Ankawa.com
montadayaat montadayaat montadayaat montadayaat
English| عنكاوا |المنتديات |راديو |صور | دردشة | فيديو | أغاني |العاب| اعلانات |البريد | رفع ملفات | البحث | دليل |بطاقات | تعارف | تراتيل| أرشيف|اتصلوا بنا | الرئيسية
أهلا, زائر. الرجاء الدخول أو التسجيل
14:38 23/04/2014

تسجيل الدخول باسم المستخدم، كلمة المرور و مدة الجلسة


بداية تعليمات بحث التقويم دخول تسجيل
  عرض الرسائل
صفحات: [1]
1  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / رسالةٌ إلى أبينا بولس اليازجي! في: 19:03 18/04/2014
رسالةٌ إلى أبينا بولس اليازجي!



آمال عوّاد رضوان

وما انفكَتْ أوتارُ قلبي مشدودةً مُتوتّرةً، تلك الّتي دوْزنَها بتناغُمٍ إخوةٌ وأحبّةٌ وأدباءٌ وأصدقاءٌ غوالٍ سوريّون، عرفتُهم برِقيٍّهم الأخلاقيّ الثقافيِّ السامي! ولمّا يَزَلِ الألمُ والأرقُ يُفتّقانِ روحي إلى ما وصلتْ إليه سوريا الحبيبة إلى الآن، وخاصّة، منذُ علمتُ بخطفِ أستاذي المطران بولس اليازجي في خضمِّ الأحداثِ السوريّةِ الراهنةِ، مَن عرفتُهُ عن كَثبٍ بروحانيّتِهِ العالية المُسالِمةِ، ومحبّتهِ العارمةِ لعروبتِهِ ولسوريا وللإنسان، عساهُ وجميعُ الأهل يَعودون إلى أحضانِ سوريا بسَلامٍ وحياةٍ آمنة، وعسى جميع أسرانا يَتحرّرونَ مِن سجونِ الظّلمِ وكمائنِ الشرور، لنحيا وسوريا وفلسطين والعراق وكافةِ بلدانِنا العربيّةِ والبشريّةِ في هذا الكوْن فصحًا مجيدًا، وعيدَ قيامةٍ وخلاصًا لإنسانيّتنا مِن الحروب والآلام!
أستاذي الحبيب بولس اليازجي..
ربّةُ الذكرى ما انفكّتْ تُوصِدُ الذكرياتِ على بخورِ المَسافاتِ العتيقةِ، وما فتِئتْ تَجدلُ فتيلَ الماضي لحنًا بيزنطيًّا جَهوريًّا، يَتبَوْلَسُ مُتعَمْلقًا في شقوقِ الرّوحِ، ويَتقَبْرَصُ الوجعُ نُحاسيًّا ويَتقرفَصُ، يَطرُقُ بعكّازِ شُموخِهِ دمعًا خانقًا تحجّرَ في صخبِ المَدامع.
هناكَ في نيقوسيا/ قبرص
لقّنتَني الموسيقا البيزنطيّة.. وهَبْتَني مَفاتيحَ أبوابِ الرّوحِ.. جعلتَ قلبيَ المغمورَ باليقينِ، يَتسلّقُ سُلّمَ الحياةِ فرحًا، ويُحَلّقُ بأجنحةِ الملائكةِ إلى سَماواتِ السّلامِ الرّوحيّ.
كانَ صوْتُكَ الحاني الشّاخصَ بي يَلكُزُني، يُدَثّرُني بنُذورِ الأولياءِ، يَجُرُّني إلى سَماواتِ الأنبياء: هيّا احْمِلي الأمانةَ ورَتّلي!
ويتأجّجُ ارْتِباكي أمامَ إصرارِكَ المُؤمِنِ بتِلميذتِكَ، وأنتَ المُشِعُّ بالإيمانِ، تُزجي غيومَ روحي بحنانٍ، وَتسوقُها إلى قُدسِيّةِ سعادةٍ تَكمُنُ في إنسانيّتِنا، وأدْمَعُ ببَسْمَتِكَ المُشعّةِ نُورًا، وتَغرَوْرِقُ عينايَ برُوحِكَ الواثقة.

حَمَلْتَ صوْتي مُصَوَّرًا في أحشاءِ كاميرَتِكَ، وحَمَّلْتَني صليبَ البارالايي والصّولفيج البيزنطيّ أمانةً عشّشَتْ في خلايا كياني..
ويَضحَكُ ليَ الزّمانُ الأعرجُ.. يُضَمّخُ روحيَ بالزّوفا، ويُطِلُّ الأرشمندريت فيلوثيوس في الناصرة قادِمًا من حيفا، لتعليمِ أصولِ الموسيقا البيزنطيّة.
مدفوعةً مضيتُ إلى هناك، بعدَما ألزمَني تشجيعُ زوجي الحبيب أن أتابعَ موْسقتي البيزنطيّة، فجَلسْتُ وحيدةً (أنا الأنثى) على حياءٍ، خلفَ جمْعِ المُرتِّلينَ الذكور، أحملُ رضيعي ذا الشهورِ الثلاثة، وأُصغي بصمْتٍ نَهِمٍ. لكن، بعدَ شهور قليلةٍ انفضَّ جمعُ المُرتّلينَ، ووحدي بقيتُ في الغربالِ دونَ الأربعينَ الآخرين.

كان المشوارُ البيزنطيُّ شاقٌّ وطويلٌ، يحتاجُ إلى دراسةٍ جدّيّة ومتابعةٍ، فهرَّ الجمعُ مِن ثقوبِ الموسيقا على الدروب، ومضيتُ بروحي إلى حيفا، لأتابعَ تلقّي دروسي الفرديّة بإخلاصٍ من قِبل الأرشمندريت فيلوثيوس، ولمْ أتوَانَ لحظةً عن حَمْلِ أمانَتِك، إلى أنْ أتقنْتُ القراءةَ، وحِفظَ جَميلِكَ الماطِر العاطر بفترةٍ وجيزةٍ مُكثفةٍ.
يا البولسُ اليازجي راعينا..
يا مَن تجسّدتَ في ابتهالاتي طوْعًا، تُعِدُّ أجِنّةَ السُّحُبِ مَلائكةَ نورٍ للأرضِ، بالأمسِ القريبِ عاينتُ الأعوامَ تحْمِلُكَ على أعناقِها سَنابلَ أحلامٍ، وقفتُ أمامَ أيقونةِ الآلامِ، تنسِجُني خيوطُ الدمعِ والآمال، وكما في كُلِّ عامٍ، يَدايَ مَبْسوطتانِ مَزاميرَ اسْتِغفارٍ، أُسَبِّحُ مُرتّلةً بصوتٍ متهدّجٍ متهجّدٍ ما لقّنتَني وصوّرتَ:
"ها هو ذا الختنُ يأتي في نِصفِ اللّيل، فطوبى للعبدِ الّذي يَجِدُهُ مُستيقِظًا، أمّا الّذي يَجِدُهُ مُتغافِلًا، فهوَ غيرُ مُسْتَحِقٍّ، فانظري يا نفسي لِئلّا تَغرَقي في النّوم، ويُغلَقُ عليْكِ خارجَ المَلكوتِ، وتُسَلَّمي إلى الموتِ، بل كوني مُنتبِهةً صارخةً، قُدّوسٌ قدّوسٌ قدّوسٌ أنتَ يا الله، بشفاعةِ القِدّيسينَ ارْحَمْنا".
يا اليازجي بولس سيّدنا..
يا المحفوفُ بصلواتِ ودعواتِ مُحِبّيكَ الخلاصيّة، ويا المُكَلّلُ بإبَرِ شوْكِ الفُصولِ المُهمّشةِ، ها أنتَ لمّا تزَلْ حاضرًا فينا ومعَنا في هذا الأسبوعِ العظيمِ مِن آلامِ المسيح وفي كلِّ آنٍ، تُرَتِّقُ جِراحَ مَناراتٍ مُمَلّحةٍ، وتُواسي المحزونين بإيمانِك وروحِك الطاهرة، فالمجدُ لطولِ أناتِكَ!
يا أبانا البارّ بولس اليازجي..
ها عيناكَ تنبثقانِ مِن ثقوبِ صوْتي خاشِعتانِ، تُمَسِّدانِ بدَمْعِهِما شَعرَ طفولةٍ وأمومةٍ وكهولةٍ وشيخوخةٍ مضَمّخٍ بالدّمِ، تُرمّمان ِأقبيةَ حُزنٍ تَرَسَّبَ فوْقَ طواحينِ الوَقتِ المُهشّمةِ، براحتِكَ اليُمنى تَهُشُّ عرائشَ اليأسِ، وتَدُسُّ قلبَكَ خلاصًا مُقدّسًا في صدورِ عرائسِ المَنفى، وتَمسَحُ عن وجْهِ التُّرُهاتِ أنفاسَ المُتعَبينَ المَغموسةَ بنبْضِ النّارِ، يَترَعْرَعُ الرّجاءُ في شفتيْكَ، وتَطبَعُ قبلةَ حنينٍ على جَبينِ سوريا الحبيبةِ، وأسمعُ صوتُكَ هاتِفًا:

سوريا أيا آخرَ عذراواتِ الموسيقا المُهَلِّلةِ بالشّعرِ/ ويا وَريثةَ الكرامةِ والخُلودِ، مَنْ أباحَ عِطرَكِ المُعَتَّقِ في جِرارِ الياسمينِ والبنفسجِ/ ليَتطايَرَ نخيلًا نحيلًا خاويًا مِن فِراخِكِ البَرَرة؟/ مَنْ أرْخى جُفونَ الحرْبِ على مُقَلِكِ المُدَمّاةِ بالخوْفِ والعُرْيِ وظِلالِ الضّلالِ؟/ بَنوكِ يَلِجونَ أزِقّةَ الضّياعِ/ يَتقَوّسونَ فسائِلَ خيْبةٍ/ يَتعثّرونَ في غَياهِبِ هَواجِسَ تَتلاحَقُ/ تَتكَثّفُ عُقْمًا مُتَعَكِّرًا على وجهِ الوطَنِ/ أيّتها الحبيبةُ سوريّتَنا/ أتيحي لنا الحياة!
2  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / لقاءٌ حميميٌّ في مملكة الحنين! في: 20:52 15/02/2014
لقاءٌ حميميٌّ في مملكة الحنين!
آمال عوّاد رضوان
بأجواء ملؤها الغبطة والفرح والحنين، احتفى خريجو الفوج الثامن لعام ١٩٨٠في ثانوية عبلين القديمة باحتفالٍ حميميٍّ، وذلك بتاريخ 2-8-2014، بقاعة الرشيد في عبلين، وقد أضفت جوقة الكروان جوًّا راقصًا على الأمسية بقيادة المايسترو نبيه عواد، وإيقاع كميل تيم، وغناء الشابتين الجميلتين ساندرا حاج وكليمانس عواد، وقد تولى العرافة كل من جمال حيدر وآمال رضوان، ليستمر اللقاء قرابة سبع ساعات بحفاوة دامعة تتعطش حنينا للماضي، فيتحلق الحضور حول مائدة المحبة، يتناولون عشاء ذكريات الشيطنة والصبينة الجميلة على طاولات الدراسة، من مقالب ونهفات شقاوة عذبة، ومن ثم تم تكريم كل من الأساتذة إلياس جبور، د. محمد سكران، شاكر رسلان، عاصم خوري، رمزي مسلّم، جاسر داود، فواز حلاس، جوزيف نشاشيبي، ومنير موسى، وكان لكل من الأساتذة والطلاب كلمة هامسة دافئة من نسائم الماضي الجميل، ومن ثم تم التقاط الصور التذكارية الغالية على قلوب الجميع، وتوزيع أقلام طُبع عليها اسم الفوج والمدرسة.
جاء في كلمة آمال رضوان: أعزاءَنا الغوالي مملكة الحنين تشرّع أبوابها لنجوم تعزف عهدًا فتيًّا، من خلال لقائنا الأول، وقد غمر اللقاء جو فائق الحنين، يضم طلابا وأساتذة، لتكتمل المسرة الوضاءة بلقاء نجومها في مملكة الحنين، التي ما يزال صدى حنينها كحصان يمتطي القلوب والأعمار، فيصول ويجول في حنايا وخفايا ماض كناه، فيذيبنا شوقا، ويمحو حدود أمكنة وأزمنة زحفت إلى ملامح حياتنا وأرواحنا، لنسعد وإياكم بومضات حنين تعيدنا برمشة عين إلى مملكته الذهبية، إلى أيام خلت، تعجّ بشقاوة طفولية نابضة بنا، وبفيض ذكريات تنساب ندية وفية!
وفي كلمة جمال حيدر جاء: في هذه الأمسية نلتقي بعد انتظار 33 عاما من تخرّجنا عام 1980 من مدرسة عبلين الثانوية القديمة، ومن غرف قديمة مستأجرة في بيت شحادة سلمان، تدلف إليها مياه الأمطار عبر السقف المشقق، لتبلل كتبًا كثيرة ودفاتر وطاولات، إلا أن هذه الغرف كانت دافئة بطلابها ومعلميها، نعود اليوم إلى الصف الثاني عشر، تاركين ألقابنا بهذه الأمسية، أمسية الحنين الأول. نرحب بالمعلمين الأفاضل الذين لبوا دعوتنا، وأضافوا رونقا خاصّا لهذا اللقاء، ونتكرّم بحضورهم الليلة وبجهودهم التي بذلوها من أجل تخريج هذا الفوج وأفواج أخرى في الماضي والحاضر .
دعونا نستذكر بعض المعلمين ممّن علمونا وليسوا معنا اليوم، وأرواحهم حاضرة دائما تحلق بنفوسنا: الأستاذ ميخائيل سلمان، الأستاذ حنا عويّد، والأستاذ سليم خوري .. رحلوا لكن ذكراهم خالدة أبدا بيننا.
هذه الفكرة راودت كثيرًا من الأصدقاء منذ زمن، لكن انشغالنا كلّ في عمله لم يسنح لهذا اللقاء أن يتم، حتى قام بعض الأصدقاء بتجهيز قائمة بأسماء الخريجين، وتمّ تشكيل لجنة مبادرة اجتمعت عدة مرات ونسقت لهذا اللقاء، وهي مكوّنة من: عماد زيدان، خضر سواعد، آمال الخوري، ليلى النجمي مغندف، وجمال حيدر، ونور سلمان.
وها نحن نجتمع هذه الليلة لنتذكر سوية أيامنا تلك، على أمل أن نعاود هذه اللقاءات قريبًا ونكرّرها، فالسهرة طالما انتظرناها، والقلب يملؤه الحنين والحنان لرؤية الأحبة الغوالي، لنعلن معًا عن ميلاد فجر جديد وإن تأخر، لتتلألأ السهرة بنجومها الخريجين وكواكبها المعلمين الأفاضل، هي سهرة العمر الباقي الى الأبد.



























3  الاخبار و الاحداث / اخبار فنية ثقافية اجتماعية / الكروان تغني الوطن في ليالي ميلاد 2013! في: 14:38 26/12/2013
الكروان تغني الوطن في ليالي ميلاد 2013!

جوقة الكروان العبلينية الجليلة أحيت حفلا غنائيا مميزا بقيادة المايسترو نبيه عواد في عبلين الجليلية، وهي الامسية السابعة ضمن برنامج احتفالات ليالي الميلاد 2013، والتي نظمتها لجنة ليالي الميلاد 2013، بتخطيط وتنفيذ جوقة الكروان لكل برامج هذه الليالي، وقد احتضنت ساحة الميلاد العبلينية هذه الاحتفالية، بتاريخ 25-12-2013، وعلى خشبة المسرح وفي الهواء الطلق القارس، ووسط حضور كبير متفاعل ومتعطش للفرح من أهالي عبلين، أطفالا وشبابا وصبايا ومن كل الشرائح الاجتماعية، لتستدفئ بفرحة الميلاد، وبأصوات جوقة الكروان التي غنت الوطن والميلاد والطرب والفلكلور، وصدحت تغني "احكيلي عن بلدي"، وبيقولوا بلدي زغيّر"، لتتابع في ترانيم الميلاد بأصوات مفردة وجماعية، من خلال ألفت حاج، شادي تلحمي، كليمانس عواد، وبأغنية طربية بصوت ساندرا حاج "حيرت قلبي معاك"، وليختتم الاحتفال الفنان الكرواني بصوته المجلجل "سليم خليل"، بأغاني جبلية وفولكلورية راقصة.  
ويجدر الأشارة الى ان هذه الامسية الاحتفالية جاءت ضمن مشروع مفعال هبايس، والمحدد بـثلاثة ايام تربوية  في جميع انحاء البلاد، وفي فترة محددة فقط ما بين: 25-12-2013 و 26-12-2013 و27-12-2013، وقد حل ضيفا على هذا الحفل السيد عوزي ديان رئيس مؤسسة مفعال هبايس، حيث انه اختار حضور احتفال جوقة الكروان في عبلين، من ضمن 130 عرض ستقام في الوسط العربي في الايام الثلاثة المذكورة
ويستمر برنامج ليالي الميلاد 2013 مع:
بتاريخ 27-12-2013 عرض غنائي للفنانة الكروانية مريم طوقان.
وبتاريخ 29-12-2013 ستكون الامسية الختامية، تشمل عرض كونسيرت موسيقي من طلاب المعهد الموسيقي في عبلين، وعرض ستاند اب كوميبدي لفرقة سمّة بدن، ومواهب عبلينية، ودبكة شعبية!
تصوير- جورج سلمان









































4  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / احتفاليّةُ مؤسّسة محمود درويش للإبداع بعامِها الخامس! في: 16:57 12/12/2013
احتفاليّةُ مؤسّسة محمود درويش للإبداع بعامِها الخامس!


آمال عوّاد رضوان
 وسطَ حضورٍ كبيرٍ مِن أدباءَ وفنّانينَ وشخصيّاتٍ اعتباريّةٍ واجتماعيّةٍ وروحيّةٍ وسياسيّةٍ ورجال أعمال محلّيّين، ووفودٍ مِن بلجيكا وفلسطين، احتفلتْ مؤسّسةُ محمود درويش للإبداع- كفرياسيف الجليل بعامِها الخامس، وذلك بمشاركةِ توأمتِها البلجيكيّة "مؤسّسة سوليداريس"، في قاعةِ قصر الباشا بدير الأسد الجليليّة، بتاريخ 6-12-2013، وبالتعاون مع مجلس دير الأسد.
وقد ضمّ الوفدُ البلجيكيّ الضيفُ رفيعُ المستوى مِن مؤسّسة سوليداريس كلًّا مِن؛ وزيرة الثقافة البلجيكيّة السيدة فضيلة لعنان، والسيّد فيليب ماو رئيسُ كتلةِ الحزب الاشتراكيّ في مجلس الشيوخ، وعضوَ إدارة جمعيّةِ سوليداريس ووزيرَ التعليم السابق السيّد فريدريك بوفيس، والسيّدة ليندا كولت ممثلة حركةِ النساء في مؤسّسة سوليداريس ومديرة المركز الصحي والوقاية للنساء، والسيّد مرتان ووتي مدير مهرجان التضامن والمدير الإعلاميّ في مؤسّسة سوليداريس، ورئيسَ الوفد حسين شعبان مدير مؤسسة سوليداريس. وشاركَ أيضًا وفدٌ ثقافيٌّ فلسطينيٌّ تألّفَ مِن الأدباء: يحيى يخلف، جورج إبراهيم، عزام الأحمد وجمال زقوت.
تولّى عرافةَ الحفل الإعلاميُّ زهير بهلول، وتوالت كلماتُ كُلٍّ مِن: السيد عصام خوري مدير المؤسّسة، ورئيسُ المجلس المحلّيّ دير الأسد السيد أحمد ذباح، والسيد حسين شعبان مدير مؤسّسة سوليداريس البلجيكيّة، والسيد عبد الخالق أسدي، والكاتب محمّد علي طه، والكاتب يحيى يخلف، وكلمة وزيرة الثقافة البلجيكيّة فضيلة العنان، وكلمة المحامي جواد بولس. وقد تخلّلَ الكلماتِ وصلةٌ موسيقيّة غنائيّة للفنانة ميرا عوض، والمايسترو د. تيسير حدّاد، مِن كلمات محمود درويش، أضفتْ لمسةً إبداعيّةً فنيّةً. وفي نهاية الاحتفال تمّ تكريمُ أعضاء الوفد البلجيكيّ، والتقاطُ الصور التذكاريّة!
جاءَ في كلمة عريف الحفل الإعلاميّ زهير بهلول: هذا المهرجانُ تتبنّاهُ "مؤسّسة مركز محمود درويش للإبداع- كفرياسيف"، بالتعاون مع مجلس دير الأسد المحلّيّ، لإبقاء إرث الراحل محمود درويش إلى الأبد.
وأَضاف: هناكَ شخصيّاتٌ سردميّةٌ قابعةٌ في القلوب دائمًا وأبدًا، رغمَ أنّها رحلتْ عنّا. "مؤسّسة محمود درويش للإبداع" نقشتْ على رايتها، أهمّيّةَ إبقاءِ هذا الإرث لإحدى الشخصيّات الرياديّةِ في حياتنا الثقافيّة، وإن شئتم، في حياتنا السياسيّة. رحلَ محمود درويش، ولم يَغِبْ عنّا هذا الإرثُ الكبير، ولكن أنا لا أستطيعُ أن أتحدّثَ معكُم في بداية هذا اللقاء، دون أن أذكرَ رحيلَ شخصيّةٍ أخرى، رسمتْ خريطة الطريق للقرن الحديث. رحلَ عنّا نلسون مانديلا، ونحن إذ نستذكِرُ أنفسَنا، نكون دائمًا على يقينٍ، بأنّ طريقَ هذه الشخصيّة الأسطوريّة، هي تمامًا كطريق الشعب الفلسطينيّ، الذي عانى الأمرّيْن خلالَ عقودٍ طويلةٍ من الزمان.
كتبَ الكثيرونَ عن نلسون مانديلا، وأشارتْ إحدى الصحف، بأنّه "وُلدَ عبدًا، ولكنّه ماتَ حُرّا". ولا أعتقدُ أنّ هناكَ كلماتٍ صائبة أكثرَ مِن ذلك، كي تعكسَ دربَ هذه الشخصيّةِ الرياديّة، كما رُسمتْ ونقشت في قلوبنا، وفي أسفار التاريخ التي ستكتب عنه الكثيرَ الكثير، ولكن ما العمل، وتاريخ الشعوب في هذه الدنيا جعلت مِن الناسِ مَن يَعيشُ أحيانًا في قمع وإجحافٍ ما بعدَهُ إجحافٍ وقمع، وإن كانت هذه الأمورُ ليست بعِدويّة، فهي نوعٌ مِن العدويّة التي يرتئيها البعض حقيقة الأمر.
إنّ محمود درويش حينما رحلَ، تركَ لنا الكثيرَ كي نُذكّر ونستذكرَ، وهذه المؤسّسة التي تقفُ وراءَ هذه الفكرة، هي مؤسّسة ثريّة العطاء، وخلال خمس سنوات استطاعتْ أن تُحقق الكثيرَ، وأعتقدُ بأنّ هذا الكمّ وهذا النوع ما قبل الكمّ، هو الذي يعكسُ أهمّيّة مؤسّسةٍ مِن هذا القبيل، وهذا أكثر مِن مؤشّر، بأنّه بالرغم من سياسةِ الإقصاءِ التي تتبنّاها الحكومة الإسرائيليّة، إلّا أنّ القضيّة الفلسطينيّة باقية ومتنفسة، تضربُ وتَركلُ وتعيشُ إلى الأبد.
حينما وصلَ نبأ رحيل نلسون مانديلا، أغمضتُ عينيّ وتذكّرتُ وقلتُ لنفسي: اضطهاد؟ فنحن مِن المضطهَدين. عنصريّة؟ فنحن ممّن نُعاني مِن هذه العنصريّة. معاناة؟ فنحن نُعاني ونئنُّ تحتَ وطأةِ المعاناةِ مرّة تلوَ الأخرى. السجن الذي قبَعَ فيهِ مانديلا؟ فكَم منّا قبَعَ في السجن، المَنفى، الغربة، العزلة، الاكتئاب؟ ولكن إلى جانب ذلك كان النضالُ، وانتصابُ القامةِ والشموخ، والكرامة كانت بمثابةِ نبراسٍ اهتديْنا به، وسنستمرّ نهتدي به حتّى الرمق الأخير، وسيعيشُ هذا الشعب إلى الأبد، وسيُحقق أمانيهِ وأحلامَهُ، وستقومُ في نهاية المطاف دولةُ فلسطين، فأهلًا بالإخوان القادمينَ مِن المناطق الفلسطينيّة، مَن حضروا الليلة، الأخ يحيى يخلف، عزام الأحمد، جمال زقوت، و(أنا حينما أرى الأخ جورج إبراهيم أنفعِلُ)، فأنتم دائمًا في القلوب حيّاكم الله، وأنتم دائمًا لنا العنوان والمصدر.
وجاءَ في كلمة السيّد عصام خوري مدير المؤسّسة: الأخواتُ والإخوة مساء الخير. كلّ الوجوهِ التي عرفتُها وعرفتني تُلاقيني بجماليّةٍ عاليةٍ هذا المساء، فاسمحوا لي في البداية أن أشكرَكم وأحيّيكم، وأرحّبَ بكم جميعًا بأعذب عباراتِ الودّ والترحيب ومَشاعر الأخوّة والصداقةِ والإخلاص. أشكرُ الجمهورَ الكريم، جمهورَ مؤسّسة محمود درويش للإبداع، الذي يُعتبرُ العمودَ الفقريَّ لهذهِ المؤسّسة.
الزملاءُ المتحدّثونَ في هذه الأمسية؛ عريفُ الحفل، والفنّانونَ، والزملاءُ أعضاءُ مجالس مؤسّسة محمود درويش، والمجلس الاستشاريّ، والمجلس الثقافيّ الأعلى، والأخ العزيز مفيد حزان مُراقب الحسابات، الذي وقفَ معنا منذ اليوم الأوّل بدون مقابل أشكرك، وأشكر الزميل الشاعر معين شلبية على إدارة موقع المؤسّسة، أشكر الجميعَ على الدعم والتوجيه والمشاركة في رسم وتنظيم وتنفيذ مشاريع ثقافيّة قمنا بها خلال السنوات الخمس الفائتة، وأصبحنا من خلال عملنا الدؤوب مؤسّسة ثقافيّةً فاعلةً في مجتمعنا العربيّ الفلسطينيّ.
"مؤسّسة سوليداريس"، والتي يقفُ على رأسها الأخ والصديق العزيز مديرُها حسين شعبان، يَعجزُ اللسانُ عن وصفِ قيمتِها ودعمِها لنا، ووقفتِها معنا في أحلكِ وأصعبِ المواقفِ والظروف، والتي لولاها لما استطعنا إنجازَ ما أنجزناهُ إلى الآن.
الوفدُ البلجيكيُّ الضيفُ رفيعُ المستوى مِن مؤسّسة سوليداريس؛ وزيرةُ الثقافة البلجيكيّة السيدة فضيلة لعنان، والسيّد فيليب ماو رئيسُ كتلةِ الحزب الاشتراكيّ في مجلس الشيوخ، وعضوُ إدارة جمعيّةِ سوليداريس ووزيرُ التعليم السابق السيّد فريدريك بوفيس، والسيّدة ليندا كولت ممثلة حركةِ النساء في مؤسّسة سوليداريس ومديرة المركز الصحي والوقاية للنساء، والسيّد مرتان ووتي مدير مهرجان التضامن والمدير الإعلاميّ في مؤسّسة سوليداريس، والعزيز رئيسُ الوفد حسين شعبان مدير مؤسّسة سوليداريس، أهلًا بجميعكم.
الوفدُ الثقافيُّ الذي يُمثّلُ الكُتّابَ والشعراءَ والفنانينَ والمثقفينَ مِن رام الله، برئاسة الكاتب والأخ الصديق يحيى يخلف وزير الثقافة السابق، وبمشاركة الأخ عزام الأحمد، وجمال زقوت، والأخ جورج إبراهيم، مرحبًا بكم.
الكُتّابُ والشعراءُ والمثقفونَ المَحلّيّون، وأعضاء الكنيست، ورموز الإعلام والثقافة والفن، ورجالُ الأعمال، ورؤساءُ وأعضاءُ بلديّاتٍ ومجالسَ محليّة أهلا بحضوركم. أشكرُ مجلسَ دير الأسد على استضافتِهِ لنا، وتقديمِهِ الدعمَ الكافي لإنجاح هذه الأمسية، وأشكر رئيسَ المجلس السيد أحمد ذبّاح، وجبهة دير الأسد الديمقراطيّة، وأخصُّ الإخوةَ نصر صنع الله، وقاسم خطيب.
ولنا الشرفُ العظيمُ لانضمامِ ثلاثة أعضاء شرف لإدارة مؤسّسة محمود درويش وهم: السيّدة فضيلة لعنان وزيرة الثقافة البلجيكيّة، والسيّد فيليب ماو رئيس كتلة الحزب الاشتراكيّ في مجلس الشيوخ، والسيّد حسين شعبان مدير عام مؤسّسة سوليداريس.
وجاء في كلمة السيد أحمد ذبّاح رئيس مجلس دير الأسد المحليّ: مع حفظ الألقاب أضمُّ صوتي لصوت أخي عصام خوري، وأُحَيّي جميعَ الشخصيّات التي ذُكرتْ أسماؤُها، مِن ضيوفٍ وأهل بلد، أهلًا وسهلًا بكم جميعًا، وأُرحّبُ بكم في هذا المكان، وفي هذه الأمسيةِ اللامعةِ التي يُزيّنُها حضورُكم، للاحتفال بذكرى طيّبةٍ عزيزة نعتزّ بها ونُحييها معًا، وهي الاحتفال بالذكرى الخامسة لمؤسّسة إبداع، التي تحملُ اسمَ شاعرنا الكبير محمود درويش ابن دير الأسد، وابن البروة، وابن الوطنِ وكلّ قريةٍ ومدينةٍ عربيّة في هذا الوطن، الذي يَعتزُّ ويَتباهى به كلُّ عربيٍّ في كلّ مكان، ونفخرُ بمؤسّسة إبداع وباسمِها، وبمُؤسّسيها وكلِّ مَن يرعاها، وكلّنا فخرٌ بكَ يا محمود، أيّها الجارُ الطيّبُ منذ صبانا، ومنذ قلتَ: سجِّلْ أنا عربيّ. كلّنا شموخٌ بكَ وبدوْركَ الرائدِ الوطنيّ، والأدب المُقاوم الذي تشهدُ عليهِ أشعارُكَ الكثيرة، والمُدوّنة في كتبك المنتشرة في كلّ مكان. كلّنا كبرياءٌ وقوّةٌ بصوتكَ وشعركَ وقوْلكَ الذي يُعطي طعمًا للحياة، حينما قلتَ: "على هذه الأرض ما يستحقُّ الحياة". لقد قلتها ورحلتَ. قلتَها لأبناءِ شعبكَ ولأجيالِهِ القادمة، فهنيئًا لكَ بما قلتَه في الحياةِ مِن أجل حياتنا، فما زالَ عطرُ ذكراكَ في دير الأسد التي ضمّتكَ طفلًا في بيتها، وتلميذًا في مدرستِها، وعشتَ بين أهلِها وناسِها الذينَ ما زالوا يَذكرونَكَ، وحينما رحلتَ، كانَ رحيلُكَ عليهم أليمًا. إنّ المؤسّسة التي أُقيمتْ لذِكراكَ، تحتفلُ اليومَ بعامِها الخامس، وتطلُّ علينا مِن براءةِ عُمر الطفولة، وهي تمضي في إبراز أدبكَ، لتَطَّلِعَ عليهِ الأجيالُ، وليكونَ ناموسَ حياةٍ كريمةٍ فوق هذه الأرض التي أحببتها أنت، وليكونَ أدبًا مُتواصِلًا مع أسمى الآداب، ومع أبناءِ شعبنا في كلّ مكان، مِن خلال الندوات والتكريمات الثقافيّة لرجال العلم والأدب والإبداع لشعبنا عامّة. باسمِ المجلس المحلّيّ لدير الأسد؛ ورئيسِه، ونائبه المحامي نصر صنع الله، وأعضائِه.
باسمِ مؤسّساتِ دير الأسد وبيوتِها وأرضِها وتاريخها الذي نفخرُ به، وباسم التاريخ الذي يَفخر بكوْن محمود درويش أحد مواطنيها صامدًا، نرفع رؤوسنا عاليًا بفخرٍ كبيرٍ لهذه المؤسّسة، ونحني هاماتنا فخرًا وإجلالًا لكم ولجهودكم. دمتم ذخرًا ورمزًا للعطاء.   
وفي مداخلةِ السيّد عبد الخالق أسدي جاء: محمود درويش في ذاكرة دير الأسد:
سيّداتي سادتي؛ أيّها الحضور الكريم مع حفظِ المناصب والألقاب، أسعدتم مساء بكل الخير. أتقدّمُ بخالصِ الشكر والتقدير للقائمينَ على هذا الاحتفال، بإدارةِ الكاتب عصام خوري، والمحامي جواد بولس، وبالتعاون مع مجلس دير الأسد المحليّ برئاسة أحمد ذبّاح. إنّها لفتةٌ إنسانيّةٌ ثقافيّةٌ إبداعيّةٌ ووطنيّةٌ من مؤسّساتِنا العربيّة، تليقُ بمقامِ شاعرِنا العظيمِ الذي نقفُ إكبارًا وإجلالًا له، لإحياءِ ذكراهُ، وإنعاشِ ذاكرةِ الأجيالِ القادمةِ لمَسيرتِهِ الطويلةِ، العامرة بالعطاء شعرًا ونثرًا، والشامخة بالإباء والعِزّ والفَخَار. إنّنا أمّةٌ عريقةٌ بالحضارةِ والعِلم، والثقافةِ التي انطلقتْ مِن بلادِ الشامِ من دجلة والفرات إلى نيل مصر، من المشرق العربيّ إلى المغرب العربيّ، بهدفِ الحفاظِ على جذورِنا الراسخة في تاريخنا العريق، من العصور الذهبية التي وصلتْ إلى الأندلس حتّى أيّامنا هذه: نحن الذين أعرْنا الكوْنَ بهجتَهُ/ لكنّما الدّهر إقبالٌ وإدبارُ/ منّا اكتسبَتْ حُقب ألوانها وبنا/ رفّتْ على الصورِ الجرداءِ إطارُ/ تذوّبَتْ في بناتِ الضادِ أنظمةٌ/ وفلسفاتٌ وآراءُ ...  وأفكارُ
 وفي هذا السياقِ أردتُ أن أحصُرَ كلمتي، بالفترة الزمنيّةِ التي عاشَها محمود درويش في دير الأسد، ما يقاربُ العشر سنوات وعلاقتي الشخصيّة معه. كنّا أولادَ صفّ، وتعلّمنا معًا المرحلةَ الابتدائيّة في دير الأسد، في النصف الأوّلِ مِن سنوات الخمسين من القرن الماضي، وكانت تربطُني به علاقةٌ حميمةٌ، وبالمرحوم الأستاذ أحمد محمود أسدي- أبو رؤوف، وكانت الراديو إحدى الوسائل التي جمَعَتْنا مع بعض عند أبي رؤوف، وعندي راديو الأمل الكبيرة تعملُ على بطاريّةٍ كبيرةٍ مثل بطاريّةِ السيّارات، ولها أنتينة على سطح البيت مثل تلفزيونات اليوم، فاستمعنا معًا لأغاني عبد الحليم، وعبد الوهاب، وأمّ كلثوم الذين أرهفوا حِسَّنا الوطنيَّ في زمن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر. أحبَّ درويش البرامجَ الإذاعيّة مِن القاهرة، وكنّا نجلسُ الساعاتِ الطِّوالَ حولَ المذياع، نستمعُ لبرنامج: "لغتُنا الجميلة" لفاروق شوشة الذي كان يَبدأ، إنَّ البحرَ في أحشائِهِ الدُّرُّ، فهل سألوا الغوّاصَ عن صدفاتي؟ وبرنامج "على الناصية"، لآمال فهمي الذي كانَ يُذاعُ في الساعةِ الواحدةِ والنصفِ مِن كلِّ يومِ جمعة لمدّة ساعة، وبَعدَها نستمعُ إلى التعليق السياسيِّ للصحفيِّ المُخضرَمُ محمّد حسنين هيكل (أطالَ اللهُ في عُمرِه)، تحت عنوان "بصراحة"، الذي كان يُذاعُ مِن صوتِ العرب، في الساعة الثانية والنصف من كلّ يوم جمعة.
وأذكرُ أنّ محمود درويش تولّعَ منذُ صِغرِهِ بنجاة الصغيرة وعشِقها كثيرًا، وكانَ محمود قد بدأ يُخربشُ الشعرَ على أوراقٍ صغيرةٍ يُخفيها عن الجميع، إلّا عن أبي رءوف الذي كان يُنافسُهُ في حبِّ اللغةِ العربيّة. امتازَ محمود بأدبيّاتِ اللغة، وامتازَ أحمد بقواعدِها، وتذوّقَ الأدبَ والشعرَ، فكان يُصلِحُهُ بالقواعدِ والحركات. كانَ يقرأ محمود الشعرَ أمامَنا، وشَعراتُهُ الشُّقرُ تتدلّى على وجهِهِ، ويُداعبُهم ويَشدُّهم بأصابعِهِ مُمعِنًا النظرَ بالورقة ويَنشُقُ، وأحمد يَضحكُ، ويَستمعُ ثمّ يُبدي ملاحظاتِهِ، وأنا أشاهدُ معهما المسرحيّة، وليسَ لي كما لهما مِن مَلَكةِ الشعرِ وقواعدِ اللغة، إنّما شاهدٌ عليهما وعلى العصر. 
عرفتُ محمود من الابتدائيَة قارئًا عنيفًا، إن أمسكَ كتابًا لا يتركُهُ حتّى يُنهيه، ولا ننسى أنّ أحمد وزكي مِن هذه الأسرةِ العريقةِ أدبًا وقصّة، أمّا بالثانويّة فكان محمود مِنَ القرّاء الجبابرة، مُطالِعًا مِن الدرجة الأولى، وكانت الكُتبُ عزيزةً في النصف الثاني مِن الخمسينات من القرن الماضي، وكانت تصلُ إلى الثانويّة كُتبٌ مِن الجامعةِ العبريّة، يتنقّلُ الكتابُ في الليلةِ الواحدة بين عددٍ كبيرٍ مِن طلّابٍ مُتعطّشينَ للقراءة، ومحمود أوّلُ الواردينَ على الشعرِ والأدب، وأوّلُ الساقينَ مِن شرابِ شِعرهِ العذب.  كان مِن رفاقِ دربِهِ وأولادِ صفّهِ الأديبُ والشاعرُ المرحوم سالم جبران، وأطالَ اللهُ في عمرَيْهما الأديبُ محّمد علي طه والكاتب نمر نمر. وآخِرُ نادرةٍ أذكرُها عندما كُنّا في الصفّ الثاني عشر، وكنتُ جالسًا بجانبه، وكانت تُعلّمُنا درسَ العبريّ معلّمةٌ يهوديّة، من الصفّ التاسع حتى الثاني عشر، اسمُها شوشنة لبيدوت، وكان المألوفُ حينَها أن يقفَ الطلّابُ احترامًا للمعلّم، مع دخولِهِ للصفّ في بداية كلّ درسٍ، وكانت للمعلّمة شخصيّةٌ قويّةٌ عسكريّة، اقترحَ محمود أن لا نقفَ لها عندما تدخلُ إلى الصفّ، وهكذا كان. طلبَتْ منّا القيامَ فرفضنا، فتركت الصفّ وأحضرَتِ المدير، وكان المديرُ يهوديًّا عراقيًّا اسمُهُ عوزي لويا ابن عرب، أي يُجيد اللغة العربيّة جيّدًا جدًّا، طلبَ منّا القيامَ فرفضنا، فتوجّهَ المديرُ لمُربّي صفّنا المرحوم نمر توما، فجاءَ واحترمناهُ، وأشارَ محمود لنا بالقيام  فقُمْنا.
وكانَ آخِرُ لقاءٍ لي معهُ في حيفا بمطعم إسكندر، قبلَ أن يُغادرَ إلى الاتّحاد السوفييتي عام 1971، طلبتُ منهُ ألّا يُغادرَ فرفضَ، لأنّ طموحاتِهِ الشخصيّةَ منذُ صِغرِهِ أن يَشتهرَ، ويُصبحَ شاعرًا عربيًّا مشهورًا عالميًّا، وحقّقَ ما كان يَصبو إليه، هذا هو محمود كما عرفتُهُ مِن علاقتي المتواضعةِ معه، رحمَ اللهُ شاعرَنا عاشقَ فلسطين وعصفورَها المُغرّد، شاعرَ البلادِ والعبادِ، شاعرَ الأشجارِ والأحجارِ، شاعرَ الجرح الفلسطينيّ درويش، الأسطورة التي مِن الصعبِ أن تتكرّرَ، وقلّما يَجودُ الزمانُ بمِثلِه.   
وفي مداخلة رئيس الوفد حسين شعبان مدير مؤسّسة سوليداريس جاء: لماذا محمود درويش؟ لأنّ محمود درويش كانَ وما يزالُ أجملَنا. لا نستطيعُ أن نُصنّفَه كشاعرٍ عاديّن، فهناكَ بعضُ الشعراء الذين اختارتهم الأقدارُ ليكونوا رموزًا، وليسوا فقط شعراء. وفي تقديري أنّهُ واحدٌ مِن هؤلاء الشعراء، فقد احتلَّ مكانةً أكبرَ بكثير مِن مُجرّد أنّه شاعرٌ كبير، ولهذا حينما يُقيَّمُ كشاعرٍ في مسيرةِ الشعر العربيّ والعالميّ، نقفُ وقفةَ إجلالٍ وإكرامٍ لتراثِ هذا الشاعر الكونيّ العظيم!
ولماذا مؤسّسة سوليداريس تحترمُ وتُقدّرُ وتتعاملُ مع مؤسّسة محمود درويش للإبداع بالذات؟ انطلاقًا مِن مفهوم معنى الثقافة لدينا، واتّكاءً على مِحورها ورَكيزتِها الأساسيّة، ألا وهو الإنسان، جاءَ تعاملُنا وعونُنا ودعمُنا للبرامج والمشاريع المتنوّعة، التي تقومُ بها هذه المؤسّسة العونُ في مجال التنمية البشريّة وبناءِ القدراتِ، فتنوّعتْ وتعدّدتْ، وهي تستهدفُ الشرائحَ الأكثرَ تأثيرًا في المجتمع، ألا وهي الثقافة، وكيف لا، وهي تُرسّخُ إرثَ وأثر وميراثَ صاحب الكلمة، الشاعر الكبير محمود درويش، بواسطة مؤسّسته هذه، المؤسّسة التي صانت وتصونُ وبكلّ أمانة وإخلاص طريقَ الإنسانيّة، وذلك سعيًا منها لإحداثِ النقلة النوعيّة فيها، بتخليق طاقاتها وصقل مهاراتها، يما يُمكّنها من أن تصبحَ أدواتِ بناءٍ فعّالة، تُسهمُ في إحداث التنمية، وإدارة عجلتها، وتجديدِ منابعها، تحقيقًا لنهضةِ وطن ثقافيٍّ وبناءِ مستقبله! لقد أولتْ مؤسّسةُ سوليداريس اهتمامَها بمؤسّسة محمود درويش للإبداع/ الجليل، انطلاقًا مِن رؤيتِنا بأنّها هي المَخرجُ الآمِنُ، والمفتاحُ الذي يمكنُ عن طريقِه أن نفتحَ الباب على مصراعيْه، لنُعلنَ اليومَ أنها المؤسّسةَ التوأمّ لمؤسسة سوليداريس، وهي مَن تُمثّلُ مؤسّستَنا في هذه البلاد، وذلك تقديرًا واحترامًا لعملِها ومسيرتِها، وخاصّةً للإخوة؛ مديرها وإدارتها.
وأنتم مَعشرَ المُثقفين، سيّداتي وسادتي، جئتم وجئنا خصّيصًا، كي نحتفي بالشعر، بالكتابة، بالفنّ، نحتفي معًا بمناسبةِ مرور خمس سنوات على تأسيس مؤسّسةِ محمود درويش للإبداع، ولأنّنا نحتفي بالإبداع، ولأنّنا نحتفي بالحياةِ الكلمة، تلكَ الكلمة التي تخترقُ الأبعادَ بدون تأشيرةِ دخول، تحملُ شعارَها الأوّل "في البدءِ كانَ الكلمة"، وقد كان لي الشرفُ العظيم أن أكونَ أحدَ المُساهِمينَ في حركةِ وحَراكِ هذه الكلمةِ وتطوّرها، كإحدى الأدواتِ الأهم في التواصل الحضاريّ والثقافيّ والإنسانيّ بين الأمم والشعوب، على اختلاف ثقافاتها وتوجُّهاتها الفكريّة، فالفنون تُوحّدُ البشرَ بما تحملُهُ مِن قِيمٍ ومَعانٍ تُشكّلُ جوهرَ الإنسان، وتُعبّرُ بأرقى وأصدقِ ما يمكنُ عن روحِهِ ووجدانِهِ وانتمائِهِ الأكبر للبشريّةِ والإنسانيّة، فيما يتعدّى الانتماءاتِ الضيّقةَ التي تَخطّتها الفنونُ والآدابُ الإنسانيّة عبرَ العصور، ولا بدَّ لنا في هذه الأمسيةِ أن نستذكرَ أحدَ أهمّ وأكبر رموزِ أدبنا المحليّ والعربيّ والعالميّ، الشاعر الراحل محمود درويش، وما من شكٍّ أنّ غيابَ محمود درويش المبكّر، يُلقي على عاتقِنا مسؤوليّةَ العمل على تطوير أدبنا وإبداعِنا، بحيثُ يتوافقُ مع المستوى الرفيع الذي أوصلَهُ محمود درويش إلى العالم، وعي جميع الشعراء والكُتّاب والفنانين والمُبدعين، أن يكونوا أمناءَ لرسالةِ الإبداع الراقية هذه. أباركُ لكم أيّتها الأخوات والأخوة بهذه الأمسية، وأتمنّى أن نلتقي على الخير والمحبّة دائمًا، وأن يعمّ السلامُ أرضَ السلام على هذه الأرض المُقدّسة.
وأخيرًا؛ إنّنا في مؤسّسةِ سوليداريس نقدّمُ العوْنَ، ونسعى لترسيخ عملٍ ثقافيٍّ مجتمعيٍّ يقومُ على قواعدِ الشراكةِ والديمومة والابتكار بيننا، وبين مؤسّسة محمود درويش للإبداع الجليل، فكلُّ عام وأنتم بألف خير.
وجاءَ في مداخلة الكاتب محمّد علي طه: جمَعَتنا قصيدتُك، وفرّقتنا قصيدتُك، منذ سقطَ ريشُ الحرام عن عصافيرك، ونمَتْ لها أجنحةٌ، وحطّتْ على أوراق زيتون الجليل الخضراء، تغرّدُ للعاشق الفلسطينيّ الذي صمّمَ أن يَدحَرَ آخرَ الليل، ونحنُ نُرافقُكَ، نشربُ القهوةَ مع سرحان في الكافيتيريا، ونُغنّي للحبيبة كي تنهضَ مِن نومِها، هي أغنيةٌ في مَديح الظلّ العالي، ظِلِّ العملاقِ الأخيرِ المُعلّقِ على الجداريّة، الذي قُتِلَ في الحصارِ الأخير. جمَعَتنا قصيدتُك، رحلتَ وغادرْتنا، وتركْتَها ترى ما تريد. نلتقي بها يوميًّا حينما نتناولُ فطورَنا مِن خبز أمّهاتِنا، ونتذكّرُ وصايا حوريّة، وعزيزة، وجميلة، وفاطمة وزينب، نشربُ قهوتهنَّ المُهيّلةَ، وننتشي برائحتِها وطعمِها. سألني طفلٌ أسمرُ في تل السبع، كما سألتني طفلةٌ خضراءُ العينيْن في عيلوط، إن كنتُ أعرفُكَ أو جلستُ معك، وقمتُما غابطيْن، وهمسَتْ في أذني تلميذةٌ مثلَ الزنبقةِ في ترشيحا: هل صحيح أنّ صاحبَكَ كان يُحبُّ الزيتَ والزعترَ؟ فقلتُ: والملوخيّة أيضا.
جمعَتنا قصيدتُكَ على هذه الأرض، سيّدةُ الأرض، ما يستحقُّ الحياة. جمَعْتَنا في حُبّ الكلمةِ النقيّةِ الطاهرة، في حُبّ الكمنجاتِ واللازوَرد، والتراب والطيور، والنحل والفراشات والغزالات، في حُبّ النساءِ الطويلاتِ والقصيرات، الشقراوات والسمراوات والقمحيّات، ونَحومُ ولا نرُدُّ بعدَمٍ إن غزانا المرضُ والهرم. جمَعَتنا في حُبّ المُهرةِ والحصانِ، والبئرِ الأولى، وقنطرة البيت، وطريق الساحل، وشجرة الخرّوب، وشجرة الصبّار التي تقول: هنا كانت البروة، وهنا كانت ميعار. جمعَتنا قصيدتُكَ في ساحةِ العين في كفرياسيف، التي تحملُ مؤسّستُها للإبداع اسمَكَ، إلى ساحةِ المنارة في رام الله، حيثُ ضريحك ومؤسّستك وأناسك، إلى عمّان ودمشق، وبيروت والقاهرة، وتونس وباريس، هناك تقول البيوتُ: كان الفتى هنا، وتشهدُ الشوارعُ بأنّ الفتى مرَّ مِن هنا.. وفرّقتْنا قصيدتُك، واختلفنا في مقدار حُبّنا لها وحُبّنا لك. أسفروك ليأخذوك منّا، من الصداقة والمَحبّة، وصارَ أبطالُ روايات نجيب محفوظ وماركيز وكازانتزاكيس يَزعُمون، بأنّهم شربوا القهوة والنبيذ والشاي معك، وأكلوا وإيّاك الفول والطعميّة، وتزعُمُ سناء أنّكَ أنتَ الخجولُ غمَزْتَها على شاطئ النيل، ويدّعي سنتياغو أنّك سكنتَ معه على سطح بيتٍ في الحيّ القديم، ويُقسِمُ زيد بأنك كنتَ توقظُهُ في آخِرِ الليل، لتقرأ له قصيدتَك التي لم تقرأها لسليم وحورية.
أسطروكَ.. أسطوروكَ يا خيا؛ دخلَتْ قصيدتُكَ بيوتَ الأهل والأصدقاء والأحباب، وراوحْتَ بيوتَ الأعداء. تذكُر في الستينات، قرأ ليفي أشكول مَقاطعَ مِن قصائدِك في الكنيست، ليُبرّرَ ظلمَهُ لشعبنا، واستمرارَ الحُكم العسكريّ البغيض علينا، وفي أواخر الثمانينات قرأ يتسحاق شمير قصيدتَك "عابرون في كلامٍ عابر" في الكنيست، أيضًا ليُبرّرَ الاحتلالَ وتكسيرَ العظام. كانوا وما زالوا يَخافونَ قصيدتَك. هل يقرأ أيتامُ شارون ما تقولُهُ قصيدتُكَ اليوم؟ وهل يَفهمُ بيبي أبياتَها، ويتذوّقُ موسيقاها وتفعيلاتها؟ هل يتطهّرُ بحروفِها، أم أنّهم يتلونها رعبًا؟   
أمشي كأنّي واحدٌ غيري/ وجرحي وردةٌ بيضاءُ إنجيليّة/ ويَدايَ مثل حمامتيْن على الصليب/ تُحلّقانِ وتَحملانِ الأرض/ لا أمشي/ أطير/ أصيرُ غيري في التجلّي/ لا مكانَ ولا زمان/ فمَن أنا/ أنا لا أنا في حضرةِ المعراج/ لكني أفكّر/ وحده/ كان النبيّ محمّد يتكلّمُ الفصحى/ وماذا بعد/ ماذا بعد/ وفجأةً صاحتْ جنديّة/ أوي فِ أفوي/ هل أنتَ ثانية/ ألم أقتلك/ قلتَ: قتلتِني/ ونسيتُ/ مثلكِ/ أن أموت.
جمعَتنا قصيدتُكَ وفرّقتْنا قصيدتُك، فشكرًا لمَن جمعَنا في هذه الأمسية، وسلامًا لمَن جمَعَنا ويَجمعُنا.
عقّبَ عريفُ الحفل الإعلاميُّ زهير بهلول: هناكَ أحيانًا مجالٌ لكلماتٍ مُسهبةٍ ولكلماتٍ هادفة، كما جاءتْ على لسان الأستاذ الكاتب محمّد علي طه، وأنا أحاولُ أن أبرهنَ ذلك، فرغم أنّ هذا العهدَ هو عصر الآيفون والتابلت، ورغم أنّ الأولاد والنشء يلتئمون مع التكنولوجيا أكثر ممّا يلتئمون مع كلماتكم أنتم الأدباءُ والشعراءُ، ولكن إن أخذنا المثالَ لشاعرنا الكبير الراحل محمود درويش، فهل نستطيع أن نقول بأنّ هذا النشء، لم يكن ليكترثَ لهذه الكلمات وهذه القصائد؟ ألم يُعرّجْ إلى جانب هذه الكلمات وهذه الأبيات؟ ألم تكن هذه الكلمات بمثابةِ النحتِ في الصخر؟ ألم تُنقش في نفوس أولادنا وبناتنا؟ إن كان محمود درويش هو مثالٌ على جدوى هذه الكلمةِ، وبقائِها مُتنفّسةً باقيةً، فأنا أُعوّلُ عليكم أنتم الأدباءُ والشعراء، بأن تستمرّوا في هذا العطاء المستفيض، كي يَذهلَ منكم مَن لا يريد ذلك. ولكن إن كنتم ذوي إبراقاتٍ في كتاباتكم وحياتكم، فإنّهم لا بد أن يَقرؤوا وأن يتأثروا مِن هذا العطاء، الذي يَجيء مِن خلال كلماتكم وعطائكم أنتم، فهذه الكلماتُ والتداعيات جاءتني بفضل كلمات الأستاذ محمّد علي طه، التي نُقشتْ في الفهم وأثّرت، وأعتقد بأنّك بلا شك تُمثّلُ استمرارًا لهذا المذهب الذي بدأ بمحمود درويش، ولا ينتهي لا اليومَ ولا غدًا ولن ينتهيَ أبدا.
أمّا الآن فنكون مع الفنان د. تيسير حداد ابن ترشيحا، وميرا عوض بنت الرامة، التي كانت إلى ما قبل فترةٍ من الزمان عروسَ الجليل، ونرجو أن تعودَ إلى سابق عهدِها، كما غابَ الكثيرُ مِن النشْءِ في قرانا وبلداتنا، فنرجو أن يعودَ هذا المجدُ إلى صفوفِ وربوع هذا البلد.
وفي كلمة السيّد فيليب ماو رئيسُ كتلةِ الحزب الاشتراكيّ في مجلس الشيوخ، التي ترجمَها للعربيّةِ الأستاذ سهيل عطالله جاء:
بمناسبة إحياء الذكرى الخامسة لتأسيس مؤسّسة محمود درويش للإبداع، بدايةً، أنا كرئيس لمنظّمة سوليداريس البلجيكيّة التي أتشرّفُ برئاستِها، أعلنُ دعمَنا لمؤسّسةِ محمود درويش للإبداع. أعي جيّدًا أنّ الأهمّيّةَ الرئيسةَ لعملِ مؤسّسةِ محمود درويش مع الشباب، ومع الحركات النسويّة، ومع باقي الهيئاتِ، وأنّ تراثَ محمود درويش يجبُ أن يُصانَ، أنّه تراثٌ ثقافيٌّ ليسَ فقط للعالم العربيّ، بل للإنسانيّة جمعاء، لذا مِن الضروريّ علينا كهيئاتٍ تثقيفيّةٍ أن نستمرَّ في نشرِ رسالةِ محمود درويش، التي هي رسالة التسامح والدعم والأمل والإخاء، وعلى مؤسّسة محمود دررويش للإبداع أن تستمرّ في تثقيف الأجيال الشابّة، للتمسّك بهذه الأمور وهذه القضايا، لذا على الشباب أن يستمرّوا في نشر رسالة المحبّة والسلام والحرّيّة، ومن أجل هذه الطموحاتِ أؤكّد لكم دعمَنا، وبهذه المناسبة أذكرُ المرحومَ العظيم نلسون مانديلا، وأؤكّد لكم في هذا المساء قيمةَ نلسون مانديلا، رمزَ التضامن والمُساواة والكفاح من أجل محبّة الإنسان للإنسان، وعلى الديمقراطيّة أن تترعرعَ وتنتشرَ في كلّ أنحاء العالم.
وقال العريف زهير بهلول: لا يسعني إلّا أن أذكرَ في هذه الليلة الشاعرَ أحمد فؤاد نجم، شاعرَ العامّيّة الذي تواصَلَ مع قلوب الناس بكلماتِهِ وفنّه، وقد رحلَ عنّا قبلَ أيّامٍ، وأذكرُ اسمًا آخرَ في هذه الليلة، اسمَ زميل وصديق الراحل محمود درويش أطال الله في عمره، ومدّهُ بمديد العمر والصحّة الشاعر الكبير سميح القاسم.
وجاء في كلمة الكاتب يحيى يخلف: أحيّيكم باسمِ وفدِنا القادم من فلسطين المحتلة من مدينة رام الله، التي تحتضن حديقة البروة محمود درويش، والتي تضمُّ تاريخ الشاعر، ومتحف الشاعر، ومركزًا ثقافيًّا باسم الشاعر، والتي يؤمُّها البسطاءُ والفقراء وأبناءُ البلد وأعيانها، وقادةُ الدول، مثلما يزورون ضريحَ الراحل ياسر عرفات، وأوجّهُ تحيّةً لهذا البلد الأمين دير الأسد وجارتها البعنة، وأوجّه تحيّةً خاصّةً إلى معالي الوزيرة فضيلة لعنان، ولصديقي حسين شعبان مؤسّس جمعية سوليداريس، وأوجّه تحيّة خاصّةً لمؤسّسة محمود درويش في عيدها الخامس، وإلى القائمين عليها من هيئة إداريّةٍ، ومجلس إدارة ومجلس أمناء، وأخصُّ بالذكر الصديقيْن السيّديْن جواد بولس وعصام خوري.
السيدات والسادة، في هذا اللقاء الحميم الذي جمعَنا في حبِّ محمود درويش، أشعر أنّ روحَهُ ترفرفُ في هذه القاعة، وتباركُ توَحُّدَنا، وتضامنَنا، ورسالة المَحبّة التي نُطلقُها لهذه الأرض، التي عليها ما يستحقّ الحياة، ولإنسانها الذي يُطوّرُ حياتَهُ ويُعمّرُها، والذي قد يجوع ويعرى، ولكنّهُ يتحدّى ويَنشدُ الأشعار. ترفرف روحُهُ فوقَنا لتقولَ لنا، لا تتركوا الحصانَ وحيدًا، أحبّوا بعضُكم بعضًا، فالبحُبّ كنوزُ الخير فيكم تتفجّرُ"، ويستشهدُ بقصائد فدوى طوقان ويُكمل، "وستخضرُّ أغانيكم على الحُبّ وتُزهر، لا تتركوا الحصانَ وحيدًا، فالدرب ما زال طويلا، والطريق ما زالت شاقة، والمؤامرات تُحاك، والاحتلالُ يتوغّلُ ويتغوّل، وجرّافات برافر تقتلعُ الجذور، فاتّحدوا حتى يطردَ وحشة الطريق وكآبة المنظر وسوءَ المُنقلب، لا تتركوا الحصانَ وحيدًا. فقد قال محمود درويش عندما كان في بيروت: "وحدي هنا أدافعُ عن جدارٍ ليس لي". وعندما عاد إلى أرض الوطن قال: "لست وحدي، أنا هنا مع شعبي، وأدافع عن جدار لنا". وإنّها رسالة توفيق زياد وسميح القاسم وإبراهيم طوقان وعبد الكريم الكرمي ومعين بسيسو، وكلّ المُدافعين الشجعان عن الحريّة والديمقراطيّة والكرامة والإنسانيّة، ورسالة الحركة الوطنيّة في الداخل، رسالة الجبهة ورسالة توفيق طوبي وحنا نقارة وإميل توما وإميل حبيبي. لا تتركوا الحصانَ وحيدًا، فالحصان يُذكّركم هذا اليوم ببطولة القِيم، يُذكّركم بارتقاءِ أيقونة الحرّيّة إلى العلا، أيقونة إفريقيا نلسون مانديلا الذي انتصر على الأبارتهايد والعنصريّة، وألهَمَ الأحرار والشرفاء والمناضلين من أجل الحرّيّة، ومن أجل عالمٍ أكثرَ عدلًا ودفئًا، هزمَ الأبارتهايد بإرادته، فلتكن إرادتُكم صلبةً في مواجهة العنصريّة الجديدة، فوق هذه الارض التي تستحق الحياة، توحّدوا، فالوحدةُ الوطنيّةُ هي سلاحُ الانتصار!
عقّب زهير بهلول: في ظِلّ الفئويّة التي لازمتنا ولا تزال، وخاصّة في الفترة الأخيرة، نحن نبحث عن بارقة أمل فيها إجماعُ. إرث محمود درويش هو بلا شك إرثٌ كما ذكَر الأستاذ يحيى يخلف، فكم نحن بحاجة إلى عناوينَ فيها إجماعٌ، في هذا المجتمع الذي آثر في الفترة الأخيرة أن يتشتّت ويتشرذم ويتفكّك للاسف الشديد، فشكرًا على هذه الكلمة، لأنّها كانت في بالي وجالت في خاطري وفي لبّي، وأنت سبقتني إليها أستاذ يحيى يخلف، وكلمة سولاداريس هي من كلمة سوليداريتي، والتي تعني تضامن وتعاضد، ونبحث عن هذا التضامن خلالَ تفاعلنا وأنشطتنا، واعتقد بانّ هذا الجمعَ الغفير في هذا اليوم الحافل، هو خيرُ دليلٍ على أنّ للكلمة لا يزالُ وقعٌ، وأنّ الناسَ يُؤْثِرونَ أحيانًا الإتيانَ والوصول إلى أماكنَ فيها كلمة، فيها أدب وقصيدة، وفيها إرث ولا يلتئمون فقط مع الموسيقى والمسلسلات، فأنتم بهذه العيّنةِ ذات الجودة الخاصّة، تُمثّلون أهمّيّة هذه اللقاءات، ونشكرُ الأستاذ عصام خوري وجواد بولس على هذا اللقاء، والحفاظ على هذا الإرث!
وجاءَ في كلمةِ وزيرة الثقافة البلجيكيّة فضيلة لعنان التي ترجَمَها حسين شعبان: إخواني، أحبّائي وأصدقائي الأعزّاء، والحضور الكريم؛ يُسعدُني أن أكونَ بينكم في الذكرى الخامسةِ لمؤسّسةِ محمود درويش للإبداع. محمود درويش كان شاعرًا عظيمًا، كان شاعرَ فلسطين، شاعرَ المنفى. كانَ مِن الأعلام، وأعظمُ ما قالَهُ الشعراءُ في عالمِنا العربيّ المُعاصِر، وكذلكَ سميح القاسم وتوفيق زياد، نظروا لإبداع الكلمة مِن أجل السلام والحوار الفلسطينيّ الإسرائيليّ والسلام العادل، والذين أعتبرُهُم بشكلٍ شخصيّ، بأنّهم ناضلوا بشِعرِهِم، وهذا برأيي أسمى أنواع النضال والمقاومة، فهُم بالنسبة لي مِن شعراءِ الحرّيّةِ والسلام. 
مؤسّسة محمود درويش لها دورٌ ورسالةٌ كبيرة، وخاصّةً بالنسبة للشبيبةِ والحركاتِ النسائيّة، ودوْرِها الخاصّ في المحافظة على الهُويّةِ الثقافيّة الفلسطينيّةِ في عصرنا هذا. مِن أجل هذا، سأدعمُ بكلّ ما أتيحَ لي مِن قوّةٍ وإمكانيّاتٍ هذهِ المؤسّسة المُوقّرة، واسمَحوا لي أن أقولَ كلمتي لصديقي يحيى يخلف، وقد التقيتُ بالسيّد يحيى يخلف في رام الله قبل سنوات، وكنتُ ما أزالُ وزيرةً صغيرة وجديدة، ونظّمت لي لقاءاتٍ عديدةً بأدباء وفنّانين في رام الله، ومن أجل دور السينما الفلسطينيّة، وقد حدث شيء خاصّ بيني وبين يحيى يخلف، فقد وقعت في حبّ الأدباء والفنّانين الفلسطينيّين، وبفضل هذا الحبّ منذ تلك اللحظة، عام 2008 نظّمتُ لمهرجان كبير، ودعوْت 150 فنّانًا فلسطينيًّا جاؤوا لبلجيكا، وقدّموا عدّة عروض، والشّعب البلجيكيّ اكتشفَ القوّة الفنيّة عندَ الشعب الفلسطينيّ، وأريدُ أن أنهي كلمتي هذه، ببعض مقاطع أعجبتني بشكلٍ خاصّ، لمحمود درويش وسميح القاسم، وتوفيق زياد، مقاطع تؤكّدُ على صمودِ وتحدّي الشعب الفلسطينيّ وإيمانِهِ بقضيّته.
يقول محمود درويش: يُحبُّ بلادًا ويرحلُ عنها/ فهل المستحيلُ يُحبُّ بلادًا/ ويرحلُ عنها/ هل المستحيلُ بعيدٌ؟ يُحبُّ الرحيلَ إلى أيِّ شيء/ ففي السَفَرِ الحُرِّ بين الثقافات/ قد يجدُ الباحثونَ عن الجوهرِ البشريِّ مقاعدَ كافيةً للجميع/ هنا هامِشٌ يتقدّمُ/ أو مَركزٌ يَتراجَعُ/ لا الشرقُ شرقٌ تمامًا/ ولا الغربُ غربٌ تمامًا/ فإنّ الهُويّةَ مفتوحَةٌ للتعدّدِ/ لا قلعةٌ أو خنادق.
وبمقطعٍ مِن قصيدةِ سميح القاسم: أحبُّكِ كما يَشتهي الموت/ أثقلُ وزنًا وأقصر قامة/ أعتلي تجربتي وأمضي/ ما دمت قمّةَ العالم/ ما دام سطحُ الكرةِ الأرضيّةِ مُحدّبا/ فأنا أهبطُ وأبتعدُ/ أهبط وأبتعدُ/ ذاتَ يوم تتلقّفُني الرمالُ المُتحرّكة/ أغوصُ رويدًا رويدًا في أبدِ حُبّكِ المُعتم/ أغيبُ عن الوعي/ أختفي عن الأنظار/ ستشهدُ الجماهيرُ طقوسَ موتي/ ويَحسدُني المُغامرونَ والشعراء/ امّا أنتِ/ فتُلقينَ جوهرةً جديدةً في صندوق شهدائِكِ/ أحبُّكِ/ لا تندمي/ لا تمُدّي يدًا لتنتشلَني/ اِسمَحي لي أن أُحبّكِ/ كما يَشتهي الموت.
 وبمقطعٍ مِن مقطعٍ لتوفيق زياد أختتمُ: وأُعطي نصفَ عمري/ للّذي يَجعلُ طفلًا باكيًا يضحك/ وأعطي نصفَهُ الثاني/ لأحمِيَ زهرةً خضراءَ أنْ تهلَك/ وأمشي ألفَ عامٍ خلفَ أغنيةٍ/ وأقطعُ ألفَ وادٍ شائكِ المَسلك/ وأركبُ كلَّ بحرٍ هائج/ حتّى أَلُمّ العطرَ عندَ شواطئِ اللّيلك/ أنا بشَريّةٌ في حجمِ إنسان/ فهل أرتاحُ والدّمُ الزكيُّ يُسفَك/ أغنّي للحياة/ فللحياةِ وهبتُ كلّ قصائدي/ وقصائدي هي كلُّ ما أملِك.
 علق الإعلاميُّ زهير بهلول: بعدَ هذه الكلمات أقولُ للأدباء والشعراء، إن اجتزتُمُ الحدودَ والمحيطات، فأنتم يتوجّبُ عليكم دائمًا أن تبتعدوا عن الخلاف. كتبوا في الآونة الأخيرة، أنّ النّاقديْن الرّوائيّيْن الفيلسوفيْن الفرنسيّيْن ألبير كيمو وجان بول سارتر، قد قاما بطعن طريقِهما مِن خلال كتابةٍ تسرّبتْ ورشحتْ إلى وسائل الإعلام، ولكن أنا لا أستطيعُ إلّا أن أقول، بأنّ الأدبَ الذي نشأ في فرنسا، هو أدبٌ خالدٌ وقائمٌ إلى الأبد. والأدبُ الذي يأتي مِن خلال عطائِكم وكتاباتكم، هو الذي سيكونُ بمثابةِ الإرث المردود، خلالَ كلّ السنوات التي سنعيشُها وتعيشُها الأجيالُ القادمة. 
أمّ المحامي جواد بولس فقد نقلَ للحضورِ كلمةَ الإعلاميّ الشاعر زاهي وهبي:
عزيزي جواد، لمحمود درويش مكانةٌ راسخة في القلب، ومساحةٌ واسعةٌ في الوجدان. صدقًا لا يكاد يمرُّ يومٌ واحدٌ لا يَحضرُ فيهِ محمود في الذاكرة، أو في الأحاديثِ الأليفةِ مع باقةٍ نبيلةٍ نادرة مِن الأصدقاءِ والمُحبّين. شعر محمود درويش يُمثّلُ لنا سببًا إضافيًّا لحُبّ الحياة وعيْشها، كلّما استطعنا إليها سبيلًا، مثلما يُشكّلُ مُكوّنًا عضويًّا مِن مُكوّناتِ الهُويّةِ الوطنيّةِ للشعب الفلسطينيّ، وذخيرةٍ حيّةٍ للإنسانيّةِ جمعاء. شِعرُهُ يُحرّضُنا على الحبّ والحريّةِ والمُقاومة، إلى أن تبزُغَ شمسُ الاستقلال الفلسطينيّ، وتقومَ الدولةُ الفلسطينيّةُ الحُرّةُ المُستقلّة، وعاصمتُها القدس الشريف، وهذا آتٍ لا مَحالة. أستطيعُ كتابةَ مُجلّداتٍ عن محمود وشِعرِه وشعبهِ الرائع، الذي يُشرّفُني أن أحملَ هُويّتَهُ، لكنّني أكتفي بهذا القدر كي لا أُطيلَ عليكم، مُتمنّيًا لمؤسّستكم الزاهرة المَزيدَ مِن التقدّمِ والعطاءِ والحرصِ على الإرثِ المُضيءِ لمحمود درويش، وللإبداع الفلسطينيّ عمومًا، مُعاهِدًا على الاستمرار معًا يدًا بيد، وقلبًا بقلب حتّى مَطلع الحرّيّة. كما يُسعدُني أن أنقلَ لكم تحيّةَ كثيرٍ مِن الأصدقاءِ والمُناضلينَ مِن هنا، من بيروت المنتصرة على جبروت الاحتلال الإسرائيليّ، وكذلك تحيّات المُجاهدة الكبيرة جميلة بوحيرد، التي تفرحُ بزيارة لبنان ولقاء أهلِهِ ومقاوِميه، كما تفرحُ أكثرَ ،لأنّها كما تقول: "تشعرُ بكوْنِها هنا، أي في لبنان، أنّها أقربُ إلى فلسطين". مع أمثال أبو حيرد، ومحمود درويش، وأحمد فؤاد نجم، ونلسون مانديلا، وسواهم مِن مُناضلين، نشعرُ حقًّا أنّ فلسطينَ أقربُ، وكذلك فجرُ الحرّيّة الآتية غدًا بإذن الله، وبعزيمة شعب الجبارين.
ونقلَ أيضًا كلمةَ مرسيل خليفة:  عزيزي جواد، تحيّاتي لكم جميعًا أيّها الأحبّاء، معكم أحتفي بهذه المناسبة السعيدة، وأتمنّى أن تستمرَّ مؤسّستكُم بالعملِ والعطاءِ والتقدّم. كم أشتاقها فلسطين! وكم أحبُّ جليلَها.. لأقولَ: "أذرفُ دمعَ الكلام وأناجيكَ، كلّما تنهّدتُ في منامي خفَقَ قلبي. هل سأجدُ ما يكفي من الألحان لأغنّيك لأعزفَك؟ أتمشّى على الشاطئ اللازورديّ عاريًا، إلّا مِن ظلالِ ضوءِ القمر، ألقيت ُفي يمِّ البحر نوطاتي، ويَسيرُ الحلمُ فوقَ عيونِ الماءِ كحصانٍ مُندَّى. أغرقُ في حنايا الشعر، وأذوبُ في طراوةِ المعنى كقمرٍ مُكتمِلٍ، كإشراقةِ شمسٍ، كموجٍ هادرٍ، كضوءٍ مُتموّجٍ، كليْلٍ مُشتهى، كفجرٍ زاهٍ، كحفنةِ نسيمٍ، كحبّةِ قمحٍ، كمدينةٍ ساحرة، كأرزةٍ راسخةٍ، كطيورٍ عاصيةٍ، كأقاصٍ زاخرة، كنبوءةِ حُلمٍ. أعود طفلاً، أُرنّمُ في ذلك الفجرِ الذي طلعَ عليّ في قريتي الساحليّة، وحيثُ حملَتْني الفصولُ إلى مُدنٍ بعيدة. يَغمرُني نورُكَ، أناديكَ لحنًا، همسًا، حُبًّا، حلماً، قصيدةً، أغنيةً، فهل تسمعُني؟ كم ضاقَ هذا العالم برَحيلِك!"
وتابعَ المحامي جواد بولس كلمتَهُ قائلًا: لقد أبقى محمود درويش كنوزًا لنا وللإنسانيّة جمعاء، فأقمنا جمعيّةً، سُجّلتْ في حينِهِ كجمعيّةٍ قانونيّةٍ، ما زالتْ تعملُ مِن خلال مكتبٍ صغيرٍ في كفرياسيف، ومن خلال مجلس إدارة، لم يكن يومًا ولن يكونَ محصورًا على أبناءِ عائلةٍ أو حزبٍ ما، أو على أصدقاءَ قريبين أو بعيدين، فالجمعيّةُ مفتوحةٌ لكلّ مَن يُحبُّ أن يَعملَ ويُعطي، وأن يَسمو بما يُعطي لا بما يأخذ، وها أنا أُزجيها أمامَكم وأمامكنّ دعوةً مفتوحةً غيرَ مشروطة، بالانضمام لهذه الجمعيّةِ دونَ قيدٍ أو شرط. لا شروطَ لنا إلّا أن نُحبَّ ما علّمنا محمود، وما أبقاهُ لنا ميراثًا سنصونُهُ، ولذلك نقولُ إنّها جمعيّةٌ صغيرة. صحيح أنّ مَن يَبرزُ بيننا الأخ عصام خوري، فهو يعمل كبوّاب وقهويجي ومدير عامّ وكلّ شيء في هذه المؤسّسة، ولكن هذا الحفل أقرّتْهُ لجنةٌ مُكوّنةٌ مِن سبعةِ أشخاص هم الآن في هذه القاعة: الأستاذ فتحي فوراني، علي هيبي، أنور سابا، شادي شويري، محمد بكري وعودة بشارات، وهُم أصحابُ القرارات، وأيضًا مَن يَلفي علينا، مثل سهيل ديب وآخرون يُشاركوننا هذا الهمَّ وهذا  النشاط.
لماذا اخترنا دير الأسد لاحتفال اليوم؟ لأنّ دير الأسد عتبتْ، وكان معها الحقُّ في العتب. لديْر الأسد قسطٌ في محمود، كما لأيّة بلدة أخرى، ومن باب العتب، نحن لم نُقرّر ديرَ الأسد مجازًا فقط، فقد كنّا في قلنسوة وباقة وغيرها، فنشكر دير الأسد على هذه الاستضافة، ونشكر مجلس دير الأسد الذي عندما خططنا، كان المجلس برئاسة نصر صنع الله، وعندما نفّذنا كان برئاسة أحمد ذباح، ولكن أحمد ونصر الآن يتبوآن هذا الدير، ونحن نباركُ هذه الوحدة وهذا العمل.
في البدايات لم يكن معنا أيُّ مبلغ لاستئجار مكتب، فطرَقنا أبوابًا لبعض الذين لم يتخلّفوا، وهُم في هذه القاعة، ومدّوا يدَ العون، ومن باب السترة لا أذكرُ أسماءَهم، فنحن جمعيّةٌ فقيرةٌ مادّيًّا نعيشُ على مصدرَيْن، ومُحاسبُنا المُتطوّعُ مفيد حزان، ويستطيعُ أيُّ شخصٍ الاطّلاعَ على حساباتِنا المكشوفة، ليسَ مِن باب إلزامٍ قانونيّ، وإنّما من بابِ ما نؤمنُ به مِن شفافيّةٍ وأخلاقيّة. في البدايات كان القرارُ بإقامةِ مؤسّسةِ محمود درويش الدوليّة في رام الله، وأن نكونَ ذراعًا لها في الوطن لاعتباراتٍ مفهومة، فنحن نعيشُ على مصدرَيْن شحيحَيْن؛ الأوّلُ مَحلّيٌّ يَكفي لسدِّ رمقِ استئجارِ المكتب وبعضِ المصاريف، والمصدرُ الثاني إلى أن جاءنا المدَدُ مِن جمعيّةِ سولاديريس في بلجيكا، وربّما هي مفارقة أن تقرّرَ سوليداريس إقامة هذه التوأمة معنا، نحن كمَن يُمثّلُ ما آمنَ بهِ محمود، ربّما الأقربُ إلى ما تُمثّلُهُ سوليداريس، هذه المؤسّسة الكبيرة الهامّة الإنسانيّة الناشطة في بلجيكا البلدِ الأوروبيّ، تأتينا بوفدٍ فيه شخصيّتان بارزتان مُؤثّرتان؛ واحدة من أصولٍ مَغربيّةٍ (فضيلة لعنان)، والثانية جليليّ الأصل (حسين شعبان). أما في ذلك مفارقة، لكي نفهمَ لماذا تُتوئِمُ سولاديريس مع مؤسّستنا محمود درويش، التي تطمحُ وتطمعُ أن تُمثّلَ ما آمن به محمود درويش، كما قالت السيدة فضيلة، بأنّ للإنسانيّةِ مكانٌ للجميع؟
مِن هنا نحن نفخرُ بهذه التوأمة، وسنوطّدُ هذه العلاقة، ومِن هنا نقول: رغمَ شُحِّ مصادرِ جمعيّة إبداع، وقلّةِ مَن يقومُ بها بنشاطٍ فاعلٍ، وعلى ما نأملُ أن يكونَ لها دوْرٌ في المستقبلِ مِن أحلامٍ سنُجسّدُها، نقولُ لكم بأنّنا نفخرُ في هذه الليلة بجميعكم، فنرى هنا سادةُ فِكرٍ وقلمٍ، وأقولُها بكلّ تواضُعٍ، على هذا الدرب نحنُ نَسيرُ، وكما قيلَ "أنا أشعرُ أنّ روحَ درويش هنا وهو فرِحٌ"، فأولئكَ إخوانُهُ لمحمود مَن حضَروا، ولكن نحن نقولُ بأنّنا في هذه الدولة يُريدون لنا أن نتشظّى شظايا، ولا يُريدون لنا أن ننجحَ، ولو في بؤرةٍ صغيرةٍ مِن إنجازٍ قد يُدَعِّمُ حصوةً في سورٍ قد يَميل، ولذلك، نحن سنمضي بكلّ ما أوتِينا من عزمٍ وقوّةٍ، ونتمنّى أن نترفّعَ عن عتبٍ أو مَلامةٍ أو مُحاسبة أو قصاص، فنحن ربّما نهفو ونسهو، وربّما نغلط وربّما وربّما..، ولكن أبوابُ المؤسّسة مفتوحةٌ لكلّ مَن يستطيعُ أن يُعطي كتفًا على كتف، وأن يَدعمَ هذه المسيرةَ التي نُريدُ لها أن تنجحَ، فنجاحُ صيانةِ إرثِ محمود درويش هو مِسمارٌ هامٌّ في نعشٍ نريدُ أن يتمَّ التئامُهُ لسياسةٍ عنصريّةٍ، والعدميّةُ القوميّةُ التي تريدُها لنا حكوماتُ هذه الدولة. شكرًا لفلسطين التي بعثتْ مَن أحبّهُ محمود وأحبّوه، وشكرًا لكلّ الحضورِ ولكلّ الشعراءِ والأدباءِ والسياسيّين، والشّكرُ الأهمّ لكلّ مَن يُجيدُ تلقّي هذا المثال، فلولا جهود القرّاء لَما أبدَعَ المُبدعون، لذلك؛ نحن نفخرُ بكُم وبهذه المؤسّسة، ونُعاهدُ مَن حضرَ وغابَ أن نستمرَّ، ونبقى على درب محمود درويش الكبير، والعصِيِّ على التحزيب والجغرافيا، والعائليّة والمنطقيّةِ والمحليّة.

5  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / حيفا تحتفي بالكاتب د. سميح مسعود في: 10:06 01/09/2013
حيفا تحتفي بالكاتب د. سميح مسعود



آمال عوّاد رضوان
وسط حضورٍ واسعٍ مِن أهل بُرقة الحيفاويّين، وعددٍ من المثقفين والأدباء من حيفا وسائر مناطق الجليل والمثلث، أقيمت أمسيةٌ أدبيّةٌ للكاتب د. سميح مسعود، بتاريخ 29-8-2013، احتفاءً بإشهار كتابه "حيفا... بُرقة- البحث عن الجذور"، وذلك في قاعة الكليّة الأرثوذكسيّة، شارع إسحق ساديه 32، حيفا، وقد نظّم الحفلَ الهيئاتُ التالية: المجلس الملّي الأرثوذكسيّ الحيفاويّ، ونادي حيفا الثقافيّ، ومكتبة كلّ شيء. تحدّث في الأمسية كلٌّ من الأديب حنّا أبو حنّا، ود. سهيل أسعد، والفنان عبد عابدي، وحسناء دراوشة، والأديب جريس طنوس، وتولّى عرافة الحفل د. جوني منصور، وفي نهاية اللقاء قدّم الفنان ديب بشارة لوحة خطيّة لضيف الأمسية، وأغنية بصوته: "يا غايبين بهواكم قلب دايب"، ومن ثمّ تحدّث د. سميح مسعود  عن كتابه، وشكر الحضور ومُنظّمي هذا الحفل، وبعدها تمّ التقاط الصور التذكاريّة.
د. سميح مسعود ولد في عام 1938 في حيفا، لعائلة أصلها من قرية بُرقة (نابلس). درس في مدرسة البرج بحيفا. تشرد مع أهله عام 1948. تابع تعليمه في قرية بُرقة. نال الدكتوراة من جامعة بلغراد في موضوع الاقتصاد. عمل مستشارًا اقتصاديًّا في مؤسّسات وهيئات عربيّة. يعمل حاليًّا مديرًا للمركز الكنديّ لدراسات الشرق الأوسط في كندا. ساهم في تأسيس الصالون الثقافيّ الأندلسيّ. له مؤلفات عديدة، منها: "الموسوعة الاقتصاديّة"، "الأزمة الماليّة العالميّة"، "تحدّيات التنمية العربيّة"، "الوجه الآخر للأيّام" (مجموعة شعرية)، "رؤى وتأمّلات" (نصوص نثرية)، ويكتب مقالات ادبية وسياسية ونقدية في جرائد ومواقع عربيّة. مقيم في مونتريال- كندا.   
جاء في كلمة العريف د. جوني منصور: الأخوات والإخوة.. مساؤكم كلّه خير. مساء حيفا الجميلة التي سمّاها البعض في زمن غابر "أمّ الغريب"، ولكنها في واقع الأمر نزعت عنها هذا الثوب، والتحفت بثوب السحر والجَمال والعيش المشترك، جمعت تحت جناحيْها كلّ من طلب الرزق، وكانت المدينة التي اتسعت للجميع، وفهمت الجميع وأحبّتهم.
قصَدَها أبناء فلسطين من الجليل ومن نابلس وقراها، ومن أم الفحم وبناتها، ومن غزة ومن القدس وقراها، وكان اللقاء مميّزًا بين أبناء الشعب الواحد. شمّروا عن سواعدهم، وشرعوا يبنون حيفا، حيفا الحلم والأمل والمستقبل، واتّسعَ قلبُ هذه المدينة بمن أحبّها من خارج فلسطين، ولبنان، والشام الحبيبة، وشرقيّ الأردن، والعراق، ومصر، والسنغال، ونيجيريا وغيرها.
إنّها الأمّ التي حوّلت الغريب الوافد إليها ابنًا. شكرًا لك يا حيفا، لأنك جمعت الأب. لكن مشروع هذه المدينة لم يكتمل، فوقعت النكبة، وسقطت عروس الكرمل والبحر بيد الغرباء، عابري البحر القادمين من بلاد بعيدة، لا صلة لهم بها وبالوطن، إلّا بكونهم أدواتٍ في مشروع اقتلاعيّ احتلاليّ.
تشتت الأبناء وتفرّقوا، وحبّ حيفا الجميلة عالق في وجدانهم وحياتهم يوما بعد يوم. هذا هو اليوم الذي تعود حيفا فيهن لتجدد جمع أبنائها في هذا المكان المتميّز والخاصّ، صرح العلم والثقافة والانفتاح. ها هو اليوم الذي تقول حيفا فيه: فرحي بعودة دائمة لأبنائي، فحقّ العودة مقدس ولا تنازل عنه مطلقا.
في هذا المساء أيّها الأحباء، يسعدني أن أرحّب بالضيوف الكرام، الذين جاؤوا من خارج حيفا، وأرحب بدكتور سميح مسعود وزوجته، ود. نوفل ومرافقيه، وهو ابن حيفا، وحبّه لحيفا لا يقلّ أبدًا ومطلقًا عن حبّنا لها، فأنتم أبناء هذه المدينة، ترحّبون بنا في بيتكم هذا؛ الكليّة الأرثوذكسيّة العربيّة في حيفا. هنيئًا لنا جميعًا بهذا اللقاء الذي بعد 65 عاما من النكبة، يثير فينا مشاعر الانتماء والهُويّة والبقاء. أشكر المجلس المليّ الأرثوذكسيّ، ونادي حيفا الثقافيّ، ومكتبة كلّ شيء، لرعايتهم هذا اللقاء.
"حيفا.. بُرْقة": عنوانٌ جميل يجمع حركة المدينة وجمال القرية. بُرقة ليست بعيدة عن حيفا، كما أنّ حيفا ليست بعيدة عنها، لكن سميح مسعود ربط بينهما، بسيرة حياته التي أعلن أنّها بحث عن الجذور، سيرة ذاتيّة تحمل مخزونًا كبيرًا من الذكريات الجميلة المفرحة والحزينة. إنّها ذكريات من عاش على هذه الأرض، وأدرك ولا يزال، أنّ "على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة".
حول السيرة الذاتية وكتاب سميح مسعود، أتحفنا وشرّفنا بكلّ اعتزاز الأستاذ والأديب حنا أبو حنا بمداخلته فقال:
التقيت مع الأخ سميح مسعود عبر كتابه في حيفا، أنا الذي عرفت حيفا عام 1935، تعلمت في المدرسة الابتدائية حيث اليوم بيت هجيفن، وعولجت في مستشفى د. حمزة حيث ليس هو الآن، وأجريت لي عملية، ومع أنّي أكبرك بعشر سنين، لكنّني سرت معك في شوارع حيفا، شارع مصر وشارع العراق، وذهبنا معًا إلى سينما الأمين، وهناك شاهدت فيلم عنتر وعبلة، وما زلت أذكر من الدعابات، كيف كان يناجي عنتر عبلة، فأراد خادم عنتر أن يناجي صاحبة عبلة، وهو يبحث عن لغة مشتركة فقال لها: "يا ريتك تقلعي لي عين، وأنا أقلع لك عين، ونعيش عور نحنا الاثنين".
ومن الطرائف الأخرى، سرنا معًا في شارع الملوك، وهناك تذكّرت نقاشًا بين صديقين، أحدهما يقول للآخر: كلّ شيء مكتوب بالقرآن. وحين مَرَّا من أمام "مكتب كوك للسياحة" قال له: وهل كوك موجود في القرآن؟ فأجابه: نعم. "وإذا رأوْا تجارة أو لهوًا انفضّوا إليها، وتركُوكَ قائمًا".
 ودخلت معه إلى السوق الأبيض وساحة الحناطير، وأنا عرّجت على مطبعة نجيب نصّار؛ رجل قصير، وطربوشه طويل، وعزيمته قويّة، وإيمانه بالقوميّة العربيّة والوطن شديد، فأعدّ عام 1908 أقدم الصحف الفلسطينيّة، التي عالجت الشؤون السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، حين تعرّف إلى المخطط اليهوديّ، وفكرة إقامة دولة اليهود على أرض فلسطين.
كثيرة هي الأماكن التي زرناها، لكنّي أيضًا عايشت المأساة، ففي شارع يافا هنالك وقفت أمام مبنى يدعى بيت النجّادة، وهو فرع من بيت النجّادة في الحلّيصة، (حيث لم تواجه القوات الصهيونيّة مقاومة شديدة، إلّا في حيّ الحليصة باتجاه النجّادة، وهو بيت حركة الكشّاف العربيّ القائم على ملتقى طرق هامّ يربط الهدار بالحليصة والبلد التحتا، في شارع هجيبوريم (صلاح الدين سابقًا)، وما زال البيت قائمًا وشاهدًا حيًّا على أهمّيّة الموقع، بالنسبة للمقاومة الفلسطينية التي فقدت عددًا من الشهداء، في سبيل حماية حيفا، وسقط بيت النجّادة على يد الكتيبة 22 من الهجاناه) .
في بيت النجّادة وجدت شبابًا يحملون عصيًّا، ويلبسون ملابس النجادة، فكلّ الأمور اختلطت بنقاشات سياسيّة هنا وهناك، والمأساة أنّ الأمور كانت تحمل الحماسة العنترية، التي لا تقل عنها أيّة جهود. لقد بقي في حيفا عشرة آلاف، وهذا بحث جديد جاء به د. عادل مناع من أرشيفات سريّة، ولكن الذين أُبقوا من العشرة آلاف فقط 3200، فكلّ الأمر كان مُخطّطًا ومدروسًا، وكتاب حبيبنا مسعود مفعمٌ بروح التعلق بتراب الوطن، وعندما نطوف معه في حيفا نطوف معه بذكرياته، وحين أمرُّ ببيوت أعرف أصحابها وسكانها، أذكر موسيقى حوافر خيل الحناطير، خاصّة وهي صاعدة في شارع الجبل، إنّها موسيقى جميلة.
د. سميح مسعود مفعم بروح المحبة والتعلق بالوطن، وصفة نادرة أنّ هذا الرجل يبحث عمّن له علاقة بحيفا، وحين يتعرّف إلى أحدهم يذهب للبحث عنه. وفي النهاية نهنّئه بالشفاء، بعد العملية التي أجريت له على أيدي أطبّاء عرب.
ملاحظتان قصيرتان: ورد في كتابه، أن نشيد يا ظلام السجن خيّم لإبراهيم طوقان، إنّما هو لنجيب الريّس الشاعر السوريّ، كتبه عام 1922 وهو سجين، ولا زلت أذكر أبي ينشده وهو يحلق ذقنه:
 يا ظلامَ السجنِ خيِّمْ/ إنّنا نهوى الظّلاما/ ليسَ بعدَ اللّيلِ إلّا/ فجرُ مَجدٍ يَتسامى/
إيهِ يا دارَ الفخارِ/ يا مقرَّ المُخلصينا/ قد هبَطْناكِ شبابًا/ لا يهابونَ المَنونا/
وتعاهدْنا جميعًا/ يومَ أقسمْنا اليمينا/ لن نخونَ العهدَ يومًا/ واتّخذْنا الصِّدقَ دينا/
أيّها الحُرّاسُ رِفقًا/ واسْمَعوا منّا الكلاما/ مَتِّعونا بهواءٍ/ كان مَنْعُهُ حَراما/
لستُ واللهِ نسيًّا/ ما تقاسيهِ بلادي/ فاشْهَدَنَّ يا نجمُ إنّي/ ذو وفاءٍ وودادِ/
يا رنينَ القيدِ زِدْني/ نغمةً تُشجي فؤادي/ إنّ في صوتِكَ معنًى/ للأسى والاضطهادِ/
لم أكنْ يومًا أثيمًا/ لم أَخُنْ يومًا نظاما/ إنّما حُبُّ بلادي/ في فؤادي قد أقاما
والنقطة الثانية: هي أنّ المتّهم في هذا الكتاب هي القيادة الفلسطينيّة، ولكن الصواب أنه كانت هناك مؤامرة لتقسيم فلسطين. (وقرأ فقرة تأريخية وسرية من كتاب تاريخ لتأكيد المؤامرة المرسومة). والمؤامرة استمرت فيما بعد، فمثلًا، عقدت الأردن صلحًا مع إسرائيل، ولكنها لم تطالب باسترداد ما كان معها. وكذلك قادة مصر أيضًا عقدوا صلحًا مع إسرائيل، ولم يستردّوا ما لهم، فالجرح كبير والألم شديد، ولكن علينا أن نعود إلى هذه الأمور، لنتعلم الدروس الضروريّة، ولنورث الوعي لأبنائنا.   
وتابع العريف د. جوني منصور: بُرقة.. كثيرون حتى من بين الحاضرين لم يسمعوا بها، ومنهم من لم تطأ قدمه أرضها. إنّها برقة نابلس القرية الوادعة الجميلة المستلقية على هضاب وجبال نابلس، زيتونها صامد، وشعبها صامد، ترَكَتها عائلات كثيرة قبل عام 1948 بحثًا عن لقمة العيش. أليس هذا من حق الإنسان؟ منهم من عاد إليها، ومنهم من بقي فيها، ومنهم من هاجرها لبلاد الاغتراب، فسكانها اليوم ستة آلاف، ومهاجروها أكثر من عشرين ألفا.
من أهالي بُرقة عائلات كثيرة استقرّت في حيفا، وبَنت بيوتًا لها، وأصبحت جزءًا فاعلًا وناشطا ومؤثرًا في مشاهد حياتها اليوميّة، وطبيب الجسد لم يتوقف أمره عنده، إنّما يهتمّ ويُساهم في بناء المجتمع، وتحسين ظروفه التربوية والاجتماعيّة، ويشهد له حبّه لهذه المدينة ولأهلها، فنسائم بُرقة تجري في عروقه.
د. سهيل أسعد يقول كلمته باسم حيفا وباسم بُرقة: "ما يدور حولنا من أعياد وأحداث وأفكار له أهمّيته في حياتنا، فعلينا تقبّل اختلافاته، والاستمتاع به، واحترامه، وتقديره، وجعل الوطن قاسمًا مشتركًا في حياتنا". هذا ما قاله عبد الفتاح مسعود في حيفا عام 1946 لابنه سميح.
فارس مسعود أحد أهمّ أعيان بُرقة والقضاء، وكان قد قدّم عشرة دونمات هديّة منه لمسيحيّي بُرقة، لبناء الدير الذي استعمِل لاحقا عيادة عامّة، ومن ثمّ مدرسة. في هذه العيادة خدم ولسنين عديدة أقرباء العائلة، خدموا أفراد البلدة أجمعين  بكلّ محبّة وإخلاص.
وشاءت الصدف أن يصل راهب ألمانيّ من القدس إلى بُرقة، للبحث عن تلاميذ، ليُكملوا دراستهم هناك في العشرينات من القرن الماضي، فكان والدي وأعمامي وآخرون من العائلات المسيحية مِن المختارين، وهنا بدأ التحوّل.
كان التحوّل للعمل خارج القرية في مجالات مختلفة عام 1948، وبعد الاحتلال انتقل قسم كبير من أفراد العائلة للسكن في حيفا، وها نحن اليوم هنا جيل آخر من أهل بُرقة الحيفاويّين، أرضنا في بُرقة محافظون عليها، بالتعاون مع أهل البلد القاطنين فيها، وسوف نحافظ عليها ولن نهملها.
 لقد كتبتَ أيّها الخبير الاقتصاديّ موسوعة اقتصاديّة، وكنتَ رئيسًا لمَحافلَ اقتصاديّة مختلفة، وقد كتبتَ كتابًا جميلًا، بوُدّي أن أقرأ فقرة منه في وصف بستان الخيّاط: "يتكوّن البستان من مساحة واسعة من الأرض، مرصّعة بشجيرات الزينة الجميلة، وأشجار مُثمرة مختلفة أنواعها، وفيه مُدرّجات حجريّة وإسمنتيّة، وبرَك، وقنوات مياه متشعّبة، ونوافير وشلالات خطيرة، تجري فيها المياه تحت تأثير انحدارات أرضيّة مُصنّعة، تأتيها المياه من عين السيّاح، تتدفق نحو البستان من بقعة عالية ما بين الصخور".
و(يُتابع مُتحدّثا في زيارته مع عائلته)، "طُفنا فيه وتعرّفنا على كلّ أجزائه، فكلّ شيء فيه جميل، وتعود إلى ذهني الآن ذكريات زيارته بصورة متقطّعة، وبلمحات سريعة أتأمّل منظر شلّالاته، كومضات تسطع من الماضي. أتذكرها بهدوء، كان صوت سقوط مياهها يشدو بأصوات مفعمة بالموسيقى، تحنو باختلاطها مع شدو عصافير كانت ترفرف على مقربة منها، وكان أريج الأزهار المتفتحة والأعشاب تفوح في كل مكان".
بصراحة، قليل من المتخصّصين في الاقتصاد يكتبون مثل هذا الأدب الجميل، وها نحن اليوم بصدد الدفاع عن هذا البستان؛ بستان الخياط، وعن السكان العرب الساكنين بمحاذاته. ومن هؤلاء النشطاء في الدفاع عن بستان الخياط هو الفنان عبد عابدي.
أيّها الإخوة، من الواضح أنّ هذا الرجل د. سميح مسعود كبُرَ وترعرع في أجواء عائليّة مُحِبّةٍ ليبراليّةٍ ومُتسامِحةٍ ووطنيّة، والدليل على ذلك، الجلسات الحواريّة المُتعدّدة بينه وبين والده، والتي كتب عنها في هذا الكتاب، ودليلٌ آخرُ على رِقيّ ووضوح الرؤية عند السيد عبد الفتاح مسعود، هو جملة قالها أثناء نقاش سياسيّ في بيته، حين دافع عن موقف صحيفة الاتحاد وكُتّابها بالقول: يُقنعني أيّ رأي يأتي من خارج الزعامة التقليديّة المُتحجّرة، لأنها تتغنّى دومًا بجلب الضرر والمصائب للقضيّة الوطنيّة، وعلى الأقلّ، لم يُلوَّث اليسار الفلسطينيّ بالاغتيالات، وبالتصفيات، وبآراء نشطاء لا علاقة لهم بالزلمنة، والعشائريّة، وتقديس الزعماء.
أيّها الإخوة؛ هكذا أبٌ بُرقاويٌّ أنجبَ هكذا ابنًا حيفاويًّا. فهنيئًا لكم ولنا بسميح مسعود. 
وتابع العريف د. جوني منصور: فنّان عاشق للفن وعاشق لمدينته، وعِشق المدينة سِرٌّ لا يفقهه، إلّا مَن يحمل في داخله حبَّ المدينة. عَكَسَ حبَّهُ هذا في أعماله الفنّيّة، التي تنطق وهي صامتة، بما يجب علينا أن ننطق به. تنطق بالحُرّيّة، وحُبّ الأرض، والوطن، والنبات وباقي الكائنات.
إنّه الفنان عبد عابدي، الذي تربطه علاقة خاصّة مع د. سميح مسعود فقال: هذا الكتاب هو ملفّ الماضي أمام الجمهور، وهذا هو اللقاء الثاني عمليّا، الذي يربطني بأخي د. سميح مسعود. كان لقاؤنا الهاتفيّ الخليويّ السابق قبل نصف عام، عن طريق صديقنا المشترك صخر الخطيب، الذي هو ابن عمّ غسّان الخطيب، ووالد صخر الخطيب هو أحد القادة الفلسطينيّين الذين قادوا الثورة ضدّ الاستعمار، وكان رئيس تحرير مجلة الغد. بهذا اللقاء الخليويّ تعرّفت على سميح، وعلى الربط  عمليّا بين بُرقة ونابلس.
في جيل النكبة كنت في عداد النازحين واللاجئين في المخيّمات الفلسطينيّة، ابتداءً من بيروت، والشام، ودمشق، وإلى الآن أختي موجودة في مخيّم اليرموك. دون شك ربطته مع النزوح، فارتباطه مع القرى المُهجّرة حصلت عمليّا بعد رجوعنا إلى حيفا، بما يُسمّى لمّ شمل العائلات، كوْن والدي بقي في حيفا ولم يتركها. وتأتي ببالي أسماء قرى قليلة في الواقع، كوْني كنت فتى صغيرًا راجعًا من الغربة، ولكن بُرقة كانت لها مكانة خاصّة في بيتنا في وادي النسناس، لأنّ والدي عام 1954 على ما أذكر، آوى أوّل شخص مُتسلّل مِن بُرقة في وطنه، وبسبب إجراءات التسلل سُجنَ أبي أربعة أشهر، بسبب إيواء شاب من بُرقة اسمه أمين، وطبعًا أرجعوه إلى المناطق.علاقتي ببُرقة مميّزة، ومن هنا الارتباطات متشعّبة، وتبيّن لي من خلال المحادثة الخليويّة، أنّ معرفة أخي سميح بواقع الطوبوغرافية والهُويّة والمجتمع الحيفاويَ لدرجة كبيرة، فسألني عن أماكن وأزقّة، يشعر أنّه غير مطمئنّ أو متأكّد لتحديد اتّجاهاتها جغرافيّا، وأنا كنت مفعمًا عمليّا بهذه المعلومات الطوبوغرافيّة والجغرافيّة عن حيفا، لدرجة أنّي اعتقدت أنّه متواصل مع هذا المكان المُسمّى حيفا.
ومحادثة أخرى جرت ثانية، بعد مقالة كتبها بعد زيارته لإحدى بحيرات كندا، كوْنه يسكن في كندا، وهو متنقّل بين كندا وعَمّان. هناك في وصف البحيرة الكنديّة حسٌّ شاعريّ فنّيّ، بإمكان هذا الحسّ أن يتحوّل إلى لقاء تشكيليّ، واعتبار سميح مسعود ليس فقط خبيرًا في الاقتصادن وقد درس في دولة اشتراكيّة في يوغسلافيا آنذاكن لكنّه مُتمكّن من التفاصيل الدقيقة.
في الواقع، في هذه السنة من اللقاءات، اعتبرت أنّ علاقتنا استمرّت من 1948 إلى اليوم، وهناك في التعارف الأوّل بيننا سألني أين أسكن في حيفا، وفي أي شارع؟ فقلت له في شارع حداد رقم 13. فقال لي: في شارع حداد رقم 14 يسكن صديق طفولتي راشد الماضي. فوصفت له علاقتي الطيّبة والجيرة الحسنة التي تربطني براشد الماضي، وهكذا في وصف الصديق العزيز كان الوضع مثيرًا، في دقة التعبير عن مشاعر إنسانيّة.
يقول في أحد الفصول، أنّه رأى صديقه مكتئبًا، وتبيّن أنّ له مشاكل عسيرة في التعلّم، فقدّم له المساعدة، ليتمكّن من الخروج من مأزقه. وشيءٌ آخر أذكره، أنّ لوحتي التي كان من المفروض أن تُزيّن غلاف كتاب د. سميح، لأسباب تقنيّة لم تتمكّن من تزيين الكتاب، ولكن في مجال آخرَ سوف يجد العديد من الأعمال المشاركة، لها الحيّز التاريخيّ الذي يربطنا، كوْننا في حيفا، وكوْن حيفا تسكن فينا.
تابع د. جوني منصور: كان للعزيزين الصديقين الأستاذ جريس طنوس ود. سميح غنادري، الفضل الكبير في التعرف على د. سميح مسعود. فلهما جزيل الشكر على هذه الهديّة الكبيرة والثمينة.
قال الأستاذ جريس طنوس: شاءت الظروف أن يزورني د. سميح مسعود وبالصدفة، عن طريق أحد طلابي صخر الخطيب، وحدث تماهٍ وتشابُك وتقارُب، وبالصدفة، كان أحد أبنائي قد عمل لي بطاقات وإيميل، و(تابع بتواضعه وبروح دعابته مازحًا عاتبًا)، أنا معلم متقاعد، فـ (اعترض الأديب حنا أبوحنا قائلًا: أنت كاتب أيضًا)، ضحك وقال: المهمّ عملت حالي قبضاي، ووزّعت البطاقات، فأنا موديرن عصريّ وعندي كمبيوتر.
وإذا بي تصلني رسالة طويلة منه بحدود الصفحة! فكيف أجيبه وأنا لا أعرف استخدام الكممبيوتر؟ استنجدت بحفيدي، ووعدته أن أعطيه كذا وكذا مقابل أن يكتب لي ردّ الرسالة، فكتبت له رسالة قصيرة جدًّا، وكأنني من هواة الكتابة القصيرة والاختصار، مع أنّ مُعلّمي اللغة والأدب يعتمدون على الحكي. وصرت كلما وصلتني رسالة منه رسالة أحمل الهمّ، وكانت النتيجة أنّي تعلّمت أن أكتب رسائل طويلة وشيّقة.
ولكن المشكلة الثانية التي واجهني بها ضيفنا العزيز د. سميح مسعود، أنّ لغته العربيّة عالية جدًّا لا تقلّ عن لغة الأستاذ حنا أبوحنا وفتحي الفوراني، وأنا معلم للّغة العبريّة، وأكتب باللغة العربيّة، ولكن ليس بهذا المستوى، وبالكاد أسجّل تعابير جميلة باللغة العربيّة، وإذا بصديقي د. سميح شاعر لا يُشقُّ له غبار، وكانت علقتي علقة. كان اللقاء بيننا، وتبادلنا الكتب، وذكّرته بالمحافل التي أُدعى لها وهي قليلة، فأنا معلم متقاعد ولا يدعوني أحد. وهكذا كان؛ علّمني شيئين: علّمني كيف أحترم لغتي، وعلّمني كيف يعيشون الوطن في الغربة، ونحن غرباء في أوطاننا. 
وحول كتابة هذا الكتاب، وإعادة سميح سميح إلى بلده، حدثتنا قريبته حسناء دراوشة فقالت: في بحثه عن جذوره، تعرفت على جذور عديدة وتوصلت إليها من خلال الصدفة، فحُبّي للقراءة أوصلني إليه، من خلال قراءتي لمقاله في ملحق جريدة الاتحاد الثقافيّ. وما شدّني للمقالة هو صورة صغيرة لقرية بُرقة، وبعد الانتهاء من القراءة، أخبرت زوجي وإخوتي بأنّ الكاتب يمتّ بصلة قرابة لجدّتي نجيّة، والتي كانت تخبرنا عن عشقها لبُرقة، وعن خالتها الحجّة سكّر، والتي تبيّن فيما بعد أنّها زوجة عمّه، فأرسلنا رسالة له وأجابنا بسرعة، وهكذا توطدت صلة القرابة البعيدة، من خلال العلاقة والتواصل. أشكر كل من ساهم في إحياء هذا الحفل وإشهار الكتاب، لأنّ اسمي خُلّد في كتابه، وهي أعظم هديّة تلقيتها في حياتي من بعد زوجي وأولادي.
في نهاية اللقاء قال د. سميح مسعود: لم أحلم يومًا أن ألتقي بهذه الوجوه الجميلة، وأن أرى بوجوهكم كلّ هذا الحنين للذين كانوا هنا وما زالوا هنا. أريد بداية أن أقدّم كلّ الشكر للجهات المُنظّمة لهذه الأمسية، للمجلس الملّي الأرثوذكسيّ، الذي يُذكّرني بالنادي الأرثوذكسيّ الذي ذكرته في كتابي، عندما كنت مع والدي وقال لي: هذا النادي الأرثوذكسيّ فيه أهمّ شخصيّة، الشاعر الكبير عبد الكريم الكرمي أبو سلمى. وقال لي: إنّ جورج أحد شباب بُرقة، يلعب كرة القدم في النادي الإسلاميّ. وكان والدي دائمًا يُعطيني هذه الأمثلة عن التآخي والمحبّة ما بين أبناء الوطن الواحد.
وأشكر نادي حيفا الثقافيّ، مُمثّلًا بالأستاذ فؤاد نقّارة، والذي كتب لي رسالة قبل يوميْن، ورفع من معنويّاتي وقال: أهلًا بك في بيتك، في هذا النادي- نادي حيفا الثقافيّ.
وأشكر أيضًا مكتبة كلّ شيء، وصاحبها ومديرها الأستاذ صالح العبّاسي، لأنّ له الفضل في إيصال كتابي إلى مدينة حيفا، فأنا لم أتمكّن من إرسال إلّا نسخ قليلة، مع أخي جوني منصور، والأخ حسين منصور، ومع قريبي عبد السلام دراوشة وزوجته حسناء، ولكن صالح العباسي اتّصل بي عبر الهاتف وقال لي: تستطيع أن ترسل أيّة كميّة تريدها. وهكذا أرسلت كلّ هذه الكتب عبره، والشكر موصول لكلّ الأصدقاء والأحبّاء، وأوّلهم شاعرنا الكبير حنّا أبوحنّا الذي قرأت له الكثير، وكنت أحلم أن ألتقي به وأشكره، لأنّه سار معي وتجوّلنا في حيفا، وأشكر ابن بُرقة قريتي د. سهيل أسعد، والذي عرفت قبل ثلاثة أيّام، أنّه قريب أعزّ أصدقائي في بُرقة، فالدير كان قريبًا ومُحاذيًا لبيتي وبيوت أعمامي تمامًا، وأنا أتذكّره تمامًا حين كان الوطن والتراب هو القاسم المشترك بيننا، والآن نعيش في عصر جاهليّ تكفيريّ، حيث التنفير والتكفير وإقصاء إخوة التراب، وهذا يُحزنني جدًّا، وكنت في هذا الكتاب دومًا أحاول أن أعزف على هذا الوتر، وأنّ الوطن وتراب فلسطين فوق كلّ شيء حتى فوق المعتقد، لأنّ الله لن يغفر لإنسان لا يُدافع عن وطنه، فالوطن هو قبل كل شيء، والفنان الكبير عبد عابدي ذكر أشياء جميلة، عن كيف تعارفنا، ومن وحي لقائي الخليويّ به كتبت المقال، واستغربت من الردود والتعليقات التي جاءتني، إذ تحدثت عن المدرسة والأساتذة والشوارع، وتجوّلنا ووصلنا إلى محلّات بيع البوظة وإلخ، وحين تحدثت مع أخي أبو أمير عابدي، جاء في أحد التعليقات: ما دام أنتم تحافظون على هذه الذكرى، فهل تضيع فلسطين؟
وأخيرًا وليس آخِرًا أخي العزيز جوني منصور. أنا تابعت كتاباته، ولاحظت أنه يكتب في نفس المكان الذي يكتب فيه جريس طنوس، فحييّته وأسميته في مقالتي "مؤرّخ حيفا". ولكن للأسف، في الشتات والخارج هذه الأسماء غير معروفة، وقد نشرنا في الصالون الأندلسيّ 15 كتابًا حتى الآن، وخمسة كتب إلكترونيّة، فهذه المقالات بين الحين والآخر أجمعها وأنشرها في كتاب، وأوّل شخص تعرفت عليه في الداخل هو جريس طنوس، وفي كتابي "رؤى وتأمّلات" كتبت عن تعرّفي عليه. يوجد تعاون الآن ما بين الصالون ود. جوني منصور، وسوف نصدر قريبًا كتابًا عن القصص الشعبيّة الفلسطينيّة في الشمال الفلسطينيّ في حيفا وفي الجليل، لشخص في الثمانيات من عمره، أمضى أكثر من أربعين سنة في تجميع هذه القصص.
لماذا أذكر هذا؟ لأقول إنّنا نستطيع في الشتات أن نجمع بعضنا، وأن نبحث عن جذورنا، وسوف نجد دومًا جذرًا في مكان ما لنا علاقة به. فهذا الكتاب لا يتحدّث فقط عن علاقتي مع إكسال وأهلها وآل دراوشة، ولكن عن أهمّيّة البحث عن الجذور، لنقول إنّه كان لنا وطن وما زال.
كان البحث عن الجذور مقالة كتبتها، فقرأتها حفيدة عمّتي حسناء، ومن ثمّ فُتحت لي أبواب كثيرة سجّلتها في هذا الكتاب، جعلتني أتحدّث عن أمور كثيرة في بُرقة وغيرها، ومن خلال هذا البحث توصّلت إلى ننتائج كثيرة، تشعرني بالسعادة على حدّ تعبير التوحيدي: "الكلمات تزدحم في حلقي/ ولا أستطيع أن أقولها". عندما التقي بزميل طفولتي الذي تركته في الثالث الابتدائي وعندما جاء عبدالسلام دراوشة يقول له هناك من يذكرك وكتب عنك . نحن في المهجر البعيد نعيش الوطن وكأننا فيه، ولا أغالي حين أقول، بأنّني أحنو لحيفا وشم في العين، وأشعر أنها جزء من دمي، تعيش معي، وأسير بها في كلّ الأماكن الجميلة الموجودة، ولا أرى حتى جمالًا لتلك الأماكن، والمقالة التي كتبتها وتحدث عنها الفنان عابدي، وقال إنّ بها لمحات فنيّة وشاعريّة، كنت وأنا أكتبها أتذكر حيفا وكل ما كان في حيفا في ذلك الزمان البعيد، من مفردات وجزيئات جماليّة.
بهذه الأمور التي نخرجها من خلايا الذاكرة، نستطيع أن نجمع الذاكرة الجمعيّة، والتي هي التاريخ الحقيقيّ لنا، سواء كُتبت شعرًا أو نثرًا أو جغرافية أو تاريخ وإلخ، لأنّ التاريخ السياسيّ في رأيي مُزوّر، وهو تاريخُ مَن قاموا برسم المؤامرات والقضاء على وطننا.
الذاكرة الجمعية يجب أن تبقى، ويجب أن نُحدّث أولادنا وأحفادنا، فلي حفيد واحد، وللأسف أنه لا يتكلم اللغة العربيّة، وسوف أحاول أن أعلّمه العربيّة قبل أن أرحل عن هذه الدنيا، كي يقرأ عن فلسطين وحيفا وبُرقة، وعن كل ما كان وما زال، وأنا مازلت أشعر أني جذر في روابي حيفا.
















6  المنتدى الثقافي / دراسات، نقد وإصدارات / دراسَة ٌلديوان "بسمة لوزيَّة تتوهَّج"- حاتم جوعيّة في: 17:30 10/08/2013

دراسَة ٌلديوان "بسمة لوزيَّة تتوهَّج"


حاتم  جوعيّة

مُقدِّمة: الشاعرةُ والأديبة القديرة آمال عوَّاد رضوان تسكنُ في قريةِ عبلِّين الجليليَّة، أنهت دراستها الأكاديميَّة، وتعملُ في مهنةِ التدريس، تكتبُ الشِّعر، والدِّراسات، والمقالات الأدبيَّة، والتقارير الثقافيَّة، على مختلفِ أنواعِها منذ أكثر من 18 سنة،  نشرت الكثيرَ من كتاباتِها الشِّعريَّةِ والأدبيَّةِ في الجرائد المحليَّةِ وخارج البلاد، وقد  صدرَ لها عدَّةُ مَجموعاتٍ شعريَّةٍ ونثريَّةٍ، ودراساتٍ متنوَّعَةٍ، وشاركت في العديدِ من المؤتمراتِ والمهرجاناتِ الأدبيَّةِ والثقافيَّةِ خارجَ البلاد، وحصلتْ على عدَّةِ جوائز وأوسمةٍ تقديرًا لجهودِها الإبداعيَّةِ، وعطائِها المُتواصل الثريّ والمُميَّز في دنيا الفكر والأدبِ، وهي تُعتبَرُ بحقٍّ وحقيقةٍ في طليعةِ الشُّعراء والكُتّابِ المحلِّيِّين. وكتبَ عن  مؤلَّفاتِهَا العديدُ من النقَّادِ محلِّيًّا وخارج البلاد، حيثُ حظيت كتاباتُها بإعجابِ الشُّعراءِ والباحثين والمختصِّين في الشِّعرِ والأدبِ، محلّيّا، وعلى امتدادِ العالم العربيّ.  
سأتناولُ في هذهِ المقالةِ بعضَ القصائدِ من ديوانها الذي بينَ أيدينا "بسمة لوزيَّة  تتوهَّج"، مع الاستعراض والتحليل.  
مَدخَلٌ: يقعُ هذا الديوان في (80 صفحة) من الحجم المتوسط، ولم يُذكَرِ اسمُ المطبعةِ، وأين طُبعَ الديوان، وقد كتبَ مقدِّمَتهُ الشاعرُ القدير (محمّد حلمي الرِّيشه)، والمُقدِّمة جميلة وعميقة وَقيِّمَة، كُتِبَتْ بأسلوبٍ أدبيٍّ شاعريٍّ مُنمَّق، يتحدَّثُ فيها باقتضابٍ عن طابَع وأجواءِ الديوان، ويقولُ في نهاية المُقدِّمةِ: "في معجمِهَا الباطنيِّ تتورَّدُ الحياةُ مِن خريفِها.. إنَّها صرخاتُ تمَرُّدِ القلبِ، مُدركًا غيابًا لا بُدَّ من حُضورهِ، وفقدًا لا بُدَّ من انوِجَادِهِ. حقًّا إنَّ الشِّعرَ، في حدائِق الشَّاعرةِ هنا، ناقوسُ الرُّوح مُناديًا، أنَّ القلبَ حديقة الحياةِ تستحق عُشَّاقها، وأنَّهُ، بمعنى جديدٍ/ جميل من معانيهِ كما رسمتهُ الشَّاعرة، بسمة لوزيَّة على شِفاهِهِ"! ولقد صدقَ الشَّاعرُ محمد حلمي الرِّيشه فيما قالهُ في حقِّ الشَّاعرة آمال عوّاد رضوان.
من ناحيةٍ شكليَّةٍ، جميع قصائد هذا الديوان تخضَعُ لِنمَطِ الشِّعر الحديثِ الحُرِّ، (المُتحَرِّر من الوزن والقافية)، ولكن هذه القصائد الرَّائعة تُترعُهَا موسيقى داخليَّة أخَّاذة وَمُمَيَّزة، ترتاحُ الأذنُ على إيقاعاتِهَا، وَتُسِكرُ الرُّوحَ والوجدان، ويَطربُ لها  القلبُ، فهي كالتقاسيمِ الموسيقيَّةِ التي لا تخضعُ لمقامٍ مُعَيَّنٍ وثابتٍ، ولها وقعُهَا  الموسيقيّ على المُتلقِّي نفسيًّا وسماعيًّا وفنيًّا، أكثرَ من أوزان الخليل التقليديَّةِ أحيانا. وكما أنَّ هنالكَ العديدَ منَ الجُمل الشعريَّةِ في بعضِ القصائد، جاءَت موزونة مئة بالمئة مُقيَّدَةً ببحور الخليل. ونجدُ الشَّاعرة تنتقلُ من تفعيلةٍ إلى أخرى جديدة، في نفس الجملةِ الشِّعريَّةِ، وبشكلٍ عفويٍّ وجميلٍ، فيُحِسُّ القارئ المُتذوِّق بالإيقاعِ المُمَوْسَق الجميل، الذي تشنف لهُ الأذن. وَتُعتبَرُ الشَّاعرة (آمال عوّاد رضوان) في نظرِ جميعِ النقادِ الكبار (مَحلّيًّا وخارج البلاد)، شاعرة كبيرة مُبدِعَة ومُجدِّدة وَمُحدِثة ً وغيرَ مُقلَّدِة، ولكنَّها لم تأخذ حَقَّهَا وشهرتهَا وانتشارَها كما يجب، والّذي هي أهلٌ لهُ- عربيًّا وعالميًّا.  
سأبدأ البحثَ بالقصيدةِ الأولى من الديوان: "أحِنُّ إلى حفيفِ صَوْتِكَ"- ص13–17) مع التحليل والدِّراسةِ. هذه القصيدةُ طابعها غزليٌّ ووجدانيّ، مُؤَجَّجَةٌ بالرومانسِيَّةِ  وبالعواطفِ الجيَّاشةِ، والشَّوق المُلتهبِ وبالتضحيةِ والعطاءِ والفداءِ.. وقد تكونُ هذهِ القصيدةُ ضميرَ ووجدانَ وهواجسَ وأحاسيس كلِّ أنثى في هذا الشِّرق، وخاصَّةً إذا  كانت مكبوتة، وتُعاني مِن نقصٍ وشُحٍّ عاطفيّ واحتياجٍ جسديّ، وبحاجةٍ إلى  النصف الآخر، إلى مَن  يَفهَمُهَا وَيُحِسُّ بها وتُحسُّ بهِ، ويتناغمُ مع لواعِجها  وأحاسيسِها ورغباتها وحاجاتِها الرُّوحيَّةِ والنفسيَّةِ والجسديَّة. وتَستعملُ الشَّاعرة ُفي هذهِ القصيدةِ العديدَ منَ العباراتِ والتشبيهاتِ والمُصطلحاتِ الجديدةِ المبتكرةِ، والصُّور الشعريَّةِ والاستعاراتِ البلاغيَّةِ المُستحدَثةِ الرَّائعةِ والخلاَّبةِ.  
وتبدأ الشَّاعرة قصيدتها مُخَاطبةً حبيبَها وفارسَ أحلامِهَا، فتُصَرِّحُ لهُ: إنَّها تحِنُّ إلى حفيفِ صوتِهِ، (وربَّما شاعرتنا هي أوَّلُ مَن يَستعملُ كلمةَ الحفيفِ لصوتِ الإنسان، أو بالأحرى للعاشق والحبيبِ، وهي تُستعمَلُ دائمًا للشجرِ والنباتِ)، وهذا التَّشبيهُ جاءَ  كتوظيفٍ ورمزٍ للحياةِ المتقدِّمة "موديرنيت"، وللخُضرةِ والجَمالِ والعَطاءِ والخصب، فصوتُ هذا الحبيب كحفيفِ الشَّجر ينسابُ، أي يَنسكبُ كالنسيمِ الرَّطبِ المُنعشِ في معابرِ ومسالكِ روحِها.. وهذا الصَّوتُ المُلوَّنُ (بقزحاتِهِ).. أي كقوسِ قُزح بألوانِهِ العديدةِ الخلاَّبةِ، منهُ تزدانُ منابرُ مسَامِعِها، وقد تعني بصوتِ الحبيبِ أيضًا العطاءَ والإبداعَ الشعريَّ المُتواصِلَ الّذي لديهِ، فهذا الإبداعُ لهُ وَقعُهُ وتأثيرُهُ السِّحريُّ عليها، ومِن خلالِهِ تزدانُ مَنابرُ مسامِعِهَا.
ثمَّ تُتابعُ فتقولُ (النصّ كما جاء في القصيدة): "نبراتُ حُروفِكَ تُلاغِفُ جَوانِحي/ أحاسيسُكَ  تُسَوِّرُنِي/ كيفَ أهرُبُ/ ومَسافاتُ الوَلهِ  تزدادُ نقشًا في مَسالِكِ قلبي").  
المقصودُ بالجَوانحِ هنا العواطفُ.. وأنَّ مَشاعرَ وأحاسيسَ الحُبِّ ولواعجَهُ تُسَوِّرُهَا.. أي تُطوِّقُهَا مِن كلِّ مَكانٍ، وَتُحاصِرُهَا مثلَ السُّور، وهذا المُصطلحُ ربَّما تكونُ شاعرتُنا أوَّلَ مَن استعملَهُ (تُسَوِّرُنِي).. أي تُحِيطُنِي كالسُّور مِن كلِّ الجهات، وليسَ هنالكَ أملٌ بالهربِ، وكما أنَّ مسافاتِ الولهِ وشدَّةَ الهُيام تزدادُ وَتتَّسِعُ في مَسالكِ  قلبِها.. (وكلُّ هذهِ تعابيرٌ ومُصطلحاتٌ وتشبيهاتٌ مُستحدَثةٌ ومُبتكرة). ثمَّ تُتابعُ  حوارَها معَ الحبيب، وتؤَكِّدُ لهُ إنّها تشتاقُهُ، وتنعتُهُ وَتصفهُ بالمَجنون، (جنونُ الحُبّ مثل الشعراء العُذريِّين): "حتّى إلى ما نهايةٍ لجُنونِهِ تظلُّ تشتاقهُ".. وتطلبُ منهُ أنْ يَفتحَ لها قلبَهُ الذهبيَّ، (أي النقيَّ والصّافي والجَميل)، وليَسكُبَ أحشاءَهُ على  راحتيْها.  
وتتحدَّثُ عن الإنسجام والتناغم  بينها وبينهُ، وخاصَّةً في ساعاتِ الحزنِ والضّيق فتقولُ: "سَمِعتُ وُعولكَ تُناغِي ظباءَ حُزنِكَ/ آهٍ يا رَحْمَ روحٍ/ تتفتَّقُ ولادةَ وجدٍ في روحي: أنولدُ فينا".  
والجملةُ الأخيرة تحملُ بُعدًا فلسفيًّا، وتطلبُ بعدَ ذلكَ من حبيبها، ورحم روحِهَا كما نعتتهُ، لأنَّهُ بالنسبةِ لها هو الولادةُ والحياةُ.. فهو كالرَّحم، منهُ خرجَتْ وانبثقتْ وعاشَتْ روحُها ووجدانيَّاتُها، وعرفتْ معنى الحياةِ وقيمتَها وأسرارَ الوجودِ. فتطلبُ بدوْرها، أنْ تُرَمِّمَ آثارَ قلبهِ، وَتُجدِّدَ ماءَ حدائِقها، وتجعلَ الورودَ يَتراقصُ بينها شغفًا، وقناديلُ الشاعرةِ المُتيَّمةِ تسبحُ في جداولِها الشَّهيَّةِ. وتقولُ بعدَ ذلك: "هوَ قلبُكَ لي/ بمائِهِ وطمْيِهِ/ بضفافِهِ وأشجارهِ/ بعصافيرِهِ ونحلِهِ/ أريدُهُ بعالمِهِ/ فكلُّكَ/ وكلُّ كلِّكَ يَشُوقُنِي/ ولا أريدُ الشَّوقَ يُؤَطِّرُني".      
إنَّ المَعنى هُنا واضِحٌ ومفهومٌ، فهيَ تريدُ قلبَ حبيببها ومَشاعرَهُ  كلَّها لها، ولا يكونُ لغيْرِها لو للحظات، وتستعمِلُ جملة حُلوة وخفيفة دم، وهي: (وكلُّ كُلِّكَ يَشُوقني)،  وتُذكِّرُنا هنا بمقطع ٍمن أغنيةٍ حديثةٍ، (كلّك على بعضك حلو)، ولكنَّ الشَّاعرة لا تريدُ الشَّوقَ يُؤِطِّرهَا.. وترَى أنَّ صدرَ حبيبها هو بيدرُها عليهِ، تدرسُ سنابلَ حُبِّها، (تستعملُ هنا استعاراتٍ بلاغيَّةً وتشبيهاتٍ جديدةً)، وهي لن تخشى اجتياحَ فيضانِهِ، وإنَّ قُبلةً منها تكفي أنْ تُخَثِّرَ أمواجَهُ وتُجَمِّدَهَا، وهي لن تخشى خطرَ السّباحةِ فيهِ، وانجرافَهَا بشلّالاتِهِ الناريَّةِ.    
وفي نهايةِ القصيدةِ تتحدَّثُ عن نفسِها فتقولُ: أأسكُبُني رَعَشاتٍ تصهَرُكَ/ تُغَلِّفُكَ بي؟! أتكونُ دَفينَ انصِهَاري/ حَبيسَ أنوثتِي؟!/ أتقبلُ بكينونةٍ جديدَةٍ/ لا تُحَرِّررُهَا إلاَّ براكيني؟! يا مَنْ أشتاقُكَ/ دَعني أرْوِي بأمطارِ عيني/ براريَ عَطشِكَ/ ألمْلِمْنِي لكَ   ظلالًا/  وأشتاقُكَ أبَدًا".                        
هي تتساءَلُ: هل تسكبُ نفسَها بنفسِهَا (أأسْكُبُنِي؟) كرعشاتٍ تصْهَرُكَ، وهذهِ الرَّعشات تغلفهُ بها.. (وقد تُفهمُ هنا كتعابير وإيحاءاتٍ جنسيَّةٍ، أو ومضاتٍ وشطحاتٍ صوفيَّة). وتقولُ للحبيبِ: هل سيكونُ حَبيسَ أنوثتِهَا، وفي انصِهارٍ أبديٍّ معَها. وتَطلبُ منهُ في النهايةِ أن تروي بأمطارِ عينيْها ودُموعِها براريَ عَطشِهِ، وَستُلمْلِمُ وتَجمعُ نفسَها ظِلالًا وَدِفئًا لهُ، وهي تشتاقهُ أبدًا.
إنَّ القصيدةَ معانيها وأسلوبَها وطابعها غزليّ بحت، كما يبدو واضحًا (مِن ناحيةٍ شكليَّةٍ)، ولكن رُبَّمَا تعني الشَّاعرة بهذا الحبيبِ المشتاقة إليهِ دائمًا، والهائمة والمُلوَّعة في حُبِّهِ الوطنَ الكبيرَ بجَميعِ أبعادِهِ.. بجَمالِهِ وسِحرهِ، بفرَحِهِ وحُزنهِ، بصَفائِهِ  وشُحوبهِ، وبآلامِهِ وجراحِهِ، وبسكونِهِ وَصَخَبِهِ، إلخ... فتلتقي في هذا المَنحى والتوجُّهِ مع شعراءِ المُقاومةِ، الّذين يُشبِّهونَ الأرضَ والوطنَ بالفتاةِ الجميلةِ الحسناء والمَعشوقة الساحرة، وهي (الشَّاعرة) تُشَبِّهُ الوطنَ بالحبيبِ المَنشود، وفتى الأحلامِ البَهيّ الجميل.
ولننتقلْ إلى قصيدةٍ أخرى من الديوان بعنوان: "في مَهَبِّ رصيفِ عزلة" ص18-23: وهذهِ القصيدة غزليَّة بكلِّ معنى الكلمةِ، يَظهرُ فيها بوضوحٍ عواطفُ ومشاعرُ المرأةِ،  وَرَغَباتُها تجاهَ الرَّجلِ، وتترعُ القصيدةَ بعضُ المعاني الفلسفيَّة والعباراتِ التأمُّليَّة، تقولُ في القصيدة:
"المَجهُولُ الْيَكْمُنُ خَلفَ قلبي/ كم أرهَبُهُ يَتكثَّفُ وَهْمًا/ على حَوافِّ   غِلافِه/ كيفَ أمنحُكَ قلبيَ الآنَ/ وقدِ اختطفتْهُ ملائكةُ الحُبِّ/ إلى فسحةٍ في العَراءْ/ كيفَ لها أنْ تهدَأ ذبذباتُ الرَّغبَاتِ/ حينَ تتماوجُ في فضاءِ الخَيال؟/ كيفَ وَصَدَاها يَشقُّ  حِجَابَ الإرادةِ/ وتركِنُ حيالهَا عاجزًا.. شاردَ الرُّوح!/
آهِ.../ ما أشقاها المرأة/ حِينَ تُساقُ مُقَيَّدَة الرَّغبةِ/ إلى زنزانة أحلامِهَا المُستحيلهْ/ قد أكونُ أرهَقتُكَ؛/  بضجيجِ فكري/  بضَوْضَاءِ قلبي/ أشعُرُ بالذنبِ/ حينما أرجُمُكَ بحبرِ إحساسِي/ وَمَا مِن ذنبٍ أقترفُهُ/ سوَى أن تتكبَّدَ جريمة حُكْمِي/ أحِسُّ براحةٍ غريبةٍ/ حينَ أُوقِعُ بكَ  قصاصي/ ِبلُؤمٍ أبله/
أحتاجُ إليكَ/ بنسيمِكَ أكونُ مَلكتُنِي/ وَبغبارِكَ أكونُ خَسِرتُنِي/ فلا تَسكُبْ عُصاراتِ رُوحِكَ/ في كؤوس ضَعفي/ ولا تقُضَّ قشرةَ آمالي/ أرهَبُ عليكَ مُنازلتَهَا الشَّقيَّة/ ولا تُوقِظْ بي حَنِينًا أغرقتهُ في سُبات!/
ليتكَ تغمُرُني كلَّ آنٍ/ بلحظاتِ حُزنِكَ وعذابِكَ/ فقد تقتلُ بي الخَوفَ والشَّك/ كيفَ آمرُني أن أغادِرَكَ؟/ قلبُكَ احتلَّنِي/ رُوحُكَ تتجلَّى في مَرَايا روحِي/ وَأنتَ ظِلِّي المُلاصِقُ/ بحَرْفِي/ بخَوفِي/ بعَطفي/ أنا المَصقولة بكَ/ المَرهُونَة لك/ كم بتُّ رَهينة رَوعَتِك!  
أرتاعُ حينما أحِسُّ بالشَّوق/ يُدّثِّرُنِي بثوبِ الإثمِ/ أجزعُ وأهربُ/ كي لا أكابدَ/ في وحدتي/ مغارزَ  الألمْ/ لا تترُكْنِي رَعشَة/ في مَهَبِّ رصيفِ عُزلةٍ/ رُغمَ أنَّ تلكَ النسائِمَ أصبحَتْ/ تطيبُ   لي وَتُغفينِي!".  
القصيدةُ جميلةٌ وعذبةٌ وبريئةٌ، ومعظمُ جُمَلِهَا مفهومةٌ وغيرُ مُعقَّدةٍ، وبعضُ المقاطع فيها يشوبُهَا الغموضُ والضَّبابيَّة، وهي تتحَدَّثُ وتعبِّرُ عن فكرِ وهواجس كلِّ أنثى في العالمِ، وليسَ فقط المرأة الشَّرقيّة.. فتُجَسِّدُ مشاعرَهَا ورغباتِها وطموحاتِها وأفكارَها ومُتطلَّباتِها في الحياة والعالم ومنَ النصف الآخر (الرَّجل).  
القصيدةُ تبدَأ بجملةٍ تأمُّليَّةٍ وبتفكيرٍ فلسفيٍّ، وتَستعملُ الشَّاعرةُ مُصطلحًا لغويًّا، قلَّمَا استُعمِلَ عندَ العرب قديمًا وحديثًا، وهو وضعُ (الـ التعريف) بدل كلمة (الذي)، كما جاءَ في الجملةِ الأولى مِن القصيدة: (المَجهُولُ الْيَكْمُنُ خلفَ قلبي).. وشاعرتنا آمال عوّاد رضوان تَستعملُ هذا النمطَ أو التعبيرَ اللّغويّ في الكثير من قصائِدِها، وبشكلٍ مُكثَّفٍ، وليسَ في ديوانِهاهذا فقط، بل في مُعظم دواوينِها الشِّعريَّة. وهنالكَ مِمَّن يكتبونَ النقدَ، قد يظنُّونَ أنّها أوَّلَ من استعملَ هذا المُصطلحَ والتعبيرَ اللّغويّ، ولا يستسيغونَهُ، بل ربَّما يَعتبرُهَا البعضُ من النُّويْقِدين والدَّخيلين على الأدب  والكتابة، أنَّها تُكسِّرُ وتخطِئُ في اللغةِ. وأتذكَّرُ أنا في هذا الصَّددِ بيتًا من الشعرِ لجَميل بثينة، حيثُ يقول: وما أنسَى م ِالأشياءِ لا أنسَى قولها/ وقد قرُبَتْ نضوي: أمِصر تُريدُ.  
استعملَ الشاعرُ هنا حرفَ الميم فقط بدل مِنَ، فقال: (م ِالأشياءِ) بدلَ (منَ الأشياءِ). وبعضُ الشّعراءِ العُذريّينَ في العصر الأمويّ استعملوا هذا النمطَ المذكورَ أيضًا، مثل الشَّاعر "كُثيِّر عَزَّه" وغيره. وأنا أيضًا في العديد من قصائِدي الشِّعريَّةِ استعملتُ هذا اللّونَ مِنَ التعبيرِ اللّغويّ، (وضع الـ التعريف بدل كلمة الذي، أو حرف الميم لوحده، بدل كلمة مِن مُتّصلة بالـ التعريف).  
ولا أريدُ الإطالةَ والتَّوغُّلَ أكثرَ في تحليلِ معاني القصيدة، وسأتحَدَّثُ باختصارٍ شديدٍ: فالقصيدةُ هي حديثةٌ (موديرنت)، وفيها الكثيرُ منَ المصطلحاتِ والتشبيهاتِ الجديدةِ المُبتكرة، فمثلًا تتحدَّثُ الشَّاعرةُ عن الرَّغباتِ، وكأنَّها ذبذباتٌ تتماوجُ في فضاءِ الخيالِ كقوْلِها: "كيفَ لها أن تهدَأ ذبذباتُ الرَّغباتِ/ حينَ تتماوجُ في فضاءِ الخيال".  
وهذهِ الرَّغباتُ صداها ووقعُها يشقُّ حِجابَ الإرادةِ.. أي أنَّ الإرادةَ القويَّةَ المُحَجَّبةَ والمَعصومةَ والمُحَصَّنةَ، لا تستطيعُ مقاومتهَا، وتقفُ عاجزة، وإنَّهُ لشعورٌ وتعبيرٌ صادقٌ لمشاعرِ المرأةِ، الّتي لا تستطيعُ كَبْحَ جماحِهَا، وإخفاءَ أحاسيسِهَا ورغباتِها ونزواتِها الأنثويَّة، وإنَّ المرأةَ تكونُ شقيَّةً بكلِّ مَعنى الكلمة، حينما تُسَاقُ مُقيَّدةً برغبتِها المتأجِّجةِ المُلتهبةِ إلى أحلامِها ورغباتِها، والّتي تغدو وتصبحُ كالزنزانةِ المُستحيلة. والمرأةُ بشكلٍ عامّ مهما كانت، (كما تُصرِّحُ في هذه القصيدةِ)، هي بحاجةٍ للقربِ والوَصْلِ للنّصفِ الآخر،  لِيَغمُرَهَا دائمًا بالحبِّ والدّفءِ والحنان، ويُشاركَها الحياةَ، فيقتلُ فيها الخوفَ والشَّكَّ والإحباطَ والمللَ.  
وفي نهايةِ القصيدةِ، يظهرُ ويتجلَّى بوضوح ٍالطابَعُ والجانبُ العُذريّ والعفيف في الحُبِّ، أكثرَ مِنَ الجانبِ المادِّيّ والجسديّ.. الحبُّ  الرّوحانيُّ الصَّادقُ حيث فيهِ  الرُّوحانِ تتَّحِدَانِ معًا، وكلُّ روحٍ ترى شقيقتهَا نفسهَا في مرآتِها. والشاعرةُ هنا تطلبُ مِن حبيبها أن يبقى معها، ولا يَتركَها رعشةً في مَهَبِّ رصيفٍ مُنعزل.    
 وأمَّا في قصيدةِ: عصفورةُ النّارِ- ص27-29: فتتحَدَّثُ عن نفسِهَا وَحُبِّهَا وتفانيها لأجلِ الغير: للحبيب، وللمجتمع، وللإنسانيَّةِ جمعاء. وتَستعملُ في القصيدةِ بعضَ المَعاني والأفكارِ اللّاهوتيَّة، مثل: (علِّيقة موسى).. العلِّيقة الّتي وقفَ بقُربِها النّبيُّ موسى في صحراءِ سيناء، وكانتْ مُشتعلةً، ومِن هناكَ خاطبَهُ وتحدَّثَ معهُ الرَّبُّ، حسب ما جاء في التوراة- العهد القديم). وتقولُ الشَّاعرة: جعلتُ قلبَكَ عُلِّيقةَ موسى/ تشتعِلُ باخضرارِ ناري ولا تترَمَّد.  
أي نارها التي جعلتِ الحُبَّ مثلَ العُلِّيقةِ دائمًا ومُستمِرًّا في الاشتعال، ونارُ العلّيقةِ  لن تهمدَ أبدًا وتصبحَ رمادًا. هيَ قد أشعلت المشاعرَ واللّواعجَ والحياةَ والجَمالَ باخضرارِ نارِها، أي بطاقاتِها وبإبداعاتِها ومناقبها الخضراء، فنارُها خضراءُ للخصبةِ والعطاءِ والتضحيةِ. فهي عُصفورةُ نارٍ، لكنّها لا تُحرقُ ولا تترمدُ، وهي لا تنفخُ في  رمادٍ، وإنَّما تُلهبُ الصُّدورَ السَّاكنةَ والمُرْمِدَة مِن جِمارِها، أي تُذكِي في الناسِ روحَ  المَحبَّةِ الحارَّةَ والمُتوَهِّجةَ والعطاءَ اللّامَحدود، حيثُ تقولُ:
أنا عُصفورة نار/ لكنِّي.. لكنِّي لا أُحرِقُ ولا أُرْمِدُ/ وما كنتُ أنفخُ في رمادٍ بل؛ ألهبتُ الصُّدورَ المُرَمِّدةَ بجماري  
وفي قصيدةِ كي لا تتهاوى ص37-39: نجدُ فيها بعضَ المصطلحاتِ والمعاني اللاهوتيَّةَ أيضًا مثل: زيت النور المقدس، القرابين المحترقة، وهي قصيدةٌ غزليَّةٌ  رومانسيَّةٌ، ومَطلعُها: فِي سُكونِ اللَّيْلِ/ تَطْفَحُ قَناديلي/ بِزَيْتِ نُورِكَ المُقَدَّسِ/ لأَجْعَلَكَ عَلى قَيْدِ الحُبِّ/ سَامِحْني/ إنْ لَمْ تَتَّسِعْ حُقولُ صَدْرِكَ/ لاِخْضِرارِ حَرْفي الشِّقِيِّ/ إنْ لَمْ تَكتحِلْ مَرافئُ عَيْنَيكَ/ بِزُرقةِ شِعريَ المُتَمَاوِجَة/ أَيُطْفِئُ الشَّوْقُ نَارَنا ذاتَ قُبْلَة؟/ أيَنفخُ لِقَاءً في رَمادِ انْتِظَارِنَا؟
أَخْشَى/ أنْ تَتَمازَجَ دِمَاؤُنا ذَاتَ شَفَقٍ/ أنْ تَتمَاوَجَ رَعَشاتُنَا/ عَلى شَواطِئِ الشِّفاهِ فَيَنْبَلِجُ الحَرِيق/ أتَكْتَفي الأحْلامُ بِتَلْوينِ الكلمَاتِ/ أم تَغْدو الكَلِماتُ حَطَبَ عِشْقٍ/ تَتَآكَلَهُ نِيرَانُ العَبَثِ؟/ مَا كانَتْ ذُرْوَةُ اللِّقاءِ/ إلاّ في قَرَابينِهِ الْمُحْتَرِقَة/ فَلْيَسرِ بَرقُ العيُونِ أَقْمَارًا/ تُضِيءُ صَحَارَى الأرْواحِ/ كَيْ لا تَتَهاوَى/ أَمامَ رُؤىً لا مَحْدودَة/ في آفَاقِ الأجْسَادِ.  
وفي قصيدةِ شوقي إليكَ  يُشعلني ص40-50: نجدُ تأثُّرَ آمال عوّاد رضوان ببعضِ الشُّعراءِ الكبارِ مثل: نزار قبَّاني، وببعضِ الشعراء الغنائيِّين المصريِّين، وبالذات  قصيدة (أغدًا ألقاك)، والتي تغنّيها المطربةُ الكبيرةُ أمّ كلثوم، فتقولُ آمال:
سَارعتُ إليه أُسابقُ خطواتي/ أَحمِلُ قلبي على ريشةِ قلمي/ ظَهري تَحنيهِ أكداسٌ من الشّوقِ/ عَلى كفَّي ساحَ دهنُ قلبي/ ظَننتُني أحملُ كلماتٍ يُفتّقُها شِعري/ ألقيتُ بثَوبِي عَليهِ/ قلتُ: إليكَ بهِ/ يا لَبهائي حين تُرتِّقُ بِحروفِكَ أثوابي/ اختزَلَني أثيرُ صوتِهِ/ صَفَعَني/ ويْحَكِ/ أوَ تُلقينَ عليَّ بِمصفوفاتٍ مَعدنيَّة !
آهٍ لِحُبَيْبات قَلبِي/ كحبَّاتِ البُنِّ تُحمِّصُها/ تَحرقُها/ في حَميصِ القَسوةِ/ والشّوق إليكَ يُشعِلُني/ كَم بُحْتَ لي بِسِرِّكَ الْمَبْحوح/ كَم قُلْتَ واشِيًا حَرْفَكَ الْمَجْروح:/ أنْتِ الْبَحْرُ وَالْغَيْمُ وَالْمَطَرُ/ أنْتِ النَّسيمُ وَالرّيحُ وَالْعِطرُ/ واليوم/ لِمَ تَتَمادى بِبَرِّيَّتِكَ/ لِمَ تَجْتاحُني بِجَفافِكَ وبِقَسْوَتِك/
آهٍ مِنْ هَزيمِ عِشْقِكَ يُزَلْزِلُ أكْواني/ يَشُقُّ حِجابَ أرْضي وَسَماواتي/ حُبُّكَ الْعازِفُ عَلى أوْتارِ صَمْتي/ النَّازفُ شَوْقًا في تَرانيمِ حَرفي/ باتَ يَنْضَحُ عِطْرًا كاويًا/ مِنْ مَسامَاتِ كَلمَاتي/ هيَ كوماتُ جَليدٍ تتكدّسُ/ تُغَلِّفُ حُجيرات ذهنِك/ وهو حَطبُ قلبكَ تُذكيهِ ومضةٌ/ مِن اشتعالاتِ حرفي/ هي وخزاتٌ مِن قطراتٍ دافئةٍ/ تُبلِّلُ جسدَ السّؤال/ ومِن سباتِها/ تتيقّظُ الذاكرة/ حِينَها .. يَذوبُ جَليدُ شوقِكَ/ يتوالدُ حِسًّا حارًّا يَتفجَّرُ براكينَ لَهفاتٍ/ يَتدفَّقُ يَنابيعَ كَلِمَات/
اُسْكُبْني في فِنْجانِكَ/ وارْتَشِفْني إنْ كُنْتَ تَسْعَد/ هَلِّلْني بِسَعادتِكَ/ أطْرِبْني بِلَذائِذِكَ/ يا أيُّها المَسْكونُ بي وبِفُتوني/ يا أيُّها العالَمُ الدَّفينُ بِمَكنوني/ ويا أيُّها القارئُ الأصَمُّ لِشُجوني: أريدُكَ حَيَّا/ أقِمْ صَلاةَ عِشقِكَ في مَعابِدِ غُصوني/ عَلِّقْ تَمائِمَكَ عَلى أهْدابِ عُيوني/
تُذكِّرُنا بأسلوبِ نزار قبّاني، إذ تقولُ في قصيدة أيائلي مُشبَعةٌ برائحةِ الهلع ص51-58: لا تبحث عن النسيان/ في خريطةِ أوجاعي/ بينَ إحْدَاثِيَّاتِ ضعفي/ أو بينَ فواصلِ شِعري
وتقولُ أيضًا في قصيدة (شوقي إليكَ  يُشعلني):    
أيَطالُني لِسَانُكَ في بَوْحِهِ؟/ عَمِّدْني/ دَثِّرْني بِهِ/ ألبِسْني أثوابَ الحورِيَّات/ شَقيَّةٌ خَفَقاتي مِن غَيْرِكَ/ وبَهِيَّةٌ عَرائِشي بِعِشْقِكَ/ وإنّي لأَبقى أُردِّدُ: أشْتاقُ أشْتَمُّ عَبيرَ بَوْحِك/ أعودُ؟!/ كيف أعودُ/ وأنا أبدًا/ ما خَضَعْتُ لِطُقوسِ العُشّاقِ؟/ كيفَ أعودُ/ وأنا ذاتُ الطّقْسِ الاسْتِوائيّ/ أتَجَمَّرُ .. / أتَحَفّزُ ../ أتَقَمَّرُ ../ وأُمْطِرُ ؟!/ طَقسِي// لا تَعْرفُهُ الطّقوسُ ولا النّفوسُ/ مَا من أحدٍ يعرفُني/ إلاَّيَ وروحُ الشَّوق.
ولها بعضُ القصائدِ في هذا الديوان، يَظهرُ فيها عنصرُ الإيمانِ والومضاتِ الصوتيَّةِ والنار، ويظهرُ فيها أيضًا طابعُ الحُزن والكآبة والإرهاق والملل، من متاعبِ الحياةِ  ومَشاكلِها ومُتطلَّباتِها، والذّبذباتُ الصّوريَّةُ التأمّليَّة، فمثلًا في قصيدة: أيائلي مُشبَعةٌ برائحةِ الهلع ص51–57 تقول: آهٍ/ مَلامِحي الوَرْدِيَّةِ جَفَّت/ ولُسِعْتُ بِسوطِ الخَرير/ وَشَمُوني بِمَاءِ الفَوضَى/ حَتَّى مَفاتيح الأَلَمِ سُرِقتْ مِنِّي/ تَركُوني أَتَأَرْجَحُ/ بَين الذَّاكِرَةِ وَالنِّسْيان/ آهٍ../ لَكَمْ أَخْشى رُؤيةَ أَيائِلي/ تَتَناسَلُ/ مُهَرْوِلَةً.. مُشبَعةً/ بِرائِحَةِ الهَلَعِ وَالارتِجَاف/ تَتَراكَضُ/ جافِلَةً.. خائِفَةً/ ما بَيْنَ أَدْغالِ المَوْتِ وَشِراكِ الاحتِرَاق/
إنَّ قاموسَ شاعرتِنا آمال الشعريّ واللّغويّ زاخرٌ، وحافلٌ بالكثيرِ مِنَ المُصطلحاتِ والاستعارات البلاغيَّة الجديدة، والمُبتكرة، والجَميلة والمقبولة، والصور الشعريَّة  الجميلة والخلابة، وخاصَّةً في هذا الديوان، مثل: (أيائل مشاعري)، (صهيل لهفاته)، (تعمِّدني أمواجُ الأحلام)، (أتربَّصُ بكَ بينَ أدغالِ الكلمات)، (ضفاف المُقل)، (سراج الذكريات)، (أعراسُ انبعاثِكَ).. إلخ.      
نجدُ بعضَ التعابير والمصطلحاتِ اللّغويّةِ الّتي لم يَستعملْها أحدٌ قبلها، مثل:
(كيفَ وأنا مَنْ "كُنتُك)، أي كنتُ أنتَ. و(حبُّكَ كلِّي فيك). و(تغافلني فرشاة قشعريرة- ص70). و(تشوُّه لوحات مُعَاناتي ص70). و(يتأبَّطني ذراعُ قلبي ص73). و(حصى الذكريات). و(عطر خفقاتك). و(جيوب عمري مثقوبة). و(أوحالُ الشَّكّ ص68). و(دنان لحظاتك ص30). و(أبخرة شوقي ص30). و(تتقزَّحُ عيون الأحلام ص77). و(الْيَتصَدَّع؛ أي الّذي يتصدَّع ص59).  
وفي نهاية هذا البحث، أحبُّ أن أشيرَ إلى أنَّني اخترتُ أسهَلَ ديوان للشَّاعرة آمال عوَّاد رضوان للكتابةِ عنهُ، وهو "بسمةٌ لوزيَّةٌ تتوَهَّجُ". وأمَّا دواوينُها الشِّعريَّة الأخرى، فمُترعة ٌوَمُثقلة ٌبالغموضِ والطّلاسمِ، وبالصّورِ والتّوظيفاتِ التقنيَّةِ، وبالاستعاراتِ البلاغيَّةِ الّتي يُستصْعَبُ جدًّا فكُّ رموزِها وشيفراتِها، ويَحتاجُ الناقدُ والباحثُ المُتعَمِّقُ والمُلِمُّ والمُتبَحِّرُ في الأدبِ، والمُختصُّ في النقدِ، إلى مجهودٍ كبيرٍ، ووقتٍ طويلٍ  وَمُضْنٍ، حتّى يتمكَّنَ مِن تحليلِ قصائد هذه الدّواوين وتقييمِها بالشّكلِ الصَّحيح. ولقد ذكرتُ في بدايةِ هذه المقالةِ، إن َّالشاعرةَ آمال عوّاد رضوان قد حَصَلتْ على العديدِ من الجوائز والأوسمةِ، مِن مُؤسَّساتٍ وأطُرٍ وجَمعيَّاتٍ ثقافيَّةٍ من خارج البلاد، عربيَّة وأجنبيَّة، تقديرًا لعطائِها الإبداعيّ المُميَّز في الشِّعر والأدبِ والصَّحافةِ.
وأخيرًا: سأكتفي بهذا القدرِ مِن استعراضِ وتحليلِ قصائد الديوان، وأتمنِّى للزميلةِ الشاعرة والأديبةِ والصحفيَّةِ القديرة والمتألِّقة "آمال عوَّاد رضوان"، المزيدَ من العطاءِ  الأدبيّ الإبداعيّ الغزير المُتواصل، والمزيدَ المزيدَ مِن الإصداراتِ المُمَيَّزةِ الشعريَّةِ  والنثريَّة.

