ankawa

الاخبار و الاحداث => أخبار شعبنا => الموضوع حرر بواسطة: عنكاوا دوت كوم في 08:17 03/02/2019

العنوان: سعد سلوم: إختيار "أميرة" لزعامة الآيزيديين في المرحلة المقبلة
أرسل بواسطة: عنكاوا دوت كوم في 08:17 03/02/2019

المدى / سعد سلوم

تترك وفاة الأمير "تحسين بك" فراغاً يصعب تعويضه في المجتمع الآيزيدي، إذ قاد الراحل مجتمعه بحكمة لمدة تجاوزت سبعة عقود، و خلال فترة حكم معقدة إتسمت بالتحولات العنيفة لإنظمة سياسية ملكية وجمهورية. قاد الأمير الحكيم مجتمعه في أوج صعود سلطة البعثيين، وأحسن الحفاظ على توازنات القوى المتصارعة بعد إنحدار سلطتهم وانهيارها في سبيل حماية الآيزيديين وسط صدام عربي كردي محتدم.
لذا، فإن إنطلاق اسئلة داخل وخارج المجتمع الآيزيدي عن مصير المؤسسة الأميرية بعد وفاة أميرها، يعكس جدلاً آيزيدياً داخلياً حول مستقبل الأقلية الدينية بعد الإبادة، بعد نهاية حقبة تقاليد الهيمنة على شؤون الاقليات الدينية، والتي ميزت علاقة الدولة بجماعاتها الدينية منذ إنطلاق مشروع بناء الدولة/الأمة في العراق المعاصر.
اعتقد إن المرحلة الراهنة تتطلب أختيار أمير جديد للآيزيديين ضمن المحددات الأتية :
1- هذه المرة الأولى منذ أكثر من سبعة عقود يتاح للآيزيديين أن يكون لهم كلمة مستقلة في بناء تقاليد جديدة لإختيار زعاماتهم، وفي ظل التحديات التي يواجهونها بعد داعش، ووقع الإبادة وتأثيراتها الحاسمة سيكون الأختيار "إختبارا" لنجاح الإصلاح المؤسسي داخل المجتمع الآيزيدي.
2- يجب أن تكون الكلمة الفصل في أختيار الأمير الجديد للآيزيديين وحدهم، ولا أقصد المجلس الروحاني فحسب، بل أن يكون للأفراد العاديين رأيهم الذي يمكن تمثيله بطريقة ما يقترحها الناشطون و تطورها النخب الآيزيدية الفاعلة داخل وخارج العراق وأقليم كردستان.
3- أن يكون إختيار الأمير الجديد مجرداً من الضغوط السياسية الداخلية العربية أو الكردية، كما الأقليمية التي تستخدم رافعات من قوى سياسية داخلية لتحقيق السيطرة على وجود وهوية الأقلية وأصواتها الانتخابية وأراضيها الإستراتيجية في سنجار.
4- على سياسة التدخل في شؤون الآيزيديين أن تتوقف عند هذا الحد التاريخي الفاصل، إذ طالما تدخلت الحكومة العراقية (الملكية والجمهورية البعثية بالذات) في إختيار أمير للطائفة أو بديل عنه على نحو أحدث انشقاقاً داخلياً في المجتمع الآيزيدي (حللت التفاصيل في كتابي عن الآيزيديين المنشور 2016)، على مثل هذه السياسة (وأشباهها) أن تتوقف حتى لو مثلتها قوى سياسية داخلية تدعي تمثيل مصالح الآيزيديين، في حين بات من الواضح سعيها للتحكم في هوية الإيزيديين وولاءهم.

