن والتوتر وبالتالي يؤخر العراق في عملية البناء والتطور والديمقراطية بعد زوال النظام السابق الذي كان عاملا مساعدا على إنتاج الحقد وتسويقه.
إذن نحن بمسيس الحاجة إلى المصالحة بدلا من تأجيج الأحقاد وإلهابها بمزيد من العمل العسكري والقوة المفرطة من جميع الأطراف.
إن الحل السلمي والمصالحة الوطنية ضروريتان من أينما جاءت المبادرة إليهما لأن مثل هذه المبادرة والمصالحة ينبغي أن تناقش من جميع الأطراف على أسس وثوابت الوطن الواحد والمشترك لكل العراقيين، الوطن الذي ينبغي أن يوفر الفرصة للجميع أن يلعبوا في بناء مستقبله دورهم .
وبالطبع يجب أن نفرق في أثناء انعقاد مثل هذا المؤتمر والقبول بمثل هذه المبادرة بين ما هو إرهاب فعلي غايته القتل وبث الفرقة والشقاق وايقاف حركة التطور والبناء السياسي والاجتماعي للعراق وبين ما هو معارضة عراقية حقيقية مؤسسة على المصلحة الوطنية العراقية الغيورة على مصلحة العراق .
إن مبادرة الجامعة العربية مبادرة قيمة وضرورية وينبغي لها أن تلقى الاهتمام المطلوب من لدن جميع الأطرؤاف فيما إذا كانت حسنة النوايا ومنطلقة من مبدأ خلق توازن سياسي في العراق وقطع الطريق أمام الأحقاد التي بدأت ترفع رأسها من جديد.
إننا في الوقت الحاضر فعلا بحاجة إلى حسم الموقف سياسيا ومن خلال مصالحة حقيقية بين جميع الأطراف بحيث لا يشعر أحد أنه غالب أو مغلوب وليس إلى حسم الموقف عسكريا وسحق الآخر لمجرد معارضته للوضع السياسي معارضة يجد فيها شرعية ما بسبب ظروف الوجود الأجنبي المعقدة والتي قد تعطيه بعض الحق.  إن القوة العسكرية مهما كانت غير قادرة على حسم تعقيدات الوضع الداخلي، وحتى إذا تمكنت من حسمه بالقوة فلن تلد تلك القوة وخاصة المفرطة منها إلا الحقد بينما الحل السلمي يلد التآلف الاجتماعي والتآخي وهذا ما نحن بحاجة إليه في عراقنا الجديد في هذا الوقت أكثر من أي وقت آخر.
وينبغي أن نفهم أيضا أن إنتاج الحقد عملية سهلة جدا وسريعة يستطيع القيام بها أي قائد أو سياسي متهور، بينما صناعة السلام عملية معقدة تتداخل فيها عوامل عدة تأخذ وقتا حتى تتآلف مع بعضها البعض ولا يمكن الوصول إليها إلا بمشاركة مجموعة كبيرة من سياسيين محنكين وقادة ورجال دولة ومفكرين وأناس يتمتعون بحكمة ودراية بالأمور.
والعين تسمع والإذن ترى!

13/10/2005 [/b] [/size] [/font] 
20  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / أين خصوصية عنكاوا؟ في: 16:49 05/10/2005
العين تسمع والأذن ترى
أين خصوصية عنكاوا؟
د. سعدي المالح