                         (بقلم: حاتم جوعيه- المغار- الجليل-  فلسطين) .
7  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / النّاصرةُ تُكَرِّمُ الشّاعرَ الزّجّالَ سُعودَ الأسدي في: 22:50 08/06/2013
النّاصرةُ تُكَرِّمُ الشّاعرَ الزّجّالَ سُعودَ الأسدي
آمال عوّاد رضوان
دارةُ الثقافةِ والفنونِ، ومجلسُ الطائفةِ الأرثوذكسيّةِ، ونادي العائلةِ الأرثوذكسيُّ التَّابعُ لمَجلسِ الطائفةِ الأرثوذكسيّةِ في الناصرة، أقامتْ حفلًا تكريميًّا للشاعرِ الزجّالِ سعود الأسدي، وذلك بتاريخ 5-6-2013، في قاعةِ مركزِ الأحداثِ الأرثوذكسيّ في الناصرة، والّتي غصّتْ بالحضورِ مِنْ مُختلفِ البلادِ والشرائحِ الاجتماعيّة، مِن رؤساء مجالس مَحلّيّةٍ وبلديّاتٍ، وأعضاء كنيست، ورجالِ دين، ورؤساءِ هيئاتٍ تعليميّةٍ وثقافيّةٍ، ووفودٍ مِن مختلفِ بلادِ الجليلِ والمُثلّثِ، والوسط العربيّ مِن أصدقاء وأدباء وشعراء وممثّلينَ، ونيابةً عن النّادي، افتتحتِ اللقاءَ الباحثةُ التراثيّةُ المُربّيةُ نائلة لِبّس بكلمةِ اعتزازٍ وترحيبٍ بالمُحتَفى بهِ، وبالجمهورِ الغفيرِ الّذي حَلّ لتكريمِ عَلَمٍ مِن أعلامِ الثقافةِ الفلسطينيّةِ، ثمّ حاوَرَهُ الإعلاميُّ فهمي فرح، والّذي  نَوَّهَ إلى جائزةِ الثّقافةِ الفلسطينيّةِ لهذا العام، كما أبرزَ أهمّ لمحاتٍ عن أدوارِهِ الشّعريّةِ الجادّةِ بالفُصحى والمَحكِيّة، والّتي رَسَمَ مِن خلالِها لوحاتِ شِعرٍ إنسانيٍّ وتراثيٍّ بفنّيّةٍ عاليةٍ، وتحدّثَ عن تأثُّرِهِ العظيمِ بالمُتنبّي والمِعرّي، وبالموسيقى الشرقيّةِ والغربيّةِ الكلاسيكيّةِ في شِعرِهِ وصُوَرِهِ، وقد أتحَفَ الحُضورَ بدَماثةِ حديثِهِ الشّيّقِ السّلِسِ، وروحِ دعابتِهِ الطريفةِ بعرضِ لمَحاتٍ عن سيرتِهِ الطفوليّةِ ومَسيرتِهِ الأدبيّةِ، وأدهشَ الحُضورَ بزخَمِ ذاكرتِهِ وحِفظِهِ للشّعرِ وللتّفاصيلِ الدقيقةِ، وقد تخلّلَ الحوارَ مجموعةٌ مِن قراءاتٍ شِعريّةٍ بصوتِ الزجّالِ، وكذلكَ وصلاتٍ مِن شِعرِهِ المُغَنّى، أدّاها كُلٌّ مِنْ أبنائِهِ الفنّانينَ تميم وإياد وبشير في وصْلَتَيْنِ فنّيّتيْنِ، وأغنية أمّ كلثوم  "كم بعَثنا معَ النّسيمِ سلامًا"، كما قدّمَ  الفنّانُ عازفُ البُزقِ جورج سمعان أغنيةَ "لاهيت ستِّي"، مِنْ تَلحينِهِ وغِنائِهِ، ومِن كلماتِ الشّاعرِ سعود الأسدي، بمُرافقةِ إيقاعِ الفنّانِ سالم درويش، وفي ختامِ الحفل التكريميّ، قدّم د. عزمي حكيم ونائلة عزَّام لِبِّس دِرعَ النادي الأرثوذكسيّ للشّاعرِ الأسدي، وكذلك  قدّمَ الأستاذُ جمال أبو مُخّ من باقة الغربية دِرع المثلّث للأسدي.
وجاء في كلمة نائلة عزّام لبّس: باسْمِ مجلسِ الطائفةِ العربيّةِ الأرثوذكسيّة، ودارة الثقافة والفنون، ونادي العائلة أُرَحِّبُ بكُم، فهَدفُ المجلسِ الأوّليّ والأهَمّ بناءُ الإنسان، مقولةٌ كرّرناها مُنذ قرّرنا إدارةَ شؤونِ الطائفةِ والبلدِ وكُلِّ أبناءِ شعبنا، وقد توالتْ بَرامجُنا منذ عام 2007 بخُططٍ مَدروسةٍ وتخطيطٍ سليم، بدْءًا بالطفولةِ وحضانةٍ على أعلى مستوى، ثمّ الفتيان والشباب، وناديهم الأرثوذكسيّ الّذي يَعُجُّ بالفعاليّاتِ والدّوراتِ الرياضيّة، إلى الشّيوخِ ونادي المُسنّينَ والمُسنّات، ثمّ تنمية المَواهبِ في دارة الثقافةِ والفنون، مِن عزْفٍ على مُختلفِ الآلاتِ الموسيقيّة، ودوراتٍ في الفنّ التّشكيليّ، وكذلك الكشّاف، ونادي العائلة الّذي نحن في ضِيافتِهِ هذه الأمسية، وقد حمَلنا على عاتقِنا مُهمّةَ تكريم مُبدِعينا ومُبدِعاتِنا، وتَسليطِ الضّوءِ على عَطائِهم وتَمَيُّزِهِم، كي يكونوا عبرةً للأجيال الشابّةِ. وفي هذهِ اللّيلةِ نَستضيفُ أحدَ أبرزِ مُبدِعينا كروانَ الدّيْر، "الّذي عاشَ وعشّشَ في عَرينِ الأسودِ والنّاصرةِ الّتي صاهَرَها وأنشأ فيها عائلةً كريمة، إنّهُ سعود الأسدي اسمٌ لامعٌ، لا حاجةَ لنا بتعريفِهِ، فلا كلمةُ أستاذ تكفيهِ، ولا لقبُ شاعرٍ تَفيهِ حقَّهُ، ولا مُتذَوِّقُ الموسيقى تُغطّيهِ. إنّهُ خليطٌ مِنْ مجموعةِ فنونٍ، تجعلُ مِن سامعيهِ يُنصتونَ لكثافةِ الحَلاوةِ الّتي سيَعيشون بها، على مَدى السّويْعاتِ القادمةِ، فأهلًا وسهلًا بهِ وبكم جَميعًا.
وجاءَ في حِوارِ الإعلاميّ فهمي فرح، بعدَ أن دَعا الشّاعرَ سعود الأسدي للمِنصّة: الشاعرُ سعودُ الأسدي صاحبُ ديوانَيْ "أغاني مِنَ الجليل"، و"نسماتٌ وزوابعٌ"، و"عَ الوَجَع"، وشَبَقٌ وعَبَقٌ، ودَعسةُ بنتِ النّبيّ، وإشراقةُ الشّعرِ الغنائيِّ اليونانيِّ، وكتابُ الجَفرا، وأوبرا عايدة، وأوبرا لابوهيم. وُلدَ في قريةِ دير الأسد الجليليّة عام 1938، وتُؤكّدُ ذلك جدّتُهُ زليخة بقوْلِها: "إجا سعود عَ الدنيا يوم الجمعة، في الجمعة الأوّلانية مِن شهر أيلول دبّاغ الزتون. وَعى منذُ طفولتِهِ وصِباهُ الإيقاعاتِ الشّعريّةِ الفصيحةِ والعامّيّة، ونَما على حُبّ الأدب، تُسعِفُهُ في ذلكَ نفائِسُ الكُتبِ في مَكتبةِ والدِهِ الشاعرِ محمّد إبو السعود الأسدي، حتّى أنّه نسَخَ ديوانَ المُتنبّي وحَفظَهُ غيبًا وهو ابنُ سبعة عشرَ عامًا، وتَعلّمَ في ثانويّةِ كفرياسيف ينّي ينّي، ودرَسَ الأدبَ العربيَّ في جامعةِ القدس، وتعرّفَ بشغَفٍ كبيرٍ إلى مكنوناتِ الأدبِ العربيّ والفِكرِ الإسلاميّ في مكتبتِها العربيّة، وأبحاثِ المُستشْرقينَ. قدِمَ عام 1960 الناصرة ليُدَرّسَ اللغةَ العربيّةَ في مَدرستِها الثانويّة، وثانويّةِ القدّيسِ ماريوسف، وثانويّةِ عكّا ومَدارس أخرى، وأمضى بمِهنةِ التعليم 33 عاما.
اشتدَّ ميْلُهُ بعدَ عام 1967 إلى الكتابةِ بالّلهجةِ العامّيّةِ الفلسطينيّة، فتمرّدَ على الأشكالِ التقليديّةِ في الشّعرِ العامّيّ، حتّى صارتِ العامّيّةُ حَداثيّةً بفضلِ إبداعِهِ، فهو واجهةٌ كبيرةٌ مِن واجهاتِ الأدب الفلسطينيّ المُعاصِر، عالَجَ مَواضيعَ ثقافيّةً مُتعدّدةً، منها التّراثُ الفلسطينيّ، والفنّ التّشكيليّ، والموسيقى الكلاسيكيّة العربيّة والغربيّة، ولهُ فيها كتاباتٌ مُبتكَرة، وهو يُحاضِرُ في الأدبِ عامّة والشّعر خاصّة، ويُقيمُ النّدواتِ ويُشاركُ في المؤتمراتِ الثقافيّة، ولهُ قصائدُ مُترجَمةٌ لعِدّةِ لغاتٍ، كما تَرجَمَ لهُ الشاعرُ العبريُّ بيرتس دْرور بَناي פרץ דרור בנאי مجموعةً شِعريّةً بعنوان دواليب الهوى" במעגלות האהבה".
وقد جَمَعَ الأسدي ضِفتَي الشّعرِ الفصيحِ والمَحكِيّ، ومِن قصائدِهِ: ذكرى المُتنبّي، والتّيهِ الأخير، ورأيتُ الشّامَ في حُلمي، وبغدادُ على الصّليب، وغمَسْتُ خُبزي بمِلْحي، و"مأساةُ ضرْبِ رأسِ تمثالِ أبي العلاء المِعرّي"، والآنَ تحتَ الطبع ديوانُ شِعرِهِ الفصيح بعنوان "لكُمْ مِزمارُكُمْ ولي مِزماري"، على غِرار قصيدةِ جبران "لكُمْ لُبنانُكُم ولي لبناني".
وبعد أن رحّبَ الأسدي بالضيوفِ بقصيدةِ تكريمٍ مطلعُها: يا شعر حَيِّ بصَوْتي حارة الرومِ/ للرأي في دعوة منها لتكريمي/ وحارة الروم كانت حارتي/ وأنا أكّن للناس فيها كلّ تعظيمِ/ أحبّتي مِن أيّامِ الشّبابِ وكم أحييْتُ ليلي بها مِن غير تعتيمِ/ ناوَمْتُ ليلي وقد نوّمتُهُ وأنا سهرانُ والليلُ لم يَظفَرْ بتَنويمي.
ثمّ تحّدّثَ عن طفولتِهِ: بدأتُ تعليمي في مجدِ الكروم، ربّما لحُسنِ الحظّ أو سوئِهِ، لا أعلمُ، فأنْ أنزلَ إلى مجد الكروم وأتعرّفَ على بيئةٍ مُغايرة، فهذا نعمةٌ مِن نِعَم الله، وقد كنتُ أذهبُ صيفًا وشتاءً مشيًا على الأقدام، وأمُرُّ بجانبِ دعسةِ بنت النبيّ، فكانَ المُديرُ يُسجّلُ الأطفالَ للصّفِّ الاوّل مَن بَلغوا سبعَ سنين، فوَضعَ المُديرُ مَبلغًا مِنَ النقودِ على الطاولة، وطلبَ منّي أنْ أعُدَّها وأحْسِبَها، فقالَ لهُ والدي: واللهِ بزَمانِهِ ما رأى قرشًا، فكيفَ سيَعرفُ القرشَ والمِلَّ والتعريفةَ ويَحسبُها؟ وكانَ القِرشُ يَسوى زلَمة، وحين سألني عن الّلغةِ قلتُ شِعرًا في الحثّ على اقتناءِ الخيْل: أحِبُّوا الخيلَ واصْطَبروا عليْها/ فإنّ العِزّ فيها والجَمالا/ إذا ما الخيلُ ضيّعَها أناسٌ/ ربَطناها فأشْرَكَتِ العيالا/ نُقاسِمُها المَعيشةَ كُلَّ يومٍ/ ونَكسوها البَراقعَ والجَلالا.
حينها سجّلَني المُديرُ، وتعلّمتُ في مَجدِ الكروم سنتيْن، حتّى كانت أحداثُ النكبة، فانتقلتُ إلى مدرسةِ قريةِ البعنة، وكانَ مُديرُها الأستاذ سهيل خوري عاشقُ اللغةِ العربيّةِ والشّعر، وهذا الشّخصُ أثّرَ بمَسيرتي جدًّا، مِن خِلالِ تَحفيظِنا عشراتِ القصائدِ وآلافِ الأبياتِ الشّعريّة، وكانتِ الرامة بلدًا ثقافيًّا عريقًا في زمنِ الانتدابِ، وبها مُعلّمون كُثُر، وحينَ لمَسَ المُديرُ عيسى الصّالح أنّي ألهَجُ بالشّعر،  طلبَ منّي أن أُعيدَ القصيدة: وطنبورٍ مليحِ الشكلِ يَحكي/ بنغمتِهِ الفصيحةِ عندليبا/ رَوى لمّا ذوى نغمًا فِصاحًا/ حَواها في تقلُّبِهِ قضيبا/ كذا مَنْ عاشَرَ العُلماءَ طفلًا/ يكونُ إذا نشأ شيخًا أديبا/
وطلبَ منّي المُديرُ أن أُعَلّمَ طفلًا آخَرَ ولمْ أُفلِحْ، بلْ صِرتُ أقولُ مثلَهُ: "وطنبورٍ مليحِ الشكح يكحي"، وأخذَ عصا طويلة وضربَني 4-5 جردات، لِيُعَلّمَني كيفَ أُعلّمُ بشكلٍ مليح.
 حدّثنا عن والدِهِ الزجّال محمّد أبو السعود الأسدي، وعن قصّةِ قصيدتِهِ في المُعتقَلِ عام 1948 في سجنِ عتليت، مِن قِبلِ جَيش الهاجاناه الإسرائيليّ مع مئاتِ الأسرى العرب، فأرسَلَ لنا معَ الصليبِ الأحمر رسالةً لا زلتُ أحتفظُ بها فيها قصيدة قالَ فيها: حَنّ الفؤادُ لرؤيةِ الأولادِ/ فبكيتُ أهلي والحِمَى وبلادي/ وطفِقتُ في حُكمِ الأسيرِ مُغرِّدًا/ بالهَجـر والتقييـدِ والإبعـادِ/ قامتْ بَناتُ الشّعرِ في أحزانِنا/ ودَقّقنَ مِن فوْقِ الصّدورِ أيادي/ لولا مُنادٍ في المَنامِ يَقولُ لي: اِصْبِرْ على حُكمِ القَضا يا حادي/ لظننتُ أنّي بينَهُنَّ بمَأتمٍ/ ولَخِلتُ أنّ الموتَ ضَمِنَ فؤادي/ فإليكَ مِنّي يا "سعودُ" تحيّتي/ وإلى "الأمينِ" بُغْيتي ومُرادي/ عِّرجْ على "المَأمونِ" مَرجعَ مَجْدِنا/ أمَلي بهِ فهوَ المَسيحُ الفادي/ و"لفيصلٍ" منّي تحيّةُ والدٍ/ وهو الصّغيرُ وفي السّرير يُدادي/ أُوصِيكُمُ في والدٍ مُتألّمٍ/ سَئِمَ الحياةَ على البَنينِ يُنادي
كنتُ ابنَ عشرَ سنوات حينها، ولمّا عادَ أبي مِنَ الأسْرِ، واجتمَعَ الناس في بيتِنا للتهنئةِ بالسلامة، وأثناءَ السّهرةِ سألَني عن رسائلِه إلينا، وكانَ يأتي بها الصليبُ الأحمرُ، أينَ الرسائل يا سعود؟ وأينَ القصيدة التي بعثتها إليكم؟ قلت: هيَ في خزانةِ أمّي. قالَ هاتِها! قلت: لا حاجةَ إلى إحضارِها، فأنا أحفظُها غيبًا. فقال: أسمِعْنا. ولما أسمعتُهُم قالَ: لماذا لم تبعَثْ إليّ بقصيدةٍ جوابيّة؟ لم أحَرْ جوابًا يومَها، فأنا ابنُ عشر ولا عِلمَ لي بكتابةِ شِعرٍ أو نثرٍ، وشَعرتُ أنّ والدي قد حشَرَني في الزاوية، ولم أجِدْ بُدًّا بعدَ 28 سنة مِن كتابةِ الشّعر، فأصدرتُ أوّل كتاب لي "أغاني من الجليل"، إذ ذهبت عند عبد المزاوب أبو خليل الله يرحمه، فكتب قصائدي بخطّه وبالرصاص خلال سبعة أشهر، فأمسكَ أبي الكتاب وقلّبه وقال: ما هذا؟ جواب لقصيدة 1948: مرة شفت بعد المسا واحد فقير/ في الصيف فارِش عَ سطحْ بيتُه حَصير/ قاعِد تا يتعشّى أمامُه صحن زيت/ مع زعتر ومسراب من خبز الشعير/ صار يتمنى على ربّه يا ويت ينزِلُّه وجبِة مْنِ السّما ةماهو كثير/ وبين الألم والأمل شْوية رأيت/ حفنة نجوم نزلت بصحنه الزغير/ بالصحن نزلت تسبح ومنها بنيت فكرة جميلة/ بيوعى عليها الضمير/ خبز الغني لو غمّسُه بأشهى طعام بيتغمس بنجمِ السما خبز الفقير 
تحدّثَ سعود الأسدي عن البيئةِ الّتي عاشَ بها وانتقل إليها فقال: مِن دير الأسد والشّاغور الجليليّ أتيتُ، مِن بيئةٍ ريفيّةٍ حيثُ تحتضنُ ديرَ الأسد المُغُرُ، وقالَ فيها والدي: نِحنا بدير الأسد شيّدنا دار/ عمدانها مِنَ الزجَلِ والاشعار/ صارتْ بلدنا للشّعرِ كعبة/ تقصد إليها سائرُ الزوّار/ صارتْ بلدنا للشّعر كعبة/ وعقولنا بنظْمِ الشّعرِ خِصبة/ نحنا جمَعنا الفنّ في علبة/ مثل المِسك في علبة العطّار.
هذه البلدُ الّتي بها الطبيعةُ والشّعرُ وكرومُ الزيتون، وفيها الاسمُ دَيْرٌ، هذا الاسْمُ الجميلُ ديْرُ الأسد جارةُ يَركا والخلوة المعروفيّة، وسحبات الأوف والعتابا والميجانا وصفّ السّحجة، وجارتها البعنة الغالية الحبيبة، ديْرُ الأسد ديْرُ الشّعر، هواؤُها يَتنفّسُ الشّمال الجبليّ النّديّ، والغرب البحريّ الأرجوانيّ، وطقسُها ممتزجٌ بتواشيحِ الصّوفيّة، وفيها مقام بقبْتيْنِ وأعلام، ومِن هناكَ في البعنة كانَ يَدقُّ جرسَ كنيستِها الشرقيّة الخوري خليل الله يرحمُهُ، وأسمَعُ الترانيمَ البيزنطيّةَ والآذان مِن غير مكرفون، ونُشنّفُ آذانَنا بهِ وفي أوقاتِهِ،و بعدَ أن أنهيتُ دراستي الثانويّةَ في كفرياسيف، التحقتُ بالجامعةِ العبريّةِ في القدس، وتخرّجتُ وجئتُ إلى الناصرة بتاريخ  1-9-1960، فقالوا: جاءَ شاعرٌ مُعلّمٌ يَحفظ المتنبي عن ظهر قلب"، فقالَ لي والدي: اِذهب في يومِكَ الأوّل مِن قدومِكَ للنّاصرة الى صديقي الأستاذ عمر القاسم، وهو يُدبّرُ لكَ أوضة (غرفة)، وعن البَرندة (الشرفة) نادى على سليم الشّيخ، وطلبَ منهُ أن يُدبّرَني في غرفتِهِ، وكانَ لقاءٌ جميلٌ في الحارة الشرقيّة، وسهرٌ معَ الشباب، وحديثٌ عن قصصٍ وذكريات.
حدثنا عن النشأةِ الأولى في دير الأسد وعن فلّاحينَ يُغنّونَ على البيادرِ أهازيجَ هزليّةً للتسلية،  وكلّ واحدٍ يُضيفُ مِن إبداعِهِ مِن حزنِهِ على الدجاجة، وحزن الدجاجة علينا، ولا أكلنا دجاجة ولا قليناها، فقالوا كما يلي: الجاجة راحتْ دار أبوها زايرة/ طلعت على حيطانهم دارْجِة/ وقفت على مِنقارها غِميانة/ يا دمْها طيّحْ سبع وديان/ ويا لحمْها ما أكْلتُه العُربان/ يا ريشها فْراش للنّعسان/ مُصرانها حْبال للجَمال/ يا شحِمْها في لحمها قلوها/ عزموا عليها الأهل والخلّان/ أحلف لكم يا جماعة ما حكيت الزور/ ميتين ليلة طبَخنا شقة العصفور/ وعزمنا عليها حلب والشام وإسطنبول/ وكان ما بتصدقوا هي اللحم في قاعات الدور
وعن أيّام الحصّادين والدرّاسين: كانتْ أيّام جوعِها أكثر مِن أيّام شبَعِها، وعَطشِها أكثر مِن رَيّها، والفلّاحُ كانَ يَحصدُ ويُرجدُ ويَشيلُ القشّ عن الجمل، ويَشتغلُ ويُخفّفُ عن حالِهِ بأغاني: أنا خيّال المنجل والمنجل خيّال الزرع/ منجلي يابو الخراخش منجلي في الزرع طافش/ منجلي يا منجلاه أخذته للصايغ جلاه/ منجلي يابو ريشة يا معلق بالعريشة/ منجلي منجل عمّي يْزَوِّل عن قلبي هَمّي/ منجلي منجل أختي ومْعلّق بالزنزلختة/ يا منجلي يا أبو رزة ويش جابك من بلاد غزة/ يا ريت الحصيدة كلّ عام تعود/ ونحصد الحصايد وندرس عَ القاعود/ أحصد بدري قبل ما تيجي الشوبة/ يا حصاد عويد عويد نقّي القمح من السويد
كلُّهُ سجعٌ جميلٌ وموزون، كُنّا نُذوّتُهُ في وجدانِنا مِن وزن وقول، ولمّا كنّا نخفّفُ عن حالِنا عناءَ الشمس المُحرِقة حينَ ندرُسُ على لوحِ الدّراس، والله أنا أقول وأعني، ما كان لدى ثلاثةٍ طقيّة أو قبّعة يَعتمرونها على رؤوسِهم، وكنّا طول النهار نَفنّ على البيدر بالشمس، ولمّا ننعس ننامُ على لوح الدراس، والفدّان يَدورُ بهِ وهو نائم، وكنّا نُخفّفُ عن حالِنا بأناشيد ونغنّي شِعرًا، وكان الآخرُ على البيدرِ البعيدِ القريب يُردّدُهُ، وكنّا نُطلِقُ أصواتَنا، وهذا التمرينُ كم كانَ مُفيدًا في تفتيحِ الحنجرةِ بصوتٍ قويٍّ مِن بعيدٍ، وكنّا نقول: يا بو ديِّح يا بو داح وين خبّيت الرّياح (الحبل الذي نشدّ به الدّابة)، بين عَلْما وبينْ سَلْما (في الشمال)/ وبين عروق السيسبان (شجر)، سيسبان مع سيسبان/ سيسبان خيْل المْوالي/ وانقطع حزم الحصان/ مِن وراه ومِن قدّام/ سرديّة مع سرديّة/ (عرب في الحولة تشرّدوا وسمّوهم الطربشيّة، كانوا يعملوا حصر مِن الحلفى، لأنّ مياهَ الحولة كانت تُنبتُ غاباتٍ مِن الحلفى، وقشّ الحلفى للحُصُرِ الطربشيّة)، سرديّة بنت السلطان/ حاجبْها يفرُطُ الرمّان/ (وهذه صورة شعريّة جَميلة وفطرة جميلة، أي حَبّ العَرَق مثل حَبّ الرمّان)، يُفرُط مِدِّ ورِبْعيّة/ (ربعيّة= صاعيْن، والربعية= نصف صاع بمِكيالهم)، زغِرْتِيلُه يا بْنَيِّة/ تكونْ زِغريتِة قويّة/
ونَسمعُ البنتَ مِن البيْدرِ البعيدِ تُزغردُ، وهذا الجوّ الجميلُ مِن الشبابِ والصبايا على البيادرِ لن يَتكرّرَ، فذاكَ عهدٌ قدِ انتهى ووَلّى، وكانتْ هناكَ أهزوجةٌ يَقولُها الختيارُ لأحفادِهِ، ويُتشْتِش للأولاد الكبار فيقول: لْدِيِّ يا وْلادي لْدِيِّ (تعالوا لدَيّ)/ عايِبْها شيخ الرديّة/ (عيب على شيخ أن يَصنعَ الرديّة، وهو درسٌ في الأخلاق)، كنت سارِح ومْرَوِّح/ ومْدَرِّجْ بأوّلِ شْلِيِّة/ (شلعة وشلية الغنم)، طبّْ عليِّ الحراميّة/ كتّفوني بيدَيِّ/ ورَمُوني عَ بيت النمِل/ والنمِلْ يقرِّصْ برِجْلَيِّ
وفي حكايتِهِ عن الجغرافيا الفلسطينيّةِ وتَعامُلِ الأطفالِ معَها كنّا نقول: يا جاجةً طِلعتْ عَ راس السّطح تتهوّى/ يا وِقعِتْ عَ راسْ مِنقادِها غِميانة/ (أرادَوا أن يَذبحوها، وحين يَعلمُ أهلُ القرية بفلان ذبح دجاجة، فللدّجاجة حكاية)، سكّينة النصراويّة ما قطعتْ رْقيبِتْها/ وسكّينة الترشيحاوية ما قطعتْ رْقيبتها/ ونُقرّبُ إلى البعنة، سخنين، مجد الكروم، عرّابة وإلخ، ونعمل جغرافية للقرى الفلسطينيّة مِن المطلّة لحدّ رَفح، لأنّ النّهار طويل ونريدُ أن نتسلّى، وأنا كنت شاطر في الجغرافية، لأنّ أبي كان يذهب للأعراس، ويعودُ وبجعبتِهِ أسماءٌ عديدة وغريبة لا نعرفها، وكنّا ندرُس هذه الجغرافيا على البيادر، وذهب دِفْؤُها ولمْ يَعُدْ.
أحببتُ الرّاديو جدّا، وإذا فتحَ الجيران الراديو واستمعنا إلى أغاني نجاح سلام، وأغنية السيّدة في يدِها ساعة، كان ذلك يُشعِلُ خيالَنا، فصِرتُ أُلِحُّ على أبي ليَشتري لنا راديو، ورفضَ والدي، ويومَ كان يَرى الشبّابة معي حين كنت أذهبُ إلى المرعى مع الشّلْية، لمْ يَكُنْ يَدري أنّي بحاجةِ شبّابة لتُسلّيني في الوعر.
وحينَ أنهيتُ المرحلةَ الابتدائيّة، انتقلتُ إلى مدرسة ينّي ينّي الثانويّة في كفرياسيف، وسكنتُ عندَ شفيق أبو حزّان وكان عندَهُم راديو، وفي أيّام العُطل كنتُ أغتنمُ الفرصة، وأذهبُ إلى رفيق ابْنِ شفيق عازف العود، وكان يَفتحُ الراديو ويعزفُ على عودِهِ وكنتُ أنتعشُ، لأنّ جوعي الفنّيّ كانَ يَركبُني، وكنتُ أسَجّلُ كلماتِ الأغاني وأكتبُها، وكانتْ أوّلُ أغنيةٍ كتبتُها أغنيةَ كوكبِ الشرق من ألحان أبو العلا محمد: كمْ بعثنا مع النسيمِ سلاما/ للحبيبِ  الجميلِ  حيثُ  أقاما/ وسمعنا الطيورَ في الروضِ تشدو/ فنقلنا عن الطيورِ كلاما/ نحن قومٌ مُخلَّدونَ وإنْ كنّا/ خُلِقنا لكي نموتَ غراما/ وإذا نامت العيون فهذي/ يا حبيبي قلوبُنا لن تناما/ خافقاتٌ تدُقُّ مِن ألمِ الوجْدِ نشيدًا فتُحسُّ الأنغاما/ قد قنِعنا بحُبّهِ ورضينا لو بقيَ ساعة ويهجر عاما/ ولكَمْ زارَ في الكرى فودَدْنا لو قضينا هذهِ الحياة نياما/ فرَقّتْ قبلنا العيونُ اللّواتي نمن مِن صحّةِ الجَمال سقاما/ فكأنّ القلوبَ كانت لواءً وكأنّ العيونَ كانتْ سِهام.ا
وعن ذكرياتِهَ في الناصرة قالَ: في أحدِ الأيام كنتُ بغرفتي اكتب وأقرأ، وأدخّن لأني مولَعٌ بالتدخين، وأسهرُ كثيرًا لأنّ النّومَ مَخسَرٌ للإنسان، وإذا بالجَمل مَفكوكٌ يَمدُّ رأسَهُ مِن بينِ مَشبكِ الشّباك، فخِفتُ أن يَنتِشَني، فنَدهتُ على الجيران كي يأخذوا جَمَلهم، فقالوا: لقد جاءَ ليُدخِّنَ عندكَ، ووضعتُ السيجارة أمامَهُ، وظلّ الجَملُ يَتنشّقُ منها، بَعدَها ذهبَ لينامَ حتّى الصباح.
وتحدّثَ عن المُسجّلِ الصوتيّ، ومرحلةٍ مُتقدّمةٍ في بداية 1960، حينَ وصَلَ إلى استقلالٍ اقتصاديّ ومعاشٍ شهريٍّ يَصلُ إلى 250 ليرة تنطح ليرة، وقرّرَ أنْ يَشتري جهازَ تيب ريكوردر بألف ليرة، وصار يُسجّلُ لأمّ كلثوم وأمين حسنين، ويُسجّل برنامجَ "من أرشيف الأغاني" من إذاعة مصر، و"من الرفوفِ العالية" من إذاعة بغداد، فتعرّف على الجالغي بغداد، والموّال العراقيّ، والعتابا الجبوريّة والأبودية بصوت محمّد القبّانجي، ورشيد القندرجي، وعفيفة إسكندر، وسليمة مراد، وناظم الغزالي. وسجّلَ القديمَ مِن برنامج "بين القديم والحديث" من إذاعة القدس، وسجّل حوالي عشرين شريطًا، وكلّ شريط يظلّ يرقع يوميًّا 16 ساعة. وحينَ جاءَ الوالد سألني: ما هذا؟ وكم ثمنه؟ يا ويْلَكَ مِنَ الله، عند دار بكري جيراننا أربع دونمات أرض تساوي 600 ليرة، فمَن أحسن؟  وأقنعتُهُ أن يُغنّي شِعرًا بنوع المْعَنّى: لا تفتكر أنّ الدّهر كلّه حنان/ لا تفتكر أنّ الدهر كلّه آمان/ ألفين مِدفعجي عَ سور الدردنيل/ في حين مال الدهر صاحوا آمان/ لا تفتكر أنّ الدهر بيرحَمْ عليل/ لا تفتكر أنّ الدهر بيشفي غليل/ ولا تفتكر أنّ الدهر ميلُه قليل/ ويا ابني تاع اتْسمّع الأشعار/ وخلّي الدراسة عَزمَك وحِمّك/ أعطِ الفقير لِترين مِن دَمّك/ ولمّا تقوم بواجبك/ تصير كعبة تؤُمّها الأحرار.
فسألته: وكيف المُسجّل؟ قال: بْرِنْجي وكلّ فْرَنجي بْرِنْجي، بالتّركي. وبعد هذا المسجّل كان خمسين ستين مسجّل، وخمسين ستين أسطوانة، وكنتُ أدفعُ خمسَ ليرات بالشهر، لِتسجيل أسطوانات قبلَ شراء المُسجّل.
وتحدّث عن شغفِهِ بالموسيقى الشرقيّة والغربيّة: عام 1964 سكنتُ في دار قسطندي مْعمّر في حارة الروم، وكان يُعنى بالموسيقى الكلاسيكية، فنادى عليّ أولادُهُ إلياس وسمير في ليلة رأس السنة الميلاديّة لأسهرَ معهم، وحين سمعتُ أسطوانة الموسيقى الغربية، أحسستُ بموسيقى إلهيّة وطلبتُ أن أسَجّلها، ثم سجّلت أوبّرات وسمفونيّات، وكونشيرتات وسونيتات، وفوجا ومدريجال، فكتبت عن أوبرا عايدة هذه القصة المدهشة التي وجدوها في الآثار الفرعونيّة، مكتوبة بالخط الهيروغليفي، والأجانب كتبوها قصّة أوبرا إيطاليّة مبنيّة تركيبيًّا بأسلوب أوبرا غنائية فرنسيّة، وأنا ترجمتُها شعرًا مسرحيًّا باللغة العربيّة، عن فتاة حبشيّة أُسِرَت عند فرعون مصر، وكبرتْ في القصر، وكانت معركة بين الحبشة ومصر، فأحبّ القائدُ الحبشيّ عايدة الأسيرة الجميلة، فصارت تُنافسها ابنة الملك الحبشيّ، وتتعقّد القصّة وطنيًّا وعاطفيًّا بتصعيدٍ دراميٍّ رهيب، وفي النهاية يُلفّقون على القائد أنّه أفشى أسرار الدولة لعايدة، فحَكموا عليه بالدفن حيّا، فسبقته عايدة إلى القبر، وحينَ سمعَ أنينَها، خرجَ صوتٌ ثنائيٌّ لكليْهما يقول: وداعًا لدُنيا قد حَلمْنا بحُبِّها/ فلمْ يشفنا حُبٌّ ببعدٍ ولا قربِ/ وداعًا لأزهار بها العطرُ والندى/ تُقبِّلني بالحِلمِ من فمِكَ الرّطبِ/ وداعًا لأنغامٍ عزفنا جَمالها/ بأيدي أمانينا على وتر القلبِ/ وداعًا لأحلامٍ نراها تبدّدت/ فكانتْ كعصف الريحِ تلعبُ بالسُّحُبِ/ وداعًا لأرضٍ قد رتَعْنا برَحْبِها/ فصرنا بقبرٍ ضيّقٍ ليس بالرّحبِ/ سعيْنا إلى الخُلدِ الذي ضمّنا معًا/ ولولاهُ لَما كنّا لنسعدَ بالحبِّ. 
ثمّ انتقلت للسّكن في حارة النبعة (المسمّاة حارة الموارنة قرب كنيسة مار مطانس)، في دار حبيب الخوري في بيت أنيق قديم، سقفُهُ من خشب منقوش من فنّانين أتَوْا من لبنان في بداية القرن الماضي، وتركوا بصماتهم على سقوف كثير من البيوت القديمة في الناصرة، وكان في بيت حبيب الخوري مكتبة صغيرة فيها كتب قيّمة عن ملوك العرب لأمين الريحاني، وأسطوانات أغاني قديمة عربيّة كلاسيكيّ، وإلى جانب الأسطوانات جهاز فونوغراف (صندوق غناني كما كنّا نُسمّيه) قديم مهجور وبوق نحاسي، ولِحُسن حظّي كان الفونوغراف يشتغل وعلبته مليئة بالإبر، وكنت كلّما انبرت إبرة استبدلتها بغيرها، حتى أتيت سمعتُ وحفظتُ كل الأسطوانات.
وتحدّثَ عنْ تَعَرُّفِهِ على زوجَتِهِ مها فقالَ: أمّ تميم بنتُ أصل، وأبوها مِن الطيرة وإخوتها أفاضل، ويَخلِفُ الله عليها لأنّها تحمّلتْني كثيرًا، لأنّي أضعُ الأذنية في أذني لسماع الموسيقى حتّى الصباح، وتُلملمُ أوراقي المبعثرة كلّ يوم، وتعطيني رأيَها بالجُمل الشّعريَة وبالقصائد، فهي ناقدتي الأولى وليست هَيّنة، ففي إحدى المرّات جاءَ أبي للمدرسة حيثُ أُعَلّم، وطلبَ مِنَ البناتِ في الساحةِ أن يَندَهْنَني، فرأى يافعةً ممشوقةً تركضُ بخفّة لتُناديني، ومثلما قالَ أحمد شوقي: تلفتت ظبية الوادي فقلت لها/ يا شبه ليلي فدتك الأعين السود/ أخذت سحر الهوى عن سحر مقلتها/ لا اللحظ فاتك من ليلي و لا الجيد/ ليلي مناد دعا ليلي فخفت له/ ولهان في خلوات الأرض شريد. هكذا أعجبَتْ مها والدي، وراحتِ الحكايةُ تسعَ سنين، والله بَعث لي أستاذ وقالَ لي: ابنة جيرانك! وكنت عند دار فراس الخوري، فقالت لي أُمّ حبيب: دايِر تْدوِّر عَ الرّوبة والرّوبة حَدّنا؟ ولمّا صارتِ القسمة، أحضرنا جاهة بخمس تاكسيات، وحين قالوا مبروكة، خرجت العروس لتقدّم القهوة فقال والدي: عليّ الحَرام هذه التي ركضت قبل تسع سنين لتناديك. أتاري كان عند الوالد إلهامٌ ربّانيّ، وأنا لا أُخَيِّبُ إلهامَ أبي لا بالشعر، ولا بالمتنبّي، ولا بالمعرّي، ولا بالناصرة حيث طلبَ أن أُرَبّي أولادي.
تحدّث عن مهرجان المتنبي وقصيدة "ذكرى المتنبي" عام 1965: أنا أقول أن لا مُعلّم بدون المتنبّي والمعرّي، فكتبتُ قصيدةً عن المتنبّي، والآخرونَ كتبوا عن حياتِهِ وأبوابِ شِعرِهِ فقلت: يشيد بذكراك الحسام المشطّبُ ويُثني على ذاك اليَراعُ المُذهّبُ/ ومعرفة البيداء لما بلوتَ/ وخيل وليل حالك الجنح غيهبُ/ ودهر يغني في علاك قصائدا/ تزانُ بدُرٍّ من لغاك وتُقشبُ/ اتيت الى الدنيا فكبر اهلها/ وقالوا نبي قوله لا يُكذّبُ/ وفضت بشعر ليس ينضبُ نبعُهُ/ اذا ما ينابيع البواطن تنضبُ/ يقولون للسيف اليماني طيِّبٌ/ وانت من السيف اليماني اطيبُ/ ابا الطيب ان جاب الزمان على هدى/ وها هو يعطيك الذي كنت تطلبُ/ اباحك ملكا لا يُحدُّ/ ممنّعا تُحكَّمُ في ارجائه وتُقَرَّبُ/ فلا الذِّكْرُ يُغني عن وسيعِ إمارةٍ طلبتَ وكمُلْكٍ يزول ويذهبُ/   وما أنا إلاّ شاعرٌ وابنُ شاعرٍ/ إلى متنبي الشعر بالشعر يُنسبُ/
وقع بيدي كتاب الزير سالم، وفيه وصيّة كليب لأخيه الزير سالم المهلهل أبو ليلى، كتبها بدمِهِ على الصخرة البلاطة يقول فيها: يقول كليب اسْمَعْ يا مهلهل/ مذلّ الخيل قهّار الأسود/ على ما حلّ مِن جساس فيا طعني طعنة منها بعود/ أيا سالم توَصّى باليتامى صغار بعدهم وسط المهود/ واسْمَع ما أقلك يامهلهل وصايا عشر افْهَم المقصود/ فأوّل شرط أخوي لا تصالح ولو أعطوك زينات النهود/ وثاني شرط أخوي لا تصالح  ولو أعطوك مالا مع عقود/ وثالث شرط أخوي لا تصالح  ولو أعطوك نوقا مع كاعود/ ورابع شرط أخوي لا تصالح  واحفظ زمامي مع عهود/ وخامس شرط أخوي لا تصالح  وقد زادت نيراني وقود/ وسادس شرط أخوي لا تصالح فإن صالحت لست أخي أكيد/ وسابع شرط أخوي لا تصالح واسْفِك دمَهم في وسط بيد/ وثامن شرط أخوي لا تصالح واحْصد جمعهم مثل الحصيد/ وتاسع شرط أخوي لا تصالح فإني اليوم في ألم شديد/ وعاشر شرط أخوي لا تصالح  وإلّا قد شكوتك للمجيـد.
وقد خرج عبدالناصر بلاءات المهلهل المشهورة لا تصالح، وشعرت أنّ هذا الشعر شفاءٌ للنفوس، وكنتُ أسمعُ بالراديو بولَعٍ وشغفٍ كبيرٍ الزجلَ اللّبنانيّ والزغلول وموسى زغيب والشحرور وزين شعيب وطليع حمدان وغيرهم، فكتبت أوّلَ قصيدة ونشرتها في الاتّحاد: عَ طريق العيْن ياما احلى المَشي/ يوم اللِّ غمزتيني وقلتِ بترمشي/ وفهمت يلا ع الوعر نطلع سوا/ ونهوش الزعتر وقلبي تهوشي/ وفهمت يلا ع الوعر نطلع سوا/ وِهْناك كُنّا أنا وإنتِ لا سِوا/ ولما نْعود وقبل نوصَل عمْسوا بيتكُم يقوم يشبقني بالمشي/ وكنتِ بروصِ الحِسِن شسنّ ببرعمِ/ وبالعطر شهقت كل زهرة مفعمِ/ نسرح ونمرح في براءة منعمِ/ ونلعب سوا يا قريمشة ويا نميمشة/ وناكل خبزة مقحمشة/ وبتعضّي بِسْنانِكْ عَ شِفّة مْخَمّشة/ وخدِّكْ مْورَّد متل خدّ المشمشة/ وأكمش النجمات من السما وانت تكمشي/ وكله على ذِكر الصبا تتقرمشي/
وأنشد قصيدة "جيبتين لوز": التي تحفل بالصور والشعر الريفي الفلسطيني: لاهيْت سِتِّي/ وْفُتِتْ عالوزْاتْها/ وْمن عُبّ لوزِه/ مْشَقْت جيبِةْ لوزْ/ وِلْحِقْت سَمْرا / سارْحَه بْعَنْزاتْها/ وْلاعَبْتها الكَمّوك/ فَرْد وْجوزْ/ خَوْثَتْني (جَنَّنَتْني) خِفِّةْ دَمّها وْلَفْتاتْها/ وِخْسِرْت مَعْها وْكان إلها الفوزْ/ أيْ قَشْقَلَتْني (خَسَّرتني)، شاطْرِه بْلُعْباتْها/ وْمن بَعِدْها ظَلّيت رايحْ دوزْ/ دُغْري لَسِتّي وْفُتِتْ عالوزاتْها/ وِمْشَقْت أُخرى مَرَّه جيبِةْ لوزْ !!
لعبة "الكَمّوك" من ألعاب التسلية يلعبها أطفال فلسطين، فيُطبق أحدهم يديه على بضع حبّات من البنانير، أو بزر المشمش، أو اللوز، أو الكرز، أو الزعرور، ويهزّ الحبّات بين يديه، ثمّ يفصل يديه، ويمدّهما ويقول لزميله:  بالجوز وِلاّ بالفرد؟ فإن حِزر ظفِر، وإن أخطأ خِسِر !!
تحدّثَ عن إصابتِهِ بانفجارٍ دماغيٍّ قبلَ عاميْنِ: وكما قال أبو القاسم الشابي: سَأعيشُ رَغْمَ الدَّاءِ والأَعداءِ كالنَّسْر فوقَ القِمَّةِ الشَّمَّاءِ/ أرْنُو إلى الشَّمْسِ المُضِيئةِ هازِئاً بالسُّحْبِ والأَمطارِ والأَنواءِ/ لا أرْمقُ الظِّلَّ الكئيبَ ولا أرَى مَا في قَرارِ الهُوَّةِ السَّوداءِ/ وأَسيرُ في دُنيا المَشَاعرِ حالِماً غَرِداً وتلكَ سَعادةُ الشعَراءِ/
فقال الأسدي: الانسان معجزة، فحين كان عمري سنتين، أصابني التيفوئيد الخانق، والحكيم حمزة جاء من بلاد الشوف، وبنى مستشفى في حيفا والذي صار بقدرة قادر اسمه "رمبام"، ولم تكن ادوية للمرض فتركوني على طبيعتي في غرفة عزرائيل بالمستشفى، وابي كان مشغولا بالحركة الوطنية مع احمد حلمي باشا في القدس، وامي الله يرحمها كانت كل يوم تأتي إليّ مشيا من دير الأسد الى شارع السلطاني عكا صفد، لتنزل بالباص الى حيفا وتنزل عند جسر الشيخ، وتقطع مسافة بعيدة الى مستشفى حمزة، ولك يكن كيوسكات ومطاعم، فرأت على محطة الباص نساء يأكلن فلافل، فقالت: عزا عزا- هالخايبات ما بيستحوش ع دمهن بياكلوا قدام الناس؟ وكانت امي تنط فوق الشريط قبل ان ينتهي موعد الزيارة وتمسك بيدي الصغيرة، وتدعولي بالشفاء، وكان ابي يعود ويعاتب امي لايش مغلبة حالك ماهو بغرفة عزرائيل وبكرة بتلفوه بشريطة وبتجيبوه ونؤاويه، وصارت حرارتي 44 مثل ما قال د. حمزة وطبت وشفيت، ورأيت عزرائيل ينطنط فقلت له حل عني ودوّر لك على واحد تاني، فأجابتي: لتعرف؟ ولا عدت أسأل عنك. وحين خرجت امي بي من المستشفى ناداها د. حمزة وقال: بدي اطمنك سعود ماعاد يموت. وانا نشالله بقدر أكذب د. حمزة؟
ما في حدا لا يخاف الموت لأن الحياة ما في أغلى منها: خوفي أنا من الموت مش عادي/ بخاف منه خوف بزيادة/ وخوفي مش أنانية وما هو على أهلي وعلى وْلادي/ وماهو على تحقيق أمنية/ كل الأماني إلي منقادة/ ماهو جبن من شيء او نية في الهرب من نيران وقادة/ وماهو ضعف او زود حنية/ الموت عندي نوم ع وسادة/ بخاف بكرة ان متت عينيّ ما يعودوا يحظوا بشوفة بلادي!
أنا بَحِبّ الحياة وبَعشقُ بلادي، وبَتصدّى للموت بالخلود في إبداعي، وأنا اليوم بعدَ إصابتي، أحسنُ من الأوّلِ بمليون مرة والحمدلله، وحين كنتُ في مستشفى رمبام في حيفا، حضر رئيس بلديّة الناصرة رامز جرايسي ورآني فقالَ لي: ما بِكَ؟ لماذا أنتَ مُمَدّدٌ هنا في المستشفى؟ فقلتُ لهُ: ولا شيء، أنا مُطَعَّمٌ بالمتنبّي، ومُحَصَّنٌ بأبي العلاء المعري، ووالله لو جاءَني عزرائيل، سأُفَلِّتُ عليه المتنبّي، ورَبُّه ما رَح يْخلّصُه مِن قوْلِ المتنبّي:
أُطاعِنُ خَيْلًا مِنْ فَوارِسِها الدّهْرُ/ وَحيدًا وما قَوْلي كذا ومَعي الصّبرُ/ وأشْجَعُ منّي كلَّ يوْمٍ سَلامَتي/ وما ثَبَتَتْ إلّا وفي نَفْسِها أمْرُ/ تَمَرّسْتُ بالآفاتِ حتى ترَكْتُهَا/ تَقولُ أماتَ المَوْتُ أم ذُعِرَ الذُّعْرُ/ وأقْدَمْتُ إقْدامَ الأتيّ كأنّ لي/ سوَى مُهجَتي أو كان لي عندها وِتْرُ/ ذَرِ النّفْسَ تأخذْ وُسْعَها قبلَ بَيْنِها/ فمُفْتَرِقٌ جارانِ دارُهُما العُمْرُ/ ولا تَحْسَبَنّ المَجْدَ زِقًّا وقَيْنَةً/ فما المَجدُ إلاّ السّيفُ والفتكةُ البِكرُ/ ما مقامي بأرضَ نخلةَ إلّا/ كمُقامِ المَسيحِ بَينَ اليَهُودِ/ مَفرشي صهوةُ الحصانِ/ ولكنّ قميصي مَسرودة مِن حديدِ/ أبدًا أقطعُ البلادَ ونجمي/ في نحوسٍ وهِمّتي في سعودِ/ ضاقَ صدري وطالَ في طلبِ الرّزقِ قيامي وقلَّ عنهُ قعودي/ عِشْ عزيزًا أو مِتْ وأنتَ كريمٌ بينَ طعْنِ القنا وخفقِ البنودِ/ لا كَما قد حَييتَ غيرَ حميد وإذا مِتَّ مُتْ غيرَ فقيد/ فاطلُبِ العِزّ في لظًى ودَعِ الذُّلّ/ ولو كان في جنّاتِ الخلود/ لا بِقوْمي شُرِّفْتُ بل شُرِّفوا بي وبنفسي فخَرْتُ لا بجُدودي/ وبهم فخرُ كُلُّ مَنْ نَطقَ الضّــادَ وعوْذُ الجاني وغوْثُ الطريد/ إن أكُنْ مُعجَبٌ فعَجَبٌ عجيبٌ لمْ يَجِدْ فوْقَ نفسِهِ مِنْ مَزيدِ/ أنا تَرِبُ النّدى ورَبُّ القوافي وسمامُ العِدا وغيظُ الحسودِ/ أنا في أُمّةٍ تَدارَكَها الله غريبٌ كصالحٍ في ثمودِ
وعن الشام قال: الشامُ هي شامُنا وشامُ الدنيا، لأنّنا نحنُ الرّومُ هنا مِن سلالتِها، وعندما عملت الشّام الدولةَ العربيّة، فكلُّ المُوظّفين في دواوين الدولةِ ودواوين الجند، والضرائب والمكوس وغيرها، كانوا مِنْ مَسيحيّي الشام، والشامُ هي مدينةٌ لحضارةٍ عربيّةٍ أصيلة، كانت ولا زالت وستبقى، وكلُّ الطوائفِ المَسيحيّةِ الشرقيّةِ كانَ لها دوْرٌ هامٌّ في الحضارةِ الإسلاميّة، لأنّ الغساسنة الذين كانوا في الشام، كان أكبرَ شعراءِ العربِ منها حسّان بْنُ ثابت، كان يأتي إلى دمشقَ ويقولُ: للهِ درُّ عصابةٍ نادمْتُهُم/ يومًا بجلقٍ في الزمانِ الأوّلِ / أولاد جفنة عند قبر أبيهم/  قبر ابن مارية الكريم المفض/ يسقون من ورد البريص عليهم/ بردى يُصفق بالرحيق السسل/ يُغشون حتى ما تهر كلابهم/ لا يسألون عن السواد المقبل/ بيض الوجوه كريمة أحسابهم/ شُمُّ الأنوفِ مِنَ الطّرازِ الأوّلِ 
ومن قصائد سعود الأسدي للشام: هتفـتُ بالشامِ ما أحْلاكِ يا شامُ/ والشامُ تشهــدُ أنّ اللهَ رَسَّـامُ/ بريشةِ الحُسْنِ ربُّ الكونِ زَخْرَفَها/ كالشعـرِ زَخْرَفـَــهُ مَعْنىً وأنغـامُ/ يـا شـامُ يـا شامـة َالدّنيـا وبسمتـَها / لولاكِ ما قـلتُ: ثغرُ الدهـر ِبسّامُ/ ولـم اُعيّــدْ فأعيـادي رَحَلـْـنَ وما / تفتّحَـتْ في ريـاض ِالـرّوح ِأكمامُ/ ولا عَـزَفـْـتُ على قيثـارتي نغمـًا/عَذبـًـا لتـَـدْمُــرَ قــد نَـــدّاهُ إحـكامُ/ ولا شـَـدَوْتُ بأشعـارٍ مُعَتَّقَـةٍ /غَنّى بهـا بَعْـــــدَ عشتـاروتَ آرامُ مـن جاسمٍ ، وأبــو تمّـامٍ اتّسقـَتْ/ أشعــارُه وهـو للأشعـار تمّـامُ/ وهو الذي اعتامَ من شعرِ الحماسةِ مـا/ يَعْتامُه الـذوقُ، والأشعـارُ تـُعتامُ/ وَمَنـْبـِجٍ، ووليـدُ الشعْـر أرْسَلـَـه/ كالغيـم يَهْمي له في الحِـسِّ إرْهامُ/ حتى غَــدَا كلّ قــوس ٍفوقهُ قـُزَحا/ مُضَمَّخًـا تستــقي رَيـّــاهُ أنسـامُ/ يا شعرُ عَرِّجْ على الشهباءِ شامخةً/ بمـا ابتناهُ زكيّ العِـرْق ِمقـدامُ/ قد كانَ ســيفًا وَصَمْصَامًا لدولتِهِ/ ما كلُّ سيفٍ بيومِ الرّوْع ِصَمْصَامُ/ وَسَـلْ رُباهـا ورَبَّ الشعـرِ ملحمةً/ تعيـدُ مجدَ الألـَى في مجدها هاموا/ للهِ دَرّكَ يـا كِنـديُّ كمْ دُرَرٍ / لكَ اشتهى نظمَهـا في السِلـْكِ نَظّامُ/ أقمـتَ بالشعـر مُلكًا لا حـدودَ لـه/ بمثـلـِــه أبـَدًا مـا هـَـــمّ هَمّـامُ/ ونلتَ خُلدًا وذي الأحقـابُ شاهـدةٌ / وسائـرُ الناس ِأيـّامٌ وأعـوامُ/ وفي المَعَـرّةِ عِمْلاقٌ بـه طلعـت/ شمـسٌ فـزالَ عــن الأفكار إظلامُ/ عَـرّى الحقائقَ حتى بانَ غامضُها / كالصبـح ِ وانـزاحَ تضليـلٌ وإيهـامُ/ قـد شـادَ للعقـلِ لمّـا أن أشــادَ بـه/ صَـْرحًا، ولكنْ قليـلُ العقـل ِهَـدّامُ/ من لي بعقـل ِ"رهين ِالعقلِ" أعبدُهُ/ ربًّـا، فمـا يعبـدُ الجهّـالُ أصْنامُ/ والدين فيهــم نِفاقٌ لا نَفـاقَ له/ وإنّـهُ فيهــمُ قتــــــلٌ وإجــــــرامُ/ قد جيّشوا الغربَ والأَعرابَ يخدمُهم / في معرضِ الكذبِ والتضليل إعلامُ/ وهي "الجزيرة" عنوان الفسادِ بها / إمامُ فسقٍ له الخَـدّام "خَـدّامُ"/ يا شعـرُ عُـدْ بي إلى الفيحاء أسألها/ رشفًا لروحيَ ممّـا تسكـبُ الجَـامُ/ فإن سَكِرْتُ فإنّ الوَجْــدَ أسْكـَرَني/ شـوقًـا إليهـا وبعضُ الوَجْـدِ إكـرامُ/ وإن شَقَقـْتُ ثيابي فاعذروا رجلاً / صلّى وصامَ لمنْ صَلَّوا ومنْ صاموا/ إنّي لأسجـدُ في الفيحـاءِ مستلمًا/ ركنــاً لتاريخِــها والعــدلُ قــــوّامُ/ على ضفافٍ لنهـرٍ جالَ في خَـلـَدي / منذ ُ الطفـولةِ ، فيـه الطيـرُ عَـــوّامُ/ كأنّمـا الطيـرُ خيــلٌ فيــه ســابحـة / لهـــا مــن الرّيــح إسـراجٌ وإلجـامُ/ والزهـرُ في ضِفـّتيه نرجسٌ عَبـِقٌ/ أنفاسـُـهُ لاغَضًى يُــؤذي وقـُـلاّمُ/ وظبيـةُ الأنس تشـدو فـي رفارفـِه/  يا ليلُ" والليلُ رَغْـمَ السِّتر نَـمّـامُ/ والراقصاتُ حواري النبع ِقد أنِسَتْ/ والوارداتُ ضفـافَ النهـرِ آرامُ/ والحاملاتُ بَخُورًا مِسْنَ من طرَبٍ/ مَيْســًا، وَرَفـّــتْ مناديــلٌ وأكمــامُ/ سُمْرٌ وشقـرٌ بناتُ الشام ِقد وُصِفتْ/ بشعـرِ من شِعْــرُهُـمْ تهْــواه أفهـامُ/ فذا نـزارٌ وقـد أصْغـَى الوجـودُ لهُ / مُذ جـادهُ من إلـهِ الشــــــعـر إلهـامُ/ أعـادَ سحـرَالهـوى يا حسنَه غـَزَلًا/ فـَـذًّا، همــومٌ بــهِ تُجْلَـَـى وأسقــامُ / وذاكَ شبلي الذي غنّت قصايـــــدُهُ / ببأس ِقـوم ٍعلى الأتــراك ِ قد قامُـوا/ وإنّ سلطانَ باشا قائدٌ علـمٌ/ بالنصرِ يخفــقُ ما وارَتـْهُ أعـلامُ/ قـد ثـارَ والنـاسُ قـد ثـاروا لثورثـِهِ / ورامَ فــوزاً وقـد فـــازوا بما راموا/ وميسلونَ ثـَــوَى ليـــثٌ بساحتـِهــا/ هُــوَ ابـنُ عَظـْمَـة َقد وَافــاهُ إعظـامُ/ أولاءِ أقطــابُ مَجْــدٍ تـَمَّ عِقـْـدُهُمُ/ لمّا أتـى الشيــخُ عــزُّالديــنِ قسّــامُ/ كم صالَ في ساحةِ الهيجا وصال بها/ كأنّـه في رَحَى الميـدانِ ضِرْغَــامُ/ وهـو الشهيدُ قضَى في يَعْبَـــدٍ ولقد/ باتـَتْ تظلّـلـهُ فـي الأرض آجامُ/ أولاءِ قومـي وقد اُرضِعْـتُ مجدَهُمُ/ وقــد كَبـِـرْتُ ولمّــا يَـأن ِ إفطـامُ/ من صُغر سنّي حلمـتُ الشامَ أقدُمُها/ وهـي التي صاغَـها عــزمٌ وإقـدامُ / قد كنتُ طفلاً بأحلامي ويسـعدُنــي/ بأنْ أظــلَّ، وهـــلْ فـي الحُلـْم ِاُلتـامُ/ واليومَ حينَ رأيتُ الشامَ في حُلـُمي/ وقد سعدتُ، فهلْ لي بعـدُ أحلامُ/ حقّقتُ حُلْميَ في حُلْمي فـَوافـَرَحي/ فللحـزيـنِ مـن الأفراح أيّـامُ/ آلامُ روحيَ قد زالتْ برؤيتهـا/ فعَـنْ فلسطيــنَ هــلْ تنـزاحُ آلامُ/ فالقدسُ في جُرْحِها والجُرْحُ يُؤلمُ/ والشــامُ ينتابُهـا للجـرح إيـلامُ/ طوباكِ يا شامُ كمْ عِبءٍ نهضت ِبه/ ففيكِ للمجدِ أخـوالٌ وأعمـــامُ/ في الشام أهلي وقلبي فيه موضعُهم/ فلـنْ يَضُــرَّ بحـُـبِّي الشـامَ لـُــوّامُ/ إنّ العروبة َإنْ ضاقـَتْ بها سُبُلٌ/ نادَتـْكِ فانفرجتْ، لبّيكِ يا شامُ !ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش: 1-  تدمُر: مدينة سورية تاريخية من أشهر ملوكها أذينة وزوجته زنوبيا . 2-جاسم: مدينة في حوران ولد فيها أبو تمّام حبيب بن أوس الطائي الشاعر الحكيم، صاحب ديوان الحماسة. 3-منبـِج: مدينة في شمال سوريا ولد فيها الوليد بن عبادة البحتري. 4-الكِنـْديّ: هو أبو الطيّب المتنبي شاعر العرب الأكبر، نسبة إلى كندة قرب الكوفة. 5-رهين العقل: هو رهين المحبسين الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعرّيّ نسبة إلى معّرة النعمان قرب حلب الشهباء/ البيضاء مدينة سيف الدولة الحمداني . 6-الفيحاء: هي دمشق سُمّيت الفيحاء لاتساعها. 7-النهر: نهر بردى . 8-نزار: هو نزار قبّاني شاعر الغزل الأكبر. 9- شبلي: هو شبلي الأطرش: أمير شعراء العامة، له ديوان ضخم يحوي قصائد ملحمية تحكي عن أمجاد ثورة جبل حوران على الأتراك، وفيه تصوير لمعاناة جبل حوران من بطش الأتراك، وشدة بأس بني معروف في قراع، مدحت باشا وعسكره، وما لاقاه شبلي الأطرش من نفي وتشريد عن الأهل والوطن في الأناضول وجزيرة رودس وماطة وسواها، ولكن ديوان شبلي للأسف غير مخدوم بالشرح والتعليق ناهيك عن طباعته السيئة. 10- سلطان: هو سلطان باشا الأطرش قائد عام الثورة السورية ضد المستعمرين الفرنسيين حتى نالت سوريا استقلالها. 11-ميسلون: موقعة قرب دمشق استشهد فيها القائد يوسف العظمة في معركة ضد الفرنسيين. 12- الشيخ عز الدين القسّام: ثائرمن جبلة في سورية قدم إلى فلسطين، وقاد ثورة 36 على الإنجليز، استشهد في أحراش يعبد قرب جنين.








8  المنتدى الثقافي / دراسات، نقد وإصدارات / مساءٌ مُثْقَلٌ بأغْبرةِ الغُربةِ! في: 14:44 20/05/2013


مساءٌ مُثْقَلٌ بأغْبرةِ الغُربةِ!



آمال عوّاد رضوان


بَلغَتْني رِسالَةٌ مِنْ مُنتدى شُعراء بِلا حُدودٍ، مِن الشّاعِرِ العِراقيّ سعيد إبراهيم الجافّ، يقولُ فيها:
كمْ مِنْكِ امْرَأةٌ ، وكَمْ مِنْكِ إلهٌ وَدَمُهُ خُبْزٌ وماءٌ؟ كمْ مِنْكِ سَأسْتطيعُ أنْ أشْكُرَ؟
خسارة.. لأنّني أعمًى، وسوْفَ لن أرى كُلَّ مُحَيَّاكِ.. مَعَ الحُبّ.
وقدْ جاءَتْ هذهِ الرّسالةُ كَرَدٍّ على إحْدى تعقيباتي، في قصيدةٍ لهُ، كُنْتُ قد تَناوَلْتُها في قِراءَةٍ سَريعةٍ منذ عام 2006، وقد فقدتُها عنوةً، ككثيرٍ من القِراءاتِ والموادِّ والقصائدِ الّتي مَحَتْها ذَاكِرَةُ حَاسُوبي الخرِفةِ دونَ رأفةٍ، وقد فرحتُ بالرّسالة أيّما فرح، إذ أعادَتْ لي بعضَ ماضٍ مُحبَّبٍ، كانَ معَ كوكبةٍ رائعةٍ مِنْ شُعَراءَ وأدباءَ، يَتواصَلونَ بالحَرْفِ والصِّدْقِ في رُدودِهِم، على اختلافاتِها وتَنَوُّعاتِها.
كَوْمَةٌ
إبراهيم سعيد الجاف

فثمّةَ مساءٌ يسمع ذبائح مَواسم الحيض
يستنشق زبدَ النشيد غريبًا يسرد
الأمكنة من أوطأ الفراغ، أيّها
الجالسون الضحى والرثاء وكومة من عراء
والمغيب كومة غياب والغياب
كومة حارة وكومة بكاء
كومة نسيتم أن تزرعوا الدم على طلعة التراب من سنين
هو لا يفرد الدم
عن القشة مديح الذبائح
هو لا يفرد الدم
عن موجة كسلى اختنقت على شفة الرثاء
يا كومة من ظلي
دونَ أبجديّاتٍ تحنو ولا تُدركُ الأرض
فآخِرُ الفراغ النّذور تُصلّي مِلْءَ السّلالِمِ
شهوات الآلهة
لا أعرفُ
كيفَ ستَمرحُ أعلى القمحة
وهواؤك وسط الابتهالِ يَسألُ الهبوبَ
يا كسائي اسْتَكِنْ
وأَلْبِسْني الأحْقابَ
فالمساءُ ثقيلٌ حينَ لا يَغسِلُهُ وَطني.
فكتبتُ آنذاكَ أقولُ: فآخرُ الفراغِ النّذورُ تُصلّي ملءَ السّلالمِ شهواتِ الآلهة
بومضةٍ سريعةٍ تلِجُ هذهِ الصّورةُ إلى ذهن القارئ، وتَسوقُهُ إلى السّومريّةِ والبابليّةِ تحديدًا، مَنبَتِ شاعِرِنا الجافّ، تَتصاعدُ بهِ إلى قمّةِ الفراغِ والهباءِ، إلى مذبحِ الآلهةِ، حيثُ يُقرّبونَ الذّبائحَ، وبلغةٍ تهكّميّةٍ يُعبّرُ عن قصوى السّخرياتِ، إذ إنّ سفكَ الدّماءِ "ماءِ الحياة" وهدْرَها، هي أعظمُ قرابينَ تُقرَّبُ للآلهةِ، ولا زالتْ تُسفَكُ قربانًا للصّراعِ في الحياةِ الدّنيا!
فثمّةَ مساءٌ يَسمعُ ذبائحَ مواسمِ الحيضِ
يستنشقُ زبدَ النّشيدِ غريبًا
يسردُ الأمكنةَ مِن أوطأِ الفراغِ
كلمةُ الفراغ تكرّرَتْ مَرّتيْنِ، للتّأكيدِ المَعنويّ، لِتَعودَ بِنا وبتأكيدٍ صارمٍ إلى زمنِ الأساطيرِ، منذُ بدْءِ أثَرِها على الإنسان، لتَسرُدَ التّاريخَ الفارغَ مِن منطقيّتِهِ بِرُمَّتِهِ.
ذبائح/ الدم/ الحيض/ يستنشقُ/ زبد/ موجة كسلى
مُفرداتٌ تُعيدُنا إلى إطارِ النّظامِ الأسْطوريّ، حيثُ كانتِ الذّبائحُ والقَرابينُ تُقدَّمُ للآلِهةِ، كي تَستمدَّ التّمائمُ والتّعاويذُ منها قوّةً وفاعليّةً، فخوْفُ الإنسانِ مِنَ المَجاعاتِ، وخِشْيتُهُ مِن مَواسِمِ القَحْطِ واليَبابِ، وطَمَعًا في وفْرةِ المَحاصيلِ والغِلالِ، دَفَعتْهُ إلى اللّجوء لتهدئةِ غضبِ آلِهةِ الخصوبةِ والغيْثِ والبَحرِ والنّهر، وتقديمِ الفِديَةِ البَشريّةِ مِنَ الأطفالِ، أو الفتَياتِ الجَميلات، كعربونَ طاعةٍ ووَفاءٍ، إمّا ذبْحًا على المَذابحِ، أو قذفًا بهِمْ في النّارِ المُوقَدَةِ أمامَ تلكَ التّمائمِ، أوْ بِزَفّ العَذراواتِ الجَميلاتِ إلى الآلِهةِ، بتَزاوُجِ إغْراقِهِنَّ في مياهِ البُحيْراتِ والأنهار!
إنّ الدّماءَ بمَثابةِ تَطهيرٍ وتدْنيسٍ في كِلا الآنَيْنِ، وبِصِفةٍ خاصّةٍ دِماءُ مَواسم الحيْض، لكنْ لَها دَلالةً أخْرى، ربَّما أرَادَها الشّاعر أن تكونَ كنايةً عن تَقَزُّزِ روحِهِ مِنْ سُلوكيّاتٍ وعاداتٍ مُورِسَتْ قديمًا!
لكن، لِماذا يَستَحْضِرُها هاهُنا، بكُلِّ تَفاصيلِها المُوجَـِعَةِ ثانيةً؟
يسمع/ يستنشق/ يسرد/ يفرد/ تحنو/ تدرك/ تصلي
كلُّها أفعالٌ مُضارِعةٌ، تُشيرُ إلى استمراريّةِ الفِعلِ والطّقوسِ الغابِرةِ، ولكنْ بِصُوَرٍ وأشْكالٍ أخْرى حتّى حاضِرِنا هذا، بِدْءًا مِنِ اقْتِتال هابيلَ وقايينَ أبناءِ آدَمَ، ومُرورًا بحُروبٍ ومَعاركَ ومَذابحَ، أُريقَتْ فيها دِماءُ المَلايينِ مِنْ الضحايا؛ بَني الإنْسان!
يَسْتنشِقُ زبَدَ النّشيدِ غريبًا!
صورةٌ مُرَكّبةٌ، تحْمِلُ ما تحملُ مِنَ اسْتِعاراتٍ ورُموزٍ طائلةٍ، ألَعَلَّهُ يَقصِدُ نشيدَ العِراقِ الوَطَنِيّ؟
موْطني موطني
الجلالُ والجَمالُ والسّناءُ والبَهاءُ في رُباك
والحياةُ والنّجاةُ والهَناءُ والرّجاءُ في هَواك
هل أراك سَالِمًا مُنعَّمًا أو غانِمًا مُكَرَّمًا؟ هل أراكَ في عُلاك؟
لكنّ هذا النّشيدَ أضحى غريبَ المَضمونِ والهيْئةِ عنْ وَجهِ الحقيقةِ المُهَشَّمِ، وباتَتْ غريبةً أنفاسُ مَراياهُ عن رئِتَيْ عذارى روحٍ تُزاوجُ المَوْت.
وكومة من عراء/ كومة/ والمغيب كومة غياب/ والغياب كومة بكاء/ كومة حارة / يا كومة من ظلي/

بلَمْحَةٍ خاطِفةٍ تُعيدُني هذه الكلماتُ إلى سيرةِ سيّدِنا إبراهيم، حينَ شاطَ غضبًا، وتقَدّحَ ذِهْنُهُ شَرَرًا، مُهَدِّدًا عَرْشَ المَلِكِ النمرودِ، مُحَطِّمًا الأوثانَ، ومتَحَدِّيًا، جاعِلًا الفأسَ مُعلَّقًا في رَقَبَةِ كبيرِ الآلهةِ، ذَليلًا، عاجِزًا عن النُّطْقِ والبَوْحِ.
أيُّها
الجالِسونَ الضّحى والرّثاءَ وكوْمةً مِنْ عَراء
والمَغيبُ كوْمةُ غيابٍ، والغِيابُ
كومَةُ حارةٍ وكوْمَةُ بُكاء
كانَ الوَثنيّونَ قدْ جَمَعوا أكوامًا مِنَ الحَطَبِ المَنقوعِ بالقارِ والنّفطِ، ليَثْأروا لِلآلِهةِ المُحَطَّمَةِ، وقَدْ رُمِيَ السّيّدُ إبراهيمُ بالمَنجنيقِ وسطَ اللّهيبِ، فما كانَتْ بأمْرِ سُبحانِهِ، إلّا برَدًا وسَلامًا عَليْهِ، فلَمْ تَمْسُسْهُ بسُوءٍ، إذْ فَقَدَتْ قُدْرَتَها على الإحراقِ!
ألَعَلَّ الشّاعِرَ إبراهيم سعيد الجاف، اتّخَذَ مِنْ سِيرةِ سيّدِنا إبراهيم الخليل، وما عاناهُ من ظلمٍ وإجحافٍ معَ الكُفّارِ، صورةً مُشابِهةً ومختزَلَةً لحياةِ الشّاعِرِ، وما كَابَدَهُ في الأسْرِ والحَرْبِ؟  
الضّحى: رمزٌ لشِدَّةِ الحَرِّ وأوْجِ لَهيبِ الحَرْبِ الحارِقِ.
كوْمَةٌ مِنْ عَراء: رمْزٌ لِلضّياعِ والشّتاتِ.
مِنْ خِلالِ مُعجَمِ الشّاعِرِ بمُفرَداتِهِ المُنتقاةِ ورَمْزيّتِها، يَنتهِجُ الشّاعِرُ تدَرُّجًا مُنْسَجِمًا في تصويرِ هَوْلِ الاشتعالِ في الضّياعِ، والغيابِ في أكوامِ الحرائقِ والدّمْعِ والخوْفِ واليأسِ!

نَسيتُمْ أنْ تَزْرَعوا الدَّمَ عَلى طَلْعَةِ التُّرابِ مِن سِنينَ
هُوَ لا يَفْرُدُ الدّمَ
عَنِ القَشّةِ مديحُ الذّبائحِ
هُوَ لا يَفْرِدُ الدّمَ
عن موجةٍ كسلى؛ اخْتَنَقَتْ على شَفةِ الرّثاءِ
يا كوْمَةً مِنْ ظِلّي
دونَ أبجديّاتٍ تَحنو ولا تُدْرُكُ الأرْضَ

معاتبًا ولائمًا يُخاطِبُ الجالِسينَ الضُّحى، فمَديحُ الذّبائحِ أبدًا ليسَ يُباعِدُ، أو يَفْصِلُ بيْنَ الدّمِ والقَشّ، أو بَيْنَ الدّمِ ومَوْجَةٍ كسْلى اختَنَقَتْ على شَفةِ الرّثاءِ، فكَوْمَةٌ مِنْ ظِلِّ الشّاعرِ المُواطِنِ المَسْحوقِ، لا وَزْنَ ولا لوْنَ لها، بل تَخلو تمامًا مِنْ أبْجَديّاتٍ تَحنو، ولا تُدرِكُ الأرْضَ بمَداها، والأرْضُ هِيَ رَمْزٌ لِلحياةِ والاسْتِقرارِ، كما لا تَحْمِلُ إلّا خساراتٍ وفَشَلًا ذريعًا!
لذا؛ ما زالتِ الكوْمةُ على مَرِّ العصورِ والتّاريخِ شُعلةً ناريّةً موقَدةً حربًا، ما داهَمَتْها شيخوخةُ الرّمادِ، وقدْ طُرِدَ إبراهيمُ مِنها مِنْ أرْضِ بابِلَ، ولا زالَ آهِلوها يُطْرَدونَ ويُعانونَ بَطْشَ شُرورِ الوَثنيّينَ!

لا أعْرِفُ
كيفَ ستَمْرَحُ أعْلى القمْحةِ
وهَواؤُك وسطَ الابتهالِ يَسْألُ الهُبوب!

القمحة: رَمزٌ لِلحياةِ والخبزِ والإشْباعِ، رَمْزٌ للخيْرِ والرَّغَدِ والعيْشِ الهانِئِ، وقدْ كانتْ تُقدَّمُ سَنابِلُ القمْحِ على المَذابحِ، كيْ تُبارِكُها الآلِهةُ، وترضى عنهُم، وتَمنَحَهُمُ الخيْرَ، فكيفَ لِلقمْحَةِ هذهِ أنْ ترْمَحَ وتمْرَحَ وتَحيا دوْرتَها، وطواحينُ الهواءِ ساكِنةٌ، تتضرّعُ وتَبتَهِلُ لهُبوبِ الهَواءِ، لِتُحَرِّكَها وتَطْحَنَها؟
الشّاعِرُ بمُؤشِّراتِهِ العديدةِ، يُشَكِّلُ التّاريخَ ببِنائِهِ الجَديدِ، ويَرْسُمُ آفاقًا حافِلةً بدَلالاتٍ حَرَكِيّةٍ، تَسيرُ بوَقْعٍ بَطيءٍ ووامضٍ، حتّى يَصِلَ غايةً، تنتهي بالكثيرِ مِنَ المُعاناةِ والمُكابَدَةِ، وبِنَوْعٍ مِنَ اسْتكانةِ وَطَنٍ يائِسٍ خائِبٍ، مُثْقَلٌ مساؤُهُ بأغْبرةِ الغُربةِ!
9  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / كميل ضو وحنان جريس خوري بين حرف ولون! في: 12:53 06/04/2013
كميل ضو وحنان جريس خوري بين حرف ولون!
آمال عوّاد رضوان
لقاءاتُ منتدى الحوار الثقافيّ تتجدّد شهريًّا، وفي مركز التراث" البادية" عسفيا الكرمل بتاريخ 26-3-2013  يتكلّل اللقاءُ بالمعرض الحروفيّ للفنان كميل ضوّ، وبحروف الشاعرة الواعدة حنان جريس خوري، وبعد استعراض اللوحات، افتتح اللقاءَ رشدي الماضي فجاء في كلمته:
مع افتتاحيّةٍ من لونٍ آخر، فالأنا الذي ملأ اللغات محاسنًا/ جعل الجمالَ وحسنهُ في الضَّاد/ حوار الحروف والألوان جعل/ القصيدة لوحةَ صامتة واللوحة قصيدةً صائتة.
كميل ضو والضاد توأمة إبداعيّة فنيّة، الحرف والوعي الجماليّ به ومداعبة صهيله الداخليّ أحجار الزاوية التي توصل اللغة إلى قمّة السموّ، حيث تأتي لوحات إبداعيّةً مفعمة بنبض الحياة، لوحات ما أن تلقي بشباكها حتى تصطاد اللغة وطنًا، ليس طريدا ولا مقتولًا. أعرف يا مبدعي أنّك مليءٌ بالطاقات والمواهب والمشاعر والأحاسيس القويّة المتدفقة، لذلك وهذا ليس بغريب على كميل الذي أصبح مشروعًا فنيًّا شخصيًّا، ورحلة في فضاءاتِ الحرف لا يقوم بها إلّا مسافر خلّاق، وحده يسعى إلى الانعتاق من النفي اللغويّ. وهنا أرى لزامًا عليّ أن أبوح لك بأنّي أتحسّس شوق أصابعك إلى القلم، شوقًا يشتهي دومًا حروف الكلمات قبلات ظامئة، فأنت يا كميلي تغوص في أعماق النفس، لتبحث فيها عن مناظر لم ترها العين المجردة، وعن أصوات لم تسمعها الأذن الأولى ولا شقيقتها الثانية. ولأنّ الفنّ هو جوع إلى واقعِ زمن جميل، أعترف أمام ربّان الجمال فأقول: يلذّ جوعي إلى حبر إبداعك، وظمئي إلى تدفّق شتاء ألوانك التي تنفض الحروف فوق الورق، لتخطّ لوحة مشبعة بالمطر وبروائح تراب الأرض.
أيّها المبدع الكامل والمكمل كميل، تؤكّد تجربتك لمن يرافقك سيرة ومسيرة، أنّك منذ سنوات سمان لمّا تزل تحفر وتنقّبُ في أسرار وأركيولوجيا الحرف والكلمة، احترفتَ ركوب صهوة الذات حتى تدرك مبتغاك، وما من زاد لديك غير اللغة والخيال واللون والريشة والقلم، لترسم الحروف لوحات ترفض أن تغادر عناوين تضاريس الوطن، كي تجعل منه لحظات إبداعيّة تنضح بالجمال، تُبقيك أيّها الفنان المزارع المزارع في حقل الكلمات الذي يرتب وينقّي بيادر حنطتها، تاركا ريشته دوريًّا يزقزق على صفصافة الكلام في حواكير النفس والوطن، لم تكمل بعد لنا مشروعًا ولم تتمم علينا نعمة إبداعك، إذًا واصل الخروج كل صباح، وابتع لك قلمًا وزرقة وحبرا وألوانًا، فانت وحرفك توأمة إبداعيّة خلّاقة، توأمة لا تلد سوى لوحات هي فاتحة شبابيك الجمال المغلقة، وأبواب المدن الأمل غير القلقة.
وفي مداخلة نوعيّة لد. فهد أبو خضرة: تحدّث عن جماليّات الخطّ العربيّ، وعن المشاكل التي يواجهها الخط العربيّ اليوم، فالخط العربيّ فنّ من الفنون العريقة المعروفة عند العرب، وقد استعملوه لتزيين المساجد خاصّة، واللوحات في المتاحف والمعارض. ولوحات كميل ضوّ في المعرض نموذج.
في العصور الوسطى لم يتعرّض الخطّ العربيّ لمشاكل جدّيّة، بل حافظ على جماليّاته باستمرار، وأوّل المشاكل كانت في بداية ظهور المطبعة، حيث اضطرّ المشتغلون بالطباعة إلى صبّ الحروف وصقلها في الطباعة، ووجدوا أنّ عدد صور الحروف كبير جدّا وصل 470 صورة، وهذا فقط في خط النسخ، وهم اختاروا خط النسخ لوضوحه وجماله، وطبعًا بدأت أفكار مختلفة واقتراحات لتقليص عدد الحروف، ولم يكن نجاح في هذا المجال، وظلّ الأمر حتى ظهور ماكنات الجمع الآليّ حيث بدأت المشاكل تزداد، وكان لا بدّ من تقليص عدد وصور الحروف، وظهرت اقتراحات جديدة وانقلابيّة مثل استعمال صورة واحدة للحرف فقط، أو اقتراح الكتابة بحروف لاتينيّة وترك الحرف العربيّ، ولكن رُفضت هذه الاقتراحات، واستمرّوا في تقليص عدد الصور، وازداد الأمر سوءًا بين المُجدّدين والمُقلّدين، وازداد الجدل عند ظهور برامج الحاسوب وعند ظهور الطباعة بالليزر، فتقنيّو الطباعة وآليّات الطباعة جدّدوا وقلّصوا الحروف، ولكن على حساب جماليّات الحرف ممّا أدّى إلى ردود فعل غير راضية من الخطاطين والمحافظين، لأنّه تشويه للحرف، وهذا أمر ضرروريّ حتى لو كان على حساب جماليّة الحرف، من أجل استعمال الحروف بصورة عمليّة أكثر من استعمالها لجماليّاتها، لأنّ الجماليّات محصورة في نطاق الخطاطين واللوحات الفنيّة كي يكون مقروءًا، وقد تمّ تقليص عدد ساعات الخطّ في المدارس، وتمّ إلغاء كراسات تعليم الخط العربيّ بصورة عمليّة، لأنّ هذا الأمر خاصّ وفرديّ، ومن غير الممكن جعل جميع الطلاب خطّاطين.
وفي كلمة الفنان كميل ضوّ عن الخط العربيّ قال: هناك اثنا عشر نوعًا اساسيًّا للخط العربيّ، وكلّ خطّ له عشرات الأنواع، فمثلًا الكوفيّ له سبعين نوعًا، وكان لكلّ بلد أو قرية أو مدينة نوع خطّ يُميّزها، وكانت هناك هندسيّة وبزوايا حادّة، وتحتاج إلى الوقت في كتابتها، وفي زمن الأتراك ومع ضرورات الحياة والأمور الحياتيّة اليوميّة ومستجدّاتها وُجد الخط الرقعيّ، وهكذا تطوّر الخط العربيّ بآفاق تتجدّد مع ضرورات الحياة.
لقد عرف تاريخ الثقافة والفنون العربيّة فنّ الزخرفة الحروفيّة في الإسلام والعروبة، وعرفها التاريخ والإبداع الإنسانيّ، فالإنسان هو الحياة، وهو جدليّة التحوّل الكيانيّ والكونيّ مع التطوّر والرقيّ، إذ يُفرز من خلال الحياة أشياء متكرّرة أو مبتكرة تولد وتشكّل تراث الإنسان والحضارة. اللغة العربية هي أقدم اللغات الساميّة وأرقاها، لفصاحتها واتساع أفاقها وتناسق وجماليّات حروفها وتكوينات خطوطها، فاستخدم الخط العربيّ كمادّة جماليّة مجرّدة، وكمادّة رمزيّة تشكيليّة لونيّة ذات بُعد واحد"، في اللوحة التشكيليّة الكلاسيكيّة وبتقنيّات مختلفة، كما استعمل بحالات وأشكال ذات أبعاد لونيّة وتشكيليّة، بتجانسها ما بين الحرف والعديد من رموز الحضارة العربيّة، فيظهر على شكل مدن ذات مآذن وقباب، وعلى شكل خيول جامحة، وعلى "شكل أمواج حوار جدليّ فلسفيّ"، كما يقول الفنان اللبناني وجيه نحلة، بالإضافة إلى العديد من الأعمال الخالدة لكبار الفنانين العرب في العراق ومصر وفلسطين ولبنان وبلاد الجزيرة العربية كلّها، ممّن امتازوا بهذا العمل الإبداعيّ وخصوصيّاته، فأطلق البعض منهم على نفسه صفة (الحروفيّين)، وأطلق على هذا النوع من الفن التشكيليّ تعبير (الحروفيّة). هذا التاريخ الابداعي كوّن ملاحم وقصائد زخرفيّة، وشواهد حضارة لم تعرفها أيّة حضارة أخرى عبر هذا الزمن البعيد! فتاريخ جماليّات الخط العربيّ يرجع إلى العقدين الأمويّ والعباسيّ، إذ اشتهر آنذاك الخطاط العربي الأوّل خالد أبي الهياج بكثرة كتابته للمصاحف والتجويد بها، بحيث أصبحت مؤشّرًا بارزًا في حياته الفنيّة، وفتحت آفاقا واسعة أمام هذا الفن العربيّ والإسلاميّ، وقد تعاقب الخطّاطون والمُجوّدون وفنّانو الزخارف والمنمنمات العربيّة الشرقيّة، في خلق الكمفيّة الهائلة من اللون والحركة والتشكيل.
وعن سيرة إبداعه ومسيرته الفنيّة قال: إنّي بدأت الكتابة بجيل ثلاث سنوات منذ عام 1960، بعدما انتقلت العائلة من الرامة للسكن في حيّ الكبابير في حيفا، وكان الأستاذ موسى عودة يعشق الخط العربيّ، وقد شدّتني روعة جمال خطه على اللوح آنذاك، وشغفت بالحرف العربيّ، وبدأت أقلّد وأكرّر كتابة عناوين الكتب، وعندما انتقلت لأتعلّم في الكليّة الأرثوذكسيّة في حيفا لأتعلم المرحلة الثانويّة، التقيت بالأستاذ والأديب والخطّاط حنّا أبو حنّا، وللأسف لم تكن هناك حصص خط، ومن حين لآخر بدأت أكوّن بعض الأفكار حول الخط العربيّ، وتمكّنت مع نهاية المرحلة الثانويّة من معرفة جميع أنواع الخط العربيّ وقواعدها.
في نهاية الصفّ الثاني عشر اتّصل بي الأستاذ حنّا أبو حنّا، وكان يعمل في جريدة الاتّحاد، وطلب منّي أن أتابع مشوار الخط بدلًا منه، وخلال ثماني سنين بدأت أكتب هذا النوع من الخط، وكان الشاعر طيّب الذكر عصام العبّاسي يقول لي، يجب على الخطّاط أن يرسم لو أمكنه. وأتذكّر أنّني حين كنت أكتب العناوين، وقعت نقطة حبر على ورقة مصقولة، وبدأت أرسم أشكالًا متنوّعة حول هذه النقطة، وأكتب أحرفًا وبعض الكلمات، وبدأت تتبلور الفكرة في رأسي، وفي سنوات السبعينات كنّا في فترة انغلاق عن العالم، ومن غير فضائيّات، وبكتب قليلة من العالم العربيّ، وبدأت أطّلع على فكرة بدون أن تكون لي سابق خلفيّة عنها، وعندما قرأت فيما عن الحروفيّة، وجدت أنه في العراق والسودان وسوريا ومصر بدؤوا في هذه الفترة باستعمال الحرف في بناء اللوحة التشكيليّة، وكان التقارب فيما بعد بديهيّا.
مع نهاية المرحلة الثانويّة دعيت لأعمل خطاطًا في جريدة الاتحاد، وفي نفس الوقت قدّمت لمدرسة مار يوحنا رسالة أطلب أن أدرّس فيها. وقد استجاب لطلبي في حيفا مدير مدرسة مار يوحنا الإنجيليّ الأسقفيّة العربيّة الأستاذ ناجي فرح، إذ أُعجب بخطّ رسالتي، واستدعاني ليلقي عليّ مهمة تدريس فنّ الخط العربيّ لطلاب مدرسته، وقد كانت رحلة ممتعة مع الطلاب وتدريسهم الخط العربيّ وتطوير المواهب عند الطلاب. وما جعلني أؤكّد على هذه الحصص، هو الحفاظ على تراثنا الفنيّ هذا، ولا أبالغ إن أقول إنّ حرفنا العربيّ بأنواع خطوطه أجمل خطوط العالم قاطبة، ومن جهة تعليم الخط العربي في مدارسنا، فهناك تحَدّ كبير، إذ علينا أن نبذل جهودًا أكبر في الحفاظ على هذا التراث.
وهكذا جعلت أتدرّج وأعلو في سلّم الفن والخط، لأغدو من أوائل روّاد فن زخرفة الخط والحروف التشكيليّة في البلاد، وبدأت رحلتي مع الحروفيّة والرسم بالكلمات.
عام 1978 أقيم لي المعرض الأوّل في قاعة الأوديتوريوم بحيفا، حيث عرضت 30 لوحة أساسها بناء اللوحة التشكيليّة من الحروف والكلمات، بالحبر الصيني الأسود على مساحات صغيرة بيضاء، وقد عُرض في القاعة ثلاثين لوحة فنيّة خطوطيّة، والذي كان له خصوصيّة في لفيف من الحضور المميّز من أدباء ومُفكّرين وشعراء وفنّانين وسياسيّين مَحلّيين؛  د. إميل توما، إميل حبيبي، وسميح القاسم، وعلي عاشور، وصليبا خميس، وحنا أبو حنا، وزاهي كركبي، والفنان عبد عابدي، وعصام العباسي الذي كان يحثّ الخطاط كميل على الرسم، إذ بمقدور كلّ خطاط أن يكون فنانًا تشكيليًّا أيضًا. وبيع أكثر من نصف لوحاته آنذاك.
ومنذ ذلك الوقت أقيم لي 18 معرضًا فرديًّا في البلاد وخارجها، وعشرات المعارض التي اشتركت بها. وعام 1979 أقمت في مركز سانت لوكس بحيفا معرضًا كبيرًا يضم 60 لوحة، بادر له القس الدكتور نعيم عتيق، رئيس مدرسة مار يوحنا الإنجيليّ، الذي ساندني كشابّ وكفنّان، وأشاد بأعمالي الفريدة والانطلاقة الكبيرة التي حققتها في هذا المجال.
وعام 2005 كانه لي معرض آخر في هذا البناء، حيث عرضت 30 لوحة من الخط العربيّ، وافتتح المعرض القس الدكتور شحادة شحادة. ومن خلال عملي في مدرسة مار يوحنا الإنجيليّة في حيفا، توطّدت العلاقة بيني وبين المطران سمير قفعيتي؛ مطران الكنيسة الإنجيليّة الأسقفيّة العربيّة في القدس، والمنحدر من أصل حيفاوي، فأقام لي عام 1982 معرضًا تشكيليًّا في مؤسسة (y.m.c.i) المقدسيّة، وكان من أوائل المعارض الفنية لفنان جليليّ في رحاب المدينة المقدسة، عرضت فيه 32 عملًا تشكيليًّا في فن الخط العربيّ والزخرفة، لم تقتصر على اللون الأسود والابيض فقط كسابقاتها، بل احتوت ألوان أحبار أخرى، وتقنيّات تشكيل لونيّ متعدّدة، وبيع العديد من أعمالي لمُحبّي هذا الفن، كظاهرة نادرة وداعمة لي في مداها النفسيّ والمعنويّ.
وعام 1987 وفي رحاب المبنى المحاذي لكنيسة سانت لوكس في حيفا بطابقيْه، أقمت معرضي الثالث، ليحتوي الطابق الأول مجموعة من أعمال فن الخط والزخرفة العربيّة، والطابق الثاني مجموعة من أعمال التصوير اللونيّ (الرسم الملون) متعدّد التقنيّات، ذات الانتماء الانطباعيّ في تكوينه، ومشاهد "طبيعة صامتة"، رسمت فيها معالم من مدينة حيفا وأماكن ورموز أخرى. وقد افتتح المعرض الشاعر الأديب حنا أبو حنا، فأثنى على مسيرتي الفنّيّة، وعلى ثباتي وإيماني بأدواتي وقدراتي الفنّيّة، وبـعرض 72 لوحة من أعمالي الأخيرة التي تنتمي إلى مرجعيْن أساسيّيْن، هما الله والوطن، وبحضور حافل لافتتاح المعرض  ظهرت فيه أنماط وأساليب عمل فنيّ له معالم الخصوصيّة بكميل ضو، والتي تتحوّل فيها لوحة فنّ الخط والزخرفة العربيّة إلى لوحة حروفيّة، قوامها تجلّيات الحرف العربيّ في تجرّده من المكنون اللغويّ الكامن فيه.
عام 1992 افتتح جاليري الكرمل أقمت المعرض الرابع لأعمالي الفنيّة، وقد افتتحه الشاعر سميح القاسم. وعام 2005 رتبت لي د. روت أورن معرضًا في جامعة حيفا، ضمّ 30 لوحة، وافتتح المعرض البروفيسور بطرس أبو منة.
وفي عام 2009 اقيم معرض "حوار الشعر والحروف" تكريما للشاعر والأديب الكبير الأستاذ حنّا أبو حنّا. وفي عام 2012 كان هناك معرض "صمت الحروف... صوت الألوان" تكريمًا لشاعرنا الرائع الأستاذ رشدي الماضي.
كما وصدر عن أعمالي كتاب "حروف مشرقة" عن دار النشر الفنلنديّة "بيفا" باللغتين الفنلنديّة والإنكليزيّة. ومؤسّسة كيميديا وإدارتها أقامت مركزًا لتعليم الخطّ العربيّ في حيفا يعنى بتعليم الخط العربيّ لجميع الأجيال.
وقال عزت حرش: "رسم كميل ضو الكثير من الأعمال، خاصة في مجال الفنون الحروفية المتجانسة في تكوينها، ذلك ما بين اللون والانحناء وتجويد الحروف والكلمات، لقد أطلّ علينا بأعماله الجميلة منذ أوائل الثمانينيات، وأذكر من تلك الأعمال لوحة حملت كلمات فيلسوف لبنان جبران خليل جبران، في مطلع لزومية قصيدة "المواكب".. التي رتلتها الرائعة فيروز على هيكل مذبح قدسيتها، حيث صدح صوتها بتلك الكلمات هاتفة "أعطني الناي وغن".. ولا تزال ملامح اللوحة الحروفية التي رسمها الفنان كميل ضو تسكن في مخيلتي، كحلم يتراقص بين ما أبدعه جبران وما صدح به صوت فيروز الملائكي، وكدعوة حبّ متفجرة إلى كلّ بركان قلب عاشق، قتلته سموم الحياة وغربتها، في لجّة بحثه عن جنة الخلاص الأبديّ.. ولم يزل يبحث عنها دون طائل! يبقى الفنان كميل ضو مسكوناً بهواجس عذبة راقية مرهفة الإحساس، مصدرها "كلمات ليست كالكلمات".. تلك المولودة بعفويّتها من بطن الحياة المتراكمة عبر الزمن. كأزهار البرقوق وفروع السندان.. تسكن الجُمل المحبّبة إليهِ في فضاء ذهنه.. تذهب وتعود، وترسم حروفها في الهواء بموسيقى "عرائس المروج".. والناي والخلود!! وعلى حين غرة، وفي لحظة بريق يتساقط كضوء الشمس على كتلة من جليد، تنبعث في روحه تجلّيات لونيّة لحروف جملة ما.. وتتكوّن في غضون إنجازها على المساحة البيضاء. قصيدة تشكيليّة للوحة قوامها الحروف والألوان.. تقرأ في أعمال كميل ضو الحروفيّة.. نماذج من التعبيريّة والرمزيّة والتكوينيّة والتكعيبية والتجريد.. وتقرأ في بعضها نماذج كلاسيكية ضوئية أيضًا.. كلها في لمسة إنشاء خاصة تستطيع أن تعرف من بوتقة تكوينها الشموليّ، أنّها تعود لشخص واحد.. لفنان يدعى كميل ضو".
وكان لنا وقفة أخرى مع الحرف الشعريّ والصوت الدافئ للشاعرة الشّابة حنان جريس خوري فقالت:
أنا من مواليد حيفا، تخرّجت من الكليّة الأورثوذكسيّة العربيّة. ثمّ التحقت بالجامعة العبريّة بالقدس، وتخرّجت بلقب أول فيزياء ورياضيّات، ولقب أوّل في العمل الاجتماعيّ مع تقدير خاص من الجامعة. منذ الثانويّة ابتدأت في مشوار الشعر، و كنت أكتب وأقرأ في صفي، حتى بدأت أنشر في جريدة الإتحاد، ولاقيت دعمًا من القارئين، ممّا حثّني على الاستمرار  بالكتابة والنشر، ولكن مع سفري للقدس، بدأت خيالاتي تسافر إلى تجارب جديدة، تحمل كلمات رقيقة اعبّر فيها عن عالمي وتجاربي وشعبي.
لقد ملأني بيتي حبًّا ودفئًا، ومنحني كلّ الدعم والمحبّة، وخاصّة أبي الذي لم يناقشني مرّة بمشاعري المنسابة في قصائدي، وإنّما كان يصغي لي بقلبه وبحسّه العميق، يرشدني إن كان هناك خطأ لغويّ من تجربته كأستاذ في اللغة العربيّة لعشرات السنين، وقد اشتركت في لقاء أدبيّ في جامعة حيفا، وألقيت قصيده "لحظة ... أيها المارد"، ولاقت إعجاب المستمعين من شعراء وأدباء . وفي جامعة القدس العبريّة كان هناك من يطلب مني إلقاء قصائدي ونشرها في مجلّاتهم الخاصّة، وبعدها توقّفت عن نشر قصائدي، لأنتظر فرصة ولادة ديواني الأول. ولأسباب وظروف لم تسنح لي فرصة إصدار ديوان شعري الأوّل الذي وعدت به كلّ من طلب منها ذلك، وكلّ من أحب شعري... و لكن في الأمسية هذه التي استضافتني  سألقي باقة من أشعاري:
قصيدة حرة أنا:
حرة أنا/ مثل غصن زيتون/ حرة أنا / و مثل  أجمل جنون/ مثل الحلم.../ مثل مخاض شعر/ عند حدود الكلم/ حرة أنا.../ مثل السماء.../ و ما زال في القلب بعض سماء/ بعض جنة .. و ضياء/ ما زال في العمر / ... بعض دهور/ و صلاة تملأني سرا/ ... و نور/ و ما زال في الدرب/ بعض ياسمين/ همسات صيف/  و دمعات حنين/ و ما زال موسم / حب و جنى.../ و حرة ... حرة / مثل اللون أنا/ مثل لون القصيده/ مثل  أسطورة جديده / و مثل زهر لوز وليد/ و نهر حب .. و عيد/ مثل أسراب المنى/ حرة / حرة.../ حرة أنا
وقصيدة في عينيك ...أنت:
في عينيك .../ أزهر الفجر / و جن الليل / في عينيك قيد/ شهد / و سحر ../ في عينيك أغنية/ يعزفها البحر/ فتهدأ الساعات / و يبسم العمر/  إذا هامستني / أو بنظرة رقيقة قتلتني/ ففي عينيك أحيا/ و يسري ... في عرقي شعر/ لو ذبل القلب / أو ظمئ الدرب / ففي عينيك لي ورد / لتورق الخطوات/ و يدرك القدر/ أني في عينيك قد تهت/ و تاه الحلم ... و السفر

وفي نهاية اللقاء وبعد مداخلات الزملاء والزميلات من الحضور، كان مسك الختام مع د. فهد أبو خضرة، حيث أعلن عن قراره بإصدار الديوان الأول للشاعرة حنان خوري في مجلة مواقف، حتى نهاية السنة الحالية، ومن ثمّ تمّ التقاط الصور التذكاريّة.













10  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المنتدى الأدبي الشفاعمري يُكرّم الشاعر جورج جريس فرح! في: 17:06 26/03/2013
المنتدى الأدبي الشفاعمري يُكرّم الشاعر جورج جريس فرح!
آمال عوّاد رضوان



أقام المنتدى الثقافيّ الشفاعمريّ أمسية أدبيّة في قاعة دار الثقافة والفنون بشفاعمرو بتاريخ 15-3-2013، احتفاء بتكريم الشاعر والأديب جورج جريس فرح لأدواره الثقافيّة البنّاءة المتعدّدة، وذلك بحضور واسع من المثقفين والأدباء والشعراء والأصدقاء والأقرباء.
تولّى عرافة حفل التكريم الإعلاميّ والأديب نايف خوري، وبعد أن رحّب بالحضور، سرد نبذة قصيرة عن سيرة الشاعر فرح، وعن منجزه الشعريّ والأدبيّ، ثمّ تحدّثت السيدة عزيزة دياب مديرة المنتدى الثقافيّ الشفاعمريّ عن نشاطات المنتدى، وأهمّيّة تكريم الشاعر فرح لاستحقاقه، كما قدّم السيد ناهض خازم رئيس بلديّة شفاعمرو كلمة تكريميّة بحقّ الشاعر فرح، وأشاد بدوره الحثيث في المساهمة بنهضة الحركة الثقافيّة والأدبيّة.
بعد ذلك قامت آمال عوّاد رضوان بمحاورة الشاعر فرح، وتسليط الضوء بومضات خاطفة على مخزون الشاعر فرح، بقبّعاته العديدة التي اعتمرها خلال مشواره الأدبيّ، تحدّث عن طفولته البائسة، عن أمّه الأرملة  العصاميّة التي كافحت من أجل تربية أبنائها، وعن نشأة ميوله الأدبية وبلورتها وتطوّرها خلال مراحل حياته، وعن قصائده المختلفة باللغة الفصحى واللهجة المحكيّة وعن مضامينها المختلفة، وعن قصائده المغنّاة، وتراجمه، ومواهبه الفنيّة الإبداعيّة في الرسم والتمثيل.
وقد تخلّل الحوار مداخلتان غنائيّتان من جوقة الكروان، لليافعة المتألقة ساندرا حاج بأغنية ست الحبايب، وشادي تلحمي غنّى عيون بلادي، من كلمات الشاعر جورج فرح، وتلحين الفنان نبيه عواد مايسترو جوقة الكروان!
وفي نهاية الأمسية قام السيّد ناهض خازم رئيس بلديّة شفاعمرو، وعزيزة دياب مديرة المركز الثقافي الشفاعمريّ بتقديم درع التكريم للمحتفى به الشاعر جورج جريس فرح، ومن ثمّ قدّم كلمة شكر للحضور ومُنظمي هذا الاحتفاء، وبعدها تمّ التقاط الصور التذكاريّة.
وفي كلمة العريف الإعلاميّ والأديب نايف خوري جاء:
أيّها الحضور الكرام، رئيس بلديّة شفاعمرو المحبوب، الأدباء، من كتاب وشعراء، الفنانون من أطياف وألوان الإبداع كافة، المحتفى به العزيز أبو ربيع جورج جريس فرح، أسعدكم الله بكل خير ومحبة.
أنت، أنت أيّها المتعدّد وفي التعدّديّة فائدة، أيّها المتنوّع وفي التنوّع متعة، أنت أيّها الجالس على عدّة مقاعد، وفي ذلك الغنى والتقدير، أنت أيّها المتربّع على عروش الإبداع وفي ذلك نبع لا ينضب، ألست مِن المتصدِّرين لعالم الشعر؟ ألست من المُتبوِّئين لمجال الترجمة؟ ألست من المسهمين في حقل الرسم؟ ألست من العارفين في مضمار الأدب؟ وماذا أقول بعد، لأننا لو نظرنا وأحصينا المراتب والمراكز التي أشغلتها، لوجدنا فيك صفات الشموليّة ومزايا الإنسانيّة، ألم يقل فيك الشاعر وهيب وهبة إنّك فارس القصيدة؟ تجول في الميادين والسهوب، وكأنّك تقف بين حبّة الرمل وبين حنين الجسد، وأنّ الحروف المشيّدة من هياكل وقصور الخيال، عبرت عن طريقك إلينا. وأتت بكلّ هذا الألم الإنسانيّ المتوّج بغضب الأرض، وعصف الشجر، وقصف الرعد والصخر، وعنفوان الثورة والصبر والإيمان والمحبّة. لأنّك أنت الإنسان المفكّر والمتجوّل في ساحات المجد.
أتساءل بيني وبين نفسي، أيّها المكرَّم، لماذا يُكرّمونك في مثل هذا اليوم؟ ألأنّه عيد الشعر، أم عيد الأدب؟ ألأنّه عيد ميلادك مثلا، أم مناسبة فوزك بجائزة؟ أم ماذا؟ رأيت أنّك تستحقّ التكريم لا لمناسبة معيّنة، بل طيلة الوقت وعلى مدى الأيّام، وخاصّة في مطلع فصل الربيع، ولذا أعتبر تكريمك مناسبة ربيعيّة وأنت أبو الربيع، ولكن ليس كالربيع العربيّ الذي سرعان ما أضحى خريفا كئيبًا، فأنت مُشعّ، منير، ساطع لا يخبو لك نور.. فهنيئا لك بهذا التكريم، وهنا لا بدّ من توجيه الشكر للقائمين على تنظيم هذا الحفل التكريميّ، المنتدى الأدبيّ الشفاعمريّ، دار الثقافة والفنون، بلديّة ومدينة شفاعمرو كلّها التي يمثلها رئيس البلديّة السيد ناهض خازم، وأدعو أوّلا الأخت عزيزة دياب مديرة دار الثقافة لترحّب بالحضور
وفي كلمة عزيزة دياب جاء: مساء الخير للجميع مع حفظ الألقاب، حضرة رئيس بلديّة شفاعمرو السيد ناهض خازم، أعضاء المجلس البلدي المحترمين، المحتفى به الشاعر جورج فرح. يسعدني أن نفتتح اليوم انطلاق آذار الثقافة في دار الثقافة والفنون بهذه الأمسية التكريميّة للشاعر جورج فرح. تأتي هذه الأمسية ضمن مشروع آذار الثقافة القطريّ لمركز مساواة للسنة الثانية على التوالي. تؤكّد أمسية اليوم رؤية ومضمونا على سعينا في دار الثقافة والفنون، على دعم الحركة الإبداعيّة الشفاعمريّة والفلسطينيّة، والمحافظة على موروثنا وهُويّتنا الثقافيّة. الشاعر جورج فرح هو عضو فعّال في المنتدى الأدبيّ الشفاعمريّ، والذي يسعى إلى خلق إطار ثقافيّ اجتماعيّ يجمع بين الأدباء ومُحبّي الأدب والكتابة الإبداعيّة، بهدف تطوير ودعم الحراك الثقافيّ في المدينة. ومن هنا أوجّه دعوتي لكلّ من يرغب في الانضمام للقاءات المنتدى الأدبيّ أيّام الإثنين، مع بداية كلّ شهر هنا في هذه الدار، وبكلّ تواضع أعتبر أنّنا محظوظون في دار الثقافة لأن نكون جزءًا من مُنتِجي الثقافة، والمُساهِمين للتغيير في المشهد الثقافيّ المحلّيّ. تتميّز قصائد الشاعر جورج فرح بالحسّ الوطنيّ والغزليّ والإنسانيّ، فنصوصه مليئة بالصور والموسيقى، وتدعونا لنتفاءل معًا بمستقبل أفضل. بودّي أن أشكر كلّ مَن ساهم في إنجاح هذه الأمسية: بلديّة شفاعمرو، المنتدى الأدبيّ الشفاعمريّ، الأديبة آمال عوّاد رضوان، الموسيقيّ نبيه عوّاد، والصحافيّ نايف خوري. ولا أنسى زملائي من طاقم العمل في هذه الدار. لكم جميعًا جزيل الشكر والتقدير، وأتمنّى لكم أمسية ممتعة.
 
وفي كلمة رئيس البلدية السيد ناهض خازم جاء: يُشرّفني أن أقف على هذه المنصّة مرّة أخرى، لأشارك دار الثقافة والفنون في مشروعها المبارك "آذار الثقافة"، الذي تفتتحه اليوم بأمسية تكريميّة للشاعر والكاتب وواضع النصوص المتميّز جورج جريس فرح، على ما أنجزه في مسيرته الممتدّة لأكثر من نصف قرن.
إنّها مناسبة لأحيّي دار الثقافة والفنون، بمديرتها السيدة عزيزة دياب إدريس، وطاقم العاملين فيها على النشاط المتواصل على مدار العام، وعلى حرص الدار على ردّ الجميل للمبدعين أمثال الأديب الشاعر جورج فرح، وكوكبة مثقفي وأدباء وشعراء هذه المدينة الغالية. وتوطئة لمشاركتي في هذه الأمسية، كان لا بدّ من الاطّلاع من جديد على إنتاج شاعرنا وتقييمات نقاد الأدب له، وإن سبق لي أن قرأت بعضه في مختلف المطبوعات. اطلعت على إنتاج وفير وقيّم، وعلى كلام صادق لشاعر أنشد للأرض والوطن، للزيتونة والوجود، وكتب عن المحبّة والحبّ والسلام، وطرق الجَمال وجَمال المرأة تحديدًا، فأشاد النقاد الكبار بسلاسة القصيدة وانسيابيّتها، ورقة المعاني وعذوبتها، منوّهين إلى اللغة السهلة التي يتّبعها شاعرنا، اللغة المفهومة للقارئ بعيدًا عن التعقيدات والرمزيّة، كما أشاروا إلى الخفة والرشاقة في موسيقى العديد من قصائده، كما كتب الناقد المعروف منير توما في تقييمه مجموعة "همسات في العاصفة"، مضيفًا أنّه لمسنا هناك السهولة والمتانة في المفردات، وإنها قصائد تفوح بعبق الماضي وعذوبة المستقبل".
واكب المحتفى به في القصة القصيرة والمقالة والقصائد قضيّة وهموم شعبنا الفلسطينيّ، بل كانت الأحداث المأساويّة دافعًا لكتابة العديد من القصائد، عَكَسَ فيها صدق وجدانه وآلامه وآماله، وأعرب عن عظيم أسفه لِما آلت إليه الأوضاع وما زالت، مِن تَرَدٍّ وانعدام سلام، فكتب متشائمًا أو متشائلا على حدّ تعبير الأديب إميل حبيبي: عام مضى/ أو بعض عام/ والهمس في الأنحاء قام/ هل يا ترى ضاع السلام/ حتّى الأبد؟
ونحن يا أبا الربيع وعموم الأخوات والإخوة الحضور، نتمنّى أن يتحقّق السلام العادل، لتُنظَم قصيدة بهذه المناسبة ،ونرجو لشاعرنا جورج جريس فرح موفور الصحّة وكلّ النجاح، ومزيدًا من الإبداع والعطاء.  
وتابع العريف نايف خوري قائلا: شكرا لرئيس البلدية. أينهم؟ "كم من رفيقٍ عند ضحكي يختفي عند البكاءْ، كم من قريب عند أخذٍ غاب في وقت العطاء، كم من حبيب في الهنا، أين الأحبة في الشقاء؟ كم من صديق عابر هل من صديق للبقاء". هذا ما قاله هذا المكرم في مجموعته بدء الحصاد.
المبدع جورج جريس فرح يعتمر أكثر من قبعة كما وصفه الأديب محمد علي سعيد، أبو علي، فهو شاعر غنائيّ مرهف، رسام يرسم بالريشة والقلم، مترجم بليغ. وكان أبو ربيع قد ولد في حيفا عام 1939 وهو يقيم في شفاعمرو من منطلق بلاد العرب أوطاني. متزوج وأب لراوية، فاتن، ربيع، أفنان، ومراون، وجدّ لنصف دزينة وأكثر وما شاء الله.
تعلّم المحتفى به صديقنا أبو ربيع المرحلة الثانويّة في الكليّة الأرثوذكسيّة في حيفا، وتخرّج من المعهد الإسرائيليّ للتأمين، ودرس المحاسبة، ثم إدارة الأعمال، ودورات استكماليّة شتى.
متعدّد النشاط في جمعيّات وهيئات مختلفة مثل، عضو إدارة في رابطة الكتاب الفلسطينيّين سابقا. عضويّة في اتّحاد المترجمين، سابقا، عضو اتّحاد الكتاب العام، سابقا، عضو اتّحاد الكتاب الفلسطينيّين في حيفا، عضو جمعيّة أنصار الأدب للسلام، عضو هيئة تحرير مجلّة مواقف، عضو هيئة تحرير مجلّة الشرق. هذه المجلّة العزيزة رصدت له عدّة مقالات تحدّثت عن أبي ربيع، مثل الدكتور محمود عبّاسي، الدكتور حسين حمزة، الدكتور منير توما، الدكتور بطرس دلة، البروفيسور فاروق مواسي، والكتاب والشعراء سعاد قرمان، ناجي ظاهر وفهيم أبو ركن.
أصدر "بدء الحصاد"، شعر. "صوت يبحث عن صداه"، شعر. "همسات في العاصفة"، شعر. "زبد فوق الرمال"، شعر.
ألم يتدارك الأمر صديقنا الشاعر رشدي الماضي إذ قال عنك: "أيّها الصوت الشعريّ الدافق، لأنّك تمتطي صهوة الحرف، وتسافر نحو الآتي والمستقبل، تعمل مُزارعًا في حقول الكلمات، تُنقّي بيادر حنطتها، بحيث ستظلّ تجربتك متجذرة في تربة مشهدنا الثقافيّ، ومعطفًا يختبئ ويحتمي فيه كلّ المرتعشين من صقيع الحياة.
ولم تغفل الشاعرة آمال عوّاد رضوان عن الحديث عن مزاياك ومناقبك وصفاتك، في أحاديثها وكتاباتها فقالت: أنت شخصيّة عصاميّة ذات مبادئ رفيعة، فكيف لا تُبهرنا أقوالك المأثورة إذ قلت: إنّ الدمعة؛ هي عصارة المشاعر ومداد العاطفة، والحبّ؛ هو رحيق القلوب وحريقها، والمرأة؛ هي تاج متى رغبت، وقيد متى غضبت، والطفولة؛ فردوس البراءة. وإزاء هذه الحِكم تصبح أيها العزيز ذاك الشيخ البليغ.
لماذا نقتبس من آمال أقوالها؟ لنستمع إليها وإليه في هذا الحوار، ويرافقهما موسيقيًّا الفنان الموسيقيّ المبدع نبيه عواد، مدير المعهد الموسيقي الكرواني في عبلين، فأدعوها لتسلم زمام الأمور.
وابتدأت آمال عوّاد رضوان حوارها مع الشاعر جورج جورج جريس فرح بقولها: هذا الآتي من خلف طاحون الزمن الأسود، ومن بين أنقاض النكبة، طفلٌ يفتح عينيه ورئتيه ليتنفس الحياة، أترك له النعوت، لنلمسها بحروفٍ نقشتها الحياة على خريطة مشواره.. جورج الطفل جاء يتيمًا في رحمِ أمّه، وهو الطفل الذي لم يكن له اسم بعد، جاء ليحدّثنا عن طفولته، عن مسيرته الأدبيّة وبروز الجانب الأدبيّ، عن المرحلة الثانويّة، وعن نشر أوّل قصيدة كتبها بعنوان "ابتسم"، وعن رعاية موهبته الأدبيّة رغم الظروف القاسية، وليقرأ لنا بعض قصائده في الطفل، الغزل، المرأة والشعر الساتيري، والوطن والأرض والمقاومة.
تخلّل الحوار فاصلٌ غنائيّ، "ست الحبايب" بصوت ساندرا حاج، ليحدّثنا عن أمّه وما تُشكّل الأمّ في شعره، وليفاجئنا بحفيدته جونا ربيع فرح التي ألقت قصيدة للأم من قصائد جدّها جورج فرح، لنتابع الحوار بلمحات موجزة عن هواياته ومواهبه الأخرى كالرسم والتمثيل، ولمحةٍ عن كتاباته النثريّة في القصّة القصيرة جدًّا، وعن مشروعه في  الترجمة.
ثمّ كان فاصلٌ غنائيّ كروانيّ آخر بصوت شادي تلحمي، من كلمات جورج فرح، وتلحين الفنان نبيه عوّاد مدير المعهد الموسيقيّ الكروانيّ في عبلين، في أغنية "عيون بلادي"، كمفاجأة للشاعر فرح، ولينتقل الحوار للحديث عن قصائده الزجليّة وقصائده المُغنّاة.
وختم العريف نايف خوري اللقاء قائلًا:  شكرًا للشاعرة والكاتبة آمال عوّاد رضوان، ولأخيها الموسيقيّ الأستاذ نبيه عوّاد، والآن أدعو رئيس البلديّة مرّة أخرى إلى المنصّة لتقديم الدرع التكريمي، ومن ثمّ تمّ التقاط الصور التذكاريّة.
بواكير قصائده: ابتسِم..! أيلول 1955/ بإشراف الشاعر عصام عباسي: ابتسِم ثمَّ ابتسِم لا تغضَبِ/ واتركِ الهمَّ ولا تنتَحِبِ/ يا أخي كم في الدُّنا من مُحزِنٍ/ عارمٍ من صُبحِنا للمَغرِبِ/ هل تُرى نقضي أسًى من ويلِنا/ أم تُرى نرنو معًا للأرحَبِ؟/ فتبسَّم، رغم ليلٍ حالِكٍ
وتجلَّد في صراعِ النُّوَبِ/ واجهِ الدَّهرَ بثغرٍ باسِمٍ/ يتوارى الهمُّ خلفَ الحُجُبِ/ فالأسى يا صاحبي يدعو الأسى/ وابتسامُ الثغرِ زادُ الغالِبِ!
قصيدة غرور: أتقولُ لا؟/ ولمَن نَظَمتَ وقُلتَ أبياتِ الغَزَل؟/ ولمَن بَعَثتَ مع العصافيرِ القُبَلْ؟/ ما زالَ مِن عَهدِ الدراسةِ في كتابي ذِكرياتْ/ ودفاتري مَلآى بخطّكَ أغنياتْ/ والمقعدُ الشرقيُّ/ سَلهُ فإنَّهُ باقٍ هناكْ/ كم مَرَّةٍ حفَرَتْ عليهِ اسمي/ بأشياءٍ يداكْ؟/ وتقولُ لا../ ألتستَرِدَّ الدَّينَ منّي؟/ يا مُغَفَّل!/ ألأنني ما كنتُ أجرؤ أن أجيبَكَ حينَ تسأل؟/ قد كنتُ أخشى أن يعمَّ السرُّ/ إني كنتُ أخجلْ/ أن يمضَغَ الطلاّبُ إسمي/ أو تسمَعَ الأخبارَ أمّي/ فيتمُّ حَبسي/ داخلَ البيتِ المقيتْ/ وتعيشُ نفسي/ في دُجى السّجنِ المميتْ/ وتموتُ مِن شوقٍ إليكْ/ روحٌ غَدَتْ تخشى عليكْ/ وتقولُ لا؟
قصيدة كابِرْ:/ تمادى أيها المغرورُ/ وَيلي مِن غرورِكْ/ قُلْ كَم نذَرتَ وكَم حرَقتَ ليومِ وصلي/ مِن بخورِكْ؟/ وتردّني إذ جئتُ ظمآى أستقي؟/ أتردّني؟/ وتقول: لا، لن نلتقيْ!/ وغدًا إذا صَدّقتُ قولَكَ وارتَحَلْتْ/ وصحوتَ بعدي مِن غُروركَ واعتَدَلْتْ/ ورجعتَ تسألُ يا مُغَفَّلْ/ أتظنّني سأعودُ أقبل؟/ واللهِ لا...
قصيدة في الغزَل/ بِعُنفِ النبضِ: أتمتحِنينَ مَقدِرَتي؟/ وهلْ تبغينَ في التَّردادِ إِرْباكي؟/ سئمتُ اللَّومَ سيِّدَتي/ فعُودي عن خَطاياكِ/ وكُفّي عن مُعاتَبَتي/ فلمْ تعرفْ مآقي العَيْنِ طعْمَ الدَّمْعِ/ لولاكِ/ تعالَي نمخُرُ الأحلامَ/ نسبحُ بينَ أفلاكِ/ ونرتَشِفُ الهوَى عذبًا/ وننسى الماضيَ الباكي/ لأغفوَ فَوْقَ نهدَيْكِ/ وأغرقَ في ثناياكِ
وَهَبْتُكِ كلَّ إِحْسَاسي/ فلا أَشتاقُ إلاّكِ/ رَأَيْتُ القلبَ يَسْتَغني عَنِ الدُّنيا/ وإياكِ/ وكم أفْضَى وكلَّمَني/ بعُنْفِ النَّبْض حدَّثَني/ وَقالَ بأنَّ لا جَدوى/ لهُ/ في غَيْرِ دُنياكِ!/ صدى النَّبَضَاتِ أرَّقَني / تعالَى فوقَ أسْمَاكِ/ فضجَّ الكوكَبُ الزَّهْريُّ/ مِن شغَفٍ لرُؤياكِ/ ووارَتْ وَجْهَهَا النَّجَماتُ/ من خَجَلٍ ومن حَسَدٍ/ لِمَسْمَعِها بأنَّ اللهَ/ أبدَعَ حِيْنَ سَوَّاكِ!
قصيدة في حب الأرض/ أحبُّ عذابي فيكِ/ لأنَّكِ أمّي/ ومن قبل أمّي ومن بعدِ أمّي.../ لأنّكِ حُبّي/ وفي الحبِّ كلُّ سروري وغمّي/ أحبُّ عذابي فيكِ وهمّي!/ لأنَّكِ وحيُ قصيدي وشعري/ وخفقةُ قلبي/ وبسمةُ ثَغري../ لأنَّكِ سرُّ شقائي وقهري/ لأنّي بحملِكِ قد ناء ظهري/ فها قد حملتُكِ من بطنِ أمّي/ أحبُّ عذابيَ فيكِ وهمّي!/ لأنكِ كلُّ الأماني الطليقَةْ/ وحُلميَ أنتِ/ وأَنتِ الحقيقةْ/ وهوَّة قبري ولحدي السحيقَة/ لأنَّكِ في البالِ كلَّ دقيقَةْ/ وفيكِ اليقينُ يبدّدُ وهمي/ أحبُّ عذابي فيكِ وهمّي!/ أحبُّكِ قدري أنا مرَّتَينِ/ وأكثرَ أكثرَ مِن مرَّتَينِ/ لأنَّ سلامَكِ دِيني ودَيني/ لأنَّ ترابَكِ كُحلٌ لعَيني/ لأنَّكِ أمّي/ ومِن قبل أمّي/ ومِن بعدِ أمّي/ أحبُّ عذابيَ فيكِ وهمّي!
قصيدة خمري دمي: للعُيونِ السّودِ في بَلَدي/ حِكاياتٌ جميلةْ/ شدَّ الرِّحالَ لأجلِها النّاسُ/ مَسَافاتٍ طويلةْ/ للجِباهِ السُّمرِ في بَلَدي/ رواياتٌ أصيلَةْ/ تروي الجبالُ فُصُولَها/ والمَرْجُ يَضفُرُها جَديلَة/ للمُروجِ الخُضْرِ في بلدي/ نُجَيماتٌ دَليلةْ/ تحجُبُ الظُلُماتِ حتّى/ يهتَدي الغادي سَبيلَهْ/ ولذاك الصَّخْرِ لو تدرونَ أعماقٌ سَليلَةْ/ رَسَّخَ الزَّيتُونُ فيها/ لمدَى الدَّهرِ أصُولَهْ.../ وأنا... مجنونُ زَيتوني وكَرْمي/ وأنا...أهوَى مِنَ الكَرمِ خَميلهْ/ وأنا من خَيرِ كَرمي كُلُّ خَمْري/ وأنا خَمري دَمي آبى بَديلَه!
قصيدة في المرأة- هُــنَّ... أيطيبُ لي مِن بعدِهِـنَّ العيشُ لو أبعَدتَهـنَّ؟/ بل كيفَ تعتمِرُ القلوبُ بنَبضِها من غيرِهنَّ؟/ ولئنْ يكــنَّ السّمُّ في عَقَصاتهنَّ، وقرصِهِنَّ/ ولئنْ بلغنَ من الدَّهاءِ الأوْجَ، مَرْخِيَّ الأعِنَّةْ،/ لكنّما يَبقَيْــنَ هُنَّ السِّحــرَ، هنَّ الوَحيَ هُنَّ.../ قــد صَوَّر اللهُ الجَمَــالَ مُلخّصًـا بجَمَالهِنَّ!/ وأراهُ قــد جَعَلَ الحَنــانَ مُجسّدًا بقلوبهِـنَّ../ ويطيبُ لي أن أرتَوي مِن نبعِهِنَّ وصَفوِهِنَّ.../ ويلذُّ لي أن أكتَوي، إذ أكتَوي، في نارِهِنَّ/ فــي لحظهــنّ أسِنّةٌ، أوّاهُ من تلكَ الأسِنَّةْ!/ لكنَّهُنَّ، إذا غضِبنَ، جَعَلنَ عذبَ اللَّحنِ عَنَّةْ/ فاسترضِهِنَّ وراعِهِنَّ بفطنةٍ/ من كَيدِهِنَّ/ واحفَـظْ لهُــنَّ مقامَهِنَّ، ولا تحمّلهُــنَّ مِنَّةْ/ ودارِهِنَّ فإنهُنَّ، متى أرَدْنَ/ جَعَلنَ للأخشابِ رَنَّـة./ وبكِلْمَةٍ.. وبلَحْظةٍ / يجعَلنَ نارَ الأرْضِ جنَّةْ!
قصيدة الشرقية: همُ ابتلـوها وقالـوا/ بأنَّ فيـها البَليَّـةْ/ وكبَّلــوها وشَدُّوا قُيـُودَها القَهْريَّـةْ/ غنيـمـةً  صَيّـروهـا  وسُلعـةً وهَديّـَةْ/ يا وَيحَهُـم صوّروهـا مَنبــوذةً سَلبيّـةْ/ قالوا: لها نِصْفُ عَقْلٍ، فـهـَـل تكــونُ ذكــيَّةْ؟/ ليسَتْ كما وَصَفوها لِكـَونها شَرْقيَّـةْ/ لكنّـهمْ غيَّبـوها عن مـَوْكِبِ البَشَريَّةْ/ واليـَـوْمَ يُطلَبُ مِنهـا أن تَدْحَـرَ الغَربيَّةْ/ في العِلْمِ والفَهْمِ حتّى في جَوهرِ الحُريّةْ/ يا قومُ لا تظلموها، لا تجعلـوها ضَحِيَّةْ/ فإنَّ  فيهـا كُنــوزًا  وثــَـرْوةً  وَطَنـيَّــةْ/ واستنهِضُوها بحَـثٍّ وَحِكمَـةٍ وَرَوِيَّــةْ/ ومهّـِدوا الدَّربَ حتّى تَسيرَ فيــهِ أبيَّـةْ/ مَرْفوعَةَ الـرَّأسِ فـِكرًا وقــُدرةً أدَبـيّـَةْ/ تجنوا ثِمارًا، لعَمْري، لـَذيـذةً وشَهيّـةْ/ من يزرعِ الجَهْـلَ يَحْصِدْ بَيَـادرَ الأمِّيّـَةْ!
قصيدة في الطفل: هاتوا الصّغارَ أضمُّهُم: هاتوا أياديكُمْ/ إذا تَعِبَتْ وأضناها العَمَلْ/ هاتوا أقَبِّلْها/ وأغسِلْها بدمعٍ في المُقَلْ/ هاتوا كواهِلَكُمْ/ فقد حمَلَت مدى العُمرِ الثِّقَل/ والأرضُ منكُم لم تَزَلْ/ مِعطاءَةً منذُ الأزلْ/ هاتوا معاوِلَكُم/ أزيِّنْها/ بشاراتِ الظَّفَرْ/ هاتوا مواجِعَكُم/ أطيّبْها/ بزيتٍ من شجَرْ/ زيتونِنا الطفّاحِ من جوفِ الحجَر!/ هاتوا صِغارَكُمو/ أضمّهمو/ إلى الصدرِ العَطِرْ/ هاتوا/ لأطبعَ فوقَ جبهَتِهِم قمَرْ/ فهُمُ البدايةُ والنهايةُ/ والحكايةُ والخبَرْ/ وهمُ القضيَّةُ والهويَّةُ/ والمسيرةُ والأمَلْ!
قصيدة موطني الدنيا: مَوطني الدُّنيا/ وَحُبُّ الخَلقِ ديني/ وَسَلامُ الأرضِ إيماني/ يقيني/ ضَحْكَةُ الأطفالِ في عُرفيَ أشجى/ مِن رَنينِ العُودِ واللَّحْنِ الحَنونِ/ ونَعيقُ البُومِ  في الأجْواءِ حُرًّا/ لهو أحلى مِن غِنا الطيرِ السّجينِ/ وَوُرودُ الرَّوْضِ/ فَوْقَ الغُصُنِ/ أبهى مِن وُرودٍ داخلَ الزِّقّ الثمينِ!/ لا تقولوا: ذاكَ مَجنونٌ/ وتمضوا/ ليتَكم تَدرونَ بَعْضًا مِن جُنوني!/ فاعذروني في هَوى قلبي/ لأنّي أعْشَقُ الأحْجارَ في بَرٍّ أمينِ/ أعشقُ الأمْطارَ والأنْسامَ/ حتّى أعْشَقُ الوَمَضاتِ في صَفوِ العُيونِ/ فاترُكوني، في غَرامي مُستَهيمًا/ وكِلوني لسلامي وشُجوني/ فإذا شِئْتُم/ هَلمّوا/ رافِقوني/ بسَلامٍ خاطِبوني/ وسَلامًا بادِلوني/ واركَبوا بحريْ/ ونَوئي وسَفيني/ واحمِلوا حُبّي وهَمّي وشُجوني/ وتعالَوا نزرعُ البَحْرَ سَلامًا/ نفرشُ الأرضَ بزَهرِ الياسَمين.ِ
قصيدة في الشعر الساخر: لا تقولوا مائلة!
لا فرقَ إن شَدَّت وإن أرخَت/ فما مِن مُشكلَهْ/ ها نحنُ في أحلامنا نحلُّ كلَّ مُعضِلَهْ/ ونحنُ في أوهامِنا نجتازُ كلَّ مرحلَهْ / فلا تثيروا القلقَلَة/ ولا تزيدوا البلبلهْ/ ولا يقضُّ نومَكم تفكٌّر في مسألهْ/ وإن تَرَوا مُعوَجَّةً فلا تقولوا: مائلهْ!/ مرّوا بها مرَّ الكرامِ كما تمرُّ السابلهْ/ فالصمتُ أسلم ما يكون/ لكي تظلَّ القافلة/ تمشي على الدربِ بلا مُعترضٍ أو عرقلَهْ/ لا تتعِبوا أعصابَكم/ لا تجهِدوا أفكارَكُم/ فإن نطقتم فاحذروا من بنتِ فِكْرٍ قاتلة/ فكل ما تبغون سهلٌ نيلُهُ/ ما أسهلَهْ/ من فلقةِ الصابون حتى المغسلهْ/ من قارب الصيادِ حتى الناقلهْ/ من مركب الحنطورِ حتى الحافلَهْ/ من قشة الكبريت حتى القُنبلَهْ/ فلنحمد اللهَ الذي أزاحَ عنا الأحملَهْ/ وخصَّها بغيرنا/ من غير ما أن نسألَهْ/ فليعملوا، وليجهدوا/ ولينتجوا كلَّ الذي نحتاجُ أن نستعملَهْ/ أو نلبسَهْ/ أو نأكُلَهْ/ يجري بنا أو نحملَهْ/ وليحفظ اللهُ لنا أمخاخَنا المعطَّلَهْ/ مرتاحةً مُدلَّـلهْ/ ونحن في المحصّلة/ جميعنا يدركُها أعرافنا المهلهلهْ/ لكننا اعتدنا على قيودها المكبِّلَهْ/ حتى غدت في طبعنا/ والطبعُ لا طبيبَ لهْ!
قصيدة سِر منقلِبًا: المنطقُ يبدو مَوروبا/ والباطـلُ أصبحَ مَرغوبا/ والعَدْلُ  اختـلَّ  توازنهُ/ والحــَقُّ تَبَـدَّدَ مَسْلوبا/ ميزانُ النَّحْوِ بهِ خَلَـلٌ/ فالـرَّفْعُ أتانا   مَنصوبا/ قد كانَ لإنَّ شقيقاتٌ/ هاجَرْنَ شَمالاً وجَنوبـا/ فغدَتْ من ضَعفٍ عاجِزَةً/ أن تأخُذَ  في النَّحوِ نَصيبـا/ والممنوعاتُ مِنَ الصَّرف انصـرفت لا تخشى تأنيبا/ المشرِقُ تغشاهُ دَيـاجٍ/ تمتــدُّ قـُرونًا وَحُقوبا/ والمغرِبُ قد أمسى شرقًا يتـَـوَهَّجُ    نــورًا ولهيبـا/ والأرنَبُ    يَتَبَوّءُ  عـَرْشًا/ والأسَـدُ   تبَـَدّى  مَركـوبا/ والنَّعـجَةُ  تقتاتُ  لحومًا/ والذِّئبُ حَشائشَ وعُشُوبا/ تَطـِلُّ  عَلَينا  أَحـَكـامٌ/ تُسمِعُنا في الحُكمِ عَجيبا/ أن  تبقى أنتَ  بلا  وَطَنٍ   / أو تحيـا في الـوَطَنِ غَريبا/ في  زَمَـنٍ  أصْبَحَ  مَعكوسًا/ مَفهـومُ  العَدْلِ  ومَقـلـوبا/ سِر مُنقَـلِبًا  حتى تَبـقـى/ فـي نَظَـرِ العـالَمِ  محبوبا
قصيدة في الاجتماعيات: هناكَ عِندَ المنعَطَفْ:هناكَ عِندَ المنعَطَفْ، في آخرِ الطَّريقْ،
قد كانَ لي صَديقْ/ أعزّهُ، أحبُّهُ مَحبَّةَ الشَّقيقْ/ منذُ الطُّفولةِ والصِّبا كانتْ لنا أيّامْ/ كانتْ لنا جَولاتنا/ كانتْ لنا سَهراتنا/ أخبارُنا، أسرارُنا/ كانت لنا الآمالُ والأحْلامُ والأوْهامْ/ تمشي على أقدامْ/ لكنّما انشغالنا/ في زَحْمَةِ السِّباقْ/ في عَصْرِنا هذا الذي يدعوكَ لِلّحَاقْ/ قد أبعَدَ المزارَ/ وأسْدَلَ السِّتارَ/ ولم نعُدْ لنلتقي برغمِ الاشتياقْ.../ أقولُ كُلَّ يومْ:/ لا بدَّ أن ألقى غدًا صديقيَ الحَميمْ/ لا بدَّ أن نَعودَ ما كُنّاهُ في القَديمْ/ والوَقتُ يمضي مُسرِعًا/ يومًا وراءَ يوَم/ يمضي كما الِّلصُّ فلا أكادُ أستفيقْ/ إلاّ وقد ودَّعْتُ عامًا قبلما أفيقْ!/ البابُ يُطرقُ في الصَّباحْ/ أقولُ: يا فتاّحْ!/ أجري فأفتحُ كي أرى/ جارًا لنا في البابْ/ يغشاهُ الاكتئابْ/ يقاومُ البُكاءْ/ يقولُ باقتضابْ: صَديقُكَ العَزيزُ عندَ المُنعَطَفْ/ لكُمْ طولُ البقاءْ!
قصيدة يا صديقي: قد لا يمكن لي أن أمنَعَ عثرةَ قَدَمَيكْ/ لكنْ، يمكنُ لي مد يدي كَي لا تهوي/ قد لا تجمعنا أحلامٌ أو آمالٌ/ لكني أسقي آمالَكَ كَي لا تَذوي/ قد لا يحلو لي طعمُ شرابٍ تشربُهُ/ لكني أرجو أن تنهَلَ ممّا يُروي/ قد لا يُعجِبُني رأيٌ منكَ ومُعتَقَدٌ/ أو قَولٌ ينبُعُ عن عَمدٍ أو عَن سَهوِ/ لكنّي أصغي، إكرامًا لصداقتِنا/ كي يبقى موصولاً أبدًا حَبلُ الصَّفوِ
قصيدة عيون بلادي: شو غنّوا لَعيون الزُّرْقْ/ ويامَ غنّوا لَعيون السُّودْ/ رَح غنّي لعيون بلادي/ إلما عِرْفتْ للجُود حْدودْ/ بْغَنّي للمرج الأخضَرْ/ وترابو الحلْوِ الأسمَرْ/ بْغَنّي لَغْلالِ البَيدَرْ/ وسواعِد تزرَع وزنودْ/ عيون بلادي مَنبَع خَيرْ/ مَنهَل حُبّْ ومَرتَع طَيرْ/ يسري حُبَّا بدمّي سير/ مِتْأًّصِّلْ عن سبْعِ جْدودْ
موال: بلادي بْيوم ما ربِّي جَبَلْها/ وأخصَبْ سَهِلْهَا وعَلَّى جَبَلها/ جبَلها بالوفا، ولمَّا جَبَلها/ ضِحِكْلا وقال: يا أحلى البلادْ!
مْنِ عْيونا ينسابِ النَّهْرْ/ يخلّي المَرج يفتّحْ زهْرْ/ ويِطلَعْ فَجْرْ ويدفَعْ مَهْرْ/ تا يقطُفْ مِنْها عنقودْ!
قصيدة حلوة الأوصاف: بتتذكّري يا حلوة الأوصافْ/ عَ حْفاف مجرى المي ملقانا/ نقعد بفيّة شجرة الصفصاف/ ونوشوش الميات نجوانا/ بتتذكّري، بعمر الورد كنّا/ وغير اللعب بالحبّ ما عِنّا/ لو كان فينا نرجّع الأيام/ ونذكّر الميات شو قُلنا/ بعدو النهر جاري وميّاتُه/ بتوشوش الصفصاف نغماتُه/ وبعدو القمر بيطل في هالليل/ والليل متباهي بنجماتُه/ وبعدِك بقلبي زغيَّرة وحلوة/ وبعدو خيالك والقمر في المَيّ/ وبعدك على شفاف الهوى غنوة/ بتدور في سهرات أهل الحيّ!
رسالة من شاعرٍ مسلوب الإرادة في الخدمة العسكرية في أرضٍ محتَلَّة: كانون الثاني 1987 (إبانَ الانتفاضة الأولى): حبيبتي/ من بقعةِ ما ههنا/ في أرضنا "المحرَّرَةْ"/ أخطُّها رسالةً/ إليكِ غَيرَ عاطِرَةْ/ حبيبتي/ لا تفزعي مِن لهجتي المغَيَّرَةْ/ فكلُّ ما يحيطُ بي مُستَنكَرٌ كما أرى!/ حجارةُ البيوتِ تبدو كالوجوهِ الساخِرَةْ/ أفواهُها مفغّرَةْ/ كأنّما تهمُّ أن تبتلِعَ المجنزَرَةْ!/ والريحُ حَولي هادرَةْ/ عاصفةٌ مزمجِرَةْ/ وأعيُنُ الأطفالِ كالمصائدِ المحضَّرَةْ!/ بالأمسِ يا حبيبتي/ خرجتُ في مهمّتي/- مهمّتي المقرَّرَة-/ وكانَ في معيَّتي/ لا أستطعُ قولَ ذا/ فالبَوحُ محظورٌ هنا/ والقَولُ يا ما أخطَرَهْ!/ حصيلةُ القَولِ إذَن/ موجزةً مقصَّرَةْ/ أن عادتِ القوَّاتُ مِن مَيدانِها/ مظفَّرَة!/ حبيبتي/ يومٌ مضى/ أودُّ ألاّ أذكُرَهْ/ قد عُدتُ يا حبيبتي أجرُّ ذَيلَ خَيبَتي/ مِن ذاتيَ المُقَهقَرَةْ/ هزيمتي في داخلي/ بعارِها مؤَزَّرَةْ/ وصورةُ الإنسانِ في قرارتي/ مصدوعةٌ مكسَّرَةْ...
حبيبتي/ بطولتي في الأحرُفِ المزهِّرَةْ/ بالحبِّ، بالإيمانِ/ بالإنسانِ في ما طَوَّرَهْ،/ في كِلمَةٍ أقولها/ مضيئةً معبِّرَةْ/ عن صورَةِ اللهِ التي أهداكِ مِنها مِسطَرَةْ،/ وقهرُ شعبٍ أعزَلٍ بطولةٌ مزوَّرَةْ!/ حبيبتي/ قولي لهُم/ لإخوَتي، لقادَتي/ قولي لهُم: يا سادَتي/ لا تقتلوا الإنسانَ في الإنسانِ كَي لا نخسرَه! وإن أنا في خِدمَتي/ تشوَّهَت هويّتي/ فلتأخذي بريشتي/ ولتكتبيها قصَّتي/ ولتكملي قصيدتي/ فأنتِ بعدي شاعرَةْ/ وألفَ ألفَ معذرَةْ!
من قصائده القصصيَّة الرمزية: من مشتل السلام: مِن مَشتَلِ السَّلامْ/ زرَعتُ في بُستاننا في سالفِ الأيَّـامْ/ شُجَيرةً صَغيرةْ/ شجَيرةَ الأحْلامْ/ رَعَيْتُـها، روَّيتُـها/ حَفِظتُهـا/ مِن كُلِّ شرٍّ مُحدِقِ/ مِن يَومِ حَرٍّ مُحرِقِ/ ومِن شِتاءٍ مُغرِقِ/ شُجَيرَتي قد أينَعَتْ فأورَقَتْ وأوشَكَتْ/ أن تَبدأَ الإزهارَ/ لتُعطِيَ الأثمارَ...
وذاتَ يَومْ/ حَطَّتْ على شُجَيرَتي جَرادَةٌ عَنيدَةْ/ تَنهَشُ في أوراقِها مَسرورةً سَعيدَةْ/ حاوَلتُ أن أردَعَها بجُملَةٍ مفيدَةْ/ حاوَلتُ أن أطرُدَها لجِهَةٍ بعيدَةْ/ لكنَّها تَمَرَّدَتْ/ تَوَعَّدَتْ وهدَّدَتْ/ واستنفَرَتْ مِن جِنسِها جماعَةً مَزيدَةْ/ وأعلَنَتْ بأنَّها السُّلطانةُ الفَريدَةْ/ والنَّهْشُ مِن شُجيرَتي/ في عُرفِها، عَقيدَةْ/ ولم أجِدْ في إخوَتي مَن يُدرِكُ المكيدَةْ/ فكلُّهم مُقيَّدٌ ولازمٌ حُدودَهْ/ وكلُّهُم مسيَّرٌ وكاظمٌ رُدودَهْ/ وكلُّهُم/ لو أدركوا/ حقولُهُم مَرصودَةْ...!/ وأصبَحَتْ شُجيرتي/ مِن مَشتلِ السَّلامْ/ مَحزونةً كئيبَةْ/ وَلم تزَلْ غريبَةْ/ تنتظرُ العجيبَةْ/ في مَوكِبِ الأيَّامْ..
قصيدة من قصائدي الوطنية:غضِبَ التُّرابُ:
قذفـوا إلـى لُجَـجِ البــحار برايــتي/ فمضَتْ شراعًا غالَبَ الإعصارا/ هَـدَروا دمائـي في مساربِ عَـودتي/ فغــدَت دمــائي للرفــاقِ منــارا/ وضعوا السلاسل والقيود بساعدي/ فأخــذتُ منهــا اللحنَ والأوتارا/ سرقوا مدادي حين خافــوا كِلْمَتي/ فَطفِقْــتُ أكتبُ بالـدَّمِ  الأشعارا/ وبدَت كــأروعِ ما تكــونُ قصائدي/ فاغتاظَ جلاّدي  وشـدَّ حصـارا/ قلعــوا الكــرومَ وأحــرقوا بيّــارتي/ غضِبَ  الترابُ  فأنبتَ  الصبّارا/ نزعــوا سلاحي خشيـةً من ثورتي/ فقذفتُ في وجهِ  الطغاةِ   حجارا/ نسفــوا المنازلَ والبيــوت بقـريـتي/ فتخـذتُ  حقّــي  منــزلاً  وديارا/ وبقيــتُ مُعتصــمًا بحـقّــي مؤمــنًا/ أَنّــي سَأُبْعَـثُ  مـاردًا  جبّــارا
قصيدة يا مجرى المي: كلمات: جورج فرح وألحان: بشارة عواد: يا مجرى المي/ فاكر بعدك أيامه/ يا مجرى المي/ يا زهور الفي، ذبلوا عيونك أو ناموا/ يا زهور الفَي/ يا أهل الحي خلوا القلب بأحلامه/ وشوي شوي يا ويلي وشوي شوي/ وشوي شوي عاللي مجروح بقلبه/ واللي في الضَّي ماشي ومش شايف دَربه/ أوف ويا بَي مغناته بقصة حبه  أوف وياباي
موال: يا مجرى المي سلِّم لي عليهم/ قتلني الشوق يا أهل الله إليهم/ ظلمني القلب/ ما بعمره نسيهم/ تراهم بدلوا غيري حباب!
قلبي يا خي/ من يوم فراقه ناطرْ/ قولوا  يا خْطَيْ/ كلمة جبر الخواطرْ/ يلويني لي/ والله بتعذيبي شاطرْ/ يلويني لَيّ/ ضيَّعت صْبَايْ/ يا أهلي لا تلوموني/ لا تزيدوا عْلَي/ وين دْروبُه دِلُّوني/ ما بعدُه شَيْ/ ياهْل الله  يِملّا عيوني/ ما بعدُه شًي/ إيه والله ما بعدُه شَي
قصيدة العود: كلمات: جورج فرح وألحان: بشارة عواد
دوزن أوتارك يا عودي/ ويا ناي بألحانك جودي/ غني لي وعيدي يا ليالي/ يا ليالي اللي راح تعودي/ دوزن أوتارك سمعني/ صوتك وأنينك يشجيني/ لو كان الجرح بيوجعني/ رنة أوتارك تشفيني/ ما بين الكاس وأنغامك/ دنياي وصفوة أيامي/ ما بين سكوتك وكلامك/ لهفي وأشواقي وأحلامي/ دوزن يا عود/ غرد يا عود/ بدِّد أحزاني وأوهامي/ إلعب يا عود/ إطرب يا عود/ أنغامك بلسم آلامي
قصيدة يا حلوة يا اللي فبالي: كلمات: جورج فرح وألحان: شفيق زهر
يا حلوة يا اللي فبالي/ شو حبك عندي غالي/ لو كانت ايدي بتطول/ لبنيلك قصر العالي/ يا حلوة مين قدك مينْ/ قدامك ضاعوا الحلوين/ لو غبتي من عيوني سنينْ/ ما راح غيرك يحلالي/ يا حلوة حبك غلاب/ دوَّبني وعمره ما داب/ لو هالليل الأسود شاب/ ما بغيّر عنك حالي/ قالوا الحب دروب دروب/ وأنا اللي بحبك مغلوب/ غرقان وما بدّي توب/ نيّالي يا نيّالي
قصيدة فيِّي على الأحباب- كلمات: جورج فرح وألحان: ميشيل ديرملكنيان
فيِّي على الأحبابْ/ يا شجرة العنابْ/ لو يعرف اللي غابْ/ قلبي عليه شو دابْ/ بتتذكري أيام كنا بفيّتك نرتاح/ يُسرق النغماتْ منَّا البلبل الصدَّاح/ شو همسَتِ النسماتْ عنا بعِطرها الفوّاح/ يا ملتقى الأحباب... يا شجرة العناب/ دارت الأيام فينا والهوى شو دار/ وبعدك بطيات قلبي للهوى مشوار/ شو كتبنا وشو محينا بالهوا  أسرار/ والدَّهر قلاب... يا شجرة العناب
القمر لو غاب/ لازم نقشعُه بُكرَه/ والأمل في القلب، لا بد نلتقي مرَّة/ واللي حفظلك عَهدِكِ وعايش على الذِّكرى/ راجعلك ولو غاب...    يا، يا شجرة العناب!
قصيدة يا جارتي السمراء: كلمات: جورج فرح وألحان: ميشيل ديرملكنيان
يا جارتي السمراءْ/ يا نفحةَ العطرِ/ رموشك السوداء/ تنهل بالسحرِ/ تقول لي العينان:/ أهواك يا جاري/ في موجة الألحان/ دوَّنتُ أشعاري/ يا جارتي إنّي/ أخشى على قلبي/ يا لَوعَتي منّي/ ومن ضنى حبّي/ الحب أعياني/ من ذاكَ يشفيني؟/ فغمَستُ ألحاني/ في برد تشرينِ/ قد مزّقت قلبي/ دوامة الإعصار/ فصرختُ: يا حبي/ رحماك يا جبار!/ يا جارتي السمراء/ القلبَ  أهديكِ/ في حرقة الأشواق/ روحي تناديكِ !   
قصيدة حلمك علينا: كلمات: جورج فرح و ألحان: ميشيل ديرملكنيان
حِلْمَك علينا يا هوى/ حِلمَك علينا/ لا بد ما نلاقي الدوا، ونرحم عينينا/ راحوا الحبايب طوّلوا/ وما ودّعونا/ هم اللي باعوا يا هوى/ واحنا اشترينا/ صبرك علينا يا هوى/ وحياة عيونك/ مهما الفؤاد داب وانكوى مش راح نخونك/ إن طال عليك ليل النوى ودبّل جفونك/ نِسْهَر بدالك يا هوى/ واشهَدْ علينا/ حلمك علينا يا اللي في حلمك معاني/ ينساني عمري إن كنت أنساك في زماني/ ما أقدرش أروح للناس أبوح وأكشف هواني/ من خوفي منهم يا هوى يحكوا علينا
















11  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / آمال عوّاد رضوان ما بينَ الممكنِ والمستحيل! في: 09:22 24/02/2013
آمال عوّاد رضوان ما بينَ الممكنِ والمستحيل!