سيناريوهات إصلاحية
1- (زعامة إنتقالية):- عادة ما تتجه الإصلاحات المؤسسية لقيادة الجماعات الدينية في الفترات الانتقالية الحرجة من مرحلة تسودها الزعامة الفردية الى مرحلة من القيادة الجماعية، يتبلور من خلالها انتقال الجماعة من رمزية الفرد الزعيم الى نوع من القيادة الجماعية تعكس مزيداً من المأسسة او التشاورية. لعل أبرز مثال على ذلك في التاريخ الديني المعاصر في الشرق الأوسط، إنطلاق المؤسسات الإدارية البهائية بعد وفاة الزعيم البهائي "شوقي أفندي 1897-1957"، وبعد فترة إنتقالية قاد فيها الطائفة البهائية مجموعة من الأفراد أطلق عليهم تسمية "أيادي أمر الله".
2- (زعامة جماعية):- في بعض الحالات المقارنة، تفرض المرحلة الانتقالية توزعا للقوى لا يسمح بظهور زعيم واحد للطائفة، لا سيما مع عدم وجود كاريزما معادلة للزعيم القديم، أو بسبب تنامي النقد للتفرد بالزعامة، مثال ذلك حالة الولي الفقيه في الحالة الإيرانية، والمرجع الشيعي الأعلى في النجف الأشرف في الحالة العراقية، إذ تناقش سيناريوهات ما بعد السيستاني في العراق وما بعد خامنئي في إيران ضمن توقعات لا تتضمن مرشدا أعلى (متفردا) في الحالة الإيرانية، بل مجلساً بديلاً عن الحكم الفردي المطلق، في حين من المتوقع سيادة مشهد تعددي من نفوذ مراجع شيعية مختلفة التأثير من آيات الله بديلاً عن مرجع أعلى في الحالة العراقية، وذلك على نحو أنتقالي قد يستمر أكثر من عقد قبل ظهور مرجع أعلى جديد. وبالمثل يطرح النقاش الآيزيدي الإصلاحي فكرة قيادة جماعية بديلة في ظل ظروف المرحلة إلانتقالية، ما يعكس رغبة عامة من أفراد (جيل ما بعد الإبادة) في قدر أوسع من الدمقرطة والمأسسة والتشاورية.
3- (الإقتراع العام الحر):- تخيل سيناريو الانتخاب الإقتراع الحر المباشر يفرض فكرة المقارنة مع الأقلية المندائية، ففي الحالة الأخيرة دشن المندائيون إصلاحات لمأسسة الطائفة بثلاثة مجالس لقيادة شؤونها؛ هي: المجلس الروحاني لإدارة الشؤون الدينية (يضم رجال الدين)، ومجلس العموم الذي يمثل برلمان الطائفة بمهام تتراوح بين التشريع والرقابة، ويضم ممثلي العائلات المندائية ينتخبون بطريقة الانتخاب الحر المباشر. وأخيراً مجلس الشؤون الذي يقوم بإدارة الشؤون اليومية للمندائيين، ويجري انتخابه من مجلس العموم بطريقة الاقتراع الحر المباشر. وكان التطور الأهم –من وجهة نظري- يتعلق بإنتخاب رئيس الطائفة من قبل أفراد الطائفة على نحو يعبر عن أختيار حر متحرر من التدخل السياسي للدولة، وجعل منه قرارا يعكس الإرادة الشعبية للناخبين المندائيين. ويمكن تصور تطوير سيناريو مماثل في السياق الإيزيدي.