في عام 1993 عندما زرت عنكاوا بعد غياب 16 عاما كان قد تغير الكثير في تلك القرية الصغيرة التي تركت.  كنت أعرف  من بعض العنكاويين الذين التقيت في الخارج أن عنكاوا قد تغيرت وثمة شوارع  وبيوت جديدة قد ظهرت فيها، لكني مع ذلك كنت واثقا من نفسي من أنني سأعرف  الطريق إلى بيتنا وأبلغه من دون عناء.
كانت الساعة في حوالي التاسعة مساء، وعنكاوا غارقة في العتمة حتى أذنيها بسبب تقنين الكهرباء. عرجت بنا السيارة من شارع الستين الذي يلتف حول أربيل إلى الشارع المؤدي إلى عنكاوا. قلت للسائق هذه هي دور ضباط الصف، وهناك كان ثمة مدرسة للراهبات. ثم بعد كيلومترين ؛ وهذه " كوران". وبعد بضعة مئات من الأمتار وجدت نفسي في شارع حديث تصطف بيوت وقصور جميلة على جانبيه. سألت السائق:" هل أنت متأكد من أننا دخلنا عنكاوا؟´ قال:" طبعا .. جئت إليها عشرات المرات".
عندما تركت عنكاوا في عام 1977 كان ثمة شارع رئيس واحد يربطها بأربيل، وكان الشارع باتجاهين الذهاب والإياب.
واليوم فتح شارع جديد عند مدخلها باتجاه واحد يدخله القادم من أربيل، أما القديم فخصص للإياب. هذا ما لم أعرفه، وربما كان الظلام أيضا سببا في عدم معرفتي الطريق، فصرت أقول للسائق  أدخل من هنا فيدخل، ثم استدر يمينا فيستدير، بعد ذلك يسارا فيعرج. لكني لم أعثر على أي ملمح يقودني نحو بيت أهلي.
ولما رأى السائق أن الوقت يمضي وأنا أتخبط في الطرقات اقترح علي أن نسأل أحدا. كان الأمر محرجا، لكني وافقته وإن  على مضض. أوقف سيارته أمام بيت كان يخرج منه بعض الشباب. نزلت من السيارة. لفحتني نسمة هواء باردة ( كان الوقت في أوائل آذار) توجهت نحو الشبان الثلاثة. انتبهوا لي فتباطأوا. كانت بيننا مسافة تقدر ببضعة أمتار. وقفت وأردت أن أحدثهم.
كان الموقف صعبا جدا. صعد الدم إلى رأسي فغص حلقي وحبس صوتي. لملمت عواطفي وحاولت التحدث إليهم مرة أخرى. اختنقت الكلمات في مكان ما وأجهشت بالبكاء . اقترب مني الشباب الثلاثة مندهشين وقبل أن يبادروا بالسؤال قلت لهم بصوت يكاد لا يسمع : أنا فلان ، دلوني على بيتنا.
في تلك السنة كان قد تغير الكثير لكن الناس أنفسهم كانوا أقل تغيرا. حتى مراتع الطفولة كانت باقية: محلتنا القديمة وأهلها، الحقول والبيادر والبساتين. أبي وأمي وأخواتي وأقربائي وجيراني وأصدقائي كانوا كلهم في عنكاوا تقريبا. ولم تتغير معالمها كثيرا.
في عام 2001 زرت عنكاوا مرة أخرى كان تغييرا بسيط قد طرأ عليها: بعض البيوت الجديدة ظهرت هنا وهناك وكثير من الأصدقاء والمعارف كانوا هاجروها، في الوقت نفسه قد حل محلهم كثير من الغرباء والأجانب.
في زيارتي الأخيرة هذه تغير كل شيء. وبدت لا أعرف عنكاوا من دون دليل. وغدت عنكاوا غير التي أعرف. أحياء جديدة ومؤسسات وشركات عالمية وغرباء كثيرون وشوارع وحدائق وتطور عمراني لا يصدق حتى فقدت عنكاوا خصوصيتها القومية والدينية والثقافية والاجتماعية. وهذا تطور هام لكنه مخيف!
تطورت عنكاوا فاصبح نحو ربع أهاليها من غير أهلها. توسعت عنكاوا فتناثرت فيها المؤسسات والشركات والمنظمات العالمية، فأصبحت تواجه بين شارع وآخر حراسا ونقاط تفتيش وشوارع مقطوعة وحواجز. اختفت حدائقها العامة القديمة أو تحولت إلى مراكز لمؤسسات ولم تظهر فيها من الحدائق ما يفي بأغراض أهلها.
كانت النساء يسرن في  الشوارع  والحدائق وحدهن من دون مشاكل يتنزهن ويتمشين واليوم لا تتجرأ الكثير من النساء السير وحدهن في شوارع عنكاوا  من مساء أي يوم من دون أن  تتعرض لمضايقة عدد من السيارات التي عادة يكون راكبوها سكارى.
أن تتطور عنكاوا أمر جيد ولا بد منه، أمر يشكر عليه كل من ساهم ويساهم فيه. لكن ينبغي أن يرافق هذا التطور الاحتفاظ بخصوصيتها العمرانية والقومية والدينية والثقافية والاجتماعية. فعنكاوا طيف متميز من أطياف إقليم كردستان العراق ، لا بل ومن أطياف  العراق الكبير. وضياع أي طيف من أطيافه هو ضياع لجزء منه، بحيث تبقى صورة العراق ناقصة وغير تامة أو مشوهة.