آمال عوّاد رضوان
ولأنّني عاشقةٌ جبرانيّةٌ منذُ تفتّحت مجسّاتُ حواسّي على الحياةِ، كان جبرانُ سميري وخليلي وحبيبي، أتعزّى بحروفِهِ في حزني، وأتلهّى بكلماتِهِ في ضجَري، فيغمرُني ببصيصِ فرحٍ يُغبّطُني، ويُواسيني مداعبًا عاتبًا:
"ما أكثرَ ما تمتلىءُ البئرُ الّتي تسقين منها ضحكاتِكِ بفيضِ دموعِكِ، فعَلى قدْرِ ما يغوصُ الحزنُ في أعماقِكِ، يَزيدُ ما تستوعبينَ مِن فرحٍ، أليستِ القيثارةُ الّتي تَسكُنُ لها نفسُكِ، هي قطعةُ الخشبِ الّتي حفَرَها سكّين؟ حين يَستخِفُّكِ الفرحُ اِرجعي إلى أعماق قلبِكِ، فترَيْنَ أنّكِ في الحقيقة تفرحينَ بما كان يومًا مصدرَ حزنِكِ، وحين يَغمرُكِ الحزنُ تأمّلي قلبَكِ مِن جديدٍ، فسترَيْنَ أنّك في الحقيقةِ تبكين ممّا كان يومًا مصدرَ بهجتِكِ، فدعي الحاضرَ يُعانقُ الماضي بالذّكرى، والغدَ بالحنين!"
ولطالما يتمدّدُ الليلُ في اضطرابِهِ الكئيبِ يُناجيني، يَتثنّى نسيمُهُ العابثُ مُتمايلًا، بشَجيِّ نايِهِ يُناغيني، يُوشّحُني بأشباحِ الرّهبةِ وطَرحةِ الأخيلة، لتَزفَّني عرائسُ العتمةِ بنشيدٍ وديعٍ إلى كوّةِ الحزنِ، حيثُ أنّاتُ خليلي تنسابُ إلى عُمقِ روحي المُلبّدةِ بالسكينةِ!
تتسلّلُ.. تندسُّ في ثقوبِ خلوتي، تتخلّلني، تُجَبْرِنُني بعشِقِه المُفعمِ بأذيالي، وتُبشّرُني بفرحٍ آتٍ، يُتوّجُني بإكليلِ الحياةِ كي أكون! تتلبّبسني البسمةُ: أكونُ؟ كيف أكونُ؟ وأينَ أكون؟ ومتى أكون؟
هناك.. في الأفقِ الغافلِ عن مواعيدِهِ، تنهّدَتْ أجراسُ الحنينِ بأنفاسِها المسحورةِ، تُسكرُني بحنانِها الممشوقِ، وتدعوني مصابيحُها المُعطّرةُ بالنّور، إلى كأسٍ تمتلئُ بهتافِ غبطةٍ هامسٍ:
يا الكائنةُ ما بينَ الممكنِ والمستحيلِ، عسى قراءتي تلقى استحسانَكِ، وتنشرينها أينما ترغبين!
بسرورٍ، يا الناقد عبد المجيد جابر، يا مَن تُلهب غروريَ المتواضعَ بتحليلكَ الأدبيّ للقصيدة:

في مَهبِّ رَصِيفِ عُـزلَـة/ للشّاعرة: آمال عوّاد رضوان!؟
المَجهُولُ اليَكْمُنُ خَلفَ قلبي
كَم أَرهبُهُ يَتَكَثَّفَ وهْمًا
عَلى/ حَوافِّ غِلافِهِ
أَخشَاهُ يَحجُبُ برَائبِ غَيْمِهِ أَقمَارَ حُلمي
أن تَتَطاولَ يَدُ عَقلي
تَهُزُّني ../ تُوقِظُني ..
بِلُؤمٍ سَاخِرٍ
مِن سَكْراتِي الهَائِمَة
كَيفَ أَمنَحُكَ قلبيَ الآنَ
وقدِ اخْتَطفَتْهُ مَلائِكةُ الحُبِّ
إلى فُسحَةٍ في العَراء
كيفَ لَها أن تَهدأَ ذبذباتُ الرَّغَباتِ
حينَ تَتماوجُ في فَضاءاتِ الخَيالِ؟
كيفَ وَصَداها يَشُقُّ حِجابَ الإرادةِ
وتَركُنَ حِيالَها عَاجِزًا .. شارِدَ الرُّوح !
آهٍ .../ ما أَشقاهَا المرأةَ
حِينَ تُسَاقُ مُقَيَّدَةَ الرَّغبةِ
إلى زَنزَانةِ أَحلامِهَا المُستَحِيلَة ..
كأَنَّ الشَّوقَ يَرمِي حُوريَّاتِ الأَحلامِ
في سَحيقِ هَاوياتِها
يُهجِّنُ وِلادَاتٍ رَهيبةٍ
يَترُكَها أَجِنّةَ حُبٍّ عَلى ثَديِ انْتِظَارِها
قَد أَكونُ أَرهقتُكَ؛
بِضَجيجِ فِكري/ بِضَوضاءِ قلبِي
أَشعرُ بالذّنْبِ
حِينَما أَرجُمُكَ بِإبرِ أَحاسِيسي
وما مِن ذَنْبٍ أَقترِفهُ
سِوَى أن تتكَبَّدَ جَرِيمةَ حُكْمِي
أُحِسُّ برَاحةٍ غَريبةٍ
حِينَما أُوقِعُ بِكَ قِصَاصِي
بِلُؤمٍ أَبْلَه
أَحتَاجُ إليكَ ..
بِنَسيمِكَ أَكُونُ مَلكْتُنِي
وَبِغُبَارِكَ أَكُون خَسِرْتُنِي
فَلاَ تسكبْ عُصاراتِ رُوحِكَ
في كُؤوسِ ضَعفِي
ولا تَقُضَّ قِشرَةَ آمالِي
أَرهبُ عليكَ مُنازلتَها الشَّقِيَّة
ولا تُوقِظْ بِي حَنينًا أَغرقتُهُ في سُبَات !
لَيْتكَ تَغمُرني كلَّ آنٍ
بِلَحظاتِ حُزنِكَ وَعذابِكَ
قَدْ تَقتُلُ بِيَ الخَوفَ والشَّكّ
كَيفَ آمرُنِي أَن أُغادِرَكَ ؟
وقَلبُكَ احْتَلَّنِي
رُوحُكَ تَتجلَّى في مَرايا رُوحِي
وأنتَ ظِلِّي المُلاَصِقُ
بِحَرْفي ../ بِخَوْفي ../ بِعَطْفي ..
أنا المَصقُولةُ بِكَ / المَرهونةُ لَك
كَم بِتُّ رَهِينةَ رَوعَتِك !
أَرتَاعُ حِينَما أُحِسُّ بالشَّوقِ
يُدثِّرُني بِثَوبِ الإِثْم
أَجزَعُ وأَهرُبُ
كي لا أُكَابِدَ/ في وحدَتي
مَغَارزَ الأَلَم
لا تَترُكْني رَعشةً
في مَهبِّ رَصِيفِ عُزلَة
رغم أَنَّ تلكَ النَّسائمَ أَصبحتْ
تَطِيبُ لي وتُغفِيني !
*ثانيًا: التّحليلُ الأدبيّ:
جوُّ النّصّ:  تتحدّث عن معاناة المرأة في صمتِها، ما بين البوح والكتمان، وما بين الممكن والمستحيل، وما بين المفروض والمطلوب، والحاجة الشخصيّة والحاجات المجتمعيّة، بكلّ الأحاسيس التي تُكابدها الأنثى في عزلتها، فهي تريد أن تكون شريك الرَّجُل أو أقلّ درجة، لكنّها لا تجد ذاتها، ولا تتلمّس كيانَها، في ظلّ مجتمع لا يُراعي أمانيها أو نبضَ أحاسيسها، فتظلّ أسيرةَ الوحدة... 
*الأفكارُ الرّئيسة:     
1. شعورُ الشاعرة بالرهبة والخوف، وهي ترى واقعَها وهمًا وخيالًا، فأقمارُ أحلامِها قد حُجبت واستُتِرتْ بفِعل المجتمع.
2. تتحسّسُ الشاعرةُ مرارةَ اليأسِ مِن جرّاء عزلتِها، لكنّ أحاسيسَها تسخرُ منها، وضميرَها يُؤنّبُها على عجْزِها.
3. ترى الشاعرةُ أنّ المرأة لم تعُدْ تثقُ بالرّجُل، أو المجتمع الّذي أبعدَها عن دوْرها الطبيعيّ، وقَلَبَها نبْعَ عطاءٍ اختطفتْهُ ملائكةُ الحُبّ.
4. تُعلنُ الشاعرةُ أنّ المرأة لديها رغباتٌ جامحةٌ وأمانٍ وأحلامٌ، لكنّها عاجزةٌ عن تحقيقِها، فتراها شاردةَ الذهن والوجدان أمام هذا الواقع المهمِّشِ لرغباتِها وأمانيها.
5. تُصوِّرُ الشاعرةُ ما في داخل المرأة، فهي امرأةٌ شقيّةٌ متوجّعةٌ، تُساقُ ورغباتُها وأحلامُها رغمًا عنها في غياهبِ الضّياع.
6. المرأةُ تُطالبُ بحقوقِها، لكنّ مطالبَها لا تتحقّقُ، وهي تشعرُ بتأنيبِ الضّميرِ، وهي عاجزةٌ بأحاسيسِها المُتدفّقة نحو الرّجُلِ الذي لا يُصغي لها.
7. المرأةُ تُعاقِبُ الرّجُلَ وتُعاتِبُهُ؛ لأنّه لا يستمعُ لمطالبِهان ولا يعملُ على تحقيق أمانيها، فكأنّهُ أبلهٌ لا يُحلّلُ ولا يعي ما تريدُه.
8. تتمنّى الشاعرةُ مِن المجتمع أن يَسمعَ لمطالبِها ونبضاتِ قلبِها وشوقِها، لتَسكُبَ في روح الرّجُلِ  حنانَها، ولِيُحَسِّسَها بمكانتِها، لكنّ الرّجُلَ يَصُمُّ أذنَيْهِ، ويخسَرُ هذا السّيلَ المُتدفّقَ مِن رِقّةِ أحاسيسِها وفيْضِ عطائِها.
9. انعدامُ الثّقةِ بينَ المرأةِ والرّجل، بينَ مَن يُنادي وبينَ مَن لا يَسمع.
10. تريدُ المرأةُ أن تتوحّدَ روحُها مع روح رجُلٍ لا يُهمِّشُها، لكن دون جدوى.
11. المرأةُ تبقى أسيرةَ وحدتِها.
لذلك نرى أنّ الأفكارَ عندَ شاعرتِنا في مقطوعتِها هذه مُنْصَبَّةً في قلبِ عناصر العملِ الأدبيّ مجتمِعة، (لقد بيّن روّاد الشعر العربيّ الحُرّ، كيف تندمجُ الأفكارُ مع بقيّة العناصر المُكوِّنةِ للقصيدة، بحيثُ لا يمكنُ فصْلُها عن السّياقِ الشعريّ، إذ تصبحُ جزءًا مِنَ البناء الفنّيّ والصّورة الفنّيّة. فالبياتي يرى "أنّ الأفكارَ تختلفُ في الصورةِ الشعريّة، فلا يَبرُزُ مِن القصيدة غيرَ بنائِها الفنّيّ وصُوَرِها الشّعريّة"(1 ). فالفكرةُ جزءٌ مِن عناصرَ كثيرةٍ تُكَوِّنُ مادّةَ القصيدة، ولا يُمكن فصْلُها عن المجموع أو تمييزِها مِن القصيدة. إنّها "ليست قيمةً تُضافُ إلى قيمةِ الفنّ في الشّعر، فيُصبحُ بها غيرَ ما هو، أو غيرَ ما كان"( 2)، بل هي مبثوثةٌ في كلّ العناصرِ المُكَوِّنة. 
الأشياءُ تفقدُ في الفنّ شيئِيَّتَها والأفكارُ فِكرِيَّتَها، لأنّها تنسلخُ عن أصلِها وتَلبَسُ فنّيّتَها، تُصبحُ رمزًا. الواقعُ في القصيدة يتخلّصُ "من نظامِهِ المكانيّ والزّمانيّ والنفسيّ والموضوعيّ"(3). 
*العاطفة:         
1. عاطفةُ الرّهبةِ والخوفِ مِن واقعِها الوهْميّ، والخيالُ مِن واقعِ عُزلتِها في المجتمع.
2.  التّبرُّمُ مِن مرارةِ اليأس، والسّخريةُ مِن نفسِها لعجزِها وضياعِها. 
3. عاطفةُ الأسى والحزن، بسبب انقطاعِ حبْلِ الثّقةِ بين الرّجُلِ والمرأة، ومِن شرودِ ذهنِها، وعجزِها.
4. التّوجُّعُ والتّألُّمُ مِن واقعٍ مرير. 
5. عاطفةُ الدّهشةِ والتّعجب مِن تصرّفاتِ الرّجُلِ الّذي يُفضِّلُ عُزلةَ المرأة، على أن تنسكِبَ وتتوحّدَ روحُهُ في روحِها.
6. عاطفةُ الحزن الشاعرة، فهي أسيرةُ وحدتِها.
      وتستمدُّ الشاعرةُ أفكارَها ومعانيها مِن تجربةٍ صادقةٍ، وعاطفةٍ قويّةٍ، فلا ريبَ في ذلك، فهي مُرهفةُ الأحاسيسِ، تُحِبُّ وتطمحُ في مشاركتِها للرّجُلِ وأعبائِهِ، مُتلهِّفة للرّجُل للتّوحُّدِ معهُ، على أن يُحسِّسَها بذاتِها وقيمتِها، بعيدًا عن واقعِ حياةٍ لا تَرحمُ، وقد تكرّرتْ معاني العُزلةِ ومترادفاتُها كثيرًا في المقطوعة؛ لتأكيدِ تَطلُّعِها وشوقِها بالإحساسِ بذاتِها وكيانِها، فهي تهربُ بقلبِها عن واقعٍ وحياةٍ سلبَتْها الحقوقَ، وأثقلتْ عليها بالواجباتِ، فوجدتْ في العُزلةِ والاعتزالِ خيرَ صديقٍ، وهيَ تَعجزُ عن التّغييرِ، فها هي تُعايشُ الأحداثَ بنفسِها، فانعكستْ تلكَ على أحاسيسِها ووجدانِها، وقد غلبتْ على المقطوعةِ نزعةُ الرّفضِ للواقعِ المُرِّ والمُزري، فارتفع صوتُها رافضًا هذا النّسيجَ المَبنيَّ على عدَمِ تقديرِ الإنسانِ لإنسانيّتِهِ، فتَهرُبُ أمامَ العجزِ وعدمِ التّمكُّنِ مِن التغيير، إلى خيرِ جليسِ وحدتِها وقلمِها، لتسطُرَ ما يحلو لها شعرًا نثريًّا، طلبًا للذّاتِهِ العقليّةِ والوجدانيّةِ، فهي المُلقي، والشِّعرُ هو الوسيلة، علّها تجدُ المتلقّي الذي يسمو بفِكرِهِ نحوَ الإبداع، ففي الشِّعر تُعبِّرُ عن ذاتِها وحُبِّها وآمالِها وأمانيها. 
*الخصائصُ الأسلوبيّة: أوّلًا: التّصويرُ الفنّيّ-
        *التّشبيهات: 

 أ. التّشبيهُ البليغُ: (وأنتَ ظِلّي المُلَاصِقُ): شَبَّهَت الشّاعرةُ نفسَها بظِلِّ الرّجُلِ، تشبيهٌ مفردٌ/ بليغ.
ب. التّشبيهُ التّمثيليّ: (يَترُكَها أَجِنّةَ حُبٍّ عَلى ثَديِ انْتِظَارِها): صورةُ الرّجُلِ الذي يُهملُ عواطفَ المرأة، ولا يلتفتُ لأحاسيسِها، وهي تترقّبُ استجابتَهُ لها ولا يستجيبُ، بصورةِ الطّفلِ الّذي ينتظرُ ثديَ أمِّهِ ولا يحصلُ عليه.
*الصّوَرُ والاستعاراتُ:
المَجهُولُ اليَكْمِنُ خَلفَ قلبي
كَم أَرْهبُهُ يَتَكَثّفُ وهْمًا/ عَلى حَوافِّ غِلافِهِ
أَخشَاهُ يَحجُبُ برَائبِ غَيْمِهِ أقمَارَ حُلُمي
أن تَتَطاوَلَ يَدُ عَقلي
تَهُزّني ../ تُوقِظني ../ بِلُؤْمٍ سَاخِرٍ
مِن سَكْراتِي الْهَائِمَة
هنا مجموعةٌ مِن الصّورِ المُتلاحقةِ المُتتابعةِ، وهي كما القنواتُ العذبةُ،  تجري كلُّها وتتدفّقُ لتصبَّ جميعُها في الصّورةِ الكُلّيّةِ، وتتمثّلُ في صورةِ المرأةِ الّتي أُهمِلت في مجتمعِنا، وهي عاجزةٌ عن التّغييرِ، وغيرُ راضيةٍ على هذا الواقع، تتلوها صُوَرٌ جزئيّةٌ أخرى متتابِعةً ومتلاحِقة.
الصّورةُ الأولى: صورةُ امرأةٍ تشعرُ بالرّهبةِ والخوف، وهي ترى واقعَها وهْمًا وخيالًا، فأقمارُ أحلامِها قد حُجبتْ واسْتُتِرَتْ بفِعل المجتمع.
والصّورةُ الثّانية: صورةُ امرأةٍ تَشعُرُ بمرارةِ اليأسِ مِن جرّاء عُزلتِها، لكنّ أحاسيسَها تسخَرُ منها، وضميرَها يُؤنّبُها على عجْزِها.
كَيفَ أمنَحُكَ قلبِيَ الآنَ
وقدِ اخْتَطفَتْهُ مَلائِكةُ الحُبِّ/ إلى فُسحَةٍ في العَراء
صورةُ امرأةٍ لم تَعُدْ تثِقُ بالرّجُلِ، أو المجتمع الّذي أبعَدَها عن دوْرِها الطّبيعيّ، وقلبُها نبعُ عطاءٍ اختطفَتْهُ ملائكةُ الحُبّ.
كيفَ لَها أن تَهدأَ ذبذباتُ الرَّغَباتِ
حينَ تَتماوجُ في فَضاءاتِ الخَيالِ؟
كيفَ وَصَداها يَشُقُّ حِجابَ الإرادةِ
وتَركِنَ حِيالَها عَاجِزاً .. شارِدَ الرُّوح!
صورةُ امرأةٍ لديها رغباتٌ جامحةٌ وأمانٍ وأحلام، لكنّها عاجزةٌ عن تحقيقِها، شاردةُ الذهنِ والوجدانِ أمامَ هذا الواقع المهمِّش لرغباتِها وأمانيها.
آهٍ .../ ما أَشقاهَا المرأةَ/ حِينَ تُسَاقُ مُقَيَّدَةَ الرَّغبةِ
إلى زَنزَانةِ أَحلامِهَا المُستَحِيلَة ..
كأَنَّ الشَّوقَ يَرمِي حُوريَّاتِ الأَحلامِ
في سَحيقِ هَاوياتِها/ يُهجِّنُ وِلادَاتٍ رَهيبةٍ
يَترُكَها أَجِنَّةَ حُبٍّ عَلى ثَديِ انْتِظَارِها
صورةُ المرأةِ الشّقيّةِ المُتوجّعةِ تُساقُ ورغباتُها وأحلامُها رغمًا عنها في غياهبِ الضّياع.
قد أَكونُ أَرهقتُكَ؛
بِضَجيجِ فِكري/ بِضَوضاءِ قلبِي
أَشعرُ بالذّنْبِ/ حِينَما أَرجُمُكَ بِإبرِ أَحاسِيسي
وما مِن ذَنْبٍ أَقترِفهُ
سِوَى أن تتكَبَّدَ جَرِيمةَ حُكْمِي
صورةُ المرأةِ الّتي تُطالبُ بحقوقِها فلا تتحقّقُ، وهي تشعرُ بتأنيبِ الضّميرِ، وهي عاجزةٌ بأحاسيسِها المُتدفّقةِ نحوَ الرّجُلِ الّذي لا يُصغي لها.
أُحِسُّ برَاحةٍ غَريبةٍ/ حِينَما أُوقِعُ بِكَ قِصَاصِي
بِلُؤمٍ أَبْلَه
صورةُ المرأةِ الّتي تُعاقبُ الرّجُلَ وتُعاتبُهُ، لأنّهُ لا يَستمعُ لمَطالبِها، ولا يَعملُ على تحقيقِ أمانيها، فكأنّهُ أبلهٌ لا يُحلّلُ ولا يَعي.
أَحتَاجُ إليكَ ..
بِنَسيمِكَ أَكُونُ مَلكْتُنِي/ وَبِغُبَارِكَ أَكُون خَسِرْتُنِي
فَلاَ تسكبْ عُصاراتِ رُوحِكَ
في كُؤوسِ ضَعفِي
ولا تَقُضَّ قِشرَةَ آمالِي
أَرهبُ عليكَ مُنازلتَها الشَّقِيَّة
ولا تُوقِظْ بِي حَنينًا/ أَغرقتُهُ في سُبَات!
صورةُ المرأةِ الّتي تتمنّى أن تُبادلَ الرّجُلَ الّذي يَسمعُ لمَطالبِها، لنبضاتِ قلبِها وشوقِها، وتسكبَ في روحِهِ حنانَها، ويُحسِّسُها بمكانتِها، لكنّ الرّجُلَ يَصُمُّ أذنيْهِ، ويخسرُ هذا السّيْلَ المُتدفّقَ مِن رِقّةِ أحاسيسِها وفيْضِ عطائِها.
لَيْتكَ تَغمُرُني كلَّ آنٍ/ بِلَحظاتِ حُزنِكَ وَعذابِكَ
قَدْ تَقتُلُ بِيَ الخَوفَ والشَّكّ
صورةُ المرأةِ هي بحاجةٍ لرَجُلٍ يَسمعُ لآرائِها، ويُشاركُها آمانيها، ويوقظ أحاسيسَها النّائمة الّتي نوّمَها التّجاهلُ والتّهميشُ، وحينَها ستثقُ بالرّجُل، وتُزيلُ عن روحِها غشاوةَ الخوفِ والشّكّ.
كَيفَ آمرُنِي أَن أُغادِرَكَ/ وقَلبُكَ احْتَلَّنِي؟
رُوحُكَ تَتجلَّى في مَرايا رُوحِي
وأنتَ ظِلِّي المُلاَصِقُ
بِحَرْفي ../ بِخَوْفي ../ بِعَطْفي ..
أنا المَصقُولةُ بِكَ/ المَرهونةُ لَك
كَم بِتُّ رَهِينةَ رَوعَتِك !
أَرتَاعُ حِينَما أُحِسُّ بالشَّوقِ/ يُدثِّرُني بِثَوبِ الإِثْم
أَجزَعُ وأَهرُبُ
كي لا أُكَابِدَ/ في وحدَتي/ مَغَارزَ الأَلَم
لا تَترُكْني رَعشةً/ في مَهبِّ رَصِيفِ عُزلَة
رغم أَنَّ تلكَ النَّسائمَ أَصبحتْ/ تَطِيبُ لي وتُغفِيني !
صورةُ المرأةِ تريدُ أن تتوحّدَ روحُها في روحِ الرّجُل، وتُصبحَ الرّوحانِ مُنسكبتَيْنِ في روحٍ واحدة، وتتمنّى منهُ ألّا يُهمِّشَها، لكن أمانيها تذهبُ أدراجَ الرّياح، وتبقى أسيرةَ وحدتِها. 
والدّلالةُ السيميائيّةُ لصُوَرِ المرأةِ الجزئيّةِ المُتلاحقةِ والمتتابعةِ في هذهِ المقطوعة، تجتمعُ وتتوحّدُ كلّها في فضاءٍ نفسيٍّ وفِكريٍّ واحدٍ، وتعودُ لأصلِها الأمّ الدّلالةُ الكبرى، أو الصّورة الكبرى المُتمثّلة في تهميش دوْرِ المرأةِ في المجتمع.
ويرى كروتشيه أنّ المضمونَ والصّورةَ يجبُ أن يُميَّزا في الفنّ، لكن لا يمكنُ أن يوصَفَ كلٌّ منهما على انفرادٍ بأنّه فنّيّ، لأنّ النّسبة القائمة بينهما هي وحدها الفنّيّة، أعني الوحدة لا الوحدة المجرّدة، بل الوحدة العيانيّة الحيّة.(4)
إنّ الوصفَ والمجازَ والتّشبيهَ  يمكنُ أن يخلقوا صورةً، أو أنّ الصّورةَ يُمكنُ أن تُقدَّمَ إلينا في عبارةٍ، أو جملةٍ يَغلبُ عليها الوصفُ المَحضُ، ولكنّها توصِلُ لخيالِنا شيئًا أكثرَ مِن انعكاسٍ مُتقنٍ للحقيقةِ الخارجيّة.(5)
*ومن الاستعارات المكنيّة ما يلي: 
شبّهَت العقلَ بشيءٍ يَهُزّ ويوقظُ ويلومُ ويسخرُ.(تَهُزُّني../ تُوقِظُني../ بِلُؤمٍ سَاخِرٍ):
وشبّهَت السّكراتِ بكائنٍ حيٍّ يَهيمُ: (مِن سَكْراتِي الهَائِمَة/ كيفَ لَها أن تَهدأَ ذبذباتُ الرَّغَباتِ/ حينَ تَتماوجُ في فَضاءاتِ الخَيالِ؟)
شبّهتِ الرّغباتِ بشيءٍ يتذبذبُ ويتماوجُ: (كيفَ وَصَداها يَشُقُّ حِجابَ الإرادةِ)
شبّهَت الرّغبة بسجينٍ يُقيَّد:      (حِينَ تُسَاقُ مُقَيَّدَةَ الرَّغبةِ)
شبّهَتِ الشّوقَ بإنسانٍ يَرمي:     (كأَنَّ الشَّوقَ يَرمِي حُوريَّاتِ الأَحلامِ)
شبّهَتِ الحجارةُ بإبرةِ ترمي:    (حِينَما أَرجُمُكَ بِإبرِ أَحاسِيسي)
شبهت الروح بثمرةٍ تُعصَر:      (فَلاَ تسكبْ عُصاراتِ رُوحِكَ)
شبّهَت الضّعفَ بسائلٍ يُوضعُ في كأس:   (في كُؤوسِ ضَعفِي)
شبّهَت الآمالَ بشيءٍ لهُ قشرةٌ:       (ولا تَقُضَّ قِشرَةَ آمالِي)
شبّهَت الحنينَ بإنسانٍ نائمٍ:   (ولا تُوقِظْ بِي حَنينًا أَغرقتُهُ في سُبَات!)
شبّهَت كُلًّا مِن الحزنِ والعذاب بشيءٍ يَغمرُ: (لَيْتكَ تَغمُرني كلَّ آنٍ/ بِلَحظاتِ حُزنِكَ وَعذابِكَ)
 شبّهّت الشّوْقَ بإنسانٍ يُدَثّرُ، والإثمَ بإنسانٍ يَرتدي ثوبًا: (أَرتَاعُ حِينَما أُحِسُّ بالشَّوقِ/ يُدثِّرُني بِثَوبِ الإِثْم).
*ب. الاستعارة التصريحيّة:
 شبّهَت الشّاعرةُ ثورةَ الفِكرِ بالضّجيج، ورفْضَ القلبِ للواقعِ بالضّوضاءِ: (قَد أَكونُ أَرهقتُكَ؛/ (بِضَجيجِ فِكري/ بِضَوضاءِ قَلبِي):
شبَّهَت الشّاعرةُ إزالةَ كلّ مظاهرِ الخوفِ والشّكّ بالقتل: (أَشعرُ بالذَّنْبِ/ قَدْ تَقتُلُ بِيَ الخَوفَ والشَّكّ)
شبّهَتِ الشّاعرةُ تَمَلُّكَ الرّجُل لقلبِها بالاحتلال: (وقَلبُكَ احْتَلّنِي)
*الكنايات: 
(في مَهبِّ رَصِيفِ عُـزلَـة): كناية عن عُزلةِ المرأة.
(المَجهُولُ اليَكْمِنُ خَلفَ قَلبي): كناية عن واقعِ المرأةِ المجهولِ مستقبلًا.
(كَم أَرهبهُ يَتَكَثَّفَ وهْمًا/ عَلى/ حَوافِّ غِلافِهِ أَخشَاهُ يَحجُبُ برَائبِ غَيْمِهِ أَقمَارَ حُلُمي): كناية عن خوفِ المرأةِ مِن استمراريّةِ تجاهلِ الرّجُلِ لها.
(مِن سَكْراتِي الهَائِمَة): كناية عن ذهولِ المرأةِ في هذا الواقعِ المُهين. 
(كَيفَ أَمنَحُكَ قَلبي الآنَ/ وقد اخْتَطفَتْهُ مَلائِكةُ الحُبِّ/ إلى فُسحَةٍ في العَراء): كناية عن أنّ المرأةَ لن تَمنحَ الرّجُلَ عذبَ أحاسيسِها ما دام مُتجاهِلًا لها.
 (كيفَ لَها أن تَهدأَ ذبذباتُ الرَّغَباتِ/ حينَ تَتماوجُ في فضاءاتِ الخَيالِ؟/ كيفَ وَصَداها يَشُقُّ حِجابَ الإرادةِ): كناية عن تألُّمِ المرأةِ لعُزلتِها.
(وتَركُنَ حِيالَها عَاجِزًا.. شارِدَ الرُّوح!): كناية عن عجْزِ المرأة وعدمِ قدرتِها في التغيير. 
(حِينَ تُسَاقُ مُقَيَّدَةَ الرَّغبةِ/ إلى زَنزَانةِ أَحلامِهَا المُستَحِيلَة): كناية في كلٍّ عن قيودِ المرأةِ التي تكبِّلُ مِعصمَيْها.
(كأَنَّ الشَّوقَ يَرمِي حُوريَّاتِ الأَحلامِ/ في سَحيقِ هَاوياتِها/ يُهجِّنُ وِلادَاتٍ رَهيبةٍ): كناية عن ضياعِ أحلامِ المرأة.
(يَترُكَها أَجِنَّةَ حُبٍّ عَلى ثَديِ انْتِظَارِها): كناية عن ترقُّبِ المرأةِ.
(حِينَما أَرجُمُكَ بِإبرِ أَحاسِيسي): كناية عن غضبِ المرأةِ لتصرُّفاتِ الرّجُلِ ومحاولتِهِ تهميشها.
(أُحِسُّ برَاحةٍ غَريبةٍ/ حِينَما أُوقِعُ بِكَ قِصَاصِي/ بِلُؤمٍ أَبْلَه): كناية عن راحةِ المرأة في عقابها للرَّجُلِ المُهمِّش دوْرضها في الحياة.
(أَحتَاجُ إليكَ ../ بِنَسيمِكَ أَكُونُ مَلكْتُنِي/ وَبِغُبَارِكَ أَكُون خَسِرْتُنِي): كناية عن حاجةِ المرأةٍ لرَجُلٍ يُقدِّرُ أحاسيسَها، ويُشعرُها بذاتِها ووجودِها.
(فَلاَ تسكبْ عُصاراتِ رُوحِكَ/ في كُؤوسِ ضَعفِي/ ولا تَقُضَّ قِشرَةَ آمالِي): كناية عن مُطالبةِ المرأةِ للرّجُلِ ألّا يَستغلَّ ضعفَها، ويستمرَّ في تضييعِ آمالِها.
(ولا تُوقِظْ بِي حَنينًا أَغرقتُهُ في سُبَات!): كناية عن فقدِ المرأة لعذبِ أحاسيسِها، في غمرةِ التقصيةِ والتّهميش. 
لَيْتكَ تَغمُرني كلَّ آنٍ/ بِلَحظاتِ حُزنِكَ وَعذابِكَ/ (قَدْ تَقتُلُ بِيَ الخَوفَ والشَّكّ): كناية عن تطلّعِ المرأة لتلعبَ دوْرَها في الحياة، واللّحاق بعربةِ التقدّم.
(كَيفَ آمرُنِي أَن أُغادِرَكَ ؟/ وقَلبُكَ احْتَلَّنِي/ رُوحُكَ تَتجلَّى في مَرايا رُوحِي/ وأنتَ ظِلِّي المُلاَصِقُ/ بِحَرْفي ../ بِخَوْفي ../ بِعَطْفي ../ أنا المَصقُولةُ بِكَ/ المَرهونةُ لَك): كناية في كلٍّ عن التصاقِ المرأةِ بالرّجُل، وخاصّة إذا قَدّرَ أحاسيسَها.
(كَم بِتُّ رَهِينةَ رَوعَتِك !/ أَرتَاعُ حِينَما أُحِسُّ بالشَّوقِ/ يُدثِّرُني بِثَوبِ الإِثْم/ أَجزَعُ وأَهرُبُ/ كي لا أُكَابِدَ / في وحدَتي / مَغَارزَ الأَلَم/لا تَترُكْني رَعشةً/ في مَهبِّ رَصِيفِ عُزلَة / رغم أَنَّ تلكَ النَّسائمَ أَصبحتْ/ تَطِيبُ لي وتُغفِيني !): كناية في كلٍّ عن تألُّمِ المرأةِ لواقعِها المُهمَّش.
*المجاز المُرْسَل: (أن تَتَطاولَ يَدُ عَقلي): ذكَرَت الشّاعرةُ اليدَ (الجزءَ)، وأرادت بهِ الكلَّ، مَجازٌ مُرسَلٌ علاقتُهُ الجزئيّةُ أو السّببيّة.
*ثانيًا: التعبيرُ (اللغة والأساليب): ويذهبُ عزّ الدّين إسماعيل إلى أنّ القصيدةَ الحديثةَ غامضةٌ على مستوى رؤيا الشاعر ولغتِهِ المستعملة، "لأنَّه ما دامت الرّؤيا مغايرةً لِما هو مألوفٌ، وكانت اللّغة المستخدمَةُ خاضعةً لطبيعةِ هذه الرّؤيا، فإنّه مِن الطّبيعيّ أن يُغلّفَ القصيدةَ إطارٌ مِن العتمة، ويجعلَ الولوجَ إلى عالمِها شاقّا" (6).   
وقد تعرّضَ روّادُ الشّعرِ العربيّ الحُرّ لظاهرةِ الغموضِ في القصيدةِ الحديثة، وعَدُّوا ذلكَ مِن طبيعةِ الشّعر، لأنَّهُ رؤيا تكشفُ المجهولَ، وتتجاوزُ الرّاهنَ، وتقولُ المستقبل. ولأنّ لغتَهُ إبداعيّةٌ تخترقُ العادي، لتقولَ ما لا تستطيعُ اللّغةُ العاديّةُ قولَه.(7)
*1.الألفاظ والتراكيب
أ. العنوان: القصيدة بعنوان (في مَهبِّ رَصِيفِ عُـزلَـة)، فالعنوانُ يتشكلُ مِن جارٍّ ومجرورٍ، وهو خبرٌ لمبتدأ محذوف، يتلوهُ مُضافٌ ومضافٌ إليهِ مرّتيْنِ، وكلمة (مهبّ):
ابن سيّده: هَبَّتِ الريحُ تَهُبُّ هُبُوبًا وهَبِـيبًا: ثارَتْ وهاجَتْ؛ وقال ابن دريد: هَبَّتْ هَبًّا، وليسَ بالعالي في اللّغة، يَعني أَنّ المعروفَ إِنّما هو الـهُبُوبُ والـهَبيبُ؛ وأَهَبَّها اللّهُ. الجوهريّ: الـهَبُوبةُ؛ الرّيحُ الّتي تُثِـير الغَبَرة، وكذلك الـهَبُوبُ والـهَبيبُ. تقول: من أَين هَبَبْتَ يا فلان؟ كأَنك قلت: مِن أَين جِئْتَ؟ من أَينَ انْتَبَهْتَ لنا؟ وهَبَّ من نَوْمِهِ يَهُبُّ هَبًّا وهُبُوبًا: انْتَبه؛ أَنشد ثعلب: فحَيَّتْ، فحَيَّاها، فهَبَّ، فحَلَّقَتْ، * مَعَ النَّجْم، رُؤْيا في الـمَنام كَذُوبُ وأَهَبَّه: نَبَّهَه، وأَهْبَبْتُه أَنا. وفي حديث ابن عمر: فإِذا هَبَّتِ الرِّكابُ أَي قامَت الإِبلُ للسَّير؛ هو مَن هَبَّ النائمُ إِذا اسْتَيْقَظَ. وهَبَّ فلانٌ يَفْعَل كذا، كما تقول: طَفِقَ يَفْعَلُ كذا. وهَبَّ السّيفُ يَهُبُّ هَبَّةً وهَبًّا: اهْتَزَّ، الأَخيرةُ عن أَبي زيد. وأَهَبَّه: هَزَّه؛ عن اللّحياني. الأَزهريّ: السيفُ يَهُبُّ، إِذا هُزَّ، هَبَّةً.(جيد
فكلمة (مَهَبّ) هي اسمُ مكانٍ أو مصدرٌ ميميّ، ومعناها الدّلاليُّ التّحرّكُ والانطلاقُ، ولكنّ الحركةَ ليست موجبة، بل تحملُ في ثناياها ما لا يُحمَدُ عقباه، كهُبوب الرّيح عندما تحملُ معها الغبرة. وعبارة (رصيفُ عزلة): كناية عن الشّيءِ المركونِ مُنعزلًا، فكأنّي بالشّاعرة تريدُ أن تقولَ، بأنّ المرأةَ هنا معزولةٌ، لا يُسمَعُ لها رأيٌ.
عزل: عَزَلَ الشّيءَ يَعْزِلُهُ عَزْلًا، وعَزَّلَهُ فاعْتَزَلَ، وانْعَزَلَ وتَعَزَّلَ نَحَّاهُ جانِبًا فَتَنَحَّى، وقولُهُ تعالى إِنَّهُم عن السَّمْع لَمَعْزولون، معناهُ أَنَّهم لَمَّا رُمُوا بالنّجوم، مُنِعوا منَ السَّمْع، واعْتَزَلَ الشّيءَ وتَعَزَّلَهُ ويتعدّيانِ بعَنْ، تَنَحَّى عنهُ، وقولُهُ تعالى فإِنْ لم تُؤْمِنوا لِي فاعْتَزِلونِ، أَرادَ إِنْ لم تؤمنوا بي فلا تكونوا عَليَّ ولا مَعِي، وقَوْلُ الأَخوص يا بَيْتَ عاتِكةَ الَّذي أَتَعَزَّلُ حَذَرَ العِدى، وبهِ الفُؤادُ مُوكَّلٌ، يكونُ على الوجهيْن، (* قولُهُ «يكون على الوجهيْن»، فلعلهما تعدي أتعزل فيه بنفسه وبعن كما هو ظاهر)، وتَعَاَزَلَ القومُ انْعَزَلَ بَعْضُهم عن بَعض، والعُزْلةُ الانْعِزال نفسُه، يُقالُ العُزْلةُ عِبادة، وكُنْتُ بمَعْزِلٍ عن كذا وكذا، أَي كُنْتُ بموْضعِ عُزْلةٍ منه، واعْتَزَلْتُ القومَ أَي فارَقْتهم وتَنَحَّيْتُ عنهم. قال تأَبَّط شَرًّا: ولَسْتُ بِجُلْبٍ جُلْب ريحٍ وقِرَّةٍ، ولا بصَفًا صَلْدٍ عن الخير مَعْزِل، وقَوْمٌ من القَدَرِيَّةِ يُلَقَّبونَ المُعْتَزِلة زعموا أَنّهم اعْتَزَلوا فِئَتي الضّلالةِ عندهم، يَعْنُون أَهلَ السُّنَّة والجماعةِ والخَوَارجَ. (9).
ب‌. استخدَمت الشّاعرةُ في نصّها لغةً سهلةً موحِية تخاطبُ عقولَ النّاس، وقد جاءت ألفاظ معجمِها الشعريّ مناسِبة ومعانيها مطابقة للأفكار، ولقد اختارت ألفاظها وكلماتها مِن معجم يوحي بالضياع، وتمنّي الخروج من عزلتها.
ج. ولقد‌ جاءت تراكيبُها متناغمة بعضها مع بعض، رقيقة متينة موحِية، فيها من الرّمز الجزئيّ تعبرا عن رفضها للواقع، فاستخدمت أسلوبَ "الاتّساع" وهو واحد من الأساليب التّحويليّة، الّتي تطرأ على العبارات والتراكيب النحويّة، ويُعرّفُه المُحْدِثون مِن المشتغلين بالدّراساتِ اللّغويّة، بأنّه عمليّةٌ نحويّة تأتي عن طريق إضافة بعض العناصر الجديدة إلى المُكوّناتِ الأساسيّة، دون أن تتأثّر تلك المُكوّنات"، كالاستعاراتِ الكثيرةِ والتشبيهات والكنايات، ووضّحَ بعضُ البلاغيّينَ هذهِ الظاهرة، وأطلقوا عليها مصطلح "الاتّساع.
وقد عبّر عن هذا المفهوم، مفهوم الاتّساع أو الانزياح "جان كوهن" وقال: بأنّه الأسلوبُ في كلّ ما ليس شائعًا، ولا عاديًّا، ولا مُطابِقًا للمعيارِ العامّ المألوف، وهو يُشخّصُ اللّغة الشّعريّة باعتبارِها انحرافًا عن قواعدِ قانون الكلام، ورأى جاكوب كورك أنّ أكثرَ الوظائفِ حيويّة للصّورة الاستعارة والصّورة الشّعريّة، أي خلق معانٍ جديدة مِن خلال صِلاتٍ جديدة، ومنها في النّصّ الاستعاراتُ والتّشبيهاتُ والكنايات، والحذف...
ويرى بعضُ النّقّادِ الأسلوبيّينَ أنّ الانحرافَ مِن أهم الظّواهر الّتي يَمتازُ بها الأسلوبُ الشّعريّ عن غيره، لأنّه عنصرٌ يُميّزُ اللّغة الشّعريّة، ويَمنحُها خصوصيّتَها وتوهّجَها وألقها، ويجعلُها لغة خاصّة تختلفُ عن اللّغة العاديّة، وذلك بما للانحرافِ من تأثيرٍ جَماليٍّ، وبُعدٍ إيحائيّ. واتّسمت القصيدةُ بمجموعةٍ مِن الخصائصِ الفنّيّةِ، مُتمثّلة في الوحدةِ العضويّةِ والموضوعيّة. 
*2. الأساليبُ الخبَريّة والإنشائيّة:
 ا. راوحت الشّاعرةُ بين استعمال الأساليبِ الخبَريّة والإنشائيّة؛ فاستهلّت قصيدتَها بالأسلوب الخبَريّ لتأكيدِ الذّات؛ وليُناسبَ الغرضَ، فاستخدَمَته؛ لتُجسّدَ مدى تقديرِها لمشاعرِها وأحاسيسِها، حماية لها مِن عَبثِ العابثين، ولتأكيدِ ذاتِها بارتباطِها بآمالِها وأحلامِها، ثمّ استَخدَمَت الأسلوبَ الإنشائيّ، فاستخدمت:
* الاستفهامَ في قولِها، ويُفيدُ في كلّ التّعجّب:
(كيفَ لَها أن تَهدأَ ذبذباتُ الرَّغَباتِ).
(كيفَ وَصَداها يَشُقُّ حِجابَ الإرادةِ).
 (كَيفَ أَمنَحُكَ قَلبي الآنَ).
*. ومِنَ الأساليبِ الإنشائيّة الّتي وظّفتها الشاعرةُ أسلوبَ النّهي: 
فَلاَ تسكبْ عُصاراتِ رُوحِكَ/ في كُؤوسِ ضَعفِي.
ولا تَقُضَّ قِشرَةَ آمالِي.
أَرهبُ عليكَ مُنازلتَها الشَّقِيَّة.
ولا تُوقِظْ بِي حَنينًا أَغرقتُهُ في سُبَات !
والنّهيُ في كلٍّ يُفيدُ الالتماسَ.
ج. استخدمت الشّاعرةُ أسلوبَ المتكلّم (لي)؛ لتأكيد الذّات، والذّات المخاطبة تُحاولُ الفرارَ مِن واقعِها الأليم لتشكيلِ عالمها الخاصّ، وضمير الأنا يستشعرُ هوْلَ المأساة ومرارةَ الواقع المُهين والمُزري، وتُدركُ أنّها تنتمي إلى زمنٍ رديءٍ مرٍّ مُهين. كما استخدمت ضميرَ الآخر (أنت) كما في قولها: ( أنتَ ظِلّي المُلاصِق). كما استخدمت أسلوبَ الغيبة والفعل المبنيّ للمجهول؛ لتبيان دوْر المرأة المُغيَّب كما في قولها: 
آهٍ .../ ما أَشقاهَا المرأةَ
حِينَ تُسَاقُ مُقَيَّدَةَ الرَّغبةِ/ إلى زَنزَانةِ أَحلامِهَا المُستَحِيلَة ..
كأَنَّ الشَّوقَ يَرمِي حُوريَّاتِ الأَحلامِ
في سَحيقِ هَاوياتِها/ يُهجِّنُ وِلادَاتٍ رَهيبةٍ
يَترُكَها أَجِنَّةَ حُبٍّ عَلى ثَديِ انْتِظَارِها
 د. استخدمت أسلوبَ الإيجازِ بالحذفِ كما في عنوانِ القصيدة، وكما في قولها:          (المَجهُولُ اليَكْمِنُ خَلفَ قَلبي)، والتقدير: (المَجهُولُ إليَكْ يا مِنُ خَلفَ قَلبي)
ه. استخدمت الشّاعرةُ أسلوبَ الخطاب كثيرًا للتّحبّب والتقرّب للرّجُل، عسى أن يسمع لها ويُخرجها من هاويةٍ عُزلتِها، في مثل: أمنحُكَ، أرهقْتُكَ، أرجُمُكَ، بكَ، عليكَ، إليكَ، ملكتُني، خسرتُني، تغمرُني، روحُكَ، حُزنكَ، عذابكَ، روعتكَ.. كما استخدمت أسلوبَ المُتكلّمَ لتأكيد الذات، وتبيان أهمّيّة موقعِها في الأسرة والمجتمع في مثل: قلبي، حلمي، عقلي، حكمي، ضعفي، وحدتي، قصاصي، تهزّني، توقظني، بِحَرْفي، بَخوْفي، بِعَطْفي، تتركُني، تعفيني، تغمرني، ملكتني، احتلّني، خسرتُني..
*3. المحسِّنات البديعيَّة :
أ. الترادف:، كما في مثل: (قَد أَكونُ أَرهقتُكَ ؛/ بِضَجيجِ فِكري/ بِضَوضاءِ قَلبِي).
*ثالثا– الوزن والموسيقى:
نظَمت الشّاعرةُ مقطوعتَها على نمطِ الشّعرِ النثّريّ، وموسيقاها تقفُ في منتصف الطريق بين النّثر والشّعر الموزون، فاستخدمت الموازنة بينَ الكلماتِ في سطورِها الشّعريّة؛ لخلق إيقاعٍ موسيقيٍّ: بِحَرْفي ../ بِخَوْفي ../ بِعَطْفي ..
أو النّسق الموسيقيّ في نهايةِ بعضِ السّطور:
لا تَترُكْني رَعشةً/ في مَهبِّ رَصِيفِ عُزلَة
وهذا النّسقُ الواحدُ أشاعَ في النّصِّ إيقاعًا موسيقيًّا داخليًّا، كما لجأت إلى التّكرارِ حينًا كتكرارِها لـ (كيف)، إنّ هذا التّكرارَ للكلمة نفسِها (كيف) المتّفقة في شكلها وعددِ حروفِها، يكونُ توافقًا صوتيًّا، وهذا التّوافقُ الصّوتيُّ مِن شأنِهِ أن يُحدِثَ موسيقى داخليّة، بالإضافةِ إلى موسيقى البيتِ، وإنّ نغمة هذهِ الكلمات المتكرّرة تُبرزُ إيقاعَ النفسِ المُنفعلةِ والمُندهشة (10). 
فقد تخلّصتْ مِن الرّتابةِ في القافيةِ المُوحّدة، وتمكّنت الشاعرةُ بهذا في الانطلاق برحابةٍ أوسعَ في قاموسِها الشّعريّ؛ لتُحَمّلَهُ المضامينَ الكبيرة، وجاءت السّطورُ الشّعريّة حسبَ التّدفّق العاطفيّ للشّاعرة، ممّا ساهمَ في المحافظةِ على الوحدةِ العضويّةِ والموضوعيّةِ في النّصّ.
*رابعًا- شخصيّة الشاعرة: اتّسمت المعاني والأفكارُ والصّورُ الفنّيّة التي اتّكأتْ عليها الشّاعرةُ بالبساطةِ والرّقّةِ والعذوبة، لكنّها عميقةٌ في معانيها، واسعةٌ في مدلولاتِها، وشاعرتُنا مبدعةٌ بحَقٍّ امتطتْ صهوةَ الشّعرِ النثريِّ بجدارة؛ مُستعينة بالألفاظِ والتراكيبِ الموحِية؛ لأنّ وقْعَها على النّفس أبلغُ، إذ تبدو الشّاعرةُ مِن خلالِها جيّاشة المشاعرِ، رقيقة العاطفة، مُرهفة الإحساس، مُحِبّة لعهودِها، وفيّة لمبادئِها، رافضة للذلّ والمذلّة. 
وآخِرُ دعوانا أنّ الحمدَ لله ربّ العالمين.
من الكتاب الشّعريّ الأوّل- بسمة لوزيّة تتوهّج
الهوامش
(1) دراساتٌ نقديّة في النظريّة والتطبيق: محمّد مبارك ـ منشورات وزارة الإعلام ـ الجمهوريّة العراقيّة 1976 (ص 151).
(2) طبيعة الشّعر: أحمد محمّد العزب (ص 58).
(3) ثورة الشّعر الحديث: عبد الغفار مكّاوي ـ ص 32، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة 1972.‏
(4). انتروبولوجية  الصورة والشعر العربيّ قبل الإسلام، قصي الحسين، 389، الأهليّة للنشر والتوزيع، ط1 ، 1993. 
(5). الصورة الشّعريّة، سي دي لويس، 21، ترجمة أحمد الجاني ورفاقه، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، العراق، دار الرشيد، 1982.
(6) مفهوم الشّعر في كتابات الشّعراء المُعاصرين: عزّ الدّين إسماعيل/ فصول مج 1 ع 4 1981 (ص 56).   
(7). مفهوم الشّعر عند روّاد الشّعر العربيّ الحُرّ، د. فالح علاق ص201، منشورات اتّحاد الكُتّاب العرب، دمشق 2005. 
(جيد لسان العرب، ابن منظور ص11 ج9، دار الحديث، القاهرة، 2002.
(9). المرجع نفسه، ص233 ج6، دار الحديث، القاهرة، 2002.
(10). قراءة أسلوبيّة في الشّعر الجاهليّ، د. موسى ربابعة، دار جرير، عمان، 2010  ص 24.
12  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / هل تصرخُ بوجهِ الزمنِ وتدعو للجَمال! في: 21:51 15/02/2013
هل تصرخُ بوجهِ الزمنِ وتدعو للجَمال!
آمال عوّاد رضوان
يا وطني الأحببتُه بإنسانِهِ وسمائِهِ وأرضِهِ وهوائِهِ.. ويا بلدي العشقتُهُ بخيراتِهِ وغمزاتِهِ، بماضيهِ المنكوبِ وآتيهِ المطمونِ، لكَ نذرتُني حرفًا يَنبضُ بحقِّكَ صلاةً لا تُنهَبُ، لكَ وهبتُني مَدادًا مغموسًا بجَمالِكَ غبطةً لا تنضبُ!
كنتُني فيما مضى أغرقُ في لججِ حرفِكَ الشِّعريّ، تُقلّبُني على نيرانِكَ المُتأجّجةِ وأتلذّذُ دونَ مُنازعٍ، لكنّك اليومَ تَرْفَعُني بعرائِكَ عاليًا على صليبِكَ، ومساميرُ المسؤوليّةِ تنخرُ وجداني بآلامٍ لا تتناهى، وحرْبتُكَ الكلمةُ تُطعنُ في خاصرتي، لتُذكيَ وجعي الأخضرَ بمهمّةٍ تُشقيني كتابةً، وأزدادُ توعُّرًا وتوغّلًا في مَسالكِ عشقِكَ الشائكِ، ليزهوَ قلمي بدمِك، وليس مَن يَطويني في رمسِ كتاب!
ها المقالةُ تسرقُني من هدأتي، لينتشلَني حوارٌ مع كهلٍ تتراقصُ دمعةٌ خرساءُ في عينِهِ، ولتتنازعُني لقاءاتٌ ثقافيّةٌ ما بينَ صحوةٍ وغفوةٍ، لأظلَّ على أهبةِ مشاريعَ تتراكمُ تدوينًا وتأجيلًا، في حين الجيبُ يَغلي إفلاسًا، وما باليَدِ حيلةٌ، والقلبُ ينفثُ حسراتِه لوعةً، بقصيدةٍ مجمورةٍ لا تترمّدُ!   
حالي هو حالُ شعرائِكِ وأدبائِكَ يا وطني الضائع، وليسَ مَن يأخذُ بأيادينا ولا بحروفِنا، ليُسْكِنَها في سمواتِ النور، لتستضيءَ ببهاءِ وجهِكَ الحقيقةُ وكلُّ الشعوب، فمتى نستنير بالكلمة الحقة، في أحضان أمومةٍ ثقافيّةٍ ترعى بَنِيها البرَرة من الأدباء والقرّاء؟!
وتشاءُ الصدَفُ الكريمةُ، وفي غمرةِ فِكرِي الحائرِ الموجوعِ بتساؤلاتهِ، أن تتلألأَ حروفُ "وجدان عبد العزيز" الناقد العراقيّ مشكورًا، وتتبسّمَ بحنانٍ في غفلةٍ من هذياني، لتهدّئَ مِن روْع قلبي، بل وتُلهبُهُ بقولِها: على رسلِكِ عزيزتي، اِقرئي ما كتبتُهُ عن آمال عوّاد رضوان، فأنا وعيني لا نعرفُكِ إلّا مِن حرفِكِ المنشورِ!
كَتبَ وجدان عبد العزيز يُفاجئُني بلفتتِهِ الكريمة- "مرغوا نهديَّ بعِطرِهِ الأزرقِ" – آمال عوّاد رضوان! 
في مساءٍ برودتُهُ شفيفةٌ، حاولتُ أن أفتديَ نفسي بمثاقيلِ الذهبِ البرّاقِ لقاءَ استراحةٍ بسيطةٍ، ثمّ حاولتُ رفْعَ نفسي، لأرى مساحةَ الكون وخضمّ الحياة، بغيومٍ مبلّلةٍ بالألم واليأس، وبقيتُ أحاولُ، وأحاولُ علِّي أجدُ كوّةَ ضوءٍ في العتم الرماديّ!
كلُّ هذه النوازع تتواردُني، وأنا أدخلُ حدائقَ الشعرِ، وأمتحُ من أزاهيرِهِ، أحسُّ أريجاتِهِ فتهدأ نفسي، وتمتلئُ بحبِّ الحياة، وكلّما كانَ الشعرُ صادقًا، كانَ أكثرَ جمالًا، لأنّ الصدقَ يُضيفُ للشعرِ قيمةً عُليا، تترسّخُ في مكنوناتِ الكلمةِ، مِن خلالِ لغةِ الأحاسيسِ المُشتركةِ ما بينَ الشاعرِ والمتلقّي، كذلك، فالشِّعرُ هو الأداةُ التي مِن خلالها نستطيعُ البوحَ بها، عن المعاناةِ الّتي تلفُّنا دوّامتُها منذُ زمنٍ بعيد.
فالشِّعر هو فنُّ الكلامِ المُنمّق، الّذي يحملُ معه وشاحًا هادئًا من النبرةِ المتّزنة، كي يُدخلَ البهجةَ إلى النفوسِ الظامئةِ للحقيقة، فهو القامةُ الّتي تتشبّثُ بها همومُ المجتمع، ورؤى المتطلِّعينَ إلى غدٍ مُشرقٍ جميل، وهو لغةُ الخيالِ والعواطفِ، لها صلةٌ وُثقى بكلِّ ما يُسعِدُ ويَمنحُ البهجةَ والمتعةَ السريعة، أو الألمَ العميقَ للعقلِ البشريّ. إنّهُ اللغةُ العاليةُ الّتي يتمسّكُ بها القلبُ طبيعيًّا، معَ ما يَملكُهُ مِن إحساسٍ عميق.
"الشِّعرُ ليسَ تاريخًا للواقع"، يقولُ الشاعر محمّد إبراهيم أبو سنّة، لكنّه تجسيدٌ لرؤية الشاعر لهذا الواقع، وتعتمدُ هذه الرؤيةُ على وعي الشاعر وثقافتِهِ، وكلّما اتّسعَ وعيُهُ وثقافتُهُ، جاءت قصيدتُهُ مكتنـزةً ومُعبِّرةً.
أسوقُ هذهِ المقدّمةَ، لأدخلَ إلى عوالمِ كاتبةٍ تعدّدتْ مَحطّاتُها في عالم الحرفِ والكلمة، وبما أنّي ميّالٌ للشِّعر، وهو يغزو أعماقي دون أيّة مُمانعةٍ منّي، أتناولُ الكاتبة آمال عوّاد رضوان هنا، كشاعرةٍ في قصيدةٍ لا تخلو مِن مُشاكسةٍ وبحثٍ عن حقيقة، قد عانتْ منها الشاعرة، وهي بعنوان (مرِّغوا نهدَيَّ بعِطرِهِ الأزرقِ)!
مِنَ العنونةِ نجدُ حِدّةَ المُغايَرةِ ظاهرةً للعيان، ومثيرةً لخلجانِ الإنسان بفِعلِها الأمر (مرّغوا)، إلى كلمة (نهد)، فالعنوانُ فيهِ خصوبةٌ في كلّ الجوانبِ، سواء العاطفيّة المُثيرة للحواسّ، أو كوْن النهد رمز الحياة، وعنوان النموّ فيها إلى العطرِ الأزرق، كَحُلّةٍ جَماليّةٍ أو عاملِ جذْبٍ مُغرٍ.
إنّ القصيدةَ بُنيتْ على عوالمَ مُغايِرةٍ قالتها الشاعرة، وأحجمتْ عنها في ذات الوقت، فـ (الشاعر ينقلُ تجربةً ذاتيّةً مُثقلَةً، تستندُ بلا شكٍّ إلى خلفيّةٍ فيها، بالإضافةِ إلى المشاعر، هناك مُدرَكاتٌ وثقافةٌ وتجاربُ واقعيّةٌ وأفكارٌ. فيها تجربةُ عقلٍ مُدركٍ، وفيها أيضًا خيالٌ مُبدِعٌ، وعاطفةٌ جيّاشةٌ، وتوتّرٌ مِن نوعٍ ما، فهذه الانفعالاتُ هي الأبرزُ وهي العنوان، وهي الإعلاءُ مِن حجم العناصرِ الشعوريّةِ، أو الإعلاءُ مِن حجمِ الإعلانِ عنها، إلى الدرجةِ الّتي لا يمكنُ معها رؤيةُ ما في التجربةِ مِن إدراكٍ وفِكرٍ ومفاهيمَ، وهي عمليّةُ تعتيمٍ لا واعيةٍ، لا نجدُ لها تفسيرًا مُقْنِعًا). ص 84  في الأدب الفلسفيّ.
فـ (إنّ قوّةَ الفنّ لا تكمنُ فيما يقولُهُ الشاعر وحسْب، بل فيما لا يقولُهُ أيضًا، أي فيما يرمزُ إليه ويوحي به، وهذا بعضُ سِرِّ خلودِ الأعمالِ الفنّيّةِ الأصيلةِ وحيويّتِها المُتجدّدة، والعملُ الفنّيُّ يقتربُ مِن لحظةِ الإبداعِ الكلّيّة، بقدْرِ ما يحملُ مِن غنًى في المضمونِ في إيحاءاتِهِ ودلالاتِهِ، بحيث يبقى لكلِّ مُتقبِّلٍ لذلكَ العملِ تجربتُهُ الخاصّةُ المُتميّزةُ إلى حدٍّ ما، عن تجربةِ غيرِهِ ) ص49-50 الأدب الفلسفيّ.
لذا؛ كانت قصيدةُ الشاعرة آمال عوّاد رضوان تحملُ عدّةَ دلالاتٍ وتأويلاتٍ، تُغدِقُ بدفقِها على الذائقةِ المُتلقّيةِ الكثيرَ مِن عطاءاتِ المعنى، فهناكَ ظاهرٌ، وهناكَ باطنٌ... تقول الشاعرة:
وأنا في سكرةِ أعماقي
أثملُ بموْجِ مُستحيلٍ
لا يُذبِلُ نُواحَهُ جُنونُكَ!
أنامِلُكَ.. ما فتئتْ تتندَّى اشتعالًا دامِسًا
تُقشِّرُ سحابَ وقتِي الموْشومِ بالنّعاسِ!
ولمّا تزلْ تخلعُ أسمالَ تثاؤُبٍ
كم تيمّنَ بالأزلْ!
ولمّا تزلْ..
في سديمِ الصّمتِ المثقوبِ
تمتطي تراتيلَ كَوْني الغافي!
وإنّي أرى هنا، ليسَ باستطاعتي التوقّفَ عندَ النصّ بدلالاتِهِ الباثّة، وقد تكونُ المُغلقة، إنّما أجدُ انفتاحَ النصِّ على ثقافاتٍ أخرى، تُحرّكُ الحساسيّةَ الثقافيّةَ لهُ، باتّجاهِ اكتشافِ مناطقَ حياديّةٍ في النصّ، وهذهِ مشاركةٌ بينَ المُبدعِ والمُتلقّي..
ينقلُ الأستاذ الدكتور محمّد صابر عبيد في كتابه (بلاغة العلامة وتأويل الرؤيا): (إنّ الدراساتِ السيميائيّة للنصّ الأدبيّ تتميّزُ بحِرصِها الشديدِ على فهْمِ العلامةِ الأدبيّة، في مستوى العلاقةِ الجدَليّةِ بينَ النصِّ الأدبيِّ والمجالاتِ الثقافيّةِ الأخرى) ص10، وأضاف قائلًا: (بحيث يتجلّى فهْمُ الإنسانِ داخلَ وسطٍ كثيفٍ وثريٍّ وعميقٍ مِن الحساسيّةِ الثقافيّةِ العامّة، وهي تتداخلُ وتتحايَثُ معَ الحساسيّةِ النصِّيَّةِ، لتُؤلّفَ هذا الجَدلَ المعرفيَّ الذي يقودُ إلى إنتاجِ المعنى) نفس الصفحة.
ومِن عنونةِ القصيدةِ إلى مَتنِها البلاغيّ، نجدُ الشاعرة آمال عوّاد رضوان تستفزُّ المكانَ، لتغليفِ ذاتِها بِعِدّةِ أقنعةٍ بلاغيّةٍ، تتخفّى مِن خلالِها في بوْحٍ استنفاريٍّ للغةِ الجسد، مُحاوِلةً منها حضورَ الجسدِ في تجلّياتِهِ الآيروسيّةِ (الإيروتيكيّة)، ورَمزتْ لهذا بالنهد، ولكنّها استمرّتْ في رحلةٍ استكشافيّةٍ لذاتِها، ولمقدارِ تَعلُّقِها بالآخَرِ الّذي يُكمِّلُ فراغاتِ الجَسد، ويُعادِلُ موضوعيّةَ الروح، كوْنَ الشاعرة، هي باحثةٌ عن الجَمالِ وعن حقيقةِ الحياة، في مساحةٍ لغويّةٍ تحوّلتْ إلى نصٍّ يَجترحُ معنًى كامنًا، وهي تخاطبُهُ: (ولمّا تزلْ/ في سديمِ الصّمتِ المثقوبِ/ تمتطي تراتيلَ كَوْني الغافي!).
فالكينونةُ لا تكونُ إلّا بهِ لاستيقاظِ تلكَ الغفوة، وتستمرُّ قائلةً:
طُيوفُ جراحي طاعنةٌ في سَرْمَدِيّتِها
حينما غرَّها بَسْطُكَ المُهترِئُ
وَ.. على مَقامِكَ المرْكونِ
مُــنْــصَــاعَــةً
تَــكَــسَّــرَتْ
وَ.. رصَّعْتَني بانكساري!
هذا الصراعُ السرمديُّ يَخلقُ قوّةَ الإصرارِ في البحثِ عن حقيقةِ الغياب، وعن حقيقةِ الحضورِ الجَماليِّ في العلاقاتِ الإنسانيّةِ بينَ الآخَرِ والآخَر، فوسطَ هذهِ التحوّلاتِ تزدادُ آمال عوّاد رضوان قلقًا، ويتعاظمُ قلقُها مع ازديادِ حالةِ الغياب.
يقولُ الدكتور علي الشامي: (على الأدب مُهمّةُ التعبيرِ عن هذه المعاناة، وإعادةُ الاعتبارِ لقيمةِ الإنسانِ الّتي ضاعتْ وسطَ المَسارِ المأساويّ للعِلم والحضارة الحديثة، وما تطوُّرُ الإتّجاهاتِ الرومانسيّةِ والواقعيّةِ الإنسانيّةِ في الأدب الغربيِّ الحديث، إلّا انعكاسًا لردّةِ فِعلِ الأدب تجاهَ هذا المسارِ المُؤلِم).
وتبقى الشاعرة آمال عواد رضوان بإحساسٍ مُرهَفٍ تعاني مشكلاتِها، وتحاولُ إيجادَ المُبرّراتِ المُقْنِعةِ للمتلقّي شريكِها في المِحنة فتقول:
بجناحَيْ جنونِكَ انبثقْتَ عائِمًا تُرفرِفُ
وفي مَحافِلِ التّرقُّبِ
احترفتَ تضميدَ حروقِ حروفي!
ألْسِنةُ بوْحي النّاريِّ
طَليْتَها بوَشوشةٍ انبجَسَتْ تستجيرُ:
سرابُ حوريّةٍ أنا؛
إِلى مسارِبِ الوَهْمِ أَغواني
لا شكَّ أنّها تعيشُ مِحنةَ أنثى، هي محنةُ عصرِ توتّرٍ بينَ الحقيقةِ والوهم، بينَ الحُرّيّةِ ومفاهيم التحرّر، بين الأنوثةِ المُحجَّبةِ بحجابٍ مُقدّسٍ، وأخرى مُحجَّبةٍ بحجابٍ مُدنَّسٍ، بينَ مفاهيم الحِفاظ على حوريّةِ السراب، وبين أن تكونَ حوريّةً بحقيقةِ الخلْقِ الإنسانيّ، وليسَ التابَوِيّ الموضوعِ بقوالبَ مُزيّفةٍ.
إنّ قصيدةَ الكاتبة آمال عوّاد رضوان (مرِّغوا نهدَيَّ بعِطرِهِ الأزرقِ)، صرخةٌ في وجهِ العصر، ودعوةٌ في نفسِ الوقتِ لجَمالِ البوْحِ، وجَمالِ الحُبِّ، وجَمالِ العلاقة، ودعوةٌ لفتْحِ نافذةٍ مُشَرّعةٍ للتحليلِ والنقاش، وهذا عُمْقٌ في الرؤيةِ والأفكار.
مرِّغوا نهدَيَّ  بعِطرِهِ الأزرقِ
آمال عوّاد رضوان

على عَنانِ بُشرى جائعةٍ
تماوَجْتَ..
بليلٍ لائلٍ اقتفيْتَ فيْضَ ظِلِّي المُبلَّلِ
بضوضاءِ أَصفادي
أَرخيْتَ مناديلَ عتبٍ مُطرَّزٍ بتعبٍ
تستدرجُ بِشريَ المُستحيل
وفي تمامِ امْتثالي المُتمرِّدِ تورَّدْتَ!

بومضِ عِطرِكَ العابثِ مَضـيْـتَ تـتـخـفّـى
تـقـتـرِفُ تقوَى إشاعةٍ بشوشةٍ
وأنا في سكرةِ أعماقي
أثملُ بموْجِ مُستحيلٍ
لا يُذبِلُ نُواحَهُ جنونُكَ!
أنامِلُكَ.. ما فتئتْ تتندَّى اشتعالاً دامِسًا
تُقشِّرُ سحابَ وقتِي الموْشومِ بالنّعاسِ!
ولمّا تزلْ تخلعُ أسمالَ تثاؤُبٍ
كم تيمّنَ بالأزلْ!
ولمّا تزلْ.. في سديمِ الصّمتِ المثقوبِ
تمتطي تراتيلَ كَوْني الغافي!
أسرابُ وهنِكَ المغناجِ
انسَلَّتْ
تُراقصُ نيرانَ أحلامٍ
ما غابَ طعمُها عن لساني!

طُيوفُ جراحي طاعنةٌ في سَرمديّتها
أسهْوًا..
تَشدّقها سُهْدٌ أُسطوريُّ الملامِحِ؟
أَشابها خَدرُ نَقْشِكَ الخشْخاش؟
أَعلَّقْتَ حَدْسِيَ الكفيفَ
على مِقبضِ موجِكَ الفردوسيِّ؟

زفراتُ نجومي جرَفَتْها سيولُ تمرُّغِكَ
حينما غرَّها بَسْطُكَ المُهترِئُ
وَ.. على مَقامِكَ المرْكونِ
مُــنْــصَــاعَــةً
تَــكَــسَّــرَتْ
وَ.. رصَّعتني بانكساري!

بجناحَيْ جنونِكَ انبثقْتَ عائِمًا تُرفرِفُ
اضطرَبْتَ هائِجًا تُهفهِفُ
تَستبيحُ رُفُوفَ انشِطارٍ
لَكَمْ صَفّدْتَهُ بضياعي المُنمْنَمِ
كي تمتشِقَ إِغواءاتِ احتضاري!
فتائِلُ دهشةٍ
خطفَتْ قُصاصاتِ تَوْقي مسحورةَ الطّوقِ
سمّرْتني
بينَ وعودٍ مُؤجّلةٍ وجدرانَ تتهاوى!
خُطى ريحِكَ الضّريرَةُ وَشَتْ أجنحتكَ
شبَّ لهيبُها في اقتفاءِ أثري
تنيْرَنْتَ!
تبغْدَدْتَ!
وفي مَحافِلِ التّرقُّبِ
احترفتَ تضميدَ حروقِ حروفي!
ألْسِنةُ بوْحي النّاريِّ
طليتَها بوَشوشةٍ انبجَسَتْ تستجيرُ:
سرابُ حوريّةٍ أنا؛
إِلى مسارِبِ الوَهْمِ أَغواني
بثوْبِ السّباني.. سَباني
بَعثرَ وجهيَ في ذاكرةِ الحُجُبِ
وَابتلعَ ذيليَ الذّهبيّ!
يا رُفقاءَ الأسمى
بوّابةُ سمائي مَحفوفةٌ بهياكِلَ مَجْدٍ
ساحَ ضوؤُها زركشةً تتجَنّحُ
وما انفَكّتْ بأهدابِ الذّهولِ تتموّجُ
اِستنيروا بي!
لَدُنِي المُقدّسُ كَمِ ازدانَ بأرياشِ الشّمسِ
وَمُنتشيًا
تَعَنّقَ نحوَ عُشِّ النّارِ!
بسليمانَ أغيثوني
بأسرابِ جِنِّهِ؛ تَحفُرُ قاعَ بَحري أَفلاجًا
تُهْدينيها في ليلةِ عيدي
مرِّغوا نهْدَيَّ بعِطرِهِ الأزرقِ
لتهُزَّ قلائدُ سمائي غيثًا.. يتضوّعُ حُبّا.
يا رُفقاءَ الأسْمى
مرِّغوا نهْدَيَّ بعِطرِهِ الأَزرقِ
وزُفُّوا إليَّ.. ذيْلِيَ الوضّاء!
____________________________
*تنيرتَ/ تشبّهتَ بنيرون *تبغددت/ تشبّهتَ بأهل بغداد
*السّباني نسبة إلى سبن قرية عراقية في نواحي بغداد
والسّبنيّة هو أزر أسود للنساء
*سَباني الثانية تعود إلى السّبي والأسْر
13  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / صرخة عربيّة تُدوّي في روسيا؟ في: 22:38 11/02/2013
صرخة عربيّة تُدوّي في روسيا؟
آمال عوّاد رضوان



كنيسه مار جريس الجديده يافه الناصره (3)

هل قضية الخوري رومانوس رضوان سَكَس هي قضيّة وطنيّة بلونٍ مُغايرٍ، تتفجّرُ اليومَ من فوّهة بركانٍ خامدٍ، لتُعلنَ صرختَها المُدوّية؟
هل هي قضيّة شخصيّة؛ قضيّة الأب رومانوس سَكَس/ البروة- الناصرة، أو قضيّة المطران عطالله حنا/ الرامة- سبسطية، أو قضية ميليتيوس بصل/ كفرياسيف- رام الله، أو قضية الأرشمندريت خريستوفوروس حنا  في الأردن، وآخرين كثيرين من سلك الكهنة والرهبان العرب؟
هل هي قضية المسيحيّين العرب الأرثوذكسيّين في فلسطين والأردن والشرق الأوسط، التي تهدف إلى طمس معالم المسيحيّين العرب، واضطهادهم وتهجيرهم، وتفريغ الشرق من المسيحيّين!
وللإجابة عن هذه التساؤلات، واستجابة للمؤمنين من أبناء يافة الناصرة وخارجها، وجمعيّة صوفيّا، وجمعيّة مار جريس وغيرهم، الذين طلبوا التعرف على سرّ الكهنوت، والوضع الراهن العامّ في أوساط الرئاسة الكنسيّة الحاليّة، ودعمًا لموقف الخوري رومانوس الذي يقوم بعمله وبحسب القانون الكنسيّ، أقيمت محاضرة توضيحيّة بتاريخ 9-2-2013، في كنيسة مار جريس الأرثوذكسيّة في يافة الناصرة، وسط حضور كبير من أبناء الرعيّة العرب والروس في يافة الناصرة والجليل، قدّمها سيادة المطران صفرونيوس؛ رئيس أساقفة سانت بطرسبرغ وشمال روسيا، ترجمها للعربيّة الأب رومانوس، ليطّلع الجميع على مصداقيّة رسالة الخوري رومانوس كنسيًّا وروحيّا، والاضطهاد الذي تمارسه ضدّه بطريركيّة الروم الأرثوذكس في القدس، وما يواجهه من حرمان وتعنيف، رغم أنّه يقوم بعمله على أكمل وجه، وذلك لأهداف ليست كنسيّة ولا دينيّة!
وكان سيادة المطران صفرونيوس؛ رئيس أساقفه سانت بطرسبرغ وشمال روسيا قد وصل إلى البلاد بتاريخ 25-1-2013، حيث أتى من روسيا، خصّيصًا للتضامن مع قدس الأب رومانوس رضوان سَكَس، راعي الطائفة العربية الأرثوذوكسيّة في يافة الناصرة، وراعي المسيحيّين الناطقين باللغة الروسيّة في البلاد، بتعيينٍ من قِبل البطريركية المقدسيّة الأرثوذوكسيّة منذ عام 1992، بتكليف من المرحوم البطريرك ذيوذوروس، إذ إنّ الأب رومانوس كان قد أنهى دراسة اللاهوت في جوردن فيل في أميركا، في كليّة اللاهوت الروسيّة البيضاء، ويُتقن عدّة لغات إضافة للعربيّة والروسيّة.
المطران صفرونيوس اطّلع على وضع البطريرك إرينيووس السابق المخلوع من منصبه، والمسجون في الدير مجرّدا من كامل صلاحيّاته الكهنوتيّة، من خلال محادثة مصوّرة معه ومترجمة، كما اطّلع وتحقّق من الظلم الذي يُعانيه الأب رومانوس في عمله الرسوليّ، وقد قام بالصلاة معه في يافة الناصرة وأماكن أخرى، ولن يتركه لأنّه في المسار الصحيح، وهذا الأمر موجودٌ في روسيا أيضًا، من ملاحقاتٍ للمؤمنين ورجال الدين الحقيقيّين!
وطلب المطران صفرونيوس من الحضور دعمَ موقف الأب رومانوس  الدينيّ والكنسيّ والرسوليّ، وأعلن أّنّ قرار الحرمان هو باطلٌ ومرفوضٌ كنسيًّا، ويجب عدم التعامل معه، ويجب إلغاؤه حالًا، لأنّ الأب رومانوس التقيّ الورع لم يهرطق، ولأنه بكامل رشده العقليّ والجسديّ، ويعمل على نهضةٍ روحيّة وطنيّةٍ تُذكّرنا بالرّسل الأوائل، الذين ثبّتوا المسيحيّة، وجاهدوا وعانوا الاضطهاد من أجلها، فهو كاهن بكامل الصلاحيّات لأداء المهامّ الروحيّة والاجتماعيّة، وقضيّته إن لم تنتهِ في القريب العاجل، سيكون لها صدى أكبر، ليس على نطاق الأراضي المقدّسة، بل سننقلها للمحافل وللمؤسّساتٍ العالميّة، لتفضح المؤامرات التي تحاك بالأراضي المقدّسة، فأمثال الخوري رومانوس هم فخر واعتزاز لنا بعملهم الروحيّ والاجتماعيّ، وعلى هذه الأعمال يجب أن يُكرَّموا، لا أن يطارَدوا ويُحرَموا، إرضاءً لجهاتٍ وأهداف بعيدةٍ كلّ البعد عن الكنيسة وأهدافها المجيدة.
الخوري رومانوس نذر نفسه وشبابه وعمره لثوبه الكهنوتيّ، وخدم بتفانٍ وإخلاص، وبحسب تعاليم الإنجيل وحياه القدّيسين والرسل، وكان الكاهن الشاب الأوّل في فلسطين ابن 24 عامًا، ترك عالم الفنّ ودراسته الجامعيّة في حيفا، وسافر إلى أمريكا ليدرس اللاهوت، ولينذر حياته للكنيسة، ممّا أثّر إيجابيًّا على تشجيع الشباب لدراسة اللاهوت، والانضواء في سلك الكهنوت، من أجل النهوض بالرعيّة المسيحيّة الغارقة في سباتها، وتواضعًا منه، وظلّ يعمل بصمت وتسامح.
خدم كنيسة قسطنطين وهيلانة في مدينة شفاعمرو منذ عام 1998- 2007، ولكن البطريرك ثيوفيلوس أغلق باب الكنيسة في وجهه، بعدما غيّر أقفالها، وأعطى حقّ خِدمتها لمساعد الخوري رومانوس، ودون سابق إعلام أو إنذار، وتمّ نفيه الى يافة الناصرة، لخدمة كنيستها!
حين أحسّ الأب رومانوس بلعبة الاضطهاد التي تلاحقه وتطارده، عمل عام 2007 على تأسيس جمعيّة صوفيّا الخيريّة، من أجل إحياء نهضة روحيّة في البلاد، من ترميم الكنائس في القرى المهجّرة، وبناء كنائس جديدة، وطباعة كتب دينيّة وتثقيفيّة، ومساعدة المحتاجين.
عام 2004 اهتمّ بمدينة المجيدل العربيّة المهجّرة، والتي يسكنها حاليًّا فقط اليهود، فقام بترميم كنيستها بمساعدة سكّانها المهجّرين الأصليّين من مسلمين ومسيحيّين، وبالرغم من التهديد والترويع والتدمير الذي واجهه من المستوطنين اليهود، إلّا أنّه أتمّ البناء، وتبرّعت عائلة أوكرانيّة لبناء سور الكنيسة، فجعل الكنيسة ديرًا صغيرًا ومحجًّا، وصار منذ عام 2005 يخدم أهل المجيدل العرب المهجّرين، وكذلك المسيحيّين الروس في المنطقة، وصار يخدم كنيسة المجيدل وكنيسة يافة الناصرة، ولكن تتكرّر مأساته ثانية عام 2010، وتُغلق أبواب كنيسة المجيدل في وجهه، وتُلقى حاجاته الخاصّة في النفايات، ويُحرم من أداء مهامّه الكهنوتيّة في كنيسة المجيدل، ودون سابق إعلام، لتُسلّم المفاتيح ليد أخرى!
وكان الأب رومانوس قد بدأ بترميم كنيسة معلول المهجّرة عام 2008، ولكن عام 2009 أُخِذت منه مفاتيح الكنيسة، وسُلّمت للأرشمندريت إيلاريون في جبل طابور!
الأب رومانوس تابع في نهضة عمرانيّة أخرى في يافة الناصرة، بمشروع ضخم لكنيسة كبيرة ومن تحتها قاعة كبيرة تخدم ليس الرعيّة فقط، بل وأهل يافا أيضًا، وهذا المشروع كان الأب ديمتري الزرّيني قد وضع أساساته، وتقديرًا لمجهوداته، قامت رعيّة يافة الناصرة بتنظيم حفل تكريم مؤازر له في 19-12-2010،  بمناسبة اليوبيل الفضيّ، 25 عامًا لخدمته الكهنوتيّة، واليوبيل الذهبيّ لسنّه الخمسين، وذكرى لوفاة البطريرك ديوذوروس. ولكن؛ في نفس يوم التكريم، وصلت رسائل لكل الكهنة والرهبان العرب في الجليل من البطريرك، تمنعهم من المشاركة في حفل تكريم الأب رومانوس!
بدأت التذمّرات المفبركة والشكاوي الموجهة ضدّ نشاط الأب رومانوس، وصارت تكبر وتزداد من النفوس المناهضة والقلوب المعادية، وازدادت الرعيّة مؤازرة له وتشبّثًا به وبموقفه، فما كان في نهاية عام 2011 إلّا حرمان الأب رومانوس من مخصصّات البطريركيّة له، ولكنّه لم يتوقف ولم يرضخ، وتابع يعمل بصمت، وفي شهر آذار عام 2012 أرسلت له البطريركية مساعدًا، لرعيّة صغيرة لا تحتاج الى مساعد.
بتاريخ 10-5-2012، وفي فترة عيد الفصح، وبحسب بروتوكول رقم 481، أرسلت له البطريركية تهنئة خاصّة جدًّا بحرمانه، وقد  عمّمت هذه التهنئة في رسالة على كلّ الكنائس العربيّة والمواقع الإلكترونيّة، في الناصرة والجليل وطبريا ودير الطور، تُعلن فيها حرمان الأب رومانوس من كهنوته، وحرمانه من أداء واجباته الرعويّة والروحيّة، وعدم استقباله في كنائسها، بل وإعادته للحياة العاديّة المدنيّة!
 هذا البيان والقرار اعتبرته رعيّة يافة الناصرة مُجحفًا وباطلًا وعنصريًّا، وطالبت بإلغائه على الفور، لأنّه مستند على أباطيل وافتراءات كاذبة، بعكس حقيقة أعمال قدس الأب الخوري رومانوس سَكَس، لكن الأب رومانوس وبمرارة تفوق الألم، انصاع مُسالِمًا لهذا القرار المُجحف مدة أربعة شهور وبصمت، على أمل المصالحة وإيجاد لغة تفاهم بين الطرفين، وقد تدخلت عناصر للإصلاح، ولكن موضوعه ظلّ رهين وعود مؤجلة، ودون اكتراث أو اهتمام، مما حدا برعيّة يافة الناصرة إلى إجراء انتفاضة ضدّ البطريركيّة، منذ شهر آب 2012، فقامت بطرد الكاهن الذي عيّنته البطريركية، وألزمت الأب رومانوس أن يواصل خدماته الكهنوتيّة، وكأنّ قرارًا لم يكن!
تابعت رعيّة الطائفة الأرثوذكسيّة في يافة الناصرة مشوار انتفاضتها، وحاولت أن توصل صوت المظلوم لوسائل الإعلام، إلّا أنّ معظم وسائل الإعلام لم تتجرّأ أن تطرح هذه القضيّة الشائكة الحسّاسة، وقد أوصلتها الطائفة الروسيّة إلى روسيا، داعمة الأب رومانوس، الذي يقود نهضة روحيّة وطنيّة إنسانيّة عمرانيّة، من أجل التشبّث بالوطن، ومن أجل ترميم كنائس بقرى مهجرة، وإعادة الحياة والماضي إلى القرى المهجرة، مثل كنيسة المجيدل ومعلول، وبناء كنيسة مار جريس الضخمة الحديثة في يافة الناصرة، بالتعاون مع أبنائها ولجنة الكنيسة وجمعيّة صوفيا الخيريّة، كما ويقوم بتثبيت المسيحيّين الأرثوذكسيّين الناطقين باللغة الروسيّة، ويمنعهم من التهوّد، ويساعد الفقراء والمحتاجين والمرضى، ويبشّر بالمسيحيّة من شمال البلاد على الحدود اللبنانيّة حتى النقب والحدود المصريّة، ويقيم الصلوات ويعيد للأرثوذكسيّة مجدها وعهدها ونورها وأصالتها وانفتاحها على المجتمع، ويُقرّب أبناء الرعيّة من كنائسها، ويدعوهم على أهمّيّة المحافظة عليها وعلى وجودهم في البلاد، لأنّ المسيح هو ابن فلسطين والشرق، وليس غربيًّا ولا مُستوردًا من الغرب، والناصرة وطبرية والجليل وبيت لحم والقدس تشهد كلّها أنّه ابن فلسطين، الأرض المقدّسة!
الأب رومانوس صوته الحرّ الصارخ عدلًا، يُطالب البطريرك ثيوفيلوس الثالث وأخويّة القبر المقدس بوقف الإجحاف بحقّ الطائفة العربيّة، وبحقّ الناطقين بالروسيّة، واحتضانهم، والتعامل مع الرهبان والكهنة العرب الوطنيّين بمحبّة وأُخوّةٍ دون عنصريّة، ووقف ملاحقتهم والتضييق عليهم، وإعطائهم حرّيّة العمل الروحيّ والدينيّ والاجتماعيّ دون تقييدات ولا عقبات، وإعطائهم الصلاحيّات التي هم محرومون منها، كالمطران عطالله حنا، والريّس مليتيوس بصل، والريّس خريستوفوروس حنا، الذين يعانون الكثير ويمنعون من أداء واجبهم كما يجب.
شكر الخوري رومانوس رضوان سَكَس أبناء رعيّته المبارَكين والمخلصين في يافة الناصرة، على وقفتهم الشجاعة وموقفهم المشرف وصمودهم، ورفضهم لقرار الحرمان الذي فرضه البطريرك ثيوفيلوس الثالث وأخويّة القبر المقدّس عليه، والذي يتنافى مع القانون الكنسيّ، ومع كلّ التعاليم المسيحية، وهو قرار باطل ومجحف مستند على افتراءات وأكاذيب، أهدافها وقف النشاط الرعائيّ، والذي لم يخطر بباله يوما أنه يقف موقفا كهذا خلال ال 28 عام من خدمته الرعائيّة ورسالته الروحيّة، وهو الذي نذر نفسه للعمل الرسوليّ الروحيّ، وسيبقى مخلصًا للتعاليم المسيحيّة وللكنيسة وللقوانين الشريفة، ولن يخون ولن يغدر ولن يخضع لبراثن الغش والخداع والاحتيال، من أجل أن يكسب رضى الرئاسة الموجودة حاليًّا، مفضّلًا العناء والاضطهاد مع أبناء رعيّته الذين يحبّهم ويُقدّرهم كثيرًا، ويُثمّن عاليًا وقفتهم الشجاعة والصامدة والمبدئيّة.
كما أعرب عدد من أبناء رعيّة يافة الناصرة المطّلعين على تفاصيل القضيّة، بأنّ هذا القرار اتّخذ لإرضاء فئات سياسيّة، همّها إنهاء الوجود المسيحيّ في البلاد المقدّسة وفي الشرق الأوسط، والعمل على تهجير  المسيحيّين العرب والروس من هذه البلاد، من خلال اتّباع سياسة "فرِّق تسُد"، ومن خلال التهميش والتجهيل والاضطهاد والتخويف للرعيّة وللكهنة العرب الروحيّين والوطنيّين، بالاستناد الى قرارات عنصريّة مبطّنة، وتحت ذرائع مختلفة لا تمتّ إلى الحقيقة بشيء، إنّما تحويل كنيسة المؤمنين البشر إلى كنيسة حجر، والعمل على فصل أبناء الرعيّة العربيّة عن شعبهم العربيّ الأصيل، وعن حضارتهم العريقة وإيمانهم القويم، وهذا النهج طبّقه اليونانيّون منذ عام 1534، بعد أن قام العثمانيّون بطرد البطريرك العربيّ عطا لله في القدس، وتعيين بطريرك يونانيّ بفرمان وقرار من الباب العالي، وهكذا تسلّم الرهبان اليونان إدارة البطريركيّة العربيّة المقدسيّة، تحت مسمّى "أخويّة القبر المقدّس"، وهم من الرهبان اليونان، يحكمون الرعيّة العربيّة وأوقافها، والتي تهدف تثبيت حكم العِرق اليونانيّ، وإبعاد الرهبان العرب والكهنة والرعيّة العربيّة، بقوانين عنصريّة لا تمت الشرع المسيحيّ وتعاليمه بصلة، انّما محاربة الرهبنة العربيّة. 
لقد بدؤوا باضطهاد الراهب العربيّ المطران عطالله حنا، وحرمانه روحيًّا واجتماعيًّا، ولكنّه  بقواه الشخصيّة  وبايمانه، لا يزال يفرض وجوده بالنضال المستمرّ، فهو مطران بدون صلاحيات. لماذا؟
كذلك الأمر بالنسبة للراهب الأرشمندريت مليتيوس بصل من كفرياسيف، والذي تمّ إبعاده عن دير التجلي في مدينه رام الله، وسُحبت منه صلاحيّاته، لأنه يعمل على توثيق العلاقة بين الكنيسة والرعية، فكانت مكافأته النفي من مكان لآخر، تحت عناوين وذرائع مختلفة.
والأمر نفسه يتكرّر مع الراهب العربيّ الأرشمندريت خريستوفوروس حنّا، قائد النهضة الروحيّة في الأردن الحبيب، وفصله من عمله في المحكمة الكنسيّة، تحت مسمّيات وذرائع وأكاذيب مختلفة، لكن الحقيقة أنّه يقود نهضة روحيّة، فقد استطاع إقامة أديرة لرهبان وراهبات بالأردن ومن الرعيّة العربيّة، ليكسر عنوان أخويّة القبر المقدّس اليونانيّة، وكأنّه لا يوجد شبّان وشابّات عرب يريدون أن يسلكوا في سلك الرهبنة، وأن يضحوا من أجل رعيّتهم وشعبهم، وهذا الكسر والفضح للتعامل اليونانيّ الحقيقيّ العنصريّ للرعيّة العربيّة، كان أجره العناء، ونصيبه الحرمان، ومكافأته فصله من وظيفته بالمحكمة الكنسيّة، وذلك للضغط عليه من أجل إلغاء الرهبنة العربيّة!
في نهاية اللقاء تمّ توزيع رسالة كتبها الأب رومانوس للبطريرك باللغة العربيّة والروسيّة جاء فيها:
صاحب السيادة رئيس أساققة ثابور سابقا، والجالس حاليًّا على الكرسيّ البطريركيّ الأورشليميّ
السيد ثيوفيلوس الجزيل الاحترام
اسمحوا لي يا صاحب السيادة بعد لثم أياديكم، أن أكتب لكم هذه الرسالة الصريحة بدون مراءاة، مُعبِّرًا  فيها عن مبادئي وأفكاري فيما يتعلق بالمشاكل التي بيننا، بعد أن رفضتم مرارًا سماعها منّي شفهيًّا بالكامل.
يعلم سيادتكم أن سيامتي الكهنوتية التي تمت عام 1985 من قبل المثلث الرحمات السعيد الذكر البطريرك ذيوذوروس الأول، هدفها خدمة الرب وكنيسته المقدّسة في بلادنا المقدّسة. وقد أوصاني وقتها غبطته بالاهتمام بإرشاد وتعليم الناطقين باللغة العربيّة أوّلًا، ثمّ لاحقًا الناطقين باللغة الروسيّة وغيرها من اللغات، بأسس وتعاليم ومبادئ الإيمان الأرثوذكسي القويم، نتيجة للجهل والفراغ الروحيّ الذي كان سائدًا. وقد أشاد أيضا بمبادئ واستقامة الدير والسمينار الروحيّ اللاهوتيّ الروسيّ في أمريكا، الذي فيه تعلّمت. وعلى هذه المبادئ والتوصيات سِرت وما زلتُ أسير حتّى يومنا هذا.
ما حدث عام 2005 من انقلاب في بطريركيّتنا، أدّى الى خلع البطريرك الحاليّ إيريناوس الأوّل عن كرسيّه، ثمّ عزله والإغلاق عليه وحجز حرّيّته، رغم عدم توافر سبب قانونيّ كنسيّ يستوجب ذلك، وهذا لهو سابقة لا مثيل لها في تاريخ بطريركيّتنا وكنيستنا. وعلى الرغم من ذلك، فقد أغلقنا أعيننا، وسددنا أفواهنا، ولم نقم بـأيّ ردّ فعل، فتعاونّا معكم مثلما كان ذلك في كفركنّا قانا الجليل، عندما كنتم رئيسًا روحيًّا عليها قبل جلوسكم على العرش، وتعاونّا في كل ما يتعلق بالمنفعة الروحيّة التنويريّة لأبناء رعيتنا الأرثوذكسيّة الناطقة بالعربيّة، من خلال النشاطات التبشيريّة المتنوّعة، وعلى رأسها إيصال وتوزيع نشرات ومجلّات نور المسيح والرزنامات السنويّة.
وللأسف الشديد، فإنّكم منذ أكثر من خمسة سنوات وأنتم تلاحقونني، وتحاولون تدبير المؤامرات لعرقلة كلّ النشاطات الروحيّة والتبشيريّة والخيريّة. بدأتم ذلك بشفاعمرو بزرع الشقاق مع الكاهن المساعد الآخر، وأمره بعدها بتغيير الأقفال وإخراجي من الكنيسة، وفي المجيدل التي قمنا فيها بترميم كنيسة القديس نيقولاوس، وبناء سور يحيط بها لحمايتها، وإعادة الصلوات والخدمات الروحيّة إليها والقيام بفعاليّات أخرى، قمتم بتدبير مؤامرة جديدة فيها، ومنعي من الصلاة والخدمة فيها، وأيضا منعتم قرع الجرس، وأمرتم بهدم كلّ ما تمّ عمله لتحقيق الفعاليّات الخيريّة المختلفة. لماذا فعلتم ذلك؟ هل تستعيبون بانتمائنا وتقاليدنا المسيحيّة الأرثوذكسيّة؟ هل تخافون قلّة من المتطرّفين اليهود، الذين يُعادون الوجود المسيحيّ الأرثوذكسيّ، في أيّ بلدة يهوديّة كمجدال هعمك. أذكركم بكلام الرب : " كلّ من يعترف بي قدّام الناس، أعترف أنا به قدّام أبي الذي في السموات، ومن ينكرني قدّام الناس أنكره أنا قدّام أبي الذي في السماوات" (متى 10:32). أتعلّم يا صاحب السيادة، كم كنت سبب عثرة الكثيرين، وبالذات للأطفال الذين كانوا ينتظرون العطل المدرسيّة، ليأتوا الى كنيسة مار نقولا بالمجيدل للصلاة والفعاليّات الخيريّة المختلفة. ألم تصلكم صرخة أولئك الأطفال الأبرياء، الذين كانوا يتحسّرون ويبكون ويضطرّون للبقاء في البيوت، أو التسكع بالشوارع وممارسة الأعمال غير المفيدة. تذكّروا كلام الربّ أيضّا: "من أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي، فخير له أن يعلّق في عنقه حجر الرحى ويغرق في لجة البحر". (متى 18:06).
تابعتم أوامر منع تأدية الخدمات الكنسيّة لإخوتنا المؤمنين من الناطقين بالروسيّة، في كلّ من الرامة والبعنة وترشيحا. أمّا في يافة الناصرة فحاولتم أيضًا زرع الفتن، ومنع ممارسة الخدمات الروحيّة للجالية الروسيّة، ودمجهم مع الرعيّة المحليّة الناطقة بالعربيّة، ومنع القيام بأعمال البِرّ والرحمة، لكنّكم هذه المرّة لم تنجحوا، حيث أنّ الرعيّة التي كانت شاهدة على ما حصل من مؤامرات في كنيسة المجيدل المجاورة، صحيت لهذه المؤامرة الجديدة، ووقفت صامدة ولن تسمح بتكرار ما حصل في شفاعمرو والمجيدل والرامة والبعنة وترشيحا وغيرها.
قمتم بقطع معاشي منذ أوائل السنة الحالية 2012، وأرسلتم عن طريق المطران كرياكس تطلبون حضوري، ولكنني لم أكن لأحضر من تلقاء نفسي، لأنّي سئمت الجلوس معكم لرفضكم الصراحة والمواجهة مع الاطراف الأخرى من الوشاة والمشتكين. لذلك طلبت من المطران كرياكس بنفسه أن يعيّن موعدًا لحضوري، إلّا أنّ ذلك لم يتمّ، فأصدرتم بعدها أمرًا انتقاميًّا مزاجيًّا غير قانونيّ بحرماني من سرّ الكهنوت،  وعمّمتم ذلك في كلّ الكنائس التابعة للبطريركيّة، وللإرساليّة الروسيّة أيضًا، ومن خلال وسائل إعلام ومواقع مختلفة، تهدّدون وتخيفون الكهنة والشعب، وتمنعونهم من مشاركتي بأيّة خدمة كنسيّة. أذكركم بكلام بولس الرسول: "لا موت ولا حياة، ولا ملائكة، ولا رئاسات، ولا قوّات ولا أشياء حاضرة ولا مستقبلة، تقدر أن تفصلنا عن محبّة الله التي في المسيح يسوع ربنا" ( رومية 8:35).
وما يخصّ الطاعة، أيّة طاعة تطلبونها سيادتكم؟ الطاعة التي فيها أذى وضرر للقريب، ومخالِفًا الوصيّة الأساسيّة تحبّ قريبك كنفسك؟ أذكركم بأنّني كنت طائعًا دومًا حتى الموت، في كلّ ما فيه خدمة ومنفعة وتثبيت الأرثوذكسيّين في حفاظهم على إيمانهم. وقد غامرت بحياتي قبل حوالي 12 سنة، لأصل قرية الزبابدة لإجراء إكليلين فيها وقدّاسًا إلهيًّا يوم أحد، في فترة منع التجوّل وإغلاق الطرق نتيجة لحالة الحرب مع العراق، أيّام الرئيس صدام حسين، وقد غامرت وتعرّضت للخطر في وقت السفر الى هناك، ولكنّني كنت مبتهجًا، بأنّني منعت عائلتين بأكملهما من الانتقال الى طائفة أخرى، نتيجة عدم وجود كاهن أرثوذكسيّ في ذلك الوقت.
وما يخصّ جمعيّة صوفيّا لرفاهة المسيحيّين الأرثوذكسيّين، فقد أنشأناها لعمل الخير للإنسان الأرثوذكسيّ، بغضّ النظر عن انتمائه القوميّ، وترميم الكنائس المهجّرة التي على رأسها كنيسة مار نقولا بالمجيدل، وكلّ ما فيه منفعة المسيحيّين الأرثوذكسيّين وتقويتهم وتثبيتهم في الأراضي المقدّسة. لماذا تحاربون هذه الجمعيّة، وقد بعثنا لكم ملفًّا بدستور وأفكار الجمعيّة ورسالة لطلب البَرَكة، ولكنّكم رفضتم التعاون.
لا تفكّروا يا صاحب السيادة أنّكم من خلال سياسة التجويع والتحطيم والتهديد، تستطيعون أن تثنوني عن إيماني وأعمالي التي أحاول فيها المحافظة على دقّة عقائد وتقاليد وطقوس كنيستنا المقدّسة، وعلى إخلاصي لدعوتي الكهنوتيّة التي جعلتم منها وظيفة لمعاش، وربطتموها بالأختام والأوراق، واهتممتم بالشكليّات، في حين أهملتم المضمون والجوهر. واعلموا أنّي لا أملك المال الكافي لرشوة أحد، ولا صلة لي مع أصحاب السلطة والحُكم. لكن ما أملكه هو إيماني الثابت، وقناعتي التي لا تتزعزع بالطريق الضيق المؤدّي إلى الخلاص، الذي يتطلّب احتمال المشقّات والإهانات، من أجل الحفاظ على الإيمان المسيحيّ القويم نقيًّا ثابتًا لا عيبَ فيه، أمّا الطريق الرحب والسهل الذي تنصحون به، وهو المؤدّي إلى الهلاك فأنا رافض له . تذكّروا قول الرب: "ولا تخافوا ممّن يقتل الجسد ولا يستطيع أن يقتل النفس، بل خافوا ممّن يقدر أن يهلك النفس والجسد في جهنّم". ( متى 10:28).
بعد قراركم بحرماني، وبناءً على تدخل البعض من مطران وكهنة وعلمانيّين لحلّ هذه المشكلة، فقد تنازلت عن الكثير عاملًا ضدّ ضميري، فكتبت رسائل مختلفة فيها الاعتذار، وتوقّفت عن الخدمة الكنسيّة لفترة محدّدة، ولكن عبثًا وبدون أيّة جدوى.
ألا تذكرون كم كنت في الماضي أتردّد عليكم، وأحاول فتح مواضيع روحيّة مهمّة لم تكونوا لتعيروها أيّ اهتمام، بل كنتم تغيّرون الموضوع، وتتحدّثون بأمور عالميّة وإداريّة، ثمّ تحاولون إسكاتي وإنهاء حديثي بتقديم بعض من المال؟
إنّكم تهدّدون يا صاحب السيادة، وتتوعّدون كلّ من يُصلّي معي بالحرمان، والبعض الآخر تقدّمون لهم الرشاوة والإغراءات لتمنعوهم من الاتّصال بي. وأمّا أنا فأقول لسيادتكم، مُعتمِدًا على القول الإلهيّ: "لي النقمة أنا أجازي يقول الربّ. فليس ما أُهدَّد به، سوى أن أذكّركم بيوم الدينونة الرهيب، كيف سيقف كلّ منّا أمام الديّان العادل، مُقدِّمًا أعماله وما صنعه في حياته.
بناءً عليه، أعلن مع أبناء رعيتي المباركين والمخلصين للكنيسة المقدّسة وتعاليمها، عن تحرّرنا من سلطانكم الجائر، وانفصالنا عن رئاستكم الظالمة غير القانونيّة . وأملك لنفسي الحق الكامل في الالتجاء إلى أيّ مجمع مقدّس أرثوذكسيّ تقليديّ قويم، يسير على العقائد والعبادة الحسنة، ويتعامل معنا بالحقّ والعدل والاستقامة، حيث نتمكّن من الاستمرار في مسيرتنا الكهنوتيّة الى الأمام بمخافة الله وباستقامة.
اعذروني يا صاحب السيادة، أنّني أخاطبكم هكذا وليس كما تتمنون يا صاحب الغبطة، لأنّ صاحب الغبطة موجود وهو حيّ يُرزق. إلّا إذا كنتم قد وضعتم قانونًا جديدًا، يسمح بوجود بطريركيْن معًا في نفس البطريركيّة. واعذروني أيضًا أنّني أعمّم هذه الرسالة على  وسائل الإعلام، والمواقع التي عمّمتم فيها قرار حرماني، لتوضيح الحقيقة الكاملة أمام كلّ مؤمن يهمّه هذا الأمر. "ليس مكتومٌ إلّا سيُعلن، ولا خفيٌّ إلّا سيُعرف. الذي أقوله لكم في الظلمة قولوه في النور، والذي تسمعونه في الأذن اِكرزوا به على السطوح". (متى 10:27).
وفي الختام أدعو نفسي وأدعو سيادتكم لمراجعة ضمائرنا، والعمل في حياتنا الحاضرة على إرضاء الله، لا على إرضاء شهواتنا وكبريائنا، لكي نستحقّ الحياة الأبديّة، علّه يستجيب لنا.. آمين.
بإخلاص ومحبة لا رياء فيها: الأب رومانوس رضوان سَكَس
راعي كنيسة الروم الأرثوذكس- يافة الناصرة
يافة الناصرة في 21 تشرين ثاني شرقي/ 4 كانون أوّل غربي 2012







اجتماع تضامني مع الخوري رومانوس (2)


اجتماع تضامني مع الخوري رومانوس (3)


اجتماع تضامني مع الخوري رومانوس (4)


كنيسه مار جريس يافه الناصره (7)


وفود تضامن مع الخوري رومانوس (2)


وفود تضامن مع الخوري رومانوس (3)




14  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / خطواتٌ فرنسيّة فوقَ جسدِ الصّحراءِ! في: 15:34 31/01/2013
خطواتٌ فرنسيّة فوقَ جسدِ الصّحراءِ!




آمال عوّاد رضوان
صدرت الترجمة الفرنسيّة لكتاب- خطوات فوق جسد الصحراء- للشاعر الأديب وهيب نديم وهبة، حول مسرحة القصيدة العربيّة، ترجمه للفرنسيّة الشاعر عادل سلطاني، "بئر العاتر الجزائر"، وهذه الترجمة صادرة باللغة العربيّة والفرنسيّة معًا، وكان الكتاب الأوّل "المجنون والبحر" من الرباعيّة لمسرحة القصيدة العربية، قد صدر في باريس عن دار النشر العالمية  PANTHEON باللغة الفرنسيّة لوحدها، ترجمة الأديبة " ِARLETTE   DANIEL!
وكان الشاعر وهيب نديم وهبة قد اختتمَ رباعيّتَهُ الإبداعيّة، والتي يُجملُ فيها مشروع "مسرحة القصيدة العربية". تتضمّنُ هذه الرّباعيّة:
الرحلة الأولى: "المجنون والبحر1995" التي ترجمت إلى لغات عديدة، ويتحدّث الكتاب عن العدالة المطلقة، ويدخلُ هذا الإبداع ضمنَ الحداثة كما قيل عنه في الثورة النقدية الإيجابية التي حدثت لحظة صدور الطبعةِ الإولى، ثم صدر منه ثلاث طبعاتٍ باللغة العربيّةِ عن مطبعة الكرمة حيفا، وقد دخلَ حالةً أدبيّةً في التجديد ومسرحة القصيدة العربيّة، وهذه الحالة كانت بمثابةِ عمليةِ "مزيج" لجميع عناصر الأدب، ذلكَ أنّ إيقاعَ العصرِ المُتجدّدِ المُتغيّرِ المُتنقّلِ مِن ثقافة إلى أخرى، كان الدّافعَ الأساسيّ للبحثِ عن سُبلٍ في التجديد، وبذلك تحوّلَ الكتابُ إلى حدثٍ في النقدِ وعددِ الطبعات، وحدثٍ عالميٍّ في الترجمة، وكانت شهادةُ النعمان الفخريّة بمثابةِ شهادة تحرُّرٍ أولى يعتزُّ ويفتخرُ بها الشاعر وهيب وهبة، شأنه شأن أيّ مبدعٍ فلسطينيّ، إذ ساعدتهُ على الخروج من داخل الحصارِ الثقافيّ ومِن جحيم الاختناق الأدبيّ، في منطقةٍ تعجُّ بالصّراعات.
ثمّ كانت الرحلة الثانية في كتاب "خطوات فوق جسد الصحراء"، "رحلةٍ نبويّةٍ من الجاهليّةِ حتى حجّة الوداع"، صدر هذا الإبداع الأدبي عام 1999 –على نهج المجنون والبحر – مسرحة القصيدة العربية، وهنا كانت التجربة أكثر عمقًا وأوضح صورة. فالمضمون يتطرّق إلى "العدالة الإلهيّة"، والدّخول إلى تاريخ الحضارة العربية الإسلامية/ البداية الجاهلية – تحديد النهاية للفصل الأول – حجة الوداع ، لهذا كان الحدث يتصاعد مع  تطوّر النصّ، ويدخل حتى في المجال العلمي، فيدخل النّصّ في صميم التاريخ ويتّحد الأدب والتاريخ والشعر والمسرح معًا في تتويج مسرحة القصيدة، ثمّ يتبلورُ النّصّ حتى أسمى درجات الإيمان. تلك المعادلة الحضاريّة الرّاقية بما تحمله من رسالةِ النّورِ والتنويرِ وعصرِ الإنسان.
منشورات دار روان الفلسطينيّة الرام/ القدس أصدرت الاسطوانة عام 2001 لتوثيق النص النهائي للجزء الأول من خلال الاسطوانة، وذلك بصوت الشاعر لتوضيح فكرة مسرحة القصيدة من ناحية، ومن ناحية ثانية الموضوع لتوجيه الاهتمام إلى المضمون وأبعاده، ومن ناحية أخرى تمّ إدخال الآيات القرآنية بأصوات حقيقية في الأسطوانة، ممّا منح مساحة أوسع عند قراءة النّصّ، وقد تمّ التسجيلُ في استوديوهات الكرمل/ 2001.
ومن ثمّ كانت الرّحلة الثالثة في "كتاب الجنة 2006" الذي نال الجائزة اللبنانية للثقافة ضمن مشروع نشر عالميّة الأدب العربي، فمنحت الشاعر وهيب وهبة جائزة التكريم عن الأعمال الكاملة عام 2006، وفي تلك المسابقة للنصوص تمّ تقديمُ كتاب "الجنة" الموثق الآن في كتاب الجائزة بالعربية والإنجليزية والفرنسيّة، ونُشر كتاب الجنة عام 2009 القسم الأوّل مع مجلة مواقف في حيفا.
كتابُ الجنّة فيهِ يتضمّنُ البحث عن الإنسان وعن رسالةِ التنوير ووجود الإنسان هناك في الجنة، فقد استطاعَ كتابُ الجنّة المثولَ أمامَ الرّمز؛ وعظمة الخالق أمام الخلق، هذه العظمة التي لا تأتي بصيغةٍ مباشرةٍ ولا تقتحمُ النّصّ، بل ومنذُ البداية يرتكزُ الحوارُ والسّردُ إلى الرّمز، وهذه الفقرة مِن موسوعة المعرفة جاءت تقول: كتاب "الجنة" يرمز إلى الخلود وعدل الله.
ومع الرّحلة الرّابعة "مفاتيح السماء" التي تقفلُ الرباعيّة نقول:
هنيئا للشّاعر الأديب وهيب نديم وهبة بهذه الإنجازات الإبداعيّة، وهنيئًا لكلّ المُبدعين بدارِ النعمان وبكلّ مؤسّسةٍ مباركة ترعى وتدعمُ المبدعين بشكلٍ موضوعيّ، دون تحيّزٍ إلى لونٍ أو عِرق أو قوميّة أو جنسيّة، وذلك لترفعَ مِن شأن حضاراتِنا الإنسانيّة وثقافاتِنا الرّاقية!
أرفق بعض القطع من خطوات فوق جسد الصحراء باللغة العربية والفرنسية:
العتبةُ:
بينَ يديْكَ الآنَ .. حريقٌ منْ حطبِ الْكلماتِ، في مَوْقدِ الشّمسِ الْحارقةِ السّاقطةِ، فوقَ أرضِ الْجزيرةِ الْعربيّةِ.
أنتَ الْواقفُ أمامَ عتبةِ النّصِّ، عليْكَ الآنَ، أنْ تملكَ حرارةَ الصّحراءِ في الْقلبِ، وكثيرًا منْ عشقِ  المْجدِ ..
كيْ يستريحَ النّصُّ.. بينَ يديْكَ مثلَ السّيفِ الْعائدِ منَ النّصرِ. ولكيْ تَجْتازَ الْعتبةَ، وتدخلَ معي في سَفَري، عليْكَ أنْ تَتركَ هُنا كلَّ مَتَاعِ الدّنيا .. وتكونَ معي في سَفَرِ التّاريخِ إلى الْوراءِ.
نقطةُ الانطلاقِ، زمنُ الْجاهليّةِ
نهايةُ المْطافِ، حجَّةُ الوَداعِ
تلكَ محاولةٌ للدّخولِ في تاريخِ الْحضارةِ العربيّةِ الإسلاميّةِ.
des pas sur le corps du désert
19 décembre 2009
Seuil:
entre vos mains maintenant.. Un feu de bois des Mots, sous le soleil brûlant allumé tombant, sur la terre de la péninsule arabique.
toi le debout sur le seuil du texte, vous devez posséder maintenant, la chaleur du désert dans le cœur, et beaucoup d' amour de gloire..
pour que le texte se repose.. Entre vos mains comme une épée retournant de victoire. Et pour franchissant le seuil, et d'entrant avec moi dans mon voyage, vous devez laisser ici tous les plaisirs de ce monde .. Et tu seras avec moi dans le voyage de l'histoire à rebours.
le Point de départ, le temps de l'ignorance" l'ère de eldjahilia"
la fin de compte, le pèlerinage d' 'adieu "hadjat el ouadaa
C'est un essai d'entrer dans l'histoire de la civilisation arabo-islamique

[center




]الْبابُ:[/center]
تَفتحُ البابَ الآنَ .. على مهدِ الْجزيرةِ الْعربيّةِ. تدخلُ مدينةَ الشّعرِ، ومدائنَ النّثرِ، وصَرْحَ التّاريخِ، وجسدَ الْأرضِ الْجغرافيا. لا تَبْحثْ عني بينَ سطورِ الْكتابِ.. هُوَ أنتَ هذا الْعربيُّ الْقادمُ إلى الْجزيرةِ الْعربيّةِ. قلْتُ .. وأقولُ الآنَ: في تجربتي الثّانيةِ (عنْ مسرحةِ الْقصيدةِ الْعربيّةِ) هنا مزيجٌ لجميعِ عناصرِ الْأدبِ معًا. يتوافَقُ معَ النّصِّ ..
هُنا تَجِدُ الْقمرَ والْبحرَ والرَّمْلَ والصّحراءَ والتّاريخَ وقَدْ دَخَلَ الْواحِدُ في الآخرِ حتَّى ضاعَتِ الْفروقُ بينَ الشّعرِ والنّثرِ بينَ التّاريخِ والْجغرافيا، بينَ المْسرحِ والْقصّةِ وبينَ الْواقعِ والْخيالِ.
ربّما يَرْفَعُ منْ قيمةِ النّصِّ .. أنّني أصلُ الآنَ، بينَ حاضري وجذوري. هذا الْخليطُ المْتراكمُ أُسمّيهِ على طريقتي:  "مسرحةُ الْقصيدةِ"، وهنا تكونُ التّسميةُ: "مَسْرَحةُ القصيدةِ فوقَ جسدِ الصّحراءِ".
La porte:
Ouvrez vous la porte maintenant ..Sur Le berceau de la péninsule arabique. Entrez-vous la ville de la poésie, et les villes de la prose, et le monument de l'histoire, et le corps de la terre géographie.
Vous ne me cherchiez pas entre les lignes du livre.. Est-vous cet Arabe venant à la péninsule arabique. J'ai dit.. et Je dis maintenant: Dans ma deuxième expérience (sur la Dramatisation de poème arabe) ici une combinaison Compatible avec le texte.. De tous les éléments de la littérature ensembles.
Ici, vous trouverez la lune et la mer et le sable et le désert et l'histoire et l'un entrant à l'autre même perdu les différences sont perdus entre la poésie et la prose entre l'histoire et la géographie, entre le théâtre et l'histoire entre la réalité et le fantasme
Peut être augmenter de la valeur du texte.. Je suis attaché maintenant entre mon présent et mes racines. Ce mélange accumulé je le nommé selon ma méthode.. Dramatisation du poème, et ici la nomination sera, la dramatisation du poème sur le corps du désert

قمرٌ
فوقَ ليلِ الْجزيرةِ/ ويداكَ منْ فضّةٍ/ وجسمُكَ مِنْ ترابٍ/ وسماؤُكَ مِنْ نحاسٍ/ وَعِشْقُكَ منْ سَرابٍ.
ماذا سَتجنِي منْ سرابِ الْقلبِ؟/ ماذا سَيأتي منْ غابرِ الزّمانِ؟
قمرٌ/ يرسمُ ظلَّ الّلونِ/ يلعبُ في فرشاةِ الضّوْءِ/ يرسمُ بحرًا وجزيرةً،/ يرسمُ قصرًا في صنعاءَ .. تسْكُنُهُ أميرةٌ ../ وخيالاتٌ بعيدةٌ .. تطلُّ منْ قصرِ غَمَدانَ ..
كانَ الْقمرُ يتنزّهُ في بستانِ الْأرضِ/ يصْغي إلى أصواتِ أغنياتِ المْاءِ/ تموجُ تندفعُ تتدفّقُ في أبراجِ فلكِ الرّغبةِ
Lune
Durant la nuit de l'île
Vos mains d'argent
Ton corps est de la terre
Et ton ciel estde cuivre
Ton amour est de mirage.
Quoi vous avez récolter de cœur de mirage?
Quoi ce qui va venir des temps immémoriaux?
une Lune
dessine l'ombre de couleur
Joue dans un pinceau de lumière
se dessine une mer et un île
se dessine un palais à Sanaa.. Habité par une princesse..
Et des fantasmes lointains.. surplombant de Palais de Ghamdan..
La lune il est se promener dans le jardin de la terre
il est écouter les sons des chansons d'eau
s'ondulant se dévalant se coulant dans les tours d'orbite de dési

ويُدَحْرِجُ نصفَ الضّوْءِ/ فوقَ غاباتِ الشّجرِ الْعالي/ نِصفُ دوائرِ أشكالِ ألوانٍ لقوسِ قزَح/ تدورُ في نفسِ الْمكانِ/ ترسمُ شكلَ الْوطنِ الْقائمِ بينَ الْبحرِ وبينَ الرّملِ../ ترسمُ خارطةً على شكلِ سكّينٍ/ صنعَتْ ذاتَ/ زمنٍ مسكونٍ بالمْجدِ/ إمبراطوريّةً عربيّةً/ حَمَلَتِ الأرضَ على كفِّ السّماءِ
ويَهْمِسُ الْقمرُ .. ../ حينَ يندسُّ الضّوْءُ في المْاءِ/ ويَعْلو المْوجُ إلى الْقمّةِ/ ويختلطُ الشّعاعُ بالياسمينِ/ والنّورُ بالْعتمةِ لتحيا الْحياةُ.
il roulera la moitie du lumière
Au-dessus des hauts arbres forestiers
les demi-cercles des formes des couleurs de l'arc en ciel
Tournent dans le même lieu
Dessinent l'allure de pays situé entre la mer et le sable..
Dessinent une carte sous la forme d'un couteau
fabriquent certain temps hanté de gloire
une empire arabe
se prend la terre sur la paume du ciel
Et chuchote la lune .. ..
Lorsque la lumière cachant dans l'eau
et Les vagues surmontent au sommet
Et le rayant se mêlé avec le Jasmine
Et la lumière avec l'obscurité pour vivre la vie.

قمرٌ/ يَرْسمُ وخيالاتٌ بعيدةٌ../ دَخَلتْ مدائِنَ الرّخامِ والْحريرِ/ وأجواءِ الْخيامِ وبراري الْهيامِ../ وبساتينِ الْعطورِ وغاباتِ النّخيلِ/ واغتَسَلتْ في ماءِ الْبحرِ/ وانتَظرَتِ الْفارسَ الْقادمَ منْ صحراءِ الْجزيرةِ/ يغْرزُ سهمًا في هوى القلبِ/ وسيفًا في الرّمالِ..
نادَتْ عَليهِ مِنْ علياءِ طاقةِ الْقصرِ/ يُقالُ: زرعَ النّورَ عندَ أسوارِ المْدائنِ/ يُقالُ: حينَ اكتملَ الْبدرُ/ كانَ قمرُ الزّمانِ/ وكانَتْ بدرُ البدورِ/ وكنْتُ في وادٍ .. وكنْتِ في وادٍ/ وما بيننا كانَتْ صحراءُ
صحراءُ/ امرأةٌ كالرّيحِ مكشوفةُ الْوجهِ/ صعدتْ إلى معابدِ الشّمسِ/ حتّى احترقتْ في مواقدِ الشّعرِ والْحنينِ/ وانخفضتْ حتّى لامَسَتْ جدائلَ الّليلِ/ ومغيبَ الْأفقِ ../ وجسَدَ الْأرضِ .. وخَرَجتِ امرأةٌ
سمراءُ/ تساهرُ النّجمَ حتّى ينامَ في ليلِ الْباديةِ/ لمَعَتْ .. برَقَتْ .. سطعَتْ ../ مثلَ لؤلؤةٍ معلّقةٍ فوقَ ليلِ الْيمنِ ../ وغرِقَتْ ../ غرِقَتْ بالضّياءِ ونجرانُ/ تغتَسِلُ بالضَوْءِ/ وتسطَعُ في بهاءِ السّماءِ/ وتنامُ في بحيرةِ الْفلكِ
قمرٌ/ يا بدرَ الْبدورِ يُغطّي السّماءَ/ يَفتَحُ سِفْرَ التّكوينِ وَرَسْمَ التّلوينِ/ وخرائطِ أقاليمِ الْهجرةِ منْ مكانٍ ما
une Lune
se dessine et des lointains fantasmes..
Entre les villes de marbre et de soie
et l'ambiance des Tentes et et les déserts de la passion ..
Et les vergers des parfums Et les forêtsde palmiers
Et se lavé à l'eau de la mer
Et attend le chevalier venant de désert d'Arabie
enfonce une flèche dans l'amour du cœur
Et une épée dans le sable..
Elle Appellelui du haut de la fenêtre du palais
l'on dit que: Semer la lumière aux pieds des murs des villes
l'on dit que: Quand la Luneest complété
il était kamer elzaman
elle était Badr el boudour
J'étais dans une vallée.. et tu étais dans une vallée
Et entre nous était un désert
Désert
Une femme comme le vent de visage dévoilé
S'avança vers les temples du soleil
jusqu'à elle se brûle dans les poêles du poésie et du nostalgie
Et se baisse jusqu'à elle se touche les tresses de nuit
et le coucher d'horizon..
Et le corps de la terre.. Et une femme Brunette est sorti
conciliabule l’étoile pour a dormir dans la nuit du désert
brillait.. fulgurait.. éclairait ..
Comme une perle suspendue sur la nuit de Yémen..
Et a coulé..
Elle a oulé de lumière et Najran
se Lave de la lumière
Et brille dans la splendeur du ciel
Et se dormit dans le lac d'orbite
une Lune
Oh Badr el boudour couvre le ciel
ouvre la genèse et le dessin de coloration
et les cartes des régions de migration d'un quelconque lieu
عادل سلطاني، بئر العاتر- الجزائر - 

15  المنتدى الثقافي / أدب / أنّى يُبَلِّلُني غُبارُ التَّثاؤُبِ جَذِلًا؟ في: 16:02 24/01/2013



أنّى يُبَلِّلُني غُبارُ التَّثاؤُبِ جَذِلًا؟



آمال عوّاد رضوان





أَعْشاشُ البَريدِ التَتَخَضَّرُ بِطَلِّ ظِلِّكِ اللَّيْلِيِّ
بِسَرابِهِ ..
مَسَّدَ عَتْمُ الغِيابِ أَسْرابَها
هامَتْ فراخُ الفَراغِ
في فَيافي عُزْلَةِ الوَقْتِ
عُصْفورٌ أَنا
تَتَهَدَّلُ
روحُهُ تَصَحُّرا
أَتَيَمَّمُ بِالوِحْدَةِ..
تُشَقْشِقُني جُفونُ الأحْلامِ
تَنْتَفِضُ أقْفاصي
حينَما تَهُزُّها يَدُ فَجْرٍ يَتَفَجَّرُ
أنّى يُبَلِّلُني غُبارُ التَّثاؤُبِ جَذِلا؟
*
في دَهاليزِ المَرافِئِ الهارِبَةِ مِنْ مَناراتِكِ
تَتَوارى هِضابُ اللُّغاتِ
تُغَشِّي سِراجَ القَلْبِ
بِدُخانِ مَواعيدَ بَكْماءَ.. عَمْياء
وَيَشُقُّ الرَّحيلُ ثَوْبَ مِشْوارِهِ اليَزْأَرُ
*
في دُروبِ الحِكايَةِ تَتيهُ بوصَلَةُ القَلَمِ
في غُرْبَةِ الجِهاتِ
أيَشيبُ مِدادِيَ اليَتَوالَدُ آمَالا؟
*
بِفَضاءِ فَوْضاكِ أُقَدِّدُ أرْغِفَةَ الوَقْتِ المُكَهْرَبِ
عَلى
مَوائِدِ اللَّحَظاتِ
تُلَمْلِمُ فَيْضَ أحْزاني
يَتَرَنَّمُ غَمامِيَ اليَتَجَمَّلُ بِلَواعِجِ الأَحْلامِ
أيَتَناغَمُ الجَسَدُ وَالرُّوحُ في رَقْصَةِ ارْتِقاء؟
*
عَلى
حَوافِّ عَرْشِ اللِّقاءِ
تَتَهافَتُ زَرافاتُ الذِّكْرَياتِ
تَحْجِلُ مَمْهورَةً بِدَلالِها المَمْشوقِ
وَفي مِحْرَقَةِ اللَّهْوِ
يَغْفو سراجُ آمالي في حِضْنِ مَواقِدي
أَوَهْمًا تَمُرُّ ريحُكِ بِلا أَثَرٍ؟!
*
توقِظين مِحْطَباتي
فأَتْركُ لِبَحْرِكِ الصَّامِتِ انْطِفائي
عَلى
حينِ مَدٍّ  
يَغْدو يَمُّ الهَواجِسِ
مَرْتَعَ أمْواجِ رِحْلَةٍ تَتَضارَبُ
تَتَعانَقُ..
تَتَلَعْثَمُ التَّعابيرُ
يَنْدَهُ الشَّوْقُ مُتَشَظِّيًا:
تَعالَيْ
*
أُخْفي مَرايا الرُّوحِ خَلْفَ كُوَّةِ الانْتِظارِ
وَفِي حَشا السُّؤالِ ألْفُ بُرْكانٍ
كَيْفَ تَقْوى الكَفُّ عَلى المُغالَطَةِ
حينَ يَفيضُ ثَغْرُ الشَّمْسِ بِبَسْمَةٍ وَضَّاءَةٍ؟
*
أَفْلاكُ الفُؤادِ تَمْلَؤُها أَقْمارُكِ
تُضيئُني قَصائِدَ بِعَصْفِ اللَّيالي
تَسْكُبُ
خَوابِيَ اللَّيالي المُعَتَّقَةِ
خُمورًا
في خُضْرَةِ كُؤوسٍ تَتَوَسَّدُ عَيْنَيْكِ
*
قُصاصاتُ ابْتِساماتِكِ تَتَطايَرُ عُطورًا
تُزَقْزِقُ هساسَها .. تُهَدْهِدُ أَسِرَّةً
تَتَباهَجُ بِظِلالِ أَطْيافٍ تَحْتَشِدُ بِكِ
*
مِنْ أَعالي سُفوحِ القَلْبِ المَسْحورَةِ
تَنْداحُ
سَطْوَةُ النُّعاسِ العَذْبِ
تَتَجَلَّى عَرائِسُ عَيْنَيْكِ هَفْهافَةً
تَتَغَنَّجُ
تُوقِظُ عُمْرًا مِنْ لَيْلٍ كَسيحٍ
عَلى مَرْمى قُطْبِكِ الغافي
*
تَتَسَرَّبُ مِنْ قارورَةِ المُحالِ
أَسْرابُ فَراشِ
تَ
فْ
رُ
شُ
عَلى أَجْنِحَةِ الأسْرارِ بِساطًا
مِنْ وَميضِ بَراءَةٍ
يُلَوِّحُ باسِمًا بِكَوْنِ سُكوني
*
مُقَلُ الْحُروفِ تَتَرَقْرَقُ بِفَرَحٍ ساهِمٍ
يَسِحُّ
عَلى وَجْنَةِ البَوْحِ ذُهولاً
يَنْهَمِرُ العارِمُ بِكِ زاهِدًا
إلاَّ عَنْ وَجْهِكِ الآخَرَ
*
يَنْغَمِسُ خَمْرُ مَوْجي
في خِماراتِ خَفْقِكِ
يُشَكِّلُ اخْتِماراتِ الحَواسِّ
موسيقا..
دِفْءَ قَصيدَةٍ
عَصافيرَ بَوْحٍ
تَذوبُ ألْوانًا تَتَماهى بِأَقْدارِها
في خُفوتِ الألْسِنَةِ
*
جَمالُكِ؛ يَشُقُّ غِشاواتِ روحي بِطَلْعِهِ
صَداكِ؛ أزَلُ قَصائِدَ رَخيمَةٍ  
شَذاكِ؛ عَبَقُ أمْطارٍ تَتْلو صَلَواتٍ
تُحْيي بَصَرًا تَكَلَّسَ في عَيْنِيْ قَداسَتِكِ
*
خُطى وَرْدِكِ الضَّاحِكِ تَطَأُ بَساتينَ وَجْدي
تَضوعُ أَنْفاسي في باحاتِ أَريجِها
تَسْتَحِمُّ أَنْداءُ العُيونِ بِهَسيسِ النِّداءاتِ
تَنْدَلِعُ أمْطارُ اشْتِعالاتِها
تَتَنَهَّدُ شِعْرًا..
تَتَبَسَّمُ  عَفْوًا..
وَتَتَهَلَّلُ في أَرْواحِنا.. أَغْمارُ غِبْطَة!

xyzamara@hotmail.com
من كتابي الثاني- سلامي لك مطرا


16  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / أمسيات روز شوملي الشعريّة في الجليل! في: 21:28 08/01/2013
أمسيات روز شوملي الشعريّة في الجليل!
آمال عوّاد رضوان
مع مطلع العام الجديد 2013 أحيت الشاعرة الأديبة الفلسطينية روز شوملي من بيت ساحور- رام الله أربع أمسيات شعريّة موسيقيّة في كلّ من الناصرة والرملة وعبلين ودالية الكرمل، بعدما حصلت على تصريح خاصّ بمناسبة الأعياد المجيدة في زيارة الجليل.
صالون نهى زعرب قعوار الأدبيّ استضاف الشاعرة للفلسطينيّة روز شوملي في أمسية شعريّة، وذلك بتاريخ 2-1-13، وسط حضور من نخبة المثقفين والشعراء وذوّاقي الحرف والكلمة، وبين الفقرات الشعريّة حاورتها آمال عوّاد رضوان حول مسيرتها الأدبية كشاعرة ومتخصصة في أدب الطفل ونقده، ودورها في الأبحاث والتراجم التي تجريها، ومن ثم كانت مداخلات شعرية للحضور أثرت اللقاء بمزيد من البهجة والرقيّ.
أما المركز الجماهيري العربيّ في الرملة، فقد أقام أمسية شعريّة فلسطينيّة للشاعرة الأديبة الباحثة الفلسطينية روز شوملي، بتاريخ 3-1-13، وسط حضور خاص وشريحة مميّزة من الأطفال والأمّهات، وقد حاورتها آمال عواد رضوان حول علاقتها بأدب الطفل ودورها الفاعل في المخيّمات الفلسطينيّة في لبنان، من أجل تأسيس رياض الأطفال ومساندة الأطفال والأمهات في تلك الحرب والمرحلة العصيبة، وقد أضفى الأطفال على الأمسية جوًّا جميلاً مختلفًا ومبتكرًا أسعد جميع من تواجد بالأمسية، ولا سيّما الأطفال منهم، إذ اعتلَوْا المنصة بثقة ليقرؤوا من قصائد روز الشوملي، التي تحاكي الطفل والأرض الوطن والإنسان، ومن ثمّ تمّ تكريم الشاعرة الشوملي من قِبل عضو البلدية ورئيس مجلس المركز الجماهيريّ العربيّ بالرملة المربّي فايز منصور، ومدير المركز الجماهيريّ المربّي ميخائيل فانوس، والمدير الفنيّ للمسرح الجماهيريّ الفنان والمخرج أديب جهشان، ومُركّزة مشروع النساء في المركز الجماهيريّ العربيّ الكاتبة الصحفيّة رانية مرجية، التي نظمت هذه الأمسية، لأهمّيّة التواصل بيننا نحن فلسطينيّو الداخل وفلسطينيّو الضفة. 
واستمرارا لنهايات الأسبوع الموسيقيّة التي يقيمها المعهد الموسيقيّ في عبلين في كانون الثاني من السنة الجديدة، فقد استضاف المعهد الموسيقيّ العبليني الجليليّ وجوقة الكروان العبلينيّة الشاعرة الأديبة المناضلة الاجتماعية روز شوملي، في أمسية شعريّة موسيقيّة متميزة في مقرّ المعهد الموسيقيّ القائم في مركز عبلين بتاريخ  4-1-2013، وبين الفقرات الموسيقيّة الثلاث وعزف طلاب المعهد الموسيقيّ، حاورتها ابنة عبلين آمال عواد رضوان، حول طفولتها في حقل الرعاة في بيت لحم، وكيفيّة تأثرها بالمشاهد والاحتفالات الميلادية، التي ساهمت ولعبت دورا أساسيًّا في تشكيل وبلورة مواهبها الموسيقيّة والشعريّة.
البداية كانت مع العزف الموسيقي، حيث شمل البرنامج ثلاث فقرات:
لطلاب آلة القانون بتدريب مها عوّاد: صافي دعيم، ماريا حاج، ماريا سليم، ايفا حبيب، إبراهيم عواد.
وطلاب الأورغ تدريب مها عوّاد: مجد عويّد، ديما شيخ أحمد، هديل حاج، صافي دعيم، شروق نجمي، ناصر خوري، ريم علي، آدم إدريس، راية مريح، فرحة عبيد، لورين سمرة، ميار محسن، إلياس أبو غنيمة، جاكي حاج.
وطلاب آلة الجيتارة بتدريب فريد متى: يارا دعيم، يونتان حاج، نيقولا فرهود، توفيق نصرالله، ياسمين طباجة، راشد سليم، جواد حسين، ماريا خليفة، هيا مريح .
وقد أدّى الطلاب عزفا متميّزًا في فقرات شرقيّة وغربيّة جميلة جدًّا، بتركيبات وتوليفات ملوّنة ومتناسقة، لاقت استحسان الحضور.
تحدثت الشاعرة روز شوملي عن طفولتها وغربتها في لبنان وعودتها الى بيت ساحور، وأكثر ما أدهشها وأفرحها اكتشافها أن جزءًا من أبناء عائلة الشوملي يتواجد في عبلين وشفاعمرو/ في الجليل.
في الفقرة الأخيرة من البرنامج قامت روز شوملي بقراءة شعريّة لبعض قصائدها بمرافقة عازف الجيتارة فريد متى، كما قامت ثلاث طالبات من المعهد الموسيقيّ ماريا سليم وهديل حاج وماريا حاج بقراءة قصائد روز شوملي .
في نهاية اللقاء قام مدير المعهد الموسيقي وجوقة الكروان الأستاذ نبيه عوّاد بتقديم هدية تقدير وشكر على  المشاركة والزيارة المهمّة للجليل، لتقوية أواصر الأخوّة والعلاقات بين أفراد الشعب الواحد.
أمّا المركز الثقافي في دالية الكرمل فقد استضاف الشاعرة الأديبة روز شوملي، بتاريخ 5-1-13 في أمسية شعرية مميّزة ، نظمها الشاعر مجيد حسيسي من دالية الكرمل وآمال عوّاد رضوان، وقد تخللت الأمسية قراءات شعريّة لروز شوملي ومجيد حسيسي، أمّا آمال عوّاد رضوان فقد حاورتها حول منجزها الشعريّ وقصص الأطفال، وحول دوْرها كمديرة عامّة لطاقم المرأة والمنجزات والمشاريع التي أنجزتها، وحول مواضيع الأبحاث والتراجم التي تعكف على مزاولتها في المرحلة الأخيرة، ومدى أهمّيّتها في عكس الوجه الفلسطينيّ أمام الرأي العالميّ.
 وبين الفقرات الشعرية عزف الفنان فراس نصر الدين ببراعة على آلة (المجوز) وآلة (اليرغول)، حيث نال استحسان الحضور، وقد برز بين الحضور الأديبة فاطمة ذياب والشاعر وهيب وهبة والشاعرة ملكة شاهين.
وجاء في كلمة روز شوملي الانطباعيّة حول زيارتها للجليل، وتحت عنوان الشعر والموسيقا والحبّ هي عناوين رحلتي هذه وكلها غذاء الروح تقول:
كأنما الذين بقوْا في الأرض حافظوا على أصالتهم وأصالتها. ذهبْتُ أحمل قلقي معي، وعدتُ أحمل في قلبي صورهم جميعًا: الكُتّاب والشعراء والمثقفين، الأطفال، النساء العاديات، عائلتي التي اكتشفتها هناك، وعودتي إلى الجذور مع الموسيقا.
آمال عواد رضوان الشاعرة الرائعة التي نظمت لي بدل الأمسية أربع أمسيات، فرحة بنتاج ما نظمته من جهود  من أجل أن يتعرف الكتاب الفلسطينينون بعضهم ببعض. آمال عوّاد رضوان التي أهدتنا السلام مطرًا في الذهاب والإياب، كرّست لي من وقتها الكثير الكثير، وكانت محاوِرتي في اللقاءات المختلفة.
فاطمة ذياب، القاصة القديمة المتجدّدة دائمًا، التي كتبت ولا تزال للصغار والكبار، وعينها الثاقبة تنقد وتحلل كلّ ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، استضافتني في بيتها في الليلة الأولى، كأنّما تستضيف أختها التي عادت بعد عقود غياب.
الرائعة آمال، قريبة آمال عوّاد رضوان، استضافتني في بيتها أربعة أيام وعاملتني كأنني أختها المدللة.
أمّا الشاعرة نهى زعرب قعوار التي جعلت من  بيتها صالونًا ثقافيًّا وأدبيًّا للكُتاب والمثقفين، استقبلتني في صالونها لأتحدّث عن تجربتي الشعرية، وأقرأ بعضًا من قصائدي.
في قلبي صور كلّ من التقيتهم من الشعراء: جورج جريس فرح، وهيب نديم وهبة، والأديب والناقد الدكتور بطرس دلة، والناقد د. منير توما، والقاص الأديب ناجي ظاهر، وغيرهم، والأستاذ القاصّ محمّد علي طه كاتب القصص المصوّرة للأطفال وهو الباحث والمترجم، والأستاذ الأديب محمّد على سعيد الذي بنى مكتبة يقصدها من يريد مرجعًا لاتمام بحوثه، ولا يجده في مكان آخر، وعضو البلدية ورئيس مجلس المركز الجماهيري العربي بالرملة المربي فايز منصور، ومدير المركز الجماهيريّ المربّي ميخائيل فانوس، والمدير الفنيّ للمسرح الجماهيريّ الفنان والمخرج أديب جهشان، ومُركّزة مشروع النساء في المركز الجماهيريّ العربيّ الكاتبة الصحفيّة رانية مرجية، والأستاذ نبيه عوّاد مايسترو جوقة الكروان ومدير المعهد الموسيقيّ في عبلين الجليليّة، والشاعر مجيد حسيسي ابن دالية الكرمل، وأخيرًا الإنسان الرائع الذي دفع الكثير لقاء مبادئه وجرأته على قول الحق والحقيقة، أستاذنا ومعلمنا حنا إبراهيم إلياس- الشاعر الحجّار، كلّهم وجميعهم أضافوا إلى تجربتي ومعرفتي وأغنَوْها.
أما الأطفال فقد التقيتهم كأفراد ومجموعات، فوجدوا في قلبي مرتعًا لهم. الطفل مطلق، حفيد القاصة فاطمة ذياب، الذي تحدثت معه عن اهتماماته واهتماماتي في عمره، كان يصغي باهتمام، ورغم أن لقائي به لم يكن طويلاً، لكن حديثه دخل قلبي وأتمنى أن أكون قد تركت  لديه نفس الأثر.
أما الأطفال الذين التقيتهم كمجموعة، بعضهم حصل على فرص جميلة، مثل أطفال عبلين الذين وفّرت لهم جوقة الكروان الغنائية والمعهد الموسيقيّ العبليني مجالاً رائعًا لتنمية مواهبهم وصقلها، لكن بعض الأطفال في مناطق أخرى، خاصّة في الجنوب، ما زالوا يعيشون في حالة ضياع، وهم في أمسّ الحاجة لظروف تنهض بهم، وفي مثل حالتهم، هم بحاجة إلى جهد مضاعف كي يعوض ما فاتهم.
حدّثت أطفال الرملة عن أطفال المخيمات في لبنان، وكيف عملوا على تغيير وضعهم حتى وهم في صف الروضة، وحدّثت الأهالي عن كيفيّة مساهمة الأهالي في عملية التغيير، ووجّهت الخطاب للمعلمات والمعلمين في الحديث عن كيفيّة تمكين معلمات الروضة من استخدام المكان بموارده البشريّة والماديّة، من أجل جعل الروضة مرتبطة مع البيئة المحليّة بعلاقة تكامليّة.
أما عائلتي – الشوملي- فقد اكتشفت أن عددها كبير في عبلين. كانت الدهشة كبيرة. جاؤوا للترحيب بي. الغريب أن سيماءهم كانت تشبه سيماء وجوهنا، هي الوراثة بلا شك.














17  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / من وحي الربيع في قمم الكرمل! في: 12:53 02/12/2012
من وحي الربيع في قمم الكرمل!