سيناريو قيادة نسوية
في هذا السياق، أطرح دعوة تتضمن رهاناً شخصياً على حيوية المجتمع الآيزيدي، وعلى نحو يتضمن رسالة قوية للمجتمع الدولي من جهة، وللمجتمع العراقي بشكل خاص، ولمجتمعات الأقليات العراقية بشكل أخص. وهي بإختصار أختيار "أميرة" لقيادة الإيزيديين في الفترة المقبلة.
يبرر هذه الدعوة قدرة المجتمع الآيزيدي على الإصلاح والتكيف مع كافة التحديات، وما أثبتته المرأة الآيزيدية من صلابة وشجاعة ملفتة خلال تاريخ الآيزيديين المعاصر وبشكل خاص خلال الإبادة الأخيرة. وفي الواقع، فإن ثقتي بقدرة المرأة الآيزيدية على قيادة المجتمع الإيزيدي تؤيدها شواهد معاصرة، فألاميرة "ميان خانون" 1873-1956، من سلالة أمراء الآيزيديين، نجحت في لعب دورً هامً في إدارة شؤون أقليتها الدينية بعد أغتيال زوجها علي بك عام 1913م، وبفطنة وذكاء منقطع النظير إستطاعت أقناع الحكومة العراقية وغالبية وجهاء ومتنفذي الآيزيدية بتنصيب إبنها (سعيد بك) كأمير للآيزيديين وأن تكون هي الوصية عليه، وبذلك أصبحت صاحبة النفوذ الفعلي على الآيزيديين، ونجحت في إدارة شؤونهم بكل قدرة ودراية. وبعد وفاة أبنها الامير سعيد بك عام 1944م، اختارت هذه المرة حفيدها (تحسين) للإمارة، على الرغم من إنه لم يكن يتجاوز الثالثة عشرة من العمر، لكنها تمكنت من فرض خيارها واصطحبت حفيدها إلى بغداد لتحصل على موافقة ملك العراق على اختياره، وصارت وصية على حفيدها إلى أن بلغ سن الرشد، وكان هذا يعني، عملياً، بإنها فرضت أستمرار حكمها الفعلي للأيزيديين طوال عقود، وللمرة الثانية. واعتقد بإن مقترح أختيار أميرة للأقلية الآيزيدية يمثل دعوة لإستمرارا التقاليد التي أرستها الأميرة الصلبة الإرادة "ميان خاتون"، وتدشين مرحلة جديدة في تاريخ الأقليات الدينية في الشرق الأوسط تقود فيه أميرة أقلية دينية واجهت محنا متراكمة يصعب تخيلها طوال عقود، وعلى نحو يضع ما أرسته الأميرة "ميان خاتون" في سياق التحدي الحالي الذي يواجهه المجتمع الإيزيدي بعد الإبادة.
من جهة ثانية، يؤيد الواقع الراهن تحمل المرأة الإيزيدية لعبء القيادة في تمثيل مجتمعها أمام العالم أجمع، فالشابة الآيزيدية "نادية مراد" تحولت الى أيقونة للشجاعة تلهم النساء في كل بلدان الدنيا، وبقدرتها على تجاوزمحنتها، أصبحت لساناً يفضح اضطهاد النساء المنهجي بناء على أسباب إثنية أو دينية، وأصبحت رمزاً على قدرة النساء الخلاقة على مواجهة التحديات والصعاب في ظل نزاعات الشرق الأوسط. تحدثت نادية في مجلس الأمن عن المعاناة والانتهاكات الجنسية التي تعرضت لها حين كانت مختطفة لدى تنظيم داعش المتشدد، مع نساء أخريات وأطفال. وأمام أعضاء المجلس الـ15، روت قصتها التي تمثل قصص جميع بنات جنسها، وطالبت بالقضاء على داعش ومحاسبة المتشددين الذين يتاجرون بالبشر وينتهكون حقوق المرأة والطفل. ثم أنطلقت في جولة عالمية للتعريف بقضية الآيزيديين ومعاناة النساء الآيزيديات، فظهرت في مقابلة مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس اليوناني بروكوبيس بافلوبولوس والامين العام للامم المتحدة بان كي مون الخ، والتقت قيادات دينية اسلامية مثل شيخ الأزهر أحمد الطيب في شهر كانون الأول 2015، و تحدثت في وسائل إعلام عربية ودولية، وجاء فوزها بجائزة نوبل للسلام ليجعل منها أيقونة شجاعة تلهم النساء المعنفات عبر العالم.