والعين تسمع والأذن ترى! [/b][/size][/font]
21  الحوار والراي الحر / المنبر السياسي / اللغة والثقافة أولاً في: 08:49 25/09/2005
العين تسمع والأذن ترى
اللغة والثقافة أولاً
د. سعدي المالح

لو ألقينا نظرة سريعة على المؤسسات والجمعيات والمراكز الثقافية الكلدانية الآشورية السريانية، سواء كانت مؤسسات حكومية أو مؤسسات مجتمع مدني، لرأينا جميعها تقريبا مسيسة، بل مشحونة  بالهم السياسي بدلا من الثقافي وعلى نحو غير طبيعي، أو تتداخل فيها السياسة بالثقافة تداخلا مباشرا حتى يصبح الفعل السياسي غالبا على النشاط الثقافي الذي هو واجهة لمعظم هذه المؤسسات.
هذا الأمر جعل من معظم هذه المؤسسات ساحات مواجهة بين بعض الأحزاب أو الأطراف أو التيارات السياسية أو بعض المتعصبين لهذه التسمية أو تلك. وبالتالي أدى إلى حرمان الكثير من المثقفين الحقيقيين – مسيسين ومستقلين- من دعمها أو الانتماء إليها أو المشاركة في نشاطاتها لأسباب مختلفة، بينما تبوأ بعض من الطارئين على الثقافة، أو أنصاف المثقفين، مراكز قيادية فيها لاعتبارات سياسية أو حزبية بحتة.
ومن الغريب، إن بعض المؤسسات اللغوية والتربوية ومؤتمراتها تسيست هي الأخرى بحيث إذا اُعتبرت محسوبة لهذه الجهة قاطعتها الجهة الأخرى وراحت الجهة المسيطرة أو المدعومة تفرض سياساتها حتى على تعليم اللغة أو تطويرها وغيرها من البرامج ذات العلاقة.
في الوقت ذاته تسعى الجهة المقابلة بكل ما أوتيت من قوة لإفشال تلك المشاريع أو التقليل من أهميتها أو إفراغها من معناها أو منع التلاميذ من الاستفادة منها. وبالنتيجة تواجه عملية التعليم وبالذات التعليم السرياني وتطوير اللغة وتوحيدها إشكالات جمة وتعاني من إسقاطات سياسية وصراعات حزبية نحن في غنى عنها ولا سيما أطفالنا التواقين لتعلم هذه اللغة.
إنه التحزب والتعصب الأعمى في كل شيء، يطال حتى الشهيق والزفير، تحزب يأتي على اللغة والثقافة ويمسخهما ليصبحا ثقافة الحزب والطائفة والمسمى المعين. ويا حبذا لو كان هذا التحزب بيد أناس يعرفون أهمية تعليم لغتنا والأخذ بيد ثقافتنا، أو تحزيا تنافسيا يساعد على تطوير وتنويع مصادر ثقافتنا، وليس تحزبا يأتي على الأخضر واليابس.
إن الأمر لخطير إلى درجة تكاد ثقافتنا تختنق من هذا الهواء الفاسد، وتنفصل مكوناتها عن بعضها البعض حتى لتغدو اللغة الواحدة لغات متعددة والثقافة الواحدة ثقافات متناقضة تتصارع فيما بينها. 
    كما هو معروف، هذا كله لا يضيف لبنة إلى صرح وحدة شعبنا الكلداني الآشوري السرياني المنشودة، بل يزيد من التفرقة والتشتت والتباعد بين أطياف شعبنا وثقافاته وتسمياته المتعددة، ولا سيما في هذه المرحلة التي نسعى فيها بكل طاقاتنا لخلق أجواء الوحدة القومية والدينية والثقافية في عراق ديمقراطي متعدد القوميات والأديان.
لقد أصبح بلوغ هذه الوحدة في الظرف الراهن، من خلال الواقع العملي المتشرذم، مسألة معقدة ومتشابكة وغير قابلة للتحقيق دفعة واحدة، وخاصة أن سياسيينا ورجال ديننا ما زالوا في طريق بعيدة عن هذا الهدف. لهذا لابد من التفكير بخطة جديدة تضع الجميع على طريق واحدة. طريق واحدة نقطعها على مراحل تدريجية تؤدي إلى الهدف نفسه.
اقتراحي هو أن نبدا باللغة والثقافة أولا ثم نخطو خطوات أخرى. وهذا يتم قبل كل شيء بتوحيد مراكزنا اللغوية وبرامج تعليمها في المؤسسات التربوية الخاصة والعامة وتجريدها بالكامل من التوجهات السياسية المباشرة، أي بفك الارتباط أو الاشتباك بين ما هو سياسي وثقافي- تعليمي بحيث تصبح المؤسسات والمراكز والجمعيات الثقافية والتعليمية متخصصة في المجالات الثقافية والتربوية الحقيقية بعيدا عن التأثيرات والتوجهات والصراعات السياسية.
وينبغي أن يرافق خطوة فك الارتباط أو الاشتباك بين ما هو سياسي وثقافي هذه خطوة هامة أخرى ألا وهي توحيد الأسماء لتدل على المسمى الواحد، أي بكلمة أخرى ما دمنا نسمى لغتنا سريانية وثقافتنا هي الأخرى أيضا سريانية ، فلتحمل جميع هذه المؤسسات والجمعيات والنوادي والمراكز- حكومية كانت أم مؤسسات مجتمع مدني- الاسم السرياني بدلا من الكلداني أو الآشوري أو الكلدوآشوري أو غيره، فهو اسم يجمع ويوحد في هذه المرحلة وفي هذا المجال أكثر من غيره.
بلا شك، من السذاجة أن نفكر أن مثل هذا العمل الحساس والمتشابك يتم من خلال الهيئات العامة أو قيادات هذه المؤسسات أو الجمعيات أو المراكز وحدها من دون اتفاق أو دعم مسبق أو موافقة  المسؤولين السياسيين والحكوميين المشرفين على هذه المراكز والجمعيات، وكذلك الممولين والمساندين والداعمين الذين ينبغي أن يعملوا جميعا بهذا الاتجاه لكي يحقق مثل هذا التحول جدواه.
وبهذا نكون قد خطونا واحدة من الخطوات الهامة والجادة في طريق الوحدة.
والعين تسمع والأذن ترى! [/b][/size][/font]
22  الحوار والراي الحر / المنبر السياسي / مخاطر جدية على مستقبل الديمقراطية في: 17:06 17/09/2005
العين تسمع والأذن ترى
مخاطر جدية على مستقبل الديمقراطية
د. سعدي المالح