آمال عوّاد رضوان
أسرة منتدى الحوار الثقافي في مركز التراث البادية عسفيا الكرمل استضافت كلّيّ الوقار سيادة المطران بطرس المعلم، للتحدّث عن كتابه "من وحي الربيع"، وذلك بتاريخ 27-11-2012، تزامنًا مع افتتاح معرض رسومات الفنانة ماري قعبور روحانا في مركز التراث، التي وافت الحضور بنبذة قصيرة عن مشوارها مع الرسم، ومرحلة توقفها الطويل بسبب الواجبات الأسرية، لتعاود مشوارها الفني من جديد، وتتابع الرسم وتطوبر ملكاتها وأدواتها الفنيّة من خلال متابعة متابعة التعلم والدراسة في مجال الرسم. 
استهلّ اللقاء الأستاذ رشدي الماضي، ومن ثمّ تحيّة زجليّة خاصّة بالمطران من الزجال اللبنانيّ نجيب سجيم، ثمّ كلمة ترحيبيّة من السيد وجيه كيوف رئيس مجلس عسفيا، تلتها مداخلة نوعية لد. فهد أبو خضرة، وثمّ توطئة شخصية للأديب الإعلاميّ نايف خوري، وتلتها مداخلة خاصّة للمحامي علي رافع، وقد تخلّل المداخلات قراءات من نفس الكتاب قدّمتها سماهر نجّار، أعقبها تعقيبات الحضور، وكانت كلمة مسك الختام المبارك للمحتفى به كل الوقار سيادة المطران بطرس المعلم.   
وفي كلمة ترحيبية ألقاها الشاعر رشدي الماضي جاء فيها: جاءني وحيُ ربيعك وحيًا يهتف مناديًا: أيّها البطرس، ها هي الروح القدس تبعث بـ الضاد إليك أمة ربّ مباركة، لتُقرئك فتُبشّرك أنّك "المعلّم" الكلمة التي تتجسّد في بطن الحوت كلمات مؤمنة، طوبى لها مُبشّرة بالأمل مستبشرة بالخير "دون أن تراه". صحيحٌ أنّها ترفض عامدة متعمّدة أن تصارع التنّين كي تبقى عاصمة فاضلة لابنها الإنسان "ابن الانسان"، اذًا؛ ليس غريبًا عليها إذا تقمّصت مصباح ديوجين بوصلةً نورانيّة، واعتلت الصخرة تراقب متأنّية زماننا العربيّ الرديء، تراقبه وهي العارفة أنّ زيت قنديل إشراقه شحيح ونور مشكاته شاحب خافت!
نعم؛ أنت يا بطرسي ترى ألوان هكذا محنة دونما دهشة. لماذا؟ لأنّك تعي أنّ أبناء غسق "خطيئة التفاحة" لمّا يزالوا كُثرًا، تنخر بهم "شهوة" ظامئة للإثم، وبين جلجلة وجلجلة في محطة من محطات طريق الآلام نسمع الآب يناديك: أنا يا بُنيّ لم أتركهم أمس، ولن أتركهم في قابل الأيام!
وها هي سيدة الأيقونة قد غادرت "عشائي السرّيّ"، تحمل ربيعك أبجديّة من "وحي الروح" و"خشبة للخلاص"، خذهما أيّها "البطرس المعلّم" يدًا شافية ليصل إلى الأرض السلام وتهبط على الناس المسرّة. خذهما لأنّك واحدٌ من رُسُل الكلمة تلاميذ الآب الأوفياء. خذهما لتظلّ ضادُّكَ جرسًا يُقرع، وصلاةً تبتهل في حضرة الإله، تُقرع وتُصلّي صوتًا تعمّد وتناول ليصعدَ مُقدّسًا مُبارَكًا سلّمَ القيامة؛ سرَّ الديمومة والبقاء.
نعم يا معلّمي، وحيُ ربيعك هُدهدٌ في صحراء تضاريس زماننا العربيّ القاتم. هُدهد يحمل رسالتك الإنسانيّة "نهرًا" طاهرًا طهورًا، "الأرجل" عطشى تنتظر مَن يغسلها لتعود وتتجسّد إنسان العقيدة والإيمان، الذي يشعر حقًّا أنّه إنسان ابن انسان.
بطرس المعلم أيّها الثوب المقدّس، واصِل التعبّد في هيكل الكلمات. واصِل عظتك ليبقى صليبك هو هو "الفداء" على كتف الحقيقة فداء، يجعل "الراجمين" يُعيدون إلى "صخرتك" حجارتها كي تكمّل عمارة "بيت الله" محبّة ومَسرّة، قيامة وحياة!
وفي مداخلة د. فهد أبو خضرة حول فكرة تطوّر العقلانيّة وتاريخها جاء: العقلانيّة هي من تجلّيات الثقافة الأوروبيّة وابتكار غربيّ حديث، وذلك بعد النهضات والثورات والفتوحات التي شهدتها أوروبا منذ عصر النهضة في القرن السادس عشر، وعصر الأنوار في القرن الثامن عشر، مرورًا بعصر الحداثة والثورة الصناعيّة في القرن العشرين، وصولاً إلى عصر ما بعد الحداثة والعولمة وثورة المعلومات في القرن الحادي والعشرين. الحداثة أبرزت مكانة العقل البشري بشكل لافت، وقد سُفِكت فيها دماء وأُحرقت كتب وصَدرت مراجع وأطروحات، لكن مسيرة التطوّر العقليّ ظلّت مستمرة لإعادة اعتبار الذات الإنسانيّة ومكانتها المتجدّدة، والاعتراف بالحرّيّة الذاتيّة للأفراد. ففي حين كان الخروج من استعمال للفكر مقيّدًا جدًّا إلى استعمال للفكر واسع حُرّ إلى حدّ ما، ولكن ظلّ في تلك الفترة خاضعًا للرقابة الدينيّة والزمنيّة، وإذا لم يحدث تعارض بين الفكر العقلانيّ والفكر الدينيّ أو فكر السلطات آنذاك فلم تكن هناك مشكلة، ولكن إذا حدث تعارض فهناك مشكلة كبيرة، وغالبًا هذا الفكر الحُرّ كان يتراجع.
استمرّ تطوّر الفكر العقلانيّ تحت السلطة الدينية أو الزمنيّة سنوات طويلة، وفي كلّ مرة كانت تحدث محاولات لتحرّرٍ أكبر، واستعمال التوجّه العقلانيّ بصورة حُرّة غير خاضع للمراقبة، ولم يحدث ذلك إلاّ في أواخر القرن التاسع عشر، وبالذات في سنة 1892  وهي بداية الحداثة في الفكر العالميّ المعاصر، ومن هناك انطلق الفكر حُرًّا حُرّيّة كاملة.
المشكلة أنّ هذه الحرّيّة اقتضت أن يكون الاتّجاه العقلانيّ اتّجاهًا إلحاديًّا، فاقترن التحرّر بالإلحاد والخروج عن الدين خروجًا كاملًا، وكان الأمر مقبولًا في كلّ أوروبا ولكن لفترة محدودة جدًّا، لأنّه خلال أقلّ من ثلاثين سنة تبيّن لهم أنّ هذا الاتّجاه هو اتّجاه غير مقبول، ولا يمكن أن يكون مفيدًا للعالم، فقد طوّروا الأسلحة ووسائل الدمار، ولكن لم يُطوّروا ما يفيد الإنسانيّة، ولم يستطع العقل وحده أن يحلّ مشاكل البشريّة، وبدأ التراجع عن هذا الاتّجاه، ولا زال الخلاف موجودًا في أوروبا حتى هذا اليوم.
نحن في العالم العربيّ تأثّرنا بالحداثة الغربيّة ابتداء من سنة 1910، عندما أقيمت الجامعة في مصر، وجاء المستشرقون وألقوْا محاضرات، وتطوّر هذا التأثير خلال الثلث الأوّل من القرن العشرين من سنة 1930 حتى 1940، فكان الاتّجاه عقلانيًّا ولكن ليس مُلحدًا، إنّما حاول أن يجمع بين الدين والحرّيّة بحذر شديد، ويبدو أن قسمًا آخَر خاصّة من الأدباء تأثّروا بالاتّجاه الغربيّ أكثر، فكانوا يحاولون أن يتركوا الدين جانبًا، وحتى أن يُغيّبَ العقل أيضًا، أي تغييب للعقل والدين معًا. وما زال موجودًا بما يُسمّى الحداثة وما بعد الحداثة. اليوم العالم العربيّ في تساؤلات كثيرة: ما هو الاتّجاه؟ أي هل يمكن أن تكون الحداثة الغربية هي المُوجِّه لنا؟ معظم المفكّرين العرب يقولون لا، فما الذي نجده عند سيادة المطران بطرس المعلم في كتابه "من وحي الربيع"؟
نجد اتّجاهًا عقلانيًّا فيه خضوع للناحية الدينيّة، ولكن خضوع داخليّ أي رقابة داخليّة، ولا تقتضي الرقابة الذاتيّة دائمًا أن يكون الكاتب رجلَ دين، ويكفي أن يكون واعيًا ومسؤولًا فيما يكتب، كي يكون هذا الاتّجاه اتّجاهًا سليمًا، وهذا التوازن بين الاتّجاه العقلانيّ والرقابة الدينيّة الداخليّة هي التوجّه الصحيح والسليم إلى حداثة عربيّة سليمة، تجمع بين ما يُسمّونه الدين والعقل، والعلم والإيمان.
هذه نماذج ممتازة جدًّا بهذا التوجّه يمكن أن تُناقش، ليُستنتج منها فيما بعد التوجّه الصحيح المبنيّ على نفس هذا الأساس، وأنا أعتقد أنّ هذه الكتابات التي قدّمها لنا سيادة المطران بطرس المعلم، يمكن أن تكون نموذجًا جيّدًا جدًّا لهذا التوجه، وهو التوجّه الذي نبحث عنه اليوم لهذه الفترة الحرجة من تاريخنا، والربيع العربيّ الذي نتحدّث عنه أنا متفائل منه وقد بدأ، ومهما حدَث فإنّه سيمتدّ امتدادًا خيِّرًا إلى الأمام، لأنّ الزمان لا يعود إلى الوراء أبدًا، فوحيٌ من الربيع سيؤدّي إلى الربيع حتمًا مهما حدث من عراقيل، ونحن في بحثنا عن الربيع في الحداثة العربيّة، لا يمكن أن نأخذ الحداثة الغربية وحدها كنموذج، بل يجب أن تكون الحداثة نابعة منّا، وهذا الكتاب هو نموذج ناجح جدًّا للحداثة العقليّة الدينية.
وفي مداخلة المحامي علي مصطفى رافع: "هو، قبل كلّ ذلك وبعده وفوقه، هو إنسان" جاء:
يوم الخميس 2-2-2012 مساءً، اتّصل بي هاتفيًّا سيادة المطران بطرس المعلم، وأبلغني أنّه مسافر في اليوم التالي إلى لبنان للمشاركة في السينودس، وقال إنّه عازم على إصدار مقالاته الأخيرة، التي كتبها بعد صدور كتابه الأخير "من وحي الأحداث" في كتاب جديد، واختارني لأكتب مقدّمة للكتاب مع سيادة المطران بولس ماركوتسو، فلم أتردّد للحظة في قبول هذا التكليف، الذي أعتبره تشريفًا وليس تكليفًا فحسب. هذا التشريف جاء بعد أن توطّدت علاقتي مع هذا المطران الإنسان، الذي يمتاز بحُسن الخُلُق وطلاوة الحديث، والاطِّلاع الواسع على مختلف الثقافات والفنون، فهو محدِّثٌ لَبِقٌ موسوعيّ المعرفة، لا تملّ من الاستماع إليه في جميع المواضيع التي يطرقها أو يتطرّق إليها .
وكنت قد بدأت أتعرّف عليه من خلال لقاءاتنا في مؤتمراتِ "مركز اللقاء" في عدة أماكن من وطننا العزيز. وفي شباط 2011 شاركْنا سويّة في مؤتمر اللاهوت في دير مار إلياس في حيفا، وهناك أهداني كتابه الأخير "من وحي الأحداث". سهرتُ تلك الليلة وقرأتُ الكتاب وكتبتُ عنه مراجَعةً تلوتُها في اليوم التالي على مسامع الحاضرين، الأمر الذي أثار إعجابَ المطران واستغرابه كيف قرأتُ الكتاب بصفحاته المئة والسبعين واستوعبتُه وكتبتُ عنه في ليلة واحدة. من هنا بدأت تتوطّد العلاقات فيما بيننا.
الكتاب الذي أقدّمه، مثل الكتب التي نشرها المطران المعلّم من قبل، يتضمّن مقالات في مناسبات عديدة، عاشها وعايشها شخصيًّا، وعلّق عليها بأسلوبه المنفرد والمميّز، مواكِبًا الأحداث في تسلسلها الزمنيّ. أمّا أنا فسأراجع بعضها وفقَ ترتيبٍ شخصيّ، عفويّ، أستوحيه من فكر المعلّم المهيمن على جميع المقالات، والذي يربط بينها كسِلكٍ ذهبيّ، فيه تندرج لآلئ هذا العقد الفريد..
وبدايةً، أشير إلى أنّ أكثر ما يعجبني في كتابات هذا المعلم، أنّه إذا كتب في موضوعٍ معيّن، واستشهد فيه بآياتٍ من الإنجيل المقدّس، فإنّه يستشهد أيضًا بآياتٍ مشابهةٍ من القرآن الكريم، إذا ورد في القرآنِ ذكرٌ للموضوع نفسه. وحسبُنا شاهدًا على ذلك ما ورد في مقالة "العالم يحترق ولكن..."، حيث الكلام على بشارة الملاك للسيّدة العذراء مريم، فيذكر النصوص الإنجيليّة والقرآنيّة في تَوازٍ رائع (لوقا 1: 26-28، 42/ آل عمران 42، لوقا 1: 29-32/ آل عمران 45؛ لوقا 1: 34-37/ آل عمران 47). ومن هذه المقاربة في النصوص يدعو سيادته إلى مزيدٍ من التقارب بين المسيحيّين والمسلمين، لا بل يدعوهم إلى جعل عيد البشارة المسيحيّ عيدًا دينيًّا مشتركًا، أسوةً بما فعل إخوانهم وجيرانهم في لبنان، الذين اتّفقوا وقرّروا جعل هذا العيد عيدًا وطنيًّا مشتركًا للجميع. وأنا شخصيًّا من محبّذي هذه الفكرة، بل قد عرضتُ أن نحتفل كلّنا معًا، مسيحيّين ومسلمين بعيد الميلاد المجيد، وبعيد المولد النبويّ الشريف. ولكن هذا يقتضي إعدادًا واستعدادًا يبدو أنّهما، لسوء الحظّ، غير متوفّرَيْن بعدُ عندنا إلى الآن.
السيّد المسيح عيسى ابن مريم يحتلّ كلّ كيانِ وفكرِ وقلبِ ووجدانِ المطران المعلّم. فالمسيح هو مِثاله وقدوته وأسوته الحسنة، يسير على خطاه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ويقدّر كلّ كلمةٍ أو قولٍ أو عمل أو حركة قام بها السيّد المسيح. ويشعر القارئ بأنّ المطران إذا كتب عن المسيح، فإنّه يكتب بإجلال ومحبّة لا يوازيهما أي إجلال أو محبّة لأيّ شخص، وهذان؛ الإجلال والمحبّة ينسابان، كما في عدوى سريّة، من تحت قلم الكاتب إلى قلب القارئ. ففي المقال "نريد أن نرى يسوع" نرى الكثيرين يتلهّفون إلى رؤيته، حتّى اشتاقت أرواحنا نحن أيضًا ليسوع. وفي المقال "على مدار الساعة لليوم الأخير" يتأثّر مَن كان مثلي حتّى الأعماق، إذ يرافق يسوعَ في ليلته الأخيرة مع تلاميذه، حيث يغسل أقدامهم ليُعطيَ لهم ولنا وللإنسانيّة جمعاء درسًا عمليًّا في التواضع لا أسمى ولا أبلغ، ومحبّة المطران ليسوعه ليست مجرّد عاطفة سطحيّة، بل هي انتماءٌ والتزامٌ لا يتزعزعان، لأنّ هذا المسيح ليس كائنًا غيبيًّا متفرّجًا ينظر إلينا من بعيد، أو يحرِّك العالم بملقط. ففي عصرِ "الثورات" الحائرة أو المتذبذبة أو المتعثّرة يبقى، هو "المسيح الثائر"، (لا بالعنف والبطش وحقّ القوّة، بل بصلابة الحجّة وقوّة الحقّ) على كلّ ظلم واستبدادٍ وقهرٍ للحرّيّة والعدالة. وما أحوجنا اليوم إلى مثل هذه الثورة الفريدة. الرئيسُ الشهيدُ الراحل ياسر عرفات، باسم شعبنا الفلسطينيّ كلّه، ألم يعتبرْ سيّدَنا يسوعَ المسيح الشهيدَ الفلسطينيّ الأوّل، الذي استشهد فعلاً وحقًّا، لتكون كلمةُ الله هي العليا، وكلمة أعداء الحقوق الإنسانيّة المشروعة هي السفلى؟
هذا "اليسوع"، الذي يمثّل للمطران أسمى القِيَم على الأرض، يبقى في الكتاب المنظارَ الذي من خلاله يرى المؤلّف باقي المواضيع أشخاصًا وأحداثًا. فـ "الصغيرة الكبيرة" القدّيسة تريزيا الطفل يسوع، التي زارت ذخائرُها بلادَنا على مدى شهريْن ونصف الشهر، هي القدّيسة التي تستحقّ المحاكاة والتأمّل، لِما فيها من إيمانٍ صادق عميق، لا يداخله أي شكّ أو انحراف. أمّا البابا يوحنّا بولس الثاني، الذي يُخصّص له المطران أربع مقالات في الكتاب، فهو وجهٌ من ألمع وجوه الإنسانيّة في العصور الحديثة، إذ كان أوّلَ من كسَرَ قيودَ العزلة خلف جدران الفاتيكان، فطاف العالم كلّه، وعاش آلامه وآماله وحمل إليه رسالة "المسيح الثائر"، فأجرى فيه الكثير من التحوّلات الجذريّة، السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة وغيرها. وقد كان للمطران المعلّم شرف الحظوة بصداقته الحميمة، ممّا قلَب منحى حياته.
ولأنّ المسيح، في نظر المطران المعلّم، يبقى هو المرجعيّة الأخيرة في كلّ شيء، فمن خلاله يتوجّه إلى المسيحيّين (المنقسمين على ما لا يعلمون)، في المقال "إلامَ الخُلْفُ بينكم إلامَ"، وفي المقال "عام جديد: خواطر وتأمّلات"، داعيًا إيّاهم إلى المحبّة والوحدة، ومستشهدًا في المقال "وأنت ماذا تقول؟" بقول المهاتماغاندي: خذوا مسيحيّاتكم كلّها واتركوا لنا المسيح، فلا أمل لنا إلاّ فيه. ومن سياق الكلام أنا أفهم أنّ الدعوة تتجاوز المسيحيّين إلى المسلمين أيضًا. فالطريق إلى الوحدة تبدأ بمحاسبة النفس وتغيير الذات قبل الطموح إلى تغيير الآخرين: "علينا جميعًا أن نتغيّر بالنصر الذي يؤتيناه الله..." (1 كورنثس 5: 51-57). أليس عندنا في القرآن "إنّ الله لا يغيّر ما يقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم" (الرعد 11).
غريبٌ شأن هذا المطران، فهو كمسيحه لم يأتِ لفئةٍ دون أخرى، بل لخدمة الإنسان وكلّ إنسان، وقبل أن يكون مطرانًا أو علمانيًّا، مسيحيًّا أو مسلمًا، درزيًّا أو يهوديًّا، فلسطينيًّا أو إسرائيليًّا، رجلاً أو امرأة... هو، قبل كلّ ذلك وبعده وفوقه، هو إنسان. ذاك هو تعريفه بنفسه في المقال: "إلى قرّائي الكرام". ولذلك فهو في "الفضيل المبارك" يعايد المسلم في رمضانه، وفي "الأضحى والضحايا" يشارك كلّ متألّم مسحوق في ألمه. وفي "ويكيليكس والمغارة" كما في "كنيسة المهد إن حكَتْ" حديثٌ صامت بين المطران وقارئه، يُفهَم منه أنّ العيد ليس زينةً ومظاهر، يكون كلّ شيء فيها حاضرًا إلاّ صاحب العيد، أي وليدَ المغارة وكلّ فقير مهمّش مثله. فالمسيح يجب أن يكون في قلبِ وفكرِ ووجدانِ كلّ مؤمن، أي أنّ على المسيحيّ أن يكون مسيحًا حيًّا. أليس أنّ إسلامنا أيضًا يطلب من المؤمن أن يتّخذ الرسولَ قدوته؟
وهذا المطران، الذي يعيش بين شعبه، ويجسّ نبضه، ويشاركه آلامه وآماله، يرى في "موسم الزلازل" وفي "عيد الأقباط... وسينودس المسلمين" واجبَ التنبيه والتحذير من خطر الفتنة، التي أخذت تعصف حولنا باسم التطرّف والتعصّب الدينيّ المتزمّت. وإذ نحن نشارك سيادته هذا القلق والخوف من الخطر الداهم، نريد أن ندعو علماءَنا إلى تأييد سيادته في الدعوة إلى حريّة الفكر والتعبير والعبادة والضمير بجميع أشكالها. فكما عندنا سورة للمؤمنين فعندنا أخرى للكافرين، ومَن خالفنا في المعتقد فلكم دينكم ولي ديني، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. ومن الشطط تسخير الدين للسياسة والسياسة للدين. وفي النهاية لا سلام يُرتجى ما لم تؤمَّن لكلّ إنسان حريّة ضميره واختياره.
وهناك في الكتاب مقالان على جانب كبير من الأهميّة. فـ "يوبيل اللقاء" وثيقةٌ ثمينة كتبها سيادته مؤخّرًا في اليوبيل الفضّي لمجلّة "اللقاء". وأنا الذي عايش المجلّة منذ نشأتها، بل "مركزَ اللقاء" منذ تأسيسه قبلها، كم استفدتُ من هذا المقال في أمورٍ كثيرة كنتُ أجهلها!
أمّا "حنّا الفاخوري مع الخالدين" فأشبه بدائرةِ معارف عن هذا الكاهن الراهب، العملاقِ في شؤون اللغة والأدب والفلسفة العربيّة. كنّا لا نكاد نعرف عنه سوى أنّه صاحب "تاريخ الأدب العربي"، الذي قلّما تخرّج طالب في العالم العربيّ كلّه دون المرور به. وإذا نحن نكتشف في المقال أنّه خلَّف أكثر من مئة وأربعين كتابًا في خدمة العربيّة. فكم نحن له مدينون، وكم نحن في حقّ إكرامه مقصّرون! وكم نحن فخورون أنّ مطراننا المعلّم هو أحد تلاميذه، بل ساعده في بعض الكتب، وقد كانت له التعزية بحضور مأتمه في6-10-2011، (وكان قد توفّي في 4 منه عن 97 سنة).
وهل يمكن أن أنسى هنا المقال الأوّل من الكتاب "نعي المفاوضات" الذي كُتب في10-2-2010، ومقالاً آخر بعنوان "الربيع" والميلاد بتاريخ 23-12-2012 وبينهما سنة؟ إنّي لأعجب حقًّا من حدْس هذا المطران ومن ثاقب نظره ودقّة تحليله في مواكبة الأحداث. هل كان في المقال الأوّل يتنبّأ؟ هو لا يدّعي ذلك، ولكن تصويره "للربيع" في آخر السنة، هل جاء مخالفًا لِما كان توقّعه في أوّلها؟ يا ليت أرباب السياسة ومعلّقي وسائل الإعلام يقرؤون تلك السطور، فلَكَم كانوا يستفيدون ويُفيدون!
فيما كنت أقرأ هذا الكتاب للمطران، وأقرأ منه عن أستاذه حنّا الفاخوري، كانت ترتسم في ذهني أوّل كلمة في قرآننا الكريم "اِقرأ". فأين اليوم في شعبنا وأمّتنا الذين يقرؤون لأمثالهما؟ ألا يصحّ فينا ما نسمعه مرارًا، وبحقّ، ومن كُتَّابنا أنفسهم: "أمّة "اِقرأ" لا تقرأ"؟ أمنيتي في نهاية هذه السطور أن يُقْبِلُ أبناؤنا وشبابنا على هذا الكتاب الثريّ وأمثالِه، فيتعلّموا فيه صفاء اللغة وإشراقها، مع رجاحة العقل وسداد التفكير، إلى جانب القيم الأخلاقيّة والروحيّة السامية. وأملنا أن لا يطول الوقت حتّى يُطلَّ علينا سيادة المطران المعلّم "المتقاعد، ولكن المِش قاعد"، أن يُطلّ علينا قريبًا بكتاب، بل بكتبٍ جديدة أخرى، لإثراء تراثنا الثقافيّ والإنسانيّ، فيزيدنا علمًا بما ينفعنا ونفعًا بما يعلّمنا، وأن يُرينا الحقّ حقًّا ويرزقنا اتّباعه، والشرّ شرًّا فيرزقنا اجتنابه.
وفي مداخلة نايف خوري جاء: سيقدّم الشاعر وهيب وهبة النسخة الأولى من كتابه الرباعية الكاملة من دار النعمان في لبنان، التي لم تصدر بعد، ولكن تم تصميمها خصّيصًا لهذا اللقاء، وذلك لأنّ المطران بطرس المعلم كان أوّل من قرأ كتاب "مفاتيح السماء" فأعطى الملاحظات والتصويبات وأثنى على الكتاب، وباركه ليتمّ طبعه في لبنان، وقد حاز كتاب السماء على جائزة نعمان بتوصية من المطران بطرس المعلم أثناء وجوده في بيروت.
ومن ثمّ كانت مداخلات للزملاء والزميلات، وقبل التقاط بعض الصور مع المحتفى به سيادة المطران بطرس المعلّم، قدّم شكره لجميع الحاضرين والقيّمين على هذه الأمسية الأدبية الخاصّة بكتابه "من وحي الربيع".   


















18  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / ريترو ومحطاتٌ مُبعثرةٌ في حيفا في: 09:46 26/11/2012
ريترو ومحطاتٌ مُبعثرةٌ في حيفا



آمال عوّاد رضوان
بمبادرة من نادي حيفا الثّقافيّ أقيمت أمسية أدبيّة للشاعر فرحات فرحات، بمناسبة صدور كتابه “ريترو” محطّات مبعثرة، في قاعة كنيسة مار يوحنا المعمدان الأرثوذكسيّة- شارع الفرس 3، حيفا، وقد حضر هذه الأمسية جمهور من الأدباء والشعراء، وشارك في الأمسية كلٌّ من  الكاتب فتحي فوراني، والقاصّ علاء حليحل، ود. خالد داود تركي، والشاعر فرحات فرحات، بمرافقة الفنّان عازف العود ماهل وهبة، وذلك بتاريخ 22-11-2012.
جاء في كلمة الكاتب فتحي فوراني عريف الأمسية الريترويّة:
أسعدتم مساء. أرحّب بكم باسم منتدى حيفا الثقافيّ، وأشكر المجلس الملّي الأرثوذكسيّ الذي يُهيّء لنا هذا البيت الدافئ للقيام بنشاطاتنا الأدبيّة والثقافيّة، بدءًا.. أسمح لنفسي أن أكشف لكم  سرًّا أكشفه لأول مرة. في مرحلة ما في زمن مضى ولأسباب معيّنة، نشرت بعض الكتابات من مقالات وقصص وقصائد  بتوقيع ف.ف، وقبل مدّة قرأت مقالاً في مجلّة كرمليّة بتوقيع ف.ف. ولم أستطع أن أخفي دهشتي وتساءلت: من الذي تجرّأ على مزاحمتي على هُويّتي الأبجديّة وأقنعتي الأدبيّة، "ولَطش" منّي هذيْن الحَرفيْن؟
فتحرّيت وتقصّيت وبحبشت، وكان أن اكتشفت الرجل! ففي الرابع من الشهر الماضي، وفي نهاية أمسية أدبيّة، تقدّم منّي شاب لطيف يشعّ طيبة، أراه لأوّل مرّة، غير أنّني أحسست أنّي أعرفه من ألف عام، وأهداني عمله الإبداعيّ "ريترو"! عرّفني بنفسه وقال لي: أنا أيضًا ف.ف.. فرحات فرحات! ففرحت لهذا الكشف الذي لم أتوقّعه! لقد ذاب الثلج وبان المرج، وجاءني بالأخبار مَن لم أزوّد، واكتشفت أنّنا دولتان جارتان صديقتان تحملان اسما واحدًا وعَلمًا واحدًا وحُلمًا واحدًا! وعندما قرأت الكتاب وقعت في ورطة أخرى، فقد اكتشفت أمّيتي المعلوماتيّة!
لم أكن أعرف أن صديقنا فرحات فرحات ولد عام 1952 وتخرّج من الكليّة الأرثوذكسيّة في حسفا، ولم أكن أعرف أنّه درس العلوم السياسيّة والفلسفة والعلوم الاجتماعيّة في جامعة حيفا. ولم أكن أعرف أنّه حصل على لقب أم.إي  (M.A.)في موضوع الاتصالات من جامعة كلارك في الولايات المتحدة.
ومن أمّيّةٍ معرفيّة إلى أمّية ثقافيّة! فقد اكتشفت أمّيتي الثقافيّة. وقد يسأل سائل: وكيف كان ذلك يا طويل العمر؟ ولا يلبث المجيب أن يجيب: من عادتي منذ فتحت عينيّ على الأبجديّة العربيّة أن أتابع معظم ما يصدر من منشورات أدبيّة  شعرًا وقصة ونقدًا أدبيًّا ومقالة سياسيّة، في هذا الوطن الصغير وفي الوطن الكبير، وما بعد بعد الوطن الكبير.
ولم أكن أعرف أنّ فرحات فرحات يُزاحمني  بفائَيْه على فائَيّ، فقد أصدر عام 1975 بالاشتراك مع الشاعر مجيد حسيسي رواية "القضية رقم 13"، وهي تجربة روائيّة غير مألوفة على المشهد الأدبيّ في هذا الوطن، ولم أكن أعرف أنّه أصدر بعدها كتابًا عن معالجة السجين المُسرَّح بعنوان "لكلّ إنسان الحق في بداية جديدة"، ولم أكن أعرف أنّ له ديوانَ شعر بعنوان "أن نشرب السراب"، الذي صدر عن دار شمس للنشر والإعلام في القاهرة، عاصمة المُعزّ لدين الله الفاطمي، ولم أكن أعرف أنّه يخوض حربًا ضروسًا ضدّ الإدمان والجريمة، وله مساهمات عديدة في كتابة الأبحاث والمقالات الاجتماعيّة، وخاصّة في قضايا العنف الذي أصبح سيّد المشهد في هذه الأيّام! أليست هذه أمّيّة ثقافيّة من الطراز الأوّل! إنّي أعترف بأمّيّتي! غير أنّني مدين بالشكر الجزيل للكاتب فرحات فرحات لأسباب ثلاثة:
السبب الأوّل: أنّه أتاح لي فرصة اللقاء به والتعرّف عليه، فساهم بذلك في توسيع دائرة أصدقائي الذين أحبّهم، وأضفت إلى القائمة صديقًا جديدًا، فازدادت بذلك ثروتي من الأصدقاء الذين أعتزّ بهم، ووضعت إلى جانب الاسم فرحات فرحات كلمة Like.
والسبب الثاني: أنّه أنقذني من ورطة الجهل، فكشف لي عن الرجل المتخفّي خلف الحرفيْن  ف.ف. وبذلك وفّر عليّ خمسة آلاف شيكل كنت سأدفعها للمحامي فؤاد نقارة، لكي يتّخذ الإجراءات القانونيّة ويوصلني إلى صاحب القناع ف.ف.
السبب الثالث: أنّه أهداني إبداعاته "ريترو"، وشدّني إلى محطاته المبعثرة، فقرأت الكتاب واستمتعت، ورأيت نفسي في محطات سبق أن شاهدتُها وعشتُها، وتجاربَ مُرّة مررتُ بها فمرمرتني وتركتْ غصّة في حلقي، وجرحًا عميقًا في قلبي!
أذكر منها واحدة، ولها أخوات كثيرات! فقد وصلتْ والدي- رحمه الله- رسالة من الجنرال الحاكم بأمره واسمه "دوف"، يستدعيه فيها إلى مكتبه، وسأله بأدب جمّ عن ابنه ف.ف. وأصدقاء ابنه وصديقاته، وعن مطالعاته واهتماماته الأدبيّة ونشاطاته الاجتماعيّة والثقافيّة وآرائه السياسيّة، وقال له: إبنك بيقرا الاتخاد! وبعد سنوات استدعى الجنرال الحاما بأمره شيخًا جليلًا اسمه قفطان، وهو جد فرحات فرحات، وكان يومها ما زال فتى يافعًا في الكليّة الأرثوذكسيّة وقال له مُحذّرًا: شيخ كوفطان.. خفيدك فرخات بيكرا جريدة الاتخاد"! لقد كانت قراءة هذه الصحيفة جريمة كبرى أغلقت أبواب الرزق أمام البعض من ناحية، وأرعبت الجنرال الحاكم بأمره من ناحية أخرى!
لقد تماهيت مع مضمون الكتاب والكثير من الأحداث، فقد عشتها بنفسي وذقتها على جلدي، أو كنت شاهدًا عليها، ولا سيما المشاهد والأحداث والشخوص التي شكّلت الخارطة في الكليّة الأرثوذكسيّة العربيّة، واسمحوا لي أن أعترف أنّني مصابٌ بداء "التعصب"! فأنا لا أستطيع إلاّ أن أتعصّب لهذه القلعة الوطنيّة الثقافيّة، إنّها بيتي الثاني الذي أفنيت فيه أحلى سنوات العمر، إنّني أعتزّ بانتمائي إليها، وأعتزّ بالأجيال التي علّمتُها العشق؛ عشق اللغة العربيّة والاستمتاع بأسرارها الجميلة، وأعتزّ بخرّيجيها الذين تخرّجوا من معطفها، وأشعر بكبرياء عندما أراهم وقد وصلوا إلى أعلى المراتب والمناصب، وصاروا سفراء لنا ولشعبنا، وكواكبَ تزيّن سماء الوطن وخارطة الدنيا!
كنت شاهدًا على شخوصها، ابتداء شيخ الشباب الظريف شكري الخازن مدير الكليّة، مرورًا بأبو إلياس حارس الكليّة، وانتهاءً بأمّ إلياس وزيرة التموين والغذاء وشطائر البستراما! وكنت شاهدًا على اللهجات الجميلة التي احتضنتها الكليّة، فقد اجتمعت تحت سمائها جموع الطلاب من أقصى البلاد  إلى أقصاها، من حيفا وقراها والجليل والمثلث وبئر السبع وقرى أهلنا في جبال الكرمل، وكنت شاهدًا على العقبات الكأداء والحواجز العالية التي وضعها الجنرال في طريق مُربّي الأجيال، ومعايير التعيينات أمام المُعلّمين اليساريّين الذين أبو إلاّ أن يدافعوا عن شعبهم النازف وعن الأجيال الصاعدة نحو حياة حُرّة كريمة!
ويتحدّث فرحات عن تجاربه الشعريّة عندما كان طالبًا في الصفّ العاشر، فقد كان يقرض الشعر ويُسلّم الأمانة إلى  صديقه زهير؛ راوية شعره، ويَعرضه على الأستاذ شكري الخازن، ويستشهد الكاتب بدعابة شكري الخازن عن رابع الشعراء! فقد صنّف الأقدمون الشعراء إلى أربع طبقات، وقالوا: الشعراء فاعلمن أربعه/ فشاعر يَجري ولا يُجرى معه/ وشاعر يخوض وسط المعمعه/ وشاعر لا تشتهي أن تسمعه/ وشاعر لا تستحي أن تصفعه
وعلى ذلك فقد جرى القول في متشاعر  يتوهّم أنّه شاعر: إنّه من رابع الشعراء! فلا تستَحِ أن تصفعه كفًّا وتسطله سطلا!
ثمّ ينتقل إلى سينما البلد وساحة الحناطير، والمريحوانا في المؤسّسات الأكاديميّة العليا، وتأهيل السجين وترميمه، وكيس الطحين، وعلى الناصية (آمال فهمي) والتحقيق أمام الاشخاص الثلاثة ذوي الوجوه المُغبرّة، ونزهاته اليوميّة على الشاطئ لصيد السمك، ويتحدّث عن "هذاك المرض" اللعين، وحفظك الله ونشلك، شفاك وعافاك يا حبيبنا، وأطال عمرك لتعيش وتتمتع بالحياة، وتبدع وتبقى نبعًا أدبيًّا لا ينضب!
وقد  أعجبني بشكل خاصّ وصفه للعلاقة المميّزة مع والده؛ ذلك الشيخ المثقّف الوطنيّ الذكيّ.. لست أدري لماذا تذكّرت نزار قباني في قصيدته "أبي"، فقد صعَق نزار نبأُ رحيل أبيه ولم يصدّق! أمات أبوك؟ ضلال أنا لا يموت أبي/ في البيت منه روائح ربٍّ وذكرى نبي
إنّه فصل ممتع ومثير فعليكم به! وللأستاذ حنّا أبو حنّا نصيب في هذا الكتاب، وحكايته مع الطالبة التي كانت تقول في الإعراب: بدلاً من المُضافِ إليه.. المُداف إليه! فينرفز الأستاذ حنا! وبعد دقائق تُحاول هذه الطالبة أن تستفزّه فتقول في إعراب الكلمة: مُدااف إليه بمدّ الألف تعنّتًا وتأكيدًا على موقفها من حرف الضاد ومن لغة الضاد ومن الناطقين بالضاد! فإنّ البيئة التي نشأت فيها الطالبة، أقامت حواجز الغربة بينها وبين اللغة القوميّة!
وعن الإشكال اللفظيّ والصراع  بين حرفَي الضادّ والدال، تروي كتب التراث العربيّ طُرفة طريفة عن شيخ كان يُدرّس فتاة جميلة اللغة العربيّة والقرآن الكريم، فكان يقول الآية "إنّ أبانا لفي ضلال مبين"، فتردّد الفتاة: إنّ أبانا لفي دلال مبين! فيقول الشيخ: شدّدي على لفظ الضادّ "إن أبانا لفي ضلال مبين، فتقول: إنّ أبانا لفي دلال مبين! فينرفز الشيخ قائلا: إنّ أبانا لفي ضلال مبين، فتردّد قائلة: إنّ أبانا لفي دلال مبين! ويطير ضبان عقله ويكاد يجنّ! فيمرّ بهما رجل  فضوليّ ويصيح بالشيخ: يا شيخ.. دَعها في دلالها، وابقَ أنت على ضلالك!
وبعد فاصل موسيقي عزفه الفنّان عازف العود ماهل وهبة، كانت مداخلة القاصّ علاء حليحل التي جاء فيها:
كتاب "ريترو" احتضنته دار النشر راية، ريترو هو عنوان مخادع، لأنّ ريترو لِمَن يتتبّع الأخبار الفنيّة والثقافيّة والأزياء والموضة كلمة ارتبطت بعصرنا الحديث، الذي يحاول أن يرجع إلى موضات قديمة، كالعودة إلى أزياء ريترو وتسريحات ريترو، ونجاح فرحات في أخذ هذه الكلمة وتحويلها إلى حالة ذهنيّة إنسانيّة، يستحضر فيها الجميل وغير الجميل من تاريخه.
ريترو؛ هو خيار جميل جدًّا ومفاجئ لأنّ مَن يقرأ العنوان، ومن يَعي استخدامات الكلمة حداثيًّا، سيُفاجأ للإيجاب، وهو كتاب موفّق جدًّا، وسأبدأ من تعريف الكتاب؛ "محطّات مبعتثرة":
أنا أعتقد أنّ الاختيار دقيق جدًّا، خاصّة وأنّ فرحات يُنجز كتابًا ليس بالرواية وليس بالمجموعة القصصيّة، وأعتقد أنّ هذا منحه حرّيّة كبيرة في الكتابة بدون قيود وبدون ضابط زمنيّ، فهو ينتقل بين الأزمان بحرّيّة وبدون ضابط مكانيّ، والشخصيّة المركزيّة التي تتحدّث في الكتاب "الراوي"، تأخذ كامل الحرّيّة ومطلقها في التحدّث عن أيّ شيء، بدون أن يكون له رابط بعد أو قبل، ولكن هناك روابط طبعًا، ولكن ليس بالحدّة أو بالمطلب الصارم الذي يتطلّبه عمل روائيّ أو مجموعة قصصيّة لها عمود فقريّ تستند إليه.
الحريّة ملموسة يمكن للإنسان أن يشمها ويتذوقها في النصوص المنجزة، وهذا بتقديري كان خيارًا جميلاً جدًّا لدى فرحات، في انتهاج هذا النوع من النهج في الكتابة، والتحرّر من قيود السرد المتين الموجود قي الرواية والقصّة عادة، لأنّه يكتب عن تاريخ لا يودّ له أن يكون تاريخًا، وهذه ليست كتابة تاريخيّة، وهي بعيدة جدًّا عن كتابة الحنين نوستالجيا التي نعرفها ونخبرها في السِّيَر الذاتيّة في فلسطين وفي العالم العربيّ أيضًا.
فرحات يتعامل مع المحطات التي كَتب عنها بخفّة دم وسخرية ذاتيّة، وبكثير من الكلبيّة– Cynicism، وتستند أخلاقيّات الكلبيّين بشكل عامّ، إلى رفض الأعراف الاجتماعيّة، التي يميِّزون بدقة بينها وبين الطبيعة التي كانوا يدَّعون الرغبة في الرجوع إليها، من هنا، يمكن تفسير ازدراءهم الكبير بالعلم وتأكيدهم بأنّ الخير الوحيد إنما هو الفضيلة، وأعتقد أن هذا النمط وهذا الروح الطاغي على الكتاب منحه الكثير من الجاذبيّة والدفء والقرب من القارئ، وهذه نتيجة يتمنّاها أيّ كاتب بتقديري وبأيّة طريقة يكتب بها.
الزمن كزمن مشتهى وزمن مقدّس، أنتم تعلمون أنّ الأبطال يكتبون سِيَر ذاتيّة، وكأنّ زمانهم كان أفضل الأزمان ويجب العودة إليه وليس لغيره، وحتى أنّ غير الأبطال مَن يكتبون ذكرياتهم، يحاولون أن يُسبغوا هذه الفترة بمثاليّات وكلمات كبيرة وبمحطات مزعزِعة، تودّ أن تُعلّم البشريّة دروسًا. أنا أعتقد أنّ اختيار فرحات بدلاً مِن أن يشتغل ميجور أن يشتغل ماينور، بمعنى؛ أن يتحدّث عن الأمور الكبيرة التي يمكن أن تُستشفّ من النصّ الدفين هنا، بكتابة عن المواضيع الصغيرة والمشاعر الشخصيّة وعن المواقف الإنسانيّة الحزينة. هذه النزعة التي ميّزت كتاب ريترو هي سرّ نجاحه، وأنا أعتقد أنّ أيّ افتعال كان يمكن أن يقع به فرحات، كافتعال الدراما أو افتعال الأهمّيّة في الكتابة والصياغة، كان سيوقعه في مطبّ كبير. بالعكس فالدراما والأهمّيّة في الفترة التي يتحدّث عنها فرحات والفترات الكثيرة المشحونة في الكتاب، تكتسب أهمّيّتها من منطلق بسيط جدًّا، وهي أهمّية الإنسان والفرد في نقاط ضعفه وقوّته، وفي نقاط الحيرة والخجل والدفء وفي نقاط الحميمية والحزن والفرح، فهذه كلّها تبني الإنسان، وهذا ما يبنيه الكتاب ريترو، وأعتقد أنّ هذا هو نجاحه الكبير.
هناك بُعدٌ آخر في الكتاب استمتعت به وأنا دائمًا فضوليّ لدرجة كبيرة في قراءة نثر لشاعر أو شعر لناثر، فالانتقال بين اللغتين، وأنا أسمّيهما لغتين مع أنّه يكتب باللغة العربيّة، ولكن لغة الشعر في مفاهيمها وتوجّهاتها تختلف عن لغة النثر، والانتقال والرقص في هذيْن العُرسيْن يمكن أن يكون رقصًا جميلاً جدًّا، ويمكن أن يكون شيئًا غير جميل في أقلّ ما يُقال، ولكن ما يجعل كتاب ريترو جميلاً وجذّابًا ودافعًا، هو الحالة الشعريّة التي تطغى في أماكن معيّنة، ولا أتحدّث عن مقاطع الشعر في الكتاب، بل أتحدّث عن النثر ولكن بمزاج شعريّ وبلغة حميميّة، والبلاغة المبطّنة تنعكس في الكتاب، والكتاب خالٍ من الإطناب وهذا نادر في مشهدنا الأدبيّ، وعلى هذا نُحيي فرحات، إذ إنّ الكتاب خالٍ من الحشو والمبالغة في النصوص، وليست هناك نصوص طويلة أكثر من اللازم، وكل كلمة محسوبة لديه، ويبدو أحيانًا أنّ فرحات كان خجولاً في الكتابة، وكانت تتبدى رغبته في الاقتصاد والإيجاز، وبالتالي إنشاء البلاغة التي تهمّه كشاعر، فالشاعر يبحث عن البلاغة بطرق عديدة، ولكن أوّلها ومن أهمّ أدواتها طبعًا الإيجاز والتكثيف، فهناك حالة تكثيف بارزة في نصوص ريترو أنا أعجبت بها جدّا، ولمست الشاعر الموجود في داخل النصوص النثريّة. وأقتبس من ص 101 تحت عنوان "هذاك المرض": 
"قبل ثلاثة أعوام بالضبط وجدت نفسي أشارك القراء عِبر بعض المواقع بما أصابني، وأنا ما زلت على مفترق طرق، لا أدري ما هي وجهتي وإلى أين يُوجّهني شرطيّ المرور القابع في السماء. لا اريد أن أشغل بالكم، وأخيرًا أصبت بسرطان المعدة.؟ قلت لأمّي مع بداية هذا الصيف: أشعر أنّ هذه الآلام التي تنتابني ليست عاديّة، ولا أدري لماذا، لكنّي أعتقد أنّ جسمًا خبيثًا قد استوطن بي".
هذه رهافة شاعر حين يعلن للناس أنّه مصاب بالسرطان. ليست هناك ذرّة من الدراما وليس هناك نوع من البكاء والحزن والكمد الذي حلّ على جسده المصاب بالسرطان، وأعتقد أنّ هذا ينضمّ إلى نوع من الفكاهة الخجولة، هناك فكاهة سوداء خجولة بين السطور، وهي تنضوي كلّها في الكتابة الرشيقة الخفيفة البسيطة التي ترتكز على متانة وعمق، وهذا هو السهل الممتنع أو سمّوهُ ما شئتم، ولكنّه أيضًا يحتاج إلى مراس ومهارات.
وألخّص أنّ كتاب ريترو مليء بالدراما ولكن بلا دراماتيكيّة، وهناك سرد ولكن بلا التزام بتاريخ مرتّب، وهناك سيرة ذاتيّة بلا محطّات ترغب أن تكون كبيرة، فالنصّ خفيف ورشيق، وكلمة محطّات التي عنون بها الكتاب هي كلمة عبثيّة بالنهاية، كأنّ الزمن قابل للتصنيف وللقولبة، لكنّه ليس كذلك، فهذا وهْمٌ نحن صنعناه، إذ نُقسّم حيواتنا إلى مراحل ومحطّات وتواريخ، لكن الزمن لا يعترف بهذا الانقسام، فالزمن شيء مستمرّ لا يتوقّف عند محطة يبدأ بها أو ينتهي، وتوجد نصوص جميلة نعتقد أنّها محطّات، وأعتقد أنّ أحد هذه المحطّات الجميلة هو "ريترو".
أما مداخلة د. خالد تركي فجاء فيها:
تُثلج صدري لقاءات الخميس، الثَّقافيَّة الدَّوريَّة والشَّهريَّة، التي ينظِّمها النَّادي الثَّقافي في حيفا، للمجلس الملِّي الأرثوذكسي، حيثُ تروي ظمأ العِطاش وتروي لنا، بعد أن تجمعنا بأديبٍ أو شاعرٍ أو فنَّانٍ، روايةً أو فنًّا أو تراثًا أو شعرًا ويكون الكتابُ جديدُ الإصدار، حلقةَ الوصل.
خرجتُ من اللقاء السَّابق قبل شهر ونصف، والذي كان مع الشَّاعر والأديب والمحاضر للغة العربيَّة في القدس والمتميِّز والمتفوِّق في كليَّة الآداب بالقدس، إياس يوسف ناصر، وفي كنانتي بعضُ الإصدارات، ومن بينها محطَّات مبعثرة ومجتمعة في كتاب "ريترو" للكاتب والشَّاعر والأديب فرحات فرحات، وكان الكتاب زادي لتلك الليلة الأنيسة، حيث تشبَّثت جفوني بالمحطَّات، بعيدة عن بعضها البعض، رافضةً أن تقبِّل بعضها البعض وتتعانق خلودًا للنَّوم، وبدأتُ في تلك الليلة أقرأ "ريترو" بنهمٍ وشوقٍ وحنينٍ إلى أيَّام الثَّانويَّة العزيزة في الكليَّة العربيَّة الأرثوذكسيَّة، حيث يُعيدنا الكاتب بذكرياته، بأسمائها وحوادثها، إلى مقاعد الدِّراسة في الكليَّة، ويجمعنا بالاستاذيْن الجليليْن والرَّسوليْن حنَّا أبو حنَّا وشكري الخازن وبحارس الكليَّة، أبي الياس، والباستراما الشهيَّة من أمّ الياس السَّخيَّة، وملاحقات المخابرات الاسرائيليَّة لقرَّاء صحيفة الاتِّحاد في زمن الحكم العسكريِّ وما بعده، لأنَّ قراءة الاتِّحاد كانت تهمة وجريمة لا تُغتفر، تلك الصَّحيفة التي كانت وما زالت البيتَ الدَّافئ للكلمة الوطنيَّة الحرَّة والشُّجاعة، ولا عجب في كونها مدرسةً للأدب التَّقدميِّ  والممانع ومرجعًا لتاريخ شعبنا، فهي صحيفة الشَّعب..
لقد كان هنا، في هذه القاعة، لقاؤنا المباشر الأوَّل، وقد تجاورنا وتحاورنا في جلستنا. وجه مألوف ومعروف لكن من أين؟ وكان العلم عند المولى القدير، فبعد أن التقت مآقينا في تجاورنا وتحاورنا، تجاوزنا بتجاورِنا حدَّ الجلوس واستبدلنا صمتنا بالسَّلام والكلام وانقطع الشَّكُّ باليقين، إنَّه الاستاذ والأديب فرحات فرحات، وانتقلَت لقاءاتُنا من على صفحات المواقع الإلكترونيَّة الملتزمة، أو الصحف الثَّقافيَّة المثقِّفة إلى البثِّ المباشر..
ويحدِّثنا بجرأة عن صعوبة وحواجز وموانع التَّوظيف في المدراس الحكوميَّة، للذي يرتبط اسمه بالاتِّحاد وحركتها الوطنيَّة، المتمثِّلة بالحزب الشُّيوعي، لانَّ ارتباط جهاز التَّعليم العربيِّ بجهاز المخابرات، الشِّين بيت، هو ارتباط عضويٌّ وثيق غير منفصل وغير منفصم، فقائمة المعلّمين الّذين طُرِدوا واعتُقِلوا وفُصِلوا من سلك التّعليم طويلة جدًّا، وكان السّبب أنّهم رفضوا كلّ إغراءات المخابرات والوزارة التّابعة لها من توظيف وتعيين وتنصيب بمركز تعليميٍّ مرموق، لكن هيهات، لقد أرادوهم ختمًا في يدهم وخاتمًا في خنصرهم، أرادوهم ببغاوات، وطبولاً جوفاء، أرادوهم أن يُعلِّموا طلاَّبهم "كيف جفّفنا مستنقعات الحولة وأقمنا المستوطنات"، وأن يُنْشِدوا مع طُلاّبهم "عيد استقلال بلادي غرَّد الطَّير الشَّادي"، وأن يُدرِّسوهم قصيدةً عن الدّولة، التي أقاموها على تراب هذا الوطن بعد أن طردوا شعبه، لإلقائها في احتفالاتهم بنكبة شعبنا "نورٌ تألّق في سماء المشرِق جمُّ الضِّياء بليله المتلبِّدِ" عن ظهر قلب، وأرادوهم معلّمين يُخَرِّجون طُلابًا حطّابين وسقاة ماء ورعاة، لأنّهم يخافون من الكلمة والدّراسة والتّطوّر. فالكلمة والقلم الّذي يكتبها والعلم الّذي ندرسه ونتعلّمه أقوى وأمتن سلاح. فقد جاء في الحديث الشَّريف: فضل العلم خير (أو أحبُّ إليَّ) من فضل العبادة، أطلبوا العلم ولو في الصين. فكم هو العلم مُهمٌّ في تطوّر الأمم.
لقد أذرفَ كاتبنا فرحات دمعي وأبكاني حين حدَّثنا عن والده المتوفَّى، معلِّمه الأوَّل، بلغة المخاطبة شوقًا منه وحبًّا له وفخرًا وفخارًا به وعزَّةً لا تُضاهى، وتقديرًا لأتعابه وفضله على تربيته في حبِّه للغته العربيَّة وشعبه العربيِّ، فمن شابه أباه فما ظلم. لقد كانت غبطتي كبيرة وسروري عظيمًا حين صدقتَ في أمنيتكَ وكنتَ كما تمنَّيتَ حين كتبتَ: "أرجو أن أكون مخطئًا في تصوُّري هذا، حتَّى لا نكون قد غيَّرنا الشَّكل دون المضمون والمسمَّيات دون الجوهر" في محطَّتك المبعثرة "ثورات" في محاورة شخصيَّة تعدَّت السِّرِّيَّة، وهنا لا بدَّ لي أن أقول كاتبًا ما يلي والكتابة هي بالفُصحى لتوحِّدنا، وبدون "لهجات" تفرِّقنا بين نقب وجليل ومثلث وساحل  أو بين أولاد (الكُرى) القرى وأولاد المدن، وحتَّى أنطق القاف قافًا وليس كافًا أو آفًا والضَّاد ضادًا وليس دادًا، كما يجب وكما كتبتَ أحسن ما "ينفضح الطَّابق":
لقد قرَّرتُ ان أكتب عن هذه المحطَّة، لأنَّه إن لم أدخلها، فلن أرحم نفسي ولن أغفر لها ولن يرتاح ضميري، ولن أسامح قلمي الذي أطاعني وجلس مستريحًا بين إبهامي وسبَّابتي ووسطاي كاتبًا. لهذا قرَّرتُ أن أتطرَّق لهذا الموضوع حتَّى لا أُتَّهم أنَّني تجاهلتُه، أو أنَّني أحمل ذات الموقف الذي اتَّخذه كاتبنا العزيز تجاه سوريا، فمداخلتي هذه لا تنتقص من تقديري لكتابه ولأسلوبه الشَّائق والمبدع في وجدانيَّته وإحساسه المرهف، فكما يقول أمير الشُّعراء أحمد شوقي في مجنون ليلى: الأنِّي أنا شيعيٌّ وليلى أمويةٌ؟ اختلاف الرَّأي لا يُفسِد للوُّدِّ قضيَّة. وأعرف أنّك بريءٌ كبراءتك من رمي الأستاذ يوسف بحجر بالمغِّيطة بعد أن أصابه زميلك سهيل بوجهه.
لقد تطرَّقَ أديبنا لليمن وليبيا ومصر وسوريا، ووضعها في سلَّة واحدة، وكان الأجدر، في نظري وفي رأيي، أن يضعَ جميع الدُّول العربيَّة في سلَّة واحدة على أن تكون سوريا وأحرار الوطن العربيِّ ومقاوموه وشرفاؤه الأعزَّاء في سلَّة أخرى مُميَّزة ومتميِّزة.
ولا غرابة في ذلك، لأنَّه عندما نرى أنَّ الغرب البغيض الاستعماريّ المسَبِّب الوحيد لآلامنا ومصائبنا ونكباتنا المتتالية، من خلال تقسيم الوطن العربيِّ إلى دولٍ دون أن يأخذ رأي صاحب الشَّأن، الأمر الذي أبقاه جريحًا نازفًا، وأبقى غالبيَّتها قابلةً للاشتعال في كلِّ لحظة، من خلال أدواتها من الرَّجعية العربيَّة الممثَّلة بقوَّادها، القوَّادين على شعوبهم، من المحيط السَّاكن والسَّاكت إلى الخليج الخائن والكابت والخانس، ناهيك عن أحفاد السَّلاجقة الجدد في الباب العالي، فمن الذي دعم قاتل والده ليتسلَّم سدَّة الحكم في قطر، ومن حكَّم آل سعود حكَّامًا على أرض الجزيرة العربيَّة الطَّاهرة والشَّريفة ودنَّس ترابها وقداستها، ومَن دَعم وتآمر مع الذي اتَّهم والده بأنَّه مصاب بمسٍّ من الجنون حتى يتسلَّم مكانه ويحكم البلاد ويتحكَّم بالعباد، ويسخِّر مقدَّرات الشَّعب والوطن لخدمة الاستعمار البريطاني وأذنابه وفِطريَّاته وطُفيليَّاته، إنّهم هُم هُم متآمرو اليوم..
هذا لا يعني أنَّه لا يتوجَّب على سوريا أن تكمِّلَ مسيرة إصلاحاتها التَّشريعيَّة والاجتماعيَّة والسِّياسيَّة التي بدأت بها، لكنّهم "مش مهدِّين لها بال"، ومع ذلك ستبقى فيحاء الشَّام، أرض الياسمين، قلب العروبة النَّابض، مسرح الاحرار الأوَّل. لقد أعلنوها حربًا عالميَّة، كونيَّة بامتياز، على سوريا وعلى جميع أحرار العالم وشرفائه لكسر شوكتهم الباقية في عيون المتآمرين عليها وهي في حلوقهم.. كقطعة الزُّجاج كالصَّبَّار".
أتمنَّى للكاتب الأستاذ فرحات فرحات دوام الصِّحة والعافية والمزيد من العطاء والإبداع، وبعيدًا عن "هذاك المرض" وبعيد عن السَّامعين كذلك، بُعد الأرض عن الشَّمس أو يزيد..
وكانت مداخلة موسيقية للفنّان عازف العود ماهل وهبة، رافقت الشاعر فرحات فرحات في باقة من القصائد والنصوص النثريّة:
أبي.. ها قد مضى على فراقنا ستة أعوام. يوم رحلت لم أكتب لك قصيدة رثاء كما يفعل الشعراء عادة، وقفتُ يومها بين جمهور المُشيّعين وقلت فيك كلامًاً بسيطًاً كبساطة فعل الولادة والموت، كبساطة موتك تلك الليلة. كنتُ حزينًا شاردًا، رأيت في عينيك ذاك اليوم إشارة الفراق. شيءٌ ما همس لي أن أبقى معك، لكني لم أسمع صدى الصوت. انصرفت إلى أعمالي وتركتك تُحدث من حولك عن قانون الميزانيّة الذي لم يستطع أعضاء الكنيست إقراره. قلت لك وأنا خارج: ما لنا وما لهم! يضربوا. وكأنّي أردت القول: "خلّينا في اللي فينا". ألا ترى كيف تدهورت صحّتك يا أبي؟
لم أكتب لك قصيدة رثاء. ولو فعلت على عجالة وكتبت، لاستفقتَ من سباتك الأبديّ لتزجرني: هذا ليس شعرًا! كم حاولت إقناعك أنّ الشجر يبكي، وأن السماء تضحك، وأنّ القمر يكتئب، وأنت على إصرارك بأن هذا هراء، وأن الشعر الحديث بكلّ أشكاله إنّما زيف وضعف ومؤامرة على المتنبي وامرئ القيس. كنتَ تسعد عندما أتلو على مسامعك قصيدة عموديّة، حتى ولو خلت من التشبيهات والجماليّات، ويكفيك أنّها موزونة ومُقفاة. هكذا رأيتَ الشعر يا أبي وهكذا أردت أن يكون. ها أنا أجول بين أوراقك المبعثرة أحاول أن ألملم شمل قصائدك التي اصفرّت أحرفها على مدى الأعوام، تنتظر منّا أن ننقلها إلى مسكن جديد من ورق صقيل لامع يليق بهذا الميراث الذي أبقيته لنا، وهو كنزنا الأبديّ:
إني وجدتُ معالمي ومكاني/ بين الرفاق وقد بلوتُ زماني/ وخرجتُ من تلك المعالم ساخرا/ متأفّفًا بمطامعِ الإنسان/ وذهبتُ في حبّ الإخاء مُفاخرًا/ أهوى السلام لسائرِ الإخوان/ فبعدتُ عن كل المطامع تاركا/ حقد النفوسِ ودارة الإضغان/ اِخترْ لنفسك منهجًا تسمو به/ عن عالم الأحقاد والأدران/ اِحفظْ لسانك بالحديث فإنّ في/ حفظ اللسان معزّة وتفاني/ وإذا رمَتك النائبات ببلوة/ اِصبر فإنّ اللهَ ربٌّ حاني.
أتجوّلُ بين أوراقك بهدوء وسكينة، أقلّب صفحات الماضي في محاولة لاكتشافك من جديد. هل كنتُ أعرفك حقًاً يا أبي؟ يبدو لي أحيانًا أنّ حديثًا ما كان يجب أن يدور بيننا ولم نفعله. أتحسّر على هذا الحديث المنقوص، رغم أني لا أدري كنهه ولا المكان الذي كان سيوصلنا إليه. أشعر بالحزن وخيبة الأمل إزاء هذا النقص، الذي لا أستطيع كما قلت لك تحديد ملامحه. ربّما لم تكن لديّ الشجاعة الكافية لاختراق ذاك الحاجز الوهميّ الهلاميّ، أو ربّما خشيت أن لا ألاقي من القبول قدرًاً كافيًا. هكذا نحن بنو البشر، عندما يتواجد الشخص لا نجد عمّا نتحدّث، وعندما نجد عمّا نتحدّث لا يتواجد الشخص. أعلم أنّي أظلم علاقتنا حين أصوّرها بهذا الشكل، فلم يكن يمضي يومان أو ثلاثة دون أن نتجاذب أطراف الحديث، حيث كان يبدأ خجولاً في محاولة منّي لاستدراجك إلى ملعبي حيث تكون الغلبة لي. ورغم أنّك كنت تدرك رغبتي هذه في الخروج منتصرًا في أيّ سجال بيننا، إلاّ أنّك لم تكن يومًا على استعداد لرفع الراية البيضاء، ولطالما كان ينتهي النقاش بيننا بتدخّل من أهل البيت: "يلاّ فضّوها سيرة عاد". كنت أدري مسبقًا أنّك منافسٌ قويٌّ في الأدب الجاهليّ وفي أمور الدين ومسألة الإيمان. كان هذا ملعبك بامتياز، ولطالما اخترقتَ شـِباكي بأهداف رائعة، تركتني مذهولا ًأمام أفكاري المهشّمة عند القائم الأيمن أو الأيسر. لطالما سألت نفسي، من أين لك كلّ هذه المعلومات، وأنت لم تكمل سوى الصفّ الرابع؟ كنت ستجيبني: طبعًا المطالعة. إنها ليست المطالعة وحدها، فلم تترك لنا مكتبة يشار إليها بالبنان. أفتّش في مكتبتي علّني أشتمّ رائحتك في أحد الكتب فلا أقتفي أثرًا لها. أعلم أنّك كنتَ مولعًا بالأدب العربيّ الجاهليّ، وقد حرصت على اقتناء كتب أبي العلاء المعرّيّ وبعض الكتب الدينيّة والفلسفيّة. جئتك يا أبي مرّة بكتاب أنيس منصور "في صالون العقّاد كانت لنا أيّام"، كان الكتاب ثقيلاً ولا يمكن قراءته محمولاً لضخامته، قدّمته لك بكثير من الإعجاب بعبّاس محمود العقاد الشاعر الأديب والفيلسوف، الذي شكّل ندًّا قويًّا للدكتور طه حسين، رغم أنّه لم تبلغ ثقافته حدّ الصفّ الرابع. قلتُ لك مازحًا: يبدو أنّ سرًّا ما في ثقافة الصفّ الرابع، اُنظرْ إلى هذا الشخص. علَتْ وجهُكَ ابتسامة خجولة وكأنّكَ أدركت محاولتي الإطراء لك.
يعلم الله يا أبي مدى شوقي إليك في هذه الأيّام. احتجتك كثيرًا في السنوات الأخيرة. كم من مرّة أردت أن أختبئ في عينيْك العسليّتيْن هاربًا ممّا ألمّ بي أو لأقول لك: أترى يا أبي؟ وأخيرًا تعادلنا. حتّى في المصائب تعادلنا. حين رافقتك بعد أن بُحّ صوتك، قال لك الطبيب أنّك تعاني من سرطان في الحنجرة. طأطأتُ رأسي محاولاً الهرب من نظراتك. أمسكتَ يدي بقوّة وقلت بصوت فيه من الحدّة والرقّة معًا: شدّ حيلك مالك ارتخيت؟ بعد سنوات قليلة أردتك أن تكون بجانبي، لأمسك بيدك حين رمقتني الطبيبة بنظرة مجرّدة، وزفّت إليّ خبر مرضي ثمّ مضت لمريض آخر "ولبشرى" أخرى. تعلّمت منك أن أتقبّل الأمر بأعصاب هادئة. مضيْنا إلى البيت بهدوء لا عاصفة وراءه؛ هدوء مَن لا يدخل حربًا يعرف أنه لن ينتصر فيها، هدوء من يعرف أن يطأطئ رأسه أمام المِحَن حتّى تمرّ من فوقه بسلام. وقد مرّت عليك وعلينا بسلام ونسينا.
أحاول الآن أن أمرّر شريط حياتك أمامي من جديد. أحيانًا، تَخفى عن حياتنا حقائق سهوًا أو لأننا لم نُعِرْها الانتباه اللازم، ثمّ كما يحصل عند مشاهدة فيلم سينمائي للمرّة الثانية، تتكشّف تفاصيل ذات مدلولات وأهمّيّة غابت عن وعينا بادئ الأمر. هكذا أرى هروبك من بيت جدّي مرّتيْن والتحاقك في الجيش الإنجليزي، وهكذا أرى تمرّدك ومحاولة تحقيق ذاتك خارج تلك الأطر التقليديّة في مجتمع قرويّ بسيط. عندما كان أولاد جيلك يتزوّجون وهم في السادسة عشرة، فعلتها في الثلاثين. عندما كان معظمهم "لا يفكّون الحرف" كنت تكتب الشعر، وتتحدث اللغة الإنجليزيّة بطلاقة شبه تامّة. كم كنت فخورًا بك يا أبي يومَ وقفت في باحة المجلس المحلّيّ، وأنت في زيّك الدينيّ ولحيتك البيضاء، تخطب أمام الناس باللغة الإنجليزيّة بعفويّة الأطفال، على شرف حفيد السير أوليفنت الذي طلب مقابلتك خصّيصًا كحفيد لحفيد، إذ كان جدُّك "أبو ذياب" مساعد وسكرتير جدّه، يوم أقام هذا الأخير بين سكّان البلدة آنذاك معزَّزًا مُكرّمًا. كنتَ قليل الكلام يا أبي، تصمت إلى حدّ الخنوع أمام مَن يُحدثك، وكم كان هذا الوضع يستفزّني فأصرخ في داخلي مرارًا: يا إلهي، لماذا يصمت أبي وهو أفهم الحاضرين وأكثرهم فطنةً! كفى تواضعًا، لا أطيق هذا التواضع. وأنت كما أنت، تحترم الكبير والصغير، تتنازل عن حقّك وتبقى على صمتك. أصرخ في داخلي، أودّ أن أصرخ في وجهك، ثمّ يلفّني الصمت أنا الآخر وكأنّها عدوى عائليّة.
أعلم أنّ حياتك لم تخْلُ في مرحلة معينة من الهزار والدعابة. لم تكن تعترف أمامي بمعظمها، وعندما كنت أمازحك كان جوابك أنّ فلانًا "يُبَهِّرُ" تلك الحكايات عمدًا، أو يلصقها بك حتى يُبعدها عن نفسه. سمعت عن طيّارتك التي صنعتها وحاولت كالأخويْن رايت التحليق بها فلم تنجح . قال يومَها في هذه الحكاية الشيخ أبو صقر جابر: يا رجا سكّر محلّ نجارتك/ وكسّر المنشار واحبسْ فارتك/ حنطورتي مِن شهر إلها ضايعة/ عم تشتغل في البحث عن طيّارتك. فأجبتَـَه: الطيارة العم بتطير/ فوق الغيم وفوق الريح/ قايدها فارس نحرير/ لا بيخاف ولا بيزيح/ مش مثلك عالحناطير/ قاعد من خوفك بتصيح/ يا عالم شو هالتعتير / مش قادر إدعس فرام.
لكنّك سرعان ما تعود إلى رصانتك لتخاطب حوّاء بهذه الأبيات المقتطفة: سيري على درب الكمال إلى العلا/ وتزوّدي بالعلم ثمّ ترفّقي/ هذا التبرّج لا يليق بغادة/ كبرت على حبّ الثناء الشيّق/ الغرب ليس بقُدْوة في زيّه/ كي تقتديه مع اللباس الضيّق/ تلك الملابس لا تليق بحُرّة/ تأبى لباس الضائعات الفسّق.
يبدو لي يا أبي أنّ حديثنا المنقوص سيظلّ حبيس غرف قلبي، فأنا الشخص وأنت الشخص غريبان في حدود هذا الزمان والمكان، ننظر إلى أنفسنا وإلى مَن حولنا، فلا نرى إلاّ صدأ هذا العمر، وفرص حياة تبخّرت بين أيدينا دون أن نعرف أنها كانت بقبضتنا يومًا.
وفي نصّ آخر بعنوان اِهـْـدأ يقول: اِهدأ !/ فعواصف ُ الصحراءِ ما حكمتْ عليكَ/ بأن تبقى هنا أو بالرحيلْ/ هي لا تراكَ/ هي لا تراكَ لأنّ لونكَ باهتٌ/ ولأنّ سروَ الشمسِ حين تلوحُ/ ما عادت تميلْ/ هي لا تراكَ ألا ترى؟/ فاحمِلْ شراعَكَ وابتعدْ/ رتِّبْ حجارةَ لعبةِ الشطرنجِ في ثوبٍ جديدْ/ واصنعْ قلاعاً من حديدْ/ واذهبْ إلى ليلٍ يطولُ فلا ترى/ شفقًا يبوح/ عن فارسٍ مِن دونِ سرج ٍ أو سراج/ لا غابةَ تحنو لهُ/ لا ماردًا يبني لهُ أسطورةَ الأمجادِ/ سورًا مِن رمادْ/ هي لا تراكَ ألا ترى؟/ لم تبقَ إلاّ قطرةٌ سوداءُ عالقةٌ هناكْ/ لم تبقَ إلاّ نقطةٌ غبراءُ في صدرِ السهادْ/ اِهدأ/ ها أنتَ منبعثٌ إلى صبحٍ جديدْ/ وشموعُ ليلةِ أمسِ باتتْ ذاويةْ/ ما عُدْتَ تمشي فوقَ جمرٍ كاذبٍ/ هو جمرُ حبّاتِ القلوبِ الخاويةْ/ لا تستحي إنْ كانَ صدرُكَ مُثقَلًا / بالتّيهِ بالكلماتِ بالآهاتْ/ هي رسمةٌ تحكي فصولَ حديقةٍ/ جفـّتْ وما بعـَثتْ حياةْ/ لا تستحي واحزنْ على أنشودةٍ/ ذهبتْ هباءً في فضاءٍ مِن سباتْ/ هي لا تراكَ/ لأنَّ صدرَكَ أبيضٌ ولأنَّ قلبكَ أبيضٌ/ ولأنَّ في عينيكَ زهرُ اللوزِ متّسعٌ لكلِّ الناسِ/ في عينيكَ مُتّسعٌ/ ولأنَّ سهمًا قد أصابكَ عندَ منعطفِ الطريقْ/ فإذا ذهبتَ ولم تعُدْ/ قالوا: حريقٌ أو غريقْ/ هوَذا المسارُ يضيقُ حينًا يلتوي حينًا/ ويغفو عندَ قارعةِ المضيقْ/ أوَليسَ أجدرَ أن تكونَ مسافرًا في قاربٍ/ فقدَ الشراعَ وغاصَ في رفقٍ/ ببطنِ البحرِ في نومٍ عميقْ؟ اِهدأ/ فأنتَ اليومَ مولودٌ جديدْ/ لكَ كلُّ ألعابِ الطفولةِ والغواني والسماءْ/ لكَ علبةُ الأسرارِ سرُّ الكونِ مفتاحُ الضياءْ/ لكَ نجمةٌ عليا لكَ نجمةٌ سفلى/ لكَ ملعبٌ حبٌّ فضاءْ/ فعلامَ تجمعُ كلَّ أنفاسِ العذاب/ بدميةٍ أبتِ البقاءْ/ وتُصِرُّ أن تبقى لديكَ إليكَ لكْ/ وتُصِرُّ أن تَحكيَ لنا قصصًا عليك/اِهدأ/ لـَعلّكَ لا تفيـقُ على رجاءْ/ فاللهُ يَهدي مَن يشاءْ/ واللهُ يُعطي مَن يشاءْ/ هي لكَ هي لكْ
وفي نصّ صرخة يقول: عتبي عليكَ/ ألا ترى أنّي طريدُ كآبتي/ والموتَ يدنو حاملاً وجهَ الأديمِ -كساءَ روحي- حينَ كانت لذّةُ الأحلامِ تَنزعُ مِن دروبِ الرعبِ/ آخرَ مسربٍ للنورْ/ يا أيّها المفتونُ في شحذِ السيوفِ: ألا ترى طلاًّ يُعانقُ بسمةً في شرفةِ الأحلامِ كي يرنو/ إليكَ ضبابُ مَن رَحلوا وباتوا في لظى الحممِ انقشاعا/ تخطفُ الأبصارَ، أنتَ مرادفُ الديدانِ تنهشُ في/ كهوفِ العتمِ شامةَ طفلةٍ شاميـّةٍ عصيتْ عليكَ فغـُيبتْ/ إنّي سألتكَ هل صباحـُكَ ناعسٌ مثلُ الصباحات التي تغدو/ لنا، فيها اختزالُ الكون، حبُّ الليل، متعةُ غفوةٍ أو كبوة/ لا فرقَ، هل تشدو بصوتٍ خافتٍ لحنًا تعربشَ فوقَ حبلٍ/ مِن حبالِ الصوتِ حتّى مُزّقتْ أوصالُهُ فغدا على صبحٍ/ نشازًاً لا يلينْ؟ يا أيُّها المفتونُ في شحذِ السيوفِ بربِّ/ مَن سمـّاكَ، هل ما زلتَ تأخذُ وجبةَ الإفطارِ حافلةً/ وطفلُكَ- خدُّه ُ كالورد- يجرعُ في سكونِ السيّدِ المأفونِ/ أكوابًا مِنَ الألبانِ كاملةَ الدسَمْ؟ وعلى تلالٍ أو وهادٍ لا/ يهمُّ، تكادُ تلمسُ طرْفَها، أطفالُ حمصَ، رصاصُكُم قوتٌ/ لهمْ وشرابـُهم شذراتُ بارودٍ تعالتْ في الفضاءْ/ عتبي عليكَ/ وأنا صريعُ كآبتي؟/ لا، لا أظنُّ/ فمعذرة/ يا سيّدَ الأكوانِ/ عذرًا مرّةً أخرى وأخرى من رعاعٍ إمّعةْ/ إن كنتَ تبغيني رمادًا هافتًا لبّيك/ إنّي حفنةٌ سوريّةٌ فانْثُرْ رماديَ في الغيابْ.
وفي نص بعنوان أبراج قال: الحمل: ما لونُها ما شكلُها أشيائي/ سقطتْ على قفرٍ بلا استحياءِ/ وتناثرتْ وتبعثرتْ وتحطّمتْ/ وبقيتُ وحدي تائهًا بفضائي/ هجَرَتْ إلى عهدِ الطفولةِ دمعتي/ وعيونُ أُمّي لا تردُّ رجائي/ ولطالما ناجيتُ طيفــَكِ مثلما/ ناجيتُ روحي أن تصُدَّ ندائي.
الثور: صمتُ القبورِ مساحةٌ للرائي/ فيه اختزلتُ سكينتي وصفائي/ ودفنتُ في ثوبِ المعاصي سكرتي/ وبلّلتُ مِن رمدِ العيونِ ردائي/ ولَئِنْ طويتُ مشاعري ومهابتي/ وجعلتُ منها خرقةً لغطائي/ أبقى الحبيبَ طريدَ حبّي مثلما/ تبقينَ وشمًاً هائمًا بسمائي.
الجوزاء: في حالِكِ الأسفارِ كنتِ رفيقتي/ وحبيبتي وأنيستي وضيائي/ ترمينَ مِن خلفِ المعابرِ همسة/ مرسومةً بالشهدِ والحناءِ/ فإذا وصلتِ وقلتِ إنّي ها هنا/ تبدينَ وهنًا شاحبًا بفنائي/ فجعلتُ مِن بيتِ القصيدةِ مضجعي/ وأخذتُ مِن رسمِ الحروفِ دوائي.
السرطان: تأبى الشفاهُ بأن تكونَ مجازة/غبراءَ تنفضُ مسحةً لطلاءِ/ عجزتْ مناداتي فباتتْ صخرة/ صمّاءَ تعلو فوقَها أشلائي/ إنّي أُناديها بحرقةِ عاشق/لا تسكبي جمرًا على الرمضاءِ/ تمـّوزُ إنّي خائرٌ متنائر/ تمـّوزُ مهلاً هل تودُّ عدائي؟
الأسد: صمتُ القبورِ مهابةٌ لوفائي/ كيفَ الرجوعُ وما حفظتِ وفائي/ مَن أنتِ هل أنتِ التي غازلتُها/ ونقشتُ مِن أسمائِها أسمائي؟/ وزرعتُ عندَ الخصرِ جُـُلَّ مواسمي/ ورويتُ مِن طيبِ الهوى بإنائي/ ولقد غزلتُ مِنَ الشقاءِ قلادتي/ اللــهُ إنّي قد سئمتُ شقائي.
العذراء: عصَفَ الجنونُ بخاطري وبمهجتي/ وفقدتُ في بعثِ الركامِ إبائي/ ونظرتُ حولي في عناءٍ مـُثقل/ بالصمتِ والإنكارِ والإيماءِ/ عـلَّ الذي يبدو سرابًا عابرًا/ أو طيفَ نجمٍ حامَ في العلياءِ/ إنّي فقدتُ مواكبي ومراسمي/ ونقشتُ مِن عطرِ الدموعِ كسائي.
الميزان: عودي إلى دربِ الحريرِ أميرة/ مصحوبةً بنسائمِ الآلاءِ/ عودي إلى قمرٍ يداعبُ ظـلـّه/ رملَ الأماسي في مدى الصحراءِ/ عودي إلى طـلٍّ ترقرقَ خلسة/ فوقَ الشفاهِ بخفةٍ وأداءِ/ عودي إلى نهرِ الحياةِ غزالة/ شلالُ عشقكِ لا يودُّ رثائي.
العقرب: أنتَ الذي أتعبتني وقهرتني/ وجعلتَ منّي خرقةً لبلائي/ أيُّ النجومِ زرعتَ في بوابتي/ أيُّ الصدودِ نثرتَ في أنحائي/ فيكَ الحطامُ تراقصتْ أشلاؤُهً/فيـكَ احتضنتُ مسيئـَتي ومسائي/ إنّي أخافـُكَ أن تظـلَّ مُلازمًا/ ظـلّي أمامي وجهتي وورائي.
القوس: أسْدِلْ ستارَكَ فالوجوهُ تعاقبتْ/ وتبدّلتْ وتناثرت بهباءِ/ ما عادَ في عُنقِ الزجاجةِ ماردٌ/ يروي لنا أسطورةَ الآباءِ/ أسْدِلْ ستارَكَ ما رَويْتُ حكايتي/ إلا ّ لعازفِ ليلةٍ ظلماءَ/ إنّي رسمتُـُكَ شعلةً في مسربي/ فعلامَ تبدو شاحبَ الأضواءِ؟
الجدي: "ليلى" ألا هُبّي إليَّ وعانِقي/ ذئبًا تلـظى قلبُهُ للقاءِ/ إنْ تشربي دمعَ العيونِ فحسبُنا/ أنّي شربتُ هشاشتي ودمائي/ وقعُ الدروبِ يئـنُّ عندَ مرورنا/ وقعُ الحروفِ بسينِها أم فائي/ "ليلى" أحنُّ إلى صباحٍ مشرقٍ/ "ليلى" أتوقُ لليلةٍ ليلاءِ.
الدلو: ولقد دخلتُ إلى دفيئةِ خيمتي/ وجعلتُ منها عزوةً لعزائي/ أضحكْتِني أتعسْتِني أغرقتِني/ أسعدْتِني أجهشْتِني ببكاءِ/ أنتِ النساءُ وأنتِ كلُّ قصائدي/ وسحابةُ الأحلامِ في الضرّاءِ/ ألمي دموعي شمعتي وفراشتي/ شمسي سمائي عتمتي وسنائي.
الحوت: أنتِ السكينةُ في ندوبِ حياتنا/ وأنا أسيرُ متاعبي وعنائي/ ولكم ظفرتُ من الحياةِ بنظرة/ لا قاومتْ شعري ولا إغرائي/ إنّي أتيتـُكِ حاملاً روحَ الصبا/ ما خـطَّهُ الشعراءُ للشعراءِ/ أنتِ النساءُ وأنتِ مَن صنعتْ يدي/ فيكِ اختزلتُ مصائبي وشفائي.









19  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / مدينةُ ريح لا يذروها نُواح! في: 21:29 04/10/2012
مدينةُ ريح لا يذروها نُواح!
آمال عوّاد رضوان

بمزيدٍ مِن طواحينَ مَسرّةٍ عتيقة، تبشّرُ أسرة منتدى الحوار الثقافي بمدينة ريح لا تذروها رياح ولا نواح، للروائية فاطمة ذياب، وذلك في لقائها الشهري المعقود بالفرح 27-9-2012، في مركز تراث البادية عسفيا، والذي صادف تاريخ ميلادِها، والاحتفاء بهذه المناسبة.
استهلّ اللقاء الشاعر رشدي الماضي بكلمة ترحيبيّة جاء فيها:
تماهيتُ معكم أنا المُنتمي مُريدًا إلى رعاة الريح، والتقتْ في دريئةِ الإبداع طفلةٌ خضراءُ (آمال عوّاد رضوان) ودبدوبة متمرّدة (فاطمة ذياب)، ومتّبعًا بوصلة مبدعي رولان بارت أوليس وهو القائل: "وما يجب على المرء أن يقومَ لقراءة كتاب اليوم ليس الالتهام والابتلاع، ولكن الرَّعي بدقة والجزّ بعناية".
لذلك جئتكِ بشغف، جئتكِ وقرأتكِ رواية أردتِها أن تبقى بعيدة عن الضوضاء والأضواء، لا بل تبقى عصافيرَ لا يملكُها أحدٌ سواكِ، ليُواصلَ دولابُ ذاكرتكِ حراكَهُ ودوَرانَهُ زمنًا ممتدًّا، يحفظ ويحافظ ويحتفظ بمكانكِ نيّئًا، فالمكان هو الذي يروي حكاية ساكنيه، ويحمي مروحة ذاكرتهم من عوامل التعرية.
لكنّ شاعرتنا العواديّة الرضوانيّة (آمال عوّاد رضوان) أصرّت عامدةً متعمّدة أن تُخالف تيمّمنا، لتُبقيكِ "أنتِ أنتِ وتبقي الديار ديارا"، وهذا ليس بغريب عليها، فهي تعرف وكذلك نحن، أنّكِ يا فاطمتي رأيتِ الكثير وعاينتِ العالمَ الرحبَ في حياتك، فغصتِ عميقا تلتقطين صورًا فسيفسائيّة لمقاطعَ مِن واقعِكِ. لماذا؟ لتسجّلي وتكتبي الوجع والألم والأحزان والفقد والانكسارات، في عمل مُتحرّرٍ مِن عنف الأيديولوجيا، مُتشبّعٍ بالرغبة في الخوض في تفاصيل حكاية تملأ الدوائرَ الفارغة، في مدينة قريبة ملامحها وموازية لما حبَرتِهِ وشفتِهِ وعرفتِه.
أقول: آمال عوّاد رضوان وعَت بعُمق ماهيّة بوحك، فكيف تتركُكِ لازمة يُكرّرها لوركا: "والآن لا أنا أنا/ ولا البيت بيتي".
نعم يا دبدوبتي كيف؟ وهي العارفة أنّكِ تحملين قبسَ إيمان قادر على مواجهة ومجابهة تآمر الظروف عليكِ، لذلك لبّت راضية نداءَ الواجب مسنودة بوعي إبداعيّ، لتشاركَكِ في نسج مدينة الريح رواية طوّقت عوالم متعدّدة، طارحة أبعادَ الشخصيّات الجوانيّة العميقة دون أن تخدش براءتَها.
فاطمتي أيّتها الدبدوبة المدللة والمتمرّدة في دفيئة جغرافيا الإبداع.. فضاءُ مدينتكِ أمكنة وأزمنة، وهي دارٌ ترصدُ العلاقاتِ الحميميّة في نسيج التواصلات الاجتماعيّة، يُسيّرُها دولابُ الذاكرة فكرًا ثقافيًّا وتكوينًا نفسيًّا وأيديولوجيا كآبة عذبة. أمّا السياق فهو فنّيّ وجماليّ وقد جاء في انسيابيّة وعذوبة، ممّا أدّى إلى تماسُكِ بنائِهِ تماسكًا اسمنتيًّا، أقصى بعيدًا إزميلَ التشظّي، هذا وقد رأيتُني مُلزَمًا أن أجيزَ لنفسي أن أضيفَ، "مدينتُكِ نصٌّ يتّسمُ بالشعريّة الصافية، ممتعٌ رائقٌ مُقطّرٌ مِن روحك المشتعلة حبّا وإنسانيّة محتشدة بالرؤى وجريان الأحداث. واصِلي عطاءَكِ مِن نور إبداع لا يَغربُ، لتجعليهِ كلماتٍ تبثُّ في قلب كلّ مَن يقرؤُها، كي تَبقى مُتجذّرة في الذاكرة طويلاً طويلا، مِن فرطِ ما تمتلكه من القدرة الفنيّة والدلاليّة والإدهاش.
ثم كانت مداخلة نوعيّة للد. الشاعر فهد أبو خضرة جاء فيها:
سأتحدّث حول الرواية. إنّه عملٌ جادٌّ جدّا يستحقُّ أن يُقرأ مرتيْن، وأن يُدْرسَ بعمق، وآمل أن يدرسَهُ الباحثون دراساتٍ عميقة، ليكشفوا ما فيه من أشياء كثيرة تطرقت إليها.
مكتوبٌ على الغلاف رواية، وأنا لا أظن أنني أمام رواية صافية، هي سيرة ذاتيّة رواية، أو رواية سيرة ذاتيّة، والفرق أنّ السيرة الذاتية يتطابق فيها المؤلف والراوي والمرويّ عنه، بينما في الرواية لا يتطابق الكاتب مع المرويّ عنه، ولكن هنا التطابق واضحٌ في كلّ العمل، ولذلك هي أقربُ إلى السيرة الذاتية، وإن أردتم إلى السيرة الرواية.
هذا أوّل خرق لِما نُسمّيه الأجناس الأدبيّة، أي مزج بين السيرة والرواية، ولكن هناك خرق آخر وأهمّ، وهو هذا التعاون في صياغة المادّة بين الأديبة فاطمة ذياب، والشاعرة آمال عوّاد رضوان، وظهر واضحًا الاتجاه الشاعريّ في الرواية، وهذا ما نُسمّيه كسرًا عبْرَ الأجناس، أي مزج لغة الرواية التي هي لغة نثريّة مع لغة الشعر، وهذا ما كُتب في بعض الدراسات عن شعريّة الرواية، وهذا مثال ممتاز لشعريّة رواية مدينة الريح، أي فيها الكثير من الشعر. والسؤال هو: هل هذا جيّد أم غير جيّد؟
اليوم الاتجاه هو إلى أنه جيّد وإيجابيّ، في مرحلة يحاولون فيها كسر الأنواع، فلا يوجد شعر صافٍ، فاليوم هناك شعر منثور، أي خليط بين الشعر والنثر، وعند العرب في سنوات الستين كَتب توفيق الحكيم "مَسْـــرِواية"، أي مسرحيّة رواية، فممكن أن نشتق لهذا النص أيضا "سِيــرِواية" أي سيرة رواية. هذا الخرق للأجناس الأدبيّة يتزايد اليوم، باعتبار أنّه لا يوجد جنسٌ أدبيّ نقيّ، وفي رأي الدارسين يجب أن لا يكون، أو قد يُكتب على الغلاف "نصّ روائيّ" وليس رواية، حتى يُظهروا أنّ هناك خرقا. فماذا يفعل الكاتب أو الأديب حين يتجاوز الجنس الأدبيّ؟
هو أوّلاً يخرج عن المألوف، ويحاول أن يقول أشياء تدهش القارئ، وهذا بدأ منذ بداية الحداثة وما بعدها، وهذه سمة مميّزة من سِمات الحداثة؛ من مخالفة العُرف وخرْقِ المألوف وكسْرِ الأجناس، وهذا يُعطي للقارئ محاولة لإعادة النظر في كلّ ما عرفه وخاصّة القارئ العربيّ، لأنّه محافظ على الأجناس الأدبية كثيرا، وبسبب هذه المحافظة هناك قسم من الأدباء لا يعتبرون قصيدة النثر شعرا، وفي منهج اللغة العربية الإسرائيليّ دخلت قصيدة النثر، ولكنها ليست موجودة في البلاد العربيّة، لأنهم لا يعترفون بها كجنس أدبيّ أصليّ، وهذا يدلّ على أنّ المحافظين حتى الآن لا يعترفون بكسر الأجناس، إذن ماذا سيقولون حين يقرؤون هذه الرواية التي فيها كسر للأجناس من ناحية سيرة رواية، وكسر للغة من ناحية لغة أدبية ولغة شعريّة؟ هذا يضعها اليوم أمام الدارسين كخرق للمألوف. 
ليس عندنا في البلاد نصوص كثيرة روائية خاصّة تخترق حدود المألوف والعُرف الروائيّ. في النصوص الأخرى كالقصص القصيرة وبعض الكتابات موجود الخرق، فتجد الآن الكثيرين يكتبون على الغلاف نص دون أن يُعرّفوه إن كان خواطرَ أو قصصًا أو ما شابه ذلك، وهناك خليط عجيب، وأحيانا في خارج البلاد ينتقل الشاعر من نوع ما من الكتابة الشعرية، في داخلها نوع من الكتابة النثرية ثم يعود، وأدونيس فعل ذلك أكثر من مرة في سنوات الثمانين، وفي كتاب الحصار ذلك واضح.
ولكن حين كان الخروج سريعًا واجه الحداثويّون هوّة، لأنّها حداثة ما بعد الحداثة. لقد بدأت الحداثة الشعرية في الغرب عام 1892، ولكن في الشرق بدأت عام 1956، وكانت هناك حداثة فكريّة عربيّة، ولكن لم يَطُلْ عمرُها مع أسفي الشديد، وكانت الحداثة بعيدة جدًّا كالبناء العلويّ، كأننا بنيْنا السطح ثم بدأنا نبني الجدران والأعمدة والأساس، وذلك لأنه ليس لدينا جمهور حداثويّ لا في التفكير ولا في الثقافة، إلاّ عددًا قليلا فقط ، وظهرت الحداثة كأنها مستوردة من الغرب وكأنها تُبنى من الأعلى، فيوجد لدينا فواصل وحواجر بين هذه الحداثة وما بعد الحداثة وبين الشعب.
الرواية قيّمة. ولكن الرواية الحداثيّة لا تلقى القبول حتى الآن، وكذلك القصة الحداثية، فمثلا قصص زكريا تامر تجد الشخصية فيها تُغيّر كلّ تفاصيلها في منتصف القصة، وتصبح شخصيّة أخرى، فيقف القارئ أمامها غير فاهم لماذا يحدث ذلك. نحن بحاجة إلى تطوّر حداثيّ جديد فكريّا ثم شعريّا، وهذا قد يأخذ  مئة سنة ولكني متفائل، إذ أعتبر أنّ الربيع العربيّ الذي حدث في السنة الماضية هو بداية الحداثة العربية الجديدة، مهما كانت الظروف المرافقة له، ومهما كان التشاؤم المرسوم على وجوه الملايين، لأنّ المطالبة بالحق الفرديّ هو أول خطوة لحرية الجماعة، بعد ذلك تأتي حرية التعبير وحرية الفكر، إلا أنّنا مشيْنا خطوة والزمان لا يعود الى الوراء، وقد بدأت ثورة وستستمر.
هذا النوع من هذه الرواية ربما بعد عشرين سنة ستقرأ بطريقة أفضل ممّا ستقرأ اليوم، لأنّ كسر الأجناس سيصبح أمرا مألوفا ومتعارَفا عليه، وعمل كهذا يحتاج إلى مدقق لغويّ ومُحرّر للمراجعة اللغويّة والتنسيق والتدقيق، كما هو الحال في العالم الغربيّ والعبريّ، فلو أخذنا مثلا الكاتب محمد شكري فهو جدّا مشهور ومعروف على المستوى العربي والعالم، ولكن عندما يكتبون عن لغته فيقولون، إنها لغة اللاّ أدب، أي هو بعيد عن الكتابة الأدبية، فلا تكفي الأحداث فقط وإنما أحداث مصوغة بلغة أدبية جميلة، وحين تكون مصوغة بلغة شعريّة أيضا، فهذا يزيدها جمالا، والنغمية في رواية مدينة الريح بارزة، لذا الرواية تستحق القراءة مرات والدراسات العديدة.
الدكتور الناقد والشاعر منير توما: بعد قراءتي لرواية مدينة الريح للكاتبة فاطمة ذياب، وجدت أنّ هذه الرواية هي بمثابة استبطان لنفسيّة المرأة في مجتمع يغلب عليه الطابع الذكوريّ، حيث تبرز المرأة في هذه الرواية إنسانة متبرّمة غيرَ راضية عمّا يجري حولها، وقد رأينا في هذه الرواية أنّ الكاتبة هي الراوي وهي البطلة على مدار فصول الرواية التي تتخللها شخصيّة دبدوبة، التي أعتبرُها أنّها الذات الأخرى للكاتبة أو الراوي، وهي ما يُعرَف في علم النفس بالمصطلحات الأدبيّة (the alter ego)، وذلك لكوْن دبدوبة هو الصوت الناطق بما يعتمل ويختلج في صدر معظم النساء المغبونات مهضومات الحقوق في هذا المجتمع الذكوريّ، فدبدوبة هي الثائرة على وضع اجتماعيّ سائد تكون فيه المرأة مهيضة الجناح.
إنّ الكاتبة فاطمة ذياب تسلك في هذه الرواية مسلكًا ساخرًا من أوضاع ترفضها، وذلك من خلال قالب فكاهيّ خفيف الظلّ، لكنّه لا يخلو من جدّيّة الموضوع المطروح في معظم الأحيان، والنصّ التالي من الرواية يعكس هذه المعاني ويؤطّر لمضمون الرواية الهادف، فتخطب ساخرة  ص 54:
"دبدوبة: حقًّا نريد مَن ينزل إلينا ويتماهى مع همومنا. لا نحتاجُ سلّمًا كي نصعد إليه ونحن ولا نملك ثمن درجة من درجاته، على الأقلّ أعطوهم زلاّجة كي يهبطوا إلينا. لا نريد أن ننتخبهم للبكاء فقط، فدعونا نحن النساء نفعل هذا ولنجرّب. مطلوب حالاً نوّاحة عربيّة تبكي بالعربيّة وتتعرّى بالعبريّة، ومطلوب مصنع لمناديل ورقيّة، وباحشو قبور وربطات عنق وجنازات رسميّة لتشييع جثامين أحلام النساء، اللّواتي يقضين ويمُتنَ في معارك الجهاد والرباط، ويحرثن الأرض بالطول والعرض كي لا تسقط احداهن من فوق".
وفي هذا النصّ نشعر بمدى خيبة أمل الكاتبة بلسان دبدوبة، واستيائِها مِن عدم إتاحة الفرصة للنساء من التعبير عن ذواتهنّ وتحقيق طوحاتهنّ، وذلك من خلال لغة الاستعارة المُعبّرة عن هذه الحالات والاوضاع، باستخدامها عبارة "تشييع جثامين أحلام النساء"، ممّا يشير إلى القدرة اللغويّة البلاغيّة للكاتبة، في التعامل مع المجاز اللغويّ، كما تؤكّدُهُ كثيرٌ من الحوارات الواردة في فصول الرواية.
تخوض الكاتبة في هذه الرواية غمارَ عدّة أفكار ومواضيع حياتيّة ترتكز أساسًا على عالم المرأة، وترتبط بأحوالها في المجتمع الذكوريّ الذي تحيا به، فالكاتبة تطرح مسألة ترشيح المرأة للانتخابات وخوضها معركة سياسيّة في هذا الاتّجاه، لأنّها ترى أنّ ذلك حقّ من حقوقها كفرد في هذا المجتمع، يتمتّعُ بالأهليّة لهذه الممارسات الاجتماعيّة والسياسيّة، علاوة على ذلك، فإنّ الكاتبة تتناول موضوعًا حسّاسًا يتّصل بعالم المرأة وعلاقتها مع الرجل، يتمثل في لعب القمار وانحرافهم اجتماعيّا.
ومن المواضيع الأخرى التي تتطرّق إليها الكاتبة، ما يدور في عالم المرأة من نشاطات، كانتخاب ملكات الجمال ومناسبات عرض الأزياء، وكلّ ذلك من خلال مزيج من السرد والحوار الذي يطغى إلى حدّ ملموس في الرواية.
ومن اللافت أنّ الكاتبة لا تنسى التعرّض لموضوع زواج الفتيات، متّخذة من دبدوبة وسيلة، تقدّم بواسطتها بقالب فيه بعض الدعابة والفكاهة الكثيرَ من النصائح للعروس المقبلة على أوّل سنة زواج، حيث تبدو دبدوبة خبيرة في مثل هذه الأمور، باعتبارها امرأة عاركت الحياة وخاضت العديد من تجاربها وتقلّباتها، ومن الواضح في هذه الرواية أنّ الكاتبة تُصوّر دبدوبة بكونها مخلوقة طيبة القلب متسامحة، رغم أنّها لا تحتمل الضيم ولا تترك حقها يضيع هباء، فحين ضرب الولد ابن دبدوبة بحجر، وسال الدم من رأسه، تخبرنا الكاتبة من خلال النص قائلة:
"مَن لا يعرف دبدوبة ومدى تعلقها بأولادها؟ أما دبدوبة فأنا أعرفها جيّدا ولا أبالغ .. طيبة القلب هذه تصبح كالنمرة الشرسة إن تعدّى أحدُهم حدود عائلتها أو أولادها، ولها مقولة تردّدها بمناسبة وبغير مناسبة: "الحق حقّ ولو على قطع الرأس" ص 118.
ومن ضمن الاستعارات العديدة التي تلجأ إليها الكاتبة، ما أوردته في حديثها عن حريّة الأنسان عامّة والأنثى خاصّة، في مجال العمل الذي يتطلّبُ من الإنسان، لا سيّما الأنثى في هذا المجتمع، الكثيرَ من التنازلات والخنوع للفساد والظلم والاستبداد للسيد رئيس أو صاحب العمل في المكتب أو غيره، فتقول الكاتبة في هذا الصدد:
"هكذا يا صديقي.. هكذا اخترنا ورضينا أن نكون قطاريز في حقل بطرس، وأغمضتُ عينيّ عن كلّ ما أعرفه من قوانين السادة والقطاريز. كنتُ أعرفُ جيّدًا أنّني كي أُقبل قطروزة في حقل بطرس، عليّ أن أفعلَ ثلاثة؛ أن أرى بعينَي السيّد، وأن أسمعَ بأذنيْهِ وأن أتكلّم بلسانه، ولأنّني حشرتُني داخل المثلث المغلق، رضيتُ أن أكون كذلك، وسريعًا جدًّا تعلّمتُ كيف أغلق عينيّ وأذنيّ ولساني، وأعلّقهم جيّدًا على المشجب الصغير وراء باب غرفة المدير. أسفة. أقصد السيّد الجديد. تعلّمتُ كيف أكون حدّاءة أروّجُ بضاعة السيد حتى وإن كانت فاسدة غير صالحة للأكل وللاستعمال. المُهمّ أن تصلَ بضاعة السيّد، أعني المدير، وكذلك زوجة المدير". ص 194.
وفي كلّ هذ نقدٌ اجتماعيّ لخيانة المبادئ والقيم في سبيل العيش، خصوصًا إذا كانت الأنثى هي مَن تقوم بذلك، سعيًا وراء العمل والوظيفة الّتي تؤمّنُ لها المالَ اللازم لها ولأولادها، ومن حيث أنّ المرأة أو الأنثى تدرك خطورة ما تقوم به، وتعلم أنّ ذلك مُنافٍ لأصول الحرّيّة الإنسانيّة، فإنّها تُصرّحُ بحقيقة تصحيح الأوضاع التي كانت قابعة فيها قائلة: "صديقي.. لا يمكننا أن نُعلّمَ أولادَنا عشق الحرّيّة، ونحن بأنفسنا نعشق أغلالنا". ص 195
وهنا تظهر شجاعة الأنثى، حين تقول للرجل الذي يعاني من ظاهرة الخنوع الوظيفيّ الطوعيّ لرئيس العمل في بقيّة حوارها معه: "كم تألّمتُ عندما سمعتك تقول: ليتني صديقتي أمْلكُ نصفَ ما لديكِ من شجاعة، حتى أغادرَ قصر السيد غيرَ آسِفٍ وغيرَ نادِم. يومَها حاولتَ أن تضع المبرّرات الوهميّة لهذا العشق الخرافيّ، ولذاك الخنوع اللامتناهي، بل الأسطوريّ، وظللتُ عن بُعدٍ أراقب انتحارَكَ على عتبة باب السيد حتى آخِر قطرة دم، وأنت تنزف آخِر نقطة حبر فوق أوراق السيّد". ص 195
إنّ في هذا الحوار إشارة إلى كوْن المرأة أو الأنثى في كثير من الأحيان، تكون قادرة ومتمتّعة بالشجاعة أكثرَ من الرجل في تحدّيها وثورتها على أوضاعٍ ملتوية، انطلاقًا مِن شعورها بأهمّيّة الحرّيّة، رغم ما قد يعود عليها من ضرر مادّيّ، فهي بذلك تكون قد عرفت طريق الكرامة والحرّيّة غيرَ آبِهةٍ أو مُكترثة بالمغريات المادّيّة،
وإذا حاولنا أن نبحث عن سبب تسمية الكاتبة لروايتها بمدينة الريح، فإنّه يمكننا أن نقول، بأنّ هناك تماهيًا بين الأنثى والمدينة، من حيث كوْن المرأة أو الأنثى متقلّبة في عواطفها ومشاعرها وسلوكها، دائمة التغيّر كالمدينة المقترنة هنا بالريح، التي تميل دائمًا في اتّجاهات مختلفة، وقد تحدُثُ في مسارها تغييرات جوهريّة. "نعم أيّتها الأنثى المقيمة في المدينة الباحثة عن نقطة ضوء في دهاليز المدينة، سقطت أوراق التوت والتين والتفّاح والرحيق والقرنفل. سقط القناع عن وجه المدينة، ومع كلّ هذا، ما زلتُ أيّتها الأنثى الرقم الصعب في مفكّرتي، والسطر الأوّل في حروفي، والجُملة الأولى في كتاباتي".
وهكذا يتّضح ممّا تقدّم، أنّ هذه الرواية تتراوح في بنيتها بين الحوار والسرد، وهي أقربُ للمذكّرات الشخصيّة للراوي الممثَّل بالمرأة أو الأنثى، التي صوّرتها الكاتبة في بعض الحالات بأنّها صعبة المراس أحيانا، ومُواسية للآخرين أحيانًا أخرى، وكوْنها موضوعيّة في جانب من آرائِها وتصرّفاتها، لكنّها تبقى الأنثى الشفافة التي يتنازعها الحنين إلى الرجل في كلّ زمان ومكان، فللأخت الكاتبة فاطمة ذياب أجمل التهاني وأصدق التحيّات، مع أطيب التمنيّات بدوام التوفيق والإبداع والعطاء.   

وجاء في مداخلة الشاعر فهيم أبو ركن في مدينة الريح ثلاث تحيات:
الأولى: للأستاذ أمين القاسم مدير جمعية البادية، والثانية لمجلة مواقف على لفتتها الكريمة في هذا المشروع، ألا وهو إصدار كتاب لأحد الأدباء في عدد خاصّ بين الحين والآخر، والثالثة للمُحتفى بها الأديبة فاطمة ذياب على هذا النتاج الأدبيّ المتميّز.
وعلى هامش التحيات نستهلّ حديثنا عن "المقدّمة التي تحييّ فيها المؤلفة فاطمة صديقتها الشاعرة آمال عوّاد رضوان، تلك التي "طلت فجأة من غبار زمان المؤلفة وغُرّة أيّامها ومدارها، ودفعتها للانتعاش والاستفاقة من جديد، والعودة لعالم الإبداع". وهذه المقدمة أعتبرُها جزءًا لا يتجزأ من الرواية، لفهم خيوطها وإنارة بعض زواياها الغامضة.
في حديثي هذا سأتناول بعض النقاط التي يمكن أن تكون مادّة للنقاش، والرواية التي تثير نقاشًا تكون ناجحة، لأنّها تطرح تجديدًا غيرَ مألوف، أو رؤيا فريدة في تميّزها.
من هذه النقاط؛ لغة الرواية التي تمتدّ وتتقلّص بين السرد الروائيّ النثريّ، ولغة الشعر والانزياحات الإيحائيّة، خاصّة في الفصول الأولى من الرواية، حيث يزداد الحوار تدريجيّا مع تقدّم الأحداث.
نقطة أخرى، هي استعمال المؤلفة للحروف والرموز مثل (ن – ج ....) وغيرها، بدل الأسماء! فهل استعمال الرموز أفضل من اختيار أسماء لا علاقة لها بالواقع؟... نقطة للنقاش!
ثالثا: استعمال اللغة الإنجليزية بحروف عربيّة مثلا صفحة 38: "سوري آي هاف تو جو. صفحة 39: واي نط؟ أوكي ماي فراند، يو كان جو...، يو ماست جو!". فهل مثل هذه الاستعمالات تضيف للعمل أم تضعفه؟ وهل كان من الأفضل كتابتها بلغتها الإنجليزية، أو ترجمتها إلى العربيّة؟
رابعا: شعرت أنّ استغراق المؤلفة أحيانًا بالصناعة اللغويّة الشعريّة، أفقد كما أحسست بعض التشويق الروائيّ، ممّا أوحى للقارئ أن الحبكة غير متينة، فالمؤلفة اعتمدت على التعامل اللغويّ أكثر من تعاملها مع البناء الدراميّ، وربّما يكون هذا أسلوبًا قريبًا من سرد السيرة الذاتيّة، فلو كان الاسم غير رواية لَما تطرّقنا إلى الحبكة الروائيّة التي تمثل العنصر الأساس في التشويق، ففي هذا السرد نجد أنفسنا أمام قضايا جديدة دون تمهيد مُسبَق، وهذا يُشعرنا بحدّة الانتقال من موضوع لآخر، ممّا يوحي ببعض الفوضى والتقلّبات، وربّما عنوان الرواية "مدينة الريح" جاء ليُعبّر عن هذه التقلبات!
ونقطة أخرى تثير نقاشا أيضًا، وإن جاءت في السياق فهي تُعبّر عن موقف معيّن، وهي حُكمها القاسي على الرجل، ففي صفحة 102 تقول على لسان صديقتها: "عندما يخون الزوج لا يفكّر بالأخطاء.. يخون لأنه خُلق وجُبل وطُبع هكذا!". وص 42: "لا زوج فاجر ولا ابن فاجر، الزوج عذاب، والابن الأكبر هم.."!
ونقطة أخرى لاحظتها، وهي الارتقاء والانخفاض بين عبارات مبتكرة وبين عبارات مُعادة ومكرّرة، فمثلا هناك أمثلة كثيرة من التعابير الجميلة مثل: "طويلا ركنتك وراء الغيم الأسود، مهملة في صقيع لا حدود لسواده، مع كثير من ذكريات مخللة". تعابير لم نسمع مثلها مِن قبل، أو ندر استعمالها لتفاجئنا وتخلق لدينا الدهشة المطلوبة من العمل الإبداعيّ. بينما نجد عبارات مكرّرة استعملها العديد من الأدباء والشعراء فقالوا مثلا: "اشتقت إليك شوق المريض إلى عافيته، ص 40. شوق الغريب إلى وطنه، شوق السجين إلى ...حريّته".
من العناصر الكثيرة الإيجابيّة في "الرواية" عنصر تراثيّ إيجابيّ، وهو ذَكَرَ مواقع مرّت بها المؤلفة وآلات وأدوات تراثيّة، قليل من الأجيال الصاعدة تعرفها بأسمائها القديمة، مثل "المهباج"، وهذا موتيف إيجابيّ يُلقي الضوء على حياة آبائنا وأجدادنا.
أخيرا أعتقد أن الأديبة فاطمة ذياب قدّمت لنا هنا عملا يستحقّ الدراسة بعمق أكثر، وما ذِكْرُ هذه النقاط المذكورة أعلاه، إلاّ من أجل النقاش حولها وتحليلها تحليلاً أكاديميًّا علميًّا، فهذا العمل يُضيف إلى أدبنا المحليّ وساما آخر نفخر به وبمؤلفته، حتى لو اختلفنا معها في بعض القضايا التي تطرحها، أو في أسلوبها، وذلك لا يُنقص من قيمة هذا العمل الإبداعيّ الفريد، في تناوله للأحداث التي مرت بها المؤلفة، أو بطلة القصة، والتي تُعبّرُ عن مجتمع كامل وتاريخ حافل. ألف مبروك وبالتوفيق 
وفي مداخلة وهيب وهبة جاء:
فاطمة ذياب لم تنزل من السماء كالملائكة، خرجت من الأرض بكلّ غبار الأيام مُكافِحة كادِحة قادِمة بكلّ عنفوان الرغبة في التحدّي والتصدّي والنضال، فاطمة ذياب سفرُ الريح على جراح القصيدة، لهذا كتبَتْ رواية مدينة الريح المنهكة المتعبة التي تهزّ كيانك، وأنت تعرف أنّها تعزف على وتر الحياة المقطوع، وتر الشقاء والحرمان والترمّل والفاجعة الكبرى. مكانُك ليس مكانَك، دائما تختلف الأدوار، ولكننا لسنا نحن في معظم الأوقات، وما نصبو إليه لا يأتينا، وما الحياة سوى هذا الخيط المُعلّق على أرجوحة الآمال أو أرجوحة الريح، يا مدينة الريح التي قد تكون مدينتك ومدينتي. فاطمة ذياب لكِ تحيّة أكبر من لغة الكلام، أكبر وأكثر من صفحات مدينة الريح.
وبعد مشاركة الزملاء كانت هناك باقة من تعقيبات وإضافات، أعقبتها مداخلة المحتفى بها الأديبة فاطمة ذياب جاء فيها:
ستون!؟ هم يقولون، أنا لم أزل طفلة، والناس من حولي يكبرون. ستّون آه يا رقصة المهباج ويا بيت المختار، مِن السنين وهبتُكِ عمري، ومن الأيام حلوي ومُرّي، ومن حبر دمي منحتُكِ نصفه، والنصف الآخرُ خبّأته لكِ! ستّون سنة وسنة أخرى، آه يا عمرًا اتّسع فيه المدى والصدى، أشتاقُكَ عمري والشوق شهقة مغيب يداعبُ الشفق، أشتاقُكَ سيلاً عارمًا على سنا برقٍ ينتظرُ بالقبل، ستّون يا ألف سنبلة في خوابيكِ لمّا تزلْ، تراودُ الفجر كما الفجرُ يُراودُ الأمل!
يا ستين عُمقٍ مُقيم في جذوري مشدودًا بألياف شراييني، يأخذني إلى تربتي وبيدري، إلى طفولة تحبو على مسطبة بقاع الدار، ستون مِن رحم أبجديّتي! أراه منجلي لامعًا بين أصابعي، هناك يعانق مرابعي، في كلّ سهل وكلّ واد وفي كلّ حاكورة وجَبل، وأكوام السنابل وحصانُ عمي قاسم الدحدل، ولوح دراس عتيق شُدّ
إلى الحصان، وشلّة من الصغار تزاحم دورته ليحملنا وندور، ونلفّ وندور ومن أرجلنا تتقزّع سنابل الذهب وتتكسّر، يصمد من يصمد ويقعُ مَن يقع، وكما القرود نعاود اللفّ والدوران، وصراخنا يملأ الفضاء: ركّبْني أنا يا عمي، وعمّي قاسم ذاك الدحدل على مزاجه بنا يتدحدل، فمرّة يداهن طفولتنا ومرّة يزجرنا وينهرنا بصوته الغليظ مُلوّحًا بالكرباج، فيُسيء الحصان ظنّه ويهربُ ولا نهرب نحن، ويجنّ جنون عمّي قاسم، ويحمل شاعوبه مهدّدا بفلخنا وبعجْننا.         
يا لستين شوقا إلى خلة سلمى وخلايل النور، والصبايا زرافات والقفف على رؤوسهنّ تفيض بالعِلت والسّلق، تفاجئهنّ غيمة شباطيّة مجنونة، تُداهمهنّ مِن غير دستور ولا إنذار، ويضحك جنونها ويغسلُ بُقولَهُنّ، وأجسادُهنّ تتسابق إلى شجرة خروب تحميهنّ حتى هدأة الريح والمطر! ويا لشوقي الذي يحملني إلى الحمرة وإلى مراجيح الطفولة أعيادًا بين أشجار الزيتون، و"طيري وهدّي يا وزة، عَ بلاد غزة يا وزة، وأبوكِ مات يا وزة، وخلّف بنات يا وزة، بناته سود يا وزة، متل القرود يا وزة"! وكما القرود نتشعبط أشجار الزيتون، وحروفنا لغاتٌ تُغنّي دون أن نكلّف أنفسنا الغوص فيما وراء الحروف.
سريري بريري أبوك يا جمال!؟ ويطلّ من فوق الحبلة وجه جدّي صبري، فنسارع بالقفز عن الأراجيح ونطلق السيقان للهرب وللريح، لنعود إلى بيوتنا، ومثل الطبول دقات قلوبنا تدقّ خوفها بين الضلوع، ونبحث عن العيد في أزقتنا فلا نراه.. هناك تركناه خلفنا مُعلّقًا بين الأشجار!
شوقي إلى الهربة ونبعها وصخرة ملساء ملتصقه بحضنها، لعبة أوجَدَتها لنا الطبيعة كي نأتيها عصرًا نتسحسل حتى غروب الشمس، وفي الوادي القريب يرقد همّام وينام، يغطي بحطته وجهه، نغافله ونغزو كرْمه، نقطف الحصرم ونملأ احراجنا ونهرب، ونماحكه ونماحك بعضنا في استدعاءٍ غنائيّ: والله لَ احلش وآكُلْ وأمَلّي عْبابي سِمسم، حللوش راحت حاكورتك يا همّام، واحلش يحلش حللوش!؟ أكذب عليكم إن قلتُ إني أعرف مصدر اللفظ ومعانيه، ألم أقل لكم إن كثير من الألفاظ تخصّ ذاك الزمن، بتركيبة غريبة من عدّة لغات؟
شوقي إلى العش والنساء يجمعن الحطب ركسات ركسات، يربطنها بأغصان الخرّوب الطريّة مؤونة للموقد ولفصل الشتاء، يحملنها على رؤوسهنّ ومن تحتها المَداس، يمشين والأقدام حافية لا لشيء، فقط لكي لا يهترئ الحذاء! وللزعتر مواسم أخرى وجلسات أمام البيوت، ولكلّ مقعد من حجر أملس وضع في زاوية وعُرف باسم صاحبته، يُمشّقن أوراق الزعتر مع حفنة من أخبار البلد، وقال وقلنا واستروا على ما قلنا، وياساتر على هكذا أخبار وأحوال و"حوّلْ يا غنّام حوّلْ"!
ياه يا ستون شوقًا ياخذني إلى كلّ والد وما ولد، وإلى كلّ ذرة تراب في هذا البلد، إلى الرجوم ورمّانة اللفاني وتينة الموازي وإلى حاكورة الضبع الذي يطقّع بذيله! شوقي إلى السوس والقرقندة وأيّام اللوف والجعدة، شوقي إلى بير الطيرة مفرق البلد، والرعاة يزاحمون بعضهم بعضًا كلٌّ يعرف أغنامه كما يعرف أولاده وهي تعرفه، يهشّون على أغنامهم مُلوّحين بعصيّهم يتسابقون إلى النبعة التي لا تنضب، وشوقي إلى باب النصب وقوافل الجمال تحمل غلة الحصاد، ومجموعة من البنات والصبية يلتقطون ما سقط على الأرض من السنابل، ويغافلون القطروز لسرقة بريئة من أحمال الجمال، ندقّها وننزع القشّ عنها، وعمّي صالح عيدي يأخذها مقابل بضع حبّات من الملبّس والحلوى! يا ستون زقاق وفرن وخزق في سناسل البلد، ما بين ظلمة وشمعة لم أزل هناك طفلة، على مقعد دراسة في بيت ستّي وطفة، وأظلّ هناك طفلة ولا أغادر!
إخوتي وأهلي وناسي..
صُدفة يا لها من صُدفة ترنو إلى صدفة أخرى، مدينة الريح وستون سنة وسنة أخرى، ما كانت لتجمعنا لولا تلك الصدفة، والمكالمة صدفة، والأبعادُ الأخرى، وأراني أمام بوّابة المواقف أحني هامتي وحروف أبجديّتي، شكرًا لهكذا احتضان أعادني إلى روض الإبداع إنسانة أخرى، بعد غيبة دامت عشر سنوات هي في عمر الزمان قد تكون غفلة، لكنّها في حياة الإبداع طامة كبرى. نعَم عشر سنوات ومدينة الريح وأنا معها بانتظار، وصدفة وفقط صدفة تكون المكالمة الأولى من الشاعرة آمال عوّاد رضوان في التّعارف الأوّل قبل عام، ويأتي اللقاء تحت ظلّ هذه الخيمة، وألتقي بأعضاء مواقف، ليُشرّعوا الأبواب في وجهي كي أعْبُرَ ومدينتي ونلتقي الضوء من جديد، فهل أكتفي بشكر وحيد، أم أقدّم مليون وردة لهكذا مواقف وهكذا منتدى ثقافيّ يستظلُّ بأفيائه المبدعون؟
إخوتي وأخواتي.. من خوابي الزمنيّ والكونيّ، ومن زمن الغربة والاغتراب، ومن عُمق أعماق بحر نساء العرب المُداس والمُغتصب تُحاورني صفرة الأوراق، أين كنّا، ولماذا غبنا وابتعدنا، وكيف عُدنا كي نقف الليلة في وجه الريح حكاية أخرى وميلادًا آخر!
ياه.. يا ستّون شوقا إلى وجوهٍ لم تزل تعانق ذاكرتي ومدادَ حبري، أيّام كنّا نحبو على مصاطب الأدب نتهجّأ الحروف والكلمات، ليأخذ بيدنا الشاعر الإنسان الذي أمدّنا بالأمل، حين ظلّت أصابعه تُربّت على أكتافنا وعلى أوراقنا. أذكره.. نعم أبي الروحيّ الشاعر ميشيل حداد.
وتُعرّجُ ذاكرة الزمن إلى أخي الشاعر جورج نجيب خليل، ويؤكّد معي حضوركما وفضلكما الرعيل الأدبيّ الذي لامسَ حدودَ شفافيّتكما وإنسانيّتكما، ومَن يُراجعُ ملفّ الأيّام الخوالي يعرف كم كنتما صادقيْن صدوقيْن ومِن غيرِ أذى في خدمة الأدب والإبداع وتبنّي المواهب الناشئة، ومن صفرة هاتيك الأيّام ينبثق ميلاد فجر جديد مع دائرة الثقافة العربيّة ومهرجان المبدعات الأوّل، الذي جاء ليعزف الإيقاع الآخر، فتنشط في عهده الحركة الإبداعيّة والأقلام النسائيّة، ليسجّل في تاريخ هذه الحركة علامة فارقة بارزة، تسجّل دون مواربة لرجل من رجال المواقف الراحل موفّق خوري، والذي من خلال مؤسّسته ظهرت طفرة ادبيّة لا يُستهان بها، ومن ضمنها جليدُ أيّامي عودة بعد غيبة، وكانّني أحتاجها صدفة كي أعود كما لو كنت طفلة.
إخوتي.. نعم في داخل كلّ منّا طفولة تحتاج إلى من يأخذ بيدها ويشدها إلى الأمام وإلى قلب الحدث، فأين نحن الآن؟ أين نقف وإلى أين نسير؟ هل نقذف بكلّ احمالنا على مجلة مواقف الراعية الداعمة، دون أن تكون هناك خطة مدروسة للمتابعة والدعم؟
سؤالي الأن ليس صدفة، بل هو في سياق النصّ والحوار؛ لماذا وإلى متى نظلّ نحن مُشرّدون ما بين نقابة من غير أعضاء، واتحاد من غير اتحاد، ورابطة من غير روابط؟ وخذ من الأسماء ما شئت، ولكلّ معالمه وتضاريسه وأهله وناسه، ولا تقولوا صدفة. بصراحة.. من ذاك المونولوج القديم الذي حملت فيه أوراقي الأولى باحثة عن دار نشر وعن أناس يقرؤون في رحلة القطار الماضي، مرورًا بكلّ إنتاج يسبقني إلى السوق في مماحكة ومناكفة لكلمة حقوق الطبع محفوظة للمؤلفة؟ كلنا في سوق التجارة مجرّد أدوات، بل عملة لمن يلعبها جيّدًا، وعلى المكشوف نرانا مهابيل هذا الزمان نباع ونُشرى، ولا نأبه إلاّ بالشهرة، وكأننا لا نملك فكرًا وأفكارًا تحتاج مَن يرعاها ماديّا واجتماعيّا ونفسيّا، لتشحن من خلالها الطاقات لإبداعات أخرى وأخرى، وتحضرني أسماء عدّة من الوجوه الذكوريّة والنسائيّة التي تشاطرني الرأي، وترنو مثلي لوحدة الصف والحركة الإبداعيّة بكلّ مسالكها واتجاهاتها، لكي تنضوي تحت راية الفكر الرائد بالعطاء، فأعود وأكرّر أني احني هامتي وحروف ابجديّتي بشكر ينبض بالمحبة والإكبار لأسرة مواقف، التي احتضنت روايتي مدينة الريح في طباعتها، وفي تخصيص ندوة تتناولها، لتزيل عن صفرة أوراقها غبار عشر سنوات، وشكري للحضور ولكلّ مَن تناول روايتي قراءة ونقدًا.

20  الاخبار و الاحداث / اخبار و نشاطات المؤسسات الكنسية / عبلين الجليلية تحتفل بعيدِ رفع الصليب! في: 10:06 28/09/2012
عبلين الجليلية تحتفل بعيدِ رفع الصليب!
آمال عوّاد رضوان
بقلبٍ واحدٍ وإيمانٍ واحدٍ وتحتَ عنايةِ ورعايةِ الصليبِ المقدّس، عمّت عبلين أجواء احتفاليّة بهيجة وراقية، وذلك بقدسيّةِ مناسبةِ حلول عيد رفْع الصليب الكريم المُحيي، الذي يصادف 14 أيلول شرقي/ 27 أيلول غربي من كلّ عام، حيث أحيت كنيسة مار جريس الأرثوذكسيّة في عبلين الجليليّة احتفالاً مَهيبًا ومسيرة سنويّة تقليديّة، شارك فيها الكبار والصغار، تتقدمهم سرية الكشاف الارثوذكسية والكاثوليكية وخلفهم الكهنة ورجال الدين بمشاركة المجلس المِليّ الأرثوذكسيّ، وسرّيّة الكشاف والمرشدات الأرثوذكسيّة، وجمعيّة مدرسة الأحد الأرثوذكسيّة، وجمعيّة البيت الدافئ، وقد بدأ الاحتفال عشيّة العيد بمسيرة سنويّة تقليديّة لسرّيّة الكشاف الأرثوذكسيّة طافت أرجاء عبلين، وبمشاركةِ الهيئات والجمعيّات المختلفة في عبلين، وبعد انتهاء المسيرة الكشفيّة قام المجلس المليّ والأجسامُ المشاركة بعرْضٍ للألعاب الناريّة المُرخّصةِ قانونيًّا، نفّذها خبيرٌ مُختصّ في ساحة الميلاد، وذلك حرصًا على السلامة والأمان العامـَّيْن لمستخدِميها، وتقليصًا للنفقات الباهظة، مع الحفاظ على التقليد المُتّبع والرابط المتوارث ما بين عيد الصليب والنور والنار.
وقد جاء في كلمة الأب سبيريدون عوّاد راعي طائفة الروم الأرثوذكس في عبلين:
ذكرى عيد رفْع الصليبِ المُحيي الكريم يعودُ إلى سنة 326 م، حين توجّهت الملكة هيلانة أمّ الملك قسطنطين إلى أورشليم، كي تزورَ هيكلَ الربّ، في الموضع الذي تألّم فيه يسوع وصُلِبَ وقام من القبر، وكي تبحث وتفتّش عن صليب يسوع. وكان أعداء الديانة المسيحيّة قد أخفوا الموضع الذي صُلِبَ فيه يسوع وطمروه، وبنَوْا فوقه هيكلاً للأوثان، وبعد تفتيشٍ طويل وَجدت الملكة الصلبان الثلاثة، والخشبة التي عُلّقت فوق رأس يسوع على الصليب، وقد كُتِبَ عليها "يسوع الناصريّ ملك اليهود". عندئذ صلّى المسيحيّون إلى الله ليُهْدِيَهُم إلى صليب المسيح، وبعد الصلاة أخذ البطريرك الأورشليميّ مكاريوس يضع الصلبان واحدًا بعدَ الآخر على ميت، فلمّا لمَسَ صليبُ يسوع الذي عُلّق عليه جثة الميت، عادت روحُهُ وقامَ حيًّا، فتكاثرَ الناسُ حولَ الصليب الكريم يُقبّلونَهُ، حتى أنّه لم يَعُدْ مستطاعًا رؤية الصليب، فأمرَ البطريرك أن يُرْفعَ الصليبُ ويُرَكّزَ في مكان عالٍ، ليراهُ كلُّ الشعب، فسجدَ المؤمنون صارخين: "يا ربّ ارْحَمْ". ونحنُ نُعيّدُ لهذه الذكرى في 14 أيلول شرقيّ من كلّ سنة، أي 27 غربيّ، وهو يوم صيام.
ترمز إشارة الصليب إلى سِرّيْن هما: سِرُّ الفداءِ وسرّ الثالوث القدّوس، ويعني سِرُّ الفداء صَلْبَ يسوع وموتَهُ من أجل خطايانا، وأمّا سِرّ الثالوث القدّوس فيعني؛ أنّ اللهَ واحدٌ في ثلاثةِ أقانيم؛ وهي الآب والابن والروح القدس.
ولنُرنّمْ معًا: لِصَليبِكَ يا سَيّدَنا نسجُدُ، ولِقيامَتِكَ المُقدّسةِ نُبارِكُ.
ثمّ تابع الأب سبيريدون عوّاد: تُرسَمُ إشارة الصليب باليد اليمنى، فتُضَمُّ الأصابعُ الأولى الثلاث إلى بعضِها، رمزًا إلى أنّ اللهَ واحدٌ في ثلاثةِ أقانيم، وتُضَمُّ الإصبعان الباقيتان إلى راحةِ اليد، رمزًا إلى وجودِ طبيعتيْن مُتّحدَتيْنِ في شخصِ يسوع، هما الطبيعة الإلهيّة والطبيعة الإنسانيّة، وقد اتّحدت هاتان الطبيعتان في شخص يسوع، بواسطة التجسّد في بطن مريم العذراء، وترمز راحة اليد إلى بطن مريم العذراء وأيضًا إلى الأرض.
نبدأ برَسْمِ إشارةِ الصليبِ على الجبهة، رمزًا إلى أنّ اللهَ الأبَ هو مصدرُ كلِّ الكائنات. ثمّ على أسفل الصدر، دلالة على أنّ الابنَ الأقنومَ الثاني تَجَسّدَ في بطنِ مريم العذراءِ وَوُلِدَ منها، ثمّ على الكتفِ الأيمن، دلالة على أنّ الابنَ الذي سَكَنَ في بطنِ مريم العذراءِ هو نفسه الذي صَعِدَ إلى السماءِ، وجَلسَ عن يمين الآبِ بعدَ أن أتَمّ سِرَّ الفداء، ومِن ثمّ على الكتفِ الأيسر، دلالة على أنّ الروحَ القدس الأقنومَ الثالث يسكنُ في قلوبنا، ومنه تفيضُ النعمة والبَرَكة.
ولنرتّلْ بصوتٍ واحدٍ معًا طروباريّة عيد رفع الصليب باللحن البيزنطيّ الأوّل: خلّصْ يا ربّ شعْبَكَ وبارِكْ ميراثك، وامْنَحْ مُلوكَنا المؤمنين الغلبة على البَربر، واحفَظْ بقوّةِ صليبِك، جميعَ المُختصّينَ بِكَ.
ثمّ كانت كلمة سكرتير المجلس الملّيّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ في عبلين السيد جاكي حاج قال فيها:
كلّ عام وانتم بألف خير، والصليب حامي هذا البلد. باسمي وباسم المجلس المِلّيّ الأرثوذكسيّ والهيئة التمثيليّة وقدس الأب المحبوب سبيريدون عوّاد، وجميع مؤسّسات الطائفة البيت الدافئ، والنادي النسائيّ الأرثوذكسيّ، والكورال الكنسيّ، ومدرسة الأحد الأرثوذكسيّة، وسريّة الكشاف الأرثوذكسيّ، وقريبًا جدًّا النادي الأرثوذكسيّ في المركز التجاريّ التربويّ، نقدّم للجميع التهاني القلبيّة بهذه المناسبة الكريمة السعيدة، مناسبة ذكرى عيد الصليب، ونفتخر أنّ كنيستنا الأرثوذكسيّة كانت وستبقى السبّاقة بإقامة النشاطات والاحتفالات الراقية بمعيّة أهلنا في عبلين البلد الواحد.
سنوزّع منشورًا خاصّا بالعيد ومعناه ورموزه بقلم الأب سبيريدون عوّاد، ونحن في المجلس المِلّيّ نعمل على خلق جيل قريب إلى الكنيسة، كما بدأنا العمل بإبراز معالم كنيستنا الغالية والعريقة أثريّا، وفي القريب العاجل ستكون نشرة لشرح المعالم التي اكتُشِفت في باطن أرض الكنيسة، بإشراف المهندس القدير أسعد عزات داوود، وبمساعدة مهندسين من عبلين، ليَضُمّوا عبلين الى الخارطة السياحيّة المَحلّيّة والعالميّة في آثارها وتاريخا وعراقتها، وفي الختام تحياتنا إلى شبابنا الذين ساهموا في نصب الصليب واقامته ليحمي جميع سكان عبلين، وكل عام والجميع بخير، وإلى اللقاء في احتفالات قادمة ومفاجئة في أسبوع الميلاد القادم وولادة مخلّصنا يسوع المسيح، والتي سيقودها المعهد الموسيقيّ ومديره السيد نبيه عوّاد، وبمشاركة جميع مؤسّساتنا الأرثوذكسيّة.
وفي صبيحة 27-9-2012 احتفلت الكنيسة الأورثوذكسية بعيد رفع الصليب وقد ترأس القداس الاحتفالي راعي الطائفة في عبلين قدس الايكونوموس سبيريدون عواد وجمهور من المصلين وأطفال يحملون أكواز الرمان المنقوشة بالصلبان والمزينة بالحبقوالورود، ثم الطواف بالصليب المزين بالزهور والحبق داخل الكنيسة وفي الختام تم توزيع القربان والزهور وتبادل التحايا في أجواء فرح وغبطة.
 



عيدُ رفعِ الصليب المُحيي الكريم/ كلمة الأب سبيريدون عوّاد

سنة 326 م توجهت الملكة هيلانة أمّ الملك قسطنطين إلى أورشليم، كي تزورَ هيكلَ الربّ، في الموضع الذي تألّم فيه يسوع وصُلِبَ وقام من القبر، وكي تبحث وتفتّش عن صليب يسوع. وكان أعداء الديانة المسيحية قد أخفوا الموضع الذي صُلِبَ فيه يسوع وطمروه، وبنَوْا فوقه هيكلا للأوثان، وبعد تفتيشٍ طويل وَجدت الملكة الصلبان الثلاثة، والخشبة التي عُلّقت فوق رأس يسوع على الصليب، وقد كُتِبَ عليها "يسوع الناصريّ ملك اليهود". عندئذ صلّى المسيحيّون إلى الله ليُهْدِيَهُم إلى صليب المسيح، وبعد الصلاة أخذ البطريرك الأورشليميّ مكاريوس يضع الصلبان واحدًا بعدَ الآخر على ميت، فلمّا لمَسَ صليبُ يسوع الذي عُلّق عليه جثة الميت، عادت روحُهُ وقامَ حيًّا، فتكاثرَ الناسُ حولَ الصليب الكريم يُقبّلونَهُ، حتى أنّه لم يَعُدْ مستطاعًا رؤية الصليب، فأمرَ البطريرك أن يُرْفعَ الصليبُ ويُرَكّزَ في مكان عالٍ، ليراهُ كلُّ الشعب، فسجدَ المؤمنون صارخين: "يا ربّ ارْحَمْ". ونحنُ نُعيّدُ لهذه الذكرى في 14 أيلول شرقيّ من كلّ سنة، أي 27 غربيّ، وهو يوم صيام.
ترمز إشارة الصليب إلى سِرّيْن هما: سِرُّ الفداءِ وسرّ الثالوث القدّوس، ويعني سِرُّ الفداء صَلْبَ يسوع وموتَهُ من أجل خطايانا، وأمّا سِرّ الثالوث القدّوس فيعني؛ أنّ اللهَ واحدٌ في ثلاثةِ أقانيم؛ وهي الآب والابن والروح القدس. ونرنّم: لِصَليبِكَ يا سَيّدَنا نسجُدُ، ولِقيامَتِكَ المُقدّسةِ نُبارِكُ.
تُرسَمُ إشارة الصليب باليد اليمنى، فتُضَمُّ الأصابعُ الأولى الثلاث إلى بعضِها، رمزًا إلى أنّ اللهَ واحدٌ في ثلاثةِ أقانيم، وتُضَمُّ الإصبعان الباقيتان إلى راحةِ اليد، رمزًا إلى وجودِ طبيعتيْن مُتّحدَتيْنِ في شخصِ يسوع، هما الطبيعة الإلهيّة والطبيعة الإنسانيّة، وقد اتّحدت هاتان الطبيعتان في شخص يسوع، بواسطة التجسّد في بطن مريم العذراء، وترمز راحة اليد إلى بطن مريم العذراء وأيضًا إلى الأرض.
نبدأ برَسْمِ إشارةِ الصليبِ على الجبهة، رمزًا إلى أنّ اللهَ الأبَ هو مصدرُ كلِّ الكائنات. ثمّ على أسفل الصدر، دلالة على أنّ الابنَ الأقنومَ الثاني تَجَسّدَ في بطنِ مريم العذراءِ وَوُلِدَ منها، ثمّ على الكتفِ الأيمن، دلالة على أنّ الابنَ الذي سَكَنَ في بطنِ مريم العذراءِ هو نفسه الذي صَعِدَ إلى السماءِ، وجَلسَ عن يمين الآبِ بعدَ أن أتَمّ سِرَّ الفداء، ومِن ثمّ على الكتفِ الأيسر، دلالة على أنّ الروحَ القدس الأقنومَ الثالث يسكنُ في قلوبنا، ومنه تفيضُ النعمة والبَرَكة.
طروباريّة عيد رفع الصليب: خلّصْ يا ربّ شعْبَكَ وبارِكْ ميراثك، وامْنَحْ مُلوكَنا المؤمنين الغلبة على البَربر، واحفَظْ بقوّةِ صليبِك، جميعَ المُختصّينَ بِكَ.
21  المنتدى الثقافي / أدب / فِتْنَةُ رُؤًى عَذراء في: 08:01 23/09/2012

فِتْنَةُ رُؤًى عَذراء



آمال عوّاد رضوان


تَتَوَغَّلُ خُطى الكِبْرِياءِ
في اخْتِفاءِ الصَّحارى
تَذْرو رِمالَ الهَواجِسِ في عُيونِ السَّرابِ الكَفيفَةِ
تَنْخَسِفُ أقْمارُ المُنى في مَتاهاتِ نَيْسانَ
فَلا أَلْوي عَلى حُلُمٍ
وَلا عَلى آمَال!
*
فِتْتَةُ رُؤًى عَذراءَ
تُسَرِّحُ ذُهولَها بِمِشطِ الهَذَيانِ
باتَ بَهاؤُها.. تَخْمِشُهُ مَخالِبُ ظِلالِك
*
وِشاحٌ مِنْ تَرانيمِ الطُّلولِ
يَ
نْ
دِ
فُ
عَلى سُفوحِ القَلبِ
أوَتَعودُ تشِعُّ نَبْضًا في صُدورِ اللَّيالي؟
أيَبْتُرُ شَلاّلُ الشُّجونِ أَذْرُعَ العِناقِ؟
أتَنْشُرُ جُنونَ الرَّذاذِ عَلى حِبالِ القُبَلِ؟
*
ضَبابُ الضَّواحي الكافِرُ
كُنّاهُ غَمامًا يَخْشَعُ
يَهْدِلُ
أتُشْعِلُهُ قَرابينُ القَصائِدِ
زُرْقَة ً مُضَفَّرَة ً بِالتَّراتيلِ؟
*
نَكهَةُ جَبَروتِكَ حارَّةٌ تَلْسَعُ
آآآآآآآآآآآآه
شَهْقَةُ شَفافِيَتِكَ حارِقَةٌ تَصْهَلُ  
تُرْبِكُ سُكونَ النَّدَمِ
*
سُدًى
تُلْقي بِجَمْرِ الوَقْتِ الكَسيحِ في مِحْجَرَيَّ
تَشُقُّ دَمِيَ الرَّبيعِيَّ بِعَصا الوَحْدَةِ
تُدَثِّرُني بِنَزْفٍ لا يَضِلُّ
أتَيَبَّبُ
وَتَنْضُبُ كُؤوسُ العَتْمَةِ
عَلى
شِفاهِ الصَّمْتِ
تَغْمِسُ الرّوحَ بِشَهْوَةِ البُكاءِ
تَتَرَقْرَقُ بسمَةً خَرساءَ
شُموعًا بِعُيونِ النُّعاسِ
تَعْزِفُ مُنًى تُناغي ضَبابًا
عَلى
مَرايا المُحال
وتَشْرَقُ جَداوِلُ الحَنينِ بِطَلِّ النِّداءِ
*
تَسْكُبُ نُجومُ روحي نارًا
 في انْدِلاعِ الفَجْرِ
وَعلى
جُفونِ الانتظارِ
تَتَحَرَّقُ قُبَّراتُ ضَوْئِك
*
شَمْشومِيَ اليَتَجَبَّرُ
لَسْتُ غُوايَةً تَتَدَلَّلُ
تُقَصِّفُ جَدائلَ جَبَروتِك
*
باهِتَةٌ تَهاليلُ المَوْتى..
إنْ تُسقِطِ الهَيْكَلَ
إنْ تَتَّخِذْ صَدْرِيَ الأجْوَفَ قَبْرًا لِلنُّسورِ
أوْ خَفْقِيَ الهادِرَ بوقَ حُزْنٍ
حينَما يَنْتَحِرُ الضَّوْءُ قُلْ: ربّي!
لي وَلأَحِبّائِيَ الحَياة
لِتُظَلِّلْنا أَرْياشُنا
وَلمّا تَزَلْ تَحُفُّنا هالَةٌ مُخَضَّبَةٌ بِنا
أبَدِيَّةَ التَّأَلُّقِ!
 
من ديوان – سلامي لك مطرا
 

22  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الواقع اللغويّ وأزمة الهُويّة! في: 22:20 01/09/2012
الواقع اللغويّ وأزمة الهُويّة!





آمال عوّاد رضوان


بدعوة من مجمع اللغة العربيّة في حيفا، عقدت مدينة الناصرة العربيّة مؤتمرًا في فندق جولدن كراون، تحت عنوان "مؤتمر اللغة العربيّة في الواقع اللغويّ في (إسرائيل)، وذلك بتاريخ 25-8-2012، ووسط حضور من المثقفين والأدباء.
وفي كلمة رئيس المجمع البروفيسور محمود غنايم جاء:
الأخوات والإخوة.. الواقعُ اللغويّ للّغة العربيّة في إسرائيل لا يستدعي عملاً فرديًّا فحسب، بل عملاً مؤسّساتيًّا تتضافر فيه جميعُ الجهود، لوضع لغتنا العربيّة في مقدّمة الأمور التي يجب الحفاظُ عليها. أقول عملاً مؤسّساتيًّا، لأنّ استثناءَ أيّةِ مؤسّسة ثقافيّة أو سياسيّة أو اجتماعيّة أو دينيّة خطأٌ، لن يقودَ إلاّ إلى الاتكاليّة وإلى التباطؤ والترهّل، بدلَ شدِّ الأحزمة والتشمير من أجلِ البناء والعمل المُثمر.
إنّ ما تقوم به بعضُ المؤسّسات للمحافظة على اللغة العربيّة، وإعطائها مكانتَها كلغة قوميّة على جميع الأصعدة، عملٌ يجب أن يُشجَّع، ويجب أن يَلقى الدعمَ جماهيريًّا، وأخصُّ بالذكر بهذه المناسبة ما تقوم به بلديّةُ الناصرة من سنّ القوانين، لوضع اللغة العربيّة في مركز حياة المواطن، سواء من خلال التعامل بها في المكاتبات الرسميّة، أو من خلال إبرازِها في المشهد المكانيّ على الأماكن العامّة والخاصّة. وأُهيب بالبلديّات والمجالس العربيّة أن تحذوَ حذوَ الناصرة في سنّ القوانين المساعِدة، لإكساب اللغة العربيّة مكانَها ومكانتَها التي تستحقها في المشهد اللغويّ، سواء من خلال المراسلات، أو من خلال علامات الإشهار وغيرِها. نحن في مجمع اللغة العربيّة أقمنا العديدَ من المؤتمرات والندوات والأيّام الدراسيّة حول اللغة العربيّة، وأقمنا مؤتمرًا قبل سنتيْن عن اللغة العربيّة في المشهد اللغويّ، وها نحن نعود ثانية لهذا المؤتمر الذي يعالج هذه الظاهرة. نأمُل أن يكونَ هذا اليومُ الدراسيّ مُثمرًا، ولا بدّ أن تتبعَه أيّامٌ أخرى، لتبقى اللغةُ العربيّة في مركز الوعي الجماهيريّ. 
الأخوات والإخوة.. هناك في علم السيمياء ما يُسمّى بالرموز، واللغةُ هي رمز، والتعامل معها ليس مجرّدَ اتخاذها وسيلةً للاتّصال والتخاطب اليوميّ، بل لها وظيفةٌ فارقة في رؤية الإنسان لذاته على المستوى الشخصيّ أوّلاً، وعلى المستوى الجمْعيّ ثانيًا. ولقد بات من البديهي أنّ اللغةَ ليست وسيلةَ اتّصال فحسب، بل هي دالةٌ على الوعي السياسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ. إن الاعتزازَ باللغة العربيّة والتمسّكَ بها هما جزءٌ من الاعتزاز بشخصيّتِنا، سياسيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا. كما أنّ هذا الاعتزازَ لن يتأتّى إذا لم نُطوّر في مجتمعنا وفي أبنائنا وبناتنا الوعيَ لهذه الجزئيّة من حياتنا.   
إنّ التسمياتِ التي تُطلق على المواقع والشوارع والبلدان هي جزءٌ أساسيّ من تمسُّكِنا بهُويّتنا ومجتمعنا وثقافتنا، ويجب عدمُ التهاون في هذه الرموز التي قد تبدو للبعض ليست مُهمّة. العكسُ هو الصحيح، إذا استهنّا بالظواهر الفرديّة والظواهرِ الهامشيّة، ولم نقفْ لها بالمرصاد قبل أن تستفحلَ، فلن يتوانى البعضُ عن التفريط بأكثرَ من ذلك. تبدأ بحرف وبكلمة ولا نعرف أين تنتهي. لذلك انشغلنا في السنة الأخيرة بالتوجّه للمؤسّسات المختلفة، للمحافظة على وجود اللغة العربيّة في اللافتات وفي الجامعات وفي المؤسّسات المختلفة، وعلى النقد المتداوَل بصورة صحيحة وحسبِ قواعد اللغة، ويأتي هذا المؤتمر لتأكيد ما نؤمن به في مجمع اللغة العربيّة.
سنقود معركةً ليست هيّنة ولا بسيطة على قضيّة تسميات المدن والمواقعِ واللافتات في الطرق، وهذه قضيّةٌ تحتاج إلى دعمٍ جماهيريّ وسياسيّ. نحن كمؤسّسة ثقافيّة لا نعمل في السياسة بصورة مباشرة، ولكنّنا على اتّفاقٍ وعِلم، أنّ الكثيرَ من القضايا اللغويّة والتسميات لن تُحَلَّ إلاّ بقراراتٍ سياسيّة، وهذه القراراتُ لن تُتّخذَ إلاّ بالوعي الجماهيريّ لِما يجري على الساحة المحليّة.
المؤسّسة الأدبيّة من كُتّاب ونقّاد لها دورٌ كبير في غرزِ القيم الثقافيّة والتراثيّة في المجتمع، من خلال التركيز على الأسماء في الأدب، سواءٌ لتعزيز العلاقة مع المكان أو الزمان أو الإنسان. ليست القضيّةُ لعبةَ حروف وكلمات، بل هي بناءُ حضارة عبرَ الحفاظ على المخزون الثقافيّ والتراثيّ الذي يصلنا بالمكان والزمان. إنّ بلورةَ روايةٍ تاريخيّة مدعمةٍ بالأسماء، هي جزءٌ أساسيّ من بلورةِ الهُويّةِ الكلّيّةِ لهذه الجماهير الفلسطينيّة في هذه البلاد، ونحن في صراع على الحيّز، بكلّ ما يحمل هذا الحيّزُ من دلالة معنويّة ومادّيّة.
وكوني أتيتُ من حقل الأدب وتحليل النصّ، فقد استوقفتني كلماتٌ في أغنية فيروز:
أسامينا شو تعبوا أهالينا
الأسامي كلام شو خصّ الكلام
   تَ لاقوها وشو افتكروا فينا
عينينا ... هنّي أسامينا

نعم الأسماءُ هي الهُويّة، وكم تعبت الأجيالُ السابقة وهي تَسِمُ هذه الرموزَ وتطبعُها في الذاكرة التاريخيّة وفي الحضارة الإنسانيّة، الأسماءُ ليست مجرّدَ كلام، إنّها العيونُ التي ننظر بها، والهُويّةُ التي نُعْرَفُ من خلالها.

وفي كلمة المهندس رامز جرايسي؛ رئيس بلدية الناصرة واللجنة القطريّة جاء:
اِسمحوا لي أن أُعبّر عن التقدير لمجمع اللغة العربيّة بكلّ ما يقوم به، من أجل تعزيز اللغة العربيّة، والقيام بجهد لعملٍ هامّ يتعلّق بملاءمة احتياجات العصر لتطوير اللغة، وتحديد استعمالات يوميّة تُلائِم أمورًا استُحدِثت نتيجة التطوّرات العلميّة والعصريّة بشكلٍ خاصّ، فأهمّيّة الندوة تأتي على خلفيّة جانبَيْن هما وجهان لنفس العملة:
الجانب الأوّل: كون اللغة جزءًا من الهُويّة الوطنيّة والثقافيّة لأيّ شعب.
والوجه الآخر: في واقعنا وخصوصيّة واقعنا هي التحدّيات، التي تواجهها اللغة في ظلّ واقعنا كأقلّيّة قوميّة، ضمن دولة تعتمد لغةً أخرى كأساس في تعاملها، وهذا الأمر يُحتّم أن تُلائِمَ الأقليّة نفسَها لهذا الواقع، وفي عمليّة الملاءمة تلك، يجري تآكلٌ في مكانة واستعمالات اللغة الأمّ. اللغة العربيّة في هذه الحال، والأمر ليس فقط نابعًا من واقع وتطوّر طبيعيّ ضمن هذا الواقع، وإنّما أيضًا من خلال عمل منهجيّ مؤسّساتيّ، للحدّ من مكانة اللغة العربيّة وتقليص التعامل بها.
نحن نشهد في الفترة الأخيرة تعاظمًا في الهجمة على اللغة، كجزء من الهجمة على الأقليّة العربيّة الفلسطينيّة في هذه البلاد. الهجوم على اللغة وكلّ المحاولات للمسّ بمكانتها الرسميّة ومكانتها الفعليّة، هو جزء من كلّ ما يتعلّق بموجة التحريض المُعادي للعرب، التي تسود وتتعاظم في هذه الدولة.
يمكن أن نُعدّد الكثير من النماذج، ولكن يكفي أن أشير إلى نموذجيْن من الفترة والسنوات الأخيرة:
النموذج الأوّل: حوالي سنة 2009، تمثّل بوضع تسميات وتغيير في تسميات المواقع، وفي نفس الوقت اعتماد النص العبريّ في كتابتها اللغة العربيّة، مثلاً الناصرة تصبح في اللغة العربيّة نتسرات، ويافا تصبح باللغة العربيّة يافو، وشفاعمرو تصبح باللغة العربيّة وتكتب بالحروف العربية شفارعام، وتمّ نشر هذه التسميات على موقع وزارة المواصلات في حينه، ولإعطائها شرعيّة تمّ إقحام اسم بروفيسور راسم خمايسي ضمن اللجنة، التي يُفترض أنّها أقرّت هذه الأسماء، وطبعًا، وبعد لفت نظر بروفيسور خمايسي لهذا الأمر، طلب إسقاط اسمه من اللجنة، وهذا ما تمّ، لأنّه حينما توجّهت برسالة إلى وزير المواصلات، وهدّدت بالتوجّه إلى محكمة العدل العليا حول هذا الموضوع، قاموا بتغيير الصفحة الأولى، وكتبوا عليها باللون الأحمر "مسودة تيوتا"، ولكن فعليًّا، مَن يُتابع اللافتات التي يتمّ تجديدها في كثير من الأحيان، فقد اعتمدوا أسلوب السلامة اسمًا بعدَ اسم، حتى يُقلصوا مِن قوّة مواجهة هذا التصرّف.
في الرسالة التي وجّهتها قلت: إنّ هذا ليس مجرّد تغيير أسماء، إنّما هو اعتداء على التاريخ واعتداء على الحضارة، وهو جريمة ثقافيّة، وتحديدًا بالنسبة لمدينة الناصرة، فقد هدّدتُ بالتوجّه إلى اليونيسكو، لأنّ اسم الناصرة هو ليس مجرّد اسم مكان، إنّما هو قيمة في التراث الإنسانيّ، وطبعًا، أسماء معظم المواقع والبلدات العربيّة هي ليست مجرّد أسماء أماكن، وليست مجرّد لفظ، إنّما هي جزء من تاريخ وحضارة وتراث إنسانيّ، وأيّ اعتداء على هذه التسميات، هو اعتداء على التاريخ والحضارة والتراث الإنسانيّ، وطبعًا، بالنسبة لنا، على التراث الوطنيّ.
والنموذج الآخر، هو محاولة تغيير حتى الجانب الشكليّ في مكانة اللغة العربيّة من ناحية القانون، فمبادرة الوزير ديختر، وهو لا يُعتبر من اليمين المتطرّف، واليوم لا أعلم ما هو اليمين وما هو اليمين المتطرّف، وحتى أحيانًا ما هو اليسار، فيما يتعلّق بالتعامل معنا، مع الأقليّة العربيّة الفلسطينيّة المواطنين في الدولة، طبعًا هذه محاولة بائسة لتثبيت ما هو قائم.
في سنوات الخمسينيات والستينيات كانت القوانين والأنظمة تُترجَم للغة العربيّة، وكانت أيضًا تُطبَع باللغة العربيّة وتُوزّع باللغة العربيّة، ولديّ في بلدية الناصرة العديد من هذه القوانين والأنظمة باللغة العربيّة، وكان يتمّ تراسل حتى مع مؤسّسات رسميّة باللغة العربيّة، وكانت المؤسّسات الرسميّة تدأب على أن يكون هناك من يعرف اللغة العربيّة، وانتهى من زمن، وأصبح موضوع أنّ اللغة العربية لغة رسميّة في البلاد، ليس أكثر من أمر شكليّ.
أمّا من ناحية الممارسة فبعيدٌ جدّا عن التعامل معها كلغة رسميّة ثانية في البلاد. طبعًا عندما يصل الأمر  حتى إلى المؤسّسات الجامعيّة، تلك المؤسّسات التي يُفترَض أنّها متنوّرة حضاريًّا كما حدث مع جامعة حيفا، التي اضطرّت إلى التراجع عن التوجيهات التي أُعطِيت بإسقاط اللغة العربيّة من شعار الجامعة، هذا يدلّ أيضًا، أنّه يمكن التأثير في لجم هذا التدهور، ولا شكّ أنّ لكلّ منّا دورًا، وهناك مَن عليه أن يُترجم هذا الدوْر إلى فعل على أرض الواقع، ومنها السلطات المحليّة، ونحن في اللجنة القطريّة وأكثر من مرّة، بحثنا هذا الموضوع وتوجّهنا بنداءات إلى كلّ رؤساء السلطات المحليّة أوّلاً، باعتماد اللغة العربيّة كلغة التعامل داخل السلطة المحليّة، وما بين السلطة المحليّة والمواطنين.
أحيانًا، ما باليد حيلة، لأنّ التعامل مع المؤسّسات الرسميّة يتمّ باللغة العبريّة، وهذا أصبح واقعًا ليس بيدنا أن نُغيّره، ولكن على الأقلّ، بيدنا أن نفرض التعامل باللغة العربيّة داخل مؤسّساتنا وما بيننا وبين المواطن، وقد وُوجِهْنا في كثير من الأحيان من مدراء دوائر وأقسام، أن ليس لديهم المقدرة اللغويّة لصياغة مثلاً مَحضرًا باللغة العربيّة، فيُصاغ باللغة العبريّة. أو محام يُوجّه رسالة باللغة العبريّة، وعندما يُطلب منه أن يكتبها باللغة العربيّة، يجيب: تعلمت باللغة العبريّة وليست لديّ المقدرة بأن أصوغ الرسالة باللغة االعربيّة.
هذه النتيجة تعني أنّ هناك عمليّة متواصلة، في جوهرها تآكل اللغة العربيّة، وتبدأ من المدارس، وعندما قبِلَ وزير المعارف حين كنتُ أحد الذين توجّهت إليه، بأن يفرض أن يكون هناك مستوًى وحدّ أدنى من معرفة اللغة العربيّة لدى أيّ معلّم يتمّ تعيينه، وليس بالضرورة للغة العربيّة، لأنّه لا يُعقل أن يقف المعلم أمام الطلاب، وليس بمقدوره أن يُعبّر عن الموضوع والفكرة التي يريد إيصالها للطالب بلغته وبصورة جيدة ومقبولة. من هنا تبدأ المشكلة.
أصبح موضوع تعلم اللغة العربيّة والتقدّم لامتحانات البجروت التوجيهيّة بخمس وحدات في اللغة العربيّة معضلة، ربّما أكبرمن معضلة الرياضيّات واللغة الإنجليزيّة، ولذلك أصل إلى مَن تحمّلون أيضًا المسؤوليّة، فقلت السلطات المحليّة، وما تمّ الإشارة إليه من سنّ قانون مُساعِد، نأمل أن يتمّ المصادقة عليه قريبًا، لإلزام أيّة مؤسّسة وأيّ إعلان في حدود المدينة، أن يُصاغ على الأقلّ ثلثه باللغة العربيّة إن كان بثلاث لغات، أو نصفه بلغة عربيّة إن كان بلغتيْن، وهذا ينطبق أيضًا على اسم الموظف في البنك، يجب أن يكون أيضًا باللغة العربيّة.
وأيضًا للمدارس، ولمدراء المدارس، وللجان أولياء أمور الطلاب في المدارس دوْر في الإصرار على أن يكون للغة العربيّة مكانة متميّزة، ضمن برنامج التعليم لأيّ طالب، من روضة الأطفال فصاعدًا، والآن أصبح التعليم من جيل ثلاث سنوات مجانيًّا، فمِن هنا يبدأ إدخال أهمّيّة اللغة إلى إدراك الطفل، وبالتالي ينمو مع فكرة أهمّيّة اللغة عندما يكبر.
وأودّ أن أشير إلى أمر أيضًا في رأيي له أهمّيّة ضمن واقعنا، وكما هو معروف، منذ سنتيْن بدأت تعمل في مدينة الناصرة أوّل كليّة أكاديميّة معترف بها من مجلس التعليم العالي، ورئيسها بروفيسور جورج قنازع، وطبعًا دون أن يكون هناك أيّ تمويل، لأنه كما يظهر، أنّ مَن أعطى المصادقة كان على ثقة مِن عدم إمكانيّة تفعيل مؤسّسة أكاديميّة بدون تمويل، مؤسسة جماهيريّة طبعًا، ولكن في نهاية السنة الحاليّة ستُصدر المؤسّسة أوّل شهادات B.A  و B.S.C ،  والأمر المهمّ والذي نأمل أن يتمّ إنجازه قريبًا جدًّا، وكان قرارًا استراتيجيّا، هو بناء سيلابوس لتدريس اللغة العربيّة للقب الأوّل كلغة أمّ، فالأمر غير القائم في كلّ الجامعات الإسرائيليّة، التي تُدرّس فيها اللغة العربيّة كلغة أجنبيّة، وفي كثير من الأحيان هناك دروس باللغة العبريّة، وهذا طبعًا له دلالة، ليس فقط أنّه يتيح الفرصة لتخريج خريجي اللغة العربيّة بمستوى أعلى من المؤسّسات الأكاديميّة الإسرائيليّة، وإنّما له أيضًا دلالة معنويّة هامّة.
وألخّص؛ بأنّ لهذا الموضوع أهمّيّة كبيرة على خلفيّة واقعنا وموقعنا، وضمن مُجمَل التحدّيات التي نواجهها ونناضل من أجل الأرض والقرى غير المعترف بها والقرى المُهجّرة، وبنفس المستوىن يجب أن نناضل من أجل الحفاظ على لغتنا، وفي هذا النضال دوْرنا الذاتيّ أكبر بكثير من دوْرنا الذاتيّ في الإشكالات والتحدّيات التي نواجهها، وأن يقوم كلّ منّا ضمن مجتمعنا بأقصى ما يمكن لتحقيق هذا الهدف، لأنّ البديل هو الضياع القوميّ، والضياع الوطنيّ، والضياع الحضاريّ، وطبعًا أزمة الهُويّة!     