والمهم من وجهة نظري قراءة الدلالات الداخلية لتحول "نادية" الى متحدث أول بإسم مجتمعها على طريقة نظرية (التحدي والإستجابة) للمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي، فقد فرضت "الإبادة" كتحد وجودي "إستجابة" ترتب عليها تغيير بنية الجماعة الدينية ورعاتها ومقاوليها الإثنيين، وسرعان ما برز متحدثون جدد بأسم الطائفة نافسوا قادته وزعماءه التقليديين، فقد أصبحت ناجية من مجزرة كوجو أبرز شخصية تمثل الإيزيديين على مستوى دولي.
ليس هذا فحسب، بل كان تأثير الإبادة الإيجابي متمثلا في تغيرات أخرى، فقد تحول الخطاب على صعيد المؤسسات التقليدية للطائفة الآيزيدية على نحو نجح في احتواء حجم الحدث وتأثيراته، إذ اصدر المرجع الديني الاعلى للأيزيديين "بابا شيخ" بيانا تصدى فيه لمحاولات تغيير عقيدة الآيزيديين الدينية مؤكدا على انها تمت بالاكراه، وطمأن الآيزيديين من انها لن تؤثر على نقاء الانتماء الى الآيزيدية، كما إشار البيان الى اهمية استقبال المختطفات والمختطفين منهم، لكي يعودوا الى ممارسة حياتهم الطبيعية والاندماج في المجتمع مجددا. وقد اصبحت قصص الزواج بالناجيات مثالا مؤسسا لهوية آيزيدية متخطية لفعل الإبادة، وإعلانا عن انعتاق من تقاليد المجتمع التقليدية التي كانت تضطهد المرأة وتنظر لها بدونية، او لا تتقبلها بعد اغتصابها، وبهذا الفعل وهذه القصص تمكن الآيزيديون من ان يظهروا للعالم صورة اخرى تتجاوز التنميط والاحكام المسبقة عن مجتمع تقليدي مغلق. وبالمثل كان بيان الأمير ينطلق من وعي بحجم وتأثير الحدث. لذا، أعتقد بإن الإصلاح ليس ضروريا فحسب، بل إنه ممكن، ومن علاماته تصاعد الخطاب الذي يرهن مستقبل الوجود الآيزيدي بإجراء إصلاحات في البيت الداخلي للآيزيدية، فنتيجة للتحديات التي تواجه جماعة غير تبشيرية تمر بتحولات اجتماعية عنيفة، ترددت دعوات من النخب الآيزيدية للإصلاح الداخلي، وتمركزت حول إصلاح البنية الدينية التقليدية للجماعة، سواء من حيث إصلاح المؤسسة الدينية، أم إصلاح نظام الطبقات التقليدي. فالأولى ترزح تحت تأثير نظام طبقي ثيوقراطي، جعلها غير مؤهلة لمواكبة تحديات الحاضر، ونظرا للافتقار إلى مرجعية موحدة للأيزيديين، طُرح مشروع (المجلس الآيزيدي الأعلى)، بهدف توسيع تمثيل مختلف شرائح وطبقات المجتمع الآيزيدي، وقاعدة مشاركتهم في إدارة شؤون الجماعة، وعدم حصر التمثيل الأهم للآيزيديين في المجلس الروحاني للطائفة، والفكرة أن المجلس سيكون "شبه برلمان" للأقلية الدينية بعيدا عن تأثيرات التيارات السياسية للجماعات الأكبر يحافظ على استقلاله وتمثيله الفاعل للآيزيديين، ورفع درجة مشاركتهم في الحياة العامة، وتقديم جسم موحد يضم مختلف طبقات المجتمع الآيزيدي وتوجهاته الفكرية والثقافية. كما ترددت دعوة أخرى لإصلاح النظام الطبقي للآيزيدية من خلال الاعتراف بالطبقة السابعة لتجاوز مشكلة عدم الزواج بين الطبقات. وهذه الحزمة من الإصلاحات ما كان بالأمكان مجرد التفكير فيها قبل عقود، بل لم يكن ممكنا تقبل التحدث عن بعضها علنا قبل الإبادة. ختاما، أنا مؤمن بشجاعة المرأة الآيزيدية، ولدي ثقة بقدرة النساء على تولي مناصب قيادية، وخلال السنوات الماضية تحدثت مع ناشطات آيزيديات من مختلف المناطق : سنجار، دهوك، اربيل، وحتى بغداد، وما أزال مبهورا بقدرتهن الفائقة على تجاوز الصعاب وإرادتهن الأسطورية في النضال من أجل حقوقهن الاساسية، لذا، ليست دعوتي لإختيار "أميرة" تتزعم الآيزيديين في المرحلة المقبلة مجرد سيناريو خيالي، بل قد تكون خطوة تفرضها التحديات الراهنة.

(http://www.asrar7days.com/temp/thumb/900x450_uploads,2019,02,02,3debcf06f8.jpg)