أن يكون لنا دستور نعرف فيه حقوقنا وواجباتنا أفضل ألف مرة من أن لا يكون لنا دستور. وأن يكون لنا دستور دائم، مهما كانت نواقصه، أفضل من أن يكون لنا دستور مؤقت قابل للخرق والتغيير، هذا أمر لا جدال فيه.

وإذا ناقشنا دستورنا الجديد من هذا المنطلق، لا نخطئ إذا قلنا أنه دستور يستحق الاحترام على الرغم من نواقصه ومثالبه الكثيرة وتناقضاته المتعددة،  لأنه في المحصلة الأخيرة أول دستور يحقق للعراقيين الكثير من العدالة التي افتقدوها في دساتيرهم السابقة.

وبلا شك، سينعم العراقيون بموجب الدستور الجديد، وللمرة الأولى في تاريخ العراق الحديث، بنظام حكم برلماني ديمقراطي اتحادي يجري فيه تقاسم السلطات بين الحكومة الاتحادية والحكومات الإقليمية والمحافظات والإدارات المحلية بشكل يمنع فيه تركيز السلطة في يد الحكومة الاتحادية. وتتمتع فيه السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، باستقلاليتها. أما خضوع القوات المسلحة العراقية والمخابرات،  للمرة الأولى في تاريخ العراق، للسلطات المدنية فيعد أساسا لدمقرطة المجتمع وانتشاله العسكريتاريا والاضطهاد السياسي . إن كل هذا هو نمط جديد وغير مألوف لأنظمة الحكم في منطقة تتميز بأنواع من الأنظمة الشمولية والاستبدادية والفردية.

بالتأكيد إن الدستور الجديد يهدف إلى إزالة آثار السياسات والممارسات العنصرية والمذهبية التي كانت  قائمة في العراق في ظل الحكومات السابقة. ويضمن للعراقيين الحقوق والحريات والواجبات المتساوية دون تمييز، وبصرف النظر عن الجنس أو الرأي أو المعتقد أو القومية أو الدين أو المذهب أو اللون. ويقر الدستور وللمرة الأولى في تاريخ العراق إن العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، والشعب العربي فيه وحده جزء من الأمة العربية  على خلاف ما كان سائدا في الدساتير العراقية السابقة التي كانت تعتبر العراق بكافة قومياته جزءا لا يتجزأ من الأمة العربية. في الوقت نفسه، يمنح الحقوق الإدارية والثقافية والسياسية للتركمان، والكلدان والآشوريين، والمواطنين الآخرين كافة. ويعتبر اللغتين العربية والكردية اللغتان الرسميتان للعراق مع ضمان حق  الأقليات الأخرى في التعليم بلغتهم الأم كالتركمانية والسريانية والأرمنية في المدارس الحكومية والخاصة . وفي هذا نصر كبير للأقليات غير العربية في تحقيق مطالبها.

وفي الوقت نفسه، يتضمن القانون العديد من الفقرات التي أثارت وتثير إشكالات كبيرة في المجتمع العراقي، بعضها يحمل مخاطر جدية على مستقبل الديمقراطية في العراق وخاصة المكونات الصغيرة من الشعب العراقي، وبعضها الآخر يحمل تناقضات قد تصطدم مع مواد أخرى في الدستور تلغي عملها أو تعيقه.