ومن ثمّ ابتدأت الجلسة الأولى، فتناولت البُعدَ التاريخيّ لموضوع اللغة العربيّة والتسميات، وقد تولى رئاستها محمود كيّال، وألقى المحاضرة الأولى بروفيسور راسم خمايسي في جامعة حيفا، بعنوان أسماء المواقع في بلادنا بين الماضي والحاضر:
تحدّث عن تدارس ونقاش مسألة المكان في الواقع اللغويّ، وكيف نستطيع أن نُحضّر وننتج معرفة، ونربط بين اللغة العربيّة والمكان، خاصّة على خلفيّة هجمة التحريض، وعمليّة محاولة عبرنة الأسماء وتذويتها، سواء بواسطة الخرائط ، أو الإعلام والإنتاج المعرفيّ الأكاديميّ.
وقد قدّم دراسة تناولت أسماء المواقع بين خارطتيْن، فترة في الماضي والحاضر، بحيث رصد وناقش كيفيّة نشوء أسماء المواقع ومسمّياتها، كجزء من الموروث الحضاريّ والتراث اللغويّ، والواقع الموضوعيّ للغة العربيّة في حيّزنا، وكيف أنّ هناك عمليّة ممنهجة ومبرمجة لتغييب وإنكار هذه الخارطة، بواسطة عبرنة الأسماء وخلق خارطة بديلة .
 هناك صراع بين خارطتين ، والذي يُعبّر عن الصراع السياسيّ الحيزي الثقافيّ بين مشروعيْن على هذه البلاد، وحاولت أن أترجم كيفيّة إبراز هذه الخارطة العبريّة مكان الخارطة العربيّة، من خلال أدوات تُستخدَم فيها المؤسّسة، يُستخدَم فيها الإعلام، تستخدم فيها إنتاج اللغة العبريّة، وعمليًّا، محاولة إنكار اللغة العربيّة في هذا الواقع، وقد أعطيت عدة توصيات:
عمليّة نشر الأبحاث واجب على السلطات العربيّة، وأن تقوم بإعداد خرائط تمثّل الموقع وتُبرز الموقع والفولكلور المحليّ بتسميات المواقع، ولديها القدرة ولديها الإمكانيّات، ودون أيّ مانع .بالإضافة لذلك، هناك نوع من حالة إنتاج الخارطة العربيّة كما هي، قبل الثمانية وأربعين، وكذلك إنتاج الخارطة كما نتجت في الواقع الجديد الذي نشأ، بحيث يكون فيها تعبير للغة العربيّة، للواقع العربيّ، ولهذا الحضور العربيّ .
يُشكّل الصراع على أسماء المواقع أحدَ مُركّبات الصراع الرئيسة بين المجموعات القوميّة، الإثنيّة، الثقافيّة التي تعيش في نفس الحيز، وكلّ مجموعة تسعى إلى تغليب حضورها وسيطرتها على الحيّز، من خلال فرض أسماء مستقاة من تراثها وثقافتها.
لا شك بأنّ الاسم هو نتاج لغة مجتمع ذي تراث، ثقافة وحضور، وكلّ غالب في صراع يسعى إلى خلق خارطة أسماء للمواقع، تعبّر عن روايته، ثقافته وتراثه؛ ولذلك نجد أنّ فرض أسماء على المواقع تخلق غُربة بين المجموعة القوميّة الثقافيّة وبين محيطها، إذا لم يكن هناك تجانس وانسجام بين أسماء المواقع، وبين تاريخ وتراث المجموعة التي تعيش في الحيّز.
كانت الحركة الصهيونيّة على وعي بأهمّيّة خلق خارطة أسماء مواقع، كجزء من عمليّة مُبرمَجة لاحتلال المكان وإقصاء الإنسان العربيّ الفلسطينيّ، وتغييب تراثه، وتزييف تاريخ المواقع العربيّة الفلسطينيّة من خلال عرض مسطرة تاريخية انتقائيّة أو مُحرّفة؛ لذلك بدأ الصراع على وضع اسم للبلاد عامّة، وعلى اسم كلّ بلدة، واد، جبل...إلخ، خاصّة، منذ أن بدأ المشروع الصهيونيّ يُنفّذ في بلادنا، وتمّ تنظيم عمليّة تبديل وتحريف أسماء المواقع بعد إقامة "لجنة الأسماء المنبثقة عن الكيرن كيّيمت" عام  1922، وفي عام 1952  تمّ إقرارها بموجب قانون لتصبح لجنة الأسماء الحكوميّة، وهذه اللجنة خلقت خارطة جديدة لأسماء المواقع، وهي ما تزال فاعلة، تتخذ قرار وضع اسم لكلّ موقع.
تهدف المحاضرة إلى وضع عرض نظريّ لعلاقة الصراع على تسمية المواقع وأثرها في خلق الحيّز العامّ، وكيفيّة تطبيق تغيير أسماء المواقع في بلادنا، وتعرض المحاضرة حالة خلق خارطتيْن لأسماء المواقع: واحدة تُمثّل الرواية، التراث، الثقافة والحضور العربيّ الفلسطينيّ؛ وأخرى تمثل الرواية الصهيونيّة الإسرائيليّة، كما تتناول المحاضرة دوْرُ ثنائيّة الخرائط في خلق غربة بين الإنسان وحيّزه، ولأجل مواجهة تغيير وتحريف الخارطة الأصلانيّة، وتأمين المشاركة في إنتاج الحيّز العامّ والحضور فيه، تَعرض المحاضرة بعض التوصيات لمواجهة السياسات الحكوميّة المُبرمَجة، لأجل تغليب الأسماء المفروضة، ومحاولة محو الأسماء التاريخيّة من الواقع والذاكرة العربيّة الفلسطينيّة، وبالموازاة وضع أسماء تتجانس وتتناسب مع التراث والحضور العربيّ.

أمّا د. عبد الرحمن مرعي من كليّة بيت بيرل فكانت له محاضرة تحت عنوان: الصراع اللغويّ على الحيّز وانعكاسه في مسميّات البلدات واللافتات.
الصراع العربيّ الإسرائيليّ قديم حديث، فهو وليد الأحداث التاريخيّة والدينيّة في القديم، وترسّخت جذوره حديثًا في المناحي السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة، وهو في جوهره صراع بقاء على الأرض والسيطرة على الحيّز، وتشكّل اللغة الوسيلة الرئيسة في هذه المعركة الوجوديّة، فوجود اللغة في بيئة تكثر فيها الصراعات، وتَناقُضُها مع لغة أخرى، يجعلانها أكثر بكثير من أداة اتّصال يوميّ، إذ تتحوّل إلى تعبيرات مُركّبة لها مدلولات عميقة، منعكسة عن قلب الصراع الدائر بين الأطراف المعنيّة، كما يؤكّد الباحث ياسر سليمان.
تتناول هذه المداخلة جانبًا واحدًا من هذا الصراع، وهو تغيير أسماء البلدات العربيّة بعد قيام الدولة عام 1948 ، وحضور اللغة العربيّة في المشهد اللغوي. منذ نشأة الحركة الصهيونيّة وحتى اليوم، أقيمت لجان مختصّة تُعنى بمسمّيات البلدات والمواضع الجغرافيّة، وفق رؤية سياسة واضحة تسعى إلى محو الذاكرة الجماعيّة، عن طريق تهويد المكان، أي عبرنة أسماء البلدات والمواقع العربيّة.
لقد عملت الدولة على تغيير معالم المكان، وطمس المشهد الفلسطينيّ بإلغاء الاسم العربيّ، وجعله اسمًا عبريًا، بغية إضفاء الطابع اليهوديّ- التوراتيّ على المكان.
يخدم الاسم العبريّ الصالح العام الإسرائيليّ ،لأن الأجيال الشابّة العربيّة التي لم تشهد النكبة ولم تقرأ عنها، تتقبّل الاسم كأمرٍ مسلّمٍ به، على اعتبار أنّ المكان أو الحيّز مُلك لليهوديّ.
استخدمت عدّة طرق لتغيير المسميّات العربيّة، منها استعمال الاسم العربيّ وملاءمته للفظ العبريّ، أو تحريفه أو ترجمته، أو إعطاء اسم مقابل له من التوراة والمصادر اليهوديّة.
أمّا الصراع على محتويات اللافتات ،فلم تخمد أنفاسه حتى اليوم، ففي البداية كانت غالبية اللافتات في الطرقات بين المدن ثنائية اللغة بالعبريّة والإنجليزيّة، والمسمّيات العربيّة كانت قليلة ومليئة بالأخطاء، وبعد تدخّل محكمة العدل العليا، ألزمت الشركة القوميّة للطرقات في إسرائيل أن تُكتب العربيّة في اللافتات وبشكل صحيح، وفي عام 2006 تمّ تعليم مساق في موضوع الخرائط واللافتات، تحت إشراف لجنة المسمّيات الحكوميّة ومجمع اللغة العبريّة، يهدف إلى إضافة أسماء بلدان بالعربيّة على لافتات لم تتضمّن هذه الأسماء، وكذلك تصحيح أغلاط إملائيّة كانت السبب في اللفظ غير الدقيق لأسماء بلدان كثيرة.
وما حصل على أرض الواقع، كان نحو الأسوأ، وهو كتابة المسمّيات العربيّة وفق اللفظ العبريّ، مثل يافا- يافو، عكا- عكو... أمّا في البلدات المختلطة فيخوض السكّان صراعًا مريرًا مع السلطة المحليّة، في مسألة مسمّيات الشوارع التي تطلق عليها أسماء يهودية.
بهذا الصد، من الجدير ذكره أنّ المسميّات العربيّة تُساهم في تثبيت الحضور العربيّ في المدينة، لمواجهة سياسة التهويد، وتثبيت الحقّ التاريخيّ على الأرض، وترسيخه في الذاكرة الجماعيّة للأجيال القادمة، بالإضافة إلى تخليد ذكرى الشخصيّات الرائدة، التي تركت بصماتها على المجتمع، وناضلت في معارك البقاء والتراث، على اعتبار أنّها تشكّل رمزًا ومثلاً يحتذى به.
بعد الانتهاء تمّ توجيه الأسئلة للمحاضرين ومناقشة المواضيع المطروحة.

بعد استراحة قصيرة عقدت الجلسة الثانية تحت عنوان الأسماء العربية في التجربة الأدبيّة، وتولّى عرافة الجلسة د. نبيه القاسم.
ابتدأ المحاضرة الأولى د. محمود أبو فنّه - باحث وعضو مجمع اللغة العربيّة ورئيس لجنة القضايا اللغويّة اليوميّة- حيفا، وتناول موضوع دلالة المكان في أدب الأطفال المحلّي فقال:
تأخّر ظهور أدب الأطفال المحلّي مقارنة مع ظهور هذا الأدب في العالم العربيّ لأسباب سياسيّة واجتماعيّة وثقافيّة واقتصاديّة؛ حيث صدر الكتاب الأوّل للأطفال في البلاد عام 1954، وكان مسرحيّة "ظلام ونور" لميشيل حدّاد وجمال قعوار، ثمّ صدرت المجموعة الشعريّة "ألحان الطالب" لجورج نجيب خليل عام 1956، وفي الستينات من القرن الماضي أصدر الأديبان محمود عبّاسي وجمال قعوار 15 كتابًا أو كتيّبًا للأطفال، متأثّريْن بموقف المجتمع اليهوديّ المحتفي بالأطفال وب"نموذج" الكيلاني في الكتابة للأطفال!
بعد تجربة عبّاسي وقعوار ظهرت بوادر اهتمام - نسبيّ- بأدب الأطفال، وبدأ كُتّاب محلّيّون يكتبون للأطفال إلى جانب كتابتهم للكبار مثل: سليم خوري، مصطفى مرار ..، وتدريجيّا، ولعدّة عوامل، أخذت المؤلّفات الخاصّة بالأطفال تزداد وتتنوّع، سواء في الأدب الأصيل أو في الأدب المترجم، وقد ساهمت مراكز أدب الأطفال التي أنشئت في هذا الانتعاش.
أمّا بالنسبة للمكان والتسميات في أدب الأطفال، موضوع المحاضرة، فمن الجدير ذكره أنّ لذكر المكان أو البيئة أهميّة في العمل الأدبيّ عامّة، وفي النصوص القصصيّة خاصّة؛ حيث يشكّل المكان عنصرًا أساسيّا فيها إلى جانب الزمان والعناصر الأخرى (الحبكة والأحداث، الشخصيّات، اللغة والأسلوب، الفكرة المحوريّة...)، وقد تتعدّد أنواع المكان (المغلق، المفتوح واللا متناهي)، وتتعدّد دلالاتها ووظائفها (وظيفة معرفيّة، وظيفة اجتماعيّة، وظيفة وطنيّة...) في النصوص الأدبيّة، وخاصّة في النصوص الموجّهة للمتلقين الكبار، الذين يمتلكون تجربة وثقافة وذائقة نقديّة تفوق ما لدى المتلقين الأطفال.
اقتصرت العيّنة في هذه الدراسة على أدب الأطفال المحلّي الأصيل، الذي كتبه أدباء محلّيون واستثنيَ الأدب المترجم، كما حاولنا تمثيل" أدب الأطفال المحلّي في مراحله المختلفة، وكان التركيز على لونيْن بارزيْن هما: القصّة والشعر.
في مجال القصّة تمّ فحص حوالي ثلاثين كِتابًا، وفي مجال الشعر تمّ فحص أكثر من عشرة دواوين شعريّة. أتناول في هذه المحاضرة نتائج هذا الجرد، متعرّضًا لأنواع المكان في أدب الأطفال المحليّ، ودلالات هذه الأنواع والتسميات المختلفة.

وفي مداخلة القاصّة والروائية فاطمة ذياب جاء: للتسميات دلالات لفظيّة ومجازيّة، وبداية اسمحوا لي أن أنطلق من ذاتي كي أصل إليها، من خلال معاقرة حروف الأبجديّة في حالة مخاض وولادة، ومن ثمّ تسمية المولود، وتحضرُني الآن تلك الحالة المُغلّفة بكثير من الحيرة والتردّد، فأيّ اسم أمنحه لكلّ قادم جديد، لا بدّ وأن يترك أثره على القارئ، فإمّا أن يدعوه إليه ويُحفّزه في تناوله، وإمّا أن يتردّد في ذلك، ومهما يكن الاختيار، فإنّه لا بدّ أن يتماهى مع النصّ من حيث الدلالات اللفظيّة والمجازيّة، مع انّنا في كثير من الاحيان نجد أنّ الاسم قد شذّ عن النصّ، فجاء النصّ غيرَ مُعبّر عن خواصّه وأبعاده.
لكلّ كاتب أسلوبه وأدواته وتجلّياته، وإن اختلفت هذه الأدوات والتجلّيات، يظلّ الاسم هو المفتاح السحريّ الذي يأخذنا إلى دهاليز النصّ، سواء جاء العنوان مُشفّرًا أو غير مُشفّر، وكما ذكرت، قد يحملنا العنوان إلى عوالم من الغرابة والغموض والإبهام، ممّا يجعلنا نتردّد في السفر بين النصوص، بل ربّما يستفزّنا هذا الغموض، فنُصرّ على كشف مكنونات النصّ.
بالنسبة لي، فقد لعب الموروث القادم من جذوري الشعبيّة دوْرَه في النصوص وفي التسمية، من حيث الانتماء للمكان والزمان، وحتى الشخوص والأدوات، وعلى سبيل المثال، لم يأتِ عنوان "دقة المهباج" لقصّة من مجموعة "جليد الأيام" اعتباطًا أو مصادفة، لو لم يكن المهباج يدقّ في خلايا الروح والجسد والذاكرة، لأنّي طفلة تراقصها الأدوات والذكريات والزمان والمكان، فأدعوه عنوانًا يُراقصني على أنغام الصفحات وعند حدود النصّ، فآخذه من بيت المختار كي أبرزه بخطّ عريض عنوانًا مُلتزِمًا لزمانه ومكانه، ليس هذا فحسب، بل أتعمّد كذلك في روايتي "مدينة الريح" الصادرة عام 2012، أن أنقل من بيادر الذكريات صورة مُكثّفة وصورة متأرجحة لكلّ أدوات ذاك الزمان، فهناك اللعبة المُسلّية مع "الزهر الأصفر"، وما بين أبوك سبع ولاّ ضبع، وما بين السبع والضبع تبادل حرفان ليتغيّر المعنى والمغزى، وهنا أيضّا صورة تحمل الأبعاد الأخرى ص 164:
"أيّتها الأنثى.. آخذك وآخني إلى بيادر الذكريات، يوم غادرت أمّي إلى البيدر، تحمل تحت إبطها بعض أرغفة من خبز الطابون الساخن جدّا، وعلى رأسها يسترخي الغربال، يحمل داخله القفّة، والقفّة تحمل القُبْعة والقبعة تحمل الصاع الخشبيّ المحروق، يومها كانت خالتي وعمّاتي وجدّتي والقطروز يستعدّون ليوم طويل من الغربلة. كانت جدّتي ترفع طرَفَي الشنتيان، وخالتي تربط أطراف فستانها بالزنّار، وعمّتي تشدّ عصبتها السوداء، أمّا القطروز فكان عند كومة السنابل يُلملم بشاعوبه الطويل ما تبعثر منها، ليُعيدها إلى الكومة الكبيرة.
ولم أُسقِط من حسابي الأماكن ومدلولاتها في سياق النصّ، فللناصرة حضورها القويّ، حتى بمناسباته الرمزيّة، ففي الفصل الثامن من رواية "مدينة الريح" كتبت:
"معًا سرت وصديقي في شوارع الناصرة، المدينة التي تصفعني هي الأخرى وأُحبّها، سمعته يقول: للناصرة نكهة خاصّة تحتلّ زائريها، فمَن يَزُر الناصرة لا يملك إلاّ أن يعود إليها. قلتُ: عن أيّة ناصرة تتحدث؟ ناصرة اليوم غير ناصرة الأمس؛ ناصرة توفيق زياد والأعلام الحمراء والأوّل من أيّار. اُنظُرْ مِن حولك.. كلّ ما في الناصرة مُزيّف الآن، حتى الوجوه واللافتات والشوارع والأسماء. أشعر أنّها مُهجّنة من عدّة أماكن. قال بألم: إلى حدّ ما أنتِ مُحقّة، فالناصرة اليوم تبحث عن مَخرَج لأزمتها السياحيّة!"
رواية "مدينة الريح" تتضمّخ بالصور الشعبيّة والأسماء التي تنتقل في أروقة التراث والتاريخ والجغرافيا، من عرابة الجليليّة إلى سخنين، ومن كابول إلى طمرة وصولاً إلى عبلين وشفاعمرو، أضِف إلى ذلك أكثر من مئتَيْ مثَلٍ شعبيّ ضمن سياق النصّ ودون افتعال، فكلّنا نحاور النصّ ونُعايشه قبل أن نمنحه الاسم الذي يُجسّده ويُجسّدنا، وقد ذكرتُ القرى المهجرة الدامون الرويس ميعار وغيرها في كتابي "الخيط والطزيز"، هذا العنوان الأكثر إثارة واستفزازًا وغرابة، من حيث الأبعاد الحسّيّة وغير الحسّيّة، فغرابة العنوان قد تجعلنا نتردّد في تناول النصّ وربّما يستفزّنا بغرابته، فنُقبِل عليه لكشف المطمون ومعرفة ما وراءه، كما حدث معي حين استفزني عنوان ديوان "رحلة إلى عنوان مفقود" للشاعرة آمال عوّاد رضوان، فالكثير من الأعمال الأدبيّة هي بمثابة بطاقة هُويّة، تحمل جذور الولادة والأزمنة التي عايشها الكاتب بأماكنها الجغرافية والتاريخيّة، من باب الصدق مع الذات والجذور، ومن باب ترسيخها في أذهان الأجيال القادمة، وكثيرًا أيضًا ما يحمل النصّ ملامحَ الكاتب بارتباطه زمانًا ومكانًا، وكلّما توغّلنا بالمَحلّيّة انطلقنا إلى العالميّة.
وفي المداخلة الأخيرة للقاصّ محمّد علي طه بعنوان "رائحة المكان وأنامل الزمان" قال:
  ربط والدي، رحمه الله، منذ طفولتي، علاقتي بالمكان وأسمائه بوثاق حريريّ منسوج بحروف حُبّ المكان وحُبّ الحياة. كان بيتنا القرويّ الصغير الدافئ الجميل يقع في أقصى الحارة الجنوبيّة لقريتنا ميعار، ولا بيت بعده من تلك الناحية. وكان يُطلّ على قمم جبال الجليل الأسفل والجليل الغربيّ الخضراء، وعلى السفوح المكسُوّة بأشجار السنديان والعبهر والسرّيس والخرّوب، كما يُطلّ على واد سحيق يمنحه النهار جمالاً خلاّبًا ويهبه المساء رهبة.
  عندما كان والدي يمسك راحتيّ ويوجّهني إلى الغرب كنت أرى الكرمل، أنف الغزال الجميل ومدينة حيفا التي زرتها لأوّل مرّة وأنا شاب في الثامنة عشرة من عمري وتعلّق قلبي بها. وكنت أشاهد رأس الناقورة والبحر الأزرق والسهل الساحليّ الأخضر، وكنت أحيانًا أقف مع والدي ومع الجيران في ساعات الأصيل في أيّام فصل الشتاء، ونُصغي لتلاطم الأمواج في كهوف رأس الناقورة، نسمعها من مسافة بعيدة، وعندئذ يُحدّد الراصد الجوّيّ لبلدتنا أنّ الليلة عاصفة بإذن الله تعالى.
  كان والدي يصحبني في أيّام فصل الربيع المشمسة الدافئة إلى أرضنا الواسعة المسمّاة "وادي الشيخ علي"، على اسم جدّ أبي الشيخ الضرير حافظ القرآن، ومرجع القرية في الفتاوى والأمور الدينيّة. يردفني على الحمار أحيانًا وعلى الفرس أحيانًا أخرى، أو نسير راجليْن في طريق تُرابيّ بين الأعشاب الخضراء والأزهار الجميلة التي لثمها الندى. نمشي ويُعلّمني أبي الأسماء مثلما علّمها الله تعالى آدم. يُعلّمني اسم كلّ نبتة واسم كلّ شجرة واسم كلّ زهرة. هذا البلاّن وهذا القندول وهذا السرّيس وهذا الشومر، وهذا العلت وهذه الخبّيزة وهذا اللوف وهذا المُرّار، وهذه القُرْصعنّة وهذا الخُرفيش وهذه لفّة سيدي وهذا النرجس وذلك الأقحوان.
  نشاهد حقل القمح الأخضر ونقطف أغصان الميرميّة والزوفا، ولا ينسى في مشوار العودة أن يُعرّج على نبعة الزرزروق لنغسل أيدينا ونرطّب وجهيْنا ورأسيْنا بمائها البارد، ونشرب منه حتى الارتواء.
   كان يأخذني في فصل الصيف إلى السهل الساحليّ، حيث مقاثي البطيخ والشمّام وحقول السمسم والذرة البيضاء، وفي ذهابنا وإيابنا كان يُعرّج على بير الصفا لنشرب ونبترد ونسقي الدابّة. كنت مُعجبًا بهذه البئر. تجتمع حولها الرعاة وقطعان الماعز والغنم والبقر والإبل، ويَرِدُها الفلاّحون الذاهبون إلى الساحل أو العائدون منه. كنت مُعجبًا بالاسم. بير الصفا. نبع الصفا. وكنت أصعد عدّة درجات حتى أصل إلى خرزة البئر وأجلس بجانب السقّاء عوض، على مقعدٍ حجريّ أملس، وأُحدّق في ظلام البئر العميقة وفي الدلاء التي تصعد ملأى بالماء الزلال وتعود إليها فارغة، كما كنت أُحدّق بقدمَيْ عوض الطويلتيْن الحافيتيْن السمراويْن اللتيْن تُحرّكان بَكَرَة الدلاء.
  سرقت النكبة طفولتي وألعابي وبيتي وأترابي وأصحابي وحوّلتنا إلى عائلة فقيرة.
 بقي حُبّي للطبيعة صامدًا أمام النكبة. كنت في يومَي الجمعة والسبت من كلّ أسبوع، أرافق أترابي في رحلة صيد العصافير، فنجوب الوديان والسفوح والحقول، نركض وراء عصفور صغير لنصيده. عرفنا مواقع الأرض وأسماءَها ونباتاتها وأشجارها وصخورها وعيونها. عرفت أزهار ونباتات كلّ موسم وطيور كلّ فصل من فصول السنة.
  كانت القرية: فلاّحوها ورجالها ونساؤُها وأطفالها ومواشيها وحقولها وزرعها وأزقّتها ودواوينها وهواؤُها وخُبزها وقهوتها ولغتها وأمثالها، وصمود الناس في معركة بقائِهم في الوطن والأرض مُتَحَدّين السلطات من الحاكم العسكريّ إلى المختار، ممثّل السلطة، هي عالم قصصي في مجموعاتي الأوائل، وبخاصّة في قصص "اللجنة"، و"المعركة"، و"المنغرسون في الأرض"، و"عناقيد العنب"، و"الاستثناء والقاعدة"، و"وردة لعيني حفيظة" وغيرهنّ.
  تعمّدت أن أذكر في قصصي أسماء النباتات والأشجار في حقولنا وأراضينا وهضابنا وأوديتنا وجبالنا، كما تعمّدت تدوين أسماء الأماكن العربيّة الفلسطينيّة. كنت أرى يوميًّا عبرنة وصهينة وأسرلة المكان. كان عليّ أن أحمي عروبة المكان وفلسطينيّته. هذا الجدول اسمه نهر المُقَطّع وليس الكيشون، وهذا اسمه نهر العوجة وليس اليركون، وهذه جبال الروحة وليس رمات مِنَشّه، وهذا الجرمق وليس ميرون، وهذه الجاعونة وليست روش بينة، وهذه الخالصة وليست كريات شمونة، وهذه البروة وليست أحيهود، وهذه ميعار وليست ياعَد. هذه الأرض اسمُها البصّ ومراح الغزلان وأمّ السحالي وبرّاد وراس البير، والهروبّة وراس الزيتون وبير الصفا والقسطل، والملّ ومرج ابن عامر ووادي الحوارث والبطوف.
  لأنّني ابن قرية مُهجّرة لم يبقَ منها سوى أطلالها ومقبرتها وشجيْرات صبّار وزيتونات تعلّق قلبي بالقرى المُهجّرة. وجدت قريتي ميعار في أطلال الطنطورة وفي أطلال الزيب، حيث أُحبّ أن أسبح. كلّما زرت الزيب مستجمًّا وجدت ميعار هناك وتذكرت طفولتي وأترابي. كتبت قصّتيْن عن قرية الزيب: القصّة الأولى اسمُها "العاديات"، حيث روَتْ لي العاديات الباقية في الزيب في المتحف الذي أقامه إيلي أفيفي قصصها وقصص أصحابها، وأمّا القصّة الثانية فاسمُها "رسالة الزيب في الأمر الغريب".
  في إحدى زياراتي للزيب رافقتني باحثة جامعيّة فلسطينيّة تُقيم في لندن. تجوّلنا في المكان ووصلنا إلى مدخل بيت عطايا مختار القرية، البيت الوحيد الباقي هناك، فوجدنا السيّد ايلي أفيفي يقف عند المدخل. عرض عليّ باللغة العبريّة أن يؤجّرني غرفة نوم عطايا وسريره مقابل مبلغ مالي زهيد. سألتني ضيفتي عمّا يقوله الرجل عن عطايا، فأجبتها بأنّه يشرح عن بيته ولم أقل لها الحقيقة. لقد حوّلوا بيت عطايا وديوانه وغرفة نومه إلى مبغى.
  كم تتحمل من إساءات أيّها الوطن!!
  مدينة عكا هي المدينة الأولى التي زرتها في العام 1947، وشربت من سبيل الطاسات واشتريت كعكبانًا بقرش كما اشتريت قلمًا ملوّنًا وطابة. ما زلت أذكر تلك الزيارة وسفري لأوّل مرّة في الباص من ميعار إلى عكّا ذهابًا وإيابًا. استوحيت من عكّا عدّة قصص مثل قصّة "ليرة ولوحتان"، ومسرحيّتي "فساتين" التي تحدّثت فيها عن فتاة عكّاويّة انضمت إلى المقاومة، ثم عادت إلى عكّا بعد صفقة تبادل أسرى تبحث عن فستان طرّزته لها أمّها ليوم عرسها، فتلتقي برجل تعرفه يمشي في السوق وينادي "عَ النظيف، يا عيني ع النظيف، أنا بيّاع النظيف" فتبحث معه عن الفستان.
  عملت في حيفا مُدرّسًا في الكليّة الأرثوذكسيّة العربيّة خمسة وعشرين عامًا، وعرفتها جيّدًا وأحببتها كثيرًا. عرفت وادي النسناس ووادي الصليب والحلّيصة ووادي الجِمال وشارع أللنبي، وشارع الخوري وشارع قيسارية وشارع الحريري، وشارع الجبل وشارع يافا وشارع الملوك، وشارع الكرمة وشارع عبّاس وشارع المتنبّي والألمانيّة والمحطّة وأدراج المدينة وأزقّتها.
  تجري أحداث قصّتي "حكاية إبريق الزيت" في حيفا، ويُصرّ البطل أنّ ساحة باريس اسمُها ساحة الحناطير مع أنّه، والله العظيم، لم يَرّ في حياته حنطورًا فيها، كما يُصِرُّ على أنّ مفرق تشيكبوست هو مفرق السعادة.
  في قصّة "خارطة جديدة لوادي النسناس"، التي كتبتها بعد لقائي في هافانا في صيف العام 1977 مع الشاعر أحمد دحبور ابن وادي النسناس، الذي غادره مع أهله طفلاً صغيرًا ويعيش في سوريا. كان أحمد دحبور يسألني يوميًّا عن وادي النسناس، أنا الذي أزور الوادي في معظم أيّام الأسبوع، حيث تقع مكاتب جريدة "الاتحاد". قمت بدراسة ميدانيّة عن الوادي قبل النكبة، عن أهل الوادي وعن البيوت والمتاجر والأفران، وعن حيفا وشواطئها وسهلها، عن شاطئ أبو نصور الذي صار اسمه هحوف هشاكيط، وعن مستشفى حمزة الذي صار اسمه مستشفى رامبام، وعن منطقة الموارس التي صار اسمها كريات أليعيزير، وعن وعنو...، وهذا ما برز في قصّتي التي أشار النقاد إليها معجبين بأسلوبها وبالرؤيا التي تحملها.
  في قصّتي "مشوار الأصيل" التي مثلتني في أنتلوجيا القصّة العربيّة، التي صدرت باللغة الإنجليزيّة في أمريكا يسير الرجل المتقاعد يوميًّا، من شارع عبّاس إلى شارع الجبل الذي صار اسمه شارع الأمم المتحدة، فلمّا زعلت إسرائيل من الأمم المتحدة أسمته شارع هتسيونوت أي الصهيونية، ثمّ يسير إلى الهدار ويصل إلى شارع الأنبياء.
هناك قصص عديدة لي تدور أحداثها في حيفا. عندما خرجت من القرية، من كاتب القرية، كانت حيفا هي المدينة التي احتضنتني. قصصي الحيفاوية وهي كثيرة تدور أحداثها في شارع عبّاس وشارع المتنبي وشارع المطران حجّار ووادي الجمال ووادي النسناس، وشارع الحريري والحليصة وفي البلدة القديمة. وجدت نفسي في هذه الأماكن التي حافظت على عروبتها وعلى فلسطينيّتها. رائحة المكان في هذه الأماكن تختلف عن رائحة المكان في أحياء الكرمل، في دينْيا وأحُوزا وجِبعات الموجي وجبعات جولدا. الهواء يختلف. النبات يختلف. هنا الياسمين البلديّ والنعنع والميرميّة والزعتر. اللغة تختلف. راديو المقهى يختلف. هنا رائحة الخبز في الأفران ورائحة الفلافل والحمّص والفول وليس رائحة الجبنة البلغاريّة المعفّنة ورائحة سمك الفسيخ المسمى داغ ملووّح. هنا رائحة القهوة البلديّة وليس رائحة الإسبريسو.
  وأمّا المدينة الثالثة التي كتبت عنها فهي القدس. كتبت قصّة "الخط الوهميّ" قبل العام 1967، وكانت أوّل قصّة تنشر لي في مجلة "الآداب" البيروتيّة، وأمّا بعد احتلال القدس في حزيران فكتبت قصّة "وصادروا الفرح في مدينتي"، التي بطلها الشيخ نصر الدين المعروف بجحا، الذي يزور المدينة المحتلة، ويسير على قدميْه من شارع صلاح الدين إلى باب العمود، ثم يمشي في السوق العتيقة، ثمّ كتبت قصة "سورة زهرة المدائن" التي تغنّيت بها بالقدس عروس الوطن وأمّ القضية.
  كتبت عدّة قصص تدور أحداثها في الناصرة وشفاعمرو وطبريّا، وقد دهشت حينما اكتشفت أنّ معظم قصصي النصراويّة يعيش أبطالها في حيّ الصفافرة، ما عدا قصّة واحدة تدور أحداثها في منطقة العين. هناك أكثر من قصّة تدور أحداثها في المدن المحتلة مثل نابلس "قصة الساعة"، ورام الله قصة "ندى"، وقصّة "ديمة والحسون" وبيت لحم والخليل وجنين وغزة.
  المخيم الفلسطيني مكان هامّ في قصصي، فالمخيم هو عنوان ملايين الفلسطينيّين في لبنان وسوريا والأردن والضفة الغربية وقطاع غزة. سكّان المخيّمات هم وقود الانتفاضات والمظاهرات. هم أساس مقاومة الاحتلال ومقاومة الظلم والجوع والمرض. زرت مخيمات عديدة. زرت مخيّم بلاطه ومخيّم عسكر ومخيّم عين بيت الما في نابلس، وزرت مخيّم الأمعري ومخيّم قلنديا ومخيّم الجلزون في رام الله، وزرت مخيم الدهيشة في بيت لحم، وزرت مخيّم جنين ومخيم جباليا في قطاع غزة، وزرت مخيّم الوحدات في عمان ومخيم اليرموك في دمشق. عندما تضع قدميْك في الخطوة الأولى من الزقاق الأوّل للمخيّم تكتشف عالمًا آخر. تنتقل من عالم إلى عالم. تلتقي مع الفقر ومع البؤس ومع الغضب. تلتقي مع الصمود. صمود الناس في وجه قسوة الحياة. صمود الناس في وجه سفالة العالم ولا أخلاقه.
   هزّتني حرب تل الزعتر في صيف 1976، حينما حاصرت هذا المخيّم ميليشيات الكتائب اللبنانيّة، وداهمته الدبّابات السوريّة البعثيّة وجنود الرئيس حافظ الأسد، الرئيس الذي كان شعاره: أمّة عربيّة واحدة ذات رسالة خالدة. وحدة حرّيّة اشتراكيّة. كتبت يومئذ قصّتي "عائد الميعاري يبيع المناقيش في تلّ الزعتر". اخترت الاسم عائد لبطل القصّة، لِما فيه من إيحاء وموقف فكريّ وسياسيّ، واخترت البطل صبيًّا لإيماني بالمستقبل، وكَنّيْتُهُ ميعاريًّا.
  قريتي ميعار مشهورة بزعترها وهذه النبتة منتشرة بكثرة في السفوح والهضاب والأودية، والفولكلور الفلسطينيّ يحفظ أكثر من طرفة عن ذلك. الفلاح الميعاري الذي وصل إلى مدينة عكا وسمع بائعًا ينادي "فطور العافية صحّة للنظر"، فتذكّر جوعه ومعدته الخالية، فتقدّم من البائع وطلب وجبة فطور، فناوله رغيفًا مع الزعتر فقال الفلاح مستغربًا: إذا كان هذا فطور العافية صحّة للنظر، فمعناه أنّ حمير بلدتنا ترى كنوز الأرض.
  ولا أنسى عندما كنّا في السنة الأولى التي أعقبت النكبة نسكن في بلدة سخنين في غرفة استأجرها والدي، وكان فطورنا الخبز وزيت الزيتون والزعتر والشاي. وحدث أن كان جارنا السخنينيّ موجودًا عندنا وقت الفطور، فألحّ عليه والدي أن يُمالحنا، وما أن أكل اللقمة الأولى حتى أبدى إعجابه بزعترنا، وسأل من أين لكم هذا الزعتر؟ فأجابه أبي: قطفناه من أرض ميعار وجففناه ثمّ أعدته أمّ العيال. فقال: وزعترنا قطفناه من ميعار، ولكن هذا الزعتر فيه حموضة زاكية وشهيّة ولا توجد في زعترنا. ومن المعروف أنّ هذه الحموضة هي ثمرة السمّاق الذي أضافته أمّي إلى الزعتر. قال أبي: هناك مواقع مختلفة. مواقع زعترها حامض ومواقع زعترها لفّاني ومواقع زعترها حلو. فقال جارنا: حينما تقطفون الزعتر في الربيع القادم، أرجو أن تدلّوا زوجتي على الموقع الملائم.
  لا توجد عائلات في المخيّم، ولا تستطيع أن تشير وتقول هذه حارة المحاميد أو حارة زبيدات، أو حارة دار طه أو حارة دار غنايم أو حارة دار ذياب. تحمل الحارات في المخيّم أسماء بلدات فلسطينيّة، هذه حارة المياعرة وهذه حارة الصفافرة والبراونة والدوامنة.
  كان عائد الميعاري في أثناء بيعه المناقيش يرسم خارطة فلسطين. يمرّ قرب الرجل اليافاويّ فالكناويّ فالصفوريّ فالنصراويّ، ويُنادي على بضاعته مُذكّرًا بشُهرة كلّ مدينة وبلدة. برتقال يافا. ملوخيّة صفورية. رمّان كفر كنا وهكذا، وكان يفهم السياسة بالفطرة، فالولد خرّيج مدرسة النكبة وكليّة المخيّم، وكان مُعجبًا بثوّار فيتنام ويكره أمريكيا وكان عائد يقود أترابه، مجموعة الأولاد وهو يُغنّي: " فيتنامي يا فيتنامي، يا ابن العزّ والكرامة، انت وراك هانوي وأنا وراي...." فيصرخ الأولاد: دمشق، فيصرخ عائد: طزّ. وهكذا يطزطز لجميع العواصم العربيّة: بغداد وعمّان والقاهرة وصنعاء وبيروت والرياض وطرابلس وتونس وغيرها، وفي النهاية يقول:" فيتنامي يا فيتنامي، يا ابن العزّ والكرامة، انت وراك هانوي، وأنا وراي حرامي".
  دخل عائد البيوت الفلسطينيّة وأحبّوه وسألوني عنه كثيرًا. رجال وسيّدات وآنسات سألوني عنه وما زالوا يسألونني عنه حتى اليوم. لا أعرف ماذا جرى له. هل خرج مع رجال المقاومة من بيروت إلى تونس أو الجزائر أو اليمن؟ هل عاد بعد اتّفاق أوسلو إلى مناطق السلطة؟ هل هو أسير من آلاف الأسرى في السجون الإسرائيليّة؟ أنا متأكّد أنّ عائد الميعاري لم يرْتشِ ولم يفسد ولم يَحْنِ رأسه، وما زال يسير في الطليعة.
  هناك قصّة عن المخيّم ومنه اسمها "صبيّ وبنت من الدهيشة". أبطالي في المخيّمات الفلسطينيّة هم أطفال. صبيان وبنات. الجيل الذي سيطلع الفجر حتمًا. كتبت قصصًا تدور أحداثها في سيّارة وفي قطار وفي طائرة. قصّة "ليلة في قطار ريغا" تدور أحداثها في قطار ليلي ومع حركة سير القطار. قصّتي وصار اسمه فارس أبو عرب"، وهي قصّة يوم الأرض تدور أحداثها في المدينة وفي الباص وفي القرية وفي مواقع الأرض المهدّدة بالمُصادرة. هذه القصّة تُرجمت ونُشرت في عدّة دول، وقد اختارها د. بدوي لتُمثّل القصّة الفلسطينيّة في كتاب "القصّة ديوان العرب".
  كما كان لأسماء الأماكن دور بارز في قصصي، كذلك كان لأسماء الأبطال وأسماء القصص وأسماء المجموعات. أبذل جهدًا في اختيار اسم بطل القصّة، فلاسْمِ البطل دوْر هامّ ومميّز في القصّة. عائد الميعاري. مروان بطل قصّة ليلة في قطار ريغا. مروان الشيوعيّ القرويّ. مروان معناه صخر الصوّان. حفيظة جارتي الجميلة بطلة قصّة "وردة لعيْنَيْ حفيظة". جابر وصابر ومصطفى أبطال رواية "سيرة بني بلوط". حشمة. ستّي بيكه. رقيّة. ندى الطفلة الأمّورة. أختار اسم القصّة بعد كتابتها. ويحدث أحيانًا أن أغيّره قبل النشر. غيّرت مرّة واحدة اسم قصّة بعد نشرها، كان اسمُها "صبيّ وبنت من الدهيشة" حينما نشرتها في "الاتحاد"، فصارت "الولد الذي قطف الشمس" حينما نشرتها في مجلة "الكرمل". وأبذل جهدًا مضاعفًا في اختيار اسم المجموعة. أختار عادة اسم قصص من قصصها. في مجموعتي الأولى لم أفعل ذلك. أسميتها "لكي تشرق الشمس". كنت شابًّا صغيرًا في الثانية والعشرين من عمري، مُتحمّسًا وأعتقد أنني أستطيع أن أغيّر العالم بقصصي. أن أغيّر الواقع وأن أقهر الجوع والفقر والجهل والمرض والظلم. أحتار كثيرًا في اختيار عنوان المجموعة، ولا يعني دائمًا أنّ القصّة التي تحمل المجموعة اسمها هي القصّة المفضلة عندي، أو القصّة التي أحبّها أكثر من غيرها. إحدى المجموعات كنت أرغب بأن أسمّيها "مشوار الأصيل"، إلاّ أنّ صديقًا لي تشاءم من الاسم وعارضني بشدّة، فأسميتها "النخلة المائلة". مجموعتي "جسر على النهر الحزين" كان اسمها المقترح "جسر مقدّس على نهرٍ حزين"، إلاّ أنّ صديقًا من أصدقائي اقترح عليّ أن أسمّيها "جسر على النهر الحزين"، كي يكون الاسم موسيقيًّا، فاقتنعت وفعلت ذلك، وأمّا مجموعتي الأخيرة فتنقلت في عدّة أسماء، حتى استقرّ الرأي على أن أسمّيها "في مديح الربيع".
  في كتابه القيّم "محمّد علي طه مبدع راودته الكلمات وراودها" يتطرّق الناقد البارز د.نبيه القاسم إلى المكان في قصصي، فيجد أنّ المكان هو البطل في بعض القصص، كما يشير إلى أنّ المكان ينفتح على الخارج، فيرى أنّ مخيّم تلّ الزعتر في قصّة "عائد الميعاري يبيع المناقيش في تل الزعتر"، ينفتح على القرى والمدن الفلسطينيّة، ويشير إلى أنّ القطار في قصّة "ليلة في قطار ريغا" ينفتح على الوطن وعلى الغرب وعلى الشرق، مع أنّ الأحداث تدور في قمرة من قمرات القطار الليليّ، وكذلك الأمر في قصّة "مشوار الأصيل"، فالشارع من حيّ عبّاس إلى حيّ الهدار في حيفا ينفتح على شوارع المدينة وعلى الوطن.
  كان للبيت دوْر هامّ في قصصي، وقد خصّصت له أكثر من قصّة، وقد أشار د.نبيه القاسم إلى عدّة بيوت في قصصي، مثل البيت العادي والبيت الأليف والبيت الحلم والبيت الوطن والبيت المُعادي أيضًا.
  دعاني أديب فلسطينيّ صديق لحفلة تدشين بيته في رام الله في أواخر التسعينات. دخلت إلى البيت الجميل مع زوجتي، وتجوّلنا في غرفه وفي المطبخ وفي المنافع وبقيت غرفة مغلقة. فتحتها بدون استئذان، وإذا هي مليئة بحقائب السفر الكبيرة والكثيرة. تعجّبت وسألت صديقي عمّا أرى فقال: حقائب السفر. كنّا نسكن بعد النكبة في مخيّم في الضفة الغربيّة. بعد حزيران 67 حملنا ما تيسّر من حاجاتنا ورحلنا إلى إربد، وفي أيلول 70 حملنا بعضها إلى دمشق، وبعدئذ حملت حاجاتي ورحلت إلى بيروت، وفي العام 1982 عدت إلى دمشق، ولمّا ضاقت بي دمشق رحلت إلى الجزائر، ومن الجزائر إلى تونس، ومن تونس إلى غزة فرام الله. هذا البيت هو محطتي الأخيرة.
  في لقاء لي في جنيف في الثمانينات مع مثقف مناضل فلسطينيّ، وفي سهرة على ضفة البحيرة قال لي، بأنّه يحلم أن تكون له مكتبة. رفوف على الحائط وعليها الروايات والمعاجم والموسوعات والسِّيَر الذاتيّة ودواوين الشعر. وفي الغرفة طاولة وكرسي وعلى الطاولة حاسوب. قال لي إنّه يُناضل منذ العام 67 حتى اليوم كي تكون له مكتبة. ذكر لي أنّه تنقّل في دول عديدة وفي عواصم عديدة، ولم يستطع أن ينقل معه كتبه التي يحبّها، وأمّا عندما سيحصل على البيت فستكون له مكتبة. هذا هو الفلسطينيّ. إنسان يحلم بالبيت.
   منذ مجموعتي الأولى في العام 1964 وحتى اليوم وأنا أهندس بكلماتي وحروفي البيت الفلسطينيّ. رسمت العَلَم وكتبت النشيد الوطنيّ، ورافقت السجناء إلى الزنازين، كما رافقت المقاتلين إلى الميادين، والمتظاهرين إلى الشوارع، وحرصت على أن يكون البيت جميلا ودافئًا. أهتمّ بالتفاصيل الصغيرة للأماكن، وعندما أكتب عن مكان أدرسه جيّدًا. أدرس الجغرافيا والتراب والهواء والنبات والناس. لا يكفي أن أعرف كفر قاسم وشهداءها وأحداث مجزرتها، بل يجب أن أعرف المواقع التي حدثت بها المجزرة من المزلقان حتى المقبرة.
  هذا الارتباط بالمكان وبالزمان وبالأسماء المُعبرة الموحية ربطت قصصي بالقرّاء، فكم قارئ اتّصل بي وأقسم لي أن هذه القصّة حدثت في بلدته، قرّاء من باقة الغربية ومن أمّ الفحم ومن طمرة ومن سخنين ومن عرابة ومن الناصرة ومن شفاعمرو.
  سألتني مرّة، في احدى محاضراتي، مُدَرّسة صبيّة عن الوطن ومفهومه في قصصي. قلت فيما قلت: عندما أسافر إلى أوروبا أو إلى الخارج، وأقضي أيّامًا هناك أو أسابيع لا أشعر بالغربة إلاّ في فترات قصيرة، ولكن حينما أهبط في مطار اللدّ الذي صار يُسمّى مطار بن غوريون أشعر بغربة ووحشة. أقود سيّارتي وأخرج من المطار وشعور الغربة يُرافقني. أمرّ بالقرب من نتانيا ومن الخضيرة وشعور الغربة يلازمني، وحينما أصل إلى مفرق اللجون الذي صار يُسمّى مفرق مَجِدّو، أشعر أنّ الهواء تغيّر وصار عليلاً، والشمس تبدّلت وصارت أكثر دفئًا، والنباتات زادت اخضرارًا، والأرض تبسّمت أزهارًا، والطيور تغرّد بفرح، والفراشات الملوّنة تطير وتُحلّق، والنحلات النشطة تطنّ وتزنّ فأقول: ما أجملك أيّها الوطن.
  أحبّ يافا وأحزن وأنا أسير في شوارعها. كلّما زرت تل أبيب قادتني قدماي أو سيارتي إلى الشاطئ، ومن هناك إلى مسجد حسن بيك. هذا المسجد الصغير الجميل الذي تحيطه إلى درجة الاختناق بنايات الفنادق الضخمة، فأتذكّر عندئذ المسجد الصغير في حيفا في قرية رابين المتمسك بالبقاء بين الأبراج العالية، بين عمارة تسيم وعمارة المحاكم التي تُسمّى قصر العدل. هذه هي حالتنا. أحبّ النقب والمثلث ومرج ابن عامر والكرمل، ولكنّني ولدت في الجليل وعشت فيه وأحببته، وأعتقد أنّ سيّدنا آدم حينما طرده الله من الجنة ملأ راحته من تراب الجنة، ونثر التراب على الكرة الأرضيّة فكان الجليل. هكذا كتبت في سيرة بني بلوط.
  أدركت منذ طفولتي أنّ المكان مرتبط ارتباطًا عضويًّا بالزمان. الزمان غيّر بلدتي ميعار وغيّر ملاعب طفولتي وغيّر البئر والتينة وغيّر حيفا وغيّر يافا. أدركت ذلك بالفطرة، عفويًّا، قبل أن أقرأ ما تيسّر لي من مقالات المنظّر باختين. كما أدركت أنّ المكان مرتبط بالانتماء وبالعلاقة وبالألفة، قبل أن أقرأ ما كتبه باشلار.
  ذات مرة دُعيت إلى لقاء مع طلاب مستوطنات مسجاف في قاعة في مستوطنة ياعد المقامة على ميعار، فحدّثت الطلاب عن علاقتي بالمكان وزياراتي المتكرّرة له. حدّثتهم عن البيت والجيران والأتراب والتينة والرمانة وبئر الماء وملاعب الطفولة. وقف رئيس المجلس الإقليميّ وسألني: أأنت ميعاري؟ أجبته: نعم. فقال: وأنا ميعاري أيضًا. قلت: أنا ميعاري وهذا مؤكّد وواضح، وأمّا أنت فلا. فقال: أنا أصرّ أنني ميعاري. قلت له: أسألك ثلاثة أسئلة، فإن أجبت إجابة صحيحة واحدة فأنت ميعاري. قال: هات. قلت: السؤال الأوّل ما الفرق بين طعم الماء في بير الصفا وطعمه في البير الشرقي؟ والسؤال الثاني ما الفرق بين طعم الزعتر في دبّ الربيع وطعمه في برّاد؟ والسؤال الثالث ما الفرق بين الهواء في موقع التركيب وبين الهواء في خلة بلان؟
  أعتقد أنّ الناقد الباحث باشلار لا يعرف ذلك، وباختين لا يعرف ذلك أيضًا، وأمّا أنا الذي كنت أغافل أمّي وأخرج من البيت حافيًا لأعدو على الهضاب والتلال، وأركض وراء طيور السمّان واللامي والحلاج ووراء الفراشات، وأجمع النرجس والأقحوان وشقائق النعمان، وآكل الخسّ البرّيّ والقرصعنة والشومر والعلت والسنّارية والخردلة والمقرة، وأشرب من رأس النبع وأغسل قدميّ بماء الغدير، وأقطف اللوز الأخضر وأسرق الحصرم من الكروم، فأنا أعرف ذلك. أنا أعيش ذلك. أعرف المكان وعلاقته مع الفجر ومع الضحى ومع الظهيرة، ومع الأصيل ومع المساء ومع الليل، ومع الصيف ومع الشتاء. أعرف صوت بنات آوى وصوت الثعالب. أعرف آثار الضبع وآثار الذئب على التراب. أعرف آثار الطيور في المقاثي والكروم. أعرف صوت القطا وصوت العندليب وصوت الشحرور. أعرف رائحة البيدر ورائحة الطاحونة ورائحة المعصرة. أعرف رائحة حظيرة الأغنام ورائحة زريبة البقر. أعرف التراب البنّيّ والتراب الأغبر والتراب الأبيض. أعرف الحجارة من الصوّان إلى البازلت إلى الركّاخ. أعرف الأشجار شجرة شجرة أعرف الشوك وأعرف الأزهار. وكلّ هؤلاء يعرفون قدميّ وراحتيّ وعينيّ وجلدي وأنفي وفمي.
  هذه الأرض لي. هذه البئر لي. هذه الأشجار لي. هذه النباتات لي. هذه الأزهار وهذه الأشواك لي. هذا وطني وأنا باقٍ فيه. هذا ترابي، إمّا عليه وإمّا فيه.
 

23  المنتدى الثقافي / أدب / مرِّغوا نهدَيَّ بعِطرِهِ الأزرقِ في: 22:31 20/08/2012
مرِّغوا نهدَيَّ  بعِطرِهِ الأزرقِ

آمال عوّاد رضوان

على عَنانِ بُشرى جائعةٍ
تماوَجْتَ..
بليلٍ لائلٍ اقتفيْتَ فيْضَ ظِلِّي المُبلَّلِ
بضوضاءِ أَصفادي
أَرخيْتَ مناديلَ عتبٍ مُطرَّزٍ بتعبٍ
تستدرجُ بِشريَ المُستحيل
وفي تمامِ امْتثالي المُتمرِّدِ تورَّدْتَ!

بومضِ عِطرِكَ العابثِ مَضـيْـتَ تـتـخـفّـى
تـقـتـرِفُ تقوَى إشاعةٍ بشوشةٍ
وأنا في سكرةِ أعماقي
أثملُ بموْجِ مُستحيلٍ
لا يُذبِلُ نُواحَهُ جنونُكَ!

أنامِلُكَ.. ما فتئتْ تتندَّى اشتعالاً دامِسًا
تُقشِّرُ سحابَ وقتِي الموْشومِ بالنّعاسِ!
ولمّا تزلْ تخلعُ أسمالَ تثاؤُبٍ
كم تيمّنَ بالأزلْ!
ولمّا تزلْ.. في سديمِ الصّمتِ المثقوبِ
تمتطي تراتيلَ كَوْني الغافي!
أسرابُ وهنِكَ المغناجِ
انسَلَّتْ
تُراقصُ نيرانَ أحلامٍ
ما غابَ طعمُها عن لساني!

طُيوفُ جراحي طاعنةٌ في سَرمديّتها
أسهْوًا..
تَشدّقها سُهْدٌ أُسطوريُّ الملامِحِ؟
أَشابها خَدرُ نَقْشِكَ الخشْخاش؟
أَعلَّقْتَ حَدْسِيَ الكفيفَ
على مِقبضِ موجِكَ الفردوسيِّ؟

زفراتُ نجومي جرَفَتْها سيولُ تمرُّغِكَ
حينما غرَّها بَسْطُكَ المُهترِئُ
وَ.. على مَقامِكَ المرْكونِ
مُــنْــصَــاعَــةً
تَــكَــسَّــرَتْ
وَ.. رصَّعتني بانكساري!

بجناحَيْ جنونِكَ انبثقْتَ عائِمًا تُرفرِفُ
اضطرَبْتَ هائِجًا تُهفهِفُ
تَستبيحُ رُفُوفَ انشِطارٍ
لَكَمْ صَفّدْتَهُ بضياعي المُنمْنَمِ
كي تمتشِقَ إِغواءاتِ احتضاري!
فتائِلُ دهشةٍ
خطفَتْ قُصاصاتِ تَوْقي مسحورةَ الطّوقِ
سمّرْتني
بينَ وعودٍ مُؤجّلةٍ وجدرانَ تتهاوى!
خُطى ريحِكَ الضّريرَةُ وَشَتْ أجنحتكَ
شبَّ لهيبُها في اقتفاءِ أثري
تنيْرَنْتَ!
تبغْدَدْتَ!
وفي مَحافِلِ التّرقُّبِ
احترفتَ تضميدَ حروقِ حروفي!

ألْسِنةُ بوْحي النّاريِّ
طليتَها بوَشوشةٍ انبجَسَتْ تستجيرُ:
سرابُ حوريّةٍ أنا؛
إِلى مسارِبِ الوَهْمِ أَغواني
بثوْبِ السّباني.. سَباني
بَعثرَ وجهيَ في ذاكرةِ الحُجُبِ
وَابتلعَ ذيليَ الذّهبيّ!

يا رُفقاءَ الأسمى
بوّابةُ سمائي مَحفوفةٌ بهياكِلَ مَجْدٍ
ساحَ ضوؤُها زركشةً تتجَنّحُ
وما انفَكّتْ بأهدابِ الذّهولِ تتموّجُ
اِستنيروا بي!
لَدُنِي المُقدّسُ كَمِ ازدانَ بأرياشِ الشّمسِ
وَمُنتشيًا
تَعَنّقَ نحوَ عُشِّ النّارِ!

بسليمانَ أغيثوني
بأسرابِ جِنِّهِ؛ تَحفُرُ قاعَ بَحري أَفلاجًا
تُهْدينيها في ليلةِ عيدي
مرِّغوا نهْدَيَّ بعِطرِهِ الأزرقِ
لتهُزَّ قلائدُ سمائي غيثًا.. يتضوّعُ حُبّا.

يا رُفقاءَ الأسْمى
مرِّغوا نهْدَيَّ بعِطرِهِ الأَزرقِ
وزُفُّوا إليَّ.. ذيْلِيَ الوضّاء!
____________________________
*تنيرتَ/ تشبّهتَ بنيرون *تبغددت/ تشبّهتَ بأهل بغداد
*السّباني نسبة إلى سبن قرية عراقية في نواحي بغداد
والسّبنيّة هو أزر أسود للنساء
*سَباني الثانية تعود إلى السّبي والأسْر

24  المنتدى الثقافي / دراسات، نقد وإصدارات / الشعر النسويّ العربيّ بين التقليد والإبداع في: 13:39 09/08/2012
الشعر النسويّ العربيّ بين التقليد والإبداع

نتاول في الفصل الثالث:
الشاعرة آمال عوّاد رضوان


(في مشروع الشاعر والناقد جعفر كمال، وتحت عنوان الشعر النسويّ العربيّ بين التقليد والإبداع، تناولَ في الفصل الأوّل الشاعرة العراقيّة نازك الملائكة، وفي الفصل الثاني الشاعرة العراقيّة لميعة عباس عمارة، وفي الفصل الثالث تناول الشاعرة الفلسطينيّة آمال عوّاد رضوان، وفي الفصل الرابع الشاعرة العراقيّة بشرى البستاني، وفي الفصل الخامس الشاعرة المغربيّة مالكة العاصمي، وفي الفصل السادس الشاعرة اللبنانيّة جمانة حدّاد).
قبل عصر النهضة الأوروبيّة كان الشعر العربيّ يُعبّر عن تجارب خاصّة، عبر سياق واقعِهِ البسيط والهادىء، ومن خضمّ ذلك الواقع غير المعقد جاءَ الشعر واضحًا، يميلُ إلى سهولة فهمِهِ وإدراكه من حيث مصبّاته الفكريّة والمشاعريّة، وقد اختصّ الشعر آنذاك بجماليّته وبلاغتِهِ وميلِهِ لعفويّة المبادئ، وما تورده الشواهدُ وترسمُهُ الأخيلة، من حيث المُحسّنات البلاغيّة، والصور الحسّيّة التي تُعنى بالذوق والرفعة الخاضعة لسيطرة الشاعر، على مُحسّناته اللغويّة التي تعقد اتفاقًا للموهبة بين أنا الشاعر الموهوب وبين خضوب الإبداع، حيث كانت النصوص تعومُ ذكيّة في بحور العشق والغرام والثأر والتحدّي والمديح والوصف للخيل والصحراء والكرم والرجولة، حتى تُحقّق التعبيرات الحسّيّة غايتها القصوى، من حيث طبيعتها ومؤثّراتها، وحاجتها.
لكن بعد ظهور التكنولجيا وصراع الدول على المكان، وعلى منابع المال  والبؤر الاستراتيجيّة، ظهرت تحوّلات اجتماعيّة وصناعيّة هائلة، زحفت نحو مُجمل العلوم والآداب، فكان رأس المال الماليّ يتحكّم بمصير الإنسان الغربيّ، بينما الانتماء للأحزاب والطوائف والمذاهب انحصرَ في العالم الشرقيّ. هذا التحوّل أيقظ الأديبَ العربيَّ باتّجاه أن يشارك هذا التغيير إلى تغيير أفضل، من واعز ميوله الأدبيّة، خاصّة بعد الثلاثينيات من العصر المُنصرم، فأصاب ما أصاب الشعر من تحوّل نوعيّ على يد شعراء سمقت قاماتهم نحو العلا، أمثال الشعراء: أبي القاسم الشابي، وجبران خليل جبران، والرصافيّ، والفيتوريّ، وإن كانت تلك الحداثة تعني التغيير الخجول، إلاّ أنّها فتحت الأبوابَ أمامَ هزّة تغيّريّة واضحة وكبيرة، أحدثها صاحبُ الشاعريّة الخالدة بدر شاكر السيّاب، في قصائد مثل "المطرً" و"هل كان حبًّا" و"حفّار القبور" وغيرها، وبهذا التبدّل من العموديّ إلى قصيدة التفعيلة التي اعتمدت نظام السطر، وُلدت نُظم شعريّة أخرى سُمّيت بالقصيدة الحُرّة، وهي هجين من نظاميْن شعريّيْن العموديّ والتفعيلة، لكن بُنيتها الداخليّة يرتكز فيها التحويل الذاتيّ على مضمون النصّ الزاحف نحو البنية النثريّة، حتى جاء الجيل الستّينيّ فتميّز بقصيدة النثر، ومن أهمّ شعراء ذلك الجيل برز: البريكان، فوزي كريم، حسن عبدالله، عباس بيضون، محمّد الماغوط، شوقي أبي شقرا، يوسف الخال، توفيق الصايغ، فاضل العزاويّ، سامي مهدي، حسب الشيخ جعفر، سركون بولص.
ذلك الجيل باشر بتأسيس مرحلة جديدة من مراحل تطوّرات شعريّةِ الحداثة "قصيدة النثر"، وقد دعَوْا ضمنًا عبر البيان الشعريّ إلى كسر نظام قصيدة التفعيلة، التي انتشرت على يد الروّاد خلال أربعينيات القرن المنصرم، فتشكّلت قصيدة النثر، وانتشرت بقوّة "النار في الهشيم"، حتى أسّست هذه القصيدة ثلاثة أصناف من الشعراء ومنهم:
1- الشاعر الموهوب: وهو الشاعر الذي يكتب حسب قدرته كلّ الأصناف الشعريّة، سواء كان في الفصيح، أو في الشعر المحكيّ، أو كلاهما، مثل كاتب هذه السطور.
 2- والمؤلف.
 3 - والمقلد.
ومن هذا المنطلق تَكَوَّن كمٌّ هائلٌ ممن أسمَوْا أنفسهم بالشعراء، وخاصة في الجانب النسويّ بعد تحرّر المرأة الاقتصاديّ والاجتماعيّ، حيث كانت المرأة تخضع لهيمنة الرجل عليها في دولتها الأمّ "المنطقة العربيّة"، وأستثني هنا في هذه النقطة بالذات العائلات "الشيوعيّة والمسيحيّة"، لكن بعد الهجرة المُدوّية في الستّينات وتكلّلت في السبعينات من لبنان إلى الغرب، وفي الثمانينات من العراق إلى أوربا، هناك أصبحت المرأة مسؤولة عن  حريّتها الخاصّة في دول اللجوء التي اختارتها، حتى أصبحت حرّة طليقة العمل واللسان، سواء أكان الأمر في وضعها الاجتماعيّ والاقتصاديّ أم في اختيارها العاطفيّ.
ولكن مع كلّ ذلك الضغط العائليّ العربيّ على حرّيّة المرأة، برزت مبدعات فاض إحساسهنّ بانفعالات شعوريّة تضيء بواعث القيم الفنيّة انتشارًا، عبر ولادات وشائج ذلك الاختلاف الذي يمزج بين الشاعرة الموهوبة والشاعرة المؤلفة، من لدن ثقافات الموروث التضاديّ، فكان تناظر التصنيف الأدبيّ عند الشاعرة العربية ينصبُّ مداه في اتّجاهيْن:
الاتّجاه الأوّل: الجانب العائليّ المادّيّ الذي يسمح للأديبة بالتعليم والنشر واللقاءات والسفر خارج البلاد.
أمّا الاتّجاه الثاني: فهو الجانب العائليّ المثاليّ المُتشدّد، وهنا تكون الأديبة واكبت المسيرة الأدبيّة بجهودها السرّيّة الخاصّة، مستجيبة لمسيرة إبداعها المعلن في ذاتها، بطريقة غير مباشرة، أو تكتب وتنشر باسم غير اسمها، كما هو الحال في مجتمعات الخليج العربيّ، باستثناء دولة الكويت قبل وصول الفصائل الدينيّة المتطرّفة للقرار الكويتيّ.
وكما أشرت إلى ميزة الظرف المجتمعيّ التحولي من البسيط إلى المعقد، الذي أثّر تأثيرًا عميقًا على نوعيّة الشعر وجودته، حيث أنّ التطوّرَ المجتمعيّ الحديث أوجد ظروفًا مُعلنة لحرّيّة التصرّف، وخاصة بأثر حافز من ثقافة الغرب عليها. يأخذنا الأستاذ شيلر في شرح طبيعة النمط العامّ في التحوّل المجتمعيّ: "إنّ الحقيقة في ضوء هذا المنطق واحدة، والآراء إذن يجب أن تكون فيها متفقة، فأنت إمّا أن تكون مع تلك الحقيقة أو ضدّها"*.
في هذا الفصل الثالث من كتابنا نتناول الشاعرة آمال عوّاد رضوان، لِما لها من وعي تنويريّ ثقافيّ في مسيرتها الأدبيّة، فقد أصدرت الشاعرة عدّة مجاميع شعريّة، كلّها تصبّ في جدول المغايرة والتحوّل، وقد تكلّلت مسيرتها الشعريّة بالقبول والرضا من القرّاء والنقّاد والمثقفين، لِما فيها من أهمّية وتأثير على المسار الأدبيّ العامّ، فنحن أمام شاعرة تسيطر على مُحرّكات الصور الشعرية المُنتِجة للذائقة العاطفيّة والإنسانيّة، مقرونة بالأفكار المثاليّة الاستدلاليّة، فإنّ من المناسب أن نتوقف قليلاً ونرى، هل وصلت الشاعرة من حيث الإبداع إلى ما وصلت إليه الشاعرات العربيّات اللاّتي عاصرن تجربتها الشعريّة، أمثال: "عاتكة الخزرجي، نازك الملائكة، لميعة عبّاس عمارة، فدوى طوقان، فادية فهد، هدى أبلان." هذا ما سوف ننظر به في سياق بحثنا. 
يقول جان كوكتو: "إذا ما صادفتَ جملة أثارت حفيظتك، فإنّني وضعتها ههنا لا لتكون حجرًا تتعثّر به، بل علامة خطر كيما تلاحظ مسيري." والغاية أن لا تراني بعين مَن أنا، بل ما هو مطبوع بعين قيمة إبداعي وأثره على الحركة الأدبيّة العالميّة، أي ما توافق أو تقدم على جملة من الإبداعات التي تلتقي مع شروط التحوّل الإبداعيّ في الساحة العالميّة، وفيه ما يُلحُّ على المتلقّي أن يُبحر عميقًا في المعنى، موقِظًا كلّ قدراته الثقافيّة والمعرفيّة والعاطفيّة، لحلّ رموز الغاية من جدليّةٍ تُسلّط الضوء على المضامين.
قال عبد الرحمن الكواكبي؛ وهو أوّل من نادى بفكرة العلمانيّة حسب مفهومها الأوروبّيّ:
إنّ مسيرة الأدب العربيّ واكبت الحركة التطوّريّة بتنوّعٍ فكريّ جديد"، وهذا واضح في البيان الشعريّ الذي صدر في الستينات من مجموعة شعراء، وكان البيان يُعلن توظيفًا بُنيويًّا لأسلوب قصيدة النثر، وهو يعني الأسلوبيّة المُجدِّدة للقصيدة العربيّة، وحسبي أنّ آمال عوّاد رضوان ومن خلال قراءتي لها، أنّها شاعرة لها أسلوب فنّيّ يروم إلى حثّ السير نحو:
 أوّلاً: ما يَبسطه الخيالُ من خصوبةٍ يَسقيها العقل بوحيه.
ثانيًا: التلقّي الانفعاليّ الذاتيّ المُنتِج لمراحل النموّ الجماليّ عبر القراءات والكتابة المستمرّة.
ثالثًا: الهزّة اللاّشعوريّة التي توقِد من المفاجأة وحيًا مُعيّنًا، يعكس تصادمًا بين الشعور الداخليّ ومستوى الوعي التفاعليّ المشاعريُ المُلهم بإبداعه.
يتحدّث عالم النفس البريطانيّ توم شيبي " T. Shippey" حول أثر الخيال الأدبيّ فيقول: "كان الطراز الأدبيّ السائد خلال القرن العشرين هو الطراز الخياليّ، واستمرّ ازدهاره خلال القرن الحادي والعشرين.*" وهنا يقصد شيبي في موضوعة "الطراز الخياليّ" الرومانسيّة، ولكن فيما بعد، يأخذ الخيال بالتطوّر النوعيّ من خلال الاستمراريّة الفاحصة للأشياء، فتكون الفنتازيا أولى التحوّلات التي تنصبُّ من لدن السياق الرومانسيّ، خاصّة عند جون كيتس في غالب أعماله، ففي قصيدته: Hyperion  - هايبيريون" مع أنّه تحدّث عن الميثولوجيا اليونانيّة بين "أبولو" وهايبيريون، وكلاهما: إله الشمس، إلاّ أنّ تلك القصيدة تمتاز بطلاوة الفنتازيا المُلقّحة تدفّقاتها بالعمق الاسطوريّ المكانيّ.
لي أن أقول: الذي أخذ بعين الشعر إلى التعقيد في المفهوم التقنيّ التأليفيّ عند البعض، هو ضعف الخيال الفنتازيّ، المُنصبّ سريانه من ولادة صبا المتخيّل النوعيّ، لأنّ الخيال لا يكون جَمْعيًّا، إذا لم يتصرّف في صناعة المُحاسنة اللفظيّة، التي تمسّ جوهر التلقّي وتؤثّر في إدراكه، عبرَ مؤثّرات حسّيّة تُحَلق في المدار المحيط، تفحص المكوّنات الحياتيّة التي تتحرّك حوله، وإذا لم يتحقّق ذلك، يكون المنظور الكتابيّ خاليًا من معاشرة التحوّل الجماليّ، بين اللغة والمُدرَكات الحسّيّة النوعيّة، هذا لأنّ الخلل يكون ناتجًا عن ضيق التأمّلات الإبداعيّة، ووحيها المرهف في تفاعلاته الغريزيّة المنصبّة بواعثها المنبّهة للمشاعر، وبهذا لا تُدرُّ جماليّة اللغة المَعنيّة بالمشترك المُدهش المُفترَض أن يتفاعل ضمنًا، في خلق حوار يؤسّس لنصّ شعريّ، وهذا ما اختصَّ به جماعة التسفيط الكلاميّ، أي الحاصل الضعيف في طرائق أساليبهم التي شغلتها بنية الألفاظ الضعيفة، فأضاعت معانيها فيها، ونحن نعرف أنّ اللفظة البليغة تفيض بمعنى خصب له دلالاته الجماليّة، لكن إذا جاء اللفظ صعبًا، صعُب على المعنى استيعابه، فكلّ الألفاظ التي تعدّدت وحداتها الخلاّقة بالتذوّق والدربة، تؤدّي عفويّتها إلى وعي ناضج في الجملة الخالقة التي لا جمود ولا خلل فيها.
ومن أجل هذا نبحث عن ألفاظ تثمر حياة يتحرك فيها المعنى كالصبا الشفيف، حيث يرتقي بحالاته النغميّة أقصاها نحو: إثارة المشاعر، وتخصيب الحسّ العاطفيّ، كما هو الحال عند  الشاعر د. قصي الشيخ عسكر في قصيدته المُلهمة في بلاغتها، الصافية رؤاها، حسنة الاستعارة: "ستون" المنشورة في صحيفة المثقف الأولى: ستونَ مرت والمصائبُ جمّة/ لا تنتهي وتقول عشت سعيدا
أليست هي شكوى ورضا، فتلاقي معنى اللفظتيْن بين "المصائب" و"سعيدا"، أدّى إلى محاسنة المضمون بصواب بُعدها من حيث رؤية الشاعر التخيليّة، التي قاربت من نظرته التي طافت متفحّصة في زمكان الانتقالات من حال إلى حال، المُولّدة لنقيض النقيض على حدّ تعبير بندتو كروتشيه، حيث أنّ هذا الطيف لم يرْوِ الصبا، هو يتطلع إلى طيف أكثر خصوبة، لكي يكون فاعلاً موضوعيًّا يُحرّك ذبذبات الحسّ قبل فوات الأوان، لأنّ العمر تجاوز الستين، سواء كان هذا الحسّ عاطفيًّا أو اجتماعيًّا من لدن الطيف والاستجابة له، أو من الآخر والتفاعل معه.
لكن إذا كان هذا النظم موفّقًا، إذن أين المختلط والخالص فيه؟ نقول: ذكاءُ البراعة يُساوي ناتج صاحب الخبرة، ومُنشّط المفاخرة يُعادل القيمة الإنسانيّة، وذلك بتوجيه تلك المصبّات إلى موضعها الحقيقيّ، وهنا يتمّ توصيل البديع الشعريّ للآخر، فنحن نرى في هذا البيت السحريّ مواءمة بنجاح بالغ التعبير، من حيث سبر أغوار الدلالة، لكي تُعبّر عن جوانيّتها بحرص لغويّ شديد الفاعليّة، فليس من شرط الصور التعبيريّة أن تتخلّى عن الأصوات، بل العكس، تأخذ بحساب الصوت ما يليق بانفعالاته من تنزيلٍ للحركة الحسّيّة حججها وثورتها إلى مرتبة أعلى.
تُعَدُّ الشاعرة آمال عوّاد رضوان واحدة من الشواعر اللآتي حقّقن مُنجَزًا شعريًّا مُهمًّا، على مستوى تطوير شطر الإيقاع التكوينيّ الخفيف، ممّا جعلها ذات طبيعة نفسيّة مُتغيّرة المناخ، وهي تروم الاختلاف في معنى الهُويّة في مرجعيّتها الشعريّة، وكأنّها تبحث في الموجود الراهن عن موجود آخر، وهو ما نُسمّيه بالبديل الرؤيويّ للمُحسّن الحسّيّ، ونظريّتي في هذا المعنى تكمن في التكوين الاختلافيّ في المسارات اللغويّة النوعيّة عند هذه الشاعرة المُحدِثة، وهذا يُحسَبُ لها كسيابية مختلفة على مستوى ملاقحات اللفظ الإيقاعيّ الفصيح، ولهذا وجدتني أدخل من بوّابة إبداعها، لِما تعتمده من تفكيك للمعاني، مِن جوانيّة بليغة الأشكال، في تحوّلاتِ نصوصها القيميّة، وفي الوقت ذاته نقرأ نصوصها مُحكَمة بالرمزيّة الصارمة، لِما تتضمّنه من أفكار مُشتّتة، وذلك ناتج عن إطلاق مناخ وبصريّة الدلالة المقيّدة، حيث جعلت من جملتها الشعريّة جاريةً على الأقيسة، تتّجه نحو الغرابة، ولكن وفي مواضع معيّنة، أجدها ترتقي بسُلّمها إلى ما تقتضيه فضاءاتها من معنى يُحرّك قابليّة النصّ إلى سهولة التلقّي، حيث لا طرق مغلقة ولا زوايا مظلمة تعيق رغبة القارئ، وهذا طبعًا إذا اعتبرنا هذا النصّ أو ذاك يبقى ماثلاً في ذاكرة المتلقّي، لِما يحمل النصّ من جودة المعاني وتكثيف براعتها الفنيّة، وهذا باعث نوعيّ على دلالة نجاحها على نحو مقبول، لأنّ النصّ الشعريّ الناجح يستقيم في المعنى، كونه مُبصرًا من حيث تفاعلاته الماديّة، وقيمة طروحه، وبديع صوَرهِ المبصرة في بلاغة المُحاسنة اللغويّة ولمحها واختلافها.
يدلّنا الآمديّ وهو يعالج نصًّا شعريًّا في كتابه: "الموازنة" إلى: "وإنّما ينبغي أن ينتهي في اللغة إلى حيث انتهَوْا، ولا يتعدّى إلى غيره، فإنّ اللغة لا يُقاس عليها." وقصد الآمدي في هذا المعنى الحريص على اللغة وثوابتها، هو أن يكون الشاعر مُلتزِمًا بفصاحة اللفظة وبلاغة مقارباتها، وتناسُبها وبواعثها الرصينة، من ينبوعٍ صاف، حتى تستقيم في مسارها الأحسن والأليَق، فتكون اللفظة حينئذ لائقة بالشيء الذي استُعيرت له.
الشاعرة الرضوانيّة وجدتُ فيها عضوًا خلاّقًا كي أضمّها إلى كتابي هذا، بعد قراءات عديدة فاحصة في ديوان شاعريّتها، وذلك بعد معاينة تحليليّة في تشريح النصوص وجدت: خروجها إلى المديح بمخاطبة الآخر بعُلوّ القدْر، والقيم، والبهاء، والهيبة، وهذا كَوّنَ وجهًا آخرَ من خروجها إلى المدح، وهو التشبيه بالمثاليّ الأنويّ، فالتركيز على أنا المختلفة، والعزوف عن البقاء تحت ظلّ هذا أو ذاك من القائمين على الصروح الأدبيّة، أدّت بالتالي إلى استقلاليّةٍ في تحوّلاتها إلى نضوج أكمل، على مراحل تطوّريّة لاحقة، فحلّقت في فضاءٍ يحيط بها هي، وفي هذا البعد نقرأها مستقلة، مغلقة على بعضها، أستطيع أن أُسَمّي توجّهها بمفهوم المانع، الذي أشار إليه أرسطو في شروحاته عن تحديد معالم الشعر، والبحث عن صحّة الأدوات النافعة المؤدّية إلى كمال توليد الأثر المستقلّ.
حيث نجد الشاعرة قد اشتغلت على طراز هذا المفهوم بجدارة، فنوّعت نصوصها إلى ملامح تسمح بتحريك المصبّات الحداثويّة مِن وفي داخلها، وليس على الأطراف منها، كما هو الحال عند بعض الشواعر العربيّات، فجعلت نصّها يتحلّى بالمسؤوليّة الراشدة، وكوْن نصّ الشاعرة آمال أخضعته وألبسته الثوب الممنوع من اللمس، بدلالة التحكّم والقسر غير القابل للانحراف والتشويه، أو تسليط  ضوء الآخر عليه، بعد أن أجادت ببلوغه إلى المستوى الحسَن، خاصّة ببقائِها المُحكَم بدائرتها الخاصّة.
ضمّنت أعمالها الشعريّة دواوين: "بسمة لوزيّة تتوهّج" الطبعة 2005" قدّم له الشاعر الفلسطينيّ المعروف محمّد حلمي الريشة، و"سلامي لك مطرا" وقدّم له الأديب والناقد المصريّ د. إبراهيم سعد الدين، والديوان الذي نحن بصدد تناوله بالتحليل والمشارحة: "رحلة إلى عنوان مفقود" صدر 2010.
تنوّعت هذه الأعمال بين قلق التأثّر، ومبتكر الوحدة العضويّ في أعمال قد تنوّعت بين السرد المقنّن، ومقدار إنتاج الوعي الفنيّ، خاصّة بعد انفلاتها من فوّهة القمقم الاجتماعيّ التقليديّ، لِما هو معمول الوضوح به في حقل قصائد هذه المجموعة الشعريّة: فما نتناوله نودّ به أن يروم رضى فضول القارئ الكريم لشاعرة بقيت في الظل المُحَوَّلْ، فنقوم بقراءة مقتطفات من كلّ قصيدة ونربطها من لدن خيوط فستانها الشعريّ، الذي خِيطَ ملمترًا ملمترًا على تفاصيل ومقاطعات التأمّل الإلهاميّ المعمول بخيوط جزالة نظمها، فقد علا شعرها وتوسّط، لكن لا فاسد فيه، ففي كلّ قصيدة أجدها تجدني فيها قارئًا مولعًا ومعذبًا ممّا تبوحه شهوة قلمها، وللدخول إلى فيض أسلوبها النثريّ ذات الشاعريّة المنقوعة ببراعة التخيّل، من جوانيّة إحساس عالي الوتر وجدته في قصيدتها: "كم موجع ألاّ تكوني أنا"، حيث نتلمّسها وهي تبسط تعبيرات هتاف المشاعر من الخزين العاطفي المكرّس، بأسلوبيّة الأنويّة غير المباشرة، وبعد فحصنا المُضني في محتوى هذه الموهبة المُعبّرة عن سموّ عاشقة الذات، كما لو أنّ الشعر أصبح المرآة العاكسة تأثّرها بشبيهتها، تُجسّد صور هي كلّ تفاعلات لغتها المخياليّة المجرّدة، لكنّها وفي الوقت ذاته، تحرص على أن لا يكون هناك تناقض بين المتعة في الكتابة عن المشابهة للذات، وبين ما يحيط بالشاعرة من أجواء تختلف عن أسلوبيّة حياتها في البنى المجتمعيّة الثابتة، سواء كانت تلك البُنى ثقافيّة أو سياسيّة.
تمتّعت الرضوانيّة آمال بأسلوب نمطيّ شخصيّ، يُحاكي ولع شفافيّةٍ مثيرة للحنوّة، لا تستخدم الأنويّة التقليديّة، إنما تنحو إلى الطرف الثاني منها، تجدها تخاطب شخصَها بعناوين هي: أنتِ/ جَنّتكِ/ اعتكافكِ/ أصدائكِ/ ساحرة/ بكِ".
وهناك ثِيم أخرى مُنشّطة للإحساس المُعبّر غير المباشر عن هتاف الأنويّة، فتمسك برأس الخيط الفاصل بين المباشرة في خطاب الذات وبين الإشارة إليها، فتارة تُعبّر عن حوار من منظورها الكيانيّ الحسّيّ، لاطلاق ملامسات حريصة وذكيّة تُثار كحوار مع هتاف الأنا المرمّزة، وتارة أخرى نجد نداءَها العاطفيّ ظاهر كالمُعاينة الصحّيّة في مختلفات الأجناس بتوليفات مغايرة، كاستخدام الشخصيّة المتفرّدة بتقاطعاتها المختلفة، والتداخل في مزايا الصيَغ المتقاربة منها والمتباعدة، فتجدها تُعاين مشارق إيمائيّة، تبسط من خلالها شخصيّتها على الدائرة المحيطة بها، وتارة أخرى تمدح فيض بلاغتها التي تسكن عالمَها المتفرّد بتراتيبيّةٍ بالغةِ الدقة والتحصين، وهذا ما نسمّيه فلسفة تحاشي الاقتراب، وهكذا فهي دائمة التلميح في صيغة خطاب "هي" المختلفة في أحايينها الكثيرة، والمقدّسة في شيعٍ أخرى.
دعونا نتلمّس ما يُطلقه نثر الموازنة بين الذات "هي"، وبين ما تنسج دائرتها من رموز تكوينيّةِ المقاصد والدلالةِ في قصيدتها كَم مُوجِعٌ ألاّ تكوني أنا:
أنوثةً طاغيةً/ راقصْتُكِ على هفيفِ قُبلة/ وفي رحابِ جنّتِكِ المُترَفةِ بِاعتِكافِكِ الأثيريِّ/ غزلتُ ملامحَ أصدائِكِ بِحرائرِ الغُوايةِ/ أيا ساحرةَ أشجاني/ كيفَ تلاشيتُ.. قبلَ أنْ تندَهَني ملائكةُ الرّوح؟
 نقرأ الشاعرة من دواخل إحساساتها، نتذوّق خميرتها المنقوعة بحرارة تجلّيات خيالها الوارف، في ابتداءاتٍ عمدت شاعريّتها إلى إيمان مختلف عن الهوى العامّ، تصوغ خطوطًا لملامح غير بيّنة بصريًّا، لكن إذا ما أمعنّا التحديق فيها بخبثٍ شديد، نتبيّن ذلك الهتاف الخفيّ واضحًا، تُقدّمه الصيَغ العاطفيّة الحريصة على غاياتها من السقوط في المباشرة، وكأنّ قدرة الشاعرة الثقافيّة والإنسانيّة، تَحسبُ مقدارَ سلبيّة أثر المباشرة عليها وعلى المتلقي، ففي قصيدتها الأكثر اقترابًا إلى براعة الهتاف الأنويّ غير المباشر، وزجِّه في هتاف تعلو به المباني في ألفاظها، لكي تطلب المُراد من الآخر غير المعلوم، كوْن العقلانيّة تعمل عند الشاعرة على هدف التبصّر والتمعّن والإحساس، الذي يدلّ على تصرّف الوعي المُنتِج للمفاخرة المُنقّحة ذاتيًّا، حتى يتخمّر دليل المعنى نشِطًا على ضفّتي الخيال والواقع بنفس الوقت، ففي هذه القصيدة نقرأ حيث تنتقل الشاعرة مِن هي إلى الأنا المباشرة، الموضّحة للقارىء والسامع وهي تكشف عن المطابقة، أنّ هواها هو مَن يؤذن إلى مشارقَ تتفاعلُ بها الدلالة إلى مُحصّناتٍ لا تَبسُط المعنى أكمله، لكنها تُفَعِّل اتصال الأعضاء الفنّيّة واللغويّة ببعضها البعض، مقارنة منقولة من فعل مضمار صبوة الشاعرة وحنينها، بمعنى "الأنوثة الطاغية" إلى المنادى له، والطاغية هنا لا تعني ممتنعة ظالمة، إنّما حصيل عاطفيّ، عذب المتعة، مَثار تدفّقه ومُتشبّب، أو نسيب خلق عفيف الإباحة، خذ وتلقّف هواي الذي تؤذن بالعواطف والمشاعر من فيه، أي أن لا تغمض عينيْكَ عن طلب المراد. وهي مناشدة بليغة الطلب دون الرجاء، وأمّا تكرار "هي" عبّرت عن جِناس يؤدّي إلى حوارِ لمعاتٍ اختلفت سياقاتُها، وتعدّدت مراميها، كوْنها المحور الذي يدور حوله المَبْغَى "الأنوثة" مِن مصبّات تلك المشاعر، فالروح المثاليّة في الحنين والصبوة تدعو للقبلة المتشوّقة التي راقصت أنوثتها.
إذن؛ مَن يُخصّب مَن؟ الأنوثة تُخصّب القبلة، أم العكس؟ في حين إذا ما أمعنّا النظرَ في القراءة بخبث شديد نجد السرّ في ثيمة: "راقصتُكِ"؛ المُحرّك الدلاليّ في نواة قيام المعنى على مدار دورته الأميبيّة، الباحثة عن تلاقحاتها، لماذا؟ لأنّها عملت على تفعيل الرغبةِ التي أوحى لها المُشتهى لذلك الهوى، وهذا نُسمّيه فلسفة الائتلاف العاطفيّ الأنانيّ، الذي يرومُ تفاعلَ معنى الأنوثة التي راقصت القبلة فتعالَ، كوْن مؤدّيات السطر الأوّل والثاني عبّرت عن ترابط فاعليّة الهُيام الرومانسيّ، باعتبار الأنوثة هي رجيع الامتثال لطاعة الذكر لشهوةٍ مموّلةٍ لغاياتها، وهنا يتمُّ استحضارُ الإثارة التي كانت قبل الاحساس بالشيء غائبة نسبيًّا، ثمّ بعد ذلك أخذت تتّصل اتصالاً حسّيًّا، بمفهوم واضح التجلّي، سواء جاء هذا الاتصال مِن تعال لأنوثتي، أو من العذاب الكامن في الروح المستغيثة بنداء "راقصتُكِ"، أو حتى من تصويب سريان "تعال" يوم تؤذن ساعة الفجر قدسيّتَها على مفارق الأنوثة، إذن كلّ هذه الأحاسيس مقرونةٌ أفعالها في ثوران القبلة لعلّه يستجيب، حيث أصبحت هي النبضة الفاعلة التي ينبثق منها التوليد العاطفيّ، ليدورَ الفعلُ فيها.
و"في رحابِ جنتكِ المترفةِ باعتكافكِ الأثيريّ"، واو المعيَّة دخلت على رحاب، أي المكان الرحب الواسع، فجانست الإشارة الدالّة على معنى "مع"، لهذا فالواو حطّت في موضع غير موضعها، فسُمّيت بالفضلة، لأنّ ما بعد "رحاب" تأتي "غزلتُ" المتجانسة فنيًّا ولغويًّا، المقتربة جدًّا من الإحاطة بالمعنى، فيكون البناء الأصحّ في هذه الصورة مموّلاً بكثافته الفنيّة على الشكل التالي: "في رحاب جنّتكِ المترفة/ غزلتُ ملامحَ أصدائِكِ"، وما تبقّى فهو زائد في موضع البُنية في الجملتيْن، لأنّنا نريد من اللفظة أن تلاقح اللفظة التي تليها إيقاعًا ومعنى، بدون كسرٍ أوخللٍ في انسياب المحاكاة الروحيّة للنصّ، ولأنّ الصورة الشعريّة حسّيّة، وجب على المعنى أن يكون معنويًّا، وما رأته الشاعرة أن يكون على النحو التالي:
وفي رحابِ جنتكِ المترفةِ باعتكافك الأثيري/ غزلتُ ملامحَ أصدائِكِ بحرائرِ الغواية
بمعنى؛ أنّ الواو التي أرادت لها الشاعرة أن تكون واو ملتقى النسق بين "وفي رحاب... "/  وبين "غزلتُ ملامحَ أصدائِكِ..."، نجدها مُفسِدة لأنّها فَضْلَة قد "سفطت" وعقّدت مسار البنية الإيقاعيّة مع الجملة التي تلتها، والسبب أنّ الشاعرة اتّخذت سير أنا الظليلة كما أشرت إليه سابقًا، بينما نجدها تخاطب الأنا المباشرة في الجملة التي تبدأ ب "غزلتُ، وهنا لم تستقم الكاريزما الفنّيّة، فلو قالت "غزلتِ"، لاستقام التعبير بجماليّة أدقّ، باعتبار أن يستمرّ النسق على ذات التوليف خوفًا من الاحتراز، فتقوم الجملتيْن متخذة من النَفَسْ الإيقاعيّ رشاقة النَّبْض بدون الواو، بتكثيف أغنى وأرقى على هذه الشاكلة: في رحابِ جنتكِ/ غزلتِ ملامح أصدائكِ.
وما تبقّى من الجملتيْن لم أجده ضروريًّا، هذا إذا اعتمدنا التكثيف لغة وفنًّا، لأنّ العكس يصبّ في صفحة المباشرة وعلنيّة الشرح، صحيح أن قصيدة النثر لا يُؤخذ عليها الإسهاب أو مدّ الجملة، لكن الأفضل في الشعر عامّة حتى النثر منه، أن تكون الجملة مكثّفة اللغة والمعنى، إذن ما تبقى من الجملة الثالثة نجده يُفقدها السلطنة التخيّليّة، وهي "جنّتك/ المترفة/ الأثيريّ"، كلام رومانسيّ بعيد عن البنية التوليفيّة وتلاقحها الضمنيّ للألفاظ المولّدة لبلاغة المعنى، الذي ابتدأته أو أرادته الشاعرة أن يتجلّى بخصوصيّة حكمة سرّ المعنى المُحصّن بقوّة الإيماء إليه، وهو الحفاظ على الإشارة أن تبقي على جلالة المعنى مرفقًا بعفويّته.
إذن كما قلت، اختيارُ الشاعرة للألفاظ المُولّدة يكمن في قوّة تُمكّنها من اللغة، فهي تُفضّل كما أرى تطريز ألفاظها النحويّة على طريقتها، كي تغرف ما سهُل توليده في صحّة السبك، وما حلت إثارته وصف رونقه. ومن منطلق هذا الوعي نقرأ في ثيمة "رحاب" ما تكشفه لنا عن معان عديدة، و "رحاب" القائمة في هذه الجملة الشعريّة: "في رحابِ جنّتكِ" تعني السهل أو الروض الممتدّ بجَمال معيّن، ورحاب تعني التمرحب بالقادم، أي القادم سواء كان شخصًا معيّنًا أو الحبّ أو الجنس أو العبث.
لكن عندما خصّصت الجنّة لهذا الرحاب أصبح معلومًا لنا التمنّي في المكان الذي هو الفردوس، ولذلك بيّنتُ فيما سبق ضعف ما تبقّى بعد رحاب، لأنّ الجنّة غواية سمجة لدخولها المتفق عليه من كلّ الأديان، التي سيّسَت الإنسان بالتطرّف السلبيّ، فلو بقينا بدون أديان لعشنا بسلام رحب.
إذن فثيمة "رحاب" هنا أدّت بمصبّها إلى جدول آخر هو "أصدائكِ"، وللتأكيد رغم هذا البناء ذات الرجع في المعاني، إلاّ أنّها غزلت الملامحَ في أصداء، وليس في كلّ التمني، أو ما تنشده للتمام في عيشها الفردوسيّ، الذي تبدؤُه مسيرة القبلة، ثمّ ينتهي الخطاب العاطفيّ بالاستطراد القريب من الاعتراض، المتمثّل في القسم الثاني من هذه الجملة: "بحرائرِ الغوايةِ"، فهي ابتدأت الجملة الشعريّة بالمُطلق، "غزلتُ" التي أدّت بالنهاية إلى النسبيّ في "الغواية"، وهنا تولّد الخلل الفلسفيّ في بناء الجملة الشعريّة، بين المطلق والنسبيّ في تركيب شعريّ تناقضيّ، فواحدة خارج نطاق التضادّ، وأخرى متفقة معه، وهذا يُفسد بنية الملاقحة بشكلها العامّ، لأنّ الشعر ليس تراكيب من مفردات جميلة أو معقّدة، إنّما الشعر لغة تجعل كلّ العلوم تدور حول نواته، كالفلسفة، والتأريخ، والحكمة، والبنيويّة وأحكامها، وأن لا يبقى محصورًا فقط في اللغة ومشتقّاتها.
أمّا المقارنة بين أنا المباشرة ورديفتها أنا غير المباشرة وقولها: "أيا ساحرة أشجاني" تخاطب شخصها ببعدها عن التناهي، وتحيط بها أو تصفها ب "هي" من الذات "أنا". وهنا اعتمدت الشاعرة خطاب التفويف "علم البديع" أي ما تنشده النفس من نداء اختصّ بكمال العزّة، لأنّها أضافتها إلى نفسها، فأقامت لنفسها وزنًا اكتسى المضاف الشرفيّ، باعتباره إيقاظ معنويّ، وهذا الاستخدام تُكثر منه الشاعرة الرضوانيّة في شعرها، وهو نوع من أنواع الطراز المتضمّن أسرارَ البلاغة.
إذن "أيا" الخطابيّة؛ المُلقّحة من مصبّات الجملة الشعريّة التي تليها فتقول: "أيا ساحرة أشجاني"/ "كيف تلاشيتُ قبلَ أن تندهَني ملائكةُ الروح". في الجملة الثانية كلام عاديّ لا يتّفق مع شاعريّة الرضوانيّة، لا بأس فهذا خطأ شائع عند أغلب الشعراء، حيث يتمكّن الخطاب الرومانسيّ من الشعريّة، لكنّها: أي الشاعرة، وعبر تهذيب معيّن تُدخل الرومانسيّة من بوّابة الفنتازيا المولّدة، ومع هذا فالرومانسية حاضرة عند كبريات الشاعرات وأكثرهنّ جودة وقدرة على قرظ الشعر في صحّة السبك ونظمه.
كم دارت بيَ السماءُ/ أيا ليلَ حلمي المنسي/ وفي عربةٍ من نار/ علَت بكِ طاقاتُ عمري نجومَ دوار
كيف تحطين بي على شفة أكذوبة؟/ آه كم موجعٌ ألاّ تكوني أنا
سبب تناولي لهذه الشاعرة بهذه السرعة، أي بعد لميعة عباس عمارة ونازك الملائكة، هو حصولي على بيّنات مصادر الإحاطة بشعرها، فقد وجدتها مخلصة لفنّها المُطعّم بثقافتها الهادئة الرزينة، تعتني به كما لو أنّها عناية الأم بابنها، فشِعرها له اتّصال بالحياة من كون طبائعه الثابتة، يُعبّر عن رسالتها المشرقة بالقبس الالهاميّ الإبداعيّ، فهي تؤمنُ به وتعتزّ بمقدار مقبوليّته لدى الآخر، ولا تفرضُ نفسَها كما هو الحال عند البعض اللآتي أعطيْن لأنفسهنّ صفة الشاعرة، حتى وإنّهنّ لا يعرفن ماذا تعني كلمة الشعر، فسقطن في صياغة التسفيط القبيح والمُملّ.
إنّنا أمام شاعرة وقفت موقفًا أدبيًّا يدلّ على نجاعة شخصيّتها الأدبيّة الواضحة، تعتني بعزّة النفس وشيمتها، ونتلمّس هذا الاتّزانَ ومشاربَهُ من خلال نجاعةِ نصوصها المؤثّرة في نفس القارئ، فقولُها الذي اعتلى ناصية الجودة في هذا البيت الممهور بالفصاحة: "كم دارت بيَ السماءُ"!
اُنظرْ إلى حلاوة هذا الخيال كم أثرى رقّة، وكم أغنى ببُعدِهِ التخيّليّ المعرفيّ قدرة الملاقحة على التواصل، فالسماء تدورُ مختصّة بالشاعرة في ليل حلمها المنسيّ، إذن تجتهدُ السماء وهي تعتلي عربة النار، تبحث عن حلم يزور الشاعرة في مهدها أو زمنها "السرمديّ"، كما سمّاه زياد بن أبيه* عبر مهاراته اللغويّة. والسؤال: "كيف؟" نبيهٌ للمُلمّات، الذي يُمثل في جوّانيّته قدرة تدميريّة إذا ما صاحب القوّة المنظمة للحياة العاطفيّة، التي تعالج القصد بنيّةٍ صافية، لذلك جاءت "كيف" تعاتب النفس للنفس، مُلمّحة بألمها من أثر وقوعه على العاطفة وتهشّمها، فهو رأي في سؤال يشحذ الهمّة أن تستيقظ من شرودها: "كيف تحطّين بي على شفة أكذوبة،" والمرارة هنا أنّ السائلة لذاتها تعرّضت للعبة الذكاء من الآخر، والمضمون النوعيّ هنا مطروح وعيه في حيرة التساؤل، لماذا؟
لأنّ هناك قوّة فوضى تثور في أعماق الوجدان، وبأثرِ هذا تشكّلت قوّتان متضادّتان في مضمون السؤال، إحداهما بيّنّاها، والآخرى هنا في هذا: "آه كم موجع ألاّ تكوني أنا"، تصعد قيمة الأنا فتبلغ السموّ في الندم على ما بلغه الماضي، ممّا صعُب على النفس، لأنّها تعاتب محاسنَ نفسها فتقول: "كم موجع"، ترى هل علاقة الماضي بلغت مصافّ السيّئات لهذا الحدّ؟
هل كان ذلك العاشق شكلاً غيبيًّا يستحوذ على عواطفها دونما أيّ إنذار، فهو الذي يعقد العشق وهو الذي يفكّ رباطه؟ دعونا نُماثل هكذا قول مَن قاله بعض الشعراء: لَئنْ كانَ باقي عيشنا مثل ما مضى/ فَللحُب إن لم يُدْخل النارَ أروَحُ.
والمطابقة حذرة جدًّا، خاصّة وأنّ الواعز في المعاني هنا يشير إشارة واضحة إلى الثنائيّة الضدّيّة المستوحاة في النصّيْن، بين الأنوية "تكوني" وعدمها، أي بين ما لم يتساوَ بين المفرد "أنا" عند الشاعرة، وبين الجمع عند الشاعر "عيشنا" للتكريم، في رحاب النصّيْن، مع أنّي ساويتُهما على مبدأ تطبيق مفهوم سلامة العاقبة عمّا يشوبها، ومعالجة أثر إيلامها على النفس، أي أن لا تكون العاقبة وخيمة، فالإنسان في كثير من حالاته خؤون عنيد، وهذا ما أرادت الشاعرة عبر كمال شاعريّتها به أن تعتمر.
أَيّتُها الميلادُ المضيءُ بجنوني/ أفعِمِيني بمجامرِ جمالكِ/ كي لا أؤولَ إلى رَمَاد
فجأة تنتقل الشاعرة وفي ملاقحة منقسمة بالاضافة إلى المقطع السابق، المُنسَّق بمجريات مستقى معانيه، الحاصل في متابعة سُلّمها البنائيّ، وما جرّ ذلك المقطع من التزوّد بالحزن المنتج للعتاب، وكأنّ المُلمّات التي أصابتها من أثر الفعل العاطفيّ، جعلها تندب حظها العاثر من أثر تلك العلاقة، لكنّها عادت تغرفُ المديحَ لنفسها من وحي إشاراتِهِ العاطفيّة، وكأنّها غير معنيّة بتضادّ الواقع، وحقيقة الفعل الذي جعله بحال المنتصر الشامت، وبتقديري فهذا ترويض للنفس للحيلولة دون انهيارها التامّ، لذا نجدها عمدت إلى ترويض مشاعرها نحوها في قولها: " أيّتها الميلادُ المضيءُ بجنوني". أيّتها = هي.
هي التي تبسط تلك الإضاءة الحاصلة في الروح، "الميلاد المضيء بجنوني"، جملة محصّلة لتوليف الخيال الميتافيزيقي الذي هو وليد التخيّل العاطفيّ، إلاّ أنّ العيب الحاصل في البنية الفنّيّة أرهق معالجة التكثيف بسبب زحاف لفظة "الميلاد"، ولذلك اضطرب المعنى وعام، فلو قالت: أيّتُهَا المضاءة في جنوني، لاستقرّ النحو أجمل بالكثافة والتجانس في بلاغته، لأنّ ثيمة "الميلاد" جعلت من جنونها مضاءً بتلك الولادة، الموسومة ب "أيّتها"، أي الخطاب المباشر، فهي تخاطب ذاتها، أمّا البليغ في هذا المعنى فحكمة المعنى تكمن في الجنون، ووجود ثيمة "الميلاد" في هذا الموضع، يعني أن تلك الحكمة ولدت من تلك الحاصلة وليس العكس، وهذا مصدر القلق في البناء الشعريّ، فالصورة منذ أن حطّت الخطابة في مبتدئِها "أيّتها"، جانست التوشيح المقرون بثيمة "الميلاد"، فاعترضت الترشيق الذي كان يُلابس المعنى في سهولة سريان خلجات الصورة الشعريّة، ومع هذا فالشاعرة لم تسفسف لغتها، إنّما أحدثت خللاً بوضع كلمة "الميلاد" في غير موضعها، حيث نجدها لم تتّفق تمامًا مع المبصر في التوليف بقولها:
كيفَ تحطينَ بي/ على شفةِ أُكذوبة؟
أمّا المختلف في التفضيل بين الإسهاب في النثر وبين التكثيف، مردّه أن تكون الجملة الشعريّة أو الصورة الشعريّة أشبه بنتاج عصير الفاكهة، فيكون اللفظ حسن الديباجة نقيًّا مقبولاً، والمعاني مهذّبة مستقرّة وموصولة بطعمها، حتى يتمّ مصاهرة المعنى بالمعنى، لذا يفترض على الشاعر أو الشاعرة أن يلتزما بمسار التفاعل الكيفيّ، بين الشعور وبين شفافية السمع ليكون الشعر: أوسع أثرًا، وأقرب مأخذًا، لا أن يعوم في الإسهاب والحشو الكلامي، فيصير عنًّا وطنينًا لا لزوم له. بمعنى؛ يجب أن نحرص ببلاغة العارف، على أن لا يكون خلاف في حوار التساقي بين المضمون والشكل، لذلك اتّخذنا من بساط "أيّتها" الخطابيّة، أن تؤدّي تأويلها الدلاليّ، ليكون المُحرّك الذي تساوت فيه قيمة المضاء في الجنون بدلاً من الميلاد الشرحيّة، مع الاستجادة لِما يطلبه المعنى من تحوّلات في الاختلاف، ومن ثمّ العودة إلى النواة التي تحرّك المعاني وتحتذي بحركتها الإيقاعيّة، لأنّ ثيمة "المضيء" أسهمت بتذليل التشنّج الحاصل بما تعاطى به الحوار الداخليّ، الذي كان يضيق به الهذر الزائد، لأنّ الشعر أفضله أبلغه، وفي ذلك ما قاله البحتري: والشعر لمحٌ تكفي إشَارَتُهُ/ وَلَيْسَ بالهَذْر طُوّلَتْ خُطَبُهْ
نقرأ في هذ البيت الشعريّ التعليميّ، الجناس، كيف أصاب براعة المعنى، وطلاوة مجرى التلميح أن لا يخرج عن المقام والكمال، في بلوغ الغاية مصبّها الجماليّ، فقد أوجد لنا مخرجًا طيّعًا، وذلك بانسجام اللغة مع إدراك الغرض، فالإحالة الفنّيّة التي لا تبلغ الهذر الزائد، تستحسن القول لنفسها، فيكون النظم وافرًا مُبشّرًا للثقة بالنفس، نقرأ في هذا الصعود الرومانسيّ الخالي من التكلف قولها: هَا تَصَوُّفي في أَشُدّهِ
 وهذا ما تصنعه البلاغة، وكأنّه حالة الزهو القائمة تطوف كالوحي حولها، حين كانت هي ثورته العاطفيّة، وجنونه المستحيل، وبعد الغدر والخيانة صار هو جنونها السرمديّ، فالفقرة السابقة كانت مبنيّةٌ على الشكوى، أمّا في الثانية مبنيّة على تداعي العاطفة، أن لا يُرَدُّ مجراها من سريان تتميم المشاعر، لأنّ التصوّف أصبح في أَشدّه، فهي مختلفة، لا تريد أن تكون كالأخريات محطّة وتنتهي، فالمُخاطِب والمُخاطَبْ إليه هو الذات نفسها في قولها: "أفعِميني بمجامر جَمالِك"، والمجامر= المواقد، في دول شمال أفريقيا كالمغرب وتونس والجزائر وليبيا يُسمّون الموقد "مجمرة"، ومجامر جمع مجمرة، وتُسمّى في الشرق الأوسط بالمنقلة الحيّز المعدني، أو حفرة في الأرض يوضع فيها الحطب ليكون جمرًا.
إذن جاءت ثيمة مجامر استعارة ذكيّة ذات دلالة مُنشّطة، لأن يكون الجسدُ مجمرةً لاهبة، والغاية هي بلوغ سريان الشهوة الحارقة في التصاعد العاطفيّ، لكي لا يؤولُ الجسد إلى رماد، بمعنى أن تبقى المشاعر مُتّقدة، وأن لا تكون المشاعر كالضوء الآفل، وينتهي بها الأمر رمادًا ينام في موقد بارد.
نقول أنّ الشاعرة آمال أحسنت ابتداءات الشعر، حيث يتواصل المعيار المتساوي للمعنى السابق في اتّجاهات النصّ من فيه، إلى حيث تكون الصورة السابقة غير زائدة عمّا سبقتها من شاعريّة تتدفّق من جوّانيّة المعنى بحُرّيّة، إذن الجملة الشعريّة: "كي لا أؤول إلى رماد" في هذا المكان أشارت الشاعرة إلى "الأنا" المباشرة في أنوية المخاطب، "أؤُولَ" وهذا يدفعها أكثر للتأثر بمستقيات أنوثتها كنقيع "الشلب" في الماء يزداد خصوبة وبلاغة، فيُسمَع لعود المعنى زفيرًا من أعماقه، فالمعنى هنا كما تراه، ظاهرُهُ تُقاربه في صيحاته العاطفيّة، إلى بلوغ الغاية في الاختصار، حيث تجدنا نتلمّس هذا في توظيف المعنى من سياق اختصار الجملة الشعريّة، وفي بُعده تؤتي الشاعرة بقياسات الجناس، والجناس باب من أبواب البديع كما أشار إليه الآمدي، إذ نجدها أحاطت في البُعد والقرب، في الأعلى والأسفل ذاتيّتها، تارة تروم بمشاعرها إلى كيان موسيقيّ تتصاعد ألحانه بإحساساتها حتى تشدوها، خاصّة وأنّ الشاعرة تتصاهر فنّيًّا بين الشعر والعزف على الآلات الموسيقيّة ومنها "الكمان"، بينما نجدها في ألق آخر تهبط موجَعة، لكنّها لا تبلغ الهزيمة، وفي مكان آخر تمتدّ مثل القصب بعود شاعريّتها الرشيقة من حنايا ثقتها بنفسها، وتارة ثالثة نجدها ملتمّة حول نفسها كشرنقة تخافُ اللّمس.
ومِن أحسن ما أتى في قولها، وكأنّها تُناجي قول الشاعر علي بن عباس بن جُريج الروميّ: كهواءٍ بلا هَبَاء مشُوب/ بضياء أرق بذاك وأوصف.
 وفي قصيدة أخرى معنونة: "ملك الثلج أنا"، نجدها تتحوّل في كتلة خالية من الزمن إلى فعل اللاّزمن، وكأنّها تعالج الشرط المُؤوّل فعله، بالشرط الكائن في الزمن اللاّواقعيّ، وحالها تخاطب المعنى بالإضافة الإشكاليّة، أي بتأثير مصدر الفعل المشروط وقوعه على المعنى المتوقع صيرورته، في مساحة التوقع الغيبيّ، كوْنه خاليًا من المنظور الجدليّ في بيانه المصطلي بخاصّيّة الواقع، ومن أجل أن تنصبّ نيّاتُ الشاعرة في جدول المشاعريّة القصوى، نجدُها قد تخلّت عن الإعجاب بشخصها، حين كانت تحرص عليها بوقارٍ شديد التحصين، فغابت معاني الابتسامة عن صورتها، تلك التي كانت تُعبّر عن صيرورات تعبيريّة مُحيّرة في لوحاتها الشعريّة.
فالشاعرة أرادت أن لا تكون المعالِجة، تخضع لمشيئة الطباق في تجنيسٍ عائمٍ لا يؤدّي إلى بلاغة مفهومة في مواضع المعاني، بل أن تصطحب شموليّتها التهذيبيّة، مُعالِجة الإيقاع بنظام غير مضطربٍ، وهنا يأخذنا إدغار آلان بو إلى أن، "الذين يملكون نوايا تتلمّس العاطفيّة المشذّبة، أو اعتقادات عالية جدّا خاصّة بأنفسهم، أو يصنعون خططا تتّسم بالمبالغة، تتناسب مع كفاءاتهم تلك تحمل موازنة رديئة."
وشاعرتنا نجدها تحلم، ولكن ليس على طريق الشاعرة المراهقة، بل هي توظّف إحساساتها بخصوبةٍ تُناجيها هي، وقولها في هذه القصيدة يأخذنا شيئًا فشيئًا إلى هذا التصوّر:
بسقفِ سمائِكِ المُتحجّرة/ وحين توضّأت بطهرِكِ/ هجع كوني المُعلّق بين غيمتيْن/ يُشاكس شخير ظلّ مُحال/ كم تأبّطتُ مظلة "حياتي"/ وعلى شفا ولائِكِ ولّيْتُني.
نأخذ هذا المقطع الذي يبتدئ قصيدتها: "مَلِكُ الثلجِ أنا"، ونحاول في هذا السياق من دراستنا أن نفكّك ألغاز هذه الحكاية المُسوّرة بالرموز والاستعارات، التي يصعب على القارئ فهمها، ممّن لا يملك الإلمام الثقافيّ الواسع في هذا المضمون، ربّما هو السياق العامّ الذي تعتمده الشاعرة، أن تحرص على أن تجعل من القدرة الاستقباليّة مُحصّنة بمعانٍ قد تكون قُفِلتْ بمفاتيح خاصّة، تنسجم خلوتها الأحاديّة مع خصوصيّة التفسير، والعبور به إلى محاسن تبدو بعيدة التلقي.
يقول أفلاطون: "لا قيمة للشعر إلاّ إذا كان صادرًا عن عاطفة مشبوبة، وإلهام يعتري الشاعر فيما يشبه النشوة الصوفيّة.*"  لكن مع كلّ هذا التدثير للمعاني لا وجود تقني يهدّد سلم القصيدة وقدرتها التنقيحيّة من لحظة المذاق الأوّل الذي نتصفّح به شاعريّتها، صعودًا إلى المؤثّرات الوجدانيّة القصوى في البواعث والغايات، فالشاعرة تشتغل على تطريز دقيق في مَعملها الشعريّ، حيث لا وجود للفوضويّة البنائيّة، أو العشوائيّة في الألفاظ إلاّ قليلاً، فهي حريصة على الالتزام بالنسق وفنيّة البناء، الذي اشتغلت على بنيته التكنيكة سوزان برنار، المأخوذ بدلاً عن "تقنيّات الوحدة الفنيّة"، كما هو الحال مع نازك الملائكة التي اشتغلت على مصطلح "التبديل" من البيت الشعريّ "الصدر والعجز"، إلى السطر الشعريّ "الشعر الحُرّ"، لكن الرضوانيّة بعلمٍ منها أو بدون علم، تُسبّب ضررًا لرؤية واستقبال المتلقّي لقصيدتها، بسبب احتباس المعنى وتلوَّم الألفاظ لذاتها، وفي الوقت ذاته تؤمن الشاعرة بأنّ الجودة الإبداعيّة هي نقيع مهارات بنيت من إشعاعات فطريّة ميتافيزيقية حدسيّة، مُنتجة للصورة التلقائيّة، فيكون الشعر تعلو موسيقاه بالخيال والعاطفة الحسّيّة المترفة.
يقول د. شاكر عبدالحميد في معرض لقاءاته الأدبيّة: "الإبداع لا بد له من إعداد جيّد، وجهد عنيف في التدريب، واكتساب المهارات اللازمة كي يصير المرء قادرًا على بلورة أفكاره، وتشكيلها وتحقيقها في مجال معين".
وكلام الدكتور عبدالحميد إبانة للتوضيح والتسهيل، فلو أخذنا أمثلة تدعم تصوّرنا فيما نذهب إليه، على أنّ الخصوبة الشعريّة وليدة إبداع عفويّ فطريّ، يُنتج في لحظته الأولى شعرًا، ولي أن أبسط أسماء بعض الشاعرات، وأعترف بشاعريّتهنّ اللاتي سيدخلن كتابي هذا من بوّابة جماليّة الاحتراف ومنهن: بلقيس حميد، فاطمة ناعوت، إيمان محمّد، هالة مراد، جوزية حلو، لمياء الآلوسي، سوزان عليوان، إذن فالتسهيل الذي نقصده، إنّما هو تطريز الجملة الشعريّة بمعانٍ بليغة الوضوح كقول الشاعر أبي نوّاس: فَثوبي مثلُ شعري مثل نحري/ بياضٌ في بياضٍ في بياضِ
ربّما تعلم الشاعرة آمال عوّاد رضوان أو لا تعلم، أنّ التقطيع الأسلوبيّ في قصيدة النثر هو المُنتج الإبداعي للصور المادّيّة، يعني تتابع سهولة التوصيل عند القراءة، سواء كان في التفاعل أو البرود أو التصاعد، المفترض أن يتفق مع استثمار النصّ، لأنّ الشعر يجب أن يطلق توازن الوعي في نقاء البنية الفنيّة، لا من الخيال "الفنتازيا" وحسب، وإنّما صناعة الصورة الحسّيّة بالاشياء التي نتلقفها ونتفاعل معها، من حيث جودتها ونواياها وتعبيرها، بما يُحسّ به المتلقّي من تصادم عاطفيّ بالمعاني، بمعنى أن لا نُجرّد التقطيع التصويريّ من وعيه الحسّيّ المادّيّ، فتكون القراءة أشبه بطنين يُثقل السمع، وما أرى ذلك بنافع في النثر، خاصّة وأنّ قصيدة النثر حمّالة ثقلها، إذا لم يسعفها الشاعر بحُسن وتريّات العود الخفيف، أي مُباهجة المعنى بنفيس التأمّل.
يقول ابن بشر الآمدي "لن ينتفعَ بالنظر إلاّ مَن يُحسن أن يتأمل، ومن إذا تأمّل علم، ومن إذا علم أنْصَف.*" والمقصود بكلمة "النّظر" تعني التأمّل العميق، فالفيلسوف عميق الحكمة كما يرى أرسطو، والشاعر بليغ النظم كما يرى شكسبير، والفارس شديد العزم كما يراه عنتر.
قرأت لشاعر في بيروت في منتصف الثمانينات، وهو عراقي ينشر قصيدة في مجلة "إلى الأمام"/ فلسطينيّة، يقول فيها: "القطة تطير من الشباك"/ أضاجع قطتي/ تشاركني قطتي كأسي" يمكن أن نسمّي هذا "الشعر" بشعر القطة! وبعد هذا كلّه فالشعر هنا خال من الذكاء، مضطرب النبض، سقيم الطبع ومتعب، ولكي نتوسّط الحلولَ بين ما كان قد قاله ذلك الشاعر، وما بان في شرحنا عن الوعي، نتلمّس الفارق فيما نريد أن نضعه في النظريّة النقديّة حول ذكاء الصورة الشعريّة عند الرضوانيّة، وعدمه عند ذلك الشاعر الموهوب بالقطة، نقولُ أنّ قصيدة: "مَلِكُ الثلجِ أنا" متوسّطة في النداء المُحاكي الصادر من الروح، وهي تسجّل الواقعة من حيث تجلّيات الشكوى عن طبيعتها، هكذا:
بِسَقْفِ سَمَائِكِ المُتَحَجِّرَةِ/ وَحِينَ تَوَضَّأْتُ بِطُهْرِك/ هَجَعَ كَوْنِي الْمُعَلَّقُ بَيْنَ غَيْمَتَيْنِ/ يُشَاكِسُ شَخِيرَ ظِلِّ مُحَالٍ!/ كم تَأَبَّطْتُ مِظَلَّةَ "حَيَاتِي"/ وَعَلَى شفَا وَلاَئِكِ وَلَّيْتُنِي!
 إذن هو الحذر من علاقة سابقة مصدومة بها الشاعرة، ربّما كانت هذه السماء ماطرة بالألق والعشق والجَمال والخير الخ، من هيام في العشق الذي كانت الشاعرة تستكين في ظلّه، لكن اليوم أصبحت السماء مُلبّدة بغيوم لا تُدِرُّ ولا تنفع، والدليل هي متحجّرة! متى حدث هذا الانقلاب في العلاقة أو في المشاعر؟ فهي لم تَرَ نفسها صالحة لعلاقة كهذه التي أصبحت كونيّتها معلقة بين غيمتيْن عاصيتيْن على أمل مطر المعنى الخالد من قدسيّة الغيوم. ولكن الحال تنقّل بها من ارتفاع في مقدار الحبّ حيث بلغ العلا، إلى أن أصبح الحب ينام في الثلج، بمعنى الحبّ الذي جمُد وانتهى، والغريب أنّ حتى والعلاقة صبّت في خزان الثلج، لكن الأمل بقي واردًا في هذا: "غَيْهَمُ ليلي تكحّلَ بإبائِكِ الوضّاء". نقرأ الجملة الشعريّة هنا مُركبة في مطابقتها وجناسها بين "الغَيْهَمُ" أي ظلمة الليل، وبين: "إبائكِ الوضّاءِ"، إذن فالشاعرة حصّنت العبارة بهذه الجملة من بلوغ الفشل، فأصبح "الغيْهم" أو الظلام مضاءًا بإبائها، والإباء هنا يعني عزّة النفس، وقوّة الشكيمة، وبُعد النظر. وهذا ما كنّا نقصده بالذكاء المموّل لنشاط محاكاة المعنى، المُنسَحِب في قدرته على التنبيه التقنيّ، فالتضادّ في المحاكاة في الصورة الأولى والثانية واضح في الإيضاح الأسلوبيّ، لأنّه لا يمكن استبدال صورة قويّة بصورة أقلّ حضورًا، ولهذا نؤكّد على متابعة المعنى لصعودٍ أكثرَ قابليّة لتوليد معنى أكثر حضورًا، من وعي ترابط المستعار الدلاليّ المُوظّف القيميّ، للغرض من النظم الفنيّ الشعريّ، حتى يندرج النص تحت تقنيّةٍ تنطوي على سيولةِ مشاعريّة التوصيل، فالعتابُ حاضرٌ في حال جاء طرح هذا السؤال: بماذا اخطأت؟ فالشاعرة عبر ثقافتها البيّنة واعية في جاهزيّتها بالردّ على إشارة بالمحاججة، لأن تضع المعنى على المحكّ في قولها: كم تأبّطتُ مظلة حياتي/ وعلى شِفا ولائِكِ ولّيتني
مع أنّ صيغة "تأبّطت مظلة" نكرة، لأنّ المظلّة لا تتأبّط، أوّلاً كونها استعارت غير المقصود بها بلاغيًّا، فلو اختارت الشاعرة لفظة غير المظلّة، لكان الأمر أسهل وأدقّ معنى، وأمّا ثانيًا، كوْن رباط المظلة مع الإنسان يأخذ وقت الحاجة فقط، يقول الشاعر سعدي يوسف: "المدخل الاستعاريّ التقليديّ في النصّ مدخل خاطئ"* فالاستعارة هنا مفتقرة إلى ذاتها وصفاتها، لأنّها في غاية البُعد المعنويّ عن المعنى، فالعتاب في "تأبّطت" جاء منافيًا للمعنى في الجملة التي تليها: "وعلى شفا ولائِكِ ولّيْتُني"، بمعنى؛ أنّه ولاّها على ولائِه، فهل بعدُ هذا أكثر؟! إذن الخطأ الحاصل في الجملة "تأبطت"، هو مَن ولّدت ثقافاتُه أو إبداعه منها "التأثر"، بينما في الجملة "ولائك" تعترف إنّه ولاّها، حين كان نداؤُها مختصًّا بـ "تأبّطت" وهي صيغة عتاب، والإشارة لم تُقِمْ له وزنًا، في حين أقام هو لها وزنًا فولاّها على منبر ولائِه.
صورتان متناقضتان في المعنى والتوليف، لأنّ الجملة الثانية مضافة إلى الأولى، والمضاف يكتسي من المضاف إليه انسجامًا وتخصيصًا وتوصيلاً، وحتّى لا يكون الشعر مُبهَمًا ومُعقّدًا وغيرَ معروف، وهذا لا نريد منه أن يوقعنا في فخ أداة " لو" أو "كما". صحيحٌ أنّنا ابتعدنا بمركب الحداثة وحمولتهِ المُجدّدة للأدب عن المدرسة الواقعيّة، أو عن الأدب الواقعيّ، لكنّنا يُفترض بنا أيضًا أن لا نرومَ الإبهامَ والصور المعقّدة، فنوقع ألفاظَنا بالمعاضلة ونشاز الاستطراد، فتكونُ الألفاظ تبني وصفًا عارضًا في الندرة للمعنى، ومثله بقول الشاعر أوْس بن حجر: "وذاتِ هدمٍ عَارٍ نواشِرُها/ تُصمِتُ بالماءِ تَوْلبًا جدعًا"
 إذن؛ على الشاعرة أن تختار التلاقحَ العضويّ لإيقاظ المعاني، كي تأتي صافية بتعاطيها مع المتلقّي، واضحة المَخرج،  تأخذ الشاعريّة إلى فصيح ساحل مبتغاها. في حين نجدها في مقطع آخر تستدعي المُقدّس "العذراء"، أن لا تكون مرشدة لأخطاء قد حدثت، أو تصلح من شأن كان قد اتّخذ موقفًا صارمًا اتجاهه، ينتهي إلى التخليص ويبقى عالقًا بالذكرى، مستفيدة من تجربة تُعبّر عنها باستنطاق الذات، لأنّها تستدرك قرارها المتمثّل بالذم والعتاب القاسي، ومن هذا الاستدعاء قولها:
أيا عذراءَ فتنتي/ بِخُطى رضاك تمسحين خطيئتي/ تردمينَ هوّةَ غطرسةِ زمنٍ/ تقمّط بتلافيف ملكوتِ نأيِكِ/ لطااااااااالما هدهدَ انطفائي المُرتقَب!
حاصلهُ أن تأخذَ الاستعارة "العذراء" وتلاقحها بفتنة الشاعرة فتكون هيبتُها مقدّسة، لأنّ الجملة الأولى "أيا عذراءَ فتنتي" اقترنت بالدائرة التي تُنتج الحياة في الجملة الشعريّة الثانية، الموسومة ب "رضاكِ" المُحرّك الدلاليّ لبلوغ التمنّي، وهو توظيف دقيق ومفيد للاستعارة المولّدة، فتكون الأنا الفاتنة هي الرديف المُساوي لمعانيها، أي الناطق الموصول من قدسيّة العذراء، حيث لا تلكُّؤٌ ولا مُعاضلة، بل تفويف كونه يدلّ على معنى آخرَ بقرينه، أو هو مشتقًّا منه، حيث تتساوى قيمة الألفاظ بمعانيها.
أمّا في السطر الثاني فتكون المعالجة ذاتيّة، والندم حاصل لأنّه عليك أن ترضَيْ بما حصلَ حتى تعودي، لأنّ الانفصال أصبح خطيئة، ففي العودة تردمين هوّةَ الغطرسة، والمعنى حاصل في السطر الأوّل، فهي من جهة تُبيّن قدسيّة فتنتها، وإثارة العاطفة إثارة قد تكون غير مألوفة في طبيعتها، لماذا؟ لأنّها تلقّطت صفات دالّة على محاسن تدّعيها هي، وهي من جهة أخرى تتراجع وتهاجم خطيئتها بوازع التناغم مع انطفائها المرتقب، بقولها: لطالما هدهدَ انطفائي المرتقب.
 أما "طاااااااااالما" فخضعت لتقطيع ندائي يخضع للحداثة الميكانيكيّة "الماسنجريّة"، فأكثرت من "ا" الإشارة النابضة في كلمة "طالما"، وهو تشويه للبنية الشعريّة حين يمدّ الحرف، وخاصّة حروف النداء! لأنّه على الشاعر أن يقود القارئ إلى وضوح نصوصه، من حيث قوّة الصياغة وبلاغة المعنى لكي يَكسب تفاعله، هذا ما يؤدّي إلى تحريك مصبّات الانفعال العاطفيّ بما عاينتهُ الشاعرة وزاوَلتهُ، لكي تنسج استدارة بريقُ ألفاظٍ حسنٌ إشراقها، تُحرّك عاطفة المتلقي من حيث فنيّتها الشعرية، حتى لا يكون النثر الشعريّ نثرًا علميًّا صناعيًّا، فنفقد الانفعال العاطفيّ بكلّ تجلّياته، سواء أكان في الخيال، أو مائيّة الصورة، أو التأثر المعنويّ.
في قصيدة أخرى، نجد الشاعرة قد أخذت بثقافتها المتناغمة مع الثقافة الأوروبيّة، بالابتعاد عن العادات والتقاليد والخضوع لحياة تكون قد أُجبرت عليها، من هذا أو من ذاك، فأسلمت روحها للحبّ بالتحدّي، ففي قصيدتها المُعنونة: "مَرّغُوا نَهْدَيَّ بعطرهِ الأزرق"، قليلٌ من الأيروسية المحصّنة، تُساوي الكثير من الأدب الغجري المكشوف، المقترن بفِعل الأمر الجمعيّ في "مَرّغُوا"، أي هُم مَن "مرّغوا"، وبها تكشف عن لغة تجاوز اللاّمبالاة، لأنّها تُخاطبُ الجمع وليس الشخص، وبهذا أصبحت الحالة عامّة، وحالُ لسان العنوان يقول: حتى وإن أخذتموني أسيرة له، وبأيديكم مرغتم نهديَّ بعطره الأزرق فهو المنى.
مِن الممتع أن نتذكّر كيف وظّف أينشتاين مفاهيم "صورة ذاكرة"، باعتبارها عنصرًا مُسيِّرًا للإدراكات النوعيّة، وكأنّه جرّاحٌ يبضع النظريّة في عملية فسيولوجيّةٍ تعالج الخيالات الحسّيّة، فتُكسبُها صحّة وعافية، حيث تبدأ تعاقب الصور في تنظيم بعضها البعض كخلايا الجسد، وهي قادرة على القيام بفعلٍ معيّن أو رغبة معيّنة، تقوم بفعلها وأدائِها المباشر، كذلك تحدّث "كانط" عن ملامسة تفكير أينشتاين حول مقاربة العقل بالخيال الإبداعيّ، المرتبطة بالأداء بين الإدراك الداخليّ للعقل، وبين البصيرة التي تكشف عن رؤية الخلق الخارجيّ، كصُورٍ مُستخلَصةٍ من الموضوعات التي نراها أو نتساوى معها، وخاصّة تلك التي تختصّ بالمُثيرات العاطفيّة، ففي هذه القصيدة نقرأ التمنّي والرغبة والاستسلام والبوح الصادق، لأنّ الحديث مع النفس. على عنان بشرى جائعةٍ/ تماوجتَ/ وبليل لائل اقتفيتَ فيضَ ظلّي المُبلّل/ بضوضاءِ أصفادي/ أرخيتَ مناديلَ عتبٍ مطرّزٍ بتعبٍ/ تستدرجُ بِشْرِيَ المستحيل/ وفي تمام امتثالي المتمرّد تورّدتَ
 نجد في شعر آمال عوّاد رضوان المفردة القاموسيّة تبرز بامتياز، تُثير الغموض فنّيًّا، وتُصَعّبُ على القارئ تجاوب شفافيّة التشكيل اللغويّ، وتُؤثّر سلبًا على المنبع الشعوريّ المفترض أن يُغذّي النفس بحلاوة نظمه. والقصد، أن لا تكون الألفاظ قاموسيّة فتكون مستكرَهة مثل: لائل/ غَيْهَمُ/ إبائِكِ، والكثير منها على هذه الشاكلة.
أمّا لفظة "عَنَان" وجمْعُها أعِنَّة وتعني الانقياد، نجد موقعَها صحيحًا لا يمنعُ سريان المعنى على سفح بلوغ الشعر، فهي تحاول جاهدة أن ترومَ تصاعدَ شاعريّتها نحو توليف المختصر النوعيّ، على متن الضوء المُلبّي للبُشرى الجائعة، فعنان تطلق لفنيّة التأوّل مساحة يتحرّك بها تماوج اللفظة في تعليل الشيء ومبتغاه، حيث نجدها قد تَقَلَبَ بها الحال، فأصبحت تحت سلطان الجوع العاطفيّ، تُلقّن نفسها الصبر تارة، وتارة تتمرّد وتعصي على الألم، أمّا ما تأخذنا إليه الشاعرة في الصورة الثانية من هذه القصيدة، نجدها تتابع شحنها للمشاعر الموقدة من فيض صبابة ثورتها، التي لا تغيب الشمس عن عواطفها، الموقدة دومًا على صفحات قاموسها العاطفيّ، فماذا نقرأ في هذه الصورة: بليلٍ لائل اقتفيتَ فيض ظلي المبلل
نقول في هذه الجملة الشعريّة ميل الدلالة على الإطناب، فوصفها للظلّ المبلّل وهي تقتفي أثره في ليلها اللائل، والقصد المعمول به في كالح الليل، أي بليل مظلم للغاية اقتفت، ومظلم لفظة لها معان متعدّدة أكثر من لائل، وأسهل فليس فيها الشاذ والثقيل والمبهَم إلى غير ذلك، "فقولنا الخمر أفضل من قولنا "زرجون" وقولنا الأسد أفضل من قولنا غضنفر، وغضنفر أفضل من قولنا فدوكس"، وقولنا السكّين أفضل من قولنا مِدية، لأنّ السهولة في الألفاظ لا تعني الشاعر الجاهل، والمفردة القاموسيّة لا تعني الشاعر المطّلع أو المثقف، أو الشاعر العظيم، بل العكس من ذلك، فالشاعر يُعابُ عليه إذا جعل من الشعر صنعة كما يفعل الكثير من شعراء المواقع الإلكترونيّة، وهذا نسمّيه الإفراط في التأليف، حتّى يُثبت هذا الشاعر أو تلك الشاعرة وجودهما اليوميّ على النتّ.
كان الشاعر بلند الحيدري يدلّنا في كلّ محاضراته، وهو يعالج الأحوال المتباينة في محاسن قيمة المبدع لنفسه، أن لا يكون مبذولاً على كلّ الصفحات اليوميّة، حينها لا يجد له لفظًا حسنًا، ولا قارئًا متشوّقًا، وأن لا يجد معنى بليغًا بل معنىً وحشيًّا، فيسقط في سوء الاختيار، ويبتعد عن الجديد المثير فيما يكتب، أمّا ولأنّ لفظة "لائل" كونها غير متداولة، تكون غير مفهومة وغير مستساغة، فتقلّ قيمتها وتُهمل غايتها، ومع هذا اللفظ غير المتعارف عليه في "لائل"، إلاّ أنّها تجانست بحميميّة مع السياق العام، الذي قادها إلى أن تقتفي فيضَ ظلّها المُبلّل، صورة تحتمل تفكيكًا مختلفًا، خاصّة بعد أن عرفنا المسار العامّ في طبيعة الإفهام الدلاليّ، الذي يبوح للعاطفة قوّة سريان مشاعرها نحو الآخر "الحبيب".
وكما قلت سابقًا، أنّ الشاعرة حذرة جدًّا في استخدام الإثارة الجنسيّة، فتميل إلى خفيفها غير المكشوف، وقد أسميْتُ هذا الاتّجاه بالإثارة المُحصّنة، أمّا الحاصل في استخدام ثيمة "فَيْضَ"، فالفيض هو الاخصاب والنموّ، فيض الولادة، وفيض العلاقة الجنسيّة، وفيض الينبوع من أرض مولّدة، نقول فاض النهر، فاض المطر أي اتّسعت البَركة، أو فاض المال بيد فلان، وفاضت الأرض بالخير فكثر المحصول، وفاض حُسنُها دلالاً، وفاض الشعر من خيال المبدع فأحسن القوْل، ففيْضٌ لفظة بليغة حسنة، تفيضُ معانيها ودلالاتها الفصيحة بنشوة ذات مسارات متعدّدة القيمة، حيث يتّسع مرامها، وتتعدّد رموزها، فتخلق متّسعًا مِن الجَمال ينمو في دواخلها. ففي هذه الصورة الشعريّة تتصاعد خلجات الذات بسموّها إلى أعلى غايات العاطفة، لماذا هذا كلّه؟  لأنّها اقتفت فيضَ ظلّها المُبلّل. إذن؛ حتّى وهي تقتفي هذا الفيض، تقتفيه في الظلّ وليس في العلن أو تحت الضوء، هي السرّيّة إذن، أو الستر من فاجعة الأقاويل، فهي تريد أن تنتشر روحها في الغرام، ولكن في ظلّها الخاصّ، وهذا حقّ إذا لزم الأمر لهذا، لأنّ العادات والتقاليد الظالمة في المنطقة العربيّة تُجبر المرأة أن تزاول هذا الفعل، فكوْنها مقتنعة بفعل التمرّد، إذن هي مبتهجة ومتورّدة، وهذا التورّدُ واضحٌ في لغتها.
*- الشاعرة آمال عوّاد رضوان: فلسطينيّةٌ تقيم في الأرض المحتلة في منطقة عبلين/ حيفا الناصرة. حازت على الجوائز التالية:
1- جائزة نعمان عام 2011.
2- جائزة ديوان العرب عام 2011.
3- جائزة شعراء بلا حدود عام 2008.
*- في الفصل الرابع نتناول الشاعرات: بلقيس حميد، فاطمة ناعوت، إيمان محمد، لمياء الآلوسي، سوزان عليوان، خدوج الساكت.
هامش:
1-   اُنظر شيلر Shillerr، London 1930،  Formal Logic.
1- جان كوتو: اِقرأ كتاب توماس المخادع.
2-  عبدالرحمن الكواكبي، مجلة شعر اللبنانية العدد 2
3 - شيبي عالم النفس البريطاني – راجع كتابه أثر الخيال العلميّ.
4 – الشاعر د. قصي الشيخ عسكر قصيدة "ستون" موقع المثقف.
5-  أبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي، كتاب الموازنة، بين شعر أبي تمّام والبحتري.
6-  عالم المعرفة العدد 360، الخيال الأدبيّ.
7-  إدغار آلان بو: 1809 – 1849 شاعر وقاصّ وناقد، اِقرأ كتاب "الشعر والقصّة" 1832
8-  د. شاكر عبدالحميد: الأسلوب والإبداع، مجلة كلية الآداب – القاهرة 1995
9- الآمدي كتاب الموازنة تحقيق السيد أحمد صقر الطبعة الرابعة ص 411
10 – مقابلة مع الشاعر سعدي يوسف في طنجة/ موقع كيكا.
11-  راجع كتاب: النقد الأدبيّ الحديث. د. محمد غنيمي هلال.
12– اِقرأ زياد بن ابيه – خطبته في أهالي البصرة، عند ولايته المدينة.
25  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / جوقة الكروان تضيء عتمة نيسان في حيفا في: 19:24 19/07/2012
جوقة الكروان تضيء عتمة نيسان في حيفا

آمال عواد رضوان

أشعّ الكرمل وسواحل حيفا بجوقة الكروان العبلينيّة الجليليّة في عملها الأخير الباهر "عتمة نيسان"، وبعرضها المسرحيّ الغنائيّ المتألق، وسط المئات من الحضور الذوّاق للموسيقا والفنّ الراقي، وذلك بتاريخ 17-7-2012 وعلى مسرح كريجر الياهو حكيم 6. الكرمل الفرنسي حيفا.
"عتمة نيسان" عمل غنائيّ مسرحيّ راقص؛ بقيادة المايسترو الأستاذ نبيه عوّاد قائد جوقة الكروان ومدير المعهد الموسيقي في عبلين، ومن تأليف وإخراج إلياس مطر المتفجّر طاقة إبداعيّة وفنا وحيويّة، وبمرافقة أوركسترا جوقة الكروان، وغناء وتمثيل أعضاء جوقة الكروان، وحوريّة الكروان الجميلة مريم طوقان!
"عتمة نيسان" عمل فنيّ جديد، وعهدٌ قطعته على نفسها جوقة الكروان بتاريخ 6-6-2012 في عملها الغنائيّ المسرحيّ السابق "اِحكيلي". إنه سكتش إبداعيّ أتى يهفهف ويرفرف ويترغل ويروي قصّة بلدة منسيّة غافية بين تلال الزمان، بلدة غبّرها اليأس، وسكّانها نسَوْا طعم الأحلام، ويمكن ذابت طموحاتهم بين أمطار الشتاء المكويّة وندى السماء الملحيّة، وفجأة ومتل الطلّ المستحي الحالم، طلّت علينا بأصواتها المميّزة وألحانها الحنونة الشجيّة، وسرقتنا لأبعد حدود المكان، لنقطة خفيّة، وأخذتنا لمفرق سهران على حفاف الزمان!
"عتمة نيسان"؛ سكتش يمزج بين حياتنا اليوميّة المُبكية، وبين مشاهد مسرحيّة مضحكة، ولا يهدأ لها بال إلاّ حين تُرقّصنا على عتبات الواقع الموجع، وتُؤرجحنا على حبال الخيال في رقصة فنيّة ولا أحلى.
"عتمة نيسان" أشعّت بإبداع جديد، وأضاءت النفوس بصرخة حلم، يُعزّز إيماننا بمواهبنا الكامنة في قلوبنا، وصحّت آمالنا الساهية في أرواحنا، ولسان حالها وحالنا يقول: معقول؟ كلّ إنسان منّا قادر على تحقيق أحلامه وطموحاته إذا شاء ونوى؟ لكن كيف؟
"نيسان" الحلوة بيّاعة متجوّلة تبيع سحر الأحلام في سلالها، ومثل الغزالة تتهادى وتتنقّل وتتقمّز بين الجبال والوديان، ولمّا وصلت بلدنا ضوّت العتم بوهجها، وغمرت أرواحنا بالعزيمة والمثابرة والإيمان.
وهكذا وكما عوّدتنا جوقة الكروان الأنيقة الحالمة، جعلت تمضي بإيمانها العميق بفنّها وبمثابرتها الدؤوبة، في دروب وعرة تزيّنها بفنّها الأخضر، وجعلت تناضل وتعمل بجدّيّة ومثابرة لرفعة الموسيقا والغناء، لأنه لا يسعها إلاّ أن تعانق الفنّ الراقي، ولايمكنها إلاّ أن تحتضن تحت أجنحتها الدافئة، وفي عشها الحميم العصافير الكروانية المخلصة، لتتألّق بأدائها المعهود، وهكذا جعلت تتدرّج على سلّم الفنّ، وتحلّق عاليًا في سماء أعمالها الفنيّة المتجدّدة الرائعة، فلجوقة الكروان كلّ التوفيق والنجاحات السامقة المتتالية، والمتدّرجة إلى أسمى لغات الموسيقا والعزف والغناء والفن الراقي.


26  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / جوقة الكروان في مهرجان الزبابدة الرابع! فاطمة ذياب في: 14:03 16/07/2012
جوقة الكروان في مهرجان الزبابدة الرابع!
فاطمة ذياب
تحت رعاية وزارة السياحة والآثار الفلسطينيّة اختتمت فعاليات مهرجان الزبابدة الرابع للسياحة والثقافة والفنون بعرضين فنيين لجوقة الكروان من عبلين الجليلية داخل الخط الأخضر، وفرقة الفينيق من رام الله، وسط حضور كبير من أبناء الزبابدة والبلدات المجاورة.

وفي سفر يختلف فيه الزمان والمكان وفي عرض خاص لجوقة الكروان العبلينية الجليليّة ضمن أيّام خاصّة لمهرجان الزبابدة الرابع للسياحة والثقافة والفنون (محافظة جنين)، تأتي مرافقتي التي أُصِرّ عليها لهذه الجوقة المتألقة، والتي تفخر بكلّ ما أنتجت من عازفين ومطربين ومطربات على امتداد مساحتها الزمنيّة، والتي تعود بجذورها إلى عام 1994، ففي الساعة الثانية ظهرًا يوم الجمعة الموافق 13-7-2012 غادرت الحافلة التي تقلّ أعضاء جوقة الكروان بقيادة المايسترو نبيه عوّاد، لأغادر معهم الجليل الأشمّ، وتنبّهني صديقتي الشاعرة آمال عوّاد رضوان إلى أهمّية حيازتي لبطاقة هويّتي من أجل عبور الحواجز، وتقفز حينها أمامي ساعات الانتظار عند الحواجز الفاصلة ما بين القلب والجسد، والتي يفرضها الاحتلال. وفي طريقنا للضفة الغربيّة، شرع كلّ مَن في الحافلة يستعيد ذكريات أليمة تعرّض لها عند عبور هذه الحواجز، وما لقيه من معاناة قاهرة إلى أبعد حدود القهر، وبدا لي أنّ حرارة الطقس أشدّ سخونة، فلي أيضًا انتظاري وقصص وحكايا لا تقلّ سخونة واشتعالا، وحاول بعضهم أن يطفئ الحرارة بدندنة متعمّدة، وحاول البعض قتل الوقت في مراجعة بعض الألحان التي ستقدّم ضمن العرض، إذ نحن مضطرّون إلى التوجّه إلى حاجز جبارة طول كرم البعيد عنا، لأنّ حاجز جنين القريب مغلق منذ الظهر يوم الجمعة، ولا زال أمامنا سفر طويل كما أشار المايسترو نبيه عوّاد، وهكذا في سفرٍ التفافيّ تُفرّخه الأوضاع القهريّة، ظلّت الحافلة تعبُر بنا ونعبُر معها من الجليل إلى المثلث، ومن ثمّ إلى أراضي الضفة الغربيّة التي ترزح تحت نير الاحتلال، وبدا البوْن الشاسع ما بين الجليل والمثلث، وهذه البقعة الجغرافيّة التي بُترت من أصولها وجذورها، كي تظلّ هكذا تستصرخ بصمت مُتفجّر ضميرَ الإنسانيّة، علّه يُعاود ترتيب الأوراق ويُعيد للأجزاء المشتتة لملمتها وروحها، وكذلك الشوارع الضيّقة الترابيّة والبيوت المنتشرة بعشوائيّة وجدران الفصل العنصريّ، كلّها تُذكّرنا أنّ على الأرض لم تزل مجموعة من البشر، تحلم وتطمح أن تعيش مثل خلق الله. باختصار، كان السفر جدّا متعبًا وقلِقًا ومُتوتّرًا، خاصّة عندما ضلّ سائق الحافلة طريقه، ومضينا في طريق وعر وهر، وكأننا في قارّة أخرى.
ونتجاوز كلّ شيء ونصل أخيرًا وجهتنا "المتنزة البلديّ لمدينة الزبابدة في محافظة جنين"، حيث بدأت أستردّ أنفاسي أمام مسحةٍ جماليّة وشوارع مُعبّدة وبيوت مختلفة، وأمام رجال شرطة تشارك في حفل مهرجان الزبابدة الرابع في جنين، وكلها دلالات تؤكّد اهتمام القيّمين على هذه البقعة من الضفة المحتلة، في الجانب الثقافي للمجتمع وتفعيله من خلال الندوات والمهرجانات والمؤتمرات التي تلعب دورا رئيسيا لزيادة الوعي الثقافي للمجتمع والمواطن في تنمية السياحة وتفعيل دورها وافتتاح لمعرض للتراث الفلسطيني وللمنتجات والصناعات الفلسطينية التي شاركت فيه مجموعة من الشركات الفلسطينية رافد اقتصادي قوي لدعم اقتصادنا القومي ولما لها من أبعاد تاريخية وحضارية وتراثية تحكي تجذر أجدادنا في هذه البلاد وضرورة المحافظة على هذا الموروث الأثري وعلى النسيج الاجتماعي الذي يمثل العمق والركيزة لأصالة الشعب الفلسطيني وحقه الأصيل في ثقافته وفنونه الممتدة عبر الأجيال المتلاحقة، وذلك من خلال مهرجان الزبابدة الذي استمر من الحادي عشر وحتى الثالث عشر من شهر تموز 2012، وتقديم عروض ثقافية متنوعة من فلكلور وزجل ودبكة وفنون شعبية على مدى انعقاد المهرجان بعدما افتتحته وزيرة الثقافة سهام البرغوثي ومحافظ جنين اللواء طلال دويكات ومحافظ طوباس مروان الطوباس ومحافظ طولكرم جمال سعيد والمقدم عصام نبهان نائب قائد المنطقة ووكيل وزارة الحكم المحلي مازن غنيم واحمد نعيرات ممثل عن وزارة السياحة والآثار والرائد مجاهد ربايعة مدير فرع العلاقات العامة والإعلام وممثلا للمقدم محمد تيم مدير شرطة المحافظة ورئيس الغرفة التجارية هشام مساد وممثلين عن الطوائف المسيحية في بلدة الزبابدة جنين وممثلين عن الأجهزة الأمنية في محافظة جنين ومحافظة طوباس وراعي الحفل المحسن نزيه خليل أبو سليم ومدراء المؤسسات الحكومية وغير الحكومية ورؤساء مجالس وبلديات من محافظة جنين وعدد من محافظات الوطن ورئيس بلدية الزبابدة السيد فتكور خضر وممثلين عن الفعاليات الوطنية والشعبية في المحافظة.
واذا بالمتنزه يعج بالشباب والصبايا وكل الاجيال، وأن الوقت القليل المتبقي لبداية الحفل كان يطاردنا، فلم يضيع المايسترو نبيه عواد لحظة واحدة، وكخلية نحل توجه مع أعضاء جوقة الكروان إلى المنصّة مباشرة للإعداد والترتيب والتوزيع لفرقة العزف وللغناء، ولوضع اللمسات الأخيرة قبل العرض، وفي زاوية جانبيّة جلست أحتسي قهوتي، وبدأت أستعيد أنفاسي وهدأتي، وبدأت الألحان الكروانيّة تصدح، لتملا الفضاء والآفاق بعزف وغناء شجيّ تعود بنا إلى ألف ليلة وليلة، فهل ترجع تلك الليالي يا ترى؟
دقائق وامتلأت المقاعد المُعدّة تحت فضاء الزبابدة محافظة جنين، رجالاً ونساء، شيبًا وشبّانا، صبايا وأطفالا عطاشى لليالي ألف ليلة وليلة، وبدأ عرض المهرجان بمعزوفة موسيقيّة، ثمّ بكلمة المنظّم المسؤول رامي دعيبس عريف الاحتفال، وبتعريف مختصر لجوقة الكروان المستضافة، والتي رأت النور عام 1994 وتضمّ أكثر من أربعين عضو ما بين عزف وغناء، ينشدون الأندلسيات والموشحات، ويغنون الكلثوميات والوهابيات والكلاسيكيات والفيروزيات والرحبانيات، والاغاني التراثية والوطنية، كي تظلّ هذه الألحان تحكي لنا قصص حكايا صراع الأجيال، ويرحّب بالجوقة ويعلن البدء، والبدء عود أحمد إلى يافا، حين نادانا البحر وهيّأنا له المجداف، وحين عدنا بالشوق إلى يافا، فهل كان الصيد وفيرًا حين كنّا نلهو بغيوم الماء، والريح تهبّ وتصيح من حولنا عاصفة هوجاء، كانت عاصفة البحر الليلية داكنة قاتمة مظلمة، ويومها قالوا إنّنا ضائعون وإننا هاربون، لكنّنا عدنا مع الصدى وجئنا مع الريح ودخلناها مدينة يافا، ولم تزل الأنغام تتوعّد والريح تهب تزمجر وتصيح سنرجع يا يافا.
أين ترانا سنرجع يا جوقة الكروان والطرب، يا لحظة خاطفة من عمر الزمن تُغيّبنا عن كلّ ما حولنا من هموم آتية، لتأخذنا معها إلى الهمّ الأكبر والأشمل، إلى الوطن الذي يُشابه الغيم الأزرق والندى والزنبق، هذا الوطن حيث يتسع فيه المدى ويصبح كاتساع الدني يا وطني، وكي نظلّ هكذا على أبوابه قصيدة يستذكرها جيران القنطرة، الذين عاشوا ولما تزل جذورهم فيه من مية سنة ومن ألف سنة ومن أول الدني، وتظلّ تصدح جوقة الكروان لهذا الوطن القوي، الذي يكبر في النفوس والأرواح، وتظل تطلب مَن يحكي لها عن الأهل والبيوت والبلد وعن جيران الطفولة، احكيلي، وحياتك خبّرني كيف حال الزيتون والصبي والصبيّة بفية الطاحون، ونشمّ رائحة اللوز والأرض والسماء والهواء يعبق بشذا الألحان، وصدور الجمهور يجيش فيها الحزن، وبإصغاء وانبهار إلى مساحات شاسعة تأخذه الألحان إلى صوت مريم طوقان الكروانية، التي عاشت فصولاً و15 عامًا من حياتها الغضة في جوقة الكروان، فانزرعت وتربّت وانطلقت منها، لتطلّ بقامتها وقوامها الممشوق وبشعرها الطويل المنسدل بانسيابية، الذي لا يفصلها عن موطئ قدميها سوى بضع سنتيمترات، وبملامح ومعالم فيروزية أطلت في وصلة متواصلة مع جذورها وتربتها الخصبة الأم جوقة الكروان، ويا بيّاعة خديني ع حيّ البياعين، وأنا أهلي حطوني ناطورة الجناين، وفي غفلة منها سرقوا لها البساتين، وضاعت على المفارق حين غفل عنها الأهل وغادروا، وضاعت المفارق والعناوين، وصفّق الجمهور متحرّرًا من هموم الوطن، لترفض الأساور والعقود والذهب وكلّ مغريات الزمن، كي تظلّ مُصرّة على الوطن الذهب الأغلى والأحلى!
ومن عتم الذاكرة يطلّ وجه ساندرا حاج الكروانيّة، ليأخذ الأجواء منّا ويعيدنا إلى طفولتنا، حين تصدح "سوا ربينا وسوا مشينا وسوا قضينا ليالينا"، وتتساءل هل يعقل أن يمحو الزمن أسامينا ويمحو الفراق الذاكرة، فننسى الأبواب والأعتاب والعناب؟ أيعقل أن نصبح بعد كلّ هذه العشرة والرفقة الطيبة مجرّد ورقة صفراء تأخذها رياح الخريف إلى قارعة طريق؟
وإذا به ونس أبو شحادة يهدر بصوته الجبليّ الحنون، كي يعلن رفضه وخضوعه، ويعلن للقمر مدى صبره وجَلَده وصموده، وبقاء ضوئه كنافذة أمل تتجدّد مع كلّ خطة قدم على الأرض، تهدر وتنزرع في أعماق الأعماق خطواتِ عزٍّ مرفوعة، وكما المهر الأصيل يصعد ويصاعد، وتتسامى معها وتيرة الانفعال والتفاعل، وتلتهب الأكفّ تصفيقا.
وبعودة الكروانية العبلينية مريم طوقان مأمورة بامر الهوى إلى عهد الصبا، تظلّ تنادي شمس المساكين وتنطر على كلّ الأبواب، وترجو الله ان لا ينساها، فلا أحد سواه لها، فالطرقات غطاها الشوك، وترجوه أن يبعث من لدنه أحدًا يُطلّ عليها، ولما تزل تناديه من ايام المظلومين، ليبارك زهوره ويساعد بعدله، فلا أحد يعدل وينصف سواه، تلك صلاة الروح في فضاء تخاطب فيه بمناجاة وخشوع، وتعلن جوقة الكروان قسمها أنّها ستظلّ تكتب اسم البلاد على الشمس التي لا تغيب، وأن لا حبّ يعلو على حبّ الوطن لا المال ولا الأولاد، وليس أغلى من اسم الوطن مشعًّا على وجه الشمس، التي تتكلم كما تتكلم الأرض لغة عربيّة، مُذكّرة الحضور أنّنا في الأصل من ماء وطين وتراب، والإنسان يبدع بالغناء للأرض وللوطن وللوجود.
هكذا هي جوقة الكروان؛ حروفٌ أبجديّة منغرسة في وجدان ورحم الألحان، تعزف لنا فنطرب، وتشدو فترتفع هاماتنا إلى الفضاء، وتتجدّد في دواخلنا خلايا الروح والعزيمة، إذ تلتزم بالعطاء المميّز.
ويقدّم عضوا بلديّة الزبابدة ماجد دعيبس وعبد الرؤوف تركمان درع محافظة جنين للمايسترو نبيه عوّاد، تقديرا لجهوده ولتدريبه جوقة الكروان، فكانت ليلة جنين وليلة الزبابدة بطعم مختلف بزمانها ومكانها ووجوهها التي استقبلت معنا في الفقرة الثانية فرقة الفينيق من رام الله، والتي تشرف على تدريبها مصمّمة الرقص سمار رصرص، فأذهلت الجمهور بعرضها الشيق الذي خلال نصف ساعة، لتكون مسك الختام لفعاليات المهرجان الذي استمر ثلاثة أيّام، فمثلت اللحظة التي هزّت العالم ولن ينساها، جريمة قتل الطفل الشهيد محمد الدرة في أحضان والديه في غزة، ونقلت الجمهور لقلب الرواية ومسرح الحدث، ليعيش اللحظة والصورة والأثر، وواقع المعاناة اليومية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في كل ساحات الوطن من قتل وقهر، وتمجيد لشهداء تزفهم فرسانًا لأرض الوطن مسجّيين بعلم فلسطين

وكانت فعاليات المهرجان أقيمت برعاية رجل الأعمال الفلسطينيّ المغترب نزيه الخليل، وشركة الوطنية موبايل وبنك فلسطين، ومحافظة جنين وجمعية الكتاب المقدس الفلسطينيّة، ومشاركة الغرفة التجاريّة الصناعيّة والزراعيّة في جنين، التي نظمت معرضًا للصناعات الوطنية والإغاثة الزراعيّة الفلسطينيّة.
ولمّا يزل الوطن يرزح تحت نير الاحتلال الثقيل، بانتظار صحوة الضمائر المُغيّبة في دهاليز الزمن، وبني العُرب من أوطاني مشغولون بقضايا الربيع، ألعل الربيع المُنتظر يأتي باليقين وبالخبر اليقين، ويعلن ميلاد ضميرٍ حُرّ ينتبه إلى هذه البقعة المنسيّة المشوّهة في الخارطة، والتي ترنو للميلاد والتحرر من قبضة القهر والظلم والاحتلال؟  


27  الاخبار و الاحداث / اصدارات / إصدار الطبعة الثانية من رواية مدينة الريح! في: 08:15 17/06/2012
إصدار الطبعة الثانية من رواية مدينة الريح!
آمال عوّاد رضوان





في مدينتي الّتي أُحبُّها وأبحثُ عنها، في مدينتي المُنهكةِ أكثرَ مِن جدًّا، في مدينتي المسافرةِ دومًا في مساحاتِ مفرداتي وفي مدينتي الّتي تسكنُني بكلِّ نصوصِها وحروفِها وتفاصيلِها، أنتم باقون في وجداني، فأنتم الوطن الأكبر والأجمل.
هذا ما حمله إهداء الكاتبة الفلسطينيّة فاطمة يوسف ذياب، من مدينة طمرة الجليليّة، في روايتها التي صدرت بطبعتها الثانية حديثًا عن دار الوسط اليوم للإعلام والنشر في رام الله، والتي تضمّنت 31 فصلاً في كتاب من القطع المتوسط، وغلاف حمل إحدى لوحات الشاعر والفنان المرحوم د.سليم مخولي، وكانت قد صدرت الطبعة الأولى الطبعة الأولى من الرواية عن مجلة مواقف قبل شهور قليلة، حيث أشرفت آمال عوّاد رضوان على الصياغة والتدقيق، وأشرف الشاعر جورج جريس فرح على التنسيق والتقديم والمراجعة اللغويّة.
وقد جاء في تقديم الشاعر جورج جريس فرح للرواية:
تَتَوَقَّفُ الكاتِبَةُ في مَحَطَّاتٍ تُطِلُّ مِن شُرُفاتِها علَى مُخْتَلَفِ القَضَايا الاجْتِمَاعِيَّةِ، وَخَاصَّةً قَضَايا المَرْأَةِ العَرَبِيَّةِ؛ حُقُوق المَرأةِ، العلاقاتُ الزَّوْجيَّة، الزَّواج المُبَكِّر، التَّرَمُّل، الطَّلاق إلخ... مُرورًا بالأحداثِ والقضايا السِّياسيَّة، كالنُّزُوحِ والتَّهْجير، والشَّتاتِ الفلسطيني، والحُكْمِ العسكريِّ، وَالمَعَارِكِ الانتِخَابيَّة، واللَّعِب علَى الحِبَالِ، وَرَوَاسِبِ الرُّوحِ القَّبَليَّةِ والحَمَائليَّة، ومشاكلِ الفَلاّحِ وَالمُزَارِع العَرَبيِّ، والتَّمييزِ والاستغلالِ، وغَيرِهَا مِنْ الأُمُور، مِنْ صَمِيْمِ وَاقِعِنَا العَرَبِيِّ عُمُومًا، وَالمَحَلّيِّ بِشَكْلٍ خَاصٍّ وتشدُّكَ عنَاصِرُ التَّشْويقِ إلى مُتَابَعَةِ القِرَاءَةِ بكلِّ رَغْبَةٍ وَتَحَفُّزٍ.
وأضاف فرح:
إنَّ فاطمة ذياب في رِوَايَتِهَا هذِهِ تُسَجِّلُ قَفْزَةً نَوْعِيَّةً في كِتَاباتِها وَإِبْداعَاتِهَا، مِمَّا يَجْعَلُهَا فِي مَصَافِّ الكاتِبَاتِ المَشْهُودِ لهُنَّ بِالمَقْدِرَةِ وَالإِبْدَاعِ، وَهي تُقدِّمُ الصُّوَرَ الصَّارِخَةَ والنَّاطِقَةَ، تَارَة بِمُنْتَهى الجدِّيَّةِ وَطَورًا بِمُنْتَهى السُّخْرِيَةِ،  فَتُقحِمُ في النصِّ الأهازيجَ وَالأمثالَ الشَّعْبِيَّةَ.
وقالت الكاتبة في مدخل روايتها:
عزيزتي آمال عوّاد رضوان...
أوّلاً وقبلَ كلّ شيءٍ اسمحي لي بالإبحارِ معَكِ على ذاتِ القارب، في رحلةٍ وجولةٍ مِن تناصٍ في اللّغةِ والمفردات، بقراءةٍ أنثويّةٍ وبعيونٍ نسائيّةٍ لديوانك الشّعريّ "رحلة إلى عنوانٍ مفقود"!
عزيزتي الشّاعرة المقتحمة للمدنِ والمواقع الأخرى التي تأسرُني بدون سابق إنذار.. معكِ تكونُ البداية والقراءة، وبصراحة، حاولتُ جاهدةً أن أفكّ الطّلاسمَ وأفكّكَ الحروفَ والكلماتِ، وأسبرَ الأغوارَ وأمضي كي أصلَ معكِ إلى معالمِ هذا العنوان.. ألهثُ وراءَ مدادِ حِبرِكِ، وهو يخطُّ لغةً عصيّةً تُدخلُني إلى متاهاتِ الأبجديّة!
واختتمت الكاتبة فاطمة ذياب الفصل الأخير من روايتها مدينة الريح بقولها:
من المدينةِ التي أُحبّها وأشتاقُ إليها.. مِن داخل مملكة الأظافر؛ مملكتي.. ومن فوق جبل الرّيح المُقاوم أخذت أكتب؛ أنا بخير، وأولادي بخير، وأحفادي بألف خير. لديهم خبز يكفيهم لأسبوع، ولديهم ثلاجة مليئة بالخضار وبعض من فاكهة الموسم.. لديهم شاشة صغيرة يلتفون حولها، يُطلّون على قرف الكبار وبؤس قرارات الكبار، وعندما يَتعبون ينتقلون إلى محطة تُصَدّرُ الفرحَ إليهم.. ولأحفادي أيضًا جدّة تختلف عن كلّ الجدّات في مدينتهم، تكتب وتقصّ الحكايات، وحكاياتها تختلف.


28  المنتدى الثقافي / دراسات، نقد وإصدارات / الخطاب الصوفيّ في "مفاتيح السماء" لوهيب نديم وهبة في: 17:52 15/06/2012
الخطاب الصوفيّ في "مفاتيح السماء" لوهيب نديم وهبة
بقلم: الدكتور منير توما – كفر ياسيف الجليل

تعتبر نصوص الشاعر الأديب وهيب نديم وهبة في كتابه "مفاتيح السماء" بمثابة نصوص شعريّة أو كتابة بلغة شعريّة، حيث يطغى على مضمون وفحوى هذه النصوص الخطاب الصوفيّ، أو الروح الصّوفية المتسامية نحو ألوهة تتّصف بالمحبة والنقاء والتسامح، من خلال رواية الأحداث المتّصلة بحياة يسوع المسيح جملةً وتفصيلاً، بأسلوب خلّاب يعتمد التسلسل في الأحداث والإنسيابيّة في العرض والجماليّة الآسرة في اللغة.
إنّ الشاعر وهيب نديم وهبة في هذه النّصوص يرى في صوفيّتهِ هنا وحدة الإله. إنّه يُبقي الربّ أمام عينيه دائمًا، لهذا، هو يقبل الخير بغضّ النظر عن مصدرهِ، هو يقبله كأنًه هبة من الله، كلّ شكر ينتابه، إنّما يُوجّهه إلى الرّب، كلّ عـَظَمة لديه مرتبطة باسم الربّ.
إنّ النصوص في "مفاتيح السماء" تُبيّن لنا أنّ الروح في طريقها إلى التجلّي، تجمع حولها كلّ الذبذبات الممكنة من مختلف المستويات، التي تجعل سعادتنا في هذه الأجواء أعمق وأقوى.
لقد رسم الأستاذ وهيب في هذا الكتاب لوحة بألوانهِ النابعة من الرّوح، وبفرشاته المنسوجة من نفسه الخيّرة المتسامية بتكوينها، فهو قد أبدع هنا صورة ما، لكنّها صورة تخاطب النفس والروح ولا تغفل نقاوة الجسد، فكانت الصورة عنده مكتملة وصحيحة.
إنّ مُيول شاعرنا الصوفيّة في هذه النصوص الصّوفيّة تسعى إلى تحقيق الذات العلويّة، وهو يبلغ مراده هذا بواسطة المثال الإلهيّ، وهو بهذه الطريقة يستطيع ملامسة الحقيقة، التي هي الهدف النهائيّ، كما يلامس موضوع المساعي الملتهبة والحماسيّة لكلّ روح، وهذا ليس مجرّد تحقيق الذات العلويّة، إنّما السعادة التي لا يمكن وصفها بالكلمات؛ إنّها السّكـِينة، تلك السّكـِينة التي تشتاق إليها كلّ روح، كما يُجسّدها شاعرنا بأسلوبه النيّر ولغته الراقية.
لقد كان الأستاذ وهيب في كتابه "مفاتيح السماء" يمارس حضور الإله، مُدركًا وِحدة كلّ الوجود كما يراها الصّوفيّ، وهو يعمل في كلّ لحظة، عن وعي أو من دون وعي، وهو يُثبت أمام نظره الحقيقة، دون أن يصرف نظره عن الحقيقة المُطلقة، لأنّ غايته الوحيدة هي إدراك الحقيقة.
يُصوّر شاعرنا عمليّة ظهور المسيح بكافّة مراحلها، بشكل يشبه إطلاق الشمس للأشعة ضمنيًّا. إنّ الروح العلويّة تكشف عن نفسها، وهذه هي طبيعتها، فبمجرّد أن يتجمّع النّور المطلق في نقطة واحدة لتتشكّل الشمس، فإنّها ترسل الأشعّة تمامًا كالمسيح القائل بأنّه نور العالم، كما ينعكس في روح فحوى النصوص التي نحن بصددها، وكما الأشعّة هي إظهار للشمس، فالبشر أيضًا هم إِظهارٌ للربّ.
من خلال قراءتنا لكتاب "مفاتيح السماء" نرى، بأنّ شاعرنا يُشير بلغتهِا الجميله وأسلوبه الخلّاب إلى الصّلب كمرحلة من مراحل حياة السيّد المسيح، وفي المنظور الصّوفيّ لشاعرنا، فإنّ كمال وتحرّر كلّ نفس يتوقّف على هذا الصّلب، الذي يجب أن تختبره كلّ نفس. إنّه صلب ذلك الجزء من الكائن البشريّ، الذي أنشأه الإنسان في ذاته، والذي لا يُشكّل "أناه" الحقيقيّة، بالرغم من أنّه خلال عمليّة التطّوّر، دائمًا يبدو كما لو أنّ الإنسان يَصلب نفسه في سبيل قيامته الروحيّة، ويختم شاعرنا وهيب كتابه بالكلمات:
المسيح قام / حقًّا قام /كرفّةِ الضّوءِ وبزوغِ الفجرِ/ وأنا الموجود حتى في الغيابِ/ أتركُ للعالمِ .. .. / أترك بين يديك رسالة الإنسان / "المحبّة".
وبهذا نرى أنّ شاعرنا ينهج منهجًا شبيهًا بالصّوفيّين، الذين يعتقدون أنّه مهما يكن الإنسان مؤمنًا، فإنه لا يساوي شيئًا من دون المحبّة، والحُبّ لا يُعبّر عنه بالبيانات والإعلانات، فعندما يولد الحُبّ، فإنّ صوته ونداءه يصبح أقوى من الصّوت البشريّ. الحُبّ ليس بحاجة للكلمات، فهي عاجزة عن التعبير عنه. الحُبّ يمكن أن يُعبّر عن نفسه بطريقة واحدة بسيطة ومتواضعة، وهي الإيمان بأنّ "الله محبّة، ومَن يَثبُت في المحبّة يثبت في الله، والله فيه". وفي بيت الشعر التالي للصوفيّ الكبير "محيي الدين بن عربي" صدًى لهذه الآية الإنجيليّة حيث يقول:
أدين بدينِ الحبِّ أنّى توجهتْ/ ركائبُهُ فالحُبُّ ديني وإيماني
ومع تقديرنا واحترامنا لشاعرنا وأديبنا الكريم الأستاذ وهيب نديم وهبة، أقدّم النّصّ الشعريّ التالي كإهداءٍ له، وتحيّة صادقة على إصدارهِ لهذا الكتاب، مع أطيب التمنيّات له بدوام التوفيق والمزيد من الإبداع والعطاء:
أيّها الشاعرُ المُستنيرْ/ يا من أفـَضتَ محبةً وصفاءْ / بنعمةِ الرب القديرْ/ أنت شاعرٌ وأديبْ/ يا منْ تحملُ أسمَ وهيبْ/ مجّدتَ الإله السّرمَديّ/ الإلهَ الأزليّ .. الأبديَ/ وقد آمنَ به كلُّ لبيبْ/ وكلُّ موهوب حبيبْ/ فيكَ تراءتْ شمسُ الحقيقةْ/ مُذ عشقتَ نورَ العالم/ دونَ مكاشفةٍ أو رقيبْ/ فأنتَ عبّرت َ بالكلماتِ/ أنهُرًا من حبٍ وفرحٍ وحياةْ/ وغرسْتَ مجدًا/ في أرض قداسةِ الرّبْ/ حيث ُ تنمو سنابلُ الإنبعاثْ/ كي لا يموتَ هذا التراث/ وكي تبقى مواهبُ الملكوتِ/ زاهرةً في القلوب/ تتجاوزُ كلَّ الذنوب/ كزهرٍ رَبيعيٍّ/ يُجمّلُ معاني القيامة/ ما بينَ جمالِ الإيمانْ/ وتألٌقِ الأقحُوانْ/ في حضرةِ الرجاءْ/ وديمومةِ البقاء/ فأنتَ بالطبعِ وهيبْ/ لكلِّ فكرٍ نجيبْ/ نَقـشْتهُ على ورقٍ/ مُسّطّرٍ بأسرارِ  السماءْ/ ومكتوبٍ/ بحبرِ النّقاءْ .

29  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / مفاتيح السماء تُشرّعُ أبوابَ الفرح! في: 09:22 03/06/2012
مفاتيح السماء تُشرّعُ أبوابَ الفرح!
آمال عوّاد رضوان





أسرة منتدى الحوار الثقافيّ في عسفيا الكرمل أقامت لقاءَها الشهريّ بتاريخ 31-5-2012، في مركز تراث البادية عسفيا، وناقشت ديوان "مفاتيح السماء"؛ جديد الشاعر المبدع وهيب نديم وهبة، وسط عدد من الأدباء والشعراء والأصدقاء والأقرباء، وبعد التجمّع والتضييف افتتح اللقاء عريف الندوة الأديب رشدي الماضي بكلمة جاء فيها "وهيب وهبة في طريق الجلجلة":
أمام عبقرية دموع الصليب تتعملق أعمدة الفراق، ويخضوضر الحزن المعتّق في كرمة المأساة وآلام المُعلّم، كيف لا، وكلماتك مفاتيح لأبواب جراحه المقفلة، وشاهدة فجّرت حواجز حول الخيانة كي نرى الموت، نراه يبرز أمامنا عاريًا مغتسلا بدم نتن صديد، لكنك يا شاعري وأنت العارف اسراره، رجوته أن يناديَهم ففعل، ولبّى الأولاد وأتوْا إليه ينشدون "قدر الإنسان أن يحيا على نبض الجراح، إننا ميلاد شعب ردّ للكون الحياة"، فامتدّت يد المخلص؛ "يده الشافية" وعمّدتهم بماء صبح طاهر طهور، وما الغريبُ وانت يا شاعري وهيب كنت على موعد مع ألم المعاناة، تحلّق بسموّ ممهور بقطرات فيرونيكا المقدسة، تحلق بعدما عشت حاملاً أثقال المعاني تتلوّى حتى تلد في مكان قصيّ "الكلمة" التي تمجد الأمل، وتتفاءل فتجده في طريق الجلجلة،
تصويرك لألم الواقع جاء شفافا جليًّا، لأنّك الشاهد الوحيد والحقيقيّ على جريمة هكذا زمن لئيم رديء،
صحيح أنّ كلماتك أتت المعلم تشكو وهي مؤرقة ومنهكة، لكنّها أبت أن تهيم في شوارع المهد العتيقة صوتًا يُردّد: "كم مرّة سأموت بعدك، وكم سيقتلني رحيلك؟"
نعم يا شاعري.. كلماتك جاءت محمّلة بأجراس أقانيم الآب والابن والروح القدس وهي تقول: "صار موت المعلم مفتاحًا لأبواب الحياة، وها هو النهار يبزغ من شرايين دماه، ومن عينيه يطلع القمر، وها هي القيامة تحملها يداه".
حقا يا شاعري وهيب انت أعلنت ولاءَك لقدس أقداس جرح الصليب، فانعصرت حسرة ولوعة، فأثريتنا بهذه الملحمة محمّلة بحقول الدلالات والمعاني الرمزية، ترْشَحُ حرارة وعاطفة وتتلألأ وميضًا، وتحلّق خيالاً..
هنيئًا لك مفاتيحك.. لم تترك أبوابًا للسماء مغلقة، لأنها ابنة وفيّة نديّة فتيّة لليلة قدر الفتح المبين، وسأظلّ أردّد معك: "الحقّ الحقّ أقول لكم، قدرُ الإنسان أن يحيا على نبض الجراح، وقدَرُ الجلاّد أن يهلك في زحف الصباح".
وفي مداخلة الإعلامي والأديب نايف خوري قدّم لمفاتيح السماء مطوّلاً وقال:
"جاءني وهيب يوما قائلا: أريد إتمام الرباعية التي بدأتها، ولذا أرغب بالكتابة عن السيّد المسيح. قلت له: على الرحب والسعة، ولكن ماذا تريد من السيّد المسيح؟ قال: أرشدني إلى ما يجب كتابته، فقلت عليك بالإنجيل المقدس. ودفعت إليه بالإنجيل وقلت له اقرأ. فقال إنها مساحة واسعة وشاسعة، فإلى أيّ نقاط ترشدني، قلت عليك بإنجيل متى، الموعظة على الجبل فهي المسيحيّة كلّها، بصلب العقيدة والإيمان. ثمّ عليك بأحداث مميّزة من حياة المسيح كميلاده، عمّاده، أولى عجائبه في عرس قانا الجليل، انطلاقته، أحداث تواضعه العظيمة كميلاده في مغارة، غسل أرجل تلاميذه، خيانة يهوذا، الصلب وأهمّها القيامة.
راقت الفكرة لوهيب وغاب نحو أسبوعين أو ثلاثة، وإذ به يقول سأرسل لك شيئا ممّا كتبت، على أن تبدي رأيك فيه. وهكذا وضع بين يديّ قصيدة طويلة جدًّا، ولكن قرأتها دون أشعر بطولها بل لم أرتو منها، واستطاع وهيب أن يجذبني ويشدّني إلى ما كتب بشكل لم أعهده من قبل، وشرعت بكتابة ملاحظاتي وإذ بي أكتب ردًّا يبلغ عددًا من الصفحات وأرسلتها إليه، فقال على الفور هذه ستصبح مقدّمة وسيصدران في كتاب".
وأضاف نايف قائلا: "أعزائي، لم أقصد أن أجعل الشاعر وهيب مسيحيًّا، ولا هو سيجعلني درزيًّا أو مسلمًا، بل استطاع أن يحترم مسيحيّتي كما احترمت درزيّته أو توحيديّته، ومن هذا المنطلق تمّ تقديم الكتاب إلى دار نعمان لنشر الثقافة في بيروت، وفوجئنا بإعلان الدار أنّ "مفاتيح السماء" يفوز بالجائزة التي هي عبارة عن إصدار الكتاب ونشره في العالم. وقرأنا رسالة جاءت من دار النعمان بخصوص الإعلان عن الجائزة.
ومن ناحية ثانية فقد قرّرت مجلة مواقف إصدار هذا الكتاب، تزامنا مع إصداره في بيروت، وأصبح الكتاب الآن بين أيديكم".     
أما في مداخلة آمال عوّاد رضوان بعنوان "أهزوجةُ مفاتيح السّماء في قبضةِ الشاعر وهيب وهبة" فجاء:
عنوانٌ غريبٌ يستفزُّ الجسدَ بلغةِ إيماءتِهِ الدّلاليّةِ ولفتاتِهِ العفويّة، ودون استئذانٍ يُزلزلُ أوتارَ الكمان والكيان، يُحدّثُ النفسَ بحروفِ ياسمينِهِ الهاجسةِ المُتوجّسة، وكدوريِّ الحقلِ المتمرّدِ يحترفُ حرّيّة التحليقِ السّماويّ، بعيدًا عن سُلطةِ الأرض وعُروشِها المُتزلزلة، باحثًا عن نوافيرِ ضوءٍ تنتشلُهُ مِن عتمةِ المآسي والمواجعِ العاريةِ من الرّحمة، ولا ينحرفُ، بل يعودُ إلى عُشِّهِ الإنسانيِّ، وفي منقارِهِ يحملُ جذوةً مِن محبّةٍ وحفنةً مِن نور، فيتراءى في عينِ قلبه منظورُ آمالٍ متراقصٍ جديد، وملءُ حوصلتِهِ أبجديّة خضراء تنسكبُ طيوبَ حياةٍ في تجاعيدِ الرّوح الخاوية!
جائزة المتروبوليت نيقولاَّوس نعمان للفضائِل الإنسانيَّة، حازَ عليها الشاعر وهيب نديم وهبة ابن دالية الكرمل، الكاتبُ والمُرَبِّي الفِلِسطينيّ، عن مخطوطه المُعَنوَن بـ "مفاتيح السَّماء" والتي صدرت عن دار نعمان للثَّقافة ومؤسَّسة ناجي نعمان للثَّقافة بالمجَّان، بعد إصدار نتائج جوائز ناجي نعمان الأدبيَّة الهادِفَة لعام 2012 في بيروت، وهو جزء من مشروع "مسرحة القصيدة العربية".
وجرى نشرُ الأعمال الفائزة خلال شهر نيسان (أبريل) الماضي، من ضمن سلسلة "الثَّقافة بالمجَّان" التي أنشأها ناجي نعمان عام 1991، وما زال يُشرفُ عليها؛ وستوزَّعُ بالمجَّان، كما ستُنشرُ في موقع الدَّار الإلكترونيّ: www.najinaaman.org
وكان ناجي نعمان أطلقَ عام 2007، في مناسبة الذِّكرى الخامسة والعشرين لغياب المتروبوليت نقولاَّوس نعمان سلسلةَ جوائزه الأدبيَّة الجديدة، وهذه الجوائز، على العكس من جوائزه السَّابقة، هادِفَةٌ لجهة الموضوعات، ومَحصورةٌ بأبناء الضَّاد وبناته، وعددَ الفائزين بها محدَّدٌ بشخصٍ واحدٍ سنويًّا عن كلِّ فئة، فيما قوامُ الجائزة طباعةُ المخطوط الفائز في سلسلة "الثَّقافة بالمجَّان"، واكتِسابُ الفائز عضويَّةَ دار نعمان للثقافة، وهي عضويَّةٌ لمدى الحياة لا تستَوجبُ من حاملها شيئًا، بل تؤهِّلُه وبشروطٍ معيَّنة لطباعةِ نتاجهِ الأدبيّ في السِّلسلةِ المجَّانيَّة السَّابقة الذِّكر.
إنّ "مفاتيح السماء" صدرَ في آنٍ واحدٍ في كلّ من دالية الكرمل، حيث أصدرُتُ مجلّة "مواقف"، وفي بيروت حيث أصدرته دار النعمان، ضمن سلسلة الثقافة خلال شهر نيسان أبريل الماضي، وهكذا مُنحت جائزة المتروبوليت نيقولاّوس نعمان اللبنانية للفضائل الإنسانية لعام 2012 للشاعر وهيب وهبة، حيث تمنح هذه الجائزة مرة واحدة في السنة لأحد الشعراء أو الأدباء.
وقد كتبَ مقدّمةً مُطوّلة لهذا الكتاب الأديبُ الإعلامي "نايف فايز خوري"، وصمّمَ لوحة الغلافِ الشاعرُ "جورج جريس فرح"، ووضعَ الدّكتور فهد أبو خضرة تظهيرًا للكتاب.
يستعرض الشاعر في "مفاتيح السّماء" رحلة سيدنا المسيح من أرض كنعان إلى أرض الكنانة، والعودة لنشر رسالة الله والعدل والمحبة، وبصدور "مفاتيح السماء" يكون الشاعر وهيب نديم وهبة قد اختتمَ رباعيّتَهُ الإبداعيّة، والتي يُجملُ فيها مشروع "مسرحة القصيدة العربية".
تتضمّنُ هذه الرّباعيّة:
الرحلة الأولى: "المجنون والبحر1995" التي ترجمت إلى لغات عديدة، ويتحدث الكتاب عن العدالة المطلقة، ويدخلُ هذا الإبداع ضمنَ الحداثة كما قيل عنه في الثورة النقدية الإيجابية التي حدثت لحظة صدور الطبعةِ الإولى، ثم صدر منه ثلاث طبعاتٍ باللغة العربيّةِ عن مطبعة الكرمة حيفا، وقد دخلَ حالةً أدبيّةً في التجديد ومسرحة القصيدة العربيّة، وهذه الحالة كانت بمثابةِ عمليةِ "مزيج" لجميع عناصر الأدب، ذلكَ أنّ إيقاعَ العصرِ المُتجدّدِ المُتغيّرِ المُتنقّلِ مِن ثقافة إلى أخرى، كان الدّافعَ الأساسيّ للبحثِ عن سُبلٍ في التجديد، وبذلك تحوّلَ الكتابُ إلى حدثٍ في النقدِ وعددِ الطبعات، وحدثٍ عالميٍّ في الترجمة، وكانت شهادةُ النعمان الفخريّة بمثابةِ شهادة تحرُّرٍ أولى يعتزُّ ويفتخرُ بها الشاعر وهيب وهبة، شأنه شأن أيّ مبدعٍ فلسطينيّ، إذ ساعدتهُ على الخروج من داخل الحصارِ الثقافيّ ومِن جحيم الاختناق الأدبيّ، في منطقةٍ تعجُّ بالصّراعات.
ثمّ كانت الرحلة الثانية في كتاب "خطوات فوق جسد الصحراء"، "رحلةٍ نبويّةٍ من الجاهليّةِ حتى حجّة الوداع"، صدر هذا الإبداع الأدبي عام 1999 –على نهج المجنون والبحر – مسرحة القصيدة العربية، وهنا كانت التجربة أكثر عمقًا وأوضح صورة. فالمضمون يتطرّق إلى "العدالة الإلهيّة"، والدّخول إلى تاريخ الحضارة العربية الإسلامية/ البداية الجاهلية – تحديد النهاية للفصل الأول – حجة الوداع ، لهذا كان الحدث يتصاعد مع  تطوّر النصّ، ويدخل حتى في المجال العلمي، فيدخل النّصّ في صميم التاريخ ويتّحد الأدب والتاريخ والشعر والمسرح معًا في تتويج مسرحة القصيدة، ثمّ يتبلورُ النّصّ حتى أسمى درجات الإيمان.
تلك المعادلة الحضاريّة الرّاقية بما تحمله من رسالةِ النّورِ والتنويرِ وعصرِ الإنسان.
منشورات دار روان الفلسطينيّة الرام/ القدس أصدرت الاسطوانة عام 2001 لتوثيق النص النهائي للجزء الأول من خلال الاسطوانة، وذلك بصوت الشاعر لتوضيح فكرة مسرحة القصيدة من ناحية، ومن ناحية ثانية الموضوع لتوجيه الاهتمام إلى المضمون وأبعاده، ومن ناحية أخرى تمّ إدخال الآيات القرآنية بأصوات حقيقية في الأسطوانة، ممّا منح مساحة أوسع عند قراءة النّصّ، وقد تمّ التسجيلُ في استوديوهات الكرمل/ 2001.
ومن ثمّ كانت الرّحلة الثالثة في "كتاب الجنة 2006" الذي نال الجائزة اللبنانية للثقافة ضمن مشروع نشر عالميّة الأدب العربي، فمنحت الشاعر وهيب وهبة جائزة التكريم عن الأعمال الكاملة عام 2006، وفي تلك المسابقة للنصوص تمّ تقديمُ كتاب "الجنة" الموثق الآن في كتاب الجائزة بالعربية والإنجليزية والفرنسيّة، ونُشر كتاب الجنة عام 2009 القسم الأوّل مع مجلة مواقف في حيفا.
كتابُ الجنّة فيهِ يتضمّنُ البحث عن الإنسان وعن رسالةِ التنوير ووجود الإنسان هناك في الجنة، فقد استطاعَ كتابُ الجنّة المثولَ أمامَ الرّمز؛ وعظمة الخالق أمام الخلق، هذه العظمة التي لا تأتي بصيغةٍ مباشرةٍ ولا تقتحمُ النّصّ، بل ومنذُ البداية يرتكزُ الحوارُ والسّردُ إلى الرّمز، وهذه الفقرة مِن موسوعة المعرفة جاءت تقول: كتاب "الجنة" يرمز إلى الخلود وعدل الله.
ومع الرّحلة الرّابعة "مفاتيح السماء" التي تقفلُ الرباعيّة نقول:
هنيئا للشّاعر الأديب وهيب نديم وهبة بهذه الإنجازات الإبداعيّة، وهنيئًا لكلّ المُبدعين بدارِ النعمان وبكلّ مؤسّسةٍ مباركة ترعى وتدعمُ المبدعين بشكلٍ موضوعيّ، دون تحيّزٍ إلى لونٍ أو عِرق أو قوميّة أو جنسيّة، وذلك لترفعَ مِن شأن حضاراتِنا الإنسانيّة وثقافاتِنا الرّاقية!
وفي رسالة ناجي نَعمان صاحِبُ دار نَعمان للثَّقافة رئيسُ مؤسَّسة ناجي نَعمان للثَّقافة بالمجَّان جاء:  
العزيزُ الغالي وهيب نديم وهبة، حضرةَ المُنتَدين الكِرام، حضرةَ القيِّمين على هذا الحَفل الرَّائع في مركز تراث البادية ومنتدى الحوار الثَّقافيّ بِعسفيا، وفي دائرة الثَّقافة العربيَّة بالنَّاصرة، أيُّها الحُضورُ المُمَيَّزُ الثَّقيف،
تحيَّةَ حَرفٍ يَنقُلُ فِكرًا مُبدِعًا، وبَعدُ، وصلَتني دعوةُ الكلام بالوَساطَة في حَفلكم الكريم قبل ثلاثة أيَّامٍ فقط على مَوعد تَحلُّقكم حول الأخ وهيب لمكافأته ومكافأة الحَرف يَنسابُ فِكرًا على يَده؛ وصلَتني الدَّعوةُ فيما، بين يدَيَّ، النُّسَخُ الأولى من كتاب "مفاتيح السَّماء"، وقد خرجَ طازَجًا حِبرًا عَطِرًا على وَرَق، وفي حلَّةٍ قَشيبَة، كما هي الحالُ مع مَنشورات دارِ نَعمانَ للثَّقافة ومؤسَّسةِ ناجي نَعمان للثَّقافة بالمَجَّان.
نَعَم، خرجَ الكتابُ في حلَّةٍ قَشيبَة، وإنَّما، أيضًا، حامِلاً علامةً فارِقَةً، عنَيتُ "جائزةَ المتروبوليت نقولاَّوُس نَعمان للفضائل الإنسانيَّة"، وقد استَحقَّها وهيبٌ، نَديمُ اللهِ وشاكرُه على ما وهبَهُ إيَّاه من نِعَمٍ، إذ طَفَقَ يُسَخِّرُ قلمَه لتَمجيد الخالِق وترسيخِ فضائل السَّيِّد المسيح في أرض السَّيِّد المَسيح، فِلِسطينَ العزيزة، كما في أربعة أصقاع العالَم.
خرجَ كتابُ وهيبٍ هذا العام، تمامًا كما سبقَ وخرجَ، في العام المُنصَرِم، كتابُ جليلٍ جليليٍّ آخَر، عنَيتُ يوسف ناصِر الَّذي استحقَّ جائزةَ أنجِليك باشا لتَمتين الرَّوابط الأُسَريَّة عن مَخطوطه "قلائد العَقيق".
خرجَ الكتابان، والمُشكلةُ هي هي، تَتَمثَّلُ في كَيفيَّة إيصال نُسَخٍ منهما إلى أصحابِهما، ومن ثَمَّ، إلى أصحاب الأرض الأصيلين، وفي "أرض المعركة الفِكريَّة" بالذَّات.
خرجَ الكتابان، ويَتَلقَّفُهما القارئُ اللُّبنانيُّ والعربيُّ عبرَ أكشاك الكُتُب المجَّانيَّة وفي مناسباتٍ ثقافيَّة مختلفةٍ لعلَّ أبرزَها الصَّالونُ الأدبيُّ الثَّقافيُّ الَّذي عمَّدتُه باسم "لِقاء الأربَعاء"، ولم يَتَلقَّفْهما أصحابُ الشَّأن إلاَّ بالقطَّارة وعن طريق الخارج.
العزيزُ وَهيب، ما تَعَوَّدتُ الإطالَة، ولن أُطيلَ، في انتِظار الفرحة الكبرى، هَنيئًا لكَ فرحةُ اليوم، وإنِّي، اللَّحظةَ، أرفعُ إليك، وإلى جميع مَن هم حَولَك، ألفَ تحيَّةٍ وتحيَّة، وأخصُّ بالذِّكر الأديبَ نايف فايز خوري، والشَّاعرَ الدُّكتور فهد أبو خضرة، وعضوَ دار نَعمان للثَّقافة الفخريَّة الشَّاعرةَ المُحَلِّقةَ آمال رضوان عوَّاد، كما أشكرُ مُسبَقًا مَن يقرأُ كلمتي هذه، على أمل أنْ نتعارَفَ يومًا.
نَعَم، للجميع أرفعُ ألفَ تحيَّةٍ من لبنانَ، وأرفعُ قُبَّعتي احترامًا وإجلالاً لأرض القداسة وشعبِها الأصيل، مُشَدِّدًا على ما سبقَ وقلتُه، عامَ 2004، تَتويجًا لِلَقب "مَجنون الثَّقافة بالمَجَّان" الَّذي أُطلِقَ عليَّ منذ عُقودٍ، والَّذي به أفخَر، من أنَّ "الثَّقافةَ لا تُشرى ولا تُباع"، ومُشَدِّدًا أيضًا، على ما ابتدَعتُه، منذ عام 1969، من أنَّ "الثَّقافةَ، الحُرَّةَ والمُنفَتِحَةَ، تَصنعُ السَّلام". فهلاَّ يَسمعُ "مَن له أذنان صاغِيتان"، أم أنَّ الطَّرَشَ غَدا سِمَةَ العَصر؟!
وفي مداخلة فاطمة ذياب مفاتيح السماء على حافة حلم جاء:
أراه الشاعر مُصادِرًا جسد الأرض على حافة حلم، وفي "حالة هيام في الغمام غير المتناهي"، كما جاء في مقدمة الزميل نايف خوري. أحاول بدوري أن أقتني مفتاحًا من هذه المفاتيح المعلقة على شجرة الميلاد التي تزين الغلاف، لا لشيء إلاّ كي أسبر أنوار نصّ أثار الجدل، حتى وهو لم يزل نطفة في رحم نصّ، فكُفّر الشاعر كما كُفّر نصُّه، وتجاوزتُ المقدّمة كي لا تتداخل المفاتيح وتتوه في تبيان خاصّتنا من المفاتيح، وأقف أمام الجملة ص 27: "أوقفني الصوفيّ على حافة حلم/ كان هائمًا يحمل نهر الأردن مُتوّجًا من السماء/ قاصدًا أرض كنعان/".
من الذي أوقفه؟ الصوفيّ؟ أين؟ على حافة حلم؟ أي مابين يقظة ونوم يراه الشاعر هائمًا، يحمل فوق ظهره نهر الأردن إلى أين؟ إلى أرض كنعان؟ فلسطين لما تزل هي الأخرى في ذاكرة الشاعر وفي خاطرته أيقونة على حافة حلم هائم، ترتب ذاك لنهر المتدفق كي تغتسل من خطاياها، وما يفعل بها على مرأى وعلى مسمع دقات القلوب، بانتظار عدالة مُتوّجة من السماء، أو حتى بدعوة للصعود إلى العدالة نصًّا وحُلمًا وأمانيا، كي نخاطب تلك العدالة ونحاورها تمامًا كما يحاورنا الصدى والمدى.
هكذا يوحي إلينا النص بمفرداته البلاغيّة وصوره الشعريّة الشاعريّة، ويستفزّنا كي نحاول معه أن نجد لنا لغة أخرى تُشاغل الريح، حتى لو كانت هذه المُشاغلة والمُساءلة من خلال "قميص نخيطه من زفرات وأنين جسد الأرض، كي نصنع من أجسادنا نحن جسرًا نعبر فوقه إلى كلّ أولائك وهؤلاء، والذين نتمنى أن تدوسهم الخيول الجوامح من أمانيهم، والذين ما زالوا يَعْدون ما بين ريح وغمام، وتتوه الأمكنة والأزمنة في مناطق السراب". إذن هي لوحة من أماني الروحانيّات حبيسة تتصارع في ضجر، تستصرخ مداد حبره كي يلوّنها ويُخرجها بطاقة لولوج العوالم الأخرى، التي يختار أن يوظفها لخدمة أمانٍ على حافة حلم، فتغدو ملحمته شفافة مرهفة تحمل في رحمها أسمى آيات الغربة والمنافي. إنّها حقا مساحة من حلم، "كما اليمام تنام على شرفة بحر، وكما الأطفال تلهو بنشيد، إنه النشيد الآخر الذي يرسم ويُلوّن بأصابع الكائنات، ويعزف على أوتار غابات الريح، وأيضًا على أوتار الأفق الأبعد من مداه".
حين يعلن وهيب وهبة من بين حوافر التاريخ وضجيج الانتظار، أنّ الفرح العاصف أتٍ، أهتف وأنا كلي إيمان، وأعرف لماذا يحمل الصوفيّ فوق ظهره نهر الأردن، قاصدًا أرض كنعان، وعند حافة الحلم يا وهيب وهبة تتشابك الأماني والأحزان، فنرانا قد غدَوْنا نستقدم الصوفيّة المُطهّرة المُنزّهة من كلّ رجس، كي تطلعنا على ما وراء الأفق، وكي تخبرنا أننا على مرمى قصيدة، ونصل حنجرة الأماني، ونعلن أننا قد تمكنّا من القبض على الفرح، وأطلقنا العنان لنشيد الملكوت وإنني أصلي.
على حافة حلم نرجسيّ فوق صخرة تقاوم في وجه الريح، تظلّ الملحمة تُسابق حروفها الروحيّة، بانتظار المسيح القادم للخلاص، وقد هاله ما على جسد الأرض من جراح، "والتاج الأزرق في يديك وعينيك يشكّل الأرض"، وكأني بوهيب هنا مستغيثًا بالله أن يرسل أسرابًا من الملائكة، كي تنشر الحبّ والسلام والمحبّة، وكأني به خالق صورة لهذا الواقع المعيش، وهذه الحالة التي آل إليها بنو البشر، حيث عادوا إلى ما قبل الرسالات والرسل والأنبياء، والأنكى أننا بتنا نتكئ على عكاز معتقداتنا، وكلٌّ يُغلّب شرائعه تمامًا كما يُغني كلنا موّاله لليلاه ولمولاه ولشيخه وفتواه، حتى بات لكلّ عائلة شيخ، ولكلّ فرد قاضيًا يُفتي له ويُدرّسه أمورَ دينه ودنياه. ولا عجب في هذه الحالة من الضياع والتشرذم وعدم الاستقرار وغياب الطمأنينة والهدوء الروحيّ والنفسيّ، لا عجب أن يجلس وهيب وهبة ونجلس معه على حافة حلم نحاور الصوفيّ ويحاورنا، ونأخذه ويأخذنا الاستهجان "مستوطنا الأماني"، مشتعلا بشمس من وهج النار تصحو وتغفو على ملاعب القمر، وأيّ قمر وأي شمس هذه التي يرنو إليها الشاعر متداخلاً بين النص والحلم؟
وبقفزة سريعة الى الناصرة، يداه في الأفق الأبعد من مداه يطلبه حثيثا، ويرجوه رمزا على حافة أرجوحة تهتز في ليل معلق، "يرنو الى فرح يراقصه حتى طلوع الشمس وطلوع النهار، إذن في فورة من الحلم والرجاء يظل الشاعر مستندا الى الرمز والخلاص من ملحمة ميلاد السيد المسيح عليه السلام.
"يداه النبع الآخر عند المنحدر/ آتيا حاملا قناديل الكلمات ومصباح من بلور"، تلك إشارة ودلالة لا تحتمل الإيحاء أو التأويل، من أن رغبة الشاعر في أن يرى الأرض حقولا من حروف، وكروما من كلمات، وبساتين لغة تبشر بعالم جديد خالٍ من الحقد والأحقاد، هذا هو وهيب الشاعر الذي رأيته باحثا عن إنسانية الإنسان في مناشدة روحية تملؤه حتى الثمالة، وتُسكره حتى الوصول الى حافة حلم، فيعيش لحظاته تلك متنقلا متفردا في بحثه وخصوصياته، مستنبطا أسلوبا جديدا، كافرا بكلّ المسميات الأدبية الاخرى التي لم توصله، كما لم توصل رسالات الآخرين، وكان بعودته الى الروحانيات نصّا واسلوبا آخر سلاح يُصوّبه في وجه الواقع الذي يسعى لتغييره، مستخدما عذرية مريم من عذرية أرض كنعان، ونصرة الناصرة من نصرة المسيح، ومن البشارة بشرى لأمل قادم مع غناء جوقة الملائكة، "تراقص الخيول الغابرة"، أسمع صهيل الخيل الراكضة وراء جوق الملائكة، غذن هي الرموز مجتمعه تهفو اليها الروح، "تغادرنا أرواحنا ما بين الطرقات والمسافات وما بين الروح والجسد، "هي ثورة الأرض عاصفة في تبديل الفصول، وعادلة في تبديل الظلمات بنار العدل ومجد افراح المحبة"، وهنا أقول أن لكل أديب أو شاعر أو مبدع حرية الرؤيا واستحضار النص الذي يشاء، ما دام هذا النص لا يتعرض لعقائد الآخرين تجريحا أو حتى تلميحا بذلك، وأنا هنا لست في مجال حتى مناقشة التكفير وما قيل حول ذلك، لأنني لم أجد النص إلاّ ملتزما كل الالتزام بأدواته الفنية والإبداعية، وإن اختار الشاعر حياة السيد المسيح الحافلة بالعذابات، فإن هناك رسالة قوية مليئة بالرمزية الهادفة والصادقة لمدلولات القضية الأم، حيث وضع لنا وهيب وهبة من مداد حبر الكلمات ثورة الأرض، كما اعتادت ثورة الفصول وتبديلها، وكأني به يقول أن ما يحدث لنا جميعا في هذه البقعة الكونية، ما هو إلاّ نتاج ظلم ارتكبناه بحق أنفسنا ودينننا ودنيانا وعقائدنا وكينونتنا، وهنا أيضا أراه مسلما بمسلمات آنية لم تزل على أرجوحة حافة حلم، حين يقول: "أترك القصيدة وحيدة، أشعل شمعة أمام النجوم"، ص 36 مستقدما درب السيدة العذراء مريم، التي خصها الله بسورة مريم، تماما كما خصّ بيتها وآل عمران بسورة أخرى، وخص معجزة المائدة فأحببناها مريم، وأحببنا ولدها مخلصا مبشرا ونذيرا، "وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا"، هكذا إذن نجده النص كمرايا البلور وكما المنارة مستوطن بالوحي، والرمزية بنار النور سماء بيت لحم والسيدة تعانق الظلام، وهنا تتجلى براعة البلاغة في التماهي والتناص وحتى الاستعارة الصورية، فنرانا قضية تبحث عن مبيت قضية تطوف الشوارع والحارات والدول والمنظمات، وكلها صرخات ليل الريح تتبعها من كل حدب وصوب، هي قضية أنثى كان اسمها مريم، وكانت تحمل في رحمها روحا من الله نبيا قادما ومخلصا للعذابات.
هكذا قرأتها ملحمتك الشعرية، وهكذا سمعتها مع كل الأقاليم من ايام الفرس وانتشار المغول وهولاكو، وكل من طمع بها وجاءها غازيا، حتى آخر طامع لم يزل يجاهد بخطيئته، ولا يجد من يُذكّره أن الزمن العاصف آت وأنا كلي ايمان.
إذن هي رسالة لى أولادك القادمين الذين ظلوا والذين رحلوا، يقول وهيب "النور بين أيادينا يستوطن فضاءاتنا، ولكنا عمينا فلم نعد نراه"، أغلقت المدينة أبوابها ونامت ونام سكانها على العتمة، والشوارع والطرقات هاجرت المكان"، ومن هذه الظلمات ينبثق النور، "من تلك المغارة المتواضعة أشرقت شمس الحرية" ص 38، وفي ص 40 يعيدنا الشاعر الى القضية من جذورها، حين "تحضنه السيدة خوفا ويأتي الحلم كما الأسطورة، "خذ ما استطعت واحمل صغيرك وارحل أمامك مصر". لماذا مصر؟ وماعلاقة مصر بالذات مع السيد المسيح والسيدة العذراء والبشارة؟
هذه رموز أتركها على حافة حلم آخر يراوده عن نفسه، في ليل تأرجحت فيه الأحلام ما بين يقظة ونوم، وظللنا نحن وهواجسنا نشاغلها وتشاغلنا، الى "أن تستيقظ نفس الانسان وتخضع لمحبة الله".
هكذا من ملحمة ميلاد السيد المسيح عليه السلام نرانا قضية تطوف ارجاء مملكة أبناء كنعان، بلُغتها نصًا وروحا وقلبا وقالبا، على الأقل من وجهة نظر قراءة ذاتية، "وداخلُهُ زمن مضى، وخارجه زمن يأتي والإنسان يأتي ويمضي" ص 44، وعطر رذاذ الكلمات يشق جبين الصباح وعتمات الغسق. نهض الصوفي من عباءة الغيب مبتلا بالحكمة، متوجا بالدمع وقال، اتبعني.. وجهتي الآن طريق النور". خلاصة القول هي قضيتنا الأولى والأخيرة من خلال ميلاد السيد المسيح، في توظيف ينأى عن الابتذال، بل يرتفع كي يلامس أرحجوحة الواقع.
أخيرا أشكر الشاعر وهيب وهبة الإنسان ذا الحس المرهف وأقول، أتراني انحدرت في مداركي الى متاهات وأنفاق أخرى؟ هي محاولة وكلّ محاولة هي خطوة سفر من الاسفار، على هذه الأرض التي كانت ذات يوم، وأضحت في سفر وترحال.
أمّا فهيم أبو ركن فقال: في مداخلتي هذه لا أريد أن أحلل أو أشرح، فقد وضع المقدم الأستاذ نايف خوري إصبعه على نقاط هامة، مشيرا في البداية إلى العقيدة اللاهوتيّة والعمق الروحيّ والفكر السماويّ وتعظيم القديسين، ثم إلى البعد الجغرافيّ في النصّ كالتنقل ما بين القدس، طبريا، الناصرة، نهر الأردن، وبيت لحم وغيرها... وقد نوه الأستاذ نايف قائلا: "لم يتناقض كلامك مع أي فِقْرة من الإنجيل المقدس، بل أضفت ضوءًا عاطفيًّا وشعورًا تكريميًّا لكي يتنبه القارئ إلى كلّ كلمة قالها يسوع".
ثمّ استشهد برسالة يسوع عن المحبة، ويفسر قائلا عن خلاصة المسيحيّة: "فإذا أحببت لن يصدر عنك شر، وإذا أحب الجميع بعضهم بعضا فلن يصدر الشر أبدا ولن يبقى له وجود. وهكذا نصبح في حالة النعيم، السماء، الخير، وسائر القيم المطلقة".
لقد أردت أن أطرح تساؤلا: "لماذا توجه الشاعر إلى العمق الفلسفيّ اللاهوتيّ ليعبر عن أفكاره ومشاعره؟ ولا أبغي في هذه العجالة الإجابة على هذا التساؤل، إنما أنوّه إلى أن الشاعر لم يفاجئنا بهذا التوجّه، فقد كان توجه سابق في كتاب (المجنون والبحر) وكتاب (خطوات فوق جسد الصحراء) وتوجه سابق آخر في كتاب (الجنة)، وجاءت هذه القمة لتتوج مرحلة هامة في مسيرة الشاعر الأدبية تحتاج إلى دراسة عميقة، دراسة أكاديمية جادة، فربما نجد من خلالها الإجابة التي تلقي أضواء على زوايا هذا العمل، وترقى لتحليل أفكاره العميقة، هذا بالإضافة لصوره الشعرية المبتكرة، الجميلة والمعبرة عن الفكرة والغاية، والتي تدل على تمكن الشاعر من أدواته الشعريّة، ويكفينا أن ينهي الشاعر كتابه مع مقولة سامية وهي رسالة الإنسان التي يتركها بين يدي القارئ وهي المحبة.
واسمحوا لي أن أشير إلى نقطة واحدة، والتي تذكرني بالمثل القائل "شر البليّة ما يضحك"، وهي ترتبط في هذا النص بتجاوز مرحلة الغضب لدى الشاعر، ليصل إلى مرحلة الفرح بدل الغضب، فعندما يتجاوز الإنسان مرحلة الغضب ويكبح جماحه ويسيطر عليه، يصل مرحلة الفرح، وكلنا نذكر أغنية فيروز وجملتها الشهيرة: "الغضب الساطع آتٍ"، ولكن الشاعر استعمل الفرح بدل الغضب فقال: "الفرح العاصف آتٍ"، وهذا يخلق لدى القارئ إيحاءات ودلالات عميقة. لقد أحببنا الكتاب بمقدمته، ونصه وخاتمته التي جاءت مسكا من الدكتور فهد أبو خضرة، فجاء عملا متكاملا سعدنا به وأحببناه كما نحب صاحبه ونسعد به دائما.
 وبعد إضافات الزميلات ومداخلات الزملاء، كان للمحتفى به الشاعر وهيب نديم وهبة كلمة جاء فيها:
بداية.. أشكر  ربي الذي وهبني موهبة الكتابة التي منحتني محبة الزملاء والأصدقاء والأحباب، وهنا في هذه الأمسية الرائعة، أشكر الصديق الشاعر رشدي الماضي على الكلمة الطيّبة بحقي وأنا مدين لهُ، فهذه هي الأمسية الثانية التي يحتفي بها بإصدار لي، وشكر خاص للدكتور الشاعر فهد أبو خضرة رئيس المنتدى الذي خصّني بقصيدة كتبت خصيصّا لمفاتيحِ السماء، ورافقني بالمودة بالرغم من كلّ صعوبات الإصدار.. شكرا من الأعماق.
تحية مع فائق المودة والاحترام لصديقي الأديب نايف خوري الذي كان معي منذُ الكلمة الأولى، وترك كما قالت الشاعرة الرائعة آمال عوّاد رضوان مفاتيحَ السماء في قبضة يدي.
والآن أنتِ أيتها الشاعرة الفراشة آمال عوّاد رضوان تهيمين بين حقول المخيلة وبين واقعيّة النقد، أترك بين يديكِ مفاتيح النصّ وأنسحب..
تحياتي وتقديري لصديقي الشاعر جورج جريس فرح الذي هتف وهو يصمم الكتاب ويقوم بالمراجعة، حقا هذا النص سوف يكون لهُ مكانه مرموقة.. ضحكتُ عندها لهذه المجاملة اللطيفة، حتى أتى التكريم والجائزة من لبنان، وهنا أشكر دار ناجي نعمان التي منحتني جائزة الفضائل الإنسانيّة لعام 2012، وأتمنى أن أقدم لهذه الدار الكريمة في العام القادم هديّة أدبيّة تليق بها.
وأخيرًا وبداية.. أشكر زوجتي سامية والأهل والأصدقاء والزملاء، بكم ومعكم تسمو الكلمة ويسمو اسم الله. 
تحية خاصّة للصديق أمين القاسم مدير مركز تراث  البادية، على الجهد المبارك المبذول من أجل نجاح الأمسية ورفع مكانة الأدب والثقافة، وتقديري ومودتي للجميع.                   
                           
 


 
30  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / عطر المكان يفوح وجعًا في قرى فلسطين المهجرة! في: 08:32 30/05/2012
عطر المكان يفوح وجعًا في قرى فلسطين المهجرة!
آمال عوّاد رضوان




تتزامن الأحداث ما بين بسمة ودمعة ومحبة ولوعة مع تفاصيل الحياة الفلسطينيّة ودقائقها ونكبتها، ويُقيم نادي المحبة في عبلين معرضًا للصّور الفوتوغرافيّة، تحت عنوان عطر المكان لقرى مُهجَّرة، كان قد نظمه مسؤولو وداعمو نادي المحبّة، والذي تمّ افتتاحه بتاريخ 21-5-2012 في عمارة المركز التجاريّ - وقف الروم الأرثوذكس، ليتمّ اليوم اختتامه!
"عطر المكان" لقرى مُهجرة، بعدسة الدكتور جبّور جريس خوري من عبلين، وصور من الطبيعة بعدسة مجدي عساف من معليا، ولعطر المكان حنين خاصّ للماضي وللمكان وللإنسان، ولعدسة د. جبّور رنين خاصّ في الذاكرة الفلسطينيّة ببعض ما التقطته من قراها المُهجّرة، تلدغ التهميش والتجاهل بوخزاتها، لتستفيق من غفوتها عقود ستّة ولّت من زمن النكبة، وظِلال المكان لا زالت تعبق بعطرها النافذ وبحسرة شعبها الدامع، فتشيعُ في النفس همسات حزينة، لكنّها تحمل التحدّي والآمال، فرغم الإهمال ما انفكّ فستان طبيعتها المهلهل الرّثّ يزخر بالجَمال والصّفاء والخضرة والحياة، لتعمّق في عين رائيها قيمة تثقيفيّة وجَماليّة، وتُرسّخ في بواطن فِكره وذهنه الحاضر جذورَ الماضي وفضاءَ المستقبل والوطن.
قام عدد من أعضاء جوقة الكروان العبلينية وعدد من أعضاء النادي النسائي الأرثوذكسيّ العبيلينيّ بزيارة المعرض، لدعم نادي المحبّة ومؤسّسات عبلين الثقافية والخيّرة، والتي تسعى إلى تواصل الأجيال وربط حاضرها بماضيها ومستقبلها.
تحدث د. جبّور خوري عن بداية اهتمامه بالتصوير الفوتوغرافيّ، من خلال رواية للأديبة الفلسطينيّة سوزان أبو الهوى كتبتها بالإنجليزيّة وتُرجمت للإيطاليّة، وعن تجاربه ومتعته وإصراره في متابعة التصوير من زوايا مُحدّدة، رغم المصاعب والمخاطر الكثيرة التي ترافق جولاته التصويريّة في القرى الفلسطينيّة المهجّرة، وتأبى هذه العدسة المجنونة إلاّ أن تعيدنا إلى شريط النكبة ومرارته عام 1948، وأعود لأفتح بطون المواجع والمراجع الفلسطينيّة، وأيّام الرعب والترهيب والشتات، حيث تمّ ما يربو عن 35 مجزرة بالشعب الفلسطينيّ، وتهجير 530 بلدة فلسطينية من آهليها، معظمها في الجليل، وتبلغ مساحتها 18.6 مليون دونم، أي ما يعادل 92% من مساحة ما يسمى "إسرائيل"، وكان لهذه العدسة الجامحة أن تلتقط بومضاتها الثاقبة معالم ألم صارخ فوّاح محفور في المكان، كأنّما تؤنب ضمائر أهل الكهف مَن غطّوا في سباتهم المأفون!
قرية البروة المُهجّرة:
حالاً يتبادر إلى أذهاننا ابنها محمود درويش، وأهمّ مآثر سكّانها المشهورة، حين ساهم مسلموها في تعيين كاهن لمسيحيّي البروة الخوري جبران، ووقّعوا على عريضة موافقة وأرسلوها إلى البطريرك الأورشليميّ، لأنّه سيمثل كلّ البروة وسيكون خوري البروة، فتأثر البطريرك بكلامهم ووافق على تعيينه!
البروة قرية فلسطينيّة مهجرة تابعة لقضاء عكّا، تقع على بعد 10.5 كم، عرفت باسم برويت عند الصليبيّين، وانتزعها العثمانيّون من المماليك في القرن السادس عشر الميلاديّ، وفي القرن التاسع عشر كانت البروة كبيرة تضمّ مسجدًا وكنيسة ومدرسة للبنين، وفي الانتداب البريطانيّ بُنيت أيضا مدرسة للبنات، وروى الكاتب صبحي ياسين انه في 19-7-1938 قام عدد من المجاهدين بوضع لغم عند مفرق قرية البروة، وحين مرّت ثلاث سيارات عسكريّة آتية من مدينة عكا ومتجهة نحو قرية سخنين، انفجر اللغم ممّا أسفر عن مقتل 12 جنديًّا، من بينهم قائد معسكر سخنين، وجُرح خمسة، فعادت السيّارتان الباقيتان إلى عكا، وحضرت بعد ذلك قوّات كبيرة شرعت في القيام بأوسع عمليّة تخريب ونسف وتنكيل واعتقال في البروة وشعَب والدامون، سُمّيت "موقعة الصبر"، لأنّ القوات البريطانيّة جمعت رجال القرية وأجبرتهم على قطع ألواح الصبر، ثمّ قامت بإلقائها عليهم، وفي 11-6-1948 احتلها اليهود واستولوا عليها، وطُرد أهلها وصاروا لاجئين، وبُني على أرضها كيبوتس أحيهود وياسور عام 1949 و1950.
قرية الخصاص المُهجّرة:
تقع في قضاء صفد إلى الشمال الشرقيّ وللغرب منها تل البطيحة يرتفع (164) متر، على نهر الحاصبا بين مفرق الحدود الفلسطينيّة اللبنانيّة السوريّة، وتنتشر أشجار الفاكهة بمحاذاة مجرى الحاصبانيّ من جهة الشرق، وشجر الزيتون في غرب القرية، وقد طُرد السكّان من قريتهم عام 1949م إلى جبل كنعان، ثم إلى وادي الحمام، وبقوا حتى سنة 1952م، فرفعوا شكوى إلى محكمة العدل لإعادتهم إلى قريتهم وصدر الحكم بإعادتهم، ولكن السلطات العسكريّة أصدرت أمرًا آخر بإخراجهم لأمور أمنيّة.
قرية ميرون المُهجّرة:
هي واحدة من قرى قضاء صفد، وقد ذكرها الجغرافيّ العربيّ الشهير الدمشقي في القرن الرابع عشر للميلاد، فتقع في السفح الشرقيّ لجبل الجرمق أعلى جبال فلسطين على منطقة صخريّة خفيفة الانحدار، وتطلّ على تلال الجليل الأعلى، حيث يمرّ في المنطقة الجنوبيّة من القرية وادي ميرون، وبالقرب من القرية بعض الخِرَب يعود تاريخها إلى أوائل عهد الرومان والقرن الثالث عشر الميلاديّ، فيها قبور محفورة بالصخر وصهاريج مياه وغيرها من الآثار القديمة، وكان أهلها يعتاشون من الاعتناء ببساتين الزيتون، حيث تتواجد بكثرة في القرية ومن كلّ جوانبها وبالذات شمالها الشرقيّ. ذكَرَها الرحّالة بيدكر عام 1912 فقال: "إن ميرون قرية قديمة على يبدو وسكانها من العرب المسلمين"، وفي الإحصاء السكانيّ عام 1931 كانت ميرون تشمل حارتين؛ حارة العرب إلى الشمال الغربيّ تضمّ نحو 259 عربيًّا، وحارة اليهود حيث كانت قائمة بالقرب من المقام "الكهف"، حيث يرقد الحاخام بار حاي كما يعتقد اليهود وتضم 31 يهوديًّا، وكانت الحارتان متقاربتيْن، وعام 1945 أشارت الإحصاءات إلى أنّ جميع السكان في ميرون هم من العرب، لكّنهم طُردوا على مرحلتيْن، الأولى بعد سقوط مدينة صفد بيد "الهاغاناة" في 10-5-1948،  والثانية في 29-10-1948 بعد سقوط ميرون ضمن عمليّة "حيرام" التي استهدفت قرى قضاء عكا، وبعد قصفها وقصف ترشيحا بثلاث طائرات، وعام 1949 أُسّست مستعمرة "ميرون" إلى الشمال من موقع القرية العربيّة ميرون.
قرية دير القاسي المُهجّرة؛ زنبقة الجليل:
في أقصى شمال فلسطين في الجليل، في العهد العثمانيّ كانت بلِواء صفد، وفي عهد الانتداب البريطانيّ تبعَت قضاء عكا، ويصل أقصى ارتفاع في الشمال الغربي للقرية 753 م جبل سراج وقلاع الراهب وتلّ الرويس، وتمرّ في القرية طريق تقسم القرية إلى حارتيْن شرقيّة وغربيّة يصل إلى ترشيحا وسحماتا وفسّوطة إلى الأراضي اللبنانيّة. تبعد عن عكا 20 كم شمال الشرقيّ و5 كم جنوب الحدود اللبنانيّة تحيط بها من الشمال أراضي فسوطة والمنصورة، ومن الغرب أراضي إقرث، ومن الجنوب أراضي ترشيحا وسحماتا، ومن الشرق حرفيش والقرى اللبنانيّة القريبة منها رميش، عيتا الشعب، وتربيخا ،وتتزوّد القرية بالماء من الينابيع المجاورة مثل ينبوع وادي الحبيس وعين البخرة وبركة ماء كبيرة في الحارة الشرقيّة.
في القرية مقام الشيخ جوهر ومقام أبو هليون وزاوية للطريقة الشاذلية، وفي كلّ حارة جامع، ومناخ دير القاسي بارد ممطر شتاءً، ومعتدل في الربيع وحار بالصيف، تعتمد القرية في معيشتها على الزراعة البعليّة، كزراعة القمح والشعير والذرة والتبغ، والتين والزيتون، وقد احتلها الصهاينة في 20-10-1948، حيث نزح الأهالي القرية إلى لبنان.
قرية عكبرة المُهجّرة:
تقع 2 كم جنوب صفد، وقد سقطت في 9-5-1948، وتُعدّ القرية ذات موقع أثريّ يحتوي على جدران متهدّمة وصهاريج ومعصرة زيتون وقبور وناووس مزدوج منقور في الصخر قرب عين صالح، بالإضافة إلى خربة العقيبة في الجنوب الشرقيّ على ارتفاع 464 م عن سطح البحر، وتعنى سفح الجبل التي كانت تقوم عليها (قرية عكبر) في العهد الرومانيّ تحتوي على أساسات، حجارة منحوتة ومبعثرة، معاصر خمر، وحظائر، وكانت مأهولة في العهد العثماني (1904م)، وكان بعكبرة مسجد واحد ومدرسة للذكور، وعُرفت في العهد البيزنطيّ بأشبار، وما زال خمسة عشر منزلا من المنازل القديمة قائما في الموقع، فضلاً عن مبنى المدرسة، ولم تقم مستوطنة على أرض عكبرة. كانت تنتشر على طرفي وادي عميق يمتدّ من الشمال الى الجنوب وبعد الوادي تل يواجه القرية، وكانت طريق ترابية تصل عكبرة بمدينة صفد المجاورة، وإلى الجنوب الشرقيّ من عكبرة كانت خربة العقيبة، التي يُعد موقعها مطابقًا لموقع قرية أخاباري الرومانيّة عام 1904، وهذه الخربة قرية آهلة (سالنامة ولايت بيروت في عام 1322 ه ص 194)، مذكورة في (د 6/2 : 183) في أواخر القرن التاسع عشر، كانت قرية مبنيّة بالحجارة، وكان معظم سكانها من المسلمين، وقد نُقّب في الخربة المجاورة، فظهرت أثار لأسس أبنية دارسة وحجارة منحوتة ومعاصر للخمر.
قرية الجاعونة المُهجّرة:
الجاعونة تقع على سفح جبل كنعان وتشرف على غور الأردن من الجهات كافة ما عدا الغرب، قريبة من الجانب الغربيّ لطريق عامّ يوصل إلى صفد وطبريّا، وعام 1596 كانت الجاعونة في ناحية جيرة لواء صفد، وعدد سكانها 171 نسمة، وكانت تؤدّي الضرائب على عدد من الغلال كالقمح والشعير والزيتون، بالإضافة إلى عناصر أُخرى من الانتاج والمستغلات كالماعز وخلايا النحل وطاحونة تعمل بالقوّة المائيّة. في أواخر القرن التاسع عشر كانت الجاعونة مبنيّة بالحجارة، وعدد سكانها 140-200 نسمة يعملون في زراعة التين والزيتون كلّهم من المسلمين، فيها مدرسة ابتدائية للبنين أُسّست أيّام العثمانيّين، وعلى الرغم من قلة موارد المياه عندهم، فقد كانوا يزرعون الحبوب والزيتون والتين الهندي والعنب.
كان مصير الجاعونة وثيق الارتباط بمصير مدينة صفد المجاورة، ويقول المؤرخ الإسرائيلي بِني موريس أن نزوح سكان الجاعونة كان حدث في وقت ما قبل 2-5-1948، وأُفرغت من سكانها في 9-6-1948 إبان الهجوم النهائي على صفد، وعلى الرغم من الاحتلال الصهيونيّ للجاعونة، فقد بقي بعض سكّانها فيها حتى حزيران 1949، وطُردوا منها بالقوّة بعدما أرغمت شاحنات الجيش الإسرائيليّ السكانَ على الصّعود إلى الشاحنات، وأفرغتهم منها على سفح تل أجرد بالقرب من قرية عكبرة المهجرة، واليوم باتت مستعمرة روش بينّا تحتلّ موقع القرية، وقد بقي الكثير من منازل القرية قائمًا؛ بعضها يشغله سكّان المستعمرة، وبعضها الآخر حجريّ مهجور ومدمّر، ولأحد المنازل باب تعلوه قنطرة.
قرية الصفصاف المُهجّرة:
تقع بين قريتي الجش وميرون على ارتفاع 750 م عن سطح البحر شمال غرب صفد بحوالي 9 كم على الحدود الشرقيّة لقضاء عكا، وتبلغ مساحة أراضيها 7391 دونما، تحيط بها أراضي قرى الجش، ميرون، قديثا وبيت جنّ، وكان عدد البيوت داخل البلدة عام 1931 (124 بيتا)، وكذلك مدرسة ابتدائية للأولاد، وتعود ملكيّة أراضي البلدة لسكانها العرب، حيث لم يسكن أيّ يهودي أرض الصفصاف إلاّ بعد سقوطها واحتلالها يوم 29-10-1948، ولا زال في الصفصاف 3 بيوت قائمة حتى يومنا هذا، وهي محتلة من اليهود وتستعمل كمخازن للمزارعين اليهود في مستعمرة صفصوفا والتي أقيمت على أراضي البلدة، وكانت أراضي الصفصاف مقرّ قيادة منطقة صفد في حرب 1948، ومثلها مثل الكثير من القرى التي قاومت حتى الرمق الأخير، وكان نصيبها مجزرة رهيبة ذهب ضحيّتها الكثير من الشهداء أُعدموا رميًا بالرصاص، ثمّ وضعت جثثهم في بئر البلدة وطُمرت إلى الأبد، وكانت تسمى سفسوفا (Safsofa) أيام الرومان، وكانت تؤدّي الضرائب على عدد من الغلال كالقمح والشعير والزيتون والفاكهة، والماعز وخلايا النحل، وكان سكانها كلهم من المسلمين، لهم مسجد وسطها وبضعة دكاكين، ومدرسة ابتدائيّة أُنشئت أيّام الانتداب، وكانت الزراعة عماد اقتصاد الصفصاف، وكان شجر الزيتون وغيره من الأشجار المثمرة يُستنبت في الأراضي الواقعة شمالي قرية الصفصاف.
قرية سحماتا المُهجّرة:
تقع في قلب الجليل الأعلى إلى الشمال الشرقيّ من عكا وتبعد عنها 17كم، أزيلت عام 1948م وأُقيم على أراضيها المسلوبة (موشاف حوسين) عام 1949م، يمرّ بمحاذاتها طريق عام يربطها بمدينة صفد، وبمدينتي نهاريا وعكا وبعض القرى، تحدّها قرية ترشيحا غربًا، وكفر سميع والبقيعة جنوبًا، وبيت جن جنوب شرق، وحرفيش وسبلان شرقًا، ودير القاسي وفسوطة شمالا، وذكر المؤرخ الفلسطينيّ مصطفى الدباغ في كتابه "بلادنا فلسطين" أنّ أصل تسمية سحماتا قد يكون قد حرّف من "سماحا" السريانيّة بمعنى النور والإشراق، أمّا الشيخ سمعان، أبو عفيف (1912-1999) فيقول:
كانت القرية القديمة موجودة على الجهة الشماليّة من القرية الحاليّة، وكان فيها كنيسة يعود تاريخها إلى ما قبل أكثر من 1500 سنة وكان اسمها قرحاتا، يمكن الاسم بيزنطي، وكان يعيش فيها وجيهٌ اسمه متى، مرض متى مرضًا قويًّا وعجز المطبّبون عن علاجه، فنقلوه إلى تلة جنب القرية، فيها هواء نقيّ وماء نظيف وطبيعة حلوة، بعد فتره شفي وصارت الناس يقولون: "صح متى، صح متى"، بعدها تحوّلت الصّاد لسين، وصارت سحماتا.
كان أغلبيّة سكانها من المسلمين، ولكنها كانت مثالاً يحتذى في التسامح والترفع عن الطائفيّة والتعصّب الدينيّ، ورغم وجود ثلاثة مخاتير فيها فكانت الكلمة الأخيرة للمختار قيصر السمعان، إذ كان موضع ثقة الناس ومرجعًا لحلّ مشاكلهم، حتى المعاملات الشرعيّة كانت تتم عن طريقه، لدرجة جعلت القاضي الشرعيّ في عكا يلفت نظر مشايخ سحماتا إلى هذه الظاهرة، فما كان منهم إلا أن لخّصوا موقفهم بكلمات بسيطة مُعبّرة: "نحن على دين قيصر"، فأُعجب القاضي بهذا الموقف ووعدهم بأنه سيعطي الأولويّة للمعاملات التي تحمل توقيع قيصر السمعان.
اشتهرت سحماتا بزراعة الدخان والحبوب والتين والصبر والعنب، وأشجار الزيتون والسنديان والبطم والزعرور، فكانت سحماتا بهجة للناظر، وتكوّنت سحماتا من حارتين أساسيتين تفصل بينهما البرك وساحة القرية الرحبة التي كانت تشهد ليالي الأعراس؛ فالحارة الغربية (التحتا) يتوسطها المسجد والكنيسة، وكانت تضمّ المدرسة الابتدائية التي اسسها العثمانيون في العام 1886، والدراسة فيها كانت حتى الصفّ الرابع، وتضم أيضًا المنزول (الديوان)، والحارة الشرقية (الفوقا) التي تقع في أعاليها القلعة التي بناها الصليبيون، وفي القرب منها جنوبًا كانت المدرسة الزراعية التي تأسست أيّام الانتداب البريطانيّ تحيطها حديقة مساحتها عشرة دونمات لتدريب الطلاب على طرق الزراعة العمليّة، تربية الدواجن (الدجاج والحمام)، وتربية النحل بالأسلوب الحديث، ولكن لم يفلت أهالي سحماتا من تعذيب وهمجيّة جيوش الانتداب البريطانيّ، خاصّة أنّ أهالي سحماتا ناضلوا وثاروا ضد الانتداب وتحيّزه للحركات الصهيونيّة.
تمّ إسكان اليهود في بيوت سحماتا إلى أن تمّ الانتهاء من بناء مستوطنات لهم على أراضيها، بعد ثلاث سنوات، دُمّرت القرية تدميرا كاملا حتى يفقد الأهالي الأمل في العودة إليها، وأقيمت على أراضي سحماتا مستوطنتان هما: (حوسن وتسورئيل)، والجناح الشرقيّ من مستوطنة (معلوت)، وكذلك البحيرة الاصطناعيّة.
قطع الأهالي عهدًا على أنفسهم للقيام بأعمال تطوّعية أسبوعيّا للمحافظة على المقدّسات والمقابر، التي لم تتورّع السلطات عن تدنيسها وإدخال الأبقار والحيوانات إليها، فقام المستوطنون بسرقة شواهد القبور وآثار سحماتا ووضعها في ساحات بيوتهم للزينة، وما زال مُهجّرو سحماتا يخوضون معركتهم من خلال جمعيّة أبناء سحماتا التي تأسست عام 1996، فقِسم منهم وصل إلى سوريا وضواحي دمشق، والغالبيّة منهم حطّت بهم الرحال في مخيّمات لبنان وبعض مدن وقرى لبنان، وبقاع العالم كبقية لاجئي فلسطين.
قرية الكويكات المُهجّرة:
قرية عربيّة ساحليّة تقع على بعد تسعة كم شمال شرق مدينة عكا الساحليّة في لواء الجليل العربيّ، ترتفع (55) متراً عن سطح البحر، وتنتشر على تلٍ قليل الارتفاع في الجزء الشرقيّ من سهل عكا، وطرق فرعيّة تربطها بطريق عكا صفد العامّ وبالقرى المجاورة، وكان الصليبيّون يسمّونها (كوكيت)، والرحّالة الذين زاروها في أواخر القرن التاسع عشر وصفوها بأنها قرية مبنيّة بالحجارة تقع على سفح أحد التلال، وكان عدد سكان الكويكات عام 1881 م 300 نسمة، يزرعون الزيتون جميعهم من المسملين، وفيها مدرسة ابتدائيّة بناها العثمانيّون عام 1887، ومسجد ومقام للشيخ الدرزي أبو محمد القريشي، وبسبب قرب القرية من عكا استطاع سكّانها الاستفادة من الخدمات التربويّة والطبيّة والتجاريّة المتاحة في المدينة، وكانت الآبار تمدّ القرية بالمياه للريّ وللاستخدام المنزليّ، وأراضيها تعتبر من أخصب أراضي المنطقة، وكانت الحبوب والزيتون والبطيخ منتوجاتها الرئيسية، وتربية الدواجن وإنتاج الألبان، وكانت المواقع الأثريّة في سحماتا وجوارها وتل ميماس تضمّ خزانات قديمة للمياه، ومعاصر للعنب ومدافن محفورة في الصخر.
قرية هوشة المُهجّرة:
قامت على تلال قليلة الارتفاع فاصلة بين سهل حيفا ومرج ابن عامر، يمتدّ الى الغرب منها واد واسع يُشكّل الحدود بينها وبين خربة الكساير، وذهب بعض الباحثين إلى اعتبارها مُطابقة لبلدة حوصة التوراتيّة، من مواطن سبط بني أشير الإسرائيليّ، وقد صُنفت هوشة مزرعة في معجم فلسطين الجغرافيّ المفهرس زمن الانتداب، ومنازلها تتجمع على شكل العنقود حول مركز القرية الذي كان فيه صهريج مياه، وكان سكانها من المسلمين يشاركون خربة الكساير المجاورة في مقبرة، أمّا اقتصاد هوشة فكان يعتمد على الزراعة وتربية المواشي، وكانت الحبوب أهم محاصيل القرية وتزرع في الأراضي الجنوبيّة الغربيّة للقرية، كما خُصّصت مساحة صغيرة إلى بعض الخرائب القديمة العهد، منها أسس أبنية دارسة ومقام لنبيٍّ يدعى هوشان، وبئر وقبور منقورة في الصخر وأرضيّات من الفسيفساء.
دُمّرت هوشة وسُيّجت المنطقة وأُعلنت موقعًا أثريًّا، ولم يسلم منزل واحد في القرية من الهدم، مع أنّ حيطان عشرين منزلا تقريبًا بقيت قائمة، وما زالت أُطر النوافذ والأبواب في الأبنية الحجريّة بادية للعيان، وتنتصب شجرة نخيل وحيدة في الموقع الذي غلب عليه شجر التين ونبات الصبّار، واستمرّ البدو المقيمون في الجوار يستعملون المقبرة الواقعة جنوبيّ الموقع، وثمّة مقام قريب وبستان سرو شمالي الموقع.
قرية الخصاص المُهجّرة:
تقع في الجزء الشمالي من سهل الحولة، على مصطبة طبيعية عرضها مئة متر تقريبًا، تشكلت قبل آلاف السنين من تقلص بحيرة الحولة القديمة، والتي كانت ذات مرة تغطي حوض الحولة كله، وكان نهر الحاصباني يمرّ إلى الغرب من الخصاص شاقا مجراه عبر الجبال، طريق فرعية تصل الخصاص بطريق عامّ يؤدي إلى صفد وطبريّا، وقد وصف الجغرافي العربيّ ياقوت الحموي (توفي سنة 1229) الخصاص بأنّها من قرى بانياس السوريّة، وعام 1945 كان عدد سكانها في موازاة نهر الحاصباني، بينما كان شجر الزيتون مغروسًا في الجهة الغريبة، وفيها مقام لشيخ يدعى عليّ يقع في الجوار، وبضعة قبور منقورة في الصخر، وتُعدّ الخصّاص ذات موقع أثريّ يحتوي على مدافن منقورة في الصخر ونحت في الصخور، وللغرب من القرية يقع تل البطيخة يرتفع 164 م عن سطح البحر، ويحتوي على تل أنقاض، شقف فخار على وجه الأرض، وحجارة مبعثرة.
قرية الحسينية المُهجّرة:
كانت مبنية على تل قليل الارتفاع، في الركن الجنوبيّ الغربيّ من سهل الحولة، وفي الجانب الشرقيّ من طريق عام يفضي إلى صفد وطبرية. وقد لحظ الجغرافي العربي ياقوت الحموي (توفي سنة 1229) قِدم أبنيتها، وامتدح واحدًا منها زعم أنه كان في الأصل هيكلاً، وربما كان بناه سليمان؛ وكان ماؤه شديد الحرارة، لكنه صاف تمامًا وعذب، يتدفق من كلّ واحدة من كوى البناء الاثنتي عشرة، وكان الماء الدافق من كلّ منها يشفي بحسب ما قيل من داءٍ مخصوص، واعتبره الحمويّ موضعًا من عجائب الأرض، وكانت منازلها مبنيّة بالحجارة، وفيها مدرسة ابتدائية تشاركها فيها قرية تليل المجاورة، وأراضيها خصبة وغنيّة بالمياه الجوفيّة والسطحيّة المستمدّة من الينابيع والجداول والآبار الارتوازيّة، وكان سكانها مسلمين، ويعتمدون في تحصيل رزقهم على الزراعة وتربية المواشي.
قرية الغابسيّة المُهجّرة:
كانت مبنيّة على تل صخري ينتأ من سهل عكا، وكانت تقع عند أسفل جبال الجليل الغربيّ إلى الجنوب تمامًا من طريق عام يربط ترشيحا بمستعمرة نهاريا وبعكا، والكهوف الكثيرة استخدمت كمقابر، وكانت آهلة في العصر الكنعاني، وفي أواخر القرن التاسع عشر كانت الغابسيّة مبنيّة بالحجارة على قمّة تل، وكان عدد سكانها 150 نسمة تقريبًا وتحيط بها أشجار الزيتون والتين والرمّان والبساتين.
كانت القرى الثلاث الغابسيّة والشيخ داود والشيخ دنون قريبة جدًّا من بعضها، والشيخ داود والشيخ دنون كانتا متداخلتين في بعض الأجزاء، أمّا الغابسيّة فكانت تقع على بعد 500 متر منهما، وكان السكّان كلهم من المسلمين، وكان في الغابسيّة مدرسة بناها العثمانيون في سنة 1886، وكانت منازل القرية مبنية بالإسمنت المسلح والحجارة المتماسكة بالطين والأسمنت، وكان اقتصادها يعتمد على تربية الحيوانات وزراعة الحبوب والخضروات والزيتون الذي كانوا يعصرونه في معصرتين تدران بالحيوانات، في الغابسيّة والشيخ داود.
قرية البصة المُهجّرة:
كانت القرية تقع على سفوح تلّ صخريّ إلى الشمال من وادي البصة، وكانت طريق فرعية تربطها بالطريق العام الساحليّ بين عكا وبيروت، ولعلّ اسمها مشتق من اللفظة الكنعانية (بصاة) وتعني المستنقع، وكان اسمها بيزيث في الفترة الرومانيّة، وأشار إليها عماد الدين الأصفهاني (توفي سنة 1201)، وهو مؤرّخ كان مُقرّبًا من السلطان صلاح الدين الأيوبيّ في كتاباته باسم عين البصّة، كانت تابعة لناحية تبنين لواء صفد، تزرع القمح والشعير والزيتون والقطن والفاكهة، بالإضافة إلى تربية الماعز وخلايا النحل والمراعي. كانت البصّة تقع في منطقة مدار نزاع، ما بين ظاهر العمر الذي أصبح الحاكم الفعليّ لشمال فلسطين لزمن قصير في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وبين زعماء جبل عامل، أمّا خليفة ظاهر العمر، أحمد باشا الجزار فقد جعل البصّة الناحية، وفي أواخر السبعينات من القرن التاسع عشر كانت البصة مبنيّة بالحجارة، ويسكنها 1050 نسمة تقريبًا، وكانت تقع على طرف سهل وتحيط بها بساتين الزيتون والرمان والتين والتفاح، وكانت جزءًا من لبنان قبل الحرب العالميّة الأولى، غير أنّها أُلحقت بفلسطين بعد الحرب عندما رسمت بريطانيا وفرنسا الحدود بين هذين البلدين.
توسعت البصة خلال الانتداب البريطانيّ لتشمل تلة الجبيل، وعام 1948 كان عدد منازل البصّة يفوق 700 منزل، وكلّ منزل يشتمل على غرفة واحدة واسعة ذات سقف عال، وحوش كبيرل لنشر الغسيل وحفظ الحيوانات فيه، والحوش يشمل غرفًا لحفظ الحبوب وعلف الحيوانات، وبئرًا تجمع مياه الأمطار فيها. وكانت المنازل القديمة مبنية بالحجارة ومتقاربة بعضها من بعض، ويفصل بعضها عن بعض بعض شوارع وأزقة مرصوفة حجارة، ويحصلون على مياه الشرب من أبار تتجمع مياه الأمطار، ومن نبع داخل محيط القرية ومن بئر ارتوازية حفرت في الأربعينات على بعد نحو 1.5 كم غربي القرية، والمنازل الجديدة التي بنيت بعد الحرب العالميّة الأولى فكانت مكوّنة من طبقتيْن، والحوش كان في الغالب يشتمل على حدائق منزليّة فيها أنواع من أشجار الفاكهة والخضروات، وفي فترة 1944\ 1945 كان عدد سكان البصّة وخربة معصوب المجاورة 1590 مسيحيًّا و1360 مسلمًا، وعام 1948 كان العدد يُقدّر بنحو 4000 نسمة، وكانت الزيادة تُعزى إلى فيض من المهاجرين من مناطق أخرى، وجدوا لأنفسهم أعمالاً في القواعد العسكريّة البريطانيّة القريبة، وإلى انخفاض نسبة الهجرة من القرية. كانت البصّة ثانية كبرى القرى في المنطقة من حيث عدد السكان، وقد أُنشئ مجلس فيها عام 1922، وأنشئت شبكة من قنوات المياه التي مدت منازل القرية بمياه الشرب، كما ساعد المجلس القرويّين في الشؤون الزراعية كاستئجار النواطير للحقول، وإرشادهم في شؤون الزراعة وتوقيت مواسم الحصاد لشتى المزروعات.
وكان في البصّة مدرسة ابتدائيّة رسميّة للبنين شيدتها الدولة العثمانية عام 1882، ومدرسة ثانويّة خاصّة ومدرسة ابتدائيّة رسميّة للبنات، وناديان رياضيّان ومسجدان وكنيستان وأضرحة ومقامات عدّة، ومنتزهات ومقاهٍ، وأسّس العمال في البصّة فرعًا محلّيًّا لاتحاد العمال الوطنيّ الفلسطينيّ، يُدافع عن مصالح العمال، ومتاجر تعاونيّة، وما يزيد على عشرين متجرًا تلبي حاجات القرى، وحِسبة أيّام الآحاد؛ سوق مفتوحة للمنتوجات بالجُملة والمُفرّق وسط البصّة، إضافة للحرف وصناعة الصابون، فضلاً عن العمل إجراء في القواعد العسكريّة البريطانيّة، والزراعة وتربية الحيوانات والمواشي والدواجن، وفي أوائل الأربعينات كان في البصّة تعاونيّة للفلاحين تملك الأدوات الزراعيّة وشاحنة وآلة للحصاد، وقد عثر على أثريّات داخل البصّة وخارجها، وبقايا قرية قديمة وأجزاء أرضيات من الفسيفساء، وبعض الآبار والقبور المنحوتة في الصخر، كما كشفت دائرة الآثار الفلسطينيّة عام 1932 مقبرة مسيحيّة عُثر فيها على نقود وزجاجيّات تعود إلى القرن الرابع للميلاد، وإلى جوار القرية ما يفوق على 18 خربة.
قرية النبي يوشع:
تقوم على تلال شديدة الانحدار بالقرب من مجرى واد صغير، مشرفة على سهل الحولة إلى الشرق والجنوب، وطريق تربطها وصلة مرصوفة بالحجارة بالطريق العام المفضي إلى صفد وطبرية، ومقام يعتقد أنه مثوى النبي يوشع، ففي أواخر القرن الثامن عشر، أنشأت أسرة من آل الغول إظهار التقوى وخدمة المقام، وكانوا يتألفون من خمسين شخصًا تقريبًا، وهم أوّل من أقاموا في الموقع وزرعوا الأرض المحيطة، وتحول الموقع لاحقًا الى القرية، وقد اختار البريطانيّون القرية في أثناء الانتداب موقعًا لبناء مركز للشرطة، وكان سكان النبي يوشع وجميعهم من المسلمين يقيمون موسمًا في الخامس عشر من شعبان، مماثلاً لموسم النبي روبين الذي كان يقام في قضاء الرملة، وكان سكان القرية يكسبون رزقهم من الزراعة.
قرية النبي روبين:
كانت تقع على الضفة الجنوبيّة لنهر روبين، وتبعد 3 كم عن البحر الأبيض المتوسط، ولها أهميّة عظمى لدى الفلسطينيّين، لأن فيها مقام النبي روبين الذي كان يُجلّ إجلالاً عظيمًا بموسم سنويّ، تقام فيه احتفالات إسلامية وشعبيّة، ففي التراث اليهوديّ كان روبين بِكر يعقوب من زوجته ليئة (التكوين 29: 32)، ولم يكن من غير المألوف عند المسلمين الفلسطينيّين أن يُجلّوا أمثاله من أنبياء العهد القديم ببناء المقامات لهم؛ فقد بنوا مقامًا للنبي موسى مثلاً جنوبي أريحا، غير بعيد عن الموضع الذي رُوي أنه دفن فيه، ومن المعتقد أنّ مقام النبي روبين أُقيم في موضع هيكل كنعانيّ، وأنّ الموسم نفسه يعود تاريخيًّا إلى أصل وثني قديم، وكان الموسم يدوم من شهر تموز/ يوليو إلى أيلول/سبتمبر، وكان أحد أكبر موسميْن لنبيّيْن من أنبياء العهد القديم. أمّا الموسم الآخر فكان موسم النبيّ موسى، وكان الناس يتوافدون إلى المقام من يافا واللدّ والرملة، ومن قرى المنطقة، ويُنشدون الأناشيد الدينيّة والدنيويّة/الشعبيّة، ويرقصون الدبكة ويقيمون الأذكار، ويشاهدون سباقات الخيل والألاعيب السحريّة، ويستمعون إلى الوعاظ أو إلى الزجّالة، وكان المشاركون في هذه الأنشطة يقيمون في خيام يضربونها حول الموقع، وتُقدَّم لهم المرطبات من مقاهٍ ومطاعم مؤقتة، ويشترون البضائع من أكشاك تقام هناك، وكان السكان من قبيلة أبو صويرة، المتحدرة من بدو المالحة الذين كانوا يعيشون في سيناء، وكانت مساحة أرض القرية المغطاة في معظمها بكثبان الرمل، ثاني أكبر مساحات القرى بعد يبنة في ذلك القضاء، وكانت تعدّ من جملة الأوقاف الإسلاميّة، وكان بعض منازلها مشيّدًا داخل بساتين الفاكهة، وقد بني بعض المتاجر ودار للسينما في جوار المقام، وكانت القرية تتزود بالمياه من عدّة آبار وينابيع، كما بُنيت فيها مدرسة ابتدائية للبنين عام 1946، كان يؤمّها 56 تلميذًا في أواسط الأربعينات، وكان السكان يعملون في زراعة الحبوب والحمضيات والعنب والتين وتربية المواشي، ويبيعون الطعام للزوّار أيّام الموسم، وكانت أشجار الكينا والأزدرخت (الزنزلخت) تنبت على ضفة النهر، وتغطي رقعة كبيرة من أراضي القرية، وفي أقصى الطرف الجنوبيّ الغربيّ من أرض القرية، كانت تنتصب منارة روبين المبنيّة على أطلال مرفأ يبنة القديم، الذي كان يُسمّى يامنيتاروم بورتوس-Iamnitarum Portus أيام الرومان، وقد كشفت التنقيبات الحديثة هناك عن سور من الطين المرصوص، مربّع الشكل على وجه الإجمال، طول ضلعه 800 م، ويعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد.


31  المنتدى الثقافي / دراسات، نقد وإصدارات / آمــال عـوّاد رضــوان تصدح شعرًا في قلعــة بيـت ساحـور! في: 13:01 27/05/2012
آمــال عـوّاد رضــوان تصدح شعرًا في قلعــة بيـت ساحـور!





 أقام نادي سيدات بيت ساحور بتاريخ 25/5/2012 أمسية شعريّة موسيقيّة، وسط حضور لافت ومميّز من السيّدات المثقفات، ومن المثقفين والمهتمين بالشؤون الثقافيّة والفنيّة والاجتماعية في مدينة بيت ساحور وبيت لحم، وعضوة المجلس البلدي جانيت إبراهيم، ومدير القاعة مجدي الشوملي، وذلك في مطعم قلعة بيت ساحور، ذاك المكان بعقداته العتيقة المميّزة، والذي كان يُشكّل مدرسة أرثوذكسية في مراحل سابقة، وكأنّما يوحي المكان بأنّ قلعة بيت ساحور ما زالت قائمة وتتجدد وتتواصل مع الثقافة والحضارة بكلّ جديد، ولم تتمكّن من محوها أشكالُ التطوّر العمرانيّ والثقافيّ الجديدة، ولا تقادُم الاجيال، وقد كانت تعطّر المكان في استقبال الوافدين معزوفاتٌ موسيقيّة بأنغام شجيّة، تعزفها على الفلوت الفنانّة هلا جابر؛ أستاذة الفلوت في معهد إدوارد سعيد للموسيقا.
قامت رئيسة النادي السيّدة ميّ جميل جابر بالترحيب بالحضور وبالشاعرة الجليليّة آمال عوّاد رضوان، وقالت بأنّ بيت ساحور بأمسيتها هذه تحتضن الشاعرتيْن آمال عوّاد رضوان وروز شوملي، لتجسّد بداية وانطلاقة نحو استضافات أدبيّة دوريّة هادفة بين أبناء الوطن الواحد، رغم سيل الممنوعات المتمثلة بحواجز المنع والتفتيش، وهنا يصدح الشّعر اليوم عبر كاتبة وشاعرة لها من المؤلفات، كما لها من الحضور الأدبيّ والفكري والإنسانيّ، وهنا في قلعة بيت ساحور يزدان التراث بالشعر والموسيقا في أمسية تمتاز بالخصوصيّة التي أرادها نادي بيت ساحور مَعبَرًا لأمسياته القادمة وأنشطته المختلفة.
وقد بدت الشاعرة والكاتبة روز الشوملي عريفة هذه الأمسية أكثر تأثرًا بالمكان، وقالت في معرض تقديمها للشاعرة آمال عوّاد رضوان للحضور: "في هذا المكان العتيق الحميم العابق بالتراث الأصيل يحلو الأدب والشعر والفن، ونحن إذ نلتقي اليوم بالشاعرة آمال عوّاد رضوان، نكسر حاجزًا هامًّا لطالما منَعَ التواصل بين أجنحة الوطن المختلفة".
وقدّمت الشاعرة روز الشوملي نبذة عن السيرة الذاتية للشاعرة الفلسطينية الجليليّة آمال عوّاد رضوان، مُعرّفة الحضور الذي غصّت به قاعة مطعم القلعة في مدينة حقل الرّعاة، بمسيرة الشاعرة وانطلاقتها فقالت:
الشاعرة آمال عوّاد رضوان من قرية عبلين في الجليل تصف نفسها بأنّها ليست سوى طفلةٍ خضراءَ، انبثقتْ مِن رمادِ وطن مسفوكٍ في عشٍّ فينيقيٍّ منذ أمدٍ بعيد! أتتْ بها الأقدارُ، على منحنى لحظةٍ تتـّقدُ بأحلامٍ مستحيلةٍ، في لجّةِ عتمٍ يزدهرُ بالمآسي، وما فتئتْ تتبتـّلُ وتعزفُ بناي حُزْنِها المبحوحِ إشراقاتِها الغائمةَ، وما انفكّتْ تتهادى على حوافِّ قطرةٍ مقدَّسةٍ مفعمةٍ بنبضِ شعاعٍ، أسْمَوْهُ "الحياة"!
ككل الشعراء، حينما تغويهم الكلمة ويتصيّدهم الإيقاع، اكتشفت مبكّرة آمال شهوة القراءة، فأسَرَتها حدّ التصوّف والتعبّد، وكانَ القلم المخفيّ في جيبِ سترتِها في جهوزيّة لاحتضانه، تكتب وتُمزّقَ ما خطّتْهُ ونسجَتْهُ مِن خيوطِ وجْدِها، لتمحوَ كلّ أثرٍ يُبيحُ للآخر أن يُدركَ ما يعتملُ في نفسِها.  
وكالشعراء الحقيقيّين كان التساؤل حول الذات والآخر والكون، في سياق وطن يرتعُ في شهقاتِ ألمٍ تعتصرُ أملاً مِن كرومِ المستحيل! تقول:
"سحر الكلمات" هو عجوزي المستعارُ، وراعي انتظاراتي المؤجّلةِ بفوّهةِ مغارتِهِ الخضراء، يحرسُ بتمائمِهِ ومشاعلِهِ عرائشَ كرومي، عندما تسلّقتْ عليها دوالي قلبي وذاكرتي المنهوبةُ، ونصوصي الوجدانيّةُ المكدّسةُ على رفوفِ فسحاتٍ تعذّرَ التقاطُها، وبعشوائيّةٍ لذيذةٍ انفرطتْ قطوفُ أساريرِها على أطباقِ البراءة عبْرَ صفحاتِ النّت، لتؤبّدَ دهشةَ صمتٍ عبَرَتْ كالرّيح، فوقَ ظلالِ الفصولِ والعمر، إلى أنْ كانتْ ومضةٌ مخصّبةٌ بأحضانِ سحابةٍ متنكِّرةٍ، تراذذتْ من جلبابِها "آمال عوّاد رضوان"، ومنذُها، وآمال لمّا تزل آمالُها حتّى اللّحظة.  
في مجال الشعر، لها ثلاث مجموعات شعرية، وفي الأنثولوجيا شاركت في جمع وتحرير ثلاث كتب تشكّل مرجعًا هامًّا لما خطته أقلام كتاب وشعراء، ونقاد فلسطين التاريخيّة، وشعراء عرب من شعر وشهادات، وقراءات نقديّة.
وجاء هذا التقديم مقدّمة لاعتلاء آمال رضوان منصّة الشعر، للتعريف بنفسها وتجربتها في استعراض لانطلاقتها الصّامتة من وراء الكواليس، قبل أن تقول كلمتها في المحافل الثقافيّة على صعيدَي الوطن وخارجه، فأعربت عن حبّها للشعر ولثقافة الوطن ومثقفيه من الجيل القديم الذي ما زال راسخًا في الوجدان، مشيرة في الوقت ذاته إلى أنّ جزءًا من الشعراء والأدباء لم يأخذوا حقهم الإعلاميّ والاعتباريّ والثقافيّ، لعدم ولائهم للحزب أو المؤسسة أو .. الخ.
وأظهرت الفقرة الثانية مستوى الترتيب العالي لهذه الأمسية، فحملت الفقرة الأولى لون الشعر والموسيقا، ودمجت بين الفن والإبداع من خلال تقديم مقطوعة موسيقيّة على الفلوت قدّمتها الفنانة هلا جابر، بعد أن أشارت الشاعرة روز الشوملي إلى عشق آمال عوّاد رضوان للموسيقا والغناء، بتعلّمها العزفَ على الكمانِ منذ تفتّحتْ أناملُ طفولتِها على الأوتار وسلالم الموسيقا، ومن خلال مداعبتها الأناشيد المدرسيّةُ والتّرانيمُ لحنجرتَها، كما عشقتْ الرّقصَ الشّعبيّ، وشاركت في فرقةِ دبكةٍ شعبيّةٍ، إضافةً إلى نشاطاتٍ كشفيّةٍ، فبدأت في جوقةِ المدرسةِ، لتنتهي في كورال "جوقة الكروان" الفلسطينيّة!    
وجاءت الفقرة الثالثة من الأمسية حول الشعر في تجربة آمال عوّاد رضوان، من خلال مجموعتها الشعريّة الأولى "بسمة لوزية تتوهّج" الصادرة في العام 2005، لتقدّم الشاعرة موجزًا عن هذه التجربة، ومقتطفات من قصائد ممّا تضمّنته هذه المجموعة الشعريّة.
واستعرضت الفقرة الرابعة من الأمسية المجموعة الشعريّة الثانية للشاعرة "سلامي لك مطرا"، عبر قصيدة عُصْفُورَةُ النَّارْ .. مُهْرَةُ الشِّعْرِ الأصِيلَة، فقال عن شعرها الأديب والناقد المصري د. إبراهيم سعد الدين:
 شِعر آمال عوّاد رضوان ليسَ كغيره من مألوفِ الشِّعْر.. لا لأنّ له طعمًا خاصّا ومذاقًا فريدًا ونكهةً مُمَيَّزةً فحسْب.. بل أيضًا لأنّه يحتاجُ قراءةً خاصّة، فهو ليس ذلك النوعُ من الشعر الذي تقرؤه على عجل، وتكتبُ عنه انطباعاتٍ سريعةً عابرة، وإنما ينبغي عليكَ أن تتهيَّأ لقراءته بكثيرٍ من الصبرِ والحَيْطةِ والحَذَرْ، فهو أشبه بوردةٍ برّيّة لن تتمكن من استنشاقِ عبيرها دون أن تُدْمِي أصابعك بوخز أشواكها، وهو أشبه بالعَسَل الجَبَليّ، لن تشعرَ بحلاوته المُسْكرة في فمك دون أن تحتمل لدغات النحل، ثمّ إنّه يتطلبُ من قارئه مراسًا ودَرَبَةً ومعايشةً واستئناسًا، فلا تتعجّل الكتابة عنه بعد قراءته، لأنه يحتاجُ منك قراءة ثانية وثالثة، وفي كلّ مرّة ستجد نفسك في حاجةٍ إلى معاودة النظر، والإطلال مرّة أخرى على هذا العالم، فكلّ قراءة جديدة قد تُقَرِّبُكَ منه خطوة، لكنها بالتأكيد لن تُسْلِمَك مفاتيح هذا العالم المليء بالرّموز والمجاهل والأسرار.  
قصارى القول أنك إزاء هذا العالم ينبغي أن تَسْتَنْفرَ كلّ حواسِّك، وتتسلَّحَ بكلّ ما يمكنك من نفاذ البصيرة وحدّة الإدراك وملكاتِ التذوق، فالقصيدة هنا أشبه بمُهرةٍ بَرِّيَّة جامحة، لا يقدر على ترويضها واعتلاء صهوتها غير خَيّالٍ أصيلٍ متمرّسٍ بالخيْلِ والشعرِ معًا.  
وتعرّضت روز الشوملي إلى المقدّمة التي وضعها د. إبراهيم سعد الدّين لمجموعتها الثانية "سلامي لك مطرًا"، حيث يقول عن تجربتها الشعريّة:
هي واحدة من تجارب التحديث الأصيلة للقصيدة العربيّة، لأنّها تتحرّر من بعض موروثات الشّعر العربيّ وتقاليده الرّاسخة دون أن تفرط في جوهره، بل على العكس من ذلك تنزع إلى إحياء ما تقادم عليه العهد، وتعيد الاعتبار إلى كنوز البلاغة العربية مثل الجناس والطباق وغيرها من المُحسّنات البديعيّة، لتختتم هذه الفقرة بقراءة من الشاعرة آمال عوّاد رضوان لقصائد من مجموعتها سلامي لك مطرًا.  
وتضمّنت الفقرة الخامسة من الأمسية استعراضًا لآمال عوّاد رضوان في إصدارها الشعريّ "رحلة إلى عنوان مفقود": حيث يصف د منير توما مجموعة "رحلة الى عنوان مفقود" بأنّ هناك سيطرة لنمط القصيدة الغنائيّة على مجمل تجربة الشاعرة، فهي بوح الذات، همومها، صدْمتها إزاء الآخر، وما إلى ذلك من خصوصيّات الإنسان العاشق والمعشوق، وبالتالي تظهر سيطرة ضمير الأنا عند آمال عوّاد رضوان، والذي يتمثّل في تضخيم أنا الشاعر، لتصير هي المرجعَ الرئيسيّ لكلّ شيء، هي الحُكَم والحالة، وبالتالي دوران ثيمات النصّ حول ذات الشاعرة، ممّا يقلل من إمكانية التقاط الجمعيّ، لأن الذات لا ترى إلاّ خصوصيّتها، وخصوصيّة وعيها وموقفها، باعتبار هذا الوعي وهذا الموقف، هما الحقيقة الوحيدة المقبولة، وتظلّ عندها مهارة الشاعرة في البناء وفي التقاط اليوميّ وإعادة توظيفه، وفي إعادة بناء التفاصيل عبر انزياحات اللغة، وعن طريق الصّورة الشعريّة، وهذا ما يميّز شاعرتنا في هذا الإطار الفنيّ للكلمة الشعريّة النابضة بالعذوبة.  
وكانت هناك قراءة نماذج شعريّة من ديوان "رحلة إلى عنوان مفقود".
أمّا الفقرة السادسة عن الأنثولوجيا فاقتبست العريفة روز فقرة تقول:
ترَكْتنا على صهوة السرعة! وها هو الحصان وحيدًا.. تركَنا محمود درويش مثل قمر نحاسيّ يسقط في مرايا البياض ولجّة الغياب، برحيله، نفتقد روحًا وثابة، أقلّ سماتها الانتباه الجمّ، والتوتر الكامن في زوايا الكلام، وحقول القصيدة التي حرص محمود درويش على تعشيبها".
هذا ما جاء في مقدمة الكتاب الذي قامت آمال رضوان بإعداده مع محمّد حلمي الريشة، اللذيْن قاما بإعداد وتحرير كتاب محمود درويش "صورة الشاعر بعيون فلسطينيّة خضراء"، وقد اشتملَ الكتابُ على نصوصٍ شعريّةٍ وشهاداتٍ وقراءاتٍ أنجزَها عددٌ منَ الشّعراءِ والكتّابِ والمثقّفينَ والسّياسيّين بلغَ عددُهم في الكتاب 51،  كلهم من الّذين يقيمونَ في الجزءِ الفلسطينيّ المحتلّ 1948.
وتحدّثت  آمال عوّاد رضوان عن تجربتها مع الانثولوجيا، وعن د. خليل عودة عميد كلية النجاح في نابلس، والذي أولاها المهمّة لإصدار كتيّب فلسطينيّ من الشقيْن في اربعين محمود درويش، وتحدثت حول الظروف والمناسبة التي دعت إلى هذا الإصدار.
كما قدّمت للحضور وجهتها  التأمليّة والفكريّة لما تعنيه لحظة البيت الأوّل من القصيدة، وهو ما حمله إصدارها "الإشراقة المجنحة"، الذي ضمّ 131 شاعرًا/ة عربيًّاً/ة، والذي قام بإعداده وتحريره كلّ من آمال عوّاد رضوان ومحمّد حلمي الريشة عام 2007، والذي قال د.شربل داغر في مقدّمته للكتاب" عن لحظة القصيدة الأولى: "قد يتجه الشاعر نحوها، إلاّ أنّها قد تأتي إليه".
وقد عرّجت الشاعرة روز شوملي على كتاب "نوارس من البحر البعيد القريب"، الذي أُصدر عام 2008، واستهدف المشهد الشعريّ الجديد في فلسطين المحتلة عام 1948، وقد قام بإعداده كلّ من آمال عوّاد رضوان ومحمّد حلمي الريشة، وقد تحدثت آمال عن هذه التجربة ودواعيها ودوافعها، وعن هذا الكتاب الذي شمل مقتطفات شعرية لشعراء ولدوا بعد النكبة، وأسباب هذا التخصيص.
وفي الفقرة الأخيرة فُتح باب الأسئلة للجمهور وللمحاورة، وقامت الشاعرة روز شوملي بشكر الحضور واهتمامهم بالوجه الثقافيّ.
 
32  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / عودة آمال عوّاد رضوان وهيام قبلان من الملتقيات الثقافية المغربية! في: 10:06 27/04/2012
عودة آمال عوّاد رضوان وهيام قبلان من الملتقيات الثقافية المغربية!




آمال عوّاد رضوان
آمال عوّاد رضوان وهيام قبلان تعودان من المغرب، بعد مشاركتهما في أربعة ملتقيات ثقافية في جرسيف، زرهون، مريرت وتيفلت، والفرحة عامرة في قلبيهما، والذكرى حافلة بجمال المغرب وحفاوة أهله!
بحضور عدد كبير من الشعراء والتشكيليين والزجالين والأدباء والمثقفين من داخل المغرب وخارجه، وتحت شعار- الإبداع التزام واع ومتجدد- أقامت جمعية الهامش الشعري ملتقى جرسيف الدولي الخامس للشعر والتشكيل في المغرب بفضاء دار الطالب جرسيف، بعد أن تمّ استقبال المشاركين بفضاء فندق أطلس جرسيف.
قام السيد عامل عمالة إقليم جرسيف يرافقه وفد بافتتاح الملتقى والمعرض التشكيلي الجماعي "سفر على الهامش 5" في 5-4-2012 مساء، الذي شارك قيه كل من التشكيليين بوزيد بوعبيد– تطوان، ومحمد شريفي– الرباط، وداليزار شطورو– تونس، وعز الدين الدكاري– طنجة، ونتاشا نوفاك– ليتوانيا، ومصطفى الغزلاني– المحمدية، وأنس حمودان– شفشاون، ومحمد الدودي– طنجة، وبدر لمريزق– طنجة، ومحمد يتون– طنجة، ونبيلة السعيدي– وجدة.
بعد كلمة وزير الثقافة، تمّ تكريم الشاعر عبد الكريم الطبال مع شهادة في حقه، وكذلك تمّ تكريم الفنان التشكيلي بوزيد بوعبيد  مع شهادة في حقه، ومن ثمّ  كانت القراءات الشعرية للزجال "إدريس المسناوي" وأخرى للشاعر المحتفى به "عبد الكريم الطبال"، والشاعرة التونسية "ليلى الزيتوني".
 
بعد حفل الشاي على على شرف ضيوف الملتقى كانت الجلسة الشعرية الأولى بعرافة الزجال حفيظ المتوني، وقد شارك فيها كل من الشاعر عدنان الصايغ- العراق، محمد العياشي- مريرت، ريحانة بشير- الرباط، هيام مصطفى قبلان- فلسطين، زين العابدين اليساري- تيفلت، بوزيد حرز الله- الجزائر، الزبير افراو- جرسيف، فريال الدالي- ليبيا، محمد الزروالي- تازة، فوزي عبد الرحيم- ازغنغان واحميدة بلبالي- تيفلت.
كما أقامت جلسة شعرية بعرافة الشاعرة ليلى الزيتوني شارك فيها كل من: نعيمة قصباوي- خنيفرة، جمال أزراغيد- الناظور، آمال عوّاد رضوان- فلسطين، عزيزة احضية عمر- طانطان، محمد الراشق- الخميسات،  محمد العيوني- تاونات، صابرين الصباغ- مصر، عبد الحكيم ايت تاكنيوين- ورززات، ابراهيم قهوايجي- سبع عيون، محمد ضريف- بوجنيبة، مصطفى الغزلاني- المحمدية
وبعد استراحة الشاي كانت جلسة شعرية أخرى  بعرافة الزجال عادل لطفي شارك فيها كل من: أحمد السبتي- تيفلت، محمد اعشبون- هولندا، علال الحجام- ، سميرة جودي- مكناس، فرج عمر الأزرق- تونس، حفيظ المتوني- جرسيف، عبد الرحيم أويري- مرزوكة- محمد زرهوني – جرسيف.
وفي الجلسة النقدية حول الإبداع والالتزام، تولى العرافة الزجال سيّرتها الناقدة خديجة شاكر من سلا، والناقد محمد البدوي- تونس، وبنعيسى بوحمالة – مكناس
وفي مولاي ادريس زرهون احتفى المهرجان التاسع لربيع الشعر بزرهون بالشاعر المغربي الريفي المهاجر محمد أعشبون، والذي نظمته جمعية الأوراش للشباب فرع زرهون تحت شعار "الشعر وأسئلة الربيع العربي" بتاريخ 8-9-10 أبريل 2012.
افتتح المهرجان الأستاذ محمد الشرادي بكلمة ترحيبية للحضور وللجمعية التي تكرم وجها إبداعيا وإنسانيا يستحق التفاتة كبيرة؛ ابن الريف من الحسيمة محمد أعشبون، الذي هاجر إلى هولندا ولم يتخل عن القلم بل ظل وفيا للإبداع ومخلصا له ومواكبا للأنشطة الثقافية المقامة بالمغرب.
ثم أعقبتها كلمة ترحيب رئيس الجمعية عبد الرحيم الحليمي بالمشاركين من داخل الوطن المغربي والوطن العربي فلسطين، العراق، تونس، مصر، الجزائر، وتحدث عن المجهودات التي تبذلها الجمعية للوفاء بتنظيم هذا المهرجان سنويا، وشكر جميع الجهات الداعمة كوزارة الثقافة، والمجلس البلدي وساليدور وغيرها وكلمة رئيس المجلس البلدي أشادت بهذا النشاط الثقافي الراقي الذي تنجزه الجمعية بمعية شركائها والتي تجعل المدينة كل سنة محجا للشعراء والزجالين المبدعين من المغرب وخارجه وأهمية الدور الكبير للثقافة في تحقيق التنمية الفعلية والمساهمة في هذا الفعل الإبداعي الجميل.
كما انتقل الحضور الى حفلة شاي وإلى لحظات إبداعية تمّ فيها توقيع الدواوين الشعرية التي أصدرها الشعراء وهي على التوالي: "غنج المجاز" لجمال أزراغيد (الناظور)، "أناديك قبل الكلام" لإبراهيم قهوايجي (سبع عيون) ، وديوان "أقرأ  لتراني" لزين العابدين اليساري (تيفلت)، ثم ديوان "احتمالات السقوط" والمجموعة القصصية "المقبرة الشرقية" لمحمد أعشبون (الحسيمة/ هولندا)، وديوان "حين يتكلم الماء" لريحانة بشير (الرباط).
وعودة الى جلسة شعرية أدارها مدير المهرجان "حسن إمام"، وشارك فيها الشعراء الذين وقعوا دواوينهم فقط، وأعقبتها وقفة التكريم والاحتفاء بالشاعر والقاص المبدع محمد أعشبون، فقدمت له جوائز تقديرية من جمعية الأوراش للشباب، وجمعية الهامش الشعري بجرسيف، وجمعية المبدعين المغاربة بتفلت، وقد تخللت هذه الأمسية الافتتاحية وصلة غنائية لفرقة وليلي بمولاي ادريس زرهون.
ثم كانت الجلسة الشعرية الثانية بإدارة عزيزة احضية وجمال أزراغيد، وساهم فيها كل من:
عدنان الصائغ الشاعر العراقي المقيم بلندن، وعلال الحجام(مكناس)، عبد الحكيم تاكنوين (ورزازات)، آمال عوّاد رضوان (فلسطين)، وعبد العالي أواب (الشماعية)، وفاطمة الزهراء أمسكين(الرباط)، وصابرين الصباغ (مصر)، وعبد الرحيم أويري (قلعة مكونة)، وهيام قبلان (فلسطين)،واسماعيل الغربي (الجزائر)، ومراد العلاوي والزبير الخياط (زايو).
وفي الليل كانت أمسية شعرية وزجلية وفواصل موسيقية بادارة ادريس الشجاع والدكتور خالد لوكيلي شارك فيها: خديجة شاكر (سلا)، عليا الإدريسي (الرباط)، عزيزة حضية( طانطان)، سميرة جاودي(مكناس)، خالد لوكيلي (زرهون)، وفرقة الملحون وليلي بزرهون.
وفي اليوم الثاني كانت جلسة نقدية أدارها إبرهيم قهوايجي حول شعار الدورة: "الشعر وأسئلة الربيع العربي"، ساهم فيها د. محمد بدوي (رئيس اتحاد كتاب تونس)، ود. محمد الديهاجي اللذان أبرزا مميزات وخصائص الشعر الذي ظهر إبان الربيع العربي، والذي لم تكتمل صورته بعد.
وفي المساء كانت أمسية زجلية أدارتها الشاعرتان: عليا الإدريسي وفاطمة الزهراء أمسكين، شارك فيها زجالون مغاربة: ضريف محمد (خريبكة)، شيخ الزجالين ادريس المسناوي،احمد السبتي (تيفلت)، محمد مومر، عبد الحق طريشة (تاونات) مليكة فتح الاسلام (الشماعية)، خالد الموساوي (فاس)، أمينة الخياطي (زرهون)، عبد الكريم الينوس (الشماعية) وغيرهم…
وفي الصباح انتقل موكب الشعراء والزجالين إلى موقع وليلي الأثري للتعرف عليه وإلقاء قصائد الومضة في جو شعري احتفالي رائع.
وعبر ملتقاها الدولي الرابع للشعر بقاعة عدال/مريرت، نظمته جمعية "إيمولا" بالتنسيق مع المجلس البلدي لمريرت، وتحت شعار "فليخضر الأطلس شعرا"، بتاريخ 11 و 12 أبريل.
رحب الشاعر محمد زرهوني الحضور والمبدعين من المغرب، فلسطين، تونس، العراق، مصر، السعودية، القادمين للاحتفاء بهذا العرس الشعري، ثم كانت كلمة لإبراهيم قهوايجي (إدارة الملتقى)، فاطمة الزهراء الزرقاني (رئيسة الجمعية)، محمد عدال (المجلس البلدي)، الناقد محمد بدوي (كلمة المشاركة العربية)، والزجال حفيظ اللمتوني (كلمة المشاركة المغربية).
وبعد حفل شاي كانت أمسية شعرية بمشاركة:
عدنان الصائغ (العراق)، آمال عوّاد رضوان (فلسطين)، محمد أعشبون (هولندا)، إبراهيم قهوايجي (سبع عيون)، محمد زرهوني (جرسيف)، نجيب طبطاب (مكناس)، محمد العياشي (مريرت)، صابرين الصباغ (مصر)، إسماعيل زويرق (مراكش)، عبد الرحيم ايويري (قلعة مكونة)، سميرة جودي (مكناس)، محمد البلبال (تيفلت)، إلهام زويرق (مراكش)، لحسن عايي (الراشيدية)، أمينة حسيب (مراكش).
وفي اليوم التالي كان الاحتفاء بالناقد المغربي نجيب العوفي وندوة نقدية حول "تجربة الشاعر والناقد نجيب العوفي"، بمشاركة محمد الوالي، عبد السلام الفيزازي (أكادير)، بنعيسى بوحمالة (مكناس)، محمد بدوي (تونس) وكانت كلمة للناقد نجيب العوفي عبر فيها عن سعادته في رؤية تجربته في مرايا الاَخرين ومدى اعتزازه بكلماتهم، كما شكر الجمعية المنظمة ومريرت على هذا الاحتفاء
وفي المساء كانت أمسية شعرية وزجلية بمشاركة: ناجي حرابة (السعودية)، حفيظ اللمتوني (جرسيف)، هيام قبلان (فلسطين)، إسماعيل هموني (كلميم)، فتيحة المير (برشيد)، خالد الموساوي (فاس)، فتيحة رشاد (الدار البيضاء)، نعيمة قصباوي (خنيفرة)، أوحمو الحسن الأحمدي(تارودانت)، وقد تخلل الملتقى مشاركة الفنان الأمازيغي عبد الله زرزوقي وتوقيع ديوان "منابع الأشواق" لمحمد العياشي، و"أناديك قبل الكلام" لإبراهيم قهوايجي.
وفي قاعة دار الشباب 9 يوليوز بمدينة تيفلت بالمملكة المغربية وبشراكة بين اتحاد المبدعين المغاربة وجمعية الإشعاع الثقافي، الأمل للتنشيط الاجتماعي والثقافي وبدعم من المجلس البلدي للمدينة، كانت الدورة الثانية لملتقى تيفلت العربي للشعر.
وبتآلف حميمي بين الحضارة الامازيغية العريقة والوالعربية، وبتنظيم موسيقي شعري راق ومميز عنصره شباب وصبايا، وذلك بتاريخ 14-15-16 أبريل 2012، اختتمت آمال عوّاد رضوان وهيام قبلان زيارتهما الشعرية في ملتقيات المغرب الثقافية، والتي لا زال عبقها يخمر الذاكرة بحفاوة وبسمة وطيبة المغرب وأهله.
قدم الشاعر والقاص محمد بالخاوري رئيس اتحاد المبدعين المغاربة كلمة ترحيبية باسم الجمعيات المنظمة، وبدأت الأمسية الشعرية الأولى بعرافة علية الإدريسي وعبد الحميد شوقي بقراءات شعرية لكل من:
رجاء الطالبي،  إبراهيم الجريفاني من المملكة العربية السعودية، محمد أعشبون من هولندا، نزار سرطاوي من الأردن، زين العابدين اليساري من المغرب، والزجال احميدة بلبالي،  إبراهيم قهوايجي، محمد البلبال بوغنيم، ومحمد العناز.
وبعد حفل شاي كانت الأمسية الشعرية الثانية، بعرافة حميدة بلبالي وابراهيم قهوايجي، شارك فيها  كل من:  سعد الغريبي من المملكة العربية السعودية، عبد السلام الدخان، هيام قبلان من فلسطين، محمد مومر، محمد زرهوني، تم الاحتفاء بالشاعر الزجال إدريس امغار المسلاوي، عبد الرحيم تكانيونين وعبد الرحيم الحليمي وعبد الحميد شوقي.
وفي اليوم التالي صباحا كانت ندوة حول عنوان الحداثة ورهان الكتابة المعاصرة بمشاركة النقاد: محمد البدوي من تونس، محمد معتصم، محمد يوب، محمد رمصيص ونور الدين بوصباع.
وفي المساء كانت أمسية شعرية شارك فيها كل من: محمد بالخاوري، سليمان دغش من فلسطين، خالد الموساوي، فوزية العكرمي من تونس، عبد الله ايت بولمان، نور الدين بوصباع، الطيب هلو، عبد الرحيم أبو صفاء، الميلودي العياشي، أحمد السبتي، علية الإدريسي البوزيدي، حسن اعبيدو، نجاة ياسين من بلجيكا، فاطمة الزهراء امسكين، محمد الزرهوني، حفيظ اللمتوني وآمال عوّاد رضوان.
 
     
33  الاخبار و الاحداث / لقاءات ومقابلات / آمال عوّاد رضوان تحاور الشاعر الرّوائيّ إبراهيم نصرالله في: 21:01 27/03/2012
آمال عوّاد رضوان تحاور الشاعر الرّوائيّ إبراهيم نصرالله

الثقافة العربيّة نفسها بحاجة إلى ثورة، والشلليّة والقطريّة وأوجه الفساد الثقافيّ اتّسعت في السّنوات الماضية، وها الشاعر والروائي ابراهيم نصرالله ولد في مخيم الوحدات في الأردن، لأبويْن فلسطينيّين هُجّرا من قرية البريج الواقعة ضمن لواء القدس في الضفة الغربيّة المحتلة، وتلقى تعليمَه الأساسيّ في مخيّم الوحدات حيث وُلد ونشأ، ثمّ انتقلَ إلى السعوديّة ليعمل مُعلّمًا، ومن ثمّ عمل مستشارًا ثقافيًّا في مؤسّسة عبد الحميد شومان، حوارٌ لامس وجع ابن المخيّم ومشواره الإنسانيّ والثقافيّ وطموحه السياسيّ، كما لامس الثقافة العربيّة بشكل عام، فكان أهمّ ما قاله، إنّ الثقافة العربيّة بحاجة إلى ثورة لإخراجها من ثوب الفساد والشلليّة والقطريّة، ووصف مقولة اليهود "أرض بلا شعب" بالكذبة التي استخدمها الغرب الاستعماريّ للنّيْل من خيرات الشّعوب!
* "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".. هذه المقولة ماذا تعني لك كلاجئ؟
لا تعني لي سوى الكذبة، وواحدة من مقولات الاستعمار التي تمهد لإبادة الشعوب دائما. هناك شعوب أبيدت لأنهم ادعوا أنها بلا ثقافة، ويجب أن تتحضّر، فحضروها بالموت! مع ثقافة تلك الشعوب عميقة وزاهية ورفيقة بالأرض ومن عليها؛ وهناك شعوب استعمرت لأن الاستعمار رأى نفسه أحق بخيراتها؛ وهناك شعوب اقتيدت إلى الشقاء لأن الاستعمار رأى في رجالها ونسائها عبيدا له وللونه الأبيض، وهناك شعوب أبيدت بسبب اعتقاد المحتل بأنه أرقى من أي جنس بشري آخر. دائما كانت هناك كذبة. وكنا ضحايا مُطْلقيها ومن يقف معهم، وهو غرب استعماري كان قد جرب واستخدم كل أنواع الكذب، فلم يجد في مخيلته أفضل من كذبة (أرض بلا شعب).
 
* المخيم  بحاراته وأزقته، بطفولته المتعثرة وفقره ومعاناته دمعاته.. هل ما زالت بصمة آثاره جليّة في مخيلتك؟ وإلى أي مدى يتحرّش المخيم بذاكرتك؟
المخيم حاضر لأنهم لم يزل قائما، هو ذكرى حية تسير أمامنا حيث التفتنا، وبالتالي، لم يكن في أي يوم خلفنا. وبالنسبة لي، عشته في البداية حالة من البؤس واليأس وانعدام اليقين، عشته خيمة، ثم بيت صفيح وغرف اسمنت بائسة؛ وعشته حين تحوّل اليأس في لحظة استثنائية إلى حلم، ثم عشت الحلم وهو يورق، ثم وهو ُيقتل ويعود ويورق من جديد. وعشت كل ما مر عليه وفيه، ولذا، فسيرة المخيم سيرتي الإنسانية المستمرة. ما يحدث له يحدث لي ولكل لاجئ. ولذلك حضر في عدة روايات وعدة دواوين شعرية كتبتها، وحضر في تلك الكتب التي لم أشر إليه فيها، لأنني كنت في تلك الكتب، لأنني جزء منها، وما دمت جزءا منها فالمخيم جزء أساس فيها.
 
* المخيّمات خرّجت الكتّاب والشعراء والمثقفين والمناضلين.. لماذا برأيك تجلّى صوت اللاجئ في إبداع الكلمة شعرًا كانت أم لوحة أم رصاصة.. في مقال؟ هل للمخيم دوْر في صقل شخصيّة الكاتب إبراهيم نصر الله الأدبية والشعرية؟ كيف؟
كما أشرت، المخيم شهد تحولات كبرى، وحين أقول ذلك، أعني أن البشر فيه هم من شهدوا هذه التحولات الكبرى، وأصابنا المنفى وأثر فينا عميقا. الأدب والفن، كانا شكلا من أشكال صراع الروح مع ذاتها. تحلم في الليل ليدفعك الحلم أو تدفعه نحو التحقّق في اليوم التالي، وتكتب القصيدة، فتكتبك القصيدة وتلزمك بأن تكون وفيّا لما فيها. بمعنى أن القصائد والأعمال التي نلدها تلدنا أيضا، وتصبح شاهدا على أحلامنا، وتظل تراقبنا، ونحن لا نستطيع أن ننسى هذا، لذا نتقدم دائما باتجاهها، باتجاه ما فكرنا فيه وأصبح كلمات.
وهكذا أصبح المخيم جزءا من شخصيتي، لأنني لا يمكن أن أكون ما أنا عليه لو أنني ولدت في مكان آخر وظرف آخر. وقد قلت ذات يوم: المخيم سكة الحديد التي يسير عليها قطار حياتي منذ أن ولدت، وحتى هذا اليوم.
 
* قرية البريج لواء القدس احتلت عام 1948 لتولد أنت في عمان، وبدلاً من أن تغرس الزيتون في أرض قريتك، حصلت على بطاقة لاجئ "كارت مؤن"! ماذا يعرف شاعرنا عن قريته؟
أعرف عن القرية ما يعرفه أهلي، وهو كثير بالتأكيد، والآن يعرفه كثير من القراء لأنني كتبت عنها وكانت شهادات أهلي جزءا من الكتب التي كتبتها، وهي تؤثر اليوم في جيل جديد.
حاولت زيارتها عام 1987، حين ذهبت بتصريح زيارة، لكنني اكتشفت أنها منطقة عسكرية مغلقة. في الأمسيات التي أقيمها في كثير من دول العالم أتحدث في هذا كثيرا ، وأشير دائما إلى الذاكرة المشهدية لكبار السن من أهلنا، فهي ليست كلمات، إنها شريط مصور غني، كاميرا استثنائية لا تهمل أي تفصيل صغير.
*هناك من اعتبر أنّ المخيّم يشكّل عارًا بمفهوم التشرّد والضّياع.. كيف لامستَ وواجهتَ هذا الاتّجاه؟
لا أعرف كيف يمكن أن يكون المخيم عارا. إذا كان عارا فهو عار كل من لم يقف إلى جانب الفلسطيني لكي يعود إلى أرضه، هو عار الذين حاصروا المخيمات وارتكبوا المذابح فيها، وهو عار الدول التي دعمت الكيان الصهيوني. لقد أعطى المخيم العالمَ فرصةً ممتدة منذ أكثر من ستين عاما، كي يكون لهذا العالم ضمير. وهذا هو العار. لأن العار يلحق بالقاتل وليس بالقتيل، بخاصة أن القتيل دافع عن أرضه وشرفه وكرامته وحياة أبنائه بشجاعة، في معادلة القوى الظالمة.
 
* الحبّ والعشق في المخيم مختلفان عن طبيعة التقارب والالتصاق.. ما مدى صحّة ودقة هذا الكلام؟
الحب هو الحب في كل مكان، ما يصيب عاشقا أو عاشقة في المخيم يصيب كل إنسان في أي بقعة من هذا العالم، لكن الذي يختلف هو ظروف الحب.. التفاصيل الخارجية للقاء والفراق المحكومَين بالتقاليد المختلفة لشعوب الأرض.
 
* أنت من مواليد مخيم الوحدات الذي عرفه أهل الوطن، ما هو السّرّ في علوّ صوت واسم هذا المخيّم رغم صغره؟
هذا المخيم واحد من أكبر مخيمات الفلسطينيين، وشهد الكثير من التحولات، وكان رافعة كبيرة للحلم الفلسطيني في أصعب الأوقات، وتعرّض لواحدة من أشرس الهجمات والمذابح. ولذا من الطبيعي أن تحتفظ له الذاكرة الفلسطينية بمكان واسع فيها، وبخاصة أنه من أوائل المخيمات، في المنفى، التي شهدت واحدة من أعلى درجات المقاومة.
 
* بدا البعد الإنسانيّ في قصائد ديوانك الثالث "أناشيد الصباح" طاغيًا.. هل هي  الصدفة أم هي روح الشاعر عكست ذاتها؟

في هذا الديوان تكثف البعد الإنساني أكثر، لكنه كان حاضرا في الديوانين اللذين سبقاه، وأعني: الخيول على مشارف المدينة، والمطر في الداخل. كُتبَ ذلك الديوان في العامين التاليين للخروج الفلسطيني من بيروت، وقد جاءت قصائده مختلفة ومفاجئة للنقد والقراء في تلك الفترة، ولعلني، على المستوى الذاتي، أيضا، في تلك السنتين، قد بدأت بملامسة أفق الحياة إنسانيا بصورة أعمق. ولذا لا أعتبره محطة شعرية فقط، بل محطة إنسانية.
 
* ما هي التحولات التي أثرت على تجربتك الشعرية من جهة وعلى مسيرتك الأدبية بشكل عام؟
هناك أشياء كثيرة أثرت في هذه التجربة، ثقافيا وإنسانيا. فحين أحسست بأن الشعر سيكون طريقي عملت كثيرا على تثقيف نفسي، بخاصة أنني لم تتح لي فرصة الذهاب إلى الجامعة، وأظن أن تجربتي في التثقيف الذاتي كانت مهمة، لأنني خصصت لها ثلاث سنوات، قرأت فيها الملاحم والأساطير والمسرح الإغريقي وكثيرا جدا من الشعر القديم والحديث، وتدرجت في ذلك حتى الأدب الحديث والسينما المختلفة، وما كتب عن هذه الأعمال ووصلني.
ولذا حقق ديواني الأول الحضور الذي يتمناه أي كاتب شاب، وكذلك روايتي الأولى (براري الحمى).
بدأتُ بالقصيدة المتوسطة، ثم سرعان ما انتقلتُ إلى القصائد الملحمية، وبعدها كسرت هذا الاتجاه بالقصائد القصيرة جدا في رباعية (عواصف القلب) ثم كتبت الديوان السِّيري، مثل (بسم الأم والابن) و (مرايا الملائكة) وصولا لديواني الأخير (لو أنني كنت مايسترو) والذي أعتبره محطة أساسية في تجربتي الشعرية.
في الرواية كان الأمر مختلفا، فحين كتبت (براري الحمى) كنت أظن لفترة أنها الرواية الأولى والأخيرة. ثم ولدت فكرة الملهاة الفلسطينية، ثم فكرة الشرفات.. ولكل هذه الروايات حكاياتها الخاصة لدي.
 
* الشعر والمخيم تلازما في مسيرة طويلة لا شك.. ما هو انعكاس المخيم والطفولة  بين جدرانه على بداية الشاعر إبراهيم نصر الله؟

أبرز انعكاس مباشر، تجلى في ديوان (نعمان يسترد لونه) ولعله محاولة ما لكتابة الرواية شعرا. وهذا جاء انعكاسا لما عشته في مخيم الوحدات خلال فترة أيلول الأسود عام 1970، ثم جاءت رواية (مجرد 2 فقط) لتعبر بصورة أخرى، بالنثر، عن تلك التجربة.
 
*وقفة شجاعة مع الذات تقتضيها الروح أحيانًا.. هل وقف إبراهيم نصر الله مع ذاته؟ متى ولماذا؟
دائما أقف هذه الوقفات مع ذاتي، وجوهر هذه الوقفة هو سؤالي المستمر: ما الذي قدمته لشعبي؟ وما الذي قدمته لإنسانيتي كي لا أكون مجرد عبء على فلسطين. أقف هذه الوقفة لأتأكد من أنني أعمل بإخلاص، وبشجاعة، وبحرية، وأحرص على ألا أكون رهينة أحد، ولا أريد من فلسطين سوى أن أعطيها بصورة أفضل دائما، وأن تصبح أجمل في قلوب البشر بعد كل كتاب أكتبه. فكتاب جديد جيد يجعل فلسطين أكثر قربا من قلوب الناس، ويجعل شعبها جزءا أساسا من ذاكرة الإنسان الجمالية في كل مكان، ويثبت أننا نستطيع أن نعطي، وأننا لسنا أرقاما.
 
* كتبت قصيدة النثر، وما زالت قصيدة النثر تعاني من هويتها عند البعض.. كيف يمكن انتزاع الهوية لقصيدة النثر برأيك؟
كتبتُ النثر حينما أحسستُ أنه يستوعب تجربتي الإنسانية في مرحلة ما، كما حدث في (أناشيد الصباح) ثم غابت قصيدة النثر ووجدتها تكتبني بعد سنوات في ديوان فضيحة الثعلب. وقد كتبتُ شهادة عن هذه التجربة.
لنعترف أن هذه القصيدة تعاني، لأنها لم تصبح بعد جزءا من ذائقة القارئ العربي، وربما ساهم كثير من نماذجها في إقصاء الناس عن الشعر. لكنها في جوهرها، ومع شعراء رائعين، وهم نادرون، إضافة جمالية لا يستطيع شاعر قصيدة التفعلية أن يغض النظر عنها.
 
* في الغالب يغلب على  ابن المخيم الطابع السياسي أو العمق الإنسانيّ.. أين نجد الأدب السياسي في مشوار إبراهيم نصرالله؟
لا أعرف أين نجد الأدب السياسي بالمعنى الحرفي، فهناك بعض القصائد مثل (حوارية المرحلة)، ورواية (عَوْ) التي ترصد ظاهرة سقوط المثقف، ولكن حتى هذه القصيدة وتلك الرواية تغرفان من الإنساني. ولعل سبب الابتعاد عن السياسي المباشر، هو أن كتابتي بدأت بعد أن كان الشعر العربي بمعظمه قد تخفف من حضور السياسة في القصيدة، وكانت السبعينات من القرن الماضي فاصلة وحاسمة إلى حدّ بعيد، ولأن تجربتي بدأت في أواسط السبعينات، فقد تلمستُ وأحسست أن شعراء فلسطين الذين سبقوني، أراحوني من هذا. لكن السياسة دائما تأخذ وجوها جديدة في الأدب، وهي حاضرة، فكتابة رواية فلسطينية جيدة أو قصيدة أو قصة جيدة، سياسة، لأن الجيد الذي يقف إلى جانب إبداعات العالم يجعل فلسطين أجمل وأروع، وهذه رسالة سياسية. وحسنا أن كثيرا من إبداعاتنا التفتت إلى الإنساني الذي وسّع الوطني، بدل الوطني المجرّد الذي كان يضيّق الإنساني.
 
* هل نجح الشعراء العرب في  تصدير هويتهم ورسالتهم  ومعاناة شعوبهم عبر الأدب للعالم الغربي؟
لنعترف أننا نقاتل وحدنا على هذه الجبهة، فالكاتب العربي، باستثناءات قليلة، مضطهد في وطنه ومهمش، ومن يهمشك في وطنك ويهمش وطنك، لا يمكن أن يفكر بتقديم كتاباتك للعالم، فالزعماء العرب، ومن بينهم زعماؤنا للأسف، يحرصون على أن ينقلوا للغرب بأننا شعوب جاهلة، ولولاهم (هؤلاء الزعماء) لمتنا جوعا وجهلا!
أعرف حكايات كثيرة عن مشاريع ماتت لأن أي سفارة عربية أو وزارة ثقافة لم تتقدم لشراء نسخة واحدة لدعم بعض مشاريع الترجمة التي تمت. أين هو الزعيم العربي أو الفلسطيني الذي يمكن أن يخطر بباله أن يقدم لزعماء العالم الذين يقابلهم نسخة من رواية أو ديوان شعري أو مجموعة قصصية تتحدث عن فلسطين؟ لا يفعلون ذلك، لأنهم لا يفهمون المعنى العميق لفلسطين، ولأنهم لا يفهمون الأدب، ولا معنى الأدب ولا ما يقدمه الأدباء لأوطانهم.
منذ زمن طويل أدركنا أن كولومبيا هي بلد الروائي ماركيز، ولهذا فهي محترمة، رغم تسويقها بأنها بلد المخدرات، وإيطاليا التي سحقت الشعب الليبي محترمة لأن فيها أمبرتو ايكو وكالفينو وبوتزاتي وبرانديللو وفلليني، وهكذا. الشعوب التي ليس لديها أدب وفنون، ليست جزءا من الذاكرة الإنسانية كما يجب أن تكون. عليك أن تبدع كشعب، وفي أي مجال تريد، كي يحس العالم بأنه بحاجة إليك وإلى جمالك.
ونحن شعب لم يستعبد أحدا، وهو طالب حرية، ومن حقه أن يقدَّم للعالم في صورة تليق بكفاحه وعمق قضيته. أما على المستوى الفردي، فكثير من الكتاب يعملون بلا كلل.
 
* ما بين قصائدك الملحمية التي برزت في أواخر الثمانينات وبين اتجاهك للقصائد القصيرة تساؤل.. هل نعتبر أنّ هذا تحول نحو التجديد؟ أم هو جزء من شمولية الفكرة لدى الشاعر؟
التحولات لا بد منها في مسيرة الكتابة، تماما، كما هي طبيعية وضرورية على مستوى الفرد، إنسانيا. وهناك أسئلة تؤرقنا في العشرينات من عمرنا، غير تلك التي تؤرقنا في الثلاثينات والأربعينات، إلخ.. وكل سؤال يبحث عن شكل يتحقق فيه بصورة أفضل، جماليا ومعرفيا. ولكن ما أدافع عنه دائما وأدعو إليه بقوة هو: ضرورة أن يتنوع الكاتب داخل تجربته، وإلا سيجفّ.
 
* ما هو المشروع الشعري/ الأدبيّ/ الإنساني الذي تمنى الشاعر إبراهيم نصر الله إنجازه؟
في مرحلة ما كانت القصيدة الملحمية، وفي مرحلة ما مشروع الملهاة الفلسطينية، الآن لدي مشاريع كثيرة، ولا أبالغ إذا قلت: إنني أحس أنني لم أبدأ، وهي بحاجة للوقت، الذي هو الأغلى، لإنجازها.
 
* روايتك "براري الحُمّى" ترجمت للدنمركية، واختارها الكاتب الأمريكي مات ريس كواحدة من أهمّ عشر روايات كتبت عن العالم العربي.. هل فوجئت بما حققته الرواية؟ وماذا أضافت للروائي الشاعر إبراهيم نصر الله؟
منذ صدور هذه الرواية أحدثت حراكا كبيرا على المستوى العربي، وكتب عنها الكثير من الدراسات والرسائل الجامعية، وظلت مع الزمن كما لو أنها رواية جديدة، فعندما صدرت طبعتها الخامسة نفدت في عشرة أشهر، وحين ترجمت إلى الدنمركية بعد عشرين سنة من صدورها اختارها الدنمركيون كواحدة من أهم خمس روايات ترجمت إلى الدنمركية عام 2006، ونافست روايات من العالم كله كتبتْ في ذلك العام، كما أن استقبالها بالايطالية والإنجليزية كان ممتازا. هي تحقق حضورا متزايدا أمام اختبار الزمن، وهذا أمر جميل، مع أنني عندما كتبتها كنت في السادسة والعشرين من عمري. وأظنها ستواصل هذا الحضور. وبالطبع، كلما حققت شيئا جيدا فهي تحقق شيئا للأدب الفلسطيني ولي.
 
* هل تعتقد أن الأدب العربي في خطر بعد إقحامه في  الثورة التكنولوجية، وما نتج عنها من مواقع تواصل اجتماعي؟ بمعنى؛ بعد أن دخل الشعر البعد الاجتماعي هل فقد بريقه؟
هناك تغيرات اليوم، لن ننجو منها، ولكني أيضا، ألاحظ إقبالا على قراءة بعض الكتّاب بصورة ممتازة، وتجربتي في هذا المجال تدعوني للتفاؤل، فعادة تنتهي الطبعة الأولى في غضون شهرين إلى ثلاثة أشهر، ولعلي لا أحس بأي مشكلة شخصية مع القارئ، ولهذا لدي هذا التفاؤل، فالقارئ لا يُقبل على كل كتاب يُنشر، بل يختار؛ وهذا موجود في كل بقاع الدنيا. مثلا، يدهشني أن 40% من قرائي من فئة الشباب بين عمر 18 و 24. وألمس هذا بوضوح في الجامعات. بالطبع لا أستطيع أن أتحدث عن تجارب الكتاب العرب الأخرى في هذا المجال. لكنني على المستوى الشخصي متفائل، وأرى أن الإنترنت يخدم الكتاب، لأنه ملك الجميع، وليس كبعض الصحف التي تكون حكرا على شلّة بعينها.
 
* هل لديوانك عودة الياسمين إلى أهله سالمًا مناسبة خاصة، وما مدى ارتباط هذا العنوان  بأحوال إبراهيم نصر الله ؟
هذا الديوان هو مختارات موسعة من أربعة دواوين ضمت تجربتي في مجال كتابة القصائد القصيرة جدا. وهو رحلتي التأملية في كثير من الأشياء والقضايا حولي. ولذا هو جزء أساس من تجربتي الشعرية والإنسانية.
 