وبرأيي ثمة تناقضات في المادة الثانية من الدستور التي تقر بأن الإسلام دين الدولة الرسمي ومصدر أساس للتشريع إذ أن الفقرة أ " لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام" بتقدمها على الفقرتين ب " لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية" و ج " لا  يجوز سن قانون يتعارض  مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور" تلغي مفعولهما وتجعلهما كأنهما غير موجودتين، وتعيق سن وتطبيق الكثير من القوانين المواكبة للتطور الديمقراطي وحقوق الإنسان، مما يضع مستقبل الديمقراطية في خطر جدي. هذا والفقرة نفسها لا توضح بشكل صريح أي نوع من التشريع الإسلامي تريد، ووفق أي المذاهب ستطبق هذا التشريع مما سيثير جدلا ولغطا كبيرين أثناء سن أي قانون يعتمد التشريع الإسلامي مستقبلا.

يمنح الدستور في المادة 17 " لكل فرد الحق في الخصوصية الشخصية بما لا يتنافى مع حقوق الآخرين والآداب العامة". وكلمة الآداب العامة هنا كلمة مطاطية يمكن سحبها على إي شيء لا يعجب المشرع أو اختصارها بحيث يصبح أي شيء مباحا، لهذا كان لابد أن توضح هذه" الآداب العامة" في مادة ما أو أن تستبدل "بما لا يتنافى مع حقوق الآخرين وأحكام هذا الدستور".

في رابعا من المادة 29 " تمنع أشكال العنف والتعسف في الأسرة والمدرسة والمجتمع" من دون توضيح أي نوع من العنف يقصد به الجسدي فقط أم الجسدي والنفسي، لأن كلاهما متفشيان في مجتمعنا. وبرأيي هذه الفقرة كان يجب أن تذكر " وبخاصة ضد المرأة والطفل لأنهما الأكثر تعرضا لكلا النوعين من العنف والتعسف"

تتحدث المادة 48 عن التمثيل في مجلس النواب بنسبة مقعد واحد لكل مائة ألف نسمة من نفوس العراق " ويراعى تمثيل سائر مكونات الشعب فيه " ولكي تحصل المكونات الصغيرة من الشعب العراقي على تمثيل عادل في الجمعية - ولا سيما يصعب على بعضها الحصول حتى على مقعد واحد، نظرا لأن العراق سيكون دائرة انتخابية واحدة - لابد من تخصيص "كوتا" أو مقاعد محددة لهذه المكونات الصغيرة حسب عددها نسبة إلى عدد نفوس العراق ليتنافس عليها أبناء هذه القوميات كما هو في الكثير من البلدان.

في المادة 123 التي تضمن حقوق القوميات المختلفة يرد اسم الكلدان والآشوريين، وإن كان الاسمان محصورين بين فاصلتين، كأنهما قوميتان منفصلتان. ويعد هذا الفصل بمثابة اقتراف " جريمة" بحق أبناء هذه القومية الصغيرة التي فرضت عليها ظروف تاريخية خارجة عن إرادتها ثلاث تسميات: الكلدان الآشوريون السريان. وهنا يجب- وإن كان مقترفو هذه الجريمة الحقيقيون ممثلي هذا الشعب في المجلس الوطني- إيراد التسميات الثلاث باعتبارهما مسميات لشعب واحد ، والذي سيساعد، إلى حد ما، في حل جزء من إشكال التسمية المستفحل بينهم مستقبلا.  [/size][/font] [/b]
23  الحوار والراي الحر / المنبر السياسي / ديباجة غير مدبجة بديباج العراق في: 14:16 08/09/2005
 
ديباجة غير مدبجة بديباج العراق

د. سعدي المالح

من المعروف أن ديباجة أي كتاب أو وثيقة هي فاتحته. وعادة ما تكون هذه الديباجة الوجه الذي يطالعنا في المقدمة، ولهذا اعتادت العرب والعجم على تزينها وتجميلها. وقديما كان يُعد صَون هذه الديباجة كناية عن شرف النفس. ولعل المفردة هذه جاءت من الثوب - الديباج الذي سُداه ولُحمته حرير.

هكذا كان يجب أن تكون ديباجة الدستور العراقي الجديد الذي صوّت عليه المجلس الوطني وعرضه على الاستفتاء الشعبي العام؛ ديباجة قوية متينة، مزينة جميلة، ومعبرة عن تاريخ العراق ومكوناته، ثابتة وراسخة ومدبجة بطيلسانه. إلا أن مطالعة سريعة لهذه الديباجة تكشف لنا ركاكتها وهشاشتها وضعفها وعدم شمولها لا على سُدى العراق ولحمته بأقوامه وأديانه وتاريخه ولا مزينة بحضارته وأطياف ثقافته.

فالديباجة هذه، بدلا من أن تكون رزينة دستورية ومنطقية محددة ومختصرة ومستوعبة لتاريخ العراق وحضارته ومكوناته وأديانه، جاءت بمجملها ضبابية وعمومية ترمي الكلام على عواهنه بحيث يفسر تفسيرات متناقضة أحيانا و مبتسرة وناقصة أحيانا أخرى.