* القلائل من أدبائنا في الشعر والرواية والقصة وصلوا العالمية.. برأيك ما هي العوامل التي ساهمت على بقاء الأغلبية حبيسة ذاتها الجغرافية والشخصية؟ وماذا عن تجربتك في هذا المجال؟
أعتقد أن لدينا كثيرا من الأدب الرائع، ولكن الأدب كما أشرت يقاتل وحيدا، وما يتاح لنا لا يتاح لعدوّنا، فحين تصدر رواية جيدة بالعبرية تترجم فورا إلى ست أو سبع لغات، وحين تصدر رواية جيدة لدينا قد تمنع من التّداول. كما أن الموضوع الفلسطيني ليس موضوعا مرحبا به، وقد كتبت يوما: إذا أراد الكاتب الإسرائيلي أن يصل إلى العالم، فإن عليه أن يتذكر، أما إذا أراد الكاتب الفلسطيني أن يصل إلى العالم، فإن عليه أن ينسى! ويومها اتصل بي محمود درويش، وقال لي: كم أنت على حق، هذا تلخيص لمأزق أدبنا عالميا.
بالنسبة لي، صدرت مجموعة من كتبي، ومختارات من أشعاري بلغات كثيرة، وكان آخر الكتب التي صدرت بالإنجليزية رواية (زمن الخيول البيضاء) وصدورها يعني لي الكثير لأنها تغطي الفترة من 1875 حتى عام النكبة 1948، وهناك مفاوضات مع دور النشر لنشر روايتي الأخيرة (قناديل ملك الجليل) وهي رواية تثبت أن فلسطين كانت دائما أرضا حافلة بالحياة.
 
* هل نحتاج إلى مشروع أدبي عربي تحرري مستقل وغير قابل للقسمة؟ كيف وما هي اقتراحاتك؟

أظن أن الثقافة العربية نفسها بحاجة إلى ثورة أولا، فالشللية والقطرية وأوجه الفساد الثقافي اتسعت في السنوات العشرين الماضية، وهذا الفساد يجد دوما من يرعاه، إن لم يكن هو من يتحكم مباشرة في كثير من أوجه حياتنا الأدبية.
 
*شاركت في مؤتمرات وندوات ومهرجانات في معظم الدول العربية والعالم.. ما هو الإنجاز الذي أنتجه هذا الحراك؟ وهل أمكنه أن يثبت التغيير في العالم العربي، وأنّ الأدب يأتي متأخرًا على قائمة العوامل المؤثرة كالسياسة والاقتصاد وغيرها؟
هناك أشياء كثيرة تتحقق، منذ أيام عدت من إيطاليا، بعد أن شاركت في لجنة تحكيم مهرجان الأرض للسينما الوثائقية الذي أقيم في سردينيا، وأقمت عدة أمسيات. ويمكنني القول- وسفري ومشاركاتي مستمرة منذ ثلاثين عاما- إن الأدب قادر أن يحقق الكثير.
مثلا، لم أر مديرة مدرسة ثانوية عربية تبكي أمام طلابها وهي تستمع لقصائدي، ولكنني رأيت مديرة مدرسة إيطالية تفعل ذلك أمام طلابها.
القلب البشري ليس مغلقا في وجه قضيتنا، ولكنني كما أشرت نعمل وحدنا ككتاب مستقلين، ولذا يتحقق الإنجاز ببطء.
 
*مشروع الملهاة الفلسطينية أين يتجه بعد صدور ملحمتك الروائية (قناديل ملك الجليل) هذه السنة؟
لا أستطيع أن أعرف أين ستصل الملهاة، أو أصل بها بعد الرواية السابعة، لأن فلسطين حالة متجددة، وما دمت على قيد الحياة فإنني سأظل مشغولا بها، ولذا، قد أكتب رواية أخرى أو عشر روايات، فالملهاة الفلسطينية في النهاية مشروع مستمر، لأن كل رواية فيه مستقلة عن الروايات الأخرى تماما.
فالرواية الأخيرة (قناديل ملك الجليل) لم تكن في ذهني حين بدأت كتابة الملهاة، ولكنني حين عثرت على تلك المساحة الزمنية التي غطتها أحداثها (من عام 1689 إلى عام 1775) عثرت على ذاتي وعلى هويتي أيضا. إنها فترة من أزهى وأجمل ما عاشته أرض فلسطين خلال وجود ذلك القائد التاريخي الكبير ظاهر العُمر. ولكن الناس لا تعرف عن هذه الفترة إلا القليل، والذين يعرفون ظاهر العمر أقل؛ ولذا، فتجربة كتابتها تجربة نادرة، رغم صعوبتها، وككاتب لا أستطيع مقاومة سحر ظاهر العمر ودولته كأساس لتشكل الهوية الوطنية العربية في أرض فلسطين، وكان من الرائع أنني أمضيت وعشت هناك ستا وثمانين سنة أثناء كتابتها، وهذه هي الفترة التي تغطيها الرواية، فلأول مرة وجدت نفسي أمام تحد نادر، وهو أن عليّ أن أنشئ على الورق، من جديد، الدولة التي أنشأها ظاهر العمر على الأرض في ذلك الزمان. لكن رغم المشقة الكبيرة التي عشتها لأكتبها، أسعدني أن استقبال الرواية كانت رائعا.

34  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / علبةٌ مِن ذهبٍ تُدحرجُها عيونُ الهُدى! في: 20:44 25/03/2012
علبةٌ مِن ذهبٍ تُدحرجُها عيونُ الهُدى!
آمال عوّاد رضوان
حين يكون الإبداعُ طريفا هادفا ومُوجّهًا للخير، وحين يكون عمادُه الحبّ والموسيقا والحرّيّة وجمال الطّبيعةِ والمصالحة السّلميّة بينَ الإنسانِ والمخلوقات، وتعزيز هذه هذه القيم في النفوس، من خلال الدّمج بينَ الخيالِ العلميِّ والواقع، فلا بدّ من التغني بهكذا إبداع، ولا بدّ من تداوله بإصدارات تتجدّد وتتكرّر، وها علبة من ذهب للشاعر الأديب وهيب نديم وهبة، تعود حروفها تتدحرج ثانية على مُعدّات الطباعة في دار الهدى، لتصدر الطبعة الثانية 2012 بنسخة جديدة وتنقيح جديد، ومباشرة بعد صدور كتابه "مفاتيح السّماء"، الذي نال الجائزة اللبنانيّة لهذا العام.
"علبةٌ مِن ذهب" قصّةٌ تُناسبُ الأجيالَ النّاشئةَ واليافعينَ، الطّبعةُ أنيقةُ الشكلِ بغلافٍ سميكةِ، والورقٌ سميكٌ ومصقولٌ، توشّي القصّةَ وتُحَلّيها رسومٌ ناطقةٌ ومُعبِّرةٌ وجذّابةٌ، أشرفتْ عليها الفنّانةُ الفارسيّةُ فاطمة بور حاتمي، وتولّى مهمّة المراجعةِ اللّغويّةِ الشاعر جورج جريس فرح، من إصدار دار الهدى للطباعة والنشر كريم (2001) م.ض، وهي طبعة ثانية مزيدة ومنقحة2012.
وجاء في خبر التعريف: ( الْقِصَّةُ عِبَارَةٌ عَنْ رِحْلَةٍ إلَى أَقَاليمِ الْعَالَمِ السِّبْعَةِ، مُغَامَرَات فِي عَوَالِمَ خَيَالِيَّةٍ فِكْرِيَّةٍ فِي نَسيجٍ إنْسَانِيٍّ مُتَرَابِطٍ بَيْنَ الْوَاقِعِ وَالْخَيَالِ ، وَتَوْظِيفُ الأُغْنِيَةِ فِي سَبِيلِ تَحْرِيرِ الذَّاتِ وَالأَرْضِ).
وأقدّم بعض المقتطفات التي كتبت ونشرت وقيلت عن الطبعة الأولى في "علبة من ذهب".
كتب الشاعر الدكتور فهد أبو خضرة عند صدور الطبعة الأولى يقول:  

الكتابُ ينتمي إلى النّوعِ الأدبيِّ الّذي يُسمّى (الحكاية)،أمّا عمليّة التّحديدِ الدّقيق فليستْ سهلةً، وهنا يُمكنُ القولُ أنّ هذا الكتابَ يضمُّ حكاية إطار، أو حكايةً خارجيّةً تحوي في داخلِها سبع حكايات داخليّة.
الحكايةُ الخارجيّةُ والحكاياتُ الداخليّةُ كلُّها خياليّةٌ، أمّا الخيالُ الّذي تنتمي إليهِ فهو مُنَوّعٌ، منها خيالٌ علميٌّ، وخيالٌ تعليميٌّ، وخيالٌ أسطوريٌّ وخيالٌ خرافيٌّ.
حكايةُ الإطار تنحو نحو حكاياتِ السّحَرة والأميراتِ المسحورات، وتُشكِّلُ نوعًا مِن الخيالِ الخرافيِّ، أمّا الحكايات الدّاخليّة فتدورُ حول رحلاتٍ يقوم بها السّاحرُ والأميرة.
لغةُ الحكاياتِ أدبيّةٌ فصيحةٌ وجميلةٌ، بينما لغة الأغنياتِ عامّيّةٌ، أمّا مستوى اللّغةِ الفصيحةِ فيتراوحُ بينَ السّهولةِ والجزالةِ، وهو مُلائِمٌ للصّفوفِ العُليا في المرحلةِ الابتدائيّة.
قلتُ أنّ لغةَ هذهِ الحكاياتِ لغةٌ أدبيّةٌ جميلةٌ، وأستطيعُ أن أضيفَ الكثيرَ مِن الكلامِ في مدحِها، في الختام أعبِّرُ عن تقديري للأديبِ وهيب وهبة، وأقولُ أنّنا بحاجة إلى هذا النّوعِ مِن الكتاباتِ الأدبيّةِ الرّاقيةِ والأصيلةِ خيالًا وتعبيرًا، فإلى الأمام وإلى مزيدٍ من هذا الإبداع الّذي يُثري مكتباتِنا.
وكتبت آمال عوّاد رضوان:
عن مضمون القصّة (علبةٌ من ذهب)، إذ تبتعدُ عن خلْقِ عوالمَ ورديّة تُبعِدُ الفتى عن واقعِهِ، بل تُعالج موضوعًا ذا بعدٍ اجتماعيٍّ ونفسيٍّ، وتَعمدُ إلى غرسِ قيمًا خالدةً كالتّسامحِ والمحبّة والصّدقِ والتّعاونِ والتّآلفِ، فالقصّةُ طريفةٌ وهادفةٌ وموجِّهةٌ للخيرِ وللإبداعِ، وتستنبتُ في كيانِ اليافع انتماءَهُ للهويّةِ الإنسانيّةِ الشّاملةِ، وتدمجُ بينَ الخيالِ العلميِّ والواقع، وتُركّزُ على عنصرِ التّخييلِ الفانتازيا، إذ يُعدُّ حافزًا استراتيجيًّا في ثقافةِ الطّفلِ واليافعِ.
الشّاعر وهيب وهبة يُشكّلُ في القصّةِ عالمًا ديناميكيًّا خاصًّا وجميلًا، عالمًا عارمًا بالتّصوّرِ والأحلامِ المشروعةِ القابلةِ للتّحقّقِ، مِن خلالِ حُبِّ المغامرةِ والسّعيِ الدّؤوبِ دونَ كللٍ، فيُلامسُ كلَّ الضّفافِ بدون عناءٍ، فيُخبرُ عن عاداتِ الشّعوبِ وتقاليدِها، وطبيعةِ عيشِها، وأطوارِ وأنماطِ حيواتِهم المختلفةِ الّتي يُمارسونَها.
القصّةُ تتّكئُ على قبابِ السِّحرِ، وقد وشّحتْها اللّغةُ بسِحرٍ فاتحٍ، يُدخِلُ مَسرّةً للقلبِ والعقلِ!
 بلغةٍ قريبةٍ مِن عالمِ اليافعِ، بلغةٍ ثريّةٍ ويسيرةٍ ووجدانيّةٍ ورقيقةٍ وبسيطةٍ يصوغُ الأحداثَ، مازجًا بينَ فنّيّةِ السّردِ المُشوِّقِ والتّصويرِ، وبعنايةٍ نابضةٍ بالشّعريّةِ والوضوحِ والبساطةِ، يُوظِّفُها بشكلٍ طيِّعٍ وبمهارةٍ دونَ تكَلُّفٍ، كأنّما استكنهَ دواخلَ وأسرارَ وخبايا عوالم اليافعين!
والأسلوبُ في القصّة سلِسٌ وشيّقٌ بعيدٌ عنِ الغموضِ، يتدرّجُ مِنَ السّهلِ إلى الصّعبِ، فقد صِيغتِ القصّةُ بأسلوبٍ يَشُدُّ القارئَ دونَ الوقوعِ في فخِّ الوعظِ، وتخلّلتها ممارسةٌ حضاريّةٌ تدمجُ بينَ الحِسِّ والوجدانِ، وبينَ التّعاملِ بالفِكرِ والجسدِ، فتجاوزتْ مِن الجزئيِّ إلى الكُلّيِّ.
أمّا الشاعر والرّوائيّ فهيم أبو ركن فكتب:
"علبة من ذهب" قصّةٌ بسيطةٌ، وكلُّ القصصِ العظيمة تعتمد على البساطة وعدم التّعقيد، وهذه القصّة توظّفُ البساطةَ إلى جانب رمزيّةٍ شفّافةٍ، لتقولَ الأشياءَ العميقةَ الّتي ترتبطُ بواقعِ حياتِنا، وبمصيرِنا كمجتمعٍ وشعبٍ وبني بشر. ويمكنُ أن نقرأها بنمطِها السّرديِّ والواقعيِّ والرّمزيِّ، فالأميرةُ الّتي تريدُ التّخلّصَ مِن سجن الحكايات، هي الأمّةُ العربيّةُ الّتي تريدُ أن تتخلّص مِن التّعلّقِ بأمجادِ التّاريخِ وسجنِ بعض التّقاليدِ الرّجعيّةِ!
إذن، الجميلُ في هذا الكتاب أنّهُ مبنيٌّ على ثنائيّةِ الظّاهرِ والباطنِ، إذ يمكنُ أن يُفسّرَ كما هو للأطفال، ويمكن تفسيرُهُ باطنيًّا ليُشيرَ إلى قضايا تهمُّ الكبار ومِن عالمِهم، وبأفكارِهم، قضايا تهُمُّ الإنسانيّةَ جمعاء. هكذا اصطادَ الكاتبُ عدّة عصافيرٍ بحجرٍ واحدٍ..
وربّما لا نخطئ إذا عرّفنا هذا الكتابَ بأنّهُ قصّةٌ للأطفال، يَقرأها الشّبابُ ويفهمُها الكبارُ، لها نهايةٌ سعيدةٌ تترجمُ تفاؤلَ الشّاعرِ وإيمانَهُ بجوهرِ الإنسانِ الخيِّر.
والأديب الإعلامي نايف خوري كتب:
استطاعَ وهيب وهبة أن ينقلنا عبرَ هذه العوالم الجديدة القديمة، والتي بسببها نظنّ لأوّل وهلةٍ بأنّنا نرى ونصادفُ حياةً أخرى مِن كواكبَ جديدة، وشخصيّاتٍ لا تمتُّ إلينا بِصِلة، فلا نعرفها مِن قبل ولا نُعيرها أيّ اهتمام، ولكن بعدَ إمعان النظر والتأمّل مليًّا، تتّضحُ لنا طروحٌ فكريّة هي بمثابة حياتنا اليوميّة، ونجد أنّ هذا العالم الأسطورة هو الفضاء الذي نعيش فيه، وهو محيطنا، كما أنّنا نتمنى أن نحيا فيه ونبني مستقبلنا في ثناياه، ولذا لا  يتطلب الأمرُ منّا سوى رؤية واقعنا والانتباه إلى سلوكنا، والتطلّع إلى تصرّفاتنا وإعادة النظر في عاداتنا وتقاليدنا، فهذه القصة ليست وقفًا على الصّغار ولا حكرًا على الكبار، بل هي كسائر الأعمال العالميّة تخاطب الإنسان حيث هو، وإنّي كقارئ لم أستطع إلاّ أن أحبّ هذه الأسطورة وشخصيّاتها ومؤلّفها.
أمّا الشاعر والباحث الناقد بيان غضبان فكتب:
وهيب نديم وهبه، هو شاعرٌ وأديبٌ معروفٌ، تُرجمة كتاباته لأكثر من لغةٍ، وَوَصَلت معظم بلدان العالم. يحتضنُ الآنَ أدب الأطفال، ويتجلى توجُهُه هذا بكتابه "علبةٌ من ذهبٍ"، أبدعَ فيه الأديب الشاعر بكونه ينعتقُ من حوامة الدوران الذاتية، كما نراهُ عند كُتَّاب أدب الأطفال، فهم يصورون الطفل المتحدث عن نفسهِ، بنوعٍ من الرُبوطية البعيدة عن الانفعال الوجداني، وبكلماتٍ متكلفة نقرأها ونستمتع بها إلا أننا ننساها لبُعدِها عن النفس والشعور، أما "وهيب وهبه"، فيجعل الطفل أكثر ديناميكية، فالطفل عنده ليس مجرد قالب نُصِّبَ فيه كلماتٍ جافة وأحيانًا جوفاء، بل طفل يتصور، ويحلم ويسعى لتحقيق أحلامه. الطفل عنده ليس فقط جسرًا تعبر من فوقه كلمات ومعان نريدها أن تعبر وقد لا يريدها الطفل نفسه، بل الطفل عنده "كومبارس" رئيسي، يحلمُ ويناقش وينكر، إذًا هو يطبق عمليًا أفكاره التي يؤمن بها، في سلوك نقدي مُعاشى.
الأديب الشاعر، يحاول في كتابه هذا معالجة النفس البشرية وهي ما زالت بذرة، قبل أن تنمو وتتفتح، وتكبرُ وَتَستحوذُ عليها الأنانية وحب الذات، يُريد لهذه البذرة (الطفل) أن تنمو وتكبر ومعها تنمو وتكبر المحبة للآخرين، والتضامن معهم، بالسراء والضراء، وأن الإنسان لا يستطيع أن يحيا بدون الحرية، التي هي حلم كل حر يريدُ العيشَ بكرامةٍ وسلام.
والشاعر الأستاذ  رشدي الماضي يكتب:
يظلُّ التّلاقحُ التّوالُجِيُّ بينَ الخيالِ والإبداعِ أبَ الينابيعِ الخصبة، الّتي ينهلُ منها "عمّال مصنع الكلمة"، مِن أجلِ أن تُواصلَ بناتُ أفكارِهِم الحمْلَ فالولادة. هذا ما تُجسِّدُهُ قصّةُ أديبِنا وشاعرِنا وهيب نديم وهبة، فمِن نظرتِكَ الأولى الّتي تُلقي بها على ثريّاها بمفتاحٍ تأويليٍّ، تنهضُ في خزانة ذاكرتِكَ نوستالجيا تعيدُكَ إلى ما يُعرفُ بأدبِ الخيالِ العلميِّ، بكلِّ أجوائِهِ وفضاءاتِهِ الشّائقةِ.

وأما الأديب الجليل الشّاعر والكاتب حنّا أبو حنّا
فقد نوّهَ لنقطةٍ هامّةٍ، وهي قلّةُ أدبِ الأحداثِ واليافعين في الأدبِ العربيِّ عامّةً ولدينا خاصّةً، لهذا جاءت قصّة "علبة من ذهب" قصّة أحداث بامتياز، وأسلوب سرديّ غاية في الرّوعة والجَمال والدقّة.
لماذا يَلجأُ الشّاعرُ وهيب وهبة إلى القالبِ السّحريِّ في القصّة؟

هل لأنّ هذهِ القصصَ هي نتاجُ العديدِ مِن الثّقافاتِ وتلقى انجذابًا وشعبيّةً على امتدادٍ عالميٍّ واسعٍ؟
هل مِن الصّعبِ ارتيادُ وعبورُ الأحداثِ اليوميّةِ المزعجةِ والمُحيِّرةِ، إلاّ مِن خلالِ قالبٍ سحريٍّ يُمكِّنُهُ أن يرقى بخيالِهِ ولغتِهِ نحوَ آفاقٍ أرحبَ،أم أنّهُ يَرقى إلى عالمٍ سِحريٍّ، كي يوليَ الأحداثَ عنايةً أكبرَ، يستطيعُ من خلالها تجاوزَ الممنوعاتِ، فيَسهُلُ عليه أن يُبهِرَ اليافعَ بضروبِ الخيالِ والغرابةِ؟

هل هذا الكون السِّحريُّ الغريبُ يزيدُ مِن ديناميكيّةٍ معنويّةٍ ونفسيّةٍ، تولي إشكاليّاتِ الحياةِ حبكةً مشرقةً تفتحُ آفاقَ الأحلامِ والخيالِ؟
وهيب وهبة شاعرٌ مسرحيٌّ لهُ العديدُ مِنَ الأعمالِ الشعريّة والمسرحيّةِ:
"الملاكُ الأبيض"، "هدايا وقُبَل"، نَهْدُ أسواره، أنتِ أحلى، وقْعُ حوافر خيل، المجنونُ والبحر، نافذةٌ للموتِ وأخرى، خطواتٌ فوقَ جسدِ الصّحراء".
ومِن أجلِ هذا تمريرِ هذا الإبداعِ المسرحيِّ، نحتاجُ إلى فضاءاتٍ ترفيهيّةٍ، ودورِ شبابٍ ومسارحَ، ودورِ نشرٍ، تدعمُ وتشجّعُ المبدعين الشّباب، فعساها مجتمعاتنا العربيّة تسعى إلى الاهتمام بالحسّ الفنيّ الإبداعيّ لأطفالنا، والعمل على تنميته والاعتناء به في تربة إبداعية خصبة وصالحة، لتزهو فضاءاتنا بمبدعينا الأطفال ومبدعي المستقبل الزاهر.


35  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / جوقة صغار الكروان في جنينة سِحِر! في: 21:33 23/03/2012
جوقة صغار الكروان في جنينة سِحِر!
آمال عوّاد رضوان

تحت رعاية جوقة الكروان والمعهد الموسيقي في عبلين الجليليّة، وبمناسبة عيد الأمّهات ويوم الأسرة، وما بين عذرية التمثيل وعشق الألحان ودفء الغناء، أقامت جوقة صغار الكروان الذي تشرف على تدريبه الفنانة سمر عوّاد، احتفالاً بهيجًا ومتميّزًا بعنوان "جوقة صغار الكروان في جنينة سحِر"، وذلك في قاعة أودوتوريوم مار إلياس في عبلين بتاريخ 22-3-2012، فقدّمت عرضًا تمثيليًّا مسرحيًّا غنائيًّا طفوليًّا مُكثّفا لا يتجاوز السّاعة، لكنّه كالحلم مرّ خاطفًا ألباب وحواسّ االمئات من الحضور، وقد غصّت القاعة بالحضور المتفاعل بالبسمة والدمعة في عرض طفوليّ شيّق وعفويّ، ومن جميع الأجيال والشرائح في عبلين، والجمع بأكمله مأخوذ بكلّ ثانية وبكلّ دقيقة من إبداع وأداء هؤلاء الأطفال الموهوبين.

جوقة صغار الكروان قامت بعمل فنيّ غنائيّ راقص طفوليّ، يدمج بين الغناء والرّقص والتمثيل بطريقة مبتكرة، بحيث أنّ قسمًا منها أغان أصليّة تعنى بأغاني الأم، ولكن بأسلوب جديد وبدمج أصوات الأطفال مع المغنيين الأصليين في الأستوديو الكروانيّ، وبتمثيل أدوار ساحرات وسحرة، وببراءة ملائكيّة ترنمت بأناشيد الأمّهات في جنينة سِحِر، وهللت لأراجيح أمومة تترندح وتتأرجح الملائكة في أحضانها المغمورة بالحنان!

"جوقة صغار الكروان في جنينة سحِر" عمدت إلى تفجير الطاقات والمواهب الكامنة في نفوس الأطفال المبدعين في شتى المجالات الفنية، بحيث لفتت الانتباه إليها، وسلبت الحضور كبيرهم وصغيرهم كامل تركيزه وترقبه.

"جوقة صغار الكروان في جنينة سحِر" عرض خلاب شيق من إنتاج جوقة الكروان، قام بالإشراف التنظيميّ الموسيقي المايسترو نبيه عوّاد، وباشتراك جوقة صغار الكروان، ومنال حاج ، والفنان الكروانيّ الشاب المتميز بصوته العذب الرنان ونس ابوشحادة، والفنانة الكروانية الواعدة ساندرا حاج، والموسيقا التصويريّة أكرم حدّاد، وقام الفنان العبليني المخرج إلياس مطر بإخراج هذا العمل باكورة بداياته، التي أدهشت الحضور بلباقتها وخفة ظلها، وانتهى الحفل ولا زال الحضور جالسا لم يرتوِ بعد ممّا تذوّق، وظلّ ينتظر المزيد والاستزادة.

وبلمحة خاطفة نعود إلى جوقة الكروان للكبار التي تأسست منذ عام 1994 بقيادة المايسترو نبيه عواد، وقد دمجت بين الكلمة والحركة والرقص والتمثيل في عروضها، وارتأى المايسترو بعد قرابة عقدين من التدريبات الحثيثة الجادة والدؤوبة لجوقة الكروان الغنائية، ولفرقة العزف التي أسسها في المعهد الموسيقيّ الذي يديره، أن يؤسس "جوقة صغار الكروان"، لتتسع الحلقة الكروانية الفنية الموسيقية، وتضم أعضاء من شتى الشرائح العمريّة، من عمر أربع سنوات حتى سن الخامسة عشرة.

جوقة صغار الكروان هي الأولى والوحيدة في الجليل وفي فلسطين، تأسست منذ قرابة السنتين، يقوم على تدريبها الفنانة عازفة البيانو الفنانة سمر عواد، ابنة المايسترو نبيه عواد، وقد  تجاوز عدد أعضاء جوقة صغار الكروان 40 طفلا، معظمهم يتلقون دروسا في الموسيقا الشرقية والغربية والعزف على الآلات الموسيقية، وقد شرعوا منذ قرابة الشهر بتلقي دورة تمثيل ورقص، ليكتمل العمل الإبداعي غناء وتمثيلا ورقصا، ولتكون هذه الخطوة الأولى نحو عمل مغاير وشامل، على غرار ما تقوم به جوقة الكروان منذ البدايات في سكيتشها الغنائي "صراع الأجيال، والمسرحية الغنائية " وتعود الأحلام"، والعمل الأخير "اِحكيلي"، الذي ضجت به الساحة الفنية لرقي العمل والأداء والغناء والحضور.
 

36  المنتدى الثقافي / دراسات، نقد وإصدارات / لقاءٌ شعريٌّ في قلقيلية أحيته آمال عوّاد رضوان وهيام قبلان في: 10:07 21/03/2012

لقاءٌ شعريٌّ في قلقيلية أحيته آمال عوّاد رضوان وهيام قبلان

بدعوة من اتحاد شباب الاستقلال/ كتلة الاستقلال الجامعية، وتحت رعاية مجلس اتحاد الطلبة لجامعة القدس المفتوحة في قلقيلية، وفي مناسبة الذكرى الـ 22 لانطلاقة الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني، أحيت الشاعرتان آمال عوّاد رضوان من عبلين الجليلية، وهيام قبلان من عسفيا الكرمل، لقاءً شعريا في حرم جامعة القدس المفتوحة في مدينة قلقيلية شمالي الضفة الغربية بتاريخ 19-3-2012، وقد حضر اللقاء الشعريّ جمع من  الهيئتين الإدارية والتدريسية في الجامعة، ولفيف من طلبة وطالبات الجامعة المفتوحة، وضيوف من حزب فدا متمثلا بربى هلال وعلي هليل أعضاء المكتب السياسيّ، وممثل القوى الوطنية في محافظة قلقيلية عادل لوباني.
 
استهل منسق القوى الوطنية والإسلامية في مدينة قلقيلية عادل اللوبانيبكلمة ترحيب وشكر، لحضور الشاعرتين من الجليل المحتل، وقام بالتعريف على الجامعة وعلى مجلس الطلبة الذي استضاف النشاط الأدبي، وتحدّث عن الأوضاع الداخلية التي تمر بها مدينة قلقيلية المحاصرة.
وقدم الأستاذ أحمد جبر تحياته وتحيات الجامعة ومدينة قلقيلية للشاعرتين ورحب بالحضور، وتحدث عن تاريخ الشعر وأهميته في الحركة الثقافية على مر العصور، مُرحّبًا بهذا النشاط الذي اعتبره باكورة  النشاطات الثقافية التي سترعاها الجامعة، ومُثمّنًا في الوقت نفسه الجهد الذي بذلتاه الشاعرتان للوصول الى قلقيلية، رغم الحواجز التي تفصل بين شقي الوطن.

ثم قام شاعر الجامعة أبو العربي بإلقاء قصيدة حملت البعد الإنساني في الشعر  والشعراء، حيّى فيها الشاعرتين الجليليتين آمال عواد رضوان وهيام مصطفى قبلان، وتحدث عن مميزات وركائز القصيدة العموديّة والنثرية.

بدورها ثمنت الشاعرة آمال عوّاد رضوان دعوة حزب فدا لهذا النشاط، ورعايته لهذه الندوة الشعرية التي قدمت فيها قصيدتين من ديوانيْها "بسمة لوزية تتوهّج" و"سلامي لك مطرا"، فيما قدمت الشاعرة هيام قبلان قصيدتين عمودية ونثرية، إحداهما لامست الثورات العربية وما يجري في الوطن العربي.

وقدمت الطالبة آلاء زيد مشاركة، ليختتم اللقاء بقصيدة أخيرة الأستاذ أحمد جبر، شكر فيها الحضور والشاعرتين، متمنيًا تكرار هذه اللقاءات الثقافية بين أبناء الوطن الواحد، وتخطي الحواجز والحدود.


37  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الكرمل يكشف عن نساء مغريات في التوراة! في: 15:47 20/03/2012
الكرمل يكشف عن نساء مغريات في التوراة!
آمال عوّاد رضوان






منتدى الحوار الثقافي عقد لقاءه الثقافي في مركز تراث البادية في عسفيا الكرمل، وذلك بتاريخ 15-3-2012 لمناقشة كتاب "نساءٌ مغرياتٌ في التوراة"، لمؤلفه الأديب العبري يومي عيني، وقام بترجمته الكاتب الصّحفيّ نايف خوري، وأصدرته "مكتبة كلّ شيء" لصاحبها الاستاذ صالح عبّاسي حيفا، والغلاف للفنانة العبريّة نعومي فوكس، وقد حضر اللقاءَ عددٌ من الشعراء والأدباء والمهتمّين بالثقافة المحليّة، والمؤلف يومي عيني ومجموعة من أصدقائه، والفنانة نعومي فوكس صاحبة المعرض والغلاف.
بعد زيارة معرض الرسومات واللوحات للفنانة نيتسا نعر الذي أقامته في جاليري البادية في نفس الأسبوع بلوحاتٍ تختص بالحياة البدوية، تحدثت عن لقائها بالأستاذ أمين القاسم مدير مركز البادية في أحد معارضها، وتعرّفت إليه وإلى نشاطاته الفنية والتنظيميّة، وشكرت الجميع لزيارة معرضها.
ثمّ افتتح اللقاء الأديب رشدي الماضي بكلمة ترحيبيّة وأخرى جاء فيها:
الترجمة جسر تواصل الحضارات، ولا تقلّ الترجمة أهمّيّة كعمل نسقيّ عن باقي العلوم الإنسانيّة الأخرى كالنقد والادب، والمعروف أنّها ليست عمليّة نقل آليّ ميكانيكيّ من لغة إلى أخرى، بل هي عمليّة إبداعيّة لا تخلو من مياسم الجَمال والشعريّة والجدّيّة والابتكار، هذا ناهيك غلى ما تحمله من رؤية للعالم، شأنها شأن الفنّ الإبداعيّ إن لم نقل إنّها تتجاوزه، حين تجمعُ بين البُعدِ الجَماليّ والبُعد التخييليّ.. لماذا؟
لكونها عمليّة إبداع ثان لنصّ مبدع بلغة معيّنة لها اساليبها وتراكيبها الخاصّة، إلى لغة ثانية تشذّ عنها في التراكيب والتعابير والأساليب، لذلك يتحتم على المُترجم المحافظة على نفس المعاني ونفس التأثير باختيار الصّيغ المناسِبة، وإذا عدنا إلى تاريخ هذا المنجز الإبداعيّ، نرى بأنّ الترجمة إبداعٌ قديم، من الإغريق والفراعنة وصولا إلى تشييد صرح نظريّ متكامل عنها أواخر القرن العشرين.
هذا ومن الترجمات المعروفة قديمًا ترجمة الحدَث الذي يتضمّنه الكتاب المقدس "سفر التكوين"، وظهور أهمّ ترجمة أدبيّة وهي "ملحمة جلجامش"، الباحث عن عشبة الخلود. لذلك لا بدّ ان نُثمّن ونشدّ على يد مبدعنا نايف خوري، لقيامه بترجمة كتاب كاتبنا العبريّ المعروف يومي عيني "نساء مغريات في التوراة".
بورك جهدك لأنك أذكيت جذوة التوقّد الفكريّ في مجال الترجمة، وأبقيت شبابيك التثاقف المتبادل مشرّعة على مصاريعها، كما نُحيّي الأستاذ صالح عباسي صاحب "دار الكتاب الكبرى" مكتبة كلّ شيء، على قيامه بطبع ونشر مؤلّف كاتبنا يومي عيني بصورة فنيّة راقية، وهو بذلك يكون قد ساهم في تعميق التفاهم الحضاريّ بين شعبي البلاد.
 
ثمّ كانت مداخلة الدكتور الشاعر فهد أبو خضرة ول اهميّة الترجمة وخاصة ترجمة أدبنا العربي المحلي للغات العالم، والمطالبة بإنشاء مؤسسات تهتم بهذا الجانب، كما تحدّث عن بداية بلورة الفكرة في كلية القاسمي بالترجمة الى العبرية والانجليزية، وأهمية تجنيد الكوادر المناسبة لهذا العمل الهامّ!
 
وفي مداخلة الشاعر جورج جريس فرح بعنوان جولة في كتاب "نساء مغريات في التوراة" جاء:

يستعرضُ الكاتبُ يومي عَيني قصصَ الإغراءِ الواردةَ في العهدِ القديم، بِدءًا من آدمَ وحوَّاءَ، وينتهي باستخدام الموساد  لهذه الوسائل من أجل تحقيق أهداف عسكريّة وسياسيّة.
يقول الكاتب، في الفصل الخامس عشر "الموساد والشريعة": "إنّ ممارسة الجنس مع العدوّ من أجل تحقيق هدف قوميّ هو "الدّليل التوراتيّ" للعامِلات في جهاز الموساد، وإِنَّ رجالَ الشريعةِ اليهوديةِ قَد أفتَوْا بأنّ مثل هذه الممارسات تُعتبر فضيلةً بل فريضةً"!
خصّص الكاتب فصلاً منفردًا لكلّ شخصيّة، في كتابٍ أنيقٍ يمتدُّ على مائةٍ وسبعٍ وأربعينَ صفحةٍ، من القياس المتوسط، مزدانةٍ برسوماتٍ رائعة بريشة الفنانة نعومي فوكس.
الفصل الأول:
الحيّةُ، التي يفسِّرُها بعضُ رجالِ التلمودِ على أنّها رمزٌ لِقُوى الخيال، تُغري حوَّا، فتقومُ هذه بإغراءِ آدمَ ليأكلَ من الشجرةِ المحرَّمَة، فيخْسرَ بذلكَ الفِردَوسَ.
الفصل الثاني:
بنتا لوط، اللتانِ تعتقدانِ أنَّ البشريةَ كلَّها قد أُبيدَت، ولم يبقَ سواهُما وأبيهما، تُسكِرانِه وتضاجعانِه وتَلِدانِ منه موآبَ وبن عامي.
يذَيَّل الكاتبُ هذا الفصلَ بقولِهِ: إن بعضَ المفسرينَ يقولونَ إن الشَّهوةَ تكونُ على انفرادٍ، ولذا فإن لوطَ هو الذي اشتهى ابنتَيهِ، لا هما منِ اشتهتاهُ.
الفصل الثالث:
سيسرا قائدُ الكنعانيّينَ، الذي انهزم أمام جيشِ النبيَّةِ دبورا، يلجأ إلى خيمةِ ياعيلَ، يطلب ماءً فتُسقيهِ لبنًا وتغطِّيه! واللبنُ هنا نوعٌ من الخَمرِ، إذ كانوا يضعون اللبنَ في وَطْبٍ مِنَ الجِلدِ فيختمر. أمّا الغِطاءَ فيرمزُ إلى المضاجعَة. ويقول الكاتبُ في ص 35 إنّ الحكماءَ يُجْمِعونَ على حتميةِ وقوعِ المضاجعة. وبعد أن يغفو سيسرا، تتناول ياعيل وتدَ ﭐلخيمة وتغرِسهُ في صَدغِهِ فتقتله.
الفصل الرابع:
راعوثُ الأرملةُ الموآبيَّة، نسبةً إلى موآب ابنِ لوطَ من إحدى ابنتيه، وراعوث هي جدّةُ جدةِ الملكِ داود لأمّه، بعد أن تغتسلَ وتتطيّبَ، تدخلُ خيمة بوعز وتستلقي تحت أقدامه، فيتزوّجها بوعز مخالِفًا تعاليمَ التوراةِ القائلة:
"لا يأتِ عمونيُّ وموآبيٌ مَعًا أمامَ الرّب".
وبعد أن يتزوجَها، يجدونَ فتوىً ومخرَجًا لهذهِ المخالفةِ، بقولهم إن المقصود بالآيةِ همُ الموآبيونَ وليسَ الموآبياتِ!!
الفصل الخامس:
يهوديت تخرج من أورشليمَ المحاصَرةِ، تتوجَّهُ إلى قائدِ جيشِ العدوِّ، فتُبرِزُ له مفاتِنَها بهدفِ الإيقاعِ به.
ملاحظة: هنا وقع الكاتب في خطأ تاريخي، إذ وَرَد في ص 46 إنّ يهوديت سارت إلى الملِكِ، لكنَّ الملكَ آنذاك كان نبوخذ نصّر الأوَّل، أما الذي خرجت إليه يهوديت فقد كان القائدَ أليفانا، كما يؤكد الأصحاح الثاني من سفر يهوديت، الذي جاء فيه:
(1)   وفي السنة الثالثةَ عشرةَ لنبوكد نصر، وفي اليوم الثاني والعشرينَ من الشهر الأولِ، تمت الكلمة في بيت نبوكد نصر ملكِ أشور بالانتقام (2) فدعا جميع الشيوخِ وكلَّ قوَّادِه ورجالَ حربِه وواضَعَهم مشورةً سِريةً (3) وقال لهم إن في نفسِهِ أن يخضع كلَّ الأرضِ لمُلكِهِ (4) وإذ حَسُنَ ذلك لدى الجميع، استدعى نبوكد نصر الملكُ، أليفانا قائدَ جيشِهِ (5) وقال له اخْرُجْ على جميع ممالكِ الغرب، وخصوصا الذين استهانوا بأوامري (6) ولا تُشفِقْ عينُكَ على مملكةٍ ما، وأَخضِعْ لي جميعَ المدنِ المحصَّنة.
خلاصة الأمر، أن القائدَ أليفانا قد فُتِن بيهوديت فدعاها إلى وليمة، ثم دعاها إلى خيمتِهِ، وبعد أن سَكِرَ وقضى وتيرتَهُ ونامَ، استلَّتْ خِنجرَهُ وقطعت رأسَهُ بضربتين، وانسلت هي ووصيفتُها تحملان رأسَهُ إلى أورشليم.
الفصل السادس:
لَم أجدْ أيَّ قاسمٍ مُشتَرَكٍ بين هذا الفصلِ وباقي فصولِ الكتاب، فلا ذِكرَ فيه للإغراءِ أو الإغواءِ أو الزِّنى، سوى أن إيزابيلَ كانت ذاتَ نفوذٍ عظيم. كانت المملكةُ العبرية في تلك الحقبةِ الزمنيةِ منقسمةً على ذاتها: مملكةُ إسرائيل في الشمالِ وعاصمتها السامرة، ومملكةُ يهوذا في الجنوبِ وعاصمتها أورشليم.
وإيزابيلُ هذه فينيقة الأصْل، وابنةُ أتْبَعْلَ ملكِ الصدُّوقيينَ، ويُروَى أنَّها لما تزوَّجها آحابُ ملكُ السامرة، أخذت معها صنمَ البَعْلِ وصنمَ عشتاروت بصحبةِ 450 كاهناً وثنيًّا، يأكلونَ ويشربون على مائدتِها، ويقيمونَ شعائرَ عبادةِ الأوثانِ خلافاً لشريعةِ التوحيدِ التي سنَّها النبيُّ موسى.
الفصل السابع:
الرّواية هنا مُقطَّعَةُ الأوصال - ومن المؤكد أنها كانت كذلك في الأصل العبري، وَحبَّذا لو أنَّ المترجِمَ حاول أن يصل بين أطرافِها عن طريق بعض التصرُّف – إذ لا يمكن لمن لا يعودُ إلى قراءة الرّواية الأصليّة في التوراة أن يربطَ الأطرافَ ببعضِها. وكلّ ما استلخصته هو أن المديانيين سلَّطوا بناتِهِم على الإسرائيليينَ لمضاجعتهم وإغرائهم بالزِّنى وعبادةِ الأوثان، وكانت في مقدمتهنَّ كُزبي ابنةُ صور.
اختلط عليَّ الأمرُ لدى قراءة هذا الفصل، فبينما نقرأ أن زمري بن سالو تزوَّج من كزبي ابنةِ صور، فإننا نقرأ في نهاية الفَصلِ أن كزبي ابنةَ صور قد زنَت مع زمري بن سالو رئيسِ قبيلةِ شمعون!
فهل نستنتج أنه تزوّجها بعد ارتكاب الزّنى؟ لكننا نعلم أن التلمودَ يحرّم الزانيةَ على من زنَتْ معهُ!
الغموض الثاني كان في نَسَبَ كزبي، فتارة هي ابنةُ ملك مِديان، وطورًا هي ابنةُ بالاق ملكِ موآب! والمعروف أن المديانيين كانوا حلفاءَ الموآبيين في ذلك الحين، ولم يكونوا شعبًا واحِدًا، فهل كان للشَّعبين ملكٌ واحد؟
الفصل الثامن:
راحاب الزانيةُ المُطَّلِعَةُ على أسرارِ الدولة، تستقبل في بيتها في أريحا جاسوسَيْن من بني إسرائيل، ثم تقوم بتهريبهما، وعندما يدخل الإسرائيليون أريحا يُبيدون كلّ سكانها، إلاّ راحابَ وأهل بيتها، وبالتالي يتزوّجها القائد الإسرائيليّ يشوع بن نون، مخالِفًا بذلك أوامر النبي موسى الذي أمر بإبادة كلّ سكان أريحا عَن بكرةِ أبيهم.
من نسل راحاب هذه تولدُ النبيَّة خولدة وسلسلةٌ من الكهنة والأنبياء.
وكأني بالله سبحانه، الذي حرّم الزِّنى في وصاياهُ العشر، وفي غيرها من الآيات الواردة في العهد القديم، وأمرَ برجم الزانية وحرقها، يكافئ الزانية ويجعل من نسلها الأنبياء والكهنة!!؟
وفي هذا الفصلِ يتطرّق الكاتبُ إلى مهنة الزنى كأقدم مهنةٍ في التاريخ، ويذكُرُ أن الزنى دخَلَ في طقوس العبادة لدى بعضِ عبَدةِ الأوثان، وأن الفرعون خوفو قد أرسل ابنته للعمل في ماخورٍ من أجل تمويلِ بناء الهرم!
الفصل التاسع:
يتحدَّث الكاتب في هذا الفصلِ عن زليخةَ، زوجةِ فوطيفار خَصِيِّ الفرعون، وكيف حاولت استدراج يوسفَ لمضاجعتِها، ويُنهي الفصل بتساؤله وقولِهِ: لا أفهم سببَ رفض يوسفَ مضاجعَةَ المرأة. هل لأنه ظنَّ أنه سيخطئ إلى الرّبّ؟ هذا غير معقول، فقد كان شابًّا يافعًا، حسن المظهر، ولم يلامس امرأة من زمن بعيد. أَيُعقلُ؟
الفصل العاشر:
إستر تستغل فتنَتها الأنثويةَ في إغراءِ الملكِ الفارسيِّ أحشويروش، تكشُف مِن جسدها أكثر ممّا تستر، فيشتهيها ولا يحتملُ الابتعادَ عنها، ويعدُها بأن يلبِّيَ لها كُلَّ ما تريد، حتى لو طلبَتْ نصفَ المملكة! تسمح له بمضاجعتها وتنتزع منه وظيفةً مرموقةً لابن عمها ومُربّيها مردخاي. ويتَّخذها الملك الفارسي زوجةً له، فتغدو مَلِكةً واسعةَ النفوذ، لدرجةِ أن الوزيرَ هامان عدوَّ اليهود، يضطرُّ إلى اللجوءِ إليها في حجرتها، يتوسّلها ويستدرُّ عطفها، فيضبطُهُ الملكُ في وضعٍ مُريب ويأمرُ بقتله.
الفصل الحادي عشر:
يُفهَم من هذا الفصل أنه كان للملك داود ثماني عشرةَ زَوجةً، وأنه إذ شاخَ وفقد مقدرتهُ الجنسيَّة، أوصى الأطباءُ بأن يُحضروا له فتاةً عذراءَ لتدفِّئ سريرَه، أحضَرَ الكثيرون مِن رجال إسرائيل بناتهم إلى داود لينتقيَ مَن يشتهي. وكانت أبيشاج من بين العذراواتِ الحسناوات. لكنَّ داودَ لم يعرِفْها، بِمَعنى أنّه لم يضاجِعْها. منهم من فسَّر أن داودَ امتنع عن مضاجعتِها لأن لَديهِ ثماني عشرةَ زوجةً، وقد حُظَر على الملكِ إضافةُ أخرى. ومنهم من عزا ذلك إلى ضعفِه الجنسي، وأنه خَشيَ أن يُخفقَ كما أخفقَ من قبلُ مع باتشيبع.
وهنا أيضًا واجَهْتُ المتناقِضاتِ واحترتُ في الأمر، فبينما نقرأ أنه أخفق مع باتشيبع، نقرأ في موضع آخر من الفصل ذاته، أنه عندما اشتكت أبيشاج من عجزهِ الجنسي، دعا داودُ باتشيبع فأتى عليها ثلاثَ عشرةَ مرّة! فما هي إذَن حقيقةُ أمرِ داود؟
يعودُ الكاتب إلى ذكر أبشياج الشونمية في صفحة 142 ليعلمَنا أن القائد أوريّا رَغبَ بالزّواج منها، وليوضح لنا أن تقليدًا غريبًا سادَ آنذاك وهو أن من يضاجعُ حَظِيَّةَ الملكِ أو عشيقتَه يحقُّ له أن يرثَ المُلكَ! ومن الأمثلة التي يوردها، حكايةٌ رؤوبين ابن يعقوب الذي ضاجع بلهة حَظِيَّةَ أبيه. لكن هذا المثل لا ينطبق على الممثّلِ به. فهل فات الكاتب أن يعقوب لم يكن ملكًا، وأن رؤوبين قد حُرِمَ من بَرَكةِ أبيه وهو على فراش الموت، رغمَ أنه كان بكرَ أبيه، وكان من حق البكر أن يحصل على نصيبٍ مضاعَفٍ من الميراث.
الفصل الثاني عشر:
شمشون وهو آخرُ قضاةِ بني إسرائيلَ الإثنَيّ عشر، يمارس الزنى مع ثلاثِ نساءٍ فلسطينيات، آخرُهنَّ دليلةُ التي أفضى لها بسرِّ قوَّتِه الكامنَةِ في شَعْرهِ الطويلِ. فبعد أن أسكرته قامت بقصِّ شَعرِه، وأسلمته للفلسطينيين الذين أسَروهُ وفقأوا عَينيه. وحين أحضر الفلسطينيون شمشونَ الأعمى إلى احتفالٍ ليسخروا منه، كان قد استعاد شَعْرَهُ وقوَّتَهُ، فدفع بالعمودين اللذَين يرتكز عليهما البناءُ، فسقط البيت على من فيه.
الفصل الثالث عشر:
داودُ الملك، أثناء تمشِّيه على سطح بيته، يلمح باتشيبع، زوجةَ القائدِ أوريا الحثّي، تستحمُّ عاريةً فيشتهيها. وتَعْلَمُ باتشيبع أن داودَ يراها، فتتعمَّدُ إغراءَه. يستدعيها ويضاجعُها. ويرسل داودُ زَوجَها أوريا إلى الجَبهَة ليُقتَل فيها. في هذه الأثناء تُخبِرُ بتشيباع داودَ بأنها حاملٌ منه، فيقوم باستدعاءِ أوريا من الجبهة، ويطلب منه مضاجعةَ زوجته بتشيباع للتمويه. لكنَّ أوريا لا يفعلُ، بل إنه يرفُضُ الدخول إلى بيته. وإذ يقنطُ داودُ من إقناعِه، يُعيده إلى الجبهةِ ويحمّلُه رسالةً إلى يوآب قائدِ الجبهة. ويا للسخرية، فَإنه حمل أمرَ موته بيده. كان مضمون الرسالة: «اجْعَلُوا أُورِيَّا فِي وَجْهِ الْحَرْبِ الشَّدِيدَةِ، وَارْجِعُوا مِنْ وَرَائِهِ فَيُضْرَبَ وَيَمُوتَ». وهكذا قُتلَ أوريا، فأعلنَ داودُ الحدادَ عليه، وبعد انتهاءِ فترةِ الحدادِ، تزوّج من بتشيباع.
الفصل الرابع عشر
أمّا الملكُ سليمانُ ابنُ داودَ فقد ضاجع الملكةَ مَكْدَةَ ملكةَ سَبأ، التي جاءت لزيارته إعجابًا بحِكمتِه. لكِنَّه أوقَعَها في كمين رومانسي نصبه لها. ففي اليوم السابقِ لليوم المقرَّرِ لعودتِها إلى مملكتها، دعاها إلى مأدُبة وقدَّم لها الطعامَ المتبّلَ بقصدِ إعطاشِها للماء. ثم دعاها لتقضيَ الليلةَ في قصره، متعهدًا بأن لا يَمَسَّها شريطةَ ألأَّ تأخذَ شيئًا من القصر. لكنها عطِشَت أثناءَ الليل، فقامت لتشربَ الماءَ، وكان لها بالمرصادِ. قال لها إن الماءَ أثمنُ شيءٍ في مملكتِهِ، وقد أخذته دونَ استئذانٍ، وعليها أن تدفع المقابل. وكان المقابلُ مضاجعةً، فحمَلَتْ منه، فأعطاها خاتَمَهُ ليتعرَّف من خلالِه على ولدِهِ في المستقبل.


***
في الكتاب أيضًا حكايتان لطيفتان عن سليمانَ والنحلةِ وسليمانَ والهدهد، لن أتطرق إليهما، وأترك للقارئ المعنيِّ أن يعودَ إليهما.
ويقول الكاتبُ إن هذا النوعَ من الإغراءاتِ يسمُّونه باللغة المهنية "مصيدةَ العسل" وكان آخرَ مَن اصطيدَ بهذهِ المصيدةِ محمودُ المبحوح في دُبَي في شهر يناير 2010.
ويُضيف: إن الأسبقيةَ تُعطى للعزباوات للقيام بمثل هذه المَهمَّات، وأمّا المتزوجة فيوصى بأن يطلِّقَها زوجُها ريثما تنجزُ المَهمَّةَ، ثم يستعيدُها بعد ذلك، لئلاّ تُعتَبرَ أنها خانتْ زوجَها ومارستِ الزِّنى وهي في ذمَّتِهِ.
بقي أن أقول إنه لم يتسنَّ لي قراءةُ الأصلِ العبري، فلا يمكنُني إبداءُ رأيي في الترجمَةِ من حيثُ الدقَّةِ والشمول، لكنَّ أسلوبَ النصِّ والصياغةِ يبدو أنه متأثرٌ بالأصْلِ العبري، الذي يناسبُ القارئَ العبريَّ الملِمَّ بتلك الأحداث أكثرَ من غيره، بينما يبدو للقارئ العربي مُختَزَلاً مَبْتورًا وغيرَ مستَرسِلٍ.
مع ذلكَ لا بدَّ من كلمةِ شكرٍ وتقديرٍ لما بذلَه المترجمُ من جَهْدٍ، لينقلَ إلينا هذا العملَ المُفعَمَ بمعلوماتٍ، ربما كانت خافيةً عن الكثيرينَ.
سَلِمَت يداك يا أبا الياس، ووفقك الله لتُطلِعَنا على المزيدِ من ثمارِ أعمالكَ المشكورة.
ثمّ كانت محاورة أدارها المترجم نايف خوري والكاتب يومي عيني والحضور، حول الهدف من هذا الكتاب وسبب ترجمته وفائدته للمجتمع العربي، وما يمكن أن يضيفه، وفي نهاية اللقاء كانت قراءات شعرية.


38  المنتدى الثقافي / دراسات، نقد وإصدارات / جنّة ونار بين أسوار عكّا في: 11:40 14/03/2012
جنّة ونار بين أسوار عكّا
آمال عوّاد رضوان




في قاعة فندق أكوتيل في عكّا العتيقة، وبحضور عدد من الرّجال والنساء المثقفين من عكّا والقرى والمدن المجاورة، أقامت مؤسّسة أسوار عكّا بتاريخ 6-3-2012 أمسية لحفل توقيع رواية "جنة ونار"، للأديب يحيى يخلف ابن قرية سمخ المُهجّرة جنوب طبريّا، ووزير الثقافة الفلسطينيّة السّابق، وذلك ضمن فعاليّاتها الثقافيّة الوطنيّة في شهر الثقافة الفلسطينيّة، الذي اعتمد يوم ميلاد الشاعر محمود درويش كيومٍ وطنيّ للثقافة الفلسطينيّة، وكان من المفروض أن يحضر الكاتب حفل تكريمه، ولكنّ السّلطات الإسرائيليّة منعته.
بدأ الاحتفال بعرض لوحات على الشاشة مجموعة محمود درويش "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، وهي بريشة الفنان العكّي والمقيم في ألمانيا إبراهيم هزيمة.
تولّى عرافة الحفل الأديب محمّد علي سعيد جاء في كلمته:
أهلا وسهلا بكم جميعًا في بلدكم الصّابر والصّامد عكّا، وبضيفنا العزيز وبفخرنا وذخرنا إبداعًا ونضالاً الكاتب المبدع والرّاقي يحيى يخلف، يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا نحن الضيوف وأنت ربّ المنزل. قل لي بماذا تحتفل وكيف، أقُلْ لك مَن أنت، ونحن اليوم نحتفل بالأدباء الأحياء ونكرّمهم، ولكنّنا لا ننسى الذين رحلوا عنا مؤخرا، د.عمر مصالحة مندوب فلسطين السّابق في اليونسكو، والشاعر سالم جبران والشاعر سليم مخولي وغيرهم، لقد رحل الذين نحبّهم وبقي الذين نحبّهم، وهذه سمة حضاريّة يتّسم بها الشعب الأصيل الذي يُقدّر أعلامه، وليتها تتجذّر لدى شعبنا فتصبح عادة.
لنقف دقيقة صمت وإجلال على أرواح جميع شهداء فلسطين الأبرار.             
بهذه الأمسية الثقافيّة الدّافئة والحميميّة تنطلق أسوار عكا بفعاليّاتها في شهر الثقافة الفلسطينية، شهر له المكان والمكانة  لدى شعبنا، ففيه ولد شاعرنا الكبير الغائب جسدًا والحاضر أبدًا محمود درويش، وفيه كانت انتفاضة يوم الأرض الخالدة، والتي شكّلت منعطفًا وأصبحت بوصلة في نضالنا، وأستثمرُ هذه المنصّة لأقترح العمل إلى تحويل يوم الأرض إلى يوم رسميّ قانونيًّا.     
تهدف الأسوار من وراء هذا التواصل بين أبناء شعبنا هنا في الدّاخل، وهناك في الدولة الفلسطينيّة وهنالك في الشتات، إلى تعميق وحدة العمل الثقافيّ الوطنيّ تطبيقًا لا تنظيرًا، ضمن حلقات الانتماء الثلاث: الفلسطينيّة والعربيّة والعالميّة.
أدعو إلى المنصة مديرة أسوار عكا السّيدة حنان حجازي راعية هذه الفعاليّات، لتلقي كلمة أسوار عكّا، فحنان حجازي هي نموذج الطموح الذي لا يعرف الحدود والمثابرة التي لا تعرف  اليأس والاستسلام والتخطيط، والمبادرات التي لا تعرف الرّوتين والمألوف، فتتخطاه بالتجديد أو الجديد المبتكر، إنّها تتحمّل المسؤوليّة، ناهيك عن قلب طيب وتواضع شامخ وعقل يقظ.
كلمة السّيّدة حنان حجازي: مديرة أسوار عكّا جاء فيها:
أيّها الحفلُ الكريم، للسنةِ الثانيةِ تَنطَلِقُ فعالياتُ اليوم الوطنيِّ للثقافةِ الفلسطينيةِ منْ أسوارِ عكا، دعمًا لصمودِ أهلِها في مواجَهَةِ المُخططاتِ العُنصريةِ الهادِفة إِلى تَهوِيدِها واقتلاعِ أهلِها والسَطوِ على تاريخِها العربيِّ وتشويهِ معالِمها الحضاريّةِ والتاريخيّة.
 كانَ بودّنا أنْ نَستَضيفَ في هذا المَساءِ الأديبَ المُبدع والمناضل العريق يحيى يخلف، الذي أشرَفَ على رسمِ خارِطَةِ العَملِ الثقافيّ في فلسطين، مِن خلالِ بناء إستراتيجيّةٍ تُنَظَمُ الواقِعَ الثقافيّ وَتَرسمُ خَطى المُستَقبَلِ بِمنهَجيّةٍ وَمِهَنيّةٍ ومسؤوليّةٍ وَطَنيّةٍ، لكِنَّ الاحتلالَ الغاشِمَ والظالِمَ حالَ دونَ مُشاركتهِ، بعدم السّماح لهُ بالحضورِ  إلىَ عكّا، لِنَحتَفِلَ معًا بِروايَتِهِ الرّائِعة "جنّة ونار". إنّنا نبعثُ بتحيّاتِنا إلى الكاتبِ المُبدع يحيى يخلف، ونستنكِرُ عَدمَ السّماحِ له بالتقاءِ أهلهِ هُنا في عكّا. حتمًا أيّها المناضلُ سوفَ تزولُ غيمةُ الاحتلالِ وتنقَشعُ عن ارضِنا الفلسطينيّة، وسوفَ نراكَ هَنا في الوطنِ في سمخ والناصرة وعكّا.
نُشاهِدُ هذا المساء مجموعةً مِنَ اللوحاتِ الفنيةِ لفنانٍ تشكيليّ ابدعَ في رسمِ الوطن انه عكيُّ المولِدِ يعيشُ في برلين، يحمِلُ همومَ فلسطين في قلبهِ ووجدانِهِ الفنان ابراهيم هزيمة الذي رفعَ اسمَ عكا والقدس وفلسطين عاليًا في سماءِ الإبداعِ الراقي فنالَ الجوائِزَ العالميّة، وقد أهدى أسوارَ عكّا الرّسوماتِ الرّائعةِ التي زيّنت ديوانَ الشاعر الخالد محمود درويش "على هذه الأرضِ ما يستحقُّ الحياة".
 ونحنُ نَحتَفلُ في يومِ ميلادِهِ في كُلِ آذار الذي اُعتُمِدَ كيومٍ وطنيٍّ للثقافةِ الفلسطينيةِ، يُسعِدُ ألأسوار  أن تُقدِمَ الطفل الموهوب براء غنامه ليلقي قصائِدَ الشاعر الخالد محمود درويش.
 أيّها الحفلُ الكريم.. باسمِ ادارةِ مؤسسة الأسوار أرحّبُ بِكم جميعًا وأشكرُ المشاركينَ في هذه الأمسيةِ المُضيئةِ بنورِ الإبداعَ وبكلّ الإخوةِ الضيوف الأكارم، وأدعوكم جميعًا للمُشاركةِ في الاحتفالِ بتكريمِ كوكبةٍ من أعلامِ الوطنِ في السّابع ِ عشر من هذا الشهر في سخنين، أهلاُ بكم جميعًا في أسوارِ عكّا.
وتابع العريف محمّد علي سعيد قوله عن الفنان التشكيلي إبراهيم هزيمة:
من مواليد عكا 1933، هُجر مع أهله الى غربة الشتات، عمل مُدرّسًا للرسم في سوريا، ودرس الفن في باريس ثمّ في ألمانيا، وعمل في أحد مستشفيات ألمانيا مُعالِجًا للمرضى بواسطة الفنّ كالرّسم وغيره، نال العديد من الجوائز، وأقام العديد من المعارض. صمّم العديد من الطوابع الفلسطينيّة، ونال المرتبة الثالثة لأجمل طوابع العالم، وانتخب رئيسًا للجنة الوطنيّة الفلسطينيّة في اليونسكو في باريس 1988.
عام 1970 كان له أول لقاء مع الشاعر محمود درويش، وفي عام 2008 قامت مؤسّسة الأسوار عكّا بالجمع بينهما في كتاب مشترك، فالقصائد لمحمود درويش تعبيرًا ورسمًا بالكلمات، واللّوحات الفنيّة لإبراهيم هزيمة تعبيرًا لونيًّا وكلامًا بالألوان، والأمانة العلميّة تقتضي أن أقول بأنّ الخطوط للخطاط ريحان تيتي.
 ويقول الفنان إبراهيم هزيمه عن عمله الفني: مواضيع أعمالي الفنيّة تُصوّر ترجمة لونيّة لمشاعري وأحاسيسي الدّفينة الحيّة للحياة في فلسطين الحبيبة، بإيقاعات واضحة متكررة، عناصرها الإنسان، والأرض، والبيت، والشجرة، والضوء.                                                                               ويلحظ المشاهد عودة وترديد العناصر والمواضيع التشكيليّة، ولكن بإيقاعات حسّيّة داخليّة متجدّدة، وهذا ما يُذكّرنا بالتّرديد والإعادة في الموسيقا العربيّة، والبناء العربيّ والأرابيسك الذي ترك للحضارة العالميّة إرثًا وتأثيرًا كبيرَيْن، والجدير بالذكر أنّ الإنسان الفلسطينيّ يحتلّ مكان الصّدارة في عملي الفنيّ، أحلامه، ورغباته، وتشوّقه إلى الحرّيّة والعيش بأمان وسلام في أرضه الحبيبة فلسطين. الإنسان في لوحاتي يقف بثبات كشجرة راسخة الجذر في الأرض، وجذعها متعاليًا بأغصان في السّماء، ويمكنني القول إنّ مَن يشاهد أعمالي يُطلُّ على روحي وحبّي لوطني وأهلي.
وعن محمود درويش قال العريف محمّد علي سعيد:
في أمسية الحبّ والوفاء هذه، يجتمع ثلاثة مبدعين من أعلام شعبنا، ولكنهم يختلفون بوسيلة إبداعهم وبالتالي بنتاجهم الإبداعي، وكلّ منجز إبداعي يتأتى نتيجة لعزف الأديب على ما أسمّيه شخصيًّا بوتر الإبداع، الذي يمتدّ بين الواقع الحِرفيّ الذي يعيشه الأديب تجربة مباشرة أو غير مباشرة، والخيال المفتوح والحلم الذي يصبو إليه المبدع من انزياح غامض ضبابيّ أو مغلق مُبهَم، وفجوات نصّ مؤجّلة أو مفتوحة. إنّ موضع  العزف يقرّر نسبة التعبير النسخيّ الفوتوغرافي للواقع أو التعبير الجمالّي الموحي لغويًّا أو لونيًّا أو مادّيًّا، كما ويؤثر أيضًا في كلّ ما يتعلق بالمنجز الإبداعيّ من مضمون ومبنى وأسلوب، ولأنّ موضع العزف يختلف من مبدع لآخر فيختلف النتاج وتبرز الفروقات، وتكون المقارنات بين المبدعين من أدباء وفنانين وغيرهم.
ولكن وفي كلّ الحالات يبقى الواقع الخامة الأساسيّة للإبداع، وعلى المبدع أن يعكس موقفًا فكريًّا من الواقع الحياتيّ الذي يعيشه، وأن يُربّي فينا الأمل بطرح الأسئلة التي تساعدنا على بناء واقع أجمل وأجود، ويرتفع السّؤال أين عزف مبدعونا.
الفنان التشكيليّ إبراهيم هزيمة ووسيلته كانت الفرشاة واللّون  لوحة، والشّاعر المرحوم محمود درويش ووسيلته كان القلم والورقة والشعر، وأديبنا يحيى يخلف ووسيلته كانت الورقة والقلم نثرًا قصّة ورواية.. هذه العجالة لا تسمح بالتطرق للموضوع بإسهاب، ولكني وجدت بأن المكان كان من القواسم المشتركة بينهم.
ولعكا مكانة خاصة في قلب محمود درويش، فقد قال فيها:                                                   
أحجّ إليك يا عكا   أقبل شارعا شارع/ وأحضن كلّ شباك وعشبا فوقه طالع/  وله عدة قصائد حول عكا.  محمود درويش شاعر العصر الاستثنائيّ، ومن أعمق الآراء التي قرأتها عنه ما قاله الناقد إحسان عباس: درويش شاعر لا يتطوّر بسرعة، وإنّما يقفز من قمّة الى أخرى، وكأنه يقول دون أن يصرح :
أنام ملء جفوني عن شواردها/ ويسهر القوم جراها ويختصم.
عندما كنت في الصّفّ السّادس في قرية البعنة رأيته لأوّل مرّة، حيث كان يرسلني مدير المدرسة إلى دير الأسد لاستدعاء شقيقه معلم العربية أحمد ليعوّض معلّمًا غائبًا. ونَمَتْ علاقة قويّة مع الأصغر شقيقه رمزي في مثل جيلي، ودرسنا معًا في ثانويّة كفر ياسيف، وكثيرًا ما نِمْتُ عندهم في الجديدة، وما زلت أذكر بعض الطرائف والمواقف مع محمود وقد حدثت أمامي، مثل  قصّته محمود مع الأدب الرّوسيّ.
عندما صدر ديوانه "مطر ناعم في خريف بعيد" دار نقاش في صحيفة الاتحاد، ومنذ ذلك الوقت وأنا أتابعه قراءة وجمعًا لمقابلاته ومقالاته، أنتظر اليوم الذي يتناول فيه ناقد تطوّر لغتي وأسلوبي. وعندما شاورني صديق بموضوع للماجستير عن محمود أخبرته بما قال محمود، فتناول تطوّر الموتيفات في شعر محمود درويش، وطور الماجستير لدرجة الدكتوراه. 
بعد وفاته قامت مجلة الشرق بتخصيص عدد كامل عن محمود درويش، وكذلك استمررت بنشر مقالات عنه مدّة طويلة جدًّا حتى استقالتي من تحرير الملحق الأدبي.
محمود درويش الناقد: موضوع ينتظر من يدرسه من خلال تصريحاته وتوجيهاته والموجودة في مقالاته في مقابلاته المقروءة والمسموعة والمرئيّة، وإذا جمعناها سنحصل على الكثير من مواقف نقديّة من شاعر كبير يقول رأيه بصراحة دون تنظير معقد، لإثارة الانطباع وفيه صدق للتجربة وكيفية كتابتها إبداعًا. (التعود على الكتابة، متى تكتب، وكيف تكتب، المسودّات، موقفه من التطوّر، من المج بين الإبداع والقضيّة). استمعنا كثيرًا إلى ما قاله القراء عن محمود درويش، اِسمحوا لي أن أقرأ ما جمعته ممّا قاله محمود درويش نفسه.. وحبّذا لو قامت المؤسّسات بإبصار ما قاله (مقبلات، وافتتاحيات مجلتي الجديد والكرمل فيما بعد) أنقذونا من هذا الحبّ القاسي، افتتاحيّة مجلة الجديد. 
أعدكم أن لا أكتب أسوأ مما كتبت، إلاّ إذا أصبحت مجنونًا أو اعتقدت بأنّ السّيّء هو الجيد.
أنا حذر أكثر، أكتب القصيدة ثلاث مرات، كتابة متحرّرة في المرّة الأولى، وأتحوّل إلى ناقد في الثانية وأجري تغييرات في الثالثة، لكي لا تؤدي إلى قراءة مسبقة سلفا.
بعد كلّ ما كتبت وعلى الرّغم مما كتبت تبيّن لي أنّني لم أبدأ بعد. ( 2000).
ممنوع أن يفكّر الشاعر بالقارئ في زمن الكتابة، يجب التحرّر من دكتاتوريّة القارئ.
ربّما في سن العاشرة حلمت أن أصبح شاعرًا، كان الشاعر فارس في نظري، لديه القدرة على قول الكلام الجميل، ولكنه الغامض بهذا القدر أو ذاك.
ممنوع أن نفترض بأن القارئ لا يستوعب شيئا.. فإنني لا أخسر القراء، وإذا خسرت كثمن لتطوّري، فأنا مستعدّ لذلك وأفضل أن أتطوّر.
الحداثة لا يمكن أن تكون نشاط أفراد فقط، إنّها مفهوم شامل، ولن يتمّ تحقيقه إلاّ عبر مشروع مجتمعي شامل.
إنّ وصف المأساة بصورة مباشرة يقتل اللغة الشّعرية.
الجوائز تعطى ولا تطلب.. جائزة نوبل ليست من مشاريعي المستقبلية.       
معدل ما أنشره هو ثلثا ما أكتبه والثلث الباقي للإبادة. 
الشاعر ينضج بعد الأربعين.
أشكو من رجحان التناول السّياسيّ في شعري.. انتظر الناقد الذي يتناول أسلوبي لغتي التي أعمل على تطويرها كثيرا. . أول ما فعلته عندما صحوت بعد العملية في فرنسا تحسست لغتي. (لهذا اقترحت على صديقي موضوع رسالته للماجستير تطور لغة درويش)
لا الانتشار ولا نقيضه يصلحان معيارًا للحكم على جماليّة الشعر.
إنّني شديد الإصغاء إلى حركة الزمن وإلى إيقاعات المشهد الشعريّ العالميّ، لا أتوقّف عن التدرّب على كيفيّة الاقتراب من توفير حياة، خاصّة للقصيدة بشرطها التاريخيّ وباستقلالها عنه معا.   
إنّ أحد تدريباتي على امتحان قصيدتي هو أن أنساها لفترة ثم أعود لزيارتها للتحقق من طبيعتها الشعريّة.
يهمّني كثيرًا أن أطوّر شعري بطريقة نوعيّة، يرافقها تطوّر في المعرفة وإعادة نظر دائمة في مفهوم الشعر واقتراب من الشّعر الخالص ومن التّجربة الإنسانيّة.
قصيدة النثر قد توحي بالسّهولة لمن هم ليسوا شعراء.
في "أحد عشر كوكبا" وفي خطبة الهنديّ" قرأت الكثير من الكتب لتكون قصيدتي صادقة.
لا يمكن أن تظل التجريبيّة مفتوحة الى ما لا نهاية، دون أن تخلق لها نظامها الكلاسيكيّ الخاصّ بها، وإلاّ سادت الفوضى، كما نرى في العقديْن الأخيريْن.
الموهبة التي لا تتغذى بالقراءة تموت أو تكرّر نفسها.
كما تحدّث عن سمخ المهجرة؛ قرية الأديب المحتفى:
تقع قرية سمخ على الشاطئ الجنوبي لبحيرة طبريا، وكانت أكبر قرية في محافظة طبريا، فقد زاد عدد سكانها عام النكبة، 1948عن الثلاثة آلاف نسمة. كان فيها مدرستيْن ابتدائيّتيْن واحدة للبنين وأخرى للبنات، وكانت تقام فيها الأسواق للحيوانات والطيور نظرًا لموقعها الجغرافيّ، وكانت تعيش في بحبوحة اقتصادية مقارنة مع غيرها وفيها عدّة مقاهي. واعتمد سكانها على الزراعة (اشتهرت) بالموز والتجارة والحرف. وكان في القرية مجلس محلي منذ عام 1923.
كانت القرية متعدّدة الدّيانات من مسلمين وهم الأكثريّة ومسيحيين وديانات أخرى،  وكذلك من عدة قوميّات عربيّة من مغاربة وشراكسة وبدو قبيلتي الصّقور والبشاتوة. سقطت القرية بعد كر وفر عام 1948 ونزح سكانها إلى مختلف الدّول العربية حاملين الذكريات والوطن.. ومنهم ضيفنا الكاتب القدير والمناضل الكبير يحيى يخلف. وبالتداعي فالمغاربة الذين عاشوا في سمخ هم من أتباع المجاهد الشيخ عبد القادر الجزائري، وقد برز منهم جد أديبنا الشيخ مصطفى يخلف، والشيخ محمود الذي قاد 1936 في منطقة طبريا.
 وحاليًّا عُبْرن اسمها من سمخ إلى تسمح كغيرها، عكا عكو، بيسان بيت شآن، اللد لود، الخضيره حديرا، الحوله حولاته، وغيرها وذلك ضمن سياسة مدروسة في طمس وتشويه تاريخنا وحضارتنا، وعليه تقع علينا مسؤوليّة الحفاظ على تراثنا وتاريخنا بالتوثيق المكتوب أكثر من الشفويّ. وتجدر الإشارة بأنّ الحركة الصّهيونيّة أقامت أوّل لجنة لأسماء البلدات عام 1925.
وتناول نبذة قصيرة عن يحيى يخلف:
من مواليد قرية سمخ عام 1944 بعد النكبة تنقل مع أهله في المنافي، في الأردن فدرس في  إربد وفي رام الله، حيث حصل على دبلوم في إعداد المعلمين، وفي لبنان حيث حصل على شهادة ليسانس آداب من جامعة بيروت. التحق بالثورة الفلسطينيّة عام 1967، وعمل في عدّة مجالات ومناصب من إعلام وثقافة وسياسة، عام 1980عمل أمينًا عاًّما لاتحاد الكتاب والصحفيّين الفلسطينيّين. عام 1987 عمل مديرًا عامًّا لدائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينيّة. عام 2003 حتى عام 2006 شغل منصب وزير الفلسطينيّة.                     وحاليًّا 2012 يشغل منصب رئيس المجلس الأعلى للتربية والثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية ويعيش مع أسرته في رام الله. ولقد شارك في العديد من المؤتمرات العربية والعالمية في مجالات تخصصه من: أدب وثقافة وسياسة وإعلام. ولقد ترجم الكثير من مؤلفاته الى عدّة لغات أجنبية.
ومع ذلك ورغم ضيق وقته وكثرة التزاماته الوطنية، أجاد في تخطيط وقته ووجد للإبداع الأدبي مكانا، فصدر له ثلاثة عشرة مؤلفا توزعت بين القصة القصيرة والرواية، كان أولها المهرة  197 قصص وكان آخرها جنة ونار الصادر 2011، ومن هذه المؤلفات: نورما ورجل الثلج، تلك المرأة الوردة، ساق القصب، نجران تحت الصفر، تفاح المجانين، نشيد الحياة، بحيرة وراء الريح، تلك الليلة الطويلة، نهر يستحم في البحيرة، يوميات الاجتياح، عزيزنا يحيى، قالت الصهيونية عام النكبة: سوف يموت الكبار وسوف ينسى الصغار وتموت القضية.. لقد خذلتهم فما زالت سمخ تعيش في داخلك وستبقى كذلك مع الأبناء والأحفاد و........  ولكل منا سمخه، فطوبى لك وطوبى لشعبنا الفلسطيني الذي لم ولن ينسى ويمهل ولا يهمل.
 وقالت العرب لكل مسمى من اسمه نصيب ، والاسم يحيى= ياء وحاء وياء وألف.-فالياء= يقين بانتصار الحق، ويمن ويقظة دائمة وواعية فيما يحيطنا  والحاء= حركة دائمة في خدمة القضية، وحرية تطلبها للآخرين، وحب للحياة، والألف= إعتزاز بقوميتك الفلسطينية وإجلال لها،  واعتراف بالجميل لكل من يقف مع قضيتنا. والياء= يمين العهد والوعد باستمرار النضال حتى قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس وفقط. وياقوتة العقد هي فلسطين، ولأنها فلسطين على هذه الأرض ما يستحق الحياة. عزيزي نعتز بك دائما، ونتمنى لك العمر المديد ودوام العطاء المفيد.   
ونقل العريف تحية  أ. د. محمد بكر البوجي أستاذ الأدب العربي في جامعة الازهر لأمسية يحيى يخلف في عكا:
باسمي وباسم جامعة الازهر في غزة: تحية من أرض غزة ، غزة هاشم بن عبد مناف الصابرة والصامدة، تحية من أرض لن تنال منها الضربات على أنواعها، لأنها أصبحت فوق كل الضربات على أنواعها. تحية إليكم جميعا أيّها الأدباء المجتمعون في عكّا الصّامدة والصّابرة، وتحيّة لمؤسّسة الأسوار على دورها الوطنيّ الرّائد والثابت كعنوانها عكّا، فأنتم حرّاس الأدب العربيّ التّقدّميّ والإنسانيّ، ومنبع إبداعه على هذه الأرض العربيّة، ونحن نفتخر بكم لأنّكم  اللؤلؤة الكبرى في  تاج الامّة العربيّة، أبارك لأخي الاديب الكبير والمناضل المعروف الإنسان يحيى يخلف على هذه الرّواية الجديدة "نار وجنة"، وقد احسن صنعا أن يكون توقيع روايته قريبًا من قريته سمخ الباقية في القلب والعقل. أيّها السّادة الأدباء الكبار، أتوجّه  إليكم باسم جامعة الأزهر في غزة أن  تلبّوا دعوتنا لزيارتنا، وعلى شرفكم سيكون المهرجان الأدبيّ الأكبر في تاريخها الثقافيّ، ونحن في انتظاركم لترتيب اللقاء. شكرا لكم جميعًا، وإلى أن نلتقي في غزة لكم جزيل شكري وخالص مودّتي  مع خالص حبّي وتحيّاتي لكم جميعًا.
وألقى البرعم الواعد براء غنامه من سخنين قصيدتين لمحمود درويش:
براء غنامه من مدينة سخنين الطيبة والكريمة والصّامدة، لما يزل في المرحلة الابتدائيّة.. لما يزل صغيرًا يانعًا أخضر ولكنه واعد بالكثير.. موهبة فذة في الإلقاء الشعريّ، فيه تفاعل وتعابير وحركات وطبقة صوت تلائم مضمون ما يقرأ، ممّا يدلّ على فهمه للقصيدة وليس بصمه، ناهيك عن هذه الذاكرة الخضراء، بنفس طريقة الإلقاء الشعريّ في المدارس كما كان الأمر أيام الانتداب، موهبة تأسر كلَّ مَن يسمعها وتحصي عليه أنفاسه.
القاصّ محمّد علي طه أحد أركان القصّة القصيرة محلّيًّا وعربيّا، وهو بحق سفيرها في العالم كما قال أحد أبرز النقاد المحلّيّين، تُرجمت قصصه إلى عدّة لغات كان آخرها في اللغة الإنجليزيّة وصدر في أمريكا، كما وقُدّمت دراسات أكاديميّة عديدة حول قصصه من: B.A + M.A+ Dr، كتب الرّواية ويكتب المقالة، وهو سيّد المقالة السّاخرة في البلاد، خرج للتقاعد ولكنه ما زال ناشطًا أدبيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا جاء في كلمته:
رواية يحيى يخلف الأولى "نجران تحت الصّفر" التي صدرت في بيروت عام 1976، أثارت انتباه القراء والنقاد، وأدهشتهم بجمال أسلوبها وقوّة بنائها، ثمّ واصل دربه الإبداعيّ ومشروعه الرّوائيّ، فقدّم لنا "تفاح المجانين" عام 1981، ثمّ "نشيد الحياة" عام 1985، ثمّ "بحيرة وراء الرّيح" عام 1988، ثمّ "وتلك الليلة الطويلة" عام 1993، ثم "نهرٌ يستحمُّ في البحيرة" عام 1996، وجاءت اليوم "جنّة ونار" لتكون الضلع الثالث في ثلاثيّة سمخ وبحيرة طبريا؛ العالم الجغرافيّ والإنسانيّ المُفضّل ليحيى يخلف، ولا يستطيع المُتتبّع لنتاج هذا المبدع إلاّ أن يتوقف أيضًا عند رائعته "تلك المرأة الوردة"، ذات النكهة الفنيّة الخاصّة، والتي أعتبرُها من أجمل القصص القصيرة في الأدب العربيّ.
قرأت رواية "جنة ونار" مرّتين مُتمتّعًا بالأسلوب وبسلاسة سرده وتعابيره الفنيّة الجديدة والمتجدّدة، وبموسيقاه التي تعزفها الكلمات، وبلازمة تكرار الجُمل التي يستخدمها بشكل دائم، كما  أنّ عنصر التشويق شدّني منذ الفصل الأوّل والذي أعتبرُه اقوى فصول الرّواية، فسبحت مع نجيب وبدرية وسماء والإنجليزي، من بيروت إلى دمشق فالأغوار، فبحيرة طبريا فإلى بلدة المغار، وهي رحلة العودة إلى الأصل وإلى الأمّ.
يُذكّرني تكرار الجُمل وتكرار التعابير في قصص يحيى يخلف باسلوب الكاتب الكبير طه حسين، وكنت قد كتبت بحثًا عن الفنّ الرّوائيّ عند طه حسين، نشرته على ثلاث حلقات في مجلة الجديد قبل اربعين عامًا، وتوقفت يومئذ عند اسلوب طه حسين، واستنتجت أنّ التكرار عنده يعود إلى سببيْن، أحدهما أنّه عمل مُدرّسًا طيلة أعوام عديدة، والمُدرّسون يعتمدون على التكرار في شروحاتهم، وثانيهما أنّه أعمى ويُملي النصّ على سكرتيره وهو يسمع التكرار الموسيقيّ، فتساءلت هنا ما سبب التكرار عند يحيى يخلف، وهو كاتب منذ عقود وقاتَلَ وناضَلَ بالبندقية لمدة سنوات، وهو حادّ البصر والبصيرة، لذلك فإنّني أزعم كما يقول طه حسين دائما، أنّ حب يحيى يخلف للّغة هو مقلعه الأوّليّ، وحبّه إلى أبطاله وتعلّقه بهم قاداه للتكرار، وقد يكون هناك سبب آخر، وهو تأثّر يحيى يخلف بالحكّائيّ الشعبيّ الذي تعرف إليه في ليالي المُخيّم. 
رواية "جنة ونار" هي قصيدة عشق مطوّلة لفلسطين؛ شعبًا، مدنًا، قرى، سهولا وجبالا، أودية وتاريخًا وحضارة، فالكاتب عاشق مُولّه لهذا الوطن، وهذا العشق يتسلّل إلى أسلوبه، فيدع أحيانًا السّرد الرّوائيّ الجميل، ويدع اللغة العذبة جانبًا، وينتقل إلى الجغرافيا والتاريخ، ويبدأ يُحدّث قارئَهُ عن هذه المدينة وعدد دونماتها ومتى تأسّست، وعن تلك القرية وموقعها وكم ترتفع عن سطح البحر، وهذه النبتة وتلك الشجرة، وهذا اللون وذاك الفستان، منذ الكنعانيّين حتى اليوم، فيكاد القارئ يعتقد أحيانًا أنّه يقرأ في "موسوعة بلادنا فلسطين" لمصطفى الدّبّاغ.
يعيش أبو حامد المجاهد والرّجل المفتي الوفيّ وسائق السيارة مع زوجته سميحة، ومع ابنتهما سماء الطالبة الجامعيّة اليساريّة الثوريّة الفوضويّة، وتقرأ سماء وصيّة أبي حامد بعد وفاته، فتصدمها الحقيقة إذ إنّ أبا  حامد ليس والدها وسميحة ليست أمّها، بل وجداها طفلة رضيعة بين الأشواك على مقربة من بحيرة طبريا، في حرب 1948، فتبدأ سماء رحلة البحث عن أمّها وليس عن والديها، ولا دليل لها عن امّها سوى بقجة الملابس التي كانت بجانب الطفلة الرضيعة، والتي احتفظ بها أبو حامد مع دمية الطفلة ومع الحجاب الذي كان هناك، ويحيى يخلف خبير في الملابس الفلسطينيّة، يعرف ألوان الفستان الفلسطينيّ لكلّ منطقة، بل لكلّ مدينة ولكلّ قرية، ويعرف ما تُطرّزه المرأة على فستانها من أزهار ونباتات وطيور وحيوانات، ويعرف نوع القطبة والغرزة ونوع الخيط، وهذه المعرفة هي دليل سماء في بحثها عن أمّها، وهي التي تكتشفها في القسم الأخير من الرّواية.
كانت زكي العلي عائدة من بلدتها سيرين إلى مجدل طبريا برفقة زوجها وطفلتهما الرّضيعة، عن طريق شارع بيسان عشية حرب 1948، وفي طريق العودة أوقفت عصابة من "الإرغون"؛ التنظيم الحافلة، وساقت الرّكّاب إلى مستوطنة قريبة.
يحيى يخلف عاش مع الثوّار في طبريا ومع الثوار في  الأردن ودمشق وبيروت، وفي الجزائر وتونس حتى عاد إلى رام الله، وكان الكاتب الثائر يحيى يخلف على علاقة وثيقة مع قادة فتح، مع أبي عمّار وأبي إياد، وأبي جهاد وأبي مازن وغيرهم، وهذه التجربة الغنيّة نجدها دائمًا بين السطور في رواياته جميعًا، فيحيى يخلف كاتب مبدع، وهو منحاز إلينا نحن الأقلية الفلسطينيّة المتبقية في هذه البلاد، منحاز الى العرب الفلسطينيّين في الدّاخل، فنحن الأمّ في روايته وام القضيّة، ونحن زكيّة العلي التي خرجت من المجزرة بعد مقتل زوجها وضياع ابنتها، وبقيت منغرزة في الوطن وتزوجت وأنجبت طفلة أخرى أسمتها ليلى.
وفيما أنا أقرأ هذه الرّواية الجميلة شعرت أنّني ساهمت في كتابتها، فيوم عاد يحيى يخلف أبو الهيثم إلى الوطن، وبعد وصوله بأيّام قليلة اتصل بي هاتفيّا، لآخذه إلى سمخ وطبريا، فرافقته بسيّارتي بعدما أخذته من جنين، ووصلنا إلى سمخ ثم طبريا ثم إلى المغار، لنبحث عن أهل زعواطة، فمن هي زعواطة؟
وجدنا في المغار ثلاثة رجال كبار في السّن يلعبون الطاولة، فنزلت وسألتهم عن بيت مختار المغار في زمن الانتداب، فنظروا إلينا باستغراب وخاصّة إلى الرجل وقالوا له، أنت مَن يسأل، وأنت من المؤكد ابن زعواطة، فذُهل الرّجل واستغرب مَن تكون زعواطة، فقد كانت كثيرة مشاكل وأسميناها زعواطة.
في تلك الصّفوة وجد يحيى يخلف زكيّة العلي في تلك البلدة، فهذه الرواية كما أعتقد هي الذاكرة الفلسطينيّة الشتات، وهي روح الوطن وجماله، وهي قبلة على جبين زكيّة العلي، وزكية العلي اسمٌ كم فيه من إيحاء وأبعاد خضراء!
كان لقاء مباشرًا عن طريق (السكايب) المهاتفة المصورة المباشرة مع الكاتب يحيى يخلف جاء في كلمته: شرف كبير أن أكون معكم رغم أنف الاحتلال وأنف نتنياهو كي نتواصل، وأقول إنني كنت أنتظر هذه الأمسية بفارغ الصّبر، وكنت في عدّة احتفالات بتوقيع الكتاب وبعدّة ندوات أخرى شاركت بها، كما أنّ عدة حفلات توقيع جرت في الماضي في دار الشروق في القاهرة وأيضا في رام الله وفي باريس، ولكنّني أقول إنّ هذه الأمسية هي الأحبّ إلى قلبي، لأنها في عُمق وطننا فلسطين، ونحن نريد أن نُقيم دولة فلسطينيّة في وطننا، فأرسل لعكا رسالة حبّ، لأسوارها ولأقواسها، لزواياها وبحرها، وإلى كلّ أرجاء وطننا الحبيب، وإلى شعبنا الصّامد حارس المكان، ورسالة حبّ أخرى لاصدقائي مَن اهتمّوا بالاحتفاء بالكتاب، وكان بودّي أن أكون معكم وبينكم، ولكن الاحتلال يقف عقبة أمام القدرة على الحياة، وأمام الشعب الفلسطينيّ في الدّاخل والخارج، وعرب 1948 هم الجزء الأساسي ولُبّ وجوهر البنية التحتيّة في الثقافة الفلسطينيّة، وبالمناسبة دعوني أترحّم على عمر مصالحة من قرية دبورية، الذي فارقنا منذ أيّام في باريس، ورسالة أخرى للمُحتلّ نقول له كما قال توفيق زياد إنّنا هنا باقون:
كأننا عشرون مسحيل/ في اللد والرملة والجليل/ هنا على صدوركم باقون كالجدار/ وفي حلوقكم/ كقطعة الزجاج، كالصبار/ وفي عيونكم/ زوبعة من نار/ هنا على صدوركم باقون كالجدار/ نجوع، نعرى، نتحدّى/ ننشد الشعار/ ونملأ الشوارع الغضاب بالمظاهرات/ ونملأ السجون كبرياء/ ونصنع الطفال جيلا ثائرا وراء جيل/ كأننا عشرون مستحيل/ في اللد والرملة والجليل/ إنّا هنا باقون/ فلتشربوا البحرا/ نحرس ظلّ التين والزيتون/ ونزرع الأفكار كالخمير في العجين/ برودة الجليد في أعصابنا/ وفي قلوبنا جهنّ حرا/ إذا عطشنا نعصر الصّخرا/ ونأكل التراب إن جعنا ولا نرحل/ وبالدم الزكي لا نبخل.. لا نبخل.. لا نبخل/ هنا لنا ماضٍ وحاضر ومستقبل/ كأننا عشرون مستحيل/ في اللد والرملة والجليل/ يا جذرنا الحيّ تشبّث/ واضربي في القاع يا أصول/ أفضل أن يراجع المضطهِد الحساب/ من قبل أن ينفتل الدولابّ
فنحن باقون ولم يستطيعوا على مدى أكثر من ستين عام أن يُهوّدوا فلسطين، أو أن يكونوا جزءًا من ركائز وجماليّة هذا المكان!
وفي كلمة الكاتب سهيل كيوان عضو إدارة مؤسّسة أسوار عكا، ومحرّر صحيفة كلّ العرب الأسبوعيّة، وله زاوية أسبوعيّة ساخرة باسم أهداف جاء في كلمته:
يحيى يخلف راوي المأساة الفلسطينيّة  بلا منازع، إنّه المؤرّخ الأدبيّ للنكبة، وصاحب الرّصيد الكمّيّ الأكبر من الرّوايات الفلسطينيّة المرتبطة برباط وثيق بمأساة المكان والإنسان الفلسطينيّ، إلاّ أنّ ما يميّز هذا الكمّ الكبير هو أنّه يحمل ثقلا نوعيًّا وفنيًّا، لا يقلّ أهمّيّة وفنيّة وجمالاً عن روائع الأدب العالميّ، والغريب في أمر الرّوائيّ يحيى يخلف الذي يستحق بجدارة لقب "راوية فلسطين"، أنّه يجود أكثر وأكثر كلّما تقدّمت به السّن، ويبدو أنّ كلّ شيء لدى الفلسطينيّ يختلف عن ما لدى الآخرين، فالفلسطينيّون لا يصلون سنّ اليأس أبدًا، بل يتجدّدون، وكأنّ الرّوائيّ الكبير يسير باتّجاه معاكس، فمنذ نجران تحت الصّفر التي كانت قمّة إبداعيّة، لم يتوقّف يحيى يخلف عن مسيرته الإبداعيّة الرّوائيّة، بل يصول ويجول في هذا الفضاء السّرديّ الذي يتفنن في بنائه، ويدهشنا مرّة تلو الأخرى بما يرويه.
فأبطال  يحيى يخلف يختلفون عن أبطال روايات الآخرين في الأدب العالميّ، إلاّ ما ندر، فهم يعيشون حياتيْن، حياة يمارسونها بعد النكبة في الشتات وفي فلسطين نفسها، وحياة أخرى عاشوها قبل النكبة، هذه الحياة السّابقة تأبى أن تتلاشى، بل تزداد وضوحًا بل تورّمًا وألمًا كلما ابتعد الزّمن عنها، ويبدو أنّه لا يمكن لها أن تنتهي لأنّها الوطن، والوطن لا ينسى حتى بعد آلاف السّنين، ولهذا سنرى في رواية "جنّة ونار" بحثًا يعود إلى العصور القديمة، بحثًا غنيًّا مُمتِعًا قراءة، ومعلومات جوهريّة هامّة في حياة شعوب عاشت في فلسطين، حتى أننا نجد أبحاثًا لغويّة، ومصادر كلمات مثل "بعل" وزراعة بعليّة، نسبة للإله بعل.
أبطال رواياته شيوخ وأطفال ونساء كلّهم يقاتلون هذا المنفى المُدمّر الذي لا يرحم، ولهذا نجد في أبطاله التسامح والطيبة والتفهّم، فالظروف القاهرة هي التي أوصلتهم إلى الشرّ أو إلى الخير سواء بسواء، جميع هؤلاء مشدودون في حنين جارف للعودة إلى أصولهم، فنراهم شيوخًا يعودون إلى ملاعب طفولتهم، وما من شخصيّة في رواياته إلاّ  ولها جذور هنا في تربة الوطن، مهما ابتعدت وتاهت بها السّبل، سواء كان هذا البطل إنسيًّا أو غير ذلك من الأحياء كالحصان والكلب والدّجاج، بل وحتى القماش والدّمية والمكحلة وغيرها، "جنة ونار" هي رواية البحث عن الذات الفلسطينيّة، من خلال بحث الصّبية "سماء" التي عثر عليها أبو حامد ملقاة بين الأشواك أثناء الرّحيل من سمخ، تحت ضغط المجازر والمذابح عام النكبة، فيتبنّياها ويتّخذاها ابنة لهما يطلقان عليها اسم "ماء السّماء"، وهو اسم الرّواية التي سبقت "جنة ونار"، يعثران عليها مع بعض الأشياء مثل الدّمية والشال والثوب المطرّز وقبعة العروس، ومنديل الحزمة، وحجاب الحرز، ومكحلة على هيئة حمامة.
أبو حامد الذي تبنى الطفلة مع زوجته سميحة يتوفى في مطلع رواية جنّة ونار، وقد احتفظ بكلّ الأشياء الخاصّة بالطفلة "ماء السّماء" التي صارت صبيّة في العشرين، ويُعلمها من خلال وصيّته بالحقيقة، بأنه وزوجته ليسا والديها البيولوجيّين، وأنّها ابنتهما بالتبني.
الصّبية سماء التي تعرف الحقيقة تبدأ رحلة بحث عن أمّها الحقيقية، مستعينة بالأشياء التي عثر عليها بمعيّتها، فتستعين بالسّيدة دالية المختصّة بالتراث الفلسطينيّ وخريطة، كي تعرف كلّ بقعة يدور الحديث عنها وتسجّل ملاحظاتها، من خلال عمليّة البحث يفاجئنا الكاتب بسبره أعماق التراث الفلسطينيّ، وامتداد جذوره إلى حقب تاريخيّة سحيقة، فيحشد في هذه الرواية كمًّا هائلا من المعلومات المتعلقة بصناعة النسيج والأصباغ والعبادات، وتربية النّحل والحمام الزاجل وغير الزاجل وغيرها من صناعات الشعوب التي عاشت في فلسطين، وأنواع وأشكال معيشتهم، التطريز وما يعنيه كلّ رمز على ملابسهم، وعاداتهم وتقاليدهم التي تأتي من طبيعة حياتهم وجغرافيّة بلدهم، فلكل قرية صناعتها ورموزها التي تشتهر بها من مجدل عسقلان إلى وادي الحمام وسمخ والطابغة ولوبية وكفركنا، وغيرها من قرى دارسة أو ما زالت عامرة، الرّوائي الذي حمل سمخ في قلبه بأهلها وحيواناتها وماء بحرتها وهوائها وحجارتها وتربتها، ينقلنا في "جنّة ونار" إلى فلسطين التي نعيشها ولا نعيها، ينقلنا إلى تشكّل روح فلسطين عبر الحقب التاريخيّة المختلفة، من خلال بحث "سماء" عن والديْها.
سمخ التي أرادوا لها أن تمحى مثل كثير من أخواتها حول البحيرة وبعيدًا عن البحيرة من شمال الى جنوب فلسطين، عاشت وتخلّدت وسوف تعيش إلى الأبد ما عاش الأدب العربيّ والعالميّ، فشخصيّة الرّاوي كثيرًا ما تكون هي الرّاصد للحدث، وفي أحيان كثيرة هي التي تمارسه، فالرّاوي مراقب للحدث ومشارك فيه، ليجعل من سمخ معبدًا يُقيم فيه طقوسه الصّوفيّة، حتى يتلاشى الكلّ بالواحد والواحد بالكلّ، الجزئيّ الذي يخبرك عن الكلّ، والكلّ الذي تجده في هذا الجزء، فهي نموذج لكلّ قرى ومدن فلسطين المنكوبة. تمضي حياة اللّجوء والبؤس في المخيّمات في توازٍ مع أيّام البلاد الجميلة، حيث الخصب والفلاحة والشبع والاستقرار والأمان، ومع الأمل الذي يصارع من أجل البقاء، وبتعبير درويش "نربّي الأمل" رغم كلّ ما حدث ويحدث، سنجد في "جنة ونار" أسماء عرفناها من قبل في روايات سابقة، فهي جزء من ثلاثيّة – بحيرة وراء الرّيح– ماء السماء –جنة ونار-، نجد الكاتب يتابع مصائرها أو أصولها، فعند يحيى يخلف لا توجد شخصيّات مختفية، فإذا اختفت في فترة ما، لا بدّ أن تعود لتظهر ولو بعد حين، كما حدث للشركسي من كفر كما الذي وجدناه في "بحيرة وراء الرّيح" يقاتل إلى جانب نجيب، وها هو يعود في رواية "جنة ونار" كي يستقبل سماء وبدريّة ونجيب والإنكليزيّ، عند مغامرة عودتهم إلى فلسطين بلا سلاح، حيث يعبرون النّهر عائدين كلّ منهم إلى أصوله، فتعيش معهم عبور النهر والليلة القاسية التي أمضَوْها في سمخ، في شاليه في طور البناء في ليلة سبت، حيث يذهب المقاتل الكهل نجيب لطلب المساعدة من رفيقه الشركسيّ القديم. الجميل أنّ بإمكانك قراءة هذه الثلاثيّة مجتمعة أو كلّ واحدة منها على حدة!
من المدهش أن نعرف بأنّ "جنة ونار" هو اسم لثوب فلسطينيّ من صناعة مجدل عسقلان، "وتطريزه على الأرجح في بيت دجن، كان ثوبًا ساحرًا قماشه أسود، خط آخر باللون الأحمر، وعلى الأكتاف وعلى الجانبيْن وعلى طول الكتف والأكمام خط باللون الأخضر، نجوم وأحجبة وشجر سرو ورسومات أخرى على الصّدر والأكمام، وتنويعات رائعة على جانبي الثوب، وعلى ظهر الثوب رسمة يتفرّد بها وهي طبنجة ترمز إلى كفاح أهل منطقة مجدل عسقلان ضد الغزاة!
سماء تتتبّع مسار الثوب الفلسطينيّ من مجدل، عسقلان إلى بيت دجن، إلى مجدل فطبريا، وهذا من خلال أبحاث شيّقة وعلميّة نجدها على امتداد الرّواية. ورغم عدم إيمان (سماء) بالخرافات، فإنّها تجد نفسها عند شيخة من أولئك اللاتي يتعاملن مع الفتح بالفنجان وغيرها من الخزعبلات، فتبلغها أنّ اسم أمّها الحقيقيّ هو فاطمة وأبوها فلاح، ولكن الحقيقة التي تتّضح تكون على لسان شيخ من قرية المجدل يعيش في مخيم (سبينه) في سوريا، فهو يخبر سماء باسم والدها الحقيقيّ وأمّها وأعمامها، وحتى اسمها هي: "أمّك زكية وأبوك سعيد أحمد العلي"، ويخبرها أنّ معظم أهل المجدل ما زالوا هناك في الناصرة وكفر كنا والمغار، وهو من القليلين الذين نزحوا، وما أكّد صحّة كلامه وفراسته هو حجاب الحصن الحصين الذي كان معها، وقد كتبه شيخ جليل للطفلة "ليلى أمّها زكية أبوها سعيد بن احمد بن هاشم العلي.
سماء التي تعرف أنّ اسمها ليلى وأنّ ذويها ما زالوا في الوطن، تعبر النهر مع بدريّة ونجيب والإنكليزي، والشركسيّ من كفر كما صديق نجيب القديم يتّصل بأهلها وأعمامها في المغار ويخبرهم بأمرها، لتلتقي بأمّها الحقيقيّة، هذه الأمّ هي أهل فلسطين الذين صمدوا وبقوا فيها، الذين ينتظرون عودة أحبّائهم من الشتات.


39  المنتدى الثقافي / دراسات، نقد وإصدارات / آذار الشعر والمرأة في الناصرة! في: 19:08 13/03/2012
آذار الشعر والمرأة في الناصرة!
آمال عوّاد رضوان




في شهر آذار يزدهر الربيع الثقافي الفلسطيني في نموّ وحراكٍ كلّ عام، وبدعوة من بلدية الناصرة مدينة البشارة، ودائرة المركز الجماهيريّ، أقيم في قاعة مركز محمود درويش الثقافيّ وللسنة الثالثة على التوالي أمسية شعرية، تحت عنوان "آذار الشعر والمرأة"، بمناسبة يوم المرأة العالميّ، وذلك بتاريخ 8-3-2012، وبمشاركة شاعرات وأديبات وفنانات من البلاد ومن المناطق الفلسطينيّة، وقد تخلل البرنامج قرارءات شعرية للشاعرات آمال عوّاد رضوان، لبنى دانيال، ريم غنايم، ومن المناطق الفلسطينيّة آمال غزال، الزّجّالة عائدة أبو فرحة، والقاصّة سناء بدوي، بمرافقة معزوفات موسيقيّة على العود لليافع فلاح أحمد خالدي، وقد زُيّنت جدران القاعة بلوحات ورسومات تشكيليّة للفنانات سوزان نجار، وياسمين مخلوف وغيرهما، إضافة إلى معرض أدوات مزخرفة من صنع يدوي وإكسسوارات منزليّة وإكسسوارات نسائيّة للفنانة ناديا غريفات، وتطريزات من التراث للفنانة سهيلة جبور، وقد حضر الأمسية عدد كبير من نساء الناصرة وضواحيها والقرى المجاورة.
ألقى الشاعر مفلح طبعوني مركّز هذه الأمسية كلمة ترحيبيّة، وتولت عرافة الأمسية الطالبة براء شريف رئيسة مجلس طلاب الناصرة الموحد، فرحبت بالحضور وقالت:
لها من الكتب الشعرية والنثريّة ست كتب:
بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّج/ كتاب شعريّ/ آمال عواد رضوان/ عام 2005
وسلامي لك مطرًا/ كتاب شعريّ/ آمال عواد رضوان/عام  2007
ورحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ/ كتابٌ شعريٌّ/ آمال عوّاد رضوان/ عام 2010
و كانت  لها الكتب التالية بالاشتراك..
الإشراقةُ المُجنّحةُ/ لحظة البيت الأوّل من القصيدة/ شهادات لـ 131 شاعر من العالم العربيّ/
ونوارس مِن البحر البعيد القريب/ المشهد الشّعريّ الجديد في فلسطين المحتلة 1948/ عام 2008
وكتاب محمود درويش/ صورة الشّاعر بعيون فلسطينية خضراء عام 2008
إنها آمال عوّاد رضوان تشارك بقصيدة "أحنُّ إلى حفيف صوتك" من كتابها الأول "بسمة لوزية تتوهّج":
أَحِنُّ إلى حفيفِ صوتِكَ/ يَنسابُ نسيمًا رَطِبًا في مَعابرِ روحي/ تَجمعُني قُزحاتهُ/ إضماماتٍ فوّاحةً/ تَزدانُ بها منابرُ مَسامعي
*
نبراتُ حروفِكَ تُلاغفُ جوانحي/ أحاسيسُكَ تُسوّرني/ كيفَ أهربُ/ ومسافاتُ الوَلهِ تزدادُ نقشًا/ في مَسالكِ قلبيِ؟
*
أشتاقُك .. أيّها المجنونُ/ إلى ما لا نهايةٍ من جنونِك/ أشتاقُك ../ وما من أحدٍ يراكَ شفيفًا كماي
*
كم أُدمنُها دنانُ حزنِك/ أُنادمُها بكلماتٍ فيها بَعثي المُنتظَر
*
لِمَ يَتأوّهُ حبيبي/ والنّارُ تتآكلُ في دمائِهِ ولا تأكلُه؟/ أما كانَ الأَوْلى بنيرانِهِ أن تتأوّه؟
*
اِفتحْ لي قلبَكَ الذّهبيّ/ واسْكبْ أحشاءَهُ على راحتيّ../ بالأمسِ؛ سمعتُ وُعولَكَ تُناغي ظِباءَ حُزنِك/ آهٍ يا رحمَ روحٍ/ تتفتّقُ ولادةَ وجدٍ في روحي:/ أَنولدُ فينا؟
*
آثارُ قلبِكَ دَعني أُرمّمْها ../ أُجدّد ماءَ حدائقِها ../ أجعلها ورودًا/ نتراقصُ بينها شغفًا/ وتسبحُ قناديلي في جداولها الشّهيّة!
*
هو قلبُكَ لي؛/ بمائِهِ وطَميِه .. / بضفافِهِ وأشجارِه ../ بعصافيرهِ ونحلِه ../ أُريدُهُ بعالمِه/ فكلُّكَ/ وكلُّ كلِّكَ يشوقُني/ ولا أُريدُ الشّوقَ يُؤطِّرني
*
هو صدرُكَ بيدري/ أدرُسُ عليهِ سنابلَ حنيني/ لن أخشَى اجتياحَ فيضانِك/ ستُسكنُك قُبلةٌ تُخثّرُ أمواجَك/ لن أخشى خطر السّباحةِ فيك/ وانجرافي بشلاّلاتِكَ النّاريّة
*
أأسكُبُني رعشاتٍ تَصهُركَ ../ تُغلّفكَ بي؟!/ أتكونَ دفينَ انصهاري/ حبيسَ أنوِيَتي/ أتقبلُ بكينونةٍ جديدةٍ/ لا تُحرّرُها إلاّ براكيني؟!
*
يا .. مَن .. أَشتاقُك/ دَعني أروي بأمطارِ عيني/ براريَ عطشِك/ ألملمُني لكَ ظلالاً/ وأشتاقُكَ أبدًا.
ومن آمال أإسماعيل غزال من محافظة سلفيت بجانب نابلس كان لها القصائد: تراب الغياب
اجلس هناك/ على أرجوحة الألم/ في المقعد المواجه لحافلة الغياب/ يلف عنق صمتي حبل الذكريات الطويل/ لأحتضن كلّ الجمل الهاربة عن جسد الكلمات/ فيضيق بي صدر المعاني
يلفظني حروفا مبعثرة/ على صفحة الذكرى/ وفي الصّفحة الأخيرة/ أغلق الكتاب على وجعي
لأمتطي إليك أحزاني/ بصهيل جنوني/ لعل خيول الشوق تحملني/ لتسرقني من دهاليز نفسي/ لأتشرنقك/ علني آخذ من حضنك ضمه/ لأقرأ من كتاب دفئك ومضه/ علني أغتسل من نمنمات فكرة/ أمتطي جنوني صهوة لقاء/ يختزلني جنوني/ يحملني حيث أنت/ آه.. آه لو كان بوسعي/ أن أجد جوابا لكل سؤال/ أن أخلق للصمت صخب الكلام/ و حلما لكلّ محال/ وأعيدني لغة جديدة/ تكتبني وتمحوني/ أعيشها وتعيشني/ دون علامات استفهام .../ وضمير غائب .../ ومبني للمجهول/ وتلك الصيغ الضبابية/ تشي بحزني... لتنهمر كمائني/ بأبجدية تقطر ألما في مواسم رحيلك/ هوادج قوافٍ تصهل في هشيم أهازيجي
أخذك الغياب.../ وتركت لي رائحة الوقت الحزين/ وغارات ألم تعاقر أفكاري المتعثرة/ على طرق الأسئلة الوعرية/ وطريقي إليك/ وتله كانت تشتهيني/ كما اشتهيتها مرارا/ فآخذت  بعضي إلى ذاك المكان/ باحثة عن رمل الطفولة/ أتقاسمها معك عند كل منعطف
هناك .../ كانت تنتظرني ابتسامه/ تشعل فرحي المؤجل على مشارف الغربة والذكريات
فاركض لاهثة/ لأحتضنها/ رحلت.../ وتركت لنا الكثير من بياض الكلام/ مدوناً على رخام الأيام/ فمن يرأب صدع وحشتي/ من يجيد قراءة حرائقي/ ويحتضن رمادي
بعدك .../ ربيعي يشتعل حنينا لشمسك/ اشتاقتك.../ كل أزهار الدنيا/ وأزهار غرستها يداك
لونيني بزهرك/ لم تعد الواني كما كانت/ أرجوانيةً/ بمزج لقاك/ مرت كل صباحاتي دونك/ احن إلى أنفاس صبحك/ يربت عبق أنفاسي/ لينضو عن كاهلي تراب الغياب/ وينثر حبقك  على كل مواسمي/ يبادر  خشوع في ملكوت  ذكراك/ ملأى بسنابل... أثقلتها الأشواق/ تغرد بتسابيح قلبٍ ينبض هواك/ لا محراب/ لا قبلة للروح سواك
وألقت قصيدة أخرى بعنوان رحل المكان
رحلَ المكانُ عن المكانِ مسافرًا/ تُحلّق خلفه طيورٌ .../ كأنها غربانٌ بعماماتٍ سودٍ/ تجرُّ خلفها عباءةَ حنيني الموشَّحةِ بالسواد/ رحل المكانُ عن الصباحِ  الندي/ تاركاً عصفورة الوادي تناجي عشها .../ تسأله :/ أين هم ؟/ أين ذهبوا؟/ هنا كانوا/ هنا حلموا/ هنا رسموا/ أملاً جديداً للغدِ
رسموا ملامحَ تاريخٍ سطروه بريشةٍ  ..../ ولونٍ أحمر .... وبندقية/ هنا شيدوا/ قصراً .... ونافذة أملٍ .... وحراساً للتاريخ.
لماذا تركتهم يرحلون؟!/ صاحَت  حجارةُ الوادي/ تقفز من مكانها/ تتلمس صدى حقيقةٍ  سكنت معانيها/ بعذوبة ألم مزركشٍ ينساب/ كما "سيمفونية" القهر الأزلي/ تعزفها أناملُ الوجعِ المعتق/ بقوارير هزيمة بلهاء/ زُجَّت في جوف التاريخ عنوة/ تنسابُ حروفها في بلاغةِ المعاني/ تتلوى مرارةً وانتظاراً  طال .. واستطال./ ستون عامٍ  ونيف/ وعتبة بيتنا تحن لرملِ أقدامنا حين عودتنا/ معلنين عيدَ ميلادِ الأرض/ تتراقصُ فيه النجومُ والكواكبُ/ والأجرامُ  كلها تتراكضُ كي تعيدَ/ حفلَ الكونِ من جديد .
ستون عاما/ والزمانُ ينتظر الزمانَ معاتبًا/ لماذا تأخر القطارُ ... وقافلةُ عودتنا/ ومفتاحٌ معلق ينتظر .../ يحنُّ إلى بابٍ و" سكرة "/ ستون عاما/ والنحيبُ هو النحيب/ الدمع ُ يغسل وجنة َالأرضِ  الطهورة بالمنى/ في كل صبحٍ .. وترحل/ تاركةً على جبهةِ التاريخِ ذكرياتِ ألم
وعصفورةً تسابق الريحَ/ تطوي صفحاتٍ من كتاب الماضي/ تبحثُ عن وسادةٍ .. كي تنام وتستريح.
 
أمّا ريم غنايم فهي شاعرة ومترجمة وباحثة في مجالَي الأدب العربيّ والأدب الإنجليزيّ، تُعد رسالة الدكتوراة في مجال مسرح الأبسورد الأمريكيّ، ترجمت وأعدت دراسات أدبيّة نشرتها في مجلّات عربيّة متعدّدة، وصدر لها مؤخّرًا باكورة أعمالها الشعريّة باسم "ماغ: سيرة المنافي" عن دار الجمل. وسيصدر لها قريبًا ترجمة مجموعة شعريّة لجيمس جويس بعنوان"موسيقى الحجرة" عن مؤسسة الغاوون الثقافيّة في بيروت.
شاركت بقصيدة بعنوان تدوينٌ لنشأة الرّسولة:
أيّ طيشٍ عنيفٍ يسكنكِ. / تتساءلين عن صخور الآخرين / وصخرُكِ استثناءٌ ناريٌ ضاربٌ إلى الحُمرة. / فحمٌ حجريٌ اضطربت معادنه./ لعلّكِ وُلدتِ من رحم الّدفن..
/ بلّورًا مصدوعًا في العُنق.. لعلّكِ صمديّةٌ أبديّةٌ اتّخذت شكل رسولة. / لعلّ غياهبك أثرٌ قديم لحفرٍ هشّ.. / أو شكل فراء خرنقٍ أعمى تفتّت يومًا داخل اضطرابه.. / كفكرةٍ احتملت الوقوع داخل حطامٍ صخريّ./ لعلّ رسالتكِ انثلامٌ كونيٌ متعمّد/ اشتباكُ الخاسرين في المعارك/ صراع خوذاتٍ معدنيّة صدئة/ إعادة هدمٍ للفرضيّات/ بدايةُ تشكيل الطّين
وقصيدة أخرى بعنوان انصداع:
لو أنّي خمول آلاتِ نفخٍ طائشة/ صلاةُ نبتٍ في ماء/ عرق الوَحل الهشّ بعد معركة/ انصهارٌ خفيف المعدن/ رسولةٌ بطعنةٍ فاسدة/ لو أنّي وصيّةٌ على حصى
أنا هنّ/ ألأمومتكَ / ألجرحِ الإناث في ظلالك الفاجعة/ أَلِركلات الوهم المقوّس في كمائنك/ أَلِحبيباتك.. لمومساتك لأشلاء معيشتك/ تصيّرني في جرحك أيّها الماء؟
مُجبراتٌ هنّ على الرّحمة/ كألمٍ يؤجّلون إعدامه / ليلحقن بيُتم العصافير/ ليعبثن بصَمغٍ عنيد/ فيما دبابيرهنّ مفرطةٌ في حَنَقِها على نزيف الغيب/ مستبشرات هنّ بصبيتهنّ/ يقتسمن بالتّراضي نعمة الثأر لأنوثتهنّ/ يومًا/ لأمومتكَ لهنّ لخيانتكَ أطفالَهنّ/ ينتقمن أيّها الماء
قياسًا على كلّ ألفةً مباركة/ من فرط حشمَتها/ تفضّ بكارتها عمدًا/ تحتبل من ذاتها/ وَخَط الشّيب عانتها/ مغضوبٌ عليها/ وعلى ضلالة نسبها
والزجالة الجميلة عائدة أبو فرحة ألقت بصوتها الغنائي شروقيات:
جايي وجايب معاك الخير يا آذار/ حامل رسالة أمل بالشوق تمليها/ جايي وجايب معاك باقة من الأزهار/ حتى بثماني الشهر للمرأة تهديها/ اللبوة اللي هاجت بوجه المعتدي الغدار/ تا يكون إلها حقوق تظل تحميها/ تصنع حماة الوطن وبتصنع الثوار/ يشهد عليها الزمن ويقرّ ماضيها/ هي الأساس القوي وهي عمود الدار/ شمعات درب العلم بالنور تضوّيها/ نبع الحنان السخي بإخلاصها ما صار/ أبسط كلام العطف والحب بيرضيها/ مهما الزمان انطوى وتبدلوا الأقدار/ بيظل نهر العطا والحب ماليها/ قوموا تنوقف سوا وتا ننحني بإكبار/ مهما عملنا أبد ما يوم نجازيها.
وغنت موشح آخر:
جينا بكل محبتنا نحيي آذار/ هالشهر اللي بتفقدنا لو مهما صار
جايين نوصل فكرة نثبت الحقوق/ فرحانين وكل مرة بيدفعنا الشوق/ يلا نساند هالزهرة أعظم مخلوق/ ونجعل هالدنيا خضرا وورد وأزهار
جينا بكل محبتنا نحيي آذار/ هالشهر اللي بتفقدنا لو مهما صار
هالمرأة اللي ربتنا ع حب الارض/ قالت النا ووصتنا بتضاهي العرض/ أرض اجدادي ومنبتنا هي سنة وفرض/ ايد بايد بوحدتنا نعمر هالدار/
جينا بكل محبتنا نحيي آذار/ هالشهر اللي بتفقدنا لو مهما صار
بتحمل موروث بلادي من جيل ال جيل/ حكاية شعبي واجدادي ودبكة ومواويل/ حتى تكيد الأعادي والهمّ تشيل/ قالت حطوا الأيادي بإيد الثوار/
جينا بكل محبتنا نحيي آذار/ هالشهر اللي بتفقدنا لو مهما صار
بدرب النضال تشارك دون استسلام/ وحتى بالسجن تعارك طول الأيام/ ولهناء الشلبي نبارك وحتى الإعلام/ واقف جنبك تا نارك تكوي الغدار/
جينا بكل محبتنا نحيي آذار/ هالشهر اللي بتفقدنا لو مهما صار
ع أرض العزة جينا ع أغلى بلاد/ بلاد المتخلد فينا توفيق زيد/ المتشائل إميل حبيبي ما نسينا وهم الرواد/ ضوّوا شمعة ماضينا ودرب الأحرار
جينا بكل محبتنا نحيي آذار/ هالشهر اللي بتفقدنا لو مهما صار
 
أمّا لبنى دانيال من الناصرة فهي حاصلة على لقب أول  في العمل الاجتماعي في  جامعة القدس وموجهة مجموعات وحاصلة على منحة من مؤسسة هيليكون لكتابة الشعر، لها كتاب بعنوان "هنا أرضي" وكتاب قيد الطباعة بعنوان "خطى".
شاركت في قصيدة النفس الطيبة:
لما أنت متعبة أيتها النفس الطيبة؟/ ألأرض جدائلها سنبلة وأثير/ تحاكيك بكثير.../ من الحب والألفة.../ تُراعيها فتصير .../ أنشودة وهديرا/ دفئا رفقا...وتحاسينا/ يا نفسا تشبهها ...لما انت حزينة؟/ لما أنت متعبة أيتها النفس الطيبة؟/ نامي على أكتاف الليل مطمئنة ...
أنت من أنت؟/ فراشات سابحات في الآفاق/ وأنت بسمة الأشداق.../ لما أنت متعبة أيتها النفس الطيبة؟/ وحائرة.../ وكأنك تعبرين سفرا طويلا ../ وغريبة.../ وقريبة.../ من الأبد.../ أنت الملفوفة بالزنبق والرونق/ تدركين أنك الناي المبحوح .../ يطلع من جذع زيتونة.../ فلا تتركي الوادي قبالتك / واركضي اليه .../ فسميتّك نفسا طيبةّ/ لم يكبر جرحك بعد.../ فحاضرك وعد...
أتسمعينني في هذا الصخب / والريح تدوّي لهب.../ أحببت فيك حيرة اللون والكون.../ وبيادر الحنطة في مهجتك.../ ان كنتِ أنا أنتِ...وأنت أنا / فلنا...موعد لطريق سنسلكه.../ ينتظرنا هناك عند قارعة الطريق.../ لما أنت متعبة أيتها النفس الطيبة؟/ لا أحد يحّن الى وجعه.../ بل الى فرحه.../ الى عناوينه المدّونة في الهويةّ وخارجها.../ أيا نفسا تطير أبعد من الحسّون...في الأقاصي/ لم يسحرك الغياب.../ تبقين مكانك...وتحدقين الى البعيد البعيد/ تواصلين السير هادئة.../ فوقك سماء وصفصافة لاهية.../ وانت تسترقين النظر .../ تبحثين عن اللا حدود...
في جمال حلمك... وتحرسينه/ انهضي من هذه الكلمات .../ وانظري في مرآتك.../ أنت هي النفس الطيبة
وشاركت لبنى بقصيدة أخرى بعنوان أكـاد أن أقــول
أكاد أن أقول/ لا أتمالك التبدل/ بخفة الفصول/ في سيرها الطويل/ وتعزف الرياح جلاجل الرعوم/ وفي مراع خضر/ سحرك البرعوم/ تضمني خيوط الشمس/ أكاد أن أقول/ للسنبلة شقيقتي/ وطيفها المجدول/ تساقط الأوراق يبعثرني/ يضل المركب العودة/ أكاد أن أقول/ تتملكني الكلمة/ في ثوبها الفضول/ تداوي الضغينة... تزين السكينة/ وقبة السماء... وساحل العقول/ تمدن المغول/ والفكرة الرفق بالحيوان/ يا أيها الإنسان/ يا أيها الحمول/ نشرة اليوم ضحية وواحدُ مقتول/ لا جانح معقول/ أكاد أن أقول/ من حرقتي ... من حرقتي/ ليوقفوا الزمان / تبدل الفصول/ وكلنا سواء/ فأمطري وأمطري/ وأمطري الحلول/ وساعة الهطول/ تقرع الطبول/ ورقصة الخيول/ وتكبر الأحلام/ حدودها الفلك/ يا فرحة الأنام/ لا وجع مقيت/ لا كثرة الآلام/ وجوقة الطيور/ حناجر الطيور ... رخيمة/ نغمة السلام/ يرفرف الحمام/ يا أبا الحناء/ حلفتك ... حلفتك/ لون السماء/ لحظة في غاية الجمال/ تجهم السؤال/ ما هو مصيرنا/ مصيرنا المجهول؟/ أكاد أن أقول
 
واختتمت الأمسية الكاتبة والإعلامية الفلسطينية سناء بدوي أبو الرب، من مواليد مدينة جنين بكالوريوس علوم سياسية وصحافة، انشأت مؤسسة جفرا للصحافة والإعلام في جنين في العام 1990، ونشر لها عشرات التقارير حول الوضع الفلسطيني، وتعمل منذ عام1996 في محافظة جنين مديرة العلاقات العامة والإعلام، ومديرة برامج لمركز آراء للدراسات والأبحاث- جنين، منذ تأسيسه في نيسان 2006. كتبت القصة القصيرة، وقصص الأطفال، والمقالة، والخاطرة وقصيدة النثر، لها مجموعة قصصية تحت الطبع تحمل اسم "شواهد"، وكانت عضو مجلس بلدية جنين 2000-2005، وعضو نشط في العديد من اللجان والفعاليات والهيئات التطوعية الوطنية المختلفة، والحركة النسوية الفلسطينية.
فتقول للذين أفاقوا على مجزرة جديدة نفذها إخوة الدم:
في بلادنا التي سئمت رائحة الزعتر/ ومرت عليها المناسبات تتعثر/ خطوات اطفالها/ بين اليأس و بشاعة المنظر/ تتساءل العبارات عن فحوى البلاغة/ وجدوى الخطابة في سوء المحضر/ وعن الأمل الذي ساقوه الى المقصلة/ ومدوا رقبته نحو الذبح وتفجر
في بلادنا صار الصبح ينتظر نزالا/ بين الاخوة من غير الامهات/ فمستحيل أن يكون نزال الصبح بين الأشقاء/ وما عهدت ارضنا يوماً فجراً بهذا البلاء/ أيقتل الاخ أخاه ../ باسم دين بريء من كل هذا الهراء/ فالمساجد التي سجدت على أرضها/ جباه غر/ مستحيل أن تكون من تلك الجباه/ فجباه الذين قتلوا فجرا أخوتهم/ غدرا .. وبدم بارد/ تلك الجباه ما تلك الجباه
بلادنا التي تقتل اولادها/ وتزين لشيطان السلاح والكفاح/ والصولجان ما ليس مباح/ مستحيل أن يكون من جلدتنا ذاك النكاح؟؟!!/ ولا تلك البيارق التي غزت قبل الصبح/ بيوت الناس وبشعت في السفاح/ كيف تواري أمهات / انجبت جناة بتلك القساوة وجهها/ كيف يلاعب اطفالهم/ أطفال من غرق آباءهم بالدماء ؟؟!!
سلام عليكم أيها العابرون زمننا/ سلام عليكم ايها الناجون من صمتنا/ سلام عليكم ايها الغائبون عن بؤسنا/ وسخطنا وقهرنا وموتنا/ سلام عليكم تصبحون على وجعكم/ ونصبح نواري وجهنا
وقلبنا وفكرنا/ ونمسي بين سؤال وسؤال/ حيرته أجوبتنا/ نتفقد جباه غير جباه/ ووعد بالنصر صار أبعد عن نصرنا ِ
وسردت قصة بعنوان سرّ امرأة:
جارتنا التي تسكن مقابل بيتنا أربعين عاما، أصبحت مع العشرة والود كأحد أفرد أسرتنا الممتدة، حتى أننا نناديها بتحبب "خالتي". وخالتي هذه كانت من قرية بعيدة عن المدينة حيث سكنتها بعد الاحتلال الإسرانيلي في العام 1948، حملت معها ذكريات الحرب والتهجير وأحلام العودة إلى تلك القرية المدمرة، فبدت دومًا في غاية الصلابة والصمت، وعلى الرغم من التحفظات التي كانت تبديها خالتي هذه في أمورنا الخاصة، إلا أننا اعتدنا على مصارحتها بكل صغيرة وكبيرة في أمورنا العائلية، حتى أبي ذاك الشيخ والوقور، كان يناقشها في أمور الحياة العامة والدين والتجارة، معتمدًا على صلابتها وإحساسها بالمسؤولية. فقد عرف الجيران عنها سعة الإطلاع وسرعة البديهة وكذلك قوة الشخصية، وهو ما ورثته لبناتها قبل أبنائها.
وأذكر تلك الليلة التي دخلت فيها جارتنا حالة النزاع، وتحلقنا حول سريرها نقرأ القرآن وندعو لها بطول العمر، ورحمة من الله. ولأن جارتنا كانت قد شبعت من الحياة وبلغت من العمر عتيًا، لم تُبدِ أسفًا على ترك الدنيا، وكان تقبلها لساعة الموت يحمل في طياته الإيمان والزهد وقوة الشخصية التي عرفت فيها طيلة أيام حياتها.
والغريب في الأمر، أنها أمسكت بردن ثوبي وشدته نحوها، فيما أشارت للآخرين بالخروج، فظننت أنها تريد أن تملي علي وصيتها، فطلبت ورقة وقلم.
جلست بجانبها وسألت: نعم يا خالتي؟
قالت والدمع يجري من مقلتيها: لا أريد أن أوصي، وصيتي يعرفها الأبناء، إنما أريد أن أخبرك عن سر في داخلي كتمته ستين سنة.
شعرت بأهمية الحديث وضرورة التركيز معها ، وأومأت برأسي كي تستمر في حديثها خوفًا من أن يداهمها ملك الموت قبل تبوح لي بما لديها من سر .
قلت: تفضلي كلي آذان صاغية ولكن براحتك، لا تتعبي نفسك.
لكنها كانت أحرص مني على إفشاء سرها الذي ربما يضغط على قلبها منذ فترة.
قالت: كانت ابنة عمي (نضال) في سني حين كنا صغيرتين، حينها كنا نسكن إحدى قرى حيفا كما تعلمين، لكنها أخطأت بحق نفسها وجلبت العار للعائلة جميعها، واعتبرت نفسي حامية لشرف العائلة، إذ كيف أبرر ما فعلته (نضال) التي تكور بطنها، وصارت تشكل نقطة ضعف في العائلة، وأمر يمس شرفها وشرف بناتها جميعًا، فأخذت أفكر بماذا ستقول العائلة عني بعد فعلتها وأنا التي كنت صديقتها ومقربة إليها، ولم أشأ أن يقوم رجال القرية بقتلها والتخلص من عارها حتى لا يتعرضوا للسجن، وحين كنت أبدي قدرًا من الشجاعة، وحتى نبرهن نحن السيدات على حرصنا وعفتنا فكرنا وخططنا للتخلص منها .
وفي ليلة كنت و(نضال) نجلس في الدار لوحدنا، قلت لها بأن عليها التخلص من عارها بيدها، ورغم بكائها وحزنها أحضرت الجاروشة ووضعتها على بطنها علّ الجنين يموت أو تهلك فتموت هي الأخرى وجرشت صاع قمح ، ونضال تتألم دون أن تحاول إيقاف حركة يدي، حتى أن تألمها لم يكن ليظهر مع صوت الجاروشة ومرت ساعة دون جدوى .
وفي المساء ، حين خططنا أنا ونساء العائلة أن أقوم بقتل (نضال) وهي نائمة، نمت إلى جانبها وأنا أبكي بصمت وعيناي محدقتان في سقف الغرفة أتذكر(نضال) البنت المؤدبة والصديقة العزيزة والنشيطة وحبها للحياة، ولكن كل هذا التعاطف معها كان يتبخر من رأسي حين أتذكر فعلتها، ولم تكن (نضال) تعرف بالذي قررناه وأخبرتها فجأة وطلبت منها أن تسامحني.
وأذكر ردّها: "أنا لم أقد نفسي للتهلكة، ولم أدنس شرف العائلة، هناك من دنسه من هذه العائلة غصبًا عنّي".
غضبت حينها وقلت: "أنت من يوم فعلتك تتهمين العائلة؟! مَن العائلة؟"
ولكن دون جواب أو اتهام لأحد ردّت: غدًا لا بدّ أن يظهر الله الحق .
: أي حق وأنت التي تملكين حق وواجب الدفاع عن شرفك أولا؟
قلت لها هذا وكان همي في تلك الليلة أن أتخلص منها، وقبل أن يطلع الفجر أخذت سكينًا، انشغل الرجال بسنها يومين وغرستها في بطنها، وهي غارقة في صمتها وألمها.  وحين تأكدت بأن روحها قد فاضت إلى باريها سقطت عليها وبكيت ورحت في سهوه حين أتت النسوة تسللا ًإلى الغرفة وانطلقت الزغادير.
في الصباح جاء الرجال يتساءلون: ماذا جرى إذا لم تستطعن فعل شيء فسنقوم نحن بعمل اللازم ولو أدى ذلك لموت كل الفتيات، المهم شرف العائلة.
كبيرات العائلة كن أحرص على هذا الشرف وأجبن في الحال: كل شيء تمام ماتت ( نضال). فصلى عليها رجال القرية جميعًا وحمل نعشها في جنازة مهيبة، وحزنت النساء على موت صبية من القرية، وكان الله بالسر عليم.
صمتت جارتنا فظننت بأنها قد ماتت، لكنها عادت إليّ بنظراتها وقالت:
من يومها وأنا أحمل ذنب نضال وصورتها لا تفارقني، وأخاف أن ألقى الله فيكون ذنبي القتل وعقوبتي النار.
قلت: هوّني عليك، لم تفعلي ذنبًا، ربما هكذا بدت الأمور في حينها، والله غفور رحيم وأنت امرأة حاجة ومؤمنة.
ابتسمت ورفعت شاهدها ورددت: أشهد أن لا إله ألا الله وأن محمد رسول الله، ثم بكت حتى فاضت روحها.
وفي نهاية الحفل قدّمت سناء بدوي وآمال غزال وعائدة أبو فرحة درعَ شُكرٍ مقدّمًا باسمهنّ لبلدية الناصرة لدعوتهنّ للمشاركة في أمسية آذار الشعر والمرأة، مزيّنا الدرع بمقولة:
"معًا نزرع زيتون هذه الأرض ونضيء سماءَها".

 
--
40  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / لا نخلقُ نساءً بل نُصيّرُ نساءً! في: 21:16 04/03/2012
لا نخلقُ نساءً بل نُصيّرُ نساءً!
آمال عوّاد رضوان
لطالما أنّ المرأة كانت في سالفِ التاريخ ولقرونٍ طويلةٍ حاكمةً وقائدة، فهل بإمكانِها أن تكون شخصيّةً قويّةً وقياديّةً تواجهُ الحياةَ بإصرارٍ على البقاءِ والحضور؟ كيف؟
كيف لها أن تتحدّى الأعرافَ والتقاليد التي تعمل على تهميشها وتكبيلها، أو تقليصها وإلغائها؟
هل هي بحاجةٍ لاقتناعٍ داخليٍّ بقوّتِها وقدرتِها على تحقيق طموحاتها، والصّمودِ في وجهِ الانتهاكاتِ التي تتعرّضُ لها؟
كيف يكون لها ذلك وما هي الأساليب والطرق والخطوات اللازمة؟
شاعَ تداولُ الحركاتِ النّسويّة إعلاميًّا وأكاديميًّا وأدبيًّا في فرنسا وبريطانيا وأمريكا وأوروبا، بعد الثورة الفرنسيّة عام 1789م، وقد أعلنت حركة "أولامب ده غوج" في باريس عن "حقوق المرأة والمواطنة" عام 1791م، وألّفت "ماري والستونكرافت" كتابَها "مطالب بشأن حقوق المرأة" في بريطانيا 1792م.
هذهِ الحركاتُ النّسويّةُ عبّرتْ عن مضمونٍ فلسفيٍّ وفكريٍّ بشكلٍ متخبّطٍ وغيرِ واضح المَعالم عندَ تأسيسِها، وذلكَ لانعدامِ الأطُرِ التي تستقي منها فِكرَها ومبادئها، فدعتْ إلى تحريرِ المرأة ميدانيًّا ومدنيًّا، ونادت بشعارِ تغييرٍ جذريٍّ وفعليٍّ في ميادين العملِ والمجتمعِ والحياة، وإنصافِ وجودها ككيانٍ إنسانيّ، وتحقيقِ ذاتِها واستقلاليّتِها وسُلطتِها، مِن حيث أدوارِها وحقوقِها ورفْع الظّلمِ والحرمانِ والإذلالِ والمهانةِ عنها، ومساواةِ حقوقِها المدنيّةِ والسّياسيّةِ والقانونيّةِ والاقتصاديّةِ بحقوق الرّجل، ككائنٍ له احترامُهُ وقدْرُهُ وكينونتُهُ، وليسَ كأصْلٍ للشّرورِ والرّجسِ والخطيئة.
لقد تعدّدت المدارسُ والمناهجُ والرّؤى الفلسفيّة والأطروحاتُ في معالجةِ قضايا المرأة، مِن خلالِ ثوراتٍ سياسيّةٍ وصراعاتٍ فكريّة، فتمرّدت على التّاريخِ البشريّ والتّقاليدِ والأعرافِ والنُّظُمِ الاجتماعيّةِ في جميع مناحي الحياة، وصارَ شعارَها قولُ الفرنسيّة سيمون دو بوفوار في كتابها:
"لا نخلقُ نساءً بل نُصيِّرُ نساءً"!

كيف يمكنُ أن نُصيِّرَ نساءً وبأيّةِ نوعيّة، رغمَ التّباينِ الثّقافيّ والتّكوينِ الاجتماعيّ والسّياسيّ والثّقافيّ؟
اليومَ وبتفاوتٍ كبير، باتت المرأةُ تحتلُّ مكانةً في مختلفِ المناشطِ الحياتيّةِ التي تقودُها وتُسهمُ بها، تماشيًا مع تيّارٍ معتدلٍ وغيرِ متطرّف، كما كانَ في بداياتِ نشأةِ الحركاتِ النّسويّةِ وطرْحِ الرّائداتِ الأوائل لقضيّةِ المرأةِ وحقوقِها.
وتؤكّدُ د. شذى سلمان؛ باحثة إسلاميّة مقيمة في بريطانيا بقولِها:
"شهد عام 1968 في أمريكا ظهورَ فرْعٍ نسائيّ جديد، أكثرَ تطرّفًا وراديكاليّة مِن رائداتِ الحركةِ الأوائل للحركةِ النّسويّة، حيث استَخدمت أعضاؤُهُ وسائلَ عنيفةً لإبرازِ القضيّة".
بينَ القبول والرّفضِ للقضيّة النسويّة، كانت هناكَ عدّةُ طروحاتٍ وتساؤلاتٍ تتسرّبُ وتتفشّى، حولَ تحليلِ وضعيّةِ المرأةِ في المجتمع، وتحديدِ مرافقِ ومصادرِ الظّلمِ الذي يقعُ عليها، وتعيينِ الأهدافِ وطرُقِ وآليّاتِ الفحصِ والعلاج، وسقفِ الطّموح في الوصولِ إلى الأفضل.
هل تدعو المرأةُ أختَها المرأة، للانعتاق والتحرّرِ والاستقلال مِن عقائدَ اجتماعيّةٍ وعقدٍ دينيّةٍ مجحفةٍ بحقّها، أم تدعوها إلى انحلالٍ أخلاقيٍّ مِن المُسلّماتِ الفطريّة، ليتمَّ استغلالُها جنسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا؟ لماذا؟
في منتصفِ القرن العشرين ما بين 1946 – 1975، ومع نشوءِ الأمم المتحدة، اتّخذت الحركاتُ النّسويّة طريقَها إلى الأمميّة والعولمة، فكان أوّلُ مؤتمر في المكسيك عام 1975 "العام العالميّ للمرأة"، وعام 1979 مؤتمر "القضاء على كافة أشكال التّمييز ضدّ المرأة"، وعام 1980 مؤتمر "المساواة والتنمية والسّلم"، وعام 1995 المؤتمر العالمي الرابع "المعني بالمرأة في بكي الأمريكية"، وعام 2000 المؤتمر الخامس في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، الذي أعلن فيه الأمينُ العامّ بيانًا يُساوي "المتزوّجين الشّواذّ بالتّقليديّين"، وعام 2005 عقد المؤتمر السّادس في نيويورك!
هل في عولمةِ الحركات النسويّةِ لغةُ تسويقِ شعاراتٍ وهيمنةٍ متطرّفةٍ لنظريّاتٍ غربيّة، مِن خلالِ تجنيدِ المرأة ذاتها وقوى مجتمعِها، وتفعيلِ المنظماتِ النّسويّةِ غيرِ الحكوميّة، وإلغاءِ السّلطةِ الذّكوريّةِ بكافّةِ أشكالِها؟
الحركاتُ العالميّة على اختلافِ مناشئِها الاجتماعيّة ومنابتِها الاقتصاديّةِ والسّياسيّةِ، نادت بعضُ تيّاراتِها المعتدلة بالحُرّيّة والمساواة بحقوقِ الرّجل، وتحسينِ وضْع المرأةِ في مجالِ العِلم والعملِ والصّحّةِ والحماية القانونيّة، والحضورِ الفعّالِ في ميادينِ الحياةِ دونَ تطرّف.
فما مدى نجاح الحركاتّ النّسويّةِ في الحدِّ مِن استغلالِ المرأةِ جنسيًّا واقتصاديًّا والاتّجار بها تحتَ مُسمّياتٍ مختلفة؟
المنظّماتُ النّسويّة والمراكزُ والنقاباتُ العُمّاليّة والهياكلُ الرّسميّة والحكوميّة والأهليّة والشّعبيّة، حاولت بتعمّقٍ تحقيقَ أفكارِها وتعزيزِها وتنفيذِ القوانين على أرض الواقع، لتصيرَ مظهرًا سلوكيًّا مُذوّتًا في المجتمع دون تزويرِ مضمونِه، مِن خلال تغييرِ الإراداتِ والقراراتِ السّياسيّة، وبالوصولِ إلى مواطنِ صُنْعِ القرار، وتشكيلِ ضغطٍ عليها لإثباتِ حضورِها وتجذيرِ فاعليّتِها، بوسائل صناعةِ السّينما والإعلام والفنّ والأدب والحوارِ والخطابِ المقنِع، لبثّ أفكارِها ورؤاها إلى أكبرِ شريحةٍ في المجتمع وأوساطٍ فكريّة وأكاديميّة وباحثين ومنظّماتٍ دوليّة وأمميّة، لخلقِ وعيٍ اجتماعيٍّ بتلك القضايا والتّعامل معها.
هل استطاعتِ الحركاتُ النسويّة تقديمَ حلولٍ جذريّة وواقعيّة لقضايا المرأة المنتشرة ولو جزئيًّا، أم أنّها أخفقت في تحقيقِ شعاراتِها بدمج المرأة في مجتمعِها دون تصادم؟
هل ما زالت المرأةُ، ورغمَ وصولِها إلى صُنعِ القرارِ وصياغةِ الخططِ والبرامج، تُعاني في مخبرِ التجاربِ والدّيمقراطيّة المزعومة؟ لماذا؟
لقد تداركَ العالمُ العربيُّ والشرقيُّ ثورةَ الحركاتِ النّسويّةِ العالميّةِ المُتطرّفة، وركّزَ في دعْمِهِ للحركاتِ النّسويّةِ الشّرقيّة، على تعليمِ المرأةِ ومشاركتِها الفِعليّةِ وكفاحِها في بناءِ مجتمعِها اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، مِن خلالِ عِلمِها وتعديلِ القوانين المتّصلةِ بأحوالِها الشّخصيّةِ مِن زواج وطلاق!
ما مدى نجاح تغييرِ القوانين بينَ النّظريّةِ والتّطبيق، التي حصلتْ في مجتمعاتِنا الشّرقيّةِ بحقّ المرأةِ، من ناحيةِ تعليمِها وعِلمِها وعملِها وزواجِها وطلاقِها؟
ما هي العوائقُ التي تقفُ بالمِرصاد؟
هل العملُ المنزليُّ للمرأةِ والإنجابُ وتشكيلُ الأسرة كلّها عوامل تُشكّلُ نوعًا مِن التّسلّط الذّكوريّ، وحالةَ قمْعٍ لحقوقِ المرأةِ اقتصاديًّا وقانونيًّا؟
وهل هناك في الأفقِ رؤًى مغايرة لإنصافِها؟
41  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / هل جيفارا شهيدُ الإنسانيّةِ وقضايا الظّلم! في: 10:20 29/02/2012
هل جيفارا شهيدُ الإنسانيّةِ وقضايا الظّلم!
آمال عوّاد رضوان

تخرّجَ بشهادةِ طبٍّ عام 1953، جعلت ارتباطَهُ وطيدًا بطبقةِ الفقراءِ والمظلومينَ والمنبوذينَ والمرضى المحرومين بسببِ التّفاوتِ الاجتماعيّ، بعدما تأثّرَ بمشاهدِ بؤسِ الفلاّحينَ الهنود، واستغلالِ عمّالِ المناجمِ الأمريكيّةِ في تشيلي فكتبً:
 "أؤمنُ بأنّ النّضالَ هو الحلُّ الوحيدُ لأولئكَ النّاسِ الّذينَ يُقاتلونَ لتحريرِ أنفسِهم، والثّورةُ قويّةٌ كالفولاذِ، حمراءُ كالجمرِ، باقيةٌ كالسّنديانِ، عميقةٌ كحُبِّنا الوحشيِّ للوطن"!
إنّهُ أرنستو تشي جيفارا الكوبي الثّوريّ ، الّذي تزوّجَ عام 1955 مِنَ المناضلةِ هيلدا أكوستا وأنجبَ طفلةً، وحينَ سافرَ للمكسيكِ التقى بفيدل كاسترو، وإيمانًا منهُ أنّ "الإمبرياليّةَ نظامٌ عالميٌّ ومرحلةٌ أخيرةٌ مِنَ الاستعمار، يجبُ أن تُهزَمَ بمواجهةٍ عالميّة"، انضمَّ للثّورةِ الكوبيّةِ كطبيبٍ في البعثةِ، الّتي ستحرّرُ كوبا مِن دكتاتوريّة باتيستا.
لماذا، وهو أرجنتينيُّ المولد؟
"لا يهمُّني متى وأين سأموتُ، ولا أعرفُ حدودًا، فالعالمُ بأسْرِهِ وطني، وإنّ الطريقَ مُظلمٌ وحالكٌ، فإذا لم تحترقْ أنتَ وأنا فمَن سينيرُ الطّريق؟ إمّا أن ينتصرَ أو يموت، وكثيرونَ سقطوا في طريقِ النّصرِ الطّويل، والثّوّارُ يملؤونَ العالمَ ضجيجًا كي لا ينامَ العالمُ بثِقلِهِ على أجسادِ الفقراء، ولن يكونَ لدينا ما نحيا مِن أجلِهِ، إنْ لم نكنْ على استعدادٍ أن نموتَ مِن أجلِهِ".
دخلَ جيفارا كوبا مع ثمانينَ ثوريًّا كوبيًّاعلى ظهر زورق، ومارسوا حربَ العصاباتِ مِن عام 1956- 1965، بقيَ منهم عشرةُ ثوّارٍ فقط، وبرزَ جيفارا كقائدٍ شرسٍ برتبةِ عقيدٍ وليسَ مجرّد طبيب، بسبب إقدامِهِ وسرعةِ بديهتِهِ في الأزمات، وفي عام 1959 طلّقَ زوجتَهُ الأولى، وتزوّجَ إليدا مارش وأنجب منها 4 أبناء، وصدرَ قانونٌ كوبيٌّ أعطاهُ حقَّ الجنسيّةِ والمواطنةِ الكاملة، ومِن ثمّ تولّى منصبَ رئيسَ المصرفِ الوطنيّ عام 1959، ووزارةِ الصّناعةِ عام 1965، ومناصبَ أخرى تصدّى مِن خلالِها لتدخّلاتِ الولاياتِ المتّحدة، وفي عام 1965 اختفى مِن كوبا، بعدما تركَ رسالةً لكاسترو مفادها:
"أشعرُ أنّي أتممتُ ما لديَّ مِن واجباتٍ تربطُني بالثّورةِ الكوبيّةِ على أرضِها، لهذا أستودعُكَ وأستودعُ الرّفاقَ، وأستودعُ شعبَكَ الّذي أصبحَ شعبي، وأتقدّمُ رسميًّا باستقالتي مِن قيادةِ الحزبِ ومِن منصبي كوزير، ومِن رتبةِ القائدِ ومِن جنسيّتي الكوبيّة، فلم يَعُدْ يربطُني شيءٌ قانونيٌّ بكوبا".
ما الّذي استدعى قرارَ جيفارا الفجائيّ؟
جاءَ ردُّهُ ناقدًا لاذعًا للحُكّام ولمسيرةِ الثّورةِ لاحقًا:
"إنَّ الثّورةَ تتجمّدُ، وإنّ الثّوّارَ ينتابُهم الصّقيعُ حينَ يجلسونَ فوقَ الكراسي، وأنا لا أستطيعُ أن أعيشَ ودماءُ الثّورةِ مُجمّدةٌ داخلي"!
هل يُطالبُ بمزيدٍ مِن الثّوريّةِ والدّمويّةِ؟
إنّما رفضَ فكرةَ مَن حاولَ التّسلّقَ على أكتافِ الآخرينَ والمُجاهدينَ في اتّحادِ الجمهوريّاتِ السّوفييتيّةِ وكوبا، أو الاعتمادَ المتزايدَ على الاتّحادِ السّوفيتيّ، لذا قرّرَ الانسحابَ!
ما الّذي يدفعُ جيفارا  للبحثِ عن قضيّةٍ ثوريّةٍ عالميّةٍ أخرى؟
"إنّني أحسُّ على وجهي بألمِ كلِّ صفعةٍ تُوجَّهُ إلى مظلومٍ في هذهِ الدّنيا، فأينما وُجِدَ الظّلمُ فذاكَ هو وطني!"
لكن؛ وإنْ كنتَ أمميًّا، فمَن نصّبَكَ وصيًّا على المظلومين، ومُحرّرًا لهم بحربِ العصاباتِ؟
"أنا لستُ مُحرّرًا، والمُحرِّرونَ لا وجودَ لهم، فالشّعوبُ وحدَها هي مَن تُحرّرُ نفسَها".
الثّائرُ جيفارا توخّى حربَ العصاباتِ عاملاً مساعِدًا للثّورةِ مِن أجلِ حياةٍ تستحقُّ العيش، لذا توجّهَ إلى الكونغو، وواجهتْ فكرتُهُ ومساعيهِ لحربِ العصاباتِ مصاعبَ كثيرةً لدى بعضِ القادة، ومنها إلى إفريقيا قادَ 125 كوبيًّا لمساندةِ الثّوراتِ التّحرّريّة، وانتهى في مستشفى للنّقاهةِ في براغ!
كاسترو الّذي احتفظَ بجميعِ رسائلِ جيفارا التّوثيقيّةِ عن نشاطِهِ العسكريّ، زارَهُ لينهاهُ عن حُلمِهِ الثّوريّ ويرجوهُ بالعودة، لكنّهُ رفضَ العرْضَ وبقيَ في زائير مُحارِبًا بجانبِ قائدِ ثورةِ الكونغو، ثمّ في بوفيليا لثورةٍ جديدة!
كتبَ جيفارا يوميّاتِ المعركة، وتعرّضَ لمطاردةٍ شرسةٍ كونه قائد الثّوّار، فقسّمَ جنودَهُ الأربعين المُتبقّين في الأدغال بينَ الهزالِ والجوعِ والعزلةِ والمطاردة، وإذا بوحدةٍ مكوّنةٍ مِن 1500 مِن قوّاتِ الجيش البوليفي تباغتُهُ في هجومِها على مجموعتِهِ في وادٍ صخريٍّ وعر، واستمرّ القتالُ ستَّ ساعاتِ إلى أن وقعَ في الأسرِ حيًّا، بعدما ماتَ جميعُ أفرادِ مجموعتِه ال 16 فردًا!
بتاريخ 9-11-1967 ، نُفّذَ فيه حكمُ الإعدامِ في ساحةِ المدرسة، مِن قِبلِ الجيشِ البوليفيّ ووكالةِ المخابراتِ الأمريكيّة، بإطلاقِ النّارِ عليهِ في منطقةِ الخصر وما دون بعيدًا عن منطقةِ القلبِ والرّأس، كي تطولَ فترةُ احتضارِهِ ومعاناتِهِ، ثمّ بُترتْ يداهُ للتّعرّفِ على بصماتِهِ، ودُفنَ في مكانٍ مجهولٍ كي لا يكونَ مزارًا للثّوّار. لكن؛
ظهرتْ مذكّراتُهُ ويوميّاتُهُ للنّور، لتُحدثَ بلبلةً عنيفةً، سمّيتْ "أزمةُ كلمات جيفارا"، وعام 1997 كُشِفَ النّقابُ عن جثمانِهِ وأعيدَ إلى كوبا، ليَدفنَهُ الرّئيسُ الكوبيُّ السّابق كاسترو بصفةٍ رسميّة!
تركَ جيفارا في رصيدِهِ الأدبيّ الّذي خلّدَهُ: حرب العصابات، ذكريات الحرب الثّوريّة الكوبيّة 1968، الإنسان والاشتراكيّة في كوبا 1967،  الأسفارُ تُكوّنُ الشّباب والوعي، مـانسيت!
شهيدُ الإنسانيّةِ وقضايا الظّلمِ جيفارا لم تخبُ ذكراهُ التّمرّديّة، لأنّهُ أسطورةُ بطولةِ أحلامِ الملايين مِن المظلومين، وقد استشرفَ بتحذيراتِهِ مخاوفَهُ المتوقّعةَ مِن مشكلةِ انهيارِ كوبا لاحقًا، وعجزِها عن إطعامِ شعبِها، إن لم تسْعَ إلى تنويعِ الزّراعةِ، والتّوسّعِ في محصولِ قصبِ السّكّر الّذي تتبادلُهُ مقابلَ البترول السّوفييتيّ، وإن هرولتْ وراءَ النّموذجِ الصّناعيّ والإنتاجِ والتّنافسِ في السّوق العالميّ!
لقد آمنَ جيفارا بالإنتاجِ الكوبيّ المَحلّيّ الّذي يحتاجُهُ شعبُها، مع مراعاةِ المحاولاتِ المجتمعيّةِ الّتي تخلقُ مجتمعًا أكثرَ إنسانيّة، ورفضَ معيارَ الكفاءةِ والإنتاجِ مِن أجل السّوقِ العالميّ، الّذي يسعى إلى خلْقِ مجتمعٍ مادّيّ!
وأخيرًا ..
أين بلادنا من هذا الإيمان الجيفاري والرّؤية الجيفارية؟ وهل هناك مَن يتّعِظ؟


42  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / لماذا ينتحرُ الزّعماءُ العظماء! في: 23:39 21/02/2012
لماذا ينتحرُ الزّعماءُ العظماء!
آمال عوّاد رضوان

تعدّدتْ الأشكالُ والأسبابُ والألوانُ، وظلَّ الموتُ يحملُ صبغةً واحدةً هي الموت!
كثيرونَ مِن المُعْدَمين الفقراء وهم الأحياءُ المعدومونَ بسياطِ الحياةِ ومواجعِها، ممّنْ ينسحبونَ مِنَ الحياةِ الّتي ليستْ بحياة، لا تأتي على احتوائِهم ذاكرةُ الرّثاء، ويبقوْنَ مجرّدَ أرقامٍ تتداولُها مؤسّساتُ البحوثِ والإحصاءِ، أو يظلّون نكراتٍ في عالمِ الإنكار شأنَ مَن لا شأنَ له، وما أكثرَهم وما أرحبَ شرائحَهم المثقوبة بالفقرِ والذُّلّ، والمُرتّقة بأملٍ بعيدٍ ينوسُ في ضبابِ الأفقِ الهاربِ الّذي لا يأتي.
لكن،
وما أن يموتَ زعيمٌ أو أحدُ العظماءِ على فراشِ المرضِ أو الهَرم  أو الخرَفِ، فالأمرُ يمضي مغايرًا إعلاميّا، مغموسًا بنبعِ دمعٍ لايجفُّ، وحدادٍ شعبيٍّ ملوّنٍ بمناديل الحزنِ لأيّام وشهور، ثمّ تقومُ مِن بَعدِهِ مهرجاناتٌ وعماراتٌ تحملُ اسمَهُ وريْعَهُ، ليَحصدَ أمجادًا أرضيّةً في حياتِهِ وذكرى لا تخبو حتّى في مماتِهِ!
أمّا وأن يُقتلَ زعماء، فالويلُ لحاضرٍ يتشرذمُ، ثمَّ الويلُ لمستقبلٍ تعُمُّهُ فوضى الضّياعِ والانشطارِ مِن بعْدِهِ بينَ أبناءِ البلدِ الواحد، فيضيعُ الزّعيمُ المقتولُ بينَ البطولةِ والشّماتةِ، وبينَ النّقمةِ عليه والتّرحّمِ على أيّامِه، كما حدثَ تمامًا مع صدّام حسين وياسر عرفات دون ألقاب، كي لا يُؤخذَ على كلامي موقفًا مِن مُعادٍ أو مُحايدٍ أو مُعاضدٍ.
لكن
ماذا عن سياسيّين وزعماءَ وملوكٍ وحزبيّينَ ينتحرونَ في لحظةِ حسْمِ انتصارٍ أو انكسار؟
هل يكونُ في نبْشِ سِيَرِهم إقلاقًا لراحاتِهم الأبديّة، أم هروبًا مِن مواجهةِ مرارةِ الحقيقةِ وشُرْبِ كأسِ العلقم، أم ....؟
وهل فكرةُ الانتحارِ هذه مستجدّةٌ أم قديمةٌ متوارثةٌ منذُ أزلِ التّاريخ؟
وهل الانتحارُ هاجسٌ يُلازمُ الزّعماءَ في جميع لحظاتِ حياتِهم؟

ها هو الملك مثير يادس (132-63 ق.م) يخاف الموتَ مسمومًا بأيدي أعدائِهِ، فيطلبُ مِن خادمِهِ وضعَ القليلِ مِن السّمومِ في طعامِهِ تدريجيّا ليعتادَ جسمُهُ عليه، وحين قرّرَ الانتحارَ مسمومًا لم يمُتْ، فطلبَ إلى أحدِ حرّاسِهِ أن يدقّ رأسَهُ بحَجر !