على نحو أوضح، إنها تقرأ التاريخ والحضارة والمكنون العلمي والثقافي من خلال المفهوم الديني فحسب،  المفهوم "الإسلاموي" ذي النزعة الشيعية تحديدا، من دون إقامة اعتبار كافٍ للأديان والثقافات الأخرى،  أو الإقرار بوجود أعداد كبيرة من الليبراليين والديمقراطيين والعلمانيين وحاملي الأفكار التقدمية الأخرى في المجتمع العراقي.

بلا شك، سيكتشف المعتدلون من الأكراد والعرب، من السنة والشيعة، من الأديان والقوميات الأخرى، نواقص وفجوات ومثالب كثيرة في هذه الديباجة، أترك لهم مناقشتها، مكتفيا هنا بالإشارة إلى ما فيها من فجوات ونواقص ومثالب  في الأقل من وجهة نظر الكلدان الآشوريين السريان. 

منذ الأسطر الأولى تلغى الديباجة اسم السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين من حضارة العراق وتاريخه،  وهي برأيي عملية إلغاء ذاكرة مقصودة تمارس بدهاء وخبث، وبأسلوب يلتقي مع أساليب البعث السابقة. تلك الأساليب التي كانت ( وما تزال في بعض الدول) تنسب هذه الحضارة إلى العرب القدماء، في محاولة لإمحاء مسمى هذه الحضارة وأصولها، وبالتالي فصلها عن ما تبقى من أبنائها في بلدهم الأصلي. وهذا الأسلوب، كما هو معروف،  ليس إلا جزءا من أسلوب محو ذاكرة الشعوب وتاريخها الذي استخدمه المهاجرون الأوروبيون إلى الأمريكتين واستراليا بحق سكان البلاد الأصليين.

ثم تأتي الديباجة لتستلهم " فجائع شهداء العراق، شيعة وسنة، عربا وكوردا وتركمانا، ومعهم بقية إخوانهم من المكونات جميعها..." في حين كان يجب أن تذكر الديباجة المسلمين والمسيحيين أولا كمكونين لدينين رئيسيين في العراق (وإن كان عدد المسيحيين قد تضاءل في السنوات الأخيرة) ثم تعدد الطوائف الإسلامية. وأيضا اكتفت هذه الديباجة من الناحية القومية بذكر العرب والكورد والتركمان بعد ذلك أضافت إليهم " ومعهم بقية إخوانهم من المكونات جميعها" وكأن الفجائع لحقت بشكل رئيس بالمسلمين فحسب! بما معناه أن المسيحيين والايزيديين والصابئة، أو " بقية المكونات" والتي هي الكلدان الآشوريين السريان بالأساس لم تكن فجائعهم بالأهمية نفسها التي للآخرين، علما أن الجميع واجه الفظائع نفسها، بل وأن القوميات والديانات الصغيرة كان نصيبها أكبر من القتل والتشريد والتهجير والاغتراب ومواجهة الفظائع نسبة إلى حجمها، وهذه حقيقة دامغة.

ونواصل قراءة الديباجة غير المدبّجة بطيلسان العراق. فعندما تستنطق عذابات القمع القومي تذكر ما لحق بالعرب والأكراد والتركمان من سنة وشيعة ولا تأتي على ذكر الكلدان الآشوريين السريان كقومية ولا كمسيحيين، متناسية عن قصد أو غير قصد مجازر سميل على يد الجيش العراقي في عام 1933 والتي راح ضحيتها آلاف عدة من أبناء شعبنا في يوم واحد وفي موقع واحد . ولا مجزرة قرية صورية في عام 1968 في محافظة دهوك على يد جلاوزة صدام حسين التي أودت بحياة العشرات من أبناء قرية واحدة. ومتناسية المئات من الكلدان الآشوريين السريان الذين وهبوا أنفسهم من أجل العراق في سجونه أو كانوا ضحايا الأنفال، أو قضوا في ساحات المعارك مع قوات الأنصار والبيشمركة . ولا يود هذا الدستور أن يذكر في ديباجته عشرات  القرى الكلدانية الآشورية السريانية التي دمرت في الأنفال، وتعرض أهاليها للقتل والتشريد، وعشرات الكنائس التي خربت والمزارع التي أحرقت.

فلكي نكون أوفياء لهذا الوطن وجديرين بحمل اسمه وتحمل كل المسؤوليات الملقاة على عاتقنا لا بد من أن يكون لنا حقوقنا كاملة غير منقوصة سواء بذكر اسمنا إلى جانب بقية مكونات الشعب العراقي في السراء والضراء أو بإبراز وجهنا الحضاري كجزء من هذا الشعب.  فنحن لا نريد أكثر مما يريد أي عراقي ولا أقل مما يريد أي عراقي أي كان دينه أو مذهبه وأية كانت قوميته.

من اليسير على كل من يقرأ ديباجة الدستور العراقي الجديد من الذين يؤمنون بالمنطق العلمي والقانوني وبالحقوق والحريات الديمقراطية والدستورية أن يكتشف أنها ديباجة غير مدبّجة بديباج العراق، بل لعلها كمُفردة أقرب في تطبيقها في هذا الدستور إلى معنى كلمة الديباج الأصلي بغير لغات أهل العراق.

ولنا عودة إلى فقرات الدستور في مقال آخر.

عنكاوا في 31 آب 2005[/font][/size]
24  الحوار والراي الحر / المنبر السياسي / من العار أن نسكت على ما يحدث! في: 22:35 25/08/2005
من العار أن نسكت على ما يحدث!



بعد مخاض عسير وشاق، تخللته اجتماعات ومفاوضات وتنازلات واتفاقات ومشادات، وكثير من اللغط والكلام، المفيد والفارغ، خرجت علينا مسودة الدستور العراقي الجديد لتفسر لشعبنا الكلداني الآشوري السرياني الماء بالماء، فأوردت اسم شعبنا تحت تسميتين منفصلتين الكلدان والآشوريين من ناحية، ولم تمنح هذه المسودة لنا كمسيحيين، وللمسيحية باعتبارها الدين الثاني في العراق، بل وأقدم دين من الأديان السماوية، من الحقوق الدينية بالاسم أي حق ثابت، من ناحية أخرى.

نحن نعرف، وكل أبناء شعبنا يعرفون أيضا، ما كان يدور أمام الكواليس وخلفها، وتحتها، في أثناء اجتماعات لجنة صياغة الدستور، وفي أثناء الاجتماعات الخاصة " لممثلي" شعبنا في اللجنة وفي الجمعية الوطنية، ومن خلال المعارك الكلامية والمناوشات على صفحات الانترنت والجرائد وشاشات التلفزيونات، لهذا لم يفاجئوا كثيرا، وحتى أن الكثير منهم كان يتوقع مثل هذه النتائج الكارثية المؤلمة.
 
الآن، وبعد أن وقع الفأس بالرأس، نتساءل من يتحمل مسؤولية ما حصل؟

بالتأكيد تتحمل أحزابنا ،وعلى نحو خاص تلك الممثلة في الجمعية الوطنية، المسؤولية الكاملة لهذا العمل المتهور بحق شعبنا الواحد وذلك لعدم نجاحها في تحمل مسؤوليتها التاريخية أمام شعبنا وعدم قيامها بتوحيد الكلمة والمسمى الرسمي لشعبنا مهما كانت المبررات والذرائع السياسية وغير السياسية. 

وأيضا رؤساء الطوائف والكنائس يتحملون مسؤوليتهم لأنهم لم يساعدوا في لم الشمل وتوحيد الجهود للوصول إلى اتفاق موحد يرضي الأكثرية، بل عمل البعض على إثارة النعرات الطائفية والمذهبية والانفصالية.   

بطريرك الكنيسة الآشورية لم يحرك ساكنا، كأنه غير موجود على الساحة الوطنية بالمرة، في الوقت الذي قدم  البطريريك مار أدي الثاني ، بطريرك الكنيسة الاشورية القديمة و مار كيوركيس صليوا الوكيل البطريريكي للكنيسة الشرقية الآشورية رسالة رسمية الى  رئاسة لجنة صياغة الدستور طلبا فيها  ادراج التسمية الاشورية وحدها .

بطريرك الكنيسة الكلدانية  تبنى في البداية موقفا وحدويا يشكر عليه، لكن بتأثير من بعض المتطرفين للاسم الكلداني أرسل رسالة إلى الحكومة العراقية يطالب بتثبيت الاسم الكلداني منفصلا عن الأسماء الأخرى. بهذه الرسالة تشبث الكثير من المتشددين الكلدان واستخدموها ورقة أو" قميص عثمان" للتفرقة والتشتت، وربما ليس بالشكل الذي أراده البطريرك.

 برأيي كان على البطاركة جميعهم أن يرسلوا رسالة إلى الحكومة العراقية يطالبون فيها إيراد الدين المسيحي في مسودة الدستور كثاني دين في العراق، وهو الأمر الذي أغفلته المسودة، وليس رسائل تستثمر لشق وحدتنا القومية.

أما بطريرك الكنيسة السريانية فلا عتب عليه لأنه قد باع خصوصية الكنيسة والقومية من خلال تصريحاته التي يدعي فيها أننا من أصل عربي 

على هذا الأساس فلم نجد إلا نفرا قليلا من رجال الدين دعوا ويدعون إلى الوحدة ( على سبيل المثال مطارنة الموصل)، لكن مع شديد الأسف، كانت أصواتهم غير مؤثرة في خضم الأصوات المتطرفة من الطرفين المتشددين النقيضين الكلداني والآشوري. .