أمّا الملكةُ بوديسا ملكةُ إنجلترا وقبل قرنيْن مِنَ الزّمان، فقد قادتْ تمرّدًا عنيفًا مُقاوِمًا للامبراطوريّةِ الرّومانيّة، وحينَ فشلتْ في تحقيقِ الحرّيّةِ لشعبِها تناولتِ السّمَّ بيدِها، وفَرَّتْ إلى الموتِ برِجْليْها!
أمّا هانيبال الأسطورة القرطاجي/ الليبي وأعظمُ القادةِ العسكريّينَ في التّاريخ ما بين (221- 183 ق. م)، فقد كان بارعًا بالتكتيكِ العسكريّ والتخطيطِ في مواجهةِ الامبراطوريّةِ الرّومانيّة، ولكن حينَ أيقنَ بحتميّةِ وقوعِهِ أسيرًا، تعلّقَ بحرّيّتِهِ وآثرَ الانتحارَ رفضًا للإهانة!
وها مارك أنطوني القائد الرّومانيّ وعشيقُ كليوباترا، يحاولُ التّصدّي لقوّات أوكتافيانوس قيصر روما الجديد، التي وصلتْ إلى مشارفِ الإسكندريّة في صيف عام 30 ق.م، وحين ذهبتْ جهودُهُ سدًى، وبلَغَهُ كذبًا موتُ كليوباترا فضّل الموتَ على الحياةِ بتناول السّمّ، ليتلوهُ انتحارُ الملكة الفرعونيّة كليوباترا بالأفعى السّامّة، بعدَ سماعِها خبرَ انتحارِ حبيبِها أنطونيوس!
لماذا ينتحرانِ في نفس التّوقيتِ؟
أهو حزنٌ على حبِّهما أم وفاء؟
أهو شكلٌ من التّواري عن الهزيمةِ العسكريّة والفضيحة وخوفًا منَ الأسْر والمشي بالأكبال بالحديد في مواكب النصر الرّومانيّ؟
 أمّا نيرون إمبراطور الإمبراطوريّة الرّومانيّة عام (27 – 68)، فقد كثرتِ المؤامراتُ والاغتيالاتُ السّياسيّة، وكانتْ أمُّهُ "أجريبينا" إحدى ضحاياه فماتتْ وهي تلعنُه، وقتل "أوكتافيا" زوجتَهُ بالصّولجانِ أثناءَ أدائِهِ مسرحيّة، وأشهرُ جرائمِهِ إحراقُ روما عام 64م، مشيرًا بإصبع الاتّهام إلى المسيحيّين، وليتحوّلَ إلى اضطهادِهم وتعذيبهم بوحشيّة، فعمّ الإفلاسُ والفوضى لكثرة الحروبِ الأهليّة، وصار نيرون عدوَّ الشّعب، ولا يسعُهُ حينذاك، إلاّ أن يدسَّ خنجرًا مسمومًا في معدتِهِ! 
الزبّاءُ ملكة الجزيرة وقنسرين حين وقعت في أيدي قصير وعمرو، وكانتْ جميلةً حكيمةً حازمة، فعزمتْ على الثأر مِن قاتل أبيها ودعتْ جذيمة إلى قصرِها، فنصَحَهُ قصير بن سعد بعدم الثقةِ بدعوتِها، لكنّهُ لم يُبالِ بالنّصيحة، فقبضتْ عليهِ وقطعتْ "راهشيه" ليهلكَ نزفًا. ويصمّمُ عمرو بن عدي على الثأر منها، فاحتال الدّاهية قصير بن سعد من حاشيةِ جذيمة ومِن رجال عمرو بن عدي بجدع أنفِهِ وقطع أذنيْهِ، وقصدَ الزّبّاءَ شاكيًا، زاعمًا أنّ عمرو بن عدي فعل  هذا، وحين أمنته، قام بإدخال جنود عمرو بن عدي في "جوالق" محمولة على الجِمال واحتلّوا مدينتها، وحينَ وصلَ إليها عمرو بن عدي، مصّتِ السّمَّ الذي تحتفظ بهِ في أحدِ خواتمِها قائلة:
"بيدي.. لا بيد ابن عدي"، مؤْثِرةً بذلكَ أن تنتحرَ على أن يقتلَها عمرو!
أما أدولف هتلر السياسي الألماني النازي المولود في النمسا (1889 – 1945)، وزعيم حزب العمال الاشتراكي الوطني، فقد تميز بكاريزما فذة في إلقاء الخطب، والذي اختارته مجلّة تايم واحدًا مِن مائةِ شخصيّةٍ تركتْ أثرًا كبيرًا في تاريخ البشريّة، في معاداةِ السّاميّة والشيوعيّة، والعمل على إرساءِ دعائم نظامٍ تحكمُهُ النّزعةُ الفاشيّةُ الدّكتاتوريّة، مِن أجل رخاءِ ألمانيا، لكن، وفي الحربِ العالميّةِ الثانية تمكّنتْ جيوشُ الحلفاءِ مِن اجتياحِ ألمانيا مِن جميع جوانبِها، ممّا اضطرّ أدولف هتلر وزوجتُه إيفا براون الانتحار!
وأخيرًا..
هل لانتحارِ العظماءِ فلسفةٌ شرَخَها الفشلُ في متابعةِ ومزاولةِ مهامّ مارسوها مِن قبل.. أم .....؟
43  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / قهوة الشّرق تتراقص على أوتار الغرب! في: 13:37 14/02/2012
قهوة الشّرق تتراقص على أوتار الغرب!
آمال عوّاد رضوان
القهوةُ في لغةِ الكِيف والانبساطِ والاستئناسِ خمرةٌ مشروعة، ومصدرُ افتخارٍ واعتزازٍ لمَن يتحلّقونَ حولَ نكهتِها في المجالِس والدّواوين!
القهوة في لغةِ الطّبِّ الشّعبيِّ عقاقيرُ شفاءٍ متداوَلة، وفي الأساطيرِ والرّواياتِ تأرّختْ في كلام النّبيّ داوود الملك، حين ذكَرَ غرسَها وقطفَها في اليمن وخواصَّها مِن قوّةٍ ونشاط!
القهوة في قصّة أخرى ورد، أنّ الرّاعي كلداي الأثيوبيّ عام 850 م انتبهَ إلى انتعاشِ وابتهاج قطيع أغنامِهِ بعدَ أن أكلَ حبوبَ القهوةِ، فأصابَهُ مِنَ السّعادةِ والنّشاطِ والمرح ما أصاب القطيعَ حين أكلَ منها.
 
هكذا عرفها الأحباشُ، وغلَوْها وأكلوها نيّئة حتّى أواسطِ القرن التّاسع الهجريّ!
 
ومِن ثمّ شاعَ منقوعُ البنّ في اليمن، بواسطةِ الشّيخ الإمام جمال الدين بن سعيد الذبحانيّ، بحسب ما وردَ في كتاب "عمدة الصّفوةِ في حلّ القهوة"، للفقيه الشّيخ عبد القادر بن الأنصاريّ الحنبليّ، إذ وُصفتِ القهوةُ له كدواءٍ يُخفّفُ الدّماغ وينشّطُ البدن ويُذهبُ النّعاسَ والكسل.
 
أمّا في كتاب "الكواكب السّائرة بأعيان المئة العاشرة" للغزالي، فأبو بكر الشّاذلي مرّ بشجر البنّ المتروك، وعلى عادةِ الصّالحين اتّخذهُ قوتًا وشرابًا فيهِ تنشيطٌ للعبادةِ واجتلابِ السّهر، ثمّ ظهرتْ القهوةُ برواقِ اليمن في الجامع الأزهر في مصر، في ليلةِ الذّكرِ والخميس!
 
ومِنَ العرب انتقلتْ إلى إسطنبول في عهدِ السّلطان سليمان القانوني في القرن السادس عشر، ومنه إلى إيطاليا، فحازت القهوةُ على قبولٍ واسعٍ بعدَ أن تمَّ اعتبارَها مِنَ المشروباتِ المسيحيّة عام 1600.
 
دخلت القهوة إنجلترا وفرنسا عام 1657، وإلى النمسا عام 1683 بعد معركةِ فيينّا، وانتقلت إلى هولندا وأوروبا، وإلى أمريكا عام 1717 باسم كوفي العربي، وبدأتْ صناعةُ البنّ البرازيلي مِن تهريب بذورِهِ من باريس عام 1727، وازدادَ الطّلبُ على القهوةِ في أمريكا الشّماليّة خلالَ الحرب الثّوريّة، بسبب عدمِ توفّر الشّاي، إذ قامت إنجلترا عام 1812 بقطع واردات الشّاي، فارتفعَ الطّلبُ والسّعر للقهوة خلالَ الحرب الأهليّة الأمريكيّة، ومنذ ذلك الحين صارت القهوةُ سلعةً مهمّةً وأساسيّة!
زراعةُ البنِّ في الغرب:
 ظلّ المصدرُ الأساسيُّ لشجرِ البنِّ هو اليمن حتّى القرن السّابع عشر، لكنَّ الهولنديّينَ تحَدّوْا الحظرَ العربيَّ لتصدير نباتاتِ وبذورِ البنِّ غير المحمّصة، فقام بيتر فان دين برويك بتهريب شتلاتِ البنّ مِن عدن إلى أوروبا، والمحصولُ تمَّ زرعُهُ في جاوة وسيلان، وبدأ التّصديرُ عام 1711 من أوروبا، وانتقلتْ زراعةُ البنِّ إلى سيريلانكا عام 1658، وإلى أندونيسيا عام 1696، وإلى هاييتي عام 1715، وإلى سورينام عام 1718، وإلى جزر المارتيك عام 1723، وإلى كوبا عام 1748.
 
عرف الأمريكان أشجار البن عام 1723، فقام الضابط البحري الفرنسي "جابريل دي كليو" بنقل حبوب البن لجزيرة "مارتينيك"، وفي عام 1777 زرع حوالي 1920 مليون شجرة بن على هذه الجزيرة، وفي المكسيك زرع البن عام 1790، وفي جزر هاواي عام 1825، وفي السّلفادور عام 1840.
 
المقاهي في الغرب:
مع ازديادِ الطّلبِ على القهوةِ المنعِشةِ، افتُتحتْ محلاّتٌ خاصّة ببيعِها للنّاس وللصّفوةِ مُعَدّةً جاهزة، وسُمّيتْ هذه الأماكنُ "بيت القهوة" ومن ثم بالـ "مقهى"، وقد ارتبطتِ المقاهي بالموسيقا وبفتياتٍ عاملاتٍ لجذبِ الزّبائن، كما اقترنت بالبقشيش أو التيبس Tips، من أجل الحصول على خدمةٍ أسرع ومكان أفضل.
 
كان أوّل مقهى (مدرسة العلماء) في إسطنبول عام 1577، افتتحَهُ رجلان مِن حلب ودمشق، وكانَ يأتيهِ الأدباءُ والأعيان.
وافتتح أوّلُ مقهى أوروبيٍّ في إيطاليا عام 1645، وعام 1652 افتتحَ أوّل مقهى إنجليزيٍّ في لندن "بيتي يونيفيرسيتيز"؛ ترجمتُهُ جامعة بمصروفات، وليست مجانية، وكدليلٍ على أنّه مغايرٌ عن الحاناتِ والباراتِ. ثمّ كانَ مقهى إدورارد إليودز عام 1688 في لندن، والذي تحوّلَ فيما بعد إلى شركةِ تأمين.
وفي فيينا عام 1683 كان أوّلُ مقهى بعدَ هزيمةِ الأتراك، الذين تركوا في مخزون هزيمتِهم البّنّ، وأوّلُ مقهى في بوسطن أمريكا كانَ عام 1689.
أمّا الملكُ الفرنسيّ لويس الرّابع عشر فقدِ اتّخذ شجرة البنّ رمزًا له، فأُنشئَ أوّلُ مقهى عام 1713، وفي برلين كان أوّل مقهى عام 1721.
في عام 1750 انتشرتْ فروعٌ للمقاهي مِن بلدٍ لبلد، منها مقهى "جريكو"، وهو مِن أوائلِ المقاهي التي أنشئتْ في أوروبّا، وفُتحَ فرعٌ لهُ في روما، وفي عام 1763 أصبحتْ فينسيا تمتلكُ ما يزيد عن 2000 مقهى.
في عام 1995 تحوّلتِ القهوةُ مِن أهمِّ السّلع اليوميّةِ والعالميّةِ في الاستهلاكِ، وعلى مستوى العالم بأسرِهِ، فهو مِن المشروباتِ المشهورة والمستهلكة والمنتشرة، فتعدّدتْ أسماؤُها مع التّاريخ، فبدأت القهوة العربيّة المُرّة بغلْيِها بالماءِ بإضافةِ الزّنجبيل والهال والقرفة، ثم كانتِ القهوةُ التّركيّة الّتي أضافتْ لها السّكَّر، والقهوةُ المصريّةُ بسُكر زيادة أو على الرّيحة، ومن ثمّ القهوة الإفرنجيّة في أوروبا وأمريكا.
 
في كلِّ رقعةٍ جغرافيّةٍ للقهوةِ طرقٌ خاصّةٌ في الإعدادِ والشّرب، وقد يشربونَها مسلوقةً، مغليّةً، ساخنةً، باردةً أو مُثلّجةً، أو صافيةً بالماء أو مضافًا إليها الحليب وموادّ أخرى.
 
القهوةُ مرّتْ عبْر التّاريخِ بسلسلةٍ من الاضطهاداتِ والتّحريم على حواجزِ القبول والرّفض، وذلك لأسبابٍ تنوّعتْ رؤاها، مِن روحيّةٍ واجتماعيّةٍ وسياسيّةٍ وعقائديّةٍ وطبّيّة، فاستُعمِلتْ في الاحتفالاتِ الدّينيّةِ، وكانت البديلَ للخمور بعدَ الإسلام في الطّقوس الرّوحيّة، لكن بمرسومٍ عثمانيٍّ أوقِفَ استهلاكُها وتمَّ حظرُها، ثمّ اعتُبِرتْ مشروبًا إسلاميًّا، فمُنِعتْ مِن قِبلِ مسيحيّي أثيوبيا حتى عام 1889، كما وحُظرتْ في إنجلترا لأسبابٍ سياسيّة وأخرى طبّيّة وإعلاميّة، وتظلُّ القهوةُ تتلاعبُ بها رحمةُ الإعلام.
 
القهوةُ تُباعُ وتُشرى في الأفران، كسلعةٍ قابلةٍ للتّداول بينَ المستثمرينَ والمُضاربين، ولحبوبِ القهوةِ المُحمّصةِ شروطُ تخزينٍ مُحكمٍ، وبأماكنَ باردةٍ لئلاّ تفسدَ نكهنتُها، بسببِ الرّطوبةِ والهواءِ والحرارةِ والضّوء.
طحْنُها النّاعمُ والخشنُ يتمُّ إمّا في المنازل أو المحامص وبالمطحنةِ الكهربائيّة، أو بسحْق الحبوبِ بالهاون والمهباج أو الطّاحونةِ اليدويّة! ويختلفُ مُحتوى الكافائين المختلفة مِن وجبةٍ لوجبة، بحسبِ طرقِ التّحميصِ والتخزينِ والتّحضير.
وإنْ كنّا نتحدّثُ عن شروطِ التّخزين، فماذا عن الفائضِ مِنَ البُنِّ وكسادِهِ؟ عام 1938 قامتْ شركة نستله Nestle  باشتقاقِ مشروبٍ مِنَ القهوة "نسكافيه"، لتساعدَ الحكومةَ البرازيليّةَ في حلِّ مشكلةِ الفائض!
وأخيرًا..
هل الإفراطُ بشُربِ القهوة، يمكن أن يؤدّي إلى نقصِ الحديدِ وفقرِ الدّم لدى الأمّهاتِ والأطفال؟ وهل حقّا رائحتُها كفيلةٌ باستعادةِ الشّهيّةِ بعدَ الطّهي؟
44  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / قناديلُ ملكِ الجليل تُضيءُ فضاءَ النّاصرة! في: 17:23 10/02/2012
قناديلُ ملكِ الجليل تُضيءُ فضاءَ النّاصرة!




آمال عوّاد رضوان
بدعوةٍ من بلديّة النّاصرة؛ دائرة المراكز الجماهيريّة، أقيمت ندوةٌ ثقافيّة حول رواية "قناديلُ ملكِ الجليل"، للشّاعر الرّوائي الفلسطينيذ الأردنيّ إبراهيم نصرالله، وذلك في مكتبة أبو سلمى البلديّة العامّة، في قرية توفيق زياد التعليميّة في حيّ شنلر، بتاريخ 8-2-2012، وبحضورِ عددٍ كبيرٍ مِن المُثقّفين والمُتابعين للحركة الثقافيّة في البلاد، وهذه الرّواية تتحدّث عن القائد الفلسطينيّ ظاهر العمر؛ مؤسّس مشروع أوّل دولةٍ فلسطينيّةٍ في القرنيْن السابع عشر والثامن عشر، وقد رحّبَ الشاعر مفلح طبعوني مركّز هذه الندوة بالضّيوف، ومن ثمّ قدّم المهندس المعماريّ الفنّان زياد أبو السّعود الظاهر شرائحَ وصورًا فنيّة عن تاريخ القائد ظاهر العمر، واختتمَ اللقاء د. جوني منصور بمحاضرةٍ وافيةٍ وغزيرة، عالجَ فيها أحداثَ الرّواية وتطوّراتها تاريخيّا.
افتتح الندوة الشاعر مفلح طبعوني بكلمة ترحيب بالحضور والضيوف وقال:
في هذه البلاد نحن نعتزّ بظاهر العمر الذي تواصلَ مع الأرض والوطن بكلّ الطّرق الإيجابية، وكانت قمّة التواصل بالسّير فوقها حافي القدميْن ليشعرَ بها وتشعرَ به، ليشعرَ بترابها وبرْدِها وحرارتها، ونحن نعتزّ بأنّنا أحفادُ ظاهر العمر الذي عانق الوطنَ والوطنيّة، كما تعانقُ الأمّ أحفادَها، وقد نشرَ العدلَ ودافعَ عن المرأةِ وتصدّى للطّائفيّة.
وبمُراجعةٍ ثاقبةٍ لصفحاتِ التّاريخ وأرشيفِهِ في تلك الفترة الظّاهريّة، نستدلّ على وضوح الرّؤية عند ظاهر العمر، وأهمّية بناء الدولة القوية بالاقتصاد والعسكرة والأهمّ بالديمقراطيّة!
ومِن أقوالِهِ الرّائعة والمتسامحة: "لا تهزمْ مهزومًا مرّة اخرى، ففي الأولى يفهمُ أنّكَ هزمتَهُ كجنديّ، أما في الثانية فإنّك ستهزمُهُ كإنسان، وبها لن يغفرَ لك"!
الصّراعُ طويلٌ وكبيرٌ بيننا وبين الأرض، وعلينا العمل بمثابرة على زرعِها وبنائِها، فهُم يقلعون ونحن نزرع، وهُم يهدمون ونحن نبني، ونحن نتعاطى مع تصوُّراتِها وتطوّراتها  الماضية والحاضرة مِن أجل مستقبل أفضل للجميع.
الوضوحُ والشّفافيّة في عهد ظاهر العمر ساعدتا على تمركُزِهِ فوقها رغمَ قوّة التّشكيكِ والتآمر عليه  وعلى مشروعِهِ الوطنيّ القوميّ، بعيدًا عن التعصّب والغضب، قريبًا مِن العطاءِ والوفاء، فهو بلوَرَ وأبرزَ هُويّة الأرض، وعملَ على هندسةِ الدّولةِ وكيانها، فاسمحوا لي ان أبعث بتحيّاتنا إلى الصّديق الشّاعر والرّوائيّ إبراهيم نصرالله على هذا العمل الجبّار، ونقول له: نحنُ بانتظارِ ملحمةِ قنايل مِن البحر إلى النهر!
وكانت لنا وقفة مع المُهندس المعماريّ الفنّان الرّسّام زياد أبو السّعود الظاهر، والذي ينحدرُ مِن سلالةِ القائدِ ظاهر العمر، الذي تحدّى الإمبراطوريّة العثمانيّة الاستعماريّة في أوج عظمَتها، وقد رسمَ تاريخَ ظاهر العمر بريشتِه، مُستوحِيًا لوحاتِهِ مِن التّاريخ وأبطالِه، لوحات تتمحورُ حولَ صُور شخصيّات، ولوحات حول مواقع أثريّة، مثل خان الشّواردة في عكّا وقرية صفّورية المُهجّرة، وقلعة شفاعمرو، فيرسمُ الأبطالَ الّذين تأثّرَ بهم، كلوحةِ الظاهر عمر حين كان مُتّجِهًا لمعركة بحيرة الحولة عام 1771 مع أبنائِهِ الثّمانية، وهو يجُرُّ مِن خلفِهِ ثلاثَ جيوش!
تهدذث الفنان زياد عن اللّقاء الذي دارَ بينَهُ وبين الشّاعر إبراهيم نصرالله في معرض رسّامين أردنيّين عن الخيول العربيّة، ودارَ الحديث بيننا عن الفنّانين الأردنيّين وتطرّقنا لتاريخ ظاهر العمر، وحينها أخبرني بأنه معنيٌّ بمعرفةِ تاريخ ظاهر العمر، ولكن لديهِ معلوماتٍ قليلةً ومُتفرّقة، فأهديتُهُ كتاب "تاريخ ظاهر العمر" من تأليف المحامي توفيق مُعمّر، مِن مُلحق الآثار، وقبلَ شهر ونصف وصلت رواية "قناديل ملك الجليل"، وسُررتُ جدّا بأنّني ساهمتُ في كتابة هذه الرّواية. 
وبالنّسبة لكتاب ظاهر العمر من تاليف المحامي توفيق معمّر، فقد ابتدأت بالبحث عن أبنيةِ  ظاهر العمر عام 1978، وكنتُ اتردّد على مكتب المحامي توفيق معمّر، وكان يُنقّلني تاريخَ ظاهر شفهيّا، وطلبَ منّي أن أصوّر بعض المواقع الأثريّة، وطبَعَها في كتاب عام 1979، ومِن ذاك الوقت وأنا أصوّرُ في الأماكن الأثريّة!
هاجرت قبيلة الزيادنة مِن الحجاز إلى بلادِ الشّام، واستقرّت في عرّابة في الجليل، في عهد جدّ ظاهر العمر عام 1650 عمر الزيداني، الذي وَلدَ صالح، وصالح وَلدَ خمسة أولاد أصغرهم ظاهر العمر الذي وُلد عام 1689 وتوفي عام 1775، وعام 1698 ورث الشّيخ عمر الزيداني عن والدِهِ التزامَ سهل البطوف والقرى المحيطة به، وعندما توفّي عام 1703 تركَ ديونًا متراكِمة على سهل البطوف، فرفضَ الإخوة تحمّلَ مسؤوليّة الالتزام، وسجّلوا الالتزامَ الرّسميّ لمنطقة البطوف مِن قِبل والي صيدا العثمانيّ باسم ظاهر العمر، وكان عمرُهُ 14 سنة آنذاك، لكنّه بسياستِهِ الحكيمةِ وعلاقاتِهِ الطيّبة مع جيرانِه، استطاعَ أن يحميَ أهلَ القريةِ مِن استغلالِ الوالي التّركيّ في صيدا، وتحوّلَ عبءُ الالتزام إلى مصدرِ رزق خصب، وإلى نواةٍ لحُكمٍ مُستقلٍّ في شمال فلسطين.
قدّمَ الفنان زياد شرائحَ مُصوّرة للوحاتٍ فنّيّةٍ رسمَها عن ظاهر العمر، الذي خلّف ثمانية أبناء وبنتيْن، فعرضَ الفنّانُ شريحة شجرة العائلة لظاهر العمر، الذي نقلَ مركزَهُ إلى عكّا عام 1746، وحينها بدأ بتعيين أبنائِهِ حُكّامًا، فأعطى طبريّا لابنِهِ الأكبر صْليبي ونسلُهُ في كفرمندا، وأعطى صفد لعليّ ونسلُهُ في رودوس وسوريا، وشفاعمرو لعثمان ونسلُه في تركيّا، وصفورية لسعيد ونسلُه في طمرة، وجبل عجلون لأحمد ونسلُه في إسطنبول، وصالح ونسلُه في طمرة،  وسعد الدّين وعباس نسلُهما في النّاصرة!
عرضَ بورتريه ظاهر العمر الذي أخذه عن تاريخ بلاد الشام من الجامعة العبريّة، وألبسَهُ الملابسَ التي كانت مستعملة في ذاك الزمان، وعن الرّسام البريطانيّ ديفيد روبنس، كما عرضَ شريحة لبيت الشيخ عمر الزيداني في عرّابة، وأخرى فيها خارطة حدود دولة ظاهر العمر، أصدرتها منظّمة التحرير الفلسطينيّة التي قسّموها لثلاث مراحل: الأولى كانت بين عرابة وطبريا والناصرة، والمرحلة الثانية هي شفاعمرو وصفد، والمرحلة الثالثة بعد عام 1744 عندما نقل عاصمته غلى عكّا، وآخِر خمس سنواتن مِن حُكمِهِ احتلّ مِن بيروت شمالاً حتى جبال القدس وغزة جنوبًا، ومِن جبل عجلون ودمشق شرقًا حتى السّاحل الفلسطينيّ، ومن عام 1710 – 1775 كانت فترة حكمه 65 عامًا.
عرض شريحة عن تاريخ الوطن العربيّ خلال 14 قرن، من إصدار الجامعة العربيّة عام 1981، والتي  تُبيّن 22 دولة عربيّة، والمراحل التي حكَمَها الحُكّام منذ الخلفاء الرّاشدين والأمويّين  والعبّاسيّين وحتى العثمانيّين والانتداب البريطانيّ الإنجليزيّ و"احتلال إسرائيل"، وفي الوسط دولة فلسطين المستقلة التي اعتبروها في فترة عمر ما بين عام 1750 و1775.
عرضَ شريحة أخرى عن سرايا الناصرة وأول بناية بناها عام 1730 لزوجتِهِ الدمشقيّة نفيسة، وكان يتردّد على السّرايا مرّة في الشّهر من عكّا، وعرض شريحة لقلعة صفورية التي بناها أحمد عام 1745 على أساساتٍ صليبيّةٍ، وبالقرب منها هناك مدرسة بُنيت عام 1920 في زمن الانتداب البريطانيّ!
عرض شريحة لقلعة شفاعمرو بناها عثمان بن ظاهر عام 1768، وعرض شريحة عن عكا بين الماضي والحاضر، وفي يوم دراسي نظّمته مؤسّسة الأسوار عام 1995 بمناسبة مرور 220 عام على وفاة ظاهر العمر، ورسمت عكّا الحاليّة وجامع الجزار والجامع الشّعبي خان الشواردة آخر خان بناه ظاهر العمر عام 1775، وعرض شريحة لقلعة شفاعمرو عام 1772، ظاهر العمر على يمينِه ابنه عثمان، وعلى يساره علي بيك الكبير حاكم مصر وحليف ظاهر العمر بعد احتلال دمشق.
عرض شريحة عن طبريا سمّاها "الاستعدادُ للمعركة"، وفيها ظاهر العمر طالع مِن بوّابة طبريا ضدّ سليمان باشا وادي الشام، الذي حاصرَ طبريّا عام 1741 مدّة شهرين ولم يستطع احتلالها، وعاد سنة 1742 وحاصرها 80 يومًا ولم يستطع احتلالها، ثمّ عادَ في أيلول 1743 ونزلَ في قرية لوبيا، وفي نفس اليوم أصابته حمّى في الأمعاء وتوفّي بعد ثلاثة أيّام، فهرب جيشه إلى دمشق وترك الأسلحة الثقيلة والعتاد على أرض لوبيا، ولا زالت آثار سور طبريا وسرايا طبريا.
عرض لوحة أخرى عام 1771 الظاهر عمر مع أولاده الثمانية، يخرجون مِن عكّا في معركة بثلاثة فِرق من الجيش، و16 مدفع، و7500 جنديّ مع ظاهر العمر، واجتمعَ في الناصرة مع المتاولة 2500 جنديّ مِن آل نصّار وآل أرسلان وآل جنبلاط من جنوب لبنان، واتفقوا أن يلتقوا في بحيرة الحولة، وكان بمواجهتهم 15.000 جنديّ من الأتراك، وكان النّصرُ حليفَ ظاهر العمر في أكبر معركة!
أمّا ضريح ظاهر العمر في مقبرة قرية المنشيّة بجانب مقام أبو عتبة ففيهِ غرابة، إنّ طوله 270 سم وعرضه 140 سم، وفي المصادر التي كُتبت عن تاريخ ظاهر العمر، مثل كتاب عبود الصّبّاغ ابن ابرهيم الصبّاغ، "الرّوضُ الزّاهرُ في أخبار ظاهر"، مخطوطة محفوظة في المكتبة الوطنية في باريس، رقم 1853، فإنّ إبراهيم الصّبّاغ كان طبيبَ ووزيرَ ظاهر العمر، وفي الكتاب الثاني "تاريخ ظاهر العمر الزيداني حاكم الجليل"، لبنان 1935 لميخائيل نقولا الصَبّاغ حفيد إبراهيم الصّبّاغ، كتبوا أنّه عام 1775 في شهر آب وصلت لميناء حيفا 12 سفينة حربيّة، بقيادة حسن باشا الجزائري قائد الأسطول العثمانيّ، وبعثَ مرسالاً لظاهر العمر أن يدفع سبعة آلاف كيس ذهب، لمدّة 25 سنة مضت وخلت منذ عام 1750 حتى 1775، فلم يدفعها، وكان المفاوض بينهما أحمد آغا الدّين قائد جيوش ظاهر العمر مدّة أربعين عامًا، الذي تآمرَ مع حسن باشا على فتح أبواب عكّا، مُقابلَ أن يُولّيه بدلَ الظاهر عمر، وحين شعرَ ظاهر بالخيانة خرجَ مِن السّرايا مع حاشيته باتّجاه حلفائِهِ في جبل لبنان، وفطِنَ إلى أنّه نسيَ زوجتَهُ عيشة في عكّا، فعادَ ليأخذها، لكن أحمد آغا أرسلَ له جنديّيْن قتلاه عن بُعد، وحين وقعَ عن حصانِهِ قطعا رأسَهُ وأحضراهُ لأحمد آغا، ليُقدّمَهُ هديّة على طبقٍ لحَسن باشا، فما كان مِن حسن باشا إلا أن قطعَ رأس أحمد آغا جزاءَ خيانتِهِ لسيّده، بتاريخ 27-8-1775.           
د. جوني منصور شكر الفنّان زياد لهذه اللّوحات التي ترسمُ تاريخ شعبنا والمكان الجغرافيّ وملامحَ الشخصيّاتِ التّاريخيّة، ووسط هذه الأجواء نقلَ تحيّات الشّاعر والرّوائي إبراهيم نصرالله، وإنّ هذهِ النّدوة الأولى التي تُعقدُ في الوطنِ عن روايته.
وتابع: في حديثٍ دارَ بيننا قبل أربع سنوات حول تجميعِهِ لمعلوماتٍ وافيةٍ عن ظاهر العمر، وقال: حين توجّهتُ إلى فلسطينيين في المخيّمات، يبدو أنّ الهمّ الفلسطينيّ رابضٌ على قلوب ورؤوس شعبنا في المخيّمات، وحتّى أن كثيرين منهم لم يعرفوا مَن هو ظاهر العمر، فقلت له: إنّكَ لم تذهبْ بعيدًا، فلدينا أيضًا ظاهرة تشبه هذه  الظاهرة، وهي أنّ التّاريخَ البعيدَ نوعًا ما، هو ليس قريبًا مِن القلب، لأنّنا نحن في همّ سياسيٍّ تاريخيٍّ خطيرٍ جدًّا، نعيشُهُ منذ عام النكبة 1948، وهو همٌّ وجوديٌّ وهمٌّ كيانيٌّ وهمٌّ مصيريّ، وانطلقنا مِن هذه النقطة، بأنّ حاجته ماسّةٌ إلى كيفيّةِ توفير المعلومات، إضافة إلى كتاب توفيق معمّر عام 1979، واستطعتُ تزويدَهُ ببعض المخطوطات والكتب مثل كتاب عبود الصبّاغ: "الرّوضُ الزّاهرُ في أخبار ظاهر"، (مخطوطة محفوظة في المكتبة الوطنيّة في باريس، رقم 1853)، وقد تمّ تحقيق هذه المخطوطة عدّة مرّاتٍ ومِن عدّةِ إشخاصٍ وباتّجاهاتٍ مُختلفة، وأيضًا توجّه إلى مجالِ الأدب وما كُتبَ عنهُ شِعريًّا، وعمليًّا؛ كلُّ ما يمكن أن يُكوّنَ له الفكرة حولَ كتابةِ هذه الرّواية، وهو همّ إبراهيم؛ مشروع أن يكتب التّاريخ الفلسطينيّ بشكلٍ روائيّ، مثل "زمنُ الخيول البيضاء"، وعلى امل أن تُترجَمُ على الشّاشة الصّغيرة في مسلسلٍ يُعَدُّ له، ولكن هناك بعض العقبات في مقدّمتها القضايا الماليّة!
لن أُعالجَ الرّواية مِن باب العمل الأدبيّ، لأنّه ليس مجالي بل مجال المُتخصّصين في اللّغةِ العربيّةِ وآدابها والعملِ الرّوائيّ، ولا أريدُ أن أُلخّصَ لكم الرّواية المُكوّنة من 550 صفحة، حتى تتمكّنوا مِن قراءتها بتفاصيلها الكثيرة والدقيقة التي وردت فيها، إنّما أريدُ أن أُعالجَ الأحداثَ التّاريخيّة في هذه الرّواية، وأحاولُ أن أفهمَ كيف يُقدّمُ الرّوائيّ الأحداثَ التاريخيّة بصورةٍ روائيّة، دون أن يفقدَ الحدَثُ أهمّيّتهُ وواقعيّتَهُ وحقيقته، ومِن الضّروريّ جدًّا أن نغوصَ في تاريخ ظاهر العمر!
لماذا نهتمُّ الآن بالذات بظاهر العمر وفي هذه المرحلة؟ ولماذا يُطلق على مشروعِهِ دولة أو دويلة؟
إنّني لا أرى فيها لا دولة ولا دويلة، بل محاولة حاكم بأخذِ نوعٍ من الاستقلاليّة، بما نسمّيهِ اليوم بمفهومنا "الحُكم الذّاتيّ، ولكن لماذا هذه الأهمّيّة التي تُعطى لظاهر العمر في هذه الفترة حصريًّا؟
في السّنة الماضية احتفلنا في حيفا بمرور 250 عام لتأسيس المدينة الجديدة، وأصدرنا كرّاسة صغيرة من بضع صفحاتٍ توجز تاريخ المدينة، وأهمّيّة ظاهر العمر في إطلاق مدينة جديدة، وعلى فِكرة، حيفا هي المدينة الفلسطينيّة الأخيرة التي تأسّست في تاريخنا، وليس هناك مدينة فلسطينيّة أخرى، ولكن هناك قرى أصبحت مدنًا بفعل نظام البلديّات المعمول به في بلادنا، وهذا يدلّنا أنّ هذا الرجل استطاع برؤيةٍ ثاقبةٍ أن ينظرَ إلى المستقبل، مِن خلال إقامة مدينة حديثة ليست بعيدة عن عكا، ولكنها ليست عكّا، وهذه نقطة مهمّة جدًّا في بناء مشروع مدينة، لها مكوّناتُ ومقوّماتُ المدينة الحديثة المعاصرة، ولكن في نفس الوقت لها مكوّناتُ المدينة العصريّة الشّرقيّة والإسلاميّة، التي يُميّزها السّور والأبراج، ولكن ما ميّز مدينة حيفا أنها كانت تحملُ في داخلها وجهيْن أساسيّيْن، أوّلاً الوجه الشّرقيّ العروبيّ الإسلاميّ، وفي نفس الوقت كانت منفتحة نحو الغرب، مِن خلاِل المشروع الذي قامَ به ظاهر العمر.
إحدى النّقاط التي لفتت نظري وأبهرتني جدًّا عند مراجعة الرّواية تاريخيًّا، قبل الإصدار بعام، هو التسلسل التاريخيّ الذي يسير فيه، فمَن يقرأ الرّواية دون ان يكون مُؤرّخًا أو مُعلّم تاريخ أو مهتمّ بالتاريخ، يستطيعُ أن يُدركَ الأعمالَ التي قام بها ظاهر العمر خلال فترةِ حُكمِه، على مدى أكثرَ مِن ستين عامًا في فلسطين! والنقطة الثانية أنّه يربط بين الحدَثِ التاريخيّ والمكان الجغرافيّ، لأنّ هناك ارتباطًا قويًّا جدًّا بينَ الجغرافيا والتاريخ، ولا يمكن فصل كلّ منهما على حدة، خاصّة حين نتحدّث عن التاريخ الفلسطينيّ في أيّة فترة كانت، فهناك ارتباطٌ كبيرٌ جدًّا بين المكان والزّمان، وكي نفهمَ الرّواية وكلَّ الأحداثِ والتّفاصيل الكثيرة جدًّا، يجبُ أن نميّزَ الحدَث بذاتِهِ، والمُحدّدَ بسيرورتِهِ وبمُكوّناتِهِ الأساسيّة من سببٍ ونتيجةٍ وما بينهما مِن سيْر أحداث، وبين ما حول الحدَث، فالرّوائيّ يأخذ الحدَث بمُجملِهِ ويُحاولُ أن يبنيَ حولَ هذا الحدّث، لذلك يُطرحُ السّؤالَ:
أين هي الحقيقة الواقعيّة؟ وأين هو الخيال؟
وحتى الخيال في هذه الرّواية وفي رواية "زمن الخيول البيضاء"، فهو مرتبطٌ ارتباطًا قويًّا جدًّا بواقعيّةِ الحدَث التاريخيّ، وبالنّسبةِ لنا كفلسطينيّين، إذا لم يكن لدينا بعض المعلومات الأوّليّة والأساسيّة، سوفَ نُواجهُ بعضَ الصّعوباتِ في قراءةِ الرّواية، وهذه الصعوباتُ قد تتبدّدُ خلالَ قراءةِ الرّواية، فمن ناحية أنا أتنبّأ حياة ظاهر العمر وكيف سارت أحداثُها، ومِن جانب آخر، كيفَ تطوّرت الأحداثُ التّاريخيّة في تاريخ فلسطين في القرن الثامن عشر، وما تركَهُ لاحقًا على القرن التاسع عشر! 
كان الظاهر عمر قد تزوّجَ مِن فتاة دمشقيّة ورثَ عنها بعض المال واستفادَ من هذه الثروة، وبدأ في المراحل الأولى في منطقة طبريا، ثمّ كان الانتقال إلى مرحلةٍ أخرى متقدّمة في الناصرة، وبعَد ذلك إلى عكّا ثمّ حيفا. بمعنى؛ أنّه لو أدركنا هذا البُعدَ الجغرافيّ الذي ربطَ بهِ بينَ بحر الجليل؛ أي بحيرة طبريّا وبين البحر الأبيض المتوسّط، لأدركنا أهمّيّة هذه المنطقة في السّياق التاريخيّ، وحصريًّا في تلك الفترة التي نحن بصدد الحديث عنها، وقد تزوّجَ مِن عدّة نساء وأنجبَ عددًا مِن الأبناء، وقد وقفوا معه لفترة طويلة ولكن في صعودٍ وهبوط، وكانت علاقته مع أبنائِهِ مبنيّة على علاقاتٍ فيها نوعٌ مِنَ التوتّر والنقاش والجدال والأخذ والعطاء في كثير من القضايا، ولكن في نهاية الأمر، أيضًا أبناؤه ثاروا عليه وحاولوا أن ينقلبوا على والدهم، وهذا كان أحد الأسباب التي أدّت في نهاية المطاف إلى سقوط ظاهر العمر، ونهاية محاولة هذه التجربة الفريدة من نوعِها في التاريخ الفلسطينيّ!
وهناك نقطة أخرى لها أهمّيّة، وهي في محاولتِهِ الوصول إلى الشاطئ والسّاحل، اي حيفا وعكا والسّاحل، وقد بدأ من المناطق الدّاخليّة، واستطاع أن يدركَ أنّ للمناطقِ السّاحليّة أهمّيّة كبرى، وتلعبُ دورًا مركزيًّا ورئيسيًّا في بناء قوّتِهِ الاقتصاديّة، بمعنى، أنّه بتطوير الاقتصاد المَحلّيّ وقطاعاتٍ من الزراعة، وخاصّة في منطقة الجليل، وحصريًّا المناطق القريبة من عكّا والناصرة وبعض مناطق مرج ابن عامر، هي ذات أراضٍ خصبة جدّا، وإمكانيّةُ زراعة القطن وتطويرها فيها يؤدّي إلى ها القطاع، كما كانت له علاقلاتٌ تجاريّةٌ قويّة جدًّا بين تجّار عكّا مع تجّار أوروبّا، وبالتّالي استطاع أن يجنيَ أموالاً، ومِن هذه الأموال استطاعَ أن يبنيَ قوّتَهُ العسكريّة، ليُواجهَ الحُكّامَ مِن المناطق المجاورة، وأيضًا ليُواجهَ الضّغوط التي تُفعّلُها الدّولة العثمانيّة، ومن جهة أخرى، ما نلمسُه في قراءة الرّواية "قناديل ملك الجليل"، هو تشديد كاتب الرّواية إبراهيم نصرالله وتركيزُهُ على بعض المحطات التي تُميّز شخصيّة ظاهر العمر، تلك الشخصيّة التي تعتمدُ عليها أحداثُ الرّواية، والتي تلعبُ الدّورَ التّاريخيّ والدّورَ الرّوائيّ، وهذا التّركيزُ يُعطي الشّعبَ الفلسطينيّ الآن، سواءً كان في الدّاخل أو في الضّفة أو في اللّجوء، يُعطيهم شخصيّةً لها دوْرٌ قياديّ، استطاعت أن تُوحّدَ أبناءَ الشّعب ليصيرَ واحدًا، وتمنحَ هذا الشّعبَ قوّة الوجود وقوّة الاندفاع نحوَ المُطالبَة بنوعٍ مِن الاستقلال في ذلك الوقت، ويُبرزُ الرّوائيّ بعضَ النّواحي التي تُركّبُ وتُكوّنُ شخصيّة ظاهر العمر، وهي مُكوّناتٌ مُهمّة جدًّا، لولاها لَما استطاعَ أن يصمدَ هذه الفترة الطويلة، وعلى سبيل المثال، التسامح الدّينيّ!
اِهتمّ بالتسامح لأسبابٍ كثيرة:
أوّلاً لتوطيد حُكمِهِ، ثانيًا لأنّه أدركَ أنّ طبيعة المنطقة التي يتولى حُكمَها فيها تركيبة سكّانيّة ودينيّة وطائفيّة متعدّدة، فاستطاع أن يُرضي كلّ الفئات وكلّ الأطراف، وهذا ما يثميّز سياسته المتسامحة والمنفتحة تُجاه سكّان هذه المنطقة، فانفتح على الطوائف المسيحيّة وكنائسها في الناصرة مثلا، وشجّعها على إقامةِ المُؤسّسات الدّينيّة ودور العبادة، إضافة إلى مناطق عديدة في منطقة الجليل حصريّا.
والميزة الثانية أنّه اهتمّ بانتشار الأمن والاستقرار، ففي حين كانت الدّولة العثمانيّة مُصابة بحالةٍ مِن الضّعف وبداية الترهّلِ وتفكّكِ بعض المؤسّسات، استطاع ظاهر العمر أن يُفرضَ نوعًا مِن الأمن والاستقرار على المنطقة، ممّا أدّى إلى ازدهار المنطقة ليس فقط اقتصاديًّا، بل أيضًا بشريّا، نتيجة هجراتٍ داخليّةٍ في بلاد الشام السوريّة غير المُحدّدة بحدودٍ سياسيّةٍ مثلما هي اليوم، وازدادَ الحَراكُ البشريّ، ممّا أدّى إلى انتقالِ كثيرٍ مِن العائلات من المناطق السّوريّةِ واللّبنانيّة وشرقي الأردن إلى الجليل، بهدفِ الاستفادة من هذه الأجواء والفضاءات الهادئة والمريحة لفترة زمنية، وبالتالي يتمّ تطوير القطاعات الأخرى، وأهمُّها القطاع الاقتصاديّ، وهناك ارتباطٌ قويٌّ جدًّا بين الاستقرارِ وبينَ انتعاشِ الحالةِ الاقتصاديّة في المنطقة!
والميزة الأخرى التي يمكن أن ندركَها في قراءتنا التاريخيّة لهذه الشخصيّة، هي تركيز ظاهر العمر على هُويّةِ المكان وتلك المنطقة، فنحن بعد 250 سنة نحاولُ بأدواتِنا ومفاهيمِنا ومصطلحاتِنا أن نعودَ إلى الوراء، بمعنى؛ أن نستفيدَ مِن الاصطلاحيّة المُعاصرة، ونحاولُ أن نُحلّلَ الأوضاعَ التي كانت، وأن نهتمّ بإعطاءِ هُويّةٍ للمنطقة، وإبرازها على أنّها منطقةُ ربطٍ ومنطقةُ مُفترقٍ هامّ جدًّا في المنطقة، وليس فقط للمنطقة وحدها وإنّما للعالم أجمع!
كثيرون يعتقدون أنّ الاهتمامَ العالميّ بمنطقةِ الشّرق الأوسط قد بدأ في القرن العشرين أو ما قبله بقليل، ولكن في واقع الأمر، فحتى لو عدنا غلى غياهب التاريخ ندرك، أنّ هذه المنطقة كانت منطقة جذب لكثيرٍ مِن الأطماع الاستعماريّةِ التّوسّعيّة بكافة أشكالها، حتى مِن أيّام إسكندر المقدوني في القرن الرابع قبل الميلاد، ويمكن من يحلّل التّوسّعات التي قامَ بها يدرك، أنّه كانت لديه رؤيةٌ مِن العولمة وتوحيدِ المناطق التي كانت تحتَ سيطرتِهِ، ضمنَ إطارِ حضارةٍ واحدة. طبعًا هذا الحلم لم يكن عند ظاهر العمر، ولكن كان حلمُهُ إعطاءَ نوعٍ مِن هُويّةِ المكان وهُويّةِ الإنسان، الذي يعيش على هذه الأرض، مِن خلال بناء هكذا مشروع؛ نوع من الاستقلال وليس الاستقلاليّة التامّة!
ومِن خلال المتابعة أيضًا، هناك تشديدٌ على الموروثِ العمرانيّ، وهذه نقطة هامّة جدًّا، فالموروثُ العمرانيّ الذي تركه ظاهر العمر ليس فقط في الناصرة وفي عكا وطبريا وعرابة وشفاعمرو وصفد، وفي بعض القرى الأخرى في الفضاء الجليليّ، فكلّ هذه المشاريع العمرانيّة ما كانت لتقفَ على أرض الواقع، لو أنّه لم يكن لديه اقتصادٌ قويٌّ ،لأنّها بحاجةٍ إلى مبالغَ كبيرة من الأموال، فالسّرايا في الناصرة وقلعة شفاعمرو ليستا مشاريع صغيرة، فهي ضخمة وهامّة جدًّا بمفاهيم بلادنا، لا نقارنها مع مشاريع عمرانيّة في أوروبّا، فكلّ هذه البلاد والأماكن مذكورة في الرّواية، بهدف التشديد على هُويّةِ المكان، وربطِ المكان بالحدَث التاريخيّ، لأنّ الرّبط بين هُويّة المكان مع هُويّة الحدَث التاريخيّ هو هُويّة الإنسان الفلسطينيّ؛ الضّاربة جذورُهُ في أرض هذه البلاد، لأنّ هذه البلاد لم تأت من فراغ ومن عبث، بل كان لها حضورًا ووجودًا وتاريخًا.
في نهاية اللّقاء شكَرَ الشّاعرُ مفلح طبعوني مُركّزُ هذه النّدوة الرّوائيّ إبراهيم نصرالله والمُحاضرين والحضور، وفتح بابَ النقاش، وقد كانت مداخلاتٌ عدّةٌ قيّمةً داعمةً ومُبارِكةً للشّاعرِ والرّوائيّ إبراهيم نصرالله عملَهُ الهامّ والجبّار، والذي يُعتبرُ الحَلقة المفقودة في سياسة تغييبها المقصود وتهميشها، وكأنّ الشّعبَ الفلسطينيّ لا تاريخَ ولا جذورَ له على أرضِه، والرّواية هي أيضًا الحلقة المفقودة في مناهج تدريسِ التاريخ للفلسطينيّين العرب، والتي تُعلّمُهم عن تاريخ العالم إلاّ عن تاريخ  فلسطين وأجدادِهم!

 
45  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / معرضٌ ذاكرة إنسان للفنان د. سليم مخولي! في: 19:04 07/02/2012
معرضٌ ذاكرة إنسان للفنان د. سليم مخولي!





آمال عوّاد رضوان
إبداع؛ رابطة الفنانين التشكيليّين العرب في كفرياسيف أقامت معرضًا فنّيًّا تشكيليًّا للفنان الشاعر د. سليم مخولي، بتاريخ 4-2-2012، في صالة جاليري إبداع في كفرياسيف، وخصّصت زاوية خاصّة لمؤلفاتِه، وذلك بحضور كبير من الرّسّامين والفنانين والأدباء والشّعراء والأصدقاء والأقرباء!
تولّى عرافة الحفل الأستاذ عبد الخالق أسدي؛ عضو جمعيّة إبداع فقال:
وفاءً واحترامًا وتقديرًا للغالي د. سليم مخولي ارتأت جمعيّة إبداع أن تقيمَ احتفالاً تكريميًّا لذكراه، بما يستحقه إكبارًا وإجلالاً لروحِهِ الطاهرة، ولقيمتِهِ الأدبية والشّاعريّةِ والفنيّةِ والإنسانيّة، كطبيبٍ عالجَ الجسدَ، وكشاعرٍ عالجَ الذوق والإحساس، وكأديبٍ ارتقى بسِماتِهِ الحضاريّة، وكفنّانٍ لامسَ الحسّ الإنسانيّ بلوحاتِهِ ورسوماتِهِ الناطقةِ بالتعبير، والصّادقة بالمعنى الرّمزي والتّشكيليّ!
 
د. سليم مخولي تلقى علومَهُ ودراستهُ بمدارس كفرياسيف الابتدائيّة والثانويّة، والتحقَ بكليّةِ الطبّ بالجامعةِ العبريّةِ بالقدس، وعملَ في خدمةِ مجتمعِهِ من عام 1965 حتى عام 2004 ما يقاربُ الأربعة عقود، حيث تفرّغَ بعدَها للفنّ والأدب والشعر، وهو مِن مؤسّسي جمعيّةِ إبداع الأوائل.
 
مارسَ هوايتَهُ الفنّيّة منذ الصّغر، مُلازِمًا ذلك خلالَ دراستِهِ الجامعيّة، وحتى رحيلِهِ زاولَ الطّبّ كأنّه فنٌّ، واكتسبَ الأدبَ كأنّهُ عِلم، فهو شاعرٌ في رسوماتِهِ ورسّامٌ في قصائدِه، طرَق أبوابًا عديدة في قصائد اجتماعيّةٍ سياسيّةٍ ثقافيّةٍ فلسفيّةٍ خياليّةٍ فنيّةٍ ومصيريّة!
 
انتمى د. سليم مخولي إلى المدرسةِ الواقعيّة، فعبّرَ عن لواعج قلبهِ المُنفتح وفِكرهِ المُتنوّر، ليطرحَ معاناته اتجاهَ ما يحدثُ في الإنسانيّة، وكتبَ القصّة والمقالة والمسرحيّة النثريّة، وكان صاحبَ رؤية مستقبليّةٍ تحملُ تطلّعاتِ وأحلامَ كلّ الناس، نحوَ عالمٍ راقٍ وإنسانيّ، ولوحاتُهُ لا تقلّ شاعريّة عن قصائدِهِ، فقد مزجَ الكلمة بالموقف، والكتابة بالنضال، وكلماتُهُ مُعبّرةٌ تعكسُ الهَمّ والألمَ والوجعَ، وآمَن بحُرّيّةِ الفكر والنقد والأدب والفنّ!
كان د. سليم مخولي عضوَ الهيئة الإداريّة لجمعيّة إبداع، وفاعلاً كبيرًا في أروقتِها، وعضو اتحاد الكتّاب العَرب في البلاد، ومِن مؤسّسي لجنة الدّفاع عن الأرض، ومن مؤسّسي لجنة اليوبيل في كفرياسيف!
قامَ بالعديدِ مِن النشاطات في حركة "سلام الآن"، وعام 1987 انتُخِبَ بالإجماع رئيسًا لمجلس الطائفة الارثوكسيّة في كفرياسيف، وعام 2002 حاز على جائزة التفرّغ الأدبيّ مِن قسم الثقافة العربية في وزارة العلوم والثقافة والرياضة، وله 14 مؤلّفًا في الشّعر والأدب والمسرح والقصص.
 
د. سليم مخولي مِن شخصيّات كفرياسيف البارزة الذين لا زالوا عالقين في ذاكرتي، بجَوهرِهم الدّاخليّ ومَظهرِهم الخارجيّ، في الأناقةِ والعراقةِ منذ وطئتْ قدماي أرضَ هذا البلد العامر بعِلمِهِ وثقافتِه، لتلقي العِلم في مدرسةِ يني الثانوية في النصف الثاني من سنوات الخمسين من القرن الماضي.
د. سليم مخولي صاحبُ الرّيشتيْن؛ الطبيبُ والشاعرُ الفنّان، فهو باقٍ في ذاكرتِنا ومُخلّدًا في عالمِهِ المُحتضِن للقيم الإنسانيّة والأخلاقيّة والأدبيّة والفنيّة.
 
أسوقً نبذة موجزة عن الشاعر الأديب الفنان د. سليم مخولي:
من مواليد سنة 1938 – 2011/ رسّام كاتب شاعر وطبيب عائلة/
خرّيج مدرسة الطب- الجامعة العبريّة في القدس/ عضو اتحاد الكُتاب العرب في البلاد/
مِن مؤسّسي لجنة الدّفاع عن الأرض مع بعض الشخصيّات الحزبيّة والشعبيّة المستقلة/
مِن مؤسّسي لجنة اليوبيل الأهليّة في كفرياسيف التي تأسّست عام 1975 لخدمة أهالي البلدة  وسكرتيرًا لها/  المجلس العام لجمعية "إبداع"- (جمعية الفنانين التشكيليين العرب في البلاد)، درس الفن في دورات في بتساليل وفي كلية الجليل الغرب/
له عدّة إصدارات شعريّة ومسرحيّة ونثريّة في اللغة العربية ومجموعة قصص/
ينشر من إنتاجه في الصحف والمجلات العربية في البلاد وخارجها/
شارك في عديد من الندوات الأدبيّة والمهرجانات الشعريّة/
حائز على جائزة التفرغ والإبداع الأدبيّ من قسم الثقافة في دائرة المعارف، وشهادات تقدير من مؤسّسات عديدة/ له نشاطات اجتماعيّة وعضو لجان شعبيّة عديدة.
من معارضه المختارة:
ثلاثيات؛ معرض فرديّ في كفرياسيف/ جاليري المركز الثقافي في كفرياسيف/
جاليري المركز الجماهيري- جولس/ جاليري ترشيحا- معلوت/
المعرض القطري للفنانين التشكيليين العرب بيت الكرمة حيفا/
معرض فناني "إبداع" المركز الثقافي الناصرة/ معرض في كلية الجليل الغربي/
معرض في جاليري أمّ الفحم/ معرض "الأرض والإنسان" 1 في المركز الثقافي- الناصرة/ معرض "الأرض والإنسان" 2 في المركز الثقافي كفرياسيف/
"إيقاعات شرق أوسطية" جاليري ليؤوناردو- تل أبيب/ معرض "حوار الصمت" – مجدل شمس/ معرض فناني "إبداع" – طول كرم/ "بين الرؤية والرؤيا" معرض ثنائي- المركز الثقافي–الناصرة/ معرض فناني "إبداع" – طول كرم/ "ذاكرة مكان" معرض فردي- المركز الثقافي – كفرياسيف/ "الإنسان والأرض" في بيت الفنانين القدس/
"حجارة تحكي عن السلام" عمل نحتي في هبيما تل أبيب/ معرض في بيت المسن في يانوح/ عمل نحتي في مهرجان النحت على الحجر الجليلي في كفرياسيف/
تصميم النصب التذكاري لعين الماء في كفرياسيف بالمشاركة مع بعض فناني ابداع /
معرض "كفى" / معرض "ذاكرة إنسان" في جاليري إبداع كفرياسيف
إصدارات:
معزوفة القرن العشرين- شعر – سنة 1974/ صدى الأيام – شعر –1974
الناطور – مسرحية نثرية – 1979/ ذهب الرمال – شعر –1989
تعاويذ للزمن المفقود – شعر – 1989/ رماد السطوح ورخام الأعماق – شعر – 1996 
ما يخط القلب في سفر التراب – شعر – 2002 / إليك – شعر 2003
رفيقة يومي – شعر  2003/ ألأبواب المفتوحة  - مجموعة قصص - 2005
عثرنا على ذاتنا  - شعر-  2006 / نسيج آخر للوقت  -  قصائد نثرية   
جناح لدوري الحقل  -  خواطر/ مسرحية الزينة - 2011
 
ومن ديوان د. سليم "عثرنا على ذاتنا"- ومن قصيدة سأدعوك حلمًا ص 54 أقول:
إلى أين تمضي يا حبيبَ جراحِنا/ وجرحُكَ إيمانٌ توتّر ناميًا/ وكنتَ ثقيلاً في موازين حقبةٍ/ خفيفًا عليلاً في رحيلِكَ ساميا/ ومثلُكَ مَن يلقى الصّعابَ ببسمة/ ويطوي المنايا في مرامِهِ ناهيا/ سأدعوكَ حُلمًا في الحقيقة ماشيا/ إلى أين تمضي في رقادِك/ إلى أين ترقى في غيابك/ كدعواك فينا مذ عرفتك داعيا/
وجاء في كلمة جورج توما رئيس جمعيّة إبداع:
رأت جمعيّة إبداع وأعضاؤها في الهيئة الإداريّة والفنيّة، وبتأييدٍ كاملٍ مِن أعضائها المخلصين، أن تكرّمَ الفنان الدكتور سليم مخولي ، الذي وافته المنية في أوائل شهر تشرين ثان 2011، وذلك بتخليد ذكراه وتكريمه في جاليري إبداع صالة العرض لرابطة الفنانين التشكيليين العرب، والتي كان ينتمي إليها منذ تأسيسها سنة 1994، وقد ثابر على مؤازرته لهذه الرابطة ودعمها مادّيَّا ومعنويًّا طيلة أيام حياته، وقد ضحّى بالكثير من وقته الثمين من أجل الاستمرار في نشاطاتها، ولمّ شمل أعضائها من الفنانين والرّسّامين والنحّاتين .
شارك في عشرات المعارض في كفرياسيف وخارجها سواء كانت معارض فرديّة أو جماعيّة، كما ساهم في تصميم النصب التذكاريّ لعين الماء في كفرياسيف بشكل بارز، مع بعض زملائه الفنانين من إبداع، حيث يقف هذا النصب شامخًا على ساحة العين في قرية كفرياسيف .
 
إنّ تكريم الفنان سليم مخولي واجب يستحقه، وهو أقلّ ما يمكن لأخوان أن يعملوه، ليذكروا أخًا لهم رافقهم مسيرة سنوات طويلة وشاركهم في العطاء، وها نحن اليوم نصدر هذا الكتالوج المصوّر الخاصّ بالمعرض المُقام تخليدًا لذكراه الطيّبة، حيث تظهر فيه بعض الرسوم والصور التي توثق تاريخ كفرياسيف، مبانيها القديمة، شوارعها وأزقتها، عاداتها وتقاليدها، وتوحي لنا بتمسّكه بترابها والتغنّي بمعالمها الأثريّة والدّفاع عن أرضها وأشجار زيتونها، وهذا يصوّر لنا مواقفه الشجاعة والثابتة في الدفاع عن الأرض، والمشاركة في المظاهرات والإضرابات كما يظهر في بعض رسوماته.
إنني أشكر رئيس اللجنة الفنيّة الأخ الفنان ايليا بعيني منظّم المعرض، على اختياره هذه اللوحات وترتيبها، كما أقدم شكري باسم جمعيّة إبداع للدكتور منير توما، على معاينته هذه اللوحات والرّسوم وشرح وتحليل بعض الإيحاءات التي توحيها لنا هذه الرّسومات .
وأخيرًا.. أوجّه شكري لعائلة د. سليم مخولي وأقاربه على التعاون معنا، والمساهمة في توفير ما لزم لإنجاح وإصدار هذا الكتالوج .
وفي كلمة السيد عوني توما رئيس مجلس كفرياسيف المحلي جاء:
لفتة كريمة وخطوة مباركة أن بادرت جمعية إبداع للفنانين التشكيليين العرب أن يقوموا بتكريم ابن كفرياسيف البار د. سليم مخولي، والذي كان عضوًا في هذه الرابطة وسندا لها. إنه يستحقّ كلّ تكريم واحترام، فقد كان من المواطنين الصالحين في هذه البلدة، يحارب من أجل كرامتها وسمعتها، ويعمل جاهدًا على رفع شأنها.
أعرف د. سليم كجار عزيز لوالدين عزيزين علينا وعلى عائلتنا طوال عشرات السنين، وعندما انتقلنا إلى بيوتنا الجديدة بقيت العلاقات والروابط وثيقة بيننا، على الرّغم من اختلافات الرّأي بيننا أحيانا.
أريد أن أشيد بخدمته لبلده في المجال الصّحيّ الطبيّ، فقد عالج الكثيرين من المرضى والمحتاجين لمساعدته منذ الستينات، وعمل في عيادة صندوق المرضى في كفرياسيف، وفي عيادته الخاصّة، وأسعف الكثيرين من الناس.
وفي المجال العائليّ؛ بنى عائلة محترمة كريمة وربّى أولاده خير تربية، ولم يمنعه عمله واهتمامه بعائلته عن الاهتمام بهواياته وميوله الفنية والأدبية، فكتب الشعر والنثر في الصّحف والمجلات، وأصدر كتبا كثيرة وشارك في الندوات الأدبية.
وفي مجال الفن والرسم والنحت؛ برز مع خيرة فناني بلادنا، وعُرضت أعماله الفنية في كثير من المعارض والمتاحف في البلاد، وها نحن اليوم في صالة جاليري إبداع نستعرض بعضًا من آثاره الفنية، ورسوماته التي وثقت تاريخ البلدة وحاراتها ومؤسّساتها.
 
أمّا في المجال الاجتماعيّ والدّينيّ، فكان له دور في رئاسة المجلس الملي الأرثوكسي، وقد بدؤوا في إقامة بناية الكنيسة الجديدة "كنيسة السيدة العذراء" في أيام رئاسته، وكان يقوم بنفسه بجمع التبرعات وزيارة البيوت من أجل هذه الغاية الجميلة.
 
أمّا في المجال السّياسيّ فقد عُرفَ أنّه مِن المناضلين في الدّفاع عن حقوق شعبه، وفي الدّفاع عن الأرض الغالية، وإلغاء الضرائب الباهظة عنها، وإنّني أعتزّ بوقوفي هنا أمامكم وفخورٌ جدًّا بتكريم مثل هذه الشخصية البارزة في المجتمع الكفرساويّ بعد مماته، كما كرّمناهُ في حياتِهِ عندما قامت جمعيّة إبداع بتكريمه في المركز الثقافيّ البلديّ قبل سنوات، وقامت جمعيّة التطوير الثقافيّ والاجتماعيّ بتكريمِهِ أيضًا.
 
ومع الممثل الحكواتيّ لطف نويصر صديق الدّكتور كانت فقرة مؤثرة جدًّا فقال:
كان إنسانًا أعطى من المعاني ومن الكلمات، حتى تبقى على طول الأيّام منارة ولكلّ الأجيال، وسنة 1970 كان عمري 20، وصُعقت بوفاة الزعيم عبد النّاصر وتأثرت وانفعلت، وقدست حياتي للفنّ، وأقتبس بعض الكلمات لمَن ترك لنا بعض كلماتِهِ ولوحاتِه، لتكون المسارَ الصّحيح لكلّ صغير ولكلّ كبير، واجتمع  أهل الناصرة من كلّ الأماكن والأطياف على تلة صغيرة، وحين رأى الوفود والأهالي والانفعال، قال الخوري الأب سمعان نصّار:
كنت أتمنّى لو أنّ هذه الوفود كانت في استقبالك وليس في وداعك يا جمال!
 
وما زالت هذه الكلمات محفورة في عقلي ووجداني وأقول: إن هذا الإنسان يستحق هذا الاحترام والكلام، وهذا الحضور جاء لاستقبالك وليس لوداعك، وقبل الحديث عن القصّة التي اضطرّتني إلى الحضور، فأقرأ ما كتب د. سليم في مقدّمة مسرحيّة الزينة:
"للصّغار حتى يكبروا، وللكبار قبل أن يكبروا أو يتكبّروا"! 
ما أجمل هذه النصيحة، والرّاوي يقول:
كان يا ما كان، كان ملك جبّار عنيد، يعيش في جزيرة نائية في بحر بعيد، وكان هذا الملك ظالمًا شرّيرًا، يحكم بقسوة لا يرحم كبيرا أو صغيرا، يقتل من رعيّته الكثير بلا سبب وأحيانًا لأيّ سبب صغير، خافه الناس وابتعدوا عنه حتى كان يوم ذكرى الجلوس على العرش المجيد، أراده الملك أن يكون عظيمًا كأنه عيد، أمر أن تزين المدينة بكلّ ما هو جميل، وان تكون احتفالات تليق بهذا الحدث الجليل".
كيف يمكن أن أنساه وقد ترك لنا هذه الكلمات وهذا التوقيع على كتابه المُهدى إليّ:
"تقديرٌ إلى الممثل القدير لطفي نويصر مع التقدير"!
مرّتان بحياتي تكرّمت، وبالنسبة لي كانت أكبر بكثير من أن أكون في هوليوود وآخذ جائزة، ولكن شيخا كبيرا من الجولان مع كلّ المحبّة والاحترام، وكثير خجلت من هذا الكلام، وكثير أحسست برهبة فظيعة لمّا قبّل رأسي وقال:
"والله يا خيّي إنّك ممثل قدير.. ليك يا خيّي.. بدّي أقبّل راسك لأنّي احترمك"!
 
رنّ التلفون: :- صباح الخير يا فنّان/ :- صباح النور/ :- كيف الحال/ :- والله الحمدلله/
قال:- بعدَ الفحص والتمحيص لقيت إنك الإنسان والفنان الذي يمكن أن يقوم بهذا العمل، وأنا كتبت مسرحيّة، وأريدك أن تقرأها وتعطيني رأيك فيها، وبلكي مِن محاسن الصّدف استطعنا أن نعمل عمل محلي أحسن ما يكون!
وأنا فعلاً ارتجفت وكانت بالنسبة لي خيرة الكلام، ووقفت أفكاري وتجمّد الدّم في عروقي وأنا أسمع شيئًا لا يوصف، وصادف أنني سأحضر إلى كفرياسيف بتاريخ 16-11-2011 لعرض مسرحيّة جدار العنكبوت، عند صديقي رفول بولس، فقلت له:
- سأعزمك لحضور المسرحيّة/
قال:- وأنت معزوم على فنجان قهوة عندي في البيت، ولكن أنا سأرسل لك المسرحية في البريد. قلت:- ولماذا أنت مستعجل يا د.؟
أحاسيس غريبة راودتني عندما وجدت المسرحيّة بسرعة في البريد، وليسَ من عادتي أن أقرأ العمل أو أنهيه في نفس الليلة، لكني قرأت مسرحيّة الزينة من بدايتها لنهايتها في نفس الليلة، وتمتّعت بكلماتها وبموضوعها الأمني الاجتماعيّ السّياسيّ، والطاغية الجزّار الشّرّير الذي يأكل حقّ الناس، ولكن الكاتب لم يسمح له من خلال كلماته التي قالها، وسمّى المسرحيّة "الزينة"! وما صدّقت أن يطلع النهار لأهاتفه وأقول:
- أشكرك على هذا الشرف العظيم في هذا العمل الرائع، وكأنني أقرأ أبو زيد الهلالي والزير سالم وعنترة بن شداد، لكن المسرحيّة طويلة تحتاج إلى إعداد وإمكانيات، وإن شاء الله تكون لدينا الإمكانية والفرصة من ميزانيات وإعداد من المسرح ومؤسسة إبداع، في إتمام هذا العمل.
 
وخلص الكلام بوداع وإطراءات، وخرجت من البيت ومرقت من مكان فيه إعلانات، قرأت الاسم في الإعلان ولم أصدّق، قلت إن لدينا أسماء كثيرة متشابهة، ورفضت أن أنظر إلى الصورة، وعندما عدت في المساء فتحت موقع بانيت، رأيت الصورة والإعلان!!!!
هل كانت محادثة الصباح رسالة وأمانة؟
ليت أحدكم يجيب على هذا السؤال.. لكنه أطلّ بنظرته من فوق النظارة ومن تحتها، وبصوته أعطاني الشجاعة لأقفَ أمامكم وأقول كلمة منقوشة في الذاكرة في حقّ د. سلين مخولي!
 
تلا العريف قصيدة وديع الصافي لد. سليم مخولي:
صافي كماء المزن ينقط صافي/ في القلب صوتك يا وديع الصافي/ ينساب صوتك في المسامع خمرة/ أنغام همس جداول وضفاف/ يا أرز لبنان الحبيب تحيّة/ لمليك فنّ نادر الاوصاف/
ومع الفن ننتقل إلى الفنان الشاب الأنيق عازف الكمان والمُلحن مراد خوري، لنسمع إلى معزوفةٍ شجيّة ومقطوعة موسيقيّة مِن تأليفه!
 
ثم تلا العريف من قصيدة بين الورد والخنجر لد. سليم مخولي:
وأرض صراع/ طابة مطاط/ تعلو تهبط/ تأتي تذهب/ كالريشة آه في ريحٍ/ تضحك تبكي/
تغفو تصحو/ وطن يصغر/ وطن يكبر/ بين الوردة والخنجر/ شعب يتغيّر/ شعب يتحرّر/
 
وكان لنا وقفة قصيرة مع الصّحفيّ نايف خوري المنتدب عن المنتدى الثقافيّ في عسفيا:
في الندوة الأخيرة التي أقامها منتدى البادية في عسفيا حول مسرحية الزينة، تحدّثنا مطوّلاً وبإسهاب وبتوسّع عن أفكاره التي طرحها في المسرحية قبل وفاة د. سليم بأيّام، والمنتدى يفتقد لهذه الشخصيّة المُشرّفة، وهذا الطعم الجميل الذي لمسناه في شعره ونثره، ونُعزي أنفسنا بأن ذكراه باقية في نفوسنا وقلوبنا.
أكثر ما يحز في النفس أن يتحوّل المتوفى إلى رقم، ولكن د. سليم كبُرَ مع إنتاجه وإبداعه وإعماله، وخاصّة في المجال الفنيّ في رابطة إبداع، وكانت له الفكرة الصّائبة والرّؤية إلى ما بعدَ ما تراه العين، وها هي الجمعيّة تتابع المسير بعد افتقاده!
يُروى عن مؤتمر عُقد في اليابان لجرّاحين ومتخصّصين، لبحث آخِر مستجدات الطبّ وكيفية وضع الأمور الحديثة في حياة الإنسان، وقال رجل دين كان معهم:
- أنتم تستطيعون اجراء عمليات وزرع أعضاء، ولكنكم لا تعرفون أين موطن روح الإنسان، والأمر الثاني أنكم لا تستطيعون إعادتها..
 ولكن د. سليم باقٍ في أرواحنا وأرواح  مُحبّيه وفي عائلته الواسعة، فما تحوّلت روحه إلى مجرّد رقم ومجرد إنسان أو روح هائمة، بل إلى شخص كبير، إلى هرم كبير يجب أن نقوم بواجبنا تجاه أفكاره ونشاطاته.
في يوم سألني:- كيف أستطيع أن أخدم قضية القرى المُهجّرة إقرط وكفربرعم؟
فذهبنا مع مجموعة من الفنانين لهناك، وقضَوْا يومًا كاملا في رسم معالم هاتيْن القريتيْن وحجارتها المُهدّمة وقال:
- نرسم هذه الحجارة المُهدّمة والمنازل التي سقطت، لأنّنا نريدُها أن تعود واقفة، وإن لم تكن واقفة على أرض الواقع، فعلى الأقل نريدها أن تكون واقفة ونثبتها في لوحاتنا..
 
ما أرجوه من المؤسّسات التي كان فيها د. سليم عضوًا فعّالا وليس مجرّد عضو، مثل منتدى البادية في عسفيا، رابطة إبداع، وفي مجتمعه كفرياسيف وفي مجتمعنا العربي، أن نوفيِه حقه بتأبيد ذكراه الطيّب، إمّا بفعاليّات ونشاطات وإطلاق اسمه على مواقع ومؤسّسات تُخلّده.   
 
العريف تلا قصيدة لد. سليم مخولي:
عن ذاتك اخرجْ- اِتبعني/ اُخرجْ من قطرة ماء/ من حزمة ألوان الصّمت اتبعني/ أَغمض عينيك هنا/ للحظة أفاف تجهلها/ أعمق من ليل الغجرية/ أقسى من موجة ريحٍ وحشيّة..
ونبقى مع كلمة د. منير توما:
أيّها الحفل الكريم.. لا أريد التحدث عن د. سليم مخولي الأديب والشاعر، بل سأتحدّث عن الفنان التشكيليّ في شخصه الكبير، الذي اجتمعت فيه مواهب وصفات صاحب الرؤية التي جعلت منه فنانًا أصيلاً، لأنّ كلّ صاحب رؤية هو فنان، وليس كلّ فنان صاحب رؤية!
كان د. سليم مخولي الفنان الصّادق في فنّه؛ رومانسيًّا وواقعيًّا، وهو الذي كان يُزاوج بين الذاتية والموضوعية مزاوجة الائتلاف!
لقد أحبّ وعشق الفنون الجميلة إلى أقصى الحدود، لأنه أدرك وأيقن بحدسه الثاقب أنها عنوان تمدّن الأمم، والدليل على ذلك، ما بلغه فنّه في الرّسم والنحت من درجة في السّموّ الرّوحانيّ، لأنّ الدّاعي إلى حبّ الفن والميل إليه والولوع به هو حبّ الجمال، والباعث لنشاطه لطافة الذوق ورِقّة الإحساس وقوة الشعور الحيّ، فالفنّ يكون جميلاً عندما تعمل اليد والرأس والقلب معًا، وهذا ما اتّصف وتحلّى به في حياته المُفعمةِ بروح العطاء والإبداع على مختلف الصّعد، فكان إنسانيّ النزعة بكلّ ما في هذه الكلمة من معنى، وعلى شتى المستويات عامّة وفي فنّه خاصّة، فالفنّ هو الأسلوب، والأسلوب هو الإنسان، ومِن طبيعة الفنانين الصّفاء والتسامح والانفتاح، وكلّ فنّ يحملُ نورًا إلى الآخَر.
د. سليم ككلّ فنان أصيل كان يغمس فرشاته في روحه، ويرسم طبيعته الخاصّة في رسومه ولوحاته، ليكون الرّقيّ لديه في اجتماع الفنّ والعلم والأخلاق.
إنّ الفنّ لا يقوم على المواد من ألوان وأقلام وحجارة، ولا هدفه التسلية والإغراء والشعوذة، بل هو أوّلاً وأخيرا أداة تهذيب، وهو رسالة سامية مقدّسة. إنّه الشّيء الآخر الأبعد في الإنسان، والذي نسعى لأن يجد شكلاً يُعبّر عنه، ولم نجده حتى الآن، ومع أن كلّ شيءٍ ينقضي، فإنّ الفنّ وحده يبقى لنا؛
فالتمثال يدوم أكثر من العَرش، واللّوحة الرّائعة الخلاّبة تعيش أكثر من أصحاب العروش، حيث يرجع الفضل في ذلك إلى الفنان الذي أبدع وجسّد ذلك بأصابعه وبيديه وبريشته وإزميله، وهكذا فإن كلّ رسمٍ رُسِمَ بعاطفة وإحساس هو رسمٌ للفنان لا للنموذج المرسوم، وهذا ما كان يتبنّاه ويؤمن به د. سليم مخولي ممارسة وتطبيقا، كسائر الفنانين الموهوبين الكبار!
لقد تماهى من خلال لوحاته الفنيّة الرّائعة شكلاً ومضمونًا مع قول جبران خليل جبران، بأنّ الفنّ ليس بما نسمعه أو نراه، بل هو تلك المسافات الصّامتة وبما توحيه إليك الصّورة، فترى وأنتَ مُحدّقٌ إليها ما هو أبعد وأجمل منها، وبالتالي كان يرى أنّ الفنّ ليس غاية في حدّ ذاته، بل وسيلة لمخاطبة الإنسانيّة في الحياة، حيث نعيش ونتألّم ونجهد.
وأخيرًا لا بدّ لي من القول بأنّ عظمة د. سليم مخولي كفنان ليست في يده، وإنّما في قلبه، فاليد لا تستطيع أن تفعل أكثر ممّا يوحي به القلب، فقد كان فنّانًا حقيقيًّا لأنّه كان شديد الحساسيّة، قادرًا على التعبير المُخلص الصّادق، ولم يكن بإمكان حساسيّته أن تعزله عن مجتمعه، بل كانت دائمًا تشدّه إليه، وبديهيّ أنه كان يُعبّر عن إحساسه بصدق وإخلاص، فإنّه لم يكن يُعبّر إلاّ عن مجتمعه وعن إحساسه وآلامه وأمانيه، فهو مُلتزم بمجتمعه ووطنه وأرضه وشعبه كفنان إنسان، وبجمال الطبيعة بوجهها الطاهر النقي الذي اعتبرَهُ بهاءً للخير، وشيئًا رائعًا وغريبًا يُبدعُهُ الفنان من فوضى العالم في عذاب روحه!
وأختم كلمتي بالأبيات التالية لأحد الشعراء، والتي تعكس لوحة فنيّة مرسومة بالكلمات، تحمل ما ورد من المعاني الشفافة حول عشقه للفنّ وللجَمال، ولا سيّما وأنّه كان يقدّسُ الجَمال الفنيّ بكلّ تجلّياتهِ البشريّة والطبيعيّة، وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
كم تحدّى سرَّ الجَمال أناسٌ/ أقدموا نُكُصًا وقاموا قعودا/ فرآه المخمور كفًّا تُديرُ الكأ/ سَ صِرفًا أو تعصرُ العنقودا/ ورآه الغنيّ وَقْعَ دنانـ / يرَ يُشنّفنَ سَمْعَهُ تغريدا/ ورآهُ الفقيرُ في العُريِ ثوبًا/ مع الجوع قصعةً وثريدا/ هكذا أبصرَ الجَمالَ أناسٌ/ حدودَهُ فأخطؤوا التّحديدا/ فاتَهُم أن يَرَوْا ملائكةَ العر/ شِ حواليْهِ رُكَّعًا وسُجودا/ ويدُ الله فوقَهم ترسُمُ الفجْـ/ رَ على الأفقِ مُقلتيْنِ وَجِيدا/
وفي كلمةِ العائلة قال ميخائيل بصل؛ ابن أخت الفقيد ومدير قسم المعارف في مجلس كفرياسيف المحلّيّ:
أهلاً وسهلاً بكم يا أهلَ الفنّ والآداب وأَيُّها الأحِبّة والأصحاب
هُدُوءٌ فَسَكينَةٌ وَعَبْرَةٌ مُنْسَكِبَةٌ وتوأَمَتُها على أَسْكُفِ العين مُتَلأْلِئَةٌ.. وكَأَنَّنا عَلى سَمْعِ وَقْعِ دَعَساتِ قَدَمَيْهِ على الدرَجاتِ المُؤَدِيَةِ لِهذا المَكان َودُخولِ شَخْصِهِ المَهيبِ حَسَنَ الحِبْرِ والسِبْرِ! أَوَيُعقلُ أَنْ يَلْتَئِمَ اليَوْمَ شَمْلُنا بِدونِهِ ولِذِكْراهُ؟
أَتَتْ ساعةُ الزَّوالِ ومالت ِالشَمْسُ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ، بلَمْحَةِ طَرْفٍ فَقَدْناهُ فَما وَجَدْناه، وَكَأسُ الفَنِّ ما زالَت طافِحَةً بِيَدَيْهِ.. باغَتَنا الفَرْضُ المَقيتُ فدَبَّ الفَزَعُ بأَعْماقِنا زارِعًا في النَفْسِ جَزَعَ التَلْميذِ توما حينَما قال:- "إنْ لمْ أُبْصِرْ في يَدَيهِ أَثَرَ المساميرِ، وأَضَعْ إصبعي في آثارِها كما أَضعُ يَدي في جَنبِهِ، لا أومِن".
اليقينُ كَرَدَ أوصالَ الشكِ كردًا وبعثرَها رمادًا في الفضاء، فصارَتْ لهُ بينَ الناسِ جَنازةٌ وبَيْن المَلائِكةِ حَفاوَةٌ.. سُدِلَ السِتارُ بينَهُ وَبَيْنَ الحَياةِ، وَسُرِّحَت الرّوحُ مِن صاحِبِها الحُرِّ الأبيِّ مُنْطَلِقَةً نَحْوَ السّماءِ، فافْرَحي أيّتُها السَّماءُ وابْتَهِجي بِما تَحْمِلين، فأنْتِ الرابِحَةُ وَنَحْنُ الخاسِرون..
وَعادَ الشلا الهَشُ مِن حَيْثُ أَتى لِيُطَيِّبَ الثَرى، فَمَحْسودَةٌ أَنْتِ أيّتُها الأَرْضُ بِالمَقْدور وَقَد اسْتَرْجَعْتِ غَدْرًا أَضْعافَ أَضْعافَ ما أَعْطَيتِ.. فَشَتّانَ ما بَيْنَ الصّبا والنّهاوَنْدِ، وبَيْنَ ما كُنّا عَلَيْه وَما نَحْنُ فيه.
أَنْتَ خالي... وَما أَعْظَمَهُ مِنْ لَفْظٍ يَحْمِلُ أَرَقَّ وَأَسْمى المَضامينِ وَالمَعاني! بِشَهْرِ أيّار عام 2008 هاتَفَتْني سِكْرتيرةُ جَمْعِيةِ "إبْداع" وَطَلَبَت مُوافَقَتي بِناءً عَلى طَلَبِكَ، عَلى نَشْرِ ما كَتَبْتُهُ لَكَ في مُدَوّنَةِ المُلاحَظات، يَوْمَ شارَكْتُكَ كَغيري في افْتِتاحِ مَعَرض ِرُسومَاتِكَ، الذي حَمَلَ اسْمَ "كفرياسيف بلدي"، وَكانَ لَكَ ما شِئْتَ كَما دائمًا، فَأَنْتَ خالي، كَتَبْتُ لَكَ ما شَعرْتُ بِهِ تجاهَك في حينِها، الأَمْرُ الّذي أَسَرَّكَ وَقَدْ سُرِرْتُ لِسُرورِكَ، وَقَدْ خَطَّ قَلَمي ما يلي :
لَدَيْنا في صالَةِ العَرْضِ التابِعَةِ لِجَمْعِيَةِ "إْبداعٍ" عَمَلٌ فَنِيٌّ جَديدُ وَمُمَيَّزٌ يَحْمِلُ اسْمَ "كَفْرِياسيف بَلَدي"، حقًّا إنَّهُ حِكايَةُ قَرْيَةٍ؛ قَريَتي. كُلُّ عَملٍ فَنّيٍّ جَديدٍ يَنالُ كَاْلعادَةِ مُعالَجَةَ النّاقِدِ الْفَنيِّ، الذي يُوَجِّهُ مِن خِلالِ نَقْدِهِ القارِئَ أوِ المُسْتَمِعَ أوِ المُشاهِدَ إلى مَدى نَجاحِ العَمَلِ ذاتِهِ، وأيًّا كانَ قَرارُ النّاقِدِ فَهُو لَيَسَ بِالضَرورَةِ الحُكْمُ النّهائِيَّ عَلى العَمَلِ، إِنّما يُقاسُ نَجاحُ النّتاجِ الفَنِّيِّ بِمَدى تَفَاعُلِ الإنْسانِ العاديِّ مَعَهُ.
فَمَن يَرى الرّسوماتِ المَعْروضَةِ يَحيى وَيَعيشُ مِنْ خِلالِها الماضِيَ الجَميلَ، بَعيدًا عَن الحاضِرِ وَمَشاكِلِه، وَتَحْضُرُهُ ذِكْرَياتٌ يَتوقُ إليْها مِنْ أَعْماقِهِ، وَيَقِفُ فاغِرًا فاهَهُ اسْتِهْجانًا لِجَرِيمَةِ التَنَازُلِ عَنْ هذا الجَمالِ والتَّخَلُصِ مِنْهُ، وكأنَّهُ أمْرٌ مَعيبٌ، مِنْ أَجْلِ مُواكَبَةِ الحَضَارَةِ والشَّارِعِ والسَّيَارَةِ. عُنْصُرُ التَفاعُلِ هُنا قَويٌ جِدًّا، فَالمُشاهِدُ لِهذِهِ الرّسوماتِ يَرْتَبِطُ بِها ارْتِباطَ الطِفْلِ بأُمِّهِ، ويَشْعُرُ بِحاجَةٍ روحانِيّةٍ لِهذا الارْتِباطِ، كَحاجَةِ تيَنةِ السَبْتاءِ لقطْرَةِ الطلِّ.
فَهَل مِن حاجَةٍ لِناقِدٍ فَنِّيٍّ يُقَيِّمُ هذا العَمَلَ المُتفاعَلَ مَعَهُ لَحْظَةَ الانْكِشافِ لَهُ؟!
يا أبا الفُنونِ الجَميلَةِ؛ النَحْتِ والرَسْمِ والشِعْرِ.. يا صاحِبَ الأنامِلِ الرَشيقَةِ التي جَسَّدَتْ تَفْكيرًا وَطَنِيًّا وَفِكْرًا حَميمًا، وَأَحْيَتْ تاريخًا ما زالَ عَبَقُهُ يَسْحَرُنا، لَقَدْ رَوَّضْتَ ريشَةً عَصْرِيَّةً مُتَمَرِدَةً وَجَعَلْتَ لِتاريخِنا لَوْحَةً شاهِدَةً عَلى ما مَضى لأَجْيالِ الحاضِرِ والمُسْتَقْبَلِ.. إرْثُكَ أَكْبَرُ مِن لَبَد.
أَنْتَ قُدوَةٌ لِلتَّمَثُّلِ والاحْتِذاءِ بالانْتِماءِ لِهذهِ القَرْيةِ العَريقَةِ، فَأنْتَ المُنْتَمِي فِعْلاً، وانتِماؤُكَ انْتِماءُ فِعْلٍ لا انْتِماءُ قَوْلٍ، ولا انْتِماءُ رَفْعِ شِعارٍ بِمُناسَبَةٍ عابِرَةٍ .
واختتمتُ كاتِبًا مُتسائِلًا بِتَواضُعٍ ودَعابَةٍ: هُناكَ مَثَلٌ شَعْبِيٌ يَقولُ " ثُلْثَيْنِ الوَلَد لخالو" مثلٌ قَدْ يَكونُ فيهِ اليَوْمَ بَعْضُ عَزاءٍ لأُمي رَغْمَ أَنَهُ حَيَّرَني وأخرَجَني عَنْ طَوْعي وَأَرْهَقَني؛
فأَنْتَ الطَّبيبُ المُداويَ وأَنا بِالكادِ أُضَمِّدُ جَرْحي/ أنتَ شادي الشعرِ وأَيْنَ أَنا مِنْ أَحْرُفِ الهِجاءِ/ أَنْتَ الرّسَّامُ وَريشَتي أَنا تَأْبى إلاّ أَنْ تَكبُوَ لِتنام / أَنْتَ النَحَّاتُ وَازْميلي أَنا صدئٌ أَصْلَد / أنت َميرُ الكلامِ مِنْ مَنْثورِ القَوْلِ وَمَنْظومِهِ/  وَأَنا مُجَرّدُ مُسْتَظِلٍّ بِدَوْحَتِكَ الفَيْنانَةِ الغَنَّاءِ؟/
وَفي النّهايَةِ وبَعْدَ هذِهِ التّساؤُلاتِ وَجَدْتُ نَفْسي مٌعَزّزةً مُنْتَصِرَةً بِكَ، "فَمَنْ لَهُ خالٌ مِثْلُكَ يَسْتَطيعُ كَما قالَ المَثُلُ: "أَنْ يَحْلِقَ شَعْرَهُ وَيَهِتَّ بِشَعْرِ خالِهِ ."
هذا ما كتبتُ.. وَبَعْدَ أَيامٍ، صُدْفَةً الْتَقَيْنا، بادَرَني بِسُؤالٍ تَكَلَّلَ بِابْتِسامَتِهِ الخاصّةِ: هَلْ حَلَقْتَ شَعْرَك؟ فابْتَسَمْتُ مَسْرورًا لِرِضاهُ عَنّي .
هُناكَ دائِمًا رَجُلٌ واحِدٌ يُحْدِثُ الفَرْقَ، هَكَذا كان فارِسًا في كُلّ مَيْدان نَقَشَ اسْمَهُ في سِفْرِ الوُجودِ، وهكَذا سَيَبْقى حَيَّا في وُجْداني وَفي وُجْدانِ البَقاءِ، فَكُلُّ رَجُلٍ يَموت وليسَ كلُّ رجلٍ يحيا، فَهَل نَحْزَنُ فُراقَهُ فَحَسْبْ، أَمْ نَحْزَنُ وُجودَنا بِدونِهِ؟
تَرَكَنا، فَإِنَما الدّنْيا لُعَاعةٌ والعُمْرُ دَعْداعٌ نَخالُهُ أَحْيانًا أَزلا، بَعْدَ أَنْ مَدَدَنا بزادٍ لَهُ عِنْدَنا المَنْزِلَةُ الشَّريفَةُ، فَمِنْ زَرْعِ يَديِهِ يَطيبُ الحَصادُ، وَبَيْنَما يَحْتَلُّنا شَبَحُ غِيابِ الجَسَدِ، يَلُفُّنا عَطاؤُهُ الجَزيلُ ليُبْقِيَهُ بَيْنَنا دائِمًا، وَكَأَنّ لِسانَ حَالِهِ يَقولُ:- "لا.. لا أُريدُ أَنْ يَنْتَهِيَ عُمْري".
فَهَنيئًا لَهُ، لأَنَّ سَجاياهُ في النّفوسِ ترَسّخَتْ لِنَتَذَكَرَهُ أبَدًا، بِثَغْرٍ باسِمٍ وَبِهامَةٍ مَرْفوعَةٍ وَبِعَيْنٍ دامِعَةٍ، فالتِّذْكارُ شَكْلٌ مِنْ أشْكالِ اللِّقاءِ.
وَإلى أُسْرَتِهِ المَفؤودَةِ وَما أَقْرَبَها إليَّ أقولُ:
سيروا عَلى دَرْبِهِ الحَبيبِ، فَنِبالُكُم كَسِهامِكُم ثاقِبَةٌ، وَتَمَتّعوا في نَعيمِ العَيْشِ، فَسَليمُكُم سَبْطُ اليَدينِ فاخَرَ إبراهيمَ بِالفِداءِ، عاوِدوا بَيْتَ والِدِكُم، لأنَّ ماضِيَكُم يَقْطُنُ فيهِ، ولتستدفِئوا بِعَطْفِ أُمّكُمُ الحنونِ!
وتحدث مُنظّمُ المعرض الفنّان إيليّا بعيني- "ذاكرة إنسان":
معرضُ "ذاكرة إنسان" نقيمُهُ تكريمًا لذكرى رحيلِه، رحيل طيّب الذّكر الشاعر الأديب الفنّان د. سليم مخولي!
في أحد أيام عام 1995، توجّه الرّاحلُ إليَّ مُستفسِرًا حول إمكانيّاتِ استكمالِ تعليمِهِ للفنون، فاقترحتُ عليه الالتحاقَ بقسم الفنون في كليّة الجليل الغربي، وهناك أنهى فيما بعد دراسته، فانضمّ إليّ في مسيرة دربٍ طويل؛ ابتدأناه معًا في فكرةٍ ثمّ تصميمٍ وعمل، وأنهيْناهُ مُكلّلاً بورودِ النّجاح؛ ابتدأناه بإقامةِ رابطةٍ للفنانين التشكيليين العرب "إبداع"، وأنهيْناهُ في تطوير الفن وتعزيزه في مجتمعنا؛ بدأنا معًا، وسِرنا معًا، كابنٍ وأبٍ يَسيران سويًّا في دربِ الفنّ، لكن سرعان ما اختطفته يدُ المنون، ليترجّلَ عن حصان الفنّ، تارِكًا آثارًا تقطرُ بالشّهدِ والدّسم.
لقد رسم الفنّانُ بيتًا، فكان البيتُ مأوًى للمحبّةِ، بل منزلاً هجَرَهُ المُحبّون قهرًا.
لقد رسم الفنان شجرةً، فراحت أوراقها تتأرجحُ خفيفةً لتختالَ الثّمارُ بينها؛ ثمرُ الرّوح الوديعة والنّفس الهادئة؛ بل شجرة لربّما تكسّرت أغصانها، لتبقى جذعًا صامدًا في وجهِ الرّيحِ، وجذورها متأصّلة في ثرىً يحتضنُ رفاتِ الأجداد.
رسمَ الفنّانُ بالماءِ مِن زرقةِ اليمِّ سماءً، فأمسى البحرُ جيّاشًا تقذفُ أمواجُهُ درَرَ التاريخ الغابر، وتكشفُ كنوزَ الآباءِ والإباء وقد سبَرَها الأجل.
قال جبران خليل جبران:- "الفنّ أن نؤدّي روحَ الشّجرة، لا أن نصوّرَ جذعًا وفروعًا وأغصانًا وأوراقًا تشبهُ الشّجرة.. الفنّ أن نأتي بضمير البحر، لا أن نرسمَ أمواجًا مُزبدة أو مياهًا زرقاءَ هادئة"!
لقد رحلَ رفيقي وغاب أليفي، ولكن وإن ماتَ فلا زال يتكلّم بعد. لذكراكَ يا صديقي أُنظّمُ هذا معرض "ذاكرة إنسان"!
وتحدّث الفنّان التّشكيليّ إبراهيم حجازي عن انعكساتٍ وطنيّةٍ في لوحاتٍ فنّيّة:
لوحاتٌ فنيّة بألوانٍ مائيّة.. تغرق الأوراق بعناصرَ تشكيليّةٍ مِن الوطن؛
عقودُ البيت العربيّ القديم، كرومُ  الزّيتون، طرقاتُ وأزقّةُ البيوت، عين الماء، برجُ الكنيسة، والعديدُ من اللوحات الفنيّة مِن أجواءِ وملامح قرية كفر ياسيف.
هذا التّوجّهُ في الرّسم يدلُّ على مدى ارتباط الفنّان حسّيًّا وتشكيليًّا بوطنه، من خلال توثيق ذاكرة المكان وخاصّة بلده كفر ياسيف.
استطاعَ الفنان د. سليم مخولي أن يُوظّفَ اللّونَ بتقنيّةٍ عاليةٍ في خدمةِ موضوعاتِهِ الفنيّة.. ويُسخّرَ اهتمامَهُ البارزَ بشفافيّةِ الألوان وبتحسّسِهِ لروح المادّة، التي تعني تفاعل الفنان تقنيًّا وفكريًّا مع مخزون الصّور الذّهنيّة، لمُركّباتِ الوطن مِن الماضي البعيد القريب..
 نلاحظ  جيّدًا المداعبة بين اللّون والشكل في تكوينات اللّوحة عند د. سليم، لتضيفَ رونقًا وإيقاعًا في أسلوبٍ انطباعيٍّ مُميّز، في توثيق ذاكرةِ المكان والزّمان...
 
رافقتُ الدّكتور سليم في جولةِ رسم في الطبيعة في قرية البصّة المُهجّرة، ضمنَ مشروعِ معرض بعنوان "مشهدٌ من بلدي" بتاريخ 28-3-2009، الذي قمتُ بتنظيمِهِ والإشراف عليه في صالة العرض التابعة لجمعية "ابداع"، وما زلتُ أتذكّرُ خطواتِ الدكتور سليم في تحرّكاتِه وطريقة رسمه، وهو يتنقّلُ مِن مكان إلى آخر، في حالةِ تأمّلٍ وتفحُّصٍ لبقايا أشياء موجودة لأبناء وطننا النازحين..
لفتَ انتباهَهُ الطّلاءُ المنقش الموجود على جدران البيوت، ما يدلّ على البُعد الزّمنيّ للتّهجير..  كان يعملُ تخطيطاتٍ سريعة بقلم الفحم مِن زوايا مختلفة .. حتى على سطح البيوت .. محاولاً احتضانَ المكان بكلّ جوارحِهِ وأحاسيسهِ .. ليستكشفَ مشهدًا جديدًا ..
كان يلمسُ حجارة المكان وبعضَ ما تبقّى مِن شبابيك وبلاط من البيت المُهجّر .. يُسجّلها في تخطيطاتِه .. التي حوّلها فيما بعد إلى لوحةٍ بالألوان، لتترك انطباعًا قويًّا لدى المتلقّي ..
الدّكتور سليم مخولي كان فنّانًا شاعريًّا برسوماته، وشاعرًا رسّامًا بأشعاره .. كان ذاكرةً لإنسانٍ رحلَ عنّا جسديًّا، ولكن فنّه وروحه خالدان فينا ..
 
  وتلا نعيم سليم مخولي النجل قصيدة بعنوان عتب:
 
اِدمعي  يا  عين  دمعاتك  سخيّة/ اِدمعي واسقي خدودَ ورديّه
قالت، نشف البحر اللّي كان يدمع/ وتا إدمع  بعد  ما  عاد  فيّي         
بقولو، كثر الزعل شو عاد ينفع/ وكفّي  حياتك  اليوم  يوميه
قلتلن، كيف ممكن والقلب يوجع/ وما بينفعو ولا عمليّة جراحيّة
سألت الزمن بلكي شويّة يرجع/ ويمحالي لحظة من حياتي، خريفيّة 
قالّي بإيدي ما عاد شي يطلع/ طلبك، عند ربّ السّماوات العَليّه
وعا سكون الليل، اللّي غيرو ما كنت أسمع/  وقمر سهران، ونجومو حواليّه
وقفت، وعالسّما عيوني صرت أرفع/ صرخت بصوت، وبغصّة قويّ،
قلت، قلت كيف إلك قلب يا رب تقطع/ خيوط الحياه عن نفس بَيّي
مِن بَيّي يا ربّ ما لحقت إشبع/ يا دلّ إختي؛ ويا دلّ خيّي
قالي يا بنيّي، منّك ما كنت أتوقع/  هيك حكي، وترَوّى شويّة                                       
روح بيّك، في جنينتي تتمتع/ بنعيم حياتها الأبديّة                                         
روح خبّر البشر تا الكلّ يقشع/ شوعِمل بيّك بحياتو الغنيّة
بيّك لغير الرّب ما كان يركع/ وبحياتو ما انحنى للرّيح العتيّة
وللذلّ، بعمرو ما كان يخضع/ تحدّى الظلم بأعمالو السّويّة
وسِهر الليل مع نجم يلمع/ تا يلبّس هالوطن، حلّة بهيّة
بالمال والمظهر، ما كان يطمع/ وما همّتو هالأمور الهامشيّة
للناس، بالأدب والفن كان مَرجع/ برَسْم، ونحت، وأبيات شعريّة
وما في حفيد إلاّ عصدرو ادّلع/ وضمّو بعطفو، وبكلّ حِنّيّة
قالي، قالي شو بَعد بدَك تسمع تا تسمع ...
لو شكرت ربّك، باليوم ألِف مرّة/ ما راح تكافيه، عَ هيك عطيّة       
 
وسكرتيرة رابطة إبداع نادة شحادة كانت لها مشاركة بعنوان: تـَعجـّلتَ الرّحيلَ
بـَكـَتــْكَ نـفـسي/ بــكائي سقــيـم/ عيـنــي حزيــنـةٌ/ ودمعــي يتــيـــم 
تعـجّــلتَ الرحيلَ/ مِـن دونِ موعــدٍ/ فـبـاتَ العــمـــرُ/ مشــوارًا حـزيــن
بـــتــنـا رمــــادًا/ على أطــرافِ دهــر/ تـذرونــا الريــاح / تقلبــنـا السنين   
تــعـجّلتَ الرحـيـلَ/ في عــزّ النــــهارِ/ فالشمــسُ ثـكلى / والمساءُ حــزيــن
سـهـامُ المــوتِ/ تـغتــالُ الغـوالـي / وسيــفُ الغــدرِ/ حــرٌ لا يـــليـــن
عهـدتـُك شامـخًا / فـي كــلّ مَحـضرٍ/ أبـيًّــا وفــيّـًا / مـعطـاء رزيـــن
روحـُك البـيــضاءُ/ في الجنــّات تلهو / وصوتـُــك الرنــّــان/ يـهمـسُ بالحنـين
تـقلـّدْتَ المناصبَ/ دون فــخـرٍ/ فـَعـِشت حُــرًّا / مرفـوعَ الجبـيــن
أنـت في الإبـداع ِ/ بـحرٌ مـن خيــالٍ/ تـجــودُ  بــروحـكَ/ فـي كـلِ حيــن
أبـا حــبـيــــبَ/ أهديـكَ دمعــي / جرحــي كبـيــرٌ/ يـنضــحُ بالأنـيــن 
تــصــونُ العهــدَ/ لا تــرضى بـِزائـفـةٍ/ كـَحِدّ السيـف تـقطـع / لكـن دون إيــــــــلام
تاريــخـك المــعهــودُ/ رمــز  لكـُلِ حـُرًّ/ إن لم تشهدْهُ نفسي / فلـْتشْهَدْهُ  أيـّامي 
نلـومُ  المـوتَ/ إذ واراك عنّـا / لا يـُـجدي لـومي/ ولا يُجدي عتابي
كريــمُ النـفسِ/ صادقًــا ورعًـا / لا يفنـى حــرٌّ/ تحـت الــترابِ
جـئـتُ راثــيـة ً/ أمـام روحـِك أنـحَنـي / عزيـزًا جليــلاً/ لا يعلو على أحدِ
الرّجـالُ بالأفعـالِ/ تـُحتـَسَبُ / لا بالـرقمِ والـعددِ
أُقـدّسُ فيـكَ/ روحَ الـعلمِ والأدبِ/ رمـزَ العطاءِ/ مدى الأزمان والحقَبِ
لـِمَ الفـُراق أبا حـبيــبَ/ وقـد عـزّ اللقـاء/ قـد كنت نورًا/ يضيءُ أرضًا/ فـَـبـِتّ نجمًا/ يسطع ُفي السّماءِ
كريــمُ الــدّار/لا تفنى مودّتــُهُ/ يــجودُ بحـُـبـِهِ/ بين الدّقائق والثواني / يهيمُ في بـحر البـحور
مُستشْعـِرًا  لـَبـِقًا / فشعره يزخرُ بالمعاني
حملتَ رايةَ الإبداع ِ/ وكنـتَ صاحبـَـها/ صنعــتَ العجائبَ/ مِـن أرض العـَدَمْ/
حبـرُك ســّيالٌ/ ولونــُك ناضـرٌ/ بـَكـَتْـكَ ريشتـُك/ وبـَكـاكَ القلم  ْ 
هـَرَم ٌتــوارى في الثـّـرى / بـِطيـب الـروح ِوالجسد/ لن ننساك أبا حبيــب/ ذكرك باقٍ إلى الأبــدِ



46  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / أهزوجةُ مفاتيح السّماء في قبضةِ الشاعر وهيب وهبة؟! في: 17:21 28/01/2012
أهزوجةُ مفاتيح السّماء في قبضةِ الشاعر وهيب وهبة؟!

آمال عواد رضوان
 
عنوانٌ غريبٌ يستفزُّ الجسدَ بلغةِ إيماءتِهِ الدّلاليّةِ ولفتاتِهِ العفويّة، ودون استئذانٍ يُزلزلُ أوتارَ الكمان والكيان، يُحدّثُ النفسَ بحروفِ ياسمينِهِ الهاجسةِ المُتوجّسة، وكدوريِّ الحقلِ المتمرّدِ يحترفُ حرّيّة التحليقِ السّماويّ، بعيدًا عن سُلطةِ الأرض وعُروشِها المُتزلزلة، باحثًا عن نوافيرِ ضوءٍ تنتشلُهُ مِن عتمةِ المآسي والمواجعِ العاريةِ من الرّحمة، ولا ينحرفُ، بل يعودُ إلى عُشِّهِ الإنسانيِّ، وفي منقارِهِ يحملُ جذوةً مِن محبّةٍ وحفنةً مِن نور، فيتراءى في عينِ قلبه منظورُ آمالٍ متراقصٍ جديد، وملءُ حوصلتِهِ أبجديّة خضراء تنسكبُ طيوبَ حياةٍ في تجاعيدِ الرّوح الخاوية!

جائزة المتروبوليت نيقولاَّوس نعمان للفضائِل الإنسانيَّة، حازَ عليها الشاعر وهيب نديم وهبة ابن دالية الكرمل، الكاتبُ والمُرَبِّي الفِلِسطينيّ، عن مخطوطه المُعَنوَن بـ "مفاتيح السَّماء" والتي صدرت عن دار نعمان للثَّقافة ومؤسَّسة ناجي نعمان للثَّقافة بالمجَّان، بعد إصدار نتائج جوائز ناجي نعمان الأدبيَّة الهادِفَة لعام 2012 في بيروت، وهو جزء من مشروع "مسرحة القصيدة العربية".

هذا وسيجري نشرُ الأعمال الفائزة خلال شهر نيسان (أبريل) المُقبِل من ضمن سلسلة "الثَّقافة بالمجَّان" التي أنشأها ناجي نعمان عام 1991، وما زال يُشرفُ عليها؛ وستوزَّعُ بالمجَّان، كما ستُنشرُ في موقع الدَّار الإلكترونيّ: www.najinaaman.org
وكان ناجي نعمان أطلقَ عام 2007، في مناسبة الذِّكرى الخامسة والعشرين لغياب المتروبوليت نقولاَّوس نعمان سلسلةَ جوائزه الأدبيَّة الجديدة، وهذه الجوائز، على العكس من جوائزه السَّابقة، هادِفَةٌ لجهة الموضوعات، ومَحصورةٌ بأبناء الضَّاد وبناته، وعددَ الفائزين بها محدَّدٌ بشخصٍ واحدٍ سنويًّا عن كلِّ فئة، فيما قوامُ الجائزة طباعةُ المخطوط الفائز في سلسلة "الثَّقافة بالمجَّان"، واكتِسابُ الفائز عضويَّةَ دار نعمان للثقافة، وهي عضويَّةٌ لمدى الحياة لا تستَوجبُ من حاملها شيئًا، بل تؤهِّلُه وبشروطٍ معيَّنة لطباعةِ نتاجهِ الأدبيّ في السِّلسلةِ المجَّانيَّة السَّابقة الذِّكر.

إنّ "مفاتيح السماء" سيصدرُ في آنٍ واحدٍ في كلّ من دالية الكرمل، حيث ستصدرُهُ مجلة "مواقف"، وفي بيروت حيث ستصدره دار النعمان، ضمن سلسلة الثقافة خلال شهر نيسان أبريل المقبل.
وهكذا مُنحت جائزة المتروبوليت نيقولاّوس نعمان اللبنانية للفضائل الإنسانية لعام 2012 للشاعر وهيب وهبة، حيث تمنح هذه الجائزة مرة واحدة في السنة لأحد الشعراء أو الأدباء.
وقد كتبَ مقدّمةً مُطوّلة لهذا الكتاب الأديبُ الإعلامي "نايف فايز خوري"، وصمّمَ لوحة الغلافِ الشاعرُ "جورج جريس فرح"، ووضعَ الدّكتور فهد أبو خضرة تظهيرًا للكتاب.

يستعرض الشاعر في "مفاتيح السّماء" رحلة سيدنا المسيح من أرض كنعان إلى أرض الكنانة، والعودة لنشر رسالة الله والعدل والمحبة، وبصدور "مفاتيح السماء" يكون الشاعر وهيب نديم وهبة قد اختتمَ رباعيّتَهُ الإبداعيّة، والتي يُجملُ فيها مشروع "مسرحة القصيدة العربية".

تتضمّنُ هذه الرّباعيّة:
الرحلة الأولى: "المجنون والبحر1995" التي ترجمت إلى لغات عديدة، ويتحدث الكتاب عن العدالة المطلقة، ويدخلُ هذا الإبداع ضمنَ الحداثة كما قيل عنه في الثورة النقدية الإيجابية التي حدثت لحظة صدور الطبعةِ الإولى، ثم صدر منه ثلاث طبعاتٍ باللغة العربيّةِ عن مطبعة الكرمة حيفا، وقد دخلَ حالةً أدبيّةً في التجديد ومسرحة القصيدة العربيّة، وهذه الحالة كانت بمثابةِ عمليةِ "مزيج" لجميع عناصر الأدب، ذلكَ أنّ إيقاعَ العصرِ المُتجدّدِ المُتغيّرِ المُتنقّلِ مِن ثقافة إلى أخرى، كان الدّافعَ الأساسيّ للبحثِ عن سُبلٍ في التجديد، وبذلك تحوّلَ الكتابُ إلى حدثٍ في النقدِ وعددِ الطبعات، وحدثٍ عالميٍّ في الترجمة، وكانت شهادةُ النعمان الفخريّة بمثابةِ شهادة تحرُّرٍ أولى يعتزُّ ويفتخرُ بها الشاعر وهيب وهبة، شأنه شأن أيّ مبدعٍ فلسطينيّ، إذ ساعدتهُ على الخروج من داخل الحصارِ الثقافيّ ومِن جحيم الاختناق الأدبيّ، في منطقةٍ تعجُّ بالصّراعات.
 
ثمّ كانت الرحلة الثانية في كتاب "خطوات فوق جسد الصحراء"، "رحلةٍ نبويّةٍ من الجاهليّةِ حتى حجّة الوداع"، صدر هذا الإبداع الأدبي عام 1999 –على نهج المجنون والبحر – مسرحة القصيدة العربية، وهنا كانت التجربة أكثر عمقًا وأوضح صورة. فالمضمون يتطرّق إلى "العدالة الإلهيّة"، والدّخول إلى تاريخ الحضارة العربية الإسلامية/ البداية الجاهلية – تحديد النهاية للفصل الأول – حجة الوداع ، لهذا كان الحدث يتصاعد مع  تطوّر النصّ، ويدخل حتى في المجال العلمي، فيدخل النّصّ في صميم التاريخ ويتّحد الأدب والتاريخ والشعر والمسرح معًا في تتويج مسرحة القصيدة، ثمّ يتبلورُ النّصّ حتى أسمى درجات الإيمان.

تلك المعادلة الحضارية الرّاقية بما تحمله من رسالةِ النّورِ والتنويرِ وعصرِ الإنسان.
منشورات دار روان الفلسطينية الرام /القدس أصدرت الاسطوانة عام 2001 لتوثيق النص النهائي للجزء الأول من خلال الاسطوانة، وذلك بصوت الشاعر لتوضيح فكرة مسرحة القصيدة من ناحية، ومن ناحية ثانية الموضوع لتوجيه الاهتمام إلى المضمون وأبعاده، ومن ناحية أخرى تمّ إدخال الآيات القرآنية بأصوات حقيقية في الأسطوانة، ممّا منح مساحة أوسع عند قراءة النّصّ، وقد تمّ التسجيلُ في استوديوهات الكرمل/ 2001.
ومن ثمّ كانت الرّحلة الثالثة في "كتاب الجنة 2006" الذي نال الجائزة اللبنانية للثقافة ضمن مشروع نشر عالميّة الأدب العربي، فمنحت الشاعر وهيب وهبة جائزة التكريم عن الأعمال الكاملة عام 2006، وفي تلك المسابقة للنصوص تمّ تقديمُ كتاب "الجنة" الموثق الآن في كتاب الجائزة بالعربية والإنجليزية والفرنسيّة، ونُشر كتاب الجنة عام 2009 القسم الأوّل مع مجلة مواقف في حيفا.

كتابُ الجنّة فيهِ يتضمّنُ البحث عن الإنسان وعن رسالةِ التنوير ووجود الإنسان هناك في الجنة، فقد استطاعَ كتابُ الجنّة المثولَ أمامَ الرّمز؛ وعظمة الخالق أمام الخلق، هذه العظمة التي لا تأتي بصيغةٍ مباشرةٍ ولا تقتحمُ النّصّ، بل ومنذُ البداية يرتكزُ الحوارُ والسّردُ إلى الرّمز، وهذه الفقرة مِن موسوعة المعرفة جاءت تقول: كتاب "الجنة" يرمز إلى الخلود وعدل الله.
ومع الرّحلة الرّابعة "مفاتيح السماء" التي تقفلُ الرباعيّة نقول:
هنيئا للشّاعر الأديب وهيب نديم وهبة بهذه الإنجازات الإبداعيّة، وهنيئًا لكلّ المُبدعين بدارِ النعمان وبكلّ مؤسّسةٍ مباركة ترعى وتدعمُ المبدعين بشكلٍ موضوعيّ، دون تحيّزٍ إلى لونٍ أو عِرق أو قوميّة أو جنسيّة، وذلك لترفعَ مِن شأن حضاراتِنا الإنسانيّة وثقافاتِنا الرّاقية!
47  الاخبار و الاحداث / اخبار فنية ثقافية اجتماعية / حيفا تستضيفُ الرّوائيّ العراقيّ صاموئيل شمعون! في: 21:03 01/11/2011
حيفا تستضيفُ الرّوائيّ العراقيّ صاموئيل شمعون!



آمال عوّاد رضوان
صاموئيل شمعون الكاتبُ والنّاشرُ العراقيُّ الآشوريّ صاحبُ "موقع كيكا" و"مجلة بانيبال" حلّ ضيفًا عزيزًا على "مكتبة كلّ شيء" في حيفا لصاحبها صالح عبّاسي، واستضافَهُ مركز الكرمل الثقافيّ التربويّ الأكاديميّ الحقوقيّ، مركز مساواة لحقوق المواطنين العرب، المشغل للثقافة والفنون، وأقامَ له ندوة أدبيّة تحت عنوان "الأدب العربيّ المناهض وترجمته إلى اللّغة الإنكليزيّة"، بالتعاون مع "مكتبة كلّ شيء"، وذلك يوم الإثنين الموافق 31-10-2011، في مقرّ  مركز الكرمل (شارع سانت لوكس 5 حيفا)، وقد حضرَ إلى هذه الندوة عددٌ كبيرٌ مِن المدعوّين والمُشاركين والمثقفين وأصدقاء الكاتب صاموئيل.

استهلّ اللقاءَ الشاعر رشدي الماضي بكلمة ترحيبيّة جاءَ فيها:
حيفا كما تعرف أسرتها، على مختلف أطيافِها وشرائحِها بلدٌ مضياف أبوابُهُ ونوافذهُ دومًا مُشرّعة على كلّ الجهات، وحيفا تنتقي ضيوفها من كوكبة مَن تحبّهم، لأنّهم جعلوا من قلوبهم حجرة دافئة لها، لماذا؟ لأنه ما أن تطأ قدما الواحد منهم شوارعَها، ويستنشق نسيمَ بحرِها النديّ الطريّ العليل، ويحتسي نبيذ كرمةِ كرملِها المُعتّق، يتغلغلُ عميقا في كلّ جوارحِهِ عشقها الجارف، ومَن يُصغي إلى همسِها هذا المساء المميّز، يسمع لها صوتيْن؛ في الأوّل تقول لحبيب غالٍ:
حيفا أرضكَ، وهل لا يمطرُ مِن تحتِ أقدامه أرضه؟
فهيّا نردّد معها: أهلاً وسهلاً بضيفها الكبير، أهلا أهلا بك مطرُ خيرٍ وخصوبةٍ وبركة.
أمّا صوتها الثاني فيقول:
شكرًا لصاحب "دار الكتاب" كلّ شيء الأستاذ صالح عبّاسي، الذي أبى إلاّ أن يكون مُضيفَ ضيفِنا، ليُتيحَ لأسرة هذا البلد أن نلتقيَ به وجهًا لوجهٍ في لقاءٍ ثقافيّ خصب.
وشكرًا لمَركز الكرمل وكلّ مؤسّساتِهِ؛ مساواة جمعيّة التوجيه والمشغل، شكرًا لجعفر فرح الذي جعلَ مِن "كرملِهِ" صرحًا ثقافيًّا ملتزمًا، والشّكرُ الكبير لكم على تلبيتكم دعوتنا لحضور هذه الأمسية الخاصّة.
الحضور الكريم..
ضيفنا الغالي أخي صاموئيل شمعون مشروعٌ ثقافيّ حضاريّ وطنيّ بكلّ ما تحملُ هذه الكلمات مِن دلالاتٍ، وللتوضيح أقول:
روت الشاعرة سلمى الخضراء الجيّوسي للأديب بسّام الهلسة عن مستعربٍ أبدى دهشتهُ واستغرابَهُ، لِما يضمُّهُ شِعرُنا القديم مِن قصائدَ حبّ فيها المعاني الإنسانيّة والمشاعر الجيّاشة، لأنّها برأيِهِ متضادّة مع ما عليه العرب من بداوة وشظف عيش وهم جفاة!
صورة مشوّهة لحقيقتنا قامت ولمّا تزل تقومُ بها المراكزُ والدّوائرُ وقوى الذهنيّة الاستشرافيّة السّلبيّة.
كيف ردّ ضيفنا الحبيب على ذلك؟
طبعًا بمشروعٍ شاملٍ مُنظّم، ليُطبّقَ شعارَ "ضرورة أن يعرفَ أهلُ الحضارات بعضَهم بعضًا جيّدًا.
سلمت يداك وبوركت جهودُكَ الحضاريّة اخي العزيز صاموئيل شمعون؛ يا ابنَ الرّافديْن. تظلُّ حيفا لكَ وردة تنمو ببطءٍ لتشقّ الفضاء وتكسرُ قيدًا، هاك كلّ باقات الورود العبقة من أسرة حيفا العروس.


وفي مداخلة آمال عوّاد رضوان قدّمت نبذة قصيرة عن سيرةِ صاموئيل شمعون جاء فيها:
 صاموئيل شمعون كاتبٌ وصحافيٌّ عراقيٌّ آشوريّ، وُلد في مدينة الحبانية العراقيّةعام 1956، تلك المدينة متعدّدة الثقافات، وُلد لعائلةٍ مسيحيّةٍ فقيرة لم تكن تملك أيّ كتاب على الإطلاق. أوّل كتاب رآه في حياتِهِ كان قرآنًا مُعلّقًا على رفٍّ عالٍ في منزل الجيران، وبدأ تعلّم القراءة والكتابة، قبلَ أن يدخلَ المدرسة، فصعدَ فوق كرسيّ، وأنزلَ القرآن مِن فوق الرّفّ وبدأ يقرأ فيه.
 
صاموئيل شمعون يقيمُ في لندن، ولم يَزُر العراقَ منذ يناير 1979، ويُعتبرُ من الأدباءِ العراقيّين البارزين.
 
عام 1998 أسّسَ مع زوجته مارغريت مجلّة "بانيبال" الفصليّة، التي تُعنى بترجمةِ الأدب العربيّ إلى الإنكليزيّة، وهو المسؤولُ عن برمجةِ موادّ مجلة "بانيبال"؛ من رواياتٍ ودواوينَ شعريّةٍ عربيّة من أجل برنامج المجلة، واستطاعَ مع زوجته أن يقدّما شيئًا مُدهشًا للأدب العربيّ المُترجَم إلى الإنكليزيّة، إذ تَرجمت مجلّة بانيبال مئاتِ الكُتّاب والشّعراء العرب، الذين يكتبون بالعربيّة أو الفرنسيّة أو غيرها من اللّغات.
 
كما أقامت عدّة أمسياتٍ شعريّةٍ وروائيّة، وعملت جولاتٍ أدبيّةً لكُتّاب وشعراء من العالم العربيّ، طافوا في مدن بريطانيّة عديدة، كما استحدثا "جائزة سيف غباش- بانيبال"، لترجمة الأدب العربيّ إلى الإنكليزيّة، وهذه الجائزة تُمنَحُ في أكتوبر من كلّ عام.
عام 2007 سعت المجلة إلى تشجيع الترجمة من العربيّة إلى الإنكليزيّة.
صاموئيل بدأ بمشروع فيلم عن الأدب العربيّ على شريطٍ سينمائيّ عن تأسيس مجلّة بانيبال منذ سنوات، وصوّرَ العديدَ مِن الشعراء والكُتّاب.
عام 2004 أنشأ موقع كيكا الثقافي الإلكترونيّ.. وقد جاء في تعريف الموقع "كيكا" ما يلي:""
في بداية القرن الماضي، وُلدَ طفلٌ أصمّ وأبكم قُتلَ أفرادُ عائلتِهِ والعديد من الأشوريّين في عمر الثماني سنوات، وبقيَ وحدَهُ هاربًا متشرّدًا بينَ الجبال وبين الخوف، ونشأ يتيمًا وسطَ حروبٍ طاحنةٍ بينَ القبائل والمِلل والنّحل القاطنة في جبال وسهول شمال العراق، وكبر ذلك الطفل وصارَ ذاتَ يومٍ أباه. كان الناسُ يُسمّونَهُ "كيكا"، وعندما سأل أمّهُ من أين جاءت هذه التسمية، قالت له بكلّ قسوة: "لأنّه أخرس وأطرش".
"لقد أحبّ أن يسمّي هذا الموقع باسم الإنسان الذي وُلد يتيمًا وبلا لغة، في جغرافيا هلاميّةٍ لا ترحم، تُرسَمُ في كلّ فترة بشكلٍ مُختلِف، لأنّهُ متأكّدٌ مِن أنّه لا يمكنُ أن ينحاز في الأخير إلاّ للقِيَمِ الإنسانيّة".
 
ومِن خلال عملِهِ كمُحرّرٍ في مجلة "بانيبال"، استطاعَ أن يُتابعَ الرّواياتِ العربيّةَ الجديدة الآخذة في تحقيق نجاحاتٍ كبيرةٍ على صعيدَي الشّكل والمضمون، وتعلّم الكثيرَ من خلال الأفلام المولَع بها، ولاحقًا في مركز بوبور في باريس قرأ الكثيرَ من الأدب الإيرلنديّ والأميركيّ، وتعرّفَ على الكُتب والكتّاب بشكلٍ جيّد.
 
عام 2005 أصدرَ روايتَهُ الأولى "عراقيّ في باريس"، حين أحسّ بالموت يُطاردُهُ، وأبى أن يرحلَ عن هذه الدّنيا دونَ أن يَروي قصّة الطفل الذي أحبّ السّينما، وقصّة الجغرافيا اللّعينة المُعادية له وللأحلام.
إنّها سيرةٌ ذاتيّةٌ روائيّة شبيهةٌ تمامًا بشخصيّتِهِ الموزّعةِ بين السّينما والرّواية، وقد لاقت نجاحًا كبيرًا، وصدرت بتسع طبعاتٍ عبْرَ ثلاث دور نشرٍ هامّة في بيروت والقاهرة والدّار البيضاء، وتُرجمت إلى لغاتٍ عديدة.
 
الرّواية مليئة بالخيال والواقع بأسلوبٍ سلِسٍ بسيطٍ مُباشرٍ في السّرد بعيدٍ عن العنتريّات، استمدّ وقائعَها من حياتِهِ، وصُنّفت الرّواية كأكثر الرّواياتِ العربيّة جرأة وكشفًا للجحيم السّفليّ.
 صاموئيل شمعون سافرَ إلى لوس أنجيليس أكثرَ من مرّة، وأقام هناك لأسابيعَ في هوليوود، ولكنّه بدلاً من أن يبحث عن وكيلٍ فنيّ أو عن منتجٍ سينمائيّ مِن أجل الرّواية، كان يُمضي أوقاتَهُ في الحاناتِ الجميلة، خصوصًا المُطلّة على المسابح!



الرّواية تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسمُ الأوّلُ تحتَ عنوان "الطريق إلى هوليوود"، تبدأ بفلاش طويلٍ أكثرَ مِن ثلاثين صفحة، تتحدّثُ عن "البطل" الذي كانَ يجلسُ أمامَ موظف اللجوءِ السّياسيّ في باريس، وكان يُحدّثُهُ عن كيفيّةِ خروجِهِ مِن بلدِهِ وحتى وصوله إلى باريس.
في القسم الثاني يتحدّث عن تشرّد البطل في شوارع وحانات باريس، حالِمًا بإنجازِ فيلمٍ سينمائيّ عن أبيه الأخرس الأطرش الفرّان، وبدلاً مِن إنجاز هذا الفيلم، يلجأ إلى منزلٍ مهجورٍ ليكتبَ رواية قصيرة، تُشكّلُ القسمَ الثالث مِن الكتاب، وهي بعنوان "البائع المتجوّل والسّينما".
 
بدأ رواية "عراقي في باريس" من الوسط ثمّ إلى النهاية، وعاد من ثمّ إلى الطفولة والبداية، وقد تأثّرَ بفيكتور هوغو وهنري ميللر وسكوت فيتزجيرارد وكنت، أولئك مَن عاشوا حياة المنفى والألم والملاحقة والتشرّد والتسكّع، وأيضًا عاشوا حياة النّعيم بامتياز.
 
لصاموئيل شمعون رواية أخرى بعنوان "الثوريّ الآشوريّ".
سؤالٌ صارخٌ يضجُّ في فيافي الحياة: هل صاموئيل شمعون جبان؟

في نيّتِهِ أن يكتبَ مجموعة حكاياتٍ ساخرة بطابعٍ فكاهيّ، وسيختفي لبعض الوقت؟!
ما هي مضامين هذه الحكايات؟ ولماذا يُخطّط إلى الاختفاء؟ هل هي مصدرُ خجلٍ أو عارٍ أو خوفٍ أو كشْفِ أسرارٍ تهدّدُهُ؟
الجوابُ في بطن الحوت.. بانتظار جديد صاموئيل شمعون وما يخفي في طيّاتِهِ..
 
أهلاً وسهلاً بكَ في ربوع حيفا.. في أرضِ فلسطين وبينَ إخوتِك الفلسطينيّين، ونُثمّن عاليًا جرأتَكَ التي تتحدّى رفض المُثقفين العرب بزيارةِ بلدِنا، بحُجّة أنّها تحت الاحتلال، ونعلمُ تمامًا ما ينتظرُكَ مِن محاربةٍ ومقاطعةٍ قد تُفرَضُ عليكَ من الاتّحاداتِ الثقافيّةِ لخطوتِكَ هذه، ولكن لا بدّ أن تتغيّر وجهة النظر المتزمتة هذه، والمسيئة لنا بشكل كبير، فأهلاً ومرحبًا بكَ بين أهلِكَ وفي وطنِك!
 
أمّا الشاعر مروان مخول فقد أجرى حوارًا مع الضيف صاموئيل شمعون، عن مَحاورَ أساسيّة في مشوارِهِ الأدبيّ، وإنجازاتِهِ في مشاريع التّرجماتِ التي حققها ويحقّقها في العالم العربيّ، وأهمذيّة تسليطِ الضّوءِ على شعراء وأدباء جدد وقدامى لم يُعرَفوا، ولم يُنشَرْ عنهم لأوضاعٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ واجتماعيّة، وكذلكَ تحدّث عن الدّعم المؤسّساتيّ العربيّ شبه المعدوم للأدب، على عكس المؤسّساتِ الأجنبيّةِ التي تَرعى كُتّابها، وتهتمُّ بترجمةِ أدبهم إلى لغاتٍ عديدة لتعريفِ العالم بهم، ومِن ثمّ وُجّهت عدّة أسئلةٍ مِن الحضور للضّيف صاموئيل حولَ الحركةِ الأدبيّةِ العربيّة المُعاصرة، وأثر التّرجمة في انتشارِ أدبنا المَحلّيّ بجهودٍ فرديّةٍ وشخصيّة. وفي نهايةِ اللقاء شكرَ جميعَ الحضور والقائمين على هذه الندوة وكلّ مَن شارك فيها.   
 
 
48  الاخبار و الاحداث / اخبار و نشاطات المؤسسات الكنسية / الرّياضة الرّوحيّة لجمعيّات حاملات الطّيب الأرثوذكسيّة في الجليل في: 14:27 09/12/2010
الرّياضة الرّوحيّة لجمعيّات حاملات الطّيب الأرثوذكسيّة في الجليل

 
عبلين – برعاية وحضور سيادة المطران عطاالله حنّا رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس، أقيمت اليوم الرّياضة الرّوحيّة السّنويّة لجمعيّات حاملات الطيب الأرثوذكسيّة في منطقتي النّاصرة وعكا في الجليل. وقد أقيم هذا اللقاء في بلدة عبلين في الجليل الأعلى، بضيافة كريمة من رعيّة عبلين الأرثوذكسيّة ومؤسّساتها الرّعويّة.
حضرت وفود من جمعيّات حاملات الطيب من كافة المدن والبلدات في الجليل، حيث كان يومًا حافلا بالنّشاطات الرّوحيّة والثقافيّة والأدبيّة.
ابتدأت الرّياضة الرّوحيّة بقدّاس إلهيّ أقامه كاهن رعيّة عبلين الأرثوذكسيّة الأب سبيريدون عوّاد، وذلك في كنيسة القدّيس جوارجيوس، ومن ثمّ انطلق الجميع الى قاعة الكنيسة للتّعارف، ثمّ توجّهوا إلى قاعة الرّشيد التي أُعدّت خصّيصًا لهذا اللقاء.
قامت السّيدة آمال رضوان بإلقاء كلمة ترحيبيّة بالحضور، وقد تولّت عرافة هذا اليوم الذي كان حافلا بالمحاضرات والمداخلات.
المحاضرة الرّئيسيّة كانت لسيادة المطران عطاالله حنا رئيس أساقفة سبسطية للرّوم الأرثوذكس، الذي ألقى حديثا روحيًّا عن كيفية الاستعداد لاستقبال عيد الميلاد المجيد. ثمّ كانت مداخلات الآباء الكهنة الحاضرين، فقد تحدّث الأب جورج حنّا كاهن رعيّة الرّامة،  والأب رومانوس رضوان كاهن رعيّة يافة النّاصرة، والأب سبيريدون عوّاد كاهن رعيّة عبلين، والأب ناصر قسيس كاهن رعية البعنة، وكاهن رعيّة سخنين الأب صالح خوري.
كما قام السّيّد نيقولا خوري من عكّا بتقديم أيقونة السّيّد الى الأب رومانوس رضوان، بمناسبة مرور 25 عامًا على رسامته الكهنوتيّة أي اليوبيل الفضّي، وسيُحتفى بهذه المناسبة رسميًّا نهار عيد مار نيقولا، في كنيسة يافة الناصرة الأرثوذكسيّة. كما تحدّث السّيّد شوقي حبيب باسم المؤسّسات الأرثوذكسيّة، كما تحدّث السّيّد جاكي حاج باسم رعيّة عبلين والمؤسّسات الملّيّة فيها.
تخلّلت الرّياضة الرّوحيّة فقرات فنّيّة قدّمتها جوقة الكروان بقيادة نبيه عوّاد، حيث قدّمت بعض الأناشيد الدّينيّة. أمّا الشّاعر حنا إبراهيم فقد قدّم قصيدة شعريّة، تلته الشّاعرة هيام قبلان الآتية من جبل الكرمل - عسفيا.
تمحورت الكلمات حول روحانيّة الميلاد وأهميّة الاستعداد لاستقبال الطّفل المولود من أجل خلاصنا، وضرورة أن تكون فترة صوم الميلاد حافلة بالقراءات الرّوحيّة، وممارسة سرّ الاعتراف والتّقدّم للأسرار المقدّسة.
كما أكّد المتحدّثون عن أهمّيّة الاقتداء بالقدّيسة كاترينا، التي عيّدت الكنيسة الأرثوذكسيّة لها اليوم، وأن تكون قدوة لكلّ سيّدة في الاستقامة والحكمة والأخلاق الحسنة.
عبلين – 8/12/2010
49  العلوم و التكنلوجيا / منتدى الطب البديل / أنعامُ الزّيتِ بأنغامُ الزيتونِ! في: 20:21 21/11/2010
أنعامُ الزّيتِ بأنغامُ الزيتونِ!


آمال عوّاد رضوان

ما أجملَ الأصابعَ الضّاحكةَ تُحلّبُ الأفنانَ المُتهدّلةَ في انحناءاتِ كبرياءٍ، كأنّما تَحثُّ قاطفيها على أعمالِ البِرِّ والرّحمةِ، وتُعِدُّ زارعيها لملكوتٍ أبديٍّ مُشتَهى يُعلنونَ فيهِ سِرَّ اشتياقِهم، تُمَرِّشُ حبّاتِها برقصاتٍ مُداعِبةٍ، لتتوالى متسارعةً متراكضةً تترندحُ وتصدحُ، كأصواتِ ملائكةٍ هبطتْ على الأرض بأنغامٍ مجهولةِ الأصداءِ والإيحاءِ، يُتوّجُها بالغبطةِ حنينٌ فيروزيٌّ يُصلّي خاشعًا:
شجر أراضيك سواعد أهلي شجّروا/ وعاشوا فيك مِن مية سِنة/ مِن ألف سِنة/ ومِن أوّل الدّني/ حلّفتك خبِّرني كيف حال الزّيتون/ واللّوز والأرض وسمانا/ هو هنّي بلدنا وهوانا/ اِحكيلي عن بلدي حكاية/ عن أهلي حكاية/ عن جار الطّفولة حكاية طويلة....
يااااااااه وطني؛ ما أكثرَها حكاياكَ الموجوعة، وما أشوكَها أحلامكَ المقلوعة، وما أشقى بَنيكَ مَن طُرِحوا في الظّلماتِ الخارجيّة، حيثُ القلاقل والمرارة والأحزان، لكن؛ حتّى وإن بُتِرَت الألسنةُ الماسيّةُ، واجتُثّتْ حجارتُكَ الكريمة، وإنْ جُفّفت الأصواتُ النّديّةُ والأصداءُ الشّجيّة، والأقلامُ إن أخذَتْها رِعدةٌ على أعتابِ الهَلاكِ والخطايا والتّهاون، فأشجارُكَ وأحجارُكَ هُويّةُ المُتعَبينَ لا تَضِلُّ، وتُراثُكَ وتُرابُكَ لا يتيهُ، يظلُّ يُضيءُ الحّواسَّ المُتبتّلةَ بالوداعةِ والصّلاح، وينتهرُ المُتذمِّرينَ والمُجَذّفينَ، ويُوشوشُ نسائمَكَ بآمالِ العودةِ لأحضانِكَ مزاميرَ حنينٍ يَقِظٍ، يُطوِّبُ الأجيالَ ويُزوْبعُها بإيمانٍ حيٍّ بخلاصٍ آتٍ!
زيتُكَ الذّهبيُّ المسكوبُ كطيبٍ في قواريرِ الحياة، يُنعشُ رجاءَ مَن أُعِدّتْ لهم الغربةُ وجعًا وإرْثَ ضياع، وملكوتًا مُعلّقًا على صليبِ التّيهِ! نعودُ لنتباركَ بروحِكَ المُكلّلةَ بالثّمارِ، ونُعاينَ بهاءَ مجْدِكِ النّقيِّ "يا زْغَيَّر ووِسْعِ الدّني يا وطني"، يا مَن كنتَ مهبطَ الدّياناتِ السّماويّةِ، ولم تغفلْ آياتُكَ عن مباركةِ الزّيتونِ ومكانتِهِ في الوجدانِ الحضاريِّ والتّراثيِّ والوطنيِّ والتّاريخيِّ العريق!
عَرفَ الإنسانُ القديمُ نِعَمَ الزّيتونِ أوراقًا وثمارًا وزيتًا فباركَها، واعتُبِرَ ثروةً لِما لهُ مِن فوائدَ اقتصاديّةٍ وبيئيّةٍ،  وقيمةٍ غذائيّةٍ صِحّيّةٍ عظيمةٍ في الطّبِّ الوقائيّ، وقد انتشرَ في دولِ حوضِ البحرِ الأبيضِ المتوسّط الذي يُشكّلُ ما نسبتُهُ 95% من الإنتاجِ العالميّ: أكثرها إنتاجًا إيطاليا وإسبانيا، سوريا، المغرب، الجزائر، سورية، فلسطين، الأردن، لبنان، تونس، اليونان.
في القدس في جبلِ الزّيتون يُقدّرُ عمْرُ أشجارِهِ المُعمّرةِ بألفَيْ عام؛ وجذوعُها الملتويةُ كثيرةُ العُقَدِ، تُكسِبُ خشبَهُ عروقًا جميلةً، مِمّا يجعلُهُ فخمًا في صناعةِ الأثاثِ والتّحَفِ، وتُستخدَمُ النّوى في صناعةِ المسابح، أمّا تِفلُ النّوى المتبقّي بعْدَ العصرِ، فيُستخدَمُ لتسميدِ الأرضِ وكعلفٍ للحيواناتِ والوقودِ.
أوراقُ الزّيتونِ تُستعمَلُ عندَ مضْغِها خضراء في معالجةِ أمراضِ اللّثّةِ والأسنان وبياضِها، والأوراقُ المغليّةُ تُخفِضُ درجةَ حرارةِ الجسم ومستوى السّكّرِ بالدّم، وتقتلُ أنواعًا مِنَ الميكروباتِ والفطريّاتِ والفيروسات، وتمنعُ تكاثُرَها خاصّةً فايروس هيربس، وتقوّي وتنشّطُ جهازَ المناعة، وتُكافحُ الالتهاباتِ ووهنِ الأجسادِ الضّعيفةِ، وتُخفّفُ الآلامَ المُبرحةَ للأمراضِ الخطيرةِ كالسّرطان والإيدز، وتُعالجُ أمراضَ الرّشحِ والانفلونوزا، لاحتوائِها على حامضِ البنزويكِ وأوليفيل وسكَر ومعادن كثيرة مثل الكاليوم وخمائرَ وفيتامينات ا، ب1، ب2، وموادّ قاتلة للفيروسات والبكتيريا.     
ثمارُ الزيتون تؤكلُ بعدَ تخليلِها، أمّا الزّيتُ فيُضافُ إلى كريماتِ الوجهِ والصّابونِ والأدويةِ والعقاقيرِ في معالجاتِ الجِلدِ والدّهون، لفوائدَ جمّةٍ أثبتتْها الدّراساتُ الحديثة، فقد أكّدت دراسةُ نُشِرتْ في مجلّة "بي إم سي كنسر" قدرةَ أحماض الكربوليك على وقف سرطانِ الثّدي، وأوضح خافيير منديز مِن معهدِ عِلم الأورام في كاتالونيا مِن جامعة غرناطة، أنّ النّشاطَ البيولوجيَّ لأحماضِ الكربوليك، تُحاربُ الخلايا السّرطانيّةَ في الثّدي!
الزّيتُ يُؤكلُ كطعامٍ نيّئٍ ومطبوخٍ ويُستخدمُ في الطّهيِ، لكنّهُ يفقد خواصّهُ المفيدةَ عندَ الغلي، ولمُكوّناتِهِ خاصّيّةٌ تتميّزُ بموادٍّ طبيعيّةٍ مختلفةٍ ذاتِ مفاعيل هامّةٍ لجسم الإنسان، ويُضافُ إلى السّلطاتِ والأطعمةِ لإضفاءِ نكهةٍ شهيّة.



الزّيتُ يتكوّنُ مِن موادّ كربوهيدراتيّةٍ وأحماضٍ دهنيّةٍ أحاديّةٍ عاليةٍ تصلُ إلى 83%، ومِن بروتينات، موادّ سُكّريّةٍ سيسليلوز، بوتاسيوم، كالسيوم، مغنسيوم، فوسفور، حديد، نحاس، أملاح معدنيّة، فيتامينات وخاصّةً فيتامين E.B والكاروتينل



فوائدُ الزّيت:
*فاتحٌ للشّهيّةِ، مُضادٌّ للإمساك، يُعالجُ عُسرَ الهضم وأمراضَ الجهازِ الهضميِّ والاضطراباتِ المعويّة، والقرحةَ والحموضة.
*مُقوٍّ للطّاقةِ الجنسيّةِ لِما يحتويهِ مِن فيتامينَيْ A . E.
*يُقوّي البصرَ ويمنعُ ارتخاءَ الجفونِ والعِشى اللّيليَّ لاحتوائِه فيتامين A.
*يّحمي الجسمَ مِن أمراضِ القلب ويُنظّمُ ضرباتِهِ، يُنقصُ مِنَ الكوليسترول الضّارّ ويُحافظُ على الكوليسترول المفيد، ويمنعُ تخثّرَ الدّمِ وتَصلّبَ شرايين القلب، ويَقي مِنَ الجلطاتِ والنّوباتِ القلبيّة.
*يُستعمَلُ مُستحْلَبًا كجزءٍ مِن غذاءٍ خالٍ مِنَ البروتين، فيُحافظُ على مستوى سكّرِ الدّم عندَ مرضى السّكّر، لأنّهُ يحتوي على كميّاتٍ مِنَ الكبريت، ويُعالجُ داءَ النّقرس وآلامَ الرّأس.
*يزيدُ مِن إنتاجِ البروستاسيكلين، ويُؤدّي إلى هدوءِ الأعصابِ وانخفاضِ ضغطِ الدّم المرتفع.
*يُطرّي الجلدَ ويُهدّىءُ السّطوحَ المُلتهبةَ والمُتكسّرةَ، ويُعالجُ تشقّقَ الأرجلِ والأيدي والقشورَ الجلديّةَ النّاجمةَ عن الإكزيما وداءِ الصّدَف، يُزيلُ الاحتكاكَ ويُعالجُ السّماطَ وضربةَ الشّمسِ وحروقَ النّار، ويُلطّفُ ويُنَعِّمُ البشَرةَ، وهو مادّةٌ مُزلقةٌ للمَساج والحقنِ الشّرجيّةِ.
*دهونٌ مفيدةٌ للشَّعْرِ ونموِّهِ، يمنعُ تساقطَهُ ويُقوّيهِ ويُعطيهِ لمعانًا ونشاطًا ويمنعُ قشرةَ الرّأس.
*يُعالجُ أمراضَ الرّوماتيزم وتشنّجِ العضلاتِ والتهابِ المفاصلِ وآلامِها والالتواِء والتّورّم وهشاشة العظام.
*يعالجُ آلامَ المجاري البوْليّةِ والحصواتِ المراريّة، لأنّهُ مُدِرٌّ للبوْلِ، ويُساعدُ على إخراجِ الحصى والرّملِ مِنَ الكِلى عبْرَ البوْل، وليسَ لهُ تأثيرٌ ضارٌّ على المرارة.
*يُعالجُ حَبَّ الشّباب وأمراضَ الصّدرِ، ويُستعملُ في أمراضِ التّيفوئيد والحُمّى القرمزيّة والطّاعون.
*يُعالجُ تشمُّعَ الكبدِ فيُنشّطُهُ، ويَزيدُ إفرازَ العصارةِ الصّفراويّة.
*يُقوّي الذّاكرةَ ويَقي مِن فقدانِها عندَ بلوغ الشّيخوخة، يُقوّي عظامَ الحاملِ والمُرضع وعظامِ الجنين، ويُنشّطُ نموَّ مُخّ الجنين والأطفالِ الرُّضّع بعْدَ الولادة، ويساعدُ على تشكيلِ الخليّةِ الدّماغيّةِ وشبكةِ الأعصاب لدى الأطفالِ بعدَ الولادة.
 

صفحات: [1]





 

 

 

Online now

مدعوم بواسطة MySQL مدعوم بواسطة PHP Powered by SMF 1.1.19 | SMF © 2011, Simple Machines XHTML 1.0 صالح! CSS صالح!
تم إنشاء الصفحة في 0.421 ثانية مستخدما 20 استفسار.