أما عن أحزابنا (إذا كان هنالك من أحزاب) فحدث ولا حرج.

أقدم "الأحزاب" الذي كنا نأمل فيه أن يكون مشروعا لتنظيم قومي موحد تحول إلى مزرعة يديرها دكتاتور صغير على هواه بعيدا عن المصالح القومية العليا. وإذا أراد ممثل هذا الحزب أن يخدع أبناء شعبنا بكونه معارضا للتسمية التي وردت في مسودة الدستور نقول له لماذا لم يستقيل من اللجنة طالما لم يتمكن من إقناع أعضائها برأيه الوحدوي، وما أهمية رأيه بعد أن وافق رسميا على الصيغة الواردة في المسودة؟ أما الأحزاب الأخرى فهي عبارة عن تنظيمات أما صغيرة نخبوية، أو كارتونية هشة أو لا تتعدى عن كونها دكاكين ببضاعة كاسدة أو من دون بضاعة. في الحقيقة لم نكن ننتظر منها الكثير، بل أن بعض ممثليها ( وهذا البعض معروف على نحو جيد من قبل أبناء شعبنا) لعب دورا تخريبيا في لم شملنا ووحدتنا المنشودة. ومع ذلك كان يمكن لبقية الأحزاب أن تبذل أقصى جهدها في تقريب وجهات النظر وأرجحة كفة الميزان لصالح الاسم الموحد لشعبنا. 

لقد أثبتت تجارب السنوات الماضية، ولا سيما منذ سقوط النظام الدكتاتوري البائد وظهور بعض القوى الجديدة على الساحة، أن أبناء شعبنا البسطاء أكثر وعيا وأمانة وتحملا للمسؤولية من ممثلينا في الجمعية الوطنية، ومن ممثلينا في السلطة المركزية، وسلطة إقليم  كردستان، ومن السادة رجال الدين الميامين، ومن الكثير من أدعياء العمل القومي ، فهم - أبناء شعبنا البسطاء- يتزوجون من بعضهم البعض كاسرين التقاليد البالية والقيود الدينية المفروضة، يعيشون ويعملون مع بعضهم البعض من دون أدنى خوف من الحدود القروية والعشائرية، يقضون أوقات فراغهم ونشاطاتهم الاجتماعية مع بعضهم البعض دون أي حرج، يستعملون لهجات بعضهم البعض من دون أي عائق أو مشكلة، يدخلون كنائس بعضهم البعض من دون أي مراعاة للحواجز الطائفية.
والأهم من هذا كله يقولون بصدق وعن حسن نية وإيمان بأننا شعب واحد، لدينا لغة واحدة وتاريخ مشترك واحد، ونحن جميعا سليلو حضارة عريقة واحدة.

هذا يدل على أن رجال الدين، والمسؤولين الحزبيين في أحزابنا القومية، و"المتناضلين"  الآخرين في بعض منظمات المجتمع المدني، الذين يدعون قيادة هذا الشعب، ما زالوا يسيرون في ذيل مسيرة التطور الحضاري أو في مؤخرتها، في الوقت الذي  يتقدمهم الشعب، وخاصة البسطاء من أبنائه بمسافة طويلة.

كيف نترك هؤلاء أن يمثلوننا في أعلى هيئات الدولة أو في أعلى القيادات الحزبية والدينية والمجتمعية؟ وكيف نضع مستقبلنا بأيديهم وهم غير أمينين لهذه المهمة؟
 
على الشعب أن يقول كلمته بجرأة بحق هؤلاء. على أعضاء أحزابهم ومؤيديهم أن يقولوا كلمتهم بحق مسؤوليهم الحزبيين. وعلى المؤمنين أن يقولوا كلمتهم بحق رؤسائهم الروحانيين. وعلى المنضوين إلى منظمات المجتمع المدني أن يقولوا كلمتهم بحق هيئاتهم الإدارية وممثليهم. 

من العار أن نقبل بهم ممثلين لنا.
من العار أن يتجرأوا ويدعوا تمثيلنا.
من العار أن نقبل أن يحدث ما يحدث.
من العار أن نسكت على ما يحدث.


د. سعدي المالح
عنكاوا في 25/8/2005

[/b]

صفحات: [1]





 

 

 

Online now

مدعوم بواسطة MySQL مدعوم بواسطة PHP Powered by SMF 1.1.19 | SMF © 2011, Simple Machines XHTML 1.0 صالح! CSS صالح!
تم إنشاء الصفحة في 0.198 ثانية مستخدما 20 استفسار.